‫تفسير الشعراوي‬

‫عقْبَى الدّارِ‬
‫س وَسَ َيعْلَمُ ا ْل ُكفّارُ ِلمَنْ ُ‬
‫سبُ ُكلّ َنفْ ٍ‬
‫جمِيعًا َيعْلَمُ مَا َتكْ ِ‬
‫َوقَدْ َمكَرَ الّذِينَ مِنْ قَبِْل ِهمْ فَلِلّهِ ا ْل َمكْرُ َ‬
‫(‪)42‬‬

‫وهنا يخبر الحق سبحانه رسوله‪ ،‬وأيّ سامع لهذا البلغ يستقرئ موكب الرسالت السابقة؛ وسيجد‬
‫أن ُكلّ أمة أُرسِل لها رسول مكرتْ به وكادتْ له كي تبطل دعواه‪ ،‬ولم ينفع أيّ أمة أي مكر‬
‫مَكرتْه أو أيّ كَيْدٍ كَادَتْهُ‪ ،‬ف ُكلّ الرسالت قد انتصرتْ‪.‬‬
‫فسبحانه القائل‪ {:‬كَ َتبَ اللّ ُه لَغْلِبَنّ أَنَ ْا وَرُسُلِي‪[} ...‬المجادلة‪]21 :‬‬
‫وهو القائل‪ {:‬وََلقَدْ سَ َب َقتْ كَِلمَتُنَا ِلعِبَادِنَا ا ْلمُ ْرسَلِينَ * إِ ّنهُمْ َلهُمُ ا ْلمَنصُورُونَ * وَإِنّ جُندَنَا َل ُهمُ‬
‫ا ْلغَالِبُونَ }[الصافات‪]173-171 :‬‬
‫حكْما فبالقرآن؛ وهو الذي حفظ هذا القرآن؛ فلن تأتي أيّ قضية كونية‬
‫والحق سبحانه حين يُورِد ُ‬
‫لتنسخ الحكم القرآني‪.‬‬
‫ت مواكب الرسل كلها تجد هذه القضية واضحة تماما؛ كما أثبتها الحق سبحانه في‬
‫وأنت إذا استقرأ َ‬
‫القرآن المحفوظ؛ وما حفظه سبحانه إل لوثوقه بأن الكونيات ل يمكن أن تتجاوزه‪.‬‬
‫وبالفعل فقد مكرتْ ُكلّ أمة برسولها؛ ولكن الحق سبحانه له المكر جميعا؛ و َمكْر ال خَيْرٌ للبشرية‬
‫من َمكْر كل تلك المم؛ و َمكْره سبحانه هو الغالب‪ ،‬وإذا كان ذلك قد حدث مع الرسل السابقين‬
‫سلٌ إلى الناس جميعا‪ ،‬ول تعقيبَ يأتي‬
‫ف لنك مُرْ َ‬
‫عليك يا رسول ال؛ فالمر معك لبُدّ أنْ يختل َ‬
‫من بعدك‪.‬‬
‫ل تلك المور كانت تطمئنه صلى ال عليه وسلم؛ فلبُدّ من انتصاره وانتصار دعوته؛ فسبحانه‬
‫وكُ ّ‬
‫جلّ وعلَ قادر على أنْ يُحبِط كل ذلك‪.‬‬
‫محيط بأيّ َمكْر يمكره أيّ كائن؛ وهو َ‬
‫عقْبَى الدّارِ }‬
‫س وَسَ َيعْلَمُ ا ْلكُفّارُ ِلمَنْ ُ‬
‫سبُ ُكلّ َنفْ ٍ‬
‫ويتابع سبحانه في نفس الية‪َ ...{ :‬يعْلَمُ مَا َت ْك ِ‬
‫[الرعد‪]42 :‬‬
‫والحق سبحانه يعلم ما يخفي عن العين في أعماق الكائنات؛ خَيْر هو أو شَرّّ‪ ،‬ويحمي مَنْ شاءَ‬
‫من عباده من َمكْر الماكرين‪ ،‬ويُنزِل العقاب على أصحاب ال َمكْر السيء بالرسل والمؤمنين‪.‬‬
‫ولَسوفَ يعلم الكافرين أن مصيرهم جهنم‪ ،‬وبئس الدار التي يدخلونها في اليوم الخر؛ َفضْلً عن‬
‫ُنصْرة رسوله صلى ال عليه وسلم في الدنيا وخِزْيهم فيها‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهكذا يكونوا قد أخذوا الخِزْي كجزاءٍ لهم في الدنيا؛ ويزدادون عِلْما بواقع العذاب الذي سَيلقَوْنَهٌ‬
‫في الدار الخرة‪.‬‬
‫ويُنهي الحق سبحانه سورة الرعد بهذه الية‪:‬‬
‫{ وَ َيقُولُ الّذِينَ َكفَرُواْ‪} ...‬‬

‫(‪)1736 /‬‬
‫شهِيدًا بَيْنِي وَبَيْ َنكُ ْم َومَنْ عِنْ َدهُ عِ ْلمُ ا ْلكِتَابِ (‪)43‬‬
‫ستَ مُرْسَلًا ُقلْ َكفَى بِاللّهِ َ‬
‫وَيَقُولُ الّذِينَ َكفَرُوا َل ْ‬

‫ستَ مُرْسَلً‪[ } ...‬الرعد‪]43 :‬‬
‫ونفهم من كلمة‪ { :‬لَ ْ‬
‫أن الكافرين يتوقفون عند َرفْض الرسول صلى ال عليه وسلم؛ وكأن ُكلّ أمانيهم أن يَنْفوا عنه أنه‬
‫رسولٌ اصطفاه الحق سبحانه بالرسالة الخاتمة؛ بدليل أنهم قالوا‪َ... {:‬ل ْولَ نُ ّزلَ هَـاذَا ا ْلقُرْآنُ عَلَىا‬
‫جلٍ مّنَ ا ْلقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ }[الزخرف‪]31 :‬‬
‫رَ ُ‬
‫سمَآءِ‬
‫ومن بعد ذلك قالوا‪... {:‬الّلهُمّ إِن كَانَ هَـاذَا ُهوَ ا ْلحَقّ مِنْ عِن ِدكَ فََأمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَا َرةً مّنَ ال ّ‬
‫َأوِ ائْتِنَا ِبعَذَابٍ أَلِيمٍ }[النفال‪]32 :‬‬
‫أي‪ :‬أن فكرة الرسال لرسول مقبولة عندهم‪ ،‬وغير المقبول عندهم هو شخص الرسول صلى ال‬
‫عليه وسلم‪.‬‬
‫شهِيدا بَيْنِي وَبَيْ َنكُمْ َومَنْ‬
‫ولذلك يأمر الحق سبحانه رسوله صلى ال عليه وسلم‪ُ ...{ :‬قلْ َكفَىا بِاللّهِ َ‬
‫عِن َدهُ عِ ْلمُ ا ْلكِتَابِ } [ الرعد‪]43 :‬‬
‫حكْم الحق‪ ،‬فإذا ما ظهر أمر من المور في حياتنا الدنيا الذي‬
‫والشهيد كما نعلم هو الذي يرجح ُ‬
‫حكْم فيها؛ فنحن نرفع المر الذي فيه خلف إلى القاضي‪ ،‬فيقول‪ " :‬هاتوا الشهود "‪.‬‬
‫نحتاج إلى ُ‬
‫ضوْء الشهادة؛ فَما بالُنَا والشاهد هنا هو الحقّ سبحانه؟‬
‫ويستجوب القاضي الشهود ليحكمَ على َ‬
‫ولكن‪ ،‬هل ال سيشهد‪ ،‬وِلمَنْ سيقول شهادته؛ وهم غَيْرُ مُصدّقين لكلم ال الذي نزل على رسوله‬
‫صلى ال عليه وسلم؟‬
‫ونقول‪ :‬لقد أرسله الحق سبحانه بالمعجزة الدّالة على صِدْق رسالته في البلغ عن ال‪ ،‬والمعجزة‬
‫خَ ْرقٌ لنواميس الكون‪.‬‬
‫وقد جعلها الحق سبحانه رسالةً بين يدي رسوله وعلى لسانه؛ فهذا يعني أنه سبحانه قد شهد له‬
‫بأنه صادق‪.‬‬
‫والمعجزة َأمْر خارق للعادة يُظهِرها ال على مَنْ بلغ أنه مُرْسَل منه سبحانه‪ ،‬وتقوم مقام القول "‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫صدق عبدي فيما بلغ عنّي "‪.‬‬
‫وإرادة المعجزة ليست في المعنى الجزئي؛ بل في المعنى الكُليّ لها‪ .‬والمثل في المعجزات البارزة‬
‫واضح؛ فهاهي النار التي أَ ْل َقوْا فيها إبراهيم عليه السلم‪ ،‬ولو كان ال َقصْد هو نجاته من النار؛‬
‫لكانت هناك ألفُ طريقة ووسيلة لذلك؛ كأنْ تُمطِر الدنيا؛ أو ل يستطيعون إلقاء القبض عليه‪.‬‬
‫ولكن الحق سبحانه يوضح لهم من بعد أن أمسكوا به‪ ،‬ومن بعد أن كبّلوه بالقيود‪ ،‬ومن بعد أن‬
‫ألقوْه في النار؛ ويأتي أمره بأن تكون النار بردا وسلما عليه فل تحرقه‪ {:‬قُلْنَا يانَارُ كُونِي بَرْدا‬
‫وَسَلَاما عَلَىا إِبْرَاهِيمَ }[النبياء‪]69 :‬‬
‫وهكذا غيّر الحق سبحانه الناموس وخَرَقه؛ وذلك كي يتضح لهم صِدْق إبراهيم فيما يبلغ عن ال؛‬
‫فقد خرَق له الحق سبحانه النواميس دليلَ صحة بلغه‪.‬‬
‫وإذا كان الحق سبحانه قد قال هنا في الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها‪ { :‬وَ َيقُولُ الّذِينَ َكفَرُواْ‬
‫شهِيدا بَيْنِي وَبَيْ َنكُمْ‪[ } ...‬الرعد‪]43 :‬‬
‫ستَ مُرْسَلً ُقلْ َكفَىا بِاللّهِ َ‬
‫لَ ْ‬
‫وشهادة الحق سبحانه لرسوله بصدق البلغ عنه؛ تتمثل في أنه صلى ال عليه وسلم قد نشأ بينهم‪،‬‬
‫وأمضى أربعين عاما قبل أن ينطق حرفا يحمل بلغه أو خطبة أو قصيدة‪ ،‬ول يمكن أن تتأخرَ‬
‫عبقرياتُ النبوغ إلى الربعين‪.‬‬
‫وشاء الحق سبحانه أن يجري القرآن على لسان رسوله في هذا العمر ليبلغ محمد صلى ال عليه‬
‫حدّ ذاته شهادة من ال‪.‬‬
‫وسلم الناسَ جميعا به‪ ،‬وهذا في َ‬
‫ويضيف سبحانه هنا‪َ ...} :‬ومَنْ عِن َدهُ عِلْمُ ا ْلكِتَابِ { [الرعد‪]43 :‬‬
‫والمقصود بالكتاب هنا القرآن؛ ومَنْ يقرأ القرآن بإمعان يستطيع أن يرى العجاز فيه؛ ومَنْ يتدبر‬
‫ما فيه من َمعَانٍ ويتفحّص أسلوبه؛ يجده شهادة لرسول ال صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫أو يكون المقصود بقوله الحق‪َ ...} :‬ومَنْ عِن َدهُ عِ ْلمُ ا ْلكِتَابِ { [الرعد‪]43 :‬‬
‫أي‪ :‬هؤلء الذين يعلمون خبر َمقْدِم رسول ال صلى ال عليه وسلم من التوراة والنجيل؛ لن‬
‫نعت رسول ال صلى ال عليه وسلم وصفته مذكورة في تلك الكتب السابقة على القرآن؛ لدرجة "‬
‫أن عبد ال بن سلم‪ ،‬وقد كان من أحبار اليهود قال‪ " :‬لقد عرفت محمدا حين رأيته كمعرفتي‬
‫لبني ومعرفتي ِلمُحمد أشد "‪.‬‬
‫ت إلى‬
‫ولذلك ذهب إلى رسول ال صلى ال عليه وسلم وقال له‪ :‬يا رسول ال إن نفسي مال ْ‬
‫السلم‪ ،‬ولكن اليهود قوم ُب َهتٌ‪ ،‬فإذا أعلنتُ إسلمي؛ سيسبّونني‪ ،‬ويلعنوني‪ ،‬ويلصقون بي أوصافا‬
‫ليست فيّ‪ .‬وأريد أنْ تسألهم عنّي أولً‪ .‬فأرسل لهم رسول ال يدعو صناديدهم وكبار القوم فيهم؛‬
‫وتوهموا أن محمدا قد يلين ويعدل عن دعوته؛ فجاءوا وقال لهم صلى ال عليه وسلم‪ " :‬ما تقولون‬
‫في ابن سلم؟ " فأخذوا يكيلون له المديح؛ وقالوا فيه أحسن الكلم‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهنا قال ابن سلم‪ " :‬الن أمامكم‪ ،‬أشهد أن ل إله إل ال‪ ،‬وأن محمدا رسول ال " ‪ ،‬فأخذوا‬
‫يسبّون ابن سلم؛ فقال ابن سلم لرسول ال صلى ال عليه وسلم‪ :‬ألم َأ ُقلْ إن يهود قوم بهت "‬
‫؟ ونعلم أن الذين كانوا يفرحون من أهل الكتاب بما ينزله الحق سبحانه على رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم من وحي هم أربعون شخصا من نصارى نجران؛ واثنان وثلثون من الحبشة؛ وثمانية‬
‫من اليمن‪.‬‬
‫ونعلم أن الذين أنكروا دعوة رسول ال صلى ال عليه وسلم كانوا ينهوْنَ بعضهم البعض عن‬
‫ن وَا ْل َغوْاْ فِيهِ َلعَّلكُمْ‬
‫س َمعُواْ ِلهَـاذَا ا ْلقُرْآ ِ‬
‫سماع القرآن؛ وينقل القرآن عنهم ذلك حين قالوا‪... {:‬لَ َت ْ‬
‫َتغْلِبُونَ }[فصلت‪]26 :‬‬
‫وهذا يعني أنهم كانوا متأكدين من أن سماع القرآن يُؤثّر في النفس بيقظة الفطرة التي تهفو إلى‬
‫اليمان به‪.‬‬
‫أما مَنْ عندهم عِلْم بالكتب السابقة على رسول ال صلى ال عليه وسلم فهم يعلمون خبر بعثته‬
‫وأوصافه من كتبهم‪.‬‬
‫يقول الحق سبحانه‪ {:‬الّذِينَ آتَيْنَا ُهمُ ا ْلكِتَابَ َيعْ ِرفُونَهُ َكمَا َيعْ ِرفُونَ أَبْنَا َءهُمْ‪[} ...‬البقرة‪]146 :‬‬
‫ويقول أيضا‪... {:‬فََلمّا جَآ َءهُمْ مّا عَ َرفُواْ َكفَرُواْ ِبهِ فََلعْنَةُ اللّهِ عَلَى ا ْلكَافِرِينَ }[البقرة‪]89 :‬‬

‫(‪)1737 /‬‬
‫حمِيدِ (‬
‫الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَ ْيكَ لِ ُتخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلمَاتِ إِلَى النّورِ بِإِذْنِ رَ ّب ِهمْ إِلَى صِرَاطِ ا ْلعَزِيزِ ا ْل َ‬
‫‪)1‬‬

‫هكذا يستهل الحق سبحانه هذه السورة بالحروف المقطعة " ألف " " لم " " راء " ‪ ،‬وسبق أن قلنا‪:‬‬
‫إنها حروف توقيفية بلّغها رسول ال لنا كما سمعها من جبريل عليه السلم‪.‬‬
‫إل أن المُلحَظ أن هذه الحروف التوقيفية المُقطَعة لم تَ ْأتِ وحدها في هذه السورة كآية منفصلة؛‬
‫مثل قوله في أول سورة ق‪:‬‬
‫{ ق }[ق‪.]1 :‬‬
‫وهي آية بمفردها‪ ،‬وكما جاء في غير ذلك من السور بحروف مقطعة وأثبتها كآيات‪ .‬وهنا تأتي‬
‫الحروف التوقيفية المقطعة كجزء من الية‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَ ْيكَ‪[ } ...‬إبراهيم‪.]1 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫كلمة " كتاب " إذا أطلقت انصرف معناها إلى القرآن؛ فهو يُسمّى كتابا؛ ويُسمّى قرآنا‪ ،‬ويُسمّى‬
‫تنزيل‪ ،‬وله أسماء كثيرة‪.‬‬
‫وكلمة " كتاب " تدل على أنه مكتوب‪ ،‬وكلمة " قرآن " تدل على أنه مقروء‪ ،‬وهذان السمان هما‬
‫ال ُعمْدة في أسماء القرآن؛ لنه كتاب مكتوب ومقروء‪.‬‬
‫فكان الصحابي الذي يجمع القرآن ل يكتب آية إل إذا وجدها مكتوبة‪ ،‬ووجدها َمقْروءة عن اثنين‬
‫من الصحابة؛ فالقرآن كتاب يملك الدليل على كتابته من عهد رسول ال صلى ال عليه وسلم؛‬
‫وهو َمقْروء كما تدلّ كملة " قرآن "‪.‬‬
‫وقوله الحق‪:‬‬
‫{ أَنزَلْنَاهُ إِلَ ْيكَ‪[ } ...‬إبراهيم‪.]1 :‬‬
‫يدلّ على أنه جاء من عُُلوّ‪.‬‬
‫شيْءٍ وَهُدًى‬
‫ويقول الحق سبحانه في موقع آخر عن القرآن‪ {:‬وَنَزّلْنَا عَلَ ْيكَ ا ْلكِتَابَ تِبْيَانا ّل ُكلّ َ‬
‫حمَ ًة وَبُشْرَىا لِ ْل ُمسِْلمِينَ }[النحل‪.]89 :‬‬
‫وَرَ ْ‬
‫ويقول في موقع آخر‪ {:‬وَبِا ْلحَقّ أَنْزَلْنَا ُه وَبِا ْلحَقّ نَ َزلَ‪[} ...‬السراء‪.]105 :‬‬
‫ومرة يسند النزول إلى مَنْ جاء به؛ ومرة ينسب النزول إلى الكائن الذي أرسله الحق بالقرآن إلى‬
‫محمد صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وهو جبريل عليه السلم‪.‬‬
‫فقوله‪ { :‬أَنزَلْنَاهُ‪[ } ...‬إبراهيم‪ ]1 :‬للتعدي من منطقة اللوح المحفوظ ليباشر مهمته في الوجود‪،‬‬
‫وعلّيّة إنزال القرآن إليك يا محمد هي‪:‬‬
‫{ لِ ُتخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلمَاتِ إِلَى النّورِ‪[ } ..‬إبراهيم‪.]1 :‬‬
‫ونلحظ هنا أن القرآن نزل للناس كافّة‪ ،‬ولم َي ُقلِ الحقّ سبحانه ما قاله للرسُل السابقين على رسول‬
‫ال؛ حيث كانت رسالة أيّ منهم مُحدّدة بقوم مُعيّنين‪ ،‬مثل قوله تعالى‪ {:‬وَإِلَىا عَادٍ َأخَاهُمْ‬
‫هُودا‪[} ...‬العراف‪.]65 :‬‬
‫شعَيْبا‪[} ...‬العراف‪.]85 :‬‬
‫وقوله الحق‪ {:‬وَإِلَىا مَدْيَنَ أَخَا ُهمْ ُ‬
‫وكذلك قوله سبحانه لموسى‪ {:‬وَرَسُولً إِلَىا بَنِي إِسْرَائِيلَ‪[} ...‬آل عمران‪.]49 :‬‬
‫وهكذا كان ُكلّ رسول إنما يبعثه ال إلى ُبقْعة خاصة‪ ،‬وإلى أُنَاسٍ بعينهم‪ ،‬وفي زمن خاصّ‪ ،‬إل‬
‫محمدا صلى ال عليه وسلم؛ فقد بعثه ال إلى الناس كَافّة‪.‬‬
‫والمثل أمامنا حين حكم صلى ال عليه وسلم بالحق بين مسلم ويهودي؛ وأنصف اليهودي‪ :‬لن‬
‫الحق كان معه؛ والحق عند رسول ال صلى ال عليه وسلم أعزّ عليه ِممّنْ ينتسب إلى السلم‪.‬‬
‫وهكذا نرى أن قوله الحق‪:‬‬
‫{ لِ ُتخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلمَاتِ إِلَى النّورِ‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫‪[ { ..‬إبراهيم‪.]1 :‬‬
‫دليل على عمومية الرسالة‪ ،‬ويُعزّزها قوله‪:‬‬
‫جمِيعا }[العراف‪.]158 :‬‬
‫{ إِنّي رَسُولُ اللّهِ إِلَ ْيكُمْ َ‬
‫سلٌ للعرب فقط‪.‬‬
‫ن قالوا إنه مُرْ َ‬
‫وبذلك تبطل حُجّة مَ ْ‬
‫ونجد هنا اصطفاءين لرسول ال صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫الصْطفاء الول‪ :‬أن الحق سبحانه قد اختاره رسولً؛ فمجرد الختيار لتلك المهمة‪ :‬فهذه منزلة‬
‫عالية‪.‬‬
‫والصْطفاء الثاني‪ :‬أنه رسولٌ للناس كَافّة؛ وهذه منزلة عالية أخرى؛ لنها تستوعب المكان‬
‫والزمان‪ ،‬واللسنة والقوام‪.‬‬
‫ثم يأتي العجاز في قوله‪:‬‬
‫} لِ ُتخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلمَاتِ إِلَى النّورِ‪[ { ...‬إبراهيم‪.]1 :‬‬
‫ولم َي ُقلْ من الظلمات إلى النوار‪ ،‬وشاء أنْ يأتي بالظلمات كجمْع؛ وأنْ يأتي بالنور كالمفرد‪ ،‬لن‬
‫ظلْمة هناك‪.‬‬
‫ظلْمة هنا و ُ‬
‫النور واحد ل يتعدد؛ أما الظلمات فمتعددة بتعدّد الهواء؛ ُ‬
‫وهكذا يشاء الحق سبحانه أن يُجلي المعاني بالمُحسّات التي يدركها الجميع‪ ،‬فل شك أن الظّلْمة‬
‫تستر الشياء التي قد يصطدم بها النسان فيمتنع عن السير مطمئنا؛ لنه إنِ اصطدم بشيء فقد‬
‫يُحطّم الشيء أو يُحطّمه هذا الشيء؛ وهكذا تمنع الظّلْمة النسان من أن يهتدي إلى ما يريد‪.‬‬
‫أما النور فهو يوضح الشياء‪ ،‬ويستطيع النسان أن يُميّز بين الطرق ويتجنب الضار ويتجه إلى‬
‫النافع؛ ويكون على بصيرة من الهداية؛ ذلك هو المر الحِسيّ؛ و ُكلّ من النور والظلمة أمرٌ حِسي‪.‬‬
‫وهكذا يُجلّي ال لنا المعاني‪ ،‬والحياة ل تحتاج فقط إلى ما يُجلي المظاهر المادية بالنور؛ بل تحتاج‬
‫أيضا إلى نور يُجلي المظاهر المعنوية؛ من حقد وحسد‪ ،‬وخوف وأمن‪ ،‬واطمئنان‪ ،‬وأمانة ووفاء؛‬
‫وغير ذلك‪.‬‬
‫فالحياة كلها فيها الشيء وما يقابله؛ لذلك ل بُدّ أن تُجْلَي المعاني أيضا‪ .‬والنور الذي جاء به رسول‬
‫س والمعنى في آن واحد؛ لنتجنب الشياء التي تطمسها الظّلْمة؛‬
‫ال صلى ال عليه وسلم يُجلي الحِ ّ‬
‫ولنسير على بينة من المعاني‪ ،‬فل نصطدم بالعقبات‪.‬‬
‫ولذلك يُفسّر لنا الحق سبحانه المر المعنوي‪ ،‬فيقول‪:‬‬
‫حمِيدِ‪[ { ...‬إبراهيم‪.]1 :‬‬
‫} إِلَىا صِرَاطِ ا ْلعَزِيزِ ا ْل َ‬
‫وهذا هو الصراط المستقيم الذي يُخرجنا إليه محمد صلى ال عليه وسلم من الظلمات إلى نوره‪.‬‬
‫ويريد الحق سبحانه أنْ يُجلي لنا الطريق إلى هذا الصراط‪ ،‬لنه قد يكون مُتعبا للبعض؛ فيريد‬
‫سبحانه أن يجمع لنا بين أمرين؛ طريق متضح واضح َيصِل فيه النسان إلى الغاية بِيُسْر؛ وطريق‬
‫آخر غير واضح ل تتجلى فيه الشياء‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وجاء بالظلمات والنور ليوضح لنا هذا المعنى؛ حيث يكون الطريق المستقيم هو أقصر وسيلة‬
‫جوّة من الحياة الدنيا والخرة؛ ويكون طريق الظلمات هو الطريق غير المن‪.‬‬
‫للغاية المَر ُ‬
‫وينسب الحق سبحانه الطريق الذي يُخرِجنا إليه الرسول صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫حمِيدِ { [إبراهيم‪.]1 :‬‬
‫} إِلَىا صِرَاطِ ا ْلعَزِيزِ ا ْل َ‬
‫والعزيز هو الذي َيغْلِب ول ُيغْلَب‪ .‬والحميد هو مَنْ ثبتت له صفة الحمد من الغير‪ ،‬وإنْ لَم يصدر‬
‫حمْدٌ من الغير؛ فهو حميد في ذاته‪ ،‬ويجب أن يُحمد رغم أنك إن حمدتَه أو لم تحمده فهو حميد‪.‬‬
‫َ‬
‫ول المَثلُ العلى‪ ،‬وسبحانه مُنَزّه عن كل مثيل أو شبيه؛ نجد في حياتنا الدنيا مَنْ يُقال عنه إنه‬
‫حميد الخصال؛ وإنْ لم يوجد مَنْ يمدحه؛ لكنه في ُكلّ ما يصدر عنه يراعي أن يكون محمودا‪.‬‬
‫ولكن البشر يكون المحمود منهم حَدثا؛ أما المحمود من الحق فهو ُمطْلق‪ ،‬ول تكون الذاتُ محمودة‬
‫أو حميدة إل إذا كان لها من الصفات ما يجعلها أهلً للنعام الذي يجب على النسان أن يحمده‪.‬‬
‫ن يوجد لستقباله‪ ،‬وتحب أن تحمد‬
‫والفطرة السليمة في النسان تستقبل هذا الكون ال ُمعَدّ من قَبْل أ ْ‬
‫حمْده ل يضيف شيئا ِلمَنْ أعدّ هذا الكون‬
‫حمْد النسان أو عدم َ‬
‫مَنْ صنع هذا الكون‪ ،‬رغم أن َ‬
‫وخلقه؛ فهو محمود في ذاته‪.‬‬
‫وإن حمدته فهذا لمصلحتك؛ وفي هذا هداية إلى صراط العزيز الذي ل ُيغْلب‪ ،‬والحميد الذي‬
‫يستحق الحمد؛ وإنْ لم يوجد حامد له؛ لن صفاته سبحانه أزلية‪.‬‬
‫فال خالق قبل أن يخلق الخلق؛ وهو الرازق قبل أن ُيخْلق المرزوق‪ ،‬وهو ُمعِز قبل أن يوجد مَنْ‬
‫ن يوجد مَنْ يحمده؛ توّاب قبل أن يوجد مَنْ يتوب عليه‪.‬‬
‫ُيعِزه؛ محمود قبل أ ْ‬
‫فهو سبحانه بالصفة يفعل؛ أما النسان فل يفعل إل إذا فعل الصفة‪ ،‬فأنت ل تعرف أن فلنا كريم؛‬
‫إل لنك تراه يعطي عن جُودٍ وسَخاء‪ ،‬أما ال فهو الكريم من قبل أن يوجد مَنْ يُكرمه‪.‬‬
‫سمَاوَاتِ‪.{ ...‬‬
‫ويقول سبحانه من بعد ذلك‪ } :‬اللّهِ الّذِي لَهُ مَا فِي ال ّ‬

‫(‪)1738 /‬‬
‫سمَاوَاتِ َومَا فِي الْأَ ْرضِ وَوَ ْيلٌ لِ ْلكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (‪)2‬‬
‫اللّهِ الّذِي لَهُ مَا فِي ال ّ‬

‫وأنت إنْ قرأتَ هذه الية موصولةً بما قبلها؛ فستقرؤها‪:‬‬
‫ت َومَا فِي الَ ْرضِ } [إبراهيم‪.]2-1 :‬‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫حمِيدِ * اللّهِ الّذِي لَهُ مَا فِي ال ّ‬
‫{ صِرَاطِ ا ْلعَزِيزِ ا ْل َ‬
‫وإن كنتَ ستقرؤها َم ْفصُولة عمّا قبلها؛ فستقول‪:‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ض َووَيْلٌ لّ ْلكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } [إبراهيم‪.]2 :‬‬
‫ت َومَا فِي الَ ْر ِ‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫{ اللّهِ الّذِي لَهُ مَا فِي ال ّ‬
‫وستنطق كلمة " ال " غير مُرقّقة عكسَ إنْ قرأتَها موصولة‪ ،‬حيث يجب أن تنطقها مُرقّقة‪.‬‬
‫وتقتضي الصول في الكتاب أن يوجد السم العلَم على الذات أولً‪ ،‬ثم تأتي الصفة من بعده‪،‬‬
‫فتقول‪ " :‬لقيت فلنا الشاعر أو الكاتب أو العالم " ‪ ،‬لكن المر هنا جاء على غير هذا النّسَق‪{:‬‬
‫حمِيدِ }[إبراهيم‪.]1 :‬‬
‫صِرَاطِ ا ْلعَزِيزِ الْ َ‬
‫حمِيدِ } ثم جاء بلفظ الجللة‪ ،‬وهو العلَم على واجب الوجود " ال " ‪ ،‬وقد حدث‬
‫أي‪ :‬قدّم { ا ْلعَزِيزِ الْ َ‬
‫ذلك لن العلَمَ يدل على مُسمّاه بصرف النظر عن الصفات؛ ثم توجد الصفات له‪.‬‬
‫وهناك من العلماء مَنْ قال‪ :‬إنه مُشْتق بمعنى أن " ال " تعني المعبود بحقّ؛ وصفة العزيز الحميد‬
‫حيثية لنْ يُعبدَ سبحانه بحقّ‪.‬‬
‫ومن العلماء من قال‪ :‬إن كلمة " ال " هي علَم‪ ،‬وليست اسما مُشْتقا؛ فَلَهُ الملكية المطلقة‪:‬‬
‫ت َومَا فِي الَ ْرضِ } [إبراهيم‪.]2 :‬‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫{ الّذِي لَهُ مَا فِي ال ّ‬
‫ل يقع في هذا المُلْك إل ما شاء هو‪ ،‬فَمنْ آمن به أنصف نفسه وحياته وآخرته‪ ،‬أما مَنْ لم يؤمن به‬
‫فَلَه المقابل‪ ،‬وهو قوله الحق‪:‬‬
‫شدِيدٍ } [إبراهيم‪.]2 :‬‬
‫{ َووَ ْيلٌ لّ ْلكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ َ‬
‫وهذا الوَيْل ليس في الخرة فقط‪ ،‬بل في الدنيا أيضا؛ لن النسان يدفعها بها؛ هنا يستطيع المؤمن‬
‫أن يذكر أن له ربا فوق السباب؛ويرتاح إلى معونة الحق سبحانه له‪ ،‬وهكذا يشعر أن له رصيدا‬
‫جسَام‪.‬‬
‫في الدنيا يعتمد عليه في مواجهة الحداث ال ِ‬
‫أما غير المؤمن فليس أمامه سوى اليأس؛ ولذلك نجد انتشار النتحار بين غير المؤمنين؛ لن‬
‫هناك أحداثا فوق أسبابهم‪ ،‬ول يستطيعون دفعها‪ ،‬وليس لهم إيمان بربّ يرجعون إليه‪.‬‬
‫ولذلك حين أقرأ للمفسرين مَنْ يشرح كلمة " الويل " بأنها عذابُ الخرة؛ فأجد نفسي قائلً‪ :‬بل‬
‫والوَيْل يكون في الدنيا أيضا؛ لن الكثير من أحداث الحياة يكون فوق أسباب النسان؛ فلو لم‬
‫يؤمن النسان بال لَفزِع من فَرْط اليأس‪.‬‬
‫ن يقولوا يا رب‪ ،‬وهم بذلك يعلنون صرخة الفطرة‬
‫ولذلك نجد بعضهم حين ل يجدون َمفَرّا إل أ ْ‬
‫الولى التي قاوموها باللحاد وعدم اليمان؛ وهذا الويل له امتداد بلون أشد في الخرة‪.‬‬
‫ويصف الحق سبحانه هؤلء الذين ل يؤمنون‪ ،‬فيقول‪ { :‬الّذِينَ َيسْتَحِبّونَ ا ْلحَيَاوةَ الدّنْيَا‪} ...‬‬

‫(‪)1739 /‬‬
‫عوَجًا أُولَ ِئكَ فِي ضَلَالٍ‬
‫الّذِينَ َيسْتَحِبّونَ ا ْلحَيَاةَ الدّنْيَا عَلَى الْآَخِ َر ِة وَ َيصُدّونَ عَنْ سَبِيلِ اللّ ِه وَيَ ْبغُونَهَا ِ‬
‫َبعِيدٍ (‪)3‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهنا نجد مادة الحاء والباء؛ حب؛ ومن عجائبها أن الفعل يكون رباعيا؛ فنقول " أحبّ فلن "‬
‫ونقول ِلمَنْ يحبه " محبوب " وهذا يعني أن هناك تلقيا بين الثنين؛ أما في حالة عدم التلقي‬
‫حبّ "‪.‬‬
‫حبّ ُيحِب فهو حَابّ مُ ِ‬
‫فيقال " َ‬
‫ظ في مَجيء السين والتاء‪ ،‬وهما علمة على الطلب‪ .‬على هذا‬
‫والفرق بين أحبّ واستحبّ؛ ملحو ٌ‬
‫ف بالمر الطبيعي‪ ،‬بل تكلّف الحب وأوغلَ فيه‪.‬‬
‫فاستحبّ تعني أنَ مَنْ يحب لم يك َت ِ‬
‫والمثل على ذلك نجده في الحياة اليومية؛ فنرى مَنْ ينجرف إلى شيء من النحراف؛ ولكنه ل‬
‫يُحِب أن يكون مُحِبا لهذا النحراف في نفس الوقت؛ ويفعل النحراف وهو كَا ِرهٌ له‪ ،‬وقد يضرب‬
‫نفسه ويلومها لنها تنجرف إلى هذا النحراف‪.‬‬
‫حبّ لهذا النغماس ويتحدث‬
‫ونجد آخر ينحرف؛ لنه يحب هذا النحراف وينغمس فيه؛ وهو مُ ِ‬
‫بهذا النحراف؛ ويُحب في نفسه أنه أحب تلك المعصية؛ لنها تُحقّق له شهوة عاجلة؛ هذا هو مَنِ‬
‫حدّه الطبيعي‪.‬‬
‫" استحبّ " لنه ازاد الحب عن َ‬
‫حبّ الدنيا؛ لكنها تتحدث أنْ تستحِبّها على‬
‫وحين تُدقّق في الية الكريمة تجد أنها ل تمنعك من ُ‬
‫الخرة‪ ،‬فهذا هو المر المذموم؛ أما إذا أحببت الدنيا لنها تُعينك على تكاليف دينك وجعلْتَها‬
‫مزرعة للخرة؛ فهذا أمر مطلوب؛ لنك تفعل فيها ما يجعلك تسعد في آخرتك؛ فهذا طَلَب للدنيا‬
‫من أجل الخرة‪.‬‬
‫ولذلك تجد قوله الحق في سورة " المؤمنون "‪ {.‬وَالّذِينَ هُمْ لِل ّزكَـاةِ فَاعِلُونَ }[المؤمنون‪.]4 :‬‬
‫فهو ل يؤدي الزكاة فقط؛ بل يعمل لِيأتيَ لنفسه ولعياله بالقُوتِ؛ ويبذل الجهد ليكون لديه فائضٌ‬
‫يؤدي منه الزكاة؛ ولذلك فهو ل يعمل َقدْر حاجته فقط بل على قَدْر طاقته ليحقق ما يمكن أنْ‬
‫يُعطِيه ِلمَنْ ل يقدر على العمل‪.‬‬
‫ولذلك لم َيقُل الحق سبحانه‪:‬‬
‫" والذين هم للزكاة مؤدون " بل قال‪:‬‬
‫{ وَالّذِينَ هُمْ لِل ّزكَـاةِ فَاعِلُونَ }[المؤمنون‪.]4 :‬‬
‫وهنا ل نجد هؤلء الذين يستحبّون الحياة من أجل أنْ يجعلوها مزرعة للخرة؛ بل هم يستحِبّون‬
‫الحياة‪:‬‬
‫{ وَ َيصُدّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ‪[ } ...‬إبراهيم‪.]3 :‬‬
‫حبّ الدنيا على الخرة فقط‪ ،‬ولم يكتفُوا بالسّيْر في طريق الشهوات والملذّات‬
‫أي‪ :‬أنهم لم يكتفوا ب ُ‬
‫وتخريب ذواتهم‪ ،‬بل تما َدوْا في الغي وصَدّوا غيرهم عن سبيل ال‪.‬‬
‫عوَجا‪} ...‬‬
‫ونجد الحق سبحانه يقول في موقع آخر‪ِ {:‬لمَ َتصُدّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ تَ ْبغُو َنهَا ِ‬
‫[آل عمران‪.]99 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫كأنهم ضَلّوا في ذواتهم؛ ولم يكتفوا بذلك‪ ،‬بل يحاولون إضلل غيرهم ويصدونهم عن الهداية‪.‬‬
‫ثم تأتي مرحلة جديدة‪:‬‬
‫عوَجا‪[ } ...‬إبراهيم‪.]3 :‬‬
‫{ وَيَ ْبغُو َنهَا ِ‬
‫أي‪ :‬يبغون شريعة ال ُمعْوجة لتحقق لهم نزواتهم‪ .‬وهكذا نجد ثلث مراتب للضلل‪ ،‬استحباب‬
‫الحياة الدنيا على الخرة؛ والصّد عن سبيل ال؛ وتشويه المنهج كي ُيكّرهوا الناس فيه‪.‬‬
‫ويصف الحق سبحانه هؤلء‪:‬‬
‫{ ُأوْلَـا ِئكَ فِي ضَلَلٍ َبعِيدٍ } [إبراهيم‪.]3 :‬‬
‫أي‪ :‬أن أصحاب المرتبة في الضلل هم مَن استحبّوا الحياة الدنيا على الخرة‪ ،‬والذين توغّلوا في‬
‫الضلل أكثرَ فهم الذين يصدون عن سبيل ال؛ أما الذين توغلّوا أكثر فأكثر َفهُم الذين يُشوّهون في‬
‫منهج ال لتنفير الناس منه‪ ،‬أو ليحقق لهم نزواتهم‪ ،‬وهكذا ساروا إلى أبعد منطقة في الضلل‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك‪َ { :‬ومَآ أَ ْرسَلْنَا مِن رّسُولٍ ِإلّ ِبلِسَانِ‪.} ...‬‬

‫(‪)1740 /‬‬
‫ضلّ اللّهُ مَنْ يَشَاءُ وَ َيهْدِي مَنْ َيشَا ُء وَ ُهوَ ا ْلعَزِيزُ‬
‫َومَا أَ ْرسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلّا بِِلسَانِ َق ْومِهِ لِيُبَيّنَ َلهُمْ فَ ُي ِ‬
‫حكِيمُ (‪)4‬‬
‫الْ َ‬

‫ونعلم أن الرسول صلى ال عليه وسلم مُبلّغ عن ال منهجه؛ ومُؤيّد بمعجزة تثبت صدقة فيما بلغ‬
‫لمَنْ أُرسِل إليهم‪ .‬وقد حدّث الحق سبحانه من قبل عمّا حدث للمم السابقةَ على أمة محمد صلى‬
‫ال عليه وسلم؛ فقد كان كل رسول يتكلم بلغة قومه‪.‬‬
‫وهناك فرق بين قوم الدعوة وهم أمة رسول ال صلى ال عليه وسلم؛ وقوم الستقبال؛ وهم المم‬
‫السابقة على أمة محمد صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫فالمم السابقة لم تكن مُطَالبةَ بأن تُبلّغ دعوة الرّسل الذين نزلوا فيهم‪ ،‬أما أمة محمد صلى ال عليه‬
‫وسلم ف ُمطَالبة بذلك‪ ،‬لن الحق سبحانه أرسل رسوله صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وأبلغنا في القرآن أن‬
‫من آياته سبحانه أن جعل الناس على ألسنة مختلفة‪.‬‬
‫ن من المعقول أن يرسل رسولً يتكلم كل اللغات‪ ،‬فنزل صلى ال عليه وسلم في أمة‬
‫ولم يُك ْ‬
‫حبّ اليمان؛ صار عليهم أن ينساحوا بالدعوة؛ لينقلوا‬
‫العرب؛ وحين استقبلوه وأُشرِ َبتْ قلوبهم ُ‬
‫معنى القرآن حجة بعد أن استقبلوه معجزة‪.‬‬
‫حجّة لنه يسوسُ حركة الحياة؛ وحركاتُ الحياة ل تختلف في الناس أجمعين‪ ،‬كما أن ُكلّ‬
‫والقرآن ُ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫حضارة تأخذ من الخرى مُنجزاتِها العلمية‪ ،‬وتُترجمها إلى لسانها الذي تنطق به‪.‬‬
‫وترجمة المعاني من لسان إلى آخر مسألة معروفة في ُكلّ حضارات العالم؛ لن المسألة في‬
‫جوهرها مسألة معانٍ؛ والمعاني ل تختلف من أمة إلى أخرى‪.‬‬
‫والقرآن معانٍ ومنهج يصلح لكل البشر؛ ونزل العربية؛ لن موهبة المة العربية هي النبوغ في‬
‫اللغة والكلم؛ وهكذا صار على تلك المة مهمة الستقبال لمنهج ال كمعجزة بلغية؛ وإرساله‬
‫إلى بقية المجتمعات‪.‬‬
‫ولذلك تستطيع أن تَعقِد مقارنة بين البلد التي فُتحت بالسيف والقتال؛ والبلد التي فُتِحتَ بالسّلْم‬
‫ورؤية القدوة المسلَمة الصالحة؛ ستجد أن الذين نشروا السلم في كثير من أصقاع الرض قد‬
‫اعتمدوا على القدوة الصالحة‪.‬‬
‫خصَال الحميدة‪ ،‬وبتطبيق منهج الدين في تعاملهم مع غيرهم‪ ،‬ولذلك أقبل‬
‫ستجد أنهم نُقلوا الدين بال ِ‬
‫الناس على دين ال‪.‬‬
‫وهكذا نجد أن منهج السلم قد حمل معجزة من المعاني‪ ،‬بجانب كونه معجزةً في اللغة التي نزل‬
‫بها‪ ،‬وهي لغة العرب‪.‬‬
‫ونحن نجد أقواما ل تستطيع أن تقرأ حرفا عربيا إل في المصحف‪ ،‬ذلك أنهم تعلّموا القراءة في‬
‫المصحف‪ ،‬واعتمدوا على َفهْم المعاني الموجودة فيه عَبْر الترجمات التي قام بها مُسلِمون أحبّوا‬
‫القرآن‪ ،‬ونقلُوه إلى اللغات الخرى‪.‬‬
‫ولذلك نجد قول الحق سبحانه‪ {:‬وََلقَدْ َيسّرْنَا ا ْلقُرْآنَ لِل ّذكْرِ َف َهلْ مِن مّ ّدكِرٍ }[القمر‪.]17 :‬‬
‫وهكذا نعلم أن الحق سبحانه قد يسّر أُمّ القرآن بلسان العرب أولً‪ ،‬ثم يسرّه بأن جعل من تلك‬
‫المة التي نزل عليها القرآن أمة نَشرْ البلغ عنه سبحانه‪ ،‬ذلك أن الرسالت تُريد تبليغا؛ والتبليغ‬
‫وسيلتُه الولى هي الكلم؛ ووسيلته الثانية الستقبالية هي الذن‪ ،‬فل بُدّ من الكلم أولً‪ ،‬ثم ل بُدّ‬
‫من أُذن تعرف مدلولتِ اللفاظ لتسمعَ هذا الكلم‪ ،‬ولِتُطبّقه سلوكا‪.‬‬
‫كما أننا نعلم أن مَنْ يسمع المتكلم ل ُب ّد وأن يكون واعيا وعارفا بمعاني اللفاظ؛ فما تسمعه الُذن‬
‫يحكيه اللسان‪.‬‬
‫وعرفْنَا أن اللغة بِنْت السماع‪ ،‬و ُكلّ فرد إنما يتكلم باللغة التي سمعها في بيئته؛ وإذا تتبعتَ سلسلة‬
‫تعلّم كل الكلم ستجد نفسك أمام الجِذْر الصلي الذي تعلّم منه البشر الكلم؛ وهو آدم عليه السلم‪.‬‬
‫سمَآءَ كُّلهَا‪[} ...‬البقرة‪.]31 :‬‬
‫وقد قال سبحانه‪ {:‬وَعَلّمَ ءَا َد َم الَ ْ‬
‫ونعلم أن اللغة بدأت توقيفية حين علّمها ال لدم‪ ،‬ثم تكلّمها آدم فسمعتْها بيئته؛ فصارتْ وضعية‬
‫من بعد ذلك‪ ،‬واختلفت اللغة من مجتمع إلى آخر‪.‬‬
‫وهنا قال الحق سبحانه‪:‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫} َومَآ أَرْسَلْنَا مِن رّسُولٍ ِإلّ بِِلسَانِ َق ْومِهِ‪[ { ...‬إبراهيم‪.]4 :‬‬
‫وجاء بعد ذلك مباشرة بالتعليل‪:‬‬
‫} لِيُبَيّنَ َلهُمْ‪[ { ...‬إبراهيم‪.]4 :‬‬
‫جلّ وعلَ السبب في إرسال كل رسول بلسان قومه‪ ،‬وهناك آية يقول فيها سبحانه‪{:‬‬
‫وهكذا أوضح َ‬
‫جمِينَ * َفقَرََأهُ عَلَ ْيهِم مّا كَانُوا ِبهِ ُم ْؤمِنِينَ }[الشعراء‪.]199-198 :‬‬
‫علَىا َب ْعضِ الَعْ َ‬
‫وََلوْ نَزّلْنَاهُ َ‬
‫ي وَعَرَبِيّ ُقلْ ُهوَ لِلّذِينَ آمَنُواْ‬
‫ج ِم ّ‬
‫جمِيّا ّلقَالُواْ َل ْولَ ُفصَّلتْ آيَاتُهُ ءَاعْ َ‬
‫عَ‬
‫جعَلْنَاهُ قُرْآنا أ ْ‬
‫وقال أيضا‪ {:‬وََلوْ َ‬
‫عمًى‪[} ...‬فصلت‪.]44 :‬‬
‫ن لَ ُي ْؤمِنُونَ فِي آذَا ِن ِه ْم َوقْرٌ وَ ُهوَ عَلَ ْي ِهمْ َ‬
‫شفَآ ٌء وَالّذِي َ‬
‫هُدًى وَ ِ‬
‫فهناك مَنْ يستقبل القرآن كدليل هداية ويُنقّي نفسه من الكَدَر‪ ،‬وهناك مَنْ يستقبل القرآن فيكون‬
‫عليه عمى وعلى سمعه غِشَاوة وخوف وعدم ارتياح‪ ،‬ذلك أنه كافر‪.‬‬
‫والسبب ‪ -‬كما نعلم ‪ -‬أن حدوث الحادث مِن آمرِ به يحتاج إلى فاعل وإلى قابل للفعل‪.‬‬
‫وسبق أن ضربتُ مثلً بمَنْ يشرب الشاي؛ فينفخ فيه ليُبرده قليلً؛ ونفس هذا النسان حين يخرج‬
‫في صباح شتوى فهو ينفخ في يديه لِيُدفئهما‪ ،‬وهكذا ينفخ مرة ليبرد شيئا؛ وينفخ أخرى مُستدعيا‬
‫الدفء‪.‬‬
‫والمسألة ليستْ في أمر النفخ؛ ولكن في استقبال الشاي للهواء الخارج من َفمِك‪ ،‬الشاي أكثر‬
‫حرارة من حرارة الجسم فيبرد بالنفخ‪ ،‬بينما اليد في الشتاء تكون أكثر برودة من الجسم؛ فتستقبل‬
‫النفخ لها برفع درجة حرارتها لتتساوى مع حرارة الجسم‪.‬‬
‫وهكذا تجد أن القرآن واحدٌ؛ لكن المؤمن يسمعه فيفرح به‪ ،‬والكافر يسمعه فيتعب ويرهق منه‪.‬‬
‫وسبحانه يقول‪َ {:‬ومِ ْنهُمْ مّن يَسْ َتمِعُ إِلَ ْيكَ حَتّىا ِإذَا خَ َرجُواْ مِنْ عِن ِدكَ قَالُواْ لِلّذِينَ أُوتُواْ ا ْلعِلْمَ مَاذَا قَالَ‬
‫آنِفا‪[} ...‬محمد‪.]16 :‬‬
‫وهكذا نجد مَنْ يستقبل القرآن‪ ،‬ول ينصاع إلى معانيه؛ ونجد مَن يستمع إلى القرآن فيخشع قلبه‬
‫وينفعل بالستجابة ِلمَا يوُصي به الحق سبحانه‪.‬‬
‫إذن‪ :‬عرفنا الن أن اللغة بدأتْ توقيفية وانتهتْ اصطلحية؛ فقد أخذنا من ال ما علّمه لدم من‬
‫حسْب القوم المرسلين‬
‫أسماء؛ وتغيّرت اللسن من جماعة إلى أخرى‪ ،‬وهكذا اختلفتْ ألسنة الرّسُل َ‬
‫إليهم‪.‬‬
‫وكل رسول يُبيّن للقوم منهجَ ال؛ فإذا بيّن هذا المنهج‪ ،‬استقبله البعض باليمان بما جاء به‬
‫والهداية‪ ،‬واستقبله البعضُ الخر بال ُكفْر والضّلل‪.‬‬
‫فالذي هداه ال استشرف قلبُه إلى هذا المنهج؛ وأخرج من قلبه أيّ عقيدة أخرى‪ ،‬وبحثَ فيما جاء‬
‫به الرسول‪ ،‬ومل قلبه بالمنهج الذي ارتاح له فهما وطمأنينة‪.‬‬
‫وهو عكس مَنْ تسكن قلبه قضية مخالفة‪ ،‬ويُصرّ عليها‪ ،‬ل عن قناعة‪ ،‬ولكن عن عدم قدرة على‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫التمحيص والدراسةَ والستشراف‪ .‬وكان عليه أنْ يُخرِج القضية ال ُمضِلة من قلبه‪ ،‬وأن يبحث‬
‫ويقارن ويستشف ويُحسِن التدبر؛ ثم يُدخل إلى قلبه القضية الكثر قبولً‪ ،‬ولكنه ل يفعل‪ ،‬عكس مَنْ‬
‫هداه ال‪.‬‬
‫ول يقولن أحد " ما دام قد أضلنا ال فلم يعذبنا؟ " ولكن ليعلم كل إنسان أن المشيئة لقابلية اليمان‬
‫موجودة‪ ،‬ولكنه لم يَسْتدعها إلى قلبه‪.‬‬
‫والحق سبحانه يقول‪ {:‬وَالّذِينَ اهْ َت َدوْاْ زَادَ ُهمْ هُدًى وَآتَاهُمْ َت ُقوَاهُمْ‪[} ...‬محمد‪.]17 :‬‬
‫سقِينَ }[البقرة‪.]26 :‬‬
‫ضلّ بِهِ ِإلّ ا ْلفَا ِ‬
‫ويقول‪َ {:‬ومَا ُي ِ‬
‫أي‪ :‬أن الفسق قد صدر منهم‪ ،‬لنهم ملوا أفئدتهم بقضايا باطلة؛ فجاءت قضايا الحق فلم تجد‬
‫مدخلً‪.‬‬
‫وهنا في الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول سبحانه‪:‬‬
‫حكِيمُ { [إبراهيم‪.]4 :‬‬
‫ضلّ اللّهُ مَن يَشَآ ُء وَ َيهْدِي مَن َيشَآ ُء وَ ُهوَ ا ْلعَزِيزُ ا ْل َ‬
‫} فَ ُي ِ‬
‫فمَنْ يُقبِل على الضلل يزيده ال ضللً؛ فلن يزيد إيمانُه مُْ ْلكَ ال شيئا‪ ،‬ومَنْ يؤمن فهو يضمن‬
‫لنفسه سلمة الحياة وما بعد الموت؛ وهو في الحياة عنصر خَيْرٍ؛ وهو من بعد الموت يجد الحياة‬
‫مع ِنعَم المُنعِم سبحانه العزيز الذي ل ُيغَلب؛ والحكيم الذي قَدّر لكلّ أمر ما يشاء‪.‬‬
‫ويقول سبحانه من بعد ذلك‪ } :‬وََلقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىا بِآيَاتِنَآ‪.{ ...‬‬

‫(‪)1741 /‬‬
‫وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا أَنْ َأخْرِجْ َق ْو َمكَ مِنَ الظُّلمَاتِ إِلَى النّو ِر وَ َذكّرْهُمْ بِأَيّامِ اللّهِ إِنّ فِي ذَِلكَ‬
‫شكُورٍ (‪)5‬‬
‫لَآَيَاتٍ ِل ُكلّ صَبّارٍ َ‬

‫واليات التي أرسلها ال مع ‪ -‬موسى عليه السلم ‪ -‬والمعجزات التي حدثت معه وبيّنها وأظهرها‬
‫لقومه كثيرة‪ ،‬ورسولنا صلى ال عليه وسلم نزل ومعه معجزة واحدة وهي القرآن‪ ،‬أما بقية‬
‫المعجزات الحسية التي حدثتْ مع رسول ال؛ فهي قد جاءت لتثبيت فؤاد المؤمنين برسالته‪ ،‬ولم‬
‫يَبْقَ لها أثر من بعد ذلك إل الذكرى النافعة التي يأتنس بها الصالحون من عباد ال‪.‬‬
‫وكثرة المعجزات التي جاءت مع موسى ‪ -‬عليه السلم ‪ -‬تبين أن القوم الذين أُرسل لهم قوم لَجج‬
‫عدّد العلماء المعجزات التي جاءت مع موسى وجدها بعضٌ من العلماء تسع آيات؛‬
‫وجدل‪ ،‬وحين َ‬
‫ووجدها غيرهم ثلث عشرة معجزة؛ ووجدها بعضٌ ثالث أربع عشرة‪.‬‬
‫وفي التحقيق لمعرفة تلك اليات علينا أن نُفرّق بين اليات التي صدرت بالنسبة لفرعون؛ واليات‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫التي جاءتْ لبني إسرائيل‪ .‬فالعصا التي انقلبت حيّة تسعى‪ ،‬واليد التي تُضيء هي لفرعون‪ ،‬وعدّد‬
‫القرآن اليات التي جاءت مع موسى لفرعون بتسع آيات‪ ،‬يقول الحق سبحانه‪ {:‬فِي تِسْعِ آيَاتٍ‬
‫عوْنَ َوقَ ْومِهِ‪[} ...‬النمل‪.]12 :‬‬
‫إِلَىا فِرْ َ‬
‫ولم يكن موسى يطلب من فرعون أن يؤمن؛ فهو لم يُرْسَل لهدايته؛ ولكنه جاء ليُفحمه وليأخذ بني‬
‫سلُ إليهم‪ ،‬واليات هي‪ :‬العصا َووَضْع اليد في الجيب لتخرج بيضاء‪ ،‬و َنقْص النفس‬
‫إسرائيل المُرْ َ‬
‫والثمرات؛ والطوفان والجراد وال ُقمّل والضفادع والدم‪ ،‬هذه هي اليات التسع الخاصة بفرعون‪.‬‬
‫أما بقية اليات التي جاء بها موسى ‪ -‬عليه السلم ‪ -‬لبني إسرائيل فهي كثيرة مثل‪ {:‬وَإِذ نَ َتقْنَا‬
‫الْجَ َبلَ َف ْو َقهُمْ كَأَنّهُ ظُلّةٌ‪[} ...‬العراف‪.]171 :‬‬
‫وأيضا‪ {:‬وَظَلّلْنَا عَلَ ْي ُكمُ ا ْل َغمَامَ‪[} ...‬البقرة‪.]57 :‬‬
‫ن وَالسّ ْلوَىا‪[} ...‬البقرة‪.]57 :‬‬
‫وكذلك قوله الحق‪ {:‬وَأَنزَلْنَا عَلَ ْيكُمُ ا ْلمَ ّ‬
‫ولذلك أجمل الحق سبحانه اليات التي جاءت مع موسى لقومه‪:‬‬
‫{ وََلقَدْ أَ ْرسَلْنَا مُوسَىا بِآيَاتِنَآ أَنْ َأخْرِجْ َق ْو َمكَ مِنَ الظُّلمَاتِ إِلَى النّورِ وَ َذكّرْهُمْ بِأَيّامِ اللّهِ‪} ...‬‬
‫[إبراهيم‪.]5 :‬‬
‫أي‪ :‬أَعِدْ إلى ُبؤْرة شعورهم ما كان في الحاشية؛ وأنْ يستدعوا من الذاكرة أيام ال‪ ،‬والمراد ما‬
‫حدث في تلك اليام‪ ،‬مثلما نقول نحن " يوم بدر " أو " يوم ذي قار " أو " السادس من أكتوبر " أو‬
‫" العاشر من رمضان "‪.‬‬
‫وهنا في القول الكريم إما أن يكون التذكير بتلك اليام الخاصة بالوقائع التي حدثتْ للقوام‬
‫السابقين عليهم كقوم نوح وعاد وثمود‪ ،‬ذلك أن الحق سبحانه قد أعلمهم بقصص القوام السابقة‬
‫عليهم؛ وما حدث من كل قوم تجاه الرسول المُرْسل إليه من ال‪.‬‬
‫أو أن يكون التذكير باليام التي أنعم ال فيها على بني إسرائيل بنعمه‪ ،‬أو ابتلهم فيها بما يُؤلِمهم؛‬
‫ذلك أن الحق سبحانه قال‪:‬‬
‫شكُورٍ } [إبراهيم‪.]5 :‬‬
‫ل صَبّارٍ َ‬
‫ك ليَاتٍ ّل ُك ّ‬
‫{ وَ َذكّرْ ُهمْ بِأَيّامِ اللّهِ إِنّ فِي ذاِل َ‬
‫والصبّار هو مَنْ يُكثِر الصبر على الحداث؛ وهي كلمة تُوحيِ بأن هناك أحداثا مؤلمة وقَعتْ‪،‬‬
‫وتحتاج إلى الصبر عليها‪ ،‬كما تُوحِي كلمة " شكور " بحوادث منعمة تستحق الشكر‪.‬‬
‫شكْر على ما يُرضي‪ ،‬وحين‬
‫وهكذا نجد أن المؤمن يحتاج إلى أمرين؛ صَبْر على ما يُؤلِم‪ ،‬و ُ‬
‫تجتمع هاتان الصفتان في مؤمن؛ يكون مُكت ِملَ اليمان‪.‬‬
‫وقد قال الحق سبحانه‪ :‬إن تلك اليات هي أدلة تُوضّح الطريق أمام المؤمن‪ ،‬وتُعطي له العِبْرة‪،‬‬
‫لنه حين يعلم تاريخ القوام السابقة؛ ويجد أنَ مَنْ آمنَ منهم قد عانى من بعض الحداث المؤلمة؛‬
‫لكنه نال رضا ال ونعمه؛ ومَنْ كفر منهم قد تمتع قليلً‪ ،‬ثم تلّقى نقمة ال وغضبه‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫هذا يُقبِل المؤمن على تحمّل مَشَاقّ اليمان؛ لنه يثق في أن الحق سبحانه ل ُيضِيع أجْر مؤمنٍ؛‬
‫ول ُب ّد لموكب اليمان أنْ ينتصر؛ ولذلك فالمؤمن يصبر على المحن‪ ،‬ويشكر على ال ّنعَم‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك‪ } :‬وَِإذْ قَالَ مُوسَىا ِل َق ْومِهِ ا ْذكُرُواْ‪.{ ...‬‬

‫(‪)1742 /‬‬
‫عوْنَ َيسُومُو َنكُمْ سُوءَ ا ْلعَذَابِ‬
‫وَإِذْ قَالَ مُوسَى ِل َق ْومِهِ ا ْذكُرُوا ِن ْعمَةَ اللّهِ عَلَ ْيكُمْ إِذْ أَ ْنجَاكُمْ مِنْ َآلِ فِرْ َ‬
‫وَيُذَبّحُونَ أَبْنَا َءكُ ْم وَيَسْتَحْيُونَ ِنسَا َءكُ ْم َوفِي ذَِلكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَ ّبكُمْ عَظِيمٌ (‪)6‬‬

‫وهكذا نجد الحق سبحانه وقد جاء بنموذج من أيام معاناتهم من جبروت فرعون‪ ،‬وكيف خلّصهم‬
‫سبحانه من هذا الجبروت‪ ،‬وكان فرعون يُسلّط عليهم أقسى ألوان العذاب‪ ،‬ف " سام " الشيء أي‪:‬‬
‫طلبه؛ و " سام سوء العذاب " أي‪ :‬طلب العذاب السيء‪.‬‬
‫قد ذَبّح فرعون أبناءهم الذكور‪ ،‬ولم يُذبّح الناث لتصبح النساء بل عائل ويستبيحهُنّ‪ ،‬وفي هذا‬
‫ِنكَاية شديدة‪.‬‬
‫ووقف بعض المستشرقين عند هذه الية‪ ،‬وقالوا‪ :‬لقد تعرض القرآن من قبل لهذه الية في سورة‬
‫عوْنَ َيسُومُو َنكُمْ سُوءَ ا ْلعَذَابِ ُيذَبّحُونَ أَبْنَآ َء ُك ْم وَيَسْتَحْيُونَ‬
‫البقرة؛ حين قال‪ {:‬وَإِذْ َنجّيْنَاكُم مّنْ آلِ فِرْ َ‬
‫نِسَآ َء ُك ْم َوفِي ذَِلكُمْ بَلءٌ مّن رّ ّب ُكمْ عَظِيمٌ }[البقرة‪.]49 :‬‬
‫فهل هذه الية في سورة إبراهيم هي البليغة‪ ،‬أم الية التي في سورة البقرة؛ خصوصا وأن الفرق‬
‫بينهما هو مجيء " الواو " كحرف عطف على ذبح البناء باستباحة النساء؟‬
‫وأضاف هذا المستشرق‪ :‬ولسوف أتنازل عن النظر إلى ما جاء في سورة العراف حين قال‬
‫القرآن‪ {:‬وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مّنْ آلِ فِرْعَونَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ ا ْلعَذَابِ ُيقَتّلُونَ أَبْنَآ َءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآ َءكُمْ‬
‫َوفِي ذاِلكُمْ بَلءٌ مّن رّ ّب ُكمْ عَظِيمٌ }[العراف‪.]141 :‬‬
‫وبطبيعة الحال‪ ،‬فهذا المستشرق لم يأخذ َفهْم القرآن عن مَلَكةٍ عربية‪ ،‬ذلك أنه لو كان قد امتلك‬
‫هذه القدرة على الفَهْم؛ لَعرفَ أن الكلم لم يصدر في اليات عن مصدر واحد‪ ،‬بل صدر عن‬
‫مصدرين‪.‬‬
‫ففي آية سورة البقرة كان المصدر المتكلم هو ال سبحانه ولذلك قال‪َ {:‬نجّيْنَاكُم‪[} ...‬البقرة‪.]49 :‬‬
‫ولكن المصدر المتكلم في سورة إبراهيم هو موسى عليه السلم؛ لم َي ًقُلْ أنه هو الذي أنجاهم بل‬
‫يُعدّد النعم التي مَنّ ال بها عليهم؛ ويمتنّ بها عليهم‪ .‬وعِلّة ذلك أن العظيم حين يمتنّ على غيره ل‬
‫يمتنّ إل بالعظائم‪ ،‬أما دون العظيم فقد يمتنّ بما دون ذلك‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وأسوق هذا المَثل لمزيد من اليضاح ل للتشبيه؛ فسبحانه مُنزّه عن التشبيه‪ ،‬وأقول‪َ :‬هبْ أن إنسانا‬
‫غنيا له أخ رقيق الحال‪ ،‬وقد يُمد الغنيّ أخاه الفقير بأشياء كثيرة‪ ،‬وقد يعتني بأولده؛ ويقوم‬
‫برعايته ورعاية أولده رعاية كاملة‪ .‬ويأتي ابن الفقير ليقول لبن الغني‪ :‬لماذا ل تسألون عنا؟‬
‫فيقول ابن الغني‪ :‬ألم يَ ْأتِ أبي لك بهذا القلم وتلك البذلة‪ ،‬بالضافة إلى الشقة التي تسكنون فيها؟‬
‫ن يقول‪ :‬أنا أسأل عنكم‪ ،‬بدليل أنّي أحضرت لكم الشقة التي تسكنون‬
‫ولكن العَ ّم الغنيّ يكتفي بأ ْ‬
‫فيها‪ .‬إذن‪ :‬فالكبير حقا هو الذي يذكر المور الكبيرة‪ ،‬أما القل فهو من يُعدّد الشياء‪.‬‬
‫وهنا يصف الحق سبحانه سوْم العذاب وذَبْح البناء بالبلء العظيم في قوله تعالى‪:‬‬
‫عظِيمٌ } [إبراهيم‪.]6 :‬‬
‫{ ذاِلكُمْ بَلءٌ مّن رّ ّبكُمْ َ‬
‫وهكذا نرى مظهرية الخير التي مَنّ ال بها عليهم‪ ،‬وهي النجاء من ذبح البناء واستباحة النساء؛‬
‫وكان ذلك نوعا من مظهرية الشر‪ .‬وهذا ابتلء صعب‪.‬‬
‫وسبق أنْ أوضحنا أنّ البلء يكون بالخير أو بالشر‪ ،‬فقد قال سبحانه‪ {:‬وَنَبْلُوكُم بِالشّ ّر وَا ْلخَيْرِ فِتْنَةً‬
‫جعُونَ }[النبياء‪.]35 :‬‬
‫وَإِلَيْنَا تُرْ َ‬
‫لهُ رَبّهُ فََأكْ َرمَهُ‬
‫فل الخير دليلُ تكريم‪ ،‬ول الشرّ دليلُ إهانة؛ فهو القائل‪ {:‬فََأمّا الِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَ َ‬
‫لهُ َفقَدَرَ عَلَيْهِ رِ ْز َقهُ فَ َيقُولُ رَبّي أَهَانَنِ }[الفجر‪-15 :‬‬
‫وَ َن ّعمَهُ فَيَقُولُ رَبّي َأكْ َرمَنِ * وََأمّآ ِإذَا مَا ابْتَ َ‬
‫‪.]16‬‬
‫فالبتلء في الصل هو المتحان؛ إما أنْ تنجحَ فيه أو ترسبَ؛ ولذلك فهو غَيْر مذموم إل بالنتيجة‬
‫التي َيؤُول إليها‪.‬‬
‫شكَرْتُمْ‪.} ...‬‬
‫ويقول سبحانه من بعد ذلك‪ { :‬وَإِذْ تََأذّنَ رَ ّبكُمْ لَئِن َ‬

‫(‪)1743 /‬‬
‫شكَرْتُمْ لَأَزِيدَ ّنكُ ْم وَلَئِنْ َكفَرْتُمْ إِنّ عَذَابِي َلشَدِيدٌ (‪)7‬‬
‫وَإِذْ تَأَذّنَ رَ ّبكُمْ لَئِنْ َ‬

‫ونلحظ أن الية تبدأ بكلمة " تأذّن " وكل المادة اللف والذال والنون مأخوذة من الذن‪ .‬والذن آلة‬
‫السماع‪ ،‬والذان إعلم‪ ،‬وآذنهم أي أعلمهم‪.‬‬
‫وتأذن أي‪ :‬اعلم بتوكيد‪ .‬وهكذا يكون معنى الية‪ :‬أني أعلِمكم بتوكيد من ربكم أنكم إنْ شكرتم‬
‫ليزيدنكم من نعمه وعطائه؛ لن الشكر دليلُ ارتباط بالواهب؛ وأنكم سلختم أنفسكم من العتزاز‬
‫بما أوتيتم‪ ،‬وعلمتم أنه هو وحده الوهاب‪.‬‬
‫طغَىا * أَن رّآهُ اسْ َتغْنَىا }[العلق‪6 :‬ـ ‪.]7‬‬
‫ن الِنسَانَ لَيَ ْ‬
‫والحق سبحانه هو مَنْ قال‪ {:‬كَلّ إِ ّ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ولو كان النسان مربوطا بالحق سبحانه؛ لما فصل الحقّ عن نعمه؛ ولظل ذاكرا للحق الذي وهبه‬
‫النّعمَ‪.‬‬
‫ولذلك أقول دائما‪ :‬إياك أن تشغلك النعمة عن المُنِعم؛ لن النعمة موهوبة لك؛ وليستْ ذاتية فيك‪.‬‬
‫وتأتي المقابلة من بعد ذلك مباشرة؛ فيقول‪:‬‬
‫عذَابِي لَشَدِيدٌ } [إبراهيم‪.]7 :‬‬
‫{ وَلَئِن َكفَرْتُمْ إِنّ َ‬
‫وهنا يثور سؤال‪ :‬هل الذي ل يشكر نعم ال يكون كافرا؟‬
‫وهنا علينا أن نعلم أن هناك فارقا بين الكفر والكفران‪ ،‬ولكن لفظ الكفر جاء هنا ليغلظ من معنى‬
‫عدم الشكر‪ ،‬ولم يأت بكلمة كُفْران وجاء بقوله‪:‬‬
‫عذَابِي لَشَدِيدٌ } [إبراهيم‪.]7 :‬‬
‫{ وَلَئِن َكفَرْتُمْ إِنّ َ‬
‫ل َومَن كَفَرَ‬
‫والمثل في ذلك قول الحق سبحانه‪ {:‬وَللّهِ عَلَى النّاسِ حِجّ الْبَ ْيتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِي ً‬
‫فَإِنّ ال غَ ِنيّ عَنِ ا ْلعَاَلمِينَ }[آل عمران‪.]97 :‬‬
‫حكْمين‪:‬‬
‫ومَنْ لم يحج فهو عَاصٍ؛ وكأن ال يريد أن يُصعّب عدم القيام بالحج‪ .‬أو‪ :‬أن الية تريد ُ‬
‫الحكم الول‪ :‬اليمان بفرضية الحج؛ والثاني‪ :‬القيام بالحج فعلً‪.‬‬
‫ذلك أن الحق سبحانه قد قال‪ {:‬وَللّهِ عَلَى النّاسِ حِجّ الْبَ ْيتِ مَنِ اسْ َتطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلً‪[} ...‬آل عمران‪:‬‬
‫‪.]97‬‬
‫حكْم صحيح واجب يؤمن به ولكنه ل يُنفّذه؛ قد يدخل في المعصية؛ لنه‬
‫فَمنْ يؤمن بأن هذا ُ‬
‫ج ولم يفعل‪ .‬أما مَنْ يكفر بالحج نفسه وينكر القضية كلها؛ فهو كافر والعياذ بال‪.‬‬
‫يستطيع أن يحُ ّ‬
‫شدِيدٌ }‬
‫شكَرْتُ ْم لَزِيدَ ّنكُمْ وَلَئِن َكفَرْتُمْ إِنّ عَذَابِي لَ َ‬
‫وهنا يقول الحق سبحانه‪ {:‬وَإِذْ تََأذّنَ رَ ّبكُمْ لَئِن َ‬
‫[إبراهيم‪.]7 :‬‬
‫وهكذا جاء الكفر مقابل الشكر‪ ،‬ول بُدّ من عذاب للكفر؛ وعذابُ ال ل ُبدّ أن يكون شديدا؛ لن‬
‫العذاب يتناسب بقدرة المعذب‪ ،‬ول أقدرَ من ال‪ ،‬ونعوذ به سبحانه من عذابه‪ ،‬فهو أمر ل يُطاَق‬
‫ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك‪َ { :‬وقَالَ مُوسَى إِن َت ْكفُرُواْ أَنتُمْ‪.} ...‬‬

‫(‪)1744 /‬‬
‫حمِيدٌ (‪)8‬‬
‫جمِيعًا فَإِنّ اللّهَ َلغَنِيّ َ‬
‫َوقَالَ مُوسَى إِنْ َت ْكفُرُوا أَنْ ُت ْم َومَنْ فِي الْأَ ْرضِ َ‬

‫وقد قال موسى ذلك كي ل يظنّ ظَانّ من قومه أن ال في حاجة إلى شكرهم؛ وأنه سيعاقبهم‬
‫ن كفروا بشكره؛ فأراد أنْ ينسخَ هذا الظنّ من أذهان مَنْ يسمعونه‪.‬‬
‫بالعذاب إ ْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وأوضح لهم أن الحق سبحانه لن يزيده إيمانكم شيئا؛ ولن يضيف هذا اليمانُ منهم ومعهم أهل‬
‫الرض كلهم ِلمُلْكه شيئا؛ لن مُلْك ال إنما أبرزه سبحانه بصفات الكمال فيه‪ ،‬وهو ناشيء عن‬
‫كمال موجود‪.‬‬
‫ح وَعَا ٍد وَ َثمُودَ‪.} ...‬‬
‫ولذلك يأتي قوله الحق‪ { :‬أَلَمْ يَأْ ِت ُكمْ نَبَأُ الّذِينَ مِن قَبِْلكُمْ َقوْمِ نُو ٍ‬

‫(‪)1745 /‬‬
‫ح وَعَا ٍد وَ َثمُو َد وَالّذِينَ مِنْ َبعْدِ ِهمْ لَا َيعَْل ُمهُمْ إِلّا اللّهُ جَاءَ ْتهُمْ‬
‫أَلَمْ يَأْ ِت ُكمْ نَبَأُ الّذِينَ مِنْ قَبِْلكُمْ َقوْمِ نُو ٍ‬
‫شكّ ِممّا تَدْعُونَنَا‬
‫سلْتُمْ بِهِ وَإِنّا َلفِي َ‬
‫رُسُُلهُمْ بِالْبَيّنَاتِ فَ َردّوا أَيْدِ َيهُمْ فِي َأ ْفوَا ِه ِه ْم َوقَالُوا إِنّا كَفَرْنَا ِبمَا أُرْ ِ‬
‫إِلَيْهِ مُرِيبٍ (‪)9‬‬

‫وهذه الية الكريمة أعطتْنا تفسيرا لقوله سبحانه‪ {:‬وَإِن مّنْ ُأمّةٍ ِإلّ خَلَ فِيهَا نَذِيرٌ }[فاطر‪.]24 :‬‬
‫ك َومِ ْنهُمْ مّن لّمْ َن ْقصُصْ‬
‫صصْنَا عَلَ ْي َ‬
‫وكذلك قوله سبحانه‪ {:‬وَلَقَدْ أَ ْرسَلْنَا رُسُلً مّن قَبِْلكَ مِ ْنهُم مّن َق َ‬
‫عَلَ ْيكَ‪[} ...‬غافر‪.]78 :‬‬
‫ونعلم أن الحق سبحانه قد أوحى لموسى ‪ -‬عليه السلم ‪ -‬أن يُبلغ قومه بقصص بعض من‬
‫النبياء السابقين عليه‪ .‬وهذا واضح في قوله الحق‪:‬‬
‫ح وَعَا ٍد وَ َثمُودَ‪[ } ...‬إبراهيم‪.]9 :‬‬
‫{ أََلمْ يَأْ ِتكُمْ نَبَأُ الّذِينَ مِن قَبِْل ُكمْ َقوْمِ نُو ٍ‬
‫ويقول سبحانه عن القوم الذين جاءوا من بعد ذلك‪:‬‬
‫{ وَالّذِينَ مِن َبعْدِ ِه ْم لَ َيعَْل ُمهُمْ ِإلّ اللّهُ جَآءَ ْتهُمْ رُسُُلهُمْ بِالْبَيّنَاتِ‪[ } ...‬إبراهيم‪.]9 :‬‬
‫أي‪ :‬أن الرسل قد حملوا منهج ال‪ ،‬وكذلك المعجزات الدالة على صدقهم ِلمَنْ جاءوا من بعد ذلك‪.‬‬
‫والبينات إما أن تكون المعجزات الدالة على صدقهم؛ أو‪ :‬هي اليات المُشْتملة على الحكام‬
‫الواضحة التي تُنظّم حركة حياتهم لُِتسْعدهم‪.‬‬
‫ولكن هل قَبَِلتْ تلك القوامُ تلك البيناتِ؟‬
‫ل‪ ،‬لن الحق سبحانه يقول عنهم‪:‬‬
‫{ فَ َردّواْ أَيْدِ َيهُمْ فِي َأ ْفوَا ِههِمْ َوقَالُواْ إِنّا َكفَرْنَا ِبمَآ أُرْسِلْ ُتمْ بِهِ‪[ } ...‬إبراهيم‪.]9 :‬‬
‫عضّوا على اليدي‬
‫ن وضعوا أيديهم على أفواههم‪ ،‬وإما أنهم َ‬
‫وهكذا نرى أن الكافرين هم مَ ْ‬
‫بالنواجذ لنهم لم ُيطِيقوا تطبيق منهج ال؛ ولم يستطيعوا التحكّم في أنفسهم‪.‬‬
‫أو‪ :‬أنهم رَدّوا أيديهم إلى أفواههم بمعنى أن قالوا للرسل‪ " :‬هس " ‪ ،‬أصمتوا ول تتكلموا بما جِئْتم‬
‫به من بلغ‪ .‬أو‪ :‬أن بعضهم قال للرسل " ل فائدة من كلمكم في هؤلء "‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والثراء في القرآن يتحمّل كل هذه المعاني؛ والية تتسِق فيها كل تلك المعاني؛ فالعبارة الواحدة في‬
‫القرآن تكون شاملة لخيرات تناسب كمالت ال‪ ،‬وستظل كمالت القرآن موجودة يظهر بعضها‬
‫لنا؛ وقد ل ندرك البعض الخر إلى أن يُعلِمنا بها ال يوم القيامة‪.‬‬
‫ويأتي قولهم‪:‬‬
‫سلْتُمْ بِهِ‪[ } ...‬إبراهيم‪.]9 :‬‬
‫{ إِنّا كَفَرْنَا ِبمَآ أُرْ ِ‬
‫ليكشف لنا غباءهم‪َ ،‬فهُمْ يعترفون بأن هؤلء رسل من السماء‪ ،‬وفي نفس الوقت يُنكِرون المنهج‪،‬‬
‫ويُعلنون هذا النكار‪ ،‬يكشف لنا ذلك قوله تعالى‪:‬‬
‫شكّ ّممّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ } [إبراهيم‪.]9 :‬‬
‫{ وَإِنّا َلفِي َ‬
‫أي‪ :‬أنهم أعلنوا رأيهم في المنهج‪ ،‬وقالوا‪ :‬إنهم مُحيّرون ويشكّون في هذا المنهج‪.‬‬
‫شكّ فَاطِرِ‪.} ...‬‬
‫ويأتي القرآن بردّ الرسل في قول الحق سبحانه‪ { :‬قَاَلتْ ُرسُُلهُمْ َأفِي اللّهِ َ‬

‫(‪)1746 /‬‬
‫ت وَالْأَ ْرضِ َيدْعُوكُمْ لِ َي ْغفِرَ َلكُمْ مِنْ ذُنُو ِبكُمْ وَيُؤَخّ َر ُكمْ إِلَى‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫شكّ فَاطِرِ ال ّ‬
‫قَاَلتْ رُسُُلهُمْ َأفِي اللّهِ َ‬
‫عمّا كَانَ َيعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ‬
‫سمّى قَالُوا إِنْ أَنْ ُتمْ إِلّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ َتصُدّونَا َ‬
‫جلٍ مُ َ‬
‫أَ َ‬
‫(‪)10‬‬

‫ن توجه إليه‬
‫شكّ‪[ } ...‬إبراهيم‪ ]10 :‬هو لوْن من الخطاب الذي ل يترك لمَ ْ‬
‫وقوله‪َ { :‬أفِي اللّهِ َ‬
‫ت واثقا من أن مَنْ تُوجّه إليه‬
‫الكلم أنْ يُجيب إل كما تريد أنت‪ .‬وأنت ل تفعل ذلك إل إذا كُ ْن َ‬
‫الكلم سيجيب ‪ -‬إنِ استحضرَ الحق في ذهنه ‪ -‬كما تريد أنت‪.‬‬
‫ولذلك لم يَ ْأتِ الخطاب هنا بقوله " ل شك في ال " وبذلك يكون الكلم خبريا‪ ،‬وقد يقول واحد‪ :‬إن‬
‫هذا الكلم كاذب‪ ،‬ولكن على الرغم من أن المستمعين من الكفار‪ ،‬إل أنه يأتي بالقضية في شكل‬
‫تساؤل يستأمنهم على أنهم سوف يُديرون الكلم في رؤوسهم‪ ،‬وسيعثرون على الجابة التي ل‬
‫ن ينكرونها؛ وهي " ليس في ال شك "‪.‬‬
‫يمكن أ ْ‬
‫وهكذا نجد أن القائل قد سكتَ عن إعلنهم الكف َر أولً؛ وجاء لهم بالتساؤل الذي سيجيبون عليه "‬
‫ليس في ال شك " ‪ ،‬ويأتي لهم بالدليل الذي ل يحتمل أيّ شكّ‪ ،‬وهو قوله الحق‪:‬‬
‫ت وَالَرْضِ‪[ } ...‬إبراهيم‪.]10 :‬‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫{ فَاطِرِ ال ّ‬
‫سمَاوَاتِ‬
‫والفاطر هو الذي خلق خَلْقا على غير مثال سابق‪ ،‬مثلها مثل قوله الحق‪ {:‬بَدِيعُ ال ّ‬
‫وَالَرْضِ‪[} ...‬البقرة‪.]117 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فل أحدَ قادرٌ على أن يخلقَ مثل السماوات والرض؛ وهي مخلوقة على غير مثال سابق‪.‬‬
‫وسبحانه هو مَنْ شاء أن يكون النسان سيدا لكل الكائنات المخلوقة‪ ،‬وأن تكون تلك الكائنات‬
‫مُسخّرة لخدمته‪.‬‬
‫وقد يتخيل النسان أن خَلْقه أكبر من خَلْق السماوات والرض؛ لذلك يُنبّهه الحق سبحانه‪ {:‬لَخَ ْلقُ‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضِ َأكْـبَرُ مِنْ خَ ْلقِ النّاسِ‪[} ...‬غافر‪.]57 :‬‬
‫ال ّ‬
‫ولو نظرت إلى الشمس وسألتَ نفسك؛ كم من الجيال قد استمتعوا بدفْئها واستفادوا منها؛ فمن‬
‫المؤكّد أنك لن تعرف عدد الجيال؛ لن الشمس مخلوقة من قَبْل خَلْق البشر‪ ،‬وكل إنسان يستمتع‬
‫بالشمس ويستفيد منها عدد سنوات حياته‪ ،‬ثم يذهب إلى الموت‪.‬‬
‫ونجد المفسر الجليل الفخر الرازي يضرب المَثل الذي ل يمكن أن يُنكِره أحد‪ ،‬ويدلّ على الفطرة‬
‫في اليمان‪ ،‬ويُوضّح أن الحق سبحانه لم يُمهل النسان إلى أنْ ينضجَ عقله ليشعر بضرورة‬
‫اليمان‪ ،‬ويضرب المثل بطفل صغير تسلّل‪ ،‬وضرب شقيقه؛ هنا ل ُبدّ أن يلتفتَ الشقيق ليكتشف‬
‫مَنِ الذي ضربه؛ لن النسان من البداية يعلم أنْ ل شيءَ يحدث إل وله فاعل‪.‬‬
‫و َهبْ أن طفلً جاء ليجد شقيقه جالسا على كرسي‪ ،‬وهو يريد أن يجلس على نفس الكرسي؛ هنا‬
‫سيقوم الطفل بشدّ وجَذْب أخيه من على الكرسي ليجلس هو‪ ،‬وكأنه اكتشف بالفطرة أن اثنين ل‬
‫يمكن أن يستوعبهما حَيّز واحد‪.‬‬
‫وهكذا يتوصل النسان بالفطرة إلى معرفة أن هناك خالقا أوحد‪ .‬وهكذا نجد قوله الحق‪:‬‬
‫ت وَالَرْضِ‪[ } ...‬إبراهيم‪.]10 :‬‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫{ فَاطِرِ ال ّ‬
‫هو الية الكونية الواسعة‪.‬‬
‫ويأتي من بعد ذلك بالقول‪:‬‬
‫{ َيدْعُوكُمْ لِ َي ْغفِرَ َل ُكمْ مّن ذُنُو ِبكُمْ‪.‬‬
‫‪[ { ..‬إبراهيم‪.]10 :‬‬
‫وهذا القول يدل على الرحمة والحكمة والقدرة والحنان؛ وهو هنا يقول‪:‬‬
‫} لِ َي ْغفِرَ َلكُمْ مّن ذُنُو ِبكُمْ { [إبراهيم‪.]10 :‬‬
‫ولم َي ُقلْ‪ :‬يغفر لكم ذنوبكم؛ ذلك أنه يخاطب الكفار؛ بينما يقول سبحانه حين يخاطب المؤمنين‪{:‬‬
‫عذَابٍ أَلِيمٍ * ُت ْؤمِنُونَ بِاللّهِ وَرَسُولِ ِه وَتُجَا ِهدُونَ‬
‫ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ َهلْ أَدُلّكمْ عَلَىا تِجَا َرةٍ تُنجِيكُم مّنْ َ‬
‫سكُمْ ذَِلكُمْ خَيْرٌ ّلكُمْ إِن كُنتُمْ َتعَْلمُونَ * َي ْغفِرْ َل ُكمْ ذُنُو َبكُمْ‪[} ...‬الصف‪:‬‬
‫فِي سَبِيلِ اللّهِ بَِأ ْموَاِلكُ ْم وَأَنفُ ِ‬
‫‪.]12-10‬‬
‫وهكذا ل يساوي الحقّ سبحانه في خطابه بين المؤمنين والكافرين‪.‬‬
‫أو‪ :‬أن المقصود من قوله‪:‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫} لِ َي ْغفِرَ َلكُمْ مّن ذُنُو ِبكُمْ‪[ { ...‬إبراهيم‪.]10 :‬‬
‫هو غفران الكبائر‪ :‬ذلك أن صغائر الذنوب إنما يغفرها أداء الفرائض والعبادات؛ فنحن نعلم أن‬
‫الرسول صلى ال عليه وسلم قال‪ " :‬الصلوات الخمس‪ ،‬والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما لم‬
‫ُتغْشَ الكبائر "‪.‬‬
‫ويتابع سبحانه‪:‬‬
‫جلٍ مّسَـمّـى‪[ { ...‬إبراهيم‪.]10 :‬‬
‫} وَ ُيؤَخّ َركُمْ إِلَى أَ َ‬
‫وكلنا نعرف أن الجل هو الزمن المضروب والمُقرر للحدثِ‪ .‬وإن شاء الحق سبحانه البادة فنجد‬
‫سفْنَا بِ ِه وَبِدَا ِرهِ الَرْضَ }[القصص‪.]81 :‬‬
‫ما يدل عليه قوله الحق‪َ {:‬فخَ َ‬
‫كما فعل مع قارون‪.‬‬
‫جلٍ مّسَـمّـى‪[ { ...‬إبراهيم‪ ]10 :‬مقصود به يوم القيامة‪.‬‬
‫أو‪ :‬أن قوله‪ } :‬إِلَى َأ َ‬
‫ولكن الكفار أهل َلدَد وعناد‪ ،‬لذلك نجد قولهم‪:‬‬
‫عمّا كَانَ َيعْبُدُ آبَآؤُنَا فَأْتُونَا ِبسُلْطَانٍ مّبِينٍ‬
‫} قَالُواْ إِنْ أَنتُمْ ِإلّ بَشَرٌ مّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن َتصُدّونَا َ‬
‫{ [إبراهيم‪.]10 :‬‬
‫وهكذا يعلن أهل الكفر لرسلهم أنهم يُفضّلون أن يكونوا أهل تقليد للباء‪ ،‬ولو أنهم فكّروا َلعِلموا أن‬
‫التقليد لو شاع في المجتمعات لَما ارتقى أحدٌ عن آبائه وأجداده‪ ،‬فالعالم يتطور من تمرّد جيل على‬
‫جيل سابق‪ ،‬فلماذا ُيصِرّ هؤلء الكافرون على أن يحتفظوا بتقليد الباء والجداد؟‬
‫وإذا كان البناء يتطورون في كل شيء‪ ،‬فلماذا يحتفظ هؤلء الكفار بتقليد الباء في العقائد؟‬
‫ول يكتفي أهل الكُفْر بذلك‪ ،‬بل يطلبون أن يأتيَ لهم الرسل بسلطان مبين‪ ،‬والسلطان يُطلق مرّة‬
‫على القهر على الفعل‪ ،‬ويكون الفاعل المقهور كارها للفعل‪.‬‬
‫ومرّة يطلق على الحجة التي تُقنع بالفعل‪ ،‬ويكون الفاعل مُحِبا لما َيقْدُم عليه‪ ،‬والدين ل يمكن أن‬
‫ينتشر قهرا؛ بل ل بُدّ أن يُقبل النسان على الدين بقلبه‪ ،‬وذلك ل يأتي قهرا‪.‬‬
‫لذلك نجد القول الحق‪ {:‬لَ ِإكْرَاهَ فِي الدّينِ قَد تّبَيّنَ الرّشْدُ مِنَ ا ْل َغيّ‪[} ...‬البقرة‪.]256 :‬‬
‫وما دام الرّشدْ قد ظهر فالكراه ل مجالَ له؛ لن الذي ُيكْره على شيء ل يمكن له أن يعتنق ما‬
‫يُكره عليه‪.‬‬
‫وإذا ما دخل النسان الدين فعليه أن يلتزَم بما يُكلّف به الدين؛ ولذلك فالنسان ل يمكن أن يدخل‬
‫إلى الدين ُمكْرها‪ ،‬بل‪ ،‬ل بُدّ أن يدخله على بصيرة‪.‬‬
‫سُلهُمْ إِن نّحْنُ‬
‫ويأتي الحق سبحانه بعد ذلك بما قاله الرسل ردا على َقوْل أهل الكفر‪ } :‬قَاَلتْ َلهُمْ رُ ُ‬
‫ِإلّ بَشَرٌ‪.{ ...‬‬

‫(‪)1747 /‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫علَى مَنْ َيشَاءُ مِنْ عِبَا ِدهِ َومَا كَانَ لَنَا أَنْ‬
‫قَاَلتْ َلهُمْ رُسُُل ُهمْ إِنْ َنحْنُ إِلّا بَشَرٌ مِثُْلكُ ْم وََلكِنّ اللّهَ َيمُنّ َ‬
‫سلْطَانٍ إِلّا بِإِذْنِ اللّ ِه وَعَلَى اللّهِ فَلْيَ َت َو ّكلِ ا ْل ُمؤْمِنُونَ (‪)11‬‬
‫نَأْتِ َيكُمْ بِ ُ‬

‫وهكذا أوضح الرسل لقوامهم‪ :‬نحن بشر مثلكم‪ ،‬والسلطان الذي نملكه هو المعجزة التي اختص‬
‫بها الحق سبحانه ُكلّ رسول‪ ،‬والحق سبحانه هو الذي يتفضّل على عباده؛ فيختار منهم الرسول‬
‫المناسب لكل قوم؛ ويرسل معه المعجزة الدالة على تلك الرسالة؛ ويقوم الرسول بتبليغ كل ما يأمر‬
‫به ال‪.‬‬
‫وكل رسول إنما يفعل ذلك ويُقبِل عليه بكل الثقة في أن الحق سبحانه لن يخذله وسينصره؛‬
‫فسبحانه هو القائل‪ {:‬وَإِنّ جُندَنَا َلهُمُ ا ْلغَالِبُونَ }[الصافات‪.]173 :‬‬
‫ويخبرنا سبحانه بطمأنة الرسول ومَنْ معه لحظةَ أن تزلزلهم جِسَام الحداث؛ وتبلغ قلوبهم‬
‫الحناجر‪ ،‬ويتساءلون‪ {:‬مَتَىا َنصْرُ اللّهِ‪[} ...‬البقرة‪.]214 :‬‬
‫فتأتي أخبار نَصرْ الحق سبحانه لرسله السابقين لطمأنه المؤمنين‪ ،‬ونجد الحق سبحانه هنا يقول‪:‬‬
‫{ وَعلَى اللّهِ فَلْيَ َت َوكّلِ ا ْل ُم ْؤمِنُونَ } [إبراهيم‪.]11 :‬‬
‫هكذا أعلن كل رسول ِلمَنْ آمن به من قومه‪ ،‬فعلَى ال وحده يتوكّل المؤمنون‪ ،‬ويُفوّضون كل‬
‫أمورهم إليه وحده؛ صَبْرا على معاندة الكافرين‪ ،‬وثِقةً في أنه سبحانه ينصر مَنْ أبلغوا رسالته‬
‫ومنهجه‪ ،‬وينصر معهم مَنْ آمنوا بالمنهج والرسالة‪.‬‬
‫وينقل لنا الحق سبحانه بقية ما قاله الرسل لقوامهم‪َ { :‬ومَا لَنَآ َألّ نَ َت َو ّكلَ عَلَى اللّهِ‪.} ...‬‬

‫(‪)1748 /‬‬
‫َومَا لَنَا أَلّا نَ َت َو ّكلَ عَلَى اللّ ِه َوقَدْ َهدَانَا سُبُلَنَا وَلَ َنصْبِرَنّ عَلَى مَا َآذَيْ ُتمُونَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَ َت َوكّلِ‬
‫ا ْلمُ َت َوكّلُونَ (‪)12‬‬

‫ونلحظ أن الحق سبحانه قد وصف المُتوكّلين في نهاية الية السابقة بأنهم المؤمنون؛ وهنا يَصفُهم‬
‫في نهاية هذه الية بأنهم المتوكّلون؛ لن صفة اليمان تدخل في صفة التوكل ضِمنْا‪.‬‬
‫ونعلم أن هناك فارقا بين التوكل والتواكل؛ فالتوكل يعني أن تستنفد أسباب ال ال َممْدودة؛ لن‬
‫التوكل عمل القلوب؛ بعد أن تُؤدّي الجوارحُ ما عليها من عمل وأخْذ بالسباب؛ فالجوارح تعمل‬
‫والقلوب هي التي تتوكل‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ويأتي لنا الحق سبحانه ببقية الحوار بين الذين كفروا من أهل القوام السابقة وبين رسلهم‪ ،‬فيقول‪:‬‬
‫{ َوقَالَ الّذِينَ َكفَرُواْ لِرُسُِلهِمْ‪.} ...‬‬

‫(‪)1749 /‬‬
‫َوقَالَ الّذِينَ َكفَرُوا لِ ُرسُِلهِمْ لَ ُنخْرِجَ ّنكُمْ مِنْ أَ ْرضِنَا َأوْ لَ َتعُودُنّ فِي مِلّتِنَا فََأوْحَى إِلَ ْي ِهمْ رَ ّبهُمْ لَ ُنهِْلكَنّ‬
‫الظّاِلمِينَ (‪)13‬‬

‫شتْ في الناس؛ يغضب منها المستفيدون من الفساد والذين‬
‫وهكذا نرى أن فاشية الخير حين فَ َ‬
‫يعيشون عليه؛ ويتجه تفكير المفسدين إلى ضرورة إخراج خمائر الخير من الرض التي يعيش‬
‫المفسدون على الستفادة من أهلها‪.‬‬
‫وإنْ عَ ّزتْ الرض على خمائر الخير‪ ،‬فعليهم أن يعلنوا عودتهم إلى ديانة الكافرين‪ .‬ول يقال‪:‬‬
‫عُدْت إلى الشيء إل إذا كنتُ في الشيء ثم خرجتُ عنه وعُ ْدتُ إليه‪.‬‬
‫هل كان الرسل الذين يُهدّدهم أهل الكفر بالخراج من البلد؛ يقبلون العودة إلى ديانة الكفر؟‬
‫طبعا ل؛ ولذلك نفهم من قوله تعالى‪:‬‬
‫{ َأوْ لَ َتعُودُنّ فِي مِلّتِنَا‪[ } ...‬إبراهيم‪.]13 :‬‬
‫بمعنى " أو لتصيرن في ملتنا "‪.‬‬
‫ولم يقبل الرسل تلك المُساوَمة؛ ذلك أن الحق سبحانه وتعالى يُنزِل جنود التثبيت والطمأنينة‬
‫والسكينة على قلوب رُسُله والمؤمنين؛فل يتأثر الرسل ومَنْ معهم بمثل هذا الكلم‪.‬‬
‫وهذا ما يُعبّر عنه َقوْل الحق سبحانه في آخر الية‪:‬‬
‫{ فََأوْحَىا ِإلَ ْيهِمْ رَ ّبهُمْ لَ ُنهِْلكَنّ الظّاِلمِينَ } [إبراهيم‪.]13 :‬‬
‫وهكذا يأتي القانون السماوي بالعدل وهو إهلك الظالمين‪ ،‬وتلك قضية إيمانية باقية ودائمة أبدا‪.‬‬
‫سكِنَنّـكُ ُم الَ ْرضَ مِن‪.} ....‬‬
‫ويكمل الحق سبحانه وعده لرسله ومَنْ معهم من المؤمنين‪ { :‬وَلَنُ ْ‬

‫(‪)1750 /‬‬
‫ف وَعِيدِ (‪)14‬‬
‫سكِنَ ّنكُمُ الْأَ ْرضَ مِنْ َبعْ ِدهِمْ ذَِلكَ ِلمَنْ خَافَ َمقَامِي وَخَا َ‬
‫وَلَنُ ْ‬

‫وهنا يؤكد الحق سبحانه أن مَنْ يثبت على اليمان‪ ،‬ويخاف َمقَام الحق سبحانه‪ ،‬ويخشى يوم‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫العَرْض على الحق ويوم الحساب؛ ولم ينكص عن منهج دعوة الحق؛ سيُورثه الحق سبحانه أرض‬
‫ضهُمْ وَدِيَارَهُ ْم وََأ ْموَاَلهُ ْم وَأَرْضا لّمْ‬
‫ن كفر بال؛ فتلك سنة ال؛ لنه سبحانه قال‪ {:‬وََأوْرَ َثكُمْ أَ ْر َ‬
‫مَ ْ‬
‫تَطَئُوهَا‪[} ..‬الحزاب‪.]27 :‬‬
‫ونعلم أن مَنْ يخاف ال ويخشاه ويؤمن أنه قائم على ُكلّ نفس؛ فسبحانه يجزي مَنْ يعيش حياته في‬
‫ضوْء اليمان بأن يُورِثه أرضَ مَنْ كفر‪ ،‬وقد قال الحق سبحانه لرسوله‪ {:‬وََأوْرَثْنَا ا ْل َقوْمَ الّذِينَ‬
‫َ‬
‫ض َو َمغَارِ َبهَا الّتِي بَا َركْنَا فِيهَا‪[} ..‬العراف‪.]137 :‬‬
‫ضعَفُونَ مَشَارِقَ الَرْ ِ‬
‫كَانُواْ ُيسْ َت ْ‬
‫ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك‪ { :‬وَاسْ َتفْتَحُواْ‪.} ...‬‬

‫(‪)1751 /‬‬
‫وَاسْ َتفْتَحُوا وَخَابَ ُكلّ جَبّارٍ عَنِيدٍ (‪)15‬‬

‫و " استفتح " تعني طلب الفتح‪ ،‬وهناك فتح‪ ،‬واستفتح‪ .‬وكلمة " فتح " تدل على أن شيئا ُمغْلقا ينفتح‪،‬‬
‫ومرّة يكون المقصود بالكلمة أمرا حسيا؛ وأحيانا يكون المر معنويا‪ ،‬ومرة ثالثة يكون الفتح‬
‫حكْم‪.‬‬
‫بمعنى الفصْل وال ُ‬
‫جدُواْ ِبضَاعَ َتهُمْ رُ ّدتْ‬
‫عهُ ْم وَ َ‬
‫والمثل على المر الحِسيّ قول الحق سبحانه‪ {:‬وََلمّا فَتَحُواْ مَتَا َ‬
‫إِلَ ْيهِمْ‪[} ...‬يوسف‪.]65 :‬‬
‫ومرّة يكون الفَتْح معنويا؛ وبمعنى سابقة الخير والعلم‪ ،‬كقول الحق سبحانه‪ {:‬وَإِذَا خَلَ َب ْعضُهُمْ‬
‫علَ ْيكُمْ‪[} ...‬البقرة‪.]76 :‬‬
‫حدّثُو َنهُم ِبمَا فَتَحَ اللّهُ َ‬
‫إِلَىا َب ْعضٍ قَالُواْ أَتُ َ‬
‫سلَ لَهُ‬
‫سكْ فَلَ مُرْ ِ‬
‫سكَ َلهَا َومَا ُيمْ ِ‬
‫حمَةٍ فَلَ ُممْ ِ‬
‫وكذلك قول الحق سبحانه‪ {:‬مّا َيفْتَحِ اللّهُ لِلنّاسِ مِن رّ ْ‬
‫مِن َبعْ ِدهِ‪[} ...‬فاطر‪.]2 :‬‬
‫أما المَثل على الفَتْح بمعنى ال َفصْل في المر‪ ،‬فالمثل هو قول الحق سبحانه‪:‬‬
‫ق وَأَنتَ خَيْرُ ا ْلفَاتِحِينَ }[العراف‪]89 :‬‬
‫{ رَبّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ َق ْومِنَا بِا ْلحَ ّ‬
‫وهكذا نجد للفتْح معاني متعددة‪ ،‬وكلها تدور حول المغاليق هي ٌت َفضّ‪ ،‬ويُطلَق الفتح آخر المر‬
‫على النصر‪ ،‬والمثل هو قول الحق سبحانه‪ {:‬إِذَا جَآءَ َنصْرُ اللّ ِه وَا ْلفَتْحُ }[النصر‪.]1 :‬‬
‫وهنا يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ وَاسْ َتفْتَحُو ْا وَخَابَ ُكلّ جَبّارٍ عَنِيدٍ } [إبراهيم‪.]15 :‬‬
‫وهم طلبوا الفتح بمعنى طلبوا النصر‪ ،‬وكانت تلك خيبةً من الكفار؛ َف ُهمْ طلبوا الفتح أي النصر؛‬
‫وهم قد فعلوا ذلك مظنّة أن عندهم ما ينصرهم‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وكيف ينصرهم ال وهم كافرون؟‬
‫لذلك يُخيّب ال ظنهم ويحكم عليهم بمصير كل مَنْ عاش جبارا في الرض‪ ،‬متكبرا عن عبادة‬
‫ربه‪.‬‬
‫ويقول سبحانه‪:‬‬
‫{ وَخَابَ ُكلّ جَبّارٍ عَنِيدٍ } [إبراهيم‪.]15 :‬‬
‫والجبار هو مَنْ يقهر الناس على ما يريده؛ والمقصود هنا هم المُتكبّرون عن عبادة الحق سبحانه‬
‫وتعالى‪ ،‬ويعاندون في مسألة اليمان به سبحانه‪.‬‬
‫وماذا ينتظرهم من بعد ذلك؟‬
‫جهَنّمُ‪.} ...‬‬
‫يقول الحق سبحانه‪ { :‬مّن وَرَآئِهِ َ‬

‫(‪)1752 /‬‬
‫صدِيدٍ (‪)16‬‬
‫سقَى مِنْ مَا ٍء َ‬
‫جهَنّ ُم وَيُ ْ‬
‫ن وَرَائِهِ َ‬
‫مِ ْ‬

‫أي‪ :‬من خلف الجبار المُتعنّت بالكفر جهنمُ‪ ،‬وما فيها من عذاب‪ .‬وفي العامية نسمع مَنْ يتوعد‬
‫آخر ويقول له " وراك‪ ...‬وراك " ويعني بذلك أنه سيُوقع به أذىً لم يَأتِ أوانه َبعْد‪.‬‬
‫وكلمة " وراء " في اللغة لها استخدامات متعددة؛ فمرّة تأتي بمعنى " َبعْد " والمثل في قوله تعالى‬
‫عن امرأة إبراهيم عليه السلم‪:‬‬
‫سحَاقَ َيعْقُوبَ }[هود‪.]71 :‬‬
‫ق َومِن وَرَآءِ إِ ْ‬
‫ح َكتْ فَبَشّرْنَاهَا بِِإسْحَا َ‬
‫{ وَامْرَأَتُهُ قَآ ِئ َمةٌ َفضَ ِ‬
‫أي‪ :‬جاء يعقوب من بعد إسحق‪.‬‬
‫ج ِهمْ حَا ِفظُونَ * ِإلّ‬
‫ومرّة تُطلق " وراء " بمعنى " غير " مثل قول الحق سبحانه‪ {:‬وَالّذِينَ ُهمْ ِلفُرُو ِ‬
‫جهِمْ َأوْ مَا مََل َكتْ أَ ْيمَا ُنهُمْ فَإِ ّن ُهمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * َفمَنِ ابْ َتغَىا وَرَآءَ ذاِلكَ فَُأوْلَـائِكَ ُهمُ‬
‫عَلَىا أَ ْزوَا ِ‬
‫ا ْلعَادُونَ }[المؤمنون‪.]7-5 :‬‬
‫وهنا يقول الحق سبحانهك‬
‫جهَنّمُ‪[ } ...‬إبراهيم‪.]16 :‬‬
‫{ مّن وَرَآ ِئهِ َ‬
‫ونعلم أن جهنم ستأتي مستقبلً‪ ،‬أي‪ :‬أنها أمامه‪ ،‬ولكنها تنتظره؛ وتلحقه‪.‬‬
‫ويتابع الحق سبحانه‪:‬‬
‫سقَىا مِن مّآ ٍء صَدِيدٍ } [إبراهيم‪.]16 :‬‬
‫{ وَيُ ْ‬
‫والصديد هو الماء الرقيق الذي يخرج من الجُرْح‪ ،‬وهو القَيْح الذي يسيل من أجساد أهل النار حين‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫تُشْوى جلودهم‪.‬‬
‫ولنا أن نتصورَ حجم اللم حين يحتاج أحدهم أن يشرب؛ فيُقدّم له الصديد الناتج من حَرْق جلده‬
‫وجُلُود أمثاله‪ .‬والصديد أمر يُتأ ّففُ من رؤيته؛ فما باَلُنا وهو يشربه‪ ،‬والعياذ بال‪.‬‬
‫ع ُه َولَ َيكَادُ‬
‫ويقول الحق سبحانه متابعا ِلمَا ينتظر الواحد من هؤلء حين يشرب الصديد‪ { :‬يَتَجَرّ ُ‬
‫يُسِيغُهُ‪.} ...‬‬

‫(‪)1753 /‬‬
‫عذَابٌ غَلِيظٌ (‪)17‬‬
‫ن وَرَائِهِ َ‬
‫ن َومَا ُهوَ ِبمَ ّيتٍ َومِ ْ‬
‫ع ُه وَلَا َيكَادُ يُسِي ُغ ُه وَيَأْتِيهِ ا ْل َم ْوتُ مِنْ ُكلّ َمكَا ٍ‬
‫يَتَجَرّ ُ‬

‫ويتجرعه أي‪ :‬يأخذه جَرْعة جَرْعة‪ ،‬ومن فرط مرارته ل تكون له سيولة تُستسَاغ؛ فيكاد يقف في‬
‫الحَلْق؛ والنسان ل يأخذ الشيء جَرْعة جَرْعة إل إذا كان ل يقدر على استمرار الجرعة؛ ولكن‬
‫هذا المشروب من الصديد ل يكاد يستسيغه مَنْ يتجرعه‪ .‬ويقال‪ :‬استساغ الشيء‪ .‬أي‪ :‬ابتلعه‬
‫بسهولة‪.‬‬
‫وقوله سبحانه‪:‬‬
‫{ َولَ َيكَادُ يُسِي ُغهُ‪[ } ...‬إبراهيم‪.]17 :‬‬
‫أي‪ :‬ل يكاد يبلعه بسهولة فط ْعمُه وشكله غير مقبولين‪.‬‬
‫ويتابع سبحانه‪:‬‬
‫{ وَيَأْتِيهِ ا ْل َموْتُ مِن ُكلّ َمكَانٍ َومَا ُهوَ ِبمَ ّيتٍ‪[ } ...‬إبراهيم‪.]17 :‬‬
‫أي‪ :‬ينظر حوله فيجد الموت يحيط به من كل اتجاه‪ ،‬لكنه ل يموت‪ ،‬ويُفاجأ بأن العذاب يحيط به‬
‫من كل اتجاه مُصدّقا لقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ َومِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ } [إبراهيم‪.]17 :‬‬
‫هكذا يتعذب الجبار المتعنت في أمر اليمان‪ .‬وإذا قِسْنَا العذاب الغليظ بأهونِ عذاب يلقَاهُ إنسان من‬
‫النار لوجدنا أنه عَذابٌ فوق الحتمال؛ فها هو صلى ال عليه وسلم يقول‪ " :‬إن أهون أهل النار‬
‫خمَص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه "‪.‬‬
‫عذابا يوم القيامة لَرجلٌ يُوضعَ في أ ْ‬
‫فمَا بالُنَا بالعذاب الغليظ‪ ،‬وقانا ال وإياكم شرّه؟‬
‫ويقول سبحانه من بعد ذلك قضية كونية‪ { :‬مّ َثلُ الّذِينَ َكفَرُواْ‪.} ...‬‬

‫(‪)1754 /‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫صفٍ لَا َيقْدِرُونَ ِممّا كَسَبُوا‬
‫عمَاُلهُمْ كَ َرمَادٍ اشْتَ ّدتْ بِهِ الرّيحُ فِي َيوْمٍ عَا ِ‬
‫مَ َثلُ الّذِينَ َكفَرُوا بِرَ ّب ِهمْ أَ ْ‬
‫شيْءٍ ذَِلكَ ُهوَ الضّلَالُ الْ َبعِيدُ (‪)18‬‬
‫عَلَى َ‬

‫وقد يأتي في أذهان البعض ما يُشوّه عقائد اليمان‪ ،‬فيقول‪ :‬كيف يدخل فلنُ النار وهو مَنْ أهدى‬
‫البشريةَ تلك المخترعات الهائلة التي غيّرت مسارات الحضارة‪ ،‬وأسعدتْ الناس؟ كيف يُعذّب ال‬
‫هؤلء الذين بذلوا الجهد ليطوروا من العلوم والفنون‪ ،‬أيعذبهم لمجرد أنهم كفار؟‬
‫وأقول‪ :‬نعم‪ ،‬يعذبهم ال على الرغم من أنه سبحانه ل يضيع عنده أَجْرُ مَنْ أحسنَ عملً؛ وهو قادر‬
‫على أنْ يَجزيهم في الدنيا بما ينالونه من مجد وشهرة وثروة؛ وهم قد عملوا من أجل ذلك‪.‬‬
‫عمِلوا لهم؛ ذلك أنهم عملوا ولم‬
‫وانطبق عليه قوله‪ " :‬عملتَ لِيُقال وقد قِيل " وأخذوا أجورهم مما َ‬
‫يكُنْ في بالهم ال‪.‬‬
‫وهكذا يصور القرآن مسألة الجزاء‪ ،‬فالواحد من هؤلء الكفار إذا كان يَلْقى العذاب الغليظ على‬
‫الكفر؛ فالحق ل يغمطه أجر ما فعل من خير؛ فينال ذلك في الدنيا ويستمتع بإطلق اسمه على‬
‫اختراعه أو اكتشافه‪.‬‬
‫ونعلم جميعا قوله صلى ال عليه وسلم‪ " :‬مَنْ كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها‬
‫فهجرته إلى ما هاجر إليه " أما في الخرة فالعذاب جزاؤه؛ لنه عاش كافرا بال‪.‬‬
‫وهذه العمال التي صنعوها في الدنيا‪ ،‬وظنّوا أنها أعمالٌ إنسانية وأعمال بِرّ تأتي يوم القيامة‬
‫وهي رماد تهبّ عليه الريح الشديدة في يوم عاصف لتذره بعيدا‪:‬‬
‫ف لّ َيقْدِرُونَ ِممّا كَسَبُواْ‬
‫ص ٍ‬
‫عمَاُل ُهمْ كَ َرمَادٍ اشْ َت ّدتْ بِهِ الرّيحُ فِي َيوْمٍ عَا ِ‬
‫{ مّ َثلُ الّذِينَ َكفَرُواْ بِرَ ّبهِمْ أَ ْ‬
‫للُ الْ َبعِيدُ } [إبراهيم‪.]18 :‬‬
‫شيْءٍ ذاِلكَ ُهوَ الضّ َ‬
‫عَلَىا َ‬
‫ولن تكون لديهم عندئذ فرصة لستئناف الحياة ليستفيدوا من التجربة؛ بل أمامهم وحولهم العذاب؛‬
‫ع َملُ صَالِحا‪[} ...‬المؤمنون‪99 :‬ـ ‪.]100‬‬
‫جعُونِ * َلعَلّي أَ ْ‬
‫لسان حال كل منهم يقول‪َ {:‬ربّ ارْ ِ‬
‫لكنه لو رُدّ إلى الحياة َلعَاد إلى ما ُنهِي عنه‪ِ ،‬مصْداقا لقول الحق سبحانه‪ {:‬وَلَئِن رّدِدتّ إِلَىا رَبّي‬
‫لَجِدَنّ خَيْرا مّ ْنهَا مُ ْنقَلَبا }[الكهف‪.]36 :‬‬
‫وهذا الكفر هو الضلل البعيد الذي جعل كل أعمالهم التي ظنّوا أنها صالحة؛ مجر َد أعمال‬
‫مُحْبطة؛ فضلّوا بالكفر عن الطريق المُوصّل إلى خير الخرة‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك‪ { :‬أَلَمْ تَرَ أَنّ اللّهَ‪.} ...‬‬

‫(‪)1755 /‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫حقّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِ ْبكُمْ وَيَأْتِ ِبخَلْقٍ جَدِيدٍ (‪)19‬‬
‫ت وَالْأَ ْرضَ بِالْ َ‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫أَلَمْ تَرَ أَنّ اللّهَ خََلقَ ال ّ‬

‫وسبحانه يُعلمنا هنا أنه خلق السماوات والرض بميزان الحقّ؛ فل تأتي السماء وتنطبق على‬
‫سمَآءَ أَن َتقَعَ عَلَى الَ ْرضِ ِإلّ بِِإذْنِهِ‪[} ...‬الحج‪.]65 :‬‬
‫سكُ ال ّ‬
‫الرض‪ ،‬فسبحانه القائل‪ {:‬وَ ُيمْ ِ‬
‫وأنت كلما سِ ْرتَ وجدتَ الشمس من فوقك‪ ،‬وهي مرفوعة بنظام هندسيّ دقيق‪.‬‬
‫وهكذا أراد الحق سبحانه أن يُؤكّد قضية كونية مُحسّة مشهودة؛ وبدأ بقوله‪:‬‬
‫{ أََلمْ تَرَ‪[ } ...‬إبراهيم‪.]19 :‬‬
‫رغم أنه ل يوجد مع العَيْن أيْن؛ ذلك أن الشمس واضحة أمام ُكلّ البشر‪ ،‬وهكذا نجد أن معنى‬
‫{ أََلمْ تَرَ } هنا تكون بمعنى " ألم تعلم "‪.‬‬
‫حقّ أصدق مما تُعلِمنا به‬
‫وجاء سبحانه بـ { أََلمْ تَرَ } هنا ليدلّنا على أن ما يُعلمنا ال به من َ‬
‫العين؛ فإذَا قال سبحانه‪ { :‬أََلمْ تَرَ } فاعلم أنه علم موثوق به‪.‬‬
‫وحين يلفتنا الحق سبحانه هنا إلى رؤية السماوات والرض؛ فكان ل بُدّ لنا أن نعلم أنها لم َتكُنْ‬
‫لِتُوجَد إل بخَلْق ال لها؛ وهو الذي أخبرنا أنها من خَلْقه؛ ولم يدّعَها أح ٌد لنفسه؛ وبذلك تثبت له‬
‫ن يقولَ آخر أنه خلقها؛ ولم َي ُقلْ لنا أحدٌ ذلك أبدا‪.‬‬
‫قضية خَلْقها إلى أ ْ‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضِ َأكْـبَرُ مِنْ خَ ْلقِ النّاسِ‪[} ...‬غافر‪.]57 :‬‬
‫وسبق أن قال سبحانه‪َ {:‬لخَلْقُ ال ّ‬
‫والبشر كما نعلم ل يعيش فرد منهم مِثْلما تعيش السماء؛ فالفرد يموت ويُولَد غيره؛ و ُكلّ البشر‬
‫يأتون ويذهبون‪ ،‬والشمس باقية‪ ،‬وكذلك الرض‪.‬‬
‫ومن عجيب الخَلْق الرحماني أن ال خلق ُكلّ ذلك تسخيرا لمر النسان؛ فل يشذّ كائن من تلك‬
‫المُسخرات عن أمر النسان‪ .‬وما طُلِب منك أيّها النسان تكليفا مُخيّر فيه إنْ شئتَ آمنت‪ ،‬وإنْ‬
‫ت عصيتَ‪.‬‬
‫ش ْئتَ كَفرتَ؛ وإنْ شئتَ أطعتَ‪ ،‬وإن شئ َ‬
‫ولكن المخلوق المُسخّر لخدمتك ليست له هذه المشيئة‪ .‬وهو سبحانه الحق القائل‪ {:‬إِنّا عَ َرضْنَا‬
‫حمََلهَا الِنْسَانُ إِنّهُ كَانَ‬
‫شفَقْنَ مِ ْنهَا وَ َ‬
‫حمِلْ َنهَا وَأَ ْ‬
‫ض وَالْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن َي ْ‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْر ِ‬
‫لمَانَةَ عَلَى ال ّ‬
‫اَ‬
‫جهُولً }[الحزاب‪.]72 :‬‬
‫ظَلُوما َ‬
‫وقد أعلمنا هذا القولُ الكريم بأن الرحمانية سبقتْ لنا نحن البشر من قبل خَلْقنا‪ ،‬وأقدمتنا رحمانية‬
‫ال على وجود مُهيّأ لنا‪.‬‬
‫ومن العجيب أن الكونَ المخلوق لنا استبقاءً لحياتنا واستبقاءً لنوعنا يتركز في أشياء ل دَخْل لنا‬
‫فيها‪ ،‬ول تتغير أبدا؛ وهي الشياء العليا كالشمس والقمر والرض‪.‬‬
‫وهناك أشياء أخرى يكون التغيير فيها على نوعين‪ :‬قسم يتغير ويأتي بدلً منه شيء جديد‪،‬‬
‫كالنبات الذي يذهب ويصير حصيدا‪ ،‬وكذلك الحيوانات التي نأكلها أو التي تموت‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهناك خَلْق يتغير مع إبقاء عناصره‪ ،‬وإنْ تغيّرتْ مادته‪ ،‬كالجمادات التي نراها ‪ -‬الجبال‬
‫والرض وعناصرها ‪ -‬ونكتشف منها ُكلّ يوم جديدا‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالمخلوقات التي استقبلتْ الوجود النساني نوعان‪ :‬نوع ل دَخْل للغيار فيها؛ ونوع آخر فيه‬
‫َدخْل للغيار مع بقاء مادتها وهي الجمادات؛ ونوع تتغير أنواعه وأجناسه‪.‬‬
‫صفَتان‪.‬‬
‫ُكلّ هذه الشياء تدلّنا على أن الحقّ سبحانه وتعالى له ِ‬
‫صفة القدرة والقهر؛ وهو سبحانه يقهر ما يشاء على ما يشاء؛ ول يتغير‪.‬‬
‫وصفة الختيار التي أوجدها في النسان‪.‬‬
‫وأثبتت صفة القدرة التي سخّر بها سبحانه الشياء لخدمة النسان ُمطْلق سلطانه سبحانه على ُكلّ‬
‫ما خلق؛ فل شيءَ يخرج عن مراده أبدا‪.‬‬
‫وأراد سبحانه بصفة الختيار التي وهبها للنسان أنْ يأتيه عبده النسان محبا متبعا لتكاليفه‬
‫حبّ ل؛ ويُثبِت له‬
‫اليمانية‪ ،‬فالذي يطيع ال وهو قادر على أنْ يعصيه إنما يدلّ بذلك على أنه مُ ِ‬
‫صفة المحبوبية‪.‬‬
‫وهنا يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضَ بِالْحقّ‪[ { ...‬إبراهيم‪.]19 :‬‬
‫} أََلمْ تَرَ أَنّ اللّهَ خَلَقَ ال ّ‬
‫ولنا أن نلحظ أن كلمة " بالحق " وردتْ في مواقع كثيرة من القرآن الكريم‪.‬‬
‫ض َومَا بَيْ َن ُهمَآ‬
‫ت وَالَرْ َ‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫وعلى سبيل المثال‪ ،‬نجد في القرآن الكريم قوله تعالى‪َ {:‬ومَا خََلقْنَا ال ّ‬
‫حقّ‪[} ...‬الحجر‪.]85 :‬‬
‫ِإلّ بِالْ َ‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضَ َومَا بَيْ َن ُهمَا لَعِبِينَ }[الدخان‪.]38 :‬‬
‫وقوله تعالى‪َ {:‬ومَا خََلقْنَا ال ّ‬
‫وهذا يدل على أن السماوات والرض مخلوقة على هيئة ثابتة‪ ،‬وقد جعل ذلك مدارسَ الفلسفة‬
‫ن يكفرَ‪ .‬وانقسم مَنْ‬
‫ن يؤمن؛ واستقبال مَنْ يريد أ ْ‬
‫تستقبل تلك القضية استقبالين؛ استقبالَ مَنْ يريد أ ْ‬
‫أرادوا الكفر إلى فريقين‪.‬‬
‫الفريق الول‪ :‬أخذ من ثبات قوانين الشمس والقمر والرض دليلً على أنه ليوجد خالق لهذا‬
‫الكون‪ ،‬وقالوا‪ :‬لو أن هناك خالقا له لغيّر من هيئة السماوات والرض‪ ،‬ولكن كُل من تلك الكواكب‬
‫تدير نفسها بآلية ذاتية مُحْكمة‪.‬‬
‫والفريق الثاني ِممّن أرادوا الكفر قال‪ :‬إن الشذوذ في الكون ووجود خَلَل وعيوب خَلقية في بعض‬
‫من المخلوقات والنواع؛ دليلٌ على أنه ل يوجد إله‪ .‬فكيف يخلق إلهٌ مخلوقا أعمى؛ وآخر أعرجَ؛‬
‫وثالثا بعين واحدة؟‬
‫وهكذا أخذ هذا الفريق من أهل الكفر وجود الشذوذ في الكون كدليل على عدم وجود إله‪.‬‬
‫ومن العجيب أن الفريق الذي أراد التغيير في هيئة السماوات والرض؛ أراد ذلك كدليل على‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وجود خالق‪ ،‬والفريق الذي رأى أن هناك شذوذا في بعض المخلوقات أخذ ثبات الخَلْق على هيئة‬
‫واحدة كدليل على وجود إله‪.‬‬
‫كل ذلك يدّلنا على أن الفريقين قد أخذاَ من قضيتين متعارضتين دليلً على الكفر‪ ،‬ولم يتفق‬
‫الفريقان على قضية واحدة‪ ،‬وهذا يوضح التناقض بينهما‪.‬‬
‫ولو أمعن كل من الفريقين النظر لَعلم كلّ منهما أن اليمان ضرورة أساسية لِفهْم هذا الكون على‬
‫ثباتَ ما فيه؛ وعلى وجود بعضٍ من الشذوذ فيَه‪.‬‬
‫فأنت يا مَنْ تنتظر ثباتا في الكوان خُذْ ثبات آلية الحركة في السماوات والرض والشمس والقمر‬
‫دليلً على اليمان بوجود خالق إله قادر‪.‬‬
‫وأنت يا مَنْ تأخذ التغيّر في الخلق دليلً على وجود خالق؛ فها أنت ترى اختلف بعض‬
‫المخلوقات ما يجعلك تعثر على عدم التماثل في المخلوقات دليلً على وجود إله خالق له طلقة‬
‫القدرة‪.‬‬
‫وأوضح الحق سبحانه لنا أنه لم يخلق السماوات والرض لعبة؛ بل خلقهما بالحق‪ ،‬وهناك فارق‬
‫بين اللعبة والحق‪ ،‬فاللعبة قد يتوصل إليها مَنْ يعبث بشيء؛ فتخرج له صُدْفة يستخدمها هو أو‬
‫غيره كَلُعبة‪.‬‬
‫عمّا يُشْ ِركُونَ }[النحل‪.]3 :‬‬
‫حقّ َتعَالَىا َ‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضَ بِالْ َ‬
‫يقول الحق‪ {:‬خَلَقَ ال ّ‬
‫أما الخلق بالحق؛ فهذا يعني أن مَنْ يخلقها إنما يفعل ذلك بموازين دقيقة مُحْكمة؛ ويصنعها على‬
‫نظام ثابت له قضية تحكمه من الحكمة والحق‪.‬‬
‫وما دام الكون العلى ثابتا؛ فإن الحق سبحانه هو الذي خلق السماوات والرض‪ ،‬وما ُد ْمتَ تريد‬
‫ثباتا في حركتك الختيارية؛ فخُذ المنهج الذي أنزله ال بالحق؛ فتثبت قضاياك كما ثبتت القضايا‬
‫العليا؛ وأنت حين تخرج عن منهج الحق تجد فسادا‪.‬‬
‫ل يوجد فساد في المجتمع من أيّ َلوْنٍ فابحث عن حكم ال الذي ضَيّعه النسان في‬
‫وإذا أردتَ أ ّ‬
‫مخالفة منهجه تجد أن ضياعه هو السبب في وجود الفساد؛ واقرأ قوله الحق في سورة الرحمن‪{:‬‬
‫جمُ‬
‫حسْبَانٍ * وَالنّ ْ‬
‫شمْسُ وَالْ َقمَرُ بِ ُ‬
‫ق الِنسَانَ * عَّلمَهُ البَيَانَ * ال ّ‬
‫حمَـانُ * عَلّمَ ا ْلقُرْآنَ * خََل َ‬
‫الرّ ْ‬
‫ط َغوْاْ فِي ا ْلمِيزَانِ * وََأقِيمُواْ ا ْلوَزْنَ‬
‫سمَآءَ َر َف َعهَا َو َوضَعَ ا ْلمِيزَانَ * َألّ َت ْ‬
‫جدَانِ * وَال ّ‬
‫وَالشّجَرُ يَسْ ُ‬
‫خسِرُواْ ا ْلمِيزَانَ }[الرحمن‪.]9-1 :‬‬
‫ط َولَ تُ ْ‬
‫بِا ْلقِسْ ِ‬
‫وهكذا أنت ترى الشمس ‪ -‬على سبيل المثال ‪ -‬منضبطة في شروقها وغروبها وكُسُوفها؛ وكذلك‬
‫القمر في سُطوعه أو مَحاقه أو خسوفه‪.‬‬
‫وكما رفع الحق سبحانه السماء ووضع الميزان؛ فعليكم أنْ تَزِنوا ُكلّ أمر بالميزان الصحيح‬
‫لتنصلح أموركم‪ ،‬فإن اعتدال الموازين المادية والمعنوية والقيمية هي استقرار لحركة الحياة‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫خلْق جديد‪:‬‬
‫أما إنْ ظللتُم على ال ِعوَج فاعلموا أنه سبحانه قادر على أن يُذهِبكم وأن يأتي ب َ‬
‫جدِيدٍ { [إبراهيم‪.]19 :‬‬
‫} إِن يَشَأْ يُ ْذهِ ْبكُ ْم وَيَ ْأتِ بِخَ ْلقٍ َ‬
‫إن منطوق الن ومفهومها ليس مراده سبحانه؛ لن ال خلق الخَلْق‪ ،‬ووهبهم الختيار لِيُقبِل الخلق‬
‫على ال‪ ،‬رغم أنه سبحانه قد ملّكهم ألّ يُقبِلوا عليه‪.‬‬
‫ل َومَن‬
‫خُ‬
‫عوْنَ لِتُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ َفمِنكُم مّن يَبْ َ‬
‫وفي موقع آخر يقول سبحانه‪ {:‬هَا أَن ُتمْ هَـا ُؤلَءِ تُدْ َ‬
‫ي وَأَنتُمُ ا ْل ُفقَرَآ ُء وَإِن تَ َتوَّلوْاْ يَسْتَ ْب ِدلْ َقوْما غَيْ َركُمْ ثُ ّم لَ َيكُونُواْ‬
‫س ِه وَاللّهُ ا ْلغَ ِن ّ‬
‫خلُ عَن ّنفْ ِ‬
‫خلْ فَإِ ّنمَا يَبْ َ‬
‫يَبْ َ‬
‫َأمْثَاَلكُم }[محمد‪.]38 :‬‬
‫ويقول في قضية إنكار اليهود لطريقة ميلد المسيح عيسى بن مريم‪ {:‬وََلمّا ضُ ِربَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلً‬
‫صمُونَ *‬
‫خ ِ‬
‫إِذَا َق ْو ُمكَ مِنْهُ َيصِدّونَ * َوقَالُواْ أَآِلهَتُنَا خَيْرٌ َأمْ ُهوَ مَا ضَرَبُوهُ َلكَ ِإلّ جَ َدلً َبلْ ُهمْ َقوْمٌ َ‬
‫جعَلْنَا مِن ُكمْ مّلَ ِئكَةً فِي الَ ْرضِ‬
‫جعَلْنَاهُ مَثَلً لّبَنِي إِسْرَائِيلَ * وََلوْ نَشَآءُ لَ َ‬
‫إِنْ ُهوَ ِإلّ عَبْدٌ أَ ْن َعمْنَا عَلَ ْي ِه وَ َ‬
‫يَخُْلفُونَ }[الزخرف‪.]60-57 :‬‬
‫إذن‪ :‬فطلقة قدرة ال التي خلقته بل أبٍ‪ ،‬يمكن أن تفعل تلك القدرة المطلقة ما تشاء‪ ،‬فل شيء‬
‫يتأبّى على مرادات الحق ول على قدراته‪.‬‬
‫ق وَا ْل َمغَا ِربِ إِنّا َلقَادِرُونَ * عَلَىا أَن نّبَ ّدلَ خَيْرا‬
‫ويقول في موقع آخر‪ {:‬فَلَ ُأ ْقسِمُ بِ َربّ ا ْلمَشَا ِر ِ‬
‫مّ ْنهُ ْم َومَا نَحْنُ ِبمَسْبُوقِينَ }[المعارج‪.]41-40 :‬‬
‫فل أحد يسبق إرادة ال أو مشيئته‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه مؤكدا أن قدرته على المجيء بخلق جديد ليست مسألة مستحيلة‪َ } :‬ومَا‬
‫ذاِلكَ‪.{ ...‬‬

