‫كانت الحياة ضحى ذلك اليوم البارد مسسن آخسسر أيسسام سسسنة ‪ 1991‬تمضسسي‬

‫فسسي مدينسسة تسسدمر الصسسحراوية علسسى غيسسر مسسا جديسسد ‪ .‬فالطفسسال مضسسوا‬
‫مبكرين إلى مدارسسسهم ‪ .‬والمهسسات فسسي المنسسازل يل ُك ْسسن الحسساديث مسسع‬
‫ن انصسسراف الرجسسال إلسسى أعمسسالهم وخلسسو السسبيت مسسن‬
‫الجسسارات وقسسد أمس ّ‬
‫المنغصات ‪ .‬والدكاكين في السوق الرئيسسسي للبلسسدة اسسستقبلت روادهسسا‬
‫الذين اختلط النساء فيهم بالرجسسال ‪ ،‬والمسسدنيون بالشسسباب المجنسسدين ‪،‬‬
‫والمترجلون بالراكبين ‪ ،‬والدواب بالسيارات ‪ ..‬وكس ٌ‬
‫ل ينفسسث مسسن صسسدره‬
‫هما ً أو يرسل زفرة التياع ‪ .‬فهذا جندي متأخر في إجازته يريسسد اللحسساق‬
‫بوحدته العسكرية ولكن سائق السيارة الذي ل يزال يأمل في اصسسطياد‬
‫راكب إضافي يماطل ول يتحرك ‪ .‬وصاحب الدكان ضسساق ذرع سا ً بزبسسونته‬
‫التي أطالت معه الجدال من أجسسل أن يخصسسم لهسسا مسسن سسسعر الحاجيسسات‬
‫التي اشترتها بضع ليرات هي كل ربحه من هذه الصفقة التافهة ‪ ،‬ومسسا‬
‫مله صسساحبه‬
‫عادت تكف عن الرجاء والستعطاف ‪ .‬وحتى الحمار الذي ح ّ‬
‫من البرتقال أكثر من قدرته في هذا السن المتقدم صسسمم فجسسأة علسسى‬
‫تسجيل موقف مشرف ‪ ..‬فحرن وسسسط الطريسسق العسسام ‪ ،‬وأحسسدث أزمسسة‬
‫سسسير سسسببت لسسه ولصسساحبه سسسيل ً مسسن الشسستائم باللسسسنة أو الزمسسامير‬
‫النزقة ‪ ..‬لكن الحمار وحده هو الذي لم يهتم !‬
‫وعلى هسسذا الطريسسق ومسسن حيسسث تسسدلف السسسيارات القادمسسة مسسن جنسسوب‬
‫المدينة فتعبرها باتجاه حمص ‪ ،‬كان أحد باصات "التويوتا" أحمسسر اللسسون‬
‫يغذ بنا السير نحو التجاه نفسه ‪ ،‬من غير أن يلفت انتباه أحد مسسن كسسل‬
‫هؤلء الناس أو يعني لهم أي شيء ‪ .‬لكننا نحسسن ركسساب الحافلسسة السسذين‬
‫ارتدينا جميعا ً ملبس عسكرية كاكية اللون تكاد تكسسون جديسسدة ‪ ،‬وقبعنسسا‬
‫في مقاعدنا يلفنا صمت مطبق ‪ ،‬كنسسا اللحظسسة كالخسسارج مسسن رحسسم أمسسه‬

‫أول مرة ‪ ،‬أو كالقادم إلى الرض من كوكب لم يكن فيه من البشر من‬
‫قبل أحد ‪ .‬وحينما أطلق السائق النزق شتيمة سافلة للحمار وصسساحبه ‪،‬‬
‫وتخطاهما يكاد يحرق محرك الباص من غير سبب حقيقسسي أو مبسسالة ‪..‬‬
‫كنسست وبقيسسة الركسساب الخريسسن ل نسسزال نحملسسق فسسي الحمسسار صسساحب‬
‫الموقف ‪ ..‬وببقية عباد الله حسسوله ‪ .‬ونتسسابع بعيسسون نهمسسة قسسدر مسسا هسسي‬
‫وجلة كل شاردة وواردة تخطر حولنا ‪ .‬ثم ل نلبسسث أن نخفسسض رؤوسسسنا‬
‫بانكسار ‪ ..‬ونرد الطسسرف وهسسو حسسسير ‪ ..‬وننصسست متوجسسسين خشسسية أن‬
‫يكون أمر ما قد صسسدر ونحسسن فسسي سسسرحاننا هسسذا فسسأوجب علينسسا تلكؤنسسا‬
‫بالجابة العقاب !‬
‫ويمضي الباص بنا في اتجاه دمشسسق ‪ ..‬وتمضسسي بسسي الهسسواجس تسسسري‬
‫من جديد ‪ ،‬وتنفجر في داخلي العبارة التي ل تسسزال تعصسسف فسسي أذنسسي‬
‫كالبركان منذ أيام ثلثة مضت ول تكف عن الترداد تقول ‪:‬‬
‫"سيادة الرئيسس أصسدر قسرارا ً بسالعفو عنكسم ‪ ..‬وإن هسي إل أيسام حستى‬
‫تكونوا بين أهاليكم" ‪.‬‬
‫لكنني أراني كالملسوع ومن غير مقدمات يقفسسز مسسن أعمسساق أعمسساقي‬
‫صوت آخر كحشسسرجة المحتضسسر يقسسول ‪ :‬بعسسد اثنسسي عشسسرة سسسنة ‪ ..‬مسسن‬
‫ص سدَ ُ‬
‫قوا ؟ أي مسسستقبل لنسسا وأيسسة‬
‫صدّ ْ‬
‫ق ؟ ومن يثق بمن ؟ ثسسم مسساذا إذا َ‬
‫يُ َ‬
‫حياة ؟ وأين سيكون موقعنا بين هسسؤلء السسذين فارقنسساهم فسسي أعمارنسسا‬
‫فصاروا الن آباء ورجال ً لهم في الحياة مركز وموقع ؟ أو موقفنا مسسن‬
‫أولء الذين خلفناهم وراءنا حتى من غير أن نقول لهم كلمة وداع !‬
‫وسرعان ما أنتبه من حواري الصامت هذا على أحد المرافقين يقهقسسه‬
‫بصوت مجلجل مسسن غيسسر أن أفهسسم السسسبب ‪ ..‬أتسسأمله مسسن طسسرف عينسسي‬
‫فكأنه بشعره النسسابت وشسساربيه المتسسدليين وسسسحنته السسسمراء نسسوع مسسن‬
‫المخلوقات انقرض من عهد بعيد واختفى ‪ ،‬ثم ها هسسو ذا يعسسود السسساعة‬
‫إلى الوجود !‬
‫كان من أغرب المشاهد حق سا ً علسسي وعلسسى قرابسسة خمسسسة وثلثيسسن أخ سا ً‬
‫يسسستقلون البسساص معسسي أن نبصسسر رجل ً طسسبيعي الهيئة معسسافى البسسدن‬
‫يقهقه مل شسسدقيه بل خسسوف ول وجسسل ‪ ..‬بعسسد أكسسثر مسسن عشسسرة أعسسوام‬
‫أمضيناها في سسسجن تسسدمر الصسسحراوي ‪ ،‬ل نبصسسر إل وجسسوه المعتقليسسن‬
‫صفراء ناحلة ‪ ،‬ورؤوس نزلء الزنسسازين محلوقسسة كالبطيخسسة الملسسساء ‪..‬‬

‫وهامسساتهم مطسسأطئة مسسن القهسسر علسسى السسدوام ‪ ..‬تتلقسسى كسسل أصسسناف‬
‫العذاب ‪ ،‬ول حق لها أن تنبس ولو ببنت شفة !‬
‫كسانت تلسك هسي نهايسة الكسابوس المرعسب أو مراحسل نهسايته الخيسرة ‪.‬‬
‫وكانت المشاعر والهسواجس خليطسا ً مسن الفسرح والوجسوم ‪ ..‬والبشسرى‬
‫والتوجس ‪ ..‬والتشوف والتخوف ‪ .‬لكسن البسدايات كسانت مسذ كسانت غيسر‬
‫ت بها من قديم الزمان ‪.‬‬
‫ذلك ‪ ..‬وفاتحة الرحلة ها هي كما ارتحل ُ‬
‫سنوات الشباب‬
‫اسمي محمد سليم حماد ‪ .‬ولدت عام ‪ 1960‬في العراق رغم أن أهلسسي‬
‫من فلسطين ‪ .‬فوالسسدي رحمسسه اللسسه سسسليم حمسساد المفتسسش فسسي وزارة‬
‫التربية والتعليم بالردن وقتذاك كان في مهمة عمل في العسسراق حيسسن‬
‫وضسسعتني أمسسي ‪ .‬ثسسم لسسم تلبسسث السسسرة أن عسسادت إلسسى مدينسسة نسسابلس ‪،‬‬
‫فجرش ‪ .‬قبل أن تحط بنا الرحال فسسي مدينسسة الزرقسساء بسسالردن ‪ ،‬حيسسث‬
‫نشأت وترعرعت وسط إخوتي الربعة ‪ .‬وأمضيت عشر سنوات كسساملت‬
‫من سن التاسعة إلى التاسعة عشرة ‪.‬‬
‫لم تكن أسرتي بالسرة الملتزمة أو صاحبة النتماء السياسي المحدد ‪.‬‬
‫الوالدان يصليان كعادة أهل البلد ‪ ،‬لكن الدين عندهما ل يزيد عسسن ذلسسك‬
‫بكسسثير ‪ .‬وحيسسن بسسدأت أتسسردد علسسى المسسسجد وأبسسدي وأنسسا فسسي المرحلسسة‬
‫العداديسسة مسسا يمكسسن أن يسسسمى اهتمامسا ً أكسسثر بالسسدين ‪ ،‬بسسدأت علمسسات‬
‫التململ تظهر في البيت ‪ .‬وحين تحول هذا الهتمسسام إلسسى درجسسة أشسسد‬
‫وأخذت أتفاعل مع السسسلم كقضسسية وبسسدأت أنشسسط فسسي هسسذا التجسساه ‪،‬‬
‫انقلسسب التملمسسل الخفسسي إلسسى معارضسسة وتحسسذير ‪ .‬لكننسسا تجاوزنسسا تلسسك‬
‫المعارضة بالتدريج بفضسسل اللسسه ‪ .‬ولسسم أكسسن واقسسع المسسر أحسساول إل أن‬
‫أطبق الكلم الذي أسمعه في مسسسجد عثمسسان بسسن عفسسان السسذي اعتسسدت‬
‫المداومة على الصلة فيه واللتقاء بالشباب في رحابه من غير رابطسسة‬
‫محددة إلى ذلك الوقت ‪ .‬كانت القضية مجرد عاطفة تجيسسش وتسسستعر ‪،‬‬
‫لكن التفاعل مع الدعوة إلى الله أخذ يغمرنسسي بشسسكل متزايسسد ‪ ،‬وتبليسسغ‬
‫الناس هذا النور الذي بلغته أخذ يلح علي كهاجس دائم ‪.‬‬
‫كنا مع مجموعة من الصدقاء الصسسفياء نتنسسافس فسسي الخيسسر ‪ .‬ول أزال‬
‫أذكر كيف كنت أستيقظ قبل أذان الفجر بساعة أو أكثر حتى في أشسسد‬
‫أيام الشتاء بسسرودة لذهسسب إلسسى بيسسوت أولء وأوقظهسسم للصسسلة ‪ .‬وبعسسد‬

‫صسسلة الجماعسسة فسسي المسسسجد كسسانت لنسسا جلسسسة لقسسراءة المسسأثورات ‪.‬‬
‫وجلسات ولقاءات في المدرسة بين الصفوف ‪ ،‬وبعد المدرسسسة ‪ ،‬وفسسي‬
‫الصلوات الخرى ‪ .‬ولم تلبث الفكار أن بدأت بالتبلور لسسدي وأنسسا أتسسدرج‬
‫في مراحل الدراسة حتى ملكت علسسي كسسل كيسساني ‪ ،‬وصسسرت أنفسسق كسسل‬
‫تفكيري في البحث عن مجال نطبق فيه هذه الفكار إلى حيز الوجود ‪،‬‬
‫ووصسسلت إلسسى قناعسسة تامسسة بسسأنه مهمسسا بسسذلت فسسي سسسبيل ذلسسك الهسسدف‬
‫فسيرخص دونه ‪ .‬ولسسم ألبسسث أن وجسسدتني عضسسوا ً فسسي جماعسسة الخسسوان‬
‫المسسسلمين السستي تنشسسط فسسي الردن بشسسكل علنسسي ‪ ،‬ويسسدخلها النسساس‬
‫وينتمون إليها بشكل طبيعي وعادي ‪ .‬وعنسسدما بلغسست المرحلسسة الثانويسسة‬
‫كنت مسؤول ً عن الطلبة المنظمين في مدرستي ولم يكن ذلسسك بسسالمر‬
‫الذي أخفيه ‪.‬‬
‫منهج ونظام‬
‫كانت الحركة السلمية في الردن وقتذاك في بداية تشكيل جديد بعسسد‬
‫ن بتربيتنسسا‬
‫و َ‬
‫محنسسة إيلسسول عسسام ‪ . 1970‬وكسسان إخواننسسا وموجهونسسا ي ُ ْ‬
‫عَنسس ْ‬
‫هدون لنقل السلم المتكامسسل إلسسى أذهاننسسا وعقولنسسا ‪ .‬فتعلمنسسا أن‬
‫وي َ ْ‬
‫ج َ‬
‫هذا الدين هو الطريق الذي تسعد البشرية من خلله وحده ‪ ،‬وأنه نظام‬
‫متكامل للحياة ‪ ..‬فهسسو منهسسج سياسسسي وحسسل اقتصسسادي وخلسسق وعبسسادة‬
‫ونظام ‪ .‬هو دين الله وسعادة البشرية فيه ‪ ،‬وعلينا نحن السسذين تبنينسساه‬
‫أن ننشره بين الناس ونجهد لتطبيقه على شكل نظام سياسي كامل ‪.‬‬
‫ولكم كان يحلو لي أن أنشد وقتها بكل جارحة كم جسسوارحي أبيات سا ً مسسن‬
‫قصيدة "شباب السلم" للشسسهيد هاشسسم الرفسساعي يقسسول فيهسسا وكسسأنه‬
‫يتحدث بلسان حالي ‪:‬‬
‫ملكنا هذه الدنيا قرونا‬
‫وأخضعها جدود صالحونا‬
‫وسطرنا صحائف من ضياء‬
‫فما نسي الزمان ول نسينا‬
‫ثم إذا نظر إلى واقعنا ونظرت معه أنشدت أبياته التاليات ‪:‬‬
‫وما فتىء الزمان يدور حتى‬

‫مضى بالركب قوم آخرونا‬
‫ترى هل يرجع الماضي فإني‬
‫أذوب لذلك الماضي حنينا‬
‫وتراني من ثم أهتف بانفعال أريد أن أسمع العالم كله أقول ‪:‬‬
‫دعوني من أمان كاذبات‬
‫فلم أجد المنى إل ظنونا‬
‫وهاتوا لي من اليمان نورا ً‬
‫وقووا بين جنبي اليقينا‬
‫أمد يدي فأنتزع الرواسي‬
‫وأبني المجد مؤتلقا َ مكينا‬
‫انه لصعب حقسا ً أن أصسسف مشسساعري وقتسسذاك ‪ ،‬لكسسن النسسسان إذا تبنسسى‬
‫فكرة بهذا العمق وهذا القدر من الجدية فإنه يجنسسد كسسل سسسكنة وحركسسة‬
‫مسسن حركسساته فسسي سسسبيلها ‪ .‬ويشسسعر أنسسه علسسى اسسستعداد كامسسل لنسستزاع‬
‫الرواسي من أجلها ‪.‬‬
‫مخيم النخبة‬
‫في عام ‪ 1977‬عقدت "الندوة العالمية للشباب السسسلمي" مخيمسا ً لهسسا‬
‫في منطقة "دبين" بالردن قدر لسسي أن أشسسارك فيسسه علسسى الرغسسم مسسن‬
‫أننسسي كنسست ل أزال فسسي المرحلسسة الثانويسسة بعسسد والمخيسسم مخصسسص‬
‫للجامعيين ‪ .‬وكانت العادة أن نشهد مخيما ً أو اثنيسسن فسسي العسسام نتسسدرب‬
‫فيهما على الحياة الخشنة واللياقة البدنية ‪ ،‬ونتلقى من خللهما بعسسض‬
‫المحاضرات والدروس التربوية ‪ .‬لكن الجديد في ذلسسك المخيسسم وقتسسذاك‬
‫أنني التقيت وللمرة الولى بنخبة من إخواننا السوريين ‪ ،‬وتعرفت عن‬
‫كثب على قضيتهم ومعاناتهم وجملة هامة من أفكسسارهم ‪ .‬المسسر السسذي‬
‫كان له وقع مختلف على نفسي لم تظهر آثاره إل بعد سنوات ‪.‬‬

‫معاناة مرة‬
‫كان مسؤول الخيمة التي نزلسست فيهسسا أخسا ً سسوريا ً اسسسمه صسبري غنسام‬
‫وكنيته أبو عمسسار ‪ .‬ول أزال أحسسس بسسالثر العميسسق السسذي تركسسه هسسذا الخ‬
‫المربي في نفسي ‪ ،‬وأتذكر تماما ً صور الخوة الخرين والمحبسسة السستي‬
‫قامت بيننا منذ ذلك الوقت ‪ .‬وعندما دخلست سسورية بعسد ذلسك بسسنوات‬
‫عرفت أن الذين التقيتهسم كسانوا طليعسة الخسوة السسوريين ونخبتهسم ‪:‬‬
‫عصام وعبد الله قدسي ‪ .‬جمال عقيل ‪ .‬جلل جلل ‪ .‬عدنان شيخوني ‪.‬‬
‫كذلك حضر المخيسسم وقتهسسا الشسسيخ سسسعيد حسسوى وألقسسى فينسسا محاضسسرة‬
‫مطولة وقتها ‪ .‬لكن المحاضرة التي ألقاها الخ عدنان شسسيخوني كسسانت‬
‫أول كلم أسسسمعه عسسن النظسسام السسسوري وتركيبتسسه الطائفيسسة وتسسسلطه‬
‫وطغيانه ‪ ،‬وكانت بداية اطلعي على معاناة إخواننا المرة في سورية ‪.‬‬
‫وأتذكر أن أطرافا ً من أحاديث وصلتني في المخيسم أيضسا ً عسن عمليسات‬
‫الشيخ مروان حديسسد وقتهسسا ‪ .‬فلمسسا تفجسسرت الحسسداث فسسي سسسورية بعسسد‬
‫عسسامين كنسست أحسسس أننسسي قريسسب مسسن هسسؤلء الخسسوة ومسسن قضسسيتهم ‪،‬‬
‫ووجدتني عندما أتى من أتى وسألني أن أساعد في هذا التجسساه أ َ ْ‬
‫قَبسس ُ‬
‫ل‬
‫بل تردد ‪ ..‬وأ ُ ْ‬
‫قب ِ ُ‬
‫ل بكل امتنان وسعادة ‪.‬‬
‫حادثة المدفعية‬

‫كانت أيام المرحلة الثانوية قد انقضسست وحصسسلت علسسى المجمسسوع السسذي‬
‫أهلني لدخول كلية العلوم بالجامعة الردنية ‪ .‬وفجأة ومن غير مقدمات‬
‫بلغتنا أواخر شسسهر حزيسسران عسسام ‪ 1979‬أنبسساء حادثسسة المدفعيسسة بحلسسب ‪،‬‬
‫والتي اتهسسم العلم السسسوري بهسسا جماعسسة الخسسوان المسسسلمين وأعلسسن‬
‫الحرب عليها من فوره ‪ .‬وسرعان ما انتقل صدى الحادثة إلسسى صسسفوف‬
‫الخسسوان الردنييسسن ‪ ،‬وعسساد الحسسديث عسسن طائفيسسة النظسسام السسسوري‬
‫ومظالمه وبطشه بالسلميين يسري بيننسسا ‪ ،‬فسسي السسوقت السسذي أخسسذت‬
‫الصحف المحلية والعربيسة تسسلط الضسواء بطسرق شستى علسى الحادثسة‬
‫ومنفذيها ‪ ..‬وعلى خلفيسسات الوضسسع السياسسسي والطسسائفي فسسي سسسوريا‬
‫بشكل عام ‪.‬‬

‫في ذلك العام كانت مشاعرنا السلمية مشسسدودة مسسع الثسسورة اليرانيسسة‬
‫أيضا ً ‪ ،‬وكانت العواطف الثورية آخذة في التنامي بين أوساط الخسسوان‬
‫الردنييسسن ‪ .‬وعلسسى الرغسسم مسسن أن العمسسل المسسسلح لسسم يكسسن واردا ً فسسي‬
‫تربيتنا الخوانية ‪ ،‬وكانت الجماعة كما أفهمونا دائما ً مجرد حركة دعوية‬
‫وحسب ‪ ،‬إل أن الفكرة كانت تتشكل وفق نفسية كل فرد منا ‪ .‬ولسسذلك‬
‫نشأت مدارس متعددة داخل التنظيم ‪ ،‬التزم بعضها بتوجيهسسات القيسسادة‬
‫وتعليماتها ‪ ،‬ورأى البعض نتيجسسة حماسسسته أن علينسسا أن نبسسادر ونتصسسرف‬
‫بشيء عملي لخدمة هذا الدين ‪ ،‬وأنه ل منفذ لتحقيق ذلسسك وسسسط هسسذه‬
‫الظروف إل الستعانة بالسلح ‪ .‬وبعد تفجر الحداث في سسسورية قسسوي‬
‫هسسذا التجسساه عموم سا ً ‪ ،‬ولسسذلك وعنسسدما بسسدأت أقسسدم المسسساعدة للخسسوة‬
‫السوريين كنت في غاية السعادة أحس أنني أقوم الن بعمسسل حقيقسسي‬
‫جهادي لتطبيق السلم الذي حملته كفكرة طوال السنوات الماضية ‪.‬‬
‫الى دمشق‬
‫كانت طبيعة المساعدات التي قدمناها للخوة السوريين اللجئين إلسسى‬
‫الردن مجرد خدمات اعتيادية لتسسسهيل تنقلتهسسم واسسستئجارهم للسسبيوت‬
‫داخل البلد ‪ .‬لكننا كنا من خلل ذلك نتعرف أكثر علسسى خلفيسسة الحسسداث‬
‫ونحس المأساة التي تجسدها عسسوائل كريمسسة نزحسست عسسن بلدهسسا خسسوف‬
‫الملحقة والعتقال ‪ ،‬وشباب متفوقسسون تركسسوا جامعسساتهم ومدارسسسهم‬
‫ليعيشسسوا حيساة الغستراب والتشسسرد القسسسري ‪ .‬وكنسسا نسسمع مسن هسسؤلء‬
‫روايسسات مسسثيرة عسسن البطسسولت السستي تجسسري ‪ ،‬ونتفاعسسل مسسع قصسسص‬
‫المواجهسسات السستي يقسسوم بهسسا حفنسسة مسسن الشسسباب فسسي مقابسسل نظسسام‬
‫دكتاتوري كامل العدة والعتاد ‪ ،‬فكأنها ضسسرب مسسن الخيسسال ‪ .‬ومسسن خلل‬
‫ذلك تعرفت على الكثير من الشباب السوريين وقيسساداتهم ‪ .‬ولسسم ألبسسث‬
‫في خضم ذلك أن تلقيت رسالة من سوريا تتحدث عن قبولي في كلية‬
‫الهندسسسة المدنيسسة فيهسا ‪ ،‬والسستي كنست قسسد تقسسدمت إليهسا خلل الفسترة‬
‫الماضية رغبة مني في دراسة هذا الفسسرع السسذي أميسسل إليسسه ‪ .‬وبالفعسسل‬
‫رتبت أموري وحزمسست حقسسائبي ويممسست مسسع بسسدايات عسسام ‪ 1980‬شسسطر‬
‫دمشسسق ‪ ،‬تحسسدوني المسسال بسسدخول الكليسسة السستي تمنيتهسسا ‪ ،‬والمنيسسات‬
‫بالقتراب أكثر من تلك القضية الجهادية الساخنة هناك ‪.‬‬
‫وواقع المر فإنني وبعد أن ازددت احتكاكا ً بقيسسادة الخسسوان السسسوريين‬
‫من خلل تعاملي معهم في الردن ‪ ،‬فقد تم وصلي بالخوة السسسوريين‬

‫في دمشق ‪ ،‬وحددت لي مهمسسة مبكسسرة بتوصسسيل تعليمسسات القيسسادة مسسن‬
‫الردن إلى دمشق ‪ .‬وفي هذا السياق تم ربطي مع شخص آخسسر اسسسمه‬
‫مازن كان سائق سيارة على الخط نفسه ‪ ،‬لنؤدي هذه المهمة بالتعاون‬
‫والتنسيق ‪ .‬وفي عمان كان الستاذ علي البيانوني "أبو أنس" والستاذ‬
‫أديسسب جاجسسة "أبسسو الطسساهر" أكسسثر مسسن كنسست أتلقسسى منهسسم التعليمسسات‬
‫والرسائل وأنقلهسسا بمسسساعدة مسسازن ‪ ،‬لنسسسلمها هنسساك إلسسى الخ سسسالم‬
‫الحامد "أبو ال َ‬
‫فَرج" أو خالد الشامي أو إخسسوة آخريسسن كسسانوا يسسأتون مسسن‬
‫مختلسسف المسسدن والمحافظسسات إلسسى مواعيسسد محسسددة ل نعرفهسسم إل‬
‫بأسمائهم الحركية ‪.‬‬
‫بين الطليعة والخوان‬
‫كان الوضع التنظيمسسي للخسسوان فسسي دمشسسق فسسي بدايسسة تأسيسسسه تلسسك‬
‫ز َ‬
‫ل مجموعسسات مسسن شسسبابها‬
‫الفترة ‪ .‬فالقيادة في الردن قسسررت أن ت ُن ْس ِ‬
‫لتأسيس قواعد جديدة ‪ .‬وتم اختيار أبي ال َ‬
‫فَرج ليكون أميسسن سسسر مركسسز‬
‫دمشق ‪ ،‬وفاروق أبو طسسوق مسسسؤول ً عسسسكريا ً ‪ .‬وأمسسا المسسسؤول العسسام‬
‫لمركز دمشق فكان غالب اللوسي ‪ .‬ولم تكسن طبيعسة المرحلسة تتعسدى‬
‫تأسسسيس القواعسسد وتسسأمين أمسساكن لمسسن سسستختاره القيسسادة فسسي الردن‬
‫للنزول ‪ .‬أما خارج هسسذا الطسسار وبالنسسبة للعمليسات والحسسداث الجاريسسة‬
‫والمتصاعدة على الساحة في دمشق أو في بقية المحافظات فلم تكن‬
‫معلوماتي عنها كثيرة وقتها ‪ .‬كنا نسمع الخبار كباقي النسساس ‪ ،‬ولكننسسا‬
‫لم نكن نعلم كثيرا ً عن وجود تنظيم آخر هسسو السسذي ينفسسذ العمليسسات ‪ ،‬أو‬
‫عن وجود خلف تبين أنه لم يكن طارئا ً ول سطحيا ً بين قيسسادة الخسسوان‬
‫في الخارج وتنظيم الطليعة في الداخل ‪ .‬لكسسن خلفسا ً آخسسر نشسأ لحقسا ً‬
‫بين صفوف قيادة مركسسز دمشسسق الجديسدة هسسذه حينمسا أراد فساروق أبسو‬
‫طوق أن ينفسسذ عمليسسة تسسستهدف مبنسسى للخسسبراء السسروس فسسي دمشسسق ‪،‬‬
‫فسساعترض سسسالم والخسسوة الخسسرون فسسي القيسسادة لن مخطسسط التنفيسسذ‬
‫وطبيعته كانا يقتضيان استخدام كميسسة مسسن المتفجسسرات كفيلسسة بتسسدمير‬
‫المبنى وما جاوره من مبسان سسكنية لمسدنيين عساديين ‪ .‬واشستد الخلف‬
‫وى اسسستبدال فسساروق‬
‫حول المر حتى طلب سالم من الشسسيخ سسسعيد ح س ّ‬
‫فتم له ذلك ‪.‬‬
‫مراسلت‬

‫مضسست المسسور علسسى هسسذه الشسساكلة ‪ .‬أداوم فسسي كليسسة الهندسسسة بشسسكل‬
‫عادي ‪ ،‬وأساعد بين وقت وآخر في نقل المراسسسلت وتبليسسغ المهمسسات‬
‫بين عمان ودمشق ‪ ،‬إلى أن قدر الله في يوم من أيام شسسهر آذار كنسست‬
‫مسسسافرا ً وقتهسسا مسسن دمشسسق إلسسى الردن حينمسسا أوقفسسوني فسسي مركسسز‬
‫الحدود السورية من غير مقدمات وأمروني بمغادرة السسسيارة والسسذهاب‬
‫معهم ‪ .‬وكان من لطف الله أنني لم أكن أحمل معي أية رسالة أو أمسسر‬
‫يثير الشك يومها ‪ .‬وبت ليلتها في سجن المخابرات بدرعا مسسن غيسسر أن‬
‫تسسوجه لسسي تهمسسة محسسددة ‪ .‬ول أزال أذكسسر كيسسف اخسسترق السسبرد عظسسامي‬
‫وجعلني أعاني الليل كله في الزنزانة وحدي تختلط الفكار في ذهنسسي‬
‫وتتقلب علي الهواجس قبسسل أن تسسأتي دوريسسة للمخسسابرات صسسباح اليسسوم‬
‫التالي فتأخذني إلى قيادة الركان بدمشق ‪.‬‬
‫ورغم أنني لم أشعر بالخوف مما حدث إل أن الغمسسوض بحسسد ذاتسسه كسسان‬
‫مخيفا ً ‪ .‬وعلى الرغم من أنهم لم يعاملوني بشسسدة تسسذكر فسسي الركسسان‬
‫وتبين لهم خلل يومين اثنين أنني لم أكن الشسسخص المطلسسوب ‪ ،‬إل أن‬
‫الفترة التي أمضيتها بين الزنازين وفي أقبية المخابرات حينذاك كانت‬
‫كافيسسة لتسسبين فظاعسسة الوضسسع هنسساك ومقسسدار الرهبسسة والمعانسساة السستي‬
‫يلقيهسسا السسسجناء ‪ :‬طريقسسة السسسئلة ‪ ..‬الكلمسسات البسسذيئة والمسسسبات ‪..‬‬
‫الصفعات والهانات ‪ ..‬وأصوات التعذيب واستغاثات المعذبين ‪ .‬وعنسسدما‬
‫خرجت وعدت إلى الردن رأيت الهل الذين علمسسوا بسسالخبر مضسسطربين‬
‫جدا ً ‪ ،‬وألحوا علسي أن ل أعسود ‪ .‬لكننسسي أصسرت علسى العسسودة ‪ ،‬ورجعسست‬
‫بالفعل إلى كليتي ‪ ،‬وإلى تأدية مهمتي مراسل ً مثلما كنت بين القيسسادة‬
‫في عمان وأبي الفرج في دمشق ‪.‬‬
‫أبو ال َ‬
‫فَرج‬
‫كان أبو الفرج رحمه الله العنصر القيادي النشط في مجموعسسة قيسسادة‬
‫دمشق ‪ .‬وسالم هو البن الصغر للشيخ محمد الحامسسد رحمسسه اللسسه أحسسد‬
‫العلماء المشهورين في حمسساة ‪ .‬وربمسسا كسسان ذلسسك أهسسم أسسسباب تسسوليته‬
‫المزيد من المسؤوليات ‪ .‬ول أزال أذكر أنه طلب مني أواخسسر أيسسامه أن‬
‫يسسستلم كسسل المراسسسلت القادمسسة مسسن عمسسان ليوزعهسسا علسسى مراسسسلي‬
‫المحافظات بنفسه ‪ .‬وعندما أبديت له خشيتي أن ترهقه المسؤولية أو‬
‫أن تسزداد نسسسبة انكشسسافه بازديسساد السسذين يلتقيهسسم أصسر ‪ .‬وفسسي اللقسساء‬
‫التالي قال لي بأن الشيخ سعيد حوى يريد ذلسك أيضسا ً ويسأمر بسه ‪ .‬فلسم‬

‫يسسسعني إل أن أجيسسب طلبسسه ‪ .‬وكسسان مسسن مفارقسسات المسسور أن اعتقسسال‬
‫سالم أتى بعد فترة وجيزة عن طريسسق اعتقسسال أحسسد هسسؤلء المراسسسلين‬
‫أنفسهم !‬
‫لم يكن سالم وهو أمين سسسر تنظيسسم دمشسسق يمشسسي مسسسلحا ً ‪ ،‬وعنسسدما‬
‫سألناه عن ذلك مرة قال لنا ‪ :‬ان حدث شيء فلن يتمكنوا من اعتقالي‬
‫‪ ،‬فإما أن أموت أو أن أفلت منهم ‪ .‬لكسسن الظسسروف أتسست علسسى غيسسر مسسا‬
‫توقع سالم ‪ ،‬ففي شهر آب عام ‪ 1980‬تم اعتقال مراسل حمص ‪ ،‬ولم‬
‫يكن بين اعتقاله وموعده مع سالم أكثر من سسساعة ‪ ،‬لكسسن الخ اعسسترف‬
‫من شدة التعذيب على الموعد المقرر على موقف باص الزبسسداني عنسسد‬
‫وكالة سانا للخبار ‪.‬‬
‫ولقد حدثني سالم بنفسه فيما بعد كيف وجد مجموعة مسسن المخسسابرات‬
‫الذين تنكروا بثسسوب البسسداوة وكمنسسوا فسسي المكسسان ينقضسسون عليسسه فسسور‬
‫حضسسوره ‪ ،‬فيمسسسكه اثنسسان منهسسم مسسن يسسديه خشسسية أن يكسسون مسسسلحا ً ‪،‬‬
‫ويجتمع البقية عليه يوسعونه ضربا ً حتى فقد الوعي ‪ ،‬فلما صحى وجسد‬
‫نفسه بين أيديهم في فرع المخابرات ل حيلة له ول حول ‪.‬‬
‫مفاتيح التنظيم‬
‫لم يعترف سالم في البداية إل أنه مجرد مراسسل عسسادي ‪ .‬لكسن العسسذاب‬
‫الذي انصب عليه طوال يوم كامل فاق قدرته علسسى الحتمسسال ‪ .‬وكسسانوا‬
‫عندما اعتقل قد وجدوا مفتاح البيت السذ يتخسذه قاعسسدة خاصسة بسه فسسي‬
‫جيبه ‪ .‬وسرعان ما طوقوا المكان وداهموا البيت قرب جسسامع المنصسسور‬
‫بدمشق ‪ .‬وكان سالم يستضيف وقتها أخا ً مجاهدا ً اسمه طريف جعمور‬
‫‪ ،‬انبرى وتصدى للمداهمة ‪ ،‬وحسسدثت مقاومسسة بطوليسسة مسسن الخ طريسسف‬
‫استمرت ثلث ساعات ‪ ،‬ولم يتمكنوا منه إل عندما صعدوا مئذنة الجامع‬
‫وضربوه بقاذفات الر‪ .‬بي ‪ .‬جي ‪ .‬واستشهد الخ ‪ .‬فلمسا تسم لهسم ذلسك‬
‫ودخلوا البيت وجدوا فيه بين أوراق سالم رسالة من الستاذ عبسسد اللسسه‬
‫الطنطاوي من عمان يكلفه فيها أمانة مركز دمشسسق رسسسميا ً ‪ ،‬فعرفسسوا‬
‫وقتها من هو سالم بسسالظبط ‪ .‬وفسسي نفسسس المكسسان عسسثرت المخسسابرات‬
‫على الهويات المزورة التي يستخدمها التنظيم الناشىء والختسسم السسذي‬
‫كان يختم به سالم فوق الصور ‪ ،‬فتأكسسدت لهسسم الفروقسسات السستي سسسبق‬
‫واكتشفوها في الهويات من قبل ‪ ،‬وصار كل شاب يستخدم هذا النسسوع‬

‫من الهويات في حكم المكشوف ‪ ،‬وسرعان ما جرى اعتقال الكثير من‬
‫أولئك في الكمائن داخل دمشق وبقيسسة المحافظسسات أو علسسى الحسسدود ‪،‬‬
‫كان من ضمنهم عدد من الخوة السبعة عشر السسذين هربسسوا مسن سسجن‬
‫كفر سوسة قبل عدة شهور ‪ .‬فسسإذا أضسسفنا إلسسى ذلسسك اعترافسسات سسسالم‬
‫تحت التعذيب تأكد لنا أن اعتقال أبي الفرج كان ضربة قاسية للتنظيم‬
‫‪ ،‬وانكشافا ً للمفاتيح الكثيرة التي كانت بيده رحمه الله ‪.‬‬
‫حياة الشهيد !‬
‫لكن المر الذي ضاعف المصاب وكبد الخوة مزيسسدا ً مسسن الخسسسائر كسسان‬
‫حقيقة المر في قيام نشرة "النذير" الناطقسسة باسسسم تنظيسسم الخسسوان‬
‫بالمسارعة إلى نشر موضسسوع عسسن حيسساة الشسسهيد سسسالم الحامسسد ‪ ،‬ربمسسا‬
‫سسسعيا ً لسسستثمار اسسسم الشسسيخ محمسسد الحامسسد فسسي تحريسسك النسساس ‪ ،‬أو‬
‫لتحقيق مزيد من اللتفاف حسسول مجموعسسات الخسسوان وقيسساداتهم السستي‬
‫نزلت الميدان من قريب ‪ .‬ومضت "النذير" تتحدث عن أبي الفرج السسذي‬
‫قاوم السلطة ساعات عديسسدة فسسي بيتسسه بدمشسسق قبسسل أن يلقسسى ربسسه ‪،‬‬
‫ورسسمت لسه قصسة بطوليسة ل أسساس لهسا مسن الصسحة ! وسسادت هسذه‬
‫القناعة بين الخوة في دمشق وباقي المحافظات ‪ ،‬وظن الناس أنهسسم‬
‫في مأمن من اعترافات سالم ‪ .‬وعاد كل منا لمتابعسسة مهمتسسه بل أدنسسى‬
‫قدر من حذر ‪ .‬وكذلك كان الحال معي ‪ ،‬وانتقلت صلتي من ثم إلسسى أخ‬
‫آخر اسمه يحيى عبد الكريسسم الشسسامي ‪ ،‬وكسسان طالبسا ً مسسن مدينسسة حمسساة‬
‫يدرس الصيدلة في جامعة دمشق ‪.‬‬

‫العتقال‬
‫اعتقل سالم يوم ‪ 23/8/1980‬وشاع نبأ مقتله واطمأن أفسسراد التنظيسسم‬
‫وقيسسادتهم ‪ .‬لكننسسي وفسسي بسسدايات شسسهر ‪ 10/1980‬وفسسي لقسساء لسسي مسسع‬
‫مسؤولي الجديد يحيى فاجأني بأن سالم لم يستشهد واقع المر وإنما‬
‫اعتقل ‪ .‬فلما سألته عن مصدر هذه المعلومة غير المتوقعة قال لي إن‬
‫عبد المعز شقيق سالم استدعي إلى فسسرع المخسسابرات بالعسسدوي وكسسان‬
‫وقتها مجندا ً بالخدمة اللزامية وتم التحقيق معه ثسسم أفسسرج عنسسه ‪ .‬وأنسسه‬
‫أحس خلل تلك الفترة بوجود أخاه سالم هناك على قيد الحيسساة ونقسسل‬
‫له ذلك ‪ .‬ورغم أن يحيى طلب مني أن آخذ حذري واحتياطاتي إل أننسسي‬
‫لم أفعل ذلك ‪ ،‬وكأنني بعد أن تكرست في ذهني قصة الشهيد وروايسسة‬
‫المقاومة التي نسجتها "النذير" لم أقتنع بمسسا قسسال ‪ ،‬وأكملسست مهمسستي‬
‫وحياتي بشكل عادي ونسيت الموضوع !‬
‫وفسسي يسسوم الخميسسس الموافسسق للثسسامن مسسن الشسسهر نفسسسه ذهبسست عنسسد‬
‫الظهيرة إلى كلية الهندسة لحضور إحدى المحاضسسرات كالمعتسساد ‪ .‬ولسسم‬
‫تفاجئني في البدايسسة مظسساهر الحراسسسة المشسسددة وانتشسسار المسسسلحين‬
‫على البواب لن هذا الجراء بات اعتياديا ً هناك منذ شهور ‪ .‬لكن ما أن‬
‫توقفت وقدمت بطاقتي لمسؤول المسسن حسستى التسسف حسسولي عسسدد مسسن‬
‫المسلحين قاطعين علي أي تفكير بسسالهرب ‪ .‬وخلل دقسسائق لسسم أتمكسسن‬
‫ي ودفعسسوني‬
‫ي وأوثقوا يد ّ‬
‫فيها من التقاط أنفاسي كانوا قد غطوا عين ّ‬

‫إلى سيارة انطلقت بي كالزوبعة لتقذفني في مكسسان ل أعرفسسه ‪ ،‬تسسبين‬
‫لي بعدها أنه فرع قيادة مخابرات منطقة العدوي السسذي يرأسسسه العقيسسد‬
‫نزارالحلو ‪.‬‬
‫وجها ً لوجه !‬
‫استقبلتني من فوري اللكمات والركلت من كل جهة وأنا في طريقسسي‬
‫إلى قبو المبنى ‪ .‬وهناك ومع الجراءات نفسها فتشسسوني وأخسسذوا فسسي‬
‫غرفة المانات كل ما كان فسسي جيسسوبي علوة علسسى السساعة والحسسزام ‪،‬‬
‫ومنحوني رقم "‪ "13‬ليكون اسمي الجديد من الن فصاعدا ً ‪.‬‬
‫ودفعسسوني وأنسسا ل أزال مطمسسش العينيسسن مكلبسسش اليسسدين إلسسى مهجسسع‬
‫جماعي استطعت أن ألمح فيه العديد من المساجين على مثل حالتي ‪،‬‬
‫والسجان يجلد ظهورهم بكبل في يده ‪ .‬ولسسم تمسسض علسسي دقسسائق حسستى‬
‫ج ثانيسسة‬
‫جسسذبتني اليسسدي وأصسسعدتني مسسع السسركلت والصسسفعات السسدََر َ‬
‫وأوقفتني فجأة ونزعت الغطاء عن عيني ‪ ،‬لجسسد سسسالم الحامسسد واقفسا ً‬
‫أمامي وقد طالت لحيته وشعره ل ينبسسس بشسسفة ‪ .‬ومسسن غيسسر مقسسدمات‬
‫أتاه السؤال ‪:‬‬
‫أهذا هو ؟‬
‫قال ‪ :‬نعم ‪.‬‬
‫و ُ‬
‫فتح الباب فدلف صالح الخوجة الطبيب الدمشقي الذي كان أحسسد مسسن‬
‫أوصلت لهم الرسائل مرة ‪ .‬فسألوه السؤال نفسه ‪ ،‬فأجاب بمسسا أجسساب‬
‫سالم ‪ ،‬وغاب الرجلن عن عيني بعد ذاك ‪.‬‬

‫في الزنزانة‬
‫أسقط في يدي ‪ ،‬وأذهلتني المفاجأة بحق ‪ ،‬ومن غير أن يمسسسني أحسسد‬
‫هذه المرة اقتسسادني عنصسسر إلسسى القبسسو كمسسا أحضسسرني ‪ .‬وفسسي الزنزانسسة‬
‫الموحشة حيث ألقاني هجمت علي التسسساؤلت والمخسساوف والهسسواجس‬
‫دفعة واحدة بل رحمة ‪ :‬أمي وأبي ‪ ..‬أهلي ‪ ..‬ماذا يفعلسسون الن ؟ كيسسف‬
‫تراهم يتعذبون مسسن أجلسسي ؟ يسسا للمسسساكين ‪ ..‬سسسيحاولون البحسسث عنسسي‬

‫والتوسسط لسي بل شسك ‪ ..‬ولسن يجسدوا إل الفشسل وخيبسة المسل ! لقسد‬
‫انتهيت هذه المرة ‪ ..‬والعتراف الن علي متحقسسق ودامسسغ ‪ .‬ومسساذا عسسن‬
‫أولء الذين ل يزالون على صلة معي في سورية ؟ هل تراهم انكشسفوا‬
‫‪ ،‬أم أننسسي سأضسسطر لكشسسفهم بعسسد حيسسن ؟ ومسساذا عسسن التعسسذيب السسذي‬
‫ينتظرني ؟ ماذا عن قصص الرعسسب السستي سسسمعت الكسسثير عنهسسا ورأيسست‬
‫ملمح بعضها في اليام القليلسسة السستي أوقفسسوني فيهسسا المسسرة الماضسسية‬
‫على الحدود ؟ هسسل انتهسسى كسسل شسسيء حقسا ً ‪ ..‬هسسل هسسي إل مجسسرد أيسسام‬
‫معدودة ثم تنتزع مني المعلومات وأنال المصير الذي ناله شهداء تسسدمر‬
‫قبل أقل من عام !‬
‫إلى التحقيق‬
‫مضى الوقت علي كالطوفان أغرقني وأرعبني ‪ ،‬ولم تلبث الزنزانة أن‬
‫فتحت من جديد ونادى المنادي ‪:‬‬
‫‪ 13‬ول ‪ ..‬هيا ‪.‬‬
‫وساقتني اليدي القاسية ثانية إلى العلى ‪ .‬وعلى باب غرفة التحقيق‬
‫وجدت الشخص الذي أحضرني ينزع عني ملبسي كلها ويقذف بي مسسن‬
‫ثم إلى داخل الغرفة مغمض العينين مكبل اليدين عاري سا ً كيسسوم ولسسدتني‬
‫أمي ! ولم يلبث الصوت نفسه أن أمرنسسي بسسالجثو علسسى الرض وخفسسض‬
‫الرأس ‪ ،‬وحذرني أن أحاول رفع هامتي لي سبب ‪.‬‬
‫منذ متى وأنت تعرف أبا الفرج ول ؟‬
‫جاءني السؤال هكذا بل أي مقسدمات ‪ .‬أحسسست أن شخصسا ً آخسر يطسل‬
‫علي من وراء مكتب في مواجهتي هو الذي طرح السؤال ‪.‬‬
‫من زمن ‪.‬‬
‫قلتهسا وأنسا ل أعسرف بعسد كيسف أخساطب هسؤلء النساس أو أرد عليهسم ‪.‬‬
‫فالجو المرعب منسذ اللحظسات الولسسى يلغسي لسسدى المسسرء القسسدرة علسسى‬
‫التركيز أو التمييز ‪.‬‬
‫وماذا عن الدكتور صالح خوجة ؟‬

‫قلت ‪ :‬أعرفه كذلك من زمن ‪.‬‬
‫كان الدكتور صسسالح علسسى علقسسة مسسع سسسالم بالفعسسل ‪ ،‬وحسسدث أن قمسست‬
‫بإحضار رسائل إليه من القيادة في الردن إلى عيادته بحي ركن الدين‬
‫‪ ،‬فلما اعتقل سالم كان الدكتور صالح أحسد السذين اعسترف عليهسسم كمسا‬
‫يبدو ‪ ،‬وكان قد أقر أنه يعرفني كما مر ‪ ،‬ولذلك فلم تعسسد هنسساك جسسدوى‬
‫من النكار ‪.‬‬
‫طيب محمد ‪ ..‬قل لنا الن لماذا أنت تعرف هذين الشخصين ؟‬
‫كانت اللهجة إلى الن هادئة ‪ ،‬والحديث يدور بشكل عادي في ظاهره ‪،‬‬
‫لكن ذلك كان يزيد من شعوري بالقلق من التي وترقب المجهول ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬كان هناك شخص طلب مني أن أوصل لهما رسائل ففعلت ‪.‬‬
‫وما هي هذه الرسائل ؟‬
‫ل أعرف ‪ .‬هذا الشخص كان سسسائقا ً علسسى الخسسط بيسسن عمسسان ودمشسسق ‪،‬‬
‫وكسسان يعمسسل معسسي معروف سا ً فيسسأتي لسسي بسسأغراض مسسن أهلسسى ‪ ،‬ويأخسسذ‬
‫أغراضي إليهم بعض الحيان ‪ .‬وكان بين هسسذه المسسرات يطلسسب منسسي أن‬
‫أوصل رسائل أو نقودا ً لهذين الشخصين فكنت أرد له الجميل وأفعل ‪.‬‬
‫كان مازن يوم اعتقالي مسافرا ً في الردن ولله الحمد ‪ ،‬وتأكد لي أنسسه‬
‫لن يعود بعدها ‪ .‬وكنا واقع المر قد اتفقنا على سرد مثل هذه الروايسسة‬
‫إذا وقعنسسا بأيسسدي المخسسابرات ‪ .‬ولسسذلك بسسدت لسسي إجسسابتي منطقيسسة‬
‫ومترابطة ‪ .‬لكن الرجل تابع يسأل ‪:‬‬
‫ألم تكن تعلم بمحتويات الرسائل ؟‬
‫قلت ‪ :‬ل ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬في اليوم الفلني أنت ذهبت إلى الدكتور صالح وأعطيته مغلفسسا ً‬
‫فيه مجلة النذير ورسائل أخرى مسسن الردن ‪ ،‬وقلسست لسسه أن يسسأتي علسسى‬
‫موعد مع الشيخ سعيد حوى إلى عمان ‪ .‬أل تذكر ذلك ؟‬
‫صحيح ‪ .‬أنا أوصلت إليه مغلفسا ً يومهسسا لكنسسه كسسان مغلقسا ً ‪ ،‬وهسسو موجسسود‬
‫عندكم ويمكنك أن تسأله ‪ .‬وأمسسا مجلسسة النسسذير هسسذه فل أدري مسسا هسسي ‪.‬‬

