‫تفسير الشعراوي‬

‫سقُوا فِيهَا َفحَقّ عَلَ ْيهَا ا ْلقَ ْولُ فَ َدمّرْنَاهَا َت ْدمِيرًا (‪)16‬‬
‫وَإِذَا أَ َردْنَا أَنْ ُنهِْلكَ قَرْيَةً َأمَرْنَا مُتْ َرفِيهَا َففَ َ‬

‫الحق تبارك وتعالى في هذه الية يعطينا مثالً لعاقبة الخروج عن منهج ال تعالى؛ لنه سبحانه‬
‫حينما يُرسل رسولً ليُبلّغ منهجه إلى خَلْقه‪ ،‬فل عُذْرَ للخارجين عنه؛ لنه منهج من الخالق الرازق‬
‫المنعم‪ ،‬الذي يستحق منا الطاعة والنقياد‪ .‬وكيف يتقلب النسان في نعمة ربه ثم يعصاه؟ إنه رَدّ‬
‫غير لئق للجميل‪ ،‬وإنكار للمعروف الذي يسوقه إليك ليل نهار‪ ،‬بل في كل َنفَسٍ من أنفاسك‪.‬‬
‫ولو كان هذا المنهج من عند البشر لكان هناك عُذْر لمَنْ خرج عنه‪ ،‬ولذلك يقولون‪ " :‬من يأكل‬
‫لقمتي يسمع كلمتي "‪.‬‬
‫كما أن هذا المنعم سبحانه لم يفاجئك بالتكليف‪ ،‬بل كلفك في وقَت مناسب‪ ،‬في وقت استوت فيه‬
‫ملكا ُتكَ وقدرا ُتكَ‪ ،‬وأصبحتَ بالغا صالحا لحمل هذا التكليف‪ ،‬فتركك خمسة عشر عاما تربع في‬
‫لوْلَى بك أن تستمع إلى منهج ربك‪ ،‬وتُنفّذه أمرا ونهيا؛ لنه سبحانه‬
‫نعمه وتتمتع بخيره‪ ،‬فكان ا َ‬
‫أوجدك من دم وأمدّك من عُدم‪.‬‬
‫والمتأمل في قضية التكليف يرى أن الحق سبحانه أمر بعضنا أن يُكلّف بعضا‪ ،‬كما قال تعالى‪{:‬‬
‫ل ِة وَاصْطَبِرْ عَلَ ْيهَا‪[} ..‬طه‪]132 :‬‬
‫وَ ْأمُرْ أَهَْلكَ بِالصّ َ‬
‫وقد شرح لنا النبي صلى ال عليه وسلم هذه القضية فقال‪ " :‬مُرُوا أولدكم بالصلة لسبع‪،‬‬
‫واضربوهم عليها لعشر "‪.‬‬
‫وهذا التكليف وإنْ كان في ظاهره من الهل لولدهم‪ ،‬إل أنه في حقيقته من ال تعالى فهو المر‬
‫للجميع‪ ،‬ولكن أراد الحق سبحانه أن يكون التكليف الول في هذه السن من القريب المباشر‬
‫المحسّ أمام الطفل‪ ،‬فأبوه هو صاحب النعمة المحسّة حيث يوفر لولده الطعام والشراب‪ ،‬وكل‬
‫متطلبات حياته‪ ،‬فإذا ما كلفه أبوه كان َأدْعَى إلى النصياع والطاعة؛ لن الولد في هذه السن‬
‫المبكرة ل تتسع مداركه لمعرفة المنعم الحقيقي‪ ،‬وهو ال تعالى‪.‬‬
‫ن قصّر؛ لن المر بالفعل هو الذي‬
‫لذلك أمر الب أن يعوّد ولده على تحمّل التكليف وأن يعاقبه إ ْ‬
‫يُعاقب على الهمال فيه‪ .‬حتى إذا بلغ الولد سِنّ التكليف الحقيقي من المنعم العلى سبحانه كان‬
‫عند الولد أُنْس بالتكليف وتعودّ عليه‪ ،‬وبذَلك يأتي التكليف اللهي خفيفا على النفس مألوفا عندها‪.‬‬
‫أما إن أخذتَ نِعم ال وانصرفتَ عن منهجه فطغ ْيتَ بالنعمة وبغيتَ فانتظر النتقام‪ ،‬انتظر َأخْذه‬
‫سبحانه وسنته التي ل تتخلف ول تُردّ عن القوم الظالمين في الدنيا قبل الخرة‪.‬‬
‫واعلم أن هذا النتقام ضروري لحفظ سلمة الحياة‪ ،‬فالناس إذا رأوا الظالمين والعاصين‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ن في نعَم ال في أمن وسلمة‪ ،‬فسوف يُغريهم هذا بأن يكونوا مثلهم‪ ،‬وأنْ‬
‫والمتكبرين يرتعُو َ‬
‫يتخذوهم قدوة ومثلً‪ ،‬فيهم الفساد والظلم وينهار المجتمع من أساسه‪.‬‬
‫أما إنْ رَأوْا انتقام الحق سبحانه من هؤلء‪ ،‬وشاهدوهم أذلّء منكسِرينَ‪ ،‬فسوف يأخذون منهم عبرة‬
‫وعظة‪ ،‬والعاقل مَنِ اعتبر بغيره‪ ،‬واستفاد من تجارب الخرين‪.‬‬
‫فالنتقام من ال تعالى لحكمة أرادها سبحانه وتعالى‪ ،‬وكم رأينا من أشخاص وبلد حاقَ بهم سوء‬
‫أعمالهم حتى أصبحوا عِبر ًة ومُثْلة ومَنْ لم يعتبر كان عبرة حتى لمَنْ لم يؤمن‪ ،‬وبذلك تعتدل‬
‫حركة الحياة‪ ،‬حيث يشاهد الجميع ما نزل بالمفسدين من خراب ودمار‪ ،‬وإذا استقرأت البلد في‬
‫نواحي العالم المختلفة لتيسّر لك الوقوف على هذه السّنة اللهية في بلد بعينها‪ ،‬ولستط ْعتَ أن‬
‫تعزو ما حدث لها إلى أسباب واضحة من الخروج عن منهج الحق سبحانه‪.‬‬
‫طمَئِنّةً يَأْتِيهَا رِ ْز ُقهَا رَغَدا مّن ُكلّ َمكَانٍ‬
‫وصدق ال حين قال‪َ {:‬وضَ َربَ اللّهُ مَثَلً قَرْيَةً كَا َنتْ آمِ َنةً مّ ْ‬
‫خ ْوفِ ِبمَا كَانُواْ َيصْ َنعُونَ }[النحل‪]112 :‬‬
‫َفكَفَ َرتْ بِأَ ْنعُمِ اللّهِ فَأَذَا َقهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْ َ‬
‫وإياك أن تظن أن الحق سبحانه يمكن أن يهمل الفسقة والخارجين عن منهجه‪ ،‬فلبد أن يأتي اليوم‬
‫الذي يأخذهم فيه أخْذَ عزيز ُمقْتدر‪ ،‬وإلّ لكانت أُسْوة سيئة تدعو إلى الفساد في حركة الحياة‪.‬‬
‫علَ ْيهَا ا ْلقَ ْولُ فَ َدمّرْنَاهَا‬
‫سقُواْ فِيهَا َفحَقّ َ‬
‫قال تعالى‪ {:‬وَِإذَآ أَ َردْنَآ أَن ّنهِْلكَ قَرْيَةً َأمَرْنَا مُتْ َرفِيهَا َففَ َ‬
‫تَ ْدمِيرا }[السراء‪]16 :‬‬
‫الفة أن الذين يستقبلون نصّ القرآن يفهمون خطأ أن } َففَسَقُواْ { مترتبة على المر الذي قبلها‪،‬‬
‫فيكون المعنى أن ال تعالى هو الذي أمرهم بالفسق‪ ،‬وهذا فهم غريب لمعنى الية الكريمة‪ ،‬وهذا‬
‫المر صادر من الحق سبحانه إلى المؤمنين‪ ،‬فتعالوا نَ َر أوامر ال في القرآن‪َ {:‬ومَآ ُأمِرُواْ ِإلّ‬
‫لِ َيعْبُدُواْ اللّهَ مُخِْلصِينَ لَهُ الدّينَ‪[} ..‬البينة‪]5 :‬‬
‫{ ُأمِ ْرتُ أَنْ أَعْ ُبدَ َربّ هَ ِذهِ الْبَلْ َدةِ‪[} ..‬النمل‪]91 :‬‬
‫{ وَُأمِ ْرتُ أَنْ َأكُونَ مِنَ ا ْلمُسِْلمِينَ }[يونس‪]72 :‬‬
‫فأمْر ال تعالى ل يكون إل بطاعة وخير‪ ،‬ول يأمر سبحانه بفسق أو فحشاء‪ ،‬كما ذكر القرآن‬
‫صوْا‬
‫ع َ‬
‫الكريم‪ ،‬وعلى هذا يكون المراد من الية‪ :‬أمرنا مترفيها بطاعتنا وبمنهجنا‪ ،‬ولكنهم خالفوا و َ‬
‫حقّ عليهم العذاب‪.‬‬
‫وفسقوا؛ لذلك َ‬
‫طلَب من العلى‪ ،‬وهو ال تعالى إلى الدنى‪ ،‬وهم الخَلْق طلب منهم الطاعة والعبادة‪،‬‬
‫والمر‪َ :‬‬
‫فاستغلّوا فرصة الختيار ففسقوا وخالفوا أمر ال‪.‬‬
‫قوله‪ } :‬وَِإذَآ أَ َردْنَآ أَن ّنهِْلكَ قَرْيَةً‪[ { ..‬السراء‪]16 :‬‬
‫من الخطأ أن نفهم المعنى على أن ال أراد أولً هلكهم ففسقوا؛ لن الفهم المستقيم للية أنهم‬
‫فسقوا فأراد ال إهلكهم‪ .‬و } قَرْيَةً { أي أهل القرية‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫حقّ عَلَ ْيهَا ا ْل َق ْولُ‪[ { ..‬السراء‪]16 :‬‬
‫وقوله‪ } :‬فَ َ‬
‫سقُواْ‪[} ..‬يونس‪]33 :‬‬
‫ح ّقتْ كَِل َمتُ رَ ّبكَ عَلَى الّذِينَ فَ َ‬
‫أي‪ :‬وجب لها العذاب‪ ،‬كما قال تعالى‪ {:‬كَذَِلكَ َ‬
‫وقد أوجب ال لها العذاب لتسلَم حركة الحياة‪ ،‬وليحمي المؤمنين من أذى الذين ل يؤمنون‬
‫بالخرة‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬فَ َدمّرْنَاهَا َت ْدمِيرا‪[ { ..‬السراء‪]16 :‬‬
‫أي‪ :‬خربناها‪ ،‬وجعلناها أثرا بعد عَيْن‪ ،‬وليستْ هذه هي الولى‪ ،‬بل إذا استقرأتَ التاريخ خاصة‬
‫تاريخ الكفرة والمعاندين فسوف تجد قرى كثيرة أهلكها ال ولم يبقى منها إل آثارا شاخصة شاهدة‬
‫ح َو َكفَىا بِرَ ّبكَ ِبذُنُوبِ عِبَا ِدهِ خَبِيرَا‬
‫عليهم‪ ،‬كما قال تعالى‪َ } :‬وكَمْ أَهَْلكْنَا مِنَ ا ْلقُرُونِ مِن َبعْدِ نُو ٍ‬
‫َبصِيرا {‪.‬‬

‫(‪)2029 /‬‬
‫ح َوكَفَى بِرَ ّبكَ بِذُنُوبِ عِبَا ِدهِ خَبِيرًا َبصِيرًا (‪)17‬‬
‫َوكَمْ أَهَْلكْنَا مِنَ ا ْلقُرُونِ مِنْ َبعْدِ نُو ٍ‬

‫فأيْن عاد وثمود وقوم لوط وقوم صالح؟ إذن‪ :‬فالية قضية قولية‪ ،‬لها من الواقع ما يُصدّقها‪.‬‬
‫وقوله‪ { :‬مِن َبعْدِ نُوحٍ‪[ } ..‬السراء‪]17 :‬‬
‫عهْد بخَلْق ال‬
‫َدلّ على أن هذا الخذ وهذا العذاب لم يحدث فيما قبل نوح؛ لن الناس كانوا قريبي َ‬
‫لدم ـ عليه السلم ـ كما أنه كان يلقنهم معرفة ال وما يضمن لهم سلمة الحياة‪ ،‬أما بعد نوح‬
‫فقد ظهر الفساد والكفر والجحود‪ ،‬فنزل بهم العذاب‪ .‬الذي لم يسبق له مثيل‪.‬‬
‫سمٌ لّذِى‬
‫شفْ ِع وَا ْلوَتْرِ * وَالّيلِ إِذَا َيسْرِ * َهلْ فِي ذَِلكَ قَ َ‬
‫عشْرٍ * وَال ّ‬
‫قال تعالى‪ {:‬وَا ْلفَجْرِ * وَلَيالٍ َ‬
‫حجْرٍ * أََلمْ تَرَ كَ ْيفَ َفعَلَ رَ ّبكَ ِبعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ ا ْل ِعمَادِ * الّتِي َلمْ يُخَْلقْ مِثُْلهَا فِي الْبِلَدِ * وَ َثمُودَ‬
‫ِ‬
‫ط َغوْاْ فِي الْبِلَدِ * فََأكْثَرُواْ فِيهَا ا ْلفَسَادَ‬
‫لوْتَادِ * الّذِينَ َ‬
‫عوْنَ ذِى ا َ‬
‫الّذِينَ جَابُواْ الصّخْرَ بِا ْلوَادِ * َوفِرْ َ‬
‫سوْطَ عَذَابٍ * إِنّ رَ ّبكَ لَبِا ْلمِ ْرصَادِ }[الفجر‪]14-1 :‬‬
‫صبّ عَلَ ْي ِهمْ رَ ّبكَ َ‬
‫* َف َ‬
‫ولنا َوقْفة سريعة مع هذه اليات من سورة الفجر‪ ،‬فقد خاطب الحق سبحانه رسوله صلى ال عليه‬
‫وسلم بقوله‪ {:‬أَلَمْ تَرَ كَ ْيفَ َف َعلَ رَ ّبكَ ِبعَادٍ }[الفجر‪]6 :‬‬
‫و { أََلمْ تَرَ } بمعنى‪ :‬ألم تعلم؛ لن النبي لم ير ما فعله ال بعاد‪ ،‬فلماذا عدل السياق القرآني عن‪:‬‬
‫تعلم إلى تَرَ؟‬
‫قالوا‪ :‬لن إعلم ال لرسوله أصدق من عينه ورؤيته‪ ،‬ومثلها قوله تعالى‪ {:‬أَلَمْ تَرَ كَ ْيفَ َف َعلَ رَ ّبكَ‬
‫بَِأصْحَابِ ا ْلفِيلِ }[الفيل‪]1 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫حيث وُلِد رسول ال في عام الفيل‪ ،‬ولم يكن رأى شيئا‪.‬‬
‫وفي آيات سورة (الفجر) ما يدلّنا على أن حضارة عاد التي ل نكاد نعرف عنها شيئا كانت أعظمَ‬
‫من حضارة الفراعنة التي لفتتْ أنظار العالم كله؛ ذلك لن الحق تبارك وتعالى قال عن عاد‪{:‬‬
‫لدِ }[الفجر‪]8 :‬‬
‫الّتِي لَمْ ُيخْلَقْ مِثُْلهَا فِي الْبِ َ‬
‫عوْنَ ذِى‬
‫ل لها في كل حضارات العالم‪ ،‬في حين قال عن حضارة الفراعنة‪َ {:‬وفِرْ َ‬
‫أي‪ :‬ل مثي َ‬
‫لوْتَادِ }[الفجر‪ ]10 :‬مجرد هذا الوصف فقط‪ .‬وقوله تعالى‪َ { :‬وكَمْ َأهَْلكْنَا مِنَ ا ْلقُرُونِ‪} ..‬‬
‫اَ‬
‫[السراء‪]17 :‬‬
‫كَمْ‪ :‬تدل على كثرة العدد‪.‬‬
‫والقرون‪ :‬جمع قرن‪ ،‬وهو في الصطلح الزمني مائة عام‪ ،‬ويُطلَق على القوم المقترنين معا في‬
‫الحياة‪ ،‬ولو على مبدأ من المبادئ‪ ،‬وتوارثه الناس فيما بينهم‪.‬‬
‫وقد يُطلَق القرن على أكثر من مائة عام كما نقول‪ :‬قرن نوح‪ ،‬قرن هود‪ ،‬قرن فرعون‪ .‬أي‪:‬‬
‫الفترة التي عاشها‪.‬‬
‫وقوله‪َ { :‬و َكفَىا بِرَ ّبكَ بِذُنُوبِ عِبَا ِدهِ خَبِيرَا َبصِيرا‪[ } ..‬السراء‪]17 :‬‬
‫أي‪ :‬أنه سبحانه غنيّ عن إخبار أحد بذنوب عباده‪ ،‬فهو أعلم بها‪ ،‬لنه سبحانه ل تخفى عليه خافية‬
‫خفِي الصّدُورُ }[غافر‪]19 :‬‬
‫في الرض ول في السماء‪َ {:‬يعَْلمُ خَآئِ َن َة الَعْيُنِ َومَا ُت ْ‬
‫فل يحتاج لمَنْ يخبره؛ لنه خبير وبصير‪ ،‬هكذا بصيغة المبالغة‪.‬‬
‫وهنا قد يقول قائل‪ :‬طالما أن ال تعالى يعلم كل شيء ول تخفى عليه خافية‪ ،‬فلماذا يسأل الناس‬
‫يوم القيامة عن أعمالهم؟‬
‫نقول‪ :‬لن السؤال يَ ِر ُد لحدى فائدتين‪:‬‬
‫الولى‪ :‬كأنْ يسألَ الطالب أستاذه عن شيء ل يعلمه‪ ،‬فالهدف أنْ يعلم ما جهل‪.‬‬
‫والخرى‪ :‬كأن يسأل الستاذ تلميذه في المتحان‪ ،‬ل ليعلم منه‪ ،‬ولكن ليقرره بما علم‪.‬‬
‫وهكذا الحق سبحانه ـ ول المثل العلى ـ يسأل عبده يوم القيامة عن أعماله ليقرره بها‪،‬‬
‫سكَ الْ َيوْمَ عَلَ ْيكَ حَسِيبا }[السراء‪]14 :‬‬
‫وليجعله شاهدا على نفسه‪ ،‬كما قال‪ {:‬اقْرَأْ كِتَا َبكَ َكفَىا بِ َنفْ ِ‬
‫وقوله تعالى‪َ } :‬وكَفَىا بِرَ ّبكَ‪[ { ..‬السراء‪]17 :‬‬
‫كما تقول‪ :‬كفى بفلن كذا‪ ،‬أي‪ :‬أنك ترتضيه وتثقُ به‪ ،‬فالمعنى‪ :‬يكفيك ربك فل تحتاج لغيره‪ ،‬وقد‬
‫سبق أنْ أوضحنا أن ال تعالى في يده كل السلطات حينما يقضي‪ :‬السلطة التشريعية‪ ،‬والسلطة‬
‫القضائية‪ ،‬والسلطة التنفيذية‪ ،‬وهو سبحانه غنيّ عن الشهود والبينة والدليل‪.‬‬
‫إذن‪ :‬كفى به سبحانه حاكما وقاضيا وشاهدا‪ .‬ولن الحق سبحانه خبير بصير بذنوب عباده‪ ،‬فعقابه‬
‫عَدْل ل ظلمَ فيه‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫جهَنّمَ‬
‫جعَلْنَا لَهُ َ‬
‫عجّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا َنشَآءُ ِلمَن نّرِيدُ ثُمّ َ‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ } :‬مّن كَانَ يُرِيدُ ا ْلعَاجِلَةَ َ‬
‫َيصْلهَا مَ ْذمُوما مّدْحُورا {‪.‬‬

‫(‪)2030 /‬‬
‫جهَنّمَ َيصْلَاهَا مَ ْذمُومًا مَ ْدحُورًا (‬
‫جعَلْنَا َلهُ َ‬
‫عجّلْنَا َلهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ ِلمَنْ نُرِيدُ ُثمّ َ‬
‫مَنْ كَانَ يُرِيدُ ا ْلعَاجِلَةَ َ‬
‫‪)18‬‬

‫الحق تبارك وتعالى قبل أن يخلق النسان الذي جعله خليفة له في أرضه‪ ،‬خلق له الكون كُلّه بما‬
‫فيه‪ ،‬وخلق له جميع مُقوّمات حياته‪ ،‬ووالى عليه ِنعَمه إيجادا من عدم‪ ،‬وإمدادا من عُدم‪ ،‬وجعل‬
‫من مُقوّمات الحياة ما ينفعل له وإنْ لم يُطلب منه‪ ،‬كالشمس والقمر والهواء والمطر‪ ..‬الخ فهذه من‬
‫ل معها‪.‬‬
‫مُقوّمات حياتك التي تُعطيك دون أنْ تتفاع َ‬
‫ومن مُقوّمات الحياة مَا ل ينفعل لك‪ ،‬إل إذا تفاعلتَ معه‪ ،‬كالرض مثلً ل تعطيك إل إذا حرثتها‪،‬‬
‫وبذرت فيها البذور فتجدها قد انفعلتْ لك‪ ،‬وأعطتْك النتاج الوفير‪.‬‬
‫والمتأمل في حضارات البشر وارتقاءاتهم في الدنيا يجدها نتيجة لتفاعل الناس مع مُقوّمات الحياة‬
‫بجوارحهم وطاقاتهم‪ ،‬فتتفاعل معهم مُقوّمات الحياة‪ ،‬ويحدث التقدم والرتقاء‪.‬‬
‫وقد يرتقي النسان ارتقاءً آخر‪ ،‬بأن يستفيد من النوع الول من مُقوّمات الحياة‪ ،‬والذي يعطيه‬
‫دون أنْ يتفاعل معه‪ ،‬استفادة جديدة‪ ،‬ومن ذلك ما توصّل إليه العلماء من استخدام الطاقة الشمسية‬
‫استخدامات جديدة لم تكن موجودة من قبل‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فهذه نواميس في الكون‪ ،‬الذي يُحسِن استعمالها تُعطيه النتيجة المرجوة‪ ،‬وبذلك يُثري النسان‬
‫سمَيناه سابقا عطاء الربوبية الذي يستوي فيه المؤمن والكافر‪،‬‬
‫حياته ويرتقي بها‪ ،‬وهذا ما َأ ْ‬
‫والطائع والعاصي‪.‬‬
‫لذلك يقول الحق سبحانه وتعالى‪ { :‬مّن كَانَ يُرِيدُ ا ْلعَاجِلَةَ‪[ } ..‬السراء‪]18 :‬‬
‫أي‪ :‬عطاء الدنيا ومتعها ورُقيها وتقدّمها‪.‬‬
‫عجّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ ِلمَن نّرِيدُ‪[ } ..‬السراء‪]18 :‬‬
‫{ َ‬
‫أجبْنَاهُ لما يريد من متاع الدنيا‪.‬‬
‫ول ُبدّ لنا أنْ نتنبه إلى أن عطاء الربوبية الذي جعله ال للمؤمن والكافر‪ ،‬قد يغفل عنه المؤمن‬
‫ويترك مُقوّمات الحياة وأسبابها يستفيد منها الكافر ويتفاعل معها ويرتقي بها‪ ،‬ويتقدم على المؤمن‪،‬‬
‫ويمتلك قُوته ورغيف عيشه‪ ،‬بل وجميع متطلبات حياتهم‪ ،‬ثم بالتالي تكون لهم الكلمة العليا والغلبة‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والقهر‪ ،‬وقد يفتنونك عن دينك بما في أيديهم من أسباب الحياة‪.‬‬
‫وهذا حال ل يليق بالمؤمن‪ ،‬ومذلة ل يقبلها الخالق سبحانه لعباده‪ ،‬فل يكفي أن نأخذ عطاء‬
‫اللوهية من أمر ونهي وتكليف وعبادة‪ ،‬ونغفل أسباب الحياة ومُقوّماتها المادية التي ل قِوامَ للحياة‬
‫إل بها‪.‬‬
‫في حين أن المؤمن َأوْلَى بمقوّمات الحياة التي جعلها الخالق في الكون من الكافر الذي ل يؤمن‬
‫بإله‪.‬‬
‫ل تمكّن أعداء ال من السيطرة على مُقوّمات حياتك‪ ،‬وألّ تجعلَهم يتفوقون عليك‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فمن الدين أ ّ‬
‫وقوله‪ { :‬مَا نَشَآءُ ِلمَن نّرِيدُ‪[ } ..‬السراء‪]18 :‬‬
‫خلٌ في هذه المسألة‪ ،‬فقد تفعل‪ ،‬ولكن ل‬
‫أي‪ :‬أن تفاعل الشياء معك ليس مُطْلقا‪ ،‬بل للمشيئة تد ّ‬
‫تأخذ لحكمة ومراد أعلى‪ ،‬فليس الجميع أمام حكمة ال سواء‪ ،‬وفي هذا دليل على طلقة القدرة‬
‫اللهية‪.‬‬
‫ومعنى { مَا َنشَآءُ‪ } ..‬للمعجّل و { ِلمَن نّرِيدُ } للمعجّل له‪.‬‬
‫وما دام هذا يريد العاجلة‪ ،‬ويتطلع إلى رُقيّ الحياة الدنيا وزينتها‪ ،‬إذن‪ :‬فالخرة ليستْ في باله‪،‬‬
‫صفْرا ل نصيب له‬
‫وليست في حُسْبانه؛ لذلك لم يعمل لها‪ ،‬فإذا ما جاء هذا اليوم وجد رصيده ِ‬
‫فيها؛ لن النسان يأخذ أجره على ما قدّم‪ ،‬وهذا قدّم للدنيا وأخذ فيها جزاءه من الشهرة والرقيّ‬
‫والتقدّم والتكريم‪.‬‬
‫ج ْدهُ شَيْئا‬
‫ظمْآنُ مَآءً حَتّىا ِإذَا جَآ َءهُ لَمْ يَ ِ‬
‫عمَاُلهُمْ كَسَرَابٍ ِبقِيعَةٍ َيحْسَ ُبهُ ال ّ‬
‫قال تعالى‪ {:‬وَالّذِينَ َكفَرُواْ أَ ْ‬
‫حسَابَ ُه وَاللّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ }[النور‪]39 :‬‬
‫َووَجَدَ اللّهَ عِن َدهُ َف َوفّاهُ ِ‬
‫والسراب ظاهرة طبيعية يراها مَنْ يسير في الصحراء وقت الظهيرة‪ ،‬فيرى أمامه شيئا يشبه‬
‫الماء‪ ،‬حتى إذا وصل إليه لم يج ْدهُ شيئا‪ ،‬كذلك إنْ عمل الكافرُ خيرا في الدنيا فإذا أتى الخرة لم‬
‫يجدْ له شيئا من عمله؛ لنه أخذ جزاءه في الدنيا‪.‬‬
‫جدَ اللّهَ عِن َدهُ }[النور‪]39 :‬‬
‫ثم تأتي المفاجأة‪َ {:‬ووَ َ‬
‫عمَاُلهُمْ كَ َرمَادٍ اشْتَ ّدتْ بِهِ الرّيحُ فِي‬
‫وفي آية أخرى يصفه القرآن بقوله‪ {:‬مّ َثلُ الّذِينَ َكفَرُواْ بِرَ ّب ِهمْ أَ ْ‬
‫للُ الْ َبعِيدُ }[إبراهيم‪]18 :‬‬
‫شيْءٍ ذاِلكَ ُهوَ الضّ َ‬
‫صفٍ لّ َيقْدِرُونَ ِممّا كَسَبُواْ عَلَىا َ‬
‫َيوْمٍ عَا ِ‬
‫فمرة يُشبّه عمل الكافر بالماء الذي يبدو في السراب‪ ،‬ومرة يُشبّهه بالرماد؛ لن الماء إذا اختلط‬
‫خصْب والنماء‪ ،‬وهو مُقوّم من مُقوّمات الحياة‪.‬‬
‫بالرماد صار طينا‪ ،‬وهو مادة ال ِ‬
‫شيْءٍ‬
‫صفْوَانٍ عَلَ ْيهِ تُرَابٌ فََأصَابَ ُه وَا ِبلٌ فَتَ َر َك ُه صَلْدا لّ َيقْدِرُونَ عَلَىا َ‬
‫ل َ‬
‫ووصفه بقوله تعالى‪َ {:‬كمَثَ ِ‬
‫ّممّا كَسَبُواْ وَاللّ ُه لَ َيهْدِي ا ْل َقوْمَ ا ْلكَافِرِينَ }[البقرة‪]264 :‬‬
‫والحق تبارك وتعالى في هذه الية يُجسّم لنا خَيْبة أمل الكافر في الخرة في صورة مُحسّة‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ظاهرة‪ ،‬فم َثلُ عمل الكافر كحجر أملس أصابه المطر‪ ،‬فماذا تنتظر منه؟ وماذا وراءه من الخير؟‬
‫جهَنّمَ َيصْلهَا مَ ْذمُوما مّ ْدحُورا { [السراء‪]18 :‬‬
‫جعَلْنَا لَهُ َ‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ُ } :‬ثمّ َ‬
‫أي‪ :‬أعددناها له‪ ،‬وخلقناها من أجله يُقاسي حرارتها } مَ ْذمُوما { أي‪ :‬يذمّه الناس‪ ،‬والنسان ل يُ َذمّ‬
‫إل إذا ارتكب شيئا ما كان يصحّ له أنْ يرتكبه‪.‬‬
‫و } مّ ْدحُورا { [السراء‪ ]18 :‬وبعد أنْ أعطانا الحق سبحانه صورة لمن أراد العاجلة وغفل عن‬
‫الخرة‪ ،‬وما انتهى إليه من العذاب‪ ،‬يعطينا صورة مقابلة‪ ،‬صورة لمن كان أعقل وأكيس‪ ،‬ففضّل‬
‫الخرة‪.‬‬
‫شكُورا‬
‫سعْ ُيهُم مّ ْ‬
‫سعْ َيهَا وَ ُهوَ ُم ْؤمِنٌ فَأُولَ ِئكَ كَانَ َ‬
‫سعَىا َلهَا َ‬
‫يقول الحق سبحانه‪َ } :‬ومَنْ أَرَادَ الخِ َرةَ وَ َ‬
‫{‪.‬‬

‫(‪)2031 /‬‬
‫شكُورًا (‪)19‬‬
‫سعْ ُيهُمْ مَ ْ‬
‫سعْ َيهَا وَ ُهوَ ُم ْؤمِنٌ فَأُولَ ِئكَ كَانَ َ‬
‫سعَى َلهَا َ‬
‫َومَنْ أَرَادَ الَْآخِ َر َة وَ َ‬

‫المتأمل في أسلوب القرآن الكريم يجده عادة يُعطيِ الصورة ومقابلها؛ لن الشيء يزداد وضوحا‬
‫بمقابله‪ ،‬والضّد يظهر حُسْنه الضّد‪ ،‬ونرى هذه المقابلت في مواضع كثيرة من كتاب ال تعالى‬
‫ن الَبْرَارَ َلفِي َنعِيمٍ * وَإِنّ ا ْلفُجّارَ َلفِي جَحِيمٍ }[النفطار‪]14-13 :‬‬
‫كما في‪ {:‬إِ ّ‬
‫وهنا يقول تعالى‪َ { :‬ومَنْ أَرَا َد الخِ َرةَ‪[ } ..‬السراء‪ ]19 :‬في مقابل‪ { :‬مّن كَانَ يُرِيدُ ا ْلعَاجِلَةَ‪} ..‬‬
‫[السراء‪]18 :‬‬
‫سعْ َيهَا‪[ } ..‬السراء‪]19 :‬‬
‫سعَىا َلهَا َ‬
‫قوله تعالى‪َ { :‬ومَنْ أَرَا َد الخِ َر َة وَ َ‬
‫أي‪ :‬أراد ثوابها وعمل لها‪.‬‬
‫{ وَ ُهوَ ُم ْؤمِنٌ‪[ } ..‬السراء‪]19 :‬‬
‫لن اليمان شَرْط في قبول العمل‪ ،‬وكُلّ سعي للنسان في حركة الحياة ل بُدّ فيه من اليمان‬
‫ومراعاة ال تعالى لكي يُقبَل العمل‪ ،‬ويأخذ صاحبه الجر يوم القيامة‪ ،‬فالعامل يأخذ أجره ممّنْ‬
‫عمل له‪.‬‬
‫ن في‬
‫فالكفار الذين خدموا البشرية باختراعاتهم واكتشافاتهم‪ ،‬حينما قدّموا هذا النجازات لم يكُ ْ‬
‫بالهم أبدا العمل ل‪ ،‬بل للبشرية وتقدّمها؛ لذلك أخذوا حقهم من البشرية تكريما وشهرة‪ ،‬فأقاموا لهم‬
‫التماثيل‪ ،‬وألّفوا فيهم الكتب‪ ..‬الخ‪.‬‬
‫إذن‪ :‬انتهت المسألة‪ :‬عملوا وأخذوا الجر ممن عملوا لهم‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وكذلك الذي يقوم ببناء مسجد مثلً‪ ،‬وهذا عمل عظيم يمكن أن يُدخل صاحبه الجنة إذا توافر فيه‬
‫اليمان والخلص ل‪ ،‬كما قال النبي صلى ال عليه وسلم‪ " :‬من بنى ل مسجدا ولو كمفحص‬
‫قطاة بنى ال له بيتا في الجنة "‪.‬‬
‫ولكن سرعان ما نقرأ على باب المسجد لفتة عريضة تقول‪ :‬أنشأه فلن‪ ،‬وافتتحه فلن‪ ..‬الخ مع‬
‫أنه قد يكون من أموال الزكاة!! وهكذا يُفسد النسان على نفسه العمل‪ ،‬ويُقدم بنفسه ما يُحبطه‪،‬‬
‫إذن‪ :‬فقد فعل ليقال وقد قيل‪ .‬وانتهت القضية‪.‬‬
‫شكُورا‪[ } ..‬السراء‪]19 :‬‬
‫سعْ ُيهُم مّ ْ‬
‫وقوله تعالى‪ { :‬فَأُولَ ِئكَ كَانَ َ‬
‫وهذا جزاء أهل الخرة الذين يعملون لها‪ ،‬ومعلوم أن الشكر يكون ل استدرارا لمزيد ِنعَمه‪ ،‬كما‬
‫شكَرْتُ ْم لَزِيدَ ّن ُكمْ‪[} ..‬إبراهيم‪]7 :‬‬
‫قال تعالى‪ {:‬لَئِن َ‬
‫فما بالك إنْ كان الشاكر هو ال تعالى‪ ،‬يشكر عبده على طاعته؟‬
‫شكْرا حتى من المخالف له‪ ،‬فاللص مثلً إنْ كان لديه‬
‫وهذا يدل على أن العمل اليماني يُصادف ُ‬
‫شيء نفيس يخاف عليه‪ ،‬فهل يضعه أمانة عند لصّ مثله‪ ،‬أم عند المين الذي يحفظه؟‬
‫ص ل يحترم اللص‪ ،‬ول يثق فيه‪ ،‬في حين يحترم المين مع أنه مخالف له‪ ،‬وكذلك الكذاب‬
‫فالل ّ‬
‫يحترم الصادق‪ ،‬والخائن يحترم المين‪.‬‬
‫ومن هنا كان كفار مكة رغم عدائهم للنبي صلى ال عليه وسلم وكفرهم بما جاء به إل أنهم كانوا‬
‫يأتمنونه على الغالي والنفيس عندهم؛ لنهم واثقون من أمانته‪ ،‬ويلقبونه " بالمين " ‪ ،‬رغم ما‬
‫بينهما من خلف عقديّ جوهري‪ ،‬فهم فعلً يكذبونه‪ ،‬أما عند حفْظ المانات فلن يغشّوا أنفسهم‪،‬‬
‫لن الحفظ لماناتهم محمد صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫وقد ضربنا لذلك مثلً بشاهد الزور الذي تستعين بشهادته ليُخرجك من ورطة‪ ،‬أو قضية‪ ،‬فرغم‬
‫أنه قضى لك حاجتك وأخرجك من ورطتك‪ ،‬إل أنه قد سقط من نظرك‪ ،‬ولم يعُدْ أهلً لثقتك فيما‬
‫بعد‪.‬‬
‫طتَ من نظره‪ ،‬وإنْ أعنْتَه على أمره كشاهد الزور‬
‫لذلك قالوا‪ :‬مَنِ استعان بك في نقيصة فقد سق ْ‬
‫ترتفع الرأس على الخصم بشهادته وتدوس القدم على كرامته‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه عن كل الفريقين‪ { :‬كُلّ ّنمِدّ هَـاؤُل ِء وَهَـاؤُلءِ مِنْ عَطَآءِ رَ ّبكَ‪.} ...‬‬

‫(‪)2032 /‬‬
‫ك َومَا كَانَ عَطَاءُ رَ ّبكَ مَحْظُورًا (‪)20‬‬
‫كُلّا ُنمِدّ َهؤُلَا ِء وَ َهؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَ ّب َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫{ كُلّ } أي‪ :‬كلَ الفريقين السابقين‪ :‬مَن أراد العاجلة‪ ،‬ومَن أراد الخرة‪ّ { :‬نمِدّ هَـاؤُل ِء وَهَـاؤُلءِ‬
‫مِنْ عَطَآءِ رَ ّبكَ‪[ } ..‬السراء‪]20 :‬‬
‫أي‪ :‬أن ال تعالى يمدّ الجميع بمُقوّمات الحياة‪ ،‬فمنهم مَنْ يستخدم هذه المقومات في الطاعة‪ ،‬ومنهم‬
‫مَنْ يستخدمها في المعصية‪ ،‬كما لو أعطيتَ لرجلين مالً‪ ،‬فالول تصدّق بماله‪ ،‬والخر شرب‬
‫بماله خمرا‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فعطاء الربوبية مدَ ٌد ينال المؤمن والكافر‪ ،‬والطائع والعاصي‪ ،‬أما عطاء اللوهية المتمثل في‬
‫ص للمؤمنين دون غيرهم‪.‬‬
‫منهج ال‪ :‬افعل ول تفعل‪ ،‬فهو عطاء خا ّ‬
‫عطَآءُ رَ ّبكَ َمحْظُورا‪[ } ..‬السراء‪]20 :‬‬
‫وقوله تعالى‪َ { :‬ومَا كَانَ َ‬
‫أي‪ :‬ممنوعا عن أحد؛ لن الجميع خَلْقه تعالى‪ ،‬المؤمن والكافر‪ ،‬وهو الذي استدعاهم إلى الحياة‪،‬‬
‫وهو سبحانه المتكفّل لهم بمُقوّمات حياتهم‪ ،‬كما تستدعي ضيفا إلى بيتك فعليك أنْ تقومَ له بواجب‬
‫الضيافة‪.‬‬
‫ونلحظ هنا أن الحق سبحانه اختار التعبير بقوله‪ { :‬مِنْ عَطَآءِ رَ ّبكَ‪[ } ..‬السراء‪]20 :‬‬
‫لن العطاء المراد هنا عطاء ربوبية‪ ،‬وهو سبحانه ربّ كلّ شيء‪ .‬أي‪ :‬مُربّيه ومتكفّل به‪ ،‬وشرف‬
‫كبير أن يُنسبَ العطاء إلى الرب تبارك وتعالى‪.‬‬
‫ضهُمْ عَلَىا َب ْعضٍ‪.} ...‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ { :‬انظُرْ كَ ْيفَ َفضّلْنَا َب ْع َ‬

‫(‪)2033 /‬‬
‫ت وََأكْبَرُ َتفْضِيلًا (‪)21‬‬
‫ضهُمْ عَلَى َب ْعضٍ وَلَلْآَخِ َرةُ َأكْبَرُ دَ َرجَا ٍ‬
‫انْظُرْ كَ ْيفَ َفضّلْنَا َب ْع َ‬

‫الحق تبارك وتعالى أعطانا قضايا إيمانية نظرية‪ ،‬ويريد مِنّا أنْ ننظر في الطبيعة والكون‪ ،‬وسوف‬
‫نجد فيه صِدْق ما قال‪.‬‬
‫ضهُمْ عَلَىا َب ْعضٍ‪[ } ..‬السراء‪]21 :‬‬
‫يقول تعالى‪ { :‬انظُرْ كَ ْيفَ َفضّلْنَا َب ْع َ‬
‫والمتأمل يجد أن ال تعالى جعل التفضيل هنا عامّا‪ ،‬فلم يُبيّن مَن المفضّل ومَنِ المفضّل عليه‪ ،‬فلم‬
‫يقُلْ‪ :‬فضلت الغنياء على الفقراء‪ ،‬أو‪ :‬فضلت الصحاء على المرضى‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فما دام في القضية عموم في التفضيل‪ ،‬فكلّ بعض مُفضّل في جهة‪ ،‬ومُفضّل عليه في جهة‬
‫أخرى‪ ،‬لكن الناس ينظرون إلى جهة واحدة في التفضيل‪ ،‬فيفضلون هذا لنه غني‪ ،‬وهذا لنه‬
‫صاحب منصب‪ ..‬الخ‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهذه نظرة خاطئة فيجب أن ننظر للنسان من ُكلّ زوايا الحياة وجوانبها؛ لن الحق سبحانه ل‬
‫يريدنا نماذج مكررة‪ ،‬ونُسَخا ُمعَادة‪ ،‬بل يُريدنا أُنَاسا متكاملين في حركة الحياة‪ ،‬ولو أن الواحد مِنّا‬
‫أصبح مَجْمعا للمواهب ما احتاج فينا أحدٌ لحد‪ ،‬ولتقطعت بيننا العَلقات‪.‬‬
‫خصْلة‪ ،‬وجعل غيرك مُفضّلً في خصال كثيرة‪ ،‬فأنت محتاج‬
‫فمن رحمة ال أن جعلك مُفضّلً في َ‬
‫لغيرك فيما ُفضّل فيه‪ ،‬وهم محتاجون إليك فيما ُفضّ ْلتَ فيه‪ ،‬ومن هنا يحدث التكامل في المجتمع‪،‬‬
‫وتسلَمْ للناس حركة الحياة‪.‬‬
‫ونستطيع أن نخرج من هذه النظرة بقضية فلسفية تقول‪ :‬إن مجموع مواهب كل إنسان تساوي‬
‫مجموع مواهب كل إنسان‪ ،‬فإنْ ِز ْدتَ عني في المال فربما أزيد عنك في الصحة‪ ،‬وهكذا تكون‬
‫المحصّلة النهائية متساوية عند جميع الناس في مواهب الدنيا‪ ،‬ويكون التفاضل الحقيقي بينهم‬
‫بالتقوى والعمل الصالح‪ ،‬كما قال تعالى‪ {:‬إِنّ َأكْ َر َمكُمْ عَندَ اللّهِ أَ ْتقَاكُمْ إِنّ اللّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }‬
‫[الحجرات‪]13 :‬‬
‫حفْظ مكانة الخرين‪ ،‬فمهما كنت مُفضّلً فل‬
‫لذلك يجب على المسلم أن يلتزمَ أدب السلم في ِ‬
‫تحتقر غيرك‪ ،‬واعلم أن لهم أيضا ما يفضلون به‪ ،‬وسوف يأتي اليوم الذي تحتاج إليهم فيه‪.‬‬
‫وقد ضربنا لذلك مثلً بالعظيم الوجيه الذي قد تضطره الظروف وتُحوِجه لسباك أو عامل بسيط‬
‫ليؤدي له عملً ل يستطيع هو القيام به‪ ،‬فالعامل البسيط في هذا الموقف مُفضّل على هذا العظيم‬
‫ن تتصورَ الحال مثلً إذا أضرب الكناسون عدة أيام عن العمل‪ .‬إذن‪ :‬مهما كان‬
‫الوجيه‪ .‬ولك أ ْ‬
‫النسان بسيطا‪ ،‬ومهما كان مغمورا فإن له مهمة يفضّل بها عن غيره من الناس‪.‬‬
‫خُذ الخياط مثلً‪ ،‬وهو صاحب حرفة متواضعة بين الناس‪ ،‬ول يكاد يُجيد عملً إل أن يخيطَ للناس‬
‫ثيابهم‪ ،‬فإذا ما كانت ليلة العيد وجدته من أهم الشخصيات‪ ،‬الجميع يقبلون عليه‪ ،‬ويتمنون أن يتكرم‬
‫عليهم ويقضي حاجتهم من خياطة ثيابهم وثياب أولدهم‪.‬‬
‫سمْنَا بَيْ َنهُمْ‬
‫ح َمتَ رَ ّبكَ َنحْنُ قَ َ‬
‫سمُونَ َر ْ‬
‫وبهذا نستطيع أن نفهم َقوْل الحق تبارك وتعالى‪ {:‬أَهُمْ َيقْ ِ‬
‫ح َمتُ‬
‫ضهُم َبعْضا سُخْرِيّا وَرَ ْ‬
‫خذَ َب ْع ُ‬
‫ضهُمْ َفوْقَ َب ْعضٍ دَ َرجَاتٍ لّيَتّ ِ‬
‫ّمعِيشَ َتهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَ َر َفعْنَا َب ْع َ‬
‫ج َمعُونَ }‬
‫رَ ّبكَ خَيْرٌ ّممّا َي ْ‬
‫[الزخرف‪]32 :‬‬
‫فكل منا مُسخّر لخدمة الخرين فيما ُفضّل فيه‪ ،‬وفيما نبغ فيه‪.‬‬
‫حضَـرٍ َب ْعضٌ لب ْعضٍ وإن لم يشعروا‬
‫وصدق الشاعر حين قال‪:‬النّاسُ لِلناسِ مِـنْ بَ ْد ٍو ومِنْ َ‬
‫خ َدمُإذن‪ :‬في التفاضل يجب أن ننظر إلى زوايا النسان المختلفة؛ لن الجميع أمام ال سواء‪ ،‬ليس‬
‫َ‬
‫سبٌ أو قرابة‪ ،‬ول تجمعنا به سبحانه إل صلة‬
‫مِنّا مَن هو ابن ال‪ ،‬وليس مِنّا مَنْ بينه وبين ال ن َ‬
‫العبودية له عز وجل‪ ،‬فالجميع أمام عطائه سواء‪ ،‬ل يوجد أحد َأوْلَى من أحد‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فالعاقل حين ينظر في الحياة ل ينظر إلى تميّزه عن غيره كموهبة‪ ،‬بل يأخذ في اعتباره مواهب‬
‫الخرين‪ ،‬وأنه محتاج إليها وبذلك يندكّ غروره‪ ،‬ويعرف مدى حاجته لغيره‪ .‬وكما أنه نابغ في‬
‫مجال من المجالت‪ ،‬فغيره نابغ في مجال آخر؛ لن النبوغ يأتي إذا صادف العمل الموهبة‪،‬‬
‫فهؤلء البسطاء الذين تنظر إليهم نظرة احتقار‪ ،‬وترى أنهم دونك يمكن أن يكونوا نابغين لو‬
‫صادف عملهم الموهبة‪.‬‬
‫ت وََأكْبَرُ َتفْضِيلً‪[ { ..‬السراء‪]21 :‬‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬وَلَلخِ َرةُ َأكْبَرُ دَ َرجَا ٍ‬
‫فإنْ كان التفاضل بين الناس في الدنيا قائما على السباب المخلوقة ل تعالى‪ ،‬فإن المر يختلف في‬
‫الخرة؛ لنها ل تقوم بالسباب‪ ،‬بل بالمسبب سبحانه‪ ،‬فالمفاضلة في الخرة على حسبها‪.‬‬
‫ولو تأملتَ حالك في الدنيا‪ ،‬وقارنتَه بالخرة لوجدتَ الخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلً‪ ،‬فعمرك‬
‫في الدنيا موقوت‪ ،‬وسينتهي إلى الموت؛ لن عمرك في الدنيا مدة بقائك فيها‪ ،‬فإنْ بقيْت من بعدك‬
‫فهي لغيرك‪ ،‬وكذلك ما ُفضّ ْلتَ به من نعيم الدنيا عُ ْرضَة للزوال‪ ،‬حيث تناله الغيار التي تطرأ‬
‫على النسان‪.‬‬
‫فالغنيّ قد يصير فيقرا‪ ،‬والصحيح سقيما‪ ،‬كما أن نعيم الدنيا على َقدْر إمكانياتك وتفاعلك مع‬
‫السباب‪ ،‬فالدنيا وما فيها من نعيم غير مُتيقّنة وغير موثوق بها‪.‬‬
‫و َهبْ أنك تن ّعمْتَ في الدنيا بأعلى درجات النعيم‪ ،‬فإن نعيمك هذا يُنغّصه أمران‪ :‬إما أن تفوت هذا‬
‫النعيم بالموت‪ ،‬وإما أنْ يفوتَك هو بما تتعرّض له من أغيار الحياة‪.‬‬
‫أما الخرة فعمرك فيها مُمتدّ ل ينتهي‪ ،‬والنعمة فيها دائمة ل تزول‪ ،‬وهي نعمة ل حدو َد لها؛ لنها‬
‫على قَدْر إمكانيات المنعِم عز وجل‪ ،‬في دار خلود ل يعتريها الفناء‪ ،‬وهي مُتيقنة موثوق بها‪.‬‬
‫فأيهما أفضل إذن؟ لذلك الحق سبحانه يدعونا إلى التفكّر والتعقّل‪ } :‬انظُرْ { أيّ الصفقتين الرابحة‪،‬‬
‫فتاجر فيها ول ترضى بها بديلً‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالخرة أعظم واكبر‪ ،‬ول وجهَ للمقارنة بين نعيم الدنيا ونعيم الخرة‪ .‬وأذكر أننا سافرنا مرة‬
‫إلى (سان فرانسيسكو) فأدخلونا أحد الفنادق‪ ،‬ل للقامة فيه‪ ،‬ولكن لمشاهدة ما فيه من روعة‬
‫وجمال ومظاهر الرقي والرفاهية‪.‬‬
‫وفعلً كان هذا الفندق آية من آيات البداع والجمال‪ ،‬فرأيتُ رفاقي وكانوا من علية القوم مبهورين‬
‫به‪ ،‬مأخوذين بروعته‪ ،‬فقلت لهم عبارة واحدة‪ :‬هذا ما أعد البشر للبشر‪ ،‬فكيف بما أعدّه ربّ‬
‫البشر للبشر؟‬
‫فنعيم الدنيا ومظاهر الجمال فيها يجب أنْ تثير فينا الشوق لنعيم دائم في الجنة؛ ل أنْ يثير فينا‬
‫الحقد والحسد‪ ،‬يجب أن نأخذ من مظاهر الترف والنعيم عند الخرين وسيلة لليمان بال‪ ،‬وأن‬
‫نُصعّد هذا اليمان بالفكر المستقيم‪ ،‬فإنْ كان ما نراه من ترف وتقدم ورُقيّ وعمارة في الدنيا من‬
‫صُنْع مهندس أو عامل‪ ،‬فكيف الحال إنْ كان الصانع هو الخالق سبحانه وتعالى؟‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ويجب ألّ نغفلَ الفرْق بين نعيم الدنيا الذي أعدّه البشر ونعيم الخرة الذي أعدّه ال تعالى‪،‬‬
‫فقصارى ما توصل إليه الناس في رفاهية الخدمة أن تضغط على زر فيأتي لك منه الشاي مثلً‪،‬‬
‫وتضغط على زر آخر فيأتي لك منه القهوة‪.‬‬
‫ن تفاعلتَ معها‪ ،‬لكن مهما ارتقى هؤلء ومهما تقدّمت صناعتهم فلن‬
‫وهذه آلة تستجيب لك إ ْ‬
‫يصلوا إلى أنْ يقدموا لك الشيء بمجرد أن يخطر على بالك؛ لن هذا من نعيم الجنة الذي أعده‬
‫الخالق سبحانه لعباده الصالحين‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فما دام كذلك‪ ،‬وسلّمنا بأن الخرة افضل وأعظم‪ ،‬فما عليك إلّ أنْ تبادر وتأخذ الطريق‬
‫القويم‪ ،‬وتسلك طريق ربك من أقصر اتجاه‪ ،‬وهو الستقامة على منهج ال الواحد واللتزام به‪.‬‬
‫خذُولً {‪.‬‬
‫جعَل مَعَ اللّهِ إِلَـاها آخَرَ فَ َت ْقعُدَ مَ ْذمُوما مّ ْ‬
‫فيقول الحق سبحانه‪ } :‬لّ تَ ْ‬

‫(‪)2034 /‬‬
‫خذُولًا (‪)22‬‬
‫ج َعلْ مَعَ اللّهِ إَِلهًا آَخَرَ فَ َت ْقعُدَ مَ ْذمُومًا مَ ْ‬
‫لَا تَ ْ‬

‫لنه سبحانه أعطاك في الدنيا‪ ،‬وأمدّك بالسباب‪ ،‬وبمقوّمات حياتك‪ ،‬أوجدك من عدم‪ ،‬وأمدك من‬
‫عُ ْدمٍ‪ ،‬حتى وإنْ كنت كافرا‪ ،‬ثم أعدّ لك في الخرة الدرجات العالية والنعيم المقيم الذي ل َيفْنى ول‬
‫يزول‪.‬‬
‫وهذه هي الحيثيات التي ينبغي عليك بعدها أن تعرفه سبحانه‪ ،‬وتتوجّه إليه‪ ،‬وتلتحم به وتكون في‬
‫ن فعلتَ فلن تجد من هذا النعيم شيئا‪ ،‬لن تجد إل‬
‫معيته‪ ،‬ول تجعل معه سبحانه إلها آخر؛ لنك إ ْ‬
‫المذمّة والخُذْلن في الدنيا والخرة‪.‬‬
‫وسوف ُتفَاجأ في القيامة بربك الذي دعاك لليمان به فكف ْرتَ‪َ {.‬ووَجَدَ اللّهَ عِن َدهُ‪[} ..‬النور‪]39 :‬‬
‫ساعتها ستندم حين ل ينفعك الندم‪ ،‬بعد أن ضاعت الفرصة من يديك‪.‬‬
‫خذُولً }[السراء‪]22 :‬‬
‫ويقول تعالى‪ {:‬فَ َت ْقعُدَ مَ ْذمُوما مّ ْ‬
‫والقعود ليس أمرا عاديا هنا‪ ،‬بل هو أنكَى ما يصير إليه النسان؛ لن النسان ل يقعد إل إذا‬
‫أصبح غيرَ قادر على القيام‪ ،‬ففيها ما يُشعر بإنهاك القوة‪ ،‬وكأنه سقط إلى الرض‪ ،‬بعد أنْ‬
‫حمْله‪ ،‬ولم َتعْد به قوة للحركة‪.‬‬
‫أصبحتْ رِجله غير قادرتين على َ‬
‫ونلحظ في تعبير القرآن عن هذا الذي خارتْ قواه‪ ،‬وانتهت تماما‪ ،‬أنه يختار له َوضْع القعود‬
‫خاصة‪ ،‬ولم َيقُلْ مثلً‪ :‬تنام‪ ،‬لن العذاب ل يكون مع النوم‪ ،‬ففي النوم يفقد النسان الوعي فل‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يشعر بالعذاب‪ ،‬بل قال (فتقعد) هكذا شاخص يقاسي العذاب؛ لن العذاب ليس للجوارح والمادة‪،‬‬
‫حسّ وتألم‪.‬‬
‫بل للنفس الواعية التي تُ ِ‬
‫ولذلك يلجأ الطباء إلى تخدير المريض قبل إجراء العمليات الجراحية؛ لن التخدير يُفقِده الوعي‬
‫فل يشعر باللم‪.‬‬
‫عظِيما }[النساء‪]95 :‬‬
‫ضلَ اللّهُ ا ْلمُجَاهِدِينَ عَلَى ا ْلقَاعِدِينَ َأجْرا َ‬
‫ومن ذلك قوله تعالى‪َ {:‬و َف ّ‬
‫وقال‪ {:‬وَا ْل َقوَاعِدُ مِنَ النّسَآءِ الّلَتِي لَ يَرْجُونَ ِنكَاحا‪[} ..‬النور‪]60 :‬‬
‫فالقعود يدل على عدم القدرة‪ ،‬وفي الوقت نفسه ل يرتاح بالنوم‪ ،‬فهو في عذاب مستمر‪.‬‬
‫حلِ لِ ُبغْيِتهَا وَا ْقعُدْ فإنكَ أنتَ الطّاعِمُ الكَاسيوقوله‪:‬‬
‫ع المكَـارِ َم لَ تر َ‬
‫وفي مجال الذم قال الشاعر‪َ :‬د ِ‬
‫{ َم ْذمُوما‪[ } ..‬السراء‪ ]22 :‬لنه أتى بعمل يذمه الناس عليه‪.‬‬
‫{ مّخْذُولً‪[ } ..‬السراء‪ ]22 :‬من الخذلن‪ ،‬وهو عدم الّنصْرة‪ ،‬فالبعد في موقف ل ينصره فيه‬
‫سِلمُونَ‬
‫أحد‪ ،‬ول يدافع عنه أحد‪ ،‬لذلك يقول تعالى لهؤلء‪ {:‬مَا َلكُ ْم لَ تَنَاصَرُونَ * َبلْ هُمُ الْ َيوْمَ مُسْتَ ْ‬
‫}[الصافات‪]26-25 :‬‬
‫ثم ينتقل بنا الحق سبحانه إلى قضية يعطينا فيها نوعا من الستدلل‪ ،‬فيقول سبحانه‪َ { :‬و َقضَىا‬
‫حسَانا‪.} ...‬‬
‫رَ ّبكَ َألّ َتعْبُدُواْ ِإلّ إِيّا ُه وَبِا ْلوَالِدَيْنِ إِ ْ‬

‫(‪)2035 /‬‬
‫حدُ ُهمَا َأوْ كِلَا ُهمَا فَلَا َت ُقلْ‬
‫َو َقضَى رَ ّبكَ أَلّا َتعْبُدُوا إِلّا إِيّا ُه وَبِا ْلوَالِدَيْنِ ِإحْسَانًا ِإمّا يَبُْلغَنّ عِ ْن َدكَ ا ْلكِبَرَ أَ َ‬
‫َل ُهمَا ُأفّ وَلَا تَ ْنهَرْ ُهمَا َو ُقلْ َل ُهمَا َقوْلًا كَرِيمًا (‪)23‬‬

‫جعَل مَعَ اللّهِ إِلَـاها آخَرَ‪[} ..‬السراء‪:‬‬
‫بعد أنْ وجّهنا ال تعالى إلى القضية العقدية الكبرى‪ {:‬لّ تَ ْ‬
‫‪]22‬‬
‫أراد سبحانه أنْ يُبيّن لنا أن العقيدة واليمان ل يكتملن إل بالعمل‪ ،‬فل يكفي أن تعرف ال‬
‫وتتوجّه إليه‪ ،‬بل ل ُبدّ أنْ تنظر فيما فرضه عليك‪ ،‬وفيما كلّفك به؛ لذلك كثيرا ما نجد في آيات‬
‫ن الِنسَانَ‬
‫الكتاب الكريم الجمع بين اليمان والعمل الصالح‪ ،‬كما في قوله تعالى‪ {:‬وَا ْل َعصْرِ * إِ ّ‬
‫ق وَ َتوَاصَوْاْ بِالصّبْرِ }[العصر‪]3 :‬‬
‫حّ‬
‫صوْاْ بِالْ َ‬
‫ت وَ َتوَا َ‬
‫عمِلُواْ الصّالِحَا ِ‬
‫َلفِى خُسْرٍ * ِإلّ الّذِينَ آمَنُو ْا وَ َ‬
‫لن فائدة اليمان وثمرته العمل الصالح‪ ،‬وما ُد ْمتَ ستسلك هذا الطريق فانتظر مواجهة أهل‬
‫الباطل والفساد والضلل‪ ،‬فإنهم لن يدعُوك ولن يُسالموك‪ ،‬ول بُدّ أن تُسلّح نفسك بالحق والقوة‬
‫والصبر‪ ،‬لتستطيع مواجهة هؤلء‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ودليل آخر على أن الدين ليس اليمان القوليّ فقط‪ ،‬أن كفار مكة لم يشهدوا أن ل إله إل ال‪ ،‬فلو‬
‫كانت المسألة مسألةَ اليمان بإله واحد وتنتهي القضية لَكانوا قالوا وشهدوا بها‪ ،‬إنما هم يعرفون‬
‫تماما أن لليمان مطلوبا‪ ،‬ووراءه مسئولية عملية‪ ،‬وأن من مقتضى اليمان بال أن تعمل بمراده‬
‫وتأخذ بمنهجه‪.‬‬
‫ومن هنا رفضوا اليمان بإله واحد‪ ،‬ورفضوا النقياد لرسوله صلى ال عليه وسلم الذي جاء‬
‫ليُبلِغهم مراد ال تعالى‪ ،‬وينقل إليهم منهجه‪ ،‬فمنهج ال ل ينزل إل على رسول يحمله ويُبلّغه‬
‫سلَ‬
‫حجَابٍ َأوْ يُرْ ِ‬
‫ل وَحْيا َأوْ مِن وَرَآءِ ِ‬
‫للناس‪ ،‬كما قال تعالى‪َ {:‬ومَا كَانَ لِ َبشَرٍ أَن ُيكَّلمَهُ اللّهُ ِإ ّ‬
‫حكِيمٌ }[الشورى‪]51 :‬‬
‫حيَ بِِإذْنِهِ مَا َيشَآءُ إِنّهُ عَِليّ َ‬
‫رَسُولً فَيُو ِ‬
‫وهاهي أول الحكام في منهج ال‪َ { :‬و َقضَىا رَ ّبكَ َألّ َتعْبُدُواْ ِإلّ إِيّاهُ‪[ } ..‬السراء‪]23 :‬‬
‫وقد آثر الحق سبحانه الخطاب بـ { رَ ّبكَ } على لفظ (ال)؛ لن الربّ هو الذي خلقك وربّاك‪،‬‬
‫ووالى عليك بنعمه‪ ،‬فهذا اللفظ أَدْعَى للسمع والطاعة‪ ،‬حيث يجب أن يخجل النسان من عصيان‬
‫المنعِم عليه وصاحب الفضل‪.‬‬
‫{ َو َقضَىا رَ ّبكَ‪[ } ..‬السراء‪]23 :‬‬
‫الخطاب هنا مُوجّه إلى النبي محمد صلى ال عليه وسلم؛ لنه هو الذي بلغ المرتبة العليا في‬
‫حقّة؛ لن ال تعالى هو الذي ربّاه‪ ،‬وأدّبه احسن تأديب‪.‬‬
‫التربية والدب‪ ،‬وهي تربية َ‬
‫وفي الحديث الشريف‪ " :‬أدّبني ربي فأحسن تأديبي "‪.‬‬
‫قضى‪ :‬معناها‪ :‬حكم؛ لن القاضي هو الذي يحكم‪ ،‬ومعناها أيضا‪ :‬أمر‪ ،‬وهي هنا جامعة للمعنييْن‪،‬‬
‫فقد أمر ال ألّ تعبدوا إل إيّاه أمرا مؤكدا‪ ،‬كأنه قضاء وحكم لزم‪.‬‬
‫سمَاوَاتٍ‪[} ..‬فصلت‪]12 :‬‬
‫وقد تأتي قضى بمعنى‪ :‬خلق‪ .‬كما في قوله تعالى‪َ {:‬ف َقضَاهُنّ سَبْعَ َ‬
‫وتأتي بمعنى‪ :‬بلغ مراده من الشيء‪ ،‬كما في قوله تعالى‪ {:‬فََلمّا َقضَىا زَ ْيدٌ مّ ْنهَا وَطَرا َزوّجْنَا َكهَا‪..‬‬
‫}[الحزاب‪]37 :‬‬
‫وقد تدل على انتهاء المدة كما في‪:‬‬
‫جلَ‪[} ..‬القصص‪]29 :‬‬
‫{ فََلمّا َقضَىا مُوسَى الَ َ‬
‫وتأتي بمعنى‪ :‬أراد كما في‪ {:‬فَإِذَا َقضَىا َأمْرا فَإِ ّنمَا َيقُولُ َلهُ كُن ف َيكُونُ }[غافر‪]68 :‬‬
‫إذن‪ :‬قضى لها معانٍ مُتعدّدة‪ ،‬لكن تجتمع كلها لتدل على الشيء اللزم المؤكّد الذي ل نقصَ فيه‪.‬‬
‫وقوله‪َ } :‬ألّ َتعْبُدُواْ ِإلّ إِيّاهُ‪[ { ..‬السراء‪]23 :‬‬
‫العبادة‪ :‬هي إطاعة آمر في أمره ونهيه‪ ،‬فتنصاع له تنفيذا للمر‪ ،‬واجتنابا للنهي‪ ،‬فإنْ ترك لك‬
‫شيئا ل أمر فيه ول نهي فاعلم أنه ترك لك الختيار‪ ،‬وأباح لك‪ :‬تفعل أو ل تفعل‪.‬‬
‫لذلك‪ ،‬فالكفار الذين عبدوا الصنام والذين أتوا بها حجارةً من الصحراء‪ ،‬وأعملوا فيها المعاول‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والدوات لينحتوها‪ ،‬وتكسرت منهم فعالجوها‪ ،‬ووقعت فأقاموها‪ ،‬وهم يرون كم هي مهينة بين‬
‫أيديهم لدرجة أن أحدهم رأى الثعلب يبول برأس أحد الصنام فقال مستنكرا حماقة هؤلء الذين‬
‫يعبدونها‪:‬أَ َربّ يبـولُ الثّعلَـبانُ برأْسِهِ لَقدْ َذلّ مَنْ بَاَلتْ عَليْه ال ّثعَالِبُفإذا ما تورطوا في السؤال عن‬
‫آلهتهم هذه قالوا‪ :‬إنها ل تضر ول تنفع‪ ،‬وما نعبدها إل ليقربونا إلى ال زُلْفى‪ ،‬كيف والعبادة‬
‫طاعة أمر واجتناب نهي‪ .‬فبأيّ شيء أمرتكم الصنام؟ وعن أيّ شيء نه ْتكُمْ؟! إذن‪ :‬كلمُكم كذاب‬
‫في كذب‪.‬‬
‫وفي قوله تعالى‪َ } :‬ألّ َتعْبُدُواْ ِإلّ إِيّاهُ‪[ { ..‬السراء‪]23 :‬‬
‫أسلوب يسمونه أسلوب َقصْر‪ ،‬يفيد قصر العبادة وإثباتها ل وحده‪ ،‬بحيث ل يشاركه فيها أحد‪ .‬فلو‬
‫قالت الية‪ :‬وقضى ربك أن تعبدوه‪ ..‬فلقائل أن يقول‪ :‬ونعبد غيره لن باب العطف هنا مفتوح لم‬
‫ُيغْلَق‪ ،‬كما لو قُلْت‪ :‬ضربتُ فلنا وفلنا وفلنا‪ ..‬هكذا باستخدام العطف‪ .‬إنما لو قلت‪ ،‬ما ضربن‬
‫إل فلنا فقد أغلقت باب العطف‪.‬‬
‫إذن‪ :‬جاء التعبير بأسلوب القصر ليقول‪ :‬اقصروا العبادة عليه سبحانه‪ ،‬وانفوها عن غيره‪.‬‬
‫ثم ينقلنا الحق سبحانه إلى التكليف والمر الثاني بعد عبادته‪ {:‬وَبِا ْلوَالِدَيْنِ إِحْسَانا‪[} ..‬السراء‪]23 :‬‬
‫وقد قرن ال تعالى بين عبادته وبين الحسان إلى الوالدين في آيات كثيرة‪ ،‬قال تعالى‪ {:‬وَاعْبُدُواْ‬
‫اللّ َه َولَ تُشْ ِركُواْ بِهِ شَيْئا وَبِا ْلوَالِدَيْنِ ِإحْسَانا }[النساء‪]36 :‬‬
‫علَ ْيكُمْ َألّ تُشْ ِركُواْ بِهِ شَيْئا وَبِا ْلوَالِدَيْنِ ِإحْسَانا‪[} ..‬النعام‪]151 :‬‬
‫وقال‪ُ {:‬قلْ َتعَاَلوْاْ أَ ْتلُ مَا حَرّمَ رَ ّبكُمْ َ‬
‫وقال‪َ {:‬و َوصّيْنَا الِنْسَانَ ِبوَالِدَيْهِ حُسْنا }[العنكبوت‪]8 :‬‬
‫لكن‪ ،‬لماذا قرن ال تعالى بين عبادته وبين الحسان إلى الوالدين؟ أتريد أن نقرب الولى بالثانية‪،‬‬
‫أم نقرب الثانية بالولى؟‬
‫نقول‪ :‬ل مانع أن يكون المران معا؛ لن ال تعالى غَيْب‪ ،‬واليمان به يحتاج إلى إعمال عقل‬
‫وتفكير‪ ،‬لكن الوالدين بالنسبة للنسان أمر حسيّ‪ ،‬فهما سِرّ وجوده المباشر‪ ،‬وهما رَبّياه ووفّرا له‬
‫كل متطلبات حياته‪ ،‬وهما مصدر العطف والحنان‪.‬‬
‫إذن‪ :‬التربية والرعاية في الوالدين مُحسّة‪ ،‬أما التربية والرعاية من ال فمعقولة‪ ،‬فأمْر ال لك‬
‫بالحسان إلى الوالدين دليل على وجوب عبادة ال وحده ل شريك له‪ ،‬فهو سبحانه الذي خلقك‪،‬‬
‫وهو سبب وجودك الول‪ ،‬وهو مُربّيك وصاحب رعايتك‪ ،‬وصاحب الفضل عليك قبل الوالدين‪،‬‬
‫وهل رباك الوالدان بما أوجداه هما‪ ،‬أما بما أوجده ال سبحانه؟‬
‫حقّ ال بحقّ الوالدين‪ ،‬وأن نأخذ أحدهما دليلً على الخر‪.‬‬
‫إذن‪ :‬لبد أن يلتحم َ‬
‫ونلحظ أن الحق تبارك وتعالى حين أمرنا بعبادته جاء بأسلوب النفي‪َ } :‬ألّ َتعْبُدُواْ ِإلّ إِيّاهُ‪..‬‬
‫{ [السراء‪]23 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يعني نهانا أن نعبد غيره سبحانه‪ ،‬أما حين تكلم عن الوالدين فلم يقل مثلً‪ :‬ل تسيئوا للوالدين‪،‬‬
‫فيأتي بأسلوب نفي كسابقه‪ ،‬لماذا؟‬
‫قالوا‪ :‬لن فضل الوالدين واضح ل يحتاج إلى إثبات‪ ،‬ول يحتاج إلى دليل عقليّ‪ ،‬وقولك‪ :‬ل‬
‫حقّهما‪ ،‬وغير مُتصوّر منهما‪ ،‬وأنت‬
‫تسيئوا للوالدين يجعلهما مَظنّة الساءة‪ ،‬وهذا غير وارد في َ‬
‫إذا نفيتَ شيئا عن مَنْ ل يصح أن ينفي عنه فقد َذمَمتْه‪ ،‬كأن تنفي عن أحد الصالحين المشهورين‬
‫بالتقوى والورع‪ ،‬تنفي عنه شرب الخمر مثلً فهل هذا في حقه مدح أم ذم؟‬
‫لنك ما قلتَ‪ :‬إن فلنا ل يشرب الخمر إل إذا كان الناس تظنّ فيه ذلك‪ .‬ومن هنا قالوا‪َ :‬نفْي‬
‫عمّنْ ل يستحق العيب عَيْب‪.‬‬
‫العيب َ‬
‫إذن‪ :‬لم يذكر الساءة هنا؛ لنها ل تَرِد على البال‪ ،‬ول تُتصوّر من المولود لوالديه‪.‬‬
‫وبعد ذلك‪ ،‬ورغم ما للوالدين من فضل وجميل عليك فل تنسَ أن فضل ال عليك أعظم؛ لن‬
‫والديك قد َيلِدانِك ويُسْلِمانك إلى الغير‪ ،‬أما ربك فلن يُسلمك إلى أحد‪.‬‬
‫حسَانا‪[ { ..‬السراء‪]23 :‬‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬إِ ْ‬
‫حسِنوا إليهم إحسانا‪ ،‬فحذف الفعل وأتى بمصدره للتأكيد‪.‬‬
‫كأنه قال‪ :‬أ ْ‬
‫ف وَلَ تَ ْنهَرْ ُهمَا َوقُل ّل ُهمَا‬
‫وقوله تعالى‪ِ } :‬إمّا يَبُْلغَنّ عِن َدكَ ا ْلكِبَرَ أَحَ ُد ُهمَا َأوْ كِلَ ُهمَا فَلَ َتقُل ّل ُهمَآ ُأ ّ‬
‫َقوْلً كَرِيما { [السراء‪]23 :‬‬
‫الحق سبحانه وتعالى حينما يوصينا بالوالدين‪ ،‬مرة تأتي الوصية على إطلقها‪ ،‬كما قال تعالى‪{:‬‬
‫ضعَتْهُ كُرْها‪[} ..‬الحقاف‪]14 :‬‬
‫حمَلَ ْتهُ ُأمّهُ كُرْها وَ َو َ‬
‫حسَانا َ‬
‫َووَصّيْنَا الِنسَانَ ِبوَالِدَ ْيهِ إِ ْ‬
‫حمَلَتْهُ ُأمّ ُه وَهْنا عَلَىا وَهْنٍ‪[} ..‬لقمان‪]14 :‬‬
‫ومرّة يُعلّل لهذه الوصية‪ ،‬فيقول‪َ {:‬‬
‫والذي يتأمل اليتين السابقتين يجد أن الحق سبحانه ذكر العِلّة في بِرّ الوالدين‪ ،‬والحيثيات التي‬
‫حمَلَتْهُ ُأمّ ُه وَهْنا‬
‫استوجبت هذا البِرّ‪ ،‬لكنها خاصة بالم‪ ،‬ولم تتحدث أبدا عن فضل الب‪ ،‬فقال‪َ {:‬‬
‫عَلَىا وَهْنٍ‪[} ..‬لقمان‪]14 :‬‬
‫فأين َدوْر الب؟ وأين مجهوداته طوال سنين تربية البناء؟‬
‫المتتبع ليات بر الوالدين يجد حيثية ُمجْملة ذكرت دور الب والم معا في قوله تعالى‪َ {:‬كمَا‬
‫صغِيرا‪[} ..‬السراء‪]24 :‬‬
‫رَبّيَانِي َ‬
‫لكن قبل أن يُربّي الب‪ ،‬وقبل أن يبدأ دوره كان للم الدور الكبر؛ لذلك حينما تخاصم الب والم‬
‫خفّا وحملتُه ثقلً‪ ،‬ووضعه شهوة ووضعتُه كرها‪.‬‬
‫لدى القاضي على ولد لهما‪ ،‬قالت الم‪ :‬لقد حمله ِ‬
‫لذلك ذكر القرآن الحيثيات الخاصة بالم؛ لنها تحملتها وحدها لم يشاركها فيها الزوج؛ ولنها‬
‫حيثيات سابقة لدراك البن فلم يشعر بها‪ ،‬فكأنه سبحانه وتعالى أراد أنْ يُذكّرنا بفضل الم الذي‬
‫لم ندركه ولم ُنحِسّ به‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وذلك على خلف دور الب فهو محسوس ومعروف للبن‪ ،‬فأبوه الذي يوفر له كل ما يحتاج‬
‫إليه‪ ،‬وكلما طلب شيئا قالوا‪ :‬حينما يأتي أبوك‪ ،‬ف َدوْر الب ـ إذن ـ معلوم ل يحتاج إلى بيان‪.‬‬
‫صتْ هذه الحال دون غيرها؟‬
‫خ ّ‬
‫والية هنا أوصتْ بالوالدين في حال الكِبَر‪ ،‬فلماذا َ‬
‫قالوا‪ :‬لن الوالدين حال شبابهما وقُوتهما ليسا مظنّة الهانة والهمال‪ ،‬ول مجال للتأفف والتضجّر‬
‫منهما‪ ،‬فهما في حال القوة والقدرة على مواجهة الحياة‪ ،‬بل العكس هو الصحيح نرى الولد في‬
‫هذه الحال يتقربون للباء‪ ،‬ويتمنون رضاهما‪ ،‬لينالوا من خيرهما‪.‬‬
‫لكن حالة الكِبَر‪ ،‬ومظهر الشيخوخة هو مظهر العالة والحاجة والضعف‪ ،‬فبعد أنْ كان ُمعْطيا‬
‫أصبح آخذا‪ ،‬وبعد أنْ كان عائلً أصبح عالة‪.‬‬
‫لذلك‪ ،‬فالنبي صلى ال عليه وسلم في حديث المينات والمراغم‪ ،‬وكان على المنبر‪ ،‬فسمعه‬
‫الصحابة يقول‪ :‬آمين‪ .‬ثم سكت برهة‪ .‬وقال‪ :‬آمين وسكت‪ .‬ثم قال‪ :‬آمين‪ .‬فلما نزل قالوا‪ :‬يا‬
‫رسول ال سمعناك تقول‪ :‬آمين ثلثا‪ .‬فقال‪ " :‬جاءني جبريل فقال‪ :‬رغم أنف مَنْ ُذكِ ْرتَ عنده ولم‬
‫صلّ عليك‪ ،‬قل‪ :‬آمين‪ .‬فقلت‪ :‬آمين‪ ،‬ورغم أنفس مَنْ أدرك رمضان فلم يُغفر له‪ ،‬قل‪ :‬آمين‪.‬‬
‫ُي َ‬
‫فقلت‪ :‬آمين‪ ،‬ورغم أنف مَنْ أدرك والديه ـ أو أحدهما فلم يدخل بهما الجنة‪ ،‬قل‪ :‬آمين‪ .‬فقلت‪:‬‬
‫آمين "‬
‫فخصّ الحق سبحانه حال الكِبَر‪ ،‬لنه حال الحاجة وحال الضعف؛ لذلك قال أحد الفلسفة‪ :‬خَيْر‬
‫الزواج مبكره‪ ،‬فلما سُئِل قال‪ :‬لنه الطريق الوحيد لنجاب والد يعولك في طفولة شيخوختك‪،‬‬
‫وشبّه الشيخوخة بالطفولة لن كليهما في حال ضعف وحاجة للرعاية والهتمام‪.‬‬
‫ج َعلَ‬
‫ض ْعفٍ ُق ّوةً ثُمّ َ‬
‫ج َعلَ مِن َبعْ ِد َ‬
‫ض ْعفٍ ثُمّ َ‬
‫خَلقَكُمْ مّن َ‬
‫وصدق الحق سبحانه حين قال‪ {:‬اللّهُ الّذِي َ‬
‫ضعْفا وَشَيْبَةً‪[} ..‬الروم‪]54 :‬‬
‫مِن َبعْدِ ُق ّو ٍة َ‬
‫فَمنْ تزوّج مبكرا فسوف يكون له من أولده مَنْ يُعينه ويساعده حال كِبَره‪.‬‬
‫والمتأمل في قوله تعالى‪ِ } :‬إمّا يَبُْلغَنّ عِن َدكَ ا ْلكِبَرَ‪[ { ..‬السراء‪]23 :‬‬
‫صفَة الكِبَر على إطلقها‪ ،‬بل قيّدها بقوله‪ } :‬عِن َدكَ { فالمعنى‪ :‬ليس لهما أحد غَيرك‬
‫ت ِ‬
‫لم تَأ ِ‬
‫يرعاهما‪ ،‬ل أخ ول أخت ول قريب يقوم بهذه المهمة‪ ،‬وما دام لم َي ُعدْ لهما غيرك فلتكُنْ على‬
‫مستوى المسئولية‪ ،‬ول تتنصّل منها؛ لنك أَوْلى الناس بها‪.‬‬
‫ويمتد البِرّ بالوالدين إلى ما بعد الحياة بالستغفار لهما‪ ،‬وإنجاز ما أحدثاه من عهد‪ ،‬ولم يتمكّنا من‬
‫صلَ الرحم التي ل تُوصَل إل بهما من قرابة الب والم‪ ،‬و َنصِلَ كذلك‬
‫الوفاء به‪ ،‬وكذلك أن ن ِ‬
‫أصدقاءهما وأحبابهما ونُودّهم‪.‬‬
‫وقد كان صلى ال عليه وسلم يودّ صاحبات السيدة خديجة ـ رضي ال عنها ـ وكان يستقبلهن‬
‫ويكرمهن‪.‬‬
‫س ُموّ هذا الخلق السلمي‪ ،‬حينما يُعدّي هذه المعاملة حتى إلى الكفار‪ ،‬فقد جاءت السيدة‬
‫وانظر إلى ُ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أسماء إلى رسول ال صلى ال عليه وسلم تسأله في أمها التي أتتْها‪.‬‬
‫وأظهرت حاجة مع أنها كافرة‪ ،‬فقال لها‪ " :‬صِليِ أمك "‪.‬‬
‫بل وأكثر من ذلك‪ ،‬إنْ كان الوالدان كافرين ليس ذلك فحسب بل ويدعوان البن إلى الكفر‪،‬‬
‫ويجاهدانه عليه‪ ،‬ومع هذا كله يقول الحق سبحانه‪ {:‬وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىا أَن ُتشْ ِركَ بِي مَا لَيْسَ َلكَ‬
‫ط ْع ُهمَا َوصَاحِ ْب ُهمَا فِي الدّنْيَا َمعْرُوفا‪[} ..‬لقمان‪]15 :‬‬
‫بِهِ عِ ْلمٌ فَلَ تُ ِ‬
‫فهذه ارتقاءات ببرّ الوالدين تُوضّح عظمة هذا الدين ورحمة الخالق سبحانه بالوالدين حتى في حال‬
‫كفرهما ولَدَدهما في الكفر‪.‬‬
‫ويُ ْروَى أن خليل ال إبراهيم ـ عليه السلم ـ جاءه ضيف بلبل‪ ،‬وأراد أن ينزل في ضيافته‪،‬‬
‫فسأله إبراهيم ـ عليه السلم ـ عن دينه فقال‪ :‬مجوسي فأعرض عنه وتركه يذهب‪ .‬فََسرْعان ما‬
‫أوحى الحق سبحانه إلى إبراهيم مُعاتبا إياه في أمر هذا الضيف‪ :‬يا إبراهيم لقد وَسعْتُه في مكي‬
‫أعواما عديدة‪ ،‬أطعمه وأسقيه وأكسوه وهو كافر بي‪ ،‬وأنت تُعرض عنه وتريد أنْ تُغيّر دينه من‬
‫أجل ليلة يبيتها عندك‪ ،‬فأسرع الخليل خلف الضيف حتى لحق به‪ ،‬وحكى له ما حدث‪ ،‬فقال‬
‫الرجل‪ِ .‬نعْم الرب ربّ يعاتب أحبابه في أعدائه‪ ،‬وشهد أن ل إله إل ال‪ ،‬وأنَ إبراهيم رسول ال‪.‬‬
‫وقد رأى المستشرقون لضيق ُأفُقهم وقلّة فقْههم لسلوب القرآن الكريم‪ ،‬رََأوْا تناقضا بين قوله‬
‫تعالى‪َ {:‬وصَاحِ ْب ُهمَا فِي الدّنْيَا َمعْرُوفا‪[} ..‬لقمان‪]15 :‬‬
‫وبين قوله تعالى‪ {:‬لّ َتجِدُ َقوْما ُي ْؤمِنُونَ بِاللّ ِه وَالْ َيوْمِ الخِرِ ُيوَآدّونَ مَنْ حَآدّ اللّ َه وَرَسُولَ ُه وََلوْ كَانُواْ‬
‫خوَا َنهُمْ َأوْ عَشِيرَ َت ُهمْ }[المجادلة‪]22 :‬‬
‫آبَآ َءهُمْ َأوْ أَبْنَآءَهُمْ َأوْ ِإ ْ‬
‫فكيف يأمر القرآن بمصاحبة الوالدين وتقديم المعروف لهما‪ ،‬في حين ينهي عن مودّة مَنْ حَادّ ال‬
‫ورسوله؟‬
‫ولو َفهِم هؤلء ُمعْطيات السلوب العربي الذي جاء به القرآن لعلموا أن المعروف غير الودّ؛ لن‬
‫المعروف يصنعه النسان مع من يحب‪ ،‬ومع من يكره‪ ،‬مع المؤمن ومع الكافر‪ ،‬تُطعمه إذا جاع‪،‬‬
‫وتسقيه إذا عطش‪ ،‬وتستره إنْ كان عريانا‪ ،‬أما المودة فل تكون إل لمَنْ تحب؛ لنها عمل قلبيّ‪.‬‬
‫ف َولَ تَ ْنهَرْ ُهمَا َوقُل ّل ُهمَا َقوْلً كَرِيما‪[ { ..‬السراء‪]23 :‬‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬فَلَ َتقُل ّل ُهمَآ ُأ ّ‬
‫وهذا توجيه وأدب إلهيّ يُراعي الحالة النفسية للوالدين حال كِبَرهما‪ ،‬وينصح البناء أن يكونوا‬
‫على قدر من الذكاء والفطْنة والدب وال ّرفْق في التعامل مع الوالدين في مثل هذا السن‪.‬‬
‫الوالد بعد أَنْ كان يعطيك وينفق عليك أصبح الن مُحتاجا إليك‪ ،‬بعد أنْ كان قويا قادرا على‬
‫السعي والعمل أصبح الن قعيدَ البيت أو طريحَ الفراش‪ ،‬إذن‪ :‬هو في َوضْع يحتاج إلى يقظة‬
‫ولباقة وسياسة عالية‪ ،‬حتى ل نجرح مشاعره وهي مُرْهفة في هذا الحال‪ .‬وتأمل قول ال تعالى‪} :‬‬
‫فَلَ َتقُل ّل ُهمَآ ُأفّ‪[ { ..‬السراء‪]23 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ل ما يقال‪ ،‬وهذه لفظة َقسْرية تخرج من صاحبها قهرا دون أن تمر على‬
‫وهي لفظة بسيطة أق ّ‬
‫العقل والتفكير‪ ،‬وكثيرا ما نقولها عند الضيق والتبرّم من شيء‪ ،‬فالحق سبحانه يمنعك من هذا‬
‫التعبير القَسْري‪ ،‬وليس المر الختياري‪.‬‬
‫و } ُأفّ { اسم فعل مضارع بمعنى‪ :‬أتضجر‪ ،‬وهذه الكلمة تدل على انفعال طبيعي‪ ،‬ولكن الحق‬
‫سبحانه يُحذّرك منه‪ ،‬ويأمرك بأن تتمالكَ مشاعرك‪ ،‬وتتحكّم في عواطفك‪ ،‬ول تنطق بهذه اللفظة‪.‬‬
‫ت هي أقلّ‬
‫ومعلومة أنه سبحانه إذا نهاني عن هذه فقط نهاني عن غيرها من باب َأوْلى‪ ،‬وما دام ْ‬
‫لفظة يمكن أنْ تُقال‪ .‬إذن‪ :‬نهاني عن القول وعن الفعل أيضا‪.‬‬
‫ثم أكّد هذا التوجيه بقوله‪َ } :‬ولَ تَ ْنهَرْ ُهمَا‪[ { ..‬السراء‪]23 :‬‬
‫والنهر هو الزّجْر بقسوة‪ ،‬وهو انفعال تَالٍ للتضجّر وأشدّ منه قسوة‪ ،‬وكثيرا ما نرى مثل هذه‬
‫المواقف في الحياة‪ ،‬فلو تصوّرنا البن يعطي والده كوبا من الشاي مثلً فارتعشت يده فأوقع‬
‫الكوب فوق سجادة ولده الفاخرة‪ ،‬وسريعا ما يتأفّف البن لما حدث لسجادته‪ ،‬ثم يقول للوالد من‬
‫عبارات التأنيب ما يؤلمه ويجرح مشاعره‪.‬‬
‫إذن‪ :‬كُنْ على حذر من التأفف‪ ،‬ومن أن تنهر والديك‪ ،‬كُنْ على حذر من هذه اللفاظ التي تسبق‬
‫إلى اللسان دون ِفكْر‪ ،‬ودون تعقّل‪.‬‬
‫ثم بعد أن هذا النهي المؤكد يأتي أمر جديد ليؤكد النهي السابق‪َ } :‬وقُل ّل ُهمَا َق ْولً كَرِيما‪..‬‬
‫{ [السراء‪]23 :‬‬
‫وفي هذا المقام تُ ْروَى قصة الشاب الذي أوقع أبوه إناء الطعام على ثيابه‪ ،‬فأخذ الولد يلعق الطعام‬
‫الذي وقع على ثوبه وهو يقول لوالده‪ :‬أطعمك ال كما أطعمتني‪ ،‬فحوّل الساءة إلى جميل يُحمَد‬
‫عليه‪.‬‬
‫ن كنتِ تُحبّينني حقا فل‬
‫والخر الذي ذهب يتمرّغ تحت أقدام أمه‪ ،‬فقال له‪ :‬كفى يا بني‪ ،‬فقال‪ :‬إ ْ‬
‫تمنعيني من عمل يُدخِلني الجنة‪.‬‬
‫والقول الكريم هنا نوع من التصرّف واللباقة في معاملة الوالدين خاصة حال الشيخوخة التي قد‬
‫تُقعِد صاحبها‪ ،‬أو المرض الذي يحتاج إلى مساعدة الغير‪ ،‬والولد هم َأوْلَى الناس بإعالة الوالدين‬
‫في هذه الظروف‪ ،‬حيث سيبدو من النسان مَا ل يصح الطلع عليه إل لولده وأقرب الناس‬
‫إليه‪.‬‬
‫ن يقضي حاجته‪ ،‬ويحتاج لمن يحمله‬
‫وَ َهبْ أن الوالد المريض أو الذي بلغ من الكِبَر عتيا يريد أ ْ‬
‫ويُقعِده ويُريحه‪ ،‬وينبغي هنا أن يقول البن لبيه‪َ :‬هوّن عليك يا والدي‪ ،‬وأعطني فرصة أردّ لك‬
‫بعض جميلك عليّ‪ ،‬فلكَ ْم فعلتَ معي أكثر من هذا‪.‬‬
‫وهو مع ذلك يكون مُحبّا لوالده‪ ،‬رفيقا به‪ ،‬حانيا عليه ل يتبرّم به‪ ،‬ول يتضجر منه‪ ،‬هذا هو القول‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الكريم الذي ينتقيه البناء في المواقف المختلفة‪.‬‬
‫فمثلً‪ :‬قد يزورك أبوك في بيتك وقد يحدث منه أنْ يكسر شيئا من لوازم البيت‪ ،‬فتقول له في هذا‬
‫الموقف‪ :‬فِدَاك يا والدي‪ ،‬أو تقول‪ :‬ل عليك لقد كنت أفكر في شراء واحدة أحدث منها‪ .‬أو غيره‬
‫من القول الكريم الذي يحفظ للوالدين كرامتهما‪ ،‬ول يجرح شعورهما‪.‬‬
‫وكثيرا ما يأتي المرض مع كِبَر السن‪ ،‬فترى الوالد طريحَ الفراش أو مشلولً ـ عافنا ال وإياكم‬
‫ـ لذلك فهو في أمس الحاجة لمن يُخفّف عنه ويُواسيه‪ ،‬ويفتح له باب المل في الشفاء ويُذكّره أن‬
‫فلنا كان مثله وشفاه ال‪ ،‬وفلنا كان مثله وأخذ ال بيده‪ ،‬وهو الن بخير‪ ،‬وهكذا‪.‬‬
‫ومع هذا‪ ،‬كُنْ على ِذكْر لفضل الوالدين عليك‪ ،‬ول تَنْسَ ما كان عندهما حال طفولتك من عاطفة‬
‫الحب لك والحنان عليك‪ ،‬وأن ال تعالى جعل هذه العاطفة البوية تقوى مع ضعفك‪ ،‬وتزيد مع‬
‫مرضك وحاجتك‪ ،‬فترى البن الفقير محبوبا عن أخيه الغني‪ ،‬والمريض أو صاحب العاهة محبوبا‬
‫عن الصحيح‪ ،‬والغائب محبوبا عن الحاضر‪ ،‬والصغير محبوبا عن الكبير‪ ،‬وهكذا على قَدْر حاجة‬
‫المربّي يكون حنان المربّي‪.‬‬
‫إذن‪ :‬نستطيع أن نأخذَ من هذا إشارة دقيقة يجب ألّ نغفل عنها‪ ،‬وهي‪ :‬إنْ كان بر الوالدين واجبا‬
‫عليك في حال القوة والشباب والقدرة‪ ،‬فهو أوجب حالَ كبرهما وعجزهما‪ ،‬أو حال مرضهما‪.‬‬
‫خ ِفضْ َل ُهمَا جَنَاحَ ال ّذلّ مِنَ‬
‫ثم يرشدنا الحق سبحانه إلى حسن معاملة الوالدين‪ ،‬فيقول‪ } :‬وَا ْ‬
‫ح َمةِ‪.{ ...‬‬
‫الرّ ْ‬

‫(‪)2036 /‬‬
‫صغِيرًا (‪)24‬‬
‫ح ْم ُهمَا َكمَا رَبّيَانِي َ‬
‫حمَ ِة َو ُقلْ َربّ ارْ َ‬
‫خ ِفضْ َل ُهمَا جَنَاحَ ال ّذلّ مِنَ الرّ ْ‬
‫وَا ْ‬

‫خفِضْ }‪ :‬الخفْض ضد ال ّرفْع‪.‬‬
‫{ وَا ْ‬
‫{ جَنَاحَ ال ّذلّ }‪ :‬الطائر معروف أنه يرفع جناحه ويُرفْرِف به‪ ،‬إنْ أراد أن يطير‪ ،‬ويخفضه إنْ أراد‬
‫أن يحنوَ على صغاره‪ ،‬ويحتضنهم ويغذيهم‪.‬‬
‫وهذه صورة مُحسّة لنا‪ ،‬يدعونا الحق سبحانه وتعالى أن نقتدي بها‪ ،‬وأن نعامل الوالدين هذه‬
‫المعاملة‪ ،‬فنحنو عليهم‪ ،‬ونخفض لهم الجناح‪ ،‬كنايةً عن الطاعة والحنان والتواضع لهما‪ ،‬وإياك أن‬
‫تكون كالطائر الذي يرفع جناحيه ليطير بهما مُتعاليا على غيره‪.‬‬
‫وكثيرا ما يُعطينا الشرع الحكيم أمثلة ونماذج للرأفة والرحمة في الطيور‪ ،‬ويجعلها قدوة لنا بني‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫البشر‪ .‬والذي يرى الطائر يحتضن صغاره تحت جناحه‪ ،‬ويزقّهم الغذاء يرى عجبا‪ ،‬فالصغار ل‬
‫يقدرون على مضغ الطعام وتكسيره‪ ،‬وليس لديهم اللعاب الذي يساعدهم على أنْ يزدردوا الطعام‬
‫فيقوم الوالدان بهذه المهمة ثم يناولنهم غذاءهم جاهزا يسهل َبلْعه‪ ،‬وإنْ تيسر لك رؤية هذا المنظر‬
‫فسوف ترى الطائر وفراخه يتراصون فرحة وسعادة‪.‬‬
‫إذن‪ :‬قوله تعالى‪ { :‬جَنَاحَ ال ّذلّ‪[ } ..‬السراء‪]24 :‬‬
‫كناية عن الخضوع والتواضع‪ ،‬والذّل قد يأتي بمعنى القهر والغلبة‪ ،‬وقد يأتي بمعنى العطف‬
‫س ْوفَ يَأْتِي اللّهُ ِب َقوْمٍ ُيحِ ّبهُمْ‬
‫والرحمة‪ ،‬يقول تعالى‪ {:‬ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْ َتدّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَ َ‬
‫وَيُحِبّونَهُ َأذِلّةٍ عَلَى ا ْل ُم ْؤمِنِينَ‪[} ..‬المائدة‪]54 :‬‬
‫فلو كان الذلّة هنا بمعنى القهر لقال‪ :‬أذلة للمؤمنين‪ ،‬ولكن المعنى‪ :‬عطوفين على المؤمنين‪ .‬وفي‬
‫المقابل{ أَعِ ّزةٍ عَلَى ا ْلكَافِرِينَ‪[} ..‬المائدة‪]54 :‬‬
‫أي‪ :‬أقوياء عليهم قاهرين لهم‪.‬‬
‫حمَآءُ بَيْ َنهُمْ‪} ..‬‬
‫حمّدٌ رّسُولُ اللّ ِه وَالّذِينَ َمعَهُ أَشِدّآءُ عَلَى ا ْل ُكفّارِ رُ َ‬
‫وفي آية أخرى يقول تعالى‪ {:‬مّ َ‬
‫[الفتح‪]29 :‬‬
‫لن الخالق سبحانه لم يخلق النسان رحيما على الطلق ول شديدا على الطلق‪ ،‬بل خلق في‬
‫المؤمن مرونة تمكّنه أن يتكيف تبعا للمواقف التي يمر بها‪ ،‬فإنْ كان على الكافر كان عزيزا‪ ،‬وإنْ‬
‫ل متواضعا‪.‬‬
‫كان على المؤمن كان ذلي ً‬
‫ونرى وضوحَ هذه القضية في سيرة الصّديق أبي بكر والفاروق عمر رضي ال عنهما‪ ،‬وقد‬
‫عُرِف عن الصّديق اللين و ِرقّة القلب والرحمة‪ ،‬وعُرِف عن عمر الشدة في الحق والشجاعة‬
‫والقوة‪ ،‬فكان عمر كثيرا ما يقول لرسول ال صلى ال عليه وسلم إذا تصادم بأحد المعاندين‪" :‬‬
‫إئذن لي يا رسول ال أضرب عنقه "‪.‬‬
‫وعندما حدثت حروب الردة بعد وفاة الرسول صلى ال عليه وسلم كان لكل منهما موقف مغاير‬
‫لطبيعته‪ ،‬فكان مِنْ رأي عمر ألّ يحاربهم في هذه الفترة الحرجة من عمر الدعوة‪ ،‬في حين رأى‬
‫الصديق محاربتهم والخْذ على أيديهم بشدة حتى يعودوا إلى ساحة السلم‪ ،‬ويُذعنوا لمر ال‬
‫تعالى فقال‪ " :‬وال‪ ،‬لو منعوني عقالً كانوا يُؤدّونه لرسول ال لجالدتهم عليه بالسيف‪ ،‬وال لو لم‬
‫يَبْق إل الزرع "‪.‬‬
‫وقد جاء هذا الموقف من الصّديق والفاروق لحكمة عالية‪ ،‬فلو قال عمر مقالة أبي بكر لكان شيئا‬
‫طبيعيا يُنْسب إلى شدة عمر وجرأته‪ ،‬لكنه أتى من صاحب القلب الرحيم الصّديق ـ رضي ال‬
‫عنه ـ ليعرف الجميع أن المر ليسد للشدة لذاتها‪ ،‬ولكن للحفاظ على الدين والدفاع عنه‪.‬‬
‫وكأن الموقف هو الذي صنع أبا بكر‪ ،‬وتطلب منه هذه الشدة التي تغلبت على طابع اللين السائد‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫في أخلقه‪.‬‬
‫حمَةِ‪[ { ..‬السراء‪]24 :‬‬
‫خ ِفضْ َل ُهمَا جَنَاحَ ال ّذلّ مِنَ الرّ ْ‬
‫فيقول تعالى‪ } :‬وَا ْ‬
‫إذن‪ :‬الذلّة هنا ذِلّة تواضع ورحمة بالوالدين‪ ،‬ولكن رحمتك أنت ل تكفي‪ ،‬فعليك أن تطلب لهما‬
‫صغِيرا‪[ { ..‬السراء‪]24 :‬‬
‫ح ْم ُهمَا َكمَا رَبّيَانِي َ‬
‫الرحمة الكبرى من ال تعالى‪َ } :‬وقُل ّربّ ا ْر َ‬
‫لن رحمتك بهما ل تَفيِ بما قدّموه لك‪ ،‬ول ترد لهما الجميل‪ ،‬وليس البادئ كالمكافئ‪ ،‬فهم أحسنوا‬
‫إليك بداية وأنت أحسنتَ إليهما ردّا؛ لذلك ا ْدعُ ال أنْ يرحمهما‪ ،‬وأنْ يتكفل سبحانه عنك برد‬
‫الجميل‪ ،‬وأن يرحمهما رحمة تكافئ إحسانهما إليك‪.‬‬
‫صغِيرا‪[ { ..‬السراء‪]24 :‬‬
‫وقوله تعالى‪َ } :‬كمَا رَبّيَانِي َ‬
‫كما‪ :‬قد تفيد التشبيه‪ ،‬فيكون المعنى‪ :‬ارحمهما رحمة مثل رحمتهما بي حين ربياني صغيرا‪ .‬أو‬
‫تفيد التعليل‪ :‬أي ارحمهما لنهما ربياني صغيرا‪ ،‬كما قال تعالى‪ {:‬وَا ْذكُرُوهُ َكمَا َهدَاكُمْ‪[} ..‬البقرة‪:‬‬
‫‪]198‬‬
‫و } رَبّيَانِي { هذه الكلمة أدخلت كل مُربّ للنسان في هذا الحكم‪ ،‬وإنْ لم يكُنْ من الوالدين‪ ،‬لن‬
‫الولد قد يُربّيه غير والديه ليّ ظرف من الظروف‪ ،‬والحكم يدور مع العلة وجودا وعَدما‪ ،‬فإنْ‬
‫حسْن المعاملة والدعاء‪.‬‬
‫ربّاك غير والديك فلهما ما للوالدين من البرّ والحسان و ُ‬
‫وهذه بشرى لمن رَبّى غير ولده‪ ،‬ولسيما إنْ كان المربّى يتيما‪ ،‬أو في حكم اليتيم‪.‬‬
‫صغِيرا‪[ { ..‬السراء‪ ]24 :‬اعتراف من البن بما للوالدين من فضل عليه وجميل‬
‫وفي‪ } :‬رَبّيَانِي َ‬
‫يستحق الرد‪.‬‬
‫وبعد ذلك يأتي الحق سبحانه في تذييل هذا الحكم بقضية تشترك فيها معاملة البن لبويه مع‬
‫سكُمْ إِن َتكُونُو ْا صَالِحِينَ فَإِنّهُ كَانَ‬
‫معاملته لربه عز وجل‪ ،‬فيقول تعالى‪ } :‬رّ ّبكُمْ أَعَْلمُ ِبمَا فِي ُنفُو ِ‬
‫غفُورا {‪.‬‬
‫لوّابِينَ َ‬
‫لِ َ‬

‫(‪)2037 /‬‬
‫غفُورًا (‪)25‬‬
‫سكُمْ إِنْ َتكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنّهُ كَانَ لِلَْأوّابِينَ َ‬
‫رَ ّبكُمْ أَعَْلمُ ِبمَا فِي ُنفُو ِ‬

‫وقد سبق أنْ تكلّمنا عن اليمان والنفاق‪ ،‬وقلنا‪ :‬إن المؤمن منطقيّ مع نفسه؛ لنه آمن بقلبه‬
‫ولسانه‪ ،‬وأن الكافر كذلك منطقيّ لنه كفر بقلبه ولسانه‪ ،‬أما المنافق فغير منطقيّ مع نفسه؛ لنه‬
‫آمن بلسانه وجحد بقلبه‪.‬‬
‫وهذه الية تدعونا إلى الحديث عن النفاق؛ لنه ظاهرة من الظواهر المصاحبة لليمان بال‪ ،‬وكما‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫نعلم فإن النفاق لم يظهر في مكة التي صادمتْ السلم وعاندته‪ ،‬وضيقتْ عليه‪ ،‬بل ظهر في‬
‫المدينة التي احتضنتْ الدين‪ ،‬وانساحت به في شتى بقاع الرض‪ ،‬وقد يتساءل البعض‪ :‬كيف ذلك؟‬
‫نقول‪ :‬النفاق ظاهرة صحية إلى جانب اليمان؛ لنه ل يُنافَق إل القوي‪ ،‬والسلم في مكة كان‬
‫ضعيفا‪ ،‬فكان الكفار يُجابهونه ول ينافقونه‪ ،‬فلما تحوّل إلى المدينة اشتد عوده‪ ،‬وقويتْ شوكته وبدأ‬
‫ضعَاف النفوس ينافقون المؤمنين‪.‬‬
‫ِ‬
‫لذلك يقول أحدهم‪ :‬كيف وقد َذمّ ال أهل المدينة‪ ،‬وقال عنهم‪َ {:‬ومِنْ أَ ْهلِ ا ْلمَدِي َنةِ مَرَدُواْ عَلَى ال ّنفَاقِ‬
‫}[التوبة‪]101 :‬‬
‫نقول‪ :‬لقد مدح القرآن أهل المدينة بما ل مزيدَ عليه‪ ،‬فقال تعالى في حقهم‪ {:‬وَالّذِينَ تَ َبوّءُوا الدّارَ‬
‫وَالِيمَانَ }[الحشر‪]9 :‬‬
‫جةً‬
‫وكأنه جعل اليمان مَحَلً للنازلين فيه‪ُ {.‬يحِبّونَ مَنْ هَاجَرَ ِإلَ ْيهِ ْم َولَ َيجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَا َ‬
‫خصَاصَةٌ }[الحشر‪]9 :‬‬
‫سهِ ْم وََلوْ كَانَ ِب ِهمْ َ‬
‫ّممّآ أُوتُو ْا وَ ُيؤْثِرُونَ عَلَىا أَنفُ ِ‬
‫فإنْ قال بعد ذلك‪َ {:‬ومِنْ أَ ْهلِ ا ْلمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ال ّنفَاقِ }[التوبة‪]101 :‬‬
‫فالنفاق في المدينة ظاهرة صحية لليمان؛ لن اليمان لو لم يكن قويا في المدينة لما نافقه‬
‫المنافقون‪.‬‬
‫ومن هنا جعل ال المنافقين في الد ْركِ السفل من النار‪ ،‬لنه مُندَسّ بين المؤمنين كواحد منهم‪،‬‬
‫يعايشهم ويعرف أسرارهم‪ ،‬ول يستطيعون الحتياط له‪ ،‬فهو عدو من الداخل يصعُب تمييزه‪ .‬على‬
‫خلف الكافر‪ ،‬فعداوته واضحة ظاهرة معلنة‪ ،‬فيمكن الحتياط له وأخذ الحذر منه‪.‬‬
‫ولكن لماذا الحديث عن النفاق ونحن بصدد الحديث عن عبادة ال وحده وبِرّ الوالدين؟‬
‫الحق سبحانه وتعالى أراد أنْ يُعطينا إشارة دقيقة إلى أن النفاق كما يكون في اليمان بال‪ ،‬يكون‬
‫سمْعة ورياءً‪ ،‬ل إخلصا لهما‪ ،‬أو‬
‫كذلك في برّ الوالدين‪ ،‬فنرى من البناء مَنْ يبرّ أبويْه نفاقا و ُ‬
‫اعترافا بفضلهما‪ ،‬أو حِرْصا عليهما‪.‬‬
‫سكُمْ‪[ } ..‬السراء‪]25 :‬‬
‫ولهؤلء يقول تعالى‪ { :‬رّ ّبكُمْ أَعْلَمُ ِبمَا فِي ُنفُو ِ‬
‫لن من البناء مَنْ يبرّ أبويه‪ ،‬وهو يدعو ال في نفسه أنْ يُريحه منهما‪ ،‬فجاء الخطاب بصيغة‬
‫الجمع‪ { :‬رّ ّبكُمْ } أي‪ :‬رب البن‪ ،‬وربّ البوين؛ لن مصلحتكم عندي سواء‪ ،‬وكما ندافع عن الب‬
‫ندافع أيضا عن البن‪ ،‬حتى ل يقعَ فيما ل تُحمد عُقباه‪.‬‬
‫وقوله‪ { :‬إِن َتكُونُو ْا صَالِحِينَ‪[ } ..‬السراء‪]25 :‬‬
‫أيْ‪ :‬إن توفّر فيكم شَرْط الصلح‪ ،‬فسوف يُجازيكم عليه الجزاء الوفى‪ .‬وإنْ كان غَيْر ذلك وكنتم‬
‫في أنفسكم غير صالحين غير مخلصين‪ ،‬فارجعوا من قريب‪ ،‬ول تستمروا في عدم الصلح‪ ،‬بل‬
‫عودوا إلى ال وتوبوا إليه‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫غفُورا { [السراء‪]25 :‬‬
‫لوّابِينَ َ‬
‫} فَإِنّهُ كَانَ لِ َ‬
‫والوابون هم الذين اعترفوا بذنوبهم ورجعوا تائبين إلى ربهم‪.‬‬
‫وقد سبق أنْ أوضحنا أن مشروعية التوبة من ال للمذنبين رحمةٌ من الخالق بالخلق؛ لن العبد إذا‬
‫ارتكب سيئة في غفلة من دينه أو ضميره‪ ،‬ولم تشرع لها توبة لوجدنا هذه السيئة الواحدة تطارده‪،‬‬
‫طوَال حياته‪ ،‬بل وتدعوه إلى سيئة أخرى‪ ،‬وهكذا يشقى به المجتمع‪.‬‬
‫ويشقى بها ِ‬
‫لذلك شرع الخالقُ سبحانه التوبة ليحفظ سلمة المجتمع وَأمْنه‪ ،‬وليُثرِي جوانب الخير فيه‪.‬‬
‫ثم يُوسّع القرآن الكريم دائرة القرابة القريبة وهي " الوالدان " إلى دائرة أوسع منها‪ ،‬فبعد أنْ حنّنه‬
‫سكِينَ‬
‫حقّ ُه وَا ْلمِ ْ‬
‫على والديه لفتَ نظره إلى ما يتصل بهما من قرابة‪ ،‬فقال تعالى‪ } :‬وَآتِ ذَا ا ْلقُرْبَىا َ‬
‫ل َولَ تُ َبذّرْ تَبْذِيرا {‪.‬‬
‫وَابْنَ السّبِي ِ‬

‫(‪)2038 /‬‬
‫ن وَابْنَ السّبِيلِ وَلَا تُ َبذّرْ تَبْذِيرًا (‪)26‬‬
‫سكِي َ‬
‫حقّ ُه وَا ْلمِ ْ‬
‫وَ َآتِ ذَا ا ْلقُرْبَى َ‬

‫الحق سبحانه بعد أنْ حنّن النسان على والديْه صعّد المسألة فحنّنه على قرابة أبيه وقرابة أمه‪،‬‬
‫حقّهُ‪[ } ..‬السراء‪]26 :‬‬
‫فقال‪ { :‬وَآتِ ذَا ا ْلقُرْبَىا َ‬
‫حقّا للقارب إنْ كانوا في حاجة‪ ،‬وإل فلو كانا غير محتاجين‪،‬‬
‫حقّهُ } لن ال تعالى جعله َ‬
‫{ َ‬
‫فالعطاء بينهما هدية متبادلة‪ ،‬فكل قريب يُهادي أقرباءه ويهادونه‪ .‬والحق سبحانه وتعالى يريد أن‬
‫يُشيعَ في المجتمع روح التكافل الجتماعي‪.‬‬
‫لذلك كان بعض فقهاء الندلس إذا منع الرجل زكاةً تقرُب من النّصاب أمر بقطع يده‪ ،‬كأنه سرقه؛‬
‫لن ال تعالى أسماه (حقا) َفمْن منع صاحب الحق من حقه‪ ،‬فكأنه سرقه منه‪.‬‬
‫وقد سلك فقهاء الندلس هذا المسلك‪ ،‬لنهم في بلد ترف وغنى‪ ،‬فتشدّدوا في هذه المسألة؛ لنه ل‬
‫عُذْر لحد فيها‪.‬‬
‫لذلك‪ ،‬لما جاء أحد خلفائهم إلى المنذر بن سعيد‪ ،‬وقال‪ :‬لقد حُلفت يمينا‪ ،‬وأرى أن أُكفّر عنه فأفتاه‬
‫بأن يصوم ثلثة أيام‪ ،‬فقال أحدهم‪ :‬لقد ضيّقتَ واسعا فقد شرع ال للكفارة أيضا إطعامَ عشرة‬
‫مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة‪ ،‬فرد عليه المنذر قائلً‪ :‬أو مثلُ أمير المؤمنين يُزْجَر بإطعام‬
‫عشرة مساكين أو كسوتهم؟ إنه يفعل ذلك في اليوم للْف وأكثر‪ ،‬وإنما يزجره الصوم‪ ،‬وهكذا‬
‫أخذوا الحكم بالروح ل بالنص؛ ليتناسب مع مقدرة الخليفة‪ ،‬ويُؤثّر في َردْعه و َزجْره‪.‬‬
‫وكلمة (حق) وردت في القرآن على معنيين‪:‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫حقّ ّمعْلُومٌ }[المعارج‪]24 :‬‬
‫الول‪ :‬في قوله تعالى‪ {:‬وَالّذِينَ فِي َأ ْموَاِلهِمْ َ‬
‫والحق المعلوم هو الزكاة‪.‬‬
‫أما الحق الخر فحقّ غير معلوم وغير موصوف‪ ،‬وهو التطوع والحسان‪ ،‬حيث تتطوّع ل بجنس‬
‫جعُونَ‬
‫حسِنِينَ * كَانُواْ قَلِيلً مّن اللّ ْيلِ مَا َيهْ َ‬
‫ما فرضه عليك‪ ،‬كما قال تعالى‪ {:‬إِ ّنهُمْ كَانُواْ قَ ْبلَ ذَِلكَ مُ ْ‬
‫* وَبِالَسْحَارِ ُهمْ يَسْ َت ْغفِرُونَ * َوفِي َأ ْموَاِلهِمْ حَقّ لّلسّآ ِئلِ وَا ْلمَحْرُومِ }[الذاريات‪]19-16 :‬‬
‫عمّا فرضه ال علينا‪.‬‬
‫ولم يقل‪ " :‬معلوم "‪ :‬لنه إحسان وزيادة َ‬
‫ويجب على من ُيؤْتِى هذا الحق أن يكون سعيدا به‪ ،‬وأن يعتبره َمغْنما ل َمغْرما؛ لن الدنيا كما‬
‫نعلم أغيار تتحول وتتقلب بأهلها‪ ،‬فالصحيح قد يصير سقيما‪ ،‬والغني قد يصير فقيرا وهكذا‪،‬‬
‫ن لك في المستقبل‪ ،‬وضمان لولدك من بعدك‪ ،‬والحق الذي تعطيه اليوم هو‬
‫فإعطاؤك اليوم ضما ٌ‬
‫نفسه الذي قد تحتاجه غدا‪ ،‬إنْ دارتْ عليك الدائرة‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالحق الذي تدفعه اليوم لصحابه تأمين لك في المستقبل يجعلك تجابه الحياة بقوة‪ ،‬وتجابه‬
‫ن تركتَ أولدك في‬
‫الحياة بغير خور وبغير ضعف‪ ،‬وتعلم أن حقك محفوظ في المجتمع‪ ،‬وكذلك إ ْ‬
‫عوزٍ وحاجة‪ ،‬فالمجتمع مُتكفّل بهم‪.‬‬
‫ضعَافا خَافُواْ عَلَ ْيهِمْ فَلْيَ ّتقُواّ‬
‫وصدق ال تعالى حين قال‪ {:‬وَلْيَخْشَ الّذِينَ َلوْ تَ َركُواْ مِنْ خَ ْل ِفهِمْ ذُرّيّ ًة ِ‬
‫اللّ َه وَلْ َيقُولُواْ َق ْولً سَدِيدا }[النساء‪]9 :‬‬
‫ولذلك‪ ،‬فالناس أصحاب الرتقاء والثراء لورعهم ل يعطون القارب من أموال الزكاة‪ ،‬بل‬
‫يخصّون بها الفقراء الباعد عنهم‪ ،‬و ُيعْطون القارب من مالهم الخاص مساعدة وإحسانا‪.‬‬
‫سفِينَةُ‬
‫سكِينَ { هو الذي يملك وله مال‪ ،‬لكن ل يكفيه‪ ،‬بدليل قوله الحق سبحانه‪َ {:‬أمّا ال ّ‬
‫و } ا ْلمِ ْ‬
‫َفكَا َنتْ ِل َمسَاكِينَ َي ْعمَلُونَ فِي الْبَحْرِ‪[} ..‬الكهف‪]79 :‬‬
‫أما الفقير فهو الذي ل يملك شيئا‪ ،‬وقد يعكس البعض في تعريف المسكين والفقير‪ ،‬وهذا فهم‬
‫خاطئ‪.‬‬
‫و } وَابْنَ السّبِيلِ‪[ { ..‬السراء‪]26 :‬‬
‫السبيل هو الطريق‪ ،‬والنسان عادةً يُنْسَب إلى بلده‪ ،‬فنقول‪ :‬ابن القاهرة‪ ،‬ابن بورسعيد‪ ،‬فإنْ كان‬
‫منقطعا في الطريق وطرأتْ عليه من الظروف ما أحوجه للعون والمساعدة‪ ،‬وإن كان في الحقيقة‬
‫حقّ في مال المسلمين بقدر ما يُوصّله إلى بلده‪.‬‬
‫صاحب يسا ٍر وَغِنىً‪ ،‬كأن يُضيع ماله فله َ‬
‫وابن السبيل إذا طلب المساعدة ل تسأله عن حقيقة حاله‪ ،‬لن له حقا واجبا فل تجعله في وضع‬
‫مذلّة أو حرج‪.‬‬
‫} َولَ تُبَذّرْ تَ ْبذِيرا { [السراء‪]26 :‬‬
‫حبّ ا ْل ُمسْ ِرفِينَ }[النعام‪:‬‬
‫حصَا ِد ِه َولَ ُتسْ ِرفُواْ إِنّ ُه لَ يُ ِ‬
‫حقّهُ َيوْمَ َ‬
‫كما قال تعالى في آية أخرى‪ {:‬وَآتُواْ َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫‪]141‬‬
‫فالتبذير هو السراف‪ ،‬مأخوذ من البذر‪ ،‬وهو عملية يقوم بها الفلح فيأخذ البذور التي يريد‬
‫زراعتها‪ ،‬وينثرها بيده في أرضه‪ ،‬فإذا كان متقنا لهذه العملية تجده يبذر البذور بنسب متساوية‪،‬‬
‫بحيث يوزع البذور على المساحة المراد زراعتها‪ ،‬وتكون المسافة بين البذور متساوية‪.‬‬
‫وبذلك يفلح الزرع ويعطي المحصول المرجو منه‪ ،‬أما إنْ بذرَ البذور بطريقة عشوائية وبدون‬
‫نظام نجد البذور على مسافات غير متناسبة‪ ،‬فهي كثيرة في مكان‪ ،‬وقليلة في مكان آخر‪ ،‬وهذا ما‬
‫نُسمّيه تبذيرا‪ ،‬لنه يضع الحبوب في موضع غير مناسب؛ فهي قليلة في مكان مزدحمة في آخر‬
‫فَيُعاق نموّها‪.‬‬
‫لذلك‪ ،‬فالحق سبحانه آثر التعبير عن السراف بلفظ (التبذير)؛ لنه يضيع المال في غير موضعه‬
‫المناسب‪ ،‬وينفق هكذا كلما اتفق دون نظام‪ ،‬فقد يعطي بسخاء في غير ما يلزم‪ ،‬في حين يمسك في‬
‫الشيء الضروري‪.‬‬
‫إذن‪ :‬التبذير‪ :‬صَرْف المال في غير حِلّه‪ ،‬أو في غير حاجة‪ ،‬أو ضرورة‪.‬‬
‫حقّ الزكاة‪،‬‬
‫والنهي عن التبذير هنا قد يُراد منه النهي عن التبذير في اليتاء‪ ،‬يعني حينما تعطي َ‬
‫فل تأخذك الريحية اليمانية فتعطي أكثر مما يجب عليك‪ ،‬وربما سمعتَ ثناء الناس وشكرهم‬
‫فتزيد في عطائك‪ ،‬ثم بعد ذلك وبعد أن تخلوَ إلى نفسك ربما ندمتَ على ما فعلتَ‪ ،‬وُل ْمتَ نفسك‬
‫على هذا السراف‪.‬‬
‫عطِ ذا القربى والمساكين وابن السبيل‪ ،‬ولكن ل تُبذّر في المور الخرى‪،‬‬
‫وقد يكون المعنى‪ :‬أ ْ‬
‫فالنهي هنا ل يعود إلى اليتاء‪ ،‬بل إلى المور التافهة التي يُنفَق فيها المال في غير ضرورة‪.‬‬
‫خوَانَ الشّيَاطِينِ‪.{ ...‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ } :‬إِنّ ا ْلمُبَذّرِينَ كَانُواْ ِإ ْ‬

‫(‪)2039 /‬‬
‫ن َوكَانَ الشّ ْيطَانُ لِرَبّهِ َكفُورًا (‪)27‬‬
‫خوَانَ الشّيَاطِي ِ‬
‫إِنّ ا ْلمُبَذّرِينَ كَانُوا ِإ ْ‬

‫كلمة (أخ) تُجمع على إخْوة وإخْوان‪..‬‬
‫سفَ‪[} ..‬يوسف‪]58 :‬‬
‫خ َوةُ يُو ُ‬
‫وإخوة‪ :‬تدلّ على أُخوّة النسب‪ ،‬كما في قوله تعالى‪ {:‬وَجَآءَ إِ ْ‬
‫خ َوةٌ‪} ..‬‬
‫وتدل أيضا على أخوة الخير والورع والتقوى‪ ،‬كما في قوله تعالى‪ {:‬إِ ّنمَا ا ْل ُم ْؤمِنُونَ إِ ْ‬
‫[الحجرات‪]10 :‬‬
‫ختَ هَارُونَ‪[} ..‬مريم‪]28 :‬‬
‫ومنها قوله تعالى عن السيدة مريم‪ {:‬ياُأ ْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والمقصود‪ :‬هارون أخو موسى ـ عليهما السلم ـ وبينهما زمن طويل يقارب أحد عشر جيلً‪،‬‬
‫ومع ذلك سماهما القرآن إخوة أي أخوّة الورع والتقوى‪.‬‬
‫أما‪ :‬إخوان‪ :‬فتدل على أن قوما اجتمعوا على مبدأ واحد‪ ،‬خيرا كان أو شرا‪ ،‬فتدلّ على الجتماع‬
‫في الخير‪ ،‬كما في قوله تعالى‪ {:‬وَا ْذكُرُواْ ِن ْع َمتَ اللّهِ عَلَ ْيكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَّلفَ بَيْنَ قُلُو ِبكُمْ‬
‫خوَانا }[آل عمران‪]103 :‬‬
‫فََأصْبَحْتُمْ بِ ِن ْعمَتِهِ إِ ْ‬
‫خوَانَ الشّيَاطِينِ }‬
‫وقد تدل على الجتماع في الشر‪ ،‬كما في قوله تعالى‪ { :‬إِنّ ا ْلمُبَذّرِينَ كَانُواْ ِإ ْ‬
‫[السراء‪]27 :‬‬
‫فكأن المبذرين اجتمعوا مع الشياطين في هوية واحدة‪ ،‬ووُ ّد واحد‪ ،‬وانتظمتهما صفات واحدة من‬
‫الشر‪.‬‬
‫خوّة النسب‪ ،‬وقد تتسامى لتدل على أُخوّة اليمان التي تنهار أمام‬
‫خوَة) تدل على أُ ُ‬
‫إذن‪ :‬كلمة (إ ْ‬
‫قوتها كل الواصر‪ .‬ونذكر هنا ما حدث في غزوة بدر بين أخويْنِ من أسرة واحدة هما " مصعب‬
‫بن عمير " بعد أن آمن وهاجر إلى المدينة وخرج مع جيش المسلمين إلى بدر وأخوه " أبو عزيز‬
‫" وكان ما يزال كافرا‪ ،‬وخرج مع جيش الكفار من مكة‪ ،‬والتقى الخوان‪ :‬المؤمن والكافر‪" .‬‬
‫ومعلوم أن " مصعب بن عمير " كان من أغنى أغنياء مكة‪ ،‬وكان ل يرتدي إل أفخر الثياب‬
‫وألينها‪ ،‬ويتعطر بأثمن العطور حتى كانوا يسمونه مُدلّل مكة‪ ،‬ثم بعد أنْ آمنَ تغيّر حاله وآثر‬
‫اليمان بال على كل هذا الغنى والنعيم‪ ،‬ثم بعثه الرسول صلى ال عليه وسلم إلى المدينة ليعلّم‬
‫الناس أمور دينهم‪ ،‬وفي غزوة أحد رآه رسول ال صلى ال عليه وسلم يرتدي جلد شاة‪ ،‬فقال‪" :‬‬
‫انظروا ما فعل اليمان بأخيكم " "‪.‬‬
‫ن المؤمن والكافر؟ وأيّ الصلت كانت أقوى‪ :‬صلة اليمان بال‪ ،‬أم صلة‬
‫فماذا حدث بين الخويْ ِ‬
‫النسب؟‬
‫لما دارتْ المعركة نظر مصعب‪ ،‬فإذا بأخيه وقد أَسَ َرهُ أحد المسلمين اسمه " أبو اليَس َر " فالتفتَ‬
‫إليه‪ .‬وقال‪ :‬يا أبا ال َيسَر أشدد على أسيرك‪ ،‬فُأمّه غنية‪ ،‬وسوف تفديه بمال كثير‪.‬‬
‫فنظر إليه " أبو عزيز " وقال‪ :‬يا مصعب‪ ،‬أهذه وصاتك بأخيك‪ ،‬فقال له مصعب‪ :‬هذا أخي دونك‪.‬‬
‫فأخوة الدين واليمان أقوى وأمتن من أخوة النسب‪ ،‬وصدق ال تعالى حين قال‪ {:‬إِ ّنمَا ا ْل ُم ْؤمِنُونَ‬
‫خوَانَ الشّيَاطِينِ‪[ } ..‬السراء‪]27 :‬‬
‫خ َوةٌ‪[} ..‬الحجرات‪ ]10 :‬قوله‪ { :‬إِ ْ‬
‫إِ ْ‬
‫أي‪ :‬أن الحق تبارك وتعالى جعلهما شريكين في صفة واحدة هي التبذير والسراف‪ ،‬فإنْ كان‬
‫المبذّر قد أسرف في النفاق و َوضْع المال في غير حِلّه وفي غير ضرورة‪ .‬فإن الشيطانَ أسرف‬
‫في المعصية‪ ،‬فلم يكتفِ بأن يكون عاصيا في ذاته‪ ،‬بل عدّى المعصية إلى غيره وأغوى بها‬
‫وزيّنها؛ لذلك وصفه الحق سبحانه بقوله‪َ { :‬وكَانَ الشّ ْيطَانُ لِرَبّهِ كَفُورا } [السراء‪]27 :‬‬
‫ليس كافرا فحسب‪ ،‬بل (كفور) وهي صيغة مبالغة من الكفر؛ لنه كَفر وعمل على تكفير غيره‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫حمَةٍ مّن رّ ّبكَ تَرْجُوهَا‪.} ...‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ { :‬وَِإمّا ُتعْ ِرضَنّ عَ ْنهُمُ ابْ ِتغَآءَ رَ ْ‬

‫(‪)2040 /‬‬
‫حمَةٍ مِنْ رَ ّبكَ تَرْجُوهَا َف ُقلْ َلهُمْ َقوْلًا مَيْسُورًا (‪)28‬‬
‫وَِإمّا ُتعْ ِرضَنّ عَ ْنهُمُ ابْ ِتغَاءَ َر ْ‬

‫ن يكون العراض؟ فقد سبق الحديث عن الوالدين والقارب والمسكين وابن‬
‫عمّ ْ‬
‫ولنا أنْ نسأل‪َ :‬‬
‫السبيل‪ ،‬والعراض عن هؤلء ل يتناسب مع سياق الية لنه إعراض عن طاعة ال‪ ،‬بدليل قوله‪:‬‬
‫حمَةٍ مّن رّ ّبكَ تَرْجُوهَا‪[ } ..‬السراء‪]28 :‬‬
‫{ ابْ ِتغَآءَ رَ ْ‬
‫سعَته‪ .‬إذن‪ :‬العراض‬
‫فال تعالى في ذهنك‪ ،‬وتبتغي من وراء هذا العراض رحمة ال ورزقه و ِ‬
‫هنا ليس معصية أو مخالفة‪ .‬فماذا إذن الغرض من العراض هنا؟‬
‫نقول‪ :‬قد يأتيك قريب أو مسكين أو عابر سبيل ويسألك حاجة وأنت ل تملكها في هذا الوقت‬
‫فتخجل أنْ تواجهه بالمنع‪ ،‬وتستحي منه‪ ،‬فما يكون منك إل أنْ تتوجه إلى ربّك عز وجل وتطلب‬
‫منه ما يسدّ حاجتك وحاجة سائلك‪ ،‬وأن يجعل لك من هذا الموقف مَخْرجا‪.‬‬
‫ن تواجههم‪ ،‬وليس عندك ما يسدّ حاجتهم‪ ،‬وأنت في هذا‬
‫فالمعنى‪ :‬إما تُعرضنّ عنهم خجلً وحياءً أ ْ‬
‫الحال تلجأ إلى ال أنْ يرحمك رحمةً تسعك وتسعهم‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪َ { :‬فقُل ّلهُمْ َق ْولً مّيْسُورا } [السراء‪]28 :‬‬
‫ف َو َمغْفِ َرةٌ خَيْرٌ مّن صَ َدقَةٍ يَتْ َب ُعهَآ‬
‫كما قال في موضع آخر في مثل هذا الموقف‪َ {:‬قوْلٌ ّمعْرُو ٌ‬
‫أَذًى‪[} ..‬البقرة‪]263 :‬‬
‫فحتى في حال المنع يجب على المسلم أن يلتزم الدب‪ ،‬ول يجرح مشاعر السائل‪ ،‬وأنْ يردّه بلين‬
‫و ِرفْق‪ ،‬وأنْ يُظهر له الحياء والخجل‪ ،‬وألّ يتكبر أو يتعالى عليه‪ ،‬وأن يتذكر نعمة ال عليه بأنْ‬
‫جعله مسئولً ل سائلً‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالعبارات والعمال الصالحة في مثل هذا الموقف ل يكفي فيها أن تقول‪ :‬ما عندي‪ ،‬فقد‬
‫يتهمك السائل بالتعالي عليه‪ ،‬أو بعدم الهتمام به‪ ،‬والستغناء عنه‪ ،‬وهنا يأتي دور الرتقاءات‬
‫اليمانية والريحية للنفس البشرية التي تسمو بصاحبها إلى أعلى المراتب‪.‬‬
‫وتأمل هذا الرتقاء اليماني في قوله تعالى عن أصحاب العذار في الجهاد‪َ {:‬ولَ عَلَى الّذِينَ ِإذَا‬
‫حمُِلكُمْ عَلَيْهِ َتوَّلوْا وّأَعْيُ ُنهُمْ َتفِيضُ مِنَ ال ّد ْمعِ حَزَنا َألّ َيجِدُواْ مَا‬
‫ت لَ َأجِدُ مَآ َأ ْ‬
‫حمَِلهُمْ قُ ْل َ‬
‫مَآ أَ َت ْوكَ لِتَ ْ‬
‫يُ ْنفِقُونَ }[التوبة‪]92 :‬‬
‫هذه حكاية بعض الصحابة الذين أتوا رسول ال ليخرجوا معه إلى الجهاد‪ ،‬ويضعوا أنفسهم تحت‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أمره وتصرّفه‪ ،‬فإذا برسول ال صلى ال عليه وسلم يعتذر لهم‪ ،‬فليس لديه من الركائب ما يحملهم‬
‫عليه إلى الجهاد‪.‬‬
‫فماذا كان من هؤلء النفر المؤمنين؟ هل انصرفوا ولسان حالهم يقول‪ :‬لقد فعلنا ما علينا ويفرحون‬
‫بما انتهوا إليه؟ ل‪ ،‬بل‪َ {:‬توَّلوْا وّأَعْيُ ُنهُمْ َتفِيضُ مِنَ ال ّدمْعِ حَزَنا َألّ يَجِدُواْ مَا يُ ْن ِفقُونَ }[التوبة‪]92 :‬‬
‫وهكذا يرتقي اليمان بأهله‪ ،‬ويسمو بأصحابه‪ ،‬فإذا لم يقدروا على العمال النزوعية‪ ،‬فالعمال‬
‫ل من النفعال العاطفي المعبّر عن حقيقة اليمان الذي‬
‫القولية‪ ،‬فإذا لم يقدروا على هذه أيضا فل أق ّ‬
‫يفيض دمع الحزْن لضيق ذات اليد‪.‬‬
‫طهَا ُكلّ الْ َبسْطِ فَ َت ْقعُدَ مَلُوما‬
‫ك َولَ تَبْسُ ْ‬
‫ج َعلْ يَ َدكَ َمغْلُولَةً إِلَىا عُ ُنقِ َ‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪َ { :‬ولَ تَ ْ‬
‫مّحْسُورا }‪.‬‬