‫(‪)1756 /‬‬
‫َومَا ذَِلكَ عَلَى اللّهِ ِبعَزِيزٍ (‪)20‬‬

‫والشيء العزيز هو الشيء ال ُممْتِنع‪ .‬وال سبحانه ل ُيغْلَب‪ .‬وقد بيّن لنا في جزئيات الحياة أنه‬
‫يذهب بنبات ويأتي بنبات آخر‪ ،‬ويذهب بحيوان ويأتي بحيوان آخر؛ وكذلك يذهب بالجماعة من‬
‫البشر ويأتي بغيرهم‪.‬‬
‫جمِيعا‪.} ...‬‬
‫ويقول سبحانه بعد ذلك‪ { :‬وَبَرَزُواْ للّهِ َ‬

‫(‪)1757 /‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ضعَفَاءُ لِلّذِينَ اسْ َتكْبَرُوا إِنّا كُنّا َلكُمْ تَ َبعًا َف َهلْ أَنْتُمْ ُمغْنُونَ عَنّا مِنْ عَذَابِ‬
‫جمِيعًا َفقَالَ ال ّ‬
‫وَبَرَزُوا لِلّهِ َ‬
‫سوَاءٌ عَلَيْنَا َأجَزِعْنَا أَ ْم صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ (‪)21‬‬
‫شيْءٍ قَالُوا َلوْ هَدَانَا اللّهُ َل َهدَيْنَاكُمْ َ‬
‫اللّهِ مِنْ َ‬

‫والبروز أن يظهر شيء كان خفيا‪ .‬ويُال " رجل بارز " أي‪ :‬مرموق وقَيْد البصار‪ ،‬ول تُفتَح‬
‫الدنيا إل عليه‪ ،‬ويُقال " امرأة بارزة " أي‪ :‬امرأة تختلط بالرجال وغير مُستترة‪.‬‬
‫ويقول سبحانه‪ {:‬وَتَرَى الَ ْرضَ بَارِ َزةً‪[} ..‬الكهف‪.]47 :‬‬
‫أي‪ :‬سيرى ُكلّ منا ُكلّ الرض في اليوم الخر وهي مكتملة؛ ل جزء منها فقط كما يحدث في‬
‫حدِيدٌ }[ق‪:‬‬
‫غطَآ َءكَ فَ َبصَ ُركَ الْ َيوْمَ َ‬
‫شفْنَا عَنكَ ِ‬
‫حياتنا الدنيوية؛ ذلك أن الحق سبحانه قد قال لنا‪َ {:‬فكَ َ‬
‫‪.]22‬‬
‫ويُقال أيضا " فرس بارز " وهو ما يطلق على الحصان الذي يفوز عند التسابق مع غيره؛ ول‬
‫يستطيع فرس آخر أنْ يسبقه؛ لذلك فهو فرس تراه العين أثناء السباق بوضوح‪.‬‬
‫ونعلم أن الخ ْيلَ في لحظات السباق تثير أثناء تسابقها غبارا ‪ -‬أي‪ :‬ترابا يُضبّب المرئيات ‪ -‬فل‬
‫يرى أحد تفاصيل الموقع الذي تجري فيه الخيول؛ أما إذا ظهر فرس يسبق الجميع فل خيول‬
‫أخرى قريبة منه تثير غبارا يمنع رؤيته بارزا واضحا‪.‬‬
‫وهنا يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫جمِيعا‪[ } ..‬إبراهيم‪.]21 :‬‬
‫{ وَبَرَزُواْ للّهِ َ‬
‫ولقائل أن يسأل‪ :‬وهل كانت هناك أشياء خافية عنه سبحانه ثم برزت؟‬
‫ونقول‪ :‬إنه سبحانه مُنزّه أن َتخْفي عنه خافية في الرض أو السماء أو الكون كله‪ ،‬ولكن المقصود‬
‫هنا أنهم يبرزون عند أنفسهم‪ ،‬ويرون وجودهم واضحا أمام الحق سبحانه‪.‬‬
‫خفُونَ مِنَ اللّ ِه وَ ُهوَ َم َعهُمْ إِذْ يُبَيّتُونَ مَا لَ يَ ْرضَىا‬
‫س وَلَ يَسْ َت ْ‬
‫خفُونَ مِنَ النّا ِ‬
‫وهم مِنْ قَبْل كانوا‪ {:‬يَسْ َت ْ‬
‫ل َوكَانَ اللّهُ ِبمَا َي ْعمَلُونَ مُحِيطا }[النساء‪.]108 :‬‬
‫مِنَ ا ْل َقوْ ِ‬
‫وكانوا قد ظَنّوا أنهم قادرون على أن يخفوا عن ربهم ما كانوا يفعلون؛ ويُبيّتون ويمكرون؛‬
‫حكْم كل الخَلْق‪.‬‬
‫حكْمهم في ذلك ُ‬
‫ونجدهم يوم القيامة مفضوحين أمام خالقهم؛ ُ‬
‫أو‪ :‬برز كل واحد منهم أمام نفسه‪ ،‬ورأى نفسه أمام ال‪.‬‬
‫ونعلم أنه سبحانه قد خلق الخَلْق على لونين؛ لون مقهور فيه النسان‪ ،‬ول إرادةَ له‪ :‬وَلوْنٍ مُخيّر‬
‫فيه النسان‪ ،‬ونسبة ما منع فيه النسان الختيار قليل‪ ،‬إذا ما قيس بما ليس له في اختيار‪.‬‬
‫وقد شاء الحق سبحانه ذلك؛ لنه علم أزلً أن النسان الذي تعوّد على أنْ يتمرّد على ال؛ فهو‬
‫يُوضّح له‪ :‬أنت قد أَِل ْفتَ التمرد و َقوْل " ل " ‪ ،‬وقد تُجاهِر بالكفر‪ ،‬وتحارب من أجله‪ ،‬وتريد أن‬
‫تخرج عن مرادات الحق؛ فَإنْ كنت صادقا في أن هذا الخروج ذاتيّ فيك؛ فتمرّد على القهريات‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫التي تنتابك‪.‬‬
‫ويعلم النسان بالتجربة أنه غَيْرُ قادر على ذلك؛ فل الفقيرَ يستطيع أن يثريَ دون مشيئة ال؛‬
‫والمريض ل يستطيع أن يشفي دون مشيئة ال؛ والضعيف ل يستطيع أن يقوى ضد إرادة ال‪.‬‬
‫وكل هذا يدل على أن ملكية ال لك ل تزال بالقهر فيك؛ وسيأتي يوم يسلب منك الختيار‪.‬‬
‫{ ّلمَنِ ا ْلمُ ْلكُ الْ َيوْمَ لِلّهِ ا ْلوَاحِدِ ا ْل َقهّارِ }[غافر‪.]16 :‬‬
‫ل تكوينك لحظتها أمام نفسك‪ ،‬وتجد الحق سبحانه أمامك‪ .‬وأنت إما أن تكون بارزا‬
‫وأنت تبرز ب ُك ّ‬
‫بكل تكويناتك أمام نفسك لحظة وقوفك أمام خالقك‪ ،‬أو يكون المقصود بقوله الحق وقوف كل‬
‫الخَلْق أمامه بارزين‪ ،‬سواء أكانوا تابعين أو متبوعين‪.‬‬
‫ولحظتها سنجد قوله الحق مُطبقا‪.‬‬
‫ضعَفَاءُ لِلّذِينَ اسْ َتكْبَرُواْ إِنّا كُنّا َلكُمْ تَ َبعًا‪[ { ..‬إبراهيم‪.]21 :‬‬
‫} َفقَالَ ال ّ‬
‫وهكذا نرى أن هناك حوارا بين اثنين من البشر؛ نوع مستكبر‪ ،‬وهم القادة السادة الذين يُلقون‬
‫أوامرهم؛ لِيُنفّذها الضّعاف‪ ،‬ثم يُفاجأ الضعاف التابعون أن رؤوسهم تساوتْ في اليوم الخر مع‬
‫هؤلء القوياءالجبابرة؛ ويروْنَ ما ينتظرهم جميعا من عذاب؛ فيسأل الضعاف أهلَ الجبروت‪:‬‬
‫شيْءٍ { [إبراهيم‪.]21 :‬‬
‫عذَابِ اللّهِ مِن َ‬
‫} َف َهلْ أَنتُمْ ّمغْنُونَ عَنّا مِنْ َ‬
‫وهؤلء المستكبرون سبق لهم أن استكبروا على هؤلء الضّعاف بما لهم من قوة وسيادة‪ ،‬أو‬
‫استكبروا على الرسل إيمانا كما أوضح الحق سبحانه في موقع آخر من القرآن‪َ {:‬وقَالُواْ َل ْولَ نُ ّزلَ‬
‫جلٍ مّنَ ا ْلقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ }[الزخرف‪.]31 :‬‬
‫هَـاذَا ا ْلقُرْآنُ عَلَىا رَ ُ‬
‫وفي هذا القول استكبارٌ على اليمان‪ ،‬وكأنهم يُعدّلون على ال ‪ -‬والعياذ بال ‪ -‬مشيئته وواسع‬
‫علمه الذي يختار به الرسل‪.‬‬
‫أو‪ :‬أنهم قد استكبروا على أنفسهم فلم يؤمنوا؛ أو‪ :‬أنهم قد استكبروا على التباع بما لهم من جاه‬
‫ونفوذ فلم يقدر التباع على مخالفتهم؛ لذلك يقول لهم التباع لحظة تساوي الرؤوس‪:‬‬
‫شيْءٍ { [إبراهيم‪.]21 :‬‬
‫عذَابِ اللّهِ مِن َ‬
‫} َف َهلْ أَنتُمْ ّمغْنُونَ عَنّا مِنْ َ‬
‫وهذا تقريع وخِزْي وفضيحة للتابع‪.‬‬
‫طعْنَا سَادَتَنَا‬
‫ونعلم أن الحق سبحانه قال في موقع آخر من القرآن على لسان التابعين‪ {:‬رَبّنَآ إِنّآ أَ َ‬
‫ب وَا ْلعَ ْنهُمْ َلعْنا كَبِيرا }[الحزاب‪-67 :‬‬
‫ض ْعفَيْنِ مِنَ ا ْلعَذَا ِ‬
‫َوكُبَرَآءَنَا فََأضَلّونَا السّبِيلْ * رَبّنَآ آ ِتهِ ْم ِ‬
‫‪.]68‬‬
‫وقد عرض الحق سبحانه هذه المسألة علينا لنتعلم من البداية كيف يكون ميزان التبعية؟ وإياك أن‬
‫تتبع في أمر إل إذا اقتنعتَ أنه يأتي‪ .‬لك بخير‪ ،‬وأنه يدفع عنك الشر‪ ،‬ولينتبه كل منا جيدا ول‬
‫يعطي زمام قيادة حركة الحياة إل عن بينة‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وليتذكر كل منا قوله الحق‪َ {:‬كمَ َثلِ الشّ ْيطَانِ ِإذْ قَالَ لِلِنسَانِ ا ْكفُرْ فََلمّا كَفَرَ قَالَ إِنّي بَرِيءٌ مّنكَ إِنّي‬
‫أَخَافُ اللّهَ َربّ ا ْلعَاَلمِينَ }[الحشر‪.]16 :‬‬
‫فحين يأتيك أمر مخالف لمنهج ال؛ عليك أن ُتعْلي منهج ال فوق كل أمر‪ .‬وقد أوضح لنا الحق‬
‫سبحانه ذلك كي ننتَبه جيدا فل نُلْقي على شر؛ وهل يستطيع أن يدرأَ عنا الشر‪ ،‬وأن يُنجِينا من‬
‫الصابة بمكروه؟‬
‫فليكُنْ ُكلّ مِنّا على بينة من أمره‪ ،‬وقد قال الحق سبحانه في سورة الرحمن‪ {:‬فَبَِأيّ آلءِ رَ ّب ُكمَا‬
‫ُتكَذّبَانِ }[الرحمن‪.]16 :‬‬
‫واللء هي النعم؛ ومن أَرْقى النعم هي تلك القيم التي أوضحها لنا الحق سبحانه لنسير على ُهدَاها‬
‫في الحياة الدنيا كي ل نُقبِل على الحياة بجهالة؛ بل بتوضيح وتبيان لكل شيء‪.‬‬
‫وهكذا يجب أن يتصرف التابع مع المتبوع كي ل يقف في موقف الخزي المشترك بين الثنين في‬
‫يوم الحساب؛ حيث يقول التابعون للمتبوعين‪:‬‬
‫شيْءٍ‪[ { ..‬إبراهيم‪.]21 :‬‬
‫} إِنّا كُنّا َلكُمْ تَ َبعًا َف َهلْ أَنتُمْ ّمغْنُونَ عَنّا مِنْ عَذَابِ اللّهِ مِن َ‬
‫وهذا ال َقوْل القرآني يتكلم به ربّ العالمين؛ و ُكلّ حرف فيه لهدف ومعنى‪.‬‬
‫وقوله‪:‬‬
‫شيْءٍ‪[ { ...‬إبراهيم‪.]21 :‬‬
‫عذَابِ اللّهِ مِن َ‬
‫} مِنْ َ‬
‫يعني أنهم لن يقدروا أنْ يُخفّفوا ولو جزءا بسيطا من عذاب ال‪ ،‬وكأنهم يُسهّلونها عليهم‪ ،‬فيطلبون‬
‫منهم أن يتحمّلوا؛ أو أنْ يُخففوا عنهم ولو جزءا بسيطا من العذاب‪.‬‬
‫والم َثلُ على ذلك حين يطلب إنسان من آخر جنيها؛ فيقول له‪ :‬ليس معي غيره‪ ،‬فيردّ الطالب‪ :‬إذنْ‬
‫أعطني بعضا منه‪ ،‬وكأنه يطلب ولو رُبْعه أو عشرة قروش منه‪.‬‬
‫هكذا قال الذين اتبعوا لمن اتبعوهم؛ فماذا يكون الرد من هؤلء الذين تأ ّبوْا على ال إيمانا به؛ ها‬
‫هم يردّون على مَنْ سألوهم أنْ يُخفّفوا ولو جزءا قليلً من العذاب‪:‬‬
‫علَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَ ْم صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مّحِيصٍ { [إبراهيم‪.]21 :‬‬
‫سوَآءٌ َ‬
‫} قَالُواْ َلوْ َهدَانَا اللّهُ َلهَدَيْنَاكُمْ َ‬
‫وهكذا يتكشّف كذبهم؛ فهم يدّعُون أن معنى الهداية هو أنْ يه َبهُم الُ اليمان؛ مُتنَاسين أن معنى‬
‫الهداية هو الدللة المُوصّلة إلى الغاية‪.‬‬
‫ولنَا في قول الحق سبحانه ما يُوضّح المعنى‪ {:‬وَالّذِينَ اهْتَ َدوْاْ زَا َدهُمْ هُدًى‪[} ...‬محمد‪.]17 :‬‬
‫ن كفر فكيف يهديه ال‪،‬‬
‫فمَنْ يُقبِل على اليمان بصدر مُنشرح يجد ُكلّ سُبل الخير أمامه؛ أما مَ ْ‬
‫ب العمى على الهُدى؟ لن يجد بطبيعة الحال أيّة هداية‪.‬‬
‫وهو قد استح ّ‬
‫حقّ؛‬
‫ويقول الكافرون ذلك ِلمَن اتبعوهم في يوم الحشر؛ ذلك أنهم يروْنَ رَأْي العين أن الجنةَ َ‬
‫حقّ‪ ،‬والحساب حَقّ؛ لذلك يعترفون أمام مَنِ اتبعوهم في الدنيا بأن الحقّ سبحانه لو أخذ‬
‫والنار َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫بيدهم في الحياة الدنيا إلى اليمان َلقْدناكم إلى هذا اليمان؛ وهم في ذلك أصحاب رأي مغلوط‪.‬‬
‫وذلك قولهم‪:‬‬
‫} َلوْ َهدَانَا اللّهُ َلهَدَيْنَاكُمْ‪[ { ...‬إبراهيم‪.]21 :‬‬
‫ونعلم أن النسان إذا ما وقع في مأزق أقوى من قدراته‪ :‬ول فجْوة فيه للنجاة؛ فهو يستقبل هذا‬
‫المأزق بأحد استقبالين؛ الستقبال الول‪ :‬أن يجزعَ ويتضرعَ؛ والستقبال الثاني‪ :‬أنْ يصمدَ‬
‫ويصبرَ‪.‬‬
‫وهنا نجد الكافرين يقولون‪:‬‬
‫سوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ َأ ْم صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مّحِيصٍ { [إبراهيم‪.]21 :‬‬
‫} َ‬
‫أي‪ :‬أنهم سواء جَزِعوا وتضرّعوا أو صبروا وصمدوا فلن يُنجيهم ال ِممّا هم فيه؛ فل َمهْرب ول‬
‫مَنْجي‪.‬‬
‫و " حاص " في المكان أي‪ :‬ذهب إلى هنا أو هناك‪ ،‬ول يجد راحة؛ ونجد في تعبيرنا العاميّ ما‬
‫يُصوّر ذلك وهو قولنا " فلن حايص " أي‪ :‬ل يجد مكانا يرتاح فيه‪.‬‬
‫ولذلك يقال‪ " :‬نَ َبتْ بهم الرض "؛ أي‪ :‬أن ُكلّ مكان في الرض يرفضهم؛ ويشرح الحق سبحانه‬
‫هذه القضية فيقول‪:‬‬
‫سهُمْ‪[} ...‬التوبة‪.]118 :‬‬
‫{ حَتّىا إِذَا ضَاقَتْ عَلَ ْيهِمُ الَرْضُ ِبمَا َرحُ َبتْ َوضَا َقتْ عَلَ ْيهِمْ أَنفُ ُ‬
‫وهكذا نرى مَن نَبت بهم الرض؛ إنما ل تسعهم أنفسهم أيضا بل تضيق عليهم؛ ونسمع ِممّنْ يُنكّل‬
‫بهم الحق في الحياة الدنيا مَنْ يقول‪ " :‬أنا ل أطيق نفسي "‪.‬‬
‫حمْل ذاته‪،‬‬
‫وهذا ما يحدث بالفعل لبعض من الناس في لحظات الضيق؛ فتضيق ذات أيّ منهم عن َ‬
‫وكأن الواحدَ منهم له ذاتان؛ وكأن الواحد منهم له صورتان؛ الصورة التي تُزّين الشهوة؛ وحين‬
‫ح ّد يعود إلى صورة كَارِه الشهوة؛ وهو ل يسعَدُ في الحالتين؛ عشق الشهوة وكراهيتها‪.‬‬
‫تزيد عن ال َ‬
‫لمْرُ إِنّ اللّ َه وَعَ َد ُكمْ‪.{ ...‬‬
‫ضيَ ا َ‬
‫ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك‪َ } :‬وقَالَ الشّ ْيطَانُ َلمّا ُق ِ‬

‫(‪)1758 /‬‬
‫ق َووَعَدْ ُتكُمْ فََأخَْلفْ ُتكُمْ َومَا كَانَ ِليَ عَلَ ْيكُمْ مِنْ‬
‫حّ‬
‫عدَ الْ َ‬
‫ضيَ الَْأمْرُ إِنّ اللّ َه وَعَ َدكُ ْم وَ ْ‬
‫َوقَالَ الشّيْطَانُ َلمّا ُق ِ‬
‫خكُ ْم َومَا أَنْ ُتمْ‬
‫س ُكمْ مَا أَنَا ِب ُمصْرِ ِ‬
‫عوْ ُتكُمْ فَاسْ َتجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَ ْنفُ َ‬
‫سُ ْلطَانٍ إِلّا أَنْ دَ َ‬
‫خيّ إِنّي َكفَ ْرتُ ِبمَا أَشْ َركْ ُتمُونِ مِنْ قَ ْبلُ إِنّ الظّاِلمِينَ َل ُهمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (‪)22‬‬
‫ِب ُمصْرِ ِ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهنا نجد تصعيدا للحوار؛ فبعد أنْ كان من المتبوعين والتابعين؛ نجد هذا الرتقاء في الحوار‬
‫ليكون بين الشيطان وبين البشر‪ .‬ونلحظ أن الحق سبحانه هنا بالحال الذي يدور فيه الحوار وهو‬
‫ي أمر‪ ،‬ول فرصة للتراجع‬
‫ش في أ ّ‬
‫انقضاء المر؛ حيث يقرّر ال َوضْع النهائي لكل شيء؛ ول نقا َ‬
‫عما حدثَ‪.‬‬
‫وقضاءُ المر يعني أن يذهب كل إنسان إلى مصيره‪ ،‬فمَنْ كان من أهل الجنة دخلها؛ ومَنْ كان‬
‫حدّها النهائي الذي ل تتغير من بعده‪.‬‬
‫من أهل النار دخلها؛ فقد وصلتْ المور الى َ‬
‫ويفضح الشيطان نفسه فيقول‪:‬‬
‫ق َووَعَدّتكُمْ فَأَخَْلفْ ُتكُمْ } [إبراهيم‪.]22 :‬‬
‫{ إِنّ اللّ َه وَعَ َد ُك ْم وَعْدَ ا ْلحَ ّ‬
‫حقّ‪ ،‬لنه وَعْد ِممّنْ يملك؛ أما وَعْد الشيطان فقد اختلف؛ لنه وعْد بما ل يملكَ؛ هو‬
‫ووَعْد ال َ‬
‫وَعْد كاذب؛ لن الحق سبحانه هو المر الثابت الذي ل يتغير‪.‬‬
‫وحين َتعِد أنت ‪ -‬النسان ‪ -‬إنسانا آخر بخير قادم؛ فهل تضمن أنْ تُواتيك ظَروفك على أن تُحقّق‬
‫له هذا المر؟‬
‫ولذلك يوصينا الحق سبحانه أن نقول " إن شاء ال " وبذلك نردّ الوَعْد ل؛ فهو وحده الذي يمكنه‬
‫أنْ َيعِ َد ويُنفّذ ما يعِد به‪.‬‬
‫وعلى الواحد منا أنْ يحميَ نفسه من الكذب‪ ،‬وأن يقول " إن شاء ال " فإنْ لم تستطع أنْ تحققَ ما‬
‫وعدت به تكون قد حميتَ نفسك من أنْ تُلِقي اتهاما بالكذب‪.‬‬
‫ونجد الشيطان وهو يقول في الخرة‪:‬‬
‫{ َووَعَدّتكُمْ فََأخَْلفْ ُتكُمْ‪[ } ...‬إبراهيم‪.]22 :‬‬
‫ذلك أن وَعْده باطل؛ والباطل لَجلْج‪ ،‬وحين تحكم به الن تُثبت لك الوقائع عكسه‪ ،‬وتجعلك ل‬
‫تصدق ما حكمتَ به‪.‬‬
‫جفَآءً‬
‫ولذلك نجد الحق سبحانه يوضح لنا المسافة بين الحق والباطل فيقول‪ {:‬فََأمّا الزّ َبدُ فَيَذْ َهبُ ُ‬
‫لمْثَالَ }[الرعد‪.]17 :‬‬
‫وََأمّا مَا يَنفَعُ النّاسَ فَ َي ْم ُكثُ فِي الَ ْرضِ كَذاِلكَ َيضْ ِربُ اللّ ُه ا َ‬
‫وهكذا يحاول الشيطان أن يُبرّيء نفسه رغم عِلْمه أنه قد وعد‪ ،‬وهو ل يملك إنفاذ ما وعد به؛‬
‫ولذلك يحاول أن يلصق التهمة ِبمَنْ اتبعوه مثله مثل أولئك الذين قالوا‪َ {:‬لوْ هَدَانَا اللّهُ َل َهدَيْنَاكُمْ‪} ...‬‬
‫[إبراهيم‪.]21 :‬‬
‫فيقول الشيطان من بعد ذلك‪:‬‬
‫عوْ ُتكُمْ فَاسْ َتجَبْتُمْ لِي } [إبراهيم‪.]22 :‬‬
‫{ َومَا كَانَ ِليَ عَلَ ْيكُمْ مّن سُلْطَانٍ ِإلّ أَن دَ َ‬
‫والسلطان ‪ -‬كما نعلم ‪ -‬إما سلطانَ َقهْر أو سلطانَ إقناع‪ .‬وسلطان ال َقهْر يعني أن يملك أحدٌ من‬
‫ن يفعلَ ما يكره‪ ،‬بينما يكون كارها للفعل‪.‬‬
‫القوة ما يقهر به غيره على أ ْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أما سلطان الحجة فهو أن يملك منطقا يجعلك تعمل وفق ما يطلبه منك وتحب ما تفعل‪ ،‬وهكذا‬
‫يعترف الشيطان للبشر يوم الحشر العظم؛ ويقول‪ :‬أريد أنْ أناقشكم؛ هل كان لي سلطان َقهْريّ‬
‫أقهركم به؟ هل كان لي سلطان إقناع أقعنكم به على اتباع طريقي؟‬
‫لم يكن لي في دنياكم هذه ول تلك‪ ،‬فل تتهموني ول تجعلوني " شماعة " تُعلّقون عليّ أخطاءكم؛‬
‫فقد غويتُ من قبلكم وخالفتُ أمر ربي؛ ولم يكن لي عليكم سلطان سوى أن دعوتُكم فاستجبتم لي‪.‬‬
‫وكل ما كان لي عندكم أنّي ح ّر ْكتُ فيكم نوازع أنفسكم‪ ،‬وتحرّكت نوازع أنفسكم من بعد ذلك‬
‫لِتُقبِلوا على المعصية‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالشيطان إما أنْ يُحرّك نوازع النفس؛ أو يترك النفس تتحرك بنوازعها إلى المعصية؛ وهي‬
‫كافية لذلك‪.‬‬
‫وسبق أنْ أوضحتُ كيف ُتعْرف المعصية‪ ،‬إن كانت من الشيطان تسويلً استقلليا أو تسويلً تبعيا؛‬
‫ن وقفتْ النفس عند معصية بعينها؛ وكلما أبعدها النسان ُتلِح عليه؛ فهذا هو ما تريده النفس من‬
‫فإ ْ‬
‫النسان حيث تطلب معصية بعَينها‪.‬‬
‫أما نَزْغ الشيطان فهو أن ينتقل الشيطان من معصية إلى أخرى محاولً غواية النسان؛ إنْ وجده‬
‫رافضا لمعصية ما؛ انتقل بالغواية إلى غيرها؛ لن الشيطان يريد النسان عاصيا على أيّ َلوْن؛‬
‫ن يعصي فقط؛ لذلك يحاول أن يدخل النسان من نقطة ضعفه؛ فإنْ وحده قويا في ناحية‬
‫فالمهم أ ْ‬
‫اتجه إلى أخرى‪.‬‬
‫ويعلن الشيطان أنه ليس المَلُوم على ذلك‪:‬‬
‫سكُمْ‪...‬‬
‫عوْ ُتكُمْ فَاسْ َتجَبْتُمْ لِي فَلَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُ َ‬
‫} َومَا كَانَ ِليَ عَلَ ْيكُمْ مّن سُلْطَانٍ ِإلّ أَن دَ َ‬
‫{ [إبراهيم‪.]22 :‬‬
‫فالملُوم هنا هو مَنْ أقبل على المعصية؛ ل مَنْ أغوى بها‪.‬‬
‫ويستمرالحق سبحانه في َفضْح ما يقوله الشيطان لمَنْ أغواهم في اليوم الخر‪:‬‬
‫خيّ‪[ { ....‬إبراهيم‪.]22 :‬‬
‫خكُ ْم َومَآ أَنتُمْ ِب ُمصْرِ ِ‬
‫} مّآ أَنَاْ ِب ُمصْرِ ِ‬
‫هذا هو َقوْل الشيطان الذي سبق وأنْ تعالى على آدم لحظة أنْ طلب منه الحق سبحانه أن يسجدَ له‬
‫مع الملئكة؛ ولكن الموقف هنا هو التساوي بين الذين أغواهم وبينه؛ فهو يعلن أنه لن ينفعهم وهم‬
‫لن ينفعونه‪.‬‬
‫وال ُمصْرِخ من مادة الصّراخ من صرخ‪ ،‬وهو َرفْع الصوت بغرض أن يسمعه غيره؛ ول يطلب‬
‫مَنْ يصرخ شيئا آخر غير المعونة فلو أن أحدا عثر على كنز تحت قدميه فلن يصرخ؛ بل يلتفّت‬
‫حوله ليرى‪ :‬هل هناك مَنْ رآه أم ل؟‬
‫أما إنْ هاجمه أسد فل ُبدّ أن يصرخ طالبا النجاة‪ ،‬وهكذا يكون الصراخ له مَأْرب طَلبِ المعونة؛‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهذا ل يتأتّى إل ممّنْ يخاف من ِمفُزِع‪.‬‬
‫و " مُصرِخ " يدل على الفعل " أصرخ " ‪ ،‬وهو فعل دخلت عليه ما يُسمّى في اللغة " همزة‬
‫الزالة "‪ .‬والمثل هو كلمة " معجم " أي‪ :‬الذي يدلّك على معنى للفظ لُيُزيلَ إبهامه؛ فيقال " أعجم‬
‫الكتاب " أي‪ :‬أزال إبهامه‪ ،‬وهذه الهمزة التي دخلتْ تُوضّح إزالة ال ُعجْمة عن الكلمة‪.‬‬
‫والمثل أيضا على هذه الهمزة؛ هو كلمة " عتب " أي‪ :‬لمه‪ ،‬وحين تدخل عليها الهمزة تصبح "‬
‫أعتب " أي‪ :‬أزال ما به عَتَب‪.‬‬
‫ونجد في دعائه صلى ال عليه وسلم قوله الشريف‪ " :‬لك العُتْبى حتى ترضى "‪.‬‬
‫ب تعتب عليّ في أيّ شيء؛ فأنا أدعوك أن تُزيل هذا العتب‪.‬‬
‫أي‪ :‬إذا كُنتَ يا ر ّ‬
‫وهكذا نجد أن الزالة تأتي مرة بإضافة الهمزة؛ ومرة تأتي بالتضعيف؛ مثل قولنا " مرّض الطبيب‬
‫مريضه " أي‪ :‬أزال عنه ‪ -‬بإذن من ال ‪ -‬مرضه‪.‬‬
‫إذن‪ُ " :‬مصْرخ " هو مَنْ يُزيل صراخ آخر؛ فكأن هناك مَن استغاث؛ فجاءه مَنْ يُغيثه‪ .‬وهكذا يلعن‬
‫الشيطان في اليوم الخر أنه ومَنْ أغواهم في مأزق؛ وأنه غَيْر قادر على إزالة سبب هذا المأزق؛‬
‫ول ُهمْ بقادرين على إزالة سبب مأزقه؛ ولن يُغيث أحدهما الخر‪.‬‬
‫ويضيف‪:‬‬
‫} إِنّي َكفَ ْرتُ ِبمَآ َأشْ َركْ ُتمُونِ مِن قَ ْبلُ‪[ { ...‬إبراهيم‪.]22 :‬‬
‫فأنتم أشركتموني مع ال في الطاعة؛ حين استسلمتُم لغوايتي؛ ولم تكونوا من عباد ال المخُلْصين‬
‫الذين أقسمتُ أنا بعزة ال ألّ أُغويهم؛ وكل منكم نفذ ما أغويته به؛ فناديتكم واستجببتُم؛ وناداكم ال‬
‫فعصيتُم أو كفرتم‪ .‬وصِرْتم مِثْلي‪ ،‬فقد سبق لي أن أمرني ال وعصيتُ‪.‬‬
‫ن كفر وعصى‪:‬‬
‫ويقول الحق سبحانه ما يجيء على لسان الشيطان لمَ ْ‬
‫} إِنّ الظّاِلمِينَ َل ُهمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ { [إبراهيم‪.]22 :‬‬
‫وهذه قضية عامة‪ ،‬قضية الكفر في القمة‪ ،‬فكمَا أطعتُم الشيطان وجعلتموه شريكا ل؛ فها هو‬
‫الشيطان يُخبركم بتقدير هذا الموقف؛ بأنه شِرْك بال؛ وهو يعلن الكفر بهذا؛ لن يوم الحشر قد‬
‫جاء؛ وتحقق فيه قول ال له‪ {:‬فَإِ ّنكَ مِنَ ا ْلمُنظَرِينَ * إِلَىا َيوْمِ ا ْل َو ْقتِ ا ْل َمعْلُومِ }[الحجر‪.]38-37 :‬‬
‫س ويُوسِوس وينزغ؛ أما في ذلك‬
‫وكان الشيطان من قبل اليوم المعلوم ‪ -‬وهو اليوم الخر ‪ -‬يند ّ‬
‫اليوم فقد برز كل شيء من إنس وجن وكل الكائنات أمام الواحد القهار‪ ،‬ولم َيعُدْ هناك ما َيخْفى‬
‫عن العين‪.‬‬
‫وهذا ما خدعوا به أنفسهم‪ ،‬وظنّوا أنهم قادرون على أن يُخفوا ما فعلوه عن أعْيُن ال؛ ولذلك نجد‬
‫الحديث القدسي يقول‪:‬‬
‫" يا بني آدم‪ ،‬إنْ كنتم تعتقدون أَنّي ل أراكم‪ ،‬فالخَلل في إيمانكم‪ ،‬وإن كنتم تعتقدون أَنّي أراكم فَلِم‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫جعَلْتموني أهونَ الناظرين إليكم "‪.‬‬
‫َ‬
‫وأنت في حياتك اليومية ل تجد مَنْ يسرق من آخر وجها لوجه‪ :‬ول أحد يحرق بيت أحدٍ أمام‬
‫عينيه؛ فإنْ كنتم يا معشر البشر ل تفعلون ذلك مع بعضكم البعض؛ فكيف تفعلون ذلك مع خالقكم؛‬
‫فتعصونه‪.‬‬
‫وإنْ شككتُم أنه ل يراكم فالخلل في إيمانكم؛ وإنْ كنتم تعتقدون أنه يراكم فل تجعلوه أهونَ‬
‫الناظرين إليكم‪ ،‬لنه لو نظر إليك إنسان فأنت ل تجرؤ على أن تصنع له ما يكرهه‪.‬‬
‫ولذلك يقول الشيطان معترفا ومُقِرا بأن الظالمين لهم عذاب أليم‪ ،‬والظلم في القمة هو الشرك‬
‫عظِيمٌ }[لقمان‪.]13 :‬‬
‫بال‪ {:‬إِنّ الشّ ْركَ لَظُ ْلمٌ َ‬
‫وحين نقرأ ذلك إما أنْ نأخذه على أنه إقرار من الشيطان؛ أو نفهمه على أن الشيطان قد قال‪:‬‬
‫} إِنّي َكفَ ْرتُ ِبمَآ َأشْ َركْ ُتمُونِ مِن قَ ْبلُ‪.‬‬
‫‪[ { ..‬إبراهيم‪.]22 :‬‬
‫ويقول الحق سبحانه بعدها تلك القضية العامة‪:‬‬
‫} إِنّ الظّاِلمِينَ َل ُهمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ { [إبراهيم‪.]22 :‬‬
‫فبعد أن تكلم سبحانه عن بروز الخَلْق والكائنات؛ ثم الحوار بين الضعفاء والسادة؛ ثم الحوار بين‬
‫الشيطان وبين أهل الكفر والمعصية؛ يأتي بالقضية النهائية في الحكم‪:‬‬
‫} إِنّ الظّاِلمِينَ َل ُهمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ { [إبراهيم‪.]22 :‬‬
‫والمناسبات توحي بمقابلتها؛ لتكون النفس مُتشوّقة ومُتقبّلة لهذا المقابل؛ مثل قول الحق سبحانه‪{:‬‬
‫ن الَبْرَارَ َلفِي َنعِيمٍ }[النفطار‪.]13 :‬‬
‫إِ ّ‬
‫ويأتي بعدها بالمقابل لها‪ {:‬وَإِنّ ا ْلفُجّارَ َلفِي جَحِيمٍ }[النفطار‪.]14 :‬‬
‫سعِدوا باليمان‪.‬‬
‫فكما جاء بمقابل الشقياء؛ ل ُبدّ أن يفتح القلوب لتنعم بسعادة مصير وجزاء الذين ُ‬
‫خلَ الّذِينَ آمَنُواْ‪.{ ...‬‬
‫لذلك يقول الحق سبحانه‪ } :‬وَُأدْ ِ‬

‫(‪)1759 /‬‬
‫عمِلُوا الصّالِحَاتِ جَنّاتٍ َتجْرِي مِنْ تَحْ ِتهَا الْأَ ْنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَ ّبهِمْ‬
‫خلَ الّذِينَ َآمَنُوا وَ َ‬
‫وَأُدْ ِ‬
‫تَحِيّ ُتهُمْ فِيهَا سَلَامٌ (‪)23‬‬

‫وهنا جاء الفعل‪ ،‬ويمكن نسبته إلى ثلث وجهاتٍ‪ .‬ولكل جهة مَلْحظ؛ فمرّة يُسنَد الفعل ل سبحانه‪،‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ومرّة يُنسب الفعل للملئكة الذين يتلقوْن المر من ال بإدخال المؤمنين الجنة؛ ومرّة للمؤمنين‬
‫الذين يدخلون الجنة بإذن ال‪.‬‬
‫فال أدخلهم إذْنا؛ والملئكة المُوكّلون فتحوا أبواب الجنة لهم؛ والمؤمنون دخلوا بالفعل‪.‬‬
‫وهكذا يكون ل ُكلّ مَلْحظ‪.‬‬
‫وهناك قراءة أخرى للية توضح ذلك‪:‬‬
‫خلُ الذين آمنوا وعملوا الصالحات الجنة " والمتكلم هنا هو ال‪ .‬ونلحظ أن ال قال هنا‪:‬‬
‫" وأُدْ ِ‬
‫عمِلُواْ الصّاِلحَاتِ جَنّاتٍ‪[ } ...‬إبراهيم‪.]23 :‬‬
‫خلَ الّذِينَ آمَنُو ْا وَ َ‬
‫{ وَأُ ْد ِ‬
‫لكي تضم كلمة " أدخل " أنه سبحانه أذن بدخولهم؛ لنه قال في نفس الية‪:‬‬
‫{ بِِإذْنِ رَ ّبهِمْ } [إبراهيم‪.]23 :‬‬
‫وأن الملئكة المُكلّفين بذلك فتحوا لهم أبوابها‪ .‬والمؤمنون دخلوها كل ذلك بإذن ال‪.‬‬
‫ونلحظ أن ُكلّ الكلم هنا عن الجنات؛ فما هي الجنات؟‬
‫ونقول‪ :‬إن الجنة في أصل اللغة هي السّتْر‪ ،‬ومنها الجنون أي‪ :‬سَتْر العقل‪ ،‬والمادة هي‪ :‬الجيم‬
‫والنون‪ ،‬والجنة تستر مَنْ فيها بما فيها من أشجار كثيرة بحيث مَنْ يمشي فيها ل يظهر؛ لن‬
‫أشجارها تستره‪.‬‬
‫أو‪ :‬أن مَنْ يدخلها يجلس فيها ول يراه أحد؛ لن كل خير فيها ل يُلجئه أن يخرج منها‪.‬‬
‫ح ُدكُمْ أَن َتكُونَ َلهُ جَنّةٌ‬
‫وتُطلق الجنات على ما في الدنيا أيضا؛ والحق سبحانه هو القائل‪ {:‬أَ َيوَدّ أَ َ‬
‫ل وَأَعْنَابٍ‪[} ...‬البقرة‪.]266 :‬‬
‫مّن نّخِي ٍ‬
‫ولنا أن نعرف أن الجنةَ غَيْر المساكن التي في الجنة؛ لن الحق سبحانه يقول‪َ {:‬ومَسَاكِنَ طَيّبَةً فِي‬
‫جَنّاتِ عَدْنٍ‪[} ...‬التوبة‪.]72 :‬‬
‫والجنة ‪ -‬ول المثَل العلى ‪ -‬هي الحديقة الواسعة؛ وهذا التساع مُوزّع على كل مَرْأى عَيْن‪.‬‬
‫والنسان ‪ -‬بعجائب تكوينه ‪ُ -‬يحِب أن يتخصص في مكان مرة؛ ويحب أن ينتشر في مكان مرة‬
‫أخرى؛ فيستأجر شقة أو يبني لنفسه بيتا مستقلً " فيلل " وفي البيت أو الفيلل يحب النسان أن‬
‫تكون له حجرة خاصة ل يدخلها غيره‪.‬‬
‫والنسان يُقيّم الشياء على هذا الساس؛ فينظر مَنْ يرغب في شراء قطعة أرض ليبني عليها بيتا؛‬
‫أهي تُطلّ على حارة أم على شارع؟ وهل سيستطيع أنْ يعلوَ بالبناء إلى عدة أدوار أم ل؟ وهل‬
‫سيخصص قطعة من الرض كحديقة أم ل؟‬
‫فإنْ كانت الرض ُتطِل على الفضاء‪ ،‬فحساب المتر ليس بالثمن المدفوع فيه؛ ولكن بقيمة ما يتيحه‬
‫من اتساع أُفق وفضاء من مزارع أو على البحر مثلً‪ ،‬حيث لن يتطفلَ عليك أحدٌ في هذا المكان‪.‬‬
‫والجنات بهذا الشكل التقريبي؛ هي أماكن مُتسعة‪ ،‬وكل مَنْ يدخلها له فيها مساكن طيبة‪ ،‬تلك‬
‫الجنات تجري من تحتها النهار‪ .‬ومَنْ يدخلونها‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫{ خَالِدِينَ فِيهَا بِِإذْنِ رَ ّبهِمْ‪[ } ...‬إبراهيم‪.]23 :‬‬
‫ذلك أن النسان يحب التنعّم؛ ولكن كل تنعّم في الدنيا هناك ما يُنغّصه‪ ،‬وهل يدوم أم ل يدوم؟ وكل‬
‫مِنّا رأى أناسا عاشت في نعيم؛ ثم نُزِع منها بحكم الغيار؛ أو تركوه بحكم الموت‪.‬‬
‫أما جنة ال ونعيمها فالمر مختلف؛ ذلك أن النعيم هناك ل يفوتُك ول تفوته؛ لنه على َقدْر‬
‫إمكانات ربّك‪.‬‬
‫ونلحظ أن قول الحق سبحانه‪:‬‬
‫} خَالِدِينَ فِيهَا‪[ { ..‬إبراهيم‪.]23 :‬‬
‫يُوضّح أن الخلودَ في الجنة دائمٌ بإذن من ال‪.‬‬
‫ويتابع سبحانه‪:‬‬
‫لمٌ { [إبراهيم‪.]23 :‬‬
‫} َتحِيّ ُتهُمْ فِيهَا سَ َ‬
‫والتحية هو ما يواجه به النسان أخاه إثباتا لسروره بلقائه؛ ولذلك تأتي التحية على مقدار السرور؛‬
‫فمرّة تكون التحية بمجرد َرفْع اليد دون ُمصَافحة؛ وقد ل تكفي بذلك في حالة ازدياد المعزّة التي‬
‫لصاحبك عندك؛ فتصافحه؛ وقد تأخذه في أحضانك‪ ،‬وهكذا ترتقي في التحية‪ ،‬وهي إعلن السرور‬
‫باللقاء‪.‬‬
‫وتحية الجنة هي السلم لن السلم أمنُ كل إنسان؛ سلمٌ مع نفسك؛ فل تُكدّرها بحديث النفس‬
‫الذي يندم على ما فات؛ أو الحُلْم بعمل قادم‪ ،‬فالسلم في الجنة لن تجد فيه مُنغّصاتٍ من الماضي‬
‫أو الحاضر أو المستقبل؛ وتنسجم مع كل ما حولك في الكون؛ الجماد؛ النبات؛ البشر؛ الملئكة‪.‬‬
‫ولذلك قال الحق سبحانه تذييلً لهذه الية‪:‬‬
‫لمٌ { [إبراهيم‪.]23 :‬‬
‫} َتحِيّ ُتهُمْ فِيهَا سَ َ‬
‫وهذه أفضلُ نعمة‪ ،‬وهي الحياة في سل ٍم وأمْن‪ ،‬وبعد ذلك تدخُل الملئكة عليهم مصداقا لقول الحق‬
‫عقْبَىا الدّارِ }‬
‫سبحانه‪ {:‬وَالمَلَ ِئكَةُ َيدْخُلُونَ عَلَ ْيهِمْ مّن ُكلّ بَابٍ * سَلَمٌ عَلَ ْيكُم ِبمَا صَبَرْتُمْ فَ ِنعْمَ ُ‬
‫[الرعد‪.]24-23 :‬‬
‫ثم يُلقّون السلم العلى من ال؛ وهو القائل‪ {:‬سَلَمٌ َقوْلً مّن ّربّ رّحِيمٍ }[يس‪.]58 :‬‬
‫وبعد أن شرح الحق سبحانه أحوال أهل القُرْب والسعادة‪ ،‬وأهل ال ُبعْد والشقاء‪ ،‬أراد عز وجل أن‬
‫يضرب لنا مثلً يوضح فيه الفارق بين منهج السعداء الذين عاشوا بمنهج ال‪ ،‬ومنهج الشقياء‬
‫الذين اتبعوا مناهج شتى غير منهج ال‪ ،‬فقال سبحانه‪ } :‬أَلَمْ تَرَ كَ ْيفَ ضَ َربَ اللّهُ مَثَلً كَِل َمةً طَيّ َبةً‬
‫سمَآءِ * ُتؤْتِي ُأكَُلهَا ُكلّ حِينٍ بِِإذْنِ رَ ّبهَا‪.{ ...‬‬
‫عهَا فِي ال ّ‬
‫ت َوفَرْ ُ‬
‫كَشَجَرةٍ طَيّبَةٍ َأصُْلهَا ثَا ِب ٌ‬

‫(‪)1760 /‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سمَاءِ (‪ُ )24‬تؤْتِي‬
‫عهَا فِي ال ّ‬
‫شجَ َرةٍ طَيّبَةٍ َأصُْلهَا ثَا ِبتٌ َوفَرْ ُ‬
‫أَلَمْ تَرَ كَ ْيفَ ضَ َربَ اللّهُ مَثَلًا كَِلمَةً طَيّ َبةً كَ َ‬
‫ُأكَُلهَا ُكلّ حِينٍ بِإِذْنِ رَ ّبهَا وَ َيضْرِبُ اللّهُ الَْأمْثَالَ لِلنّاسِ َلعَّلهُمْ يَ َت َذكّرُونَ (‪)25‬‬

‫والمَثَل هو الشيء الذي يوضح بالجلي الخفي‪ .‬وأنت تقول لصديق لك‪ :‬هل رأيت فلنا؟ فيقول لك‪:‬‬
‫خفِي عن مُخَيلة صديقك بمَنْ‬
‫ل لم أراه؛ فتقول له‪ :‬إنه يُشبه صديقنا علن‪ .‬وهكذا توضح أنت مَنْ َ‬
‫هو واضح في مُخَيلته‪.‬‬
‫والحق ‪ -‬سبحانه وتعالى ‪ -‬يضرب لنا المثال بالمور المُحسّة‪ ،‬كي ينقل المعاني إلى أذهاننا؛‬
‫لن النسان له إ ْلفٌ بالمحُسّ؛ وإدراكات حواسه تعطيه أمورا حسية أولً‪ ،‬ثم تحقق له المعاني بعد‬
‫ذلك‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه‪ {:‬إِنّ اللّ َه لَ يَسْ َتحْى أَن َيضْ ِربَ مَثَلً مّا َبعُوضَةً َفمَا َف ْو َقهَا‪[} ...‬البقرة‪.]26 :‬‬
‫وقد قال الكافرون‪ :‬أيضرب الحق مثلً ببعوضة؟ ذلك أنهم لم يعرفوا أن البعوضة لها حياة‪ ،‬وفيها‬
‫حركة كأيّ كائن؛ وتركيبها التشريحي يتشابه مع التركيب التشريحي لكل الحياء في التفاصيل؛‬
‫ويؤدي كل الوظائف الحيوية المطلوبة منه‪.‬‬
‫ول أحدَ غير الدارسين لعلم الحشرات يمكن أن يعرف كيف تتنفس‪ ،‬أو كيف تهضم طعامها؛ ول‬
‫كيفية وجود جهاز دمويّ فيها؛ أو مكان الغُدد الخاصة بها؛ وهي حشرة دقيقة الصنع‪.‬‬
‫وهو سبحانه ضرب المثال الكثيرة لِيُوضّح المر الخفيّ بأمر جَليّ‪ .‬ومن بعد ذلك ينتشر المثَل‬
‫بين الناس‪ .‬ونقول‪ :‬إن كلمة " ضرب " مثلها مثل " ضرب العملة " ‪ ،‬وكان الناس قديما يأتون‬
‫عمْلة‬
‫بقطع من الفضة أو الذهب ويُشكّلونها بقدْر وشَكلْ مُحدّد لِتدُل على قيمة ما‪ ،‬وتصير بذلك ُ‬
‫متداولة‪ ،‬و ُيقَال وش َكلْ ‪ -‬أيضا ‪ " -‬ضُرِب في مصر " أي‪ :‬اعتمد وصار أمرا واقعا‪ .‬وكذلك المثل‬
‫حين ينتشر ويصبح أمرا واقعا‪.‬‬
‫والمثل الذي يضربه الحق سبحانه هنا هو الكلمة الطيبة؛ ولها أربع خصائص‪:‬‬
‫شجَرةٍ طَيّبَةٍ‪[ } ...‬إبراهيم‪.]24 :‬‬
‫{ كَ َ‬
‫أي‪ :‬تعطيك طِيبا تستريح له نفسُك؛ إما منظرا أو رائحة أو ثمارا؛ أو كُل ذلك مجتمعا؛ فقوله‪:‬‬
‫شجَرةٍ طَيّبَةٍ‪[ } ..‬إبراهيم‪.]24 :‬‬
‫{ كَ َ‬
‫يُوحي بأن ُكلّ الحواس تجد فيها ما يُريحها؛ وكلمة " طيبة " مأخوذة من الطّيب في جميع وسائل‬
‫الحساس‪.‬‬
‫فالخاصة الولى‪ ،‬أنها شجرة طيبة‪ ،‬أما الخاصية الثانية فهي أن أصلها ثابت‪ ،‬كإيمان المؤمن‬
‫المحب‪ ،‬والثالثة أن فروعها في السماء‪ ،‬وهذا دليل أيضا على ثبات الصل وطيب منبتها‪.‬‬
‫أما الخاصية الرابعة فهي أن تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها‪ ،‬أي‪ :‬فيها عطاء المدد المدد الذي ل‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يعرف الحد ول العدد‪ ،‬وهي تدل على صفات المؤمنين المحبين‪.‬‬
‫وبما أنها شجرة طيبة؛ فهي كائن نباتيّ ل ُبدّ لها من أن تتغذّى لتحفظ مُقوّمات حياتها‪ .‬ومُقوّمات‬
‫حياة النبات توجد في الرض‪ ،‬فإنْ كانت الشجرة مُخَ ْلخَلة وغير ثابتة فهي لن تستطيع أن تأخذ‬
‫غذاءها‪.‬‬
‫ولذلك يقول الحق سبحانه عن تلك الشجرة‪:‬‬
‫سمَآءِ‪[ } ...‬إبراهيم‪.]24 :‬‬
‫عهَا فِي ال ّ‬
‫ت َوفَرْ ُ‬
‫{ َأصُْلهَا ثَا ِب ٌ‬
‫وكلنا نظن أن الشجرة تأخذ غذاءها من الجذور فقط؛ ولكن الحقيقة العلمية تؤكد أن الشجرة تأخذ‬
‫خمسة بالمائة من غذائها عَبْر الجذور؛ والباقي تأخذه من الهواء‪ ،‬وكلما كان الهواء نظيفا فالشجرة‬
‫تنمو بأقصى ما فيها من طاقة حتى تكاد أن تبلغ فروعها السماء‪.‬‬
‫أما إنْ كانت البيئة غيرَ نظيفة ومُلوّثة؛ فالهواء يكون غيرَ نظيف بما ل يسمح للشجرة أن تنمو‬
‫المناسب؛ فتمُرّ الغيار غير المناسبة على الشجرة‪ ،‬فل تستخلص منها الغذاء المناسب‪ ،‬ول تنمو‬
‫النمو المناسب‪.‬‬
‫اللهم إل إذا نزل عليها المطر فيغسل أوراقها‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫} َأصُْلهَا ثَا ِبتٌ‪[ { ...‬إبراهيم‪.]24 :‬‬
‫يعني‪ :‬أنها تأخذ من الرض‪.‬‬
‫وقوله‪:‬‬
‫سمَآءِ‪[ { ..‬إبراهيم‪.]24 :‬‬
‫عهَا فِي ال ّ‬
‫} َوفَرْ ُ‬
‫يُبيّن أنها تأخذ من أعلى‪.‬‬
‫ويتابع سبحانه‪:‬‬
‫} ُتؤْتِي ُأكَُلهَا ُكلّ حِينٍ‪[ { ...‬إبراهيم‪.]25 :‬‬
‫والُكُل هو ما ُيؤْكل ويُتمتّع به‪ ،‬ولكنّا ل نأخذ المعنى هنا على ما ُي ْؤكَل بالفم فقط؛ ذلك أن هناك‬
‫أشجارا ونباتات طيبة؛ لن مزاجَ الكون العام يتطلبها؛ فالظل مثلً يُستفاد منه؛ وكذلك هناك‬
‫أشجار يتفاعل وجودها مع الثير؛ ويأخذ منها رائحة طيبة‪.‬‬
‫والمثل في ذلك‪ :‬الطفل البدويّ الذي شاهد نخيل جيرانه مثمرا بالبلح‪ ،‬ولكن النخلة التي يملكونها‬
‫غير مثمرة‪ ،‬وتساءل‪ :‬لماذا؟ وذهب ليقطعها‪ ،‬فلحقه والده ومنعه من ذلك‪ ،‬وقال له‪ :‬إن نخلتنا هي‬
‫الذكر الذي يُنتج اللقاح اللزم لبقية النخيل كي تثمر‪.‬‬
‫ولذلك فأنا ل أوافق المفسرين الذين ذهبوا إلى تفسير قوله الحق‪:‬‬
‫شجَرةٍ طَيّبَةٍ‪[ { ...‬إبراهيم‪.]24 :‬‬
‫} كَ َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫بأنها مثل شجرة التفاح وغيرها من الشجار المثمرة؛ ذلك أن كل شجرة حتى ولو كانت شجرة‬
‫حَنْظل فهي طيبة بفائدتها التي أودعها الحق إياها؛ فشجرة الحنظل نأخذ منها دواءً ‪ -‬قد يكون‬
‫طعْم ‪ -‬لكنه يشفي بعضا من المراض بإذن ال‪.‬‬
‫مرير ال ّ‬
‫ذلك أن كل ما هو موصوف بشجرة له مهمة طيّبة في هذا الكون‪ .‬وقَوْل الحق سبحانه‪:‬‬
‫} ُتؤْتِي ُأكَُلهَا ُكلّ حِينٍ‪[ { ...‬إبراهيم‪.]25 :‬‬
‫يدلّنا على أن هناك قدرا مشتركا بين الشجر كله؛ مثمرا بما نراه من فاكهة أو غير ذلك‪.‬‬
‫خضْرة إنما تُ َنقّي الجو بما تأخذ منه من ثاني أوكسيد الكربون‪،‬‬
‫وقد نبهنا العِلْم الحديث إلى أن كل ُ‬
‫وبما تضيف لنا من أوكسجين؛ وتستمر الخضرة في ذلك نهاراص؛ وتقلب مهمتها بإرسال ثاني‬
‫ل وامتصاص الوكسجين‪ ،‬وكأنها مُبَرْمجة على َفهْم أن النهار يقتضي الحركة‪.‬‬
‫أوكسيد الكربون لي ً‬
‫ويحتاج الكائن الحي فيه إلى المزيد من وقود الحركة وهو الوكسجين؛ والنسان أثناء الحركة‬
‫يستهلك كمية كبيرة من الوكسجين؛ ونجد مَنْ يصعد سُلّما ينهج لن رئتيه تحاولن امتصاص‬
‫خضْرة إنما‬
‫أكبر قَدْر من الوكسجين ليؤكسد الدم‪ ،‬وينتج الطاقة اللزمة للصعود‪ .‬وهكذا نجد كل ُ‬
‫تقوم بوظائف محددة لها سلفا من قِبلَ الخالق العلى‪.‬‬
‫ولذلك اختلف العلماء عند تفسير‪:‬‬
‫} ُتؤْتِي ُأكَُلهَا ُكلّ حِينٍ‪[ { ..‬إبراهيم‪.]25 :‬‬
‫ن قال‪ :‬إن " الحين " يُطلْق على اللحظة؛ مثل قول الحق سبحانه‪ {:‬فََل ْولَ إِذَا بََل َغتِ الْحُ ْلقُومَ‬
‫فمنهم مَ ْ‬
‫* وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ }[الواقعة‪.]84-83 :‬‬
‫وقال مُفسّر آخر‪ :‬إن " الحين " يُقصد به الصباح والمساء‪ ،‬والحق سبحانه هو القائل‪ {:‬فَسُ ْبحَانَ اللّهِ‬
‫حِينَ ُت ْمسُونَ َوحِينَ ُتصْبِحُونَ }[الروم‪.]17 :‬‬
‫وأقول‪ :‬فلننتبه إلى أن " الحين " هو الوقت الذي يحين فيه المقدور؛ فإذا كان الحين هو لحظ َة بلوغ‬
‫الرّوح إلى الحُلْقوم؛ فهذه اللحظة هي المراد بـ " الحين " هنا‪ ،‬وإذا كان المقصود بها زمنا أطول‬
‫من ذلك؛ صباحا أو مساء؛ فهذا الزمن ينسحب عليه معنى الحين‪.‬‬
‫والحق سبحانه هو القائل‪ {:‬وَالصّابِرِينَ فِي الْبَأْسَآ ِء والضّرّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ‪[} ...‬البقرة‪.]177 :‬‬
‫والبأس يعني الحرب؛ ومُدة الحرب قد تطول‪ .‬وكذلك يقول الحق سبحانه‪ {:‬وََلكُمْ فِي الَ ْرضِ‬
‫مُسْ َتقَ ّر َومَتَاعٌ إِلَىا حِينٍ }[العراف‪.]24 :‬‬
‫وهكذا يكون معنى " الحين " هنا هو الجل غير المُسمّى الذي يمتد إلى أن تتبدّل الرضُ غيرَ‬
‫الرض والسماء غير السماء‪ .‬إذن‪ :‬فل يوجد توقيت مُحدد المدة يمكن أن نُحدد به معنى " حين "‪.‬‬
‫ويذيل الحق سبحانه الية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها بقوله‪:‬‬
‫لمْثَالَ لِلنّاسِ َلعَّلهُمْ يَتَ َذكّرُونَ { [إبراهيم‪.]25 :‬‬
‫} وَ َيضْ ِربُ اللّ ُه ا َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وضَرْب المثل معناه إيقاع شيء صغير ليدل على شيء كبير؛ أو بشيء جليّ ليدل على شيء‬
‫خفيّ؛ لِيُقرّب المعنويات إلى وسائل الدراكات الولى‪ ،‬وهي ُمدْركات الحِسّ من سمع وبصر‬
‫وبقية وسائل الدراك‪.‬‬
‫س إلى المعلومات‬
‫وحين تأتي المعاني التي تناسب الطموح العقلي؛ فالنسان يتجاوز مرحلة الحِ ّ‬
‫المعنوية؛ فيقربها الحق سبحانه بأن يضرب لنا المثال التي توصل لنا المعنى المطلوب إيصاله‪.‬‬
‫ل بالبعوضة وما فوقها‪ .‬والبعض من‬
‫والحق سبحانه ل يستحي ‪ -‬كما قال ‪ -‬أنْ يضربَ مث ً‬
‫المستشرقين يقول‪ :‬ولماذا لم َي ُقلْ " وما تحتها "؟‬
‫ن يقول ذلك‪ :‬أنت لم تفهم اللغة العربية؛ لذلك لم تستقبل القرآن بالمَلَكة العربية؛ ذلك أن‬
‫ونقول ِلمَ ْ‬
‫المَثل يُضرَب بالشيء الدقيق؛ وما فوق الدقيق هو الدقّ‪.‬‬
‫والحق سبحانه يضرب لنا المَثل للحياة الدنيا‪ ،‬وهي الحياة التي من لَدُن خَلْق ال للنسان؛ ذلك أنه‬
‫كانت هناك أجناسٌ قبل النسان‪ ،‬وهو سبحانه هنا يُوضّح لنا بالمثَل ما يخص الحياة من لحظة‬
‫خَلْق آدم إلى أنْ تقومَ الساعة‪ ،‬وهو يطويها ‪ -‬تلك الحياة الطويلة العريضة التي تستغرق أعمال‬
‫أجيالٍ ‪ -‬ويعطيها لنا في صورة مَ َثلٍ موجز‪ ،‬فيقول لنا‪ {:‬وَاضْ ِربْ َلهُم مّ َثلَ الْحَيَاةِ الدّنْيَا َكمَآءٍ‬
‫شيْءٍ‬
‫ح َوكَانَ اللّهُ عَلَىا ُكلّ َ‬
‫ت الَ ْرضِ فََأصْبَحَ هَشِيما َتذْرُوهُ الرّيا ُ‬
‫سمَاءِ فَاخْتََلطَ بِهِ نَبَا ُ‬
‫أَنْزَلْنَاهُ مِنَ ال ّ‬
‫ّمقْتَدِرا }[الكهف‪.]45 :‬‬
‫وهكذا يطوي الحق سبحانه الحياة كلها في هذا المثل من ماء ينزل ونبات ينمو لينضج ثم تذروه‬
‫الرياح‪.‬‬
‫عَلمُواْ أَ ّنمَا الْحَيَاةُ الدّنْيَا َل ِعبٌ وََلهْ ٌو وَزِينَ ٌة وَ َتفَاخُرٌ بَيْ َنكُ ْم وَ َتكَاثُرٌ فِي‬
‫وأيضا يقول الحق سبحانه‪ {:‬ا ْ‬
‫جبَ ا ْل ُكفّارَ نَبَاُتهُ ثُمّ َيهِيجُ فَتَرَاهُ ُمصْفَرّا ثُمّ َيكُونُ حُطَاما‪} ..‬‬
‫عَ‬
‫ل وَالَ ْولَدِ َكمَ َثلِ غَ ْيثٍ أَ ْ‬
‫لمْوَا ِ‬
‫اَ‬
‫[الحديد‪.]20 :‬‬
‫وهكذا يطوي الحق سبحانه الحياة الدنيا بطُولها وعَرْضها في هذا المَثل البسيط لنرى ما يُوضّح لنا‬
‫المعاني الخفية في صورة مُحسّة بحيث يستطيع العقل الفطري أن يُدرِك ما يريده ال منها‪.‬‬
‫ونعلم أن المُحسّات تدرك أولً بعض الشياء؛ ثم ترتقي إلى مرتبة التخيّل؛ ثم يأتي التوهّم؛‬
‫فمراحل الدراك للشياء الخفية هي الحِس أولً؛ ثم التخيل ثانيا؛ ثم التوهم ثالثا‪.‬‬
‫ن كانت مُكوّنة من مادة وأشياء‬
‫والتخيّل هو أن تجمع صورة كلية ليس لها وجود في الخارج؛ وإ ْ‬
‫موجودة في هذا الخارج‪ .‬والمَثل على ذلك هو قول الشاعر الذي أراد أنْ يصف الوَشْم على يد‬
‫ك تكوّن من‬
‫حبيبته‪ ،‬فقال‪:‬خوض كأنّ بَنانَها في َنقْش ِه الوَشْم المُزردسَمكٌ من البِلّور في شَ َب ٍ‬
‫جدِوحين تبحث في الصورة الكلية لتلك البيات من الشعر؛ لن تجدها موجودة في الواقع؛‬
‫زَبر َ‬
‫ولكن الشاعر أوجدها من مُكوّنات و ُمفْردات موجودة في الواقع؛ فالسمك موجود‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ومعروف؛والبِلّور موجود ومعروف؛ وكذلك الشّبك والزبرجد‪ ،‬وقام الشاعر بنسج تلك الصورة‬
‫غير الموجودة من أشياء موجودة بالفعل‪ ،‬وهذا هو الخيال الذي يُقرّب المعنى‪.‬‬
‫والتوهمّ يختلف عن الخيال؛ فإذا كان التخيّل هو تكوين صورة غير موجودة في الواقع من‬
‫مفردات موجودة في هذا الواقع؛ فالتوهّم هو صورة غير موجودة في الواقع‪ ،‬ومُكوّن من مفردات‬
‫غير موجودة في الواقع‪.‬‬
‫س وَتَلَ ّذ الَعْيُنُ‪[} ...‬الزخرف‪.]71 :‬‬
‫والحق سبحانه يقول لنا عن الجنة‪َ {:‬وفِيهَا مَا تَشْ َتهِي ِه الَ ْنفُ ُ‬
‫ويشرح الرسول صلى ال عليه وسلم ذلك بمذكرة تفسيرية‪ ،‬فيقول‪ " :‬فيها مَا ل عَيْنٌ رأتْ‪ ،‬ول‬
‫خطَر على قَلْب بشر "‪.‬‬
‫أذن سمعتْ‪ ،‬ول َ‬
‫والعَيْن وسيلة إدراك وحسّ؛ وكذلك الذن‪ ،‬أما ما ل يخطر على القلب فهو ليشرحه الخيال أوَ‬
‫الوَهْم‪.‬‬
‫وهكذا نعلم لماذا يضرب ال لنا المثال؛ لِيُوجِز لنا ما يشرح ويُوضّح بأشياء قريبة من الفهم‬
‫البشري‪.‬‬
‫وأنت حين تريد أن تكتب لصديق؛ فقد تُمسك الورقة والقلم وتُدبّج رسالة طويلة؛ ولكن إنْ كنتَ‬
‫تملك وقتك فستحاول أن تُركّز كل المعاني في كلمات قليلة‪.‬‬
‫وكلنا يذكر ما كتبه سعد زغلول زعيم ثورة ‪ 1919‬المصرية لواحد من أصدقائه بعد أن سطّر له‬
‫رسالة في خمس صفحات؛ وأنهاها‪ " :‬إني أعتذر عن الطالة في الخطاب‪ ،‬فلم يكُنْ عندي وقت‬
‫لليجاز " وذلك لن مَنْ يُوجِز إنما يضع معاني كثيرة في كلمات قليلة‪.‬‬
‫وحين طلب أحد القادة المسلمين الّنصْرة من خالد بن الوليد؛ وكان القائد الذي يطلب المساعدة‬
‫مُحَاصَرا؛ وأرسل لخالد بن الوليد كلمتين اثنتين " إياك أريد " ‪ ،‬وهكذا اختصر القائد المحاصر ما‬
‫يرغب إيصاله إلى مَنْ ينجده‪ ،‬بإيجاز شديد‪.‬‬
‫طوِيَتْ أتاحَ َلهَا لِسَانَ حَسُودَل ْولَ اشتعالُ النّار فيمَا جَاو َرتْ‬
‫والشاعر يقول‪:‬إذَا أرادَ ال َنشْرَ َفضِيلَة ُ‬
‫مَا كَان ُيعْرَف ط ِيبُ عَ ْرفِ العوُدِ‬
‫أي‪ :‬أنه إذا كانت هناك فضيلة مكتومة نسيها الناس؛ فالحقّ سبحانه يتيح لها لسانَ حاسدٍ حاقد‬
‫لِيثُرثر ويُنقّب؛ لتظهر وتنجلي؛ مثلما يُوضَعُ خشب العود ‪ -‬وهو من أَ ْرقَى ألوان البخور ‪ -‬في‬
‫عطْره بين الناس‪.‬‬
‫النار‪ ،‬فينتشر ِ‬
‫وهكذا ضرب الشاعر المَثَل لِيُوضّح أمرا ما للقارئ أو السامع‪.‬‬
‫ويقول الشاعر ضاربا المَثل أيضا‪:‬وإذَا امْرؤٌ مدحَ امْرءا لِنَوالِه وأَطَالَ فِيه فقدْ أطَالَ ِهجَاءَهَُلوْ َلمْ‬
‫يُقدّر فيه ُبعْد المُسْتقَى عند الوُرودِ َلمَا أطالَ ِرشَاءَهُوالمقاييس العادية تقول‪ :‬إن المرء حين يمدح‬
‫أحدا لفترة طويلة‪ ،‬فهذا يعني ال ّرفْعة والمجد للممدوح‪ .‬ولكن حين يقرأ أح ٌد قول هذا الشاعر قد‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يتعجّب ويندهش‪ ،‬ولكنه يتوقف عند قول الشاعر أن الماء لو كان قريبا في البئر؛ لخرجه‬
‫العطشان بدلو مربوط بحبل قصير؛ ولكن إنْ كان الماء على ُبعْد مسافة في البئر فهذا يقتضي‬
‫حبلً طويلً لينزل الدلو إلى الماء‪.‬‬
‫وهذا يعني أن طول المدح إنما يُعبّر عن فظاظة الممدوح الذي ل يستجيب إل بالثناء الطويل؛ ولو‬
‫كان الممدوح كريما حقا لكتفى بكلمة أو كلمتين في مدحه‪.‬‬
‫وهكذا يكون ضَ ْربُ المثل توضيحا وتقريبا للذهن‪.‬‬
‫وهنا قال الحق سبحانه‪:‬‬
‫لمْثَالَ لِلنّاسِ َلعَّلهُمْ يَتَ َذكّرُونَ { [إبراهيم‪.]25 :‬‬
‫} وَ َيضْ ِربُ اللّ ُه ا َ‬
‫والتذكر معناه أن شيئا كان معلوما بالفطرة؛ ولكن الغفلة طرأتْ؛ فيأتي المَ َثلُ ليُذكّر بالمر‬
‫الفطريّ‪.‬‬
‫وبعد أن ضرب الحق سبحانه المثل بالكلمة الطيبة بيانا لحال أهل القُرْب من ال والود معه واتباع‬
‫منهجه‪ ،‬أراد انْ يذكُ َر لنا المقابل‪ ،‬وهو حال الشقياء الذين أعرضوا عن ال‪ ،‬وعن منهجه‪ ،‬فيقول‬
‫سبحانه وتعالى‪َ } :‬ومَثلُ كَِلمَةٍ خَبِيثَةٍ َكشَجَ َرةٍ‪.{ ...‬‬

‫(‪)1761 /‬‬
‫شجَ َرةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُ ّثتْ مِنْ َف ْوقِ الْأَ ْرضِ مَا َلهَا مِنْ قَرَارٍ (‪)26‬‬
‫َومَثَلُ كَِلمَةٍ خَبِيثَةٍ كَ َ‬

‫وحين نقارن الكلمة الخبيثة بالكلمة الطيبة سنكتشف الفارق الشاسع؛ فالكلمة الخبيثة مُجْتثّة من فوق‬
‫الرض؛ والجُثّة كما نعلم هي الجسد الذي خرجتْ منه الروح‪ ،‬ومن بعد أن يصبح جُثة يصير‬
‫ِرمّة؛ ثم يتحلّل إلى عناصره الولى‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالجتثاث هو استئصالُ الشيء من أصله وقَلْعه من جذوره‪ ،‬أما المقابل في الشجرة الطيبة‬
‫فأصلها ثابت ل تُخلخله ظروف أو أحداث‪ ،‬والكلمة الخبيثة بل جذور لنها مُجْتثّة؛ وليس لها قَرار‬
‫تستقر فيه‪.‬‬
‫وحين تكلّم المُفسّرون عن الشجرة الطيبة منهم مَنْ قال إنها النخلة لن ُكلّ ما فيها خير؛ فورقها ل‬
‫ل وكل ما فيها يُنتفعَ به‪.‬‬
‫ظّ‬
‫يسقط‪ ،‬ويبقى دائما كَ ِ‬
‫فنحن ‪ -‬على سبيل المثال ‪ -‬نأخذ جذع النخلة ونصنع منه أعمدة في بيوت الرّيف‪ ،‬وجريد النخل‬
‫نصنع منه الكراسي؛ والليف الموجود بين الفرع نأخذه لنصنع منه الحبال؛ والخوص نصنع منه‬
‫القُفف‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والذين حاولوا أن يُفسّروا " الشجرة الخبيثة " بأنها شجرة الحَنْظل‪ ،‬أو شجرة التين‪ ،‬أو شجرة‬
‫الكُرّات؛ لكل هؤلء أقول‪ :‬لقد خلقها الحق سبحانه لتكون شجرة طيبة في ظروف احتياجنا لها؛‬
‫لنك حين تنظر إلى الكون ستجد أن مِزَاجه مُتنوّع؛ ومُقوّمات الحياة ليستْ هي الكل والشرب‬
‫فقط؛ بل هناك توازن بيئيّ قد صمّمه الحق تعالى‪ ،‬وهو العلم مِنّا جميعا بما خلق؛ ولم يخلق إل‬
‫طَيّبا‪.‬‬
‫وكل شيء في الكون له عطاء مستمر يُشع في الجو‪ ،‬والمَثَل هو تساقط أوراق الشجر التي تُعيد‬
‫خصْب مرة أخرى إلى الرض‪ .‬وكلها أمور يُبديها الحق سبحانه ول يبتديها‪ ،‬أي‪ :‬يُظهرها بعد‬
‫ال ِ‬
‫أنْ كانت موجودة أَزلً ومَخفية عَنّا‪.‬‬
‫جلّ وعلَ يرفع قوما ويَخفِض قوما؛ وهو القائل عن ذاته‪ُ {:‬كلّ َيوْمٍ ُهوَ فِي شَأْنٍ }[الرحمن‪:‬‬
‫وهو َ‬
‫‪.]29‬‬
‫وكلّنا نعلم أن اليوم عند منطقة ما يبدأ في توقيت مُعيّن‪ ،‬وينتهي في توقيت مُعين؛ وتختلف‬
‫المناطق الجغرافية وتختلف معها بدايات أيّ يوم من منطقة إلى أخرى؛ فبعد لحظة من بداية يومك‬
‫يبدأ يوم آخر في منطقة أخرى؛ وهكذا تتعدد اليام وبدايات النهار والليل عند مختلف البشر‬
‫والمجتمعات‪.‬‬
‫ولذلك فحين نسمع قول الرسول صلى ال عليه وسلم‪ " :‬إن ال عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب‬
‫مُسيء النهار‪ ،‬ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها "‪.‬‬
‫فمعنى ذلك أن يَد ال مبسوطة دائما‪ ،‬ذلك أن الليلَ يبدأ في كل لحظة عند َقوْم‪ ،‬ويبدأ النهار عند‬
‫قوم في نفس اللحظة؛ ويتتابع ميلد الليل والنهار حَسْب دوران الشمس حول الرض‪.‬‬
‫صفَها‬
‫وهكذا ل يجب أن نظلم شجرة الثوم‪ ،‬أو شجرة الحَنْظل‪ ،‬أو أي شجرة من مخلوقات ال و َن ِ‬
‫بأنها شجرة خبيثة‪ ،‬فل شيء خبيثٌ من مخلوقات ال‪.‬‬
‫ونحن حين نجد شابا يقوم بثَنْي قطعة من الحديد قد يحسبه الجاهل أنه يُسيء استخدام الحديد‪،‬‬
‫خطّاف يشدّ به شيئا يلزمه‪.‬‬
‫ولكن العاقل يعلم أنه يقوم بِثَنْيها ليصنع منها مَا يفيده؛ ك ُ‬
‫وعمدة الكلمة الطيبة هي شهادة " ل إله إل ال‪ ،‬وأن محمدا رسول ال " ومن هذه الشهادة يتفرّع‬
‫عمْدة الكلمة الخبيثة هي الكفر بتلك الشهادة‪ ،‬وما يتبع الكفر من عناد‬
‫كل الخير‪ .‬ومن هنا نعلم أن ُ‬
‫لرسول ال صلى ال عليه وسلم وصَدّ عن سبيل ال؛ ومن تكذيبٍ لمعجزات الرسل؛ وإنكارٍ لمنهج‬
‫ال‪.‬‬
‫ن يقول‪ :‬ما دام الحق سبحانه قد قال إن هناك شجرةً خبيثة؛ فل ُبدّ أن تُوجَد تلك الشجرة‪،‬‬
‫ولقائل أ ْ‬
‫وأقول‪ :‬إن ُكلّ ما يضرّ النسان في وقت ما هو خبيث؛ فالسكر مثلً يكون خبيثا بالنسبة لمريض‬
‫بالسكر؛ وكل كائن فيه حسناتٌ مفيدة؛ وله جانب ضَارّ في حالت معينة؛ وعلى النسان المختار‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أن يُميّز ما يضرّه وما ينفعه‪.‬‬
‫ونلحظ هنا في َوصْف الكلمة الخبيثة بأنها كالشجرة الخبيثة؛ أن الحق سبحانه لم َي ُقلْ إن تلك‬
‫الشجرة الخبيثة لها فَرْع في السماء؛ ذلك أنها مُجْتثة من الرض؛ مُخْلخلة الجذور؛ فل سَند لها من‬
‫الرض؛ ول مددَ لها من السماء‪.‬‬
‫ولذلك َيصِفها الحق سبحانه‪:‬‬
‫} مَا َلهَا مِن قَرَارٍ { [إبراهيم‪.]26 :‬‬
‫أي‪ :‬ما لها من ثبات أو قيام‪ ،‬وكذلك ال ُكفْر بال؛ ومَنْ يكفر ل يصعد له عمل طيّب‪ ،‬فل أساسَ‬
‫يصعد به العمل أو القول الطيب‪ .‬ولهذا وصفت الشجرة الخبيثة بصفات ثلث‪ ،‬أولها‪ :‬أنها شجرة‬
‫خبيثة وثانيها‪ :‬أنها عديمة الصل بغير ثبات‪ ،‬وثالثها‪ :‬ما لها من قرار لعدم ثبات الصل‪.‬‬
‫ثم يبين ال جل عله متحدثا عن حصاد الحالتين‪ ،‬فالولى‪ :‬أمن وأمان في الدنيا والخرة‪ .‬والحالة‬
‫الثانية‪ :‬ظلم بضلل‪ ،‬وقلق بضنك‪ ،‬وفي الخرة لهم عذاب أليم‪.‬‬
‫ويقول سبحانه وتعالى‪ } :‬يُثَ ّبتُ اللّهُ الّذِينَ آمَنُواْ‪.{ ...‬‬

‫(‪)1762 /‬‬
‫ن وَ َي ْفعَلُ اللّهُ مَا‬
‫ضلّ اللّهُ الظّاِلمِي َ‬
‫يُثَ ّبتُ اللّهُ الّذِينَ َآمَنُوا بِا ْل َق ْولِ الثّا ِبتِ فِي ا ْلحَيَاةِ الدّنْيَا َوفِي الْآَخِ َرةِ وَيُ ِ‬
‫يَشَاءُ (‪)27‬‬

‫ق الَ ْرضِ مَا َلهَا مِن قَرَارٍ }[إبراهيم‪:‬‬
‫وتأتي هنا كلمة " التثبيت " طبيعية بعد قوله‪ {:‬اجْتُ ّثتْ مِن َفوْ ِ‬
‫‪.]26‬‬
‫لن الذي يُجتثّ ل ثبوتَ له ول استقرارَ؛ فجاء بالمقابل بقوله‪:‬‬
‫{ يُثَ ّبتُ اللّهُ الّذِينَ آمَنُواْ‪[ } ...‬إبراهيم‪.]27 :‬‬
‫وتُوحي كلمة التثبيت أيضا بأن النسان ابنٌ للغيار‪ ،‬وتطرأ عليه الحداث التي هي نتيجة لختيار‬
‫حكْم أو إبطاله‪ ،‬فالمُكلّف حين يأمره ال بحكم؛ قد يُنفّذه‪ ،‬وقد ل ينفذه‪.‬‬
‫المُكلّفين في نفاذ ُ‬
‫وكذلك قد يتعرض المكلّف لمخالف لمنهج ال‪ ،‬فل يُنفّذ هذا المخالفُ تعاليم المنهج؛ ويؤذي مَنْ‬
‫يتبع التعاليم‪ ،‬وهنا يثق المؤمن أن له إلها لن يخذله في مواجهة تلك الظروف‪ ،‬وسينصره إنْ‬
‫قريبٌ أو بعيد على ذلك‪.‬‬
‫وهكذا ل تنال الحداث من المؤمن‪ ،‬ويصدق قوله الحق‪:‬‬
‫{ يُثَ ّبتُ اللّهُ الّذِينَ آمَنُواْ‪[ } ...‬إبراهيم‪.]27 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فهم قد آمنوا بوجوده وبقدرته‪ ،‬وبأن له طلقة مشيئة يُثبّتهم بها مهما كانت جسامة الحداث؛ ذلك‬
‫طمَئِنّ ا ْلقُلُوبُ }[الرعد‪:‬‬
‫أن المؤمن يعلم عن يقين أن الحق سبحانه قد قال وصدق‪َ {:‬ألَ بِ ِذكْرِ اللّهِ تَ ْ‬
‫‪.]28‬‬
‫وما دام المؤمن قد ثبت قلبه باليمان وبالقول الثابت؛ فهو ل يتعرّض لزيغ القلب؛ ول يتزعزع‬
‫عن الحق‪.‬‬
‫والتثبيت يختلف في أعراف الناس باختلف المُثبّت؛ فحين يُخلْخَل عمود في جدار البيت؛ فصاحب‬
‫البيت يأتي بالمهندس الذي يقوم بعمل دعائمَ لتثبيت هذا العمود؛ ويتبادل الناسُ العجابَ بقدرات‬
‫هذا المهندس‪ ،‬ويتحاكى الناس بقدرات هذا المهندس على التثبيت للعمدة التي كادتْ أنْ تنهار‪،‬‬
‫وهذا ما يحدث في عُرْف البشر؛ فما بَالُنا بما يمكن أنْ يفعله خالق البشر؟‬
‫وقوله الحق‪:‬‬
‫{ يُثَ ّبتُ اللّهُ الّذِينَ آمَنُواْ‪[ } ..‬إبراهيم‪.]27 :‬‬
‫يرّدك إلى المُثبّت الذي لَنْ يطرأ على تثبيته أدنى خَلَل‪ .‬وكلمة " التثبيت " دَلّتْنَا على أن النسان‬
‫ابنُ أغيارٍ؛ وقد تحدثُ له أشياء غَيْر مطابقة لما يريده في الحياة؛ لذلك فالمؤمن يجب ألّ َيخُور؛‬
‫لن له ربا ل تدركه البصار‪ ،‬وهو يدرك البصار‪.‬‬
‫وسبحانه يُثبّت الذين آمنوا‪:‬‬
‫{ بِا ْل َق ْولِ الثّا ِبتِ فِي ا ْلحَيَاةِ الدّنْيَا‪[ } ...‬إبراهيم‪.]27 :‬‬
‫حقّ الذي ل يتغيّر؛ وهذا ال َقوْلِ مُوجّه للمؤمنين الذين يواجههم َقوْم‬
‫والقول الثابت؛ لنه من ال َ‬
‫ن يكونوا على غير منهج ال‪.‬‬
‫أشرار اختاروا أ ْ‬
‫وهذا القول يوضح للمؤمنين ضرورة أن يهدأوا؛ وأنْ يجعلوا أنفسهم في معيّة ال دائما‪ ،‬وأنْ‬
‫يعلموا أنّ الظالمَ لو عَلِم ما أعدّه ال للمظلوم من ثواب وحُسْن جزاء َلضَنّ الظالم بظُلْمه على‬
‫المظلوم ولَقَال‪ :‬ولماذا أجعل ال في جانبه؟‬
‫والذين اضْطهِدوافي دينهم؛ وقام الكفار بتعذيبهم؛ لم ُيفْتَنوا في الدين؛ فكلما قَسا عليهم الكفار ضَرْبا‬
‫وتعذيبا كلما تذكروا حنانَ الحقّ فتحمّلوا ما يذيقهم الكافرون من عذاب‪.‬‬
‫وحُسْن الجزاء قد يكون في الدنيا التي يُثبّت فيها المؤمن بمشيئة ال؛ وهي بنت الغيار وبنت‬
‫السباب؛ فأنت في الدنيا تحوز على أيّ شيء بأن تتعبَ من أجل أنْ تحصلَ عليه‪ ،‬وتكِدّ لتتعلم؛‬
‫وتعثر على وظيفة أو مهنة؛ ثم تتزوج لِتُكوّن أُسْرة؛ وتخدُم غيرك؛ ويخدُمك غيرك‪ ،‬وتزاول كل‬
‫أسبابك بغيرك؛ فأنت تأكل مما تطبخ زوجتك‪ ،‬أو أمك أو مَنْ تستخدمه ليؤدي لك هذا العمل‪.‬‬
‫باختصار كلما ارتقيتَ؛ فأنت ترتقي بأثر مجهود ما‪ .‬و ُكلّ متعة تحصل عليها إنما هي نتيجة‬
‫لمجهود جَادّ منك؛ وأنت تحاول دائما أن تُقلّل المجهود والسباب لتزيد من متعتك‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فَما باُلكَ بالخرة التي ل تكليفَ ول أسبابَ فيها؛ وكل ما فيها قد جهّزه الحق تعالى مقدّما‬
‫ن كنتَ مؤمنا فالحق سبحانه يُجازيك بجنة‬
‫ن كفر وعصى‪ ،‬وإ ْ‬
‫للنسان؛ ثوابا إنْ آمنَ‪ ،‬وعذابا إ ْ‬
‫عَرْضها السماوات والرض؛ فيها ُكلّ ما تشتهي النفس‪.‬‬
‫وإذا كان الحق سبحانه يُثبّت الذين آمنوا في الدنيا بالقول الثابت الحق فتثبيتُه لهم في الخرة هو‬
‫حياةٌ بدون أسباب‪.‬‬
‫ونجده سبحانه لم َي ُقلْ هنا‪ :‬الحياة الخرة‪ ،‬بل قال‪:‬‬
‫} فِي ا ْلحَيَاةِ الدّنْيَا َوفِي الخِ َرةِ‪[ { ...‬إبراهيم‪.]27 :‬‬
‫ذلك أن الرتقاءات الطّموحية في الحياة تكون مناسبة للمجهود المبذول فيها‪ ،‬ولكن المرَ في‬
‫الخرة يختلف تماما؛ لن الحق سبحانه هو الذي يُجازي على َقدْر طلقة مشيئته‪ ،‬وهو يُثبّتهم‬
‫حسْن ما فعلوا من خير في سبيل ال‪.‬‬
‫بداية من سؤال القبر ونهايةَ إلى أن يَلْقوا الثواب على ُ‬
‫وما دام الحق سبحانه قد ذكر هنا التثبيتَ في الحياة الدنيا والخرة؛ فل ُبدّ أن يأتي بالمقابل‪،‬‬
‫ويقول‪:‬‬
‫ن وَ َي ْفعَلُ اللّهُ مَا يَشَآءُ { [إبراهيم‪.]27 :‬‬
‫ضلّ اللّهُ الظّاِلمِي َ‬
‫} وَ ُي ِ‬
‫وسبحانه يُضلّ الظالم لنه اختار أنْ يظلم؛ وهو سبحانه قد جعل للنسان حَقّ الختيار‪ ،‬فَمنَ اختار‬
‫ق وجعل الكون مُسخرا لهم؛ وأعطى‬
‫أن يظلمَ؛ ل بُدّ له من عقاب‪ .‬وإذا كان سبحانه قد خلق الخَ ْل َ‬
‫المؤمن والكافر من عطاء الربوبية؛ فإن اختار الكاف ُر كفره؛ فهو لن يُنفّذ تكاليف اللوهية التي‬
‫أنزلها ال منهجا لهداية الناس‪.‬‬
‫س إلى الكفر فالحق سبحانه يختم على قلبه؛ فل‬
‫والكافر إنما يظلم نفسه؛ ذلك أنه ما دام قد أنِ َ‬
‫يخرج من القلب الكفر‪ ،‬ول يدخل إليه اليمان؛ وهو َربّ العالمين يفعل ما يشاء‪.‬‬
‫وإذا كان الحق سبحانه يعطي كل إنسان ما يريد؛ وما دام الكافر يطلب أن يكون كافرا؛ فسبحانه‬
‫يمدّ له في أسباب الكفر ليأخذه من بعد ذلك بها؛ كما يمدّ ال للمؤمنين ُكلّ أسباب اليمان ِمصْداقا‬
‫ك َومَا كَانَ عَطَآءُ رَ ّبكَ مَحْظُورا }‬
‫لقوله الحق‪ {:‬كُلّ ّنمِدّ هَـاؤُل ِء وَهَـاؤُلءِ مِنْ عَطَآءِ رَ ّب َ‬
‫[السراء‪.]20 :‬‬
‫وهكذا تكون طلقة قدرة الحق سبحانه وهو يفعل ما يشاء‪ ،‬ذلك أنه ل يوجد إله غيره‪.‬‬
‫والحق سبحانه قد أكرمنا بالعبودية له وحده‪ ،‬ذلك أننا رأينا جميعا وشاهدنا أثر عبودية النسان‬
‫للنسان؛ حين يأخذ السيد خَيْر العبد؛ وقد ذاقتْ البشرية الكثير من وَيْلتها‪ ،‬ولكن العبودية ل‬
‫تختلف تماما حيث يأخذ العبد خَيْر السيد؛ ويُغدِق السيد إحسانه على عباده‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك‪ } :‬أَلَمْ تَرَ ِإلَى الّذِينَ بَدّلُواْ‪.{ ....‬‬

‫(‪)1763 /‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫حلّوا َق ْو َمهُمْ دَارَ الْ َبوَارِ (‪)28‬‬
‫أَلَمْ تَرَ إِلَى الّذِينَ َبدّلُوا ِن ْعمَةَ اللّهِ كُفْرًا وَأَ َ‬

‫وحين يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ أََلمْ تَرَ إِلَى‪[ } ...‬إبراهيم‪.]28 :‬‬
‫فهذا يعني أن المُخِبر وهو الحق إذا ما أخبرنا بشيء فهو أصدق مِنْ أنْ تراه أعيننا‪.‬‬
‫وتشير الية إلى عملية مُبَادلة بين اعتراف بالنعمة؛ ثم إنكارها‪ .‬كأن هناك شيئا قد استبعدناه‪،‬‬
‫وأتيْنا ببديل له‪ .‬والحق سبحانه هو القائل‪ {:‬أَتَسْتَبْ ِدلُونَ الّذِي ُهوَ َأدْنَىا بِالّذِي ُهوَ خَيْرٌ‪[} ...‬البقرة‪:‬‬
‫‪.]61‬‬
‫ي تكليف إيمانيّ قبل البلوغ‪.‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى قد أعطاك النعمة ولم يطلب منك أن تقومَ بأ ّ‬
‫ل يعصي‬
‫وهكذا نجد أن النعمة هي الصل‪ ،‬والتكليف إنما يأتي من بعد ذلك‪ ،‬وكان من الواجب أ ّ‬
‫العبد مَنْ أنعم عليه بكل النعم‪ ،‬وأن يتجه إلى التكليف بمحبة؛ كي ل يقلب نعمة ال كفرا‪.‬‬
‫أو‪ :‬أن المقصود هم قوم قريش الذين أفاء ال عليهم الخير‪ ،‬وجعل لهم الحرم آمنا‪َ {:‬أوَلَمْ ُن َمكّن ّلهُمْ‬
‫شيْءٍ رّزْقا مّن لّدُنّا وَلَـاكِنّ َأكْثَرَ ُه ْم لَ َيعَْلمُونَ }[القصص‪.]57 :‬‬
‫حَرَما آمِنا يُجْبَىا إِلَ ْيهِ َثمَرَاتُ ُكلّ َ‬
‫وكذلك أنعم عليهم بأن يكون نبي السلم ‪ -‬الدين الخاتم ‪ -‬منهم‪ ،‬وهو النبي الذي ستدين له الدنيا‬
‫والعالم في كل زمان ومكان؛ فلماذا يُبدّلون تلك النعمة كفرا؟‬
‫أمَا كانت تلك النعمة وحدها كافية لمقابلتها بعميق الشكر وحُسْن العبادة؟ فهذا النبي الذي قال الحق‬
‫س ْوفَ ُتسْأَلُونَ }[الزخرف‪.]44 :‬‬
‫ك وَ َ‬
‫ك وَِل َق ْومِ َ‬
‫سبحانه عن رسالته‪ {:‬وَإِنّهُ لَ ِذكْرٌ ّل َ‬
‫ل ِفهِمْ ِرحْلَةَ الشّتَآءِ وَالصّيْفِ * فَلْ َيعْبُدُواْ‬
‫لفِ قُرَيْشٍ * إِي َ‬
‫وهو سبحانه القائل عن نعمه عليهم‪ {:‬لِي َ‬
‫خ ْوفٍ }[قريش‪.]4-1 :‬‬
‫ط َع َمهُم مّن جُوعٍ وَآمَ َنهُم مّنْ َ‬
‫َربّ هَـاذَا الْبَ ْيتِ * الّذِي َأ ْ‬
‫فكيف يُبدّلون نعمة ال كفرا؟ وكيف يُسيئون معاملة الرسول صلى ال عليه وسلم وصَحْبه حتى‬
‫قال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬اللهم اجعل سنينهم كسنين يوسف "‪.‬‬
‫وخرج لقتالهم في بدر؛ وهم الذين صنعوا بأنفسهم ذلك نتيجة تبديلهم لنعمة ال كفرا‪ ،‬ولماذا قَبِلوا‬
‫عطاء الحق من خير ونعم ورفضوا منهجه؟‬
‫ولو كانوا قوم صِدْق مع النفس‪ ،‬وصدق مع ما يعتقدونه لَطلبوا من الصنام أن تعطيهمَ؛ أو‬
‫لَرفضوا أن يأخذوا خَيْر المنعم ما داموا قد رفضوا منهجه‪ ،‬وهو سبحانه قد أنعم عليهم بمُقوّمات‬
‫المادة؛ وأضاف لذلك منهجه مُقوم الروح‪.‬‬
‫وحين نقرأ قول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ وََأحَلّواْ َقوْ َمهُمْ دَارَ الْ َبوَارِ } [إبراهيم‪.]28 :‬‬
‫حلّ‪ .‬ونعلم أن الظّرف ينقسم إلى قسمين‪ :‬ظرف مكان‪،‬‬
‫نفهم أن الحلل هو إيجاد حالّ في مَ َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وظرف زمان؛ فإذا أحل ْلتَ حدثا محلّ حَدث؛ فهذا يخصّ ظرف الزمان‪ ،‬وحين تحل شيئا مكان‬
‫شيء آخر‪ ،‬فهذا أمر يخصّ ظرف المكان‪.‬‬
‫وهنا يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ وََأحَلّواْ َقوْ َمهُمْ دَارَ الْ َبوَارِ } [إبراهيم‪.]28 :‬‬
‫وهذا يعني ظرف مكان‪ .‬ولقائل أن يقول‪ :‬وكيف يأخذون أهلهم وقومهم ليحلوهم إلى دار َبوَار؟‬
‫ونقول‪ :‬لقد حدث ذلك نتيجة أنهم قد غَشّوهم وخدعوهم‪ ،‬ولم يستعمل هؤلء الهل عقولهم؛ ولم‬
‫يلتفتوا إلى أنّ قادتهم وأُولي المر منهم يسلكون السلوك السيء وعليهم ألّ يقلدوهم؛ فَجرّوا عليهم‬
‫الفتن واحدة تِلْو أخرى‪ ،‬وترين الفتن على القلوب‪.‬‬
‫ولهذا أراد الحق سبحانه لمة محمد صلى ال عليه وسلم أن تكون بها مناعات من الفتن؛ فتحثّ‬
‫النفس اللوامة المؤمن؛ فيكثر الحسنات ليبطل السيئات‪ ،‬وإذا ما تحولت النفس اللوّامة إلى نفس‬
‫أمّارة بالسوء وجدتْ في المجتمع المسلم مَنْ يزجرها‪.‬‬
‫وبهذا تصبح أمة محمد صلى ال عليه وسلم محصّنة ضد الفتن التي تُذهِب اليمان‪.‬‬
‫ف وَتَ ْن َهوْنَ عَنِ ا ْلمُ ْنكَرِ‪} ...‬‬
‫جتْ لِلنّاسِ تَ ْأمُرُونَ بِا ْل َمعْرُو ِ‬
‫ويقول الحق سبحانه‪ {:‬كُنْ ُتمْ خَيْرَ ُأمّةٍ أُخْ ِر َ‬
‫[آل عمران‪.]110 :‬‬
‫ويُذكّرنا الحق سبحانه بأن الرسولَ سيكون شهيدا علينا‪ ،‬ونحن سنكون شهداء على الناس‪ ،‬وهكذا‬
‫ضمن الحق سبحانه أن يعلم ُكلّ واحد من أمة محمد جزئية من العلم ليكون امتدادا لرسالة رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫ومِثْلما شهد الرسول أنه قد بلّغ الرسالة؛ سيكون على كل واحد من أمةَ محمد صلى ال عليه وسلم‬
‫أنْ يشهدَ بأنه قد بلّغ ما علم من رسالة محمد صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫ت الغفلة الولى؛ حيث حدثتْ الغفلة من الُسْوة؛ فزاحمتهم الشهوات‬
‫وكُلّ منا يعلم كيف حدث ْ‬
‫وارتكبوا السيئاتِ‪ ،‬فحين غفلت النفس ارتكبتْ المعصية؛ وحين رأى الناسُ مَنْ يرتكب المعصية‬
‫قلّدوه‪.‬‬
‫ن وقع في الغفلةوزْه ووزْر مَنِ اتبعه بالُسْوة السيئة؛ فصار ضَالً في ذاته؛ ثم‬
‫وهكذا حمل مَ ْ‬
‫تحمّل وِزْر مَنْ أضله أيضا‪.‬‬
‫ل قومه دار البوار‪.‬‬
‫ن فعل ذلك هو مَنْ أح ّ‬
‫وهكذا صار مَ ْ‬
‫والبوار يعني الهلك؛ ذلك أن الكبار من هؤلء القوم حين تصرّفوا وسلكُوا بما يخالف المنهج‬
‫ن اتبعوهم الهلك‪.‬‬
‫أورثوا مَ ِ‬
‫ونحن في الريف َنصِفُ الرض التي ل تصلح للزراعة بأنها الرض البُور؛ وكذلك َيقُال " ُقمْنا‬
‫بتبوير الرض " أي‪ :‬أهلكنا ما فيها من زرع‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وحين نقرأ قول الحق‪:‬‬
‫} وََأحَلّواْ َقوْ َمهُمْ دَارَ الْ َبوَارِ { [إبراهيم‪.]28 :‬‬
‫ن يرتكبون هذا الفعل الشائن؛ فمَنْ ُيهِلك قومه ل بُد أن‬
‫نجد في كلمة " قومهم " ما يُوحي بالخِسّة ِلمَ ْ‬
‫ن يقومون معهم؛ وكان من‬
‫ش وخديعة؛ فالقوم هم مَ ْ‬
‫يكونَ خسيسا؛ ول بُد أن يكون محترف غِ ّ‬
‫اللئق أن تضرب على يد مَنْ يصيبهم بشرّ أو يغشّهم أو يخدعهم‪.‬‬
‫جهَنّمَ َيصَْلوْ َنهَا وَبِئْسَ‪.{ ...‬‬
‫ويشرح الحق سبحانه دار البوار هذه‪ ،‬فيقول‪َ } :‬‬

‫(‪)1764 /‬‬
‫جهَنّمَ َيصَْلوْنَهَا وَبِئْسَ ا ْلقَرَارُ (‪)29‬‬
‫َ‬

‫وإذا قِسْنا جهنم بالمقرات؛ فلن نجد مَنْ يرغب في أن تكون جهنم هي مقرّه؛ لن النسان يحب أن‬
‫يستقر في المكان الذي يجد فيه راحة؛ ولو لم يجد في هذا المكان راحة؛ فهو يتركه‪.‬‬
‫وجهنم التي َيصْلوْنها لن تكون المقرّ الذي يجدون فيه أدنى راحة؛ لن العذاب مُقيم بها؛ ولذلك‬
‫يصفها الحق سبحانه بأنها‪:‬‬
‫{ وَبِئْسَ ا ْلقَرَارُ } [إبراهيم‪.]29 :‬‬
‫فكأنهم ممسوكون بكلليب فل يستطيعون منها فكاكا‪ .‬وهي تقول‪َ {:‬هلْ مِن مّزِيدٍ }[ق‪.]30:‬‬
‫وكأنهم قد عَشِقوا النار فعشقتهم النار‪ ،‬ولو كانت لديهم قدرة على أنْ يفرّوا منها لَفعلوا‪ ،‬لكنهم‬
‫مربوطون بها وهي مربوطة بهم؛ وهي بئس القرار؛ لن أحدا لن يخرج منها إل أنْ يشاء ال‪.‬‬
‫جعَلُواْ للّهِ أَندَادا لّ ُيضِلّواْ‪.} ...‬‬
‫ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك‪َ { :‬و َ‬

‫(‪)1765 /‬‬
‫جعَلُوا لِلّهِ أَ ْندَادًا لِ ُيضِلّوا عَنْ سَبِيلِهِ ُقلْ َتمَ ّتعُوا فَإِنّ َمصِي َركُمْ إِلَى النّارِ (‪)30‬‬
‫وَ َ‬

‫والنّد هو‪ :‬المِثْل والمُشَابه‪ .‬وهم قد اتخذوا ل شركاء؛ وأيّ شريك اتخذوه لم َي ُقلْ لهم عن النعم التي‬
‫أسبغها عليهم ولم يُنزِل لهم منهجا‪ .‬وهؤلء الشركاء كانوا أصناما‪ ،‬أو أشجارا‪ ،‬أو الشمس‪ ،‬أو‬
‫القمر‪ ،‬أو النجوم‪ ،‬ولم َي ُقلْ كائن من هؤلء‪ :‬ماذا أعطى من نعم ليعبدوه؟‬
‫ونعلم أن العبادة تقتضي أمرا وتقتضي نهيا‪ ،‬ولم يُنزِل أيّ من هؤلء الشركاء منهجا كي يتبعه مَنْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يعبدونهم؛ ول ثوابَ على العبادة؛ ول عقَاب على عدم العبادة‪.‬‬
‫ولذلك نجد أن مِثْل هؤلء إنما اتجهوا إلى عبادة هؤلء الشركاء؛ لنهم لم يأتوا بمنهج يلتزمون به‪.‬‬
‫ولذلك نجد الدجالين الذين يدّعُون أنهم رأوا النبي صلى ال عليه وسلم ويتصرفون مع مَنْ‬
‫يُصدّقونهم من التباع‪ ،‬وكأنهم كائنات أرقى من النبي صلى ال عليه وسلم ‪ -‬والعياذ بال منهم ‪.-‬‬
‫ومن العجيب أننا نجد بعضا من المثقفين وهم يتبعون هؤلء الدجالين‪ .‬وقد يبتعد عنه بسطاء‬
‫الناس؛ ذلك أن النفس الفطرية تحب أن تعيش على فطرة اليمان؛ أما مَنْ يأتي ليُخفّف من أحكام‬
‫الدين؛ فيهواه بعض ِممّنْ يتلمسون ال ِفكَاك من المنهج‪.‬‬
‫وبذلك يجعل هؤلء التباع مَنْ يخفف عنهم المنهج نِدا ل ‪ -‬والعياذ بال ‪ -‬ويضلون بذلك عن‬
‫اليمان‪.‬‬
‫والحق سبحانه يقول هنا‪:‬‬
‫جعَلُواْ للّهِ أَندَادا لّ ُيضِلّواْ عَن سَبِيلِهِ‪[ } ..‬إبراهيم‪.]30 :‬‬
‫{ وَ َ‬
‫أي‪ :‬لِ ُيضِلوا غيرهم عن سبيل ال‪.‬‬
‫وهناك قراءة أخرى لنفس الية " لِيَضلوا عن سبيل ال " ‪ ،‬وأنت ساعةَ تسمع حدثا يوجد ليجيء‬
‫ت بفعل‬
‫حدث كنتيجة له‪ ،‬فأنت تأتي بـ " لم التعليل " كقولك " ذاكر الطالب لينجح " هنا أنت لم تَ ْأ ِ‬
‫ونقيضه‪ .‬وهل كانوا يضلون أنفسهم؟‬
‫ل‪ ،‬بل كانوا يتصوّرون أنهم على هُدىً واستقامة‪ ،‬وهذه تُسمّى " لم العاقبة " وهي تعني أنه قد‬
‫يحدث بعد الفعل ِفعْل آخر كان واردا‪ .‬وهذه تُسمّى " لم تعليلة "‪.‬‬
‫ولكن قد يأتي ِفعْل بعد الفعل ولم يكن صاحبُ الفعل يريده؛ كما فعل فرعون حين التَقط موسى‬
‫عليه السلم من الماء ليكون ابنا له؛ ولكن شاء الحق سبحانه أن يجعله عدوا‪.‬‬
‫وساعة التقاط فرعون لموسى لم يكن فرعون يريد أن يكبر موسى ليصبح عدوا له؛ ولكنها مشيئة‬
‫ال التي أرادتْ ذلك لتخطئة مَنْ ظنّ نفسه قادرا على التحكّم في الحداث‪ ،‬بداية من ادعاء‬
‫اللوهية‪ ،‬ومرورا بذبح الطفال الذكور‪ ،‬ثم يأتي التقاطه لموسى ليكون قُرّة عينٍ له؛ فينشأ موسى‬
‫ويكبر ليكون عدوا له!!‬
‫ويتابع الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ ُقلْ َتمَ ّتعُواْ فَإِنّ َمصِي َركُمْ إِلَى النّارِ } [إبراهيم‪.]30 :‬‬
‫وهذا أمر من ال لمحمد أن يقول لهم‪ :‬تمتعوا‪ .‬وهذا أمر من ال‪ .‬والعبادة أمر من ال ‪ ،‬فهل إن‬
‫تمتعوا يكونون قد أطاعوا ال؟‬
‫وهنا نقول‪ :‬إن هذا أمر تهكميّ‪ ،‬ذلك أن الحق سبحانه قال من بعد ذلك‪:‬‬
‫{ فَإِنّ َمصِي َركُمْ ِإلَى النّارِ } [إبراهيم‪.]30 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وعلى هذا نجد أن المر إما أنْ يُراد به إنفاذ طلب‪ ،‬وإما أنْ يُراد به الصّد عن الطلب بأسلوب‬
‫تهكميّ‪.‬‬
‫ونجد في قول المام علي ‪ -‬كرم ال وجهه ‪ -‬قولً يشرح لنا هذا‪ " :‬ل شرّ في شر بعده الجنة‪،‬‬
‫ول خير في خير بعده النار "‪.‬‬
‫فَمنْ يقول‪ :‬إن التكاليف صعبة؛ عليه أن يتذكّر أن بعدها الجنة‪ ،‬ومَنْ يرى المعاصي والكفر أمرا‬
‫هينا‪ ،‬عليه أن يعرف أن بعد ذلك مصيره إلى النار؛ فل تعزل المقدمات عن السباب‪ ،‬ول تعزل‬
‫السبب عن المُسبّب أو المقدمة عن النتائج‪.‬‬
‫فالب الذي يجد ابنه يُلحِق المذاكرة في الليل والنهار ليبني مستقبله قد يشفق عليه‪ ،‬ويسحب‬
‫الكتاب من يده‪ ،‬ويأمره أن يستريح كل ل يقع في المرض؛ فيصبح كالمُنْ َبتّ؛ ل أرضا قطع‪ ،‬ول‬
‫ظهْرا أبقى‪ ،‬ولكن الولد يرغب في مواصلة الجهد ليصلَ إلى مكانة مُشرّفة‪.‬‬
‫وهنا نجد أن كلً من الب والبن قد نظروا إلى الخير من زوايا مختلفة؛ ولذلك قد يكون اختلف‬
‫النظر إلى الحداث وسيلة للتقاءات الخير في الحداث‪.‬‬
‫وهم حين يسمعون قول الحق سبحانه‪:‬‬
‫} ُقلْ َتمَ ّتعُواْ فَإِنّ َمصِي َركُمْ إِلَى النّارِ { [إبراهيم‪.]30 :‬‬
‫قد يستبطئون الحداث؛ ويقول الواحد منهم إلى أن يأتي هذا المصير‪ :‬قد نجد حلً له‪.‬‬
‫ونقول‪ :‬فليتذكر ُكلّ إنسان أن المر المُعلّق على غير ميعاد مُحدّد؛ قد يأتي فجأة؛ َفمَنْ يعيش في‬
‫معصية إلى عمر التسعين؛ هل يظن أنه سيفِرّ من النار‪.‬‬
‫إنه وَا ِهمٌ يخدع نفسه‪ ،‬ذلك أن إبهام ال ليمعاد الموت هو أعنفُ بيانٍ عنه‪ .‬وما دام المصير إلى‬
‫النار فل مُتْعة في تلك الحياة‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك‪ } :‬قُل ّلعِبَا ِديَ الّذِينَ آمَنُواْ‪.{ ...‬‬

‫(‪)1766 /‬‬
‫ُقلْ ِلعِبَا ِديَ الّذِينَ َآمَنُوا ُيقِيمُوا الصّلَا َة وَيُ ْنفِقُوا ِممّا رَ َزقْنَاهُمْ سِرّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَ ْبلِ أَنْ يَأْ ِتيَ َيوْمٌ لَا بَ ْيعٌ‬
‫فِي ِه وَلَا خِلَالٌ (‪)31‬‬

‫و { ُقلْ } من ال لرسول ال صلى ال عليه وسلم‪ .‬وهل معنى هذا أن العباد الذين سيسمعون هذا‬
‫المر سيقومون إلى الصلة؛ لقد سمعه بعضهم ولم َيقُم إلى الصلة‪.‬‬
‫إذن‪ :‬مَنْ يُطع المر هو مَنْ حقّق شَرْط اليمان‪ ،‬وعلينا أن ننظر إلى ُمكْتنفات كلمة " عبادي "‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فعباد ال هم الذين آمنوا‪ ،‬وحين يؤمنون فهم سيُعبّرون عن هذا اليمان بالطاعة‪ .‬وهكذا نفهم معنى‬
‫اللفاظ لتستقيم معانيها في أساليبها‪.‬‬
‫وكل خَلْق ال عبيد له؛ ذلك أن هناك أمورا قد أرادها ال قد طريقة خَلْقهم‪ ،‬ل قدرةَ لهم على‬
‫مخالفتها؛ فهو سبحانه قد قهرهم في أشياء؛ وخيّرهم في أشياء‪.‬‬
‫ولذلك أقول دائما للمُتمرّدين على اليمان بال؛ لقد أَِلفْتم التمرّد على ال؛ ولم يَ ْأبَ طَبْع واحد منكم‬
‫على رفض التمرّد‪ ،‬فإنْ كنتم صادقين مع أنفسكم عليكم أنْ تتمردوا على التنفس؛ فهو أمر ل‬
‫إرادي‪ ،‬أو تمردوا ‪ -‬إن استطعتُم ‪ -‬على المرض وميعاد الموت‪ ،‬ولن تستطيعوا ذلك أبدا‪.‬‬
‫ولكنهم أِلفُوا التمرّد على ما يمكنهم الختيار فيه‪ .‬ونسُوا أن ال يريد منهم أن يلتزموا بمنهجه؛ فإن‬
‫اختار المؤمن أن يتبع منهجَ ال صار من " عباد ال " ‪ ،‬وإنْ لم يخضع للمنهج فيما له فيه اختيار‬
‫فهو من العبيد المقهورين على اتباع أوامر ال القهرية فقط‪.‬‬
‫وأنت حين تستقرئ كلمة " عباد " وكلمة " عبيد " في القرآن ستجد قول الحق سبحانه‪ {:‬وَعِبَادُ‬
‫حمَـانِ الّذِينَ َيمْشُونَ عَلَىا الَ ْرضِ َهوْنا وَإِذَا خَاطَ َبهُمُ الجَا ِهلُونَ قَالُواْ سَلَما }[الفرقان‪.]63 :‬‬
‫الرّ ْ‬
‫وتتعدد هنا صفات العباد الذين اختاروا اتباع منهج ال‪ ،‬وستجد كلمة العبيد وهي مُلْتصقة بمَنْ‬
‫حقّ‬
‫يتمردون على منهج ال؛ ولن تجد َوصْفا لهم بأنهم " عباد " إل في آية واحدة؛ حين يخاطب ال َ‬
‫جلّ وعل الذين أضلوا الناس؛ فيقول لهم‪ {:‬أَأَنتُمْ َأضْلَلْ ُتمْ عِبَادِي َهؤُلَءِ َأمْ ُه ْم ضَلّوا السّبِيلَ }‬
‫َ‬
‫[الفرقان‪.]17 :‬‬
‫ونلحظ أن زمن هذا الخطاب هو في اليوم الخر؛ حيث ل يوجد لحد مُرْتاد مع ال؛ وحيث يسلب‬
‫الحق سبحانه كل حق الختيار من كل الكائنات المختارة‪.‬‬
‫وهكذا ل يمكن لحد أن يطعنَ في أن كلمة " عباد " إنما تستخدم في َوصْف الذين اختاروا عبادة‬
‫سلّموا ِزمَام اختيارهم ل‪ ،‬وأطاعوه في أوامره‬
‫ال واللتزام بمنهجه في الحياة الدنيا؛ ذلك أنهم قد َ‬
‫ونواهيه‪.‬‬
‫ونلحظ أن قول الحق سبحانه‪:‬‬
‫لةَ وَيُ ْن ِفقُواْ ِممّا رَ َزقْنَاهُمْ سِرّا وَعَلنِيَةً‪[ } ..‬إبراهيم‪.]31 :‬‬
‫{ قُل ّلعِبَا ِديَ الّذِينَ آمَنُواْ ُيقِيمُواْ الصّ َ‬
‫هو أمر صادر من الحق سبحانه لرسوله صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وأن المؤمنين في انتظار هذا المر‬
‫لِيُنفّذوه فورا‪ ،‬ذلك أن المؤمن يحب أن يُنفّذ كل أمر يأتيه من ال‪.‬‬
‫وما ُد َمتْ قد أبلغتهم يا محمد هذا المر فسيُنفّذونه على الفور؛ وقد جاء قوله (يقيموا) محذوفا منه‬
‫لم المر‪ ،‬تأكيدا على أنهم سيصعدون لتنفيذ المر فوْر سماعه‪.‬‬
‫جمْهرة آيات القرآن تأتيان متتابعتين مع بعضهما؛‬
‫وعادة نجد أن إقامة الصلة وإيتاء الزكاة في َ‬
‫لن إقامة الصلة تتطلب حركة‪ ،‬تتطلب طاقة وتأخذ وقودا؛ والوقود يتطلب حركة ويأخذ زمنا‪،‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والزكاة تعني أن تُخرِج بعضا من ثمرة الزمن‪ ،‬وبعضا من أثر الحركة في الوقت‪.‬‬
‫ونجد الكسالى عن الصلة يقولون‪ " :‬إن العمل يأخذ كل الوقت والواحد منّا يحاول أن يجزع‬
‫الصلوات إلى آخرالنهار‪ ،‬ويُؤدّيها جميعها قَضاءً "‪ .‬وهم ل يلتفتون إلى أن ُكلّ فرض حين يُؤدّي‬
‫في ميعاده لن يأخذ الوقت الذي يتصورون أنه وقت كبير‪.‬‬
‫وظاهر المر أن الصلة تُقلّل من ثمرة العمل‪ ،‬لكن الحقيقة أنها تُعطي شحنة وطاقة تحفِز النفس‬
‫على المزيد من إتقان العمل؛ وكيف ُيقِبل المصلى على العملَ بنفس راضية؛ ذلك أنه بالصلة قد‬
‫وقف في حضرة مَنْ خلقه‪ ،‬ومَنْ رزقه‪ ،‬ومَنْ كفله‪.‬‬
‫ولذلك يخرج منها هادئا مُطمئنا مُنتبها راضيا؛ وذلك كان رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول‪" :‬‬
‫أرحنا بها يا بلل "‪.‬‬
‫والصلة في كل فرض؛ لن تأخذ أكثر من ربع الساعة بالوضوء‪ ،‬وإذا نسبت وقت الصلوات كلها‬
‫إلى وقت العمل ستجد أنها تأخذ نسبة بسيطة وتعطي بأكثر ِممّا أخذت‪.‬‬
‫وكذلك الزكاة قدتأخذ منك بعضا من ثمرة الوقت لتعطيه إلى غير القادر‪ ،‬ولكنها تمنحك أمانا‬
‫اجتماعيا فوق ما تتخيّل‪.‬‬
‫جمَاع القيم‬
‫ولذلك تجد الصلة مُرتبطة بالزكاة في آيات القرآن ببعضهما‪ ،‬وإقامة الصلة هي ِ‬
‫جمَاع قيام الحركات العضلية كلها‪.‬‬
‫كلها؛ وإيتاء الزكاة ِ‬
‫وتعالج الصلة شيئا‪ ،‬وتعالج الزكاة شيئا آخر؛ وكلهما ُتصِلح مكونات ماهية النسان؛ الروح‬
‫ومقوماتها‪ ،‬والجسد ومقوماته‪.‬‬
‫جعَِلتْ قُرة عيني في الصلة "‪.‬‬
‫ولذلك قال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬و ُ‬
‫وحين تنظر إلى الصلة والزكاة تجد مصالح الحياة مجتمعة وتتفرع منهما؛ ذلك أن مصالح الحياة‬
‫قد جمعها صلى ال عليه وسلم في الركان الخمس للدين‪ ،‬وهي شهادة أن ل إله إل ال وأن محمدا‬
‫رسول ال‪ ،‬وإقامة الصلة‪ ،‬وإيتاء الزكاة‪ ،‬وصوم رمضان‪ ،‬وحِجّ البيت ِلمَنِ استطاع إليه سبيل‪.‬‬
‫وعرفنا من قَبْل كيف أخذت الصلة كُل هذه الركان مجتمعة؛ ففيها شهادة أن ل إله إل ال‪ ،‬وفيها‬
‫صوْم عن كل ما يلتزم به وأنت صائم؛ وأنت تتوجه خللها‬
‫تضحية وتزكية ببعض الوقت؛ وفيها َ‬
‫إلى قبلة بيت ال الحرام‪.‬‬
‫وهكذا نرى كيف ترتبط حركة الحياة والقيم ال ُمصْلِحة لها بالصلة والزكاة‪.‬‬
‫ويأمرنا الحق سبحانه في هذه الية الكريمة بأن ننفق سرا وعلنية‪ ،‬وهكذا يشيع الحق النفاق في‬
‫أمرين متقابلين؛ فالنفاق سِرا ل يقع النسان فريسة المُبَاهاة؛ والنفاق عَلنا كي يعطي غيره من‬
‫القادرين أُسْوة حسنة‪ ،‬ولكي تمنع الخرين من أنْ يتحدثوا عنك بلهجة فيها الحسد والغَيْرة مما أفاء‬
‫ال عليك من خير‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ولذلك أقول‪ :‬اجعل الصدقة التطوعية سِرا‪ ،‬واجعلها كما قال النبي صلى ال عليه وسلم‪ " :‬ل تعلم‬
‫شمالك ما أعطتْ يمينك "‪.‬‬
‫واجعل الزكاة علنية حتى يعلمَ الناس أنك تُؤدي ما عليك من حقوق ال وتكون بالنسبة لهم أُسْوة‬
‫فعلية‪ ،‬وعِظَة عملية‪ ،‬واجعلوا من أركان السلم عِظَة سلُوكية‪ ،‬فنحن نرى بعضَا من القرى‬
‫والمدن ل يحجّ منها أحد‪ ،‬لن القادرين فيها قد أَ ّدوْا فريضة الحج‪.‬‬
‫ونجد أن القادر الذي يبني مسجدا؛ يعطي القادر غيره أُسْوة ليبني مسجدا آخر‪ ،‬وما أنْ يأتيَ‬
‫رمضان حتى يصومَ القادرون عليه؛ ويعطوا أُسْوة لصغارهم‪ ،‬وتمنع الستخذاء أمام الغير‪ ،‬وهكذا‬
‫نعلن كل تكاليف السلم بوضوح أمام المجتمعات كلها‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫لةَ وَيُ ْن ِفقُواْ ِممّا رَ َزقْنَاهُمْ سِرّا وَعَلنِيَةً مّن قَ ْبلِ أَن يَأْ ِتيَ َيوْ ٌم لّ‬
‫} قُل ّلعِبَا ِديَ الّذِينَ آمَنُواْ ُيقِيمُواْ الصّ َ‬
‫للٌ { [إبراهيم‪.]31 :‬‬
‫بَيْعٌ فِيهِ وَلَ خِ َ‬
‫ومن هنا نعلم أن هناك أعمالً يمكن أن تؤجلها‪ ،‬إل الغايات التي ل توجد فيها أعواض؛ فعليك أن‬
‫تنتهز الفرصة وتُنفّذها على الفور؛ ذلك أن اليوم الخر لن يكون فيه بَيْع أو شراء‪ ،‬ولن يستطيع‬
‫أحد فيه أن يُزكّي أو يُصلّي؛ فليست هناك صداقة أو شفاعة تُغنيك عمّا كان يجب أن تقوم به في‬
‫الحياة الدنيا‪.‬‬
‫والشفاعة فقط هي ما أذن له الرحمن بها‪ ،‬ولذلك يأتي المر هنا بسرعة القيام بالصلة وإيتاء‬
‫الزكاة والنفاق سِرا وعلنية من قبل أن يأتيَ اليوم الذي ل بَيْع فيه ول خِلَل‪.‬‬
‫والبيع ‪ -‬كما نعلم ‪ -‬هو ُمعَارضة متقابلة؛ فهناك مَنْ يدفع الثمن؛ وهناك مَنْ يأخذ السلعة‪.‬‬
‫والخِلَل هو المُخالّة؛ أي‪ :‬الصديق الوفيّ الذي تلزمه ويلزمك‪.‬‬
‫جهْده خليلين ذَابَا َلوْعةً‬
‫شوْقُ َ‬
‫والشعر يُبيّن معنى كلمة " خليل " حين يقول‪َ:‬لمّا التقيْنَا قرّب ال ّ‬
‫خلِيلهِ تَس ّربَ أثناءَ العِنَاقِ وغَابَاوهذا يوضح أن المُخالة تعني أن يتخلل‬
‫وعِتاَباكأنّ خليلً في خِلَل َ‬
‫ُكلّ منهما الخر‪.‬‬
‫وفي الخرة لن تستطيع أن تشتري جنة أو تفتدي نفسك من النار؛ ول مُخالّة هناك بحيث يفيض‬
‫ضهُمْ لِ َب ْعضٍ عَ ُدوّ ِإلّ‬
‫عليك صديق من حسناته‪ .‬والحق سبحانه هو القائل‪ {:‬الَخِلّءُ َي ْومَئِذٍ َب ْع ُ‬
‫ا ْلمُ ّتقِينَ }[الزخرف‪.]67 :‬‬
‫وبعض السطحيين يريدون أنْ يأخذوا على القرآن أنه أثبت الخُلّة ونفاها؛ فهو القائل‪:‬‬
‫للٌ { [إبراهيم‪.]31 :‬‬
‫} لّ بَيْعٌ فِي ِه َولَ خِ َ‬
‫وهو القائل‪َ {:‬ولَ خُلّةٌ‪[} ...‬البقرة‪.]254 :‬‬
‫ثم أثبت الخُلّة للمتقين؛ الذين ل يُزيّن أحدهما للخر معصية‪.‬‬
‫وهؤلء السطحيون ل يُحسِنون تدبّر القرآن؛ ذلك أن الخُلّة المَنْفية ‪ -‬أو الخِلَل المنفية ‪ -‬في‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫اليات هي الخِلل التي تحضّ على المعاصي؛ وهذه هي الخِلَل السيئة‪.‬‬
‫ونعلم أن البيع في الحياة الدنيا يكون مقابلةَ سلعة بثمن؛ أما المُخالّة ففيها تكرّم ممّنْ يقدمها؛ وهو‬
‫أمرٌ ظاهريّ؛ لن في باطنه مُقايضة؛ فإذا قدّم لك أحدٌ جميلً فهذا يقتضي أنْ تردّ له الجميل؛ أما‬
‫التكرّم المجرّد فهو الذي يكون بغير سابق أو لحق‪.‬‬
‫وبعد أن بيّن لنا الحق سبحانه السعداء وبيّنَ الشقياء‪ ،‬وضرب المَثل بالكلمة الطيبة‪ ،‬وضرب المثَل‬
‫بالكلمة الخبيثة‪ ،‬يأتي من بعد ذلك بما يهيج في المؤمن فرحةً في نفسه؛ لنه آمن بال الذي صنع‬
‫سمَاوَاتِ‬
‫كل تلك النعم‪ ،‬ويذكر نعما ل يشترك فيها مع ال أحد أبدا‪ ،‬فيقول‪ } :‬اللّهُ الّذِي خََلقَ ال ّ‬
‫وَالَرْضَ‪.{ ...‬‬

‫(‪)1767 /‬‬
‫سخّرَ‬
‫سمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ ِبهِ مِنَ ال ّثمَرَاتِ رِ ْزقًا َلكُ ْم وَ َ‬
‫ض وَأَنْ َزلَ مِنَ ال ّ‬
‫سمَاوَاتِ وَالْأَ ْر َ‬
‫اللّهُ الّذِي خَلَقَ ال ّ‬
‫َلكُمُ ا ْلفُ ْلكَ لِ َتجْ ِريَ فِي الْ َبحْرِ بَِأمْ ِر ِه وَسَخّرَ َلكُمُ الْأَ ْنهَارَ (‪)32‬‬