‫وأمسسا بالنسسسبة للموعسسد فمسسازن قسسال لسسي أن أخسسبر السسدكتور صسسالح بسسأن‬
‫جماعتك ينتظرونسسك فسسي الردن بالتاريسسخ الفلنسسي ففعلسست ‪ ،‬ولسسم أكسسن‬
‫أعرف أن في المر تنظيما ً أو ممنوعات‬
‫حفل التعذيب‬
‫لم يشأ الرجل القابع وراء المكتب أن يسسسمع منسسي المزيسسد كمسسا يبسسدو ‪،‬‬
‫وأدرك كما فهمت لحقا ً أن المر لم ينضج بعد ‪ .‬ولسسم ألبسسث أن سسسمعته‬
‫يقول للعنصر الذي أحضرني من غير أن يدعني أنهي كلمي ‪:‬‬
‫خذه هال‪ ....‬اعمل كذا وكذا باخته خليه يقر ‪.‬‬
‫وسرعان ما انتزعني ذاك من مكسساني وسسساقني فسسي الممسسر السسذي جئت‬
‫منه إلى غرفة مجاورة ‪ ،‬وأنا ل أزال على حسسالتي عاري سا ً مقيسسدا ً مغطسسى‬
‫العينين ‪ .‬ووجدت أيديا ً قاسية تتناولني من جديد فترفع القيد عن يسسدي‬
‫من الخلف ‪ ،‬وتجذبهما للمام وتعيد تقييسسدهما ‪ ،‬ثسسم تعسسود اليسسدي السستي‬
‫تمتد من كل اتجاه فترفعني من وسطي عن الرض ‪ ،‬وتتولى أيد أخرى‬
‫ي للعلى ‪ .‬وفي لحظة واحسسدة أفلتنسسي الجميسسع ‪ ،‬فوجسسدتني‬
‫جذب ساعد ّ‬
‫مشبوحا ً كالذبيحسسة تمامسا ً إلسسى السسسقف ‪ ،‬ورجلي تخبطسسان فسي الهسواء‬
‫ليس تحتهما شيء ‪ ..‬وبدأت أولى حفلت التعذيب !‬
‫كنت أيامها في مقتبل الشسسباب ‪ ،‬وكسسانت عسسافيتي بحمسسد اللسسه وافسسرة ‪،‬‬
‫حتى أن أحدهم ناداني مع ابتداء التعذيب ساخرا ً يقول ‪:‬‬
‫هْنت ) أي أنت ( بتلعب حديد ؟‬
‫ول ‪ِ ..‬‬
‫جل َسسدي ‪،‬‬
‫لكن عملية الشبح وحدها كانت كافية لتمسسزق أعصسسابي وتتلسسف َ‬
‫وتفقدني الوعي بعد عشر دقائق ‪ .‬غير أن المر ما كان كذلك وحسب ‪،‬‬
‫فسرعان ما انطلقت تتناوشني مجموعة من الكبلت والعصي تجلسسدني‬
‫كأسياخ النار ‪ ،‬تبعتها مسسن حيسسث ل أدري لسسسعات الكهربسساء تتخيسسر أكسسثر‬
‫مناطق الحساسية في الجسد فتصسسعقها بل رحمسسة ‪ :‬فسي النسسف مسرة ‪،‬‬
‫ومرة في الشفتين ‪ ..‬في العورة ‪ ..‬في العينين ‪ ..‬في شسسحمة الذن ‪..‬‬
‫في كل مكان تتجمع فيه مراكز الحساس ومواطن الشعور باللم !‬

‫انفجرت بالصياح من شدة اللم المتفجر فكأنما ازداد الجلدون انتشسساء‬
‫بذلك ! وازدادت حدة اللسعات والصعقات من غيسر أن يسسألني أحسد أي‬
‫شيء !‬
‫كنت أسمع وسط دوامة اللم صسسياحهم وهيسساجهم كسسالكلب المسسسعورة‬
‫حسسولي ‪ ،‬ومسسن غيسسر أن أبصسسر شسسيئا ً أحسسسست أنهسسم ربمسسا كسسانوا قرابسسة‬
‫العشرة ‪ ،‬ومع كل ضربة كانت تطرق أذني شتيمة جديدة وألفسساظ كفسسر‬
‫بالله تزلزل السسسماوات والرضسسين ‪ .‬ولسسم ألبسسث أن وجسسدتني وقسسد فسساق‬
‫اللم قدرتي على الحتمال وحتى على الصياح أغيب عن الوعي تمامًا‪،‬‬
‫لصحو ل أدري متى فأجدني في زنزانة منفردة ينهش اللسسم أطرافسسي‬
‫وتشتعل الوجاع نيرانا ً في كل ثنية من ثنيات بدني ‪.‬‬
‫أرقام وحسب !‬
‫كانت الزنزانة أشبه ما تكون بقبر مقفل ‪ :‬الجدران متقاربة ل أستطيع‬
‫أن أتمدد بينها ‪ ،‬والرهبة مطبقة ‪ ،‬وليس ثمة شيء تحسستي إل السسسمنت‬
‫البسسارد ‪ ،‬والسسسقف شسساهق فسسوقي تتوسسسطه شسسراقة للتهويسسة ) نافسسذة‬
‫متشسسابكة القضسسبان ( يتسسسلل منهسسا ضسسوء خسسافت يزيسسد المشسسهد كآبسسة‬
‫ووحشة ‪ .‬وسرعان ما تدهم السكون صيحات استغاثة سجين آخسر ينسال‬
‫العذاب في الطابق العلى ‪ ،‬وتخترق صسسرخاته الجسسدران الصسسم وأبسسواب‬
‫ي كل الجروح‬
‫الحديد ‪ ،‬فتنتفض من هولها كل ذرة في بدني وتستعر ف ّ‬
‫والكدمات ‪.‬‬
‫ومضى السسوقت بطيئا ً ثقيسسل السسوطء فكسسأنه الرحسسى تسسدور علسسى جسسسدي‬
‫المنهك ‪ ،‬لكنني سرعان ما فقدت معنى الزمن بعد هنيهسسة ‪ ،‬واختلطسست‬
‫علي معالم الليل والنهار ‪ .‬فل سسساعة معسسي تسسدلني علسسى السسوقت ‪ ..‬ول‬
‫صوت أحد أو همسة حي تنبي بما يجري ‪ ..‬والضوء الخافت ل يتغيسسر ول‬
‫يتبدل ‪ .‬وعندما تذكرت الصلة كانت وسيلتي الوحيسسدة لدائهسسا اليمسساء ‪.‬‬
‫وعلى ذلك مضت السنون التالية علي ‪ ،‬ل أكاد أعرف الصلة إل باليماء‬
‫وحسب !‬
‫وفتح الباب فجأة ‪ ،‬وتلقيت من غير مقدمات واحدة من أقذر المسسسبات‬
‫قذفني السجان بها وهو يلقي إلي بنصسسف رغيسسف مسستيبس مسسرت عليسسه‬
‫رائحة الحلوة أو المربى فسسي يسسوم مسسن اليسسام ! ولسسم ألبسسث أن اعتسسدت‬
‫سماع مثل ما سمعت مع كل فتحة باب أو نداء للتحقيق أو خسسروج إلسسى‬

‫الحمام ‪ .‬وكان خروجنا إلسسى الحمسسام مسرة فسي اليسوم يحسددونها حسسسب‬
‫أمزجتهم ‪ ،‬فيسوقون مجموعة من المساجين معصوبي العيون مكبلسسي‬
‫اليدي ‪ ،‬فإذا وقف واحدنا عند باب الحمام بعد أن مسسر علسسى سسسيل مسسن‬
‫اللطمسسات واللكمسسات واللسسسعات فكسسوا يسسديه المكبلسستين مسسن الخلسسف‬
‫ونقلوهما لتقيسسدا معسا ً مسسن المسسام ! فل يكسساد يلسسج الحمسسام حسستى تهسسوي‬
‫الكبلت على الباب وتصله الشتائم والوامر بالسراع وبالنتهاء ‪ .‬وفي‬
‫كل تقلبات هذه الحوال نظل مجرد أرقسسام تنسسادى ‪ ،‬ل شخصسسية لنسسا ول‬
‫أسماء ‪ .‬ليتكرس إحساسنا بالهوان ‪ ،‬ونزداد اضطرابا ً وضياعا ً ‪.‬‬
‫معجزة !‬
‫كانت حفلة التعذيب كما تقرر لي مرتين في اليوم ‪ .‬أخسسرج إلسسى غرفسسة‬
‫التعذيب مكبل ً مغمسسض العينيسسن ‪ ..‬أجسسرد مسسن ملبسسسي بالكامسسل وأعل ّسسق‬
‫مشسسبوحا ً مسسن يسسدي ‪ ..‬وتكسسر الحسسداث بعسسد ذلسسك ‪ :‬تبسسدأ بالشسسبح أحيانسا ً ‪،‬‬
‫فتتسلط الكبلت والسياط في هذه الحالة أكثر ما تتسلط على الظهسسر‬
‫والصدر والرأس ‪ ،‬وتعمل ملقط الكهرباء عملهسسا فسسي السسوقت نفسسسه ‪.‬‬
‫لكن أسوأ ما يصيب الضحية وهو فسسي هسسذه الحالسسة أثسسر القيسسد الحديسسدي‬
‫الذي يشد على الرسسغ ويحتسك مسسع العظسم بل رحمسسة أو توقسف ‪ .‬حسستى‬
‫التهبت يداي وتورمتسا مسن جسراء انغسراس الحديسد القاسسي فسي اللحسم‬
‫واحتكاكه المباشر بسالعظم السسذي انكشسف وتعسرى ‪ .‬وظلسست آثسسار القيسسد‬
‫كالوشم على رسغي إلى اليوم ! وطوال خمسسسة أشسسهر تاليسسة بقيسست ل‬
‫حَتي يسسدي البتسسة ول أقسسدر أن أحمسسل بهمسسا أي شسسيء وكأنهمسسا‬
‫أحس برا َ‬
‫در المزمن ‪ .‬وحكى لي طبيب التقيته فسسي تسسدمر‬
‫أصيبتا بالتنميل أو ال َ‬
‫خ َ‬
‫لحقا ً أن الوتار في تلك المنطقة قد تهتكت بشكل كبير ‪ ،‬وأنها تحتسساج‬
‫إلى معجزة لتعود إلى حالتها الطبيعية من جديد ‪.‬‬
‫بساط الريح‬
‫أما الحالة الخرى من التعذيب فكانت على "بساط الريسسح" ‪ .‬وهسسو لسسوح‬
‫من الخشب يشدون المعتقل عليه من كل أطرافه بسسسيور جلديسسة ‪ ،‬ثسسم‬
‫يرفعون نصفه السفل الذي ارتصت عليه الساقان ولسم تعسودا تملكسسان‬
‫أي فرصة للتحسسرك ‪ .‬وتبسسدأ الكبلت ذات النصسسال المعدنيسسة تهسسوي علسسى‬
‫بطن الرجلين تنهشهما بل شفقة ‪ ،‬وتترك مع كل لسعة لها أجسزاء مسن‬
‫نصال الحديد في ثنيات الجروح المتفجرة ‪ ،‬فإذا انتهسسى الضسسرب بقيسست‬

‫هذه النصال مع الدم المتجمسسد والجسسروح المفتوحسسة فتلتهسسب وتتعفسسن ‪،‬‬
‫فيتضاعف اللم وتشتد الوجاع والمعاناة ‪ .‬وأما الشسستائم والكفسسر بسسالله‬
‫فلم تكسسن تتوقسسف مسسع كسسل أنسسواع التعسسذيب ‪ .‬ولسسم أكسسن أنجسسو مسسن هسسذه‬
‫الحفلت الدامية إل عنسدما يغمسسى علسي ‪ ،‬لسستيقظ وأنسا فسسي الزنزانسسة‬
‫عاري البسسدن ممسسزق الوصسسال مبلل ً أرتجسسف مسسن شسسدة السسبرد ‪ .‬ول أكسساد‬
‫جل َسسدي حسستى يحيسسن موعسسد التعسسذيب مسسرة‬
‫ألتقط أنفاسي وألملسسم بقايسسا َ‬
‫أخرى ‪ ،‬وتعود الك َْبلت تنهش لحمي من جديد ‪ ،‬وتنقض ملقسسط الحديسسد‬
‫على أماكن متفرقة بالغة الحساسية من جسدي لتصعقني بالكهرباء ‪.‬‬
‫ولنهم كانوا يعرفون أن العورة لسسدينا أمسسر كسسبير فقسسد كسسانوا يتعمسسدون‬
‫إهانتنسسا بسسالعبث بسسسوآتنا بطسسرف الكبسسل والعصسسي أثنسساء التعسسذيب ‪ ،‬أو‬
‫الطبسساق بملقسسط الكهربسساء علسسى المحاشسسم وإطلق صسعقات الكهربسساء‬
‫فيها ‪ ،‬وكان ذلك في الحقيقة من أشد أنواع العسسذاب علسسي ‪ ،‬ويبسسدو أن‬
‫ذلك ما كنت أفقد وقتذاك الوعي بسببه وأغيب عن الوجود ‪.‬‬
‫دموع التماسيح !‬
‫وفسسي مسسرة مسسن المسسرات وبعسسد أن مضسسى علسسي فسسي العسسذاب عسسدة أيسسام‬
‫أخرجسسوني كالعسسادة وعرونسسي وعلقسسوني ‪ ،‬فوجسسدتني مسسن قبسسل أن يبسسدأ‬
‫الضرب أحس وكأنني فقدت الهسواء فسي رئتسي ومسا عسدت قسادرا ً علسى‬
‫جذب الن َ َ‬
‫فس ‪ .‬وكان يلزم في غرفة التعذيب تلك طبيب متخصص كمسسا‬
‫يبدو ‪ ،‬سرعان ما اقترب مني فجس نبضي وطلب منهسسم أن ُينزلسسوني ‪،‬‬
‫ولسسم يلبسسث أن حقننسسي بسسإبرة جعلتنسسي أفقسسد القسسدرة علسسى النطسسق أو‬
‫الحركة ‪ ،‬وأحس أنني أغادر هذا العالم وأموت بالفعل !‬
‫ووجدتني أغيب عسسن السسوعي لصسسحو بعسسد قليسسل فسسأراني فسسي أحسسد أحسسد‬
‫السّرة ‪ .‬عن طرفسسي مسسن هنسسا حسسارس برشاشسسه الكلشسسينكوف ‪ ،‬ومسسن‬
‫هناك يتدلى أنبسوب بلسسستيكي يتصسل بكمامسسة علسسى أنفسي أتنشسسق مسن‬
‫خللها الوكسسسجين ‪ .‬وبعسسد سسساعة أو سسساعتين اسسستعدت خللهمسسا أكسسثر‬
‫وعيي وجدتهم يقودونني عبر ممرات المستشفى الذي نقلت إليه إلى‬
‫سيارة كانت تنتظرني لتقلني إلى الفرع مسسن جديسسد ‪ .‬وهنسساك أعسسادوني‬
‫إلى الزنزانة من غيسسر عسسذاب ‪ .‬وبعسسد خمسسس أو سسست سسساعات اسسستعدت‬
‫خللها وعيي أخرجوني إلى غرفة التعذيب من جديسسد ‪ ،‬وعوضسسوني عسسن‬
‫التعذيب الذي فاتني عذابا ً مثله كامل ً غير منقوص !‬

‫وفي مرة أخرى مماثلة وبعد أن كاد التعذيب يقتلني بحق حضر الطبيب‬
‫ثانية إلى زنزانتي فنظف لي جروحي المتقيحة ‪ ،‬وقدم لي كأس حليب‬
‫لسسستمر علسسى قيسسد الحيسساة ‪ ،‬وأجسسدد قسسدرتي علسسى تلقسسي المزيسسد مسسن‬
‫التعذيب ‪ ..‬ومضى !‬
‫اعترافات‬
‫ومضى أسبوع كما قدرت على هذا النمسسط مسسن العسسذاب ‪ ،‬وصسسعدت مسسن‬
‫جديد إلى التحقيق بنفس الكيفية ‪ :‬مكلبشا ً ومطمش سا ً وعاري سا ً مسسن كسسل‬
‫شيء وجلست غصبا ً عني جلسة الخضسسوع ‪ .‬وأتسساني الصسسوت مسسن جديسسد‬
‫يقول ‪:‬‬
‫اسمع ول ‪ ..‬نحن لدينا كل المعلومات عنك ‪ .‬ونعرفك من أول يوم أتيت‬
‫فيه إلى هنا وكل مهمسسات القتسسل السستي أحضسسرتها لهسسؤلء المجرميسسن ‪..‬‬
‫وكل واحد انقتل هو برقبتك ‪ .‬والن قل لنا مع من كنت تتصل ‪.‬‬
‫كانت اللهجة العلوية للمتحسسدث وللشسسخاص السسذين حسسوله هسسي الشسسيىء‬
‫الوحيد الذي استطعت تمييزه حولي ‪ ،‬وكان العسستراف علسسى مسسسؤولي‬
‫ت بعد اعتقال سالم هي الهداف السستي‬
‫م ْ‬
‫الجديد وخيوط التصال التي ن َ َ‬
‫يريسسدونني أن أصسسل بهسسم إليهسسا بأسسسرع وقسست ‪ .‬وعسسدا ذلسسك فالرهسساب‬
‫والمجاهيل كانت تلفني من كل مكان ‪ .‬وعلى الرغم من هول مسسوقفي‬
‫إل أنني استطعت أن التقط وسط هذه الدوامة المرعبسسة صسسوت امسسرأة‬
‫يأتي من غرفسسة تحقيسسق أخسسرى كمسسا يبسسدو وهسسي فسسي موضسسع المسسساءلة‬
‫والتهام ‪ ،‬فزادني المر توترا ً وتشتتا ً ‪ ،‬لكنني استجمعت مسسا اسسستطعت‬
‫جَلدي وقتها وقلت ‪:‬‬
‫َ‬
‫أنا ل أعرف أحدا ً إل مازن ‪ .‬هسسو السسذي كسسان يعطينسسي الرسسسائل ويطلسسب‬
‫مني أن أوصلها لبي الفرج ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬ألم يكن هناك إل أبو الفرج ول ؟‬
‫قلت وقلبي يكاد من طرقاته ينخلع من صدري خشسسية أن يكسسون سسسالم‬
‫قد اعترف علي بالمزيد ‪ :‬أنا ل أعرف إل أبا الفرج ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬والدكتور صالح ول ‪ ..‬ماذا كان رده عندما أبلغته الرسالة ؟‬

‫قلت ‪ :‬استقبلني ‪ ..‬وضيفني فنجان قهوة ومضيت ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬وعندما ذهب إلى الردن ‪ ..‬هل التقيته هناك ؟‬
‫قلت ‪ :‬أنا طالب في الجامعة هنا فكيف أذهب وألتقيه هناك !‬
‫وأتاني صوت سائل آخر ‪ :‬ألم تدخل سلحا ً ول ؟‬
‫قلت بإصرار ‪ :‬أبدا ً ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬ول أموال ؟‬
‫قلت ‪ :‬ول قرش ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬طيب انقلع الن ‪.‬‬
‫ونزلت إلى الزنزانة ليلتها من غير أن يضربوني ‪ .‬ومضى يوم آخسسر مسسن‬
‫غير تعذيب أو تحقيق ‪ ،‬استدعوني بعدها وكسسانت السسساعة بتقسسديري قسسد‬
‫جاوزت الثانية بعد منتصف الليل ‪.‬‬
‫مائدة اللئام‬
‫دخلت غرفة التحقيق مكلبشسا ً مكبل ً ومعسسرى ككسسل مسسرة ‪ ،‬وسسسرعان مسسا‬
‫شممت رائحة خمر وطعام تملؤ المكان ‪ .‬وسألني أحدهم ‪:‬‬
‫هل أنت جائع ؟ إذا أردت أن تأكل فتعال ‪.‬‬
‫قلت وأنا ل أدري أهي دعابة منه أم محض سخرية ‪:‬‬
‫لست جائعا ً !‬
‫ومضى الجمع في تناول الطعام واحتساء الخمر وتبادل الحديث البذيء‬
‫وأنا بين أيديهم جاثيا ً معرى تصلني أصوات المضغ وكركعسسة الشسسراب ل‬
‫حول لي ول قوة ‪ .‬لكنني تمكنت هذه المرة من أن أختطف نظرة على‬
‫المكان ومن فيه من تحت تلك الطماشة السستي انزاحسست كمسسا يبسسدو عسسن‬
‫عيني برهة ‪ .‬وعلى الرغسسم مسسن حالسسة الخسسوف السستي تتملسسك السسسجين ‪..‬‬
‫وبرغم الجو الرهابي الذي أحاطني على مدار اليام الخالية اسسستطعت‬
‫أن أحس من خلل تلك اللمحسة العجلسى ظلل الخسسوف والتسسوتر ترتسسم‬

‫على معالم الضسسباط المحققيسسن ‪ .‬أحسسسستها مسسن محسساولتهم الجاهسسدة‬
‫إخفاء وجوههم وشخصياتهم عني وأنا المكبل السير وهم المتمكنسسون‬
‫الطلقاء ‪ .‬ومسسن همهمسساتهم بعسسض الحيسسان وإشسساراتهم وتغسسامزهم مسسع‬
‫بعضهم البعض ‪ .‬وأحسستها من ذلك السرير بطرف الغرفة الذي ل بسسد‬
‫أنهم إذا أنهكتهم التحقيقات ناموا فيسسه مسسن غيسسر أن يجسسرؤوا فسسي تلسسك‬
‫الفترة على مغسسادرة الفسسرع خوفسا ً مسسن أن تطسسالهم رصاصسة واحسسد مسسن‬
‫المجاهدين ‪.‬‬
‫لكن حالة النتشاء تلك لم تطل بي ‪ .‬ولم يلبث أن أتاني السؤال ‪:‬‬
‫محمد ول ‪ .‬هل تعرف أحدا ً من الخوان الهاربين في الردن ؟‬
‫قلت ‪ :‬ل ‪ ..‬ل أعرف أي أحد ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬أين تسكن هناك ؟‬
‫قلت ‪ :‬في الزرقاء ‪ .‬في العنوان الفلني بشارع الفاروق ‪.‬‬
‫فوجدت السائل يبادرني ويقول ‪ :‬بالقرب من المركز السلمي إذا ً ‪.‬‬
‫قلت وقد فاجأتني معرفته للمدينة وشوارعها بهذا التفصيل ‪ :‬نعم !‬
‫قال ‪ :‬ألم تر أيا ً منهم هناك ؟‬
‫أجبت ‪ :‬أنا ل أذهب إلى المركز ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬أل تصلي ؟‬
‫قلت ‪ :‬نعم ‪ ،‬ولكن في المسجد ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬وهناك في المسجد ألم تر ناسا ً سوريين ؟‬
‫قلت ‪ :‬ربما ‪ ،‬لكنني ل أعرف اسم أي منهم ‪.‬‬
‫وتبدل الحال هذه المرة ‪ ،‬وصاح المحقق بالعنصر ليأخذني إلى التعذيب‬
‫‪ ،‬وعسسادت الكبلت تهسسوي علسسى بسسدني المنهسسك بل رحمسسة ‪ ،‬ومزقتنسسي‬
‫صعقات الكهرباء من جديد ‪ ،‬وغبت ككل مسسرة عسسن السسوعي آخسسر المسسر ‪،‬‬
‫ووجدتني في الزنزانة حينمسسا صسسحوت ملبسسسي مكومسسة بجسسانبي والسسدم‬

‫يسيل من كل مكان كان قد انسسدملت الجسسروح فيسسه ‪ ،‬وسسسرعان مسسا أتسسى‬
‫العنصر فساقني في الليلة نفسها إلى التحقيق ‪ ،‬ووجدت سسسالم معسسي‬
‫في نفس المكان ‪ ،‬والمحقق يسألني من غير مقدمات ‪:‬‬
‫متى التقيت بسالم أول مرة ول ؟‬
‫قلت ‪ :‬في شهر شباط ‪. 1980‬‬
‫قال ‪ :‬أين ؟‬
‫قلت ‪ :‬أظن أنه أتى مع مازن إلى بيتي ‪.‬‬
‫ولم أكد أتفوه بسذلك حستى أتتنسي ركلسة مسن وراء ظهسري أحسسست أن‬
‫عيني خرجتا معها من محجريهما ‪ ،‬وناداني أحدهم بتشفي ‪:‬‬
‫زارك بالدار أم التقيته عند مسجد خالد ول ؟‬
‫قلت ‪ :‬والله ما عدت أذكر ‪.‬‬
‫قال موجها ً حديثة لسالم ‪ :‬ما رأيك يا أبو الفرج ؟‬
‫أجاب سالم ‪ :‬صحيح سيدي ‪ ..‬التقينا عند مسجد خالسسد وصسسلينا المغسسرب‬
‫هناك ‪ ..‬وكان ذلك بداية تعرفنا عليه ‪.‬‬
‫قال المحقق موجها ً الحديث لي من جديد ‪ :‬وإذا كنت زلمة بتعمسسل خيسسر‬
‫ول ‪ ..‬ليش لتلتقسسوا بالجسسامع وانسست تعسسرف أن هنسساك مخربيسسن وعصسسابة‬
‫مجرمين في البلد ؟‬
‫قلت ‪ :‬أنا ذهبت بطبيعة الحال مع مازن لنصلي ‪ ،‬وهناك التقينا مع أبي‬
‫الفرج ‪.‬‬
‫قال ولهجة التهديد المرعب ناطقة على نبرته هذه المرة ‪ :‬اسمع ول ‪..‬‬
‫إما أن تحكي الصحيح أو تنتهي ‪ ..‬فهمت ؟‬
‫أحسست أن المر بلغ حسسده ‪ ،‬وأن اعترافسسات سسسالم والمعلومسسات السستي‬
‫توفرت لهم لن تعفيني من الصرار على النكار ‪ ،‬وأنه صسسار علسسي الن‬
‫أن أقدم لهم شيئا ً ما يدفع عني شرهم ‪ ..‬فقلت ‪:‬‬

‫الحقيقسسة أنسسا ليسسست لسسي علقسسة بالموضسسوع مسسن قريسسب ول بعيسسد فسسي‬
‫البداية ‪ ،‬لكنني عرفت في الخير أن هؤلء من الخوان وأنهم يقومون‬
‫بشيء ما ‪ ..‬ولكن أنا ليست لي أي علقة ‪.‬‬
‫ومسسن غيسسر أن أسسسمع تعليق سا ً علسسى هسسذا الكلم أشسسار كأنمسسا إلسسى الجلد‬
‫فجذبني بعنف ‪ ،‬ورماني في غرفسسة التعسسذيب المجسساورة وأطلسسق عصسسيه‬
‫وأدوات التعذيب علي ‪ ،‬لكنني نزلت هذه المرة إلى الزنزانة صاحيا ً ولم‬
‫يغم علي ‪ ،‬وبعد قرابة الساعتين عادوا فاستدعوني إلى المحقق السسذي‬
‫ابتدرني بلهجة حازمة يقول ‪:‬‬
‫اسمع ول ‪ ..‬هلق بدك تحكي لنا من طق طق لسلم عليكم ‪ ..‬احسسك كسسل‬
‫شيء تعرفه من ساعة ما طلعت من ‪ ...‬أمك !‬
‫صراع مع النفس‬
‫كانت رهيبة تلك اللحظات بشكل ل يتصوره أحد ‪ .‬أجثو بين أيدي هسسؤلء‬
‫الظلمة كشاة ل حول لها ول قوة ‪ ..‬مكشوف العورة مفضوح السرار ‪.‬‬
‫عسدون عليسه بل رحمسة ‪ .‬ومسن‬
‫وجسدي كله لعبسة بأيسديهم يلهسون بسه وي َ ْ‬
‫غرفسسة التعسسذيب المجسساورة يصسسلني صسسوت أخ آخسسر يسسستغيث ويصسسيح ‪..‬‬
‫وهتسساف مسّر بسسداخلي يقسسول لسسي ‪ :‬تكلسسم وإل فالسسدور عليسسك ‪ ،‬والصسسراخ‬
‫سيخرج للتو من جوفك أنت ! ول تلبث أنفاس الرحمسة أن تنسساب فسي‬
‫روحي وتهمس بي أن العتراف لن يعفيك أيضا ً ‪ ،‬فإدانة نفسسسك تعنسسي‬
‫المزيد من التعذيب لتعترف بالمزيد من السرار ‪ ،‬والمصير في النهايسسة‬
‫هو العدام المحقق ‪ ،‬مثلما تعني أن إخوة آخرين سسسيأتون هنسسا ليلقسسوا‬
‫كل هذا الذي لقيت وربما أكثر ‪ ..‬وستكر السلسلة ويزداد الضحايا مسسن‬
‫غير أن ينجو منكم أحد ‪.‬‬
‫دارت هذه الخواطر كلها في خاطري كلمحة برق ‪ ،‬وبسسدأت أسسسرد علسسى‬
‫المحققين الرواية ذاتها موحيا ً إليهم أنني انهرت وهسسذا كسسل مسسا لسسدي ‪.‬‬
‫وعلمسست فيمسسا بعسسد أنهسسم كسسانوا قسسد اسسستدعوا سسسالم والسسدكتور صسسالح‬
‫وسألوهما إن كنت أعرف عن محتسسوى الرسسسائل شسسيئا ً فنفسسى الثنسسان ‪.‬‬
‫وساعدني ذلك كثيرا ً ولله الحمد ‪.‬‬
‫غيسسر أن المسسر لسسم ينتسسه ‪ ،‬وتعطشسسهم لمزيسسد مسسن السسسماء ومزيسسد مسسن‬
‫الضحايا جعلهم يعيدونني إلى غرفسسة التعسسذيب ‪ ،‬وأسسسلموني ثلثسسة أيسسام‬

‫متواليات إلى الجلدين من غير سؤال أو استفسسسار ‪ .‬ثسسم كسسانت جلسسسة‬
‫التحقيق الخير ‪ ،‬وحاولوا للمسسرة الخيسسرة أن يعتصسسروا كسسل معلومسسة أو‬
‫اسم ربما ل أزال أحتفظ به ‪ ،‬وألحوا على أسماء المراسلين بالتحديد ‪،‬‬
‫فثبتني الله ولم أذكر اسم أي إنسان بفضسسل اللسسه ‪ ،‬وأصسسررت علسسى أن‬
‫صلتي الوحيدة كانت مع سالم إضافة إلى لقسسائي بالسسدكتور صسسالح تلسسك‬
‫المرة ‪ .‬فأرسلوني من جديد إلى غرفة التعذيب ‪ ،‬لجد من الهسسوال مسسا‬
‫أنساني كل الذي لقيت من قبل هناك !‬
‫وانقضت ربما خمس أو سست سساعات علسي هسذه المسسرة يتعسساقب علسسي‬
‫الجلدون وأدوات التعذيب بشسكل وقساكم اللسه شسره ‪ .‬وعنسدما صسحوت‬
‫علسسى نفسسسي فسسي الزنزانسسة وجسسدتني علسسى حافسسة الهلك بالفعسسل ‪ .‬ل‬
‫أتحسس موضعا ً في بدني إل وجدته مدمى أو مصابا ً يشتعل مسسن اللسسم‬
‫كما تشتعل في الرماد النار !‬
‫مسيرة الرقام !‬
‫وحضر السجان من جديد ونسسادى مسسن وراء البسسواب علسسى مجموعسسة مسسن‬
‫الرقام ليجهزوا أنفسهم ‪ ..‬وأتاني الصوت البغيض ‪:‬‬
‫‪ 13‬ول جهز حالك ‪.‬‬
‫وفيما أخذت القفال تصطك بالمفاتيح وترتطم المزاليج الثقيلة بزوايا‬
‫الحديد التي تحوط مجاريها على البواب الصلدة ‪ ،‬وبسسدأ تسسدافع القسسدام‬
‫المدماة تتكؤ عليها الجساد المنهكة يسوقونها مع الصفعات واللكمسسات‬
‫ت مكسساني لنفسسذ المسسر ‪ ،‬وجسسذبت‬
‫ولسعات الكبل إلى المجهول ‪ ،‬انتصسسب ُ‬
‫بنطالي المتراخي لسسستعد ‪ ،‬فهسسالني أنسسه اتسسسع علسسي فكسسأنه أكسسبر مسسن‬
‫قياسي بعشر درجات ‪ ،‬وأدركت للمرة الولى أنني فقسسدت بيسسن عشسسرة‬
‫وخمسة عشر كيلو غراما ً من وزني خلل هذه اليام ‪ .‬ولم أكد أكتشسسف‬
‫ذلك حتى فتح الباب وجذبني أحسسدهم بقسسسوة ‪ ،‬ودخلسست ضسسمن مسسسيرة‬
‫الرقام المتحركة تسوقها اللطمات والركلت والكرابيج ‪.‬‬
‫وكأنما أحس الجلدون أن اللقاء لسسن يتكسسرر ‪ ،‬ولسسذة السسستمتاع بتعسسذيب‬
‫هذه المجموعة ها هي ستنقضي ‪ ،‬فبادروا بالجهد لتعويض الشوق إلسسى‬
‫سماع استغاثاتنا وصراخنا ‪ ،‬ثم أركبونا وقد شارفنا على الهلك سسسيارة‬
‫مغلقة ‪ ،‬ونحن قرابة العشرين شخصا ً مكبلي اليدي معصوبي العيسسون ‪.‬‬

‫حتى إذا بدأت بسسالتحرك سسسرت التكهنسسات فسسي سسسرائرنا وعلسسى أطسسراف‬
‫شسسفاهنا ‪ :‬هسسل هسسي النهايسسة ؟ أإلسسى تسسدمر الن ؟ أم ربمسسا إلسسى سسسجن‬
‫القلعة ؟ ولم يكن لنا من حيلة إل النتظار ‪ .‬وسرعان ما وجدنا أنفسسسنا‬
‫تتوقف بنا السيارة من جديد ‪ ،‬ويأينا المر الفظ مع سيل مسسن الشسستائم‬
‫والمسبات بالنزول ‪ .‬ولم تلبث اليدي القاسسسية والرجسسل والكرابيسسج أن‬
‫استقبلتنا بمثل ما ودعونا به هناك ‪ ،‬وساقتنا آخر المر نزول ً إلسسى قبسسو‬
‫آخر عميق جدا ً ‪ ،‬لم نلبث أن عرفنا بعد هنيهسسة أنسسه قبسسو فسسرع مخسسابرات‬
‫التحقيق العسكري ‪.‬‬
‫النوم بالتناوب !‬
‫أغلق علي باب المكان الذي دخلته وأنا ل أزال مطمش العينيسسن ‪ ،‬لكسسن‬
‫يداي كانتسسا مطلقسستين ‪ .‬ولسسم ألبسسث أن سسسمعت همهمسسة تتزايسسد حسسولي ‪،‬‬
‫وأحسست حركة من جهات شتى ‪ .‬وكأنما أتاني نداء خسسافت بسسأن أرفسسع‬
‫الغطاء عن عينسسي الن ‪ ..‬فاسسستجبت ببطسسء ‪ ..‬وبحسسذر ‪ .‬حسستى إذا فعلسست‬
‫وكانت المرة الولى التي أفتح فيها عيني بل طماشسسة منسسذ اعتقسسالي ‪،‬‬
‫وجدتني وسط مهجع محتشد بسسالنزلء ‪ ،‬يكسساد عسسدد السسسجناء فيسسه يصسسل‬
‫المائة ‪ ،‬في مساحة ل تزيد عن حجم غرفة عادية ! ولم ألبث أن أومأت‬
‫لمن حولي ‪ ..‬وسلمت ‪ ،‬فتشاغل البعض وأشاح البعض ‪ ..‬ورد الخسسرون‬
‫بصوت منخفض ‪.‬‬
‫وسرعان ما لمحست سسسالم بيسن النسساس فساقتربت منسسه بالتدريسج ‪ .‬فلمسا‬
‫حاولت أن أكلمه همس لي وقال ‪:‬‬
‫ل تقترب مني كثيرا ً فربما كان هناك مخبرون بيننا !‬
‫لكن الحذر بدأ مع مضي السسوقت يخسسف بالتدريسسج ‪ ،‬وبسسدأت أتعسسرف علسسى‬
‫الشباب ويتعرفون علي ‪ ،‬لنبدأ معا ً مرحلة جديدة من هذه المحنة حافلة‬
‫بالفواجع والحداث ‪.‬‬
‫كانت ظروف المهجع في غاية السوء ‪ .‬فمع هسسذا العسسدد غيسسر المعقسسول‬
‫من الناس لم يكن ثمة مكان لقادم جديد ‪ .‬وكنا إذا أردنسسا النسسوم تناوبنسسا‬
‫على المكان فينام البعض ويظسسل الخسسرون وقوفسا ً ينتظسسرون ! وكسسانت‬
‫النفاس تختلط بنتانة العرق ‪ ،‬وتجتمع معهسسا روائح جراحاتنسسا المتعفنسسة‬

‫في هذا الجو السيىء ‪ .‬ولن المهجع كان يحتوي علسسى حمسسام بسسداخله ‪،‬‬
‫فلم يكن هناك أي فرصة لمغادرته أبدا ً ‪.‬‬
‫وبقيت على هذه الحال ثلثة أسابيع تقريبسا ً ‪ ،‬كسان البساب يفتسح خللهسا‬
‫لدخال الطعام فقط ‪ ،‬والذي لم يكن يكفي ليقيتنا الكفسساف ‪ .‬فنصسسيب‬
‫الواحد منا صسسمونتان عسسسكريتان جافتسسان فسسي اليسسوم ‪ ،‬تصسسحبهما بضسسع‬
‫حبات زيتون أو شيىء من اللبنة أو الحلوة في الصباح ‪ .‬وعلسسى الغسسداء‬
‫يصلنا بعض الرز أو البرغل مصحوبا ً بمرقة حمراء ‪ .‬وفي المساء وعلى‬
‫وجبسسة العشسساء ننسسال نتفسا ً مسسن السبيض المسسسلوق أو البطسساطس أو حسب‬
‫الحمص المسلوق ‪ .‬صنفا ً واحدا ً فقط ‪ ،‬ومقدار دريهمات منه وحسب !‬
‫القمل والجرذان !‬
‫ولقد كان من المضسسحكات المبكيسسات أننسسا ونحسسن فسسي هسسذه الحالسسة مسسن‬
‫الجوع والضيق والمعاناة كسسان قضسساء محتم سا ً علينسسا أن نشسسارك الطعسسام‬
‫والمقام ضيوفا ً من مخلوقات أخرى تؤمن أن كرم الضسسيافة حسسق مبسساح‬
‫بل حدود !‬
‫كسسانت الجسسرذان ‪ ،‬والسستي أقسسسم أن واحسسدها كسسان أكسسبر مسسن القسسط بل‬
‫مبالغة ‪ ،‬تربت على طعام المساجين الذي يحتجسسزه السسسجانون عنسسا ثسسم‬
‫يرمونه في القمامة ! هذه الجرذان كانت تتنقل بين المهاجع من خلل‬
‫قنوات التهوية رائحة غادية ‪ ،‬وأثناء عبورها فوق فتحسسة المروحسسة السستي‬
‫كانت أعجز من أن تقدم شيئا ً لهسسذا الجسسو الموبسسوء ‪ ،‬كسسان بعضسسها يزلسسق‬
‫فيسقط بيننا أو علينا ‪ ،‬فيصاب المهجع كله بهستيريا الذعر ‪ ،‬ويتراكض‬
‫الناس يمينا ً وشمال ً يريدون أن ينجوا من عضة هذا المخلوق المرعب ‪.‬‬
‫ويتدافع الخلق ‪ ..‬ويعلو الصياح ‪ ..‬ول تنتهي الغارة ويموت الجسسرذ تحسست‬
‫القدام إل وقد نهش أرجل أربعة أو خمسة منا ‪.‬‬
‫ومسسع احتشسساد المهجسسع وتزاحسسم المعتقليسسن ‪ ،‬وبسسسبب بعسسض السسسجناء‬
‫القادمين من مواطن موبوءة أو غير نظيفة بالصل‪ ،‬بدأت تتفشى فينا‬
‫أعرض مرض السل ‪ ،‬وانتشر فيما بيننسسا القمسسل ‪ .‬وإذا كسسان البلء الول‬
‫قد أصاب بعضنا وقتذاك ولم يأخذ صفة الوباء ‪ ،‬فسسإن القمسسل لسسم يسسوفر‬
‫أحدا ً من بيننا أبدا ً ‪ ،‬وانتشر في رؤوسنا وملبسنا وأمتعتنا حتى لم يعد‬
‫من سبيل لتفاديه ‪ .‬وكنت أنا أكثر الناس السسذين قملسسوا ‪ .‬وكسسان منظسسرا ً‬
‫اعتياديا ً ونشاطا ً مشسستركا ً لسسسكان المهجسسع كسسل يسسوم أن نخلسسع ملبسسسنا‬

‫ونتسسابع القمسسل فيهسسا فنفقسسأه بأصسسابعنا كسسإجراء وحيسسد متسساح للحسسد أو‬
‫التخفيف من انتشاره !‬
‫إلى الحلق‬
‫وذات يوم ‪ ،‬وبعد أن مضت أسابيع كثيرة على اعتقالنا فطالت شسسعورنا‬
‫ولحانسسا حسستى بسسدونا كسسالغيلن ‪ ،‬صسسدر المسسر لنسسا بالسسذهاب إلسسى الحلق ‪.‬‬
‫ومضى الطابور بنا إلى غرفة قريبة يتوسطها كرسسسي وسسسجان بمهنسسة‬
‫حلق كان يتناول رؤوسنا كالماعز ويمر بآلة الحلقة عليها حسستى نخسسرج‬
‫من بين يديه بالقرعة كسسرأس البطيسسخ ! ولسسم يكسسن هسسذا الشسسخص يسسوفر‬
‫الفرصة ليمتع نفسه بشتمنا ولطمنا بين حين وآخر ‪ ،‬وكان واضحا ً مسسن‬
‫لهجته أنه من طائفة النظام ‪.‬‬
‫ولقد كان من المضحكات المبكيات أننسا وبعسد هسذه المهزلسة أمرونسا أن‬
‫ندفع للرجل خمس ليرات أجرة حلقسة السرأس الواحسد ‪ .‬تولهسا الخسوة‬
‫الذين كانت معهم في أماناتهم بعسسض النقسسود ‪ ،‬أو السسذين وصسسلتهم مسسع‬
‫طول مدة اعتقالهم زيارات بالواسطة ‪ .‬وبعسسد ذلسسك جسساء وقسست الحمسسام‬
‫الجماعي ‪ ،‬وساقتنا اللطمات والركلت وفرقعة الكرابيج على ظهورنسسا‬
‫إلى قاعة مفتوحة أدخلوا كل عشسسرة فيهسسا دفعسسة واحسسدة وأمروهسسم أن‬
‫يتعروا من ثيابهم ويغتسلوا معا ً ‪ .‬والجلدون على البسساب يشسستمون مسسن‬
‫شاؤوا ويضربون من اشتهوا ‪ ،‬والجرذان العملقة تلك علسسى المواسسسير‬
‫فوقنا تترقب أن يغفل أحدنا لتنهش منه أو تنقض عليه !‬
‫واعتدت حياة المهجع نوعا ً ما ‪ ،‬وألفت الخوة وألفوني ‪ .‬وتعرفت على‬
‫العديد منهم من محافظسات شستى ‪ ،‬أذكسر منهسم الخسوة حسسين رشسيد‬
‫عثمان ‪ ،‬وابن عمه أيمن عثمان من مدينة البسساب قسسرب حلسسب ‪ .‬وطسساهر‬
‫جيلو من ادلب ‪ .‬وجمال عقيل وجلل السسدين جلل مسسن حلسسب ‪ .‬ومحمسسد‬
‫أرمنازي وجهاد كلس الحلبي و‪ .....‬جعمور و‪ .....‬نجار وأسامة فتوحي‬
‫الجندي من حماة ‪ .‬وتيسير أبو الرز وجهاد حلق ومأمون العظمة و ‪....‬‬
‫الصفدي وعبد الله بعلبكي من دمشق وضسواحيها ‪ .‬إضسافة إلسى سسالم‬
‫الحامد والدكتور صالح خوجة ‪ .‬ولقد تم إعدام أكثر هسسؤلء الخسسوة فيمسسا‬
‫بعد ‪ .‬وشهدت إعدام بعضهم بنفسي ‪ ،‬وسمعت عن الخرين من شهود‬
‫عيان ‪.‬‬
‫إلهي أغثني‬

‫ولم يكن هناك في تلك المرحلة تعذيب أو تحقيق بفضسسل اللسسه ‪ ،‬أو أنسسه‬
‫كان ل يذكر قياسا ً بما سبق في فرع المخسسابرات ‪ .‬فوجسسدناها فرصسسة ل‬
‫تثمن لنسسسمع قصسسص بعضسسنا البعسسض ‪ ،‬ومشسساهدات وخسسبرات كسسل منسسا ‪،‬‬
‫وأنعم الله علينا فنظمنا برنامجا ً للصسلوات والذكسار والسدروس وحفسظ‬
‫القرآن ‪ ،‬ووقتها أتيح لي أن أسمع الكثير من سالم ومن غيره ‪ ،‬مثلمسسا‬
‫كانت بداية إقباليعلى حفظ كتاب الله ‪ ،‬فكنت ألزم أخا ً حافظسسا ً لكتسساب‬
‫سسسر مسسن‬
‫الله من حماة اسمه محمسسد صسسادق العسسون فسسأحفظ عنسسه مسسا تي ّ‬
‫سورة البقرة حتى جاوزت نصفها ‪.‬‬
‫واستطعنا وقتها وللمرة الولى منذ اعتقالي وللمرة الخيسسرة ربمسسا أن‬
‫نصلي جماعة ‪ ،‬ورغم أن الحارس كسسان إذا فتسسح الشسسراقة ورآنسسا نصسسلي‬
‫أخرج مجموعة منا وضربهم بل رحمة ‪ ،‬إل أننا كنا نعاود فعل ذلك وللسسه‬
‫الحمد ‪ .‬ففي تلك الرحلة كانت معنوياتنا ل تزال عالية ‪ ،‬وثقتنا بسسالفرج‬
‫وبالنصر كبيرة ‪ ،‬وكنسسا ل نسزال نؤمسسل أن يسسأتي المجاهسسدون بيسسن سساعة‬
‫وأخرى فيقتحموا السجن علينا ويحررونا !‬
‫من ّسسا المكسسان جلسسس وحسسدثني ‪،‬‬
‫وأما سالم ‪ ،‬وبعسسد أن هسسدأت النفسسوس وأ ِ‬
‫وروى لي كيف كان اعتقاله وكيف مضى التحقيق معه ‪ .‬وأكسسد لسسي أنسسه‬
‫حاول أن يصرف عني ما استطاع ‪ ،‬واستسمح مني واعتذر إلي ‪ .‬وكسسان‬
‫سالم حقيقة المر غير الشخص الذي عرفتسسه مسسن قبسسل ‪ ،‬فهسسو شسسخص‬
‫بالغ التهذيب رقيق المشاعر بطبعه ‪ ،‬أصلح ما يكون مربيا ً ‪ .‬لكسسن قسسرار‬
‫رميه في معترك هذه المعمعة لسسم يكسسن ليناسسسب مسسؤهلته وشخصسسيته ‪،‬‬
‫ولذلك كان دائم السهاد شديد السى ‪ ،‬يرقب هؤلء الذين احتشسسد بهسسم‬
‫المهجع بسبب اعترافاته ‪ ،‬ويرى أنه إلى العسسدام مصسسيرهم ‪ ،‬فل يملسسك‬
‫إل أن يسكب الدموع وهو يدعو اللسه تعسالى أن يخلصسه ‪ .‬ول َ َ‬
‫م سسمعته‬
‫كس ْ‬
‫ينشد بحرقة ويقول ‪ :‬إلهي أغثني زماني عصيب !‬
‫اعترافات سالم‬
‫ولقد كسسان وضسسع سسسالم عصسسيبا ً بالفعسسل ‪ ،‬يلزمسسه هسساجس أولئك السسذين‬
‫ينتظرون العدام ممن أتوا بسسسبب اعترافسساته ‪ ،‬ويسسؤرقه آخسسرون قتلسسوا‬
‫لنفس السسسبب ‪ .‬كسسان الخ غسسالب آلوسسسي مسسسؤول دمشسسق وقتهسسا مسسن‬
‫أبرزهم ‪.‬‬