‫(‪)2041 /‬‬
‫طهَا ُكلّ الْ َبسْطِ فَ َت ْقعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (‪)29‬‬
‫ج َعلْ يَ َدكَ َمغْلُولَةً إِلَى عُ ُن ِقكَ وَلَا تَبْسُ ْ‬
‫وَلَا تَ ْ‬

‫تحدّث الحق سبحانه وتعالى في آية سابقة عن المبذّرين‪ ،‬وحذّرنا من هذه الصفة‪ ،‬وفي هذه الية‬
‫يقيم الحق سبحانه موازنة اقتصادية تحفظ للنسان سلمة حركته في الحياة‪.‬‬
‫ج َعلْ َي َدكَ َمغْلُولَةً إِلَىا عُ ُن ِقكَ‪[ } ..‬السراء‪]29 :‬‬
‫فقوله تعالى‪ { :‬وَلَ تَ ْ‬
‫واليد عادة تُستخدم في المنْح والعطاء‪ ،‬نقول‪ :‬لفلن يد عندي‪ ،‬وله عليّ أيادٍ ل ُتعَد‪ ،‬أي‪ :‬أن نعمه‬
‫عليّ كثيرة؛ لنها عادة تُؤدّي باليد‪ ،‬فقال‪ :‬ل تجعل يدك التي بها العطاء ( َمغْلُولَة) أي‪ :‬مربوطة‬
‫إلى عنقك‪ ،‬وحين تُقيّد اليد إلى العنق ل تستطيع النفاق‪ ،‬فهي هنا كناية عن ال ُبخْل والمساك‪.‬‬
‫سطِ‪[ } ..‬السراء‪]29 :‬‬
‫طهَا ُكلّ الْبَ ْ‬
‫وفي المقابل‪َ { :‬ولَ تَ ْبسُ ْ‬
‫فالنهي هنا عن كل البَسْط‪ ،‬إذن‪ :‬فيُباح بعض البسْط‪ ،‬وهو النفاق في حدود الحاجة والضرورة‪.‬‬
‫وبَسْط اليد كناية عن البَذْل والعطاء‪ ،‬وهكذا يلتقي هذا المعنى بمعنى كل من بذَر ومعنى بذّر الذي‬
‫سبق الحديث عنه‪.‬‬
‫فبذّر‪ :‬أخذ حفنة من الحبّ‪ ،‬وبَسَط بها يده مرة واحدة‪ ،‬فأحدثتْ كومةً من النبات الذي يأكل بعضه‬
‫بعضا‪ ،‬وهذا هو التبذير المنهيّ عنه‪ ،‬أما الخر صاحب الخبرة في عملية البذْر فيأخذ حفنة الحبّ‪،‬‬
‫ويقبض عليها بعض الشيء بالقدر الذي يسمح بتفلّت حبات التقاوي واحدة بعد الخرى‪ ،‬وعلى‬
‫مسافات متقاربة ومتساوية أي [بَذَرَ]‪.‬‬
‫وهذا هو حدّ العتدال المرغوب فيه من الشرع الحكيم‪ ،‬وهو الوسط‪ ،‬وكل طرفيه مذموم‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وقد أتى هذا المعنى أيضا في قول الحق سبحانه وتعالى‪ {:‬وَالّذِينَ ِإذَآ أَن َفقُواْ َلمْ يُسْ ِرفُو ْا وَلَمْ َيقْتُرُواْ‬
‫َوكَانَ بَيْنَ ذَِلكَ َقوَاما }[الفرقان‪]67 :‬‬
‫أي‪ :‬اعتدال وتوسّط‪.‬‬
‫إذن‪ :‬ل تبسط يدك كل ال َبسْط فتنفق كل ما لديْك‪ ،‬ولكن بعض البَسْط الذي يُبقِى لك سيئا تدخره‪،‬‬
‫ن ترتقيَ بحياتك‪.‬‬
‫وتتمكن من خلله أ ْ‬
‫وقد سبق أنْ أوضحنا الحكمة من هذا العتدال في النفاق‪ ،‬وقلنا‪ :‬إن النفاق المتوازن يُثري‬
‫حركة الحياة‪ ،‬ويُسهم في إنمائها ورُقيّها‪ ،‬على خلف القَبْض والمساك‪ ،‬فإنه يُعرقِل حركة الحياة‪،‬‬
‫وينتج عنه عطالة وبطالة وركود في السواق وكساد يفسد الحياة‪ ،‬ويعرق حركتها‪.‬‬
‫إذن‪ :‬ل بُدّ من النفاق لكي تساهم في سَيْر عجلة الحياة‪ ،‬ول بُد أن يكون النفاق معتدلً حتى تُبقِي‬
‫على شيء من َدخْلك‪ ،‬تستطيع أن ترتقي به‪ ،‬وترفع من مستواك المادي في دنيا الناس‪.‬‬
‫فالمبذر والمسْرف تجده في مكانه‪ ،‬ل يتقدم في الحياة خطوة واحدة‪ ،‬كيف وهو ل يُبقِي على‬
‫شيء؟ وبهذا التوجيه اللهي الحكيم نضمن سلمة الحركة في الحياة‪ ،‬ونُوفّر الرتقاء الجتماعي‬
‫والرتقاء الفردي‪.‬‬
‫ثم تأتي النتيجة الطبيعية للسراف والتبذير‪ { :‬فَ َت ْقعُدَ مَلُوما مّحْسُورا } [السراء‪]29 :‬‬
‫وسبق أنْ أوضحنا أن َوضْع القعود يدلّ على عدم القدرة على القيام ومواجهة الحياة‪ ،‬وهو َوضْع‬
‫يناسب مَنْ أسرف حتى لم َيعُدْ لديه شيء‪.‬‬
‫وكلمة } فَ َت ْقعُدَ { تفيد انتقاص حركة الحياة؛ لن حركة الحياة تنشأ من القيام عليها والحركة فيها؛‬
‫لذلك قال تعالى‪ {:‬لّ يَسْ َتوِي ا ْلقَاعِدُونَ مِنَ ا ْل ُم ْؤمِنِينَ غَيْرُ ُأوْلِي الضّرَ ِر وَا ْلمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ‪..‬‬
‫}[النساء‪]95 :‬‬
‫} مَلُوما { أي‪ :‬أتى بفعل يُلَم عليه‪ ،‬ويُؤنّب من أجله‪ ،‬وأول مَنْ يلوم المسرفَ أولدهُ وأهلُه‪،‬‬
‫وكذلك الممسِك البخيل‪ ،‬فكلهما مَلُوم لتصرّفه غير المتزن‪.‬‬
‫} مّحْسُورا { أي‪ :‬نادما على ما صِ ْرتَ فيه من العدم والفاقة‪ ،‬أو من قولهم‪ :‬بعير محسور‪ .‬أي‪ :‬ل‬
‫يستطيع القيام بحمله‪ .‬وهكذا المسرف ل يستطيع الرتقاء بحياته أو القيام بأعبائها وطموحاتها‬
‫المستقبل له ولولده من بعده‪.‬‬
‫ن قبضتَ كل القَبْض فأنت مَلُوم‪ ،‬وإنْ بسطتَ ُكلّ البسْط فتقعد محسورا عن طموحات الحياة‬
‫فإ ْ‬
‫التي ل َتقْوى عليها‪.‬‬
‫عقْباه في حياة الفرد والمجتمع‪ .‬إذن‪ :‬فما‬
‫إذن‪ :‬فكل الطرفين مذموم‪ ،‬ويترتب عليه سوء ل تُحمد ُ‬
‫القصد؟‬
‫القصد أن يسير النسان قواما بين السراف والتقتير‪ ،‬كما قال تعالى‪ {:‬وَالّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ ُيسْ ِرفُواْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وَلَمْ َيقْتُرُواْ َوكَانَ بَيْنَ ذَِلكَ َقوَاما }[الفرقان‪]67 :‬‬
‫فالقرآن يضع لنا دستورا حاسما وَسَطا ينظّم الحركة القتصادية في حياة المجتمع‪ ،‬فابْسُط يدك‬
‫بالنفاق لكي تساهم في سَيْر عجلة الحياة وتنشيط البيع والشراء‪ ،‬لكن ليس كل البسط‪ ،‬بل تُبقِي من‬
‫دخلك على شيء لتحقق طموحاتك في الحياة‪ ،‬وكذلك ل تمسك وتُقتّر على نفسك وأولدك‬
‫فيلومونك ويكرهون البقاء معك‪ ،‬وتكون عضوا خاملً في مجتمعك‪ ،‬ل تتفاعل معه‪ ،‬ول تُسهم في‬
‫إثراء حركته‪.‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى وهو صاحب الخزائن التي ل تنفذ‪ ،‬وهو القائل‪ {:‬مَا عِن َدكُمْ يَنفَ ُد َومَا عِندَ‬
‫اللّهِ بَاقٍ‪[} ..‬النحل‪]96 :‬‬
‫ولو أعطى سبحانه جميع خَلْقه ُكلّ ما يريدون ما نقص ذلك من مُلْكه سبحانه‪ ،‬كما قال في الحديث‬
‫القدسي‪ " :‬يا عبادي‪ ،‬لو أن أولكم وآخركم‪ ،‬وحيّكم وميتكم‪ ،‬وشاهدكم وغائبكم‪ ،‬وإنسكم وجنكم‪،‬‬
‫اجتمعوا في صعيد واحد‪ ،‬فسألني ُكلّ مسألته فأعطيتها له ما نقص ذلك مما عندي إل كمغرز إبرة‬
‫جوَاد واجد ماجد‪ ،‬عطائي كلم وعذابي كلم‪ ،‬إنما أمري‬
‫أحدكم إذا غمسه في البحر‪ ،‬ذلك أَنّي َ‬
‫لشيء إذا أردته أن أقول له كن فيكون "‪.‬‬
‫سطُ الرّزْقَ ِلمَن يَشَآ ُء وَ َيقْدِرُ إِنّهُ كَانَ ِبعِبَا ِدهِ خَبِيرا َبصِيرا {‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ } :‬إِنّ رَ ّبكَ يَبْ ُ‬

‫(‪)2042 /‬‬
‫سطُ الرّ ْزقَ ِلمَنْ يَشَا ُء وَيَقْدِرُ إِنّهُ كَانَ ِبعِبَا ِدهِ خَبِيرًا َبصِيرًا (‪)30‬‬
‫إِنّ رَ ّبكَ يَبْ ُ‬

‫ال الذي ل تنفد خزائنه يعطي خلْقه بقدَرٍ‪ ،‬فل يبسط لهم الرزق كل البَسْط‪ ،‬ول يقبضه عنهم ُكلّ‬
‫القَبْض‪ ،‬بل يبسط على قوم‪ ،‬ويقبض على آخرين لتسير حركة الحياة؛ لنه سبحانه لو بسط الرزق‬
‫ووسّعه على جميع الناس لستغنى الناس عن الناس‪ ،‬وحدثت بينهم مقاطعة تُفسد عليهم حياتهم‪.‬‬
‫إنما حركة الحياة تتطلب أنْ يحتاج صاحب المال إلى عمل‪ ،‬وصاحب العمل إلى مال‪ ،‬فتلتقي‬
‫حاجات الناس بعضهم لبعض‪ ،‬وبذلك يتكامل الناس‪ ،‬ويشعر كل عضو في المجتمع بأهميته ودوره‬
‫في الحياة‪.‬‬
‫وسبق أن ذكرنا أن الحق سبحانه لم يجعل إنسانا َمجْمعا للمواهب‪ ،‬بل المواهب مُوزّعة بين الخَلْق‬
‫جميعهم‪ ،‬فأنت صاحب موهبة في مجال‪ ،‬وأنا صاحب موهبة في مجال آخر وهكذا‪ ،‬ليظل الناس‬
‫يحتاج بعضهم لبعض‪.‬‬
‫فالغني صاحب المال الذي ربما تعالى بماله وتكبّر به على الناس يُحوِجه ال لقل المهن التي‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يستنكف أن يصنعها‪ ،‬ول بُدّ له منها لكي يزاول حركة الحياة‪.‬‬
‫والحق سبحانه ل يريد في حركة الحياة أن يتفضّل الناس على الناس‪ ،‬بل ل ُبدّ أن ترتبط مصالح‬
‫الناس عند الناس بحاجة بعضهم لبعض‪.‬‬
‫فإذا كان الحق تبارك وتعالى ل يبسط لعباده كل البَسْط‪ ،‬ول يقبض عنهم كل القَبْض‪ ،‬بل يقبض‬
‫ويبسط‪ ،‬فوراء ذلك حكمة ل تعالى بالغة؛ لذلك ارتضى هذا العتدال منهجا لعباده ينظم حياتهم‪،‬‬
‫وعلى العبد أن يرضى بما قُسِم له في الحالتين‪ ،‬وأن يسير في حركة حياته سَيْرا يناسب ما قدّره‬
‫ال له من الرزق‪.‬‬
‫يقول تعالى‪َ {:‬ومَن ُقدِرَ عَلَيْهِ رِ ْز ُقهُ فَلْيُنفِقْ ِممّآ آتَاهُ اللّهُ‪[} ..‬الطلق‪]7 :‬‬
‫ن ضُيّق عليه الرزق فلينفق على قَدْره‪ ،‬ول يتطلع إلى ما هو فوق قدرته وإمكاناته‪ ،‬وهذه‬
‫أي‪ :‬مَ ْ‬
‫نظرية اقتصادية تضمن للنسان الراحة في الدنيا‪ ،‬وتوفر له سلمة العيش‪.‬‬
‫ورحم ال امرءا عرف قَدْر نفسه؛ لن الذي يُ ْتعِب الناس في الحياة ويُشقيهم أن ترى الفقير الذي‬
‫ضُيّق عليه في الرزق يريد أنْ يعيشَ عيشة الموسّع عليه رزقه‪ ،‬ويتطلّع إلى ما فضّل ال به غيره‬
‫عليه‪.‬‬
‫فلو تصورنا مثلً زميلين في عمل واحد يتقاضيان نفس الراتب‪:‬‬
‫سعَةٍ من العيش قد يأخذ من أبيه فوق راتبه‪.‬‬
‫ي وفي َ‬
‫الول‪ :‬غن ّ‬
‫والخر‪ :‬فقير ربما يساعد أباه في نفقات السرة‪.‬‬
‫فإذا دخل محلً لشراء شيء ما‪ ،‬فعلى الفقير ألّ ينظر إلى َوضْعه الوظيفي‪ ،‬بل إلى وضعه‬
‫ومستواه المادي‪ ،‬فيشتري بما يتناسب معه‪ ،‬ول يطمع أن يكون مثل زميله؛ لن لكل منهما قدرةً‬
‫وإمكانية يجب ألّ يخرج عنها‪.‬‬
‫هذه هي النظرية القتصادية الدقيقة‪ ،‬والتصرّف اليماني المتزن؛ لذلك فالذي يحترم قضاء ال‬
‫ويَ ْرضَى بما قَسَمه له ويعيش في نطاقه غير متمرد عليه‪ ،‬يقول له الحق سبحانه‪ :‬لقد رضيت‬
‫بقدري فيك فسوف أرفعك إلى قدري عندك‪ ،‬ثم يعطيه ويُوسّع عليه بعد الضيق‪.‬‬
‫وهذا مُشَاهَد لنا في الحياة‪ ،‬والمثلة عليه واضحة‪ ،‬فكم من أُناس كانوا في فقر وضيق عيش‪ ،‬فلما‬
‫سعَة وتَرَف‪.‬‬
‫َرضُوا بما َقسَمه ال ارتقتْ حياتهم وتبدّل حالهم إلى َ‬
‫فالحق سبحانه يبسط الرزق لمَنْ يشاء ويقدر؛ لنه سبحانه يريد أن يضع النسانُ نفسه دائما في‬
‫مقام الخلفة في الرض‪ ،‬ول ينسى هذه الحقيقة‪ ،‬فيظن أنه أصيل فيها‪.‬‬
‫والخيبة كل الخيبة أن ينسى النسان أنه خليفة ل في الرض‪ ،‬ويسير في حركة الحياة على أنه‬
‫أصيل في الكون‪ ،‬فأنت فقط خليفة لمن استخلفك‪َ ،‬ممْدود ِممّنْ أمدّك‪ ،‬فإياك أنْ تغتر‪ ،‬وإياك أنْ‬
‫تعيش في مستوى فوق المستوى الذي قدّره ال لك‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ضلّ الكون كله؛ لن ال تعالى جعل الدنيا أغيارا وجعلها ُد َولً‪ ،‬فالذي‬
‫فإن اعتبرتَ نفسك أصيلً َ‬
‫وُسّع عليه اليوم قد يُضيّق عليه غدا‪ ،‬والذي ضُيّق عليه اليوم قد يُوسّع عليه غدا‪.‬‬
‫وهذه سُنة من سُنَنَ ال في خَلْقه لِيَدكّ في النسان غرور الستغناء عن ال‪.‬‬
‫فلو متّع الُله النسانَ بالغنى دائما لما استمتع الكون بلذة‪ :‬يا رب ارزقني‪ ،‬ولو متّعة بالصحة دائما‬
‫لما استمتع الكون بلذة‪ :‬يا رب اشفني‪ .‬لذلك يظل النسان موصولً بالمنعِم سبحانه محتاجا إليه‬
‫داعيا إياه‪.‬‬
‫طغَىا * أَن رّآهُ اسْ َتغْنَىا }[العلق‪]7-6 :‬‬
‫ن الِنسَانَ لَ َي ْ‬
‫وقد قال تعالى‪ {:‬كَلّ إِ ّ‬
‫فالحاجة هي التي تربط النسان بربه‪ ،‬وتُوصله به سبحانه‪.‬‬
‫فالبَسْط والتضييق من ال تعالى له حكمة‪ ،‬فل يبسط لهم الرزق كل البسط‪ ،‬فيعطيهم ُكلّ ما‬
‫يريدون‪ ،‬ول يقبض عنهم كل القبض فيحرمهم ويُريهم ما يكرهون‪ ،‬بل يعطي بحساب وبقدر؛‬
‫سطَ اللّهُ الرّزْقَ ِلعِبَا ِدهِ لَ َب َغوْاْ فِي الَرْضِ‬
‫لتستقيم حركة الحياة‪ ،‬كما قال تعالى في آية أخرى‪ {:‬وََلوْ بَ َ‬
‫وَلَـاكِن يُنَ ّزلُ ِبقَدَرٍ مّا َيشَآءُ‪[} ..‬الشورى‪]27 :‬‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬إِنّهُ كَانَ ِبعِبَا ِدهِ خَبِيرا َبصِيرا { [السراء‪]30 :‬‬
‫لن الحق سبحانه لو لم يوزع الرزق هذا التوزيع الحكيم لختلّ ميزان العالم‪ ،‬فَمنْ بُسِط له‬
‫يستغني عن غيره فيما بُسِط له فيه‪ ،‬ومَنْ ضُيِق عليه يتمرد على الكون ويحقد على الناس‪،‬‬
‫ويحسدهم ويعاديهم‪.‬‬
‫إنما إذا علم الجميع أن هذا بقدر ال وحكمته فسوف يظل الكون المخلوق موصولً بالمُكوّن الخالق‬
‫سبحانه‪.‬‬
‫وفي قوله‪ } :‬إِنّ رَ ّبكَ‪[ { ..‬السراء‪]30 :‬‬
‫ملمح لطيف‪ :‬أي ربك يا محمد وأنت أكرم الخلق عليه‪ ،‬ومع ذلك َبسَط لك حتى صِرْت تعطي‬
‫ن ل يخشى الفقر‪ ،‬وقبض عنك حتى تربط الحجر على بطنك من الجوع‪.‬‬
‫عطاء مَ ْ‬
‫فإن كانت هذه حاله صلى ال عليه وسلم فل يستنكف أحد منا إنْ ضيّق ال عليه الرزق‪ ،‬ومَنْ منّا‬
‫ربط الحجر على بطنه من الجوع؟!‬
‫وبعد أنْ حدّثنا الحق سبحانه عن فرع من فروع الحياة وهو المال‪ ،‬ورسم لنا المنهج الذي تستقيم‬
‫الحياة به ويسير النسان به سيرا يُحقّق له العيش الكريم والحياة السعيدة‪ ،‬ويضمن له الرتقاءات‬
‫والطموحات التي يتطلع إليها‪.‬‬
‫أراد سبحانه أن يُحدّثنا عن الحياة في أصلها‪ ،‬فأمر باستبقاء النسل‪ ،‬ونهى عن قتله فقال تعالى‪} :‬‬
‫خشْيَةَ ِإمْلقٍ‪.{ ...‬‬
‫وَلَ َتقْتُلُواْ َأوْل َد ُكمْ َ‬

‫(‪)2043 /‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫خطْئًا كَبِيرًا (‪)31‬‬
‫خشْيَةَ ِإمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْ ُز ُق ُه ْم وَإِيّاكُمْ إِنّ قَتَْلهُمْ كَانَ ِ‬
‫وَلَا َتقْتُلُوا َأوْلَا َد ُكمْ َ‬

‫وواضحٌ الصلة بين هذه الية وسابقتها؛ لن الكلم هنا ما يزال في الرزق‪ ،‬والخالق سبحانه‬
‫يُحذّرنا‪ :‬إياكم أنْ تُدخِلوا مسألة الرزق في حسابكم؛ لنكم لم تخلقوا أنفسكم‪ ،‬ولم تخلقوا أولدكم ول‬
‫ذريتكم‪.‬‬
‫بل الخالق سبحانه هو الذي خلقكم وخلقهم‪ ،‬وهو الذي استدعاكم واستدعاهم إلى الوجود‪ ،‬وما دام‬
‫هو سبحانه الذي خلق‪ ،‬وهو الذي استدعى إلى الوجود فهو المتكفّل برزق الجميع‪ ،‬فإياك أنْ تتعدّى‬
‫اختصاصك‪ ،‬وتُدخِل أنفك في هذه المسألة‪ ،‬وخاصة إذا كانت تتعلق بالولد‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ { :‬وَلَ َتقْتُلُواْ َأوْل َد ُكمْ‪[ } ..‬السراء‪]31 :‬‬
‫القتل‪ :‬إزهاق الحياة‪ ،‬وكذلك الموت‪ .‬ولكن بينهما فَرْق يجب ملحظته‪:‬‬
‫فالقتل‪ :‬إزهاق الحياة ب َنقْض البِنْية؛ لن النسان يتكوّن من بنية بناها الخالق سبحانه وتعالى‪ ،‬وهي‬
‫أجهزة الجسم‪ ،‬ثم يعطيها الروح فتنشأ فيها الحياة‪.‬‬
‫فإذا ضرب إنسانٌ إنسانا آخر على رأسه مثلً‪ ،‬فقد يتلف مخه فتنتهي حياته‪ ،‬لكن تنتهي بنقْض‬
‫البنية التي بها الحياة‪ ،‬لن الروح ل تبقى إل في جسم له مواصفات خاصة‪ ،‬فإذا ما تغيرت هذه‬
‫الصفات فارقتْه الروح‪.‬‬
‫ف أعضاؤه‪ ،‬فالموت يتم في‬
‫أما الموت‪ :‬فيبدأ بمفارقة الروح للجسد‪ ،‬ثم تُنقَض بنيته بعد ذلك‪ .‬وتتَل ُ‬
‫سلمة العضاء‪.‬‬
‫وما أشبه هذه المسألة بلمبة الكهرباء التي ل تُضيء‪ ،‬إل إذا توافرتْ لها مواصفات خاصة‪ :‬من‬
‫مُولّد أو مصدر للكهرباء‪ ،‬وسلك مُوصلً ولمبة كهرباء‪ ،‬فإذا كُس َرتْ هذه اللمبة يذهب النور‪ ،‬لماذا؟‬
‫ل في قلب‬
‫صوّب واحد رصاصة مث ً‬
‫لنك نقضتَ شيئا أساسيا في عملية النارة هذه‪ .‬وكذلك إذا َ‬
‫الخر فإنه يموت وتفارقه الروح؛ لنك نقضْتَ عنصرا أساسيا من بنية النسان‪ ،‬ول تستمر‬
‫الروح في جسده بدونها‪.‬‬
‫لذلك ليس في الشرع عقوبة على الموت ـ ونقصد به هنا الموت الطبيعي الذي يبدأ بخروج‬
‫الروح من الجسد ـ لكن توجد عقوبة على القتل‪ ،‬وقد قال النبي صلى ال عليه وسلم‪ " :‬ملعون‬
‫من هدم بنيان ال "‪.‬‬
‫لن حياة كل منا هي بناء أقامه الخالق تبارك وتعالى‪ ،‬وهو مِلْك لخالقه ل يجوز حتى لصاحبه أن‬
‫ينقضه‪ ،‬وإل فلماذا حرّم السلمُ النتحار‪ ،‬وجعله كفرا بال؟!‬
‫إذن‪ :‬المنهي عنه في الية القتل؛ لنه من عمل البشر‪ ،‬وليس الموت‪ .‬وقد أوضح القرآن الكريم‬
‫سلُ أَفإِنْ مّاتَ َأوْ قُ ِتلَ ا ْنقَلَبْتُمْ‬
‫حمّدٌ ِإلّ َرسُولٌ َقدْ خََلتْ مِن قَبِْلهِ الرّ ُ‬
‫هذه المسألة في قوله تعالى‪َ {:‬ومَا مُ َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عقَا ِبكُمْ }[آل عمران‪]144 :‬‬
‫عَلَىا أَ ْ‬
‫فالقتل غير الموت‪ ،‬القتل اعتداء على بِنْية إنسان آخر و َهدْم لها‪ .‬وقوله تعالى‪َ { :‬أوْل َدكُمْ‪} ..‬‬
‫[السراء‪]31 :‬‬
‫الولد تُطلق على الذكَر والنثى‪ ،‬ولكن المشهور في استقصاء التاريخ أنهم كانوا يَئدون البنات‬
‫خاصة دون الذكور‪ ،‬وفي القرآن الكريم‪ {:‬وَِإذَا ا ْل َموْءُو َدةُ سُئَِلتْ * بَِأىّ ذَنبٍ قُتَِلتْ }[التكوير‪]9-8 :‬‬
‫عوْنا وعُ ّد ًة في ُمعْترك الحياة‪ ،‬وما يملؤها من‬
‫لنهم في هذه العصور كانوا يعتبرون الذكور َ‬
‫هجمات بعضهم على بعض‪ ،‬كما يَروْن فيهم العِزْوة والمتداد‪.‬‬
‫ظلّ الفقر وال َعوَزِ والحاجة‪ ،‬فلربما يستميل‬
‫في حين يعتبرون البنات مصدرا للعار‪ ،‬خاصة في ِ‬
‫البنت ذو غِنىً إلى شيء من المكروه في عِرْضها‪ ،‬وبهذا الفهم يؤول المعنى إلى الرزق أيضا‪.‬‬
‫وقوله‪ } :‬خَشْيَةَ ِإمْلقٍ‪[ { ..‬السراء‪]31 :‬‬
‫خوْفا من الفقر‪ ،‬والملق‪ :‬مأخوذة من مَلَق وتملّق‪ ،‬وكلها تعود إلى الفتقار؛ لن النسان ل‬
‫أي‪َ :‬‬
‫يتملّق إنسانا إل إذا كان فقيرا لما عنده محتاجا إليه‪ ،‬فيتملّقه ليأخذ منه حاجته‪.‬‬
‫وقوله‪ } :‬نّحْنُ نَرْ ُز ُقهُ ْم وَإِيّاكُم‪[ { ..‬السراء‪]31 :‬‬
‫وفي هذه الية مَلْمح لطيف يجب التنّبه إليه و َفهْمه لنتمكن من الردّ على أعداء القرآن الذين‬
‫يتهمونه بالتناقض‪.‬‬
‫الحق سبحانه وتعالى يقول هنا‪ } :‬خَشْ َيةَ ِإمْلقٍ‪[ { ..‬السراء‪]31 :‬‬
‫خوْفا من الفقر‪ ،‬فالفقر ـ إذن ـ لم يَ ْأتِ بعد‪ ،‬بل هو مُحْتمل الحدوث في مستقبل اليام‪،‬‬
‫أي‪َ :‬‬
‫فالرزق موجود وميسور‪ ،‬فالذي يقتل أولده في هذه الحالة غير مشغول برزقه‪ ،‬بل مشغول برزق‬
‫أولده في المستقبل؛ لذلك جاء الترتيب هكذا‪ } :‬نّحْنُ نَرْ ُز ُقهُمْ‪[ { ..‬السراء‪]31 :‬‬
‫أولً‪ :‬لن المولود يُولَد ويُولَد معه رزقه‪ ،‬فل تنشغلوا بهذه المسألة؛ لنها ليستْ من اختصاصكم‪.‬‬
‫ثم‪ } :‬وَإِيّاكُم‪[ { ..‬السراء‪]31 :‬‬
‫أي‪ :‬أن رِزْق هؤلء البناء مُقدّم على رزقكم أنتم‪ ،‬ويمكن أن ُيفْهَم المعنى على أنه‪ :‬ل تقتلوا‬
‫خوْفا من الفقر‪ ،‬فنحن نرزقكم من خللهم‪ ،‬ومن أجلهم‪.‬‬
‫أولدكم َ‬
‫ونهت ّم بتوضيح هذه المسألة؛ لن أعداء الدين الذين يُنقّبون في القرآن عن مَأْخذ يروْنَ تعارضا أو‬
‫لقٍ نّحْنُ نَرْ ُز ُقكُمْ‬
‫تكرارا بين هذه الية التي معنا وبين آية أخرى تقول‪َ {:‬ولَ َتقْتُلُواْ َأ ْولَ َدكُمْ مّنْ إمْ َ‬
‫وَإِيّاهُمْ‪[} ..‬النعام‪]151 :‬‬
‫ونقول لهؤلء‪ :‬لقد استقبلتم السلوب القرآني بغير المَلكَة العربية في َفهْمه‪ ،‬فأسلوب القرآن ليس‬
‫صناعة جامدة‪ ،‬بل هو أسلوب بليغ يحتاج في َفهْمه وتدبّره إلى َذوْق وحِسّ لُغويّ‪.‬‬
‫وإذا استقبلتم كلم ال استقبالً سليما فلن تجدوا فيه تعارضا ول تكرارا‪ ،‬فليست الولى أبلغَ من‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الثانية‪ ،‬ول الثانية أبل َغ من الولى‪ ،‬بل كل آية بليغة في موضوعها؛ لن اليتين وإنْ تشابهتَا في‬
‫النظرة العَجْلَى لكنْ بينهما فَرْق في المعنى كبير‪ ،‬فآية السراء تقول‪ } :‬نّحْنُ نَرْ ُز ُقهُ ْم وَإِيّاكُم‪..‬‬
‫{ [السراء‪]31 :‬‬
‫وقد أوضحنا الحكمة من هذا الترتيب‪ :‬نرزقهم وإياكم‪.‬‬
‫أما في آية النعام‪ {:‬نّحْنُ نَرْ ُز ُق ُك ْم وَإِيّاهُمْ‪[} ..‬النعام‪]151 :‬‬
‫فل بُدّ أن نلحظَ أن للية صدرا وعَجُزا‪ ،‬ول يصح أن تفهم أحدهما دون الخر‪ ،‬بل ل بُدّ أن‬
‫تجمع في َفهْم الية بين صدرها وعجزها‪ ،‬وسوف يستقيم لك المعنى ويُخرجك من أي إشكال‪.‬‬
‫ي اليتين‪ ،‬وأغفلوا صَدريهما‪ ،‬ولو كان الصدر واحدا‬
‫وما حدث من هؤلء أنهم نظروا إلى عَجُ َز ْ‬
‫ن صَدْري اليتين مختلفان‪:‬‬
‫في اليتين لكان لهم حق فيما ذهبوا إليه‪ ،‬ولك ّ‬
‫الولى‪ } :‬خَشْ َيةَ ِإمْلقٍ‪[ { ..‬السراء‪]31 :‬‬
‫والخرى‪:‬‬
‫لقٍ‪[} ..‬النعام‪]151 :‬‬
‫{ مّنْ إمْ َ‬
‫والفرْق واضح بين التعبيرين‪ :‬فالول‪ :‬الفقر غير موجود؛ لن الخشية من الشيء دليل أنه لم‬
‫يحدث‪ ،‬ولكنه مُتوقّع في المستقبل‪ ،‬وصاحبه ليس مشغولً برزقه هو‪ ،‬بل برزق مَنْ يأتي من‬
‫أولده‪.‬‬
‫لقٍ‪[} ..‬النعام‪]151 :‬‬
‫أما التعبير الثاني‪ {:‬مّنْ إمْ َ‬
‫فالفقر موجود وحاصل فعلً‪ ،‬والنسان هنا مشغول برزقه هو ل برزق المستقبل‪ ،‬فناسب هنا أنْ‬
‫يُقدّم الباء في الرزق عن البناء‪.‬‬
‫وما دام الصّدْر مختلفا‪ ،‬فل بُدّ أن يختلف ال َعجُز‪ ،‬فأيْنَ التعارضُ إذن؟ وهناك مِ ْلحَظٌ آخر في الية‬
‫طبٌ به الجمع‪َ } :‬ولَ َتقْتُلُواْ َأوْل َدكُمْ‪[ { ..‬السراء‪]31 :‬‬
‫الكريمة‪ ،‬وهو أن النهي مُخَا َ‬
‫فالفاعل جمع‪ ،‬والمفعول به جمع‪ ،‬وسبق أن قلنا‪ :‬إن الجمع إذا قُوبل بالجمع تقتضي القسمة آحادا‪،‬‬
‫فالمعنى‪ :‬ل يقتل كل واحد منكم ولده‪ .‬كما يقول المعلم للتلميذ‪ :‬أخرجوا كُتبكم‪ ،‬والمقصود أنْ‬
‫يُخرج كل تلميذ كتابه‪.‬‬
‫ن يقتل البُ ولد‬
‫خوْفا من الفقر‪ ،‬لكنها ل تمنع أ ْ‬
‫ل الب ولده َ‬
‫ن يقت َ‬
‫فإنْ قال قائل‪ :‬إن الية تنهي أ ْ‬
‫غيره مجاملةً له‪ ،‬وهو الخر يقتل ولد غيره مجاملة له‪.‬‬
‫نقول‪ :‬ل‪ ..‬لن معنى الية ألّ يقتل كل الباء كل الولد‪ ،‬فينسحب المعنى على أولدي وأولد‬
‫غيري‪ ،‬وهذا هو المراد بمقابلة الجمع بالجمع‪ .‬أما لو قُلْنا‪ :‬إن المعنى‪ :‬تجاملني وتقتل لي ابني‪،‬‬
‫وأجاملك وأقل لك ابنك‪ ،‬فهذا ل يستقيم؛ لن المقابلة هنا ليس مقابلة جمع بجمع‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬إنّ قَتَْلهُمْ كَانَ خِطْئا كَبِيرا { [السراء‪]31 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫خطْئا مثل خطأ‪ ،‬وهو الثم والذنب العظيم‪ .‬وتأتي بالكسر وبالفتح كما نقول‪ :‬خُذوا حِذْركم‪ ،‬وخذوا‬
‫ِ‬
‫حَذرَكم‪.‬‬
‫وكلمة‪ } :‬خِطْئا‪[ { ..‬السراء‪]31 :‬‬
‫الخاء والطاء والهمزة تدل على عدم موافقة الصواب‪ ،‬لكن مرة يكون عدم موافقة الصواب لنك‬
‫لم تعرف الصواب‪ ،‬ومرة أخرى لم توافق الصواب لنك عرفتَ الصواب‪ ،‬ولكنك تجاوزْتَه‪.‬‬
‫فالمعلّم حينما يُصوّب للتلميذ أخطاءهم أثناء العام الدراسي نجده يُوضّح للتلميذ ما أخطأ فيه‪ ،‬ثم‬
‫يُصوّب له هذا الخطأ‪ ،‬وهو لم يفعل ذلك إل بعد أن أعلمَ تلميذه بالقاعدة التي يسير عليها‪ ،‬ولكن‬
‫التلميذ قد يغفل عن هذه القاعدة فيقع في الخطأ‪.‬‬
‫خطَأه ونُرشده؛ لنه ما يزال في زمن الدرس والتعلّم والترويض‬
‫وهنا ل مانع أنْ نُصوّب له َ‬
‫والتدريب‪.‬‬
‫لكن المر يختلف إنْ كانت هذه السئلة في امتحان آخر العام‪ ،‬فالمعلّم يُبيّن الخطأ‪ ،‬ولكنه ل‬
‫يُصحّحه‪ ،‬بل يُقدّره بالدرجات التي تُحسَب على التلميذ‪ ،‬وتنتهي المسألة بالنجاح ِلمَنْ أصاب‪،‬‬
‫وبالفشل لمن أخطأ؛ لن آخر العام أصبح لديه قواعد مُلْزمة‪ ،‬عليه أنْ يسيرَ عليها‪.‬‬
‫وكلمة (خطْئا أو خطأ) مأخوذة من خطا خطوة‪ ،‬وتعني النتقال بالحركة‪ ،‬فإذا كان الصواب هو‬
‫الشيء الثابت الذي اس ُتقِرّ عليه وتعارف الناس عليه‪ ،‬ثم تجاوزتَه وانتقلتَ عنه إلى غيره‪ ،‬فهذا هو‬
‫الخطأ أي‪ :‬الخطوة التي جعلتك تتجاوز الصواب‪.‬‬
‫ومنه قوله تعالى‪:‬‬
‫طوَاتِ الشّيْطَانِ‪[} ..‬البقرة‪]168 :‬‬
‫{ َولَ تَتّ ِبعُواْ خُ ُ‬
‫لنه ينقلكم عن الشيء الثابت المستقر في شريعة ال‪.‬‬
‫والشيء الثابت هنا هو أن الخالق سبحانه خلق النسان وكرّمه ليكون خليفة له في الرض‬
‫ليعمرها‪ ،‬ويقيم فيها بمنهج الخالق سبحانه‪ ،‬فكيف يستخلفك الخالق سبحانه‪ ،‬وتأتي أنت لتقطع هذا‬
‫الستخلف بما تُحدِثه من قَتْل الولد‪ ،‬وهم بذُور الحياة في المستقبل؟‬
‫حتى لو أخذنا بقول مَنْ ذهب إلى أن } َأوْل َدكُمْ { المراد بها البنون دون البنات‪ ،‬وسَلّمنا معه جدلً‬
‫أنك تُميت البنات‪ ،‬وتُبقى على الذكور‪ ،‬فما الحال إذا كَبِر هؤلء الذكور وطلبوا الزواج؟! وكيف‬
‫يستمر النسل بذكر دون أنثى؟!‬
‫إذن‪ :‬هذا فَهْمٌ ل يستقيم مع الية الكريمة‪ ،‬لن النهي هنا عن قتل الولد‪ ،‬وهم البنون والبنات‬
‫معا‪.‬‬
‫خطْئا كَبِيرا { [السراء‪]31 :‬‬
‫وقد وصف الحق سبحانه الخطأ هنا بأنه كبير‪ ،‬فقال‪ِ } :‬‬
‫ذلك لنه خطأ من جوانب مُتعدّدة‪:‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أولهما‪ :‬أنك بالقتل هدمتَ بنيان ال‪ ،‬ول يهدم بنيان ال إل ال‪.‬‬
‫ثانيها‪ :‬أنك قطعت سلسلة التناسل في الرض‪ ،‬وقضيتَ على الخلفة التي استخلفها ال في‬
‫الرض‪.‬‬
‫ثالثها‪ :‬أنك تعديتَ على غريزة العطف والحنان؛ لن ولدك بعض مِنْك‪ ،‬وقتله يُجرّدك من كل‬
‫معاني الُبُوة والرحمة‪ ،‬بل والنسانية‪.‬‬
‫وهكذا وضع الحق سبحانه لنا ما يضمن بقاء النسل واستمرار خلفة النسان ل في أرضه‪ ،‬بأنْ‬
‫ن يقتلوا كل الولد‪.‬‬
‫نهى كل والد أن يقتلَ ولده‪ ،‬ونهى كل الباء أ ْ‬
‫حشَ ًة وَسَآءَ سَبِيلً {‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪َ } :‬ولَ َتقْرَبُواْ الزّنَىا إِنّهُ كَانَ فَا ِ‬

‫(‪)2044 /‬‬
‫حشَ ًة وَسَاءَ سَبِيلًا (‪)32‬‬
‫وَلَا َتقْرَبُوا الزّنَا إِنّهُ كَانَ فَا ِ‬

‫بعد أن تحدّث الحق سبحانه عما يحفظ النسل ويستبقي خلفة ال في الرض‪ ،‬أراد سبحانه أن‬
‫يحمي هذا النسل من الضياع‪ ،‬ويوفر له الحياة الكريمة‪ .‬والنسان منّا حينما يُرزَق بالولد أو البنت‬
‫يطير به فَرحا‪ ،‬ويُؤثِره على نفسه‪ ،‬ويُخرج اللقمة من فيه ليضعها في فم ولده‪ ،‬ويسعى جاهدا‬
‫ليُوفّر له رفاهية العيش‪ ،‬ويُؤمّن له المستقبل المُ ْرضِي‪ ،‬وصدق الشاعر حين قال‪:‬إنما َأوْلَدُنَا‬
‫أكبادُناَ تمشي عَلَى الَ ْرضِإنْ هَ ّبتْ الريحُ على َبعْضـهِم امتن َعتْ عَيْني عَنِ ال ُغ ْمضِلكن هذا النظام‬
‫التكافليّ الذي جعله الحق سبحانه عمادا تقوم عليه الحياة السرية سرعان ما ينهار من أساسه إذا‬
‫ما َدبّ الشكّ إلى قلب الب في نسبة هذا الولد إليه‪ ،‬فتتحوّل حياته إلى جحيم ل ُيطَاق‪ ،‬وصراع‬
‫طعْن في ذاته هو‪.‬‬
‫داخلي مرير ل يستطيع مواجهته أو النطق به؛ لنه َ‬
‫لذلك يُحذّرنا الحق ـ تبارك وتعالى ـ من هذه الجريمة النكْراء؛ ليحفظ على الناس أنسابهم‪،‬‬
‫ويطمئن كل أب إلى نسبة أبنائه إليه‪ ،‬فيحنو عليهم ويرعاهم‪ ،‬ويستعذب ألم الحياة ومتاعبها في‬
‫سبيل راحتهم‪.‬‬
‫فيقول تعالى‪َ { :‬ولَ َتقْرَبُواْ الزّنَىا‪[ } ..‬السراء‪]32 :‬‬
‫والمتأمل في آي القرآن الكريم يجد أن الحق سبحانه حينما يُكلّمنا عن الوامر يُذيّل المر بقوله‬
‫حدُودُ اللّهِ فَلَ َتعْتَدُوهَا‪[} ..‬البقرة‪]229 :‬‬
‫تعالى‪ {:‬تِ ْلكَ ُ‬
‫والحديث هنا عن أحكام الطلق‪ ،‬فقد وضع له الحق سبحانه حدودا‪ ،‬وأمرنا أن نقف عندها ل‬
‫نتعداها‪ ،‬فكأنه سبحانه أوصلنا إلى هذا الحد‪ ،‬والممنوع أن نتعداه‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وأما في النواهي‪ ،‬فيُذيلها بقوله‪ِ {:‬ت ْلكَ حُدُودُ اللّهِ فَلَ َتقْرَبُوهَا‪[} ..‬البقرة‪]187 :‬‬
‫ل نصلَ إلى الح ّد المنهي‬
‫والنهي هنا عن مباشرة النساء حال العتكاف‪ ،‬وكأن الحق سبحانه يريد أ ّ‬
‫عنه‪ ،‬وأنْ يكون بيننا وبينه مسافة‪ ،‬فقال { فَلَ َتقْرَبُوهَا } لنظلّ على ُبعْدٍ من النواهي‪ ،‬وهذا احتياط‬
‫واجب حتى ل نقتربَ من المحظور فنقع فيه‪.‬‬
‫وقد قال النبي صلى ال عليه وسلم‪ " :‬من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه "‪.‬‬
‫ن يقتربَ من المحظور؛ لن له بريقا‬
‫فالحق سبحانه خالق النسان‪ ،‬وهو أعلم به ل يريد له أ ْ‬
‫وجاذبية كثيرا ما يضعف النسان أمامها؛ لذلك نهاه عن مجرد القتراب‪ ،‬وفَرْقٌ بين الفعل وقُرْبان‬
‫الفعل‪ ،‬فالمحرّم المحظور هنا هو ال ِفعْل نفسه‪ ،‬فلماذا إذن حرّم ال القتراب أيضا‪ ،‬وحذّر منه؟‬
‫نقول‪ :‬لن ال تعالى يريد أنْ يرحَم عواطفك في هذه المسألة بالذات‪ ،‬مسألة الغريزة الجنسية‪،‬‬
‫ح ْمتَ حولها توشك أن تقعَ فيها‪ ،‬فالبتعاد عنها وعن أسبابها أسلَمُ‬
‫وهي أقوى غرائز النسان‪ ،‬فإنْ ُ‬
‫لك‪.‬‬
‫وحينما تكلّم العلماء عن مظاهر الشعور والعلم قسّموها إلى ثلث مراحل‪ :‬الدراك‪ ،‬ثم الوجدان‪،‬‬
‫ثم النزوع‪.‬‬
‫فلو فرضنا أنك تسير في بستان فرأيتَ به وردة جميلة‪ ،‬فلحظة أنْ نظرتَ إليها هذا يُسمّى "‬
‫الدراك "؛ لنك أدركتَ وجودها بحاسة البصر‪ ،‬ولم يمنعك أحد من النظر إليها والتمتّع بجمالها‪.‬‬
‫فإذا ما أعجبتك وراقك منظرها واستقر في نفسك حُبّها فهذا يسمى " الوجدان " أي‪ :‬النفعال‬
‫الداخلي لما رأيتَ‪ ،‬فإذا مددتَ يدك لتقطفها فهذا " نزوع " أي‪ :‬عمل فعلي‪.‬‬
‫ففي أي مرحلة من هذه الثلث يتحكّم الشرع؟‬
‫الشرع يتحكم في مرحلة النزوع‪،‬ول يمنعك من الدراك‪ ،‬أو من الوجدان‪ ،‬إل في هذه المسألة "‬
‫مسألة الغريزة الجنسية " فل يمكن فيها َفصْل النزوع عن الوجدان‪ ،‬ول الوجدان عن الدراك‪،‬‬
‫فهي مراحل ملتحمة ومتشابكة‪ ،‬بحيث ل تقوى النفس البشرية على الفَصْل بينها‪.‬‬
‫فإذا رأى الرجل امرأة جميلة‪ ،‬فإن هذه الرؤية سرعان ما تُولّد إعجابا وميلً‪ ،‬ثم عِشْقا وغريزة‬
‫ع ويُلبي نداء غريزته‪ ،‬فيقع‬
‫عنيفة تدعوه أنْ تمتدّ يده‪ ،‬ويتولد النزوع الذي نخافه‪ ،‬وهنا إما أنْ ينز َ‬
‫المحرم‪ ،‬وإما أنْ يعف ويظل يعاني مرارة الحرمان‪.‬‬
‫والخالق سبحانه أعلم بطبيعة خَلْقه‪ ،‬وبما يدور ويختلج داخلهم من أحاسيس ومشاعر؛ لذلك لم‬
‫يُحرّم الزنا فحسب‪ ،‬بل حرّم كل ما يؤدي إليه بداية من النظر‪ ،‬فقال تعالى‪ُ {:‬قلْ لّ ْل ُم ْؤمِنِينَ َي ُغضّواْ‬
‫مِنْ أَ ْبصَارِهِمْ‪[} ..‬النور‪]30 :‬‬
‫لنك لو أدركتَ لوجدتَ‪ ،‬ولو وجدتَ لنزعتَ‪ ،‬فإنْ أخذتَ حظّك من النزوع أفسدتَ أعراض‬
‫ت مكبوتا تعاني عِشْقا لن تناله‪ ،‬وليس لك صبر عنه‪.‬‬
‫ش َ‬
‫ن عففتَ عِ ْ‬
‫الناس‪ ،‬وإ ْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إذن‪ :‬السلم لك وللمجتمع‪ ،‬والحفظ للعراض وللحرمات أنْ ت ُغضّ بصرك عن محارم الناس‬
‫فترحم أعراضهم وترحم نفسك‪.‬‬
‫لكن هذه الحقيقة كثيرا ما تغيب عن الذهان‪ ،‬فيغشّ النسانُ نفسه بالختلط المحرم‪ ،‬وإذا ما سُئل‬
‫ادّعى البراءة وحُسْن النية وأخذ من صلة الزمالة إلى القرابة أو الجوار ذريعة للمخالطة‬
‫والمعاشرة وهو ل يدري أنه واهم في هذا كله‪ ،‬وأن خالقه سبحانه أدرى به وأعلم بحاله‪ ،‬وما‬
‫أمره بغضّ بصره إل لما يترتب عليه من مفاسد ومضار‪ ،‬إما تعود على المجتمع‪ ،‬أو على نفسه‪.‬‬
‫سهْم مسموم من سهام إبليس‪ ،‬مَنْ تركها من مخافتي‬
‫لذلك قال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬النظرة َ‬
‫أبدلتُه إيمانا يجد حلوته في قلبه "‪.‬‬
‫ومن هنا نفهم مراده سبحانه من قوله‪َ } :‬ولَ َتقْرَبُواْ الزّنَىا‪[ { ..‬السراء‪]32 :‬‬
‫ولم يقل‪ :‬ل تزنوا‪ .‬لن لهذه الجريمة مقدمات تؤدي إليها فاحذر أنْ تجعلَ نفسك على مقربة منها؛‬
‫ك ممّنْ يُنادون بالختلط والباحية؛ لن الباطل‬
‫عَ‬
‫لن مَنْ حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه‪ ،‬ودَ ْ‬
‫ل ومهما كَثُر أتباعه فلن يكون حقا في يوم من اليام‪.‬‬
‫مهما عَ َ‬
‫وأحذر ما يشيع على اللسنة من قولهم هي بنت عمه‪ ،‬وهو ابن خالها‪ ،‬وهما تربّيا في بيت واحد‪،‬‬
‫إلى آخر هذه المقولت الباطلة التي ل تُغيّر من وجه الحرام شيئا‪ ،‬فطالما أن الفتاة تحل لك فل‬
‫يجوز لك الخلوة بها‪.‬‬
‫وفي الحديث النبوي‪ " :‬ل يخلون رجل بامرأة إل كان الشيطان ثالثهما "‪.‬‬
‫إذن‪ :‬ما حرّم السلم النظر لمجرد النظر‪ ،‬وما حرّم الخُلْوة في ذاتها ولكن حَرّمهما؛ لنهما من‬
‫دوافع الزنا وأسبابه‪ .‬فيقول تعالى‪َ } :‬ولَ َتقْرَبُواْ الزّنَىا‪[ { ..‬السراء‪ ]32 :‬أبلغ في التحريم‬
‫وأحوط وأسلم من‪ :‬ل تزنوا‪.‬‬
‫خمْ ُر وَا ْلمَيْسِ ُر وَالَنصَابُ‬
‫ومثال ذلك أيضا قوله تعالى في تحريم الخمر‪ {:‬يَاأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ إِ ّنمَا ا ْل َ‬
‫ع َملِ الشّ ْيطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ َلعَّلكُمْ ُتفِْلحُونَ }[المائدة‪]90 :‬‬
‫وَالَزْلَمُ ِرجْسٌ مّنْ َ‬
‫ن يقول‪ :‬ليس في القرآن آية واحدة تحرم شرب الخمر‪ ..‬سبحان ال‪،‬‬
‫ومع ذلك يخرج علينا مَ ْ‬
‫فأيّهما أبلغ وأشدّ في التحريم أن نقول لك‪ :‬ل تشرب الخمر‪ ،‬أم اجتنب الخمر؟‬
‫ل تشرب الخمر‪َ :‬نهْي عن الشّرْب فقط‪ .‬إذن‪ :‬يُبَاحُ لك شراؤها وبيعُها وصناعتها ونقلها‪ ..‬الخ‪ .‬أما‬
‫الجتناب فيعني‪ :‬البعد عنها كُلية‪ ،‬وعدم اللتقاء بها في أي مكان‪ ،‬وعلى أية صورة‪.‬‬
‫فالجتناب ـ إذن ـ أشدّ من مجرد التحريم‪.‬‬
‫وكيف نقول بأن الجتناب أقل من التحريم‪ ،‬وقد قال تعالى في مسألة هامة من مسائل العقيدة‪{:‬‬
‫وَالّذِينَ اجْتَنَبُواْ الطّاغُوتَ أَن َيعْبُدُوهَا }[الزمر‪]17 :‬‬
‫فهل تقول في هذه‪ :‬إن الجتناب أقلّ من التحريم؟ وهل عبادة الطاغوت ليست محرمة؟!‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫حشَةً‪[ { ..‬السراء‪]32 :‬‬
‫ثم يقول تعالى‪ } :‬إِنّهُ كَانَ فَا ِ‬
‫الفاحشة‪ :‬هي الشيء الذي اشتدّ قبْحه‪ .‬وقد جعل الحق سبحانه الزنا فاحشة؛ لنه سبحانه وتعالى‬
‫حينما خلق الزوجين‪ :‬الذكر والنثى‪ ،‬وقدّر أن يكون منهما التناسل والتكاثر قدّر لهما أصولً‬
‫يلتقيان عليها‪ ،‬ومظلّة ل يتم الزواج إل تحتها‪ ،‬ولم يترك هذه المسألة مشَاعا يأتيها مَنْ يأتيها؛‬
‫ليحفظ للناس النساب‪ ،‬ويحمي طهارة النساء‪ ،‬فيطمئن كل إنسان إلى سلمة نسبه ونسب أولده‪.‬‬
‫والمراد من الصول التي يلتقي عليها الزوجان عقد القِران الذي يجعهما بكلمة ال وعلى سنة‬
‫رسوله صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫ن الزواج‪ ،‬وعلمتَ أن شابا ينظر إليها‪ ،‬أو يحاول القتراب منها‪ ،‬أو ما‬
‫و َهبْ أن لك بنتا بلغت س ّ‬
‫ضتَ لهذا‬
‫شابه ذلك‪ ،‬ماذا سيكون موقفك؟ ل شكّ أن نار الغيرة ستشتعل بداخلك‪ ،‬وربما تع ّر ْ‬
‫الشاب‪ ،‬وأق ْمتَ الدنيا ولم تُقعِدْها‪.‬‬
‫لكن إذا ما طرق هذا الشاب بابَك‪ ،‬وتقدّم لخطبة ابنتك فسوف تقابله بالترْحَاب وتسعد به‪ ،‬وتدعو‬
‫الهل‪ ،‬وتقيم الزينات والفراح‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فما الذي حدث؟ وما الذي تغيّر؟ وما الفرق بين الولى والثانية؟‬
‫الفرق بينهما هو الفرق بين الحلل والحرام؛ لذلك قيل‪ " :‬جدع الحلل أنف الغيرة "‪.‬‬
‫جهِز ابنته‪ ،‬ويُسلمها بيده إلى زوجها؛‬
‫فالذي يغَارُ على بناته من لمسة الهواء تراه عند الزواج ُي َ‬
‫لنهما التقيا على كلمة ال‪ ،‬هذه الكلمة المقدسة التي تفعل في النفوس العاجيب‪.‬‬
‫مجرد أن يقول وليّ الزوجة‪ :‬زوج ُتكَ‪ ،‬ويقول الزوج‪ :‬وأنا قبلتُ‪ .‬تنزل هذه الكلمة على القلوب‬
‫بَرْدا وسلما‪ ،‬وتُحدِث فيها انبساطا وانشراحا؛ لن لهذه الكلمة المقدسة عملً في التكوين الذاتي‬
‫للنسان‪ ،‬ولها أثر في انسجام ذراته‪ ،‬وفي كل قطرة من دمه‪.‬‬
‫ومن آثار كلمة ال التي يلتقي عليها الزوجان‪ ،‬أنها تُحدِث سيالً بينهما‪ ،‬هو سِيَال الستقبال‬
‫الحسن‪ ،‬وعدم الضّجَر‪ ،‬وعدم الغيرة والشراسة‪ ،‬فيلتقيان على خير ما يكون اللقاء‪.‬‬
‫عدّة المتوفّى عنها‬
‫ولذلك حينما يُشرّع لنا الحق تبارك وتعالى العِدّة‪ ،‬نجد عدة المطلقة غير ِ‬
‫زوجها‪ ،‬وفي هذا الختلف حكمة؛ لن الحق سبحانه يعلم طبيعة النفس البشرية وما يُؤثّر فيها‪.‬‬
‫ولو كانت الحكمة من العدة مجرد استبراء الرحم لكفى شهر واحد وحَيْضة واحدة‪ ،‬إنما المر أبعد‬
‫من ذلك‪ ،‬فعند المرأة اعتبارات أخرى ومازالت تحت تأثير الزواج السابق؛ لن سيال الحال فيه‬
‫التقاء اليجاب والسلب من الرجل والمرأة‪ ،‬وقد تعودتْ المرأة على اليجاب الحلل والسلب‬
‫الحلل‪.‬‬
‫فإذا طُّلقَت المرأة فل يحلّ لها الزواج قبل انقضاء العدة التي حددها الشرع بثلثة أشهر‪ ،‬وهي‬
‫المدة التي يهدأ فيها سِيَال الحلل في نفسها ويجمد‪ ،‬وبذلك تكون صالحة لللتقاء بزوج آخر‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أما في حالة المتوفّى عنها زوجها فعدتها أربعة أشهر وعشرة‪ ،‬والحكمة من الفارق بين العِدّتين أن‬
‫المطلقة غالبا ما يكون بين الزوجين كُرْه‪ ،‬هذا الكُرْه بينهما يساعد على موت السّيال؛ لنها بطبيعة‬
‫الحال نافرة عنه غير راغبة فيه‪ .‬أما المتوفّى عنها زوجها فقد فارقها دون كُرْه‪ ،‬فرغبتها فيه أشدّ؛‬
‫لذلك تحتاج إلى وقت أطول للتخلّص من هذا السيال‪.‬‬
‫والحق سبحانه هنا يُراعِي طبيعة المرأة ومشاعرها‪ ،‬وعواطف الميل والرغبة في زوجها‪ ،‬ويعلم‬
‫سبحانه أن هذا الميلَ وهذه الرغبة تحتاج إلى وقت ليهدأ هذه العواطف لدى المرأة‪ ،‬وتستعد نفسيا‬
‫لللتقاء بزوج آخر؛ لن لقاء الزوج بزوجته مسألة ل يحدث النسجام فيها بالتكوين العقلي‪ ،‬بل‬
‫النسجام فيها بالتكوين العاطفي الغريزي الذي يعتمد بالدرجة الولى على توافق الذرات بين‬
‫الذكر والنثى‪.‬‬
‫هذا التوافق هو الذي يُولّد ذرات موجبة‪ ،‬وذرات سالبة‪ ،‬فيحدث التوافق‪ ،‬ويحدث الحب والعِشْق‬
‫الذي يجمعهما ويمتزجان من خلله‪.‬‬
‫وهذا ـ كما قلنا ـ أثر من آثار كلمة ال التي اجتمعا عليها وتحت ظلها‪.‬‬
‫وهكذا يلتقي الزوجان في راحة وهدوء نفسي‪ ،‬ويسكن كل منهما للخر؛ لن ذراتهما انسجمت‬
‫وتآلفت؛ ويفرح الهل ويسعد الجميع‪ ،‬وصدق رسول ال صلى ال عليه وسلم حين قال في‬
‫وصيته بالنساء‪ " :‬إنما استحللتم فروجهن بكلمة ال "‬
‫ن تتصورَ الحال إنْ تَمّ هذا‬
‫وهذه الكلمة من ال تعالى الذي خلق النسان ويعلم ما يُصلحه ولك أ ْ‬
‫اللقاء فيما حَرّم ال‪ ،‬وبدون هذه الكلمة وما يحدث فيه من تنافر الذرات وعدم انسجام ونكَدٍ‬
‫ت فيهما أنفاس الحياة‪.‬‬
‫ومرارة ل تنتهي‪ ،‬ما بقي ْ‬
‫لذلك سمّاه القرآن فاحشةً‪ ،‬والدليل على فُحْشه أن الموصوم به يحب ألّ يُعرف‪ ،‬وأن تظل جرائمه‬
‫خِلْسة من المجتمع‪ ،‬وأن الذي يقترف هذه الفاحشة يكره أن تُفعلَ في محارمه‪ ،‬ويكفيها فُحْشا أن‬
‫ال تعالى سماها فاحشة‪ ،‬وشرع لها حدا يُقام على مرتكبها علنية أمام أعين الجميع‪.‬‬
‫وقد عالج رسول ال صلى ال عليه وسلم هذا الداء‪ ،‬حينما أتاه شاب يشتكي ضعفه أمام غريزته‬
‫الجنسية‪ ،‬ويقول له‪ :‬يا رسول ال ائذن لي في الزنا‪ ،‬والنبي صلى ال عليه وسلم أتى بقضايا دينيه‬
‫عامة للجميع‪ ،‬ولكن حين يعالج داءات المجتمع يعالج كل إنسان بما يناسبه‪ ،‬وعلى حَسْب ما فيه‬
‫من داءات الضعف أمام شهوات نفسه‪.‬‬
‫ويتضح لنا هذا المنهج النبوي في جواب رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وقد سُ ِئلَ كثيرا عن‬
‫أفضل العمال‪ ،‬فقال لحدهم‪ " :‬الصلة لوقتها "‪.‬‬
‫وقال لخر‪ " :‬أن تلقى أخاك بوجه طلق "‪.‬‬
‫وقال لخر‪ " :‬أن تبر أخاك "‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهكذا تعددتْ الجابات‪ ،‬لن النبي صلى ال عليه وسلم ل يصف مزيجا عاما يعطيه للجميع‪ ،‬بل‬
‫يعطي لكل سائل الجرعة التي تُصلِح خللً في إيمانه‪ ،‬كالطبيب الذي يهتم بعلج مريضه‪ ،‬فيُجرى‬
‫له التحاليل والفحوصات اللزمة؛ ليقف على موضع المرض ويصِف العلج المناسب‪.‬‬
‫فكيف استقبل رسول ال صلى ال عليه وسلم هذا الشاب الذي جاءه يقول‪ :‬يا رسول ال إني‬
‫أصلي وأصوم‪ ،‬وأفعل كل أوامر الدين إل أنني ل أقدر على مقاومة هذه الغريزة؟‬
‫هل نهره واعتبره شاذا‪ ،‬وأغلق الباب في وجهه؟ ل وال‪ ،‬بل اعتبره مريضا جاء يطلب العلج‬
‫بعد أن اعترف بمرضه‪ ،‬والعتراف بالمرض أولى خطوات الشفاء والعافية‪.‬‬
‫وهذا الشاب ما جاء لرسول ال إل وهو كاره لمرضه‪ ،‬وأول ظاهرة في العافية أن تعترف‬
‫بمرضك‪ ،‬ول تتكبر عليه‪ ،‬فإنْ تكبّرتَ عليه استفحلَ واستعصى على العلج‪.‬‬
‫وقد اعتبر النبي صلى ال عليه وسلم شكوى هذا الشاب ظاهرة صحية في إيمانه؛ لنه ما جاء‬
‫يشكو إل وهو كاره لهذه الجريمة‪ ،‬ويجد لها شيئا في نفسه‪،‬وانظر كيف عالجه النبي صلى ال‬
‫عليه وسلم‪ " :‬أجلسه‪ ،‬ثم قال له‪ " :‬يا أخا العرب أتحب هذا لمك؟ " فانتفض الشاب‪ ،‬وتغيّر وجهه‬
‫جعِ ْلتُ فِدَاك‪ ،‬فقال‪ " :‬أتحبه لختك؟ أتحبه لزوجتك؟ أتحبه لبناتك؟ " والشاب‬
‫وقال‪ :‬ل يا رسول ال ُ‬
‫جعِ ْلتُ فِدَاك‪.‬‬
‫يقول في كل مرة‪ :‬ل يا رسول ال ُ‬
‫ثم قال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬وكذلك الناس ل يحبونه لمهاتهم ول لخواتهم ول لزوجاتهم ول‬
‫حصّن فَرْجه "‬
‫لبناتهم " ثم وضع يده الشريفة على صدر هذا الشاب ودعا له‪ " :‬اللهم َنقّ صدره‪ ،‬و َ‬
‫"‪.‬‬
‫وانصرف الشاب وهو يقول‪ :‬لقد خرجتُ من عند رسول ال وليس أكرَه عندي من الزنا‪ ،‬ووال ما‬
‫ه َم ْمتُ بشيء من ذلك إل وذك ْرتُ أمي وأختي وزوجتي وبناتي‪.‬‬
‫وما أشبه طريقة رسول ال صلى ال عليه وسلم في علج هذا الشاب بما يفعله أهل الصيدلة‪،‬‬
‫فعندهم مصطلح يسمونه " برشمة المر " ‪ ،‬فإن كان الدواء مُرّا ول يستسيغه المريض غَلّفوه بمادة‬
‫سكرية حتى يمرّ من منطقة التذوق‪ ،‬فل يشعر المريض بمرارته‪.‬‬
‫وقد جعل الخالق سبحانه منطقة التذوق في اللسان فحسب‪ ،‬دون غيره من العضاء التي يمرّ بها‬
‫الطعام‪ ،‬واللسان آية من آيات ال في خَلْق النسان‪ ،‬ومظهر من مظاهر قدرته سبحانه‪ ،‬حيث جعل‬
‫ص كل منها بتذوّق نوع من الطعام‪ :‬فهذه للحلو‪ ،‬وهذه للمر‪ ،‬وهذه للحرّيف‪،‬‬
‫فيه حلمات دقيقة يخت ّ‬
‫وهكذا‪ ،‬مع أنها مُتراصّة ومُلْتصقة بعضها ببعض‪.‬‬
‫وكما تحدث برشمة الدواء الحسيّ المر‪ ،‬كذلك يحدث في العلجات الدبية المعنوية‪ ،‬فيُغلّف‬
‫خفّة البيان‪.‬‬
‫الناصح نصيحته ليقبلها المتلقي ويتأثر بها؛ لذلك قالوا‪ :‬النصح ثقيل‪ ،‬فاستعيروا له ِ‬
‫وقالوا‪ :‬الحقائق مُرّة‪ ،‬فل ترسلوها جبلً‪ ،‬ول تجعلوها جدلً‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وعلى الناصح أن يراعي حال المنصوح‪ ،‬وأنْ يرفقَ به‪ ،‬فل يجمع عليه قسوة الحرمان مما أَلِف‬
‫مع قسوة النصيحة‪ .‬وقد وضع لنا الحق سبحانه المنهج الدعوي الذي يجب أن نسير عليه في قوله‬
‫ح ْكمَ ِة وَا ْل َموْعِظَةِ الْحَسَ َنةِ‪[} ..‬النحل‪]125 :‬‬
‫تعالى‪ {:‬ا ْدعُ إِلَىا سَبِيلِ رَ ّبكَ بِا ْل ِ‬
‫ومن أدب النصيحة أيضا الذي تعلّمناه من النبي صلى ال عليه وسلم أن تكون سِرّا‪ ،‬فليس من‬
‫مصلحة أحد أنْ تُذاعَ السرار؛ لن لها أثرا سلبيا في حياة المجتمع كله وفي المنصوح نفسه‪ ،‬فإنْ‬
‫ست ْرتَ عليه في نصيحتك له كان أدعى إلى قبوله لما تقوله‪ ،‬وقديما قالوا‪ :‬مَنْ نصح أخاه سرا فقد‬
‫جهْرا فقد فضحه وشَانَهُ‪.‬‬
‫ستره وَزَانَه‪ ،‬ومَنْ نصحه َ‬
‫ثم يقول تعالى‪ } :‬وَسَآءَ سَبِيلً { [السراء‪]32 :‬‬
‫والسبيل هو الطريق الموصل لغاية‪ ،‬وغاية الحياة أننا مُسْتخلفون في الرض‪ ،‬خلقنا ال لعمارتها‬
‫عمّا‬
‫ضلّ النسانُ وانحرف َ‬
‫والسعي فيها بما يُسعدنا جميعا‪ ،‬ويعود علينا بالخير والصلح‪ ،‬فإذا َ‬
‫رسمه له ربه أفسد هذه الخلفة‪ ،‬وأشقى الدنيا كلها بدل أنْ يُسعدها‪.‬‬
‫وأعتقد أن ما نشاهده الن في بيئات النحلل والنحراف‪ ،‬وما امتدّ منهم إلى بلد السلم من‬
‫التفزيع والرعب يجعلنا نؤمن بأن الزنا فعلً ساء سبيلً‪ ،‬وساء طريقا ومسلكا‪ ،‬يقضي على سلمة‬
‫المجتمع وَأمْنه وسعادته‪.‬‬
‫ويكفي أنك إذا خرجتَ من بيتك في مهمة تستلزم المبيت تأخذ جميع لوازمك وأدواتك الشخصية‪،‬‬
‫وتخاف من شبح العدوى الذي يطاردك في كل مكان‪ ،‬في الحجرة التي تدخلها‪ ،‬وفي السرير الذي‬
‫تنام عليه‪ ،‬وفي دورة المياه التي تستعملها‪ ،‬الجميع في رُعْب وفي هلع‪ ،‬واليدز ينتشر انتشار النار‬
‫في الهشيم‪ ،‬وأصبح ل يسلَم منه حتى السوياء الطهار‪.‬‬
‫وما حدث هذا الفزع إل نتيجة لخروج النسان عن منهج ال خروجا جعل هذه المسألة فوضى ل‬
‫ضابطَ لها‪ ،‬فأحدث ال لهم من المراض والبليا بقدْر فجورهم وعصيانهم‪ ،‬وما داموا لم يأتُوا‬
‫بالحسنى فليأتوا راغمين مُفزّعين‪.‬‬
‫خوْف‬
‫عفّة وطهارة‪ ،‬ل عن إيمان بشرع ال‪ ،‬ولكن عن َ‬
‫لذلك العالم كله الن يباشر مشروعات ِ‬
‫وهَلَع من أمراض شتّى ل ترحم ول تُفرّق بين واحد وآخر‪.‬‬
‫إذن‪ :‬الزنا فاحشة وساء سبيلً‪ ،‬وهاهي الحداث والوقائع تُثبت صِدْق هذه الية‪ ،‬وتثبت أن أيّ‬
‫خروج من الخَلْق عن منهج الخالق لن يكون وراءه إل َنكَدُ الدنيا قبل أن ينتظرهم في الخرة‪.‬‬
‫والن وقد ضمنّا سلمة العراض‪ ،‬وضمنّا طهارة النسل‪ ،‬وأصبح لدينا مجتمع طاهر سليم‪ ،‬ي ْأمَنُ‬
‫فيه النسان على هذا الجانب‪ ،‬فل ُبدّ إذن أن نحافظَ فيه على الرواح‪ ،‬فل يعتدي أحد على أحد‪،‬‬
‫فيقول تعالى‪َ } :‬ولَ َتقْتُلُواْ ال ّنفْسَ الّتِي حَرّمَ اللّهُ ِإلّ بِالحَقّ‪.{ ...‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫(‪)2045 /‬‬
‫جعَلْنَا ِلوَلِيّهِ سُ ْلطَانًا فَلَا يُسْ ِرفْ فِي‬
‫ق َومَنْ قُ ِتلَ مَظْلُومًا َفقَدْ َ‬
‫وَلَا َتقْتُلُوا ال ّنفْسَ الّتِي حَرّمَ اللّهُ إِلّا بِا ْلحَ ّ‬
‫ا ْلقَ ْتلِ إِنّهُ كَانَ مَ ْنصُورًا (‪)33‬‬

‫قوله تعالى‪َ { :‬ولَ َتقْتُلُواْ ال ّنفْسَ‪[ } ..‬السراء‪]33 :‬‬
‫كان القياس أنْ يُقابل الجمع بالجمع‪ ،‬فيقول‪ :‬ل تقتلوا النفوس التي حرّم ال‪ ،‬لكن الحق سبحانه‬
‫وتعالى يريد أن قَتْل النفس الواحد مسئوليةُ الجميع‪ ،‬ل أنْ يسأل القاتل عن النفس التي قتلها‪ ،‬بل‬
‫المجتمع كله مسئول عن هذه الجريمة‪.‬‬
‫{ الّتِي حَرّمَ اللّهُ‪[ } ..‬السراء‪ ]33 :‬أي‪ :‬جعلها محرّمة ل يجوز التعدي عليها؛ لنها بنيان ال‬
‫وخلْقته وصناعته‪ ،‬وبنيان ال ل يهدمه أحد غيره‪ .‬أو نقول‪ { :‬ال ّنفْسَ الّتِي حَرّمَ اللّهُ‪[ } ..‬السراء‪:‬‬
‫‪ ]33‬أي‪ :‬حرّم ال قتلها‪.‬‬
‫{ ِإلّ بِالحَقّ } [السراء‪ ]33 :‬هذا الستثناء من الحكم السابق الذي قال‪ :‬ل تقتلوا النفس التي حرم‬
‫ال { ِإلّ بِالحَقّ } أي‪ :‬ولكن اقتلوها بالحق‪ ،‬والحق هنا المراد به ثلثة أشياء‪:‬‬
‫ـ القصَاص من القاتل‪.‬‬
‫ـ الردّة عن السلم‪.‬‬
‫ـ زِنَا المحصَن أو المحصَنة‪.‬‬
‫وهذه أسباب ثلثة تُوجِب قَتْل النسان‪ ،‬والقتْل هنا يكون بالحق أي‪ :‬بسبب يستوجب القتل‪.‬‬
‫وقد أثار أعداء السلم ضَجّة كبيرة حول هذه الحدود وغيرها‪ ،‬واتهموا السلم بالقسوة‬
‫والوحشية‪ ،‬وحُجّتهم أن هذه الحدود تتنافى وإنسانية النسان وآدميته‪ ،‬وتتعارض مع الحرية الدينية‬
‫التي يقول بها السلم في قوله تعالى‪ {:‬لَ ِإكْرَاهَ فِي الدّينِ‪[} ..‬البقرة‪]256 :‬‬
‫ففي القصاص قالوا‪ :‬لقد خَسِر المجتمع واحدا بالقتل‪ ،‬فكيف نُزِيد من خسارته بقتْل الخر؟‬
‫نقول‪ :‬ل ُبدّ أن نستقبلَ أحكام ال بفْه ٍم وَاع ونظرة متأمّلة‪ ،‬فليس الهدف من تشريع ال للقصاص‬
‫ل يقع القتل‪ ،‬وألّ تحدثَ هذه الجريمة من البداية‪.‬‬
‫كثرة القتل‪ ،‬إنما الهدف أ ّ‬
‫فحين يُخبرك الحق سبحانه أنك إنْ قتلتَ فسوف تُقتَل‪ ،‬فهو يحمي حياتك وحياة الخرين‪ .‬وليس‬
‫ن قتل؛‬
‫لدى النسان أغلى من حياته‪ ،‬حتى القاتل لم يقتل إل لنه يحب الحياة‪ ،‬وقتل من أجلها مَ ْ‬
‫لنه ربما خدش عِزّته أو كرامته‪ ،‬وربما لنه عدو له أقوى منه‪.‬‬
‫ول شكّ أن حياته أغلى من هذا كله‪ ،‬فحين نقول له‪ :‬إنْ قتلتَ ستُقتل‪ ،‬فنحن نمنعه أنْ يُقدِم على‬
‫هذه الجريمة‪ ،‬ونُلوّح له بأقسى ما يمكن من العقوبة‪ .‬ولذلك قالوا‪ :‬الق ْتلُ أ ْنفَى للقتل‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وقال تعالى‪ {:‬وََلكُمْ فِي ا ْل ِقصَاصِ حَيَاةٌ ياأُولِي الَلْبَابِ‪[} ..‬البقرة‪]179 :‬‬
‫وهذا نداء لصحاب الفهام والعقول الواعية‪ ،‬ليس القصاص كما يظنّ البعض‪ ،‬بل فيه الحياة وفيه‬
‫حقْن الدماء‪.‬‬
‫سلمة المجتمع و َ‬
‫ويجب أن يكون عندنا يقظةُ استقبال لحكام ال؛ لن القاتل ما قتل إل حينما غفل عن الحكم‪،‬‬
‫ويجب أيضا أن ننظر إلى حكم القصاص نظرة موضوعية‪ ،‬لنه كما حَمى غيري من قَتْلِي له‬
‫حماني أيضا من قَتْل غيري لي‪ ،‬وما دامت المسألة‪ :‬لك مثل ما عليك‪ ،‬وحظك منها كحظّ الناس‬
‫جميعا‪ ،‬فلماذا العتراض؟‬
‫وكذلك في السرقة‪ ،‬حينما يقول لك‪ :‬ل تسرق‪ ،‬فأنت ترى أن هذا المر قد قيّد حريتك أنت‪ ،‬لكن‬
‫الحقيقة أنه أيضا قيّد حرية الخرين بالنسبة للسرقة منك‪.‬‬
‫والذي يتأمل هذه الحدود يجدها في صالح الفرد؛ لنها تُقيّد حريته وهو فرد واحد‪ ،‬وتُقيّد من أجله‬
‫حرية المجتمع كله‪.‬‬
‫وفي الزكاة‪ ،‬حينما يُوجِب عليك الشارع الحكيم أنْ تُخرِج قَدْرا معلوما من مالك للفقراء‪ ،‬فل َت ُقلْ‪:‬‬
‫جهْدي وعَرقي‪ .‬ونقول لك‪ :‬نعم هو مالك‪ ،‬ولكن ل تنسَ أن اليام ُد َولٌ وأغيار‪،‬‬
‫هذا مالي جمعتُه ب َ‬
‫والغنيّ اليوم قد يفتقر غدا‪ ،‬فحين تعضّك اليام فسوف تجد مَنْ يعطيك‪ ،‬ويَكيل لك بنفس الكَيْل‬
‫الذي كِ ْلتَ به للناس‪.‬‬
‫إذن‪ :‬يجب أن نكون على وَعْي في استقبال الحكام عن ال تعالى‪ ،‬وأن ننظر إليها نظرة شمولية‪،‬‬
‫فنرى ما لنا فيها وما علينا‪ ،‬وما دامت هذه الحكام تعطينا بقدر ما تأخذ مِنّا فهي أحكام عادلة‪.‬‬
‫حكْم القصاص يجعل النسان حريصا على نفسه‪ ،‬ويمنعه أنْ يُقدِم على القَتْل‪ ،‬فإنْ غفل عن هذا‬
‫وُ‬
‫الحكم وارتكب هذه الجريمة فل بُدّ أن يقتصّ منه؛ فإن أخذتنا الشهامة وتش ّدقْنا بالنسانية والكرامة‬
‫ن معلوما لدينا أن مَنْ يعارض في إعدام قاتل فسوف‬
‫والرحمة الزائفة‪ ،‬وعارضنا إقامة الحدود فليكُ ْ‬
‫يتسبب في إعدام المليين‪ ،‬وسوف يفتح الباب لفوضى الخلفات والمنازعات‪ ،‬فكلّ من اختلف مع‬
‫إنسان سارع إلى قَتْله؛ لنه ل يوجد رادع يُردِعه عن القتل‪.‬‬
‫إذن‪ :‬لكي نمنع القتل ل ُبدّ أن نُنفّذَ حكم ال ونُقيم شَرعه ولو على أقرب الناس؛ لن هذه الحكام‬
‫ما نزلتْ لتكون كلما يُتلَى وفقط؛ بل لتكون منهجا عمليا يُنظّم حياتنا‪ ،‬ويحمي سلمة مجتمعنا‪.‬‬
‫لذلك جعل الحق سبحانه وتعالى تنفيذ هذه الحكام علنية أمام الجميع‪ ،‬وعلى مَرْأى ومَسْمع‬
‫المجتمع كله؛ ليعلموا أن أحكام ال ليست شفوية‪ ،‬بل ها هي تُطبّق أمامهم‪ ،‬وصدق ال تعالى حين‬
‫عذَا َب ُهمَا طَآ ِئفَةٌ مّنَ ا ْل ُم ْؤمِنِينَ }[النور‪]2 :‬‬
‫شهَدْ َ‬
‫قال‪ {:‬وَلْيَ ْ‬
‫حدّ الردّة‪ ،‬ورأوا فيه وحشية وكَبْتا‬
‫والذين اعترضوا على القصاص اعترضوا أيضا على إقامة َ‬
‫للحرية الدينية التي كفَلها السلم في قوله تعالى‪ {:‬لَ ِإكْرَاهَ فِي الدّينِ‪[} ..‬البقرة‪]256 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫حدّ الردة‪ ،‬وقال بقتل المرتد عن الدين أراد أن يُصعّب على غير‬
‫والحقيقة أن السلم حينما شرع َ‬
‫المسلمين الدخول في السلم‪ ،‬وأن يُضيّق عليهم هذا الباب حتى ل يدخل في السلم إل مَنْ‬
‫أخلص له‪ ،‬واطمأنّ قلبه إليه‪ ،‬وهو يعلم تماما أنه إنْ تراجع عن السلم بعد أن دخل فيه فجزاؤه‬
‫القتل‪.‬‬
‫فهذه تُحسَب للسلم ل عليه؛ لنه اشترط عليك أولً‪ ،‬وأوضح لك عاقبة ما أنت مُقدِم عليه‪.‬‬
‫أما حرية الدين والعقيدة فهي لك قبل أن تدخل السلم دخولً أوليا‪ ،‬ل يجبرك أحد عليه‪ ،‬فلك أنْ‬
‫تظلّ على دينك كما تحب‪ ،‬فإنْ أردتَ السلم فتفكّر جيدا وتدبّر المر وابحثه بكل طاقات البحث‬
‫لديك‪.‬‬
‫فليس في دين ال مجالٌ للتجربة‪ ،‬إنْ أعجبكَ تظلّ في ساحته‪ ،‬وإنْ لم يَرُق لك تخرج منه‪ ،‬فإنْ‬
‫علمتَ هذه الشروط فليس لك أنْ تعترضَ على حدّ الردّة بعد ذلك‪ .‬ولتعلم أن دين ال أعزّ وأكرم‬
‫من أنْ يستجدي أحدا للدخول فيه‪.‬‬
‫ثم يقول تعالى‪َ } :‬ومَن قُ ِتلَ مَظْلُوما‪[ { ..‬السراء‪]33 :‬‬
‫وهذا حكم نفي‪ ،‬المفروض ألّ يحدث‪ .‬ومعنى } مَظْلُوما { أي‪ :‬قُتِل دون سبب من السباب الثلثة‬
‫السابقة أي‪ :‬دون حق‪ ،‬فعلى فَرْض أن هذا القتل وقع بالفعل‪ ،‬فما الحكم؟‬
‫جعَلْنَا ِلوَلِيّهِ سُ ْلطَانا فَلَ يُسْرِف فّي ا ْلقَتْلِ‪[ { ..‬السراء‪]33 :‬‬
‫يقول تعالى‪َ } :‬فقَدْ َ‬
‫وليه‪ :‬أي وليّ المقتول‪ ،‬وهو مَنْ يتولّى أمره من قرابته‪ :‬الب أو الخ أو البن أو العم‪ ..‬الخ فهو‬
‫الذي يتولّى أمر المطالبة بدمه‪.‬‬
‫} سُلْطَانا‪[ { ..‬السراء‪]33 :‬‬
‫ن يقتل القاتل‪ ،‬والسلطان يكون في خدمة التنفيذ‪،‬‬
‫ق والقوة في أ ْ‬
‫أي‪ :‬شرعنا له‪ ،‬وأعطيناه الح ّ‬
‫ويُمكّنه منه‪ ،‬وكذلك المؤمنون أيضا يقفون إلى جواره‪ ،‬ويساعدونه في تنفيذ هذا الحكم؛ لن المر‬
‫ن ض ُعفَتْ النفس فل ُبدّ لرادع من الخارج‪ ،‬وهنا‬
‫من ال قد يكون رادعه في ذات النفس‪ ،‬لكن إ ْ‬
‫يأتي دور السلطان ودور المجتمع اليماني الذي يُعين على إقامة هذا الحكم‪.‬‬
‫إذن‪ :‬جعل الحق سبحانه وتعالى سلطان القصاص لوليّ الدم‪ ،‬فإنْ لم يكن له وليّ فإن السلطان‬
‫ق القصاص إلى‬
‫حّ‬
‫ينتقل للحاكم العام ليتولى إقامة هذا الحكم‪ ،‬لكن ما يُتعِب الدنيا ـ حينما ينتقل َ‬
‫الحاكم العام ـ طُول الجراءات التي تُخرج الحكم عن المراد منه‪ ،‬وتُ ْذكِي نار الحقد وال ِغلّ والتّرَة‬
‫س وليّ الدم‪.‬‬
‫في نف ِ‬
‫فوليّ الدم وحده الذي يُعاني طول فترة التقاضي مع أناس ل يعنيهم أن تطولَ هذه الفترة أو‬
‫تقصُر؛ لن طول فترة التقاضي تأتي في صالح القاتل‪ ،‬حيث بمرور اليام ـ بل والسنين ـ تبْرُد‬
‫شراسة الجريمة في نفوس الناس‪ ،‬وتأخذ طريقا إلى طيّات النسيان‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وبهذا تبهت الجريمة وتُنسَى بشاعتها‪ ،‬وبدلَ أن يقف المجتمع ويفكر في القاتل وفي القصاص منه‪،‬‬
‫تتحول النظار والعواطف إلى النفس الجديدة التي ستُقتل‪ ،‬وبذلك يتعاطف الناس معه بدل أن‬
‫يتعاطفوا في إقامة القصاص عليه‪.‬‬
‫لكن يجب أنْ يُقامَ القصاص قبل أنْ تبُردَ شراسة الجريمة في النفوس‪ ،‬وتبهت وتفقد حرارتها‪.‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى كما شرع القصاص‪ ،‬وجعله في يد وليّ الدم‪ ،‬أراد في الوقت نفسه ألّ يحرم‬
‫عفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ‬
‫المجتمع من طموحات العفو الذي يُنهي أصول الخلف‪ ،‬فيقول تعالى‪َ {:‬فمَنْ ُ‬
‫حسَانٍ‪[} ..‬البقرة‪]178 :‬‬
‫ف وَأَدَآءٌ إِلَ ْيهِ بِإِ ْ‬
‫شيْءٌ فَاتّبَاعٌ بِا ْل َمعْرُو ِ‬
‫َ‬
‫ج ّو القتل وثورة الدماء التي تغلي بالثأر يتكلم الحق سبحانه عن العفو والخوة والمعروف‬
‫ففي َ‬
‫والحسان‪ ،‬فمهما كان المر فالمؤمنون إخوة‪ ،‬وباب العفو والحسان مفتوح‪ .‬ولوليّ الدم بعد أن‬
‫أعطيناه حَقّ القصاص ندعوه إلى العفو‪ ،‬وله أن يأخذ الدية وتنتهي المسألة‪ ،‬وله أن يعفوَ عن‬
‫بعضها أو عنها كلها‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فإعطاء الحق مَنع عن المقتول له ذِلّة التسلّط من القاتل؛ لن ال تعالى أعطاه حَقّ القصاص‬
‫منه‪ ،‬فإذا ما عفا عنه علم القاتل أن حياته أصبحت هبة من ولي الدم‪ ،‬وما دام المر كذلك فسوف‬
‫تتلشى بينهما الضغائن والحقاد‪ ،‬ويحل محلها الوفاق والمحبة والسلم‪ ،‬ونُنهي تسلسل الثارات‬
‫الذي ل ينتهي‪.‬‬
‫وقد اشتهر في صعيد مصر ـ وكان مثالً للخْذ بالثأر ـ أن القاتل يأخذ كفنه في يده‪ ،‬ويذهب به‬
‫إلى وليّ الدم ويُسلّم نفسه إليه معترفا بجريمته‪ ،‬معطيا لولي الدم حرية التصرف فيه‪ .‬فما يكون‬
‫من ولي الدم أمام هذا الستسلم إلّ أن يعف َو ويصفح‪ ،‬وبذلك تُقتلَع الضغائن من جذورها‪.‬‬
‫ثم يقول الحق تبارك وتعالى‪ } :‬فَلَ ُيسْرِف فّي ا ْلقَ ْتلِ‪[ { ..‬السراء‪]33 :‬‬
‫ن القصاص بقَدْره دون زيادة أو تعدّ أو مجاوزة للحدّ‪،‬‬
‫أي‪ :‬طالما أن ال أعطاك حَقّ القصاص فليكُ ْ‬
‫والسراف في القتل يكون بأوجه عدة‪:‬‬
‫فقد يكون القاتل غير ذي شأن في قومه‪ ،‬فل يرضى وليّ الدم بقتْله‪ ،‬بل يتطلع إلى قتل إنسان آخر‬
‫ذي مكانة وذي شأن‪ ،‬فيقتل إنسانا بريئا ل ذنبَ له‪ ،‬وهذا من السراف في القتل‪ ،‬وهو إسرافٌ في‬
‫ذات المقتول‪.‬‬
‫وقد يكون السراف في الكَمّ‪ ،‬فإنْ قُتِل واحد فل يكتفي وليّ الدم بأن يقتل القاتل‪ ،‬بل يحمله ال ِغلّ‬
‫وثورة الدم إلى أنْ يقتل به أكثر من واحد‪.‬‬
‫وقد يكون السراف بأنْ يُمثّل بجثة المقتول‪ ،‬ول يكفيه قتله‪ ،‬والمفروض ألّ يحملك الغضب على‬
‫تجاوز الحدّ المشروع لك‪ .‬وقد أراد النبي صلى ال عليه وسلم أن يفعلها في قاتل حمزة‪ ،‬فنهاه ال‬
‫عن ذلك‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ثم يقول تعالى‪ } :‬إِنّهُ كَانَ مَ ْنصُورا { [السراء‪]33 :‬‬
‫أي‪ :‬ل يجوز له أنْ يُسرف في القتل؛ لننا لم نتخلّ عنه‪ ،‬بل وقفنا بجانبه وأعطيناه حقّ القصاص‬
‫ومكنّاه منه‪ ،‬إذن‪ :‬فهو منصور ليس متروكا‪ ،‬فيجب أن يقف عند حَدّ الّنصْرة ل يتجاوزها؛ لنه إن‬
‫تجاوزها بقتل غير القاتل‪ ،‬فسوف يُقتل هو الخر قصاصا‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪َ } :‬ولَ َتقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ ِإلّ بِالّتِي ِهيَ َأحْسَنُ‪.{ ...‬‬

‫(‪)2046 /‬‬
‫حسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أَشُ ّد ُه وََأ ْوفُوا بِا ْل َعهْدِ إِنّ ا ْل َعهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (‪)34‬‬
‫وَلَا َتقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلّا بِالّتِي ِهيَ أَ ْ‬

‫وهنا أيضا يقول الحق سبحانه‪َ { :‬ولَ َتقْرَبُواْ‪[ } ..‬السراء‪]34 :‬‬
‫ولم يقل‪ :‬ول تأكلوا مال اليتيم ليحذرنا من مجرد القتراب‪ ،‬أو التفكير في التعدّي عليه؛ لن اليُتْم‬
‫مظهر من مظاهر الضعف ل صح أنْ تجترئَ عليه‪.‬‬
‫و { الْيَتِيمِ } هو مَنْ مات أبوه وهو لم يبلغَ مبلغ الرجال وهو سِنْ الرّشْد‪ ،‬وما دام قد فقد أباه ولم‬
‫َيعُدْ له حاضن يرعاه‪ ،‬فسوف يضجر ويتألم ساعة أنْ يرى غيره من الولد له أب يحنو عليه‪،‬‬
‫وسوف يحقد على القدَر الذي حرمه من أبيه‪.‬‬
‫فيريد الحق سبحانه وتعالى أولً أنْ يستلّ من قلب اليتيم وفكره هذه المشاعر؛ لذلك يُوصِي‬
‫عوَض له عن‬
‫ن فقد أباه فالمؤمنون جميعا له آباء‪ ،‬وفي حُنوّهم وعطفهم ِ‬
‫المجتمع به ليشعر أنه وإ ْ‬
‫وفاة والده‪.‬‬
‫وكذلك حينما يرى النسانُ أن اليتيم مُكرّم في مجتمع إيماني يكفله ويرعاه‪ ،‬ويعتبره كل فرد فيه‬
‫ابنا من أبنائه‪ ،‬يطمئن قلبه ول تُفزِعه أحداث الحياة في نفسه‪ ،‬ول يقلق إنْ ُقدّر له أن يُيَتّم أولده‪،‬‬
‫فسوف يجدون مثل هذه الرعاية‪ ،‬ومثل هذا الحنان من المجتمع اليماني‪.‬‬
‫عوَضا عن أبيه عَطْفا وحنانا ورعاية يرضى بما قُدّر له‪ ،‬ول‬
‫إذن‪ :‬إنْ وجد اليتيم في المجتمع ِ‬
‫يتأبّى على قدر ال‪ ،‬وكذلك تطمئن النفس البشرية إنْ قُدّر عليها اليُتْم في أولدها‪.‬‬
‫ثم يقول تعالى‪ِ { :‬إلّ بِالّتِي ِهيَ َأحْسَنُ‪[ } ..‬السراء‪]34 :‬‬
‫أي‪ :‬ل تنتهز يُتْم اليتيم‪ ،‬وأنه ما يزال صغيرا ضعيف الجانب فتطمع في ماله‪ ،‬وتأخذه دون وجه‬
‫حق‪.‬‬
‫حسَنُ‪[ } ..‬السراء‪ ]34 :‬استثناء من الحكم السابق { َولَ َتقْرَبُواْ‪ } ..‬يبيح‬
‫وقوله‪ِ { :‬إلّ بِالّتِي ِهيَ أَ ْ‬
‫لنا أن نقرب مال اليتيم‪ ،‬ولكن بالتي هي أحسن‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫و { َأحْسَنُ } أفعل تفضيل تدل على الزيادة في الحسان فكأن لدينا صفتين ممدوحتين‪ :‬حسنة‬
‫وأحسن‪ ،‬وكأن المعنى‪ :‬ل تقربوا مال اليتيم بالطريقة الحسنة فحسب‪ ،‬بل بالطريقة الحسن‪ .‬فما‬
‫الطريقة الحسنة؟ وما الطريقة الحسن؟‬
‫الطريقة الحسنة‪ :‬أنك حين تقرب مال اليتيم ل تُبدده ول تتعدّى عليه‪ .‬لكن الحسن‪ :‬أنْ تُنمي له‬
‫هذا المال وتُثمّره وتحفظه له‪ ،‬إلى أن يكون أَهْلً للتصرّف فيه‪.‬‬
‫لذلك فالحق سبحانه حينما تكلم عن هذه المسألة قال‪ {:‬وَارْ ُزقُوهُمْ فِيهَا }[النساء‪]5 :‬‬
‫ولم يقل‪ :‬وارزقوهم منها؛ لن الرزق منها يُنقِصها‪ ،‬لكن معنى‪ {:‬وَارْ ُزقُو ُهمْ فِيهَا }[النساء‪ ]5 :‬أي‪:‬‬
‫من ريعها وربحها‪ ،‬وليس من رأس المال‪.‬‬
‫وإلّ لو تصوّرنا أن أحد الوصياء على اليتام عنده مال ليتيم‪ ،‬وأخذ ينفق عليه من هذا المال‪،‬‬
‫ويُخرج منه الزكاة وخلفه‪ ،‬فسوف ينتهي هذا المال ويبلغ اليتيم مبلغ الرّشْد فَل يجد من ماله شيئا‬
‫يُعتَدّ به‪.‬‬
‫وكأن الحق ـ تبارك وتعالى ـ يقول‪ :‬حقّقوا الحسن أولً بالمحافظة على مال اليتيم‪ ،‬ثم قدّموا‬
‫الحسن بتنميته له وزيادته زيادة تتسع لنفقات حياته‪ ،‬وإلّ فسوف يشبّ الصغير‪ ،‬وليس أمامه من‬
‫ماله شيء‪.‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى يريد ألّ يحرم اليتيم من خبرة أصحاب الخبرة والصلحية القتصادية‬
‫وإدارة الموال‪ ،‬فقد يكون من هؤلء مَنْ ليس لديه مال يعمل فيه‪ ،‬فليعمل في مال اليتيم ويُديره له‬
‫ويُنمّيه‪ ،‬وليأكل منه بالمعروف‪ ،‬وإنْ كان غنيا فليستعفف عنه؛ لنه ل يحلّ له‪ ،‬يقول تعالى‪َ {:‬ومَن‬
‫كَانَ غَنِيّا فَلْيَسْ َت ْع ِففْ َومَن كَانَ َفقِيرا فَلْيَ ْأ ُكلْ بِا ْل َمعْرُوفِ‪[} ..‬النساء‪]6 :‬‬
‫لن النسان إذا كان عنده خبرة في إدارة الموال ولديْه الصلحية فل نُعطّل هذه الخبرة‪ ،‬ول‬
‫نحرم منها اليتيم‪ ،‬وهكذا نوفر نفقة صاحب الخبرة الذي ل يجد مالً‪ ،‬ونفقة اليتيم الذي ل يستطيع‬
‫إدارة أمواله‪ ،‬وبذلك يتم التكامل في المجتمع اليماني‪.‬‬
‫ثم يقول تعالى‪ } :‬حَتّىا يَبْلُغَ أَشُ ّدهُ‪[ { ..‬السراء‪]34 :‬‬
‫أي‪ :‬حتى يكبر ويبلغ مبلغ الرجال‪ ،‬ولكن هل هذه الصفة كافية لكي نُعطِي لليتيم ماله وقد بلغ سِنّ‬
‫الرّشْد والتكليف؟‬
‫في الحقيقة أن هذه الصفة غير كافية لنُسلّم له ماله يتصرف فيه بمعرفته؛ لنه قد يكون مع كِبَر‬
‫سِنّه سفيها ل يُحسِن التصرّف‪ ،‬فل يجوز أن نتركَ له المال لِيُبدّده‪ ،‬بدليل قوله تعالى‪ {:‬فَإِنْ آنَسْتُمْ‬
‫مّ ْنهُمْ رُشْدا فَا ْد َفعُواْ إِلَ ْيهِمْ َأ ْموَاَلهُمْ‪[} ..‬النساء‪]6 :‬‬
‫س َفهَآءَ َأ ْموَاَلكُمُ }[النساء‪]5 :‬‬
‫وقال في آية أخرى‪ {:‬وَلَ ُتؤْتُواْ ال ّ‬
‫ولم يقل‪ :‬أموالهم‪ ،‬لن السفيه ليس له مال‪ ،‬وليس له ملكية‪ ،‬والمال مال وليه الذي يحافظ عليه‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ويُنمّيه له‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالرّشْد وهو سلمة العقل وحُسْن التصرّف‪ ،‬شرط أساسي في تسليم المال لليتيم؛ لنه أصبح‬
‫بالرّشْد أهْلً للتصرّف في ماله‪.‬‬
‫شدّة تكوينه‪ ،‬ويبلغ الشدّ أي‪ :‬تستوي ملكاته استواءً ل‬
‫وكلمة‪َ } :‬أشُ ّدهُ‪[ { ..‬السراء‪ ]34 :‬أي‪ :‬يبلغ ِ‬
‫زيادة عليه‪ ،‬فأعضاء النسان تنمو وتتربى مع نموه على مَرّ الزمن‪ ،‬إلى أن يصل سِنّ الرشد‬
‫شدّ أي‪ :‬الستواء‪.‬‬
‫ويصبحَ قادرا على إنجاب مثله‪ ،‬وهذه سِنّ ال ُ‬
‫جلَ ال تعالى التكليف للنسان إلى سِنّ البلوغ؛ لنه لو كلّفه قبل أن يبلغ ثم طرأ عليه البلوغ‬
‫لذلك أ ّ‬
‫بعد التكليف لحتجّ بما طرأ عليه في نفسه من تغيرات لم تكن موجودة حال التكليف‪.‬‬
‫سؤُولً { [السراء‪ } ]34 :‬ا ْل َعهْدَ { ما تعاقد النسان‬
‫ثم يقول تعالى‪ } :‬وََأ ْوفُواْ بِا ْل َعهْدِ إِنّ ا ْل َع ْهدَ كَانَ مَ ْ‬
‫عليه مع غيره عقدا اختياريا يلتزم هو بنتائجه ومطلوباته‪ ،‬وأول عقد أُبرٍمَ هو ال َعقْد اليماني الذي‬
‫أخذه ال تعالى علينا جميعا‪ ،‬وأنت حُرّ في أن تدخل على اليمان بذاتك مختارا أو ل تدخل‪ ،‬لكن‬
‫حين تدخل إلى اليمان مُخْتارا يجب أن تلتزم بعهد اليمان؛ لن ال ل يريد منّا قوالب تخضع‪،‬‬
‫ولكن يريد مِنّا قلوبا تخشع‪ ،‬ولو أراد ال منّا قوالب تخضع ما استطاع واحد مِنّا أنْ يشذّ عن‬
‫اليمان بال‪.‬‬
‫لذلك خاطب الحق تبارك وتعالى رسوله بقوله‪:‬‬
‫سمَآءِ آ َيةً فَظَّلتْ أَعْنَا ُقهُمْ َلهَا‬
‫سكَ َألّ َيكُونُواْ ُم ْؤمِنِينَ * إِن نّشَأْ نُنَ ّزلْ عَلَ ْيهِمْ مّنَ ال ّ‬
‫{ َلعَّلكَ بَاخِعٌ ّنفْ َ‬
‫ضعِينَ }[الشعراء‪]4-3 :‬‬
‫خَا ِ‬
‫فال ل يريد أعناقا‪ ،‬وإنما يريد قلوبا‪ ،‬لكن يخلط كثير من الناس إنْ أمرته بأمر من أمور الدين‬
‫فيقول‪ {:‬لَ ِإكْرَاهَ فِي الدّينِ‪[} ..‬البقرة‪]256 :‬‬
‫نقول له‪ :‬أنت لم تحسن الستدلل‪ ،‬المراد‪ :‬ل إكراه في أنْ تدخل الدين‪ ،‬ولكن إذا دخلتَ فعليك‬
‫اللتزام بمطلوباته‪.‬‬
‫ومن باطن هذا العهد اليماني تنشأ كل العقود‪ ،‬لذلك يجب الوفاء بالعهود؛ لن الوفاء بها جزء من‬
‫اليمان‪ ،‬فأنت حُرّ أن تقابل فلنا أول تقابله‪ ،‬إنما إذا عاهدتَه على المقابلة فقد أصبحتَ مُلْزما‬
‫بالوفاء؛ لن المقابل لك قد ر ّتبَ نفسه على أساس هذا اللقاء‪ ،‬فإنْ أخلفتَ معه العهد فكأنك أطلقتَ‬
‫لنفسه حرية الحركة‪ ،‬وقيّدتَ حركة الخر‪.‬‬
‫وهذه صفة ل تليق أبدا بالمؤمنين‪ ،‬وقد جعلها النبي صلى ال عليه وسلم من صفات المنافقين‪.‬‬
‫سؤُولً { [السراء‪]34 :‬‬
‫وقوله‪ } :‬إِنّ ا ْل َع ْهدَ كَانَ مَ ْ‬
‫قد يكون المعنى‪ :‬أي مسئولً عنه‪ ،‬فيسأل كل إنسان عن عهده أوفّى به أم أخلفه؟‬
‫سؤُولً { أي‪ :‬مسئول ممّنْ تعاقد عليه أنْ يُنقّذه‪ ،‬وكأنه عدّى المسئولية إلى العهد‬
‫وقد يراد } مَ ْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫نفسه‪ ،‬فأنا حُرّ وأنت حُرّ‪ ،‬والعهد هو المسئول‪.‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى يستعمل اسم المفعول في مواضع تقول للوهلة الولى أنه في غير موضعه‪،‬‬
‫ولكن إذا دققتَ النظر تجده في موضعه بليغا غايةَ البلغة‪ ،‬كما في قوله تعالى‪ {:‬وَإِذَا قَرَ ْأتَ‬
‫ن لَ ُي ْؤمِنُونَ بِالخِ َرةِ حِجَابا مّسْتُورا }[السراء‪]45 :‬‬
‫جعَلْنَا بَيْ َنكَ وَبَيْنَ الّذِي َ‬
‫ا ْلقُرآنَ َ‬
‫هكذا بصيغة اسم المفعول‪ ،‬والحجاب في الحقيقة ساتر وليس مستورا‪ ،‬ولكن الحق سبحانه يريد أنْ‬
‫يجعلَ الحجاب صفيقا‪ ،‬كأنه نفسه مستور بحجاب الغير‪ ،‬كما يصنع بعض المترفين ستائر البيوت‬
‫من طبقتين‪ ،‬فتصبح الستارة نفسها مستورة‪ ،‬وكما في قوله تعالى‪ {:‬ظِـلّ ظَلِيلً‪[} ..‬النساء‪]57 :‬‬
‫أي‪ :‬أن الظلّ نفسه مُظَّللٌ‪.‬‬
‫وانظر إلى حال المجتمع إذا لم تُرَاعَ فيه العهود‪ ،‬ولم تُحترمَ المواثيق‪ ،‬مجتمع يستهين أهله بالوفاء‬
‫وشرف الكلمة‪ ،‬فسوف تجده مجتمعا مُفكّكا ُفقِدت فيه الثقة بين الناس‪ ،‬وإذا ما ُفقِدت الثقة وضاع‬
‫ل لرقيّ أو تقدّم‪.‬‬
‫الوفاء وشرف الكلمة الذي تُدار به حركة الحياة فاعلم أنه مجتمع فاشل‪ ،‬وليس َأهْ ً‬
‫ولهمية العهد في السلم نجده ينعقد بمجرد الكلمة‪ ،‬وليس من الضروري أن يُسجّل في سجلت‬
‫رسمية؛ لن المؤمن تثق في كلمته حتى إن لم تُوثّق وتكتب‪.‬‬
‫ومن هنا وُجِد ما يسمونه بالحق القضائي وبالحق الديني‪ ،‬فيقولون‪ :‬هذا قضا ًء وهذا ديانة‪ ،‬والفرق‬
‫واضح بينهما‪ ،‬ويمكن أن نضرب له هذا المثل‪:‬‬
‫َهبْ أنك أخذتَ دَيْنا من صديق لك‪ ،‬وكتب له مستندا بهذا الدين ليطمئن قلبه‪ ،‬ثم قابلته بعد أن‬
‫تيسّر لك السداد ووفّيت له بدَيْنه‪ .‬لكنه اعتذر لعدم وجود المستند معه الن‪ ،‬فقلت له‪ :‬ل عليك‬
‫أرسله لي متى شئتَ‪ ،‬فلو تصوّرنا أنه أراد الغدر بك وأنكر سداد الدين‪ ،‬فالقضاء يقول‪ :‬له الحق‬
‫في أخذ دَيْنه‪ ،‬أما ديانة فليس له شيء‪.‬‬
‫إذن‪ :‬العهد الذي نعقده مع الناس يدخل تحت المسئولية الدينية وليس القضائية‪.‬‬
‫سطَاسِ ا ْلمُسْ َتقِيمِ‪.{ ...‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ } :‬وََأ ْوفُوا ا ْلكَ ْيلَ إِذا كِلْ ُت ْم وَزِنُواْ بِالقِ ْ‬

‫(‪)2047 /‬‬
‫حسَنُ تَ ْأوِيلًا (‪)35‬‬
‫وََأ ْوفُوا ا ْلكَ ْيلَ إِذَا كِلْتُ ْم وَزِنُوا بِا ْلقِسْطَاسِ ا ْلمُسْ َتقِيمِ ذَِلكَ خَيْ ٌر وَأَ ْ‬

‫تنتقل بنا اليات إلى قضية من أخطر قضايا المجتمع‪ ،‬هذه القضية هي التي تضمن للنسان نتيجة‬
‫عرقه وثمار جهده وتعبه في الحياة‪ ،‬ويطمئن أنها عائدة عليه ل على هذه الطبقة الطفيلية المتسلطة‬
‫التي تريد أن تعيش على أكتاف الخرين وتتغذى على دمائهم‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وبذلك ييأس الكسول الخامل‪ ،‬ويعلم أنه ليس له مكان في مجتمع عامل نشيط‪ ،‬وأنه إنْ تمادى في‬
‫خموله فلن يجد لقمة العيش فيأخذ من ذلك دافعا للعمل‪ ،‬وبذلك تزداد طاقة العمل ويَرْقى المجتمع‬
‫ويسعد أفراده‪.‬‬
‫صحيح في المجتمع اليماني إيثار‪ ،‬لكنه اليثار اليجابي النابع من الفرد ذاته‪ ،‬أما الخطف‬
‫والسرقة والختلس والغَصب فل مجال لها في هذا المجتمع؛ لنه يريد لحركة الحياة أن تستوعب‬
‫الجميع فل يتطفل أحد على أحد‪.‬‬
‫وإن كنا نحارب المراض الطفيلية التي تتغذى على دماء النسان فإن محاربة الطفيليات الدمية‬
‫َأوْلَى بهذه المحاربة‪ .‬فما ُد ْمتَ قادرا على العمل فيجب أن تعمل‪ ،‬أما غير القادرين من أصحاب‬
‫ق مكفول في الدولة وفي أعناق المؤمنين جميعا‪ ،‬وهذا‬
‫حٌ‬
‫العذار فهم على العين والرأس‪ ،‬ولهم َ‬
‫هو التأمين الذي يكفله السلم لكل محتاج‪.‬‬
‫سدّ حاجة الفقير‪ :‬ل تتأفف ول تضجر إنْ أخذنا منك اليوم؛ لن‬
‫لذلك نقول للغني الذي يسهم في َ‬
‫ت وجمعتَ هذا المال طاقة وقدرة ليست ذاتية فيك‪ ،‬بل هي هِبَة من‬
‫الطاقة التي عملت بها واجتهد َ‬
‫ال يمكن أنْ تُنزعَ منك في أي وقت‪ ،‬وتتبدّل قوتك ضعفا وغِنَاك حاجة‪ ،‬فإنْ حدث لك ذلك فسوف‬
‫نعطيك ونُؤمّن لك مستقبلك‪.‬‬
‫لذلك على النسان أن يعيش في الحياة إيجابيا‪ ،‬يعمل ويكدح ويُسهِم في رُقيّ الحياة وإثرائها‪ ،‬ول‬
‫يرضى لنفسه التقاعس والخمول؛ لن المجتمع اليماني ل يُسوّي بين العامل والقاعد‪ ،‬ول بين‬
‫النشيط والمتكاسل‪.‬‬
‫سعَى فيه‬
‫و َهبْ أن شقيقين اقتسما ميراثا بينهما بالتساوي؛ الول عاش في ماله باقتصاد وأمانة و َ‬
‫بجدّ وعمل على تنميته‪ ،‬أما الخر فكان مُسْرفا مُنحرفا بدّد كل ما يملك وقعد مُتحسّرا على ما‬
‫مضى‪ ،‬فل يجوز أنْ نُسوّي بين هذا وذاك‪ ،‬أو نأخذ من الول لنُعطيَ للخر‪ ،‬إياك أن تفعل هذا‬
‫لن النسان وكذلك الدول ـ إذا أخذتْ ما ليس لها حمّلها ال ما ليس عليها‪.‬‬
‫ولذلك ل يجوز أن نحقد على الغني طالما أن غِنَاه ثمرة عمله وكَدّه ونتيجة سعيه‪ ،‬وطالما أنه‬
‫يسير في ماله سَيْرا معتدلً ويؤدي ما عليه من حقوق للمجتمع‪ ،‬ولندعه يعمل بكل ما يملك من‬
‫طاقات ومواهب‪ ،‬وبكل ما ليده من طموحات الحياة؛ لن الفقير سوف يستفيد منه ومن طموحاته‬
‫شاء أم أبى‪ .‬فدَعْه يجتهد‪ ،‬وإنْ كان اجتهاده في الظاهر لنفسه فإنه في الحقيقة يعود عليك أيضا‪،‬‬
‫والخير في المجتمع تعود آثاره على الجميع‪.‬‬
‫لنفرض أن أحد هؤلء الغنياء أراد أن يبني مصنعا أو عمارة أو مشروعا كبيرا‪ ،‬فكم من العمال‬
‫والصناع‪ ،‬وكم من الموظفين والمهندسين سيستفيدون من هذا المشروع؟ إن الغني لن يملك مثل‬
‫هذه النجازات إل بعد أن يصبح ثمنها قُوتا في بطون الفقراء وكسوة على أجساد الفقراء‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سعْيه واجتهاده‪ ،‬وما عليك‬
‫إذن‪ :‬علينا أنْ ندعَ الغني يجتهد ويسعى؛ لن المجتمع سوف يستفيد من َ‬
‫إل أن تراقبه‪ ،‬فإنْ كان سعيُه في الحق فبها ونعمتْ‪ ،‬وإنْ كان في غير الحق فلتضرب على يده‪.‬‬
‫وإليك ما يضمن لك سعادة الحياة وسلمة الحركة فيها‪ ،‬يقول تعالى‪ } :‬وََأ ْوفُوا ا ْلكَ ْيلَ إِذا كِلْتُمْ‪..‬‬
‫{ [السراء‪]35 :‬‬
‫والحديث هنا ل يخصّ الكيْل فقط‪ ،‬بل جميع المقادير المستخدمة في حركة الحياة مثل المقادير‬
‫الطولية مثلً‪ ،‬والتي تُقدّر بالملليمتر أو السنتيمتر أو المتر أو الكيلو متر وتُقاسُ بها الشياء ُكلّ‬
‫على حَسْبه‪ ،‬فالكتاب مثلً ُيقَاس بالسنتيمتر‪ ،‬والحجرة ُتقَاس بالمتر‪ ،‬أما الطريق فيُقاس بالكيلومتر‬
‫وهكذا‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالتقدير الطّولي يجب أن تتناسب وحدة القياس فيه مع الشيء الذي نقيسه‪ .‬هذا في الطوليات‪،‬‬
‫أما في المساحات فيأتي الطول والعرض‪ ،‬وفي الحجام‪ :‬الطول والعرض والرتفاع‪ .‬وفي الكُتَل‬
‫يأتي الميزان‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالحياة محكومة في تقديرات الشياء بالكيْل الذي يُبيّن الحجام‪ ،‬وبالميزان الذي يُبيّن الكتلة؛‬
‫لن الكيْل ل دخلَ له في الكتلة‪ ،‬إنما الكتلة تُعرف بالميزان‪ ،‬بدليل أن كيلو القطن مثلً أكبر بكثير‬
‫من كيلو الحديد‪.‬‬
‫ومعنى ذلك أن ميزان التقدير يجب أن يكون سليما؛ لذلك يقول تعالى‪ } :‬وََأ ْوفُوا ا ْلكَ ْيلَ إِذا كِلْتُمْ‪..‬‬
‫{ [السراء‪ ]35 :‬يعني‪ :‬أعطوا المقادير على قدر المطلوب من الطرفين دون نقص‪.‬‬
‫طفّفِينَ * الّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النّاسِ يَسْ َت ْوفُونَ * وَإِذَا‬
‫وقد قال تعالى في آية أخرى‪ {:‬وَ ْيلٌ لّ ْل ُم َ‬
‫كَالُوهُمْ َأ ْو وّزَنُوهُمْ ُيخْسِرُونَ }[المطففين‪]3-1 :‬‬
‫حقّهم‬
‫ومعنى المطففين الذين يزيدون‪ ،‬وهؤلء إذا اكتالوا على الناس‪ ،‬أي‪ :‬أخذوا منهم‪ .‬أخذوا َ‬
‫خسِرُونَ }[المطففين‪]3 :‬‬
‫وافيا‪ ،‬وهذا ل َلوْم عليه‪ ،‬وإنما اللوم على‪ {:‬وَإِذَا كَالُو ُهمْ َأ ْو وّزَنُوهُمْ يُ ْ‬
‫أي‪ :‬إذا كالوا للناس أو وزنوا لهم } ُيخْسِرُونَ { أي‪ :‬ينقصون‪ .‬هذا هو موضع الذمّ ومجال اللوْم‬
‫سوّ بينه وبين الخرين‪،‬‬
‫حقّه‪ ،‬بل يُلم على أنه لم يُ َ‬
‫في الية؛ لن النسان ل يُلم على أنه استوفى َ‬
‫ولم يعامل الناس بمثل ما يحب أنْ يُعاملوه به‪.‬‬
‫ونلحظ أن الكثيرين يفهمون أن التطفيف يكون في الكَيْل والميزان فحسب‪ ،‬لكنه أيضا في السعر‪،‬‬
‫فالبائع الذي ينقصك الكيلو عشرين جراما مثلً فقد بخسَك في الوزن‪ ،‬وطفّف عليك في الثمن‬
‫أيضا‪.‬‬
‫ثم يقول تعالى‪ } :‬وَزِنُواْ بِالقِسْطَاسِ ا ْلمُسْ َتقِيمِ‪[ { ..‬السراء‪ ]35 :‬أي‪ :‬اجعلوا الوزن دقيقا مستقيما ل‬
‫جوْرَ فيه‪.‬‬
‫َ‬
‫والمتأمل يجد أن الحق سبحانه وتعالى حينما أراد دقة الحجام في تعاملت الناس أمرهم بإيفاء‬
‫حقّه‪ ،‬هكذا‪ } :‬وََأ ْوفُوا ا ْلكَ ْيلَ‪[ { ..‬السراء‪]35 :‬‬
‫الكيل َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫جعَله بالقسطاس‪ ،‬ليس القسطاس فحسب بل المستقيم‪ ،‬إذن‪:‬‬
‫أما في الوزن فقد ركز على ِدقّته‪ ،‬و َ‬
‫لماذا هذه الدّقة في الميزان بالذات؟‬
‫لو نظرتَ إلى عملية الكيْل لوجدتها واضحة مكشوفة‪ ،‬قَلّما يستطيع النسان الغِشّ فيها‪ ،‬وكثيرا ما‬
‫ينكشف أمره ويُعلَم تلعبه؛ لن الكيْل أمام العين والتلعب فيه مكشوف‪.‬‬
‫أما الوزن فغير ذلك‪ ،‬الوزن مجال واسع للتلعب‪ ،‬ولدى التجار ألف طريقة وطريقة يبخسون بها‬
‫الوزن دون أن يدري بهم أحد؛ لن الميزان كما نعلم رافعة من النوع الول‪ ،‬عبارة عن محور‬
‫ارتكاز في الوسط‪ ،‬و ِكفّة القوة في ناحية‪ ،‬وكِفّة المقاومة في الناحية الخرى‪ ،‬فأيّ َنقْص في‬
‫الذراعين يفسد الميزان‪ ،‬وأيّ تلعب في كِفة القوة أو المقاومة يفسد الميزان‪.‬‬
‫ولو تحدثنا عن ألعيب البائعين في أسواقنا لطال بنا المقام؛ لذلك أكد الحق سبحانه وتعالى على‬
‫ش والخداع وَأكْل أموال الناس‪.‬‬
‫الدقة في الميزان خاصة؛ لنه مجال واسع للغ ّ‬
‫وسبق أن أوضحنا أن ميزان ُكلّ شيء بحسبه‪ ،‬ويتناسب مع قيمته ونفاسته‪ ،‬فالذي يزن الجير مثلً‬
‫غير الذي يزن اللوز‪ ،‬غير الذي يزن الذهب أو اللماس؛ لذلك من معاني (القسطاس المستقيم) أن‬
‫يتناسب الميزان مع قيمة الموزون‪ ،‬فالذي يبيع الذهب مثلً يزن أشياء ثمينة مهما كانت قليلة في‬
‫الميزان؛ فإنها تساوي الكثير من المال‪.‬‬
‫لذلك فإن أهل الخبرة في هذه المسألة يقولون‪ :‬احذر أن يُدخِل البائع رأسه قريبا من الميزان؛ لنه‬
‫قد ينفخ في كِفّة الميزان‪ ،‬ولشكّ أنك ستخسر كثيرا من جَرّاء هذه النفخة!!‬
‫لذلك نقول لهؤلء الذين أخذت أيديهم على الغش والخداع في البيع والشراء‪ :‬أنت تبيع للناس شيئا‬
‫واحدا وتغشهم فيها‪ ،‬وفي الوقت نفسه تشتري أشياء كثيرة من متطلبات الحياة‪ ،‬فاعلم جيدا أنك إنْ‬
‫شتَ الناس في سلعة واحدة فسوف تُغشّ في مئات السلع‪ ،‬وأنت بذلك خاسر ل محالة‪ .‬مهما‬
‫غش ْ‬
‫دارت بك الوهام والظنون فحسبت أن المسألة في صالحك‪.‬‬
‫ول تنسَ أن فوقك قيّوما‪ ،‬ل تأخذه سنة ول نوم‪ ،‬ول تخفي عليه من أمرك خافية‪ ،‬وسوف يُسلّط‬
‫عمّ ْيتَ على‬
‫عليك مَنْ يسقيك بنفس كأسك إلى أنْ تتبينَ لك حقيقة هذه الصفقة الخاسرة؛ لنك إن َ‬
‫قضاء الرض فلن تُعمّي على قضاء السماء‪ ،‬وسوف تذهب هذه الموال التي اختلستها من أقوات‬
‫ل من مهاوش أذهبه ال‬
‫الناس من حيث أتت‪ ،‬كما قال النبي صلى ال عليه وسلم‪ " :‬من أصاب ما ً‬
‫في نهابر "‪.‬‬
‫وكذلك في المقابل‪ :‬مَنْ صدق الناس‪ ،‬ووفّى لهم في بيعه وشرائه وتعاملته يسّر ال له مَنْ يُوفّي‬
‫له ويصدُق معه‪.‬‬
‫ثم يقول تعالى‪ } :‬ذاِلكَ خَيْ ٌر وَأَحْسَنُ تَ ْأوِيلً { [السراء‪]35 :‬‬
‫} ذاِلكَ { أي‪ :‬الوزن بالقسطاس المستقيم خير وأحسن } تَ ْأوِيلً { أي‪ :‬عاقبة‪ ،‬ومعنى ذلك أن‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫المقابل له ليس خيرا ول أحسن عاقبة‪ .‬فالذي يغش الناس ويخدعهم يظن أنه بغشّه يزيد في ماله‬
‫ويجلب الخير لنفسه‪.‬‬
‫نقول له‪ :‬أنت واهم‪ ،‬فليس في الغش والبخس خير سيُجرّئ الناس عليك فيغشوك‪ ،‬هذه واحدة ثم ل‬
‫يلبث الناس أن يكتشفوا تلعبك في الكيل والميزان فينصرفون عنك ويقاطعونك‪.‬‬
‫إذن‪ :‬عدم الوزن بالقِسْطاس المستقيم ل هو خَيْر‪ ،‬ول هو أحسن عاقبة‪.‬‬
‫أما التاجر الصادق الذي يُوفِي الكَيْل والميزان‪ ،‬فإن ال تعالى ييسر له من يوفي له الكيل‬
‫والميزان‪ ،‬وكذلك يشتهر بين الناس بصدقه وأمانته‪ ،‬فيقبلون عليه ويحرصون على التعامل معه‪.‬‬
‫حسَنُ تَ ْأوِيلً { [السراء‪ ]35 :‬أي‪ :‬احسن عاقبة‪..‬‬
‫وهذا هو المراد بقوله تعالى‪ } :‬ذاِلكَ خَيْ ٌر وَأَ ْ‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪َ } :‬ولَ َتقْفُ مَا لَيْسَ َلكَ بِهِ عِ ْلمٌ‪.{ ...‬‬

‫(‪)2048 /‬‬
‫سمْعَ وَالْ َبصَرَ وَا ْل ُفؤَادَ ُكلّ أُولَ ِئكَ كَانَ عَ ْنهُ مَسْئُولًا (‪)36‬‬
‫وَلَا َتقْفُ مَا لَيْسَ َلكَ ِبهِ عِلْمٌ إِنّ ال ّ‬