‫سمَاوَاتِ‬
‫خلْقُ ال ّ‬
‫والسماء والرض ‪ -‬كما نعلم ‪ -‬هما ظَ ْرفَا الحياة لنا كلنا‪ ،‬وقد قال الحق سبحانه‪ {:‬لَ َ‬
‫وَالَرْضِ َأكْـبَرُ مِنْ خَ ْلقِ النّاسِ‪[} ...‬غافر‪.]57 :‬‬
‫فإذا كان ال هو الذي خلق السماوات والرض؛ فهذا َل ْفتٌ لنا على الجمال؛ لنه لم َيقُلْ لنا ما قاله‬
‫عمَد؛ وليس فيها فُطور‪ ،‬ولم يذكر هنا أنه خلق‬
‫في مواضع أخرى من القرآن الكريم بأنها من غير َ‬
‫في الرض رواسي كي ل تميد بنا الرض‪ ،‬ولم يذكر كيف قَدّر في الرض أقواتها‪ ،‬واكتفى هنا‬
‫بلمحة عن خَلق السماوات والرض‪.‬‬
‫وحين يتكلم سبحانه هنا عن خَلْق السماوات يأتي بشيء لم يدّعه أحد على كثرة ال ُمدّعين من‬
‫خصْم‪ ،‬وبذلك كشفَ لهم حقيقة عدم إيمانهم؛ وجعلهم‬
‫الملحدة؛ وذلك لتكون ألزم في الحجِة لل َ‬
‫يروْنَ أنهم كفروا نتيجة لَددٍ غير خاضع لمنطق؛ وهو كفر بل أسباب‪.‬‬
‫حكْما ل يوجد ل معارض ول منازع‪ ،‬فهذا يعني أن الحكم قد سلَم له سبحانه‪ .‬ولم‬
‫وحين يحكم ال ُ‬
‫يجترئ أحد من الكافرين على ما قاله ال؛ وكأن الكافر منهم قد أدار المر في رأسه‪ ،‬وعلم أن‬
‫أحدا لم يَدّع لنفسه خَلْق السماوات والرض؛ ول يجد مفرّا من التسليم بأن ال هو الذي خلق‬
‫السماوات والرض‪.‬‬
‫وقول الحق سبحانه هنا‪:‬‬
‫ت وَالَرْضَ‪[ } ...‬إبراهيم‪.]32 :‬‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫{ اللّهُ الّذِي خََلقَ ال ّ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يُوضّح لنا أن كلمة " ال " هنا؛ لنها مَناطُ الصعوبة في التكليف؛ فالتكليف يقف أمام الشهوات؛‬
‫وقد تغضبون من التكليف؛ ولكنه يحميكم من بعضكم البعض‪ ،‬ويكفل لكم المان والحياة الطيبة‪.‬‬
‫ولم يَ ْأتِ الحق سبحانه بكلمة " رب " هنا لنها مناطُ العطاء الذي شاءه للبشر‪ ،‬مؤمنهم وكافرهم‪.‬‬
‫وكلمة " ال " تعني المعبود الذي يُنِزل الوامر والنواهي؛ وتعني أن هناك مشقات؛ ولذلك ذكر لهم‬
‫أنه خلق السماوات والرض‪ ،‬وأنزل من السماء ماء‪.‬‬
‫ونحن حين نسمع كلمة " السماء " نفهم أنها السماء المقابلة للرض؛ ولكن التحقيق يؤكد أن السماء‬
‫هي ُكلّ ما علك فأظلّك‪.‬‬
‫والمطر كما نعلم إنما ينزل من الغَيْم والسحاب‪ .‬والحق سبحانه هو القائل‪ {:‬أَلَمْ تَرَ أَنّ اللّهَ يُ ْزجِي‬
‫جعَُلهُ ُركَاما فَتَرَى ا ْلوَدْقَ َيخْرُجُ مِنْ خِلَلِهِ }[النور‪.]43 :‬‬
‫سحَابا ثُمّ ُيؤَّلفُ بَيْنَهُ ُثمّ يَ ْ‬
‫َ‬
‫وقد عرفنا بالعلم التجريبي أن الطائرة ‪ -‬على سبيل المثال ‪ -‬تطير من فوق السحاب‪ ،‬وعلى ذلك‬
‫فالمطر ل ينزل من السماء؛ بل ينزل ممّا يعلونا من غَيْم وسحاب‪.‬‬
‫أو‪ :‬أنك حين تنسب النزول من السماء؛ فهذا يوضح لنا أن كل أمورنا تأتي من أعلى؛ ولذلك نجد‬
‫الحديد الذي تحتضنه الجبال وينضج في داخلها؛ يقول فيه الحق سبحانه‪ {:‬وَأَنزَلْنَا ا ْلحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ‬
‫شَدِي ٌد َومَنَافِعُ لِلنّاسِ‪[} ...‬الحديد‪.]25 :‬‬
‫وهكذا نجد أنه إما أن يكون قد نزل كعناصر مع المطر؛ أو لن المر بتكوينه قد نزل من السماء‪.‬‬
‫وهنا في الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يتحدث الحق سبحانه عن خَلْق السماوات والرض؛‬
‫وكيف أنزل الماء من السماء‪:‬‬
‫} فََأخْرَجَ بِهِ مِنَ ال ّثمَرَاتِ رِزْقا ّل ُكمْ‪[ { ...‬إبراهيم‪.]32 :‬‬
‫والثمرات هي نتاج ما تعطيه الرض من نباتات قد تأكل بعضا منها؛ وقد ل تأكل البعض الخر؛‬
‫فنحن نأكل العنب مثلً‪ ،‬ولكنا ل نأكل فروع شجرة العنب‪ ،‬وكذلك نأكل البرتقال؛ ولكنا ل نأكل‬
‫أوراق وفروع شجرة البرتقال‪.‬‬
‫ويتابع سبحانه‪:‬‬
‫سخّرَ َلكُمُ ا ْلفُ ْلكَ لِ َتجْ ِريَ فِي الْبَحْرِ بَِأمْ ِرهِ‪[ { ...‬إبراهيم‪.]32 :‬‬
‫} وَ َ‬
‫والتسخير معناه َقهْر الشيء ليكون في خدمة شيء آخر‪ .‬وتسخير الفُلْك قد يثير في الذهن سؤالً‪:‬‬
‫كيف يُسخّر ال الفلك‪ ،‬والنسان هو الذي يصنعها؟‬
‫ولكن لماذا ل يسأل صاحب السؤال نفسه‪ :‬ومن أين نأتي بالخشاب التي تصنع منها اللواح التي‬
‫نصنع منها الفُلْك؟ ثم مَنِ الذي جعل الماء سائلً؛ لتطفو فوقه السفينة؟ ومَنِ الذي سيّر الرياح لتدفع‬
‫السفينة؟‬
‫كل ذلك من بديع صنُعْ ال سبحانه‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وكلمة " الفلك " تأتي مرة ويُراد بها الشيء الواحد؛ وتأتي مرة ويُراد بها أشياء؛ فهي تصلح أن‬
‫تكون مفردا أو جمعا‪.‬‬
‫والمثل هو قول الحق سبحانه‪ {:‬وَا ْلفُلْكِ الّتِي َتجْرِي فِي الْ َبحْرِ ِبمَا يَنفَعُ النّاسَ‪[} ...‬البقرة‪.]164 :‬‬
‫وكذلك قال في قصة نوح عليه السلم‪ {:‬وَاصْنَعِ ا ْلفُ ْلكَ بِأَعْيُنِنَا‪[} ...‬هود‪.]37 :‬‬
‫جمْعا؛ وإذا عاد عليها بالتذكير تكون‬
‫وبعض العلماء يقولون‪ :‬إذا عاد ضمير التأنيث عليه؛ تكون َ‬
‫مفردا‪.‬‬
‫ولكنّي أقول‪ :‬إن هذا القول غَيْر غالب؛ فسبحانه قد قال عن سفينة نوح وهي مفرد‪ {:‬تَجْرِي‬
‫بِأَعْيُنِنَا‪[} ..‬القمر‪.]14 :‬‬
‫ولم َيقُل‪ " :‬يجري بأعيننا " ‪ ،‬وهكذا ل يكون التأنيث دليلً على الجمع‪.‬‬
‫ويتابع سبحانه‪:‬‬
‫سخّرَ َلكُ ُم الَ ْنهَارَ‪[ { ...‬إبراهيم‪.]32 :‬‬
‫} وَ َ‬
‫ونفهم بطبيعة الحال أن النهر عّذْب الماء؛ والبحر ماؤه مالح‪ .‬وسبحانه قد سخّر لنا كل شيء‬
‫عمْقا يسمح في بعض الحيان بمسير الفلك؛‬
‫عذْب الماء‪ ،‬وجعل له ُ‬
‫بأمره‪ ،‬فهو الذي خلقَ النهار ّ‬
‫وأحيانا أخرى ل يسمح العمق بذلك‪.‬‬
‫وجعل البحر عميقَ القاع لِتمرُق فيه السفن‪ ،‬وكل ذلك مُسخّر بأمره‪ ،‬وهو القائل سبحانه‪ {:‬إِن يَشَأْ‬
‫ظهْ ِرهِ‪[} ...‬الشورى‪.]33 :‬‬
‫سكِنِ الرّيحَ فَ َيظْلَلْنَ َروَاكِدَ عَلَىا َ‬
‫يُ ْ‬
‫أي‪ :‬أنه سبحانه قد يشاء أن تقف الرياحُ ساكنة؛ فتركد السفن في البحار والنهار‪.‬‬
‫ومن عجائب إنباءات القرآن أن الحق سبحانه حينما تكلم عن الريح التي تُسيّر الفلك والسفن؛ قال‬
‫الشكليون والسطحيون " لم نعد نُسيّر السفن بالرياح بل نُسيّرها بالطاقة "‪.‬‬
‫حكُمْ‪[} ...‬النفال‪.]46 :‬‬
‫ونقول‪ :‬فلنقرأ قوله الحق‪َ {:‬ولَ تَنَازَعُواْ فَ َتفْشَلُو ْا وَتَذْ َهبَ رِي ُ‬
‫حكُمْ { تعني‪ :‬قوتكم وطاقتكم؛ فالمراد بالريح القوة المطلقة؛ سواء جاءت من هواء‪ ،‬أو من‬
‫و } رِي ُ‬
‫بخار‪ ،‬أو من ماء‪.‬‬
‫وهذه الية ‪ -‬التي نحن بصدد خواطرنا عنها ‪ -‬نزلت بعد أن أعلمنا الحق سبحانه بقصة السعداء‬
‫من المؤمنين؛ والشقياء الكافرين؛ فكانت تلك الية بمثابة التكريم للمؤمنين الذين قدروا نعمة ال‬
‫هذه؛ فلمّا علموا بها آمنوا به سبحانه‪.‬‬
‫وكرمتهم هذه الية لصفاء فطرتهم التي لم تُضبّب‪ ،‬وتكريم للعقل الذي فكّر في الكون‪ ،‬ونظر فيه‬
‫نظرة اعتبار وتدبّر ليستنتج من ظواهر الكون أن هناك إلها خالقا حكيما‪.‬‬
‫وفي الية تقريع للكافر الذي استقبل هذه النعم‪ ،‬ولم يسمع من أحد أنه خلقها له؛ ولم يخلقها لنفسه‪،‬‬
‫ومع ذلك يكابر ويعاند ويكفر بربّ هذه النعم‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وأول تلك النعم خَلْق السماوات والرض؛ ثم إذا نظرتَ لبقية النعم فستجدها قد جاءتْ بعد خَلْق‬
‫السماوات والرض؛ وشيء من تلك النعم مُتّصل بالسماء؛ مثل السحاب‪ ،‬وشيء متصل بالرض‬
‫مثل الثمرات التي تخرجها‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالستقامة السلوبية موجودة بين النعمة الولى وبين النعمة الثانية‪.‬‬
‫ثم قال بعد ذلك‪:‬‬
‫سخّرَ َلكُمُ ا ْلفُ ْلكَ لِ َتجْ ِريَ فِي الْبَحْرِ بَِأمْ ِرهِ‪[ { ...‬إبراهيم‪.]32 :‬‬
‫} وَ َ‬
‫فما هي المناسبة التي جعلتْ هذا المر يأتي بعد هذين المرين؟ لن الفُلْك طريقها هو البحار‬
‫ومسارها في الماء‪.‬‬
‫وقد قال الحق سبحانه أنه خلق السماوات والرض‪ .‬ومدلول الرض ينصرف على اليابسة كما‬
‫ينصرف على المائية‪ ،‬ومن العجيب أن المائية على سطح الكرة الرضية تساوي ثلثة أميال‬
‫اليابسة؛ و ُرقْعة الماء بذلك تكون أوسعَ من رقعة التراب في الرض‪.‬‬
‫وما دام الحق سبحانه قد قال إنه أخرج من الرض ثمرا هي رِزْق لنا‪ ،‬فل ُبدّ من وجود علقة ما‬
‫بين ذلك وتلك‪ ،‬فإذا كانت البحار تأخذ ثلثة أرباع المساحة من الرض؛ فل ُبدّ أن يكون فيها‬
‫للنسان شيء‪.‬‬
‫وقد شرح الحق سبحانه ذلك في آيات أخرى؛ وأوضح أنه سخّر البحر لنأكل منه لحما طريا؛‬
‫وتلك مُقوّمات حياة‪ ،‬ونستخرج منه حلية نلبسها؛ وذلك من تَرِف الحياة‪.‬‬
‫ونرى الفلك مواخر فيه لنبتغي من فضله سبحانه‪.‬‬
‫وبذلك يكون هناك خيرات أخرى غير السمك والحلي؛ ولكنها جاءت بالجمال ل بالتفصيل؛ فربما‬
‫ن يفهموا ويعرفوا كل ما في البحار من‬
‫لم يكُنِ الناس قادرين في عصر نزول القرآن على أ ْ‬
‫خيرات؛ ول تزال البحاثُ العلمية تكشف لنا المزيدَ من خيرات البحار‪.‬‬
‫وحين نتأمل الن خيرات البحار نتعجب من جمال المخلوقات التي فيه‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فقوله‪ {:‬لِتَبْ َتغُواْ مِن َفضْلِهِ‪[} ...‬السراء‪.]66 :‬‬
‫هو َقوْل إجمالي يُلخّص وجود أشياء أخرى غير السماك وغير الزينة من اللؤلؤ والمرجان‬
‫وغيرها‪ ،‬ونحن حين نرى مخلوقاتِ أعماق البحار نتعجّب من ذلك الخَلْق أكثر مما نتعجّب من‬
‫الخَلْق الذي على اليابسة‪ ،‬ومن خَلْق ما في السماء‪.‬‬
‫وهكذا يكون قوله الحق‪ {:‬لِتَبْ َتغُواْ مِن َفضِْلهِ‪[} ...‬السراء‪.]66 :‬‬
‫من آيات الجمال التي تُفصلّها آيات الكون؛ فبعضٌ من اليات القرآنية تُفسرها اليات الكونية‪،‬‬
‫ذلك أن الحق سبحانه لو أوضح كل التفاصيل َلمَا صدّق الناس ‪ -‬على عهد نزول القرآن ‪ -‬ذلك‪.‬‬
‫حمِيرَ‬
‫ل وَالْ ِبغَالَ وَالْ َ‬
‫وعلى سبيل المثال حين تكلّم سبحانه عن وسائل المواصلت؛ قال‪ {:‬وَالْخَ ْي َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لِتَ ْركَبُوهَا وَزِينَ ًة وَيَخُْلقُ مَا لَ َتعَْلمُونَ }[النحل‪.]8 :‬‬
‫وقوله تعالى‪ {:‬وَيَخْلُقُ مَا لَ َتعَْلمُونَ }[النحل‪.]8 :‬‬
‫أدخل ُكلّ ما اخترعنا نحن البشر من وسائل المواصلت؛ حتى النقل بالزرار كالفاكس وغير‬
‫ذلك‪.‬‬
‫وحينما يتكلم سبحانه عن البحار؛ إنما يُوضّح لنا ما يُكمِل الكلم عن الرض‪.‬‬
‫سخّرَ َلكُمُ ا ْلفُ ْلكَ لِ َتجْ ِريَ فِي الْبَحْرِ بَِأمْ ِرهِ‪[ { ...‬إبراهيم‪.]32 :‬‬
‫} وَ َ‬
‫ولو َفطِن الناس لقالوا عن السفن " جمال البحار "؛ ما داموا قد قالوا عن الجمل إنه " سفينة‬
‫الصحراء "؛ ولكنهم أخذوا بالمجهول لهم بالمعلوم لديهم‪.‬‬
‫ت المركب من اللواح‪ ،‬ذلك أنك صنعتَ‬
‫وإياك أن تقول‪ :‬أنا الذي صنعتُ الشراع؛ وأنا الذي صنع ُ‬
‫كل ذلك بقواك المخلوقة لك من ال‪ ،‬وبالفكر الموهوب لك من ال؛ ومن المادة الموهوبة لك من‬
‫ال‪ ،‬فكلّها أشياء جاءتْ بأمر من ال‪.‬‬
‫وهنا يقول سبحانه‪:‬‬
‫سخّرَ َلكُ ُم الَ ْنهَارَ { [إبراهيم‪.]32 :‬‬
‫} وَ َ‬
‫عذْبا‪.‬‬
‫عذْبا ليروي الشجار التي تُنِتج الثمار‪ .‬والشجار عادة تحتاج ماء َ‬
‫والنهر ماؤه عادة يكون َ‬
‫وهكذا شاء ال أن يكون ماء البحار والمحيطات مخزنا ضخما للمياه؛ يحتل ثلثة أرباع مساحة‬
‫الكرة الرضية‪ ،‬وهي مساحة شاشعة تتيح فُرْصة لعمليات البَخْر؛ التي تُحوّل الماء بواسطة‬
‫الحرارة إلى بخار يصعد إلى أعلى ويصير سحابا؛ فيُسقط السحابُ منه الشجار التي تحتاجه‪،‬‬
‫وتنتج لنا الثمار التي نحتاجها‪ ،‬وكأن الملح التي توجد في مياه البحار تكون لِحفْظها وصيانتها‬
‫من العطب‪.‬‬
‫ونعلم أن معظم مياه النهار تكون من المطار‪ ،‬وهكذا تكون دورة الماء في الكون؛ مياه في البحر‬
‫تسطع عليها الشمس لِتُبخّرها؛ لتصير سحابا؛ ومن بعد ذلك تسقط مطرا يُغذي النهار؛ ويصب‬
‫الزائد مرة أخرى في البحار‪.‬‬
‫شمْسَ‪.{ ...‬‬
‫ويتابع سبحانه‪ } :‬وَسَخّر َل ُكمُ ال ّ‬

‫(‪)1768 /‬‬
‫ل وَال ّنهَارَ (‪)33‬‬
‫شمْسَ وَالْ َقمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخّرَ َل ُكمُ اللّ ْي َ‬
‫وَسَخّرَ َل ُكمُ ال ّ‬

‫والشمس آية نهارية؛ والقمر آية ليلية‪ ،‬والماء له علقة بالشمس والتي تُبخّره من مياه البحار؛‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ونروي به أيضا الرض التي تنتج لنا الثمار؛ أما البحار فحساب ُكلّ ما يجري فيها يتم حسب‬
‫التقويم القمري‪.‬‬
‫وهل كان رسول ال صلى ال عليه وسلم يعلم كل ذلك وهو النبي المي؟‬
‫طبعا لم يكن ليعلم‪ ،‬بل أنزل الحق سبحانه عليه القرآن؛ يضمّ حقائق الكون كلها‪.‬‬
‫وقول الحق سبحانه عن الشمس والقمر " دائبين " من الدّأب‪ ،‬والدّؤوب هو مرور الشيء في عمل‬
‫جهْدا مُنظّما رتيبا لتحصيل مواده‬
‫رتيب‪ ،‬ونقول " فلن دَءُوب على المذاكرة " أي‪ :‬أنه يبذل َ‬
‫الدراسية‪ ،‬ول يبُدد وقته‪.‬‬
‫وكذلك الشمس والقمر اللذان أقام الحق سبحانه لهما نظاما دقيقا‪.‬‬
‫وعلى سبيل المثال نحن نحسب اليوم بأوله من الليل ثم النهار؛ ونقسم اليوم إلى أربع وعشرين‬
‫س وَا ْل َقمَرُ ِبحُسْبَانٍ‪[} ...‬الرحمن‪.]5 :‬‬
‫شمْ ُ‬
‫ساعة؛ ولذلك قال الحق سبحانه‪ {:‬ال ّ‬
‫س وَا ْلقَمَرَ حُسْبَانا‪[} ...‬النعام‪ ]96 :‬أي‪ :‬أنك أيها النسان ستجعل من ظهور‬
‫شمْ َ‬
‫وقال أيضا‪ {:‬وَال ّ‬
‫واختفاء أيّ منهما حسابا‪.‬‬
‫ب بهما الزمن‪ ،‬فل اصطدامَ‬
‫وقد جعلهما الحق سبحانه على دقة في الحركة تُيسّر علينا أن نحس َ‬
‫ل منهما فَلَك خاص وحركة محسوبة بدقة فل يصطدمان‪ .‬ول يُشْبِهان بطبيعة الحال‬
‫بينهما‪ ،‬ولك ّ‬
‫الساعات التي نستخدمها وتحتاج إلى ضبط‪.‬‬
‫عمْق اليمان بالخالق العلى‪.‬‬
‫وكلما ارتقينا في صناعة نجد اختراعاتنا فيها تُقرّبنا من ُ‬
‫وفي نفس الية يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫سخّرَ َلكُمُ الْلّ ْيلَ وَال ّنهَارَ } [إبراهيم‪.]33 :‬‬
‫{ وَ َ‬
‫وبما أن الشمس آية نهارية؛ والقمر آية ليلية‪ ،‬والنهار يسبق الليل في الوجود بالنسبة لنا‪ .‬كان‬
‫ُمقْتضى الكلم أن يقول‪ :‬سخر لكم النهار والليل‪.‬‬
‫ولكن الحق سبحانه أراد أن يُعلمنا أن القمر وهو الية الليلية؛ ويسطع في الليل؛ والليل مخلوق‬
‫للسكون؛ لكن هذا السكون ليس سببا لوجود النسان على الرض؛ بل السبب هو أن يتحرك‬
‫النسان ويستعمر الرض ويكِدّ ويكدح فيها‪.‬‬
‫ضوْءَه منها؛ ثم جاء بخبر الليل وخبر النهار‪ ،‬فكأن‬
‫لذلك جعل استهلل الشمس أولً والقمر يستمد َ‬
‫ال قد اكتنفَ هذه الية بنوريْن‪.‬‬
‫النور الول‪ :‬من الشمس‪ .‬والنور الثاني‪ :‬من القمر‪ ،‬كي يعلَم النسانُ أن حياته مُغلفة تغليفا يتيح‬
‫له الحركة على الرض‪ ،‬فل تظننّ أيها النسانُ أن الصل هو النوم! ذلك أنه سبحانه قد خلق‬
‫النوم لترتاح؛ ثم تصحو لتكدح‪.‬‬
‫ونلحظ أن كلمة " التسخير " تأتي للشياء الجوهرية‪ ،‬وتأتي للمُسخّرات أيضا‪ ،‬فالحيوان مُسخّر لنا‪،‬‬
‫وكذلك النبات والسماء مُسخّرة بما فيها لنا‪ ،‬أما الليل والنهار فهما نتيجتان لجواهر؛ هما الشمس‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والقمر؛ والليل والنهار مُسبّبان عن شيئين مُباشرين هما‪ :‬الشمس والقمر‪.‬‬
‫والتسخير ‪ -‬كما نعلم ‪ -‬هو منع الختيار‪ .‬وإذا ما سَخّر الحق سبحانه شيئا فلنعلم أنه مُنضبط ول‬
‫يتأتّى فيه اختلل‪ ،‬ولكن الكائن غير المُسخّر هو الذي يتأتى فيه الختلل؛ ذلك أنه قد يسير على‬
‫جَادّة الصواب‪ ،‬أو قد يُخطيء‪.‬‬
‫وفي مسألة التسخير والختيار َتعِب الفلسفة في دراستها؛ وذهبت المذاهب الفلسفية ‪ -‬وخصوصا‬
‫في ألمانيا ‪ -‬إلى مذهبين اثنين ظاهرهما التعارض؛ ولكنهما يسيرانِ إلى غايةٍ واحدة وهي تبرير‬
‫اللحاد‪.‬‬
‫وكان من المقبول أن يكونَ مذهبٌ يُبرر اللحاد‪ ،‬وأنْ يبررَ الخرُ اليمانَ‪ ،‬ولكن شاء فلسفة‬
‫المذهبين أنْ يُبرروا اللحاد‪.‬‬
‫وقال فلسفة أحد المذهبين‪ :‬أنتم تقولون إن الكون تُديره قوة قادرة حكيمة؛ وأن ُكلّ ما فيه منضبط‬
‫بتصرفات محسوبة ودقيقة‪.‬‬
‫ولكن الواقع يقول‪ :‬إن هناك بعضا من المخالفات التي نراها في الكائنات‪ ،‬والمثل هو تلك‬
‫الشذوذات التي في النسان ‪ -‬على سبيل المثال ‪ -‬فهناك القصير أكثر من اللزم؛ وهناك الطويل‬
‫أكثر من اللزم؛ وهناك مَنْ يولد بعين واحدة؛ وهناك مَنْ يولد بذراع عاجز؛ ولو أن القوة التي‬
‫تدير الكون حكيمة َلمَا ظهرتْ أمثال تلك الشذوذات‪.‬‬
‫ونرد على صاحب تلك النظرية قائلين‪ :‬وإذا لم يكُنْ هناك إله‪ ،‬أتستطيع أن تقول نال الحكمة من‬
‫وراء وجود تلك الشذوذات؟ فأنت تدفع الحكمة عن الخالق الذي نؤمن به؛ فهل تستطيع أنت إثباتَ‬
‫الحكمة لغيره؟ طبعا لن يستطيع أنْ يردّ عليك؛ لن كلمه مردود‪.‬‬
‫ثم نأتي للمدرسة المقابلة التي تقول‪ :‬إن النظام الموجود بالكون يدل على أنه ل يوجد له خالق؛‬
‫فهو نظام ثابت آليّ؛ ول يوجد إله قادر على أن يقلب آلية هذا الكون‪.‬‬
‫وهكذا كانت هاتان المدرستان مختلفتين؛ ومتعارضتين؛ ولكنهما يؤديان إلى اللحاد‪.‬‬
‫ونرد على المدرستين قائلين‪ :‬يا من تأخذ ثبات النظام دليلً على وجود إله؛ فهذا الثبات موجود في‬
‫الكون العلى‪ .‬ويا من تأخذ الشذوذ دليلً على وجود خالق؛ فهو موجود في الكائنات الدنى؛ ولو‬
‫حدث الشذوذ في الكائنات العلى لَفسدت السماوات والرض‪.‬‬
‫وقد شاء الحق سبحانه أن يوجد الشذوذ لوجه في الفراد؛ فواحد يكون شاذا؛ والباقي الغالب يكون‬
‫سليما‪.‬‬
‫وهكذا يكون الشذوذ في الفراد غيرَ مانع لقضية وجود خالق أعلى‪ ،‬وإذا أردت ثبات النظام فانظر‬
‫إلى الكون العلى؛ كي تعلم أنه ل يوجد للنسان مَدْخل في هذا المر‪.‬‬
‫وهكذا نجد أن الحق سبحانه قد سخّر لنا الليل والنهار؛ وهما من العراض الناتجة عن تسخير‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الشمس والقمر؛ وكلً من الشمس والقمر دائبين‪ ،‬يمشي كل منهما في حركته مشيا ل تنقطع فيه‬
‫رتابة العادة‪ .‬ونضبط أوقاتنا على هذا النظام الرتيب الدقيق‪ ،‬فنحدد ‪ -‬على سبيل المثال ‪ -‬أوائل‬
‫الفصول ومواسم الزراعة؛ ومواقيت الصلة‪.‬‬
‫وإذا نظرتَ إلى أيّ اختلل قد ينشأ من بعض الظواهر؛ فاعلم أن ذلك قد نشأ من تدخّل النسان‬
‫ف في الرض؛ والمثال هو مشكلة ُثقْب طبقة الوزون الموجودة في الغلف‬
‫المُخْتار المُسْتخل َ‬
‫الجوي‪ ،‬والتي قد نشأت من تجاربنا التي نلهث فيها من أجل تحسين حياتنا على الرض‪.‬‬
‫ولكننا ننظر إلى التجربة بأفْق محدود‪ ،‬ونفصل النظرة الجزئية عن النظرة الكلية المطلوب منا أنْ‬
‫ننظرَ بها لكُل ما يحيط بنا في الكون؛ فنتسبب بهذا اللهْث في التجارب في إفساد الكثير من أسرار‬
‫حياتنا على الرض؛ حتى بِتْنَا نشكو من اضطراب الجو بَرْدا وصقيعا؛ وحرا فوق الحتمال‪.‬‬
‫وذلك بتدخّل النسان المختار فيما ل يجب أنْ يتدخلَ فيه إل بعد أن يدرسَ كل جوانبه‪ .‬واقرأ إن‬
‫ظهَرَ ا ْلفَسَادُ فِي الْبَ ّر وَالْ َبحْرِ ِبمَا كَسَ َبتْ أَيْدِي النّاسِ‪[} ...‬الروم‪.]41 :‬‬
‫شئت قول الحق سبحانه‪َ {:‬‬
‫ولذلك لبُدّ من دراسة المُقدّمات والنتائج جيدا قبل أن نُضخّم من تجاربنا التي قد تضر البشر؛‬
‫ولذلك أيضا أقول‪ :‬إن علينا أن ندرس الثار الجانبية لكل اختراع علمي كي نحميَ البشر من‬
‫سيئات تلك الثار الجانبية‪.‬‬
‫ولنتذكر قول الحق سبحانه‪َ {:‬ولَ َتقْفُ مَا لَيْسَ َلكَ ِبهِ عِلْمٌ‪[} ...‬السراء‪.]36 :‬‬
‫شكِلت تتعلق بالجو والصحة هو نتيجة تدخّلنا بغير علم مكتمل؛ وهذا‬
‫ولعل ما نعيش فيه من مُ ْ‬
‫يؤكد لنا حكمة الخالق العلى؛ ذلك أننا لمّا خرجنا بالمُخْترعات العلمية وانبهرنا بفائدتها السطحية؛‬
‫ظننا أن في ذلك مكسبا كبيرا؛ ولكنه كان وبالً في بعض الحيان نتيجة الثار الجانبية‪.‬‬
‫ولذلك لم َيقُلِ الحق سبحانه‪ " :‬بما اكتسبت أيدي الناس " بل قال‪ِ {:‬بمَا كَسَ َبتْ أَيْدِي النّاسِ‪} ...‬‬
‫[الروم‪.]41 :‬‬
‫وفي الية نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫ل وَال ّنهَارَ { [إبراهيم‪.]33 :‬‬
‫سخّرَ َلكُمُ الْلّ ْي َ‬
‫ن وَ َ‬
‫س وَا ْل َقمَرَ دَآئِبَي َ‬
‫شمْ َ‬
‫سخّر َلكُمُ ال ّ‬
‫} وَ َ‬
‫وهكذا نعلم أن تعاقب ظهور الشمس والقمر؛ يُسبّب تعاقبَ مجيء الليل والنهار‪.‬‬
‫ول يعني ظهور الشمس وسطوعها أن القمر غير موجود؛ فهو موجود‪ ،‬ولكن ضوء الشمس‬
‫المُبهِر يمنعك من أنْ تراه‪ ،‬ولكن هناك أوقات يمكنك أن ترى فيها الشمس والقمر معا‪.‬‬
‫ج َعلَ‬
‫أما الليل والنهار فهما يتتابعان كل منهما خَلْف الخر‪ .‬والحق سبحانه هو القائل‪ {:‬وَ ُهوَ الّذِي َ‬
‫ل وَال ّنهَارَ خِ ْلفَةً‪[} ...‬الفرقان‪.]62 :‬‬
‫اللّ ْي َ‬
‫أي‪ :‬أنهما ل يأتيان معا أبدا؛ فالليل في بلد ما يقابله نهار في بلد آخر‪.‬‬
‫عقِب الخر؛ وقد جعل الحق سبحانه ذلك من‬
‫ل منهما يأتي َ‬
‫وهكذا أثبتَ لنا الدأبَ في الحركة؛ ف ُك ّ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أول لحظة في الخَلْق؛ وكانا لحظة الوجود خِلفْة‪ ،‬كل منهما يأتي من بعد الخر؛ فكأن الكون حين‬
‫خلقه ال؛ وجعل الشمس في مواجهة الرض‪ ،‬صار الجزء المواجه للشمس نهارا؛ والجزء غير‬
‫المواجه لها صار ليلً‪.‬‬
‫ثم دارت الرض؛ ليأتي الجزء الذي كان غير مُواجِه للشمس؛ في مواجهتها؛ فصار ليلً‪ ،‬وذهب‬
‫الجزء الذي كان في مواجهتها‪ ،‬ليكون مكان الجزء الخر فصار ليلً‪ ،‬وهكذا شاء سبحانه أن‬
‫يكون كل منهما خَلْف الخر‪.‬‬
‫حصْر بعضٍ من نعمة الكلية علينا نحن العباد‪ ،‬سماء‪ ،‬وأرض‪ ،‬وماء‬
‫وهكذا تكلم الحق سبحانه عن َ‬
‫ينزل‪ ،‬وثمرات تنبت من الرض‪ ،‬وكذلك سخّر لنا الشمس والقمر‪ ،‬والليل والنهار‪ ،‬وهذا ما يُسمّى‬
‫تعديد لبعض النعم‪.‬‬
‫ونجد واحدا من الصالحين يقول عن نعم ال " أَعد منها ول أعددها "‪ .‬فكأن ال ينبهنا إلى أصول‬
‫النظام الكوني العلى‪ ،‬ثم فتح المجالِ لِنعَمٍ أخرى لن يستطيع أحد أنْ يُحصِيها‪.‬‬
‫لذلك يقول سبحانه من بعد ذلك‪ } :‬وَآتَاكُم مّن ُكلّ مَا سَأَلْ ُتمُوهُ‪.{ ...‬‬

‫(‪)1769 /‬‬
‫حصُوهَا إِنّ الْإِنْسَانَ َلظَلُومٌ َكفّارٌ (‪)34‬‬
‫وَآَتَاكُمْ مِنْ ُكلّ مَا سَأَلْ ُتمُو ُه وَإِنْ َتعُدّوا ِن ْعمَةَ اللّهِ لَا ُت ْ‬

‫نعم‪ ،‬أعطانا الحق سبحانه مما نسأل وقبل أن نسأل‪ ،‬وأعدّ الكون لنَا من قبل أنْ نوجد‪ .‬إذن‪:‬‬
‫فسبحانه قد أعطانا من قبل أنْ نسألَ؛ وسبقت النعمة وجود آدم عليه السلم‪ ،‬واستقبل الكونُ آدم‪،‬‬
‫وهو ُم َعدّ لستقباله‪.‬‬
‫وإذا نظرتَ للفرد مِنّا ستجد أن ِنعَم ال عليه قد سبقتْ من قبل أن نعرف كيف نسأله‪ ،‬والمثل هو‬
‫الجنين في بطن أمه‪.‬‬
‫وهنا قال الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ وَآتَاكُم مّن ُكلّ مَا سَأَلْ ُتمُوهُ‪[ } ...‬إبراهيم‪.]34 :‬‬
‫يعني‪ :‬أنه قد أعطاك ما تسأله وما لم تسأله‪ ،‬نطقت به أو لم تنطق‪ ،‬ولو بحديث النفس أو خواطر‬
‫خافية‪ ،‬وأنك قد تقترح وتطلب شيئا فهو يعطيه لك‪.‬‬
‫وقد يسأل البعض من باب الرغبة في التحدي ‪ -‬ول المثل العلى ‪ -‬نجد بعض البشر ِممّنْ أفاء‬
‫ال عليهم بجزيل نعمه؛ ويقول الواحد منهم‪ُ :‬قلْ لي ماذا تطلب؟‬
‫وقد حدث معي ذلك ونحن في ضيافة واحد ِممّنْ أكرمهم ال بكريم عطائه‪ ،‬وكنا في رحلة‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫صحراوية بالمملكة العربية السعودية‪ ،‬وقال لي‪ :‬أطلب أي شيء وستجده بإذن ال حاضرا‪.‬‬
‫وفكرتُ في أن أطلب ما ل يمكن أن يوج َد معه‪ ،‬وقلت‪ :‬أريد خيطا وإبرة‪ ،‬فما كان ردّه إل " وهل‬
‫تريدها فتلة بيضاء أم حمراء؟ "‪.‬‬
‫وإذا كان هذا يحدث من البشر؛ فما بالُنَا بقدرة ال على العطاء؟ ومن حكمة ال سبحانه أنه قال‪:‬‬
‫{ وَآتَاكُم مّن ُكلّ مَا سَأَلْ ُتمُوهُ‪[ } ...‬إبراهيم‪.]34 :‬‬
‫ذلك أن وراء كل عطاءٍ حكمةً‪ ،‬ووراء كل مَنْع حكمة أيضا‪ ،‬فالمنع من ال عين العطاء‪ ،‬فالحقّ‬
‫ع الِنْسَانُ بِالشّرّ‬
‫سبحانه مُنزّه عن أن يكون مُوظّفا عندك‪ ،‬كما أن الحق سبحانه قد قال‪ {:‬وَيَ ْد ُ‬
‫دُعَآ َءهُ بِالْخَيْرِ‪[} ...‬السراء‪.]11 :‬‬
‫ولذلك قال‪:‬‬
‫{ وَآتَاكُم مّن ُكلّ مَا سَأَلْ ُتمُوهُ‪[ } ...‬إبراهيم‪.]34 :‬‬
‫أي‪ :‬بعض ِممّا سألتموه‪ ،‬ذلك أن هناك أسئلة حمقاء ل يُجيبكم ال عليها؛ مثل قول أي امرأة‬
‫يعاندها ابنها " يسقيني نارك " هذه السيدة؛ لو أذاقها ال نارَ افتقاد ابنها؛ ماذا سوف تفعل‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فمِنْ عظمته سبحانه أنْ أعطانا ما هو مُطابِق للحكمة؛ ومنَع عنّا غَيْر المطابق لحكمته‬
‫سبحانه‪ ،‬فالعطاء نعمة‪ ،‬والمَنْع نعمة أيضا‪ ،‬ولو نظر ُكلّ منا لعطاء السّلْب؛ لَوجد فيه نعما كثيرة‪.‬‬
‫ويقول سبحانه‪ {:‬سَُأوْرِيكُمْ آيَاتِي فَلَ تَسْ َتعْجِلُونِ }[النبياء‪.]37 :‬‬
‫لذلك فل يقولن أحدٌ‪ " :‬قد دعوتُ ربي ولم يَستجِب لي " وعلى النسان أن يتذكّر َقوْل الحق‬
‫عجُولً }[السراء‪.]11 :‬‬
‫ع الِنْسَانُ بِالشّرّ دُعَآ َءهُ بِالْخَيْرِ َوكَانَ الِنْسَانُ َ‬
‫سبحانه‪ {:‬وَيَ ْد ُ‬
‫فهو سبحانه مَنْ يملك حكمة العطاء وحكمة المنع‪ .‬ول أحدَ مِنّا يستطيع أنْ يعُدّ ِنعَم ال‪ .‬والعَدّ ‪-‬‬
‫جمْع أو جزئيات ُكلّ‪ .‬ويعلم أهل العلم بالمنطق ‪ -‬ونسميهم‬
‫حصْرٌ لمفردات َ‬
‫كما نعلم ‪ -‬هو َ‬
‫المَنَاطِقة ‪ -‬أن هناك " كُليّ " يقابله " جُزئيّ‪ ،‬وهناك " كُل " يقابله " جزء‪.‬‬
‫والمَثل على " الكُليّ " النسان؛ حيث إننا جميعا مُكونّين من عناصر متشابهة؛ ومفرد البشر يختلف‬
‫باختلف السماء؛ أما ما يُسمّى " كل " فالمثَل عليه هو الكُرسي‪ ،‬وهو ُمكّون من مواد مختلفة‬
‫كالخشب والمسامير والغِرَاء‪ ،‬ول يمكن أن نطلق على الخشب فقط كلمة كرسي؛ وكذلك ل‬
‫نستطيع أن نُسمّي " المسامير " بأنها كراسي‪.‬‬
‫وعلى هذا نكون قد عرفنا أن حقيقة الكُلّي أن مفرداته متطابقة؛ وإن اختلفت أسماؤها‪ ،‬لكن حقيقة‬
‫ال ُكلّ أن مفرداته غير متشابهة‪ ،‬وتختلف في حقيقتها‪.‬‬
‫وإذا أردتَ أنْ تُحصِي الكُليّ فأنت تنطق أسماء الفراد كأن تقول‪ :‬محمد وأحمد وعلي؛ وهذا ما‬
‫يُسمى عدا‪ ،‬وهكذا نفهم أن العَدّ هو إحصاءُ جزئيات الكلي‪ ،‬أو إحصاء أجزاء ال ُكلّ‪.‬‬
‫س ّموْا العَدّ إحصاءً؛ لنهم كانوا يعدّون الشياء قديما بالحصَى؛ وأُطلِقت كلمة‬
‫ونعلم أنهم قد َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الحصاء على مُطْلق العَدّ حسابا للصل‪ ،‬وعرف عدد أجزاء الكلي أو الكل‪.‬‬
‫وكان النسان في العصور القديمة َيعُد ‪ -‬على سبيل المثال ‪ -‬إلى رقم " مائة " ‪ ،‬ثم يحسب كل‬
‫عشْر حصوات عرف أن العدد قد صار ألفا‪ ،‬ومن هنا جاءت‬
‫مائة بحصاة واحدة؛ فإذا تجمّع لديه َ‬
‫كلمة الحصاء‪ ،‬وفي كثير من أمور عصرنا المتقدم؛ ما زِلْنا نُسمّي بعض الشياء بمُسمّيات‬
‫قديمة؛ فنحسب قوة السيارة بقوة الحصان‪.‬‬
‫وأنت إذا نظرتَ إلى قول الحق سبحانه‪:‬‬
‫حصُوهَا‪[ { ...‬إبراهيم‪.]34 :‬‬
‫} وَإِن َتعُدّواْ ِن ْع َمتَ اللّهِ لَ ُت ْ‬
‫ستجد الكثير من المعاني‪ ،‬ولكن مَنْ يحاولون التصيّد للقرآن يقولون‪ :‬إن هذا أمر غَيْر دقيق؛ فما‬
‫دام قد حدث العَدّ؛ فكيف ليتم الحصاء؟ وهؤلء ينسوْنَ أن المقصود هنا ليس العدّ في ذاته؛ ولكن‬
‫المقصود هو إرادة العدّ‪.‬‬
‫ولو وُجِدت الرادة فليس هناك قدرة على استيعاب نعم ال‪ ،‬ومن هنا ل نرى تعارضا في آيات‬
‫عدّ أمر إل إذا كان غالبُ الظن أنك قادرٌ على‬
‫ال‪ ،‬وإنما هو نسق متكامل‪ ،‬فأنت ل تُقبل على َ‬
‫العَدّ‪ ،‬وذلك إذا كان في إمكان البشر‪ ،‬ولكن نعم ال فوق طاقة مقدور البشر‪.‬‬
‫والمثَل أيضا على مسألة إرادة الفعل يمكن أن نجده في قوله الحق‪ {:‬يَا أَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ُقمْتُمْ‬
‫إِلَى الصّلةِ فاغْسِلُو ْا وُجُو َهكُمْ‪[} ...‬المائدة‪.]6 :‬‬
‫ونحن ل نغسل وجوهنا لحظة أن نقوم بالصلة؛ ولكننا نغسلها ونستكمل خطوات الوضوء حين‬
‫يُؤذّن المؤذن ونمتلك إرادة الصلة‪ ،‬فكأن القول هنا يعني‪ :‬إذا أردتُم القيام إلى الصلة فافعلوا كذا‬
‫وكذا‪.‬‬
‫ونعلم أن ِذكْر الشيء بسببه كأنه هو؛ ولذلك يُقال‪ :‬إذا كان الذان قد أذّن في المسجد؛ وأنت خارج‬
‫من منزلك بقصد الصلة؛ فل تجري لتلحق بالمام وتُدرك الصلة؛ لنك في صلة من لحظة أنْ‬
‫ن تفعلَ حركة تتناقض مع الصلة‪ ،‬وادخل المسجد‬
‫توضأْتَ وخرجتَ من بيتك للصلة؛ وإياك أ ْ‬
‫بسكينة ووقار لتؤدي الصلة مع المام‪.‬‬
‫وحين نتأمل قول الحق سبحانه‪:‬‬
‫حصُوهَا‪[ { ..‬إبراهيم‪.]34 :‬‬
‫} وَإِن َتعُدّواْ ِن ْع َمتَ اللّهِ لَ ُت ْ‬
‫ستجد أن العادة في اللغة هي استعمال " إن " في حالة المر المشكوك فيه‪ ،‬أما المر المتُيقّن فنحن‬
‫نستخدم " إذا " مثل قوله الحق‪ {:‬إِذَا جَآءَ َنصْرُ اللّ ِه وَا ْلفَتْحُ }[النصر‪.]1 :‬‬
‫وقد جاء الحق سبحانه هنا بأسلوب الشك حين قال‪:‬‬
‫حصُوهَا‪[ { ..‬إبراهيم‪.]34 :‬‬
‫} وَإِن َتعُدّواْ ِن ْع َمتَ اللّهِ لَ ُت ْ‬
‫ذلك أن العاقل يعلم مُقدّما أنه سيعجز عن إحصاء ِنعَم ال‪ .‬وكلنا يعلم أن هناك علما اسمه "‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الحصاء " وله أقسام جامعية متخصصة‪.‬‬
‫وعلى الرغم من التقدم وصناعة الحاسب اللي " الكمبيوتر " لم يستطع أحدٌ ولم يُقبِل أحدٌ على‬
‫إحصاء ِنعَم ال في الكون‪ ،‬ذلك أن العدّ والحصاء يقتضي كُليّا له أفراد‪ ،‬أو كُلً له أجزاء‪.‬‬
‫ن فصّ ْلتَ فيها ستجدها‬
‫وأنت إنْ نظرتَ إلى أيّ نعمة من نعم ال؛ قد تظنها نعمة واحدة؛ ولكنك إ ْ‬
‫ِنعَما مُتعدّدة وشتّى‪ ،‬وهكذا ل يوجد تناقض في قوله الحق‪:‬‬
‫حصُوهَا‪[ { ..‬إبراهيم‪.]34 :‬‬
‫} وَإِن َتعُدّواْ ِن ْع َمتَ اللّهِ لَ ُت ْ‬
‫وأنت إنْ أخذتَ نعمة المياه ستجدها ِنعَما متعددة؛ فهي مُكونّة من عناصر‪ ،‬كل عنصر فيها نعمة؛‬
‫وإن أَخذتَ نعمة الرض ستجد فيها ِنعَما كثيرة مطمورة‪ ،‬وهكذا تكون كل نعمة من ال مطمور‬
‫حصَى‪.‬‬
‫فيها نِع َم متعددة‪ ،‬ول تُ ْ‬
‫وحين تنظر في قول الحق سبحانه‪:‬‬
‫حصُوهَا‪[ { ..‬إبراهيم‪.]34 :‬‬
‫} وَإِن َتعُدّواْ ِن ْع َمتَ اللّهِ لَ ُت ْ‬
‫تجد ثلثة عناصر؛ هي المُنعِم؛ والنعمة التي حكَم الحق سبحانه أنك لن تحصيها‪ ،‬وأن خَلْقه لَم‬
‫يضعوا أنوفهم في أنْ يعدّوا تلك النعمة‪ ،‬فهي ل تحصى لنها ليست مظنّة الحصاء؛ ول يقبل‬
‫عاقلٌ أن يحصيها‪.‬‬
‫والعنصر الثالث هو المُ ْنعَم عليه‪ ،‬وهو النسان الذي قد يعجز عن إحصاء نعم رئيسه من البشر‬
‫عليه ‪ -‬فما بالك بنعم ال التي ل تحصى‪ ،‬وكمالته التي ل تُحدّ‪ ،‬وعطائه الذي ل ينفد؟ ول المثل‬
‫العلى‪ ،‬فهو المنزّه عن المثل‪.‬‬
‫ثم يأتي قول الحق سبحانه‪:‬‬
‫} إِنّ النْسَانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ { [إبراهيم‪.]34 :‬‬
‫وهنا في سورة إبراهيم نجد قوله الحق مبينا ظلم النسان لنفسه وكفره بالنعمة‪ ،‬وفي كفره للنعمة‬
‫كفر بالمنعم يقول سبحانه وتعالى‪ {:‬أَلَمْ تَرَ إِلَى الّذِينَ َبدّلُواْ ِن ْعمَةَ اللّهِ ُكفْرا وَأَحَلّواْ َق ْو َمهُمْ دَارَ الْ َبوَارِ‬
‫جهَنّمَ َيصَْلوْ َنهَا وَبِئْسَ ا ْلقَرَارُ }[إبراهيم‪.]29-28 :‬‬
‫* َ‬
‫وهؤلء هم مَنِ ارتكبوا مظالم بالنسبة لعقيدة الوحدانية واليمان بال‪ ،‬والنسان هو المُ ْنعَم عليه؛‬
‫وما كان يصحّ أن يرى كل تلك النعم ثم يكفر بها‪ ،‬وكان من العدل أن يعطي الحق لصاحبه‪ ،‬ولكن‬
‫بعضا من البشر بدّلوا نعمة ال كفرا؛ وهكذا صاروا ِممّنْ يُطلَق على كل منهم أنه ظلوم في‬
‫الحكم؛ وأنه كفّار؛ لجحوده بالنعمة ونكرانه عطاء الخالق للمخلوق‪.‬‬
‫والظلم كما نعرف هو أن تنقل الحق من صاحبه إلى غير صاحبه؛ وإنْ لم تؤمن بال تكون قد‬
‫ت تؤمن بشركاء؛ فأنت تنقل بذلك حقا من ال إلى غيره وهذا‬
‫ن كن َ‬
‫أخذتَ حق الله في الوجود‪ ،‬وإ ْ‬
‫ظلم القمة‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫س وَا ْل َقمَرَ وَالْنّجُومُ‬
‫شمْ َ‬
‫ل وَالْ ّنهَا َر وَال ّ‬
‫وانظر إلى قول الحق سبحانه في سورة النحل‪ {:‬وَسَخّرَ َل ُكمُ اللّ ْي َ‬
‫مُسَخّرَاتٌ بَِأمْ ِرهِ إِنّ فِي ذَِلكَ ليَاتٍ ّل َقوْمٍ َي ْعقِلُونَ * َومَا ذَرَأَ َلكُمْ فِي الَ ْرضِ ُمخْتَلِفا أَ ْلوَانُهُ إِنّ فِي‬
‫سخّرَ الْبَحْرَ لِتَ ْأكُلُواْ مِ ْنهُ لَحْما طَرِيّا وَتَسْ َتخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً‬
‫ك ليَةً ّل َقوْمٍ َي ّذكّرُونَ * وَ ُهوَ الّذِي َ‬
‫ذَِل َ‬
‫سيَ‬
‫شكُرُونَ * وَأَ ْلقَىا فِي الَ ْرضِ َروَا ِ‬
‫تَلْبَسُو َنهَا وَتَرَى ا ْلفُ ْلكَ َموَاخِرَ فِي ِه وَلِتَبْ َتغُواْ مِن َفضْلِهِ وََلعَّلكُمْ تَ ْ‬
‫أَن َتمِيدَ ِب ُك ْم وَأَ ْنهَارا وَسُبُلً ّلعَّلكُمْ َتهْتَدُونَ * وَعَلمَاتٍ وَبِالنّجْمِ هُمْ َيهْ َتدُونَ * َأ َفمَن يَخُْلقُ َكمَن لّ‬
‫حصُوهَآ إِنّ اللّهَ َل َغفُورٌ رّحِيمٌ }[النحل‪.]18-12 :‬‬
‫يَخُْلقُ َأفَل تَ َذكّرُونَ * وَإِن َتعُدّواْ ِن ْعمَةَ اللّ ِه لَ ُت ْ‬
‫فهل هناك إرادة أو قدرة تستطيع أن تحصي عطاءات ال التي فوق العَدّ والحدّ؟ ففي اليات‬
‫السابقة وغيرها إعجاز وعجز‪ ،‬وما دام هناك عجز فالكمال عنده ل يتناهى‪.‬‬
‫إن بعضا ِممّنْ يستدركون على القرآن يقولون‪ :‬كيف يقول القرآن مرة‪:‬‬
‫حصُوهَا إِنّ النْسَانَ َلظَلُومٌ َكفّارٌ { [إبراهيم‪.]34 :‬‬
‫} وَإِن َتعُدّواْ ِن ْع َمتَ اللّهِ لَ ُت ْ‬
‫ثم يقول في آية أخرى‪:‬‬
‫حصُوهَآ إِنّ اللّهَ َل َغفُورٌ رّحِيمٌ }[النحل‪.]18 :‬‬
‫{ وَإِن َتعُدّواْ ِن ْعمَةَ اللّ ِه لَ ُت ْ‬
‫عمِ َيتْ بصيرتكم عن معرفة‬
‫ونردّ على هؤلء‪ :‬أنتم لم تنظروا إلى السياق الذي جاء في كل آية‪ ،‬و َ‬
‫أن سياقَ الية ـ التي نحن بصدد خواطرنا عنها ـ قد جاء فيها ِذكْر النّعم وذكر الجحود‬
‫والكفران بالنعم؛ وهذا ناشىء عن ظُلْم النسان لنفسه بالظّلْم العظيم‪.‬‬
‫سعَتْنا‪ ،‬ولم يمنع‬
‫وفي آية أخرى سورة النحل جاء بِذكْر النعم‪ ،‬ورغم ظُلْمنا إل أن رحمته سبحانه وَ ِ‬
‫عنّا ما أسبغه علينا من نعم‪ ،‬وكأنه سبحانه يُوضّح لنا‪ :‬إياكم أنْ تستحُوا أنْ تسألوني شيئا؛ وإنْ‬
‫كنتم قد ظلمتُم وكفرتُم في أشياء‪ ،‬فظُلْمكم يقابله غفران منّى‪ ،‬وكافريتكم يقابلها منى رحمة‪ ،‬وهكذا‬
‫ل يوجد تعارضٌ بين اليتين؛ بل كُل تذييل لكل آية مناسبٌ لها‪ ،‬ففي الية الولى يعاملنا ال‬
‫بعدله‪ ،‬وفي الية الثانية يعاملنا ال بفضله‪.‬‬
‫ونلحظ أن الحق سبحانه قد قال هنا‪:‬‬
‫} إِنّ النْسَانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ { [إبراهيم‪]34 :‬‬
‫ونعلم أن هناك أناسا قد آمنوا بال وبنعمه‪ ،‬ويشكرون ال عليها‪ ،‬فكيف َيصِف الحق سبحانه‬
‫النسان بأنه ظَلوم كفّار؟‬
‫ونقول‪ :‬إن كلمة " إنسان " إذا أُطلِقتْ من غير استثناء فهي تنصرف إلى الخُسْران والحياة بل‬
‫منهج؛ ودون التفات للتفكير في الكون‪.‬‬
‫ن الِنسَانَ َلفِى خُسْرٍ }[العصر‪-1 :‬‬
‫والحق سبحانه حين أراد أن يُوضّح لنا ذلك قال‪ {:‬وَا ْل َعصْرِ * إِ ّ‬
‫‪.]2‬‬
‫حقّ‬
‫صوْاْ بِالْ َ‬
‫عمِلُواْ الصّاِلحَاتِ وَ َتوَا َ‬
‫ولذلك جاء سبحانه بالستثناء بعدها‪ ،‬فقال‪ِ {:‬إلّ الّذِينَ آمَنُواْ وَ َ‬
‫صوْاْ بِالصّبْرِ }[العصر‪.]3 :‬‬
‫وَ َتوَا َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ج َعلْ‪.{ ...‬‬
‫ويقول سبحانه من بعد ذلك‪ } :‬وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ َربّ ا ْ‬

‫(‪)1770 /‬‬
‫ج َعلْ َهذَا الْبَلَدَ َآمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَ ِنيّ أَنْ َنعْبُدَ الَْأصْنَامَ (‪)35‬‬
‫وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ َربّ ا ْ‬

‫وحين يقول سبحانه (إذ) أي " اذكر " ويقول من بعد ذلك على لسان إبراهيم ( َربّ) ولم َي ُقلْ " يا‬
‫ال " ذلك أن إبراهيم كان يرفع دعاءه للخالق المربّي‪ ،‬لذلك قال " ربّي " ولم َيقُل " يا ال " لن‬
‫عطا َء ال تكليفٌ‪ ،‬وأمام التكليف هناك تخيير في أن تفعل ول تفعل‪ ،‬مثل قوله سبحانه‪ {:‬وََأقِيمُواْ‬
‫لةَ‪[} ...‬البقرة‪.]43 :‬‬
‫الصّ َ‬
‫أما عطاء الربوبية فهو ما يقيم حياة المُصلّين وغير المُصلّين‪.‬‬
‫ولم تَ ْأتِ مسألة إبراهيم هنا َقفْزا؛ ولكِنّا نعلم أن القرآن قد نزل‪ ،‬وأول مَنْ سيسمعه هُم السادة من‬
‫قريش؛ الذين تمتّعوا بالمهابَة والسيادة على الجزيرة العربية؛ ول يجرؤ أحد على التعرّض لقوافلها‬
‫في ِرحْلَ َتيْ الشتاء والصيف؛ لليمن والشام؛ وهم قد أخذوا المهابة من البيت الحرام‪.‬‬
‫ولذلك تكلّم الحق سبحانه عن النعمة العامة لكل كائن موجود تنتظر أُذنه نداءالسلم؛ وبعد ذلك‬
‫يتكلم الحق سبحانه عن النعم التي تخصّهم؛ لذلك قال‪:‬‬
‫ج َعلْ هَـاذَا الْبََلدَ آمِنا‪[ } ...‬إبراهيم‪.]35 :‬‬
‫{ َربّ ا ْ‬
‫وقد وردتْ هذه الجملة في سورة البقرة بأسلوب آخر‪ ،‬وهو قول الحق سبحانه‪ {:‬وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ‬
‫ج َعلْ هَـاذَا بَلَدا آمِنا‪[} ...‬البقرة‪.]126 :‬‬
‫َربّ ا ْ‬
‫والفرق بين " البلد " و " بلدا " يحتاج مِنّا أن نشرحه‪ ،‬فـ " بلدا " تعني أن المكان كان َقفْرا؛ ودعا‬
‫إبراهيم أن يصبحَ هذا المكانُ بلدا آمنا أي‪ :‬أن يجد مَن يقيمون فيه‪ ،‬يُجدّدون حاجاتهم ومتُطلباتهم؛‬
‫وتكون وسائل الرزق فيه مُيسّرة‪ ،‬ودعاؤه أيضا شمل طلب المن‪ ،‬أي‪ :‬أل يوجد به ما يُهدّد‬
‫طمأنينة الناس على يومهم العاديّ ووسائل رزقهم‪.‬‬
‫وأجاب الحق سبحانه دعاء إبراهيم فصار المكان بلدا؛ وجعله سبحانه آمنا أمانا عاما؛ لن النسان‬
‫في أيّ ُبقْعة من بقاع الرض ل يتخذ مكانا يجلس فيه ويقيم ويتوطّن إل إذا ضمن لنفسه أسباب‬
‫المن من مُقوّمات حياة ومن عدم تفزيعه تفزيعا قويا‪ ،‬وهذا المن ملطوب لكل إنسان في أيّ‬
‫أرض‪.‬‬
‫وقد دعا إبراهيم عليه السلم هذا الدعاء وقت أنْ نزلَ هذا المكان‪ ،‬وكان واديا غير ذي زرع؛ ول‬
‫مُقوّمات للحياة فيه؛ فكان دعاؤه هذا الذي جاء ِذكْره في سورة البقرة‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أما هنا فقد صار المكان بلدا؛ وكان الدعاء بالمن لثاني مرة؛ هي دعوة لمن خاص؛ ففي غير‬
‫هذا المكان يمكن أن تُقطع شجرة؛ أو يصْطاد صَيْد؛ ولكن في هذا المكان هناك َأمْنٌ خاصّ جدا؛‬
‫أمنٌ للنبات ول ُكلّ شيء يوجد فيه؛ فحتى الحيوان ل ُيصَاد فيه؛ وحتى فاعل الجريمة ل ُيمَسّ‪.‬‬
‫وهكذا اختلف الدعاء الول بالمن عن الدعاء الثاني؛ فالدعاء الول‪ :‬هو دعاء بالمن العام؛‬
‫والدعاء الثاني‪ :‬هو دعاء بالمن الخاص؛ ذلك أن كل بلد يوجد قد يتحقق فيه المن العام؛ ولكن‬
‫بلد البيت الحرام يتمتع بأمنٍ يشمل كل الكائنات‪.‬‬
‫ويقول بعض من السطحيين‪ :‬ما دام الحق قد جعل البيت حَرَما آمنا؛ فلماذا حدث ما حدث من‬
‫سنوات من اعتداء على الناس في الحرم؟‬
‫ونقول‪ :‬وهل كان أمْن الحرم أمرا " كونيا " ‪ ،‬أم تكليفا شرعيا؟ إنه تكليف شرعي عُرْضة أنْ‬
‫يُطاع‪ ،‬وعُرضة أن يُعصي‪.‬‬
‫وقوله سبحانه‪َ {:‬ومَن َدخَلَهُ كَانَ آمِنا‪[} ...‬آل عمران‪.]97 :‬‬
‫يعني أن عليكم أيّها المُتبّعون لدين ال أنْ تُؤمّنوا مَنْ يدخل الحرم أنهم في أمن وأمان‪ ،‬وهناك‬
‫فارق بين المر التكليفيّ والمر الكونيّ‪.‬‬
‫ويقول سبحانه على لسان إبراهيم‪:‬‬
‫لصْنَامَ { [إبراهيم‪.]35 :‬‬
‫} وَاجْنُبْنِي وَبَ ِنيّ أَن ّنعْبُ َد ا َ‬
‫حيّ الذي أدخل عبادة‬
‫وهو َقوْل يحمل التنبؤ بما حدث في البيت الحرام على يد عمرو ابن ُل َ‬
‫الصنام إلى الكعبة‪ ،‬وهو َقوْل يحمل تنبؤا من إبراهيم عليه السلم‪.‬‬
‫ولقائل أنْ يسألَ‪ :‬وكيف يدعو إبراهيم بذلك‪ ،‬وهو النبي المعصوم؟ كيف يطلب من الحق أن يُجنّبه‬
‫عبادة الصنام؟‬
‫وأقول‪ :‬وهل العصمة تمنع النسان أن يدعوَ ربه بدوام ما هو عليه؟ إننا نتلقى على سبيل المثال‬
‫المر التكليفي منه سبحانه‪ {:‬يَا أَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّ ِه وَرَسُولِهِ‪[} ...‬النساء‪.]136 :‬‬
‫وهو أَمرْ بالمداومة‪.‬‬
‫والحق سبحانه قد قال على لسان رسوله شعيب ‪ -‬عليه السلم ‪ {:-‬قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللّهِ كَذِبا إِنْ‬
‫عُدْنَا فِي مِلّ ِتكُمْ َب ْعدَ إِذْ َنجّانَا اللّهُ مِ ْنهَا َومَا َيكُونُ لَنَآ أَن ّنعُودَ فِيهَآ ِإلّ أَن يَشَآءَ اللّهُ رَبّنَا‪} ...‬‬
‫[العراف‪.]89 :‬‬
‫وفي هذا القول ضراعة إلى المُنعِم علينا بنعمة اليما؛ وفي هذا القول الكريم أيضا إيضاحٌ لطلقة‬
‫قدرة الحق سبحانه‪.‬‬
‫لصْنَامَ }[إبراهيم‪.]35 :‬‬
‫ونلحظ أن الحق سبحانه قد قال هنا‪ {:‬وَاجْنُبْنِي وَبَنِيّ أَن ّنعْبُدَ ا َ‬
‫خصّها بعضٌ‬
‫حجَرِ فقد والتي َ‬
‫والصنم غير الوثن‪ ،‬فالمُشكّل بشكل إنسان هو الصنم؛ أما قطعة ال َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫من أهل الجاهلية بالعبادة فهو الوثن‪.‬‬
‫وهناك مَنْ أراد أنْ يخرج بِنَا من هذا المأزِق؛ فقال‪ :‬إن الكفر نوعان‪ .‬شرك جَلي؛ وشرك خفيّ‪.‬‬
‫والشرك الجليّ أن يعبدَ النسانُ أي كائن غير ال؛ والشرك الخفيّ أن يُقدّس النسانُ الوسائطَ بينه‬
‫وبين ال‪ ،‬ويعطيها فوق ما تستحق‪ ،‬وينسب لها بعضا من قدرات ال‪.‬‬
‫ودعاء إبراهيم عليه السلم أن يُجنّبه وبنيه أنْ يعبدوا الصنا َم يقتضي مِنّا أن نفهم معنى كلمة‬
‫أبناء؛ ذلك أن إبراهيم قصد بالدعاء بنية الذين َيصِلُون إلى مرتبة الرسالة والنبوة مثله؛ ذلك أننا‬
‫نعلم أن بعضا من بنية قد عبدوا الصنام والوثان‪.‬‬
‫ومعنى كلمة " أبناء " أوضحه سبحانه في مواطن أخرى‪ .‬ونبدأ من قوله‪ {:‬وَإِذِ ابْتَلَىا إِبْرَاهِيمَ رَبّهُ‬
‫ِبكَِلمَاتٍ فَأَ َت ّمهُنّ‪[} ...‬البقرة‪ {.]124 :‬إِنّي جَاعُِلكَ لِلنّاسِ ِإمَاما‪[} ..‬البقرة‪.]124 :‬‬
‫أي‪ :‬أن حيثية المامة هي أداء إبراهيم عليه السلم لكل مهمة بتمامها وب ِدقّة وأمانة‪ ،‬وإذا كان هذا‬
‫هو دستورَ ال في الخَلْق؛ فل ُبدّ لنا أن نتخلّقَ بأخلق ال‪.‬‬
‫وعلينا أل نختار أيّ إنسان لية مهمة ليكون إمامها‪ ،‬إل أنْ كان ُكفْء لها ويُحسِن القيام بها‪.‬‬
‫ولنتذكر قوله صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫" إذا ضُ ّي َعتِ المانةُ فانتظِر الساعة " قال السائل له عن موعد قيام الساعة‪ :‬وكيف إضاعتها؟ قال‪:‬‬
‫" إذا وُسّد المر إلى غير أهله فانتظر الساعة "‪.‬‬
‫ذلك أن إسناد أيّ أمر لغير أهله إنما هو إفساد في الوجود‪ ،‬لن الصل في إسناد أيّ أمر لي‬
‫إنسان أن يكون بهدف أن يقو َم بالمر كما يجب‪ ،‬فإذا كان الختيار سيئا؛ فسيكون هذا النسان‬
‫أُسْوة في السوء؛ وتنتقل منه عدوى عدم التقان إلى غيره؛ ويتفشّى السوء في المجتمع‪ ،‬أما إذا‬
‫تولى المر مَنْ هو أَ ْهلٌ له فالموقف يختلف تماما‪ ،‬فوضع النسان في مكانه اللئق‪ ،‬تعتدل به‬
‫موازين العدل‪ ،‬وفي اعتدال الميزان استقرار للزمان والمكان والنسان‪.‬‬
‫والمَثلُ على ذلك‪ :‬أن الولد الذين تر ّبوْا في السعودية؛ ورأَوْا أن يد السارق تُقطع؛ لم نجد منهم‬
‫مَنْ يسرق؛ لنهم تر ّبوْا على أن السارق تُقطع يده‪ ،‬وفهموا أن الحق سبحانه لحظة أنْ يضعَ عقوبة‬
‫قاسية؛ فليس هذا إذْنٌ بأن تقع الجريمة؛ بل ألّ تقعَ الجريمة‪.‬‬
‫وحين يتساءل مَنْ يدّعُون التحضرّ‪ :‬كيف يقول القرآن‪ {:‬لَ ِإكْرَاهَ فِي الدّينِ‪[} ...‬البقرة‪.]256 :‬‬
‫وحين تجدون مَنْ يخرج عن الدين تقبضون عليه‪ ،‬وينادي البعض بإعدامه؟‬
‫ولهؤلء أقول‪ :‬وهل هذا المر يُحسب على السلم أم لصالح السلم؟‬
‫إنه لصالح السلم‪ ،‬ذلك أن مِثْل هذا الحرص على كرامة الدين يُهيّب الناس أنْ يدخلوا الدين إل‬
‫بعد القناع المؤدي لليقين‪ ،‬واليقين هو الوصول إلى الدين الحقّ مصحوبا بدليل‪.‬‬
‫حقّ‪[} ...‬فصلت‪:‬‬
‫سهِمْ حَتّىا يَتَبَيّنَ َل ُهمْ أَنّهُ الْ َ‬
‫ق َوفِي أَنفُ ِ‬
‫يقول الحق سبحانه‪ {:‬سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الفَا ِ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫‪.]53‬‬
‫بهذا نعلم أن دخول السلم سيُكلّفه حياته لو أراد أنْ يخرجَ منه‪ ،‬لنه خرج من اليقين الذي دخله‬
‫بالدليل‪.‬‬
‫وحين دعا إبراهيم ‪ -‬عليه السلم ‪ -‬ربه‪:‬‬
‫لصْنَامَ { [إبراهيم‪.]35 :‬‬
‫ج َعلْ هَـاذَا الْبََلدَ آمِنا وَاجْنُبْنِي وَبَ ِنيّ أَن ّنعْبُ َد ا َ‬
‫} َربّ ا ْ‬
‫كان قد نجح في اختبار ال له‪ ،‬ونجح في أداء ما أُسنِد إليه تماما؛ وشاء له الحق سبحانه أن يكون‬
‫إماما‪ ،‬واستشرف إبراهيم عليه السلم أن تكون المامة في ذريته؛ فقال‪َ {:‬ومِن ذُرّيّتِي‪[} ...‬البقرة‪:‬‬
‫‪.]124‬‬
‫ع ْهدِي الظّاِلمِينَ }[البقرة‪.]124 :‬‬
‫فجاءه الجواب من الحق سبحانه‪ {:‬لَ يَنَالُ َ‬
‫وهكذا أوضح الحق سبحانه أن بُنوه النبياء ليست بنوة لَحْم ودم؛ بل بُنُوة اتباع واقتداء‪ ،‬وكلنا نعلم‬
‫علْمٌ‪[} ...‬هود‪.]46 :‬‬
‫أن الحق سبحانه قد قال لنوح عن ابنه‪ {:‬فَلَ تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ َلكَ بِهِ ِ‬
‫ونعلم أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قد قال عن سلمان الذي كان فارسيا‪ " :‬سلمان منا آل‬
‫البيت "‪.‬‬
‫وفي هذا تأكيد على أن ب ُنوّة النبياء هي ب ُنوّة اتباعٍ واقتداء‪.‬‬
‫ويستكمل الحق سبحانه دعاء إبراهيم عليه السلم؛ فنجد وَعْي خليل الرحمن بما تفعله عبادة‬
‫الصنام‪َ } :‬ربّ إِ ّنهُنّ َأضْلَلْنَ كَثِيرا‪.{ ...‬‬

‫(‪)1771 /‬‬
‫غفُورٌ َرحِيمٌ (‪)36‬‬
‫عصَانِي فَإِ ّنكَ َ‬
‫َربّ إِ ّنهُنّ َأضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ َفمَنْ تَ ِبعَنِي فَإِنّهُ مِنّي َومَنْ َ‬

‫ونعلم أن الصنام بذاتها ل ُتضِل أحدا؛ ذلك أنها ل تتكلم ول تتحدث إلى أحد؛ ولكن القائمين عليها‬
‫بدعْوى أن لتلك الصنام ألوهية؛ ول تكليفَ يصدر منها‪ ،‬هم الذين يضلِون الناس ويتركونهم كما‬
‫حلّ شعورهم "‪.‬‬
‫يقول المثل العامي " على َ‬
‫ويرحب بهذا الضلل كل مَنْ يكره أن يتبع تعاليم الخالق الواحد الحد‪.‬‬
‫ويتابع سبحانه ما جاء على لسان إبراهيم عليه السلم من بعد الدعاء‪:‬‬
‫غفُورٌ رّحِيمٌ } [إبراهيم‪.]36 :‬‬
‫عصَانِي فَإِ ّنكَ َ‬
‫{ َفمَن تَ ِبعَنِي فَإِنّهُ مِنّي َومَنْ َ‬
‫وهذه تعقيباتٌ في مسألة الغُفران والرحمة بعد العصيان؛ فمرّة يعقُبها الحق سبحانه‪ {:‬ا ْلعَزِيزُ‬
‫حكِيمُ }[المائدة‪.]118 :‬‬
‫الْ َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ومرّة يعقبها‪ {:‬ا ْل َغفُورُ الرّحِيمُ }[الزمر‪.]53 :‬‬
‫ذلك أن الجرائم تختلف درجاتها‪ ،‬فهناك جريمة الخيانة العُظْمى أو جريمة ال ِقمّة؛ مثل مَنْ يدّعي‬
‫أنه إلهٌ؛ أو مَنْ يقول عنه أتباعه أنه إله دون أنْ يقولَ لهم هو ذلك‪.‬‬
‫وقد قال عيسى ‪ -‬عليه السلم ‪ -‬بسؤال الحق له‪ {:‬أَأَنتَ قُلتَ لِلنّاسِ اتّخِذُونِي وَُأمّيَ إِلَـاهَيْنِ مِن‬
‫دُونِ اللّهِ‪[} ...‬المائدة‪.]116 :‬‬
‫سكَ‬
‫فيأتي َقوْل عيسى عليه السلم‪ {:‬إِن كُنتُ قُلْتُهُ َفقَدْ عَِلمْتَهُ َتعْلَمُ مَا فِي َنفْسِي َولَ أَعْلَمُ مَا فِي َنفْ ِ‬
‫إِ ّنكَ أَنتَ عَلّمُ ا ْلغُيُوبِ }[المائدة‪.]116 :‬‬
‫حكِيمُ }‬
‫ويتابع عيسى عليه السلم القَوْل‪ {:‬إِن ُتعَذّ ْب ُهمْ فَإِ ّنهُمْ عِبَا ُدكَ وَإِن َتغْفِرْ َلهُمْ فَإِ ّنكَ أَنتَ ا ْلعَزِيزُ الْ َ‬
‫[المائدة‪.]118 :‬‬
‫وهكذا تأتي العزّة والمغفرة بعد ِذكْر العذاب؛ فهناك مواقف تُناسِبها العِزّة والحكمة؛ ومواقف‬
‫تناسبها المغفرة والرحمة‪ ،‬ول أحدَ بقادرٍ على أنْ يردّ ل َأمْ َر مغفرةٍ أو رحمةٍ؛ لنه عزيزٌ وحكيمٌ‪.‬‬
‫وقوله الحق‪:‬‬
‫{ َربّ إِ ّنهُنّ َأضْلَلْنَ كَثِيرا مّنَ النّاسِ‪[ } ...‬إبراهيم‪.]36 :‬‬
‫يعكس صفات مناسبة للمُقدّمات الصدرية في الية‪ ،‬وتؤكد لنا أن القرآن من حكيم خبير‪ ،‬وأن ال‬
‫هو الذي أوحى إلى عبده القرآن‪ {:‬سَ ُنقْرِ ُئكَ فَلَ تَنسَىا }[العلى‪.]6 :‬‬
‫فما الذي يجعله يقول في الية‪ {:‬ا ْل َغفُورُ الرّحِيمُ }[الزمر‪.]53 :‬‬
‫حكِيمُ }[المائدة‪.]118 :‬‬
‫وفي آية أخرى‪ {:‬ا ْلعَزِيزُ ا ْل َ‬
‫مع أن السياق المعنويّ قد يُوحي من الظاهر بعكس ذلك؟‬
‫حصَى‪ {:‬إِنّ النْسَانَ‬
‫وما الذي يجعله سبحانه يقول في آية بعد أن يُذكّرنا أن ِنعَم ال ل ُت َع ّد ول ُت ْ‬
‫لَظَلُومٌ كَفّارٌ }[إبراهيم‪.]34 :‬‬
‫ويقول في آية أخرى بعد أنْ يُذكّرنا بِنعَمِ ال بنفس اللفظ‪ {:‬إِنّ اللّهَ َل َغفُورٌ رّحِيمٌ }[النحل‪.]18 :‬‬
‫وكذلك قوله‪ {:‬كَلّ إِ ّنهَا َت ْذكِ َرةٌ * َفمَن شَآءَ َذكَ َرهُ }[عبس‪.]12-11 :‬‬
‫خذَ إِلَىا رَبّهِ سَبِيلً }[النسان‪.]29 :‬‬
‫ثم قوله في آية أخرى‪ {:‬إِنّ هَـا ِذهِ تَ ْذكِ َرةٌ َفمَن شَآءَ اتّ َ‬
‫كل ذلك يعطينا حكمة التنزيل‪ ،‬فإن كل آية لها حكمة‪ ،‬وتنزيلها يحمل أسرار المراد‪.‬‬
‫وكُلّ ذلك يأتي تصديقا لقوله الحق‪ {:‬سَ ُنقْرِ ُئكَ فَلَ تَنسَىا }[العلى‪.]6 :‬‬
‫لن الحق سبحانه وتعالى شاء أنْ يُنزِل القرآن على رسوله‪ ،‬ويضمن أنه سيحفظه؛ ولن ينسى‬
‫موقع أن مكان آيةٍ من اليات أبدا‪ ،‬ذلك أن الذي قال‪:‬‬
‫{ سَ ُنقْرِئُكَ فَلَ تَنسَىا }العلى‪]6 :‬‬
‫هو الحق الخالق القادر‪.‬‬
‫سكَنتُ مِن ذُرّيّتِي‪.} ...‬‬
‫ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك ما قاله إبراهيم عليه السلم‪ { :‬رّبّنَآ إِنّي أَ ْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫(‪)1772 /‬‬
‫ج َعلْ َأفْئِ َدةً‬
‫سكَ ْنتُ مِنْ ذُرّيّتِي ِبوَادٍ غَيْرِ ذِي زَ ْرعٍ عِنْدَ بَيْ ِتكَ ا ْل ُمحَرّمِ رَبّنَا لِ ُيقِيمُوا الصّلَاةَ فَا ْ‬
‫رَبّنَا إِنّي أَ ْ‬
‫شكُرُونَ (‪)37‬‬
‫مِنَ النّاسِ َت ْهوِي إِلَ ْيهِ ْم وَارْ ُز ْقهُمْ مِنَ ال ّثمَرَاتِ َلعَّل ُهمْ يَ ْ‬

‫ونفهم من التعبير في هذه الية أن المكانَ ل يصلح للزرع؛ ذلك أنه أرض صَخْرية؛ وليست‬
‫أرضا يمكن استصلحها؛ و َقوْل إبراهيم ‪ -‬عليه السلم ‪:-‬‬
‫{ غَيْرِ ذِي زَ ْرعٍ } [إبراهيم‪.]37 :‬‬
‫أي‪ :‬ل أملَ في زراعتها بمجهود إنساني‪ ،‬وليس أمام تواجد الرزق في هذا المكان إل العطاء‬
‫حثٍ من إبراهيم عليه السلم؛ ولكن بتكليف إلهيّ‪ ،‬فسبحانه‬
‫الرباني‪ .‬ولم يكُنْ اختيار المكان نتيجة بَ ْ‬
‫هو الذي أمر بإقامة القواعد من البيت المحرم‪ ،‬وهو مكان من اختيار ال‪ ،‬وليس من اختيار‬
‫إبراهيم عليه السلم‪.‬‬
‫وحين يقول إبراهيم عليه السلم‪:‬‬
‫{ عِندَ بَيْ ِتكَ ا ْلمُحَرّمِ‪[ } ..‬إبراهيم‪.]37 :‬‬
‫فهذا يعني حيثية الرّضا بالتكليف‪ ،‬وما دام هذا أمرا تكليفيا يجب أنْ يُنفّذ بعشق؛ فهو يأخذ ثوابين‬
‫ب التكليف؛ وثواب القيام بالتكليف‪.‬‬
‫ح ّ‬
‫اثنين؛ ثواب ُ‬
‫ولنا المثل في حكاية الرجل الذي قابله الصمعي عند البيت الحرام‪ ،‬وكان يقول‪ " :‬اللهم‪ ،‬إنّي قد‬
‫عصيتُك‪ ،‬ولكني أحب مَنْ يطيعك‪ ،‬فاجعلها قُرْبة لي "‪ .‬فقال الصمعي ما يعني أن ال ل بُدّ أن‬
‫يغفر لهذا الرجل ِلحُسْن مسألته‪ ،‬ذلك أنه رجل قد فرح بحب التكليف ولو لم َيقُمْ به هو؛ بل يقوم به‬
‫غيره وهذا يُسعده‪.‬‬
‫فالتكليف عندما يقوم به أيّ إنسان؛ فذلك أمر في صالح كل البشر‪ ،‬وكلنا نقول حين نُصلي ونقرأ‬
‫الفاتحة‪ {:‬إِيّاكَ َنعْبُ ُد وَإِيّاكَ نَسْ َتعِينُ }[الفاتحة‪.]5 :‬‬
‫أي‪ :‬أن كُلً مِنّا يحشر نفسه في زمرة العابدين؛ لعل ال يتقبّل من واحد فندخل كلنا في الصفقة؛‬
‫ولذلك أقول ِلمَنْ يرتكب معصية‪ :‬عليك أل تغضب‪ ،‬لن هناك مَنْ يطيع ال؛ بل افرح به؛ لن‬
‫حبّ‬
‫فرحَك بالمطيع ل؛ دليلٌ على أنك تحبّ التكليف‪ ،‬رغم أنك ل تقدر على نفسك‪ ،‬وفي هذا ال ُ‬
‫كرامة لك‪.‬‬
‫وقد قال إبراهيم ‪ -‬عليه السلم ‪ -‬عن الوادي الذي أمره الحق سبحانه أن يقيم فيه القواعد للبيت‬
‫الحرام أنه وادٍ غير ذي زَرْع‪ ،‬وقد جاء هو إلى هذا المكان لُينفّذ تكليف الحق سبحانه له؛ لدرجة‬
‫أن زوجته هاجر عندما علمت أن الستقرار في هذا المكان هو بتكليف من ال قالت‪ " :‬إذنْ لن‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يضيعنا "‪.‬‬
‫ويُقدّم إبراهيم عليه السلم حيثيات القامة في هذا المكان‪ ،‬وأسباب إقامته للقواعد كما أراد ال‪،‬‬
‫فيقول‪:‬‬
‫ج َعلْ َأفْ ِئ َدةً مّنَ النّاسِ َت ْهوِي إِلَ ْيهِمْ‪[ } ...‬إبراهيم‪.]37 :‬‬
‫{ فَا ْ‬
‫أي‪ :‬أن مجيء الناس إلى هذا المكان لن يكون شهوة سياحة؛ ولكن إقامة عبادة؛ فما دام المكان قد‬
‫أُقيم فيه بيت ل باختيار ال؛ فل ُبدّ أن يُعبدَ فيه سبحانه‪.‬‬
‫وهكذا تتضح تماما حيثيات َأخْذ المر بالوجود في مكان ليس فيه من أسباب الحياة ول مُقوّماتها‬
‫شيء؛ ولكن الحق سبحانه قد أمر بذلك؛ فل ُبدّ للمقيم للصلة من إقامة حياة؛ والمُقوّم الول للحياة‬
‫هو المَأْكل والمَشْرب‪.‬‬
‫ولذلك دعا إبراهيم عليه السلم‪:‬‬
‫ج َعلْ َأفْ ِئ َدةً مّنَ النّاسِ َت ْهوِي إِلَ ْيهِمْ‪[ { ..‬إبراهيم‪.]37 :‬‬
‫} فَا ْ‬
‫والفئدة جمع " فؤاد " ‪ ،‬وتُطلَق على الطائفة؛ وعلقة الفؤاد بالحجيج علقةٌ قوية؛ لن الهوى في‬
‫الحجيج هوى قلوب؛ ل جيوب‪ .‬وأنت تجد النسان يجمع النقود الخاصة بالحج‪ ،‬وقد يحرم نفسه‬
‫من أشياء كثيرة من أجل أن يحظَى بأداء تلك الفريضة‪.‬‬
‫وكلمة " هوى " مُكوّنة من مادة " الهاء " و " الواو " و " الياء " ولها معَانٍ متعددة‪ ،‬فلك أنْ تقول "‬
‫َهوَى " أو تقول " َهوِى " ‪ ،‬فإنْ قلت‪َ " :‬هوَى يهوي " من السقوط من مكان عالٍ؛ دون إرادة منه‬
‫في السقوط؛ وكأنه مقهورٌ عليه‪ ،‬وإنْ قُلْت‪َ " :‬هوِى يهويَ " فهذا يعني أحبّ‪ ،‬وهو نتيجة لِميْل‬
‫القلوب‪ ،‬ل مَيْل القوالب‪.‬‬
‫وهنا يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫شكُرُونَ { [إبراهيم‪.]37 :‬‬
‫ج َعلْ َأفْ ِئ َدةً مّنَ النّاسِ َت ْهوِي إِلَ ْيهِ ْم وَارْ ُز ْقهُمْ مّنَ ال ّثمَرَاتِ َلعَّلهُمْ يَ ْ‬
‫} فَا ْ‬
‫فهم في مكان ل يمكن زراعته‪ .‬وقد تقبّل الحق سبحانه دعاءَ إبراهيم عليه السلم؛ ووجدنا التطبيق‬
‫شيْءٍ رّزْقا مّن لّدُنّا‪} ...‬‬
‫العملي في قوله الحق‪َ {:‬أوَلَمْ ُن َمكّن ّلهُمْ حَرَما آمِنا يُجْبَىا إِلَ ْيهِ َثمَرَاتُ ُكلّ َ‬
‫[القصص‪.]57 :‬‬
‫وذلك قبل أن يوجد بترول أو غير ذلك من الثروات‪ .‬وكلمة " ُيجْبي " تدل على أن المرَ في هذا‬
‫ل وفيها من الرمان والعنب‬
‫الرزق القادم من ال كأنه جِبَاية؛ وأمْر مفروض‪ ،‬فتكون في الطائف مث ً‬
‫ن يقول لك‪ :‬إن هذا يخصّ مكة المكرمة؛ إنْ أردتَ منه فاذهب إلى‬
‫وتحاول أنْ تشتريه؛ فتجد مَ ْ‬
‫هناك‪.‬‬
‫شيْءٍ‪[} ...‬القصص‪.]57 :‬‬
‫وتجد في كلمة‪َ {:‬ثمَرَاتُ ُكلّ َ‬
‫ما يثير العجب والدهشة؛ فأنت في مكة تجد بالفعل ثمرات كل شيء من زراعة أو صناعة؛ ففيها‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ثمرات الفصول الربعة قادمة من كل البلد؛ نتيجة أن كل البيئات تُصدّر بعضا من إنتاجها إلى‬
‫مكة‪.‬‬
‫وفي عصرنا الحالي نجد ثمرات النموّ الحضاري والعقول المُفكّرة وهي معروضة في سوق مكة‬
‫أو جدة؛ بل تجد ثمرات التخطيط والمكانات وقد ت ّمتْ ترجمتُها إلى واقع ملموس في كل َأوْجُه‬
‫الحياة هناك‪.‬‬
‫وقديما عندما كُنّا نؤدي فريضة الحج؛ كُنّا نأخذ معنا إبرة الخيط؛ ومِلْح الطعام؛ ومن بعد أن‬
‫توحّدتْ غالبية أرض الجزيرة تحت حكم آل سعود واكتشاف البترول؛ صِرْنا نذهب إلى هناك‪،‬‬
‫ونأتي بكماليات الحياة‪.‬‬
‫ولنلحظ َقوْل الحق سبحانه‪:‬‬
‫ج َعلْ َأفْ ِئ َدةً مّنَ النّاسِ َت ْهوِي إِلَ ْيهِمْ‪[ { ...‬إبراهيم‪.]37 :‬‬
‫} فَا ْ‬
‫ن تهوي قلوبهم إلى المكان هم قطعةٌ من أفئدة الناس‪ ،‬وقال ب َعضٌ من‬
‫فكلمة " من " تُوضّح أن مَ ْ‬
‫العارفين بال‪ :‬لو أن النصّ قد جاء " فاجعل أفئدة الناس تهوي إليهم " لوجدنا أبناء الديانات‬
‫الخرى قد دخلت أيضا في الحجيج‪ ،‬ومن رحمة ال سبحانه أن جاء النص‪:‬‬
‫ج َعلْ َأفْ ِئ َدةً مّنَ النّاسِ َت ْهوِي إِلَ ْيهِمْ‪[ { ...‬إبراهيم‪.]37 :‬‬
‫} فَا ْ‬
‫فاقتصر الحجيج على المسلمين‪.‬‬
‫ويقول سبحانه من بعد ذلك مُستْكمِلً ما جاء على لسان إبراهيم عليه السلم‪ } :‬رَبّنَآ إِ ّنكَ َتعَْلمُ مَا‬
‫خفِي‪.{ ...‬‬
‫نُ ْ‬

‫(‪)1773 /‬‬
‫سمَاءِ (‪)38‬‬
‫ض وَلَا فِي ال ّ‬
‫شيْءٍ فِي الْأَ ْر ِ‬
‫خفَى عَلَى اللّهِ مِنْ َ‬
‫ن َومَا يَ ْ‬
‫خفِي َومَا ُنعْلِ ُ‬
‫رَبّنَا إِ ّنكَ َتعْلَمُ مَا ُن ْ‬

‫وبعد أن اطمأن إبراهيم ‪ -‬عليه السلم ‪ -‬أن لهذا البلد أمنا عاما وأمنا خاصا‪ ،‬واطمأن على‬
‫مُقوّمات الحياة؛ وأن كل شيء من عند ال‪ ،‬بعد كل ذلك عاودته المسألة التي كانت تشغله‪ ،‬وهي‬
‫مسألة تَرْكه لهاجر وإسماعيل في هذا المكان‪.‬‬
‫وبعض المُفسّرين قالوا‪ :‬إن الضمير بالجمع في قوله تعالى‪:‬‬
‫خفِي َومَا ُنعْلِنُ‪[ } ...‬إبراهيم‪.]38 :‬‬
‫{ َتعَْلمُ مَا نُ ْ‬
‫حبّ لهاجر وإسماعيل‪ ،‬وما يُعلِنه من الجفاء الذي يُظهِره لهما أمام سارة‪،‬‬
‫مقصود به ما ُيكِنّه من ال ُ‬
‫وكأن المعاني النفسية عاودتْه لحظةَ أنْ بدأ في سلم الوداع لهاجر وابنه إسماعيل‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫صعْبا؛ ذلك أنها قد وُجدت في مكان ليس فيه‬
‫ونقول‪ :‬لقد كانت هاجر هي الخرى تعيش موقفا َ‬
‫زَرْع ول ماء‪ ،‬وكأنها كتمتْ نوازعها البشرية طوال تلك الفترة وصبرتْ‪.‬‬
‫ولحظة أنْ جاء إبراهيم لِيُودّعها؛ قالت له‪ :‬أين تتركنا؟ وهل تتركنا مِنْ رأيك أم من أمر ربَك؟‬
‫فقال لها إبراهيم عليه السلم‪ :‬بل هو من أَمر ال‪ .‬فقالت‪ :‬إذن لن يضيعنا‪.‬‬
‫وتأكدت هاجر من أن ما قالتْه قد تحقّق؛ ولن يُضيّعهما ال‪ ،‬وحين يعطش وحيدها تجري بين‬
‫الصفا والمروة بَحْثا عن مياه؛ ولكنها ترى تفجّر الماء تحت قَ َد َميْ ابنها في المكان الذي تركته‬
‫فيه؛ ويبدأ بئر زمزم في عطاء البشر منذ ذلك التاريخ مياهه التي ل تنضب‪.‬‬
‫وهكذا يتحقق قول إبراهيم ‪ -‬عليه السلم ‪ -‬في أن ال يعلم ما نُسِرّ وما نُعلِن؛ ذلك أن كل ُمعْلَن‬
‫ل يكون إل بعد أن كل َمخْفيا‪ ،‬وعلى الرغم منَ أن ال غَ ْيبٌ إل أن صِلَته ل تقتصر على الغيب؛‬
‫بل تشمل العالم الظاهر والباطن؛ وكل مظروف في السماء أو الرض معلومٌ ل؛ لن ما تعتبره‬
‫أنت غيبا في ذهنك هو معلوم ل من قبل أن يتحرك ذهنك إليه‪.‬‬
‫خفَى }[طه‪.]7 :‬‬
‫جهَرْ بِا ْلقَ ْولِ فَإِنّهُ َيعْلَمُ السّ ّر وََأ ْ‬
‫ولذلك يقول سبحانه في موقع آخر‪ {:‬وَإِن َت ْ‬
‫فإذا كان السّر هو ما أسررْت به لغيرك؛ وخرج منك لنك استأمنتَ الغير على ألّ يقوله‪ ،‬أو كان‬
‫السر ما أخفيتَه أنت في نفسك؛ فال هو العَالِم به في الحالتين‪.‬‬
‫ويقول القرآن‪ {:‬وَإِذْ َأسَرّ النّ ِبيّ إِلَىا َب ْعضِ أَ ْزوَاجِهِ حَدِيثا‪[} ..‬التحريم‪.]3 :‬‬
‫أي‪ :‬أن السّرّ كان عند رسول ال صلى ال عليه وسلم وانتقل إلى بعضٍ من أزواجه‪ .‬والَخْفى هو‬
‫ما قبل أنْ تبوحَ بالسرّ؛ وكتمته ولم تَبُحْ به‪.‬‬
‫ن يكونَ سرِا‪.‬‬
‫وسبحانه يعلم هذا السر وما تخفيه‪ .‬أي‪ :‬السر الذي لم َتقًُلْه لحد‪ ،‬بل ويعلمه قبل أ ْ‬
‫حمْدُ للّهِ الّذِي وَ َهبَ‬
‫حمْدا له سبحانه‪ { :‬الْ َ‬
‫ويقول سبحانه ما قاله إبراهيم ‪ -‬عليه السلم ‪ -‬ضراعةَ و َ‬
‫لِي‪.} ...‬‬

‫(‪)1774 /‬‬
‫سمِيعُ الدّعَاءِ (‪)39‬‬
‫ل وَإِسْحَاقَ إِنّ رَبّي لَ َ‬
‫سمَاعِي َ‬
‫ح ْمدُ لِلّهِ الّذِي وَ َهبَ لِي عَلَى ا ْلكِبَرِ إِ ْ‬
‫الْ َ‬

‫ط بل مقبال منك‪ .‬وكل الذرية هِبَة‪ ،‬لو لم تكُنْ هبة لكانت رتيبة بين‬
‫والوَهْب هو عطاء من ُم ْع ٍ‬
‫الزوجين؛ وأينما يوجد زوجان توجد‪ .‬ولذلك قال ال‪َ {:‬ي َهبُ ِلمَن يَشَآءُ إِنَاثا وَ َي َهبُ ِلمَن َيشَآءُ ال ّذكُورَ‬
‫عقِيما إِنّهُ عَلِيمٌ َقدِيرٌ }[الشورى‪.]50-49 :‬‬
‫ج َعلُ مَن يَشَآءُ َ‬
‫جهُمْ ُذكْرَانا وَإِنَاثا وَيَ ْ‬
‫* َأوْ يُ َزوّ ُ‬
‫والدليل على أن الذرية هِبَة هو ما شاءه سبحانه مع زكريا عليه السلم؛ وقد طلب من ال سبحانه‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أن يرزقه بغلم يرثه‪ ،‬على الرغم من أنه قد بلغَ من الكِبَر عِتيا وزوجه عاقر؛ وقد تعجّب زكريا‬
‫من ذلك؛ لنه أنجب بقوة‪ ،‬وفي هذا المعنى يقول الحق سبحانه‪ {:‬كَذاِلكَ قَالَ رَ ّبكَ ُهوَ عََليّ هَيّنٌ‬
‫ل وَلَمْ َتكُ شَيْئا }[مريم‪.]9 :‬‬
‫َوقَدْ خََلقْ ُتكَ مِن قَ ْب ُ‬
‫وهذا يعني ألّ يدخل زكريا في السباب والمُسبّبات والقوانين‪.‬‬
‫وقد سمّى الحق سبحانه الذرية هِبةً؛ لذلك يجب أن نشكرَ ال لن الذي يقبل هبة ال في إنجاب‬
‫الناث برضا يرزقه ال بشباب يتزوجون البنات؛ ويصبحون أطوعَ له من أبنائه‪ ،‬رغم أنه لم َيشْقَ‬
‫في تربيتهم‪.‬‬
‫وكل منّا يرى ذلك في ُمحِِيطة‪ ،‬فمَنْ أنجب الولد الذكور يظل يرقب‪ :‬هل يتزوج ابنه بمَنْ تخطفه‬
‫وتجعله أطوعَ لغيره منه‪.‬‬
‫وإنْ وهب لك الذكور فعلى العين والرأس أيضا‪ ،‬وعليك أنْ تطلبَ من ال أن يكون ابنك من‬
‫الذرية الصالحة‪ ،‬وإنْ وهبكَ ُذكْرنا وإناثا فلكَ أن تشكره‪ ،‬وتطلب من ال أن يُعينك على تربيتهم‪.‬‬
‫وعلى مَنْ جعله الحق سبحانه عقيما أن يشكرَ ربه؛ لن ال ُعقْم أيضا هبةٌ منه سبحانه؛ فقد رأينا‬
‫البن الذي يقتل أباه وأمه‪ ،‬ورأينا البنت التي تجحد أباها وأمها‪.‬‬
‫وإنْ قَبِل العاقر هبةَ ال في ذلك؛ وأعلن لنفسه ولمَنْ حوله هذا القبول؛ فالحق سبحانه وتعالى‬
‫يجعل نظرة الناس كلهم له نظرة أبناء لب‪ ،‬ويجعل كل مَنْ يراه من شباب يقول له‪ " :‬أتريد شيئا‬
‫يا عم فلن؟ " ويخدمه الجميع بمحبة صافية‪.‬‬
‫وإبراهيم ‪ -‬عليه السلم ‪ -‬قد قال للحق سبحانه‪:‬‬
‫حمْدُ للّهِ الّذِي وَ َهبَ لِي عَلَى ا ْلكِبَرِ‪[ } ...‬إبراهيم‪.]39 :‬‬
‫{ ا ْل َ‬
‫والشكر على الهبة ‪ -‬كما عرفنا ‪ -‬يُشكّل عطاءَ الذرية في الشباب‪ ،‬أو في الشيخوخة‪.‬‬
‫وأهل التفسير يقولون في‪:‬‬
‫{ عَلَى ا ْلكِبَرِ‪[ } ...‬إبراهيم‪.]39 :‬‬
‫أنه يشكر الحق سبحانه على وَهْبه إسماعيل وإسحق مع أنه كبير‪ .‬ولماذا يستعمل الحق سبحانه‬
‫(على) وهي من ثلثة حروف؛ بدلً من " مع " ولم َيقُل " الحمد ل الذي وهب لي مع الكِبَر‬
‫إسماعيل وإسحاق "‪.‬‬
‫ضعْف‪ ،‬ولكن إرادة ال أقوى من الضعف؛ ولو قال " مع‬
‫وأقول‪ :‬إن (على) تفيد الستعلء‪ ،‬فالكِبَر َ‬
‫الكبر " فالمعيّة هنا ل تقتضي قوة‪ ،‬أما قوله‪:‬‬
‫{ وَ َهبَ لِي عَلَى ا ْلكِبَرِ‪[ } ...‬إبراهيم‪.]39 :‬‬
‫فيجعل قدرة ال في العطاء فوق الشيخوخة‪.‬‬
‫سكَنتُ‬
‫وحين يقول إبراهيم عليه السلم ذلك؛ فهو يشكر ال على استجابته لما قاله من قبل‪ {:‬إِنّي أَ ْ‬
‫مِن ذُرّيّتِي ِبوَادٍ غَيْرِ ذِي زَ ْرعٍ }[إبراهيم‪.]37 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أي‪ :‬أنه دعا أن تكونَ له ذرية‪.‬‬
‫ويُذيّل الحق سبحانه الية بقول إبراهيم‪:‬‬
‫سمِيعُ الدّعَآءِ } [إبراهيم‪.]39 :‬‬
‫{ إِنّ رَبّي َل َ‬
‫جعَلْنِي‪.} ...‬‬
‫ويقول سبحانه من بعد ذلك‪َ { :‬ربّ ا ْ‬

‫(‪)1775 /‬‬
‫جعَلْنِي ُمقِيمَ الصّلَا ِة َومِنْ ذُرّيّتِي رَبّنَا وَتَقَ ّبلْ دُعَاءِ (‪)40‬‬
‫َربّ ا ْ‬

‫وكأن إبراهيم عليه السلم حين دعا بأمر إقامة الصلة فهذه قضية تخصّ منهج ال‪ ،‬وهو يسأل ال‬
‫ن يقبلَ‪ ،‬ذلك أن الطلبات الخرى قد طلبها ببشريته؛ وقد يكون ما طلبه شرا أو خيرا؛ ولكن‬
‫أْ‬
‫الطلب بأن يجعله مُقيما للصلة هو وذريته هو طََلبٌ بالخير‪.‬‬
‫غفِرْ لِي‬
‫ويتتابع الدعاء في قول الحق سبحانه على لسان إبراهيم عليه السلم‪ { :‬رَبّنَا ا ْ‬
‫وَِلوَالِ َديّ‪.} ...‬‬

‫(‪)1776 /‬‬
‫حسَابُ (‪)41‬‬
‫ي وَلِ ْل ُم ْؤمِنِينَ َيوْمَ َيقُومُ الْ ِ‬
‫غفِرْ لِي وَِلوَالِ َد ّ‬
‫رَبّنَا ا ْ‬

‫ونعلم أن طلب ال ُغفْران من المعصوم إيذانٌ بطلقة قدرة ال في الكون‪ ،‬ذلك أن اختيار الحق‬
‫سبحانه للرسول ـ أيّ رسول ـ ل يُعفى الرسول المختار من الحذَر وطلب المغفرة‪ ،‬وها هو‬
‫سيدنا رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول‪ " :‬إني استغفر ال في اليوم والليلة مائة مرة "‪.‬‬
‫وطلب المغفرة من ال إن لم َيكُنْ لذنب ـ كما في حال الرّسل المعصومين ـ فهو من الدب مع‬
‫ال؛ لن الخالق ـ سبحانه وتعالى ـ يستحق منّا فوق ما كلّفنا به‪ ،‬فإذا لم نقدر على المندوبات‬
‫ن يغفرَ لنا‪.‬‬
‫وعلى التطوّعات؛ فَلْندعُ الحق سبحانه أ ْ‬
‫ن يغفرَ له؛ ولذلك يُقال‪ " :‬حسنات البرار سيئات‬
‫ومِنّا مَنْ ل يقدر على الفرائض؛ فليْدعُ ال أ ْ‬
‫المقربين "‪.‬‬
‫ك َومَا تَأَخّرَ وَيُتِمّ‬
‫والحق سبحانه يقول لرسوله صلى ال عليه وسلم‪ {:‬لّ َي ْغفِرَ َلكَ اللّهُ مَا َتقَدّمَ مِن ذَن ِب َ‬
‫ك صِرَاطا مّسْ َتقِيما }[الفتح‪.]2 :‬‬
‫ك وَ َيهْدِ َي َ‬
‫ِن ْعمَتَهُ عَلَ ْي َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫جلّ جللُ ذاته ‪ -‬يستحق أن يُعبَد بفوق ما كَلّف به؛ فإذا اقتصرنا‬
‫ولذلك أقول دائما؛ إن الحق ‪َ -‬‬
‫شكْر؛ وما بالنا إذا كان مثل هذا الحال هو‬
‫على أداء ما كَلّف به سبحانه؛ فكأننا لم نُؤ ّد كامل ال ّ‬
‫شكْرا وطلبا‬
‫سلوك الرّسل‪ ،‬خصوصا وأن الحق سبحانه قد زادهم عن خَلْقه اصطفاءً؛ أفل يزيدنه ُ‬
‫للمغفرة؟‬
‫ونلحظ أن طلب المغفرة هنا قد شمل الوالدين والمؤمنين‪:‬‬
‫ي وَلِ ْل ُم ْؤمِنِينَ َيوْمَ َيقُومُ الْحِسَابُ } [إبراهيم‪.]41 :‬‬
‫غفِرْ لِي وَِلوَالِ َد ّ‬
‫{ رَبّنَا ا ْ‬
‫والنسان كما نعلم له وجود أصليّ من آدم عليه السلم؛ وله وجود مباشر من أبويْه‪ ،‬وما دام‬
‫النسان قد جاء إلى الدنيا بسبب من والديْه‪ ،‬وصار مؤمنا فهو يدعو لهما بالمغفرة‪ ،‬أو‪ :‬أن الُسْوة‬
‫كانت منهما؛ لذلك يدعو لهما بالمغفرة‪.‬‬
‫صحْبة له وقُدْوة‪ ،‬وتواصى معهم وتواصوا معه‬
‫والنسان يدعو للمؤمنين بالمغفرة؛ لنهم كانوا ُ‬
‫بالحق والصبر‪ ،‬وكأن إبراهيم ‪ -‬عليه السلم ‪ -‬صاحب الدعاء يدعو للمؤمنين من ذريته؛ وتلك‬
‫دعوة وشفاعة منه لمَنْ آمن؛ ويرجو الحقّ سبحانه أنْ يتقبلها‪.‬‬
‫عمّا َي ْعمَلُ‪.} ...‬‬
‫حسَبَنّ اللّهَ غَافِلً َ‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك‪َ { :‬ولَ تَ ْ‬

‫(‪)1777 /‬‬
‫خصُ فِيهِ الْأَ ْبصَارُ (‪)42‬‬
‫شَ‬
‫عمّا َي ْعمَلُ الظّاِلمُونَ إِ ّنمَا ُيؤَخّرُهُمْ لِ َيوْمٍ تَ ْ‬
‫وَلَا تَحْسَبَنّ اللّهَ غَافِلًا َ‬

‫وبعد أن ذكر الحق سبحانه وأوضح النّعم العامة على الكون‪ ،‬والنعم الخاصة التي أنعم بها سبحانه‬
‫ن وقف ضد رسول ال صلى ال عليه وسلم موقف العَنَت‪،‬‬
‫على مَنْ توطّنوا مكة‪ ،‬ومن نسلهم مَ ْ‬
‫بعد ذلك جاء الحق سبحانه بهذه الية تعزيةً وتسرية عن رسول ال صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫عمّا َي ْع َملُ الظّاِلمُونَ‪[ } ..‬إبراهيم‪.]42 :‬‬
‫حسَبَنّ اللّهَ غَافِلً َ‬
‫{ َولَ تَ ْ‬
‫وأرضية التصوير التي سبقتْها تشتمل بداية التكوين لهذا المكان الذي وُجدوا به‪ ،‬وكيفية مَجِيء‬
‫النعم إلى مَنْ توطنوا هذا المكان؛ حيث تجيء إليهم الثمرات‪ ،‬ونعمة ال َمهَابة لهم حيث يعصف‬
‫صفٍ مّ ْأكُولٍ }[الفيل‪.]5 :‬‬
‫جعََلهُمْ َك َع ْ‬
‫سبحانه بمَنْ يُعاديهم كأبرهة ومَنْ معه‪َ {.‬ف َ‬
‫ل ِفهِمْ ِرحْلَةَ الشّتَآ ِء وَالصّ ْيفِ *‬
‫لفِ قُرَيْشٍ* إِي َ‬
‫حيث يقول سبحانه من بعد هذه الية مباشرة‪ {:‬لِي َ‬
‫خوْفٍ }[قريش‪.]4-1 :‬‬
‫ع وَآمَ َنهُم مّنْ َ‬
‫ط َع َمهُم مّن جُو ٍ‬
‫فَلْ َيعْبُدُواْ َربّ هَـاذَا الْبَ ْيتِ * الّذِي َأ ْ‬
‫ورغم ذلك وقفوا من دعوة رسول ال صلى ال عليه وسلم موقف النكار والتعنّت والتصدّي‬
‫جحُود‪ ،‬وحاولوا الستعانة بكل خُصوم السلم؛ ليحاربوا هذا الدين؛ ولذلك يوضح الحق‬
‫وال ُ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سبحانه هنا تسريةً عن الرسول الكريم‪.‬‬
‫عمّا َي ْع َملُ الظّاِلمُونَ‪[ } ...‬إبراهيم‪.]42 :‬‬
‫حسَبَنّ اللّهَ غَافِلً َ‬
‫{ َولَ تَ ْ‬
‫لماذا؟ وتأتي الجابة في النصف الثاني من الية‪:‬‬
‫خصُ فِي ِه الَ ْبصَارُ } [إبراهيم‪.]42 :‬‬
‫شَ‬
‫{ إِ ّنمَا ُي َؤخّرُهُمْ لِ َي ْومٍ تَ ْ‬
‫وقوله الحق‪:‬‬
‫حسَبَنّ‪[ } ...‬إبراهيم‪.]42 :‬‬
‫{ َولَ تَ ْ‬
‫حسِب هنا ليست من الحساب والعدّ‪ ،‬ولكنها من " حسب " " يحسب "؛ وقوله الحق‬
‫أي‪ :‬ل تظننّ؛ فَ َ‬
‫سبَ النّاسُ أَن يُتْ َركُواْ أَن َيقُولُواْ آمَنّا وَهُ ْم لَ ُيفْتَنُونَ }[العنكبوت‪.]2 :‬‬
‫حِ‬
‫الذي يوضح هذه المسألة‪ {:‬أَ َ‬
‫أي‪ :‬أَظَنّ الناس‪ .‬فحسِب يحسَب ليستْ ‪ -‬إذن ‪ -‬من العَدّ؛ ولكن من الظنّ‪ .‬والحُسْبان نسبة كلمية‬
‫غير مَجْزوم بها؛ ولكنها راجحة‪.‬‬
‫سهْو عن أمر لعدم اليقظة أو النتباه‪ ،‬وطبعا وبداه ًة فهذا‬
‫والغفلة التي ينفيها سبحانه عنه؛ هي ال ّ‬
‫َأمْ ٌر ل يكون منه سبحانه‪ ،‬فهو القيّوم الذي ل تأخذه سِنَة ول نوم‪.‬‬
‫وهنا يخاطب الحق سبحانه رسوله والمؤمنين معه تبعا؛ فحين يخاطب الحق سبحانه رسوله صلى‬
‫ال عليه وسلم فهو يخاطب في نفس الوقت كلّ مَنْ آمن به‪.‬‬
‫ولكن‪ ،‬أكانَ الرسول يظنّ ال غافلً؟‬
‫ن فعلً؛ ويطلب ال منه‬
‫ل‪ ،‬ولنلحظْ أن ال حين يُوجّه بشيء فقد يحمل التوجيه أمرا يُنفّذه النسا ُ‬
‫الستدامة على هذا الفعل‪.‬‬
‫والمَثلُ‪ :‬حين تقول لواحد ل يشرب الخمر " ل تشرب الخمر " وهو ل يشرب الخمر؛ فأنت تطالبه‬
‫لمْر‪ ،‬أو‬
‫بقولك هذا أنْ يستم ّر في عدم شُرْب الخمر‪ ،‬أي‪ :‬استمِرَ على ما أنت عليه‪ ،‬فعلً في ا َ‬
‫امتناعا في النهي‪.‬‬
‫وهل يمكن أن تأتي الغفلة ل؟‬
‫وأقول‪ :‬حين ترى صف ًة توجد في البشر؛ ول توجد في الحق سبحانه فعليك أنْ تُفسّر المر‬
‫بالكمالت التي ل‪.‬‬
‫والذي يفعل ظلما سيتلقى عقابا عليه‪ ،‬وحين يتأخر العقاب يتساءل الذين رََأوْا ِفعْل الظّلم فهم‬
‫يتهامسون‪ :‬تُرَى هل تَمّ نسيان الظلم الذي ارتكبه فلن؟ هل هناك غفلة في المر؟‬
‫وهم في تساؤلتهم هذه يريدون أن يعلنوا موقفهم من مرتكب الذنب؛ وضرورة عقابه‪ ،‬وعلى ذلك‬
‫نفهم كلمة‪:‬‬
‫} غَافِلً { [إبراهيم‪.]42 :‬‬
‫في هذه الية بمعنى " مُؤجّل العقوبة "‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ولمن يتساءلون عليهم أنْ يتذكّروا قول الحق سبحانه‪ {:‬وَُأمْلِي َلهُمْ إِنّ كَيْدِي مَتِينٌ }[العراف‪:‬‬
‫‪.]183‬‬
‫وعلى ذلك فليست هناك غفلة؛ ولكن هناك تأجيل للعقوبة لهؤلء الظالمين؛ ذلك أن الظلم يعني َأخْذ‬
‫حقّ من صاحبه وإعطاءه للغير؛ أو َأخْذه للنفس‪.‬‬
‫وإذا كان الظلم في أمر عقديّ فهو الشرك؛ وهو الجريمة العظمى‪ ،‬وإنْ ظلمتَ في أمر كبيرة من‬
‫ت في صغيرة فهو الظلم‪.‬‬
‫الكبائر فهذا هو الفِسْق‪ ،‬وإنْ ظلم َ‬
‫ولذلك نجد الحق ‪ -‬سبحانه وتعالى ‪ -‬يُورِد كل حكم يناسب الثلثة مواقف؛ فيقول عن الذي‬
‫حكُم ِبمَآ أَن َزلَ اللّهُ فَُأوْلَـا ِئكَ هُمُ ا ْلكَافِرُونَ }[المائدة‪.]44 :‬‬
‫تغاضى عن تجريم الشرك‪َ {:‬ومَن لّمْ َي ْ‬
‫سقُونَ }[المائدة‪:‬‬
‫حكُم ِبمَآ أَن َزلَ اللّهُ فَُأوْلَـا ِئكَ هُمُ ا ْلفَا ِ‬
‫ويقول عن تجريم كبيرة من الكبائر‪َ {:‬ومَن لّمْ َي ْ‬
‫‪.]47‬‬
‫حكُم ِبمَآ أن َزلَ اللّهُ‬
‫ويقول عمّنْ يتغاضى عن تجريم صغيرة بما يناسبها من أحكام الدين‪َ {:‬ومَن لّمْ َي ْ‬
‫فَُأوْلَـا ِئكَ ُهمُ الظّاِلمُونَ }[المائدة‪.]45 :‬‬
‫وإذا وُجِد محكوم عليه‪ ،‬وهو واحد ‪ -‬بأحكام متعددة فالحكم مُتوقّف على ما حكم به‪.‬‬
‫وحين ننظر في مسألة الظلم هذه نجد أن الظالم يقتضي مظلوما‪ ،‬فإنْ كان الظّلْم ‪ -‬والعياذ بال ‪-‬‬
‫هو ظُلم القمة وهو الشرك بال‪ ،‬فهذا الظلم ينقسم ‪ -‬عند العلماء ‪ -‬إلى ثلثة أنواع‪:‬‬
‫النوع الول‪ :‬وهو إنكار وجود ال وألوهيته دون أن ينسبها لحد آخر؛ وهذا هو اللحاد‪ ،‬وهو‬
‫ظُلْم في واجب وجوديته سبحانه‪.‬‬
‫والنوع الثاني‪ :‬هو العتراف بألوهية ال‪ ,‬وإشراك آخرين معه في اللوهية‪ ،‬وهذا الشرك ظُلْم‬
‫للحق في ذاتية وواحدية تفرّده‪.‬‬
‫والنوع الثالث‪ :‬هو القول بأن ال مُكوّن من أجزاء؛ وهذا ظُلْم ل في أحدية ذاته‪.‬‬
‫ويقول بعض العارفين‪ :‬أن أول حقّ في الوجود هو وجوده سبحانه‪.‬‬
‫جمْعٌ‬
‫ق الكوْنِ منه استمدّتفَل هُو َ‬
‫حقّ في الوُجُو ِد وُجُوده و ُكلّ حُقو ِ‬
‫ومنهم الشاعر الذي قال‪:‬وأوّل َ‬
‫ك ولَ ُهوَ في الَجْزاءِ يَا حُسْن مِلّتيوالظلم الذي ورد في الية التي نحن بصدد‬
‫كمَا قال مُشْر ٌ‬
‫خواطرنا عنها‪ ،‬و ظلم القمة؛ ظُلْم في العقيدة اللهية‪ ،‬ومعه ظلم آخر هو ظلم الرسول صلى ال‬
‫صغَرٍ‬
‫عليه وسلم‪ .‬ويُلخّص الشاعر ظُلْمهم للرسول صلى ال عليه وسلم فيقول‪:‬لَقّبتمُوه َأمِينا في ِ‬
‫سمّوا الرسول من قبل الرسالة بالمين؛ وبعد الرسالة نزعوا‬
‫َومَا المينُ على َقوْل ِبمُتّهمِوهم قد َ‬
‫منه هذا الوصف‪ ،‬وكانوا َيصِفونه قبل الرسالة بالصادق‪ ،‬ولم يقولوا عنه مرة قبل الرسالة إنه‬
‫ساحر‪ ،‬ولم يتهموه من قبل الرسالة بالجنون‪.‬‬
‫فكيف كانت له أوصاف الصّدق والنطق بالحق؛ والتحدث عن رجاحة قدرته في الحكم؟‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫كيف كانت له تلك الصفات قبل الرسالة؛ وتنزعونها منه من بعد الرسالة؟‬
‫إن هذا هو ظلم سلْب الكمال‪ ،‬فقد كان للرسول صلى ال عليه وسلم كما قبل أن يُرسلً؛ فظلمتموه‬
‫بعد الرسالة وأنكرتم عليه هذا الكمال؛ وهو ظُلْم مُ ْزدَوج‪.‬‬
‫فقد سبق أن اعترفتم له من قبل الرسالة بالمانة؛ ولكن من بعد الرسالة أنكرتُم أمانته‪ ،‬وكان‬
‫صادقا من قبل الرسالة؛ وقلتم إنه غَيْر صادق بعدها‪.‬‬
‫ولم تكن له صفة َنقْص قبل الرسالة؛ فجئتم أنتم له بصفة نقص؛ كقولكم‪ :‬ساحر؛ كاهن؛ مجنون‪،‬‬
‫ظلْم للرسول صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫وفي هذا ُ‬
‫وهذا أيضا ظُلْم للمجتمع الذي تعيشون فيه‪ ،‬لن مَنْ يريد استمرار الستبداد بكلمة الكفر‪ ،‬ويريد أن‬
‫يستمرّ في السيادة والستغلل والتحكّم في الغير؛ ف ُكلّ ذلك ظُلْم للمجتمع؛ وفوق ذلك ظُلْم للنفس؛‬
‫ظلّ‬
‫ن يفعل ذلك قد يأخذ متعة بسيطة؛ ويحرم نفسه من متعة كبيرة؛ هي متعة الحياة في ِ‬
‫لن مَ ْ‬
‫سهُمْ َيظِْلمُونَ }[النحل‪:‬‬
‫منهج ال‪ ،‬وينطبق عليه قول الحق الرحمن‪َ {:‬ومَا ظََلمْنَاهُمْ وَلَـاكِن كَانُواْ أَ ْنفُ َ‬
‫‪.]118‬‬
‫وفوق ظُلْم النفس وظُلْم المجتمع هناك ظُلْم يمارسه هذا النوع من البشر ضد الكون كُلّه فيما دون‬
‫النسان؛ من جماد وحيوان ونبات؛ ذلك أن النسانَ حين ل يكون على منهج خالقه؛ والكون كله‬
‫مُسخّر لمنهج الخالق؛ فلن يرعى النسانُ ذلك في تعامله مع الكون‪ ،‬وسبحانه القائل‪ {:‬وَإِن مّن‬
‫حمْ ِدهِ‪[} ...‬السراء‪.]44 :‬‬
‫شيْءٍ ِإلّ يُسَبّحُ ِب َ‬
‫َ‬
‫حين يُسبّح كل ما في الكون يشذّ عن ذلك إنسانٌ ل يتبع منهج ال؛ فالكون كله يكرهه‪ ،‬وبذلك يظلم‬
‫النسان نفسه ويظلم الكون أيضا‪.‬‬
‫وهكذا عرفنا ظُلْم القمة في إنكار اللوهية؛ أو الشرك به سبحانه‪ ،‬أو توهّم أنه من أجزاء‪ ،‬وظُلْم‬
‫نزع الكمال عن الرسول؛ وهو الواسطة التي جاءت بخبر اليمان؛ وظُلْم الكون كله؛ لن الكون‬
‫بكل أجناسه مُسبّح ل‪.‬‬
‫وقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫عمّا َي ْع َملُ الظّاِلمُونَ‪[ { ..‬إبراهيم‪.]42 :‬‬
‫حسَبَنّ اللّهَ غَافِلً َ‬
‫} َولَ تَ ْ‬
‫نجد فيه كلمة " يعمل "‪ .‬ونعلم أن هناك فَرْقا بين " عمل " و " فعل " ‪ ،‬والفعل هو أحداث كل‬
‫الجوارح‪ ،‬ما عدا اللسان الذي يقال عن حدثه " القول "‪.‬‬
‫فكل الجوارح يأخذ الحادث منها اسما؛ وحدث اللسان يأخذ اسما بمفرده‪ ،‬ذلك أن الذي يكب الناس‬
‫على مناخرهم في النار إنما هو حصائد ألسنتهم‪ ،‬والفعل والقول يجمعهما كلمة " عمل "‪.‬‬
‫وهنا في الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق سبحانه " يعمل " ‪ ،‬ذلك أن المشركين‬
‫الذين استقبلوا القرآن كانوا يُ ْرجِفون بالسلم وبالرسول صلى ال عليه وسلم بالكلم؛ وكل الفعال‬
‫التي قاموا بها نشأتْ عن طريق تحريض بالكلم‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وتأتي هذه الية الكريمة التي يُؤكّد فيها سبحانه أنه يُمكّن لهم الذنوب ليُمكّن لهم العقوبة أيضا؛‬
‫ويأتي قوله‪:‬‬
‫خصُ فِي ِه الَ ْبصَارُ { [إبراهيم‪.]42 :‬‬
‫شَ‬
‫} إِ ّنمَا ُي َؤخّرُهُمْ لِ َي ْومٍ تَ ْ‬
‫ونعلم أنه قد حدثتْ لهم بعضٌ من الظواهر التي تؤكد قُرْب انتصار رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم؛ َفقُتل صناديدهم وبعض من سادتهم في بدر؛ وأُسِر كبراؤهم‪ ،‬وهكذا شاء سبحانه أنْ يأتيَ‬
‫بالوعد أو الوعيد؛ جاء بالمر الذي يدخل فيه ُكلّ السامعين‪ ،‬وهو عذابُ الخرة؛ إنْ ظَلّوا على‬
‫الشرك ومقاومة الرسالة‪.‬‬
‫خصُ فِي ِه الَ ْبصَارُ { [إبراهيم‪.]42 :‬‬
‫شَ‬
‫و‪ } :‬تَ ْ‬
‫يعني‪ :‬تفتح بصورة ل يتقلّب بها َيمْنة أو يَسْرة من َهوْل ما يرى؛ وقد يكون عدم تقلّب البصر من‬
‫فَرْط جمال ما يرى‪ ،‬والذي يُفرّق بينهما سِيَال خاص بخَلْق ال فقط؛ وهو سبحانه الذي يخلقه‪.‬‬
‫فحين ترى إنسانا مذعورا من فَرْط الخوف؛ فسِحْنته تتشكّل بشكل هذا الخوف‪ ،‬أما مَنْ نظر إلى‬
‫شيء جميل وشَخصتْ عيناه له‪ ،‬يصبح لملمحه انسجامُ ارتواء النظر إلى الجمال؛ ولذلك يقول‬
‫جمَالُ الذي أهْواهُ قَيْد نَاظِريّ فَلْيتَ لِشَيءٍ غي ِرهِ يتحوّلِويمكننا أن نفرق بين الخائف وبين‬
‫الشاعر‪َ :‬‬
‫المستمتع بملمح الوجه المنبسطة أو المذعورة‪.‬‬
‫ونعلم أن البصر ابن للمرائي؛ فساعة تتعدّد المرائي؛ فالبصر يتنقّل بينها؛ ولذلك فالشخص المُبصر‬
‫مُشتّت المرائي دائما؛ ويتنقل ِذهْنه من هنا إلى هناك‪.‬‬
‫أما مَنْ أنعم ال عليهم بنعمة حَجْز أبصارهم ‪ -‬المكفوفين ‪ -‬فل تشغله المرائي؛ ولذلك نجدهم‬
‫أحرصَ الناس على العِلْم؛ فأذهانهم غير مشغولة بأيّ شيء آخر‪ ،‬و ُبؤْرة شعور كل منهم تستقبل‬
‫عن طريق الذن ما يثبت فيها‪.‬‬
‫ولذلك يقال عنهم " صناديق العلم " إنْ أرادوا أنْ يعلموا؛ فل أحدَ من الذين يتعلمون منهم يكون‬
‫فارغا أبدا؛ مثَلة مِثل الصندوق الذي ل يفرغ‪.‬‬
‫ول أحد يتحكم في العاطفة الناشئة عن الغرائز إل ال؛ فأنت ل تقول لنفسك " أغضب " أو "‬
‫حكَ وَأَ ْبكَىا }[النجم‪.]43 :‬‬
‫ضَ‬
‫أضحك "؛ لنه هو سبحانه الذي يملك ذلك‪ ،‬وهو القائل‪ {:‬وَأَنّهُ ُهوَ َأ ْ‬
‫ل لحد بها‪.‬‬
‫والضحك والبكاء مسائل قَسْرية ل دخ َ‬
‫غتِ الَبْصَارُ‪[} ...‬الحزاب‪.]10 :‬‬
‫ونجد الحق سبحانه يقول في موقع آخر من القرآن‪ {:‬وَإِذْ زَا َ‬
‫فمرّة تشخص البصار‪ ،‬ويستولي الرعب على أصحابها فل يتحولون عن المشهد المُرْعِب‪ ،‬ومرّة‬
‫تزوغ البصار لعله يبحث لنفسه عن مَنْفذ أو َمهْربٍ فل يجد‪.‬‬
‫سهِمْ‪...‬‬
‫طعِينَ ُمقْ ِنعِي ُرءُو ِ‬
‫ويكمل الحق سبحانه صورة هؤلء الذين تزوغ أبصارهم‪ ،‬فيقول‪ُ } :‬مهْ ِ‬
‫{‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫(‪)1778 /‬‬
‫سهِمْ لَا يَرْتَدّ ِإلَ ْيهِمْ طَ ْر ُف ُه ْم وََأفْئِدَ ُتهُمْ َهوَاءٌ (‪)43‬‬
‫طعِينَ ُمقْ ِنعِي رُءُو ِ‬
‫ُمهْ ِ‬

‫وال ُمهْطع هو مَنْ يظهر من فَرْط تسرّعه وكأن رقبته قد طالتْ‪ ،‬لن ال ُمهْطع هو مَنْ فيه طُول‪،‬‬
‫وكأن الجزاء بالعذاب يجذب المَجْزيّ ليقربه‪ ،‬فَيُدفَع في شدة وجفوة إلى العذاب‪ ،‬يقول الحق‬
‫جهَنّمَ دَعّا }[الطور‪.]13 :‬‬
‫سبحانه‪ُ {:‬يدَعّونَ إِلَىا نَارِ َ‬
‫وكأن هناك مَنْ يدفعهم َدفْعا إلى مصيرهم ال ُمؤْلم‪ .‬وهم‪:‬‬
‫سهِمْ‪[ } ...‬إبراهيم‪.]43 :‬‬
‫{ ُمقْ ِنعِي ُرءُو ِ‬
‫أي‪ :‬رافعين رءوسهم من فَرْط الدهشة لِهوْل العذاب الذي ينتظرهم‪.‬‬
‫للً َف ِهىَ ِإلَى الَ ْذقَانِ َفهُم‬
‫جعَلْنَا فِي أَعْنا ِقهِمْ أَغْ َ‬
‫وفي موقع آخر يُصوّرهم الحق سبحانه‪ {:‬إِنّا َ‬
‫ّمقْمَحُونَ }[يس‪.]8 :‬‬
‫وهكذا تكون صورتهم مُفْزعة من فَرْط المهانة؛ فبصَ ُر الواحد منهم شَاخِص إلى العذاب مُنجذب‬
‫إليه بسرعة ل يتحكّم فيها؛ ورأسه مرفوعة من فَرْط ال َهوْل؛ و ُم ْقمَح بالغلل‪.‬‬
‫ول يستطيع الواحد منهم أن تجفل جفونه‪ ،‬وكأنها مفتوحةٌ رَغْما عنه؛ وفؤاده هواء بمعنى‪ :‬أنْ ل‬
‫شيءَ قادرٌ على أن يدخله‪.‬‬
‫ونحن نلحظُ ذلك حين نضع زجاجة فارغة في قلب الماء؛ فتخرج فقاقيع الهواء مقابلَ دخولِ الماء‬
‫من فُوهتها‪.‬‬
‫ونعلم أن قَلْب المؤمن يكون ممتلئا باليمان؛ أما الكافر المُلْحد فهو في مثل تلك اللحظة يستعرض‬
‫تاريخه مع ال ومع الدين؛ فل يجد فيها شيئا يُطمئِن‪ ،‬وهكذا يكتشف أن فؤاده خَالٍ فارغ؛ ل‬
‫يطمئن به إلى ما يُواجه به لحظة الحساب‪.‬‬
‫ونجد بعضا ِممّنْ شاهدوا لحظات احتضار غيرهم يقولون عن احتضار المؤمن " كان مُشرِق‬
‫الوجه متللئ الملمح "‪ .‬أما ما يقولونه عن لحظة احتضار الكافر؛ فهم يحكُونَ عن بشاعة‬
‫ملمحه في تلك اللحظة‪.‬‬
‫والسبب في هذا أن النسان في مثل هذه اللحظات يستعرض تاريخه مع ال‪ ،‬ويرى شريط عمله‬
‫ن قضي حياته وهو يُرضِى ال؛ ل ُبدّ أن يشعر بالراحة‪ ،‬ومَنْ قضى حياته وهو كافر‬
‫كله؛ فمَ ْ‬
‫مُلْحد فل بُدّ أن يشعرَ بالمصير المُرْعب الذي ينتظره‪.‬‬
‫ولذلك يقول الحق سبحانه‪ {:‬وُجُوهٌ َي ْومَئِذٍ نّاضِ َرةٌ * إلَىا رَ ّبهَا نَاظِ َرةٌ * َووُجُوهٌ َي ْومَئِذٍ بَاسِ َرةٌ *‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫تَظُنّ أَن ُيفْ َعلَ ِبهَا فَاقِ َرةٌ }[القيامة‪.]25-22 :‬‬
‫ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك‪ { :‬وَأَنذِرِ النّاسَ َيوْمَ يَأْتِيهِمُ ا ْلعَذَابُ‪.} ...‬‬

‫(‪)1779 /‬‬
‫ك وَنَتّبِعِ‬
‫عوَ َت َ‬
‫جبْ دَ ْ‬
‫جلٍ قَرِيبٍ نُ ِ‬
‫وَأَنْذِرِ النّاسَ َيوْمَ يَأْتِيهِمُ ا ْل َعذَابُ فَيَقُولُ الّذِينَ ظََلمُوا رَبّنَا أَخّرْنَا إِلَى َأ َ‬
‫سمْتُمْ مِنْ قَ ْبلُ مَا َل ُكمْ مِنْ َزوَالٍ (‪)44‬‬
‫سلَ َأوَلَمْ َتكُونُوا َأقْ َ‬
‫الرّ ُ‬