‫ولقد جرى كشف غالب حينما تم اعتقسال مراسسل إدلسب طساهر عسارف‬
‫جيلو باعتراف من سالم أيضا ً ‪ .‬فجرى تعذيبه ليعترف على موعسسده مسسع‬
‫غالب ‪ ،‬فلمسا اشستد عليسه العسذاب ولسم يكسن بيسن اعتقساله والموعسد إل‬
‫يومين أو ثلثة أعطاهم مواعيد كاذبة ليشغلهم بها عنسسه ‪ .‬لكنهسسم كسسانوا‬
‫إذا ذهبسسوا ولسسم يحضسسر أحسسد واكتشسسفوا الخديعسسة عسسادوا لينهسسالوا عليسسه‬
‫بالضرب والتعذيب حتى كادوا يقتلونه ‪.‬‬
‫وكان رحمه الله مصابا ً بالقرحة وقتسسذاك ‪ ،‬إل أن اللسسه ثبتسسه برغسسم ذلسسك‬
‫كله ولسسم يعسسترف ‪ .‬ويبسسدو أنهسسم سسسألوا سسسالم عسسن الموعسسد فسسأخبرهم ‪،‬‬
‫فأخذوا سالم وطاهر معا ً وكمنوا له في المكسان عنسد جسامع المنصسور ‪.‬‬
‫وعندما حضر غالب وتأكدوا أنه الشخص نفسسسه حسساولوا اعتقسساله ‪ ،‬لكنسسه‬
‫اشسستبك معهسسم ‪ -‬كمسسا حسسدثني طسساهر بنفسسسه ‪ -‬وأصسساب أحسسد ضسسباط‬
‫المخابرات بعينه قبل أن يقتل رحمه الله ‪.‬‬
‫َ‬
‫شَرك جديد‬
‫ورغم أن سجل اعترافات سالم امتل إلسسى حسسافته سسسواء بمسسا أدلسسى بسسه‬
‫تحسست التعسسذيب أو مسسا توصسسلت المخسسابرات إليسسه عسسن طريسسق اكتشسساف‬
‫الهويات المزورة والمفاتيح الخرى ‪ ،‬إل أنهم كأنما أحسوا أن سسسالم ل‬
‫يزال يخفي شسسيئا ً ‪ .‬وكسسان هسسذا متوقعسا ً لهتمسسام سسسالم ‪ -‬كمسسا ذكسسرت ‪-‬‬
‫بتولي كل المسؤوليات بنفسه ومقابلة كسسل المراسسسلين شخصسسيا ً بسسأمر‬
‫من القيادة في عمان ‪ .‬ولذلك رسموا له في فرع المخسسابرات بالعسسدوي‬
‫شركا ً جديدا ً أوقعوه فيه ‪ ،‬وأوقعوا معه مجموعة جديدة من الضحايا ‪.‬‬
‫وكانت الحيلة حينما أمروا سجانا ً من المنطقة الشرقية اسسسمه وائل أن‬
‫يتودد إلى سالم ويتقرب منسسه بسسذكاء وحنكسسة ‪ .‬فأخسسذ ذاك يزيسسد لسسه فسسي‬
‫عى ‪ .‬ومسسع‬
‫م سدّ َ‬
‫الطعسسام يوم سا ً ‪ ،‬أو يحضسسر إليسسه كسسوب حليسسب فسسي خفسساء ُ‬
‫الملطفة في الكلم والرقة في التصرفات نمت العلقة بينهما وتمسست‬
‫الخطوة الولى ‪ .‬وفي يوم من اليام جسساء وائل هسسذا إلسسى سسسالم وقسال‬
‫له ‪ :‬أنا في الحقيقة واحد منكسسم ‪ ..‬ولسسست فسسي هسسذا المكسسان إل لننسسي‬
‫مجند في الخدمة اللزامية ‪ .‬وأرى أنه ل بسسد وأن نسسستفيد مسسن الفرصسسة‬
‫ونحرركم مثلما حصل في كفر سوسة ‪.‬‬
‫ومن المعلوم أن مجندا ً آخر في سجن كفر سوسسسة كسسان سسسبق لسسه وأن‬
‫تعاون مع الخوة السسسجناء هنسساك وتمكسسن فسسي أيسسار مسسن العسسام السسسابق‬

‫‪1980‬مسسن مسسساعدة سسسبعة عشسسر منهسسم علسسى الهسسرب فسسي حادثسسة غيسسر‬
‫مسبوقة ‪ .‬فلما بلع سالم الطعسسم وسسسأل وائل عسسن الكيفيسسة طلسسب ذاك‬
‫منه أن يؤمن له صلة بمجموعسسات مسسسلحة خسسارج السسسجن ليسسساعدونه ‪،‬‬
‫فأعطاه سالم السماء ‪ .‬وفي ليلة واحدة تم اعتقال قرابة اثنسسي عشسسر‬
‫شخصا ً لم يكونوا مكشوفين أبدا ً ‪ ،‬أذكر منهم عبسسد الكريسسم مهلهسسل مسسن‬
‫دير الزور الذي كان يدرس الطب في دمشق ‪ ،‬وآخر مسسن بيسست السسسراج‬
‫من الدير أيضا ً ‪ ،‬أظن اسمه الول كان محمود ‪ .‬وتم للسلطة ما أرادت‬
‫‪ ،‬واطمأنوا إلى أن سالم أفرغ الن مسسا فسسي جعبتسسه فنقلسسوه إلسسى فسسرع‬
‫التحقيق العسكري ‪ ،‬للتقيه مترعا ً بالشجون والسى هناك ‪.‬‬
‫أحقاد الطائفيين‬
‫ومرت اليام ‪ ،‬واستطعنا التعرف على بعض جلدينا وسجانينا ‪ .‬فرئيس‬
‫الفرع هو العقيد مظهر فارس من الطائفة العلوية ‪ .‬وأما مدير السجن‬
‫في هذا الفرع فضابط شركسي ينادونه أبا نزار مسلوب الرادة كسسأكثر‬
‫المسؤولين والضباط من غير طائفة النظام ‪ ،‬علسسى العكسسس مسسن نسسائبه‬
‫المدعو أبسسو منهسسل ‪ ،‬والسسذي كسسان نصسسيريا ً حاقسسدا ً ‪ .‬فكسسان يقتحسسم علينسسا‬
‫المهجع من غير سبب إل أن يدلق علينسسا سسسيل ً مسسن الشسستائم والكلمسسات‬
‫القذرة الستي طفحست بهسا حوصسلته ويمضسي ! ومسسن السسسجانين عرفنسا‬
‫واحدا ً اسمه أحمد سالم وآخر اسمه أحمد غانم من طائفة النظام أيضا ً‬
‫وفسسي منتهسسى القسسسوة والتجسسبر ‪ .‬وكسسان هنسساك رقيبسسا ً أول بنفسسس‬
‫المواصفات اسمه مالك ل حد لحقاده وقسوته ‪ .‬فكان ل يدع أحدا ً يعبر‬
‫أمسسامه مسسن السسسجناء إل ضسسربه ‪ ،‬ول يفسسوت فرصسسة لتعسسذيب النسساس إل‬
‫اغتمنها ‪ .‬وحتى السجناء الذين كانوا يخرجون من بيننا لدخال الطعسسام‬
‫إلى المهجع كانوا ينالون من بطشه وظلمه بل حساب ‪.‬‬
‫الكرسي اللماني !‬
‫وفي تلك الفترة نمى إلى علمنا أن أخسسوات مسسن النسسساء معتقلت فسسي‬
‫نفس الفرع معنسسا ‪ ،‬ولكننسسا لسسم نلتسسق أيسا ً منهسسن ‪ .‬كسسذلك علمنسسا أن فسسي‬
‫السجن شيوعيين من جماعة رياض الترك وبعثيين يمينيين أيض سا ً ‪ ،‬غيسسر‬
‫أنهم كانوا قد فرزوا كل اتجاه مسبقا ً ولم يتيحوا لنا فرصة للقاء ‪.‬‬
‫ومن المشاهد المؤلمة التي ل أنساها عن تلك الفترة حالة الخ حسين‬
‫رشيد عثمان الذي عذبوه بالجلوس على "الكرسي اللماني" فسسي فسسرع‬

‫المخابرات بالعدوي حتى أصيب بما يقارب الشلل ‪ .‬والكرسي اللمساني‬
‫هذا عبارة عن كرسي ذو أجزاء متحركة يوثق السجين عليه من ذراعيسسه‬
‫وساقيه ثم يسحبون مسنده الخلفي للوراء ساحبا ً بذلك جسسذعه العلسسى‬
‫معه ‪ ،‬فيما تظل قدماه مثبتتان مكانهما من الجهسسة الخسسرى المضسسادة ‪.‬‬
‫فيسستركز الضسسغط علسسى صسسدره وعمسسوده الفقسسري ‪ .‬فسسإذا ازداد تهتكسست‬
‫الفقرات حتى تتكسر ‪ .‬وعندما التقيت الخ أبا رشسسيد كسسان وضسسعه فسسي‬
‫غاية السوء ‪ .‬فلم يكن يستطيع تحريك ظهسسره البتسسة ‪ ،‬ولسسم يكسسن يرتسساح‬
‫لسسذلك ل فسسي يقظسسة ول فسسي منسسام ‪ ،‬ول يسسستطيع ل أن يجلسسس ول أن‬
‫يقف ‪ .‬وانتقل اللم إلى رجله أيضا ً فزاد من عذابه ومعاناته ‪ .‬ومع ذلك‬
‫كان رحمه الله يتحامل على اللم الذي ل يطاق ويصبر ويحتسب ‪.‬‬
‫وكان الخ حسين عثمان صحفيا ً في وكالسسة النبسساء السسسورية فسسي غايسسة‬
‫السرية والنضباط ‪ ،‬لم ينكشف أمره رغم مضي قرابة العشسسرين سسسنة‬
‫على عمله هناك ‪ ،‬حتى تم تكليفه بمسؤولية المكتب العلمي بدمشسسق‬
‫في إدارة الخ سالم الحامد ‪ .‬فلمسسا اعتقسسل سسسالم اعسسترف عليسسه فيمسسن‬
‫اعترف ‪ .‬ورغم ذلك كان أبو رشيد يردد بكل احتساب ‪:‬‬
‫ل بأس ‪ ..‬الله يسامحهم ‪..‬كله في سبيل الله ‪.‬‬
‫وعلى طيبه واحتسابه كان أبو رشيد مثال الخ الصلب السسذي ثبتسسه اللسسه‬
‫في المعتقل ‪ ،‬فلم يعترف بأكثر مما اعترف عليه به سالم ‪ ،‬حتى أنهم‬
‫أتوا له إلى السجن برئيس أركان الجيش السوري حكمت الشهابي في‬
‫محاولة لقناعه بالعتراف ‪ .‬وكان الشسسهابي وأبسسو رشسسيد صسسديقان مسسن‬
‫أيسسام الشسسباب ‪ ،‬خرجسسا مسسن بلسسدتهما مع سا ً ومضسسيا إلسسى دمشسسق زميليسسن‬
‫وصديقين رغم اختلف إنتماء كل منهما ‪ .‬وعندما حضسسر الشسسهابي إلسسى‬
‫أبي رشيد في سجنه حاول أن يحضه على العتراف ‪ .‬وجعل يقول له ‪-‬‬
‫كما أخبرني أبو رشيد بنفسه ‪: -‬‬
‫اعترف يا حسين ‪ ..‬اعترف والباقي عندي ‪.‬‬
‫وجعل يذكره كيف كان والده مختارا ً للمدينة التي أتى منها الشهابي ‪..‬‬
‫وكيف كان على علقة طيبة بالناس ومن خيرة أهل البلد ‪ .‬وأخذ يمنيسسه‬
‫بمساعدته إذا تعاون مع السلطة ‪ .‬لكنه لم يصل معه لشيء ‪ .‬وفيما بعد‬
‫منا أنسسا وحسسسين مهجسسع واحسسد حسستى يسسوم‬
‫‪ ،‬وعندما صرنا في تسسدمر وض س ّ‬
‫إعدامه ‪ ،‬نال رحمه الله عذابا ً شنيعا ً على هسسذا اللقسساء ‪ ،‬وحسساولوا ‪ -‬كمسسا‬

‫سيأتي إن شاء الله ‪ -‬إقناع حسين بتوريط الشهابي نفسه استنادا ً إلى‬
‫ذلك ‪ ..‬لكنه ورغم البون الكبير بيسسن الرجليسسن فقسسد أبسسى أن يسسورطه بل‬
‫ذنب أو سبب ‪ ،‬ورفض التعاون معهم في هذه المؤامرة الرخيصة حسستى‬
‫ولو كان الثمن حياته ‪.‬‬
‫إلى المنفردة من جديد‬
‫مضت قرابة ثلثة أسابيع علسى وجودنسا فسي المهجسع الجمساعي لنفاجسأ‬
‫صبيحة أحد اليام بالسجان يفتح الباب ويطلسسب مجموعسسة مسسن الشسسباب‬
‫بأسمائهم ‪ .‬وعندما عادوا بعد فترة لم تطل سألناهم عم جسسرى فقسسالوا‬
‫إنهم أمروهم أن يوقعوا على أوراق وحسب ‪ .‬ما الذي فيهسسا ؟ لسسم يسسدر‬
‫أحد ‪ .‬وتكرر المر وتتابع إخراج الشباب حتى شمل كسسل السسذين اعسسترف‬
‫عليهم سالم ‪ .‬وبعد يومين وما كدنا ننهي عشاءنا حتى جسساءني الطلسسب‬
‫مسسع ثلثسسة أو أربعسسة إخسسوة آخريسسن ‪ ،‬فطمشسسونا وكبلونسسا مسسن جديسسد ‪،‬‬
‫ووجدناهم يقودون كل واحد منا إلى زنزانة منفردة ويقفلوا عليه ‪.‬‬
‫مرت بضع ساعات علي أترقب أي جديد دون نتيجة ‪ .‬ولم يلبث البرد أن‬
‫بدأ يزحف علسى جسسسدي ‪ ،‬وينخسسر مفاصسلي وعظسامي ‪ .‬ولسسم يكسسن فسي‬
‫الزنزانة أيسسة بطانيسسة أو غطسساء ‪ ،‬سسساعتها افتقسسدت نعمسسة الزدحسسام فسسي‬
‫المهجع التي أمنت لنا الدفء على أقل تقسسدير ! ولسسم أكسسد أتكسسور علسسى‬
‫نفسي محاول ً بث الدفء من جزء من بدني إلى الجزء الخر حسستى أخسسذ‬
‫ي ويبسسدأ عضسساته السستي ل ترحسسم ول ت ُّتقسسى ! ولسسم تلبسسث‬
‫القمل ينشط ف ّ‬
‫أصوات أخ يعذب أن انطلقت تشق ظلمة الليل ‪ ،‬فسسأدركت أننسسي قريسسب‬
‫من غرفة التعذيب التي لم نكسسن نحسس بوجودهسسا فسسي المهجسع ‪ .‬وازداد‬
‫الصراخ ‪ ،‬وطسسال العسسذاب ‪ ،‬عسسذاب الخ يليسسه الخ وعسسذابي أنسسا ‪ .‬وأخسسذت‬
‫الهواجس تطبق علي وتنهش نفسسي المنهكسة ‪ .‬وعسدت إلسى مخساوفي‬
‫السستي سسسكنت بعسسض الشسسيء بملقسساة الخسسوة والسسستئناس بهسسم فسسي‬
‫المهجع ‪ ،‬وها أنا ذا هنا من جديسسد ل أنيسسس حسسولي آنسسس بسسه ول جليسسس‬
‫أشكو مرارة حالتي إليه ‪.‬‬
‫ومضت اليام علي أسير هذه الزنزانة الموحشة ‪ ..‬يفتح السجان البسساب‬
‫علي الن ثلث مرات في اليوم للخروج إلى الحمسسام ‪ ..‬وليتسسه لسسم يكسسن‬
‫يفعل ‪ .‬فتلسك كسسانت فرصسسة مالسسك السسسجان الموتسسور وأمثسساله ليسسسلخوا‬
‫جلودنا بسسالكبلت مسسن جديسسد ‪ ،‬ويفرغسسوا فينسسا مسسن سسسموم أحقسسادهم مسسا‬

‫وسسسعهم الجهسسد ‪ .‬فسسإذا عسسدت عسسادت إلسسي الوجسساع والسسبرد والجسسوع‬
‫والكوابيس ‪ ..‬عرضسسة فسسي أي وقسست لنسسزوة سسسجان يفرغهسسا فسسي بسسدني‬
‫المنهك من غير أي سبب أو تفسير ‪ .‬فل أملك إل البكاء والتضسسرع إلسسى‬
‫الله تعالى أن يخفف عنا ‪ .‬وبعد مضي عسدة أيسام وجسدتهم يسستدعونني‬
‫إلى غرفة التحقيق ويسألونني عن أسماء وأشخاص لسسم أكسسن أعرفهسسم‬
‫بالفعل ‪ .‬فرفعوا الطماشسسة عسسن عينسسي وعرضسسوهم أمسسامي ‪ .‬فقلسست ل‬
‫أعرفهم ‪ .‬وتكرر المر ‪ ،‬ثم وجدتهم فسسي المسسرة التاليسسة يعرضسسونني أنسسا‬
‫على أخ معتقل ل أعرفه ‪ ،‬لكنهم لما سألوه هل تعرفه قال نعم ‪ .‬ولقد‬
‫علمت بعدها أن الخ كسسان أحسسد مسسن كشسسفتهم اعترافسسات سسسالم أيضسا ً ‪،‬‬
‫لكنني لم أعرف لماذا قسسال أنسسه يعرفنسسي رغسسم أننسسي لسسم أره مسسن قبسسل‬
‫بالتأكيد ‪ .‬ولم ألمه فيما قال وقدرت أن التعذيب ل بد وأن طاله مثلمسسا‬
‫طال البقية ‪ .‬لكن ذلك كان من أصسسعب المسسور حق سا ً ‪ .‬فالواحسسد ل يكسساد‬
‫يصدق أنه أغلق البواب عليه وانتهى مسسن دوامسسة العسسذاب والتحقيقسسات‬
‫ليأتي من يفتح عليه الباب ويعيده إلى مسلسل الرعب من جديد !‬
‫باب جديد !‬
‫وفتح الباب علي ‪ ..‬وعادت ليسسالي العسسذاب والجلسسد والسسسلخ والكهربسساء ‪.‬‬
‫عشرة أيام أو ربما تزيد من التعذيب ‪ :‬أين هي المخابىء ؟ أيسسن أمسساكن‬
‫السلح ؟ أين فلن ومن هو علن ؟ وأنا ل أعلم عما يتكلمون عنه شيئا ً‬
‫أبدا ً ‪ .‬والكبلت تأكل من جسدي وتشرب السياط من دمي ول مغيسسث !‬
‫حتى أشرفت على الهلك فعل ً ولم أعد أستطيع جذب الن َ َ‬
‫فسسس ‪ .‬ويبسسدو‬
‫أنهم اقتنعوا ببراءتي هذه المرة وشعروا أنه ليس لسسدي شسسيء بالفعسسل‬
‫فتركوني ‪ .‬وعدت إلى المنفردة ألعق جراحي وأستجمع كياني المحطم‬
‫ثلثسسة أو أربعسسة أيسسام تاليسسات ‪ ،‬لسسم يطلبسسوني فيهسسن إلسسى التحقيسسق أو‬
‫يخرجوني إلى التعذيب ‪.‬‬
‫ومن غير مقسسدمات وجسسدتهم فسسي ليلسسة تاليسسة نسسادوا علسسي ضسسمن قائمسسة‬
‫مطولة من السماء أذكر منهم إذا أسعفتني الذاكرة الخوة ‪ :‬هيثسسم مل‬
‫عثمان وجمال عيار من حلسسب ‪ .‬ووضسساح السسدن مسسن قسسرى حلسسب كسسذلك ‪.‬‬
‫وقاسم موسى من مدينسسة تسسدمر ‪ .‬وحسسسين رشسسيد عثمسسان مسسن البسساب ‪.‬‬
‫ومحمد ثابت ناعس و نديم منصور من ادلب ‪ .‬ومحمد طسساهر مصسسطفى‬
‫وابراهيسسم أحمسسدو مسسن أريحسسا ‪ .‬ومصسسطفى الشسسر مسسن جسسسر الشسسغور ‪.‬‬
‫وشريف البعث من ادلب ‪ .‬وعمر الحيسسدر وحزيسسن قاسسسم المحاميسسد مسسن‬

‫معرة النعمان ‪ .‬وابراهيم طوبل وعمر حمزة من المعرة أيضا ً ‪ .‬وشسساكر‬
‫مسومه وكمسال أنسدورة مسن دمشسق ‪ .‬وأخ مسن حمساة هسو شسقيق محمسد‬
‫فخري ‪.‬‬
‫وانتهت تلوة السماء ‪ .‬وأمرونا أن نجهز أنفسنا جميعا ً لرحيل جديد ‪.‬‬
‫إلى أين ؟ لم يقل أحد بالطبع ‪ .‬ولم يكن لي منا القدرة حتى على‬
‫الهمس ‪ .‬ووجدناهم يفتحون علينا الزنزانات ويسوقوننا تحت السياط‬
‫ولسعات الكبل واللكمات ككل مرة إلى الذاتية ‪ ،‬فنستلم أماناتنا ‪،‬‬
‫ونكمل تحت وابل اللكمات والركلت إلى سيارة النقل المغلقة ذاتها‬
‫أو سيارة اللحمة كما كنا نسميها ‪ .‬فنكبل كالعادة ونطمش ‪ ،‬وتقيد‬
‫رجل واحدنا برجل الخر ويده بيده ‪ ،‬ويودع كل منا بلطمة أخيرة‬
‫منتقاة ‪ ،‬لنجد أنفسنا أكثر من أربعين شخصا ً محشورين في تلك العلبة‬
‫المغلقة ‪ ..‬تتحرك بنا تحت جنح تلك الليلة نحو رحلة أخرى من‬
‫المجهول !‬

‫أبو جهل !‬
‫لم يكن سهل ً علينا في البداية أن نتكهن إلسسى أيسسن نمضسسي ‪ ،‬ولسسم يكسسن‬
‫ممكنا ً لنا في نفس الوقت أن نتبسسادل الراء أو أن ننبسسس ببنسست شسسفة ‪،‬‬
‫لكن الوقت الذي طال علينا والسرعة المنتظمسسة السستي أخسسذت السسسيارة‬
‫تحافظ عليها أوحت إلينا أننا الن خارج العاصمة نتجه إلى مكان بعيسسد ‪،‬‬
‫لم نلبث أن رجحنا هذه المسسرة أن يكسون تسدمر ل غيسر ‪ .‬وبالفعسسل وفسسي‬
‫نهاية المطاف توقفت السيارة بنا وسكن هدير محركهسسا ‪ ،‬وفتسسح البسساب‬
‫الحديدي علينا وأتانا المر بالنزول ‪.‬‬
‫سرت القشعريرة في بدني فور أن نزلت من السيارة ولسعتني قرصة‬
‫البرد الصحراوي قبيل الفجر ‪ .‬ولم نلبث أن وجدنا العناصر السسذين أتسسوا‬
‫بنا يرفعون الطماشات عن أعيننا ويفكسسون القيسسود مسسن أيسسدينا وأرجلنسسا‬

‫ويرمسسوا بهسسا فسسي السسسيارة لنهسسا عهسسدة الفسسرع هنسساك ‪ .‬وبرغسسم الظلم‬
‫الحالسسك إل أن النسسوار السستي تسسسلطت علينسسا كسسانت كافيسسة لنسسرى أفسسراد‬
‫الشرطة العسكرية يحيطون بنا ويجرون مع عناصر المخبرات إجسسراءات‬
‫السسستلم والتسسسليم ‪ ،‬ولنعلسسم مسسن ثسسم أنسسه سسسجن عسسسكري ذاك السسذي‬
‫وصلناه ‪ ..‬وأنه لكل المعطيات التي اجتمعت سجن تدمر ل ريب !‬
‫لم يطل المر بنا لكثر من ثوان معدودات حينما هجم عناصر الشسسرطة‬
‫العسكرية علينا وبدأوا يجذبون كل من تحسسرر مسسن القيسسد منسسا فيركلسسونه‬
‫ركلة يجد نفسه من فوره على باب صغير ‪ ،‬ينتظره على جانبه شرطي‬
‫آخر يجذبه بيديه كخروف تعس الحسسظ ويركلسسه مسسرة ثانيسسة ليلسسج البسساب ‪.‬‬
‫ت حسستى اسسستقبلتني لطمسسة شسسرطي ثسسالث حسسولت‬
‫وهنسساك ومسسا أن دلفس ُ‬
‫وجهي إلى الجدار ‪ .‬وتتابع وصول الخوة الخريسسن إلسسى الجسسدار بنفسسس‬
‫الطريقة ‪ ،‬حتى إذا اكتمل عددنا وانتهت الدفعة أحسسنا ووجوهنا إلسسى‬
‫الجدار كلنا أن شخصسا ً مهمسا ً قسسد حضسسر ‪ .‬ونسسادى أحسسدهم وفسسق الجسسراء‬
‫العسكري المتبع ‪:‬‬
‫حاضر سيدي المساعد ‪.‬‬
‫وانطلق من وراء ظهورنسسا صسسوت مسسساعد السسسجن أحمسسد كيسسساني كمسسا‬
‫علمنا لحقا ً أو أبو جهل كما سماه السجناء ‪ ..‬انطلق من غير مقسسدمات‬
‫جُر بحق أمهاتنا وأعراضنا وديننا ‪ ..‬كان مضحكا ً‬
‫يلعن آباءنا وأجدادنا وي َ ْ‬
‫ف ُ‬
‫مبكيا ً أن ينادينا هذا المجرم الوالغ في دماء البرياء يقول ‪:‬‬
‫ون ) أي خونة ( ‪ ..‬يا عملء الصهيونية !‬
‫يا َ‬
‫خ َ‬
‫وانطلقت السياط من غير إنذار تسسسلخ جلودنسسا المكشسسوفة لهسسم ‪ ،‬فسسإذا‬
‫صاح واحدنا أو تأوه ضاعفوا عليه العذاب ‪ .‬لكن حفلة التعارف ما كانت‬
‫لتبدأ من قبل أن نتلقى أصول التيكيت السسسائد ! ولسسم ألبسسث أن طسسرق‬
‫سمعي صيحة أبي جهل هذا ينادي عساكره ‪:‬‬
‫أحضروا هذا العرص أبو الجينز ‪.‬‬
‫وكنت وقت اعتقالي ألبسسس بنطسسال جينسسز قسسدرا ً ‪ ،‬فكأنمسسا وجسسده نقطسسة‬
‫علم تسسساعده علسسى أداء مهمتسسه ‪ .‬وجسسذبتني اليسسدي كملقسسط الحديسسد‬

‫ورمتني أمام سيادة المساعد ‪ ،‬فلما رفعت عيني إليه أريد أن أسسستطلع‬
‫الخبر صاح بي ملء صوته ‪:‬‬
‫غمض عينيك ول ‪.‬‬
‫وهجم عناصر الشرطة علي فبطحوني أرضا ً يركلونني ويجلدونني مسسن‬
‫كل اتجاه ‪ .‬وأتتني وسط هذه العاصفة لسعة كربسساج علسسى عينسسي رأيسست‬
‫الشرر والله خرج منها ! وأدركت لحقا ً أن هذا الذي أصابني كان مجرد‬
‫درس تعليمي لنا وحسب ! فالقوانين هنسسا فسسي سسسجن تسسدمر العسسسكري‬
‫غيرها في أقبيسسة المخسسابرات بدمشسسق ‪ .‬وإذا كسسانت التعليمسسات تقتضسسي‬
‫هناك أن تبقى عيوننا معصوبة مطمشة على الدوام حتى ل نسسرى أحسسدا ً‬
‫من المحققين أو الجلدين ‪ ،‬فإنها هنا تسسوجب علينسسا أن نكشسسف عيوننسسا‬
‫وأن نمتنع رغم ذلك عن رؤية أي أحد منهسسم ! ولسسو نزلسست علسسى واحسسدنا‬
‫كبلت الرض أو قطعت لحمه السياط فالواجب المحتم عليسسه أن يبقسى‬
‫مغمض العينين !‬
‫الذاتية‬
‫وتوقف الضرب فجأة بإشارة من أبي جهل ‪ ،‬وأتاني صوته القبيح ‪:‬‬
‫راسك بالرض ول وغمض عينيك ‪.‬‬
‫وساد المكان سسسكون رعيسسب لبرهسسة مسسن زمسسن ‪ .‬فلمسسا أدرك أن السسدرس‬
‫الول وصل المجموعة كلها صاح من جديد ‪:‬‬
‫قل حاضر سيدي ول ‪.‬‬
‫قلت ورأسي في الرض وعيناي مغمضتان ‪ :‬حاضر سيدي ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬كم عملية إنت عامل ول عرص ؟‬
‫قلت ‪ :‬ول عملية سيدي ‪.‬‬
‫قال وكأنني أنا الذي أشتمه ‪ :‬ول عرص ‪ ..‬بتكذب ؟‬
‫وانهالت الكبلت والسياط علي من جديد ‪ .‬وجعلت أتلسسوى علسسى الرض‬
‫كالذبيحسسة ل أدري أيسسن المفسسر ‪ .‬والخسسوة وجسسوههم كلهسسم إلسسى الجسسدار‬

‫وصياحي وعواء الشرطة من حسولهم وحسولي يفتست أعصسابهم ويفسري‬
‫قلوبهم ‪ .‬ولم يلبث الدور أن تحول ونادى أبو جهل من جديد ‪:‬‬
‫ون اطلعوا لبرة ‪.‬‬
‫واحد واحد من هون يا َ‬
‫خ َ‬
‫وساقتنا اللطمات والكرابيج من جديد إلى باحة أخسسرى تتصسسدرها غرفسسة‬
‫الذاتية ‪ ،‬أجلسونا خمسة خمسة أمامها وبدأوا يدخلوننا واحدا ً تلو الخسسر‬
‫إليها ‪ ،‬والشرطة خلفنا يركلوننا بأرجلهم أو يصفعون رؤوسنا بأيسسديهم‬
‫ويلسسسعون ظهورنسسا بالكرابيسسج والكبلت وهسسم ل يكفسسون عسسن شسستمنا‬
‫وتوعدنا وتهديدنا ‪:‬‬
‫ون ‪ ..‬هلق بس تخلصو يا ويلكم ‪ ..‬واللسسه لنعمسسل ‪...‬‬
‫هلق بنفرجيكم يا َ‬
‫خ َ‬
‫بأمهاتكم واخواتكم ‪ ..‬والله الموت مصيركم يا ‪..‬‬
‫ولم يكن الزبانية كاذبون في ذلك ‪ ،‬فلقد اعتادوا قتل الناس بأنفسسسهم‬
‫وفعلوا ذلك مرات ل تعد ‪ .‬ووفوا وعدهم في المسسستقبل وأزهقسسوا مسسن‬
‫أرواح الخوة من نفس الدفعة عسسددا ً ربمسسا فسساق مسسن بقسسي منهسسم علسسى‬
‫الحياة !‬
‫التعليم !‬
‫لم يكن الفجر قد طلع بعد ‪ ،‬والبرودة التي أطبقت علينا من كل اتجسساه‬
‫ونحن فسسي ملبسسسنا الصسسيفية الخفيفسسة الستي اعتقلنسا بهسسا زادت عليهسسا‬
‫برودة السمنت الذي أجلسونا فوقه ننتظر أن نلج غرفة الذاتيسسة تلسسك ‪.‬‬
‫فلما حان دوري وقد كدت أتجمسسد رغسسم السسسياط السستي أصسسابتني دخلسست‬
‫فوجدتهم يسألونني كالعسسادة عسسن اسسسمي وسسسني وعنسسواني ‪ ..‬وعلمسست‬
‫أثناء ذلك أننا اليوم في العاشسسر مسسن شسسباط عسسام ‪ . 1981‬فلمسسا علمسسوا‬
‫أنني أردني الجنسية ثارت ثائرتهم وانتفضسست أوداجهسسم وانهسسالوا علسسي‬
‫ضربا ً ولكما ً وشتما ً بأقذع اللفاظ ‪ .‬ولسسم يكسسن معنسسى ذلسسك أنهسسا غضسسبة‬
‫ساعة وحسب ‪ .‬فلقد تبين لنا لحق سا ً أن الشسسخص السسذي يلقسسى معاملسسة‬
‫خاصسسة مسسن هسسذا النسسوع سسساعة اسسستقباله فسسي الذاتيسسة فقسسد "تعّلسسم" ‪.‬‬
‫و"التعليم" معناه أن الشرطة قد ميسسزوه عسسن غيسسره لسسسبب مسسا ‪ ..‬وأنسسه‬
‫محتسسم عليسسه بالتسسالي الهلك ل محالسسة ‪ ..‬فسسي العاجسسل أو فسسي الجسسل‬
‫القريب ‪ .‬غير أن الله سبحانه قسسدر ولطسسف ‪ ،‬وحسسدث أن تغيسسرت النوبسسة‬
‫التي استقبلتنا في تلك الثناء ‪ ..‬وذهبت مجموعة الشرطة السستي كسسانت‬

‫عّلمتني وقتذاك وحضر آخرون فاتتهم هذه الملحظة عني ‪ ..‬فأنجسساني‬
‫الله من موت محقق !‬
‫قصاص !‬
‫وانتهت إجراءات التسجيل ‪ ،‬وصرنا الن جزء من عهسسدة تسسدمر رسسسميا ً ‪،‬‬
‫وعلينا أن نتلقى مراسيم الستقبال الرسسسمي الن ‪ ..‬فكسسل هسسذا السسذي‬
‫سبق تبين أنه لم يكن ضمن الحساب !‬
‫تجمسسع موكبنسسا الحزيسسن خسسارج الذاتيسسة ‪ ،‬فسسإذا بنسسا أمسسام بسساب كسسبير كفسسم‬
‫الغول ‪ ..‬أخذتني لمحة من عيني إلى أعله فهالني أن أقسسرأ قسسول اللسسه‬
‫تعالى مخطوطا ً هناك ) ولكسسم فسسي القصسساص حيسساة يسسا أولسسي اللبسساب (‬
‫تحوطه شسسعارات النظسسام المعروفسسة "أمسسة عربيسسة واحسسدة ‪ .‬ذات رسسسالة‬
‫خالدة " !‬
‫دخلنا الباب ونحن نقرأ على الدنيا وراءنا السلم ! ووجدنا أنفسنا فسسي‬
‫باحة اسمنتية تحيطها المهاجع التي أمرونسسا أن نصسسطف علسسى جسسدرانها‬
‫رَية كلهسم ظهورنسا بالختيسار ! ولسم يلبسث‬
‫سِلمين للوحوش رجال ال َ‬
‫م ْ‬
‫ُ‬
‫س ِ‬
‫الزبانية أن بدأوا يسحبون الواحد منا تلسسو الخسسر فيعرونسسه مسسن ثيسسابه إل‬
‫الشورت ‪ ،‬ويفتشونه مرة أخرى من باب الحتياط ‪ .‬وفي السسوقت السسذي‬
‫يتولى قسم من الشرطة الخوة المتجهين إلى الجدار بالضرب والجلسسد‬
‫والركلت ‪ ،‬وبينما يعلو الصياح وترتفسسع أصسسوات السسستغاثة ول مغيسسث ‪،‬‬
‫تجذب اليدي القاسية الخ الذي تجرد من ثيابه وبسسات جسساهزا ً أو تسسدفعه‬
‫فيختل توازنه ويقع على الرض ‪ ،‬ليكون الدولب في استقباله واثنسسان‬
‫من الشرطة العسكرية على جانبيه ينزلنه فيه ‪ .‬فترتفع السسرجلن فسسي‬
‫الهواء ‪ ..‬ويفقد واحسسدنا القسسدرة إذ ذاك علسسى التحسسرك ‪ .‬لكسسن الجلديسسن‬
‫ولزيادة الحتياط وتحقيق مزيد مسن التقسان يربطسان الرجليسن بجنزيسر‬
‫من الحديد تعدم أية فرصة لهما للتحرك قيد أنملة ‪.‬‬
‫ويبدأ الضرب مسسن غيسسر رحمسسة ومسسن غيسسر عسسد ‪ ..‬فإشسسارة النتهسساء لسسدى‬
‫الوحوش أولئك أن تتفتح بطن الرجسسل وتسسسيل منهسسا السسدماء ‪ .‬فسسإذا تسسم‬
‫ذلك فكوا القيد عن الرجلين وأخرجوا المعتقل من الدولب وأمروه أن‬
‫يفتح كفيه ليتلقى هدية أخرى ‪ .‬وتنهال على الراحات سياط من الجلسسد‬
‫العريض سمعنا أنها صنعت من حسسزام مروحسسة السسدبابات ! حسستى إذا حسسل‬
‫باليدي مثل الذي حل من قبسل بالرجسل وتأكسد الجلدون أن السدم الن‬

‫يسيل أمروا ضسسحيتهم بالنبطسساح ‪ .‬ول يكسسون المسسسكين بحاجسسة لسسسماع‬
‫ه بذاته ‪ ،‬فيستقبل الرض ل حسسول لسسه ول قسسوة ‪..‬‬
‫من ْت َ ٍ‬
‫المر لنه منهار و ُ‬
‫وتلحسسق بسسه السسسياط والعصسسي تأكسسل الن ظهسسره وجنسسبيه ‪ :‬خمسسسون ‪..‬‬
‫مائة ‪ ..‬وربما مائتا جلدة قبل أن يتوقف الزبانية ‪.‬‬
‫ويدخل الحفل مرحلتسسه الخيسسرة ‪ ،‬فيقفسسز أحسسدهم فسسوق ظهسسر الضسسحية‬
‫ويلحقه ثان فيقلبه ويعلسسو صسسدره ‪ ..‬ويأخسسذ كلهمسسا يعفسسسانه ويركلنسسه‬
‫ويمسحان به نعالهما العسكرية الغليظة ‪ ..‬حتى تتكسر الضلوع وتتهتك‬
‫بقايسسا الجلسسد السسسليم ‪ .‬وتكسسون السسدائرة قسسد مسسرت علسسى الدفعسسة كلهسسا ‪،‬‬
‫وسالت دماء الخوة جميعا ً ونال كل واحد منهم نصيبا ً من العسسذاب غيسسر‬
‫موصوف ‪ .‬ولكم ُ‬
‫قدَ في حفل السسستقبال ذاك مسسن إخسسوة ومسساتوا مسسن‬
‫ف ِ‬
‫غير أن يأبه أحد ‪ .‬ولكم خرج من هذا الجحيم من خرج كسيرا ً أو صاحب‬
‫عاهة من غير أن يزيد ذلك الزبانية إل سرورا ً وغرورا ً ‪.‬‬
‫المهجع ‪26‬‬
‫مضت ثلث أو أربع ساعات على حفسسل اسسستقبالنا هسسذا وسسسطعت علينسسا‬
‫الشمس فهالنا أن نبصر أنفسنا وكأننا سسسرب طيسسور منتوفسسة الريسسش !‬
‫ومن قبل أن نلتقط أنفاسنا صاح بنا أحدهم أن نلبس ثيابنسسا ونمشسسي ‪.‬‬
‫ومشينا ‪ ..‬نازفي الجروح مطسسأطئي السسرؤوس ‪ .‬لكسسن السسسياط والكبلت‬
‫لم ترحمنا ‪ .‬ووجدنا أحدهم يهوي علينسسا بعصسسا ل أظنهسسا واللسسه إل جسسذع‬
‫شجرة ‪ ..‬إذا هوت على الظهر فلقتسه ‪ .‬فسإذا أصسابت السرأس أو الصسدغ‬
‫فالواحد ميت ل محالة !‬
‫وكان معنا أخ من ادلب اسمه نديم منصور أصيب أثناء اعتقاله بطلقات‬
‫ه ولم يكن يستطيع السير ‪ .‬فتقدمت أنسسا وأخ‬
‫رصاص في ساقه وسا ِ‬
‫د ِ‬
‫ع ِ‬
‫من حلب اسمه جمال عيسسار وحملنسساه ‪ .‬أنسسا أمسسسكه مسسن كتفيسسه وجمسسال‬
‫يرفعه من رجليسسه ‪ .‬وركضسسنا وركسسض الشسسرطة وراءنسسا يضسساعفون علينسسا‬
‫العذاب ‪ ..‬وكدنا مرات عديدة أن نقع ويقع الخ معنا ‪ .‬ولسسم نكسسن نسسدري‬
‫إلى أين سينتهي هذا الجري بنا ‪.‬‬
‫وجعلنا ندخل من باحة إلى أخرى ونعبر من باب إلى بسساب حسستى وصسسلنا‬
‫آخر المر إلى الباحة السادسة من السجن ‪ ،‬ووجدنا أنفسنا نساق إلسسى‬
‫مهجع كبير فيهسسا هسسو المهجسسع السسسادس والعشسسرون ‪ .‬وهنسساك وبعسسد أن‬
‫اكتمسسل وصسسولنا وجسسدناهم يصسسفوننا علسسى الجسسدار مسسن جديسسد ‪ ،‬ومضسسى‬

‫الشرطة فختموا لكل منا بضربة عصا على ظهره الدامي لتهد ما يمكن‬
‫أن يكون تبقى من َ‬
‫د فيه ‪ .‬حتى إذا هدأت الصوات وسكنت الحركات‬
‫جل َ ٍ‬
‫دخل المساعد أبو جهل المهجع ‪ ..‬وافتتح كلمسسة ترحيسسب جديسسدة حافلسسة‬
‫بأقسسذع المسسسبات وألفسساظ الكفسسر بسسالله ‪ ..‬وزف إلينسسا وسسسط عبسساراته‬
‫الناضحة بشرى وصولنا سجن تدمر ‪ ..‬تدمر التي ستكون فيها نهايتنا ‪..‬‬
‫نحن الخون العرصات العملء ال‪. ....‬‬
‫وانتهت الكلمة الترحيبية بنا ‪ ،‬وخرج أبو جهسسل يتبعسسه الزبانيسسة ‪ ،‬ووجسسدنا‬
‫الباب يغلق علينا ‪ ،‬وصمت كصمت القبور يلفنا ‪ .‬وسرعان ما ألقى كسسل‬
‫منا بدنه المنهك علسى الرض ‪ ..‬يسود لسو أن مسال الرض كلسه بيسسن يسسديه‬
‫فيفتدي به ساعة من غير عذاب !‬
‫في انتظار المجهول !‬
‫أغلق الباب وظننا أننا نلنا اليوم نصيبنا كسسامل ً مسسن العسسذاب ولسسن يكسسون‬
‫هناك مزيد ‪ .‬غير أن المل تبخر لحظة أن نادى علينا صسسوت أجسسش مسسن‬
‫فوقنا يصيح ‪:‬‬
‫الكل لم عالزاوية ول ‪.‬‬
‫أفزعتنا المفاجأة ‪ ..‬فلم نكن نتصور أن فوقنا داخل المهجع زبانية مسسن‬
‫الشرطة العسكرية أيضا ً ‪ .‬وعندما رفع أحسسدنا رأسسسه يسسستطلع مسسن أيسسن‬
‫جاء الصوت ناداه الشرطي وهو يشتمه ‪:‬‬
‫أنت يا ‪ ..‬عّلم حالك ول ‪ .‬ولما أقول وين المعّلم بتطلع لبرة ‪..‬‬
‫وكالقطيع المرعوب انكمشنا نحن في زاويسسة مسسن زوايسسا المهجسسع حيسسث‬
‫أمر ‪ ،‬وأطرقنسسا برؤوسسسنا نسسترقب المجهسسول ‪ .‬وأخسسذنا نحسساول بحواسسسنا‬
‫المتوترة أن ندرك معالم هذا المهجع الذي ضمنا من حيث لم نحتسب ‪.‬‬
‫ولقد أدركنا لحقا ً أن البنساء عبسارة عسن غرفسة كسبيرة مسستطيلة ‪ ،‬ثمسة‬
‫دورة للمياه على يسار الداخل مسسن البسساب ‪ ،‬فيهسسا حمامسسان تتوسسسطهما‬
‫مغسلة وحوض ‪ .‬وأما بقيسسة المهجسسع ففسسي حجسسم ثلث غسسرف متتاليسسة ‪،‬‬
‫تحيسسط زاويسسة التقسساء جسسدرانها الربعسسة بالسسسقف نوافسسذ مفتوحسسة علسسى‬
‫الدوام ‪ ،‬عليها قضبان مسسن الحديسسد وحسسسب ‪ ،‬غيسسر أنهسسا مسسن العلسسو بمسسا‬
‫يكفي لمنع وصولنا إليها أو مشاهدتنا لمسسا يجسسري فسسي الخسسارج عبرهسسا ‪.‬‬

‫وفي السقف نفسه هناك فتحتان مساحة كل منهما متر بمتر تغطيهما‬
‫قضسسبان مسسن الحديسسد الغليسسظ أيضسا ً ‪ ،‬يسسستطيع عناصسسر الشسسرطة السسذين‬
‫يتناوبون فوقنا أربعا ً وعشرين ساعة في اليسسوم أن يسروا كسل مسسا يسدور‬
‫بيننسسا مسسن تلسسك النافسسذتين ‪ ،‬أو الشسسراقتين كمسسا تسسسميان باصسسطلح‬
‫السجون ‪.‬‬
‫السخرة‬
‫ومضيت أتحسس جراحي وألملم بدني المنهك فسي سسكون ‪ ..‬وانشسغل‬
‫كل منا بحاله فل تسمع إل اضطراب النفاس وأنات اللسسم تنطلسق بيسسن‬
‫تارة وأخرى فل يلبث صاحبها أن يكتمها ويشد على الجراح بصمت ‪.‬‬
‫وانقضست سساعتان أو أكسثر بقليسل ‪ ،‬وفتسح البساب فجسأة ودلفست دفعسة‬
‫جديدة من المساجين الجدد تجاوز السبعين أغلبهم شسسباب فسسي مقتبسسل‬
‫العمر من طلب الثانوية العامة أو الجامعة ‪ ..‬علمنا لحقسسا ً أنهسسم كلهسسم‬
‫من مدينة حمص ‪ ،‬وأنهم نالوا مثل العذاب الذي نلنا ‪ ،‬ولكننا لسسم نسسسمع‬
‫أصواتهم لن إجراءات الستقبال تمت كذلك بعيدا ً فسسي الباحسسة الولسسى‬
‫مثلنا ‪ .‬غير أن الشرطة لم يحرمونا من أن نتنعم بسماع صسسيحات اللسسم‬
‫والعذاب ‪ ،‬فلم يلبث أحدهم أن فتح الباب ونادى فينا وكأن له ثأر قديم‬
‫يريد أن يشتفي منه ‪:‬‬
‫وين المعّلم ول ؟‬
‫فعلمنا أن المر جد إذا ً ‪ ،‬وأن الخ ل بسد وأن ينسال عقوبسة تلسك النظسرة‬
‫الخاطفة ‪ .‬وخسرج المسسكين وكسان اسسمه صسالح الوقساع أسستاذا ً لمسادة‬
‫العلوم من مناطق دير السسزور ‪ .‬وانهسسال عليسسه الشسسرطي لطم سا ً وصسسفعا ً‬
‫وجلسسدا ً ‪ ،‬وصسسراخه يصسسم آذاننسسا ويشسسوي قلوبنسسا ولكننسسا ل نملسسك لسسه إل‬
‫الدعاء ‪.‬‬
‫ولم يكد هذا المشهد أن ينتهي حتى فتح الباب مرة أخرى ونادى عنصر‬
‫من الشرطة فينا ‪:‬‬
‫من كان منكم عسكري ول ‪.‬‬
‫غير أن أحدا ً منا لم يجب ‪ .‬أعاد السؤال فسسسكت الجميسسع ‪ .‬وفسسي المسسرة‬
‫الثالثة رفع أحدنا يده وكان اسمه وضاح الدن من قرى حلب وقال ‪:‬‬