‫ينتقل الحق سبحانه وتعالى إلى قضية أخرى تُنظّم حركة الحياة والنسان الذي استخلفه ال في‬
‫الرض ووهَبه الحياة وأمدّه بالطاقات وبمُ َق ّومَات الحياة وضرورياتها‪.‬‬
‫ن تكفّل له بالضروريات‪َ ،‬دلّه على الترقّي في الحياة بالبحث والفكر‪ ،‬واستخدام العقل‬
‫وبعد أ ْ‬
‫المخلوق ل‪ ،‬والمادة المخلوقة ل بالطاقات المخلوقة ل‪ ،‬فيُرقّي ويُثري حياته ومجتمعه‪.‬‬
‫وحركة الترقّي والثراء هذه ل تتمّ إل على قضية ثابتة واضحة‪ ،‬فإذا تحركتَ في الحياة بناءً على‬
‫هذه القضية فسوف تصل إلى النتيجة المرجوّة‪.‬‬
‫فمثلً‪ ،‬الطالب الذي يرغَب في دخول كلية الحقوق مثلً‪ ،‬لديه قضية واضحة مجزوم بها‪ ،‬فعندما‬
‫ضوْء قضية اقتنع بها‪.‬‬
‫يلتحق بالحقوق يجتهد‪ ،‬ويصل من خللها إلى طموحاته؛ لنه سار على َ‬
‫إذن‪ :‬ل بُدّ أن تُبْنَى حركة الحياة على قضايا ثابتة‪ ،‬هذه القضايا الثابتة تجعل المتحرّك في أيّ‬
‫حركة واثقا من أن حركته ستُؤدّي إلى النتيجة المطلوبة‪ ،‬فلو أردتَ مثلً الذهاب إلى السكندرية‬
‫أو إلى أسوان‪ ،‬فلن تتحرّك إل إذا تأكدتَ أن هذا الطريق هو الموصّل إلى غايتك‪ ،‬وكذلك حركة‬
‫الحياة ل يمكن أنْ تتمّ إل بناءً على قضايا حقيقية مضبوطة في الكون‪ ،‬وهذا ما نسميه (العلم)‪.‬‬
‫وقد سبق أن أوضحنا معنى القضية‪ ،‬وأنها المقولة التي يُحكَم على قائلها بالصدق أو الكذب‪ ،‬كأن‬
‫نقول‪ :‬الرض كُروية‪ ،‬أو الشمس مضيئة‪ ،‬أو القمر منير‪ ،‬وهذه القضايا تعطيني قضية علمية‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫مجزوما بها وواقعة‪ ،‬ويمكن أنْ نُدلّل عليها‪ .‬وهذا هو العلم‪.‬‬
‫أما الجهل فأنْ تجزم بقضية ليست واقعية فهي قضية كاذبة‪ ،‬وليس الجهل عدم العلم كما يعتقد‬
‫البعض؛ لن عدم العلم أمية‪ ،‬والميّ ليس عنده قضية ل صادقة ول كاذبة‪.‬‬
‫لذلك تجد الميّ أطوعَ في التعلم من الجاهل؛ لن المي بمجرد أنْ تُعلّمه قضية ما يأخذها‬
‫ويتعلمها‪ ،‬أما الجاهل فيلزمك أولً أن تُخرِج من ذهنه القضية المخالفة‪ ،‬ثم تُعلّمه القضية الصادقة‪.‬‬
‫وقضايا الحياة يمكن أنْ تُقسّم إلى قسمين‪:‬‬
‫قضايا تختلف فيها الهواء‪.‬‬
‫وقضايا تتفق فيها الهواء‪.‬‬
‫فالقضايا التي تختلف فيها الهواء‪ :‬هي القضية التي يخدم بها كل قائل لها فكرةً عنده فقط‪ ،‬وإنْ‬
‫كانت ضارة بغيره‪ ،‬فما دام المر قائما على الهواء فل بُدّ أنْ تختلفَ‪ ،‬ف ُكلّ له هواه الخاص‪ ،‬فلو‬
‫أن لكل واحد قضية ما التقينا على شيء أبدا‪.‬‬
‫ت وَالَرْضُ‪} ..‬‬
‫سمَاوَا ُ‬
‫حقّ أَ ْهوَآءَهُمْ َلفَسَ َدتِ ال ّ‬
‫وصدق الحق تبارك وتعالى حين قال‪ {:‬وََلوِ اتّ َبعَ الْ َ‬
‫[المؤمنون‪]71 :‬‬
‫إذن‪ :‬فما المخرج من هذا الختلف والتبايُن؟ المخرَج أن يخرج كل واحد مِنّا من هوى نفسه‬
‫أولً‪ ،‬ثم نرد القضية التي اختلفتْ فيها أهواؤنا إلى مَنْ ل هوى له‪.‬‬
‫ور ّبكَ سبحانه وتعالى هو وحده الذي ل هَوى له‪ ،‬ونحن جميعا خَلْقه‪ ،‬وكلنا عنده سواء‪ ،‬ليس منا‬
‫مَنْ بينه وبين ال نسب أو قرابة‪ ،‬فشرع ال واحد للجميع‪ ،‬ول غضاضة فالكل خاضع لهذا الشرع‬
‫مُتّبِع له؛ لنه شَرْع الخالق سبحانه ل شَرْع أحد من الناس‪.‬‬
‫لذلك اشتهر قولهم‪ " :‬اللي الشرع يقطع صباعه مَيْخُرش دم "‪.‬‬
‫فأنا لم أخضع لك‪ ،‬وأنت لم تخضع لي‪ ،‬بل الجميع خاضع ل تعالى مُنصَاع لمره‪ .‬إذن‪ :‬اتركوا‬
‫قضايا الهواء ل تعالى يُشرّعها لكم لكي ترتاحوا من تسلّط بعضكم على بعض‪.‬‬
‫أما القضايا التي تتفق فيها الهواء فهي القضايا المادية القائمة على المادة الصمّاء التي ل تُجامِل‬
‫أحدا على حساب أحد‪ ،‬ول مانعَ أن تتبعوا الخرين فيها؛ لنكم سوف تلتقون عليها َقهْرا ورَغْما‬
‫عنكم‪ ،‬فالمعمل الذي تدخله لتجري التجارب التي توصلك لقضية ما مادية أو كيماوية معمل محايد‬
‫ل يجامل أحدا‪.‬‬
‫وقد سبق أن قلنا‪ :‬إن الكهرباء أو الكيمياء ليس فيها روسي وأمريكي؛ لن هذه أشياء مادية ل‬
‫خلفَ عليها‪ ،‬أما الذي جعل المعسكر الشرقي يختلف والمعسكر الغربي هي القضايا الهوائية‪،‬‬
‫فهذا شيوعي‪ ،‬وهذا رأسمالي‪.‬‬
‫لذلك‪ ،‬فالنبي صلى ال عليه وسلم وضع بنفسه هذا المبدأ في الوجود اليماني حينما رأى الناس‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يُؤبّرون النخل‪ ،‬فأشار عليهم بعدم تأبيره‪ ،‬فأطاعوه ولم يؤبروا النخل في هذا العام‪ ،‬وكانت النتيجة‬
‫أن شاص النخل ولم يثمر‪ ،‬وأثبتتْ التجربة الطبيعية أن ما أشار به رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم ليس صوابا‪.‬‬
‫يأتي هذا ِممّنْ؟ من محمد بن عبد ال نبي ال ورسوله‪ ،‬الذي يحرص على أن تأتي كل قضاياه‬
‫صادقة صائبة‪ ،‬وما كان منه إل أن قال‪ " :‬أنتم أعلم بشئون دنياكم "‪.‬‬
‫ليضع بذلك أُسْوة لعلماء الدين ألّ يضعوا أنوفهم في قضايا الماديات‪ ،‬وقد قال الحق تبارك‬
‫وتعالى‪َ {:‬قدْ عَلِمَ ُكلّ أُنَاسٍ مّشْرَ َبهُمْ }[البقرة‪]60 :‬‬
‫ويقول صلى ال عليه وسلم‪ " :‬ل يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به "‪.‬‬
‫فإنْ أردتَ أنْ تتحرّك في الحياة حركة سليمة مجدية‪ ،‬وحركة متساندة مع إخوانك غير متناقضة؛‬
‫فالحق سبحانه يقول‪ } :‬وَلَ َت ْقفُ مَا لَ ْيسَ َلكَ بِهِ عِ ْلمٌ‪[ { ..‬السراء‪ ]36 :‬لكي تسير في حركة الحياة‬
‫ى وبصيرة‪.‬‬
‫على هُد ً‬
‫} لَ َت ْقفُ { أي‪ :‬ل تتبع ول تتدخل فيما ل عِلْم لك به‪ ،‬كمَنْ يدّعي مثلً العلم بإصلح التليفزيون‬
‫وهو ل يعلم‪ ،‬فربما أفسد أكثر مما يُصلح‪.‬‬
‫ومن هنا قال أهل الفقه‪ :‬مَنْ قال ل أدري فقد أفتى؛ لنه بإعلن عدم معرفته صرف السائل إلى‬
‫عقْباه‪ ،‬والذي يسلك هذا‬
‫مَنْ يعلم‪ ،‬أما لو أجاب خطأ‪ ،‬فسوف يترتّب على إجابته مَا ل تُحمد ُ‬
‫المسلك في حياته تكون حركته في الحياة حركة فاشلة‪.‬‬
‫والفعل (يَقفْو) مأخوذ من القفا وهو المؤخرة‪ ،‬وقد قال تعالى في آية أخرى‪ُ } :‬ثمّ َقفّيْنَا عَلَىا‬
‫آثَارِهِم بِرُسُلِنَا { [الحديد‪ ]27 :‬أي‪ :‬أتبعناهم‪.‬‬
‫ويقفو أثره أي‪ :‬يسير خَلْفه‪.‬‬
‫عشْبة الدار‪،‬‬
‫وحينما نصح أحدهم رجلً يريد أنْ يتزوج قال له‪ :‬ل تتخذها حنّانة‪ ،‬ول منّانة‪ ،‬ول ُ‬
‫ول كبة القفا‪ .‬فالحنانة التي لها ولد من غيرك يذكرها دائما بأبيه فتحِنّ إليه‪ ،‬والمنّانة التي لديها‬
‫مال تَمنّ به عليك‪ ،‬وعُشْبة الدار هي المرأة الحسناء في المن َبتِ السوء والمستنقع القذر‪ ،‬وكبّة القفا‬
‫هي التي ل تعيب النسان في حضوره‪ ،‬وتعيبه وتذمه في غيبته‪.‬‬
‫والعلم هنا يُراد به العلم المطلق؛ لن الكثير من الناس كان يعتقد أن العلم يعني العلم الديني فقط‪،‬‬
‫لكن العلم هو كل ما يُثري حركة الحياة‪ ،‬والعلم علمان‪:‬‬
‫ى واحد هو الهَوى اليماني‪.‬‬
‫ـ علم ديني‪ ،‬وهو الذي يقضي على الهواء‪ ،‬ويُوحّدهَا إلى هو ً‬
‫وهذا العلم يتولّه الخالق سبحانه‪ ،‬وليس لنا دَخْل فيه؛ لن الصانع أَدْرى بصنعته‪ ،‬وهو الذي يضع‬
‫لها قانون صيانتها؛ لنه يعلم مَا يصلحها ومَا يفسدها‪.‬‬
‫وكما أنك ل تذهب إلى الجزار ليضع لك قانون صيانة النسان إل من خالقه عز وجل‪َ {:‬ألَ َيعْلَمُ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ق وَ ُهوَ اللّطِيفُ ا ْلخَبِيرُ }[الملك‪]14 :‬‬
‫مَنْ خََل َ‬
‫وهذا النوع من العلم قال ال تعالى عنه‪َ {:‬ومَآ آتَاكُمُ الرّسُولُ َفخُذُو ُه َومَا َنهَاكُمْ عَنْهُ فَان َتهُواْ‪} ..‬‬
‫[الحشر‪]7 :‬‬
‫خلَ فيه‪ ،‬أو نزيد عليه؛ لنه منهج ال الذي جاء بـ " افعل ول تفعل " ‪ ،‬وهو‬
‫ـ فليس لنا أنْ نتد ّ‬
‫منهج ل يقبل الزيادة أو التعديل‪ ،‬فما كان فيه أمر ونهي فعليك اللتزام به‪ ،‬وإل لو خرجت عن‬
‫هذا الطار الذي رسمه لك ربك وخالقك فسوف تحدث في الكون فسادا بترك المر أو بإتيان‬
‫النهي‪ .‬أما المور التي تركها الخالق سبحانه ولم يرد في شأنها أمر أو نهي فأنت حر فيها‪ ،‬تفعل‬
‫أو ل تفعل‪.‬‬
‫والمتأمل في شرع الخالق سبحانه يجد أمور التكليف بافعل ول تفعل قليلة إذا ما قيست بالمور‬
‫التي ترك لك الحرية فيها‪ ،‬إذن‪ :‬فدع لربك وخالقك والعلم بك مجالً يحكم من خلله حياتك‬
‫وينظمها لك‪ ،‬أل يجد بنا ونحن عباده وصنعته أن نُحكّمه في أمور ديننا‪ ،‬ونُخرِج أنوفنا مما‬
‫اختص به سبحانه؟‬
‫ـ أما النوع الخر من العلم‪ ،‬فهو العلم المادي التجريبي الذي ل يخضع للهواء‪ ،‬فقد جعله الخالق‬
‫سبحانه مجالً للبحث والتسابق‪ ،‬ومضمارا يجري فيه الجميع؛ لنهم في النهاية سيلتقون فيه َقهْرا‬
‫ورَغْما عنهم‪ .‬وقد أعطانا الحق سبحانه وتعالى مثالً لهذا النوع من العلم‪ ،‬فقال تعالى‪ {:‬أََلمْ تَرَ أَنّ‬
‫حمْرٌ مّخْتَِلفٌ‬
‫سمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ َثمَرَاتٍ مّخْتَلِفا أَ ْلوَا ُنهَا َومِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ َو ُ‬
‫اللّهَ أن َزلَ مِنَ ال ّ‬
‫ب وَالَ ْنعَامِ مُخْتَِلفٌ أَ ْلوَانُهُ كَذَِلكَ‪[} ..‬فاطر‪]28-27 :‬‬
‫س وَال ّدوَآ ّ‬
‫أَ ْلوَا ُنهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * َومِنَ النّا ِ‬
‫فذكر الحق سبحانه أجناس الوجود كلها‪ :‬النسان‪ ،‬والحيوان‪ ،‬والنبات‪ ،‬والجماد‪ .‬ثم ختم ذلك بقوله‪:‬‬
‫{ إِ ّنمَا َيخْشَى اللّهَ مِنْ عِبَا ِدهِ ا ْلعَُلمَاءُ‪[} ..‬فاطر‪]28 :‬‬
‫ت المعان فيها فسوف تُوصّلك‬
‫فهذه ظواهر الكون‪ ،‬ارْبَع فيها كما شئت بحثا ودراسة‪ ،‬وإنْ أحسن َ‬
‫إلى ظواهر أخرى تُثري حياتك وتُرقّيها‪ ،‬فالذي اكتشف عصر البخار‪ ،‬والذي اكتشف العجلة‬
‫والكهرباء والجاذبية وغيرها لم يخلق جديدا في َكوْن ال‪ ،‬إنما أحسن النظر والتأمّل فتوصّل إلى‬
‫ما يُريح المجتمع ويُسعده‪.‬‬
‫لذلك‪ ،‬فالحق سبحانه وتعالى يُحذّرنا أن نمرّ على ظواهر الكون في إعراض وغفلة ودون تمعّن‬
‫ت وَالَ ْرضِ َيمُرّونَ عَلَ ْيهَا وَهُمْ عَ ْنهَا ُمعْ ِرضُونَ }[يوسف‪]105 :‬‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫فيها‪َ {:‬وكَأَيّن مّن آيَةٍ فِي ال ّ‬
‫والذين عبّروا عن هذه النجازات العلمية بكلمة (الكتشافات) كانوا أمناء في التعبير عن الواقع‬
‫الفعلي‪ ،‬فهم لم يخلقوا جديدا في الكون‪ ،‬فكلّ هذه الشياء موجودة‪ ،‬والفضل لهم في الهتداء إليها‬
‫واكتشافها‪ ،‬ومن هنا فكلمة (اختراع) ليست دقيقةً في التعبير عن هذه الكتشافات‪.‬‬
‫فإذا كان الحق سبحانه نهانا عن تتبّع ما ليس لنا به علم‪ ،‬فماذا نتبع؟ نتبع ما نعلمه وما نتيقن منه‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫من علوم‪ ،‬فإنْ كانت في الدين تركناها للخالق سبحانه يُقنّنها لنا‪ ،‬وإنْ كانت في أمور الدنيا أعملنا‬
‫فيها عقولنا بما ينفعنا ويُثرِي حياتنا؛ لذلك تكلّم الحق سبحانه بعد ذلك عن وسائل إدراك العلم‪،‬‬
‫سؤُولً { [السراء‪]36 :‬‬
‫سمْ َع وَالْ َبصَ َر وَا ْل ُفؤَادَ ُكلّ أُولـا ِئكَ كَانَ عَ ْنهُ مَ ْ‬
‫فقال‪ } :‬إِنّ ال ّ‬
‫وما دام الحق سبحانه قد نهانا عن تتبع مَا ل نعلم‪ ،‬وأمرنا أن نسير على ضوء ما نعلم من العلم‬
‫اليقيني فل ُبدّ أنْ يسأل المرءُ عن وسائل العلم هذه‪ ،‬لنه لول وسائل الدراك هذه ما عَلم النسانُ‬
‫جكُم مّن ُبطُونِ ُأ ّمهَا ِتكُ ْم لَ َتعَْلمُونَ شَيْئا‬
‫شيئا‪ ،‬وهذا واضح في قول الحق تبارك وتعالى‪ {:‬وَاللّهُ أَخْ َر َ‬
‫شكُرُونَ }[النحل‪]78 :‬‬
‫لفْئِ َدةَ َلعَّلكُمْ َت ْ‬
‫سمْ َع وَالَبْصَا َر وَا َ‬
‫ج َعلَ َلكُمُ ا ْل ّ‬
‫وَ َ‬
‫وهل يشكر النسان إل على حصيلة أخذها؟ هذه الحصيلة هي العلم‪.‬‬
‫وهذه الحواس تُؤدّي عملها في النسان بمجرد أنْ تنشأ فيه‪ ،‬وبعد أنْ يخرجَ إلى الحياة‪ ،‬والبعض‬
‫يظنّ أن الطفل الصغير ل يفهم إل عندما يكبر ويستطيع الكلم والتفاهم مع الخرين‪ ،‬والحقيقة أن‬
‫الطفل يدرك ويعي من اليام الولى لولدته‪.‬‬
‫ولذلك‪ ،‬فإن علماء وظائف العضاء يقولون‪ :‬إن الطفل يُولَد ولديْه ملكَاتٌ إدراكية سمّاها العلماء‬
‫احتياطا " الحواس الخمس الظاهرة " ‪ ،‬وقد كان احتياطهم في محله لنهم اكتشفوا بعد ذلك حواس‬
‫أخرى‪ ،‬مثل حاسة العضل مثلً التي نُميّز بها بين الخفيف والثقيل‪.‬‬
‫وإنْ كانت حواس النسان كثيرة فإن أهمها‪ :‬السمع والبصر‪ ،‬وقد وردت في القرآن بهذا الترتيب‪،‬‬
‫السمع أولً‪ ،‬ثم البصر لن السمع يسبق البصر‪ ،‬فالنسان بمجرد أنْ يُولَد تعمل عنده حاسّة السمع‪،‬‬
‫أما البصر فإنه يتخلّف عن السمع لعدة أيام من الولدة‪ ،‬إذن‪ :‬فهو أسبق في أداء مهمته‪ ،‬هذه‬
‫واحدة‪.‬‬
‫الخرى‪ :‬أن السمع هو الحاسّة الوحيدة التي تُؤدّي مهمتها حتى حال النوم‪ ،‬وفي هذا حكمة بالغة‬
‫للخالق سبحانه‪ ،‬فبالسمع يتم الستدعاء من النوم‪.‬‬
‫وقد أعطانا الخالق سبحانه صورة واضحة لهذه المسألة في قصة أهل الكهف‪ ،‬فلما أراد سبحانه‬
‫أن يناموا هذه السنين الطوال ضرب على آذانهم وعطّل حاسة السمع لديهم‪ ،‬وإلّ َلمَا تمكّنوا من‬
‫النوم الطويل‪ ،‬ولزعجتهم الصوات من خارج الكهف‪ .‬فقال تعالى‪َ {:‬فضَرَبْنَا عَلَىا آذَا ِنهِمْ فِي‬
‫ا ْل َك ْهفِ سِنِينَ عَدَدا }[الكهف‪]11 :‬‬
‫س ِمعْنَا‪} ..‬‬
‫ولم يسبق البصر السمع إل في آية واحدة في كتاب ال تعالى وهي‪ {:‬رَبّنَآ أَ ْبصَرْنَا وَ َ‬
‫[السجدة‪]12 :‬‬
‫والحديث هنا ليس عن الدنيا‪ ،‬بل عن الخرة‪ ،‬حيث يفزع الناس من َهوْلها فيقولون‪ {:‬رَبّنَآ أَ ْبصَرْنَا‬
‫جعْنَا َن ْع َملْ صَالِحا‪[} ..‬السجدة‪ ]12 :‬لنهم في الخرة أبصروا قبل أن يسمعوا‪.‬‬
‫س ِمعْنَا فَارْ ِ‬
‫وَ َ‬
‫فالسمع أوّل الحواس‪ ،‬وهو أهمها في إدراك المعلومات‪ ،‬حتى الذي يأخذ معلوماته بالقراءة سمع‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫قبل أن يقرأ‪ ،‬فتعلّم أولً بالسماع ألف باء‪ ،‬فالسمع أولً في التعلّم‪ ،‬ثم يأتي َدوْر البصر‪.‬‬
‫والذي يتتبع اليات التي ورد فيها السمع والبصر سيجدها جاءت بإفراد السمع وجمع البصر‪ ،‬مثل‬
‫سمْعَ وَالَ ْبصَارَ‪[} ..‬السجدة‪]9 :‬‬
‫ج َعلَ َل ُكمُ ال ّ‬
‫قوله سبحانه‪ {:‬وَ َ‬
‫سمْعَ وَالْ َبصَرَ وَا ْل ُفؤَادَ ُكلّ أُولـا ِئكَ‬
‫إل في هذه الية التي نحن بصدد الحديث عنها جاءت‪ } :‬إِنّ ال ّ‬
‫سؤُولً { [السراء‪]36 :‬‬
‫كَانَ عَنْهُ مَ ْ‬
‫لماذا؟ وما الحكمة من إفرادها هنا بالذات؟‬
‫وقبل أن نُوضّح الحكمة هنا يجب أن نعي أن المتكلم هو ال تعالى‪ ،‬وما دام المتكلم هو ال فل ُبدّ‬
‫أن تجد كل كلمة دقيقة في موضعها‪ ،‬بليغة في سياقها‪.‬‬
‫فالسمع جاء بصيغة الفراد؛ لنه ل يتعدد فيه المسموع بالنسبة للسامع‪ ،‬فإذا حدث الن صوت‬
‫نسمعه جميعا‪ ،‬فهو واحد في جميع الذان‪.‬‬
‫أما البصر فهو خلف ذلك؛ لن أمامنا الن مرائيَ متعددة ومناظر مختلفة‪ ،‬فأنت ترى شيئا‪ ،‬وأنا‬
‫أرى شيئا آخر‪ ،‬فَوحْدة السمع ل تنطبق على البصر؛ لذلك أفرد السمع وجاء البصر بصيغة‬
‫الجمع‪.‬‬
‫سمْ َع وَالْ َبصَرَ‪[ { ..‬السراء‪ ]36 :‬فقد ورد البصر هنا مفردا؛ لن الحق‬
‫أما في قوله تعالى‪ } :‬إِنّ ال ّ‬
‫سمْعه وبصره‪ ،‬والمسئولية أمام‬
‫سبحانه وتعالى يتحدث عن المسئولية‪ ،‬مسئولية كل إنسان عن َ‬
‫الحق سبحانه وتعالى فردية ل يُسأل أحد عن أحد‪ ،‬بل يُسأل عن نفسه فحَسْب‪ ،‬فناسب ذلك أنْ‬
‫يقول‪ :‬السمع والبصر؛ لنه سيُسأل عن بصر واحد وهو بصره‪.‬‬
‫سمْعه وبصره وفؤاده من حيث التلقّي‪ ،‬تلقّي القضايا العلمية التي‬
‫فالنسان ـ إذن ـ مسئول عن َ‬
‫سنسير عليها في حركة حياتنا‪ ،‬وكذلك من حيث العطاء‪ ،‬فكأن الحق سبحانه وتعالى يقول للذن‪:‬‬
‫سمِعه إل ما يدعو إلى فضيلة‪ ،‬ول‬
‫ل تسمعي إل خيرا‪ ،‬ول تتلقيْ إل طيّبا‪ ،‬ويا مُربّي النشء ل تُ ْ‬
‫تعط لذنه إل ما يصلح حياته ويُثريها‪.‬‬
‫ويقول للعين‪ :‬ل ت َرىْ إل الحلل ل يهيج غرائزك إلى الشهوات‪ ،‬ويا مُربّي النشء احجب عنه ما‬
‫يثير الغرائز ويفسد الحياة؛ وبذلك نربي في المجتمع المعلومات الصحيحة التي تنبني عليها حركة‬
‫حياته‪.‬‬
‫ن تقولَ‪ :‬سمعت وأنت لم‬
‫وما ُد ْمتَ مسئولً عن أعضائك هذه المسئولية‪ ،‬ومحاسبا عنها‪ ،‬فإياك أ ْ‬
‫ن تقولَ‪ :‬رأيت وأنت لم تَرَ‪ ،‬إياك أنْ تتعرّض لشهادة تُدلي فيها بغير ما تعلم‬
‫تسمع‪ ،‬وإياك أ ْ‬
‫وتتيقن‪ .‬أو تتبنّى قضية خاطئة وتبني عليها حركة حياتك؛ لن المبنّي على مقدمات فاسدة ينتج‬
‫عنه نتائج فاسدة‪ ،‬وما بُنِي على مقدمات صحيحة أنتج النتيجة الصحيحة‪.‬‬
‫علْمٌ‪[ { ..‬السراء‪ ]36 :‬لماذا؟ لنك‬
‫وجماع هذا كله في قوله تعالى‪َ } :‬ولَ َت ْقفُ مَا لَيْسَ َلكَ بِهِ ِ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سمْ َع وَالْ َبصَ َر وَا ْلفُؤَادَ ُكلّ أُولـا ِئكَ كَانَ‬
‫محاسب على علمك هذا وعلى وسائل إدراكه لديك‪ } :‬إِنّ ال ّ‬
‫سؤُولً { [السراء‪]36 :‬‬
‫عَنْهُ مَ ْ‬
‫ض وَلَن تَبْلُغَ ا ْلجِبَالَ طُولً‬
‫ق الَ ْر َ‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪َ } :‬ولَ َتمْشِ فِي الَ ْرضِ مَرَحا إِ ّنكَ لَن َتخْرِ َ‬
‫{‪.‬‬

‫(‪)2049 /‬‬
‫وَلَا َتمْشِ فِي الْأَ ْرضِ مَرَحًا إِ ّنكَ لَنْ َتخْرِقَ الْأَ ْرضَ وَلَنْ تَبْلُغَ ا ْلجِبَالَ طُولًا (‪)37‬‬

‫ما زالت اليات تسير في خطّ واحد‪ ،‬وترسم لنا طريق التوازن الجتماعي في مجتمع المسلمين‪،‬‬
‫فالمجتمع المتوازن يصدر في حركته عن إله واحد‪ ،‬هو صاحب الكلمة العليا وصاحب التشريع‪.‬‬
‫والمتتبع لهذه اليات يجد بها منهجا قويما لبناء مجتمع متماسك ومتوازن‪ ،‬يبدأ بقوله تعالى‪ {:‬لّ‬
‫جعَل مَعَ اللّهِ إِلَـاها آخَرَ‪[} ..‬السراء‪]22 :‬‬
‫تَ ْ‬
‫وهذه قضية القمة التي ل تنتظم المور إل في ظلّها‪ ،‬ثم قسّم المجتمع إلى طبقات‪ ،‬فأوصى بالطبقة‬
‫الكبيرة التي أدّت مهمتها في الحياة‪ ،‬وحان وقت إكرامها وردّ الجميل لها‪ ،‬فأوصى بالوالدين وأمر‬
‫ببّرهما‪.‬‬
‫ثم توجّه إلى الطبقة الصغيرة التي تحتاج إلى رعاية وعناية‪ ،‬فأوصى بالولد‪ ،‬ونهى عن قتلهم‬
‫خصّ بالوصية اليتيم؛ لنه ضعيف يحتاج إلى مزيد من الرعاية والعناية‬
‫خ ْوفَ الفقر والعَوز‪ ،‬و َ‬
‫َ‬
‫والحنو والحنان‪.‬‬
‫ثم تكلم عن المال‪ ،‬وهو قوام الحياة‪ ،‬واختار فيه العتدال والتوسّط‪ ،‬ونهى عن طرفَيْه‪ :‬السراف‬
‫والمساك‪ .‬ثم نهى عن الفاحشة‪ ،‬وخصّ الزنا الذي يُلوّث العراض ويُفسد النسل‪ ،‬ونهى عن القتل‬
‫سفْك الدماء‪.‬‬
‫وَ‬
‫ثم تحدث عمّا يحفظ للنسان ماله‪ ،‬ويحمي تعبه ومجهوداته‪ ،‬فأمر بتوفية الكيل والميزان‪ ،‬ونهى‬
‫حثّ النسان على المانة العلمية‪ ،‬حتى ل يقول بما ل يعلم‪،‬‬
‫عن الغش فيهما والتلعب بهما‪ ،‬ثم َ‬
‫وحتى ل يبني حياته على نظريات خاطئة‪.‬‬
‫ألم تَرَ أنه منهج وأسلوب حياة يضمن سلمة المجتمع‪ ،‬وسلمة المجتمع ناشئة من سلمة حركة‬
‫النسان فيه‪ ،‬إذن‪ :‬النسان هو مدار هذه الحركة الخلفية في الرض؛ لذلك يريد الحق سبحانه‬
‫وتعالى أنْ يضع له توازنا اجتماعيا‪.‬‬
‫وأوّل شيء في هذا التوازن الجتماعي أننا جميعا عند ال سواء‪ ،‬وكلنا عبيده‪ ،‬وليس منا مَنْ بينه‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وبين ال قرابة أو نَسَب‪ ،‬فالجميع عند ال عبيد كأسنان المشط‪ ،‬ل فَرْق بينهم إل بالتقوى والعمل‬
‫الصالح‪.‬‬
‫وإنْ تفاوتت أقدارنا في الحياة فهو تفاوت ظاهري شكلي؛ لنك حينما تنظر إلى هذا التفاوت ل‬
‫تنظر إليه من زاوية واحدة فتقول مثلً‪ :‬هذا غني‪ ،‬وهذا فقير‪.‬‬
‫ومعظم الناس يهتمون بهذه الناحية من التفاوت‪ ،‬ويَدَعُون غيرها من النواحي الخرى‪ ،‬وهذا ل‬
‫يصح‪ ،‬بل انظر إلى الجوانب الخرى في حياة النسان‪ ،‬وإلى الزوايا المختلفة في النفس النسانية‪،‬‬
‫ولو سلكتَ هذا المسلك فسوف تجد أن مجموع كل إنسان يساوي مجموع كل إنسان‪ ،‬وأن الحصيلة‬
‫واحدة‪ ،‬وصدق ال العظيم القائل‪ {:‬إِنّ َأكْ َر َمكُمْ عَندَ اللّهِ أَ ْتقَاكُمْ‪[} ..‬الحجرات‪]13 :‬‬
‫وما دام المجتمع اليماني على هذه الصورة فل يصح لحد أنْ يرفعَ رأسه في المجتمع ليعطي‬
‫لنفسه قداسةً أو منزلة فوق منزلة الخرين‪ ،‬فقال تعالى‪َ { :‬ولَ َتمْشِ فِي الَ ْرضِ مَرَحا‪} ..‬‬
‫[السراء‪]37 :‬‬
‫أي‪ :‬فخرا واختيالً‪ ،‬أو َبطَرا أو تعاليا؛ لن الذي يفخر بشيء ويختال به‪ ،‬ويظن أنه أفضل من‬
‫غيره‪ ،‬يجب أن يضمن لنفسه بقاء مَا افتخر به‪ ،‬بمعنى أن يكون ذاتيا فيه‪ ،‬ل يذهب عنه ول‬
‫ن جعل كل ما يمكن أن يفتخر به النسان هِبةً له‪ ،‬وليست‬
‫يفارقه‪ ،‬لكن من حكمة ال سبحانه أ ْ‬
‫أصيلة فيه‪.‬‬
‫كل أمور النسان بداية من إيجاده من عدم إلى المداد من عُدم هي هبة يمكن أنْ تسترد في يوم‬
‫من اليام‪ ،‬وكيف الحال إذا تكبّ ْرتَ بمالك‪ ،‬ثم رآك الناس فقيرا‪ ،‬أو تعاليت بقوتك ثم رآك الناس‬
‫عليلً؟‬
‫إذن‪ :‬فالتواضع والدب أليَقُ بك‪ ،‬والتكبّر والتعالي ل يكون إل للخالق سبحانه وتعالى‪ ،‬فكيف‬
‫تنازعه سبحانه صفة من صفاته؟ وقد نهانا الحق سبحانه عن ذلك؛ لنه ل يستحق هذه الصفة إل‬
‫هو سبحانه وتعالى‪ ،‬و َكوْنُ الكبرياء ل تعالى يعصمنا من التضاع للكبرياء الكاذب من غيرنا‪.‬‬
‫ومَنْ أحب أن يرى مساواة الخَلْق أمام الخالق سبحانه‪ ،‬فلينظر إلى العبادات‪ ،‬ففيها استطراق‬
‫العبودية في الناس‪ ،‬فحينما يُنادَى للصلة مثلً ترى الجميع سواسية‪ :‬الغني والفقير‪ ،‬والرئيس‬
‫والمرؤوس‪ ،‬الوزير مثلً والخفير‪ ،‬الكل راكع أو ساجد‪ ،‬الكل خاضع ل مُتذلّل ل فقير ل‪ ،‬الكل‬
‫عبيد ل بعد أنْ خلعوا أقدارهم‪ ،‬عندما خلعوا نعالهم‪ ،‬ففي ساحة الرحمن يتساوى الجميع‪ ،‬وتتجلى‬
‫لنا هذه المساواة بصورة أوضح في مناسك الحج‪.‬‬
‫والهم من هذا أن الرئيس أو الكبير ل يأنف‪ ،‬ول يرى غضاضة في أن يراه مرؤوسه وهو في‬
‫هذا الموقف وفي هذا الخضوع والتذلّل‪ ،‬لماذا؟ لن الخضوع هنا والتذلّل ل‪ ،‬وهذا عين العِزّة‬
‫والشرف والكرامة‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ق الَ ْرضَ وَلَن تَ ْبلُغَ ا ْلجِبَالَ طُولً { [السراء‪]37 :‬‬
‫ثم يقول تعالى‪ } :‬إِ ّنكَ لَن تَخْ ِر َ‬
‫في هذه العبارة نلحظ إشارة توبيخ وتقريع‪ ،‬كأن الحق سبحانه وتعالى يقول لهؤلء المتكبرين‪،‬‬
‫ولصحاب الكبرياء الكاذب‪ :‬كيف تتكبرون وتسيرون فخرا وخيلء بشيء موهوب لكم غير ذاتي‬
‫فيكم؟‬
‫فأنتم بهذا التكبّر والتعالي لن تخرقوا الرض‪ ،‬بل ستظل صلبة تتحداكم‪ ،‬وهي أدنى أجناس الوجود‬
‫وتُدَاس بالقدام‪ ،‬وكذلك الجبال وهي أيضا جماد ستظل أعلى منكم قامةً ولن تطاولوها‪ .‬والحق‬
‫سبحانه وتعالى يُوبّخ عبده المؤمن المكرم ليبقى له على التكريم في‪َ } :‬ولَ َتمْشِ فِي الَرْضِ‬
‫مَرَحا‪[ { ..‬السراء‪]37 :‬‬
‫وحينما أراد الحق سبحانه وتعالى أن يُوبّخ أهل التكبّر الكاذب أتى بَأدْنى أجناس الوجود بالرض‬
‫والجبال وهي جماد؛ لكنه قد يسمو على النسان ويفضُل عليه‪.‬‬
‫والناظر لجناس الكون‪ :‬الجماد والنبات والحيوان والنسان‪ ،‬يجد النسان ينتفع بكل هذه الجناس‪،‬‬
‫فالجماد ينفع النبات‪ ،‬والحيوان والنبات ينفع الحيوان والنسان‪ ،‬والحيوان ينفع النسان‪ ،‬وهكذا‬
‫جميع الجناس ُمُسخّرة في خدمة النسان‪ ،‬فما وظيفتك أنت أيها النسان؟ ومَنْ تخدم؟‬
‫ل ُبدّ أنْ يكون لك َدوْر في الكون ووظيفة في الحياة‪ ،‬وإل كانت الرض والحجر أفضل منك‪،‬‬
‫فابحثْ لك عن مهمة في الوجود‪.‬‬
‫وفي فلسفة الحج أمر عجيب‪ ،‬فالجماد الذي هو َأدْنى الجناس نجد له مكانة ومنزلة‪ ،‬فالكعبة حجر‬
‫يطوف الناس من حوله‪ ،‬وفي ركنها الحجر السعد الذي سَنّ لنا رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫تقبيله وهو حجر‪ ،‬وعليه يتزاحم الناس ويتشرّفون بتقبيله والتمسّح به‪.‬‬
‫وهذا مظهر من مظاهر استطراق العبودية في الكون‪ ،‬فالنسان المخدوم العلى لجميع الجناس‬
‫يرى الشرف والكرامة في تقبيل حجر‪.‬‬
‫وكذلك النبات يحْرُم قطعة‪ ،‬وإياك أن تمتدّ يدك إليه‪ ،‬وكذلك الحيوان يحرُم صيْدَه‪ ،‬فهذه الشياء‬
‫التي تخدمني أتى الوقت الذي أخدمها وأُقدّسها‪ ،‬وجعلها الحق سبحانه وتعالى مرة في العمر لنلمح‬
‫الصل‪ ،‬ولكي ل يغترّ النسان بإنسانيته‪ ،‬وليعلم أن العبودية ل تعالى تَسْري في الكون كله‪.‬‬
‫فإياك أنها النسان أن تخدش هذا الستطراق العبوديّ في الكون بمرح أو خُيَلء أو تعالٍ‪.‬‬
‫ثم يقول الحق تبارك وتعالى‪ُ } :‬كلّ ذاِلكَ كَانَ سَيّئُهُ عِنْدَ رَ ّبكَ َمكْرُوها {‪.‬‬

‫(‪)2050 /‬‬
‫ُكلّ ذَِلكَ كَانَ سَيُّئهُ عِنْدَ رَ ّبكَ َمكْرُوهًا (‪)38‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫جعَل مَعَ اللّهِ إِلَـاها آخَرَ‪} ..‬‬
‫أي‪ُ :‬كلُّ ما تقدّم من وصايا وتوجيهات بداية من قوله تعالى‪ {:‬لّ تَ ْ‬
‫[السراء‪]22 :‬‬
‫وهذه المور التي تق ّد َمتْ‪ ،‬والتي تحفظ للمجتمع توازنه وسلمته فيها السيئ وفيها الحسن‪ ،‬والسيئ‬
‫هو المكروه من ال تعالى‪ ،‬وال تعالى ل يكره إل ما خالف منهج العبودية له سبحانه‪ ،‬أما النسان‬
‫فيكره ما يخالف هواه‪ ،‬ول يتفق ومزاجه‪.‬‬
‫وهذه الوامر والنواهي التي تقدّمتْ يقولون‪ :‬إنها الوصايا العَشْر التي نزلت على موسى ـ عليه‬
‫ظ ًة وَ َتفْصِيلً ّل ُكلّ‬
‫شيْءٍ ّموْعِ َ‬
‫السلم ـ والمقصود في قوله تعالى‪َ {:‬وكَتَبْنَا َلهُ فِي الَ ْلوَاحِ مِن ُكلّ َ‬
‫خذُواْ بِأَحْسَ ِنهَا‪[} ..‬العراف‪]145 :‬‬
‫شيْءٍ َفخُذْهَا ِب ُق ّوةٍ وَ ْأمُرْ َق ْو َمكَ يَأْ ُ‬
‫َ‬
‫ح ْكمَةِ‪.} ...‬‬
‫ولذلك يقول الحق سبحانه‪ { :‬ذَِلكَ ِممّآ َأوْحَىا إِلَ ْيكَ رَ ّبكَ مِنَ ا ْل ِ‬

‫(‪)2051 /‬‬
‫جهَنّمَ مَلُومًا مَ ْدحُورًا (‬
‫ج َعلْ مَعَ اللّهِ إَِلهًا آَخَرَ فَتُ ْلقَى فِي َ‬
‫ح ْكمَ ِة وَلَا تَ ْ‬
‫ذَِلكَ ِممّا َأوْحَى إِلَ ْيكَ رَ ّبكَ مِنَ ا ْل ِ‬
‫‪)39‬‬

‫{ ذَِلكَ } أي‪ :‬ما تقدّم من الوصايا‪.‬‬
‫ح ْكمَةِ } هي‪ :‬وَضعْ الشيء في َموْضِعه المؤدّي للغاية منه‪ ،‬لِتظلّ الحكمة سائدة في المجتمع‬
‫{ ا ْل ِ‬
‫سفَه والفساد‪.‬‬
‫تحفظه من الخلل والحمْق وال ّ‬
‫ج َعلْ مَعَ اللّهِ إِلَـاها آخَرَ‪[ } ..‬السراء‪]39 :‬‬
‫وقوله‪َ { :‬ولَ َت ْ‬
‫لسائل أنْ يسأل‪ :‬لماذا كرّر هذا النهي‪ ،‬وقد سبق أنْ ُذكِر في استهلل المجموعة السابقة من‬
‫الوصايا؟‬
‫الحق سبحانه وتعالى وضع لنا المنهج السليم الذي يُنظّم حياة المجتمع‪ ،‬وقد بدأه بأن الله واحد ل‬
‫طهْر والعِفّة ليحفظ سلمة‬
‫شريكَ له‪ ،‬ثم عدّل نظام المجتمع كله بطبقاته وطوائفه وأَرْسى قواعد ال ّ‬
‫النسل‪ ،‬ودعا إلى تواضع ال ُكلّ لل ُكلّ‪.‬‬
‫فالحصيلة النهائية لهذه الوصايا أنْ يستقيم المجتمع‪ ،‬ويسعد أفراده بفضل هذا المنهج اللهي‪.‬‬
‫ج َعلْ مَعَ اللّهِ إِلَـاها‬
‫إذن‪ :‬فإياك أنْ تجعلَ معه إلها آخر‪ ،‬وكرّر الحق سبحانه هذا النهي‪َ { :‬ولَ تَ ْ‬
‫آخَرَ‪[ } ..‬السراء‪]39 :‬‬
‫لنه قد يأتي على الناس وقتٌ يُحْسنون الظن بعقول بعض المفكرين‪ ،‬فيأخذون بأقوالهم ويسيرون‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫على مناهجهم‪ ،‬ويُفضّلونها على منهج الحق تبارك وتعالى‪ ،‬فيفتنون الناس عن قضايا دينهم الحق‬
‫إلى قضايا أخرى يُوهِمون الناس أنها أفضل مما جاء به الدين‪.‬‬
‫إذن‪ :‬ل يكفي أن تؤمن أولً‪ ،‬ولكن احذر أنْ يُزحزك أحد عن دينك فل تجعل مع ال إلها آخر‬
‫جهَنّمَ مَلُوما مّدْحُورا } [السراء‪ { ]39 :‬مَلُوما }‪:‬‬
‫يفتنك عن دينك‪ ،‬فتكون النتيجة‪ { :‬فَتُ ْلقَىا فِي َ‬
‫لنك أتيتَ بما تُلَم عليه‪ { ،‬مّ ْدحُورا }‪ :‬أي‪ :‬مطرود مُ ْبعَدا من رحمة ال‪ ،‬وهذا الجزاء في الخرة‪.‬‬
‫أما الذي ل يؤمن بها‪ ،‬فل بُدّ لكي نستطيع العيش معه في الدنيا‪ ،‬أن يُذيقه ال بعض العذاب‪،‬‬
‫شقَىا *‬
‫ل َولَ َي ْ‬
‫ضّ‬
‫ويُعجّله له في الدنيا قبل عذاب الخرة‪ ،‬كما قال تعالى‪َ {:‬فمَنِ اتّبَعَ هُدَايَ فَلَ َي ِ‬
‫ش ًة ضَنكا‪[} ..‬طه‪ ]124-123 :‬أي‪ :‬في الدنيا‪.‬‬
‫َومَنْ أَعْ َرضَ عَن ِذكْرِي فَإِنّ لَهُ َمعِي َ‬
‫شمْسِ وَجَدَهَا َتغْ ُربُ‬
‫وقد ذكر الحق سبحانه وتعالى في قصة ذي القرنين‪ {:‬حَتّىا ِإذَا بَلَغَ َمغْ ِربَ ال ّ‬
‫حسْنا * قَالَ َأمّا‬
‫ب وَِإمّآ أَن تَتّخِذَ فِي ِهمْ ُ‬
‫جدَ عِندَهَا َقوْما قُلْنَا ياذَا ا ْلقَرْنَيْنِ ِإمّآ أَن ُتعَ ّذ َ‬
‫حمِئَ ٍة َووَ َ‬
‫فِي عَيْنٍ َ‬
‫س ْوفَ ُنعَذّبُهُ ُثمّ يُرَدّ إِلَىا رَبّهِ فَ ُيعَذّ ُبهُ عَذَابا ّنكْرا }[الكهف‪]87-86 :‬‬
‫مَن ظََلمَ فَ َ‬
‫حفْظ ميزان الحياة‬
‫س ْوفَ ُن َعذّبُهُ‪[} ..‬الكهف‪ ]87 :‬لنه مُمكّن في الرض‪ ،‬ومَنُوط به ِ‬
‫فقوله‪ {:‬فَ َ‬
‫واستقامتها‪ ،‬حتى عند الذين ل يُؤمنون بالخرة‪ ،‬وإل فلو أخّرْنا العذاب عن هؤلء إلى الخرة‬
‫لفسدوا على الناس حياتهم‪ ،‬وعاثوا في الرض يُعربِدون ويُفسِدون‪.‬‬
‫ولذلك ل يموت ظلوم في الكون حتى ينتقمَ ال منه‪ ،‬ويذيقه عذاب الدنيا قبل عذاب الخرة‪ ،‬ول بُدّ‬
‫أنْ يراه المظلوم ليعلم أن عاقبة الظلم وخيمة‪ ،‬في حين أن المظلوم في رعاية ال وتأييده ينصره‬
‫بما يشاء من نعمه وفضله‪ ،‬حتى أن الظالم لو علم بما أعدّه ال للمظلوم َلضَنّ عليه بالظلم‪.‬‬
‫ن وَاتّخَذَ مِنَ ا ْلمَل ِئكَةِ إِنَاثا‪.} ...‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪َ { :‬أفََأصْفَاكُمْ رَ ّبكُم بِالْبَنِي َ‬

‫(‪)2052 /‬‬
‫عظِيمًا (‪)40‬‬
‫خذَ مِنَ ا ْلمَلَا ِئكَةِ إِنَاثًا إِ ّنكُمْ لَ َتقُولُونَ َقوْلًا َ‬
‫ن وَاتّ َ‬
‫َأفََأصْفَاكُمْ رَ ّب ُكمْ بِالْبَنِي َ‬

‫لما جعل بعض المشركين ل ولدا‪ ،‬فمنهم مَنْ قالوا‪ :‬المسيح ابن ال‪ ،‬ومنهم مَنْ قالوا‪ :‬عزير ابن‬
‫ال‪ ،‬ومنهم مَنْ قالوا‪ :‬الملئكة بنات ال‪ ،‬فوبّخهم ال تعالى‪ :‬كيف تجعلون للخالق سبحانه البنات‬
‫ولكم البنين‪ ،‬إنها قسمة جائرة‪ ،‬كما قال الحق سبحانه في آية أخرى‪ {:‬أََلكُمُ ال ّذكَ ُر وَلَ ُه الُنْثَىا *‬
‫سمَ ٌة ضِيزَىا }[النجم‪]22-21 :‬‬
‫تِ ْلكَ إِذا قِ ْ‬
‫أي‪ :‬قسمة جائرة ظالمة‪.‬‬
‫صفَاكُمْ‪[ } ..‬السراء‪ ]40 :‬أي‪ :‬اصطفاكم واختار لكم البنين‪ ،‬وأخذ لنفسه البنات؟‬
‫قوله‪َ { :‬أفََأ ْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫جعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَا ِدهِ جُ ْزءًا‪[} ..‬الزخرف‪]15 :‬‬
‫ويقول في آية أخرى‪ {:‬وَ َ‬
‫لذلك قال تعالى بعدها‪ { :‬إِ ّنكُمْ لَ َتقُولُونَ َقوْلً عَظِيما } [السراء‪ ]40 :‬فوصف قولهم بأنه عظيم في‬
‫حمَـانُ وَلَدا * ّلقَدْ جِئْتُمْ شَيْئا إِدّا‬
‫خذَ الرّ ْ‬
‫القُبْح والفتراء على ال‪ ،‬كما قال في آية أخرى‪َ {:‬وقَالُواْ اتّ َ‬
‫}[مريم‪]89-88 :‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ { :‬وََلقَ ْد صَ ّرفْنَا فِي هَـاذَا ا ْلقُرْآنِ لِيَ ّذكّرُو ْا َومَا يَزِيدُ ُهمْ ِإلّ ُنفُورا }‪.‬‬

‫(‪)2053 /‬‬
‫وَلَقَدْ صَ ّرفْنَا فِي َهذَا ا ْلقُرْآَنِ لِ َي ّذكّرُوا َومَا يَزِيدُهُمْ ِإلّا ُنفُورًا (‪)41‬‬

‫حوّلْنا الشيء من حال إلى حال‪ ،‬ومنها قوله تعالى‪ {:‬وَ َتصْرِيفِ الرّيَاحِ‪[} ..‬البقرة‪:‬‬
‫{ صَ ّرفْنَا } أي‪َ :‬‬
‫‪]164‬‬
‫سكْسكَا عليلة هادئة‪ ،‬ومرّة تجدها ُرخَاءً أي‪ :‬قوية‪،‬‬
‫يعني تغييرها من حال إلى حال‪ ،‬فمرة‪ :‬تراها َ‬
‫ومرة‪ :‬تجدها إعصارا مدمرا‪ .‬والرياح قد تكون لواقح تأتي بالخير والنماء‪ ،‬وقد تكون عقيما ل‬
‫خير فيها‪ .‬هذا هو المراد بالتصريف‪.‬‬
‫فمعنى‪ { :‬وَلَقَ ْد صَ ّرفْنَا فِي هَـاذَا ا ْلقُرْآنِ } [السراء‪]41 :‬‬
‫أي‪ :‬صرف مسألة ادعاء اتخاذ ال البناء في القرآن‪ ،‬وعالجها في كثير من المسائل؛ لنه أمر‬
‫مهم عالجه القرآن علجاتٍ متعددة في مقامات مختلفة من سُوره‪ ،‬فتكرر ِذكْر هذه المسألة‪.‬‬
‫والتكرار قد يكون في ذات الشيء‪ ،‬وقد يكون باللّف بالشيء‪ ،‬كما في قوله تعالى‪ {:‬فَبَِأيّ آلءِ‬
‫رَ ّب ُكمَا ُتكَذّبَانِ‪[} ..‬الرحمن‪]13 :‬‬
‫وقوله‪َ { :‬ومَا يَزِيدُ ُهمْ ِإلّ ُنفُورا } [السراء‪]41 :‬‬
‫أي‪ :‬بدلَ أنْ يذكروا ويعودوا إلى جَادّة الصواب ازدادوا إعراضا ونفورا‪ .‬ولنا أن نسأل‪ :‬لماذا‬
‫العراض والنفور منهم؟‬
‫لنهم أرادوا الحتفاظ بالسلطة الزمنية التي كانت لهم قبل السلم‪ ،‬ولكي نوضح المقصود بالسلطة‬
‫الزمنية نقول‪:‬‬
‫ت أول‬
‫لو درسنا تواريخ القوانين في العالم نجد أن القانون الوضعيّ الذي وضعه البشر لم يَ ْأ ِ‬
‫المر‪ ،‬بل جاء نتيجة تسلّط الكهنة‪ ،‬وكانوا هم أصحاب القانون يضعونَه باسم الدين‪ ،‬ويلزمون‬
‫الناس به‪ ،‬ولكن لُوحِظ عليهم أنهم يحكمون في قضية ما بحكم‪ ،‬ثم بعد فترة يحكمون في نفس‬
‫القضية بحكم مخالف للول‪ ،‬فانصرف الناس عن أحكام الكهنة‪ ،‬ووضعوا لنفسهم هذه القوانين‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الوضعية‪ ،‬وبذلك أصبح لهؤلء ما يُسمّى بالسلطة الزمنية‪.‬‬
‫وهذه السّلْطة الزمنية هي التي منعتْ يهود المدينة من اليمان بمحمد صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وقد‬
‫كانوا على علم ومعرفة بأوصافه وبرسالته ومن زمن بعثته‪ ،‬وكانوا حينما يروْنَ عُبّاد الصنام في‬
‫مكة يقولون لهم‪ :‬سيأتي زمان يُبعث فيه نبي في هذا البلد‪ ،‬وسوف نتبعه‪ ،‬ونقتلكم به قتل عاد‬
‫وإرم‪ ،‬فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به‪ ،‬وقد كانوا من قبل يستفتحون به على الذين كفروا‪.‬‬
‫وعن هذا يقول الحق سبحانه في حق يهود المدينة‪ {:‬وََلمّا جَآءَ ُهمْ كِتَابٌ مّنْ عِندِ اللّهِ ُمصَدّقٌ ّلمَا‬
‫َم َعهُ ْم َوكَانُواْ مِن قَ ْبلُ يَسْ َتفْتِحُونَ عَلَى الّذِينَ َكفَرُواْ فََلمّا جَآءَهُمْ مّا عَ َرفُواْ َكفَرُواْ بِهِ فََلعْنَةُ اللّهِ عَلَى‬
‫ا ْلكَافِرِينَ }[البقرة‪]89 :‬‬
‫لقد تنكّر اليهود لرسالة محمد صلى ال عليه وسلم‪ ،‬مع أنهم على يقين من صِدْقه؛ لن هذه‬
‫الرسالة ستحرمهم هذه السلطة الزمنية‪ ،‬وستقضي على السيادة العلمية والسيادة القتصادية‬
‫والسيادة الحربية التي كانت لهم قبل السلم‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ُ { :‬قلْ ّلوْ كَانَ َمعَهُ آِلهَةٌ َكمَا َيقُولُونَ إِذا لّبْ َتغَوْاْ إِلَىا ذِي ا ْلعَرْشِ سَبِيلً }‪.‬‬

‫(‪)2054 /‬‬
‫ُقلْ َلوْ كَانَ َمعَهُ آَِلهَةٌ َكمَا َيقُولُونَ ِإذًا لَابْ َت َغوْا إِلَى ذِي ا ْلعَرْشِ سَبِيلًا (‪)42‬‬

‫أي‪ :‬لو كان مع ال آلهة أخرى لَطلبتْ هذه اللهةُ طريقا إلى ذي العرش‪.‬‬
‫شهِدَ اللّهُ أَنّ ُه لَ إِلَـاهَ ِإلّ ُهوَ }[آل عمران‪:‬‬
‫وقد عالج الحق تبارك وتعالى هذه القضية في قوله‪َ {:‬‬
‫‪]18‬‬
‫وهذه قضية‪ :‬إما أنْ تكونَ صادقة‪ ،‬وإما أن تكون غير ذلك‪ .‬فإنْ كانت صادقة فقد انتهتْ المسألة‪،‬‬
‫وإنْ كانت غير صادقة‪ ،‬وهناك إله ثانٍ‪ ،‬فأين هو؟ لماذا لم نسمع به؟ فإنْ كان موجودا‪ ،‬ول يدري‬
‫ـ أو كان يدري بهذه القضية ـ ولكنه تقاعس عن المواجهة ولم يعارض‪ ،‬ففي كل الحوال ل‬
‫يستحق أن يكون إلها‪.‬‬
‫إذن‪ :‬ما دام أن ال تعالى شهد لنفسه بالوحدانية‪ ،‬ولم َيقُمْ له معارض فقد سَلِمتْ له هذه الدعوى‪.‬‬
‫وكلمة { ذِي ا ْلعَرْشِ } ل ُتقَال إل لمَنْ استتبّ له المر بعد عِرَاك وقتال‪ ،‬فيُصنع له كرسي أو‬
‫سرير يجلس عليه‪.‬‬
‫ابتغاء الطريق إلى ذي العرش‪ ،‬إما ليواجهوه ويوقفوه عند حده ويبطلوا دعوته‪ ،‬فإن غلبوا فقد‬
‫خذَ اللّهُ مِن وَلَدٍ‬
‫انتهت المسألة‪ ،‬وإن غُلبوا فعلى القل يذهب كل إله بما خلق كما قال تعالى‪ {:‬مَا اتّ َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ضهُمْ عَلَىا َب ْعضٍ }[المؤمنون‪]91 :‬‬
‫ق وََلعَلَ َب ْع ُ‬
‫َومَا كَانَ َمعَهُ مِنْ إِلَـهٍ إِذا لّ َذ َهبَ ُكلّ إِلَـاهٍ ِبمَا خَلَ َ‬
‫أو‪ :‬يبتغون إليه سبيلً‪ ،‬ليكونوا من خَلْقه ومن عبيده؛ لذلك يقول الحق سبحانه في موضع آخر‪{:‬‬
‫لّن يَسْتَن ِكفَ ا ْلمَسِيحُ أَن َيكُونَ عَبْدا للّهِ وَلَ ا ْلمَل ِئكَةُ ا ْل ُمقَرّبُونَ‪[} ..‬النساء‪]172 :‬‬
‫حمَتَهُ وَيَخَافُونَ‬
‫ب وَيَرْجُونَ رَ ْ‬
‫ويقول‪ {:‬أُولَـا ِئكَ الّذِينَ َيدْعُونَ يَبْ َتغُونَ إِلَىا رَ ّبهِمُ ا ْلوَسِيلَةَ أَ ّي ُهمْ َأقْ َر ُ‬
‫عَذَا َبهُ }[السراء‪]57 :‬‬
‫فهؤلء الذين أشركتموهم مع ال فقُلْتم‪ :‬المسيح ابن ال‪ ،‬وعزيز ابن ال‪ ،‬والملئكة بنات ال‪ُ ،‬كلّ‬
‫هؤلء فقراء إلى ال يبتغون إليه الوسيلة‪ ،‬حتى أقربهم إلى ال وهم الملئكة يبتغون إلى ال‬
‫الوسيلة فغيرهم ـ إذن ـ َأوْلَى‪.‬‬
‫عمّا َيقُولُونَ عُُلوّا كَبِيرا }‪.‬‬
‫وينزّه الحق سبحانه نفسه‪ ،‬فيقول‪ { :‬سُ ْبحَانَ ُه وَ َتعَالَىا َ‬

‫(‪)2055 /‬‬
‫عُلوّا كَبِيرًا (‪)43‬‬
‫عمّا َيقُولُونَ ُ‬
‫سُ ْبحَانَ ُه وَ َتعَالَى َ‬

‫وقوله { سُ ْبحَانَهُ } يعني تنزيها مطلقا له تعالى في ذاته‪ ،‬وفي صفاته‪ ،‬وفي أفعاله‪ ،‬فلله تعالى ذات‬
‫ليست كذاتك‪ ،‬وله صفات ليست كصفاتك‪ ،‬وله أفعال ليست كأفعالك؛ لن الشياء تختلف في‬
‫الوجود بحَسْب المُوجِد لها‪.‬‬
‫ل من العمدة‪ ،‬ومأمور المركز‪ ،‬والمحافظ بيتا‪ ،‬فسوف يتفاوت هذا البناء من واحد‬
‫فمثلً‪ :‬لو بني ُك ّ‬
‫للخر‪ ،‬بحسب قدرته ومكانته‪ .‬وكذلك ل ُبدّ من وجود هذا التفاوت بين إله ومألوه‪ ،‬وبين َربّ‬
‫ومربوب‪ ،‬وبين عابد ومعبود‪.‬‬
‫إذن‪ُ :‬كلّ الشياء في المتساوي تتفاوت بتفاوت الناس‪.‬‬
‫عمّا يقول هؤلء علوا كبيرا؛ لن‬
‫وقوله‪ { :‬عُُلوّا كَبِيرا } [السراء‪ ]43 :‬أي‪ :‬تعالى ال وتنزّه َ‬
‫الناس تتفاوت في العلو‪.‬‬
‫ونلحظ أن الحق سبحانه اختار (كبيرا) ولم َي ُقلْ‪ :‬أكبر‪ .‬وهذا من قبيل استعمال اللفظ في موضعه‬
‫المناسب؛ لن كبيرا تعني‪ :‬أن كل ما سواه صغير‪ ،‬لكن أكبر تعني أن ما دونه كبير أي‪ُ :‬مشَارِك‬
‫له في الكِبَر‪.‬‬
‫لذلك نقول في نداء الصلة‪ :‬ال اكبر وهي صفة له سبحانه وليست من أسمائه؛ ذلك لن من‬
‫أعمال الحياة اليومية ما يمكن أن يُوصَف بأنه كبير‪ ،‬كأعمال الخير والسعي على الرزاق‪ ،‬فهذه‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫كبيرة‪ ،‬ولكن‪ :‬ال اكبر‪.‬‬
‫سمَاوَاتُ السّبْ ُع وَالَ ْرضُ َومَن فِيهِنّ‪.} ...‬‬
‫ثم يقول تعالى‪ُ { :‬تسَبّحُ لَهُ ال ّ‬

‫(‪)2056 /‬‬
‫حمْ ِد ِه وََلكِنْ لَا َتفْ َقهُونَ‬
‫شيْءٍ إِلّا يُسَبّحُ ِب َ‬
‫ن وَإِنْ مِنْ َ‬
‫س َموَاتُ السّبْعُ وَالْأَ ْرضُ َومَنْ فِيهِ ّ‬
‫تُسَبّحُ َلهُ ال ّ‬
‫غفُورًا (‪)44‬‬
‫حهُمْ إِنّهُ كَانَ حَلِيمًا َ‬
‫تَسْبِي َ‬

‫التسبيح‪ :‬هو حيثية اليمان بال؛ لنك ل تؤمن بشيء في شيء إلّ أنْ تثق أن مَنْ آمنت به فوقك‬
‫في ذلك الشيء‪ ،‬فأنت ل تُوكّل أحدا بعمل إل إذا أيقنتَ أنه أقدر منك وأحكم وأعلم‪.‬‬
‫فإذا كنت قد آمنت بإله واحد‪ ،‬فحيثية ذلك اليمان أن هذا الله الواحد فوق كل المألوهين جميعا‪،‬‬
‫ي وأنت غِنَي‪ ،‬لكن غنى ال‬
‫وليس لحد شبه به‪ ،‬وإن اشترك معه في مُطْلَق الصفات‪ ،‬فال غن ّ‬
‫ذاتيّ وغِنَاك موهوب‪ ،‬يمكن أنْ يُسلب منك في أي وقت‪.‬‬
‫وكذلك في صفة الوجود‪ ،‬فال تعالى موجود وأنت موجود‪ ،‬لكن وجوده تعالى ل عن عدم‪ ،‬بل هو‬
‫وجود ذاتي ووجودك موهوب سينتهي في أي وقت‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فتسبيح ال هو حيثية اليمان به كإله‪ ،‬وإل لو أشبهناه في شيء أو أشبهنا في شيء ما استحق‬
‫أن يكون إلها‪.‬‬
‫والتسبيح‪ :‬هو التنزيه‪ ،‬وهذا ثابت ل تعالى قبل أن يوجد منْ خَلْقه مَنْ يُنزّهه‪ ،‬والحق سبحانه مُنزّه‬
‫بذاته والصفة كائنة له قبل أن يخلق الخلق؛ لنه خالق قبل أن يخلق‪ ،‬كما نقول‪ :‬فلن شاعر‪ ،‬أهو‬
‫شاعر لنه قال قصيدة؟ أم شاعر بذاته قبل أن يقول شعرا؟‬
‫الواقع أن الشعر موهبة‪ ،‬وملَكة عنده‪ ،‬ولولها ما قال شعرا‪ ،‬إذن‪ :‬هو شاعر قبل أن يقول‪.‬‬
‫كذلك فصفات الكمال في ال تعالى موجودة قبل أن يوجد الخَلْق‪.‬‬
‫لذلك فإن المتتبع لهذه المادة في القرآن الكريم مادة (سبح) يجدها بلفظ (سُبْحان) في أول السراء‪{:‬‬
‫سُ ْبحَانَ الّذِي َأسْرَىا‪[} ..‬السراء‪]1 :‬‬
‫ومعناها أن التنزيه ثابت ل تعالى قبل أن يخلق من ينزهه‪.‬‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضِ‪[} ..‬الحديد‪]1 :‬‬
‫ثم بلفظ‪ {:‬سَبّحَ للّهِ مَا فِي ال ّ‬
‫بصيغة الماضي‪ ،‬والتسبيح ل يكون من النسان فقط‪ ،‬بل من السماوات والرض‪ ،‬وهي خَلْق‬
‫سابق للنسان‪.‬‬
‫سمَاوَاتِ َومَا فِي الَ ْرضِ‪[} ..‬الجمعة‪]1 :‬‬
‫ثم يأتي بلفظ‪ {:‬يُسَبّحُ لِلّهِ مَا فِي ال ّ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫بصيغة المضارع؛ ليدل على أن تسبيح ال ليس في الماضي‪ ،‬بل ومستمر في المستقبل ل ينقطع‪.‬‬
‫إذن‪ :‬ما دام التسبيح والتنزيه ثابتا ل تعالى قبل أن يخلق مَنْ يُنزّهه‪ ،‬وثابتا ل من جميع مخلوقاته‬
‫في السماوات والرض‪ ،‬فل تكُنْ أيها النسان نشازا في منظومة الكون‪ ،‬ول تخرج عن هذا النشيد‬
‫ك الَعْلَىا }[العلى‪]1 :‬‬
‫سمَ رَ ّب َ‬
‫الكوني‪ {:‬سَبّحِ ا ْ‬
‫شيْءٍ‪[ } ..‬السراء‪]44 :‬‬
‫وقوله تعالى‪ { :‬وَإِن مّن َ‬
‫أي‪ :‬ما من شيء‪ ،‬كل ما يُقال له شيء‪ .‬والشيء هو جنس الجناس‪ ،‬فالمعنى أن كل ما في‬
‫الوجود يُسبّح بحمده تعالى‪.‬‬
‫وقد وقف العلماء أمام هذه الية‪ ،‬وقالوا‪ :‬أي تسبيح دللة على عظمة التكوين‪ ،‬وهندسة البناء‪،‬‬
‫وحكمة الخلق‪ ،‬وهذا يلفتنا إلى أن ال تعالى مُنزّه ومُتعَالٍ وقادر‪ ،‬ولكنهم فهموا التسبيح على أنه‬
‫تسبيح دللة فقط؛ لنهم لم يسمعوا هذا التسبيح ولم يفهموه‪.‬‬
‫حهُمْ‪..‬‬
‫وقد أخرجنا الحق سبحانه وتعالى من هذه المسألة بقوله‪ } :‬وَلَـاكِن لّ َت ْف َقهُونَ تَسْبِي َ‬
‫{ [السراء‪]44 :‬‬
‫إذن‪ :‬يوجد تسبيح دللة فعلً‪ ،‬لكنه ليس هو المقصود‪ ،‬المقصود هنا التسبيح الحقيقي ُكلّ بِلُغتِه‪.‬‬
‫ح ُهمْ‪[ { ..‬السراء‪]44 :‬‬
‫فقوله تعالى‪ } :‬وَلَـاكِن لّ َتفْ َقهُونَ تَسْبِي َ‬
‫يدل على أنه تسبيح فوق تسبيح الدللة الذين آمن بمقتضاه المؤمنون‪ ،‬إنه تسبيح حقيقيّ ذاتيّ ينشأ‬
‫بلغة كل جنس من الجناس‪ ،‬وإذا كنا ل نفقه هذا التسبيح‪ ،‬فقد قال تعالى‪ُ {:‬كلّ قَدْ عَِل َم صَلَتَهُ‬
‫حهُ‪[} ..‬النور‪]41 :‬‬
‫وَتَسْبِي َ‬
‫إذن‪ :‬كل شيء في الوجود عَلِم كيف يُصلّي ل‪ ،‬وكيف يُسبّح ل‪ ،‬وفي القرآن آياتٌ تدل بمقالها‬
‫ورمزيتها على أن كل عَالَم في الوجود له لغة يتفاهم بها في ذاته‪ ،‬وقد يتسامى الجنس العلى‬
‫ليفهم عن الجنس الدنى لُغته‪ ،‬فكيف نستبعد وجود هذه اللغة لمجرد أننا ل نفهمها؟‬
‫وها هم الناس أنفسهم ولهم في الداء القوليّ لغة يتفاهمون بها‪ ،‬ومع ذلك تختلف بينهم اللغات‪ ،‬ول‬
‫يفهم بعضهم بعضا‪ ،‬فإذا ما تكلم النجليزي ـ مع أنه يتكلم بألفاظ العربي ـ ومع ذلك ل يفهمه؛‬
‫لنه ما تعلّم هذه اللغة‪.‬‬
‫واللغة ظاهرة اجتماعية‪ ،‬بمعنى أن النسان يحتاج للغة؛ لنه في مجتمع يريد أن يتفاهم معه‬
‫ليعطيه ما عنده من أفكار‪ ،‬ويسمع ما عنده من أفكار فل بُدّ من اللغة لنقل هذه الفكار‪ ،‬ولو أن‬
‫النسان وحده ما كان في حاجة إلى لغة؛ لنه سيفعل ما يخطر بباله وتنتهي المسألة‪.‬‬
‫واللغة ل ترتبط بالدم أو الجنس أو البيئة؛ لنك لو أتيتَ بطفل إنجليزي مثلً‪ ،‬ووضعتَه في بيئة‬
‫عربية سيتكلم العربية؛ لن اللغة ظاهرة اجتماعية تعتمد على السمع والمحاكاة؛ لذلك إذا لم تسمع‬
‫ع ْميٌ‪[} ..‬البقرة‪]18 :‬‬
‫الذن ل تستطيع أن تتكلم‪ ،‬ومن ذلك قوله تعالى‪ {:‬صُمّ ُب ْكمٌ ُ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فهم ُبكْم ل يتكلمون؛ لنهم صُمّ لم يسمعوا شيئا‪ ،‬فإذا لم يسمع النسان اللفظ ل يستطيع أن يتحدثَ‬
‫به؛ لن ما تسمعه الذن يحكيه اللسان‪.‬‬
‫إذن‪ :‬بالسماع انتقلتْ اللغة‪ ،‬و ُكلّ سمع من أبيه‪ ،‬ومن البيئة التي يعيش فيها‪ ،‬فإذا ما سلس ْلتَ هذه‬
‫المسألة ستصل إلى آدم ـ عليه السلم ـ وهنا يأتي السؤال‪ :‬وممّنْ سمع آدم اللغة التي تكلم بها؟‬
‫سمَآءَ كُّلهَا }[البقرة‪]31 :‬‬
‫وقد حلّ لنا القرآن الكريم هذه القضية في قوله تعالى‪ {:‬وَعَلّمَ ءَادَمَ الَ ْ‬
‫وأكثر من ذلك‪ ،‬فقد يتكلم العربي بنفس لغتك ول تفهم عنه ما يقول‪ ،‬واللغة هي اللغة‪ ،‬كما حدث‬
‫مع أبي علقمة النحوي‪ ،‬وكان يتقعّر في كلمه ويأتي بألفاظ شاذة غير مشتهرة‪ ،‬وقد أتعب بذلك‬
‫مَنْ حوله‪ ،‬وخاصة غلمه الذي ضاق به ذَرْعا لكثرة ما سمع منه من هذا التقعر‪.‬‬
‫ص َقعَتِ العَتَارِيفُ)؟ فردّ عليه الغلم قائلً‪:‬‬
‫ويُروَي أنه في ذات ليلة قال أبو علقمة لغلمه‪َ( :‬أ َ‬
‫(ز ْقفَيْلَم)‪.‬‬
‫وكانت المرة الولى التي يستفهم فيها أبو علقمة عن كلمة‪ ،‬فقال‪ :‬يا بني وما (ز ْقفَيْلَم)؟ قال‪ :‬وما‬
‫(صقعت العتاريف)؟ قال‪ :‬أردتُ‪ :‬أصاحت الديكة؟ فقال الغلم‪ :‬وأنا أردتُ لم َتصِحْ‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فكيف نستبعد أننا ل نعلم لغة المخلوقات الخرى من حيوان ونبات وجماد؟ ألم ي ْكفِنا ما‬
‫أخبرنا ال به من وجود لغة لجميع المخلوقات‪ ،‬وإنْ كنا ل نفهمها؛ لننا نعتقد أن اللغة هي النطق‬
‫باللسان فقط‪ ،‬ولكن اللغة أوسع من ذلك‪.‬‬
‫فهناك ـ مثلً ـ لغة الشارة‪ ،‬ولغة النظرات‪ ،‬ولغة التلغراف‪.‬‬
‫إذن‪ :‬اللغة ليست اللسان فقط‪ ،‬بل هي استعداد لصطلح ُيفْهم ويُتعارف عليه‪ ،‬فالخادم مثلً يكفي‬
‫أن ينظرَ إليه سيّده نظرة يفهم منها ما يريد‪ ،‬فهذه النظرة َلوْنٌ من ألوان الداء‪.‬‬
‫والن بدأنا نسمع عن قواميس يُسجّل بها لغات بعض الحيوانات لمعرفة ما تقول‪.‬‬
‫وقد أعطانا الحق تبارك وتعالى إشارات تدل على أن لكل عَالَم لغة يتفاهم بها‪ ،‬كما في قوله‬
‫تعالى‪ {:‬وَسَخّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ا ْلجِبَالَ يُسَبّحْنَ‪[} ..‬النبياء‪]79 :‬‬
‫فالجبال تُسبّح مع داود‪ ،‬وتُسبِح مع غيره‪ ،‬ولكن المراد هنا أنها تُسبّح معه ويوافق تسبيحها‬
‫تسبيحه‪ ،‬وكأنهما في أنشودة جماعية منسجمة‪ .‬إذن‪ :‬فل بُدّ أن داود عليه السلم قد َفهِم عنها‬
‫وفهمتْ عنه‪.‬‬
‫وكذلك النملة التي تكلمتْ أمام سليمان عليه السلم ففهم كلمها‪ ،‬وتبسّم ضاحكا من قولها‪ .‬وقد‬
‫علّمه ال منطقَ الطير‪ .‬إذن‪ :‬لكل جنس من الجناس منطق يُسبّح ال به‪ ،‬ولكن ل نفقه هذا‬
‫التسبيح؛ لنه تسبيح بلغة مُؤدّية مُعبّرة يتفاهم بها مَنْ عرف التواضع عليها‪.‬‬
‫وقد جعل الحق سبحانه وتعالى تنزيهه مطلقا ينقاد له الجميع‪ ،‬حتى الكافر ينقاد لتنزيه ال َقهْرا‬
‫عنه‪ ،‬مع أن لديه ملكةَ الختيار بين الكفر أو اليمان‪ ،‬لكن أراد الحق سبحانه أن يكون تنزيهه‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫مُطْلقا من الجماد والنبات والحيوان‪ ،‬ومن المؤمن والكافر‪ .‬كيف ذلك؟‬
‫علَم على واجب الوجود‪ ،‬ثم تحدّى الكافرين‬
‫أطلق الحق سبحانه على ذاته لفظ الجللة (ال) فهو َ‬
‫سمِيّا }[مريم‪]65 :‬‬
‫أنْ يُسمّوا أحدا بهذا السم‪ ،‬فقال‪َ {:‬هلْ َتعْلَمُ لَهُ َ‬
‫ومع ما عندهم من إِ ْلفٍ بالمخالفة وعناد باللحاد‪ ،‬مع ذلك لم يجرؤ أحد منهم أنْ يُسمّي ابنا له بهذا‬
‫السم‪ ،‬ومعلوم أن التسمية أمر اختياريّ يطرأ على الجميع‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فهذا تنزيه ل تعالى‪ ،‬حتى من الكافر رَغْما عنه‪ ،‬وهو دليل على عظمته سبحانه وجلله‪،‬‬
‫هذه العظمة وهذا الجلل الذي لم يجرؤ حتى الكافر على التشبّه به؛ ذلك لنهم في كفرهم غير‬
‫مقتنعين بالكفر‪ ،‬ويخافون بطش ال وانتقامه إنْ أقدموا على هذا العمل‪ ،‬لذلك ل يجرؤ أحد منهم أنْ‬
‫يُجرّب في نفسه مثل هذه التسمية‪.‬‬
‫وفي مجال العبادات‪ ،‬فقد اختار الحق سبحانه لنفسه عبادة ل يشاركه فيها أحد‪ ،‬ول يقدمها أحد‬
‫لغيره تعالى؛ لن الناس كثيرا ما يتقربون لمثالهم من البشر بأعمال أشبه ما تكون بعبادة ال‬
‫تعالى‪ ،‬فمنهم مَنْ ينحني خضوعا لغيره؛ كأنه راكع أو ساجد‪ ،‬ومنهم مَنْ يمدح جبارا بأنه ل مثيلَ‬
‫جعْله إلها في الرض‪ ،‬ومنهم مَنْ يسجدُ للشمس كما فعل أهل سبأ‬
‫له‪ ،‬وتصل به المبالغة إلى َ‬
‫وأخبر الهدهد عنهم بقوله‪:‬‬
‫شمْسِ مِن دُونِ اللّهِ }[النمل‪]24 :‬‬
‫سجُدُونَ لِل ّ‬
‫{ وَجَدّتهَا َو َقوْ َمهَا يَ ْ‬
‫ألسْنَا نرى إنسانا يتقرّب لحد الحكام‪ ،‬بأن ينفق فيما يحبه هذا الحاكم‪ ،‬وكأنه يُخرِج زكاة ماله؟‬
‫ألسْنا نرى أحدهم يذهب كل يوم إلى قصر سيده‪ ،‬ويُوقّع في سجل التشريفات باسمه ليقدم بذلك‬
‫فروض الولء والطاعة؟‬
‫إذن‪ :‬فاليمان بالوحدانية في شيء متميز وارد عند الناس‪ ،‬والخضوع الزائد بالسجود أو بالركوع‬
‫أو بالكلم وارد عند الناس‪.‬‬
‫لذلك تفرّد الحق سبحانه بفريضة الصوم‪ ،‬وجعلها خالصة له سبحانه‪ ،‬ل يتقرب بها أحد لحد‪،‬‬
‫وهل رأيت إنسانا يتقرّب لخر بصوم؟ فانظر إلى هذه السّبْحانية وهذا التنزيه في ذاته سبحانه‪ ،‬فل‬
‫يجرؤ أحد أنْ يتسمى باسمه‪.‬‬
‫وفي العبادة ل ُيصَام لحد غيره تعالى‪ ،‬فلو تصوّرنا أن يقول واحد للخر‪ :‬أنا سأتقرّب إليك‬
‫بصوم هذا اليوم أو هذا الشهر‪ ،‬إذن‪ :‬أنت تريد منه أن يجلس بجوارك يحرسك ويراعي صومك‪،‬‬
‫فكأنك تريد له العنت والمشقة من حيث تريد أنت أنْ تتقرّب إليه‪.‬‬
‫لذلك يقول الحق سبحانه في الحديث القدسي‪ " :‬كل عمل ابن آدم له إل الصوم فإنه لي وأنا أجزي‬
‫به "‪.‬‬
‫يعني من الممكن أن يتقرب بأيّ ركن من أركان السلم لغيري‪ ،‬إل الصوم‪ ،‬فل يجرؤ أحد أنْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يتطوّع به أو يتقرب به لحد‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالسّبحانية هي الدليل السائد الشامل الجامع لكل الخَلْق؛ لذلك نقول للكافر‪ :‬أيها الكافر لقد‬
‫ت على أوامر ال‪ ،‬وما ُدمْتُم قد تأبيتم على ال‪ ،‬وألفتم‬
‫تأبّ ْيتَ على اليمان بال‪ ،‬وللعاصي‪ :‬لقد تأبي َ‬
‫هذا التأبّي وهذا التمرد‪ ،‬فلماذا ل تتأبون على المرض إنْ أصابكم‪ ،‬وعلى الموت إنْ طرق بابكم؟‬
‫لماذا ل تتمرد على ملك الموت وتقول له‪ :‬لن أموت اليوم؟! إنها قاهرية الحق سبحانه وتعالى‬
‫حتى على الكافر‪ ،‬فل يستطيع أحد أن يخرج عليها أو يتمرد‪.‬‬
‫وكذلك العاصي حينما ينحرف عن الجادّة‪ ،‬وتمتد يده إلى مال غيره بالسرقة أو الختلس أو‬
‫التعدّي على المال العام‪ ،‬فإن الحق سبحانه يفتح عليه أبوابا للنفاق تبتلع ما جمع من الحرام‪،‬‬
‫وربما أخذت في طريقها الحلل أيضا‪ ،‬وصدق رسول ال صلى ال عليه وسلم حين قال‪ " :‬من‬
‫جمع مالً من مهاوش أذهبه ال في نهابر "‪.‬‬
‫فالتسبيح إذن لغة الكون كله‪ ،‬منه ما نفهمه‪ ،‬ومنه ما ل نفهمه‪ ،‬إل مَنْ أطلعه ال عليه‪ ،‬فإذا مَنّ ال‬
‫على أحد وعلّمه لغة الطير أو الحيوان أو النبات أو الجماد‪ ،‬فهمها وفقه عنها‪ ،‬كما أنعم بهذه النعم‬
‫على داود وسليمان عليهما السلم‪.‬‬
‫شكُرَ ِن ْعمَ َتكَ الّتِي أَ ْن َع ْمتَ‬
‫ويقول سليمان ـ عليه السلم ـ شاكرا هذه النعمة‪َ {:‬ربّ َأوْزِعْنِي أَنْ أَ ْ‬
‫ي وَعَلَىا وَاِل َديّ }[النمل‪]19 :‬‬
‫عََل ّ‬
‫حمْ ِدهِ‪[ { ..‬السراء‪]44 :‬‬
‫شيْءٍ ِإلّ يُسَبّحُ ِب َ‬
‫فقول الحق سبحانه‪ } :‬وَإِن مّن َ‬
‫يجب على العلماء أنْ ينقلوها من خاطر الدللة إلى خاطر المقالة أيضا‪ ،‬ولكنها مقالة‪ ،‬ولكنها مقالة‬
‫بلغة يفهمها أصحابها إذا شاء ال لهم ذلك‪.‬‬
‫غفُورا‪[ { ..‬السراء‪]44 :‬‬
‫حلِيما َ‬
‫ثم يُذيّل الحق سبحانه هذه الية بقوله‪ } :‬إِنّهُ كَانَ َ‬
‫لن النسانَ كثيرا ما يغفل الستدلل بظواهر الكون وآياته دللة الحال‪ ،‬فيقف على قدرة ال‬
‫وبديع صُنْعه‪ ،‬وكذلك كثيرا ما يغفل عن تسبيح ال تسبيح المقالة؛ لذلك أخبر سبحانه أنه حلي ٌم ل‬
‫يعاجل الغافلين بالعقوبة‪ ،‬وغفور لمن تاب وأناب‪.‬‬
‫وهذا من رحمته سبحانه بعباده‪ ،‬فلول أنْ يتداركَ ال العباد بهذه الرحمة لكان النسان سيد الكون‬
‫أقلّ حظا من الحيوان‪ ،‬ويكفي أن تتدبر قوله تعالى عن تسبيح المخلوقات له سبحانه‪ {:‬أَلَمْ تَرَ أَنّ‬
‫س وَا ْل َقمَرُ وَالنّجُو ُم وَا ْلجِبَالُ وَالشّجَرُ‬
‫شمْ ُ‬
‫ض وَال ّ‬
‫ت َومَن فِي الَ ْر ِ‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫جدُ لَهُ مَن فِي ال ّ‬
‫اللّهَ َيسْ ُ‬
‫حقّ عَلَيْهِ ا ْلعَذَابُ‪[} ..‬الحج‪]18 :‬‬
‫س َوكَثِيرٌ َ‬
‫ب َوكَثِيرٌ مّنَ النّا ِ‬
‫وَال ّدوَآ ّ‬
‫فها هي جميع الجناس من جماد ونبات وحيوان تسجد ل ل يتخلف منها شيء‪ ،‬فهي تسجد وتُسبّح‬
‫بالجماع‪ ،‬ولم ينقسم المر إل في النسان السيّد المكرّم‪ ،‬ولكن لماذا النسان بالذات هو الذي يشذّ‬
‫عن منظومة التسبيح في الكون؟‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ن يفعل أو ل يفعل‪،‬‬
‫نقول‪ :‬لنه المخلوق الوحيد الذي مَيّ َزهُ ال بالختيار‪ ،‬وجعل له الحرية في أ ْ‬
‫أما باقي المخلوقات فهي مُسخّرة مقهورة‪ ،‬فإن قال قائل‪ :‬لماذا لم يجعل الحق سبحانه وتعالى‬
‫النسان أيضا مقهورا كباقي المخلوقات؟‬
‫لقد جعل ال تعالى في النسان الختيار لحكمة عالية‪ ،‬فالقهر يُثبتُ للحق سبحانه صفة القدرة على‬
‫مخلوقه‪ ،‬فإذا قهره على شيء ل يشذ ول يتخَلف‪ ،‬ولكنه ل يثبت صفة المحبوبية ل تعالى‪.‬‬
‫أما الختيار فيثبت المحبوبية ل؛ لنه خلقك مختارا تؤمن أو تكفر‪ ،‬ومع ذلك اخت ْرتَ اليمان حُبا‬
‫في ال تعالى‪ ،‬وطاعة وخضوعا‪ ،‬فأثبتّ بذلك صفة المحبوبية‪.‬‬
‫وإياك أن تظن أن مَنْ َيعْصي ال يعصيه قهرا عن ال‪ ،‬بل بما ركّب فيه من الختيار‪ ،‬وقد يقول‬
‫قائل‪ :‬وما ذنب النسان أن يكون مختارا من بين جميع المخلوقات؟‬
‫ت الكون كله كان مختارا‪ ،‬وليس النسان فقط‪ ،‬لكن‬
‫لو حققتَ هذه القضية منطقيا وفلسفيا لوجد َ‬
‫ت أن تكون مقهورة مسخرة من البداية‪ ،‬أما‬
‫اختارت جميع المخلوقات أنْ تُسلّم المر ل‪ ،‬وفضّل ْ‬
‫النسان ففضّل الختيار‪ ،‬وقال‪ :‬سأعمل بحرص‪ ،‬وسأحمل المانة بإخلص‪ ،‬وهذا واضح في قول‬
‫حمِلْ َنهَا‬
‫ض وَالْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن َي ْ‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْر ِ‬
‫لمَانَةَ عَلَى ال ّ‬
‫الحق تبارك وتعالى‪ {:‬إِنّا عَ َرضْنَا ا َ‬
‫جهُولً }‬
‫حمََلهَا الِنْسَانُ إِنّهُ كَانَ ظَلُوما َ‬
‫شفَقْنَ مِ ْنهَا وَ َ‬
‫وَأَ ْ‬
‫[الحزاب‪]72 :‬‬
‫وفي َرفْض هذه المخلوقات لتحمّل المانة والختيار دليل على العلم الواسع؛ لنه يوجد فَرْق كبير‬
‫بين قبول المانة وقت التحمّل ووقت الداء‪ .‬فقد تتحمل المانة وأنت واثق من أدائها‪ ،‬لكن يطرأ‬
‫عليك وقت الداء مَا يحول بينك وبين أداء المانة‪.‬‬
‫والمانة كما هو معروف ل تُوثّق ول تُكتب‪ ،‬وكثيرا ما يقع فيها التلعب؛ لنها ل تثبتُ إل بذمّّة‬
‫الخذ الذي قد يضعف عن الداء وتُلجِئه الحداث إلى هذا التلعب أو النكار‪ ،‬والحداث قد تكون‬
‫أقوى من الرجال‪.‬‬
‫ن كان يضمنها وقت التحمّل‪ ،‬ولهذا اختارت‬
‫فالنسان ـ إذن ـ ل يضمن نفسه وقت الداء‪ ،‬وإ ْ‬
‫جميع المخلوقات أن تكون مقهورة مُسيّرة‪ ،‬أما النسان فقال‪ :‬لي عقل وأستطيع التصرّف‬
‫ل بما يكون من‬
‫والترجيح بين البدائل‪ ،‬فكان بذلك ظالما لنفسه؛ لنه ل يضمنها وقت الداء‪ ،‬وجهو ً‬
‫تغيّر أحواله‪.‬‬
‫فالكون ـ إذن ـ ليس مقهورا رَغْما عنه‪ ،‬بل بإرادته واختياره‪ ،‬وكذلك النسان ليس مختارا‬
‫رَغْما عنه‪ ،‬بل بإرادته واختياره‪.‬‬
‫ن لَ ُي ْؤمِنُونَ بِالخِ َرةِ حِجَابا‬
‫جعَلْنَا بَيْ َنكَ وَبَيْنَ الّذِي َ‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ } :‬وَِإذَا قَرَ ْأتَ ا ْلقُرآنَ َ‬
‫مّسْتُورا {‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫(‪)2057 /‬‬
‫حجَابًا مَسْتُورًا (‪)45‬‬
‫ك وَبَيْنَ الّذِينَ لَا ُي ْؤمِنُونَ بِالَْآخِ َرةِ ِ‬
‫جعَلْنَا بَيْ َن َ‬
‫وَإِذَا قَرَ ْأتَ ا ْلقُرْآَنَ َ‬

‫الحق سبحانه وتعالى يعدل الشياء تنفيذا لشياء أخرى‪ ،‬ويصنع أحداثا أوّلية لتكون بمثابة المقدمة‬
‫والتمهيد لحداث أخرى أهم منها‪ .‬وكفار مكة ما ادّخروا وُسْعا‪ ،‬وما تركوا وسيلة من وسائل‬
‫اليذاء لرسول ال صلى ال عليه وسلم والتنكيل به إل فعلوها‪.‬‬
‫ومع ذلك لم ُيفَاجأ بها رسول ال‪ ،‬ولم تُثبّط من عزيمته‪ ،‬لماذا؟ لنه كان مُتوقّعا لكل هذا اليذاء‪،‬‬
‫ولديه من سوابق الحداث ما يعطيه الحصانة الكافية لمقابلة كل الشدائد‪.‬‬
‫فالمسألة لم تُفاجئ رسول ال؛ لنه عرفها حتى قبل أن يُبعث‪ ،‬فحينما جاءه جبريل للمرة الولى‬
‫في الغار‪ ،‬وعاد إلى السيدة خديجة فَزِعا ذهبتْ به إلى ابن عمها ورقة بن نوف‪ ،‬فطمأنه بأن هذا‬
‫هو الناموس اللهي‪ ،‬وأنه صلى ال عليه وسلم سيكون مبعوث السماء إلى الرض‪ ،‬وأنه نبيّ هذه‬
‫المة‪ ،‬وقال فيما قال‪ :‬ليتني أكون حيا حين يُخرِجك قومك‪ ،‬فقال صلى ال عليه وسلم‪َ " :‬أمُخرجيّ‬
‫هم؟ "‪.‬‬
‫قال‪ :‬نعم‪ ،‬لم يأتي رجل بمثل ما جئتَ به إل عودِي‪ ،‬وإنْ يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا‪.‬‬
‫حصّن رسوله صلى ال عليه وسلم ضد ما سيأتي من أحداث؛ لكي‬
‫إذن‪ :‬فالحق سبحانه وتعالى َ‬
‫طعْم المناسب‬
‫يكون على توقّع لها‪ ،‬ول تحدث له المفاجأة التي ربما ولدتْ النهيار‪ ،‬وأعطاه ال ّ‬
‫للداء قبل حدوثه؛ لتكون لديه المناعة الكافية عند وقوع الحداث‪ ،‬واليقين الثابت في نصر ال له‬
‫مهما ادْلهَمتْ الخطوب‪ ،‬وضاق الخناق عليه صلى ال عليه وسلم وعلى أصحابه‪.‬‬
‫والحديث عن الذين ل يؤمنون بالخرة‪ ،‬وما داموا كذلك فليس لهم إل الدنيا‪ ،‬هي فرصتهم‬
‫الوحيدة‪ ،‬لذلك يحرصون على استنفاد كل شهواتهم فيها‪ ،‬ول يؤخرون منها شيئا‪ ،‬فإنْ أجّل المؤمن‬
‫بعض مُ َتعِه وشهواته انتظارا لما في الخرة فإلمَ يؤجل الكفار مُتعهم؟‬
‫إذن‪ :‬الذي يجعل هؤلء يتهافتون على شهواتهم في الدنيا أنهم غير مؤمنين بالخرة‪.‬‬
‫فإذا جاء رسول بمنهج ليعدل حركة الناس لتنسجم مع الكون‪ ،‬فل بُدّ أن يثور هؤلء الكفار‬
‫الحريصون على شهواتهم ومكانتهم‪ ،‬ل بُدّ أنْ يصادموا هذه الدعوة‪ ،‬ويقاوموها في ذات الرسول‬
‫وفي منهجه‪ ،‬في ذاته باليذاء‪ ،‬وفي دعوته ومنهجه بصَرْف الناس عنه‪ ،‬ألم يقل الكفار لمن يَ َروْن‬
‫س َمعُواْ ِلهَـاذَا ا ْلقُرْآنِ وَا ْلغَوْاْ فِيهِ َلعَّلكُمْ َتغْلِبُونَ }[فصلت‪]26 :‬‬
‫عنده مَيْلً للسلم‪ {:‬لَ تَ ْ‬
‫س َمعُواْ ِلهَـاذَا ا ْلقُرْآنِ‪[} ..‬فصلت‪]26 :‬‬
‫وقولهم‪ {:‬لَ تَ ْ‬
‫شهادة منهم بصدق القرآن الكريم‪ ،‬وأنه ينفذ إلى القلوب ويؤثر فيها‪ ،‬وإل لما قالوا هذا القول‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وقولهم‪ {:‬وَا ْل َغوْاْ فِيهِ‪[} ..‬فصلت‪]26 :‬‬
‫شوّشوا عليه حتى ل يصل إلى آذان الناس‪ ،‬إذن‪ :‬هم واثقون من صدق رسول ال‬
‫أي‪ :‬هرّجوا و َ‬
‫وصدق دعوته‪ ،‬وقد دَّلتْ تصرفاتهم على ذلك‪ ،‬فحينما كان رسول ال صلى ال عليه وسلم يذهب‬
‫إلى الكعبة‪ ،‬ويجلس بجوارها يُدندِن بآيات القرآن كان صناديد الكفر في مكة يتعمدون سماع‬
‫القرآن‪ ،‬والتلذّذ بروعته وبلغته‪.‬‬
‫ن لَ ُي ْؤمِنُونَ بِالخِ َرةِ حِجَابا مّسْتُورا‬
‫جعَلْنَا بَيْ َنكَ وَبَيْنَ الّذِي َ‬
‫فقوله تعالى‪ } :‬وَإِذَا قَرَ ْأتَ ا ْلقُرآنَ َ‬
‫{ [السراء‪]45 :‬‬
‫يُ ْروَى أن أبا جهل‪ ،‬وأبا سفيان‪ ،‬وأبا لهب‪ ،‬وأم جميل كانوا يتابعون رسول ال‪ ،‬ويتنصتون عليه‬
‫وهو يقرأ القرآن ليروْا ما يقول‪ ،‬وليجدوا فرصة ليذائه صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فكان الحق سبحانه‬
‫يصمّ آذانهم عن سماع القرآن‪ ،‬فالرسول يقرأ وهم ل يسمعون شيئا‪ ،‬فينصرفون عنه بغيظهم‪.‬‬
‫وكأن الحق سبحانه يريد من هذه الواقعة أن تكون تمهيدا لحدث أهم‪ ،‬وهو ما كان من رسول ال‬
‫ليلة الهجرة‪ ،‬ليلة أنْ بيّتوا له القتل بضربة رجل واحد‪ ،‬فتحرسه عناية ال وتقوم له‪ :‬اخرج عليهم‬
‫ول تخف‪ ،‬فإن الذي جعلك تقرأ وجعل بينك وبينهم حجابا فل يستمعون إليك‪ ،‬هو الذي سينزل‬
‫على أعينهم غشاوة فل يرونك‪.‬‬
‫خوْفا‪ ،‬بل خرج‬
‫ومع إحكام خيوط هذه المؤامرة لم يخرج الرسول من بينهم صامتا يحبس أنفاسه َ‬
‫وهو يقول " شاهت الوجوه " وهو ل يخشى انتباههم إليه‪ ،‬وأكثر من ذلك‪ :‬يأخذ حفنة من التراب‬
‫ويذروها على وجوههم‪ ،‬إنها الثقة واليقين في نصره وتأييده‪.‬‬
‫وقوله‪ } :‬حِجَابا مّسْتُورا { [السراء‪]45 :‬‬
‫الحجاب‪ :‬هو المانع من الدراك‪ ،‬فإنْ كان للعين فهو مانع للرؤية‪ ،‬وإنْ كان للذن فهو مانع‬
‫للسمع‪.‬‬
‫وكلمة } مّسْتُورا { اسم مفعول من الستر‪ ،‬فلم يقل الحق سبحانه وتعالى (ساترا)‪ ،‬وهذا من قبيل‬
‫المبالغة في الستر والخفاء‪ ،‬فالمعنى أن الحجاب الذي يمنعهم من سماعك أو رؤيتك هو نفسه‬
‫مستور‪ ،‬فإن كان الحجاب نفسه مستورا‪ ،‬فما باُلكَ بما خلفه؟‬
‫ولشكّ أن الذّهْن سينشغل هنا بالحجاب المادي‪ ،‬لكن هذا الحجاب الذي يتحدث عنه الحق سبحانه‬
‫ع َمدٍ تَ َروْ َنهَا }[الرعد‪]2 :‬‬
‫سمَاوَاتِ ِبغَيْرِ َ‬
‫ي ول يراه أحد‪ ،‬كما في قوله تعالى‪َ {:‬رفَعَ ال ّ‬
‫حجاب معنو ّ‬
‫عمَد وسكت فقد نفى وجود عمد للسماء وانتهت المسألة‪ ،‬وأدخلناها تحت قوله‬
‫فلو قال‪ :‬بغير َ‬
‫ت وَالَرْضَ أَن تَزُولَ }[فاطر‪ ]41 :‬فالمر قائم على قدرة ال دون‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫سكُ ال ّ‬
‫تعالى‪ {:‬إِنّ اللّهَ ُيمْ ِ‬
‫عمَدٍ تحمل السماء‪.‬‬
‫وجود َ‬
‫عمَد‪ ،‬وأنتم ترونها كذلك‪،‬‬
‫ن نقول بغير َ‬
‫لكن قوله سبحانه‪ } :‬تَ َروْ َنهَا { تجعل المعنى صالحا ل ْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عمَد‬
‫فننظر هنا وهناك فل نجد للسماء عمدا تحملها‪ ،‬أو نقول‪ :‬إن لها عمدا لكِنّا ل نراها‪ ،‬فهي َ‬
‫معنوية‪ ،‬فل ينصرف ذهنك إلى ما نقيمه نحن من عَمد المسلح أو الرخام أو الحديد‪.‬‬
‫وفي هذا ما ي ُدكّ الغرور في النسان‪ ،‬ليعلم أنه ل يدرك إل ما أذن ال له في إدراكه‪ ،‬وأن حواسّ‬
‫الدراك لديه قد تتوقف عن هذا الدراك‪ ،‬فليس معنى أنها مدركة أن تظل مدركة دائما‪ ،‬فليس لها‬
‫طلقة لتفعل ما تشاء‪ ،‬بل الحق سبحانه وتعالى يعطيها هذه القدرة‪ ،‬أو يسلبها إياها‪.‬‬
‫فالقدرة اللهية هي التي تُسيّر هذا الكون‪ ،‬وتأمر كل شيء بأن تُؤدّي مهمته في الحياة‪ ،‬وإنْ شاء‬
‫عطّلها عن أداء هذه المهمة؛ لذلك نرفض قول الفلسفة أن الحق سبحانه وتعالى زاول سلطانه في‬
‫مُلْكه مرة واحدة‪ ،‬بأن جعل فيه النواميس والقوانين‪ ،‬وهي التي تحكم العالم وتُسيّره‪.‬‬
‫ففي قصة موسى ـ عليه السلم ـ أنه سار بجيشه‪ ،‬يطارده فرعون وجنوده حتى وصل إلى‬
‫شاطئ البحر فأصبح البحر من أمامه‪ ،‬وفرعون من خلفه حتى قال أصحاب موسى‪ {:‬إِنّا‬
‫َلمُدْ َركُونَ‪[} ..‬الشعراء‪]61 :‬‬
‫فأين المفر‪ ،‬وهاهو البحر من أمامنا‪ ،‬والعدو من خلفنا؟ وهذا كلم منطقي مع واقع الحديث‬
‫البشري‪ ،‬لكن المر يختلف عند موسى ـ عليه السلم ـ فقال بملء فيه‪ {:‬قَالَ كَلّ إِنّ َم ِعيَ رَبّي‬
‫سَ َيهْدِينِ }[الشعراء‪]62 :‬‬
‫فهل قالها موسى برصيد بشري؟ ل‪ ،‬بل بما عنده من ثقة في ربه‪ ،‬وهكذا انتقلت المسألة إلى ساحة‬
‫الخالق سبحانه‪ ،‬فقال لنبيه موسى‪ {:‬فََأوْحَيْنَآ ِإلَىا مُوسَىا أَنِ اضْرِب ّب َعصَاكَ الْ َبحْرَ فَانفَلَقَ َفكَانَ‬
‫طوْدِ ا ْلعَظِيمِ }[الشعراء‪]63 :‬‬
‫ُكلّ فِ ْرقٍ كَال ّ‬
‫فخرق ال لموسى قانون سيولة الماء واستطراقه‪ ،‬ويتجمد الماء‪ ،‬ويصير كالجبل ويتحول البحر‬
‫إلى يابسة‪ ،‬ويعبر موسى وقومه إلى الناحية الخرى‪ ،‬وتنشرح صدورهم بفرحة النجاة‪ ،‬ويأخذ‬
‫موسى ـ عليه السلم ـ عصاه ليضرب البحر ليعود إلى طبيعته‪ ،‬وحتى ل يعبره فرعون ويلحق‬
‫به‪ ،‬لكن الحق سبحانه يأمره‪ ،‬أن يتركه على حاله‪ {:‬وَاتْ ُركِ الْ َبحْرَ رَهْوا إِ ّن ُهمْ جُندٌ ّمغْ َرقُونَ }‬
‫[الدخان‪]24 :‬‬
‫فعندما نزل فرعون وجنوده البحر واكتمل عددهم في قاعه أطلق الخالق سبحانه للماء قانون‬
‫سيولته‪ ،‬فأطبق على فرعون وجنوده‪ ،‬وكانت آيةً من آيات ال‪ ،‬شاهدة على قدرته سبحانه‪ ،‬وأنه‬
‫إنْ شاء أنجى وأهلك بالشيء الواحد‪ ،‬وشاهدة على قيوميته تعالى على خَلْقه‪ ،‬فليس المر ـ كما‬
‫يقولون ـ أمر قانون أو ناموس يعمل‪ ،‬ويدير حركة الكون‪ ،‬فكل المعجزات التي م ّرتْ في تاريخ‬
‫البشرية جاءت من باب خرق النواميس‪.‬‬
‫جعَلْنَا عَلَىا قُلُو ِبهِمْ َأكِنّةً أَن َيفْ َقهُو ُه َوفِي آذَا ِن ِه ْم َوقْرا‪.{ ...‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪َ } :‬و َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫(‪)2058 /‬‬
‫ح َد ُه وَّلوْا عَلَى‬
‫ن وَ ْ‬
‫جعَلْنَا عَلَى قُلُو ِبهِمْ َأكِنّةً أَنْ َيفْ َقهُو ُه َوفِي آَذَا ِن ِه ْم َوقْرًا وَإِذَا َذكَ ْرتَ رَ ّبكَ فِي ا ْلقُرْآَ ِ‬
‫وَ َ‬
‫أَدْبَارِ ِهمْ ُنفُورًا (‪)46‬‬

‫ومعنى { َأكِنّةً } جمع كِنَان‪ ،‬وهو الغطاء‪ ،‬وقد حكى القرآن اعترافهم بهذه الكنة وهذه الحجب‬
‫التي غّلفَتْ قلوبهم في قوله تعالى‪َ {:‬وقَالُواْ قُلُوبُنَا فِي َأكِنّةٍ ِممّا َتدْعُونَا إِلَيْ ِه َوفِي آذانِنَا َوقْرٌ َومِن بَيْنِنَا‬
‫وَبَيْ ِنكَ حِجَابٌ‪[} ..‬فصلت‪]5 :‬‬
‫خلْق ال‪ ،‬والنسان سيد هذا الكون‪ ،‬وخليفة ال فيه وهو مربوب للخالق سبحانه ل‬
‫الكون كله َ‬
‫يخرج عن مربوبيته لربه‪ ،‬حتى وإنْ كان كافرا ل يزال يتقلّب في عطاء الربوبية‪ ،‬فل يُحرم منها‬
‫عطَآءِ‬
‫الكافر بكفره ول عاص بمعصيته‪ ،‬بل كما قال تعالى‪ {:‬كُلّ ّنمِدّ هَـاؤُل ِء وَهَـاؤُلءِ مِنْ َ‬
‫رَ ّبكَ‪[} ..‬السراء‪]20 :‬‬
‫وسبق أنْ فرّقنا بين عطاء الربوبية المتمثّل في كل ِنعَم الحياة وبين عطاء اللوهية‪ ،‬وهو التكليف‬
‫الذي يقتضي عبدا ومعبودا‪ ،‬وافعل ول تفعل‪.‬‬
‫إذن‪ :‬عطاء الربوبية عام للجميع ودائم للجميع‪ ،‬فكان على النسان أن يقف مع نفسه وقفة تأمّل في‬
‫سعْي منه أو مجهود‪ ،‬هذه الشمس وهذه الرض وهذا الهواء‪ ،‬هل‬
‫هذه النعم التي تُسَاق إليه دون َ‬
‫له قدرة عليها؟ هل تعمل له بأمره‪ ،‬إنها أوليات النعم التي أجراها ال تعالى من أجله‪ ،‬وسخّرها‬
‫بقدرته من أجله‪ ،‬أل تدعوه هذه النعم إلى اليمان بالمنعم سبحانه وتعالى؟‬
‫وسبق أنْ ضربنا مثلً للستدلل على الخالق سبحانه بما أودعه في الكون من ظواهر وآيات‬
‫بالرجل الذي انقطعت به السّبُل في صحراء‪ ،‬حتى أوشك على الهلك‪ ،‬وفجأة رأى مائدة عليها ما‬
‫يشتهي من الطعام والشراب‪ ،‬ألَ تثير في نفسه تساؤلً عن مصدرها قبل أن تمتدّ إليها يده؟‬
‫وكذلك الكافر الذي يتقلّب في ِنعَم ل ُتعَ ّد ول تُحصَى‪ ،‬وقد طرأ على الكون فوجده مُعدّا لستقباله‬
‫ل على المنعِم‪.‬‬
‫ُمهَيئا لمعيشته‪ ،‬فكان عليه أنْ يُجري عملية الستدلل هذه‪ ،‬ويأخذ من النعمة دلي ً‬
‫ن كفر‪ ،‬بل إن الكافر حين يتمكّن الكفر منه ويُغلق‬
‫عمّ ْ‬
‫والحق تبارك وتعالى ل يمنع عطاء ربوبيته َ‬
‫عليه قلبه يساعده ال على ما يريد‪ ،‬ويزيده مما يحب‪ ،‬كما قال تعالى‪ {:‬فِي قُلُو ِبهِم مّ َرضٌ فَزَادَهُمُ‬
‫اللّهُ مَرَضا‪[} ..‬البقرة‪]10 :‬‬
‫جعَلْنَا عَلَىا قُلُو ِبهِمْ َأكِنّةً‪[ } ..‬السراء‪ ]46 :‬لم تَ ْأتِ من ال ابتداءً‪ ،‬بل لما‬
‫إذن‪ :‬فقوله تعالى‪ { :‬وَ َ‬
‫أحبّوا هم الكفر‪ ،‬وقالوا عن أنفسهم‪ :‬قلوبنا في أكنة‪ ،‬فأجابهم ال إلى ما أرادوا وختم على قلوبهم‬
‫ليزدادوا كفرا‪ ،‬وطالما أنهم يحبونه فَلْنُزدهم منه‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ثم يقول تعالى‪ { :‬أَن َيفْ َقهُوهُ‪[ } ..‬السراء‪]46 :‬‬
‫أي‪ :‬كراهية أنْ يفقهوه؛ لن ال تعالى ل يريد منهم أن يفهموا القرآن رَغْما عنهم‪ ،‬بل برضاهم‬
‫وعن طيب خاطر منهم بالقناع وبالحجة‪ ،‬فال ل يريد منا قوالبَ تخضع‪ ،‬بل يريد قلوبا تخشع‪،‬‬
‫وإل لو أرادنا قوالبَ لما استطاع أحد منا أنْ يشذّ عن أمره‪ ،‬أو يمنع نفسه من ال تعالى‪ ،‬فالجميع‬
‫خاضع لمره وتحت مشيئته‪.‬‬
‫سكَ َألّ َيكُونُواْ ُم ْؤمِنِينَ * إِن نّشَأْ‬
‫وفي سورة الشعراء يقول الحق تبارك وتعالى‪َ {:‬لعَّلكَ بَاخِعٌ ّنفْ َ‬
‫ضعِينَ }[الشعراء‪]4-3 :‬‬
‫سمَآءِ آ َيةً فَظَّلتْ أَعْنَا ُقهُمْ َلهَا خَا ِ‬
‫نُنَ ّزلْ عَلَ ْيهِمْ مّنَ ال ّ‬
‫فالعناق هي الخاضعة وليست القلوب؛ لنك تستطيع أن تقهر قالب خصمك فتجبره على فعل أو‬
‫قول‪ ،‬لكنك ل تستطيع أبدا أن تجبر قلبه وتكرهه على حبك‪ ،‬إذن‪ :‬فال تعالى يريد القلوب‪ ،‬يريدها‬
‫طائعة محبة مختارة‪ ،‬أما هؤلء فقد اختاروا الكِنّة على قلوبهم‪ ،‬وأحبّوها وانشرحت صدورهم‬
‫بالكفر‪ ،‬فزادهم ال منه‪.‬‬
‫ثم يقول تعالى‪َ } :‬وفِي آذَا ِنهِ ْم َوقْرا‪[ { ..‬السراء‪]46 :‬‬
‫} َوقْرا { أي‪ :‬صَمم‪ ،‬والمراد أنهم ل يستمعون سماعا مفيدا؛ لنه ما فائدة السمع؟ واللغة وسيلة‬
‫بين متكلم ومخاطب‪ ،‬ومن خللها تنتقل الفكار والخواطر لتحقيق غاية‪ ،‬فإذا كان يستمع بدون‬
‫فائدة فل جدوى من سمعه وكأنه به صَمما‪.‬‬
‫علَىا أَدْبَارِ ِهمْ ُنفُورا‪[ { ..‬السراء‪]46 :‬‬
‫ح َد ُه وَّلوْاْ َ‬
‫ن وَ ْ‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬وَإِذَا َذكَ ْرتَ رَ ّبكَ فِي ا ْلقُرْآ ِ‬
‫لماذا ولو على أدبارهم نفورا؟ لنك أتيتَ لهم بما يُخوّفهم ويُزعجهم‪ ،‬وبال لو أن قضيةَ اليمان‬
‫ليست فطرية موجودة في الذات وفي ذرّات التكوين‪ ،‬أكان هؤلء يخافون من ذكر ال؟ َف ِممّا‬
‫يخافون وهم ل يؤمنون بال‪ ،‬ول يعترفون بوجوده تعالى؟‬
‫إذن‪ :‬ما هذا الخوف منهم إل لنقهار الطبع‪ ،‬وانقهار الفطرة التي يعتريها غفلة‪ ،‬فإذا بهم يُولّون‬
‫ف ونُفور‪.‬‬
‫خ ْو ٍ‬
‫مدبرين في َ‬
‫جوَىا‪.{ ...‬‬
‫ك وَإِذْ ُهمْ َن ْ‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ } :‬نّحْنُ أَعَْلمُ ِبمَا يَسْ َت ِمعُونَ بِهِ ِإذْ يَسْ َت ِمعُونَ إِلَ ْي َ‬

‫(‪)2059 /‬‬
‫جوَى إِذْ َيقُولُ الظّاِلمُونَ إِنْ تَتّ ِبعُونَ إِلّا رَجُلًا‬
‫ك وَإِذْ هُمْ َن ْ‬
‫علَمُ ِبمَا يَسْ َت ِمعُونَ بِهِ إِذْ يَسْ َت ِمعُونَ إِلَ ْي َ‬
‫نَحْنُ أَ ْ‬
‫مَسْحُورًا (‪)47‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الحق سبحانه وتعالى ل َيخْفى عليه شيء في الرض ول في السماء‪ ،‬وهذه حقيقة كان على الكفار‬
‫أنْ ينتبهوا إليها ويُراعوها‪ ،‬ويأخذوها سبيلً إلى اليمان بال‪ ،‬فقد أخبر سبحانه نبيه صلى ال عليه‬
‫جهَنّمُ َيصَْلوْ َنهَا فَبِئْسَ ا ْل َمصِيرُ }‬
‫حسْ ُبهُمْ َ‬
‫سهِمْ َل ْولَ ُيعَذّبُنَا اللّهُ ِبمَا َنقُولُ َ‬
‫وسلم بقوله‪ {:‬وَ َيقُولُونَ فِي أَنفُ ِ‬
‫[المجادلة‪]8 :‬‬
‫فكان عليهم أن يتدبروا هذا القول‪ :‬فهم قالوا في أنفسهم‪ ،‬ولم يقولوا لحد‪ ،‬فمَنْ أخبر محمدا بهذا‬
‫القول الذي لم يخرج إلى عالم الواقع‪ ،‬ومَنْ أطلعه عليه؟ َألَ يدعوهم هذا العلم بما يدور في‬
‫نفوسهم إلى اليمان بال؟‬
‫خفَى عليه شيء‪ ،‬فهو أعلم بأحوالهم هذه‪ :‬الول‪:‬‬
‫وما دام الحق سبحانه يعلم كل الحوال‪ ،‬ول َي ْ‬
‫يستمعون إليك‪ .‬والثاني‪ :‬وإذ هم نجوى‪ .‬والثالث‪ :‬إذ يقول الظالمون‪ .‬إذن‪ :‬هم يستمعون ثم‬
‫يتناجون‪ ،‬ثم يقول بعضهم لبعض‪.‬‬
‫حبّ للغة وشغف بأساليب البيان؛ لذلك‬
‫قالوا‪ :‬إن سبب نزول هذه الية ما كان عند العرب من ُ‬
‫كانت معجزة النبي صلى ال عليه وسلم من جنس ما نبغ فيه قومه‪ ،‬لتكون أوضح في التحدي‪،‬‬
‫هكذا شأن الحق سبحانه مع كل الرسل‪.‬‬
‫وكان للعرب أسواق للبيان والبلغة يجتمع فيها أهل الشعر والبلغة والفصاحة‪ ،‬وفي مكة تصب‬
‫كل اللسنة في مواسم الحج‪ ،‬فعرفوا صفوة لغات الجزيرة وأساليبها‪ ،‬ومن هنا انجذبوا لسماع‬
‫القرآن‪ ،‬وشغفوا ببيانه بما لديهم من أذن مُرْهفة للسلوب وملَكة عربية أصيلة‪ ،‬إل أن القرآن له‬
‫مطلوبات وتكاليف ل يقدرون عليها‪ ،‬ولديه منهج سيُقوّض مملكة السيادة التي يعيشون فيها‪.‬‬
‫ن كانوا ُمعْجبين بالقرآن إعجابا بيانيا‬
‫ومن هنا كابروا وعاندوا‪ ،‬ووقفوا في وجه هذه الدعوة‪ ،‬وإ ْ‬
‫بلغيا بما في طباعهم من مَلَكات عربية‪.‬‬
‫فيُ ْروَى أن كبارا مثل‪ :‬النضر بن الحارث‪ ،‬وأبي سفيان‪ ،‬وأبي لهب كانوا يتسللون بعد أن ينام‬
‫ن وَا ْل َغوْاْ فِيهِ }[فصلت‪ ]26 :‬ـ كانوا‬
‫س َمعُواْ ِلهَـاذَا ا ْلقُرْآ ِ‬
‫الناس ـ ممن كانوا يقولون لهم‪ {:‬لَ َت ْ‬
‫يذهبون إلى البيت يتسمّعون لقراءة القرآن‪ ،‬ولماذا يحرمون أنفسهم من سماع هذا الضرب البديع‬
‫من القول‪ ،‬وقد حرموا مواجيدهم وقلوبهم منه‪ ،‬فكانوا عند انصرافهم يرى بعضهم بعضا مُتسلّلً‬
‫حبّ‬
‫مُتخفّيا‪ ،‬فكانوا مرة يكذبون على بعضهم بحجج واهية‪ ،‬ومرة يعترفون بما وقعوا فيه من ُ‬
‫لسماع القرآن‪.‬‬
‫فقال تعالى‪ { :‬نّحْنُ أَعْلَمُ ِبمَا يَسْ َت ِمعُونَ ِبهِ‪[ } ..‬السراء‪]47 :‬‬
‫جوَىا‪} ..‬‬
‫أي‪ :‬بالحال الذي يستمعون عليه‪ ،‬إذ يستمعون إليك بحال إعجاب‪ .‬ثم‪ { :‬وَِإذْ هُمْ نَ ْ‬
‫[السراء‪ ]47 :‬من التناجي وهو الكلم سِرّا‪ ،‬أو‪ :‬أن نَجْوى جمع نجى‪ ،‬كقتيل وقَتْلى‪ ،‬وجريح‬
‫وجَرْحى‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فالمعنى‪ :‬نحن أعلم بما يستمعون إليه‪ ،‬وإذ هم متناجون أو نجوى‪ ،‬فكأن كل حالهم تناجٍ‪.‬‬
‫جوَىا‪[ } ..‬السراء‪]47 :‬‬
‫وقوله‪ { :‬وَإِذْ هُمْ َن ْ‬
‫فيه مبالغة‪ ،‬كما تقول‪ :‬رجل عادل‪ ،‬ورجل عَدْل‪.‬‬
‫ومِنْ تناجيهم مَا قاله أحدهم بعد سماعه ليات القرآن‪ " :‬وال‪ ،‬إن له لحلوة‪ ،‬وإن عليه لطلوة‪،‬‬
‫وإن أعله لمثمر‪ ،‬وإن أسلفه لمغدق‪ ،‬وإنه يعلو ول ُيعْلَى عليه "‪.‬‬
‫ثم تأتي الحالة الثالثة من أحوالهم‪ِ } :‬إذْ َيقُولُ الظّاِلمُونَ إِن تَتّ ِبعُونَ ِإلّ َرجُلً مّسْحُورا { [السراء‪:‬‬
‫‪]47‬‬
‫وهذا هو القول المعْلَن عندهم‪ ،‬أن يتهموا رسول ال بالسحر مرة‪ ،‬وبالجنون أخرى‪ ،‬ومرة قالوا‪:‬‬
‫شاعر‪ .‬وأخرى قالوا‪ :‬كاهن‪ .‬وهذا كله إفلس في الحجة‪ ،‬ودليل على غبائهم العقديّ‪.‬‬
‫سحُورا { اسم مفعول من السحر‪ ،‬وهي تخييل ال ِفعْل‪ .‬وليس فعلً‪ ،‬وتخييل ال َقوْل وليس‬
‫وكلمة } مّ ْ‬
‫قولً‪ ،‬فهي صَرْف للنظر عن إدراك الحقائق‪ ،‬أما الحقائق فهي ثابتة ل تتغير‪.‬‬
‫سحْرا؛ لن ما جرى‬
‫لذلك نقول‪ :‬إن معجزة موسى ـ عليه السلم ـ من جنس السحر وليست ِ‬
‫فيها كان حقيقة ل سِحْرا‪ ،‬فقد انقلبتْ العصا حَيّة تبتلع حبال السحرة وعِصيّهم على َوجْه الحقيقة‪،‬‬
‫سحْرا؛ لن القرآن قال في سحرة فرعون‪{:‬‬
‫لكن لما كانت المعجزة في مجال السحر ظنها الناسُ ِ‬
‫سعَىا }‬
‫سحْرِ ِهمْ أَ ّنهَا تَ ْ‬
‫سحَرُواْ أَعْيُنَ النّاسِ }[العراف‪ ]116 :‬وقال في آية أخرى‪ُ {:‬يخَ ّيلُ ِإلَيْهِ مِن ِ‬
‫َ‬
‫[طه‪]66 :‬‬
‫إذن‪ :‬فحقيقة الشياء ثابتة ل تتغير‪ ،‬فالساحر يرى العصا عصا‪ ،‬أما المسحور فيراها حية‪ ،‬وليست‬
‫كذلك مسألة موسى ـ عليه السلم ـ وليؤكد لنا الحق سبحانه هذا المعنى‪ ،‬وأن ما حدث من‬
‫موسى ليس من سحرهم وتغفيلهم أنه حينما قال له‪َ {:‬ومَا تِ ْلكَ بِ َيمِي ِنكَ يامُوسَىا }[طه‪]17 :‬‬
‫فأطال موسى ـ عليه السلم ـ الكلم؛ لنه أحب الُنْس بالكلم مع ربه تعالى فأجاب‪ {:‬قَالَ ِهيَ‬
‫عصَايَ أَ َت َوكّأُ عَلَ ْيهَا وَأَهُشّ ِبهَا عَلَىا غَ َنمِي‪[} ...‬طه‪ ]18 :‬ثم أحس موسى أنه أطال فقال موجزا‪{:‬‬
‫َ‬
‫وَِليَ فِيهَا مَآ ِربُ أُخْرَىا }[طه‪]18 :‬‬
‫علْمه عن العصا التي في يده‪ ،‬لكن ال تعالى سيجعلها غير ذلك‪ ،‬فقال له‪ {:‬قَالَ أَ ْل ِقهَا‬
‫فهذا هو مدى ِ‬
‫سعَىا }[طه‪]20-19 :‬‬
‫يامُوسَىا * فَأَ ْلقَاهَا فَإِذَا ِهيَ حَيّةٌ َت ْ‬
‫فهل خُيّل لموسى أنها حيّة وهي عصا؟ أم أنها انقلبت حيّة فعلً؟ إنها حية فعلً على وجه الحقيقة‪،‬‬
‫بدليل قوله تعالى‪ {:‬فََأوْجَسَ فِي َنفْسِهِ خِيفَةً مّوسَىا }[طه‪]67 :‬‬
‫ت الَعْلَىا }‬
‫خفْ إِ ّنكَ أَن َ‬
‫خفْ إل لنه وجد العصا حيّة حقيقية‪ ،‬ثم طمأنه ربه‪ {:‬قُلْنَا لَ تَ َ‬
‫وموسى لم يَ َ‬
‫[طه‪]68 :‬‬
‫لذلك لما رأى السحرة ما تفعله عصا موسى علموا أنها ليست سحرا‪ ،‬بل هي شيء خارج عن‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫نطاق السحر والسحرة‪ ،‬وفوق قدرة موسى عليه السلم‪ ،‬فآمنوا بربّ موسى القادر وحده على‬
‫إجراء مثل هذه المعجزة‪.‬‬
‫سحُورا { [السراء‪]47 :‬‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬إِن تَتّ ِبعُونَ ِإلّ َرجُلً مّ ْ‬
‫أي‪ :‬سحره غيره‪ .‬وهذا قوْل الظالمين الذين يُلفّقون لرسول ال التهمة بعد الخرى‪ ،‬وقد قالوا‬
‫أيضا‪ :‬ساحر‪ .‬قال تعالى‪ {:‬قَالَ ا ْلكَافِرُونَ إِنّ هَـاذَا لَسَاحِرٌ مّبِينٌ }[يونس‪]2 :‬‬
‫فمرّة قُلْتم‪ :‬ساحر‪ .‬ومرة قلتم‪ :‬مسحور‪ .‬وهذا دليل التخبّط واللّجج‪ ،‬فإن كان ساحرا فعندكم من‬
‫السحرة كثيرون‪ ،‬فلماذا ل يُواجِهونه بسحر مثل سِحْره؟ ولماذا لم يسحركم أنتم كما سحر غيركم‬
‫وتنتهي المسألة؟ وهل يمكن أن يُسْحر الساحر؟‬
‫وإنْ كان مسحورا سحره غيره‪ ،‬فهل جرّبْتُم عليه في سحره كلما مخالفا لواقع؟ هل سمعتموه‬
‫يهذي كما يهذي المسحور؟ إذن‪ :‬فهذا اتهام بطل وقول كاذب ل أصل له‪ ،‬بدليل أنكم تأبّيتم عليه‪،‬‬
‫ولم ُيصِبْكم منه أذى‪.‬‬
‫فلما أخفقوا في هذه التهمة ذهبوا إلى ناحية أخرى فقالوا‪ :‬شاعر‪ ،‬وبال َأمِثْلُكم أيها العرب‪ ،‬يا‬
‫أربابَ اللغة والفصاحة والبيان ـ َيخْفي عليه أن يُفرّق بين الشعر والنثر؟ والقرآن وأسلوب متفرد‬
‫بذاته‪ ،‬ل هو شعر‪ ،‬ول هو نثر‪ ،‬ول هو مسجوع‪ ،‬ول هو مُرْسل‪ ،‬إنه نسيج وحده‪.‬‬
‫لذلك نجد أهل الدب يُقسّمون الكلم إلى قسمين‪ :‬كلم ال وكلم البشر‪ ،‬فكلم البشر قسمان‪ :‬شعر‬
‫ونثر ويخرج كلم ال تعالى من دائرة التقسيم؛ لنه متفرد بذاته عن كل كلم‪.‬‬
‫غمّة ثم‬
‫ل في كتب الدب تجد الكاتب يقول‪ :‬هذا العدل محمود عواقبه‪ ،‬وهذه النّبْوة ُ‬
‫فلو قرأت مث ً‬
‫تنجلي‪ ،‬ولن يريبني من سيدي أن أبطأ سيبه‪ ،‬أو تأخر غير ضنين غناؤه‪ ،‬فأبطأُ ال ّدلَء فَيْضا‬
‫أحفلُها‪ ،‬وأثقل السحائب مَشْيا أحفلها‪ ،‬ومع اليوم غد‪ ،‬ولكلّ أجل كتاب‪ ،‬له الحمد على احتباله‪ ،‬ول‬
‫عتب عليه في احتفاله‪.‬فإِنْ يَكن ال ِف ْعلُ الذي سَا َء وَاحِدا فَأفْعالُه الّلئِي سُرِرْنَ أُلُوفُفل شكّ أنك‬
‫ستعرف انتقالك من النثر إلى الشعر‪ ،‬وسوف تُميّز أذنك بين السلوبين‪ ،‬لكن أسلوب القرآن غير‬
‫ك انتقلتَ من نثر إلى شعر‪ ،‬أو من شعر‬
‫ذلك‪ ،‬فأنت تقرأ آياته فتجدها تناسب انسيابا ل تلحظ فيه أن َ‬
‫إلى نثر‪ ،‬واقرأ قول ال تعالى‪ {:‬نَبّىءْ عِبَادِي أَنّي أَنَا ا ْل َغفُورُ الرّحِيمُ }[الحجر‪]49 :‬‬
‫أَجْرِ عليه ما يُجريه أهل الشعر من الوزن‪ ،‬فسوف تجد بها وزنا شعريا‪ :‬مستفعل فاعلت‪..‬‬
‫وكذلك‪ {:‬وَأَنّ عَذَابِي ُهوَ ا ْل َعذَابُ الَلِيمُ }[الحجر‪ ]50 :‬تعطيك الشطر الثاني من البيت‪ ،‬لكن هل‬
‫لحظتَ ذلك في سياق اليات؟ وهل لحظتَ أنك انتقلت من شعر إلى نثر‪ ،‬أو من نثر إلى شعر؟‬
‫إذن‪ :‬فالقرآن نسيج فريد ل يُقال له‪ :‬شعر ول نثر‪ ،‬وهذا المر ل يَخْفى على العربي الذي تمرّس‬
‫في اللغة شعرها ونثرها‪ ،‬ويستطيع تمييز الجيّد من الرديء‪.‬‬
‫لمْثَالَ َفضَلّواْ فَلَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلً {‪.‬‬
‫ف ضَرَبُواْ َلكَ ا َ‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ } :‬انْظُرْ كَ ْي َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫(‪)2060 /‬‬
‫ف ضَرَبُوا َلكَ الَْأمْثَالَ َفضَلّوا فَلَا َيسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (‪)48‬‬
‫انْظُرْ كَ ْي َ‬