‫وهذا خطاب من الحق سبحانه لرسوله صلى ال عليه وسلم أن يُنذِرهم بضرورة الستعداد ليوم‬
‫القيامة‪ ،‬وأنه قادمٌ ل محالةَ‪.‬‬
‫وكلمة " يوم " هي ظَرْف زمان‪ ،‬وظرف الزمان ل بُدّ له من حَدثٍ يقع فيه‪ ،‬ويوم القيامة ليس‬
‫محلّ إنذار أو تبشير؛ لن النذار أو البشارة ل ُبدّ أنْ يكونا في وقت التكليف في الحياة الدنيا‪.‬‬
‫وهكذا يكون المُنْذر به هو تخويفهم ِممّا يحدث لهم في هذا اليوم‪ ،‬فما سوف يحدث لهم هو العذاب؛‬
‫وكأنه قنبلة موقوتة ما إنْ يأتي يوم القيامة حتى تنفجر في وجوههم‪.‬‬
‫ظلْم القمة في العقيدة‪ ،‬وظُلْم الرسالة بمقاومتها؛ وظلم الكون المُسبّح ل‪:‬‬
‫وهنا يقول أهل ُ‬
‫سلَ‪[ } ...‬إبراهيم‪.]44 :‬‬
‫ك وَنَتّبِعِ الرّ ُ‬
‫عوَ َت َ‬
‫جبْ دَ ْ‬
‫جلٍ قَرِيبٍ نّ ِ‬
‫{ رَبّنَآ أَخّرْنَآ إِلَىا َأ َ‬
‫وهم يطلبون تأجيل العذاب ِل ُمهْلة بسيطة‪ ،‬يُثبتون فيها أنهم سيُجيبون الدعوة ويطيعون الرسول‪،‬‬
‫وهم يطلبون بذلك تأجيل قيامتهم‪.‬‬
‫فيكون الجواب من الحق سبحانه‪:‬‬
‫سمْ ُتمْ مّن قَ ْبلُ مَا َلكُمْ مّن َزوَالٍ } [إبراهيم‪.]44 :‬‬
‫{ َأوََلمْ َتكُونُواْ َأقْ َ‬
‫سمُواْ‬
‫ن يموت؛ وقد قال الحق سبحانه ما قلتم‪ {:‬وََأقْ َ‬
‫فأنتم قد سبق وأنْ أقسمتُم بأن ال ل يبعث مَ ْ‬
‫جهْدَ أَ ْيمَا ِنهِمْ لَ يَ ْب َعثُ اللّهُ مَن َيمُوتُ‪[} ...‬النحل‪.]38 :‬‬
‫بِاللّهِ َ‬
‫وساعة ترى كلمة " بلى " بعد نَدْب‪ ،‬فهذا يعني تكذيب ما جاء قبلها‪ ،‬وهم في الية التي نحن‬
‫بصدد خواطرنا عنها ظَنّوا أنهم لن يُبعثُوا‪ ،‬وظنّوا أنهم بعد الموت سيصيرون ترابا؛ وهم الذين‬
‫ت وَنَحْيَا َومَا نَحْنُ ِبمَ ْبعُوثِينَ }[المؤمنون‪.]37 :‬‬
‫قالوا‪ {:‬إِنْ ِهيَ ِإلّ حَيَاتُنَا الدّنْيَا َنمُو ُ‬
‫وهكذا أكّدوا لنفسهم أنه ل َبعْث من َبعْد الحياة‪ ،‬ومن بعد البعث سنسمع من كل فرد فيهم‪{:‬‬
‫يالَيْتَنِي كُنتُ تُرَابا }[النبأ‪.]40 :‬‬
‫أو‪ :‬أنهم ظَنّوا أن الذين أنعَم ال عليهم في الدنيا؛ لن يحرمهم في الخرة‪ ،‬كما أورد الحق سبحانه‬
‫حفَفْنَا ُهمَا‬
‫حدِ ِهمَا جَنّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَ َ‬
‫جعَلْنَا لَ َ‬
‫جلَيْنِ َ‬
‫هذا المَثل‪ ،‬في قوله تعالى‪ {:‬وَاضْ ِربْ لهُمْ مّثَلً رّ ُ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ظلِم مّنْهُ شَيْئا َوفَجّرْنَا خِلَل ُهمَا َنهَرا *‬
‫جعَلْنَا بَيْ َن ُهمَا زَرْعا * كِلْتَا الْجَنّتَيْنِ آ َتتْ ُأكَُلهَا وَلَمْ تَ ْ‬
‫ل وَ َ‬
‫خٍ‬
‫بِنَ ْ‬
‫خلَ جَنّتَ ُه وَ ُهوَ ظَاِلمٌ‬
‫ل وَأَعَزّ َنفَرا * وَدَ َ‬
‫َوكَانَ َلهُ َثمَرٌ َفقَالَ ِلصَاحِبِ ِه وَ ُهوَ يُحَاوِ ُرهُ أَنَا َأكْثَرُ مِنكَ مَا ً‬
‫جدَنّ‬
‫لّ َنفْسِهِ قَالَ مَآ أَظُنّ أَن تَبِيدَ هَـا ِذهِ أَبَدا * َومَآ أَظُنّ السّاعَةَ قَا ِئمَةً وَلَئِن رّدِدتّ إِلَىا رَبّي لَ ِ‬
‫خَيْرا مّ ْنهَا مُ ْنقَلَبا }[الكهف‪.]36-32 :‬‬
‫والذي يقول ذلك َفهِم أنه سوف يموت؛ لكنه توهّم أن جنته تلك ستظل على ما هي عليه‪ ،‬وأنكر‬
‫قيام الساعة‪ ،‬وقال‪ " :‬حتى لو قامت الساعة‪ ،‬ورُدِدتُ إلى ال فسأجد أفضل من جنتي تلك "‪.‬‬
‫وهو يدعي ذلك وهو لم يُقدّم إيمانا بال ليجده في الخرة‪ ،‬فهو إذن ِممّنْ أنكروا الزوال أي البعث‬
‫من جديد‪ ،‬ووقع في دائرة مَنْ لم يُصدّقوا البعث‪ ،‬وسبق أنْ قال الحق سبحانه ما أورده على‬
‫ألسنتهم‪:‬‬
‫{ أَِإذَا ضَلَلْنَا فِي الَ ْرضِ أَإِنّا َلفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ }[السجدة‪.]10 :‬‬
‫والذين أنكروا البعث يُورِد الحق سبحانه لنا حوارا بينه وبينهم‪ ،‬فيقول سبحانه وتعالى‪ {:‬قَالُواْ رَبّنَآ‬
‫ن وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَ َرفْنَا بِذُنُوبِنَا َف َهلْ إِلَىا خُرُوجٍ مّن سَبِيلٍ }[غافر‪.]11 :‬‬
‫َأمَتّنَا اثْنَتَيْ ِ‬
‫حكْمُ للّهِ‬
‫عيَ اللّ ُه وَحْ َدهُ كَـفَرْتُ ْم وَإِن يُشْ َركْ ِبهِ ُت ْؤمِنُواْ فَا ْل ُ‬
‫فيرد الحق سبحانه عليهم‪ {:‬ذَِلكُم بِأَنّهُ ِإذَا دُ ِ‬
‫ا ْلعَلِـيّ ا ْلكَبِيرِ }[غافر‪.]12 :‬‬
‫جعْنَا‬
‫س ِمعْنَا فَارْ ِ‬
‫وفي موقع آخر من القرآن نجد حوارا واستجداءً منهم ل؛ يقولون‪ {:‬رَبّنَآ أَ ْبصَرْنَا وَ َ‬
‫َن ْع َملْ صَالِحا‪[} ...‬السجدة‪.]12 :‬‬
‫ويأتي َردّ الحق سبحانه عليهم‪َ {:‬فذُوقُواْ ِبمَا نَسِي ُتمْ ِلقَآءَ َي ْو ِمكُمْ هَـاذَآ إِنّا َنسِينَاكُمْ‪[} ...‬السجدة‪.]14 :‬‬
‫ع َملُ صَالِحا فِيمَا تَ َر ْكتُ }‬
‫جعُونِ * َلعَلّي أَ ْ‬
‫وفي موقع ثالث يقول الواحد منهم عند الموت‪َ {:‬ربّ ا ْر ِ‬
‫[المؤمنون‪.]100-99 :‬‬
‫فيأتي ردّ الحق سبحانه‪ {:‬كَلّ إِ ّنهَا كَِلمَةٌ ُهوَ قَآئُِلهَا‪[} ...‬المؤمنون‪.]100 :‬‬
‫وبعد دخولهم النار يقولون‪ {:‬رَبّنَآ أَخْ ِرجْنَا مِ ْنهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنّا ظَاِلمُونَ }[المؤمنون‪.]107 :‬‬
‫فيقول الحق سبحانه‪ {:‬قَالَ اخْسَئُواْ فِيهَا َولَ ُتكَّلمُونِ }[المؤمنون‪.]108 :‬‬
‫ل صَالِحا غَيْرَ الّذِي كُـنّا‬
‫وفي موضع آخر يقولون عند اصطراخهم في النار‪ {:‬رَبّنَآ َأخْرِجْنَا َن ْعمَ ْ‬
‫َن ْع َملُ‪[} ...‬فاطر‪.]37 :‬‬
‫فيأتي الرد من الحق سبحانه‪َ {:‬أوَلَمْ ُن َعمّ ْركُمْ مّا يَتَ َذكّرُ فِيهِ مَن َت َذكّ َر وَجَآ َء ُكمُ النّذِيرُ فَذُوقُواْ َفمَا‬
‫لِلظّاِلمِينَ مِن ّنصِيرٍ }[فاطر‪.]37 :‬‬
‫سوْا أنهم‬
‫ونلحظ أنهم في كل آيات التوسّل ل كي يعودوا إلى الحياة الدنيا يقولون (ربنا)‪ ،‬وتنا َ‬
‫مأخوذون إلى العذاب بمخالفات اللوهية؛ ذلك أن الربوبية عطاؤها كان لكم في الدنيا‪ ،‬ولم‬
‫ينقصكم الحق سبحانه شيئا على الرغم من كفركم‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫هكذا يكون حال هؤلء الذين أقسموا أن الحق سبحانه لن يبعثهم‪ ،‬وأنكروا يوم القيامة‪ ،‬وأنه ل‬
‫زوال لهم‪ .‬أي‪ :‬ل َبعْث ول نشور‪.‬‬
‫سكَنتُمْ فِي مَسَـاكِنِ الّذِينَ‪.{ ...‬‬
‫ويتابع الحق سبحانه القول الكريم‪ } :‬وَ َ‬

‫(‪)1780 /‬‬
‫سهُ ْم وَتَبَيّنَ َل ُكمْ كَ ْيفَ َفعَلْنَا ِب ِه ْم َوضَرَبْنَا َل ُكمُ الَْأمْثَالَ (‪)45‬‬
‫سكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الّذِينَ ظََلمُوا أَ ْنفُ َ‬
‫وَ َ‬

‫والسكون هو الطمئنان إلى الشيء من عدم الزعاج‪ ،‬ونعلم أن المرأة في الزواج تعتبر سكنا‪،‬‬
‫والبيت سكن‪ ،‬وهنا يتكلم الحق سبحانه عن مساكن الذين ظلموا أنفسهم‪ ،‬أي‪ :‬أنكم لم تتعِظُوا‬
‫بالسوابق التي ما كان يجب أن تغيبَ عنكم‪ ،‬فأنتم تمرون في رحلت الصيف والشتاء على مدائن‬
‫صالح‪ ،‬وترون آثار الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والشرك‪ ،‬وتمرون على الحقاف؛ وترون ماذا‬
‫ق بقوم عاد‪.‬‬
‫حا َ‬
‫ل أولئك نالوا العقاب من ال‪ ،‬سواء بالريح الصرصر العاتية‪ ،‬أو‪ :‬أنه سبحانه قد أرسل عليهم‬
‫وكُ ّ‬
‫حاصبا من السماء‪ ،‬أو‪ :‬أنزل عليهم الصيحة؛ أو‪ :‬أغرقهم كآل فرعون‪ ،‬وأخذ كل قوم من هؤلء‬
‫بذنبه‪.‬‬
‫وصدق ال وَعْده في عذاب الدنيا؛ فلماذا لم تأخذوا عِبْرة من ذلك؛ وأنه سبحانه وتعالى صادق‬
‫حين تحدّث عن عذاب الخرة؟‬
‫وهنا قال الحق سبحانه‪:‬‬
‫سهُمْ‪[ } ...‬إبراهيم‪.]45 :‬‬
‫سكَن ُتمْ فِي َمسَـاكِنِ الّذِينَ ظََلمُواْ أَنفُ َ‬
‫{ وَ َ‬
‫وفي آية أخرى يقول سبحانه‪ {:‬وَإِ ّنكُمْ لّ َتمُرّونَ عَلَ ْيهِمْ ّمصْبِحِينَ * وَبِالْلّ ْيلِ َأفَلَ َت ْعقِلُونَ }[الصافات‪:‬‬
‫‪.]138-137‬‬
‫أي‪ :‬أنكم تمرّون على تلك الماكن التي أقامها بعضٌ ِممّنْ سبقُوكم وظلمُوا أنفسهم بالكفر؛ وأنزل‬
‫الحق سبحانه عليهم العقَاب؛ ولذلك يقول في الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها‪:‬‬
‫لمْثَالَ } [إبراهيم‪.]45 :‬‬
‫{ وَتَبَيّنَ َلكُمْ كَ ْيفَ َفعَلْنَا ِبهِمْ َوضَرَبْنَا َل ُك ُم ا َ‬
‫نعم؛ فحين تمشي في أرض قوم عاد‪ ،‬وترى حضارتهم التي قال عنها الحق سبحانه‪ {:‬إِرَمَ ذَاتِ‬
‫ا ْل ِعمَادِ * الّتِي َلمْ يُخَْلقْ مِثُْلهَا فِي الْبِلَدِ }[الفجر‪.]8-7 :‬‬
‫وهي حضارة لم نكشف آثارها بعد؛ وما زالت في المطمورات وكل مطمور في الرض بفعل من‬
‫غضب السماء؛ تضع السماءُ ميعادَ كشف له ليتعظَ أهلُ الرض؛ ويحدث هذا الكشف كلما زاد‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫اللحاد واستشرى‪.‬‬
‫قد حدث أن اكتشفنا حضارة ثمود‪ ،‬وكذلك حضارة الفراعنة؛ وهي الحضارة التي سبقتْ كل‬
‫الحضارات في العلوم والتكنولوجيا‪ ،‬ورغم ذلك لم يعرف أصحاب تلك الحضارة أن يصونوها من‬
‫الندثار الذي شاءه ال‪.‬‬
‫وما زال الناس يتساءلون‪ :‬لماذا لم يترك المصريون القدماء خبرتهم الحضارية مكتوبة ومُسجّلة‬
‫في خطوات يمكن أن تفهمها البشرية من بعد ذلك؟‬
‫لمْثَالَ }‬
‫سهُ ْم وَتَبَيّنَ َلكُمْ كَ ْيفَ َفعَلْنَا ِبهِ ْم َوضَرَبْنَا َلكُ ُم ا َ‬
‫سكَن ُتمْ فِي َمسَـاكِنِ الّذِينَ ظََلمُواْ أَنفُ َ‬
‫{ وَ َ‬
‫[إبراهيم‪.]45 :‬‬
‫حتْ أمام الذين عاصروا‬
‫أي‪ :‬أن الحق سبحانه يوضح هنا أن مشيئته في إنزال العقاب قد َوضْ َ‬
‫رسالة محمد صلى ال عليه وسلم في مساكن القوام التي سبقتهم؛ وكفروا برسالت الرسل‪،‬‬
‫وسبق أن ضرب لهم الحق سبحانه المثال بهؤلء القوم وبما حدث لهم‪ .‬والمَثلُ إنما يضربه ال‬
‫لِيُقرّب بالشيء الحسي ما يُقرّب إلى الذهانِ الشي َء المعنوي‪.‬‬
‫ويستمر قوله الحق من بعد ذلك‪َ { :‬وقَدْ َمكَرُواْ َمكْرَ ُه ْم وَعِندَ‪.} ...‬‬

‫(‪)1781 /‬‬
‫َوقَدْ َمكَرُوا َمكْرَ ُه ْم وَعِنْدَ اللّهِ َمكْرُهُ ْم وَإِنْ كَانَ َمكْرُ ُهمْ لِتَزُولَ مِ ْنهُ الْجِبَالُ (‪)46‬‬

‫والمكْر ‪ -‬كما نعلم ‪ -‬هو تبييت الكَيْد في خفاء مستورٍ‪ ،‬ومأخوذ من الشجرة المكمورة؛ أي‪:‬‬
‫الشجرة التي تُداري نفسها‪ .‬ونحن نرى في البساتين الكبيرة شجرةً في حجم الصْبع؛ وهي مجدولةٌ‬
‫على شجرة أخرى كبيرة‪ .‬ول تستطيع أن تتعرف على ورقة منها‪ ،‬أو أن تنسب تلك الورقة إلى‬
‫مكان خروجها‪ ،‬ومن أيّ فرع في الشجرة المُلتْفة إل إذا نزعتها من حول الشجرة التي تلتفّ من‬
‫حولها‪.‬‬
‫ومَنْ يُبيّت إنما يشهد على نفسه بالجُبْن والضعف وعدم القدرة على المواجهة‪ ،‬قد يصلح أن تُبيّت‬
‫مُسَاوٍ لك؛ أما أنْ تُبّيت على الحي القيوم الذي ل تخفى عليه خافية في الرض ول في السماء؛‬
‫فتلك هي الخيبة بعينها‪.‬‬
‫ولذلك يقول الحق سبحانه في مواجهة ذلك‪ {:‬وَاللّهُ خَيْرُ ا ْلمَاكِرِينَ }[آل عمران‪.]54 :‬‬
‫وقال عن َمكْر هؤلء‪َ {:‬ولَ يَحِيقُ ا ْل َمكْرُ السّيّىءُ ِإلّ بَِأهْلِهِ }[فاطر‪.]43 :‬‬
‫شيْءٌ‪[} ...‬الشورى‪.]11 :‬‬
‫ونعلم أننا حين ننسب صِفةً ل فنحن نأخذها في إطار‪ {:‬لَ ْيسَ َكمِثْلِهِ َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وعادة ما ننسب كل فعل من ال للخير‪ ،‬كقوله سبحانه‪ {:‬وَأَنتَ خَيْرُ ا ْلوَارِثِينَ }[النبياء‪{.]89 :‬‬
‫وَاللّهُ خَيْرُ ا ْلمَاكِرِينَ }[آل عمران‪.]54 :‬‬
‫وقوله هنا‪َ {:‬وقَدْ َمكَرُواْ َمكْرَهُمْ‪[} ....‬إبراهيم‪.]46 :‬‬
‫أي‪ :‬قاموا بالتبييت المناسب لحيلتهم ولتفكيرهم ولقوتهم؛ فإذا ما قابل الحق سبحانه ذلك؛ فلسوف‬
‫يقابله بما يناسب قوته وقدرته المطلقة‪ ،‬وهو سبحانه قد علم أزلً بما سوف يمكرونه‪ ،‬وتركهم في‬
‫َمكْرهم‪.‬‬
‫ن بقوة المُرْسَل وأتباعه‪ ،‬وهم يقابلون خصوما هُم حيثية وجود‬
‫فانتصارات الرسالت مرهو ٌ‬
‫الرسالة؛ ذلك أنهم قد ملوا الرض بالفساد‪ ،‬ويريدون الحفاظ على الفساد الذي يحفظ لهم السلطة؛‬
‫والدين الجديد سي ُدكّ سيادتهم ويُزلزلها؛ لذلك ل بُ ّد ألّ يدخروا وُسْعا في محاولة الكَيْد واليقاع‬
‫بالرسول للقضاء على الرسالة‪.‬‬
‫وقد حاولوا ذلك بالمواجهة وقت أنْ كان السلم في بدايته؛ فأخذوا الضعاف الذين أسلموا‪ ،‬وبدءوا‬
‫في تعذيبهم؛ ولم يرجع واحد من هؤلء عن الدين‪.‬‬
‫وحاولوا بالحرب؛ فنصر ال الذين آمنوا‪ ،‬ولم يَيْق لهم إل ال َمكْر‪ ،‬وسبحانه القائل‪ {:‬وَإِذْ َي ْمكُرُ ِبكَ‬
‫الّذِينَ َكفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ َأوْ َيقْتُلُوكَ َأوْ يُخْ ِرجُوكَ وَ َي ْمكُرُونَ وَ َي ْمكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ ا ْلمَاكِرِينَ }[النفال‪:‬‬
‫‪.]30‬‬
‫وحاولوا أن يفسدوا خليّة اليمان الولى‪ ،‬وهي محمد بن عبد ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وظنّوا أنهم‬
‫إنْ نجحوا في ذلك؛ فسوف تنفضّ الرسالة‪ .‬فحاولوا أن يشتروه بالمال؛ فلم يُفلحوا‪.‬‬
‫وحاولوا أن يشتروه بالسيادة والمُلْك فلم ينجحوا‪ ،‬وقال قولته المشهورة‪ " :‬وال لو وضعوا الشمس‬
‫في يميني‪ ،‬والقمر في يساري على أن أترك هذا المر حتى يُظهره ال‪ ،‬أو أهلك فيه‪ ،‬ما تركته "‪.‬‬
‫ثم قرروا أن يقتلوه وأن يُوزّعوا دمه بين القبائل‪ ،‬وأخذوا من كل قبيلة شابا ليضربوا محمدا صلى‬
‫ال عليه وسلم بالسيوف ضَرْبة رجلٍ واحد ولكنه صلى ال عليه وسلم يهاجر في تلك الليلة‪،‬‬
‫وهكذا لم ينجح تبييتهم‪:‬‬
‫{ َوقَدْ َمكَرُواْ َمكْرَهُمْ وَعِندَ اللّهِ َمكْرُهُمْ‪.‬‬
‫‪[ { ..‬إبراهيم‪.]46 :‬‬
‫أي‪ :‬أنه سبحانه يعلم مكرهم‪.‬‬
‫ويتابع سبحانه قائلً‪:‬‬
‫} وَإِن كَانَ َمكْرُ ُهمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ { [إبراهيم‪.]46 :‬‬
‫أي‪ :‬اطمئن يا محمد‪ ،‬فلو كان مكرهم يُزيل الجبال فلنْ ينالوك‪ ،‬والجبال كانت أشد الكائنات بالنسبة‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫للعرب‪ ،‬فلو كان مكرهم شديدا تزول به الجبال‪ ،‬فلن يُفلِحوا معك يا رسول ال‪ ،‬ولن يُزَحزِحوك‬
‫عن هدفك ومهتمك‪.‬‬
‫خشْيَةِ اللّهِ‬
‫والحق سبحانه يقول‪َ {:‬لوْ أَنزَلْنَا هَـاذَا ا ْلقُرْآنَ عَلَىا جَ َبلٍ لّرَأَيْ َتهُ خَاشِعا مّ َتصَدّعا مّنْ َ‬
‫لمْثَالُ َنضْرِ ُبهَا لِلنّاسِ َلعَّلهُمْ يَ َت َفكّرُونَ }[الحشر‪.]21 :‬‬
‫وَتِ ْلكَ ا َ‬
‫وإذا كان مكرهم يبلغ من الشدة ما تزول به الجبال؛ فاعلم أن ال أشدّ بَأْسا‪.‬‬
‫ويُقدّم سبحانه من بعد ذلك حيَثْية عدم فاعلية َمكْرهم‪ ،‬فيقول‪ } :‬فَلَ َتحْسَبَنّ اللّهَ ُمخِْلفَ‪{ ...‬‬

‫(‪)1782 /‬‬
‫ف وَعْ ِدهِ رُسَُلهُ إِنّ اللّهَ عَزِيزٌ ذُو انْ ِتقَامٍ (‪)47‬‬
‫حسَبَنّ اللّهَ مُخِْل َ‬
‫فَلَا تَ ْ‬

‫ولو كان لمكرهم مفعولٌ أو فائدة َلمَا قال الحق سبحانه أن وعده لرسله لن ُيخْلفَ‪ ،‬ولكن مكرَهم‬
‫فاسدٌ من أوله وبل مفعول‪ ،‬وسبحانه هو القائل‪ {:‬وََلقَدْ سَ َب َقتْ كَِلمَتُنَا ِلعِبَادِنَا ا ْلمُرْسَلِينَ * إِ ّنهُمْ َل ُهمُ‬
‫ا ْلمَنصُورُونَ * وَإِنّ جُندَنَا َلهُمُ ا ْلغَالِبُونَ }[الصافات‪.]173-171 :‬‬
‫إذن‪ :‬فوَعْد ال لرُسله ل يمكن أن ُيخْلفَ‪.‬‬
‫الوعود في القرآن كثيرة؛ فهناك وَعْد الشيطان لوليائه‪ ،‬مصداقا لقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫حشَآ ِء وَاللّهُ َيعِ ُدكُم ّم ْغفِ َرةً مّنْ ُه َو َفضْلً‪[} ...‬البقرة‪]168 :‬‬
‫{ الشّيْطَانُ َي ِع ُدكُمُ ا ْل َفقْرَ وَيَ ْأمُ ُركُم بِا ْلفَ ْ‬
‫عمِلُواْ الصّالِحَاتِ لَيَسْ َتخِْلفَ ّنهُمْ فِي‬
‫وهناك وَعْد من ال للمؤمنين‪ {:‬وَعَدَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُواْ مِ ْنكُ ْم وَ َ‬
‫الَ ْرضِ‪[} ...‬النور‪.]55 :‬‬
‫فإذا كان الحق سبحانه ل يُخلِف وَعْده لتباع الرسول؛ أيُخلِف وَعْده للرسول؟‬
‫طبعا ل؛ لن الوعد على إطلقه من ال؛ مُوفّى؛ فكيف إذا كان للرسل وللمؤمنين؟ يقول الحق‬
‫شهَادُ }[غافر‪]51 :‬‬
‫سبحانه وتعالى‪ {:‬إِنّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَ َيوْمَ َيقُو ُم الَ ْ‬
‫والنصر يقتضي هزيمة المقابل‪ ،‬ويحتاج النصر لصفة تناسبه؛ والصفة المناسبة هي صدوره من‬
‫عزيز ل يُغلب؛ والهزيمة لمن كفروا تحتاج إلى صفة؛ والصفة المناسبة هي تحقّق الهزيمة بأمر‬
‫مُنتقِم جبّار‪.‬‬
‫ل الَ ْرضُ‪.} ...‬‬
‫ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك‪َ { :‬ي ْومَ تُبَ ّد ُ‬

‫(‪)1783 /‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ت وَبَرَزُوا لِلّهِ ا ْلوَاحِدِ ا ْلقَهّارِ (‪)48‬‬
‫س َموَا ُ‬
‫َيوْمَ تُبَ ّدلُ الْأَ ْرضُ غَيْرَ الْأَ ْرضِ وَال ّ‬

‫صوّر لهم ما سوف يدّعونه‪ ،‬بأن يُؤخّر الحق‬
‫ويُخوّفهم الحق سبحانه هنا من يوم القيامة بعد أن َ‬
‫حسابهم‪ ،‬وأنْ يُعيدهم إلى الدنيا لعلّهم يعملون عملً صالحا‪ ،‬ويجيبوا دعوة الرسل‪.‬‬
‫ويوضح سبحانه هنا أن الكون الذي خلقه ال سبحانه‪ ،‬وطرأ عليه آدم وخلفتْه من بعده ذريته؛ قد‬
‫أعدّه سبحانه وسخّره في خدمة آدم وذريته من بعده؛ وهم يعيشون في الكون بأسباب ال ال َممْدودة‬
‫في أنفسهم‪ ،‬والمنثورة في هذا الكون لكل مخلوق ل‪ ،‬مؤمنهم وكافرهم؛ فمَنْ يأخذ بتلك السباب‬
‫ن يغلب‪.‬‬
‫هو مَ ْ‬
‫وسبحانه القائل‪ {:‬مَن كَانَ يُرِيدُ حَ ْرثَ الخِ َرةِ نَزِدْ َلهُ فِي حَرْثِهِ َومَن كَانَ يُرِيدُ حَ ْرثَ الدّنْيَا ُنؤْتِهِ‬
‫مِ ْنهَا َومَا َلهُ فِي الخِ َرةِ مِن ّنصِيبٍ }[الشورى‪.]20 :‬‬
‫ن يهبَ عباده الرتقاء في الدنيا بالسباب؛ أما حياة الخرة فنحن نحياها بالمُسبّب؛‬
‫وهكذا شاء ال أ ْ‬
‫وبمجرد أنْ تخطرَ على بال المؤمن رغبةٌ في شيء يجده قد تحقق‪.‬‬
‫وهذا أمر ل يحتاج إلى أرض قَدّر فيها الحق أقواتها‪ ،‬وجعل فيها رواسي؛ وأنزل عليها من السماء‬
‫ماء‪ ،‬إذن‪ :‬فهي أرض غير الرض؛ وسماء غير السماء؛ لن الرض التي نعرفها هي أرض‬
‫أسباب؛ والسماء التي نعرفها هي سماء أسباب‪.‬‬
‫وفي جنة الخرة ل أسبابَ هناك؛ لذلك ل بُدّ أن تتبدّل الرض‪ ،‬وكذلك السماء‪.‬‬
‫وقوله الحق‪:‬‬
‫{ وَبَرَزُواْ للّهِ ا ْلوَاحِدِ ا ْل َقهّارِ } [إبراهيم‪.]48 :‬‬
‫فهو يعني أل يكون هناك أحد معهم سوِى ربهم؛ لن البروز هو الخروج والمواجهة‪.‬‬
‫والمؤمن وجد ربه إيمانا بالغيب في دُنْياه؛ وهو مؤمن به وبكل ما جاء عنه؛ كقيام الساعة‪ ،‬ووجود‬
‫الجنة والنار‪.‬‬
‫وكلنا يذكر " حديث رسول ال صلى ال عليه وسلم مع أحد أصحابه حين سأله الرسول صلى ال‬
‫عليه وسلم‪ :‬كيف أصبحتَ؟ فقال الصحابي‪ :‬أصبحت مؤمنا بال حقا‪ .‬فقال له الرسول صلى ال‬
‫عليه وسلم‪ :‬لكل حق حقيقة؛ فما حقيقة إيمانك؟ قال الصحابي‪ :‬عزفتْ نفسي عن الدنيا‪ ،‬فاستوى‬
‫عندي ذهبها ومدرها ‪ -‬أي‪ :‬تساوي الذهب بالتراب ‪ -‬وكأني أنظر إلى أهل الجنة في الجنة‬
‫يُنعّمون‪ ،‬وإلى أهل النار في النار يُعذّبون‪ .‬فقال له الرسول الكريم صلى ال عليه وسلم‪ " :‬عرفت‬
‫فالزم "‪.‬‬
‫هذا هو حال المؤمن‪ ،‬أما الكافر فحاله مختلف‪ .‬فهو يبرز ليجد ال الذي أنكره‪ ،‬وهي مواجهة لم‬
‫َيكُنْ ينتظرها‪ ،‬ولذلك قال الحق سبحانه في َوصْف ذاته هنا‪:‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫{ ا ْلوَاحِدِ ا ْل َقهّارِ } [إبراهيم‪.]48 :‬‬
‫وليس هناك إله آخر سيقول له " اتركهم من أجل خاطري "‪.‬‬
‫ظمْآنُ مَآءً حَتّىا‬
‫عمَاُلهُمْ كَسَرَابٍ ِبقِيعَةٍ َيحْسَبُهُ ال ّ‬
‫وفي آية أخرى يقول عن هؤلء‪ {:‬وَالّذِينَ َكفَرُواْ أَ ْ‬
‫جدَ اللّهَ عِن َدهُ‪[} ...‬النور‪.]39 :‬‬
‫إِذَا جَآ َءهُ َلمْ َيجِ ْدهُ شَيْئا وَوَ َ‬
‫أي‪ :‬أنه ُيفَاجأ بمثل هذا الموقف الذي لم يستعِد له‪.‬‬
‫وقوله‪:‬‬
‫{ ا ْلوَاحِدِ ا ْل َقهّارِ } [إبراهيم‪.]48 :‬‬
‫أي‪ :‬القادر على َقهْر المخلوق على غير مُرَاده‪.‬‬
‫ويقول سبحانه من بعد ذلك‪ { :‬وَتَرَى ا ْلمُجْ ِرمِينَ‪.} ....‬‬

‫(‪)1784 /‬‬
‫صفَادِ (‪)49‬‬
‫وَتَرَى ا ْلمُجْ ِرمِينَ َي ْومَئِذٍ ُمقَرّنِينَ فِي الَْأ ْ‬

‫والمجرم هو مَن ارتكب ذنبا‪ ،‬وهو هنا مَنِ ارتكب ذنب ال ِقمّة‪ .‬وهو الكفر بال‪ ،‬ومن بعده َمَنِ‬
‫ن " وهو‬
‫ارتكب الذنوب اليت دون الكفر‪ ،‬وتراهم جميعا مجموعين بعضهم مع بعض في " قر ٍ‬
‫الحبل أو الَيْد الذي يُقيّدون‪.‬‬
‫والصفاد جمع صَفَد‪ ،‬وهو القيد الذي يوضع في الرّجلْ؛ وهو مِثْل الخُلْخال؛ وهناك مَنْ يُقيّدون‬
‫في الصفاد أي‪ :‬من أرجلهم‪ ،‬وهناك مَنْ يقيد بالغلل‪ .‬أي‪ :‬أنْ توضع أيديهم في سلسل‪ ،‬وتُعلّق‬
‫تلك السلسل في رقابهم أيضا‪.‬‬
‫وكلّ أصحاب جريمة مُعيّنة يجمعهم رباط واحد‪ ،‬ذلك أن أهل كل جريمة تجمعهم أثناء الحياة الدنيا‬
‫ في الغالب ‪ -‬مودّة وتعاطف‪ ،‬أما هنا فسنجدهم متنافرين‪ ،‬وعلى عداء‪ ،‬ويلعن كل منهم الخر؛‬‫وكل منهم يناكف الخر ويضايقه‪ ،‬ويعلن ضِيقة منه‪ ،‬مصداقا لقول الحق سبحانه‪ {:‬الَخِلّءُ َي ْومَئِذٍ‬
‫ضهُمْ لِ َب ْعضٍ عَ ُدوّ ِإلّ ا ْلمُ ّتقِينَ }[الزخرف‪.]67 :‬‬
‫َب ْع ُ‬
‫وكأن كلً منهم يُعذّب الخر من قبل أنْ يذوقوا جميعا العذاب الكبير‪.‬‬
‫حتَ َأ ْقدَامِنَا لِ َيكُونَا مِنَ‬
‫جعَ ْل ُهمَا تَ ْ‬
‫ن وَالِنسِ نَ ْ‬
‫ولذلك نجدهم يقولون‪ {:‬رَبّنَآ أَرِنَا الّذَيْنِ َأضَلّنَا مِنَ ا ْلجِ ّ‬
‫سفَلِينَ }[فصلت‪.]29 :‬‬
‫الَ ْ‬
‫ب وَا ْلعَ ْنهُمْ‬
‫ض ْعفَيْنِ مِنَ ا ْلعَذَا ِ‬
‫طعْنَا سَادَتَنَا َوكُبَرَآءَنَا فََأضَلّونَا السّبِيلْ * رَبّنَآ آ ِتهِ ْم ِ‬
‫ويقولون‪ {:‬رَبّنَآ إِنّآ َأ َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫َلعْنا كَبِيرا }[الحزاب‪.]68-67 :‬‬
‫ويستكمل الحق سبحانه صورة هؤلء المُذْنبين‪ :‬فيقول‪ { :‬سَرَابِيُلهُم مّن َقطِرَانٍ‪.} ....‬‬

‫(‪)1785 /‬‬
‫ن وَ َتغْشَى وُجُو َههُمُ النّارُ (‪)50‬‬
‫سَرَابِيُلهُمْ مِنْ قَطِرَا ٍ‬

‫و " السرابيل " جمع " سِرْبال " وهو ما يلي الجسد‪ ،‬وهو ما نسميه في عصرنا " قميص "‪ .‬وإذا‬
‫كان السّرْبال من قطران؛ فهو أسود لذع نتن الرائحة سريع الشتعال؛ وتلك صفات القطران‪،‬‬
‫وهو شيء يسيل من بعض أشجار البادية وتلك صفاته‪ ،‬وهم يستخدمونه لعلج الجمال من‬
‫الجرب‪.‬‬
‫وعادة يضرب الحق سبحانه المثل من الصورة القريبة إلى الذّهن من التي يراها العربي في بيئته‪.‬‬
‫ويقول عنهم الحق سبحانه أيضا‪:‬‬
‫{ وَ َتغْشَىا وُجُو َههُمُ النّارُ } [إبراهيم‪.]50 :‬‬
‫والنسان إذا ما تعرّض لمر يصيبه بالعطب‪ ،‬فأوّل ما يحاول الحفاظ عليه هو وجهه‪ ،‬ذلك أن‬
‫الوجه هو أشرف شيء في النسان‪ ،‬فما بالنا حين تغشى وجوه الكفرةِ النارُ؟ إن مجرد تخيّل ذلك‬
‫أمر مؤلم‪.‬‬
‫جهِهِ سُوءَ ا ْلعَذَابِ َيوْمَ ا ْلقِيَامَةِ‪[} ...‬الزمر‪.]24 :‬‬
‫وسبحانه يقول في آية اخرى‪َ {:‬أ َفمَن يَ ّتقِي ِب َو ْ‬
‫وكأن الواحد منهم من فَرْط شدة العذاب يحاول أن يدفَع هذا العذاب بوجهه‪ ،‬وهكذا نجد أحاسيسَ‬
‫شتّى لهذا العذاب؛ وهو مُؤلِم أشدّ اللم‪.‬‬
‫سحَبُونَ فِي النّارِ عَلَىا وُجُو ِههِمْ‪[} ...‬القمر‪.]48 :‬‬
‫ويقول سبحانه في موقع آخر‪َ {:‬يوْمَ يُ ْ‬
‫وهكذا نجد أن الوجه قد جاء في أكثر من صورة؛ من صور هذا العذاب‪.‬‬
‫ويقول سبحانه من بعد ذلك‪ { :‬لِ َيجْ ِزيَ اللّهُ ُكلّ َنفْسٍ‪.} ...‬‬

‫(‪)1786 /‬‬
‫لِيَجْ ِزيَ اللّهُ ُكلّ َنفْسٍ مَا كَسَ َبتْ إِنّ اللّهَ سَرِيعُ ا ْلحِسَابِ (‪)51‬‬

‫والجزاء أمر طبيعي في الوجود‪ ،‬وحتى الذين ل يؤمنون بإله؛ ويديرون حركة حياتهم بتقنينات من‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عندهم قد وضعوا لنفسهم قوانين جزاء تحدد كل جريمة والعقاب المناسب لها‪.‬‬
‫وبطبيعة الحال ل يكون أمرا غريبا أن يضع خالق الكون نظاما للجزاء ثوابا وعقابا‪ ،‬ولو لم َيضَعْ‬
‫الحق سبحانه نظاما للجزاء بالثواب والعقاب؛ لَنالَ كل مُفسدِ ُبغْيته من فساده؛ ولحسّ أهل القيم‬
‫خدِعُوا في هذه الحياة‪.‬‬
‫أنهم قد ُ‬
‫عمّنْ قال‪ {:‬لَ ظُ ْلمَ الْ َيوْمَ‪[} ...‬غافر‪:‬‬
‫وما دام الجزاء أمرا طبيعيا؛ فل ظُلْم فيه إذن؛ لنه صادر َ‬
‫‪.]17‬‬
‫ول يجازي الحق سبحانه الجزاء العنيف إل على الجريمة العنيفة‪:‬‬
‫وقوله سبحانه‪:‬‬
‫{ لِ َيجْ ِزيَ اللّهُ ُكلّ َنفْسٍ مّا كَسَ َبتْ‪[ } ...‬إبراهيم‪.]51 :‬‬
‫يعني أن المؤمن أو الكافر سَيلْقي جزاء ما فعل؛ إنْ ثوابا أو عقابا‪.‬‬
‫والكسب ‪ -‬كما نعلم ‪ -‬هو أن تأخذ زائدا عن الصل‪ ،‬فأنت حين تحرم نفسك من شيء في الدنيا؛‬
‫ستأخذ جزاء هو الثواب وما يزيد عن الصل‪.‬‬
‫ومَنْ كسب سيئة سيأخذ عقابا عليها‪ ،‬و ُيقَال " كسب السيئة " ول يقال " اكتسبها " ذلك أن ارتكابه‬
‫للسيئة صار دُرْبة سلوكية؛ ويفرح بارتكابها‪ ،‬ول ُبدّ إذن من الجزاء؛ والجزاء يحتاج حسابا‪،‬‬
‫والحساب يحتاج ميزانا‪.‬‬
‫وقد يقول المؤمن‪ :‬إنّي أُصدّق ربي‪ ،‬ولن يظلم ربّي أحدا‪ .‬ونقول‪ :‬إن المقصود بالميزان هو إقامة‬
‫شةٍ رّاضِيَةٍ }[القارعة‪-6 :‬‬
‫الحجة؛ ولذلك نجده سبحانه يقول‪ {:‬فََأمّا مَن َثقَُلتْ َموَازِينُهُ * َف ُهوَ فِي عِي َ‬
‫‪.]7‬‬
‫خ ّفتْ َموَازِينُهُ * فَُأمّهُ هَاوِيَةٌ }[القارعة‪.]9-8 :‬‬
‫ويقول أيضا‪ {:‬وََأمّا مَنْ َ‬
‫خفّت "‪ .‬أما مَنْ تساوت ِكفّتا‬
‫ونجد القسمة العقلية في الميزان واضحة فهي مرة " َثقُلَت " ومرة " َ‬
‫ميزانه؛ َففَسرت حالته سورة العراف التي قال فيها الحق سبحانه‪ {:‬وَعَلَى الَعْرَافِ رِجَالٌ‬
‫َيعْ ِرفُونَ كُلّ ِبسِيمَاهُمْ‪[} ...‬العراف‪.]46 :‬‬
‫وما دام الحق سبحانه سيحاسب كل َنفْس بما كسبتْ؛ فقد يظنّ البعض أن ذلك سيستغرق وقتا؛‬
‫ولذلك يتابع سبحانه‪:‬‬
‫{ إِنّ اللّهَ سَرِيعُ ا ْلحِسَابِ } [إبراهيم‪.]51 :‬‬
‫خلْق من َلدُن آدم إلى أنْ تقومَ الساعة بسرعة تناسب قدرته‬
‫ليبين لنا أنه سبحانه سُيحاسِب كل ال َ‬
‫المطلقة‪.‬‬
‫وحين سأل الناسُ المام ‪ -‬عليا ‪ -‬كرّم ال وجهه ‪ :-‬كيف سيحاسب ال الخلق كلهم دفعة واحدة؟‬
‫أجاب الجابة الدّالة الشافية‪ ،‬وقال‪ " :‬كما يرزقهم جميعا "‪.‬‬
‫س وَلِيُنذَرُواْ‪.} ....‬‬
‫لغٌ لّلنّا ِ‬
‫ويقول سبحانه من بعد ذلك‪ { :‬هَـاذَا بَ َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫(‪)1787 /‬‬
‫س وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِ َيعَْلمُوا أَ ّنمَا ُهوَ إَِل ٌه وَاحِدٌ وَلِيَ ّذكّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (‪)52‬‬
‫هَذَا بَلَاغٌ لِلنّا ِ‬

‫وهذه الية هي مِسْك الختام لسورة إبراهيم‪ ،‬ذلك أنها ركّ َزتْ الدعوة؛ بلغا صدر عن ال ليبلغه‬
‫لرسوله الذي أُيّد بالمعجزة؛ لِيح ِملَ منهج الحياة للنسان الخليفة في الرض‪.‬‬
‫وإذا ما صدرتْ قوانينُ حركة الحياة للنسان الخليفة في الرض المخلوق ل‪ ،‬وجب ألّ يتزيّد‬
‫عليها أحدٌ بإكمال ول بإتمام؛ لن الذي خلق هو الذي شرّع‪ ،‬وهذه مسألة يجب أن تكون على ِذكْر‬
‫من بَالِ كل إنسان مُكلّف‪.‬‬
‫وحين تقرأ هذا ال َقوْل الحكيم‪:‬‬
‫لغٌ لّلنّاسِ‪[ } ...‬إبراهيم‪.]52 :‬‬
‫{ هَـاذَا بَ َ‬
‫تجد أنه يحمل إشارة إلى القرآن كله؛ ذلك أن حدود البلغ هو كل شيء نزل من عند ال‪.‬‬
‫وقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫لغٌ لّلنّاسِ‪[ } ...‬إبراهيم‪.]52 :‬‬
‫{ هَـاذَا بَ َ‬
‫قد أعطانا ما يعطيه النص القانوني الحديث‪ ،‬ذلك أن النصّ القانوني الحديث يوضح أنه ل عقوبةَ‬
‫إل بنصّ يُجرّم الفعل‪ ،‬ول ُبدّ من إعلن النصّ لكافّة الناس؛ ولذلك تُنشَر القوانين في الجريدة‬
‫الرسمية للدولة‪ ،‬كي ل يقولَ أحد‪ :‬أنا أجهل صدور القانون‪.‬‬
‫وكلنا يعلم أن الحق سبحانه قد قال‪َ {:‬ومَا كُنّا ُمعَذّبِينَ حَتّىا نَ ْب َعثَ رَسُولً }[السراء‪.]15 :‬‬
‫فمهمة الرسول ‪ -‬إذنْ ‪ -‬هي البلغ عن ال لمنهج الحياة الذي يصون حركة الحياة‪.‬‬
‫غ وَعَلَيْنَا ا ْلحِسَابُ }[الرعد‪.]40 :‬‬
‫لُ‬
‫ويقول سبحانه عن مهمة الرسول‪ {:‬فَإِ ّنمَا عَلَ ْيكَ الْبَ َ‬
‫شوْنَ أَحَدا ِإلّ اللّهَ‪[} ...‬الحزاب‪:‬‬
‫شوْنَ ُه وَلَ َيخْ َ‬
‫خَ‬
‫لتِ اللّ ِه وَيَ ْ‬
‫ويقول سبحانه‪ {:‬الّذِينَ يُبَّلغُونَ رِسَا َ‬
‫‪.]39‬‬
‫ويقول الحق سبحانه على لسان الرسول‪َ {:‬لقَدْ أَبَْلغْ ُتكُمْ ِرسَالَتِ رَبّي‪[} ...‬العراف‪.]93 :‬‬
‫ويقول أيضا‪ {:‬أَبَْلغْ ُتكُمْ مّآ أُ ْرسِ ْلتُ ِبهِ إِلَ ْيكُمْ‪[} ...‬هود‪.]57 :‬‬
‫حجّة لقائلِ هذا‬
‫ب وقْتَ التكليف‪ .‬ل ُ‬
‫حجّة لقائل‪ :‬إني ُأخِ ْذتُ بذنب لم أعرف أنه ذن ٌ‬
‫وهكذا ل توجد ُ‬
‫القول؛ لن الحق سبحانه يقول في نفس الية‪:‬‬
‫{ وَلِيُنذَرُواْ ِبهِ‪[ } ..‬إبراهيم‪.]52 :‬‬
‫والنذار‪ :‬تخويف بشرّ سوف يقع من قبل زمنه‪ ،‬ليوضح لك بشاعة المخالفة‪ ،‬وكذلك التبشير هو‬
‫تنبيه لخير قادم لم يَأتِ أوانه كي تستعدّ لستقباله‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وقَوْل الحق سبحانه‪:‬‬
‫لغٌ لّلنّاسِ‪[ } ...‬إبراهيم‪.]52 :‬‬
‫{ هَـاذَا بَ َ‬
‫يتضمن البشارة أيضا؛ ولكنه يرتكز ويؤكد من بعد ذلك في قوله‪:‬‬
‫{ وَلِيُنذَرُواْ ِبهِ‪[ } ...‬إبراهيم‪.]52 :‬‬
‫لن الخيبة ستقع على مرتكب الذنوب‪.‬‬
‫وأقول‪ :‬إن النذار هنا هو نعمة؛ لنه يُذكّر النسان فل يُقدِم على ارتكاب الذنب أو المعصية‪،‬‬
‫ل ومعروفا‪.‬‬
‫فساعةَ تُقدم للنسان مغبة العمل السيء؛ فكأنك تُقدم إليه نعمة‪ ،‬وتُسدي إليه جمي ً‬
‫ويتابع سبحانه‪:‬‬
‫حدٌ‪[ } ..‬إبراهيم‪.]52 :‬‬
‫{ وَلِ َيعَْلمُواْ أَ ّنمَا ُهوَ إِلَـا ٌه وَا ِ‬
‫وهذه هي القضية العقدية الولى‪ ،‬والتي تأتي في ِقمّة كل القضايا؛ فهو إله واحد نصدر جميعا عن‬
‫أمره؛ لن المر الهام في هذه الحياة أن تتضافر حركة الحياء وتتساند؛ ل أن تتعاند‪ .‬ول يرتقي‬
‫بنيان‪ ،‬ما إذا كنتَ أنت تبني يوما ليأتي غيرك فيهدم ما بنيتَ‪.‬‬
‫ومهمة حركة الحياة أن نُؤدّي مهمتنا كخلفاء ل في الرض؛ بأن تتعاضدَ مواهبنا‪ ،‬ل أن‬
‫تتعارضَ‪ ،‬فيتحرك المجتمع النساني كله في اتجاه واحد؛ لنه من إله واحد وأمر واحد‪.‬‬
‫وحين يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫لغٌ لّلنّاسِ‪[ { ...‬إبراهيم‪.]52 :‬‬
‫} هَـاذَا بَ َ‬
‫فهو يحدد لنا ِقوَام الدين بعد تلقّيه من رسول ال صلى ال عليه وسلم أنْ يُبلّغه مَنْ سمعه لمن لم‬
‫يسمعه‪.‬‬
‫ولذلك قال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬نضّر ال امْرءا سمع مقالتي فوعاها‪ ،‬وأداها إلى مَنْ لم يسمعها‬
‫"‪.‬‬
‫وذلك لتبقى سلسلة البلغ متصلة‪ ،‬وإنْ لم يُبلغ قوم فالوِزْر على مَنْ لم يُبلّغ‪ ،‬وبذلك يحرم نفسه من‬
‫شرف التبعية لرسول ال صلى ال عليه وسلم فَمنْ يعلم حكما من أحكام الدين؛ فالمطلوب منه هو‬
‫تبليغه للغير؛ مثلما طلب الحق سبحانه من رسوله أن يُبلّغ أحكامه‪.‬‬
‫س وَ َيكُونَ الرّسُولُ‬
‫شهَدَآءَ عَلَى النّا ِ‬
‫جعَلْنَا ُكمْ ُأمّ ًة وَسَطا لّ َتكُونُواْ ُ‬
‫والحق سبحانه هو القائل‪َ {:‬وكَذَِلكَ َ‬
‫شهِيدا‪[} ...‬البقرة‪.]143 :‬‬
‫عَلَ ْيكُمْ َ‬
‫حكْما من أحكام الدين‬
‫وهكذا شهد الرسول صلى ال عليه وسلم أنه بلّغكم وبَقِي على كل مسلم يعلم ُ‬
‫أن يُبلّغه ِلمَنْ ل يعرفه؛ فقد ينتفع به أكثر منه؛ وبعد أن سمع الحكم قد يعمل به‪ ،‬بينما مَنْ أبلغه‬
‫الحكم ل يعمل به‪.‬‬
‫ولذلك قال صلى ال عليه وسلم‪ُ " :‬ربّ مُبلّ ٍغ أوْعَى من سامع "‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ولذلك أقول دائما‪ :‬إياك أن تخلط بين المعلومة التي تُقال لك‪ :‬وبين سلوك مَنْ قالها لك‪ ،‬ولنسمع‬
‫خلّ العُودَ للحطَبِوهكذا يتحمل‬
‫الشاعر الذي قال‪:‬خُذْ عِلْمي ولَ تركَنْ إلى عَملِي وَأجْنِ الثمارَ و َ‬
‫المسلم مسئولية البلغِ بما يعرف من أحكام الدين لمن ل عِلْمَ لهم بها؛ لتظل الرسالة موصولة‪،‬‬
‫جتْ لِلنّاسِ تَ ْأمُرُونَ بِا ْل َمعْرُوفِ وَتَ ْن َهوْنَ عَنِ‬
‫وكلنا نعلم أن الحق سبحانه قد قال‪ {:‬كُنْ ُتمْ خَيْرَ ُأمّةٍ ُأخْرِ َ‬
‫ا ْلمُ ْنكَرِ‪[} ...‬آل عمران‪.]110 :‬‬
‫أي‪ :‬أنكم يا أمة محمد‪ ،‬قد أخذتم مهمة النبياء‪.‬‬
‫ولن البلغ قد جاء من ال على الرسول صلى ال عليه وسلم‪ ،‬والرسول أمين في تبليغه؛ لذلك ل‬
‫يمكن أنْ يصدرَ عن الواحد الحكيم أوامر متضاربة‪ ،‬ولكن التضارب إنما ينشأ من اختلف الخر؛‬
‫أو من عدم حكمة المر‪ ،‬ولْنُدقّق جيدا في قول الحق سبحانه‪:‬‬
‫حدٌ‪[ { ...‬إبراهيم‪.]52 :‬‬
‫} وَلِ َيعَْلمُواْ أَ ّنمَا ُهوَ إِلَـا ٌه وَا ِ‬
‫فكلمة " واحد " جاءت لتمنع مجرّد تصوّر الشراكة؛ فل أحدَ مثله‪ ،‬وهو أحدٌ غير مُركّب من‬
‫أجزاء؛ فليس له أجهزة تشبه أجهزة البشر مثلً؛ فلو كان له أجهزة لَكانَ في ذاته يحتاجُ لبعاضه‪،‬‬
‫ح ول يمكن تخيّله مع ال سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫وهذا ل يصِ ّ‬
‫وتلك هي القضية الساسية التي يعيها أولو اللباب الذين يستقبلون هذا البلغ‪ .‬وأولو اللباب هي‬
‫جمع‪ ،‬ومفرد " ألباب " هو " ُلبّ " ‪ ،‬وُلبّ الشيء هو حقيقة جوهره؛ لن القشرةَ توجد لتحفظَ هذا‬
‫اللّب‪ ،‬والمحفوظ دائما هو أنفَسُ من الشيء الذي يُغلّفه لِيحفظه‪.‬‬
‫وهكذا يكون أولو اللباب هم البشر الذين يستقبلون القضية اليمانية بعقولهم؛ ويُحرّكون عقولهم‬
‫ليتذكروها دائما؛ ذلك أن مشاغل الحياة ومُتعتها وشهواتها قد َتصْرِف النسان عن المنهج؛ ولذلك‬
‫قال الحق سبحانه هنا‪:‬‬
‫} وَلِيَ ّذكّرَ ُأوْلُو ْا الَلْبَابِ { [إبراهيم‪.]52 :‬‬
‫أي‪ :‬يتذكر أصحاب العقول أن ال واحدٌ أحد؛ فل إلهَ إل هو؛ ولذلك شهد سبحانه لنفسه قبل أنْ‬
‫شهِدَ اللّهُ أَنّ ُه لَ إِلَـاهَ ِإلّ ُهوَ‪[} ...‬آل عمران‪.]18 :‬‬
‫يشهدَ له أيّ كائن آخر‪ ،‬وقال‪َ {:‬‬
‫وهذه شهادةُ الذات للذاتِ‪ ،‬ويُضيف سبحانه‪ {:‬وَا ْلمَلَئِكَ ُة وَُأوْلُواْ ا ْلعِلْمِ }[آل عمران‪.]18 :‬‬
‫وشهادة الملئكة هي شهادة المُواجهة التي عايشوها‪ ،‬وشهادة أُولي اللبابِ هي شهادة الستدلل‪.‬‬
‫وشهد الحق سبحانه أيضا لرسوله محمد صلى ال عليه وسلم أنه رسول‪ :‬وكذلك شهد الرسول‬
‫لنفسه‪ ،‬فهو يقول مثلنا جميعا‪ " :‬أشهد أل إله إل ال‪ ،‬وأشهد أن محمدا رسول ال "‪.‬‬
‫وهكذا فعَلى أُولي اللباب مهمة‪ .‬أنْ يتذكّروا ويُذكّروا بأنه إله واحد أحدٌ‪.‬‬

‫(‪)1788 /‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الر تِ ْلكَ آَيَاتُ ا ْلكِتَابِ َوقُرْآَنٍ مُبِينٍ (‪)1‬‬

‫السورة التي نبدأ خواطرنا عنها هي سورة الحجر تبدأ بالكلم عن جامع البلغ‪ ،‬ومنهج لحياة‬
‫الحياة وهو القرآن الكريم الذي قد جاء بالخبر اليقين في قضية اللوهية الواحدة‪ ،‬والتي ذكرنا في‬
‫آخر السورة السابقة بأن أُولِي اللباب يستقبلونها بتعقولهم‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه في مُسْتهل السورة‪:‬‬
‫ب َوقُرْآنٍ مّبِينٍ } [الحجر‪]1 :‬‬
‫{ الرَ تِ ْلكَ آيَاتُ ا ْلكِتَا ِ‬
‫حتْ بالحروف التوفيقية؛ والتي قلنا‪ :‬إن جبريل عليه السلم نزل وقرأها‬
‫والسورة كما نرى قد افْتُتِ َ‬
‫هكذا؛ وحفظها رسول ال صلى ال عليه وسلم وأبلغها لنا هكذا؛ وهي نزلتْ أوّل ما نزلت على‬
‫قوم برعوا في اللغة؛ وهم أهل فصاحة وبيان‪ ،‬ولم نجد منهم مَنْ يستنكرها‪.‬‬
‫وهي حروف مُقطّعة تنطَق بأسماء الحروف ل مُسمّياتها‪ ،‬ونعلم أن لكل حرف اسما‪ ،‬وله مسمى؛‬
‫فحين نقول أو نكتب كلمة " كتب "؛ فنحن نضع حروفا هي الكاف والباء والتاء بجانب بعضها‬
‫البعض‪ ،‬لتكون الكلمة كما ننطقها أو نقرؤها‪.‬‬
‫ويقال عن ذلك إنها مُسمّيات الحروف‪ ،‬أما أسماء الحروف؛ فهي " كاف " و " باء " و " تاء "‪ .‬ول‬
‫يعرف أسماء الحروف إل المُتعلّم؛ ولذلك حين تريد أن تختبر واحدا في القراءة والكتابة تقول له‪:‬‬
‫َتهَجّ حروف الكلمة التي تكتبها‪ ،‬فإن نطق أسماءَ الحروف؛ عرفنا أنه يُجيد القراءة والكتابة‪.‬‬
‫وهذا القرآن ـ كما نعلم ـ نزل مُعجِزا للعرب الذين نبغوا في اللغة‪ ،‬وكانوا يقيمون لها أسواقا؛‬
‫مثل المعارض التي نقيمها نحن لصناعاتنا المتقدمة‪.‬‬
‫ولذلك شاء الحق سبحانه أن تأتي معجزة القرآن من نفس الجنس الذي نبغوا فيه‪ ،‬فلو كانت‬
‫المعجزة من جنسٍ غير ما نبغوا فيه ولم يَألفوه َلقَالوا‪ :‬لو تعلمنا هذا المر لَصنعْنَا ما يفوقه‪.‬‬
‫وجاءتهم معجزة القرآن من نفس الجنس الذي نبغُوا فيه؛ وباللغة العربية وبنفس ال ُمفْردات المُكوّنة‬
‫من الحروف التي تُكوّنون منها كلماتكم‪ ،‬والذي جعل القرآن ُمعْجِزا أن المُتكلّم به خالق وليس‬
‫مخلوقا‪ .‬وفي " الر " نفس الخامات التي تصنعون منها ُلغَتكم‪.‬‬
‫وهذا بعض ما أمكن أن يلتقطه العلماء من فواتح السور‪ .‬علينا أن نعلم أن ل في كلماته أسرارا؛‬
‫ب وَأُخَرُ مُتَشَا ِبهَاتٌ فََأمّا‬
‫ح َكمَاتٌ هُنّ ُأمّ ا ْلكِتَا ِ‬
‫فهو سبحانه‪ُ {:‬هوَ الّذِي أَن َزلَ عَلَ ْيكَ ا ْلكِتَابَ مِ ْنهُ آيَاتٌ مّ ْ‬
‫ن في قُلُو ِبهِمْ زَيْغٌ فَيَتّ ِبعُونَ مَا َتشَابَهَ مِنْهُ ابْ ِتغَاءَ ا ْلفِتْنَ ِة وَابْ ِتغَاءَ تَ ْأوِيلِ ِه َومَا َيعْلَمُ تَ ْأوِيَلهُ ِإلّ اللّهُ‬
‫الّذِي َ‬
‫وَالرّاسِخُونَ فِي ا ْلعِلْمِ َيقُولُونَ آمَنّا بِهِ ُكلّ مّنْ عِندِ رَبّنَا‪[} ...‬آل عمران‪]7 :‬‬
‫أي‪ :‬أن القرآن به آيات مُحْكمات‪ ،‬هي آيات الحكام التي يترتب عليها الثواب والعقاب‪ ،‬أما اليات‬
‫المتشابهات فهي مثل تلك اليات التي تبدأ بها فواتح بعض السور؛ ومَنْ في قلوبهم زَيْغ يتساءلون‪:‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ما معناها؟‬
‫وهم يقولون ذلك ل بَحْثا عن معنى؛ ولكن رغبةً للفتنة‪.‬‬
‫ولهؤلء نقول‪ :‬أتريدون أنْ تفهموا كل شيء بعقولكم؟ إن العقل ليس إل وسيلةَ إدراك؛ مِثْله مِثْل‬
‫العين‪ ،‬ومِثْل الذن‪.‬‬
‫ن كنتَ‬
‫ن وحدودا‪ ،‬فإ ْ‬
‫فهل ترى عيناك كل ما يمكن أن يُرَى؟ طبعا ل؛ لن للرؤية بالعين قواني َ‬
‫بعيدا بمسافة كبيرة عن الشيء فلن تراه؛ ذلك أن العين ل ترى أبعد من حدود الفق‪.‬‬
‫وكل إنسان يختلف ُأفْقه حسب قوة بصره؛ فهناك مَنْ أنعم ال عليه ببصر قوي وحادّ؛ وهناك مَنْ‬
‫هو ضعيفُ البصرِ؛ ويحتاج إلى نظارة طبية تساعده على ِدقّة البصار‪.‬‬
‫فإذا كانت للعين ـ وهي وسيلة إدراك المرائي ـ حدود‪ ،‬وإذا كانت للذن‪ ،‬وهي وسيلة إدراك‬
‫الصوات بحد المسافة الموجية للصوت؛ فلبُدّ أن تكون هناك حدود للعقل‪ ،‬فهناك ما يمكن أن‬
‫تفهمه؛ وهناك مَا ل يمكن أن تفهمه‪.‬‬
‫والرسول صلى ال عليه وسلم قال عن آيات القرآن‪ " :‬ما عرفتم منه فاعملوا به‪ ،‬وما تشابه منه‬
‫فآمنوا به "‪.‬‬
‫وذلك حفاظا على مواقيت ومواعيد ميلد أيّ سِرّ من السرار المكنونة في القرآن الكريم‪ ،‬فلو أن‬
‫القرآن قد أعطى كل أسراره في أول قَرْن نزل فيه؛ فكيف يستقبل القرونَ الخرى بدون سِرّ‬
‫جديد؟‬
‫إذن‪ :‬فكٌلّما ارتقى العقل البشري؛ كلما َأذِن ال بكشف سِرّ من أسرار القرآن‪ .‬ول أحد بقادر على‬
‫أن يجادل في آيات الحكام‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه عن اليات المتشابهة‪َ {:‬ومَا َيعَْلمُ تَ ْأوِيلَهُ ِإلّ اللّ ُه وَالرّاسِخُونَ فِي ا ْلعِلْمِ َيقُولُونَ‬
‫آمَنّا بِهِ ُكلّ مّنْ عِندِ رَبّنَا‪[} ...‬آل عمران‪]7 :‬‬
‫وهناك مَنْ يقرأ هذه الية كالتي‪ " :‬وما يعلم تأويله إل ال والراسخون في العلم مـ " وتناسى مَنْ‬
‫يقرأ تلك القراءة أن مُنْتهى الرسوخ في العلم أن تؤمن بتلك اليات كما هي‪.‬‬
‫ب َوقُرْآنٍ مّبِينٍ { [االحجر‪]1 :‬‬
‫والحق سبحانه يقول‪ } :‬الرَ تِ ْلكَ آيَاتُ ا ْلكِتَا ِ‬
‫و(تلك) إشارة لما سبق وِلمَا هو قادم من الكتاب‪ ،‬و(آيات) جمع " آية "‪ .‬وهي‪ :‬الشيء العجيب‬
‫ن تكونَ كونية كالليل والنهار والشمس والقمر لتثبت الوجود‬
‫الذي يُلْتفت إليه‪ .‬واليات إما أ ّ‬
‫ن تكونَ اليات ال ُمعْجزة الدالة على صِدْق البلغ عن ال وهي معجزات الرسل‪،‬‬
‫العلى‪ ،‬وإما أ ْ‬
‫وإما أن تكونَ آيات القرآن التي تحمل المنهج للناس كافّة‪.‬‬
‫ويضيف الحق سبحانه‪...} :‬قُرْآنٍ مّبِينٍ { [االحجر‪]1 :‬‬
‫فهل الكتاب هو شيء غير القرآن؟ ونقول‪ :‬إن الكتاب إذا أُطلِق؛ فهو ينصرف إلى كل ما نزل من‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ال على الرسل؛ كصحف إبراهيم‪ ،‬وزبور داود‪ ،‬وتوراة موسى‪ ،‬وإنجيل عيسى؛ وكل تلك كتب‪،‬‬
‫ولذلك يسمونهم " أهل الكتاب "‪.‬‬
‫أما إذا جاءت كلمة " الكتاب " مُعرّفة باللف واللم؛ فل ينصرف إل للقرآن‪ ،‬لنه نزل كتابا‬
‫خاتما‪ ،‬ومُهيْمنا على الكتب الخرى‪.‬‬
‫وبعد ذلك جاء بالوصف الخاص وهو (قرآن)‪ ،‬وبذلك يكون قد عطف خاصا على عامّ‪ ،‬فالكتاب‬
‫هو القرآن‪ ،‬ودلّ بهذا على أنه سيكتب كتابا‪ ،‬وكان مكتوبا من قبل في اللوح المحفوظ‪.‬‬
‫وإن قيل‪ :‬إن الكتب السابقة قد كُتِبت أيضا؛ فالردّ هو أن تلك الكتب قد كُتِبت بعد أن نزلتْ بفترة‬
‫طويلة‪ ،‬ولم تُكتب مِثْل القرآن ساعة التلقّي من جبريل عليه السلم‪ ،‬فالقرآن يتميز بأنه قد كُتب في‬
‫نفس زمن نُزوله‪ ،‬ولم يُترك لقرون كبقية الكتب ثم بُدئ في كتابته‪.‬‬
‫والقرآن يُوصف بأنه مُبِين في ذاته وبين لغيره؛ وهو أيضا مُحيط بكل شيء‪.‬‬
‫شيْءٍ‪[} ...‬النعام‪]38 :‬‬
‫وسبحانه القائل‪ {:‬مّا فَرّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن َ‬
‫وأيّ أمر يحتاج لحكم؛ فإما أن تجده مُفصّلً في القرآن‪ ،‬أو نسأل فيه أهل الذكر‪ ،‬مصداقا لقول‬
‫الحق سبحانه‪... {:‬فَاسْئَلُواْ أَ ْهلَ ال ّذكْرِ إِن كُنتُ ْم لَ َتعَْلمُونَ }[النبياء‪]7 :‬‬
‫ويقول سبحانه من بعد ذلك‪ } :‬رّ َبمَا َيوَدّ الّذِينَ َكفَرُواْ‪{ ...‬‬

‫(‪)1789 /‬‬
‫رُ َبمَا َيوَدّ الّذِينَ َكفَرُوا َلوْ كَانُوا مُسِْلمِينَ (‪)2‬‬

‫و " ُربّ " حرف يستعمل للتقليل‪ ،‬ويُستعمل أيضا للتكثير على حَسْب ما يأتي من بعده‪ ،‬وهو حَ ْرفٌ‬
‫الصل فيه أن يدخلَ على المفرد‪ .‬ونحن نقول " ُربّ أخٍ لك لم تلدْه أمك " وذلك للتقليل‪ ،‬مثلما‬
‫نقول " ربما ينجح الكسول "‪.‬‬
‫ولكن لو قُلْنا " ربما ينجح الذكي " فهذا للتكثير‪ ،‬وفي هذا استعمال للشيء في نقيضه‪ ،‬إيقاظا للعقل‬
‫كي ينتبه‪.‬‬
‫وهنا جاء الحق سبحانه‪:‬‬
‫بـ " رُب " ومعها حرف " ما " ومن بعدهما فعل‪ .‬ومن العيب أن تقول‪ :‬إن " ما " هنا زائدة؛ ذلك‬
‫أن المتكلم هو ربّ كل العباد‪.‬‬
‫وهنا يقول الحق سبحانه‪ { :‬رّ َبمَا َيوَدّ الّذِينَ َكفَرُواْ َلوْ كَانُواْ مُسِْلمِينَ } [الحجر‪]2 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فهل سيأتي وقت يتمنى فيه أهل الكفر أنْ يُسلموا؟ إن " يودّ " تعني " يحب " و " يميل " و " يتمنى‬
‫" ‪ ،‬وكل شيء تميل إليه وتتمناه يسمى " طلب "‪.‬‬
‫ويقال في اللغة‪ :‬إن طلبت أمرا يمكن أن يتحقق‪ ،‬ويمكن ألّ يتحقق؛ فإنْ قُ ْلتَ‪ " :‬يا ليت الشبابَ‬
‫يعود يوما " فهذا طَلبٌ ل يمكن أن يتحققَ؛ لذلك يُقال إنه " تمني "‪ .‬وإنْ قلت " لعلّي أزور فلنا "‬
‫فهذا يُسمّى رجاء؛ لنه من الممكن أن تزور فلنا‪ .‬وقد تقول‪ " :‬كم عندك؟ " بهدف أن تعرف‬
‫الصورة الذهنية لمَنْ يجلس إليه مَنْ تسأله هذا السؤال‪ ،‬وهذا يُسمّى استفهاما‪.‬‬
‫ت ما يمكن أن يُنَال فهو‬
‫وهكذا إنْ كنت قد طلبتَ عزيزا ل يُنال فهو تمنّ؛ وإن كنت قد طلب َ‬
‫الترجي‪ ،‬وإن كنتَ قد طلبتَ صورته ل حقيقته فهو استفهام‪ ،‬ولكن إنْ طلبت حقيقة الشيء؛ فأنت‬
‫تطلبه كي ل تفعل الفعل‪.‬‬
‫سِلمِينَ } [الحجر‪]2 :‬‬
‫والطلب هنا في هذه الية؛ يقول‪ { :‬رّ َبمَا َيوَدّ الّذِينَ َكفَرُواْ َلوْ كَانُواْ مُ ْ‬
‫فهل يتأتّى هذا الطلب؟‬
‫ن وقعتْ لهم أحداثٌ تنزع منهم العناد؛‬
‫وَلنر متى يودّون ذلك‪ .‬إن ذلك التمنّي سوف يحدث إ ْ‬
‫فيأخذون المسائل بالمقاييس الحقيقية‪.‬‬
‫سهُمْ ظُلْما وَعُُلوّا‪[} ...‬النمل‪]14 :‬‬
‫جحَدُواْ ِبهَا وَاسْتَ ْيقَنَ ْتهَآ أَنفُ ُ‬
‫والحق سبحانه هو القائل‪ {:‬وَ َ‬
‫وقد حدث لهم حين وقعت غزوة بدر‪ ،‬ونال منهم المسلمون الغنائم أنْ قالوا‪ :‬يا ليتنا كنا مسلمين‪،‬‬
‫وأخذنا تلك الغنائم‪.‬‬
‫أي‪ :‬أن هذا التمنّي قد حدث في الدنيا‪ ،‬ولسوف يحدث هذا عند موت أحدهم‪.‬‬
‫ل صَالِحا فِيمَا‬
‫ع َم ُ‬
‫جعُونِ * َلعَلّي أَ ْ‬
‫يقول الحق سبحانه‪ {:‬حَتّىا ِإذَا جَآءَ َأحَدَ ُهمُ ا ْل َم ْوتُ قَالَ َربّ ارْ ِ‬
‫تَ َر ْكتُ‪[} ...‬المؤمنون‪]100 :‬‬
‫ويعلق الحق سبحانه على هذا القول‪ {:‬كَلّ إِ ّنهَا كَِلمَةٌ ُهوَ قَآئُِلهَا‪[} ...‬المؤمنون‪]100 :‬‬
‫وسيتمنون أيضا أن يكونوا مسلمين‪ ،‬مصداقا لقول الحق سبحانه‪ {:‬وََلوْ تَرَىا ِإذِ ا ْلمُجْ ِرمُونَ نَاكِسُواْ‬
‫جعْنَا َن ْع َملْ صَالِحا إِنّا مُوقِنُونَ }‬
‫س ِمعْنَا فَا ْر ِ‬
‫سهِمْ عِندَ رَ ّبهِمْ رَبّنَآ أَ ْبصَرْنَا وَ َ‬
‫رُءُو ِ‬
‫[السجدة‪]12 :‬‬
‫إذن‪ :‬فسيأتي وقت يتمنّى فيه الكفار أن يكونوا مسلمين‪ ،‬إذَا مَا عاينوا شيئا ينزع منهم جحودهم‬
‫وعنادهم‪ ،‬ويقول لهم‪ :‬إن الحياة التي كنتم تتمسّكون بها فانية؛ ولكنكم تطلبون أن تكونوا مسلمين‬
‫وقت أنْ زال التكليف‪ ،‬وقد فات الوان‪.‬‬
‫ويكفي المسلمين فَخْرا أن كانوا على دين ال‪ ،‬واستمسكوا بالتكليف‪ ،‬ويكفيكم عارا أنْ خَسِرْتم هذا‬
‫الخسران المبين‪ ،‬وتتحسروا على أنكم لم تكونوا مسلمين‪.‬‬
‫وفي اليوم الخر يُعذّب الحق سبحانه العصاة من المسلمين الذين لم يتوبوا من ذنوبهم‪ ،‬ولم‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يستغفروا الحق سبحانه‪ ،‬أو ممّنْ لم يغفر لهم سبحانه وتعالى ذنوبهم؛ لعدم إخلص النية وحُسْن‬
‫الطوية عند الستغفار‪ ،‬ويدخل في ذلك أهل النفاق مصداقا لقوله تعالى‪ {:‬اسْ َت ْغفِرْ َلهُمْ َأ ْو لَ تَسْ َت ْغفِرْ‬
‫َلهُمْ إِن َتسْ َت ْغفِرْ َل ُهمْ‪[} ...‬التوبة‪]80 :‬‬
‫صوْا وينظر لهم الكفار قائلين‪:‬‬
‫ع َ‬
‫فيدخلون النار ليأخذوا قدرا من العذاب على قدر ما َ‬
‫ما أغنتْ عنكم ل إله إل ال شيئا‪ ،‬فأنتم معنا في النار‪.‬‬
‫ويطلع الحق سبحانه على ذلك فيغار على كل مَنْ قال ل إله إل ال؛ فيقول‪ :‬أخرجوهم وطهّروهم‬
‫وعُودوا بهم إلى الجنة‪ ،‬وحينئذ يقول الكافرون‪ :‬يا ليتنا كنا مسلمين‪ ،‬لنخرج من النار‪ ،‬ونلحق بأهل‬
‫الجنة‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك‪ } :‬ذَرْ ُهمْ يَ ْأكُلُواْ وَيَ َتمَتّعُواْ‪{ ...‬‬

‫(‪)1790 /‬‬
‫س ْوفَ َيعَْلمُونَ (‪)3‬‬
‫ذَرْ ُهمْ يَ ْأكُلُوا وَيَ َتمَ ّتعُوا وَيُ ْل ِههِمُ الَْأ َملُ فَ َ‬

‫و(ذرهم) أمْر بأن يدعَهم ويتركهم‪ .‬وسبحانه قال مرة (ذرهم)‪ ،‬ومرة قال‪ {:‬وَذَرْنِي وَا ْل ُمكَذّبِينَ ُأوْلِي‬
‫ال ّن ْعمَةِ‪[} ...‬المزمل‪]11 :‬‬
‫أي‪ :‬اتركهم لي‪ ،‬فأنا الذي أعاقبهم‪ ،‬وأنا الذي أعلم أجلَ المهال‪ ،‬وأجل العقوبة‪.‬‬
‫ك وَآِلهَ َتكَ‪} ...‬‬
‫ويستعمل من " ذَرْهم " فعل مضارع هو " َيذَر " ‪ ،‬وقد قال الحق سبحانه‪ {:‬وَيَذَ َر َ‬
‫[العراف‪]127 :‬‬
‫ولم يستعمل منها في اللغة ِفعْل ماضٍ‪ ،‬إل فيما ُروِى من حديث رسول ال صلى ال عليه وسلم "‬
‫ذروا اليمن ما ذروكم " ‪ ،‬أي‪ :‬اتركوهم ما تركوكم‪.‬‬
‫ويشارك في هذا الفعل فعل آخر هو " َدعْ " بمعنى " اترك "‪ .‬وقيل‪ :‬أهملت العرب ماضي " يدع "‬
‫ك َومَا قَلَىا }[الضحى‪]3 :‬‬
‫عكَ رَ ّب َ‬
‫و " يذر " إل في قراء ٍة في قول الحق سبحانه‪ {:‬مَا وَدّ َ‬
‫وهنا يقول الحق سبحانه‪ { :‬ذَ ْرهُمْ يَ ْأكُلُو ْا وَيَ َتمَ ّتعُواْ‪[ } ...‬الحجر‪]3 :‬‬
‫ونحن أيضا نأكل‪ ،‬وهناك فرْق بين الكل كوقود للحركة وبين الكل كلذّة وتمتّع‪ ،‬والحيوانات تأكل‬
‫لتأخذ الطاقة بدليل أنها حين تشبع؛ ل يستطيع أحد أنْ يُجبرها على أكل عود برسيم زائد‪.‬‬
‫أما النسان فبعد أن يأكل ويغسل يديه؛ ثم يرى صِنْفا جديدا من الطعام فهو يمدّ يده ليأكلَ منه؛‬
‫ذلك أن النسان يأكل شهو ًة ومتعةً‪ ،‬بجانب أنه يأكل كوقود للحركة‪.‬‬
‫والفرق بيننا وبينهم أننا نأكل لتتكوّن عندنا الطاقة‪ ،‬فإنْ جاءت اللذة مع الطعام فأهلً بها؛ ذلك أننا‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫في بعض الحيان نأكل ونتلذذ‪ ،‬لكن الطعام ل يمري علينا؛ بل يُتعِبنا؛ فنطلب ال ُم ْهضِمات من مياه‬
‫غازية وأدوية‪.‬‬
‫ولذلك نجد رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول‪ " :‬بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه "‪.‬‬
‫أي‪ :‬أنه صلى ال عليه وسلم ينهانا عن أن نأكل بالشهوة واللذة فقط‪.‬‬
‫ولنلحظ الفارق بين طعام الدنيا وطعام الجنة في الخرة؛ فهناك سوف نأكل الطعام الذي نستلذّ به‬
‫و َيمْري علينا؛ بينما نحن نُضطر في الدنيا ـ في بعض الحيان ـ أن نأكلَ الطعام بدون مِلْح‬
‫ومسلوقا كي يحفظ لنا الصحة؛ ول يُتعِبنا؛ وهو أكل مَرِىء وليس طعاما هنيئا‪ ،‬ولكن طعام الخرة‬
‫هَنِى ٌء ومَرِىءٌ‪.‬‬
‫وعلى ذلك نفهم قول الحق سبحانه‪ { :‬ذَرْهُمْ يَ ْأكُلُو ْا وَيَ َتمَ ّتعُواْ‪[ } ...‬الحجر‪]3 :‬‬
‫أي‪ :‬أن يأكلوا أكْلً مقصودا لذات اللذّة فقط‪.‬‬
‫ل َملُ‪[ } ...‬الحجر‪]3 :‬‬
‫ويقول الحق سبحانه متابعا‪ { :‬وَيُ ْل ِههِ ُم ا َ‬
‫أي‪ :‬أن يَنصبوا لنفسهم غايات سعيدة؛ تُلهِيهم عن وسيلة ينتفعون بها؛ ولذلك يقول المثل العربي‪:‬‬
‫" المل بدون عمل تلصّص " فما ُدمْت تأمل أملً؛ فل ُبدّ أن تخدمه بالعمل لتحققه‪.‬‬
‫ولكن المثل على المل الخادع هو ما جاء به الحق سبحانه على لسان مَنْ غَرّتْه النعمة‪ ،‬فقال‪ {:‬مَآ‬
‫أَظُنّ أَن تَبِيدَ هَـا ِذهِ أَبَدا * َومَآ أَظُنّ السّاعَةَ قَا ِئمَةً‪[} ...‬الكهف‪35 :‬ـ ‪]36‬‬
‫ولكن الساعة ستقوم رَغْما عن أَنْف المال الكاذبة‪ ،‬والسراب المخادع‪.‬‬
‫سوْفَ َيعَْلمُونَ { [الحجر‪]3 :‬‬
‫ل َملُ َف َ‬
‫ويقول الحق سبحانه‪...} :‬وَيُ ْل ِههِ ُم ا َ‬
‫وكلمة (سوف) تدل على أن الزمن مُتراخٍ قليلً؛ فالفعال مثل " يعلم " تعني أن النسان قد يعلم‬
‫الن؛ ويعلم من َبعْد الن بوقت قصير‪ ،‬أما حين نقول " سوف يعلم " فتشمل كل الزمنة‪.‬‬
‫فالنصر يتحقق للمؤمنين بإذن من ال دائما؛ أما غير المؤمنين فلسوف يتم ّنوْنَ اليمان؛ كما قُلْنا‬
‫وأوضحنا من قبل‪.‬‬
‫س ْوفَ َيعَْلمُونَ { [الحجر‪]3 :‬‬
‫وهكذا نرى أن قوله‪...} :‬فَ َ‬
‫يشمل ُكلّ الزمنة‪ .‬وقد صنع الحق سبحانه في الدنيا أشياء تُؤذِن بصِدْق وَعْده‪ ،‬والذين يظنّون أنهم‬
‫يسيطرون على ُكلّ الحياة يُفاجِئهم زلزال؛ فيهدم كل شيء‪ ،‬على الرغم من التقدّم فيما يُسمّى "‬
‫الستشعار عن بعد " وغير ذلك من فروع العلم التطبيقي‪.‬‬
‫وفي نفس الوقت نرى الحمير التي نتهمها بأنها ل تفهم شيئا ت ُهبّ ـ وهي الماشية ـ من قبل‬
‫الزلزال لتخرج إلى الخلء بعيدا عن الحظائر التي قد تتهدم عليها‪ ،‬وفي مثل هذا التصرّف‬
‫الغريزي عند الحيوانات تحطيمٌ وأدبَ للغرور النساني‪ ،‬فمهما قاده الغرور‪ ،‬وادعى أنه مالك‬
‫ل وجهولً‪.‬‬
‫لناصية العلم‪ ،‬فهو مازال جاه ً‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫خضْرتها‪ .‬ثم‬
‫وكذلك نجد مَنْ يقول عن البلد المُمطرة‪ :‬إنها بلد ل ينقطع ماؤها‪ ،‬لذلك ل تنقطع ُ‬
‫ف ل تعرف له سببا‪ ،‬وفي كل ذلك تنبيهٌ للبشر كي ل يقعوا أسْرى للغرور‪.‬‬
‫يصيب تلك البلد جفا ٌ‬
‫ويقول سبحانه من بعد ذلك ضاربا لهم المثل‪َ } :‬ومَآ أَهَْلكْنَا مِن قَرْ َيةٍ‪{ ...‬‬

‫(‪)1791 /‬‬
‫َومَا َأهَْلكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلّا وََلهَا كِتَابٌ َمعْلُومٌ (‪)4‬‬

‫أي‪ :‬أنه سبحانه ل يأمر بهلك أيّ قرية إل في الجل المكتوب لها‪ .‬ويجعلها من المُثل التي يراها‬
‫مَنْ يأتي بعدها لعله يتعظ ويتعرّف على حقيقة اليمان‪.‬‬
‫طمَئِنّةً يَأْتِيهَا رِ ْز ُقهَا رَغَدا مّن ُكلّ‬
‫وقد قال الحق سبحانه‪َ {:‬وضَرَبَ اللّهُ مَثَلً قَرْيَةً كَا َنتْ آمِنَةً مّ ْ‬
‫خوْفِ ِبمَا كَانُواْ َيصْ َنعُونَ }[النحل‪]112 :‬‬
‫َمكَانٍ َفكَفَ َرتْ بِأَ ْنعُمِ اللّهِ فَأَذَا َقهَا اللّهُ لِبَاسَ ا ْلجُوعِ وَا ْل َ‬
‫والمثل القريب من الذاكرة " لبنان " التي عاشت إلى ما قبل الخمسينات كبلد ل تجد فيه فندقا لئقا‪،‬‬
‫ثم ازدهرتْ وانتعشتْ في الستينات والسبعينات؛ واستشرى فيها الفساد؛ فقال أهل المعرفة بال‪" :‬‬
‫لبُدّ أن يصيبها ما يصيب القرى الكافرة بأنعُمِ ال "‪.‬‬
‫ضكُمْ بَ ْأسَ‬
‫وقد حدث ذلك وقامت فيها الحرب الهلية‪ ،‬وانطبق عليها قول الحق سبحانه‪ {:‬وَيُذِيقَ َب ْع َ‬
‫َب ْعضٍ‪[} ...‬النعام‪]65 :‬‬
‫وهذا ما يحدث في الدنيا‪ ،‬وهي مُقدّمات تُؤكّد صدْق ما سوف يحدث في الخرة‪.‬‬
‫وسبحان القائل‪ {:‬وَإِن مّن قَرْيَةٍ ِإلّ َنحْنُ ُمهِْلكُوهَا قَ ْبلَ َي ْومِ ا ْلقِيَامَةِ َأوْ ُمعَذّبُوهَا عَذَابا شَدِيدا كَانَ ذالِك‬
‫سطُورا }[السراء‪]58 :‬‬
‫فِي ا ْلكِتَابِ مَ ْ‬
‫وبطبيعة الحال؛ فهذا ما يحدث ليّ قرية ظالم أهلُها؛ لن الحق سبحانه ل يظلم مِثْقال ذرة‪.‬‬
‫وأذكر أن تفسير النسفي قد صُودِر في عصر سابق؛ لن صاحب التفسير قال عند تفسيره لهذه‬
‫الية‪ " :‬حدثني فلن عن فلن أن البلد الفلني سيحصل فيه كذا؛ والبلد الخر سوف يحدث فيه كذا‬
‫إلى أن جاء إلى مصر وقال بالنص‪ :‬ويدخل مصر رجل من جهينة‪ ،‬فويْل لهلها‪ ،‬ووَيْل لهل‬
‫سوريا‪ ،‬ووَيْل لهل ال ّرمْلة‪ ،‬ووَيْل لهل فلسطين‪ ،‬ول يدخل بيت المقدس "‪.‬‬
‫ومادام الحق سبحانه قد قال‪... {:‬كَانَ ذالِك فِي ا ْلكِتَابِ َمسْطُورا }[السراء‪]58 :‬‬
‫فهو يُعلّم بعضا من خلقه بعضا من أسراره‪ ،‬فل مانعَ من أن نرى بعضا من تلك السرار على‬
‫ألسنتهم‪ .‬وحين ذاعت تلك الحكاية‪ ،‬وقالوها للرئيس الذي كان موجودا‪ ،‬وقالوا له‪ :‬أنت من جهينة‬
‫وهم يقصدونك‪ .‬صُودِر تفسير النسفي‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إذن‪ :‬فقد ترك الحق سبحانه لنا في الدنيا مثلً يؤكد صِدْقه فيما يحكيه عن الوعيد لبعض القرى‬
‫حتى نُصدّق ما يمكن أن يكون بعد يوم القيامة‪ .‬وحين يقول الحق سبحانه‪َ { :‬ومَآ َأهَْلكْنَا مِن قَرْيَةٍ‬
‫ل وََلهَا كِتَابٌ ّمعْلُومٌ } [الحجر‪]4 :‬‬
‫ِإ ّ‬
‫فليس لحد أن يقول‪ " :‬إن ذلك لم يحدث للبلد الفلني " لن ُكلّ َأمْر له أجَل‪.‬‬
‫جَلهَا َومَا َيسْتَأْخِرُونَ }‬
‫ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك‪ { :‬مّا َتسْبِقُ مِنْ ُأمّةٍ أَ َ‬

‫(‪)1792 /‬‬
‫مَا تَسْ ِبقُ مِنْ ُأمّةٍ َأجََلهَا َومَا َيسْتَأْخِرُونَ (‪)5‬‬

‫أي‪ :‬أنه سبحانه قد جعل لكل أمة أجلً‪ ،‬وغاية‪ ،‬فإذا ما انتهى الجل المعلوم جاءتْ نهايتها؛ فل‬
‫كائنَ يتقدّم على أجله‪ ،‬ول أحدَ يتأخر عن موعد نهايته‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك‪َ { :‬وقَالُواْ ياأَ ّيهَا الّذِي نُ ّزلَ‪} ...‬‬

‫(‪)1793 /‬‬
‫َوقَالُوا يَا أَ ّيهَا الّذِي نُ ّزلَ عَلَيْهِ ال ّذكْرُ إِ ّنكَ َل َمجْنُونٌ (‪)6‬‬

‫وهم هنا يسخرون من الرسول ومن القرآن؛ ذلك أنهم لو كانوا يؤمنون بالقرآن وبالرسول؛ َلمَا‬
‫وصفوه صلى ال عليه وسلم بالجنون‪ .‬والذين قالوا ذلك هم أربعة من كبار الكفار‪ :‬عبد ال بن‬
‫أبي أمية‪ ،‬والنضر بن الحارث‪ ،‬ونوفل بن خويلد‪ ،‬والوليد بن المغيرة‪ .‬وقيل عن ابن عباس‪ :‬إنهم‬
‫الوليد بن المغيرة المخزومي؛ وحبيب بن عمرو الثقفي‪ .‬وقيل عن مجاهد‪ :‬إنهم عتبة بن ربيعة‪،‬‬
‫وكنانة بن عبد ياليل‪.‬‬
‫والظاهر من قولهم هو التناقض الواضح؛ َف ُهمْ ـ شاءوا أم أ َبوْا ـ يعترفون بالقرآن بأنه " ِذكْر " ‪،‬‬
‫وال ّذكْر في اللغة له عدة َمعَانٍ‪ ،‬منها الشرف‪ ،‬وقد أُطلِق على القرآن‪ ،‬كما قال الحق سبحانه‪ {:‬وَإِنّهُ‬
‫س ْوفَ ُتسْأَلُونَ }[الزخرف‪]44 :‬‬
‫ك وَ َ‬
‫ك وَِل َق ْومِ َ‬
‫لَ ِذكْرٌ ّل َ‬
‫وسبق لهم أن تلمّسُوا في هذا القرآن هناتٍ؛ فلم يجدوا‪ ،‬فكيف َيصِفون مَنْ نُزّل عليه هذا القرآن‬
‫بالجنون؛ وهم الذين شهدوا له من قَبْل بالصدق والمانة‪.‬‬
‫عظِيمٍ }‬
‫خلُقٍ َ‬
‫وقد شاء الحق سبحانه أن يُنصِف رسوله صلى ال عليه وسلم فقال‪ {:‬وَإِ ّنكَ َلعَلَىا ُ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫[القلم‪]4 :‬‬
‫وهم في اتهامهم للرسول صلى ال عليه وسلم لم يلتفتوا إلى أنهم قد خاطبوه بقولهم‪( :‬يا أيها)‪،‬‬
‫وهو خطاب يتطابق مع نفس الخطاب الذي يخاطبه به ال؛ وهكذا أجرى الحق سبحانه على‬
‫ألسنتهم توقيرا واحتراما للرسول صلى ال عليه وسلم دون أنْ يشعروا‪ ،‬وذلك من مشيئته سبحانه‬
‫حين يُنطِق أهل العناد بالحق دون أن يشعروا‪.‬‬
‫فقد قال الحق سبحانه عن المنافقين أنهم قالوا‪ {:‬لَ تُن ِفقُواْ عَلَىا مَنْ عِندَ رَسُولِ اللّهِ حَتّىا‬
‫يَنفَضّواْ‪[} ...‬المنافقون‪]7 :‬‬
‫أي‪ :‬ل تنفقوا على مَنْ عند النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬حتى يجوعوا‪ ،‬فينفضوا من حوله‪ .‬وهم‬
‫يقولون عنه " رسول ال " ‪ ،‬فهل آمنوا بذلك؟ أم أن هذا من غلبة الحق؟‬
‫ويتابع سبحانه ما جاء على ألسنتهم‪ّ { :‬لوْ مَا تَأْتِينَا بِا ْلمَل ِئكَةِ‪} ...‬‬

‫(‪)1794 /‬‬
‫َلوْ مَا تَأْتِينَا بِا ْلمَلَا ِئكَةِ إِنْ كُ ْنتَ مِنَ الصّا ِدقِينَ (‪)7‬‬

‫حثّ وعلى رغبة المُتكلّم في أن يُوجد السامع ما بعدها‪ ،‬ومن‬
‫ونعلم أن في اللغة ألفاظا تدل على ال َ‬
‫هذه اللفاظ " لول " و " لوما "‪ .‬و " لول " تجئ للتمنّي ورغبة ما يكون بعدها‪ ،‬وإن كان ما بعدها‬
‫نفيا فهو رغبة منك أل يكون‪ ،‬مثل قولك " لو جاء زيد لكرمته " لكن لمجيء لم يحدث‪ ،‬وكذلك‬
‫الكرام‪.‬‬
‫وقد قال الكفار هنا ما أورده الحق سبحانه على ألسنتهم‪ّ { :‬لوْ مَا تَأْتِينَا بِا ْلمَل ِئكَةِ‪[ } ...‬الحجر‪]7 :‬‬
‫وسبق لهم أنْ قالوا‪َ... {:‬لوْل أُن ِزلَ إِلَيْهِ مََلكٌ فَ َيكُونَ َمعَهُ نَذِيرا }[الفرقان‪]7 :‬‬
‫وكأنهم يطلبون نزول ملَك مع الرسول ليُؤنسه ولِيُصدّقوا أنه رسول من عند ال‪ ،‬فهل كان‬
‫تصديقهم المُعلّق على هذا الشرط؛ تصديقا للرسول‪ ،‬أم تصديقا للملك؟‬
‫وسبق أن تناول القرآنُ هذا المر في قول الحق سبحانه‪َ {:‬ومَا مَنَعَ النّاسَ أَن ُي ْؤمِنُواْ ِإذْ جَآءَهُمُ‬
‫ا ْلهُدَىا ِإلّ أَن قَالُواْ أَ َب َعثَ اللّهُ بَشَرا رّسُولً }[السراء‪]94 :‬‬
‫وكأنهم علقوا اليمان بالرسول على شرط أنه ليس ملكا؛ بل من صنف البشر‪ ،‬وجاء الرد عليهم‪{:‬‬
‫سمَآءِ مَلَكا رّسُولً }[السراء‪:‬‬
‫طمَئِنّينَ لَنَزّلْنَا عَلَ ْيهِم مّنَ ال ّ‬
‫قُل َلوْ كَانَ فِي الَ ْرضِ مَل ِئكَةٌ َيمْشُونَ مُ ْ‬
‫‪]95‬‬
‫إذن‪ :‬فلو نزل رسول من السماء ملَكا؛ َلمَا استطاع أن يمشي في الرض مطمئنا؛ فضلً عن أنه ل‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يمكن أن يكون أُسْوة وقدوة للبشر؛ لنه من جنس آخر غير البشر‪.‬‬
‫ولو نزل عليهم ملك كما زعموا‪ ،‬وقال لهم‪ :‬افعل ول تفعل‪ ،‬واستقيموا واستغفروا‪ ،‬وسبّحوه ُبكْرة‬
‫وأصيل‪ ،‬لردّوا عليه قائلين أنت مَلكَ ينطبق عليك قول الحق‪... {:‬لّ َي ْعصُونَ اللّهَ مَآ َأمَرَ ُهمْ‬
‫وَيَ ْفعَلُونَ مَا ُي ْؤمَرُونَ }[التحريم‪]6 :‬‬
‫وأنت ل تصلح أُسْوة لنا‪ .‬ثم كيف تتكلمون مع ملَك وهو من طبيعة مختلفة‪ ،‬ولن يستطيع البشر أن‬
‫يرتفعوا إلى مُسْتواه ليأخذوا منه‪ ،‬وهو لن يستطيع أن ينزلَ إلى مستوى البشرية ليأخذوا منه؛‬
‫ولذلك شاء الحق سبحانه أن يرسل الرسول من جنس البشر‪.‬‬
‫وهكذا أبطل الحق سبحانه حُجّتهم في عدم اليمان بالرسول؛ لنه لم ي ْأتِ من جنس الملئكة؛‬
‫حجّتهم في طلبهم أن ينزل مع الرسول ملئكة؛ لِيُؤيّدوه في صِدْق بلغه عن ال‪.‬‬
‫وأبطل ُ‬
‫ولذلك يقول الحق سبحانه من بعد ذلك‪ { :‬مَا نُنَ ّزلُ ا ْلمَل ِئكَةَ ِإلّ بِالحَقّ‪} ...‬‬

‫(‪)1795 /‬‬
‫مَا نُنَ ّزلُ ا ْلمَلَا ِئكَةَ إِلّا بِا ْلحَقّ َومَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (‪)8‬‬

‫وهكذا يُعلّمنا الحق سبحانه أنه ل يُنزّل الملئكة إل بمشيئة حكمته سبحانه‪ ،‬ولو نزل الملَك ـ كما‬
‫طلبوا ـ لمساعدة رسول ال صلى ال عليه وسلم في البلغ عن ال‪ ،‬فالملَك إما أن يكون على‬
‫هيئة البشر؛ فلن يستطيعوا تمييز المَلَك من البشر‪ ،‬وإما أن يكون على هيئة الملك‪ ،‬فل يستطيع‬
‫البشر أنْ يروْه؛ وإلّ هلكوا‪.‬‬
‫ذلك أن البشر ل تستطيع تحمّل التواصل مع القوة التي أودعها ال في الملئكة‪.‬‬
‫لمْرُ ُث ّم لَ يُنظَرُونَ }[النعام‪]8 :‬‬
‫ضيَ ا َ‬
‫والحق سبحانه هو القائل‪... {:‬وََلوْ أَنزَلْنَا مَلَكا ّلقُ ِ‬
‫ولو جعله الحق سبحانه في هيئة البشر وتواصلوا معه للتبس عليهم المر‪ ،‬ولَظنّوا أن الملَك بشرٌ‬
‫مثلهم‪.‬‬
‫علَ ْيهِم مّا يَلْبِسُونَ }[النعام‪:‬‬
‫ل وَلَلَبَسْنَا َ‬
‫جعَلْنَاهُ رَجُ ً‬
‫جعَلْنَاهُ مَلَكا لّ َ‬
‫وفي هذا يقول الحق سبحانه‪ {:‬وََلوْ َ‬
‫‪]9‬‬
‫لم يُنزِل الحق سبحانه الملئكة؛ لنه لم يَشَأْ أن ُيهِلكهم ورسولُ ال فيهم‪ ،‬فالحق سبحانه قد قال‪{:‬‬
‫َومَا كَانَ اللّهُ لِ ُيعَذّ َب ُه ْم وَأَنتَ فِي ِه ْم َومَا كَانَ اللّهُ ُمعَذّ َب ُه ْم وَهُمْ َيسْ َتغْفِرُونَ }[النفال‪ ]33 :‬وقد آمن‬
‫معظمهم ودخلوا في دين ال من بعد ذلك واستغفروا لذنوبهم‪ ،‬وكان ال غفورا رحيما؛ لن السلم‬
‫جبّ ما قبله‪.‬‬
‫يُ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وحين ننظر إلى صَدْر الية نجد أنه سبحانه قال‪ { :‬مَا نُنَ ّزلُ ا ْلمَل ِئكَةَ ِإلّ بِالحَقّ‪[ } ...‬الحجر‪]8 :‬‬
‫فلو نزلت الملئكة لكان عذابا لهم‪ ،‬فالحق سبحانه إذا أعطى قوما آية طلبوها‪ ،‬فإما أن يؤمنوا‪،‬‬
‫سلَ بِاليَاتِ ِإلّ أَن َك ّذبَ ِبهَا‬
‫وإما أن يهلكهم‪ ،‬ولذلك يقول الحق سبحانه‪َ {:‬ومَا مَ َنعَنَآ أَن نّرْ ِ‬
‫لوّلُونَ‪[} ...‬السراء‪]59 :‬‬
‫اَ‬
‫فالحق سبحانه لم يُجبهم إلى اليات والمعجزات التي طلبوها؛ لن السابقين لهم‪ ،‬كذّبوا بها قبل‬
‫ذلك‪ ،‬وهم يريدون أن يُكذّبوا أيضا‪ ،‬فحتى لو نزلت الية فسيكذبونها‪ ،‬وحين يكذبون في آية‬
‫مقترحة من عندهم‪ ،‬فل ُبدّ أن نهلكهم‪ .‬أما لو كذبوا في آية مُنزّلة من عند ال فإن ال يمهلهم‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فلو نزلنا الملئكة كما يريدون فسننزلهم بالحق‪ ،‬والحق هو أن نهلكهم إذا كذّبوا‪.‬‬
‫ويذيل الحق سبحانه الية بقوله‪َ ...{ :‬ومَا كَانُواْ إِذا مّنظَرِينَ } [الحجر‪]8 :‬‬
‫جلُ المشركين قد حانَ ليُنزل ال لهم الملئكة لهلكهم‪ ،‬كما سبق وأهلك المم‬
‫أي‪ :‬ما كان أ َ‬
‫السابقة التي طلبتْ اليات‪ ،‬فنزلت لهم كما طلبوها‪ ،‬وَلمّا لم يُصدّقوا ويؤمنوا أهلكهم ال‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك‪ { :‬إِنّا نَحْنُ نَزّلْنَا ال ّذكْرَ‪} ...‬‬

‫(‪)1796 /‬‬
‫إِنّا نَحْنُ نَزّلْنَا ال ّذكْ َر وَإِنّا َلهُ َلحَافِظُونَ (‪)9‬‬

‫والقرآن قد جاء بعد كُتب متعددة‪ ،‬وكان كل كتاب منها يحمل منهج ال؛ إل أن أيّ كتاب منها لم‬
‫َيكُنْ معجزة؛ بل كانت ال ُمعْجزة تنزل مع أيّ رسول سبق سيدنا رسول ال صلى ال عليه وسلم‪،‬‬
‫وعادة ما تكون المعجزة من صنف ما نبغ فيه القوم الذين نزل فيهم‪.‬‬
‫وما دام المنهج مفصولً عن المعجزة؛ فقد طلب الحق سبحانه من الحاملين لكتب المنهج تلك أنْ‬
‫يحافظوا عليها‪ ،‬وكان هذا تكليفا من الحق سبحانه لهم‪ .‬والتكليف ـ كما نعلم ـ عُرْضة أنْ ُيطَاع‪،‬‬
‫وعُرْضة أنْ يُعصى‪ ،‬ولم يلتزم أحد من القوام السابقة بحفظ الكُتب المنزّلة إليهم‪.‬‬
‫حكُمُ ِبهَا النّبِيّونَ الّذِينَ‬
‫ونجد الحق ـ سبحانه وتعالى ـ يقول‪ {:‬إِنّآ أَنزَلْنَا ال ّتوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ َي ْ‬
‫حفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ‪[} ...‬المائدة‪]44 :‬‬
‫ن وَالَحْبَارُ ِبمَا اسْ ُت ْ‬
‫أَسَْلمُواْ لِلّذِينَ هَادُو ْا وَالرّبّانِيّو َ‬
‫أي‪ :‬أن الحق ـ سبحانه وتعالى ـ قد كلّفهم وطلب منهم أنْ يحفظوا كتبهم التي تحمل منهجه؛‬
‫عصَوا أمر الحق سبحانه وتكليفه‬
‫وهذا التكليف عُرْضة أنْ يطاع‪ ،‬وعُرْضة أنْ يُعصى؛ وهم قد َ‬
‫بالحفظ؛ ذلك أنهم حرّفوا وبدلوا وحذفوا من تلك الكتب الكثير‪.‬‬
‫ق وَهُمْ َيعَْلمُونَ }[البقرة‪]146 :‬‬
‫حّ‬
‫وقال الحق سبحانه عنهم‪... {:‬وَإِنّ فَرِيقا مّ ْنهُمْ لَ َيكْ ُتمُونَ الْ َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫بل وأضافوا من عندهم كلما وقالوا‪ :‬هو من عند ال؛ لذلك قال فيهم الحق سبحانه‪َ {:‬فوَيْلٌ لّلّذِينَ‬
‫َيكْتُبُونَ ا ْلكِتَابَ بِأَ ْيدِيهِمْ ثُمّ َيقُولُونَ هَـاذَا مِنْ عِ ْندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ َثمَنا قَلِيلً َفوَيْلٌ ّلهُمْ ّممّا كَتَ َبتْ‬
‫أَيْدِيهِمْ وَوَ ْيلٌ ّلهُمْ ّممّا َيكْسِبُونَ }[البقرة‪]79 :‬‬
‫وهكذا ارتكبوا ذنوب الكذب وعدم المانة‪ ،‬ولم يحفظوا الكتب الحاملة لمنهج ال كما أنزلها ال‬
‫على أنبيائه ورُسله السابقين على رسول ال صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫ولذلك لم يَشَأ الحق سبحانه أن يترك مهمة حفظ القرآن كتكليف منه للبشر؛ لن التكليف عُرْضة‬
‫أن يطاع وعُرْضة أنْ يُعصى‪ ،‬فضلً عن أن القرآن يتميز عن الكتب السابقة في أنه يحمل‬
‫المنهج‪ ،‬وهو المعجزة الدالة على صِدْق بلغ رسول ال صلى ال عليه وسلم في نفس الوقت‪.‬‬
‫ولذلك قال الحق سبحانه‪ { :‬إِنّا َنحْنُ نَزّلْنَا ال ّذكْرَ وَإِنّا لَهُ َلحَافِظُونَ } [الحجر‪]9 :‬‬
‫وال ّذكْر إذا أُطلِق انصرف المعنى إلى القرآن؛ وهو الكتاب الذي يحمل المنهج؛ وسبحانه قد شاء‬
‫حفْظه؛ لنه المعجزة الدائمة الدالة على صدق بلغ رسوله صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫ِ‬
‫وكان الصحابة يكتبون القرآن َفوْرَ أن ينزل على رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ووجدنا في‬
‫عصرنا من هم غير مؤمنين بالقرآن؛ ولكنهم يتفنّنون في وسائل حفْظه؛ فهناك مَنْ طبع المصحف‬
‫في صفحة واحدة؛ وسخّر لذلك مواهب أُناسٍ غير مؤمنين بالقرآن‪.‬‬
‫وحدث مثل ذلك حين تَمّ تسجيل المصحف بوسائل التسجيل المعاصرة‪ .‬وفي ألمانيا ـ على سبيل‬
‫حفْظ كل ما يتعلق بكل آية من القرآن في مكان مُعيّن مُحدّد‪.‬‬
‫المثال ـ توجد مكتبة يتم ِ‬
‫حفْظه وعمره سبع سنوات؛‬
‫ن ينقطع لحفظ القرآن منذ الطفولة‪ ،‬ويُنهي ِ‬
‫وفي بلدنا المسلمة نجد مَ ْ‬
‫وإنْ سألته عن معنى كلمة يقرؤها فقد ل يعرف هذا المعنى‪.‬‬
‫ومن أسرار عظمة القرآن أن البعض ِممّنْ يحفظونه ل يملكون أية ثقافة‪ ،‬ولو وقف الواحد من‬
‫هؤلء عند كلمة؛ فهو ل يستطيع أن يستكملها بكلمةٍ ذات معنى ُمقَارب لها؛ إلى أنْ يردّه حافظٌ‬
‫آخر للقرآن‪.‬‬
‫حفْظ الحق سبحانه لكتابه الكريم؛ نجد أن البعض قد حاول أن يُدخِل على القرآن‬
‫ولكي نعرف ِدقّة ِ‬
‫ما ليس فيه‪ ،‬وحاول تحريفه من مدخل‪ ،‬يروْنَ أنه قريب من قلب كل مسلم‪ ،‬وهو توقير الرسول‬
‫حمّدٌ رّسُولُ اللّهِ وَالّذِينَ َمعَهُ َأشِدّآءُ عَلَى‬
‫صلى ال عليه وسلم؛ وجاءوا إلى قول الحق سبحانه‪ {:‬مّ َ‬
‫حمَآءُ بَيْ َنهُمْ‪[} ...‬الفتح‪]29 :‬‬
‫ا ْل ُكفّارِ ُر َ‬
‫وأدخلوا في هذه الية كلمة ليست فيها‪ ،‬وطبعوا مصحفا غيّروا فيه تلك الية بكتابتها " محمد‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم " وأرادوا بذلك أن‬
‫يسرقوا عواطف المسلمين‪ ،‬ولكن العلماء عندما أمسكوا بهذا المصحف أمروا بإعدامه وقالوا‪ " :‬إن‬
‫به شيئا زائدا " ‪ ،‬فردّ مَنْ طبع المصحف " ولكنها زيادة تحبونها وتُوقّرونها " ‪ ،‬فردّ العلماء‪ " :‬إن‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫القرآن توقيفيّ؛ نقرؤه ونطبعه كما نزل "‪.‬‬
‫وقامت ضَجّة؛ وحسمها العلماء بأن أيّ زيادة ـ حتى ولو كانت في توقير رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم ومحبته ـ ل تجوز في القرآن‪ ،‬لن علينا أن نحفظ القرآن كما لقّنه جبريل لمحمد‬
‫صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك‪ } :‬وََلقَدْ أَ ْرسَلْنَا مِن قَبِْلكَ‪{ ...‬‬

‫(‪)1797 /‬‬
‫وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبِْلكَ فِي شِيَعِ الَْأوّلِينَ (‪)10‬‬

‫وهنا يُسلّى الحق سبحانه رسوله الكريم‪ ،‬ويوضح له أن ما حدث له من إنكار ليس بِدعا‪ ،‬بل حدث‬
‫له من إنكار ليس بدعا‪ ،‬بل حدث مثله مع غيره من الرسل سواء من إنكار أو تجاهل أو سخرية‪.‬‬
‫وإذا كنت أنت سيد الرسل وخاتم النبياء؛ فلبُدّ أن تكون مشقتك على قَدْر مهمتك‪ ،‬ولبُدّ أن يكون‬
‫تعبُك على َقدْر جسامة الرسالة الخاتمة‪.‬‬
‫و { شِ َيعِ‪[ } ...‬الحجر‪]10 :‬‬
‫تعني الجماعة الذين اجتمعوا على مذهب واحد؛ سواء كان ضللً أم حقا‪ .‬والمثَل على مَنِ‬
‫س ُكمْ شِيَعا‪[} ...‬النعام‪]65 :‬‬
‫اجتمعوا على باطل هو قوله الحق‪َ {:‬أوْ يَلْبِ َ‬
‫والمثَل على مَنْ اجتمعوا على الحق قوله سبحانه‪ {:‬وَإِنّ مِن شِيعَ ِت ِه لِبْرَاهِيمَ }[الصافات‪]83 :‬‬
‫وهكذا تكون كلمة (شِيع) تعني الجماعة التي اجتمعت على الحق أو الباطل‪.‬‬
‫لوّلِينَ } [الحجر‪]10 :‬‬
‫وقول الحق سبحانه‪ { :‬وََلقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبِْلكَ فِي شِ َي ِع ا َ‬
‫يعني أنك لن تكون أقلّ من الرّسل السابقين عليك‪ ،‬بل قد تكون رحلتك في الرسالة شاقّة بما‬
‫يناسب مهمتك‪ ،‬ويناسب إمامتك للرسل وختامك للنبياء‪.‬‬
‫ويُكمِل سبحانه ما حدث للرسل السابقين على رسالة رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فيقول‪:‬‬
‫{ َومَا يَأْتِيهِم مّن رّسُولٍ‪} ...‬‬

‫(‪)1798 /‬‬
‫َومَا يَأْتِي ِهمْ مِنْ رَسُولٍ إِلّا كَانُوا بِهِ َيسْ َتهْزِئُونَ (‪)11‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ونجد كلمة‪...{ :‬يَسْ َتهْزِئُونَ } [الحجر‪]11 :‬‬
‫ونجد أن الحق سبحانه قد أوضح هذا الستهزاء حين قالوا‪... {:‬ياأَ ّيهَا الّذِي نُ ّزلَ عَلَيْهِ ال ّذكْرُ إِ ّنكَ‬
‫َلمَجْنُونٌ }[الحجر‪]6 :‬‬
‫وكأن الحق سبحانه يُوضّح له أن الستهزاء قد يزيد‪ ،‬وذلك دليلٌ على أنك قد بلغتَ منهم مَبْلغ‬
‫الكَيْد‪ ،‬ولو كان كيدُك قليلً لخفّفوا كَيْدهم؛ ولكنك جئتَ بأمر قاس عليهم‪ ،‬وهدمت لهم مذاهبهم‪،‬‬
‫وهدمت حتى سيادتهم وكذلك سطوتهم‪ ،‬ولم يجدوا غير الستهزاء ليقاوموك به‪.‬‬
‫ومعنى ذلك أنهم عجزوا عن مقاومة منهجك؛ ويحاولون بالستهزاء أن يحققوا لك الخور‬
‫لتضعف؛ معتمدين في ذلك على أن كل إنسان يحب أن يكون كريما في قومه ومعززا مكرما‪.‬‬
‫وهنا يريد الحق سبحانه من رسوله أن يُوطّن نفسه على أنه سيُستهزأ به وسيُحارب؛ وس ُي ْؤذَى؛‬
‫لن المهمة صعبة وشاقّة‪ ،‬وكلما اشتدت معاندتك وإيذاؤك‪ ،‬فاعلم أن هذه من حيثيات ضرورة‬
‫مهمتك‪.‬‬
‫ولذلك نجد الرسول صلى ال عليه وسلم قبل أن يتأكد من مهمته؛ أخذته زوْجه خديجة بنت خويلد‬
‫ـ رضي ال عنها ـ عند ورقة بن نوفل؛ وعرف ورقة أنه سَيُؤذَى‪ ،‬وقال ورقة لرسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ :‬ليتني أكون حيا حين يُخرِجك قومك‪ .‬فتساءل الرسول صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫جيّ هُم؟ قال ورقة‪ :‬نعم‪ ،‬لم يأت رجل بمثل ما جئتَ به إل عُودِي‪ ،‬وإن يدركني يومك‬
‫أمُخ ِر ِ‬
‫أنصرك نصرا مؤزرا‪.‬‬
‫وهكذا شاء الحق سبحانه أن يصحب نزول الرسالة أن يُحصّنه ضد ما سيحصل له‪ ،‬ليكون عنده‬
‫المناعة التي تقابل الحداث؛ فمادام سيصير رسولً‪ ،‬فليعلم أن الطريق مَحْفوف باليذاء‪ ،‬وبذلك ل‬
‫يُفاجأ بوجود مَنْ يؤذيه‪.‬‬
‫ن وبها يستعد لمواجهة الحياة في مكان به وباء يحتاج‬
‫ونحن نعلم أن المناعة تكون موجودة عند مَ ْ‬
‫إلى َمصْل مضاد من هذا الوباء؛ لِيقيَ نفسه منه‪ ،‬وهذا ما يحدث في الماديات‪ ،‬وكذلك الحال في‬
‫المعنويات‪.‬‬
‫ولهذا يُوضّح سبحانه هذا المر لرسوله صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ولتزداد ثقته في الحق الذي بعثه به‬
‫ربّه‪ ،‬ويشتدّ في المحافظة على تنفيذ منهجه‪.‬‬
‫والستهزاء ـ كما نعلم ـ َلوْنٌ من الحرب السلبية؛ فهم لم يستطيعوا مواجهة ما جاء به رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم بالجد‪ ،‬ول أنْ يردّوا منهجه الراقي؛ لذلك لجئوا إلى السّخْرية من رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ولم تنفعهم سخريتهم في النّيْل من الرسول‪ ،‬أو النّيْل من السلم وفي‬
‫هذا المعنى‪ ،‬يقول لنا الحق سبحانه عن مصير الذين يسخرون من الرسول صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫{ َكذَِلكَ نَسُْلكُهُ فِي قُلُوبِ‪} ...‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫(‪)1799 /‬‬
‫كَذَِلكَ نَسُْل ُكهُ فِي قُلُوبِ ا ْلمُجْ ِرمِينَ (‪)12‬‬

‫و " سلك الشيء " أي‪ :‬أدخله‪ ،‬كما نُدخِل الخيط في ثقب البرة‪.‬‬
‫سقَرَ * قَالُواْ لَمْ َنكُ مِنَ ا ْل ُمصَلّينَ }[المدثر‪]43-42 :‬‬
‫والحق سبحانه يقول‪ {:‬مَا سََل َككُمْ فِي َ‬
‫أي‪ :‬ما أدخلكم في النار؛ فتأتي إجابتهم‪َ {:‬لمْ َنكُ مِنَ ا ْل ُمصَلّينَ }[المدثر‪]43 :‬‬
‫وهنا يقول الحق سبحانه‪ { :‬كَذَِلكَ َنسُْلكُهُ فِي قُلُوبِ ا ْل ُمجْ ِرمِينَ } [الحجر‪]12 :‬‬
‫أي‪ :‬كما سلكنا الكفر والتكذيب والستهزاء في قلوب شيع الولين‪ ،‬كذلك نُدخِله في قلوب‬
‫المجرمين‪.‬‬
‫يعني‪ :‬مشركي مكّة‪ ،‬لنهم أدخلوا أنفسهم في دائرة الشرك التي دعتهم إلى هذا الفعل‪ ،‬فنالوا جزاءَ‬
‫ما فعلوا مثل ما سبق من أقوام مثلهم؛ وقد يجد من تلك القلوب تصديقا يكذبونه بألسنتهم‪ ،‬مثلما قال‬
‫سهُمْ‪[} ...‬النمل‪]14 :‬‬
‫حدُواْ ِبهَا وَاسْتَ ْيقَنَ ْتهَآ أَنفُ ُ‬
‫الحق سبحانه‪ {:‬وَجَ َ‬
‫فهم أمة بلغة ولغةٍ وبيانٍ؛ وقد أثّر فيهم القرآن بحلوته وطلوته؛ ولكنه العناد‪ ،‬وها هو واحد‬
‫منهم يقول‪:‬‬
‫" إن له لحلوة‪ ،‬وإن عليه لطلوة‪ ،‬وإن أعله َلمُثمِر‪ ،‬وإن أسفله لمغدق "‪.‬‬
‫لقد قال ذلك كافر بالرسول والرسالة‪.‬‬
‫ونعلم أن الذين استمعوا إلى القرآن نوعان؛ والحق سبحانه هو القائل عن أحدهما‪َ {:‬ومِ ْنهُمْ مّن‬
‫يَسْ َتمِعُ إِلَ ْيكَ حَتّىا إِذَا خَ َرجُواْ مِنْ عِن ِدكَ قَالُواْ لِلّذِينَ أُوتُواْ ا ْلعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفا ُأوْلَـا ِئكَ الّذِينَ طَ َبعَ‬
‫علَىا قُلُو ِبهِمْ وَاتّ َبعُواْ أَ ْهوَآءَ ُهمْ }[محمد‪]16 :‬‬
‫اللّهُ َ‬
‫أي‪ :‬أن قوله ل يعجبهم وما يتلوه عليهم ل يستحق السماع‪ ،‬فقال الحق سبحانه ردا عليهم‪ُ ... {:‬قلْ‬
‫عمًى }[فصلت‪]44 :‬‬
‫ن لَ ُي ْؤمِنُونَ فِي آذَا ِن ِه ْم َوقْرٌ وَ ُهوَ عَلَ ْي ِهمْ َ‬
‫شفَآ ٌء وَالّذِي َ‬
‫ُهوَ لِلّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَ ِ‬
‫وهي مسألة ـ كما أقول دائما ـ تتعلق بالقابل الذي يستقبل الحدث؛ إما أنْ يُصفّي قلبه ليستقبل‬
‫ن يكون قلبه والعياذ بال ـ ُممْتلِئا بالكفر‪ ،‬فل يستقبل شيئا من كتاب الحق‪.‬‬
‫القرآن؛ وإما أ ْ‬
‫وقد حدث أن ادخل الحق سبحانه كتبه السماوية في قلوب القوام السابقة على رسول ال‪ ،‬ولكنهم‬
‫لفساد ضمائرهم وظُلْمة عقولهم؛ سخروا من تلك الكتب‪ ،‬ولم يؤمنوا بها‪.‬‬
‫و َيصِف الحق سبحانه هؤلء المجرمين بقوله‪ { :‬لَ ُي ْؤمِنُونَ ِب ِه َوقَدْ خََلتْ‪} ...‬‬

‫(‪)1800 /‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫خَلتْ سُنّةُ الَْأوّلِينَ (‪)13‬‬
‫لَا ُي ْؤمِنُونَ ِب ِه َوقَدْ َ‬

‫وهكذا يوضح الحق سبحانه أن قلوب الكفرة ل تلين باليمان؛ ول تُحسِن استقبال القرآن‪ ،‬ذلك أن‬
‫قلوبهم ُممْتلئة بالكفر‪ ،‬تماما كما حدث من القوام السابقة‪ ،‬فتلك سُنة مَنْ سبقوهم إلى الكفر‪.‬‬
‫والسّنة هي الطريقة التي تأتي عليها قضايا النتائج للمُقدّمات وهي أولً وأخيرا قضايا واحدة‪.‬‬
‫ومرة نجد الحق سبحانه يقول‪ {:‬سُنّةَ اللّهِ فِي الّذِينَ خََلوْاْ مِن قَ ْبلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنّةِ اللّهِ تَ ْبدِيلً }‬
‫[الحزاب‪]62 :‬‬
‫ونعلم أن الضافة تختلف حَسْب ما يقتضيه التعبير‪ .‬فـ (سنة الولين) تعني المور الكونية التي‬
‫قدرها ال لعباده‪ .‬و(سنة ال) تعني سُنّة منسوبة ل‪ ،‬ومن سنن الحق سبحانه أن يُهلك المُكذّبين‬
‫للرسل إنْ طلبوا آية فجاءتهم‪ ،‬ثم واصلوا الكفر‪.‬‬
‫سمَاءِ‪} ...‬‬
‫ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك‪ { :‬وََلوْ فَتَحْنَا عَلَ ْيهِم بَابا مّنَ ال ّ‬

‫(‪)1801 /‬‬
‫سكّ َرتْ أَ ْبصَارُنَا َبلْ نَحْنُ َقوْمٌ‬
‫سمَاءِ َفظَلّوا فِيهِ َيعْ ُرجُونَ (‪َ )14‬لقَالُوا إِ ّنمَا ُ‬
‫وََلوْ فَ َتحْنَا عَلَ ْيهِمْ بَابًا مِنَ ال ّ‬
‫مَسْحُورُونَ (‪)15‬‬

‫وهم قد طلبوا أن ينزل إليهم مََلكٌ من السماء؛ لذلك نجد الحق سبحانه هنا يأتيهم بدليل أقوى ِممّا‬
‫طلبوا‪ ،‬ذلك أن نزول مَلَك من السماء هو أسهل بكثير من أن يُن ِزلَ من السماء سُلّما يصعدون‬
‫عليه‪ ،‬وفي هذا ارتقاء في الدليل؛ لكنهم يرتقون أيضا في الكفر‪ ،‬وقالوا‪ :‬إن حدث ذلك فَلَسوفَ‬
‫يكون من فعل السحر‪.‬‬
‫ولو كان محمد صلى ال عليه وسلم ساحرا لَسحرهم‪ ،‬وجعلهم جميعا مؤمنين‪ ،‬وعلى الرغم من أن‬
‫مثْل هذا المر كان يجب أن يكون بديهيا بالنسبة لهم‪ ،‬لكنهم يتمادوْنَ في الكفر‪ ،‬ويقولون‪ :‬إنه لو‬
‫نزّل سُلّما من السماء وصعدوا عليه؛ لَكانَ ذلك بفعل السحر؛ ولكانَ رسول ال هو الذي سحرهم؛‬
‫وأعمى أبصارهم‪ ،‬ولَجعلهم يتوهمون ذلك‪.‬‬
‫وكأن معنى هذا القول الكريم‪ :‬لو ارتقينا في مطلبهم‪ ،‬وأنزلنا لهم سُلّما يصعدون به إلى أعلى؛‬
‫ليقولوا‪ :‬إن الحق هو الذي بعث محمدا بالرسالة‪ ،‬بدلً من أن ينزل إليهم ملك حسب مطلبهم؛ َلمَا‬
‫آمنوا بل لقالوا‪ :‬إن هذا من فعل سحر قام به محمد ضدهم‪ .‬وهكذا يرتقون في العناد والجحود‪.‬‬
‫ولبُدّ أن نلحظ أن الحق سبحانه قد جاء هنا بكلمة‪ { :‬فَظَلّواْ‪[ } ...‬الحجر‪]14 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ولم يقل " وكانوا " ‪ ،‬ذلك أن " كان " تُستخدمِ ِلمُطلْق الزمن‪ ،‬و " ظل " للعمل نهارا‪ ،‬و " أمسى "‬
‫للعمل ليلً‪ ،‬أي‪ :‬أن كل كلمة لها َوقْت مكتوب‪ ،‬والمقصود من " ظَلّوا " هنا أن الحق سبحانه لن‬
‫ينزل لهم السّلّم الذي يعرجُون عليه إل في منتصف النهار‪ ،‬ولكنهم أصرّوا على الكفر‪.‬‬
‫لذلك قال سبحانه‪...{ :‬فَظَلّواْ فِيهِ َيعْ ُرجُونَ } [الحجر‪]14 :‬‬
‫أي‪ :‬لن نأخذهم بالليل‪ ،‬حتى ل يقولوا إن الدنيا كانت مظلمة ولم نر شيئا‪ ،‬ولكنه سيكون في وضح‬
‫النهار‪ .‬أي‪ :‬أن ال حتى لو فتح بابا في السماء يصعدون منه إلى المل العلى في وضح النهار‬
‫لكذّبوا‪.‬‬
‫سمَاءِ‪} ...‬‬
‫جعَلْنَا فِي ال ّ‬
‫وبعد ذلك ينقلنا الحق سبحانه إلى الكون لِيُرينَا عجيبَ آياته‪ ،‬فيقول‪ { :‬وََلقَدْ َ‬

‫(‪)1802 /‬‬
‫سمَاءِ بُرُوجًا وَزَيّنّاهَا لِلنّاظِرِينَ (‪)16‬‬
‫جعَلْنَا فِي ال ّ‬
‫وَلَقَدْ َ‬