‫أنا سيدي ‪.‬‬
‫قال الشرطي ‪ :‬أنت عسكري ول ؟‬
‫أجاب نعم سيدي ‪.‬‬
‫قسسال الشسسرطي وهسسو يرمقسسه بقسسرف ‪ :‬ماشسسي الحسسال ‪ ..‬قسسدم الصسسف‬
‫لشوف ‪.‬‬
‫فوقف الخ وفق الجراءات العسكرية ونادى فينا ‪:‬‬
‫انتب‪......‬ه ‪ .‬است‪......‬رح ‪ .‬است‪......‬عد ‪.‬‬
‫وفي الوقت الذي لفنا الضطراب ولم نعلم بم نتصرف صاح الشسسرطي‬
‫فيه ‪:‬‬
‫بتقول استرح استعد المهجع جسساهز للتفسستيش حضسسرة الرقيسسب ‪ .‬تفعسسل‬
‫ذلك كل ما سمعت أي حركة على الباب يا ‪...‬‬
‫فطور بالكراه !‬
‫وخرج حضرة الرقيب ‪ ..‬وجعلنا نحوقل في سرائرنا ونسأل الله اللطف‬
‫والستر ‪ ..‬ولم يلبث أن فتح الباب من أجل إدخال الفطور ‪ .‬وقفسسز الخ‬
‫من مكانه وصاح بنا اللزمة التي تعلمها ‪:‬‬
‫انتب‪......‬ه ‪ .‬است‪......‬رح ‪ .‬است‪......‬عد ‪.‬‬
‫ولكنه تلعثم قبل أن يعلن جاهزية المهجع للتفتيش فلم نكن قد عرفنا‬
‫بعد كيف يكون ذلك أو كيف ننفذ هذا المر في هذه الظسسروف ‪ .‬ونسسادى‬
‫الرقيب وهو يكاد يزمجر ‪:‬‬
‫السخرة ‪ ..‬وين السخرة ول ؟‬
‫ولم يكن قد مضى على وجودنا في المهجع وقسست يكفسسي لنلتقسسط فيسسه‬
‫النفاس فكيف لنا أن نفكر بالسسسخرة وبالطعسسام ! فلمسسا وجسسد الرقيسسب‬
‫الحالة لم تنضبط والمر لم ينفذ سحب الخ وضاح إلى الخسسارج وانهسسال‬
‫عليه صفعا ً وركل ً ‪ ،‬فلما انتهى رمى به إلى الداخل ونادى من جديد ‪:‬‬

‫من كان منكم عسكري يا ‪ ......‬؟‬
‫في تلك المرة خرج الخ جمال عيار وأجاب ‪ .‬وكان جمال أو أبو الفضل‬
‫كما كنا نناديه خريج المدرسة الشرعية بحلسسب يخسسدم الجنديسسة اللزاميسسة‬
‫حين اعتقل ‪ .‬وكان رحمه الله ممتلىء الجسسسم قصسسير القامسسة ‪ ،‬فنسساداه‬
‫الشرطي سائل ً ‪:‬‬
‫انت عسكري ول ؟‬
‫قال بثبات واحتراف ‪ :‬نعم سيدي ‪.‬‬
‫قال له ‪ :‬أدخل الفطور الن ‪.‬‬
‫ودخل علينا جمال بطشت بلستيكي فيسسه بعسسض قطسسع الجبسسن وأرغفسسة‬
‫الخبز العسكري الجافة ذاتها ‪ .‬تبعها بسطل مسسن الشسساي يبعسسث منظسسرة‬
‫على القرف ‪ .‬ولم يكن لحد ل قدرة وقتهسسا ول شسسهية لتنسساول شسسيء ‪،‬‬
‫لكننا وجدنا الشرطي ينادي من فتحة السقف فوقنا ويصيح ‪:‬‬
‫الكل واقفا ً ول ‪.‬‬
‫فانتفضنا وقوفا ً كلنا ‪.‬‬
‫وجهك عالحيط ول ‪.‬‬
‫اسسستدرنا مسسن غيسسر أن ننسسسى هسسذه المسسرة أن نغمسسض أعيننسسا ونخفسسض‬
‫رؤوسنا نحو الرض ‪.‬‬
‫رئيس المهجع ‪ .‬شيل قطعة الجبنة وطعميهن هالعرصات واحد واحد ‪.‬‬
‫فأخذ أبو الفضل يطوف علينا ويدس في فم كل منا قضمة جبن ‪ .‬فلما‬
‫انتهى ناداه الشرطي من جديد ‪:‬‬
‫امل قصعة الشاي وشّرب هال‪ ...‬بالتناوب ‪.‬‬
‫ونفذ جمال ما أمر الشرطي به ‪ .‬وجلسنا من ثم فسسي أماكننسسا صسسامتين‬
‫واجمين ‪ .‬وقتذاك كانت الشمس قد سطعت وتسسسللت أشسسعتها السسدافئة‬
‫من نوافذ المهجع العليا فنشرت فينا الدفء والرتياح لبرهسسة ‪ .‬غيسسر أن‬

‫الباب لم يلبث أن فتح من جديد فقفز جمسسال ونسسادى باللزمسسة ‪ .‬ودخسسل‬
‫هذه المرة أبو جهل وبعض الزبانية حوله ونادى ‪:‬‬
‫رئيس المهجع ‪ .‬ضب كل المساجين لجوه ‪.‬‬
‫فاجتمعنا كلنا في زاوية داخسسل المهجسسع ‪ ،‬فيمسسا دخسسل عسسدد مسسن عناصسسر‬
‫"البلدية" وفق مصطلح السجن الذي تعلمناه لحق سا ً ‪ ،‬وهسسم المسسساجين‬
‫غير السياسيين من العساكر السسذين يقضسسون عقوبسساتهم فسسي السسسجن ‪.‬‬
‫وأدخل أولئك كوما ً من البطانيات المنتنسسة فكدسسسوها علسسى مقربسسة مسسن‬
‫أقدام المساعد والشسسرطة العسسسكرية وخرجسسوا ‪ .‬فنسسادى أبسسو جهسسل مسسن‬
‫جديد ‪:‬‬
‫الكل في صف واحد ول ‪.‬‬
‫فانتظمنسسا فسسي صسسف واحسسد أخسسذ يمسسر أمسسامه وقسسد أغمضسسنا أعيننسسا كلنسسا‬
‫وخفضنا هاماتنا ‪ .‬فجعل الشرطة يسلمون كل ً منا بطانيتين وكل اثنين‬
‫منا عازل ً مشتركا ً ‪ .‬والعازل عبارة عسسن خيمسسة باليسسة مسسن خيسسام الجيسسش‬
‫عسسة مسسا ل يعسسد‬
‫مغطاة بالبطانيات العتيقة ‪ .‬فلما تم الستلم وفسسوق الب َي ْ َ‬
‫من اللعنات والشسستائم قسسال أبسسو جهسسل يخسساطب رئيسسس المهجسسع وبقيسسة‬
‫السامعين ‪:‬‬
‫هذه البطانيات والعوازل عهدة ‪ ..‬وكل واحد مسؤول عن عهدته ول ‪.‬‬
‫وتلقينا العهدة والتعليمسات والشستائم ونحسن ل نسزال مغمضسي العيسون‬
‫خاشعي الحركة ‪ .‬وسمعنا المساعد وأزلمه ينسحبون ويغلقسسون البسساب‬
‫علينا ‪ ..‬فألقينا عهدتنا الثمينة تلك وألقينا فوقها أجسادنا المنهكة ‪ ..‬ل‬
‫ندري ماذا نفعل أو نتوقع في الخطوة التالية ‪.‬‬
‫التفقد‬
‫وبلغت الساعة حسسوالي الثانيسسة بعسسد الظهسسر ‪ .‬ووجسسدنا البسساب يفتسسح مسسن‬
‫جديد ‪ .‬وانتفض الخ جمال فقدم الصف ‪ .‬ودخل الرقيب وصاح فيه ‪:‬‬
‫صفهم خمسة خمسة للتفقد ‪.‬‬

‫ولم يكن علينا إل التنفيذ ‪ .‬لكن الفزع الذي غمرنا جميعا ً جعلنسسا نتسسدافع‬
‫مضطربين كل منا يتحاشى أن يأتي إلى طرف الشسسرطي ‪ ،‬فلمسسا طسسال‬
‫المر ولم ينتظم الصف دخل الشرطة علينسسا وأوسسسعونا ضسسربا ً وجلسسدا ً ‪،‬‬
‫وجمال رحمه الله يجهد في أن يساعدنا على النتظام في الصف قسسدر‬
‫دونا فكسسان العسسدد فسسوق المسسائة ‪ .‬وصسسار‬
‫المكان ‪ .‬وتم المر أخيرا ً ‪ ،‬و َ‬
‫عس ّ‬
‫واضحا ً لدينا الن أن هناك جزءا ً أساسيا ً فسسي البرنامسسج اليسسومي يسسسمى‬
‫التفقد ‪ ،‬الجلد والضرب والشتائم لسسوازم ضسسرورية ل بسسد وأن تلزمسسه ‪..‬‬
‫مثلما هي لوازم ل تنفصل عن أي مناسبة أخرى تتاح للشرطة فيها أن‬
‫يسفكوا دماءنا !‬
‫وخرج الشرطة ‪ ..‬وعدنا كل إلى ذاته مطرق الرأس مشسستت الفسسؤاد ‪ .‬ل‬
‫يكاد واحدنا يسسسمع أدنسسى حركسسة حسسول المهجسسع أو فسسوقه حسستى ينتفسسض‬
‫كالمحموم ! وكلما ود أحدنا أن يرفع الطرف لينظر حوله تذكر مسسا حسسل‬
‫بالخ صالح فيرتد إليه طرفه وهو حسير !‬
‫وهكذا مضى اليوم ‪ ..‬ومرت أيسسام أخسسر ‪ ،‬ل يجسسرؤ أحسسدنا أن يكلسسم جسساره‬
‫الذي ينام معه على عازل واحد ‪ ،‬أو يهمس حرفا ً لقسسرب النسساس إليسسه ‪.‬‬
‫والبرنامج اليومي يتكسسرر كاللزمسسة ‪ :‬نسسستيقظ فسسي السادسسسة ‪ ،‬فنضسسب‬
‫العسسوازل والبطانيسسات ونقبسسع فوقهسسا صسسامتين واجميسسن ‪ ..‬ول يلبسسث أن‬
‫يفتسسح البسساب فننتفسسض جميعسسا ً ونقسسف فسسي حالسسة السسستعداد ‪ .‬وتخسسرج‬
‫مجموعة منا لستلم حفنسسة الطعسسام السستي يعتبرونهسسا الفطسسور مجسسازا ً ‪.‬‬
‫فنزدردها بل شهية ‪ ،‬أو نجمعها في ركسسن الحمسسام مسسن غيسسر أن يقربهسسا‬
‫أحد ‪ .‬وربما مرت على الواحد منا الوجبسسة والوجبتسسان والخمسسس وهسسو ل‬
‫يمس من الطعام من قلة الشهية شيئا ً ‪ .‬ولكسسم اضسسطر رئيسسس المهجسسع‬
‫إلى رمي الطعام فسسي الحمسسام لن أحسسدا ً لسسم يسسأكله خشسسية أن يكتشسسف‬
‫الشرطة ذلك فننال ما نحن بغنى عنه !‬
‫فإذا انتهى الفطور من غير مشاكل حان وقت التفقد ‪ .‬فنستعد ونأخسسذ‬
‫حسبنا الله لساعة تعذيب لزم ‪ .‬وينال كل منا نصيبه المقدور ‪ ..‬ونعسسود‬
‫إلسسى جلسسستنا مترقسسبين حسسذرين ‪ .‬ول يلبسسث الشسسرطة أن ينسسادوا علينسسا‬
‫للتنفس هذه المرة ‪ .‬فنخرج إلى السسساحة مطرقسسي السسرؤوس مغمضسسي‬
‫العيون ‪ ..‬يمسك واحدنا أخاه الذي أمامه من وسطه ويتبعه كالعمى ‪..‬‬
‫لتتلقانا الكبلت والعصي فتقودنا بالكراه إلى حيسسث يشسساؤون ‪ .‬وترانسسا‬
‫كقطيسسع مسسسعور نجسسري حسسول السسساحة والكرابيسسج والكبلت والضسسربات‬

‫تلحقنا أنى اتجهنا ‪ .‬فإذا ز ّ‬
‫ل أحدنا أو وقع تعثر به البقية وتكوم فسسوقه‬
‫المتسسساقطون ‪ ..‬فسستزداد فرصسسة الشسسرطة لزيسسادة الضسسرب ومضسساعفة‬
‫العذاب ‪ .‬ويعلو الصياح وأصوات الستغاثة ‪ ،‬فتعلو عليها عبارات الكفسسر‬
‫والشتائم البذيئة ‪.‬‬
‫فإذا انتهى وقت التنفسسس وقادتنسسا الك َْبلت صسسوب المهجسسع مسسن جديسسد ‪،‬‬
‫تكون على الباب ملحمة أخرى دامية ‪ .‬فمائة ونيف من هسسؤلء البؤسسساء‬
‫ليست أمامهم إل فتحة هذا الباب لينفسذوا منهسا ‪ .‬عيسونهم مغمضسة فل‬
‫يستطيعون مشاهدة موطىء أقدامهم ‪ ،‬والسياط والهراوات تلحقهسسم‬
‫مسسن كسسل حسسدب وصسسوب ‪ .‬فتنحشسسر الكتسساف والسسرؤوس ‪ ،‬ويسسسقط مسسن‬
‫يسقط تحت القدام ‪ ،‬ويشج البعض بعارضة الباب الحديدية ‪ .‬فل تنتهي‬
‫حفلة التنفس تلك إل وقد دمسسي مسسن بيننسسا أكسسثر ممسسن سسسلم ‪ ،‬وأصسسيب‬
‫أضعاف من نجا ‪.‬‬
‫طعام ومنام !‬
‫وهكذا كنسا نعسود إلسى المهجسع لنلعسق جراحنسا بصسمت ‪ ،‬ونتسأوه تخنقنسا‬
‫الحسرات والعبرات ‪ ..‬ويحين موعد الغداء بعد حين ‪ ..‬ول يلبث أن يأتي‬
‫من ثم العشاء ‪ .‬ونحصي إذا قدرنا نصيبنا الذي نلنسساه علسسى مسسدار اليسسوم‬
‫مسسن الطعسسام فل نسسراه يكفسسي لن يسسسد رمسسق طفسسل صسغير ‪ :‬صسسمونتان‬
‫صغيرتان جافتان للوجبات الثلث ‪ .‬ورشفة شاي على الفطور مع بضع‬
‫حبات زيتون أو لحسسسة مربسسى أو حلوة ل تملسسؤ ملعقسسة واحسسدة ‪ .‬ومسسرق‬
‫أحمر للغداء ل يكاد يكفي لكي يبلل الصمونة التي فتتناها فيه ‪ .‬وبعض‬
‫حبات الحمص المسلوق أو أجزاء من البطسساطس المسسسلوقة للعشسساء ‪..‬‬
‫د َ‬
‫ل البيض بالبطاطس مرات ‪ ،‬أو شسسوربة العسسدس‬
‫وحسب ! ولربما است ُب ْ ِ‬
‫بالحمص المسلوق ‪ .‬لكن قلسسة الكميسسة وسسسوء النوعيسسة كسسانت تسسثير فينسسا‬
‫الشعور بالجوع أكسسثر مسسن أن تلسسبي حاجتنسسا إلسسى الشسسبع ! فنصسسيبنا مسسن‬
‫البيض إذا حضر لم يكن يتجاوز البيضة الواحسسدة لسسستة أشسسخاص ‪ .‬ومسسن‬
‫الرز ملعقسسة صسسغيرة واحسسدة للشسسخص ‪ .‬ومسسن اللحسسم أقسسل مسسن رأس‬
‫العصفور في المناسبات ‪ .‬وإذا أحضروا دجاجا ً كان نصيب المهجسسع كلسسه‬
‫خمس أو ست دجاجات مقابل أكثر من مائة فم ! حسستى أننسسا بتنسسا نعتسسبر‬
‫الطعام نوعا ً إضافيا ً من العذاب ليس إل ! وصار اعتياديا ً بيننسسا أن نأكسسل‬
‫قشر البرتقسسال وقشسسر السسبيض والبطيسسخ ول نرمسسي مسسن الفضسسلت فسسي‬
‫القمامة شيئا ً ‪ .‬ولكن النهار ل بد وأن ينتهي ‪ ،‬ويحل موعسسد النسسوم فسسي‬

‫السادسة ‪ ،‬لكنه النوم الذي يحرم على صسساحبه أن يتنعسسم بسسالنوم فيسسه !‬
‫فالضوء داخسسل المهجسسع ل يطفسسؤ ليسسل نهسسار ‪ ،‬والشسسرطة علسسى السسسطح‬
‫يراقبوننا باستمرار ‪ .‬ولو نمى إلى سمعهم صوت همس أو حس حركسسة‬
‫من بيننا عّلموا صاحبها على الفور فكان نصيبه من العذاب في الصباح‬
‫ما ل يسر !‬
‫ولقد كانت الصلة وسط هذا الظرف نوعا ً من التهلكسسة بسسالطبع ‪ ،‬ولكسسم‬
‫أخرج الشرطة رئيس المهجع وانهالوا عليه ضربا ً يسألونه عمسسن يصسسلي‬
‫عنده من المساجين ليسسدلهم عليسسه ‪ .‬ولسسذلك كنسسا نصسسلي إيمسساء مسسن أول‬
‫يوم ‪ .‬كل بسسّره وحسسده مسسن غيسسر ركسسوع أو سسسجود ‪ .‬لكسسن النعمسسة السستي‬
‫وجدناها في ذلك المهجع كانت في الحمام ‪ .‬فلم يكن مسسن رحمسسة اللسسه‬
‫للحمسسام شسسراقة تكشسسفه ‪ ،‬ولسسذلك كنسسا نتوضسسأ آمنيسسن ‪ ،‬وننسسسحب إلسسى‬
‫بطانياتنا فنستلقي تحتها ونصلي موميين بسكون وهدوء ‪.‬‬
‫إلى الحلق !‬
‫وانقضى قرابة أسبوع على هذه الحسسال ‪ ..‬وبسسدأنا نسسألف الوضسسع الجديسسد‬
‫ونتأقلم معه ‪ .‬وأخذنا نجرؤ علسسى النظسسر إلسسى بعضسسنا البعسسض والهمسسس‬
‫فيما بيننا ولو بكليمات ‪ .‬وقام الخ جمال رئيس المهجع فقسسسمنا إلسسى‬
‫مجموعسسات صسسغيرة للسسسخرة ‪ ،‬فسسساعدنا ذلسسك علسسى الخسسروج مسسن حالسسة‬
‫الوجوم تلك ‪ ،‬وبدأنا نتعسسرف علسسى الفسسراد المحيطيسسن بنسسا مسسن غيسسر أن‬
‫نجانب أقصى أسباب الحذر ‪ .‬لكننسسا وبعسسد أن ظننسسا أن البرنامسسج اسسستقر‬
‫على هذه الحال فوجئنا بهم ينادوننا للخروج مسسن المهجسسع مسسرة واحسسدة‬
‫في غير موعد التنفسسس ‪ .‬ووجسسدناهم يسسسوقوننا مغمضسسي العيسسون إلسسى‬
‫زاوية مسسن زوايسسا الباحسسة تلحقنسسا الجلسسدات والسسسياط كالعسسادة ‪ .‬وهنسساك‬
‫صفونا على الجسسدار وجعلسسوا يخرجوننسسا خمسسسة وراء خمسسسة فسسي صسسف‬
‫واحد ‪ ،‬لنجد في انتظارنا ثلثة من السجناء العسكريين السسذين يسسسمون‬
‫"البلدية" بلغة السجن يقومون بدور الحلقين ‪ .‬وغالب سا ً مسسا يتسسم اختيسسار‬
‫أولئك من أبناء طائفسسة النظسسام السسذين يقضسسون عقوبسسة مسسا فسسي سسسجن‬
‫تسسدمر ‪ ،‬فل يقلسسون حقسسدا ً ومكسسرا ً عسسن بقيسسة السسسجانين مسسن الشسسرطة‬
‫العسكرية ‪ .‬وعندما يصل واحدنا إلى أول الحلقين يأتيه اليعسساز بلهجسسة‬
‫المر ‪:‬‬
‫وراء دُْر ‪.‬‬

‫فيستدير ‪.‬‬
‫ارفع راسك ‪.‬‬
‫فيرفعه من غير أن يفتح عينيه ‪ .‬ويمر الحلق بالفرشاة والصابون على‬
‫الذقن فيطريها ‪ .‬ويرسسله إلسى الحلق الخسر فيفعسل مسا فعسل الول ‪.‬‬
‫وينتهزها "البلدية" فرصة لينفثسسوا فينسسا أحقسسادهم الطائفيسسة ‪ .‬فشسستيمة‬
‫من هنسسا ‪ ،‬ودس للفرشسساة فسسي الفسسم أو النسسف مسسن هنسساك ‪ ،‬ولطمسسة أو‬
‫صفعة هنالك ‪ ..‬وأما المسبات فكلها بالمجان وعلى الحساب ! وعنسسدما‬
‫نصل للحلق الثالث على الشاكلة نفسسسها ‪ ،‬يمسسر بسسالموس علسسى السسذقن‬
‫فيحلقها ‪ ،‬والشرطة من ورائنا يصيحون فيه ‪:‬‬
‫اذبحه هذا الكلب ‪ ..‬أو اسلخه هالعرص ‪.‬‬
‫فيلبي الحلق الطلب بكل امتنان ‪ ،‬فيضيف على الوجه جرحا ً أو أكسسثر ‪.‬‬
‫ول يبخل بمزيد من الصفعات والمضايقات ‪ .‬فإذا انتهسسى انتقسسل الصسسف‬
‫إلى حلقسسة الشسسعر ‪ ،‬فيجثسسو السسسجين علسسى ركبسستيه ‪ ،‬يسسداه وراء ظهسسره‬
‫وعيناه مغمضتان ‪ .‬وأؤكد هنا أنني طوال السنوات السستي أمضسسيتها فسسي‬
‫تدمر لم أشاهد وجسسه الشسسخص السسذي كسسان يحلسسق لسسي قسسط إل خلسسسة ‪..‬‬
‫وكنت دائما ً مثسسل الخريسسن مغمسسض العينيسسن مطبسسق الجفنيسسن ! وعنسسدما‬
‫تنتهي حلقة الرأس واللحية والشاربين التي تستخدم بها ماكينة يدوية‬
‫بالطبع ربما انتزعت الشعر بدل أن تحلقه ‪ ،‬أو أصابت الوجنات فأدمتها‬
‫لتبهج الحلق ‪ ..‬عندما تنتهي يأتي اليعاز من الشرطة خلفنا ‪:‬‬
‫منبطحا ً ‪.‬‬
‫فننبطح ‪ ..‬ويتقدم واحد منهم أو أكثر ليقدموا لنا ما كنا نسميه "نعيمًا"‬
‫الحلقة ! فيبدأوا بالقفز فوق ظهورنا ‪ ،‬أو يوسعونها جلسسدا ً وركل ً ‪ ،‬ول‬
‫ينسوا نصيبنا وافرا ً من الشتائم والمسبات ‪ .‬فإذا انتهوا وقت أن يحلسسو‬
‫لهم النتهاء ‪ ،‬عدنا محطمين إلى الجدار من غير أن يكف الشرطة عسسن‬
‫جلدنا وضربنا وركلنا ونحن ننتظر أن ينتهي المهجع كله من الحلقة ‪.‬‬
‫ولقد كانت مفاجسسأة لنسسا أول مسسرة حينمسا عسدنا بعسسد هسذه المعمعسة إلسسى‬
‫المهجع وأقفلوا علينا الباب ‪ ،‬فوجدنا أنفسسسنا بالقرعسسة تلتمسسع رؤوسسسنا‬
‫كثمر البطيخ ‪ ..‬فلم نتمالك أنفسنا من الضحك رغم اللسسم ‪ .‬ثسسم وجسسدنا‬

‫أنفسنا بعد ذلك ل نألف إل هذا الشكل فينسسا ‪ ،‬ول نعسسرف إل هسسذا النسسوع‬
‫من الوجوه !‬
‫حمام الدم !‬
‫وانتهت الحلقة ‪ ،‬لكن البرنامج لم ينته ‪ .‬ولسسم يلبسسث منسساديهم أن نسسادى‬
‫فينا ‪:‬‬
‫الكل برة بالشورت ول ‪.‬‬
‫فظننا أنها حفلة تعذيب جديدة ‪ .‬وبسسدأنا نراجسسع أنفسسسنا علنسسا نسسدرك مسسا‬
‫حسسدث ‪ .‬ووجسسدتنا نسسساق مغمضسسي العيسسن عسساريي الصسسدور مكشسسوفي‬
‫الظهور حفاة نتبع واحدا ً من الشسسرطة كالنعسساج ل صسسول لنسسا ول قسسوة ‪.‬‬
‫تتناوشنا السياط من كل اتجاه ‪ ،‬وتهوي علينا الصفعات والسسركلت فسسي‬
‫كل خطوة ‪ .‬وعندما صادفنا "البلدية" الذين كانوا يوزعون الطعام على‬
‫إحدى الباحات في طريقنسسا وجسسدناهم يهجمسسون علينسسا فكأننسسا الطريسسدة‬
‫العاجزة أمام كلب الصيد ! وانتهت بنا المسيرة بعد قرابة الربع سسساعة‬
‫إلى الباحة الولى ليعلموننا هناك أنها ساعة الحمام أتت ‪.‬‬
‫وعندما يذكر الحمسسام عسسادة يتبسسادر إلسسى السسذهن المسساء السسدافىء أول مسسا‬
‫يتبسسادر ‪ ..‬والصسسابون والطيسسب والسسسترخاء ‪ ..‬لكسسن المسسر لسسم يطسسل بنسسا‬
‫لنعسسرف الحقيقسسة ‪ .‬ووجسسدناهم يقسسسموننا قسسسمين ‪ :‬أبقسسوا الول فسسي‬
‫الباحسسة وأمروهسسم أن يجلسسسوا جاثيسسا ً ‪ ،‬رأسسسهم إلسسى الرض وظهرهسسم‬
‫العاري مكشوف للشرطة ‪ ،‬وساقوني مع القسم الثاني إلى الحمام ‪.‬‬
‫ودلفنا أكثر من خمسين شخصسا ً علسى عسدد مسن المقصسسورات ليتجساوز‬
‫عدد أصابع اليدين ‪ ،‬وجاءنا اليعاز بالدخول تحت الدشات ‪ ،‬فكنا ستة أو‬
‫سبعة أو ربما أكثر كلنا تحت دش واحد ! وانصب علينا الماء البارد مسسرة‬
‫واحدة ‪ ،‬لكن صوت السياط التي أخذت تجلد ظهور إخواننسسا السسذين فسسي‬
‫الخسسارج أنسسستنا وكأنهسسا طلقسسات الرصسساص أحاسسسيس التجمسسد ‪ ،‬وأبسسدلت‬
‫قشعريرة البرد التي سرت فينا رجفة الخوف مسسن المصسسير المرتقسسب !‬
‫وجعل بعض أفسسراد الشسسرطة يسسدخلون وراءنسسا فينعمسسون علينسسا بلسسسعات‬
‫الكرابيج مقدما ً ‪ .‬وأمرنسا بعضسهم أن نخلسع سسراويلنا ونكشسف عوراتنسا‬
‫زيادة لنا في الهانة والعذاب ‪ ..‬ولسسم نجسسد بسسدا ً إل أن ننفسسذ ‪ ..‬والزبانيسسة‬
‫بين ضاحك وساخر وشاتم ‪.‬‬

‫وانتهى المر خلل خمس دقائق ‪ ..‬وخرجنا تتقاطر منا الميسساه لتتلقانسسا‬
‫السياط التي سبق ونالت من ظهور الخوة قبلنا ‪ .‬وزادنسسا ألمسا ً وعسسذابا ً‬
‫أن عبرنا فوق مجاري الحمام المفتوحة فتعثر فيها مسسن تعسسثر وارتطسسم‬
‫بحوافها القاسية من كان له نصيب لسسم ينتسسه مسسن البلء ‪ ..‬فلمسسا انتهسست‬
‫الدفعة الثانية خلنا أن دهرا ً بأكمله انقضسسى ‪ ..‬ومضسسينا تسسدفعنا السسسياط‬
‫والصفعات إلسسى المهجسسع مغمضسسي العينيسسن كمسسا أتينسسا ‪ .‬وتسسدافعنا علسسى‬
‫الباب ككل مرة ‪ ،‬فتعثر من تعثر ‪ ..‬وشج من شج ‪ ..‬وارتض من ارتض ‪.‬‬
‫وكان الحمام حقيقة المر حمام دم بكل معنى الكلمة ‪.‬‬
‫وارتمينا بعدما أغلق الباب علينا كالقتلى علسى الرض ‪ .‬مسا منسسا إل مسسن‬
‫يئن أو يتأوه ‪ ..‬وليس فينا إل جريح أو معن ّسسى ‪ .‬لكسسن المأسسساة لسسم تكسسن‬
‫انتهت بعد ‪ ..‬والمهزلة كانت تنتظر فصلها المضحك للختسام ‪ .‬فمسا هسي‬
‫إل دقائق حتى ُ‬
‫ح الباب ‪ ،‬ودخل الشسرطة فسأبلغوا رئيسس المهجسع أن‬
‫فت ِ َ‬
‫علينا أن ندفع أجرة الحلقة والحمام ‪ ..‬فورا ً وفي الحال !‬
‫وأتى الخ ينتظر منا الجواب ‪ ..‬وليس لدينا من جواب إل التسسسليم فسسي‬
‫ت نقسسوده فسسي المانسسات فسسدفع ‪ ..‬وانسسدفعنا‬
‫م ْ‬
‫كل مرة ‪ ..‬وتقدم من َ‬
‫س سل ِ َ‬
‫بعدما هدأ الحال إلى حمام مهجعنا لنغسسسل مسسا كسسسى أجسسسادنا مسسن دم‬
‫وشعر وتراب ‪ ،‬فما كدنا ننتهي حتى كسسان اليسسوم قسسد انتهسسى ‪ ..‬وانتهسست‬
‫جَلد ‪ ..‬فارتمينسسا علسسى بطانياتنسسا الرثسة نلتمسسس‬
‫فينا كل ذرة من طاقة و َ‬
‫ساعة نوم هادئ قبل أن تسسدهمنا مفاجسسأة جديسسدة ‪ ..‬أو تحسسل علينسسا مسسن‬
‫القوم نازلة لم تكن في الحسبان !‬
‫ولقد استمر نظام الحمام البئيس هذا مرة كل أسبوع حتي عسسام ‪1984‬‬
‫حيث صسدرت الوامسر وقتهسسا بسأن يتسم السسستحمام فسي حمسسام المهجسسع‬
‫نفسه ‪ .‬وأما الحلقة فاسسستمرت حسستى عسسام ‪ 1986‬حيسسث انتشسسر مسسرض‬
‫اليرقان ‪ -‬كما سيأتي بأذن الله ‪ -‬فكان ذلك البلء سسسببا ً فسسي رفسسع هسسذا‬
‫البلء !‬
‫من رحمات الله‬
‫ومرت أيام أخر ‪ ..‬نزداد اقترابسا ً مسسن بعضسسنا وائتلفسا ً بمقسسدار مسسا يسسزداد‬
‫الهم وتتنامى المعاناة ‪ .‬ومسع تقسادم الخسسبرة بسدأنا نسدرك كيسف تمضسسي‬
‫المسسور حولنسسا ‪ ..‬وتعلمنسسا أن الشسسرطة يتعسساقبون علسسى حراسسسة سسسطح‬
‫المهجع ‪ .‬فصرنا ننتهز فرصة انشسسغالهم بالسسستلم والتسسسليم لنتحسسدث‬

‫بحرية أكثر أو نتحرك من غير خوف ‪ .‬ومع اعتياد المكسسان والحسسال بسسدأنا‬
‫ومسسن نعمسسة اللسسه علينسسا نسسسمع صسسوت الذان التسسي مسسن مدينسسة تسسدمر‬
‫المجاورة ‪ .‬فلم يكن من أنيس لنا مثله أبدا ً ‪ .‬وكأنما أحس الزبانية بسسأثر‬
‫هذه النعمة علينا ‪ ،‬فكان بعضهم إذا ارتفع الذان علنا وأطل علينا مسسن‬
‫الشراقة وجعل يتبع كسسل تكسسبيرة بكلمسسة الكفسسر ‪ ..‬وكسسل تهليلسسة بمسسسبة‬
‫فاحشة واسسستهزاء بسسالله تعسسالى ‪ .‬وكنسسا علوة علسسى الذان تبلغنسسا حسستى‬
‫أصوات السيارات العابرة على الطريق في بعض الحيان ‪ ..‬فنغتسم مسن‬
‫ذلك ونتحسر ‪ ..‬ل نتخيل كيف تسير الحياة طبيعيسسة علسسى بعسسد خطسسوات‬
‫منا ونحن في هذا الجحيم ل يدري منهم بحالنا أحد !‬
‫ولقد كان مسسن رحمسسات اللسسه بنسسا أن أحضسسروا لنسسا فسسي بسسدايات السسسبوع‬
‫الثاني ممرضا ً مجندا ً طاف على المهاجع وسسسجل احتياجاتنسسا الضسسرورية‬
‫من العلجات ‪ .‬ووجدناه يحضر لنا بالفعل بعض ما طلبنسسا ‪ ..‬وكسسان أكسسثر‬
‫ماكنا نريسسد مراهسسم الجسسروح واللتهابسسات ‪ ..‬فمسسن بيسسن هسسذا الجمسسع مسسن‬
‫البؤساء كان ثمسسة مسسن هسسو فسسي أمسسس الحاجسسة لهسسا قبسسل أن يصسسل هسسذا‬
‫المكان ‪ ..‬مثلما كانت الحاجة إلى العلجات متجددة على السسدوام لسسدوام‬
‫الضرب الوحشي والتعذيب والتشنيع ‪.‬‬
‫جروح وقروح‬
‫ولقد كان من أكثر سكان مهجعنا سسسوءا ً فسسي حسسالته الصسسحية الخ نسسديم‬
‫منصور الذي حملته أنا وجمال عيار سساعة وصسولنا كمسا ذكسرت ‪ .‬وكسان‬
‫المسكين قد أصيب أثناء اعتقاله برصاصة في ساقه وأخرى فسي يسده ‪.‬‬
‫وكان ثمة أخ آخر هو هيثم مل عثمان مصابا ً بالرصاص أيضا ً في رجلسسه ‪.‬‬
‫وهو أحد الخوة السبعة عشر الذين هربوا من سسسجن كفسسر سوسسسة ثسسم‬
‫وان من فسسرع مخسسابرات‬
‫اعتقل من جديد وأصيب أثناء ذلك ‪ .‬وتنقل ال َ‬
‫خ َ‬
‫إلى آخر حتى وصلوا تدمر مسسن غيسسر أن ينسسال مسسن العلج شسسيء ! وكسسان‬
‫أمرا ً عجيبا ً أن ظل علسسى قيسسد الحيسساة فعل ً ‪ .‬فالرصاصسسات السستي مزقسست‬
‫اللحم وهشمت العظام استقرت هنسساك ‪ .‬وتقطعسست كمسسا يبسسدو أعصسساب‬
‫المنطقة فلم تعد العضاء تتحرك ‪ .‬ونمت العظسسام مسسن جديسسد والتسسأمت‬
‫بقدرة الله ولكن على غير وضعها السسسوي ‪ .‬ولسسذلك فلسسم يكسسن نسسديم أو‬
‫هيثم يقدران على السير مطلقا ً ‪ .‬وكنا نتعهدهما بأنفسنا فسسي الحركسسة‬
‫والسكنة ‪ .‬ولم يكن أمامنا ساعة التنفس أو الحمام إل أن نتركهما في‬
‫المهجع بعد الستئذان من الرقيب ‪ .‬فسسإذا تلءم ورفسسض حسسسب المسسزاج‬

‫كان علينا أن نحملهما حمل ً ‪ .‬وظل المسكينان في معاناة دائمسسة حسستى‬
‫كان إعدامهما عام ‪. 1984‬‬
‫كسسذلك لسسم تكسسن معانسساة الخ حسسسين عثمسسان نتيجسسة تعسسذيبه بالكرسسسي‬
‫اللماني أخسسف كمسسا ذكسسرت ‪ .‬وكسسان رحمسسه اللسسه دائم السسستلقاء منعسسدم‬
‫الراحة ‪ .‬ولم يسلم برغم ذلك من التعذيب كما سسسيأتي ‪ ..‬حسستى اختسساره‬
‫الله إليه ونال شرف الشهادة عام ‪. 1982‬‬
‫وأما بقية الخوة ‪ ،‬ورغم أنهم كانوا في حالة أفضل أو إصابات أخسسف ‪،‬‬
‫إل أن آلمهسسم لسسم تكسسن لتكسسف ‪ ،‬وجسسروح بعضسسهم السستي خلفتهسسا حفلت‬
‫التعذيب الولى فسسي فسسروع المخسسابرات أو تلسسك السستي زادت عليهسسا فسسي‬
‫حفل الستقبال بتدمر لم تشف إل بعد شهور ‪ .‬وزاد علينا القمل الذي‬
‫حملناه في أجسسسامنا مسسن فسروع المخسسابرات إلسسى تسسدمر ‪ ،‬فانتشسسر فسسي‬
‫المهجع وتفشى بيسسن الجميسسع ‪ ..‬ولجأنسسا إلسسى نظسسام التفليسسة مسسن جديسسد‬
‫كإجراء وحيد نخفف منه من شر هذا البلء !‬
‫كعبة الزبانية !‬
‫وبدأت نفوسنا تعتاد هذه الحياة القاسية يوم سا ً بعسسد يسسوم ‪ .‬وجعلنسسا فسسي‬
‫حسسسابنا أمسسر التفقسسد ومسسا يصسساحبه مسسن عسسذاب السسستفتاح كسسل يسسوم ‪..‬‬
‫والتنفس والحلقة والحمام ‪ .‬وجعل الخوة الشباب الصسسحاء يحرصسسون‬
‫أن يقفسوا مسن ناحيسة الشسرطة ليفتسدوا إخسوانهم المسسنين والضسعفاء‬
‫ويحمسونهم مسن أن تطسالهم سسطوة الظسالمين ‪ .‬وكسان معنسا عسدد مسن‬
‫المعتقليسسن ممسسن جسساوزوا السسستين والخامسسسة والسسستين ‪ ،‬أذكسسر منهسسم‬
‫شريف البعث والحاج محمد غرير وكلهما من ادلب ‪ ،‬وابراهيسسم طوبسسل‬
‫وعمسسر حيسسدر السسذي تسسوفي رحمسسه اللسسه بالسسسكتة القلبيسسة عسسام ‪1986‬‬
‫والرجلن من المعرة ‪ .‬كذلك كان معنا الحاج أحمد السسبربور مسسن أريحسسا ‪.‬‬
‫وكان الزبانية يحرصون على تعذيب هؤلء الرجال أكثر ويظنونهم لكسسبر‬
‫سنهم ولصابة بعضهم بالصلع الطسسبيعي أنهسسم مسسن قيسسادات الخسسوان !‬
‫فكنا نجنبهم التعرض للعذاب قدر المكسسان ‪ ،‬ونأخسسذ عنهسسم دورهسسم فسسي‬
‫سخرة الطعام ‪ .‬فينال الخ المتطوع الجلدات واللطمسسات ويضسسحي بمسسا‬
‫قد يكون حياته ذاتها فداء لخوانه ‪.‬‬
‫وكان الخ جمال رئيس المهجع قد قسمنا إلى مجموعات كمسسا ذكسسرت ‪،‬‬
‫فكان ذلك سببا ً في ضبط المهجع وتقليل المشسساكل مسسع الشسسرطة مسسن‬

‫جهة ‪ ،‬وعامل ً في تآلفنا وتعارفنسسا مسسن جهسسة أخسسرى ‪ .‬حسستى بتنسسا كأبنسساء‬
‫أسسسرة واحسدة يواسسي بعضسنا بعضسا ً ‪ ،‬ويسساند أقوانسسا الضسسعيف فينسسا ‪..‬‬
‫ويدخر كل منا وسعه للتخفيف عن أخيه ‪ .‬ول أزال أذكر ممن كسسان فسسي‬
‫مجموعتي الولى الخ أبا رشيد حسين عثمسسان ‪ .‬وأخسا ً آخسسر مسسن حمسسص‬
‫اسمه أمجد طيارة ‪ .‬والخوين ابراهيم أحمدو ومحمسسد طسساهر مصسسطفى‬
‫من أريحا ‪.‬‬
‫وإذا كانت الحداث المسسرة وتعسساقب السسسنين قسسد أنسسستني مسسن السسسماء‬
‫والحوادث الكثير فإنه ممسا ل ينسسى عسن أحسداث تلسك اليسام وذكريسات‬
‫هؤلء الخوة المسنين يوم أن عرف واحد من الشسسرطة اسسسمه شسسحادة‬
‫الذي ينتمي إلى طائفة النظام أيضا ً أن الحاج أحمد غرير قد ذهب لحسسج‬
‫بيت الله في يوم ما ‪ ،‬فمد الزنيم قسدمه أمسام النساس وقسال لهسم هسذه‬
‫هي الكعبة ‪ .‬وأمر الرجل أن يقبل حذاءه مثلما قّبل الكعبة هناك ‪ .‬ولسسم‬
‫يكن للمسكين إل أن يطيع خشية ما ل تحمد عقباه ‪.‬‬
‫همجية التعذيب‬
‫وانقضسسى أسسسبوع آخسسر ‪ ..‬ودخلنسسا أسسسبوعنا الثسسالث علسسى تلسسك الحسسال ‪.‬‬
‫وفوجئنا ضحى أحد اليسسام بدفعسسة جديسسدة مسسن السسسجناء تجسساوز السسستين‬
‫تدخل إلى المهجع قادمين مسسن حلسسب هسسذه المسسرة ‪ .‬يحضسسرني الن مسسن‬
‫أسمائهم الخوة رياض الشاوي وحسين ألطُْنجسسي وكلهمسا مسن حلسسب ‪.‬‬
‫الول مهندس مدني والثاني طالب ثانوي ‪ .‬وأحمد عنعن طالب هندسة‬
‫مدنيسسة ‪ ،‬وأحمسسد حمسسزة وهسسذان مسسن مسسن مدينسسة البسساب ‪ .‬وكسسان الخيسسر‬
‫مدرسا ً ‪ .‬فوصل عددنا الكلي قرابة المائة والثمانين ‪ ..‬وأصسسبحت حصسسة‬
‫كل منا في النوم شبرا ً وأربع أصابع وحسب ! فكان الواحد منسسا إذا أراد‬
‫التحرك في الليل أيقظ بحركته أكثر أهل المهجع ‪ .‬ولو أحس الشرطي‬
‫فوقنا بأدنى حركة بيننا في الليل خاصة كان ذلك كافيا ً ليعّلم من يشاء‬
‫ويخرجه في الصباح التالي لينال نصيبه من القتل والتعذيب ‪.‬‬
‫لكن وصول الخوة الجدد كان نوعا ً من التسرية المؤقتة لنا ‪ ،‬مثلما كان‬
‫وجودنا من قبلهم عونا ً لهم على تفهم الوضع وتعلم النظمسسة الجسسائرة‬
‫تجنبسسا ً لي مزيسسد مسسن العسسذاب ‪ .‬وسسسرعان مسسا انضسسم القسسادمون إلسسى‬
‫مجموعات السخرة والطعام ‪ ..‬وجعلنا نسمع منهم أخبسسار الحيسساة خسسارج‬
‫هذه السوار ‪ ..‬ويسمعون منا ما وجسسدناه منسسذ وصسسولنا هنسسا ‪ ..‬فشسسغلتنا‬

‫الحاديث ونشطتنا ‪ ..‬ووثقت بيننا العسسرى وألفسست بيننسسا ‪ .‬وكشسسفت لنسسا‬
‫في نفس الوقت أوجها ً أخرى من جرائم النظام وممارسسسات مخسسابراته‬
‫الوحشية ‪ ،‬وأطلعتنا على أساليب من التعذيب يمارسها أولئك الزبانيسسة‬
‫عافانا الله نحن منهسسا وابتلسسى بهسسا إخواننسسا فسسي حلسسب ‪ .‬رأيسست بنفسسسي‬
‫نموذجين منها كان الول هو الخ حسين ألطنجي الذي استخداموا معه‬
‫في فرع المخابرات بحلب الضرب المباشر بالبلطة علسسى مشسسط قسسدمه‬
‫لجباره على العتراف السريع ‪ ،‬فكادت أن تقطعها ‪ ،‬وظل رحمسسه اللسسه‬
‫يتألم منها ول يستطيع المشي عليهسا حستى إعسدامه بعسد عسدة شسهور ‪.‬‬
‫واستخدموا مع الخر أسلوب الحرق بالمدفأة الكهربائية ‪ ،‬والتي بقيسست‬
‫آثارها محفورة على ظهره شاهدا ً على همجية هؤلء الزبانيسسة ‪ ..‬وكسسان‬
‫طالبا ً اسمه مأمون كردي من حماة أعدم هو الخر بعد مدة رحمه الله ‪.‬‬
‫مع كتاب الله‬
‫انقضت أحاديث التعارف وروايسسات المعانسساة وقصسسص السسداخل والخسسارج‬
‫واتجهنا قدر المكان إلى تنظيم أمور حياتنا بما يفيسد ‪ .‬فالسسسجن السسذي‬
‫كتبه الله لنا يظل على فظاعته فترة انتقالية ل بد وأن تنتهسسي ‪ ،‬سسسواء‬
‫بانتهاء الحياة أو بالفرج ‪ .‬وليس ثمة شيء نسستزود منسسه أجس ّ‬
‫ل مسسن كتسساب‬
‫الله تعالى ‪ .‬ولذلك دب فينا نشاط عجيب لحفظ أكبر قدر مسسن القسسرآن‬
‫الكريم ‪ ،‬حتى إذا شاءت إرادة الله ووافنا الجسسل كسسان آخسسر عهسسدنا فسسي‬
‫هذه الدنيا مع كتابه الكريم ‪ .‬وسرعان مسسا نشسسأت بيننسسا حلقسسات الحفسسظ‬
‫بالتلقي ‪ ..‬فل مصاحف لدينا بالطبع نحفسسظ منهسسا ‪ .‬ولسسذلك كنسسا نتبسسادل‬
‫حفظ السور مسن بعضسسنا البعسض ‪ ،‬فيجلسس أحسسدنا إلسى أخيسسه إذا هسدأت‬
‫المور وانتهت حفلت العذاب ليسمع منه ما يحفظ ‪ ،‬ويظل يردد وراءه‬
‫سلمات الصابع ‪ .‬فإذا أنهى خمسا ً‬
‫عدّ ُ‬
‫الية بعد الية هامسا ً وي َ ُ‬
‫ن على ُ‬
‫ه ّ‬
‫منهن وثبتهن في ذهنه عاد فأخذ خمسا ً تاليات ‪ .‬حتى إذا انتهسسى اليسسوم‬
‫وحل الليل وهجع الخلسسق رأيتنسسا نتعسساقب علسسى الحمسسام خلسسسة فنتوضسسأ‬
‫ونعود لنصلي ونحن مستلقين تحت البطانيات إيماءا ً منفرديسسن ‪ ..‬نعيسسد‬
‫تلوة ما حفظنا في النهار ‪.‬‬
‫وعلوة على ذلك وإذا سنحت الفرصة أخذنا نحاول أن نستفيد من كسسل‬
‫علم يعلمه أخ بيننا ‪ ،‬أو رأي أو موضوع له فيه اطلع ‪ .‬لكن ذلك ما كان‬
‫يتم إل بشكل فردي ‪ ..‬أو ربما بين أفراد المجموعة الواحسسدة وبمنتهسسى‬
‫الحرص والحذر ‪.‬‬