‫جبْ مما هم فيه من تخبّط ولَجج‪ ،‬فمرّة يقولون عن القرآن‪ :‬سحر ومرة يقولون‪ :‬شعر‪،‬‬
‫أي‪ :‬تع ّ‬
‫ويصفونك بأنك‪ :‬شاعر‪ ،‬وكاهن‪ ،‬وساحر‪.‬‬
‫ومعلوم أن الرسالة لها عناصر ثلثة‪ :‬مُرسِل‪ ،‬وهو الحق سبحانه وتعالى‪ ،‬ومُرسَل وهو النبي‬
‫سلٌ به وهو القرآن الكريم‪ ،‬وقد تخبّط الكفار في هذه الثلثة ودعاهم‬
‫صلى ال عليه وسلم ومُرْ َ‬
‫الظلم إلى أن يقول فيها قولً كاذبا افتراءً على ال تعالى وعلى رسوله وعلى كتابه‪.‬‬
‫وقد سبق أن تحدثنا عن افتراءاتهم في اللوهية وعن موقفهم من رسول ال صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫جلٍ مّنَ ا ْلقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ }[الزخرف‪]31 :‬‬
‫ومن ذلك قولهم‪َ {:‬ل ْولَ نُ ّزلَ هَـاذَا ا ْلقُرْآنُ عَلَىا رَ ُ‬
‫وقولهم عن القضية اليمانية العامة‪ {:‬الّل ُهمّ إِن كَانَ هَـاذَا ُهوَ ا ْلحَقّ مِنْ عِن ِدكَ فََأمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَا َرةً‬
‫سمَآءِ َأوِ ائْتِنَا ِبعَذَابٍ أَلِيمٍ }[النفال‪]32 :‬‬
‫مّنَ ال ّ‬
‫ن يقولوا‪ :‬فاهدنا إليه تراهم يُفضّلون الموت على سماع القرآن‪،‬‬
‫أهذه دعوة يدعو بها عاقل؟! فبدل أ ْ‬
‫وهذا دليل على كِبْرهم وعنادهم وحماقتهم أمام كتاب ال‪.‬‬
‫لذلك‪ ،‬فالحق سبحانه وتعالى من حبه لرسوله صلى ال عليه وسلم و ِرفْعة منزلته حتى عند‬
‫الكافرين به‪ ،‬يردّ على الكافرين افتراءهم‪ ،‬ويُطمئِن قلب رسوله‪ ،‬ويتحمل عنه اليذاء في قوله‬
‫تعالى‪ {:‬قَدْ َنعَْلمُ إِنّهُ لَ َيحْزُ ُنكَ الّذِي َيقُولُونَ‪[} ..‬النعام‪]33 :‬‬
‫ك وَلَـاكِنّ الظّاِلمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ‬
‫أي‪ :‬قولهم لك‪ :‬ساحر‪ ،‬وكاهن‪ ،‬وشاعر‪ ،‬ومجنون{ فَإِ ّنهُ ْم لَ ُيكَذّبُو َن َ‬
‫جحَدُونَ }[النعام‪]33 :‬‬
‫يَ ْ‬
‫فليست المسألة عندك يا محمد‪ ،‬فهُمْ مع كفرهم ل يكذبونك ول يجرؤن على ذلك ول يتهمونك‪ ،‬إنما‬
‫المسألة أنهم يجحدون بآياتي‪ ،‬و ُكلّ تصرفاتهم في مقام اللوهية‪ ،‬وفي مقام النبوة‪ ،‬وفي مقام الكتاب‬
‫ناشئة عن الظلم‪.‬‬
‫وقولهم عن رسول ال‪ :‬مجنون قوْلٌ كاذب بعيد عن الواقع؛ لن ما هو الجنون؟ الجنون أن تُفسِد‬
‫في النسان آلة التفكير والختيار بين البدائل‪ ،‬والجنون قد يكون بسبب خَلْقي أي‪ :‬خلقه ال تعالى‬
‫هكذا‪ ،‬أو بسبب طارئ كأنْ يُضربَ النسان على رأسه مثلً‪ ،‬فيختلّ عنده مجال التفكير‪.‬‬
‫ومن رحمة ال تعالى بالعبد أن أخّرَ له التكليف إلى سِنّ البلوغ واكتمال العقل‪ ،‬وحتى يكون قادرا‬
‫على إنجاب مثله؛ لنه لو كلّفه قبل البلوغ فسوف تطرأ عليه تغييرات غريزية قد يحتج بها‪ ،‬ومع‬
‫ذلك طلب من الب أن يأمر ابنه بالصلة قبل سِنّ التكليف لِ ُي َعوّده الصلة من الصغير ليكون على‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إِ ْلفٍ بها حين يبلغ سِنّ التكليف‪ ،‬وليألف صيغة المر من المر‪.‬‬
‫حبّ أبيه وحِرْصه على مصلحته‪ ،‬فهو الذي يُربّيه ويُوفّر له كل ما يحتاج‪،‬‬
‫والنسان ل يشك في ُ‬
‫فله ثقة بالب المحس‪ ،‬فالحق سبحانه يريد أنْ يُر ّببَ فينا الطاعة لمن نعلم خيره علينا‪ ،‬فإذا ما جاء‬
‫وقت التكليف يسهل علينا ول يشق؛ لنها أصبحتْ عادة‪.‬‬
‫ق العقاب على ترْكه ليكون التكليف من الرب الصغير‪،‬‬
‫حّ‬
‫والذي أعطى للب حَقّ المر أعطاه َ‬
‫والعقوبة من الرب الصغير لِتُعوّده بالُبُوة المحسّة والرحمة الظاهرة على طاعة الحق سبحانه‬
‫ي وعليك‪.‬‬
‫الذي أنعم عل ّ‬
‫فالعقل ـ إذن ـ شرْط أساسي في التكليف‪ ،‬وهو العقل الناضج الحرّ غير المكْره‪ ،‬فإنْ حدث‬
‫إكراه فل تكليف‪.‬‬
‫لمْثَالَ‪[} ..‬السراء‪]48 :‬‬
‫كاَ‬
‫ف ضَرَبُواْ َل َ‬
‫فقوله‪ {:‬انْظُرْ كَ ْي َ‬
‫أي‪ :‬قالوا مجنون‪ ،‬والمجنون ليس عنده اختيار بين البدائل‪ ،‬وقد َردّ الحق سبحانه عليهم بقوله‪ {:‬ن‬
‫وَا ْلقَلَ ِم َومَا َيسْطُرُونَ * مَآ أَنتَ بِ ِن ْعمَةِ رَ ّبكَ ِب َمجْنُونٍ * وَإِنّ َلكَ لَجْرا غَيْرَ َممْنُونٍ * وَإِ ّنكَ َلعَلَىا‬
‫خُُلقٍ عَظِيمٍ }[القلم‪]4-1 :‬‬
‫فنفى الحق سبحانه عن رسوله هذه الصفة‪ ،‬وأثبت له صفة الخُلق العظيم‪ ،‬والمجنون ل خُلقَ له‪،‬‬
‫ول يُحاسَب على تصرفاته‪ ،‬فهو يشتم هذا ويضرب هذا ويبصق في وجه هذا‪ ،‬ول نملك إل أنْ‬
‫نبتسم في وجهه ونُشفِق عليه‪.‬‬
‫ن يقول‪ :‬كيف يسلبه الخالق سبحانه وتعالى نعمة العقل‪ ،‬وهو النسان الذي كرّمه ال؟‬
‫ولقائل أ ْ‬
‫وكيف يعيش هكذا مجرد نسخة لنسان؟‬
‫ولنعلم الحكمة من هذه القضية علينا أنْ نُقارن بين حال العقلء وحال المجنون‪ ،‬لنعرف عدالة‬
‫السماء وحكمة الخالق سبحانه‪ ،‬فالعاقل نحاسبه على كل كبيرة وصغيرة ومقتضى ما تطلبه من‬
‫ن تفعلَ ما تريد‪.‬‬
‫عظمة في الكون‪ ،‬ومن جاه وسلطان ألَ يُعقّب على كلمك أحد‪ ،‬وأ ْ‬
‫َألَ ترى أن المجنون كذلك يقول ويفعل ما يريد‪ ،‬ثم يمتاز عنك أن ل يسأل في الدنيا ول في‬
‫الخرة؟ أليست هذه كافية لتُعوّضه عن فقد العقل؟ فل تنظر إلى ما سلب منه‪ ،‬ولكن إلى ما أعطاه‬
‫من مَيْزات في الدنيا والخرة‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪َ } :‬فضَلّواْ فَلَ َيسْتَطِيعْونَ سَبِيلً { [السراء‪]48 :‬‬
‫ن يؤمن‪ ،‬فقالوا‪ :‬مجنون‬
‫ل يكون صَادا وصارفا لمن يؤمن بك أ ْ‬
‫أي‪ :‬لم يستطيعوا أنْ يأتُوا بم َث ٍ‬
‫س ّدتْ الطرق في‬
‫وكذبوا‪ .‬وقالوا‪ :‬ساحر وكذبوا وقالوا‪ :‬شاعر وكذبوا‪ .‬وقالوا‪ :‬كاهن وكذبوا‪ .‬فَ ُ‬
‫صدّ الناس عن رسول ال‪.‬‬
‫وجوههم‪ ،‬ولم يجدوا مَ ْنفَذا ِل َ‬
‫فلما عجزوا عن إيجاد َوصْف يصدّ مَنْ يريد اليمان برسول ال‪ ،‬قالوا‪ {:‬الّلهُمّ إِن كَانَ هَـاذَا ُهوَ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سمَآءِ َأوِ ائْتِنَا ِبعَذَابٍ َألِيمٍ }[النفال‪]32 :‬‬
‫حقّ مِنْ عِن ِدكَ فََأ ْمطِرْ عَلَيْنَا حِجَا َرةً مّنَ ال ّ‬
‫الْ َ‬
‫جلٍ مّنَ ا ْلقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ }[الزخرف‪]31 :‬‬
‫ومنهم من قال‪َ {:‬وقَالُواْ َل ْولَ نُ ّزلَ هَـاذَا ا ْلقُرْآنُ عَلَىا رَ ُ‬
‫ضعْف الدعوة في بدايتها‪ ،‬ورغم‬
‫فلم يستطيعوا إيجاد سبيل ُيعَوقون به دعوتك‪ ،‬بدليل أنه رغم َ‬
‫اضطهادهم لها تراها تزداد يوما بعد يوم‪ ،‬وتتسع ُرقْعة اليمان‪ ،‬أما كَيْدهم وتدبيرهم فيتجمّد أو‬
‫يقلّ‪.‬‬
‫صهَا مِنْ أَطْرَا ِفهَا‪[} ..‬الرعد‪]41 :‬‬
‫كما في قوله تعالى‪َ {:‬أوََلمْ يَ َروْاْ أَنّا نَأْتِي الَ ْرضَ نَن ُق ُ‬
‫فكل يوم تزداد أرض اليمان‪ ،‬وتِقلّ أرض الكفر‪.‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى في قضية استماع القرآن وقولهم‪ :‬قلوبنا في أكنة‪ ،‬وقلوبنا غلف يريد أن‬
‫يُلفِتَ أنظارنا إلى قضية هامة في الوجود ومنتظمة في كل الكائنات‪ ،‬وهي أن الفعال تقتضي‬
‫فاعلً للحدث وقابلً لفعل الحدث‪ ،‬ومثال ذلك‪ :‬الفلح الذي يُقلّب التربة بفأسه‪ ،‬فتقبل التربة منه‬
‫هذا الفعل‪ ،‬وتنفعل هي معه‪ ،‬فتعطيه ما ينتظره من محصول‪.‬‬
‫‪ .‬أما لو فعل هذا الفعل في صخرة فلن تقبل منه هذا الفعل‪ .‬إذن‪ :‬فثمرة الحدث تتوقف على‬
‫طرفين‪ :‬فاعل‪ ،‬وقابل للفعل‪.‬‬
‫لذلك أتعجب من هؤلء الذين يقولون‪ :‬إن الغرب يفتن المسلمين عن دينهم‪ ،‬ويأتي إلينا بالمغْريات‬
‫وأسباب النحراف‪ ،‬ويُصدّر إلينا المبادئ الهدامة ويُشككنا في ديننا‪ ..‬الخ‪.‬‬
‫ن فعل هو ولم تقبلوا أنتم منه هذا الفعل؟! دَعُوه يفعل ما يريد‪،‬‬
‫ونقول لهؤلء‪ :‬مَا يضركم أنتم إ ْ‬
‫ل مع مقولته ومبادئه‪ .‬فالخيبة ليست في فعل الغرب بنا‪ ،‬ولكن في تقبّلنا‬
‫ل نقبلَ وألّ نتفاع َ‬
‫المهم أ ّ‬
‫نحن وَلهْثنا وراء ُكلّ ما يأتينا من ناحيته‪ ،‬وما ذلك إل لِقلّة الخميرة اليمانية في نفوسنا‪ ،‬فالغرب‬
‫يريد أنْ يُثبّت نفوذه‪ ،‬ويثبت مبادئه‪ ،‬وما عليك إلّ أنْ تتأبّى على قبول مثل هذه الضللت‪.‬‬
‫وعلى نظرية الفاعل والقابل هذه تُبنَى الحضارات في العالم كله؛ لن الخالق سبحانه حينما‬
‫استدعانا إلى الوجود جعل لنا فيه مُقوّمات الحياة الساسية من‪ :‬شمس‪ ،‬وقمر‪ ،‬ونجوم‪ ،‬وأرض‪،‬‬
‫وسماء‪ ،‬وماء‪ ،‬وهواء‪ .‬ومن هذه المقوّمات ما يعطيك ويخدمك دون أنْ تتفاعَل معه أو تطلبَ منه‪،‬‬
‫كالشمس والماء والهواء‪ ،‬ومنها ما ل يعطيك إلّإذا تفاعلتَ معه مثل الرض ل تعطيك إل إذا‬
‫سقْي والبَذْر‪.‬‬
‫تعهدتها بالحرث وال ّ‬
‫والمتأمل في الكون يجد أن جميع ارتقاءات البشر من هذا النوع الثاني الذي ل يعطيك إل إذا‬
‫تفاعلتَ معه‪ ،‬وقد ترتقي الطموحات البشرية إلى أن تجعلَ من النوع الول الذي يعطيك دون أن‬
‫تتفاعلَ معه ومن غير سلطان لك عليه‪ ،‬تجعل منه مُ ْن َفعِلً بعملك فيه‪ ،‬كما يحدث الن في استعمال‬
‫الطاقة الشمسية في مجالت جديدة لم تكُنْ من قبل‪ .‬إذن‪ :‬فهذه ارتقاءاتٌ ل يُحْرَم منها مَنْ أخذ‬
‫سعَى إلى الرّقيّ والتقدم‪.‬‬
‫بالسباب و َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عهُ‪ ،‬وما يقول فليس بملوم‪ ،‬إنما الملوم أنت إنْ قب ْلتَ منه؛ ولذلك‬
‫إذن‪ :‬إنْ جاء يُشكّك في دينك نَدَ ْ‬
‫يجب علينا وعلى ُكلّ قائم على تربية النشء أنْ نُحصّن أولدنا ضد هجمات اللحاد والتنصير‬
‫والتغريب‪ ،‬ونُعلّمهم من أساسيات الدين ما يُمكّنهم من الدفاع والردّ بالحجة والقناع حتى ل يقعوا‬
‫سهْلة في أيدي هؤلء‪.‬‬
‫فريسة َ‬
‫وهذه هي المناعة المطلوبة وما أشبهها بما نستخدمه في الماديات من التطعيم ضد المرض‪ ،‬حتى‬
‫إذا طرأ على الجسم ل يؤثر فيه‪ .‬ألَ ترى الحق سبحانه في قرآنه الكريم َيعْرِض لِشُبَه الكافرين‬
‫والملحدة ويُفصّلها ويُناقشها‪ ،‬ثم يبين زَيْفها‪ ،‬فيقول‪ {:‬كَبُ َرتْ كَِلمَةً َتخْرُجُ مِنْ َأ ْفوَا ِههِمْ إِن َيقُولُونَ‬
‫ِإلّ كَذِبا }[الكهف‪]5 :‬‬
‫فلماذا يعرضها القرآن‪ ،‬هل لنأخذ بها ونتعلمها؟ ل بل لكي ل ُنفَاجأ بها‪ ،‬فإذا أَ َتتْ يكون لدينا‬
‫المناعة الكافية ضِدّها‪ ،‬ولكي تتربّى فينا الحصانة المانعة من النزلق أو النحراف‪.‬‬
‫ل فقلنا‪ :‬في الشتاء ينفخ النسان في يده‬
‫إذن‪ :‬فأصول الحياة فاعل وقابل‪ ،‬وسبق أنْ ضربنا مث ً‬
‫ليدفئها‪ ،‬وكذلك ينفخ في كوب الشاي ليبرده‪ ،‬فالفعل واحد ولكن القابل مختلف‪ .‬وكذلك حال الناس‬
‫في سماع القرآن واستقبال كلمات ال‪ ،‬فقد استقبله أحد الكفار في حال هدوء وانسجام‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫" وال إنّ له لحلوة‪ ،‬وإن عليه لطلوة‪ ،‬وإن أسفله لمغْدق‪ ،‬وإن أعله لمثمر‪ ،‬وإنه يعلو ول ُيعْلَى‬
‫شغُوف بكل ما هو جميل من ال َقوْل‪ ،‬ل بمَلكِة العناد والكِبْر‬
‫عليه " لقد استمعه بملكَة العربي ال ّ‬
‫والغطرسة‪.‬‬
‫وكذلك سيدنا عمر ـ رضي ال عنه ـ له حالن في سماع القرآن‪ :‬حال كفر وشدة وغلظة عند‬
‫سماع القرآن‪ ،‬وحال إيمان ورقّة قلب حينما بلغه نبأ إسلم أخته‪ ،‬فأسرع إليها وهي تقرأ القرآن‬
‫فصفَعها بقسْوة حتى أَ ْدمَى وجهها‪ ،‬فأخذتْه عاطفة الرحم‪ ،‬وتغلبت على عاطفة الكفر عنده‪ ،‬فلما‬
‫سمع القرآنَ بهذه العاطفة الحانية تأثّر به‪ ،‬فآمن مِنْ َفوْره؛ لن القرآن صادف منه قَلْبا صافيا‪ ،‬فل‬
‫بد أَنْ يُؤثّر فيه‪.‬‬
‫فالمسألة ـ إذن ـ تحتاج أن يكون لدى القابل استعداد لِتقبّل الشيء والنفعال به‪.‬‬
‫وقد لخّص لنا الحق سبحانه هذه القضية في قوله تعالى‪َ {:‬ومِ ْنهُمْ مّن يَسْ َتمِعُ إِلَ ْيكَ حَتّىا إِذَا خَ َرجُواْ‬
‫مِنْ عِن ِدكَ قَالُواْ لِلّذِينَ أُوتُواْ ا ْلعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفا‪[} ..‬محمد‪]16 :‬‬
‫فيأتي الرد عليهم‪ُ {:‬أوْلَـا ِئكَ الّذِينَ طَبَعَ اللّهُ عَلَىا قُلُو ِبهِ ْم وَاتّ َبعُواْ أَ ْهوَآ َءهُمْ }[محمد‪]16 :‬‬
‫ج ِميّ وَعَرَ ِبيّ‬
‫عَ‬
‫جمِيّا ّلقَالُواْ َل ْولَ ُفصَّلتْ آيَاُتهُ ءَا ْ‬
‫جعَلْنَاهُ قُرْآنا أعْ َ‬
‫وفي آية أخرى يقول سبحانه‪ {:‬وََلوْ َ‬
‫عمًى‪[} ..‬فصلت‪:‬‬
‫شفَآ ٌء وَالّذِينَ لَ ُي ْؤمِنُونَ فِي آذَا ِنهِمْ َوقْرٌ وَ ُهوَ عَلَ ْيهِمْ َ‬
‫ُقلْ ُهوَ لِلّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَ ِ‬
‫‪]44‬‬
‫فالقرآن واحد‪ ،‬ولكن المستقبل مختلف‪ ،‬إذن‪ :‬فإياك أنْ تلوم مَنْ يريد أن يلويَ الناس إلى طريق‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الضلل‪ ،‬بل دَعْه في ضلله‪ ،‬و َربّ في الخرين مناعة حتى ل يتأثروا ول يستجيبوا له‪.‬‬
‫بعد أن تكلمنا عن موقف الكفار من اللوهية ومن النبوة نتكلم من موقفهم من المنهج الذي جاء به‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وهذا المنهج يتضمن قضايا كثيرة وأمورا متعددة‪ ،‬لكن أم هذا‬
‫المنهج وأساسه أن نؤمن بالخرة‪ ،‬وما ُدمْنَا نؤمن بالخرة فسوف تنسجم حركتنا في الحياة‪.‬‬
‫فاليمان بالخرة وما فيها من ثواب وعقاب هو الحافز لنا على العمل والستقامة في الدنيا‪ ،‬وما‬
‫أشبه ذلك بالتلميذ الذي يجتهد ويجدّ؛ لنه يؤمن بالمتحان آخر العام‪ ،‬وما ينتج عنه من توفيق أو‬
‫إخفاق‪.‬‬
‫غبيّ مَنْ يظن أن الدنيا هي نهاية المطاف‪ ،‬وأنها الغاية التي ليس بعدها غاية؛ لن الجميع عبيدٌ ل‬
‫ن يموت بعد عدة شهور‪ ،‬وآخر بعد‬
‫ن يموت في بطن أمه‪ ،‬ومَ ْ‬
‫تعالى متساوون‪ ..‬ومع ذلك نرى مَ ْ‬
‫عدة أعوام‪ ،‬فلو أن الدنيا هي الغاية لستوى الجميع في المكْث فيها‪ ،‬فاختلف العمار في الدنيا‬
‫دليل على أنها ليست غاية‪.‬‬
‫وعجيب في أمر الموت أن نرى الناس يحزنون كثيرا على مَنْ مات صغيرا ويقولون‪ُ :‬أخِذ في‬
‫شبابه ويُكثِرون عليه العويل‪ ،‬لماذا؟ يقولون‪ :‬لنه لم يتمتع بالدنيا‪ ،‬سبحان ال أي دنيا هذه التي‬
‫تتحدثون عنها‪ ،‬وقد اختاره ال قبل أنْ تُلوّثه آثامها وتُلطّخه ذنوبها‪ ،‬لماذا تحزنون كل هذا الحزن‬
‫ولو رأيتم ما هو فيه لحسدتموه عليه؟‬
‫حدَث يُحدِثه النسان له غاية من هذا الحدث‪،‬‬
‫والناس كثيرا ما يُخطِئون في تقدير الغايات؛ لن كل َ‬
‫هذه الغاية مرحلية وليست نهائية‪ ،‬فالغاية النهائية والحقيقية ما ليس بعدها غاية أخرى‪ ،‬فالتلميذ‬
‫يذاكر بالمرحلة البتدائية لينتقل إلى المرحلة العدادية‪ ،‬ويذاكر العدادية لينتقلَ إلى الثانوية‪.‬‬
‫وهكذا تتوالى الغايات في الدنيا إلى أنْ يصل إلى غاية الدنيا الخيرة‪ ،‬وهي أن يبني بيتا ويتزوج‬
‫ويعيش حياة سعيدة يرتاح فيها بما تحت يديه من خدم‪ ،‬يقضون له ما يريد‪ ،‬هذا على فرض أنه‬
‫ن يصلَ إلى هذه الغاية‪.‬‬
‫سيعيش حتى يكمل هذه المراحل‪ ،‬ولكن ربما مات قبل أ ْ‬
‫إذن‪ :‬فل بد للنسان أنْ يتعبَ أولً‪ ،‬ويبذل المجهود ليصبح مخدوما‪ ،‬وهذه المخدومية تتناسب مع‬
‫مجهودك الول‪ ،‬فَمن اكتفى بالعدادية مثلً ليس كمن تخرّج من الجامعة‪ ،‬فل ُكلّ مرتبته ومكانته؛‬
‫لنك تعيش في الدنيا بالسباب وعلى قَدْر ما تعطي تأخذ‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فغايتك في الدنيا أن تكون مخدوما‪ ،‬مع أن خادمك قد يتمرّد عليك وقد يتركك‪ ،‬أما غاية‬
‫الخرة فسوف تُوفّر عليك هذا كله‪ ،‬وليس لحد علقة بك إل ذاتك أنت‪ ،‬فبمجرد أنْ يخطر الشيء‬
‫على بالك تجده أمامك؛ ذلك لنك في الدنيا تعيش بالسباب‪ ،‬وفي الخرة تعيش بمُسبّب السباب‬
‫سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫حتْ كِفّة الخرة؛ لن الدنيا‬
‫وكذلك لو أجريتَ مقارنة اقتصادية بين متعة الدنيا ومتعة الخرة لرج َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫بالنسبة لك هي عمرك فيها فقط‪ ،‬وليس عمر الدنيا كله‪ ،‬كما يحلو للبعض أنْ يُحدّد عمر الدنيا بعدة‬
‫مليين من السنين‪ ،‬فما دَخْلك أنت بكل هذه المليين؟!‬
‫فالدنيا ـ إذن ـ هي عمري فيها‪ ،‬وهذا العمر مظنون غير مُتيقّن‪ ،‬وعلى فرض أنه مُتيقّن فهو‬
‫ضفْ إلى ذلك أن نعيمك في الدنيا على‬
‫خاضع لمتوسط العمار‪ ،‬وسوف ينتهي حتما بالموت‪َ .‬أ ِ‬
‫سعْيك وَأخْذِك بأسبابها‪.‬‬
‫قَدْر َ‬
‫أما الخرة فهي باقية ل نهاية لها‪ ،‬فل يعتريها زوال ول يُنهيها الموت‪ ،‬كما أن مُدتها مُتيقّنة وليس‬
‫مظنونة‪ ،‬ونعيمك فيها ليس على قَدْر إمكانياتك‪ ،‬ولكن على قدر إمكانيات خالقك سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫سعْي والعمل؟ ويكفي أنك في الدنيا مهما توفّر لك من النعيم‪ ،‬وإنْ‬
‫فأيّهما أحسن؟ وأيّهما َأوْلَى بال ّ‬
‫كنت في قمة النعيم بين أهلها فإنه يُنغّص عليك هذا النعيمَ أمران‪ :‬فأنت تخاف أنْ تفوتَ هذا النعيم‬
‫بالموت‪ ،‬وتخاف أن يفوتك هو بالفقر‪ ،‬فهي نعمة مُكدّرة‪ ،‬أما في الخرة فل تخاف أن تفوتها‪ ،‬ول‬
‫أن تفوتك‪ ،‬فأيّ الصفقتين أربح إذن؟‬
‫ثم يقول الحق سبحانه عن إنكارهم للبعث بعد الموت‪َ } :‬وقَالُواْ أَإِذَا كُنّا عِظَاما وَ ُرفَاتا أَإِنّا َلمَ ْبعُوثُونَ‬
‫جدِيدا {‪.‬‬
‫خَلْقا َ‬

‫(‪)2061 /‬‬
‫عظَامًا وَ ُرفَاتًا أَئِنّا َلمَ ْبعُوثُونَ خَ ْلقًا جَدِيدًا (‪)49‬‬
‫َوقَالُوا أَ ِئذَا كُنّا ِ‬

‫ن صاروا ُرفَاتا‬
‫الستفهام في الية استفهام للتعجّب والنكار لموضع البعث يوم القيامة بعد أ ْ‬
‫وعظاما‪.‬‬
‫حطَام‪ ،‬وكذلك كل ما جاء على وزن‬
‫والرفات‪ :‬هو الفتات ومسحوق الشيء‪ ،‬وهو التراب أو ال ُ‬
‫(فُعال)‪.‬‬
‫لقد استبعد هؤلء البعث عن الموت؛ لنهم غفلوا في بداية الوجود وبداية خَلْق النسان‪ ،‬ولو‬
‫استعملنا علم الحصاء الذي استحدثه العلماء لوجدناه يخدم هذه القضية اليمانية‪ ،‬فلو أحصينا‬
‫ن نصل بأصل‬
‫تعداد العالم الن لوجدناه يتزايد في الستقبال ويقلّ في الماضي‪ ،‬وهكذا إلى أ ْ‬
‫النسان إلى الصل الصيل‪ ،‬وهو آدم وحواء‪ ،‬فمن أين أتَيَا إلى الوجود؟ فهذه قضية غيبية كان ل‬
‫بُدّ أن يُفكّروا فيها‪.‬‬
‫ولنها قضية غيبية فقد تولّى الحق سبحانه وتعالى بيانها؛ لن الناس سوف يتخبّطون فيها‪ ،‬فينبهنا‬
‫الخالق سبحانه بمناعة إيمانية عقدية في كتابه العزيز‪ ،‬حتى ل ننساق وراء الذين سيتهورون‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫و َيهْرفون بما ل يعلمون‪ ،‬ويقولون بأن أصل النسان كان قردا‪ ،‬وهذه مقولة باطلة يسهُل رَدّها بأن‬
‫نقول‪ :‬ولماذا لم تتحول القرود الباقية إلى إنسان؟ وعلى فرض أن أصل النسان قرد‪ ،‬فمن أين‬
‫أتى؟ إنها نفس القضية تعود بنا من حيث بدأتْ‪ ،‬إنها مجرد شوشرة وتشويه لوجه الحقيقة بدون‬
‫مبرر‪.‬‬
‫وكذلك من القضايا التي تخبّط فيها علماء الجيولوجيا ما ذهبوا إليه من أن السماء والرض‬
‫والشمس كانت جميعا جزءا واحدا‪ ،‬ثم انفصلت عن بعضها‪ ،‬وهذه أقوال ل يقوم عليها دليل‪.‬‬
‫لذلك أراد الحق سبحانه أنْ يعطينا طرفا من هذه القضية‪ ،‬حتى ل نُصغِي إلى أقوال المضلّلين‬
‫الذين يخوضون في هذه المور على غير هدى‪ ،‬ولتكون لدينا الحصانة من الزّلَل؛ لن مثل هذه‬
‫القضايا ل تخضع للتجارب المعملية‪ ،‬ول تُؤخَذ إل عن الخالق سبحانه فهو أعلم بما خلق‪.‬‬
‫سهِمْ‪[} ..‬الكهف‪ ]51 :‬أي‪ :‬لم يكن‬
‫ت وَالَ ْرضِ َولَ خَ ْلقَ أَ ْنفُ ِ‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫شهَدّت ُهمْ خَ ْلقَ ال ّ‬
‫يقول تعالى‪ {:‬مّآ أَ ْ‬
‫صفَ لكم ما حدث{ َومَا‬
‫معي أحد حين خلقتُ السماء والرض‪ ،‬وخلقتُ النسان‪ ،‬ما شهدني أحد لِ َي ِ‬
‫عضُدا }[الكهف‪ ]51 :‬أي‪ :‬ما اتخذت من هؤلء المضللين مُساعِدا أو مُعاوِنا‪،‬‬
‫كُنتُ مُتّخِذَ ا ْل ُمضِلّينَ َ‬
‫خلْق هذه بأنه مُضلّل فل‬
‫وكأن الحق سبحانه يقول لنا‪ :‬احكموا على كل مَنْ يخوض في قضية ال َ‬
‫تستمعوا إليه‪.‬‬
‫ولكي تُريحوا أنفسكم من مثل هذه القضايا ل تُحمّلوا العقل أكثر مما يحتمل‪ ،‬ول تعطوه فوق‬
‫مقومات وظائفه‪ ،‬وجَدْوى العقل حينما ينضبط في الماديات المعملية‪ ،‬أما إنْ جنح بنا فل نجني من‬
‫حمْق والتخاريف التي ل تُجدي‪.‬‬
‫ورائه إل ال ُ‬
‫وكلمة " العقل " نفسها من العقال الذي يمنع شرود البعير‪ ،‬وكذلك العقل جعله ال ليضبط تفكيرك‪،‬‬
‫ويمنعك من الجموح أو النحراف في التفكير‪.‬‬
‫وأيضا‪ ،‬فالعقل وسيلة الدراك‪ ،‬مثله مثل العين التي هي وسيلة الرؤية‪ ،‬والذن التي هي وسيلة‬
‫السمع‪.‬‬
‫‪ .‬وما دام العقل آلة من آلت الدراك فله حدود‪ ،‬كما أن للعين حدودا في الرؤية‪ ،‬وللذن حدودا‬
‫في السمع‪ ،‬فللعقل حدود في التفكير أيضا حتى ل يشطح بك‪ ،‬فعليك أنْ تضبط العقل في المجال‬
‫الذي تُجوّد فيه فقط‪ ،‬ول تُطلق له العنان في ُكلّ القضايا‪.‬‬
‫ومن هنا تعب الفلسفة وأتعبوا الدنيا معهم؛ لنهم خاضوا في قضايا فوق نطاق العقل‪ ،‬وأنا أتحدى‬
‫أي مدرسة من مدارس الفلسفة من أول فلسفة اليونان أن يكونوا متفقين على قضية إل قضية‬
‫واحدة‪ ،‬وهي أن يبحثوا فيما وراء المادة‪ ،‬فَمنِ الذي أخبرك أن وراء المادة شيئا يجب أن يُبحث؟‬
‫لقد اهتديتُم بفطرتكم اليمانية إلى وجود خالق لهذا الكون‪ ،‬فليس الكون وليد صدفة كما يقول‬
‫البعض‪ ،‬بل له خالق هو الغيبيات التي تبحثون عنها‪ ،‬وتَ ْرمَحُون بعقولكم خلفها‪ ،‬في حين كان من‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الواجب عليكم أنْ تقولوا‪ :‬إن ما وراء المادة هو الذي يُبين لنا نفسه‪.‬‬
‫لقد ضربنا مثلً لذلك ـ ول المثل العلى ـ وقلنا‪َ :‬هبْ أننا في مكان مغلق‪ ،‬وسمعنا طَرْق الباب‬
‫ن يتصوّر أنه‬
‫ـ فكلنا نتفق في التعقّل أن طارقا بالباب‪ ،‬ولكن منا مَنْ يتصور أنه رجل‪ ،‬ومنا مَ ْ‬
‫امرأة‪ ،‬وآخر يقول‪ :‬بل هو طفل صغير‪ ،‬وكذلك منا مَنْ يرى أنه نذير‪ ،‬وآخر يرى أنه بشير‪ .‬إذن‪:‬‬
‫لقد اتفقنا جميعا في التعقّل‪ ،‬ولكن اختلفنا في التصوّر‪.‬‬
‫فلو أن الفلسفة وقفوا عند مرحلة التعقّل في أن وراء المادة شيئا‪ ،‬وتركوا لمن وراء المادة أنْ‬
‫يُظهر لهم عن نفسه لراحوا واستراحوا‪ ،‬كما أننا لو قُلْنا للطارق‪ :‬مَنْ؟ لقال‪ :‬أنا فلن‪ ،‬وجئت‬
‫لكذا‪ ،‬وانتهتْ المسألة‪.‬‬
‫عظَاما وَ ُرفَاتا أَإِنّا َلمَ ْبعُوثُونَ خَلْقا جَدِيدا }‬
‫ولقد رَدّ عليهم القرآن إنكارهم للبعث وقولهم‪ {:‬أَإِذَا كُنّا ِ‬
‫[السراء‪]49 :‬‬
‫بقوله تعالى‪ُ {:‬قلْ َهلْ مِن شُ َركَآ ِئكُمْ مّن يَبْدَأُ الْخَ ْلقَ ثُمّ ُيعِي ُدهُ ُقلِ اللّهُ يَ ْبدَأُ ا ْلخَلْقَ ُثمّ ُيعِي ُدهُ فَأَنّىا‬
‫ُت ْؤ َفكُونَ }[يونس‪]34 :‬‬
‫جلّ لِ ْلكُ ُتبِ َكمَا بَدَأْنَآ َأ ّولَ خَلْقٍ ّنعِي ُد ُه وَعْدا عَلَيْنَآ إِنّا كُنّا‬
‫طيّ السّ ِ‬
‫سمَآءَ َك َ‬
‫طوِي ال ّ‬
‫وبقوله تعالى‪َ {:‬يوْمَ َن ْ‬
‫فَاعِلِينَ }[النبياء‪]104 :‬‬
‫خلْقَ ُثمّ ُيعِي ُد ُه وَ ُهوَ أَ ْهوَنُ عَلَيْهِ‪[} ..‬الروم‪ ]27 :‬فإعادة الشيء‬
‫وبقوله تعالى‪ {:‬وَ ُهوَ الّذِي يَ ْب َدؤُاْ الْ َ‬
‫أهون من خَلْقه َأوّلً‪.‬‬
‫وقف الفلسفة طويلً أمام قضية البعث‪ ،‬وأخذوا منها سبيلً لتشكيك الناس في دين ال‪ ،‬ومن‬
‫مغالطاتهم في هذه المسألة أنْ قالوا‪ :‬ما الحل إذا مات إنسان مثلً ثم تحوّل جسمه إلى رفات‬
‫عتْ فوقه شجرة وتغذّت على عناصره‪ ،‬فإذا أكل إنسان من ثمار هذه الشجرة‬
‫وتراب‪ ،‬ثم زُرِ َ‬
‫فسوف تنتقل إليه بالتالي عناصر من عناصر الميت‪ ،‬وتتكوّن فيه ذرات من ذراته‪ ،‬فهذه الذرات‬
‫صتْ من الول‪ ،‬فكيف يكون البعث ـ إذن ـ على حَدّ َقوْلهم؟‬
‫التي تكوّنت في الثاني نقُ َ‬
‫والحقيقة أنهم في هذه المسألة لم يفطِنُوا إلى أن مُشخّص النسان شيء‪ ،‬وعناصر تكوينه شيء‬
‫آخر‪.‬‬
‫‪ .‬كيف؟‬
‫َهبْ أن إنسانا زاد وزنه ونصحه الطبيب بإنقاص الوزن فسعى إلى ذلك بالطرق المعروفة‬
‫لنقاص الوزن‪ ،‬وهذه العملية سواء زيادة الوزن أو إنقاصه محكومة بأمرين‪ :‬التغذية والخراج‪،‬‬
‫فالنسان ينمو حينما يكون ما يتناوله من غذاء أكثر مما يُخرِجه من فضلت‪ ،‬ويضعف إن كان‬
‫المر بعكس ذلك‪ ،‬فالولد الصغير ينمو لنه يأكل أكثر ِممّا يُخرِج‪ ،‬والشيخ الكبير يُخرِج أكثر ِممّا‬
‫يأكل؛ لذلك يضعف‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فلو مرض إنسان مرضا أَهْزَلَهُ وأنقص من وزنه‪ ،‬فذهب إلى الطبيب فعالجه حتى وصل إلى وزنه‬
‫الطبيعي‪ ،‬فهل الذرات التي خرجتْ منه حتى صار هزيلً هي بعينها الذرات التي دخلتْه حين تَمّ‬
‫علجه؟ إن الذرات التي خرجتْ منه ل تزال في (المجاري)‪ ،‬لم يتكون منها شيء أبدا‪ ،‬إنما كميّة‬
‫الذرّات ومقاديرها هي التي تقوي وتشخص‪.‬‬
‫حفِيظٌ }[ق‪:‬‬
‫وربنا سبحانه وتعالى رحمة منه‪ ،‬قال‪َ {:‬قدْ عَِلمْنَا مَا تَن ُقصُ الَ ْرضُ مِ ْنهُ ْم وَعِندَنَا كِتَابٌ َ‬
‫‪ ]4‬فالحق سبحانه سيجمع الجزاء التي تُكوّن فلنا المشخّص‪.‬‬
‫حدِيدا {‪.‬‬
‫حجَا َرةً َأوْ َ‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ُ } :‬قلْ كُونُواْ ِ‬

‫(‪)2062 /‬‬
‫حدِيدًا (‪)50‬‬
‫حجَا َرةً َأوْ َ‬
‫ُقلْ كُونُوا ِ‬

‫أي‪ُ :‬قلْ ردّا عليهم‪ :‬إنْ كُنتم تستبعدون البعث وتَسْتصعبِونه مع أنه َب ْعثٌ للعظام والرّفات‪ ،‬وقد‬
‫كانت لها حياة في فترة من الفترات‪ ،‬ولها إِلْف بالحياة‪ ،‬فمن السهل أنْ نعيدَ إليها الحياة‪ ،‬بل وأعظم‬
‫من ذلك‪ ،‬ففي قدرة الخالق سبحانه أنْ يُعيدكم حتى وإنْ كنتم من حجارة أو من حديد‪ ،‬وهي المادة‬
‫التي ليس بها حياة في نظرهم‪.‬‬
‫وكأن الحق سبحانه يتحدّاهم بأبعد الشياء عن الحياة‪ ،‬ويتدرج بهم من الحجارة إلى الحديد؛ لن‬
‫الحديد أشدّ من الحجارة وهو يقطعها‪ ،‬فلو كنتم حجارة لعدْناكم حجارة‪ ،‬ولو كنتم حديدا لعدْناكم‬
‫حديدا‪.‬‬
‫ثم يترقّي بهم إلى ما هو أبعد من ذلك‪ ،‬فيقول تعالى‪َ { :‬أوْ خَلْقا ّممّا َيكْبُرُ فِي صُدُو ِركُمْ َفسَ َيقُولُونَ‬
‫مَن ُيعِيدُنَا ُقلِ الّذِي َفطَ َركُمْ َأ ّولَ مَ ّرةٍ‪.} ..‬‬

‫(‪)2063 /‬‬
‫صدُو ِركُمْ فَسَ َيقُولُونَ مَنْ ُيعِيدُنَا ُقلِ الّذِي فَطَ َركُمْ َأوّلَ مَ ّرةٍ فَسَيُ ْن ِغضُونَ إِلَ ْيكَ‬
‫َأوْ خَ ْلقًا ِممّا َيكْبُرُ فِي ُ‬
‫سهُ ْم وَ َيقُولُونَ مَتَى ُهوَ ُقلْ عَسَى أَنْ َيكُونَ قَرِيبًا (‪)51‬‬
‫رُءُو َ‬

‫خلْقا ّممّا َيكْبُرُ فِي صُدُو ِركُمْ‪[ } ..‬السراء‪ ]51 :‬أي‪ :‬هاتوا العظم فالعظم‪،‬‬
‫قوله تعالى‪َ { :‬أوْ َ‬
‫وتوغّلوا في التحدّي وال ُبعْد عن الحياة‪ ،‬فأنا قادر على أنْ أهبَ له الحياة مهما كان بعيدا عن الحياة‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫على إطلقها‪.‬‬
‫وقوله‪ّ { :‬ممّا َيكْبُرُ فِي صُدُو ِركُمْ‪[ } ..‬السراء‪]51 :‬‬
‫يكبر‪ :‬أي يعظُم مِنْ كَبُر يكْبُر‪ .‬ومنه قوله تعالى‪ {:‬كَبُ َرتْ كَِلمَةً تَخْرُجُ مِنْ َأ ْفوَا ِه ِهمْ }[الكهف‪]5 :‬‬
‫أي‪:‬عَظُمت‪ .‬والمراد‪ :‬اختاروا شيئا يعظم استبعادُ أن يكون فيه حياة بعد ذلك‪ ،‬وغاية ما عندهم في‬
‫بيئتهم الحجارة والحديد‪َ ،‬فهُما أبعد الشياء عن الحياة‪ ،‬وقد اتفقوا على ذلك فليس في محيط حياتهم‬
‫ما هو أقسى من الحجارة والحديد‪ .‬ولكن الحق سبحانه وتعالى ارتقى بهم في فَرْضية المر إلى أنْ‬
‫يختاروا وتجتمع نفوسهم على شيء‪ ،‬يكون أعظمَ استبعادا من الحجارة والحديد‪.‬‬
‫ونلحظ في قوله تعالى‪ّ { :‬ممّا َيكْبُرُ فِي صُدُو ِركُمْ‪[ } ..‬السراء‪ ]51 :‬جاء هذا الشيء مُ ْبهَما؛ لن‬
‫الشيء العظيم الذي يعظُم عن الحجارة والحديد استبعادا عن أصل الحياة مختلفٌ فيه‪ ،‬فإن اتفقوا‬
‫في أمر الحجارة والحديد فقد اختلفوا في الشياء الخرى‪ ،‬فجاءت الية مُبْهمة ليشيع المعنى في‬
‫نفس ُكلّ واحد كل على حَسْب ما يرى‪.‬‬
‫بدليل أنهم حينما سألوا المام عليا ـ رضي ال عنه‪ ،‬وكرّم ال وجهه ـ عن أقوى الجناس في‬
‫الكون‪ ،‬وقد علموا عن المام عليّ سرعة البديهة والتمرّس في الفُتْيَا‪ ،‬فأرادوا اختباره بهذا السؤال‬
‫الذي يحتاج في الجابة عليه إلى استقصاء لجناس الكون وطبيعة كل منها‪.‬‬
‫دخل عليهم المام علي وهم مختلفون في هذه المسألة‪ ،‬منهم من يقول‪ :‬الحديد أقوى‪ .‬ومنهم من‬
‫يقول‪ :‬بل الحجارة‪ .‬وآخر يقول‪ :‬بل الماء‪ ،‬فأفتاهم المام في هذه القضية‪ ،‬وانظر إلى ِدقّة الفتاء‬
‫واستيعاب العلم‪ ،‬فلم َيقُل‪ :‬أقوى جنود ال كذا وكذا ثم يكمل كما اتفق له ويذكر ما يخطر بباله‪ ،‬ل‬
‫بل حصرها أولً‪ ،‬فقال‪ :‬أشد جنود ال عشرة‪.‬‬
‫فالمسألة ليست ارتجالية‪ ،‬بل مسألة مدروسة لديه مُسْتَحضرة في ذِهْنه‪ ،‬مُرتّبة في تفكيره‪ ،‬فبسط‬
‫المام لمستمعيه يده وفَردَ أصابعه‪ ،‬وأخذ يعدّ هذه العشرة‪ ،‬وكأنه المعلم الذي استحضر درسه‬
‫وأعدّه جيدا‪.‬‬
‫قال‪ " :‬أشد جنود ال عشرة‪ ،‬الجبال الرواسي‪ ،‬والحديد يقطع الجبال‪ ،‬والنار تذيب الحديد‪ ،‬والماء‬
‫يطفئ النار‪ ،‬والسحاب المسخّر بين السماء والرض يحمل الماء‪ ،‬والريح يقطع السحاب‪ ،‬وابن آدم‬
‫يغلب الريح يستتر بالثوب أو بالشيء ويمضي لحاجته‪ ،‬والسكر يغلب ابن آدم‪ ،‬والنوم يغلب‬
‫السكر‪ ،‬والهم يغلب النوم‪ ،‬فأشد جنود ال في الكون الهم "‪.‬‬
‫خلْقا ّممّا َيكْبُرُ فِي صُدُو ِركُمْ‪[ } ..‬السراء‪]51 :‬‬
‫فهذه الجناس هي المراد بقوله تعالى‪َ { :‬أوْ َ‬
‫فاختاروا أيّا من هذه الجناس‪ ،‬فال تعالى قادر على إعادتكم وبعثتكم كما كنتم أحياء‪.‬‬
‫ثم يقول تعالى‪َ } :‬فسَ َيقُولُونَ مَن ُيعِيدُنَا ُقلِ الّذِي فَطَ َركُمْ َأ ّولَ مَ ّرةٍ‪[ { ..‬السراء‪]51 :‬‬
‫أي‪ :‬أن الذي خلقكم بدايةً قادرٌ على إعادتكم‪ ،‬بل العادة َأ ْهوَن من الخَلْق بدايةً‪ ،‬ولكن الجواب ل‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يكون مُقنِعا إل إذا كانت النتيجة التي يأتي بها الجواب مُسلّمة‪ .‬فهل هم مقتنعون بأن ال تعالى‬
‫فطرهم أوّل مرة؟‬
‫نعم‪ ،‬هم مؤمنون بهذه الحقيقة رغم ُكفْرهم‪ ،‬بدليل قولهم‪ {:‬وَلَئِن سَأَلْ َتهُم مّنْ خََل َقهُمْ لَ َيقُولُنّ اللّهُ فَأَنّىا‬
‫ُي ْؤ َفكُونَ }[الزخرف‪ ]87 :‬فهم مقتنعون بذلك‪ ،‬ولكنهم نقلوا الجدل إلى قضية أخرى فقالوا‪ :‬مَنْ‬
‫س ُهمْ‪[ { ..‬السراء‪]51 :‬‬
‫يُعيدنا؟ فإنْ قلت لهم‪ :‬الذي فطركم أول مرة‪ } .‬فَسَيُ ْن ِغضُونَ إِلَ ْيكَ ُرؤُو َ‬
‫معنى يُنغِض رأسه‪ :‬يهزّها من أعلى لسفل‪ ،‬ومن أسفل لعلى استهزاءً وسخري ًة مما تقول‪،‬‬
‫والمتأمل في قوله } َفسَيُ ْن ِغضُونَ { يجده ِفعْلً سيحدث في المستقبل ويقع من مُختارٍ‪ ،‬والمقام مقام‬
‫جَدلٍ بين الكفار وبين رسول ال‪ ،‬وهذه الية يتلوها رسول ال على أسماعهم ويخبر أنه إذا قال‬
‫لهم‪ } :‬الّذِي َفطَ َركُمْ َأ ّولَ مَ ّرةٍ‪[ { ..‬السراء‪ ]51 :‬فسينغضون رؤوسهم‪.‬‬
‫فكان في وُسْع هؤلء أنْ يُكذّبوا هذا القول‪ ،‬فل يُنغِضون رؤوسهم لرسول ال ويمكرون به في هذه‬
‫ن يعترضوا على هذا القول ويتهموه‪ ،‬ولكن الحق سبحانه غالبٌ على‬
‫المسألة‪ ،‬ولهم بعد ذلك أ ْ‬
‫سمْعهم وأبصارهم‪ ،‬ومع ذلك لم يقولوا‪ ،‬مما يدلّ على غباء‬
‫حتَ َ‬
‫أمره‪ ،‬فهاهي الية تُتْلىَ عليهم وت ْ‬
‫حمْق تفكيرهم‪.‬‬
‫الكفار و ُ‬
‫وما أشبه هذا الموقف منهم بموقفهم من حادث تحويل القبلة حينما قال الحق سبحانه لنبيه صلى‬
‫سمَآءِ فَلَ ُنوَلّيَ ّنكَ قِبْلَةً تَ ْرضَاهَا‪[} ..‬البقرة‪]144 :‬‬
‫ج ِهكَ فِي ال ّ‬
‫ال عليه وسلم‪َ {:‬قدْ نَرَىا َتقَّلبَ وَ ْ‬
‫س َفهَآءُ مِنَ النّاسِ مَا َولّهُمْ عَن قِبْلَ ِتهِمُ الّتِي كَانُواْ‬
‫ثم أخبره بما سيحدث من الكفار‪ ،‬فقال‪ {:‬سَ َيقُولُ ال ّ‬
‫عَلَ ْيهَا }[البقرة‪]142 :‬‬
‫ي في المستقبل‪ ،‬وكان بإمكانهم إذا سمعوا هذه الية َألّ يقولوا هذا القول ويجدوا‬
‫وهذا َق ْولٌ اختيار ّ‬
‫بذلك مِ ْأخَذا على القرآن‪ ،‬ولكنهم مع هذا قالوا ما حكاه القرآن؛ لن الحق سبحانه يعلم أنهم‬
‫سيقولون ل محالة‪ } :‬وَ َيقُولُونَ مَتَىا ُهوَ‪[ { ..‬السراء‪]51 :‬‬
‫والستفهام هنا كسابقه للنكار والتعجّب الدالّ على استبعاد البعث بعد الموت‪ ،‬ولحظ هنا أن‬
‫السؤال عن الزمن‪ ،‬فقد نقلوا الجدل من إمكانية الحدث على ميعاد الحدث‪ ،‬وهذا تراجعٌ منهم في‬
‫النقاش‪ ،‬فقد كانوا يقولون‪ :‬مَنْ يُعيدنا؟ والن يقولون‪ :‬متى؟ فيأتي الجواب‪ } :‬عَسَىا أَن َيكُونَ قَرِيبا‬
‫{ [السراء‪]51 :‬‬
‫عسى‪ :‬كلمة تفيد الرجاء‪ ،‬والرجاء أمر مُتوقّع يختلف باختلف الراجي والمرجو منه‪ ،‬فإذا قُلْت‬
‫مثلً‪ :‬عسى فلنا أنْ يعطيك كذا‪ ،‬فالرجاء هنا بعيد شيئا ما؛ لنه رجاء من غيري لك‪ ،‬أما لو قلْت‪:‬‬
‫عسى أنْ أُعطيك كذا‪ ،‬فهي أقرب في الرجاء؛ لنني أتحدّث عن نفسي‪ ،‬وثقة النسان في نفسه‬
‫أكثر من ثقته في الخرين‪ ،‬ومع ذلك قد يتغير رأييّ فل أعطيك‪ ،‬أو يأتي وقت العطاء فل أجد ما‬
‫أعطيه لك‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لكن إذا قُ ْلتَ‪ :‬عسى ال أن يعطيك فل شكّ أنها أقربُ في الرجاء؛ لنك رجوت ال تعالى الذي ل‬
‫يُعجِزه شيء في الرض ول في السماء‪ .‬وإنْ كان القائل هو الحق سبحانه وتعالى‪ ،‬فالرجاء منه‬
‫سبحانه مُحقّق وواقع ل شكّ فيه؛ فالرجاء من الغير للغير رتبة‪ ،‬ومن النسان لغيره رتبة‪ ،‬ومن‬
‫ال تعالى للغير رتبة‪.‬‬
‫وقد شرح لنا الرسول صلى ال عليه وسلم مسألة القرب فقال‪ُ " :‬بعِ ْثتُ أنا والساعة كهاتين " وأشار‬
‫ل بينهما‪ ،‬كما أننا نقول‪:‬‬
‫بالسّبابة والوسطى؛ لنه ليس بعده رسول‪ ،‬فهو والقيامة متجاوران ل فاص َ‬
‫ُكلّ آتٍ قريب‪ ،‬فالمر التي مستقبلً قريب؛ لنه قادم ل محالةَ‪.‬‬
‫ح ْم ِدهِ وَتَظُنّونَ إِن لّبِثْتُمْ ِإلّ قَلِيلً {‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪َ } :‬ي ْومَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْ َتجِيبُونَ بِ َ‬

‫(‪)2064 /‬‬
‫حمْ ِد ِه وَتَظُنّونَ إِنْ لَبِثْ ُتمْ إِلّا قَلِيلًا (‪)52‬‬
‫َيوْمَ يَدْعُوكُمْ فَ َتسْتَجِيبُونَ ِب َ‬

‫هذا في يوم القيامة‪ ،‬حيث ل يستطيع أحدٌ الخروجَ عن مُرادات الحق سبحانه بعد أن كان يستطيع‬
‫الخروج عنها في الدنيا؛ لن الخالق سبحانه حين خلق الخَلْق جعل للرادة النسانية سلطانا على‬
‫الجوارح في المور الختيارية‪ ،‬فهو ُمخْتَار يفعل ما يشاء‪ ،‬ويقول ما يشاء‪ ،‬ويترك ما يشاء‪،‬‬
‫فإرادته أمير على جوارحه‪ ،‬أما المور القهرية فل دَخْل للرادة بها‪.‬‬
‫فإذا جاء اليوم الخر انحّلتْ الرادة عن الجوارح‪ ،‬ولم َيعُدْ لها سلطان عليها‪ ،‬بدليل أن الجوارح‬
‫طقَ‬
‫طقَنَا اللّهُ الّذِي أَن َ‬
‫شهِدتّمْ عَلَيْنَا قَالُواْ أَن َ‬
‫سوف تشهد على صاحبها يوم القيامة‪َ {:‬وقَالُواْ لِجُلُودِ ِهمْ ِلمَ َ‬
‫شيْءٍ‪[} ..‬فصلت‪]21 :‬‬
‫ُكلّ َ‬
‫لقد كانت لكم َولَية علينا في دُنْيا السباب‪ ،‬أما الن فنحن جميعا مرتبطون بالمسبّب سبحانه‪ ،‬فل‬
‫ولية لكم علينا الن؛ لذلك يقول الحق تبارك وتعالى عن يوم القيامة‪ّ {:‬لمَنِ ا ْلمُ ْلكُ الْ َيوْمَ لِلّهِ ا ْلوَاحِدِ‬
‫ا ْل َقهّارِ }[غافر‪]16 :‬‬
‫ففي الدنيا ملّك الناس‪ ،‬وجعل مصالح أُناسٍ في أيدي آخرين‪ ،‬أما في الخرة‪ ،‬فالمر كله والملْك‬
‫كله ل وحده ل شريك له‪.‬‬
‫فقوله تعالى‪َ { :‬يوْمَ يَدْعُوكُمْ‪[ } ..‬السراء‪ ]52 :‬أي‪ :‬يقول لكم اخرجوا من القبور للبعث بالنفخة‬
‫ح ْم ِدهِ‪[ } ..‬السراء‪ ]52 :‬أي‪ :‬تقومون في طاعة واستكانة‪ ،‬ل‬
‫الثانية في الصّور { فَ َتسْتَجِيبُونَ بِ َ‬
‫قوْمةَ مُسْتنكف أو مُتقاعس أو مُتغطرس‪ ،‬فكلّ هذا انتهى وقته في الدنيا‪ ،‬ونحن الن في الخرة‪.‬‬
‫ونلحظ أن الحق سبحانه قال‪ { :‬فَتَسْتَجِيبُونَ‪[ } ..‬السراء‪ ]52 :‬ولم يقل‪ :‬فتُجيبون؛ لن استجاب‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أبلغُ في الطاعة والنصياع‪ ،‬كما نقول‪ :‬فهم واستفهم أي‪ :‬طلب الفَهْم‪ ،‬وكذلك { فَتَسْ َتجِيبُونَ } أي‪:‬‬
‫تطلبون أنتم الجواب‪ ،‬وتُلحّون عليه ل تتقاعسون فيه‪ ،‬ول تتأ ّبوْن عليه‪ ،‬فتُسرعون في القيام‪.‬‬
‫حمْ ِدهِ‪[ } ..‬السراء‪ ]52 :‬أي‪ :‬تُسرعون في القيام حامدين ال‬
‫ليس هذا وفقط‪ ،‬بل‪ { :‬فَتَسْ َتجِيبُونَ بِ َ‬
‫شاكرين له‪ ،‬ولكن كيف والحمد ل يكون إل على شيء محبوب؟‬
‫نعم‪ ،‬إنهم يحمدون ال تعالى؛ لنهم عاينوا هذا اليوم الذي طالما ذكّرهم به‪ ،‬ودعاهم إلى اليمان‬
‫به‪ ،‬والعمل من أجله‪ ،‬وطالما ألحّ عليهم ودعاهم‪ ،‬ومع ذلك كله جحدوا وكذّبوا‪ ،‬وها هم اليوم‬
‫يَروْنَ ما كذّبوه وتتكشّف لهم الحقيقة التي أنكروها‪ ،‬فيقومون حامدين ل الذي نبّههم ولم يُقصّر في‬
‫نصيحتهم‪ .‬كما أنك تنصح ولدك بالمذاكرة والجتهاد‪ ،‬ثم يخفق في المتحان فيأتيك معتذرا‪ :‬لقد‬
‫نصحتني ولكني لم أستجبْ‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فبيانُ الحق سبحانه لمور الخرة من ال ّنعَم التي ل يعترف بها الكفار في الدنيا‪ ،‬ولكنهم‬
‫سيعترفون بها في الخرة‪ ،‬ويعرفون أنها من أعظم ِنعَم ال عليهم‪ ،‬ولكن بعد فوات الوان‪.‬‬
‫لذلك اعترض المستشرقون على قوله تعالى في سورة (الرحمن)‪ {:‬فَبَِأيّ آلءِ رَ ّب ُكمَا ُتكَذّبَانِ }‬
‫شوَاظٌ مّن نّا ٍر وَنُحَاسٌ فَلَ تَن َتصِرَانِ }[الرحمن‪:‬‬
‫سلُ عَلَ ْي ُكمَا ُ‬
‫[الرحمن‪ ]34 :‬بعد قوله تعالى‪ {:‬يُرْ َ‬
‫‪ ]34‬فالية في نظرهم تتحدث عن ِنقْمة وعذاب‪ ،‬فكيف يناسبها‪:‬‬
‫{ فَبَِأيّ ءَالءِ رَ ّب ُكمَا ُتكَذّبَانِ }[الرحمن‪]35 :‬‬
‫والمتأمّل في الية يجدها منسجمة كل النسجام؛ لن من النعمة أن نُنبّهك بالعِظَة للمر الذي‬
‫ينتظرك والعذاب الذي أُعِدّ لك حتى ل تقعَ في أسبابه‪ ،‬فالذي يعلم حقيقة العذاب على ال ِفعْل ل‬
‫يقترفه‪.‬‬
‫ثم يقول تعالى‪ } :‬وَ َتظُنّونَ إِن لّبِثْتُمْ ِإلّ قَلِيلً { [السراء‪]52 :‬‬
‫الظن‪ :‬خبر راجح؛ لنهم مذبذبون في قضية البعث ل يقين عندهم بها‪.‬‬
‫} إِن لّبِثْتُمْ { أي‪ :‬أقمتُم في الدنيا‪ ،‬أو في قبوركم؛ لن الدنيا متاع قليل‪ ،‬وما دامتْ انتهت فلن يبقى‬
‫ث في نومه‪ ،‬ول‬
‫منها شيء‪ .‬وكذلك في القبور؛ لن الميت في قبره شِبْه النائم ل يدرك كم لَ ِب َ‬
‫يتصوّر إل النوم العادي الذي تعوّده الناس‪.‬‬
‫ولذلك كل مَنْ سُئِل في هذه المسألة‪ :‬كم لبثتم؟ قالوا‪ :‬يوما أو بعض يوم‪ ،‬فهذا هو المعتاد‬
‫المتعارف عليه بين الناس‪ ،‬ذلك لن الشعور بالزمن فرع مراقبة الحداث‪ ،‬والنوم والموت ل‬
‫أحداثَ فيها‪ ،‬فكيف ـ إذن ـ سنراقب الحداث والملَكة الواعية مفقودة؟‬
‫عشِيّةً َأ ْو ضُحَاهَا }[النازعات‪]46 :‬‬
‫وقد قال تعالى في آية أخرى‪ {:‬كَأَ ّنهُمْ َيوْمَ يَ َروْ َنهَا لَمْ يَلْبَثُواْ ِإلّ َ‬
‫وقال‪ {:‬قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الَ ْرضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُواْ لَبِثْنَا َيوْما َأوْ َب ْعضَ َيوْمٍ فَسْ َئلِ ا ْلعَآدّينَ }‬
‫[المؤمنون‪]113-112 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عيٌ لنعُدّ اليام‪ ،‬فاسأل العَادّين الذين يستطيعون العدّ‪.‬‬
‫أي‪ :‬لم يكُنْ لدينا وَ ْ‬
‫وفي قصة العزيز الذي أماته ال مائة عام‪ ،‬ثم بعثه‪ {:‬قَالَ َكمْ لَبِ ْثتَ قَالَ لَبِ ْثتُ َيوْما َأوْ َب ْعضَ‬
‫َيوْمٍ‪[} ..‬البقرة‪ ]259 :‬على ُمقْتضى العادة التي أَلفَها في نومه‪ ،‬فيُوضّح له ربه‪ {:‬بَل لّبِ ْثتَ مِاْئَةَ عَامٍ‬
‫حمَا ِركَ }[البقرة‪]259 :‬‬
‫طعَا ِمكَ وَشَرَا ِبكَ لَمْ يَ َتسَنّ ْه وَانْظُرْ إِلَىا ِ‬
‫فَانْظُرْ إِلَىا َ‬
‫فالمدّة في نظر العزيز كانت يوما أو بعض يوم‪ ،‬والحق سبحانه أخبر أنها مائة عام‪ ،‬فال َبوْنُ شاسع‬
‫بينهما‪ ،‬ومع ذلك فالقوْلَن صادقان‪ .‬والحق سبحانه أعطانا الدليل على ذلك‪ ،‬فقد بعث العُزَيز من‬
‫موته‪ ،‬فوجد حماره عظاما بالية يصدُق عليها القول بمائة عام‪ ،‬ونظر إلى طعامه وشرابه فوجده‬
‫كما هو لم يتغير‪ ،‬وكأنّ العهدَ به يوم أو بعض يوم‪ ،‬ولو مَرّ على الطعام مائة عام لتغيّر بل لتحلّل‬
‫ولم يَ ْبقَ له أثر‪.‬‬
‫وكأن الخالق سبحانه قبض الزمن وبَسَطه في وقت واحد‪ ،‬وهو سبحانه القابض الباسط‪ ،‬إذن‪َ :‬ق ْولُ‬
‫الحق سبحانه مائة عام صِدْق‪ ،‬وقول العُزَيز } َيوْما َأوْ َب ْعضَ َيوْمٍ { صِدْق أيضا‪ ،‬ول يجمع‬
‫الضّدّيْن إل خالق الضداد سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫وبعد أن تكلم القرآن عن موقف الكفار من اللوهية‪ ،‬وموقفهم من النبوة وتكذيبهم للنبي صلى ال‬
‫عليه وسلم‪ ،‬ثم عن موقفهم من منهج ال وكفرهم بالبعث والقيامة‪ ،‬أراد سبحانه أنْ يُعطينا الدروس‬
‫حسَنُ إِنّ الشّيْطَانَ‬
‫التي تُربّب منهج ال في الرض‪ ،‬فقال تعالى‪َ } :‬وقُل ّلعِبَادِي َيقُولُواْ الّتِي ِهيَ أَ ْ‬
‫يَن َزغُ بَيْ َن ُهمْ {‪.‬‬

‫(‪)2065 /‬‬
‫ع ُدوّا مُبِينًا (‬
‫َوقُلْ ِلعِبَادِي َيقُولُوا الّتِي ِهيَ أَحْسَنُ إِنّ الشّ ْيطَانَ يَنْ َزغُ بَيْ َنهُمْ إِنّ الشّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ َ‬
‫‪)53‬‬

‫جمْع عبد‪ ،‬لكن عبيد تدل على مَنْ خضع لسيّده‬
‫وسبق أنْ أوضحنا الفرق بين عبيد وعباد‪ ،‬وأنهما َ‬
‫في المور القهرية‪ ،‬وتمرّد عليه في المور الختيارية‪ ،‬أما عباد فتدلّ على مَنْ خضع لسيده في‬
‫حمَـانِ‬
‫ُكلّ أموره القهرية والختيارية‪ ،‬وفضّل مراد ال على مُرَاده‪ ،‬وعنهم قال تعالى‪ {:‬وَعِبَادُ الرّ ْ‬
‫سجّدا‬
‫علَىا الَرْضِ َهوْنا وَإِذَا خَاطَ َبهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلَما * وَالّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَ ّبهِمْ ُ‬
‫الّذِينَ َي ْمشُونَ َ‬
‫َوقِيَاما }[الفرقان‪]64-63 :‬‬
‫وهذا الفَرْق قائم بينهما في الدنيا دون الخرة‪ ،‬حيث في الخرة تنحلّ صفة الختيار التي بنينا‬
‫عليها التفرقة‪ ،‬وبذلك يتساوى الجميع في الخرة‪ ،‬فكلهم عبيد وعباد؛ لذلك قال تعالى في الخرة‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫للشيطان‪ {:‬أَأَن ُتمْ َأضْلَلْتُمْ عِبَادِي َه ُؤلَءِ أَمْ هُ ْم ضَلّوا السّبِيلَ }[الفرقان‪]17 :‬‬
‫فسمّاهم عبادا رغم ضللهم وكفرهم‪.‬‬
‫حسَنُ } [السراء‪]53 :‬‬
‫وقوله تعالى‪َ { :‬يقُولُواْ الّتِي ِهيَ أَ ْ‬
‫أي‪ :‬العبارة التي هي أحسن‪ ،‬وكذلك ال ِفعْل الذي هو أحسن‪ .‬والمعنى‪ُ :‬قلْ لعبادي‪ :‬قولوا التي هي‬
‫أحسن يقولوا التي هي أحسن؛ لنهم مُؤتمرون بأمك مُصدّقون لكَ‪.‬‬
‫و { الّتِي ِهيَ َأحْسَنُ } تعني‪ :‬الحسن العلى الذي تتشقّق منه كُل أَحْسَنيات الحياة‪ ،‬والحسن هو‬
‫اليمان بال بشهادة أن ل إله إل ال‪ ،‬هذه أحسن الشياء وأولها‪ ،‬لذلك كان صلى ال عليه وسلم‬
‫يقول‪ " :‬خَيْرُ ما قُلْتُه أنا والنبيون من قبلي‪ :‬ل إله إل ال " "‪.‬‬
‫ت تؤمن بال فلن تتلقّى إل‬
‫لن من باطنها ينبتُ كل حسن‪ ،‬فهي الحسن والكبيرة؛ لنك ما ُد ْم َ‬
‫عنه‪ ،‬ولن تخاف إل منه‪ ،‬ولن ترجوَ إل هو‪ ،‬وهكذا يحسُن أمرك كلّه في الدنيا والخرة‪.‬‬
‫وأنت حين تقول‪ :‬ل إله إل ال‪ ،‬ل تقولها إل وأنت مؤمن بها؛ لنك تريد أنْ تُشيِعها فيمن سمعك‪،‬‬
‫ول تكتفي بنفسك فقط‪ ،‬بل تحب أنْ يُشاركك الخرون هذا الخير؛ لذلك إذا أردنا أن ننطقَ بهذه‬
‫الكلمة نقول‪ :‬أشهد أن ل إله إل ال‪ .‬فمعنى أشهد يعني عند مَنْ لم يشهد‪ ،‬فكأن إيمانك بها دَعاك‬
‫إلى َنقْلها إلى الناس‪ ،‬وبثّها فيما بينهم‪.‬‬
‫ويمكن أن نقول { الّتِي ِهيَ َأحْسَنُ } الحسن هو‪ :‬كل كلمة خير‪ ،‬أو الحسن هو‪ :‬الجدل بالتي هي‬
‫أحسن‪ ،‬كما قال تعالى‪ {:‬وَجَادِ ْلهُم بِالّتِي ِهيَ َأحْسَنُ }[النحل‪]125 :‬‬
‫أو نقول‪ :‬الحسن يعني التمييز بين القوال المتناقضة وفَرْزها أمام العقل‪ ،‬ثم نختار الحسن منها‪،‬‬
‫فنقول به‪.‬‬
‫فالحسن ـ إذن ـ تَشيُع لتشمل ُكلّ حَسَن في أيّ مجال من مجالت القوال أو الفعال‪ ،‬ولنأخذ‬
‫مثلً مجال الجدل‪ ،‬وخاصة إذا كان في سبيل إعلء كلمة ال‪ ،‬فل شكّ أن المعارض كَا ِرهٌ لمبدئك‬
‫ظتَ له القول أو اخترتَ العبارة السيئة فسوف ينتقل الخلف بينكما‬
‫سوْتَ عليه وأغل ْ‬
‫العام‪ ،‬فإنْ َق َ‬
‫عدَاء شخصي‪.‬‬
‫من خلف في مبدأ عام على َ‬
‫جتَ ُأوَار غضبه؛ لنه في حاجة لنْ تَ ْر ُفقَ به‪،‬‬
‫وإذا تحوَّلتْ هذه المسألة إلى قضية شخصية فقد أج ّ‬
‫فل تجمع عليه مرارة أنْ تُخرِجه مما أَلِف إلى ما يكره‪ ،‬بل حاول أنْ تُخرِجه مما أَلِف إلى ما‬
‫يحب لتطفئ شراسته لعداوتك العامة‪ ،‬وتُقرّب من ال ُهوّة بينك وبينه فيقبل منك ما تقول‪.‬‬
‫عدَا َوةٌ كَأَنّهُ‬
‫ك وَبَيْنَهُ َ‬
‫حسَنُ فَإِذَا الّذِي بَيْ َن َ‬
‫يقول تعالى‪ {:‬وَلَ تَسْ َتوِي ا ْلحَسَنَةُ وَلَ السّيّئَةُ ا ْدفَعْ بِالّتِي ِهيَ أَ ْ‬
‫حمِيمٌ }[فصلت‪]34 :‬‬
‫وَِليّ َ‬
‫ن يقول‪ :‬لقد دفعتُ بالتي هي أحسن‪ ،‬ومع ذلك ل يزال عدوي قائما على‬
‫وقد يطلُع علينا مَ ْ‬
‫عداوتي‪ ،‬ولم أكسب محبته‪ .‬نقول له‪ :‬أنت ظننتَ أنك دفعتَ بالتي هي أحسن‪ ،‬ولكن الواقع غير‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫شكّ‪ ،‬فادفع بالتي هي أحسن من غير تجربة‪،‬‬
‫ذلك‪ ،‬إنك تحاول أنْ تُجرّب مع ال‪ ،‬والتجربة مع ال َ‬
‫وسوف يتحول العدو أمامك إلى صديق‪.‬‬
‫ي ومِنَ الذِي ا ْدفَع ـ فَدَيْتُك ـ بالتِي حتّى تَرَى‬
‫ن الت ِ‬
‫ع قول الشاعر‪:‬يَا مَنْ ُتضَا ِيقُه ال ِفعَالُ مِ َ‬
‫وما أرو َ‬
‫فَإذَا الذِيلكن‪ ،‬لماذا نقول التي هي أحسن؟‬
‫لن الشيطان ينزغ بينكم‪ } :‬إِنّ الشّ ْيطَانَ يَن َزغُ بَيْ َن ُهمْ‪[ { ..‬السراء‪ ]53 :‬والنزْغ هو َنخْس الشيطان‬
‫ووسوسته‪ ،‬وقد قال تعالى في آية أخرى‪ {:‬وَإِماّ يَنَزَغَ ّنكَ مِنَ الشّ ْيطَانِ نَ ْزغٌ فَاسْ َتعِذْ بِاللّهِ }‬
‫[العراف‪]200 :‬‬
‫فإن كنْت مُنتبِها له‪ ،‬عارفا بحيله فذكرتَ ال عند نَخْسه ونَزْعه انصرف عنك‪ ،‬وذهب إلى غيرك؛‬
‫سوَاسِ الْخَنّاسِ }[الناس‪ ]4 :‬أي‪ :‬الذي يخنس ويختفي‬
‫لذلك يقول تعالى عن الشيطان‪ {:‬مِن شَرّ ا ْلوَ ْ‬
‫إذا ُذكِرَ ال‪ ،‬لكن إذا رأى منك ضعفا وغفلة ومرّتْ عليك حِيَلُة‪ ،‬واستجبتَ لوساوسه‪ ،‬فقد أصبحت‬
‫فريسة سهلة بين أنيابه ومخالبه‪.‬‬
‫حذّره من هذا العدو‪ ،‬فينزغه‬
‫س للمؤمن واختبار لنتباهه و َ‬
‫وعادةً تأتي خواطر الشيطان وكأنها ِمجَ ّ‬
‫الشيطان مرّة بعد أخرى لِيُجرّبه ويختبره‪ .‬فإذا كان النزغ هكذا‪ ،‬فأنت حين تجادل بالتي هي أحسن‬
‫ل تعطي للشيطان فُرْصة لنْ يُؤجّج العداوة الشخصية بينكما‪ ،‬فيُزيّن لك شَتْمه أو َلعْنه‪ ،‬وهكذا‬
‫يتحول الخلف في المبدأ العام إلى عداوة ذاتية شخصية‪.‬‬
‫لذلك إذا رأيتَ شخصين يتنازعان ل صِلَة لك بهما‪ ،‬ولكن ضايقك هذا النزاع‪ ،‬فما عليك إل أنْ‬
‫تقول‪ :‬أعوذ بال من الشيطان الرجيم ثلثا‪ ،‬وأتحدّى أن يستمر النزاع بعدها‪ ،‬إنها الماء البارد الذي‬
‫يُطفئ نار الغضب‪ ،‬ويطرد الشيطان فتهدأ النفوس‪ ،‬وما أشبهك في هذا الموقف برجل الطفاء‬
‫الذي يسارع إلى إخماد الحريق‪ ،‬وخصوصا إذا قلت هذه العبارة بنية صادقة في الصلح‪ ،‬وليس‬
‫لك مأ َربٌ من هذا التدخّل‪.‬‬
‫والحق سبحانه يقول‪ } :‬إِنّ الشّ ْيطَانَ يَن َزغُ بَيْ َنهُمْ‪[ { ..‬السراء‪]53 :‬‬
‫تلحظ أن نَزْغ الشيطان ل يقتصر على المتخاصمين والمتجادلين حول مبدأ ديني عقدي‪ ،‬بل ينزغ‬
‫خوَتِي }‬
‫بين الخوة والهل والحبة‪ ،‬ألم َيقُل يوسف‪ {:‬مِن َبعْدِ أَن نّزغَ الشّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِ ْ‬
‫[يوسف‪]100 :‬‬
‫لقد دخل الشيطان بين أولد النبوة‪ ،‬وزرع الخلف حتى بين السباط وفيهم رائحة النبوة‪ ،‬ولذلك لم‬
‫يتصاعد فيهم الشر‪ ،‬وهذا دليل على خَيْريتهم‪ ،‬وأنت تستطيع أنْ تُميّّز بين الخيّر والشرير‪ ،‬فتجد‬
‫الخيّر يهدد بلسانه بأعنف الشياء‪ ،‬ثم يتضاءل إلى أهون الشياء‪ ،‬على عكس الشرير تراه يُهدد‬
‫بأهونِ الشياء‪ ،‬ثم يتصاعد إلى أعنف ما يكون‪.‬‬
‫سفَ َأوِ اطْ َرحُوهُ أَرْضا }[يوسف‪ ]9 :‬فقال الخر وكان أميل‬
‫انظر إلى قوْل إخوة يوسف‪ {:‬اقْتُلُواْ يُو ُ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫جبّ }[يوسف‪ ]10 :‬وقد اقترح هذا القتراح وفي نيته النجاة‬
‫إلى الرفق به‪ {:‬وَأَ ْلقُوهُ فِي غَيَا َبتِ الْ ُ‬
‫لخيه‪ ،‬بدليل قوله تعالى‪ {:‬يَلْ َتقِطْهُ َب ْعضُ السّيّا َرةِ }[يوسف‪]10 :‬‬
‫وهكذا تضاءل الشر في نفوسهم‪.‬‬
‫ع ُدوّا مّبِينا { [السراء‪]53 :‬‬
‫ثم يقول تعالى‪ } :‬إِنّ الشّ ْيطَانَ كَانَ لِلِنْسَانِ َ‬
‫أي‪ :‬أن عداوة الشيطان لكم قديمة منذ أبيكم آدم ـ عليه السلم ـ فهي عداوة مسبقة‪ ،‬قال عنها‬
‫شقَىا }[طه‪]117 :‬‬
‫جكَ فَلَ يُخْ ِرجَ ّن ُكمَا مِنَ الْجَنّةِ فَتَ ْ‬
‫ك وَلِ َزوْ ِ‬
‫الحق سبحانه‪ {:‬إِنّ هَـاذَا عَ ُدوّ ّل َ‬
‫لذلك يجب على الب كما يُعلّم ابنه علوم الحياة ووسائلها أنْ يُعلّمه قصة العداوة الولى بين‬
‫الشيطان وآدم ـ عليه السلم ـ ويُعلمه أن خواطر الخير من ال وخواطر الشر من الشيطان‪،‬‬
‫فليكُنْ على حَذَر من خواطره ووساوسه‪ ،‬وبذلك يُربّي في ابنه مناعة إيمانية‪ ،‬فيحذر كيد الشيطان‬
‫ونَزْغه‪ ،‬ويعلم أن كل أمر يخالف أوامر الشرع فهو من الشيطان‪ ،‬وهذه التربية من الباء تحتاج‬
‫إلى إلحاح بها على البناء حتى ترسخ في أذهانهم‪.‬‬
‫ع ُدوّا مّبِينا { [السراء‪ ]53 :‬أي‪ :‬كان ول يزال‪ .‬وإلى‬
‫فقوله تعالى‪ } :‬إِنّ الشّ ْيطَانَ كَانَ لِلِنْسَانِ َ‬
‫يوم القيامة بدليل قوله‪ {:‬لَئِنْ َأخّرْتَنِ إِلَىا َيوْمِ ا ْلقِيَامَ ِة لَحْتَ ِنكَنّ ذُرّيّتَهُ ِإلّ قَلِيلً }[السراء‪]62 :‬‬
‫أي‪ :‬لتعهّدنّهم بالضلل والغواية إلى يوم القيامة‪.‬‬
‫ح ْمكُمْ َأوْ إِن يَشَأْ ُيعَذّ ْب ُك ْم َومَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَ ْيهِمْ‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ } :‬رّ ّب ُكمْ أَعْلَمُ ِبكُمْ إِن َيشَأْ يَرْ َ‬
‫َوكِيلً {‪.‬‬

‫(‪)2066 /‬‬
‫ح ْمكُمْ َأوْ إِنْ يَشَأْ ُي َعذّ ْبكُ ْم َومَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَ ْي ِه ْم َوكِيلًا (‪)54‬‬
‫رَ ّبكُمْ أَعَْلمُ ِبكُمْ إِنْ يَشَأْ يَ ْر َ‬

‫في هذه الية إشارة إلى طلقة المشيئة اللهية‪ ،‬فالحق سبحانه إنْ شاء يرحمنا بفضله‪ ،‬وإنْ شاء‬
‫يُعذّبنا بعدله؛ لن الحق سبحانه لو عاملنا بميزان عدله ما نجا منّا أحد‪ ،‬ولو جلس أحدنا وأحصى‬
‫ماله وما عليه لوجد نفسه ل محالةَ واقعا تحت طائلة العقاب؛ لذلك يَحسُن بنا أن ندعوُ ال بهذا‬
‫الدعاء‪ " :‬اللهم عاملنا بالفضل ل بالعدل‪ ،‬وبالحسان ل بالميزان‪ ،‬وبالجبر ل بالحساب "‪.‬‬
‫والحق تبارك وتعالى ل يُيئس ال ُعصَاة من فضله‪ ،‬ول يملي لهم بعدله‪ ،‬بل يجعلهم بين هذه وهذه‬
‫ليكونوا دائما بين الخوف والرجاء‪.‬‬
‫وحينما كان المسلمون الوّلون يتعرضون لشتى ألوان الهانة والتعذيب ول يجدون مَنْ يمنعهم من‬
‫هذا التعذيب‪ ،‬فكانوا يذهبون إلى رسول ال صلى ال عليه وسلم يشكون إليه ما ينزل بهم‪ ،‬فرسول‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ال ينظر في أنحاء العالم من حوله بحثا عن المكان المناسب الذي يلجأ إليه هؤلء المضطهدون‪،‬‬
‫ويأمرهم بالهجرة إلى الحبشة ويقول‪ " :‬إن فيها ملكا ل ُيظْلَم عنده أحدٌ "‪.‬‬
‫لقد كانوا في مرحلة ل يستطيعون فيها الدفاع عن أنفسهم‪ ،‬فالضعيف منهم عاجز عن المواجهة‪،‬‬
‫والقوي منهم ل يستطيع حماية الضعيف؛ لنه كان يذهب إلى رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫فيقترح عليه الرد على الكفار ومواجهتهم بكذا وكذا‪ ،‬فكان صلى ال عليه وسلم يقول لهم‪ " :‬لم‬
‫أومر‪ ،‬لم أومر‪.." ..‬‬
‫لن ال تعالى أراد َألّ يبقي لليمان جندي إل وقد مَسّه العذاب‪ ،‬وذاق ألوان الضطهاد ليربي فيهم‬
‫الصبر على الذى وتحمّل الشدائد؛ لنهم سيحملون رسالة النسياح بمنهج ال في الرض‪ ،‬ول‬
‫شكّ أن القيام بمنهج ال يحتاج إلى صلبة وإلى قوة‪ ،‬فل ُبدّ من تمحيص المؤمنين‪ ،‬لذلك حدث‬
‫للسلم في عصر النبوة أحداث وشدائد‪ ،‬ومرّت به عقبات مثل تعذيب المؤمنين وإيذائهم وحادث‬
‫السراء والمعراج‪.‬‬
‫وكانت الحكمة من هذه الحداث تمحيص المؤمنين وغربلة المنتسبين لدين ال‪ ،‬حتى ل يبقى إل‬
‫حمْل منهج ال‪ ،‬والنسياح به في شتّى بقاع الرض‪ ،‬وحتى ل يبقى في‬
‫القوي المأمون على َ‬
‫صفوف المؤمنين مَنْ يحمل راية اليمان لمغنَم دنيوي‪ ،‬فالغنيمة في السلم ليست في الدنيا بل في‬
‫جنة عَ ْرضُها السماوات والرض‪.‬‬
‫لذلك‪ ،‬ففي بيعة العقبة الثانية قالوا لرسول ال صلى ال عليه وسلم‪ :‬سل يا محمد لربك ما شئت‪،‬‬
‫ثم سل لنفسك بعد ذلك ما شئت‪ ،‬ثم أخبرنا ما لنا من الثواب على ال وعليكم إذا فعلنا ذلك‪ " .‬قال‪:‬‬
‫أسألكم لربي أن تعبدوه ول تشركوا به شيئا‪ ،‬وأسألكم لنفسي ولصحابي أن تؤوونا وتنصرونا‬
‫وتمنعونا مما منعتم منه أنفسكم‪ ،‬قالوا‪ :‬فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ فماذا قال لهم رسول ال؟ أقال لهم‬
‫تملكون الدنيا؟ ل‪ ،‬بل قال‪ " :‬لكم الجنة " قالوا‪ :‬فلك ذلك "‪.‬‬

‫فهذه هي الجائزة الحقيقية التي ينبغي أن يفوز بها المؤمن؛ لنه من الجائز أن يموت أحدهم بعد‬
‫أن أعطى رسول ال هذا العهد ولم يدرك شيئا من خير الدنيا في ظل السلم‪ ،‬إذن‪ :‬فالنبي صادق‬
‫في هذا الوعد‪ .‬وما دام الجزاء هو الجنة فل بُدّ لها من جنود أقوياء يصبرون على الحداث‪،‬‬
‫ويُواجهون الفتن والمكائد‪.‬‬
‫ح ْم ُكمْ { [السراء‪ ]54 :‬بالخروج من مكة مهاجرين إلى ديار‬
‫فالمعنى‪ } :‬رّ ّبكُمْ أَعَْلمُ ِبكُمْ إِن َيشَأْ يَرْ َ‬
‫المن في الحبشة } َأوْ إِن َيشَأْ ُيعَذّ ْبكُمْ‪[ { ..‬السراء‪ ]54 :‬أي‪ :‬عذابا مقصودا لكي يُمحّص إيمانكم‬
‫ويُميّز المؤمنين منكم الجديرين بحمل رسالة ال ومنهجه‪.‬‬
‫ثم يقول تعالى‪َ } :‬ومَآ أَ ْرسَلْنَاكَ عَلَ ْيهِ ْم َوكِيلً { [السراء‪]54 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الوكيل‪ :‬هو المفوّض من صاحب الشأن بفعل شيء ما‪ ،‬والمراد‪ :‬ما أرسلناك إل للبلغ‪ ،‬ولستَ‬
‫مسئولً بعد ذلك عن إيمانهم‪ ،‬ولستَ وكيلً عليهم؛ لن الهداية والتوفيق لليمان بيد الحق سبحانه‬
‫وتعالى‪.‬‬
‫إذن‪ :‬قول الحق سبحانه لرسوله صلى ال عليه وسلم‪َ } :‬ومَآ أَ ْرسَلْنَاكَ عَلَ ْيهِ ْم َوكِيلً { [السراء‪:‬‬
‫‪]54‬‬
‫ليست قهرا لرسول ال‪ ،‬وليست إنقاصا من َقدْره‪ ،‬بل هي رحمة به ورأفة‪ ،‬كأنه يقول له‪ :‬ل تُحمّل‬
‫سكَ َألّ َيكُونُواْ ُمؤْمِنِينَ‬
‫نفسك يا محمد فوق طاقتها‪ ،‬كما خاطبه في آية أخرى بقوله‪َ {:‬لعَّلكَ بَاخِعٌ ّنفْ َ‬
‫}[الشعراء‪ ]3 :‬فالحق ـ تبارك وتعالى ـ في هذه المسألة ل يعتب على رسوله‪ ،‬بل يعتب‬
‫لصالحه‪ ،‬والمتتبع لمواقف العتاب للرسول صلى ال عليه وسلم يجده عِتَابا لصالحه صلى ال عليه‬
‫وسلم رحمةً به‪ ،‬وشفقةً عليه‪ ،‬ل كما يقول البعض‪ :‬إن ال تعالى يُصحّح للرسول خطئا وقع فيه‪.‬‬
‫عمَىا * َومَا ُيدْرِيكَ َلعَلّهُ يَ ّزكّىا { [عبس‪:‬‬
‫س وَ َتوَلّىا * أَن جَآ َء ُه الَ ْ‬
‫ومثال لهذا قوله تعالى‪ } :‬عَبَ َ‬
‫‪ ]3-1‬ال تعالى يعتب على رسوله صلى ال عليه وسلم؛ لنه ترك الرجل الذي جاءه سائلً عن‬
‫شقّ على نفسه بالذهاب إلى جدال هؤلء الصناديد‪ ،‬وكأن الحق سبحانه يشفق على رسوله‬
‫الدين‪ ،‬و َ‬
‫أن يشقّ على نفسه‪ ،‬فالعتاب هنا حِرْصا على رسول ال وعلى راحته‪.‬‬
‫غفُورٌ‬
‫ك وَاللّهُ َ‬
‫جَ‬
‫حلّ اللّهُ َلكَ تَبْ َتغِي مَ ْرضَاتَ أَ ْزوَا ِ‬
‫وكذلك في قوله تعالى‪ {:‬ياأَ ّيهَا النّ ِبيّ لِمَ ُتحَرّمُ مَآ َأ َ‬
‫رّحِيمٌ }[التحريم‪]1 :‬‬
‫والتحريم تضييق على النفس‪ ،‬فالحق سبحانه يعتب على رسوله صلى ال عليه وسلم؛ لنه ضيّق‬
‫سهِر طويلً في المذاكرة حتى‬
‫على نفسه‪ ،‬وحرّم عليها ما أحلّه ال لها‪ .‬كما تعتب على ولدك الذي َ‬
‫أرهقَ نفسه‪ ،‬فالعتاب لصالح الرسول ل ضده‪.‬‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضِ‪.{ ...‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ } :‬وَرَ ّبكَ أَعَْلمُ ِبمَنْ فِي ال ّ‬

‫(‪)2067 /‬‬
‫ض وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (‬
‫ت وَالْأَ ْرضِ وََلقَدْ َفضّلْنَا َب ْعضَ النّبِيّينَ عَلَى َب ْع ٍ‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫علَمُ ِبمَنْ فِي ال ّ‬
‫وَرَ ّبكَ أَ ْ‬
‫‪)55‬‬

‫قوله تعالى‪ { :‬أَعَْلمُ } أفعل تفضيل تدلّ على المبالغة في العلم‪ ،‬وإنْ كان الحق سبحانه أعلم فما‬
‫ن يتصفَ بالعلم‪ ،‬فنقول‪ :‬عالم‪ .‬ولكن ال أعلم؛ لن ال تعالى ل يمنع عباده أن‬
‫دونه يمكن أ ْ‬
‫تشرئب عقولهم وتطمح إلى معرفة شيء من أسرار الكون‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والمعنى أن الحق سبحانه وتعالى ل يقتصر علمه عليك يا محمد وعلى أمتك‪ ،‬وقد سُبِقت الية‬
‫بقوله تعالى‪ {:‬رّ ّب ُكمْ أَعْلَمُ ِبكُمْ‪[} ..‬السراء‪ ]54 :‬ولكن علمه سبحانه يسَع السماوات والرض عِلْما‬
‫مُطْلقا ل يغيب عنه مثقال ذرة‪ ،‬وبمقتضى هذا العلم يُقسّم ال الرزاق ويُوزّع المواهب بين العباد‪،‬‬
‫ُكلّ على حسب حاله‪ ،‬وعلى َقدْر ما يُصلحه‪.‬‬
‫فإنْ رأيتَ شخصا ضيّق ال عليه فاعلم أنه ل يستحق غير هذا‪ ،‬ول يُصلحه إل ما قَسَمه ال له؛‬
‫لن الجميع عبيد ل مربوبون له‪ ،‬ليس بين أحد منهم وبين ال عداوة‪ ،‬وليس بين أحد منهم وبين‬
‫ال نسب‪.‬‬
‫فالجميع عنده سواء‪ ،‬يعطي كُلً على َقدْر استعداده عطاءَ ربوبية‪ ،‬ل يحرم منه حتى الكافر الذي‬
‫ضاق صدره باليمان‪ ،‬وتمكّن النفاق من قلبه حتى عشق الكفر وأحب النفاق‪ ،‬فال تعالى ل يحرمه‬
‫ِممّا أحبّ ويزيده منه‪.‬‬
‫إذن‪ :‬لعلمه سبحانه بمَنْ في السماوات والرض يعطي عباده على َقدْر مَا يستحقّون في المور‬
‫ال َقهْرية التي ل اختيارَ لهم فيها‪ ،‬ف ُهمْ فيها سواء‪ .‬أما المور الختيارية فقد تركها الخالق سبحانه‬
‫لجتهاد العبد وأَخْذ بالسباب‪ ،‬فالسباب موجودة‪ ،‬والمادة موجودة‪ ،‬والجوارح موجودة‪ ،‬والعقل‬
‫موجود‪ ،‬والطاقة موجودة‪ .‬إذن‪ :‬على كل إنسان أن يستخدم هذه المعطيات ليرتقي بحياته على قَدْر‬
‫استطاعته‪.‬‬
‫ثم يقول تعالى‪ { :‬وََلقَدْ َفضّلْنَا َب ْعضَ النّبِيّينَ عَلَىا َب ْعضٍ } [السراء‪]55 :‬‬
‫مَن الذي فضّل؟ ال سبحانه وتعالى هو الذي يُفضّل بعض النبيين على بعض‪ ،‬وليس لنا نحن أن‬
‫نُفضّل إل مَنْ فضّله ال؛ لنه سبحانه هو الذي يملك أن يُجازي على حَسْب الفضل‪ ،‬أما نحن فل‬
‫نملك أنْ نجازي على َقدْر الفضل‪.‬‬
‫لذلك قال النبي صلى ال عليه وسلم‪ " :‬ل ينبغي لعبد أن يقول‪ :‬أنا خير من يونس بن متى "‪.‬‬
‫سلُ َفضّلْنَا‬
‫لن الذي يُفضّل هو ال تعالى‪ ،‬وقد ُنصّ على هذا التفضيل في قوله تعالى‪ {:‬تِ ْلكَ الرّ ُ‬
‫ت وَأَيّدْنَاهُ‬
‫ت وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْ َيمَ الْبَيّنَا ِ‬
‫ضهُمْ دَ َرجَا ٍ‬
‫ضهُمْ عَلَىا َب ْعضٍ مّ ْنهُمْ مّن كَلّمَ اللّ ُه وَ َرفَعَ َب ْع َ‬
‫َب ْع َ‬
‫بِرُوحِ ا ْلقُدُسِ }[البقرة‪]253 :‬‬
‫فالتفضيل على حسب ما يعلمه ال تعالى من أن أُولى العزم من الرسل قد ّفضّلهم عن غيرهم ِلمَا‬
‫تحمّلوه من مشقة في دعوة أقوامهم‪ ،‬ولما قاموا به من حمل منهج ال والنسياح به‪ ،‬أو من طول‬
‫مُدّتهم من قومهم‪ ..‬الخ فهو وحده يعلم أسباب التفضيل‪.‬‬
‫ثم يقول تعالى‪ { :‬وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورا } [السراء‪]55 :‬‬
‫فلماذا ذكر داود بالذات مقترنا بالكتاب الذي أُنِزل عليه؟ قالوا‪ :‬لن داود عليه السلم أُوتِي مع‬
‫الكتاب المُلْك‪ ،‬فكان نبيا ملكا‪ ،‬فكأن الحق سبحانه يشير إلى أن تفضيل داود ل من حيث أنه مِلك‪،‬‬
‫بل من حيث هو نبي صاحب كتاب‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وفي الحديث الشريف يقول صلى ال عليه وسلم‪ " :‬لقد خُيّ ْرتُ بين أن أكون عبدا نبيا أو نبيا ملكا‪،‬‬
‫فاخترت أن أكون عبدا نبيا "‪.‬‬
‫شفَ الضّرّ عَ ْنكُمْ‬
‫عمْتُم مّن دُونِهِ فَلَ َيمِْلكُونَ كَ ْ‬
‫ثم يقول الحق تبارك وتعالى‪ُ { :‬قلِ ادْعُواْ الّذِينَ زَ َ‬
‫حوِيلً }‪.‬‬
‫وَلَ َت ْ‬

‫(‪)2068 /‬‬
‫حوِيلًا (‪)56‬‬
‫شفَ الضّرّ عَ ْن ُك ْم وَلَا تَ ْ‬
‫عمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا َيمِْلكُونَ َك ْ‬
‫ُقلِ ادْعُوا الّذِينَ زَ َ‬

‫ال تعالى يقول لرسوله صلى ال عليه وسلم‪ :‬قل للذين يُعارضونك في الوحدانية إذا مسّكم ضُرٌ‬
‫ن تكفرون به‪ ،‬بل الجأوا إلى مَنْ زعمتم أنهم شركاء وآمنتم بهم‪ .‬فإنهم لن‬
‫فل تلجأوا إلى مَ ْ‬
‫يستمعوا إليك؛ لن النسان بطبعه ل يخدع نفسه‪ ،‬ولو علموا أن الذين يتخذونهم آلهة من دون ال‬
‫عوْا ربهم الذين يكفرون به وتركوا الذين يؤمنون بهم‪ ،‬لماذا؟‬
‫ينفعونهم في شيء لما دَ َ‬
‫لن النسان ل يتمرد ول يطغى إل إذا كان مُسْتغنيا بكل ملكاته‪ ،‬بمعنى أن تكون ملكاته كلها على‬
‫ضعُفَ طغيانه‪ ،‬وحاول أن يستكمل هذا‬
‫هيئة الستقامة والنسجام‪ ،‬فإذا اختلتْ له ملكة من الملكات َ‬
‫النقص‪ ،‬وحينئذ لن يخدع نفسه بأن يطلب الستكمال ِممّن ل يملكه‪ ،‬بل يطلبه ممّنْ يعتقد أنه‬
‫يملكه‪.‬‬
‫ضلّ مَن َتدْعُونَ ِإلّ إِيّاهُ‪[} ..‬السراء‪]67 :‬‬
‫سكُمُ ا ْلضّرّ فِي الْ َبحْ ِر َ‬
‫لذلك يقول تعالى‪ {:‬وَإِذَا مَ ّ‬
‫ن ضُرّ دَعَا رَبّهُ مُنِيبا إِلَ ْيهِ‪[} ..‬الزمر‪]8 :‬‬
‫س الِنسَا َ‬
‫وقال‪ {:‬وَِإذَا مَ ّ‬
‫لماذا؟ لن ما أصابه من ضُرّ أضعفه‪ ،‬وكسر عنده غريزة الستعلء والستكبار‪ ،‬لقد كفر بال من‬
‫قبل حينما حمله التكاليف‪ ،‬ولكن الن وبعد أن نزل به الضّر وأحاط به البلء فل بُدّ أن يكون‬
‫صريحا مع نفسه ل يخدعها‪.‬‬
‫وضربنا لهذه المسألة مثلً بحلق الصحة عند أهل الريف في الماضي وكان مسئولً عن صِحّة‬
‫الناس‪ ،‬ويقوم مقام الطبيب في هذا الوقت‪ ،‬فإذا ما عُيّن بالقرية طبيب هاجمه الحلق وأفسد ما بينه‬
‫وبين الناس‪ ،‬وأشاع عنه عدم العلم وقِلّة الخبرة ليخلوَ له وجه الناس‪ ،‬ول يشاركه أحد في رزقه‪،‬‬
‫خفْيةً بليْل‪ ،‬ويتسلل به إلى‬
‫ومرّت اليام وأصيب الحلق بضُرّ‪ ،‬حيث مرض ولد له‪ ،‬فإذا به يحمله ُ‬
‫الطبيب‪ ،‬ولكن سرعان ما ينكشف أمره ويُفتضح بين الناس‪.‬‬
‫إذن‪ :‬النسان في ساعة الضر ل يخدع نفسه ول يكذب عليها‪ ،‬فقل لهم‪ :‬إذا مسكم الضر فاذهبوا‬
‫عوْهم فلن يكشفوا عنهم‬
‫إلى مَن ادعيتم أنهم آلهة وأدعوهم‪ ،‬فإنهم لن يستجيبوا ولن يدعوهم‪ ،‬ولو دَ َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫شفَ الضّرّ عَ ْن ُكمْ‪[ } ..‬السراء‪]56 :‬‬
‫ضرهم‪ { :‬فَلَ َيمِْلكُونَ َك ْ‬
‫حوِيلً } [السراء‪ ]56 :‬أي‪ :‬ول يملكون تحويل حالكم من الضر إلى النفع أو‬
‫وقوله تعالى‪ { :‬وَلَ َت ْ‬
‫النعمة أو الرحمة‪ ،‬أو‪ :‬ل يملكون تحويل هذا الضر إلى أعدائكم‪ ،‬فهم ـ إذن ـ ل يملكون هذه‬
‫ول هذه‪.‬‬
‫فالحق سبحانه يُلقّن رسوله صلى ال عليه وسلم الحجة‪ ،‬ليوضح لهم أنهم يغالطون أنفسهم‪،‬‬
‫ويعارضون مواجيدهم وفطرتهم‪ ،‬فإن أصابهم الضر في ذواتهم ل يلجأون إلى آلهتهم؛ لنهم‬
‫يعلمون أنها ل تملك لهم نفعا ول ضرا‪ ،‬ولن تسمعهم‪ ،‬وإن سمعتهم ـ فرضا ـ ما استجابوا لهم‪،‬‬
‫ويوم القيامة يكفرون بشركهم‪ ،‬بل يلجأون إلى ال الذي يملك وحده كَشْف الضّر عنهم‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ { :‬أُولَـائِكَ الّذِينَ يَدْعُونَ يَبْ َتغُونَ إِلَىا رَ ّبهِمُ ا ْلوَسِيلَةَ‪.} ...‬‬

‫(‪)2069 /‬‬
‫عذَابَهُ إِنّ‬
‫حمَتَ ُه وَ َيخَافُونَ َ‬
‫أُولَ ِئكَ الّذِينَ َيدْعُونَ يَبْ َتغُونَ إِلَى رَ ّبهِمُ ا ْلوَسِيلَةَ أَ ّي ُهمْ َأقْ َربُ وَيَرْجُونَ رَ ْ‬
‫حذُورًا (‪)57‬‬
‫عَذَابَ رَ ّبكَ كَانَ مَ ْ‬

‫فهؤلء الذين تعتبرونهم آلهة وتتخذونهم شركاء ل‪ ،‬هؤلء أيضا عبيد ل‪ ،‬يتقربون إليه ويتوسّلون‬
‫إليه‪ ،‬فالمسيح الذي أشركتموه مع ال‪ ،‬وكذلك الملئكة هم عباد ل‪ {:‬لّن يَسْتَن ِكفَ ا ْلمَسِيحُ أَن َيكُونَ‬
‫عَبْدا للّ ِه َولَ ا ْلمَل ِئكَةُ ا ْل ُمقَرّبُونَ }[النساء‪]172 :‬‬
‫هؤلء ل يرفضون ول يتأ ّبوْن أن يكونوا عبادا ل‪ ،‬ويريدون التقرّب إليه سبحانه‪ ،‬فكيف ـ إذن ـ‬
‫تتوجهون إليهم بالعبادة وهم عباد؟‬
‫وقوله تعالى‪ { :‬يَبْ َتغُونَ ِإلَىا رَ ّبهِمُ ا ْلوَسِيَلةَ‪[ } ..‬السراء‪ ]57 :‬أي‪ :‬يطلبون الغاية والقربى إليه‬
‫تعالى { أَ ّيهُمْ َأقْ َربُ } أي‪ :‬كلما تقر ّب واحد منهم إلى ال ابتغى الَ أكثرَ من غيره وأقبل عليه‪،‬‬
‫فإذا كان القرب إلى ال منهم يبتغي القُرْبى‪ ،‬فما بال البعد؟‬
‫وقوله تعالى‪ { :‬إِنّ عَذَابَ رَ ّبكَ كَانَ َمحْذُورا } [السراء‪]57 :‬‬
‫ك منه ول مهرب‪ ،‬وأيضا‬
‫أي‪ :‬يجب الحذر منه وتجنّب أسبابه؛ لن العذاب إذا كان من ال فل فِكا َ‬
‫فالعذاب يتناسب مع قدرة المعذّب ضعفا وشدة‪ ،‬فإذا نُسِب العذاب إلى ال فل شكّ أنه أليم شديد‪ ،‬ل‬
‫خ َذهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ }[هود‪]102 :‬‬
‫طاقة لحد به‪ ،‬كما قال تعالى‪ {:‬إِنّ أَ ْ‬
‫والحق سبحانه قد أوضح لنا مسألة الوحدانية في آيات كثيرة‪ ،‬ولم يطلب منا العتراف بها إل بعد‬
‫شهِدَ اللّهُ أَنّ ُه لَ‬
‫أنْ شهد بها لنفسه سبحانه‪ ،‬وبعد أن شهد بها الملئكة وأولو العلم‪ ،‬قال تعالى‪َ {:‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إِلَـاهَ ِإلّ ُه َو وَا ْلمَلَ ِئكَةُ وَُأوْلُواْ ا ْلعِ ْلمِ }[آل عمران‪]18 :‬‬
‫فشهد ال سبحانه شهادة الذات للذات‪ ،‬وشهدتْ الملئكة شهادة المشهد والمعاينة‪ ،‬وشهد أولو العلم‬
‫شهادة الستدلل‪ ،‬فهذه شهادات ثلث قبل أنْ يطلب مِنّا الشهادة‪.‬‬
‫وبهذه الشهادة أقبل الحق سبحانه على مزاولة سلطانه وقدرته في الكون‪ ،‬وما دام { لَ إِلَـاهَ ِإلّ‬
‫ن فيكون‪ ،‬قالها لنه يعلم أنه ل إله إل هو‪ ،‬وبها يحكم على الشياء ويُغيّر‬
‫ُهوَ } يقول للشيء‪ :‬كُ ْ‬
‫حتْ هذه الشهادة الثلثة فقد انتهت المسألة‪ .‬وإنْ لم تصح وهناك إله‬
‫من وضع إلى وضع‪ ،‬فإنْ ص ّ‬
‫آخر فأين هو؟! إنْ كان ل يدري فهو إله نائم ل يصلح لهذه المكانة‪ ،‬وإن كان يدري فلماذا لم‬
‫يطالب بحقه‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فهذه الدّعْوى قد سلمتْ للحق سبحانه لنه لم يدّعها أحد لنفسه‪ ،‬فهي للحق تبارك وتعالى حتى‬
‫يقوم مَنْ يدعيها لنفسه‪.‬‬
‫قال تعالى‪ُ {:‬قلْ ّلوْ كَانَ َمعَهُ آِلهَةٌ َكمَا َيقُولُونَ إِذا لّبْ َتغَوْاْ إِلَىا ذِي ا ْلعَرْشِ سَبِيلً }[السراء‪]42 :‬‬
‫أي‪ :‬لو كان للكون إله آخر لطلبوا هذا الله الذي استقرتْ له المور واستتبّ له الحال‪ ،‬ليُجادلوه‬
‫في هذه المسألة‪ ،‬أو لطلبوه ليتقربوا إليه‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ { :‬وَإِن مّن قَرْ َيةٍ ِإلّ نَحْنُ ُمهِْلكُوهَا قَ ْبلَ َيوْمِ ا ْلقِيَامَةِ َأوْ ُمعَذّبُوهَا عَذَابا‬
‫شَدِيدا‪.} ...‬‬

‫(‪)2070 /‬‬
‫وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلّا َنحْنُ ُمهِْلكُوهَا قَ ْبلَ َي ْومِ ا ْلقِيَامَةِ َأوْ ُمعَذّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَِلكَ فِي ا ْلكِتَابِ‬
‫مَسْطُورًا (‪)58‬‬

‫ساعةَ أنْ تسمعَ { وَإِن مّن قَرْيَةٍ ِإلّ } فاعلم أن السلوب قائم على نفي وإثبات‪ ،‬فالمعنى‪ :‬ل توجد‬
‫قرية إل وال مُهلِكها قبل يوم القيامة‪ ،‬أو مُعذّبها عذابا شديدا‪ ،‬لكن هل كل القرى ينسحب عليها‬
‫هذا الحكم؟‬
‫نقول‪ :‬ل‪ ،‬لن هذا حكم مطلق والطلقات في القرآن تُقيّدها قرآنيات أخرى‪ ،‬وسوف نجد مع هذه‬
‫الية قول الحق سبحانه‪ {:‬ذاِلكَ أَن لّمْ َيكُنْ رّ ّبكَ ُمهِْلكَ ا ْلقُرَىا ِبظُلْ ٍم وَأَهُْلهَا غَافِلُونَ }[النعام‪]131 :‬‬
‫وقال تعالى‪َ {:‬ومَا كَانَ رَ ّبكَ لِ ُيهِْلكَ ا ْلقُرَىا ِبظُلْمٍ وَأَهُْلهَا ُمصْلِحُونَ }[هود‪]117 :‬‬
‫فهذه آيات مُخصّصة تُوضّح الستثناء من القاعدة السابقة‪ ،‬وتُقيّد المبدأ السابق والسور العام الذي‬
‫جاءت به الية‪ ،‬فيكون المعنى ـ إذن ـ وإنْ من قرية غير غافلة وغير مُصلِحة إل وال مُهلكها‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أو مُعذّبها‪.‬‬
‫وقوله‪ { :‬وَإِن مّن قَرْيَةٍ ِإلّ َنحْنُ ُمهِْلكُوهَا قَ ْبلَ َيوْمِ ا ْلقِيَامَةِ َأوْ ُم َعذّبُوهَا } [السراء‪]58 :‬‬
‫{ ُمهِْلكُوهَا } أي‪ :‬بعذاب الستئصال الذي ل يُبقِى منهم أحدا‪.‬‬
‫{ ُمعَذّبُوهَا } أي‪ :‬عذابا دون استئصال‪.‬‬
‫لن التعذيب مرحلة أولى‪ ،‬فإنْ أتى بالنتيجة المطلوبة وأعاد الناس إلى الصواب فبها و ِنعْمتْ‬
‫وتنتهي المسألة‪ ،‬فإنْ لم يقتنعوا وأصرّوا ولم يرتدعوا وعاندوا يأتي الهلك‪ ،‬وهذا واضح في قول‬
‫طمَئِنّةً يَأْتِيهَا رِ ْز ُقهَا رَغَدا مّن ُكلّ َمكَانٍ َف َكفَ َرتْ‬
‫الحق سبحانه‪َ {:‬وضَرَبَ اللّهُ مَثَلً قَرْيَةً كَا َنتْ آمِنَةً مّ ْ‬
‫خ ْوفِ ِبمَا كَانُواْ َيصْ َنعُونَ }[النحل‪]112 :‬‬
‫بِأَ ْنعُمِ اللّهِ فَأَذَا َقهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَا ْل َ‬
‫والواقع أن في حاضرنا شواهدَ عدة على هذه المسألة‪ ،‬فل بُ ّد ليّ قرية طغتْ وبغَتْ أن ينالها‬
‫شيء من العذاب‪ ،‬والمثلة أمامنا واضحة‪ ،‬ول داعيَ لذكرها حتى ل ننكأ جراحنا‪.‬‬
‫وطبيعي أن يأتي العذاب قبل الهلك؛ لن العذاب إيلم حيّ يشعر بالعذاب ويُحِسّ به‪ ،‬والهلك‬
‫إذهاب للحياة‪ ،‬وهذا يمنع الحساس بالعذاب‪.‬‬
‫وباستقراء تاريخ المم السابقة نلحظ ما حاق بهم من سُنّة إهلك الظالمين‪ ،‬فقوم نوح وعاد وثمود‬
‫وقوم لوط نزل بهم عذاب ال الذي ل يُرَدّ عن القوم الكافرين‪ ،‬ولكنه كان عذاب استئصال؛ لن‬
‫النبياء في هذا الوقت لم يكونوا مُطَالَبين بحمل السلح لنشر دعوتهم‪ ،‬فكان عليهم البلغ‪ ،‬والحق‬
‫سبحانه وتعالى هو الذي يتولّى تأديب المخالفين‪ .‬إل إذا طلب أتباع النبي الجهاد معه لنشر دعوته‪،‬‬
‫كما حدث من أتباع موسى عليه السلم‪ {:‬إِذْ قَالُواْ لِنَ ِبيّ ّلهُمُ ا ْب َعثْ لَنَا مَلِكا ّنقَا ِتلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ قَالَ‬
‫َهلْ عَسَيْ ُتمْ إِن كُ ِتبَ عَلَ ْيكُمُ ا ْلقِتَالُ َألّ ُتقَاتِلُواْ قَالُو ْا َومَا لَنَآ َألّ ُنقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ َوقَدْ أُخْ ِرجْنَا مِن‬
‫دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فََلمّا كُ ِتبَ عَلَ ْيهِمُ ا ْلقِتَالُ َتوَّلوْاْ ِإلّ قَلِيلً مّ ْن ُهمْ }[البقرة‪]246 :‬‬
‫ن يفرضَ عليهم ثم‬
‫حمْل السلح‪ ،‬ولكن حذّرهم نبيهم‪ ،‬وخشي أ ْ‬
‫وهكذا طلب بنو إسرائيل القتال و َ‬
‫يتقاعسوا عنه‪ ،‬وهذا ما حدث فعلً ولم يَبْق معه إل قليل منهم‪ ،‬وهذا القليل سرعان ما تراجع هو‬
‫أيضا واحدا بعد الخر‪.‬‬
‫إذن‪ :‬ال ِهمّة النسانية في هذا الوقت لم يكُنْ عندها استعداد ونضج لنْ تحملَ سلحا في سبيل ال‪،‬‬
‫فكان على الرسول أنْ يُبلّغ‪ ،‬وعلى السماء أنْ تُؤدّب بهذا اللون من العذاب الذي يستأصلهم فل‬
‫يُبقى منهم أحدا‪.‬‬
‫أما في أمة محمد صلى ال عليه وسلم فقد رحمنا ربنا تبارك وتعالى من هذا العذاب‪ ،‬فقال‪َ {:‬ومَا‬
‫كَانَ اللّهُ لِ ُيعَذّ َبهُ ْم وَأَنتَ فِيهِمْ }[النفال‪]33 :‬‬
‫وهذه هي كرامات ال تعالى لرسوله‪ ،‬فلم يأخذ قومه بعذاب الستئصال‪ ،‬لماذا؟ لن رسولهم آخر‬
‫الرسل وخاتم النبياء‪ ،‬وسوف يُنَاطُ بهم حَملُ رسالته ونَشْر دعوته‪ ،‬والنسياح بمنهج ال في شتى‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫بقاع الرض‪.‬‬
‫ذلك لن الحق ـ سبحانه وتعالى ـ حينما يرسل منهجه إلى الرض يُقدّر غفلة الناس عن‬
‫المنهج‪ ،‬ويُقدّر فكرة التأسّي بالجيل السابق‪ ،‬فهذان مُعوّقان في طريق منهج ال‪ ،‬يقول تعالى‪ {:‬وَِإذْ‬
‫ش ِهدْنَآ‬
‫ستُ بِرَ ّبكُمْ قَالُواْ بَلَىا َ‬
‫سهِمْ أََل ْ‬
‫شهَدَ ُهمْ عَلَىا أَنفُ ِ‬
‫ظهُورِهِمْ ذُرّيّ َت ُه ْم وَأَ ْ‬
‫خذَ رَ ّبكَ مِن بَنِي ءَا َدمَ مِن ُ‬
‫أَ َ‬
‫أَن َتقُولُواْ َيوْمَ ا ْلقِيَامَةِ إِنّا كُنّا عَنْ هَـاذَا غَافِلِينَ * َأوْ َتقُولُواْ إِ ّنمَآ أَشْ َركَ آبَاؤُنَا مِن قَ ْبلُ َوكُنّا ذُرّيّةً‬
‫مّن َبعْدِ ِهمْ }[العراف‪]173-172 :‬‬
‫فأوضح لنا الحق سبحانه أن النسان يتخبّط أو ينحرف عن المنهج‪ ،‬إما بسبب تقليد أعمى لُسْوة‬
‫ن تلقى عن ال آدم‪ ،‬ثم بلّغ ذريته منهج ال‪ ،‬وبمرور الجيال حدثتْ الغفلة عن‬
‫سيئة‪ ،‬فأول مَ ْ‬
‫حبّ للشهوات‪ ،‬وهذه الشهوات هي التي تصرفه عن‬
‫بعض المنهج نتيجة ما ُركّب في النسان من ُ‬
‫منهج ربه‪ ،‬فإنْ حدثت غفلة في جيل فإنها سوف تزداد في الجيل التالي‪ ،‬وهكذا؛ لن الجيل سيقع‬
‫تحت مُؤثّرين‪ :‬الغفلة الذاتية فيه‪ ،‬والتأسي بالجيل السابق‪.‬‬
‫إذن‪ :‬بتوالي الجيال وازدياد الغفلة عن المنهج ل بُدّ أن الحق سبحانه سيبعث في مواكب الرسل‬
‫مَنْ يُنبّه الناس‪.‬‬
‫جتْ‬
‫جتْ للناس‪ {:‬كُنْ ُتمْ خَيْرَ ُأمّةٍ أُخْ ِر َ‬
‫ومن هنا كانت أمة محمد صلى ال عليه وسلم خَيْر أمة أُخ ِر َ‬
‫لِلنّاسِ‪[} ..‬آل عمران‪ ]110 :‬لماذا؟{ تَ ْأمُرُونَ بِا ْل َمعْرُوفِ وَتَ ْن َهوْنَ عَنِ ا ْلمُ ْنكَ ِر وَ ُت ْؤمِنُونَ بِاللّهِ }[آل‬
‫حمْل رسالة الدعوة‪ ،‬وقد كرّم ال أمة محمد بأنْ جعل‬
‫عمران‪ ]110 :‬فخيرية هذه المة ناشئة من َ‬
‫كل مَنْ آمن به يحمل دعوته إلى يوم القيامة‪ ،‬لقد بلّغ الرسول من عاصروه مَنْ أمته‪ ،‬وعلى أمته‬
‫أن تُبلّغ مَنْ بعده؛ لذلك يشهد علينا رسول ال‪ ،‬ونشهد نحن على الناس‪.‬‬
‫وفي الحديث الشريف " نضّر ال امرءا سمع مقالتي فوعاها‪ ،‬ثم أدّاها إلى مَنْ لم يسمعها‪ ،‬فَ ُربّ‬
‫مُبلّغ َأوْعَى من سامع "‪.‬‬
‫وهكذا تظل في المة هذه الخيرية وتحمل دعوة رسولها حيث ل رسول من بعده إلى يوم القيامة‪،‬‬
‫ولهمية هذا الدور الذي يقوم به المسلمون في كل زمان ومكان يُنبّهنا رسول ال صلى ال عليه‬
‫حمْل الدعوة ونَشْرها‪ ،‬فيقول‪:‬‬
‫وسلم إلى مسألة هامة في مجال َ‬
‫" إن كل واحد منكم يقف على ثغرة من ثغرات هذا الدين‪ ،‬فإياكم أن يؤتى الدين من ثغرة أحدكم "‬
‫أو كما قال‪.‬‬
‫فليعلم كل مسلم أنه محسوب للدين أو عليه‪ ،‬فالعيون تتطلع إليه وتَ ْرصُد تصرفاته في مجتمعه‪ ،‬فهو‬
‫صورة للدين وسفير له‪ ،‬وعليه أن يراعي هذه المسئولية ويقوم بها على أكمل وجه ليكون أداة‬
‫جذْب‪ ،‬وليكون وجها مشرقا لتعاليم هذا الدين‪.‬‬
‫َ‬
‫فأنت حارس على باب من البواب‪ ،‬وعليك أنْ تسدّه بصدق انطباعك عن اليمان‪ ،‬وبصدق‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫انقيادك لقضايا السلم‪ ،‬وبهذا السلوك تكون وسيلة إغراء للخرين الذين يراودهم اليمان‪،‬‬
‫ويتراءى لهم منهج ال من بعيد‪.‬‬
‫ويحلو للبعض أن يأخذوا السلم بجريرة أهله‪ ،‬ويحكموا عليه بناءً على تصرفات المنتسبين إليه‪،‬‬
‫وهذا خطأ‪ ،‬فَمنْ أراد الصورة الحقيقية للسلم فليأخذْها من منابع الدين في كتاب ال وسنة‬
‫رسوله‪ ،‬فإنْ رأيتَ بين المنتسبين للسلم سارقا فل ت ُقلْ‪ :‬هذا هو السلم؛ لن السلم حرّم‬
‫حدّا ُيقَام على السارق‪ ،‬وليس لحد أن يكون حجة على دين ال‪.‬‬
‫السرقة‪ ،‬وجعل لها عقوبة و َ‬
‫لذلك فإن كبار العلماء والمفكرين الذين درسوا في الدين السلمي لم ينظروا إلى تصرّفات‬
‫المسلمين وحاضرهم‪ ،‬بل أخذوه من منابعه الصلية‪ .‬ومنهم " جينو " الفرنسي الذي قال‪ :‬الحمد ل‬
‫الذي هداني للسلم قبل أن أعرف المسلمين‪ .‬لنه في الحقيقة لو اطلع على أحوالنا الن َلكَان في‬
‫المسألة كلم آخر‪.‬‬
‫عدْل وإنصاف ل بُدّ أن يهتدوا إلى السلم‪ ،‬لكن منهم‬
‫إذن‪ :‬الذين نظروا إلى قضايا السلم نظرة َ‬
‫مَنْ نظر إليه نظرة عَدْل وإنصاف إل أنهم أبعدوا قضية التديّن من قلوبهم‪ ،‬وإن اقتنعتْ بها‬
‫عقولهم‪ ،‬وفَرْق كبير بين القضية العقلية والقضية القلبية‪.‬‬
‫ومن هؤلء الكاتب الذي أّلفَ كتابا عن العظماء في التاريخ وأسماه‪ " :‬العظماء مائة أعظمهم محمد‬
‫بن عبد ال " وهو كاتب غير مؤمن‪ ،‬لكنه أخذ يستقرئ صفحة التاريخ‪ ،‬ويسجّل أصحاب العمال‬
‫الجلية التي أثّرت في تاريخ البشرية‪ ،‬فوجدهم مائة‪ ،‬وبالمقارنة بينهم وجد أن أعظمهم محمد صلى‬
‫ال عليه وسلم‪ ،‬ومع ذلك لم يتربّ محمد في مدرسة‪ ،‬ولم يتخرج في جامعة‪ ،‬ولم يجلس إلى مُعلم‪.‬‬
‫ألم تسأل نفسك أيها المؤلف‪ :‬من أين أتى محمد بهذه الوليّة؟ ولماذا استحق أن يكون في المقدمة؟‬
‫لقد ذكرتَ حيثيات النبوغ في جميع شخصياتك‪ ،‬من تربية ودراسة في جامعات وعلى أساتذة‬
‫وإطلع وأبحاث‪ ،‬فلماذا لم تذكر حيثيات النبوغ في رسول ال؟ ألم تعلم أنه أُميّ في أمة أُميّة؟ مما‬
‫يدل على أن هذا الباحث تناول هذه القضية بعقله ل بقلبه‪.‬‬
‫حدّ‬
‫نعود إلى مسألة الهلك والعذاب؛ لنها أثارتْ خلفا بين رجال القانون في موضوع إقامة َ‬
‫الرجْم على الزاني المحصن والجَلْد للزاني غير المحصن‪ ،‬فقد رأى جماعة منهم أن الجلد ثابت‬
‫بالقرآن‪ ،‬أما الرجم فثابت بالسنة‪ ،‬لذلك قال بعضهم بأن رجم الزاني المحصَن سنة‪.‬‬
‫وهذا قول خاطئ وبعيد عن الصواب‪ ،‬لن هناك فرقا بين سُنية الدليل وسُنية الحكم‪ ،‬فسُنية الدليل‬
‫أن يكون المر فَرْضا‪ ،‬لكن دليله من السنة كهذه المسألة التي معنا‪ .‬وكصلة المغرب مثلً ثلث‬
‫ركعات وهي فَرْض لكن دليلها من السنة‪ ،‬أما سُنية الحكم فيكون الحكم نفسه سُنة يُثَاب فاعله‪ ،‬ول‬
‫ُيعَاقب تاركه كالتسبيح ثلثا في الركوع مثلً‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فرجْم الزاني المحصَن فَرْض‪ ،‬لكن دليله من السنة‪ ،‬فالسّنة هنا سُنية دليل‪ ،‬ل سنية حكم‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فمَنْ يقول‪ :‬إن الرجْم لم يَرِدْ به نصّ في كتاب ال‪ ،‬تقول‪ :‬الدليل عليه جاء في السنة‪ ،‬وهي‬
‫المصدر الثاني للتشريع‪ ،‬حتى على قول مَنْ قال بأن القرآن هو المصدر الوحيد للتشريع‪ ،‬ففي‬
‫خذُوهُ َومَا َنهَاكُمْ عَ ْنهُ فَان َتهُواْ }[الحشر‪]7 :‬‬
‫القرآن‪َ {:‬ومَآ آتَا ُكمُ الرّسُولُ فَ ُ‬
‫إذن‪ :‬ف ِفعْل الرسول صلى ال عليه وسلم كنصّ القرآن سواء بسواء‪ ،‬وهل رجم في عهد رسول ال‬
‫ن قال قائل‪ :‬فهذا ليس نصّا في الرجْم‪ .‬نقول‪ :‬بل‬
‫أو لم يرجم؟ رجم فعلً في عهد رسول ال‪ ،‬فإ ْ‬
‫الفعل أقوى من النص قد تتأول فيه‪ ،‬أما الفعل فهو صريح ل يحتمل تأويلً‪.‬‬
‫ودليل آخر على فرضية الرجم‪ ،‬وهو الشاهد في هذه الية‪ ،‬في قوله تعالى عن إقامة الحد على‬
‫حصَنَاتِ مِنَ ا ْل َعذَابِ‪[} ..‬النساء‪]25 :‬‬
‫صفُ مَا عَلَى ا ْل ُم ْ‬
‫المة‪َ {:‬فعَلَ ْيهِنّ ِن ْ‬
‫فيقولون‪ :‬الرجْم ل يُنصّف‪ .‬إذن‪ :‬ليس هناك َرجْم‪ .‬نقول‪ :‬أنتم لم تُفرّقوا بين الرجم وبين العذاب‪،‬‬
‫فالرجم إماتة‪ ،‬والعذاب إيلم لحيّ يشعر و ُيحِسّ بهذا اليلم‪ ،‬والمقصود به (الجَلْد)‪.‬‬
‫حصَنَاتِ مِنَ ا ْلعَذَابِ‪[} ..‬النساء‪ ]25 :‬أي‪ :‬من الجَلْد‪ ،‬وهو الذي‬
‫إذن‪َ {:‬فعَلَ ْيهِنّ ِنصْفُ مَا عَلَى ا ْلمُ ْ‬
‫يُنصّف‪ ،‬ولو كان الحكم عاما َلقَال‪ :‬فعليهن نصف ما على المحصنات‪ .‬فقوله‪ {:‬مِنَ ا ْل َعذَابِ‪} ..‬‬
‫[النساء‪ ]25 :‬دليل على وجود الرّجْم الذي ل فَرْق فيه بين حُرة وأمة‪.‬‬
‫وكذلك نلحظ التدرج من العذاب إلى الهلك في قول سليمان ـ عليه وعلى نبينا الصلة والسلم‬
‫شدِيدا َأ ْو لَذْ َبحَنّهُ‪[} ..‬النمل‪]21 :‬‬
‫عذَابا َ‬
‫ـ حينما تفقّد الطير‪ ،‬واكتشف غياب الهدهد‪ {:‬لُعَذّبَنّهُ َ‬
‫ولسائل أنْ يسأل‪ :‬هل ل بُدّ للقرى الظالمة أن ينالها الهلك أو العذاب قبل يوم القيامة؟‬
‫نعم ل بُدّ أن يمسّهم شيء من هذا؛ لن ال تعالى لو أخّر كل العذاب لهؤلء إلى يوم القيامة‬
‫لستشرى الظلم وعمّ الفساد في الكون‪ ،‬وحين يرى الناس الظالم يرتع في الحياة‪ ،‬وينعم بها مع‬
‫ظلمه لغراهم ذلك بالظلم‪ ،‬أما إذا رأوه وقد حاق به سوء عمله‪ ،‬ونزلت به النوازل لرتدعوا عن‬
‫الظلم‪ ،‬ولَعلِموا أن عاقبته وخيمة‪ ،‬ولن يفلت الظالم من عذاب الدنيا قبل عذاب الخرة‪ .‬أما لو‬
‫ن ل يؤمنون بها‪.‬‬
‫تأخر عذاب الظالمين إلى الخرة‪ ،‬فالوَيْل ِممّ ْ‬
‫لذلك لما مات رَأْسٌ من رؤوس الظلم في الشام‪ ،‬ولم يَرَ الناس أثرا لعذاب أو نقمة‪ ،‬قال أحدهم‪ :‬إن‬
‫وراء هذا الدار دارا ُيجَازى فيها المحسن بإحسانه‪ ،‬والمسيء بإساءته؛ لنه يستحيل أنْ يُفِلتَ‬
‫الظالم من العذاب‪.‬‬
‫وفي مناقشتي مع الشيوعيين في بروكسل قلت لهم‪ :‬لقد قسو ُتمْ على المخالفين لكم من الرأسماليين‬
‫والقطاعيين عام ‪ 1917‬وما بعدها‪ ،‬فقالوا‪ :‬إنهم يستحقون أكثر من ذلك‪ ،‬فقد فعلوا كذا وكذا‪،‬‬
‫قُلْت‪ :‬منذ متى؟ قالوا‪ :‬طوال عمرهم وهم يفعلون ذلك‪ ،‬فقلتُ‪ :‬إذا كنتم أخذتم المعاصرين لكم‬
‫بذنوبهم‪ ،‬فما بال الذين سبقوهم؟ وما حظّهم من العقاب الذي أنزلتموه بإخوانهم؟ قالوا‪ :‬ما‬
‫أدركناهم‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ن تؤمنوا باليوم الخر‪ ،‬حيث سيعذب فيه هؤلء‪ ،‬فإنْ أفلتوا من‬
‫قلت‪ :‬إذن كان من الواجب عليكم أ ْ‬
‫عذَابا دُونَ‬
‫عذاب الدنيا جاءت الخرة لتُصفّي معهم الحساب‪ ،‬كما يقول تعالى‪ {:‬وَإِنّ ِللّذِينَ ظََلمُواْ َ‬
‫ذَِلكَ‪[} ..‬الطور‪ ]47 :‬وأريد منكم أنْ تطلعوا على تفسير هذه الية التي نحن بصددها‪ } :‬وَإِن مّن‬
‫شدِيدا كَانَ ذالِك فِي ا ْلكِتَابِ مَسْطُورا‬
‫عذَابا َ‬
‫قَرْيَةٍ ِإلّ نَحْنُ ُمهِْلكُوهَا قَ ْبلَ َيوْمِ ا ْلقِيَامَةِ َأوْ ُمعَذّبُوهَا َ‬
‫{ [السراء‪]58 :‬‬
‫راجعوا تفسيرها في كتاب النسفي‪ ،‬وسوف تجدون به أمثلة تُؤيّد هذه الية‪ ،‬يقول‪ :‬قرية كذا‬
‫سيحدث لها كذا‪ ،‬وقرية كذا سيحدث لها كذا‪ .‬وقد جاء الواقع على وفق ما قال‪ ،‬إلى أن ذكر مصر‬
‫وقال عنها كلما طويلً أظن أنه يُمثّل ما أصاب مصر منذ سنة ‪ ،1952‬وكان مما قال عنها‪:‬‬
‫ويدخل مصر رجل من جهينة فو ْيلٌ لهلها‪ ،‬وويل لهل الشام‪ ،‬وويل لهل أفريقيا‪ ،‬وويل لهل‬
‫الرملة‪ ،‬ول يدخل بيت المقدس‪ .‬اقرأوا هذا الكلم عند النسفي‪.‬‬
‫ثم يقول تعالى‪ } :‬كَانَ ذالِك فِي ا ْلكِتَابِ مَسْطُورا { [السراء‪]58 :‬‬
‫أي‪ :‬مُسجّل ومُسطّر في اللوح المحفوظ‪ ،‬ول يقول الحق سبحانه‪ } :‬كَانَ ذالِك فِي ا ْلكِتَابِ َمسْطُورا‬
‫{ [السراء‪ ]58 :‬وتأتي الحداث بغير ذلك‪ ،‬بل ل بُدّ أنْ يؤكد هذه الحقائق القرآنية بأحداث كونية‬
‫واقعية‪.‬‬
‫لوّلُونَ‪{ ...‬‬
‫سلَ بِاليَاتِ ِإلّ أَن كَ ّذبَ ِبهَا ا َ‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪َ } :‬ومَا مَ َنعَنَآ أَن نّ ْر ِ‬

‫(‪)2071 /‬‬
‫ن وَآَتَيْنَا َثمُودَ النّا َقةَ مُ ْبصِ َرةً فَظََلمُوا ِبهَا َومَا‬
‫سلَ بِالْآَيَاتِ إِلّا أَنْ كَ ّذبَ ِبهَا الَْأوّلُو َ‬
‫َومَا مَ َنعَنَا أَنْ نُ ْر ِ‬
‫خوِيفًا (‪)59‬‬
‫سلُ بِالْآَيَاتِ إِلّا َت ْ‬
‫نُرْ ِ‬