‫ت وََلوْ كُنتُمْ فِي‬
‫والبروج تعني المباني العالية‪ ،‬والحق سبحانه هو القائل‪ {:‬أَيْ َنمَا َتكُونُواْ يُدْرِككّمُ ا ْل َموْ ُ‬
‫بُرُوجٍ مّشَيّ َدةٍ‪[} ...‬النساء‪]78 :‬‬
‫سمَآءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ }[البروج‪]1 :‬‬
‫وهو سبحانه القائل‪ {:‬وَال ّ‬
‫والمعنى الجامع لكل هذا هو الزينة المُلْفتة بجِرْمها العالي؛ وقد تكون مُ ْلفِتة بجمالها الخّاذ‪.‬‬
‫والبروج هي جمع بُرْج؛ وهي منازل الشمس والقمر؛ فكلما تحركت الشمس في السماء تنتقل من‬
‫برج إلى آخر؛ وكذلك القمر‪ ،‬مصداقا لقول الحق سبحانه‪... {:‬كُلّ فِي فََلكٍ يَسْ َبحُونَ }[النبياء‪]33 :‬‬
‫عدَدَ السّنِينَ‬
‫س ضِيَآ ًء وَا ْل َقمَرَ نُورا َوقَدّ َرهُ مَنَا ِزلَ لِ َتعَْلمُواْ َ‬
‫شمْ َ‬
‫ج َعلَ ال ّ‬
‫وهو سبحانه القائل‪ُ {:‬هوَ الّذِي َ‬
‫وَالْحِسَابَ‪[} ...‬يونس‪]5 :‬‬
‫ضوْء تلك الحركة لكل من الشمس والقمر‪ ،‬ونحن حين نفتح أيّ‬
‫أي‪ :‬لنضبط كل التوقيتات على َ‬
‫حمَل‪ ،‬وبرج الجدي‪ ،‬وبرج‬
‫جريدة نقرأ ما يُسمّى بأبواب الطالع‪ ،‬وفيه أسماء البراج‪ :‬برج ال َ‬
‫العذراء؛ وغيرها‪ ،‬وهي أسماء سريانية للمنازل التي تنزلها أبراج النجوم‪ .‬ويقول الشاعر‪:‬حَملَ‬
‫جوْزَة السرطَانِ ورعَى الل ْيثُ سُنبل المِيزَانِعقربَ القوس جَدي دَلْو وحُوت ما عرفنَا من أُمة‬
‫الثورُ َ‬
‫السّريّانِ‪.‬وهم اثنا عشر برجا‪ ،‬ولكل برج مقاييس في الجو والطقس‪ .‬وحين نقرأ القرآن نجد قول‬
‫جمِ هُمْ َيهْتَدُونَ }[النحل‪]16 :‬‬
‫ت وَبِالنّ ْ‬
‫الحق سبحانه‪ {:‬وَعَلمَا ٍ‬
‫والبعض يحاول أن يجد تأثيرا لكل برج على المواليد الذين يُولدون أثناء ظهور هذا البرج‪ ،‬ولعل‬
‫مَنْ يقول ذلك يصل إلى َفهْم لبعض من أسرار ال في كونه؛ ذلك أنه سبحانه قد أقسم بمواقع‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عظِيمٌ }[الواقعة‪]76-75 :‬‬
‫النجوم‪ ،‬وقال‪ {:‬فَلَ ُأ ْقسِمُ ِب َموَاقِعِ النّجُومِ * وَإِنّهُ َلقَسَمٌ ّلوْ َتعَْلمُونَ َ‬
‫وهناك مَنْ يقول‪ :‬إن لكل إنسان نجما يُولَد معه ويموت معه؛ لذلك ُيقَال " هوى نجم فلن " ‪،‬‬
‫ونحن ل نجزم بصِحة أو عدم صِحّة مثل هذه المور؛ لنه لم تثبُت علميا‪ ،‬والحق سبحانه أعلم‬
‫بأسراره‪ ،‬وقد يُعلمها لبعضٍ من خَلْقه‪.‬‬
‫سمَاءِ‬
‫جعَلْنَا فِي ال ّ‬
‫وهنا في الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها نجد قول الحق سبحانه‪ { :‬وَلَقَدْ َ‬
‫بُرُوجا‪[ } ...‬الحجر‪]16 :‬‬
‫جعْل لتأثيرها في الجو‪ ،‬أو لنها‬
‫أي‪ :‬أن هناك تأكيدا لوجود تلك البروج في السماء‪ ،‬وليس هذا ال َ‬
‫علمات نهتدي بها‪ ،‬فضلً عن تأثيرها على الحرارة والرطوبة والنباتات‪ ،‬ولكنها فوق كل ذلك‬
‫تؤدي مُهمة جمالية كبيرة‪ ،‬وهي أن تكون زينة لكل مَنْ ينظر إليها‪.‬‬
‫لذلك قال الحق سبحانه‪ { :‬وَزَيّنّاهَا لِلنّاظِرِينَ } [الحجر‪]16 :‬‬
‫ذلك أن الشيء قد يكون نافعا؛ لكن ليس له قيمة جمالية؛ وشاء الحق سبحانه أن يجعل للنجوم قيمة‬
‫جمالية‪ ،‬ذلك أنه قد خلق النسان‪ ،‬ويعلم أن لنفسه مَلكاتٍ مُتعددة‪ ،‬و ُكلّ مَلَكةٍ لها غذاء‪.‬‬
‫فغذاءُ العين المنظر الجميل؛ والذن غذاؤها الصوت الجميل‪ ،‬والنف غذاؤه الرائحة الطيبة؛‬
‫واللسان يعجبه المذاق الطيب‪ ،‬واليد يعجبها المَ ْلمَس الناعم؛ وهذا ما نعرفه من غذاء المَلَكات‬
‫للحواس الخمس التي نعرفها‪.‬‬
‫وهناك مَلَكات أخرى في النفس النسانية؛ تحتاج كل منها إلى غذاء معين‪ ،‬وقد يُسبّب أخذ مَلَكة‬
‫من مَلَكات النفس لكثر المطلوب لها من غذاء أن َتفْسد تلك المَلَكة؛ وكذلك قد يُسبّب الحرمان‬
‫لِملَكة ما فسادا تكوينيا في النفس البشرية‪.‬‬
‫والنسان المتوازن هو مَنْ يُغذّي مَلَكاته بشكل مُتوازن‪ ،‬ويظهر المرض النفسي في بعض الحيان‬
‫نتيج ًة لنقص غذاء مَلَكة ما من المَلَكات النفسية‪ ،‬ويتطلب علجُ هذا المرض رحلةً من البحث عن‬
‫المَلَكة الجائعة في النفس البشرية‪.‬‬
‫وهكذا نجد في النفس النسانية مَلَكة لرؤية الزينة‪ ،‬وكيف تستميل الزينة النفس البشرية؟ ونجد‬
‫المثَل الواضح على ذلك هو وجود مهندسي ديكور يقومون بتوزيع الضاءة في البيوت بأشكال‬
‫فنية مختلفة‪.‬‬
‫ولذلك يقول الحق سبحانه عن أبراج النجوم‪...} :‬وَزَيّنّاهَا لِلنّاظِرِينَ { [الحجر‪]16 :‬‬
‫حمِيرَ لِتَ ْركَبُوهَا‬
‫ل وَالْ ِبغَالَ وَا ْل َ‬
‫ونجده سبحانه يقول عن بعض ِنعَمه التي أنعم بها علينا‪ {:‬وَالْخَ ْي َ‬
‫وَزِينَةً‪[} ...‬النحل‪]8 :‬‬
‫وهكذا يمتنّ علينا الحق سبحانه بجمال ما خلق وسخّره لنا‪ ،‬ول يتوقف المر عند ذلك‪ ،‬بل هي في‬
‫ح ِملُ أَ ْثقَاَلكُمْ ِإلَىا بَلَدٍ لّمْ َتكُونُواْ بَاِلغِيهِ ِإلّ بِشِقّ الَنفُسِ إِنّ رَ ّب ُكمْ‬
‫خدمة النسان في أمور أخرى‪ {:‬وَ َت ْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لَ َرؤُوفٌ رّحِيمٌ }[النحل‪]7 :‬‬
‫جمَالٌ‬
‫وهو سبحانه وتعالى الذي جعل تلك الدواب لها منظر جميل؛ فهو سبحانه القائل‪ {:‬وََلكُمْ فِيهَا َ‬
‫ن وَحِينَ تَسْ َرحُونَ }[النحل‪]6 :‬‬
‫حِينَ تُرِيحُو َ‬
‫وهو سبحانه لم يخلق النعم لنستخدمها فقط في أغراضها المتاحة؛ ولكن بعضا منها يروي‬
‫أحاسيس الجمال التي خلقها فينا سبحانه‪ .‬وكلما تأثرنا بالجمال وجدنا الجميل‪ ،‬وفي توحيده تفريد‬
‫لجلله‪.‬‬
‫حفِظْنَاهَا مِن ُكلّ شَ ْيطَانٍ‪{ ...‬‬
‫ويقول سبحانه عن السماء والبروج‪ } :‬وَ َ‬

‫(‪)1803 /‬‬
‫حفِظْنَاهَا مِنْ ُكلّ شَ ْيطَانٍ رَجِيمٍ (‪)17‬‬
‫وَ َ‬

‫ونعلم أن الشياطين كانوا يسترقون السمع لبعض من منهج ال الذي نزل على الرسل السابقين‬
‫لرسول ال صلى ال عليه وسلم؛ وكانوا يحاولون أن يُضيفوا لها من عندهم ما يُفسِد معناها‪ ،‬وما‬
‫أنْ جاء رسول ال صلى ال عليه وسلم حتى منع كل هذا بأمر من الحق سبحانه‪ ،‬ويقول جل‬
‫عُلَه‪ {:‬وَإِنّ الشّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى َأوْلِيَآ ِئهِمْ لِ ُيجَادِلُوكُمْ‪[} ...‬النعام‪]121 :‬‬
‫ولذلك نجد الشياطين تقول ما ذكره الحق سبحانه على ألسنتهم في كتابه العزيز‪ {:‬وَأَنّا َل َمسْنَا‬
‫سمْعِ َفمَن يَسْ َتمِعِ النَ َيجِدْ‬
‫شهُبا * وَأَنّا كُنّا َن ْقعُدُ مِ ْنهَا َمقَاعِدَ لِل ّ‬
‫سمَآءَ َفوَجَدْنَاهَا مُلِ َئتْ حَرَسا شَدِيدا وَ ُ‬
‫ال ّ‬
‫شهَابا ّرصَدا * وَأَنّا لَ نَدْرِي َأشَرّ أُرِيدَ ِبمَن فِي الَ ْرضِ أَمْ أَرَادَ ِبهِمْ رَ ّبهُمْ رَشَدا }[الجن‪-8 :‬‬
‫لَهُ ِ‬
‫‪]10‬‬
‫وهكذا علمنا أنهم كانوا يسترقون السمع؛ ويأخذون ِبضْعا من كلمات المنهج ويزيدون عليها؛ فتبدو‬
‫حفِظْنَاهَا مِن ُكلّ شَيْطَانٍ‬
‫بها حقيقة واحدة وألف كذبة‪ .‬وشاء الحق سبحانه أن ُيكّذب ذلك؛ فقال‪َ { :‬و َ‬
‫رّجِيمٍ } [الحجر‪]17 :‬‬
‫والشيطان كما نعلم هو عاصي الجن‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك‪ِ { :‬إلّ مَنِ اسْتَرَقَ‪} ...‬‬

‫(‪)1804 /‬‬
‫شهَابٌ مُبِينٌ (‪)18‬‬
‫سمْعَ فَأَتْ َبعَهُ ِ‬
‫إِلّا مَنِ اسْتَ َرقَ ال ّ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وكلمة‪ { :‬اسْتَرَقَ‪[ } ...‬الحجر‪]18 :‬‬
‫تُحدّد المعنى بدقة‪ ،‬فهناك مَنْ سرق؛ وهناك مَنْ استرق؛ فالذي سرق هو مَنْ دخل بيتا على سبيل‬
‫المثال‪ ،‬وأخذ يُعبّئ ما فيه في حقائب‪ ،‬ونزل من المنزل على راحته لينقلها حيث يريد‪.‬‬
‫ن يوجد في‬
‫لكن إنْ كان هناك أحد في المنزل؛ فاللص يتحرك في استخفاء؛ خوفا من أن يضبطه مَ ْ‬
‫المنزل ليحفظه؛ وهكذا يكون معنى " استرقَ " الحصول على السرقة مقرونة بالخوف‪.‬‬
‫وقد كان العاصون من الجِنّ قبل رسول ال صلى ال عليه وسلم يسترقون السمع للمنهج المُنزّل‬
‫على الرّسُل السابقين لرسول ال صلى ال عليه وسلم؛ واختلف المر بعد رسالته الكريمة؛ حيث‬
‫شاء الحق سبحانه أنْ يحرسَ السماء؛ وما أنْ يقترب منها شيطان حتى يتبعه شهاب ثاقب‪.‬‬
‫جذْوة تشبه قطعة الفحم المشتعلة؛ ويخرج منه‬
‫والشهاب هو النار المرتفعة؛ وهو عبارة عن َ‬
‫اللهب‪ .‬وهو ما يُسمّى بالشهاب‪.‬‬
‫سمُوم "‪ .‬وإنْ كان الدخان مُلْتويا‪ ،‬ويخرج منه‬
‫أما إذا كان اللهب بل ذؤابة من دخان؛ فهذا اسمه " ال ّ‬
‫اللهب‪ ،‬ويموج في الجو فيُسمى " مارج " حيث قال الحق سبحانه‪... {:‬مِن مّارِجٍ مّن نّارٍ }‬
‫[الرحمن‪]15 " :‬‬
‫سمُوم ومارج من نار‪.‬‬
‫وهكذا نجد السماء محروسة بالشهب وال ّ‬
‫ويقول سبحان من بعد ذلك‪ { :‬وَالَرْضَ مَ َددْنَاهَا وَأَ ْلقَيْنَا‪} ...‬‬

‫(‪)1805 /‬‬
‫شيْءٍ َموْزُونٍ (‪)19‬‬
‫ي وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ ُكلّ َ‬
‫سَ‬
‫وَالْأَ ْرضَ َمدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا َروَا ِ‬

‫وحين نسمع كلمة الرض فنحن نتعرف على المقصود منها‪ ،‬ذلك أنه ليس مع العين أَيْن‪ .‬والمّدّ‬
‫هو المتداد الطبيعي ِلمَا نسير عليه من أيّ مكان في الرض‪.‬‬
‫وهذه هي اللفتة التي يلفتنا لها الحق سبحانه؛ فلو كانت الرض مُربعة؛ أو مستطيلة؛ أو مُثلثة؛‬
‫لوجدنا لها نهاية وحَافّة‪ ،‬لكِنّا حين نسير في الرض نجدها ُممْتدة‪ ،‬ولذلك فهي لبُد وأن تكون‬
‫مُدوّرة‪.‬‬
‫وهم يستدلون في العلم التجريبي على أن الرض كُروية بأن النسان إذا ما سار في خط مستقيم؛‬
‫فلسوف يعود إلى النقطة التي بدأ منها‪ ،‬ذلك أن مُنْحنى الرض مصنوعٌ بدقة شديدة قد ل تدرك‬
‫العين مقدارَ النحناء فيه ويبدو مستقيما‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سيَ‪[ } ...‬الحجر‪]19 :‬‬
‫وحين يقول الحق سبحانه‪ { :‬وَأَ ْلقَيْنَا فِيهَا َروَا ِ‬
‫يعني أشياء تثبتها‪ .‬ولقائل أنْ يتساءل‪ :‬مادامت الرض مخلوقةً على هيئة الثبات فهل كانت تحتاج‬
‫إلى مثبتات؟‬
‫ونقول‪ :‬لبد أن الحق سبحانه قد خلقها مُتحركة وعُرْضة لنْ تضطربَ؛ فخلق لها المُثقّلت‪،‬‬
‫وهكذا نكون قد أخذنا من هذه الية حقيقتين؛ التكوير والدوران‪.‬‬
‫وهناك آية أخرى يقول فيها الحق سبحانه‪ {:‬وَتَرَى الْجِبَالَ َتحْسَ ُبهَا جَامِ َد ًة وَ ِهيَ َتمُرّ مَرّ السّحَابِ‪...‬‬
‫}[النمل‪]88 :‬‬
‫ونفهم من هذا القول الكريم أن حركة الجبال ليست ذاتيةً بل تابعة لحركة الرض؛ كما يتحرك‬
‫الحساب تبعا لحركة الرياح‪.‬‬
‫وشاء سبحانه أن يجعل الجبال رواسي مُثّبتات للرض كي ل تميدَ بنا؛ فل تميل َيمْنة أو يَسْرة‬
‫أثناء حركتها‪.‬‬
‫شيْءٍ ّموْزُونٍ } [الحجر‪]19 :‬‬
‫ويقول الحق سبحانه‪...{ :‬وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن ُكلّ َ‬
‫وأنبت سبحانه من الرض ُكلّ شيء موزون بدقّة تناسب الجو والبيئة‪ ،‬ويضم العناصر اللزمة‬
‫لستمرار الحياة‪.‬‬
‫جعَلْنَا َل ُكمْ فِيهَا َمعَايِشَ‪} ...‬‬
‫ويقول سبحانه من بعد ذلك‪ { :‬وَ َ‬

‫(‪)1806 /‬‬
‫ش َومَنْ لَسْ ُتمْ لَهُ بِرَا ِزقِينَ (‪)20‬‬
‫جعَلْنَا َلكُمْ فِيهَا َمعَايِ َ‬
‫وَ َ‬

‫في هذا القول يمتنّ علينا سبحانه بأنه جعل لنا في الرض وسائل للعيش؛ ولم يك َتفِ بذلك‪ ،‬بل‬
‫جعل فيها رزقَ ما نطعمه نحن من الكائنات التي تخدمنا؛ ومن نبات وحيوان‪ ،‬ووقود‪ ،‬وما يلهمنا‬
‫إياه لنطور حياتنا من أساليب الزراعة والصناعة؛ وفوق ذلك أعطانا الذرية التي َتقَرّ بها العين‪،‬‬
‫وكل ذلك خاضع لمشيئته وتصرّفه‪.‬‬
‫شيْءٍ ِإلّ عِندَنَا‪} ...‬‬
‫ويقول سبحانه من بعد ذلك‪ { :‬وَإِن مّن َ‬

‫(‪)1807 /‬‬
‫شيْءٍ إِلّا عِ ْندَنَا خَزَائِنُ ُه َومَا نُنَزّلُهُ إِلّا ِبقَدَرٍ َمعْلُومٍ (‪)21‬‬
‫وَإِنْ مِنْ َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫شيْءٍ‪[ } ...‬الحجر‪]21 :‬‬
‫وقوله الحق‪ { :‬وَإِن مّن َ‬
‫أي‪ :‬أنه ل يوجد جنس من الجناس إل وله خزائنُ عند ال سبحانه‪ ،‬فالشيء الذي قد تعتبره تافها‬
‫له خزائن؛ وكذلك الشيء النفيس‪ ،‬وهو سبحانه يُنزِل كل شيء بقدَرٍ؛ حتى الكتشافات العلمية‬
‫يُنزِلها بقدَرٍ‪.‬‬
‫وحين نحتاج إلى أيّ شيء مخزون في أسرار الكون؛ فنحن نُعمِل عقولنا الممنوحة لنا من ال‬
‫لنكتشف هذا الشيء‪ .‬والمثل هو الوقود وكُنا قديما نستخدم خشب الشجار والحطب‪.‬‬
‫شجَرَ َتهَآ أَمْ َنحْنُ ا ْلمُنشِئُونَ }[الواقعة‪:‬‬
‫وسبحانه هو القائل‪َ {:‬أفَرَأَيْتُمُ النّارَ الّتِي تُورُونَ * أَأَن ُتمْ أَنشَأْ ُتمْ َ‬
‫‪]72-71‬‬
‫واتسعت احتياجات البشر فاكتشفوا الفحم الذي كان أصله نباتا مطمورا أو حيوانا مطمورا في‬
‫الرض؛ ثم اكتُشِف البترول‪ ،‬وهكذا‪.‬‬
‫أي‪ :‬أنه سبحانه لن يُنشِئ فيها جديدا‪ ،‬بل أعدّ سبحانه كل شيء في الرض‪ ،‬وقدّر فيها القوات‬
‫من قبل أنْ ينزِل آدم عليه السلم إلى الرض من جنة التدريبِ لِيعمُرَ الرض‪ ،‬ويكون خليفة ل‬
‫فيها‪ ،‬هو وذريته كلها إلى أن تقومَ الساعة‪.‬‬
‫فإذا شكوْنَا من شيء فهذا مَرْجعه إلى التكاسل وعدم حُسْن استثمار ما خلقه ال لنا وقدّره من‬
‫أرزاقنا في الرض‪ .‬ونرى التعاسة في كوكب الرض رغم التقدّم العلمي والتّقني؛ ذلك أننا‬
‫نستخدم ما كنزه الحق سبحانه ليكون مجال سعادة لنا في الحروب والتنافر‪.‬‬
‫ولو أن ما يُصرف على الحروب؛ تم توجيهه إلى تنمية المجتمعات المختلفة لَعاشَ الجميع في‬
‫وفرة حقيقية‪ .‬ولكن سوء التنظيم وسوء التوزيع الذي نقوم به نحن البشر هو المُسبّب الول لتعاسة‬
‫النسان في الرض؛ ذلك أنه سبحانه قد جعل الرض كلها للنام‪ ،‬فمن يجد ضيقا في موقع ما من‬
‫الرض فليتجه إلى موقع آخر‪.‬‬
‫ولكن العوامل السياسية وغير ذلك من الخلفات بين الناس تجعل في أماكن في الرض؛ رجالً‬
‫شيْءٍ ِإلّ‬
‫بل عمل؛ وتجعل في أماكن أخرى ثروة بل استثمار؛ ونتجاهل قوله سبحانه‪ { :‬وَإِن مّن َ‬
‫عِندَنَا خَزَائِنُهُ‪[ } ...‬الحجر‪]21 :‬‬
‫فلكل شيء في الرض خزائن؛ والخزينة هي المكان الذي ُتدّخر فيه الشياء النفيسة‪ ،‬والكون كله‬
‫مخلوق على هيئة أن الحق سبحانه قدّر في الرض أقواتا لكل الكائنات من َلدُن آدم إلى أن تقومَ‬
‫الساعة‪.‬‬
‫فإنْ حدث تضييق في الرزق فاعلموا أن حقا من حقوق ال قد ضُيّع‪ ،‬إما لنكم أهملتم استصلحَ‬
‫الرض وإحياء مواتها بقدر ما يزيد تعداد السكان في الرض‪ ،‬وإما أنكم قد كنزتُم ما أخذتُم من‬
‫الرض‪ ،‬وضننتُم ِبمَا اكتنزتموه على سواكم‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فإنْ رأيتَ فقيرا مُضيّعا فاعلم أن هناك غنيا قد ضَنّ عليه بما أفاض ال على الغني من رزق‪،‬‬
‫وإنْ رأيت عاجزا عن إدراك أسباب حياته فاعلم أن واحدا آخر قد ضَنّ عليه بقُوتِه‪.‬‬
‫وإنْ رأيت جاهلً فاعلم أن عالما قد ضَنّ عليه بعلمه‪ .‬وإنْ رأيت أخْرقَ فاعلم أن حكيما قد ضَنّ‬
‫عليه بحكمته؛ ف ُكلّ شيء مخزون في الحياة؛ حتى تسلم حركة الحياة؛ سلمةً تؤدي إلى التسانُد‬
‫والتعاضُد؛ ل إلى التعانُد والتضارب‪.‬‬
‫ونعلم أنه سبحانه قد أَعدّ لنا الكون بكُل ما فيه قبل أنْ يخلقنا؛ ولم يُكلّفنا قبل البلوغ؛ ذلك أنه عَلِم‬
‫ألً أن التكليف يُحدّد اختيار النسان لكثير من الشياء التي تتعلق بكل ملَكاتِ النفس؛ قُوتا ومَشْربا‬
‫ومَلْبسا ومسكنا وضَبْطا للهواء‪ ،‬كي ل ننساقَ في إرضاء الغرائز على حساب القِيمَ‪.‬‬
‫وشاء سبحانه ألّ يكون التكليف إل بعد البلوغ؛ حتى يستوفي ملكاتُ النفس القوةَ والقتدارَ‪ ،‬ويكون‬
‫طمَر له الحق‬
‫قادرا على إنجاب مثيل له‪ ،‬ولكي يكون هذا التكليف حُجّة على النسان‪ ،‬هذا الذي َ‬
‫سبحانه كل شيء إمّا في الرض؛ أو كان طمرا في النوع‪ ،‬أو في الجنس‪.‬‬
‫ل شيء في الكون موزون‪ ،‬إما أن يكون جِنْسا‪ ،‬أو َنوْعا‪ ،‬أو أفرادا؛ والميزان الذي توجد به كل‬
‫وكُ ّ‬
‫تلك العطاءات؛ إنما شاء به الحق سبحانه أن يهبَ الرب للكل؛ وليوافق الكثرة؛ وليعيش النسان‬
‫في حضْن اليمان‪ .‬وهكذا يكون عطاء ال لنا عطاءَ ربوبيةٍ‪ ،‬وعطاءَ ألوهيةٍ‪ ،‬والذكيّ حقا هو مَنْ‬
‫يأخذ العطاءين معا لتستقيم حياته‪.‬‬
‫سكْتُمْ خَشْ َي َة الِنْفَاقِ َوكَانَ‬
‫ح َمةِ رَبّي إِذا لمْ َ‬
‫والحق سبحانه هو القائل‪ {:‬قُل ّلوْ أَنْتُمْ َتمِْلكُونَ خَزَآئِنَ رَ ْ‬
‫النْسَانُ قَتُورا }[السراء‪]100 :‬‬
‫وذلك ليوضح لنا الحق سبحانه أن النسان يظنّ أن ذاتيته هي الصل‪ ،‬وأن نفعيته هي الصل‪،‬‬
‫س ِه ْم وََلوْ كَانَ ِب ِهمْ‬
‫وحتى في قضايا الدين؛ قد يتبع العبد قوله الحق‪ {:‬وَ ُيؤْثِرُونَ عَلَىا أَنفُ ِ‬
‫خصَاصَةٌ‪[} ...‬الحشر‪]9 :‬‬
‫َ‬
‫ومَنْ يفعل ذلك إنما يفعل في ظاهر المر أنه ُيؤْثِر الغيرَ على نفسه؛ ولكن الواقع الحقيقي أنه‬
‫يطمع فيما أعدّه ال له من حُسْن جزاء في الدنيا وفي الخرة‪.‬‬
‫ن يقول‪ :‬أنا ُأحِب اليمان؛ لن فيه‬
‫إذن‪ :‬فَأصْل العملية الدينية أيضا هو الذات؛ ولذلك نجد مَ ْ‬
‫حبّ الْخَيْرِ َلشَدِيدٌ }[العاديات‪]8 :‬‬
‫الخيرية‪ ،‬يقول الحق سبحانه‪ {:‬وَإِنّهُ ِل ُ‬
‫وفيه أنانية ذكية تتيح لصاحبها أَخْذ الثواب على كل عمل يقوم به لغيره‪ ،‬وهذا لون من النانية‬
‫الذكية النافعة؛ لنها انانية باقية‪ ،‬ولها عائد إيماني‪.‬‬
‫ونعلم أن الحق سبحانه لو شاء لجعل الناس كلهم أثرياء؛ ولم يجعل يدا عليا ويدا سفلي‪ ،‬لكنه‬
‫سبحانه لم يشأ ذلك؛ ليجعل النسان ابْنَ أغيار؛ ويعدل فيه ميزان اليمان‪ ،‬ولِي ُدكّ غرور الذات‬
‫على الذات‪ ،‬وليتعلم النسان أن غروره على ربّه لن ينال من ال شيئا‪ ،‬ولن يأتي للنسان بأي‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫شيء‪.‬‬
‫وكل مظاهر القوة في النسان ليست من عند النسان‪ ،‬وليست ذاتية فيه‪ ،‬بل هي موهوبة له من‬
‫ال؛ وهكذا شاء الحق سبحانه أنْ يُهذّب الناس لِيُحسِنوا التعامل مع بعضهم البعض‪.‬‬
‫ولذلك أوضح سبحانه أن عنده خزائنَ كل شيء‪ ،‬ولو شاء للقى ما فيها عليهم مرة واحدة؛ ولكنه‬
‫لم يُرد ذلك ليؤكد للنسان أنه ابْنُ أغيارٍ؛ ولِيلفتَهم إلى ُمعْطي كل النعم‪.‬‬
‫كما أن رتابة النعمة قد تُنسِي النسانَ حلوة الستمتاع بها‪ ،‬وعلى سبيل المثال أنت ل تجد إنسانا‬
‫يتذكّر عَيْنه إل إذا آلمتْه؛ وبذلك يتذكر نعمة البصر‪ ،‬بل وقد يكون َفقْد النعمة هو المُلفِت للنعمة‪،‬‬
‫وذلك لكي ل ينسي أحد أنه سبحانه هو المُنعِم‪.‬‬
‫ويقول سبحانه من بعد ذلك‪ } :‬وَأَرْسَلْنَا الرّيَاحَ َلوَاقِحَ‪{ ...‬‬

‫(‪)1808 /‬‬
‫سقَيْنَا ُكمُو ُه َومَا أَنْتُمْ َلهُ بِخَازِنِينَ (‪)22‬‬
‫سمَاءِ مَاءً فَأَ ْ‬
‫وَأَرْسَلْنَا الرّيَاحَ َلوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ ال ّ‬

‫والرسال هو ال ّدفْع للشيء من حَيّز إلى حَيّز آخر‪ ،‬وحين يقول سبحانه إنه أرسل الرياح؛ نجد أنها‬
‫ل مكان إلى ُكلّ مكان؛ فهي مُرْسَلة من هنا إلى هناك‪ ،‬ومن هناك إلى هنا‪.‬‬
‫مُرْسلَة من ُك ّ‬
‫وهكذا يكون كل مكان؛ هو موقع لرسال الرياح؛ وكل مكان هو موقع لستقبالهم؛ ولذلك نجد‬
‫لصِيبتْ البشرية بالكثير من‬
‫الرياح وهي تسير في َدوْرة مستمرة؛ ولو سكنتْ لمَا تحرّك الهواء‪ ،‬و ُ‬
‫الرض؛ ذلك أن الرياح تُجدّد الهواء‪ ،‬وتُنظّف المكنة من الرّكود الذي يُمكِن أن تصيرَ إليه‪.‬‬
‫ونعلم أن القرآن حين يتكلم عن الرياح بصيغة الجمع فهو حديث عن خير‪ ،‬والمثل هو قول الحق‬
‫حمَتِهِ‪[} ...‬العراف‪]57 :‬‬
‫سلُ الرّيَاحَ ُبشْرا بَيْنَ يَ َديْ َر ْ‬
‫سبحانه‪ {:‬وَ ُهوَ الّذِي يُرْ ِ‬
‫أما إذا أُفرد وجاء بكلمة " ريح " فهي للعذاب‪ ،‬مثل قوله‪ {:‬وََأمَا عَادٌ فَُأهِْلكُواْ بِرِيحٍ صَ ْرصَرٍ‬
‫عَاتِيَةٍ }[الحاقة‪]6 :‬‬
‫وهنا يقول الحق سبحانه‪ { :‬وَأَرْسَلْنَا الرّيَاحَ َلوَاقِحَ‪[ } ...‬الحجر‪]22 :‬‬
‫ولواقح جمع لقحة‪ ،‬وتُطلَق في اللغة مرّة على الناقة التي في بطنها جنين؛ ومرة تُطلَق على‬
‫اللقح الذي يلقح الغير ليصير فيه جنين؛ لن الحق سبحانه شاء أن يتكاثر كل ما في الكون؛‬
‫وجعل من ُكلّ زوجين اثنين؛ إما يتكاثر أو تتولد منه الطاقة؛ كالسالب والموجب في الكهرباء‪.‬‬
‫وهو القائل سبحانه‪ {:‬سُبْحَانَ الّذِي خَلَق الَ ْزوَاجَ كُّلهَا‪[} ...‬يس‪]36 :‬‬
‫سهِ ْم َو ِممّا لَ َيعَْلمُونَ }[يس‪]22 :‬‬
‫ض َومِنْ أَنفُ ِ‬
‫عدّد لنا فقال‪ِ ... {:‬ممّا تُن ِبتُ الَرْ ُ‬
‫ثم َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫جمّيز؛ التي ل يعلم الشخص الذي لم يدرس علم‬
‫وهناك أشياء ل يُدركها النسان مثل شجرة ال ُ‬
‫النبات كيف تتكاثر لتنبت وتُثمِر‪ ،‬ويعلم العالِم أن هناك شجرةَ جُميز تلعب دور النثى‪ ،‬وشجرةً‬
‫أخرى تلعب دور ال ّذكَر‪.‬‬
‫وكذلك شجرة التوت؛ وهناك شجرة ل تُعرَف فيه النثى من الذّكر؛ لنه مكمور توجد به الُنثى‬
‫وال ّذكَر‪ ،‬وقد ل تعرف أنت ذلك؛ لن الحق سبحانه جعل اللّقاحةَ خفيفةً للغاية؛ لتحملَها الريحُ من‬
‫مكان إلى مكان‪.‬‬
‫ونحن لم نَرَ كيف يتم لقاح شجرة الزيتون؛ أو شجرة المانجو‪ ،‬أو شجرة الجوافة‪ ،‬وذلك لنأخذ من‬
‫ذلك عبرةً على ِدقّة صَنْعته سبحانه‪.‬‬
‫والمثَل الذي أضربه دائما هو المياه التي تسقط على جبلٍ ما؛ وبعد أيام قليلة تجد الجبل وقد امتل‬
‫بالحشائش الخضراء؛ ومعنى هذا أن الجبل كانت توجد به بذور تلك الحشائش التي انتظرتْ الماء‬
‫لِتُنبت‪.‬‬
‫وتعرّف العلماء على أن الذكورة بعد أن تنضج في النبات فهي تنكشف وتنتظر الرياح والجو‬
‫المناسب والبيئة المناسبة لتنقلها من مكان إلى مكان‪.‬‬
‫ولهذا نجد بعضا من الجبال وهي خضراء بعد هبوب الرياح وسقوط المطر؛ ذلك أن حبوب اللقاح‬
‫انتقلت بالرياح‪ ،‬وجاء المطر لتجد النباتات فرص ًة للنمو‪.‬‬
‫ح نقلتْ للنصف الخضر حبوبَ‬
‫جدْب؛ لن الريا َ‬
‫وقد تجد جبلً من الجبال نصفه أخضر ونصفه َ‬
‫اللقاح‪ ،‬ولم تنقل الحبوب للنصف الثاني من الجبل؛ ولذلك نجد الحق سبحانه قد جعل للرياح دورةً‬
‫تنتقل بها من مكان لمكان‪ ،‬وتدور فيها بكل الماكن‪.‬‬
‫سمَآءِ مَاءً‪[ { ...‬الحجر‪]22 :‬‬
‫ويتابع سبحانه في نفس الية‪ } :‬فَأَنزَلْنَا مِنَ ال ّ‬
‫وقد تبيّن لنا أن المياه نفسها تنشأ من عملية تلقيح؛ وبه ذكورة وأنوثة‪.‬‬
‫سقَيْنَا ُكمُوهُ َومَآ أَنْ ُتمْ لَهُ ِبخَازِنِينَ { [الحجر‪]22 :‬‬
‫وفي هذا المعنى يقول الحق سبحانه‪...} :‬فََأ ْ‬
‫أي‪ :‬أنكم لن تخزنوا المياه لنكم غير مأمونين عليه‪ ،‬وإذا كان ال قد هدانا إلى أن نخزنَ المياه‪،‬‬
‫فذلك من عطاء ال؛ فل يقولنّ أحد‪ :‬لقد بنينا السدود؛ بل ُقلْ‪ :‬هدانا ال لِنبنيها؛ بعد أن يسقطَ‬
‫المطر؛ ذلك أن المطر لو لم يسقط َلمَا استطعنا تخزينَ المياه‪.‬‬
‫وعلى هذا يكون سبحانه هو الذي خزنَ المياه حين أنزله من السماء بعد أنْ هدانا لنبنيَ السدود‪.‬‬
‫وأنت حين تريد كوبا من الماء المُقطّر؛ تذهب إلى الصيدلي لِيُسخّن الماء في جهاز مُعيّن؛ ويُحوّله‬
‫إلى بخار‪ ،‬ثم يُكثّف هذا البخار لِيصِيرَ ماء مُقطّرا‪ ،‬وكل ذلك يتمّ في الكون‪ ،‬وأنت ل تدري به‪.‬‬
‫ويقول سبحانه من بعد ذلك‪ } :‬وَإنّا لَ َنحْنُ نُحْيِي وَ ُنمِيتُ‪{ ...‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫(‪)1809 /‬‬
‫ت وَنَحْنُ ا ْلوَارِثُونَ (‪)23‬‬
‫وَإِنّا لَنَحْنُ ُنحْيِي وَ ُنمِي ُ‬

‫وفي ظاهر المر كان من ال ُم ْمكِن أن يقول الحق‪ " :‬إنّا نُميت ونُحيي "؛ لنه سبحانه يخاطبنا ونحن‬
‫أحياء‪ ،‬ولكن الحق سبحانه أراد بهذا القول أن يلفتنا أن ننظر إلى الموت الول‪ ،‬وهو العدم‬
‫المَحْض الذي أنشأنا منه‪ ،‬وهو سبحانه القائل‪َ {:‬وكُنْتُمْ َأ ْموَاتا فََأحْيَاكُمْ ُثمّ ُيمِي ُتكُمْ ثُمّ يُحْيِيكُمْ ثُمّ إِلَ ْيهِ‬
‫جعُونَ }[البقرة‪]28 :‬‬
‫تُرْ َ‬
‫والكلم في تفصيل الموت يجب أن نُفرّق فيه بين العدم المَحْض والعدم بعد وجود؛ فالعدم ال َمحْض‬
‫هو ما كان قبل أن نُخلَق؛ ثم أوجدنا ال لنكون أحياء؛ ثم يميتنا من بعد ذلك‪ ،‬ثم يبعثنا من بعد ذلك‬
‫للحساب‪.‬‬
‫وهنا في الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يكون الكلم عن الموت الذي يحدث بعد أن يهبَنا‬
‫الُ الحياةُ‪ ،‬ثم نقضي ما كتبه لنا من أجَل‪.‬‬
‫ثم يُذيّل الحق سبحانه الية بقوله‪...{ :‬وَنَحْنُ ا ْلوَارِثُونَ } [الحجر‪]23 :‬‬
‫وهذا القول يعني أن هناك تركة كبيرة؛ وهي هذا الكون الذي خلقه سبحانه ليستخلفنا فيه‪ .‬ونحن لم‬
‫ضفْ شيئا لهذا الكون الذي خلقه ال؛ لنك إنْ نظرتَ إلى كمية المياه أو الغذاء التي في الكون‪،‬‬
‫ُن ِ‬
‫وكُل مقومات الحياة َلمَا وجدتَ شيئا يزيد أو ينقص؛ فالماء تشربه لِيرو ِيكَ‪ ،‬ثم يخرج عرقا وبولً؛‬
‫ومن بعد الموت يتحلّل الجسم ليتبخرَ منه الماء‪ ،‬وهذا يجري على كل الكائنات‪.‬‬
‫وحين يتناول الحق سبحانه في هذه الية َأمْر الموت والحياة وعودة الكون في النهاية إلى مُنْشئِه‬
‫سبحانه؛ فهو يُحدّثنا عن أمرين يعتوران حياة كل موجود؛ هما الحياة والموت‪ ،‬وكلهما يجري‬
‫على ُكلّ الكائنات؛ ف ُكلّ شيء له مدة يَحْياها‪ ،‬وأجل يقضيه‪.‬‬
‫وكل شيء يبدأ مهمة في الحياة فهو يُولّد؛ وكل شيء يُنهِي مهمته في الحياة ـ بحسب ما قدره ال‬
‫له ـ فهو يموت؛ وإنْ كنا نحن البشر بحدود إدراكنا ل نعي ذلك‪.‬‬
‫جهَهُ‪[} ...‬القصص‪]88 :‬‬
‫ل وَ ْ‬
‫شيْءٍ هَاِلكٌ ِإ ّ‬
‫وهو سبحانه القائل‪ُ {:‬كلّ َ‬
‫إذن‪ :‬ف ُكلّ شيء يُطلَق عليه " شيء " مصيره إلى هلك؛ ومعنى ذلك أنه كان حيا؛ ودليلنا على أنه‬
‫حيّ عَن بَيّنَةٍ‪[} ...‬النفال‪]42 :‬‬
‫كان حيا هو قول الحق‪ {:‬لّ َيهِْلكَ مَنْ هََلكَ عَن بَيّنَةٍ وَيَحْيَىا مَنْ َ‬
‫وهكذا نعلم أن كل ما له مهمة في الحياة له حياة تناسبه؛ و َفوْر أن تنتهي المهمة فهو يهلك‬
‫ويموت‪ ،‬والحق سبحانه وتعالى يرث كل شيء بعد أن يهلك كل مَنْ له حياة‪ ،‬وهو سبحانه القائل‪{:‬‬
‫جعُونَ }[مريم‪]40 :‬‬
‫ض َومَنْ عَلَ ْيهَا وَإِلَيْنَا يُرْ َ‬
‫إِنّا نَحْنُ نَ ِرثُ الَ ْر َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهو بذلك يرث التارك والمتروك؛ وهو الخالق لكل شيء‪ .‬ويختلف ميراث الحق سبحانه عن‬
‫ميراث الخَلْق؛ بأن المخلوق حين يرث آخر؛ فهو يُودِعه التراب أولً‪ ،‬ثم يرث ما ترك؛ أما الحق‬
‫سبحانه فهو يرث الثنين معا‪ ،‬المخلوق وما ترك‪.‬‬
‫ولذلك نحن نرى مَنْ يعز عليهم ميت؛ قد يُمسِكون بالخشبة التي تحمل الجثة‪ ،‬ويرفضون من فَرْط‬
‫المحبة أن تخرج من منزله؛ ولو تركناه لهم لمدة أسبوع ورمّت الجثة؛ سيتوسّلون ِلمَنْ يحمل‬
‫الجثث أن يحملَه لِيُوارِيه التراب‪ ،‬ثم يبدأون في مناقشة ما يرثونه من الفقيد‪.‬‬
‫وهم بذلك يَرِثون المتروك بعد أن أودعوا التارك للتراب‪ ،‬وإذا كان التارك من الذين أحسنوا‬
‫اليمان والعمل فيدخل حياة جديدة هي أرغد بالتأكيد من حياته الدنيا؛ ولَسوفَ يأكل ويشرب دون‬
‫أن يتعبَ‪ ،‬وكل ما تمر على ذهنه رغبة فهي تتحقّق له‪ ،‬فهو في ضيافة المُنعِم العلى‪.‬‬
‫ويقول سبحانه من بعد ذلك‪ } :‬وََلقَدْ عَِلمْنَا ا ْلمُسْ َتقْ ِدمِينَ‪{ ...‬‬

‫(‪)1810 /‬‬
‫وَلَقَدْ عَِلمْنَا ا ْلمُسْ َتقْ ِدمِينَ مِ ْنكُ ْم وََلقَدْ عَِلمْنَا ا ْلمُسْتَ ْأخِرِينَ (‪)24‬‬

‫والمُستقدم هو مَنْ تقدّم بالحياة والموت؛ وهم مَنْ قبلنا من بشر وُأمَم‪ .‬والمُسْتأخِر هو مَنْ سيأتي من‬
‫بعدنا‪ .‬وسبحانه يعَلمُنَا بحكم أنه علم من قَبْل كلّ مستأخر؛ أي‪ :‬أنه عَلِم بنا من قبل أنْ نُوجد؛ ويعلم‬
‫بنا من َبعْد أن نرحلَ؛ فعِلْمه كامل وأزليّ؛ وفائدة هذا العلم أنه سيترتب عليه الجزاء؛ فنحن حين‬
‫أخذنا الحياة والرزق لم نُفلت بهما بعيدا؛ بل نجد ال قد عَلم أزلً بما فعل كل مِنّا‪.‬‬
‫وهناك مَنْ يقول إن هناك معنًى آخر؛ بأن الحق سبحانه يكتب مَنْ يسرع إلى الصلة ويتقدم إليها‬
‫َفوْر أن يسمع النداء لها‪ ،‬ويعلم مَنْ يتأخر عن القيام بأداء الصلة‪ ،‬ذلك أن تأثير كلمة " ال اكبر "‬
‫فيها من اليقظة والنتباه ما يُذكّرنا بأن ال أكبر من ُكلّ ما يشغلك‪.‬‬
‫ونعلم أن من إعجازات الذان أنه جعل النداء باسم " ال أكبر "؛ ولم َي ُقلْ‪ :‬ال كبير؛ وذلك احتراما‬
‫لما يشغلنا في الدنيا من موضوعات قد نراها كبيرة؛ ذلك أن الدنيا ل يجب أن ُتهَان؛ لنها ال َمعْبر‬
‫إلى الجزاء القادم في الخرة‪.‬‬
‫ولذلك أقول دائما‪ :‬إن الدنيا أهم من أن تُنسَى؛ وفي نفس الوقت هي أتفه من أنْ تكون غاية‪ ،‬فأنت‬
‫ن تعول؛ وليُعينك هذا القوتُ على العبادة‪.‬‬
‫في الدنيا تضرب في الرض وتسعى ِلقُوتِك وقُوتِ مَ ْ‬
‫جهْد في سبيل‬
‫ن ي ُوفّقه فيها‪ ،‬وأن يبذلَ كل َ‬
‫لذلك فل يحتقر أحد الدنيا؛ بل ليشكر ال ويدعوه أ ْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫نجاحه في عمله؛ فالعمل الطيب ينال عليه العبدُ حُسْن الجزاء؛ و َفوْر أن يسمعَ المؤمن " ال أكبر‬
‫"؛ فعليه أن يتج َه إلى مَنْ هو أكبر فعلً‪ ،‬وهو الحق سبحانه‪ ،‬وأن يؤدي الصلة‪ .‬هذا هو المعنى‬
‫المُستقى من المستقدِم للصلة والمُسْتأخِر عنها‪.‬‬
‫وهناك من العلماء مَنْ رأى ملحظَ شتّى في الية الكريمة فمعناها قد يكون عاما يشمل الزمن‬
‫كله؛ وقد تكون بمعنى خاص كمعنى المستقدم للصلة والمستأخِر عنها‪.‬‬
‫وقد يكون المعنى أشدّ خصوصية من ذلك؛ فنحن حين نُصلّي نقف صفوفا‪ ،‬ويقف الرجال أولً؛ ثم‬
‫الطفال؛ ثم النساء؛ ومن الرجال مَنْ يتقدّم الصفوف كَيْل تقع عيونه على امرأة؛ ومنهم مَنْ قد‬
‫يتحايل ويقف في الصفوف الخيرة ليرى النساء؛ فأوضح الحق سبحانه أن مثل هذه المور ل‬
‫تفوت عليه‪ ،‬فهو العالم بالسرار وأخفى منها‪.‬‬
‫أو‪ :‬أن يكون المعنى هو المُستقدمين إلى الجهاد في سبيل ال أو المتأخرين عن الجهاد في سبيله‪.‬‬
‫خلَ له بهذه المسألة‪.‬‬
‫ومَنْ يموت حَتْف أنفه ـ أي‪ :‬على فراشه ل دَ ْ‬
‫أما إنْ دعا داعي الجهاد‪ ،‬ويُقدّم نفسه للحرب ويُقاتل وينال الشهادة‪ ،‬فالحق ـ سبحانه وتعالى ـ‬
‫يعلم مَنْ تقدّم إلى لقائه محبةً وجهادا لِرفعة شأن الدين‪.‬‬
‫حبّ‬
‫وقد يكون في ظاهر المر وفي عيون غيره ِممّنْ يكرهون الحياة؛ ولكنه في حقيقة المر مُ ِ‬
‫للحياة بأكثر ِممّنْ يدّعون حُبّها؛ لنه امتلك اليقين اليماني بأن خالقَ الدنيا يستحق أن ينالَ الجهاد‬
‫في سبيل القِيم التي أرادها منهاجا ينعدل به ميزان الكون؛ وإن استشهد فقد وعده سبحانه الخُلْد في‬
‫الجنة ونعيمها‪.‬‬
‫" ونجد أبا بكر الصديق ـ رضي ال عنه ـ وهو يقول لرسول ال صلى ال عليه وسلم‪ :‬ا ْدعُ لي‬
‫يا رسول ال أن أستشهد؛ فيردّ عليه النبي الكريم‪ " :‬متعنا بنفسك يا أبا بكر "‪.‬‬
‫وعلى ذلك ل يكون المستأخر هنا محلّ َلوْم؛ لن اليمان يحتاج ِلمَنْ يصونه ويُثبّته؛ كما يحتاج‬
‫إلى مَنْ يؤكد أن اليمان بال أعزّ من الحياة نفسها؛ وهو المُتقدّم للقتال‪ ،‬وينال الشهادةَ في سبيل‬
‫ال‪.‬‬
‫ويقول سبحانه من بعد ذلك‪ } :‬وَإِنّ رَ ّبكَ ُهوَ َيحْشُرُ ُهمْ‪{ ...‬‬

‫(‪)1811 /‬‬
‫حكِيمٌ عَلِيمٌ (‪)25‬‬
‫حشُرُهُمْ إِنّهُ َ‬
‫وَإِنّ رَ ّبكَ ُهوَ يَ ْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أي‪ :‬أن المُتولّي تربيتك يا محمد لن يترك مَنْ خاصموك وعاندوك‪ ،‬وأهانوك وآذ ْوكَ دون عقاب‪.‬‬
‫وكلمة‪َ { :‬يحْشُرُ ُهمْ } [الحجر‪]25 :‬‬
‫تكفي كدليل على أن ال يقفُ لهم بالمرصاد‪ ،‬فهم قد أنكروا البعث؛ ولم يجرؤ أحدهم أن يُنكِر‬
‫الموت‪ ،‬وإذا كان الحق سبحانه قد سبق وعبّر عن البعث بقوله الحق‪ {:‬ثُمّ إِ ّنكُمْ َبعْدَ ذاِلكَ َلمَيّتُونَ *‬
‫ثُمّ إِ ّن ُكمْ َيوْمَ ا ْلقِيَامَةِ تُ ْبعَثُونَ }[المؤمنون‪]16-15 :‬‬
‫فهم كانوا قد غفلوا عن العداد ِلمَا بعد الموت‪ ،‬وكأنهم يشكّون في أنه قادم‪ ،‬وجاء لهم بخبر‬
‫الموت كأمر حتميّ‪ ،‬وسبقتْه (هو) لتؤكد أنه سوف يحدث‪ ،‬فالحشر منسوب ل سبحانه‪ ،‬وهو قادر‬
‫عليه‪ ،‬كما قدر على الحياء من عدم‪ ،‬فل وَجْهَ للشك أو النكار‪.‬‬
‫ثم جاء لهم بخبر البعث الذي يشكّون فيه؛ وهو أمر سبق وأنْ ساق عليه سبحانه الدلة الواضحة‪.‬‬
‫حشُرُهُمْ‪[ } ...‬الحجر‪]25 :‬‬
‫ولذلك جاء بالخبر المصحوب بضمير الفصل‪ { :‬يَ ْ‬
‫وسبحانه يُجرِي المور كلها بحكمة واقتدار‪ ،‬فهو العليم بما تتطلبه الحكمة عِلْما يحيط بكل الزوايا‬
‫والجهات‪.‬‬
‫خَلقْنَا الِنسَانَ‪} ...‬‬
‫ويقول سبحانه من بعد ذلك‪ { :‬وََلقَدْ َ‬

‫(‪)1812 /‬‬
‫حمَإٍ َمسْنُونٍ (‪)26‬‬
‫ن صَ ْلصَالٍ مِنْ َ‬
‫وَلَقَدْ خََلقْنَا الْإِنْسَانَ مِ ْ‬

‫وسبحانه يتكلّم هنا عن خَلْق النسان من بعد أن تكلم عن خَلْق الكون وما أعدّه له فيه‪ ،‬وليستقبل‬
‫الكون الخليفةَ ل؛ فيوضح أنه قد خلقه من الصّلصال‪ ،‬وهو الطين اليابس‪.‬‬
‫وجاء سبحانه بخبر الخَلْق في هذه السورة التي تضمنت خبر َم ّد الرض؛ ومَجِيء الرياح‪ ،‬وكيفية‬
‫إنزال الماء من السماء؛ وكيف َقدّر في الرض الرزق‪ ،‬وجعل في الرض رواسي‪ ،‬وجعل ُكلّ‬
‫شيء موزونا‪.‬‬
‫وهو سبحانه قد استهلّ السورة بقوله‪... {:‬تِ ْلكَ آيَاتُ ا ْلكِتَابِ َوقُرْآنٍ مّبِينٍ }[الحجر‪]1 :‬‬
‫أي‪ :‬أنه افتتح السورة بالكلم عن حارس القِيم للحركة النسانية؛ ثم تكلّم عن المادة التي منها‬
‫الحياة؛ وبذلك شمل الحديثُ الكلم عن المُقوّم الساسي للقيم وهو القرآن‪ ،‬والكلم عن مُقوّم المادة؛‬
‫وكان ذلك أمرا طبيعيا؛ ودَلّ ْلتُ عليه سابقا بحديثي عن مُصمّم أي جهاز من الجهزة الحديثة؛‬
‫حيث يحدد أولً الغرض منه؛ ثم يضع جدولً وبرنامجا لصيانة كل جهاز من تلك الجهزة‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهكذا كان خَلْق ال للنسان الذي شاء له سبحانه أن يكون خليفته في الرض‪ ،‬ووضع له مُقوّمات‬
‫مادة ومُقوّمات قِيم؛ وجاء بالحديث عن مُقوّمات القِيَم أولً؛ لنها ستمدّ حياة النسان لتكون حياة ل‬
‫تنتهي‪ ،‬وهي الحياة في الدنيا والخرة‪.‬‬
‫وهذا القول يُوضّح لنا أن آدم ليس هو أول من استعمر الرض؛ بل كان هناك خَلْق من قَبْل آدم‪،‬‬
‫فإذا حدّثنا علماء الجيولوجيا والحفريات عن أن هناك ما يدل على وجود بعض من الكائنات‬
‫المطمورة تثبت أنه كانت هناك حياة منذ خمسين ألف قرن من الزمان‪.‬‬
‫فنحن نقول له‪ :‬إن قولك صحيح‪.‬‬
‫وحين يسمع البعض َقوْل هؤلء العلماء يقولون‪ :‬ل ُبدّ أن تلك الحيوانات كانت موجودة في زمن‬
‫عمَر الرض‪،‬‬
‫آدم عليه السلم‪ ،‬وهؤلء يتجاهلون أن الحق سبحانه لم َيقُلْ لنا أن آدم هو أول مَنْ َ‬
‫بل شاء سبحانه أن يخلقنا ويعطينا مهمة الستخلف في الرض‪.‬‬
‫والحق سبحانه هو القائل‪ {:‬إِن َيشَأْ يُذْهِ ْبكُـمْ وَيَأْتِ ِبخَلْقٍ جَدِيدٍ * َومَا ذَِلكَ عَلَى اللّهِ ِبعَزِيزٍ }[فاطر‪:‬‬
‫‪]17-16‬‬
‫خلْق غيرنا أمر وارد‪ ،‬وكذلك الخَلْق من قبلنا أم ٌر وارد‪.‬‬
‫أي‪ :‬أن َ‬
‫ونعلم أن خَلْق آدم قد أخذ لقطات متعددة في القرآن الكريم؛ تُؤدّي في مجموعها إلى القصة بكل‬
‫أحداثها وأركانها‪ ،‬ولم يكُنْ ذلك تكرارا في القرآن الكريم‪ ،‬ولكن جاء القرآن بكل َلقْطة في الموقع‬
‫المناسب لها؛ ذلك أنه ليس كتاب تاريخ للبشر؛ بل كتاب قِيَم ومنهج‪ ،‬ويريد أن يُؤسّس في البشر‬
‫القيم التي تحميهم وتصونهم من أيّ انحراف‪ ،‬ويريد أن يُر ّبيَ فيهم المهابة‪.‬‬
‫وقد تناول الحق سبحانه كيفية خَلْق النسان في الكثير من سُور القرآن‪ :‬البقرة؛ العراف؛ الحجر؛‬
‫السراء؛ الكهف؛ وسورة ص‪.‬‬
‫قال سبحانه ـ على سبيل المثال ـ في سورة البقرة‪:‬‬
‫س ِفكُ ال ّدمَآءَ‬
‫ج َعلُ فِيهَا مَن ُيفْسِدُ فِيهَا وَيَ ْ‬
‫علٌ فِي الَ ْرضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَ ْ‬
‫{ وَإِذْ قَالَ رَ ّبكَ ِل ْلمَلَ ِئكَةِ إِنّي جَا ِ‬
‫ك وَ ُنقَدّسُ َلكَ قَالَ إِنّي أَعْلَمُ مَا لَ َتعَْلمُونَ }[البقرة‪]30 :‬‬
‫حمْ ِد َ‬
‫وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِ َ‬
‫وجاء هذا القول من ال للملئكة ساعةَ خَلْق ال لدم‪ ،‬من قبل أن تبدأ مسألة نزول آدم للرض‪.‬‬
‫وقد أخذتْ مسألة خَلْق النسان جدلً طويلً من الذين يريدون أن يستدركوا على القرآن متسائلين‪:‬‬
‫كيف يقول مرة‪ :‬إن النسان مخلوق من ماء؛ ومرة من طين؛ ومرة من صلصال كالفخار؟‬
‫ونقول‪ :‬إن ذلك كله حديث عن مراحل الخَلْق‪ ،‬وهو سبحانه أعلم بمَنْ خلق‪ ،‬كما خلق السماوات‬
‫سمَاوَاتِ‬
‫شهَدّتهُمْ خَلْقَ ال ّ‬
‫والرض‪ ،‬ولم يُشهِد الحق أحدا من الخلق كيف خلق المخلوقات‪ {:‬مّآ َأ ْ‬
‫عضُدا }[الكهف‪]51 :‬‬
‫سهِ ْم َومَا كُنتُ مُتّخِذَ ا ْل ُمضِلّينَ َ‬
‫ض َولَ خَلْقَ أَ ْنفُ ِ‬
‫وَالَرْ ِ‬
‫ومن رحمته سبحانه أنه ترك في مُحسّات الحياة وماديتها ما يُثبِت صِدْقه في غيبيّاته؛ فإذا قال‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫مرّة‪ :‬إنه خلق كل شيء من الماء؛ فهو صادق فيما قال؛ لن الماء يُكوّن أغلبَ الجسد البشري‬
‫على سبيل المثال‪.‬‬
‫وإذا أوضح أنه خلق النسان من طين‪ ،‬فالتراب إذا اختلط بالماء صار طينا‪ ،‬وإذا مرّ على الطين‬
‫جدِينَ }[الحجر‪:‬‬
‫ختُ فِيهِ مِن رّوحِي َفقَعُواْ لَهُ سَا ِ‬
‫سوّيْتُ ُه وَ َنفَ ْ‬
‫ت صار صلصالً‪ ،‬وإذا قال‪ {:‬فَإِذَا َ‬
‫وق ٌ‬
‫‪]29‬‬
‫وكُلّ هذا من المور الغيبية؛ التي يشرحها لنا نقضُها في الواقع المادي الملموس‪ ،‬فحين يحدث‬
‫الموت ـ وهو َنقْض الحياة ـ نجد الروح هي أول ما يخرج من الجسم؛ وكانت هي آخر ما دخل‬
‫الجسم أثناء الخَلْق‪.‬‬
‫ومن بعد ذلك تبدأ الحيوية في الرحيل عن الجثمان؛ فيتحول الجثمان إلى ما يشبه الصّلْصال؛ ثم‬
‫يتبخّر الماء من الجثمان؛ ليصير من بعد ذلك ترابا‪.‬‬
‫وهكذا نشهد في الموت ـ نقض الحياة ـ كيفية بَدْء مراحل الخَلْق وهي معكوسة؛ فالماء أولً ثم‬
‫التراب؛ ثم الطين؛ ثم الصلصال الذي يشبه الحمأ المسنون؛ ثم َنفْخ الروح‪.‬‬
‫وقد صدق الحق سبحانه حين أوضح لنا في النقيض المادي‪ ،‬ما أبلغنا عنه في العالم الغيب‪.‬‬
‫وعلى ذلك ـ أيضا ـ نجد أن الذين يضعون التكهنات بأن الشمس خُِل َقتْ قبل الرض؛ وكانت‬
‫الرض جزءا من الشمس ثم انفصلت عنها؛ على هؤلء أن يعلموا أن ما يقولونه هو أمر لم‬
‫يشاهدوه‪ ،‬وهي أمور ل يمكن أن يدرسها أحد في معمل تجريبي؛ وقد قال القرآن عن أهل هذا‬
‫عضُدا }‬
‫خذَ ا ْل ُمضِلّينَ َ‬
‫سهِ ْم َومَا كُنتُ مُتّ ِ‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضِ َولَ خَ ْلقَ أَ ْنفُ ِ‬
‫شهَدّتهُمْ خَلْقَ ال ّ‬
‫اللغو‪ {:‬مّآ أَ ْ‬
‫[الكهف‪]51 :‬‬
‫وهم قد أعانوا على تأكيد إعجازية القرآن الذي أسماهُم المُضلّين؛ لنهم يغوون الناس عن الحق‬
‫إلى الباطل‪.‬‬
‫خَلقْنَاهُ مِن قَ ْبلُ‪{ ...‬‬
‫ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك‪ } :‬وَا ْلجَآنّ َ‬

‫(‪)1813 /‬‬
‫سمُومِ (‪)27‬‬
‫وَالْجَانّ خََلقْنَاهُ مِنْ قَ ْبلُ مِنْ نَارِ ال ّ‬

‫سمُوم) هي اللهب الذي ل دُخانَ له‪ ،‬ويُسمّونه " السّموم " لنه يتلصّص في‬
‫ونعلم أن كلمة (ال ّ‬
‫الدخول إلى مسَامّ النسان‪.‬‬
‫وهكذا نرى أن للعنصر تأثيرا في مُقوّمات حياة الكائنات‪ ،‬فالمخلوق من طين له صفات الطينية‪،‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والمخلوق من نارٍ له صفات النارية؛ ولذلك كان قانون الجن أخفّ وأشدّ من قانون النس‪.‬‬
‫ث لَ تَ َروْ َنهُمْ‪[} ...‬العراف‪]27 :‬‬
‫والحق سبحانه يقول‪ {:‬إِنّهُ يَرَاكُمْ ُهوَ َوقَبِيلُهُ مِنْ حَ ْي ُ‬
‫وهكذا نعلم أن قانون خَلْق الجن من عنصر النار التي ل لهبَ لها يوضح لنا أن له قدرات تختلف‬
‫عن قدرات النسان‪.‬‬
‫ذلك أن مهمته في الحياة تختلف عن مهمة النسان‪ ،‬ول تصنع له خيريةً أو أفضلية‪ ،‬لن المهام‬
‫حين تتعدد في الشياء؛ تمنع المقارنة بين الكائنات‪.‬‬
‫والمَثلُ على ذلك هو غلبة مَنْ عنده عِلْم بالكتاب على عفريت الجن؛ حين سأل سليمان عليه السلم‬
‫شهَا قَ ْبلَ أَن يَأْتُونِي ُمسِْلمِينَ }[النمل‪:‬‬
‫عمّن يأتيه بعرش بلقيس‪ {:‬قَالَ ياأَ ّيهَا ا ْلمَلُ أَ ّيكُمْ يَأْتِينِي ِبعَرْ ِ‬
‫‪]38‬‬
‫وقال عفريت من الجن‪ :‬إنه قادر على أن يأتي بالعرش قبل أن يقومَ سليمان من مُقَامه‪ ،‬ولكن مَنْ‬
‫عنده عِلْم بالكتاب قال‪ :‬إنه قادر أنْ يأتيَ بعرش بلقيس قبل أن يرتدّ طَرْف سليمان؛ وهكذا غلب‬
‫مَنْ عنده علم بالكتاب قدرة عفريت الجن‪.‬‬
‫عفْرِيتٌ مّن الْجِنّ أَنَاْ آتِيكَ ِبهِ قَ ْبلَ أَن‬
‫وقد قصّ علينا الحق سبحانه هذا في كتابه الكريم‪ ،‬فقال‪ {:‬قَالَ ِ‬
‫َتقُومَ مِن ّمقَا ِمكَ وَإِنّي عَلَ ْيهِ َلقَ ِويّ َأمِينٌ * قَالَ الّذِي عِن َدهُ عِ ْلمٌ مّنَ ا ْلكِتَابِ أَنَاْ آتِيكَ ِبهِ قَ ْبلَ أَن يَرْتَدّ‬
‫ضلِ رَبّي‪[} ...‬النمل‪]40-39 :‬‬
‫إِلَ ْيكَ طَ ْر ُفكَ فََلمّا رَآهُ مُسْ َتقِرّا عِن َدهُ قَالَ هَـاذَا مِن َف ْ‬
‫ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك‪ { :‬وَِإذْ قَالَ رَ ّبكَ لِ ْلمَل ِئكَةِ إِنّي خَاِلقٌ‪} ...‬‬

‫(‪)1814 /‬‬
‫حمَإٍ مَسْنُونٍ (‪)28‬‬
‫ن صَ ْلصَالٍ مِنْ َ‬
‫وَإِذْ قَالَ رَ ّبكَ لِ ْلمَلَا ِئكَةِ إِنّي خَالِقٌ َبشَرًا مِ ْ‬

‫وعرفنا في مواقع متفرقة من خواطرنا كيف نفهم هذه الية‪ .‬ونعلم أن البشر في زماننا حين‬
‫يريدون صُنْع تمثال ما‪َ ،‬فهُم َيخْلِطون التراب بالماء ليصير طينا؛ ثم يتركونه إلى أنْ يختمرَ‪،‬‬
‫ل ملمح مَنْ يُريد أن يصنع له تمثالً‪.‬‬
‫ويصيرَ كالصّ ْلصَال‪ ،‬ومن بعد ذلك يُشكل المَثّا ُ‬
‫عكْس النسان المخلوق بيد ال‪ ،‬والذي يملك بفعل‬
‫والتماثيل تكون على هيئة واحدة‪ ،‬ول قدرةَ لها‪َ ،‬‬
‫النفْخ فيه من روح ال مَا لَ يملكه أيّ كائن صنعتْه مهارة النسان؛ ذلك أن إعجازَ وطلقةَ قدرةِ‬
‫الخالق ل يمكن أن تستوي مع قدرة المخلوق المحدودة‪.‬‬
‫وهناك حديث يقول فيه صلى ال عليه وسلم‪ " :‬خلق ال عز وجل آدم على صورته‪ ،‬ستون ذراعا‬
‫"‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫واختلف العلماء في مرجع الضمير في هذا الحديث؛ أيعود إلى صورة آدم؟ أم يعود إلى آدم؟‬
‫فمن العلماء من قال‪ :‬إن الضمير يعود إلى آدم؛ بمعنى أن ال لم يخلقه طفل‪ ،‬ثم كبر؛ بل خلقه‬
‫على الصورة الناضجة؛ وتلفّت آدم فوجد نفسه على تلك الصورة الناضجة؛ وأنه لم يكُنْ موجودا‬
‫من قبل ذلك بساعة؛ لذلك تلفّت إلى المُوجِد له‪.‬‬
‫والذين قالوا‪ :‬إن الحق سبحانه خلق النسان على صورته‪ ،‬وأن الضمير يعود إلى ال؛ فذلك لن‬
‫الحق قد جعل النسان خليفة له في الرض؛ وأعطاه من قدرته قدرةً؛ ومن عِلْمه علما؛ ومن‬
‫حكمته حكمة‪ ،‬ومن قاهريته قهرا‪.‬‬
‫ولذلك يقول صلى ال عليه وسلم‪ " :‬تخلقوا بأخلق ال "‪.‬‬
‫فخلق آدم داخلٌ في كينونته‪ .‬يقول الحق‪ {:‬إِنّ مَ َثلَ عِيسَىا عِندَ اللّهِ َكمَ َثلِ ءَا َدمَ خََلقَهُ مِن تُرَابٍ ُثمّ‬
‫قَالَ لَهُ كُن فَ َيكُونُ }[آل عمران‪]59 :‬‬
‫وأمام الكينونة ينتفي التعليل‪ ،‬ولم يبق إل اليمان بالخالق‪.‬‬
‫ختُ فِيهِ‪} ...‬‬
‫سوّيْتُ ُه وَ َنفَ ْ‬
‫ويقول سبحانه من بعد ذلك‪ { :‬فَإِذَا َ‬

‫(‪)1815 /‬‬
‫جدِينَ (‪)29‬‬
‫ختُ فِيهِ مِنْ رُوحِي َفقَعُوا لَهُ سَا ِ‬
‫سوّيْتُ ُه وَنَفَ ْ‬
‫فَإِذَا َ‬

‫جعْل الشيء صالحا للمهمة التي تُرَاد له‪ .‬وشاء سبحانه أن يُس ّويَ النسان في‬
‫والتسوية تعني َ‬
‫صورة تسمح لنفخ الروح فيه‪ .‬والنفخ من روح ال ل يعني أن النفخ قد تَمّ بدفع الحياة عن طريق‬
‫الهواء في فَمِ آدم‪ ،‬ولكن المر تمثيلٌ لنتشار الروح في جميع أجزاء الجسد‪.‬‬
‫وقد اختلف العلماء في تعريف الروح‪ ،‬وأرى أنه من السلم عدم الخوض في ذلك المر؛ لن‬
‫الحق سبحانه هو القائل‪ {:‬وَيَسْأَلُو َنكَ عَنِ الرّوحِ ُقلِ الرّوحُ مِنْ َأمْرِ رَبّي َومَآ أُوتِيتُم مّنَ ا ْلعِلْمِ ِإلّ‬
‫قَلِيلً }[السراء‪]85 :‬‬
‫جدَ ا ْلمَل ِئكَةُ‪} ...‬‬
‫ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك‪َ { :‬فسَ َ‬

‫(‪)1816 /‬‬
‫ج َمعُونَ (‪)30‬‬
‫جدَ ا ْلمَلَا ِئكَةُ كُّل ُهمْ أَ ْ‬
‫فَسَ َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وقد سجدوا جميعا في حركة واحدة؛ ذلك أنه ل اختيارَ لهم في تنفيذ ما يُؤمرون به‪ ،‬فمن َبعْد أن‬
‫جدُو ْا لَدَمََ‪[} ...‬طه‪]116 :‬‬
‫خلق الُ آدمَ جاء تكريم الحق سبحانه له بقوله للملئكة‪ {:‬اسْ ُ‬
‫وسجدت الملئكة التي كلّفها ال برعاية وتدبير هذا المخلوق الجديد‪ ،‬وهم المُدبّرات أمرا والحفظة‪،‬‬
‫ومَنْ لهم علقة بهذا المخلوق الجديد‪.‬‬
‫وقوله الحق‪َ ... {:‬ف َقعُواْ َلهُ سَاجِدِينَ }[الحجر‪]29 :‬‬
‫يعني أن عملية السجود قد حدثت بصورة مباشرة وحاسمة وسريعة‪ ،‬وكان سجودهم هو طاعة‬
‫للمر العلى؛ ل طاعة لدم‪.‬‬
‫ج َمعُونَ } [الحجر‪]30 :‬‬
‫سجَدَ ا ْلمَل ِئكَةُ كُّلهُمْ أَ ْ‬
‫وقول الحق سبحانه‪ { :‬فَ َ‬
‫يعني الملئكة العلى من البشر‪ ،‬ذلك أن هناك ملئكةً أعلى منهم؛ وهم الملئكة ال ُمهِيمون‬
‫المتفرّغون للتسبيح فقط‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك‪ِ { :‬إلّ إِبْلِيسَ أَبَىا أَن‪} ...‬‬

‫(‪)1817 /‬‬
‫إِلّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ َيكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ (‪)31‬‬

‫وهكذا جاء الحديث هنا عن إبليس؛ بالستثناء وبالعقاب الذي نزل عليه؛ فكأن المرَ قد شَمله‪ ،‬وقد‬
‫أخذتْ هذه المسألة جدلً طويلً بين العلماء‪.‬‬
‫وكان من الواجب أن يحكمَ هذا الجدلَ أمران‪:‬‬
‫المر الول‪ :‬أن النصّ سيد الحكام‪.‬‬
‫والمر الثاني‪ :‬أن شيئا ل نصّ فيه؛ فنحن نأخذه بالقياس واللتزام‪ .‬وإذا تعارض نصّ مع التزام؛‬
‫فنحن نُؤول اللتزام إلى ما يُؤول النص‪.‬‬
‫وإذا كان إبليس قد عُوقِب؛ فذلك لنه استثنى من السجود امتناعا وإباءً واستكبارا؛ فهل هذا يعني‬
‫أن إبليس من الملئكة؟‬
‫جدُواْ ِإلّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنّ َففَسَقَ‬
‫ل‪ .‬ذلك أن هناك نصا صريحا يقول في الحق سبحانه‪َ {:‬فسَ َ‬
‫عَنْ َأمْرِ رَبّهِ‪[} ...‬الكهف‪]50 :‬‬
‫وهكذا حسم الحق سبحانه المر بأن إبليس ليس من الملئكة؛ بل هو من الجنّ؛ والجن جنس‬
‫مختار كالنس؛ يمكن أن يُطيع‪ ،‬ويمكن أن يَعصِي‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫حضْرة للملئكة؛ ومعنى هذا أنه كان‬
‫سمِع المر بالسجود؛ فمعنى ذلك أنه كان في نفس ال َ‬
‫وكونه َ‬
‫من قبل ذلك قد التزم التزاما يرفعه إلى مستوى الحضور مع الملئكة؛ ذلك أنه ُمخْتار يستطيع أن‬
‫يطيع‪ ،‬ويملك أن يعصي‪ ،‬ولكن التزامه الذي اختاره جعله في صفوف الملئكة‪.‬‬
‫وقالت كتب الثر‪ :‬إنهم كانوا يُسمّونه طاووس الملئكة مختالً بطاعته‪ ،‬وهو الذي وهبه ال‬
‫الختيار‪ ،‬لنه قدر على نفسه وحمل نفسه على طاعة ربه‪ ،‬لذلك كان مجلسه مع الملئكة تكريما‬
‫له؛ لنه يجلس مع الطهار‪ ،‬لكنه ليس مَلكا‪.‬‬
‫وبعض العلماء صَنّفوه بمُسْتوًى أعلى من الملئكة؛ والبعض الخر صَنّفه بأنه أقلّ من الملئكة؛‬
‫لنه من الجنّ؛ ولكن المر المُتفق عليه أنه لم يكُنْ ملكا بنصّ القرآن‪ ،‬وسواء أكان أعلى أم‬
‫أَدْنى‪ ،‬فقد كان عليه اللتزام بما يصدر من الحق سبحانه‪.‬‬
‫ونجد الحق سبحانه وهو يعرض هذه المسألة‪ ،‬يقول مرة (أبىَ) ‪ ،‬ومرة (استكبر)‪ ،‬ومرة يجمع بين‬
‫الباء والستكبار‪.‬‬
‫والباء يعني أنه يرفض أن ينفذ المر بدون تعال‪ .‬والستكبار هو التأبّي بالكيفية‪ ،‬وهنا كانت‬
‫ل لعملية الباء والستكبار‪ ،‬وكيف ردّ أمر الحق أورده سبحانه مرة بقول إبليس‪{:‬‬
‫العقوبة تعلي ً‬
‫حمَإٍ مّسْنُونٍ }[الحجر‪]33 :‬‬
‫سجُدَ لِ َبشَرٍ خََلقْتَهُ مِن صَ ْلصَالٍ مّنْ َ‬
‫‪...‬لَمْ َأكُن لَ ْ‬
‫وقوله‪ {:‬قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ خََلقْتَنِي مِن نّا ٍر وَخََلقْتَهُ مِن طِينٍ }[ص‪]76 :‬‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك‪ { :‬قَالَ ياإِبْلِيسُ مَا َلكَ َألّ َتكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ }‬

‫(‪)1818 /‬‬
‫جدِينَ (‪)32‬‬
‫قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا َلكَ أَلّا َتكُونَ مَعَ السّا ِ‬

‫وتقول " ما لك؟ " في الشيء العجيب الذي تريد أن تعرف كيف وقع‪ ،‬وكأن هذا تساؤلٌ عن أمر‬
‫مخالف ِلمَا اختاره إبليس؛ الذي وهبه ال خاصية الختيار‪ ،‬وقد اختار أن يكون على الطاعة‪.‬‬
‫ولنلحظ أن المتكلم هنا هو ال؛ وهو الذي يعلم أنه خلق إبليس بخاصية الختيار؛ فله أن يطيعَ‪ ،‬وله‬
‫ن يعصيَ‪ .‬وهو سبحانه هنا يُوضّح ما علمه أزلً عن إبليس؛ وشاء سبحانه إبراز هذا ليكون حجة‬
‫أْ‬
‫على إبليس يوم القيامة‪.‬‬
‫سجُدَ لِ َبشَرٍ‪} ...‬‬
‫ويتابع سبحانه‪ { :‬قَالَ َلمْ َأكُن لَ ْ‬

‫(‪)1819 /‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫حمَإٍ مَسْنُونٍ (‪)33‬‬
‫ن صَ ْلصَالٍ مِنْ َ‬
‫جدَ لِبَشَرٍ خََلقْتَهُ مِ ْ‬
‫قَالَ لَمْ َأكُنْ لَِأسْ ُ‬

‫ن والصلصال أقلّ‬
‫وهكذا أفصح إبليس عما ُيكِنّه من َفهْم خاطئ لطبيعة العناصر؛ فقد توهّم أن الطي َ‬
‫مرتبة من النار التي خلقه منها ال‪ .‬وامتناع إبليس عن السجود ـ إذن ـ امتناع مُعلّل؛ وكأن‬
‫إبليس قد َفهِم أن عنصر المخلوقية هو الذي يعطي التمايز؛ وتجاهل أن المر هو إرادة المُعنصِر‬
‫الذي يُرتّب المراتب بحكمته‪ ،‬وليس على هَوى أحدٍ من المخلوقات‪.‬‬
‫ثم من قال‪ :‬إن النارَ أفضلُ من الطين؟ ونحن نعلم أنه ل يُقال في شيء إنه أفضل من الخر إل‬
‫ي منهما له‬
‫إذا استوتْ المصلحة فيهما؛ والنار لها جهة استخدام‪ ،‬والطين له استخدام مختلف؛ وأ ّ‬
‫مهمة تختلف عن مهمة الخر‪.‬‬
‫ومن توجيه ال في فضائل الخَلْق أن مَنْ يطلي الشياء بالذهب ل يختلف عنده سبحانه عن الذي‬
‫يعجن الطين ليصنعَ منه الفخار‪ ،‬فل يفضلُ أحدهما الخرَ إل بإتقان مهمته‪.‬‬
‫وهكذا أفصح إبليس أن الذي زَيّن له عدم المتثال لمر السجود هو قناعته بأن هناك عنصرا‬
‫افضل من عنصر‪.‬‬
‫ويأتي المر بالعقاب من الحق سبحانه؛ فيقول تعالى‪ { :‬قَالَ فَاخْرُجْ مِ ْنهَا‪} ...‬‬

‫(‪)1820 /‬‬
‫قَالَ فَاخْرُجْ مِ ْنهَا فَإِ ّنكَ رَجِيمٌ (‪)34‬‬

‫وهكذا صدر المر بطرْدِ إبليس من حضرة ال بالمل العلى؛ وصدر العقاب بأنه مطرود من كل‬
‫خَيْر‪ ،‬وَأصْل المسألة أنها الرّجْم بالحجارة‪.‬‬
‫وقد حدث ذلك لردّه أمر ال سبحانه‪ ،‬واستكباره‪ ،‬ولقناعته أن النار التي خُلِق منها أفضلُ من‬
‫الطين الذي خُلِق منه آدم‪ ،‬ولم يلتفت إلى أن لكل مخلوق مُهمة‪ ،‬وكل كائن يؤدي ُمهِمته هو مُساوٍ‬
‫للخر‪.‬‬
‫وقد شاء الحق سبحانه ذلك ليزاول كل كائن السباب التي وُجِد من أجلها؛ فآدم قد خلقه ال ليجعله‬
‫خليفة في الرض؛ ذلك أنه سبحانه يباشر المر في السّببيات بواسطة ما خلق‪.‬‬
‫فالنار ـ على سبيل المثال ـ تتسبّب في إنضاج الطعام؛ لنه سبحانه هو الذي شاء ذلك‪ ،‬وجعلها‬
‫سببا في إنضاج الطعام‪ .‬ومزاولة الحق سبحانه لشياء كثيرة في المُسبّبات معناه أن المخلوقات‬
‫تُؤدّي المهامّ التي أرادها سبحانه لها في الوجود‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والمؤمن الحق هو مَنْ يرى في السباب التي في الكون؛ أنها عطاء من ال‪ ،‬وأن يده َممْدودة له‬
‫بتلك السباب‪.‬‬
‫وبعد أن طرد الحق سبحانه إبليس من حضرته سيُقرر سبحانه الحكم الذي أصدره عليه في قوله‪:‬‬
‫{ وَإِنّ عَلَ ْيكَ الّلعْنَةَ‪} ...‬‬

‫(‪)1821 /‬‬
‫وَإِنّ عَلَ ْيكَ الّلعْنَةَ إِلَى َيوْمِ الدّينِ (‪)35‬‬

‫وفي هذا القول ما يؤكد أن الجن أيضا يموتون؛ ولهم آجَال مثلنا‪ ،‬وفي هذا الحكم بالطرد تأكيدٌ‬
‫على أنه سبحانه لن يُوفّقه إلى توبة‪ ،‬ول يعفو عنه في النهاية‪.‬‬
‫ولكن إبليس يحاول اللتفاف؛ فيأتي ما جاء على لسانه‪ { :‬قَالَ َربّ فَأَنظِرْنِي‪} ...‬‬

‫(‪)1822 /‬‬
‫قَالَ َربّ فَأَ ْنظِرْنِي إِلَى َيوْمِ يُ ْبعَثُونَ (‪)36‬‬

‫ت من الموت‪ ،‬ولكن مثل هذا ال َمكْر ل يجوز على ال أو معه‪،‬‬
‫وكأن إبليس بهذا القول أراد أن ُيفْلِ َ‬
‫فإذا كان إبليس قد أراد أنْ يظلّ في الدنيا إلى يوم َبعْث البشر؛ فذلك دليلٌ على أمنيته بالهروب من‬
‫الموت‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه ردا على دعاء إبليس‪ { :‬قَالَ فَإِ ّنكَ مِنَ‪} ...‬‬

‫(‪)1823 /‬‬
‫قَالَ فَإِ ّنكَ مِنَ ا ْلمُنْظَرِينَ (‪)37‬‬

‫ولحظةَ أنْ يسمعَ إبليسُ ذلك يظن أنه قد أفلتَ من الموت؛ إذ ل َم ْوتَ بعد البعث‪ ،‬ويتوهم أن‬
‫دعوته قد أُجيبت‪ ،‬وكأنه قد أفلتَ بغروره الذي ظَنّ به أن يتسع له الوقت ليأخذ الثأر من بني آدم؛‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فعدم سجوده لدم هو الذي وضعه في هذا الموقف العصيب‪.‬‬
‫ولو كان إبليس يملك ذرة من وَعْي َلعِلم أن الستكبار والتوهم بأن عنصر النار افضل من الطين‬
‫هما السبب وراء ما حاق به من الطرد‪.‬‬
‫ولكن تأتي من بعد ذلك مباشرة الية التي تتضمن عدم إفلته من الموت؛ فيقول سبحانه‪ { :‬إِلَىا‬
‫َيوْمِ ا ْل َو ْقتِ‪} ...‬‬

‫(‪)1824 /‬‬
‫إِلَى َيوْمِ ا ْل َو ْقتِ ا ْل َمعْلُومِ (‪)38‬‬

‫أي‪ :‬أن إبليس سيذوق الموت أيضا؛ لن كل المخلوقات ستذوق الموت من قبل أن تقوم القيامة‪،‬‬
‫ت َومَن فِي الَ ْرضِ ِإلّ مَن شَآءَ‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫صعِقَ مَن فِي ال ّ‬
‫مصداقا لقوله الحق‪ {:‬وَ ُنفِخَ فِي الصّورِ َف َ‬
‫اللّهُ‪[} ...‬الزمر‪]68 :‬‬
‫وكذلك قوله‪ُ {:‬كلّ مَنْ عَلَ ْيهَا فَانٍ }[الرحمن‪]26 :‬‬
‫وهكذا لم يُفلتْ إبليس من الموت‪.‬‬
‫ولقائل أنْ يسألَ‪ :‬كيف كلّمه ال؟‬
‫ونقول‪ :‬لم يُكلّمه ال تشريفا أو تكريما؛ بل غلّظ له العقاب‪ ،‬كما أن للحق سبحانه ملئكة يمكنهم أن‬
‫يُبلّغوا ما شاء لمَنْ شاء‪.‬‬
‫غوَيْتَنِي لُزَيّنَنّ‪} ...‬‬
‫ويقول سبحانه من بعد ذلك‪ { :‬قَالَ َربّ ِبمَآ أَ ْ‬

‫(‪)1825 /‬‬
‫ج َمعِينَ (‪)39‬‬
‫غوِيَ ّنهُمْ َأ ْ‬
‫ض وَلَأُ ْ‬
‫غوَيْتَنِي لَأُزَيّنَنّ َلهُمْ فِي الْأَ ْر ِ‬
‫قَالَ َربّ ِبمَا أَ ْ‬

‫وقول الشيطان‪َ { :‬ربّ‪[ } ...‬الحجر‪]39 :‬‬
‫هو إقرار بالربوبية؛ ولكن هذا القرار متبوع بعد العتراف بأنه قد سبّب لنفسه الطّرد واللعنة؛‬
‫غوَيْتَنِي‪[ } ...‬الحجر‪]39 :‬‬
‫فقد قال‪ِ { :‬بمَآ أَ ْ‬
‫والحق سبحانه لم يُغوِه؛ بل أعطاه الختيار الذي كان له به أن يؤمن ويطيع‪ ،‬أو يعصي ويُعاقب‪،‬‬
‫فسبحانه قد َمكّن إبليس من الختيار بين الفعل وعدم الفعل؛ فخالف إبليسُ أم َر ال وعصاه‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ويتابع إبليس‪ { :‬لُزَيّنَنّ َلهُمْ فِي الَ ْرضِ‪[ } ...‬الحجر‪]39 :‬‬
‫وفي هذا إيضاح أن ُكلّ وسوسة للشيطان تقتصر فقط على الحياة المترفة‪ .‬وفي الشياء التي تُدمّر‬
‫العافية‪ ،‬كمَنْ يشرب الخمر‪ ،‬أو يتناول المخدرات‪ ،‬أو يتجه إلى كل ما يُغضب ال بالنحراف‪.‬‬
‫ل يكفيه الضرورات؛ فهو يَأْمن على نفسه من النحراف‪ .‬ونقول أيضا‬
‫خٍ‬
‫ولذلك نجد أن مَنْ يحيا بد ْ‬
‫لمَنْ يحاولون أن يضبطوا موازينهم المالية‪ :‬إن الستقامة ل تُكلّف؛ ولن تتجه بك إلى النحراف‪.‬‬
‫وتزيين الشيطان لن يكون في المور الحلل؛ لن كل الضرورات لم يُحرّمها الحق سبحانه؛ بل‬
‫يكون التزيين دائما في غير الضرورات‪ ،‬ولذلك فالستقامة عملية اقتصادية‪ ،‬تُوفّر على النسان‬
‫مشقة التكلفة العالية من ألوان النحراف‪.‬‬
‫ولذلك نجد المسرفين على أنفسهم يحسدون مَنْ هم على الستقامة‪ ،‬ويحاولون أَخْذهم إلى طريق‬
‫النحراف؛ لن كل منحرف إنما يلوم نفسه متسائلً‪ :‬لماذا أخيب وحدي؛ ول يخيب معي مثل هذا‬
‫المستقيم؟ وتمتلئ نفسه بالحتقار لنفسه‪.‬‬
‫حمْق رده على ال‪ ،‬ولكنه ينتبه إلى مكانته ومكانة ربه؛ أيدخل في معركة‬
‫وكذلك كان إبليس في ُ‬
‫مع ال‪ ،‬أم مع أبناء آدم الذي خلقه سبحانه كخليفة ليعمر الرض؟‬
‫لقد حدّد إبليس موقعه من الصراع‪ ،‬فقال‪... {:‬فَأَنظِرْنِي إِلَىا َيوْمِ يُ ْبعَثُونَ }[الحجر‪]36 :‬‬
‫ج َمعِينَ }‬
‫غوِيَ ّنهُمْ َأ ْ‬
‫وهذا يعني أن مجالَ معركته مع الخَلْق ل مع الخالق؛ لذلك قال‪...{ :‬وَلُ ْ‬
‫[الحجر‪]39 :‬‬
‫وكلمة (أجمعين) تفيد الحاطةَ لكل الفراد‪ ،‬وهذا فوق قدرته بعد أنْ عرف ُمقَامه من نفسه ومن‬
‫ربه‪ ،‬فقال ما جاء به الحق سبحانه في الية التالية‪ِ { :‬إلّ عِبَا َدكَ مِ ْنهُمُ‪} ...‬‬

‫(‪)1826 /‬‬
‫إِلّا عِبَا َدكَ مِ ْن ُهمُ ا ْلمُخَْلصِينَ (‪)40‬‬

‫فهؤلء العباد الذين خلّصتهم لنفسك يا ربّ؛ فلن أقدر عليهم؛ لنك أخذتهم من طريق الغواية؛‬
‫لنهم أحسنوا اليمان‪ ،‬وقد وصلوا إلى مرتبة من الخلص التعبّدي درج ًة يصعب بها على‬
‫الشيطان غوايتهم‪.‬‬
‫ويقول أهل المعرفة والشراق‪ " :‬أنت تصل بطاعة ال إلى كرامة ال "‪.‬‬
‫ولو شاء ال أن يكون جميع خَلْقه مهديين ما استطاع أحد أنْ يُضلّهم‪ ،‬ولكن عِزّة ال عن خَلْقه هي‬
‫التي أفسحت المجالَ للغواء‪ ،‬ولذلك نجد إبليس ُيقِرّ بعجزه عن غواية مَنْ أخلصوا ل العبادة‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ونجد رد الحق سبحانه على إبليس واضحا ل لَبْس فيه‪ ،‬ول قبول ِلمَا قد يظنّه إبليس مجاملةً منه‬
‫ل‪ ،‬فيقول سبحانه في الية التالية‪ { :‬قَالَ هَذَا صِرَاطٌ‪} ...‬‬

‫(‪)1827 /‬‬
‫قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عََليّ مُسْ َتقِيمٌ (‪)41‬‬

‫وهكذا أوضح الحق سبحانه أن صراطه المستقيم هو الذي يقود العباد إلى الطاعة؛ فليس في المر‬
‫تفضّل من إبليس الذي سبق له أنْ حدّد المواقع والتجاهات التي سيأتي منها لغواية البشر‪ ،‬حيث‬
‫قال الحق سبحانه ما جاء على لسان إبليس‪ُ {:‬ث ّم لتِيَ ّنهُمْ مّن بَيْنِ أَ ْيدِيهِ ْم َومِنْ خَ ْل ِفهِ ْم وَعَنْ أَ ْيمَا ِنهِمْ‬
‫جدُ َأكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ }[العراف‪]17 :‬‬
‫شمَآئِِلهِ ْم َولَ تَ ِ‬
‫وَعَن َ‬
‫في ذلك القول حدّد إبليس جهات الغواية التي يأتي منها وترك " الفَوْق " و " التّحْت " ‪ ،‬لذلك نقول‪:‬‬
‫إن العبد إذا استحضر دائما عُُلوّ عِزّة الربوبية‪ ،‬و ُذلّ العبودية؛ فالشيطان ل يدخل له أبدا‪.‬‬
‫علَ ْيهِمْ‪} ...‬‬
‫ويواصل الحق سبحانه قوله المبلغ عنه لنا‪ { :‬إِنّ عِبَادِي لَيْسَ َلكَ َ‬

‫(‪)1828 /‬‬
‫إِنّ عِبَادِي لَ ْيسَ َلكَ عَلَ ْيهِمْ سُلْطَانٌ إِلّا مَنِ اتّ َب َعكَ مِنَ ا ْلغَاوِينَ (‪)42‬‬

‫ل يكون لبليس سلطان على مَنْ أخلص ل عبادة‪ ،‬وأمر إبليس‬
‫حكْمه بأ ّ‬
‫وهكذا أصدر الحق سبحانه ُ‬
‫ألّ يتعرض لهم؛ فسبحانه هو الذي َيصُونهم منه؛ إل مَنْ ضَلّ عن هدى ال سبحانه‪ ،‬وهم مَنْ‬
‫يستطيع إبليس غوايتهم‪.‬‬
‫وهكذا نجد أن " الغاوين " هي ضد " عبادي " ‪ ،‬وهم الذين اصطفاهم ال من الوقوع تحت سلطان‬
‫الشيطان؛ لنهم أخلصوا وخَلّصوا نفسهم ل‪ ،‬وسنجد إبليس وهو ينطق يوم القيامة أمام الغاوين‪{:‬‬
‫عوْ ُتكُمْ‬
‫ق َووَعَدّتكُمْ فَأَخَْلفْ ُتكُ ْم َومَا كَانَ ِليَ عَلَ ْيكُمْ مّن سُلْطَانٍ ِإلّ أَن دَ َ‬
‫حّ‬
‫إِنّ اللّ َه وَعَ َدكُ ْم وَعْدَ الْ َ‬
‫خيّ إِنّي َكفَ ْرتُ ِبمَآ‬
‫خكُ ْم َومَآ أَنتُمْ ِب ُمصْ ِر ِ‬
‫سكُمْ مّآ أَنَاْ ِب ُمصْرِ ِ‬
‫فَاسْتَجَبْ ُتمْ لِي فَلَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُ َ‬
‫أَشْ َركْ ُتمُونِ مِن قَ ْبلُ‪[} ...‬إبراهيم‪]22 :‬‬
‫ومن ِنعَم ال علينا أن أخبرنا الحق سبحانه بكلّ ذلك في الدنيا‪ ،‬ولسوف ُيقِر الشيطان بهذا كله في‬
‫اليوم الخر؛ ذلك أنه لم يملك سلطانا يقهرنا به في الدنيا‪ ،‬بل مجرد إشارة ونَزْغ؛ ول يملك‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سلطانَ إقناع ليجعلنا نفعل ما ينزغ به إلينا‪.‬‬
‫جهَنّمَ َل َموْعِدُهُمْ‪} ...‬‬
‫ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك ما يُؤكّد أن جزاء الغاوين قَاسٍ أليم‪ { :‬وَإِنّ َ‬

‫(‪)1829 /‬‬
‫ج َمعِينَ (‪)43‬‬
‫جهَنّمَ َل َموْعِدُهُمْ َأ ْ‬
‫وَإِنّ َ‬

‫ولن المصير لهؤلء هو جهنم؛ فعلى العبد الذكيّ أن يستحضرَ هذا الجزاء وقتَ الختيار للفعل؛‬
‫كي ل يرتكب حماقةَ الفعل الذي يُزيّنه له الشيطان‪ ،‬أو ُتلِح عليه به نفسه‪ .‬ولو أن المُسرِف على‬
‫نفسه استحضر العقوبة لحظةَ ارتكاب المعصية لَماَ أقدم عليها‪ ،‬ولكن المُسْرف على نفسه ل يقرِن‬
‫المعصية بالعقوبة؛ لنه يغفل النتائج عن المقدمات‪.‬‬
‫ولذلك أقول دائما‪َ :‬هبْ أن إنسانا قد استولتْ عليه شراسة الغريزة الجنسية‪ ،‬وعرف عنه الناس‬
‫ذلك‪ ،‬وأعدّوا له مَا يشاء من رغبات‪ ،‬وأحضروا له أجملَ النساء؛ وسهّلوا له المكان المناسب‬
‫للمعصية بما فيه من طعام وشراب‪.‬‬
‫وقالوا‪ :‬هذا كله ذلك‪ ،‬شَرْط أن تعرف أيضا ماذا ينتظرك‪ .‬وأضاءوا له من بعد ذلك قَبْوا في‬
‫المنزل؛ به فرن مشتعل‪ .‬ويقولون له‪ :‬بعد أنْ َتفْرُغ من لَذّتِك ستدخل في هذا الفرن المشتعل‪ .‬ماذا‬
‫سيصنع هذا النسان؟‬
‫لبُدّ أنه سيرفض القدام على المعصية التي تقودهم إلى الجحيم‪.‬‬
‫وهكذا نعلم أن مَنْ يرتكب المعاصي إنما يستبطِئ العقوبة‪ ،‬والذكيّ حقا هو مَنْ يُصدّق حديث النبي‬
‫صلى ال عليه وسلم الذي يقول فيه " الموت القيامة‪ ،‬فمن مات فقد قامت قيامته "‪ .‬ول أحدَ يعلم‬
‫متى يموت‪.‬‬
‫ويُبيّن الحق سبحانه من بعد ذلك مراتبَ الجحيم‪ ،‬فيقول‪َ { :‬لهَا سَ ْب َعةُ أَ ْبوَابٍ ِل ُكلّ بَابٍ‪} ...‬‬

‫(‪)1830 /‬‬
‫َلهَا سَ ْبعَةُ أَ ْبوَابٍ ِل ُكلّ بَابٍ مِ ْنهُمْ جُ ْزءٌ َمقْسُومٌ (‪)44‬‬

‫صمّم على غواية‬
‫وفي جهن َم يكون َموْعِد هؤلء الغَاوين‪ ،‬ومعهم إبليس الذي أَبَى واستكبر‪ ،‬و َ‬
‫البشر‪ ،‬وألوان العذاب ستختلف‪ ،‬ولكن جماعة لهم جريمة ُيقْرنون بها معا‪ .‬فمَنْ يشربون الخمر‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ن يلعبون الميسر يكونون معا‪.‬‬
‫سيكونون معا؛ ومَ ْ‬
‫طتْ بينهم في الدنيا معصيةٌ ما؛ وجمعهم في الدنيا‬
‫ولكُلّ باب من أبواب جهنم جماعة تدخل منه رب َ‬
‫وَل ٌء ما‪ ،‬وتكوّنتْ من بينهم صداقاتٌ في الدنيا‪ ،‬واشتركوا بالمخالطة؛ ولذلك فعليهم الشتراك في‬
‫ضهُمْ لِ َب ْعضٍ عَ ُدوّ ِإلّ‬
‫العقوبة والنكال‪ .‬وهكذا يتحقق قول الحق سبحانه‪ {:‬الَخِلّءُ َي ْومَئِذٍ َب ْع ُ‬
‫ا ْلمُ ّتقِينَ }[الزخرف‪]67 :‬‬
‫سقَر‪ ،‬ورابع‬
‫حطَمة؛ وثالث إلى َ‬
‫وفي الجحيم أماكن تَأويهم؛ فقِسْم يذهب إلى اللظى؛ وآخر إلى ال ُ‬
‫إلى السّعير‪ ،‬وخامس إلى الهاوية‪.‬‬
‫وكل جُزْء له قِسْم مُعيّن به؛ وفي كل قسم دَركَات‪ ،‬لن الجنة درجات‪ ،‬والنار دركات تنزل إلى‬
‫أسفل‪.‬‬
‫حسْرة؛ ويعطي المؤمن‬
‫ويأتي الحق سبحانه بالمقابل؛ لن ِذكْر المقابل كما نعلم يُعطي الكافر َ‬
‫بشارةً بأنه لم يكُنْ من العاصين‪ ،‬ويقول‪ { :‬إِنّ ا ْلمُ ّتقِينَ فِي‪} ...‬‬

‫(‪)1831 /‬‬
‫إِنّ ا ْلمُ ّتقِينَ فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ (‪)45‬‬

‫ب وما يكره؛ ويحاول ألّ يصيب مَنْ يحب ما يكره‪ .‬وتتعدى‬
‫والمُتقِي هو الذي يحولُ بين ما يُح ّ‬
‫التقوى إلى متقابلتٍ‪ ،‬فنجد الحق سبحانه يقول‪ {:‬ا ّتقُواْ اللّ َه وَ ُيعَّل ُمكُمُ اللّهُ‪[} ...‬البقرة‪]282 :‬‬
‫حجَا َرةُ‪[} ...‬البقرة‪]24 :‬‬
‫س وَالْ ِ‬
‫ويقول أيضا‪ {:‬فَا ّتقُواْ النّارَ الّتِي َوقُودُهَا النّا ُ‬
‫وقلنا من قَبْل‪ :‬إن الحقّ سبحانه له صفاتُ جلل‪ ،‬وصفات كمال وجمال‪َ .‬ي َهبُ بصفات الكمال‬
‫عفْو‪ ،‬وهو مُنْتِقم‪.‬‬
‫والجمال العطايا‪ ،‬وي َهبُ بصفات الجلل البَليا؛ فهو غفّار‪ ،‬وهو قهار‪ ،‬وهو َ‬
‫وعلينا أن نجعلَ بيننا وبين صفات الجلل وقاية؛ وأن نجعل بيننا وبين صفات الجمال قُرْبى؛‬
‫والطريق أن نتبعَ منهجه؛ فل ندخل النار التي هي جُنْد من جنود ال‪.‬‬
‫ت وَعُيُونٍ } [الحجر‪]45 :‬‬
‫وهنا يقول الحق سبحانه‪ { :‬إِنّ ا ْلمُ ّتقِينَ فِي جَنّا ٍ‬
‫وهم الذين لم يرتكبوا المعاصي بعد أن آمنوا بال ورسوله واتبعوا منهجه‪ .‬وإنْ كانت المعصية قد‬
‫غلبتْ بعضهم‪ ،‬وتابوا عنها واستغفروا ال؛ فقد يغفر ال لهم‪ ،‬وقد يُبدّل سيئاتِهم حسناتٍ‪.‬‬
‫ومَنْ يدخل الجنة سيجد فيها العيون والمقصود بها النهار؛ والحق سبحانه هو القائل‪ {:‬فِيهَآ أَ ْنهَارٌ‬
‫ط ْعمُهُ‪[} ...‬محمد‪]15 :‬‬
‫ن وَأَ ْنهَارٌ مّن لّبَنٍ لّمْ يَ َتغَيّرْ َ‬
‫مّن مّآءٍ غَيْرِ آسِ ٍ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ولعل هناك عيونا ومناب َع ل يعلمها إل الحق سبحانه‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه‪ { :‬ا ْدخُلُوهَا‪} ...‬‬

‫(‪)1832 /‬‬
‫ا ْدخُلُوهَا بِسَلَامٍ َآمِنِينَ (‪)46‬‬

‫وهنا يدعوهم الحق سبحانه بالدخول إلى الجنة في سلم المن والطمئنان‪ .‬ونحن نعلم أن سلمَ‬
‫الدنيا والطمئنان فيها مُختلِف عن سلم الجنة؛ فسلمُ الدنيا يعكره خوف افتقاد النعمة‪ ،‬أو أن‬
‫يفوت النسانُ تلك النعمة بالموت‪ .‬ونعلم أن كل نعيم في الدنيا إلى زوال‪.‬‬
‫أما نعيم الخرة فهو نعيم مقيم‪.‬‬
‫ويتابع سبحانه ما ينتظر أهل الجنة‪ { :‬وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مّنْ‪} ...‬‬

‫(‪)1833 /‬‬
‫خوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (‪)47‬‬
‫غلّ إِ ْ‬
‫وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِ ِهمْ مِنْ ِ‬

‫وهكذا يُخرِج الحق سبحانه من صدورهم أيّ حقد وعداوة‪ .‬ويرون أخلء الدنيا في المعاصي وهم‬
‫ُممْتلئون بال ِغلّ‪ ،‬بينما هم قد طهّرهم الحق سبحانه من كل ما كان يكرهه في الخرة‪ ،‬ويحيا كل‬
‫منهم مع أزواج مُطهّرة‪ .‬ويجمعهم الحق بل تنافس‪ ،‬ول يشعر أيّ منهم بحسد لغيره‪.‬‬
‫وال ِغلّ كما نعلم هو الحقد الذي يسكُن النفوس‪ ،‬ونعلم أن البعض من المسلمين قد تختلف وُجهات‬
‫نظرهم في الحياة‪ ،‬ولكنهم على إيمان بال ورسوله صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫والمثل أن عليا كرم ال وجهه وأرضاه دخل موقعه الجمل‪ ،‬وكان في المعسكر المقابل طلحةُ‬
‫والزبير رضي ال عنهما؛ وكلهما مُبشّر بالجنة‪ ،‬وكان لكل جانب دليل يُغلّبه‪.‬‬
‫" ولحظةَ أنْ قامت المعركة جاء وَجْه علي ـ كرّم ال وجهه ـ في وَجْه الزبير؛ فيقول علي‬
‫رضي ال عنه‪ :‬تذكر قول رسول ال صلى ال عليه وسلم وأنتما تمرّان عليّ‪ ،‬سلّم النبي وق ْلتَ‬
‫أنت‪ :‬ل يفارق ابنَ أبي طالب زَ ْهوُه‪ ،‬فنظر إليك رسول ال صلى ال عليه وسلم وقال لك‪ " :‬إنك‬
‫تقاتل عليا وأنتَ ظالم له "‪ .‬فرمى الزبير بالسلح‪ ،‬وانتهى من الحرب‪.‬‬
‫ودخل طلحة بن عبيد ال على عليّ ـ كرم ال وجهه ـ؛ فقال عليّ رضوان ال عليه‪ :‬يجعل لي‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ال ولبيك في هذه الية نصيبا " فقال أحد الجالسين‪ :‬إن ال أعدل من أنْ يجمعَ بينك وبين طلحة‬
‫في الجنة‪ .‬فقال عليّ‪ :‬وفيما نزل إذنْ قوله الحق‪:‬‬
‫غلّ } [الحجر‪.]47 :‬‬
‫{ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مّنْ ِ‬
‫حقْدية في النفوس يكون عميقا‪ ،‬وأن خَلْعها في‬
‫وكلمة " نزعنا " تدل على أن تغلغل العمليات ال ِ‬
‫اليوم الخر يكون خَلْعا من الجذور‪ ،‬وينظر المؤمن إلى المؤمن مثله؛ والذي عاداه في الدنيا‬
‫نظرتُه إلى مُحسِن له؛ لنه بالعداوة والمنافسة جعله يخاف أن يقع عَيْب منه‪.‬‬
‫ذلك أن المؤمن في الخرة يذكر ُمعْطيات الشياء‪ ،‬ويجعلهم الحق سبحانه إخوانا؛ فَ ُربّ أخٍ لك لم‬
‫تَلِدْه أمّك‪ ،‬والحق سبحانه هو القائل في موقع آخر‪ {:‬وَا ْذكُرُواْ ِن ْع َمتَ اللّهِ عَلَ ْيكُمْ إِذْ كُنْ ُتمْ أَعْدَآءً فَأَّلفَ‬
‫حفْ َرةٍ مّنَ النّارِ فَأَنقَ َذكُمْ مّ ْنهَا }[آل عمران‪:‬‬
‫شفَا ُ‬
‫علَىا َ‬
‫خوَانا َوكُنْتُمْ َ‬
‫بَيْنَ قُلُو ِبكُمْ فََأصْبَحْ ُتمْ بِ ِن ْعمَتِهِ إِ ْ‬
‫‪.]103‬‬
‫وقد يكون لك أخ ل تكرهه ول تحقد عليه؛ ولكنك ل تُجالسه ول تُسامره؛ لن الخوة أنواع‪ .‬وقد‬
‫تكون أخوة طيبة ممتلئة بالحترام لكن أيا منكما ل يسعى إلى الخر‪ ،‬ويجمعكم الحق سبحانه في‬
‫الخرة على سُرُر متقابلين‪.‬‬
‫وسأل سائل‪ :‬وماذا لو كانت منزلة أحدهما في الجنة أعلى من منزلة الخر؟ ونقول‪ :‬إن فَضل‬
‫الحق المطلق يرفع منزلة الَدْنى إلى منزلة العلى‪ ،‬وهما يتزاوران‪.‬‬
‫وهكذا يختلف حال الخرة عن حال الدنيا‪ ،‬فالنسان في الدنيا يعيش ما قال عنه الحق سبحانه‪{:‬‬
‫لقِيهِ }[النشقاق‪.]6 :‬‬
‫ياأَ ّيهَا الِنسَانُ إِ ّنكَ كَادِحٌ إِلَىا رَ ّبكَ كَدْحا َفمُ َ‬
‫سهُمْ‬
‫ولكن الحال في الخرة يختلف‪ ،‬وينطبق عليه قول الحق سبحانه في الية التالية‪ { :‬لَ َي َم ّ‬
‫فِيهَا‪.} ...‬‬

‫(‪)1834 /‬‬
‫ب َومَا هُمْ مِ ْنهَا ِب ُمخْرَجِينَ (‪)48‬‬
‫ص ٌ‬
‫سهُمْ فِيهَا َن َ‬
‫لَا َيمَ ّ‬

‫ت عملك وكنت من المؤمنين ‪ -‬تختلف عن حياتك في الدنيا؛ فأنت‬
‫وحيا ُتكَ في الخرة ـ إنْ أصلح َ‬
‫تعلم أنك في الدنيا تَحْيا مع أسباب ال ال َممْدودة لك؛ وتضرب في الرض من أجل الرزق‪ ،‬وتجتهد‬
‫وتتعب من أجل أَنْ يهبكَ الُ ما في السباب من عطاء‪.‬‬
‫وحينئذ تصبح من المُفْلِحِين الذين يهديهم ال جنته‪ .‬يقول الحق جل عُلَه‪ {:‬والّذِينَ ُي ْؤمِنُونَ ِبمَآ أُنْ ِزلَ‬
‫ك وَبِالخِ َرةِ هُمْ يُوقِنُونَ * ُأوْلَـا ِئكَ عَلَىا هُدًى مّن رّ ّبهِمْ وَأُوْلَـا ِئكَ ُهمُ‬
‫ك َومَآ أُنْ ِزلَ مِن قَبِْل َ‬
‫إِلَ ْي َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ا ْل ُمفْلِحُونَ }[البقرة‪.]5-4 :‬‬
‫وشاء الحق سبحانه أن يأتي بلفظ ال ُمفْلِح كصفة للمؤمن في الجنة‪ ،‬لن المؤمن قد حرثَ الدنيا‬
‫صبَ قامته‪ ،‬ونعلم أن َنصْب القَامَة يدلّ‬
‫بالعمل الصالح وبذل جهده ليقي َم منهج ال في الرض‪ ،‬ون َ‬
‫ن يعمل قد أصابه التعب‪ ،‬وذلك في الحياة الدنيا‪.‬‬
‫على أن مَ ْ‬
‫أما في الجنة‪ ،‬فيقول الحق‪:‬‬
‫ب َومَا هُمْ مّ ْنهَا ِب ُمخْرَجِينَ } [الحجر‪.]48 :‬‬
‫سهُمْ فِيهَا َنصَ ٌ‬
‫{ لَ َيمَ ّ‬
‫أي‪ :‬ل يصيبهم فيها تعب‪ ،‬ول يُخْرَجون من الجنة‪ ،‬ذلك أنهم قد نَالُوا فيها الخلود‪.‬‬
‫وهكذا تكلّم سبحانه عن الغَاوين‪ ،‬وقد كانوا أخلّء في الدنيا يمرحُون فيها بالمعاصي؛ وهم مَنْ‬
‫ينتظرهم عقابُ الجحيم‪ .‬وتكلّم عن العباد المُخلصين الذين سيدخلون الجنة؛ ومنهم مَنِ اختلفتْ‬
‫ُرؤَاه في الدنيا‪ ،‬ولم يربط بينهم تآلفٌ أو محبّة؛ لكنهم يدخلون الجنة‪ ،‬وتتصافَى قلوبهم من أيّ‬
‫خلف قد سبق في الدنيا‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك‪ { :‬نَبّىءْ عِبَادِي‪.} ...‬‬

‫(‪)1835 /‬‬
‫نَ ّبئْ عِبَادِي أَنّي أَنَا ا ْل َغفُورُ الرّحِيمُ (‪)49‬‬

‫والخطاب هنا لرسول ال صلى ال عليه وسلم‪ .‬والنباء هو الخبار بأمر له خطورته وعظمته؛‬
‫ول يقال (نبيء) في خبر بسيط‪ .‬وسبق أن قال الحق سبحانه عن هذا النبأ‪ {:‬عَمّ يَ َتسَآءَلُونَ * عَنِ‬
‫النّبَإِ ا ْل َعظِيمِ }[النبأ‪.]2-1 :‬‬
‫عظِيمٌ * أَنتُمْ عَ ْنهُ ُمعْ ِرضُونَ }[ص‪.]68-67 :‬‬
‫وقال سبحانه أيضا عن النبأ‪ُ {:‬قلْ ُهوَ نَبَأٌ َ‬
‫ونفهم من القول الكريم أنه الخبار بنبأ الخرة ما سوف يحدثُ فيها‪ ،‬وهنا يأتي سبحانه بخبر‬
‫غفْرانه ورحمته الذي يختصّ به عباده المخلصين المُتقِين الذين يدخلون الجنة‪ ،‬ويتمتّعون بخيْراتها‬
‫ُ‬
‫خالدين فيها‪.‬‬
‫ولقائل أنْ يسأل‪ :‬أليستْ المغفرة تقتضي ذَنْبا؟‬
‫ونقول‪ :‬إن الحق سبحانه خلقنا ويعلم أن للنفس هواجسَ؛ ول يمكن أنْ تسلمَ النفس من بعض‬
‫الخطاء والذنوب والوسوسة؛ بدليل أنه سبحانه قد حَرّم الكثير من الفعال على المسلم؛ حمايةً‬
‫للفرد وحمايةً للمجتمع أيضا‪ ،‬ليعيش المجتمع في الستقرار المن‪.‬‬
‫فقد حرّم الحق سبحانه على المسلم السرقة والزّنَا وشُرْب الخمر‪ ،‬وغيرها من المُوبِقات والخطايا‪،‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والهواجس التي تقوده إلى الفساد في الرض‪ ،‬وما دام قد حرّم كل ذلك فهذا يعني أنها سوف‬
‫تقع‪ ،‬ونزل منهجه سبحانه مُحرّما ومُجَرّما لمن يفعل ذلك‪ ،‬كما يُلزم كل المؤمنين به بضرورة‬
‫تجنّب هذه الخطايا‪.‬‬
‫وهنا يُوضّح سبحانه أن مَنْ يغفل من المؤمنين ويرتكب معصية ثم يتوب عنها‪ ،‬عليه ألّ يُؤرّق‬
‫نفسه بتلك الغفلت؛ فسبحانه رءوفٌ رحيم‪.‬‬
‫شعْرا أو‬
‫ونحن حين نقرأ العربية التي قد شرّف الُ أهلَها بنزول القرآن بها‪ ،‬نجد أقسامَ الكلم إما ِ‬
‫نَثْرا‪ ،‬والشعر له وَزْن وقافية‪ ،‬وله َنغَم وموسيقى‪ ،‬أما النثر فليس له تلك الصّفات‪ ،‬بل قد يكون‬
‫مَسْجوعا أو غَيْرَ مسجوع‪.‬‬
‫وإنْ تكلمتَ بكلم نثريّ وجِ ْئتَ في وسطه ببيت من الشعر‪ ،‬فالذي يسمعك يُمكِنه أن يلحظ هذا‬
‫الفارقَ بين الشعر والنثر‪ .‬ولكن القرآن كلمُ ربّ قادر؛ لذلك أنت تجد هذه الية التي نحن بصدد‬
‫خواطرنا عنها وتقرؤها وكأنها بَ ْيتٌ من الشعر فهي موزونة مُقفّاة‪:‬‬
‫" نَبّيء عِبَادِي أَنّي أنَا الغفورُ الرّحيمُ "‬
‫ووزنها من َبحْر المُجْتث ولكنها تأتي وَسْط آيات من قبلها ومن بعدها فل تشعر بالفارق‪ ،‬ول‬
‫تشعر أنك انتقلتَ من نثرٍ إلى شعٍر‪ ،‬ومن شعر إلى نثر؛ لن تضامن المعاني مع جمال السلوب‬
‫يعطينا جلل التأثير المعجز‪ ،‬وتلك من أسرار عظمة القرآن‪.‬‬
‫عذَابِي‪.} ...‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه فيما يخص الكافرين أهل الغواية‪ { :‬وَأَنّ َ‬

‫(‪)1836 /‬‬
‫وَأَنّ عَذَابِي ُهوَ ا ْلعَذَابُ الَْألِيمُ (‪)50‬‬

‫وهكذا يكتمل النبأ بالمغفرة ِلمَن آمنوا؛ والعذاب ِلمَنْ كفروا‪ ،‬وكانوا من أهل الغواية‪ .‬ونلحظ أنه‬
‫سبحانه لم يُشدّد في تأكيد العذاب‪ ،‬ذلك أن رحمته سبقتْ غضبه‪ ،‬مصداقا لقوله صلى ال عليه‬
‫وسلم‪ " :‬إن ال تعالى خلق الرحمة يوم خلقها مائةَ رحمة‪ ،‬فأمسك عنده تسعا وتسعين رحمة‪،‬‬
‫وأرسل في خَلقْه كلّهم رحم ًة واحدةً‪ ،‬فلو يعلم الكافر بكل الذي عند ال من الرحمة لم ييئس من‬
‫الجنة؛ ولو يعلم المسلم بكل الذي عند ال من العذاب؛ لم يأمن من النار "‪.‬‬
‫ونلحظ أن اليتين السابقتين يشرحهما َقوْل الحق سبحانه‪ {:‬وَإِنّ رَ ّبكَ لَذُو َم ْغفِ َرةٍ لّلنّاسِ عَلَىا ظُ ْل ِمهِمْ‬
‫وَإِنّ رَ ّبكَ لَشَدِيدُ ا ْل ِعقَابِ }[الرعد‪.]6 :‬‬
‫ولذلك نرى أن اليتين قد نبّهتا إلى َمقَامي الرجاء والخوف‪ ،‬وعلى المؤمن أنْ يجم َع بينهما‪ ،‬وألّ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يُؤجّل العمل الصالح وتكاليف اليمان‪ ،‬وأن يستغفر من المعاصي؛ لن ال سبحانه وتعالى يعامل‬
‫الناس بالفضل لمن أخلص النية وأحسن الطوية‪ .‬لذلك يقول الحديث‪ " :‬لمّا قضى ال الخَلْق كتب‬
‫في كتابه فهو عنده فوق العرش‪ :‬إن رحمتي سبقت غضبي "‪.‬‬
‫ثم ينقلنا الحق سبحانه من بعد الحديث عن الصفات الجللية والجمالية في الغفران والرحمة‬
‫والنتقام إلي مسألة حسّية واقعية تُوضّح كل تلك الصفات‪ ،‬فيتكلم عن إبراهيم ـ عليه السلم ـ‬
‫ويعطيه ال ُبشْرى‪ ،‬ثم ينتقل لبن أخيه لوط فيعطيه النجاة‪ ،‬ويُنزِل بأهله العقاب‪.‬‬
‫يقول الحق سبحانه‪ { :‬وَنَبّ ْئهُمْ عَن‪.} ..‬‬

‫(‪)1837 /‬‬
‫ن ضَ ْيفِ إِبْرَاهِيمَ (‪)51‬‬
‫وَنَبّ ْئهُمْ عَ ْ‬

‫وكلمة (ضيف) تدلّ على المائل لغيره لقِ َرىً أو استئناس‪ ،‬ويُسمونه " المُنْضوي " لنه ينضوي إلى‬
‫غيره لطلب القِرَى‪ ،‬ولطلب المن‪ .‬ومن معاني المُنْضوي أنه مالَ ناحية الضّوْء‪.‬‬
‫وكان الكرماء من العرب من أهل السماحة؛ ل تقتصر سماحتهم على مَنْ يطرقون بابهم‪ ،‬ولكنهم‬
‫يُعلِنون عن أنفسهم بالنار ليراها مَنْ يسير في الطريق ليهتدي إليهم‪.‬‬
‫وكلنا قرأنا ما قال حاتم الطائي للعبد الذي يخدمه‪َ:‬أ ْوقِد النارَ فإنّ الل ْيلَ لَيْل قُرّ والريحُ يَا غُلمُ ريحُ‬
‫صِرّ إنْ جلبت لنَا ضَيْفا فأنت حُر وهكذا نعرف أصلَ كلمة انضوى‪ .‬أي‪ :‬تَبِع الضوء‪.‬‬
‫وكلمة (ضيف) لفظ ُمفْرد يُطلَق على المفرد والمُثنّى والجمع‪ ،‬إناثا أو ذكورا‪ ،‬فيُقال‪ :‬جاءني ضيف‬
‫فأكرمته‪ ،‬ويقال‪ :‬جاءني ضيف فأكرمتها‪ ،‬ويقال‪ :‬جاءني ضيف فأكرمتهما‪ ،‬وجاءني ضيف‬
‫فأكرمتهم‪ ،‬وجاءني ضيف فأكرمتهُنّ‪.‬‬
‫وكلّ ذلك لن كلمة " ضيف " قامت مقام المصدر‪ .‬ولكن هناك من أهل العربية مَنْ يجمعون "‬
‫ضيف " على " أضياف "؛ ويجمعون " ضيف " على " ضيوف " ‪ ،‬أو يجمعون " ضيف " على "‬
‫ضِيفان "‪.‬‬
‫جمْع؛ فمعناه أن فردا قد جاء ومعه غيره‪ ،‬وإذا جاءت‬
‫ولننتبه إلى أن الضيفَ إذا أُطلِق على َ‬
‫جماعة‪ ،‬ثم تبع ْتهَا جماعة أخرى نقول‪ :‬وجاءت ضيف أخرى‪.‬‬
‫وهنا في الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها نعلم أنهم ليسوا ضيفا من الية التي تليها؛ التي قال‬
‫فيها الحق سبحانه‪ { :‬إِذْ دَخَلُواْ عَلَ ْيهِ‪.} ...‬‬

‫(‪)1838 /‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إِذْ دَخَلُوا عَلَ ْيهِ َفقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنّا مِ ْنكُ ْم وَجِلُونَ (‪)52‬‬

‫ونلحظ أن كلمة (سلما) جاءت هنا بالنّصبْ‪ ،‬ومعناها نُسلّم سلما‪ ،‬وتعني سلما متجددا‪ .‬ولكنه‬
‫في آية أخرى يقول‪ِ {:‬إذْ َدخَلُواْ عَلَيْهِ َفقَالُواْ سَلَما قَالَ سَلَمٌ َقوْمٌ مّنكَرُونَ }[الذاريات‪.]25 :‬‬
‫ونعلم أن القرآن يأتي بالقصة عَبْر لقطات ُموّزعة بين اليات؛ فإذا جمعتَها رس َمتْ لك ملمح‬
‫القصة كاملة‪.‬‬
‫ولذلك نجد الحق سبحانه هنا ل يذكر أن إبراهيم قد رَدّ سلمهم؛ وأيضا لم يذكر تقديمه للعجل‬
‫المَشْويّ لهم؛ لنه ذكر ذلك في موقع آخر من القرآن‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فمِنْ تلك الية نعلم أن إبراهيم عليه السلم قد ردّ السلم‪ ،‬وجاء هذا السلم مرفوعا‪ ،‬فلماذا‬
‫جاء السلم في الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها منصوبا؟‬
‫أي‪ :‬قالوا هم‪ { :‬سَلما } [الحجر‪.]52 :‬‬
‫لمٌ َقوْمٌ مّنكَرُونَ }[الذاريات‪.]25 :‬‬
‫وكان ل ُبدّ من رَدّ‪ ،‬وهو ما جاءتْ به الية الثانية‪ {:‬قَالَ سَ َ‬
‫والسلم الذي صدر من الملئكة لبراهيم هو سلم مُتجدّد؛ بينما السلم الذي صدر منه جاء في‬
‫صيغة جملة اسمية مُثْبتة؛ ويدلّ على الثبوت‪.‬‬
‫إذا َردّ إبراهيم عليه السلم أقوى من سلم الملئكة؛ لنه يُوضّح أن أخلق المنهج أنْ ير ّد المؤمنُ‬
‫ن منها؛ ل أنْ يردّها فقط‪ ،‬فجاء َردّه يحمل سلما استمراريا‪ ،‬بينما سلمُهم كان سلما‬
‫التحيةَ بأحس َ‬
‫تجدديا‪ ،‬والفرق بين سلم إبراهيم عليه السلم وسلم الملئكة‪ :‬أن سلم الملئكة يتحدد بمقتضى‬
‫الحال‪ ،‬أما سلم إبراهيم فهو منهج لدعوته ودعوة الرسل‪.‬‬
‫ويأتي من بعد ذلك كلم إبراهيم عليه السلم‪:‬‬
‫{ قَالَ إِنّا مِ ْنكُمْ وَجِلُونَ } [الحجر‪.]52 :‬‬
‫جسَ مِ ْنهُمْ خِيفَةً }[هود‪.]70 :‬‬
‫وجاء في آية أخرى أنه‪ {:‬وََأوْ َ‬
‫وفي موقع آخر من القرآن يقول‪َ {:‬قوْمٌ مّنكَرُونَ }[الذاريات‪.]25 :‬‬
‫فلماذا أوجسَ منهم خِيفةَ؟ ولماذا قال لهم‪ :‬إنهم قومْ مُ ْنكَرون؟ ولماذا قال‪:‬‬
‫{ إِنّا مِ ْنكُ ْم وَجِلُونَ } [الحجر‪.]52:‬‬
‫لقد جاءوا له دون أن يتعرّف عليهم‪ ،‬وقدّم لهم الطعام فرأى أيديهم ل تصل إليه ول تقربه كما قال‬
‫خفْ إِنّا أُ ْرسِلْنَا إِلَىا‬
‫صلُ إِلَيْهِ َنكِرَ ُه ْم وََأوْجَسَ مِ ْنهُمْ خِيفَةً قَالُو ْا لَ تَ َ‬
‫سبحانه‪ {:‬فََلمّا رَأَى أَيْدِ َيهُ ْم لَ َت ِ‬
‫َقوْمِ لُوطٍ }[هود‪.]70 :‬‬
‫ذلك أن إبراهيم عليه السلم يعلم أنه إذا قَدِم ضَيْفا وقُدّم إليه الطعام‪ ،‬ورفض أن يأكل فعلَى المرء‬
‫ل يتوقع منه الخير؛ وأن ينتظر المكاره‪.‬‬
‫أّ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وحين عَلِم أنهم قد أرسلوا إلى قوم لوط؛ وطمأنوه بالخبر الطيب الذي أرسلهم به ال اطمأنتْ‬
‫جلْ‪.} ..‬‬
‫نفسه؛ وفي ذلك تأتي الية القادمة‪ { :‬قَالُواْ لَ َتوْ َ‬

‫(‪)1839 /‬‬
‫جلْ إِنّا نُبَشّ ُركَ ِبغُلَامٍ عَلِيمٍ (‪)53‬‬
‫قَالُوا لَا َتوْ َ‬

‫هكذا طمأنت الملئكة إبراهيم عليه السلم‪ ،‬و َهدَّأتْ من َروْعه‪ ،‬وأزالتْ مخاوفه‪ ،‬وقد حملوا له‬
‫البشارة بأن الحق سبحانه سيرزقه بغلم سيصير إلي مرتبة أن يكون كثير العِلْم‪.‬‬
‫ويستقبل إبراهيم عليه السلم الخبر بطريقة تحمل من الندهاش الكثيرَ‪ ،‬فيقول ما ذكره الحق‬
‫سبحانه‪ { :‬قَالَ أَ َبشّرْ ُتمُونِي‪.} ..‬‬

‫(‪)1840 /‬‬
‫قَالَ أَبَشّرْ ُتمُونِي عَلَى أَنْ مَسّ ِنيَ ا ْلكِبَرُ فَ ِبمَ تُبَشّرُونَ (‪)54‬‬

‫ونعلم أن الحق ‪ -‬سبحانه وتعالى ‪ -‬يخلق الخَلْق على أنحاء مُتعدّدة؛ حتى يعلمَ المخلوق أن خَلْقه‬
‫ل ضرورة أن يكونَ بطريقة محددة؛ بل طلقة القدرة أن يأتي المخلوق كما يشاء ال‪.‬‬
‫والشائع أن يُولَد الولد من أبٍ وأم؛ ذكر وأنثى‪ .‬أو بدون المرين معا مثل آدم عليه السلم‪ ،‬ثُمّ‬
‫خلق حواء من ذكر فقط‪ ،‬وكما خلق عيسى من أم فقط‪ ،‬وخلق محمدا صلى ال عليه وسلم من‬
‫ذك ٍر وأنثى‪.‬‬
‫وفي الية التي نحن بصددها نجد إبراهيم عليه السلم يتعجب كيف يُبشّرونه بغلم‪ ،‬وهو على هذه‬
‫الدرجة من الكِبَر‪ ،‬في قوله تعالى‪:‬‬
‫{ عَلَىا أَن مّسّ ِنيَ ا ْلكِبَرُ } [الحجر‪.]54 :‬‬
‫يعني أن " على " هنا جاءت بمعنى " مع " أي‪ :‬أنه يعيش مع الكِبَر؛ ويرى أنه من الصعب أنْ‬
‫يجتمعَ الكِبَر مع القدرة على الِنجاب‪.‬‬
‫وأقول دائما‪ :‬إن كلمة (على) لها عطاءاتٌ واسعة في القرآن الكريم‪ ،‬فهي تترك مرة ويأتي الحق‬
‫خلِ }[طه‪.]71 :‬‬
‫جذُوعِ النّ ْ‬
‫لصَلّبَ ّنكُمْ فِي ُ‬
‫سبحانه بغيرها لتؤدي معنًى مُعينا؛ مثل قوله تعالى‪َ {:‬و ُ‬
‫والصّلْب إنما يكون على جذوع النخل؛ ولكن الحق سبحانه جاء بـ (في) بدلً من (على) ليدلّ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫على أن الصّ ْلبَ سيكون عنيفا‪ ،‬بحيث تتدخل اليدي والرجُل ال َمصْلوبة في جذوع النخل‪.‬‬
‫وهنا يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ أَ َبشّرْ ُتمُونِي عَلَىا أَن مّسّ ِنيَ ا ْلكِبَرُ } [الحجر‪.]54 :‬‬
‫أي‪ :‬أَتُبشّرونني بالغلم العليم مع أنّي كبير في العمر؛ والمفهوم أن الكِبَر والتقدّم في العمر ل‬
‫يتأتّى معه القدرة على النجاب‪.‬‬
‫وهكذا تأتي " على " بمعنى " مع "‪ .‬أي‪ :‬كيف تُبشّرونني بالغلم مع أنّي كبير في العمر‪ ،‬وقد قال‬
‫حمْدُ للّهِ الّذِي‬
‫قولته هذه مُؤمِنا بقدرة ال؛ فإبراهيم أيضا هو الذي أورد الحق سبحانه َقوْلً له‪ {:‬ا ْل َ‬
‫سمِيعُ الدّعَآءِ }[إبراهيم‪.]39 :‬‬
‫سحَاقَ إِنّ رَبّي لَ َ‬
‫سمَاعِيلَ وَإِ ْ‬
‫وَ َهبَ لِي عَلَى ا ْلكِبَرِ ِإ ْ‬
‫وكأن الكِبَر ل يتناسب مع النجاب‪ ،‬ويأتي رَدّ الملئكة على إبراهيم خليل الرحمن‪ { :‬قَالُواْ‬
‫بَشّرْنَاكَ }‪.‬‬

‫(‪)1841 /‬‬
‫قَالُوا بَشّرْنَاكَ بِا ْلحَقّ فَلَا َتكُنْ مِنَ ا ْلقَانِطِينَ (‪)55‬‬