‫الكوليرا‬
‫ولم تكن بلءات هذا المكان المريع لتتوقف ‪ ..‬فذات صسسباح فسسي صسسيف‬
‫عام ‪ 1981‬استيقظنا على أصوات التقيؤ وصيحات اللم المكتومة فسسي‬
‫المهجع ‪ ..‬ووجدنا حالة من السسسهال الشسسديد أصسسابت الكسسثيرين بيننسسا ‪.‬‬
‫وأخذت العدوى تنتشر يوما ً بعسسد يسسوم ‪ ،‬وجعسسل الخسسوة يتسسساقطون مسسن‬
‫العياء داخسسل المهجسسع أو فسسي وقسست التنفسسس ‪ .‬وكسسانت الفاجعسسة بأنهسسا‬
‫الكوليرا قد سرت ‪ .‬ولسسم نلبسث وقسسد استشسرى المسر أن وجسدنا طسبيب‬
‫السسسجن محمسسد يسسونس العلسسي يمسسر علسسى المهسساجع ويسسسأل عسسن عسسدد‬
‫المصسسابين ويسسسجل ذلسسك عنسسده ‪ .‬وبعسسد سسساعتين أو ثلث عسساد الشسسرطة‬
‫وطلبوا من رئيس المهجع أن يخسسرج هسسؤلء المصسسابين جميع سا ً لينتقلسسوا‬
‫إلى مهجع ‪ 13‬في الباحة الثالثة فتحوه للمصابين ‪ .‬فخرج مسسن مهجعنسسا‬
‫وحده حوالي الربعين ‪ .‬وأمضى الخوة في العزل عدة أسسسابيع قسسدمت‬
‫لهم إدارة السسسجن وقتهسسا علجسسات مباشسسرة خشسسية أن ينتشسسر المسسرض‬
‫فيشسسمل الشسسرطة والسسسجانين أنفسسسهم ‪ .‬أو أن يتعسسدى حسسدود السسسجن‬
‫فينتقل عبر المجاري التي كانت تتصسسل مسسع شسسبكة مجسساري بلسسدة تسسدمر‬
‫وتنتهي في حقول المزارعين لترويها !‬
‫لكن المثير في المر أن هذه الحركة سسساعدت العديسسدين علسسى اللتقسساء‬
‫بأقسسارب لهسسم أو أصسسدقاء كسسانوا فسسي مهسساجع أخسسرى والطمئنسسان علسسى‬
‫أحوالهم ‪ .‬وكانت كذلك سببا ً في وصسسول أخبسسار جديسسدة إلينسسا وتسسسريب‬
‫أخبارنا إلى بقيسسة الخسسوة ‪ .‬ولقسسد بلغنسسا وقتهسسا أن السسسجناء فسسي بعسسض‬
‫المهاجع اكتشفوا آثار إطلق الرصاص وبقايا دم آدمي ل تزال موجودة‬
‫على السقف والجدران من أيام مجزرة تدمر الكبرى في شهر حزيران‬
‫من عام ‪ . 1980‬لكن الهم من ذلك بالنسبة لنا كان تمكن عدد منا مسسن‬
‫حفظ آيات وسور من القرآن الكريم لم تكن في مهجعنسسا ‪ .‬علوة علسسى‬
‫انخفسساض نسسسبة التعسسذيب واعتسسداءات الشسسرطة السسذين بسساتوا يتجنبسسون‬
‫الحتكاك بنا خشية العدوى ! ولقد علمنا بعسسد عسسودة الخسسوة أن وفيسسات‬
‫حدثت بالفعل بين مصابين من مهاجع أخرى ‪ ،‬أذكر مسسن أسسسمائهم الخ‬
‫ناصح شنيطي من دمشق ‪ .‬لكن لطف الله تعالى ورحمته كانت واضحة‬
‫في هذه المحنة ‪ .‬وبرغم انعدام العناية الصسسحية اللزمسسة وقلسسة التغذيسسة‬
‫وسوء الحوال فقد مرت الزمة بأقل الخسائر وقد كنا نتوقع أن تودي‬
‫بحياة المئات ‪.‬‬

‫مهجع النساء‬
‫لم يطل المقام بنا كثيرا ً في تدمر حتى تأكد لنا أن هذا المكان الرهيب‬
‫يضم بين جدرانه أخوات سجينات أيضا ً خصصوا لهن غرفة المستوصسسف‬
‫السابقة وحولوها إلى مهجع للنساء ‪.‬‬
‫ولقد تأكد لنا المر أول مرة حينما استدعوا إلى التحقيق أخا ً من‬
‫مهجعنا اسمه بسام س ّ‬
‫فور من حمص كانت تهمته تأمين جواز سفر‬
‫لبعض الشخاص الملحقين ‪ .‬ويبدو أن امرأة غير مسلمة اسمها أم‬
‫طوني كانت قد باعته الجواز أو شاركت في عملية تزويره ثم اعترفت‬
‫عليه ‪ .‬فلما استدعوه للتحقيق في السجن نفسه واجهوه بها ‪.‬‬
‫واستطاع بعدما انتهى التحقيق أن يراهم يدخلونها غرفة المستوصف‬
‫التي سجنوا فيها النساء ‪ .‬وفي مرة تالية وبينما كنا في التنفس‬
‫استطعنا أن نلمح عددا ً من النساء المحجبات في ذلك الجانب من‬
‫الباحة فتأكد لنا وجودهن هناك ‪ .‬لكننا لم يكن ممكنا ً لنا أن نعرف‬
‫عنهن أكثر أو أن نقدم لهن أي عون ‪.‬‬

‫العدام‬
‫واستيقظنا في يوم من تلك اليام ننتظر أن نبدأ البرنامج الذي اعتسسدنا‬
‫عليه وتأقلمنا معه إلى حد كبير ‪ ..‬وبدأنا نضب بطانياتنا ونجمع العوازل‬
‫من تحتها حين نادى علينا الشسسرطة مسسن شسسراقة البسساب فجسسأة وبشسسكل‬
‫إيعاز ‪:‬‬
‫الكل ضبوا لجوة ول ‪.‬‬
‫فسارعنا ونفذنا المر وتجمعنا كلنا في أقصسسى المهجسسع نسسستعيذ بسسالله‬
‫من شر ما خلسسق ! وإن هسسي إل برهسسة حسستى بلغتنسسا مسسن الباحسسة أصسسوات‬
‫وضجيج غير مألوف ‪ ..‬وأحسسنا وكأنما هناك حمولة من الخشب ترمى‬
‫على الرض ‪ ..‬والنوافذ عالية لنستطيع أن نطسسل منهسسا ‪ ..‬وبيننسسا وبيسسن‬
‫الباب مسافة لم نجرؤ أن نغادر زاويتنا ونسترق النظر من شقوق فيسسه‬

‫خشية أن يرانا الشرطة من الشراقة فوق المهجع فيعاقبونا بمسسا نحسسن‬
‫في غنى عنه ‪.‬‬
‫لكن الجلبسسة اسسستمرت ‪ ..‬وتتسسابع صسسوت ارتطسسام الخشسسب بسسأرض الباحسسة‬
‫السسسمنتية ‪ ..‬ورأينسسا ظلل الشسسرطة علسسى جسسدران المهجسسع تعسسبر مسسن‬
‫النوافذ العليا كالشباح ‪ ..‬فشعرنا بقلق وانقباض ‪ ..‬وبسسدأنا نتوقسسع شسسر‬
‫الحتمالت ‪ ..‬ونحسب أنهم سيدخلون الن ويطلقون علينسسا النسسار كلنسسا‬
‫كما فعلوا قبل أقل من عام في نفس المكان ‪ .‬ولم يطل بنسسا النتظسسار‬
‫كثيرا ً ‪ ..‬فما هي إل برهة حتى سمعنا أصوات التكبير تتعالى ‪ ..‬وسجناء‬
‫ينادون أسماءهم ويقولون أخوكم فلن يوحد الله ‪ .‬ومن بيسسن هسسؤلء ل‬
‫أزال أذكر اسم الخ محمد ناصر البيك من حمص ‪ ،‬الذي بلغتنا تكسسبيراته‬
‫وعبارته الخيرة يقول ‪:‬‬
‫أخوكم محمد ناصر البيك يوحد الله ‪.‬‬
‫فعرفه إخوة من مدينته في المهجع معنا ‪ .‬وأيقنا أنها عمليسسة إعسسدامات‬
‫تجري الن ‪ .‬وأن مجموعة من السجناء يعلقون على المشانق بالفعل ‪.‬‬
‫فاحتبست أنفاسنا جميعا ً ‪ ..‬واختنقسست فينسسا العسسبرات ‪ ..‬وتجمسسدت علسسى‬
‫ألسسسنتنا العبسارات ‪ ..‬ولسم تنقسسض أكسثر مسسن عشسر دقسائق حستى خفتست‬
‫الصوات ‪ ..‬وسكنت الحركة ‪ ..‬وبدأت المسسور خسسارج المهجسسع تعسسود إلسسى‬
‫طبيعتها بالتدريج ‪ ..‬لكن التفقد تأخر وألغي التنفس في ذلسسك اليسسوم ‪..‬‬
‫وأحضسسر الشسسرطة الطعسسام مسسن غيسسر أن يشسسيروا إلسسى ذاك السسذي حسسدث‬
‫بشيء ‪.‬‬
‫وأغلق الباب علينا بعد ذلك لتلفنا دوامة القلق والتساؤلت ‪ .‬فهسسا نحسسن‬
‫الن أمسسام المسسوت وجه سا ً لسسوجه ‪ ..‬والعسسدامات السستي كنسسا نسسسمع عنهسسا‬
‫ونتخوف منها حدثت على بعد خطوات منا وحسسسب ‪ ..‬وإذا كسسان شسسهداء‬
‫المجزرة الكبرى قبل عام قد قضوا نتيجة نزوة كما ظن البعسسض أو ثسسأر‬
‫بعد محاولة اغتيال رأس النظسسام ‪ ،‬فسسإن مسسا نسسراه الن ونسسسمعه يجعلنسسا‬
‫نحس أن المر منظم في الحقيقة ومقرر ‪ ،‬وأن هناك برنامجا ً لتصسسفية‬
‫السجناء إذا ً ‪ .‬ولم يعد مستبعدا ً بعد الن أن نقف أنفسنا هسسذا الموقسسف‬
‫وتلتف حبال المشنقة على أعناقنا نحن بعد حين !‬
‫تساؤلت ‪ ..‬وتأويلت‬

‫وأخذت التساؤلت تغادر السرائر بالتدريج وترتسم على شفاهنا تباعا ً ‪،‬‬
‫فتنتقل من فرد إلى آخر ومسسن مجموعسسة إلسسى غيرهسسا ‪ ..‬وترسسسم معهسسا‬
‫معسسالم مختلسسف النسساس السسذين ضسسمتهم المحنسسة وجمعهسسم هسسذا المكسسان‬
‫الرعيب ‪ .‬ورغم أن الحادثة هزتنا جميع سا ً إل أن أكسسثر مسسن اهسستز حقيقسسة‬
‫كان أولئك الذين لم يكونوا أهل انتماء بالصل ‪ ،‬وجرفتهم المصسسلحة أو‬
‫الحماسة فشاركوا بعمل ما وألقي القبض عليهم واعتبروا فسسي منزلسسة‬
‫واحسسدة كسسالمنظمين والمسسسلحين ‪ ..‬ومسسن هسسؤلء كسسان بضسسعة نفسسر مسسن‬
‫المهربين وتجار السلح ‪ ..‬ممن لم يكونوا مهيئين نفسيا ً ل للمحنسسة ول‬
‫للعدام والموت ! وانتشرت بناء على حال كسل فئة تسسأويلت المتسأولين‬
‫وتحليلت المحللين ‪ ..‬فاجتمع رأي البعض على أن العدامات إنما تنفذ‬
‫في المسلحين الذين شاركوا في عمليات حقيقية وأدينوا فيها ‪ ..‬وأمسسا‬
‫المنظمون من غيرهم فمثلهم كمثل تلميذ المشايخ ل خطر منهسسم ول‬
‫تثريب عليهم ! وذهب نفر إلى أن المسلحين أنفسهم قسمان ‪ :‬قسسسم‬
‫تسلح ولكنه لسسم ي َ ْ‬
‫قت ُسسل أو يقاتسسل ‪ ..‬وهسسؤلء أقسسرب للفئة السسسابقة إذا ً ‪.‬‬
‫وفئة أخرى قاتلت و َ‬
‫قَتلت وثبت عليها العمل العسسسكري ‪ ..‬وهسسؤلء هسسم‬
‫الذين تنفذ فيهم العدامات وحسب ‪.‬‬
‫وأحدثت هذه التقسيمات خلخلة غير منتظرة في الصفوف ‪ ..‬وظهسسرت‬
‫بسبب هذه التخمينات مشادات وأخذ ورد ‪ ..‬ونسسادى العقلء بسسأن المسسور‬
‫بيد المولى سسسبحانه والعمسسار مقسسدرة فسسي علمسسه الزلسسي ل تنقسسص ول‬
‫تزيد ‪ ..‬وقال الخوة الذين أدينوا بالعمل العسكري بأن الشهادة شسسرف‬
‫لكل مسلم ‪ ..‬فإذا كانت قد دنت فمرحبا ً بها ‪ ..‬ولكننسسا هنسسا جميع سا ً فسسي‬
‫نظر النظام أعداء ‪ ..‬وهم ل يفرقون بيننا ل في عذاب ول في إعدام ‪.‬‬
‫وحل الشتاء !‬
‫ومضت اليام وحل الشتاء ‪ ..‬شتاء الصحراء الذي ل يرحم ‪ ..‬ونحن فسسي‬
‫مهجعنا ل نملك إل بطانياتنا البالية ذاتها ‪ ،‬والنوافذ والشسراقات فوقنسا‬
‫مفتوحة على حالها ‪ ،‬ويا بؤس من بات ليلته تحتها ‪ ..‬ويا سوء حظ مسسن‬
‫تأفف من مطر السماء حسستى ولسسو انصسسب عليسسه طسسوال الليسسل ! ولسسذلك‬
‫وبسبب هسسذه السسبرودة والرطوبسسة وسسسوء التغذيسسة تفشسست بيننسسا أمسسراض‬
‫الزكام والروماتيزم والتهابات المفاصل ‪ ..‬ثم لم يلبث أن ظهسسر السسسل‬
‫فينا بعد أقل من عام ‪ ..‬أو أنه كان قد ظهر بالفعل ولكننا لم نكتشسسفه‬
‫إل وقد استشرى وعم !‬

‫وهكذا عدنا إلى برنامسسج المعانسساة نفسسسه ‪ ..‬أسسسرى جسسدران المهجسسع ‪26‬‬
‫نتقلب بين عذاب وعذاب ‪ ..‬وتفقد وتنفس ‪ ..‬وحلقة وحمسسام ‪ ..‬ولكننسسا‬
‫كنا نغالب ذلك كله بحفظ كتاب الله وتلوة آياته ما وسعنا الجهد ‪ .‬ولسسم‬
‫يكن ذلك هينا ً في هذا الجو العصيب ‪ ،‬لكننا ثابرنسسا بحمسسد اللسسه وتابعنسسا ‪.‬‬
‫ولم يكن فقه السجون قد تبلور لدينا في تلك الفترة بعد ‪ ،‬فكان بعضنا‬
‫يخاطر بالقيام للوضوء مع كل صلة رغم أن التيمم كسسان مرخص سا ً لنسسا ‪.‬‬
‫وكان احتمال أن يكتشف الشرطة حركتنا في الليل خاصة معناه عذاب‬
‫محقق في الصباح التالي ربما كلف المرء حياته ! كذلك كنا نغتسل من‬
‫الجنابة بالماء البارد مع برودة الجو رغسسم أن السستيمم كسسان واردا ً أيض سا ً ‪،‬‬
‫ونظسسن أنسسه ل حسسل لنسسا إل بسسذاك ‪ .‬لكننسسا أخسسذنا مسسن بعسسد نتتبسسع الرخسسص‬
‫الشرعية ونخفف عن أنفسنا قدر المستطاع ‪ .‬ولم نعسسدم أن نجسسد بيننسسا‬
‫من ظل يتشدد ويصر على الغتسال وعلى الوضوء في كل مرة وعلى‬
‫أداء الصسسلة وقوفسسا ً والمجسساهرة بالصسسيام حينمسسا منسسع فسسي السسسنوات‬
‫اللحقة ‪ ،‬برغم المخاطر واحتمالت الذى له وللخرين ‪.‬‬
‫محكمة !‬
‫وذات يوم ‪ ..‬وكان قد مضى علسسى حسسادث العسسدام بضسسعة أسسسابيع دخسسل‬
‫علينا الشرطة وسألوا عن أسماء بعينها ‪ ،‬ولم نكن قد عهدناهم ينادون‬
‫أحدا ً باسمه من قبل ‪ .‬لكن أيا ً من هذه السماء لسسم يكسسن بيننسسا ‪ .‬وتكسسرر‬
‫المر مرة بعد مرة ‪ ..‬فأحسسنا أن ثمة شيئا ً مريب سا ً يسسدور ‪ ..‬حسستى كسسان‬
‫صبيحة يوم جديسسد ‪ ،‬حينمسسا دخسسل الحسسرس ونسسادوا مجموعسسة أسسسماء مسسن‬
‫مهجعنا هذه المرة وقادوهم معهم ‪ .‬وكانوا قرابة الخمسة عشر شخصا ً‬
‫كلهم من حمص ‪.‬‬
‫ومضت حوالي خمس أو ست ساعات أحضسسر الشسسرطة خللهسسا الفطسسور‬
‫والغداء معا ً وأغلقوا الباب علينا من غيسسر تفقسسد أو تنفسسس ‪ ..‬فلمسسا عسساد‬
‫الخوة وسألناهم أين كنتم قالوا في المحكمة ‪ .‬فتيقنا ساعتها أنها جد‬
‫إذا ً ‪ .‬وعلمنا منهم أن أحكاما ً صدرت بالعدام على أكسسثرهم ‪ .‬وسسسرعان‬
‫ما وجدنا الخوة المحكوم عليهم بالعدام قد تغير حسسالهم ‪ ..‬وانصسسرفوا‬
‫عسسن كسسل شسسؤون السسدنيا انصسسرافا ً تام سا ً ‪ ..‬وتوجهسسوا إلسسى اللسسه سسسبحانه‬
‫بكلياتهم يهيؤون أنفسهم للقاء رب العالمين حتى كأن أحدهم لم يكسسن‬
‫ب هسسؤلء‬
‫من أهل هذه الدنيا أبدا ً ‪ .‬ولم ينقض شهران بعسسدها حسستى طُل ِس َ‬
‫الخسسوة للعسسدام ‪ ..‬فكسسانت أول كوكبسسة مسسن أهسسل الجنسسان إن شسساء اللسسه‬

‫نودعهم من مهجعنسسا ‪ ..‬سسسائلين اللسسه تعسسالى أن ينتقسسم لهسسم ويتقبلهسسم‬
‫ويجعلهم في أعلى عليين ‪.‬‬
‫مرحبا ً بلقاء الله‬
‫دخل الشرطة صبيحة ذلك اليوم المرير وقرؤوا أسماء المطلوبين فيما‬
‫كانت إجراءات نصب المشانق وتهيئة مراسم العسسدام تتسسم فسسي الباحسسة‬
‫أمام مهجعنا مباشرة ‪ .‬وكانت مفاجأة لنا أن عددا ً ممن تليت أسماؤهم‬
‫كانوا قد خرجسسوا إلسسى المحكمسسة وقتهسا ولسسم يبلغسسونهم كسالخرين أنهسم‬
‫حكموا بالعدام ‪ .‬فلما سمع الخوة أسماءهم وأيقنوا المصير تراكضسسوا‬
‫إلى الحمام فتوضؤوا ومدوا شيئا ً هناك وصلوا عليه تخفيا ً من الشرطة‬
‫خشية علينا نحن ل على أنفسهم ‪ .‬وخرج الركب أكثر من عشرة كأنهم‬
‫غيسسر السسذين عرفنسسا كسسل هسسذه اليسسام ‪ ..‬مطمئنسسي النفسسوس ‪ ..‬مشسسرقي‬
‫القسسسمات ‪ ..‬مقبليسسن بكسسل جسسوارحهم علسسى اللسسه راضسسين بقضسسائه ‪.‬‬
‫واستطاع بعضنا أن يعانق عددا ً منهم ‪ ..‬وخرج الخرون حسستى مسسن غيسسر‬
‫كلمة وداع ‪ .‬ل زلت أذكر من أسماء تلك الدفعة الخوة حسن الصسسغير ‪،‬‬
‫وعبد الغني الدباغ ‪ ،‬وبسام كالو وكلهم من حمص ‪ .‬ول زلت أذكر كسسأنه‬
‫الساعة كيسسف أن الخ بسسسام اسسستيقظ صسسباح ذلسسك اليسسوم مبكسسرا ً وقسسال‬
‫لخوة حوله ‪ :‬رأيت اليسسوم منامسا ً ‪ .‬سسسألوه ‪ :‬خيسسرا ً إن شسساء اللسسه ‪ ..‬مسساذا‬
‫رأيت ؟ قال ‪ :‬رأيت قول الله تعالى في القرآن الكريم ) وسارعوا إلى‬
‫مغفرة من ربكم وجنة عرضسسها السسسماوات والرض أعسسدت للمتقيسسن ( ‪.‬‬
‫ولم يلبث أن نودي للعدام رحمه الله بعد ساعة أو أقل ‪ ،‬فأحسسنا أن‬
‫الله سبحانه حقق له منسسامه وتقبلسسه وغفسسر لسسه وأنزلسسه الجنسسان إن شسساء‬
‫الله ‪.‬‬
‫أرجوحة الشهداء‬
‫وأقفل الجلوزة البسساب ‪ ..‬وسسساقوا الخسسوة أول المسسر إلسسى مهجسسع فسسي‬
‫أقصى الباحة يسمى "الورشة" ‪ .‬وعلمنا من بعسسد أن سسسليمان الخطيسسب‬
‫يأتي بنفسه ليتأكد من السماء والشخاص ويتلو عليهم ديباجة الحكم ‪،‬‬
‫ويأتي معه أو يتبعه مدير السجن السسذي كنسسا نحسسس بقسسدومه مسسن صسسوت‬
‫المساعد يقدمه بالزمة المعتادة قائل ً ‪:‬‬
‫است‪.....‬رح ‪ ..‬استع‪......‬د ‪ .‬الباحسسة جسساهزة للتفسستيش سسسيدي اللسسواء أو‬
‫سيدي العقيد ‪.‬‬

‫وبعد هذا الجسسراء يبسسدأ الشسسرطة بسسسوق الخسسوة إلسسى المشسسانق تباعسا ً ‪.‬‬
‫وعندما بدأ ذلك هرعت مسسن فسوري إلسسى شسسق صسغير فسسي بسساب مهجعنسسا‬
‫فرأيت المشانق منصوبة على امتداد الباحة ‪ ..‬والخسسوة الن وقسسد بسساتوا‬
‫على حافة الردى يكبرون بأعلى صوتهم ويهللون ‪ ..‬ويساق أحدهم بعد‬
‫الخر مغمض العينين مكبل اليدين إلسسى المشسسنقة السستي انتصسسبت علسسى‬
‫قوائمها الثلث ‪ ..‬يتدلى منها حبل كحبال الغسيل البلستيكية ‪ ..‬يخالف‬
‫في هذه المواصفات وتلك الوضعية أبسسسط الشسسروط السستي يفسسترض أن‬
‫تتوفر في مشنقة العدام المخصصة للمجرمين ! ورغم ذلك يؤمر الخ‬
‫بالجثو أمام المشنقة دون أن يدري ماذا أمامه ‪ ،‬وعن جانبيه اثنسان مسن‬
‫"البلدية" ينتظران اليعاز من الشرطي السسذي يقسسف فسسي مقابسسل الخ ‪.‬‬
‫فإذا أشار إليهما تناول حبل المشنقة فطوقا بسسه رقبسسة السسسجين ‪ ..‬ثسسم‬
‫تأخرا إلسسى السسوراء فأمسسسكا بقائمسسة المشسسنقة ‪ .‬ول يلبسسث الشسسرطي أن‬
‫يصدر اليعاز الخير ‪ ..‬فيشد "البلدية" الخشبة ‪ ..‬وتنتصسسب المشسسنقة ‪..‬‬
‫فيرتفع الخ في الهواء بلمحة عين ‪ ..‬ويشهق شهقته الخيسسرة وتزهسسق‬
‫روحه خلل لحظات ‪ .‬فإذا بدت منه حركة تسسدل علسسى احتمسسال اسسستمرار‬
‫الحياة فيه تقدم عنصرا "البلدية" ثانية فجذبا الخ وتعلقا به حتى يشتد‬
‫إطباق الحبل على رقبته إلى أبعد مدى ‪.‬‬
‫ول يلبث الطبيب يونس العلي أن يتقسسدم فيجسسس النبسسض ‪ ،‬ويتأكسسد مسسن‬
‫الوفاة ‪ ..‬فتعاد المشنقة إلى وضعها ‪ ،‬ويفك الحبل عن رقبة الشهيد ‪..‬‬
‫ويرمسسي بسسه القتلسسة جانب سا ً بسسدم بسسارد ‪ ،‬فيمسسا يعسسد الشسسرطة الخ التسسالي‬
‫للعدام ‪ .‬حتى إذا اكتمل العدد ونفذت الجريمة وتكومت الجثث ‪ ،‬دخلت‬
‫الساحة شاحنة عسكرية ‪ ،‬وتقدم "البلدية" فحملوا أجساد الخوة واحدا ً‬
‫بعد الخر وقذفوهم فيها ‪ ..‬لتمضي إلى حيث ل يعسسرف بمصسسيرهم أحسسد‬
‫إل اللسه ‪ .‬وفسي هسذه الدفعسة قسدرت أن أكسثر مسن خمسسين أخسا ً قضسوا‬
‫نحبهم ‪ ..‬نحتسبهم في عداد الشهداء البرار إن شاء الله ‪.‬‬
‫العزاء‬
‫غادر الخوة إلى لقاء الله ‪ ،‬وبقينا نحن في كربتنا ووحشتنا تلفنا حالة‬
‫من الكآبة خانقة ‪ ،‬والناس وكأن على رؤوسسسهم الطيسسر ‪ ..‬ليسسس لنسسا إل‬
‫العبرات الحرى نطلقها بصمت وألم ‪ ..‬والتضرع إلى الله نرسله خافتسسا ً‬
‫مرتعشا ً مع الزفرات ‪.‬‬

‫وغاص كل منا في خواطر شتى ‪ ..‬فهؤلء الذين كنا نأكسسل معهسسم قبسسل‬
‫ليلة خلت ‪ ..‬ونصلي وإياهم الفجر قبل برهة ‪ .‬هؤلء الذين كنسسا وإيسساهم‬
‫في سباق على حفظ كتاب الله ‪ ..‬نسمع منهم أو يسسسمعوا لنسسا ‪ .‬وربمسسا‬
‫كان واحدهم قد بات ليلته الخيرة بجانبنا ‪ ،‬أو أرسسسل آخسسر ابتسسسامة لسسه‬
‫من وجهه الطلق وغادر وتركنا ‪ .‬هؤلء الذين نمت بيننا العلقة عن غير‬
‫سابق معرفة من قبل في أحلك الظروف وأقساها ‪ ..‬شسسهرين أو ثلثسسة‬
‫نتناوب على تلقي العذاب ومواجهة الهول معا ً ‪ ..‬فكنا على قصر اليام‬
‫أكثر من إخوة وألصق من أشقاء ‪ .‬هؤلء جميعا ً خرجسسوا مسسن بيننسسا ولسسن‬
‫يعودوا أبدا ً ‪ .‬وغادروا الدنيا ولن نلقاهم إلى يوم الدين ‪.‬‬
‫وترتد الخواطر إلى ذواتنا سريعا ً ‪ ،‬ونبسدأ نسسترجع شسريط حياتنسا نحسن‬
‫الذين ل نزال أحياء ‪ .‬من طفولتنا البريئة ‪ ..‬إلى شبابنا الذي ما أن بسسدأ‬
‫يزهر فينا حتى اقتطفته يد الظلمة من غيسسر مسسا إنسسذار ‪ .‬ويتجسسه الحسسوار‬
‫في ذواتنا إلى المستقبل التي ‪ ..‬وأي مستقبل ذاك والمشانق ها هي‬
‫ح ّ‬
‫ل حبالها بعد ! وتختلط فينا مشاعر الشفقة بالشسسوق ‪ ..‬واللوعسسة‬
‫لم ت ُ َ‬
‫بالخوف ‪ ..‬والحباط بالرجاء ‪ .‬ول نجد في خاتمة المطاف ما نعسسزي بسسه‬
‫أنفسنا ونواسي جراحنا ونخفف مسسن هسسول المصسسيبة علينسسا إل اللتجسساء‬
‫إلى الرحمن الرحيم ‪ ،‬والرجاء بأن يكون ذلك فسسي سسسبيله فيقبلنسسا فسسي‬
‫الخرة ويعفو عنا ‪.‬‬
‫مع كتاب الله‬
‫وترانا نهرع من جديد إلى كتابه جل وعل أنيسنا وبلسم جروحنسسا ننكسسب‬
‫عليه ونلتجىء إليه ‪ .‬ولقسسد أكرمنسسا سسسبحانه بعسسد أسسسابيع لسسم تطسسل بسسأخ‬
‫حافظ لكتاب الله قدم إلينا مسسع حسسوالي خمسسسة عشسسر أخ سا ً مسسن دمشسسق‬
‫كلهم من جماعسسة مسسسجد زيسسد بسسن ثسسابت ‪ .‬والخ الحسسافظ اسسسمه محمسسد‬
‫صنوبر من بلدة جديدة الذيباني قرب دمشق ‪ .‬فكسسان سسسرورنا بسسه أكسسبر‬
‫من أن يوصف ‪ .‬وأقبلنا نتلقى منه السور واليات ونحفظها ‪ .‬وكنت أنا‬
‫والخ هيثسم عثمسسان برغسسم إصسسابته الشسديدة نحفسظ معسا ً ‪ ..‬ونراجسسع مسا‬
‫حفظنا باستمرار ‪ ..‬حتى بات كتسساب اللسسه شسسغلنا الشسساغل ‪ .‬ومسسن شسسدة‬
‫همتنا وعزيمتنا أذكر أنني بتوفيق الله حفظت سورة النعام كلهسسا فسسي‬
‫أربعة أيام ‪ ..‬وكنت من قبل أن أعتقل أحفظ جزء عم وبعضا ً من الجزء‬
‫التاسع والعشرين وحسب ‪ .‬فلما رأينا العدامات وقدرنا أن المنيسسة قسسد‬
‫دنت أحببنا أن ننهي الحفظ فنلقسسي بسسه وجسسه ربنسسا ‪ .‬وفسسي عسسام ‪1982‬‬

‫أنهيت والخ هيثم ولله الحمد حفظ القرآن الكريم كله ‪ .‬وكنسسا أول مسسن‬
‫ينهي الحفظ من مهجعنا بفضل الله ‪.‬‬
‫مؤامرة !‬
‫ومرت اليام ‪ ..‬وفوجئنا بواحد من الشرطة العسكرية صبيحة يسسوم تسسال‬
‫يطلب أبا رشيد ويمضي به إلى حيث ل نسسدري ‪ .‬وعنسسدما عسساد بعسسد بضسسع‬
‫ساعات كان في حالة ُيرثى لها من أثر التعسسذيب ‪ .‬ولسسم يكسسن مسسن طبسسع‬
‫أبي رشيد الكثار من الحديث ‪ ،‬لكنه خصني رحمسه اللسه بسذكر مسا جسرى‬
‫بحكم معرفتي السابقة به وصلتي الوثيقسسة معسسه ‪ .‬ووقتهسسا أخسسبرني أن‬
‫ضباطا ً من المخابرات أتوا للتحقيق معه حسول علقتسسه برئيسس الركسسان‬
‫حكمت الشهابي الذي حضر إلى فرع المخابرات من قبل ‪ -‬كما ذكرت ‪-‬‬
‫وحاول دفعه للعتراف ووعده بالمساعدة ‪ .‬وكانت إعسسادة التحقيسسق مسسع‬
‫السجين من أصعب المور عليه وقد ظن أنه انتهى مسسن هسسذه المرحلسسة‬
‫وطويت أوراق ملفه ‪ .‬ورغم أن الشهابي حاول حقيقة المسسر أن يوقسسع‬
‫أبا رشيد ويعين المخابرات عليه إل أنسسه رفسسض العسستراف بسسأمر يضسسره ‪.‬‬
‫ولعب المحققسسون لعبسسة الغسسراء ثانيسسة معسسه ووعسسدوه بسسأن ينقسسذوه مسسن‬
‫العدام إذا اعترف بوجود صلة للشهابي معه فأبى ‪ .‬وعذبوه على ذلسسك‬
‫أشنع العذاب فأصر على موقفه ‪ ..‬وأحس أن ثمة مؤامرة داخل أجنحسسة‬
‫النظام تريد استغلله لتصفية خصومات بينهم ‪ ..‬فأبى بنزاهسسة المسسسلم‬
‫أن يظلم حتى عدوه‪ ،‬وتحمل في سبيل ذلك أشد العذاب‪.‬‬
‫اليوم المقدور‬
‫وانقضت شهور أخر ‪ .‬وتحسنت صحة أبي رشسسيد والتسسأمت جسسراح حفلسسة‬
‫التعذيب تلك ‪ ..‬ومضت حياتنا على نفس المنوال ل نخرج من هم حسستى‬
‫نقع في هم أشسسد ‪ ..‬ول ننجسسو مسسن تعسسذيب حسستى يطولنسسا حفسسل تعسسذيب‬
‫أشنع ‪ ..‬وفي شهر تشرين الول أو تشرين الثاني مسسن عسسام ‪ 1981‬تسسم‬
‫استدعاء دفعة جديدة للمحكمة الهزلية التي كانت أحد فصسسول التعسسذيب‬
‫النفسي والجسدي معا ً ‪ .‬وخرج في هذه الدفعة أبو رشيد ضمن حوالي‬
‫أربعين أخا ً من مهجعنا ‪ .‬ورغم أنه رجع من غير أن يبلغسسونه بسسالحكم إل‬
‫أنه أدرك أن المر انتهى ‪ ..‬واستشف ذلك مسسن كلم سسسليمان الخطيسسب‬
‫الذي تربع على كرسي القضاء جسسورا ً وظلم سا ً ‪ ..‬خاصسسة وأنسسه عسساد وألسسح‬

‫عليه لتوريط الشهابي ‪ ..‬ووعده بإنقاذه من العسسدام إن فعسسل ‪ ..‬وأصسسر‬
‫أبو رشيد وقتها على الرفض مهما كانت النتيجة ‪.‬‬
‫وعاد أبو رشيد من المحكمة وقد نوى أن يبدأ الصيام من ساعتها وإلسسى‬
‫أن يلقي ربه ‪ .‬وقال بأنه لن يفطر حتى يخرج إلسسى العسسدام ‪ .‬وعنسسدما‬
‫حل ذلك اليوم المقدور بعد قرابة الشهرين كنسست قسسد رفعسست لسسه شسسايا ً‬
‫وبعض الطعام من وجبة الفطور ليتناولهسسا عنسسد الغسسروب ‪ .‬فلمسسا دخلسسوا‬
‫ونادوا على أسماء المطلوبين للعدام من دفعتسسه لسسم يسسذكروا اسسسمه ‪..‬‬
‫وتدافع الخوة لوداع الحبة وأغلق من ثم الباب ‪ ..‬وبينما نحسسن نسسترقب‬
‫ناداني أبو رشيد رحمه الله وقال لي ‪:‬‬
‫أخي أبو سليم ‪ ..‬أراني اليسسوم متعبسا ً ‪ ..‬هسسات نسساولني الشسساي والطعسسام‬
‫لفطر ‪.‬‬
‫قلت له ‪ :‬هاك وتوكل على الله ‪.‬‬
‫ووالله الذي ل إله إل هو ‪ ،‬لم يرشف أبو رشيد من الشاي رشسسفة وبسسدأ‬
‫بالثانية حتى ُ‬
‫ح الباب من جديد ونادى الشرطي فينا ‪:‬‬
‫فت ِ َ‬
‫حسين رشيد عثمان ‪.‬‬
‫حاضر ‪.‬‬
‫رد أبو رشيد وكأس الشاي ل يزال بيسن شسفتيه ‪ ..‬فأيقنسا سسبحان اللسه‬
‫كيف أن رزق النسان المقسوم ل بد وأن يبلغه ‪ ..‬وأنه كسسان ل بسسد وأن‬
‫يأخذ رشفتي الشاي هاتين ل تزيدان ول تنقصان !‬
‫ولم يلبث أن قفز رحمه الله إلى زاوية مسسن زوايسسا المهجسسع وبسسدأ يخلسسع‬
‫عنسسه ملبسسسه وهسسو يكسسبر ويهلسسل ‪ ..‬وحينمسسا لسسم يبسسق عليسسه إل الشسسورت‬
‫والشرطة على الباب يكادون يجنون مما يفعل ألقى إلينا بكل مسسا كسسان‬
‫يرتدي لنستفيد منه ‪ ..‬وخرج إلى العدام رحمه الله ‪ .‬ولم أستطع هسسذه‬
‫المرة التلصص من ثقب الباب بعسسد السسذي حصسسل ‪ .‬وسسسرعان مسسا انتهسسى‬
‫تنفيذ العدام ‪ ،‬ودخل الشرطة علينا فأخرجونا إلسسى السسساحة وأشسسبعونا‬
‫جلدا ً ولطما ً حتى يمسحوا عنا أي أثر إيجابي تركتسه فينسسا تكسبيرات أبسسي‬
‫رشيد رحمه الله ‪.‬‬

‫أحداث حماة‬
‫وحل عام ‪ 1982‬ونحن بين أيدي الظلمة تمضي بنا المسسور مسسن سسسيىء‬
‫إلى أسوأ ‪ .‬ولم تلبث أن انفجرت الحداث في حماة مسسن غيسسر أن نعلسسم‬
‫بها بالطبع ‪ .‬لكننا تلقينا آثارها السلبية داخسسل السسسجن ورأينسسا الهسسوال‬
‫وقتها دون أن ندري بما يجري ‪.‬‬
‫فابتسسداء مسسن شسسهر شسسباط اشسستد التعسسذيب نوعسا ً وكمسا ً ‪ ..‬وبسسدأ ضسسحاياه‬
‫يتزايدون باستمرار ‪ ..‬حسستى أن واحسسدنا كسسان إذا حسسل دوره فسسي سسسخرة‬
‫الطعام وأراد الخروج لتناوله من باب المهجع قرأ الفاتحسسة ووضسسع فسسي‬
‫حسبانه احتمال أن تكون آخسسر سسسورة يتلوهسسا قبسسل أن يمسسوت ! وبلغتنسسا‬
‫أنباء عدة عن إخسسوة قتلتهسسم ضسسربات تلسسك العصسسا الغليضسسة السستي كسسانوا‬
‫يهوون بها على رأس السجين مباشرة ول يبالون ‪ .‬وفي نفس الفسسترة‬
‫ارتفعت نسبة المحكوم عليهم بالعدام حتى كادت أن تشمل ‪ %98‬من‬
‫كل دفعة تخرج للمحاكمة ‪ .‬وأصبحت الحكام تنفسسذ كسسل يسسومين بعسسد أن‬
‫كانت من قبل ثلث مرات في الشهر على الغلب ‪ .‬ووقتها كان إعسدام‬
‫أبي رشيد ودفعته رحمهم الله ‪.‬‬
‫احتياطات !‬
‫وذات يوم ‪ ،‬وفي دفعة من دفعات العدام تلك ‪ ،‬طلب الزبانية أخا ً مسسن‬
‫مهجعنا ‪ 26‬للعدام اسمه عبد الكريم غانم من الزبداني كان طالبا ً في‬
‫كليسسة الهندسسسة بدمشسسق ‪ .‬فلمسسا سسسمعنا الخسسبر انسسدفعنا نسسودع الخ وقسسد‬
‫تفجرت من مآقينسسا السسدموع ‪ .‬فوجسسدناه رحمسسه اللسسه يقسسف فسسي وجوهنسسا‬
‫شامخا ً راضيا ً يقول لنا ‪:‬‬
‫علم تبكون ؟ ابكوا على حالكم أنتم ‪ ..‬أما أنا فخلص ارتحسست مسسن هسسذا‬
‫العذاب ‪.‬‬
‫ومما هو جدير بالتسجيل هنا أنه وأثناء هذه الموجة الطاغية من العنف‬
‫والجرام بلغنا ذات مرة أنهم أخرجوا دفعة من السجناء للعدام فتمكن‬
‫أحد الخوة من بينهم مسسن الفلت ‪ ،‬وقسسام بضسسرب الجلديسسن مسسا وسسسعه‬
‫الجهد قبل أن يطبقوا عليه ويعيدونه إلى حبل المشنقة ‪ .‬وبعد الحادثة‬
‫اقتحموا كل المهاجع وأذاقونا كلنا قتلة من أشد ما رأينا خوف سا ً مسسن أن‬

‫تولد حادثة الخ فينا نوعا ً من أحاسيس التمرد والعصيان ‪ .‬ومسسن وقتهسسا‬
‫بدأ الشرطة يأخذون احتياطات أشد أثناء العدامات ‪.‬‬
‫العميل !‬
‫تم اعتقالي مثلما ذكرت في البداية في الشهر العاشر من عسسام ‪1980‬‬
‫بعسسد أن انتقلسست صسسلتي مسسن أبسسي الفسسرج إلسسى يحيسسى الشسسامي ‪ .‬ورغسسم‬
‫التعذيب الفظيع الذي نلته في أقبيسسة المخسسابرات العسسسكرية فسسإن اللسسه‬
‫ثبتني ولم أعترف على يحيى أو أي شسسخص آخسسر ‪ .‬لكننسسي فسسوجئت مسسع‬
‫اشتداد موجات القتل والتعذيب في الشهر الثاني من عام ‪ 1982‬بخسسبر‬
‫استشهاد يحيى في سجن تدمر ‪ .‬ثم لم تلبسسث القسسدار أن جمعتنسسي مسسع‬
‫إخوة من هنا وهناك التقوا يحيى في مراحل محنته المختلفسسة وعرفسسوا‬
‫قصته ‪.‬‬
‫ولقد تم اعتقال يحيى ابتداء بعد اعتقالي بزمن غير طويل ‪ .‬وكان ذلك‬
‫حينما حضر يحيى إلى موعد مع شخص يسمى عبسسد الكريسسم رجسسب كسسان‬
‫طالبا ً من حماة يسسدرس الطسسب فسسي دمشسسق تمكنسست أجهسسزة المسسن مسسن‬
‫تجنيده لصالحها واستفادت مسسن علقتسسه مسسع شسسباب الخسسوان ومعرفتسسه‬
‫بالكثير منهم أيما فائدة ‪ .‬ول أزال أذكر كيف كان عبد الكريم هذا يحوم‬
‫حولنا بشكل دائم من خلل معرفته بإخوة آخرين ‪ ،‬ويكسسثر مسسن السسسئلة‬
‫والستفسارات بسبب ومن غير سسسبب ‪ .‬ولقسسد أوقسسع هسسذا العميسسل كمسسا‬
‫تأكد لي عددا ً كبيرا ً من الخوة بالفعل ‪ ،‬وتمكن مسن كشسف العديسد مسن‬
‫قواعد المجاهدين فسي دمشسق خاصسة ‪ .‬وكسان نشساطه فسي قمتسه بيسن‬
‫صفوف الخوة الذين توافدوا مسن خسارج سسورية إلسى دمشسق لتشسكيل‬
‫التنظيم الوليد الذي كان أبو الفرج أبرز قادته ‪.‬‬
‫وهكذا وجد يحيى نفسه وسط عناصر المخابرات يطبقون عليسسه وعلسسى‬
‫عبسسد الكريسسم عنسسد المسسسجد المسسوي ويقتادونهمسسا إلسسى فسسرع التحقيسسق‬
‫العسكري ‪ ،‬ليقاد يحيى منه إلى تدمر بعد انتهاء التحقيق معه ‪ ،‬وأطلسسق‬
‫سراح عبد الكريم رجب ليستكمل مهمته التخريبية بين أفراد التنظيم ‪.‬‬
‫ولقد بلغنا لحقا ً أن المجاهدين في حماة تمكنوا من كشف عبد الكريم‬
‫واستدراجه إلسى كميسن محكسم ‪ ،‬فساعتقلوه وحققسوا معسسه وأخسسذوا منسسه‬
‫اعترافات كاملة ‪ .‬وتم اعدامه بعد ذلك جزاء خيانته ‪.‬‬

‫ولم ألتق يحيى في تدمر من بعد ‪ .‬لكنني التقيسست مسسن عاصسسره وعسساش‬
‫في المهجع معه ‪ .‬وبلغني أنهم في يوم من أيام شهر شسسباط عسسام ‪82‬‬
‫حينمسسا كسسانت أحسسداث حمسساة فسسي ذروتهسسا اسسستدعوا يحيسسى إلسسى الذاتيسسة‬
‫للتحقيق معه ‪ ،‬وطلب المحقسسق القسسادم مسسن فسسرع التحقيسسق مسسن يحيسسى‬
‫أسماء محددة ومعلومات لم تكن لسسديهم ‪ .‬فسسأبي يحيسسى ورفسسض ‪ .‬فسسأمر‬
‫ضَر وأنزلوا يحيى فيه وانهالوا عليه ضربا ً وقتل ً‬
‫ح ِ‬
‫المحقق بالدولب أن ي ُ ْ‬
‫فسسي باحسسة الذاتيسسة ثسسم توقفسسوا ‪ .‬فلمسسا سسسأله المحقسسق عسسن السسسماء‬
‫والمعلومات أصر على النكسسار ‪ .‬فسسأمر بتجريسسده مسسن ثيسسابه إل الشسسورت‬
‫وأعاده إلى الدولب ‪ .‬وعاد الضرب الوحشي ينهال عليه حتى أن واحدا ً‬
‫من أظفاره طار من قدمه ووقع قريبا ً من سجين آخر كان ينتظر دوره‬
‫في التحقيق في الباحسسة ذاتهسسا ‪ .‬ولقسسد التقيسست هسسذا الخ وهسسو ل يسسزال‬
‫يحتفظ بالظفر معه !‬
‫واشتد الضرب وانهالت الخيزرانات والعصي على قسسدمي يحيسسى وبقيسسة‬
‫جسده حتى أغمي عليه ‪ .‬فأمر المحقق الزبانية أن يشنقوه ‪ .‬ولم تكسسن‬
‫المشانق جاهزة يومها ‪ ،‬فسحبوه حتى وصلوا به أمام بسساب مهجسسع ‪6-5‬‬
‫وقسسام الرقيسسب فيصسسل كحيلسسة والشسسرطيان سسسمير كوشسسري وشسسحادة ‪-‬‬
‫حسسسبما وردنسسا مسسن شسسهود عيسسان ‪ -‬فلفسسوا حبل ً حسسول رقبسسة الخ يحيسسى‬
‫وشدوه بين أيديهم وهو ل يزال رحمه اللسه مغمسى عليسه حستى أزهقسوا‬
‫روحه !‬
‫مفاجأة !‬
‫ومما ل أزال أذكر من قصص العدامات المؤثرة ‪ -‬وأيا ً منها ل يؤثر في‬
‫صم الحجر ! ‪ -‬قصة طبيب أسنان مسسن حلسسب مسسن بيسست قسسره علسسي كسسان‬
‫معتقل ً مع عسسديله ‪ .‬ولقسسد تسسم الفسسراج عسسن هسسذا الخيسسر بعسسد واسسسطات‬
‫شديدة كما يبدو ‪ ،‬وبقي الول ينتظر ويرجو ‪.‬‬
‫ن‬
‫وفي صبيحة يوم من تلك اليام التعسة نسسودي اسسسم الخ فظسسن أن إذْ َ‬
‫إخلء سبيله قد تم ‪ .‬وأنسسه سسسيغادر الن للقسساء أهلسسه مسسن جديسسد ‪ .‬وكسسان‬
‫المسكين يرتدي حين اعتقاله طقما ً سارع حينما سمع اسمه فارتسسداه ‪.‬‬
‫وأخرج ساعته الذهبية فارتداها أيضا ً ‪ .‬وجعل ينفض عسسن كتفيسسه الغبسسار‬
‫ويحاول أن يمشط شعره ويحسن من هيأته وكل الظن أنسسه خسسارج إلسسى‬

‫الحرية الن ‪ .‬فلما خرج كسسانت المشسسنقة فسسي انتظسساره حقيقسسة المسسر ‪.‬‬
‫وكانت صدمة لنا جميعا ً بقيت تؤرقنا ردحا ً من الزمان ‪.‬‬
‫الجرب‬
‫وطسسالت المحنسسة كسسل أوجسسه هسسذه الحيسساة الم سّرة ‪ .‬فمسسع ازديسساد العسسذاب‬
‫والعدامات انخفضت كمية الطعام المقررة للسجناء رغم أنها لم تكسسن‬
‫تكفي لتقيتنا بالصسل ‪ .‬وصسارت إدارة السسسجن تتعمسسد قطسع المساء عنسسا‬
‫حتى أننا عانينا خلل صيف ذلك العام شهرا ً كامل ً من غير مسساء ‪ .‬وكسسان‬
‫موردنا الوحيد عن طريق بيدونات يملؤهسسا الشسسرطة لنسسا وقتمسسا شسساؤوا‬
‫وبالعدد الذي يريدون ‪ .‬وقتذاك عمت القذارة المهاجع غصبا ً عنا وبسساتت‬
‫رائحتها ل تطاق ‪ .‬ولم يلبث أن تفشسسى الجسسرب بيننسسا وانتشسسر انتشسسارا ً‬
‫كبيرا ً كنت أنا نفسي واحدا ً من ضحاياه ‪.‬‬
‫والجرب كما هو معلوم مرض جلسدي يصسسيب النسسان بحكسسة شسسديد فسسي‬
‫جلده سرعان ما تؤدي إلى تورمه وتقيحه ‪ ..‬وليس هنسساك مكان سا ً محسسددا ً‬
‫يكتفي به هذا الداء ‪ .‬فمن الممكن أن يصيب الرجلين واليدين والصسسدر‬
‫والظهسسر والمحاشسسم ذاتهسسا ‪ .‬وعلوة علسسى اللسسم الشسسديد السسذي يسسسببه‬
‫الجرب فإن انتقاله بين الناس المتجاورين أمسسر محتسم ‪ .‬ولسو لسسم يعالسج‬
‫المصاب فقد يموت من المرض ‪ .‬ولقد حدث ذلك في مهجعنا ‪ 26‬السسذي‬
‫انتشر الجرب فيه مثلمسسا انتشسسر ببقيسسة المهسساجع ‪ .‬ول أزال أذكسسر كيسسف‬
‫دهم هذا المرض أخا ً من دير الزور اسمه عبد الكريم الصسسالح ‪ ،‬فسسالتهب‬
‫جلده كله وانتفخ ‪ ،‬وظسسل يعسساني قرابسسة الشسسهر يصسسيح مسسن شسسدة اللسسم‬
‫وليس بيدنا شيء نقدمه لنخفف عنسسه إل السسدعاء ‪ .‬وعنسسدما أبلسسغ رئيسسس‬
‫المهجع الشرطة بحاله وكرر عليهم البلغ لم يزيدوا عسسن أن أمسسروه أن‬
‫يكف عن الشكوى وأن يتركه في المهجع ليموت !‬
‫لكن تزايد الصابات وانتشار المرض فسسي المهسساجع الخسسرى جعسسل إدارة‬
‫السجن بعد حين تتنسسازل وتحضسسر للمصسسابين دواء الجسسرب ‪ .‬وتسسم تعييسسن‬
‫مسؤول صحي لكل مهجع من السجناء أنفسهم تكون مسؤوليته تقديم‬
‫تقرير بالحالة الصحية إلى طبيب السجن حتى ل يضطر ذاك إلى فحص‬
‫المرضى بنفسه والتعرض لحتمالت الصابة بالعدوى منهم ! وفي هذا‬
‫ن الخ الطبيب قاسم موسى مسسسؤول ً صسسحيا ً لمهجعنسسا ‪ .‬ثسسم‬
‫السياق ُ‬
‫عي ّ َ‬
‫لما تزايدت الحالت أكثر فتحوا للمصابين مهجعا ً خاصا ً كمسسا حسسدث أيسسام‬