‫اليات‪ :‬جمع آية‪ ،‬وهي المر العجيب الذي يلفت النظر ويسترعى النتباه‪ ،‬وهذه اليات إما أن‬
‫تكون آيات كونية نستدل بها على قدرة المدبّر العلى سبحانه مثل المذكورة في قوله تعالى‪َ {:‬ومِنْ‬
‫س وَا ْلقَمَرُ‪[} ..‬فصلت‪]37 :‬‬
‫شمْ ُ‬
‫آيَاتِهِ الّيلُ وَال ّنهَارُ وَال ّ‬
‫وقد تكون اليات بمعنى المعجزة التي تثبت صِدْق الرسول في البلغ عن ربه تعالى‪ ،‬وقد تكون‬
‫اليات بمعنى آيات القرآن الكريم‪ ،‬والتي يسمونها حاملة الحكام‪.‬‬
‫فاليات إذن ثلثة‪ :‬كونية‪ ،‬ومعجزات‪ ،‬وآيات القرآن‪ .‬فأيها المقصود في الية‪َ { :‬ومَا مَ َنعَنَآ أَن‬
‫سلَ بِاليَاتِ } [السراء‪]59 :‬‬
‫نّرْ ِ‬
‫اليات الكونية وهي موجودة ل تحتاج إلى إرسال‪ ،‬اليات القرآنية وهي موجودة أيضا‪ ،‬بقي‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫المعجزات وهي موجودة‪ ،‬وقد جاءت معجزة كل نبي على حَسْب نبوغ قومه‪ ،‬فجاءت معجزة‬
‫موسى من نوع السحر الذي نبغ فيه بنو إسرائيل‪ ،‬وكذلك جاءت معجزة عيسى مما نبغ فيه قومه‬
‫من الطب‪.‬‬
‫وجاءت معجزة محمد صلى ال عليه وسلم في الفصاحة والبلغة والبيان؛ لن العرب لم ُيظِهروا‬
‫نبوغا في غير هذا المجال‪ ،‬فتحدّاهم بما يعرفونه ويُجيدونه ليكون ذلك أبلغ في الحجة عليهم‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فما المقصود باليات التي منعها ال عنهم؟‬
‫المقصود بها ما طلبوه من معجزات أخرى‪ ،‬جاءت في قوله تعالى‪َ {:‬وقَالُواْ لَن ّن ْؤمِنَ َلكَ حَتّىا‬
‫ل وَعِ َنبٍ فَ ُتفَجّ َر الَ ْنهَارَ خِلَلهَا َتفْجِيرا *‬
‫ن الَ ْرضِ يَنْبُوعا * َأوْ َتكُونَ َلكَ جَنّةٌ مّن نّخِي ٍ‬
‫َتفْجُرَ لَنَا مِ َ‬
‫علَيْنَا كِسَفا َأوْ تَأْ ِتيَ بِاللّ ِه وَا ْلمَل ِئكَةِ قَبِيلً * َأوْ َيكُونَ َلكَ بَ ْيتٌ مّن‬
‫ع ْمتَ َ‬
‫سمَآءَ َكمَا زَ َ‬
‫سقِطَ ال ّ‬
‫َأوْ تُ ْ‬
‫سمَآ ِء وَلَن ّن ْؤمِنَ لِ ُرقِ ّيكَ حَتّى تُنَ ّزلَ عَلَيْنَا كِتَابا ّنقْ َر ُؤهُ }[السراء‪]93-90 :‬‬
‫زُخْ ُرفٍ َأوْ تَ ْرقَىا فِي ال ّ‬
‫والمتأمل في كل هذه القتراحات من كفار مكة يجدها بعيدة كل ال ُبعْد عن مجال المعجزة التي يُراد‬
‫بها في المقام الول تثبيت الرسول‪ ،‬وبيان صِدْق رسالته وتبليغه عن ال‪ ،‬وهذه ل تكون إل في‬
‫أمر نبغ فيه قومه ولهم به إلمام‪ ،‬وهم أمة كلم وفصاحة وبلغة‪ ،‬وهل لهم إلمام بتفجير الينابيع‬
‫من الرض؟ وهل إسقاط السماء عليهم كِسَفا يقوم دليلً على صدْق الرسول؟ أم أنه الجدل العقيم‬
‫والستكبار عن قبول الحق؟‬
‫إذن‪ :‬جلس كفار مكة يقترحون اليات ويطلبون المعجزات‪ ،‬والحق سبحانه وتعالى يُنزِل من‬
‫المعجزات ما يشاء‪ ،‬وليس لحد أن يقترح على ال أن يُجبره على شيء‪ ،‬قال تعالى‪ {:‬قُل ّلوْ شَآءَ‬
‫عمُرا مّن قَبِْلهِ َأفَلَ َت ْعقِلُونَ‪[} ..‬يونس‪]16 :‬‬
‫اللّهُ مَا َتَلوْتُهُ عَلَ ْيكُ ْم َولَ أَدْرَاكُمْ بِهِ َفقَدْ لَبِ ْثتُ فِيكُمْ ُ‬
‫فالحق تبارك وتعالى قادر أن يُنزل عليهم ما اقترحوه من اليات‪ ،‬فهو سبحانه ل يُعجِزه شيء‪،‬‬
‫ول يتعاظمه شيء‪ ،‬ولكن للبشر قبل ذلك سابقة مع المعجزات‪.‬‬
‫والحق سبحانه يقول‪ { :‬وَآتَيْنَا َثمُودَ النّاقَةَ مُ ْبصِ َرةً َفظََلمُواْ ِبهَا‪.‬‬
‫‪[ { .‬السراء‪]59 :‬‬
‫مبصرة‪ :‬أي آية بينة واضحة‪.‬‬
‫لقد طلب قوم ثمود معجزة بعينها فأجابهم ال وأنزلها لهم‪ ،‬فما كان منهم إل أن استكبروا عن‬
‫اليمان‪ ،‬وكفروا بالية التي طلبوها‪ ،‬بل وأكثر من ذلك ظلموا بها أي‪ :‬جاروا على الناقة نفسها‪،‬‬
‫وتجرّأوا عليها فعقروها‪.‬‬
‫وهذه السابقة مع ثمود هي التي منعتنا عن إجابة أهل مكة فيما اقترحوه من اليات‪ ،‬وليس عَجْزا‬
‫مِنّا عن التيان بها‪.‬‬
‫جعَلْنَآ آيَةَ ال ّنهَارِ‬
‫وقوله تعالى عن الناقة أنها آية } مُ ْبصِ َرةً { لبيان وضوحها كما في قوله تعالى‪ {:‬وَ َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫مُ ْبصِ َرةً‪[} ..‬السراء‪ ]12 :‬فهل آية النهار مُبصِرة‪ ،‬أم مُ ْبصِر فيها؟‬
‫كانوا قديما يعتقدون أن النسان يرى الشيء من شعاع ينطلق من عينة إلى الشيء المرئيّ فتحدث‬
‫الرؤية‪ ،‬إلى أن جاء ابن الهيثم وأثبت خطأ هذه المقولة‪ ،‬وبيّن أن النسان يرى الشيء إذا خرج‬
‫من الشيء شعاع إلى العين فتراه‪ ،‬بدليل أنك ترى الشيء إذا كان في الضوء‪ ،‬ول تراه إذا كان في‬
‫ظلمة‪ ،‬وبهذا الفهم نستطيع القول بأن آية النهار هي المبصرة؛ لن أشعتها هي التي تُسبّب‬
‫البصار‪.‬‬
‫خوِيفا { [السراء‪]59 :‬‬
‫سلُ بِاليَاتِ ِإلّ تَ ْ‬
‫ثم يقول تعالى‪َ } :‬ومَا نُرْ ِ‬
‫أي‪ :‬نبعث بآيات غير المعجزات لتكون تخويفا للكفار والمعاندين‪ ،‬فمثلً الرسول صلى ال عليه‬
‫سعْيهم ورأوا أنهم لو قتلوه لَطالبَ‬
‫وسلم اضطهده أهل مكة ودبّروا لقتله جهارا وعلنية‪ ،‬فخيّب ال َ‬
‫أهله بدمه‪ ،‬فحاكوا مؤامرة أخرى للفتك به بليل‪ ،‬واقترحوا أنْ ُيؤْتَى من كل قبيلة بفتى جَ ْلدٍ‪،‬‬
‫ويضربوه ضَرْبة رجل واحد‪.‬‬
‫ولكن الحق سبحانه أطلع رسوله على مكيدتهم‪ ،‬ونجّاه من غدرهم‪ ،‬فإذا بهم يعملون له السحر‬
‫لِيُوقِعوا به‪ ،‬وكان ال لهم بالمرصاد‪ ،‬فأخبر رسوله بما يدبر له‪ ،‬وهكذا لم يفلح الجهر ولم يفلح‬
‫ل إلى الوقوف في‬
‫التبييت‪ ،‬ولم يفلح السحر‪ ،‬وباءت محاولتهم كلها بالفشل‪ ،‬وعلموا أنه ل سبي َ‬
‫وجه الدعوة بحال من الحوال‪ ،‬وأن السلمة في اليمان والسير في ركابه من أقصر الطرق‪.‬‬
‫إذن‪ :‬للحق سبحانه آيات أخرى تأتي لِرَدْع المكذبين عن كذبهم‪ ،‬وتُخوّفهم بما حدث لسابقيهم من‬
‫المُكذّبين بالرسل‪ ،‬حيث أخذهم ال أَخْذ عزيز مقتدر‪ ،‬ومن آيات التخويف هذه ما جاء في قوله‬
‫سفْنَا‬
‫خَ‬
‫ح ُة َومِ ْنهُمْ مّنْ َ‬
‫علَيْهِ حَاصِبا َومِ ْنهُمْ مّنْ َأخَذَ ْتهُ الصّيْ َ‬
‫خذْنَا بِذَنبِهِ َفمِ ْنهُم مّن أَرْسَلْنَا َ‬
‫تعالى‪َ {:‬فكُلّ أَ َ‬
‫سهُمْ يَظِْلمُونَ }[العنكبوت‪:‬‬
‫ض َومِ ْنهُمْ مّنْ أَغْ َرقْنَا َومَا كَانَ اللّهُ لِ َيظِْل َمهُ ْم وَلَـاكِن كَانُواْ أَنفُ َ‬
‫بِ ِه الَ ْر َ‬
‫‪]40‬‬
‫فكل هذه آيات بعثها ال على أمم من المكذبين‪ُ ،‬كلّ بما يناسبه‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه مخاطبا رسوله صلى ال عليه وسلم‪ } :‬وَإِذْ قُلْنَا َلكَ إِنّ رَ ّبكَ أَحَاطَ بِالنّاسِ‪...‬‬
‫{‪.‬‬

‫(‪)2072 /‬‬
‫س وَالشّجَ َرةَ ا ْلمَ ْلعُونَةَ‬
‫جعَلْنَا ال ّرؤْيَا الّتِي أَرَيْنَاكَ إِلّا فِتْنَةً لِلنّا ِ‬
‫س َومَا َ‬
‫وَإِذْ قُلْنَا َلكَ إِنّ رَ ّبكَ أَحَاطَ بِالنّا ِ‬
‫طغْيَانًا كَبِيرًا (‪)60‬‬
‫خ ّو ُفهُمْ َفمَا يَزِيدُ ُهمْ إِلّا ُ‬
‫فِي ا ْلقُرْآَنِ وَنُ َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أي‪ :‬اذكر يا محمد‪ ،‬وليذكر معك أصحابك إذ قلنا لك‪ :‬إن ربك أحاط بالناس‪ ،‬فل يمكن أن‬
‫يتصرفوا تصرّفا‪ ،‬أو يقولوا قولً يغيب عن عِ ْلمِه تعالى‪ ،‬لن الحاطة تعني اللمام بالشيء من ُكلّ‬
‫ناحية‪.‬‬
‫وما دام المر كذلك فاطمئن يا محمد‪ ،‬كما نقول في المثل (حُط في بطنك بطيخة صيفي)‪ ،‬واعلم‬
‫أنهم لن ينالوا منك ل جهرة ول تبيتا‪ ،‬ول استعانة بالجنس الخفي (الجن)؛ لن ال محيط بهم‪،‬‬
‫سعْيَهم‪ ،‬ويجعل كَيْدهم في نحورهم‪.‬‬
‫وسيبطل َ‬
‫لذلك لما تحدّى الحق سبحانه وتعالى الكفار بالقرآن تحدّى الجن أيضا‪ ،‬فقال‪ {:‬قُل لّئِنِ اجْ َت َم َعتِ‬
‫ظهِيرا }‬
‫ضهُمْ لِ َب ْعضٍ َ‬
‫ن لَ يَأْتُونَ ِبمِثْلِ ِه وََلوْ كَانَ َب ْع ُ‬
‫س وَالْجِنّ عَلَىا أَن يَأْتُواْ ِبمِ ْثلِ هَـاذَا ا ْلقُرْآ ِ‬
‫الِنْ ُ‬
‫[السراء‪]88 :‬‬
‫ففي هذا الوقت كان يشيع بين العرب أن كل نابغة في أمر من المور له شيطان يُلهمه‪ ،‬وكانوا‬
‫يدّعُون أن هذه الشياطين تسكن واديا يسمى " وادي عبقر " في الجزيرة العربية‪ ،‬فتحدّاهم القرآن‬
‫أنْ يأتوا بالشياطين التي تُلهمهم‪.‬‬
‫وهكذا يُطمئن الحق سبحانه وتعالى رسوله صلى ال عليه وسلم بأنه يحيط بالناس جميعا‪ ،‬ويعلم‬
‫كل حركاتهم ظاهرة أو خفيّة من جنس ظاهر أو من جنس خفيّ‪ ،‬وباطمئنان رسول ال تشيع‬
‫الطمأنينة في نفوس المؤمنين‪.‬‬
‫وهذا من قيوميته تعالى في الكون‪ ،‬وبهذه القيومية نردّ على الفلسفة الذين قالوا بأن الخالق‬
‫سبحانه زاول سلطانه في الكون مرة واحدة‪ ،‬فخلق النواميس‪ ،‬وهي التي تعمل في الكون‪ ،‬وهي‬
‫التي تُسيّره‪.‬‬
‫والرد على هذه المقولة بسيط‪ ،‬فلو كانت النواميس هي التي تُسيّر في الكون ما رأينا في الكون‬
‫شذوذا عن الناموس العام؛ لن المر الميكانيكي ل يحدث خروجا عن القاعدة‪ ،‬إذن‪ :‬فحدوث‬
‫الشذوذ دليل القدرة التي تتحكم وتستطيع أن تخرق الناموس‪.‬‬
‫ومثال ذلك‪ :‬النار التي أشعلوها لحرق نبي ال وخليله إبراهيم ـ عليه السلم ـ فهل كان حظ‬
‫اليمان أو السلم في أن ينجو إبراهيم من النار؟‬
‫ل‪ ..‬لم يكن الهدف نجاة إبراهيم عليه السلم‪ ،‬وإل لما مكّنهم ال من المساك به‪ ،‬أو سخر سحابة‬
‫تطفئ النار‪ ،‬ولكن أراد سبحانه أن يُظهر لهم آية من آياته في خَرْق الناموس‪ ،‬فمكّنهم من إشعال‬
‫النار ومكّنَهم من إبراهيم حتى ألقوْه في النار‪ ،‬ورَأ ْوهُ في وسطها‪ ،‬ولم َي ُعدْ لهم حجة‪ ،‬وهنا تدخلت‬
‫القدرة اللهية لتسلب النار خاصية الحراق‪ {:‬قُلْنَا يانَارُ كُونِي بَرْدا وَسَلَاما عَلَىا إِبْرَاهِيمَ }[النبياء‪:‬‬
‫‪]69‬‬
‫إذن‪ :‬فالناموس ليس مخلوقا ليعمل مطلقا‪ ،‬وما حدث ليس طلقة ناموس‪ ،‬بل طلقة قدرة للخالق‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫فكأن الحق سبحانه يريد أنْ يُسلّي رسوله و ُيؤْنِسه بمدد ال له دائما‪ ،‬ول يفزعه أن يقوم قومه‬
‫بمصادمته واضطهاده‪ ،‬ويريد كذلك أنْ يُطمئن المؤمنين ويُبشّرهم بأنهم على الحق‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬أَحَاطَ بِالنّاسِ‪[ { ..‬السراء‪]60 :‬‬
‫الحاطة تقتضي العلم بهم والقدرة عليهم‪ ،‬فلن يُفلتوا من علم ال ول من قدرته‪ ،‬ول ُبدّ من العلم‬
‫مع القدرة؛ لنك قد تعلم شيئا ضارا ولكنك ل تقدر على َدفْعه‪ ،‬فالعلم وحده ل يكفي‪ ،‬بل ل ُبدّ له‬
‫من قدرة على التنفيذ‪ ،‬إذن‪ :‬فإحاطته سبحانه بالناس تعني أنه سبحانه يُعلّمهم ويقدر على تنفيذ أمره‬
‫فيهم‪.‬‬
‫كلمة (الناس) تُطلَق إطلقاتٍ متعددة‪ ،‬فقد يراد بها الخلْق جميعا من آدم إلى قيام الساعة‪ ،‬كما في‬
‫سوَاسِ‬
‫قوله الحق تبارك وتعالى‪ُ {:‬قلْ أَعُوذُ بِ َربّ النّاسِ * مَِلكِ النّاسِ * إِلَـاهِ النّاسِ * مِن شَرّ ا ْلوَ ْ‬
‫سوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ * مِنَ الْجِنّ ِة وَالنّاسِ }[الناس‪]6-1 :‬‬
‫الْخَنّاسِ * الّذِى ُيوَ ْ‬
‫حسُدُونَ النّاسَ عَلَىا مَآ آتَا ُهمُ اللّهُ‬
‫وقد يُراد بها بعض الخَلْق دون بعض‪ ،‬كما في قوله تعالى‪َ {:‬أمْ يَ ْ‬
‫مِن َفضْلِهِ }[النساء‪]54 :‬‬
‫فالمراد بالناس هنا رسول ال صلى ال عليه وسلم حين قال عنه كفار مكة‪َ {:‬وقَالُواْ َل ْولَ نُ ّزلَ‬
‫جلٍ مّنَ ا ْلقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ }[الزخرف‪]31 :‬‬
‫هَـاذَا ا ْلقُرْآنُ عَلَىا رَ ُ‬
‫شوْهُمْ‪[} ..‬آل عمران‪:‬‬
‫ج َمعُواْ َلكُمْ فَاخْ َ‬
‫وكما في قوله تعالى‪ {:‬الّذِينَ قَالَ َلهُمُ النّاسُ إِنّ النّاسَ َقدْ َ‬
‫‪ ]173‬فهؤلء غير هؤلء‪.‬‬
‫وقد وقف العلماء عند كلمة الناس في الية‪ } :‬إِنّ رَ ّبكَ أَحَاطَ بِالنّاسِ‪[ { ..‬السراء‪ ]60 :‬وقصروها‬
‫على الكافرين الذين يقفون من رسول ال موقف العداء‪ ،‬لكن ل مانع أن نأخذ هذه الكلمة على‬
‫عمومها‪ ،‬فُيَراد بها أحاط بالمؤمنين‪ ،‬وعلى رأسهم رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وأحاط‬
‫بالكافرين وعلى رأسهم صناديد الكفر في مكة‪.‬‬
‫ن كنتَ تريد الحاطة بالمؤمنين‬
‫لذلك فالحاطة هنا ليست واحدة‪ ،‬فلكل منهما إحاطة تناسبه‪ ،‬فإ ْ‬
‫وعلى رأسهم رسول ال فهي إحاطة عناية وحماية حتى ل ينالهم أذى‪ ،‬وإنْ أردتَ بها الكافرين‬
‫فهي إحاطة حصار ل يُفلِتون منه ول ينفكّون عنه‪ ،‬وهذه الحاطة لها نظير‪ ،‬وهذه لها نظير‪.‬‬
‫ك وَجَرَيْنَ ِبهِم بِرِيحٍ طَيّبَةٍ َوفَرِحُواْ‬
‫فنظير الحاطة بالكافرين قوله تعالى‪ {:‬حَتّىا ِإذَا كُنتُمْ فِي ا ْلفُ ْل ِ‬
‫ن وَظَنّواْ أَ ّنهُمْ أُحِيطَ ِبهِمْ }[يونس‪]22 :‬‬
‫صفٌ وَجَآءَهُمُ ا ْل َموْجُ مِن ُكلّ َمكَا ٍ‬
‫ِبهَا جَآءَ ْتهَا رِيحٌ عَا ِ‬
‫أي‪ :‬حُوصِروا وضُيّق عليهم فل يجدون منفذا‪.‬‬
‫ونظير الحاطة بالمؤمنين وعلى رأسهم رسول ال قوله تعالى‪ {:‬وََلقَدْ سَ َب َقتْ كَِلمَتُنَا ِلعِبَادِنَا‬
‫ا ْلمُرْسَلِينَ * إِ ّنهُمْ َلهُمُ ا ْلمَنصُورُونَ }[الصافات‪]172-171 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فالحق سبحانه محيط بالمؤمنين وبرسوله صلى ال عليه وسلم إحاطة عناية‪ ،‬وكأنه يقول له‪ :‬ا ْمضِ‬
‫إلى شأنك وإلى مهمتك‪ ،‬ولن يُضيرك ما يُدبّرون‪.‬‬
‫لذلك كان المؤمنون في َأوْج فترات الضطهاد والقسوة من الكفار في وقت كل المؤمنون غير‬
‫جمْ ُع وَ ُيوَلّونَ الدّبُرَ }‬
‫قادرين حتى على حماية أنفسهم ينزل قول الحق تبارك وتعالى‪ {:‬سَ ُيهْزَمُ الْ َ‬
‫[القمر‪]45 :‬‬
‫جمْع هذا؟!‬
‫حتى أن عمر ـ رضي ال عنه ـ الذي جاء القرآن على َوفْق رأيه يقول‪ :‬أيّ َ‬
‫ويتعجب‪ ،‬كيف سنهزم هؤلء ونحن غير قادرين على حماية أنفسنا وهذه تسلية لرسول ال وتبشير‬
‫للمؤمنين‪ ،‬فمهما نالوكم بالضطهاد والذى فإن ال ناصركم عليهم‪.‬‬
‫وكما قال في آية أخرى‪ {:‬وَإِنّ جُندَنَا َلهُمُ ا ْلغَالِبُونَ }[الصافات‪]173 :‬‬
‫فاذكر جيدا يا محمد حين تنزل بك الحداث‪ ،‬ويظن أعداؤك أنهم أحاطوا بك‪ ،‬وأنهم قادرون‬
‫عليك‪ ،‬اذكر أن ال أحاط بالناس‪ ،‬فأنت في عناية فلن يصيبك شرّ من الخارج‪ ،‬وهم في حصار لن‬
‫يُفلِتوا منه‪.‬‬
‫جعَلْنَا الرّؤيَا الّتِي أَرَيْنَاكَ ِإلّ فِتْنَةً لّلنّاسِ‪[ { ..‬السراء‪]60 :‬‬
‫ثم يقول تعالى‪َ } :‬ومَا َ‬
‫كلمة } الرّؤيَا { مصدر للفعل رأى‪ ،‬وكذلك (رؤية) مصدر للفعل رأى‪ ،‬فإنْ أردتَ الرؤيا المنامية‬
‫تقول‪ :‬رأيتُ ُرؤْيا‪ ،‬وإنْ أردتَ رأى البصرية تقول‪ :‬رأيتُ رؤية‪.‬‬
‫ومن ذلك قول يوسف عليه السلم في المنام الذي رآه‪َ {:‬وقَالَ ياأَ َبتِ هَـاذَا تَ ْأوِيلُ ُرؤْيَايَ مِن قَ ْبلُ }‬
‫[يوسف‪]100 :‬‬
‫ولم َي ُقلْ رؤيتي‪ .‬إذن‪ :‬فالفعل واحد‪ ،‬والمصدر مختلف‪.‬‬
‫وقد اختلف العلماء‪ :‬ما هي الرؤيا التي جعلها ال فتنة للناس؟‬
‫ت في أول السورة‪ {:‬سُ ْبحَانَ الّذِي أَسْرَىا ِبعَبْ ِدهِ لَيْلً مّنَ‬
‫جمهرة العلماء على أنها الرؤيا التي ثبت ْ‬
‫ل ْقصَى }[السراء‪ ]1 :‬أي‪ :‬حادثة السراء والمعراج‪.‬‬
‫ج ِد ا َ‬
‫سجِدِ ا ْلحَرَامِ إِلَىا ا ْلمَسْ ِ‬
‫ا ْلمَ ْ‬
‫سجِدَ‬
‫حقّ لَتَ ْدخُلُنّ ا ْلمَ ْ‬
‫وبعضهم رأى أنها ال ّرؤْيا التي قال ال فيها‪ّ {:‬لقَ ْد صَدَقَ اللّهُ َرسُولَهُ الرّءْيَا بِالْ َ‬
‫ج َعلَ مِن دُونِ‬
‫ن لَ تَخَافُونَ َفعَلِمَ مَا لَمْ َتعَْلمُواْ فَ َ‬
‫سكُ ْم َو ُمقَصّرِي َ‬
‫الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللّهُ آمِنِينَ ُمحَّلقِينَ ُرءُو َ‬
‫ذَِلكَ فَتْحا قَرِيبا }[الفتح‪]27 :‬‬
‫فقد وعد رسولَ ال صلى ال عليه وسلم بأنهم سيدخلون المسجد الحرام في هذا العام‪ ،‬ولكن مُنِعوا‬
‫من الدخول عند الحديبية‪ ،‬فكانت فتنة بين المسلمين وتعجبوا أنْ يعدهم رسول ال وَعْدا ول ينجزه‬
‫لهم‪.‬‬
‫ثم بيّن الحق ـ تبارك وتعالى ـ لهم الحكمة من عدم دخول مكة هذا العام‪ ،‬فأنزل على رسوله‬
‫سجِدِ الْحَرَا ِم وَا ْلهَ ْديَ َم ْعكُوفا‬
‫وهو في طريق عودته إلى المدينة‪ُ {:‬همُ الّذِينَ كَفَرُو ْا َوصَدّوكُمْ عَنِ ا ْلمَ ْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ن وَنِسَآءٌ ّمؤْمِنَاتٌ لّمْ َتعَْلمُوهُمْ أَن تَطَئُو ُهمْ فَ ُتصِي َبكُمْ مّ ْنهُمْ ّمعَ ّرةٌ‬
‫أَن يَبْلُغَ َمحِلّ ُه وََل ْولَ رِجَالٌ ّم ْؤمِنُو َ‬
‫حمَتِهِ مَن َيشَآءُ َلوْ تَزَيّلُواْ َل َعذّبْنَا الّذِينَ َكفَرُواْ مِ ْنهُمْ عَذَابا أَلِيما }[الفتح‪:‬‬
‫خلَ اللّهُ فِي رَ ْ‬
‫ِبغَيْرِ عِلْمٍ لّ ُيدْ ِ‬
‫‪]25‬‬
‫إذن‪ :‬الحق سبحانه منعهم تحقيق هذه الرؤيا في الحديبية؛ لنهم لو دخلوا مكة مُحاربين حاملين‬
‫السلح‪ ،‬وفيها مؤمنون ومؤمنات ل يعلمهم أحد‪ ،‬وسوف يصيبهم من الذى وينالهم من هذه‬
‫الحرب؛ لنهم لن يُميّزوا بين مؤمن وكافر‪ ،‬فقد يقتلون مؤمنا فتصيبهم َمعَ ّرةٌ بقتله‪ ،‬ولو أمكن‬
‫التمييز بين المؤمنين والكفار لدخول مكة رَغْما عن أُنُوف أهلها‪.‬‬
‫لذلك كان من الطبيعي أنْ يتش ّككَ الناس فيما حدث بالحديبية‪ ،‬وأن تحدث فتنة تزلزل المسلمين‪،‬‬
‫حتى إن الفاروق ليقول لرسول ال صلى ال عليه وسلم‪ :‬ألسنا على الحق؟ أليسوا هم على الباطل؟‬
‫ألستَ رسول ال؟ فيقول أبو بكر‪ :‬الزم غَرْزَِه يا عمر‪ ،‬إنه رسول ال‪.‬‬
‫حلّ هذا الشكال الذي حدث نتيجة هذه الفتنة‪،‬‬
‫وقد ساهمتْ السيدة أم سلمة ـ أم المؤمنين ـ في َ‬
‫فلما اعترض الناس على رسول ال في عودته من الحديبية دخل عليها‪ ،‬فقال‪ " :‬يا أم سلمة‪ ،‬هلك‬
‫شوْق للبيت‪ ،‬ثم‬
‫المسلمون‪ ،‬أمرتُهم فلم يمتثلوا "‪ .‬فقالت‪ :‬يا رسول ال إنهم مكروبون‪ ،‬جاءوا على َ‬
‫مُنِعوا وهم على مَقْرُبة منه‪ ،‬ول شكّ أن هذا يشقّ عليهم‪ ،‬فَا ْمضِ يا رسول ال لما أمرك ال‪ ،‬فإذا‬
‫رأوك عازما امتثلوا‪ ،‬ونجح اقتراح السيدة أم سلمة في حل هذه المسألة‪.‬‬
‫وقال بعضهم‪ :‬إن المراد بالرؤيا التي جعلها ال فتنة ما رآه رسول ال صلى ال عليه وسلم قبل‬
‫غزوة بدر‪ ،‬حيث أقسم وقال‪ " " :‬وال لكأني انظر إلى مصارع القوم "‪ .‬وأخذ يومِئ إلى الرض‬
‫وهو يقول‪ " :‬هذا َمصْرع فلن‪ ،‬وهذا َمصْرع فلن‪ ،‬وهذا َمصْرع فلن " "‪.‬‬
‫ل لي‪ :‬بال عليك‪ ،‬مَنِ الذي يستطيع أنْ‬
‫وفعلً‪ ،‬جاءت الحداث موافقة لقوله صلى ال عليه وسلم فَ ُق ْ‬
‫يتحكّم في معركة كهذه‪ ،‬الصل فيها الكَ ّر والفَرّ‪ ،‬والحركة والنتقال لِيُحدد الماكن التي سيقتل فيها‬
‫هؤلء‪ ،‬اللهم إنه رسول ال‪.‬‬
‫لكن أهل التحقيق من العلماء قالوا‪ :‬إن هذه الحداث سواء ما كان في الحديبية‪ ،‬أو ما كان من أمر‬
‫الرسول يوم بدر‪ ،‬هذه أحداث حدثتْ في المدينة‪ ،‬والية المرادة مكية‪ ،‬مما يجعلنا نستبعد هذين‬
‫القولين ويؤكد أن القول الول ـ وهو السراء والمعراج ـ هو الصواب‪.‬‬
‫وقد يقول قائل‪ :‬وهل كان السراء والمعراج رؤيا منامية؟ إنه كان رؤية بصرية‪ ،‬فما سِرّ عدول‬
‫الية عن الرؤية البصرية إلى الرؤيا المنامية؟ وكيف يعطي الحق سبحانه وتعالى للكفار‬
‫والمشككين فرصة لن يقول‪ :‬إن السراء والمعراج كان مناما؟‬
‫نقول‪ :‬ومَنْ قال إن كلمة رؤيا مقصورة على المنامية؟ إنها في لغة العرب تُطلق على المنامية‬
‫وعلى البصرية‪ ،‬بدليل قول شاعرهم الذي فرح بصيد ثمين عنّ له‪َ :‬فكَبّر لِلْ ُرؤْيَا وهَاش ُفؤَا ُد ُه وَبشّرَ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫َنفْسا كَانَ قَ ْبلُ َيلُومُهَاأي‪ :‬قال ال اكبر حينما رأى الصيد الثمين يقترب منه‪ ،‬فعبّر بالرؤيا عن‬
‫الرؤية البصرية‪.‬‬
‫لكن الحق سبحانه اختار كلمة (رّؤيَا) ليدل على أنها شيء عجيب وغريب كما نقول مثلً‪ :‬هذا‬
‫شيء ل يحدث إل في المنام‪ .‬وهذا من ِدقّة الداء القرآني‪ ،‬فالذي يتكلم َربّ‪ ،‬فاختار الرؤيا؛ لنها‬
‫معجزة السراء وذهاب النبي صلى ال عليه وسلم من مكة إلى بيت المقدس في ليلة‪.‬‬
‫َفوَجْه العجاز هنا ليس في حدث الذهاب إلى بيت المقدس لن كثيرا من كفار مكة قد ذهب إليها‬
‫في رحلت التجارة أو غيرها‪ ،‬بل َوجْه العجاز في الزمن الذي اخ ُتصِر لرسول ال‪ ،‬فذهب وعاد‬
‫صفْ لنا بيت المقدس "‪.‬‬
‫في ليلة واحدة‪ ،‬بدليل أنهم سألوا رسول ال " ِ‬
‫ولو كانوا يشكّون في الحدث ما سألوا هذا السؤال‪ ،‬إذن‪ :‬فاعتراضهم على وقت هذه الرحلة التي‬
‫كانوا يضربون إليها أكباد البل شهرا‪ ،‬ويخبر محمد أنه أتاها في ليلة واحدة‪ ،‬ولن السراء حدث‬
‫في هذا الزمن الضيق المختصر ناسب أن يُطلق عليه رؤيا‪ ،‬لن الرؤيا المنامية ل زمنَ لها‪،‬‬
‫ويختصر فيها الزمن كذلك‪.‬‬
‫ولقد توصّل العلماء الباحثون في مسألة وعي النسان أثناء نومه‪ ،‬وعن طريق الجهزة الحديثة‬
‫إلى أنْ قالوا‪ :‬إن الذهن النساني ل يعمل أثناء النوم أكثر من سبع ثوان‪ ،‬وهذه هي المدّة التي‬
‫يستغرقها المنام‪.‬‬
‫في حين إذا أردتَ أن تحكي ما رأيتَ فسيأخذ منكم وقتا طويلً‪ .‬فأين الزمن ـ إذن ـ في الرؤيا‬
‫المنامية؟ ول وجود له؛ لن وسائل الدراك في النسان والتي تُشعِره بالوقت نائمة فل يشعر‬
‫بوقت‪ ،‬حتى إذا جاءت الرؤيا م ّرتْ سريعة حيث ل يوجد في الذهن غيرها‪.‬‬
‫لذلك مَنْ يمشي على عجل ل يستغرق زمنا‪ ،‬كما نقول‪( :‬فلن يفهمها وهي طايرة) وهذا يدل على‬
‫السرعة في الفعل؛ لنه يركز كل إدراكاته لشيء واحد‪.‬‬
‫ومن ناحية أخرى‪ ،‬لو أن السراء والمعراج رؤيا منامية‪ ،‬أكانت توجد فتنة بين الناس؟ و َهبْ أن‬
‫قائلً قال لنا‪ :‬رأيت الليلة أنني ذهبتُ من القاهرة إلى نيويورك‪ ،‬ثم إلى هاواي‪ ،‬ثم إلى اليابان‪،‬‬
‫أنُكذّبه؟!‬
‫ت المعنى من الرؤيا المنامية إلى الرؤية‬
‫عدَّل ْ‬
‫إذن‪َ :‬قوْل ال تعالى عن هذه الرؤيا أنها فتنة للناس َ‬
‫البصرية‪ ،‬وكأن الحق سبحانه اختار هذه الكلمة ليجعل من الكافرين بمحمد دليلً على صدقه‪،‬‬
‫فيقولون‪ :‬نحن نضرب إليها أكباد البل شهرا وأنت تدعي أنك أتيتها في ليلة؟ فلو كانت هذه‬
‫الحادثة مناما ما قالوا هذا الكلم‪.‬‬
‫لكن‪ ،‬ما الحكمة من فتنة الناس واختبارهم بمثل هذا الحدث؟‬
‫صهْرهم في بوتقة اليمان لنميز الخبيث من الطيب‪ ،‬والمؤمن من الكافر‪،‬‬
‫الحكمة تمحيص الناس و َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فل يبقى في ساحتنا إل صادق اليمان قويّ العقيدة‪ ،‬لن ال تعالى ل يريد أن يسلم منهجه الذي‬
‫سيحكم حركة الحياة في الدنيا إلى أن تقوم الساعة‪ ،‬إل إلى قوم موثوق في إيمانهم ليكونوا أهلً‬
‫لحمل هذه الرسالة‪.‬‬
‫فكان السراء هو هذه البوتقة التي ميّ َزتْ بين أصالة الصّدّيق حينما أخبروه أن صاحبك يُحدّثنا أنه‬
‫أتى بيت المقدس‪ ،‬وأنه عُرِج به إلى السماء وعاد من ليلته‪ ،‬فقال‪ " :‬إنْ كان قال فقد صدق " هكذا‬
‫من أقرب طريق‪ ،‬فميزان الصدق عنده مجرد أن يقول رسول ال‪ .‬وكذلك ميزت الزّبَد الذي‬
‫زلزلته الحادثة وبلبلته‪ ،‬فعارض وكذب‪.‬‬
‫ثم يقول تعالى‪ } :‬وَالشّجَ َرةَ ا ْلمَ ْلعُونَةَ فِي القُرْآنِ { [السراء‪]60 :‬‬
‫أي‪ :‬وما جعلنا الشجرة الملعونة في القرآن إل فتنةً للناس أيضا‪ ،‬وإنْ كانت الفتنة في السراء‬
‫كامنَة في زمن حدوثه‪ ،‬فهي في الشجرة كامنة في أنها تخرج في أصل الجحيم‪ ،‬في َقعْر جهنم‪،‬‬
‫ومعلوم أن الشجرة نبات ل يعيش إل بالماء والري‪ ،‬فكيف تكون الشجرة في جهنم؟‬
‫ومن هنا كانت الشجرة فتنة تُمحّص إيمان الناس؛ لذلك لما سمع أبو جهل هذه الية جعلها مُشكلة‪،‬‬
‫وخرج على الناس يقول‪ :‬اسمعوا ما يحدثكم به قرآن محمد‪ ،‬يقول‪ :‬إن في الجحيم شجرة تسمى "‬
‫شجرة الزقوم " ‪ ،‬فكيف يستقيم هذا القول‪ ،‬والنار تحرق كل شيء حتى الحجارة؟‬
‫وهذا العتراض مقبول عقلً‪ ،‬لكن المؤمن ل يستقبل آيات ال استقبالً عقليا‪ ،‬وإنما يعمل حسابا‬
‫لقدرته تعالى؛ لن الشياء ل تأخذ قوامها بعنصر تكوينها‪ ،‬وإنما تأخذه بقانون المعنصِر نفسه‪،‬‬
‫فالخالق سبحانه يقول للشجرة‪ :‬كوني في أصل الجحيم‪ ،‬فتكون في أصل الجحيم بطلقة القدرة‬
‫اللهية التي قالت للنار‪ :‬كُوني بَرْدا وسلما على إبراهيم‪.‬‬
‫جعَلْنَاهَا فِتْ َنةً‬
‫شجَ َرةُ ال ّزقّومِ * إِنّا َ‬
‫وقد قال ابن الزّ ْبعَري حينما سمع قوله تعالى‪َ {:‬أذَِلكَ خَيْرٌ نّ ُزلً َأمْ َ‬
‫جحِيمِ }[الصافات‪]64-62 :‬‬
‫صلِ الْ َ‬
‫شجَ َرةٌ تَخْرُجُ فِي َأ ْ‬
‫لّلظّاِلمِينَ * إِ ّنهَا َ‬
‫فقال‪ :‬وال ما عرفنا الزقوم إل الزّبْد على التمر‪ ،‬فقوموا تزقّموا معي‪ ،‬أي‪ :‬استهزاءً بكلم ال‪،‬‬
‫وتكذيبا لرسوله صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫أما المؤمن فيستقبل هذه اليات استقبالَ اليمان والتسليم بصدق كلم ال‪ ،‬وبصدق المبلّغ عن ال‪،‬‬
‫ويعلم أن الشياء ل تأخذ صلحيتها بعنصر تكوينها‪ ،‬وإنما بإرادة المع ْنصِر أن يكون؛ لن المسألة‬
‫ليست ميكانيكا‪ ،‬وليست نواميس تعمل وتدير الكون‪ ،‬بل هي قدرة الخالق سبحانه وطلقة هذه‬
‫القدرة‪.‬‬
‫ولسائل أن يقول‪ :‬كيف يقول الحق سبحانه عن هذه الشجرة أنها (ملعونة)؟ ما ذنب الشجرة حتى‬
‫تُ ْلعَن‪ ،‬وهي آية ومعجزة ل تعالى‪ ،‬وهي دليل على اقتداره سبحانه‪ ،‬وعلى أن النواميس ل تحكم‬
‫الكون‪ ،‬بل ربّ النواميس سبحانه هو الذي يحكم ويُغيّر طبائع الشياء؟ كيف تُ ْلعَن‪ ،‬وهي الطعام‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الذي سيأكله الكافر ويتعذب به؟ إنها أداة من أدوات العقاب‪ ،‬ووسيلة من وسائل التعذيب لعداء‬
‫ال‪.‬‬
‫شجَ َرةَ‬
‫نقول‪ :‬المراد هنا‪ :‬الشجرة الملعون آكلها‪ ،‬لنه ل يأكل منها إل الثيم‪ ،‬كما قال تعالى‪ {:‬إِنّ َ‬
‫ك معلون‪.‬‬
‫شّ‬
‫طعَا ُم الَثِيمِ }[الدخان‪ ]44-43 :‬والثيم ل َ‬
‫ال ّزقّومِ * َ‬
‫لكن‪ ،‬لماذا لم يجعل المعلونية للكل وجعلها للشجرة؟‬
‫قالوا‪ :‬لن العربي دَرَجَ على أن كل شيء ضار ملعون‪ ،‬أي‪ :‬مُ ْبعَد من رحمة ال‪ ،‬فكأن الكافر‬
‫حينما يرى هذه الشجرة هو الذي يلعنها‪ ،‬فهي ملعونة من آكلها‪ .‬وقد أكل منها لنه ملعون‪ ،‬إذن‪:‬‬
‫نستطيع القول إنها ملعونة‪ ،‬وملعون آكلها‪.‬‬
‫من الشكالت التي أثارتها هذه الية في العصر الحديث قول المستشرقين الذين يريدون أن‬
‫يتورّكوا على القرآن‪ ،‬ويعترضوا على أساليبه‪ ،‬مثل قوله تعالى عن شجرة الزقوم‪ {:‬طَ ْل ُعهَا كَأَنّهُ‬
‫رُءُوسُ الشّيَاطِينِ }[الصافات‪]65 :‬‬
‫ووَجْه اعتراضهم أن التشبيه إنما يأتي عادةً لِيُوضّح أمرا مجهولً من مخاطب بأمر معلوم له‪ ،‬أما‬
‫في الية فالمشبّه مجهول لنا؛ لنه غَيْب ل نعلم عنه شيئا‪ ،‬وكذلك المشبّه به لم نَ َرهُ‪ ،‬ولم يعرف‬
‫أحد مِنّا رأس الشيطان‪ ،‬فكيف يُشبّه مجهولً بمجهول؟ لننا لم نَرَ شجرة الزقوم لنعرف طَلْعها‪،‬‬
‫ولم نَرَ الشيطان لنعرف رأسه‪.‬‬
‫ثم يقولون‪ :‬الذي جعل المسلمين يمرّون على هذه الية أنهم يُعطون للقرآن قداسة‪ ،‬هذه القداسة‬
‫تُربّى فيهم التهيّب أنْ يُقبلوا على القرآن بعقولهم ليفتشوا فيه‪ ،‬ولو أنهم تخلصوا من هذه المسألة‬
‫وبدأوا البحث في أسلوب القرآن دون تهيّب لستطاعوا الخروج منه بمعطيات جديدة‪.‬‬
‫وللردّ على َقوْل المستشرقين السابق نقول لهم‪ :‬لقد تعلمتم العربية صناعة‪ ،‬وليس عندكم المَلكَة‬
‫العربية أو التذوّق الكافي لفهم كتاب ال وتفسير أساليبه‪ ،‬وفَرْقٌ بين اللغة كمَلكَة واللغة كصناعة‬
‫فقط‪.‬‬
‫الملَكة اللغوية تفاعل واختمار للغة في الوجدان‪ ،‬فساعة أنْ يسمعَ التعبير العربي يفهم المقصود‬
‫منه‪ ،‬أما اللغة المكتسبة ـ خاصة على كِبَر ـ فهي مجرد دراسة لمكان التخاطب‪ ،‬فلو أن عندكم‬
‫غطِيطَ‬
‫هذه الملكة لما حدث منكم هذا العتراض‪ ،‬ولعلمتم أن العربي قبل نزول القرآن قال‪َ :‬يغُطّ َ‬
‫جعِي وَمسْنُونَةٍ زُرْقٍ كأنْيَابِ‬
‫س بقتّالِأَيقتُلِني وَالمشْرفيّ ُمضَا ِ‬
‫شدّ خِنَاقُه لِيقتُلَنِي والمرْءُ لي َ‬
‫البكْر ُ‬
‫غوَالِفهل رأيتم الغول؟ وهل له وجود أصلً؟ لكن الشاعر العربي استساغ أن يُشبّه سلحه‬
‫أَ ْ‬
‫المسنون بأنياب الغول؛ لن الغول يتصوّره الناس في صورة بشعة مخيفة‪ ،‬فهذا التصوّر والتخيّل‬
‫للغول أجاز أنْ نُشبّه به‪.‬‬
‫وكذلك الشيطان‪ ،‬وإنْ لم يَ َرهُ أحد أن الناس تتخيله في صورة بشعة وقبيحة ومخيفة‪ ،‬فلو كلّفنا‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫جميع رسّامي الكاريكاتير في العالم برسم صورة مُتخيّلة للشيطان لرسم كل واحد منهم صورة‬
‫تختلف عن الخر؛ لن كلً منهم سيتصوره بصورة خاصة حَسْب تصوره للشيطان وجهة البشاعة‬
‫فيه‪.‬‬
‫فلو أن الحق سبحانه شبّه طَلْع شجرة الزقوم بشيء معلوم لنا لَتصوّرناه على وجه واحد‪ ،‬لكن‬
‫الحق تبارك وتعالى أراد أنْ يُشيعَ بشاعته‪ ،‬وأنْ تذهب النفس في تصوّره بشاعته كل مذهب‪،‬‬
‫وهكذا يؤدي هذا التشبيه في الية مَا ل يُؤديّه غيره‪ ،‬ويُحدث من الثر المطلوب ما ل يُحدِثه تعبير‬
‫آخر‪ ،‬فهو إبهام يكشف ويجليّ‪.‬‬
‫طغْيَانا كَبِيرا { [السراء‪]60 :‬‬
‫خ ّو ُفهُمْ َفمَا يَزِيدُ ُهمْ ِإلّ ُ‬
‫ثم يقول تعالى‪ } :‬وَ ُن َ‬
‫أي‪ :‬نُخوّفهم بأنْ يتعرّضوا للعقوبات التي تعرّض لها المكذّبون للرسل‪ ،‬فالرسل نهايتهم النصر‪،‬‬
‫خذْلن‪ .‬وأنت حينما تُخوّف إنسانا أو تُحذره من شر سيقع له‪ ،‬فقد أحسنتَ‬
‫والكافرون بهم نهايتهم ال ُ‬
‫ل ومعروفا‪ ،‬كالولد الذي يُخوّف ابنه عاقبة الهمال‪ ،‬ويُذكّره بالفشل واحتقار‬
‫إليه وأسديتَ إليه جمي ً‬
‫الناس له‪ ،‬إنه بذلك ينصحه ليلتفت إلى دروسه ويجتهد‪.‬‬
‫خ ّو ُفهُمْ‪[ { ..‬السراء‪ ]60 :‬التخويف هنا نعمة من ال عليهم‪ ،‬لنه يُبشّع لهم المر‬
‫فقوله تعالى‪ } :‬وَنُ َ‬
‫حتى ل يقعوا فيه‪ ،‬وسبق أن ذكرنا أن التخويف قد يكون نعمة في قوله تعالى‪ ،‬في سورة الرحمن‪:‬‬
‫شوَاظٌ مّن نّا ٍر وَنُحَاسٌ فَلَ تَن َتصِرَانِ * فَبَِأيّ آلءِ رَ ّب ُكمَا ُتكَذّبَانِ }[الرحمن‪-35 :‬‬
‫علَ ْي ُكمَا ُ‬
‫سلُ َ‬
‫{ يُ ْر َ‬
‫‪]36‬‬
‫شوَاظ هنا نعمة؛ لنها إعلم بشيء سيحدث في المستقبل‪ ،‬وسيكون عاقبة عمل‬
‫فجعل النار وال ّ‬
‫يجب أن يحذروه الن‪.‬‬
‫طغْيَانا كَبِيرا { [السراء‪]60 :‬‬
‫وقوله تعالى‪َ } :‬فمَا يَزِيدُ ُهمْ ِإلّ ُ‬
‫أي‪ :‬يزدادون بالتخويف طغيانا‪ ،‬لماذا؟ لنهم يفهمون جيدا مطلوبات اليمان‪ ،‬وإل لو جهلوا هذه‬
‫المطلوبات لقالوا‪ :‬ل إله إل ال وآمنوا وانتهت القضية‪ ،‬لكنهم يعلمون تماما أن كلمة ل إله إل ال‬
‫تعني‪ :‬ل سيادةَ إل لهذه الكلمة‪ ،‬ومحمد رسول ال ل بلغَ ول تشريعَ إل منه‪ ،‬ومن هنا خافوا‬
‫على سيادتهم في الجزيرة العربية وعلى مكانتهم بين الناس‪ ،‬كيف والسلم يُسوّي بين السادة‬
‫والعبيد؟!‬
‫إذن‪ :‬كلما خ ّوفْتهم وذكّرتهم بال ازدادوا طغيانا ونفورا من دين ال الذي سيهدم عليهم هذه السلطة‬
‫الزمنية التي يتمتعون بها‪ ،‬وسيسحب بساط السيادة من تحت أقدامهم؛ لذلك تجد دائما أن السلطة‬
‫جعْل الناس سواسية‪.‬‬
‫الزمنية لعداء الرسل‪ ،‬وتأتي الرسل لهدم هذه السلطة‪ ،‬و َ‬
‫وقد اتضح هدم السلم لهذه السلطة الزمنية للكفار عندما دخل رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫المدينة‪ ،‬وكان أهلها يستعدون لتنصيب عبد ال بن أُبيّ ملِكا عليهم‪ ،‬فلما جاء رسول ال المدينة‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫انفض الناس عن ابن أُبيّ‪ ،‬وتوجهت النظار إليه صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وطبيعي ـ إذن ـ أن‬
‫يغضب ابن أُبيّ‪ ،‬وأن يزدادَ كُرْهه لرسول ال‪ ،‬وأن يسعى لمحاربته ومناوأته‪ ،‬وأنْ يحسده على ما‬
‫حبّ الناس والتفافهم حوله‪.‬‬
‫نال من ُ‬
‫ثم أراد الحق سبحانه أن يقول‪ :‬إن هذه سُنّة من سُنَن المعاندين للحق والكائدين للخير دائما‪ ،‬فقال‬
‫سجُدُو ْا لَدَمََ‪.{ ...‬‬
‫تعالى‪ } :‬وَإِذْ قُلْنَا ِل ْلمَل ِئكَةِ ا ْ‬

‫(‪)2073 /‬‬
‫سجُدُ ِلمَنْ خََل ْقتَ طِينًا (‪)61‬‬
‫سجَدُوا إِلّا إِ ْبلِيسَ قَالَ أَأَ ْ‬
‫سجُدُوا لِآَ َدمَ فَ َ‬
‫وَإِذْ قُلْنَا لِ ْلمَلَا ِئكَةِ ا ْ‬

‫أي‪ :‬تذكّروا أن الحسد قديم قِدَم وجود النسان على هذه الرض‪ ،‬تذكّروا ما كان من أمر آدم عليه‬
‫السلم وإبليس لعنه ال‪ ،‬فهي مسألة قديمة ومستمرة في البشر إلى يوم القيامة‪.‬‬
‫والمعنى‪ :‬واذكُرْ يا محمد‪ ،‬وليذكر معك قومك إذ قلنا للملئكة‪ :‬اسجدوا لدم‪ .‬وسبق أنْ تكلمنا عن‬
‫السجود‪ ،‬ونشير هنا إلى أن السجود ل يكون إل ال تعالى‪ ،‬لكن إذا كان المر بالسجود لغير ال‬
‫من ال تعالى‪ ،‬فليس لحد أن يعترض على هذا السجود؛ لنه بأمر ال الذي يعلم أن سجودهم لدم‬
‫ليس عَيْبا وليس َقدْحا في دينهم وعبوديتهم للحق سبحانه وتعالى؛ لن العبودية طاعة أوامر‪.‬‬
‫حفَظُونَهُ‬
‫والمراد بالملئكة المدبرات أمرا‪ ،‬الذين قال ال فيهم‪ {:‬لَهُ ُم َعقّبَاتٌ مّن بَيْنِ يَدَيْهِ َومِنْ خَ ْلفِهِ يَ ْ‬
‫مِنْ َأمْرِ اللّهِ‪[} ..‬الرعد‪]11 :‬‬
‫وقد أمرهم ال بالسجود لدم؛ لنه سيكون أبا البشر‪ ،‬وسوف يُسخّر له الكون كله‪ ،‬حتى هؤلء‬
‫الملئكة سيكونون في خدمته؛ لذلك أمرهم ال بالسجود له سجودَ طاعة وخضوع لما أريده منكم‪،‬‬
‫إذن‪ :‬السجود لدم ليس خضوعا لدم‪ ،‬بل خضوعا لمر ال لهم‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪َ { :‬إلّ إِبْلِيسَ‪[ } ..‬السراء‪]61 :‬‬
‫فهِم البعض منها أن إبليس كان من الملئكة‪ ،‬ونحن نعذر أصحاب هذا الفهم لو عزلنا هذه الية‬
‫عن بقية اليات التي تحدثتْ عن هذه القضية‪ ،‬لكن طالما نتكلم في موضوع عام مثل هذا‪ ،‬فيجب‬
‫استحضار جميع اليات الواردة فيه لتتضح لنا الصورة كاملة‪.‬‬
‫جدُواْ َإلّ إِبْلِيسَ‪[ } ..‬السراء‪]61 :‬‬
‫فإذا كان دليل أصحاب هذا القول‪ :‬اللتزام بأن ال قال‪ { :‬فَسَ َ‬
‫وقد كان المر للملئكة فهو منهم‪ ،‬سوف نُسلّم لهم جدلً بصحة قولهم‪ ،‬لكن ماذا يقولون في َقوْل‬
‫سجَدُواْ ِإلّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ا ْلجِنّ َففَسَقَ عَنْ َأمْرِ‬
‫الحق سبحانه في القرآن الذي أخذوا منه حجتهم‪ {:‬فَ َ‬
‫رَبّهِ‪[} ..‬الكهف‪]50 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فإنْ كان دليلكم اللتزام‪ ،‬فدليلنا نصّ صريح في أنه من الجن‪ ،‬فإنْ قال قائل‪ :‬كيف يكون من الجن‬
‫ويُؤاخَذ على أنه لم يسجد؟‬
‫نقول‪ :‬إبليس من الجن بالنصّ الصريح للقرآن الكريم‪ ،‬لكن الحق سبحانه وتعالى آخذه على عدم‬
‫السجود لدم واعتبره من الملئكة؛ لنه كان مطيعا عن اختيار‪ ،‬والملئكة مطيعون عن جِبلّة‬
‫وعن طبيعة‪.‬‬
‫فبذلك كانت منزلة إبليس أعلى من منزلة الملئكة‪ ،‬لنه مختار أن يطيع أو أن يعصي‪ ،‬لكنه أطاع‬
‫مع قدرته على العصيان فأصبح جليس الملئكة‪ ،‬بل طاووس الملئكة الذي يزهو عليهم ويتباهى‬
‫بأنه صالح للختيار في العصيان‪ ،‬ومع ذلك ألزم نفسه منهج ال‪.‬‬
‫فإذا أصبح في منزلة أعلى من الملئكة وأصبح في حضرتهم‪ ،‬فإن المر إذا توجّه إلى الدنى في‬
‫الطاعة فإن العلى َأوْلَى بهذا المر‪ ،‬وكذلك إن اعتبرناه أقلّ منهم منزلة‪ ،‬وجاء المر للملئكة‬
‫بالسجود فإن المر للعلى أمر كذلك للدنى‪ ،‬وهكذا إنْ كان أعلى فعليه أن يسجد‪ ،‬وإنْ كان أدنى‬
‫فعليه أنْ يسجدَ‪.‬‬
‫ل ـ ول المثل العلى ـ إذا دخل رئيس الجمهورية على الوزراء فإنهم‬
‫وقد ضربنا لذلك مث ً‬
‫يقومون له إجللً واحتراما‪ ،‬و َهبْ أن معهم وكلء وزارات فإنهم سوف يقومون أيضا؛ لنهم‬
‫ارتفعوا إلى مكان وجودهم‪.‬‬
‫ومن الشكالت التي أثارها المستشرقون حول هذا الموضوع اعتراضهم على قول القرآن عن‬
‫إبليس مرة } أَبَىا { ومرة أخرى } اسْ َتكْبَرَ { ومرة } أَبَىا وَاسْ َتكْبَرَ { ‪ ،‬وكذلك قوله مرة‪ {:‬مَا‬
‫سجُدَ‪[} ..‬العراف‪]12 :‬‬
‫جدَ‪[} ..‬ص‪ ,]75 :‬ومرة أخرى يقول‪ {:‬مَا مَ َن َعكَ َألّ تَ ْ‬
‫مَ َن َعكَ أَن تَسْ ُ‬
‫وقد سبق أن تحدثنا عن قصور هؤلء في َفهْم أساليب العربية؛ لنها ليستْ لديهم مَلكَة‪ ،‬والمتأمل‬
‫في هذه الساليب يجدها منسجمة يُكمل بعضها بعضا‪.‬‬
‫فالباء قد يكون مجرد امتناع ل عن استكبار‪ ،‬فالحق سبحانه يريد أن يقول‪ :‬إنه أبى استكبارا‪،‬‬
‫فتنوّع السلوب القرآني ليعطينا هذا المعنى‪.‬‬
‫سجُدَ‪[} ..‬العراف‪]12 :‬‬
‫سجُدَ‪[} ..‬ص‪ ]75 :‬و{ مَا مَ َن َعكَ َألّ تَ ْ‬
‫أما قوله تعالى‪ {:‬مَا مَ َن َعكَ أَن تَ ْ‬
‫جلَى تقول‪ :‬إن ثمة تعارضا بين اليتين‪،‬‬
‫صحيح أن في الولى إثباتا وفي الخرى نفيا‪ ،‬والنظرة العَ ْ‬
‫جدَ‪[} ..‬ص‪:‬‬
‫مما حمل العلماء على القول بأن (ل) في الية الثانية زائدة‪ ،‬فالصل{ مَا مَ َن َعكَ أَن َتسْ ُ‬
‫‪]75‬‬
‫والقول بوجود حروف زائدة في كتاب ال قول ل يليق‪ ،‬ونُنزّه المتكلم سبحانه أن يكون في كلمه‬
‫زيادة‪ ،‬والمتأدب منهم يقول (ل) حرف َوصْل‪ ،‬كأنه يستنكف أن يقول‪ :‬زائدة‪.‬‬
‫والحقيقة أن (ل) هنا ليست زائدة‪ ،‬وليست لل َوصْل‪ ،‬بل هي تأسيس يضيف معنى جديدا‪ ،‬لن{ مَا‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫جدَ‪[} ..‬ص‪ ]75 :‬كأنه همّ أن يسجد‪ ،‬فجاءه مَنْ يمنعه عن السجود‪ ،‬لنه ل يقال‪ :‬ما‬
‫مَ َن َعكَ أَن تَسْ ُ‬
‫منع من كذا إل إذا كان لديك استعداد للفعل‪ ،‬وإل من أيّ شيء سيمنعك؟‬
‫جدَ‪[} ..‬العراف‪ ]12 :‬تعني‪ :‬ما منعك بإقناعك بأن ل تسجد‪ ،‬فالمعنيان‬
‫أما و{ مَا مَ َن َعكَ َألّ تَسْ ُ‬
‫مختلفان‪ ،‬ونحن في حاجة إليهما معا‪.‬‬
‫جدُ ِلمَنْ خََلقْتَ طِينا‪[ { ..‬السراء‪]61 :‬‬
‫ثم يقول تعالى‪ } :‬أَأَسْ ُ‬
‫والهمزة للستفهام الذي يحمل معنى العتراض أو الستنكار‪ ،‬وقد ُفسّرت هذه الية بآيات أخرى‪،‬‬
‫مثل قوله تعالى‪ {:‬أَنَاْ خَيْرٌ مّ ْنهُ خََلقْتَنِي مِن نّا ٍر وَخََلقْتَهُ مِن طِينٍ }[العراف‪]12 :‬‬
‫فالمخلوقية ل مُتفق عليها‪ ،‬إنما الختلف في عنصر المخلوقية هذا من نار وهذا من طين‪ ،‬لكن‬
‫من قال لك يا إبليس‪ :‬إن النار فوق الطين‪ ،‬أو خير منه؟ من أين أتيتَ بهذه المقولة وكلهما‬
‫مخلوق ل‪ ،‬وله مهمة في الكون؟ وهل نستطيع أن نقول‪ :‬إن العين خير من الذن مثلً؟ أم أن لكل‬
‫منهما مهمتها التي ل تؤديها الخرى؟‬
‫خطّافا فالعوجاج خير من‬
‫وسبق أنْ قُلْنا مثلً‪ :‬إنك تفضل الحديد إنْ كان مستقيما‪ ،‬أما إنْ أردتَ ُ‬
‫الستقامة‪ ،‬أو‪ :‬أن اعوجاجه هو عين الستقامة فيه‪ ،‬فكل شيء في الوجود مخلوق لغاية ولمهمة‬
‫ل ول يكون خَيْرا إل إذا أدى مهمته في الحياة‪ ،‬فمن أين جاء إبليس بخيرية النار‬
‫ول يكون جمي ً‬
‫على الطين؟‬
‫والنار الصل فيها الخشب الذي توقد به‪ ،‬والخشب من الطين‪ ،‬إذن‪ :‬فالطين قبل النار وأفضل منه‪،‬‬
‫فقياس إبليس إذن قياس خاطئ‪.‬‬
‫ومعنى‪ } :‬خََل ْقتَ طِينا { [السراء‪ ]61 :‬يعني‪ :‬خلقته حال كونه من الطين‪ ،‬أو خلقتَه من طين‪،‬‬
‫خلْق؛ لن الخَلْق المباشر له مراحل سبقته‪.‬‬
‫والخَلْق من الطين مرحلة من مراحل ال َ‬
‫ختُ فِيهِ مِن رّوحِي‪[} ..‬الحجر‪]29 :‬‬
‫سوّيْتُ ُه وَ َنفَ ْ‬
‫فقوله تعالى‪ {:‬فَِإذَا َ‬
‫سبقتْه مراحل متعددة‪ ،‬قال عنها الخالق سبحانه مرة‪ :‬من الماء‪ .‬ومرة‪ :‬من التراب‪ .‬ومرة‪ :‬من‬
‫الطين‪ .‬والماء إذا خُلِط بالتراب صار طينا‪ ،‬وبمرور الوقت يسودّ هذا الطين‪ ،‬وتتغير رائحته‪،‬‬
‫فيتحول إلى حمأ مسنون‪.‬‬
‫وما أشبهَ الحمأ المسنون بما يفعله أهل الريف في صناعة الطوب‪ ،‬حيث يخلطون الماء بالتراب‬
‫بالقشّ‪ ،‬ويتركونه فترة حتى يختمر ويأكل بعضه بعضا‪ ،‬وتتغير رائحته ويعطَن‪ ،‬ثم يصبّونه في‬
‫قوالب‪ .‬فإذا ما تُرِك الطين حتى يجفّ‪ ،‬ويتحول إلى الصلبة يصير صَ ْلصَالً كالفخّار‪ ،‬يعني‬
‫يُحدث رنّة إذا طرقت عليه‪.‬‬
‫جدِينَ }[الحجر‪:‬‬
‫ختُ فِيهِ مِن رّوحِي فَ َقعُواْ لَهُ سَا ِ‬
‫سوّيْتُ ُه وَنَفَ ْ‬
‫وبعد كل هذه المراحل يقول تعالى‪ {:‬فَإِذَا َ‬
‫‪]29‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إذن‪ :‬ل وَجْه للعتراض على القرآن في قوله عن خلق النسان مرة أنه‪ :‬من‪ :‬ماء‪ ،‬أو من تراب‪،‬‬
‫أو طين‪ ،‬أو حمأ مسنون‪ ،‬فهذه كلها مراحل للمكوّن الواحد‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ } :‬قَالَ أَرَأَيْ َتكَ هَـاذَا الّذِي كَ ّر ْمتَ عََليّ‪.{ ..‬‬

‫(‪)2074 /‬‬
‫قَالَ أَرَأَيْ َتكَ هَذَا الّذِي كَ ّر ْمتَ عََليّ لَئِنْ أَخّرْتَنِ إِلَى َيوْمِ ا ْلقِيَامَةِ لَأَحْتَ ِنكَنّ ذُرّيّتَهُ إِلّا قَلِيلًا (‪)62‬‬

‫{ قَالَ } أي‪ :‬إبليس { أَرَأَيْ َتكَ } الهمزة للستفهام‪ ،‬والتاء للخطاب‪ ،‬وكذلك الكاف‪ ،‬وجمع بينهما في‬
‫الخطاب للتأكيد‪ ،‬كما تقول‪ :‬أنت أنت تفعل ذلك‪ .‬والمعنى‪ :‬أخبرني‪ ،‬لن رأي البصرية تُطلق في‬
‫القرآن على معنى العلم؛ لن علم العين علم مُؤكّد ل شكّ فيه‪.‬‬
‫لذلك قالوا‪( :‬ليس مع العين أَيْن) فما تراه أمامك عيانا‪ ،‬وإنْ كان للعلم وسائل كثيرة فأقواها الرؤية؛‬
‫لنها تعطي علما مؤكدا على خلف الذن مثلً‪ ،‬فقد تسمع بها كلما تعرف بعد ذلك أنه كذب‪.‬‬
‫وقد ورد هذا المعنى في َقوْله الحق سبحانه‪ {:‬أَلَمْ تَرَ كَ ْيفَ َف َعلَ رَ ّبكَ بَِأصْحَابِ ا ْلفِيلِ }[الفيل‪]1 :‬‬
‫واستخدم الفعل ترى‪ ،‬مع أن رسول ال صلى ال عليه وسلم كان في عام الفيل وليدا لم يَرَ شيئا‪،‬‬
‫فالمعنى‪ :‬ألم تعلم‪ ،‬ولكن الحق سبحانه عدل عن " تعلم " إلى " تَرَ " كأنه يقول للرسول صلى ال‬
‫عليه وسلم‪ :‬إذا أخبرك ال بمعلوم‪ ،‬فاجعل إخبار ال لك فوق رؤيتك بعينك‪.‬‬
‫فقوله تعالى‪ { :‬أَرَأَيْ َتكَ هَـاذَا الّذِي كَ ّر ْمتَ عََليّ‪[ } ..‬السراء‪ ]62 :‬أي‪ :‬أعلمني‪ ،‬لماذا فضلته‬
‫عليّ‪ ،‬وكأن تفضيل آدم على إبليس مسألة تحتاج إلى برهان وتبرير‪ ،‬وكان على إبليس أن ينتظر‬
‫إجابة هذا السؤال الذي توجه به لربّه عَزّ وجل‪ ،‬ولكنه تعجّل وحمله الغيظ والحسد على أن يقول‪:‬‬
‫{ لَئِنْ أَخّرْتَنِ إِلَىا َي ْومِ ا ْلقِيَامَ ِة لَحْتَ ِنكَنّ ذُرّيّ َتهُ ِإلّ قَلِيلً } [السراء‪]62 :‬‬
‫وهذا لن حقده وعداوته لدم ُمسْبقة فلم ينتظر الجواب‪.‬‬
‫ومعنى‪َ { :‬أخّرْتَنِ } أخّرت أجلي عن موعده‪ ،‬كأنه يعلم أن ال يجعل لكل نفس منفوسة من إنس أو‬
‫ل معلوما‪ ،‬فطلب أنْ يُؤخّره ال عن أجله‪ ،‬وهذه مبالغة منه في اللدد والعناد‪ ،‬فلم يتوعدهم‬
‫جنّ أج ً‬
‫ويُهدّدهم مدة حياته هو‪ ،‬بل إلى يوم القيامة‪ ،‬فإن كانت البداية مع آدم فلن ينجو ولن تنجو ذريته‬
‫أيضا‪.‬‬
‫فالعداوة بين إبليس وآدم‪ ،‬فما ذنب ذريته من بعده؟ لقد كان عليه أن يقصر هذا الحقد‪ ،‬وهذه‬
‫العداوة على آدم‪ ،‬ثم يوصي ذريته بحمل هذا العداء من بعده‪ ،‬إنه الغيظ الدفين الذي يمل قلبه‪.‬‬
‫وقد أمهله الحق سبحانه بقوله‪ {:‬إِ ّنكَ مِنَ المُنظَرِينَ }[العراف‪]15 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ومعنى‪ { :‬لَحْتَ ِنكَنّ ذُرّيّتَهُ } [السراء‪ ]62 :‬اللم للقسم‪ ،‬كما أقسم في آية أخرى‪ {:‬فَ ِبعِزّ ِتكَ‬
‫ج َمعِينَ }[ص‪]82 :‬‬
‫لُغْوِيَ ّنهُمْ َأ ْ‬
‫وعجيب أمر إبليس‪ ،‬يقسم بال وهو يعلم أن العمر والجل بيده سبحانه‪ ،‬فيسأله أن يُؤخّره‪ ،‬ومع‬
‫ذلك ل يطيع أمره‪.‬‬
‫والحتناك‪ :‬يَرِد بمعنيين‪ :‬الول‪ :‬الستئصال‪ .‬ومنه قولهم‪ :‬احتنك الجراد الزرع‪ .‬أي‪ :‬أتى عليه‬
‫كله واستأصله‪ ،‬والخر‪ :‬بمعنى القهر على التصرف‪ ،‬مأخوذ من اللجام الذي يُوضَع في حنَك‬
‫الفرس‪ ،‬ويسمونه (الحنكة) وبها تستطيع أن تُوجّه الفرس يمينا أو يسارا أو تُوقِفه‪ ،‬فهي أداة التحكّم‬
‫فيه‪ ،‬والسيطرة عليه َقهْرا‪.‬‬
‫فالحتناك قد يكون استئصالً للذات‪ ،‬وقد يكون قهرا لحركتها‪.‬‬
‫وقوله سبحانه‪ِ } :‬إلّ قَلِيلً { [السراء‪ ]62 :‬فيها دليل على عِلْم إبليس ومعرفته بقدرة ال تعالى‪،‬‬
‫ج َمعِينَ }[ص‪ ]82 :‬والمعنى‪ :‬بعزتك عن‬
‫غوِيَ ّنهُمْ أَ ْ‬
‫ك لُ ْ‬
‫فعرف كيف يقسم به حين قال‪ {:‬فَ ِبعِزّ ِت َ‬
‫خَلْقك‪َ {:‬فمَن شَآءَ فَلْ ُي ْؤمِن َومَن شَآءَ فَلْ َي ْكفُرْ }[الكهف‪.]29 :‬‬
‫خلَ لي بهم‪ ،‬وليس لي عليهم‬
‫سأدخل من هذا الباب‪ ،‬أما عبادك الذين هديتهم واصطفيتهم فل َد ْ‬
‫سلطان‪ ،‬لقد تذكر قدرة ال‪ ،‬وأن ال إذا أراد إخلص عبده لنفسه ل يستطيع الشيطان أنْ يأخذَه‪،‬‬
‫فقال‪ِ {:‬إلّ عِبَا َدكَ مِ ْنهُمُ ا ْلمُخَْلصِينَ }[ص‪]83 :‬‬
‫فقوله‪ِ } :‬إلّ قَلِيلً { [السراء‪ ]62 :‬هذا القليل المستثنى هم المؤمنون الذين اختارهم ال وهداهم‪،‬‬
‫ولم يجعل للشيطان عليهم سبيلً‪.‬‬
‫جهَنّمَ جَزَآ ُؤكُمْ جَزَاءً ّم ْوفُورا {‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ } :‬قَالَ اذْ َهبْ َفمَن تَ ِب َعكَ مِ ْنهُمْ فَإِنّ َ‬

‫(‪)2075 /‬‬
‫جهَنّمَ جَزَا ُؤكُمْ جَزَاءً َم ْوفُورًا (‪)63‬‬
‫قَالَ اذْ َهبْ َفمَنْ تَ ِب َعكَ مِ ْنهُمْ فَإِنّ َ‬

‫جهَنّمَ جَزَآ ُؤكُمْ‪} ..‬‬
‫قوله تعالى { اذْ َهبْ } أمر يحمل معنى الطرد والبعاد‪َ { .‬فمَن تَ ِب َعكَ مِ ْنهُمْ فَإِنّ َ‬
‫[السراء‪ ]63 :‬أي‪ :‬الذين اتبعوك وساروا في ركابك فجزاؤهم جهنم‪.‬‬
‫ونلحظ أن الحق سبحانه قال‪ { :‬جَزَآ ُؤكُمْ }‪ .‬ولم يقل (جزاؤهم) لنه معهم وداخل في حكمهم‪،‬‬
‫وهو سبب غوايتهم وضللهم‪ ،‬وكذلك هو المخاطب في الية الكريمة‪ ،‬وحتى ل يظن إبليس أن‬
‫الجزاء مقصور على العاصين من ذرية آدم‪ ،‬أو يحتج بأنه يُنفّذ أوامر ال الواردة في قوله تعالى‪{:‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لوْلدِ‬
‫ل ْموَالِ وَا َ‬
‫ك وَشَا ِر ْكهُمْ فِي ا َ‬
‫ك وَرَجِِل َ‬
‫ك وَأَجِْلبْ عَلَ ْيهِم ِبخَيِْل َ‬
‫صوْ ِت َ‬
‫ط ْعتَ مِ ْنهُمْ ِب َ‬
‫وَاسْ َتفْزِزْ مَنِ اسْتَ َ‬
‫وَعِدْهُمْ َومَا َي ِعدُهُمُ الشّيْطَانُ ِإلّ غُرُورا }[السراء‪]64 :‬‬
‫فليست هذه أوامر يراد تنفيذها؛ لن هناك فرقا بين المر الذي يُراد منه تنفيذ الفعل‪ ،‬والمر الذي‬
‫ل يُراد منه التنفيذ‪ .‬فالول طَلَب أعلى من أَدْنى لكي يفعل‪ :‬اكتب‪ ،‬اجلس‪ .‬لكن إذا اتجه المر إلى‬
‫غير مطلوبٍ عادةً من العقلء ينصرف عن المر إلى معنى آخر‪.‬‬
‫وهذا كما تقول لولدك مرارا‪ :‬ذاكر دروسك واجتهد‪ ،‬وإذا به ل يهت ّم ول يستجيب فتقول له‪ :‬العب‬
‫كما تشاء‪ ،‬فهل تقصد ظاهر هذا المر؟! وهل لو أخفق الولد في المتحان سيأتي ليقول لك‪ :‬يا‬
‫والدي لقد قلت لي العب؟!‬
‫إن المر هنا ل يُؤخَذ على ظاهره‪ ،‬بل يُراد منه التهديد‪ ،‬كما يقولون في المثل (أعلى ما في خَيْلك‬
‫اركبه)‪.‬‬
‫وقوله‪ { :‬جَزَاءً ّم ْوفُورا } أي‪ :‬وافيا مكتملً ل نقصَ فيه‪ ،‬ل من العذاب‪ ،‬ول من المعذبين‪.‬‬
‫صوْتِكَ‪.} ...‬‬
‫ط ْعتَ مِ ْنهُمْ ِب َ‬
‫والحق سبحانه يقول مخاطبا إبليس‪ { :‬وَاسْ َتفْزِزْ مَنِ اسْ َت َ‬

‫(‪)2076 /‬‬
‫ل وَالَْأوْلَادِ‬
‫ك وَشَا ِر ْكهُمْ فِي الَْأ ْموَا ِ‬
‫ك وَرَجِِل َ‬
‫ك وَأَجِْلبْ عَلَ ْيهِمْ ِبخَيِْل َ‬
‫صوْ ِت َ‬
‫ط ْعتَ مِ ْنهُمْ ِب َ‬
‫وَاسْ َتفْزِزْ مَنِ اسْتَ َ‬
‫وَعِدْهُمْ َومَا َي ِعدُهُمُ الشّيْطَانُ إِلّا غُرُورًا (‪)64‬‬

‫صوْ ِتكَ } [السراء‪]64 :‬‬
‫ط ْعتَ مِ ْنهُمْ ِب َ‬
‫فقوله تعالى‪ { :‬وَاسْ َتفْزِزْ مَنِ اسْتَ َ‬
‫هذا كما تستنهض ولدك الذي تكاسل‪ ،‬وتقول له‪ :‬فِ ّز يعني انهض‪ ،‬وقُمْ من الرض التي تلزمها‬
‫كأنها مُمسكة بك‪ ،‬وكما في قوله تعالى‪ {:‬ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ مَا َلكُمْ إِذَا قِيلَ َلكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ‬
‫اثّاقَلْتُمْ ِإلَى الَ ْرضِ‪[} ..‬التوبة‪]38 :‬‬
‫خفّ للحركة والقيام بإذعان‪ .‬فالمعنى‪ :‬استفزز مَنِ استطعت‬
‫فتقول للمتثاقل عن القيام‪ :‬فِزّ أي‪ :‬قُمْ و ِ‬
‫صوْ ِتكَ } بوسوستك أو بصوتك الشرير‪ ،‬سواء أكان هذا الصوت من‬
‫واستخفّهم واخدعهم { ِب َ‬
‫جنودك من البالسة أمثالك‪ ،‬أو من جنودك من شياطين النس الذين يعاونوك ويساندونك‪.‬‬
‫ك وَرَجِِلكَ‪[ } ..‬السراء‪]64 :‬‬
‫ثم يقول تعالى‪ { :‬وََأجِْلبْ عَلَ ْيهِم ِبخَيِْل َ‬
‫أجَْلبَ عليهم‪ :‬صاح به‪ ،‬وأجلبَ على الجواد‪ :‬صاح به راكبه ليسرع والجَلْبة هي‪ :‬الصوت المزعج‬
‫الشديد‪ ،‬وما أشبه الجَلْبة بما نسمعه من صوت جنود الصاعقة مثلً أثناء الهجوم‪ ،‬أو من أبطال‬
‫الكاراتيه‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهذه الصوات مقصودة لرهاب الخصم وإزعاجه‪ ،‬وأيضا لن هذه الصيحات تأخذ شيئا من‬
‫انتباه الخصم‪ ،‬فيضعف تدبيره لحركة مضادة‪ ،‬فيسل عليك التغلّب عليه‪.‬‬
‫جِلكَ‪[ } ..‬السراء‪]64 :‬‬
‫ك وَرَ ِ‬
‫وقوله تعالى‪ { :‬بِخَيِْل َ‬
‫ت وصِحْ بهم راكبا الخيل لتفزعهم‪ ،‬والعرب تطلق الخيل وتريد بها الفرسان‪ ،‬كما في‬
‫صوّ ْ‬
‫أي‪َ :‬‬
‫الحديث النبوي الشريف‪ " :‬يا خيل ال اركبي "‪.‬‬
‫وما أشبه هذا بما كنا نُسمّيهم‪ :‬سلح الفرسان { وَرَجِِلكَ } من قولهم‪ :‬جاء راجلً‪ .‬يعني‪ :‬ماشيا‬
‫على رِجْلَيْه و(رَجِل) يعني على سبيل الستمرار‪ ،‬وكأن هذا عمله وديدنه‪ ،‬فهي تدل على الصفة‬
‫حذِرْ‪ ،‬وهؤلء يمثلون الن "‬
‫الملزمة‪ ،‬تقول‪ :‬فلنٌ رَجْل أي‪ :‬دائما يسير مُترجّلً‪ .‬مثل‪ :‬حاذر و َ‬
‫سلح المشاة "‪.‬‬
‫ل ْموَالِ‪[ } ..‬السراء‪ ]64 :‬فكيف يشاركهم أموالهم؟ بأن يُزيّن لهم‬
‫ثم يقول تعالى‪ { :‬وَشَا ِر ْك ُهمْ فِي ا َ‬
‫لوْلدِ) المفروض في الولد طهارة‬
‫المال الحرام‪ ،‬فيكتسبوا من الحرام وينفقوا في الحرام (وَا َ‬
‫النساب‪ ،‬ف َدوْر الشيطان أنْ ُيفْسِدَ على الناس أنسابهم‪ ،‬ويُزيّن لهم الزنا‪ ،‬فيأتون بأولد من الحرام‪.‬‬
‫أو‪ :‬يُزيّن لهم تهويد الولد‪ ،‬أو تنصيرهم‪ ،‬أو يُغريهم بق ْتلِ الولد مخاف َة الفقر أو غيره‪ ،‬هذا من‬
‫مشاركة الشيطان في الولد‪.‬‬
‫وقوله تعالى { وَعِدْ ُهمْ } أي‪ :‬مَنيّهم بأمانيك الكاذبة‪ ،‬كما قال سبحانه في آية أخرى‪ {:‬الشّ ْيطَانُ‬
‫َيعِ ُدكُمُ ا ْلفَقْ َر وَيَ ْأمُ ُركُم بِا ْلفَحْشَآءِ وَاللّهُ َيعِ ُدكُم ّمغْفِ َرةً مّنْ ُه َو َفضْلً وَاللّ ُه وَاسِعٌ عَلِيمٌ }[البقرة‪]268 :‬‬
‫وقوله‪َ { :‬ومَا َيعِدُ ُهمُ الشّ ْيطَانُ ِإلّ غُرُورا } [السراء‪ ]64 :‬أي‪ :‬ل يستطيع أن َيغُرّ بوعوده إل‬
‫صاحب الغِرّة والغفلة‪ ،‬ومنها الغرور‪ :‬أي يُزيّن لك الباطل في صورة الحق فيقولون‪ :‬غَ ّرهُ‪ .‬وأنت‬
‫ل تستطيع أبدا أن تُصوّر لنسان الباطل في صورة الحق إل إذا كان عقله قاصرا غافلً؛ لنه لو‬
‫غفْلة من عقله‪.‬‬
‫عقل وانتبه لتبيّن له الحق من الباطل‪ ،‬إنما تأخذه على غِرّة من فكره‪ ،‬وعلى َ‬
‫لذلك كثيرا ما يُخاطبنا الحق سبحانه بقوله‪َ {:‬أفَلَ َت ْعقِلُونَ‪[} ..‬القصص‪َ {]60 :‬أفَلَ تَ َت َفكّرُونَ }‬
‫[النعام‪َ {]50 :‬أفَلَ يَتَدَبّرُونَ‪[} ..‬النساء‪]82 :‬وينادينا بقوله‪ {:‬ياُأوْلِي الَلْبَابِ }[الطلق‪]10 :‬‬
‫وهذا كله دليل على أهمية العقل‪ ،‬وحثّ على استعماله في كل أمورنا‪ ،‬فإذا سمعتم شيئا فمرّروه‬
‫على عقولكم أولً‪ ،‬فما معنى أن يطلب ال مِنّا ذلك؟ ولماذا يُوقِظ فينا دائما ملكة التفكير والتدبّر في‬
‫كل شيء؟‬
‫حسْن‬
‫ل شكّ أن الذي يُوقِظ فيك آلة الفكر والنقد التمييز‪ ،‬ويدعوك إلى النظر والتدبر واثق من ُ‬
‫بضاعته‪ ،‬كالتاجر الصدوق الذي يبيع الجيد من القماش مثلً‪ ،‬فيعرض عليك بضاعة في ثقة‪،‬‬
‫ويدعوك إلى فحصها‪ ،‬وقد يشعل النار لِيُريك جودتها وأصالتها‪.‬‬
‫ولو أراد الحق سبحانه أن يأخذنا هكذا على جهل وعمى ودون تبصّر ما دعانا إلى التفكّر والتدبّر‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهكذا الشيطان ل يُمنّيك ول يُزيّن لك إل إذا صادف منك غفلة‪ ،‬إنما لو كنت متيقظا له‬
‫ومُسْتصحبا للعقل‪ ،‬عارفا بحيله ما استطاع إليك سبيلً‪ ،‬ومن حيله أن يُزيّن الدنيا لهل الغفلة‬
‫ويقول لهم‪ :‬إنها فرصة للمتعة فانتهزها وَخذْ حظك منها فلن تعيش مرتين‪ ،‬وإياك أن تُصدّق‬
‫بالبعث أو الحساب أو الجزاء‪.‬‬
‫وهذه وساوس ل يُصدّقها إل مَنْ لديه استعداد للعصيان‪ ،‬وينتظر الشارة مجرد إشارة فيطيع ويقع‬
‫فريسة لوعود كاذبة‪ ،‬فإنْ كان يوم القيامة تبرّأ إبليس من هؤلء الحمقى‪ ،‬وقال‪ {:‬إِنّ اللّهَ وَعَ َدكُمْ‬
‫عوْ ُتكُمْ فَاسْتَجَبْ ُتمْ لِي فَلَ‬
‫ق َووَعَدّتكُمْ فََأخَْلفْ ُتكُ ْم َومَا كَانَ ِليَ عَلَ ْي ُكمْ مّن سُ ْلطَانٍ ِإلّ أَن دَ َ‬
‫وَعْدَ ا ْلحَ ّ‬
‫خيّ }[إبراهيم‪]22 :‬‬
‫خكُ ْم َومَآ أَنتُمْ ِب ُمصْرِ ِ‬
‫سكُمْ مّآ أَنَاْ ِب ُمصْ ِر ِ‬
‫تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُ َ‬
‫إذن‪ :‬في اليتين السابقتين خمسة أوامر لبليس‪ :‬اذهب‪ ،‬استفزز‪ ،‬وَأجْلب‪ ،‬وشاركهم‪ ،‬وعِدْهم‪ .‬وهذه‬
‫الوامر ليست لتنفيذ مضمونها‪ ،‬بل للتهديد ولظهار عجزه عن الوقوف في وجه الدعوة‪ ،‬أو صَدّ‬
‫الناس عنها‪ ،‬وكأن الحق سبحانه يقول له‪ :‬إفعل ما تريد ودبّر ما تشاء‪ ،‬فلن توقِف دعوة ال؛ لذلك‬
‫قال بعدها‪ } :‬إِنّ عِبَادِي لَ ْيسَ َلكَ عَلَ ْيهِمْ سُلْطَانٌ‪.{ ...‬‬

‫(‪)2077 /‬‬
‫ك َوكِيلًا (‪)65‬‬
‫ن َو َكفَى بِرَ ّب َ‬
‫إِنّ عِبَادِي لَ ْيسَ َلكَ عَلَ ْيهِمْ سُلْطَا ٌ‬

‫سبق أن تحدثنا عن الفرق بين العباد والعبيد‪ ،‬وقلنا كلما نُوجزه في أن العبيد هم المقهورون للسيد‬
‫في المور القَسْرية القهرية‪ ،‬ومتمردون عليه في المور الختيارية‪ ،‬أما العباد فهم مقهورون في‬
‫المور القسرية القهرية‪ ،‬وتنازلوا أيضا عن مُرادهم في المور الختيارية لمراد ربهم‪ ،‬فرضوا أنْ‬
‫يكونوا مقهورين ل في جميع أحوالهم‪.‬‬
‫حمَـانِ الّذِينَ‬
‫وقد تحدّث الحق سبحانه عن عباده وأصفيائه‪ ،‬كما في قوله تعالى‪ {:‬وَعِبَادُ الرّ ْ‬
‫َيمْشُونَ عَلَىا الَ ْرضِ َهوْنا وَِإذَا خَاطَ َبهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلَما * وَالّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَ ّبهِمْ سُجّدا َوقِيَاما‬
‫جهَنّمَ إِنّ عَذَا َبهَا كَانَ غَرَاما }[الفرقان‪.]65-63 :‬‬
‫عذَابَ َ‬
‫* وَالّذِينَ َيقُولُونَ رَبّنَا اصْرِفْ عَنّا َ‬
‫فعباد ال الذين هم أصفياؤه وأحباؤه الذين خرجوا من مرادهم لمراده‪ ،‬وفَضلّوا أن يكونوا‬
‫مقهورين لربهم حتى في الختيار‪ ،‬فاستحقوا هذه الحصانة اللهية في مواجهة كيد الشيطان‬
‫ووسوسته وغروره‪ { :‬إِنّ عِبَادِي لَيْسَ َلكَ عَلَ ْيهِمْ سُلْطَانٌ‪[ } ...‬السراء‪.]65 :‬‬
‫ضعِيفا }[النساء‪]76 :‬‬
‫وسبق أنْ تحدّثنا عن كَيْد الشيطان الذي قال ال عنه‪ {:‬إِنّ كَيْدَ الشّيْطَانِ كَانَ َ‬
‫ففي مُحاجّته يوم القيامة أمام ضحاياه الذين أغواهم وأضلّهم‪ ،‬سيقول‪َ {:‬ومَا كَانَ ِليَ عَلَ ْيكُمْ مّن‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عوْ ُتكُمْ فَاسْتَجَبْ ُتمْ لِي‪[} ...‬إبراهيم‪ ]22 :‬فليس لي سلطان َقهْر أحملكم به على‬
‫سُ ْلطَانٍ ِإلّ أَن دَ َ‬
‫المعصية‪ ،‬ول سلطان حُجّة وبرهان فأُقنِعكم بها‪.‬‬
‫ك َوكِيلً } [السراء‪.]65 :‬‬
‫ثم يقول تعالى‪َ { :‬و َكفَىا بِرَ ّب َ‬
‫الوكيل هو المؤيّد‪ ،‬وهو الناصر‪ ،‬تقول‪ :‬وكلت فلنا‪ .‬أي‪ :‬وثقت به ليؤدي لي كل ما أريد‪ ،‬فإنْ‬
‫كان في البشر مَنْ تثق به‪ ،‬وتأتمنه على مصالحك‪ ،‬فما بالك إنْ كان وكيلك هو ال عز وجل؟ ل‬
‫ن كان وكيلك ال فهو كافيك ومؤيّدك وناصرك‪ ،‬فل يُحوجِك لغيره سبحانه‪.‬‬
‫شكّ إ ْ‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ { :‬رّ ّب ُكمُ الّذِي يُ ْزجِي َلكُمُ ا ْلفُ ْلكَ‪.} ...‬‬

‫(‪)2078 /‬‬
‫رَ ّبكُمُ الّذِي يُزْجِي َلكُمُ ا ْلفُ ْلكَ فِي الْ َبحْرِ لِتَبْ َتغُوا مِنْ َفضْلِهِ إِنّهُ كَانَ ِب ُكمْ رَحِيمًا (‪)66‬‬

‫الربّ هو المتولّي تربيتك‪ :‬خَلْقا من عَدم‪ ،‬وإمدادا من عُدم‪ ،‬وقيّوميته تعالى عطاء ينتظم المؤمن‬
‫والكافر { يُ ْزجِي } الزجاء‪ :‬الرسال بهوادة شيئا فشيئا‪ .‬و { ا ْلفُ ْلكَ } هي السفن وتُطلَق على‬
‫المفرد وعلى الجمع‪ ،‬وعلى المذكّر والمؤنث‪.‬‬
‫ومنها قوله تعالى‪ {:‬وَا ْلفُ ْلكِ الّتِي تَجْرِي فِي الْ َبحْرِ ِبمَا يَنفَعُ النّاسَ }[البقرة‪]164 :‬‬
‫ومنها قوله تعالى‪ُ {:‬هوَ الّذِي يُسَيّ ُر ُكمْ فِي الْبَ ّر وَالْبَحْرِ حَتّىا إِذَا كُنتُمْ فِي ا ْلفُ ْلكِ َوجَرَيْنَ ِبهِم بِرِيحٍ‬
‫طَيّ َبةٍ‪[} ..‬يونس‪]22 :‬‬
‫ثم يقول تعالى‪ { :‬لِتَبْ َتغُواْ مِن َفضْلِهِ‪[ } ..‬السراء‪]66 :‬‬
‫البتغاء هو القصد إلى نافع يطلب من البحر كالقوت أو غيره‪ ،‬كما قال تعالى في آية أخرى‪{:‬‬
‫سخّرَ الْ َبحْرَ لِتَ ْأكُلُواْ مِنْهُ َلحْما طَرِيّا وَتَسْ َتخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْ َيةً تَلْبَسُو َنهَا‪[} ..‬النحل‪]14 :‬‬
‫وَ ُهوَ الّذِي َ‬
‫فالبحر مصدر من مصادر الرزق والقُوت‪ ،‬ومُسْتودع لثروة عظيمة من فضل ال تعالى؛ لذلك قال‬
‫بعدها‪ { :‬إِنّهُ كَانَ ِب ُكمْ رَحِيما } [السراء‪]66 :‬‬
‫والرحمة اتساع مَدَد الفضل من ال‪ ،‬فالذي أعطاكم البَرّ بما فيه من خيرات أعطاكم البحر أيضا‬
‫بما فيه من خيرات‪.‬‬
‫والرض التي نعيش عليها إما بَرّ يسمى يابسة‪ ،‬أو بحر‪ ،‬وإنْ كانت نسبة اليابس من الرض‬
‫خمْس‪ ،‬فالباقي بحر شاسع واسع يَزْخَر من خَيْرات ال بالكثير‪.‬‬
‫الرّبْع أو ال ُ‬
‫وطُرُق السير في اليابسة كثيرة متعددة‪ ،‬تستطيع أن تمشي أو تركب‪ ،‬و ُكلّ وسيلة من وسائل‬
‫الركوب حَسْب قدرة الراكب‪ ،‬فهذا يركب حمارا‪ ،‬وهذا يركب سيارة‪ ،‬وتستطيع أن تنتقل فيها من‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫مكان إلى آخر‪ .‬أما البحر فل يمكن النتقال فيه إل أنْ تُحملَ على شيء‪ ،‬فمن رحمة ال بنا أنْ‬
‫جعل لنا السفن آية من آياته تسير بنا على لُجّة الماء‪ ،‬ويمسكها بقدرته تعالى فنأمَن الغرق‪.‬‬
‫وأول مَنْ صنع السفن بوحي من ال نوح عليه السلم‪ ،‬فلم تكُنْ معروفة قِبله‪ ،‬بدليل قوله تعالى‪{:‬‬
‫وَ َيصْنَعُ ا ْلفُ ْلكَ َوكُّلمَا مَرّ عَلَيْهِ مَلٌ مّن َق ْومِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن َتسْخَرُواْ مِنّا فَإِنّا َنسْخَرُ مِنكُمْ َكمَا‬
‫سخَرُونَ }[هود‪.]38 :‬‬
‫تَ ْ‬
‫فلم يكُنْ للناس عهد بالسفن‪ ،‬وكانت سفينة نوح بدائية من ألواح الخشب والحبال‪ ،‬ولول أن ال‬
‫تعالى دَلّه على طريقة بنائها‪ ،‬وهداه إلى تنظيمها ما كان له عِلْم بهذه المسألة‪ ،‬ف َكوْنُ الحق سبحانه‬
‫يهدينا بواسطة نبي من أنبيائه إلى مركب من المراكب التي تيسّر لنا النتفاع بثلثة أرباع‬
‫الرض‪ ،‬ل شكّ أنها رحمة بالنسان وتوسيع عليه‪.‬‬
‫وكذلك من رحمته بنا أنْ يسّر لنا تطوير هذا المركب على مر العصور‪ ،‬فبعد أن كان يتحرك على‬
‫سطح الماء بقوة الهواء باستخدام ما يسمى بالقلع‪ ،‬والذي يتحكم في المركب من خلله‪ ،‬ويستطيع‬
‫الربان الماهر تسفيح القلع‪ ،‬يعني توجيهه إلى الناحية التي يريدها‪.‬‬
‫فكان الريح هو الصل في سَيْر السفن‪ ،‬ثم أتى التقدم العلمي الذي اكتشف البخار واللت ثم‬
‫الكهرباء‪ ،‬وبذلك سهّل على النسان تحريك السفن على سطح الماء بسهولة ويُسْر‪ ،‬كما تطورتْ‬
‫صناعة السفن كذلك على مَرّ العصور‪ ،‬حتى أصبحنا نرى الن البوارج الكبيرة متعددة الدوار‪،‬‬
‫والتي تشبه فعلً الجبال‪ِ ،‬مصْداقا لقوله الحق سبحانه وتعالى‪:‬‬
‫جوَارِ فِي الْ َبحْرِ كَالَعْلَمِ }[الشورى‪]32 :‬‬
‫{ َومِنْ آيَا ِتهِ ا ْل َ‬
‫يعني‪ :‬كالجبال‪ ،‬وكأن الحق سبحانه وتعالى يُعطينا الدليل على عِلْمه تعالى بما سيصل إليه العالم‬
‫ن تكونَ كالجبال‪ ،‬وإلّ ففي زمن‬
‫من تقدم‪ ،‬وما ستصل إليه صناعة السفن من رقيّ يصل بها إلى أ ْ‬
‫نزول القرآن لم يكُنْ هناك بوارج عالية كهذه‪ ،‬إنها لم توجد إل بعد قانون أرشميدس الذي تُبْنَى‬
‫على أساسه هذه البوارج‪.‬‬
‫لكن مع كل هذا التقدم في مجال الملحة البحرية ل نغفل أن القدرة اللهية هي التي تُسيّر هذه‬
‫السفن‪ ،‬وتحملها بأمان على صفحة الماء‪ ،‬ويجب َألّ يغتَرّ النسان بما توصّل إليه من العلوم‪،‬‬
‫سكِنِ الرّيحَ‬
‫ويظن أنه أصبح مالكا لزمام المور في الكون؛ لن الحق سبحانه يقول‪ {:‬إِن يَشَأْ ُي ْ‬
‫ظهْ ِرهِ }[الشورى‪]33 :‬‬
‫فَيَظْلَلْنَ َروَاكِدَ عَلَىا َ‬
‫والريح هي الصل في تسيير السفن‪.‬‬
‫ن توقف الريح استخدمنا القوى الخرى مثل البخار أو الكهرباء‪ .‬نقول‪ :‬لقد‬
‫فإنْ قال قائل الن‪ :‬إ ْ‬
‫أخذت الريح على أنه الهواء فقط‪ ،‬إنما لو نظرتَ إلى كلمة الريح‪ ،‬وماذا تعني لوجدتَ أن معنى‬
‫الريح القوة المطلقة أيّا كان نوعها‪ ،‬بدليل َقوْل الحق سبحانه وتعالى‪َ {:‬ولَ تَنَازَعُواْ فَ َتفْشَلُو ْا وَتَذْ َهبَ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫حكُمْ‪[} ..‬النفال‪ ]46 :‬إذن‪ :‬الريح هو القوة المطلقة‪.‬‬
‫رِي ُ‬
‫سكِنِ الرّيحَ‪[} ..‬الشورى‪ ]33 :‬يُسكِن القوة المحرّكة للسفن أيّا كانت هذه القوة‪ :‬قوة الريح‬
‫فمعنى‪ُ {:‬ي ْ‬
‫أو البخار أو الكهرباء أو غيرها من القوى‪ ،‬فإنْ شاء سبحانه تعطَّلتْ ُكلّ هذه القوى‪.‬‬
‫ضلّ مَن تَدْعُونَ ِإلّ إِيّاهُ‪.{ ...‬‬
‫سكُمُ ا ْلضّرّ فِي الْ َبحْ ِر َ‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ } :‬وَِإذَا مَ ّ‬

‫(‪)2079 /‬‬
‫ضلّ مَنْ تَدْعُونَ إِلّا إِيّاهُ فََلمّا نَجّاكُمْ إِلَى الْبَرّ أَعْ َرضْتُ ْم َوكَانَ الْإِنْسَانُ‬
‫س ُكمُ الضّرّ فِي الْبَحْ ِر َ‬
‫وَإِذَا مَ ّ‬
‫َكفُورًا (‪)67‬‬

‫البحر هو المزنق والضائقة التي ل يستطيع الخلص منها إنْ أصابه فيه سوء‪ ،‬فالبر منافذ النجاة‬
‫ك وَجَرَيْنَ‬
‫فيه متعددة‪ ،‬أما البحر فل نجاة فيه إل بعناية ال‪ ،‬يقول تعالى‪ {:‬حَتّىا ِإذَا كُنتُمْ فِي ا ْلفُ ْل ِ‬
‫ف وَجَآ َءهُمُ ا ْل َموْجُ مِن ُكلّ َمكَانٍ َوظَنّواْ أَ ّنهُمْ ُأحِيطَ‬
‫ص ٌ‬
‫ِبهِم بِرِيحٍ طَيّبَ ٍة َوفَرِحُواْ ِبهَا جَآءَ ْتهَا رِيحٌ عَا ِ‬
‫عوُاْ اللّهَ ُمخِْلصِينَ لَهُ الدّينَ‪[} ..‬يونس‪]22 :‬‬
‫ِبهِمْ دَ َ‬
‫وهكذا النسان حتى الكافر‪ ،‬إذا ضاقتْ به الحِيَل ولم يجد مَنْفذا يلجأ إلى ال المنفذ الحقيقي‬
‫والمفرّج للكَرْب‪ ،‬والنسان عادة ل يُسلم نفسه ويظلّ مُتعلّقا بالمل في النجاة‪.‬‬
‫ضلّ مَن تَدْعُونَ ِإلّ إِيّاهُ‪[ } ..‬السراء‪]67 :‬‬
‫سكُمُ ا ْلضّرّ فِي الْ َبحْ ِر َ‬
‫فقوله تعالى‪ { :‬وَإِذَا مَ ّ‬
‫أي‪ :‬أحاط بهم الخطر بالريح العاصف أو الموج العالي‪ ،‬وأحسّوا بخطورة الموقف ول مُنقِذَ لهم‬
‫صدُقون مع أنفسهم‪ ،‬ول يخدعونها ول يكذبون عليها‪ ،‬فإنْ‬
‫إل ال‪ ،‬حتى الكفار في هذا الموقف َي ْ‬
‫آمنوا بآلهة أخرى وإنْ عبدوا الصنام والوثان‪ ،‬فإنهم في هذا الضيق ل يلجأون إل إلى ال‪ ،‬ول‬
‫يدعون إل ال؛ لنهم يعلمون تماما أن آلهتهم ل تسمع ول تجيب‪ ،‬ول تملك لهم نفعا ول نجاة‪.‬‬
‫ضلّ مَن تَدْعُونَ‪[ } ..‬السراء‪ ]67 :‬أي‪ :‬ذهب عن بالكم مَن اتخذتموهم آلهة‪،‬‬
‫قوله تعالى‪َ { :‬‬
‫وغابوا عن خاطركم‪ ،‬فلن يقولوا هنا يا هبل؛ لنهم لن يغشّوا أنفسهم‪ ،‬ولن ينساقوا وراء كذبهم في‬
‫هذا الوقت العصيب‪.‬‬
‫إنهم في هذا الضيق لن يتذكروا آلهتهم‪ ،‬ولن تخطرَ لهم ببال أبدا؛ لن مجرد تذكّرهم يُضعِف ثقتهم‬
‫في ال الذي يملك وحده النجاة‪ ،‬والذي يطلبون منه المعونة‪.‬‬
‫وسبق أن أوضحنا هذه المسألة بقصة حلق الصحة في الريف الذي يتولى علج البسطاء‪ ،‬ويدّعي‬
‫العلم والخبرة‪ ،‬فإذا ما مرض ولده فإنه يُسرع به إلى الطبيب‪ ،‬لنه إنْ خدع الناس فلن يخدع‬
‫نفسه‪ ،‬وإنْ كذب عليهم فلن يكذب على نفسه‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وكذلك النسان ل يبيع نفسه رخيصا‪ ،‬فإنْ أحاطتْ به الخطار ل يلجأ إل إلى ال؛ لنه وحده‬
‫القادر على تفريج الكروب وإغاثة الملهوف‪ ،‬حتى وإنْ كان كافرا؛ لنه سبحانه هو الذي أمره أنْ‬
‫يلجأ إليه‪ ،‬وأنْ يدعوه‪ ،‬فقال‪ {:‬فََلوْل ِإذْ جَآءَهُمْ بَ ْأسُنَا َتضَرّعُواْ‪[} ..‬النعام‪]43 :‬‬
‫فإنْ دَعَوهُ سمع لهم وأجابهم على كفرهم وعنادهم؛ لنهم عباده وخَلْقه وصَنْعته‪ ،‬فما أرحمه سبحانه‬
‫ن كفر به!‬
‫حتى بمَ ْ‬
‫لذلك قال رب العزة في الحديث القدسي‪ " :‬قالت الرض‪ :‬يا رب إئذن لي أن أخسف بابن آدم فقد‬
‫طعم خيرك ومنع شكرك‪ ،‬وقالت السماء‪ :‬يا رب إئذن لي أن أسقط كِسَفا على ابن آدم فقد طعم‬
‫خيرك ومنع شكرك‪ ،‬وقالت الجبال‪ :‬يا رب إئذن لي أن أَخِرّ على ابن آدم فقد طعم خيرك ومنع‬
‫طعِم خيرك ومنع شكرك‪ .‬فقال‬
‫شكرك‪ ،‬وقالت البحار‪ :‬يا رب إئذن لي أن أُغرِقَ ابن آدم فقد َ‬
‫تعالى‪ :‬دعوني وما خلقت‪ ،‬لو خلقتموهم لرحمتموهم‪ ،‬فإنهم عبادي‪ ،‬فإنْ تابوا إليّ فأنا حبيبهم‪ ،‬وإنْ‬
‫لم يتوبوا فأنا طبيبهم "‪.‬‬

‫لقد غفر لهم الحق سبحانه أن يعبدوه غيره‪ ،‬وأن يؤذوا النبوة‪ ،‬وأنْ يقفوا في وجه الدعوة‪ ،‬غفر لهم‬
‫ع ْوهُ‪ ،‬فلمّا نجّاهم إلى البر أعرضوا‪ ،‬وعادوا‬
‫لنه ربّ‪ ،‬وما دام ربا فهو رحيم‪ ،‬فتضرعوا إليه ودَ َ‬
‫ن الِنْسَانُ َكفُورا‬
‫لما كانوا عليه وتنكّروا للجميل والمعروف؛ لذلك يقول تعالى بعدها‪َ } :‬وكَا َ‬
‫{ [السراء‪]67 :‬‬
‫وكفور‪ :‬صيغة مبالغة من الكفر‪ ،‬أي‪ :‬كثير الكفر للنعمة‪ ،‬ولَيْتَه كفر بنعمة الخلق فقال‪ :‬إنه أتى‬
‫هكذا من فعل الطبيعة‪ ،‬إنما كفر بنعمة ملموسة مشاهدة عاش مأزقها‪ ،‬وقاسى خطرها‪ ،‬ثم إذا نجّاه‬
‫ال أعرض وتمرّد‪ ،‬وهذا من طبيعة النسان‪.‬‬
‫سلَ عَلَ ْيكُمْ حَاصِبا‪.{ ...‬‬
‫سفَ ِبكُمْ جَا ِنبَ الْبَرّ َأوْ يُرْ ِ‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪َ } :‬أفََأمِنْتُمْ أَن َيخْ ِ‬

‫(‪)2080 /‬‬
‫جدُوا َلكُ ْم َوكِيلًا (‪)68‬‬
‫سلَ عَلَ ْيكُمْ حَاصِبًا ثُمّ لَا تَ ِ‬
‫سفَ ِبكُمْ جَا ِنبَ الْبَرّ َأوْ يُرْ ِ‬
‫َأفََأمِنْتُمْ أَنْ َيخْ ِ‬

‫فهؤلء الذين أعرضوا عن ال بعد إذ نجّاهم في البحر أَأمِنُوا مكْر ال في البر؟ وهل الخطر في‬
‫البحر فقط؟ وأليس ال تعالى بقادر على أن يُنزِل بهم في البر مثل ما أنزل بهم في البحر؟‬
‫سفَ ِبكُمْ جَا ِنبَ الْبَرّ‪[ } ..‬السراء‪]68 :‬‬
‫يقول تعالى‪َ { :‬أفََأمِنْتُمْ أَن يَخْ ِ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سفْنَا بِ ِه وَبِدَا ِر ِه الَ ْرضَ‪[} ..‬القصص‪ ]81 :‬ولستم ببعدين عن‬
‫كما قال تعالى في شأن قارون‪َ {:‬فخَ َ‬
‫هذا إنْ أراده ال لكم‪ ،‬وإنْ كنا نقول " البر أمان " فهذا فيما بيننا وبين بعضنا‪ ،‬أما إنْ جاء أمر ال‬
‫فلن يمنعنا منه مانع‪.‬‬
‫سلَ عَلَ ْيكُمْ حَاصِبا‪[ } ..‬السراء‪ ]68 :‬أي‪ :‬ريحا تحمل الحصباء‪ ،‬وترجمكم‬
‫وقوله تعالى‪َ { :‬أوْ يُرْ ِ‬
‫بها رَجْما‪ ،‬والحصباء الحصى الصغار‪ ،‬وهي َلوْن من ألوان العذاب الذي ل يُدفَع ول يُ َردّ؛ لذلك‬
‫جدُواْ َلكُ ْم َوكِيلً } [السراء‪]68 :‬‬
‫قال بعدها‪ { :‬ثُ ّم لَ تَ ِ‬
‫أي‪ :‬ل تجدوا مَنْ ينصركم‪ ،‬أو يدفع عنكم‪ .‬إذن‪ :‬ل تظنوا أن البر أمان ل خطر فيه‪ ..‬ل‪ ،‬بل‬
‫خطري موجود غير بعيد منكم‪ ،‬سواء أكنتم في البحر أو في البر‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ { :‬أَمْ َأمِنْتُمْ أَن ُيعِي َدكُمْ فِيهِ تَا َرةً ُأخْرَىا‪.} ...‬‬

‫(‪)2081 /‬‬
‫جدُوا‬
‫صفًا مِنَ الرّيحِ فَ ُيغْ ِر َقكُمْ ِبمَا َكفَرْتُمْ ُثمّ لَا تَ ِ‬
‫سلَ عَلَ ْيكُمْ قَا ِ‬
‫أَمْ َأمِنْ ُتمْ أَنْ ُيعِي َد ُكمْ فِيهِ تَا َرةً ُأخْرَى فَيُرْ ِ‬
‫َلكُمْ عَلَيْنَا ِبهِ تَبِيعًا (‪)69‬‬

‫أي‪ :‬وإنْ نجاكم من خطر البحر‪ ،‬فل مجال للمن في البر؛ لنه قادر سبحانه أن يُذيقكم بأسه في‬
‫البر‪ ،‬أو يُعيدكم في البحر مرة أخرى‪ ،‬ويُوقعكم فيما أوقعكم فيه من كَرْب في المرة الولى‪،‬‬
‫فالمعنى‪ :‬أنجوتُمْ فأمنتُم‪.‬‬
‫سلَ عَلَ ْيكُمْ قَاصِفا مّنَ الرّيحِ‪[ } ..‬السراء‪]69 :‬‬
‫وقوله تعالى‪ { :‬فَيُرْ ِ‬
‫القاصف‪ :‬هو الذي يقصف بعنف وشدة‪ ،‬ول يكون إل في اليابس { فَ ُيغْ ِر َقكُم ِبمَا َكفَرْتُمْ‪} ...‬‬
‫[السراء‪ ]69 :‬أي‪ :‬بسبب كفركم بنعمة ال‪ ،‬وجحودكم لفضله‪ ،‬فقد نجاكم في البحر فأعرضتم‬
‫وتمردتم‪ ،‬في حين كان عليكم أن تعترفوا ل بالجميل‪ ،‬و ُتقِرّوا له بالفضل‪.‬‬
‫جدُواْ َلكُمْ عَلَيْنَا ِبهِ تَبِيعا } [السراء‪]69 :‬‬
‫ثم يقول تعالى‪ُ { :‬ث ّم لَ تَ ِ‬
‫عندنا تابع وتبيع‪ ،‬التابع‪ :‬هو الذي يتبعك لعمل شيء فيك‪ ،‬أما التبيع‪ :‬فهو الذي يُوالِي تتبعك‪،‬‬
‫ويبحث عنك لَخْذ ثأره منك‪ .‬فالمعنى‪ :‬إنْ فعلنا بكم هذه الفعال فلن تجدوا لكم تبيعا يأخذ بثأركم‬
‫أو ينتقم لكم‪ ،‬إذن‪ :‬ل أملَ لكم في ناصر ينصركم‪ ،‬أو مدافع يحميكم‪.‬‬
‫وكأن الحق سبحانه وتعالى يقول‪ :‬أنا ل أخاف ر ّد الفعل منكم‪ ،‬والنسان يُحجم عن الفعل مخافةَ‬
‫ر ّد الفعل‪ ،‬ويجلس يفكر طويلً‪ :‬إذا ضربتُ فلنا فسيأتي أهله ويفعلون بي كذا وكذا‪ ،‬أما الحق‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سبحانه وتعالى فل أحدَ يستطيع ردّا على انتقامه أو عذابه‪.‬‬
‫حمَلْنَاهُمْ فِي الْبَ ّر وَالْ َبحْرِ‪.} ...‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ { :‬وََلقَدْ كَ ّرمْنَا بَنِي ءَادَ َم وَ َ‬

‫(‪)2082 /‬‬
‫ت َو َفضّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ ِممّنْ‬
‫حمَلْنَاهُمْ فِي الْبَ ّر وَالْ َبحْ ِر وَرَ َزقْنَاهُمْ مِنَ الطّيّبَا ِ‬
‫وَلَقَدْ كَ ّرمْنَا بَنِي آَدَمَ وَ َ‬
‫خََلقْنَا َت ْفضِيلًا (‪)70‬‬

‫وهل هناك تكريم لبني آدم أعظم من أنْ يُعدّ لهم مُقوّمات حياتهم قبل أنْ يخلقهم؟ لقد رتّب لهم‬
‫جمِيعا‪[} ..‬البقرة‪]29 :‬‬
‫الكون وخلق من أجلهم الشياء{ ُهوَ الّذِي خَلَقَ َل ُكمْ مّا فِي الَرْضِ َ‬
‫إذن‪ :‬فكل ما في الوجود مُسخّر لكم من قبل أنْ تُوجَدوا؛ لن خلق ال تعالى إما خادم وإما مخدوم‪،‬‬
‫وأنت أيّها النسان مخدوم من كل أجناس الكون حتى من الملئكة‪ ،‬ألم َي ُقلْ الحق سبحانه‪ {:‬لَهُ‬
‫حفَظُونَهُ مِنْ َأمْرِ اللّهِ‪[} ..‬الرعد‪]11 :‬‬
‫ُمعَقّبَاتٌ مّن بَيْنِ يَدَ ْي ِه َومِنْ خَ ْلفِهِ َي ْ‬
‫وقال تعالى‪ {:‬فَا ْلمُدَبّرَاتِ َأمْرا }[النازعات‪]5 :‬‬
‫سعْي منك‪ ،‬لذلك‬
‫فالكون كله يدور من أجلك وفي خدمتك‪ ،‬يعطيك عطاءً دائما ل ينقطع دون َ‬
‫حلّ للغز الكون‪،‬‬
‫ن يقفَ وقفه تأمّل وتفكّر؛ ليصل إلى َ‬
‫نقول‪ :‬كان من الواجب على العقل المجرد أ ْ‬
‫وليهتدي إلى أن له خالقا مُبْدعا‪ ،‬يكفي أن أنظر إلى آيات ال التي تخدمني‪ ،‬وليس له قدرة عليها‪،‬‬
‫وليست تحت سيطرتي‪ ،‬فالشمس والقمر والنجوم والرض والهواء والماء والمطر والسحاب كلها‬
‫ل أن تقول‪ :‬مَنِ الذي أع ّد لي كلّ‬
‫تعطيني وتُمدّني دون قدرة لي عليها‪ ،‬أليس من الواجب عليك عد ً‬
‫هذه الشياء التي ما ادّعاهَا أحد لنفسه؟‬
‫فإذا ما صاح صائح منك أيّها النسان وقال‪ :‬أنا رسول من الرب الذي خلق لكم كل هذه‬
‫المخلوقات‪ ،‬كان يجب عليكم أنْ تُر ِهفُوا له السمع لتسمعوا ما جاء به؛ لنه سوف يحلّ لكم هذا‬
‫اللغز الذي حيّركم‪.‬‬
‫وسبق أنْ ضربنا مثلً لذلك بالرجل الذي انقطعتْ به السّبل في الصحراء حتى أشرف على‬
‫الهلك‪ ،‬فإذا هو بمائدة مُعدّة بأطايب الطعام والشراب‪ ،‬أليس حَريا به قبل أنْ تمتد يده إليها أنْ‬
‫يفكر كيف أتتْه؟‬
‫إذن‪ :‬كان على النسان أن يُعمل عقله و ِفكْره في معطيات الكون التي تخدمه وتسخر من أجله‪،‬‬
‫وهي ل تأتمر بأمره ول تخضع لقدرته‪.‬‬
‫ولقد اختلف العلماء في بيان َأوْجُه التكريم في النسان‪ ،‬فمنهم مَنْ قال‪ :‬كُرّمَ بالعقل‪ ،‬وآخر قال‪:‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫كُرّمَ بالتمييز‪ ،‬وآخر قال‪ :‬كُرّمَ بالختيار‪ ،‬ومنهم مَنْ قال‪ :‬كُرّمَ النسان بأنه يسير مرفوع القامة ل‬
‫منحنيا إلى الرض كالبهائم‪ ،‬ومنهم مَنْ يرى أنه كُرّمَ بشكل الصابع وتناسقها في شكل بديع يسمح‬
‫لها بالحركة السلسة في تناول الشياء‪ ،‬ومنهم مَنْ يرى أنه كُرّم بأن يأكلَ بيده ل بفمه كالحيوان‪.‬‬
‫وهكذا كان لكل واحد منهم مَلْحظ في التكريم‪.‬‬
‫ل وهو‪ :‬أن الحق سبحانه خلق‬
‫ولنا في مسألة التكريم هذه ملحظ كنت أودّ أنْ يلتفت إليه العلماء‪َ ،‬أ َ‬
‫الكون كله بكلمة (كُنْ) إل آدم‪ ،‬فقد خلقه ال بيده ونفخ فيه من روحه‪ ،‬قال تعالى‪ {:‬ياإِبْلِيسُ مَا‬
‫جدَ ِلمَا خََلقْتُ بِيَ َديّ }[ص‪]75 :‬‬
‫مَ َن َعكَ أَن تَسْ ُ‬
‫ختُ فِيهِ مِن رّوحِي َف َقعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ }[الحجر‪]29 :‬‬
‫سوّيْتُهُ وَنَفَ ْ‬
‫وقال‪ {:‬فَِإذَا َ‬
‫فقمة الفضل والتكريم أن خلق ال تعالى أبنا آدم بيده‪ ،‬بدليل أن ال جعلها حيثية له‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪َ { :‬ي ْومَ نَدْعُواْ ُكلّ أُنَاسٍ بِِإمَا ِمهِمْ‪.} ...‬‬

‫(‪)2083 /‬‬
‫َيوْمَ نَدْعُوا ُكلّ أُنَاسٍ بِِإمَا ِمهِمْ َفمَنْ أُو ِتيَ كِتَابَهُ بِ َيمِينِهِ فَأُولَ ِئكَ َيقْرَءُونَ كِتَا َبهُ ْم وَلَا ُيظَْلمُونَ فَتِيلًا (‪)71‬‬

‫أي‪ :‬يوم القيامة‪ ،‬والداعي هو المنادي‪ ،‬والناس هم المدعوون‪ ،‬والنداء على الناس في هذا اليوم ل‬
‫يكون بفلن بن فلن‪ ،‬بل ينادي القوم بإمامهم أي‪ :‬برسولهم‪ ،‬فيقال‪ :‬يا أمة محمد‪ ،‬يا أمة عيسى‪ ،‬يا‬
‫أمة موسى‪ ،‬يا أمة إبراهيم‪.‬‬
‫ثم يُفصّل هذا الجمال‪ ،‬فتُنادى كل جماعة بمَنْ بلّغهم وهداهم ودَلّهم ليُغري الناس بنقل الفضل‬
‫العلمي من أنفسهم إلى غيرهم‪.‬‬
‫وقال بعضهم { بِِإمَا ِمهِمْ } أي‪ :‬بأمهاتهم‪ ،‬وفي دعاء الناس بأمهاتهم في هذا الموقف تكريم لعيسى‬
‫عليه السلم أولً‪ ،‬وسَتْر على أولد الثم ثانيا‪ ،‬حتى ل يُفضحوا على رؤوس الشهاد في مثل هذا‬
‫الموقف‪.‬‬
‫ثم يقول تعالى‪َ { :‬فمَنْ أُو ِتيَ كِتَابَهُ بِ َيمِينِهِ فَُأوْلَـائِكَ َيقْرَؤونَ كِتَا َبهُ ْم َولَ يُظَْلمُونَ فَتِيلً } [السراء‪:‬‬
‫‪]71‬‬
‫فكوْنه أخذ كتابه بيمينه‪ ،‬فهذه بشارة الخير وبداية السلمة‪ ،‬فإذا به يسارع إلى قراءته‪ ،‬بل ويتباهى‬
‫به بين الناس قائلً‪ {:‬هَآ ُؤمُ اقْ َرؤُاْ كِتَابيَهْ }[الحاقة‪ ]19 :‬إنه مسرور بعمله الصالح الذي يحب أنْ‬
‫يطلع عليه الناس‪ ،‬وقوله تعالى‪ { :‬وَلَ ُيظَْلمُونَ فَتِيلً } [السراء‪]71 :‬‬
‫الظلم أنْ تأخذ من خير غيرك مما ليس عندك‪ ،‬إذن‪ :‬فعندك نقص في شيء تريد أنْ تحصل عليه‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ظلما‪ ،‬إذن‪ :‬فماذا ينقص الحق سبحانه وتعالى حتى يظلم الخَلْق؟! إن الخلق يتصفون بالظلم؛ لن‬
‫النسان عادةً ل يرضى بما قسم ال له؛ لذلك يشعر بالنقص فيظلم غيره‪ ،‬أما ال عز وجل فهو‬
‫الغني عن الخَلْق‪ ،‬فكيف يظلمهم؟ وهم جميعا بما يملكون هِبة منه سبحانه‪.‬‬
‫ومعنى { فَتِيلًْ } عادةً يضرب الحق سبحانه وتعالى المثال في القرآن بالمألوف عند العرب وفي‬
‫بيئتهم‪ ،‬ومن مألوفات العرب التمر‪ ،‬وهو غذاؤهم المفضّل والعَلف لماشيتهم‪ ،‬ومن التمر أخذ‬
‫القرآن النقير والقطمير والفتيل‪ ،‬وهي ثلثة أشياء تجدها في نواة الثمرة‪ ،‬وقد استخدمها القرآن في‬
‫تمثيل الشيء الضئيل القليل‪.‬‬
‫فالنقير‪ :‬هو تجويف صغير في ظهر النواة مثل النقطة‪.‬‬
‫والقطمير‪ :‬هو اللفافة الرقيقة الشفافة بين الثمرة والنواة‪.‬‬
‫والفتيل‪ :‬هو غللة رقيقة تشبه الخيط في بطن النواة‪.‬‬
‫ظَلمُونَ فَتِيلً } [السراء‪ ]71 :‬أي‪ :‬أنه سبحانه وتعالى ل يظلم الناس أبدا‪ ،‬فهو‬
‫فمعنى‪ { :‬وَلَ يُ ْ‬
‫صغَر‪.‬‬
‫سبحانه مُنزّه عن الظلم مهما تناهى في ال ّ‬
‫وفي مقابل مَنْ أوتي كتابه بيمينه لم تذكر الية مَنْ أُوتي كتابه بشماله‪ ،‬كما جاء في قوله تعالى‪{:‬‬
‫شمَالِهِ فَ َيقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ }[الحاقة‪]25 :‬‬
‫وََأمّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ ِب ِ‬
‫ظهْ ِرهِ }[النشقاق‪]10 :‬‬
‫وفي آية أخرى قال‪ {:‬وََأمّا مَنْ أُو ِتيَ كِتَابَ ُه وَرَآءَ َ‬
‫عمَىا‪.} ...‬‬
‫عمَىا َف ُهوَ فِي الخِ َرةِ أَ ْ‬
‫أما هنا فقال الحق سبحانه‪َ { :‬ومَن كَانَ فِي هَـا ِذهِ أَ ْ‬

‫(‪)2084 /‬‬
‫ضلّ سَبِيلًا (‪)72‬‬
‫عمَى وََأ َ‬
‫عمَى َف ُهوَ فِي الْآَخِ َرةِ أَ ْ‬
‫َومَنْ كَانَ فِي َه ِذهِ أَ ْ‬

‫وهذا هو المقابل لمن أخذ كتابه بيمينه؛ لنه عميتْ بصيرته في الدنيا فعمى في الخرة‪ ،‬وطالما‬
‫شكّ أنه من أهل الشمال‪ ،‬فاليات ذكرتْ مرة السبب‪ ،‬وذكرتْ مرة المسبّب‪ ،‬ليلتقي‬
‫هو كذلك فل َ‬
‫السبب والمسبب‪ ،‬وهو ما يعرف باسم [الحتباك] البلغي‪.‬‬
‫فكأن الحق سبحانه قال‪ :‬إن مَنْ أُوتِي كتابه بيمينه وقرأه وتباهى به لم يكُنْ أعمى في دنياه‪ ،‬بل‬
‫كان بصيرا واعيا‪ ،‬فاهتدى إلى منهج ال وسار عليه‪ ،‬فكانت هذه نهايته وهذا جزاءه‪.‬‬
‫أما مَنْ أوتي كتابه بشماله فقد كان أعمى في الدنيا عمى بصيرة ل عمى بصر؛ لن عمى البصر‬
‫حجب الداة الباصرة عن إدراك المرائي‪ ،‬والكافرون في الدنيا كانوا مُبصرين للمرائي من‬
‫طمِس عليها فل ترى خيرا‪ ،‬ول تهتدي إلى‬
‫حولهم‪ .‬مُدركين لماديات الحياة‪ ،‬أما بصيرتهم فقد ُ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫صلح‪.‬‬
‫وسبق أن قلنا‪ :‬إن النسان لكي يسير في رحلة الحياة على هدى ل بُدّ له من بصر يرى به‬
‫المرائي المادية‪ ،‬حتى ل يصطدم بأقوى منه فيتحطم أو بأضعف منه فيحطمه‪ ،‬والبصر للمؤمن‬
‫والكافر من عطاء الربوبية للنسان‪ .‬لكن إلى جانب البصر هناك عطاء آخر هو ثمرة من ثمار‬
‫عطاء اللوهية الذي ل يكون إل للمؤمن‪ ،‬أل وهو البصيرة‪ ،‬بصيرة القيم التي يكتسبها النسان من‬
‫منهج ال الذي آمن به وسار على َهدْيه‪.‬‬
‫ضلّ سَبِيل } [السراء‪]72 :‬‬
‫عمَىا وََأ َ‬
‫وقوله‪َ { :‬ف ُهوَ فِي الخِ َرةِ أَ ْ‬
‫إنْ كان عماه في الدنيا عمى بصيرة‪َ ،‬فعَماه في الخرة عمى بصر؛ لن البصيرة مطلوبة منه في‬
‫الدنيا فقط؛ لن بها سيُعرف الخير من الشر‪ ،‬وعليها يترتب العمل‪ ،‬وليست الخرة مجال عمل‪،‬‬
‫ل َولَ‬
‫ضّ‬
‫إذن‪ :‬العمى في الخرة عمى البصر‪ ،‬كما قال تعالى في آية أخرى‪َ {:‬فمَنِ اتّبَعَ هُدَايَ فَلَ َي ِ‬
‫عمَىا }[طه‪-123 :‬‬
‫ش ًة ضَنكا وَنَحْشُ ُرهُ َيوْمَ ا ْلقِيامَةِ أَ ْ‬
‫شقَىا * َومَنْ أَعْ َرضَ عَن ِذكْرِي فَإِنّ لَهُ َمعِي َ‬
‫يَ ْ‬
‫‪]124‬‬
‫عمْيا وَ ُبكْما َوصُمّا‪[} ..‬السراء‪:‬‬
‫حشُرُهُمْ َيوْمَ ا ْلقِيَامَةِ عَلَىا وُجُو ِههِمْ ُ‬
‫وقال عنهم في آية أخرى‪ {:‬وَنَ ْ‬
‫‪]97‬‬
‫لكن قد يقول قائل‪ :‬هناك آيات أخرى تثبت لهم الرؤية في الخرة‪ ،‬مثل قوله تعالى‪ {:‬حَتّىا إِذَا‬
‫رََأوْاْ مَا يُوعَدُونَ‪[} ..‬مريم‪]75 :‬‬
‫وقوله تعالى‪ {:‬وَرَأَى ا ْل ُمجْ ِرمُونَ النّارَ فَظَنّواْ أَ ّنهُمْ ّموَاقِعُوهَا‪[} ..‬الكهف‪]53 :‬‬
‫وللجمع بين هذه اليات وللتوفيق بينها نقول‪ :‬للكفار يوم القيامة في مجال الرؤية البصرية حالتان‪:‬‬
‫صمّا لتزداد حَيْرتهم ويشتد بهم الفزع حيث‬
‫عمْيا و ُبكْما و ُ‬
‫الولى عند القيام و َهوْل المحشر يكونون ُ‬
‫هم في هذا الكرب الشديد‪ ،‬ولكن ل يعرف ما يحدث ول أين المهرب‪ ،‬ول يستمعون من أحد‬
‫كلمة‪ ،‬وهكذا هم في كَرْب وحَيْرة ل يدرون شيئا‪ .‬وهذه حالة العمي البصري عندهم‪.‬‬
‫أما الحالة الثانية وهي الرؤية‪ ،‬فتكون عندما يتجلى الحق تبارك وتعالى لهل الموقف ويكشف‬
‫الغطاء عن نفسه سبحانه‪ ،‬فهنا يصير الكافر حَادّ البصر‪ ،‬ليرى مكانه من النار‪.‬‬
‫ول ُبدّ لنا هنا أن نلحظَ أن ألفاظ اللغة قد يكون اللفظ واحدا ولكن يختلف السياق‪ ،‬ففي قوله‬
‫ضلّ سَبِيلً { [السراء‪]72 :‬‬
‫عمَىا وََأ َ‬
‫عمَىا َف ُهوَ فِي الخِ َرةِ أَ ْ‬
‫تعالى‪َ } :‬ومَن كَانَ فِي هَـا ِذهِ أَ ْ‬
‫ضلّ سَبِيلً { إذن‪ :‬ل بُدّ أن عمى الدنيا أقلّ من‬
‫عمَىا { واحد‪ ،‬لكن في الخرة قال } وََأ َ‬
‫فلفظ } أَ ْ‬
‫عمى الخرة‪ ،‬كما تقول‪ :‬هذا خير‪ .‬فمقابل خير‪ :‬شر‪ .‬أما لو قلت‪ :‬هذا خَيْر من هذا فقد فضّلتَ‬
‫الول في الخيرية عن الثاني‪ ،‬إذن‪ :‬كلمة خير إما أنْ تأتي َوصْفا‪ ،‬وإما أن تأتي تفضيلً‪.‬‬
‫ب إلى ال من المؤمن‬
‫ح ّ‬
‫ومن ذلك قول الرسول صلى ال عليه وسلم‪ " :‬المؤمن القوي خَيْرٌ وأ َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الضعيف‪ ،‬وفي ُكلّ خير "‪.‬‬
‫عمَىا‪[ { ..‬السراء‪:‬‬
‫فالمراد أن المؤمن القوي أكثر في الخيرية‪ .‬إذن‪ :‬فكلمة‪َ } :‬فهُوَ فِي الخِ َرةِ أَ ْ‬
‫‪ ]72‬ليست َوصْفا‪ ،‬وإنما تفضيل لعمى الخرة على عمى الدنيا‪ ،‬أي أنه في الخرة أشدّ عمىً‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬وََأضَلّ سَبِيلً { [السراء‪ ]72 :‬ومعلوم أنه كان ضالً في الدنيا‪ ،‬فكيف يكون أضلّ‬
‫في الخرة؟‬
‫قالوا‪ :‬لن ضلله في الدنيا كان يمكن تداركه بالرجوع إلى المنهج والعودة إلى الطريق السّويّ‪،‬‬
‫أما في الخرة فضلله ل يمكن تداركه‪ ،‬فقد انتهى وقت الختيار‪ ،‬إذن‪ :‬فضللهُ في الخرة أشدّ‬
‫وأعظمُ من ضلله في الدنيا‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ } :‬وَإِن كَادُواْ لَ َيفْتِنُو َنكَ عَنِ الّذِي َأوْحَيْنَآ إِلَ ْيكَ لِتفْتَ ِريَ عَلَيْنَا غَيْ َرهُ‪.{ ...‬‬

‫(‪)2085 /‬‬
‫خذُوكَ خَلِيلًا (‪)73‬‬
‫وَإِنْ كَادُوا لَ َيفْتِنُونَكَ عَنِ الّذِي َأوْحَيْنَا إِلَ ْيكَ لِ َتفْتَ ِريَ عَلَيْنَا غَيْ َر ُه وَإِذًا لَاتّ َ‬

‫وهذه خبيثة جديدة من خبائثهم مع رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فقد كانوا يحاولون جادّين أنْ‬
‫يصرفوا رسول ال عما بعثه ال به‪ ،‬فمرة يقولون له‪َ :‬دعْ آلهتنا نتمتع بها سنة ونأخذ الغنائم من‬
‫ورائها وتحرم لنا بلدنا ـ أي‪ :‬ثقيف ـ كما حرمت مكة‪ .‬ومرة يقولون له‪ :‬ل تستلم الحجر‬
‫ويمنعونه من استلمه حتى يستلم آلهتهم أولً‪.‬‬
‫ومعنى { كَادُواْ } أي قاربوا‪ ،‬والمقاربة غير الفعل‪ ،‬فالمقاربة مشروع فعل وتخطيط له‪ ،‬لكنه لم‬
‫يحدث‪ ،‬إنهم قاربوا أنْ يفتنوك عن الذي أُنزِل إليك لكن لم يحدث؛ لن محاولتهم كانت من بعيد‪،‬‬
‫فهي تحوي حول فتنتك عن الدين‪ ،‬كما قالوا مثلً‪ :‬نعبد إلهك سنة‪ ،‬و تعبد آلهتنا سنة‪.‬‬
‫ومعنى‪ { :‬لَ َيفْتِنُو َنكَ } لَيُحوّلونك و َيصْرِفونك عما أنزل ال إليك‪ ،‬لماذا؟ { لِتفْتَ ِريَ عَلَيْنَا غَيْ َرهُ‪} ..‬‬
‫[السراء‪ ]73 :‬كما حكى القرآن عنهم في آية أخرى‪ {:‬ا ْئتِ ِبقُرْآنٍ غَيْرِ هَـاذَآ َأوْ بَدّ ْلهُ‪[} ..‬يونس‪:‬‬
‫‪]15‬‬
‫فيكون الجواب من الحق سبحانه‪ُ {:‬قلْ مَا َيكُونُ لِي أَنْ أُ َبدّلَهُ مِن تِ ْلقَآءِ َنفْسِي إِنْ أَتّبِعُ ِإلّ مَا يُوحَى‬
‫عذَابَ َيوْمٍ عَظِيمٍ }[يونس‪]15 :‬‬
‫عصَ ْيتُ رَبّي َ‬
‫إَِليّ إِنّي أَخَافُ إِنْ َ‬
‫عمُرا مّن قَبِْلهِ َأفَلَ‬
‫وقال تعالى‪ {:‬قُل ّلوْ شَآءَ اللّهُ مَا تََلوْتُهُ عَلَ ْيكُ ْم َولَ أَدْرَاكُمْ بِهِ َفقَدْ لَبِ ْثتُ فِيكُمْ ُ‬
‫َت ْعقِلُونَ }[يونس‪]16 :‬‬
‫ونلحظ في مثل هذا الموقف أن الحق سبحانه يتحمل العنت عن رسوله‪ ،‬وينقل المسألة من ساحة‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الرسول إلى ساحته تعالى‪ ،‬لكي ل تكون عداوة بين محمد وقومه‪ ،‬فالمر ليس من عند محمد بل‬
‫ك وَلَـاكِنّ الظّاِلمِينَ‬
‫من عند ال‪ ،‬يقول تعالى‪َ {:‬قدْ َنعْلَمُ إِنّهُ لَيَحْزُ ُنكَ الّذِي َيقُولُونَ فَإِ ّنهُ ْم لَ ُيكَذّبُو َن َ‬
‫حدُونَ }[النعام‪]33 :‬‬
‫بِآيَاتِ اللّهِ َيجْ َ‬
‫فل تحزن يا محمد‪ ،‬فأنت ُمصَدّق عندهم‪ ،‬لكن المسألة عندي أنا‪ ،‬وهكذا يتحمل الحق سبحانه‬
‫الموقف عن رسوله حتى ل يحمل القوم ضغينة لرسول ال‪.‬‬
‫ثم يقول تعالى‪ { :‬وَإِذا لّتّخَذُوكَ خَلِيلً } [السراء‪]73 :‬‬
‫ب ومودّة‪ ،‬بحيث يتخلل كل منكما الخر ويتغلغل فيه‪ ،‬ومنه‬
‫ح ّ‬
‫الخليل‪ :‬هو المخالّ الذي بينك وبينه ُ‬
‫قوله تعالى في إبراهيم‪ {:‬وَاتّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلً }[النساء‪]125 :‬‬
‫للِ‬
‫جهْ َدهُ خَليليْنِ ذَابَا َلوْعَ ًة وَعِتَابَاكأنّ خَليِلً فِي خِـ َ‬
‫ش ْوقُ َ‬
‫ومنه قول الشاعر‪:‬وََلمّا التقيْنَا قَ ّربَ ال ّ‬
‫ق وَغَابَافإذا ما تقابل الخليلن ذاب كل منهما في صاحبه أو تخلّله ودخل‬
‫خَليِلِه تَسَ ّربَ أثناءَ العِنَا ِ‬
‫فيه‪.‬‬
‫فالمعنى‪ :‬لو أنك تنازلتَ عن المنهج الذي جاءك من ال َلصِ ْرتَ خليلً لهم‪ ،‬كما كنت خليلً لهم من‬
‫قبل‪ ،‬وكانوا يحبونك ويقولون عنك " الصادق المين "‪ .‬إذن‪ :‬الذي جعلهم في حالة عداء لك هو‬
‫منهج ال جئتَ به‪ ،‬فلو تنازلتَ عنه أو تهاونت فيه فسوف يتخذونك خليلً‪ ،‬فل تكُنْ خليلً لهم بل‬
‫خليلً لربك الذي أرسلك‪.‬‬
‫ويخاطب الحق سبحانه رسوله صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فيقول‪ { :‬وََلوْلَ أَن ثَبّتْنَاكَ َلقَدْ كِدتّ تَ ْركَنُ‬
‫إِلَ ْيهِمْ شَيْئا قَلِيلً }‪.‬‬