‫وكأن الملئكة تقول له‪ :‬لسنا نحن الذين صنعنا ذلك‪ ،‬ولكِنّا نُبلغك ببشارة شاءها ال لك؛ فل تكُنْ‬
‫من اليائسين‪.‬‬
‫ونفس القصة تكررتْ من بعد إبراهيم مع ذكريا ‪ -‬عليه السلم ‪ -‬في إنجابه ليحيى‪ ،‬حين دعا‬
‫جعَلْهُ َربّ َرضِيّا }[مريم‪.]6 :‬‬
‫زكريا رَبّه أن يهبَه غلما‪ {:‬يَرِثُنِي وَيَ ِرثُ مِنْ آلِ َيعْقُوبَ وَا ْ‬
‫ل ٌم َوكَا َنتِ امْرَأَتِي عَاقِرا‬
‫وجاءته البشارة بيحيى‪ ،‬وقد قال زكريا لربه‪ {:‬قَالَ َربّ أَنّىا َيكُونُ لِي غُ َ‬
‫َوقَدْ بََل ْغتُ مِنَ ا ْلكِبَرِ عِتِيّا }[مريم‪.]8 :‬‬
‫وإن شئت أن تعرفَ سِرّ عطاءات السلوب القرآني فاقرأ َقوْل الحق سبحانه ردا على زكريا‪{:‬‬
‫فَاسْتَجَبْنَا لَ ُه َووَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىا وََأصْلَحْنَا َلهُ َزوْجَهُ }[النبياء‪.]90 :‬‬
‫ولم َي ُقلِ الحق سبحانه أصلحناكم أنتم الثنين؛ وفي ذلك إشارة إلي أن العطبَ كان في الزوجة؛ وقد‬
‫أثبت العلم من بعد ذلك أن قدرة الرجل على الخصاب ل يُحدّدها عمر‪ ،‬ولكن قدرةَ المرأة على‬
‫أن تحمل مُحدّدة بعمر مُعين‪.‬‬
‫ثم إذا تأملنا قوله الحق‪َ {:‬ووَهَبْنَا }[النبياء‪.]90 :‬‬
‫نجد أنها تُثبِت طلقةَ قدرة ال سبحانه فيما وَهَب؛ وفي إصلح مَا فسد؛ فسبحانه ل ُيعْوزِه شيء؛‬
‫جلّ شأنه على الوَهْب؛ وقادر على أن يُهيئَ السباب ليتحققَ ما يَهبه‪.‬‬
‫قادر َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهنا تقول الملئكة لبراهيم‪:‬‬
‫حقّ } [الحجر‪ ]55 :‬أي‪ :‬أنهم ليسوا المسئولين عن البشارة‪ ،‬بل عن صدق البشارة؛‬
‫{ َبشّرْنَاكَ بِالْ َ‬
‫ولذلك قالوا له من بعد ذلك‪:‬‬
‫{ فَلَ َتكُن مّنَ ا ْلقَانِطِينَ } [الحجر‪.]55 :‬‬
‫ل َومَن َيقْنَطُ‪.} ..‬‬
‫ويأتي الحق سبحانه بما رَدّ به إبراهيم عليه السلم‪ { :‬قَا َ‬

‫(‪)1842 /‬‬
‫حمَةِ رَبّهِ إِلّا الضّالّونَ (‪)56‬‬
‫قَالَ َومَنْ َيقْنَطُ مِنْ َر ْ‬

‫وهنا يعلن إبراهيم ‪ -‬عليه السلم ‪ -‬أنه لم يقنط من رحمة ربه؛ ولكنه التعجب من طلقة التعجب‬
‫من طلقة القدرة التي توحي بالوحدانية القادرة‪ ،‬ل لذات وقوع الحَدث؛ ولكن لكيفية الوقوع‪ ،‬ففي‬
‫كيفية الوقوع إعجاب فيه تأمل‪ ،‬ذلك أن إبراهيم ‪ -‬عليه السلم ‪ -‬يعلم عِلْم اليقين طلقة قدرة ال؛‬
‫فقد سبق أن قال له‪ {:‬أَرِنِي كَ ْيفَ ُتحْيِـي ا ْل َموْتَىا‪[} ..‬البقرة‪.]260 :‬‬
‫ولنلحظ أنه لم يسأله " أتحيي الموتى " ‪ ،‬بل كان سؤاله عن الكيفية التي ُيحْيى بها ال ال َموْتى؛‬
‫ولذلك لسأله الحق سبحانه‪َ {:‬أوَلَمْ ُت ْؤمِن‪[} ...‬البقرة‪.]260 :‬‬
‫طمَئِنّ قَلْبِي }[البقرة‪.]260 :‬‬
‫وكان َردّ إبراهيم ‪-‬عليه السلم ‪ {:-‬بَلَىا وَلَـكِن لّيَ ْ‬
‫وحدثتْ تجربة عندما أُمر إبراهيم بأن يأخذ أربعة من الطير ثم يقطعهن ويلقي على كل جبل‬
‫جزءا‪ ،‬ثم يدعوهن فيأتينه سعيا‪ ،‬لذلك فلم يكُنْ إبراهيم قانطا من رحمة ربه‪ ،‬بل كان متسائلً عن‬
‫الكيفية التي يُجرِي ال بها رحمته‪.‬‬
‫ولم تكن تلك المحادثة بين إبراهيم والملئكة فقط‪ ،‬بل اشتركت فيه َزوْجه سارة؛ إذ أن الحق‬
‫شيْءٌ‬
‫عجُو ٌز وَهَـاذَا َبعْلِي شَيْخا إِنّ هَـاذَا لَ َ‬
‫سبحانه قد قال في سورة هود‪ {:‬يَاوَيْلَتَىا أَأَلِ ُد وَأَنَاْ َ‬
‫حمِيدٌ مّجِيدٌ }[هود‪:‬‬
‫حمَةُ اللّ ِه وَبَ َركَاتُهُ عَلَ ْيكُمْ أَ ْهلَ الْبَ ْيتِ إِنّهُ َ‬
‫عَجِيبٌ * قَالُواْ أَ َت ْعجَبِينَ مِنْ َأمْرِ اللّهِ رَ ْ‬
‫‪.]73-72‬‬
‫وهكذا نجد أن القرآن يُكمِل بعضُه بعضا؛ وكل َلقْطة تأتي في موقعها؛ وحين نجمع اللقطات تكتمل‬
‫لنا القصة‪.‬‬
‫وهنا في سورة الحجر نجد سؤالً من إبراهيم ‪ -‬عليه السلم ‪ -‬للملئكة التي حملتْ له بُشْرى‬
‫النجاب عن المُهمّة الساسية لمجيئهم‪ ،‬الذي تسبّب في أن يتوجّس منهم خِيفةً؛ فقد نظر إليهم‪،‬‬
‫ك واحد‪.‬‬
‫وشعر أنهم قد جاءوا بأمر آخر غير البشارةَ بالغلم؛ لن البشارةَ يكفي فيها مََل ٌ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أما هؤلء فهم كثيرون على تلك ال ُمهِمة‪ ،‬فيقول سبحانه هذا السؤال الذي سأله إبراهيم ‪ -‬عليه‬
‫السلم ‪ { :-‬قَالَ َفمَا خَطْ ُبكُمْ‪.} ...‬‬

‫(‪)1843 /‬‬
‫قَالَ َفمَا خَطْ ُب ُكمْ أَ ّيهَا ا ْلمُرْسَلُونَ (‪)57‬‬

‫أي‪ :‬ما هو المر العظيم الذي جِئْتم من أجله؛ لن الخَطْب هو الحَدث الجَلل الذي ينتاب النسان؟‬
‫سمّي خَطْبا لنه يشغل بال الناس جميعا فيتخاطبون به‪ ،‬وكلما التقتْ جماعة من البشر بجماعة‬
‫وُ‬
‫أخرى َفهُمْ يتحدثون في هذا المر‪.‬‬
‫سمّيتْ رغبة الزواج بين رجل وامرأة وَتَقدّمه لهلها طَلبا لِيَدها " خِطْبة "؛ لنه أمر جَللَ‬
‫ولذلك ُ‬
‫وهَامّ؛ ذلك أن أحدا لو نظر إلى المرأة؛ ورآه واحدٌ من أهلها لَثَار من الغَيْرة؛ ولكن ما أن يدقّ‬
‫البابَ طالبا يدَها‪ ،‬فالمر يختلف؛ لن أهلها يستقبلون مَنْ يتقدّم للزواج الستقبالَ الحسن؛ ويقال‪" :‬‬
‫جدعَ الحللُ أ ْنفَ الغَيْرة "‪.‬‬
‫وهنا قال إبراهيم عليه السلم للملئكة‪ :‬ما خَطْبكم أيها المُرْسلون؟ أي‪ :‬ليّ أمر جََللٍ أتيتُم؟‬
‫ويأتي الجواب من الملئكة في قول الحق سبحانه‪ { :‬قَالُواْ إِنّآ‪.} ...‬‬

‫(‪)1844 /‬‬
‫قَالُوا إِنّا أُرْسِلْنَا إِلَى َقوْمٍ مُجْ ِرمِينَ (‪)58‬‬

‫ونعلم أن كلمة " القوم " مأخوذةٌ من القيام‪ ،‬وهُم القوم الذين يقومون للحداث؛ ويُقصد بهم الرجال‪،‬‬
‫دون النساء لن النساء ل َي ُقمْنَ للحداث؛ والحق سبحانه هو الذي يُفصّل هذا المر في قوله‪ {:‬لَ‬
‫سخَرْ َقوْمٌ مّن َقوْمٍ عَسَىا أَن َيكُونُواْ خَيْرا مّ ْنهُ ْم َولَ ِنسَآءٌ مّن نّسَآءٍ عَسَىا أَن َيكُنّ خَيْرا مّ ْنهُنّ }‬
‫يَ ْ‬
‫[الحجرات‪.]11 :‬‬
‫فلو أن كلمة " القوم " تُطلَق على النساء؛ لَوصفَ بها الحق سبحانه النساء أيضا؛ وذلك كي نعلم أن‬
‫الرجال فقط هم الذين يقومون للحداث؛ ولنعلم أن للمرأة منزلتها في رعاية أسرتها؛ فل تقوم إل‬
‫بما يخصّ هذا البيت‪.‬‬
‫وهنا أخبرتْ الملئكة إبراهيم عليه السلم أنهم مُرْسَلون إلى قوم مُجرمين؛ وهم قوم لوط الذين‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أرهقوا لوطا بالتكذيب وبالمعاصي التي أدمنوها‪.‬‬
‫ولكن الحق سبحانه يستثني آل لوط من جريمة قوم لوط‪ ،‬فقد كانت أغلبية قوم لوط من الفاسدين‪،‬‬
‫فيقول سبحانه‪ِ { :‬إلّ آلَ لُوطٍ‪.} ..‬‬

‫(‪)1845 /‬‬
‫ج َمعِينَ (‪)59‬‬
‫إِلّا َآلَ لُوطٍ إِنّا َلمُنَجّو ُهمْ أَ ْ‬

‫وهذا استثنا ٌء لل لُوطٍ من المجرمين‪ .‬والمُجرِم هو المُنقطِع عن الحق‪ ،‬والجريمة هي النقطاع‬
‫عن الحق لنتصار الباطل‪ ،‬غلب اسم القوم على الجماعة المُجْرمين‪ ،‬وهكذا كان الستثناء من‬
‫هؤلء المجرمين‪ .‬الذين أجرموا في حق منهج ال‪ ،‬والقيم التي نادى بها لوط عليه السلم‪.‬‬
‫وهكذا كان الرسال للنجاء لمن آمن والهلك لمن أعرض ونأى بجانبه في مهمة واحدة‪.‬‬
‫ثم يأتي استثناء جديد؛ حيث يقرر الحق سبحانه أن امرأة لوط سيشملها الهلك‪ ،‬فيقول سبحانه‪{ :‬‬
‫ِإلّ امْرَأَتَهُ‪.} ..‬‬

‫(‪)1846 /‬‬
‫إِلّا امْرَأَتَهُ قَدّرْنَا إِ ّنهَا َلمِنَ ا ْلغَابِرِينَ (‪)60‬‬

‫ونعلم في اللغة أنه إذا توالتْ استثناءات على مُستثنى منه؛ نأخذ المُسْتثنى الول من المُسْتثنى منه‪،‬‬
‫والمستثنى الثاني نأخذه من المستثنى الول‪ ،‬والمستثنى الثالث نأخذه من المستثنى الثاني‪.‬‬
‫والمثل أن يقول لك من تدينه " لك عشرة جنيهات إل أربعة " أي‪ :‬أنه أقرّ بأن لك ستة جنيهات؛‬
‫ولكنك تنظر إليه لعلّه يتذكر كم سدّد إليك؟ فيقول‪ " :‬لك إل درهما " وهكذا يكون قد أقرّ بسبعة‬
‫دراهم كَدَيْن؛ بعد أنْ كان قد أقرّ بستة؛ ذلك أنه قال‪ " :‬لك عشرة جنيهات إل أربعة " ‪ ،‬ثم أضاف‪:‬‬
‫" إل درهما "‪.‬‬
‫سدّدها لك جنيها آخر؛ وبذلك يكون ما‬
‫وهكذا يكون قد استثنى من الربعة الجنيهات التي قال إنه َ‬
‫سدده من دين ثلث جنيهات‪ ،‬وبقي عنده سبعة جنيهات‪.‬‬
‫والحق سبحانه هنا يستثني امرأة لوط من الذين استثناهم من قبل للنجاة‪ ،‬وهم آل لوط‪ ،‬والملئكة‬
‫التي تقوم ذلك لم تُقدّر المر بإهلك امرأة لوط؛ بل هي تُنفّذ التقدير العلى؛ فسبحانه هو مَنْ قدّر‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وأمر‪:‬‬
‫{ إِ ّنهَا َلمِنَ ا ْلغَابِرِينَ } [الحجر‪.]60 :‬‬
‫ن تقررتْ نجاتهم‬
‫والغابر هنا بمعنى داخل؛ أو هو من أسماء الضداد؛ وهي لن تنجو؛ لن مَ ْ‬
‫سيتركون القرية؛ وسيهلك مَنْ يبقى فيها‪ ،‬وامرأة لُوط من الباقين في العذاب والستثناء من النفي‬
‫إثبات؛ ومن الثبات نفي‪ ،‬فاستثناء امرأة لوط من الناجين يلحقها بالهالكين‪.‬‬
‫وتنتقل السورة من إبراهيم إلى لوط ‪ -‬عليه السلم ‪ -‬فيقول الحق سبحانه‪ { :‬فََلمّا جَآءَ آلَ‬
‫لُوطٍ‪.} ..‬‬

‫(‪)1847 /‬‬
‫فََلمّا جَاءَ َآلَ لُوطٍ ا ْلمُرْسَلُونَ (‪ )61‬قَالَ إِ ّنكُمْ َقوْمٌ مُ ْنكَرُونَ (‪)62‬‬

‫وهكذا قال لوط عليه السلم للملئكة عندما وصلوا إليه‪ ،‬فقد كان مشهدهم غايةً في الجمال؛ ويعلم‬
‫أن قومه ُيعَانُون من الغلمانية‪ ،‬ويحترفون الفاحشة الشاذة؛ لذلك نجد الحق سبحانه يقول عن‬
‫معاملته للملئكة في موقع آخر من القرآن‪ {:‬سِيءَ ِبهِ ْم َوضَاقَ ِبهِمْ ذَرْعا }[هود‪.]77 :‬‬
‫ذلك أن لوطا عَلِم أن قومه سيطمعون في هؤلء المُرْد‪ ،‬لذلك ما أنْ جاءوه حتى أعلن لهم أنه غَيْر‬
‫مرغوب فيهم؛ ولم يرحب بهم‪ ،‬ذلك أنهم قد دخلوا عليه في صورة شبان تضيء ملمحهم بالحُسْن‬
‫الشديد؛ مما قد يُسبّب غواية لقومه‪.‬‬
‫كما أنهم قد دخلوا عليه‪ ،‬وليس على ملمحهم أيّ أثر للسفر؛ كما أنهم ليسوا من أهل المنطقة التي‬
‫يعيش فيها؛ لذلك أنكرهم‪.‬‬
‫ويقول سبحانه ما جاء على لسان الملئكة لحظةَ أن طمأنوا لوطا كشفوا له عن مهمتهم‪ { :‬قَالُواْ َبلْ‬
‫جِئْنَاكَ‪.} ...‬‬

‫(‪)1848 /‬‬
‫قَالُوا َبلْ جِئْنَاكَ ِبمَا كَانُوا فِيهِ َيمْتَرُونَ (‪)63‬‬

‫وهكذا أعلنوا للوط سبب قدومهم إليه؛ كي يُنزِلوا العقابَ بالقوم الذين أرهقوه‪ ،‬وكانوا يشكّون في‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫خذَ عزيز ُمقْتدر‪ ،‬وفي هذا َتسْرية عنه‪.‬‬
‫قدرة الحق سبحانه أنْ يأخذهم أَ ْ‬
‫حقّ‪.} ...‬‬
‫ثم يُؤكّدون ذلك بما أورده الحق سبحانه على ألسنتهم‪ { :‬وَآتَيْنَاكَ بِالْ َ‬

‫(‪)1849 /‬‬
‫ق وَإِنّا َلصَا ِدقُونَ (‪)64‬‬
‫حّ‬
‫وَأَتَيْنَاكَ بِالْ َ‬

‫أي‪ :‬جِئْنا لك بأمر عذابهم الصادر من الحقّ سبحانه؛ فل مجالَ للشكّ أو المتراء‪ ،‬ونحن صادقون‬
‫فيما نُبلّغك به‪.‬‬
‫ويقولون له من بعد ذلك‪ { :‬فََأسْرِ بِأَهِْلكَ‪.} ...‬‬

‫(‪)1850 /‬‬
‫ل وَاتّبِعْ َأدْبَارَهُ ْم وَلَا يَلْ َت ِفتْ مِ ْنكُمْ َأحَ ٌد وَا ْمضُوا حَ ْيثُ ُت ْؤمَرُونَ (‪)65‬‬
‫طعٍ مِنَ اللّ ْي ِ‬
‫فَأَسْرِ بِأَهِْلكَ ِبقِ ْ‬

‫أي‪ :‬سِرْ أنت وأهلك في جزء من الليل‪ .‬ومرة ُيقَال " سرى " ‪ ،‬ومرة يُقال " أسرى "؛ ويلتقيان في‬
‫المعنى‪ .‬ولكن " أسرى " تأتي في موقع آخر من القرآن‪ ،‬وتكون مُتعدّية مثل قول الحق‪ {:‬سُبْحَانَ‬
‫الّذِي َأسْرَىا ِبعَبْ ِدهِ لَيْلً }[السراء‪.]1 :‬‬
‫وقولهم هنا (أسر بأهلك) هو تعبير مُهذّب عن صُحْبة النساء والبناء‪ .‬ونجد في ريفنا المصري‬
‫ن ل يتكلم أبدا في حديثه عن المرأة أو البنات؛ فيقول الواحد منهم " قال الولد كذا " ‪ ،‬فكأن اسم‬
‫مَ ْ‬
‫المرأة مبنيّ على السّتْر دائما‪ ،‬وكذلك نجد كثيرا من الحكام تكون المرأة مَطْمورة في حكم الرجل‬
‫إل في المر المُتعلّق بها‪.‬‬
‫وهنا يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ فََأسْرِ بِأَهِْلكَ ِبقِطْعٍ مّنَ الّيلِ‪[ } ...‬الحجر‪.]65 :‬‬
‫وكلمة " قطع " هي اسم جمع‪ ،‬والمقصود هو أن يخرج لوطٌ بأهله في جُزْء من الليل‪ ،‬أو من آخر‬
‫الليل‪ ،‬فهذا هو منهج النجاء الذي أخبر به الملئكة لوطا‪ ،‬ليتبعه هو وأهله والمؤمنون به‪،‬‬
‫وأوصوه أن يتبعَ أدبار قومه بقولهم‪:‬‬
‫{ وَاتّبِعْ أَدْبَارَ ُهمْ‪[ } ...‬الحجر‪.]65 :‬‬
‫حثّ لهم على السّرعة‪.‬‬
‫أي‪ :‬أن يكون في المُؤخّرة‪ ،‬وفي ذلك َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وكان من طبيعة العرب أنهم إذا كانوا في مكان ويرحلون منه؛ فكل منهم يحمل رَحْلَه على ناقته؛‬
‫وأهله فيها ـ فوق الناقة ـ ويبتدئون السير‪ ،‬ويتخلف رئيس القوم‪ ،‬واسمه " مُعقّب " كي يرقُب إنْ‬
‫كان أحد من القوم قد تخلّف أو تعثّر أو ترك شيئا من متاعه‪ ،‬ويُسمّون هذا الشخص " مُعقّب "‪.‬‬
‫وهنا تأمر الملئكة لوطا أن يكون مُعقّبا لهله والمؤمنين به؛ لِيحثّهم على السير بسرعة؛ ثم لِينفذ‬
‫أمرا آخرَ يأمره به الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ َولَ يَلْ َتفِتْ مِنكُمْ َأحَدٌ‪[ } ...‬الحجر‪.]65 :‬‬
‫وتنفيذ المر بعدم اللتفات يقتضي أن يكون لوط في مُؤخّرة القوم؛ ذلك أن اللتفاتَ يأخذ َوقْتا‪،‬‬
‫ويُقلّل من سرعة مَنْ يلتفت؛ كما أن اللتفاتَ إلى موقع انتمائهم من الرض قد يُثير الحنين إلى‬
‫مواقع التّذكار وأرض المَنْشأ‪ ،‬وكل ذلك قد يُعطّل حركة القوم جميعهم؛ لذلك جاء المر اللهي‪:‬‬
‫{ وَا ْمضُواْ حَ ْيثُ ُت ْؤمَرُونَ } [الحجر‪.]65 :‬‬
‫أو‪ :‬أن الحق سبحانه يريد ألّ يلتفت أحدٌ خَلْفه حتى ل يشهدَ العذاب‪ ،‬أو مقدمة العذاب الذي يقع‬
‫على القوم‪ ،‬فتأخذه بهم شفقة‪.‬‬
‫خ ْذكُمْ ِب ِهمَا رَ ْأفَةٌ فِي‬
‫ونحن نعلم قول الحق سبحانه في إقامة أيّ حدّ من الحدود التي أنزلها‪ {:‬وَلَ تَأْ ُ‬
‫دِينِ اللّهِ }[النور‪.]2 :‬‬
‫فلو أن أحدا قد التفتَ إلى العذاب‪ ،‬أو مُقدّمة العذاب؛ فقد يحِنّ إليهم‪ ،‬أو يعطف عليهم رغم أن‬
‫عذابهم بسبب ذنب كبير‪ ،‬فقد ارتكبوا جريمة كبيرة؛ ونعلم أن بشاعة الجريمة تبهت؛ وقد يبقى في‬
‫النفس عِظَم أَلَمِ العقوبة لحظة توقيعِها على المُجرم‪.‬‬
‫ن يوجد‪ ،‬ولو التفزيع الذي هو مقدمة‬
‫أو‪ :‬أن الحق سبحانه يريد أن يعجل بالقوم الناجين قبل أ ْ‬
‫تعذيب القوم الذين كفروا من َهوْل هذا العذاب القادم‪.‬‬
‫وهكذا كان المر بالسراء بالقوم الذين قرر الحق سبحانه نجاتهم‪ ،‬والكيفية هي أن يكون الخروج‬
‫في جزء من الليل‪ ،‬وأنْ يتبعَ لوطٌ أدبارهم‪ ،‬وأل يلتفتَ أحد من الناجين خَلْفه؛ ليمضي هؤلء‬
‫الناجون حيث يأمرهم الحق سبحانه‪ .‬وقيل‪ :‬إن الجهة هي الشام‪.‬‬
‫ومن بعد ذلك يقول الحق سبحانه‪َ { :‬و َقضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَِلكَ‪.} ...‬‬

‫(‪)1851 /‬‬
‫َو َقضَيْنَا إِلَ ْيهِ ذَِلكَ الَْأمْرَ أَنّ دَابِرَ َهؤُلَاءِ َمقْطُوعٌ ُمصْبِحِينَ (‪)66‬‬

‫وقوله الحق‪َ { :‬و َقضَيْنَآ‪[ } ..‬الحجر‪.]66 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أي‪ :‬أوحينا‪ .‬وسبحانه تكلّم من قَبْل عن النجاء للمؤمنين من آل لوط؛ ثم تكلّم عن عذاب الكافرين‬
‫المنحرفين؛ والمر الذي قضى به الحق سبحانه أنْ يُبيدَ هؤلء المنحرفين‪ .‬وقَطْع الدّابر هو الخَلْع‬
‫من الجذور‪.‬‬
‫طعَ دَابِرُ ا ْلقَوْمِ الّذِينَ ظََلمُواْ }[النعام‪.]45 :‬‬
‫ولذلك يقول القرآن‪ {:‬فَقُ ِ‬
‫وهكذا نفهم أن َقطْع الدابر هو أنْ يأخذَهم الحق سبحانه أَخْذ عزيز مقتدر فل يُبقِى منهم أحدا‪.‬‬
‫وموعد ذلك هو الصباح‪ ،‬فبعد أنْ خرج لوط ومَنْ معه بجزء من الليل وتمّتْ نجاتهم يأتي المر‬
‫بإهلك المنحرفين في الصباح‪.‬‬
‫والَخْذ بالصّبح هو مبدأ من مبادئ الحروب؛ ويُقال‪ :‬إن أغلب الحروب تبدأ عند أول خيط من‬
‫خيوط الشمس‪.‬‬
‫والحق سبحانه يقول‪ {:‬فَِإذَا نَ َزلَ بِسَاحَ ِتهِمْ فَسَآ َء صَبَاحُ ا ْلمُنْذَرِينَ }[الصافات‪.]177 :‬‬
‫وهكذا شاء الحق سبحانه أنْ يأخذَهم وهُمْ في استرخاء؛ ول يملكون قُدْرة على المقاومة‪.‬‬
‫وقَوْل الحق سبحانه هنا‪:‬‬
‫{ أَنّ دَابِرَ َهؤُلءِ َمقْطُوعٌ ّمصْ ِبحِينَ } [الحجر‪.]66 :‬‬
‫خذَ ْتهُمُ الصّ ْيحَةُ مُشْ ِرقِينَ }[الحجر‪.]73 :‬‬
‫ل يتناقض مع قوله عنهم في موقع آخر‪ {:‬فَأَ َ‬
‫فكأن بَدْء الصيحة كان صُبْحا‪ ،‬ونهايتهم كانت في الشروق‪ .‬وهكذا رسم الحق سبحانه الصورة‬
‫واضحة أمام لُوطٍ من قبل أنْ يبدأ التنفيذ؛ فهكذا أخبرتْ الملئكة لوطا بما سوف يجري‪.‬‬
‫ويعود الحق سبحانه بعد ذلك إلى قوم لوط الذين ل يعرفون ما سوف يحدث لهم‪ ،‬فيقول سبحانه‪{ :‬‬
‫وَجَآءَ َأ ْهلُ ا ْلمَدِينَةِ‪.} ...‬‬

‫(‪)1852 /‬‬
‫وَجَاءَ َأ ْهلُ ا ْلمَدِينَةِ َيسْتَبْشِرُونَ (‪)67‬‬

‫ط بوصول َوفْد من الشبان الحِسَان المُرْد عند لوط جاءوا‬
‫وعندما عَلِم أهل المدينة من قوم لُو ٍ‬
‫مُستبشرين فَرِحين‪ .‬وكان حُسْنهم مضربَ المثال؛ وكأن كُلً منهم ينطبق عليه َقوْله الحق عن‬
‫يوسف عليه السلم‪ {:‬مَا هَـاذَا بَشَرا إِنْ هَـاذَآ ِإلّ مََلكٌ كَرِيمٌ }[يوسف‪.]31 :‬‬
‫وقوله سبحانه‪:‬‬
‫{ وَجَآءَ أَ ْهلُ ا ْل َمدِينَةِ يَسْتَ ْبشِرُونَ } [الحجر‪.]67 :‬‬
‫يجمع لقطات مُركّبة عن المر الفاحش الشائع فيما بينهم‪ ،‬وكانوا يستبشرون بفعله و َيفْرحون به؛‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فهم مَنْ ينطبق عليهم قوله الحق‪ {:‬كَانُواْ لَ يَتَنَا َهوْنَ عَن مّنكَرٍ َفعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ َي ْفعَلُونَ }‬
‫[المائدة‪.]79 :‬‬
‫وكان لوط يعلم هذا المر فيهم‪ ،‬ويعلم ما سوف يَحيق بهم؛ وأراد أنْ يجعل بينهم وبين ِفعْل‬
‫الفاحشة مع الملئكة سَدّا؛ فهم في ضيافته وفي جواره‪ ،‬والتقاليد تقتضي أنْ يأخذَ الضيف كرامة‬
‫المُضيف‪ ،‬وأيّ إهانة تلحق بالضيف هي إهانة للمُضيف‪ ،‬فيقول الحق سبحانه ما جاء على لسان‬
‫لوط‪ { :‬قَالَ إِنّ َهؤُلءِ‪.} ..‬‬

‫(‪)1853 /‬‬
‫قَالَ إِنّ َهؤُلَا ِء ضَ ْيفِي فَلَا َت ْفضَحُونِ (‪)68‬‬

‫والفضيحة هي هَتْك المساتير التي يستحيي منها النسان‪ ،‬فالنسان قد يفعل أشياءَ يستحي أنْ‬
‫يعملها عنه غيره‪ .‬والحق ـ سبحانه وتعالى ـ حين يطلب منا أن نتخلّق بخُلُقه؛ جعل من ُكلّ‬
‫صفات الجمال والجلل نصيبا يعطيه لخَلْقه‪.‬‬
‫ولكن هناك بعضا من صفاته يذكرها ول يأتي بمقابل لها؛ فهو قد قال مثلً " الضّا ّر " ومقابلها "‬
‫النافع " وقال " الباسط " ومقابلها " القابض " وقال " ال ُمعِ ّز " ومقابلها " المُ ِذلّ "‪ .‬ومن أسمائه "‬
‫الستار " ولم يَ ْأتِ بالمقابل وهو " الفاضح "؛ لماذا لم يَ ْأتِ بهذا المقابل؟‬
‫لنه سبحانه شاء أنْ يحميَ الكون؛ لكي يستمتع ُكلّ فَرْد بحسنات المُسيء‪ ،‬لنك لو علمتَ سيئاته‬
‫قد تبصُق عليه؛ لذلك شاء الحق سبحانه أن يستر المُسيء‪ ،‬ويُظهِر حسناته فقط‪.‬‬
‫وقد قال لوط لقومه بعد أن نهاهم عن القتراب الشائن من ضيوفه‪ { :‬وَاتّقُواْ اللّهَ‪.} ...‬‬

‫(‪)1854 /‬‬
‫وَاتّقُوا اللّهَ وَلَا تُخْزُونِ (‪)69‬‬

‫أي‪ :‬ضَعوا بينكم وبين عقاب الحق لكم وقاية؛ ول تكونوا سببا في إحساسي بالخِزي والعار أمام‬
‫ضيوفي بسبب ما تَرغبُون فيه من الفاحشة‪.‬‬
‫والتقاء من الوقاية‪ ،‬والوقاية هي الحتراس والبعد من الشر‪ ،‬لذلك يقول الحق سبحانه‪ {:‬ياأَ ّيهَا‬
‫حجَا َرةُ }[التحريم‪.]6 :‬‬
‫س وَالْ ِ‬
‫سكُ ْم وَأَهْلِيكُمْ نَارا َوقُودُهَا النّا ُ‬
‫الّذِينَ آمَنُواْ قُواْ أَنفُ َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أي‪ :‬اجعلوا بينكم وبين النار وقاية‪ ،‬واحترسوا من أن تقعوا فيها‪ ،‬بالبتعاد عن المحظورات‪ ،‬فإن‬
‫ِفعْل المحذور طريق إلى النار‪ ،‬والبتعاد عنه وقاية منها‪ ،‬ومن عجيب أمر هذه التقوى أنك تجد‬
‫الحق سبحانه وتعالى يقول في القرآن الكريم ـ والقرآن كله كلم ال‪.‬‬
‫يقول‪ {:‬وَا ّتقُواْ اللّهَ }[البقرة‪.]194 :‬‬
‫ويقول‪ {:‬وَاتّقُواْ النّارَ }[آل عمران‪.]131 :‬‬
‫كيف نأخذ سلوكا واحدا تجاه الحق سبحانه وتعالى وتجاه النار التي سيعذب فيها الكافرون؟‬
‫والمعنى‪ :‬ل تفعلوا ما يغضب ال حتى ل تُعذّبوا في النار‪ ،‬فكأنك قد جعلت بينك وبين النار وقاية‬
‫ت بالمقدورات‪ ،‬وابتعدت عن المحذورات‪ ،‬فقد‬
‫بأن تركت المعاصي‪ ،‬وإن فعلتَ المأمورات‪ ،‬ورضي َ‬
‫اتقيت ال‪.‬‬
‫ولكنهم لم يستجيبوا له‪ ،‬بدليل أنهم تَما َدوْا في غِيّهم وقالوا ما أورده الحق سبحانه‪ { :‬قَالُواْ َأوَ لَمْ‬
‫نَ ْن َهكَ‪.} ...‬‬

‫(‪)1855 /‬‬
‫قَالُوا َأوَلَمْ نَ ْن َهكَ عَنِ ا ْلعَاَلمِينَ (‪)70‬‬

‫أي‪ :‬أَلَمْ نُحذّرك من قَبْل من ضيافة الشبان الذين يتمّيزون بالحُسْن‪ ،‬ولنك ُق ْمتَ باستضافة هؤلء‬
‫ن نفعلَ معهم ما نحب من الفاحشة‪ ،‬وكانوا يتعرّضون لكل غريب بالسوء‪.‬‬
‫الشبان؛ فل ُبدّ لنا من أ ْ‬
‫وحاول لوط أن ينهاهم قَدْر استطاعته؛ ولكنهم رفضوا أنْ ُيجِير ضيوفه من عدوانهم الفاحش‪،‬‬
‫وطلبوا منه أن يتركهم وشأنهم‪ ،‬ليفسدوا في الكون كما يشاءون‪ ،‬فل تتكلم ول تعترض على شيء‬
‫مما نفعل‪ ،‬وهذه لغة أهل الضلل والفساد‪.‬‬
‫وحاول لوط عليه السلم أنْ يُثنيهم عن ذلك بأن قال لهم‪ ،‬ما جاء به الحق سبحانه‪ { :‬قَالَ َهؤُلءِ‬
‫بَنَاتِي‪.} ...‬‬

‫(‪)1856 /‬‬
‫قَالَ َهؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (‪)71‬‬

‫أي‪ :‬أنكم إنْ كُنتم مُصرّين على ارتكاب الفاحشة؛ فلماذا ل تتزوجون من بناتي؟ ولقد حاول‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫البعضُ أن يقولوا‪ :‬إنه عرض بناته عليهم ليرتكبوا معهن الفاحشة؛ وحاشا ال أن يصدر مثل هذا‬
‫الفعل عن رسول‪ ،‬بل هو قد عرض عليهم أن يتزوجوا النساء‪.‬‬
‫ثم إن لوطا كانت له ابنتان اثنتان‪ ،‬وهو قد قال‪:‬‬
‫{ َهؤُلءِ بَنَاتِي‪[ } ..‬الحجر‪.]71 :‬‬
‫أي‪ :‬أنه تحدث عن جمع كثير؛ ذلك أن ابنتيه ل تصلحان إل للزواج من اثنين من هذا الجمع‬
‫الكثيف من رجال تلك المدينة‪ ،‬ونعلم أن بنات كل القوم الذين يوجد فيهم رسول يُعتبرْنَ من بناته‪.‬‬
‫ولذلك يقول الحق سبحانه ما يُوضّح ذلك في آية أخرى‪ {.‬أَتَأْتُونَ ال ّذكْرَانَ مِنَ ا ْلعَاَلمِينَ * وَتَذَرُونَ‬
‫جكُمْ َبلْ أَنتُمْ َقوْمٌ عَادُونَ }[الشعراء‪.]166-165 :‬‬
‫مَا خََلقَ َلكُمْ رَ ّب ُكمْ مّنْ أَ ْزوَا ِ‬
‫أي‪ :‬أن لوطا أراد أنْ يردّ هؤلء الشواذ إلى دائرة الصواب‪ ،‬والفعل الطيب‪ .‬وذيّل كلمه‪:‬‬
‫{ إِن كُنْتُمْ فَاعِلِينَ } [الحجر‪.]71 :‬‬
‫ليوحي لهم بالشكّ في أنهم سيُهينون ضيوفه بهذا السلوب ال َممْجوج والمرفوض‪.‬‬
‫ويقول سبحانه من بعد ذلك‪َ { :‬ل َعمْ ُركَ إِ ّنهُمْ‪.} ...‬‬

‫(‪)1857 /‬‬
‫سكْرَ ِتهِمْ َي ْع َمهُونَ (‪)72‬‬
‫َل َعمْ ُركَ إِ ّنهُمْ َلفِي َ‬

‫عمْرُك " معناها السنّ المُحدّد للنسان‬
‫والخطاب هنا لرسول ال صلى ال عليه وسلم‪ .‬و " َ‬
‫عمْرك " ‪ ،‬ولكنهم في القَسَم يختارون كلمة "‬
‫عمْرك " ومرة تنطق " َ‬
‫لستقامة الحياة‪ ،‬ومرة تنطق " ُ‬
‫عمْرك " ‪ ،‬وهذا يماثل قولنا في الحياة اليومية " وحياتك "‪.‬‬
‫َ‬
‫ومن هذا القول الكريم الذي يُحدّث به الحق سبحانه رسوله استدلّ أهل الشراق والمعرفة أن الحق‬
‫سبحانه قد كرّم سيدنا رسول ال صلى ال عليه وسلم؛ بأنه حين ناداه لم يُنَا ِدهِ باسمه العلنيّ " يا‬
‫محمد " أو " يا أحمد " كما نادى كل ُرسُله‪ ،‬ولكنه لم يُنَادِ الرسول صلى ال عليه وسلم إل بقوله‪{:‬‬
‫يَـاأَ ّيهَا الرّسُولُ }[المائدة‪.]67 :‬‬
‫أو‪ {:‬ياأَ ّيهَا النّ ِبيّ }[الممتحنة‪.]12 :‬‬
‫وفي هذا تكريمٌ عظيم‪ ،‬وهنا في هذه الية نجد تكريما آخر‪ ،‬فسبحانه يُقسِم بحياة رسوله صلى ال‬
‫عليه وسلم‪ .‬ونعلم أن الحق سبحانه يُقسِم بما شاء على ما شاء‪ ،‬أقسم بالشمس وبمواقع النجوم‬
‫وبالنجم إذا َهوَى‪.‬‬
‫فهو الخالق العليم بكل ما خلق؛ ول يعرف عظمة المخلوق إل خالقه‪ ،‬وهو العالم بمُهمة كل كائن‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫خلقه‪ ،‬لكنه أمرنا ألّ نُقسِم إلّ به؛ لننا نجل حقائق الشياء ُمكْتملةً‪.‬‬
‫وقد أقسم سبحانه بكل شيء في الوجود‪ ،‬إل أنه لم يُقسِم أبدا بأيّ إنسان إل بمحمد صلى ال عليه‬
‫وسلم؛ فقال هنا‪:‬‬
‫سكْرة يعمهون‪.‬‬
‫{ َل َعمْ ُركَ } [الحجر‪ ]72 :‬بحياتك يا محمد إنهم في َ‬
‫والسكرة هي التخديرة العقلية التي تحدث لمن يختلّ إدراكهم بفعل عقيدة فاسدة‪ ،‬أو عادة شاذة‪ ،‬أو‬
‫بتناول مادة تثير الضطراب في الوعي‪.‬‬
‫و { َي ْع َمهُونَ‪[ } ..‬الحجر‪.]72 :‬‬
‫أي‪ :‬يضطربون باختيارهم‪.‬‬
‫ويأتي العقاب؛ فيقول الحق سبحانه‪ { :‬فََأخَذَ ْت ُهمُ الصّيْحَةُ‪.} ...‬‬

‫(‪)1858 /‬‬
‫حةُ مُشْ ِرقِينَ (‪)73‬‬
‫خذَ ْتهُمُ الصّيْ َ‬
‫فَأَ َ‬

‫وسبق أنْ أخبرنا سبحانه أنه سيقطع دابرهم وهم مصبحون‪ ،‬وهنا يخبرنا أن الصيحة أخذتهم وهم‬
‫مُشْرقون‪ ،‬ونحن نرى هذه اليام بعضا من اللعاب كلعبة " الكاراتيه " تصدر صيحة من اللعب‬
‫خصْمه لِيُزيد من رُعبْه‪.‬‬
‫في مواجهة َ‬
‫كما نرى في تدريبات الصاعقة العسكرية؛ نوعا من الصرخات‪ ،‬هدفها أنْ يُدخِل المقاتل الرّعْب‬
‫في قلب عدوه‪.‬‬
‫خصْم يبدأ بصيحة تُفقِده توازنه الفكري؛ ولذلك قال الحق سبحانه في‬
‫وكل ما يتطلب إرهاب ال َ‬
‫ح َدةً َفكَانُواْ َكهَشِيمِ ا ْل ُمحْتَظِرِ }[القمر‪.]31 :‬‬
‫موقع آخر‪ {:‬إِنّآ أَ ْرسَلْنَا عَلَ ْيهِ ْم صَ ْيحَ ًة وَا ِ‬
‫ومرّة يُسمّيها الحق سبحانه بالطاغية؛ فيقول‪ {:‬فََأمّا َثمُودُ فَُأهِْلكُواْ بِالطّاغِيَةِ }[الحاقة‪.]5 :‬‬
‫جعَلْنَا عَالِ َيهَا‪.} ...‬‬
‫ويقول سبحانه من بعد ذلك‪َ { :‬ف َ‬

‫(‪)1859 /‬‬
‫جعَلْنَا عَالِ َيهَا سَافَِلهَا وََأمْطَرْنَا عَلَ ْيهِمْ حِجَا َرةً مِنْ سِجّيلٍ (‪)74‬‬
‫فَ َ‬

‫وما دام عاليها قد صار أسفلها‪ ،‬فهذا َلوْنٌ من النتقام المُنظّم المُوجّه؛ ولو لم يكن انتقاما مُنظّما؛‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لنقلب بعضُ ما في تلك المدينة على الجانب اليمن أو اليسر‪.‬‬
‫ن يفعلَ ما شاء كما‬
‫ولكن شاء الحق سبحانه أن يأتي لنا بصورة ما حدث‪ ،‬لِيدلَنا على قدرته على أ ْ‬
‫يشاء‪ .‬وأمطرهم الحق سبحانه بحجارة من سجيل؛ كتلك التي أمطر بها مَنْ هاجموا الكعبة في عام‬
‫ميلد رسول ال صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫سمّي " سجيلً "‪.‬‬
‫وهي حجارة صُ ِن َعتْ من طين ل يعلم كُ ْنهَه إل ال سبحانه‪ ،‬والطين إذا تحجّر ُ‬
‫سلَ عَلَ ْيهِمْ حِجَا َرةً مّن‬
‫والحق سبحانه هو القائل عن نفس هذا الموقف في سورة الذاريات‪ {:‬لِنُرْ ِ‬
‫طِينٍ }[الذاريات‪.]33 :‬‬
‫وقد أرسل الحق سبحانه تلك الحجارة عليهم لِيُبيدهم‪ ،‬فل يُبقِي منهم أحدا‪.‬‬
‫ك ليَاتٍ‪.} ...‬‬
‫ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك‪ { :‬إِنّ فِي ذَِل َ‬

‫(‪)1860 /‬‬
‫سمِينَ (‪)75‬‬
‫إِنّ فِي ذَِلكَ لَآَيَاتٍ لِ ْلمُ َتوَ ّ‬

‫وهكذا كان العذاب الذي أنزله الحق سبحانه بقوم لوط آية واضحة للمُتوسّمين‪ .‬والمُتوسّم هو الذي‬
‫س ْمتُ في فلن كذا " أي‪ :‬أخذ من الظاهر‬
‫يُدرك حقائق المَسْتور بمكْشُوف المظهور‪ .‬ويُقال " تو ّ‬
‫حقيقة الباطن‪.‬‬
‫ولذلك يقول الحق سبحانه‪ {:‬سِيمَا ُهمْ فِي وُجُو ِههِمْ مّنْ أَثَرِ السّجُودِ }[الفتح‪.]29 :‬‬
‫أي‪ :‬ساعةَ تراهم ترى أن الملمح ُت َوضّح ما في العماق من إيمان‪.‬‬
‫ويقول سبحانه أيضا‪َ {:‬تعْ ِر ُفهُم ِبسِيمَاهُ ْم لَ يَسْأَلُونَ النّاسَ إِلْحَافا }[البقرة‪.]273 :‬‬
‫وهكذا نعرف أن المُتوسّم هو صاحب الفَراسة التي تكشف مكنون العماق‪ .‬وها هو صلى ال‬
‫عليه وسلم يقول‪ " :‬اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور ال "‪.‬‬
‫وتحمل الذاكرة العربية حكاية العرابي الذي فقد جمله‪ ،‬فذهب إلى قيم الناحية ـ أي‪ :‬عمدة‬
‫المكان ـ وقال له‪ " :‬ضاع جملي‪ ،‬وأخشى أن يكون قد سرقه أحد "‪ .‬وبينما هو يُحدّث القيّم جاء‬
‫واحد‪ ،‬وقال له‪ :‬أجملك أعور؟ أجاب صاحب الجمل‪ :‬نعم‪ ،‬وقال له‪ :‬أجملك أبتَر؟ أي‪ :‬ل ذَيْل له‪،‬‬
‫أجاب صاحب الجمل‪ :‬نعم‪ .‬فسأل الرجل سؤال ثالثا‪ :‬أجملك أشول؟ أي‪ :‬يعرج قليلً عندما يسير؛‬
‫جمَلِي‪.‬‬
‫فأجاب الرجل‪ :‬نعم‪ ،‬وال هو َ‬
‫وأراد قيّم الحي أن يعلم كيف عرف الرجل الذي حضر كل هذه العلمات التي في الجمل‪ ،‬فسأله‪:‬‬
‫وما أدراك بكل تلك العلمات؟‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫قال الرجل‪ :‬لقد رأيتُه في الطريق‪ ،‬وعرفتُ أنه أعورُ‪ ،‬ذلك أنه كان يأكل العُشبْ الجاف من جهة‪،‬‬
‫ول يلتفت إلى العُشْب الخضر في الجهة الخرى‪ ،‬ولو كان يرى بعينيه الثنتين لرأى العُشْب‬
‫الخضر‪.‬‬
‫وعرفت أنه أبتر مقطوع الذيل نتيجة أن َبعْره لم يتبعثر مثل غيره من الجمال التي لها ذَيْل غير‬
‫مقطوع‪.‬‬
‫عمْقا في الرض من أثر ساقه اليسرى‪ .‬وهكذا‬
‫وعرفت أنه أشول؛ لن أثر ساقه اليمنى أكثر ُ‬
‫شرحت الذاكرة العربية معنى كلمة " المتوسم "‪.‬‬
‫ثم يُبيّن الحق سبحانه مكان مدينة قوم لوط‪ ،‬فيقول من بعد ذلك‪ { :‬وَإِ ّنهَا لَ ِبسَبِيلٍ‪.} ...‬‬

‫(‪)1861 /‬‬
‫وَإِ ّنهَا لَبِسَبِيلٍ ُمقِيمٍ (‪)76‬‬

‫أي‪ :‬أنها على طريق ثابت تمرّون عليه إنْ ذهبتُم ناحية هذا المكان‪ ،‬وفي آية أخرى يقول‬
‫سبحانه‪ {:‬وَإِ ّنكُمْ لّ َتمُرّونَ عَلَ ْي ِهمْ ّمصْبِحِينَ }[الصافات‪.]137 :‬‬
‫فهذه المدينة إذنْ في طريق ثابت؛ لن تُضيّعه عوامل ال ّتعْرية أو الغيار‪ ،‬ولن تضيعه تلك العوامل‬
‫حكَم التكوين ومُحكمَ التثبيت‪ .‬وهو ما يُسمّى " سدوم "‪.‬‬
‫إل إذا شاء الحق سبحانه له أن يكون ُم ْ‬
‫ك ليَةً‪.} ...‬‬
‫ومن بعد ذلك يقول الحق سبحانه‪ { :‬إِنّ فِي ذَِل َ‬

‫(‪)1862 /‬‬
‫إِنّ فِي ذَِلكَ لَآَ َيةً لِ ْل ُم ْؤمِنِينَ (‪)77‬‬

‫سمِينَ }[الحجر‪.]75 :‬‬
‫ك ليَاتٍ لِ ْلمُ َتوَ ّ‬
‫وقد قال من قبل‪ {:‬إِنّ فِي ذَِل َ‬
‫فكأن من مسئوليات المؤمن أنْ يتفحّص في أدبار الشياء‪ ،‬وأنْ يتعرّف على الشياء بسيماها‪ ،‬وأن‬
‫يمتلكَ فراسة اليمان التي قال عنها صلى ال عليه وسلم‪ " :‬اتقوا فراس َة المؤمن‪ ،‬فإنه ينظر بنور‬
‫ال "‪.‬‬
‫وهكذا يُنهِي الحق سبحانه هنا قصة لوط؛ وما وقع عليهم من عذاب يجب أن يتعظَ به المؤمنون؛‬
‫فقد نالوا جزا َء ما فعلوا من فاحشة‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫شعَيب‪ .‬وهم أصحاب‬
‫وينقلنا الحق سبحانه من بعد ذلك َنقْلة أخرى؛ إلى أهل َمدْين‪ ،‬وهم قوم ُ‬
‫صحَابُ‪.} ...‬‬
‫اليكة‪ ،‬يقول سبحانه‪ { :‬وَإِن كَانَ َأ ْ‬

‫(‪)1863 /‬‬
‫وَإِنْ كَانَ َأصْحَابُ الْأَ ْيكَةِ َلظَاِلمِينَ (‪)78‬‬

‫و " الَيْك " هو الشجر المُلْتف الكثير الغصان‪ .‬ونعلم أن شعيبا ـ عليه السلم ـ قد ُبعِث لهل‬
‫مدين وأصحاب اليكة‪ ،‬وهي مكان قريب من مدين‪ ،‬وكان أهل مدين قد ظلموا أنفسهم بالشرك‪.‬‬
‫شعَيْبا }[العراف‪.]85 :‬‬
‫وقد قال الحق سبحانه‪ {:‬وَإِلَىا َمدْيَنَ أَخَاهُمْ ُ‬
‫شعَ ْيبٌ َألَ تَ ّتقُونَ }‬
‫ب الَ ْيكَةِ ا ْلمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ َل ُهمْ ُ‬
‫وقال عن أصحاب اليكة‪ {:‬كَ ّذبَ َأصْحَا ُ‬
‫[الشعراء‪.]177-176 :‬‬
‫وهكذا نعلم أن شعيبا قد ُبعِث لُمتين مُتجاورتين‪.‬‬
‫ويقول سبحانه عن هاتين الُمتين‪ { :‬فَان َت َقمْنَا مِ ْنهُمْ‪.} ...‬‬

‫(‪)1864 /‬‬
‫فَانْ َتقَمْنَا مِ ْنهُ ْم وَإِ ّن ُهمَا لَبِِإمَامٍ مُبِينٍ (‪)79‬‬

‫ويُقال‪ :‬إن ما كان يفصل بين مدين وأصحاب اليكة هو هذا الشجر المُلْتف الكثيف القريب من‬
‫البحر‪ .‬ولذلك نجد هنا الدليل على أن شعيبا عليه السلم قد ُبعِث إلى أُمتين هو قوله الحق‪:‬‬
‫{ وَإِ ّن ُهمَا‪[ } ..‬الحجر‪.]79 :‬‬
‫وقد انتقم ال من الُمتين الظالمتين؛ َمدْين وأصحاب اليكة‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ وَإِ ّن ُهمَا لَبِِإمَامٍ مّبِينٍ } [الحجر‪.]79 :‬‬
‫والمام هو ما يُؤتَم به في الرأي والفتيا‪ ،‬أو في الحركات والسّكنات؛ أو‪ :‬في الطريق المُوصّل إلى‬
‫ل على الماكن أو الغايات التي نريد أن نصل إليها‪ ،‬ذلك أنه يعلم‬
‫الغايات‪ ،‬ويُسمّى " إمام " لنه يد ّ‬
‫كل جزئية من هذا الطريق‪.‬‬
‫وفيما يبدو أن أصحاب الَيْكة قد تَما َدوْا في الظّلْم والكفر‪ ،‬وإذا كان سبحانه قد أخذ أهل َمدْين‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ظلّ؛ ثم‬
‫بالصيحة والرجفة؛ فقد أخذ أصحاب اليكة بأن سلط عليهم الحَرّ سبعة أيام ل يُظِلهم منه ِ‬
‫أرسل سحابة وتم ّنوْا أن تُمطر‪ ،‬وأمطرتْ نارا فأكلتهم‪ ،‬كما قالت كتب الثر‪.‬‬
‫عظِيمٍ }‬
‫عذَابُ َي ْومِ الظّلّةِ إِنّهُ كَانَ عَذَابَ َيوْمٍ َ‬
‫وهذا هو العذاب الذي قال فيه الحق سبحانه‪ {:‬فََأخَ َذهُمْ َ‬
‫[الشعراء‪.]189 :‬‬
‫وهكذا تكون تلك العِبَر بمثابة المام الذي يقود إلى التبصّر بعواقب الظلم والشرك‪.‬‬
‫وينقلنا الحق سبحانه إلى خبر قوم آخرين‪ ،‬فيقول تعالى‪ { :‬وَلَقَدْ َك ّذبَ‪.} ..‬‬

‫(‪)1865 /‬‬
‫سلِينَ (‪)80‬‬
‫حجْرِ ا ْلمُرْ َ‬
‫وَلَقَدْ كَ ّذبَ َأصْحَابُ الْ ِ‬

‫حجْر هم قوم صالح‪ ،‬وكانت المنطقة التي يقيمون فيها كلها من الحجارة؛ ول يزال‬
‫وأصحاب ال ِ‬
‫ُمقَامهم معروفا في المسافة بين خيبر وتبوك‪ .‬وقال فيهم الحق سبحانه‪ {:‬أَتَبْنُونَ ِب ُكلّ رِيعٍ آ َيةً‬
‫َتعْبَثُونَ * وَتَتّخِذُونَ َمصَانِعَ َلعَّلكُمْ َتخْلُدُونَ }[الشعراء‪.]129-128 :‬‬
‫وهم قد كذّبوا نبيهم " صالح " وكان تكذيبهم له يتضمن تكذيب كل الرسل‪ ،‬ذلك أن الرسل‬
‫يتواردون على وحدانية ال‪ ،‬ويتفقون في الحكام العامة الشاملة‪ ،‬ول يختلف النبياء إل في‬
‫الجزئيات المناسبة لكل بيئة من البيئات التي يعيشون فيها‪.‬‬
‫فبيئة‪ :‬تعبد الصنام‪ ،‬فيُثبِت لهم نبيّهم أن الصنام ل تستحق أن تُعبد‪.‬‬
‫وبيئة أخرى‪ :‬تُطفّف الكيْل والميزان؛ فيأتي رسولهم بما ينهاهم عن ذلك‪.‬‬
‫وبيئة ثالثة‪ :‬ترتكب الفواحش فيُحذّرهم نبيهم من تلك الفواحش‪.‬‬
‫وهكذا اختلف الرسل في الجزئيات المناسبة لكل بيئة؛ لكنهم لم يختلفوا في المنهج الكُليّ الخاص‬
‫بالتوحيد والمنهج‪ ،‬وقد قال الحق سبحانه عن قوم صالح أنهم كذّبوا المُرْسلين؛ بمعنى أنهم كذّبوا‬
‫صالحا فيما جاء به من دعوة التوحيد التي جاء بها كل الرسل‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه عنهم من بعد ذلك‪ { :‬وَآتَيْنَا ُهمْ آيَاتِنَا‪.} ...‬‬

‫(‪)1866 /‬‬
‫وَآَتَيْنَاهُمْ آَيَاتِنَا َفكَانُوا عَ ْنهَا ُمعْ ِرضِينَ (‪)81‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهنا يُوجِز الحق ‪ -‬سبحانه وتعالى ‪ -‬ما أرسل به نبيهم صالح من آيات تدعوهم إلى التوحيد‬
‫بال‪ ،‬وصِدْق بلغ صالح عليه السلم الذي تمثّل في الناقة‪ ،‬التي حذّرهم صالحَ أنْ يقربوها بسوء‬
‫كَيْل يأخذهم العذاب الليم‪.‬‬
‫لكنهم كذّبوا وأعرضوا عنه‪ ،‬ولم يلتفتوا إلى اليات التي خلقها الحق سبحانه في الكون من ليل‬
‫ن واللوان بين البشر‪.‬‬
‫ونهار‪ ،‬وشمس وقمر‪ ،‬واختلف اللْسُ ِ‬
‫ونعلم أن اليات تأتي دائما بمعنى ال ُمعْجزات الدّالة على صدْق الرسول‪ ،‬أو‪ :‬آيات الكون‪ ،‬أو‪:‬‬
‫آيات المنهج المُبلّغ عن ال‪ ،‬تكون آية الرسول من هؤلء من نوع ما نبَغ فيه القوم المُرْسَل إليهم؛‬
‫لكنهم ل يستطيعون أن يأتوا بمثلها‪.‬‬
‫وعادةً ما تثير هذه الية خاصيّة التحدّي الموجودة في النسان‪ ،‬ولكن أحدا من قوم الرسل ـ أيّ‬
‫رسول ـ ل يُفلِح في أن يأتي بمثل آية الرسول المرسل إليهم‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه عن قوم صالح‪:‬‬
‫{ وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا َفكَانُواْ عَ ْنهَا ُمعْ ِرضِينَ } [الحجر‪.]81 :‬‬
‫أي‪ :‬تكبّروا وأعرضوا عن المنهج الذي جاءهم به صَالح‪ ،‬والعراض هو أنْ تُعطِي الشيء‬
‫عَرْضك بأن تبتعدَ عنه ول تُقبِل عليه‪ ،‬ولو أنك أقبلتَ عليه لَوجدتَ فيه الخير لك‪.‬‬
‫وأنت حين تُقبِل على آيات ال ستجد أنها تدعوك للتفكّر‪ ،‬فتؤمن أن لها خالقا فتلتزم بتعاليم المنهج‬
‫الذي جاء به الرسول‪.‬‬
‫وأنت حين تُفكّر في الحكمة من الطاعة ستجد أنها تُريحك من قلق العتماد على أحد غير خالقك‪،‬‬
‫لكن لو أخذتَ المسائل بسطحية؛ فلن تنتهي إلى اليمان‪.‬‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضِ‬
‫ولذلك نجده سبحانه يقول في موقع آخر من القرآن الكريم‪َ {:‬وكَأَيّن مّن آيَةٍ فِي ال ّ‬
‫َيمُرّونَ عَلَ ْيهَا وَ ُهمْ عَ ْنهَا ُمعْ ِرضُونَ }[يوسف‪.]105 :‬‬
‫وفي هذا تكليفٌ للمؤمن ـ كُل مؤمن ـ أن يُمعِنَ النظر في آيات الكون لعلّه يستنبط منها ما يفيد‬
‫غيره‪.‬‬
‫وأنت لو نظرتَ إلى كل ال ُمخْترعات التي في الكون لوجدتّها نتيجةً للقبال عليها من قِبَل عالم‬
‫أراد أنْ يكتشفَ فيها ما يُريح غيره به‪.‬‬
‫عصْر من الطاقة واختراع المُعدات التي تعمل بتلك‬
‫والمثل في اكتشاف ُقوّة البخار التي بدأ بها َ‬
‫الطاقة‪ ،‬وحرّك بها القطار والسفينة؛ مثلما سبقها إنسان آخر واخترع العجلة لِيُسهّل على البشر‬
‫حمْل الثقال‪.‬‬
‫َ‬
‫وإذا كان هذا في أمر ال َكوْنيّات؛ فأنت أيضا إذا تأملتَ آيات الحكام في " افعل " و " ل تفعل "‬
‫ستجدها تفيدُك في حياتك ومستقبلك‪ ،‬والمثَل على ذلك هو الزكاة؛ فأنت تدفع جزءً يسيرا من عائد‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عملك لغيرك ِممّنْ ل َي ْقوَى على العمل‪ ،‬وستجد أن غيرك يعطيك إنْ حدث لك احتياج؛ ذلك أنك‬
‫من الغيار‪.‬‬
‫ويتابع الحق سبحانه قوله عن قوم صالح‪َ { :‬وكَانُواْ يَنْحِتُونَ‪.} ..‬‬

‫(‪)1867 /‬‬
‫َوكَانُوا يَ ْنحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا َآمِنِينَ (‪)82‬‬

‫وهنا يمتنّ عليهم بأن منحهم حضارةً‪ ،‬ووهبهم مهارة البناء والتقدّم في العمارة؛ وأخذوا في بناء‬
‫بيوتهم في الحجار‪ ،‬ومن الحجار التي كانت توجد بالوادي الذي يقيمون فيه‪ ،‬وقطعوا تلك‬
‫الحجار بطريقة تُتيح لهم بناء البيوت والقُصور المنة من أغيار التقلّبات الجوية وغيرها‪.‬‬
‫ونعلم أن مَنْ يعيش في خَيْمة يعاني من قِلّة المن؛ أما مَنْ يبني بيته من الطوب اللّبن؛ فهو اكثر‬
‫أمْنا ِممّنْ في الخيمة‪ ،‬وإنْ كان أقلّ أمانا من الذي يبني بيته من السمنت المُسلّح‪ ،‬وهكذا يكون أَمنْ‬
‫النفس البشرية في سكنها واستقرارها من قوة الشيء الذي يحيطه‪.‬‬
‫وإذا كان قوم صالح قد أقاموا بيوتهم من الحجارة فهي بالتأكيد اكثر َأمْنا من غيرهم‪ ،‬ونجد نبيهم‬
‫جعََل ُكمْ خَُلفَآءَ مِن َب ْعدِ‬
‫صالحا‪ ،‬وقد قال لهم ما أورده الحق سبحانه في كتابه الكريم‪ {:‬وَا ْذكُرُواْ ِإذْ َ‬
‫سهُوِلهَا ُقصُورا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتا فَا ْذكُرُواْ آلءَ اللّ ِه َولَ‬
‫عَا ٍد وَ َبوَّأكُمْ فِي الَ ْرضِ تَتّخِذُونَ مِن ُ‬
‫َتعْ َثوْا فِي الَ ْرضِ ُمفْسِدِينَ }[العراف‪.]74 :‬‬
‫ط َغوْا و َب َغوْا وأنكروا ما جاء به صالح ‪ -‬عليه السلم ‪ -‬فما كان من الحق سبحانه إل أنْ‬
‫ولكنهم َ‬
‫أرسلَ عليهم صيحةً تأخذهم‪.‬‬
‫وقال الحق سبحانه‪ { :‬فََأخَذَ ْتهُمُ الصّيْحَةُ‪.} ....‬‬

‫(‪)1868 /‬‬
‫حةُ ُمصْبِحِينَ (‪)83‬‬
‫خذَ ْتهُمُ الصّيْ َ‬
‫فَأَ َ‬

‫وهم إذا كانوا قد اتخذوا من جبليّة الموقع َأمْنا لهم؛ فقد جاءت الصيحة من الحق سبحانه لِتدكّ فوق‬
‫رؤوسهم ما صنعوا‪ ،‬وقد قال الحق سبحانه عنهم من قبل في سورة هود‪ {:‬وَأَخَذَ الّذِينَ ظََلمُواْ‬
‫الصّيْحَةُ فََأصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَا ِثمِينَ }[هود‪.]67 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫جفَةُ فََأصْبَحُواْ فِي دَا ِرهِمْ جَا ِثمِينَ }[العراف‪.]78 :‬‬
‫وقال سبحانه عنهم أيضا‪ {:‬فََأخَذَ ْتهُمُ الرّ ْ‬
‫والرّجْفة هي الزلزلة‪ ،‬والصّيْحة هي بعض من توابع الزلزلة‪ ،‬ذلك أن الزلزلة تُحدِث تموجا في‬
‫الهواء يؤدي إلى حدوث أصوات قوية تعصف بمَنْ يسمعها‪.‬‬
‫وهم حسب َقوْل الحق سبحانه قد تمتّعوا ثلثة أيام قبل أنْ تأخذهم الصّيْحة َكوَعْد نبيهم صالح ـ‬
‫ك وَعْدٌ غَيْرُ َمكْذُوبٍ }[هود‪.]65 :‬‬
‫عليه السلم ـ لهم‪َ {:‬فقَالَ َتمَ ّتعُواْ فِي دَا ِركُمْ ثَلَثَةَ أَيّامٍ ذاِل َ‬
‫ويقول الحق سبحانه عن حالهم بعد أنْ أخذتهم الصّيْحة‪َ { :‬فمَآ أَغْنَىا‪.} ...‬‬

‫(‪)1869 /‬‬
‫َفمَا أَغْنَى عَ ْن ُهمْ مَا كَانُوا َيكْسِبُونَ (‪)84‬‬

‫وهكذا لم تنفعهم الحصون في حمايتهم من قدَر ال‪ ،‬ونعلم أن قدر ال أو عقابه ل يمكن أنْ يمنعه‬
‫مان ٌع مهما كان؛ فهو القائل‪ {:‬أَيْ َنمَا َتكُونُواْ ُيدْرِككّمُ ا ْل َم ْوتُ وََلوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مّشَيّ َدةٍ }[النساء‪.]78 :‬‬
‫وهكذا ل يمكن أن يحميَ النسانُ نفسَه مما َقدّره ال له‪ ،‬أو ِممّا يشاء الحق أن يُنزِله على النسان‬
‫كعقاب‪.‬‬
‫ج ِعهِمْ }[آل عمران‪:‬‬
‫وسبحانه القائل‪ {:‬قُل ّلوْ كُنتُمْ فِي بُيُو ِتكُمْ لَبَرَزَ الّذِينَ كُ ِتبَ عَلَ ْيهِمُ ا ْلقَتْلُ إِلَىا َمضَا ِ‬
‫‪.]154‬‬
‫ح ِمهِم حصونهم من العذاب الذي قدّره سبحانه‪.‬‬
‫وهكذا خَرّوا جميعا في قاع الهلك‪ ،‬ولم َت ْ‬
‫سمَاوَاتِ‪.} ..‬‬
‫وبعد ذلك ينقلنا الحق سبحانه إلى اليات الكونية؛ فيقول‪َ { :‬ومَا خََلقْنَا ال ّ‬

‫(‪)1870 /‬‬
‫جمِيلَ (‪)85‬‬
‫صفْحَ الْ َ‬
‫صفَحِ ال ّ‬
‫ق وَإِنّ السّاعَةَ لَآَتِ َيةٌ فَا ْ‬
‫سمَاوَاتِ وَالْأَ ْرضَ َومَا بَيْ َن ُهمَا إِلّا بِا ْلحَ ّ‬
‫َومَا خََلقْنَا ال ّ‬

‫والحقّ هو الشيء الثابت الذي ل َتعْتوره الغيار‪ ،‬والمثَل هو نظام المجرّات وحركة الشمس‬
‫والقمر؛ تجدها مُنْضبِطة؛ ذلك أن النسان ل يتدخّل فيها‪ ،‬وليس للنسان ‪ -‬صاحب الغيار ‪ -‬معه‬
‫أيّ اختيار‪.‬‬
‫ولذلك نجد أن الفسادَ ل ينشأ في الكون من النواميس العُلْيا‪ ،‬ولكن من المور التي يتدخّل فيها‬
‫ن يتوقفَ النسانُ عن الحركة في الرض؛ ولكن عليه أنْ يرعى منهج‬
‫النسان‪ ،‬وليس معنى ذلك أ ْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عمّا نهى عنه وأنْ يطيعَ ما أمره به‪.‬‬
‫ال‪ ،‬ويمتنع َ‬
‫وأنت لو ط ّبقْتَ أوامر الحق سبحانه في " افعل " و " ل تفعل " لستقامتْ الدنيا في المور التي لكَ‬
‫َدخْل فيها كانتظام المور التي ليس لك َدخْل فيها‪.‬‬
‫شمْسُ‬
‫ق الِنسَانَ * عَّلمَهُ البَيَانَ * ال ّ‬
‫حمَـانُ * عَلّمَ ا ْلقُرْآنَ * خََل َ‬
‫واقرأ إنْ شِ ْئتَ َقوْله الحق‪ {:‬الرّ ْ‬
‫ط َغوْاْ فِي‬
‫سمَآءَ َر َف َعهَا َووَضَعَ ا ْلمِيزَانَ * َألّ تَ ْ‬
‫سجُدَانِ * وَال ّ‬
‫وَا ْلقَمَرُ ِبحُسْبَانٍ * وَالنّجْ ُم وَالشّجَرُ يَ ْ‬
‫ا ْلمِيزَانِ }[الرحمن‪.]8-1 :‬‬
‫فإن كنتم تريدون أن تنتظمَ أموركم في الحياة الدنيا؛ فل تط َغوْا في ميزان أيّ شيء‪.‬‬
‫وهنا يُذكّرنا الحق سبحانه ألّ نقعَ في خطأ الوهم بأننا سنأخذ ِنعَم الدنيا دون ضابط أو رابط؛‬
‫فالحساب قادم ل محالة‪ ،‬ولذلك قال الحق سبحانه‪ {:‬فَِإمّا نَذْهَبَنّ ِبكَ فَإِنّا مِ ْنهُم مّن َت ِقمُونَ * َأوْ نُرِيَ ّنكَ‬
‫الّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنّا عَلَ ْي ِهمْ ّمقْتَدِرُونَ }[الزخرف‪.]42-41 :‬‬
‫أي‪ :‬مَا قدّره ال سيقع دون أنْ َيصُدّه شيء مهما كان‪ ،‬وإمّا ترى ذلك في حياتك‪ ،‬أو تراه لحظة‬
‫ال َبعْث‪.‬‬
‫ن كفروا وظلموا وكذّبوا الرسل‪ ،‬وعاثوا في الرض ُمفْسدين‪ .‬وأهلكهم‬
‫والدليل هو ما حاق بمَ ْ‬
‫الحق سبحانه بعذابه تطهيرا للرض مِنْ فسادهم‪ ،‬هذا جزاؤهم في الدنيا‪ ،‬وهناك جزاء آخر في‬
‫اليوم الخر‪.‬‬
‫وفي هذا القول تَسلْية لرسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فهو حين ُيعْلِمه ال ما حاقَ بالمم السابقة‬
‫التي كذّبت الرسل؛ هانتْ عليه المتاعب والمشاقّ التي عاناها من قومه‪ ،‬وليس ُهلَ عليه من بعد ذلك‬
‫أن يتذرّع بالصبر الجميل‪ ،‬حتى يأتي وَعْدُه سبحانه‪ ،‬وليس عليك يا محمد أنْ تُحمّل نفسك ما لَ‬
‫تطيق‪.‬‬
‫ويقول سبحانه من بعد ذلك‪ { :‬إِنّ رَ ّبكَ ُهوَ‪.} ....‬‬

‫(‪)1871 /‬‬
‫إِنّ رَ ّبكَ ُهوَ ا ْلخَلّاقُ ا ْلعَلِيمُ (‪)86‬‬

‫عدَم‪ ،‬وأمدّ من عُدْم‪ .‬وقيّومية الربوبية هي التي تمدّ‬
‫وقد جاء سبحانه هنا بالسم الذي خلق به من َ‬
‫كل الكون برزقه وترعاه؛ فسبحانه هو الذي استدعى النسان إلى الكون‪ ،‬وهو الذي يرعاه‪.‬‬
‫وكلمة‪ { :‬رَ ّبكَ‪[ } ..‬الحجر‪.]86 :‬‬
‫تُوحي بأنه إنْ أصابك شيءٌ بسبب دعوتك‪ ،‬وبسبب كنود قومك أمامك وعدائهم لك‪ ،‬فر ّبكَ يا محمد‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لن يتركهم‪.‬‬
‫والرب ـ كما نعلم ـ هو مَنْ يتولّى تربية الشي إلي ما يعطيه مناط الكمال‪ ،‬ول يقتصر ذلك على‬
‫الدنيا فقط‪ ،‬ولكنه ينطبق على الدنيا والخرة‪.‬‬
‫وقوله‪ { :‬ا ْلخَلّقُ } [الحجر‪.]86 :‬‬
‫مبالغة في الخَلْق‪ ،‬وهي امتداد صفة الخَلْق في كل ما يمكن أنْ يخلق‪ ،‬لنه سبحانه هو الذي أعدّ‬
‫كل مادة يكون منها أيّ خَلْق‪ ،‬وأعدّ العقل الذي يُفكّر في أيّ خلق‪ ،‬وأعدّ الطاقة التي تفعل‪ ،‬وأعدّ‬
‫التفاعل بين الطاقة والمادة والعقل المُخطّط لذلك‪.‬‬
‫ن وُجِد خلق من البشر؛ فهو‬
‫وما يفعله النسان المخلوق هو التوليف بين ما خلقه ال من مواد‪ ،‬وإ ْ‬
‫وحده سبحانه الذي يهب إنسانا ما أفكارا لينفذها‪ ،‬ثم يأتي مَنْ هو أذكى منه لِيُطوّرها‪.‬‬
‫ولذلك قال الحق سبحانه‪َ {:‬وفَوْقَ ُكلّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ }[يوسف‪.]76 :‬‬
‫وهكذا رأينا كل المخترعات البشرية تتطوّر؛ والمثَل على ذلك هو آلة الحياكة التي صارت تعمل‬
‫الن آليا بعد أن كانت المرأة تجلس عليها لِتك ّد في ضَبْطها‪ ،‬وكذلك غسّالة الملبس‪ ،‬وغسالة‬
‫الطباق والسيارات والطائرات‪.‬‬
‫ونلحظ أن كل ما خلقه ال يمكن أن يُستفاد من عادمه مثل َروَث البهائم؛ الذي يُستخدم كسماد‪ ،‬أما‬
‫ل فهو يُلوّث الجو‪ .‬وشاشة التلفزيون تُصدِر من الشعاعات مَا يضر العين‪ ،‬وتَمّ‬
‫عادم السيارات مث ً‬
‫حثُ ذلك لتلفي الثار الجانبية في مثل تلك الدوات التي يسهل النسان بها حياتها‪.‬‬
‫بْ‬
‫أما ما يخلقه ال فل توجد له آثار جانبية؛ فسبحانه ليس صاحب عِلْم ُمكْتسب أو ممنوح؛ بل العلم‬
‫صفة ذاتية فيه‪.‬‬
‫ويقول سبحانه من بعد ذلك‪ { :‬وََلقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعا‪.} ...‬‬

‫(‪)1872 /‬‬
‫وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَ ْبعًا مِنَ ا ْلمَثَانِي وَا ْلقُرْآَنَ ا ْلعَظِيمَ (‪)87‬‬

‫وهنا يمتنّ الحق سبحانه على رسوله صلى ال عليه وسلم بأنه يكفيه أنْ أنزلَ عليه القرآن الكتاب‬
‫المعجزة‪ ،‬والمنهج الذي ل يأتيه الباطل من بين يديه ول من خَلْفه‪ .‬فالقرآن يض ّم كمالتِ الحق‬
‫التي ل تنتهي؛ فإذا كان سبحانه قد أعطاك ذلك‪ ،‬فهو أيضا يتحمّل عنك ُكلّ ما يُؤلِمك‪.‬‬
‫ق صَدْ ُركَ ِبمَا َيقُولُونَ }[الحجر‪.]97 :‬‬
‫والحق سبحانه هو القائل‪ {:‬وََلقَدْ َنعْلَمُ أَ ّنكَ َيضِي ُ‬
‫ويقول له الحق أيضا‪ {:‬قَدْ َنعْلَمُ إِنّهُ لَ َيحْزُ ُنكَ الّذِي َيقُولُونَ }[النعام‪.]33 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وأزاح الحق سبحانه عنه هموم اتهامهم له بأنه ساحر أو مجنون؛ وقال له سبحانه‪ {:‬فَإِ ّنهُ ْم لَ‬
‫جحَدُونَ }[النعام‪.]33 :‬‬
‫ُيكَذّبُو َنكَ وَلَـاكِنّ الظّاِلمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَ ْ‬
‫ويكشف له سبحانه‪ :‬إنهم يؤمنون أنك يا محمد صادق‪ ،‬ولكنهم يتظاهرون بتكذيبك‪.‬‬
‫ويتمثّل امتنانُ الحق سبحانه على رسوله أنه أنزل عليه السّبْع المثاني‪ ،‬واتفق العلماء على أن كلمة‬
‫" المثاني " تعني فاتحة الكتاب‪ ،‬فل يُثنّى في الصلة إل فاتحة الكتاب‪.‬‬
‫ضوْء مقاييسه‬
‫ونجده سبحانه َيصِف القرآنَ بالعظيم؛ وهو سبحانه يحكم بعظمة القرآن على َ‬
‫المُطْلقة؛ وهي مقاييس العظمة عنده سبحانه‪.‬‬
‫والمثَل الخر على ذلك وَصفْه سبحانه لرسوله صلى ال عليه وسلم‪ {:‬وَإِ ّنكَ َلعَلَىا خُلُقٍ عَظِيمٍ }‬
‫[القلم‪.]4 :‬‬
‫حكْم بالمقاييس العُلْيا للعظمة‪ ،‬وهكذا يصبح ُكلّ متاع الدنيا أقلّ ِممّا وهبه الحق سبحانه‬
‫وهذا ُ‬
‫طىَ غيره؛ فقد وهبه سبحانه لرسوله‬
‫لرسوله صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فل ينظرَنّ أحدٌ إلى ما أُع ِ‬
‫صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫ونلحظ أن الحق سبحانه قد عطف القرآن على السّبْع المثاني‪ ،‬وهو عَطْف عام على خَاصّ؛ كما‬
‫سطَىا }[البقرة‪.]238 :‬‬
‫لةِ ا ْلوُ ْ‬
‫ت والصّ َ‬
‫قال الحق سبحانه‪ {:‬حَافِظُواْ عَلَى الصَّلوَا ِ‬
‫ونفهم من هذا القول أن الصلة تضمّ الصلة الوُسْطى أيضا‪ ،‬وكذلك مثل قول الحق ما جاء على‬
‫خلَ بَيْ ِتيَ ُم ْؤمِنا وَلِ ْل ُم ْؤمِنِينَ‬
‫ي وَِلمَن دَ َ‬
‫غفِرْ لِي وَلِوَاِل َد ّ‬
‫لسان رسوله صلى ال عليه وسلم‪ّ {:‬ربّ ا ْ‬
‫وَا ْل ُمؤْمِنَاتِ }[نوح‪.]28 :‬‬
‫عطْف عام على خاص‪ ،‬وعَطْف خاص على عام‪.‬‬
‫وهكذا نرى َ‬
‫أو‪ :‬أنْ نقولَ‪ :‬إن كلمة " قرآن " تُطلَق على الكتاب الكريم المُنزّل على رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم من أول آية في القرآن إلى آخر آية فيه‪ ،‬ويُطلق أيضا على الية الواحدة من القرآن؛ فقول‬
‫الحق سبحانه‪ {:‬مُدْهَآمّتَانِ }[الرحمن‪.]64:‬‬
‫هي آية من القرآن؛ وتُسمّى أيضا قرآنا‪.‬‬
‫شهُودا }[السراء‪.]78 :‬‬
‫ونجده سبحانه يقول‪ {:‬إِنّ قُرْآنَ ا ْلفَجْرِ كَانَ مَ ْ‬
‫ونحن في الفجر ل نقرأ كل القرآن‪ ،‬بل بعضا منه‪ ،‬ولكن ما نقرؤه يُسمّى قرآنا‪ ،‬وكذلك يقول‬
‫حجَابا مّسْتُورا }‬
‫ن لَ ُي ْؤمِنُونَ بِالخِ َرةِ ِ‬
‫ك وَبَيْنَ الّذِي َ‬
‫جعَلْنَا بَيْ َن َ‬
‫الحق سبحانه‪ {:‬وَإِذَا قَرَ ْأتَ ا ْلقُرآنَ َ‬
‫[السراء‪.]45 :‬‬
‫وهو ل يقرأ ُكلّ القرآن بل بعضه‪ ،‬إذن‪ :‬فكلّ آية من القرآن قرآن‪.‬‬
‫وقد أعطى الحق سبحانه رسوله صلى ال عليه وسلم السّبْع المثاني والقرآن العظيم‪ ،‬وتلك هي ِقمّة‬
‫العطايا؛ فلله عطاءاتٌ متعددة؛ عطاءات تشمل الكافر والمؤمن‪ ،‬وتشمل الطائع والعاصي‪،‬‬
‫وعطاءات خاصة بمَنْ آمن به؛ وتلك عطاءات اللوهية لمَنْ سمع كلم ربّه في " افعل " و " ل‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫تفعل "‪.‬‬
‫وسبحانه يمتد عطاؤه من الخَلْق إلى شَرْبة الماء‪ ،‬إلى وجبة الطعام‪ ،‬وإلى الملبس‪ ،‬وإلى المَسْكن‪،‬‬
‫عمْر‪ ،‬ويسمو العطاء عند النسان بسُمو عمر العطاء‪ ،‬فكل عطاء يمت ّد عمره يكون‬
‫وكل عطاء له ُ‬
‫هو العطاء السعيد‪.‬‬
‫فإذا كان عطاء الربوبية يتعلّق ب ُمعْطيات المادة وقوام الحياة؛ فإن عطاءات القرآن تشمل الدنيا‬
‫والخرة؛ وإذا كان ما يُنغّص أيّ عطاء في الدنيا أن النسانَ يُفارقه بالموت‪ ،‬أو أن يذوي هذا‬
‫العطاء في ذاته؛ فعطاء القرآن ل ينفد في الدنيا والخرة‪.‬‬
‫ونعلم أن الخرة ل نهايةَ لها على عكس الدنيا التي ل يطول عمرك فيها بعمرها‪ ،‬بل بالجل‬
‫المُحدّد لك فيها‪.‬‬
‫وإذا كانت عطاءاتُ القرآن تحرس القيم التي تهبُك عطاءات الحياة التي ل تفنَى وهي الحياة‬
‫الخرة؛ فهذا هو َأسْمى عطاء‪ ،‬وإياك أن تتطلعَ إلى نعمة موقوتة عند أحد منهم من ِنعَم الدنيا‬
‫عطِي خيرا منه؛ فقد حقر ما عَظّم ال‪.‬‬
‫الفانية؛ لن مَنْ أُعطِي القرآن وظنّ أن غيره قد أُ ْ‬
‫وما دام الحق سبحانه قد أعطاك هذا العطاء العظيم‪ ،‬فيترتب عليه قوله‪ } :‬لَ َتمُدّنّ عَيْنَ ْيكَ‪.{ ...‬‬

‫(‪)1873 /‬‬
‫حكَ لِ ْل ُم ْؤمِنِينَ (‪)88‬‬
‫خفِضْ جَنَا َ‬
‫لَا َتمُدّنّ عَيْنَ ْيكَ ِإلَى مَا مَ ّتعْنَا بِهِ أَ ْزوَاجًا مِ ْنهُ ْم وَلَا َتحْزَنْ عَلَ ْيهِ ْم وَا ْ‬

‫حسْب قدرتها‪ ،‬فهناك‬
‫والمَدّ‪ :‬هو مَطّ الشيء وزيادته‪ .‬وللعيْن مسافات تُرَى فيها المرائي؛ كُل عَيْن َ‬
‫مَنْ يتمتع ببصر قوي وحادّ‪ ،‬وهناك مَنْ ليس كذلك‪.‬‬
‫ويتراوح الناس في قدرة إبصارهم حسب توصيف وضعه الطباء؛ ليعالجوا ذلك على َقدْر‬
‫استطاعتهم العلمية‪ .‬وفي المثَل اليومي نسمع مَنْ يقول " فلن عنده ُبعْد نظر " أي‪ :‬يملك قدرة‬
‫ي فعل‪.‬‬
‫على أن يقيسَ رُدود الفعال‪ ،‬ويتوقّع ما سوف يحدث‪ ،‬وما يترتّب على نتائج أ ّ‬
‫والمراد بمَدّ العين ليس إخراج حبة العين ومدّها؛ ولكن المراد إدامة النظر والمعان‪ ،‬ولكن الحق‬
‫سبحانه عبّر في القرآن هذا التعبير‪ ،‬وكأن النسان سيخرج حبّة عينه ليجري بها‪ ،‬وليُمعِن النظر‪،‬‬
‫وهذا ما يفهم من منطوق الية‪ ،‬والمنطوق يشير إلى المفهوم المراد‪ ،‬وهذا عين العجاز‪.‬‬
‫وكلمة " متاع " تفيد أن شيئا يُتمتّع به وينتهي‪ ،‬ولذلك يُوصَف متاع الدنيا في القرآن بأنه متَاعُ‬
‫الغرور‪ ،‬أي‪ :‬أنه متاع موقوت بلحظة‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ أَ ْزوَاجا مّ ْنهُمْ‪[ } ...‬الحجر‪.]88 :‬‬
‫جمْع َزوْج‪ ،‬وسبق أنْ أوضحنا أن كلمة " زوج " هي مفرد‪ ،‬والذكَر والنثى حين يتلقيان‬
‫هي َ‬
‫يصبح اسمهما زوجين‪ ،‬والحق سبحانه هو القائل‪ {:‬سُبْحَانَ الّذِي خَلَق الَ ْزوَاجَ كُّلهَا }[يس‪.]36 :‬‬
‫والزواج كلّها تعني الفرد‪ ،‬ومعه الفرد من كل صنف من الصناف‪ .‬المراد بكلمة أزواج هنا أن‬
‫المخالفين لرسول ال صلى ال عليه وسلم كانوا شِلَلً شِللً؛ ضال ومضل؛ وضال آخر معه‬
‫ُمضِل‪.‬‬
‫ولحظة الحساب سيقول كل منهم‪ {:‬قَالَ قَآ ِئلٌ مّ ْنهُمْ إِنّي كَانَ لِي قَرِينٌ }[الصافات‪.]51 :‬‬
‫وهكذا كانت كلمة " أزواج " تدل على أصناف متعددة من الذين يقفون معاندين لرسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم ومُنكِرين لمنهجه‪.‬‬
‫عمّنْ أغوتْهم الشياطين‪ ،‬ويحشرهم الحق سبحانه مع‬
‫وفي موقع آخر من القرآن يكشف سبحانه َ‬
‫ن الِنْسِ }[النعام‪:‬‬
‫جمِيعا يَا َمعْشَرَ ا ْلجِنّ قَدِ اسْ َتكْثَرْتُمْ مّ َ‬
‫حشُرُهُمْ َ‬
‫الشياطين في نار جهنم‪ {:‬وَ َيوْمَ يِ ْ‬
‫‪.]128‬‬
‫أي‪ :‬يا معشرَ الجنّ قد استطعتُم أنْ تُوحوا لكثير من النس بالغواية والمعصية‪ ،‬ليكونوا أولياءكم‪،‬‬
‫وهكذا نجد أن كل جماعة تتفق على شيء نُسمّيهم أزواجا‪.‬‬
‫وهنا يُوضّح الحق سبحانه‪ :‬إياكَ أنْ َت ُمدّ عينيك إلى ما متّعنا به أزواجا منهم‪ ،‬لننا أعطيناك أعلى‬
‫عطاءٍ‪ ،‬وهو معجزة القرآن حارس القيم‪ ،‬والذي يضمّ ال ّنهْج القويم‪.‬‬
‫ويتابع سبحانه‪:‬‬
‫{ َولَ تَحْزَنْ عَلَ ْي ِهمْ } [الحجر‪.]88 :‬‬
‫ويُقال‪ :‬حزنت منه‪ ،‬وحَزِنت عليه‪ ،‬وحَزِنت له؛ فمَنْ ناله ما يُحزن‪ ،‬ولم َيصْدُر عنك هذا السبب‬
‫في حزنه؛ فأنت تقول له " حَزِنت لك "‪.‬‬
‫وآخر ارتكب ِفعْلً يُسِيء إلى نفسه؛ فأنت تحزن عليه‪ .‬ورسول ال صلى ال عليه وسلم حَزِن‬
‫ن يتمتعوا بالنعمة التي يتمتع هو بها‪.‬‬
‫ن يؤمنوا‪ ،‬وأ ْ‬
‫حبّ أ ْ‬
‫عليهم؛ فقد كان ُي ِ‬
‫ولذلك نجد الحق سبحانه يقول عن رسوله صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫سكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتّمْ حَرِيصٌ عَلَ ْيكُمْ بِا ْل ُم ْؤمِنِينَ رَءُوفٌ رّحِيمٌ }‬
‫{ َلقَدْ جَآ َء ُكمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُ ِ‬
‫[التوبة‪.]128 :‬‬
‫ص ُعبَ على نفسه أنْ ينَال قومه مشقةٌ؛ فالرحمة والرأفة مصدرها‬
‫فمِنْ رأفته صلى ال عليه وسلم َ‬
‫ما وهبه ال إياه من َفهْم لقيمة نعمة اليمان‪.‬‬
‫علَىا آثَارِ ِهمْ إِن لّمْ‬
‫سكَ َ‬
‫وفي آية أخرى يقول سبحانه لرسوله صلى ال عليه وسلم‪ {:‬فََلعَّلكَ بَاخِعٌ ّنفْ َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫حدِيثِ َأسَفا }[الكهف‪.]6 :‬‬
‫ُي ْؤمِنُواْ ِبهَـاذَا الْ َ‬
‫أي‪ :‬أنه لن ينقصَ منك شيء في حالة عدم إيمانهم‪ ،‬ولن يزيدك إيمانهم أجرا؛ ذلك أن عليك البلغَ‬
‫فقط؛ فلماذا تحزن على عدم إيمانهم؟‬
‫وقول الحق سبحانه هنا‪:‬‬
‫} َولَ تَحْزَنْ عَلَ ْي ِهمْ { [الحجر‪.]88 :‬‬
‫دليل على أن رسول ال صل ال عليه وسلم كان حريصا على أن يُؤمِن قومه‪ ،‬محبةً فيهم‪،‬‬
‫وليتعرّفوا على حلوة اليمان بال‪ .‬وكان صلى ال عليه وسلم يتألم ويحز في نفسه عدم إيمانهم‪،‬‬
‫سكَ َألّ َيكُونُواْ ُم ْؤمِنِينَ * إِن نّشَأْ‬
‫خعٌ ّنفْ َ‬
‫لدرجة أن الحق سبحانه قال له في آية أخرى‪َ {:‬لعَّلكَ بَا ِ‬
‫ضعِينَ }[الشعراء‪.]4-3 :‬‬
‫سمَآءِ آ َيةً فَظَّلتْ أَعْنَا ُقهُمْ َلهَا خَا ِ‬
‫نُنَ ّزلْ عَلَ ْيهِمْ مّنَ ال ّ‬
‫وهنا يُوضّح الحق سبحانه لرسوله صلى ال عليه وسلم أن إيمانهم ليس أمرا صعبا عليه سبحانه؛‬
‫ذلك أنه قادر أنْ ينزّل آية من السماء تجعلهم خاضعين؛ مؤمنين؛ لكنه سبحانه يحب أن يأتيه خَ ْلقُه‬
‫محبةً‪ ،‬وأن يُحسِنوا استخدام ما وهبهم من خاصية الختيار‪.‬‬
‫عمَل قلوب‪ ،‬وسبحانه ل يريد قوالب‪ ،‬وإنما يريد‬
‫فسبحانه ل يقهر أحدا على اليمان به؛ فاليمان َ‬
‫قلوبا خاشعة‪ ،‬ولو شاء سبحانه من خَلْقه أنْ يأتوه طواعية؛ فالقهر من القاهر يُثبِت له القدرة‪ ،‬ولكن‬
‫أنْ يأتيَ الخَلْق إلى خالقهم طواعية؛ فهذا يُثبت له المحبوبية‪.‬‬
‫والحق سبحانه يريد أن يكون اليمان نابعا من محبوبية العابد للمعبود؛ ولذلك يقول الحق سبحانه‬
‫لرسوله صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫} َولَ تَحْزَنْ عَلَ ْي ِهمْ‪[ { ...‬الحجر‪.]88 :‬‬
‫ثم يُوجّه له المر بأنْ يُوجّه طاقة الحنان والمودّة التي في قلبه إلى مَنْ يستحقها‪ ،‬وهم المؤمنون‬
‫برسالته صلى ال عليه وسلم؛ وعليه أنْ يخفضَ جناحه للمؤمنين‪.‬‬
‫ف ُكلّ حركة من النسان هي نزوع يتحرّك من بعد وُجدْان‪ ،‬والوُجْدان يُولّد طاقة داخلية تُهيئ‬
‫للنزوع وتدفع إليه‪ ،‬فإن حزن الرسول صلى ال عليه وسلم لعدم إيمان صناديد قريش برسالته؛‬
‫فهذا الحُزْن إنما يخصم ويأخذ من طاقته؛ فيأتيه المر من الحق سبحانه أن يُوفّر طاقته‪ ،‬وأنْ‬
‫يُوجّهها لمَنْ آمن به؛ وأن يخ ِفضَ جناحه لهم‪.‬‬
‫خفْض الجناح هو التواضُع؛ ذلك أن الجناحَ هو الجانب‪ ،‬فحين يأتيك إنسانٌ تريد أنْ تتكبّر عليه؛‬
‫وَ‬
‫فهو يقول " فلن َلوَى عنّي جانبه "‪.‬‬
‫وهكذا يأمر الحق سبحانه رسوله أن يتواضع مع المؤمنين؛ وأنْ يتوجه إليهم ل باستقامة قالبه‪ ،‬بل‬
‫أن ينزل هذا القالب قليلً‬
‫حكَ‪.‬‬
‫خ ِفضْ جَنَا َ‬
‫وكلمة‪ } :‬وَا ْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫خفْض جناح الطائر‪ ،‬فالطائر يرفع جناحه عند الطيران‪ ،‬ولكن ما‬
‫‪[ { ..‬الحجر‪ ]88 :‬مأخوذة من َ‬
‫أنْ يلمسَ هذا الطائر فَرْخَه الصغير حتى يَخفِض جناحه له ليضمه إليه‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالطاقة التي كنتَ تُوجّهها يا رسول ال إلى مَنْ ل يستحق؛ عليك أنْ تُوجّهها ِلمَنْ يستحقها‪،‬‬
‫فيكفيك أن تُبلّغ الناس جميعا برسالتك؛ ومَنْ يؤمن منهم هو مَنْ يستحق طاقةَ حنانِك ورحمتك‪.‬‬
‫خفْض الجناح ِلمَنْ آمن برسالتك ل يورثه كِبْرا عليك؛ بل يزيده أدبا معك‪.‬‬
‫وَ‬
‫وقد جاء في الثر‪ " :‬إذا عَزّ أخوك َفهُنْه " أي‪ :‬أنك إذا رأيتَ أخاك في وضع يعِزّ عليك‪َ ،‬فهُنْ له‬
‫أنت‪.‬‬
‫جعْـ‬
‫ل وقُلْنا ال َقوْمُ إخْوا ُنعَسَى اليامُ أنْ يَ ْر ِ‬
‫ومن قبل السلم قال الشاعر العربي‪:‬صَفَحْنَا عَنْ بَنِي ذُ ْه ٍ‬
‫ـنَ َقوْما كَالذِي كَانُوافَلمّا صَرّح الشّر فََأمْسَى وَ ْهوَ عُرْيَا ُن َمشَيْنَا مِشْيَةَ الل ْيثِ غَدا والل ْيثُ‬
‫طعْنٍ َكفَمِ الزّقّ غَدَا والزّق مَل ُن َوفِي الشّرّ َنجَاة حِيـ‬
‫خضِيعٌ وإقرا ُنوَ َ‬
‫غضْبَان ِبضَرْبٍ فِيهِ َتوْهِينٌ وتَ ْ‬
‫َ‬
‫ن لَ يُنجِيكَ إحسَا ُنوَبعضُ الحلمِ عِنْدَ الجَهـ ـلِ ِللْذلةِ إذْعَانُونجد القرآن حينما يطبع خلق‬
‫ـي َ‬
‫المؤمن بال وبالمنهج؛ ل يطبعه بطابع واحد يتعامل به مع كل الناس‪ ،‬بل يجعل طَبْعه الخُلقي‬
‫مطابقا لموقف الناس منه‪ ،‬فيقول‪ {:‬أَ ِذلّةٍ عَلَى ا ْل ُم ْؤمِنِينَ أَعِ ّزةٍ عَلَى ا ْلكَافِرِينَ }[المائدة‪.]54 :‬‬
‫حمَآءُ بَيْ َن ُهمْ }[الفتح‪.]29 :‬‬
‫ويقول أيضا في وصف المؤمنين‪َ {:‬أشِدّآءُ عَلَى ا ْل ُكفّارِ ُر َ‬
‫وهكذا لم يطبع المؤمن على الشدة والعزة‪ ،‬بل جعله يتفاعل مع المواقف؛ فالموقف الذي يحتاج إلى‬
‫ن فهو يلين فيه‪.‬‬
‫الشدة فهو يشتد فيه؛ والموقف الذي يحتاج إلى لِي ٍ‬
‫والحكمة الشاعرة تقول‪:‬وَ َوضْعُ النّدى في مَوضْعِ السّيف بالعلي مضر َكوَضْـعِ السّـ ْيفِ فِي‬
‫َموْضـعِ النّـدَىويقول الحق سبحانه من بعد ذلك‪َ } :‬و ُقلْ إِنّي‪.{ ...‬‬

‫(‪)1874 /‬‬
‫َوقُلْ إِنّي أَنَا النّذِيرُ ا ْلمُبِينُ (‪)89‬‬

‫ن يقولَ‪ :‬ولماذا تأتي صيغة النذار دائما؟ وأقول‪ :‬إن‬
‫ونعلم أن الرسل مُبشرّين ومُنذرِين؛ ولسائل أ ْ‬
‫ن يتوقّع النّذارة فهو الكافر المُنكِر‪.‬‬
‫ن يؤمن هو مَنْ يتلقّى البشارة؛ أما مَنْ عليه أ ْ‬
‫مَ ْ‬
‫وفي النذار تخويفٌ بشيء ينالُ منك في المستقبل؛ وعليك أنْ َتعُد العُدّة لتبتعد بنفسك أن تكون‬
‫فيه‪ ،‬والتبشير يكون بأمر تتمناه ال ّنفْس‪ .‬وبالنذار والتبشير يتضح الموقف بجلء‪ ،‬ويُحَاط النسان‬
‫بكل قضايا الحياة؛ ويتضح مسَار كُل أمرٍ من الُمورِ‪.‬‬
‫وبذلك يكون الحق سبحانه في اليتين السابقتين قد امتنّ على رسوله صلى ال عليه وسلم بأنه قد‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ض من الكفار‬
‫آتاه السبع المثاني والقرآن العظيم؛ ولذلك يوصيه ألّ تطمح نفسه إلى ما أوتي بع ٌ‬
‫من جاه ومال‪ ،‬فالقرآن عزّ الدنيا والخرة‪.‬‬
‫ويوصيه كذلك بأل يحزنَ عليهم نتيجة انصرافهم عن دعوته‪ ،‬فليس عليه إل البلغ‪ ،‬وأن يتواضعَ‬
‫صلى ال عليه وسلم للمؤمنين ليزداد ارتباطهم به‪ ،‬فهم خير من كل الكافرين برسالته صلى ال‬
‫عليه وسلم‪ .‬ثم يُوصيه الحق سبحانه أن يُبلغ الجميع أنه نذير وبشير‪ ،‬يوضح ما جاء في القرآن‬
‫من خير ي ُعمّ على المؤمنين‪ ،‬وعقاب ينزل على الكافرين‪.‬‬
‫وقد قال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬إنما مثَلي ومثَل ما بعثني الُ به كم َثلِ رجلٍ أتى قوما فقال‪ :‬يا‬
‫قوم‪ ،‬إني رأيتُ الجيشَ بعينيّ‪ ،‬وإني أنا النذير العُرْيان‪ ،‬فالنجاء النجاء‪ ،‬فأطاعه طائفة من قومه‬
‫جوْا‪ ،‬وكذّبت طائفة منهم‪ ،‬فأصبحوا مكانهم فصبّحهم الجيش‪،‬‬
‫فَأدْلجوا فانطلقوا على مهلهِم فَن َ‬
‫فأهلكهم واجتاحهم‪ ،‬فذلك مثَل مَنْ أطاعني فاتّبع ما جِ ْئتُ به‪ ،‬ومثَل مَنْ عصاني وكذّب بما جئتُ به‬
‫من الحقّ "‪.‬‬
‫ويقول سبحانه من بعد ذلك‪َ { :‬كمَآ أَنْزَلْنَا‪.} ...‬‬

‫(‪)1875 /‬‬
‫سمِينَ (‪)90‬‬
‫َكمَا أَنْزَلْنَا عَلَى ا ْل ُمقْتَ ِ‬

‫ونعلم أنه سبحانه قد أنزل كتابه على رسوله صلى ال عليه وسلم‪ ،‬واستقبله الناس استقباليْنِ‪ :‬فمنهم‬
‫س ِمعُواْ مَآ‬
‫مَنِ استمع إلى القرآن فتبصّر قول الحق وآمن‪ ،‬وفي هؤلء قال الحق سبحانه‪ {:‬وَإِذَا َ‬
‫أُن ِزلَ إِلَى الرّسُولِ تَرَى أَعْيُ َنهُمْ َتفِيضُ مِنَ ال ّدمْعِ ِممّا عَ َرفُواْ مِنَ ا ْلحَقّ َيقُولُونَ رَبّنَآ آمَنّا فَاكْتُبْنَا مَعَ‬
‫الشّا ِهدِينَ }[المائدة‪.]83 :‬‬
‫والصنف الخر استمع إلى القرآن‪ ،‬فكانت قلوبهم كالحجارة‪ ،‬وفيهم قال الحق سبحانه‪َ {:‬ومِ ْنهُمْ مّن‬
‫يَسْ َتمِعُ إِلَ ْيكَ حَتّىا إِذَا خَ َرجُواْ مِنْ عِن ِدكَ قَالُواْ لِلّذِينَ أُوتُواْ ا ْلعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفا ُأوْلَـا ِئكَ الّذِينَ طَ َبعَ‬
‫علَىا قُلُو ِبهِمْ وَاتّ َبعُواْ أَ ْهوَآءَ ُهمْ }[محمد‪.]16 :‬‬
‫اللّهُ َ‬
‫ذلك أن قلوبهم ُممْتلئة بالكفر؛ وقد دخلوا ومعهم حكم مُسْبق‪ ،‬فلم يقيموا ميزانَ العدل ليقيسوا به‬
‫فائدة ما يسمعون‪.‬‬
‫ولذلك أوضح الحق سبحانه لرسوله صلى ال عليه وسلم أل يحزن‪ ،‬فالمسألة لها سوابق مع غيرك‬
‫من الرسل؛ فقد نزل كل رسول بكتاب يحمل المنهج‪ ،‬ولكن الناس استقبلوا تلك الكتب كاستقبال‬
‫قومك ِلمَا نزل إليك بين كافر ومؤمن‪ ،‬واختلفوا في أمور الكُتب المنزّلة إلى رسلهم‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ن اتهموك بأنك ساحرٌ‪ ،‬أو أن‬
‫وكان انقسامهم كانقسام قومك حول الكتاب المُنزّل إليك‪ ،‬فل تحزنْ إ ِ‬
‫ما نزل إليك كتابُ شعر‪ ،‬أو أنك تمارس الكهانة؛ أو فقدوا القدرة على الحكم عليك واتهموك‬
‫بالجنون‪.‬‬
‫وهكذا قَسّموا القرآن المُنزّل من ال سبحانه إلى أقسام هي‪ :‬السّحْر‪ ،‬والكهانة‪ ،‬والشعر‪ ،‬والجنون‪،‬‬
‫كما فعل من قبلهم أقوام أخرى‪:‬‬
‫سلَ إِلَ ْيكُمْ َلمَجْنُونٌ }[الشعراء‪.]27 :‬‬
‫ن قال‪ ،‬وأثبته القرآن عليهم‪ {:‬إِنّ رَسُوَلكُمُ الّذِي أُ ْر ِ‬
‫فمنهم مَ ْ‬
‫وهكذا تعلم يا رسول ال أنك لست بِدْعا من الرسل‪ ،‬ذلك أن الرسل ل يأتون أقوامهم إل وقد طَمّ‬
‫الفساد والبلء‪ ،‬ول يوجد فساد إل بانتفاع واحد بالفساد بينما يضرّ بالخرين‪.‬‬
‫وإذا ما جاء رسول ليصلح هذا الفساد ي ُهبّ أهل الستفادة من الفساد ليقاوموه ويضعوا أمامه‬
‫ن وَا ْل َغوْاْ فِيهِ }‬
‫س َمعُواْ ِلهَـاذَا ا ْلقُرْآ ِ‬
‫العراقيل؛ مثلما حدث معك يا رسول ال حين قال بعضهم‪ {:‬لَ َت ْ‬
‫[فصلت‪.]26 :‬‬
‫ومثل هذا القول إنما يدلّ على أنهم لو صَفّوا نفوسهم‪ ،‬واستمعوا للقرآن لهتدوا؛ لذلك يقول لهم‬
‫سادتهم‪ {:‬وَا ْل َغوْاْ فِيهِ َلعَّلكُمْ َتغْلِبُونَ }[فصلت‪.]26 :‬‬
‫شوّشوا عليه‪.‬‬
‫أي‪َ :‬‬
‫وهكذا فالقتسام الذي استقبل به الكفار القرآن سبق وأنْ حدث مع الرسل الذين سبقوك‪.‬‬
‫جعَلُواْ‪.} ...‬‬
‫ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك‪ { :‬الّذِينَ َ‬

‫(‪)1876 /‬‬
‫عضِينَ (‪)91‬‬
‫جعَلُوا ا ْلقُرْآَنَ ِ‬
‫الّذِينَ َ‬

‫وكلمة (عضين) تعني القطع؛ فيُقال للجزار حين يذبح الشاة أو العجل أنه قد جعله عِضين‪ .‬أي‪:‬‬
‫فصَل ُكلّ ذراع عن الخر‪ ،‬وكذلك قطع الفخذ؛ أي‪ :‬أنه جعل الذبيحة ِقطَعا قِطَعا بعد أنْ كانت‬
‫أعضاء مُتصلة‪.‬‬
‫وكذلك كان القرآن حينما نزل كيانا واحدا؛ فأراد بعض من الكفار أن يُقطّعوه إلى أجزاء‪.‬‬
‫والمقصود هنا هم جماعة من اليهود وجماعة من النصارى الذين كانوا على عهد رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم وأرادوا أنْ يُقطّعوا القرآن كما فعلوا مع الكتابين اللذين نزل على موسى‪ ،‬وهما‬
‫التوراة؛ والنجيل الذي جاء به عيسى‪.‬‬
‫وقد قال الحق سبحانه فيهما‪ {:‬وَنَسُواْ حَظّا ّممّا ُذكِرُواْ ِبهِ }[المائدة‪.]13 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أي‪ :‬أن بعضا من اليهود قد َنسُوا بعضا من التوراة‪ ،‬وكذلك نسى البعض من أتباع عيسى بعضا‬
‫من النجيل الذي نزل عليه‪.‬‬
‫وإنْ وجدنا لهم العذر في النسيان؛ فماذا عن الذي كتموه من تلك الكتب؟ وماذا عن الذي بدّلوه‬
‫وحرّفوه من كلمات تلك الكتب؟ وماذا عن الذي أضافوه عليه‪ ،‬ولم ينزل من عند ال؟ وقد فضح‬
‫سبحانه كل ذلك في القرآن‪.‬‬
‫أو‪ :‬أن اليهود استقبلوا القرآن استقبالَ مَنْ يُصدّق بعضه ِممّا ل يتعبهم‪ ،‬وكذّبوه في البعض الذي‬
‫يتعبهم‪ ،‬فقد كذّبوا مثلً أن كتابهم قد بشّرهم بمحمد عليه الصلة والسلم‪.‬‬
‫وهكذا نرى كيف حاولوا أن يجعلوا القرآن عِضين‪ ،‬أي‪ :‬قطعا مفصولة عن بعضها البعض‪ ،‬وقد‬
‫حاولوا ذلك بعد أن تبيّن لهم أن القرآن مُؤثّر وفاعل‪.‬‬
‫وشاء الحق سبحانه للقرآن أن يحمل النذارة والبشارة؛ فالرسول نذير بالقرآن المبين الواضح ِلمَنِ‬
‫اقتسموا المر بالنسبة لمحمد ‪ -‬عليه الصلة والسلم ‪ -‬فقِسْم منهم تفرّغ للستهزاء بمحمد ومَنْ‬
‫آمنوا معه؛ وجماعة أخرى قسّمتْ أعضاءها ليجلسوا على أبواب مكة أثناء موسم الحج‪،‬‬
‫ويستقبلون القادمين للحج من البلد المختلفة ليحذروهم من الستماع لمحمد عليه الصلة والسلم‪.‬‬
‫شعْر؛‬
‫ن وصف الرسولَ صلى ال عليه وسم بالجنون؛ ومنهم مَنْ وصف القرآن بأنه ِ‬
‫ومن هؤلء مَ ْ‬
‫ومنهم مَنْ وصفَ الرسول بأنه ساحر‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه من بعد ذلك‪َ { :‬فوَرَ ّبكَ لَنَسْأَلَ ّن ُهمْ‪.} ...‬‬

‫(‪)1877 /‬‬
‫ج َمعِينَ (‪)92‬‬
‫َفوَرَ ّبكَ لَ َنسْأَلَ ّنهُمْ َأ ْ‬

‫وهنا يُقسِم الحق سبحانه بصفة الربوبية التي تعهدتْ رسوله بالتربية والرعاية ليكون أهلً للرسالة‬
‫أنه لن يُسلِمه لحد‪ ،‬وهو سبحانه مَنْ قال‪ {:‬وَلِ ُتصْنَعَ عَلَىا عَيْنِي }[طه‪.]39 :‬‬
‫أي‪ :‬أن كل رسول هو مصنوع ومَحْميّ بإرادته سبحانه؛ وتلك عناية الحماية للمنهجية الخاصة‪،‬‬
‫خلْقه جميعا؛ والرسل إنما‬
‫وعناية المصطفين الذين يحملونَ رسالته إلى الخَلْق؛ فقد رزق سبحانه َ‬
‫يأتون لمهمة تبليغ المنهج الذي يُدير حركة الحياة؛ لذلك ل ُبدّ أن يُوفّر لهم الحق سبحانه عناية من‬
‫نوع خاص‪.‬‬
‫وقَوْل الحق سبحانه هنا‪:‬‬
‫ج َمعِينَ } [الحجر‪.]92 :‬‬
‫{ َفوَرَ ّبكَ لَنَسْأَلَ ّن ُهمْ أَ ْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يُبيّن لنا أنه سيسألهم سبحانه عن أدقّ التفاصيل؛ ومجرد توجيه السؤال إليهم فيه َلوْن من العذاب‪.‬‬
‫ويحاول البعض ِممّنْ يريدون أنْ يعثروا على تعارض في القرآن أن يقولوا‪ :‬كيف يقولَ ال مرة‪{:‬‬
‫س َولَ جَآنّ }[الرحمن‪.]39 :‬‬
‫فَ َي ْومَئِ ٍذ لّ ُيسَْألُ عَن ذَن ِبهِ إِن ٌ‬
‫ويقول في اكثر من موقع بالقرآن أنه سيسأل هؤلء المُكذّبين؛ فكيف يُثبِت السؤالَ مرة‪ ،‬وينفيه‬
‫مرة أخرى؟‬
‫ونقول لهؤلء‪ :‬أنتم تستقبلون القرآن بسطحية شديدة‪ ،‬فهذا الذي تقولون إنه تعارض إنما هو مجرد‬
‫ظاهر من المر‪ ،‬وليس تعارضا في حقيقة المر‪.‬‬
‫ونحن نعلم أن السؤال ـ أيّ سؤال ـ له ُمهِمتان‪ ،‬ال ُمهِمة الولى‪ :‬أن تعلم ما تجهل‪ .‬والمهمة‬
‫الثانية‪ :‬لتقرّ بما تعلم‪.‬‬
‫ل فهو ينفي أن أحدا سيُخبره بما ل يعلم سبحانه؛ وحين يثبت‬
‫والحق سبحانه حين ينفي سؤا ً‬
‫السؤال؛ فهذا يعني أنه سيسألهم سؤالَ القرار‪.‬‬
‫وهكذا نعلم أن القرآن إذا أثبت حدثا مرة ونفَاهُ مرة أخرى‪ ،‬فاعلم أن الجهة مُنفكّة‪ ،‬أي‪ :‬أن جهة‬
‫ل منهما لها معنًى مختلف‪.‬‬
‫النفي غَيْر جهة الثبات‪ ،‬وكُ ّ‬
‫وقوله هنا‪:‬‬
‫ج َمعِينَ } [الحجر‪.]92 :‬‬
‫{ َفوَرَ ّبكَ لَنَسْأَلَ ّن ُهمْ أَ ْ‬
‫عمّا‬
‫عمّا عملوا‪ .‬ثم يقول الحق سبحانه‪َ { :‬‬
‫ضلْ‪ ،‬والتابع والمتبوع سَيُسألون َ‬
‫يعني أن الضّال وال ُم ِ‬
‫كَانُواْ َي ْعمَلُونَ }‪.‬‬

‫(‪)1878 /‬‬
‫عمّا كَانُوا َي ْعمَلُونَ (‪)93‬‬
‫َ‬

‫والعمل كما نعلم هو اتجاه جارحة إلى مُتعلّقها؛ فجارحةُ العين مُتعلّقها أنْ ترى؛ وجارحةُ اللسان‬
‫مُتعلّقها أن تتكلم‪ ،‬وجارحةُ اليد إما أنْ تُربّت‪ ،‬وإما أنَ تبطشَ‪.‬‬
‫وهكذا ف ُكلّ ما تصنعه ملكَاتُ الدراك في النفس البشرية نُسمّيه عملً‪ .‬وسبق أن علمنا أن العمل‬
‫ينقسم إلى قول وفعل‪.‬‬
‫عمّا َت ْعمَلُونَ }[البقرة‪.]74 :‬‬
‫ويقول الحق سبحانه‪َ {:‬ومَا اللّهُ ِبغَا ِفلٍ َ‬
‫أي‪ :‬تذكّروا أن ال سبحانه وتعالى ل يغيب عنه شيء‪ ،‬وأن كل ما تعملونه يعلمه‪ ،‬وأنكم ملقونه‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يوم القيامة ومحتاجون إلى رحمته ومغفرته‪.‬‬
‫ويقول سبحانه من بعد ذلك‪ { :‬فَاصْ َدعْ ِبمَا ُت ْؤمَرُ‪.} ...‬‬

‫(‪)1879 /‬‬
‫فَاصْ َدعْ ِبمَا ُت ْؤمَرُ وَأَعْ ِرضْ عَنِ ا ْلمُشْ ِركِينَ (‪)94‬‬

‫أي‪ :‬افرغ ِلمُهمتك؛ فالصّدع تصنع شقا في متماسك‪ ،‬كما نشق زجاجا بالمشرط الخاص بذلك‪ ،‬أو‬
‫ونحن نصنع شقا في حائط‪ .‬والرسول صلى ال عليه وسلم قد جاء لِيشقّ الكفر ويهدم الفساد القوي‬
‫المتماسك الذي َيقْوي بقوة صناديد قريش‪.‬‬
‫ق في أيّ شيء من الممكن أنْ يلتئ َم إل‬
‫وقد شاع ذلك المصطلح " الصدع " في الزجاج؛ لن أيّ ش ّ‬
‫في الزجاج؛ لنه يصعب أن يجمع النسان الفتافيت والقطع الصغيرة التي تنتج من صدعه‪ ،‬وقد‬
‫جاء اليمان ليصدع بنيان الكفر والفساد المتماسك‪.‬‬
‫وقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ وَأَعْ ِرضْ عَنِ ا ْلمُشْ ِركِينَ } [الحجر‪.]94 :‬‬
‫أي‪ :‬أَعْطِهم عرض كتفيك‪ ،‬ول تسأل عنهم؛ َفهُم لن يُسلِموا لك‪ ،‬ذلك أنهم مستفيدون من الفساد‬
‫الذي جِ ْئتَ أنت لتهدمه‪ ،‬ولكنهم سيأتون لك تباعا بعد أن تتثبت دعوتُك‪ ،‬وتصل قلوبهم إلى تيقّن أن‬
‫ما جئتَ به هو الحق‪.‬‬
‫والمثَل هو إسلم خالد بن الوليد وعمرو بن العاص؛ فقد قال‪ " :‬لقد استقر المر لمحمد‪ ،‬ولم َتعُدْ‬
‫معارضتنا له تفيد أحدا " ‪ ،‬ودخلَ السلم‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك‪ { :‬إِنّا َكفَيْنَاكَ‪.} ...‬‬

‫(‪)1880 /‬‬
‫إِنّا َكفَيْنَاكَ ا ْل ُمسْ َتهْزِئِينَ (‪)95‬‬

‫فبعد أنْ قال له‪ {:‬وَأَعْ ِرضْ عَنِ ا ْلمُشْ ِركِينَ }[الحجر‪.]94 :‬‬
‫وبعد أن ثبت لكل مَنْ عاش تلك الفترة أن كل مُستهزيء بمحمد صلى ال عليه وسلم قد ناله عقاب‬
‫من السماء‪ .‬فها هو ذا الوليد بن المغيرة الذي يتبختّر في ثيابه؛ فيسير على قطعة من الحديد‪،‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فيأ َنفُ أن ينحنيَ لِيُخلّص ثوبه الذي اشتبك بقطعة الحديد؛ فتُجرح قدمه وتُصاب بالغرغرينا‬
‫ن يموتَ‪.‬‬
‫ويقطعونها له‪ ،‬ثم تنتشر الغرغرينا في ُكلّ جسده إلي أ ْ‬
‫وها هو الثاني السود بن عبد يغوث يُصاب بمرض في عينيه؛ ويُصاب بالعمَى‪ ،‬وكذلك الحارث‬
‫بن الطلطلة‪ ،‬والعاصي بن وائل‪.‬‬
‫وكل مستهزيء برسول ال صلى ال عليه وسلم قد ناله عقابٌ ما‪ ،‬ومَنْ لم ُتصِبْه عاهة أو آفة‬
‫صرعتْه سيوف المسلمين في بدر‪ ،‬لدرجة أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قد حدد المواقع التي‬
‫سيلْقى فيها كل واحد من صناديد قريش حَتْفه؛ فقال‪ :‬هنا مصرع فلن‪ ،‬وهناك مصرع فلن‪.‬‬
‫وقد أوضح صلى ال عليه وسلم تلك المواقع من قبل أن تبدأ المعركة‪ ،‬ونعلم أن الحرب تتطلب‬
‫كَرا وفَرا‪ ،‬ولكن ما تنبأ به رسول ال صلى ال عليه وسلم قد حدث بالضبط‪.‬‬
‫جعَلُونَ مَعَ اللّهِ‪.} ...‬‬
‫ويُحدّد الحق سبحانه نوعية هؤلء المستهزئين بقوله‪ { :‬الّذِينَ َي ْ‬

‫(‪)1881 /‬‬
‫س ْوفَ َيعَْلمُونَ (‪)96‬‬
‫جعَلُونَ مَعَ اللّهِ إَِلهًا َآخَرَ فَ َ‬
‫الّذِينَ َي ْ‬

‫أي‪ :‬أن هؤلء المشركين الذين َيهْزءون بك لهم عذابهم؛ ذلك أنهم أشركوا بال سبحانه‪ ،‬وحين‬
‫يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫سوْفَ َيعَْلمُونَ } [الحجر‪.]96 :‬‬
‫{ َف َ‬
‫ففي هذا القول استيعاب لكل الزمنة‪ ،‬أي‪ :‬سيعلمون الن ومن بعد الن‪ ،‬فكلمة " سوف " تتسع‬
‫لكل المراحل‪ ،‬فالحق سبحانه لم يأخذهم جميعا في مرحلة واحدة‪ ،‬بل أخذهم على فترات‪.‬‬
‫فحين يأخذ المُتطرّف في اليذاء؛ قد يرتدع مَنْ يُؤذِي‪ ،‬ويتراجع عن الستمرار في اليذاء‪ ،‬وقد‬
‫شدّته على رسول ال صلى ال عليه وسلم تصبح تلك‬
‫يتحوّل بعضهم إلى اليمان؛ فمَنْ كانت ِ‬
‫الشدة في جانب الرسول صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫ل واضح في عكرمة بن أبي جهل؛ ُيصَاب في موقعة اليرموك؛ فيضع رأسه على فَخذِ‬
‫وها هو الم َث ُ‬
‫خالد بن الوليد ويسأله‪ :‬يا خالد‪ ،‬أهذه ميتة تُرضِي عني رسول ال صلى ال عليه وسلم؟ فيرد‬
‫خالد‪ " :‬نعم "‪ .‬فيُسلِم الروح مُطْمئنا‪.‬‬
‫وهؤلء المستهزئون؛ قد أشركوا بال؛ فلم تنفعهم اللهة التي أشركوها مع ال شيئا‪ ،‬وحين يتأكد‬
‫لهم ذلك؛ َفهُمْ يتأكدون من صدق رسول ال صلى ال عليه وسلم فيما أبلغ عن الحق سبحانه‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك‪ { :‬وََلقَدْ َنعَْلمُ أَ ّنكَ‪.} ...‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫(‪)1882 /‬‬
‫وَلَقَدْ َنعْلَمُ أَ ّنكَ َيضِيقُ صَدْ ُركَ ِبمَا َيقُولُونَ (‪)97‬‬

‫ن يفعلَ كذا وكذا‪،‬‬
‫وفي هذا القول الكريم يتجلّى تقدير الحق سبحانه لمشاعر النبوة‪ ،‬فالحق يُكلّفه أ ْ‬
‫وسبحانه يعلم أيضا ما يعانيه صلى ال عليه وسلم في تنفيذ أوامر الحق سبحانه‪.‬‬
‫ورد هذا المعنى أيضا في قوله سبحانه‪ {:‬قَدْ َنعَْلمُ إِنّهُ لَيَحْزُ ُنكَ الّذِي َيقُولُونَ فَإِ ّنهُ ْم لَ ُيكَذّبُو َنكَ‬
‫جحَدُونَ }[النعام‪.]33 :‬‬
‫وَلَـاكِنّ الظّاِلمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَ ْ‬
‫حسْن الصدق عبر معايشتهم لك من قبل‬
‫فأنت يا رسولَ ال أكرم من أنْ تكذبَ‪ ،‬فقد شهدوا لك ب ُ‬
‫الرسالة‪.‬‬
‫وهنا يقول سبحانه‪:‬‬
‫ق صَدْ ُركَ ِبمَا َيقُولُونَ } [الحجر‪.]97 :‬‬
‫{ وََلقَدْ َنعْلَمُ أَ ّنكَ َيضِي ُ‬
‫ن ي ِقلّ الهواء الداخل عَبْر عملية التنفّس إلى الرئتين؛ فمن هذا الهواء‬
‫ومعنى ضيق الصدر أ ْ‬
‫سدَ‬
‫تستخلص الرئتان الوكسجين؛ وتطرد ثاني أوكسيد الكربون؛ ويعمل الكسجين على أنْ يُؤك ِ‬
‫الغذاء لِينتجَ الطاقة؛ فإنْ ضاق الصّدْر صارت الطاقة قليلة‪.‬‬
‫والمثَل يتضح ِلمَنْ يصعدون السّلّم العالي ليّ منزل أو أيّ مكان؛ ويجدون أنفسهم ينهجون؛‬
‫والسبب في هذا النهجَ هو أن الرئة تريد أنْ تُس ِرعِ بالتقاط كمية الهواء أكبر من تلك التي تصل‬
‫إليها‪ ،‬فيعمل القلب بشدة اكثر كي يُتيح للرئةِ أن تسحبَ كمية أكبر من الهواء‪.‬‬
‫ن يكون صدره واسعا فهو يسحب ما شاء من الهواء الذي يتيح للرئة أن تأخذَ الكمية التي‬
‫أما مَ ْ‬
‫تحتاجها من الهواء‪ ،‬فل ينهج صاحب الصدر الواسع‪.‬‬
‫صدْره‬
‫فكأن رسول ال صلى ال عليه وسلم حين كان يُكذّبه أحد‪ ،‬أو يستهزيء به أحد كان يضيق َ‬
‫فتضيق كمية الهواء اللزمة للحركة؛ ولذلك يُطمئِنه الحق سبحانه أن مَدَده له ل ينتهي‪.‬‬
‫وأنت تلحظ عملية ضيق الصدر في نفسك حين يُضايقك أحد فتثور عليه؛ فيقول لك‪ :‬لماذا يضيق‬
‫صدرك؟ وَسّع صدرك قليلً‪.‬‬
‫لمِ }[النعام‪:‬‬
‫ح صَدْ َرهُ لِلِسْ َ‬
‫والحق سبحانه يقول في موقع آخر‪َ {:‬فمَن يُرِدِ اللّهُ أَن َي ْهدِيَهُ َيشْرَ ْ‬
‫‪.]125‬‬
‫أي‪ :‬يُوسّع صدره‪ ،‬وتزداد قدرته على َفهْم المعاني التي جاء بها الدين الحنيف‪.‬‬
‫سمَآءِ }[النعام‪:‬‬
‫صعّدُ فِي ال ّ‬
‫ل صَدْ َر ُه ضَيّقا حَرَجا كَأَ ّنمَا َي ّ‬
‫ج َع ْ‬
‫ويقول أيضا‪َ {:‬ومَن يُ ِردْ أَن ُيضِلّهُ يَ ْ‬
‫‪.]125‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهنا نجد أن الحق سبحانه يشرح عملية الصعود وكأن فيها مجاهدةً ومكابدةً‪ ،‬وهذا يخالف المسألة‬
‫ت إلى أعلى وجدتَ الهواء اكثرَ نقاءً‪.‬‬
‫المعروفة بأنك إذا صعد َ‬
‫وقد ثبت أن النسان كلما صعد إلى أعلى في الفضاء فلن يجد هواء‪.‬‬
‫ويدلّ الحق سبحانه رسوله صلى ال عليه وسم على علج لمسألة ضيق الصدر حين يُحزنه أو‬
‫ح ْمدِ رَ ّبكَ‪.} ..‬‬
‫يؤلمه مُكذّب‪ ،‬أو مُسْتهزيء؛ فيقول سبحانه‪ { :‬فَسَبّحْ بِ َ‬

‫(‪)1883 /‬‬
‫ك َوكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ (‪)98‬‬
‫حمْدِ رَ ّب َ‬
‫فَسَبّحْ ِب َ‬

‫وهكذا يمكن أن ُتذْهب عنك أيّ ضيق‪ ،‬أن تسبح ال‪ .‬وإذا ما جافاكَ البِشْر أو ضايقك الخَلْق؛ فاعلم‬
‫أنك قادر على الُنْس بال عن طريق التسبيح؛ ولن تجد أرحم منه سبحانه‪ ،‬وأنت حين تُسبّح ربك‬
‫فأنت تُنزّهه عن ُكلّ شيء وتحمده‪ ،‬لتعيش في كَنَف رحمته‪.‬‬
‫ولذلك نجده سبحانه يقول في موقع آخر‪ {:‬فََل ْولَ أَنّهُ كَانَ مِنَ ا ْل ُمسَبّحِينَ * َللَ ِبثَ فِي َبطْنِهِ إِلَىا َيوْمِ‬
‫يُ ْبعَثُونَ }[الصافات‪.]144-143 :‬‬
‫ولذلك إذا ضاق صدرك في السباب فاذهب إلى المُسبّب‪.‬‬
‫ونحن دائما نقرن التسبيح بالحمد‪ ،‬فالتنزيه يكون عن النقائص في الذات أو في الصفات أو في‬
‫الفعال‪ ،‬وسبحانه كاملٌ في ذاته وصفاته وأفعاله‪ ،‬فذاتُه ل تُشْبِه أيّ ذات‪ ،‬وصفاته أزلية ُمطْلقة‪،‬‬
‫أما صفات الخَلْق فهي موهبة منه وحادثة‪.‬‬
‫جلّ وعَل يقول في مسألة التسبيح‪{:‬‬
‫وأفعال الحق ل حاكمَ لها إل مشيئته سبحانه‪ ،‬ولذلك نجده َ‬
‫سُ ْبحَانَ الّذِي خَلَق الَزْوَاجَ كُّلهَا‪[} ..‬يس‪.]36 :‬‬
‫وهو القائل‪َ {:‬فسُبْحَانَ اللّهِ حِينَ ُتمْسُونَ وَحِينَ ُتصْبِحُونَ }(الروم‪.]17 :‬‬
‫وكُلّ من المساء والصباح آية منه سبحانه؛ فحين تغيب الشمس‪ ،‬فهذا إذْنٌ بالراحة‪ ،‬وحين تصبح‬
‫الشمس فهذا إِذْنٌ بالنطلق إلى العمل‪ ،‬وتسبيح المخلوق للخالق هو المر الذي ل يشارك الَ فيه‬
‫أحدٌ من خَلْقه أبدا‪.‬‬
‫فكأن سَلْوى المؤمن حين تضيق به أسباب الحياة أنْ يفزَع إلى ربه من قسوة الخَلْق؛ ليجد الراحة‬
‫النفسية؛ لنه يَأْوي إلى ُركْن شديد‪.‬‬
‫ونجد بعضا من العارفين بال وهم يشرحون هذه القضية ليوجدوا عند النفس اليمانية عزاءً عن‬
‫جفْوة الخَلْق لهم؛ فيقولون‪ " :‬إذا أوحشك من خَلْقه فاعلم أنه يريد أن يُؤنسك به "‪.‬‬
‫َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وأنت حين تُسبّح ال فأنت ُتقِرّ بأن ذاته ليستْ كذاتِك‪ ،‬وصفاته ليست كصفاتك‪ ،‬وأفعاله ليست‬
‫عجْز وأغيار؛ أما‬
‫كأفعالك؛ وكل ذلك لصالحك أنت؛ فقدرتك وقدرة غيرك من البشر هي قدرة َ‬
‫قدرته سبحانه فهي ذاتية فيه ومُطْلقة وأَزلية‪ ،‬وهو الذي يأتيك بكُل النّعم‪.‬‬
‫ن يكونَ مثلك‪ ،‬والحمد ل‬
‫ولهذا فعليك أنْ تصحبَ التنزيه بالحمد‪ ،‬فأنت تحمد ربك لنه مُنزّه عن أ ْ‬
‫واجب في كل وقت؛ فسبحانه الذي خلق المواهب كلها لِتخ ُدمَك‪ ،‬وحين ترى صاحب موهبة‬
‫وتغبطه عليها‪ ،‬وتحمد ال أنه سبحانه قد وهبه تلك الموهبة؛ فخيْرُ تلك النعمة يصِل إليك‪.‬‬
‫وحين تُسبّح بحمد ال؛ فسبحانه ل يُخلِف وَعْده لك بكل الخير؛ َفكُلّنا قد نُخلِف الوعد رغما عَنّا‪،‬‬
‫حتَ ال وحمدته‪.‬‬
‫لننا أغيار؛ أما سبحانه فل يُخلِف وعده أبدا؛ ولذلك تغمرك النعمة كلما سبّ ْ‬
‫ج ْد امتثالً لمره تعالى‪:‬‬
‫وزِدْ خضوعا للمُ ْنعِم‪ ،‬فاس ُ‬
‫{ َوكُنْ مّنَ السّاجِدِينَ } [الحجر‪.]98 :‬‬
‫فالسجود هو المَظْهر الواسع للخضوع‪ ،‬ووجه النسان ـ كما نعلم ـ هو ما تظهر به الوجاهة؛‬
‫وبه تَ ْلقَى الناس؛ وهو أول ما تدفع عنه أيّ شيء يُلوّثه أو ينال من رضاك عنه‪.‬‬
‫ومَنْ يسجد بأرقى ما فيه؛ فهذا خضوع يُعطي عِزّة‪ ،‬ومَنْ يخضع ل شكرا له على نعمه فسبحانه‬
‫يعطيه من العزة ما يكفيه كل َأوْجُه السجود‪ ،‬وكُلّنا نذكر َقوْل الشاعر‪:‬وَالسّجـود الذِي تَـجتـوِيه‬
‫فِـيهِ مِـن أُلـوفِ السّـجـودِ نَـجـاةٌوالسجود هو قمة الخضوع للحق سبحانه‪ .‬والنسان يكره‬
‫لفظ العبودية؛ لن تاريخ البشرية حمل كثيرا من المظالم نتيجة عبودية البشر للبشر‪ .‬وهذا النوع‬
‫من العبودية يعطي ـ كما نعلم ـ خَيْر العبد للسيد؛ ولكن العبوديةَ ل تعطي خَيْره سبحانه للعباد‪،‬‬
‫وفي ذلك ِقمّة التكريم للنسان‪.‬‬
‫ويقول سبحانه من بعد ذلك‪ { :‬وَاعْبُدْ رَ ّبكَ‪.} ...‬‬