‫الكوليرا ‪ ،‬ل رحمة بهم بالتأكيد وإنما خشية أن تنتقل العسسدوى إليهسسم ‪.‬‬
‫ورغم ذلك فقد مات بسبب الجرب من مهجعنا وبقية المهسساجع الخسسرى‬
‫عدد غير قليل من الخوة ‪ ،‬وقدر للخ عبسسد الكريسسم الصسسالح أن يتعسسافى‬
‫بالتدريج ‪ ،‬حتى إذا شافاه الله بعد حين أتاه النداء ‪ ،‬وسيق مع دفعة من‬
‫دفعات العدام إلى الردى رحمه الله ‪.‬‬
‫من سجل الضحايا‬
‫وكان الممرض وطبيب السجن قد توقفا عسسن الحضسسور للمهجسسع قرابسسة‬
‫الخمسسسة أشسسهر خلل أحسسداث حمسساة وبعسسدها ‪ ،‬ممسسا ضسساعف الصسسابات‬
‫وأسرع في انتشار الجرب ‪ .‬وانتشرت معه أمراض أخرى لم نستطع أن‬
‫نعرف أسبابها أو نوعيتها بالتحديد ‪ .‬فكنسسا نحسسار فسسي أمرنسسا ونفعسسل مسسا‬
‫بوسسسعنا لمسسساعدة المصسسابين ‪ .‬ولكسسم كسسان الخسسوة يتسسسابقون لفسسداء‬
‫إخسسوانهم المرضسسى مسسن أي عسسذاب أو جهسسد وإيثسسارهم بحفنسسة الطعسسام‬
‫المخصصة للواحد منهم ‪ .‬لكسسن ذلسسك لسسم يكسسن كافي سا ً لوقسسف المسسرض أو‬
‫هسسم فريسسسة المسسراض‬
‫إنقسساذ المصسسابين ‪ .‬وقضسسى عسسدد مسسن الخسسوة ن َ ْ‬
‫حب َ ُ‬
‫والوبئة فبلغوا قرابة الستة عشر ‪ ،‬ل زلسست أذكسسر منهسسم كمسسال أنسسدورة‬
‫ومأمون الذهبي من دمشق ‪ .‬وهشام مجندف وبسام الهاشمي وسامي‬
‫وحود من حمص ‪.‬‬
‫وكان أول من مات بين أولئك جميعا ً معتقسسل مسسن قريسسة صسسوران قسسرب‬
‫حماة اسمه عبد العزيز عسسوض السسسالم ‪ .‬أصسسابه السسسل كمسسا يبسسدو حسستى‬
‫أصبح يبصق الدم ‪ .‬وعندما أخبر رئيس المهجع أبسسو الفضسسل الرقيسسب أن‬
‫لدينا مريضا ً في حالة خطرة أجابه بالحرف الواحد ‪:‬‬
‫ول ‪ ..‬بس يموت دق الباب !‬
‫وبعد شهرين من المعاناة وبعد ظهسسر أحسسد اليسسام إتكسسأ الخ علسسى صسسدر‬
‫شقيق له كان سجينا ً أيضا ً وأخذ يذكر الله ويردد الشهادتين حتى لفسسظ‬
‫آخر أنفاسسسه رحمسسه اللسسه ‪ .‬فلمسا تأكسسدنا مسسن وفساته طلسسب شسسقيقه مسن‬
‫الحضور أن يغسلوه قبل أن نخبر الشرطة بالمر ‪ .‬لكسسن الخسسوة خسسافوا‬
‫أن تصيبهم العدوى أو أن تنزل بهم من الشرطة بلوى ‪ .‬فلما لم يتقدم‬
‫أحد رأيت أن المسسر ل بسسد وأن يحسسسم ‪ .‬وتسسوكلت علسسى اللسسه وتقسسدمت ‪.‬‬
‫وأدخلته الحمام وغسلته وحدي ‪ .‬ومن يومها تعلم الخوة علي وأوكلسسوا‬
‫إلي هذه المهمة ما دمت فيهم ‪ .‬فغسلت كل الذين ماتوا من بعسسد ذلسسك‬

‫في المهجع ‪ .‬بعدها قرع أبو الفضل الباب وأخسسبرهم بوفسساة الخ ‪ .‬فلسسم‬
‫يزيسسدوا عسسن أن طلبسسوا منسسه أن يخرجسسه إلسسى الخسسارج ‪ .‬فتعسساونت معسسه‬
‫وحملناه ‪ ،‬وعدت أنا وبقي أبو الفضل لبرهة ‪ .‬وعندما عاد أخبرنا أنهسسم‬
‫أرادوا أن يتأكدوا من موته فتقدم أحدهم منه وركله بقسسدمه وحسسسب ‪..‬‬
‫وجاء "البلدية" فأخذوه ومضوا !‬
‫سحور !‬
‫ومضت اليام ‪ ..‬وازدادت المراض وكثرت الوفيسسات ‪ ..‬حسستى كنسسا نخسسرج‬
‫في فترة من الفترات ميتا ً من مهجعنا كل يسسوم ! ول زلسست أذكسسر أننسسي‬
‫كنت أنام بجانب الخ كمال أندورة في ليلة من تلسسك الليسسالي الرهيبسسة ‪،‬‬
‫وكنت قد نويت صيام اليسسوم التسسالي ‪ ،‬فنهضسست قبيسسل الفجسسر لتسسسحر ‪.‬‬
‫وكان كمال بعد أن اشتد عليه المرض في الفسسترة الخيسسرة ل يسسستطيع‬
‫النوم مستلقيا ً وإل اختنق ‪ .‬فكان يتربع في مكانه ويسسستند رحمسسه اللسسه‬
‫إلى الجدار ويظسسل يكابسسد طسسوال الليسسل ويتسسأوه ويعسساني ‪ .‬فلمسسا نهضسست‬
‫لتسحر وجدته ساكتا ً على غير عادته ‪ .‬فجعلسست أنسساديه بصسسوت خسسافت ‪.‬‬
‫فلما لم يجبني وارتبت في المر دفعته براحتي ‪ ،‬فوجدته يسسسقط ميتسا ً‬
‫على الطرف الخر ‪.‬‬
‫ولم يكن واردا ً وقتها أن أقوم بأي حركة تكشفني أمام الشسسرطة علسسى‬
‫سطح المهجسسع ‪ ،‬فسسسحبت البطانيسسة علسسى وجهسسه بكسسل هسدوء ‪ ،‬والتفسست‬
‫فسحبت صندويشة كنت قد وفرتها من عشاء المس لتكون سحورا ً لي‬
‫ليلتهسسا ‪ ،‬فجعلسست أدس اللقيمسسات فسسي فمسسي دسسا ً وأغسسص بهسسن ‪ ،‬والخ‬
‫بجانبي مسجى ل روح فيه ! وعندما استيقظنا صباحا ً ومضسسينا لنغسسسله‬
‫قبل أن يعلم الشرطة بمسسوته وجسسدناه رحمسسه اللسسه تخشسسب جسسسده وقسسد‬
‫مضت على وفاته بضع ساعات ‪ .‬حتى إذا انتهينا بعد جهد يكلله الرعسسب‬
‫أخبرنسساهم بمسسوته ‪ .‬فلسسم يزيسسدوا عسسن أن نسسادوا "البلديسسة" ليسسسحبوه ‪..‬‬
‫وانتهى المر !‬
‫سّنة طيبة !‬
‫ُ‬
‫ومما ل ينسى من مشاهد المراض والوبئة التي دهمتنسسا قصسسة أخ مسسن‬
‫حمص اسمه عبد المعز العجمسسي ‪ .‬أصسسابه مسسرض اليرقسسان الكبسسدي عسسام‬
‫‪ 1982‬وأشرف على الموت بسببه ‪ .‬وجعل الخ أبو الفضسسل رحمسسه اللسسه‬
‫يجهد نفسه ويجهدنا في توفير كمية من الطعام له من نصيبنا ‪ .‬وكسسان‬

‫رحمه الله أول من سن هسذه السسنة الطيبسة فسسي إيثسسار المرضسى علسى‬
‫شدة حاجتنا وضآلة نصيبنا من الطعام ‪ .‬وجعلنا ندعو لخ ونسأل الله له‬
‫ن علسى الخ برحمتسه ‪ .‬فلسم يمسض‬
‫الشفاء ‪ .‬وسبحان مسن اسستجاب ومس ّ‬
‫شهر كنا نظن الخ في أوله مودع سا ً حسستى قسسام بيننسسا صسسحيحا ً معسسافى ‪.‬‬
‫وكانت آية أخرى فيسه أن طلسسب فيمسسا بعسد إلسسى العسسدام ‪ .‬ونسسال شسرف‬
‫الشهادة عام ‪ 1984‬بعد أن نجا من الموت بسبب اليرقان ‪.‬‬
‫الطبيب القاتل !‬
‫وإذا كانت حكايات السى وروايات المعاناة فسسي سسسجن تسسدمر ل تنتهسسي‬
‫فإن مما ل ينسى مسسن بينهسسا حكايسسة الخ زاهسسد داخسسل السستي تجسسسد كسسل‬
‫معاني الطائفية الحاقدة والهمجية التي مارسها النظام السوري علسسى‬
‫شعبه ‪ ..‬وتفسر أسباب ثورة تلك الفئة المؤمنة على جلدهسسا ولجسسوئهم‬
‫إلى القوة كحل وحيد لم يجدوا من دونه سبيل ً للنجاة ‪.‬‬
‫كان زاهد رحمه الله طالبا ً متفوقا ً في كليسسة الطسسب بجامعسسة حلسسب فسسي‬
‫سنواته الخيرة ‪ ..‬جمعته القدار على طاولة الدراسسسة مسسع طسسالب آخسسر‬
‫من طائفة النظام اسمه محمد يونس العلي ‪ .‬وفي أحسسد اليسسام تع سّرض‬
‫يونس هذا لزميلة لهم في الصسسف مسسن أسسسر حلسسب المحافظسسة ‪ ،‬وجعسسل‬
‫يلحقهسسا بفظاظسسة ويتابعهسسا بالتصسسريح وبالتلميسسح فل يجسسد منهسسا إل‬
‫الصدود ‪.‬‬
‫ودارت اليام وشاءت القدار أن يتقدم زاهد نفسه لخطبة الفتاة ذاتهسسا‬
‫وأن ينال موافقتها وموافقة أهلها معا ً ‪ .‬وتسسم السسزواج وعمسست الفرحسسة‬
‫قلوب كل الناس إل يونس هذا ‪ ..‬الذي اعتبرهسسا قضسسية كسسبرى وعسسدوانا ً‬
‫على كرامتسسه ل يغتفسسر ‪ .‬وجعسسل يهسسدد الفتسساة وزوجهسسا بشسسكل معلسسن ‪..‬‬
‫وينذرهما بالويسسل والثبسسور وعظسسائم المسسور ‪ .‬وزاهسسد المسسؤدب الحيسسي ل‬
‫يملك إل أن يعرض عن الجاهلين ‪.‬‬
‫وانتهت الدراسة ‪ ،‬وتخرج زاهسسد ويسسونس مسسن كليسسة الطسسب ومضسسى كسسل‬
‫منهمسسا فسسي طريسسق ‪ .‬حسستى إذا اشسستعلت الحسسداث فسسي سسسورية وأسسسفر‬
‫النظام عن أقبح الوجوه وجد زاهد نفسه فريسة بين أيسسدي المخسسابرات‬
‫يتنقل من عسذاب إلسى عسذاب ومسن سسجن إلسى آخسر ‪ ،‬حستى انتهسى بسه‬
‫المقام في مهجع ‪ 6-5‬بتسسدمر ! وشسساءت القسسدار أن يكسسون طسسبيب هسسذا‬
‫السجن ‪ -‬ويا للهول ‪ -‬محمد يونس علي نفسه ! أما الجابة عسسن كيفيسسة‬

‫وصول زاهد ويونس كلهما إلى هذا المكان ‪ ..‬وعلقسسة ذلسسك بتهديسسدات‬
‫يونس السابقة فذلك ما لم نعرفسسه ‪ .‬لكنسسا تأكسسدنا كلنسسا أن هسسذا الطسسبيب‬
‫كسسان يبحسسث مسسن أول يسسوم عسسن شسسخص محسسدد اسسسمه زاهسسد داخسسل بيسسن‬
‫السجناء في مختلف المهاجع ‪ .‬وجعل الشرطة العسكرية يدورون على‬
‫مهاجع الباحسسة الولسسى حيسسث تسسم فسسرز زاهسسد علسسى واحسسد مسسن مهاجعهسسا‬
‫ويسألون عنه مرة بعد مرة ‪ ..‬حتى تم للجاني ما أراد وشاهد زاهدا ً في‬
‫يوم من اليام أثناء التنفس فقال للشسسرطة هسسا هسسو ذا ‪ .‬ومسسن لحظتهسسا‬
‫أخرجه الزبانية وأوسعوه ضربا ً وجلدا ً ومسبات وقالوا لرئيس مهجعسسه ‪:‬‬
‫هذا معّلم ‪ .‬ويبدو أن زاهد قد لمح يسسونس أو سسسمع بوجسسوده فسسأدرك مسسا‬
‫يدور ‪ ..‬وعرف أن طبيب السجن هو جلده وغريمه نفسه ‪ ..‬وأسر بذلك‬
‫للخوة في مهجعه وسأل الله الستر ‪.‬‬
‫وجعل الشرطة يخرجون زاهدا ً بسبب ومن غير سبب ويذيقونه في كل‬
‫يوم جرعة مضاعفة من العذاب ‪ ..‬ومضت أسابيع على هذه الحالة أيقن‬
‫زاهسسد والخسسوة معسسه أنسسه مقتسسول ل محالسسة ‪ .‬حسستى إذا انهسسار ولسسم يعسسد‬
‫يستطيع الخروج للتنفس وجلس في المهجسسع كمسسا اعتسساد مسسن أصسسابهم‬
‫مرض أو أقعدهم التعسسذيب أن يفعلسسوا أخسسذ الشسسرطة يبحثسسون عنسسه بيسسن‬
‫المرضى ويعذبونه هناك ‪.‬‬
‫وفي يوم مكفهر أخذ الزبانية التفقد في مهجع ‪ 6-5‬ولكن من غيسسر أن‬
‫يخرجونهم كما تقتضي العادة ‪ .‬وأتى المر مسسن الرقيسسب فيصسسل كحيلسة‬
‫للخوة أن يضبوا كلهم في زاوية المهجع ‪ .‬فلمسسا فعلسسوا ولسسم يبسسق فسسي‬
‫ذلك الركن إل زاهد المسكين وقد انتهت فيسه كسل قسدرة علسى الحركسة‬
‫تقسسدم فيصسسل وعريسسف مسسن الشسسرطة العسسسكرية اسسسمه شسسحادة وهسسوى‬
‫كلهما بالعصا على رأسه بكل قوته فانفلق من فوره ‪..‬‬
‫وسقط زاهد على أرض المهجع يتخبط دمه ‪ ،‬ومن غير أن تختلج في‬
‫القتلة عضلة واحدة خرجوا وأقفلوا باب المهجع ‪ .‬ولم يلبث القتلة أن‬
‫فتحوا نافذة الباب ونادوا رئيس المهجع وسألوه عم حدث ‪ .‬فأجاب‬
‫المسكين بهلع ‪ :‬ل أعرف سيدي ‪ ،‬أظنه وقع على الرض وأصيب‬
‫بارتجاج في الدماغ ! فأقفل الجناة النافذة ومضوا غير عابئين ‪ ،‬وهرع‬
‫الخوة إلى زاهد فرأوه قد أسلم الروح ‪ ،‬فجعلوا يسحبونه إلى الحمام‬
‫ليغسلوه ‪ .‬في تلك اللحظة فتح الباب من جديد وأمر الشرطة رئيس‬
‫المهجع أن يخرج الجثة ‪ .‬فجعل المسكين يسأل الخوة أن يساعدوه‬

‫فأبوا ‪ .‬وأقعدهم الخوف وفظاعة المشهد عن أن يتقدموا خطوة‬
‫واحدة ‪ .‬فلم يجد الخ إل أن يسحب جسد زاهد سحبا ً حتى باب‬
‫المهجع ‪ .‬وجاء "البلدية" كالعادة فحملوه من بعد ومضوا به وكأن شيئا ً‬
‫لم يكن !‬

‫أمر بالفاحشة !‬
‫وأمعن الشرطة في إجرامهم وغيهسسم ‪ ..‬وزادوا فسسي بطشسسهم وتفننسسوا‬
‫في أساليب العدوان ‪ .‬فكم من مسسرة فوجئنسسا ونحسسن فسسي سسساعة النسسوم‬
‫بواحد من هؤلء السفهاء يطل علينا من الشراقة فوق السقف ويبسسول‬
‫فوقنا عامدا ً متعمدا ً ‪ ..‬أو يبصق علينا مرة واثنتين وثلث ‪ .‬والويسسل كسسل‬
‫الويسسل لمسسن رفسسع رأسسسه أو تملمسسل فسسي مجلسسسه ! ولكسسم أخسسرج هسسؤلء‬
‫الظلمة واحدا ً أو أكثر من بيننا في منتصف الليل ليتسلوا بتعسسذيبه مسسن‬
‫غير أي سبب ‪ ..‬أو اجتمع عليسسه الجلدون فسسي حسسر الظهيسسرة فأوسسسعوه‬
‫لطما ً وضربا ً وسحلوه على أرض الباحة وهم يضحكون !‬
‫وعلوة علسسى الكبلت والعصسسي والسسسياط السستي كسسانت تنهسسش الجلسسود‬
‫وتحطم الضلع وتشوه الوجسسوه ‪ ،‬عمسسد الزبانيسسة إلسسى اسسستخدام قضسسبان‬
‫حديدية فسسي ضسسربنا ‪ .‬ويسسا بسسؤس مسسن نسساله مسسن هسسذه القضسسبان ضسسربة !‬
‫وإضافة إلى ذلك استخدم الشرطة القضبان ذاتها لتحطيسسم نفسسسياتنا ‪.‬‬
‫فكانوا إذا حان يوم الحلقة مثل ً دخلوا من باب الساحة السادسسسة السستي‬
‫تبعد عن مهجعنا عشرات المتار ورموا القضبان الحديدية علسسى أرضسسها‬
‫السمنتية لينطلق صوت ارتطامها بالرض فيصلنا كسسأنه نسسذير المسسوت !‬
‫ولم يكن الخوة كلهم في درجسسة واحسسدة مسسن الثبسسات وقسسدرة التحمسسل ‪.‬‬
‫فكان بعضهم ترتعد فرائصه إذا سمع ذاك الصوت ويبكي حتى من قبل‬
‫أن يصل الجلدون !‬
‫غير أنه مما ل ينسى أبدا ً مسسن مشسساهد تلسسك الفسسترة يسسوم أن أطسسل أحسسد‬
‫الحراس من شراقة السقف ونادى على أخوين شسقيقين فسسي مهجعنسا‬
‫وأمرهمسسا بكسسل صسسفاقة وسسسفالة أن يخلعسسا ملبسسسهما ويفعل الفاحشسسة‬
‫ببعضسسهما البعسسض ! ومسسع الضسسحكات الفسساجرة والمسسسبات السسدنيئة أصسسر‬

‫المجرم على تنفيذ المر ‪ ..‬ولم يجد الخوان إل أن يجاريسسانه خشسسية أن‬
‫يحسسدث مسسا ل تحمسسد عقبسساه ‪ ..‬فخلعسسا ملبسسسهما بالفعسسل ‪ ..‬والسسسفيه‬
‫يلحقهما ليفعل أكثر وأكثر ‪ ..‬وأطرقنسسا نحسسن وأغمضسسنا عيوننسسا ل نكسساد‬
‫نصدق هذا المدى من الخسة الذي بلغه أولئك الوحوش ‪ ..‬وجعلنا نبتهل‬
‫في سرائرنا أن يصسسرف اللسسه الذى وينجسسي الخسسوين وينجينسسا مسسن هسسذا‬
‫الخسيس ‪ .‬والكفر بسسالله والمسسسبات والشسستائم تنسسدلق علينسسا مسسن فمسسه‬
‫النجس ول تكف ‪ .‬فلما أحس أنه ضحك بما يكفسسي وحقرنسسا بمسسا يشسسفي‬
‫غليسسل حقسسده ورحسسل ‪ ..‬أحسسسسنا وكأننسسا خرجنسسا مسسن كسسابوس مرعسسب ل‬
‫يوصف ‪ .‬وأطرقنا صامتين ل نستطيع أن ننظر في وجوه بعضنا البعض‬
‫سسساعات عديسسدة ‪ .‬ولسسم يفتسسح أحسسد منسسا سسسيرة مسسا جسسرى بعسسدها ‪ ..‬سسسترا ً‬
‫للخوين وحفاظا ً على شعورهما وكرامتهمسسا ‪ ،‬وكرامسسة وشسسعور أبيهمسسا‬
‫الذي كان نزيل المهجع نفسه !‬
‫ولقد تكرر مثل هذا الحدث غيسسر مسسرة ‪ .‬وأعسساد هسسؤلء السسسفهاء الطلسسب‬
‫وأمثاله في أكثر من مهجع ‪..‬وكانوا يفتحون الباب علينا أو ينادون فسسي‬
‫التنفس واحدا ً منا ويقول الشرطي له ‪:‬‬
‫أنت يا ‪ ...‬أنا بدي أعمل في أمك كذا ‪ ..‬شو ؟‬
‫فكان المنادى يسكت أول المر ول يجد ما يجيب بسسه ‪ .‬فتسسأتيه لطمسسة أو‬
‫ضربة من جلده وهو يصيح به ‪:‬‬
‫كرر يا ‪ ...‬أنا بدي أعمل بأمك كذا ‪ .‬شو ؟‬
‫فل يجد المسكين إل أن يقول بذل وانكسار ‪:‬‬
‫أنت تريد أن تعمل بأمي كذا وكذا سيدي ‪.‬‬
‫فإذا أشبع ذلك من صسسلف المجسسرم تركسسه ‪ ،‬وإل أمسسره أن يعيسسد مسسا قسسال‬
‫وُيسمع به آخر من في الساحة أو في المهجع حتى تقر عينسسه الفسساجرة‬
‫وتسكن هواجسه الخبيثة !‬
‫المنفردات‬
‫وذات يوم من أيام عام ‪ 82‬القاسسية دخسسل عناصسر الشسرطة العسسكرية‬
‫المهجع فجأة وأمرونا جميعنسسا بالنبطسساح ‪ .‬ومسسا أن امتثلنسسا للمسسر حسستى‬

‫أمرونا بالوقوف من جديد ‪ .‬ولم يكن لمثل هسسذه الوامسسر مسسن سسسبب إل‬
‫إرهاقنا وإذللنا ‪ .‬لكنهم وعندما انتصبنا واقفين لمحوا أخا ً بيننسسا اسسسمه‬
‫أحمد فطومسة مسن حمساة كسان مشسمرا ً قسدرا ً عسن ذراعيسه ‪ .‬فقسالوا لسه‬
‫ولطمة من أيديهم المتعطشة للدماء تطاله ‪:‬‬
‫هنت ) أي أنت ( بتتحدانا ول ؟ قوم للسواليل ‪.‬‬
‫وسحبوا الخ سيىء الطالع مسسن بيننسسا واقتسسادوه إلسسى واحسسدة مسسن بضسسع‬
‫زنسسازين منفسسردة قسسرب المطبسسخ يسسسمون الواحسسدة منهسسا سسسالول ً بلغسسة‬
‫السجن ‪ .‬واقتادوا أخا ً آخر من حمص معسسه لسسسبب تسسافه مماثسسل ‪ .‬ولقسسد‬
‫وان فسسي السسجن النفسرادي لسسم‬
‫غادرت المهجع بعد قرابة العسسام وال َ‬
‫خس َ‬
‫يعودا بعد ‪ .‬وبلغنسسي لحقسا ً أن الخ أحمسسد فطومسسة مسسات مسسن التعسسذيب ‪.‬‬
‫ووصلتنا الخبار بعسسدها كيسسف أن العسسذاب يتضسساعف علسسى الخسسوة هنسساك‬
‫ويجتمع الشرطة كلهم على السسجين الواحسد بسدل أن تتسوزع سسياطهم‬
‫واعتداءاتهم على مهجع بأكمله ‪ .‬ولكن وحشة النفسسراد وهسسول الوحسسدة‬
‫في هذا المكان الرهيب تظل في اعتقادي أشسسد مسسن كسسل هسسذا العسسذاب‬
‫وأقسى !‬
‫من لئحة الجناة‬
‫وعلى الرغم من أن أفسسراد الشسسرطة العسسكرية والرتسسب السستي تعلسسوهم‬
‫كسسانوا يحرصسون علسى عسدم معرفتنسسا لشخصسياتهم وأسسسمائهم ‪ .‬ورغسسم‬
‫الظروف القاسية التي كنا نواجهها عندما نكون أمام واحسسد منهسسم ‪ .‬إل‬
‫أننا وبمرور اليام تمكنا من معرفة بعض منهم ‪ .‬وكسسان ذلسسك يتسسم علسسى‬
‫الغلب من سماعنا واحدهم ينادي الخسسر باسسسمه أو يتحسسدث عسسن ثسسالث‬
‫منهم فيسسذكره ويسسسميه ‪ .‬وهكسسذا علمنسسا أن مسسدير السسسجن هسسو المقسسدم‬
‫فيصسسل الغسسانم السسذي نفسسذت علسسى عهسسده مجسسزرة تسسدمر الكسسبرى فسسي‬
‫‪ . 26/6/1980‬يساعده النقيسسب بركسسات العسسش ‪ ،‬وكلهمسسا مسسن الطائفسسة‬
‫العلوية ومن محافظة اللذقيسسة ‪ .‬وكسسان يقسسوم بمهمسسة مسسا يسسسمى إدارة‬
‫النضسسباط المسسساعد أول أحمسسد كيسسساني أو "أبسسو جهسسل" كمسسا كّنسساه‬
‫السجناء ‪ .‬يساعده عريف عاصره من عام ‪ 80‬وبقي إلى عام ‪ 84‬اسسسمه‬
‫فواز ‪ .‬ورقيب أول رافقنا من عام ‪ 81‬إلى عام ‪ 85‬اسمه جهسساد ‪ ،‬كسسان‬
‫ل يجارى في شراسته ول يفوقه قسسسوة فسسي اسسستخدام السسسوط أحسسد ‪.‬‬
‫وكان ثمة رقيب آخر ل يقل عنه لؤمسا ً وبطشسا ً اسسمه شسعبان حسسين ‪.‬‬

‫وهؤلء جميعا ً من طائفة القليسسة الحاكمسسة ‪ .‬وكسسان هنسساك شسسرطي آخسسر‬
‫غايسسة فسسي الجسسرام كسسان يتفنسسن فسسي ضسسرب المعتقليسسن خاصسسة أيسسام‬
‫"الستقبالت" اسمه نعيم حنا ‪ ،‬بلغنا أنه مسيحي آشوري ‪.‬‬
‫وعندما غادر أبو جهل السجن عام ‪ ، 82‬وأشيع أنه هرب إلسسى العسسراق ‪-‬‬
‫وإن كنا ل ندري صحة تلك الشاعة ‪ -‬خلفه في مهمتسسه الرقيسسب فيصسسل‬
‫كحيلسسة ‪ ،‬وهسسو علسسوي كسسذلك مسسن اللذقيسسة ‪ ،‬وكسسان غايسسة فسسي السسسادية‬
‫والجرام ‪ ،‬ول يحلو له أن يعسسذب السسسجناء إل بضسسربات العصسسا الغليظسسة‬
‫التي يمكن أن تقصسسم الظهسسر أو تزهسسق السسروح ‪ .‬ولقسسد أشسسيع كسسذلك أن‬
‫فيصل هذا قتل فيما بعد ‪ ،‬وهي مجرد إشاعة تضم إلسسى كسسثير ممسسا كنسسا‬
‫نسمعه ولم نتأكد منه ‪ .‬وكان يساعده فسسي مهمتسسه عريسسف اسسسمه علسسي‬
‫شعبان ترفع إلى رتبة رقيب أول لحقا ً ‪ .‬وعريف آخر من القتلة اسمه‬
‫شحادة من نفس الملة والعلسسة ‪ .‬وكسسان مسسن أبسسرز زبانيسسة تلسسك المرحلسسة‬
‫شرطي من الطائفة ذاتها اسمه سمير كوشسسري ‪ .‬وكنسسا نسسسمية "حي ّسسو"‬
‫لنه كان ل يكف عن إطلق هذه الكلمة كلما انتشى بتعذيب واحد منا !‬
‫وبعد فيصل كحيلة تولى مسؤولية إدارة النضسسباط الرقيسسب أول محمسسد‬
‫الخازم الذي استمر في هسسذه المهمسسة حسستى عسسزل مسسع المقسسدم فيصسسل‬
‫الغانم عام ‪ 84‬ضمن عمليات تصفية مراكز القسسوى وتسسسوية الحسسسابات‬
‫بين الرئيس حافظ السد وأخيه رفعت كما بلغنا ‪ ،‬إثر معافاة الول من‬
‫مرضته الشهيرة حينذاك ‪ .‬وقتهسا آلست مسسؤولية السسجن إلسى النقيسب‬
‫بركات العش بشكل مؤقت ‪ .‬ثم لم يلبث أن استلم هذا الموقع المقدم‬
‫غازي الجهني ‪ ،‬وهو علوي من قرية المخّرم بمحافظة حمص ‪ .‬فاختسسار‬
‫الرقيب محمد نعمة ليكون مسؤول النضباط في السجن ‪ ،‬وهسسو علسسوي‬
‫مثله مسسن جسسب الجسسراح بمحافظسسة حمسسص أيض سا ً ‪ .‬واسسستمر العسسش نائب سا ً‬
‫للجهني إلى أن انتقل عام ‪ 1987‬إلى سجن صيدنايا وأصبح مديرا ً له ‪.‬‬
‫رقابة صارمة‬
‫ولقسسد كسسان اختيسسار هسسؤلء الزبانيسسة انتقائي سا ً واضسسحا ً ‪ ،‬تجسسسيدا ً لهيكليسسة‬
‫النظام الحاكم ذاتهسسا القائمسسة علسسى منهجيسسة الفسسرز الطسسائفي البغيسسض‬
‫وتمكين القليسسة الموتسسورة مسسن حكسسم الغلبيسسة المغلوبسسة علسسى أمرهسسا ‪.‬‬
‫فالعلويون هم أصسحاب الهيمنسسة الكسبر والعسدد الكسثر المسسسيطر علسى‬
‫مختلف مواقع المسؤولية والمراتب التي تدير السسسجن ‪ .‬وثمسسة عناصسسر‬

‫معدودة فاسدة الضمير من أقليات أخرى طائفية أو عرقية تمارس دور‬
‫المخلب الذي تتحكم فيسسه قبضسسة الطائفسسة العلويسسة وتسسسخره لخسسدمتها ‪.‬‬
‫علوة على بعض من أبناء الكثرية السنية ممن يقضون فترة خسسدمتهم‬
‫اللزامية في هذا الموقسسع ‪ .‬ويعيسسش هسسؤلء وكسسل المجموعسسات الخسسرى‬
‫تحت رقابة صارمة دائمة ‪ .‬ومثلما ل يسمح لهم أن يتحدثوا مع السجناء‬
‫أبسسدا ً أو يسسسألوهم عسسن أسسسمائهم حسستى ل يتعسسرف أحسسدهم علسسى الخسسر‬
‫فيعرفسسه بالصسسدفة فيعطسسف عليسسه أو يتسسساهل معسسه ‪ .‬كسسذلك فسسإن أشسسد‬
‫العقوبات مصير من يضبط في حالة كهذه ‪ .‬ولقسسد بلغنسسا أن رقيب سا ً مسسن‬
‫حمص من آل السباعي كان يخسسدم جنسسديته اللزاميسسة فسسي هسسذا الموقسسع‬
‫قبل حضورنا أبدى بعض التسامح مسسع المعتقليسسن وتسسساهل معهسسم فسسي‬
‫أمور ل تذكر في هذا الجو المرعسسب ‪ .‬فلمسسا تكسرر ذلسسك منسسه تسسم ضسسبطه‬
‫ومحاكمته ‪ ،‬وأعدم المسسسكين وعلقسست صسسورته كمسسا سسسمعنا فسسي غرفسسة‬
‫الذاتية ليتعظ بها العناصر والعسكريون الخرون !‬
‫خصومات !‬
‫وكان مسسن آثسسار أحسسداث حمسساة أيضسا ً أن حضسسرت مجموعسسات جديسسدة مسسن‬
‫السجناء من أهل المدينة ‪ .‬ومن هؤلء بلغتنا أهوال ما حدث ‪ ..‬وتعرفنسسا‬
‫على إخوة جدد صار بعضهم من أعز الناس إلى القلب ‪ .‬ومسسن هسسؤلء ل‬
‫أزال أذكر الخ سحبان بركات الذي كان قد اعتقسسل حقيقسسة المسسر عسسام‬
‫‪ 81‬ثم أحضر إلينا بعد الحسسداث ‪ .‬ولقسسد جسسرى إعسسدامه فيمسسا بعسسد رحمسسه‬
‫الله ‪ .‬وكان معه ابن عمسسه صسسبحي بركسسات السسذي كسسان طالب سا ً فسسي كليسسة‬
‫الطب بجامعة دمشق ‪ ،‬وهو من الطلب الذكياء جدا ً ‪.‬‬
‫كذلك أذكر ممن حضر وقتها أحمد دعدع من حماة الذي أعدم بعسسد سسسنة‬
‫أو سسسنتين ‪ .‬وغسسالب هسسؤلء السسذي أحضسسروهم اعتقلسسوا مسسن بيسسوتهم أو‬
‫جامعاتهم ولم تكسسن لهسسم كلهسسم صسسلة مباشسسرة بالحسسداث ‪ .‬ومسسع هسسؤلء‬
‫حضرت نوعيات أخرى من المعتقلين مسسن عامسسة النسساس السسذين انفعلسسوا‬
‫بالحداث واندفعوا للمشاركة فيها مسسن غيسسر تربيسسة مسسسبقة أو انضسسباط‬
‫كامل ‪ .‬ففاجأتهم المحنة من غير أن يستعدوا لها ‪ ،‬وكان بعضسسهم فسسي‬
‫بداية المسسر سسسببا ً لنشسسوء المشسساكل والخصسسومات فسسي المهجسسع ‪ ،‬لكننسسا‬
‫استطعنا استيعاب أكثرهم ولله الحمد ‪ ،‬وتمكنا من عبور تلك المرحلة ‪.‬‬
‫فتحسن خلقهم ‪ ،‬وأخذ أكثرهم في النضمام إلسسى إخسسوانهم والنسسدماج‬
‫ببرامج المهجع من حفظ للقرآن ومداومة على الذكار والعبادات ‪.‬‬

‫فرز الحداث !‬
‫ويبدو أن إدارة السجن لم تكن لتغفل عسسن هسسذا أو كأنهسسا كسسانت تتوقسسع‬
‫حدوثه ‪ ،‬ولذلك لم تلبث أن قامت بعملية فرز للسجناء صسسغار السسسن أو‬
‫الحسسداث كمسسا يسسسمون ‪ ،‬فخصصسست لهسسم مهجعسسا ‪ 31‬و ‪ 34‬بالباحسسة‬
‫السادسة ‪ .‬ثم لما فتحوا الباحة السابعة فيمسسا بعسسد نقلسسوهم إلسسى هنسساك‬
‫ووزعوهم على المهساجع ‪، 35‬س ‪، 36‬س ‪ 37‬فيهسا ‪ ،‬لعزلهسم عسن إخسوانهم‬
‫الكبر سنا ً فل يتأثروا بأفكارهم أو يتقووا بوجودهم معهم ‪.‬‬
‫جرعة لبن !‬
‫مضت قرابة سبعة أشهر لم نعد نسسمع فيهسا عسن تنفيسذ أحكسام إعسدام‬
‫حتى ظننا أن المر انتهى ولم يعد هنسساك المزيسسد ‪ .‬ورغسسم أننسسا لسسم نجسسد‬
‫لذلك تفسيرا ً إل أن مشاعرنا مع مرور السابيع والشهور جعلتنا نعتقسسد‬
‫في أنفسنا توهما ً وتأميل ً بأن العدامات انتهت ‪ ،‬وأن الفسسترة السسسوداء‬
‫من سجننا قد ولت ‪.‬‬
‫غير أن المل سرعان ما تبخر كالسراب ‪ ،‬وتكسرت أجنحة الحلم حينمسسا‬
‫فوجئنا ذات صباح بالمشانق تنصب من بعد الفجسسر بقليسسل ‪ ،‬وبالشسسرطة‬
‫يجوبسسون المهسساجع ويسسسألون عسسن أسسسماء بعينهسسا ‪ .‬ولسسم تلبسسث أصسسوات‬
‫التكسسبيرات أن علسست مسسن جديسسد ‪ ..‬فأسسسقط بأيسسدينا ‪ ..‬وانهسسارت آمالنسسا‬
‫الواهية ‪ ..‬وعدنا يلفنا الوجوم والترقب ‪ .‬حستى إذا فتسح الشسرطي بساب‬
‫المهجع ‪ 26‬علينا انتفضنا كلنا وقسسد بلغسست القلسسوب الحنسساجر واحتبسسست‬
‫أنفاسنا ‪ ..‬وكل منا يتوقع أن يتلو الشرطي اسمه ويناديه للردى ‪ .‬لكن‬
‫جلدنا لم يناد إل اسم أخ واحسسد مسسن بلسسدة سسسراقب اسسسمه عبسسد الحكيسسم‬
‫العمر كما أعتقد ‪ .‬كان مدرس لغة عربية وملزما ً مكلفا ً حيسسن اعتقسسل ‪.‬‬
‫وكان صاحب فضل علينا في المهجسسع بدماثسسة خلقسسه وحسسسن معشسسره ‪،‬‬
‫وبحلقات البلغة والنحو التي واظبنا عليهسسا حسستى تعلمنسسا منسسه الكسسثير ‪.‬‬
‫وقال له أن يضب أغراضه لنسسه سسسينقل إلسسى مدرسسسة المدفعيسسة بحلسسب‬
‫حيث كان يقضي خدمته اللزامية ‪ .‬ورغم استغرابنا مسسن هسسذا السسسلوب‬
‫الجديد إل أننا قدرنا أنهم إنما أخروا إعدامه لنه عسكري وحسب ‪ ،‬وأن‬
‫دوره الن قد دنا ‪.‬‬
‫وأدرك عبد الحكيم أنها منيته ‪ ،‬وجعل رحمه الله يطوف علينا ويتفسسرس‬
‫في وجه كل منا ويردد آخر كلمات له في هذه الدنيا سمعناها ‪:‬‬

‫سامحوني يا شباب ‪ ..‬واللقاء إن شاء الله في الجنة ‪.‬‬
‫فلما وصل بتطسسوافه إلسسى مجموعسسة مسسن أهسسل بلسسده كسسانوا شسسركاء فسسي‬
‫مجموعة الطعام في المهجع أوصاهم بأهله وأولده ‪ .‬لكننسسا فوجئنسسا بسسه‬
‫وعيوننا تتابعه وقلوبنا تطوف معه يستدير نحوهم فجأة ويطلسسب بعسسض‬
‫اللبن كانوا قد وفروه لفطورهم عند المغرب ليأكسسل منسسه ‪ .‬وكسسانت آيسسة‬
‫والله رأينا فيها مصداق حديث رسول الله صلى الله عليه وسسسلم السسذي‬
‫قال فيه ‪" :‬نفث في روعي المين أنه لن تموت نفس حسستى تسسستوفي‬
‫أجلها ورزقها" ‪.‬‬
‫ووالله الذي ل إله إل هو أخذ عبد الحكيم صحن اللبن وأكل منه ‪ .‬واتجه‬
‫بعدها إلى الباب ونحسسن ل نصسسدق أنسسه مفارقنسسا ‪ ،‬ومضسسى إلسسى العسسدام‬
‫ونفسه رحمه الله تفيسسض بالرضسسا والطمئنسسان ‪ ،‬وكسسأنه ذاهسسب لملقسساة‬
‫أحب الناس إليه !‬
‫ل خضوع !‬
‫وفي مهجع السل ‪ 23‬بالباحة الرابعة حيث كان قد اجتمع علسسى إخواننسسا‬
‫ب المرض أخرج الشرطة يومها أخا ً مسلول ً مسسن‬
‫ب السجن وك َْر ُ‬
‫هناك ك َْر ُ‬
‫حلسسب اسسسمه يوسسسف عبسسارة للعسسدام ‪ .‬وقتهسسا لسسم أكسسن قسسد انضسسممت‬
‫للمسلولين بعد ‪ ،‬لكنني سمعت القصة عنسسدما صسسرت واحسسدا ً منهسسم بعسسد‬
‫حين ‪ .‬فلقد نادوا الخ رحمه اللسسه إلسسى لقسساء ربسسه قبيسسل صسسلة الفجسسر ‪.‬‬
‫فهرع وصلى مع الخوة الفريضة ثم ودعهسسم ومضسسى إلسسى منيتسسه مقبل ً‬
‫على الله ‪ .‬وكان من نسسزلء المهجسسع نفسسسه أخ شسساعر موهسسوب تفجسسرت‬
‫مشسساعره عنسسدما أبصسسر الخسسوة يسسساقون رتل ً طسسويل ً إلسسى المشسسانق ‪،‬‬
‫وانسابت مع دموعه ودموع إخوانه قصيدة رقيقسة لسه حفظناهسا جميعسا ً‬
‫وأخذنا ننشدها منذ ذاك يقول فيها ‪:‬‬
‫وسار موكب الجناز في الصباح‬
‫مخلفا ً وراءه الجراح‬
‫وراسما ً مسيرة الكفاح‬
‫فل حياة دونما سلح‬

‫من قبلها نادى المنادي هاتفا ً مجلجل ً‬
‫حي على الفلح ‪ ..‬حي على الفلح ‪.‬‬
‫‪. . .‬‬
‫وسار موكب الشباب في خشوع‬
‫لم يعرفوا لغير ربهم خضوع‬
‫عيونهم تضيىء كالشموع‬
‫تقول للجيال ل خضوع‬
‫من قبلها نادى المنادي هاتفا ً مجلجل ً‬
‫حي على الفلح ‪ ..‬حي على الفلح ‪.‬‬
‫وداع الشقاء‬
‫وتتابع نصب المشانق وتكرر مشهد الزهسسرات تسسساق إلسسى حتفهسسا علسسى‬
‫أيدي الزبانية الطغاة ‪ .‬وكان من أشد المشاهد إيلما ً كما بلغني يوم أن‬
‫سمع أخ من بيت العابسسدي مسسن دمشسسق اسسسم أبيسسه يطلسسب للعسسدام مسسن‬
‫مهجع مجاور ‪ .‬ورآه يساق أمام عينيسسه مسسن خلل ثقسسوب البسساب فسستزهق‬
‫روحه على حبل المشنقة ‪ .‬وكان الولسد قسد اعتقسل مسع أبيسه وهسو ابسن‬
‫خمسة عشر عاما ً في مرحلة دراسته العدادية !‬
‫ولسسم يكسسن أقسسل إيلم سا ً يسسوم أن طلبسسوا فيمسسا بعسسد اثنيسسن مسسن الشسسباب‬
‫المعتقلين معنا للعدام هما طريف حداد وملهم التاسي وكلهمسسا مسسن‬
‫حمص ‪ .‬وكان معهما في نفس المهجع شقيقاهما بشسسار حسسداد ومطسساع‬
‫أتاسي ‪ .‬وعندما تقدم بشار ليودع أخاه طريف ثابت الجنسسان قسسال لسسه ‪:‬‬
‫اثبت واصبر ‪ ..‬واللقاء في الجنة ‪ .‬والحمد لله أن رزقسسك الشسسهادة ‪ .‬ول‬
‫تنسانا من الشفاعة ‪.‬‬
‫كذلك خرج من بيننا أخ آخر للقاء الله في تلك اليام العصسسيبة هسسو عبسسد‬
‫الغني دباغ من حمص ‪ .‬ثم لم نلبث أن سمعنا بأن أخوين اثنين لسسه فسسي‬
‫مهجع آخر أعدما بعد مدة وجيزة من الزمان ‪.‬‬

‫تبجحات !‬
‫وانتهت أحداث حمساة ‪ ..‬وانتهسسى عسسام ‪ 1982‬السذي شسسهدنا فيسه أقسسى‬
‫الظروف وأسسوأ المعسساملت ‪ .‬وبسدأت ذيسول تلسسك المحنسسة تنجلسي شسيئا ً‬
‫فشيئا ً ‪ .‬ولم نلبث مع مرور اليام أن وجدنا أنفسنا نتسدرج نحسسو مرحلسسة‬
‫جديدة مغايرة من المعاناة ‪.‬‬
‫كانت البدايات حينما أخذ يتناهى إلى أسماعنا أن مدير السسسجن العقيسسد‬
‫فيصسسل الغسسانم يقسسوم بزيسسارات تفقديسسة للمهسساجع يزجسسر فيهسسا السسسجناء‬
‫ويهسسددهم مسسرة ‪ ..‬ويستفسسسر منهسسم عسسن احتياجسساتهم ويسسسألهم عسسن‬
‫أحوالهم مرة أخرى ويعدهم خيرا ً ‪ .‬وبلغنسسا ضسسمن هسسذا السسسياق أن أحسسد‬
‫الخوة تجرأ ذات مرة وسأله عسسن سسسبب منسسع المعتقليسسن مسسن الصسسلة ‪،‬‬
‫فأجابه الغانم بكل تبجسسح أن إدارة السسسجن ليسسست ضسسد الصسسلة ول ضسسد‬
‫التدين ‪ ،‬ولكن الرض في المهاجع نجسة ول تصح عليها الصسسلة ! وزاد‬
‫الراوي أن الشرطة عادوا بعد زيارة الغانم تلك فأوسعوا السائل ضسسربا ً‬
‫جعله يحرم وكل من بلغه الخبر السؤال والخذ والرد مع هؤلء إلى آخر‬
‫العمر !‬
‫وتسارعت المسسور ‪ ..‬وبسسدأت المسسستجدات الغريبسسة تفاجؤنسسا مرحلسسة بعسسد‬
‫جدّ على السسساحة جديسسد ‪.‬‬
‫مرحلة ‪ ..‬فل نكاد نستوعب للولى سببا ً حتى ي َ ِ‬
‫ونحن في ذلك كلسسه ل نبصسسر إل عشسسر معشسسار مسسا يسسدور ‪ ،‬ول نسسدرك إل‬
‫الجزء الضئيل مما يدور أمام أعيننا ‪.‬‬
‫وكانت البداية الظاهرة لنا حينما خرجنا ذات يوم مسسن أيسسام سسسنة ‪1983‬‬
‫إلسسى التنفسسس كالعسسادة وجعلنسسا نسسسير فسسي خطنسسا كالمعتسساد ‪ ،‬فوجسسدنا‬
‫الشسسرطة يسسستدعون واحسسدا ً مسسن سسسجناء مهجعنسسا اسسسمه خالسسد عسسوض‬
‫السالم ‪ ،‬واقتادوه مغمض العينين إلسسى مسسساعد السسسجن الجديسسد محمسسد‬
‫الخازم الذي خلف فيصل كحيلة وقتها فكسسان شسسر خلسسف لشسسر سسسلف !‬
‫ومن غير أن يفتح خالد هذا عينيه سمع المساعد يأمره أن يرفسسع رأسسسه‬
‫ففعل ‪ .‬فسأله عن اسسسمه فأجسساب ‪ .‬فسساكتفى بسسأن صسسفعه علسسى وجهسسه‬
‫وأمره بالعودة ‪ .‬وعندما بلغنسا مسا حسدث وجسسدناه تصسرفا ً طبيعيسا ً طالمسا‬
‫تكرر ما هو أسوأ منه بل أي مبرر ‪ .‬لكن الرقيب جهاد ما لبسسث وأن عسساد‬
‫إلى المهجع مع عدد من أعوانه وطلبوا أبا عسسوض معهسسم ‪ .‬وعنسسدما عسساد‬
‫بعد ساعة من زمن وجدناه غير الشخص الذي عرفنا ‪.‬‬