‫(‪)2086 /‬‬
‫وََلوْلَا أَنْ ثَبّتْنَاكَ َلقَدْ كِ ْدتَ تَ ْركَنُ إِلَ ْيهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (‪)74‬‬

‫{ وََل ْولَ } أداة شرط إن دخلت على الجملة السمية‪ ،‬وتفيد امتناع وجود الجواب لوجود الشرط‪،‬‬
‫ويسمونها حرف امتناع لوجود‪ ،‬كما لو قلت‪ :‬لول زيدٌ عندك لَزُرْ ُتكَ‪ ،‬فقد امتنعت الزيارة لوجود‬
‫زيد‪.‬‬
‫فإنْ دخلت (لول) على الجملة الفعلية أفادتْ الحثّ والحضّ‪ ،‬كما في قوله تعالى‪ّ {:‬لوْلَ جَآءُوا عَلَيْهِ‬
‫ش َهدَآءَ‪[} ..‬النور‪]13 :‬‬
‫بِأَرْ َبعَةِ ُ‬
‫و(لول) في الية دخلتْ على جملة اسمية؛ لن (أن) بعدها مصدرية‪ ،‬فالمعنى‪ :‬لول تثبتنا لك‬
‫لقاربتَ أن تركنَ إليهم شيئا قليلً‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والمتأمل في هذه الية يجدها تحتاط لرسول ال عدة احتياطات‪ ،‬فلم ت ُقلْ‪ :‬لول تثبتنا لك لَركنتَ‬
‫ن فمنعتْ مجرد المقاربة‪ ،‬أما الركون فهو أمر بعيد وممنوع نهائيا‬
‫إليهم‪ ،‬ل‪ ،‬بل لَقاربتَ أنْ ترك َ‬
‫وغير مُتصوّر من رسول ال‪ ،‬ومع ذلك أكّد سبحانه وتعالى هذا المعنى بقوله‪ { :‬شَيْئا قَلِيلً }‬
‫[السراء‪ ]74 :‬أي‪ :‬ركونا قليلً‪.‬‬
‫مما يدلّ على أن طبيعته صلى ال عليه وسلم ـ حتى دون الوحي من ال ـ طبيعة سليمة‬
‫بفطرتها‪ ،‬فلو تصوّرنا عدم التثبيت له من ال ماذا كان يحدث منه؟ يحدث مجرد (كاد) أو (قَرُب)‬
‫أنْ يركنَ إليهم شيئا قليلً‪ ،‬وقلنا‪ :‬إن المقارنة تعني مشروعَ ِفعْل‪ ،‬لكنه لم يحدث‪ِ ،‬ممّا يدلّ على أن‬
‫لرسول ال ذاتية مستقلة‪.‬‬
‫ومعنى { ثَبّتْنَاكَ‪[ } ..‬السراء‪ ]74 :‬التثبيت هو منع المثبّت أنْ يتأرجح‪ ،‬لذلك نقول للمتحرك‪:‬‬
‫اثبت‪.‬‬
‫ومعنى‪ { :‬تَ ْركَنُ } من ركون النسان إلى شيء يعتصم به ويحتمي‪ ،‬والناس يبنون الحوائط ليحموا‬
‫حمَى ظهره فقط‪ ،‬وأمن أنْ‬
‫بها ممتلكاتهم‪ ،‬وإذا احتمى النسان بجدار فأسند ظهره إليه مَثلً فقد َ‬
‫يأتيه أحد من ورائه‪ ،‬فإنْ أراد أنْ يحميَ جميع جهاته الربع‪ ،‬فعليه أن يلجأ إلى ُركْن وأنْ يسند‬
‫ظهره إلى الركن فيأمن من أمامه‪ ،‬ويحتمي بجدار عن يمينه وجدار عن شماله‪ .‬إذن‪ :‬الركون أن‬
‫تذهب إلى حِرْز يمنعك من جميع جهاتك‪.‬‬
‫ومن الركون قوله تعالى عن لوط عليه السلم مع قومه‪َ {:‬لوْ أَنّ لِي ِبكُمْ ُق ّوةً َأوْ آوِي إِلَىا ُركْنٍ‬
‫شَدِيدٍ }[هود‪ ]80 :‬أي‪ :‬أحتمي به وألجأ إليه‪.‬‬
‫والحق سبحانه في هذه اليات يريد أنْ يستلّ السخيمةَ على محمد صلى ال عليه وسلم من قلوب‬
‫أعدائه؛ لنه صلى ال عليه وسلم كان حريصا على هدايتهم وتأليف قلوبهم‪ ،‬وقد كان يشقّ على‬
‫نفسه ويُحمّلها ما ل يطيق في سبيل هذه الغاية‪ ،‬ومن ذلك ما حدث من تَرْكه عبد ال بن أم مكتوم‬
‫الذي جاءه سائلً‪ ،‬وانصرافه عنه إلى صناديد قريش؛ لذلك عتب عليه ربه تبارك وتعالى لنه شقّ‬
‫على نفسه‪.‬‬
‫وكأن الحق تبارك وتعالى في هذه الية يقول‪ :‬يا قوم إنْ لم يوافقكم محمد على ما كنتم تريدون‬
‫عمّا أُنزِل إليه من ربه‪ ،‬فاعذروه؛ لن المر عندي والتثبيت مني‪ ،‬ول ذنب لمحمد‬
‫منه النصراف َ‬
‫فيما خالفكم فيه‪ ،‬كما لو كان عندك خادم مثلً ارتكب خطأ ما‪ ،‬فأردت أنْ تتحمل عنه المسئولية‪،‬‬
‫فقلت‪ :‬أنا الذي كلفتُه بهذا وأمرتُه به‪ ،‬فالمر عندي وليس للخادم ذنب فيما فعل‪.‬‬
‫ض ْعفَ ا ْل َممَاتِ‪.} ...‬‬
‫ض ْعفَ الْحَيَا ِة َو ِ‬
‫ك ِ‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ { :‬إِذا ل َذقْنَا َ‬

‫(‪)2087 /‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ضعْفَ ا ْل َممَاتِ ثُمّ لَا َتجِدُ َلكَ عَلَيْنَا َنصِيرًا (‪)75‬‬
‫ض ْعفَ ا ْلحَيَا ِة َو ِ‬
‫ك ِ‬
‫إِذًا لَأَ َذقْنَا َ‬

‫ضعْف الممات‪ ،‬وبهذا التهديد‬
‫ضعْف الحياة و ِ‬
‫{ إِذا } أي‪ :‬لو كِدتَ تركن إليهم شيئا قليلً لذقناك ِ‬
‫يرفع الحق سبحانه سخيمة الكُرْه من صدور القوم لمحمد‪ ،‬وينقلها له سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫ض ْعفَ ا ْل َممَاتِ‪[ } ..‬السراء‪]75 :‬الضعْف‪ :‬مضاعفة الشيء مرة أخرى‪.‬‬
‫ض ْعفَ الْحَيَا ِة َو ِ‬
‫ومعنى { ِ‬
‫ضعْف عذاب الحياة‬
‫أي‪ :‬قَدْر الشيء مرتين‪ ،‬ول يُذاق في الحياة إل العذاب‪ ،‬فالمراد‪ :‬لذقناك ِ‬
‫حقّ محمد صلى ال عليه وسلم؟‬
‫وضِعْف عذاب الممات‪ ،‬لكن لماذا ُيضَاعَف العذاب في َ‬
‫قالوا‪ :‬لنه أُسْوة كبيرة وقُدْوة يقتدي الناس بها‪ ،‬ويستحيل في حقّه هذا الفعل‪ ،‬ول يتصور منه‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ ،‬لكن على اعتبار أن ذلك حدث منه فسوف يُضاعَف له العذاب‪ ،‬كما قال‬
‫ضعْفَيْنِ‬
‫عفْ َلهَا ا ْل َعذَابُ ِ‬
‫تعالى في نساء النبي‪ {:‬يانِسَآءَ النّ ِبيّ مَن يَ ْأتِ مِنكُنّ ِبفَاحِشَةٍ مّبَيّ َنةٍ ُيضَا َ‬
‫َوكَانَ ذَِلكَ عَلَى اللّهِ َيسِيرا }[الحزاب‪]30 :‬‬
‫ذلك لنهن بيت النبوة وأمهات المؤمنين‪ ،‬وهنّ أُسْوة لغيرهنّ من نساء المسلمين‪ ،‬وكلما ارتفع مقام‬
‫النسان في مركز الدعوة إلى ال وجب عليه أنْ يتبرأ عن الشبهة؛ لنه سيكون أُسْوة فعل‪ ،‬فإنْ‬
‫ضلّ فلن يضل في ذاته فقط‪ ،‬بل سيضل معه غيره‪ ،‬ومن هنا شدّد ال العقوبة وضاعفها للنبي‬
‫َ‬
‫ولزوجاته‪.‬‬
‫وقد اختار الحق سبحانه لفظ { ل َذقْنَاكَ }؛ لن الذاقة من ال ّذوْق‪ ،‬وهو أع ّم الملكَات شُيوعا في‬
‫النفس‪ ،‬فأنت ترى بعينك وتسمع بأذنك وتشمّ بأنفك‪ ،‬لكن المذاق تشترك فيه كل الملكات‪.‬‬
‫جدُ َلكَ عَلَيْنَا َنصِيرا } [السراء‪]75 :‬‬
‫ثم يقول تعالى‪ُ { :‬ث ّم لَ تَ ِ‬
‫أي‪ :‬ل تجد مدافعا يدافع عنك؛ أو ناصرا ينصرك؛ لن مددَك مني وحدي‪ ،‬فكيف يكون لك ناصر‬
‫من دوني؟‬
‫ن الَ ْرضِ لِيُخْرِجوكَ مِ ْنهَا }‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ { :‬وَإِن كَادُواْ لَيَسْ َتفِزّونَكَ مِ َ‬

‫(‪)2088 /‬‬
‫وَإِنْ كَادُوا لَيَسْ َتفِزّو َنكَ مِنَ الْأَ ْرضِ لِيُخْ ِرجُوكَ مِ ْنهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَا َفكَ إِلّا قَلِيلًا (‪)76‬‬

‫وهنا أيضا قوله تعالى { كَادُواْ } أي‪ :‬قاربوا‪ ،‬فهم ل يجرؤون على الفعل‪ ،‬ول يستطيعون‪ ،‬فالمر‬
‫مجرد القُرْب من الفعل‪ ،‬فإنهم سيحاولون إخراجك‪ ،‬لكنك لن تخرج إل بأمري وتقديري‪.‬‬
‫ن الَ ْرضِ‪[ } ..‬السراء‪ ]76 :‬من استفزّه أي‪ :‬طلب منه النهوض‬
‫وقوله تعالى‪ { :‬لَيَسْ َتفِزّو َنكَ مِ َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫خفّة إلى ال ِفعْل‪ ،‬كما تقول لولدك المتثاقل‪( :‬فِز) أي‪ :‬قُمْ وانهض‪ ،‬والمراد‪ :‬يستحثونك على‬
‫وال ِ‬
‫ن الَ ْرضِ } من مكة بإيذائهم لك‪ ،‬وعَنَتهم معك ليحملوك على الخروج‪ ،‬ويُكرّهوك في‬
‫الخروج { مِ َ‬
‫القامة بها‪.‬‬
‫وكفار مكة يعلمون أن في خروجه صلى ال عليه وسلم من مكة راحة لهم‪ ،‬وحتى ل يكون أُسْوة‬
‫لعبيدهم ولضعاف القوم الذين أحبوه‪ ،‬ومالوا لعتناق دينه واليمان به‪.‬‬
‫ثم يقول تعالى‪ { :‬وَإِذا لّ يَلْبَثُونَ خِل َفكَ ِإلّ قَلِيلً } [السراء‪]76 :‬‬
‫أي‪ :‬لو أخرجوك من مكة فلن يلبثوا فيها بعدك إل قليلً‪ ،‬وقد حدث فعلً‪ ،‬فبعد خروجه صلى ال‬
‫عليه وسلم من مكة بعام جاءت بدر‪ ،‬فقُتِل سبعون من صناديد قريش‪ ،‬وأُسِرَ سبعون‪ ،‬وبعد أن‬
‫خرج الرسول من مكة لم يتمتعوا فيها بالنعيم ول بالسيادة التي كانوا يَرجُونها بعد خروجه‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ { :‬سُنّةَ مَن َقدْ أَرْسَلْنَا قَبَْلكَ مِن رّسُلِنَا‪.} ..‬‬

‫(‪)2089 /‬‬
‫حوِيلًا (‪)77‬‬
‫سلْنَا قَبَْلكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا َتجِدُ ِلسُنّتِنَا تَ ْ‬
‫سُنّةَ مَنْ قَدْ أَرْ َ‬

‫يُوضّح الحق تبارك وتعالى أن ما حدث هو سُنة من سُنن ال في الرسل‪ ،‬كما قال تعالى‪ {:‬وََلقَدْ‬
‫سَ َب َقتْ كَِلمَتُنَا ِلعِبَادِنَا ا ْلمُرْسَلِينَ * إِ ّنهُمْ َلهُمُ ا ْلمَنصُورُونَ * وَإِنّ جُندَنَا َلهُمُ ا ْلغَالِبُونَ }[الصافات‪:‬‬
‫‪]173-171‬‬
‫فكأن عليهم أنْ يأخذوا عِبْرة من الرسل السابقين‪ ،‬وبما حلّ بأعدائهم من عذاب ال‪ ،‬لقد أرسل ال‬
‫الرسل فكُذّبوا وعُودوا واضطهِدُوا‪ ،‬ومع ذلك نصرهم ال‪ ،‬وجعل لهم الغَلبة‪.‬‬
‫حوِيلً‬
‫جدُ لِسُنّتِنَا تَ ْ‬
‫والسّنة‪ :‬هي العادة والطريقة التي ل تتخلّف ول تتبدّل؛ لذلك يقول بعدها‪َ { :‬ولَ تَ ِ‬
‫} [السراء‪]77 :‬؛ لن السّنة ل تتحوّل ول تتبدّل إل بالقوى الذي يأتي ليُغير السنة بأخرى من‬
‫عنده‪ ،‬فإذا كانت السّنة من ال القوي بل القوى‪ ،‬فهو سبحانه وحده الذي يملك هذا التحويل‪ ،‬ول‬
‫يستطيع أحد أبدا تحويل سنة ال‪ ،‬فإذا قال سبحانه‪ ،‬فقوله الحق الذي ل يُبدّله أحد‪ ،‬ول يُعارضه‬
‫أحد‪.‬‬
‫وبعد أن تكلّم الحق سبحانه عن اللهيات إيمانا بها‪ ،‬وعن النبوات تصديقا لها‪ ،‬وعن القيامة‬
‫ووجوب اليمان بها وبما يحدث فيها من تناول الكتب‪ ،‬أراد سبحانه أنْ يأتي لنا بثمرة هذا المنهج‬
‫وحصيلته النهائية‪ ،‬وهي أنْ يستقيمَ لنا منهج الحياة وتنضبط حركتنا فيها‪.‬‬
‫هذا المنهج اللهي جاء في صورة أحكام‪ ،‬ولهذه الحكام أركان أساسية جمعها النبي صلى ال‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫خمْس‪ :‬شهادة أن ل إله إل ال‪ ،‬وأن محمدا رسول ال‪،‬‬
‫عليه وسلم في قوله‪ " :‬بُ ِنيَ السلمُ على َ‬
‫وإقام الصلة‪ ،‬وإيتاء الزكاة‪ ،‬وصوم رمضان‪ ،‬وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلً "‪.‬‬
‫إذن‪ :‬هذه الركان التي بُنِي عليها السلم‪ ،‬لكن ما حظ المسلم من هذه الركان؟ لو تأملت لوجدتنَا‬
‫ن ل إله إل ال‪ ،‬وأن محمدا رسول ال‪ ،‬وفي الصلة لنها ل تسقط عن‬
‫نشترك كلنا في شهادة أ ْ‬
‫أحد ليّ سبب‪ ،‬وهي المكرّرة في اليوم خمس مرات‪.‬‬
‫أما باقي الركان وهي‪ :‬الزكاة‪ ،‬والصوم‪ ،‬والحج فقد ل تنطبق شروطها على الجميع‪ ،‬فالفقير ل‬
‫تُفرض عليه زكاة أو حج‪ ،‬والمريض ل يُفرض عليه الصوم‪ .‬إذن‪ :‬عندنا أركان للسلم وأركان‬
‫للمسلم التي هي‪ :‬الشهادتان والصلة‪ ،‬وقد يدخل فيها الزكاة أو الصوم أو الحج‪ ،‬فإذا أتى المسلم‬
‫بجميع الركان فقد اتفقتْ أركان السلم مع أركان المسلم‪.‬‬
‫وتلحظ في هذه الركان أن الشهادتين يكفي أن تقولهما وتشهد بهما ولو مرة واحدة‪ ،‬والزكاة‬
‫والصوم والحج قد ل تنطبق عليك شروطها‪ ،‬فلم يَبْقَ إل الصلة؛ لذلك جعلها عماد الدين‪.‬‬
‫سقِ الّيلِ‪.} ...‬‬
‫شمْسِ إِلَىا غَ َ‬
‫لةَ لِدُلُوكِ ال ّ‬
‫ثم قال تعالى‪َ { :‬أ ِقمِ الصّ َ‬

‫(‪)2090 /‬‬
‫شهُودًا (‪)78‬‬
‫ل َوقُرْآَنَ ا ْلفَجْرِ إِنّ قُرْآَنَ ا ْلفَجْرِ كَانَ مَ ْ‬
‫غسَقِ اللّ ْي ِ‬
‫شمْسِ إِلَى َ‬
‫َأقِمِ الصّلَاةَ ِلدُلُوكِ ال ّ‬

‫ن ولء‬
‫فالصلة هي الفريضة الثابتة المتكررة التي ل تسقط عن المسلم بأي حال‪ ،‬وفيها إعل ُ‬
‫لليمان بال كل يوم خمس مرات‪ ،‬وهي أيضا تنتظم كل أركان السلم؛ لنك في الصلة تشهد أن‬
‫ن كنتَ تقولها مرة واحدة هاأنت تقولها عدة مرات في‬
‫ل إله إل ال وأن محمدا رسول ال‪ ،‬فبدل أ ْ‬
‫كل صلة‪ ،‬وهذا هو الركن الول‪.‬‬
‫كما أنها تشتمل على الصوم؛ لنك تصوم في أثناء الصلة فتمتنع عن شهو َتيْ البطن والفرج‪،‬‬
‫ي فعل غير أفعال الصلة‪ ،‬وعن الكلم في غير ألفاظ الصلة‪ .‬إذن‪ :‬في الصلة‬
‫وكذلك عن أ ّ‬
‫صيام بالمعنى الوسع للصوم‪.‬‬
‫وفي الصلة زكاة؛ لن المال الذي تكتسبه وتُزكّيه ناتج عن الحركة‪ ،‬والحركة فرع الوقت‪ ،‬وفي‬
‫الصلة تُضحّي بالوقت نفسه‪ ،‬فكأن الزكاة في الصلة أبلغ‪.‬‬
‫وكذلك في الصلة حج؛ لنك تتوجّه فيها إلى كعبة ال‪ ،‬وتستحضرها في ذِهْنك وأمام ناظر ْيكَ‪.‬‬
‫لذلك استحقت الصلة أن تكون عماد الدين‪ ،‬ومَنْ أقامها فقد أقام الدين‪ ،‬ومَنْ هدمها فقد هدم الدين‪،‬‬
‫لةَ‪[ } ..‬السراء‪ ]78 :‬أي‪:‬‬
‫ومن هنا جاءت الصلة في أول هذه الحكام‪ ،‬فقال تعالى‪َ { :‬أ ِقمِ الصّ َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أدّها أدا ًء كاملً في أوقاتها‪.‬‬
‫والصلة لها مَيْزة عن كل أركان السلم؛ لن كل تكليفات السلم جاءت بواسطة الوحي لرسول‬
‫ضتْ بالمباشرة مما يدلّ على أهميتها‪ ،‬وقد مثّلنَا لذلك ـ ول المثل العلى‬
‫ال إل الصلة‪ ،‬فقد فُ ِر َ‬
‫ـ بالرئيس الذي يتصل بمرؤوسه تليفونيا ليأمره بشيء‪ ،‬فإذا كان هذا الشيء من الهمية بمكان‬
‫استدعاه إليه وأفهمه ما يريد‪.‬‬
‫وهكذا كانت الصلة‪ ،‬فقد فُ ِرضَتْ على رسول ال صلى ال عليه وسلم وعلى أمته بالمباشرة لما‬
‫لها من أهمية بين فراض الدين‪ ،‬ثم تولى جبريل عليه السلم تعليم رسول ال الصلة‪ ،‬وعَلّمها‬
‫رسول ال للناس‪ ،‬وقال‪ " :‬صَلّوا كما رأيتموني أُصلّي "‪.‬‬
‫شمْسِ‪[ } ..‬السراء‪]78 :‬‬
‫وقوله تعالى‪ { :‬لِدُلُوكِ ال ّ‬
‫الحق سبحانه يريد أن يُبيّن لنا مواقيت الصلة‪ .‬و(الدلوك) معناه‪ :‬الزوال من حركة إلى حركة‪،‬‬
‫ومنها قولنا‪ :‬فلن (المدلكاتي) أي‪ :‬الذي يتولّى عملية التدليك‪ ،‬وتتحرك يده من مكان لمكان‪.‬‬
‫والمراد بدلوك الشمس‪ :‬مَيْلها عن وسط السماء إلى ناحية الغرب‪ ،‬والنسان يرى الفق الواسع إذا‬
‫حسْب نظره وقوته يرى الفق‪ ،‬فإنْ كان‬
‫نظر إلى السماء‪ ،‬فيراها على شكل قوس ممتدّ وعلى َ‬
‫لفُقْ واسعا‪ ،‬وإنْ كان نظره ضعيفا رأى الفق ضيّقا؛ لذلك يقولون لقيل التفكير‪:‬‬
‫نظره قويا رأى ا ُ‬
‫ضيّق الفق‪.‬‬
‫وأنت حين تقف في مكانك وتنظر إلى السماء تراها على شكل نصف دائرة‪ ،‬وأنت مركزها‪،‬‬
‫وساعةَ أنْ ترى الشمس عمودية عليك‪ ،‬فهذا وقت الزوال‪ ،‬فإذا ما انحرفتْ الشمس ناحية المغرب‬
‫ُيقَال‪ :‬دلكت الشمس‪ .‬أي‪ :‬مالت ناحية المغرب‪ ،‬وهذا هو وقت الظهر‪.‬‬
‫ظهْر هو أول وقت صَلّه رسول ال؛ لن‬
‫والمتأمل في فَرْض الصلة على رسول ال يجد أن ال ّ‬
‫الصلة فُ ِرضَتْ عليه في السماء في رحلة المعراج‪ ،‬وكانت بليل‪ ،‬فلما عاد صلى ال عليه وسلم‬
‫كان يستقبل الظهر‪ ،‬فكانت هي الصلة الولى‪.‬‬
‫ثم يقول تعالى‪ } :‬إِلَىا غَسَقِ الّيلِ‪[ { ..‬السراء‪ ]78 :‬أي‪ :‬أقِم الصلة عند دُلوك الشمس إلى متى؟‬
‫إلى غَسَق الليل أي‪ :‬ظلمته‪ ،‬وفي الفترة من دُلوك الشمس إلى ظُلمة الليل تقع صلة الظهر‬
‫والعصر والمغرب والعشاء‪ ،‬ول يبقى إلى صلة الصبح‪ ،‬فقال عنها سبحانه وتعالى‪َ } :‬وقُرْآنَ‬
‫شهُودا { [السراء‪ ]78 :‬ونتساءل هنا‪ :‬لماذا ذكر قرآن الفجر ولم َيقُلْ‬
‫ا ْلفَجْرِ إِنّ قُرْآنَ ا ْلفَجْرِ كَانَ مَ ْ‬
‫صلة؟‬
‫قالوا‪ :‬لن القرآن في هذا الوقت حيث سكون الكون وصفاء النفوس‪ ،‬فتتلقى القرآن نديّا طريّا‬
‫شهُودا { [السراء‪:‬‬
‫وتستقبله استقبالً واعيا قبل أن تنشغل بأمور الحياة } إِنّ قُرْآنَ ا ْلفَجْرِ كَانَ َم ْ‬
‫‪]78‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أي‪ :‬تشهده الملئكة‪ .‬إذن‪ :‬المشهودية لها َدخْل في العبادة‪ ،‬فإذا كانت مشهودية مَنْ ل تكليف عليه‬
‫في الصلة جعلها ال حيثية‪ ،‬فكيف بمشهودية مَنْ كُلّف بالصلة؟‬
‫والحق سبحانه وتعالى جعل في صلة الجماعة استطراقا للعبودية‪ ،‬ففي صلة الجماعة يستوي كل‬
‫الخَلْق حيث يخلعون وجاهتهم‪ ،‬ويخلعون أقدارهم على أبواب المسجد‪ ،‬كما يخلعون أحذيتهم‪،‬‬
‫فالرئيس بجانب المرؤوس والوزير بجانب الخفير‪.‬‬
‫لذلك نهى النبي صلى ال عليه وسلم أن يُوطّن النسان لنفسه مكانا في المسجد‪ ،‬يجلس فيه‬
‫باستمرار؛ لن الصل أنْ يجلس المصلي حيث ينتهي به المجلس‪ ،‬فيجلس الناس بأولوية الحضور‬
‫كل حَسْب مكانه ومبادرته للصلة‪ ،‬فل يتخطى الرقاب‪ ،‬ول يُفرق بين اثنين‪.‬‬
‫ف الول مثلً‪ ،‬ويضع سجادته ليحجزَ بها مكانا‪ ،‬ثم‬
‫ونرى بعض المصلين يسارع إلى الص ّ‬
‫ينصرف لحَاجته‪ ،‬فإذا ما تأخر عن الصلة أتى ليتخطّى رقاب الناس ليصل إلى مكانه‪ ،‬فإذا‬
‫بالناس يضيِقون من هذا التصرّف‪ ،‬ويُنحّون سجادته جانبا ويجلسون مكانها‪ ،‬إنه تصرّف ل يليق‬
‫ببيوت ال التي تُسوّي بين خَلْق ال جميعا‪ ،‬وتحقق استطراق العبودية ل‪ ،‬فأنت اليوم بجوار فلن‪،‬‬
‫وغدا بجوار آخر‪ ،‬الجميع خاضع ل راكع وساجد‪ ،‬فليس لحد أن يتعالى على أحد‪.‬‬
‫ونرى كذلك استطراق العبودية واضحا في مناسك الحج‪ ،‬حيث يأتي أحد العظماء والوجهاء فتراه‬
‫عند الملتزم خاضعا ذليلً باكيا متضرعا‪ ،‬وهو مَنْ هو في دُنْيا الناس‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فوقت الفجر وقت مبارك مشهود‪ ،‬تشهده ملئكة الليل‪ ،‬وهم غير مُكلّفين بالصلة‪ ،‬فالفضل‬
‫من مَشْهدية الملئكة مَشْهدية المصلّين الذين كلّفهم ال بالصلة‪ ،‬وجعلهم ينتفعون بها‪.‬‬
‫ومن هنا كانت صلة الجماعة أفضل من صلة الفرد بسبع وعشرين درجة‪ ،‬كما جاء في الحديث‬
‫النبوي الشريف‪.‬‬
‫ويجب أن نلتفت إلى أن الحق سبحانه ربط الصلوات الخمس بالوقت‪ ،‬وبآية كونية تدلّ عليه هي‬
‫حجِ َبتْ عنّا بغيْم أو نحوه؟‬
‫الشمس‪ ،‬فكيف العمل إذا غابت‪ ،‬أو ُ‬
‫إذن‪ :‬على النسان المؤمن أن يجتهد ويُع ِملَ تفكيره في إيجاد شيء يضبط به وقته‪ ،‬وفعلً تفتقتْ‬
‫القرائح عن آلت ضبط الوقت الموجودة الن‪ ،‬والتي تُيسّر كثيرا على الناس؛ لذلك كانت‬
‫الطموحات النسانية لشياء تخدم الدين وتوضح معالمه أمرا واجبا على علماء المسلمين‪ ،‬على‬
‫اعتبار أن مَا ل يتم الواجب إل به فهو واجب‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪َ } :‬ومِنَ الْلّ ْيلِ فَ َتهَجّدْ بِهِ نَافِلَةً ّلكَ‪.{ ...‬‬

‫(‪)2091 /‬‬
‫حمُودًا (‪)79‬‬
‫عسَى أَنْ يَ ْبعَ َثكَ رَ ّبكَ مَقَامًا مَ ْ‬
‫َومِنَ اللّ ْيلِ فَ َت َهجّدْ ِبهِ نَافِلَةً َلكَ َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الهجود‪ :‬هو النوم‪ ،‬وتهجّد‪ :‬أي أزاح النوم والهجود عن نفسه‪ ،‬وهذه خصوصية لرسول ال وزيادة‬
‫على ما فرض على أمته‪ ،‬أنْ يتهجّد ل في الليل‪ ،‬كما قال له ربه تعالى‪ {:‬ياأَ ّيهَا ا ْلمُ ّز ّملُ * قُمِ الّيلَ‬
‫صفَهُ َأوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلً * َأوْ ِزدْ عَلَيْهِ وَرَتّلِ ا ْلقُرْآنَ تَرْتِيلً }[المزمل‪]4-1 :‬‬
‫ِإلّ قَلِيلً * ّن ْ‬
‫فهذه الخصوصية لرسول ال وإنْ كانت فَرْضا عليه‪ ،‬إل أنها ليست في قالب من حديد‪ ،‬بل له‬
‫صلى ال عليه وسلم مساحة من الحرية في هذه العبادة‪ ،‬المهم أن يقول ل تعالى جزءا من الليل‪،‬‬
‫لكن ما عِلّة هذه الزيادة في حَقّ رسول ال؟ العلة في قوله تعالى‪ {:‬إِنّا سَُن ْلقِي عَلَ ْيكَ َق ْولً َثقِيلً }‬
‫[المزمل‪]5 :‬‬
‫وكأن التهجّد ليلً‪ ،‬والوقوف بين يدي ال في هذا الوقت سيعطي رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫حمْل المنهج‬
‫القوة والطاقة اللزمة للقيام بهذه المسئولية الملقاة على عاتقه‪ ،‬ألَ وهي مسئولية َ‬
‫وتبليغه للناس‪.‬‬
‫وفي الحديث الشريف " أن رسول ال كان كلما حزبه أمر قام إلى الصلة " ‪ ،‬ومعنى حَزَبه َأمْر‪:‬‬
‫أي‪ :‬ضاقت أسبابه عنه‪ ،‬ولم َيعُد له فيه منفذ‪ ،‬فإنْ ضاقت عليه السباب فليس أمامه إل المسبّب‬
‫سبحانه يلجأ إليه و ُيهْرع إلى نجدته{ إِنّ نَاشِئَةَ اللّ ْيلِ ِهيَ أَشَدّ وَطًْأ وََأ ْقوَمُ قِيلً }[المزمل‪]6 :‬‬
‫لنك في الوقت الذي ينام فيه الناس ويخلدون إلى الراحة وتتثاقل رؤوسهم عن العبادة‪ ،‬تقوم بين‬
‫يدي ربك مناجيا مُتضرّعا‪ ،‬فتتنزل عليك من الرحمات والفيوضات‪َ ،‬فمَنْ قام من الناس في هذا‬
‫الوقت واقتدى بك فََلهُ نصيب من هذه الرحمات‪ ،‬وحَظّ من هذه الفيوضات‪ .‬ومَنْ تثاقلتْ رأسه عن‬
‫حظّ له‪.‬‬
‫القيام فل َ‬
‫إذن‪ :‬في قيام الليل قوة إيمانية وطاقة روحية‪ ،‬ولما كانت مهمة الرسول فوق مهمة الخَلْق كان‬
‫حظّه من قيام الليل أزيد من حظهم‪ ،‬فأعباء الرسول صلى ال عليه وسلم كثيرة‪ ،‬وال ِعبْءُ الثقيل‬
‫يحتاج التصال بالحق الحد القيوم‪ ،‬حتى يستعين بلقاء ربه على قضاء مصالحه‪.‬‬
‫ومن العجيب أن ينصرف المسلمون عن هذه السّنة‪ ،‬ويتغافلون عنها‪ ،‬فإذا حزبهم أمر ل ُيهْرَعون‬
‫إلى الصلة‪ ،‬بل يتعللون‪ ،‬يقول أحدهم‪ :‬أنا مشغول‪ .‬وهل شغل الدنيا مبرر للتهاون في هذه‬
‫الفريضة؟ ومَنْ يدريك لعلك بالصلة تُفتح لك البواب‪ ،‬وتقضى في ساعة ما ل تقضيه في عدة‬
‫أيام‪.‬‬
‫ن صَلّوا صَلّوا قضاءً‪ ،‬فإن سألتَهم‬
‫ونقول لهؤلء الذين يتهاونون في الصلة وتشغلهم الدنيا عنها‪ ،‬فإ ْ‬
‫قالوا‪ :‬المشاغل كثيرة والوقت ل يكفي‪ ،‬فهل إذا أراد أحدهم الذهاب لقضاء حاجته‪ ،‬هل سيجد وقتا‬
‫ك واج ٌد الوقت لمثل هذا المر‪ ،‬حتى وإنْ تكالبتْ عليه مشاغل الدنيا‪ ،‬فلماذا الصلة‬
‫لهذا؟ إنه ل ش ّ‬
‫هي التي ل تجد لها وقتا؟!‬
‫وقوله تعالى‪ { :‬نَافِلَةً ّلكَ‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫‪[ { .‬السراء‪]79 :‬‬
‫النافلة هي الزيادة عما فرض على الجميع (لك) أي‪ :‬خاصة بك دون غيرك‪ ،‬وهذا هو مقام‬
‫خذِينَ مَآ آتَا ُهمْ رَ ّبهُمْ إِ ّن ُهمْ كَانُواْ قَ ْبلَ‬
‫الحسان الذي قال ال عنه‪ {:‬إِنّ ا ْلمُ ّتقِينَ فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ * آ ِ‬
‫ذَِلكَ ُمحْسِنِينَ }[الذاريات‪]16-15 :‬‬
‫والمحسن هو الذي دخل مقام الحسان‪ ،‬بأن يزيد على ما فرضه ال عليه‪ ،‬ومن جنس ما فرض؛‬
‫جعُونَ * وَبِالَسْحَارِ هُمْ يَسْ َت ْغفِرُونَ }‬
‫لذلك جاءت حيثية الحسان‪ {:‬كَانُواْ قَلِيلً مّن اللّ ْيلِ مَا َيهْ َ‬
‫[الذاريات‪]18-17 :‬‬
‫وهذا المقام ليس فرضا عليك‪ ،‬فلك أن تصلي العشاء وتنام حتى صلة الفجر‪ ،‬لكن إنْ أردت أن‬
‫خلْ في مقام الحسان على َقدْر استطاعتك‪.‬‬
‫تتأسّى برسول ال وتتشبّه به فاد ُ‬
‫حمُودا { [السراء‪]79 :‬‬
‫عسَىا أَن يَ ْبعَ َثكَ رَ ّبكَ َمقَاما مّ ْ‬
‫ثم يقول تعالى‪َ } :‬‬
‫عسَىا { تدل على رجاء حدوث الفعل‪،‬‬
‫تحدثتْ الية في أولها عن التكليف‪ ،‬وهذا هو الجزاء‪ ،‬و } َ‬
‫وفَرْق بين التمني والرجاء‪ ،‬التمني‪ :‬أن تعلن أنك تحب شيئا لكنه غير ممكن الحدوث أو مستحيل‪،‬‬
‫ظ ُمهَا فالشاعر يتمنى لو أصبحت الكواكب بين‬
‫ومن ذلك قول الشاعر‪:‬لَ ْيتَ الكَواكِبَ تَدْنُو ليِ فَأ ْن ِ‬
‫يديه فينظمها قصائد مدح فيمن يمدحه‪ ،‬وهذا أمر مستحيل الحدوث‪.‬‬
‫وقوله‪َ:‬ألَ لَ ْيتَ الشّباب يعُودُ َيوْما فَأُخبرُه ِبمَا َف َعلَ المشيِبُأما الرجاء فهو طلب فعل ممكن الحدوث‪.‬‬
‫ويقع تحت الطلب أشياء متعددة؛ فإنْ طلب المتكلم من المخاطب شيئا غير ممكن الحدوث فهو‬
‫تمنّ‪ ،‬وإن طلب شيئا ممكن الحدوث فهو ترجّ‪ ،‬وإنْ طلب صورة الشيء ل حقيقته فهو استفهام‬
‫كما تقول‪ :‬أين زيد؟ وفَرْقٌ بين طلب الحقيقة وطلب الصورة‪.‬‬
‫فإنْ طلبتَ حقيقة الشيء‪ ،‬فأمامك حالتان‪ :‬إما أنْ تطلب الحقيقة على أنها تُفعل فهذا أمر‪ ،‬مثل‪ :‬قُمْ‪:‬‬
‫فإنْ طلبتها على أنها ل تفعل فهذا نهي‪ :‬ل َتقُمْ‪.‬‬
‫إذن‪ } :‬عَسَىا { تدل على الرجاء‪ ،‬وهو يختلف باختلف المرجو منه‪ ،‬فإنْ رجوت من فلن فقد‬
‫يعطيك أو يخذلك‪ ،‬فإنْ قُ ْلتَ‪ :‬عسى أنْ أعطيك فقد قربت الرجاء؛ لنني أرجو من نفسي‪ ،‬لكن‬
‫النسان بطبعه صاحب أغيار‪ ،‬ويمكن أن تطرأ عليه ظروف فل َيفِي بما وعد‪.‬‬
‫فإنْ قُلْت‪ :‬عسى ال أن يعطيك‪ ،‬فهو أقوى الرجاء؛ لنك رجوتَ مَنْ ل يُعجِزه شيء‪ ،‬ول يتعاظمه‬
‫شكّ فيه‪.‬‬
‫شيء‪ ،‬ول تتناوله الغيار إذن‪ :‬فالرجاء فيه مُحقّق لَ َ‬
‫والمقام المحمود‪ ،‬كلمة محمود‪ :‬أي الذي يقع عليه الحمد‪ ،‬والحمد هنا مشاع فلم َي ُقلْ‪ :‬محمود ِممّنْ؟‬
‫فهو محمود ِممّنْ يمكن أن يتأتّى منه الحمد‪ ،‬محمود من الكل من لَدُنْ آدم‪ ،‬وحتى قيام الساعة‪.‬‬
‫والمراد بالمقام المحمود‪ :‬هو مقام الشفاعة‪ ،‬حينما يقف الخَلْق في ساحة الحساب و َهوْل الموقف‬
‫وشِدّته‪ ،‬حتى ليتمنى الناس النصراف ولو أن النار‪ ،‬ساعتها تستشفع ُكلّ أمة بنبيها‪ ،‬فيردّها إلى‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أنْ يذهبوا إلى خاتم المرسلين وسيد النبياء‪ ،‬فيقول‪ :‬أنا لها‪ ،‬أنا لها‪.‬‬
‫لذلك أمرنا صلى ال عليه وسلم أن ندعو بهذا الدعاء‪ " :‬وابعثه اللهم المقام المحمود الذي وعدته "‬
‫شكّ أنه دعاء لصالحنا نحن‪.‬‬
‫ول َ‬
‫ج صِ ْدقٍ‪.{ ...‬‬
‫ق وَأَخْ ِرجْنِي ُمخْرَ َ‬
‫ل صِ ْد ٍ‬
‫خَ‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪َ } :‬وقُل ّربّ أَ ْدخِلْنِي مُدْ َ‬

‫(‪)2092 /‬‬
‫ج َعلْ لِي مِنْ لَدُ ْنكَ سُلْطَانًا َنصِيرًا (‪)80‬‬
‫ق وَا ْ‬
‫ج صِ ْد ٍ‬
‫ق وَأَخْ ِرجْنِي مُخْرَ َ‬
‫صدْ ٍ‬
‫خلَ ِ‬
‫َوقُلْ َربّ أَ ْدخِلْنِي مُ ْد َ‬

‫خلَ صِدْقٍ‪[ } ..‬السراء‪ ]80 :‬أي‪ :‬من حيث النظرة العامة؛ لنك قبل أنْ تدخلَ‬
‫قوله تعالى‪ { :‬مُ ْد َ‬
‫اطلب الخروج أولً؛ لنك لن تدخلَ إل بعد أنْ تخرجَ‪ .‬وإنْ كان الترتيب الطبيعي أن تقول‪:‬‬
‫أخرجني مُخْرَج صدق‪ ،‬وأدخلني ُمدْخَل صدق‪.‬‬
‫نقول‪ :‬ل‪ ،‬لن الدخول هو غاية الخروج‪ ،‬ولن الخروج متروك والدخول مستقبل لك‪ ،‬إذن‪:‬‬
‫الدخول هو الهمّ فبدأ به‪ .‬لذلك يقولون‪ :‬إياك أنْ تخرجَ من أمر إل إذا عرفتَ كيف تدخل‪.‬‬
‫ومعنى مخرجَ الصدق‪ ،‬ومدخل الصدق‪ ،‬أنك ل تدخل أو تخرج بدون هدف‪ ،‬فإنْ خرجتَ من‬
‫مكان فليكُن مخرجك مخرج صدق‪ ،‬يعني‪ :‬مطابقا لواقع مهمتك‪ ،‬وإنْ دخلتَ مكانا فليكُنْ دخولك‬
‫مدخل صدق‪ .‬أي‪ :‬لهدف محدد تريد تحقيقه‪ .‬فإن دخلتَ محلً مثلً فادخل لهدف‪ ،‬كشراء سلعة‬
‫صدْق‪ ،‬أما لو دخلتَ دون هدف أو لتؤدي خَلْق ال‪ ،‬فليس في هذا دخول صدق‪.‬‬
‫مثلً‪ ،‬فهذا دخول ِ‬
‫إذن‪ :‬يكون دخولك ل وخروجك ل‪ ،‬وهكذا خرج رسول ال من مكة ودخل المدينة‪ ،‬فكان خروجه‬
‫ل ودخوله ل‪ ،‬فخرج مُخْرجَ صِدْق‪ ،‬ودخل مُدخَل صدق‪ ،‬لنه صلى ال عليه وسلم ما خرج من‬
‫مكة إل لما آذاه قومه واضطهدوه وحاربوا دعوته حتى لم ت ُعدْ التربة في مكة صالحة لنمو‬
‫الدعوة‪ ،‬وما دخل المدينة إل لما رأى الّنصْرة والمؤازرة من أهلها‪.‬‬
‫فالصدق أنْ يطابق الواقع والسلوك ما في نفسك‪ ،‬فل يكُنْ لك قصور في نفسك‪ ،‬ولك حركة مخالفة‬
‫لهذا القصد‪.‬‬
‫جعَل لّي مِن لّدُ ْنكَ سُ ْلطَانا ّنصِيرا } [السراء‪]80 :‬‬
‫ثم يقول تعالى‪ { :‬وَا ْ‬
‫طلب الّنصْرة من ال تعالى لرسوله صلى ال عليه وسلم؛ لنه أرسله بمنهج الحق‪ ،‬وسوف‬
‫يصطدم هذا الحق بأهل الباطل والفساد الذين يحرصون على الباطل‪ ،‬وينتفعون بالفساد‪ ،‬وهؤلء‬
‫سوف ُيعَادُون الدعوة‪ ،‬ويُجابِهونها؛ لذلك توجه رسول ال صلى ال عليه وسلم إلى ربه تعالى‬
‫الذي أرسله واستعان به على مواجهة أعدائه‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وقوله تعالى‪ { :‬سُ ْلطَانا ّنصِيرا } [السراء‪ ]80 :‬السلطان‪ :‬سبق أنْ أوضحنا أنه يُراد به إما حجة‬
‫تُقنع‪ ،‬وإما سيف يَ ْردَع‪ ،‬وهذا واضح في َقوْل الحق تبارك وتعالى‪َ {:‬لقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيّنَاتِ‬
‫وَأَنزَلْنَا َم َعهُمُ ا ْلكِتَابَ وَا ْلمِيزَانَ لِ َيقُومَ النّاسُ بِا ْلقِسْطِ }[الحديد‪ ]25 :‬أي‪ :‬باليات الواضحات‪ ،‬وهذه‬
‫أدوات الحجة والقناع‪.‬‬
‫ثم يقول تعالى‪ {:‬وَأَنزَلْنَا ا ْلحَدِيدَ فِيهِ بَ ْأسٌ شَدِي ٌد َومَنَافِعُ لِلنّاسِ }[الحديد‪ ]25 :‬وهذه أدوات القوة‬
‫والردع‪.‬‬
‫فالخيّر من الناس يرتدع بقول ال وبقول الرسول ويستجيب‪ ،‬أما الشرير فل تُجدي معه الحجة‪ ،‬بل‬
‫ل ُبدّ من رَدْعه بالقوة‪ ،‬فالول إنْ تعرّض للحلف بال حلف صادقا‪ ،‬أما الخر فإنْ تعرّض للحلف‬
‫حلف كاذبا‪ ،‬ووجدها فُرْصة للنجاة‪ ،‬ولسان حاله يقول‪ :‬أتاك الفرج‪.‬‬
‫وفي الثر‪ " :‬إن ال ليزع بالسلطان ما ل يزع بالقرآن "‪.‬‬
‫طلُ‪.} ...‬‬
‫ق وَزَ َهقَ الْبَا ِ‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪َ { :‬و ُقلْ جَآءَ ا ْلحَ ّ‬

‫(‪)2093 /‬‬
‫طلَ كَانَ َزهُوقًا (‪)81‬‬
‫طلُ إِنّ الْبَا ِ‬
‫ق وَزَ َهقَ الْبَا ِ‬
‫َوقُلْ جَاءَ ا ْلحَ ّ‬

‫حقّ‪ } ..‬وما دام قال للرسول‪ُ { :‬قلْ } فل ُبدّ أن‬
‫هكذا أطلقها الحق سبحانه شعارا مُدوّيا { جَاءَ ال َ‬
‫شكّ فيه؛ لذلك أمره بهذه المر الصريح ولم يُوسْوسُه له‪ ،‬وبعد ذلك يقولها رسول ال‬
‫الحق قادم ل َ‬
‫في عام الفتح‪ ،‬وعندما دخل مكة فاتحا وح ْولَ البيت ثلثمائة وستون صنما فيُكبكِبُهم جميعا‪،‬‬
‫وينادي‪ " :‬جاء الحق وزهق الباطل‪ ،‬جاء الحق وزهق الباطل‪ ،‬وما يبدئ الباطل وما يعيد "‪.‬‬
‫أي‪ :‬جاء الحق واندحر الباطل‪ ،‬ولم َيعُدْ لديْه القوة التي يُبدِئ بها و يُعيد‪ ،‬فقد خَمدتْ قواه ولم يَبْقَ‬
‫صوْلَة ول كلمة‪.‬‬
‫له َ‬
‫طلُ‪[ } ..‬السراء‪ ]81 :‬يشعرنا بأن الحق أتي بنفسه؛ لنه‬
‫ق وَزَهَقَ الْبَا ِ‬
‫حّ‬
‫وقوله تعالى‪ { :‬جَآءَ الْ َ‬
‫طلُ‪} ..‬‬
‫نسب المجيء إلى الحق كأنه أمر ذاتيّ فيه‪ ،‬فلم ي ْأتِ به أحد‪ ،‬وكذلك في‪ { :‬وَزَهَقَ الْبَا ِ‬
‫[السراء‪ ]81 :‬فالباطل بطبيعته زاهق مُندحر ضعيف ل بقاءَ له‪ " .‬ومن العجيب أن الحق الذي‬
‫جاء على يد رسول ال في فتح مكة انتفع به حتى مَنْ لم يؤمن‪ ،‬ففي يوم الفتح تتجلى صورة من‬
‫صور العظمة في دين السلم‪ ،‬حين يجمع رسول ال أهل مكة الذين عاندوا وتكبّروا وأخرجوا‬
‫رسول ال من أحب البلد إليه‪ ،‬وها هو اليوم يدخلها منتصرا ويُوقِفهم أمامه ويقول‪ " :‬ما تظنون‬
‫أني فاعل بكم؟ " قالوا‪ :‬خيرا‪ ،‬أخ كريم وابن أخ كريم‪ ،‬قال‪ " :‬اذهبوا فأنتم الطلقاء " "‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إذن‪ :‬جاء الحق ليس لستعباد الناس‪ ،‬ولكن لراحتهم و َرفْع رؤوسهم‪ .‬ومن الحق الذي أظل مكة‬
‫بالفتح ما يُ ْروَى أن واحدا دخل على النبي صلى ال عليه وسلم الكعبة وأراد إيذاءه‪ ،‬وحينما وضع‬
‫يده على رسول ال صلى ال عليه وسلم تبدّل حاله وقال‪ :‬فوال لقد أقبلت عليه‪ ،‬وما في الرض‬
‫أبغض إليّ منه‪ ،‬فحين وضعت يدي عنده فوال ما في الرض أحب إليّ منه‪ ،‬وهكذا جاء الحق‬
‫وزهق الباطل‪.‬‬
‫طلَ كَانَ َزهُوقا } [السراء‪]81 :‬‬
‫وقوله تعالى‪ { :‬إِنّ الْبَا ِ‬
‫زَهُوق صيغة مبالغة‪ ،‬فالباطل نفسه سريعا ما يذهب ويندثر‪ ،‬ومن العَجَب أن ترى الباطل نفسه‬
‫من جنود ال؛ لن الباطل لو لم يُؤلم الناس ويُزعجهم ما تشوّقوا للحق وما مالوا إليه‪ ،‬فإذا ما‬
‫لدغهم الباطل واكتَووْا بناره عرفوا الحق‪.‬‬
‫سمَآءِ مَآءً فَسَاَلتْ َأوْدِيَةٌ‬
‫وقد ضرب لنا الحق سبحانه وتعالى مثلً للحق وللباطل‪ ،‬فقال‪ {:‬أَنَ َزلَ مِنَ ال ّ‬
‫ِبقَدَرِهَا فَاحْ َت َملَ السّ ْيلُ زَبَدا رّابِيا َو ِممّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النّارِ ابْ ِتغَآءَ حِلْ َيةٍ َأوْ مَتَاعٍ زَ َبدٌ مّثْلُهُ كَذاِلكَ‬
‫جفَآ ًء وََأمّا مَا يَنفَعُ النّاسَ فَ َي ْم ُكثُ فِي الَ ْرضِ كَذاِلكَ‬
‫طلَ فََأمّا الزّبَدُ فَ َيذْ َهبُ ُ‬
‫ق وَالْبَا ِ‬
‫َيضْ ِربُ اللّهُ ا ْلحَ ّ‬
‫لمْثَالَ }[الرعد‪]17 :‬‬
‫َيضْ ِربُ اللّ ُه ا َ‬
‫سيّ نراه حينما ينهمر المطر على قمم الجبال‪ ،‬فيسيل‬
‫حّ‬
‫الحق سبحانه يُمثّل للحق وللباطل بشيء ِ‬
‫الماء على الودية بين الجبال حاملً معه صغار الحصى والرمال والقشّ‪ ،‬وهذا هو الزّبَد الذي‬
‫يطفو على صفحة الماء ول ينتفع الناس به‪ ،‬وهذا الماء مثالٌ للحق الذي ينفع الناس‪ ،‬والزّبَد مثال‬
‫للباطل الذي ل خَيْر فيه‪.‬‬
‫أو‪ :‬يعطينا المثال في صورة أخرى‪ :‬صورة الحداد أو الصائغ الذي يُوقِد النار على الذهب ليخرج‬
‫منه ما علق به من شوائب‪.‬‬
‫حمَةٌ لّ ْل ُم ْؤمِنِينَ‪.} ...‬‬
‫شفَآءٌ وَرَ ْ‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ { :‬وَنُنَ ّزلُ مِنَ ا ْلقُرْآنِ مَا ُهوَ ِ‬

‫(‪)2094 /‬‬
‫ن وَلَا يَزِيدُ الظّاِلمِينَ إِلّا خَسَارًا (‪)82‬‬
‫حمَةٌ ِل ْل ُمؤْمِنِي َ‬
‫شفَا ٌء وَرَ ْ‬
‫وَنُنَ ّزلُ مِنَ ا ْلقُرْآَنِ مَا ُهوَ ِ‬

‫ن تلقّاه الظالم كان‬
‫ن تلقّاه المؤمن كان له شفاء ورحمة‪ ،‬وإ ْ‬
‫الية تُعطينا نموذجين لتلقّي القرآن‪ :‬إ ْ‬
‫عليه خَسَار‪ ،‬والقرآن حَدّدَ الظالمين لِيُبَيّن أن ظلمهم هو سبب عدم انتفاعهم بالقرآن؛ لن القرآن‬
‫خير في ذاته وليس خسارا‪.‬‬
‫وقد سبق أن أوضحنا أن الفعل قد يكون واحدا‪ ،‬لكن يختلف القابل للفعل‪ ،‬ويختلف الثر من‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫شخص لخر‪ ،‬كما أن الماء الزلل يشربه الصحيح‪ ،‬فيجد له لذة وحلوة ويشربه العليل فيجده مُرّا‬
‫مائعا‪ ،‬فالماء واحد لكن المنفعل للماء مختلف‪ .‬كذلك أكل الدّسم‪ ،‬فإنْ أكله الصحيح نفعه‪ ،‬وزاد في‬
‫سقْما وجَرّ عليه علة فوق عِلّته‪.‬‬
‫قوته ونشاطه‪ ،‬وإنْ أكله السقيم زاده ُ‬
‫وقد سبق أن أوضحنا في قصة إسلم الفاروق عمر ـ رضي ال عنه ـ أنه لما تلقى القرآن‬
‫بروح الكفر والعناد كَرهه و َنفَر منه‪ ،‬ولما تلقاه بروح العطف وال ّرقّة واللين على أخته التي شجّ‬
‫وجهها أعجبه فآمن‪.‬‬
‫إذن‪ :‬سلمة الطبع أو فساده لها أثر في تلقّي القرآن والنفعال به‪ .‬وما أشبه هذه المسألة بمسألة‬
‫التفاؤل والتشاؤم‪ ،‬فلو عندك كوب ماءٍ قد مُلِئ نصفه‪ ،‬فالمتفائل يُلفِت نظره النصف المملوء‪ ،‬في‬
‫حين أن المتشائم يُلفِت نظره النصف الفارع‪ ،‬فالول يقول‪ :‬نصف الكوب ممتلئ‪ .‬والخر يقول‪:‬‬
‫نصف الكوب فارع‪ ،‬وكلهما صادق لكن طبعهما مختلف‪.‬‬
‫وقد عالج القرآن مسألة التلقّي هذه في قوله تعالى‪ {:‬وَإِذَا مَآ أُنزَِلتْ سُو َرةٌ َفمِ ْنهُمْ مّن َيقُولُ أَ ّيكُمْ‬
‫زَادَ ْتهُ هَـا ِذهِ إِيمَانا فََأمّا الّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَ ْتهُمْ إِيمَانا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وََأمّا الّذِينَ فِي قُلُو ِبهِم مّ َرضٌ‬
‫سهِ ْم َومَاتُواْ وَ ُهمْ كَافِرُونَ }[التوبة‪]125-124 :‬‬
‫جِ‬
‫فَزَادَ ْتهُمْ رِجْسا إِلَىا رِ ْ‬
‫فالية واحدة‪ ،‬لكن الطبع المستقل مختلف‪ ،‬فالمؤمن يستقبلها بمَلكاتٍ سليمة‪ ،‬فيزداد بها إيمانا‪،‬‬
‫والكافر يستقبلها بملكَات فاسدة فيزدا َد بها كفرا‪ ،‬إذن‪ :‬المشكلة في تلقّي الحقائق واستقبالها أن تكون‬
‫ملكاتُ التلقي فاسدة‪.‬‬
‫ومن هنا نقول‪ :‬إذا نظرتَ إلى الحق‪ ،‬فإياك أنْ تنظره وفي جوفك باطل تحرص عليه‪ ،‬ل ُبدّ أن‬
‫تُخرِج ما عندك من الباطل أولً‪ ،‬ثم قارن وفاضل بين المور‪.‬‬
‫وكذلك جاءت هذه المسألة في قول ال تعالى‪َ {:‬ومِ ْنهُمْ مّن يَسْ َت ِمعُ إِلَ ْيكَ حَتّىا ِإذَا خَرَجُواْ مِنْ عِن ِدكَ‬
‫قَالُواْ لِلّذِينَ أُوتُواْ ا ْلعِ ْلمَ مَاذَا قَالَ آنِفا ُأوْلَـا ِئكَ الّذِينَ طَبَعَ اللّهُ عَلَىا قُلُو ِبهِ ْم وَاتّ َبعُواْ أَ ْهوَآءَهُمْ *‬
‫وَالّذِينَ اهْ َت َدوْاْ زَا َدهُمْ ُهدًى وَآتَا ُهمْ َتقُوَا ُهمْ }[محمد‪]17-16 :‬‬
‫وقولهم‪ {:‬مَاذَا قَالَ آنِفا‪[} ..‬محمد‪ ]16 :‬دليل على عدم اهتمامهم بالقرآن‪ ،‬وأنه شيء ل ُيؤْبَهُ له‪.‬‬
‫ي وَعَرَ ِبيّ ُقلْ ُهوَ‬
‫ج ِم ّ‬
‫جمِيّا ّلقَالُواْ َل ْولَ ُفصَّلتْ آيَاتُهُ ءَاعْ َ‬
‫عَ‬
‫جعَلْنَاهُ قُرْآنا أ ْ‬
‫وكذلك في قوله تعالى‪ {:‬وَلَوْ َ‬
‫عمًى‪[} ..‬فصلت‪]44 :‬‬
‫ن لَ ُي ْؤمِنُونَ فِي آذَا ِن ِه ْم َوقْرٌ وَ ُهوَ عَلَ ْي ِهمْ َ‬
‫شفَآ ٌء وَالّذِي َ‬
‫لِلّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَ ِ‬
‫ومثالٌ لسلمة التلقّي من حياتنا المعاصرة إرسال التلفاز مثلً‪ ،‬فقد تستقبله أنت في بيتك فتجده‬
‫واضحا في حَلْقة من الحلقات أو برنامج من البرامج‪ ،‬فتتمتع بما شاهدت‪ ،‬ثم تقابل صديقا فيشكو‬
‫لك سوء الرسال وعدم وضوح الصورة فيؤكد لك سلمة الرسال‪ ،‬إل أن العيب في جهاز‬
‫الستقبال عندك‪ ،‬فعليك أولً أن تضبط جهاز الستقبال عندك لتستقبل آيات ال الستقبال الصحيح‪.‬‬
‫حمَةٌ لّ ْل ُم ْؤمِنِينَ‪[ { ..‬السراء‪:‬‬
‫شفَآ ٌء وَرَ ْ‬
‫إذن‪ :‬قول الحق تبارك وتعالى‪ } :‬وَنُنَ ّزلُ مِنَ ا ْلقُرْآنِ مَا ُهوَ ِ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫‪ ]82‬متوقف على سلمة الطبع‪ ،‬وسلمة الستقبال‪ ،‬والفهم عن ال تعالى‪.‬‬
‫والشفاء‪ :‬أن تعالج داءً موجودا لتبرأ منه‪ .‬والرحمة‪ :‬أن تتخذ من أسباب الوقاية ما يضمن لك عدم‬
‫معاودة المرض مرة أخرى‪ ،‬فالرحمة وقاية‪ ،‬والشفاء علج‪.‬‬
‫ي لمراض القلوب وعِلَل النفوس‪ ،‬فيُخلّص المسلم من القلق‬
‫لكن‪ ،‬هل شفاءٌ القرآن شفا ٌء معنو ّ‬
‫والحَيْرة والغَيْرة‪ ،‬ويجتثّ ما في نفسه من ال ِغلّ والحقد‪ ،‬والحسد‪ ،‬إلى غير هذا من أمراض‬
‫معنوية‪ ،‬أم هو شفاء للماديات‪ ،‬ولمراض البدن أيضا؟‬
‫شكّ فيه أن القرآن شفاء بالمعنى العام الشامل لهذه‬
‫والرأي الراجح ـ بل المؤكد ـ الذي ل َ‬
‫الكلمة‪ ،‬فهو شفاء للماديات كما هو شفاء للمعنويات‪ ،‬بدليل ما ُروِي عن أبي سعيد الخدري ـ‬
‫رضي ال عنه ـ وأنه خرج على رأس سرية وقد مَرّوا بقوم‪ ،‬وطلبوا منهم الطعام‪ ،‬فأ َبوْا‬
‫إطعامهم‪ ،‬وحدث أنْ لُدِغ كبير القوم‪ ،‬واحتاجوا إلى مَنْ يداويه فطلبوا مَنْ يرقيه‪ ،‬فقالوا‪ :‬ل نرقيه‬
‫حدّ قوله تعالى‪َ {:‬لوْ شِ ْئتَ لَتّخَ ْذتَ‬
‫ج ْعلٍ‪ ،‬وذلك لما رأوه من بُخْلهم وعدم إكرامهم لهم‪ ،‬على َ‬
‫إل ب ُ‬
‫عَلَيْهِ َأجْرا‪[} ..‬الكهف‪]77 :‬‬
‫ولما اتفقوا معهم على جُعل من الطعام والشياه قام أحدهم برقية اللديغ بسورة الفاتحة فبرئ‪ ،‬فأكلوا‬
‫حلّ هذا‬
‫من الطعام وتركوا الشياه إلى أنْ عادوا إلى رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وسألوه عن ِ‬
‫جعْل فقال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬ومَنْ أدراك أنها رقية " أي‪ :‬أنها ُرقْية يرقى بها المريض فيبرأ‬
‫ال ُ‬
‫بإذن ال‪ ،‬ثم قال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬كلوا منها‪ ،‬واجعلوا لي سهما معكم "‪.‬‬
‫فشفاء أمراض البدن شيء موجود في السّنة‪ ،‬وليس عجيبة من العجائب؛ لنك حين تقرأ كلم ال‬
‫فاعلم أن المتكلم بهذا الكلم هو الحق سبحانه‪ ،‬وهو َربّ كل شيء ومليكه‪ ،‬يتصرّف في كونه بما‬
‫يشاء‪ ،‬وبكلمة (كُنْ) يفعل ما يريد‪ ،‬وليس ببعيد أنْ يُؤثّر كلم ال في المريض فيشفى‪.‬‬
‫شفَى المريض‬
‫ولما تناقش بعض المعترضين على هذه المسألة مع أحد العلماء‪ ،‬قالوا له‪ :‬كيف ُي ْ‬
‫بكلمة؟ هذا غير معقول‪ ،‬فقال العالم لصاحبه‪ :‬اسكت أنت حمار!! فغضب الرجل‪ ،‬و َهمّ بترك‬
‫المكان وقد ثارت ثورته‪ ،‬فنظر إليه العالم وقال‪ :‬انظر ماذا فعلتْ بك كلمة‪ ،‬فما باُلكَ بكلمة‪ ،‬المتكلّم‬
‫خسَارا { [السراء‪ ]82 :‬لنهم‬
‫بها الحق سبحانه وتعالى؟ ثم يقول تعالى‪َ } :‬ولَ يَزِيدُ الظّاِلمِينَ َإلّ َ‬
‫بظُلْمهم واستقبالهم فُيوضات السماء بمَلكَات سقيمة‪ ،‬وأجهزة متضاربة متعارضة‪ ،‬فلم ينتفعوا‬
‫بالقرآن‪ ،‬ولم يستفيدوا برحمات ال‪.‬‬
‫ض وَنَأَى بِجَانِ ِب ِه وَإِذَا مَسّهُ الشّرّ كَانَ يَئُوسا‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ } :‬وَِإذَآ أَ ْن َعمْنَا عَلَى النْسَانِ أَعْ َر َ‬
‫{‪.‬‬

‫(‪)2095 /‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وَإِذَا أَ ْن َعمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْ َرضَ وَنَأَى ِبجَانِبِ ِه وَإِذَا مَسّهُ الشّرّ كَانَ يَئُوسًا (‪)83‬‬

‫ال تعالى يريد أن يعطي النسان صورة عن نفسه؛ لتكون عنده المناعة الكافية إذا ما أصابه‬
‫طعْم أو التحصين الذي يمنع حدوث مرض ما‪ .‬فهاهي طبيعة‬
‫المرض‪ ،‬كما يعطي الطبيب جَرْعة ال ّ‬
‫سمَتُه الغالية‪ ،‬وعليه أنْ يُخفّف من هذه الطبيعة‪ ،‬والمراد أن النسان إذا أنعم ال عليه‬
‫النسان و ِ‬
‫استغنى وأعرضَ‪.‬‬
‫ولكي ُن َوضّح هذه المسألة نُمثّل لها ـ ول المثل العلى ـ الوالد الذي يعطي للبن مصروفه كل‬
‫شهر مثلً‪ ،‬فترى الولد ل يلتفت إلى أبيه إل أول كل شهر‪ ،‬حيث يأتي موعد ما تعوّد عليه من‬
‫مصروف‪ ،‬وتراه طوال الشهر منصرفا عن أبيه ل يكاد يتذكره‪ ،‬أما إذا عوّده على أنْ يُعطيه‬
‫مصروفه كل يوم‪ ،‬فترى الولد في الصباح يتعرّض لبيه ويُظهِر نفسه أمامه ليُذكّره بالمعلوم‪.‬‬
‫فالولد حين أعرض عن أبيه وانصرف عنه‪ ،‬ما الذي دعاه إلى هذا التصرف؟‬
‫لن الوالد أعطاه طاقة الستغناء عنه طوال الشهر‪ ،‬فإنْ كان البن بارّا مؤمنا فإنه ل ينسى َفضْل‬
‫والده الذي َوفّر له طاقة الستغناء هذه‪ ،‬فيُذكِر والده بالخير‪ ،‬ويحمل له هذا الجميل‪.‬‬
‫فإنْ كان هذا هو الحال مع الرب الدنى فهو كذلك مع الربّ العلى سبحانه‪ ،‬فيقول تعالى‪ { :‬وَِإذَآ‬
‫أَ ْن َعمْنَا عَلَى النْسَانِ أَعْ َرضَ‪[ } ..‬السراء‪]83 :‬‬
‫أي‪ :‬أعرض عنا وعن ِذكْرنا وانصرف عن منهجنا‪ ،‬ومن الناس مَنْ يُعرِض عن ذكر ال‪ ،‬ولكنه‬
‫يؤدّي منهجه‪ ،‬ولو أدّى المنهج ذكر صاحب المنهج ما نسى المنعم أبدا‪.‬‬
‫ن الِنسَانَ‬
‫شغِل النسان بالنعمة عن المنعم‪ ،‬فكأنه يُخطّئ المنعم‪ ،‬كما قال تعالى‪ {:‬كَلّ إِ ّ‬
‫وإذا ُ‬
‫طغَىا * أَن رّآهُ اسْ َتغْنَىا }[العلق‪]7-6 :‬‬
‫لَيَ ْ‬
‫فالستغناء هنا ليس ذاتيا في النسان‪ ،‬بل هو استغناء موهوب‪ ،‬قد ينتهي في يوم من اليام ويعود‬
‫جعَىا }[العلق‪:‬‬
‫النسان من جديد يطلب النعمة من المنعِم سبحانه‪ ،‬يقول تعالى‪ {:‬إِنّ إِلَىا رَ ّبكَ الرّ ْ‬
‫‪]8‬‬
‫ثم يتحدث الحق عن صفة أخرى في النسان‪ { :‬وَإِذَا مَسّهُ الشّرّ كَانَ يَئُوسا } [السراء‪ ]83 :‬وهذه‬
‫صفة مذمومة في النسان الذي إذا ما تعرّض لشرّ أو مسّه ضُرّ يقنط من رحمة ال‪ ،‬وكأن الحق‬
‫سبحانه يخاطب عبده الذي يقنط‪ :‬ل يليق بك أن تقنط إذا ضاقتْ بك الدنيا‪ ،‬وأنت مؤمن ل تعيش‬
‫مع السباب وحدها إنما مع المسبّب سبحانه‪ ،‬وما ُد ْمتَ في رحاب مُسبّب السباب فل تيأس ول‬
‫تقنط‪.‬‬
‫لذلك يقولون‪ " :‬ل كَ ْربَ وأنت ربّ " ‪ ،‬فيجوز لك القنوط إن لم يكُنْ لك َربّ يتولّك‪ ،‬أما والرب‬
‫موجود فل يليق بك‪ ،‬كيف ومَنْ له أب ل يُلقي لهموم الدنيا بالً‪ ،‬ويستطيع أن يعتمد عليه في‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫قضاء حاجاته‪ ،‬فما بالك بمَنْ له َربّ يرعاه ويتولّه‪ ،‬ويستطيع أن يتوجه إليه‪ ،‬ويدعوه في كل‬
‫وقت؟‬
‫والحق سبحانه حينما يُنبّهنا إلى هذه المسألة يريد أنْ يُعطينا الُسْوة به سبحانه وتعالى‪ ،‬يريد أن‬
‫ل فأنكروه‪ ،‬أو معروفا فجحدوه‪ ،‬وكيف تحزن وهم‬
‫يقول للنسان‪ :‬ل تحزن إن أدّ ْيتَ للناس جمي ً‬
‫يفعلون هذا معي‪ ،‬وأنا ربّ العالمين‪ ،‬فكثيرا ما أُنعِم عليهم‪ ،‬ويُسيئون إليّ‪ ،‬ويكفرون بي وبنعمتي‪.‬‬
‫وسيدنا موسى ـ عليه السلم ـ حينما طلب من ربه تعالى َألّ يقال فيه ما ليس فيه‪ ،‬قال له ربه‪:‬‬
‫كيف‪ ،‬وأنا لم أفعل ذلك لنفسي؟! إنهم يفترون على ال ما ليس فيه‪ ،‬ويكفرون به سبحانه وينكرون‬
‫إيجاده ونعمه‪ ،‬فَمنْ يغضب لقول الكافرين أو إيذائهم له بعد هذا؟‬
‫لكن‪ ،‬لماذا ييأس النسان ويقنط؟ لنه في حال النعمة أعرض عن ال ونأى بجانبه‪ :‬أي ابتعد عن‬
‫ربه‪ ،‬لم َيعُدْ له مَنْ يدعوه ويلجأ إليه أن يُفرّج عنه ضيق الدنيا‪.‬‬
‫إذن‪ :‬لما أعرض في الولى يَئِس في الثانية‪ .‬وال تعالى يجيب مَنْ دعاه ولجأ إليه حال الضيق‬
‫ضلّ مَن تَدْعُونَ ِإلّ إِيّاهُ‪} ..‬‬
‫س ُكمُ ا ْلضّرّ فِي الْبَحْ ِر َ‬
‫حتى إنْ كان كافرا‪ ،‬كما قال تعالى‪ {:‬وَإِذَا مَ ّ‬
‫[السراء‪]67 :‬‬
‫ثم يقول الحق تبارك وتعالى‪ُ } :‬قلْ ُكلّ َي ْع َملُ عَلَىا شَاكِلَتِهِ فَرَ ّبكُمْ أَعْلَمُ ِبمَنْ ُهوَ َأهْدَىا سَبِيلً {‪.‬‬

‫(‪)2096 /‬‬
‫ُقلْ ُكلّ َي ْع َملُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَ ّبكُمْ أَعْلَمُ ِبمَنْ ُهوَ َأهْدَى سَبِيلًا (‪)84‬‬

‫أي‪ :‬أن كل إنسان يعمل على طريقته‪ ،‬وعلى طبيعته‪ ،‬وعلى مقدار ما تكونت به من خليا‬
‫اليمان‪ ،‬أو من خليا إيمان اختلطت بخليا عصيان‪ ،‬أو بما عنده من خليا كفر‪ ،‬فالناس مختلفون‬
‫وليسوا على طبع واحد‪ ،‬فل تحاول ـ إذن ـ أن تجعل الناس على طبع واحد‪.‬‬
‫وما دام المر كذلك‪ ،‬فليعمل كل واحد على شاكلته‪ ،‬وحسب طبيعته‪ ،‬فإنْ أساء إليك إنسان سيئ‬
‫الطبع فل تقابله بسوء مثله‪ ،‬ولتعمل أنت على شاكلتك‪ ،‬ولتقابله بطبع طيّب؛ لذلك يقولون‪ :‬ل‬
‫تُكافئ مَنْ عصى ال فيك بأكثر من أنْ تطيع ال فيه‪ .‬وبذلك يستقيم الميزان في المجتمع‪ ،‬ول‬
‫تتفاقم فيه أسباب الخلف‪.‬‬
‫ثم يقول تعالى‪ { :‬فَرَ ّب ُكمْ أَعْلَمُ ِبمَنْ ُهوَ أَهْدَىا سَبِيلً } [السراء‪ ]84 :‬والربّ‪ :‬المتولّي للتربية‪،‬‬
‫والمتولّي للتربية ل شكّ يعلم خبايا المربّى‪ ،‬ويعلم أسراره ونواياه‪ ،‬كما قال تعالى‪َ {:‬ألَ َيعْلَمُ مَنْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ق وَ ُهوَ اللّطِيفُ ا ْلخَبِيرُ }[الملك‪]14 :‬‬
‫خََل َ‬
‫ثم يقول الحق تبارك وتعالى‪ { :‬وَيَسَْألُو َنكَ عَنِ الرّوحِ ُقلِ الرّوحُ مِنْ َأمْرِ رَبّي‪.} ...‬‬

‫(‪)2097 /‬‬
‫وَيَسْأَلُو َنكَ عَنِ الرّوحِ ُقلِ الرّوحُ مِنْ َأمْرِ رَبّي َومَا أُوتِيتُمْ مِنَ ا ْلعِ ْلمِ إِلّا قَلِيلًا (‪)85‬‬

‫عدّة‪ ،‬فإنْ‬
‫والسؤال يَرِد في القرآن بمعان متعددة‪ ،‬ووردتْ هذه الصيغة { وَيَسَْألُو َنكَ } في مواضع ِ‬
‫كان السؤال عن شيء نافع يضر الجهل به أجابهم القرآن‪ ،‬كما في قوله تعالى‪ {:‬وَيَسْأَلُو َنكَ عَنِ‬
‫ا ْلمَحِيضِ ُقلْ ُهوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النّسَآءَ فِي ا ْل َمحِيضِ }[البقرة‪]222 :‬‬
‫ن وَالْيَتَامَىا وَا ْلمَسَاكِينِ‬
‫لقْرَبِي َ‬
‫وقوله تعالى‪ {:‬يَسْأَلُو َنكَ مَاذَا يُ ْن ِفقُونَ ُقلْ مَآ أَ ْنفَقْتُمْ مّنْ خَيْرٍ فَلِ ْلوَالِدَيْنِ وَا َ‬
‫ل َومَا َتفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنّ اللّهَ ِبهِ عَلِيمٌ }[البقرة‪]215 :‬‬
‫وَابْنِ السّبِي ِ‬
‫فإنْ كان السؤال عن شيء ل يضر الجهل به‪ ،‬لفت القرآن أنظارهم إلى ناحية أخرى نافعة‪ ،‬كما‬
‫في سؤالهم عن الهِلّة‪ :‬كيف يبدو الهلل صغيرا ثم يكبر ويكبر إلى أن يصير بدرا‪ ،‬ثم يأخذ في‬
‫التناقص ليعود كما بدأ؟‬
‫فالحديث مع العرب الذين عاصروا نزول القرآن في هذه المور الكونية التي لم نعرفها إل حديثا‬
‫أمر غير ضروري‪ ،‬وفوق مستوى فهمهم‪ ،‬ول تتسع له عقولهم‪ ،‬ول يترتب عليه حكم‪ ،‬ول ينتج‬
‫عن الجهل به ضرر‪ ،‬ولو أخبرهم القرآن في إجابة هذا السؤال بحقيقة دوران القمر بين الرض‬
‫والشمس وما يترتب على هذه الدورة الكونية من ليل ونهار‪ ،‬وهم أمة أمية غير مثقفة لتهموا‬
‫القرآن بالتخريف‪ ،‬ولربما انصرفوا عن أصل الكتاب كله‪.‬‬
‫لكن يُحوّلهم القرآن‪ ،‬ويُلفت أنظارهم إلى ما يمكن النتفاع به من الهِلّة‪ُ {:‬قلْ ِهيَ َموَاقِيتُ لِلنّاسِ‬
‫وَالْحَجّ‪[} ..‬البقرة‪]189 :‬‬
‫وقد يأتي السؤال‪ ،‬ويُرَاد به اختبار رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ومن ذلك ما حدث من اتفاق‬
‫كفار مكة واليهود حيث قالوا لهم‪ :‬اسألوه عن الروح‪ ،‬وهم يعلمون تماما أن هذه مسألة ل يعلمها‬
‫أحد‪ ،‬لكنهم أرادوا الكيد لرسول ال‪ ،‬فلعله يقول في الروح كلما يأخذونه عليه ويستخدمونه في‬
‫صَرْف الناس عن دعوته‪.‬‬
‫شكّ أنه سؤال خبيث؛ لن النسان عامة يحب أن يظهر في مظهر العالم‪ ،‬ول يحب أن يعجز‬
‫ول َ‬
‫صغّر نفسه أمام سائليه من أهل مكة‪ ،‬وسوف‬
‫أمام محاوره فاستغلوا هذه العاطفة‪ ،‬فالرسول لن ُي َ‬
‫يحاول الجابة عن سؤالهم‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سعْيهم‪ ،‬فكانت الجابة‪ { :‬وَيَسْأَلُو َنكَ عَنِ الرّوحِ ُقلِ الرّوحُ مِنْ َأمْرِ رَبّي َومَآ أُوتِيتُم‬
‫ولكن خَيّب ال َ‬
‫مّنَ ا ْلعِلْمِ ِإلّ قَلِيلً } [السراء‪]85 :‬‬
‫فعندما سمع أهل الكتاب هذه الجابة آمن كثيرون منهم؛ لنها طابقت ما قالته كتبهم عن الروح‪،‬‬
‫وأنها من عند ال‪.‬‬
‫و { الرّوحِ } لها إطلقات مُتعدّدة‪ ،‬منها‪ :‬الرّوح التي تمدّ الجسم بالحياة إن اتصلت به‪ ،‬كما في‬
‫جدِينَ }[الحجر‪]29 :‬‬
‫ختُ فِيهِ مِن رّوحِي َف َقعُواْ لَهُ سَا ِ‬
‫سوّيْتُ ُه وَ َنفَ ْ‬
‫قوله تعالى‪ {:‬فَإِذَا َ‬
‫فإذا ما فارقتْ هذه الروح الجسد فقد فارق الحياة‪ ،‬وتحوّل إلى جثة هامدة‪ ،‬وفيها يقول تعالى‪{:‬‬
‫فََلوْلَ ِإذَا بََل َغتِ الْحُ ْلقُومَ }[الواقعة‪]83 :‬‬
‫وقد تأتي الروح لتدل على أمين الوحي جبريل عليه السلم‪ ،‬كما في قوله تعالى‪:‬‬
‫لمِينُ }[الشعراء‪]193 :‬‬
‫{ نَ َزلَ بِهِ الرّوحُ ا َ‬
‫وقد تُطلَق الروح على الوحي ذاته‪ ،‬كما في قوله تعالى‪َ {:‬وكَذَِلكَ َأوْحَيْنَآ إِلَ ْيكَ رُوحا مّنْ َأمْرِنَا }‬
‫[الشورى‪]52 :‬‬
‫ن وَأَيّدَ ُهمْ بِرُوحٍ‬
‫وتأتي بمعنى التثبيت والقوة‪ ،‬كما في قوله تعالى‪ُ {:‬أوْلَـا ِئكَ كَ َتبَ فِي قُلُو ِبهِ ُم الِيمَا َ‬
‫مّنْهُ }[المجادلة‪]22 :‬‬
‫وأُطِل َقتْ الروح على عيسى ابن مريم ـ عليه السلم ـ في قوله تعالى‪ {:‬إِ ّنمَا ا ْلمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ‬
‫مَرْيَمَ رَسُولُ اللّ ِه َوكَِلمَتُهُ أَ ْلقَاهَا إِلَىا مَرْيَ َم وَرُوحٌ مّنْهُ }[النساء‪]171 :‬‬
‫إذن‪ :‬لهذه الكلمة إطلقات مُتعدّدة‪ ،‬فما العلقة بينها؟‬
‫قالوا‪ :‬الروح التي بها حركة الحياة إذا وُجِ َدتْ في النسان تعطي مادية الحياة‪ ،‬ومادية الحياة‬
‫شيء‪ ،‬وقيَمُ الحياة شيء آخر‪ ،‬فإذا ما جاءك شيء يعدل لك قيم الحياة فهل تُسمّيه روحا؟ ل‪ ،‬بل‬
‫هو روح الروح؛ لن الروح الُولى قصاراها الدنيا‪ ،‬لكن روح المنهج النازل من السماء فخالدة‬
‫في الخرة‪ ،‬فأيّهما حياته أطول؟‬
‫لذلك فالحق سبحانه يُنبّهنا‪ :‬إياك أنْ تظنّ أن الحياة هي حياتك أنت وكونك ُتحِسّ وتتحرك وتعيش‬
‫طالما فيك روح‪ ،‬ل بل هناك روح أخرى أعظم في دار أخرى أَبْقى وأَدْوم‪ {:‬وَإِنّ الدّارَ الخِ َرةَ‬
‫َل ِهيَ الْحَ َيوَانُ َلوْ كَانُواْ َيعَْلمُونَ }[العنكبوت‪]64 :‬‬
‫لن الروح التي تعيش بها في الدنيا عُرْضة لنْ تُؤخَذ منك‪ ،‬وتُسلَب في أيّ مرحلة من مراحل‬
‫حياتك منذ وجودك جنينا في بطن أمك‪ ،‬إلى أنْ تصير شيخا طاعنا في السنّ‪ ..‬أما روح الخرة‪،‬‬
‫لقْوى والَبْقى؛ لنها ل يعتريها الموت‪.‬‬
‫وهي روح القيم وروح المنهج‪ ،‬فهي الروح ا َ‬
‫سمّي المَلك النازل به روحا؛ لنه سيعطي حياة أطول هي حياة القيم في‬
‫سمّي القرآن‪ ،‬و ُ‬
‫إذن‪ُ :‬‬
‫الخرة‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهنا يقول تعالى‪ُ } :‬قلِ الرّوحُ مِنْ َأمْرِ رَبّي‪[ { ..‬السراء‪]85 :‬‬
‫أي‪ :‬أن هذا من خصوصياته هو سبحانه‪ ،‬وطالما هي من خصوصياته هو سبحانه‪ ،‬فلن يطلع أحدا‬
‫على سِرّها‪ .‬وهل هي جوهر يدخل الجسم فيحيا ويسلب منه فيموت‪ ،‬أم هي مراد (بكُنْ) من‬
‫الخالق سبحانه‪ ،‬فإنْ قال لها كُنْ تحيا‪ ،‬وإنْ قال ِمتْ تموت؟‬
‫إنّ علم النسان سيظل قاصرا عن إدراك هذه الحقيقة‪ ،‬وسيظل بينهما مسافات طويلة؛ لذلك قال‬
‫تعالى بعدها‪َ } :‬ومَآ أُوتِيتُم مّنَ ا ْلعِلْمِ ِإلّ قَلِيلً { [السراء‪]85 :‬‬
‫وهل عرف العقل البشري كل شيء حتى يبحث في أسرار الروح؟!‬
‫ولما تعرّض أحد رجال الصوفية للنقد‪ ،‬واعترض عليه أحد الشخاص فقال له الصوفي‪ :‬وهل‬
‫طتَ عِلْما بكل شيء في الكون؟ قال الرجل‪ :‬ل‪ ،‬قال‪ :‬فأنا من الذي ل تعلم‪.‬‬
‫ح ْ‬
‫أَ َ‬
‫والحق سبحانه وتعالى حينما يعطينا فكرة عن الشياء ل يعطينا بحقائق ذاتها وتكوينها؛ لن‬
‫أذهاننا قد ل تتسع لفهمها‪ ،‬وإنما يعطينا بالفائدة منها‪ .‬فحين حدثنا عن الهِلّة قال‪ُ {:‬قلْ ِهيَ َموَاقِيتُ‬
‫س وَا ْلحَجّ‪[} ..‬البقرة‪]189 :‬‬
‫لِلنّا ِ‬
‫وهذه هي الفائدة التي تعود علينا والتي تهمنا من الَهِلّة‪ ،‬أما حركتها ومنازلها والمراحل التي تمر‬
‫بها الَهِلّة فأمور ل يضر الجهل بها؛ ذلك لن الستفادة بالشيء ليستْ فرعا لفهم حقيقته‪ ،‬فالرجل‬
‫الُميّ في ريفنا يقتني الن التلفاز وربما الفيديو‪ ،‬ويستطيع استعمالهما وتحويل قنواتهما‬
‫وضبطهما‪ ،‬ومع ذلك فهو ل يعرف كيف تعمل هذه الجهزة؟ وكيف تستقبل؟‬
‫إذن‪ :‬الستفادة بالشيء ل تحتاج معرفة كل شيء عنها‪ ،‬فيكفيك ـ إذن ـ أنْ تستفيد بها دون أن‬
‫تُدخِل نفسك في متاهات البحث عن حقيقتها‪.‬‬
‫علْمٌ‪} ..‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى ينبهنا إلى هذه المسألة في قوله تعالى‪َ {:‬ولَ َت ْقفُ مَا لَيْسَ َلكَ بِهِ ِ‬
‫[السراء‪ ]36 :‬لن الخالق سبحانه يريد للنسان أن يُوفّر طاقاته الفكرية ليستخدمها فيما يُجدي‪،‬‬
‫وَألّ يُتعِب نفسه ويُجهدها في علم ل ينفع‪ ،‬وجهل ل يضر‪.‬‬
‫فعلى المسلم بدل أن يشغل تفكيره في مثل مسألة الروح هذه‪ ،‬أنْ ينشغل بعمل ذي فائدة له‬
‫ولمجتمعه‪ .‬وأيّ فائدة تعود عليك إنْ توصلت إلى سِرّ من أسرار الروح؟ وأيّ ضرر سيقع عليك‬
‫إذا لم تعرف عنها شيئا؟‬
‫إذن‪ :‬مناط الشياء أن تفهم لماذا وجدت لك‪ ،‬وما فائدتها التي تعود عليك‪.‬‬
‫والحق سبحانه حينما قال‪َ } :‬ومَآ أُوتِيتُم مّنَ ا ْلعِلْمِ ِإلّ قَلِيلً { [السراء‪ ]85 :‬كان يخاطب بها‬
‫المعاصرين لرسول ال منذ ما يزيد على ألف وأربعمائة عام‪ ،‬ومازال يخاطبنا ويخاطب مَنْ‬
‫بعدنا‪ ،‬وإلى أن تقوم الساعة بهذه الية مع ما توصلتْ إليه البشرية من علم وكأنه سبحانه يقول‪ :‬يا‬
‫ابن آدم‪ ،‬الزم غرزك‪ ،‬فإن وقفت على سِرّ فقد غابتْ عنك أسرار‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سهِمْ حَتّىا‬
‫وقد أوضح الحق سبحانه لنا هذه المسألة في قوله‪ {:‬سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الفَاقِ َوفِي أَنفُ ِ‬
‫يَتَبَيّنَ َلهُمْ أَنّهُ ا ْلحَقّ }[فصلت‪]53:‬‬
‫وهاهم العلماء والباحثون يقفون كل يوم على جديد في الكون الفسيح وفي النسان‪ ،‬ولو تابعتَ ما‬
‫توصّل إليه علماء الفضاء ورجال الطب لَهالكَ ما توصّلوا إليه من آيات وعجائب في خَلْق ال‬
‫تعالى‪ ،‬لكن هل معنى ذلك أننا عرفنا كل شيء؟ إن كلمة } سَنُرِيهِمْ { ستظل تعمل إلى قيام‬
‫الساعة‪.‬‬
‫والمتتبع لطموحات العقول وابتكاراتها يجد التطور يسير بخُطىً واسعة‪ ،‬ففي الماضي كان التقدم‬
‫ُيقَاسُ بالقرون‪ ،‬أما الن ففي كل يوم يطلع علينا حديث وجديد‪ ،‬ونرى الجهزة تُصنع ول‬
‫تُستعمل؛ لنها قبل أنْ تُبَاع يخرج عليها أحدث منها‪ ،‬لكن كلها زخارف الحياة وكمالياتها‪ ،‬كما قال‬
‫ت الَ ْرضُ زُخْ ُر َفهَا وَازّيّ َنتْ‪[} ..‬يونس‪]24 :‬‬
‫تعالى‪ {:‬حَتّىا ِإذَآ َأخَ َذ ِ‬
‫فكلّ مَا نراه من تقدّم ليس من ضروريات الحياة‪ ،‬فقد كُنّا نعيش بخير قبل أن نعرف الكهرباء‪،‬‬
‫وكُنّا نشرب في الفخار والن في الكريستال‪ ،‬فابتكارات النسان في الكماليات‪ ،‬أما الضروريات‬
‫فقد ضمنها الخالق سبحانه قبل أن يوجد النسان على هذه الرض‪.‬‬
‫فإذا ما استنفدتْ العقول البشرية نشاطاتها‪ ،‬وبلغتْ مُنتهى مَا لديها من ابتكارات‪ ،‬حتى ظنّ الناس‬
‫أنهم قادرون على التحكم في زمام الكون‪ ،‬ل يعجزهم فيه شيء‪ ،‬كما قال تعالى‪:‬‬
‫لمْسِ }‬
‫حصِيدا كَأَن لّمْ َتغْنَ بِا َ‬
‫جعَلْنَاهَا َ‬
‫{ وَظَنّ أَهُْلهَآ أَ ّنهُمْ قَادِرُونَ عَلَ ْيهَآ أَتَاهَآ َأمْرُنَا لَيْلً َأوْ َنهَارا فَ َ‬
‫[يونس‪]24 :‬‬
‫فبعد ما أخذتم أسرار المنعِم في الكون على قَدْر ما استطعتم‪ ،‬فاذهبوا الن إلى المنعِم ذاته لتروا‬
‫النعيم على حقيقته‪ ،‬وكلما رأيت في دنيا الناس ابتكارات واختراعات تُسعِد النسان‪ ،‬فهذا ما أعدّ‬
‫البشر للبشر‪ ،‬فكيف بما أعدّ ال الخالق لخَلْقه؟‬
‫فالمفروض أن زخارف الحياة وزينتها وكمالياتها ل تدعونا إلى الحقد والحسد لمن توفرتْ لديه‪،‬‬
‫بل تدعونا إلى مزيد من اليمان والشوق إلى النعيم الحقيقي عند المنعِم سبحانه‪.‬‬
‫ولو تأملتَ هذه الرتقاءات البشرية لوجدتها قائمة على المادة التي خلقها ال والعقل المخلوق ال‬
‫والطاقة المخلوقة ل‪ ،‬فَدوْر النسان أنه أعمل عقله وفكره في المقوّمات التي خلقها ال‪ ،‬لكن مهما‬
‫وصلتْ هذه الرتقاءات‪ ،‬ومهما تطورتْ هل ستصل إلى درجة‪ :‬إذا خطر الشيء ببالك تجدْه بين‬
‫يديك؟‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ } :‬وَلَئِن شِئْنَا لَنَ ْذهَبَنّ بِالّذِي َأ ْوحَيْنَا إِلَ ْيكَ ثُ ّم لَ َتجِدُ َلكَ ِبهِ عَلَيْنَا َوكِيلً {‪.‬‬

‫(‪)2098 /‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫جدُ َلكَ بِهِ عَلَيْنَا َوكِيلًا (‪)86‬‬
‫وَلَئِنْ شِئْنَا لَ َنذْهَبَنّ بِالّذِي َأوْحَيْنَا إِلَ ْيكَ ُثمّ لَا تَ ِ‬

‫الحق سبحانه في هذه الية يريد أنْ يُربّي الكفار ويُؤنّبهم‪ ،‬ويريد أن يُبَرّئ ساحة رسوله صلى ال‬
‫عليه وسلم ويتحمل عنه المسئولية‪ ،‬فهو مجرد مُبلّغ عن ال‪ ،‬وإياكم أن تقولوا عنه ُمفْترٍ‪ ،‬أو أتى‬
‫بشيء من عنده‪ ،‬بدليل أنني لو شِ ْئتُ لسلبتُ ما أوحيتُه إليه وقرأه عليكم وسمعتموه أنتم وكتبه‬
‫الصحابة‪.‬‬
‫فإنْ سأل متسائل‪ :‬وكيف يذهب ال بوحي مُنزّل على رسوله‪ ،‬وحفظه وكتبه الصحابة‪ ،‬وسمعه‬
‫الكفار؟‬
‫نقول‪ :‬أولً‪ :‬سياق الية يدلّنا على أن هذه العملية لم تحدث؛ لن الحق سبحانه يقول‪ { :‬وَلَئِن‬
‫شِئْنَا‪[ } ..‬السراء‪ ]86 :‬بمعنى‪ :‬لو شِئْنا فعلنا ذلك‪ ،‬فالفعل لم يحدث‪ ،‬والمراد بيان إمكانية ذلك‬
‫ليُبَرّئ موقف رسول ال‪ ،‬وأنه ليس له من المور شيء‪.‬‬
‫شيْءٌ‪[} ..‬آل عمران‪ ]128 :‬أنها‬
‫لمْرِ َ‬
‫ناَ‬
‫والغريب أن يفهم البعض من قوله تعالى‪ {:‬لَيْسَ َلكَ مِ َ‬
‫ضد رسول ال‪ ،‬وقَدْح في شخصه‪ ،‬وليس المر كذلك؛ لنه ربه تبارك وتعالى يريد أنْ يتحمّل‬
‫عنه ما يمكن أن يُفسِد العلقة بينه وبين قومه‪ ،‬وكأنه يقول لهم‪ :‬ل تغضبوا من محمد فالمر عندي‬
‫أنا‪ ،‬وشبّهنا هذا الموقف بالخادم الذي فعل شيئا‪ ،‬فيأتي سيده ليدافع عنه‪ ،‬فيقول‪ :‬أنا الذي أمرته‪.‬‬
‫ثانيا‪ :‬لماذا نستبعد في قدرة الخالق سبحانه أن يسلب مِنّا ما أوحاه لرسوله وحفظناه وكتبناه‪ ،‬ونحن‬
‫نرى فاقد الذاكرة مثلً ل يكاد يذكر شيئا من حياته‪ ،‬فإذا ما أرادوا إعادة ذاكرته يقومون بإجراء‬
‫عملية جراحية مثلً‪ ،‬فما أشبه هذه بتلك‪.‬‬
‫ونلحظ في الية جملة شرطية‪ ،‬أداة الشرط فيها " إنْ " ‪ ،‬وهي تستخدم للمر المشكوك في‬
‫حدوثه‪ ،‬على خلف " إذا " فتأتي للمر المحقق‪.‬‬
‫ثم يُوضّح لنا الحق سبحانه أنه إنْ ذهب بما أوحاه لرسوله‪ ،‬فلن يستطيع أحد إعادته { ُث ّم لَ تَجِدُ‬
‫َلكَ بِهِ عَلَيْنَا َوكِيلً } [السراء‪]86 :‬‬
‫حمَةً مّن رّ ّبكَ إِنّ َفضْلَهُ كَانَ عَلَ ْيكَ كَبِيرا }‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ِ { :‬إلّ َر ْ‬

‫(‪)2099 /‬‬
‫حمَةً مِنْ رَ ّبكَ إِنّ َفضْلَهُ كَانَ عَلَ ْيكَ كَبِيرًا (‪)87‬‬
‫إِلّا َر ْ‬

‫ح َمةً مّن رّ ّبكَ‪[ } ..‬السراء‪ ]87 :‬أي‪ :‬أنك ل تجد لك وكيلً في أيّ شيء إل‬
‫قوله تعالى‪ِ { :‬إلّ رَ ْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫من جانب رحمتنا نحن‪ ،‬لن َفضْلنا عليك كبير‪.‬‬
‫ثم يخاطب الحق سبحانه رسوله صلى ال عليه وسلم ليعلن تحديه للعالمين‪ { :‬قُل لّئِنِ اجْ َت َم َعتِ‬
‫ظهِيرا }‪.‬‬
‫ضهُمْ لِ َب ْعضٍ َ‬
‫ن لَ يَأْتُونَ ِبمِثْلِ ِه وََلوْ كَانَ َب ْع ُ‬
‫س وَالْجِنّ عَلَىا أَن يَأْتُواْ ِبمِ ْثلِ هَـاذَا ا ْلقُرْآ ِ‬
‫الِنْ ُ‬

‫(‪)2100 /‬‬
‫ضهُمْ‬
‫س وَا ْلجِنّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا ِبمِ ْثلِ هَذَا ا ْلقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ ِبمِثْلِ ِه وََلوْ كَانَ َب ْع ُ‬
‫ُقلْ لَئِنِ اجْ َت َم َعتِ الْإِنْ ُ‬
‫ظهِيرًا (‪)88‬‬
‫لِ َب ْعضٍ َ‬

‫( ُقلْ) ل يقولها الحق سبحانه بينه وبين رسوله‪ ،‬بل المراد‪ :‬أعلنها يا محمد على المل‪ ،‬وأسمِعْ بها‬
‫الناس جميعا؛ لن القضية قضية َتحَدّ للجميع‪.‬‬
‫{ لّئِنِ اجْ َت َم َعتِ الِنْسُ وَالْجِنّ‪[ } ..‬السراء‪ ]88 :‬وهما ال ّثقَلن اللذان يكونان أمة التكليف لما‬
‫منحهما ال من نعمة الختيار الذي هو منَاطُ التكليف‪ .‬وقد أرسل النبي صلى ال عليه وسلم إليهما‬
‫حيَ إَِليّ أَنّهُ اسْ َتمَعَ َنفَرٌ مّنَ‬
‫جميعا‪ ،‬وقد استمعت الجن إلى القرآن كما استمعت إليه البشر‪ُ {:‬قلْ أُو ِ‬
‫شدِ فَآمَنّا بِ ِه وَلَن نّش ِركَ بِرَبّنَآ أَحَدا }[الجن‪]2-1 :‬‬
‫س ِمعْنَا قُرْآنا عَجَبا * َيهْدِي إِلَى الرّ ْ‬
‫الْجِنّ فَقَالُواْ إِنّا َ‬
‫والتحدّي معناه التيان بآية معجزة يعجز عنها المعارض‪ ،‬لكن من جنس ما نبغ فيه المعارض‪،‬‬
‫فل يتحدّاهم بشيء ل عِلْم لهم به‪ ،‬ول خبرة لهم فيه؛ لنه ل معنى للتحدي في هذه الحالة ول‬
‫جدوى منه‪ ،‬كما لو تحدّ ْيتَ إنسانا عاديا برفع الثقال ولم يسبق له أن ارتاض هذه الرياضة‪ ،‬إنما‬
‫تتحدّى بها بطلً معروفا عنه ممارسة هذه العملية‪.‬‬
‫لذلك جاءت كل معجزات الرسل من جنس ما نبغ فيه القوم ليكون التحدّي في محلّه‪ ،‬ول‬
‫يعترضون عليه بأنه خارج عن نطاق علمهم ومقدرتهم‪ ،‬فكانت معجزة موسى ـ عليه السلم ـ‬
‫العصا واليد‪ ،‬وهي من جنس ما نبغ فيه قومه من السّحْر‪ ،‬وجاءت معجزة عيسى ـ عليه السلم‬
‫ـ إحياء الموتى بإذن ال‪ ،‬وإبراء الكمة والبرص؛ لن قومه نبغوا في الطب‪ ،‬وكانت معجزته‬
‫صلى ال عليه وسلم في البلغة والفصاحة التي نبغ فيها العرب‪.‬‬
‫وقد اقترح كفار مكة على رسول ال آيات معينة لثبات صِدْق رسالته‪ ،‬لكن اليات ل تُقترح على‬
‫ال تعالى؛ لنه سبحانه هو الذي يختار اليات التي تناسب الطباع وتكون معجزة تثبت صِدْق‬
‫رسوله‪ ،‬وقد اقترحوا على رسول ال آيات ومعجزاتٍ في مجالت ل عِلْم لهم بها‪ ،‬فكيف يتحدّاهم‬
‫ال في مجال ل نبوغَ لهم فيه‪ ،‬وليس لهم دراية به؟‬
‫والحق سبحانه أنزل القرآن‪ ،‬وجعله المعجزة الوحيدة لصدق محمد صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وهو‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫المعجزة الوحيدة لكل أمة السلم من لَدُن رسول ال إلى قيام الساعة‪ .‬وهذا ل يمنع أن توجد‬
‫معجزات كونية حدثتْ لرسول ال ليراها القوم الذي عاصروه‪ ،‬ومِثْل هذه المعجزات ل نطالب بها‬
‫نحن‪ ،‬ول نطالب باليمان بها‪ ،‬إل إذا وردتْ من صادق معصوم؛ لن الهدف من هذه المعجزات‬
‫تثبيت اليمان برسول ال في نفوس مَنْ شاهدوها‪ ،‬فنُبوع الماء من بين أصابعه صلى ال عليه‬
‫وسلم‪ ،‬و َكوْنُ الشجرة تسعى إليه والحيوان يُكلّمه‪ ،‬فالمقصود بهذه المعجزات مَنْ شاهدها‬
‫وعاصرها‪ ،‬ل مَنْ أتى بعد عصره صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫وفي القرآن خاصية تفرّد بها عن الكتب السابقة‪ ،‬حيث نزل جامعا بين أمرين‪ :‬أنه منهج سماوي‬
‫يُنظّم حركة الحياة‪ ،‬وهو في الوقت نفسه معجزة مصاحبة للمنهج ل تنفكّ عنه إلى قيام الساعة‪.‬‬
‫أما الكتب السابقة فكانت تأتي بمنهج فقط‪ ،‬أما المعجزة فشيء آخر منفصل عن الكتاب‪ ،‬فمعجزة‬
‫موسى العصا واليد وكتابه التوراة‪ ،‬ومعجزة عيسى إبراء الكمة والبرص‪ ،‬وكتابه النجيل‪ ،‬أما‬
‫محمد صلى ال عليه وسلم فقد انفرد بأن تكون معجزته هي منهجه‪.‬‬
‫لذلك لما طلب كفار مكة من رسول ال أنْ يُفسِح لهم جبال مكة‪ ،‬ويُوسّع عليهم الرض‪ ،‬وأنْ‬
‫يُحيي لهم موتاهم ليشهدوا بصدقه‪ ،‬خاطبهم الحق سبحانه بقوله‪ {:‬وََلوْ أَنّ قُرْآنا سُيّ َرتْ بِهِ ا ْلجِبَالُ َأوْ‬
‫جمِيعا‪[} ..‬الرعد‪]31 :‬‬
‫لمْرُ َ‬
‫ط َعتْ بِ ِه الَ ْرضُ َأوْ كُلّمَ ِبهِ ا ْل َموْتَىا بَل للّ ِه ا َ‬
‫قُ ّ‬
‫أي‪ :‬كان في القرآن غَنَاءٌ لكم عن ُكلّ هذه المسائل‪.‬‬
‫وقد اعترض المستشرقون على هذه القضية‪ ،‬فقالوا‪ :‬إنْ كانت الرسالة المحمدية للناس كافة‪،‬‬
‫وجاءت معجزته في البلغة والفصاحة ليتحدّى بها قومه من العرب‪ ،‬فما َلوْنُ العجاز لغير‬
‫العرب؟‬
‫نقول‪ :‬أولً‪ :‬إذا كان العرب ارتاضوا على المَلكَة العربية وأساليبها قد عجزوا أمام هذا التحدي‪،‬‬
‫فغيرهم ِممّنْ اتخذ العربية صناعة ل شكّ أعجز‪.‬‬
‫ثانيا‪ :‬مَنْ قال إن المعجزة في القرآن في فصاحته وبلغته فقط؟‬
‫عبْءَ‬
‫لقد جاءت بلغة القرآن وفصاحته للمة المتلقّية للدعوة الولى‪ ،‬هؤلء الذين سيحملون ِ‬
‫الدعوة‪ ،‬ويَسِيحُون بها في شتى بقاع الرض‪ ،‬فإذا ما انتشرت الدعوة كانت المعجزة للناس‬
‫الخرين من غير العرب شيئا آخر‪.‬‬
‫فالغيبيات التي يخبرنا بها‪ ،‬والكونيات التي يُحدّثنا عنها‪ ،‬والتي لم تكُنْ معلومة لحد نجدها موافقة‬
‫تماما لما جاء به القرآن‪ ،‬وهو مُنزّل على نبي أُميّ‪ ،‬وفي أُمة أُميّة غير مثقفة‪ ،‬فهذه كلها نواحي‬
‫إعجاز للعرب ولغيرهم‪ ،‬وما زِلْنا حتى الن نقف أمام آيات‪ ،‬وننتظر من العلم أنْ يكشفَ لنا عن‬
‫معناها‪.‬‬
‫وفي الماضي القريب توصّل العلم إلى أن الذرة أصغر شيء في الوجود‪ ،‬وقد ذكر القرآن الذرة‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫في مثل قوله‪َ {:‬فمَن َي ْع َملْ مِ ْثقَالَ ذَ ّرةٍ خَيْرا يَ َرهُ * َومَن َيعْـ َملْ مِثْقَالَ ذَ ّرةٍ شَرّا يَ َرهُ }[الزلزلة‪-7 :‬‬
‫‪]8‬‬
‫وبتقدّم وسائل البحث توصّلوا إلى تفتيت الذرة أو شطرها‪ ،‬ووجدنا في الكون ما هو أقل من الذرة‪،‬‬
‫فظنّ البعض أن هذه ل ِذكْر لها في القرآن‪ ،‬وظنوا أنهم تصيّدوا على القرآن مأخذا‪ ،‬ولو أمعنوا‬
‫النظر في كتاب ال لوجدوا لهذا التطور العلمي رصيدا في كتاب ال حيث قال تعالى‪َ {:‬ومَا َيعْ ُزبُ‬
‫صغَرَ مِن ذاِلكَ وَل َأكْبَرَ ِإلّ فِي كِتَابٍ‬
‫سمَآ ِء وَلَ َأ ْ‬
‫ض َولَ فِي ال ّ‬
‫عَن رّ ّبكَ مِن مّ ْثقَالِ ذَ ّرةٍ فِي الَ ْر ِ‬
‫مّبِينٍ }[يونس‪]61 :‬‬
‫صغَرَ { ل صغير‪ ،‬فلو فتّتْنَا أجزاء الذرة لوجدنا لها رصيدا واحتياطا في كتاب‬
‫والقرآن يقول } َأ ْ‬
‫ال‪َ ،‬ألَ ترى في ذلك إعجازا؟‬
‫س وَالْجِنّ‪.‬‬
‫ت الِنْ ُ‬
‫إذن‪ :‬تحدّاهم الحق سبحانه بقوله‪ } :‬قُل لّئِنِ اجْ َت َمعَ ِ‬
‫‪[ { .‬السراء‪ ]88 :‬وأُدخِل الجنّ في مجال التحدي؛ لن العرب كانوا يعتقدون أن لكل شاعر نابغ‪،‬‬
‫أو أديب مُفوّه‪ ،‬أو عبقري عنده نبوغ بياني شيطانا يلهمه‪ ،‬وهذه الشياطين تسكن واديا عندهم‬
‫يسمونه " وادي عَ ْبقَر " ‪ ،‬لذلك لم يكتَف القرآن بتحديهم هم‪ ،‬بل تحدى أيضا مَنْ يُلهمونهم‪ ،‬أو مَنْ‬
‫ينسبونَ إليهم القوة في هذا المر‪.‬‬
‫علَىا أَن يَأْتُواْ ِبمِ ْثلِ هَـاذَا ا ْلقُرْآنِ‪[ { ..‬السراء‪ ]88 :‬فالتحدّي أنْ يأتوا (بمثله)‬
‫ثم يقول تعالى‪َ } :‬‬
‫لنه ل يمكن أنْ يأتوا به نفسه؛ لنه نزل من عند ال وانتهى المر‪ ،‬فمستحيل أنْ يأتُوا به نفسه‬
‫مرة أخرى؛ لنْ الواقع ل يقع مرتين‪.‬‬
‫شكّ أن‬
‫إذن‪ :‬المتصوّر في مجال التحدي أنْ يأتوا بمثله‪ ،‬فلو قلت‪ :‬هذا الشيء مثل هذا الشيء‪ ،‬فل َ‬
‫المشبّه به أقوى وأصدق من المشبه‪ ،‬ول يرتقي المشبه ليكون هو المشبه به بل مثله‪ ،‬فإذا انتفى‬
‫المثل فقد انتفى الصل من باب َأوْلَى‪.‬‬
‫فالحق سبحانه في قوله‪ } :‬لَ يَأْتُونَ ِبمِثْلِهِ‪[ { ..‬السراء‪ ]88 :‬ل ينفي عنهم أن يأتُوا بقرآن‪ ،‬بل‬
‫بمثل القرآن‪ ،‬فإذا كانوا ل يأتون بالصورة‪ ،‬فهل يقدرون على الصل؟!‬
‫ظهِيرا { [السراء‪]88 :‬‬
‫ضهُمْ لِ َب ْعضٍ َ‬
‫ثم يقول تعالى زيادةً في التحدّي‪ } :‬وََلوْ كَانَ َب ْع ُ‬
‫علَيْهِ فَإِنّ‬
‫والظهير‪ :‬هو المعاون والمساعد والمعين على المر‪ ،‬ومنه قوله تعالى‪ {:‬وَإِن َتظَاهَرَا َ‬
‫ظهِيرٌ }[التحريم‪ ]4 :‬لنه قد يقول‬
‫ن وَا ْلمَلَ ِئكَةُ َبعْدَ ذَِلكَ َ‬
‫ل َوصَالِحُ ا ْل ُمؤْمِنِي َ‬
‫ل ُه وَجِبْرِي ُ‬
‫اللّهَ ُهوَ َموْ َ‬
‫قائل‪ :‬إن هذه المهمة ل يقوم بها فرد واحد‪ ،‬فقال لهم سبحانه‪ :‬بل هاتوا كل ما لديكم من طاقات‬
‫إبداعية وعبقريات بيانية‪ ،‬واستعينوا بما تزعمون من إلهام الجن‪ ،‬وتعاونوا جميعا في سبيل هذا‬
‫التحدي‪ ،‬حتى إذا كان في أحدكم نقص أكمله الخر‪.‬‬
‫ظلّ التحدي قائما على أنْ يأتُوا بمثل القرآن؟‬
‫لكن‪ ،‬هل َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫المتتبع لهذا الموضوع في القرآن الكريم يجد الحق تبارك وتعالى يتنزل معهم في القدر المطلوب‬
‫للتحدّي‪ ،‬وهذا التنزّل يدل على ارتقاء التحدّي‪ ،‬فبعد أنْ تحدّاهم بأنْ يأتوا بمثل القرآن‪ ،‬تحدّاهم‬
‫بعشْر سُور‪ ،‬ثم تحدّاهم بسورة واحدة‪ ،‬وكلما تنزل معهم درجة ارتقى بالتحدي‪ ،‬فل شكّ أن تحديهم‬
‫بسورة واحدة أبلغ من تحديهم بمثل هذا القرآن‪.‬‬
‫وهذا التنزّيل الذي يفيد الرتقاء كما نجمع مثلً بين المتناقضات‪ ،‬فنقول‪ :‬صعد إلى الهاوية‪،‬‬
‫وانحدر إلى القمة‪ .‬ومع هذا التنزّل لم يستطيعوا التيان بمثل آية واحدة من كتاب ال‪.‬‬
‫ويجب أن نلتفت إلى مغزى آخر من وراء هذا التحدّي‪ ،‬فليس الهدف منه تعجيز القوم‪ ،‬بل أن‬
‫نثبت لهم السواسية بين الخَلْق‪ ،‬فالجميع أمام الله الواحد سواء‪ ،‬وهذه هي القضية التي تُزعجهم‬
‫وتقضّ مضاجعهم‪ ،‬والقرآن سيثبت لهم صِدْق محمد‪ ،‬وسيرفع من مكانته بين القوم‪ ،‬وهم الذين‬
‫يحاولون إيذاءه ويُدبّرون لقتله‪.‬‬
‫عظِيمٍ }[الزخرف‪:‬‬
‫جلٍ مّنَ ا ْلقَرْيَتَيْنِ َ‬
‫ولذلك من غبائهم أن قالوا‪َ {:‬ل ْولَ نُ ّزلَ هَـاذَا ا ْلقُرْآنُ عَلَىا َر ُ‬
‫‪]31‬‬
‫حدّ ذاته‪ ،‬بل على محمد الذي نزل القرآن عليه‪ ،‬فهم‬
‫إذن‪ :‬فاعتراضهم ليس على القرآن في َ‬
‫يحسدونه على هذه المكانة‪ ،‬كما قال تعالى‪ {:‬أَمْ َيحْسُدُونَ النّاسَ عَلَىا مَآ آتَاهُمُ اللّهُ مِن َفضْلِهِ‪} ..‬‬
‫[النساء‪]54 :‬‬
‫سعْي‬
‫وسبحان ال‪ ،‬إذا كان الخَلْق يختلفون أمام رحمة ال في مسائل الدنيا التي لهم فيها أسباب و َ‬
‫ح َمتَ رَ ّبكَ‬
‫سمُونَ رَ ْ‬
‫واجتهاد‪ ،‬فكيف بالمر الذي ليس في أيديهم؟ كيف يريدون التدخّل فيه‪َ {:‬أهُمْ َيقْ ِ‬
‫ضهُمْ َفوْقَ َب ْعضٍ دَرَجَاتٍ‪[} ..‬الزخرف‪]32 :‬‬
‫سمْنَا بَيْ َنهُمْ ّمعِيشَ َتهُمْ فِي ا ْلحَيَاةِ الدّنْيَا وَ َر َفعْنَا َب ْع َ‬
‫نَحْنُ َق َ‬
‫ثم يتحدث الحق سبحانه عن طبيعة الداء القرآني‪ ،‬فيقول‪ } :‬وَلَقَ ْد صَ ّرفْنَا لِلنّاسِ فِي هَـاذَا ا ْلقُرْآنِ‬
‫مِن ُكلّ مَ َثلٍ‪.{ ..‬‬

‫(‪)2101 /‬‬
‫وَلَقَدْ صَ ّرفْنَا لِلنّاسِ فِي هَذَا ا ْلقُرْآَنِ مِنْ ُكلّ مَ َثلٍ فَأَبَى َأكْثَرُ النّاسِ إِلّا كُفُورًا (‪)89‬‬

‫التصريف‪ :‬هو التحويل والتنويع بأساليب مختلفة لزيادة البيان‪ ،‬والمراد أن القرآن الكريم ل يعالج‬
‫القضايا بأسلوب رتيب جامد‪ ،‬بل يُحوّل الكلم بين أساليب متعددة؛ لنه يخاطب طباعا متعددة‪،‬‬
‫ويتعرض أيضا لموضوعات متعددة ومعاني مختلفة‪ ،‬فل بُدّ أن يصرف السلوب ويَقلِبه على أكثر‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫من وجه‪ ،‬فالذي ل يفهم هذه يفهم هذه‪ ،‬فيعرض المعنى الواحد بأساليب متعددة وأمثال مختلفة‪.‬‬
‫ونأخذ مثالً على ذلك قضية القمة‪ ،‬وهي اللوهية ووحدانية ال تعالى‪ ،‬فنرى القرآن يعرضها في‬
‫معارض مختلفة هكذا‪َ {:‬لوْ كَانَ فِي ِهمَآ آِلهَةٌ ِإلّ اللّهُ َلفَسَدَتَا‪[} ..‬النبياء‪]22 :‬‬
‫أي‪ :‬في السماء والرض‪.‬‬
‫وهذا السلوب قد ل يفهمه غير العربي؛ لنه يفتقد المَلكَة اللغوية التي يتلقّى بها كلم ال‪ ،‬وقد‬
‫يعترض فيقول‪( :‬إل) أداة استثناء‪ .‬فالمعنى‪ :‬لو كان فيهما آلهة خارج منهم ال َلفَسدتَا‪ ،‬فلو كانت‬
‫هناك آلهة ومعهم ال فهذه ل تجوز؛ لنها مشاركة‪ ،‬لكنها تفيد أن ال تعالى موجود‪ ،‬وإنْ كان معه‬
‫آخرون‪ ،‬والمنطق في هذه الحالة يقول‪ :‬لو كان في السماء والرض آلهة ومعهم ال ل تفسد‪.‬‬
‫لكن الحقيقة أن { ِإلّ } هنا ليس للستثناء‪ ،‬بل هي اسم بمعنى (غير)‪ .‬فالمعنى إذن‪ :‬لو كان فيهما‬
‫آلهة غير ال لَفسدَتا‪.‬‬
‫خذَ اللّهُ مِن وَلَ ٍد َومَا كَانَ َمعَهُ مِنْ إِلَـهٍ إِذا لّذَ َهبَ ُكلّ‬
‫ثم يعرضها بأسلوب آخر‪ ،‬فيقول تعالى‪ {:‬مَا اتّ َ‬
‫ضهُمْ عَلَىا َب ْعضٍ‪[} ..‬المؤمنون‪]91 :‬‬
‫ق وََلعَلَ َب ْع ُ‬
‫إِلَـاهٍ ِبمَا خََل َ‬
‫فالحق تبارك وتعالى مُنزّه عن الولد والشريك‪ ،‬إذ لو كان معه إله آخر لَذهبَ كل إله بما خلق‪،‬‬
‫واختصّ نفسه بمنطقة معينة‪ ،‬ولعل بعضُهم على بعض‪ ،‬فإن أرادوا إبراز شيء للوجود‪ ،‬فأيّهما‬
‫يبرزه؟ إنْ قدر على إبراز واحد فالخر عاجز‪ ،‬وإنْ لم يقدر عليه واحد بمفرده‪ ،‬فهما عاجزان ل‬
‫يصلحان لللوهية‪.‬‬
‫ثم يعرض نفس القضية بأسلوب آخر‪ ،‬فيقول‪ُ {:‬قلْ ّلوْ كَانَ َمعَهُ آِلهَةٌ َكمَا َيقُولُونَ إِذا لّبْ َت َغوْاْ إِلَىا‬
‫ذِي ا ْلعَرْشِ سَبِيلً }[السراء‪]42 :‬‬
‫أي‪ :‬إنْ كان مع ال آلهة كما يدّعي المشركون لَذهَب هؤلء اللهة إلى ذي العرش يُعاتبونه أو‬
‫يُؤدّبونه‪ ،‬أو يُعاقبونه؛ لنه انفرد بالملْك من دونهم‪.‬‬
‫شهِدَ اللّهُ أَنّ ُه لَ إِلَـاهَ ِإلّ ُهوَ‪[} ..‬آل عمران‪]18 :‬‬
‫وبأسلوب آخر يقول تعالى‪َ {:‬‬
‫ولم يَ ْأتِ مَنْ ينازعه هذه المكانة‪ ،‬أو يدّعيها لنفسه‪ ،‬إذن‪ :‬فقد ثبتتْ له هذه القضية إلى أنْ يُوجَد‬
‫معارض‪ ،‬فالمختلف فيه يتفق عليه إنْ لم يظهر له معارض‪.‬‬
‫وسبق أن ضربنا لذلك مثلً‪ ،‬ول المثل العلى‪َ :‬هبْ أن جماعة انصرفوا من مجلس‪ ،‬ثم وجد‬
‫صاحب البيت حافظة نقود في مكان مجلسهم فعرضها عليهم‪ ،‬فلم يدّعها أحد لنفسه إل رجل واحد‬
‫قال‪ :‬هي لي‪ ،‬أيشكّ صاحب البيت أنها له؟‬
‫نرى هذا التصرف أيضا في أسلوب القرآن في مسألة ادعاء أن ل تعالى ولدا‪ ،‬تعالى ال عما‬
‫يقول المبطلون عُلُوا كبيرا‪ ،‬فيعرضها القرآن هكذا‪:‬‬
‫{ َوقَاَلتِ الْ َيهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّ ِه َوقَاَلتْ ال ّنصَارَى ا ْلمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ }[التوبة‪]30 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضِ أَنّىا َيكُونُ لَ ُه وَلَدٌ وَلَمْ َتكُنْ لّهُ‬
‫فيردّ القرآن هذا الزعْم بقوله تعالى‪ {:‬بَدِيعُ ال ّ‬
‫صَاحِبَةٌ‪[} ..‬النعام‪]101 :‬‬
‫جعَلُونَ لِلّهِ الْبَنَاتِ سُ ْبحَانَ ُه وََلهُمْ مّا يَشْ َتهُونَ }[النحل‪:‬‬
‫وفي موضع آخر يعرض المسألة هكذا‪ {:‬وَيَ ْ‬
‫‪]57‬‬
‫أي‪ :‬فإن كنتم تريدون مقاسمة الخالق سبحانه‪ ،‬فهل يليق أنْ تأخذوا أنتم البنين؛ لنهم المفضلون‬
‫سمَ ٌة ضِيزَىا }‬
‫حسْب زعمكم‪ ،‬وتتركوا له تعالى البنات‪ {:‬أََلكُمُ ال ّذكَ ُر وَلَ ُه الُنْثَىا * تِ ْلكَ إِذا قِ ْ‬
‫َ‬
‫[النجم‪ ]22-21 :‬أي‪ :‬قسمة جائرة‪.‬‬
‫وهكذا يُصرّف القرآن أسلوبه‪ ،‬ويُحوّله ليقنع به جميع العقول؛ ليناسب كل الطبائع‪ .‬وتمتاز لغة‬
‫العرب بالمثل والحكمة؛ لذلك كان من التصريف في أسلوب القرآن استخدام المثل‪ ،‬وهو تعبير‬
‫مُوجَز‪ ،‬يحمل المعاني الكثيرة وتتعشق لفظه‪ ،‬وتقوله كما هو دون تغيير إذا جاءت مناسبته‪.‬‬
‫فإذا أرسلتَ أحدا في مهمة أو جماعة‪ ،‬فيمكنك حين عودتهم تقول لهم مستفهما‪( :‬ماذا وراءكِ يا‬
‫عصام؟) هكذا بصيغة المؤنثة المفردة‪ ،‬لن المثل قيل هكذا‪ ،‬حيث أرسل أحدهم امرأة تسمى‬
‫عصام لتخطب له إحدى النساء وحينما أقبلت عليه خاطبها بهذه العبارة‪ ،‬فصارت مثلً‪.‬‬
‫وكما تقول لصاحبك الذي يتعالى عليك‪( :‬إن كنت ريحا فقد لقيت إعصارا) إذن‪ :‬المثل يمتاز بأنه‬
‫يثبت على لفظه الول ول يتغير عنه‪.‬‬
‫جلّ معناه‪.‬‬
‫أما الحكمة فهي‪ :‬قول شارد يقوله كل واحد‪ ،‬وهو كلم يقلّ لفظه‪ ،‬وي ِ‬
‫كما تقول‪ُ " :‬ربّ أخ لك لم تَِل ْدهُ أمك "‪.‬‬
‫خمْرة "‪.‬‬
‫" ل تُعلّم العَوانُ ال ِ‬
‫" إن المنبتّ ل أرضا قطع‪ ،‬ول ظهرا أبقى " أي‪ :‬أن الذي يُجهِد دابته في السير لن يصل إلى ما‬
‫يريد؛ لنها ستنقطع به ول تُوصّله‪.‬‬
‫ومن الحكمة هذه البيات الشعرية التي صارت حكمة متداولة‪َ :‬ومَنْ يكُ ذا فَمٍ مُـرّ مَريضٍ َيجِدْ‬
‫ك وحالتُ المسَاكينو َهبْ أن‬
‫ن تكونُ لَه َنفْسُ الملُو ِ‬
‫للَوقوله‪:‬وَأَ ْتعَس النّاسِ حَظّا مَ ْ‬
‫مُرّا بِهِ المَاءَ ال ّز َ‬
‫ولدك أهمل دروسه طوال العام وعند المتحان أخذ يج ّد ويَجْتهد ويُرهِق نفسه‪ ،‬هنا يمكنك أن تقول‬
‫له‪( :‬قبل الرماء تُملُ الكنائن) والكنانة هي المخلة التي تُوضَع بها السهام‪ ،‬وهذه ل بُدّ أنْ ُيعِدّها‬
‫الصياد قبل صَيْده ل وقت الصيد‪.‬‬
‫إذن‪ :‬لهمية المثل في لغة العرب جعله القرآن َلوْنا أسلوبيا‪ ،‬وأداةٍ للقناعٍ‪ ،‬كما في قوله تعالى‪{:‬‬
‫إِنّ اللّ َه لَ َيسْتَحْى أَن َيضْ ِربَ مَثَلً مّا َبعُوضَةً َفمَا َف ْو َقهَا‪[} ..‬البقرة‪]26 :‬‬
‫لن ال تعالى يخاطب بالقرآن عقولً مختلفة وطبائع متعددة؛ لذلك ل يستحي أن يضرب المثل‬
‫بأحقر مخلوقاته لِيُقنِعَ الجميع كُلً بما يناسبه‪.‬‬
‫صغَر؟‬
‫وقوله‪َ } :‬فمَا َف ْو َقهَا { قد يقول قائل‪ :‬ولماذا قال } َفمَا َف ْو َقهَا { ‪ ،‬فالعجيب هنا مسألة ال ّ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫نقول‪ :‬المراد بما فوقها‪.‬‬
‫أي‪ :‬في المعنى المراد‪ ،‬وهو الصّغر‪ .‬أي‪ :‬ما فوقها في الصّغر ل أكبر منها‪.‬‬
‫س ضُ ِربَ مَ َثلٌ فَاسْ َت ِمعُواْ َلهُ إِنّ الّذِينَ تَدْعُونَ مِن‬
‫ثم يأتي بالمعنى في صورة أخرى‪ {:‬ياأَ ّيهَا النّا ُ‬
‫ضعُفَ الطّاِلبُ‬
‫خُلقُواْ ذُبَابا وَلَوِ اجْ َت َمعُواْ َل ُه وَإِن يَسْلُ ْبهُمُ الذّبَابُ شَيْئا لّ َيسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ َ‬
‫دُونِ اللّهِ لَن يَ ْ‬
‫وَا ْلمَطْلُوبُ }[الحج‪]73 :‬‬
‫خ َذتْ بَيْتا‬
‫خذُواْ مِن دُونِ اللّهِ َأوْلِيَآءَ َكمَ َثلِ ا ْلعَنكَبُوتِ اتّ َ‬
‫وفي آية أخرى يقول سبحانه‪ {:‬مَ َثلُ الّذِينَ اتّ َ‬
‫وَإِنّ َأوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَ ْيتُ ا ْلعَنكَبُوتِ َلوْ كَانُواْ َيعَْلمُونَ }[العنكبوت‪]41 :‬‬
‫إذن‪ :‬يُصرّف ال المثال ويُحوّلها ليأخذ كل طَبْع ما يناسبه وما يقتنع به‪ ،‬وليس القرآن على وتيرة‬
‫واحدة أو مزيج واحد يعطي للجميع‪ .‬بل يُشخّص الداءات ويُحلّلها ويعالجها بما يناسبها؛ لذلك يأتي‬
‫السلوب مختلفا‪.‬‬
‫وهذه المسألة واضحة في الحديث النبوي الشريف‪ ،‬حيث كان الصحابة يسألون رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم السؤال الواحد‪ ،‬وتأتي الجابة مختلفة من شخص لخر‪ ،‬فقد سُئِل صلى ال عليه‬
‫وسلم كثيرا‪ :‬ما أفضل العمال يا رسول ال؟ فقال للسائل‪ " :‬الصلة لوقتها " وقال لخر‪ " :‬بر‬
‫ن تلقىَ أخاك بوجه طَلْق "‪.‬‬
‫الوالدين " وقال لخر‪ " :‬أ ْ‬
‫وهكذا جاءت الجابة مختلفة من شخص لخر؛ لن رسول ال صلى ال عليه وسلم يراعي حال‬
‫سائله‪ ،‬ويحاول أنْ يعالج نقطة الضعف فيه‪ ،‬فالمر ليس (أكلشيه) ثابتا يعطيه للجميع‪ ،‬بل هي‬
‫مراعاة الحوال والطباع‪.‬‬
‫ثم يقول تعالى‪ } :‬فَأَبَىا َأكْثَرُ النّاسِ ِإلّ ُكفُورا { [السراء‪]89 :‬‬
‫نعرف أن (إلّ) أداة استثناء‪ ،‬تُخرِج ما بعدها من حكم ما قبلها‪ ،‬كما تقول‪ :‬جاء القوم إل زيدا‪ ،‬ولو‬
‫ط ّبقْنَا هذه القاعدة على الية ل يستقيم معناها‪ ،‬كما لو قلت‪ :‬ضربت إل زيدا‪ ،‬والية أسلوب عربي‬
‫فصيح‪.‬‬
‫نقول‪ :‬لن معنى أبى‪ :‬لم يقبل ولم يَ ْرضَ‪ ،‬فالمراد‪ :‬لم يَ ْرضَ إل الكفور‪ ،‬فل بُدّ للستثناء المفرّغ‬
‫أنْ يُسبق بنفي‪.‬‬
‫ن الَ ْرضِ يَنْبُوعا {‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪َ } :‬وقَالُواْ لَن ّن ْؤمِنَ َلكَ حَتّىا َتفْجُرَ لَنَا مِ َ‬