‫(‪)1884 /‬‬
‫وَاعْبُدْ رَ ّبكَ حَتّى يَأْتِ َيكَ الْ َيقِينُ (‪)99‬‬

‫ونعرف أن العبادة هي إطاعة العابد لوامر المعبود إيجابا أو سَلْبا‪ ،‬وتطبيق " افعل " و " ل تفعل "‬
‫‪ ،‬وكثيرٌ من الناس يظنون أن العبادة هي المور الظاهرية في الركان الخمسة من شهادة أن ل‬
‫إله إل ال‪ ،‬وإقامة الصلة؛ وإيتاء الزكاة؛ وصوم رمضان؛ وحِجّ البيت ِلمَن استطاع إليه سبيلً‪.‬‬
‫ونقول‪ :‬ل‪ ،‬فهذه هي الُسس التي تقوم عليها العبادة‪ .‬أي‪ :‬أنها البِنْية التي تقوم عليها بقية العبادة‪،‬‬
‫وهكذا تصبح العبادة هي‪ ،‬كُل ما ل يقوم الواجب إل به فهو واجب‪ ،‬أي‪ :‬أن حركة الحياة كلها ـ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫حتى كَنْس الشوارع‪ ،‬وإماطة الذى عن الطريق ـ هي عبادة‪ ،‬كل ما يُقصد به َنفْع الناس عبادة‪،‬‬
‫كي ل يصبح المسلمون عالة على غيرهم‪.‬‬
‫وفي إقامة الركان إظهارٌ لقوة المسلمين‪ ،‬حين يُظهِرون كامل الولء ل بإقامة الصلة خمس‬
‫مرات في اليوم الواحد‪ ،‬فيترك المسلم عمله َفوْر أنْ يسمع النداء بـ " ال أكبر " فيخرج المسلم‬
‫من صراعات الحياة‪ ،‬ويعلن الولء للخالق المنعم‪.‬‬
‫وحين يصوم المسلم شهرا في السنة؛ فهو يُعلِن الولء للخالق الكرم‪ ،‬ويصوم عن أشياء كثيرة‬
‫كانت مُبَاحة؛ وأوّل ما يأتي موعد المساك من قَبْل صلة الفجر بقليل؛ فهو يمتنع فورا‪.‬‬
‫وهذا المتثال لوامر الحق سبحانه يُذكّرك بنعمه عليك؛ فأنت في يومك العادي ل تقرب‬
‫المُحرّمات التي أخذتْ وقتا أثناء بدايات الدين إلى أن امتنع عنها المسلمون‪ ،‬فل أحدَ من المسلمين‬
‫يُفكّر في شُرْب الخمر؛ ول أحدَ منهم يُفكّر في لعب المَيْسِر‪ ،‬وانطبعتْ تلك المور؛ وصارتْ عادة‬
‫سلوكية في إلْف ورتَابة عند غالبية المسلمين ِممّنْ يُنفّذون شريعة ال‪ ،‬ويُطبّقون " افعل " و " ل‬
‫تفعل "‪.‬‬
‫وعندما يأتي الصوم فأنت تمتنع عن أشياء هي حلل لك طوال العالم‪ ،‬وتقضي أي نهار في‬
‫رمضان ونفسُك تستشرف سماع أذان المغرب لِتُفطر‪.‬‬
‫وهكذا تمتثل للمر بالمتناع والمساك والمر بالفطار‪ ،‬وذلك لِي ُعوّدك على الكثير من الطاعات‬
‫التي تصير عند المؤمنين عادةً؛ وسبحانه يريد أنْ يُديم عليك لذّة التكليف العبادي‪.‬‬
‫وبعْضٌ من الناس يذهبون مذاهب الخطأ عندما يفسرون بأهوائهم قوله الحق‪:‬‬
‫{ وَاعْبُدْ رَ ّبكَ حَتّىا يَأْتِ َيكَ الْ َيقِينُ } [الحجر‪.]99 :‬‬
‫ويقول الواحد من هؤلء مخادعا الغير " لقد وصلت إلى مرتبة اليقين " ‪ ،‬ويمتنع عن أداء‬
‫الفروض من صلة وصوم وزكاة وحِجّ إلى بيت ال الحرام رغم استطاعته‪ ،‬ويدّعِي أن التكليف‬
‫قد سقط عنه؛ لن اليقين قد وصله‪.‬‬
‫ظلّ‬
‫ونقول لمن يدّعي ذلك‪ :‬أَتُخادع ال ورسوله؟ وكُلّنا يعلم أن رسول ال صلى ال عليه وسلم َ‬
‫يُؤدّي الفرائض حتى آخر يوم في حياته‪ .‬وكُلّنا يعلم أن اليقين المُتفق عليه والمُتيقن من كل البشر‪،‬‬
‫ول خلفَ عليه أبدا هو الموت‪.‬‬
‫أما اليقين بالغيبيات فهو من خُصوصيات المؤمن؛ فما أنْ بلغه أمرها من القرآن فقد صَدّقها‪ ،‬ولم‬
‫يسأل كيف يتأتّى أمرُها‪ .‬والم َثلُ الواضح هو أبو بكر الصديق حينما كانوا يُحدّثونه بالمر الغريب‬
‫من رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فكان يقول " مادام قد قال فقد صدق "‪.‬‬
‫ك في كل شيء غيبيّ أو حتى ماديّ ما لم يكن محسوسا لديه‪،‬‬
‫أما الكافر ـ والعياذ بال ـ فهو يش ّ‬
‫ولكن ما أنْ يأتيه الموت حتى يعلمَ أنه اليقين الوحيد‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ولذلك نجد عمر بن عبد العزيز يقول‪ " :‬ما رأيت يقينا أشبه بالشكّ من يقين الناس بالموت "‪.‬‬
‫وكلنا نتيقن أننا سوف نموت؛ لكِنّا نُزحزِح مسألة اليقين هذه بعيدا عَنّا رَغْم أنها واقعةٌ ل محالةَ‪.‬‬
‫فإذا ما جاء الموت‪ ،‬نقول‪ :‬ها هي اللحظة التي ل ينفع فيها شيء إل عمل النسان إنْ كان مؤمنا‬
‫مُؤدّيا لحقوق ال‪.‬‬
‫ولذلك أقول دائما‪ :‬إن اليقين هو تصديق المر تصديقا مؤكدا‪ ،‬بحيث ل يطفو إلى الذهن لِيُناقش‬
‫من جديد‪ ،‬بعد أن تكون قد علمته من مصادر تثق بصدق ما تَبلغك به‪.‬‬
‫أما عَيْن اليقين؛ فهي التي ترى الحدث فتتيقّنه‪ ،‬أو هو أمر حقيقيّ يدخل إلى قلبك فَتُصدقه‪ ،‬وهكذا‬
‫يكون لليقين مراحل‪ :‬أمر تُصدّقه تَصديقا جازما فل يطفو إلى الذهن لِيُناقَش من جديد‪ ،‬وله‬
‫مصادر عِلْم ِممّنْ تثق بصدقه‪ ،‬أو‪ :‬إجماع من أناس ل يجتمعون على الكذب أبدا؛ وهذا هو " علم‬
‫اليقين "؛ فإنْ رأيتَ المر بعينيك فهذا هو حق اليقين‪.‬‬
‫والمؤمن يُرتّب تصديقه وتيقّنه على ما بلغه من رسول ال صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫وها هو المام عليّ ـ كرّم ال وجهه وأرضاه ـ يقول‪ " :‬ولو أن الحجاب قد انكشف عن المور‬
‫التي حدثنا بها رسول ال غيبا ما ازددتُ يقينا "‪.‬‬
‫" وها هو سيدنا حارثة ـ رضي ال عنه ـ يقول‪ " :‬كأنّي أنظر إلى أهل الجنة في الجنة يُنعّمون‪،‬‬
‫وإلى أهل النار في النار يُعذّبون‪ ،‬فيقول له رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬عرفت فالزم "‪.‬‬
‫وذلك هو اليقين كما آمنَ به صحابة رسول ال صلى ال عليه وسلم‪.‬‬

‫(‪)1885 /‬‬
‫عمّا يُشْ ِركُونَ (‪)1‬‬
‫أَتَى َأمْرُ اللّهِ فَلَا تَسْ َتعْجِلُوهُ سُ ْبحَانَ ُه وَ َتعَالَى َ‬

‫شكّ فيه ول‬
‫حكْمه بنصر الرسول والمؤمنين ل َ‬
‫هكذا تبدأ السورة الجليلة؛ مُوضّحةً أن قضاءَ ال و ُ‬
‫محَالة؛ وأن هزيمة أهل الكفر قادمة‪ ،‬ول مَفرّ منها إنْ هُم استمرّوا على الكفر‪.‬‬
‫وقد سبق أنْ أنذرهم الرسول صلى ال عليه وسلم بما نَزل عليه من آيات الكتاب؛ أنذرهم في‬
‫السورة السابقة ببعض العذاب الدنيوي‪ ،‬كنصر اليمان على الكفر‪ ،‬وأنذرهم مِنْ قَبْل أيضا ببعض‬
‫العذاب في الخرة‪ ،‬كقوْل الحق سبحانه‪ {:‬فَـِإمّا نُرِيَ ّنكَ َب ْعضَ الّذِي َنعِدُ ُهمْ َأوْ نَ َت َوفّيَ ّنكَ فَإِلَيْنَا‬
‫جعُونَ }[غافر‪.]77 :‬‬
‫يُرْ َ‬
‫جمْ ُع وَ ُيوَلّونَ الدّبُرَ }[القمر‪.]45 :‬‬
‫وكذلك قوله الحق‪ {:‬سَ ُيهْزَمُ ا ْل َ‬
‫وهكذا وعد الحق سبحانه رسوله صلى ال عليه وسلم أنْ يهزِم معسكر الكفر‪ ،‬وأنْ ينصرَ معسكر‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫اليمان؛ وإما أنْ يرى ذلك بعينيه أو إنْ قبض الحق أجلَه فسيراها في الخرة‪.‬‬
‫وعن حال الرسول صلى ال عليه وسلم قال سبحانه‪ {:‬إِنّا َكفَيْنَاكَ ا ْلمُسْ َتهْزِئِينَ }[الحجر‪.]95 :‬‬
‫وأنذر الحق سبحانه أهل الشرك بأنهم في جهنم في اليوم الخر‪ ،‬وهنا يقول سبحانه‪:‬‬
‫{ أَتَىا َأمْرُ اللّهِ } [النحل‪.]1 :‬‬
‫شقّ‬
‫وهذا إيضاحٌ بمرحلة من مراحل الخبار بما يُنذِرون به‪ ،‬كما قال مرة‪ {:‬اقْتَرَ َبتِ السّاعَ ُة وَان َ‬
‫ا ْل َقمَرُ }[القمر‪.]1 :‬‬
‫أي‪ :‬اقتربتْ ساعة القيامة التي يكون من بعدها حسابُ الخرة والعذاب ِلمَنْ كفر‪ ،‬والجنة ِلمَنْ آمنَ‬
‫وعمِل صالحا‪ ،‬فاقترابُ الساعة غَيْر مُخيف في ذاته‪ ،‬بل مُخيف ِلمَا فيه من الحساب والعقاب‪.‬‬
‫سمِعوا قول الحق سبحانه‪ {:‬اقْتَرَ َبتِ السّاعَةُ }[القمر‪.]1 :‬‬
‫وقيل‪ :‬إن أهلَ الكُفْر لحظة أنْ َ‬
‫قالوا‪ " :‬فلننتظر قليلً؛ فقد يكون ما يُبلّغ به محمد صحيحا " وبعد أن انتظروا بعضا من الوقت‪،‬‬
‫ولم تَ ْأتِ الساعة كما بَشّر الرسول الكريم صلى ال عليه وسلم قالوا‪ :‬انتظرنا ولم تَ ْأتِ الساعة‪،‬‬
‫فنزل قول الحق سبحانه‪ {:‬اقْتَ َربَ لِلنّاسِ حِسَا ُبهُمْ }[النبياء‪.]1 :‬‬
‫وهذا حديث عن المر الذي سيحدث فوْرَ قيام الساعة‪َ ،‬فهَادنُوا وانتظروا قليلً‪ ،‬ثم قالوا‪ :‬أيْنَ‬
‫الحساب إذن؟ فنزل قوله تعالى‪:‬‬
‫{ أَتَىا َأمْرُ اللّهِ‪[ } ..‬النحل‪.]1 :‬‬
‫سمِع ال ُكلّ ذلك فَزِعوا؛ بمن فيهم من المسلمين؛ وجاء السعاف في قوله من بعد ذلك‪:‬‬
‫وساعة َ‬
‫{ فَلَ َتسْ َتعْجِلُوهُ‪[ } ...‬النحل‪.]1 :‬‬
‫أي‪ :‬أن المر الذي يُعلنه محمد صلى ال عليه وسلم ل يعلم ميعادَه إل ال سبحانه؛ واطمأنّ‬
‫المسلمون‪.‬‬
‫وكُلّ حدث من الحداث ـ كما نعلم ـ يحتاج ُكلّ منها لظرفيْن؛ ظ ْرفِ زمانٍ؛ وظ ْرفِ مكان‪.‬‬
‫والفعال التي تدلّ على هذه الظروف إما ِفعْل مَاض؛ فظ ْرفُه كان قبل أن نتكلَم‪ ،‬وفعلٌ مضارع‪.‬‬
‫حلّ‪ ،‬إل إنْ كان مقرونا بـ " س " أو بـ " سوف "‪.‬‬
‫أي‪ :‬أنه َ‬
‫ن كان مقرونا بـ " س " أو في المستقبل غير المحدد‬
‫أي‪ :‬أن الفعل سيقع في مستقبل قريب إ ْ‬
‫والبعيد إن كان مسبوقا بـ " سوف " ‪ ،‬وهكذا تكون الفعال ماضيا‪ ،‬وحاضرا‪ ،‬ومستقبلً‪.‬‬
‫وكلمة (أتى) تدلّ على أن الذي يُخبرك به ـ وهو ال سبحانه ـ إنما يُخبِرك بشيء قد حدث قبل‬
‫الكلم‪ ،‬وهو يُخبِر به‪ ،‬والبشر قد يتكلّمون عن أشيا َء وقعتْ؛ ويُخبِرون بها بعضَهم البعض‪.‬‬
‫ولكن المتكلّم هنا هو الحقّ سبحانه؛ وهو حين يتكلّم بالقرآن فهو سبحانه ل ينقص عِلْمه أبدا‪ ،‬وهو‬
‫علم أَزَليّ‪ ،‬وهو قادر على أن يأتيَ المستقبل َوفْق ما قال‪ ،‬وقد أع ّد توقيت ومكان كُل شيء من‬
‫قبل أنْ يخلقَ؛ وهو سبحانه خالق من قبل أن يخلق أي شيء؛ فالخَلْق صفة ذاتية فيه؛ وهو مُنزّه‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫في كل شيء؛ ولذلك قال‪:‬‬
‫} أَتَىا َأمْرُ اللّهِ فَلَ َتسْ َتعْجِلُوهُ سُ ْبحَانَهُ { [النحل‪.]1 :‬‬
‫أي‪ :‬أنه العليمُ بزمن وقوع ُكلّ حدَث‪ ،‬وقد ثبت التسبيح له ذاتا من قَبْل أن يوجد الخَلْق؛ فهو‬
‫ل وَال ّنهَا َر لَ َيفْتُرُونَ }[النبياء‪.]20 :‬‬
‫القائل‪ {:‬يُسَبّحُونَ الّي َ‬
‫ثم خلق السماوات وخلق الرض وغيرهما‪.‬‬
‫أي‪ :‬أنه مُسبّح به من قَبْل خَلْق السماوات والرض‪ ،‬وهو القائل سبحانه‪ {:‬سَبّحَ لِلّهِ مَا فِي‬
‫سمَاوَاتِ َومَا فِي الَ ْرضِ }[الحشر‪.]1 :‬‬
‫ال ّ‬
‫ت َومَا‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫ولكن هل انتهى التسبيح؟ ل‪ ،‬بل التسبيح مُستمِرّ أبدا‪ ،‬فهو القائل‪ُ {:‬يسَبّحُ لِلّهِ مَا فِي ال ّ‬
‫فِي الَ ْرضِ }[الجمعة‪.]1 :‬‬
‫إذن‪ :‬فقد ثبتتْ له " السّ ْبحَانية " في ذاته‪ ،‬ثم وجد الملئكة يُسبّحون الليلَ والنها َر ول يفترُون‪ ،‬ثم‬
‫خلق السماء والرض‪ ،‬فسبّح ما فيهما وما بينهما؛ وجاء خَلْقه يُسبّحون أيضا ـ فيا مَنْ آمنتَ بال‬
‫إلها سَبّح كما سَبّحَ ُكلّ الكون‪.‬‬
‫ولقائل أنْ يسألَ‪ :‬وما علقة " سبحانه وتعالى " بما يُشرِكون؟ ونعلم أنهم أشركوا بال آله ًة ل‬
‫تُكلّفهم بتكليف تعبّدي‪ ،‬ولم تُنزِل منهجا؛ بل تُحلّل لهم ُكلّ مُحرّم‪ ،‬وتنهاهم عن بعضٍ من الحلل‪،‬‬
‫وتخلوْا بذلك عن اتباع ما جاء به الرّسل مُبلّغين عن ال من تكليف يحمل مشقّة اليمان‪.‬‬
‫وهؤلء هم مَنْ سيلقوْنَ ال‪ ،‬وتسألهم الملئكة‪ :‬أين هم الشركاء الذين عبدتموهم مع ال؟ ولن يدفَع‬
‫عنهم أحدٌ َهوْلَ ما يلقونه من العذاب‪.‬‬
‫وهكذا تع ّرفْنا على أن تنزيه ال سبحانه وتعالى ذاتا وصفاتا وأفعالً هو أمر ثابتٌ له قَبْل أنْ يُوجَد‬
‫شيء‪ ،‬وأمرٌ قد ثبت له بعد الملئكة‪ ،‬وثبتَ له بعد وجود السماوات والرض‪ .‬وهو أمر طلب ال‬
‫من العبد المُخيّر أن يفعله؛ وانقسم العبادُ قسمين‪ ،‬قِسْم آمن وسبّح‪ ،‬وقِسْم له يُسبّح فتعالى عنهم‬
‫الحق سبحانه لنهم ُمشْركون‪.‬‬
‫ويقول سبحانه من بعد ذلك‪ } :‬يُنَ ّزلُ ا ْلمَل ِئكَةَ‪.{ ...‬‬

‫(‪)1886 /‬‬
‫يُنَ ّزلُ ا ْلمَلَا ِئكَةَ بِالرّوحِ مِنْ َأمْ ِرهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَا ِدهِ أَنْ أَ ْنذِرُوا أَنّهُ لَا إِلَهَ إِلّا أَنَا فَا ّتقُونِ (‪)2‬‬

‫وساعة نقرأ قوله { يُنَ ّزلُ } فالكلمة تُوحِي وتُوضّح أن هناك عُلوا يمكن أن ين ِزلَ منه شيء على‬
‫حبّ أنْ أضربه هنا لوضحَ هذا المر هو َقوْل الحق سبحانه‪ُ {:‬قلْ َتعَاَلوْاْ أَ ْتلُ‬
‫أسفل‪ .‬والمَثلُ الذي أُ ِ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫مَا حَرّمَ رَ ّبكُمْ }[النعام‪.]151 :‬‬
‫أي‪ :‬أقبلوا لتسمعوا مِنّي التكليفَ الذي نزل لكم ِممّنْ هو أعلى منكم‪ ،‬ول تظلّوا في حضيض‬
‫الرض وتشريعاتها‪ ،‬بل تَساموا وخُذوا المر ِممّنْ ل هَوى لَه في أموركم‪ ،‬وهو الحق العلى‪.‬‬
‫أما مَنْ ينزلون َفهُم الملئكة‪ ،‬ونعلم أن الملئكة خَلْق غيبيّ آمنّا به؛ لن ال سبحانه قد أخبرنا‬
‫بوجودهم‪ .‬وكُلّ ما غاب عن الذّهْن ودليله السماع ِممّنْ تثق بصدقه‪ ،‬وقد أبلغنا صلى ال عليه‬
‫وسلم ما نزلَ به القرآن وأنبأنا بوجود الملئكة‪ ،‬وأن الحق سبحانه قد خلقهم؛ ورغم أننا ل نراهم‬
‫إل أننا نُصدّق ما جاء به البلغ عن الحق من الصادق الصّدُوق محمد صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫وحين يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ يُنَ ّزلُ ا ْلمَل ِئكَةَ بِالْرّوحِ مِنْ َأمْ ِرهِ عَلَىا مَن َيشَآءُ مِنْ عِبَا ِدهِ } [النحل‪.]2 :‬‬
‫فنحن نعلم أنه ل يمكن أنْ ينزلَ شيءٌ من أعلى إلى الدْنى إل بواسطة المُقربات‪ .‬وقد اختار الحق‬
‫سبحانه ملكا من الملئكة لِيُبلّغ رُسُله بالوحي من ال‪ ،‬والملئكة كما أخبرنا الحق سبحانه‪ {:‬عِبَادٌ‬
‫ل وَهُمْ بَِأمْ ِرهِ َي ْعمَلُونَ }[النبياء‪.]27-26 :‬‬
‫ّمكْ َرمُونَ * لَ يَسْ ِبقُونَهُ بِا ْل َقوْ ِ‬
‫ويقول في آية أخرى‪ {:‬لّ َي ْعصُونَ اللّهَ مَآ َأمَرَهُمْ وَيَ ْفعَلُونَ مَا ُي ْؤمَرُونَ }[التحريم‪.]6 :‬‬
‫ب إلى‬
‫وهم من نور‪ ،‬ول تصيبهم الغيار‪ ،‬ول شهوةَ لهم فل يتناكحون ول يتناسلون؛ وهم أقر ُ‬
‫صفَاء‪ .‬وهم مَنْ يُمكِنهم التلقّي من العلى ويبلغون الَدْنى‪.‬‬
‫ال ّ‬
‫لمِينُ }[الشعراء‪.]193 :‬‬
‫حاَ‬
‫ولذلك نجد الحق سبحانه يقول عن القرآن‪ {:‬نَ َزلَ ِبهِ الرّو ُ‬
‫وهنا يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ يُنَ ّزلُ ا ْلمَل ِئكَةَ } [النحل‪.]2 :‬‬
‫ل َومِنَ‬
‫طفِي مِنَ ا ْلمَلَ ِئكَةِ رُسُ ً‬
‫صَ‬
‫والية الجمالية التي تشرح ذلك هو َق ْولُ الحق سبحانه‪ {:‬اللّهُ َي ْ‬
‫سمِيعٌ َبصِيرٌ }[الحج‪.]75 :‬‬
‫النّاسِ إِنّ اللّهَ َ‬
‫أي‪ :‬أنه سبحانه يختار ملئكة قادرين على التلقّي منه لِ ُيعْطوا المصطفين من الناس؛ لِيُبلّغ هؤلء‬
‫ال ُمصْطفين عن ال لبقية الناس‪.‬‬
‫لدْنى طاقة ليتحمّل ما تتنزّل به المور العُلْوية مباشرة‬
‫ذلك أن العُلْويات العالية ل يملك الكائن ا َ‬
‫من الحق سبحانه‪.‬‬
‫وسبق أنْ شبّهتْ ذلك بالمُحوّل الذي نستخدمه في الكهرباء لينقل من الطاقة العالية إلى الَدْنى من‬
‫المصابيح‪ " ،‬وكُلّنا يعلم ما حدث للرسول صلى ال عليه وسلم حين تلقّى الوحي عبر جبريل عليه‬
‫السلم " فَضمّني حتى بلغ مِنّي الجهد " وتفصد جبينه الطاهر عرقا‪ ،‬وعاد إلى بيته ليقول "‬
‫زملوني زملوني " و " دثروني دثروني "‪.‬‬
‫ذلك أن طاقة عُلْوية نزلت على طاقة بشرية‪ ،‬على الرغم من أن طاقة رسول ال هي طاقة‬
‫ُمصْطفاة‪ .‬ثم يألف الرسول الوحي وتخفّ عنه مِثْل تلك العباء‪ ،‬وينزل عليه قوله الحق‪:‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ظهْ َركَ * وَ َر َفعْنَا َلكَ ِذكْ َركَ * فَإِنّ‬
‫ك وِزْ َركَ * الّذِي أَنقَضَ َ‬
‫{ أََلمْ نَشْرَحْ َلكَ صَدْ َركَ * َو َوضَعْنَا عَن َ‬
‫مَعَ ا ْلعُسْرِ ُيسْرا * إِنّ َمعَ ا ْلعُسْرِ ُيسْرا }[الشرح‪.]6-1 :‬‬
‫ثم يفتر الوحي لبعض من الوقت لدرجة أن النبي صلى ال عليه وسلم يشتاق إليه‪ ،‬فلماذا اشتاق‬
‫للوحي وهو مَنْ قال " دثّروني دثّروني "؟‬
‫ن يتعوّد محمد صلى ال عليه وسلم على متاعب نُزول المَلَك؛ فتزولُ‬
‫لقد كان فُتور الوحي بسبب أ ْ‬
‫متاعب اللتقاء وتبقى حلوة ما يبلغ به‪.‬‬
‫وقال بعض من الغبياء‪ " :‬إن ربّ محمد قد قله "‪.‬‬
‫س ْوفَ ُي ْعطِيكَ‬
‫ن الُولَىا * وَلَ َ‬
‫ك َومَا قَلَىا * وَلَلخِ َرةُ خَيْرٌ ّلكَ مِ َ‬
‫عكَ رَ ّب َ‬
‫فينزل قوله سبحانه‪ {:‬مَا وَدّ َ‬
‫رَ ّبكَ فَتَ ْرضَىا }[الضحى‪.]5-3 :‬‬
‫ن متعددة‪ ،‬فهي مرّة الروح التي بها الحياة في المادة ليحدث‬
‫وكلمة الروح وردتْ في القرآن بمعَا ٍ‬
‫جدِينَ }[الحجر‪.]29 :‬‬
‫ختُ فِيهِ مِن رّوحِي َفقَعُواْ لَهُ سَا ِ‬
‫سوّيْتُ ُه وَنَفَ ْ‬
‫بها الحسّ والحركة‪ {:‬فَإِذَا َ‬
‫ث للمؤمن والكافر‪ ،‬وهناك رُوح ُأخْرى تعطي حياةً أعلى من الحياة‬
‫وهذا النفْخ في المادة يحد ُ‬
‫الموقوتة‪ {:‬وَإِنّ الدّارَ الخِ َرةَ َل ِهيَ الْحَ َيوَانُ َلوْ كَانُواْ َيعَْلمُونَ }[العنكبوت‪.]64 :‬‬
‫إذن‪ :‬فالملئكة تنزل بالبلغ عن ال بما فيه حياة أَرْقى من الحياة التي نعيش بها ونتحرّك على‬
‫الرض‪ .‬وهكذا تكون هناك رُوحان ل روحٌ واحدة؛ رُوح للحِسّ والحركة؛ وروح تُعطي القِيم‬
‫التي تقودنا إلى حياة أخرى أَرْقى من الحياة التي نحياها؛ حياةٌ ل فناءَ فيها‪.‬‬
‫ولذلك يُسمّى الحق سبحانه القرآن روحا؛ فيقول‪َ {:‬وكَذَِلكَ َأ ْوحَيْنَآ إِلَ ْيكَ رُوحا مّنْ َأمْرِنَا مَا كُنتَ‬
‫ب َولَ الِيمَانُ }[الشورى‪.]52 :‬‬
‫تَدْرِي مَا ا ْلكِتَا ُ‬
‫لمِينُ * عَلَىا‬
‫ويُسمّى الحق سبحانه المَلكَ الذي ينزل بالقرآن روحا‪ ،‬فيقول‪ {:‬نَ َزلَ بِهِ الرّوحُ ا َ‬
‫قَلْ ِبكَ لِ َتكُونَ مِنَ ا ْلمُنْذِرِينَ }[الشعراء‪.]194-193 :‬‬
‫ويشرح الحق سبحانه أن القرآن روحٌ تعطينا حياةً أَرْقى‪ ،‬فيقول‪ {:‬ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ اسْ َتجِيبُواْ للّهِ‬
‫وَلِلرّسُولِ ِإذَا دَعَاكُم ِلمَا ُيحْيِيكُمْ }[النفال‪.]24 :‬‬
‫خوْف أن تفقد النعمة أو تذهب عنك‬
‫ت فيها ول َ‬
‫أي‪ :‬يدخل بكم إلى الحياة البدية التي ل موْ َ‬
‫النعمةُ‪.‬‬
‫وهنا يُبلّغنا سبحانه أن القرآن ينزل مع الملئكة‪:‬‬
‫} يُنَ ّزلُ ا ْلمَل ِئكَةَ بِالْرّوحِ مِنْ َأمْ ِرهِ { [النحل‪.]2 :‬‬
‫أي‪ :‬تنزيلً صادرا بأمره سبحانه‪ ،‬ويقول الحق سبحانه في موقع آخر‪ {:‬لَهُ ُم َعقّبَاتٌ مّن بَيْنِ َيدَيْهِ‬
‫حفَظُونَهُ مِنْ َأمْرِ اللّهِ }[الرعد‪.]11 :‬‬
‫َومِنْ خَ ْلفِهِ يَ ْ‬
‫والسّطْحيون ل يلتفتون إلى أنّ معنى‪ {:‬مِنْ َأمْرِ اللّهِ }[الرعد‪.]11 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫هنا تعني أنهم يحفظُونه بأمر من ال‪.‬‬
‫والمر هنا في الية ـ التي نحن بصدد خواطرنا عنها ـ هو ما جاء في الية الولى منها‪ {:‬أَتَىا‬
‫َأمْرُ اللّهِ فَلَ تَسْ َتعْجِلُوهُ }[النحل‪.]1 :‬‬
‫وهذا المر هو نتيجة ِلمَا يشاؤه ال من حياة للناس على الرض‪ ،‬ونعلم أن الحق سبحانه له أوامر‬
‫شيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن‬
‫مُتعدّدة يجمعها إبراز المعدوم إلى الوجود؛ فهو سبحانه القائل‪ {:‬إِ ّنمَا َقوْلُنَا ِل َ‬
‫ّنقُولَ لَهُ كُنْ فَ َيكُونُ }‬
‫[النحل‪.]40 :‬‬
‫ن فيكون‪ ،‬وإذا أراد منهجا؛ فهو يُنزله‪ ،‬وإذا أراد حسابا‬
‫فإذا شاء أمرا جزئيا فهو يقول له‪ :‬كُ ْ‬
‫وعقابا وساعةً؛ فهو القائل } أَتَىا َأمْرُ اللّهِ { وهكذا نفهم أن معنى } َأمْرُ اللّهِ { هو } كُنْ فَ َيكُونُ‬
‫{ أي‪ :‬إخراج المعدوم إلى حَيّز الوجود؛ سواء أكان معدوما جزئيا‪ ،‬أو معدوما كليا‪ ،‬أو معدوما‬
‫أزليا‪.‬‬
‫وكُلّ ذلك اسمه أمر‪ ،‬ولحظةَ أنْ يأمرَ ال؛ فنحن نَ ِثقُ أن مأمور ال يبرز؛ ولذلك قال سبحانه‪ {:‬إِذَا‬
‫حقّتْ }[النشقاق‪.]2-1 :‬‬
‫ش ّقتْ * وََأذِ َنتْ لِرَ ّبهَا وَ ُ‬
‫سمَآءُ ان َ‬
‫ال ّ‬
‫أي‪ :‬أنها لم تسمع المر فقط؛ بل نفّذتْه َفوْر صدوره؛ دون أَدْنى ذرة من تخلّف‪ ،‬فأمْر ال يُنفّذ َفوْر‬
‫صدوره من الحق سبحانه‪ ،‬أما َأمْر البشر فهو عُ ْرضَة لنْ يُطَاع‪ ،‬وعُ ْرضَة لنْ يُعصَى‪.‬‬
‫وسبحانه يُنزّل الملئكة بالرّوح على مَنْ يشاء لِيُنذِروا؛ ولم يَ ْأتِ الحق سبحانه بالبشارة هنا؛ لن‬
‫الحديث مُوجّه للكفار في قوله‪ {:‬أَتَىا َأمْرُ اللّهِ فَلَ تَسْ َت ْعجِلُوهُ‪[} ...‬النحل‪.]1 :‬‬
‫ونزّه ذاته قائلً‪:‬‬
‫عمّا ُيشْ ِركُونَ { [النحل‪.]1 :‬‬
‫} سُبْحَانَهُ وَ َتعَالَىا َ‬
‫أو‪ :‬أن الحق يُنبّه رسوله‪ ،‬إنْ دخلتَ عليهم فُفسّر لهم مُ ْبهَم ما ل يعرفون‪ .‬وهم ل يعرفون كيفية‬
‫ن يصطفي‪.‬‬
‫الصطفاء‪ .‬وهو الحق العلم بمَ ْ‬
‫علَمُ‬
‫ومشيئته الصطفاء والجتباء والختيار إنما ت ِت ّم بمواصفات الحق سبحانه؛ فهو القائل‪ {:‬اللّهُ أَ ْ‬
‫ج َعلُ ِرسَالَتَهُ‪[} ...‬النعام‪.]124 :‬‬
‫حَ ْيثُ َي ْ‬
‫جلٍ مّنَ ا ْلقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ }[الزخرف‪:‬‬
‫علَىا رَ ُ‬
‫وعُلِم أن الكافرين قد قالوا‪َ {:‬ل ْولَ نُ ّزلَ هَـاذَا ا ْلقُرْآنُ َ‬
‫‪.]31‬‬
‫ح َمتَ رَ ّبكَ }[الزخرف‪.]32 :‬‬
‫سمُونَ َر ْ‬
‫وقال الحق سبحانه في َردّه عليهم‪ {:‬أَ ُهمْ َيقْ ِ‬
‫فإذا كان الحق سبحانه قد َقسّم بين الخَلْق أرزاقهم في معيشتهم المادية؛ وإذا كان سبحانه قد رفع‬
‫بعضهم فوق َبعْض درجات؛ وهو مَنْ يجعل المرفوع مخفوضا؛ ويجعل المخفوضَ مرفوعا‪ ،‬فكيف‬
‫يأتي هؤلء في المور القِيَميّة المُتعلّقة بالروح وبالمنهج‪ ،‬ويحاولون التعديل على ال؛ ويقولون "‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫نريد فلنا ول نريد فلنا "؟‬
‫ت لهؤلء أمر الوحي‪ ،‬فعليك أنْ تُبلّغهم كلمة‬
‫أو‪ :‬أن الحق سبحانه يوضّح لرسوله‪ :‬بعد أنْ شرح َ‬
‫ال‪:‬‬
‫} لَ إِلَـاهَ ِإلّ أَنَاْ فَا ّتقُونِ { [النحل‪.]2 :‬‬
‫وما دام ل يوجد إلهٌ آخر فعلى الرسول أن يُسْدِي لهم النصيحة؛ بأن يقصروا على أنفسهم حَيْرة‬
‫البحث عن إله‪ ،‬ويُوضّح لهم أنْ ل إله إل هو؛ وعليهم أنْ يتقوه‪.‬‬
‫ت ورفضتْ ُكفْر‬
‫خلْق‪ ،‬وهو الحق الذي منع الكائنات التي تعجب ْ‬
‫وفي هذا حنان من الحق على ال َ‬
‫َب ْعضٍ من البشر بال؛ وطلبتْ أن تنتقمَ من النسان‪ ،‬وقال لهم‪ " :‬لو خلقتموهم لرحمتموهم‪ ،‬دَعُوني‬
‫وخَلْقي؛ إنْ تابوا إليّ فأنا حبيبُهم؛ وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم "‪.‬‬
‫وقَوْل الحق سبحانه‪:‬‬
‫} أَنْ أَنْذِرُواْ أَنّهُ لَ إِلَـاهَ ِإلّ أَنَاْ فَا ّتقُونِ { [النحل‪.]2 :‬‬
‫هو جماعُ عقائدِ السماء للرض؛ وجماعُ التعبّداتِ التي طلبها ال من خَلْقه لِيُنظّم لهم حركة الحياة‬
‫مُتساند ًة ل مُتعاندةً‪.‬‬
‫فكأن‪:‬‬
‫} أَنْ أَنْذِرُواْ أَنّهُ لَ إِلَـاهَ ِإلّ أَنَاْ فَا ّتقُونِ { [النحل‪.]2 :‬‬
‫هي تفسيرٌ ِلمَا أنزله ال على الملئكة من الرّوح التي قُلْنا من قبل‪ :‬إنها الروح الثانية التي َيجِيء‬
‫بها الوَحْي؛ وتح ِملُ منهجَ ال ليضمن لِ ْلمُعتنِق حياة ل يزول نَعيمها ول المُتنعّم بها؛ وهي غَيْر‬
‫الروح الولى التي إذا نفخها الحق في النسان‪ ،‬فالحياة تدبّ فيه حركةً وحِسا ولكنها إلي الفناء‪.‬‬
‫وكأن الحق سبحانه من رحمته بخَلْقه أن أنزلَ لهم المنهج الذي يهديهم الحياة الباقية بدلً من أنْ‬
‫يظلّوا َأسْرى الحياة الفانية وحدها‪.‬‬
‫ومن رحمته أيضا أن حذرهم من المصير السيئ الذي ينتظر مَنْ يكفر به؛ ومثل هذا التحذير ل‬
‫يصدر إل مِنْ مُحبّ؛ فسبحانه ُيحِب خَلْقه‪ ،‬ويُحِب منهم أنْ يكونوا إليه مخلصين مؤمنين‪ ،‬ويحب‬
‫لهم أنْ ينعموا في آخرة ل أسبابَ فيها؛ لنهم سيعيشون فيها بكلمة " كُنْ " من المُسبّب‪.‬‬
‫فإذا قال لهم } أَنّ ُه لَ إِلَـاهَ ِإلّ أَنَاْ‪[ { ..‬النحل‪ ]2 :‬فهو يُوضّح أنه ل إله غيره‪ ،‬فل تشركوا بي‬
‫شيئا‪ ،‬ول تكذبوا الرسل وعليكم بتطبيق منهجي الذي يُنظّم حياتكم وأُجازي عليه في الخرة‪.‬‬
‫وإياكم أنْ تغترّوا بأنّي خلقتُ السباب مُسخرة لكم؛ فأنا أستطيع أن أقبض هذه السباب؛ فقد أردتُ‬
‫الحياة بلءً واختبارا؛ وفي الخرة ل سُلْطان للسباب أبدا‪ّ {:‬لمَنِ ا ْلمُ ْلكُ الْ َيوْمَ لِلّهِ ا ْلوَاحِدِ ا ْل َقهّارِ }‬
‫[غافر‪.]16 :‬‬
‫وظاهر المر أن المُلْك ل في الخرة‪ ،‬والحقيقة أن المُلْك ل دائما في الدنيا وفي الخرة؛ ولكنه‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫شاء أنْ يجعلَ السباب ـ المخلوقة بمشيئته ـ تستجيب للنسان؛ فإياك أنْ تظنّ أنك أصبحتَ‬
‫ن يوجدَ نظامٌ يحكم‬
‫قادرا؛ فأنت في الحياة تملك أشياء‪ ،‬ويملكك مَلِك أو حاكم مثلك؛ فسُنّة الكون أ ْ‬
‫الجميع‪.‬‬
‫ولكن الخرة يختلف المر فيها؛ فل مُ ْلكَ لحدٍ غير ال‪ ،‬بل إن العضاء نفسها ل تسير بإرادة‬
‫حكْمَ لك عليها‬
‫أصحابها بل بإرادة الحق‪ ،‬تلك العضاء التي كانت تخضع لمشيئتك في الدنيا؛ ل ُ‬
‫في الخرة‪ ،‬بل ستكون شاهدة عليك‪.‬‬
‫فإن كان ال قد أعطاك القدرة على تحريك العضاء في الدنيا‪ ،‬فإنْ وجّهتها إلى مأمور ال؛ فأنت‬
‫من عباده‪ ،‬وإنْ لم تُوجهها إلى مطلوب ال‪ ،‬فأنت من عبيده‪.‬‬
‫وبعد ذلك يُقدّم لك سبحانه الحيثية التي تُعزّز أمره بعبادته وحده‪ ،‬وأنْ ل إله غيره؛ فإنه لم يطلب‬
‫أن نعبده إل بعد أنْ خلق لنا السماوات والرض؛ وكل الكون ال ُمعَد لستقبال النسان بالحق؛ أي‬
‫بالشيء الثابت؛ والقانون الذي ليس في اختيار أحد سواه سبحانه‪.‬‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضَ‪.{ ...‬‬
‫ويقول سبحانه‪ } :‬خَلَقَ ال ّ‬

‫(‪)1887 /‬‬
‫عمّا يُشْ ِركُونَ (‪)3‬‬
‫حقّ َتعَالَى َ‬
‫ت وَالْأَ ْرضَ بِالْ َ‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫خََلقَ ال ّ‬

‫عمّا يشركون معه من آلهة‪ ،‬فل أحدَ قد ساعده في خَلْق الكون وإعداده؛ فكيف‬
‫أي‪ :‬تنزّه سبحانه َ‬
‫تجعلون أنتم معه آلهة غيره؟ وسبحان مُنزّه عن أنْ يكون معه آلهة أخرى‪ ،‬وسبحانه قد خلق لنَا‬
‫من قبل أن يخلقنا؛ خلق السماوات والرض وقدّر الرزاق‪ ،‬ولو نظرتَ إلى خَلْقك أنت لوجدت‬
‫سكُمْ َأفَلَ تُ ْبصِرُونَ }[الذاريات‪.]21 :‬‬
‫العَالَم الكبير قد انطوى فيك؛ وهو القائل‪َ {:‬وفِي أَنفُ ِ‬
‫وأنت مخلوق من ماذا؟‬
‫ها هو الحق سبحانه يقول‪ { :‬خَلَقَ الِنْسَانَ‪.} ....‬‬

‫(‪)1888 /‬‬
‫خصِيمٌ مُبِينٌ (‪)4‬‬
‫طفَةٍ فَإِذَا ُهوَ َ‬
‫خََلقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُ ْ‬

‫والنطفة التي نجيء منها‪ ،‬وهي الحيوان المَنَويّ الذي يتزاوج مع البويضة الموجودة في رَحم‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫طفَةً مّن مّ ِنيّ‬
‫سدًى * أَلَمْ َيكُ نُ ْ‬
‫سبُ الِنسَانُ أَن يُتْ َركَ ُ‬
‫حَ‬
‫المرأة فتنتج العلقة‪ ،‬وسبحانه القائل‪ {:‬أَيَ ْ‬
‫ج َعلَ مِنْهُ ال ّزوْجَيْنِ ال ّذكَ َر وَالُنثَىا }[القيامة‪.]39-36 :‬‬
‫سوّىا * فَ َ‬
‫ُيمْنَىا * ثُمّ كَانَ عََلقَةً َفخَلَقَ فَ َ‬
‫بل إن القَذْفة الواحدة من الرجل قد يوجد فيها من النسال ما يكفي خَلْق المليين؛ ول يمكن للعين‬
‫المُجرّدة أنْ ترى الحيوان المنويّ الواحد نظرا لِدقّته المتناهية‪.‬‬
‫وهذه الدقّة المُتناهية ل يمكن أنْ تُرى إل بالمجاهر ال ُمكّبرة‪ ،‬ومطمور في هذا الحيوان المنويّ كُل‬
‫الخصائص التي تتحد مع الخصائص المَطْمورة في بُويْضة المرأة ليتكوّن النسان‪.‬‬
‫وقد صدق العقاد ـ يرحمه ال ـ حين قال‪ " :‬إن نصف كستبان الخياطة لو مُلِيء بالحيوانات‬
‫المنوية َلوُلِد منه أنسال تتساوى مع تعداد البشر كلهم "‪.‬‬
‫ن المنويّ القوي؛ لِيُؤكّد لنا أن ل بقا ّء إل‬
‫وقد شاء الحق سبحانه أل ينفُذَ إلى البويضة إل الحيوا ُ‬
‫للصلح‪ ،‬فإنْ كان الحيوان المنويّ يحمل الصفات الوراثية لميلد أنثى جاء المولد أنثى؛ وإنْ كان‬
‫يحمل الصفات الوراثية لميلد ال ّذكَر جاء المولود ذكرا‪.‬‬
‫وأنت ترى مِثْل ذلك في النبات؛ فأوّل حبّة قمح كانت مثل آدم كأول إنسان بالطريقة التي نعرفها؛‬
‫وفي تلك الحبّة الولى أوجد الحق سبحانه مضمون كل حبوب القمح من بعد ذلك‪ ،‬وإلى أنْ تقومَ‬
‫الساعة‪ ،‬وتلك عظمةُ الحق سبحانه في الخَلْق‪.‬‬
‫وقد أوضح لنا الحق سبحانه في اكثر من موضع بالقرآن الكريم مراحل خَلْق النسان؛ فهو‪ {:‬مّن‬
‫مّآءٍ ّمهِينٍ }[السجدة‪.]8 :‬‬
‫وهو من نطفة‪ ،‬ومن علقة‪ ،‬ثم مضغة مُخلّقة وغير مُخلّقة‪.‬‬
‫والحيوان المنويّ المُسمّى " نُطْفة " هو الذي يحمل خصائص النوثة أو الذكورة كما أثبت العلم‬
‫الحديث‪ ،‬وليس للمرأة شَأْنٌ بهذا التحديد‪ ،‬وكأن في ذلك إشارةً إلى مهمة المرأة كسكَنٍ؛ لن‬
‫البُويْضة تتلقّى الحيوان المنويّ وتحتضنه؛ ليكتمل النمو إلي أنْ يصير كائنا بشريا‪ {:‬فَتَبَا َركَ اللّهُ‬
‫حسَنُ الْخَاِلقِينَ }[المؤمنون‪.]14 :‬‬
‫أَ ْ‬
‫طفَةً مّن مّ ِنيّ ُيمْنَىا * ثُمّ‬
‫سدًى * أََلمْ َيكُ نُ ْ‬
‫ب الِنسَانُ أَن يُتْ َركَ ُ‬
‫س ُ‬
‫وهو الحق سبحانه القائل‪ {:‬أَ َيحْ َ‬
‫كَانَ عََلقَةً }[القيامة‪.]38-36 :‬‬
‫والعلقة جاء اسمها من مهمتها‪ ،‬حيث تتعلق بجدار الرّحمِ كما أثبت العِلْم المعاصر‪ ،‬يقول سبحانه‪{:‬‬
‫ضغَةً }[المؤمنون‪.]14 :‬‬
‫فَخََلقْنَا ا ْلعََلقَةَ ُم ْ‬
‫والمُضغْة هي الشيء ال َم ْمضُوغ؛ ثم َيصِف سبحانه المضغة بأنها‪ {:‬مّخَّلقَ ٍة وَغَيْرِ مُخَّلقَةٍ }[الحج‪:‬‬
‫‪.]5‬‬
‫ولقائل أن يتساءل‪ :‬نحن نفهم أن ال ُمضْغة المُخلّقة فيها ما يمكن أن يصير عينا أو ذراعا؛ ولكن‬
‫ماذا عن غير المُخلّقة؟‬
‫ونقول‪ :‬إنها رصيد احتياطيّ لصيانة الجسم‪ ،‬فإذا كنتَ أيها المخلوق حين تقوم ببناء بَيْت فأنت‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫تشتري بعضا من الشياء الزائدة من الدوات الصحية ـ على سبيل المثال ـ تحسّبا لما قد يطرأ‬
‫من أحداث تحتاج فيها إلى قطع غيار؛ فما بالنا بالحق الذي خلق النسان؟‬
‫لقد جعل ال تلك ال ُمضْغة غير المُخلّقة رصيدا لصيانة‪ ،‬أو تجديدا لما قد يطرأ على النسان من‬
‫ظروف؛ وتكون زائدة في الجسم وكأنها مخزنٌ لقطع الغيار‪.‬‬
‫والمثل هو الجروح التي تصيب النسان‪ ،‬ثم يتركها ليعالجها الجسمُ بنفسه‪ ،‬نجدها تلتئم دون أنْ‬
‫تتركَ نَدْبة أو علمة‪ ،‬ذلك أنه قد َتمّ علجها من الصيدلية الداخلية التي أودعها الحق سبحانه في‬
‫الجسم نفسه‪.‬‬
‫والمفاجأة هي أن هذا النسانَ المخلوق ل‪:‬‬
‫خصِيمٌ مّبِينٌ { [النحل‪.]4 :‬‬
‫} فَِإذَا ُهوَ َ‬
‫ويتمرّد على خالقه‪ ،‬بل وينكر بعضٌ من الخَلْق أن هناك إلها؛ متجاهلين أنهم بقوة ال فيهم‬
‫يتجادلون‪ .‬والخصيم هو الذي يُجادل ويُنكِر الحقائق؛ فإذا حُدّث بشيء غيبي‪ ،‬يحاول أنْ يدحضَ‬
‫معقوليته‪.‬‬
‫خصِيمٌ مّبِينٌ }[يس‪:‬‬
‫طفَةٍ فَإِذَا ُهوَ َ‬
‫ويقول سبحانه في سورة يس‪َ {:‬أوَلَمْ يَ َر الِنسَانُ أَنّا خََلقْنَاهُ مِن نّ ْ‬
‫‪.]77‬‬
‫خصْما لمساويك؛ ولكن من غير المقبول أن تكون خصيما ِلمَنْ‬
‫وقد يكون من المقبول أن تكون َ‬
‫خلقك فسوّاكَ َفعَدلك‪ ،‬وفي أيّ صورة ما شاء َركّبك‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك‪ } :‬وَالَ ْنعَامَ خََل َقهَا َل ُكمْ‪.{ ....‬‬

‫(‪)1889 /‬‬
‫خَلقَهَا َلكُمْ فِيهَا ِدفْ ٌء َومَنَافِ ُع َومِ ْنهَا تَ ْأكُلُونَ (‪)5‬‬
‫وَالْأَ ْنعَامَ َ‬

‫وال ّدفْءُ هو الحرارة للمبرود‪ ،‬تماما مثلما نعطي المحرور برودة‪ ،‬وهذا ما يفعله تكييف الهواء في‬
‫المنازل الحديثة‪ .‬نجد الحق سبحانه هنا قد تكلّم عن الدفء ولم يتكلم عن البرد‪ ،‬ذلك أن المقابل‬
‫ج َعلَ َلكُمْ سَرَابِيلَ َتقِيكُمُ الْحَرّ‪[} ...‬النحل‪.]81 :‬‬
‫معلوم‪ ،‬وهو في آية أخرى يقول‪ {:‬وَ َ‬
‫وهذا ما يحدث عندما نسير في الشمس الحارة؛ فنضع مِظلة فوق رؤوسنا لتقينا حرارة الشمس‬
‫الزاعقة الشديدة‪ .‬ونحن في الشتاء نلبس قلنسوة أي‪ :‬نلفّ شيئا حول رؤوسنا‪ ،‬وهكذا نعلم أن‬
‫اللباس يفعل الشيء ومقابله‪ ،‬بشرط أن يختار النسانُ اللباسَ المناسب للجوّ المناسب‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وفي النعام منافع كثيرة؛ فنحن نشرب لبنها‪ ،‬ونصنع منه الجُبْن والسمن؛ ونج ّز الصوف لنغزل‬
‫وننسج منه ملبس صوفية‪ ،‬وتحمل الثقال‪ ،‬ونستفيد من ذريتها؛ وكذلك نأكل لحومها‪.‬‬
‫ونحن نعلم أن النعام قد جاء تفصيلها في موقع آخر حين قال الحق سبحانه‪َ {:‬ثمَانِيَةَ أَ ْزوَاجٍ‪} ...‬‬
‫[النعام‪.]143 :‬‬
‫وهي الضّأن وال َمعْز والبل والبقر‪.‬‬
‫شعْرة‬
‫شعْر‪ ،‬ومَنْ يلحظ شعر ال َمعْز يجد كل َ‬
‫ونعلم أن ال ّدفْءَ يأتي من الصّوف والوَبَر وال ّ‬
‫بمفردها؛ لكن الوبر الذي نجزه من الجمل يكون مُلبدا؛ وهذا دليل على ِدقّة فَتْلته‪ ،‬أما الصوف فكل‬
‫شعرة منه أنبوبة أسطوانية قَلْبُها فارغ‪.‬‬
‫جمَالٌ‪.} ...‬‬
‫ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك‪ { :‬وََلكُمْ فِيهَا َ‬

‫(‪)1890 /‬‬
‫ن وَحِينَ َتسْرَحُونَ (‪)6‬‬
‫جمَالٌ حِينَ تُرِيحُو َ‬
‫وََلكُمْ فِيهَا َ‬

‫وهنا نجد أن الحق سبحانه قد أعطانا الترف أيضا بجانب الضروريات‪ ،‬فال ّدفْء والمنافع والكل‬
‫ضروريات للحياة‪ ،‬أما الجَمال فهو من تَرَف الحياة‪ ،‬والجمال هو ما تراه العين‪ ،‬فيتحقق السرور‬
‫في النفس‪ .‬وال ّدفْء والمنافع والكل هي أمور خاصة ِلمَنْ يملك النعام؛ أما الجمال فمشاع عَامّ‬
‫للناس‪ ،‬فحين ترى حصانا جميلً؛ أو البقرة المَزْهُوة بالصحة؛ فأنت ترى نعمة ال التي خلقها‬
‫لِتسُرّ الناظر إليها‪.‬‬
‫ونلحظ هذا الجمال في لحظات سروح البهائم ولحظات رواحها‪ .‬ونقول في الريف " سرحت‬
‫البهائم " أي‪ :‬خرجتْ من الحظائر لترعى وتأكل‪ .‬ونلحظ أن الحق سبحانه قد قدّم الرّواح أي‬
‫العودة إلى الحظائر عن السّروح؛ لن البهائم حين تعود إلى حظائرها بعد أنْ ترعى تكون بطونُها‬
‫ممتلئ ًة وضُروعها رابِية حافلة باللبن؛ فيسعد مَنْ يراها حتى قبل أنْ يطعمَ من ألبانها‪.‬‬
‫ومَنْ يخرج ببهائمه في الصباح من بيته‪ ،‬ويصحبها من زرائبها إلى الحقل‪ ،‬يجد جمالً مع هيبة‬
‫ومنعة مع أصوات تحقق للرجل المالك الهيبة‪ ،‬ومَنْ ل يملك يمكن أنْ يشاهد جمال تلك النعام‪.‬‬
‫ح ِملُ أَ ْثقَاَلكُمْ ِإلَىا‪.} ...‬‬
‫ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك‪ { :‬وَ َت ْ‬

‫(‪)1891 /‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫شقّ الْأَ ْنفُسِ إِنّ رَ ّب ُكمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (‪)7‬‬
‫ح ِملُ أَ ْثقَاَلكُمْ إِلَى بَلَدٍ َلمْ َتكُونُوا بَاِلغِيهِ إِلّا بِ ِ‬
‫وَتَ ْ‬

‫ونعلم أن النسانَ في حياته بين أمرين؛ إما ظَاعن أي‪ :‬مسافر‪ .‬وإما مقيم‪ .‬وفي حالة المقيم‪،‬‬
‫فالنعامُ تُحقّق له ال ّدفْء والطعام والمَلْبس‪ .‬وعاد ًة ما يكتفي متوسطُ الحال بأنْ يستقرّ في مكان‬
‫إقامته وكذلك الفقير‪.‬‬
‫أما ال ُمقْتدر الغنيّ؛ فأنت تجده يوما في القاهرة‪ ،‬وآخر في السكندرية‪ ،‬أو طنطا‪ ،‬وقد يسافر إلى‬
‫الخارج‪ ،‬وكلّ ذلك ميسور في زمن المواصلت الحديثة‪ .‬وقديما كانت وسائل المواصلت شاقة‪،‬‬
‫ول يقدر على السفر إل مَنْ كانت لديه إبل صحيحة أو خيول قوية‪ ،‬أما مَنْ لم يكن يملك إل حمارا‬
‫أعجف فهو ل يفكر إل في المسافات القصيرة‪.‬‬
‫سهُمْ‪} ...‬‬
‫سفَارِنَا وَظََلمُواْ أَنفُ َ‬
‫عدْ بَيْنَ أَ ْ‬
‫ولذلك نجد القرآن حين تكلم عن أهل سبأ يقول‪َ {:‬فقَالُواْ رَبّنَا بَا ِ‬
‫[سبأ‪.]19 :‬‬
‫وهم قد قالوا ذلك اعتزازا بما يملكونه من خَيْل ووسائل سفر من دوابّ سليمة وقوية‪ ،‬تُهيّئ السفر‬
‫المريح الذي ينمّ عن العِ ّز والقوة والثراء‪.‬‬
‫وقوله الحق‪:‬‬
‫ح ِملُ أَ ْثقَاَلكُمْ‪[ } ...‬النحل‪.]7 :‬‬
‫{ وَتَ ْ‬
‫يعني وضع ما يَثْقل على ما يُ َثقّل؛ ولذلك فنحن ل نجد إنسانا يحمل دابته؛ بل نجد مَنْ يحمل أثقاله‬
‫حمْل أوزانٍ ل يقدر عليها‪.‬‬
‫على الدابة ليُخفّف عن نفسه َ‬
‫ونعلم أن الوزن يتبع الكثافة؛ كما أن الحجمَ يتبع المساحة؛ فحين تنظر إلى كيلوجرام من القطن‪،‬‬
‫فأنت تجد حجم كيلوجرام القطن أكبرُ من حجم الحديد؛ لن كثافة الحديد مطمورة فيه‪ ،‬أما نفاشات‬
‫القطن فهي التي تجعله يحتاج حيزا اكبر من المساحة‪.‬‬
‫ويتابع الحق سبحانه قوله في الية الكريمة‪:‬‬
‫ق الَنفُسِ‪[ } ...‬النحل‪.]7 :‬‬
‫ح ِملُ أَ ْثقَاَلكُمْ إِلَىا بََلدٍ لّمْ َتكُونُواْ بَاِلغِيهِ ِإلّ ِبشِ ّ‬
‫{ وَتَ ْ‬
‫ومَنْ يفتش في أساليب القرآن من المستشرقين قد يقول‪ " :‬إن عَجُزَ الية غَيْر متفق مع صَدْرها "‪.‬‬
‫ونقول لمثل صاحب هذا القول‪ :‬أنت لم تفطن إلى المِنّة التي يمتنّ بها ال على خَلْقه‪ ،‬فهم لم‬
‫يكونوا بالغين لهذا البلد دون أثقالَ إل بمشقّة؛ فما بالنا ب ِثقَل المشقة حين تكون معهم أثقال من‬
‫بضائع ومتاع؟‬
‫إنها نعمة كبيرة أنْ يجدوا ما يحملون عليه أثقالهم وأنفسهم ليصلوا إلي حيث يريدون‪.‬‬
‫وكلمة { ِبشِقّ } [النحل] مصدرها شَق وهو الصّدْع بين شيئين؛ ويعني عَزْل متصلين؛ وسبحانه‬
‫هو القائل‪ {:‬فَاصْ َدعْ ِبمَا ُت ْؤمَرُ }[الحجر‪ .]94 :‬وهناك " شَق " وهو الجهد‪ ،‬و " شقّة "‪ .‬والنسان‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫كما نعلم هو بين ثلث حالت‪ :‬إمّا نائم؛ لذلك ل يحتاج إلى طاقة كبيرة تحفظ له حياته؛ وأيضا‬
‫وهو مُتيقّظ فأجهزته ل تحتاج إلى طاقة كبيرة؛ بل تحتاج إلى طاقة مُتوسّطة لتعملَ؛ أما إنْ كان‬
‫يحمل أشياءَ ثقيلة فالنسان يحتاج إلى طاقة أكبر لتعمل أجهزته‪.‬‬
‫ك وَلَـاكِن َب ُع َدتْ عَلَ ْيهِمُ‬
‫سفَرا قَاصِدا لّتّ َبعُو َ‬
‫وكذلك نجد الحق سبحانه يقول‪َ {:‬لوْ كَانَ عَرَضا قَرِيبا وَ َ‬
‫شقّةُ }‬
‫ال ّ‬
‫[التوبة‪.]42 :‬‬
‫والمعنىّ هنا بالشّقة هي المسافة التي يشقّ قطعُها‪ ،‬ويُنهي الحق سبحانه الية الكريمة بقوله‪:‬‬
‫} إِنّ رَ ّبكُمْ لَ َرؤُوفٌ رّحِيمٌ { [النحل‪.]7 :‬‬
‫والصفتان هنا هما الرأفة والرحمة‪ ،‬وكل منهما مناسب ِلمَا جاء بالية؛ فالربّ هو المُتولّي التربية‬
‫والمَدَد‪ ،‬وأيّ رحلة لها َم ْقصِد‪ ،‬وأيّ رحلة هي للستثمار‪ ،‬أو العتبار‪ ،‬أو للثنين معا‪.‬‬
‫فإذا كانت رحلةَ استثمار فدابّتُك يجب أن تكون قويةً لتحمل ما معك من أثقال‪ ،‬وتحمل عليها ما‬
‫سوف تعود به من بضائع‪.‬‬
‫وإنْ كانت الرحلةُ للعتبار فأنت تزيل بهذا السفر ألم عدم المعرفة والرغبة في الوصول إلى‬
‫المكان الذي قصدته‪.‬‬
‫وهكذا تجد الرأفةَ مناسبةً لقضاء النفع وتحقيق الحاجة وإزالة اللم‪ .‬وكلمة رحيم مناسبة لمنع اللم‬
‫بتحقيق الوصول إلى الغاية‪.‬‬
‫ف بعضٌ من العلماء عند َم ْقصِد الرحلة؛ كأن تكون مسافرا للتجار أو أن تكونَ مسافرا‬
‫وتو ّق َ‬
‫للعتبار‪ .‬ولكن هذا سفرٌ بالختيار؛ وهناك سفر اضطراري؛ كالسفر الضروري إلى الحج مرة‬
‫في العمرة‪.‬‬
‫حمْل الثقيل‪ ،‬وبذلك تتحقق رأفته؛ وهو رحيم لنه حقّق لكم أُمنية السفر‪.‬‬
‫والحق سبحانه يزيل ألم ال َ‬
‫ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك‪ } :‬وَا ْلخَ ْيلَ وَالْ ِبغَالَ‪.{ ...‬‬

‫(‪)1892 /‬‬
‫حمِيرَ لِتَ ْركَبُوهَا وَزِينَ ًة وَيَخُْلقُ مَا لَا َتعَْلمُونَ (‪)8‬‬
‫ل وَالْ ِبغَالَ وَا ْل َ‬
‫وَالْخَ ْي َ‬

‫وبعد أن ذكر لنا الحق سبحانه النعام التي نأخذ منها المأكولت‪ ،‬يذكر لنا في هذه الية النعام‬
‫التي نستخدمها للتنقل أو للزينة؛ ول نأكل لحومها وهي الخَيْل وال ِبغَال والحمير؛ ويُذكّرنا بأنها‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫للركوب والمنفعة مع الزينة؛ ذلك أن الناس تتزيّن بما تَرْكب؛ تماما كما يفخر أبناءُ عصرِنا‬
‫بالتزيّن بالسيارات الفارهة‪.‬‬
‫ونَسَقُ الية يدلّ على تفاوت الناس في المراتب؛ فكلّ مرتبة من الناس لها ما يناسبها لِتركبه؛‬
‫ل يركبون البغال‪ ،‬ومَنْ ل يملك ما يكفي لشراء‬
‫فالخَيْل للسادة والفِرْسان والغنياء؛ ومَنْ هم أق ّ‬
‫الحصان أو البغل؛ فيمكنه أنْ يشتريَ لنفسه حمارا‪.‬‬
‫وقد يملك إنسانٌ الثلثة ركائب‪ ،‬وقد يملك آخرُ اثنتين منها؛ وقد يملك ثالثٌ رُكوبة واحدة‪ ،‬وهناك‬
‫ي نوع‪.‬‬
‫ن ل يملك من المال ما يُمكِنه أنْ يستأجرَ ولو رُكوبة من أ ّ‬
‫مَ ْ‬
‫وشاء الحق سبحانه أن يقسم للناس أرزاق كل واحد منهم قِلّةً أو كثرةً‪ ،‬وإل لو تساوى الناس في‬
‫الرزق‪ ،‬فمَنِ الذي يقوم بالعمال التي نُسمّيها نحن ـ بالخطأ ـ أعمالً دُونية‪ ،‬مَنْ يكنس‬
‫الشوارع‪ ،‬ومَنْ يحمل الطّوب للبناء‪ ،‬ومَنْ يقف بالشّحْم وسط ورش إصلح السيارات؟‬
‫ت مثل تلك العمال‪،‬‬
‫وكما نرى فكلّ تلك العمال ضرورية‪ ،‬ولول رغبةُ الناس في الرزق َلمَا حََل ْ‬
‫وراقتْ في عُيون مَنْ يُمارِسونها‪ ،‬ذلك أنها َتقِيهم شَرّ السّؤال‪.‬‬
‫ن يأكلوا؛‬
‫ن يعمل في تلك العمال له بطنٌ تريد أنْ تمتليءَ بالطعام‪ ،‬وأولد يريدون أ ْ‬
‫ولول أن مَ ْ‬
‫ت إلى أفقر إنسان في الكون لوجدتَ في حياته فترة‬
‫َلمَا ذهب إلي مشقّات تلك العمال‪ .‬ولو نظر َ‬
‫حقّق فيها بعضا من أحلمه‪.‬‬
‫وقد نجد إنسانا يكِدّ عَشْرة سنين؛ ويرتاح بقية عمره؛ ونجد مَنْ يكِدّ عشرين عاما فيُرِيح نفسه‬
‫وأولده من بعده‪ ،‬وهناك مَنْ يتعب ثلثين عاما‪ ،‬فيُريح أولده وأحفاده من بعده‪ .‬والمهم هو قيمة‬
‫ما يُتقِنه‪ ،‬وأن يرضَى بقدر ال فيه‪ ،‬فيعطيه ال ما دام قد قَبِل قدره فيه‪.‬‬
‫ت إلى مَنْ فاء ال عليهم بالغِنَى والتّرف ستجدهم في بداية حياتهم قد كَدّوا و َتعِبوا‬
‫وأنت إنْ نظر َ‬
‫و َرضُوا بقدر ال فيهم‪ ،‬ولم يحقدوا على أحد‪ ،‬نجده سبحانه يهديهم طمأنينةَ وراحةَ بالٍ‪.‬‬
‫وشاء سبحانه أنْ يُنوّع في مُسْتويات حياة البشر كَيْل يستنكفَ أحدٌ من خدمة أحد ما دام يحتاج‬
‫خدماته‪.‬‬
‫ونجد النصّ التعبيري في الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها هو خَيْل و ِبغَال وحمير؛ وقد جعل‬
‫الحق سبحانه البغال في الوسط؛ لنها ليست جنسا بل تأتي من جنسين مختلفين‪.‬‬
‫ويُنبّهنا الحق سبحانه في آخر الية إلى أن ذلك ليس نهاية المَطَاف؛ بل هناك ما هو أكثر‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫خلُقُ مَا لَ َتعَْلمُونَ } [النحل‪.]8 :‬‬
‫{ وَيَ ْ‬
‫وجعل الحق سبحانه البُراق خادما لسيدنا رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وجعل بساط الريح‬
‫خادما لسليمان عليه السلم‪ ،‬وإذا كانت مثل تلك ال ُمعْجزات قد حدثتْ لنبياء؛ فقد هدى البشر إلى‬
‫أنْ يبتكروا من وسائل المواصلت الكثير من عربات تجرّها الجِيَاد إلى سيارات وقطارات‬
‫وطائرات‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ن يقتني الخيْل ويُربّيها ويُروّضها‬
‫وما زال العلم يُطوّر من تلك الوسائل‪ ،‬ورغم ذلك فهناك مَ ْ‬
‫ويجريّها لجمال منظرها‪.‬‬
‫ل من المواصلت التي كانت تحمل عنّا الثقال؛ وتلك المُخْترعات التي هدانا‬
‫وإذا كانت تلك الوسائ ُ‬
‫ال إياها؛ فما بالُنَا بالمواصلت في الخرة؟ ل بد أن هناك وسائلَ تناسب في رفاهيتها ما في‬
‫الخرة من متاعٍ غير موجود في الدنيا؛ ولذلك يقول في الية التالية‪ } :‬وَعَلَىا اللّهِ َقصْدُ‪.{ ...‬‬

‫(‪)1893 /‬‬
‫ج َمعِينَ (‪)9‬‬
‫وَعَلَى اللّهِ َقصْدُ السّبِيلِ َومِنْهَا جَائِ ٌر وََلوْ شَاءَ َلهَدَاكُمْ َأ ْ‬

‫والسبيل هو الطريق؛ وال َقصْد هو الغاية‪ ،‬وهو مصدر يأخذون منه القول (طريق قاصد) أي‪:‬‬
‫طريق ل دورانَ فيه ول التفاف‪ .‬والحق سبحانه يريد لنا أنْ نصلَ إلى الغاية بأقلّ مجهود‪.‬‬
‫ونحن في لغتنا العاميّة نسأل جندي المرور " هل هذا الطريق ماشي؟ " رغم أن الطريق ل يمشي‪،‬‬
‫بل أنت الذي تسير فيه‪ ،‬ولكنك تقصد أن يكون الطريق مُوصّلً إلى الغاية‪ .‬وأنت حين تُعجِزك‬
‫السباب تقول " خلّيها على ال " أي‪ :‬أنك ترجع بما تعجزك أسبابه إلى المُسبّب العلى‪.‬‬
‫وهكذا يريد المؤمن الوصول إلى َقصْده‪ ،‬وهو عبادة ال وُصولً إلى الغاية‪ ،‬وهي الجنة‪ ،‬جزاءً‬
‫حسْن العمل في الدنيا‪.‬‬
‫على اليمان و ُ‬
‫ت وتعرّجات؛ لن الماء هو الذي حفر طريقه؛‬
‫وأنت حين تقارن مَجْرى نهر النيل تجد فيه التفافا ٍ‬
‫بينما تنظر إلى الريّاح التوفيقي مثلً فتجده مستقيما؛ ذلك أن البشر هم الذين حفروه إلى َمقْصد‬
‫معين‪ .‬وحين يكون َقصْد السبيل على ال؛ فال ل هَوى له ول صاحبَ‪ ،‬ول ولدَ له‪ ،‬ول يحابي‬
‫أحدا‪ ،‬وكلّ الخَلْق بالنسبة له سواء؛ ولذلك فهو حين يضع طريقا فهو يضعُه مستقيما ل عِوجَ فيه؛‬
‫وهو الحق سبحانه القائل‪ {:‬ا ْهدِنَا الصّرَاطَ ا ْلمُسْ َتقِيمَ }[الفاتحة‪.]6 :‬‬
‫أي‪ :‬الطريق الذي ل التواءَ فيه ليّ غَرَض‪ ،‬بل الغرض منه هو الغاية بأيسرَ طريق‪.‬‬
‫وقول الحق سبحانه هنا‪:‬‬
‫{ وَعَلَىا اللّهِ َقصْدُ السّبِيلِ‪[ } ...‬النحل‪.]9 :‬‬
‫ج َمعِينَ * ِإلّ‬
‫يجعلنا نعود بالذاكرة إلى ما قاله الشيطان في حواره مع ال قال‪ {:‬فَ ِبعِزّ ِتكَ لُغْوِيَ ّنهُمْ َأ ْ‬
‫عِبَا َدكَ مِ ْنهُمُ ا ْلمُخَْلصِينَ }[ص‪.]83-82 :‬‬
‫وردّ الحق سبحانه‪ {:‬قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عََليّ مُسْ َتقِيمٌ }[الحجر‪.]41 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والحق أيضا هو القائل‪ {:‬إِنّ عَلَيْنَا لَ ْل ُهدَىا }[الليل‪.]12 :‬‬
‫جدَينِ }‬
‫أي‪ :‬أنه حين خلق النسان أوضح له طريق الهداية‪ ،‬وكذلك يقول سبحانه‪ {:‬وَ َهدَيْنَاهُ النّ ْ‬
‫[البلد‪.]10 :‬‬
‫أي‪ :‬أن الحق سبحانه أوضح للنسان طُرق الحق من الباطل‪ ،‬وهكذا يكون قوله هنا‪:‬‬
‫{ وَعَلَىا اللّهِ َقصْدُ السّبِيلِ } [النحل‪.]9 :‬‬
‫يدلّ على أن الطريق المرسوم غايتُه موضوعة من ال سبحانه‪ ،‬والطريق إلى تلك الغاية موزونٌ‬
‫من الحق الذي ل هَوى له‪ ،‬والخَلْق كلهم سواء أمامه‪.‬‬
‫وهكذا‪ ..‬فعلى المُفكّرين ألّ يُرهِقوا أنفسهم بمحاولة َوضْع تقنين من عندهم لحركة الحياة‪ ،‬لن‬
‫عجْز المفكرين عن وضع قوانين تنظيم‬
‫واجدَ الحياة قد وضع لها قانون صيانتها‪ ،‬وليس أدلّ على َ‬
‫حياة البشر إل أنهم يُغيّرون من القوانين كل فَتْرة‪ ،‬أما قانون ال فخالد باقٍ أبدا‪ ،‬ول استدراكَ‬
‫عليه‪.‬‬
‫ولذلك فمِنَ المُرِيح للبشر أنْ يسيروا على منهج ال والذي قال فيه الحق سبحانه حكما عليهم أنْ‬
‫يُطبّقوه؛ وما تركه ال لنا نجتهد فيه نحن‪.‬‬
‫وقوله الحق‪:‬‬
‫{ وَعَلَىا اللّهِ َقصْدُ السّبِيلِ‪[ } ...‬النحل‪.]9 :‬‬
‫أي‪ :‬أنه هو الذي جعل سبيلَ اليمان قاصدا للغاية التي وضعها سبحانه‪ ،‬ذلك أن من السّبل ما هو‬
‫جائر؛ ولذلك قال‪:‬‬
‫{ َومِ ْنهَا جَآئِرٌ‪.‬‬
‫‪[ { ..‬النحل‪.]9 :‬‬
‫حقّ أَ ْهوَآءَهُمْ َلفَسَ َدتِ‬
‫جوْر جعل سبيلَ اليمان قاصدا‪ ،‬فهو القائل‪ {:‬وََلوِ اتّبَعَ الْ َ‬
‫ولكي يمنع ال َ‬
‫سمَاوَاتُ وَالَ ْرضُ‪[} ...‬المؤمنون‪.]71 :‬‬
‫ال ّ‬
‫بينما السبيل العادلة المستقيمة هي السبيل المُتكفّل بها سبحانه‪ ،‬وهي سبيل اليمان‪ ،‬ذلك أن من‬
‫السّبل ما هو جائر أي‪ :‬يُطِيل المسافة عليك‪ ،‬أو يُعرّضك للمخاطر‪ ،‬أو توجد بها مُنْحنيات ُتضِل‬
‫النسانَ‪ ،‬فل يسيرُ إلى الطريق المستقيم‪.‬‬
‫ونعلم أن السبيل تُوصّل بين طرفين (من وإلى) وكل نقطة تصل إليها لها أيضا (من وإلى) وقد‬
‫ل يقهرَ النسانَ على سبيل واحد‪ ،‬بل أراد له أنْ يختار‪ ،‬ذلك أن التسخير قد‬
‫شاء الحق سبحانه أ ّ‬
‫أراده ال لغير النسان ِممّا يخدم النسان‪.‬‬
‫أما النسان فقد خلق له قدرة الختيار‪ ،‬ليعلم مَنْ يأتيه طائعا ومَنْ يعصي أوامره‪ ،‬وكل البشر‬
‫مَجْموعون إلى حساب‪ ،‬ومَن اختار طريق الطاعة فهو مَنْ يذهب إلى ال مُحبا‪ ،‬ويُثبِت له‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫المحبوبية التي هي مراد الحق من خَلْق الختيار‪ ،‬لكن لو شاء أنْ يُث ِبتَ لنفسه طلقة ال َقهْر لخَلقَ‬
‫البشر مقهورين على الطاعة كما سخّر الكائنات الخرى‪.‬‬
‫والحق سبحانه يريد قلوبا ل قوالب؛ ولذلك يقول في آخر الية‪:‬‬
‫ج َمعِينَ { [النحل‪.]9 :‬‬
‫} وََلوْ شَآءَ َلهَدَاكُمْ أَ ْ‬
‫حمْ ِد ِه وَلَـاكِن لّ َت ْف َقهُونَ‬
‫شيْءٍ ِإلّ يُسَبّحُ ِب َ‬
‫وكل أجناس الوجود كما نعلم تسجد ل‪ {:‬وَإِن مّن َ‬
‫حهُمْ }[السراء‪.]44 :‬‬
‫تَسْبِي َ‬
‫ض وَالطّيْ ُر صَآفّاتٍ ُكلّ َقدْ‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْر ِ‬
‫وفي آية أخرى يقول‪ {:‬أَلَمْ تَرَ أَنّ اللّهَ يُسَبّحُ َلهُ مَن فِي ال ّ‬
‫عَلِ َم صَلَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ }[النور‪.]41 :‬‬
‫إذن‪ :‬لو شاء الحق سبحانه لهدى الثقلين أي‪ :‬النس والجن‪ ،‬كما هدى ُكلّ الكائنات الخرى‪ ،‬ولكنه‬
‫يريد قلوبا ل قوالبَ‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك‪ُ } :‬هوَ الّذِي أَنْ َزلَ‪.{ ...‬‬

‫(‪)1894 /‬‬
‫سمَاءِ مَاءً َلكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ َومِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (‪)10‬‬
‫ُهوَ الّذِي أَنْ َزلَ مِنَ ال ّ‬

‫وقوله‪:‬‬
‫سمَاءِ مَآءً‪[ } ...‬النحل‪.]10 :‬‬
‫{ أَنْ َزلَ مِنَ ال ّ‬
‫يبدو قولً بسيطا؛ ولكن إنْ نظرنا إلى المعامل التي تُقطّر المياه وتُخلّصها من الشوائب لَعِلمْنَا قَدْر‬
‫العمل المبذول لنزول الماء الصافي من المطر‪.‬‬
‫والسماء ـ كما نعلم ـ هي كل ما يعلونا‪ ،‬ونحن نرى السحاب الذي يجيء نتيجة تبخير الشمس‬
‫للمياه من المحيطات والبحار‪ ،‬فيتكوّن البخار الذي يتصاعد‪ ،‬ثم يتكثّف ليصيرَ مطرا من بعد ذلك؛‬
‫وينزل المطر على الرض‪.‬‬
‫ونعلم أن الكرة الرضية مُكوّنة من محيطات وبحار تُغطّي ثلثة أرباع مساحتها‪ ،‬بينما تبلغ‬
‫مساحة اليابسة رُبْع الكرة الرضية؛ فكأنه جعل ثلثة أرباع مساحة الكرة الرضية لخدمة رُبْع‬
‫الكرة الرضية‪.‬‬
‫ومن العجيب أن المطر يسقط في مواقع قد ل تنتفع به‪ ،‬مثل هضاب الحبشة التي تسقط عليها‬
‫المطار وتصحب من تلك الهضاب مادة الطمي لِتُكوّن نهر النيل لنستفيد نحن منه‪.‬‬
‫جعَُلهُ ُركَاما فَتَرَى ا ْلوَدْقَ‬
‫ونجد الحق سبحانه يقول‪ {:‬أَلَمْ تَرَ أَنّ اللّهَ يُ ْزجِي سَحَابا ثُمّ ُيؤَّلفُ بَيْنَهُ ُثمّ يَ ْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سمَآءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَ ُيصِيبُ بِهِ مَن يَشَآ ُء وَ َيصْ ِرفُهُ عَن مّن‬
‫يَخْرُجُ مِنْ خِلَلِ ِه وَيُنَ ّزلُ مِنَ ال ّ‬
‫يَشَآءُ }[النور‪.]43 :‬‬
‫سمَاءِ مَآءً ّلكُم مّنْهُ شَرَابٌ َومِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ }‬
‫وهنا يقول الحق سبحانه‪ُ {:‬هوَ الّذِي أَنْ َزلَ مِنَ ال ّ‬
‫[النحل‪.]10 :‬‬
‫ولول عملية ال َبخْر وإعادة تكثيف البخار بعد أن يصير سحابا؛ َلمَا استطاع النسانُ أنْ يشربَ‬
‫الماء المالح الموجود في البحار‪ ،‬ومن حكمة الحق سبحانه أن جعل مياه البحار والمحيطات‬
‫مالحةً؛ فالمِلْح يحفظ المياه من الفساد‪.‬‬
‫وبعد أن تُبخّر الشمسُ المياه لتصير سحابا‪ ،‬ويسقط المطر يشرب النسانُ هذا الماء الذي يُغذّي‬
‫النهار والبار‪ ،‬وكذلك ينبت الماء الزرع الذي نأكل منه‪.‬‬
‫وكلمة { شَجَرٌ } تدلّ على النبات الذي يلتفّ مع بعضه‪ .‬ومنها كلمة " مشاجرة " والتي تعني‬
‫التداخل من الذين يتشاجرون معا‪.‬‬
‫والشجر أنواع؛ فيه مغروس بمالك وهو مِلْك ِلمَنْ يغرسه ويُشرِف على إنباته‪ ،‬وفي ما يخرج من‬
‫الرض دون أنْ يزرعه أحد وهو مِلْكية مشاعة‪ ،‬وعادة ما نترك فيه الدّواب لترعى‪ ،‬فتأكل منه‬
‫دون أنْ يردّها أحد‪.‬‬
‫وهنا يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ فِيهِ تُسِيمُونَ } [النحل‪.]10 :‬‬
‫من سَام الدابة التي تَرْعى في المِلْك العام‪ ،‬وساعة ترعى الدابة في المِلْك العام فهي تترك آثارها‬
‫ض التي يوجد بها نبات ول يقربها حيوان بأنها " روضة‬
‫سمّون الر َ‬
‫من مَسَارب وعلمات‪ .‬ويُ َ‬
‫ن يقطف منها شيء‪.‬‬
‫أنُف " بمعنى أن أحدا لم يَأتِ إِليها أو يَقربها؛ كأنها أنفت أ ْ‬
‫ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك‪ { :‬يُن ِبتُ َل ُكمْ بِهِ‪.} ....‬‬

‫(‪)1895 /‬‬
‫ب َومِنْ ُكلّ ال ّثمَرَاتِ إِنّ فِي ذَِلكَ لَآَيَةً ِل َقوْمٍ يَ َت َفكّرُونَ (‬
‫ل وَالْأَعْنَا َ‬
‫ن وَالنّخِي َ‬
‫يُنْ ِبتُ َلكُمْ بِهِ الزّ ْرعَ وَالزّيْتُو َ‬
‫‪)11‬‬

‫وهكذا يُعلِمنا ال أن النبات ل ينبت وحده‪ ،‬بل يحتاج إلى مَنْ يُنبِته‪ ،‬وهنا يَخصّ الحق سبحانه‬
‫ألوانا من الزراعة التي لها أَثَر في الحياة‪ ،‬ويذكر الزيتون والنخيل والعناب وغيرها من كل‬
‫الثمرات‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والزيتون ـ كما نعلم ـ يحتوي على مواد ُدهْنية؛ والعنب يحتوي على مواد سُكرية‪ ،‬وكذلك‬
‫النخيل الذي يعطي البلح وهو يحتوي على مواد سُكرية‪ ،‬وغذاء النسان يأتي من النشويات‬
‫والبروتينات‪.‬‬
‫وما ذكره الحق سبحانه أولً عن النعام‪ ،‬وما ذكره عن النباتات يُوضّح أنه قد أعطى النسان‬
‫خَلقْنَا‬
‫لمِينِ * َلقَدْ َ‬
‫ن وَالزّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَـاذَا الْبََل ِد ا َ‬
‫مُكوّنات الغذاء؛ فهو القائل‪ {:‬وَالتّي ِ‬
‫الِنسَانَ فِي أَحْسَنِ َتقْوِيمٍ }[التين‪.]4-1 :‬‬
‫أي‪ :‬أنه جعل للنسان في قُوته البروتينات والدّهنيات والنشويات والفيتامينات التي تصون حياته‪.‬‬
‫وحين يرغب الطباء في تغذية إنسان أثناء المرض؛ فهم ُيذِيبون العناصر التي يحتاجها للغذاء في‬
‫حقْن‪ ،‬ولكنهم يخافون من طول التغذية بهذه الطريقة؛ لن‬
‫السوائل التي يُقطّرونها في أوردته بال َ‬
‫المعاء قد تنكمش‪.‬‬
‫ومَنْ يقومون بتغذية البهائم يعلمون أن التغذية تتكّون من نوعين؛ غذاء يمل البطن؛ وغذاء يمدّ‬
‫بالعناصر اللزمة‪ ،‬فالتبن مثل يمل البطن‪ ،‬ويمدّها باللياف التي تساعد على حركة المعاء‪ ،‬ولكن‬
‫الكُسْب يُغذّي ويضمن السّمنة وال َوفْرة في اللحم‪.‬‬
‫وحين يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫ب َومِن ُكلّ ال ّثمَرَاتِ } [النحل‪.]11 :‬‬
‫ل وَالَعْنَا َ‬
‫ن وَالنّخِي َ‬
‫ع وَالزّيْتُو َ‬
‫{ يُن ِبتُ َلكُمْ بِهِ الزّ ْر َ‬
‫ضوْء َقوْل الحق سبحانه‪ {:‬أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ َنحْنُ الزّارِعُونَ }‬
‫فعليك أنْ تستقبلَ هذا القول في َ‬
‫[الواقعة‪.]64 :‬‬
‫ذلك أنك تحرثُ الرض فقط‪ ،‬أما الذي يزرع فهو الحق سبحانه؛ وأنت قد حرثتَ بالحديد الذي‬
‫ت أنت منهما المحراث‬
‫أودعه ال في الرض فاستخرجْتَه أنت؛ وبالخشب الذي أنبته ال؛ وصنع َ‬
‫الذي تحرث به في الرض المخلوقة ل‪ ،‬والطاقة التي حرثتَ بها ممنوحة لك من ال‪.‬‬
‫ثم يُذكّرك ال بأن ُكلّ الثمرات هي من عطائه‪ ،‬فيعطف العام على الخاص؛ ويقول‪:‬‬
‫{ َومِن ُكلّ ال ّثمَرَاتِ } [النحل‪.]11 :‬‬
‫أي‪ :‬أن ما تأخذه هو جزء من كل الثمرات؛ ذلك أن الثمرات كثيرة‪ ،‬وهي أكثر من أن ُتعَد‪.‬‬
‫ويُذيّل الحق سبحانه الية الكريمة بقوله‪:‬‬
‫ك ليَةً ّل َقوْمٍ يَ َتفَكّرُونَ } [النحل‪.]11 :‬‬
‫{ إِنّ فِي ذَِل َ‬
‫أي‪ :‬على النسان أنْ يُع ِملَ فكره في ُمعْطيات الكون‪ ،‬ثم يبحث عن موقفه من تلك ال ُمعْطيات‪،‬‬
‫ن يفعَل‪.‬‬
‫ويُحدّد َوضْعه ليجد نفسه غير فاعل؛ وهو قابل ل ْ‬
‫وشاء الحق سبحانه أن يُذكّرنا أن التفكّر ليس مهمةَ إنسان واحد بل مهمة الجميع‪ ،‬وكأن الحق‬
‫ن يقولها لغيره‪.‬‬
‫سبحانه يريد لنا أنْ تتسانَد أفكارنا؛ َفمْن عنده َلقْطة فكرية تؤدي إلى ال ل بُدّ أ ْ‬
‫ونجد في القرآن آيات تنتهي بالتذكّر والتفكّر وبالتدبّر وبالتفقّه‪ ،‬وكُلّ منها تؤدي إلى العلم اليقيني؛‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ن مهمتك أنْ‬
‫فحين يقول " يتذكرون " فالمعنى أنه سبق اللمام بها؛ ولكن النسيان محاها؛ فكأن مِ ْ‬
‫تتذكّر‪.‬‬
‫أما كلمة " يتفكرون " فهي أُ ّم كل تلك المعاني؛ لنك حين تشغل فكرك تحتاج إلى أمرين‪ ،‬أنْ تنظرَ‬
‫إلى ُمعْطيات ظواهرها ومُعْطيات أدبارها‪.‬‬
‫ولذلك يقول الحق سبحانه‪َ {:‬أفَلَ يَتَدَبّرُونَ ا ْلقُرْآنَ }[النساء‪.]82 :‬‬
‫وهذا يعني ألّ تأخذ الواجهة فقط‪ ،‬بل عليك أنْ تنظرَ إلى المعطيات الخلفية كي تفهم‪ ،‬وحين تفهم‬
‫تكون قد عرفتَ‪ ،‬فالمهمة مُكوّنة من أربع مراحل؛ تفكّر‪ ،‬فتدبّر‪ ،‬فتفقّه؛ فمعرفة وعِلْم‪.‬‬
‫سخّرَ َلكُمُ الّيلَ‪.} ...‬‬
‫ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك‪ { :‬وَ َ‬

‫(‪)1896 /‬‬
‫سخّرَاتٌ بَِأمْ ِرهِ إِنّ فِي ذَِلكَ لَآَيَاتٍ ِل َقوْمٍ َي ْعقِلُونَ (‬
‫س وَا ْل َقمَرَ وَالنّجُومُ مُ َ‬
‫شمْ َ‬
‫ل وَال ّنهَا َر وَال ّ‬
‫وَسَخّرَ َل ُكمُ اللّ ْي َ‬
‫‪)12‬‬

‫ونعلم أن الليل والنهار آيتان واضحتان؛ والليل يناسبه القمر‪ ،‬والنهار تناسبه الشمس‪ ،‬وهم جميعا‬
‫متعلقون بفعل واحد‪ ،‬وهم نسق واحد‪ ،‬والتسخير يعني َقهْر مخلوق لمخلوق؛ لِيُؤدّي ُكلّ مهمته‪.‬‬
‫وتسخير الليل والنهار والشمس والقمر؛ ُكلّ له مهمة‪ ،‬فالليل ُمهِمته الراحة‪.‬‬
‫سكُنُواْ فِي ِه وَلِتَب َتغُواْ مِن َفضْلِ ِه وََلعَّلكُمْ‬
‫ج َعلَ َلكُمُ الّيلَ وَال ّنهَارَ لِتَ ْ‬
‫حمَتِهِ َ‬
‫قال الحق سبحانه‪َ {:‬ومِن رّ ْ‬
‫شكُرُونَ }[القصص‪.]73 :‬‬
‫تَ ْ‬
‫والنهار له مهمة أنْ تكدحَ في الرض لتبتغي رِزْقا من ال و َفضْلً‪ ،‬والشمس جعلها مصدرا للطاقة‬
‫وال ّدفْء‪ ،‬وهي تعطيك دون أنْ تسألَ‪ ،‬ول تستطيع هي أيضا أن تمتنعَ عن عطاء قَدّره ال‪.‬‬
‫وهي ليست مِلْكا لحد غير ال؛ بل هي من نظام الكون الذي لم يجعل الحق سبحانه لحد قدرةً‬
‫عليه‪ ،‬حتى ل يتحكّم أحدٌ في أحدٍ‪ ،‬وكذلك القمر جعل له الحق مهمة أخرى‪.‬‬
‫وإياك أنْ تتوهَم أن هناك مهمة تعارض مهمة أخرى‪ ،‬بل هي مهام متكاملة‪ .‬والحق سبحانه هو‬
‫سعْ َيكُمْ لَشَتّىا }‬
‫جلّىا * َومَا خَلَقَ ال ّذكَ َر وَالُنثَىا * إِنّ َ‬
‫القائل‪ {:‬وَالْلّ ْيلِ ِإذَا َيغْشَىا * وَال ّنهَارِ ِإذَا تَ َ‬
‫[الليل‪.]4-1 :‬‬
‫أي‪ :‬أن الليل والنهار وإنْ تقابل فليسَا متعارضين؛ كما أن الذكر والنثى يتقابلن ل لتتعارض‬
‫مهمة كل منهما بل لتتكامل‪.‬‬
‫ج َعلَ اللّهُ عَلَ ْيكُمُ ال ّنهَارَ‬
‫ويضرب الحق سبحانه المثل لِيُوضّح لنا هذا التكامل فيقول‪ُ {:‬قلْ أَرَأَيْ ُتمْ إِن َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سكُنُونَ فِيهِ أَفلَ تُ ْبصِرُونَ }[القصص‪.]72 :‬‬
‫سَ ْرمَدا إِلَىا َيوْمِ ا ْلقِيَامَةِ مَنْ إِلَـاهٌ غَيْرُ اللّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَ ْيلٍ َت ْ‬
‫وأيّ إنسان إنْ سهر يومين متتابعين ل يستطيع أنْ يقاومَ النوم؛ وإن أدّى مهمة في هذين اليومين؛‬
‫جعَلْنَا ال ّنهَارَ‬
‫جعَلْنَا الّيلَ لِبَاسا * َو َ‬
‫فقد يحتاج لراحة من بعد ذلك تمتدّ أسبوعا؛ ولذلك قال ال‪َ {:‬و َ‬
‫َمعَاشا }[النبأ‪.]11-10 :‬‬
‫والنسان إذا ما صلّى العشاء وذهب إلى فراشه سيستيقظ حَتْما قبل الفجر وهو في ِقمّة النشاط؛‬
‫ن قضى ليلً مريحا في سُبَاتٍ عميق؛ ل قلقَ فيه‪.‬‬
‫بعد أ ْ‬
‫ولكن النسان في بلدنا استورد من الغرب حثالة الحضارة من أجهزة تجعله يقضي الليل ساهرا‪،‬‬
‫ليتابع التليفزيون أو أفلم الفيديو أو القنوات الفضائية‪ ،‬فيقوم في الصباح مُنْهكا‪ ،‬رغم أن أهل تلك‬
‫البلد التي قدّمتْ تلك المخترعات؛ نجدهم وهم يستخدمون تلك المخترعات يضعونها في موضعها‬
‫الصحيح‪ ،‬وفي وقتها المناسب؛ لذلك نجدهم ينامون مُبكّرين‪ ،‬ليستيقظوا في الفجر بهمّة ونشاط‪.‬‬
‫ويبدأ الحق سبحانه جملة جديدة تقول‪:‬‬
‫سخّرَاتٌ بَِأمْ ِرهِ‪[ } ..‬النحل‪.]12 :‬‬
‫{ وَالْنّجُومُ مُ َ‬
‫خصّها الحق سبحانه بجملة جديدة على الرغم‬
‫نلحظ أنه لم يَ ْأتِ بالنجوم معطوفةً على ما قبلها‪ ،‬بل َ‬
‫من أنها أقلّ الجرام‪ ،‬وقد ل نتبيّنها لكثرتها وتعدّد مواقعها ولكِنّا نجد الحق يُقسِم بها فهو القائل‪{:‬‬
‫فَلَ ُأقْسِمُ ِب َموَاقِعِ النّجُومِ * وَإِنّهُ َلقَسَمٌ ّلوْ َتعَْلمُونَ عَظِيمٌ }[الواقعة‪.]76-75 :‬‬
‫فكلّ نجم من تلك النجوم البعيدة له مُهمة‪ ،‬وإذا كنتَ أنت في حياتك اليومية حين ينطفيء النور‬
‫تذهب لترى‪ :‬ماذا حدث في صندوق الكباس الذي في منزلك؛ ولكنك ل تعرف كيف تأتيك‬
‫الكهرباء إلى منزلك‪ ،‬وكيف تقدّم العلم ليصنعَ لك المصباح الكهربائي‪.‬‬
‫وكيف م ّدتْ الدولة الكهرباء من مواقع توليدها إلى بيتك‪.‬‬
‫خلْف الثر الواحد الذي يصلك في منزلك‪ ،‬فما بالك بقول الحق سبحانه‪ {:‬فَلَ‬
‫وإذا كنتَ تجهل ما َ‬
‫ُأقْسِمُ ِب َموَاقِعِ النّجُومِ }[الواقعة‪.]75 :‬‬
‫وهو القائل‪ {:‬وَعَلمَاتٍ وَبِالنّجْمِ هُمْ َيهْتَدُونَ }[النحل‪.]16 :‬‬
‫ل منها‬
‫وقد خصّها الحق سبحانه هنا بجملة جديدة مستقلة أعاد فيها خبر التسخير‪ ،‬ذلك أن لك ّ‬
‫منازلَ‪ ،‬وهي كثيرة على العَ ّد والحصاء‪ ،‬وبعضها بعيد ل يصلنا ضوؤه إل بعد مليين السنين‪.‬‬
‫وقد خصّها الحق سبحانه بهذا الخبر من التسخير حتى نتبينَ أن ل سرا في كل ما خلق بين‬
‫السماء والرض‪.‬‬
‫ويريد لنا أن نلتفتَ إلى أن تركيبات الشياء التي تنفعنا مواجهةً وراءها أشياء أخرى تخدمها‪.‬‬
‫ونجد الحق سبحانه وهو يُذيّل الية الكريمة بقوله‪:‬‬
‫ك ليَاتٍ ّل َقوْمٍ َي ْعقِلُونَ { [النحل‪.]12 :‬‬
‫} إِنّ فِي ذَِل َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ونعلم أن اليات هي المورُ العجيبة التي يجب ألّ يمرّ عليها النسان مرا مُعرِضا؛ بل عليه أنْ‬
‫يتأملَها‪ ،‬ففي هذا التأمل فائدة له؛ ويمكنه أنْ يستنبطَ منها المجاهيل التي تُنعّم البشر وتُسعِدهم‪.‬‬
‫وكلمة } َي ْعقِلُونَ { تعني إعمالَ العقل‪ ،‬ونعلم أن للعقل تركيبةً خاصة؛ وهو يستنبط من المُحسّات‬
‫المورَ المعنوية‪ ،‬وبهذا يأخذ من الملوم نتيجةً كانت مجهولةً بالنسبة له؛ فيَسعد بها ويُسعد بها مَنْ‬
‫حوله‪ ،‬ثم يجعل من هذا المجهول مقدمةً يصل بها إلى نتيجة جديدة‪.‬‬
‫وهكذا يستنبط النسان من أسرار الكون ما شاء له ال أنْ يستنبطَ ويكتشف من أسرار الكون‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك‪َ } :‬ومَا ذَرَأَ َلكُمْ فِي‪.{ ....‬‬

‫(‪)1897 /‬‬
‫َومَا ذَرَأَ َلكُمْ فِي الْأَ ْرضِ ُمخْتَِلفًا َأ ْلوَانُهُ إِنّ فِي ذَِلكَ لَآَ َيةً ِل َقوْمٍ يَ ّذكّرُونَ (‪)13‬‬

‫حمْل للنثى من ال ّذكَر؛ في النسان أو‬
‫وكلمة { ذَرَأَ } تعني أنه خلق خَلْقا يتكاثر بذاته؛ إما بال َ‬
‫الحيوان والنبات؛ وإما بواسطة تفريخ البيض كما في الطيور‪.‬‬
‫وهكذا نفهم الذّرْ َء بمعنى أنه ليس مطلقَ خَلْق؛ بل خلق بذاته في التكاثر بذاته‪ ،‬والحق سبحانه قد‬
‫خلق آدم أولً‪ ،‬ثم أخرج منه النسل ليتكاثر النسلُ بذاته حين يجتمع زوجان ونتجا مثيلً لهما‪،‬‬
‫ولذلك قال الحق سبحانه‪ {:‬فَتَبَا َركَ اللّهُ َأحْسَنُ الْخَاِلقِينَ }[المؤمنون‪.]14 :‬‬
‫وهكذا شاء الحق سبحانه أن يفيض على عباده بأن يُعطِيهم صفة أنهم يخلقون‪ ،‬ولكنهم ل يخلقون‬
‫كخَلْقه؛ فهو قد خلق آدم ثم أوجدهم من نسله‪ .‬والبشر قد يخلقون بعضا من ُمعِدات وأدوات‬
‫حياتهم‪ ،‬لكنهم ل يخلقون كخَلْق ال؛ فهم ل يخلقون من معدوم؛ بل من موجود‪ ،‬والحق سبحانه‬
‫يخلق من المعدوم مَنْ ل وجود له؛ وهو بذلك أحسَنُ الخالقين‪.‬‬
‫والمَثل الذي أضربه دائما هو الحبة التي تُنبِت سبْعَ سنابل وفي كل سُنْبلة مائة حَبّة؛ وقد أوردها‬
‫الحق سبحانه ليشوّق للنسان عملية النفاق في سبيل ال‪ ،‬وهذا هو الخَلْق الماديّ الملموس؛ فمن‬
‫حَبّة واحدة أنبت سبحانه كل ذلك‪.‬‬
‫وهنا يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ َومَا ذَرَأَ َلكُمْ فِي الَ ْرضِ ُمخْتَلِفا أَ ْلوَانُهُ‪[ } ...‬النحل‪.]13 :‬‬
‫أي‪ :‬ما خلق لنا من خَلْق متكاثر بذاته تختلف ألوانه‪ .‬واختلف اللوان وتعدّدها دليل على طلقة‬
‫ط واحد‪.‬‬
‫قدرة ال في أن الكائنات ل تخلق على َنمَ ٍ‬
‫سمَآءِ‬
‫ويعطينا الحق سبحانه الصورة على هذا المر في قوله سبحانه‪ {:‬أََلمْ تَرَ أَنّ اللّهَ أن َزلَ مِنَ ال ّ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫حمْرٌ مّخْ َتِلفٌ أَ ْلوَا ُنهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ‬
‫ض وَ ُ‬
‫مَآءً فَأَخْ َرجْنَا بِهِ َثمَرَاتٍ مّخْتَلِفا أَ ْلوَا ُنهَا َومِنَ ا ْلجِبَالِ جُ َددٌ بِي ٌ‬
‫خشَى اللّهَ مِنْ عِبَا ِدهِ ا ْلعَُلمَاءُ إِنّ اللّهَ‬
‫ب وَالَ ْنعَامِ مُخْتَِلفٌ أَ ْلوَانُهُ كَذَِلكَ إِ ّنمَا يَ ْ‬
‫س وَال ّدوَآ ّ‬
‫* َومِنَ النّا ِ‬
‫غفُورٌ }[فاطر‪.]28-27 :‬‬
‫عَزِيزٌ َ‬
‫وأنت تمشي بين الجبال‪ ،‬فتجدها من ألوان مختلفة؛ وعلى الجبل الواحد تجد خطوطا تفصل بين‬
‫طبقاتٍ مُتعدّدة‪ ،‬وهكذا تختلف اللوان بين الجمادات وبعضها‪ ،‬وبين النباتات وبعضها البعض‪،‬‬
‫وبين البشر أيضا‪.‬‬
‫خشَى اللّهَ مِنْ عِبَا ِدهِ ا ْلعَُلمَاءُ‪[} ...‬فاطر‪.]28 :‬‬
‫وإذا ما قال الحق سبحانه‪ {:‬إِ ّنمَا يَ ْ‬
‫فلَنا أن نعرفَ أن العلماء هنا مقصودٌ بهم ُكلّ عالم يقف على قضية كونية مَرْكوزة في الكون أو‬
‫نزلتْ من المُكوّن مباشرة‪.‬‬
‫ولم يقصد الحق سبحانه بهذا القول علماء الدين فقط‪ ،‬فالمقصود هو كل عالم يبحث بحثا ليستنبط‬
‫به معلوما من مجهول‪ ،‬ويُجلّي أسرار ال في خلقه‪ .‬وقد أراد صلى ال عليه وسلم أن يفرق فَرْقا‬
‫واضحا في هذا المر‪ ،‬كي ل يتدخل علماء الدين في البحث العلميّ التجريبيّ الذي يفيد الناس‪،‬‬
‫ووجد صلى ال عليه وسلم الناس تُؤبّر النخيل؛ بمعنى أنهم يأتون بطَلْع الذّكورة؛ ويُلقّحون النخيل‬
‫التي تتصف بالنوثة‪ ،‬وقال‪ :‬لو لم تفعلوا لثمرتْ‪.‬‬
‫ولما لم تثمر النخيل‪ ،‬قَبِل رسول ال صلى ال عليه وسلم المر؛ وأمر بإصلحه وقال القولة‬
‫الفصل " أنتم أعلم بشئون دنياكم "‪.‬‬
‫أي‪ :‬أنتم أعلم بالمور التجريبية المعملية‪ ،‬ونلحظ أن الذي حجز الحضارة والتطوّر عن أوربا‬
‫لقرون طويلة؛ هو محاولة رجال الدين أنْ يحجُروا على البحث العلمي؛ ويتهموا ُكلّ عالم تجريبيّ‬
‫بالكفر‪.‬‬
‫حلْ دون بَحْث أي آية من آيات ال في الكون‪ ،‬ومن حنان ال‬
‫ويتميز السلم بأنه الدين الذي لم َي ُ‬
‫سمَاوَاتِ‬
‫أنْ يُوضّح لخَلْقه أهمية البحث في أسرار الكون‪ ،‬فهو القائل‪َ {:‬وكَأَيّن مّن آيَةٍ فِي ال ّ‬
‫وَالَرْضِ َيمُرّونَ عَلَ ْيهَا وَهُمْ عَ ْنهَا ُمعْ ِرضُونَ }[يوسف‪.]105 :‬‬
‫أي‪ :‬عليك أيّها المؤمن ألّ تُعرِض عن أيّ آية من آيات ال التي في الكون؛ بل على المؤمن أنْ‬
‫يُع ِملَ عقله و ِفكْره بالتأمّل ليستفيد منها في اعتقاده وحياته‪ .‬يقول الحق‪ {:‬سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الفَاقِ‬
‫سهِمْ حَتّىا يَتَبَيّنَ َلهُمْ أَنّهُ ا ْلحَقّ‪[} ..‬فصلت‪.]53 :‬‬
‫َوفِي أَنفُ ِ‬
‫أما المور التي يتعلّق بها حساب الخرة؛ فهي من اختصاص العلماء الفقهاء‪.‬‬
‫ويذيل الحق سبحانه الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها‪:‬‬
‫ك ليَةً ّل َقوْمٍ يَ ّذكّرُونَ { [النحل‪.]13 :‬‬
‫} إِنّ فِي ذَِل َ‬
‫سخّرَ‪.{ ...‬‬
‫وبعد ذلك يعود الحق سبحانه إلى التسخير‪ ،‬فيقول‪ } :‬وَ ُهوَ الّذِي َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫(‪)1898 /‬‬
‫حمًا طَرِيّا وَتَسْ َتخْرِجُوا مِنْهُ حِلْ َيةً تَلْبَسُو َنهَا وَتَرَى ا ْلفُ ْلكَ َموَاخِرَ‬
‫سخّرَ الْ َبحْرَ لِتَ ْأكُلُوا مِنْهُ َل ْ‬
‫وَ ُهوَ الّذِي َ‬
‫شكُرُونَ (‪)14‬‬
‫فِي ِه وَلِتَبْ َتغُوا مِنْ َفضْلِ ِه وََلعَّلكُمْ تَ ْ‬

‫والتسخير كما علمنا من قَبْل هو إيجاد الكائن لمهمة ل يستطيع الكائن أنْ يتخلّف عنها‪ ،‬ول اختيارَ‬
‫له في أنْ يؤدّيها أو ل يُؤدّيها‪ .‬ونعلم أن الكون كله مُسخّر للنسان قبل أنْ يُوجدَ؛ ثم خلق ال‬
‫النسان مُخْتارا‪.‬‬
‫وقد يظن البعض أن الكائنات المُسخّرة ليس لها اختيار‪ ،‬وهذا خطأ؛ لن تلك الكائنات لها اختيار‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضِ‬
‫لمَانَةَ عَلَى ال ّ‬
‫حَسمتْه في بداية وجودها‪ ،‬ولنقرأْ قوله الحق‪ {:‬إِنّا عَ َرضْنَا ا َ‬
‫شفَقْنَ مِ ْنهَا‪[} ...‬الحزاب‪.]72 :‬‬
‫حمِلْ َنهَا وَأَ ْ‬
‫وَالْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن َي ْ‬
‫وهكذا نفهم أن الحق سبحانه خيّر خلقه بين التسخير وبين الختيار‪ ،‬إل أن الكائنات التي هي ما‬
‫دون النسان أخذتْ اختيارها مرّة واحدة؛ لذلك ل يجب أنْ يُقال‪ :‬إن الحق سبحانه هو الذي‬
‫ت وقت الداء‪ ،‬ولم تقدر فقط وقت التحمل‬
‫قهرها‪ ،‬بل هي التي اختارتْ من أول المر؛ لنها قدر ْ‬
‫كما فعل النسان‪ ،‬وكأنها قالت لنفسها‪ :‬فلخرج من باب الجَمال؛ قبل أن ينفتحَ أمامي باب ظلم‬
‫النفس‪.‬‬
‫جهُولً }[الحزاب‪.]72 :‬‬
‫ونجد الحق سبحانه يصف النسان‪ {:‬إِنّهُ كَانَ ظَلُوما َ‬
‫فقد ظلم النسانُ نفسَه حين اختار أنْ يحملَ المانة؛ لنه قدر وقت التحمّل ولم يقدر وقت الداء‪.‬‬
‫جهُول لنه لم يعرف كيف يُفرّق بين الداء والتحمّل‪ ،‬بينما منعت الكائنات الخرى نفسها من‬
‫وهو َ‬
‫أن تتحمّل مسئولية المانة‪ ،‬فلم تظلم نفسها بذلك‪.‬‬
‫وهكذا نصل إلى تأكيد معنى التسخير وتوضيحه بشكل دقيق‪ ،‬ونعرف أنه إيجاد الكائن لمهمة ل‬
‫يملك أن يتخلّف عنها؛ أما الختيار فهو إيجاد الكائن ِل ُمهِمة له أنْ يُؤدّيها أو يتخلّف عنها‪.‬‬
‫وأوضحنا أن المُسخّرات كان لها أنْ تختارَ من البداية‪ ،‬فاختارتْ أن تُسخّر وألّ تتحملَ المانة‪،‬‬
‫بينما أخذ النسان المهمةَ‪ ،‬واعتمد على عقله و ِفكْره‪ ،‬وقَبِل أن يُرتّب أمور حياته على ضوء ذلك‪.‬‬
‫ومع ذلك أعطاه ال بعضا من التسخير كي يجعل الكون كله فيه بعض من التسخير وبعض من‬
‫الختيار؛ ولذلك نجد بعضا من الحداث تجري على النسان ول اختيارَ له فيها؛ كان يمرضَ أو‬
‫تقع له حادثة أو يُفلس‪.‬‬
‫ولذلك أقول‪ :‬إن الكافر مُغفّل لختياره؛ لنه ينكر وجود ال ويتمرّد على اليمان‪ ،‬رغم أنه ل يقدر‬
‫أن يصُدّ عن نفسه المرض أو الموت‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وفي الية التي نحن بصددها الن يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ وَ ُهوَ الّذِي سَخّرَ الْبَحْرَ } [النحل‪.]14 :‬‬
‫فهذا يعني أنه هو الذي خلق البحر‪ ،‬لنه هو الذي خلق السماوات والرض؛ وجعل اليابسة ربع‬
‫مساحة الرض؛ بينما البحار والمحيطات تحتل ثلثة أرباع مساحة الرض‪.‬‬
‫أي‪ :‬أنه يُحدّثنا هنا عن ثلثة أرباع الرض‪ ،‬وأوجد البحار والمحيطات على هيئة نستطيع أن‬
‫نأخ َذ منها بعضا من الطعام فيقول‪:‬‬
‫{ لِتَ ْأكُلُواْ مِنْهُ لَحْما طَرِيّا وَتَسْتَخْ ِرجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْ َبسُو َنهَا‪.‬‬
‫‪[ { ..‬النحل‪.]14 :‬‬
‫ومن بعض عطاءات الحق سبحانه أن يأتي المَدّ أحيانا ثم َيعْقبه الجَزْر؛ فيبقى بعض من السمك‬
‫على الشاطيء‪ ،‬أو قد تحمل موجة عفيّة بعضا من السمك وتلقيه على الشاطئ‪.‬‬
‫جهْد من النسان‪ ،‬بل إن وجودَ بعض من السماك على الشاطيء هو‬
‫وهكذا يكون العطاء بل َ‬
‫الذي نبّه النسان إلى أهمية أنْ يحتالَ ويصنع السّنارة؛ ويغزل الشبكة؛ ثم ينتقل من تلك الوسائل‬
‫البدائية إلى التقنيّات الحديثة في صيد السماك‪.‬‬
‫لكن الحلية التي يتم استخراجها من البحر فهي اللؤلؤ‪ ،‬وهي تقتضي أن يغوصَ النسان في القاع‬
‫سمَاوَاتِ َومَا فِي الَ ْرضِ َومَا‬
‫ليلتقطها‪ .‬ويلفتنا الحق سبحانه إلى أسرار كنوزه فيقول‪َ {:‬لهُ مَا فِي ال ّ‬
‫حتَ الثّرَىا }[طه‪.]6 :‬‬
‫بَيْ َن ُهمَا َومَا َت ْ‬
‫وكل كنوز المم توجد تحت الثّرى‪ .‬ونحن إنْ قسمنا الكرة الرضية كما نقسم البطيخة إلى قِطَع‬
‫كالتي نُسمّيها " شقة البطيخ " سنجد أن كنوز كل قطعة تتساوى مع كنوز القطعة الخرى في‬
‫القيمة النفعية؛ ولكن ُكلّ عطاء يوجد بجزء من الرض له ميعاد ميلد يحدده الحق سبحانه‪.‬‬
‫فهناك مكان في الرض جعل ال العطاء فيه من الزراعة؛ وهناك مكان آخر صحراوي يخاله‬
‫الناس بل أيّ نفع؛ ثم تتفجّر فيه آبار البترول‪ ،‬وهكذا‪.‬‬
‫وتسخير الحق سبحانه للبحر ليس بإيجاده فقط على الهيئة التي هو عليها؛ بل قد تجد له أشياء‬
‫طوْد العظيم‪.‬‬
‫ومهام أخرى مثل انشقاق البحر بعصا موسى عليه السلم؛ وصار كل فِرْق كال ّ‬
‫ومن قبل ذلك حين حمل اليَمّ موسى عليه السلم بعد أن ألقتْه أمه فيه بإلهام من ال‪ {:‬فَلْيُ ْلقِهِ الْ َيمّ‬
‫حلِ‪[} ...‬طه‪.]39 :‬‬
‫بِالسّا ِ‬
‫وهكذا نجد أن أمرا من ال قد صدر للبحر بأن يحملَ موسى إلى الشاطيء َفوْر أنْ تُلقيَه أمه فيه‪.‬‬
‫وهكذا يتضح لنا معنى التسخير للبحر في مهام أخرى‪ ،‬غير أنه يوجد به السمك ونستخرج منه‬
‫الحُليّ‪ .‬ونعلم أن ماءَ البحر مالح؛ عكس ماء النهر وماء المطر؛ فالمائيّة تنقسم إلى قِسْمين؛ مائية‬
‫عَذْبة‪ ،‬ومائية مِلْحية‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ع ْذبٌ فُرَاتٌ سَآئِغٌ شَرَاُب ُه وَهَـاذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ‬
‫وقوله الحق عن ذلك‪َ {:‬ومَا يَسْ َتوِي الْبَحْرَانِ هَـاذَا َ‬
‫َومِن ُكلّ تَ ْأكُلُونَ لَحْما طَرِيّا وَتَسْ َتخْرِجُونَ حِلْ َيةً تَلْبَسُو َنهَا‪[} ...‬فاطر‪.]12 :‬‬
‫ويسمّونهم الثنين على التغليب في قوله الحق‪ {:‬مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْ َتقِيَانِ }[الرحمن‪.]19 :‬‬
‫والمقصود هنا الماء العَذْب والماء المالح‪ ،‬وكيف يختلطان‪ ،‬ولكن الماء العَذْب يتسرّب إلى بطن‬
‫الرض‪ ،‬وأنت لو حفرتَ في قاع البحر لوجدتَ ماء عَذْبا‪ ،‬فالحق سبحانه هو الذي شاء ذلك وبيّنه‬
‫سمَآءِ مَآءً فَسََلكَهُ يَنَابِيعَ فِي الَ ْرضِ }[الزمر‪.]21 :‬‬
‫في قوله‪ {:‬أَلَمْ تَرَ أَنّ اللّهَ أَن َزلَ مِنَ ال ّ‬
‫وهنا يقول سبحانه‪:‬‬
‫} وَ ُهوَ الّذِي سَخّرَ الْبَحْرَ لِتَ ْأكُلُواْ مِ ْنهُ لَحْما طَرِيّا‪[ { ...‬النحل‪.]14 :‬‬
‫واللحم إذا أُطلِق يكون المقصود به اللحم المأخوذ من النعام‪ ،‬أما إذا قُيّد بـ " لحم طري "‬
‫فالمقصود هو السمك‪ ،‬وهذه مسألة من إعجازية التعبير القرآني؛ لن السمك الصالح للكل يكون‬
‫طَرّيا دائما‪.‬‬
‫ونجد مَنْ يشتري السمك وهو يَثْني السمكة‪ ،‬فإنْ كانت طريّة فتلك علمةٌ على أنها صالح ٌة للكل‪،‬‬
‫وإنْ كانت ل تنثني فهذا يعني أنها فاسدة‪ ،‬وأنت إنْ أخرجتَ سمكة من البحر تجد لحمها طَرّيا؛‬
‫فإنْ ألقيتَها في الماء فهي تعود إلى السباحة والحركة تحت الماء؛ أما إن كانت ميتة فهي تنتفخ‬
‫وتطفو‪.‬‬
‫لذلك " نهى النبي صلى ال عليه وسلم عن أكل السمك الطّافي لنه المَيْتة " ‪ ،‬وتقييد اللحم هنا بأنه‬
‫ل يأكل‬
‫طريّ كي يخرجَ عن اللحم العادي وهو َلحْم النعام؛ ولذلك نجد العلماء يقولون‪ :‬مَنْ حلفَ أ ّ‬
‫لَحْما؛ ثم أكل سمكا فهو ل يحنث؛ لن العُرْف جرى على أن اللحم هو لَحْم النعام‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه في نفس الية عن تسخير البحر‪:‬‬
‫} وَتَسْ َتخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُو َنهَا‪[ { ...‬النحل‪.]14 :‬‬
‫وهكذا نجد أن هذه المسألة تأخذ جهدا؛ لنها رفاهية؛ أما السمك فقال عنه مباشرة‪:‬‬
‫} لِتَ ْأكُلُواْ مِنْهُ لَحْما طَرِيّا‪[ { ...‬النحل‪.]14 :‬‬
‫ن تتعبَ‬
‫والكْل أمر ضروري لذلك تكفّله ال وأعطى التسهيلت في صَيْده‪ ،‬أما الزينة فلكَ أ ْ‬
‫س في‬
‫لتستخرجه‪ ،‬فهو تَ َرفٌ‪ .‬وضروريات الحياة َمجْزولة؛ أما تَرَف الحياة فيقتضي منك أنْ تغط َ‬
‫الماء وتتعبَ من أجله‪.‬‬
‫ن يرتقيَ في معيشته؛ فَلْيُكثِر من دخله ببذل عرقه؛ ل أنْ يُترِف‬
‫وفي هذا إشارة إلى أن مَنْ يريد أ ْ‬
‫معيشته من عرق غيره‪.‬‬
‫ويقول سبحانه‪:‬‬
‫} َتسْتَخْ ِرجُواْ مِنْهُ حِلْ َيةً تَلْبَسُو َنهَا‪[ { ...‬النحل‪.]14 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والحِلْية كما نعلم تلبسها المرأة‪ .‬والمَلْحظ الدنى هنا أن زينةَ المرأة هي من أجلْ الرجل؛ فكأن‬
‫الرجلَ هو الذي يستمتع بتلك الزينة‪ ،‬وكأنه هو الذي يتزّين‪ .‬أو‪ :‬أن هذه المُسْتخرجات من البحر‬
‫ليست مُحرّمة على الرجال مِثْل الذهب والحرير؛ فالذهب والحرير َنقْد؛ أما اللؤلؤ فليس َنقْدا‪.‬‬
‫واللبس هو الغالب الشائع‪ ،‬وقد يصِحّ أنْ تُصنعَ من تلك الحلية عَصا أو أي شيء مما تستخدمه‪.‬‬
‫ويتابع سبحانه في نفس الية‪:‬‬
‫} وَتَرَى ا ْلفُ ْلكَ َموَاخِرَ فِيهِ { [النحل‪.]14 :‬‬
‫ولم تكُن هناك بواخر كبيرة كالتي في عصرنا هذا بل فُلُك صغيرة‪ .‬ونعلم أن نوحا عليه السلم‬
‫سخِر منه قومه؛ ولو كان ما يصنعه أمرا عاديا َلمَا سَخِروا منه‪.‬‬
‫هو أول مَنْ صنع الفُلْك‪ ،‬و َ‬
‫حمَلْنَاهُ‬
‫وبطبيعة الحال لم َيكُنْ هناك مسامير لذلك ربطها بالحبال؛ ولذلك قال الحق سبحانه عنه‪ {:‬وَ َ‬
‫ح وَ ُدسُرٍ }[القمر‪.]13 :‬‬
‫عَلَىا ذَاتِ أَ ْلوَا ٍ‬
‫وكان جَرْي مركب نوح بإرادة ال‪ ،‬ولم يكُنْ العلْم قد تقدّم ليصنع البشر المراكب الضخمة التي‬
‫جوَارِ ا ْلمُنشَئَاتُ فِي الْ َبحْرِ كَالَعْلَمِ }[الرحمن‪.]24 :‬‬
‫تنبّأ بها القرآن في قوله الحق‪ {:‬وَلَهُ ا ْل َ‬
‫ونحن حين نقرؤها الن نتعجّب من قدرة القرآن على التنبؤ بما اخترعه البشر؛ فالقرآن عالم بما‬
‫جدّ؛ ل بقهريات القتدار فقط؛ بل باختيارات البشر أيضا‪.‬‬
‫يَ ِ‬
‫وقوله الحق‪:‬‬
‫} وَتَرَى ا ْلفُ ْلكَ َموَاخِرَ فِيهِ‪.‬‬
‫‪[ { ..‬النحل‪.]14 :‬‬
‫والمَاخِر هو الذي يشق حلزومه الماء‪ ،‬والحُلْزوم هو الصدر‪ .‬ونجد مَنْ يصنعون المراكب يجعلون‬
‫المقدمة حادةً لتكون رأس الحربة التي تشق المياه بخرير‪.‬‬
‫وفي هذه الية امتنّ الحق سبحانه على عباده بثلثة أمور‪ :‬صيد السمك‪ ،‬واستخراج الحُليّ‪ ،‬وسَيْر‬
‫الفلْك في البحر؛ ثم يعطف عليهم ما يمكن أن يستجدّ؛ فيقول‪:‬‬
‫} وَلِتَبْ َتغُواْ مِن َفضْلِهِ‪[ { ...‬النحل‪.]14 :‬‬
‫وكأن البواخر وهي تشقّ الماء ويرى النسان الماءَ اللين‪ ،‬وهو يحمل الجسم الصّلْب للباخرة فيجد‬
‫فيه متعة‪ ،‬فضلً عن أن هذه البواخر تحمل النسانَ من مكان إلى مكان‪.‬‬
‫ويُذيّل الحق سبحانه الية بقوله‪:‬‬
‫شكُرُونَ { [النحل‪.]14 :‬‬
‫} وََلعَّلكُمْ َت ْ‬
‫ول يُقال ذلك إل في سَرْد نعمة آثارُها واضحة ملحوظة تستحقّ الشكر من العقل العادي والفطرة‬
‫العادية‪ ،‬وشاء سبحانه أنْ يتركَ الشّكر للبشر على تلك النعم‪ ،‬ولم يُسخرهم شاكرين‪.‬‬
‫ويقول سبحانه من بعد ذلك‪ } :‬وَأَ ْلقَىا فِي الَ ْرضِ‪.{ ...‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫(‪)1899 /‬‬
‫سيَ أَنْ َتمِيدَ ِبكُ ْم وَأَ ْنهَارًا وَسُبُلًا َلعَّلكُمْ َتهْتَدُونَ (‪)15‬‬
‫وَأَ ْلقَى فِي الْأَ ْرضِ َروَا ِ‬

‫وهكذا يدلّنا الحق سبحانه على أن الرض قد خُلِقت على مراحل‪ ،‬ويشرح ذلك قوله سبحانه‪ُ {:‬قلْ‬
‫ج َعلَ فِيهَا‬
‫جعَلُونَ َلهُ أَندَادا ذَِلكَ َربّ ا ْلعَاَلمِينَ * وَ َ‬
‫ق الَ ْرضَ فِي َي ْومَيْنِ وَتَ ْ‬
‫أَإِ ّنكُمْ لَ َت ْكفُرُونَ بِالّذِي خَلَ َ‬
‫سوَآءً لّلسّآئِلِينَ }[فصلت‪.]10-9 :‬‬
‫سيَ مِن َف ْوقِهَا وَبَا َركَ فِيهَا َوقَدّرَ فِيهَآ َأ ْقوَا َتهَا فِي أَرْ َبعَةِ أَيّامٍ َ‬
‫َروَا ِ‬
‫وهكذا عَلِمنا أن جِرْم الرض العام قد خُلِق أولً؛ وهو مخلوق على هيئة الحركة؛ ولن الحركة‬
‫هي التي تأتي بالمَيدان ـ التأرجّح يمينا وشمالً ـ وعدم استقرار الجِرْم على َوضْع‪ ،‬لذلك شاء‬
‫سبحانه أن يخلق في الرض الرواسي لتجعلها تبدو ثابتة غير مُقلقة والرّاسي هو الذي يَثبت‪.‬‬
‫ولو كانت الرض مخلوقة على هيئة الستقرار لما خلق ال الجبال‪ ،‬ولكنه خلقَ الرض على هيئة‬
‫الحركة‪ ،‬ومنع أنْ تميدَ بخَلْق الجبال ليجعلَ الجبال رواسيَ للرض‪.‬‬
‫وفي آية أخرى يقول سبحانه‪ {:‬وَتَرَى ا ْلجِبَالَ َتحْسَ ُبهَا جَامِ َد ًة وَ ِهيَ َتمُرّ مَرّ السّحَابِ }[النمل‪.]88 :‬‬
‫وكلمة { وَأَ ْلقَىا } تدلّ على أن الجبال شيء متماسك ُوضِع ليستقر‪.‬‬
‫ثم يعطف سبحانه على الجبال‪:‬‬
‫{ وَأَ ْنهَارا وَسُبُلً } [النحل‪.]15 :‬‬
‫ولم يَ ْأتِ الحق سبحانه فعل يناسب النهار‪ ،‬ومن العجيب أن السلوب يجمع جمادا في الجبال‪،‬‬
‫وسيولة في النهار‪ ،‬وسبلً أي طرقا‪ ،‬و ُكلّ ذلك‪:‬‬
‫{ ّلعَّل ُكمْ َتهْتَدُونَ } [النحل‪.]15 :‬‬
‫جعْل كلّه لعلنا نهتدي‪.‬‬
‫أي‪ :‬أن ال َ‬
‫ونعلم أن العرب كانوا يهتدوا بالجبال‪ ،‬ويجعلون منها علمات‪ ،‬والمثَل هو جبل " هرشا " الذي‬
‫يقول فيه الشاعر‪:‬خُذُوا َبطْن هرشا أو َقفَاهَا فإنّهُ كِلَ جَانِبي هرشا َلهُنّ طَريقُوأيضا جبل التوباد‬
‫كان يُعتبر علمة‪.‬‬
‫وكذلك َقوْل الحق سبحانه‪ {:‬وَنَادَيْنَاهُ مِن جَا ِنبِ الطّو ِر الَ ْيمَنِ }[مريم‪.]52 :‬‬
‫وهكذا نجد من ضمن فوائد الجبال أنها علماتٌ نهتدي بها إلى الطرق وإلى الماكن‪ ،‬وتلك من‬
‫المهام الجانبية للجبال‪.‬‬
‫أو‪:‬‬
‫{ ّلعَّل ُكمْ َتهْتَدُونَ } [النحل‪.]15 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫باتعاظكم بالشياء المخلوقة لكم‪ ،‬كي تهتدوا ِلمَنْ أوجدها لكم‪.‬‬
‫ت وَبِالنّجْمِ‪.} ...‬‬
‫ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك‪ { :‬وَعَلمَا ٍ‬