‫أبو عوض !‬
‫كان خالد عوض السالم سجينا ً من صوران مات شقيقه ‪ -‬كمسسا ذكسسرت ‪-‬‬
‫على صدره بسبب السل قبل أقل من عسسام ولفسسظ أنفاسسسه بيننسسا وهسسو‬
‫يذكر الله ويشهد له بالوحدانية ‪ .‬ورغم أن الخوين اعتقل بتهمة تجسسارة‬
‫السلح إل أن الفارق بينهما كان كالفارق بين السماء والرض ‪ .‬فخالسسد‬
‫هذا كان معروفا ً حتى من قبسسل اعتقسساله بسسسوء الخلسسق وفسسساد الذمسسة ‪.‬‬
‫ولنه كان فوق ذلك صاحب جسم ضخم وعضسسلت مفتولسسة فقسسد جعلسسوا‬
‫خدمته اللزامية قبل سنوات خلسست فسسي الوحسسدات الخاصسسة أو الشسسرطة‬
‫العسكرية ‪.‬‬
‫كانت أول مفاجأة في عودة أبي عوض أنسسه ذهسسب سسسجينا ً وعسساد بقسسدرة‬
‫قادر رئيس سا ً للمهجسسع ! وأمسسر الشسسرطة أبسسا الفضسسل السسذي حسسافظ علسسى‬
‫مسؤوليته طوال هذه المدة أن يتنحى ويسسسلم رئاسسسة المهجسسع لخالسسد ‪.‬‬
‫ولم يكن على أبي الفضل إل النصياع بالطبع ‪ .‬ووجدنا أبا عوض يتبدل‬
‫بيسسن ليلسسة وضسسحاها ‪ .‬وبسسدأت شخصسسيته المتنفسسذة تطفسسو علسسى السسسطح‬
‫الن ‪ ..‬وتتبدى عنجهيته بسبب ومن غير سبب ‪.‬‬
‫وصار لبسسي عسسوض ‪ -‬وهسسو السسذي طالمسسا ضسساعف الشسسرطة عليسسه القتسسل‬
‫والتعذيب أثناء الحلقة والتنفسسسات بسسسبب ومسسن غيسسر سسسبب ‪ -‬اسسستثناء‬
‫خاص مسسن الحلقسسة ‪ ..‬فطسسال شسسعره مسسن دون كسسل اللسسوف مسسن هسسؤلء‬
‫السجناء جميعا ً ‪ ،‬وأرخى شاربيه فكأنه واحد من الشرطة ل فرق ! ولم‬
‫تلبث السرار أن تسربت من المقربين إلى أبي عوض إلينسسا ‪ ،‬فحسسدثهم‬
‫كيف أنه كان سجينا ً ذات يوم في سجن تدمر هذا أيام خدمته اللزاميسسة‬
‫جزاء على مخالفة عسكرية فعلها ‪ .‬وكان محمد الخازم رقيبا ً في نفس‬
‫السجن وقتها ‪ ..‬فقامت بينهما علقة ومعرفة ‪ .‬واتفقا على أن ينشسسئا‬
‫تجارة لصالحهما بين السسسجناء ‪ ،‬يقسسوم محمسسد الخسسازم بتسسأمين مادتهسسا ‪،‬‬
‫ويتولى خالد ترويجها بين زملئه في المهاجع بأسعار مضاعفة مستغل ً‬
‫حاجتهم لمثل تلك المسسواد ‪ .‬فلمسسا شسساهد الخسسازم أبسسا عسسوض الن وجسسده‬
‫الرجل المثل ليحقق به مطالب السيد الكبير مدير السجن السسذي أوعسسز‬
‫إليه كما تبدى ترويج نفس التجارة بين السجناء البؤساء في تدمر ‪.‬‬
‫ورغسسم أن ذكسسرى أخيسسه لسسم تكسسن قسسد خفتسست بعسسد ‪ ..‬وعلسسى الرغسسم مسسن‬
‫الهتمام البالغ الذي أوله الخوة بخالسسد نفسسسه فسسي أشسسد أيسسام المحنسسة‬

‫مراعاة لوضعه وترقيقسا ً لقلبسسه ‪ ،‬حسستى أنهسسم كسسانوا يسسؤثرونه بطعسسامهم‬
‫لضخامة جسسمه ويسوفرون لسه مسن فتسات الطعسام السذي يصسلهم حصسة‬
‫مضاعفة له وحده ‪ .‬ويتقدمونه في التنفس والحلقة معرضين أنفسهم‬
‫لسياط الزبانية وعصيهم حماية له وإخفاء مسسن الشسسرطة السسذين عّلمسوه‬
‫وقتها بجسمه الضخم فأدمنوا مضاعفة العذاب عليسسه ‪ .‬برغسسم ذلسسك كلسسه‬
‫فإن أبا عوض لم يحفظ للخوة ذاك ‪ .‬فها هو ذا يريد أن يتسلط عليهسم‬
‫ويتحكم فيهم وكأنه لم يعد سجينا ً وبات هو السجان ! وجعل في سبيل‬
‫تحقيسسق غسسايته يسسؤلب النسساس علسسى بعضسسهم ويوظسسف بيننسسا مسسن ضسعاف‬
‫النفوس جواسيس ينقلسسون إليسسه مسسا السسذي يسسدور بيسسن الحلقسسات وبمسساذا‬
‫يتحدث المساجين عنه ‪ .‬وكان يريد أن يعرف كل صغيرة وكبيرة لينقلها‬
‫إلى شريكه وسيده الجديد ‪ .‬وصار يسطو على طعام الخرين ويأخذ مسسا‬
‫شاء من الوجبات نوعا ً وكما ً ‪ ..‬ولم يتورع حتى عن اسسستخدام يسسديه مسسع‬
‫بعسسض الخسسوة والعتسسداء عليهسسم بالضسسرب تمامسسا ً كمسسا يفعسسل بقيسسة‬
‫السجانين ! ول أزال أذكر أن أحد ضحاياه كان الخ محمد صنوبر حسسافظ‬
‫كتاب الله الذي نال منه قتلة ذات مرة لم تقسسل عسسن أي مسسن تلسسك السستي‬
‫يذيقنا إياها جلدونا قساة القلوب ذاتهم !‬
‫مهجع المدعومين !‬
‫وأخذت المور تتطور بالتدريج من حولنا ‪ ،‬فلم نلبث أن تبلغنا في شهر‬
‫آذار ‪ 1983‬بتغّير النظام العام للسجن ‪ ،‬وأنه بات مسسسموحا ً لنسسا الن أن‬
‫نفتح أعيننا ونرفع رؤوسنا أمسسام الشسسرطة العسسسكرية بشسسكل طسسبيعي ‪.‬‬
‫وبدأنا نلحظ تغيرا ً نسبيا ً في تعامل الشرطة وإدارة السجن مع مهجعنا‬
‫في ظل ولية أبي عوض عليه ‪ .‬فخفسست الضسسغوط بعسسض الشسسيء عنسسا ‪،‬‬
‫وأوكلسست مهسسام المسسر والنهسسي داخسسل المهجسسع إلسسى أبسسي عسسوض أغلسسب‬
‫الحيان ‪ .‬ولم يعد الشرطة يكثرون من السسدخول علينسسا أو التنكيسسل بنسسا ‪.‬‬
‫فيما تتالت لقاءات أبي عوض مع محمد الخازم الذي كان يستدعيه إلى‬
‫الذاتيسسة بيسسن حيسسن وآخسسر ‪ ،‬فسسإذا عسساد وسسسئل عمسسا جسسرى لسسم يجسسب إل‬
‫بالقشور ‪.‬‬
‫وأخذنا نسمع عن زيارات تتم لبعض السجناء يحضر أهلهم لمشسساهدتهم‬
‫فيحضرون لهم كميات من الهدايا والموال غيسسر قليلسسة ‪ .‬وكسسان ذلسسك ل‬
‫يتم إل للموسرين بالطبع ‪ .‬وبعد واسطات ورشسساو فاحشسسة عرفنسسا بهسسا‬
‫من بعد ‪ .‬وفوجئنا من ثم بهؤلء السجناء يتواردون على مهجعنا واحسسدا ً‬

‫بعد الخر ومجموعة إثر مجموعة ‪ .‬حتى بتنا نسمي مهجعنسسا ذاك مهجسسع‬
‫المدعومين !‬
‫ومع هذه التطسسورات عساد الطسسبيب يجسول علسسى المهساجع ويقسسدم بعسض‬
‫العلجات الساسية للسجناء ‪ ،‬وتم تعيين مسؤول صسسحي مسسن السسسجناء‬
‫في كل مهجع ‪ ،‬تكون مسؤوليته تقديم تقرير بالحالة الصحية للسسسجناء‬
‫إلسسى الطسسبيب حسستى ل يضسسطر الطسسبيب نفسسسه إلسسى فحسسص المرضسسى‬
‫والتعرض لحتمالت الصابة بالعدوى منهم !‬
‫أخوة بالكراه !‬
‫وفي يوم من أيام شهر حزيران عام ‪ 1983‬فوجئنا بالشرطة يخرجوننسسا‬
‫إلى الباحة ويخرجون معنسا سسجناء المهساجع الخسرى فسي باحتنسا ‪ ..‬وإذ‬
‫بمدير السجن المقدم فيصل الغسسانم السسذي كسسان أحسسد المشسسرفين علسسى‬
‫مجزرة تدمر الكبرى عسسام ‪ 1980‬يقسسف فينسسا خطيبسا ً لول مسسرة ويكلمنسسا‬
‫بلهجة ما اعتدنا أن نسمعها قط كل هذه اليام التي خلت ‪.‬‬
‫ولكثر من أربعين دقيقة جعل يحسسدثنا أننسسا فعلنسسا كسسذا وكسسذا ‪ ،‬وأخطأنسسا‬
‫بحق الوطن ‪ ،‬ولكننا برغم ذلك نظل إخوة ! ووسط إيعاز الشسسرطة لنسسا‬
‫بين كل جملة من كلمه والجملة الخرى بالتصفيق تسسساءل الغسسانم عسن‬
‫خي ّ ُ‬
‫كسسم ) أي‬
‫الفرق بين العلوي والسني ‪ ..‬وأضاف فقال بملء فيه ‪ :‬أنا َ‬
‫أخوكم ( غصبا ً عنكم ‪.‬‬
‫وبين الستغراب المطلق والتحفسسظ المطبسسق مسسن جانبنسسا أكمسسل الغسسانم‬
‫محاضرته بالحديث عن اسرائيل السستي قسسامت بمجسسزرة صسسبرا وشسساتيل ‪.‬‬
‫وقتلت من البرياء كذا وكذا ‪ .‬وأن سوريا هي الدولسسة العربيسسة الوحيسسدة‬
‫التي تقف بوجه إسرائيل وأمريكا ! واتجسه بالحسديث نحونسا مسرة أخسرى‬
‫فقال ‪ :‬أما أنتم فقد غرر بكم لتقوموا بأعمال ليست في صالح البلسسد ‪،‬‬
‫غير أن البن إذا أخطأ في حق أسسسرته فإنهسسا تعسساقبه ولكنهسسا ل تتخلسسى‬
‫عنه ‪ ..‬ولذلك فأنتم الن تقضون فترة عقاب ‪ ،‬لكنكم ستخرجون بعسسدها‬
‫وتحل المور ‪.‬‬
‫وانتهسست المحاضسسرة كمسسا بسسدأت حافلسسة بسسالغموض والغرابسسة ‪ .‬وأخسسذت‬
‫التساؤلت والتحليلت والتكهنسات تتسوالى ‪ .‬لكسن شسعورا ً واحسدا ً غمرنسا‬

‫جميعا ً يوحي بأن ثمة تطورات جديدة في الفق ‪ .‬ولم تلبسسث المسسور أن‬
‫أخذت تتسارع لتتكشف على حقيقتها بعد حين ‪.‬‬
‫كذلك طرأ على حال السجن تغيير جدير بالتسجيل وقتها ‪ .‬فلول مسسرة‬
‫وبعسسسد هسسسذا الصسسسمت المطبسسسق طسسسوال العسسسوام السسسسابقة فوجئنسسسا‬
‫بالميكروفونات تنقل لنسسا بسسث إذاعسسة دمشسسق علسسى الهسسواء مباشسسرة ‪12‬‬
‫ساعة في اليوم ‪ .‬فكانت لنا نافذة نتابع من خللها أخبار العسسالم خسسارج‬
‫السوار ‪ ،‬ومنفسا ً نخرج منه عن اعتيادية حياتنا القهرية بعض الشيء ‪.‬‬
‫وبالطبع فلم يكن مسموحا ً لنسسا مسسن قبسسل ول مسسن بعسسد أن نسسدخل جهسساز‬
‫راديو إلسسى مهاجعنسسا ول أن نسسستخدم السسورق والقلم أو الكتسسب ‪ ..‬وأمسسا‬
‫المصاحف فكانت كما ذكرت واستمرت إحدى أكبر الممنوعات !‬
‫ذيل الثعبان !‬
‫غير أن هذه التطورات كلها كسسانت تخفسسي وراء وجههسسا المليسسح مسسؤامرة‬
‫خسيسة ‪ ..‬كان المقدم فيصل الغانم رأسها المسسدبر وعرابهسسا الخسسبيث ‪.‬‬
‫وكان أبو عوض من جانبنسسا أداتهسسا القسسذرة وذيسسل الثعبسسان السسذي يتحسسرك‬
‫لمصلحة الرأس الخبيث بكل خسة ولسسؤم ‪ .‬ولسسم تمسض مسسدة مسن الزمسسن‬
‫حتى تبين لنا كيف أن الغانم هذا قد نظم خسسارج أسسسوار السسسجن شسسبكة‬
‫من مصاصسسي السسدماء ترأسسستها أمسسه نفسسسها السستي كسسانت تتسسولى تنظيسسم‬
‫زيارات لنخبة من أهالي المعتقلين الموسسسرين للجتمسساع بأبنسسائهم فسسي‬
‫سجن تدمر مقابل مبالغ طائلة مسسن المسسال ‪ .‬لكسسن ذلسسك لسسم يكسسن يشسسبع‬
‫جشع الرجل ‪ ،‬وكان ينظر إلى الموال التي يأتي الهالي بهسسا لبنسسائهم‬
‫المعتقلين عساها تدفع عنهم بعض الشر أو المعانسساة ‪ ..‬فيراهسسا غنسسائم‬
‫مغرية يسيل لها لعابه ‪ .‬ولذلك وحتى يضمن الغنيمة كلهسسا أنشسسأ شسسبكة‬
‫ثانية من العملء والجراء داخل السجن مهمتها امتصاص تلسسك المسسوال‬
‫بطريقة أخرى ‪ .‬كان أبو عوض مخلبها القذر بيننا ‪ ..‬فعرف عن طريقه‬
‫احتياجاتنا ورغباتنا وحالتنا ‪ ..‬وفي سبيل ذلسسك كسسانت خطبتسسه العصسسماء‬
‫تلك ‪ ،‬وكانت سلسلة القرارات الستثنائية التي أحاطت بها ‪.‬‬
‫وهكذا اتجهت الحال بعمومها نحو تغيسر نسسبي ‪ .‬فبسسات التعسسذيب نوعيسا ً‬
‫بدل أن يصيبنا في كسسل غسسدوة وروحسسة ‪ .‬وصسسار الشسسرطة يسسسمحون لنسسا‬
‫بالخروج إلى التنفس مفتوحي العين نتنعم بالشمس مسسن غيسسر ضسسرب‬
‫كثير ول تعذيب ‪ .‬ثم ل يلبثوا وأن يقوموا بين كل أسبوع وآخر بتعويض‬

‫السجن كله بحفسسل شسسديد مفسساجىء مسسن التعسسذيب ‪ ،‬بحيسسث يبقسسى الكسسل‬
‫منضسسبطين يحسسسبون للحفسسل القسسادم ألسسف حسسساب ‪ .‬وأمسسا المحاكمسسات‬
‫والعدامات فلم تتأثر بكل هذا الذي يجري ‪ ،‬وظل شسسبح المسسوت مخيمسا ً‬
‫علينا يتخطف الزهرات من بيننا ويطبق على أعناق الشباب الغر ونحن‬
‫ل نملك في رد ذلك حول ً ول قوة ‪.‬‬
‫آخر النفاس !‬
‫وفي ليلة من تلك الليالي كنت أنام بجانب الخ مأمون الذهبي ‪ .‬وكسسان‬
‫المسكين قد أصيب بالمرض فتدهورت صحته بشسسكل متسسسارع ومريسسع ‪.‬‬
‫حتى بات وهو الذي كان لعب كراتيه مفتسسول العضسسلت قسسوي البنيسسة ل‬
‫يقدر على مغادرة فراشه ‪ .‬ليلتها وفي ساعة متأخرة نام كل مسسن فسسي‬
‫المهجع ونمت معهم ‪ ،‬مد مأمون يده الواهنة نحوي وجعل يهزني حسستى‬
‫استيقظت ‪ .‬فلما سألته ما به قال لي رحمه الله ‪:‬‬
‫صدري يؤلمني ‪ ..‬اقرأ لي عليه ‪.‬‬
‫فوضعت راحتي على صدره وجعلت أقرأ من اليات والدعية المأثورة ‪.‬‬
‫حتى إذا سكن وخلته نام عدت إلى النوم من جديسسد ‪ .‬فلمسسا دنسسا الصسسباح‬
‫صاح فينا أبو عوض كعادته ‪:‬‬
‫الكل استيقاظ ‪.‬‬
‫فقمنا كلنا وبقي مأمون في مكانه تغطي وجهه البطانيسة ول يتحسرك ‪.‬‬
‫فناداني أبو عوض لوقظه ‪ ،‬فنساديته فلسسم يسسرد ‪ .‬قسال أبسو عسسوض علسسى‬
‫مشهد من الجميع‪:‬‬
‫اخبطه برجلك ليفيق ‪.‬‬
‫فكشفت عن وجهسسه ونسساديته لينهسسض ‪ .‬فلمسسا حسسدقت وجسسدته قسسد فسسارق‬
‫الحياة ‪ .‬قلت وأنا أكاد أحس آخر أنفاسه ل تزال تتسارع على راحتى ‪:‬‬
‫هذا مات يا زلمه !‬
‫فلم يهتز لبي عوض شعرة ‪ ،‬ولسسم يسسزد عسسن أن مضسسى ليخسسبر الشسسرطة‬
‫بحالة وفاة جديدة في مهجعه ‪ .‬وهرعت أنا فسسسحبت مسسأمون بمسسساعدة‬

‫الخسسوة فأدخلنساه الحمسام وغسسلناه ‪ .‬ولسسم يلبسث "البلديسة" أن حضسروا‬
‫فأخذوه ومضوا ‪.‬‬
‫مملكة الوهم !‬
‫ونمت مملكة أبي عسسوض الواهيسسة ‪ ..‬فخصصسست لسسه إدارة السسسجن مكانسا ً‬
‫يديره كمتجر أو دكان بقالسسة كسسان يسسبيع فيسه السسسجناء الشسساي والخضسسار‬
‫والفاكهة والحتياجسات الرئيسسسية السستي كسانوا محروميسن مسسن معظمهسا‬
‫ويقبض على ذلسسك أفحسسش الثمسسان ! وفسسي نفسسس السسوقت كسسان فيصسسل‬
‫الغسسانم يترصسسد السسزوار فيخضسسعهم كالعسسادة للتفسستيش ‪ .‬فسسإذا أرادوا أن‬
‫يعطوا أبناءهم مبلغا ً من المال كان له نصيب مباشر فيه ‪ .‬وإذا أحضروا‬
‫لهم ملبس أو حاجيات أجاز دخول بعضها وصادر بعضها الخر بحجسسة أو‬
‫بسسأخرى ‪ .‬فيحمسسل أبسسو عسسوض الشسسياء السستي صسسودرت ويسسدور بهسسا علسسى‬
‫المهسساجع ويبيعهسسا للمسسساجين أيضسا ً ‪ .‬وهكسسذا تصسسب كسسل المسسوال السستي‬
‫أحضرها الزوار المساكين في جيب مدير السسجن وشسركاه ‪ .‬ولسسم تكسسن‬
‫بيدنا حيلة لوقسسف هسسذا السسستغلل المكشسسوف ‪ .‬وكنسسا نشسستري أغراضسسنا‬
‫المسروقة من غير تردد ‪ .‬ففي حالنا البئيس ذاك كنا بحاجة لي لقمسسة‬
‫طعام نتقوى بها أو قطعة ملبس تقينا الحاجة والبرد وتخفف عنا ولسسو‬
‫بعض تلك المعاناة ‪.‬‬
‫وهكذا اغتنمنا جشع أبسسي عسسوض وحالسسة الرخسساء الظسساهر تلسسك ‪ ،‬فأقبلنسسا‬
‫ابتسسداء علسى توثيسسق علقاتنسا داخسسل المهجسع أكسسثر وقسد أمنسسا مسداهمات‬
‫الشرطة من فوق الشراقة إلسسى حسسد مسسا ‪ .‬وصسرنا نتعسسرف علسسى أحسسوال‬
‫بعضنا البعض ‪ ،‬ونتبادل الحكايا والخبرات والمعلومات ‪ .‬ونضاعف همتنا‬
‫خسّرج‬
‫لحفظ سسسور القسسرآن الكريسسم وآيسساته ‪ .‬وفسسي هسسذا السسسياق صسسرنا ن ُ َ‬
‫حفظة كتاب الله مجموعة إثر مجموعة ‪ ،‬ونعد لذلك حفل ً كبيرا ً نوفر له‬
‫مسن الطعسام أو الحلسوى الستي تصسلنا مسن الزيسارات أو مسن مخصصساتنا‬
‫اليومية طسسوال أسسسبوع أو اثنيسسن ‪ .‬فينسسال أبسسو عسسوض حصسسة السسسد منسسه‬
‫ليسكت عنا ويأذن لنا ‪ ،‬ونسسوزع البقيسسة علينسسا احتفسسال ً بسسالخوة الحفظسسة‬
‫وتكريما ً لهم ‪.‬‬
‫سماح !‬
‫كذلك استفدنا من ظرفنا السسستثنائي ذاك فصسسرنا نشسستري مسسن بضسسائع‬
‫أبي عوض المسروقة أشياء ما ونرسلها مع رسالة مختصرة إلسسى إخسسوة‬

‫أعسسزاء فسسي مهسساجع أخسسرى ‪ .‬وكنسسا نتلقسسى بنفسسس السسسلوب ردودهسسم‬
‫وهداياهم ‪ .‬وعن هذا الطريق صار الخوة يتأكسسدون مسسن وجسسود فلن أو‬
‫إعدامه ‪ .‬وعسسن نفسسس الطريسق وصسلني إلسسى مهجسسع السسل أواخسر عسام‬
‫‪ 1983‬إبريق شاي من أبي الفضل الذي انتقل إلى مهجع آخر بعد مسسدة‬
‫يلمح لي به أنه حكم بالعدام ‪ .‬وكان قد كتب لي على البريسسق يقسسول ‪:‬‬
‫إلى محمد سليم ‪ ..‬محمد جمال سماح ‪ .‬فعلمت أنسسه يطلسسب المسسسامحة‬
‫لنه راحل عما قريب ‪ .‬وبالفعل فلم تمض بضعة أسابيع حتى بلغنا أنسسه‬
‫أعدم رحمه الله ‪.‬‬
‫وفي المقابل كسسان أبسسو عسسوض ينتفسسخ وينتشسسي بسسالوهم وبعسسض سسسقط‬
‫المتاع ‪ .‬ولقد سمعنا أنه طلب مسسن المسسساعد أن يسسسمح لهلسسه بزيسسارته‬
‫مرة فسمح لهم ‪ .‬وتردد أنه هّرب مع أخيسسه السسذي زاره نقسسودا ً مسسن تلسسك‬
‫التي جمعها من تجارة الحرام التي امتهنها ‪ ،‬لكن علم ذلسسك عنسسد اللسسه ‪.‬‬
‫وأما ما علمناه نحن ورأيناه فكان آية من آيات الله بالفعل ‪ .‬فلم تمسسض‬
‫على هذه المظالم مدة مسسن زمسسن حسستى رأينسسا السسدائرة تسسدور علسسى أبسسي‬
‫عوض ‪ ،‬وينتقم الله من أفعاله الشنيعة شر انتقسسام ‪ .‬وسسسيأتي الحسسديث‬
‫عن ذلك لحقا ً بإذن الله ‪.‬‬
‫الحزبية القليمية !‬
‫لم تكن حياتنا في السجن ملئكية أو مثاليسسة ‪ .‬فبينمسسا كنسسا أيسسام الشسسدة‬
‫نزداد قربا ً إلى الله وتجردا ً وتلحما ً كنا إذا طال علينسا العهسد نرتسد إلسى‬
‫أصولنا وخلفياتنا ومشاربنا الشتى ‪ .‬وبعد أن مضت هذي السنون علينسسا‬
‫يضمنا مهجع موحش باطنه عذاب وظسساهره أشسسد وأنكسسى ‪ .‬ومسسع اختلط‬
‫النتماءات وتعدد المشارب بدأت تظهر بيننا في فترة النفراج النسبي‬
‫تلك اختلفاتنا المذهبية والتنظيمية والقليمية معا ً !‬
‫ولقد ظهر ذلك أول ما ظهر حينما اسسستطعنا أن ننظسسم بعسسض السسدروس‬
‫الهسادئة إذا سسنحت الظسروف وأمنسا الحسرس مسن فوقنسا ومسن حولنسا ‪.‬‬
‫فوجدنا الخوة لم يلبثوا أن أخذوا يتكتلون فرقا ً وجماعات تتجادل فسسي‬
‫البداية حول قضايا المذهبيسسة واللمذهبيسسة ‪ ..‬والتبسساع والبتسسداع ‪ ..‬ومسسا‬
‫يندرج تحت هذا الباب من جدل أنهك المة قرونا ً ولم ينته لصالح أحسسد !‬
‫حتى أن الخوة صاروا يختلفون على الذان الذي يبلغنا من وراء أسوار‬
‫السجن قادما ً من منارة مسجد مدينة تسسدمر ‪ .‬وكسسان وجسسه الخلف حسسول‬

‫مشروعية الصلة على النبي عليسسه الصسسلة والسسسلم جهسسرا ً فسسي خاتمسسة‬
‫الذان !‬
‫وسسسرعان مسسا أخسسذ الخلف السسذي استشسسرى مأخسسذ الحزبيسسة التنظيميسسة ‪.‬‬
‫وطفت على السطح اختلفات تنظيسسم الخسسوان التاريخيسسة بيسسن دمشسسق‬
‫وحلب ‪ .‬أو بين جماعة الستاذ عصام العطار وجماعة الشيخ عبد الفتاح‬
‫أبسسو غسسدة ‪ .‬واسسستطاع الخسسوة الحلسسبيون وفسسق مسسا رأيسست أن يجسسّروا‬
‫الدمشسسسقيين مسسسن دائرة الختلف التنظيمسسسي إلسسسى دوامسسسة الخلف‬
‫المسسذهبي ‪ .‬وأشسساعوا بيننسسا أن الدمشسسقيين سسسلفيون ل مسسذهبيين ‪.‬‬
‫وانعكسسست هسسذه الصسسراعات المقيتسسة علسسى السسسجناء كلهسسم فسسآذتهم‬
‫وأرقتهم ‪ .‬وآذت أكثر ما آذت الحياديين وغيسسر المنظميسسن أص سل ً ‪ .‬ورأى‬
‫هؤلء في هذا الخلف أسوأ صسسورة للجماعسسات والتنظيمسسات السسسلمية‬
‫كلهسسا ‪ .‬ورأيتنسسا نعسسود بجسسدليات الطرفيسسن المتعصسسبين إلسسى القسسرون‬
‫الوسطى ونتفرق في قضايا ل يبنى عليها عمل أساسا ً ‪.‬‬
‫وتطور المر بسرعة ‪ ..‬أو فقل ارتد الناس إلى خلفياتهم وتشسسوهاتهم‬
‫الستي أتسوا منهسا ! فبعسد أن انتقسل الخلف مسن الفكسر والمذهبيسة إلسى‬
‫الحزبية التنظيميسسة انتهسسى المسسر بسسسقوط الطسسراف جميعسا ً فسسي وحسسل‬
‫القليمية الضيقة ! فتكتل السلفيون الموالون للستاذ عصام في تكتل‬
‫دمشسسقي ‪ .‬وأخسسذ المسسذهبيون الحلسسبيون الموالسسون للشسسيخ عبسسد الفتسساح‬
‫طرفهم القليمي ‪ .‬واستغل الحمويون التسسابعون للسسستاذ عسسدنان سسسعد‬
‫الدين القضية ليجمعوا الحمويين في كتلة ثالثسسة ! وانعكسسس ذلسسك علسسى‬
‫المهجع أسوأ انعكاس ‪ .‬وتفرقت القلوب شتى ‪ .‬وانعزلت كل كتلة فسسي‬
‫دائرة مغلقة تجاور الدائرة الخرى والثالثة ول تتداخل معها ‪ ..‬رغسسم أن‬
‫المحنة لم تكن تفرق بين أي من هذه الكتل وأصحابها ‪.‬‬
‫ولم تلبث أن تعقدت المور أكثر حينما نشأ تيار تكفيري فيما بعد‬
‫نتيجة هذه الضغوط وتلك الفتن معا ً ‪ ،‬فازداد الطين بلة ‪ ..‬واشتد‬
‫التعصب والتعنت ‪ ..‬وامتدت أحكام التكفير ل لتشمل النظام وأركانه‬
‫وأعوانه وحسب ‪ ،‬بل كل من لم يلتزم بالفكر التكفيري وقيادته‬
‫ومنهجه !‬

‫السل‬
‫كانت أبدان السجناء قد أنهكت إلى أبعد الحدود بعد سنين مسسن العسسذاب‬
‫المسسستمر والجسسوع والحرمسسان والعيسسش فسسي أسسسوأ الظسسروف الصسسحية‬
‫والنفسية ‪ .‬وعلى الرغم من هسسذا النفسسراج الظسساهر السسذي حسسدث إل أن‬
‫الوقت كان قد فات ‪ .‬وبدأ عسسدد الضسسحايا يرتفسسع مسسن جديسسد ‪ ..‬وتزايسسدت‬
‫حالت الوفاة المرضسسية والصسسابات المزمنسسة ‪ ،‬حسستى مسسات مسسن مهجعنسسا‬
‫وحده قرابة الربعة عشر أخا ً لم ندر إل بعد أن قضسسوا رحمهسسم اللسسه أن‬
‫الذي أصابهم حقيقة المر كان مرض السل ‪ .‬وعندما تطسسورت معرفتنسسا‬
‫بهذا المرض الخبيث ووجدنا من يفقهنا في أعراضه وأشكاله علمنا أنه‬
‫ل يصيب الرئة وحسب ‪ ،‬وإنما هناك سل يصسسيب المعسساء وسسسل بسسالكلى‬
‫وثالث بالعظام ورابع وخامس ‪ .‬ولم يكن في مهجعنا حتى تلك الفسسترة‬
‫الطبيب المتخصص الذي يقدر على تشخيص الداء ‪ ،‬مثلما لم يكن لسسدينا‬
‫العلج المطلوب حتى إذا علمنا به واكتشفناه ‪.‬‬
‫وواقع المر فإن مرض السل تم اكتشافه منذ عام ‪ 1982‬فسسي المهجسسع‬
‫‪ 6-5‬بالباحة الولى ‪ .‬وهو واحد مسسن أقسسدم مهسساجع سسسجن تسسدمر ‪ .‬كسسبير‬
‫المساحة مظلم الجنبات شديد الرطوبة ‪ .‬ولقد قدر أن يكون أحد نزلئه‬
‫الطبيب محمود العابد من حماة ‪ ،‬الذي كان أحد أطبسساء قسسسم المسسراض‬
‫الصدرية في إحدى مستشفيات حلب ‪ .‬لكن الخوة وقتها ومن خسسوفهم‬
‫من بطش الشرطة وإحساسهم بانعدام التجاوب أو الهتمام لم يبّلغسسوا‬
‫عن المرض ‪ .‬فلما لحظت إدارة السجن ازديسساد الوفيسسات وتوافسسق ذلسك‬
‫مع حالة النفراج العامة تلك فتحوا للمسلولين مهجعا ً خاصا ً في الباحة‬
‫الرابعة هو المهجع ‪. 23‬‬
‫ونعسسود إلسسى مهجعنسسا ‪ 26‬السسذي بسسات الن فسسي عهسسد وليسسة أبسسي عسسوض‬
‫القسرية عليه أحد مهاجع السجن الخاصة إن لسسم يكسسن أخصسسها جميعسا ً ‪.‬‬
‫وأما السبب فكان ‪ -‬كما ذكسسرت ‪ -‬اتفسساق إدارة السسسجن مسسع أبسسي عسسوض‬
‫على تحويل السجناء الموسسسرين وأصسسحاب الزيسسارات والواسسسطات إلسسى‬
‫مهجعنا ليكونوا تحت عينه ورقابته الدائمة ‪ ..‬وتكون الزيسسارات والنقسسود‬
‫التي يرسلها أهاليهم المساكين أدنى إلى جيب أبي عوض وأسياده من‬
‫جيوب أصحابها أنفسهم !‬

‫وفي هذا السياق وضسمن عمليسات النقسل والتحويسل جساء إلسى مهجعنسا‬
‫مجموعة من الخوة الدمشقيين أذكر منهم محمسسد الحسسوراني ‪ ،‬وسسسليم‬
‫السد ‪ ،‬وعسدنان المؤيسد ‪ ،‬وأخ مسن بيست دبسش وغيرهسم ‪ .‬وكسان سسليم‬
‫السد طبيبا ً من دمشق نقل من مهجع ‪ 6-5‬بعسسد أن تعلسسم مسسن السسدكتور‬
‫محمود العابد هناك فحص المسلولين وتشسسخيص إصسسابتهم ‪ .‬ونقسسل لنسسا‬
‫وقتها نبأ اكتشاف إصابات سلية بين السسسجناء ‪ .‬وأخبرنسسا عسسن تخصسسيص‬
‫مهجع ‪ 23‬للمسلولين ‪ ،‬وأن أخا ً آخر هسسو زاهسسي عبسسادي مسسن ديسسر السسزور‬
‫والذي كان في سنته الرابعسسة بكليسة الطسسب تطسسوع للسسذهاب إلسسى نفسسس‬
‫المهجع والشراف على إخوانه المسلولين ‪ ،‬ثم لم يلبث رحمه اللسسه أن‬
‫أصيب نفسه بالمرض عن طريق العدوى ‪.‬‬
‫وفي يوم من اليام كنا في التنفس أنا والخ صبحي بركات أحد أفسسراد‬
‫مجموعتي ففوجئت به يستند إلى ذراعي بادي الجهاد ‪ ،‬وقال لي وهو‬
‫ل يقوى على إخسراج الكلمسسات أنسه يحسس بالغثيسسان وبالسدوار ول يقسوى‬
‫على الحركة ‪ .‬فطلبنا له من الرقيب إذنا ً بسسدخول المهجسسع ‪ .‬وهنسساك لسسم‬
‫يلبث الخ صبحي أن تقيسسأ وسسسقط محلسسول القسسوى ‪ .‬وعنسسدما عسسدنا مسسن‬
‫التنفس فحصه الخ سليم فتبين له أنه السل ‪ .‬وعندما حضسسر الشسسرطة‬
‫وأخبرناهم أسرعوا ونقلوه إلى المهجع ‪ 35‬في الباحة السسسابعة والسسذي‬
‫خصص بدوره في تلك الفترة للمسلولين بعدما ضاق بهم مهجع ‪. 23‬‬
‫ومر شهر آخر وإذ بي أجدني أعاني من العراض نفسها ‪ :‬ارتفسساع فسسي‬
‫الحرارة ‪ ،‬وقلة شهية للطعام ‪ ..‬وسعال وتعرق وإجهسساد متزايسسد ‪ .‬وبعسسد‬
‫أسبوع من المعاناة فحصني الخ الطبيب سسسليم أسسسد فوجسسدني أصسسبت‬
‫بالسل أيضا ً ‪ .‬وعنسسدما أخسسبر إدارة السسسجن بسسذلك نقلسسوني بسسدوري إلسسى‬
‫مهجع السل ‪ ،‬وكان ذلك في الشهر السادس من عام ‪ 1983‬وبعد أيسسام‬
‫قليلة من محاضرة فيصل الغانم العامة أمام السجناء ‪.‬‬

‫جرعة العذاب !‬
‫دخلت المهجع ‪ 35‬في الباحة السابعة فوجسسدت ويسسا لهسسول مسسا وجسسدت !‬
‫أكثر من مائة من الخوة ألقى المرض بكلكله عليهسسم فسسسلبهم نضسسارة‬
‫الحياة وسمت العافية ‪ .‬فهذا ل يكف عن السعال وفي يده علبة صفيح‬
‫صسسدئة يبصسسق فيهسسا البلغسسم والسسدم ‪ .‬وذاك يتقيسسأ بيسسن فينسسة وأخسسرى ول‬

‫يستطيع أن يمسك نفسه ‪ .‬وثالث أصسساب السسسل كليسستيه فانتفسسخ جسسوفه‬
‫وكأنه امرأة حامل ! ووجدت المصاب بسل الخصيتين ‪ ،‬وسل العظسسام ‪،‬‬
‫وسسسل السسسحايا ‪ ،‬وسسسل الرئتيسسن ‪ ..‬وكسسان علسسى كسسل أولئك وعلسسي أن‬
‫نستخدم الحمام نفسسسه وأن ننسسام متجسساورين نتبسسادل العسسدوى ونتلقاهسسا‬
‫شئنا أو أبينا ‪.‬‬
‫ولقد كنت أظن أو أؤمل أن تكون ظروف مهجع المسلولين أفضل مسسن‬
‫غيرها ‪ ،‬لكنني وجدت المور كأنهسسا لسسم تتغيسسر ‪ .‬فالبطانيتسسان اليتيمتسسان‬
‫والعازل على حالهم ‪ ..‬والشراقة والنوافذ المفتوحسسة كتلسسك السستي فسسي‬
‫بقية المهاجع ‪ .‬والحرس على الباب وفوق المهجع يروحسسون ويغسسدون ‪.‬‬
‫وهناك برنامج غير منقوص من التفقد إلى التنفس إلسسى سسسوء الطعسسام‬
‫ورداءة الظروف ‪ .‬وعندما نكون في الساحة أو يرى الشرطة منسسا مسسا ل‬
‫يسرهم كنا ننال من الضرب والجلسسد والعسسذاب مسسا لسسم يختلسسف عسسن ذاك‬
‫الذي يناله الخسسوة الصسسحاء فسسي مهسساجع أخسسرى ‪ .‬ولعسسل ميسسزة المهجسسع‬
‫الوحيدة كانت في نزلئه المسلولين جميعا ً ‪ ..‬وفي جرعة السسدواء السستي‬
‫خصونا بها وحسب ! وحتى جرعة الدواء تلك كانت أداة تعسسذيب وابسستزاز‬
‫لنا ‪ ..‬فل يكاد ينقضي شهر على توفرها حتى تنقطع وتغيب أسسسبوعين‬
‫أو عشرة أيام ‪ .‬فإذا عادت جعلنا نتخسسوف انقطاعهسسا ونسسترقب وصسسولها‬
‫فنزداد قلقا ً على قلق وعذابا ً على عذاب ‪.‬‬
‫وهكذا ‪ ،‬ومع اضطراب تعاطي الدواء واستمرار سوء التغذيسسة وقسسساوة‬
‫الظروف استمر الخوة يتساقطون موتى واحدا ً بعد الخر حتى عسسددت‬
‫أكثر من عشرين أخا ً ماتوا من مهجعنا نحسسن فقسسط ‪ .‬ومسسن هسسؤلء أذكسسر‬
‫الن أخا ً من حمسسص اسسسمه عبسسد الرحمسسن فليطسساني ‪ ،‬وآخسسر اسسسمه عبسسد‬
‫الساتر مصطفى من نفس المدينة ‪ .‬ومصطفى المصسسطفى مسسن قريسسة‬
‫منخ قرب مدينة حلب ‪ .‬وآخر اسمه الول مصطفى من حلب أيضا ً ‪.‬‬
‫نوبة قلبية‬
‫ومن شهداء مهجع السل أيضا ً تحضرني قصة الخ محمد حسن عجعسسوج‬
‫من حماة الذي كسسان مسسن جماعسسة الشسسيخ مسسروان حديسسد الوائل‪ .‬والسسذي‬
‫قامت المخسسابرات السسسورية باعتقسساله مسسن لبنسسان بعيسسد اعتقسسال الشسسيخ‬
‫مروان ‪ ،‬وأودع سجن المزة مع بقيسسة مسسن اعتقسسل وقتهسسا ‪ .‬ومسسع تطسسور‬
‫الحداث وتصاعد موجات العتقال في بداية الثمانينات نقل الخ حسن‬

‫إلى سجن تدمر بعد المجزرة الكسسبرى السستي حسسدثت هنسساك ‪ .‬وتنقسسل مسسن‬
‫مهجع ‪ 9‬إلى مهجع ‪ 11‬للتقيه وقد أصابه السل آخر المسسر فسسي مهجسسع‬
‫‪. 35‬‬
‫وهناك وفي يوم من اليام وصسسل محمسسد حسسسن عجعسسوج نبسسأ استشسسهاد‬
‫أسرته جميعا ً أثناء أحداث حماة قبل أقل من عسام ‪ .‬وسسمع بسأن واحسدا ً‬
‫ح َ‬
‫ل في شوارع المدينسسة سسسحل ً ‪ .‬فلسسم يتمالسسك رحمسسه اللسسه‬
‫س ِ‬
‫من اخوته ُ‬
‫وأصيب بنوبة قلبية قضت عليه ‪.‬‬
‫وصسسار أمسسرا ً اعتياديسا ً بيننسسا أن ننسسادي الشسسرطي صسسباح كسسل بضسسعة أيسسام‬
‫ونخبره بوفاة أحد المرضى ‪ ،‬ثم نلتفت إلى برنامجنا ذاته نكاد ل نحسسس‬
‫تجاه الخ الفقيد بالحسسسرة قدرإحساسسسنا بالغبطسسة أن قبضسسه اللسسه إليسسه‬
‫فاستراح من هذا العذاب‬
‫هستيريا‬
‫ومن مشاهد مهجع السل التي ل تنسى مشهد الخ بسام الحسسافظ مسسن‬
‫حمص السسذي فقسسد القسسدرة آخسسر المسسر علسسى تحمسسل كسسل هسسذه العسسذابات‬
‫والضغوطات النفسية وما عاد يقدر على تلقي المزيسسد ‪ .‬فوجسسدناه فسسي‬
‫ليلة من الليالي ينهض وسطنا وقد احمرت عيناه فكأنما هما من دم أو‬
‫نار وراح يطلق عقيرته بالصراخ والعويل ‪ .‬وكسسان الخسسوة كلمسسا حسساولوا‬
‫تهدأته ازداد انفعال ً وتأزما ً ‪.‬‬
‫ودخل الشرطي المناوب يستطلع المر ‪ ،‬وأمر المسسسؤول الصسسحي الخ‬
‫زاهسسي عبسسادي أن يسسسكته بسسالقوة ‪ .‬فلسسم يجسسد الخ إل أن يعطيسسه إبسسرة‬
‫مسكنة هدأته بالتدريج ‪ .‬وفي الصباح نادى الشرطي المسؤول الصحي‬
‫ليخرج هذا الخ إليه ‪ .‬فلما خرج المسكين انهسسال الشسسرطة عليسسه ضسسربا ً‬
‫وجلدا ً وأعادوه يكاد يسلم الروح ‪ .‬لكنه وعندما حل المساء عاد وانتفض‬
‫وكرر ما حدث ليلة المس ‪ .‬فعاد الخ زاهي وأعطاه إبرة ثانية مهسسدئة ‪.‬‬
‫وعنسسدما أتسسى الشسسرطي مسسن جديسسد رجسساه أن هسسذا السسسجين مصسساب‬
‫بالهستيريا ول يملك مسن أمسره شسيئا ً ‪ .‬ووعسده أن يبسذل أقصسى جهسده‬
‫لتهسسدأته وعلجسسه ‪ .‬بعسسدها طلسسب زاهسسي منسسا أن نكسسف عسسن محادثسسة الخ‬
‫بسسسام ‪ .‬ونصسسبوا لسسه فسسي زاويسسة مسسن زوايسسا المهجسسع مسسا يشسسبه الخيمسسة‬
‫وأجلسوه فيها ‪ .‬وظل المسكين قرابة الشهرين معسسزول ً عنسسا ل يكلمنسسا‬

‫ول نكلمه بشيء ‪ ..‬أخذ خللها يتحسن بالتدريج ‪ .‬ثم جسسرى نقلسسه بعسسدها‬
‫إلى مهجع آخر ولم نعد ندري ما الذي انتهت به الحال إليه ‪.‬‬
‫ألفية ابن مالك !‬
‫ومضت مسيرة العذاب ‪ ..‬تنهش المحنة من أجسسسادنا المنهكسسة وتقتسسات‬
‫واحدا ً منا بعد الخر ول تشبع ‪ .‬ولم يكن أمامنسسا مسسن بسساب نلتجىسسء إليسسه‬
‫غير المولى تبارك وتعالى ‪ ..‬نتقوى به على محنتنسسا ونتعسسالى باللتجسساء‬
‫إليه على كل الجراح والعذابات ‪.‬‬
‫ولقد كانت النفوس تضعف حينا ً ‪ ،‬وتتقسسوى مسسن ثسسم أحيان سا ً أخسسر ‪ .‬لكسسن‬
‫نفسياتنا تفوقت على أجسادنا ولله الحمد ‪ .‬وتمكنت من الثبسسات أغلسسب‬
‫الحيان حتى ولو انهارت البسدان وتهتكست الجسساد ‪ .‬فكنسا كلمسا خبست‬
‫الهمم أو انتكأت الجراح نشد من عزم بعضسسنا البعسسض بالسسدعاء والصسسلة‬
‫والتبتل إلى الله سبحانه وتعالى ‪ .‬ندعوه مع كل فتحسسة بسساب ‪ ،‬ونشسسكره‬
‫كلما أغلقوا علينا الباب نفسه وبقينا سسسالمين ! وبعسسدها وإذا أحسسسسنا‬
‫ببعض المان عدنا إلى برامجنا التي باتت غذاء أرواحنا ورواء قلوبنسسا ‪..‬‬
‫دّرتها كتاب الله الكريم ‪ .‬حتى إذا أتقن واحدنا حفظه التفسست إلسسى مسسن‬
‫حوله من إخوانه فتعلم منه ما لديه من علم مفيد ‪ .‬فقه كسسان أو تجويسسد‬
‫أو لغة عربية أو متون ‪ .‬فإذا أنهاها مضى يلتمس تعلم اللغة النجليزيسسة‬
‫أو الفيزياء أو الكيمياء ‪ ..‬وكل ذلك عن طريق المشافهة ‪.‬‬
‫وأما أنا وبعد أن أتقنت حفظ القرآن الكريسسم كلسسه بفضسسل اللسسه عكفسست‬
‫على دراسة المتون ‪ ،‬وكان شيخي في ذلك أخ من حلب جزاه الله خيرا ً‬
‫كان متقنا ً لحفظ المتون ‪ .‬فأخذت عنه البيقونية والجزرية والرحبيسسة ‪..‬‬
‫ومن ألفية ابن مالك حفظت حسسوالي ‪ 650‬بيت سا ً وللسسه الحمسسد ‪ .‬وظهسسرت‬
‫في هذا السياق مواهب وعجائب ‪ ..‬فكان بعض الخوة يحفظون سسسيرة‬
‫ابن هشسام ويدرسسونها لخسوانهم الخريسن ‪ .‬فلمسا اتقنهسا جمسع منهسم‬
‫حولوها إلى منظومة أيضا ً بالغة التقان‬
‫التدمري الشهيد‬
‫ومن المواهب الفذة التي ظهرت بين السجناء أخ شاعر نظم مجموعسسة‬
‫من القصائد الرائعسسة كنسسا نتناقلهسسا بيسسن المهسساجع ونحفظهسسا عسسن ظهسسر‬
‫غيب ‪ .‬ولقد بلغنسسا أن الخ حكسسم عليسسه بالعسسدام ونفسسذ الحكسسم فسسي كسسل‬