‫(‪)2102 /‬‬
‫َوقَالُوا لَنْ ُن ْؤمِنَ َلكَ حَتّى َتفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَ ْرضِ يَنْبُوعًا (‪)90‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫(لَنْ) تفيد تأبيد َنفْي الفعل في المستقبل‪ ،‬تقول‪ :‬أنا لم أصنع هذا‪ ،‬ولن أصنعه‪ .‬أي‪ :‬في المستقبل‪.‬‬
‫ومعلوم أن النسان ابن أغيار‪ ،‬ول يحكمه حال واحد بل هو مُتقلّب بين أحوال شتى طوال حياته‪،‬‬
‫وال تعالى وحده هو الذي ل يتغيّر‪ ،‬وما دام النسان ابنَ أغيار ويطرأ عليه حال بعد حال‪ ،‬فليس‬
‫حكْما قاطعا في مستقبل هو ل يملكه‪ ،‬فالذي يملك الحكم القاطع هو الحق‬
‫له أنْ يحكمَ على شيء ُ‬
‫سبحانه الذي ل تتناوله الغيار‪.‬‬
‫لذلك فالنسان مثلً إذا صعد حتى القمة نخاف عليه الهبوط؛ لنه من أهل الغيار‪ ،‬ول يدوم له‬
‫حال‪ ،‬إذن‪ :‬فماذا بعد القمة؟‬
‫وقد عَبّر الشاعر عن هذا المعنى بقوله‪:‬إذَا تَمّ شَيءٌ بَدَا َن ْقصُهُ تَر ّقبْ َزوَالً إذَا قِيل َتمّوالعجيب أن‬
‫الناس يتطلعون في نعمة ال إلى التمام‪ ،‬فيقول أحدهم‪ :‬يا حبّذا‪ ،‬لو حدث كذا لَتَمتْ هذه النعمة‪،‬‬
‫وهم ل يدرون أن هذا النقص في النعمة سبب بقائها‪ ،‬فلو َت ّمتْ لك النعمة وأنت من أهل الغيار‪،‬‬
‫فماذا تنتظر إل زوالها؟‬
‫فَلْيَ ْرضَ كلّ صاحب نعمة بما فيها من نقص‪ ،‬فلعل هذا النقص يردّ عنه عَيْن حاسد‪ ،‬أو حقد حاقد‪.‬‬
‫فبعض الناس يرزقه ال بالولد ويُعينه على تربيتهم‪ ،‬ولحكمة يفشل أحدهم فيحزن لذلك ويألم أشد‬
‫اللم‪ ،‬ويقول‪ :‬لو أن هذا الولد‪ ..‬وهو ل يدرك حكمة ال من وراء هذا النقص‪ ،‬وأنه حارسٌ للنعمة‬
‫في الخرين‪ ،‬وأنه التميمة التي تحميه وتردّ عنه ما يكره‪.‬‬
‫ص الَنامُ إلى َكمَاِلكَ فَاسْ َت ِعذْ مِنْ شَرّ أَعْيُ ِن ِهمْ‬
‫خ َ‬
‫لذلك لما أراد المتنبي أن يمدح سيف الدولة قال له‪:‬شَ ِ‬
‫بعَ ْيبٍ وَاحِدأي‪:‬نظروا إليك معجبين بما فيك من كمال‪ ،‬فاعمل عملً سيئا واحدا يصد عنك شرّ‬
‫أعينهم‪.‬‬
‫إذن‪( :‬لن) تفيد تأبيد النفي في المستقبل‪ ،‬وهذا أمر ل يملكه إل مالك الحداث سبحانه وتعالى‪ ،‬أمّا‬
‫صاحب الغيار فليس له ذلك‪ ،‬والذين آمنوا فيما بعد برسول ال ممّنْ قالوا هذه المقولة‪ { :‬لَن‬
‫ن الَ ْرضِ يَنْبُوعا } [السراء‪]90 :‬‬
‫ّن ْؤمِنَ َلكَ حَتّىا َتفْجُرَ لَنَا مِ َ‬
‫نستطيع أن نقول لهم‪ :‬لقد أوقعتْكم (لن) في الكذب؛ لنكم أبّدتُم َنفْي اليمان‪ ،‬وها أنتم مؤمنون‪ ،‬ولم‬
‫يُفجّر لكم النبي ينبوعا من الرض‪.‬‬
‫وعند فتح مكة وقف عكرمة بن أبي جهل وقال في الخَنْ َدمَة ما قال‪ ،‬ثم رجع إلى النبي صلى ال‬
‫طعِن الطعنة‬
‫عليه وسلم مؤمنا معتذرا وخرج محاربا مع خالد بن الوليد في اليرموك‪ ،‬وحين ُ‬
‫المميتة‪ ،‬وحمله خالد‪ ،‬فإذا به يقول له‪ :‬أهذه ميتة تُرضِي عني رسول ال؟‬
‫ن يقول كلمة عليه أن يكون قادرا على تنفيذها‪ ،‬مالكا لزمامها‪ ،‬ضامنا لنفسه َألّ يتغير‪ ،‬وَألّ‬
‫إذن‪ :‬مَ ْ‬
‫تتناوله الغيار‪ ،‬ول يملك ذلك إل ال سبحانه وتعالى‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والمتدبّر لسلوب القرآن في سورة (الكافرون) يجد هذه المسألة واضحة‪ ،‬حيث يقول تعالى‪ُ {:‬قلْ‬
‫ياأَ ّيهَا ا ْلكَافِرُونَ * لَ أَعْبُدُ مَا َتعْبُدُونَ * َولَ أَنتُمْ عَا ِبدُونَ مَآ أَعْبُدُ * وَلَ أَنَآ عَا ِبدٌ مّا عَبَدتّمْ }‬
‫[الكافرون‪]4-1 :‬‬
‫هكذا نفتْ الية عبادة كل منهما لله الخر في الزمن الحاضر‪ ،‬ثم يقول تعالى‪َ {:‬ولَ أَنَآ عَابِدٌ مّا‬
‫عَبَدتّمْ * َولَ أَن ُتمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْ ُبدُ }[الكافرون‪ ]5-4 :‬لينفي أيضا احتمال العبادة في المستقبل‪،‬‬
‫إذن‪ :‬فليس في الية تكرار‪ ،‬كما يرى بعض ِقصَار النظر‪.‬‬
‫ولك الن أنْ تسألَ‪ :‬كيف نفى القرآن الحديث في المستقبل؟ نقول‪ :‬لن المتكلّم هنا هو الحق‬
‫سبحانه وتعالى الذي يملك الحداث ول تُغيّره الغيار‪ ،‬ول تتسلط عليه‪ ،‬فحكم على المستقبل هذا‬
‫الحكم القاطع وأبّد النّفي فيه‪.‬‬
‫ن الَ ْرضِ يَنْبُوعا { [السراء‪]90 :‬‬
‫ثم يقول تعالى‪ } :‬حَتّىا َتفْجُرَ لَنَا مِ َ‬
‫وفي آية أخرى قال‪َ {:‬وفَجّرْنَا الَ ْرضَ عُيُونا‪[} ..‬القمر‪]12 :‬‬
‫فالتفجير‪ :‬أن تعمل في الرض عملية تُخرِج المستتر في باطنها على ظهرها‪ ،‬وعين الماء تُخرِج‬
‫لك الماء من الرض‪ ،‬وتأخذ من حاجتك فل ينقص؛ لنها تعوض ما أُخِذ منها بقانون الستطراق‪،‬‬
‫وقد يحدث أن يغيض الماء فيها قليلً‪.‬‬
‫أما الينبوع فتراه يفيض باستمرار دون أن ينقص فيه منسوب الماء‪ ،‬كما في زمزم مثلً‪ ،‬ول شكّ‬
‫أن هذا المطلب منهم جاء نتيجة حرمانهم من الماء‪ ،‬وحاجتهم الشديدة إليه‪.‬‬
‫ويذكر الحق سبحانه أنهم واصلوا حديثهم للرسول صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فقالوا‪َ } :‬أوْ َتكُونَ َلكَ جَنّةٌ‬
‫ل وَعِ َنبٍ فَتُفَجّرَ الَ ْنهَارَ خِلَلهَا َتفْجِيرا {‪.‬‬
‫مّن نّخِي ٍ‬

‫(‪)2103 /‬‬
‫ل وَعِ َنبٍ فَ ُتفَجّرَ الْأَ ْنهَارَ خِلَاَلهَا َتفْجِيرًا (‪)91‬‬
‫َأوْ َتكُونَ َلكَ جَنّةٌ مِنْ َنخِي ٍ‬

‫سبق أن طلبوا الماء لنفسهم‪ ،‬وهنا يطلبون للرسول { جَنّةٌ } أي‪ :‬بستان أو حديثة من النخيل‬
‫والعنب؛ لنهما الصّنْفان المشهوران عن العرب { فَ ُتفَجّ َر الَ ْنهَارَ خِلَلهَا َتفْجِيرا } [السراء‪]91 :‬‬
‫أي‪ :‬خلل هذه الحديقة حتى تستمر ول تذبل‪.‬‬
‫ع ْمتَ عَلَيْنَا‬
‫سمَآءَ َكمَا زَ َ‬
‫سقِطَ ال ّ‬
‫ويواصلون تحديهم لرسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فيقولون‪َ { :‬أوْ ُت ْ‬
‫كِسَفا َأوْ تَأْ ِتيَ بِاللّ ِه وَا ْلمَل ِئكَةِ قَبِيلً }‪.‬‬

‫(‪)2104 /‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سفًا َأوْ تَأْ ِتيَ بِاللّ ِه وَا ْلمَلَا ِئكَةِ قَبِيلًا (‪)92‬‬
‫علَيْنَا كِ َ‬
‫ع ْمتَ َ‬
‫سمَاءَ َكمَا زَ َ‬
‫سقِطَ ال ّ‬
‫َأوْ تُ ْ‬

‫عمَ الّذِينَ كَفَرُواْ‬
‫الزّعْم‪ :‬هو القبول المخالف للواقع‪ ،‬ويقولون‪ :‬الزعم مطّية الكذب‪ ،‬قال تعالى‪ {:‬زَ َ‬
‫أَن لّن يُ ْبعَثُواْ‪[} ..‬التغابن‪]7 :‬‬
‫وإنْ كانوا اتهموا رسول ال بالزعم‪ ،‬فما هو إل مُبلّغ عن ال‪ ،‬وناقل إليهم منهج ربه‪ ،‬فإنْ أرادوا‬
‫أنْ يتّهموا فليتهموا الحق سبحانه وتعالى؛ لن رسوله ل ذنبَ له‪ ،‬وقد جاءوا بمسألة إسقاط السماء‬
‫سمَآءِ‬
‫عليهم؛ لن الحق سبحانه سبق أنْ قال عنهم‪َ {:‬أفََلمْ يَ َروْاْ إِلَىا مَا بَيْنَ أَ ْيدِيهِ ْم َومَا خَ ْل َفهُمْ مّنَ ال ّ‬
‫سمَآءِ }[سبأ‪]9 :‬‬
‫سقِطْ عَلَ ْيهِمْ كِسَفا مّنَ ال ّ‬
‫سفْ ِب ِه ُم الَ ْرضَ َأوْ ُن ْ‬
‫خِ‬
‫وَالَرْضِ إِن نّشَأْ نَ ْ‬
‫ولذلك طلبوا من رسول ال أنْ يُوقِع بهم هذا التهديد‪.‬‬
‫و { كِسَفا‪[ } ..‬السراء‪ ]92 :‬أي‪ :‬قِطَعا‪ ،‬ومفردها كسفة كقطعة‪.‬‬
‫ويقول تعالى‪َ { :‬أوْ تَأْ ِتيَ بِاللّ ِه وَا ْلمَل ِئكَةِ قَبِيلً } [السراء‪ ]92 :‬أي‪ :‬نراهم أمامنا هكذا مُقابلةً عيانا‪،‬‬
‫ن لَ يَ ْرجُونَ ِلقَآءَنَا َلوْلَ أُنْ ِزلَ عَلَيْنَا ا ْلمَلَ ِئكَةُ‬
‫وقد جاء هذا المعنى أيضا في قوله تعالى‪َ {:‬وقَالَ الّذِي َ‬
‫َأوْ نَرَىا رَبّنَا‪[} ..‬الفرقان‪]21 :‬‬
‫والمتأمل فيما طلبه الكفار من رسول ال صلى ال عليه وسلم يجده تعجيزا بعيدا ُكلّ البعد عن‬
‫الواقع‪ ،‬مما يدلنا على أنهم ما أرادوا اليمان والهداية‪ ،‬بل قصدوا الجدل والعناد؛ لذلك يقول الحق‬
‫سبحانه رَدّا على لَجَج هؤلء وتعنّتهم‪ {:‬وَلَوْ أَنّنَا نَزّلْنَآ إِلَ ْيهِمُ ا ْلمَل ِئكَ َة َوكَّل َمهُمُ ا ْل َموْتَىا وَحَشَرْنَا‬
‫شيْءٍ قُبُلً مّا كَانُواْ لِ ُي ْؤمِنُواْ }[النعام‪]111 :‬‬
‫عَلَ ْيهِمْ ُكلّ َ‬
‫سمَآ ِء وَلَن ّن ْؤمِنَ‬
‫ثم يقول تعالى عنهم أنهم قالوا‪َ { :‬أوْ َيكُونَ َلكَ بَ ْيتٌ مّن زُخْ ُرفٍ َأوْ تَ ْرقَىا فِي ال ّ‬
‫لِ ُرقِ ّيكَ‪.} ..‬‬

‫(‪)2105 /‬‬
‫سمَاءِ وَلَنْ ُن ْؤمِنَ لِ ُرقِ ّيكَ حَتّى تُنَ ّزلَ عَلَيْنَا كِتَابًا َنقْ َر ُؤهُ‬
‫َأوْ َيكُونَ َلكَ بَ ْيتٌ مِنْ ُزخْ ُرفٍ َأوْ تَ ْرقَى فِي ال ّ‬
‫ُقلْ سُبْحَانَ رَبّي َهلْ كُ ْنتُ إِلّا َبشَرًا رَسُولًا (‪)93‬‬

‫البيت‪ :‬هو المكان المعدّ للبيتوتة‪ ،‬والزخرف‪ :‬أي المزيّن‪ ،‬وكان الذهب وما يزال أجمل أنواع‬
‫الزينة؛ لن كل زُخْرف من زخارف الزينة يطرأ عليه ما يُغيّره فيبهت لونه‪ ،‬وينطفئ بريقه‪،‬‬
‫وتضيع ملمحه إل الذهب‪ ،‬ونقصد هنا الذهب الخالص غير المخلوط بمعدن آخر‪ ،‬فالذهب‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الخالص هو الذي ل يتأكسد ول يتفاعل مع غيره؛ لذلك يظل على بريقه و َروْنقه‪ ،‬فإنْ كان البيت‬
‫نفسه من زخرف‪ ،‬فماذا سيكون شكله؟‬
‫ونرى الذين يُحبّون أن ينافقوا نفاقَ الحضارات‪ ،‬ويتبا َروْنَ في زخرفة الصناعات يُلصِقون على‬
‫المصنوعات الخشبية مثلً طبقة أو قشرة من الذهب؛ لتظلّ محتفظة بجمالها‪ ،‬كما في الطقم‬
‫الفرنساوي أو النجليزي مثلً‪.‬‬
‫سمَآءِ‪[ } ..‬السراء‪]93 :‬‬
‫ثم يقول تعالى‪َ { :‬أوْ تَ ْرقَىا فِي ال ّ‬
‫أي‪ :‬يكون لك سُلّم تصعد به في السماء‪ ،‬ويظهر أنهم تسرعوا في هذا القول‪ ،‬ورََأوْا إمكانية ذلك‪،‬‬
‫فسارعوا إلى إعلن ما تنطوي عليه نفوسهم من عناد‪ { :‬وَلَن ّن ْؤمِنَ لِ ُرقِ ّيكَ حَتّى تُنَ ّزلَ عَلَيْنَا كِتَابا‬
‫ّنقْرَ ُؤهُ‪[ } ..‬السراء‪]93 :‬‬
‫وكأنهم يُبيّتون العناد لرسول ال‪ ،‬فهم كاذبون في الولى وكاذبون في الثانية‪ ،‬ولو نزّل ال عليهم‬
‫الكتاب الذي أرادوا ما آمنوا‪ ،‬وقد رَدّ عليهم الحق سبحانه بقوله‪ {:‬وََلوْ نَزّلْنَا عَلَ ْيكَ كِتَابا فِي‬
‫سحْرٌ مّبِينٌ }[النعام‪]7 :‬‬
‫قِرْطَاسٍ فََل َمسُوهُ بِأَ ْيدِيهِمْ َلقَالَ الّذِينَ َكفَرُواْ إِنْ هَـاذَآ ِإلّ ِ‬
‫وانظر إلى رد القرآن على كل هذا التعنت السابق‪ُ { :‬قلْ سُبْحَانَ رَبّي‪[ } ..‬السراء‪ ]93 :‬وكلمة‬
‫{ سُبْحَانَ } كلمة التنزيه العُلْيا للحق سبحانه وتعالى‪ ،‬وقد تحدّى بها الكون كله؛ لنها كلمة ل ُتقَال‬
‫إل ل تعالى‪ ،‬ولم يحدث أبدا بين الناس أنْ قالها أحد لحد‪ ،‬مع ما في الكون من جبابرة وعُتَاة‪،‬‬
‫يحرص الناس على منافقتهم وتملّقهم‪ ،‬وهذه كلمة اختيارية يمكن أن يقولها كل إنسان‪ ،‬لكن لم‬
‫يجرؤ أحد على َقوْلها لحد‪.‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى يتحدّى الكون كله بأمور اختيارية يقدرون عليها‪ ،‬وتحدى المختار في المثل‬
‫معناها أنه سبحانه عالم بأن قدرته لن تستطيع أن تفعل ذلك‪ ،‬ومثال ذلك قول الحق تبارك‬
‫سبَ * سَ َيصْلَىا نَارا ذَاتَ َل َهبٍ }‬
‫ب وَ َتبّ * مَآ أَغْنَىا عَنْهُ مَالُ ُه َومَا كَ َ‬
‫وتعالى‪ {:‬تَ ّبتْ َيدَآ أَبِي َل َه ٍ‬
‫[المسد‪]3-1 :‬‬
‫نزلت هذه اليات في أبي لهب‪ ،‬وهو كافر‪ ،‬ويحتمل منه اليمان كما آمن غيره من الكفرة‪ ،‬فقد‬
‫آمن عمر والعباس وغيرهم‪ ،‬فما كان يُدرِي رسول ال أن أبا لهب لن يؤمن‪ ،‬لكنه يُبلّغ قول ربه‬
‫قرآنا يُتلَى ويُحفظ ويُسجّل‪ ،‬وفيه تقرير وشهادة بأن أبا لهب سيموت كافرا‪ ،‬وأن مصيره النار‪.‬‬
‫وهنا نقول‪َ :‬أمَا كان في إمكان أبي لهب أنْ يُكذّب هذا القول‪ ،‬فيقوم في قومه مُناديا بل إله إل ال‪،‬‬
‫وأن محمدا رسول ال ـ ولو ِنفَاقا ـ وله بعد ذلك أن يتهم محمدا وقرآن محمد بالكذب؟‬
‫لكن هذا لم يحدث؛ لن المتكلم هو ال ربّ العالمين‪.‬‬
‫ومن هذا التحدي أن الحق سبحانه له صفات وله أسماء‪ ،‬السماء مأخوذة من الصفات‪ ،‬إل اسم‬
‫علَم على الذات اللهية لم يُؤخَذ من صفة من‬
‫واحد مأخوذ للذات‪ ،‬هو لفظ الجللة (ال)‪ ،‬فهو َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫صفاته تعالى‪ ،‬فالقادر والغفور والحيّ القيوم وغيرها من السماء مأخوذة من صفات‪ ،‬إنما (ال)‬
‫عَلَم على الذات الجامعة ل ُكلّ هذه الصفات‪.‬‬
‫لذلك تحدّى الخالق سبحانه جميع الخَلْق‪ ،‬وقد أعطاهم الحرية في اختيار السماء أنْ يُسمّوا أنفسهم‬
‫أو أبناءهم بهذا السم (ال)‪ ،‬ويعلن هذا التحدي في كتابه الكريم وعلى رؤوس الشهاد يقول‪َ {:‬هلْ‬
‫سمِيّا }[مريم‪]65 :‬؟‬
‫َتعْلَمُ َلهُ َ‬
‫ومع ذلك لم يجرؤ كافر واحد على أنْ يُس ّميَ هذا السم ليظلّ هذا التحدي قائما إلى قيام الساعة؛‬
‫لن ال تعالى حق‪ ،‬واليمان به وبوجوده تعالى متغلغل حتى في نفوس الكفار‪ ،‬فلو كانوا يعلمون‬
‫أن هذه الكلمة كذب‪ ،‬أو ل وجودَ لها لقدموا على التسمية بها دون أن يُبالُوا شيئا‪َ ،‬أمَا وهم‬
‫يعلمون أن ال حق فلن يجرؤ أحد‪ ،‬ويُجرّب هذه التسمية في نفسه؛ لنه يخشى عاقبة وخيمة ل‬
‫يدري ما هي‪.‬‬
‫لذلك َردّ الحق سبحانه على تعنّت الكفار فيما طلبوه من رسوله صلى ال عليه وسلم قائلً‪} :‬‬
‫حدّا‪ ،‬ول يمكن‬
‫سُ ْبحَانَ رَبّي‪[ { ..‬السراء‪ ]93 :‬لن المور التي طلبوها أمور بلغتْ من العجب َ‬
‫أن يُتعجب منها إل بسبحان ال؛ لنها كلمة التعجّب الوحيدة والتي ل تُطلَق لغير ال‪ ،‬وكأنه أرجع‬
‫المور كلها ل‪ ،‬ولقد كان لهم غِنىً عن ذلك في كتاب ال الذي نزل إليهم‪َ {:‬أوََلمْ َي ْكفِهِمْ أَنّآ أَنزَلْنَا‬
‫حمَةً وَ ِذكْرَىا ِلقَوْمٍ ُي ْؤمِنُونَ }[العنكبوت‪]51 :‬‬
‫عَلَ ْيكَ ا ْلكِتَابَ يُتْلَىا عَلَ ْيهِمْ إِنّ فِي ذاِلكَ لَرَ ْ‬
‫والهمزة هنا للستفهام المراد به التعجّب أيضا‪ :‬أيطلبون هذه اليات‪ ،‬ولم ي ْكفِهم أنّا أنزلنا عليك‬
‫الكتاب‪ ،‬وقد كان فيه غناءٌ لهم‪.‬‬
‫ثم يقول تعالى‪َ } :‬هلْ كُنتُ ِإلّ بَشَرا رّسُولً { [السراء‪]93 :‬‬
‫هل ادع ْيتُ لكم أَنّي إله؟! ما أنا إل بشر أبلغكم رسالة ربي‪ ،‬وأفعل ما يأمرني به‪ ،‬كما في قوله‬
‫عصَ ْيتُ‬
‫تعالى‪ُ {:‬قلْ مَا َيكُونُ لِي أَنْ أُ َبدّلَهُ مِن تِ ْلقَآءِ َنفْسِي إِنْ أَتّ ِبعُ ِإلّ مَا يُوحَى إَِليّ إِنّي َأخَافُ إِنْ َ‬
‫عظِيمٍ }[يونس‪]15 :‬‬
‫عذَابَ َيوْمٍ َ‬
‫رَبّي َ‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪َ } :‬ومَا مَنَعَ النّاسَ أَن ُي ْؤمِنُواْ إِذْ جَآءَ ُهمُ ا ْلهُدَىا ِإلّ أَن قَالُواْ أَ َب َعثَ اللّهُ بَشَرا‬
‫رّسُولً {‪.‬‬

‫(‪)2106 /‬‬
‫َومَا مَنَعَ النّاسَ أَنْ ُي ْؤمِنُوا إِذْ جَا َءهُمُ ا ْل ُهدَى إِلّا أَنْ قَالُوا أَ َب َعثَ اللّهُ بَشَرًا رَسُولًا (‪)94‬‬

‫أي‪ :‬ما منعهم من اليمان إل هذه المسألة‪ :‬أن يكون الرسول بشرا‪ ،‬هذه هي القضية التي وقفت‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫في حلوقهم‪ { :‬أَ َب َعثَ اللّهُ بَشَرا رّسُولً } [السراء‪]94 :‬‬
‫والمتأمّل في مسألة التبليغ عن ال يجد أنها ل يمكن أنْ تتم إل ببشر‪ ،‬فكيف يبلغ البشر جنس آخر‪،‬‬
‫ول ُبدّ للتلقّي عن ال من وسائط بين الحق سبحانه وتعالى وبين الناس؛ لن البشر ل يستطيع أنْ‬
‫ل وَحْيا َأوْ مِن‬
‫يتلقّى عن القُوة العليا مباشرة‪ ،‬فإذنْ‪ :‬هناك مراحل‪َ {:‬ومَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن ُيكَّلمَهُ اللّهُ ِإ ّ‬
‫حكِيمٌ }[الشورى‪]51 :‬‬
‫حيَ بِإِذْ ِنهِ مَا يَشَآءُ إِنّهُ عَِليّ َ‬
‫سلَ َرسُولً فَيُو ِ‬
‫وَرَآءِ حِجَابٍ َأوْ يُرْ ِ‬
‫طفِي مِنَ‬
‫لكن الرسول البشري كيف يُكلّم ال؟ ل ُبدّ أنْ نأتي برسول من الجنس العلى‪ {:‬اللّهُ َيصْ َ‬
‫ا ْلمَلَ ِئكَةِ رُسُلً‪[} ..‬الحج‪ ]75 :‬وهذا مرحلة‪ ،‬ثم يصطفي رسولً من البشر يتلقّى عن المَلكِ كي‬
‫يستطيع أنْ يُبلّغكم؛ لنكم ل تقدرون على اللقاء المباشر يتلقى عن الملك كي يستطيع أن يبلغكم؛‬
‫لنكم ل تقدرون على اللقاء المباشر مع الحق سبحانه‪.‬‬
‫ونضرب لذلك مثلً ـ ول المثل العلى‪ :‬أنت إذا أردتَ إضاءة لمبة صغيرة وعندك تيار‬
‫كهربائي عالٍ‪ ،‬هل يمكن أنْ تُوصّله بهذه اللمبة؟ ل لنها ستحرق فورا‪ ،‬إذن‪ :‬ما الحل؟ الحل أنْ‬
‫تأتي بجهاز وسيط يُقلّل لك هذا التيار القوي‪ ،‬ويعطي اللمبة على قَدْر حاجتها فتضيء‪.‬‬
‫كذلك الحق سبحانه يصطفي من الملئكة رسلً يمكنهم التلقّي عن ال ويصطفي من البشر رسلً‬
‫يمكنهم التلقّي عن الملئكة‪ ،‬ثم يُبلّغ الرسول المصطفى من البشر بني جنسه‪ .‬إذن‪ :‬فماذا يُزعجكم‬
‫في أنْ يكون الرسول بشرا؟ ولماذا تعترضون على هذه المسألة وهي أمر طبيعي؟‬
‫جلٍ مّ ْنهُمْ أَنْ أَنذِرِ النّاسَ‪[} ..‬يونس‪]2 :‬‬
‫عجَبا أَنْ َأوْحَيْنَآ إِلَىا رَ ُ‬
‫يقول تعالى‪َ {:‬أكَانَ لِلنّاسِ َ‬
‫صحَابَ القَرْيَةِ إِذْ جَآءَهَا ا ْلمُرْسَلُونَ * إِذْ‬
‫وفي موضع آخر يقول سبحانه‪ {:‬وَاضْ ِربْ َلهُمْ مّثَلً َأ ْ‬
‫أَرْسَلْنَآ ِإلَ ْيهِمُ اثْنَيْنِ َفكَذّبُو ُهمَا َفعَزّزْنَا بِثَاِلثٍ َفقَالُواْ إِنّآ إِلَ ْيكُمْ مّ ْرسَلُونَ * قَالُواْ مَآ أَنتُمْ ِإلّ بَشَرٌ مّثْلُنَا‬
‫شيْءٍ إِنْ أَنتُمْ ِإلّ َتكْذِبُونَ }[يس‪]15-13 :‬‬
‫حمَـانُ مِن َ‬
‫َومَآ أَنَزلَ الرّ ْ‬
‫إذن‪ :‬فاعتراضهم على بشرية الرسول أمر قديم توارثه أهل الكفر والعناد من أيام نوح ـ عليه‬
‫السلم ـ ألم َي ُقلْ له قومه‪َ {:‬فقَالَ ا ْلمَلُ الّذِينَ َكفَرُواْ مِن ِق ْومِهِ مَا نَرَاكَ ِإلّ بَشَرا مّثْلَنَا‪[} ..‬هود‪]27 :‬‬
‫طعْتُمْ بَشَرا مّثَْلكُمْ إِ ّنكُمْ إِذا لّخَاسِرُونَ }[المؤمنون‪]34 :‬‬
‫وقالوا‪ {:‬وَلَئِنْ أَ َ‬
‫سعُرٍ }[القمر‪]24 :‬‬
‫للٍ وَ ُ‬
‫وقالوا‪ {:‬أَبَشَرا مّنّا وَاحِدا نّتّ ِبعُهُ إِنّآ إِذا ّلفِي ضَ َ‬
‫لذلك يدعونا الحق سبحانه وتعالى إلى النظر في السّنة المتبعة في الرسل‪َ {:‬ومَآ أَ ْرسَلْنَا مِن قَبِْلكَ‬
‫ِإلّ رِجَالً نّوحِي إِلَ ْيهِمْ‪[} ..‬النحل‪]43 :‬‬
‫أي‪ :‬ليسوا ملئكة‪ ،‬ل بُدّ أنْ يكونوا رجالً لِيتمّ اللقاء بينكم‪ ،‬وإلّ فلو جاء الرسول مَلَكا كما تقولون‪،‬‬
‫هل ستروْن هذا الملَك؟ قالوا‪ :‬ل هو مُستتر عنّا‪ ،‬لكنه يرانا‪ ،‬لكن تبليغ الرسالة ل يقوم على مجرد‬
‫ن يتصوّر لكم الملَك في صورة‬
‫الرؤية‪ ،‬فتبليغ الرسالة يحتاج إلى مخالطة ومخاطبة‪ ،‬وهنا ل ُبدّ أ ْ‬
‫رجل ليؤدي مهمة البلغ عن ال‪ ،‬وهكذا نعود من حيث بدأنا؛ لنها الطبيعة التي ل يمكن لحد‬
‫الخروج عنها‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫علَ ْيهِم مّا يَلْبِسُونَ }[النعام‪ ]9 :‬إذن‪ :‬ل‬
‫ل وَلَلَبَسْنَا َ‬
‫جعَلْنَاهُ رَجُ ً‬
‫جعَلْنَاهُ مَلَكا لّ َ‬
‫لذلك يقول سبحانه‪ {:‬وََلوْ َ‬
‫داعي للتمحّك والعناد‪ ،‬ومصادمة الفطرة التي خلقها ال‪ ،‬والطبيعة التي ارتضاها لخَلْقه‪.‬‬
‫سمَآءِ‬
‫طمَئِنّينَ لَنَزّلْنَا عَلَ ْيهِم مّنَ ال ّ‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ } :‬قُل َلوْ كَانَ فِي الَ ْرضِ مَل ِئكَةٌ َي ْمشُونَ ُم ْ‬
‫مَلَكا رّسُولً {‪.‬‬

‫(‪)2107 /‬‬
‫سمَاءِ مََلكًا َرسُولًا (‪)95‬‬
‫طمَئِنّينَ لَنَزّلْنَا عَلَ ْيهِمْ مِنَ ال ّ‬
‫ُقلْ َلوْ كَانَ فِي الْأَ ْرضِ مَلَا ِئكَةٌ َي ْمشُونَ ُم ْ‬

‫{ ُقلْ } أي‪ :‬رَدّا عليهم‪ :‬لو أن الملئكة يمشون في الرض مطمئنين لَنزّلنا عليهم مَلَكا رسولً لكي‬
‫ن يكون المبلّغ من جنس المبلّغ‪ ،‬وهذا واضح في حديث جبريل الطويل‬
‫يكون من طبيعتهم‪ ،‬فل بُدّ أ ْ‬
‫حينما جاء إلى رسول ال يسأله عن بعض أمور الدين لِيُعلم الصحابة‪ :‬ما الحسان؟ ما اليمان؟ ما‬
‫السلم‪ .‬فيأتي جبريل مجلس رسول ال في صورة رجل من أهل البادية‪ ،‬وبعد أنْ أدّى مهمته‬
‫انصرف دون أنْ يشعر به أحد‪ ،‬فلما سألوا عنه قال لهم رسول ال‪ " :‬إنه جبريل‪ ،‬أتاكم لِيُعلّمكم‬
‫أمور دينكم "‪.‬‬
‫شيء آخر يقتضي بشرية الرسول‪ ،‬وهو أن الرسول أسوة سلوك لقومه‪ ،‬كما قال تعالى‪ّ {:‬لقَدْ كَانَ‬
‫س َوةٌ حَسَ َنةٌ‪[} ..‬الحزاب‪]21 :‬‬
‫َلكُمْ فِي رَسُولِ اللّهِ أُ ْ‬
‫وبال‪ ،‬كيف تتم هذه السوة؟ وكيف يقتدي الناس بها إنْ كان الرسول مَلَكا؟‬
‫فالرسول عندما يُبلّغ منهج ال عليه أنْ يُطبّق هذا المنهج في نفسه أولً‪ ،‬فل يأمرهم أمرا‪ ،‬وهو‬
‫جوَة‪ ،‬بل هو إمامهم في القول والعمل‪.‬‬
‫عنه بِ َن ْ‬
‫لذلك فالحاكم الحق الناصح يُطبّق القانون عليه أولً‪ ،‬فكان سيدنا عمر ـ رضي ال عنه ـ إذا‬
‫أراد أن يُقنّن قانونا ويرى أنه سيتعب بعض الظالمين والمنحرفين فيجمع أهله ويخبرهم بما أراد‪،‬‬
‫ثم يُحذّرهم من المخالفة‪ " :‬فو الذي نفسي بيده‪ ،‬مَنْ خالفني منكم إلى شيء لجعلنّه نكَالً للمسلمين‪،‬‬
‫وأنا أول مَنْ أُطبّقه على نفسي "‪.‬‬
‫لذلك حكم عمر الفاروق الدنيا كلها في عصره‪ ،‬ولما رآه الرجل نائما مطمئنا تحت شجرة قال‬
‫قولته المشهورة‪ " :‬حكمتَ‪ ،‬فعد ْلتَ‪ ،‬فأمنت‪ ،‬فن ْمتَ يا عمر " وعمر ما حكم الدنيا والبشر‪ ،‬بل حكم‬
‫نفسه أولً فحُكمت له الدنيا؛ لن الحاكم هو مركز الدائرة‪ ،‬وحَواليْه دوائر أخرى صغيرة تراه‬
‫وتقتدي به‪ ،‬فإنْ رأوه مستقيما استقاموا‪ ،‬ولم يجرؤ أحد منهم على المخالفة‪ ،‬وإنْ رأوْه منحرفا‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فاقوه في المخالفة‪ ،‬وأفسدوا أضعاف ما يُفسد‪.‬‬
‫لذلك‪ ،‬ل يمكن أبدا لحاكم أن يحكم إل إذا حكم نفسه أولً‪ ،‬بعدها تنقاد له رعيته ويكونون طوعا‬
‫لمره دون جهد منه أو تعب‪.‬‬
‫ولقد رأينا في واقعنا بعض الحكام الذين فهموا الُسْوة على حقيقتها‪ ،‬فترى الواحد من رعيته‬
‫يركب أفخم السيارات‪ ،‬ويسكن أعظم القصور‪ ،‬حتى إن معظم أدواتها تكون من الذهب‪ ،‬في حين‬
‫ترى هذا الحاكم يعيش عيشة متواضعة وربما يعيش في قصر ورثه عن أبيه أو جَدَّه‪ ،‬وكأنه يُغلِظ‬
‫على نفسه ويبغي الرفاهية لرعايته‪.‬‬
‫وكذلك رسول ال صلى ال عليه وسلم وقد أتى بمنهج‪ ،‬وهو في الوقت نفسه أُسْوة سلوك وقُدْوة‪،‬‬
‫ث الغنيّ على الصدقة للفقير‪ ،‬ثم يحرم أهل بيته من هذه الصدقة فل‬
‫فنراه صلى ال عليه وسلم يح ّ‬
‫يقبلها لهم‪ ،‬وإنْ توارث الناس فيما يتركونه من أموال فإن ما تركه الرسول ل ُيوَ ّرثُ لهله من‬
‫بعده‪ ،‬بل هو صدقة لفقراء المسلمين‪ ،‬وهكذا يحرم رسول ال أهل بيته مما أعطاه للخرين لتكون‬
‫القدوة صحيحة‪ ،‬ول يجد ضعاف النفوس مأخذا عليه صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فليس المراد من الحكم أن يتميز الحاكم عن المحكوم‪ ،‬أو يفضل بعض الرعية على بعض‪،‬‬
‫فإذا ما أحسّ الناس بالمساواة خضعوا للحاكم‪ ،‬وأذعنوا له‪ ،‬وأطاعوا أمره؛ لنه ل يعمل لمصلحته‬
‫الشخصية بل لمصلحة رعيته‪ ،‬بدليل أنه أقلّ منهم في ُكلّ مستويات الحياة‪.‬‬
‫فالرسول إنْ جاء مَلَكا فإن الُسْوة ل تتمّ به‪ ،‬فإنْ أمرنا بشيء ودعانا إلى أن نفعل مثله فسوف‬
‫ك ل شهوةَ لك‪ ،‬ل تأكل ول تشرب ول تتناكح ول تتناسل‪ ،‬إن هذه‬
‫نحتجّ عليه‪ :‬كيف وأنت مََل ٌ‬
‫الوامر تناسبك أنت‪ ،‬أما نحن فل نقدر عليها‪.‬‬
‫ومن هنا ل بُدّ أن يكون الرسول بشرا فإنْ حمل نفسه على منهج فل عُذْر لحد في التخلّف عنه؛‬
‫لنه يطبق ما جاء به ويدعوكم إلى القتداء بسلوكه‪.‬‬
‫ل وقُلْنا‪َ :‬هبْ أنك رأيتَ في الغابة أسدا يصول ويجول ويفتك بفريسته‪،‬‬
‫وسبق أنْ ضربنا لذلك مث ً‬
‫صهْوة جواده يصول ويجول ويحصد‬
‫بال هل يراودك أن تكون أسدا؟ إنما لو رأيتَ فارسا على َ‬
‫رقاب العداء‪ ،‬ألّ تتطلع إلى أن تكون مثله؟‬
‫إذن‪ :‬ل تتمّ القُدْوة ول تصح إل إنْ كان الرسول بشرا‪ ،‬ول داعي للتمرّد على الطبيعة التي خلقها‬
‫ال‪.‬‬
‫شهِيدا‪.{ ...‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ُ } :‬قلْ َكفَىا بِاللّهِ َ‬

‫(‪)2108 /‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫شهِيدًا بَيْنِي وَبَيْ َنكُمْ إِنّهُ كَانَ ِبعِبَا ِدهِ خَبِيرًا َبصِيرًا (‪)96‬‬
‫ُقلْ َكفَى بِاللّهِ َ‬

‫{ ُقلْ } أي‪ :‬رَدّا على ما اقترحوه من اليات وعلى اعتراضهم على بشرية الرسول‪َ { :‬كفَىا بِاللّهِ‬
‫شهِيدا بَيْنِي وَبَيْ َنكُمْ‪[ } ..‬السراء‪]96 :‬‬
‫َ‬
‫والشهيد إنما يُطلَب للشهادة في قضية ما‪ ،‬فما القضية هنا؟ القضية هي قضية تعنّت الكفار مع‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم؛ لنهم طلبوا منه مَا ليس في وُسْعه‪ .‬والرسول ل يعنيه المتعنتون‬
‫شهِيدا‪[ } ..‬السراء‪]96 :‬‬
‫في شيء؛ لن أمره مع ربه عز وجل؛ لذلك قال‪َ { :‬كفَىا بِاللّهِ َ‬
‫فإنْ كانت شهادة الشاهد في حوادث الدنيا تقوم على الخبار بما حدث‪ ،‬وعليها يترتب الحكم فإن‬
‫شهادة الحق سبحانه تعني أنه تعالى الشهيد الذي رأى‪ ،‬والحاكم الذي يحكم‪ ،‬والسلطة التنفيذية التي‬
‫تنفذ‪.‬‬
‫شهِيدا‪[ } ..‬السراء‪]96 :‬‬
‫لذلك قال‪ { :‬كَفَىا بِاللّهِ َ‬
‫فهو كافيك هذا المر؛ لنه كان بعباده { خَبِيرا } يعلم خفاياهم ويطّلع على نواياهم من وراء هذا‬
‫التعنّت { َبصِيرا } ل يخفي عليه شيء من أمرهم‪.‬‬
‫جدَ َلهُمْ َأوْلِيَآءَ مِن‬
‫ثم يقول الحق تبارك وتعالى‪َ { :‬ومَن َيهْدِ اللّهُ َف ُهوَ ا ْل ُمهْتَ ِد َومَن ُيضِْللْ فَلَن تَ ِ‬
‫دُونِهِ‪.} ..‬‬

‫(‪)2109 /‬‬
‫َومَنْ َي ْهدِ اللّهُ َفهُوَ ا ْل ُمهْتَدِ َومَنْ ُيضِْللْ فَلَنْ َتجِدَ َلهُمْ َأوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُ ُهمْ َيوْمَ ا ْلقِيَامَةِ عَلَى‬
‫سعِيرًا (‪)97‬‬
‫جهَنّمُ كُّلمَا خَ َبتْ زِدْنَا ُهمْ َ‬
‫عمْيًا وَ ُب ْكمًا َوصُمّا مَ ْأوَاهُمْ َ‬
‫وُجُو ِههِمْ ُ‬

‫سبق أنْ قُلْنا‪ :‬إن الهداية نوعان‪ :‬هداية الدللة المطلقة والتي تكون لجميع الخلق المؤمن والكافر‪،‬‬
‫ل ال المؤمن والكافر على الطريق المستقيم وبيّنه لهم وأرشدهم إليه‪.‬‬
‫فقد َد ّ‬
‫والخرى‪ :‬هداية التوفيق والمعونة للقيام بمطلوبات المنهج الذي آمنوا به‪ ،‬وهذه خاصّة بالمؤمن‪،‬‬
‫فبعد أنْ دَلّه ال آمن وصدّق واعترف ل تعالى بالفضل والجميل‪ ،‬بأن أنزل له منهجا ينظم حياته‪.‬‬
‫فأتحفه ال تعالى بهداية التوفيق والمعونة‪.‬‬
‫وعن الهداية يقول الحق سبحانه‪ {:‬وََأمّا َثمُودُ َف َهدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبّواْ ا ْل َعمَىا عَلَى ا ْلهُدَىا‪[} ..‬فصلت‪:‬‬
‫‪]17‬‬
‫أي‪ :‬دَلَلْناهم على الطريق المستقيم‪ ،‬لكنهم استحبّوا العمى والضلل على الهدى‪ ،‬فمنع ال عنهم‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫معونته وتوفيقه‪.‬‬
‫والحق سبحانه يخاطب رسوله صلى ال عليه وسلم بأسلوبين قرآنيين يوضّحان هذيْن النوعيْن من‬
‫ت وَلَـاكِنّ اللّهَ َي ْهدِي مَن يَشَآءُ‪[} ..‬القصص‪]56 :‬‬
‫ك لَ َت ْهدِي مَنْ أَحْبَ ْب َ‬
‫الهداية‪ ،‬يقول تعالى‪ {:‬إِ ّن َ‬
‫فنفى عن رسول ال هداية التوفيق والمعونة؛ لنه صلى ال عليه وسلم ل يملكها‪ ،‬وفي آية أخرى‬
‫قال تعالى‪ {:‬وَإِ ّنكَ لَ َت ْهدِي إِلَىا صِرَاطٍ مّسْ َتقِيمٍ }[الشورى‪]52 :‬‬
‫فأثبتَ له هداية البيان والدللة؛ لن هذه هي مهمته كمبلّغ عن ال‪ ،‬وهكذا أثبتَ له الحدث ونفاه‬
‫عنه؛ لن الجهة مُنفكّة أي‪ :‬أن جهة الثبات غير جهة النفي‪ ،‬كما في قوله تعالى‪ {:‬وَلَـاكِنّ َأكْثَرَ‬
‫س لَ َيعَْلمُونَ * َيعَْلمُونَ ظَاهِرا مّنَ ا ْلحَيَاةِ الدّنْيَا‪[} ..‬الروم‪]7-6 :‬‬
‫النّا ِ‬
‫فمرة‪ :‬نفَى عنهم العلم‪ ،‬ومرة أخرى‪ :‬أثبتَ لهم العلم‪ .‬والمراد أنهم ل يعلمون حقائق المور‪،‬‬
‫ولكنهم يعلمون العلوم السطحية الظاهرة منها‪ .‬ونحن نكرّر مثل هذه القضايا لكي تستقرّ في النفس‬
‫النسانية‪ ،‬وفي مواجيد المتدينين فينتفعوا بها‪.‬‬
‫ت وَلَـاكِنّ اللّهَ َرمَىا‪[} ..‬النفال‪]17 :‬‬
‫ومن ذلك أيضا قول الحق سبحانه‪َ {:‬ومَا َرمَ ْيتَ إِذْ َرمَ ْي َ‬
‫فأثبت للرسول َرمْيا‪ ،‬ونفى عنه َرمْيا‪ ،‬لكن إذا جاء هذا الكلم من بليغ حكيم فاعلم أن الجهة‬
‫حفْنة من التراب ورمى بها نحو أعدائه‪،‬‬
‫مُنفكّة؛ لن النبي صلى ال عليه وسلم في غزوة بدر أخذ َ‬
‫وهذا هو ال ّرمْي الذي أثبتته الية‪ ،‬وقد تولّتْ القدرة اللهية إيصال ذرات هذه الحفنة إلى عيون‬
‫العداء‪ ،‬فأصابتهم جميعا وشغلتْهم عن القتال‪ ،‬وهذا هو ال ّرمْي الذي نفاه الحق عن رسوله صلى‬
‫ال عليه وسلم‪.‬‬
‫ولتقريب هذه المسألة‪ :‬ابنك الذي تحمله على المذاكرة وتُرغمه عليها يأتي بالكتب ويضعها أمامه‬
‫ويُقلّب فيها ليوهمك أنه يذاكر‪ ،‬فإذا ما راجعت معه ما ذاكر ل تجدْه حصّل شيئا فتقول له‪ :‬ذاكرتَ‬
‫وما ذاكرت‪ ،‬فتُثبِت له الحدث مرة‪ ،‬وتنفيه عنه أخرى؛ لنه ذاكر شكلً‪ ،‬ولم يذاكر موضوعا‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالحق سبحانه وتعالى يهدي الجميع هداية إرشاد وبيان ودللة‪ ،‬ويختص مَنْ آمن بهداية‬
‫المعونة والتوفيق للقيام بمقتضيات المنهج‪ ،‬كما قال تعالى‪ {:‬وَالّذِينَ اهْ َت َدوْاْ زَادَ ُهمْ ُهدًى وَآتَاهُمْ‬
‫َتقُوَا ُهمْ }‬
‫[محمد‪]17 :‬‬
‫وقال عن الخرين‪ {:‬وَاللّ ُه لَ َيهْدِي ا ْلقَوْمَ الظّاِلمِينَ }[الصف‪ ]7 :‬لكن يهدي العادلين‪.‬‬
‫سقِينَ }[الصف‪ ..]5 :‬لكن يهدي الطائعين‪.‬‬
‫وقال‪ {:‬وَاللّ ُه لَ َيهْدِي ا ْل َقوْمَ ا ْلفَا ِ‬
‫وقال‪ {:‬وَاللّ ُه لَ َيهْدِي ا ْل َقوْمَ ا ْلكَافِرِينَ }[البقرة‪ ..]264 :‬لكن يهدي المؤمنين‪.‬‬
‫إذن‪ :‬بيّن الحق سبحانه في أساليب القرآن مَنْ شاء هدايته‪ ،‬أما مَنْ آثر الكفر وصمم ألّ يؤمن فهو‬
‫طغْيَا ِنهِمْ َي ْع َمهُونَ }‬
‫وشأنه‪ ،‬بل ويزيده ال من الكفر ويختم على قلبه‪ ،‬كما قال تعالى‪ {:‬وَ َنذَرُهُمْ فِي ُ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫[النعام‪]110 :‬‬
‫نعود إلى } مَن { في قوله تعالى‪َ } :‬ومَن َيهْدِ اللّهُ َف ُهوَ ا ْل ُمهْ َتدِ‪[ { ..‬السراء‪ ]97 :‬قلنا‪ :‬إن (مَن) اسم‬
‫موصول بمعنى الذي‪ ،‬واستخدام (مَن) كاسم موصول ل يقتصر على (الذي) فقط‪ ،‬بل تستخدم‬
‫لجميع السماء الموصولة‪ :‬الذي‪ ،‬التي‪ ،‬اللذان‪ ،‬اللتان‪ ،‬الذين‪ ،‬اللتي‪ .‬فتقول‪ :‬مَنْ جاءك فأك ِرمْه‪،‬‬
‫ومَنْ جاءتك فأكرمْها‪ ،‬ومَنْ جاءاك فأكرمهم‪ ،‬ومَنْ جاءتاك فأكرمهما‪ ،‬ومَنْ جاءوك فأكرمهم‪ ،‬ومَنْ‬
‫ك فأكر ْمهُن‪.‬‬
‫جِئْ َن َ‬
‫فهذه ستة أساليب تؤديها (مَن) فهي ـ إذن ـ صالحة للمذكّر وللمؤنّث وللمفرد وللمثنى وللجمع‪،‬‬
‫وعليك أن تلحظ (مَنْ) في الية‪َ } :‬ومَن َيهْدِ اللّهُ َف ُهوَ ا ْل ُمهْتَدِ‪[ { ..‬السراء‪ ]97 :‬جاءت (مَنْ) دالّة‬
‫على المفرد المذكر‪ ،‬وهي في نفس الوقت دالّة على المثنى والجمع المذكر والمؤنث‪ ،‬فنقول‪ :‬مَنْ‬
‫يهدِهَا ال فهي المهتدية‪ ،‬ومَنْ يهدهم ال فهم المهتدون‪ .‬وهكذا‪.‬‬
‫ونسأل‪ :‬لماذا جاءت (مَنْ) دالة على المفرد المذكر بالذات دون غيره في مجال الهدى‪ ،‬أما في‬
‫الضلل فجاءتْ (مَنْ) دالة على الجمع المذكر؟ نقول‪ :‬لنه لحظ لفظ (من) فأفرد الولى‪ ،‬ولحظ‬
‫جدَ َلهُمْ َأوْلِيَآءَ مِن دُونِهِ‪[ { ..‬السراء‪]97 :‬‬
‫ما تطلق عليه (من) فجمع الثانية‪َ } :‬ومَن ُيضِْللْ فَلَن تَ ِ‬
‫وهنا مَلْحظ دقيق يجب تدبّره‪ :‬في الهتداء جاء السلوب بصيغة المفرد‪َ } :‬ومَن َيهْدِ اللّهُ َف ُهوَ‬
‫ل واحدا ل غير‪ ،‬هو منهج ال تعالى وصراطه‬
‫ا ْل ُمهْتَدِ‪[ { ..‬السراء‪ ]97 :‬لن للهتداء سبي ً‬
‫المستقيم‪ ،‬فللهداية طريق واحد أوضحه رسول ال صلى ال عليه وسلم بقوله‪ " :‬ل يؤمن أحدكم‬
‫حتى يكون هواه تبعا لما جئت به "‪.‬‬
‫أما في الضلل‪ ،‬فجاء السلوب بصيغة الجمع‪ } :‬فَلَن َتجِدَ َل ُهمْ َأوْلِيَآءَ‪[ { ..‬السراء‪ ]97 :‬لن طرق‬
‫الضلل متعددة ومناهجه مختلفة‪ ،‬فللضلل ألف طريق‪ ،‬وهذا واضح في قول الحق سبحانه‪ {:‬وَأَنّ‬
‫هَـاذَا صِرَاطِي مُسْ َتقِيما فَاتّ ِبعُو ُه وَلَ تَتّ ِبعُواْ السّ ُبلَ فَ َتفَرّقَ ِب ُكمْ عَن سَبِيِلهِ‪[} ..‬النعام‪]153 :‬‬
‫خطّا مُسْتقيما‪ ،‬وخَطّ حوله خطوطا‬
‫خطّ للصحابة َ‬
‫والنبي صلى ال عليه وسلم حينما قرأ هذه الية َ‬
‫مُتعرّجة‪ ،‬ثم أشار إلى الخط المستقيم وقال‪ " :‬هذا ما أنا عليه وأصحابي "‪.‬‬
‫إذن‪ :‬الهداية طريق واحد‪ ،‬وللضلل أَلْف مذهب‪ ،‬وألف منهج؛ لذلك لو نظرتَ إلى أهل الضلل‬
‫لوجدتَ لهم في ضللهم مذاهب‪ ،‬ولكل واحد منهم هواه الخاص في الضلل‪ .‬فعليك أنْ تقرأ هذه‬
‫الية بوعي وتأمّل و َفهْم لمراد المتكلّم سبحانه‪ ،‬فلو قرأها غافل لَقال‪ :‬فمن تجد له أولياء من دونه‪،‬‬
‫ولتبع الثانية الولى‪.‬‬
‫ومن هنا تتضح توقيفية القرآن‪ ،‬حيث دقة الداء اللهي التي وضعتْ ُكلّ حَرْف في موضعه‪.‬‬
‫وقوله‪َ } :‬أوْلِيَآءَ { أي‪ُ :‬نصَراء ومعاونين ومُعينين } مِن دُونِه { أي‪ :‬من بعده } وَنَحْشُرُ ُهمْ َيوْمَ‬
‫ا ْلقِيَامَةِ عَلَىا وُجُو ِههِمْ { [السراء‪]97 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الحشْر‪ :‬القيام من القبر والجمع للحساب } عَلَىا وُجُو ِههِمْ { هنا تعجب بعض الصحابة‪ ،‬فسألوا‬
‫رسول ال‪ :‬وكيف يسير النسان على وجهه؟ فقال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬إن الذي أمشاهم على‬
‫أرجلهم قادر أن يُمشيهم على وجوههم "‪.‬‬
‫وما العجب في ذلك ونحن نرى مخلوقات ال‪َ {:‬فمِ ْنهُمْ مّن َيمْشِي عَلَىا بَطْنِهِ َومِنهُمْ مّن َيمْشِي‬
‫عَلَىا رِجْلَيْنِ َومِنْهُمْ مّن َي ْمشِي عَلَىا أَرْبَعٍ‪[} ..‬النور‪]45 :‬‬
‫ضلّ‬
‫شيَ من َ‬
‫ألم تَرَ الثعبان‪ ،‬كيف هو سريع في مِشْيته‪ ،‬خفيف في حركته‪ ،‬فالذي خلق قادر أن يُم ِ‬
‫في القيامة على بطنه‪ ،‬لن المسألة إرادة مريد لِيُوقع بهم غاية الذّلّة والهوان‪ ،‬ويا ليتهم تنتهي بهم‬
‫صمّا‪..‬‬
‫عمْيا وَ ُبكْما َو ُ‬
‫المهانة والمذلّة عند هذا الحدّ‪ ،‬بل‪ } :‬وَنَحْشُرُ ُهمْ َيوْمَ ا ْلقِيَامَةِ عَلَىا ُوجُو ِههِمْ ُ‬
‫{ [السراء‪]97 :‬‬
‫عمْي ل يروْنَ شيئا‪ ،‬ول‬
‫هذا استطراق لوسائل الهانة‪ ،‬ففضلً عن مَشْيهم على الوجوه فهم ُ‬
‫ن تتصوّر إنسانا‬
‫يهتدون‪ ،‬وهم صُمّ ل يسمعون نداءً‪ ،‬وهم ُبكْمٌ ل يقدرون على الكلم‪ ،‬ولك أ ْ‬
‫جمعت عليه كل هذه الوسائل ليس في يوم عادي‪ ،‬بل في يوم البعث والنشور‪ ،‬فإذا به ُيفَاجأ بهْول‬
‫البعث‪ ،‬وقد سُدّت عليه جميع منافذ الدراك‪ ،‬فهو في قلب هذا ال َهوْل والضجيج‪ ،‬ولكنه حائر ل‬
‫يدري شيئا‪ ،‬ول يدرك ما يحدث من حوله‪.‬‬
‫ولنا هنا لفتة على هذه الية‪ ،‬فقد ورد في القرآن كثيرا‪ :‬صُمّ ُبكْم بهذا الترتيب إل في هذه الية‬
‫صمَم يسبق ال َبكَم؛ لن النسان يحكي ما سمعه‪ ،‬فإذا لم‬
‫صمّا { ومعلوم أن ال ّ‬
‫جاءت هكذا‪ } :‬وَ ُبكْما َو ُ‬
‫يسمع شيئا ل يستطيع الكلم‪ ،‬واللغة بنت السماع‪ ،‬وهي ظاهرة اجتماعية ليستْ جنسا وليست َدمَا‪.‬‬
‫وسبق أنْ قُلْنا‪ :‬إن الولد النجليزي إذا تربّى في بيئة عربية يتكلم بالعربية والعكس؛ لن اللغة‬
‫ليست جنسا‪ ،‬بل ظاهرة اجتماعية تقوم على السماع‪ ،‬فما تسمعه الذن يحكيه اللسان‪ .‬حتى العربي‬
‫نفسه الذي يعيش في بيئة عربية‪ ،‬إل أنه لم يسمع هذه اللفاظ الغريبة المتقعّرة ل يستطيع محاكاتها‬
‫ول يعرف معناها‪.‬‬
‫لكن في هذه الية جاء البكَم أولً‪ ،‬لماذا؟ لنه ساعة يُفاجأ به ْولِ البعث والحشر كان المفروض أن‬
‫عمّا يحدث‪ ،‬ثم يسمع بعد ذلك إجابة على ما هو فيه‪ ،‬لكنه فُوجئ بالبعث وأهواله‪ ،‬ولم‬
‫يسأل أولً َ‬
‫صمَم في هذا الموقف‪.‬‬
‫عمّا حوله‪ ،‬وهكذا سبق البكَم ال ّ‬
‫يستطع حتى الستفسار َ‬
‫وهنا أيضا اعتراض لبعض المستشرقين ومَنْ يُجارونهم ِممّنْ أسلموا بألسنتهم‪ ،‬ولم تطمئن قلوبهم‬
‫عمْيا‪.‬‬
‫لنور ال‪ ،‬يقولون‪ :‬القرآن يقول‪ } :‬وَ َنحْشُرُ ُهمْ َيوْمَ ا ْلقِيَامَةِ عَلَىا وُجُو ِههِمْ ُ‬
‫‪[ { .‬السراء‪ ]97 :‬فينفي عنهم الرؤية‪ ،‬وفي آيات أخرى يقول‪ {:‬حَتّىا إِذَا رََأوْاْ مَا يُوعَدُونَ‪} ..‬‬
‫[مريم‪ {]75 :‬وَرَأَى ا ْلمُجْ ِرمُونَ النّارَ َفظَنّواْ أَ ّنهُمْ ّموَا ِقعُوهَا‪[} ..‬الكهف‪]53 :‬‬
‫فأثبت لهم الرؤية‪ ،‬فكيف نجمع بين هذه اليات؟ والمتأمل في حال هؤلء المعذّبين في موقف‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عمْيا لِيتحققَ لهم الذلل والحيرة‬
‫البعث يجد أن العمى كان ساعة البعث‪ ،‬حيث قاموا من قبورهم ُ‬
‫والرتباك‪ ،‬ثم بعد ذلك يعودون إلى توازنهم ويعود إليهم بصرهم ليشاهدوا به ألوان العذاب‬
‫الخاصة بهم‪ ،‬وهكذا جمع ال عليهم الذل في الحاليْن‪ :‬حال العمى وحال البصر‪.‬‬
‫غطَآ َءكَ فَ َبصَ ُركَ الْ َيوْمَ حَدِيدٌ }[ق‪:‬‬
‫شفْنَا عَنكَ ِ‬
‫غفْلَةٍ مّنْ هَـاذَا َفكَ َ‬
‫لذلك يقول تعالى‪ّ {:‬لقَدْ كُنتَ فِي َ‬
‫‪]22‬‬
‫سعِيرا { [السراء‪ ]97 :‬مأواهم‪ :‬أي‪ :‬مصيرهم‬
‫جهَنّمُ كُّلمَا خَ َبتْ زِدْنَاهُمْ َ‬
‫ثم يقول تعالى‪ } :‬مّ ْأوَا ُهمْ َ‬
‫ض ُعفَت أو انطفأتْ‪ ،‬لكن ما دام المراد من النار التعذيب‪ ،‬فلماذا‬
‫ونهايتهم‪ .‬خَ َبتْ‪ :‬خبت النار‪ .‬أي‪َ :‬‬
‫تخبو النار أو تنطفئ؟ أليس في ذلك راحة لهم من العذاب؟‬
‫حدّ ذاته َلوْنٌ من العذاب؛ لن استدامة‬
‫المتأمل في الية يجد أن خفوت النار وانطفاءها هو في َ‬
‫الشيء يُوطّن صاحبه عليه‪ ،‬واستدامة العذاب واستمراره يجعلهم في إِلْف له‪ ،‬فإنْ خَبتِ النار أو‬
‫هدأتْ فترةً فإنهم سيظنون أن المسألة انتهت‪ ،‬ثم يُفاجئهم العذاب من جديد‪ ،‬فهذا أنكَى لهم وآلم في‬
‫تعذيبهم‪.‬‬
‫حتُ مِنْ لَيْلَى‬
‫وهذا يُسمّونه في البلغة " اليأس بعد الطماع " ‪ ،‬كما جاء في قول الشاعر‪:‬فَأصْبَ ْ‬
‫لصَابِعفي السجون والمعتقلت يحدث مثل هذا‪ ،‬فترى‬
‫الغَداةَ َكقَا ِبضٍ عَلَى المَاء خَانَ ْتهُ فُرُوجُ ا َ‬
‫السجين يشتد به العطش إلى حَدّ ل يطيقه‪ ،‬فيصيح بالحارس ويتحنن إليه ويرجوه كوبا من الماء‪،‬‬
‫شفَتَيْه‪ ،‬ويطمع في أنْ يبلّ ريقه ويطفئ غُلّته‪ ،‬فإذا بالحارس‬
‫فيأتي له بكوب الماء حتى يكون على َ‬
‫يسكبه على الرض‪ ،‬وهذا أنكى وأشدّ في التعذيب‪.‬‬
‫ش َعتْ‬
‫جوْهَا أقْ َ‬
‫غمَامَةٌ فََلمّا َر َ‬
‫عطَاشا َ‬
‫وقد عبر الشاعر عن هذا المعنى بقوله‪َ :‬كمَا أبر َقتْ َقوْمَا ِ‬
‫وتَجلّتِأي‪ :‬ساعة أَنْ رأوْهَا‪ ،‬واستشرفوا فيها الماء إذا بها تنقشع وتتلشى‪ ،‬وتُخيّب رجاءهم فيها‪.‬‬
‫وكذلك من ألوان العذاب التي قد يظنّها البعض َلوْنا من الراحة في جهنم والعياذ بال‪ ،‬أن ال تعالى‬
‫جتْ‬
‫يُبَدّل جلودهم بجلود أخرى جديدة‪ ،‬ل رحمةً بهم بل نكايةً فيهم‪ ،‬كما قال تعالى‪ {:‬كُّلمَا َنضِ َ‬
‫جُلُو ُدهُمْ َبدّلْنَاهُمْ جُلُودا غَيْ َرهَا لِيَذُوقُواْ ا ْلعَذَابَ‪[} ..‬النساء‪]56 :‬‬
‫لن الجلود إذا نضجتْ وتفحّمت امتنع الحِسّ‪ ،‬وبالتالي امتنعتْ إذاقة العذاب‪ ،‬إذن‪ :‬العلة من تبديل‬
‫الجلود تجديد الحسّ ليذوقوا العذاب إذاقةً مستديمة‪ .‬ومنذ عهد قريب كانوا يظنون أن الحسّ يأتي‬
‫من المخ‪ ،‬إل أنهم لحظوا على النسان إحساسا قبل أن يصل شيء للمخ‪.‬‬
‫فمثلً‪ :‬لو أشرت بأصبعك إلى عين إنسان تراه يُغمِض عينه قبل أنْ تلمسه‪ ،‬وفسّروا ذلك بما‬
‫يسمونه العكس في النخاع الشوكي‪ ،‬ثم توالت البحوث للتعرف على مناط الحسّ في النسان أيْن‬
‫هي؟ إلى أن انتهت تلك البحاث إلى ما أخبر به القرآن منذ أكثر من أربعة عشر قرنا من‬
‫الزمان‪ ،‬من أن الجلد هو مركز الحساس في النسان‪ ،‬بدليل أنك إذا أخذتَ حقنة مثلً‪ ،‬فبمجرد أن‬
‫تخترق طبقة الجلد ل تشعر بألمها‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فمن أين عرف العرب هذه النظريات العلمية الدقيقة؟ ومَنْ أخبر بها الرسول صلى ال عليه وسلم؟‬
‫إنه َلوْنٌ من ألوان العجاز القرآني للعرب ولغيرهم‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ } :‬ذَِلكَ جَزَآؤُهُم بِأَ ّن ُهمْ َكفَرُواْ بِآيَاتِنَا‪.{ ...‬‬

‫(‪)2110 /‬‬
‫عظَامًا وَ ُرفَاتًا أَئِنّا َلمَ ْبعُوثُونَ خَ ْلقًا جَدِيدًا (‪)98‬‬
‫ذَِلكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَ ّن ُهمْ َكفَرُوا بِآَيَاتِنَا َوقَالُوا أَئِذَا كُنّا ِ‬

‫{ ذَِلكَ } أي‪ :‬ما حدث لهم من العذاب الذي تستبشعه أنت { جَزَآؤُهُم } أي‪ :‬حاق بهم العذاب عَ ْدلً‬
‫ل ظُلْما‪ ،‬فإياك حين تسمع آيات العذاب هذه أن تأخذَك بهم رَأْفة أو رحمة؛ لنهم أخذوا جزاء‬
‫عملهم وعنادهم وكفرهم‪ ،‬والذي يعطف قلوب الناس على أهل الجرام هو تأخير العقاب‪.‬‬
‫فهناك فَ ْرقٌ بين العقوبة في وقت وقوع الجريمة‪ ،‬وهي ما تزال بشعةً في نفوس الناس‪ ،‬وما تزال‬
‫نارها تشتعل في القلوب‪ ،‬فإنْ عاقبتَ في هذا الجو كان للعقوبة معنىً‪ ،‬وأحدثتْ الثر المرجوّ منها‬
‫وتعاطفَ الناس مع المظلوم بدلَ أنْ يتعاطفوا مع الظالم‪.‬‬
‫شكّ أن الجريمة ستُ ْنسَى وتبرد‬
‫فحين نُؤخّر عقوبة المجرم في ساحات المحاكم لعدة سنين فل َ‬
‫نارها‪ ،‬وتتلشى بشاعتها‪ ،‬ويطويها النسيان‪ ،‬فإذا ما عاقبتَ المجرم فلن يبدو للناس إلّ ما يحدث‬
‫من عقوبته‪ ،‬فترى الناس يرأفون به ويتعاطفون معه‪.‬‬
‫جتْ جُلُودُ ُهمْ بَدّلْنَا ُهمْ جُلُودا غَيْرَهَا لِ َيذُوقُواْ ا ْلعَذَابَ‪[} ..‬النساء‪:‬‬
‫إذن‪ :‬قبل أن تنظر إلى‪ {:‬كُّلمَا َنضِ َ‬
‫‪]56‬‬
‫جهَنّمُ كُّلمَا خَ َبتْ ِزدْنَا ُهمْ‬
‫صمّا مّ ْأوَاهُمْ َ‬
‫عمْيا وَ ُبكْما َو ُ‬
‫وإلى‪ { :‬وَنَحْشُ ُرهُمْ َيوْمَ ا ْلقِيَامَةِ عَلَىا ُوجُو ِههِمْ ُ‬
‫سعِيرا } [السراء‪]97 :‬‬
‫َ‬
‫انظر إلى ما فعلوه‪ ،‬واعلم أن هذا العذاب بعدل ال‪ ،‬فأحذر أنْ تأخذك بهم رحمة‪ ،‬ففي سورة النور‬
‫شهَدْ‬
‫يقول تعالى‪ {:‬وَلَ تَ ْأخُ ْذكُمْ ِب ِهمَا رَ ْأ َفةٌ فِي دِينِ اللّهِ إِن كُنتُمْ ُت ْؤمِنُونَ بِاللّ ِه وَالْ َيوْمِ الخِ ِر وَلْيَ ْ‬
‫عَذَا َب ُهمَا طَآ ِئفَةٌ مّنَ ا ْل ُم ْؤمِنِينَ }[النور‪]2 :‬‬
‫ثم يوضح سبحانه وتعالى حيثية هذا العذاب‪ { :‬بِأَ ّن ُهمْ َكفَرُواْ بِآيَاتِنَا‪[ } ..‬السراء‪ ]98 :‬واليات‬
‫تطلق على اليات الكونية‪ ،‬أو على آيات المعجزات المؤيّدة ِلصِدْق الرسول‪ ،‬أو آيات القرآن‬
‫الحاملة للحكام‪ ..‬وقد وقع منهم الكفر بكل اليات‪ ،‬فكفروا باليات الكونية‪ ،‬ولم يستدلوا بها على‬
‫الخالق سبحانه‪ ،‬ولم يتدبّروا الحكمة من خَلْق هذا الكون البديع‪ ،‬وكذلك كفروا بآيات القرآن ولم‬
‫يُؤمنوا بما جاءتْ به‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ل على نقص في العقيدة‪ ،‬وخَلَل في اليمان الفطري الذي خلقه ال فيهم‪ ،‬وكذلك كذّبوا‬
‫وهذا كله يد ّ‬
‫بمعجزات الرسول‪ ،‬فدلّ ذلك على خَلَل في التصديق‪.‬‬
‫جدِيدا }‬
‫ومن باطن هذا الكفر ومن نتائجه أنْ قالوا‪ { :‬أَِإذَا كُنّا عِظَاما وَ ُرفَاتا أَإِنّا َلمَ ْبعُوثُونَ خَلْقا َ‬
‫ب ليات القرآن التي جاءتْ على لسان رسول ال صلى ال‬
‫[السراء‪ ]98 :‬وهذا القول منهم تكذي ٌ‬
‫عليه وسلم لتخبرهم أنهم مبعوثون يوم القيامة ومُحاسَبُون‪ ،‬وهم بهذا القَوْل قد نقلوا الجدل إلى‬
‫مجال جديد هو‪ :‬البعث بعد الموت‪.‬‬
‫عظَاما وَ ُرفَاتا‪[ } ..‬السراء‪ ]98 :‬الرفات‪ :‬هو الفُتَات وَزْنا ومعنىً‪ ،‬وهو‪ :‬الشيء الجاف‬
‫وقوله‪ِ { :‬‬
‫الذي تكسّر؛ لذلك جاءت لترتيب هكذا‪ :‬عظاما و ُرفَاتا؛ لن جسم النسان يتحلّل وتمتصّ الرض‬
‫ت وتصير‬
‫عناصر تكوينه‪ ،‬ول يبقى منه إل العظام‪ ،‬وبمرور الزمن تتكسّر هذه العظام‪ ،‬وتتفت ْ‬
‫رفاتا‪ ،‬وهم يستبعدون البعث بعد ما صاروا عظاما ورفاتا‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬أَإِنّا َلمَ ْبعُوثُونَ‪[ { ..‬السراء‪ ]98 :‬والهمزة هنا استفهام يفيد النكار‪ ،‬فلماذا ينكر‬
‫هؤلء مسألة البعث بعد الموت؟‬
‫نقول‪ :‬لن الكافر عنده لَ َددٌ في ذات إيمانه‪ ،‬ومن مصلحة آماله وتكذيب نفسه أنْ ينكر البعث‪،‬‬
‫وعلى فَرْض أنه سيحدث فإنهم سيكونون في الخرة سادة‪ ،‬كما كانوا سادةً في الدنيا‪ .‬وهؤلء القوم‬
‫يفهمون الحياة على ظاهرها‪ ،‬فالحياة عندهم هي الحركة الحسية التي يمارسونها‪ ،‬وبها يعيشون‬
‫حياتهم هذه‪ ،‬ول يدركون أن لكل شيء حياةً تناسبه‪.‬‬
‫حفْريات يقولون‪ :‬إن الشياء المطمورة في باطن الرض تتغّير بمرور‬
‫فمثلً‪ :‬علماء الجيولوجيا وال َ‬
‫الزمن‪ ،‬وتتحول إلى موادّ أخرى‪ ،‬إذن‪ :‬ففيها حركة وتفاعل أو ُقلْ فيها حياة خاصة بها تناسبها‪،‬‬
‫فليست الحياة قاصرة على حركتنا في الحياة الدنيا‪ ،‬بل للحياة معنى آخر أوسع بكثير من الحياة‬
‫التي يفهمها هؤلء‪.‬‬
‫فالنسان الحيّ مثلً له في مظهرية أموره حالتان‪ :‬حالة النوم وحالة اليقظة‪ ،‬فحياته في النوم‬
‫محكومة بقانون‪ ،‬وحياته في اليقظة محكومة بقانون‪ ،‬هذا وهو ما يزال حيا يُرزَق‪ ،‬إذن‪ :‬عندما‬
‫نخبرك أن لك قانونا في الموت وقانونا في البعث فعليك أنْ تُصدّق‪.‬‬
‫ألم تَرَ النائم وهو ُم ْغمَض العينين يرى الرؤيا‪ ،‬ويحكيها بالتفصيل وفيها حركة وأحداث وألوان‪،‬‬
‫وهو يدرك هذا كله وكأنه في اليقظة؟ حتى مكفوف البصر الذي فقد هذه الحاسة‪ ،‬هو أيضا يرى‬
‫الرؤيا كما يراها المبصر تماما ويحكيها لك‪ ،‬يقول‪ :‬رأيتُ كذا وكذا‪ ،‬كيف وهو في اليقظة ل‬
‫يرى؟‬
‫نقول‪ :‬لن للنوم قانونا آخر‪ ،‬وهو أنك تدرك بغير وسائل الدراك المعروفة‪ ،‬ولك في النوم حياة‬
‫مستقلة غير حياة اليقظة‪َ .‬ألَ ترى الرجلين ينامان في فراش واحد‪ ،‬وهذا يرى رؤيا سعيدة مفرحة‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يصحو منها ضاحكا مسرورا‪ ،‬والخر إلى جواره يرى رؤيا مؤلمة مُحزِنة يصحو فيها مُكدّرا‬
‫محزونا‪ ،‬ول يدري الواحد منهم بأخيه ول يشعر به‪ ،‬لماذا؟‬
‫لن لكل منهما قانونه الخاص‪ ،‬وحياته المستقلة التي ل يشاركه فيها أحد‪.‬‬
‫وقد ترى الرؤيا تحكيها لصاحبك في نصف ساعة‪ ،‬في حين أن العلماء توصلوا إلى أن أقصى ما‬
‫يمكن للذهن متابعته في النوم ل يتجاوز سبع ثوان‪ ،‬مما يدلّ على أن الزمن في النوم مُلْغي‪ ،‬كما‬
‫أن أدوات الدراك ملغاة‪ ،‬إذن‪ :‬فحياتك في النوم غير حياتك في اليقظة‪ ،‬وكذلك في الموت لك‬
‫حياة‪ ،‬وفي البعث لك حياة‪ ،‬ولكل منهما قانون يحكمها بما يتناسب معها‪.‬‬
‫وقد يقول قائل عن ال ّرؤَى‪ :‬إنها مجرد تخيّلت ل حقيقةَ لها‪ ،‬لكن يَرُدّ هذا القول ما نراه في الواقع‬
‫طعْمه في فمه‪ ،‬وآخر‬
‫من صاحب ال ّرؤْيا الذي يحكي لك أنه أكل طعاما‪ ،‬أو شرب شرابا ما يزال َ‬
‫ضُرِب‪ ،‬ويُريك أثر الضرب على ظهره مثلً‪ ،‬وآخر يصحو من النوم يتصبّب عَرقا‪ ،‬وكأنه كان‬
‫في عراك حقيقي ل مجرد منام‪.‬‬
‫فالحق سبحانه وتعالى يريد أنْ يُوضّح لنا أننا في النوم لنا حياة خاصة وقانون خاص‪ ،‬لنأخذ من‬
‫هذا دليلً على حياة أخرى بعد الموت‪.‬‬
‫والعلماء قالوا في هذه المسألة بظاهرة المتواليات‪ ،‬والمراد بها‪ :‬إذا كانت اليقظة لها قانون‪ ،‬والنوم‬
‫له قانون ألطف وأخفّ من قانون اليقظة‪ ،‬فبالتالي للموت قانون أخفّ من قانون النوم‪ ،‬وللبعث‬
‫قانون أخف من قانون الموت‪.‬‬
‫جهَهُ‪[} ..‬القصص‪]88 :‬‬
‫ل وَ ْ‬
‫شيْءٍ هَاِلكٌ ِإ ّ‬
‫حسَم القرآن الكريم هذه القضية في قوله تعالى‪ُ {:‬كلّ َ‬
‫وقد َ‬
‫أي‪ :‬كلّ ما ُيقَال له شيء في الوجود هالك إل ال تعالى فهو الباقي‪ ،‬والهلك ضدّه الحياة‪ ،‬بدليل‬
‫حيّ عَن بَيّ َنةٍ‪[} ..‬النفال‪ ]42 :‬إذن‪ :‬لكل شيء‬
‫قوله تعالى‪ {:‬لّ َيهِْلكَ مَنْ هََلكَ عَن بَيّ َن ٍة وَيَحْيَىا مَنْ َ‬
‫صغُر في َكوْن ال حياة خاصة تناسبه قبل أنْ يعتريه الهلك‪.‬‬
‫مهما َ‬
‫ولذلك نعجب حينما يطالعنا العلماء بأن في علبة الكبريت هذه التي نضعها في جيوبنا قوة تجاذب‬
‫بين ذراتها‪ ،‬تصلح هذه القوةَ لتسيير قطار حول العالم لمدة ست سنوات‪ ،‬سبحان ال‪ ..‬أين هذه‬
‫القوة؟ إنها موجودة لكِنّنا ل نشعر بها ول ندركها‪ ،‬إنما الباحثون في معاملهم يمكنهم ملحظة مثل‬
‫هذه الحركة وتسجيلها‪.‬‬
‫صغَر والتي تعتمد على ترتيب الذرّات ترتيبا‬
‫وأقرب من ذلك ظاهرة الجاذبية التي تعلّمناها منذ ال ّ‬
‫مُعينا‪ ،‬ينتج عنه المُوجَب والسالب‪ ،‬فيتم التجاذب فكانوا يضعون لها بُرادَة الحديد في أنبوبة‪،‬‬
‫و ُيمَرّرون عليها قضيبا مُمغْنَطا‪ ،‬فنرى برادة الحديد تتحرك في نفس اتجاه القضيب‪.‬‬
‫إذن‪ :‬في الحديد حركة وحياة بين ذراته‪ ،‬حياة تناسبه بلغتْ من الدقة مَبْلَغا فوق مستوى إدراكك‪.‬‬
‫ن صِ ْرتَ رُفاتا‪،‬‬
‫إذن‪ :‬نستطيع القول بأن للعظام وللرفات حياةً‪ ،‬ولك أيها المنكر وجود حتى بعد أ ْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ن في‬
‫فشيء منك موجود يمكن أن يكون نواةً لخ ْلقِك من جديد‪ ،‬وبمنطق هؤلء المنكرين أيهما أهوَ ْ‬
‫الخَلْق‪ :‬الخَلْق من شيء موجود‪ ،‬أم الخَلْق ابتداءً؟‬
‫حفِيظٌ }[ق‪]4 :‬‬
‫ص الَ ْرضُ مِ ْنهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ َ‬
‫وقد رد عليهم الحق سبحانه بقوله‪ {:‬قَدْ عَِلمْنَا مَا تَن ُق ُ‬
‫أي‪ :‬في علمه سبحانه عدد ذرات كل مِنّا‪ ،‬وكم في تكوينه من مواد‪ ،‬ل ينقص من ذلك شيء‪ ،‬وهو‬
‫سبحانه قادر على جمع هذه الذرات مرة أخرى‪ ،‬وليس أمره تعالى متوقفا على العلم فقط‪ ،‬بل عنده‬
‫كتاب دقيق يحفظ كل التفاصيل‪ ،‬ول يغيب عنه شيء‪.‬‬
‫جدِيدٍ }[ق‪]15 :‬‬
‫لوّلِ َبلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مّنْ خَ ْلقٍ َ‬
‫قاَ‬
‫وقال تعالى كذلك في الرد عليهم‪َ {:‬أ َفعَيِينَا بِا ْلخَ ْل ِ‬
‫شكّ وتردّد‪.‬‬
‫أي‪ :‬في خَلْط و َ‬
‫وقد ناقشنا مِنْ منكري البعث الشيوعيين الذي قتّلوا في أعدائهم‪ ،‬وأخذوا أموالهم مُعاقبةً لهم على‬
‫ما اقترفوه من ظلم الناس‪ ،‬فكنت أقول لهم‪ :‬فما بال الذين ماتوا من هؤلء‪ ،‬ولم يأخذوا حظّهم من‬
‫لوْلَى بكم أنْ تؤمنوا بالخرة التي‬
‫العقاب؟ وكيف يذهبون هكذا ويُفلتون بجرائمهم؟ لقد كان ا َ‬
‫يُعاقب فيها هؤلء الذين أفلتوا من عقاب الدنيا‪ ،‬حتى تتحقق عدالة النتقام‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬أَإِنّا َلمَ ْبعُوثُونَ خَلْقا جَدِيدا { [السراء‪]98 :‬‬
‫إنهم يستبعدون البعث من جديد؛ لذلك فالحق سبحانه وتعالى يجاري هؤلء ويتسامح معهم‪،‬‬
‫فيقول‪ {:‬وَ ُهوَ الّذِي يَ ْب َدؤُاْ الْخَ ْلقَ ثُمّ ُيعِي ُد ُه وَ ُهوَ أَ ْهوَنُ عَلَيْهِ‪[} ..‬الروم‪]27 :‬‬
‫ل وأهونُ من إيجاده مِنْ ل شيء‪ ،‬والحديث هنا عن َبعْث النسان‪،‬‬
‫فإعادة شيء كان موجودا أسه ُ‬
‫هذا المخلوق الذي أبدعه الخالق سبحانه‪ ،‬وجعله سيد هذا الكون‪ ،‬وجعل عمره محدودا‪ ،‬فما بالكم‬
‫تنشغلون بإنكار بعث النسان عن باقي المخلوقات وهي أعظم الخَ ْلقِ في النسان‪ ،‬وأطول منه‬
‫عُمرا‪ ،‬وأثبت منه وأضخم‪.‬‬
‫فل تَنْسىَ أيها النسان أن خَلْقك أهونُ وأسهلُ من مخلوقات أخرى كثيرة هي أعظم منك‪ ،‬ومع‬
‫ذلك تراها خاضعة ل طائعة‪ ،‬لم تعترض يوما ولم تنكر كما أنكرت‪ ،‬يقول تعالى‪َ {:‬لخَلْقُ‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضِ َأكْـبَرُ مِنْ خَ ْلقِ النّاسِ‪[} ..‬غافر‪]57 :‬‬
‫ال ّ‬
‫فمَنْ ينكر َبعْث النسان بعد أن يصير رفاتا عليه أن يتأمل مثلً الشمس كآية من آيات ال في‬
‫الكون‪ ،‬وقد خلقها ال قبل خَلْق النسان‪ ،‬وستظل إلى ما شاء ال‪ ،‬وهي تعطي الضوء والدفء‬
‫ن تتوقف أو تتعطّل‪ ،‬ودون أن تحتاج إلى صيانة أو قطعة غيار‪ ،‬وهي تسير بقدرة الخالق‬
‫دون أ ْ‬
‫سبحانه مُسخّرة لخدمتك‪ ،‬ما تخلّفتْ يوما ول اعترضتْ‪ .‬فماذا يكون خَلْقك أنت أيها المنكر أمام‬
‫قدرة الخالق سبحانه؟‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضَ‪.{ ...‬‬
‫والحق سبحانه يقول‪َ } :‬أوَلَمْ يَ َروْاْ أَنّ اللّهَ الّذِي خََلقَ ال ّ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫(‪)2111 /‬‬
‫ج َعلَ َلهُمْ َأجَلًا لَا رَ ْيبَ‬
‫ت وَالْأَ ْرضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ َيخْلُقَ مِثَْل ُه ْم وَ َ‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫َأوَلَمْ يَ َروْا أَنّ اللّهَ الّذِي خََلقَ ال ّ‬
‫فِيهِ فَأَبَى الظّاِلمُونَ إِلّا كُفُورًا (‪)99‬‬

‫قوله تعالى‪َ { :‬أوَلَمْ يَ َروْاْ‪[ } ..‬السراء‪]99 :‬‬
‫إذا جاءت همزة الستفهام بعدها واو العطف وبعدها نفي‪ ،‬فاعلم أن الهمزة دخلتْ على شيء‬
‫محذوف‪ ،‬إذن‪ :‬فتقدير الكلم هنا‪ :‬أيقولون ذلك ويستبعدون البعث ولم يَ َروْا أن ال الذي خلق‬
‫السماوات والرض قادر على أنْ يخلق مثلهم‪.‬‬
‫خلْق جديد‬
‫وقوله تعالى‪ { :‬مِثَْلهُمْ } أي‪ :‬يخلقهم هم ويُعيدهم من جديد؛ لن الخَلْق إنشاء جديد‪ ،‬فهُمْ َ‬
‫ُمعَادٌ‪ ،‬فالمثلية هنا في أنهم ُمعَادون‪ ،‬أو يكون المراد { مِثَْلهُمْ } أي‪ :‬ليسوا هم‪ ،‬بل خَلْق مختلف‬
‫عنهم على اعتبار أنهم كانوا في الدنيا مختارين‪ ،‬ولهم إرادات‪ ،‬أما الخلق الجديد في الخرة وإنْ‬
‫كان مثلهم في التكوين إل أنه عاد مقهورا على كل شيء ل إرادةَ له؛ لنه الن في الخرة التي‬
‫حدِ ا ْل َقهّارِ }[غافر‪]16 :‬‬
‫سينادي فيها الخالق سبحانه‪ّ {:‬لمَنِ ا ْلمُ ْلكُ الْ َيوْمَ لِلّهِ ا ْلوَا ِ‬
‫ل لّ رَ ْيبَ فِيهِ فَأَبَىا الظّاِلمُونَ ِإلّ ُكفُورا } [السراء‪ ]99 :‬أي‪ :‬أن‬
‫ج َعلَ َلهُمْ َأجَ ً‬
‫وقوله تعالى‪ { :‬وَ َ‬
‫القيامة التي كذّبوا بها وأنكروها واقعة ل شكّ فيها‪ ،‬لكن هؤلء معاندون ُمصِرّون على الكفر مهما‬
‫أتيتَ لهم بالدلة‪ ،‬ومهما ضربتَ لهم المثلة‪ ،‬فإنهم مُصمّمون على النكار؛ لن اليمان سيسلبهم‬
‫ما هم فيه من السيادة وما يدعونه من العظمة‪ ،‬اليمان سيُسوّي بينهم وبين العبيد‪ ،‬وسيُقيّد حريتهم‬
‫فيما كانوا فيه من ضلل وفساد‪.‬‬
‫لكن هؤلء السادة والعظماء الذين تأ ّبوْا على اليمان‪ ،‬وأنكروا البعث خوفا على مكانتهم وسيادتهم‬
‫وما عندهم من سلطة زمنية‪ ،‬ألم تتعرّضوا لظلم من أحد في الدنيا؟ ألم يعتَدِ عليكم أحد؟ ألم يسرق‬
‫منكم أحد ولم تتمكنوا من المساك به ومعاقبته؟ لقد كان َأوْلَى بكم اليمان بالخرة حيث تتحقق‬
‫عدالة العقاب وتنالون حقوقكم ِممّنْ ظلمكم‪ ،‬أو اعتدى عليكم‪.‬‬
‫حمَةِ‬
‫ثم ينتقل السياق القرآني إلى موضوع جديد‪ ،‬حيث يقول تعالى‪ { :‬قُل ّلوْ أَنْتُمْ َتمِْلكُونَ خَزَآئِنَ َر ْ‬
‫رَبّي‪.} ...‬‬

‫(‪)2112 /‬‬
‫ق َوكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا (‪)100‬‬
‫سكْتُمْ خَشْ َيةَ الْإِ ْنفَا ِ‬
‫حمَةِ رَبّي إِذًا لََأمْ َ‬
‫ُقلْ َلوْ أَنْ ُتمْ َتمِْلكُونَ خَزَائِنَ َر ْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ل لمته هذا الكلم‪ ،‬وكان يكفي في البلغ‬
‫قوله تعالى‪ { :‬قُل } أمر من الحق سبحانه وتعالى أنْ يقو َ‬
‫أن يقول النبي صلى ال عليه وسلم لمته‪ :‬لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي‪ ..‬لكن النبي هنا‬
‫يحافظ على أمانة الداء القرآني‪ ،‬ول يحذف منه شيئا؛ لن المتكلم هو ال‪ ،‬وهذا دليلٌ على مدى‬
‫صدق الرسول في البلغ عن ربه‪.‬‬
‫ومعنى { خَزَآئِنَ } هي ما يُحفظ بها الشيء النفيس لوقته‪ ،‬فالخزائن مثلً ل نضع بها التراب‪ ،‬بل‬
‫الشياء الثمينة ذات القيمة‪.‬‬
‫حمَةِ رَبّي‪[ } ..‬السراء‪ ]100 :‬أي‪ :‬خَيْرات الدنيا من َلدُن آدم عليه السلم‬
‫ومعنى‪ { :‬خَزَآئِنَ َر ْ‬
‫وحتى قيام الساعة‪ ،‬وإنْ من شيء يحدث إلى قيام الساعة إل عند ال خزائنه‪ ،‬فهو موجود بالفعل‪،‬‬
‫ظهر في عالم الواقع أو لم يظهر‪َ {:‬ومَا نُنَزّلُهُ ِإلّ ِبقَدَرٍ ّمعْلُومٍ }[الحجر‪ ]21 :‬أي‪ :‬أنه موجود في‬
‫عِلْم ال‪ ،‬إلى حين الحاجة إليه‪.‬‬
‫لذلك لما تحدّث الحق سبحانه عن خلق اليات الكونية في السماء والرض قال‪ُ {:‬قلْ أَإِ ّنكُمْ‬
‫سيَ‬
‫ج َعلَ فِيهَا َروَا ِ‬
‫جعَلُونَ لَهُ أَندَادا ذَِلكَ َربّ ا ْلعَاَلمِينَ * وَ َ‬
‫ق الَ ْرضَ فِي َي ْومَيْنِ وَتَ ْ‬
‫لَ َت ْكفُرُونَ بِالّذِي خََل َ‬
‫سوَآءً لّلسّآئِلِينَ }[فصلت‪]10-9 :‬‬
‫مِن َف ْو ِقهَا وَبَا َركَ فِيهَا َوقَدّرَ فِيهَآ َأ ْقوَا َتهَا فِي أَرْ َب َعةِ أَيّامٍ َ‬
‫نلحظ أن قوله تعالى { وَبَا َركَ فِيهَا } جاءت بعد ِذكْر الجبال الرواسي‪ ،‬ثم قال‪َ {:‬وقَدّرَ فِيهَآ‬
‫َأ ْقوَا َتهَا‪[} ..‬فصلت‪ ]10 :‬كأن الجبال هي مخازن القوت‪ ،‬وخزائن رحمة ال لهل الرض‪.‬‬
‫والقوت‪ :‬وهو الذي يتمّ به استبقاء الحياة‪ ،‬وهذا ناشئ من مزروعات الرض‪ ،‬وهذه من تصديقات‬
‫القرآن لطموحات العلم وأسبقية إخبار بما سيحدث‪ ،‬فهاهو القرآن يخبر بما اهتدى إليه العلم‬
‫الحديث من أن العناصر التي تُكوّن النسان هي نفس عناصر التربة الزراعية التي نأكل منها‪.‬‬
‫خلَق النسان؟‬
‫لكن‪ ،‬كيف تكون الجبال مخازن القوت الذي جعله ال في الرض قبل أن يُ ْ‬
‫نقول‪ :‬إن الجبال هي أساس التربة التي نزرعها‪ ،‬فالجبل هذه الكتلة الصخرية التي تراها أمامك‬
‫جامدة هي في الحقيقة ليست كذلك؛ لن عوامل التعرية وتقلبات الجو من شمس وحرارة وبرودة‪،‬‬
‫كل هذه عوامل تُفتّت الصخر وتُحدِث به شروخا وتشققات‪ ،‬ثم يأتي المطر فيحمل هذا الفُتات إلى‬
‫الوادي‪ ،‬ولو تأملتَ شكل الجبل وشكل الوادي لوجدتهما عبارة عن مثلثين كل منهما عكس الخر‪،‬‬
‫فالجبل مثلث رأسه إلى أعلى‪ ،‬وقاعدته إلى أسفل‪ ،‬والوادي مثلث رأسه إلى أسفل وقاعدته إلى‬
‫أعلى‪.‬‬
‫وهكذا‪ ،‬ف ُكلّ ما ينقص من الجبل يزيد في الوادي‪ ،‬ويُكوّن التربة الصالحة للزراعة‪ ،‬وهو ما يسمى‬
‫بالغِرْيَن أو الطمى؛ لذلك حَدّثونا أن مدينة دمياط قديما كانت على شاطئ البحر البيض‪ ،‬ولكن‬
‫بمرور الزمن تكوّنت مساحات واسعة من هذا الغِرْيَن أو الطمي الذي حمله النيل من إفريقيا‬
‫ففصل دمياط عن البحر‪ ،‬والن وبعد بناء السد وعدم تكوّن الطمي بدأت المياة تنحت في الشاطئ‪،‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وتنقص فيه من جديد‪.‬‬
‫سيَ مِن َف ْوقِهَا وَبَا َركَ فِيهَا َوقَدّرَ فِيهَآ‬
‫ج َعلَ فِيهَا َروَا ِ‬
‫إذن‪ :‬فقوله تعالى عن بداية خلق الرض‪ {:‬وَ َ‬
‫َأ ْقوَا َتهَا‪[} ..‬فصلت‪ ]10 :‬كأنه يعطينا تسلسلً لخَلْق القُوت في الرض‪ ،‬وأن خزائن ال ل حدودَ لها‬
‫ول نفادَ لخيراتها‪.‬‬
‫سكْتُمْ خَشْ َي َة الِنْفَاقِ َوكَانَ النْسَانُ قَتُورا { [السراء‪]100 :‬‬
‫ثم يقول تعالى‪ } :‬إِذا لمْ َ‬
‫أي‪ :‬لو أن ال تعالى ملّك خزائن خيراته ورحمته للناس‪ ،‬فأصبح في أيديهم خزائن ل تنفد‪ ،‬ول‬
‫ل وقَتَر خوف الفقر؛ لنه جُبِل على‬
‫خَ‬
‫يخشى صاحبها الفقر‪ ،‬لو حدث ذلك لمسك النسان وب ِ‬
‫المساك والتقتير حتى على نفسه‪ ،‬وخوف النسان من الفقر ولو أنه يملك خزائن رحمة ال التي‬
‫ل نفادَ لها ناتج عن عدم مقدرته على تعويض ما أَنفق؛ ولنه ل يستطيع أنْ يُحدِث شيئا‪.‬‬
‫والبخل يكون على الغير‪ ،‬فإنْ كان على النفس فهو التقتير‪ ،‬وهو سُبّة واضحة ومُخزِية‪ ،‬فقد يقبل‬
‫أن ُيضَيّق النسانُ على الغير‪ ،‬أما أنْ يُضيق على نفسه فهذا منتهى ما يمكن تصوّره؛ لذلك يقول‬
‫ق َولَ خَالِدفَلَـوْ يسـتطـيعُ‬
‫الشاعر في التندّر على هؤلء‪:‬يُقتّر عِيسَى عَلَى َنفْسِه وَلَيْسَ بِبَا ٍ‬
‫لتَقـتِـيرِه تنفّسَ مِنْ مَنْخ ٍر وَاحِدِويقول أيضا‪َ:‬لوْ أنّ بي َتكَ يَا ابْنَ يوسف كُلّه إبرٌ َيضِيقُ بِهاَ َفضَاءُ‬
‫سفُ يَستعِي ُركَ إبــرةً لِيَخيطَ قدّ قم ِيصِهِ َل ْم ت ْفعَلِفالنسان يبخل على الناس ويُقتّر‬
‫المنْزِلِوأَتَاكَ يُو ُ‬
‫علَى نفسه؛ لنه جُبِل علَى البخل مخافة الفقر‪ ،‬وإنْ أُوتِي خزائن السماوات والرض‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ } :‬وََلقَدْ آتَيْنَا مُوسَىا تِسْعَ آيَاتٍ بَيّنَاتٍ‪.{ ...‬‬

‫(‪)2113 /‬‬
‫عوْنُ إِنّي لَأَظُ ّنكَ يَا‬
‫وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آَيَاتٍ بَيّنَاتٍ فَاسَْألْ بَنِي ِإسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَ ُهمْ َفقَالَ َلهُ فِرْ َ‬
‫سحُورًا (‪)101‬‬
‫مُوسَى مَ ْ‬

‫وقد سبق أن اقترح كفار مكة على رسول ال صلى ال عليه وسلم عدة آيات ذُك َرتْ في قوله‬
‫ن الَ ْرضِ يَنْبُوعا * َأوْ َتكُونَ َلكَ جَنّةٌ مّن نّخِيلٍ‬
‫تعالى‪َ {:‬وقَالُواْ لَن ّن ْؤمِنَ َلكَ حَتّىا َتفْجُرَ لَنَا مِ َ‬
‫ع ْمتَ عَلَيْنَا كِسَفا َأوْ تَأْ ِتيَ بِاللّهِ‬
‫سمَآءَ َكمَا زَ َ‬
‫سقِطَ ال ّ‬
‫وَعِ َنبٍ فَ ُتفَجّ َر الَ ْنهَارَ خِلَلهَا َتفْجِيرا * َأوْ تُ ْ‬
‫سمَآ ِء وَلَن ّن ْؤمِنَ لِ ُرقِ ّيكَ حَتّى تُنَ ّزلَ‬
‫وَا ْلمَل ِئكَةِ قَبِيلً * َأوْ َيكُونَ َلكَ بَ ْيتٌ مّن ُزخْ ُرفٍ َأوْ تَ ْرقَىا فِي ال ّ‬
‫عَلَيْنَا كِتَابا ّنقْ َر ُؤهُ ُقلْ سُ ْبحَانَ رَبّي َهلْ كُنتُ ِإلّ َبشَرا رّسُولً }[السراء‪]93-90 :‬‬
‫فأراد الحق سبحانه أنْ يُلفِت نظره أن سابقيهم من اليهود أتتهم تسع آيات ونزلت عليهم دون أنْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يطلبوها‪ ،‬ومع ذلك كفروا‪ ،‬فالمسألة كلها تعنّت وعناد من أهل الكفر في كل زمان ومكان‪.‬‬
‫ومعنى { بَيّنَاتٍ‪[ } ..‬السراء‪ ]101 :‬أي‪ :‬واضحات مشهورات بَ ْلقَاء كالصبح‪ ،‬لنها حدثت جميعها‬
‫على مَرْأىً ومشهد من الناس‪.‬‬
‫والمراد باليات التسع هنا هي اليات الخاصة بفرعون؛ لن كثيرين يخلطون بين معجزات موسى‬
‫إلى فرعون‪ ،‬ومعجزاته إلى بني إسرائيل‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فقوله تعالى‪ { :‬وََلقَدْ آتَيْنَا مُوسَىا ِتسْعَ آيَاتٍ بَيّنَاتٍ‪[ } ..‬السراء‪ ]101 :‬هي اليات التي‬
‫أُرسِل بها إلى فرعون وقومه وهي‪ :‬العصا التي انقلبتْ حية‪ ،‬واليد التي أخرجها من جيبه بيضاء‬
‫مُنورة‪ ،‬وأَخْذ آل فرعون بالسنين ونَ ْقصٍ من الموال والنفس والثمرات‪ ،‬ثم لما كذّبوا أنزل ال‬
‫عليهم الطوفان‪ ،‬والجراد‪ ،‬وال ُقمّل‪ ،‬والضفادع‪ ،‬والدم‪ ،‬هذه تسع آيات خاصة بما دار بين موسى‬
‫وفرعون‪.‬‬
‫أما المعجزات الخرى مثل العصا التي ضرب بها الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا‪ ،‬ونتق‬
‫الجبل فوقهم كأنه ظُلّة‪ ،‬وإنزال المنّ والسّلْوى عليهم‪ ،‬فهذه آيات خاصة ببني إسرائيل‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ { :‬فَسْ َئلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ‪[ } ..‬السراء‪ ]101 :‬والمر هنا لرسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم‪ ،‬لكن كيف يسأل بني إسرائيل الذين جاءهم موسى ـ عليه السلم ـ وقد ماتوا‪ ،‬والموجود‬
‫الن ذريتهم؟ نقول‪ :‬لن السؤال لذريتهم هو عَيْن سؤالهم‪ ،‬لنهم تناقلوا الحداث جيلً بعد جيل؛‬
‫لذلك قال تعالى مُخاطبا بني إسرائيل المعاصرين لرسول ال‪ {:‬وَإِذْ قَالَ مُوسَىا ِل َقوْمِهِ ا ْذكُرُواْ ِن ْعمَةَ‬
‫عوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ ا ْلعَذَابِ وَيُذَبّحُونَ أَبْنَآ َءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآ َءكُمْ‬
‫علَ ْيكُمْ إِذْ أَنجَاكُمْ مّنْ آلِ فِرْ َ‬
‫اللّهِ َ‬
‫َوفِي ذاِلكُمْ بَلءٌ مّن رّ ّب ُكمْ عَظِيمٌ }[إبراهيم‪]6 :‬‬
‫والنجاة لم تكُنْ لهؤلء‪ ،‬بل لجدادهم المعاصرين لفرعون‪ ،‬لكن خاطبهم الحق بقوله { أَنجَاكُمْ }‬
‫لنه سبحانه لو أهلك أجدادهم لما وُجِدُوا هم‪ ،‬فكأن نجاة السابقين نجاةٌ للحقين‪.‬‬
‫ويسأل رسول ال بني إسرائيل لنهم هم المة التي لها ممارسة مع منهج ال ووحيه‪ ،‬ولها اتصال‬
‫بالرسل وبالكتب المنزّلة كالتوراة والنجيل‪ ،‬أما مشركو قريش فليس لهم صِلَة سابقة بوَحْي‬
‫السماء؛ لذلك لما كذّبوا رسول ال خاطبه بقوله‪:‬‬
‫شهِيدا بَيْنِي وَبَيْ َنكُ ْم َومَنْ عِن َدهُ عِلْمُ ا ْلكِتَابِ }[الرعد‪]43 :‬‬
‫{ ُقلْ َكفَىا بِاللّهِ َ‬
‫لن الذي عنده عِلْم من الكتاب‪ :‬اليهود أو النصارى عندهم عِلْم في كتابهم وبشارة ببعثة محمد‪،‬‬
‫وهم يعرفونه ويعرفون أوصافه وزمن بعثته‪ ،‬بل ويعرفونه كما يعرفون أبناءهم‪ ،‬بل وأكثر من‬
‫معرفتهم لبنائهم‪ ،‬كما قال واحد منهم‪.‬‬
‫وسؤال رسول ال لبني إسرائيل سؤالَ حُجّةٍ واستشهاد؛ لن قومه سألوه وطلبوا أنْ يظهر لهم عدة‬
‫آيات ـ سبق ِذكْرها ـ لكي يؤمنوا به‪ ،‬فأراد أنْ يُنبّههم إلى تاريخ إخوانهم وسابقيهم على مَرّ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫العصور‪ ،‬وقد أنزل ال لهم اليات الواضحات والمعجزات الباهرات ومع ذلك كفروا ولجّوا ولم‬
‫يؤمنوا‪ ،‬فقوم فرعون َرَأوْا من موسى تسع آيات وكفروا‪ ،‬وقوم صالح‪ {:‬وَآتَيْنَا َثمُودَ النّاقَةَ مُ ْبصِ َرةً‬
‫حسْب‪ ،‬بل واعت َدوْا عليها‬
‫فَظََلمُواْ ِبهَا‪[} ..‬السراء‪ ]59 :‬ولَيْتهم كذّبوا وكفروا بهذه الية ف َ‬
‫وعقروها‪.‬‬
‫سلَ بِاليَاتِ‪[} ..‬السراء‪ ]59 :‬أي‪ :‬التي اقترحوها{ ِإلّ أَن كَ ّذبَ‬
‫لذلك قال تعالى‪َ {:‬ومَا مَ َنعَنَآ أَن نّرْ ِ‬
‫لوّلُونَ‪[} ..‬السراء‪ ]59 :‬وما دام كذّب بها الولون فسوف يُكذّب بها هؤلء؛ لن الكفر مِلّة‬
‫ِبهَا ا َ‬
‫واحدة في كل زمان ومكان‪.‬‬
‫إذن‪ :‬مسألة طلب اليات واقتراح المعجزات ليستْ في الحقيقة رغبة في اليمان‪ ،‬بل مجرد عناد‬
‫ولَجَج ومحاولة للتعنّت والجدَل العقيم لضاعة الوقت‪.‬‬
‫ثم يقول تعالى‪َ } :‬فقَالَ لَهُ فِرْعَونُ { [السراء‪ ]101 :‬أي‪ :‬بعد أنْ رأى اليات كلها‪ } :‬إِنّي لَظُّنكَ‬
‫يامُوسَىا مَسْحُورا { [السراء‪ ]101 :‬فاتهمه بالسحر بعد أنْ أراه ُكلّ هذه الدلئل والمعجزات‪.‬‬
‫سحُورا { [السراء‪ ]101 :‬اسم مفعول بمعنى سحره غيره‪ ،‬وقد يأتي اسم المفعول دالً‬
‫وكلمة } مَ ْ‬
‫ن لَ ُي ْؤمِنُونَ‬
‫ك وَبَيْنَ الّذِي َ‬
‫جعَلْنَا بَيْ َن َ‬
‫على اسم الفاعل لحكمة‪ ،‬كما في قوله تعالى‪ {:‬وَِإذَا قَرَ ْأتَ ا ْلقُرآنَ َ‬
‫حجَابا مّسْتُورا }[السراء‪]45 :‬‬
‫بِالخِ َرةِ ِ‬
‫والحجاب يكون ساترا ل مستورا‪ ،‬لكن الحق سبحانه جعل الحجاب نفسه مستورا مبالغة في‬
‫السّتْر‪ ،‬كما نبالغ نحن الن في استعمال الستائر‪ ،‬فنجعلها من طبقتين مثلً‪.‬‬
‫ومن ذلك أيضا قوله تعالى‪ {:‬ظِـلّ ظَلِيلً }[النساء‪]57 :‬‬
‫فالظل نفسه مُظلّل‪ ،‬ونستطيع أن نلحظ هذه الظاهرة إذا جلسنا في الحرّ تحت شجرة‪ ،‬فسوف نجد‬
‫الهواء تحتها رَطبا باردا‪ ،‬لماذا؟ لن أوراق الشجر مُتراكمة يُظلّل بعضها بعضا‪ ،‬فتجد أعلك‬
‫طبقات متعددة من الظل‪ ،‬فتشعر في النهاية بجو لطيف مُكيف تكييفا ربانيا‪.‬‬
‫سحُورا { تفيد أنه سحَر غيره‪ ،‬أو سحره غيره؛ لن المسحور هو الذي أَلَمّ به‬
‫إذن‪ :‬قوله } مَ ْ‬
‫السحر‪ ،‬إما فاعلً له‪ ،‬أو مفعولً عليه‪ .‬وهذه الكلمة قالها كفار مكة لرسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم فقالوا‪ {:‬إِن تَتّ ِبعُونَ ِإلّ رَجُلً مّسْحُورا }[السراء‪ ]47 :‬والمسحور بمعنى المخبول الذي أثّر‬
‫في السحر‪ ،‬فصار مخبولً مجنونا‪ ،‬وهذا كذب وافتراء على رسول ال من السهل رَدّه وضَحْده‪.‬‬
‫فإنْ كان ساحرا‪ ،‬فكيف يسحره غيره؟! ولماذا لم يسحركم كما سحر الذين آمنوا به؟ لماذا تأبّيتم‬
‫أنتم على سحره فلم تؤمنوا؟ وإنْ كان مسحورا مَخْبُولً‪ ،‬والمخبول تتأتّى منه حركات وأقوال دون‬
‫أنْ َتمُرّ على العقل الواعي الذي يختار بين البديلت‪ ،‬فل يكون له سيطرة على إراداته ول على‬
‫خُلقه‪ ،‬فهل عهدكم بمحمد أنْ كان مَخبولً؟ هل رأيتم عليه مثل هذه الصفات؟‬
‫لذلك َردّ الحق سبحانه عليهم هذا الفتراء بقوله تعالى‪:‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ك لَجْرا غَيْرَ َممْنُونٍ * وَإِ ّنكَ‬
‫سطُرُونَ * مَآ أَنتَ بِ ِن ْعمَةِ رَ ّبكَ ِبمَجْنُونٍ * وَإِنّ َل َ‬
‫{ ن وَا ْلقَلَ ِم َومَا يَ ْ‬
‫َلعَلَىا خُُلقٍ عَظِيمٍ }[القلم‪]4-1 :‬‬
‫خلُق أبدا‪.‬‬
‫والمجنون ل يكون على ُ‬
‫وسوف يناقض فرعون نفسه‪ ،‬فبعد أنْ اتهم موسى بالسحر‪ ،‬ثم كانت الغَلَبة لموسى‪ ،‬وخَرّ السحرة‬
‫ساجدين‪ ،‬قال‪ {:‬إِنّهُ َلكَبِي ُركُمُ الّذِي عَّل َمكُمُ السّحْرَ‪[} ..‬طه‪ ]71 :‬وهذا دليل على التخبّط والفلس‪.‬‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضِ َبصَآئِرَ‪..‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ } :‬قَالَ َلقَدْ عَِل ْمتَ مَآ أَن َزلَ هَـاؤُلءِ ِإلّ َربّ ال ّ‬
‫{‪.‬‬

‫(‪)2114 /‬‬
‫عوْنُ مَثْبُورًا (‬
‫ت وَالْأَ ْرضِ َبصَائِرَ وَإِنّي لََأظُ ّنكَ يَا فِرْ َ‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫قَالَ َلقَدْ عَِل ْمتَ مَا أَنْ َزلَ َهؤُلَاءِ إِلّا َربّ ال ّ‬
‫‪)102‬‬

‫أي‪ :‬قال موسى لفرعون‪ ،‬والتاء في { عَِل ْمتَ } مفتوحة أي‪ :‬تاء الخطاب‪ ،‬فهو يُكلّمه مباشرة‬
‫ويُخاطبه‪ :‬لقد علمتَ يا فرعون عِلْمَ اليقين أنني لستُ مسحورا ول مخبولً‪ ،‬وأن ما معي من‬
‫اليات مما شاهدته وعاينته من ال رب السماوات والرض‪ ،‬وأنت تعلم ذلك جيدا إل أنك تنكره‪،‬‬
‫سهُمْ ظُلْما وَعُُلوّا‪[} ..‬النمل‪]14 :‬‬
‫جحَدُواْ ِبهَا وَاسْتَ ْيقَنَ ْتهَآ أَنفُ ُ‬
‫كما قال تعالى‪ {:‬وَ َ‬
‫إذن‪ :‬فعندهم يقينٌ بصدق هذه المعجزات‪ ،‬ولكنهم يجحدونها؛ لنها ستزلزل سلطانهم‪ ،‬وتُقوّض‬
‫عروشهم‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪َ { :‬بصَآئِرَ‪[ } ..‬السراء‪ ]102 :‬أي‪ :‬أنزل هذه اليات بصائر تُبصّر الناس‪ ،‬وتفتح‬
‫قلوبهم‪ ،‬فيُقبلوا على ذلك الرسول الذي جاء بآية معجزة من جنس ما نبغَ فيه قومه‪.‬‬
‫ثم لم َي ُفتْ موسى ـ عليه السلم ـ وقد ثبتتْ قدمه‪ ،‬وأرسى قواعد دعوته أمام الجميع أنْ يُكلّم‬
‫فرعونَ من منطلق القوة‪ ،‬وأن يُجابهه واحدة بواحدة‪ ،‬فيقول‪ { :‬وَإِنّي لَظُ ّنكَ يافِرْعَونُ مَثْبُورا }‬
‫سحُورا }[السراء‪]101 :‬‬
‫[السراء‪ ]102 :‬فقد سبق أنْ قال فرعون‪ {:‬إِنّي لَظُ ّنكَ يامُوسَىا مَ ْ‬
‫فواحدة بواحدة‪ ،‬والبادي أظلم‪.‬‬
‫والمثبور‪ :‬الهالك‪ ،‬أو الممنوع من ُكلّ خير‪ ،‬وكأن ال تعالى أطْلعَ موسى على مصير فرعون‪،‬‬
‫وأنه هالكٌ عن قريب‪ .‬وعلى هذا يكون المجنون على أية حال أحسن من المثبور‪ ،‬فالمجنون وإنْ‬
‫فقد نعمة العقل إل أنه يعيش كغيره من العقلء‪ ،‬بل ربما أفضل منهم‪ ،‬لنك لو تأملتَ حال‬
‫المجنون لوجدته يفعل ما يشاء ويقول ما يشاء دون أنْ يتعرّض له أحد أو يُحاسبه أحد‪ ،‬وهذا‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫مُنْتَهى ما يتمناه السلطين والحكام وأهل الجبروت في الرض‪ ،‬فماذا ينتظر القادة والمر إلّ أن‬
‫تكون كلمتهم نافذة‪ ،‬وأمرهم ُمطَاعا؟ وهذا كله ينعَم به المجنون‪.‬‬
‫وهنا يقول قائل‪ :‬ما الحكمة من بقاء المجنون على قَيْد الحياة‪ ،‬وقد سلبه ال أعظم ما يملك‪ ،‬وهو‬
‫العقل الذي يتميز به؟‬
‫نقول‪ :‬أنت ل تدري أن الخالق سبحانه حينما سلبه العقل ماذا أعطاه؟ لقد أعطاه ما لو عرفته أنت‬
‫أيّها العاقل لتمنيتَ أنْ تُجَنّ!! َألَ تراه يسير بين الناس ويفعل ما يحلو له دون أنْ يعترضه أحد‪ ،‬أو‬
‫يؤذيه أحد‪ ،‬الجميع يعطف عليه ويبتسم في وجهه‪ ،‬ثم بعد ذلك ل يُحاسَب في الخرة‪ ،‬فأيّ عِزّ‬
‫أعظم من هذا؟‬
‫إذن‪ :‬سَلْب أيّ نعمة مساوية لنعم الخرين فيها عطاء ل يراه ول يستنبطه إل اللبيب‪ ،‬فحين ترى‬
‫العمى مثلً فإياك أنْ تظنّ أنك أفضل منه عند ال‪ ،‬ل ليس مِنّا مَنْ هو ابنٌ ل‪ ،‬وليس مِنّا مَنْ بينه‬
‫عوّض عنها في‬
‫وبين ال نسب‪ ،‬نحن أمام الخالق سبحانه سواء‪ ،‬فهذا الذي حُرِم نعمة البصر ُ‬
‫حواس أخرى‪ ،‬يفوقك فيها ـ أنت أيها المبصر ـ بحيث تكون ال ِكفّة في النهاية مُسْتوية‪.‬‬
‫لوَغَاب‬
‫عمِيتُ جَنِينا والذكَاءُ مِنَ ال َعمَى فجئتُ عَجِيبَ الظّنّ للعِلْم َموْئِ ً‬
‫واسمع إلى أحد ال ِعمْيان يقول‪َ :‬‬
‫حصّلفحدّث عن ذكاء هؤلء وفِطْنتهم وقوة‬
‫ضِيَاءُ العَيْن للق ْلبِ رافدا ِلعِ ْلمٍ إذَا مَا ضيّع الناسُ َ‬
‫تحصيلهم للعلم ول حرج‪ ،‬وهذا أمر واضح يُشاهده ُكلّ مَنْ عاشر أعمى‪ .‬وهكذا تجد ُكلّ أصحاب‬
‫العاهات الذين ابتلهم الخالق سبحانه بنقص في تكوينهم يُعوّضهم عنه في شيء آخر عزاءً لهم‬
‫عما فَاتهم‪ ،‬لكن هذا التعويض غالبا ما يكون دقيقا يحتاج إلى مَنْ يُدرِكه ويستنبطه‪.‬‬
‫وكذلك نرى كثيرين من هؤلء الذين ابتلهم ال بن ْقصٍ ما يحاولون تعويضه ويتفوقون في نواحٍ‬
‫أخرى‪ ،‬ليثبتوا للمجتمع جدارتهم ويُحدِثوا توازنا في حياتهم ليعيشوا الحياة الكريمة اليجابية في‬
‫مجتمعهم‪.‬‬
‫ومن ذلك مثلً العالم اللماني (شاخْت) وقد أصيب بِقصَرٍ في إحدى ساقيْه أعفاه من الخدمة‬
‫العسكرية مع رفاقه من الشباب‪ ،‬فأثّر ذلك في نفسه فصمّم أنْ يكون شيئا‪ ،‬وأنْ يخدُمَ بلده في ناحية‬
‫أخرى‪ ،‬فاختار مجال القتصاد‪ ،‬وأبدع فيه‪ ،‬ورسم لبلده الخُطّة التي تعينها في السّلْم وتعويضها‬
‫ما فاتها في الحرب‪ ،‬فكان (شاخْت) رجل القتصاد الول في ألمانيا كلها‪.‬‬
‫خلْق البشر ليس عملية ميكانيكية تعطي نماذج متماثلة تماما‪،‬‬
‫ويجب أن نعلم أن التكوين النساني و َ‬
‫إبداع الخالق سبحانه ليس ماكينة كالتي تصنع الكواب مثلً‪ ،‬وتعطينا ِقطَعا متساوية‪ ،‬بل ل بُدّ من‬
‫الشذوذ في الخَلْق لحكمة؛ لن وراء الخلق إرادة عليا للخالق سبحانه‪ ،‬أل ترى الولد من أب‬
‫واحد وأم واحدة وتراهم مختلفين في اللون أو الطول أو الذكاء‪ ..‬الخ؟!‬
‫لفُ أَلْسِنَ ِتكُمْ وَأَ ْلوَانِكُمْ‪[} ..‬الروم‪]22 :‬‬
‫ض وَاخْتِ َ‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْر ِ‬
‫يقول تعالى‪َ {:‬ومِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ ال ّ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إنها قدرةٌ في الخَلْق ل نهاية لها‪ ،‬وإبداعٌ ل مثيلَ له فيما يفعل البشر‪.‬‬
‫وهناك ملْمح آخر يجب أن نتنبه إليه‪ ،‬هو أن الخالق سبحانه وتعالى جعل أصحاب النقص في‬
‫التكوين وأصحاب العاهات كوسائل إيضاح‪ ،‬وتذكّر للنسان إذا ما نسى فضْل ال عليه‪ ،‬لنه كما‬
‫طغَىا * أَن رّآهُ اسْ َتغْنَىا { [العلق‪]7-6 :‬‬
‫ن الِنسَانَ لَ َي ْ‬
‫قال تعالى‪ } :‬كَلّ إِ ّ‬
‫فالنسان كثيرا ما تطغيه النعمة‪ ،‬ويغفل عن المنعم سبحانه‪ ،‬فإذا ما رأى أصحاب البتلءات انتبه‬
‫وتذكّر نعمة ال‪ ،‬وربما تجد المبصر ل يشعر بنعمة البصر ول يذكرها إل إذا رأى أعمى يتخبّط‬
‫في الطريق‪ ،‬ساعتها فقط يذكر نعمة البصر فيقول‪ :‬الحمد ل‪.‬‬
‫إذن‪ :‬هذه العاهات ليستْ لن أصحابها أقلّ مِنّا‪ ،‬أو أنهم أهوَنُ على ال‪ ..‬ل‪ ،‬بل هي ابتلء‬
‫لصحابها‪ ،‬ووسيلة إيضاح للخرين لِتلفِتهم إلى نعمة ال‪.‬‬
‫لكن الفة في هذه المسألة أنْ ترى بعض أصحاب العاهات والبتلءات ل يستر بَ ْلوَاه على ربه‪،‬‬
‫عجْزه وعاهته وسيلةً‬
‫بل يُظهِرها للناس‪ ،‬وكأنه يقول لهم‪ :‬انظروا ماذا فعل ال بي‪ ،‬ويتخذ من َ‬
‫للتكسّب والترزّق‪ ،‬بل وابتزاز أموال الناس وأَخْذها دون َوجْه حق‪.‬‬
‫وفي الحديث الشريف‪ " :‬إذَا بُلِيتم فاستتروا "‪.‬‬
‫والذي يعرض بَلْواه على الناس هكذا كأنه يشكو الخالق للخَلْق‪ ،‬ووال لو ستر صاحب العاهة‬
‫عاهته على ربه وقبلها منه لساقَ له رزقه على باب بيته‪ .‬والدْهَى من ذلك أن يتصنّع الناس‬
‫العاهات ويدّعوها ويُوهِموا الناس بها لِيُوقِعوهم‪ ،‬وليبتزّوا أموالهم بسيف الضعف والحاجة‪.‬‬
‫نعود إلى قصة موسى وفرعون لنستنبط منها بعض اليات والعجائب‪ ،‬وأوّل ما يدعونا للعجب أن‬
‫فرعون هو الذي ربّى موسى منذ أنْ كان وليدا‪ ،‬وفي وقت كان يقتل فيه الذكور من أبناء قومه‪،‬‬
‫لنعلم أن ال يحول بين المرء وقلبه‪ ،‬وأن إرادته سبحانه نافذة‪ .‬فقد وضع محبة موسى في قلب‬
‫عسَىا أَن يَ ْن َفعَنَا َأوْ نَتّخِ َذ ُه وَلَدا }[القصص‪]9 :‬‬
‫ك لَ َتقْتُلُوهُ َ‬
‫فرعون وزوجته فقالت‪ {:‬قُ ّرةُ عَيْنٍ لّي وََل َ‬
‫فأين ذهب عداوتُه و ُبغْضه للطفال؟ ولماذا أحبّ هذا الطفلَ بالذات؟ ألم يكُنْ من البديهي أنْ يطرأ‬
‫على ذِهْن فرعون أن هذا الطفل ألقاه أهله في اليَمّ لينجو من القتل؟ ولماذا لم تطرأ هذه الفكرة‬
‫البديهية على ذِهْنه؟ اللهم إل قوله تعالى‪ {:‬وَاعَْلمُواْ أَنّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ ا ْلمَرْ ِء َوقَلْبِهِ‪[} ..‬النفال‪]24 :‬‬
‫لقد طمس ال على قلب فرعون حتى ل يفعل شيئا من هذا‪ ،‬وحال بينه وبين قلبه لِيُبيّن للناس جهل‬
‫حمْقه‪ ،‬وأن وراء العناية والتربية للهل والسرة عنايةُ المربّي العلى‬
‫هذا الطاغية ومدى ُ‬
‫سبحانه‪.‬‬
‫ب المؤملُفمُوسَى الذِي رَبّاهُ‬
‫لذلك قال الشاعر‪:‬إذَا َلمْ ُتصَا ِدفْ مِنْ بَنيكَ عِنَايةً فَقدْ كذبَ الرّاجِي وَخَا َ‬
‫عوْنُ مُرْسَلُثم يقول الحق سبحانه‪ } :‬فَأَرَادَ أَن َيسْ َتفِزّهُم مّنَ‬
‫جِبْريلُ كافِ ٌر َومُوسَى الذِي رَبّاه فِرْ َ‬
‫الَ ْرضِ‪.{ ..‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫(‪)2115 /‬‬
‫جمِيعًا (‪)103‬‬
‫فَأَرَادَ أَنْ يَسْ َتفِزّهُمْ مِنَ الْأَ ْرضِ فَأَغْ َرقْنَا ُه َومَنْ َمعَهُ َ‬

‫{ فَأَرَادَ } أي‪ :‬فرعون‪ { .‬أَن يَسْ َتفِزّهُم } كلمة " استفزّ " سبق الكلم عنها في قوله تعالى‪{:‬‬
‫صوْ ِتكَ‪[} ..‬السراء‪ ]64 :‬فالستفزاز هو الزعاج بالصوت العالي‪،‬‬
‫ط ْعتَ مِ ْنهُمْ ِب َ‬
‫وَاسْ َتفْزِزْ مَنِ اسْتَ َ‬
‫يقوم المنَادَى ويخفّ من مكانه‪ ،‬وهذا الصوت أو هذه الصّيْحة يُخرجها الفارس أو اللعب كما‬
‫خصْم‪ ،‬وتأخذ‬
‫نرى في لعبة الكراتيه مثلً لِيُزعِج الخصم ويُخيفه‪ ،‬وأيضا فإن هذه الصيحة تشغَل ال َ‬
‫جزءا من تفكيره‪ ،‬في ِقلّ تركيزه‪ ،‬فيمكن التغلّب عليه‪ .‬ومن الستفزاز َقوْل أحدِنا لبنه المتكاسل‪:‬‬
‫خفّ للقيام‪.‬‬
‫فِزْ‪ .‬أي‪ :‬انهض و ِ‬
‫إذن‪ :‬المعنى‪ :‬فأراد فرعون أنْ يستفزّهم ويخدعهم خديعة تُخرِجهم من الرض‪ ،‬فتخلو له من‬
‫بعدهم‪ ،‬وهذا دليلٌ على غباء فرعون وتغفيله وحماقته‪ ،‬فما جاء موسى إل ليأخذ بني إسرائيل‪ ،‬كما‬
‫سلْ َمعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ }‬
‫عوْنَ َفقُول إِنّا َرسُولُ َربّ ا ْلعَاَلمِينَ * أَنْ أَرْ ِ‬
‫جاء في قوله تعالى‪ {:‬فَأْتِيَا فِرْ َ‬
‫[الشعراء‪]17-16 :‬‬
‫فكأن غباء فرعون أعان القدر الذي جاء به موسى ـ عليه السلم ـ ولكن كان ل تعالى إرادة‬
‫فوق إرادة فرعون‪ ،‬فقد أراد أن يُخرج بني إسرائيل وتخلو له الرض‪ ،‬وأراد الحق سبحانه‬
‫وتعالى أن يستفزّه هو من الرض كلها ومن الدنيا‪ ،‬فأغرقه ال تعالى وأخذه َأخْذَ عزيز مقتدر‪،‬‬
‫وعاجله قبل أنْ يُنفذ ما أراد‪.‬‬
‫كما يقولون في المثال عند أهل الريف للذي هدّد جاره بأنْ يحرق غلّته وهي في الجرن‪ ،‬فإذا‬
‫بالقدر يعالجه (والغلة لسه فريك) أي‪ :‬يعاجله الموت قبل ُنضْج الغلة التي هدد بحرقها‪ ،‬فأغرقه ال‬
‫ومَنْ معه جميعا‪.‬‬
‫سكُنُو ْا الَ ْرضَ‪.} ..‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪َ { :‬وقُلْنَا مِن َب ْع ِدهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ا ْ‬

‫(‪)2116 /‬‬
‫سكُنُوا الْأَ ْرضَ فَِإذَا جَا َء وَعْدُ الَْآخِ َرةِ جِئْنَا ِبكُمْ َلفِيفًا (‪)104‬‬
‫َوقُلْنَا مِنْ َبعْ ِدهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ا ْ‬