‫(‪)1900 /‬‬
‫جمِ ُهمْ َيهْتَدُونَ (‪)16‬‬
‫ت وَبِالنّ ْ‬
‫وَعَلَامَا ٍ‬

‫أي‪ :‬أن ما تقدم من خَلْق ال هو علمات تدلّ على ضرورة أنْ تروا المنافع التي أودعها ال فيما‬
‫خلق لكم؛ وتهتدوا إلى اليمان بإله مُوجِد لهذه الشياء لصالحكم‪.‬‬
‫وما سبق من علمات مَقرّه الرض‪ ،‬سواء الجبال أو النهار أو السّبل؛ وأضاف الحق سبحانه لها‬
‫في هذه الية علمة توجد في السماء‪ ،‬وهي النجوم‪.‬‬
‫ونعلم أن كلّ مَنْ يسير في البحر إنما يهتدي بالنجم‪ .‬وتكلم عنها الحق سبحانه هنا كتسخير‬
‫مُخْتص؛ ولم يُدخِلها في التسخيرات المتعددة؛ ولن نجما يقود لنجم آخر‪ ،‬وهناك نجوم لم يصلنا‬
‫ضوؤها بعد‪ ،‬وننتفع بآثارها من خلل غيرها‪.‬‬
‫ونعلم أن قريشا كانت لها رحلتان في العام‪ :‬رحلة الشتاء‪ ،‬ورحلة الصيف‪ .‬وكانت تسلك سبلً‬
‫متعددة‪ ،‬فتهتدي بالنجوم في طريقها‪ ،‬ولذلك ل بد أن يكون عندها خبرة بمواقع النجوم‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ وَبِالنّجْمِ ُهمْ َيهْتَدُونَ } [النحل‪.]16 :‬‬
‫قد فضّل الحق هذا السلوب من بين ثلثة أساليب يمكن أنْ تُؤدي المعنى؛ هي‪ " :‬يهتدون بالنجم "‬
‫و " بالنجم يهتدون " والثالث‪ :‬هو الذي استخدمه الحق فقال‪:‬‬
‫{ وَبِالنّجْمِ ُهمْ َيهْتَدُونَ } [النحل‪.]16 :‬‬
‫وذلك تأكيد على خبرة قريش بمواقع النجوم؛ لنها تسافر كل عام رحلتين‪ ،‬ولم يكن هناك آخرون‬
‫يملكون تلك الخبرة‪.‬‬
‫والضمير " هم " جاء ليعطي خصوصيتين؛ الولى‪ :‬أنهم يهتدون بالنجم ل بغيره؛ والثانية‪ :‬أن‬
‫قريشا تهتدي بالنجم‪ ،‬بينما غيرُها من القبائل ل تستطيع أن تهتدي به‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك‪َ { :‬أ َفمَن َيخُْلقُ َكمَن لّ‪.} ...‬‬

‫(‪)1901 /‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫َأ َفمَنْ يَخُْلقُ َكمَنْ لَا َيخْلُقُ َأفَلَا تَ َذكّرُونَ (‪)17‬‬

‫ونعلم أن الكلم الذي يلقيه المتكلم للسامع يأخذ صورا متعددة؛ فمرّة يأخذ صورة الخبر‪ ،‬كأن‬
‫يقول‪ :‬مَنْ ل يخلق ليس كَمنْ يخلق‪ .‬وهذا كلم خبريّ‪ ،‬يصح أنْ تُصدّقه‪ ،‬ويصحّ ألّ تُصدّقه‪.‬‬
‫أما إذا أراد المتكلم أن يأتي منك أن التصديق‪ ،‬ويجعلك تنطق به؛ فهو يأتي لك بصيغة سؤال‪ ،‬ل‬
‫تستطيع إل أنْ تجيبَ عليه بالتأكيد ِلمَا يرغبه المتكلّم‪.‬‬
‫ونعلم أن قريشا كانت تعبد الصنام؛ وجعلوها آلهة؛ وهي لم تكلمهم‪ ،‬ولم تُنزِل منهجا‪ ،‬وقالوا ما‬
‫أورده الحق سبحانه على ألسنتهم‪ {:‬مَا َنعْبُدُ ُهمْ ِإلّ لِ ُيقَرّبُونَآ إِلَى اللّهِ زُ ْلفَى }[الزمر‪.]3 :‬‬
‫فلماذا إذن ل يعبدون ال مباشرة دون وساطة؟ ولماذا ل يرفعون عن أنفسهم مشقة العبادة‪،‬‬
‫ويتجهون إلى ال مباشرة؟‬
‫ثم لنسأل‪ :‬ما هي العبادة؟‬
‫نعلم أن العبادة تعني الطاعة في " افعل " و " ل تفعل " التي تصدر من المعبود‪ .‬وبطبيعة الحال ل‬
‫توجد أوامر أو تكاليف من الصنام ِلمَنْ يعبدونها‪ ،‬فهي معبودات بل منهج‪ ،‬وبل جزاء ِلمَن‬
‫خالف‪ ،‬وبل ثواب ِلمَنْ أطاع‪ ،‬وبالتالي ل تصلح تلك الصنام للعبادة‪.‬‬
‫ولنناقش المسألة من زاوية أخرى‪ ،‬لقد أوضح الحق سبحانه أنه هو الذي خلق السماوات‬
‫والرض‪ ،‬والليل والنهار‪ ،‬والشمس والقمر‪ ،‬وسخر كل الكائنات لخدمة النسان الذي أوكل إليه‬
‫مهمة خلفته في الرض‪.‬‬
‫ل تلك المور ل يدعيها أحد غير ال‪ ،‬بل إنك إنْ سألتَ الكفار والمشركين عمّن خلقهم ليقولن‬
‫وك ّ‬
‫ال‪.‬‬
‫قال الحق سبحانه‪ {:‬وَلَئِن سَأَلْ َتهُم مّنْ خََل َقهُمْ لَ َيقُولُنّ اللّهُ }[الزخرف‪.]87 :‬‬
‫ذلك أن عملية اليجاد والخَلْق ل يجرؤ أحدٌ أنْ يدّعيَها إنْ لم يكُنْ هو الذي أبدعها‪ ،‬وحين تسألهم‪:‬‬
‫مَنْ خلق السماوات والرض لقالوا‪ :‬إنه ال‪.‬‬
‫وقد أبلغهم محمد صلى ال عليه وسلم أن ال هو الذي خلق السماوات والرض‪ ،‬وأن منهجه‬
‫لدارة الكون يبدأ من عبادته سبحانه‪.‬‬
‫وما دام قد ادّعى الحق سبحانه ذلكن ولم يوجد مَنْ ينازعه؛ فالدعوة تثبُت له إلى أنْ يوجد‬
‫معارض‪ ،‬ولم يوجد هذا ال ُمعَارض أبدا‪.‬‬
‫وهنا في الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها؛ لم َيقُل الحق سبحانه " أتجعلون مَنْ ل يخلق مِثْل‬
‫من يخلق "‪ .‬بل قال‪:‬‬
‫{ َأ َفمَن َيخْلُقُ َكمَن لّ َيخْلُقُ َأفَل َت َذكّرُونَ } [النحل‪.]17 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ووراء ذلك حكمة؛ فهؤلء الذين نزل إليهم الحديث تعاملوا مع الصنام وكأنها ال؛ وتوهّموا أن‬
‫ال مخلوق مثل تلك الصنام؛ ولذلك جاء القول الذي يناسب هذا التصوّر‪.‬‬
‫والحق سبحانه يريد أنْ يبطل هذا التصوّر من الساس؛ فأوضح أن مَنْ تعبدونهم هم أصنام من‬
‫حسْب تصوّركم وقدراتكم‪.‬‬
‫الحجارة وهي مادة ولها صورة‪ ،‬وأنتم صنعتموها على َ‬
‫وفي هذه الحالة يكون المعبود أقلّ درجة من العابد وأدنى منه؛ فضلً عن أن تلك الصنام ل تملك‬
‫ِلمَنْ يعبدها ضرا ول نفعا‪.‬‬
‫سكُم ضُرّ؟‬
‫ثم‪ :‬لماذا تدعون ال إنْ م ّ‬
‫إن النسان يدعو ال في موقف الضر؛ لنه لحظتها ل يجرؤ على خداع نفسه‪ ،‬أما اللهة التي‬
‫س ِمعُواْ مَا اسْتَجَابُواْ‬
‫س َمعُواْ دُعَآ َء ُك ْم وََلوْ َ‬
‫صنعوها وعبدوها فهي ل تسمع الدعاء‪ {:‬إِن تَدْعُو ُه ْم لَ يَ ْ‬
‫َلكُ ْم وَ َيوْمَ ا ْلقِيَامَةِ َي ْكفُرُونَ ِبشِ ْركِـكُ ْم وَلَ يُنَبّ ُئكَ مِ ْثلُ خَبِيرٍ }[فاطر‪.]14 :‬‬
‫فكيف إذن تساوون بين مَنْ ل يخلق‪ ،‬ومن يخلق؟ إن عليكم أنْ تتذكّروا‪ ،‬وأنْ تتفكّروا‪ ،‬وأن ُت ْعمِلوا‬
‫عقولكم فيما ينفعكم‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك‪ { :‬وَإِن َت ُعدّواْ ِن ْعمَةَ‪.} ...‬‬

‫(‪)1902 /‬‬
‫حصُوهَا إِنّ اللّهَ َل َغفُورٌ رَحِيمٌ (‪)18‬‬
‫وَإِنْ َتعُدّوا ِن ْعمَةَ اللّهِ لَا تُ ْ‬

‫وهذه الية سبقتْ في سورة إبراهيم؛ فقال الحق سبحانه هناك‪ {:‬وَآتَاكُم مّن ُكلّ مَا سَأَلْ ُتمُوهُ وَإِن‬
‫حصُوهَا إِنّ النْسَانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ }[إبراهيم‪.]34 :‬‬
‫َتعُدّواْ ِن ْع َمتَ اللّ ِه لَ تُ ْ‬
‫حقّها‪ ،‬وجحدوا‬
‫وكان الحديث في مجال مَنْ لم يعطوا اللوهية الخالقة‪ ،‬والربوبية الموجدة‪ ،‬وال ُممِدّة َ‬
‫كل ذلك‪ .‬ونفس الموقف هنا حديث عن نفس القوم‪ ،‬فيُوضّح الحق سبحانه‪:‬‬
‫أنتم لو استعرضتم نِعمَ ال فلن تحصوها‪ ،‬ذلك أن المعدود دائما يكون مكرر الفراد؛ ولكن النعمة‬
‫الواحدة في نظرك تشتمل على ِنعَم ل تُحصَى ول ُتعَد؛ فما بالك بالنّعم مجتمعة؟‬
‫أو‪ :‬أن الحق سبحانه ل يمتنّ إل بشيء واحد‪ ،‬هو أنه قد جاء لكم بنعمة‪ ،‬وتلك النعمة أفرادها كثير‬
‫جدا‪.‬‬
‫ويُنهي الحق سبحانه الية بقوله‪:‬‬
‫{ إِنّ اللّهَ َل َغفُورٌ رّحِيمٌ } [النحل‪.]18 :‬‬
‫أي‪ :‬أنكم رغم ُكفْركم سيزيدكم من النعم‪ ،‬ويعطيكم من مناط الرحمة‪ ،‬فمنكم الظلم‪ ،‬ومن ال‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الغفران‪ ،‬ومنكم الكفر ومن ال الرحمة‪.‬‬
‫وكأنّ تذييل الية هنا يرتبط بتذييل الية التي في سورة إبراهيم حيث قال هناك‪ {:‬إِنّ النْسَانَ‬
‫لَظَلُومٌ كَفّارٌ }[إبراهيم‪.]34 :‬‬
‫فهو سبحانه غفور لجحدكم و ُنكْرانكم لجميل ال‪ ،‬وهو رحيم‪ ،‬فيوالي عليكم ال ّنعَم رغم أنكم ظالمون‬
‫وكافرون‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك‪ { :‬وَاللّهُ َيعْلَمُ مَا ُتسِرّونَ‪.} ..‬‬

‫(‪)1903 /‬‬
‫ن َومَا ُتعْلِنُونَ (‪)19‬‬
‫وَاللّهُ َيعْلَمُ مَا تُسِرّو َ‬

‫والسّر ـ كما نعلم ـ هو ما حبْسته في نفسك‪ ،‬أو ما أسر ْرتَ به لغيرك‪ ،‬وطلبتَ منه ألّ يُعلِمه‬
‫خفَى }[طه‪.]7 :‬‬
‫لحد‪ .‬والحق سبحانه يعلم السّر‪ ،‬بل يعلم ما هو َأخْفى فهو القائل‪َ {:‬يعَْلمُ السّرّ وَأَ ْ‬
‫أي‪ :‬أنه يعلم ما نُسِره في أنفسنا‪ ،‬ويعلم أيضا ما يمكن أن يكون سِرا قبل أن ُنسِرّه في أنفسنا‪ ،‬وهو‬
‫سبحانه ل يعلم السّر فقط؛ بل يعلم العَلَن أيضا‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك‪ { :‬وَالّذِينَ يَدْعُونَ مِن‪.} ..‬‬

‫(‪)1904 /‬‬
‫وَالّذِينَ َيدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ لَا يَخُْلقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخَْلقُونَ (‪)20‬‬

‫أي‪ :‬أنهم ل يستطيعون أنْ يخلقوا شيئا؛ بل هم يُخْلقون‪ ،‬والصنام كما قُلْنا هي أدنى ِممّنْ‬
‫ن يكونَ المعبود أَدْنى من العابد؟ وذلك تسفيهٌ لعبادتهم‪.‬‬
‫يخلقونها‪ ،‬فكيف يستوي أ ْ‬
‫ولذلك يقول الحق سبحانه على لسان سيدنا إبراهيم عليه السلم لحظةَ أنْ حطّم الصنام‪ ،‬وسأله‬
‫أهله‪ :‬مَنْ فعل ذلك بآلهتنا؟ وأجاب‪ {:‬قَالَ َبلْ َفعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـاذَا }[النبياء‪.]63 :‬‬
‫فقالوا له‪ :‬إن الكبير مجرّد صنم‪ ،‬وأنت تعلم أنه ل يقدر على شيء‪.‬‬
‫ونجد القرآن يقول لمثال هؤلء‪ {:‬أَ َتعْ ُبدُونَ مَا تَ ْنحِتُونَ }[الصافات‪.]95 :‬‬
‫فهذه اللهة ـ إذن ـ ل تخلق بل تُخلق‪ ،‬ولكن ال هو خالق كل شيء‪ ،‬وسبحانه القائل‪ {:‬ياأَ ّيهَا‬
‫س ضُ ِربَ مَ َثلٌ فَاسْ َت ِمعُواْ َلهُ إِنّ الّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ لَن َيخُْلقُواْ ذُبَابا وََلوِ اجْ َت َمعُواْ لَ ُه وَإِن‬
‫النّا ُ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ضعُفَ الطّاِلبُ وَا ْل َمطْلُوبُ }[الحج‪.]73 :‬‬
‫يَسْلُ ْبهُمُ الذّبَابُ شَيْئا لّ َيسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ َ‬
‫ويذكر الحق سبحانه من بعد ذلك أوصاف تلك الصنام‪َ { :‬أمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍ‪.} ...‬‬

‫(‪)1905 /‬‬
‫شعُرُونَ أَيّانَ يُ ْبعَثُونَ (‪)21‬‬
‫َأ ْموَاتٌ غَيْرُ َأحْيَا ٍء َومَا يَ ْ‬

‫س ول حركة‪ ،‬وقوله‪:‬‬
‫ح ّ‬
‫وهم بالفعل أموات؛ لنهم بل ِ‬
‫{ غَيْرُ أَحْيَآءٍ‪[ } ..‬النحل‪.]21 :‬‬
‫تفيد أنه لم تكُنْ لهم حياة من قَبْل‪ ،‬ولم تثبت لهم الحياة في دورة من دورات الماضي أو الحاضر‬
‫أو المستقبل‪.‬‬
‫وهكذا تكتمل أوصاف تلك الصنام‪ ،‬فهم ل يخلقون شيئا‪ ،‬بل هم مخلوقون بواسطة مَنْ نحتُوهم‪،‬‬
‫وتلك الصنام والوثان لن تكون لها حياة في الخرة‪ ،‬بل ستكون َوقُودا للنار‪.‬‬
‫جهُ ْم َومَا كَانُواْ َيعْبُدُونَ }[الصافات‪.]22 :‬‬
‫والحق سبحانه هو القائل‪ {:‬احْشُرُواْ الّذِينَ ظََلمُو ْا وَأَ ْزوَا َ‬
‫وبطبيعة الحال لن تشعرَ تلك الحجارةُ ببعْث مَنْ عبدوها‪.‬‬
‫ويُصفّي الحق سبحانه من بعد ذلك المسألة العقدية‪ ،‬فيقول‪ { :‬إِل ُهكُمْ إِل ٌه وَاحِدٌ‪.} ...‬‬

‫(‪)1906 /‬‬
‫إَِل ُهكُمْ إَِل ٌه وَاحِدٌ فَالّذِينَ لَا ُي ْؤمِنُونَ بِالْآَخِ َرةِ قُلُو ُبهُمْ مُ ْنكِ َرةٌ وَ ُهمْ مُسْ َتكْبِرُونَ (‪)22‬‬

‫وقَوْله الحق‪:‬‬
‫{ إِل ُهكُمْ إِلهٌ وَاحِدٌ‪[ } ...‬النحل‪.]22 :‬‬
‫ن يكونَ هناك أفراد غيره مثله‪ ،‬وقد يتصوّر البعض أنها تُساوي كلمة " أحد "‪ .‬وأقول‪ :‬إن‬
‫تمنع أ ْ‬
‫كلمة " أحد " هي منع أن يكونَ له أجزاء؛ فهو مُنزّه عن ال ّتكْرار أو التجزيء‪.‬‬
‫طمْأن ٌة للمؤمنين بأنهم قد وصلوا إلى ِقمّة الفهم والعتقاد بأن ال واحد‪.‬‬
‫وفي هذا القول َ‬
‫غصْبا‪ ،‬وبهذا القول يكشف‬
‫أو‪ :‬هو يُوضّح للكافرين أن ال واحدٌ رغم أنوفكم‪ ،‬وستعودون إليه َ‬
‫الحق سبحانه عن الفطرة الموجودة في النفس البشرية التي شهدتْ في عالم الذّرّ أن ال واحد ل‬
‫حقّ‪.‬‬
‫شريك له‪ ،‬وأن القيامة والبعث َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ولكن الذين ل يؤمنون بال وبالخرة هم مَنْ ستروا عن أنفسهم فطرتهم‪ ،‬فكلمة الكفر كما سبق أنْ‬
‫قلنا هي ستر يقتضي مستورا‪ ،‬والكفر يستر إيمانَ الفطرة الولى‪.‬‬
‫والذين يُنكرون الخرة إنما َيحْرِمون أنفسهم من تصوّر ما سوف يحدث حَتْما؛ وهو الحساب الذي‬
‫سيجازي بالثواب والحسنات على الفعال الطيبة‪ ،‬ولعل سيئاتهم تكون قليلة؛ فيجبُرها الحق سبحانه‬
‫لهم وينالون الجنة‪.‬‬
‫والمُسْرفون على أنفسهم؛ يأملون أن تكون قضيةُ الدين كاذبة‪ ،‬لنهم يريدون أن يبتعدوا عن تصوّر‬
‫ن ألّ يوجدَ حساب‪.‬‬
‫الحساب‪ ،‬ويتم ّنوْ َ‬
‫و َيصِفُهم الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ قُلُو ُبهُم مّنكِ َر ٌة وَهُم مّسْ َتكْبِرُونَ } [النحل‪.]22 :‬‬
‫أي‪ :‬أنهم ل يكتفُون بإنكار الخرة فقط؛ بل يتعاظمون بدون وجه للعظمة‪.‬‬
‫ن يملكَ مُقوّمات الكِبر‪ ،‬ذلك أن " الكبير " يجب أن‬
‫و " استكبر " أي‪ :‬نصّب من نفسه كبيرا دون أ ْ‬
‫يستندَ ِلمُقوّمات الكِبَر؛ ويضمن لنفسه أنْ تظلّ تلك المُقوّمات ذاتيةً فيه‪.‬‬
‫ولكِنّا نحن البشر أبناءُ أغيارٍ؛ لذلك ل يصِحّ لنا أنْ نتكَبّر؛ فالواحد مِنّا قد يمرض‪ ،‬أو تزول عنه‬
‫أعراض الثروة أو الجاه‪ ،‬فصفات وكمالت الكبر ليست ذاتية في أيّ مِنّا؛ وقد تُسلب ممّنْ فاء ال‬
‫عليه بها؛ ولذلك يصبح من اللئق أن يتواضعَ ُكلّ مِنّا‪ ،‬وأنْ يستحضرَ ربّه‪ ،‬وأنْ يتضاءلَ أمام‬
‫خالقه‪.‬‬
‫فالحق سبحانه وحده هو صاحب الحق في التكبّر؛ وهو سبحانه الذي تبلغ صفاته ومُقوّماته منتهى‬
‫الكمال‪ ،‬وهي ل تزول عنه أبدا‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك‪ { :‬لَ جَرَمَ أَنّ اللّهَ‪.} ...‬‬

‫(‪)1907 /‬‬
‫حبّ ا ْل ُمسْ َتكْبِرِينَ (‪)23‬‬
‫ن َومَا ُيعْلِنُونَ إِنّهُ لَا يُ ِ‬
‫لَا جَ َرمَ أَنّ اللّهَ َيعْلَمُ مَا يُسِرّو َ‬

‫حقّ ثابت‪ ،‬فـ " ل " نافية‪ ،‬و " جرم "‬
‫وساعة نرى { لَ جَرَمَ } فمعناها أنّ ما يأتي بعدها هو َ‬
‫مأخوذة من " الجريمة " ‪ ،‬وهي كَسْر شيء ُم ْؤمَن به لسلمة المجموع‪ .‬وحين نقول " ل جرم "‬
‫حقّ ثابت‪.‬‬
‫أي‪ :‬أن ما بعدها َ‬
‫وما بعد { لَ جَرَمَ } هنا هو‪ :‬أن ال يعلم ما يُسِرون وما يُعلِنون‪.‬‬
‫وكُلّ آيات القرآن التي ورد فيها قوله الحق { لَ جَرَمَ } تُؤدّي هذا المعنى‪ ،‬مثل قوله الحق‪ {:‬لَ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫جَ َرمَ أَنّ َلهُمُ الْنّا َر وَأَ ّنهُمْ ّمفْرَطُونَ }[النحل‪.]62 :‬‬
‫وكذلك قوله الحق‪ {:‬لَ جَرَمَ أَ ّن ُهمْ فِي الخِ َرةِ هُمُ الْخَاسِرونَ }[النحل‪.]109 :‬‬
‫وقد قال بعض العلماء‪ :‬إن قوله الحق { لَ جَ َرمَ } يحمل معنى " ل بُدّ " ‪ ،‬وهذا يعني أن قوله‬
‫ن َومَا ُيعْلِنُونَ‪[ } ...‬النحل‪..]23 :‬‬
‫الحق‪ { :‬لَ جَرَمَ أَنّ اللّهَ َيعَْلمُ مَا يُسِرّو َ‬
‫ل ُبدّ أن يعلم ال ما يُسِرون وما يُعلِنون‪ ،‬ول مناصَ من أن الذين كفروا هم الخاسرون‪ .‬وقد حَّللَ‬
‫العلماء اللفظ لِيصِلوا إلى أدقّ أسراره‪.‬‬
‫ل العمال‪.‬‬
‫جهْر فقط‪ ،‬بل على السّر أيضا؛ ذلك أنه سيحاسبهم على ُك ّ‬
‫وعِلْم ال ل ينطبق على ال َ‬
‫ويُنهِي الحق سبحانه الية بقوله‪:‬‬
‫حبّ ا ْلمُسْ َتكْبِرِينَ } [النحل‪.]23 :‬‬
‫{ إِنّ ُه لَ يُ ِ‬
‫وإذا سألنا‪ :‬وما علقةُ عِلْم ال بالعقوبة؟ ونقول‪ :‬ألم يقولوا في أنفسهم‪َ {:‬ل ْولَ ُيعَذّبُنَا اللّهُ ِبمَا َنقُولُ‪..‬‬
‫}[المجادلة‪.]8 :‬‬
‫وإذا ما نزل قول الحق سبحانه لِيُخبرهم بما قالوه في أنفسهم؛ فهذا دليل على أن مَنْ يُبلِغهم صادقٌ‬
‫في البلغ عن ال‪ ،‬ورغم ذلك فقد استكبروا؛ وتأ ّبوْا وعاندوا‪ ،‬وأخذتهم العزة بالثم‪ ،‬وأرادوا‬
‫بالستكبار الهرب من اللتزام بالمنهج الذي جاءهم به الرسول صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك‪ { :‬وَِإذَا قِيلَ َلهُمْ‪.} ...‬‬

‫(‪)1908 /‬‬
‫وَإِذَا قِيلَ َلهُمْ مَاذَا أَنْ َزلَ رَ ّبكُمْ قَالُوا َأسَاطِيرُ الَْأوّلِينَ (‪)24‬‬

‫وقوله الحق‪:‬‬
‫{ مّاذَآ أَنْ َزلَ رَ ّبكُمْ‪[ } ...‬النحل‪.]24 :‬‬
‫يُوضّح الستدراك الذي أجراه ال على لسان المُتكلّم؛ ليعرفوا أن لهم ربا‪ .‬ولو لم يكونوا مؤمنين‬
‫بِ َربّ‪ ،‬لعلنوا ذلك‪ ،‬ولكنهم من غفلتهم اعترضوا على النزال‪ ،‬ولم يعترضوا على أن لهم ربا‪.‬‬
‫وهذا دليل على إيمانهم بربّ خالق؛ ولكنهم يعترضون على محمد صلى ال عليه وسلم وما أُنزِل‬
‫إليه من ال‪.‬‬
‫و‪:‬‬
‫لوّلِينَ } [النحل‪.]24 :‬‬
‫{ قَالُواْ َأسَاطِي ُر ا َ‬
‫والساطير‪ :‬هي الكاذيب‪ ،‬ولو كانوا صادقين مع أنفسهم َلمَا أقرّوا باللوهية‪ ،‬ورفضوا أيضا‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫القول المُنْزل إليهم‪.‬‬
‫لوّلِينَ اكْتَتَ َبهَا َف ِهيَ ُتمْلَىا عَلَ ْيهِ ُبكْ َر ًة وََأصِيلً }[الفرقان‪.]5 :‬‬
‫ومنهم من قال‪َ {:‬وقَالُواْ َأسَاطِي ُر ا َ‬
‫ولكن هناك جانب آخر كان له موقف مختلف سيأتي تبيانه من بعد ذلك‪ ،‬وهم الجانب ال ُمضَادّ‬
‫لهؤلء؛ حيث يقول الحق سبحانه‪َ {:‬وقِيلَ لِلّذِينَ ا ّت َقوْاْ مَاذَا أَنْ َزلَ رَ ّبكُمْ قَالُواْ خَيْرا لّلّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي‬
‫ها ِذهِ الْدّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الخِ َرةِ خَيْرٌ }[النحل‪.]30 :‬‬
‫ووراء ذلك قصة تُوضّح جوانب الخلف بين فريق مؤمن‪ ،‬وفريق كافر‪.‬‬
‫فحين دعا رسول ال صلى ال عليه وسلم قومه وعشيرته إلى اليمان بال الواحد الذي أنزل عليه‬
‫منهجا في كتاب مُعجز‪ ،‬بدأت أخبار رسول ال صلى ال عليه وسلم تنتشر بين قبائل الجزيرة‬
‫العربية كلها‪ ،‬وأرسلت ُكلّ قبيلة وفدا منها لتتعرف وتستطلع مسألة هذا الرسول‪.‬‬
‫ولكن ُكفّار قريش أرادوا أن يصدّوا عن سبيل ال؛ فقسّموا أنفسهم على مداخل مكة الربعة‪ ،‬فإذا‬
‫سألهم سائل من وفود القبائل " ماذا قال ربكم الذي أرسل لكم رسولً؟ "‪.‬‬
‫هنا يرد عليهم قسم الكفار الذي يستقبلهم‪ " :‬إنه رسول كاذب‪ ،‬يُحرّف ويُجدّف "‪ .‬والهدف طبعا أنْ‬
‫يصُ ّد الكفار وفود القبائل‪.‬‬
‫ويخبر الحق سبحانه رسوله صلى ال عليه وسلم بما حدث‪ ،‬وإذا قيل للواقفين على أبواب مكة من‬
‫الوفود التي جاءت تستطلع أخبار للرسول‪ :‬ماذا أنزل ربّكم؟ يردّون " إنه يُردّد أساطير الولين "‪.‬‬
‫وهذا الجواب الواحد من الواقفين على أبواب مكة الربعة يدلّ على أنها إجابة مُتفق عليها‪ ،‬وسبق‬
‫العداد لها‪ ،‬وقد أرادوا بذلك أنْ يَصرِفوا وفود القبائل عن الستماع لرسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم فشبّهوا ال ّذكْر المُنزّل من ال بمثل ما كان يرويه لهم ـ على سبيل المثال ـ النضر ابن‬
‫الحارث من قصص القدماء التي تتشابه مع قصص عنترة‪ ،‬وأبي زيد الهللي التي تروي في‬
‫قُرَانا‪ .‬وهذه هي الموقعة الولى في الخذ والرد‪.‬‬
‫حمِلُواْ َأوْزَارَهُمْ كَامِلَةً‪.} ...‬‬
‫ويُعقّب الحق سبحانه على قولهم هذا‪ { :‬لِيَ ْ‬

‫(‪)1909 /‬‬
‫حمِلُوا َأوْزَارَ ُهمْ كَامِلَةً َيوْمَ ا ْلقِيَامَ ِة َومِنْ َأوْزَارِ الّذِينَ ُيضِلّو َنهُمْ ِبغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (‪)25‬‬
‫لِيَ ْ‬

‫وانظر إلى قوله سبحانه‪:‬‬
‫حمِلُواْ َأوْزَارَهُمْ كَامِلَةً‪[ } ...‬النحل‪.]25 :‬‬
‫{ لِ َي ْ‬
‫لترى كيف يُوضّح الحق سبحانه أن النفس البشرية لها أحوال متعددة؛ وإذا أسرفتْ على نفسها في‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫تلك الجوانب؛ فهي قد تُسرف في الجانب الخلقي؛ والجانب الجتماعي؛ وغير ذلك‪ ،‬فتأخذ وِزْر‬
‫ُكلّ ما تفعل‪.‬‬
‫ويُوضّح هنا الحق سبحانه أيضا أن تلك النفس التي ترتكب الوزار حين ُتضِل نفسا غيرها فهي‬
‫ل تتحمل من أوزار النفس التي أضلّتها إل ما نتجَ عن الضلل؛ فيقول‪:‬‬
‫{ َومِنْ َأوْزَارِ الّذِينَ ُيضِلّو َنهُمْ ِبغَيْرِ عِلْمٍ } [النحل‪.]25 :‬‬
‫ذلك أن النفس التي تمّ إضللها قد ترتكب من الوزار في مجالت أخرى ما ل يرتبط بعملية‬
‫الضلل‪.‬‬
‫والحق سبحانه أعدل من أنْ يُحمّل حتى ال ُمضِل أوزارا لم يكُنْ هو السبب فيها؛ ولذلك قال الحق‬
‫سبحانه هنا‪:‬‬
‫{ َومِنْ َأوْزَارِ الّذِينَ ُيضِلّو َنهُمْ ِبغَيْرِ عِلْمٍ‪[ } ...‬النحل‪.]25 :‬‬
‫ضلّ يحمل أوزار نفسه‪ ،‬وكذلك يحمل بعضا من أوزار الذين أضلّهم؛ تلك الوزار‬
‫أي‪ :‬أن ال ُم ِ‬
‫الناتجة عن الضلل‪.‬‬
‫وفي هذا مُطْلق العدالة من الحق سبحانه وتعالى‪ ،‬فالذين تَمّ إضللهم يرتكبون نوعين من الوزار‬
‫والسيئات؛ أوزار وسيئات نتيجة الضلل؛ وتلك يحملها معهم مَنْ أضلوهم‪.‬‬
‫أما الوزار والسيئات التي ارتكبوها بأنفسهم دون أنْ يدفعهم لذلك مَنْ أضلّوهم؛ فهم يتحمّلون‬
‫تَبِعاتها وحدهم‪ ،‬وبذلك يحمل ُكلّ إنسان أحمال الذنوب التي ارتكبها‪.‬‬
‫وقد حسم رسول ال صلى ال عليه وسلم ذلك حين قال‪ " :‬والذي نفس محمد بيده‪ ،‬ل ينال أحد‬
‫خوَار‪ ،‬أو شاة‬
‫منكم منها شيئا إل جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه‪ ،‬بعير له رُغَاء‪ ،‬أو بقرة لها ُ‬
‫تَ ْيعَر "‪.‬‬
‫وقِسْ على ذلك من سرق في الطوب والسمنت والحديد وخدع الناس‪.‬‬
‫وحين يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ الّذِينَ ُيضِلّو َنهُمْ ِبغَيْرِ عِلْمٍ‪[ } ...‬النحل‪.]25 :‬‬
‫إنما يلفتنا إلى ضرورة ألّ تُلهينا الدنيا عن أهمّ قضية تشغل بال الخليقة‪ ،‬وهي البحث عن الخالق‬
‫خلْق‪ ،‬وأعدّ الكون لستقبالهم‪.‬‬
‫الذي أكرم ال َ‬
‫وكان يجب على هؤلء الذين سمعوا من كفار قريش أن يبحثوا عن الرسول‪ ،‬وأن يسمعوا منه؛‬
‫ن لَ َيعَْلمُونَ‬
‫فهم أُميون لم يسبق أنْ جاءهم رسول؛ وقد قال فيهم الحق سبحانه‪َ {:‬ومِ ْنهُمْ ُأمّيّو َ‬
‫ي وَإِنْ ُهمْ ِإلّ يَظُنّونَ }[البقرة‪.]78 :‬‬
‫ا ْلكِتَابَ ِإلّ َأمَا ِن ّ‬
‫فإذا ما جاءهم الرسول كان عليهم أنْ يبحثوا‪ ،‬وأنْ يسمعوا منه ل نقلً عن الكفار؛ ولذلك سيعاقبهم‬
‫ال؛ لنهم أهملوا قضية الدين‪ ،‬ولكن العقوبةَ الشديدة ستكون ِلمَنْ كان عندهم عِلْم بالكتاب‪.‬‬
‫والحق سبحانه هو القائل‪َ {:‬فوَ ْيلٌ لّلّذِينَ َيكْتُبُونَ ا ْلكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ُثمّ َيقُولُونَ هَـاذَا مِنْ عِنْدِ اللّهِ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لِيَشْتَرُواْ بِهِ َثمَنا قَلِيلً‪[} ..‬البقرة‪.]79 :‬‬
‫و َيصِف الحق سبحانه مَنْ يحملون أوزارهم وبعضا من أوزار مَنْ أضلوهم‪:‬‬
‫{ َألَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ } [النحل‪.]25 :‬‬
‫أي‪ :‬ساء ما يحملون من آثام؛ فهم َلمْ يكتفوا بأوزارهم‪ ،‬بل صَدّوا عن سبيل ال‪ ،‬ومنعُوا الغير أنْ‬
‫يستمعَ إلى قضية اليمان‪.‬‬
‫ومن نتيجة ذلك أنْ يبيح مَنْ لم يسمع لنفسه بعضا ِممّا حرم ال؛ فيتحمل مَنْ صدّهم عن السبيل‬
‫وِزْر هذا الضلل‪.‬‬
‫ولذلك نجد رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول‪ " :‬شَرّكم مَنْ باع دينه ِبدُنْياه‪ ،‬وشَرّ منه مَنْ باع‬
‫دينه بِدُنْيا غيره "‪.‬‬
‫فمَنْ باع الدين ليتمتع قليلً؛ يستحق العقاب؛ أما مَنْ باع دينه ليتمتعَ غيرُه فهو الذي سيجد العقاب‬
‫الشدّ من ال‪.‬‬
‫ويقول سبحانه من بعد ذلك‪ { :‬قَدْ َمكَرَ الّذِينَ‪.} ...‬‬

‫(‪)1910 /‬‬
‫سقْفُ مِنْ َف ْو ِقهِ ْم وَأَتَاهُمُ ا ْلعَذَابُ‬
‫قَدْ َمكَرَ الّذِينَ مِنْ قَبِْلهِمْ فَأَتَى اللّهُ بُنْيَا َنهُمْ مِنَ ا ْل َقوَاعِدِ فَخَرّ عَلَ ْيهِمُ ال ّ‬
‫شعُرُونَ (‪)26‬‬
‫مِنْ حَ ْيثُ لَا َي ْ‬

‫ويأتي الحق سبحانه هنا بسيرة الولين والسّنن التي أجراها سبحانه عليهم‪ ،‬ليسلي رسوله صلى ال‬
‫عليه وسلم؛ ويُوضّح له أن ما حدث معه ليس بدْعا؛ بل سبق أنْ حدث مع مَنْ سبق من الرسل‪.‬‬
‫ويُبلغه أنه لم يبعث أيّ رسول إل بعد َتعُمّ ال َبلْوى ويَطم الفساد‪ ،‬ويفقد البشر المناعة اليمانية‪،‬‬
‫ن يؤمنون ويعملون الصالحات‪ ،‬ويتواصون بالحقّ وبالصبر‪.‬‬
‫نتيجة افتقاد مَ ْ‬
‫والمَثلُ الواضح على ذلك ما حدث لبني إسرائيل؛ الذين قال فيهم الحق سبحانه‪ {:‬كَانُو ْا لَ يَتَنَا َهوْنَ‬
‫عَن مّنكَرٍ َفعَلُوهُ }[المائدة‪.]79 :‬‬
‫فانصبّ عليهم العذاب من ال‪ ،‬وهذا مصير ُكلّ أمة ل تتناهى عن المنكر الظاهر أمامها‪.‬‬
‫ويقول سبحانه هنا‪:‬‬
‫{ َقدْ َمكَرَ الّذِينَ مِنْ قَبِْل ِهمْ‪[ } ...‬النحل‪.]26 :‬‬
‫والمكر تبييت خفيّ يُبيّته الماكر بما يستر عن ال َم ْمكُور به‪ .‬ولكن حين يمكر أحد بالرسل؛ فهو‬
‫يمكر بمَنْ يُؤيّده ال العالم العليم‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وإذا ما أعلم الُ رسولَه بالمكر؛ فهو يُلغِي كل أثر لهذا التبييت؛ فقد علمه مَنْ يقدر على إبطاله‪.‬‬
‫سلِي }[المجادلة‪.]21 :‬‬
‫والحق سبحانه هو القائل‪ {:‬كَ َتبَ اللّ ُه لَغْلِبَنّ أَنَ ْا وَرُ ُ‬
‫وهو القائل‪ {:‬وََلقَدْ سَ َب َقتْ كَِلمَتُنَا ِلعِبَادِنَا ا ْلمُ ْرسَلِينَ * إِ ّنهُمْ َلهُمُ ا ْلمَنصُورُونَ }[الصافات‪-171 :‬‬
‫‪.]172‬‬
‫وطبّق الحق سبحانه ذلك على رسوله صلى ال عليه وسلم؛ حين مكر به كفار قريش وجمعوا‬
‫شباب القبائل ليقتلوه؛ فأغشاهم ال ولم يبصروا خروجه للهجرة ولم ينتصر عليه معسكر الكفر‬
‫بأيّ وسيلة؛ ل باعتداءات اللسان‪ ،‬ول باعتداءات الجوارح‪.‬‬
‫وهؤلء الذين يمكرون بالرسل لم يتركهم الحق سبحانه دون عقاب‪:‬‬
‫{ فَأَتَى اللّهُ بُنْيَا َنهُمْ مّنَ ا ْل َقوَاعِدِ‪[ } ...‬النحل‪.]26 :‬‬
‫أي‪ :‬أنهم إنْ جعلوا مكرهم كالبناية العالية؛ فالحقّ سبحانه يتركهم لحساس المن المُزيف‪ ،‬ويحفر‬
‫لهم مِنْ تحتهم‪ ،‬فيخِرّ عليهم السقف الذي من فوقهم‪ .‬وهكذا يضرب ال المثَل المعنوي بأمرٍ مَحَسّ‪.‬‬
‫وقوله الحق‪:‬‬
‫سقْفُ مِن َف ْو ِقهِمْ‪[ } ...‬النحل‪.]26 :‬‬
‫{ َفخَرّ عَلَ ْيهِمُ ال ّ‬
‫يُوضّح أنهم موجودون داخل هذا البيت‪ ،‬وأن الفوقية هنا للسقف‪ ،‬وهي فوقية شاءها ال ليأتيهم‪:‬‬
‫شعُرُونَ } [النحل‪.]26 :‬‬
‫ث لَ يَ ْ‬
‫{ ا ْل َعذَابُ مِنْ حَ ْي ُ‬
‫حيّ‬
‫خفَى عن ال َ‬
‫وهكذا يأتي عذاب ال َبغْتة؛ ذلك أنهم قد بيّتوا‪ ،‬وظنوا أن هذا التبييت بخفاء يَ ْ‬
‫القيوم‪.‬‬
‫ولَ ْيتَ الم َر يقتصر على ذلك؛ ل بل يُعذّبهم ال في الخرة أيضا‪ُ { :‬ثمّ َيوْمَ ا ْلقِيَامَةِ‪.} ...‬‬

‫(‪)1911 /‬‬
‫ثُمّ َيوْمَ ا ْلقِيَامَةِ يُخْزِيهِ ْم وَ َيقُولُ أَيْنَ شُ َركَا ِئيَ الّذِينَ كُنْتُمْ ُتشَاقّونَ فِيهِمْ قَالَ الّذِينَ أُوتُوا ا ْلعِ ْلمَ إِنّ ا ْلخِ ْزيَ‬
‫علَى ا ْلكَافِرِينَ (‪)27‬‬
‫الْ َيوْ َم وَالسّوءَ َ‬

‫وهكذا يكون العذاب في الدنيا وفي الخرة‪ ،‬ويَلْقوْن الخِزْي يوم القيامة‪ .‬والخِزْي هو الهوان‬
‫والمَذلّة‪ ،‬وهو أقوى من الضرب واليذاء؛ ول يتجلّد أمامه أحدٌ؛ فالخِزْي قشعريرة َتغْشَى البدن؛‬
‫فل يُفلت منها مَنْ تصيبه‪.‬‬
‫وإنْ كان النسان قادرا على أنْ يكتمَ اليلم؛ فالخِزْي معنى نفسي‪ ،‬والمعاني النفسية تنضح على‬
‫البشرة؛ ول يقدر أحد أنْ يكتم أثرها؛ لنه يقتل خميرة الستكبار التي عاش بها الذي بيّت ومكر‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ويُوضّح الحق سبحانه هذا المعنى في قوله عن القرية التي كان يأتيها الرزق من عند ال ثم‬
‫طمَئِنّةً يَأْتِيهَا رِ ْز ُقهَا رَغَدا مّن ُكلّ‬
‫كفرت بأنعم ال؛ فيقول‪ {:‬وَضَ َربَ اللّهُ مَثَلً قَرْ َيةً كَا َنتْ آمِنَةً مّ ْ‬
‫خوْفِ ِبمَا كَانُواْ َيصْ َنعُونَ }[النحل‪.]112 :‬‬
‫َمكَانٍ َفكَفَ َرتْ بِأَ ْنعُمِ اللّهِ فَأَذَا َقهَا اللّهُ لِبَاسَ ا ْلجُوعِ وَا ْل َ‬
‫أي‪ :‬كأن الجسد كله قد سار مُمتلِكا لحاسة التذوق‪ ،‬وكأن الجوع قد أصبح لباسا؛ يعاني منه‬
‫صاحبه؛ فيجوع بقفاه‪ ،‬ويجوع بوجهه‪ ،‬ويجوع بذراعه وجلده وخطواته‪ ،‬وبكل ما فيه‪.‬‬
‫وساعة يحدث هذا الخِزي فكُلّ خليا الستكبار تنتهي‪ ،‬خصوصا أمام مَنْ كان يدّعي عليهم‬
‫النسان أن عظمته وتجبّره وغروره باقٍٍ‪ ،‬وله ما يسنده‪.‬‬
‫ويتابع سبحانه متحديا‪:‬‬
‫{ أَيْنَ شُ َركَآ ِئيَ الّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقّونَ فِيهِمْ } [النحل‪ .]27 :‬أي‪ :‬أين الشركاء الذين كنتم تعبدونهم؛‬
‫شقّة أخرى‪ ،‬وكلمة { تُشَاقّونَ } مأخوذة من " الشق "‬
‫شقّة‪ ،‬وجعلتم من المؤمنين ُ‬
‫فجعلتم من أنفسكم ُ‬
‫شقّ الخشب " والمقصود هنا أنْ جعلتم المؤمنين‪ ،‬ومَنْ مع الرسول في‬
‫ويقال‪ " :‬شَقّ الجدار أو َ‬
‫شقّة تُعادونها‪ ،‬وأخذتُم جانب الباطل‪ ،‬وتركتُم جانب الحق‪.‬‬
‫ُ‬
‫وهنا يقول مَنْ آتاهم ال العلم‪:‬‬
‫{ قَالَ الّذِينَ أُوتُواْ ا ْلعِلْمَ إِنّ الْخِ ْزيَ الْ َيوْ َم وَا ْلسّوءَ عَلَى ا ْلكَافِرِينَ } [النحل‪.]27 :‬‬
‫ن مكروا برسول ال صلى ال عليه‬
‫وكأن هذا المر سيصير مشهدا بمحضر الحق سبحانه بين مَ ْ‬
‫وسلم‪ ،‬وسيحضره الذين أتاهم ال العلم‪.‬‬
‫والعلم ـ كما نعلم ـ يأتي من ال مباشرة؛ ثم يُنقَل إلى الملئكة؛ ثم يُنقَل من الملئكة إلى الرّسل‪،‬‬
‫ثم يُنقل من الرّسُل إلى الُمم التي كّلفَ الحق سبحانه رسله أنْ يُبلّغوهم منهجه‪.‬‬
‫وكَما شهدتْ الدنيا سقوط المناهج التي اتبعوها من أهوائهم‪ ،‬وسقوط مَنْ عبدوهم من دون ال‬
‫سيشهد اليوم الخر الخِزْي والسوء وهو يحيط بهم‪ ،‬وقد يكون الخِزْي من َهوْل الموقف العظيم‪،‬‬
‫ويحمي ال مَنْ آمنوا به بالطمئنان‪.‬‬
‫ونعلم أن الرسول صلى ال عليه وسلم قد قال‪ " :‬أل هل بلغت‪ ،‬اللهم فأشهد "‪.‬‬
‫وكما بلّغَ رسولُ ال أمته واستجابتْ له؛ فقد طلب منهم أيضا أن يكونوا امتدادا لرسالته‪ ،‬وأَنْ‬
‫يُبلّغوها للناس‪ ،‬ذلك أن الحق سبحانه قد منع الرسالت من بعد رسالة محمد عليه الصلة والسلم‪.‬‬
‫وصار عن مسئولية المة المحمدية أنْ تُبلّغ كل مَنْ لم تبلغه رسالة الرسول صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫وقد قال صلى ال عليه وسلم‪َ " :‬نضّر ال امرءا سمع مقالتي فوعاها‪ ،‬وأدّاها إلى مَنْ لم يسمعها‪،‬‬
‫فَ ُربّ مُبلّغ َأوْعَى مِن سامع "‪.‬‬
‫شهِيدا *‬
‫شهِي ٍد وَجِئْنَا ِبكَ عَلَىا هَـاؤُلءِ َ‬
‫والحق سبحانه هو القائل‪َ {:‬فكَ ْيفَ إِذَا جِئْنَا مِن ُكلّ ُأمّةٍ بِ َ‬
‫سوّىا ِب ِه ُم الَ ْرضُ‪[} ...‬النساء‪.]42-41 :‬‬
‫صوُاْ الرّسُولَ َلوْ ُت َ‬
‫ع َ‬
‫َي ْومَئِذٍ َيوَدّ الّذِينَ َكفَرُو ْا وَ َ‬
‫أي‪ :‬يتمنوْنَ أنْ يصيروا تُرَابا‪ ،‬كما قال تعالى في موقع آخر‪ {:‬إِنّآ أَنذَرْنَا ُكمْ عَذَابا قَرِيبا َيوْمَ يَنظُرُ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ا ْلمَرْءُ مَا َق ّد َمتْ َيدَا ُه وَيَقُولُ ا ْلكَافِرُ يالَيْتَنِي كُنتُ تُرَابا }[النبأ‪.]40 :‬‬
‫ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك‪ { :‬الّذِينَ تَ َت َوفّاهُمُ ا ْلمَل ِئكَةُ‪.} ...‬‬

‫(‪)1912 /‬‬
‫سهِمْ فَأَ ْلقَوُا السّلَمَ مَا كُنّا َن ْع َملُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنّ اللّهَ عَلِيمٌ ِبمَا كُنْتُمْ‬
‫الّذِينَ تَ َت َوفّا ُهمُ ا ْلمَلَا ِئكَةُ ظَاِلمِي أَ ْنفُ ِ‬
‫َت ْعمَلُونَ (‪)28‬‬

‫يقول تعالى‪:‬‬
‫سهِمْ‪[ } ...‬النحل‪.]28 :‬‬
‫{ الّذِينَ تَ َت َوفّاهُمُ ا ْلمَل ِئكَةُ ظَاِلمِي أَ ْنفُ ِ‬
‫أي‪ :‬تتوفّاهم في حالة َكوْنهم ظالمين لنفسهم‪ ،‬وفي آية أخرى قال الحق تبارك وتعالى‪َ {:‬ومَا‬
‫سهُمْ يَظِْلمُونَ }[النحل‪.]118 :‬‬
‫ظََلمْنَا ُه ْم وَلَـاكِن كَانُواْ أَ ْنفُ َ‬
‫حظّ نفسه ولصالحها‪ ..‬فكيف يظلم هو نفسه‪ ،‬وهذا يسمونه‬
‫ومعلوم أن النسان قد يظلم غيره ل َ‬
‫الظلم الحمق حين تظلم نفسك التي بين جنبيك‪ ..‬ولكن كيف ذلك؟‬
‫نعرف أن العدو إذا كان من الخارج فس ْهلٌ التصدي له‪ ،‬بخلف إذا جاءك من نفسك التي بين‬
‫صعْب التصدّي له‪ ،‬والتخلّص منه‪.‬‬
‫جَنْبَيْك‪ ،‬فهذا عدو خطير َ‬
‫حقّه‪ ،‬إذن‪ :‬ماذا كان لنفسك عليك حتى‬
‫وهنا نطرح سؤالً‪ :‬ما الظلم؟ الظلم أنْ تمن َع صاحب حَقّ َ‬
‫حقّها؟‬
‫يقال‪ :‬إنك ظلمتها بمنعها َ‬
‫ل تأكل؟ وحين تعطش َألَ تشرب؟ وحين تُرْهق من العمل َألَ تنام؟‬
‫نقول‪ :‬حين تجوع‪ ،‬أ َ‬
‫إذن‪ :‬أنت تعطي نفسك مطلوباتها التي تُريحها وتسارع إليها‪ ،‬وكذلك إذا ِن ْمتَ وحاولوا إيقاظك‬
‫ل في العمل‬
‫للعمل فلم تستيقظ‪ ،‬أو حاولوا إيقاظك للصلة فتكاسلت‪ ،‬وفي النهاية كانت النتيجة فش ً‬
‫أو خسارة في التجارة‪ ..‬الخ‪.‬‬
‫إذن‪ :‬هذه خسارة مُجمعة‪ ،‬والخاسر هو النفس‪ ،‬وبهذا فقد ظلم النسانُ نفسه بما فاتها من منافع في‬
‫الدنيا‪ ،‬وقِسْ على ذلك أمور الخرة‪.‬‬
‫وانظر هنا إلى جُزْئيات الدنيا حينما تكتمل لك‪ ،‬هل هي نهاية كل شيء‪ ،‬أم بنهايتها يبتديء شيء؟‬
‫بنهايتها يبتديء شيء‪ ،‬ونسأل‪ :‬الشيء الذي سوف يبدأ‪ ،‬هل هو صورة مكررة لما انتهى في‬
‫الدنيا؟‬
‫ليس كذلك‪ ،‬لن المنتهي في الدنيا مُنقطع‪ ،‬وقد أخذت حَظّي منه على َقدْر قدراتي‪ ،‬وقدراتي لها‬
‫إمكانات محدودة‪ ..‬أما الذي سيبدأ ـ أي في الخرة ـ ليس بمُنْتهٍ بل خالد ل انقطاع له‪ ،‬وما فيه‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫من نعيم يأتي على قَدْر إمكانات المنعِم ربك سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫إذن‪ :‬أنت حينما تُعطِي نفسك متعة في الدنيا الزائلة المنقطعة‪ ،‬تُفوّت عليها المتعة الباقية في‬
‫الخرة‪ ..‬وهذا مُنتهى الظلم للنفس‪.‬‬
‫ونعود إلى قوله تعالى‪:‬‬
‫{ الّذِينَ تَ َت َوفّاهُمُ ا ْلمَل ِئكَةُ‪[ } ...‬النحل‪.]28 :‬‬
‫أثبتت هذه الية التوفّي للملئكة‪ ..‬والتوفّي حقيقة ل تعالى‪ ،‬كما جاء في قوله‪ {:‬اللّهُ يَ َت َوفّى‬
‫الَنفُسَ‪[} ...‬الزمر‪.]42 :‬‬
‫لكن لما كان الملئكة مأمورين‪ ،‬فكأن ال تعالى هو الذي يتوفّى النفُسَ رغم أنه سبحانه وتعالى‬
‫قال‪ {:‬اللّهُ يَ َت َوفّى الَنفُسَ }[الزمر‪.]42 :‬‬
‫جعُونَ }[السجدة‪.]11 :‬‬
‫وقال‪ُ {:‬قلْ يَ َت َوفّاكُم مَّلكُ ا ْل َم ْوتِ الّذِي ُو ّكلَ ِبكُمْ ثُمّ إِلَىا رَ ّبكُمْ تُ ْر َ‬
‫وقال‪َ {:‬ت َوفّتْهُ رُسُلُنَا‪[} ...‬النعام‪.]61 :‬‬
‫ث من ال تعالى مرة‪ ،‬ومن رئيس الملئكة عزرائيل مرة‪ ،‬ومن ُمسَاعديه من‬
‫إذن‪ :‬جاء الحَد ُ‬
‫الملئكة مرة أخرى‪ ،‬إذن‪ :‬المر إما للمزاولة مباشرة‪ ،‬وإما للواسطة‪ ،‬وإما للصل المر‪ .‬وقوله‬
‫تعالى‪:‬‬
‫{ تَ َت َوفّا ُهمُ‪[ } ...‬النحل‪.]28 :‬‬
‫معنى التوفيّ من وفّاه حقّه أي‪ :‬وفّاه أجله‪ ،‬ولم ينقص منه شيئا‪ ،‬كما تقول للرجل َوفّيتُك دَيْنك‪.‬‬
‫‪ .‬أي‪ :‬أخذت ما لك عندي‪.‬‬
‫سهِمْ‪[ { ...‬النحل‪.]28 :‬‬
‫} ظَاِلمِي أَ ْنفُ ِ‬
‫سهِمْ { جمع‪ ،‬وحين ُيقَابَل‬
‫نلحظ أنها جاءت بصيغة الجمع‪ ،‬و } ظَاِلمِي { يعني ظالمين و } أَ ْنفُ ِ‬
‫الجمع بالجمع تقتضي القسمة آحادا أي‪ :‬أن كلً منهم يظلم نفسه‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫} فَأَ ْل َقوُاْ السَّلمَ‪[ { ...‬النحل‪.]28 :‬‬
‫أي‪ :‬خضعوا واستسلموا ولم َي ُع ْد ينفعهم تكبّرهم وعجرفتهم في الدنيا‪ ..‬ذهب عنهم كل هذا بذَهَاب‬
‫الدنيا التي راحتْ من بين أيديهم‪ .‬وما داموا ألقوا السّلم الن‪ ،‬إذن‪ :‬فقد كانوا في حرب قبل ذلك‬
‫كانوا في حرب مع أنفسهم وهم أصحاب الشّقاق في قوله تعالى‪ُ {:‬تشَاقّونَ }[النحل‪.]27 :‬‬
‫شقّ‪ ،‬وكأن الية تقول‪ :‬لقد رفعوا الراية البيضاء وقالوا‪ :‬ل‬
‫أي‪ :‬تجعلون هذا في شِقّ‪ ،‬وهذا في ِ‬
‫جَلَد لنا على الحرب‪.‬‬
‫ثم يقول الحق تبارك وتعالى‪:‬‬
‫} مَا كُنّا َن ْع َملُ مِن سُوءٍ‪[ { ..‬النحل‪.]28 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫هذا كقوله تعالى في آية أخرى‪ُ {:‬ثمّ لَمْ َتكُنْ فِتْنَ ُتهُمْ ِإلّ أَن قَالُو ْا وَاللّهِ رَبّنَا مَا كُنّا مُشْ ِركِينَ }[النعام‪:‬‬
‫‪.]23‬‬
‫ن ألقَوا السلم ورفعوا الراية البيضاء واستسلموا‪ ،‬أخذهم موقف العذاب فقالوا‬
‫والواقع أنهم بعد أ ْ‬
‫محاولين الدفاعَ عن أنفسهم‪:‬‬
‫} مَا كُنّا َن ْع َملُ مِن سُوءٍ‪[ { ..‬النحل‪.]28 :‬‬
‫وتعجب من كَذِب هؤلء على ال في مثل هذا الموقف‪ ،‬على مَنْ تكذبون الن؟!‬
‫فيرد عليهم الحق سبحانه‪:‬‬
‫} بَلَىا‪[ { ..‬النحل‪.]28 :‬‬
‫وهي أدا ُة نفي للنفي السابق عليها‪ ،‬ومعلومٌ أن َنفْي النفي إثبات‪ ،‬فـ } بَلَىا { تنفي‪:‬‬
‫} مَا كُنّا َن ْع َملُ مِن سُوءٍ‪[ { ..‬النحل‪.]28 :‬‬
‫إذن‪ :‬معناها‪ ..‬ل‪ ..‬بل عملتم السوء‪ .‬ثم يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫} إِنّ اللّهَ عَلِيمٌ ِبمَا كُنْتُمْ َت ْعمَلُونَ { [النحل‪.]28 :‬‬
‫سجّله في كتاب سَيُعرض‬
‫ومن رحمة ال تعالى أنه لم يك َتفِ بالعلم فقط‪ ،‬بل دوّن ذلك عليهم و َ‬
‫عليهم يوم القيامة‪ ،‬كما قال تعالى‪َ {:‬وكَفَىا بِنَا حَاسِبِينَ }[النبياء‪.]47 :‬‬
‫وقال‪َ {:‬و ُكلّ إِنْسَانٍ َألْ َزمْنَاهُ طَآئِ َرهُ فِي عُ ُنقِ ِه وَنُخْرِجُ لَهُ َيوْمَ ا ْلقِيَامَةِ كِتَابا يَ ْلقَاهُ مَنْشُورا * اقْرَأْ كِتَا َبكَ‬
‫سكَ الْ َيوْمَ عَلَ ْيكَ حَسِيبا }[السراء‪.]14-13 :‬‬
‫َكفَىا بِ َنفْ ِ‬
‫ويحلو للبعض أنْ ينكر إمكانية تسجيل العمال وكتابتها‪ ..‬ونقول لهؤلء‪ :‬تعالوا إلى ما توصل إليه‬
‫العقل البشريّ الن من تسجيل الصور والصوات والبصمات وغيرها‪ ..‬وهذا كله يُسهّل علينا هذه‬
‫المسألة عندما نرقي إمكانات العقل البشري إلى المكانات اللهية التي ل حدود لها‪.‬‬
‫فل وجه ـ إذن ـ لنْ ننكر قدرة الملئكة " رقيب وعتيد " في تسجيل العمال في كتاب يحفظ‬
‫جهَنّمَ‪.{ ...‬‬
‫أعماله ويُحصى عليه كل كبيرة وصغيرة‪ .‬ثم يقول تعالى‪ } :‬فَا ْدخُلُواْ أَ ْبوَابَ َ‬

‫(‪)1913 /‬‬
‫جهَنّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَ ْثوَى ا ْلمُ َتكَبّرِينَ (‪)29‬‬
‫فَا ْدخُلُوا أَ ْبوَابَ َ‬

‫سبق أنْ قُلْنا في شرح قوله تعالى في وصف جهنم‪َ {:‬لهَا سَ ْبعَةُ أَ ْبوَابٍ ِل ُكلّ بَابٍ مّ ْنهُمْ جُزْءٌ ّمقْسُومٌ }‬
‫[الحجر‪.]44 :‬‬
‫أي‪ :‬أن لكل جماعة من أهل المعصية بابا معلوما‪ ..‬فبابٌ لهل الربا‪ ..‬وبابٌ لهل الرّشوة‪ ..‬وباب‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لهل النفاق وهكذا‪ ..‬ولك أن تتصور ما يُلقيه مَنْ يجمع بين هذه المعاصي!! إنه يدخل هذا الباب‬
‫ثم يخرج منه ليدخل بابا آخر‪ ..‬حقا ما أتعس هؤلء!‬
‫وهنا يقول تعالى‪:‬‬
‫جهَنّمَ } [النحل‪.]29 :‬‬
‫{ فَادْخُلُواْ أَ ْبوَابَ َ‬
‫خصّص له‪ .‬ثم يقول‬
‫فجاءت أيضا بصورة الجمع‪ .‬إذن‪ :‬كل واحد منكم يدخل من بابه الذي ُ‬
‫سبحانه‪:‬‬
‫{ فَلَبِئْسَ مَ ْثوَى ا ْلمُ َتكَبّرِينَ } [النحل‪.]29 :‬‬
‫ن َومَا‬
‫والمثوى هو مكان القامة‪ ،‬وقال تعالى في موضع آخر‪ {:‬لَ جَرَمَ أَنّ اللّهَ َيعَْلمُ مَا يُسِرّو َ‬
‫حبّ ا ْلمُسْ َتكْبِرِينَ }[النحل‪.]23 :‬‬
‫ُيعْلِنُونَ إِنّ ُه لَ يُ ِ‬
‫فتكبّر واستكبر وكل ما جاء على وزن (تفعّل) يدل على أن كِبْرهم هذا غير ذاتيّ؛ لن الذي يتكبر‬
‫حقّا يتكّبر بما فيه ذاتيّا ل يسْلُبه منه أحد‪ ،‬إنما مَنْ يتكبر بشيء ل يملكه فتكبّره غيرُ حقيقيّ‪،‬‬
‫وسرعان ما يزول ويتصاغر هؤلء بما تكبّروا به في الدنيا‪ ،‬وبذلك ل يكون لحد أنْ يتكبّر لن‬
‫الكبرياءَ الحقيقي ل عزّ وجل‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪َ { :‬وقِيلَ لِلّذِينَ ا ّتقَوْاْ‪.} ...‬‬

‫(‪)1914 /‬‬
‫حسَنُوا فِي َه ِذهِ الدّنْيَا حَسَ َن ٌة وَلَدَارُ الْآَخِ َرةِ خَيْرٌ‬
‫َوقِيلَ لِلّذِينَ ا ّت َقوْا مَاذَا أَنْ َزلَ رَ ّبكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلّذِينَ أَ ْ‬
‫وَلَ ِنعْمَ دَارُ ا ْلمُ ّتقِينَ (‪)30‬‬

‫لوّلِينَ }[النحل‪:‬‬
‫وقد سبق أنْ تحدثنا عن قوله تعالى‪ {:‬وَإِذَا قِيلَ َلهُمْ مّاذَآ أَنْ َزلَ رَ ّبكُمْ قَالُواْ َأسَاطِي ُر ا َ‬
‫‪.]24‬‬
‫فهذه مشاهدة ولقطات تُبيّن الموقف الذي انتهى بأنْ أقروا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين‪.‬‬
‫وهذه الياتُ نزلتْ في جماعة كانوا داخلين مكة‪ ..‬وعلى أبوابها التي يأتي منها أهل البوادي‪ ،‬وقد‬
‫قسّم الكافرون أنفسهم على مداخل مكة ليصدوا الداخلين إليها عن سماع خبر أهل اليمان بالنبي‬
‫الجديد‪.‬‬
‫وكان أهل اليمان من المسلمين يتحيّنون الفرصة ويخرجون على مشارف مكة بحجة رَعْي الغنم‬
‫مثلً ليقابلوا هؤلء السائلين ليخبروهم خبر النبي صلى ال عليه وسلم وخبر دعوته‪.‬‬
‫مما يدلّ على أن الذي يسأل عن شيء ل يكتفي بأول عابر يسأله‪ ،‬بل يُجدّد السؤال ليقف على‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لوّلِينَ }[النحل‪.]24 :‬‬
‫المتناقضات‪ ..‬فحين سألوا الكافرين قالوا‪ {:‬قَالُواْ َأسَاطِي ُر ا َ‬
‫فلم يكتفوا بذلك‪ ،‬بل سألوا أهل اليمان فكان جوابهم‪:‬‬
‫{ قَالُواْ خَيْرا‪[ } ...‬النحل‪.]30 :‬‬
‫هذا لنفهم أن النسانَ إذا صادف شيئا له وجهتان متضادتان فل يكتفي بوجهة واحدة‪ ،‬بل يجب أن‬
‫يستمع للثانية‪ ،‬ثم بعد ذلك للعقل أن يختار بين البدائل‪.‬‬
‫إذن‪ :‬حينما سأل الداخلون مكة أهل الكفر‪ {:‬مّاذَآ أَنْ َزلَ رَ ّبكُمْ قَالُواْ أَسَاطِيرُ الَوّلِينَ }[النحل‪.]24 :‬‬
‫وحينما سألوا أهلَ اليمان والتقوى‪:‬‬
‫{ مَاذَا أَنْ َزلَ رَ ّبكُمْ قَالُواْ خَيْرا } [النحل‪.]30 :‬‬
‫ونلحظ هنا في { َوقِيلَ لِلّذِينَ ا ّت َقوْاْ‪[ } ..‬النحل‪.]30 :‬‬
‫أن الحق سبحانه لم يوضح لنا مَنْ هم‪ ،‬ولم يُبيّن هُويّتهم‪ ،‬وهذا يدلّنا على أنهم كانوا غير قادرين‬
‫ضعَافا ل يقدرون على المواجهة‪.‬‬
‫على المواجهة‪ ،‬ويُدارون أنفسهم لنهم ما زالوا ِ‬
‫وقد تكرر هذا الموقف ـ موقف السؤال إلى أنْ تصل إلى الوجهة الصواب ـ حينما عَتَب الحق‬
‫تبارك وتعالى على نبي من أنبيائه هو سيدنا داود ـ عليه السلم ـ في قوله تعالى‪ {:‬وَ َهلْ أَتَاكَ‬
‫صمَانِ َبغَىا‬
‫خ ْ‬
‫خفْ َ‬
‫سوّرُواْ ا ْلمِحْرَابَ * ِإذْ َدخَلُواْ عَلَىا دَاوُودَ َففَ ِزعَ مِ ْنهُمْ قَالُواْ لَ َت َ‬
‫خصْمِ إِذْ تَ َ‬
‫نَبَأُ ا ْل َ‬
‫سوَآءِ الصّرَاطِ * إِنّ َهذَآ أَخِي لَهُ‬
‫ط وَا ْهدِنَآ إِلَىا َ‬
‫شطِ ْ‬
‫حكُمْ بَيْنَنَا بِا ْلحَقّ وَلَ تُ ْ‬
‫علَىا َب ْعضٍ فَا ْ‬
‫َب ْعضُنَا َ‬
‫ج ًة وَلِي َن ْعجَ ٌة وَاحِ َدةٌ َفقَالَ َأ ْكفِلْنِيهَا وَعَزّنِي فِي ا ْلخِطَابِ }[ص‪.]23-21 :‬‬
‫سعُونَ َنعْ َ‬
‫تِسْ ٌع وَتِ ْ‬
‫سؤَالِ َنعْجَ ِتكَ إِلَىا ِنعَاجِهِ }[ص‪.]24 :‬‬
‫فماذا قال داود عليه السلم؟{ قَالَ َلقَدْ ظََل َمكَ بِ ُ‬
‫وواضحٌ في حكم داود عليه السلم تأثّره بقوله (له تسع وتسعون) ولنفرض أنه لم يكُنْ عنده شيء‪،‬‬
‫ألم يظلم أخاه بأخْذ نعجته؟! إذن‪ :‬تأثر داود بدعوى الخصم‪ ،‬وأدخل فيه حيثية أخرى‪ ،‬وهذا خطأ‬
‫إجرائي في عَرْض القضية؛ لن (تسع وتسعون) هذه ل َدخْل لها في القضية‪ ..‬بل هي لستمالة‬
‫خصْم غني ومع ذلك فهو طماع ظالم‪.‬‬
‫القاضي وللتأثير على عواطفه ومنافذه‪ ،‬ولبيان أن ال َ‬
‫وسرعان ما اكتشف داود ـ عليه السلم ـ خطأه في هذه الحكومة‪ ،‬وأنها كانت فتنة واختبارا من‬
‫ال‪:‬‬
‫{ وَظَنّ دَاوُودُ أَ ّنمَا فَتَنّاهُ‪[} ...‬ص‪.]24 :‬‬
‫أي‪ :‬اختبرناه كي نُعلّمه الدرس تطبيقا‪ ..‬أيحكم بالحق ويُراعي جميع نواحي القضية أم ل؟‬
‫وانظر هنا إلى فطنة النبوة‪ ،‬فسرعان ما عرف داود ما وقع فيه واعترف به‪ ،‬واستغفر ربّه وخَرّ‬
‫له راكعا مُنيبا‪.‬‬
‫وقال تعالى‪ {:‬فَاسْ َت ْغفَرَ رَبّ ُه َوخَرّ رَاكِعا وَأَنَابَ }[ص‪.]24 :‬‬
‫إذن‪ :‬الشاهد هنا أنه كان على داود ـ عليه السلم ـ أن يستمع إلى الجانب الخر والطرف الثاني‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫في الخصومة قبل الحكم فيها‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪:‬‬
‫} َوقِيلَ لِلّذِينَ ا ّتقَوْاْ مَاذَا أَنْ َزلَ رَ ّب ُكمْ قَالُواْ خَيْرا‪[ { ...‬النحل‪.]30 :‬‬
‫ما هو الخير؟ الخير ُكلّ ما تستطيبه النفس بكل مَلكَاتها‪ ..‬لكن الستطابة قد تكون موقوتة بزمن‪،‬‬
‫حسْرة وندامة‪ ..‬إذن‪ :‬هذا ليس خيرا؛ لنه ل خيرَ في خير بعده النارُ‪ ،‬وكذلك ل شَ ّر في‬
‫ثم تُورث َ‬
‫شر بعده الجنة‪.‬‬
‫إذن‪ :‬يجب أن نعرف أن الخير يظل خُيْرا دائما في الدنيا‪ ،‬وكذلك في الخرة‪ ،‬فلو أخذنا مثلً‬
‫متعاطي المخدرات نجده يأخذ متعة وقتية ونشوة زائفة سرعان ما تزول‪ ،‬ثم سرعان ما ينقلب هذا‬
‫الخير في نظره إلى شر عاجل في الدنيا وآجل في الخرة‪.‬‬
‫إذن‪ :‬انظر إلى عمر الخير في نفسك وكيفيته وعاقبته‪ ..‬وهذا هو الخير في قوله تعالى‪:‬‬
‫} قَالُواْ خَيْرا { [النحل‪.]30 :‬‬
‫إذن‪ :‬هو خير تستطيبه النفس‪ ،‬ويظل خيرا في الدنيا‪ ،‬ويترتب عليه خير في الخرة‪ ،‬أو هو‬
‫موصول بخير الخرة‪ ..‬ثم فسّره الحق تبارك وتعالى في قوله سبحانه‪:‬‬
‫} لّلّذِينَ َأحْسَنُواْ فِي ها ِذهِ ا ْلدّنْيَا حَسَنَ ٌة وََلدَارُ الخِ َرةِ خَيْرٌ‪[ { ...‬النحل‪.]30 :‬‬
‫ونفهم من هذه الية أنه على المؤمن ألّ يترك الدنيا وأسبابها‪ ،‬فربما أخذها منك الكافر وتغلّب‬
‫عليك بها‪ ،‬أو يفتنك في دينك بسببها‪ ،‬فمَنْ يعبد ال َأوْلى بسرّه في الوجود‪ ،‬وأسرارُ ال في الوجود‬
‫هي للمؤمنين‪ ،‬ول ينبغي لهم أن يتركوا الخذ بأسباب الدنيا للكافرين‪.‬‬
‫اجتهد أنت أيها المؤمن في أسباب الدنيا حتى تأمنَ الفتنة من الكافرين في دُنْياك‪ ..‬ول يخفي ما‬
‫نحن فيه الن من حاجتنا لغيرنا‪ ،‬مما أعطاهم الفرصة ليسيطروا على سياساتنا ومقدراتنا‪.‬‬
‫لذلك يقول سبحانه‪:‬‬
‫} لّلّذِينَ َأحْسَنُواْ فِي ها ِذهِ ا ْلدّنْيَا حَسَنَةٌ { [النحل‪.]30 :‬‬
‫عمِلوا في دنياهم‪ ،‬وبذلك ينفع‬
‫أي‪ :‬يأخذون حسناتهم‪ ،‬وتكون لهم اليَدُ العليا بما اجتهدوا‪ ،‬وبما َ‬
‫النسانُ نفسه وينفع غيره‪ ،‬وكلما اتسعت دائرة النفع منك للناس كانت يدك هي العليا‪ ،‬وكان ثوابك‬
‫وخَيْرك موصولً بخير الخرة‪.‬‬
‫لذلك يقول النبي صلى ال عليه وسلم‪ " :‬ما من مسلم يغرس غرسا‪ ،‬أو يزرع زرعا‪ ،‬فيأكل منه‬
‫طير أو إنسان أو بهيمة إل كان له به صدقة "‪.‬‬
‫ومن هذه الية أيضا يتضح لنا جانب آخر‪ ،‬هو ثمرة من ثمرات الحسان في الدنيا وهي المن‪.‬‬
‫‪ .‬فمَنْ عاش في الدنيا مستقيما لم يقترف ما ُيعَاقب عليه تجدْه آمنا مطمئنا‪ ،‬حتى إذا داهمه شر أو‬
‫مكروه تجده آمنا ل يخاف‪ ،‬لنه لم يرتكب شيئا يدعو للخوف‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫خذْ مثلً اللص تراه دائما مُتوجّسا خائفا‪ ،‬تدور عَيْنه يمينا وشمالً‪ ،‬فإذا رأى شرطيا هلع وترقّب‬
‫ُ‬
‫وراح يقول في نفسه‪ :‬لعله يقصدني‪ ..‬أما المستقيم فهو آمن مطمئن‪.‬‬
‫ومن ثمرات هذا الحسان وهذه الستقامة في الدنيا أن يعيش النسان على قَدْر إمكاناته ول يُرهق‬
‫نفسه بما ل يقدر عليه‪ ،‬وقديما قالوا لحدهم‪ :‬قد غل اللحم‪ ،‬فقال‪ :‬أَرْخِصوه‪ ،‬قالوا‪ :‬وكيف لنا ذلك؟‬
‫قال‪ :‬ازهدوا فيه‪.‬‬
‫ص ما يكونُ إِذَا غَلَول َت ُقلْ‪:‬‬
‫وقد نظم ذلك الشاع ُر فقال‪:‬وَإِذَا غَـلَ شَيءٌ عََليّ تركْتُه فيكونُ أرخ َ‬
‫النفس توّاقة إليه راغبة فيه‪ ،‬فهي كما قال الشاعر‪:‬وَالنفْسُ رَاغِبةٌ ِإذَا رغّبْتَها وَإِذَا تُ َردّ إلى قَلِيل‬
‫َتقْ َنعُوفي حياتنا العملية‪ ،‬قد يعود النسان من عمله ولمّا ينضج الطعام‪ ،‬ولم ُتعَد المائدة وهو جائع‪،‬‬
‫فيأكل أيّ شيء موجود وتنتهي المشكلة‪ ،‬ويقوم هذا محل هذا‪ ،‬وتقنعُ النفسُ بما نالتْه‪.‬‬
‫عسْر‬
‫ولكي يعيش النسان على َقدْر إمكاناته ل بُدّ له أنْ يوازن بين دَخْله ونفقاته‪ ،‬فمَنْ كان عنده ُ‬
‫في دَخْله‪ ،‬أو ضاقت عليه منافذ الرزق ل بُدّ له من عُسْر في مصروفه‪ ،‬ول بُدّ له أنْ يُضيّق على‬
‫النفس شهواتها‪ ،‬وبذلك يعيش مستورا ميسورا‪ ،‬راضي النفس‪ ،‬قرير العين‪.‬‬
‫والبعض في مثل هذه المواقف يلجأ إلى الستقراض للنفاق على شهوات نفسه‪ ،‬وربما اقترض ما‬
‫سلْ نفسك‬
‫يتمتع به شهرا‪ ،‬ويعيش في ذلة دَهْرا؛ لذا من الحكمة إذن قبل أن تسأل الناس القرض َ‬
‫أولً‪ ،‬واطلب منها أن تصبر عليك‪ ،‬وأن تُنظرك إلى ساعة اليُسْر‪ ،‬ول تُلجئك إلى مذلّة السؤال‪..‬‬
‫ن منعك ُلمْ نفسك التي تأ ّبتْ عليك أولً‪.‬‬
‫وقبل أن تلوم مَ ْ‬
‫شهَواتِ‬
‫وما أبدع شاعِرنا الذي صاغ هذه القيم في قوله‪:‬إذَا ُر ْمتَ أنْ تستقرضَ المالَ مُنفِقا على َ‬
‫سكَ النفاقَ من كَنْز صَبْرِها عل ْيكَ وإنظارا إلى سَاعةِ اليُسْ ِرفَإِنْ فع ْلتَ‬
‫سلْ نف َ‬
‫النفسِ فِي َزمَنِ العُسْرفَ َ‬
‫سعُ العُذْرثم يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫ت فكُل مَنُوع بعدها وَا ِ‬
‫كنتَ الغني‪ ،‬وإنْ أ َب ْ‬
‫} وَلَدَارُ الخِ َرةِ خَيْرٌ { [النحل‪.]30 :‬‬
‫والخير في الخرة من ال‪ ،‬والنعيم فيها على قَدْر المنعِم تبارك وتعالى‪ ،‬دون تعب ول كَ ّد ول‬
‫عمل‪.‬‬
‫ومعلوم أن كلمة‪ } :‬قَالُواْ خَيْرا‪[ { ...‬النحل‪.]30 :‬‬
‫التي فسّرها الحق تبارك وتعالى بقوله‪:‬‬
‫} لّلّذِينَ َأحْسَنُواْ فِي ها ِذهِ ا ْلدّنْيَا حَسَنَةٌ‪[ { ..‬النحل‪.]30 :‬‬
‫تقابلها كلمة " شر " ‪ ،‬هذا الشر هو ما جاء في قول الكافرين‪ {:‬مّاذَآ أَنْ َزلَ رَ ّبكُمْ قَالُواْ َأسَاطِيرُ‬
‫لوّلِينَ }[النحل‪.]24 :‬‬
‫اَ‬
‫فهؤلء قالوا خيرا‪ ،‬وأولئك قالوا شرا‪.‬‬
‫ولكن إذا قيل‪ :‬ذلك خير من ذلك‪ ،‬فقد توفر الخير في الثنين‪ ،‬إل أن أحدهما زاد في الخيرية عن‬
‫الخر‪ ،‬وهذا معنى قوله صلى ال عليه وسلم‪ " :‬المؤمن القوي خير وأحب إلى ال من المؤمن‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الضعيف‪ ،‬وفي كل خير "‪.‬‬
‫لذلك لما قال‪:‬‬
‫} لّلّذِينَ َأحْسَنُواْ فِي ها ِذهِ ا ْلدّنْيَا حَسَنَةٌ { [النحل‪.]30 :‬‬
‫قال‪ } :‬وَلَدَا ُر الخِ َرةِ خَيْرٌ { [النحل‪.]30 :‬‬
‫أي‪ :‬خير من حسنة الدنيا‪ ،‬فحسنة الدنيا خير‪ ،‬وأخير منها حسنة الخرة‪.‬‬
‫ويُنهي الحق سبحانه الية بقوله‪:‬‬
‫} وَلَ ِنعْمَ دَارُ ا ْلمُ ّتقِينَ { [النحل‪.]30 :‬‬
‫أي‪ :‬دار الخرة‪.‬‬
‫ثم أراد الحق تبارك وتعالى أن يعطينا صورة موجزة عن دار المتقين كأنها برقية‪ ،‬فقال‬
‫سبحانه‪ } :‬جَنّاتُ عَدْنٍ َيدْخُلُو َنهَا‪.{ ...‬‬

‫(‪)1915 /‬‬
‫جَنّاتُ عَدْنٍ يَ ْدخُلُو َنهَا َتجْرِي مِنْ تَحْ ِتهَا الْأَ ْنهَارُ َلهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ َكذَِلكَ يَجْزِي اللّهُ ا ْلمُ ّتقِينَ (‪)31‬‬

‫والجنات‪ :‬تعني البساتين التي بها الشجار والزهار والثمار والخضرة‪ ،‬مما ل عَيْن رأتْ‪ ،‬ول‬
‫أذُن سمعت‪ ،‬ول خطر على قلب بشر‪ ..‬ليس هذا وفقط‪ ..‬هذه الجنة العمومية التي يراها كل مَنْ‬
‫يدخلها‪ ..‬بل هناك لكل واحد قصر خاص به‪ ،‬بدليل قوله تعالى‪ {:‬وَيُ ْدخِ ْلكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن َتحْ ِتهَا‬
‫عدْنٍ ذَِلكَ ا ْل َفوْزُ ا ْلعَظِيمُ }[الصف‪.]12 :‬‬
‫الَ ْنهَارُ َومَسَاكِنَ طَيّبَةً فِي جَنّاتِ َ‬
‫إذن‪ :‬هنا قَدْر مشترك للجميع‪:‬‬
‫{ جَنّاتُ عَدْنٍ َيدْخُلُو َنهَا تَجْرِي مِن َتحْ ِتهَا الَ ْنهَارُ } [النحل‪.]31 :‬‬
‫عدْنٍ‪[ } ...‬النحل‪.]31 :‬‬
‫ومعنى قوله تعالى‪ { :‬جَنّاتُ َ‬
‫أي‪ :‬جنات إقامة دائمة؛ لن فيها كل ما يحتاجه النسان‪ ،‬فل حاجه له إلى غيرها‪َ ..‬هبْ أنك‬
‫ل ـ فقصارى المر أنْ تتنزّه به بعض‬
‫دخ ْلتَ أعظم حدائق وبساتين العالم ـ هايد بارك مث ً‬
‫الوقت‪ ،‬ثم يعتريك التعب ويصيبك المَلل والرهاق فتطلب الراحة من هذه النزهة‪ ..‬أما الجنة فهي‬
‫جنة عدن‪ ،‬تحب أن تقيم فيها إقامة دائمة‪.‬‬
‫ويصف الحق سبحانه هذه الجنات فيقول‪:‬‬
‫{ َتجْرِي مِن تَحْ ِتهَا الَ ْنهَارُ } [النحل‪.]31 :‬‬
‫وفي آية أخرى يقول سبحانه‪َ {:‬تجْرِي تَحْ َتهَا الَ ْنهَارُ }[التوبة‪.]100 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ومعنى " تجري تحتها " أي‪ :‬أنها تجري تحتها‪ ،‬وربما تأتي من مكان آخر‪ ..‬وقد يقول هنا قائل‪:‬‬
‫يمكن أن يُمنع عنك جريان هذه النهار؛ لذلك جاءت الية‪:‬‬
‫{ َتجْرِي مِن تَحْ ِتهَا الَ ْنهَارُ } [النحل‪.]31 :‬‬
‫أي‪ :‬ذاتية في الجنة ل يمنعها عنك مانع‪.‬‬
‫ثم يقول تعالى‪:‬‬
‫{ َل ُهمْ فِيهَا مَا يَشَآؤونَ‪[ } ..‬النحل‪.]31 :‬‬
‫والمشيئة هنا ليست بإرادة الدنيا ومشيئتها‪ ،‬وإنما مشيئة بالمزاج الخصب الذي يتناسب مع الخرة‬
‫ونعيمها‪ ..‬فمثلً‪ :‬إذا دخلتَ على إنسان رقيق الحال فَلَك مشيئة على قدر حالته‪ ،‬وإذا دخلتَ على‬
‫أحد العظماء أو الثرياء كانت َلكَ مشيئة أعلى‪ ..‬وهكذا‪.‬‬
‫إذن‪ :‬المشيئات النفسية تختلف باختلف المشَاء منه‪ ،‬فإذا كان المشَاء منه هو ال الذي ل يُعجزه‬
‫شيء تكون مشيئتُك مُطلقة‪ ،‬فالمشيئة في الية ليستْ كمشيئة الدنيا؛ لن مشيئة الدنيا تتحدّد ببيئة‬
‫الدنيا‪ ..‬أما مشيئة الخرة فهي المشيئة المتفتحة المتصاعدة المرتقية كما تترقى المشيئات عند‬
‫حسْب مراتبهم ومراكزهم‪.‬‬
‫البشر في البشر َ‬
‫ويُرْوى أنه لما أُسِ َرتْ بنت أحد ملوك فارس عند رجل‪ ،‬وأرادوا شراءها منه وعرضوا عليه ما‬
‫يريد‪ ،‬فقال‪ :‬أريد فيها ألف دينار‪ ،‬فأعطوه اللف دينار وأخذوها منه‪ ..‬فقال له أحدهم‪ :‬إنها ابنةُ‬
‫الملك‪ ،‬ولو كنت طلبتَ منه كذا وكذا لم يبخل عليك فقال‪ :‬وال لو علمتُ أن وراء اللف عددا‬
‫لَطلبْته‪ ..‬فقد طلب قصارى ما وصل إليه علمه‪.‬‬
‫لذلك لما أراد النبي صلى ال عليه وسلم أن يشرح لنا هذا النص القرآني‪:‬‬
‫{ َل ُهمْ فِيهَا مَا يَشَآؤونَ‪[ } ...‬النحل‪.]31 :‬‬
‫ن وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }[الزخرف‪.]71 :‬‬
‫وكذلك قوله تعالى‪َ {:‬وفِيهَا مَا َتشْ َتهِي ِه الَ ْنفُسُ وَتَلَ ّذ الَعْيُ ُ‬
‫قال‪ " :‬فيها ما ل عَيْن رأت‪ ،‬ول أذن سمعتْ‪ ،‬ول خطر على قَلْب بشر "‪.‬‬
‫إذن‪ :‬تحديد الطار للية بقدر ما هم فيه عند ربهم‪.‬‬
‫{ َكذَِلكَ يَجْزِي اللّهُ ا ْلمُ ّتقِينَ } [النحل‪.]31 :‬‬
‫أي‪ :‬هكذا الجزاء الذي يستحقونه بما قدموا في الدنيا‪ ،‬وبما ح َرمَوا منه أنفسهم من مُتَع حرام‪ ..‬وقد‬
‫جاء الن وقْتُ الجزاء‪ ،‬وهو جزاءٌ أطول وأَدْوم؛ لذلك قال الحق تبارك وتعالى في آية أخرى‪{:‬‬
‫كُلُواْ وَاشْرَبُواْ هَنِيئَا ِبمَآ أَسَْلفْتُمْ فِي الَيّامِ الْخَالِ َيةِ }[الحاقة‪.]24 :‬‬
‫ثم يقول الحق تبارك وتعالى‪ { :‬الّذِينَ تَ َت َوفّاهُمُ‪.} ...‬‬

‫(‪)1916 /‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الّذِينَ تَ َت َوفّا ُهمُ ا ْلمَلَا ِئكَةُ طَيّبِينَ َيقُولُونَ سَلَامٌ عَلَ ْيكُمُ ا ْدخُلُوا الْجَنّةَ ِبمَا كُنْتُمْ َت ْعمَلُونَ (‪)32‬‬

‫أي‪ :‬المتقون هم الذين تتوفاهم الملئكة طيبين‪.‬‬
‫ومعنى‪:‬‬
‫{ تَ َت َوفّا ُهمُ } [النحل‪.]32 :‬‬
‫أي‪ :‬تأتي لقبْض أرواحهم‪ ،‬وهنا نَسَب التوفّي إلى جملة الملئكة‪ ،‬كأنهم جنود ملَك الموت الصيل‬
‫عزرائيل‪ ،‬وقد سبق أنْ قُلْنا‪ :‬إن الحق تبارك وتعالى مرةً ينسب التوفّي إلى الملئكة‪ ،‬ومرة ينسبه‬
‫إلى مَلك الموت‪ُ {:‬قلْ يَ َت َوفّاكُم مَّلكُ ا ْل َم ْوتِ الّذِي ُو ّكلَ ِب ُكمْ‪[} ..‬السجدة‪.]11 :‬‬
‫ومرّة ينسبه إلى نفسه سبحانه‪ {:‬اللّهُ يَ َت َوفّى }[الزمر‪.]42 :‬‬
‫ك الموت الصيل‪ ،‬والملئكة هم جنوده الذين‬
‫ذلك لن ال سبحانه هو المر العلى‪ ،‬وعزرائيل مَل ُ‬
‫يُنفّذون أوامره‪.‬‬
‫وقوله‪ { :‬طَيّبِينَ‪[ } ..‬النحل‪.]32 :‬‬
‫سهِمْ }[النحل‪ .]28 :‬والطيّب هو الشيء الذي‬
‫تقابل الية السابقة‪ {:‬الّذِينَ تَ َت َوفّاهُمُ ا ْلمَل ِئكَةُ ظَاِلمِي أَ ْنفُ ِ‬
‫يوجد له خيرٌ دائم ل ينقطع ول ينقلب خَيْره هذا شرا‪ ،‬وهو الشيء الذي تستريح له النفس راحة‬
‫تنسجم منها كل مَلكاتها‪ ،‬بشرط أن يكون مستمرا إلى خَيْرٍ منه‪ ،‬ول يستمر إلى خَيْرٍ منه وأحسن‬
‫إل طَيّب القيم وطَيّب الدين‪ ،‬أما غير ذلك فهو طيب موقوتٌ سرعان ما يُهجر‪.‬‬
‫ولذلك حينما يدّعي اثنان المحبة في ال نقول‪ :‬هذه كلمة تُقال‪ ،‬و ِمصْداقها أن ينمو الودّ بينكما كل‬
‫يوم عن اليوم الذي قبله؛ لن الحب للدنيا تشوبه الطماع والهواء‪ ،‬فترى الحب ينقص يوما بعد‬
‫حسْب ما يأخذ أحدهما من الخر‪ ،‬أما المتحابان في ال فيأخذان من عطاء ل ينفد‪ ،‬هو عطاء‬
‫يوم‪َ ،‬‬
‫الحق تبارك وتعالى‪ ،‬فإنْ رأيت اثنين يزداد وُدّهما فاعلم أنه وُدّ ل وفي ال‪ ،‬على خلف الوُد‬
‫لغراض الدنيا فهو وُدّ سرعان ما ينقطع‪.‬‬
‫هل هناك أطيب من أنهم طهّروا أنفسهم من دَنَس الشرك؟ وهل هناك أطيبُ من أنهم اخلصوا‬
‫عملهم ل‪ ،‬وهل هناك أطيب من أنهم لم يُسْرفوا على أنفسهم في شيء؟‬
‫وحَسْب هؤلء من الطيب أنهم ساعة يأتي مََلكُ الموت يمرّ عليهم شريط أعمالهم‪ ،‬ومُلخّص ما‬
‫قدّموه في الدنيا‪ ،‬فيرْون خَيْرا‪ ،‬فتراهم مُستبشرين فرحين‪ ،‬يبدو ذلك على وجوههم ساعة‬
‫الحتضار‪ ،‬فتراه أبيضَ الوجه مُشْرقا مبتسما‪ ،‬عليه خاتمة الخير والطيب والسعادة؛ ذلك لما عاينه‬
‫من طيب عمله‪ ،‬ولما يستبشر به من الجزاء عند ال تبارك وتعالى‪.‬‬
‫وعلى عكس هذه الحالة تماما نرى أهل الشقاوة‪ ،‬وما هُمْ عليه ساعةَ الغرغرة من سواد الوجه‪،‬‬
‫وسُوء الخاتمة‪ ،‬والعياذ بال‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫{ َيقُولُونَ سَلمٌ عَلَ ْي ُكمُ } [النحل‪.]32 :‬‬
‫أي‪ :‬حينما تتوفّاهم الملئكة يقولون لهم سلم؛ لنكم خرجتم من الدنيا بسلم‪ ،‬وستُقبِلون على‬
‫الخرة بسلم‪ ،‬إذن‪ :‬سلم الطيبين سل ٌم موصول من الدنيا إلى الخرة‪ ،‬سلمٌ مُترتّب على سلمة‬
‫دينكم في الدنيا‪ ،‬وسلمة إقبالكم على ال‪ ،‬دون خوف في الخرة‪.‬‬
‫وهنا سلم آخر جاء في قول الحق تبارك وتعالى‪ {:‬وَسِيقَ الّذِينَ ا ّت َقوْاْ رَ ّبهُمْ إِلَى اّلجَنّةِ ُزمَرا حَتّىا‬
‫حتْ أَ ْبوَا ُبهَا َوقَالَ َلهُمْ خَزَنَ ُتهَا سَلَمٌ عَلَ ْيكُـمْ طِبْ ُتمْ فَا ْدخُلُوهَا خَاِلدِينَ }‬
‫إِذَا جَآءُوهَا َوفُتِ َ‬
‫[الزمر‪.]73 :‬‬
‫ثم يأتي السلم العلى عليهم من ال تبارك وتعالى؛ لن كل هذه السلمات لهؤلء الطيبين مأخوذة‬
‫من السلم العلى‪ {:‬سَلَمٌ َق ْولً مّن ّربّ رّحِيمٍ }[يس‪.]58 :‬‬
‫وهل هناك افضل وأطيب من هذا السلم الذي جاء من الحق تبارك وتعالى مباشرة‪.‬‬
‫وتعجب هنا من سلم أهل العراف على المؤمنين الطيبين وهم في الجنة‪ ،‬ونحن نعرف أن أهل‬
‫حجِزا على العراف‪ ،‬وهو مكان بين الجنة والنار‪،‬‬
‫العراف هم قوم تساوتْ حسناتهم وسيئاتهم ف ُ‬
‫والقسمة الطبيعية تقتضي أن للميزان كفتين ذكرهما الحق تبارك وتعالى في قوله‪ {:‬فََأمّا مَن َثقَُلتْ‬
‫خفّتْ َموَازِينُهُ * فَُأمّهُ هَاوِيَةٌ }[القارعة‪.]9-6 :‬‬
‫َموَازِينُهُ * َف ُهوَ فِي عِيشَةٍ رّاضِيَةٍ * وََأمّا مَنْ َ‬
‫هاتان حالتان للميزان‪ ،‬فأين حالة التساوي بين الكفتين؟ جاءت في قوله تعالى‪ {:‬وَعَلَى الَعْرَافِ‬
‫رِجَالٌ َيعْ ِرفُونَ كُلّ بِسِيمَاهُمْ }[العراف‪.]46 :‬‬
‫أي‪ :‬يعرفون أهل الجنة وأهل النار‪ {:‬وَنَا َدوْاْ َأصْحَابَ ا ْلجَنّةِ أَن سَلَمٌ عَلَ ْيكُمْ َلمْ يَ ْدخُلُوهَا وَهُمْ‬
‫ط َمعُونَ }[العراف‪.]46 :‬‬
‫يَ ْ‬
‫ووجه العجب هنا أن أهل العراف في مأزق وشدّة وانشغال بما هم فيه من شدة الموقف‪ ،‬ومع‬
‫ذلك نراهم يفرحون بأهل الجنة الطيبين‪ ،‬ويُبادرونهم بالسلم‪.‬‬
‫إذن‪ :‬لهل الجنة سلمٌ من الملئكة عند الوفاة‪ ،‬وسلم عندما يدخلون الجنة‪ ،‬وسلم أعلى من ال‬
‫تبارك وتعالى‪ ،‬وسلم حتى من أهل العراف المنشغلين بحالهم‪.‬‬
‫} ادْخُلُواْ ا ْلجَنّةَ ِبمَا كُنْ ُتمْ َت ْعمَلُونَ { [النحل‪.]32 :‬‬
‫أي‪ :‬لنكم دفعتم الثمن؛ والثمن هو عملكم الصالح في الدنيا‪ ،‬واتباعكم لمنهج الحق تبارك وتعالى‪.‬‬
‫وقد يرى البعض تعارضا بين هذه الية وبين الحديث الشريف‪ " :‬لن يدخل أحدٌ منكم الجنة بعمله‪،‬‬
‫قالوا‪ :‬ول أنت يا رسول ال؟ قال‪ :‬ول أنا إل أن يتغمدني ال برحمته "‪.‬‬
‫والحقيقة أنه ل يوجد تعارضٌ بينهما‪ ،‬ولكن كيف نُوفّق بين الية والحديث؟‬
‫ال تعالى يُوحي لرسوله صلى ال عليه وسلم الحديث كما يُوحي له الية‪ ،‬فكلهما يصدر عن‬
‫حدّ قوله تعالى‪َ {:‬ومَا َن َقمُواْ ِإلّ أَنْ أَغْنَا ُهمُ اللّ ُه وَرَسُولُهُ مِن‬
‫مِشْكاة واحدة ومصدر واحد‪ ..‬على َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫َفضْلِهِ‪[} ...‬التوبة‪.]74 :‬‬
‫فالحَدثُ هنا واحد‪ ،‬فلم ُيغْنِهم ال بما يناسبه والرسول بما يناسبه‪ ،‬بل هو غناء واحد وحَدث واحد‪،‬‬
‫وكذلك ليس ثمة تعارضٌ بين الية والحديث‪ ..‬كيف؟‬
‫صغَره‪،‬‬
‫الحق تبارك وتعالى كلّف النسان بعد سِنّ الرّشْد والعقل‪ ،‬وأخذ يُوالي عليه النعم منذ ِ‬
‫وحينما كلّفه كلّفه بشيء يعود على النسان بالنفع والخير‪ ،‬ول يعود على ال منه شيء‪ ،‬ثم بعد‬
‫ذلك يُجازيه على هذا التكليف بالجنة‪.‬‬
‫إذن‪ :‬التكليف كله لمصلحة العبد في الدنيا والخرة‪ .‬إذن‪ :‬تشريع الجزاء من ال في الخرة هو‬
‫ض الفضل من ال‪ ،‬ولو أطاع العبدُ رَبّه الطاعة المطلوبة منه في الفعال الختيارية التكليفية‬
‫ح ُ‬
‫مَ ْ‬
‫ل من ال ومنّة‪.‬‬
‫لما َوفّى ِنعَم ال عليه‪ ،‬وبذلك يكون الجزاء في الجنة َفضْ ً‬
‫أو‪ :‬أنهم حينما قالوا‪:‬‬
‫} ِبمَا كُنْ ُتمْ َت ْعمَلُونَ { [النحل‪.]32 :‬‬
‫يريدون أن عملهم سبب عاديّ لدخول الجنة‪ ،‬ثم يكتسبونها بفضل ال‪ ..‬فتجمع الية بين العمل‬
‫حمَتِهِ فَبِذَِلكَ‬
‫ضلِ اللّ ِه وَبِرَ ْ‬
‫والفضل معا؛ لذلك فإن الحق تبارك وتعالى يُقوّي هذا بقوله تعالى‪ُ {:‬قلْ ِب َف ْ‬
‫ج َمعُونَ }[يونس‪.]58 :‬‬
‫فَلْ َيفْرَحُواْ ُهوَ خَيْرٌ ّممّا َي ْ‬
‫فهم لم يفرحوا بالعمل لنه ل َيفِي بما هم فيه من نعمة‪ ،‬بل الفرحة الحقيقية تكون بفضل ال‬
‫ورحمته‪ ،‬وفي الدعاء‪ " :‬اللهم عاملنا بالفضل ل بالعدل "‪.‬‬
‫وأخيرا‪ ..‬هل كانوا يعملون هكذا من عند أنفسهم؟ ل‪ ..‬بل بمنهج وضعه لهم ربّهم تبارك وتعالى‪..‬‬
‫إذن‪ :‬بالفضل ل بمجرد العمل‪ ..‬ومثال ذلك‪ :‬الوالد عندما يقول لولده‪ :‬لو اجتهدت هذا العام‬
‫وتفوقت سأعطيك كذا وكذا‪ ..‬فإذا تفوّق الولد كان كل شيء لصالحه‪ :‬النجاح والهدية‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه وتعالى‪َ } :‬هلْ يَنْظُرُونَ ِإلّ‪.{ ...‬‬

‫(‪)1917 /‬‬
‫َهلْ يَنْظُرُونَ إِلّا أَنْ تَأْتِ َيهُمُ ا ْلمَلَا ِئكَةُ َأوْ يَأْ ِتيَ َأمْرُ رَ ّبكَ َكذَِلكَ َف َعلَ الّذِينَ مِنْ قَبِْلهِ ْم َومَا ظََل َمهُمُ اللّهُ‬
‫سهُمْ يَظِْلمُونَ (‪)33‬‬
‫وََلكِنْ كَانُوا أَ ْنفُ َ‬

‫بعد أن عرضتْ اليات جزاء المتقين الذين قالوا خيرا‪ ،‬عادتْ لهؤلء الذين قالوا { أَسَاطِيرُ‬
‫لوّلِينَ } الذين يُصادمون الدعوة إلى ال‪ ،‬ويقفون منها موقف العداء والكَيْد والتربّص واليذاء‪.‬‬
‫اَ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهذا استفهام من الحق تبارك وتعالى لهؤلء‪ :‬ماذا تنتظرون؟! بعدما فعلتم بأمر الدعوة وما‬
‫صَدْدتُم الناس عنها‪ ،‬ماذا تنتظرون؟ أتنتظرون أنْ تَ َروْا بأعينكم‪ ،‬ليس أمامكم إل أمران‪ :‬سيَحُلّن‬
‫بكم ل محالة‪:‬‬
‫ن تؤمنوا‪،‬‬
‫إما أنْ تأتيكم الملئكة فتتوفاكم‪ ،‬أو يأتي أمرُ ربّك‪ ،‬وهو يوم القيامة ول ينجيكم منها إل أ ْ‬
‫أم أنكم تنتظرون خيْرا؟! فلن يأتيكم خير أبدا‪ ..‬كما قال تعالى في آيات أخرى‪ {:‬أَتَىا َأمْرُ اللّهِ فَلَ‬
‫تَسْ َتعْجِلُوهُ }[النحل‪.]1 :‬‬
‫وقال‪ {:‬اقْتَرَ َبتِ السّاعَةُ }[القمر‪.]1 :‬‬
‫حسَا ُبهُمْ }[النبياء‪.]1 :‬‬
‫وقال‪ {:‬اقْتَ َربَ لِلنّاسِ ِ‬
‫إذن‪ :‬إنما ينتظرون أحداثا تأتي لهم بشَرّ‪ :‬تأتيهم الملئكة لقبْض أرواحهم في حالة هم بها ظالمون‬
‫لنفسهم‪ ،‬ثم يُلْقون السّلَم رَغْما عنهم‪ ،‬أو‪ :‬تأتيهم الطامة الكبرى وهي القيامة‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ َكذَِلكَ َف َعلَ الّذِينَ مِن قَبِْلهِمْ } [النحل‪.]33 :‬‬
‫أي‪ :‬ممّن كذّب الرسل قبلهم‪ ..‬يعني هذه مسألة معروفة عنهم من قبل‪:‬‬
‫ظَل َمهُمُ اللّهُ } [النحل‪.]33 :‬‬
‫{ َومَا َ‬
‫أي‪ :‬وما ظلمهم ال حين قدّر أنْ يُجازيهم بكذا وكذا‪ ،‬وليس المراد هنا ظلمهم بالعذاب؛ لن العذاب‬
‫حلّ بهم بعد‪.‬‬
‫لم ي ُ‬
‫ظِلمُونَ } [النحل‪.]33 :‬‬
‫سهُمْ يَ ْ‬
‫{ وَلـاكِن كَانُواْ أَ ْنفُ َ‬
‫وهذا ما نُسمّيه بالظلم الحمق؛ لن ظلم الغير قد يعود على الظالم بنوع من النفع‪ ،‬أما ظُلْم النفس‬
‫فل يعود عليها بشيء؛ وذلك لنهم أسرفوا على أنفسهم في الدنيا فيما يخالف منهج ال‪ ،‬وبذلك‬
‫َفوّتوا على أنفسهم نعيم الدنيا ونعيم الخرة‪ ،‬وهذا هو ظلمهم لنفسهم‪.‬‬
‫عمِلُواْ‪.} ...‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ { :‬فََأصَا َبهُمْ سَيّئَاتُ مَا َ‬

‫(‪)1918 /‬‬
‫عمِلُوا وَحَاقَ ِبهِمْ مَا كَانُوا بِهِ َيسْ َتهْزِئُونَ (‪)34‬‬
‫فََأصَا َبهُمْ سَيّئَاتُ مَا َ‬

‫سمّي ما يُفعل بهم سيئة؛ لن الحق تبارك وتعالى‬
‫أي‪ :‬أنهم لما ظلموا أنفسهم أصابهم جزاء ذلك‪ ،‬و ُ‬
‫يُسمّي جزاء السيئة سيئة في قوله‪ {:‬وَجَزَآءُ سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثُْلهَا }[الشورى‪.]40 :‬‬
‫ويقول تعالى‪ {:‬وَإِنْ عَاقَبْ ُتمْ َفعَاقِبُواْ ِبمِ ْثلِ مَا عُوقِبْتُمْ ِبهِ‪[} ...‬النحل‪.]126 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهذه تُسمّى المشاكلة‪ ،‬أي‪ :‬أن هذه من جنس هذه‪.‬‬
‫عمِلُواْ } العمل هو مُزَاولة أيّ جارحة من النسان لمهمتها‪ ،‬ف ُكلّ جارحة لها‬
‫وقوله تعالى‪ { :‬مَا َ‬
‫مهمة‪ .‬الرّجْل واليد والعَيْن والُذن‪ ..‬الخ‪ .‬فاللسان مهمته أن يقول‪ ،‬وبقية الجوارح مهمتها أنْ‬
‫تفعل‪ .‬إذن‪ :‬فاللسان وحده أخذ النصف‪ ،‬وباقي الجوارح أخذتْ النصف الخر؛ ذلك لن حصائد‬
‫اللسنة عليها المعوّل الساسي‪.‬‬
‫فكلمة الشهادة‪ :‬ل إله إل ال ل بُدّ من النطق بها لنعرف أنه مؤمن‪ ،‬ثم يأتي َدوْر الفعل ليُساند هذا‬
‫القول؛ لذا قال تعالى‪ {:‬ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ ِلمَ َتقُولُونَ مَا لَ َت ْفعَلُونَ * كَبُرَ َمقْتا عِندَ اللّهِ أَن َتقُولُواْ مَا‬
‫لَ َت ْفعَلُونَ }[الصف‪.]3-2 :‬‬
‫وبالقول تبلُغ المناهج للذان‪ ..‬فكيف تعمل الجوارح دون منهج؟ ولذلك فقد جعل الحق تبارك‬
‫وتعالى للذن َوضْعا خاصا بين باقي الحواس‪ ،‬فهي أول جارحة في النسان تؤدي عملها‪ ،‬وهي‬
‫الجارحة التي ل تنقضي مهمتها أبدا‪ ..‬كل الجوارح ل تعمل مثلً أثناء النوم إل الذن‪ ،‬وبها يتم‬
‫الستدعاء والستيقاظ من النوم‪.‬‬
‫وإذا استقرأت آيات القرآن الكريم‪ ،‬ونظرت في آيات الخلق ترى الحق تبارك وتعالى يقول‪ {:‬وَاللّهُ‬
‫شكُرُونَ }‬
‫لفْئِ َدةَ َلعَّلكُمْ تَ ْ‬
‫سمْعَ وَالَ ْبصَا َر وَا َ‬
‫ج َعلَ َل ُكمُ الْ ّ‬
‫جكُم مّن ُبطُونِ ُأ ّمهَا ِتكُ ْم لَ َتعَْلمُونَ شَيْئا وَ َ‬
‫أَخْ َر َ‬
‫[النحل‪.]78 :‬‬
‫س ْم ُعهُمْ وَأَ ْبصَارُهُ ْم وَجُلُودُهُم‪} ..‬‬
‫شهِدَ عَلَ ْيهِمْ َ‬
‫ثم هي آلة الشهادة يوم القيامة‪ {:‬حَتّىا ِإذَا مَا جَآءُوهَا َ‬
‫[فصلت‪.]20 :‬‬
‫ولذلك يقول الحق سبحانه‪َ {:‬فضَرَبْنَا عَلَىا آذَا ِنهِمْ فِي ا ْل َك ْهفِ سِنِينَ عَدَدا }[الكهف‪.]11 :‬‬
‫ومعنى‪ :‬ضربنا على آذانهم‪ ،‬أي‪ :‬عطلنا الذن التي ل تعطل حتى يطمئن نومهم ويستطيعوا‬
‫الستقرار في كهفهم‪ ،‬فلو لم يجعل ال تعالى في تكوينهم الخارجي شيئا معينا لما استقر لهم نوم‬
‫طوال ‪ 309‬أعوام‪.‬‬
‫ويقول الحق تعالى‪:‬‬
‫{ وَحَاقَ ِبهِم مّا كَانُواْ ِبهِ يَسْ َتهْزِئُونَ } [النحل‪.]34 :‬‬
‫بماذا استهزأ الكافرون؟ استهزأوا بالبعث والحساب وما ينتظرهم من العذاب‪ ،‬فقالوا كما حكى‬
‫لوّلُونَ }[الصافات‪.]17-16 :‬‬
‫القرآن‪ {:‬أَِإذَا مِتْنَا َوكُنّا تُرَابا وَعِظَاما أَإِنّا َلمَ ْبعُوثُونَ * َأوَ آبَآؤُنَا ا َ‬
‫جدِيدٍ }[السجدة‪.]10 :‬‬
‫وقالوا‪ {:‬أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الَ ْرضِ أَإِنّا َلفِي خَ ْلقٍ َ‬
‫ثم بلغ بهم الستهزاء أن تعجّلوا العذاب فقالوا‪ {:‬فَأْتِنَا ِبمَا َت ِعدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ الصّا ِدقِينَ }[العراف‪:‬‬
‫‪.]70‬‬
‫ع ْمتَ عَلَيْنَا كِسَفا }[السراء‪.]92 :‬‬
‫سمَآءَ َكمَا زَ َ‬
‫سقِطَ ال ّ‬
‫وقالوا‪َ {:‬أوْ تُ ْ‬
‫وهل يطلب أحد من عدوه أن يُنزِل به العذاب إل إذا كان مستهزئا؟‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فقال لهم الحق تبارك وتعالى‪ :‬إنكم لن تقدروا على هذا العذاب الذي تستهزئون به‪ .‬فقال‪:‬‬
‫{ وَحَاقَ ِبهِم‪[ } ...‬النحل‪.]34 :‬‬
‫أي‪ :‬أحاط ونزل بهم‪ ،‬فل يستطيعون منه فرارا‪ ،‬ول يجدون معه منفذا للفكاك‪ ،‬كما في قوله‬
‫تعالى‪ {:‬وَاللّهُ مِن وَرَآ ِئهِمْ مّحِيطٌ }[البروج‪.]20 :‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪َ { :‬وقَالَ الّذِينَ أَشْ َركُواْ‪.} ...‬‬

‫(‪)1919 /‬‬
‫ن وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَ ّرمْنَا مِنْ دُونِهِ‬
‫شيْءٍ َنحْ ُ‬
‫َوقَالَ الّذِينَ أَشْ َركُوا َلوْ شَاءَ اللّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ َ‬
‫سلِ إِلّا الْ َبلَاغُ ا ْلمُبِينُ (‪)35‬‬
‫شيْءٍ كَذَِلكَ َف َعلَ الّذِينَ مِنْ قَبِْلهِمْ َف َهلْ عَلَى الرّ ُ‬
‫مِنْ َ‬

‫ي الفعل نصا في مطلوبه ل يُذكر المتعلق به‪ ..‬فلم َي ُقلْ‪ :‬أشركوا بال‪ ..‬لن‬
‫نلحظ أنه ساعة أنْ يأت َ‬
‫ذلك معلوم‪ ،‬والشراك معناه الشراك بال‪ ،‬لذلك قال تعالى هنا‪:‬‬
‫{ َوقَالَ الّذِينَ أَشْ َركُواْ‪[ } ...‬النحل‪.]35 :‬‬
‫ثم يورد الحق سبحانه قولهم‪:‬‬
‫شيْءٍ } [النحل‪:‬‬
‫ن وَل آبَاؤُنَا وَلَ حَ ّرمْنَا مِن دُونِهِ مِن َ‬
‫شيْءٍ نّحْ ُ‬
‫{ َلوْ شَآءَ اللّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن َ‬
‫‪.]35‬‬
‫إنهم هنا يدافعون عن أنفسهم‪ ،‬وهذه هي الشفاعة التي يُعلّق عليها الكفار خطاياهم ـ شماعة أن ال‬
‫كتب علينا وقضى بكذا وكذا‪.‬‬
‫فيقول المسرف على نفسه‪ :‬ربّنا هو الذي أراد لي كذا‪ ،‬وهو الذي يهدي‪ ،‬وهو الذي يُضل‪ ،‬وهو‬
‫الذي جعلني ارتكب الذنوب‪ ،‬إلى آخر هذه المقولت الفارغة من الحق ـ والنهاية؛ فلماذا يعذبني‬
‫إذن؟‬
‫وتعالوا نناقش صاحب هذه المقولت‪ ،‬لن عنده تناقضا عقليا‪ ،‬والقضية غير واضحة أمامه‪..‬‬
‫ولكي نزيل عنه هذا الغموض نقول له‪ :‬ولماذا لم تقُل‪ :‬إذا كان ال قد أراد لي الطاعة وكتبها‬
‫عليّ‪ ،‬فلماذا يثيبني عليها‪ ..‬هكذا المقابل‪ ..‬فلماذا قُلْت بالولى ولم ت ُقلْ بالثانية؟‍‍!‬
‫واضح أن الولى تجرّ عليك الشر والعذاب‪ ،‬فوقفتْ في عقلك‪ ..‬أما الثانية فتجرّ عليك الخير‪ ،‬لذلك‬
‫تغاضيت عن ِذكْرها‪.‬‬
‫ونقول له‪ :‬هل أنت حينما تعمل أعمالك‪ ..‬هل كلها خير؟ أم هل كلها شَرّ؟ َأمَا منها ما هو خير‪،‬‬
‫ومنها ما هو شر؟‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والجابة هنا واضحة‪ .‬إذن‪ :‬ل أنت مطبوع على الخير دائما‪ ،‬ول أنت مطبوع على الشرّ دائما‪،‬‬
‫لذلك فأنت صالح للخير‪ ،‬كما أنت صالح للشر‪.‬‬
‫إذن‪ :‬هناك فَرْق بين أن يخلقك صالحا للفعل وضِدّه‪ ،‬وبين أنْ يخلقك مقصورا على الفعل ل ضده‪،‬‬
‫ولما خلقك صالحا للخير وصالحا للشر أوضح لك منهجه وبيّنَ لك الجزاء‪ ،‬فقال‪ :‬اعمل الخير‪..‬‬
‫والجزاء كذا‪ ،‬واعمل الشر‪ ..‬والجزاء كذا‪ ..‬وهذا هو المنهج‪.‬‬
‫ن يقولَ‪ :‬إن ال كتبه عليّ‪ ..‬وهذا عجيب‪ ،‬وكأنّي به قد اطّلع على‬
‫ويحلو للمسرف على نفسه أ ْ‬
‫اللوح المحفوظ ونظر فيه ‪ ،‬فوجد أن ال كتب عليه أن يشرب الخمر مثلً فراحَ فشربها؛ لن ال‬
‫كتبها عليه‪.‬‬
‫ولو أن المر هكذا لكنتَ طائعا بشُرْبك هذا‪ ،‬لكن المر خلف ما تتصور‪ ،‬فأنت ل تعرف أنها‬
‫ن تفعلَ‪ ،‬فهل اطلعتَ على اللوح‬
‫ن فعلتَ‪ ،‬والفعل منك مسبوق بالعزم على أ ْ‬
‫كُتِبت عليك إل بعد أ ْ‬
‫المحفوظ كي تعرف ما كتبه ال عليك؟‬
‫وانتبه هنا واعلم أن ال تعالى كتب أزلً؛ لنه علم أنك تفعل أجلً‪ ،‬وعِلْم ال ُمطْلق ل حدودَ له‪.‬‬
‫ل ـ ول المثل العلى ـ الوالد الذي يلحظ ولده في دراسته‪ ،‬فيجده مُهملً غير مُجدّ‬
‫ونضرب مث ً‬
‫فيتوقع فشله في المتحان‪.‬‬
‫‪ .‬هل دخل الوالد مع ولده وجعله يكتب خطأ؟ ل‪ ..‬بل توقّع له الفشل لعلمه بحال ولده‪ ،‬وعدم‬
‫استحقاقه للنجاح‪.‬‬
‫إذن‪ :‬كتب ال مُسبْقا وأزلً؛ لنه يعلم ما يفعله العبد أصلً‪ ..‬وقد أعطانا الحق تبارك وتعالى‬
‫صورة أخرى لهذا المنهج حينما وجّه المؤمنين إلى الكعبة بعد أنْ كانت وجْهتهم إلى بيت المقدس‪،‬‬
‫ج َهكَ شَطْرَ ا ْل َمسْجِدِ‬
‫سمَآءِ فَلَ ُنوَلّيَ ّنكَ قِبْلَةً تَ ْرضَاهَا َف َولّ وَ ْ‬
‫ج ِهكَ فِي ال ّ‬
‫ب وَ ْ‬
‫فقال تعالى‪ {:‬قَدْ نَرَىا َتقَّل َ‬
‫جوِ َهكُمْ شَطْ َرهُ }[البقرة‪.]144 :‬‬
‫الْحَرَا ِم وَحَ ْيثُ مَا كُنْتُمْ َفوَلّو ْا وُ ُ‬
‫س َفهَآءُ مِنَ النّاسِ مَا وَلّ ُهمْ عَن قِبْلَ ِتهِمُ الّتِي كَانُواْ‬
‫ثم أخبر نبيه صلى ال عليه وسلم بقوله‪ {:‬سَ َيقُولُ ال ّ‬
‫عَلَ ْيهَا }[البقرة‪.]142 :‬‬
‫جاء الفعل هكذا في المستقبل‪ :‬سيقول‪ ..‬إنهم لم يقولوا َبعْد هذا القول‪ ،‬وهذا قرآن يُتلَى على مسامع‬
‫الجميع غير خافٍ على أحد من هؤلء السفهاء‪ ،‬فلو كان عند هؤلء عقل لَسكتُوا ولم يُبادروا بهذه‬
‫المقولة‪ ،‬ويُفوّتوا الفرصة بذلك على محمد صلى ال عليه وسلم وعلى صِدْق القرآن الكريم‪.‬‬
‫كان باستطاعتهم أن يسكتوا ويُوجّهوا للقرآن تهمة الكذب‪ ،‬ولكن شيئا من ذلك لم يحدث‪.‬‬
‫وبذلك ت ّمتْ إرادة ال وأمره حتى على الكافرين الذين يبحثون عن مناقضة في القرآن الكريم‪.‬‬
‫وهذه الية‪َ } :‬وقَالَ الّذِينَ أَشْ َركُواْ { [النحل‪.]35 :‬‬
‫تشرح وتُفسّر قول ال تعالى‪ {:‬سَ َيقُولُ الّذِينَ أَشْ َركُواْ َلوْ شَآءَ اللّهُ مَآ َأشْ َركْنَا وَلَ آبَاؤُنَا َولَ حَ ّرمْنَا‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫شيْءٍ }[النعام‪.]148 :‬‬
‫مِن َ‬
‫فهنا } سَ َيقُولُ { وفي الية الخرى } قَالَ {؛ لنعلم أنه ل يستطيع أحد معارضة َقوْل ال تعالى‪ ،‬أو‬
‫تغيير حكمه‪.‬‬
‫ثم يقول تعالى‪:‬‬
‫ن وَل آبَاؤُنَا‪[ { ...‬النحل‪.]35 :‬‬
‫} نّحْ ُ‬
‫لماذا لم يتحدث هؤلء عن أنفسهم فقط؟ ما الحكمة في دفاعهم عن آبائهم هنا؟ الحكمة أنهم‬
‫سيحتاجون لهذه القضية فيما بعد وسوف يجعلونها حُجّة حينما يقولون‪ {:‬إِنّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَىا ُأمّةٍ‬
‫وَإِنّا عَلَىا آثَارِهِم ّمهْتَدُونَ }[الزخرف‪ .]22 :‬إذن‪ :‬ل حُجّة لهؤلء الذين يُعلّقون إسرافهم على‬
‫أنفسهم على شماعة القدر‪ ،‬وأن ال تعالى كتب عليهم المعصية؛ لننا نرى حتى من المسلمين مَنْ‬
‫يتكلم بهذا الكلم‪ ،‬ويميل إلى هذه الباطيل‪ ،‬ومنهم مَنْ تأخذه الجَرْأة على ال عز وجل فيُشبّه هذه‬
‫القضية بقول الشاعر‪:‬أَ ْلقَاهُ في اليَمّ مَكتُوفا َوقَالَ لَهُ إيّاكَ إيّاكَ أنْ تبتلّ بالماءِوما يفعل هذا إل ظالم!!‬
‫جهّال والكافرين‪ ،‬وأيضا هناك مَنْ يقول‪ :‬إن النسان هو الذي خلق‬
‫تعالى ال وتنزّه عن َقوْل ال ُ‬
‫الفعل‪ ،‬ويعارضهم آخرون يقولون‪ :‬ل بل رَبّنا هو الذي يخلق ال ِفعْل‪.‬‬
‫نقول لهم جميعا‪ :‬افهموا‪ ،‬ليس هناك في الحقيقة خلفٌ‪ ..‬ونسأل‪ :‬ما هو الفعل؟ الفعل توجيه‬
‫ل قوة‬
‫جارحة لحدثٍ‪ ،‬فأنت حينما تُوجّه جارحة لحدثٍ‪ ،‬ما الذي فعلته أنت؟ هل أعطيتَ لليد مث ً‬
‫ج َهتْ حركتها؟‬
‫الحركة بذاتها؟ أم أن إرادتك هي التي و ّ‬
‫والجارحة مخلوقة ل تعالى‪ ،‬وكذلك الرادة التي حكمتْ على الجارحة مخلوقة ل أيضا‪.‬‬
‫ج ْهتَ المخلوق ل إلى مَا ل يحب ال ـ في حالة المعصية ـ‬
‫‪ .‬إذن‪ :‬ما فعلته أنت ما هو إل أن و ّ‬
‫وإلى ما يحبه ال في حالة الطاعة‪.‬‬
‫كذلك ل بُدّ أن نلحظ أن ل تعالى مرادات كونية ومرادات شرعية‪ ..‬فالمراد الكونيّ هو ما يكون‬
‫فِعلً‪ُ ،‬كلّ ما تراه في الكون أراد ال أن يكون‪ .‬والمراد الشرعي‪ :‬هو طََلبُ الشيء لمحبوبيته‪.‬‬
‫ولنأخذ مثلً لتوضيح ذلك‪ :‬كُفْر الكافر‪ ،‬أراد ال َكوْنيا أن يكون‪ ،‬لنه خلقه مختارا وقال‪َ {:‬فمَن‬
‫شَآءَ فَلْ ُي ْؤمِن َومَن شَآءَ فَلْ َي ْكفُرْ }[الكهف‪.]29 :‬‬
‫وطالما خلقك ال مختارا تستطيع أن تتوجه إلى اليمان‪ ،‬أو تتوجه إلى الكفر‪ ،‬ثم كفرتَ‪ .‬إذن‪ :‬فهل‬
‫غصْبا عنه وعلى غير مُراده سبحانه وتعالى؟ حاشا ل ومعنى ذلك أن ُكفْر الكافر مُراد‬
‫كفرتَ َ‬
‫كونيّ‪ ،‬وليس مرادا شرعيا‪.‬‬
‫وبنفس المقياس يكون إيمان المؤمن مُرادا كونيا ومُرادا شرعيا‪ ،‬أما كفر المؤمن‪ ،‬المؤمن حقيقة لم‬
‫يكفر‪ .‬إذن‪ :‬هو مراد شرعي وكذلك مراد كوني‪ ،‬وهكذا‪ ،‬فل ُبدّ أن نُفرّق بين المراد كونيا والمراد‬
‫شرعيا‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ولذلك لما حدثت ضجة في الحرم المكي منذ سنوات‪ ،‬وحدث فيه إطلق للنار وترويع للمنين‪،‬‬
‫قال بعضهم‪ :‬كيف يحدث هذا وقد قال تعالى‪َ {:‬ومَن دَخََلهُ كَانَ آمِنا }[آل عمران‪.]97 :‬‬
‫وها هو الحال قَتْل وإزعاج للمنين فيه؟!‬
‫والحقيقة أن هؤلء خلطوا بين مراد كوني ومراد شرعي‪ ،‬فالمقصود بالية‪َ :‬فمْن دخله فأمّنوه‪.‬‬
‫أي‪ :‬اجعلوه آمنا‪ ،‬فهذا مطلَب من ال تبارك وتعالى‪ ،‬وهو مراد شرعي قد يحدث وقد ل يحدث‪..‬‬
‫أما المراد الكوني فهو الذي يحدث فعلً‪ .‬وبذلك يكون ما حدث في الحرم مرادا كونيا‪ ،‬وليس‬
‫مرادا شرعيا‪.‬‬
‫ثم يقول تعالى على لسانهم‪:‬‬
‫شيْءٍ‪[ { ...‬النحل‪.]35 :‬‬
‫} َولَ حَ ّرمْنَا مِن دُونِهِ مِن َ‬
‫ج َعلَ اللّهُ مِن َبحِي َر ٍة َولَ سَآئِبَ ٍة َولَ َوصِيلَةٍ وَلَ حَامٍ‬
‫وقد ورد توضيح هذه الية في قوله تعالى‪ {:‬مَا َ‬
‫ب وََأكْثَرُهُ ْم لَ َي ْعقِلُونَ }[المائدة‪.]103 :‬‬
‫وَلَـاكِنّ الّذِينَ َكفَرُواْ َيفْتَرُونَ عَلَىا اللّهِ ا ْلكَ ِذ َ‬
‫ثم يقول تعالى مقررا‪:‬‬
‫} كَذاِلكَ َف َعلَ الّذِينَ مِن قَبِْلهِمْ‪[ { ...‬النحل‪ ]35 :‬أي‪ :‬هذه سُنّة السابقين المعاندين‪.‬‬
‫سلِ ِإلّ الْبَلغُ ا ْلمُبِينُ { [النحل‪.]35 :‬‬
‫} َف َهلْ عَلَى الرّ ُ‬
‫البلغ هو ما بين عباد ال وبين ال‪ ،‬وهو بلغ الرسل‪ ،‬والمراد به المنهج " افعل أو ل تفعل "‪.‬‬
‫ول يقول ال لك ذلك إل وأنت قادر على ال ِفعْل وقادر على التّرْك‪.‬‬
‫لذلك نرى الحق تبارك وتعالى يرفع التكليف عن المكْره فل يتعلق به حكم؛ لنه في حالة الكراه‬
‫ل هؤلء ل يتعلق‬
‫قد يفعل ما ل يريده ول يُحبه‪ ،‬وكذلك المجنون والصغير الذي لم يبلغ التعقل‪ُ ،‬ك ّ‬
‫بهم حكْم‪ ..‬لماذا؟ لن ال تعالى يريد أن يضمن السلمة للة الترجيح في الختيار‪ ..‬وهي العقل‪.‬‬
‫وحينما يكون النسان محلّ تكليف عليه أنْ يجعلَ الفيصل في‪:‬‬
‫سلِ ِإلّ الْبَلغُ ا ْلمُبِينُ { [النحل‪.]35 :‬‬
‫} َف َهلْ عَلَى الرّ ُ‬
‫بلغ المنهج بافعل ول تفعل؛ لذلك استنكر القرآن الكريم على هؤلء الذين جاءوا بقول من عند‬
‫جعَلُواْ ا ْلمَلَ ِئكَةَ‬
‫حقّ هؤلء‪ {:‬وَ َ‬
‫أنفسهم دون رصيد من المبلّغ صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فقال تعالى في َ‬
‫شهَادَ ُت ُه ْم وَيُسْأَلُونَ * َوقَالُواْ َلوْ شَآءَ‬
‫شهِدُواْ خَ ْل َقهُمْ سَ ُتكْ َتبُ َ‬
‫حمَـانِ إِنَاثا أَ َ‬
‫الّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرّ ْ‬
‫حمَـانُ مَا عَ َبدْنَاهُمْ‪[} ...‬الزخرف‪.]20-19 :‬‬
‫الرّ ْ‬
‫سكُونَ }[ا