‫سكُنُو ْا الَ ْرضَ } أغلب العلماء قالوا‪ :‬أي الرض‬
‫قوله تعالى‪ { :‬مِن َبعْ ِدهِ } أي‪ :‬من بعد موسى { ا ْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫المقدسة التي هي بيت المقدس‪ ،‬التي قال تعالى عنها‪ {:‬يَا َقوْمِ ادْخُلُوا الَ ْرضَ ال ُمقَدّسَةَ الّتِي كَ َتبَ اللّهُ‬
‫َلكُمْ‪[} ..‬المائدة‪ ]21 :‬فكان ردّهم على أمر موسى بدخول بيت المقدس‪ {:‬إِنّ فِيهَا َقوْما جَبّارِينَ وَإِنّا‬
‫لَن نّ ْدخَُلهَا حَتّىا َيخْرُجُواْ مِ ْنهَا‪[} ..‬المائدة‪]22 :‬‬
‫عدُونَ }[المائدة‪]24 :‬‬
‫وقالوا‪ {:‬إِنّا لَنْ نّدْخَُلهَآ أَبَدا مّا دَامُواْ فِيهَا فَا ْذ َهبْ أَنتَ وَرَ ّبكَ َفقَاتِل إِنّا هَاهُنَا قَا ِ‬
‫سكُنُو ْا الَ ْرضَ } دون أنْ يُقيّدها بوصف‪،‬‬
‫لكن كلمة { الَ ْرضِ } هنا جاءت مجرّدة عن ال َوصْف { ا ْ‬
‫كما نقول‪ :‬أرض الحرم‪ ،‬أرض المدينة‪ ،‬وإذا أردتَ أنْ تُسكِنَ إنسانا وتُوطّنه تقول‪ :‬اسكن أي‪:‬‬
‫استقر وتوَطّن في القاهرة أو السكندرية مثلً‪ ،‬لكن اسكن الرض‪ ،‬كيف وأنا موجود في الرض‬
‫بالفعل؟! ل بُدّ أن تُخصّص لي مكانا اسكن فيه‪.‬‬
‫سكُنُو ْا الَ ْرضَ } هكذا دون تقييد بمكان معين‪ ،‬لينسجم مع آيات القرآن‬
‫نقول‪ :‬جاء قوله تعالى { ا ْ‬
‫التي حكمتْ عليهم بالتفرّق في جميع أنحاء الرض‪ ،‬فل يكون لهم وطن يتجمعون فيه‪ ،‬كما قال‬
‫طعْنَاهُمْ فِي الَ ْرضِ ُأمَما‪[} ..‬العراف‪]168 :‬‬
‫تعالى‪َ {:‬وقَ ّ‬
‫والواقع يُؤيد هذا‪ ،‬حيث نراهم مُتفرقّين في شتّى البلد‪ ،‬إل أنهم ينحازون إلى أماكن مُحدّدة لهم‬
‫يتجمّعون فيها‪ ،‬ول يذوبون في الشعوب الخرى‪ ،‬فتجد كل قطعة منهم كأنها أمة مُستقلة بذاتها ل‬
‫تختلط بغيرها‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ { :‬فَإِذَا جَآ َء وَعْدُ الخِ َرةِ جِئْنَا ِب ُكمْ َلفِيفا } [السراء‪ ]104 :‬والمراد بوَعْد الخرة‪ :‬هو‬
‫الفساد الثاني لبني إسرائيل‪ ،‬حيث قال تعالى عن إفسادهم الول على عهد رسول ال صلى ال‬
‫ن وَلَ َتعْلُنّ عُُلوّا كَبِيرا‬
‫عليه وسلم‪َ {:‬و َقضَيْنَآ إِلَىا بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي ا ْلكِتَابِ لَ ُتفْسِدُنّ فِي الَ ْرضِ مَرّتَيْ ِ‬
‫للَ الدّيَارِ َوكَانَ وَعْدا‬
‫عدُ أُول ُهمَا َبعَثْنَا عَلَ ْي ُكمْ عِبَادا لّنَآ ُأوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِ َ‬
‫* فَإِذَا جَآ َء وَ ْ‬
‫ّمفْعُولً }[السراء‪]5-4 :‬‬
‫فقد جاس رسول ال صلى ال عليه وسلم خلل ديارهم في المدينة‪ ،‬وفي بني قريظة وبني قَيْنُقاع‪،‬‬
‫وبني النضير‪ ،‬وأجلهم إلى َأذْرُعَات بالشام‪ ،‬ثم انقطعت الصلة بين المسلمين واليهود فترة من‬
‫الزمن‪.‬‬
‫ثم يقول تعالى عن الفسادة الثانية لبني إسرائيل‪ {:‬فَإِذَا جَآ َء وَعْدُ الخِ َرةِ لِيَسُوءُو ْا وُجُو َهكُمْ‬
‫جدَ َكمَا َدخَلُوهُ َأ ّولَ مَ ّر ٍة وَلِيُتَبّرُواْ مَا عََلوْاْ تَتْبِيرا }[السراء‪]7 :‬‬
‫وَلِيَدْخُلُواْ ا ْلمَسْ ِ‬
‫وهذه الفسادة هي ما نحن بصدده الن‪ ،‬حيث سيتجمع اليهود في وطن واحد ليتحقق وَعْد ال‬
‫بالقضاء عليهم‪ ،‬وهل يستطيع المسلمون أن ينقضّوا على اليهود وهم في شتيت الرض؟ ل ُبدّ أن‬
‫الحق سبحانه أوحى إليهم بفكرة التجمّع في وطن قومي لهم كما يقولون‪ ،‬حتى إذا أراد أَخْذهم لم‬
‫يُفلتوا‪ ،‬ويأخذهم أخْذ عزيز مقتدر‪.‬‬
‫وهذا هو المراد من قوله تعالى‪ { :‬جِئْنَا ِبكُمْ َلفِيفا } [السراء‪ ]104 :‬أي‪ :‬مجتمعين بعضكم إلى‬
‫بعض من شَتّى البلد‪ ،‬وهو ما يحدث الن على أرض فلسطين‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ثم يقول الحق سبحانه‪ { :‬وَبِا ْلحَقّ أَنْ َزلْنَاهُ وَبِالْحَقّ نَ َزلَ‪.} ...‬‬

‫(‪)2117 /‬‬
‫حقّ نَ َزلَ َومَا أَ ْرسَلْنَاكَ إِلّا مُبَشّرًا وَنَذِيرًا (‪)105‬‬
‫وَبِالْحَقّ أَنْزَلْنَا ُه وَبِالْ َ‬

‫حقّ أَنْزَلْنَاهُ‪[ } ..‬السراء‪]105 :‬‬
‫قوله تعالى‪ { :‬وَبِالْ َ‬
‫الحق من حقّ الشيء‪ .‬أي‪ :‬ثبت‪ ،‬فالحقّ هو الشيء الثابت الذي ل يطرأ عليه التغيير أبدا‪ ،‬أما‬
‫الباطل فهو مُتغير مُتلوّن لنه َزهُوق‪ ،‬والباطل له ألوان متعددة‪ ،‬والحق ليس له إل لون واحد‪.‬‬
‫سمَآءِ مَآءً فَسَاَلتْ َأوْدِ َيةٌ‬
‫لذلك لما ضرب ال لنا مثلً للحق والباطل‪ ،‬قال سبحانه‪ {:‬أَنَ َزلَ مِنَ ال ّ‬
‫ِبقَدَرِهَا فَاحْ َت َملَ السّ ْيلُ زَبَدا رّابِيا َو ِممّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النّارِ ابْ ِتغَآءَ حِلْ َيةٍ َأوْ مَتَاعٍ زَ َبدٌ مّثْلُهُ كَذاِلكَ‬
‫جفَآ ًء وََأمّا مَا يَنفَعُ النّاسَ فَ َي ْم ُكثُ فِي الَ ْرضِ كَذاِلكَ‬
‫طلَ فََأمّا الزّبَدُ فَ َيذْ َهبُ ُ‬
‫ق وَالْبَا ِ‬
‫َيضْ ِربُ اللّهُ ا ْلحَ ّ‬
‫لمْثَالَ }[الرعد‪]17 :‬‬
‫َيضْ ِربُ اللّ ُه ا َ‬
‫خوَرَا يصيب أهل الحق‪ ،‬وعُلُوا يحالف أهل الباطل فل تغتر‬
‫عصْر من العصور َ‬
‫فإنْ رأيت في َ‬
‫صفْحة الماء‪ ،‬ول ينتفع الناس به‪ ،‬وسرعان ما تُلقِى به الريح هنا وهناك‬
‫به‪ ،‬فهو عُُلوّ الزّبَد يعلو َ‬
‫جفَاءً دون فائدة‪ ،‬ويمكث في الرض الماء‬
‫لتجلوَ صفحة الماء الناصعة المفيدة‪ ،‬أما الزّبَد فيذهب ُ‬
‫الصافي الذي ينتفع الناس به في الزراعة ونحوها‪.‬‬
‫وهكذا الباطل مُتغيّر مُتقلّب ل ينتفع به‪ ،‬والحق ثابت ل يتغير لنه َمظْهرية من مَظْهريات الحق‬
‫العلى سبحانه‪ ،‬وهو سبحانه الحق العلى الذي ل تتناوله الغيار‪.‬‬
‫وقوله‪ { :‬أَنْزَلْنَاهُ‪[ } ..‬السراء‪]105 :‬‬
‫ونلحظ هنا أن ضمير الغائب في { أَنْزَلْنَاهُ } لم يتقدّم عليه شيء يُوضّح الضمير ويعود إليه‪،‬‬
‫ف المعارف‪ ،‬لكن ل ُبدّ له من مرجع يرجع إليه‪ .‬وهنا لم يُسبق الضمير‬
‫صحيح أن الضمير أعْر ُ‬
‫بشيء‪ ،‬كما سُبق بمرجع في قوله تعالى‪ {:‬قُل لّئِنِ اجْ َت َم َعتِ الِنْسُ وَالْجِنّ عَلَىا أَن يَأْتُواْ ِبمِ ْثلِ‬
‫ن لَ يَأْتُونَ ِبمِثِْلهِ‪[} ..‬السراء‪]88 :‬‬
‫هَـاذَا ا ْلقُرْآ ِ‬
‫فهنا يعود الضمير في { ِبمِثْلِهِ } إلى القرآن الذي سبق ذكره‪.‬‬
‫نقول‪ :‬إذا لم يسبق ضمير الغائب بشيء يرجع إليه‪ ،‬فل بُدّ أن يكون مرجعه مُتعيّنا ل يختلف فيه‬
‫اثنانِ‪ ،‬كما في قوله تعالى‪ُ {:‬قلْ ُهوَ اللّهُ َأحَدٌ }[الخلص‪]1 :‬‬
‫فهو ضمير للغائب لم يسبق بمرجع له؛ لنه ل يرجع إل إلى ال تعالى‪ ،‬وهذا أمر ل يُختَلفُ عليه‪.‬‬
‫حقّ أَنْزَلْنَاهُ‪[ } ..‬السراء‪]105 :‬‬
‫كذلك في قوله تعالى‪ { :‬وَبِالْ َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أي‪ :‬القرآن؛ لنه شيء ثابت مُتعيّن ل يُختَلف عليه‪ .‬وجاء الفعل أنزل للتعدية‪ ،‬فكأن الحق سبحانه‬
‫كان كلمه ـ وهو القرآن ـ محفوظا في اللوح المحفوظ‪ ،‬إلى أنْ يأتيَ زمان مباشرة القرآن‬
‫لمهمته‪ ،‬فأنزله ال جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا‪ ،‬كما قال تعالى‪ {:‬إِنّا أَنزَلْنَاهُ‬
‫فِي لَ ْيلَةِ ا ْلقَدْرِ }[القدر‪]1 :‬‬
‫وهذا هو المراد من قوله { أَنزَلْنَاهُ } ثم نُنزّله مُنَجّما حَسْب الحداث في ثلث وعشرين سنة مُدّة‬
‫الدعوة كلها‪ ،‬فكلما حدث شيء نزل القسط أو النجم الذي يعالج هذه الحالة‪.‬‬
‫و { أَنْزَلْنَاهُ‪.‬‬
‫‪[ { .‬السراء‪ ]105 :‬أي‪ :‬نحن‪ ،‬فالمراد الحق سبحانه وتعالى هو الذي حفظه في اللوح المحفوظ‪،‬‬
‫وهو الذي أنزله‪ ،‬وأنزله على المين من الملئكة الذي اصطفاه لهذه المهمة‪.‬‬
‫لمِينُ }[الشعراء‪ ]193 :‬أي‪ :‬جبريل ـ عليه السلم ـ الذي كرّمه ال وجعله‬
‫{ نَ َزلَ بِهِ الرّوحُ ا َ‬
‫روحا‪ ،‬كما جعل القرآن روحا في قوله‪َ {:‬وكَذَِلكَ َأوْحَيْنَآ إِلَ ْيكَ رُوحا مّنْ َأمْرِنَا‪[} ..‬الشورى‪]52 :‬‬
‫وقال عنه أيضا‪ {:‬إِنّهُ َلقَ ْولُ رَسُولٍ كَرِيمٍ }[التكوير‪]19 :‬‬
‫والكريم ل يكتم شيئا ِممّا أُوحى إليه‪ {:‬ذِي ُق ّوةٍ عِندَ ذِي ا ْلعَرْشِ َمكِينٍ * مّطَاعٍ ثَمّ َأمِينٍ }[التكوير‪:‬‬
‫‪]21-20‬‬
‫هذه صفات جبريل الذي نزل بالوحي من الحق سبحانه‪ ،‬ثم أوصله لمن؟ أوصله للمصطفى المين‬
‫لفُقِ ا ْلمُبِينِ * َومَا ُهوَ عَلَى ا ْلغَ ْيبِ ِبضَنِينٍ * َومَا‬
‫من البشر‪َ {:‬ومَا صَاحِ ُبكُمْ ِبمَجْنُونٍ * وََلقَدْ رَآهُ بِا ُ‬
‫ُهوَ ِبقَ ْولِ شَ ْيطَانٍ رّجِيمٍ }[التكوير‪]25-22 :‬‬
‫شكّ‬
‫إذن‪ :‬فالقرآن الذي بين أيدينا هو هو الذي نزل من اللوح المحفوظ‪ ،‬وهو الحق الثابت الذي ل َ‬
‫فيه‪ ،‬والذي لم يتغيّر منه حرفٌ واحدٌ‪ ،‬ولن يجد فيه أحد ُثغْرة للتهام إلى أنْ تقومَ الساعة‪.‬‬
‫ثم يقول تعالى‪ } :‬وَبِا ْلحَقّ نَ َزلَ‪[ { ..‬السراء‪ ]105 :‬الولى كانت‪ } :‬وَبِا ْلحَقّ أَنْ َزلْنَاهُ‪[ { ..‬السراء‪:‬‬
‫‪]105‬‬
‫حقّ نَ َزلَ‪..‬‬
‫شكّ } وَبِالْ َ‬
‫حقّ ل رَ ْيبَ فيه ول َ‬
‫أي‪ :‬الوسائل التي نزل بها كلمة ثابتة‪ ،‬وكلها َ‬
‫{ [السراء‪ ]105 :‬أي‪ :‬مضمونه‪ ،‬وما جاء به منهج‪ ،‬معجزة حقّ لنه تحدّى ال ُفصَحاء والبلغاء‬
‫وأهل اللغة فأعجزهم في كل مراحل التحدي‪ ،‬والقرآن يحتوي على منهج حق‪.‬‬
‫وأول شيء في منهج القرآن أنّه تكلّم عن العقائد التي هي الصْل الصيل لكل دين‪ ،‬فقبل أنْ أقول‬
‫لك‪ :‬قال ال‪ ،‬وَأمَر ال ل بُدّ أن تعرف أولً مَنْ هو ال‪ ،‬ومَنْ الرسول الذي بلّغ عن ال‪ ،‬فالعقائد‬
‫هي ينبوع السّلوكيات‪.‬‬
‫إذن‪ :‬تعرّض القرآن لللهيات‪ ،‬وأوضح أن ال تعالى إله واحد له صفات الكمال المطلق‪ ،‬وتعرّض‬
‫للملئكة وللنبوات والمعجزات والمعاد واليوم الخر‪ُ ،‬كلّ هذا في العقائد؛ لن السلم حرصَ أولً‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫على تربية العقيدة‪ ،‬فكانت الدعوة في مكة تُركّز على هذا الجانب دون غيره من جوانب الدين‬
‫لِيُر ّبيَ في المسلمين هذا الصل الصيل‪ ،‬وهو الستسلم ل‪ ،‬وإلقاء الزمام إليه سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫والنسان ل يُلقي زمام حركته إل لمَنْ يثق به‪ ،‬فل بُدّ إذنْ من معرفة ال تعالى‪ ،‬ثم اليمان به‬
‫تعالى‪ ،‬ثم التصديق للمبلّغ عن ال‪.‬‬
‫وفي القرآن أيضا أحكامٌ وشرائع ثابتة ل تتغير‪ ،‬ولن تُنسَخ بشريعة أخرى؛ لنها الشريعة الخاتمة‪،‬‬
‫كما قال تعالى‪ {:‬الْ َي ْومَ َأ ْكمَ ْلتُ َل ُكمْ دِي َن ُك ْم وَأَ ْت َممْتُ عَلَ ْيكُمْ ِن ْعمَتِي وَ َرضِيتُ َلكُمُ الِسْلمَ دِينا }[المائدة‪:‬‬
‫‪]3‬‬
‫إذن‪ :‬نزل القرآن بما هو حَقّ من‪ :‬إلهيات وملئكة ونبوّات ومعجزات وأحكام وشرائع‪ ،‬كلها حَقّ‬
‫شكّ فيه‪ ،‬فنزل الحق الثابت من ال بواسطة مَنِ اصطفاه من الملئكة وهو جبريل على‬
‫ثابت ل َ‬
‫مَنِ اصطفاه من الناس وهو محمد‪ ،‬وفي طي ما نزل الحق الثابت الذي ل يتغير‪.‬‬
‫وصدق الحق سبحانه حين قال‪ {:‬إِنّا نَحْنُ نَزّلْنَا ال ّذكْ َر وَإِنّا َلهُ لَحَا ِفظُونَ }[الحجر‪]9 :‬‬
‫ونسوق هنا دليلً عصريا على أن كتاب ال جاء بالحق الثابت الذي ل يتغير على مَ ّر العصور‪،‬‬
‫ففي ألمانيا استحدث أحد رجال القانون قانونا للتعسف في استعمال الحق‪ ،‬وظنّوا أنهم جاءوا‬
‫حقّ ويتعسّف في استعمال حقه‪.‬‬
‫بجديد‪ ،‬واكتشفوا سلحا جديدا للقانون ليعاقب مَنْ له َ‬
‫عوْا السبق إليه‪،‬‬
‫ثم سافر إلى هناك محام من بني سويف للدراسة‪ ،‬فقرأ عن القانون الجديد الذي اد َ‬
‫فأخبرهم أن هذا القانون الذي تدّعُونه لنفسكم قانون إسلمي ثابت وموجود في سُنّة رسول ال‪،‬‬
‫فعمدوا إلى كتب السيرة‪ ،‬فوجدوا قصة الرجل الذي شكا إلى رسول ال صلى ال عليه وسلم أن‬
‫رجلً له نخلة يمتلكها داخل بيته‪ ،‬أو أنها تميل في بيته‪ ،‬فأخذها ذريعة وجعل منها مسمار جحا‪،‬‬
‫وأخذ يقتحم على صاحب البيت بيته بحجة أنه يباشر نخلته‪ ،‬فماذا كان حكم الرسول في هذه‬
‫المسألة؟‬
‫حقّ في النخلة‪ ،‬فهي مِ ْلكٌ له لكنه تعسّف في استعمال حقه‪ ،‬وأتى بما ل يليق من‬
‫هذا الرجل له َ‬
‫المعاملة‪ ،‬فالمفروض ألّ يذهب إلى نخلته إل لحاجة‪ ،‬مثل‪ :‬تقليمها‪ ،‬أو تلقيحها‪ ،‬أو جمع ثمارها‪.‬‬
‫لقد أحضر رسول ال صلى ال عليه وسلم الرجل وقال له‪ " :‬إما أن تهبَ له هذه النخلة‪ ،‬وإما أنْ‬
‫تبيعها له‪ ،‬وإما قطعناها "‪.‬‬
‫أليس ذلك من الحق الذي سبق به السلم؟ وأليس دليلً على استيعاب شرع ال لكل كبيرة‬
‫وصغيرة في حياة الناس؟‬
‫حقّ نَ َزلَ { أي‪ :‬وعلى‬
‫ضفْ إلى ذلك ما قاله بعض العلماء من أهل الشراقات في معنى‪ } :‬وَبِالْ َ‬
‫َأ ِ‬
‫الحق الذي هو رسول ال صلى ال عليه وسلم نزل القرآن كما تقول‪ :‬ذهبت إلى القاهرة ونزلت‬
‫بفلن‪ .‬أي‪ :‬نزلت عنده أو عليه‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ثم يقول تعالى‪َ } :‬ومَآ أَ ْرسَلْنَاكَ ِإلّ مُ َبشّرا وَنَذِيرا { [السراء‪]105 :‬‬
‫والبشارة تكون بالخير‪ ،‬والنذارة تكون بالشر‪ ،‬ويُشترط في التبشير والنذار أن تُعطَى للمبشّر أو‬
‫للمُنْذَر فرصة يراجع فيها نفسه‪ ،‬ويُعدّل من سلوكه‪ ،‬وإل فل فائدة‪ ،‬ول جدوى منهما‪ ،‬فتُبشّر بالجنة‬
‫وتُنذَر بالنار في مُتّسَع من الوقت ليتمكن هذا من العمل للجنة‪ ،‬ويتمكن هذا من القلع عن سبيل‬
‫النار‪.‬‬
‫ومثال ذلك‪ :‬أنك تُبشّر ولدك بالنجاح والمستقبل الباهر إن اجتهد‪ ،‬وتحذره من الفشل إن أهمل‪،‬‬
‫وهذا بالطبع ل يكون ليلة المتحان‪ ،‬بل في مُتّسَع أمامه من الوقت لينفذ ما تريد‪.‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى هنا يخبر رسوله صلى ال عليه وسلم بحقيقة مهمته كرسول عليه البلغ‬
‫بالبشارة والنذارة‪ ،‬فل يُحمّل نفسه فوق طاقتها؛ لنه ليس مُلْزَما بإيمان القوم‪ ،‬كما قال تعالى‪{:‬‬
‫سكَ عَلَىا آثَارِ ِهمْ إِن لّمْ ُي ْؤمِنُواْ ِبهَـاذَا الْحَدِيثِ َأسَفا }‬
‫فََلعَّلكَ بَاخِعٌ ّنفْ َ‬
‫[الكهف‪]6 :‬‬
‫سكَ َألّ َيكُونُواْ ُم ْؤمِنِينَ }‬
‫خعٌ ّنفْ َ‬
‫أي‪ :‬مُهلكها حُزْنا على عدم إيمانهم‪ ،‬وفي آية أخرى قال‪َ {:‬لعَّلكَ بَا ِ‬
‫[الشعراء‪]3 :‬‬
‫فكأنه سبحانه يُخفّف ال ِعبْءَ عن رسوله‪ ،‬ويدعوه ألّ يُتعِب نفسه في دعوتهم‪ ،‬فما عليه إل البلغ‪،‬‬
‫وعلى ال تبارك وتعالى الهداية لليمان‪.‬‬
‫لكن حِرْص رسول ال على هداية قومه نابع من قضية تحكمه وتستولي عليه لخّصها في قوله‪" :‬‬
‫وال ل يؤمن أحدكم حتى يحب لخيه ما يحب لنفسه "‪.‬‬
‫فالنبي صلى ال عليه وسلم كامل اليمان‪ ،‬ويحب لقومه أن يكونوا كذلك‪ ،‬حتى أعداؤه الذين وقفوا‬
‫في وجه دعوته كان إلى آخر لحظة في الصراع يرجو لهم اليمان والنجاة؛ لذلك لما ُمكّن منهم لم‬
‫يعالجهم بالعقوبة‪ ،‬بل قال‪ " :‬بل أرجو أن يُخرِج ال من أصلبهم من يعبد ال وحده‪ ،‬ل يُشرك به‬
‫شيئا "‪.‬‬
‫وفعلً صدق ال ورسوله‪ ،‬وجاء من ذريات هؤلء مَنْ حملوا راية الدين‪ ،‬وكانوا سيوفا على‬
‫أعدائه‪ ،‬أمثال عكرمة بن أبي جهل‪ ،‬وعمرو بن العاص‪ ،‬وخالد بن الوليد‪ ،‬وكثير من المسلمين‬
‫كانوا حريصين على قَتْل هؤلء حال كفرهم في معارك السلم الولى‪ ،‬وهم ل يعلمون أن ال لم‬
‫يُمكّنهم من هؤلء لحكمة‪ ،‬إنهم سوف يكونون معك من سيوف السلم وقادته‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪َ } :‬وقُرْآنا فَ َرقْنَاهُ لِ َتقْرََأهُ عَلَى النّاسِ‪.{ ...‬‬

‫(‪)2118 /‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫َوقُرْآَنًا فَ َرقْنَاهُ لِ َتقْرََأهُ عَلَى النّاسِ عَلَى ُم ْكثٍ وَنَزّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (‪)106‬‬

‫حسْب الحداث { عَلَىا ُم ْكثٍ } على تمهّل‬
‫معنى { فَ َرقْنَاهُ } أي‪ :‬فصّلناه‪ ،‬أو أنزلناه مُفرّقا مُنجّما َ‬
‫وتُؤدَة وتأنّ‪.‬‬
‫وقد جاءت هذه الية للردّ على الكفار الذين اقترحوا أن ينزل القرآن جملة واحدة‪ ،‬كما قال تعالى‬
‫جمَْل ًة وَاحِ َدةً‪[} ..‬الفرقان‪]32 :‬‬
‫حكاية عنهم‪َ {:‬وقَالَ الّذِينَ َكفَرُواْ َل ْولَ نُ ّزلَ عَلَيْهِ ا ْلقُرْآنُ ُ‬
‫وأول ما نلحظه عليهم أن أسلوبهم فضحهم‪ ،‬وأبان ما هُمْ فيه من تناقض‪ ،‬ألم يسبق لهم أن اتهموا‬
‫خلَ له فيه‪،‬‬
‫الرسول بافتراء القرآن‪ .‬وهاهم الن ُيقِرّون بأنه نزل عليه‪ ،‬أي‪ :‬من جهة أعلى‪ ،‬ول دَ ْ‬
‫وقد سبق أن أوضحنا أنهم ل يتهمون القرآن‪ ،‬بل يتهمون رسول ال الذي نزل عليه القرآن‪.‬‬
‫ثم يتولّى الحق سبحانه الردّ عليهم في هذا القتراح‪ ،‬ويُبيّن أنه اقتراح باطل ل يتناسب وطبيعة‬
‫القرآن‪ ،‬فل يصح أن ينزل جملة واحدة كما اقترحوا للسباب التية‪:‬‬
‫‪ {.1‬كَذَِلكَ لِنُثَ ّبتَ بِهِ ُفؤَا َدكَ‪[} ..‬الفرقان‪]32 :‬‬
‫{ َكذَِلكَ } أي‪ :‬أنزلناه كذلك على المر الذي تنتقدونه من أنه نزل مُفرّقا مُنجّما حسْب الحداث{‬
‫لِنُثَ ّبتَ بِهِ ُفؤَا َدكَ‪[} ..‬الفرقان‪ ]32 :‬لن رسول ال صلى ال عليه وسلم سيتعرّض لكثير من تعنّتات‬
‫الكفار‪ ،‬وسيقف مواقف مُحرِجة من تعذيب وتنكيل وسخرية واستهزاء‪ ،‬وهو في كل حالة من هذه‬
‫يحتاج لتثبيت وتسلية‪.‬‬
‫وفي نزول الوحي عليه َيوْما بعد َيوْم‪ ،‬وحسْب الحداث ما يُخفّف عنه‪ ،‬وما يزيل عن كاهله ما‬
‫يعاني من مصاعب ومَشَاقّ الدعوة وفي استدامة الوحي ما يصله دائما بمَنْ بعثه وأرسله‪ ،‬أما لو‬
‫نزل القرآن جملةً واحدة لكان التثبيت أيضا مرة واحدة‪ ،‬ولَفقد رسول ال جانب الصلة المباشرة‬
‫بالوحي‪ ،‬وهذا هو الجانب الذي يتعلق في الية برسول ال‪.‬‬
‫‪ {.2‬وَرَتّلْنَاهُ تَرْتِيلً }[الفرقان‪ ]32 :‬أي‪ :‬نَزّلْنَاه مُرتّلً مُفرّقا آيةً بعد آية‪ ،‬والرتل‪ :‬هو المجموعة من‬
‫الشيء‪ .‬كما نقول‪ :‬رتل من السيارات‪ ،‬وهكذا نزل القرآن مجموعة من اليات بعد الخرى‪ ،‬وهذه‬
‫حفْظ القرآن و َفهْمه والعمل به‪ ،‬فكانوا رضوان ال عليهم‬
‫الطريقة في التنزيل تُيسّر للصحابة ِ‬
‫يخفظون القدر من اليات ويعملون بها‪ ،‬وبذلك تيسّر لهم حفظ القرآن والعمل به‪ ،‬فكانت هذه‬
‫الميْزَة خاصة بالصحابة الذي حفظوا القرآن‪ ،‬وما زلنا حتى الن نُجّزئ القرآن للحفظة‪ ،‬ونجعله‬
‫ألواحا‪ ،‬يحفظ ال تلو الخر‪.‬‬
‫حسَنَ َتفْسِيرا }[الفرقان‪]33 :‬‬
‫ق وَأَ ْ‬
‫حّ‬
‫‪ {.3‬وَلَ يَأْتُو َنكَ ِبمَ َثلٍ ِإلّ جِئْنَاكَ بِالْ َ‬
‫وهذه للمخالفين لرسول ال‪ ،‬وللمعاندين لمنهج ال الذين سيعترضون عليه‪ ،‬ويحاولون أن‬
‫حجَجهم في وقتها‬
‫يستدركوا عليه أمورا‪ ،‬وإن يتهموا رسول ال‪ ،‬فل بُدّ من الردّ عليهم وإبطال ُ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫المناسب‪ ،‬ول يتأتّى ذلك إذا نزل القرآن جملة واحدة‪.‬‬
‫{ َولَ يَأْتُو َنكَ ِبمَ َثلٍ } أي‪ :‬بشيء عجيب يستدركون به عليك { ِإلّ جِئْنَاكَ بِا ْلحَقّ } أي‪ :‬ردّا عليهم‬
‫بالحق الثابت الذي ل جدالَ فيه‪.‬‬
‫وإليك أمثلة لِردّ القرآن عليهم َردّا حيّا مباشرا‪.‬‬
‫فلما اتهموا رسول ال وقالوا‪ {:‬إِن تَتّ ِبعُونَ ِإلّ رَجُلً مّسْحُورا }[السراء‪ ]47 :‬رَدّ القرآن عليهم‬
‫بقوله تعالى‪ {:‬ن وَالْقَلَمِ َومَا َيسْطُرُونَ * مَآ أَنتَ بِ ِن ْعمَةِ رَ ّبكَ ِب َمجْنُونٍ * وَإِنّ َلكَ لَجْرا غَيْرَ َممْنُونٍ‬
‫* وَإِ ّنكَ َلعَلَىا خُُلقٍ عَظِيمٍ }[القلم‪]4-1 :‬‬
‫سوَاقِ‪[} ..‬الفرقان‪ ]7 :‬يردّ القرآن‬
‫طعَا َم وَ َيمْشِي فِي الَ ْ‬
‫ولما قالوا‪ {:‬مَالِ هَـاذَا الرّسُولِ يَ ْأ ُكلُ ال ّ‬
‫سوَاقِ‪..‬‬
‫طعَا َم وَ َيمْشُونَ فِي الَ ْ‬
‫عليهم بقوله تعالى‪َ {:‬ومَآ أَرْسَلْنَا قَبَْلكَ مِنَ ا ْلمُ ْرسَلِينَ ِإلّ إِ ّنهُمْ لَيَ ْأكُلُونَ ال ّ‬
‫}[الفرقان‪]20 :‬‬
‫فليس محمد صلى ال عليه وسلم بدعا في هذه المسألة‪ ،‬فهو كغيره من الرسل الذين عُرِفت عنهم‬
‫هذه الصفات‪ ،‬وفي هذا ما يؤكد سلمة الُسْوة في محمد صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وأنه بشر مثل‬
‫الذين أرسلنا إليهم من قبله‪ ،‬إنما لو كانت في محمد خاصية ليست في غيره ربّما اعترضوا عليها‬
‫واحتجّوا بها‪.‬‬
‫لذلك كان من أدب النبي صلى ال عليه وسلم مع ربه ومع صحابته أنه قال‪ " :‬إنما أنا بشر يرد‬
‫عليّ ـ أي بالوحي ـ فأقول‪ :‬أنا لست كأحدكم‪ ،‬ويؤخذ مني فأقول‪ :‬ما أنا إل بشر مثلكم "‪.‬‬
‫فانظر إلى أيّ حدّ كان تواضعه صلى ال عليه وسلم؟‬
‫ولما اتهموا الرسول صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فقالوا‪َ {:‬أفْتَرَىا عَلَى اللّهِ َكذِبا أَم ِبهِ جِنّةٌ‪[} ..‬سبأ‪]8 :‬‬
‫ت وَادْعُواْ مَنِ‬
‫سوَرٍ مّثِْلهِ ُمفْتَرَيَا ٍ‬
‫فردّ عليهم الحق سبحانه بقوله‪ {:‬أَمْ َيقُولُونَ افْتَرَاهُ ُقلْ فَأْتُواْ ِبعَشْرِ ُ‬
‫طعْتُمْ مّن دُونِ اللّهِ إِن كُن ُت ْم صَا ِدقِينَ }[هود‪]13 :‬‬
‫اسْ َت َ‬
‫ثم يتنزّل معهم في هذا التحدي‪ ،‬ويترأف بهم‪ {:‬وَإِن كُنْتُمْ فِي رَ ْيبٍ ّممّا نَزّلْنَا عَلَىا عَبْدِنَا فَأْتُواْ‬
‫بِسُو َرةٍ مّن مّثْلِهِ‪[} ..‬البقرة‪]23 :‬‬
‫ثم يناقشهم في هذه المسألة بهذا الدب الرفيع والنموذج العالي للحوار‪ُ {:‬قلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ َفعََليّ‬
‫إِجْرَامِي وَأَنَاْ بَرِيءٌ ّممّا ُتجْ ِرمُونَ }[هود‪]35 :‬‬
‫عمّا َت ْعمَلُونَ }[سبأ‪]25 :‬‬
‫عمّآ أَجْ َرمْنَا َولَ نُسَْألُ َ‬
‫وفي آية أخرى يقول‪ {:‬قُل لّ ُتسْأَلُونَ َ‬
‫فانظر إلى هذا الدب‪ :‬رسول ال حين يتحدّث عن نفسه يقول } َأجْ َرمْنَا { وحين يتحدث عن‬
‫عمّا َت ْعمَلُونَ {‪.‬‬
‫أعدائه ل ينسب إليهم الجرام‪ ،‬بل يقول‪َ } :‬ولَ نُسَْألُ َ‬
‫هذا كله من الحق الذي جاء به القرآن ليردّ عن رسول ال اتهامات القوم‪ ،‬وبال لو نزل القرآن‬
‫جملةً واحدة‪ ،‬أكان من الممكن الردّ على هذه التهامات ومجادلة القوم فيما يُثيرونه من قضايا؟‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إنْ كانت هذه المثلة خاصة برسول ال صلى ال عليه وسلم وتبرئة ساحته في مجال الدعوة إلى‬
‫ال‪ ،‬فهناك أيضا ما يتعلق بالحكام والتشريع‪ ،‬فالقرآن نزل بالعقائد والحكام والتشريعات‪ ،‬ونزل‬
‫ليكون دائما ثابتا ل يتغير إلى يوم القيامة‪ ،‬ولن يُنسَخ منه حرف واحد كما حدث في الكتب السابقة‬
‫عليه‪.‬‬
‫فإن نظرتَ إلى العقائد وجدتَ الكلم فيها قاطعا ل هوادةَ فيه‪ ،‬يأتي هكذا َق ْولً واحدا‪ ،‬فال واحد‬
‫أحد ل شريك له‪ ،‬له صفات الكمال المطلق‪ ،‬وكذلك الحديث عن الملئكة وال َبعْث والحساب‪.‬‬
‫لكن تجد المر يختلف في الحديث عن العادات التي أَلِفها الناس في حركة الحياة‪ ،‬فهذه أمور‬
‫تحتاج إلى تلطّف وتدرّج‪ ،‬ول يناسبها القصْر والقَطْع‪ .‬ألم تَرَ إلى المشرّع سبحانه حينما أراد أنْ‬
‫يُحرّم الخمر‪ ،‬كيف تدرّج في تحريمها على عدة مراحل حتى يجتثّ هذه العادة التي تحكّمتْ في‬
‫نفوس الناس وتملّكتهم‪ ،‬أكان يمكن معالجة هذه المسألة بهذه الطريقة إذا نزل القرآن جملة واحدة؟‬
‫انظر كيف لفتَ أنظارَ القوم بُلطْف إلى أن في الخمر شيئا‪ ،‬فقال تعالى‪َ {:‬ومِن َثمَرَاتِ النّخِيلِ‬
‫سكَرا وَرِزْقا حَسَنا‪[} ..‬النحل‪]67 :‬‬
‫خذُونَ مِنْهُ َ‬
‫وَالَعْنَابِ تَتّ ِ‬
‫ولما سمع بعض الصحابة هذه الية قال‪ :‬وال لكأن ال يُبيّت للخمر شيئا‪ ،‬لقد فهم بملكته العربية‬
‫سكَر فلم َيصِفْه بالحُسْن‪ ،‬فإن وراء هذا‬
‫أن ال تعالى طالما وصف الرزق بأنه حسن‪ ،‬وسكت عن ال ّ‬
‫الكلم أمرا في الخمر؛ لنه يتلف نعمة ال ويُفسِدها على أصحابها‪.‬‬
‫خمْرِ وَا ْلمَيْسِرِ ُقلْ فِي ِهمَآ إِ ْثمٌ كَبِيرٌ‬
‫حوّل هذه المسألة إلى عِظَة وإرشاد‪ ،‬فيقول‪ {:‬يَسْأَلُو َنكَ عَنِ ا ْل َ‬
‫ثم ُي َ‬
‫س وَإِ ْث ُم ُهمَآ َأكْبَرُ مِن ّنفْ ِع ِهمَا‪[} ..‬البقرة‪]219 :‬‬
‫َومَنَافِعُ لِلنّا ِ‬
‫عظَة‬
‫وهكذا قرّر لهم الحقيقة بعد أن سألوا هم عنها‪ ،‬وترك لهم حرية الختيار‪ ،‬فالمر مازال ِ‬
‫ونصيحة ل تشريعا مُلْزما‪ ،‬إل أنه مهّد الطريق للقطع بتحريمها بعد ذلك‪.‬‬
‫ثم حدث من أحدهم أن صلّى وهو مخمور ل يدري ما يقول‪ ،‬فلما سمعوه يقول‪ :‬قل يا أيها‬
‫الكافرون أعبد ما تعبدون‪ ،‬فغمزه مَنْ بجواره وعرف أنه مخمور‪ ،‬ووصل خبره إلى رسول ال‬
‫سكَارَىا حَتّىا‬
‫ل َة وَأَنْتُمْ ُ‬
‫صلى ال عليه وسلم فنزل قوله تعالى‪ {:‬يَا أَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُو ْا لَ َتقْرَبُواْ الصّ َ‬
‫َتعَْلمُواْ مَا َتقُولُونَ‪[} ..‬النساء‪]43 :‬‬
‫وبذلك أطال مدّة المتناع عن شُرْب الخمر‪ ،‬فالصلة خمس مرات في اليوم والليلة‪ ،‬فإذا ل بُدّ من‬
‫المتناع عن الخمر قبل الصلة بوقت كافٍ‪ ،‬وهكذا عوّدهم المتناع ودرّبهم على الصبر عن هذه‬
‫الفة التي تمكّنتْ منهم‪ .‬ثم يتحيّن الحق سبحانه فرصة منهم‪ ،‬حيث اجتمع القوم في مجلس من‬
‫مجالس الشراب‪ ،‬ولما لعبتْ الخمر بالعقول تشاجروا حتى سالتْ دماؤهم‪ ،‬وعندما ذهبوا بأنفسهم‬
‫إلى رسول ال صلى ال عليه وسلم يسألونه‪ :‬يا رسول ال بيّن لنا في الخمر رأيا شافيا‪ ،‬وهنا‬
‫خمْ ُر وَا ْلمَيْسِ ُر وَالَنصَابُ‬
‫ينزل الوحي على رسول ال بالحكم القاطع‪ {:‬يَاأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ إِ ّنمَا الْ َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ع َملِ الشّ ْيطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ }[المائدة‪]90 :‬‬
‫وَالَزْلَمُ ِرجْسٌ مّنْ َ‬
‫فكيف كانت معالجة هذه الفة التي تمكّنتْ من الناس لو نزل القرآن جملة واحدة؟‬
‫إن الحق تبارك وتعالى بنزول القرآن ُمفَرّقا مُنجّما حَسْب الحداث‪ ،‬كأنه يُجري مشاركة بين آيات‬
‫التنزيل والمنفعلين بها الذين ُيصِرّون على تنفيذ مطلوباتها‪ ،‬حتى إنهم ليبادرون رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم بالسؤال‪ ،‬مع أنه صلى ال عليه وسلم قد نهاهم أن يبدأوه بالسؤال‪ ،‬كما قال تعالى‪{:‬‬
‫س ْؤكُمْ‪[} ..‬المائدة‪]101 :‬‬
‫ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُو ْا لَ َتسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُ ْبدَ َلكُمْ َت ُ‬
‫خمْرِ‬
‫ولكنهم مع هذا تغمزهم المسألة فيبادرون بها رسول ال‪ ،‬كما حكى القرآن‪ {:‬يَسْأَلُو َنكَ عَنِ ا ْل َ‬
‫وَا ْلمَيْسِرِ‪[} ..‬البقرة‪]219 :‬‬
‫{ وَيَسْأَلُو َنكَ مَاذَا يُنفِقُونَ‪[} ..‬البقرة‪]219 :‬‬
‫{ َيسْأَلُو َنكَ عَنِ الَهِلّةِ‪[} ..‬البقرة‪]189 :‬‬
‫{ وَيَسْأَلُو َنكَ عَنِ ا ْلجِبَالِ‪[} ..‬طه‪]105 :‬‬
‫حكَم ما كانت لتحدث لو نزل‬
‫حكَم بالغة يجب تدبّرها‪ ،‬هذه ال ِ‬
‫إذن‪ :‬وراء نزول القرآن مُفرّقا مُنجّما ِ‬
‫القرآن جمل ًة واحدةً‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ُ } :‬قلْ آمِنُواْ ِبهِ َأ ْو لَ ُت ْؤمِنُواْ‪.{ ...‬‬

‫(‪)2119 /‬‬
‫ُقلْ َآمِنُوا بِهِ َأوْ لَا ُت ْؤمِنُوا إِنّ الّذِينَ أُوتُوا ا ْلعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَ ْيهِمْ يَخِرّونَ لِلَْأ ْذقَانِ سُجّدًا (‪)107‬‬

‫قوله تعالى‪ُ { :‬قلْ آمِنُواْ بِهِ َأوْ لَ ُت ْؤمِنُواْ‪[ } ..‬السراء‪ ]107 :‬آمنوا‪ :‬أمر‪ ،‬ول تؤمنوا‪َ :‬نهْي‪.‬‬
‫والمر والنهي نوعان من الطلب‪ ،‬والطلب أن تطلب من الدنى أن يفعل‪ ،‬والنهي أنْ تطلبَ من‬
‫الدنى ألّ يفعل‪ ،‬فإنْ كان الطلب من مُساو لك فهو التماس‪ ،‬وإنْ كان من أعلى منك فهو دعاء‪.‬‬
‫غفِ ْر وَارْحَمْ) يقول‪ :‬اغفر فعل أمر‪ ،‬نقول له‪ :‬أنت سطحيّ‬
‫لذلك حينما نقول للطالب أعرب‪َ ( :‬ربّ ا ْ‬
‫العبارة؛ لن المر هنا من الدنى للعلى‪ ،‬من العبد لربه تبارك وتعالى‪ ،‬فل يقال‪ :‬أمر‪ ،‬إنما يقال‪:‬‬
‫دعاء‪.‬‬
‫والطاعة أن تمتثل المر والنهي‪ ،‬فهل نقول في قوله تعالى‪ُ { :‬قلْ آمِنُواْ بِهِ َأوْ لَ ُت ْؤمِنُواْ‪} ..‬‬
‫[السراء‪ ]107 :‬أنها للتخيير‪ ،‬فإنْ آمنوا فقد أطاعوا‪ ،‬وكذلك إنْ لم يؤمنوا فقد أطاعوا أيضا؟‬
‫نقول‪ :‬المر والنهي هنا ل يُراد منه الطلب‪ ،‬بل يراد به التهديد أو التسوية كما تقول لبنك حين‬
‫تلحظ عليه الهمال‪ :‬ذاكر أو ل تذاكر‪ ،‬أنت حر؛ لشك أنك ل تقصد النهي عن المذاكرة‪ ،‬بل‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫تقصد تهديده وحثّه على المذاكرة‪.‬‬
‫فقوله‪ُ { :‬قلْ آمِنُواْ بِهِ َأ ْو لَ ُت ْؤمِنُواْ‪[ } ..‬السراء‪ ]107 :‬للتسوية‪ ،‬كما قال‪َ {:‬فمَن شَآءَ فَلْ ُي ْؤمِن َومَن‬
‫شَآءَ فَلْ َيكْفُرْ‪[} ..‬الكهف‪]29 :‬‬
‫فهذا ليس أمرا بحيث أن الذي يفعل المر أو النهي يكون طائعا‪ ،‬بل المراد هنا التهديد أو التسوية‪،‬‬
‫فسواء آمنوا أو كفروا؛ لن الحق سبحانه جعل في ذلك عزاءً لرسوله صلى ال عليه وسلم في‬
‫إيمان أهل الكتاب‪.‬‬
‫{ إِنّ الّذِينَ أُوتُواْ ا ْلعِلْمَ مِن قَبْلِهِ‪[ } ..‬السراء‪ ]107 :‬أي‪ :‬اليهود والنصارى الذين ارتاضوا بالكتب‬
‫السماوية‪ ،‬واستمعوا للتوارة والنجيل‪ ،‬ونقلوها إلى غيرهم من المعاصرين للقرآن فهؤلء شاهدون‬
‫حقّ بما عندهم من بشارة به في التوراة والنجيل؛ لذلك يتركون دينهم ويسارعون‬
‫بأن الرسول َ‬
‫إلى السلم؛ لنهم يعلمون عِلْم اليقين أنه الدين الحق‪.‬‬
‫ومن هؤلء عبد ال بن سلم‪ ،‬وكان من علماء اليهود‪ ،‬وكان يعلم أوصاف رسول ال وزمن‬
‫َبعْثته؛ لذلك قال‪ :‬لقد عرفته حين رأيته كمعرفتي لبني‪ ،‬ومعرفتي لمحمد أشدّ‪.‬‬
‫ولما اختمر السلم في نفسه ذهب إلى رسول ال وصارحه بما نوى من اعتناق السلم‪ ،‬وقال‪" :‬‬
‫يا رسول ال إن اليهود قوم ُب ْهتٌ فإن أعلنتُ إسلمي الن قالوا فيّ ما ليس فيّ‪ ،‬فاسألهم عني وأنا‬
‫ما زلت على دينهم‪ ،‬وانظر ما يقولون‪ ،‬فسألهم رسول ال‪ :‬ما تقولون في ابن سلم؟ فقالوا‪ :‬حَبْرنا‬
‫وابن حَبْرنا‪ ،‬ووصفوه بخير الصفات‪ ،‬وأطيب الخصال‪ ،‬فقال عبد ال‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬أما وقد قالوا‬
‫فيّ ما قالوا فأشهد أل إله إل ال وأنك رسول ال‪ ،‬فإذا بهم يذمونه ويتهمونه بأخسّ الخصال‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫يا رسول ال ألم َأ ُقلْ لك إنهم قوم ُب ْهتٌ "‪.‬‬

‫إذن‪ :‬ففي إيمان عبد ال بن سلم وغيره من اليهود والنصارى الذين عرفوا رسول ال بأوصافه‬
‫في كتبهم وعرفوا موعد بعثته وأنه حق‪ ،‬في إيمان هؤلء عَزَاءٌ لرسول ال حين كفر به قومه‬
‫شهِيدا بَيْنِي وَبَيْ َنكُ ْم َومَنْ عِن َدهُ عِ ْلمُ ا ْلكِتَابِ }[الرعد‪]43 :‬‬
‫وكذّبوه لذلك قال تعالى‪ُ {:‬قلْ َكفَىا بِاللّهِ َ‬
‫ونحن ُمكْتفون بشهادة هؤلء؛ لنهم قوم صادقون مع أنفسهم‪ ،‬صادقون مع أنبيائهم ومع كتبهم التي‬
‫تلقوْهَا‪ ،‬فحينما بشّرت بمحمد ووصفته لم ينكروا هذه الصفات ولم يُحرّفوها‪ ،‬بل كانوا يسارعون‬
‫إلى المدينة انتظارا لمبعث النبي الجديد الذي سيظهر فيها‪ ،‬لقد كانوا يقولون لكفار مكة‪ :‬لقد أظلّ‬
‫زمان نبي جديد نتبعه قبلكم‪ ،‬ونقتلكم به قَتْل عاد وإرم‪.‬‬
‫{ فََلمّا جَآءَ ُهمْ مّا عَ َرفُواْ َكفَرُواْ بِهِ فََلعْنَةُ اللّهِ عَلَى ا ْلكَافِرِينَ }[البقرة‪ ]89 :‬إل أن ال أبقى للحق‬
‫خلية‪ ،‬وجعل له خميرة استجابت لرسول ال‪ ،‬وتفاعلت مع الدين الجديد‪.‬‬
‫سجّدا‬
‫ل ْذقَانِ ُ‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬إِذَا يُ ْتلَىا عَلَ ْيهِمْ‪[ { ..‬السراء‪ ]107 :‬أي‪ :‬القرآن } يَخِرّونَ لِ َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫{ [السراء‪]107 :‬‬
‫كلمة } يَخِرّونَ { توحي بأنهم يسارعون إلى السجود‪ ،‬وكأنها عملية انفعالية غير إرادية ليس لهم‬
‫فيها تصرّف‪ ،‬فبمجرد سماع القرآن يرتمون على الرض ساجدين؛ لنهم تفاعلوا معه‪ ،‬واختمر‬
‫اليمان في نفوسهم‪ .‬ليس ذلك وفقط‪ ،‬بل ويخرون } لِلَ ْذقَانِ { جمع َذقَن‪ ،‬وهي أسفل ال َفكّ السفلي‪،‬‬
‫ومعلوم أن السجود يكون على الجبهة‪ ،‬أما هؤلء فيسجدون بالوجه كله‪ ،‬وهذا دليل على الخضوع‬
‫والستسلم ل تعالى‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ } :‬وَ َيقُولُونَ سُبْحَانَ رَبّنَآ‪.{ ...‬‬

‫(‪)2120 /‬‬
‫ن وَعْدُ رَبّنَا َل َم ْفعُولًا (‪)108‬‬
‫وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبّنَا إِنْ كَا َ‬

‫أي‪ :‬يقولون حال سجودهم‪ :‬سبحان ربنا الذي َوفّى بوعده في التوراة والنجيل‪ ،‬وبعث الرسول‬
‫الخاتم ومعه القرآن‪ ،‬سبحانه حقق لنا وَعْده وأدركناه وآمنا به‪ ،‬وكأن هذه نعمة يحمدون ال عليها‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه عنهم‪ { :‬وَيَخِرّونَ لِلَ ْذقَانِ يَ ْبكُونَ‪.} ...‬‬

‫(‪)2121 /‬‬
‫خشُوعًا (‪)109‬‬
‫ن وَيَزِيدُ ُهمْ ُ‬
‫وَيَخِرّونَ لِلْأَ ْذقَانِ يَ ْبكُو َ‬

‫لقد خَرّوا ساجدين ل تعالى قبل ذلك لنهم أدركوا القرآن الذي نزل على محمد‪ ،‬وتحقّق لهم وعد‬
‫ال فعاصروه وآمنوا به‪ .‬أما هذه المرة فيخرون ساجدين لما سمعوا القرآن تفصيلً وانفعلوا به‪،‬‬
‫فيكون له انفعال آخر‪ ،‬لذلك يزيد هنا الخشوع والخضوع‪ ،‬فيقول‪ { :‬وَيَخِرّونَ لِلَ ْذقَانِ يَ ْبكُونَ‪} ...‬‬
‫[السراء‪ ]109 :‬فكلما قرأوا آية ازدادوا بها خشوعا وخضوعا‪.‬‬
‫سمَآءَ‬
‫حمَـانَ أَيّا مّا َتدْعُواْ فَلَ ُه الَ ْ‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ُ { :‬قلِ ادْعُواْ اللّهَ َأوِ ادْعُواْ الرّ ْ‬
‫حسْنَىا‪.} ...‬‬
‫الْ ُ‬

‫(‪)2122 /‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫جهَرْ ِبصَلَا ِتكَ وَلَا ُتخَا ِفتْ ِبهَا‬
‫حسْنَى وَلَا َت ْ‬
‫سمَاءُ الْ ُ‬
‫حمَنَ أَيّا مَا تَدْعُوا فََلهُ الْأَ ْ‬
‫ُقلِ ادْعُوا اللّهَ َأوِ ادْعُوا الرّ ْ‬
‫وَابْتَغِ بَيْنَ َذِلكَ سَبِيلًا (‪)110‬‬

‫{ ادْعُواْ } اذكروا‪ ،‬أو نادوا‪ ،‬أو اطلبوا { اللّهَ } عَلَم على واجب الوجود سبحانه‪ ،‬ومعنى‪ :‬علم على‬
‫واجب الوجود أنها إذا ُأطِْل َقتْ انصرفتْ للذات الواجبة الوجود وهو الحق سبحانه‪ ،‬كما نُسمّي‬
‫شخصا‪ ،‬فإذا ُأطْلِق السم ينصرف إلى المسمّى‪.‬‬
‫والسماء عندنا أنواع كثيرة‪ :‬إما اسم‪ ،‬أو كُنْية‪ ،‬أو َلقَب‪.‬‬
‫السم‪ :‬وهو أغلب العلم‪ ،‬ويُطلَق على المولود بعد ولدته ويُعرَف المولود به‪.‬‬
‫والكُنْية‪ :‬وتُطلَق على النسان‪ ،‬وتُسبَق بأب أو أم أو ابن أو بنت‪ ،‬كما نقول‪ :‬أبو بكر‪ ،‬وأم‬
‫المؤمنين‪.‬‬
‫شعِر بالمدح أو الذم‪ ،‬كما نقول‪ :‬الصّديق‪ ،‬الشاعر‪ ،‬الفاروق‪.‬‬
‫واللقب‪ :‬وصف يُ ْ‬
‫فإذا كان السم معه شريك غيره ل ُبدّ لتمييزه من َوصْفه َوصْفا ُيعْرف به‪ ،‬كما يحدث أن يألف‬
‫شخص أن يسمي أولده جميعا‪ :‬محمد فالتسمية في هذه الحالة ل تُشخّص ول تُعيّن المسمّي؛ لذلك‬
‫ل ُبدّ أن نصف كل واحد منهم بصفة فنقول‪ :‬محمد الكبير‪ ،‬محمد الصغير‪ .‬محمد المهندس‪ .‬فإذا‬
‫أُطلِق السم بصفته ينصرف إلى شخص معين‪.‬‬
‫سمّى نفسه بأسمائه التي قال عنها‪ :‬السماء‬
‫وإذا كُنّا نحن نُسمّي أولدنا‪ :‬فإن الحق سبحانه َ‬
‫حسْنى‪ ،‬وكلمة (حُسْنى) أفعل تفضيل للمؤنث‪ ،‬مثل‪ :‬كبرى‪ .‬والمذكر منها أحسن‪ .‬لكن لماذا‬
‫ال ُ‬
‫َوصَف أسماءه تعالى بالحسنى؟‬
‫السم يُبيّن المسمّي‪ ،‬لكن السماء عند البشر قد ل تنطبق على المسمّى الذي أُطلقت عليه‪ ،‬فقد‬
‫ن في‬
‫نُسمّي شخصا " سعيد " وهو شقي‪ ،‬أو نسمي شخصا " ذكي " وهو غبي‪ .‬وهذا ليس بحَس ٍ‬
‫السماء‪ ،‬الحسَن في السم أنْ يطابق السم المسمّى‪ ،‬ويتوفّر في الشخص الصفة التي أُطلِقت عليه‪،‬‬
‫فيكون الشخص الذي سميناه " سعيد " سعيدا فعلً‪.‬‬
‫سمّى‬
‫حسْن العلى؛ لن الحُسن العلى لسماء ال التي َ‬
‫وهكذا يكون السم حسنا‪ ،‬لكنه ل يأخذ ال ُ‬
‫بها نفسه‪ ،‬فله الكمال المطلق‪.‬‬
‫فهذه ـ إذن ـ ل تتأتّى في تسمية البشر‪ ،‬فكثيرا ما تجد " عادل " وهو ظالم‪ ،‬و " شريف " وليس‬
‫لفَشَارِع ك ِعمَادِ‬
‫بشريف؛ لذلك قلنا‪:‬وََأقْبَحُ الظّلْمَ َبعْد الشّ ْركِ منزلةً أنْ يظلم اسمٌ مُسمّى ضِدّه جُع َ‬
‫س ّموْا الشارع (عماد‬
‫جعِلَفالسم قد يظلم المسمّى كما حدث أنْ َ‬
‫سمِية لكِنْه ِلعِنَادِ الدّينِ قَدْ ُ‬
‫الدين َت ْ‬
‫الدين)‪ ،‬وهذا الشارع كان في الماضي ُبؤْرَة للفِسْق والفجور‪ ،‬وما أبعده سابقا عن هذه التسمية‪.‬‬
‫فلفظ الجللة (ال) عَلَم على واجب الوجود‪ ،‬وبعد ذلك جاءت صفات غلبت عليه‪ ،‬بحيث إذا أُطِلقَتْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ل تنصرف إل إليه‪ .‬فإذا قُلْنا‪ :‬العزيز على إطلقه فإنها ل تنصرف إل ل تعالى‪ ،‬لكن يمكن أن‬
‫نقول فلن العزيز في قومه‪ ،‬فلن الرحيم بمَنْ معه‪ ،‬فلن النافع لمَنْ يتصل به‪ ،‬إنما لو قُلْت‪ :‬النافع‬
‫على إطلقه فهو ال سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫ت ل تنصرف إل ل تعالى‪ ،‬فأسماءُ‬
‫لذلك؛ حَّلتْ الصفات محلّ اسم الذات { اللّهَ }؛ لنها إذا أُطِْل َق ْ‬
‫حسْنى هي في الصل صفات له سبحانه‪.‬‬
‫ال ال ُ‬
‫ولو تأملنا هذه السماء لوجدناها على قسمين‪ :‬أسماء ذات‪ ،‬وأسماء صفات فعلية‪ ،‬اسم الذات ل‬
‫يتصف ال بمقابله‪ ،‬فالعزيز مثلً اسم ذات فل نقول في مقابله الذليل‪ ،‬والحيّ اسم ذات فل نقول‪:‬‬
‫الميت‪ .‬أما اسم الصفة الفعلية فيكون له مقابل‪ ،‬فالمعزّ صفة فعل يعني ُيعِزّ غيره‪ ،‬ومقابلها المذلّ‪،‬‬
‫والضّارّ مقابلها النافع‪ ،‬والمحيي مقابلها المميت وهكذا‪ ..‬إنْ وجدتَ للسم مقابلً فاعلم أنه اسمٌ‬
‫لصفة الفعل من ال تعالى‪ ،‬وإذا لم يكن له مقابل فهو اسم ذات‪.‬‬
‫لكن تقف مثلً عند السّتّار وهي صفة فعل لنه يستر غيره‪ ،‬لكن ليس لها مقابل فل نقول الفضّاح‪،‬‬
‫لماذا؟ لنه تبارك وتعالى يريد أنْ يتخلق خَلْقه بهذه الصفة‪ ،‬وأنْ يُربّب صفة الستر عند الناس‬
‫للناس‪ ،‬فلو علم الناس‪ ،‬عن أحد أمرا فاضحا لزهدوا في كل ما يأتي من عنده ولو كان حسنة‪،‬‬
‫وبذلك يُحرَم المجتمع من طاقات كثيرة من الخير‪.‬‬
‫لكن حين تستر على صاحب العيب عيبه‪ ،‬فإنك تعطي للمجتمع فرصة لينتفع بما لديه من صفات‬
‫الخير؛ لذلك ال تعالى يُعصَى ويحب أن يُستَر على عبده العاصي؛ لكي يستمر دولب الحياة؛ لنه‬
‫ط َومَنْ‬
‫ل يوجد أحد له كمال إل النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وصدق القائل‪:‬مَنْ ذَا الذِي مَا سَاءَ قَ ّ‬
‫لَهُ الحُسْنى َفقَطْإذن‪ :‬فمن الحكمة أن يأمر ال تعالى بستر غَيْب خَلْقه عن خَلْقه حتى تستمر حركة‬
‫الحياة؛ لن النسان ابنُ أغيار‪ ،‬وقلبه سريعا ما يتقلب‪ ،‬ولربما لو عرفتُ عنك شيئا مستورا‬
‫لتغيّ ْرتُ لك وأنت كذلك‪ ،‬ولربما تقطعت بيننا حبال المودة‪ ،‬إنما بالستر ينتفع ُكلّ مِنّا بالخر‪.‬‬
‫ومن هنا قالوا‪ :‬لو تكاشفتم ما تدافنتم‪ ،‬أي‪ :‬لو تكشفتْ السرار‪ ،‬وعرف ُكلّ منكم عَيْب أخيه ما‬
‫دفنتم مَنْ يموت منكم‪ ،‬وهذا منتهى ما يمكن تصوّره من التقاطع بين الناس‪.‬‬
‫فقوله تعالى‪ُ } :‬قلِ ادْعُواْ اللّهَ‪[ { ..‬السراء‪ ]110 :‬فاختار هذا السم بالذات } اللّهَ { العَلَم على‬
‫واجب الوجود‪ ،‬وهو اسم ذات ل يدلُ على صفة معينة‪ ،‬لكنه يحمل في طياته كل صفات الكمال‬
‫فيه‪ ،‬فإنْ كانت للسماء الخرى مجالت‪ ،‬فالقادر في القدرة‪ ،‬والحكيم في الحكمة‪ ،‬والقابض في‬
‫القبض‪ ،‬والعزيز في العِزّة‪ .‬فإن لكل اسم مجالً وسيالً‪ ،‬فإن } اللّهَ { هو السم الجامع لكل‬
‫الصفات‪.‬‬
‫لذلك في الحديث النبوي الشريف‪ُ " :‬كلّ شيء ل يُبدأ باسم ال فهو أبتر "‪.‬‬
‫ي فعل تحتاج أولً إلى حكمة لتعرف من خللها لماذا تفعل‪ ،‬وتحتاج‬
‫لماذا؟ لنك حين تُقدِم على أ ّ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إلى قدرة تُعينك على إنجازه‪ ،‬وتحتاج إلى علم بمصير هذا الفعل وعاقبته‪ ،‬إذن‪ :‬تحتاج إلى صفات‬
‫كثيرة‪ ،‬فحين تُقبِل على العمل ل َتقُل‪ :‬يا حكيمُ يا قادرُ يا عليمُ‪ ،‬إنما الحق سبحانه يُريحك‪ ،‬ويكفي‬
‫أن تقولَ في القدام على الفعل‪ :‬باسم ال‪.‬‬
‫لنك ذكرتَ السم الجامع لكلّ صفات الكمال‪.‬‬
‫حمَـانَ‪[ { ..‬السراء‪ ]110 :‬واختار الرحمن دون الجبار أو القهار؛ لن الرحمة‬
‫} َأوِ ادْعُواْ الرّ ْ‬
‫صفة التحنين للخلق‪ ،‬فالحق سبحانه وتعالى يُظهِر هذه الصفة لعباده حتى في أسماء الجبار‬
‫والقهار؛ لنها من خَدَم الرحمة ومن أسبابها؛ لن العبد إذا عرف ل‪ :‬صفة الجبروت‪ ،‬وصفة‬
‫القهر‪ ،‬وصفة النتقام انتهى عن أسباب الوقوع تحت طائلة هذه الصفات‪ ،‬فكأنه يرحم عباده حتى‬
‫بصفات القهر والنتقام‪.‬‬
‫ومن هذا قول الحق تبارك وتعالى‪ {:‬وََلكُمْ فِي ا ْلقِصَاصِ حَيَاةٌ ياأُولِي الَلْبَابِ‪[} ..‬البقرة‪ ]179 :‬لنه‬
‫إذا علم القاتل أنه سيُقتل انتهى عن القتل‪ .‬وفي الثر‪ " :‬القتل أ ْنفَى للقتل "‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فتشريع القصاص وإقامة الحدود والعقوبات ل لتعذيب الخلق‪ ،‬وإنما رحمة بهم حتى يقفوا‬
‫بعيدا عن ارتكاب ما يُوجِب القصاص أو الحد أو العقوبة‪ ،‬حتى الذي يقهره ال مرحوم أيضا؛ لنه‬
‫ما دام قال‪ :‬أنا قهار‪ .‬فاحذرني‪ ،‬فهو بذلك يرحمه لنه يُحذّره من أسباب الوقوع فيما يستوجب‬
‫غضبه وانتقامه‪.‬‬
‫حمَـانَ { لن مجال التكليف كله الرحمة‪ ،‬وما نزل المنهج من ال إل‬
‫وكذلك اختار اسم } الرّ ْ‬
‫لينظم حياة الناس ويُحقّق لهم السعادة في حركة الحياة‪ ،‬فيتكامل الخَلْق فيما بينهم‪ ،‬ويتعاونون‪،‬‬
‫ويتساندون ول يتعاندون‪ ،‬ويكونون جميعا على قلب رجل واحد‪ ،‬هذه غاية المنهج اللهيّ في دنيا‬
‫الناس أنْ يعيشَ المجتمع المسلم آمنا سالما‪.‬‬
‫سمَة العامة‪َ ،‬ألَ ترى قوله تعالى‪{:‬‬
‫فالرحمانية اللهية هي الغالبة في كل التشريع‪ ،‬وهي ال ّ‬
‫حمَـانُ * عَلّمَ ا ْلقُرْآنَ }[الرحمن‪]2-1 :‬‬
‫الرّ ْ‬
‫فالقرآن الذي نزل لِيُنظّم حياة الناس ويحكمها‪ ،‬ويصلح حركة الحياة‪ ،‬ويضع السلم بينك وبين ال‪،‬‬
‫وبينك وبين نفسك‪ ،‬وبينك وبين الناس‪ ،‬هذا القرآن مظهر من مظاهر هذه الرحمانية اللهية‪.‬‬
‫وقد اعترض بعض المستشرقين على قوله تعالى في سورة الرحمن‪ {:‬فَبَِأيّ آلءِ رَ ّب ُكمَا ُتكَذّبَانِ }‬
‫شوَاظٌ مّن نّارٍ‬
‫سلُ عَلَ ْي ُكمَا ُ‬
‫[الرحمن‪ ]13 :‬واللء هي النعم‪ ،‬وأنها جاءت تذييلً لقوله تعالى‪ {:‬يُرْ َ‬
‫وَنُحَاسٌ فَلَ تَن َتصِرَانِ }[الرحمن‪ ]35 :‬فالية تتحدث عن النار والشواظ‪ ،‬فكيف تُختم هذه الخاتمة‬
‫التي تدلّ على النعمة؟‬
‫ولو تدبّر القوم ما اعترضوا؛ لن في الناس والتحذير منها والتخويف بها نعمة‪ ،‬كأن القرآن يقول‬
‫ن تفعل ما يُوجِب النار والشّواظ فتقلع وترتدع من قريب‪ ،‬أليست هذه من نعم ال على‬
‫لك‪ :‬إياك أ ْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عباده؟ أليست رحمة بهم؟ وماذا كنتم ستقولون إنْ لم يُقدّم لكم الحق سبحانه تحذيرا وإنذارا‪ ،‬ثم‬
‫فاجأكم بالعذاب؟‬
‫حمَـانَ { في قوله تعالى‪ {:‬ثُمّ اسْ َتوَىا عَلَى‬
‫ونقف على لطيفة أخرى لستخدام اسم ال } الرّ ْ‬
‫حمَـانُ فَسْ َئلْ بِهِ خَبِيرا }[الفرقان‪]59 :‬‬
‫ا ْلعَرْشِ الرّ ْ‬
‫أي‪ :‬بعد أن خلق الخَلْق كل بسمائه وأرضه وما فيهما استوى على العرش؛ لن الستواء على‬
‫العرش يعني أن كل شيء تَمّ له سبحانه خَلْقا وإيجادا‪ ،‬وانتهى إلى الجلوس على العرش‪ ،‬وهذا‬
‫تمثيل بالملوك الذين ل يجلسون على العرش إل بعد أنْ يستتبّ لهم المر‪ ،‬فجلوس الملك على‬
‫العرش يعني أنه الوحد الذي ل يعارضه أحد‪.‬‬
‫حمَـانُ فَسْ َئلْ بِهِ خَبِيرا }[الفرقان‪]59 :‬‬
‫فالحق سبحانه ينبهنا بقوله‪ُ {:‬ثمّ اسْ َتوَىا عَلَى ا ْلعَرْشِ الرّ ْ‬
‫واختار صفة الرحمة لِيُوحِي لنا أن قعوده على العرش ل يعني ال َقهْر والجبروت‪ ،‬إنما قعد على‬
‫عرشه رحمةً بكم‪ ،‬قعد على العرش ليُنظّم حياتكم‪ ،‬ويرحم بعضكم ببعض‪ ،‬فتسعدوا بالحياة‪،‬‬
‫فالستواء هنا ل استواءَ قهر وغلبة‪ ،‬بل استواء رحمة لمصلحتكم أنتم‪.‬‬
‫حمَـانُ عَلَى ا ْلعَرْشِ اسْ َتوَىا }[طه‪]5 :‬‬
‫وفي آية أخرى قال‪ {:‬الرّ ْ‬
‫وقد ورد استواؤه سبحانه على العرش في سبعة مواضع في كتاب ال‪ ،‬نظمها الناظم في‬
‫عدُ ِد َففِي سُورَة العرافِ‬
‫قوله‪:‬وَذكْـرُ اسـتواء ال في كَلمـاتِهِ علَى العَرْشِ فِي سَبْع مَواضِعَ فَا ْ‬
‫ثمة يُونُس وفي الرعْدِ مع طَه فلْل َعدّ أك ِد َوفِي سُـورة الفـرْقانِ ثمة سـجْدة كَذَا فِي الحديدِ ا ْف َهمُوا‬
‫خوّف عباده‬
‫َفهْم مؤيّدوكل صفة من صفات جلله سبحانه إنما هي في خدمة رحمانيته‪ ،‬لنه ُي َ‬
‫بصفات الجلل حتى ل يقعوا في المخالفة‪ ،‬فيأخذوا نعمة ال في الدنيا‪ ،‬ويسعدوا بها‪ ،‬ويأخذوا نعيم‬
‫الخرة فيسعدوا بها‪ ،‬فهي ـ إذن ـ الرحمانية المستولية والسمة العامة لمنهج ال في الدنيا‬
‫والخرة‪.‬‬
‫وفي الحديث " في آخر ليلة من رمضان يتجلى الجبار بالمغفرة‪ " ..‬ولم يقُلْ‪ :‬تجلى الغفار‬
‫بالمغفرة‪ ،‬فلماذا آثر صفة الجبار في مجال المغفرة؟‬
‫قالوا‪ :‬لن المغفرة تُوحِي بوجود ذنب‪ ،‬والذنب يقتضي العقوبة‪ ،‬وهذه من اختصاص صفة الجبار‪،‬‬
‫ت صفة الغفار على صفة الجبار‪ ،‬وأخذت اختصاصها؟ ل بل تشفع صفة الغفار عند‬
‫فهل تغلّب ْ‬
‫صفة الجبار‪ :‬الموقف لكِ أيتها الصفة‪ ،‬لكن نستسمحك في أن نشفع في هؤلء‪ ،‬فكأن صفات‬
‫الجمال تشفع عند صفات الجلل‪.‬‬
‫لذلك‪ ،‬فالذين يُفسّرون الحديث يقولون‪ :‬شفع المؤمنون‪ ،‬وشفع النبياء‪ ،‬وشفعت الملئكة‪ ،‬وبقيت‬
‫شفاعة أرحم الراحمين فعند مَنْ سيشفع أرحم الراحمين؟ قالوا‪ :‬تشفع ذاته عند ذاته‪ ،‬وهكذا تشفع‬
‫صفة الجمال (الغفار) عند صفة الجلل (الجبار) تبارك وتعالى‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫حسْنَىا‪..‬‬
‫سمَآءَ الْ ُ‬
‫حمَـانَ أَيّا مّا َتدْعُواْ فَلَ ُه الَ ْ‬
‫ثم يقول تعالى‪ُ } :‬قلِ ادْعُواْ اللّهَ َأوِ ادْعُواْ الرّ ْ‬
‫{ [السراء‪ ]110 :‬فأيّ اسم تدعو به لن أسماءه كلها حُسْنى‪ ،‬لكن ليكُنْ عندك ذكاء في الدعاء‪،‬‬
‫ن كنتَ ضعيفا فقُلْ‪ :‬يا قوي‬
‫فتدعو بما يناسب حاجتك‪ ،‬فإنْ أردت عِلْما ف ُقلْ‪ :‬يا عالم علّمني‪ ،‬وإ ْ‬
‫َقوّني‪ ،‬وإنْ أردتَ العزة َف ُقلْ‪ :‬يا عزيز أعِزّني وهكذا‪ ..‬فإن أردتَ الختصار ف ُقلْ‪ :‬يا ال‪ .‬تكفيك‬
‫كل شيء‪.‬‬
‫ك َولَ ُتخَا ِفتْ ِبهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذاِلكَ سَبِيلً { [السراء‪]110 :‬‬
‫جهَرْ ِبصَلَ ِت َ‬
‫ثم يقول تعالى‪َ } :‬ولَ تَ ْ‬
‫جهَرْ { فالجهر منهيّ عنه‪ ،‬وكذلك } وَلَ ُتخَا ِفتْ { أي‪:‬‬
‫الصلة يراد بها كل أعمال الصلة } َولَ تَ ْ‬
‫ل ُتسِرّها بحيث ل َيسْمعك من خلفك‪ ،‬وهذا منهيّ عنه أيضا‪.‬‬
‫فكِلَ الطرفين مذموم‪ ،‬وخَيْر المور الوسط‪.‬‬
‫ونُوضّح هنا‪ :‬إذا كان الجهر بالصلة منهيّا عنه فارتفاع الصوت عاليا من باب َأوْلَى‪ ،‬فل يليق أبدا‬
‫َرفْع الصوت بالصلة‪ ،‬ثم استعمال الميكروفونات أيضا‪ ،‬وما تُسبّبه من إزعاج للناس‪.‬‬
‫حمُونَ }[العراف‪:‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى يقول‪ {:‬وَإِذَا قُرِىءَ ا ْلقُرْآنُ فَاسْ َت ِمعُواْ لَ ُه وَأَنصِتُواْ َلعَّلكُمْ تُرْ َ‬
‫‪]204‬‬
‫فأنت حين ترفع صوتك بالقرآن‪ ،‬وخاصة في الميكروفون تلزم الناس بالنصات‪ ،‬وتُوقِعهم في‬
‫الثم والحرج‪ ،‬أو تعطل مصالحهم‪ ،‬ولعل غيرك في هذا الوقت يريد أن يقرأ هو الخر‪ ،‬أو‬
‫يستغفر‪ ،‬أو يُسبّح أو يصلي‪ ،‬فكيف تجعل المر المندوب عندك حاكما على غيرك؟ هذا ل يجوز‪،‬‬
‫بل اترك الناس وشئونهم فكل منهم حُرّ فيما ينتفّل به‪ ،‬ول تكُنْ من الذين قال ال في حقهم‪ُ {:‬قلْ‬
‫سعْ ُيهُمْ فِي ا ْلحَيَاةِ الدّنْيَا وَهُمْ َيحْسَبُونَ أَ ّنهُمْ ُيحْسِنُونَ‬
‫ضلّ َ‬
‫ن َ‬
‫عمَالً * الّذِي َ‬
‫خسَرِينَ أَ ْ‬
‫َهلْ نُنَبّ ُئكُم بِالَ ْ‬
‫صُنْعا }[الكهف‪]104-103 :‬‬
‫كالذي يُشعِل الميكروفون قبل صلة الفجر‪ ،‬ويأخذ في إنشاد كلم ما نزل به الشرع‪ ،‬يزعج به‬
‫الناس‪ ،‬ويُقلق به المريض‪ ،‬ول يراعي للناس حُرْمة‪ .‬فمتى يفيق المسلمون؟ ومتى ينتبهون إلى‬
‫هذه البدع التي تُشوّش على الناس وتُفسِد عليهم عبادتهم؟‬
‫أما إنْ كان َرفْع الصوت بالقرآن لغرض دنيوي ومكْسَب شخص‪ ،‬وأن نجعل المر َمعْرضا‬
‫للصوات‪ ،‬و ِمضْمارا للسباق‪ ،‬إنْ كان المر استغللً للدين لحساب الدنيا والعياذ بال‪ ،‬فقد دخل‬
‫صاحبه في شريحة أخرى من الثم‪ ،‬عافانا ال وإياكم‪.‬‬
‫والحق سبحانه يقول‪ } :‬وَابْتَغِ بَيْنَ ذاِلكَ سَبِيلً { [السراء‪]110 :‬‬
‫أي‪ :‬بين الجهر والسرار‪ ،‬واسلك سبيل الوسطية التي جاء بها الشرع‪ ،‬وتأسّ برسول ال صلى‬
‫ل فوجد أبا بكر ـ رضي ال عنه ـ يقرأ‪ ،‬ول يكاد‬
‫ال عليه وسلم حينما كان يتفقد الصحابة لي ً‬
‫يسمع صوته‪ ،‬فلما سأله‪ .‬قال‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬أناجي ربي وهو عالم بي‪ ،‬فلما ذهب إلى عمر ـ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫رضي ال عنه ـ وجده يقرأ بصوت عالٍ‪ ،‬فلما سأله قال‪ :‬يا رسول ال أزجر به الشيطان‪ .‬عندها‬
‫أمر صلى ال عليه وسلم أبا بكر أنْ يرفع صوته قليلً‪ ،‬وأمر عمر أن يخفض صوته قليلً‪.‬‬
‫وهذا العتدال وهذه الوسطية ُأمِرْنَا بها حتى في الدعاء‪ ،‬كما جاء في قوله تعالى‪ {:‬وَا ْذكُر رّ ّبكَ فِي‬
‫جهْرِ مِنَ ا ْل َق ْولِ }[العراف‪]205 :‬‬
‫سكَ َتضَرّعا َوخِيفَةً وَدُونَ الْ َ‬
‫َنفْ ِ‬
‫فكلمة‪ } :‬بَيْنَ ذاِلكَ‪[ { ..‬السراء‪ ]110 :‬البينية هذه تكاد تشيع في كل أحكام الدين؛ لن القرآن جاء‬
‫لمة وسط بالمور الوسط في كل شئون الحياة‪ ،‬ففي قمة المسائل وهي المور ال َعقَدية مثلً يقف‬
‫السلم موقفَ الوسطية بين مَنْ يُنكِرون وجود الله ومن يقول بآلهة متعددة‪ ،‬فينفي هذه وهذه‬
‫ويقول بوجود إله واحد أحد ل شريكَ له‪.‬‬
‫وفي النفاق يختار الوسط‪ ،‬فيقول‪ {:‬وَالّذِينَ إِذَآ أَن َفقُواْ َلمْ يُسْ ِرفُو ْا وَلَمْ َيقْتُرُواْ َوكَانَ بَيْنَ ذَِلكَ َقوَاما }‬
‫[الفرقان‪]67 :‬‬
‫وبذلك ضمن لهله نظاما اقتصاديا ناجحا يُثري حياة الجماعة‪ ،‬ويَ ْرقَى بحياة الفرد‪ ،‬وقد لخّص هذا‬
‫سطِ فَ َت ْقعُدَ‬
‫طهَا ُكلّ الْبَ ْ‬
‫ك َولَ تَ ْبسُ ْ‬
‫ج َعلْ يَ َدكَ َمغْلُولَةً إِلَىا عُ ُن ِق َ‬
‫المنهج القتصادي في قوله تعالى‪َ {:‬ولَ تَ ْ‬
‫مَلُوما مّحْسُورا }[السراء‪ ]29 :‬فالممسك المقتّر الذي يقبض يده على النفاق يتسبّب في رُكود‬
‫البضائع وتوقف حركة الحياة‪ ،‬وهذا خطر على المجتمع‪ ،‬وفي التبذير خطر على الفرد حيث ينفق‬
‫كل مَا معه‪ ،‬ول يُبقي على شيء يرتقي به في الحياة‪ ،‬فإذا لم تتبع هذا المنهج الحكيم فسوف تقعد‬
‫ملوما على المساك‪ ،‬محسورا على التبذير الذي فوّتَ عليك فرصة الترقّي مثل الخرين‪.‬‬
‫ك وََلمْ َيكُنْ لّهُ‬
‫خ ْذ وَلَدا وَلَم َيكُنْ لّهُ شَرِيكٌ فِي ا ْلمُ ْل ِ‬
‫حمْدُ لِلّهِ الّذِي َلمْ يَتّ ِ‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪َ } :‬و ُقلِ ا ْل َ‬
‫ل َوكَبّ ْرهُ َتكْبِيرا {‪.‬‬
‫وَِليّ مّنَ ال ّذ ّ‬

‫(‪)2123 /‬‬
‫حمْدُ لِلّهِ الّذِي لَمْ يَتّخِ ْذ وَلَدًا وَلَمْ َيكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي ا ْلمُ ْلكِ وَلَمْ َيكُنْ لَهُ وَلِيّ مِنَ ال ّذلّ َوكَبّ ْرهُ‬
‫َوقُلِ ا ْل َ‬
‫َتكْبِيرًا (‪)111‬‬

‫فما المحمود عليه في الية؟‬
‫خ ْذ وَلَدا‪[} ..‬السراء‪]111 :‬‬
‫الحق سبحانه يقول‪ {:‬الّذِي َلمْ يَتّ ِ‬
‫ف َكوْنه سبحانه لم يتخذ ولدا نعمة كبيرة على العباد يجب أنْ يحمدوه عليها‪ ،‬فإنْ كان له ولد فسوف‬
‫يخصّه برعايته دون باقي الخَلْق‪ ،‬فقد تنزّه سبحانه عن الولد‪ ،‬وجعل الخَلْق جميعهم عياله‪ ،‬وكلّهم‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عنده سواء‪ ،‬فليس من بينهم مَنْ هو ابن ل أو مَنْ بينه وبين ال قرابة‪ ،‬وأحبّهم إليه تعالى أتقاهم‬
‫له‪ ،‬وهكذا ينفرد الخَلْق بكل حنان ربهم وبكل رحمته‪.‬‬
‫ثم‪ ،‬ما الحكمة من اتخاذ الولد؟ الناس يتخذون الولد ويحرصون على ال ّذكَر‪ ،‬خاصة لمرين‪ :‬أن‬
‫يكون الولد ذكرى وامتدادا لبيه بعد موته‪ ،‬كما قال الشاعر‪:‬أَبُنيّ يَا أنَا َبعْ َدمَا أ ْقضِي والحق سبحانه‬
‫وتعالى باقٍ دائمٌ‪ ،‬فل يحتاج لمَنْ يُخلّد ذكراه‪ ،‬أو يكون امتدادا له‪ ،‬تعالى ال عن ذلك عُلوا كبيرا‪،‬‬
‫فالحمد ل أنه لم يتخذ ولدا‪.‬‬
‫أو يكون الولد للعِزْوة والمكاثرة والتقوّى به من ضعف‪ ،‬والحق سبحانه وتعالى هو الغالب القهار‪،‬‬
‫فل يحتاج إلى عِزْوة أو كثرة‪ ،‬لذلك يأمرنا سبحانه أن نُمجّده لنه لم يتخذ صاحبة ول ولدا‪،‬‬
‫والمتأمل في حال الملوك والسلطين يجد أكثر فسادهم إما من الولد وإما من الصاحبة‪.‬‬
‫ثم يقول سبحانه‪ { :‬وَلَم َيكُنْ لّهُ شَرِيكٌ فِي ا ْلمُ ْلكِ‪[ } ..‬السراء‪]111 :‬‬
‫ن تتصوّر لو أن ل تعالى شريكا في الملْك‪ ،‬كم‬
‫وهذا أيضا من النعم التي تستوجب الحمد‪ ،‬ولك أ ْ‬
‫تكون حَيْرة العباد‪ ،‬فأيّهما تُطيع وأيهما تُرضِي؟‬
‫لقد أوضح لنا الحق سبحانه هذه المسألة في هذا المثل الذي ضربه لنا‪ {:‬ضَ َربَ اللّهُ مَثَلً رّجُلً فِيهِ‬
‫جلٍ َهلْ يَسْ َتوِيَانِ مَثَلً‪[} ..‬الزمر‪]29 :‬‬
‫شُ َركَآءُ مُ َتشَاكِسُونَ وَرَجُلً سَلَما لّ َر ُ‬
‫لذلك‪ ،‬ففي أعراف الناس وأمثالهم يقولون‪( :‬المركب التي بها ريسين تغرق) و َكوْنه سبحانه واحدا‬
‫ل شريك له يجعلك تطمئن إلى أمره و َنهْيه فتُطيعه وأنت مطمئن‪ ،‬فأوامره سبحانه نافذة ل مُعقّب‬
‫لها‪ ،‬ول مُعترِض عليها‪ ،‬فليس هناك إله آخر يأمرك بأمر مخالف‪ ،‬أليست هذه نعمة تستوجب‬
‫الحمد؟‬
‫وأيضا فإن الحق سبحانه يقول‪ { :‬وَلَمْ َيكُنْ لّهُ وَلِيّ مّنَ ال ّذلّ‪[ } ..‬السراء‪]111 :‬‬
‫الوليّ‪ :‬هو الذي يليك‪ ،‬وأنت ل تجعل أمرك إل لمن تثق به أنه يجلب لك َنفْعا‪ ،‬أو يدفع عنك‬
‫ضُرّا‪ ،‬أو ينصرك أمام عدو‪ ،‬أو يُقوّي ضعفك‪ ،‬فإذا لم يكُنْ لك ذاتية تحقق بها ما تريد تلجأ لمن له‬
‫ذاتية‪ ،‬وتحتمي برحابه‪ ،‬وتجعل ولءك له‪.‬‬
‫والحق سبحانه ليس له وليّ يلجأ إليه ليعزه؛ لنه سبحانه العزيز المعِزّ القائم بذاته سبحانه‪ ،‬ول‬
‫حاجة له إلى أحد‪.‬‬
‫ثم يقول تعالى‪َ { :‬وكَبّ ْرهُ َتكْبِيرا } [السراء‪]111 :‬‬
‫لن عظمة الحق سبحانه في نفس المؤمن أكبر من كل شيء‪ ،‬وأكبر من كل كبير؛ لذلك جُعلتْ‬
‫(ال أكبر) شعار أذانك وصلتك‪ ،‬فل بُدّ أن تُكبّر ال‪ ،‬وتجعله أكبر ِممّا دونه من الغيار‪ ،‬فإنْ‬
‫ناداك وأنت في أيّ عمل ف ُقلْ‪ :‬ال أكبر من عملي‪ ،‬وإنْ ناداك وأنت في حضرة عظيم‪ ،‬فقل‪ :‬ال‬
‫أكبر من أيّ عظيم‪ ،‬كبّره تكبيرا بأن تُقدّم أوامره ونواهيه على كل أمر‪ ،‬وعلى كل نهي‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ول تنسَ أنك إن كبّ ْرتَ الحق سبحانه وتعالى أعز ْزتَ نفسك بعزة ال التي ل يعطيها إل لمَنْ‬
‫يخلص العبودية له سبحانه‪َ ،‬فضْلً عن أن العبودية ل شرفٌ للعبد‪ ،‬وبها يأخذ العبد خَيْر سيده‪ ،‬أما‬
‫العبودية للبشر فهي مذمومة مكروهة‪ ،‬وهي مذلة وهوان‪ ،‬حيث يأخذ السيد خير عبده‪.‬‬
‫سبُ َنفْسِي عِزّا بأنّي عَ ْبدٌ يَحْتفِي بي بلَ مَواعِيدَ رَ ّب ُهوَ في قُ ْدسِهِ العَزّ‬
‫وصدق الشاعر حين قال‪:‬حَ ْ‬
‫وَلكِنْ أَنَا أ ْلقَي متَى وأَينَ أحِبّفكم تتحمل من المشقة والعنت في مقابلة عظيم من عظماء الدنيا‪ ،‬أما‬
‫في مقابلة رب العزة سبحانه‪ ،‬فبمجرد أنْ آمنتَ به أصبح الزمام في يدك تلقاه متى شئتَ‪ ،‬وفي أيّ‬
‫مكان أردتَ‪ ،‬وتُحدّثه في أيّ أمر أحببتَ‪ ،‬فأيّ عِزّة بعد هذا؟‬
‫ولذلك كانت حيثية الرفعة لرسول ال صلى ال عليه وسلم في السراء والمعراج أنه عبد ل‪،‬‬
‫لقْصَى‪} ..‬‬
‫جدِ الْحَرَامِ إِلَىا ا ْل َمسْجِدِ ا َ‬
‫حيث قال تعالى‪ {:‬سُ ْبحَانَ الّذِي َأسْرَىا ِبعَبْ ِدهِ لَيْلً مّنَ ا ْل َمسْ ِ‬
‫[السراء‪]1 :‬‬
‫فالعزة في العبودية ل‪ ،‬والعزة في السجود له تعالى‪ ،‬فعبوديتك ل تعصمك من العبودية لغيره‪،‬‬
‫وسجودك له تعالى يعصمك من السجود لغيره‪َ ،‬ألَ ترى قول الشاعر‪:‬وَالسّـجُودُ الذِي َتجْـ َتوِيه‬
‫مِنْ أُلُوفِ السّجودِ فِيهِ نَجَاةٌإذن‪ :‬فكبّر ال تكبيرا وعَظّمه‪ ،‬والتجئ إليه‪ ،‬فَمن التجأ إلى ال تعالى‬
‫كان في معيته‪ ،‬وأفاض عليه الحق من صفاته‪ ،‬وعصمه من كَيْد الخرين وقهرهم‪ .‬وسبق أنْ‬
‫ضربنا مثلً بالولد الصغير الذي يعتدي عليه أقرانه إنْ سار وحده‪ ،‬فإنْ كان في يد أبيه فل يجرؤ‬
‫أحد على العتداء عليه‪.‬‬
‫فعليك ـ إذن ـ أن تكون دائما في معيّة ربك تأمن كيد الكائدين ومكْر الماكرين‪ ،‬ول ينالك أحدٌ‬
‫بسوء‪ ،‬فإن ابتله ال بشيء فكأنما يقول له‪ :‬أبتليك بنعمتي لتأخذ من ذاتي‪ ،‬لن الصحيح المعَافَى‬
‫إنْ كان في معية نعمة ال‪ ،‬فالمبتلى في معية ال ذاته‪.‬‬
‫ضتُ فلم َتعُدْني‪ ،‬قال‪ :‬يا رب وكيف‬
‫ألم َي ُقلْ الحق سبحانه في الحديث القدسي‪ " :‬يا بن آدم مر ْ‬
‫ب العالمين؟ فيقول‪ :‬أما علمتَ أن عبدي فلنا مرض فلم َتعُدْه‪ ،‬أما علمتَ أنك لو‬
‫أعودك وأنت ر ّ‬
‫عُدْتَهُ لوجدتني عنده "‪.‬‬
‫فالمريض الذي يأنس بزائريه ويسعد بهم ويرى في زيارتهم تخفيفا من آلمه ومواساة له في‬
‫شدته‪ ،‬ما باله إن أنس بال وكان في جواره وكلءته‪ ،‬وال الذي ل إله إل هو ل يشعر بوخْز‬
‫المرض أبدا‪ ،‬ويستحي أن يتأوّه من ألم‪ ،‬ول ييأس مهما اشتد عليه البلء؛ لنه كيف يتأوه من‬
‫معية ال؟ وكيف ييأس وال تعالى معه؟‬
‫إذن‪ :‬كبّره تكبيرا‪.‬‬
‫أي‪ :‬اجعل أمره و َنهْيه فوق كل شيء‪ ،‬و ُقلْ‪ :‬ال أكبر من كل كبير حتى الجنة قل‪ :‬ال أكبر من‬
‫خوْف نا ٍر ويَروْن النجاةَ حَظّا جَزِيلَأوْ بِأَنْ‬
‫الجنة‪َ .‬ألَ ترى َقوْل رابعة العدوية‪:‬كُّلهُمْ يعبدُونَك من َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ن وَالنّارِ حَظّ أنَا لَ أَبْتغِي بِحُبّي‬
‫ظوْا ب ُقصُورٍ ويَشْرَبُون سَلْسَبِيللَيْسَ لِي بالجنا ِ‬
‫حَ‬
‫سكُنُوا الجِنَانَ فَيَ ْ‬
‫يَ ْ‬
‫بَدِيلًوفي الحديث القدسي‪ " :‬أَوَلوْ لَم أخلق جنة ونارا‪ ،‬أما كنتُ أهلً لنْ أُعبد؟ "‪.‬‬
‫فال تعالى بذاته سبحانه أكبر من أيّ شيء‪ ،‬حتى إن كانت الجنة‪ ،‬ففي آخر سورة الكهف يقول‬
‫ل صَالِحا وَلَ يُشْ ِركْ ِبعِبَا َدةِ رَبّهِ َأحَدَا }[الكهف‪]110 :‬‬
‫عمَ ً‬
‫تعالى‪َ {:‬فمَن كَانَ يَرْجُواْ ِلقَآءَ رَبّهِ فَلْ َي ْعمَلْ َ‬
‫فلم َي ُقلْ‪ :‬مَنْ كان يرجو جزاء ربه‪ ،‬أو جنة ربه‪ ،‬أو نعيم ربه‪ ،‬إن المؤمن الحق ل ينظر إلى‬
‫النعيم‪ ،‬بل يطمع في لقاء المنعم سبحانه‪ ،‬وهذا غاية أمانيه‪.‬‬
‫وفي حديث آخر يقول الحق سبحانه للملئكة‪ " :‬أما رأيتم عبادي‪ ،‬أنعمتُ عليهم بكذا وكذا‪ ،‬وأسلب‬
‫عنهم نعمتي ويحبونني "‪.‬‬
‫وبهذه الية خُ ِت َمتْ سورة السراء‪ ،‬فجعلنا الحق سبحانه نختمها بما أنعم علينا من هذه النعم‬
‫الثلث‪ ،‬وليس هذه هي كل نعم ال علينا‪ ،‬بل ل تعالى علينا ِنعَم ل ُتعَ ّد ول تُحصَى‪ ،‬لكن هذه‬
‫الثلث هي قِمة النعم التي تستوجب أنْ نحمده عليها‪.‬‬
‫فالحمد ل الذي لم يتخذ ولدا؛ لنه لم يلد ولم يولد وهو واحد أحد‪ ،‬والحمد ل الذي لم يتخذ شريكا‬
‫لنه واحد‪ ،‬والحمد ل الذي لم يكُنْ له وليّ من الذل لنه القاهر العزيز المعز‪ ،‬ولهذا يجب أن نُكبّر‬
‫هذه الله تكبيرا في كل نعمة نستقبلها منه سبحانه‪.‬‬

‫(‪)2124 /‬‬
‫عوَجًا (‪)1‬‬
‫ج َعلْ لَهُ ِ‬
‫ب وَلَمْ َي ْ‬
‫ح ْمدُ لِلّهِ الّذِي أَنْ َزلَ عَلَى عَبْ ِدهِ ا ْلكِتَا َ‬
‫الْ َ‬

‫ختم الحق سبحانه سورة السراء بالحمد‪ ،‬وبدأ سورة الكهف بالحمد‪ ،‬والحمد ل دائما هو الشعار‬
‫الذي أطلقه رسول ال صلى ال عليه وسلم في خير الكلمات‪ " :‬سبحان ال والحمد ل " سبحان ال‬
‫بُدئتْ بها سورة السراء‪ ،‬والحمد ل بُدئت بها سورة الكهف‪ .‬سبحان ال تنزيه لذاته سبحانه أن‬
‫يكون له شريك‪ ،‬ل في الذات‪ ،‬ول في الفعال‪ ،‬ول في الصفات‪ ،‬والحمد ل كذلك تكبرة للذات‪،‬‬
‫وبعد ذلك جاء العطاء من الذات فقُلْنا‪ :‬الحمد ل‪ ،‬فسبحان ال تنزيه‪ ،‬والحمد ل شكر على العطاء‪.‬‬
‫شكْر ومدح‪ ،‬إل أن هذه اللفاظ وإنْ تقاربت في‬
‫والحمد يشترك معه في المعنى العام‪ :‬ثناء و ُ‬
‫ل منها معناه الخاص‪ ،‬وكل هذه اللفاظ فيها ثناء‪ ،‬إل أن الشكر يكون من مُنعَم‬
‫المعنى العام فل ُك ّ‬
‫عليه بنعمة خاصة به‪ ،‬كأن يُسدي لك إنسان جميلً لك وحدك‪ ،‬فتشكره عليه‪.‬‬
‫أما الحمد فيكون على نعمة عامة لك ولغيرك‪ ،‬ف ُرقْعة الحمد أوسع من ُرقْعة الشكر‪ ،‬أما المدح فقد‬
‫تمدح ما ل يعطيك شيئا‪ ،‬كأن تمدح مثلً الشكل الجميل لمجرد أنه أعجبك‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫حمْدُ لِلّهِ } باللف واللم الدالة على الحصر‪ ،‬فالمراد الحمد المطلق الكامل ل‪،‬‬
‫فقَ ْولُ الحق‪ { :‬الْ َ‬
‫حمْدٌ‬
‫الحمد المستوعب لكل شيء‪ ،‬حتى إنّ حمدك ليّ إنسان قدّم لك جميلً فهو ـ إذا سَ ْلسَلْتَهُ ـ َ‬
‫ل تعالى الذي أعان هذا النسان على أن يحسن إليك‪ ،‬فالجميل جاء من حركته‪ ،‬وحركته موهوبة‬
‫له من خالقه‪ ،‬والنعمة التي أمدّك بها موهوبة من خالقه تعالى‪ ،‬وهكذا إذا سلسلتَ الحمد ليّ إنسان‬
‫في الدنيا تجده يصل إلى المنعِم الول سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫حمْدُ لِلّهِ } هذه هي الصيغة التي علمنا ال أنْ نحم َدهُ بها‪ ،‬وإل فلو ترك لنا حرية التعبير‬
‫وكلمة { ا ْل َ‬
‫حسْب قدراتهم وتمكّنهم‬
‫خلْق في الحمد َ‬
‫عن الحمد ولم يُحدّد لنا صيغة نحمده ونشكره بها لختلف ال َ‬
‫من الداء وحَسْب قدرتهم على استيعاب النعم‪ ،‬ولوجدنا البليغ صاحب القدرة الدائية أفصح من‬
‫حمْدُ لِلّهِ‬
‫لمّي‪ .‬فتحمّل ال عنا جميعا هذه الصيغة‪ ،‬وجعلها متساوية للجميع‪ ،‬الكل يقول { الْ َ‬
‫العيي وا ُ‬
‫} البليغ يقولها‪ ،‬والعيي يقولها‪ ،‬والُمّي يقولها‪.‬‬
‫لذلك يقول صلى ال عليه وسلم وهو يحمد ال ويُثنِي عليه‪ " :‬سبحانك ل نحصي ثناء عليك‪ ،‬أنت‬
‫كما أثنيتَ على نفسك "‪.‬‬
‫فإنْ أردنا أنْ نُحصي الثناء عليك فلن نستطيع؛ لن الثناء عليك ل يعرف مداه إل أنت‪ ،‬ول‬
‫يُحصيه غيرك‪ ،‬ول نملك إل أنْ نقولَ ما علّمتنا من حمدك‪ :‬الحمد ل‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فاستواء الناس جميعا في الحمد ل نعمة كبرى في ذاتها تستحق الحمد‪ ،‬فنقول‪ :‬الحمد ل على‬
‫ما عَلِمنا من الحمد ل‪ ،‬والحمْد الول أيضا نعمة‪ ،‬وبذلك نقول‪ :‬الحمد ل على ما عَلِمنا من الحمد‬
‫ل بالحمد ل‪.‬‬
‫حمْد‪ ،‬فيظل ال‬
‫حمْد على َ‬
‫حمْد على َ‬
‫حمْد على َ‬
‫وهكذا‪ ،‬لو تتبعتَ الحمدَ لوجدته سلسل ًة ل تنتهي‪َ ،‬‬
‫محمودا دائما‪ ،‬يظل العبد حامدا إلى ما ل نهاية‪.‬‬
‫خمْس سور من القرآن‪:‬‬
‫والحمد ل استهل بها الحق سبحانه َ‬
‫ج َعلَ الظُّلمَاتِ‬
‫ت وَالَ ْرضَ وَ َ‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫حمْدُ للّهِ الّذِي خََلقَ ال ّ‬
‫حمْدُ للّهِ َربّ ا ْلعَاَلمِينَ }[الفاتحة‪ {]2 :‬الْ َ‬
‫{ ا ْل َ‬
‫وَالنّورَ ْثمّ الّذِينَ َكفَرُواْ بِرَ ّبهِمْ َي ْعدِلُونَ }[النعام‪]1 :‬‬
‫ت َومَا‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫حمْدُ للّهِ الّذِي لَهُ مَا فِي ال ّ‬
‫حمْدُ ِللّهِ الّذِي أَنْ َزلَ عَلَىا عَبْ ِدهِ ا ْلكِتَابَ‪[ { ..‬الكهف‪ {]1 :‬الْ َ‬
‫} ا ْل َ‬
‫علِ ا ْلمَلَ ِئكَةِ‬
‫ت وَالَرْضِ جَا ِ‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫حمْدُ للّهِ فَاطِرِ ال ّ‬
‫حمْدُ فِي الخِ َرةِ }[سبأ‪ {]1 :‬الْ َ‬
‫ض وَلَهُ ا ْل َ‬
‫فِي الَ ْر ِ‬
‫رُسُلً ُأوْلِي أَجْ ِنحَةٍ‪[} ..‬فاطر‪]1 :‬‬
‫حمْد في كل سورة حيثية خاصة‪ ،‬فالحمد في الولى لن ال ربّ العالمين‪ ،‬وربّ يعني‬
‫ولكن‪ ،‬ل ُكلّ َ‬
‫الخالق والمتولي للتربية‪ ،‬خلق من عدم‪ ،‬وأمدّ من عُدم‪ ،‬وتولّى تربية عباده‪ ،‬فهو َربّ لكل‬
‫العالمين؛ لذلك يجب أنْ نحمدَ ال على أنه هو الربّ الذي خلق العالمين‪ ،‬وأمدّهم بفضله‪.‬‬
‫وفي الثانية‪ :‬نحمده سبحانه الذي خلق السماوات والرض‪ ،‬وجعل الظلمات والنور‪ ،‬وهذه آيات من‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫آيات ال و ِنعَم من ِنعَمه‪ ،‬فالسماوات والرض فيها قيام البشر كله بما يمدّ حياتهم بالقوت‪ ،‬ويستبقي‬
‫نوعهم بالتكاثر‪.‬‬
‫والظلمات والنور مِنَ نعم ال‪ ،‬وهما متكاملن ل متضادان‪ ،‬فَلِ ْلظّلمة مهمة‪ ،‬كما أن للنور مهمة‪،‬‬
‫الظلمة للسكون والراحة‪ ،‬والنور للسعي والحركة‪ ،‬ول يمكن لسَاعٍ أنْ يسعى ويج ّد في عمل‪ ،‬إل‬
‫إذا ارتاح وسكن وجدّد نشاطه‪ ،‬فتقابُل الظلمة والنور للتكامل‪ ،‬فالحياة ل تستقيم في ظلم دائم‪ ،‬كما‬
‫أنها ل تستقيم في نور دائم‪.‬‬
‫حمْدُ لِلّهِ { ـ والتي نحن بصددها‬
‫وفي السورة الثالثة من السور التي افتتحها الحق سبحانه بـ } ا ْل َ‬
‫ـ أراد الحق سبحانه أنْ يُوضّح أنه لم يُربّ الخلْق تربية مادية فقط‪ ،‬بل هناك تربية أعلى من‬
‫المادة تربية روحية قيمية‪ ،‬فذكر هنا الحيثية الحقيقية لخَلْق النسان‪ ،‬فهو لم يُخلق لمادته فحسْب‪،‬‬
‫ولكن لرسالة أسمى‪ ،‬خلق ليعرف القيم والرب والدين‪ ،‬وأنْ يعملَ لحياة أخرى غير هذه الحياة‬
‫حمْدُ لِلّهِ الّذِي أَنْ َزلَ عَلَىا عَ ْب ِدهِ ا ْلكِتَابَ‪[ { ..‬الكهف‪]1 :‬‬
‫المادية‪ ،‬فقال تعالى‪ } :‬ا ْل َ‬
‫فحيثية الحمد هنا إنزالُ الكتاب الذي يجمع كل القيم‪ .‬وقلنا‪ :‬إن الحق سبحانه محمود برحمانيته قبل‬
‫حمَـانُ * عَلّمَ‬
‫أنْ يخلق الخَلْق وضع له النماذج التي تُصلِح حركة الحياة‪ ،‬كما قال تعالى‪ {:‬الرّ ْ‬
‫ق الِنسَانَ * عَّلمَهُ البَيَانَ }[الرحمن‪]4-1 :‬‬
‫ا ْلقُرْآنَ * خَلَ َ‬
‫فتعليم القرآن جاء قبل خَلْق النسان‪ ،‬إذن‪ :‬وضع الحق سبحانه لعباده المنهج المنظّم لحياتهم قبل‬
‫أن يخلقَهم‪ ،‬لعِلْمه سبحانه بطبيعة خَلْقه‪ ،‬وبما يصلحهم‪ ،‬كالمخترع لللة الذي يعلم مهمتها ويُحدد‬
‫قانون صيانتها‪ ،‬فالكتاب الذي نزل على محمد صلى ال عليه وسلم هو المهمة الساسية‪ ،‬فيجب أنْ‬
‫تُوطّن عليها نفسك‪ ،‬وتعلَم أنه المنظّم لحياتك‪ ،‬وبه قانون صيانتك‪.‬‬
‫وقوله‪ } :‬عَلَىا عَ ْب ِدهِ‪[ { ..‬الكهف‪ ]1 :‬كما قلنا‪ :‬في سورة السراء‪ :‬إن العبودية كانت حيثية ال ّرفْعة‬
‫في السراء والمعراج‪ ،‬فقال سبحانه‪ {:‬سُبْحَانَ الّذِي َأسْرَىا ِبعَبْ ِدهِ‪[} ..‬السراء‪]1 :‬‬
‫فالعبودية رفعتْه إلى حضرته تعالى؛ لنه كان عبدا بحقّ‪ ،‬وهذا يعني إنزال الكتاب عليه‪ ،‬فكان‬
‫عبدا بحق قبل أن يُسرَى به‪ ،‬وحمل منهج ال أولً فالتفتَ لربه َلفْتةً أراد أنْ يلفتَ بها سواه‪،‬‬
‫فأخلص هو أولً في العبودية‪ ،‬وتحمّل ما تحمّل‪ ،‬فكان من جزائه أن يرتفع إلى مقام الحضرة‬
‫َفعُرِج به‪ ،‬وهناك أعطاه ال الصلة لينزلَ بها إلى الخَلْق ليرفع بها صوته إلى المقام الذي سعى‬
‫إليه بالمعراج‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالنبي تناول ليناوِل‪ ،‬وتناول لنه أخلصَ العبودية‪ ،‬فصعد إلى حضرة ربه‪ ،‬وأخذ فريضة‬
‫الصلة وبلّغها لقومه‪ ،‬وكأنه يقول لهم‪ :‬مَنْ أراد أن يلتقي بال‪ ،‬فليدخل في الصلة‪.‬‬
‫و } ا ْلكِتَابَ‪[ { ..‬الكهف‪ ]1 :‬هو القرآن الكريم‪ ،‬لكن سورة الكهف ترتيبها الثامنة عشرة بين سور‬
‫المصحف من المائة والربعة عشرة سورة‪ ،‬أي‪ :‬أن القرآن لم يكتمل بعد‪ ،‬فلماذا قال تعالى }‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ا ْلكِتَابَ { وهو لم يكتمل بعد؟‬
‫نقول‪ :‬الكتاب يُطلَق ويُرَادُ به بعضه‪ ،‬كما في قوله تعالى‪ {:‬فَِإذَا قَرَأْنَاهُ فَاتّبِعْ قُرْآنَهُ }[القيامة‪]18 :‬‬
‫فالية الواحدة تُسمّى قرآنا‪ ،‬والسورة تُسمّى قرآنا‪ ،‬والكل نُسمّيه قرآنا‪.‬‬
‫أو‪ :‬يكون المراد أَنزل القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ‪ ،‬ثم نزّله بعد ذلك مُنَجّما حَسْب‬
‫الوقائع‪ ،‬فالمراد هنا النزال ل التنزيل‪.‬‬
‫عوَجَا { [الكهف‪ ]1 :‬أي‪ :‬جعله مستقيما‪ ،‬ل عِوجَ فيه‪ ،‬كما قال في‬
‫جعَل لّهُ ِ‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬وَلَمْ َي ْ‬
‫عوَجٍ‪[ { ..‬الزمر‪ ]28 :‬والعوجاج‪ ،‬أن يأخذ الشيءُ امتدادا‬
‫آية أخرى‪ } :‬قُرْآنا عَرَبِيّا غَيْرَ ذِي ِ‬
‫مُنْحنيا ملتويا‪ ،‬أما الستقامة فهي المتداد في نفس التجاه‪ ،‬ل يميل يمينا أو شمالً‪ ،‬ومعلوم أن‬
‫الخطّ المستقيم يمثل أقرب مسافة بين نقطتين‪ ،‬ول تستقيم حياة الناس في الدنيا إل إذا ساروا جميعا‬
‫على منهج مستقيم يعصمهم من التصادم في حركة الحياة‪.‬‬
‫خلْق متكاملين‪ ،‬ف ُكلّ منهم لديه موهبة يحتاجها الخرين‪ ،‬فهذا طبيب‪،‬‬
‫فالحق سبحانه وتعالى خلق ال َ‬
‫وهذا مهندس‪ ،‬وهذا نجار‪ ،‬وهذا خياط‪ ،‬ول يستطيع أحد أن يقومَ بذاته أو يستغني عن مواهب‬
‫ن يتكاملوا‪.‬‬
‫غيره‪ ،‬فل بُدّ أن يتواجه الناس في الحياة‪ ،‬وأ ْ‬
‫هذا التواجه إنْ لم يُنظّم وتوضع له قوانين مرور دقيقة لتصادمت حركات الناس‪ ،‬كما يحدث على‬
‫الطريق الملتوي كثير المنحنيات‪ ،‬فالقادم من هنا ل يرى القادم من هناك‪ ،‬فيحدث التصادم‪ .‬إذن‪:‬‬
‫ل ُبدّ من استقامة الطريق ليرى كلّ مِنّا الخر‪ ،‬فل يصطدم به‪ .‬والمنهج اللهي هو الطريق‬
‫المستقيم الذي يضمن الحركة في الحياة‪.‬‬
‫س ُفهَا رَبّي َنسْفا * فَيَذَرُهَا‬
‫وقد ذُكر العوجاج أيضا في قوله تعالى‪ {:‬وَيَسْأَلُو َنكَ عَنِ ا ْلجِبَالِ فَ ُقلْ يَن ِ‬
‫عوَجا وَل َأمْتا }[طه‪]107-105 :‬‬
‫صفْصَفا * لّ تَرَىا فِيهَا ِ‬
‫قَاعا َ‬
‫عوَجا }[طه‪ ]107 :‬أي‪ :‬مستقيمة{ وَل َأمْتا }‬
‫أي‪ :‬أرضا مستوية خالية من أي شيء{ لّ تَرَىا فِيهَا ِ‬
‫[طه‪.]107 :‬‬
‫أي‪ :‬مُسْتوية ل يُوجد بها مرتفعات ومنخفضات تعوق الرؤية أيضا وتسبب التصادم‪ ،‬وهذا ما‬
‫يُسمّيه رجال المرور (العقبة)‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه واصفا القرآن الكريم‪ } :‬قَيّما لّيُ ْنذِرَ بَأْسا شَدِيدا مّن لّدُ ْن ُه وَيُبَشّرَ ا ْل ُم ْؤمِنِينَ‪...‬‬
‫{‪.‬‬

‫(‪)2125 /‬‬
‫شدِيدًا مِنْ َلدُنْ ُه وَيُبَشّرَ ا ْل ُمؤْمِنِينَ الّذِينَ َي ْعمَلُونَ الصّالِحَاتِ أَنّ َلهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (‪)2‬‬
‫قَ ّيمًا لِيُنْذِرَ بَ ْأسًا َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عوَجَا }‬
‫جعَل لّهُ ِ‬
‫قوله‪ { :‬قَيّما } أي‪ :‬القرآن‪ ،‬وقالوا‪ :‬قيّم يعني مستقيم‪ ،‬كأنها تأكيد لقوله‪ {:‬وَلَمْ يَ ْ‬
‫[الكهف‪ ]1 :‬لن الستقامة وال ِعوَج قد ل يُدرك بالعين المجردة وتحتاج إلى ميزان دقيق يكشف لك‬
‫مدى ال ِعوَج أو الستقامة‪ ،‬وهذه الظاهرة تراها في الطرق المستوية المرصوفة‪ ،‬والتي تراها‬
‫للوَهْلة الولى مستقيمة تماما ومستوية‪ ،‬فإذا ما نزل المطر فضح هذا الستواء وأظهر ما فيه من‬
‫عيوب؛ لذلك أكّد الستقامة بقوله‪ { :‬قَيّما } [الكهف‪]2 :‬‬
‫ومن معاني القَيّم‪ :‬المهيمن على ما دونه‪ ،‬كما تقول‪ :‬فلن قَيّم على فلن أي‪ :‬مُهيمن عليه وقائم‬
‫عوَج فيه‪ ،‬وهو أيضا مُهيمن على الكتب السابقة وله الوصاية‬
‫على أمره‪ .‬فالقرآن ـ إذن ـ ل ِ‬
‫ب َو ُمهَيْمِنا عَلَيْهِ }‬
‫عليها كما قال تعالى‪ {:‬وَأَنزَلْنَآ ِإلَ ْيكَ ا ْلكِتَابَ بِا ْلحَقّ ُمصَدّقا ّلمَا بَيْنَ يَدَ ْيهِ مِنَ ا ْلكِتَا ِ‬
‫[المائدة‪]48 :‬‬
‫ج َهكَ لِلدّينِ ا ْلقِيّمِ }[الروم‪ ]43 :‬أي‪ :‬المهيمن على الديان السابقة‪.‬‬
‫ومنه قوله تعالى‪ {:‬فََأقِ ْم وَ ْ‬
‫ثم يقول تعالى‪ { :‬لّيُنْذِرَ بَأْسا شَدِيدا مّن لّدُنْهُ } [الكهف‪]2 :‬‬
‫وهذه هي العِلّة في النزال‪.‬‬
‫والنذار‪ :‬التخويف بشَرّ قادم‪ ،‬والمنْذَر هنا هم الكفار؛ لنه ل يُنذَر بالعذاب الشديد إل الكفار‪ ،‬لكن‬
‫ن يعملَ‪ ،‬وأنْ يستقبلَ القرآن بفكر‬
‫سياق الية لم يذكرها ليترك مجالً للمَلكَة العربية وللذّهْن أ ْ‬
‫ن كلّ شيء هكذا على طرف الثّمام أي‬
‫مُتفتح وعقل يستنبط‪ ،‬وليس بالضرورة أن يعطينا القرآ ُ‬
‫قريبا سهل التناول‪.‬‬
‫ضخّم العذاب بأنه شديد‪ ،‬ليس ذلك وفقط بل { مِن لّدُنهُ } ‪ ،‬والعذاب يتناسب مع المعذّب وقوته‪،‬‬
‫ثم َ‬
‫ب لحد منه‪.‬‬
‫فإنْ كان العذاب من ال فل طاقة لحدٍ به‪ ،‬ول مهر َ‬
‫ثم يقول تعالى‪ { :‬وَيُبَشّرَ ا ْل ُم ْؤمِنِينَ } [الكهف‪ ]2 :‬والبشارة تكون بالخير المنتظر في المستقبل‪،‬‬
‫وتلحظ أنه في البشارة ذكر المبشّر { ا ْل ُم ْؤمِنِينَ } ولم يسكت عنهم كما سكت عن الكفار في‬
‫النذار‪ ،‬فهذا من رحمة ال بنا حتى في السلوب‪ ،‬والبشارة هنا بالجر الحسن؛ لنه أجر من‬
‫الكريم المتفضّل سبحانه؛ لذلك قال الحق سبحانه بعدها‪ { :‬مّاكِثِينَ فِيهِ أَبَدا }‪.‬‬

‫(‪)2126 /‬‬
‫مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (‪)3‬‬

‫ن يوصَف أجر ال الحسن بأنه دائم‪ ،‬وأنهم ماكثون فيه أبدا؛‬
‫أي‪ :‬باقين فيه بقاءً أبديا‪ ،‬وكان ل ُبدّ أ ْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لن هناك فرقا بين أجر الناس للناس في الدنيا‪ ،‬وأجر المنعِم سبحانه في الخرة‪ ،‬لقد أَِلفَ الناس‬
‫جعِل على عمل‪ ،‬فعلى قَدْر ما تعمل يكون أجرك‪ ،‬فإنْ لم تعمل فل أجرَ لك‪.‬‬
‫الجر على أنه ُ‬
‫أما أَجْر ال لعباده في الخرة فهو أجر عظيم دائم‪ ،‬فإنْ ظلمك الناس في تقدير أجرك في الدنيا‪،‬‬
‫فال تعالى عادل ل يظلم يعطيك بسخاء؛ لنه المنصِف المتفضّل‪ ،‬وإنِ انقطع الجر في الدنيا فإنه‬
‫دائم في الخرة؛ لنك مهما أخذتَ من نعيم الدنيا فهو نعيم زائل‪ ،‬إما أنْ تتركه‪ ،‬وإما أنْ يتركك‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ { :‬وَيُ ْنذِرَ الّذِينَ قَالُواْ اتّخَذَ اللّ ُه وَلَدا }‪.‬‬

‫(‪)2127 /‬‬
‫خذَ اللّهُ وَلَدًا (‪)4‬‬
‫وَيُنْذِرَ الّذِينَ قَالُوا اتّ َ‬

‫والنذار هنا غير النذار الول‪ ،‬لقد كرّر النذار ليكون خاصا بقمة المعاصي‪ ،‬إنذار للذين قالوا‬
‫اتخذ ال ولدا‪ ،‬أما النذار الول فهو لمطلق الكفر والمعصية‪ ،‬وأما الثاني فهو لعادة الخاص مع‬
‫العام‪ ،‬كأن لهؤلء الذين نسبوا ل الولد عذابا يناسب ما وقعوا فيه من جرأة على الحق سبحانه‬
‫وتعالى‪.‬‬
‫ن وَلَدا * ّلقَدْ جِئْ ُتمْ شَيْئا ِإدّا‬
‫حمَـا ُ‬
‫وقد أوضح القرآن فظاعة هذه المعصية في قوله‪َ {:‬وقَالُواْ اتّخَذَ الرّ ْ‬
‫ن وَلَدا *‬
‫حمَـا ِ‬
‫عوْا لِلرّ ْ‬
‫ض وَتَخِرّ ا ْلجِبَالُ هَدّا * أَن دَ َ‬
‫ق الَ ْر ُ‬
‫سمَاوَاتُ يَ َتفَطّرْنَ مِ ْن ُه وَتَنشَ ّ‬
‫* َتكَادُ ال ّ‬
‫خ َذ وَلَدا }[مريم‪]92-88 :‬‬
‫حمَـانِ أَن يَتّ ِ‬
‫َومَا يَن َبغِي لِلرّ ْ‬
‫إنها قمة المعاصي أنْ نخوضَ في ذات ال تعالى بمقولة تتفطر لها السماء‪ ،‬وتنشق لها الرض‪،‬‬
‫وتنه ّد لهوْلِها الجبال‪.‬‬
‫علْ ٍم َولَ لبَائِهِمْ‪.} ...‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ { :‬مّا َلهُمْ بِهِ مِنْ ِ‬

‫(‪)2128 /‬‬
‫مَا َلهُمْ ِبهِ مِنْ عِلْ ٍم وَلَا لِآَبَا ِئ ِهمْ كَبُ َرتْ كَِل َمةً تَخْرُجُ مِنْ َأ ْفوَا ِه ِهمْ إِنْ َيقُولُونَ إِلّا َكذِبًا (‪)5‬‬

‫عوْها‪ ،‬وهذه المقولة التي كذبوها على ال من أين أَ َتوْا بها؟ الحقيقة أنهم‬
‫فهذه القضية التي ادّ َ‬
‫عوْها ول علمَ لهم بها‪ ،‬والعلم إما ذاتي‪ ،‬وإما ورثوه عن آبائهم وأجدادهم وهم ل يملكون شيئا‬
‫اد َ‬
‫علْمٍ‪[ } ..‬الكهف‪]5 :‬‬
‫من هذا ويقولون بأمر ل واقع له؛ لذلك يقول تعالى‪ { :‬مّا َلهُمْ بِهِ مِنْ ِ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وعدم العلم ينشأ من أمرين‪ :‬إما أن الشيءَ موجود وأنت ل تعلم به؛ لنه مستور عنك‪ ،‬وإما لن‬
‫الشيء ل وجودَ له أصلً‪ ،‬وأنت ل تعلم أنه غير موجود؛ لن غير الموجود ل يمكن أن يتعلق به‬
‫علم‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ { :‬كَبُ َرتْ كَِلمَةً تَخْرُجُ مِنْ َأ ْفوَا ِه ِهمْ‪[ } ..‬الكهف‪]5 :‬‬
‫ظ َمتْ وتناهتْ في الثم؛ لنهم تناولوا مسألة فظيعة‪ ،‬كَبُ َرتْ أنْ تخرجَ هذه الكلمة‬
‫{ كَبُ َرتْ } أي‪ :‬عَ ُ‬
‫من أفواههم‪.‬‬
‫{ كَِلمَةً } الكلمة قول ُمفْرد ليس له نسبة كأن تقول‪ :‬محمد أو ذهب أو في‪ ،‬فالسم والفعل والحرف‬
‫كل منها كلمة مستقلة‪ ،‬والكلمة تُطلَق ويُراد بها الكلم‪ ،‬فالية عَبّرتْ عن قولهم‪ {:‬اتّخَذَ اللّ ُه وَلَدا }‬
‫خطْبة‪.‬‬
‫[الكهف‪ ]4 :‬بأنها كلمة‪ ،‬كما تقول‪ :‬ألقى فلن كلمة‪ .‬والواقع أنه ألقى ُ‬
‫ل صَالِحا فِيمَا‬
‫ع َم ُ‬
‫جعُونِ * َلعَلّي أَ ْ‬
‫ومن ذلك قوله تعالى‪ {:‬حَتّىا إِذَا جَآءَ َأحَ َدهُمُ ا ْل َم ْوتُ قَالَ َربّ ا ْر ِ‬
‫تَ َر ْكتُ كَلّ إِ ّنهَا كَِلمَةٌ ُهوَ قَآئُِلهَا }[المؤمنون‪ ]100-99 :‬فسمّى قولهم هذا { كَِلمَةً }‪.‬‬
‫سوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْ َنكُمْ َألّ َنعْ ُبدَ ِإلّ اللّ َه َولَ نُشْ ِركَ‬
‫ومنها قوله تعالى‪ُ {:‬قلْ ياأَ ْهلَ ا ْلكِتَابِ َتعَاَلوْاْ إِلَىا كَِلمَةٍ َ‬
‫بِهِ شَيْئا وَلَ يَتّخِذَ َب ْعضُنَا َبعْضا أَرْبَابا مّن دُونِ اللّهِ‪[} ..‬آل عمران‪ ]64 :‬فسمّى كل هذا الكلم‬
‫كلمة‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ { :‬تَخْرُجُ مِنْ َأ ْفوَا ِه ِهمْ‪[ } ..‬الكهف‪ ]5 :‬أي‪ :‬أن هذه الكلمة كَبُرت لنها خرجت منهم‬
‫وقالوها فعلً‪ ،‬ولو أنهم كتموها في نفوسهم ولم يجهروا بها واستعظموا أن تخرجَ منهم لكانوا في‬
‫عداد المؤمنين‪ ،‬بدليل أن وفد اليمن حينما أتوْا رسول ال صلى ال عليه وسلم وقالوا‪ :‬يا رسول‬
‫ال تدور بأنفسنا أفكار عن ال‪ ،‬نتعاظم أن نقولها ـ أي‪ :‬ل نقدر على النطق بها فقال صلى ال‬
‫عليه وسلم‪ " :‬ذاك صريح اليمان "‪.‬‬
‫إذن‪ :‬المعيب عليهم أنهم أخرجوا هذه المسألة من أفواههم‪ ،‬وهذا منتهى القُبْح‪ ،‬فالفكار والخواطر‬
‫مهما بلغتْ من السوء وكتمها صاحبها ل يترتب عليها شيء‪ ،‬وكأنها لم تكُنْ‪.‬‬
‫ثم يقول تعالى‪ { :‬إِن َيقُولُونَ ِإلّ كَذِبا‪[ } ..‬الكهف‪ ]5 :‬أي‪ :‬ما يقولون إل كذبا‪ ،‬والكذب َألّ يطابق‬
‫الكلم واقع المر‪ ،‬فالعاقل قبل أنْ يتكلم يُدير الكلم على ِذهْنه و َيعْرضه على تفكيره‪ ،‬فتأتي النسبة‬
‫في ذِهْنه وينطقها لسانه‪ ،‬وهذه النسبة قبل أن يفكر فيها وينطق بها لها واقع‪.‬‬
‫فمثلً حين تقول‪ :‬محمد مجتهد‪ .‬قبل أن تنطق بها جال في خاطرك اجتهاد محمد‪ ،‬وهذه تُسمّى‬
‫ن وُجد شَخص اسمه محمد وهو‬
‫ن قلتَ‪ :‬محمد مجتهد أصبحتْ نسبة كلمية‪ ،‬فإ ْ‬
‫نسبة ذِهْنية‪ ،‬فإ ْ‬
‫مجتهد فعلً‪ ،‬فإن النسبة الذهنية الكلمية أصبحتْ نسبة واقعية‪ ،‬والخبر بها خبر صادق‪.‬‬
‫فإنْ كانت النسبة الكلمية ل واقعَ لها كأنْ ل يوجد شخص اسمه محمد أو وُجِد ولكنه غير مجتهد‪،‬‬
‫فالخبر هنا كاذب‪ .‬وهذا هو السلوب الخبري الذي يحتمل الصدق أو الكذب‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهناك السلوب النشائي الذي ل يحتمل الصّدْق‪ ،‬ول يحتمل الكذب؛ لن النسبة الواقعية فيه‬
‫متأخرة عن النسبة الكلمية كما لو قُلْت‪ :‬ذاكر دروسك‪ .‬فواقع هذه العبارة سيحدث في المستقبل؛‬
‫لذلك ل يُوصَف النشاء بالصدق أو بالكذب‪.‬‬
‫والتدقيق العلمي يقول‪ :‬الصدق الحقيقي أنْ تطابقَ النسبة الكلمية الواقع والعتقاد‪ ،‬فإن اعتقدتَ‬
‫شيئا ولم يحدث‪ ،‬فالنسبة كاذبة وأنت غير كاذب؛ لن هناك فرقا بين الخبر والمخْبِر‪.‬‬
‫ش َهدُ إِ ّنكَ لَرَسُولُ اللّهِ وَاللّهُ َيعْلَمُ‬
‫وهذه المسألة واضحة في قوله تعالى‪ِ {:‬إذَا جَآ َءكَ ا ْلمُنَا ِفقُونَ قَالُواْ نَ ْ‬
‫شهَدُ إِنّ ا ْلمُنَا ِفقِينَ َلكَاذِبُونَ }[المنافقون‪]1 :‬‬
‫إِ ّنكَ لَرَسُولُ ُه وَاللّهُ يَ ْ‬
‫ت معتقدهم؟ لم توافق‬
‫فقولهم‪ :‬إنك لرسول ال نسبة صادقة؛ لنها تطابق الواقع‪ ،‬إنما هل وافق ْ‬
‫معتقدهم؛ لذلك شهد ال أنهم كاذبون؛ لن كلمهم لم يوافق واقعهم العتقادي‪ .‬أو‪ :‬لن التكذيب لم‬
‫يرد به قولهم‪ :‬إنك لرسول ال وإنما يُراد به قولهم‪ :‬نشهد‪ ،‬فالتكذيب للشهادة لن الشهادة أنْ‬
‫يُواطِئ القلب اللسان‪ ،‬وهم شهدوا بألسنتهم‪ ،‬ولم تؤمن به قلوبهم‪.‬‬
‫وهنا َلمّا قالوا } اتّخَذَ اللّ ُه وَلَدا { ‪ ،‬فهذه نسبة كلمية ليس لها واقع‪ ،‬فهي نسبة كاذبة‪ ،‬فقال‬
‫تعالى‪ } :‬إِن َيقُولُونَ ِإلّ كَذِبا‪[ { ..‬الكهف‪]5 :‬‬
‫سفَه‬
‫ثم يُسلّي الحق سبحانه رسوله صلى ال عليه وسلم لِيُخفّف عنه ما يلقي من متاعب وعناد و َ‬
‫سكَ عَلَىا آثَا ِرهِمْ‪.{ ..‬‬
‫في سبيل الدعوة‪ ,‬فيقول تعالى‪ } :‬فََلعَّلكَ بَاخِعٌ ّنفْ َ‬

‫(‪)2129 /‬‬
‫سفًا (‪)6‬‬
‫سكَ عَلَى آَثَارِهِمْ إِنْ لَمْ ُي ْؤمِنُوا ِبهَذَا ا ْلحَدِيثِ َأ َ‬
‫فََلعَّلكَ بَاخِعٌ َنفْ َ‬

‫سكَ‪[ } ..‬الكهف‪ ]6 :‬أي‪ :‬تجهد نفسك في دعوة قومك إجهادا يُهلكها‪ ،‬وفي الية‬
‫ومعنى‪ { :‬بَاخِعٌ ّنفْ َ‬
‫حمّل نفسه في سبيل هداية قومه ما ل يحمله ال ويلزم ما ل يلزمه‪،‬‬
‫إشفاق على رسول ال؛ لنه َ‬
‫فقد كان صلى ال عليه وسلم يدعو قومه فيُعرضوا ويتوّلوْا عنه فيُشيّع آثارهم بالسف والحزن‪،‬‬
‫كما يسافر عنك حبيب أو عزيز‪ ،‬فتسير على أثره تملؤك مرارة السى والفراق‪ ،‬فكأن رسول ال‬
‫لحبه لقومه وحِرْصه على هدايتهم يكاد يُهلك نفسه { أَسَفا }‪.‬‬
‫سفَ‪[} ..‬يوسف‪]84 :‬‬
‫سفَىا عَلَى يُو ُ‬
‫والسف‪ :‬الحزن العميق‪ ،‬ومنه َق ْولُ يعقوب عليه السلم‪ {:‬يَاأَ َ‬
‫وقوله تعالى عن موسى لما رجع إلى قومه غاضبا من عبادتهم العجل‪ {:‬فَ َرجَعَ مُوسَىا إِلَىا َق ْومِهِ‬
‫غضْبَانَ أَسِفا‪[} ..‬طه‪]86 :‬‬
‫َ‬
‫وقد حدّد ال تعالى مهمة الرسول وهي البلغ‪ ،‬وجعله بشيرا ونذيرا‪ ،‬ولم يُكلّفه من أمر الدعوة ما‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ل يطيق‪ ،‬ففي الية مظهر من مظاهر رحمة ال برسوله صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فيقول الحق‬
‫جعَلْنَا مَا عَلَى الَ ْرضِ زِينَةً ّلهَا‪.} ...‬‬
‫سبحانه‪ { :‬إِنّا َ‬

‫(‪)2130 /‬‬
‫عمَلًا (‪)7‬‬
‫جعَلْنَا مَا عَلَى الْأَ ْرضِ زِي َنةً َلهَا لِنَبُْلوَ ُهمْ أَ ّيهُمْ َأحْسَنُ َ‬
‫إِنّا َ‬

‫وكأن هذ