‫المجموعة التي حوكمت معه ولم يصسل السدور إليسه ‪ ..‬ففجسر ذلسك كمسا‬
‫يبدو موهبته الكامنة ‪ ،‬وجعله ينطق بمعاناتنا جميع سا ً مسسن خلل قصسسائده‬
‫الرائعة ‪ .‬ومما ل أنساه من تلك القصائد واحدة أهداها إلى إخوانه فسسي‬
‫مهجع السل يقول فيها ‪:‬‬
‫سيشرق وجهك خلف الظلم‬
‫وصدرك ينزف خلف الحديد‬
‫وما كاد يثنيك حقد اللئام‬
‫فيا أيها التدمريالشهيد‬
‫عليك السلم عليك السلم‬
‫‪. . .‬‬
‫أخي إنا بعد الذى والهوان‬
‫سنعلو على الخلق إنسا ً وجان‬
‫لنا الصدر أو منزل في الجنان‬
‫وبعد العاصير والزلزلة‬
‫كأن فؤادي غدا قنبلة !‬

‫راحل عنك ‪..‬‬
‫كذلك فجرت المحنة موهبة شعرية أخرى في أخ من حلب كتب قصسسيدة‬
‫يناجي فيها والدته من خلسسف القضسسبان ‪ .‬فتلقاهسسا أخ آخسسر مسسن مهجعنسسا‬
‫برزت موهبته الفذة في تلحين القصائد وإنشسسادها ‪ .‬فصسسارت القصسسيدة‬
‫لحنا ً يتنقل على شفاه السجناء من مهجع إلى آخر ومن قيد إلى قيد ‪..‬‬
‫فتشتد بها العزائم وتعلو بكلماتها النفوس ‪:‬‬
‫عندما جاءت يفيض الود منها والحنين‬

‫تطرق الباب وفي دقاتها لحن حزين‬
‫أتراها تطلب الوصل وترجو أن ألين‬
‫أم تراها ظنت القيد يهز الصامدين ؟‬
‫‪. . .‬‬
‫قلت والثورة في نفسي أعاصير تجول‬
‫حسبي الله ربي ونعم الوكيل‬
‫وحملت الزاد والرشاش وقررت الرحيل‬
‫وعلى الباب بقايا من عبارات تقول‬
‫‪. . .‬‬
‫راحل عنك أقاسي من جراحي وأسافر‬
‫ل أبالي بالمنايا وعلى الطغيان ثائر‬
‫أتحدى ظلمة الليل وأحيا لقاتل‬
‫علمتني صحبة القيد وأنغام السلسل‬
‫أن دين الله ل ينهض إل بالقنابل‬
‫‪. . .‬‬
‫راحل عنك أغني للسواقي والبيادر‬
‫أملؤ البيداء نورا ً ونشيدا ً وبشائر‬
‫ورصاصي للطواغيت إلى النار تذاكر‬
‫في سبيل الله ماض تابعا ً نهج الوئل‬
‫علمتني صحبة القيد وأنغام السلسل‬

‫أن دين الله ل ينهض إل بالقنابل ‪.‬‬
‫أنا بعثي !‬
‫ولقد كان من ميزات مهجع السل أيضا ً اختلط انتمسساءات نسسزلئه وتعسسدد‬
‫التجاهات التنظيمية والسياسية فيه ‪ .‬فبعد أن كسسان سسسجناء مهجسسع ‪26‬‬
‫من تنظيمات إسلمية أو من المحسوبين عليهم جميع سا ً وجسسدنا أنفسسسنا‬
‫في مهجع السل ‪ 35‬متجاورين مع سجناء من تنظيمات يمينيسسة مواليسسة‬
‫للبعث العراقي ‪ .‬ورغم أنني وبقية الخوة كنا ول نزال نتعاطف مع أي‬
‫مظلوم امتدت سطوة النظسسام فسسسلبته حقسا ً أو زادتسه رهقسا ً ‪ ،‬إل أننسسي‬
‫رأيت أولء البعثيين في أغلبهم مجرد منتفعين مصسسلحيين مسسن فلحسسي‬
‫منطقة الجزيسرة ‪ .‬جساء البعسثيون العراقيسون إليهسم فاسستغلوا فقرهسم‬
‫وحاجتهم وبساطتهم وأمدوهم بالمال فأصبحوا يعبدون رب هذا المسسال‬
‫ليس إل ! ولقد تسبب لنا هسسؤلء للسسسف بمزيسسد مسسن المعانسساة ‪ ،‬وكسسانوا‬
‫مصدر إزعسساج حقيقسسي لبقيسسة المهجسسع ‪ .‬ورغسسم أن عسسددهم تسسراوح بيسسن‬
‫عشرة وخمسة عشر إل أنهم أسسساؤوا للمجمسسوع مسسرات كسسثيرة ‪ .‬فرغسسم‬
‫المحنة التي أصابتنا جميع سا ً إل أنهسسم كسسانوا ل يكفسسون عسسن النظسسر إلينسسا‬
‫والتعامل معنا كأعداء تاريخيين ‪ ..‬وكانوا ل يتورعون عسسن وصسسفنا رغسسم‬
‫كل الذي حصل ويحصل بالرجعية ! ولذلك اسسستباحوا أن يفسسسدوا علينسسا‬
‫ن له خسسرج مسسن المهجسسع‬
‫للشرطة وإلى حد الفتراء ‪ .‬فكان أحدهم إذا ع ّ‬
‫وتوجه إلى الرقيب أو الشرطي وابتدره بالقول ‪:‬‬
‫سيدي أنا بعثي ‪.‬‬
‫وجعل بعد ذلك يخبره أننا ننظم داخسسل المهجسسع دروس سا ً ولنسسا مسسن بيننسسا‬
‫شيخ نتبعه ‪ ..‬وأننا ندعو في دروسنا في المهجع إلى الجهاد ! ولطالمسا‬
‫تسبب ذلك في إخراجنا جميعا ً إلى الباحة لننال عقوبة جماعيسسة بسسسبب‬
‫هذه الفتراءات ‪.‬‬
‫ول زلت أذكر من أسماء أولئك اليمينيين واحدا اسمه حسين الحسسافظ ‪،‬‬
‫وآخر اسمه يعقوب يعقوب ‪ ،‬وثالث لقبه أبسسو علسسي ‪ ..‬كسسانوا كلهسسم مسسن‬
‫هذه الشاكلة ‪ .‬وأما من كسان صسساحب فكسر ووعسسي مسن اليمينييسن علسسى‬
‫قلته فقد تحول إلى الحق وأعرض عن سفاسف مجموعته منحازا ً إلسسى‬
‫السلم ‪ ،‬وشهدنا منهم من هذا النموذج من أحجم عن ذكر اسسسمه الن‬
‫سائل ً الله له السلمة والثبات ‪.‬‬

‫الشيوعيون المدللون !‬
‫وإذا كان هذا هو حال البعثيين العراقيين معنا فسسإن الشسسيوعيين السسذين‬
‫أحسسنا بوجودهم عام ‪ 84‬كانوا في منزلة أخرى ‪ .‬ففي ذلك العام تسسم‬
‫نقل الخوات السجينات في مهجع المستوصف إلى سجن آخسسر ‪ .‬ولقسسد‬
‫أحسسنا ذلك من خلل توزيع السخرة ‪ .‬فوقتسسذاك وفسسي ظسسل النفسسراج‬
‫النسسسبي أوكلسست إلينسسا مهمسسة توزيسسع الطعسسام علسسى مهسساجع البسساحتين‬
‫السادسسسة والسسسابعة ‪ ،‬وكسسان المستوصسسف ضسسمن هسسذا النطسساق ‪ .‬لكسسن‬
‫"البلدية" الموكلين بجلب الطعام أعلمونا في يوم من اليسسام بسسالتوقف‬
‫عن تقديم السخرة لمهجع المستوصف ‪ .‬وكنا قبل يوم مضى قد لمحنا‬
‫رتل ً من النساء يغادر المهجع وقد قارب عددهن العشرين أو زاد عليه ‪،‬‬
‫فأدركنا أنهن غادرن هذا المكان ‪ ،‬وسألنا الله تعسسالى لهسسن ولنسسا الفسسرج‬
‫والنجاة ‪ .‬فلما خل المكان أتوا بالشيوعيين إليسسه ‪ .‬فكنسسا نلمحهسسم بعسسض‬
‫الحيان ونسمع بوجودهم ‪ .‬ولمسسا انتقلسست إلسسى مهجسسع ‪ 29‬لحق سا ً صسسرنا‬
‫متجاورين على باحة واحدة ‪ .‬وأصبح من الممكن لسسي أن أراهسسم بشسسكل‬
‫متواصل وأطلع على وضسسعهم مباشسسرة ‪ .‬وكسسان أمسسرا ً مسسثيرا ً للعجسسب أن‬
‫حالتهم كانت تختلسسف عسسن كسسل بقيسسة السسسجناء تمسسام الختلف ‪ .‬فكسسانوا‬
‫يطلقون شعورهم ‪ ..‬ويخرجون للتنفس بشسسكل دائم ‪ .‬ويتحسسدثون فيمسسا‬
‫بينهم ومع الشرطة بحريسسة كاملسسة ‪ ..‬ويسسدخنون ويطبخسسون ويسسستقبلون‬
‫الزيارات بشكل متواصل ‪ .‬ولسسم نرهسسم يعسسذبونهم أو يضسسربونهم أبسسدا ً ‪..‬‬
‫ولسم نسسمع بتنفيسذ أحكسام بالعسدام فيهسم ‪ .‬ولسم يكسن عسددهم يجساوز‬
‫الربعين ‪.‬‬
‫مصيدة الطليعة !‬
‫ومضت اليام ظاهرها النفراج وحقيقتهسسا لسسؤم صسسرف وجشسسع وخسسسة‬
‫تعصرنا من كل جنب عصرا ً ‪ .‬وخلل ذلك لسم تتوقسسف دفعسسات القسسادمين‬
‫الجدد إلى المهاجع مثلما لم تتوقف عمليات العدام ‪ .‬وكلما أخذوا مسسن‬
‫السجناء مجموعة للعدام أحضروا مجموعة من المعتقليسسن الجسسدد بسسدل ً‬
‫عنهم ‪ .‬لكن الحدث الجديد الذي زاد الطيسسن بلسسة والعسسذاب عسسذابا ً وقتهسسا‬
‫كسسان نجساح النظسسام فسي اسستدراج مجوعسسات مسسن تنظيسم الطليعسة إلسسى‬
‫سورية واعتقالهم جميعا ً في خطة محكمة أوقعت عدنان عقلسسة نفسسسه‬
‫بين أيدي المخابرات ‪.‬‬

‫وكان استقبال شباب الطليعسة غايسة فسي الوحشسية والفظاعسة ‪ .‬وفسي‬
‫البداية تم عزلهم في مهجع خاص بهم صبوا عليهسم فيسه مسسا ل يوصسف‬
‫من العذاب ‪ ..‬حتى سلخوا جلودهم وهشسسموا أطرافهسسم وتركسسوهم مسسن‬
‫غير علج يعسسانون أشسسد المعانسساة ‪ ..‬إلسسى أن تعفنسست أرجلهسسم المتقيحسسة‬
‫وتفتحت جروحهم المتعفنة وسرت فيهم الغانغرينا فقضست علسى عسدد‬
‫غير قليل منهم ‪ .‬وبعد مدة وزعوا من بقي من هؤلء الخوة على بقية‬
‫المهاجع ‪ ،‬كان منهم أخ مسسن حلسسب التقيتسسه اسسسمه أيمسسن عنجرينسسي تسسم‬
‫إعدامه فيما بعد ‪ .‬وآخر لم ألتقه ولكنني سمعت عنه وبلغني أنه أعسسدم‬
‫بعدها وهو طاهر العلو من قرى حلب ‪ .‬ومن هؤلء سمعنا بمسسا جسسرى ‪..‬‬
‫وبلغتنسا أخبسسار الحسسداث بسسالترتيب ‪ ..‬بسسدءا ً بال َ‬
‫شسَرك السذي أوقعهسم فيسه‬
‫النظام عبر عميل مدسوس فسي صسفوف التنظيسم اسسمه محمسد جاهسد‬
‫دنسسدش ‪ ،‬وانتهسساء بوحشسسية التعسسذيب السسذي لقسسوه قبسسل أن ينقلسسوا إلسسى‬
‫مهاجعنا ‪.‬‬
‫وملخص ما حدث مع تنظيم الطليعة الذي توزع أكثر أعضائه بين الردن‬
‫العراق بعد أحداث حماة أن قيادته قررت العودة إلسسى السسداخل لمعسساودة‬
‫بناء قواعدها وبدء مواجهة جديدة مع النظام ‪ .‬فالتقط جاهد دندش هذا‬
‫الخيط وأوحى للطليعة أنه قد أمن لهم الطريق المنة والدلء الخسسبراء‬
‫ليصال العناصر إلسسى حلسسب ‪ .‬وبسسدء نسسزول الشسسباب عسسن طريسسق الحسسدود‬
‫التركية السورية مجموعة بعد أخرى يتقدمهم عدنان نفسه ‪ .‬كان جاهد‬
‫والمخابرات السورية يستقبلونهم أول ً بأول دفعة وراء دفعسسة ويرسسسلوا‬
‫إلى قيادة الطليعة في الخارج الشارة المتفق عليها فيما بين النازلين‬
‫والقيادة إشعارا ً بسلمة الوصول ‪ .‬حتى اكتمسل نسسزول قرابسة السسبعين‬
‫أخا ً سقطوا جميعا ً بين أيدي النظام ل حول لهم ول قوة ‪.‬‬
‫ولم نعلسسم عسسن مصسسير عسسدنان عقلسسة نفسسسه شسسيئا ً مؤكسسدا ً ‪ ،‬إل أن بقيسسة‬
‫الخوة تنقلوا من فرع العسدوي إلسى التحقيسق العسسسكري فتسدمر ‪ .‬وزاد‬
‫من معاناتهم ومعاناتنا معا ً أنهم كانوا شسسديدي النغلق علسسى أنفسسسهم‬
‫مثلمسسا كسسانوا شسسديدين وجريئيسسن فسسي أحكسسامهم علسسى قيسسادات الخسسوان‬
‫وتقييمهم لهم ‪ .‬وكانوا بعد هذا الحباط الذي أصابهم والمشاكل السستي‬
‫عانوا منها من َ‬
‫قْبل مع قيادة الخوان ل يتورعون عن وصمهم بالخيانة‬
‫والعمالة ‪ ،‬ويحملونهم مسؤولية ما آلت إليه الوضاع فسسي حمسساة وفيمسسا‬
‫قبلها وبعدها ‪ .‬المر الذي اسسستفز عناصسسر الخسسوان فسسي المهجسسع وهسسم‬

‫يرون قياداتهم التاريخية ورمسسوز تنظيمهسسم تجسّرح علسسى المل ‪ ،‬وأحسسدث‬
‫بيننا سببا ً جديدا ً للقلق وللتوترات ‪.‬‬
‫تصفيات جماعية‬
‫وما ل ينسى من أيام عام ‪ 1984‬المريسسرة أننسسا شسسهدنا فيهسسا أحسسد أكسسبر‬
‫عمليسسات العسسدام الجمسساعي إن لسسم تكسسن أكبرهسسا علسسى الطلق ‪ .‬فبعسسد‬
‫انقطاع تنفيذ الحكام عدة أشسسهر فسسي تلسسك الفسسترة فوجئنسسا بالمشسسانق‬
‫تنصسسب ذات يسسوم فسسي السسساحة السادسسسة بأعسسداد كسسبيرة ‪،‬وراح الزبانيسسة‬
‫در‬
‫يخرجون من الخوة المعتقلين فوجا ً إثر فوج إلى حتفهم ‪ .‬يومها قسس ّ‬
‫الخوة الذين تمكنوا من مشاهدة جانب مما يجري مسسن خلل شسسق فسسي‬
‫الباب عدد الذين أعدموا بمائتين من غير مبالغة ‪ ،‬كسسان مسسن بينهسسم كمسسا‬
‫بلغنا الخ يوسف عبيد من دمشق ‪ .‬ومع تسرب الخبار فيما بعسسد قسسدرنا‬
‫أن تلك العدامات ترافقت مسع حالسسة النسزاع السستي حصسسلت بيسسن رأسسسي‬
‫النظام حافظ السد وأخيه رفعت ‪ ،‬والسستي شسسهدت حشسسودات عسسسكرية‬
‫حقيقية بينهما ‪ .‬وفسرنا ما حدث بأن رفعت كان يهيؤ نفسسسه لسسستلم‬
‫الحكم بعد المرض الذي ألسسم بسسأخيه ‪ ،‬ولسسذلك أراد أن يصسسفي أكسسبر قسسدر‬
‫ممكن من السجناء وينهي كل خطر مستقبلي محتمل ‪.‬‬
‫المدير الجديد !‬
‫ولكن الخ الكبر تعافى بقدرة قادر ‪ ،‬وعاد يمارس سطوته علسسى البلد‬
‫ب فسي أركسان النظسام وبيسن رؤوسسه‬
‫والعبساد ‪ ،‬وهساله أن يجسد النخسر د ّ‬
‫المقربين ‪ ،‬فبدأ ‪ -‬مثلما تسّرب بعد ذاك ‪ -‬حملسسة تطهيسسر وإعسسادة توزيسسع‬
‫للدوار ‪ .‬وفي هذا السياق طالت التغييرات إدارة سجن تدمر ‪ ،‬ووجسسدنا‬
‫الشرطة العسسكريين يطلبسون رؤسسساء المهساجع لجتمساع مشسسترك فسي‬
‫شهر تشرين الول من عام ‪ . 1984‬وذهب رئيس مهجعنا فيمن ذهب ‪،‬‬
‫فلما عاد بعسسد قليسسل ونحسسن متلهفسسون لسسسماع الخبسسار أخبرنسسا أن مسسدير‬
‫السجن قد تغير ‪ ،‬ورحل معه مساعد النضباط وسمسار الضحايا محمسسد‬
‫الخازم ‪ .‬وأن المدير الجديد هو مساعده ونسسائبه النقيسسب زكريسسا العسسش ‪.‬‬
‫وأنه اجتمع بهم وهم مغمضو العيسسون وحسسذرهم مسسن أن السستراخي السسذي‬
‫سسساد فسسي الفسسترة الماضسسية قسسد انتهسسى ‪ ..‬وعسساد النظسسام الن وعسساد‬
‫النضباط ‪ .‬ورجع نظسسام إقفسسال العيسسون أمسسام الشسسرطة ‪ ..‬والويسسل كسسل‬
‫الويل للمخالفين!‬

‫ولم تمض برهة من الوقت ونحن لم نكد ننتهي من أسئلتنا وتسسساؤلتنا‬
‫بعد حتى حضر الشرطة لخذ التفقسسد ‪ .‬فصسساحوا فينسسا فسسور دخسسولهم أن‬
‫نغمض أعيننا ونقف بوضع الستعداد ‪ .‬وما لبثوا أن ساقونا إلسسى خسسارج‬
‫المهجع وانقضوا علينا ضربا ً وصفعا ً وجلدا ً حتى سلخوا جلودنا ‪ .‬وبسسدأنا‬
‫من يومها مرحلة جديسسدة مسسن الشسسدة والعسسذاب ‪ .‬وعسساد التفقسسد الصسسارم‬
‫والتنفس المقيت والقتل والتعذيب والهانات ‪ .‬وكسسان العفسساء الوحيسسد‬
‫للمسلولين من الحمام رحمة تقينا عذاب تلك الساعة ‪ ،‬لكنهم سسسرعان‬
‫ما عوضوها بمضاعفة العذاب علينا في التنفس !‬
‫وتوقف بث الذاعة عنا من حينها ‪ .‬وصدر المر من ذلك الوقت بتكميسسم‬
‫أفواه الخارجين للعدام فلم يعد يسمع لواحدهم قبل أن يطسسوق عنقسسه‬
‫حبل المشنقة صوت ول تكبير ‪ .‬وعاد البطش أشد علينسسا مسسن السسسابق ‪.‬‬
‫ثم لم يلبث أن اشتد أكثر وتضاعف بحضور المدير الجديد اللسسواء غسسازي‬
‫الجهني لستلم منصبه بعد قرابة شسسهرين ‪ .‬فسسارتفعت وتيسسرة البطسسش‬
‫إلى أقصى درجاتها ‪ .‬وعاد الشرطة إلى ممارسة التعذيب الوحشي من‬
‫جديد ‪ .‬حتى أنهم أخرجونا فسسي أحسسد اليسسام للتنفسسس مغمضسسي العينيسسن‬
‫كالعادة تلحقنا السياط والعصي والكرابيسسج ‪ .‬فكسسان قسسدر أخ مسسن حلسسب‬
‫اسمه عبد الباسط دشق أن تصيبه ضربة من هؤلء الزبانية علسسى عينسسه‬
‫مباشرة فتفقأها ‪ .‬فعاد المسسسكين عنسسدما عسسدنا تغطسسي السسدماء وجهسسه ‪،‬‬
‫وهو ل يكف عن التقيؤ من شسسدة ألمسسه ‪ .‬وعنسسدما دق مسسسؤول مهجعنسسا‬
‫الصحي وقتها الخ علي عباس من ادلب ليخبر الشرطة بحال الخ ‪ ،‬لم‬
‫يجسسرؤ أن يقسسول لهسسم أن أحسسدا ً منهسسم أنفسسسهم فقسسأ عينسسه ‪ ،‬بسسل اعتسسذر‬
‫وسألهم العفو وهو يقول لهم بأن أحدا ً من مهجعه سقط فسسي الحمسسام‬
‫ففقئت عينه !‬
‫لكن أحدا ً لم يبال ‪ ،‬ولم تسفر المحاولت المتكررة عن شيء ‪ .‬وحينمسسا‬
‫تكرم طبيب السجن وحضر لمعرفة سبب شكواه بعد يومين أو ثلثة لم‬
‫يزد عن أن أعطاه بضع حبوب مسكنة ومضى ‪ .‬وظسسل المسسسكين يعسساني‬
‫عذابا ً ل يوصف شهورا ً عديدة من غير أن يهتسم بسه مسن هسؤلء الزبانيسة‬
‫أحد ‪.‬‬
‫تأديب !‬

‫وعلى الرغم من هذا البطش أو ربما بسببه قام واحسسد مسسن المعتقليسسن‬
‫اليسسافعين مسسن ادلسسب مسسن بيسست سسسيد عيسسسى نزيسسل مهجسسع الحسسداث ‪36‬‬
‫بالتصدي ذات يوم لواحد من الشرطة آذاه كمسسا يبسسدو فسسي الباحسسة أثنسساء‬
‫التنفس فهجم عليه الشاب وضربه ‪ .‬ورغم أن الحادثة كسسانت عفويسسة ل‬
‫تعسسدو أن تكسسون ردة فعسسل انفعاليسسة وحسسسب ‪ ،‬وعلسسى الرغسسم مسسن أن‬
‫الشرطي رد عليه وقتها وأشبعه ضربا ً ‪ ،‬إل أن المر أخسسذ بعسسدا ً كسسبيرا ً ‪.‬‬
‫فأدخلوا السجناء إلى المهاجع كلهسسم ‪ ،‬وحضسسر مسسساعد السسسجن الجديسسد‬
‫محمد نعمة بنفسه يحقق في المر ‪ .‬وأخرجوا الخ المسكين فأجلسسسوه‬
‫في الدولب وانهالوا عليه ضسسربا ً وجلسسدا ً حسستى كسسادوا يزهقسسون روحسسه ‪.‬‬
‫وبعدما انتهوا أخرجونا نحن سجناء الباحة السابعة كلنا وضسسربونا ضسسربا ً‬
‫مبرحا ً حتى يؤدبوننا ويقتلون فينا أي مشاعر محتملة بسسالتمرد ‪ .‬ولسسذلك‬
‫لم يكن الخوة يردون على أذى الشرطة واعتسسداءات جلدينسسا لسسسببين ‪:‬‬
‫فهم يعلمون أول ً أن النتيجة محدودة إن لم تكن منعدمة ‪ ،‬فيما سيكون‬
‫الخطر متحققسا ً وغيسسر محسسدود ‪ ،‬وربمسسا أفضسسى بالشسسخص إلسسى الهلك ‪.‬‬
‫ولخشيتهم ثانيا ً أن تتسبب أعمال كهذه في إيقاع الذى ببقية السجناء‬
‫من غير سبب ول حاجة ‪ .‬وكان الشعور السائد أننا وقعنا بأيدي الظلمة‬
‫بقدر الله ‪ ،‬وأننا إذا احتسبنا وصبرنا فهسسو خيسسر لنسسا مسسن أن نتسسسبب لنسسا‬
‫ولمن حولنا بمزيد من المفسدة والذى ‪.‬‬

‫آية الله في أبي عوض !‬
‫غير أن الرأي لدى بعض الخوة كان مختلف سا ً بعسسض الشسسيء كمسسا يبسسدو ‪.‬‬
‫والصبر علسسى هسسذه الهسسوال وقسسد فسساض الكيسسل انتهسسى بهسسم إلسسى قسسرار‬
‫النتقسسام مسسن أجيسسر الدارة وكلبهسسا الخسسسيس أبسسي عسسوض ‪ .‬السسذي بلسسغ‬
‫تطاوله مدى ل يسكت عنه ‪ ..‬وتجاوزت وقاحته حدود العفسسة والخلق ‪.‬‬
‫فاتفق عدد من شباب المهجع ‪ 26‬على تأديبه ونفذوا ما اتفقوا عليسسه ‪.‬‬
‫فاجتمعوا وانهالوا عليه ضربا ً لم يكن له أن يرده ‪ .‬فلما قلب أبو عسسوض‬
‫المور وفكر وقدر ‪ ..‬وجد نفسه قد انكشف وتحطمت هيبتسسه الواهيسسة ‪.‬‬
‫ورآها كأنما فرصة ترفع منزلتسسه لسسدى المسسدير الجديسسد ‪ .‬فطلسسب مقابلسسة‬
‫الرقيب فجأة وأخبره بأن لديه أخبسسارا ً مهمسسة يريسسد أن يوصسسلها للدارة ‪.‬‬

‫ولما سأله عن نوع هذه الخبار قال لسسه أبسسو عسسوض إنسسه اكتشسسف وجسسود‬
‫تنظيم للخوان داخل المهجسسع ‪ .‬فكسسانت هسسذه العبسسارة أكسسثر مسسن كافيسسة‬
‫لتستنفر الرقيب والمدير وكل الزبانية على هذه الحفنسسة مسسن السسسجناء‬
‫المساكين ‪.‬‬
‫واقتحسسم الشسسرطة المهجسسع علسسى الفسسور ينتظسسرون الشسسارة ليفتكسسوا‬
‫بالمساجين ‪ .‬فلما رأى الخوة المسسر بهسسذه الخطسسورة قسرروا أن يقفسسوا‬
‫صفا ً واحدا ً في وجه افتراءات أبسي عسوض وتسسلطه ‪ .‬وجعلسوا يخسبرون‬
‫الرقيب بكل مخالفاته وسرقاته والرشسساوى السستي أخسسذها والنحرافسسات‬
‫التي أحدثها ‪ .‬وأكدوا له أن اتهامات أبي عسسوض محسسض اختلق ‪ .‬وأنهسسم‬
‫أمامه جميعا ً مستعدون لتحمل أشد أنسسواع العقوبسسات إذا ثبسست مسسن تلسسك‬
‫التهامات شيء ‪.‬‬
‫وسبحان من جعل الشرطة يصدقون السجناء هذه المرة ‪ .‬ل ندري أهي‬
‫غيرة من أبي عوض الذي بات يتمتع بمزايا ويجمع من الرباح والموال‬
‫ما لم يتح حتى للشرطة العسكرية أنفسهم ‪ ..‬أم أن المر أتى انسجاما ً‬
‫مسسع عهسسد المسسدير الجديسسد السسذي أراد أن يسسساوي المسسساجين كلهسسم فسسي‬
‫العذاب والمعاناة ويفرض هيبتسسه علسسى رمسسوز العهسسد البسسائد ! كسسل السسذي‬
‫هت أمام جرأة الخوة أن‬
‫دريناه وعلمناه أن الرقيب أمر أبا عوض وقد ب ُ ِ‬
‫يجمع أغراضه ويخسسرج ‪ .‬ومسسن رئاسسسة مهجسسع ‪ 26‬اقتيسسد أبسسو عسسوض إلسسى‬
‫الحلق هذه المرة فجز شعره وشسساربيه ‪ ،‬ثسسم ألقسسي بسسه فسسي مهجسسع ‪31‬‬
‫مجردا ً من كل صلحياته السابقة ‪.‬‬
‫ودارت السسدائرة علسسى أبسسي عسسوض ‪ .‬وجعسسل الشسسرطة منسسه هسسدفا ً معّلم سا ً‬
‫يخرجونه إلى الباحة كل يوم لينال عذابا ً مستقل ً ‪ .‬وصرنا نسمع صياحه‬
‫وتوسلته تصم الذان ‪ ..‬وصراخه يملؤ السجن كله ‪ .‬حتى سلخوا جلسسده‬
‫من القتل وحطموه من التعذيب ‪ .‬وظل ستة أو سبعة أشهر على هسسذه‬
‫الحال يذوق وبال أمره ويكتوي بسيف أسياده أنفسسسهم ‪ .‬وفسسي أواخسسر‬
‫عام ‪ 87‬نقل أبو عوض إلى سجن صيدنايا مع مجموعسسة مسسن السسسجناء ‪.‬‬
‫فأنجانا الله من شره ومكره ‪ .‬وأرانا آية باهرة فيه ل تنسى ‪.‬‬
‫المحكمة !‬
‫وانتهى العام ‪ ..‬ومضت أيام عام ‪ 85‬علسسى نفسسس السسوتيرة مسسن العسسذاب‬
‫والقهر والمعاناة ‪ ..‬لتمضي قرابة خمس سنوات على اعتقالي ‪ ..‬حكسسم‬

‫خللها من كان مسسن دفعسستي بمسسا حكسسم ‪ ،‬ونفسسذت العسسدامات بمسسن كسسان‬
‫نصيبه حكم العدام ولم تتم محاكمتي أنا بعد ‪ .‬ولقسسد كسسان ذلسسك مصسسدر‬
‫قلق دائم لي ‪ .‬فالمصير الواضسح يظسسل فسي النهايسة أخسف مسسن انتظسار‬
‫المجهول ‪ .‬والعمار كلها بقدر الله أول ً وأخيرا ً ‪.‬‬
‫وفي يوم ‪ 30/3/1985‬وحوالي الساعة العاشرة فتح الشسرطي شسراقة‬
‫الباب في مهجع السل ‪ 35‬وتلى أسماء عدد من السجناء من لئحة بيده‬
‫مطلوبين للمحاكمة ‪ ،‬كان من ضمنهم اسمي أنا واسسسم أخسسوين آخريسسن‬
‫من مهجعنا ‪ .‬وخرجنا أنا والخ حزين قاسسسم محاميسسد مسسن المعسسرة وهسسو‬
‫ابن دفعتي أيضا ً ‪ ،‬وثالثنا أخ من قرى حلسسب خريسسج المدرسسسة الشسسرعية‬
‫من بيت المصطفى فيما أذكر ‪ .‬وفي باحسسة الذاتيسسة تسسم تجميعنسسا قرابسسة‬
‫السبعين أو ثمانين شخصا ً مغمضي العيسن مكبلسي اليسدي وأمرونسا أن‬
‫نجلس القرفصسساء وجوهنسسا للجسسدار وظهورنسسا كالعسسادة باتجسساه الشسسرطة‬
‫السسذين لسسم يكفسسوا عسسن ضسسربنا وركلنسسا ولطمنسسا بالعصسسي والخيزرانسسات‬
‫والكرابيج ‪.‬‬
‫وبعد قرابة الساعتين من الضرب والشتم والتعذيب وصل دوري ونادى‬
‫المنادي اسمي فرفعت يدي بالجابة ‪ .‬وعلى باب الغرفة التي تتم فيها‬
‫المحاكمة أمرني الرقيب أن أفتسسح عينسسي واقتسسادني إلسسى كرسسسي أمسسام‬
‫القاضي وأجلسني عليه ‪ .‬لكننسسي بقيسست مسسن خسسوفي وتحسسسبي مغمسسض‬
‫العينين مطرق الرأس حسب التعليمسسات ‪ .‬فنسساداني هسسذا الرجسسل القسسابع‬
‫وراء المكتب باسمي وقال لي أن أرفع رأسي وأنظر إليه ‪.‬‬
‫فعلت ما قسسال صسساحب الصسسوت ‪ ..‬ونظسسرت فرأيسست رجل ً قصسسير القامسسة‬
‫أصفر السسوجه لئيسسم النظسسرات ‪ ..‬يتسسدلى حسسول شسسفتيه شسساربان رفيعسسان‬
‫يخضبهما الشيب فكأنهما شاربا فأر عجسسوز ‪ .‬يتوسسسط شخصسسين آخريسسن‬
‫عن يمينه وشماله ‪ ..‬قدرت أنسسه سسسليمان الخطيسسب السسذي طالمسسا تحسسدث‬
‫خَبله الكثير !‬
‫الخوة عنه وقصوا من قصص لؤمه و َ‬
‫من نظمك ول ؟‬
‫هكذا ابتدرني سليمان الخطيب بالسؤال ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬سيدي أنا مش منظم ‪.‬‬

‫قال ‪ :‬شو اسمك إنت ؟‬
‫محمد سليم حماد سيدي ‪.‬‬
‫قال وهو يمعن النظر في إضبارتي ‪ :‬انت أردني ول !‬
‫نعم سيدي ‪.‬‬
‫مسسا بكفينسسا هالعرصسسات اللسسي عنسسا ول ‪ ..‬انسست جسساي كمسسان هسسون تقاتسسل‬
‫معهن ؟‬
‫قلت له ‪ :‬سيدي أنا ما قاتلت ول عملت شيء ‪.‬‬
‫وعاد يقرأ في الضبارة للحظات ثم سألني ‪:‬‬
‫شو علقتك مع سالم الحامد ؟‬
‫قلت وقد تبين لي أنه لم يطلع على الملف من قبل ‪ :‬كنت أعرفه مسسن‬
‫الجامعة ‪.‬‬
‫ومن غير أن يزيد أو ينقص عقد سليمان الخطيب حاجبيه وقطب جبينه‬
‫ثم التفت نحوي وصاح ‪:‬‬
‫نحنا عم نحكم الناس هون بالعدام ‪ ..‬وإنت لزم نشنقك من بيضاتك !‬
‫واتجه بنظره إلى الرقيب وقال له وقد قضي المر ‪ :‬خذه ‪.‬‬
‫وكانت تلك نهاية محاكمتي ‪ .‬ومضيت عائدا ً إلى الرقيسسب ل أكسساد أحسسس‬
‫لشيء من حولي بطعم أو معنى ‪ .‬فلما أعادني بدوره للشرطي أمرني‬
‫ذاك ومن غير مقدمات أن أفتح يدي ‪ .‬فلما فعلت هوى بالكرباج عليهما‬
‫ثم أمرني أن أجلس مكاني ‪.‬‬
‫وتتابع دخول الخوة إلى المحاكمسسة وخروجهسسم منهسسا ‪ .‬حسستى إذا انتهسست‬
‫الدفعة عادوا بنا كل إلى مهجعه ‪ .‬وأقبلت علسسى الخسسوين السسذين خرجسسا‬
‫من المهجع معي أسألهما عن الحكم فأخبراني أنه العدام أيضا ً ‪ .‬لكسسن‬
‫ذلك لم يكن بعد هذا السسذي رأينسساه طسوال السسسنوات الخمسس الماضسسيات‬
‫يعني لنا الكثير ‪ .‬فالموت في هذا المكان متوقع في كل لحظة ‪ ..‬وهسسو‬

‫إذا حدث خاتمة الحزان وباب الفرج ‪ .‬ووالله ما رأيت أحسسدا ً ممسسن خسسرج‬
‫إلسسى العسسدام كسسل هاتيسسك السسسنوات السستي قضسسيتها هنسساك اختلجسست لسسه‬
‫شعرة ‪ ..‬الكل كان إذا دنت ساعته مقبل ً غيسسر مسسدبر ‪ .‬وإذا طلبسسوه بسسادر‬
‫بنفسه يستبق إلى الباب رغبة منه بالشهادة ولقاء الله ‪.‬‬
‫بقرة أبي سليمان !‬
‫ومسسن المضسسحكات المبكيسسات السستي ل تسسزال عالقسسة بسسذاكرتي عسسن أيسسام‬
‫المحاكمات وحكاياتها أن أخا ً ممسسن عرضسوا علسسى المحكمسسة كسسان طبيبسا ً‬
‫بيطريا ً من منطقة الساحل السوري وكسسان يعمسسل فسسي قريسسة دريكيسسش‬
‫مسقط رأس سليمان الخطيسسب رئيسسس هسسذه المحكمسسة الهزليسسة ‪ .‬ولقسسد‬
‫حدث أن أهل سليمان الخطيب كسسانوا يربسسون البقسسار كمسسا يبسسدو ‪ .‬فلمسسا‬
‫مرضت إحداها أخذوها قدرا ً إلى ذلك الخ ليعالجها ‪ .‬لكنهسسا مسساتت بقسسدر‬
‫الله بعد ذلك ‪ .‬ودارت اليام وإذ بالطبيب البيطري يقف أمسسام القاضسسي‬
‫سليمان الخطيب نفسه ‪ .‬فلما عرفه اصفر واستفز وصاح فيه ‪:‬‬
‫آبتذكر يوم جبنالك البقرة وقتلتها ول ؟ روح بدي أعدمك ‪.‬‬
‫ولقد تم إعدام الخ المسكين بالفعسسل ‪ .‬وسسسمعنا القصسسة مسسن عسسدد مسسن‬
‫الخوة كانوا معه في نفس المهجع التقيناهم بعسسدها ‪ .‬سسسمعوا الروايسسة‬
‫من الطبيب وشهدوا بأنفسهم إعدامه رحمه الله !‬
‫ومما كان يتداوله السجناء عن عبثيسسة تلسسك المحكمسسة وسسسخافة رئيسسسها‬
‫ومزاجيتسسه أن أحسسد العسسسكريين السسذين كسسانوا يخسسدمون فسسي مدرسسسة‬
‫المدفعية بحلب أيام استشهاد النقيب ابراهيم اليوسف الذي نفذ حادثة‬
‫ُ‬
‫م سَر مسسع بقيسسة الضسسباط‬
‫المدرسسسة قبسسل ذلسسك بشسسهور ‪ .‬هسسذا العسسسكري أ ِ‬
‫والجنود في المدرسسسة بسسالمرور علسسى جثسسة النقيسسب المسسسجاة والبصسسق‬
‫عليها ‪ .‬ويبدو أن الخ امتنع عن التنفيذ أو أحجسسم أمسسام هيبسسة المسسوت ‪..‬‬
‫فاعتقلوه من ساعتها وساقوه من سجن إلى آخر لينتهي بسسه المطسساف‬
‫بين يدي النقيب سليمان الخطيب هذا في محكمسسة تسسدمر ‪ .‬فلمسسا سسسأله‬
‫لماذا امتنع عن تنفيذ المر العسكري أجسساب الخ بسسأنه لسسم يمتنسسع ولكسسن‬
‫ريقه كان ناشفا ً ‪ .‬فاتجه سليمان الخطيسسب إلسسى كسساتب المحضسسر وأمله‬
‫ليكتب ‪:‬‬
‫‪ ..‬وبصق وكانت بصقته ناشفة ‪ .‬إعدام !‬

‫وأعدم الخ كذلك ‪ ..‬وظلت القصة تدور على ألسنة السجناء واحدة مسسن‬
‫مهازل هسسذا النظسسام واسسستهتاره وظلمسسه ‪ .‬وشسساهدا ً علسسى سسسفاهة ذلسك‬
‫القاضي الدعي ومزاجيته وحقده ‪.‬‬
‫في انتظار الموت !‬
‫ومضسست اليسسام ‪ ..‬وبسسات المسسوت الن أدنسسى إلينسسا نحسسن السسذين حكمنسسا‬
‫بالعدام ‪ .‬وبعد شهرين ‪ ..‬وكما جرت العادة دوما ً نصسسبت المشسسانق مسسع‬
‫إطللسسة الصسسباح واسسستعد الجلدون ‪ ،‬وبسسدأت جمسسوع الشسسباب المسسؤمنين‬
‫تساق إلى حتفها ‪ .‬وفتح باب مهجعنا ونادى الشسسرطي اسسسم الخ السسذي‬
‫كان ثالثنا في المحكمة ‪ .‬لكن الذي حدث أنه رحمه اللسسه كسسان قسسد مسسات‬
‫قبل أسابيع قليلة بين أيدينا بعسسد أن غلبسسه السسسل وقضسسى عليسه ‪ .‬فعسساد‬
‫الشرطي ومن معه يخرجسسون سسسجناء آخريسسن مسسن المهسساجع المجسساورة ‪.‬‬
‫وأما أنا وما أن نادى الشرطي اسم الخ حتى خلت منيتي قد حضسسرت ‪.‬‬
‫وإذا كانوا قد نادوا عليه فأنا وإياه قد حكمنا فسسي يسسوم واحسسد ‪ ..‬وتنفيسسذ‬
‫الحكم ل بسسد وأن يكسسون فسسي نفسسس اليسسوم أيضسا ً ‪ .‬وهرعسست مسسن فسسوري‬
‫فصسسليت ركعسستي الشسسهادة علسسى عجسسل ‪ .‬وجعلسست أخلسسع عنسسي ملبسسسي‬
‫ليستفيد منها الخوة الخرون من بعدي ‪ ..‬ووقفت عند الباب متوجسسسا ً‬
‫أنتظر أن ينادوا علي ‪ .‬وجعل الخسوة يقسستربون منسسي واحسدا ً بعسسد الخسر‬
‫يودعونني ويثبتونني ‪ ..‬وراحت الخواطر تأخذني يسرة ويمنة ‪ ..‬وعبرت‬
‫صورة أهلي أمام ناظري فغصصت ‪ .‬وتسسوجهت إلسى اللسسه تعسالى أدعسسوه‬
‫بسري أن يلهمهم الصبر والسلوان ‪ ..‬وأن يجمعني معهسسم فسسي الجنسسة ‪.‬‬
‫وأخذت أسأله سبحانه أن يغفسسر لسسي ويتغمسسدني برحمتسسه ‪ ..‬وأنظسسر إلسسى‬
‫الباب أنتظر أن يفتح اللحظة ‪ .‬فسإذا مسرت قلست هسي اللحظسة التاليسة ‪.‬‬
‫لكن الوقت مر ‪ ..‬وانتهى تنفيذ الحكام ‪ ..‬وهسسدأت المسسور فسسي الخسسارج‬
‫ولم يأت أحد ‪ .‬فلم أجد إل أن أرتد إلسسى مكسساني كمسسا يرتسسد الغريسسق مسسن‬
‫غيبوبة الختناق إلى صحوة الحياة ‪.‬‬
‫وأيقنت أن في العمر بقية لم تزل ‪ ،‬وأن الجل لم يحسسن بعسسد ‪ .‬ومضسست‬
‫أسابيع أخسر ‪ ..‬واسستعدت سساحتنا لتشسهد مجموعسة جديسدة مسن أحكسام‬
‫العدام ‪ .‬وعاد الشرطي إلى مهجعنسسا فنسسادى الخ الخسسر حزيسسن قاسسسم‬
‫الذي حكم معي ‪ ..‬وساقوه إلى الموت وأنا عند الباب أنتظر دوري كمسسا‬
‫فعلت المرة السابقة ‪ .‬لكسسن أحسسدا ً لسسم يحضسسر لطلسسبي ‪ .‬وانتهسست عمليسسة‬
‫العدامات كذلك من غير أن أكون أحد ضحاياها ‪ .‬وأخسسذت كلمسسا سسسيقت‬

‫إلسسى العسسدام دفعسسة مسسن الخسسوة أكسسرر ذات الموقسسف طسسوال السسسنوات‬
‫الخمس التي تلت ! ل أشك في أي مرة منهن أن دوري قد حسسان الن ‪.‬‬
‫وأحس أن خطأ ما قد حدث في المرات السسسابقات ولسسسوف يصسسححونه‬
‫هذه المرة ويقودونني إلى أجلي ل ريب !‬
‫تقنين الطعام !‬
‫ومرت اليام والشهور ولسسم يحسسن الجسسل ‪ ..‬وخلل ذلسسك تسسم نقلسسي مسسن‬
‫مهجع ‪ 35‬إلى مهجع السل ‪ 37‬فالتقيت وجوها ً جديدة ‪ ،‬وتعرفسست علسسى‬
‫إخسسوة لسسم يسسسبق لسسي أن التقيتهسسم مسسن قبسسل ‪ .‬لكسسن الظسسروف كسسانت‬
‫متماثلة ‪ ،‬والمعاناة ظلت واحسدة ‪ .‬وزاد البلء حينمسا طبسق علينسا نظسام‬
‫تقنين الطعام ابتداء مسسن شسسهر أيلسسول ‪ 1986‬فصسسار نصسسيب أحسسدنا مسسن‬
‫الخبز نصف رغيف فقط بدل الرغيفين الذين كنسسا نحصسسل عليهمسسا فسسي‬
‫السسسابق ! وصسسرنا مسسن جوعنسسا نأكسسل قشسسرة الصسسمونة مسسع واحسسدة مسسن‬
‫الوجبات ونوفر العجيسسن بلّبهسسا السسذي لسسم ينضسسج للوجبسسة الثانيسسة بعسسد أن‬
‫اعتدنا في الفترة السابقة على رميه لنه يصيب آكله بوجع البطسسن ول‬
‫يقي من الجوع ‪ .‬لكنا مع شدة الحاجة صرنا نعجنسسه مسسع البصسسل والملسسح‬
‫ونوفره للوجبة التالية ‪ .‬ويوم أن كان يأتينا البرتقسسال كنسسا نقسسدمه علسسى‬
‫البصل فنمزجه بقشره مع العجين ‪ ،‬ونرش على الخليسسط مسسا تسسوفر لنسسا‬
‫من السكر ونحتفل به وكأنه طبق من الحلوى !‬
‫اليرقان‬
‫وهكذا انتشسسرت المجاعسسة فسسي السسسجن وازدادت المسسراض وتزايسسد عسسدد‬
‫الوفيات ‪ .‬حتى صرنا نودع في بعسسض الحيسسان أخ سا ً وأخسسوين كسسل يسسوم ‪.‬‬
‫وفي تلك الفترة وزيادة على البلءات التي نحن فيها دهمنا عن غير ما‬
‫موعد وباء اليرقان الكبدي ‪ ..‬فجعل الضحايا يتزايدون ‪ .‬ولخطسسورة هسسذا‬
‫الوباء دعت إدارة السسسجن رؤسسساء المهسساجع جميع سا ً إلسسى لقسساء مشسسترك‬
‫لتدارك المر ‪ .‬وكانت خشية الدارة في مثل هذه الحوال تنصسسب علسسى‬
‫المسسسؤولين وأفسراد الشسسرطة بالدرجسسة الولسسى ‪ .‬خوفسا ً علسسى أنفسسهم‬
‫وخشية من أن تطولهم العدوى إذا انتشرت فينا ‪ .‬ولقد وفق اللسسه أحسسد‬
‫المسؤولين الصحيين وقتها فأبدى قناعته بأن الوبسساء إنمسسا ينتشسسر عسسن‬
‫طريق الدم بالدرجة الولسسى ‪ .‬وأن ذلسسك يتسسم خلل الحلقسسة الجماعيسسة ‪.‬‬
‫ومن لطف الله أن إدارة السسسجن اقتنعسست بكلمسسه ‪ .‬فتقسسرر مسسن وقتهسسا‬

‫وقف الحلقة الجماعية ‪ .‬وتم تسليم رئيسسس كسسل مهجسسع ماكينسسة حلقسسة‬
‫يدوية ‪ .‬يكون مسؤول ً عنها وعن أمر الحلقة الدائمة لمهجعه ‪ .‬فرحمنسسا‬
‫الله من عسسذاب الحلقسسة مسسن يومهسسا ‪ .‬وخلصسسنا سسسبحانه مسسن بعسسض هسسذا‬
‫الضنك ‪.‬‬
‫منع الصيام‬
‫واستمرت المحنسسة تسسدور رحاهسسا مسسن غيسسر رحمسسة ‪ .‬ولسسم يعسسد لليسسام ول‬
‫السنوات في حياتنا معنى ‪ ..‬فالبرنامج اليومي ل يكاد يتغير ‪ .‬والعسسذاب‬
‫والمعاناة ل تترك لواحدنا فرصة التقاط النفاس ‪ .‬والقتل والعسسدامات‬
‫قتلت فينا شهوة الحياة وأطفأت معنى المسسستقبل لسسدينا ‪ .‬وهكسسذا حسسل‬
‫عام ‪ 86‬متصل ً بمأساة العوام التي سبقته وواصل ً إياها لما بعسسده مسسن‬
‫أعوام تلت ‪ .‬وفي بدايسسة ذلسسك العسسام كسسان قسسد جسسرى نقلسسي إلسسى مهجسسع‬
‫المسلولين ‪ 29‬في الباحة السابعة وصرت رئيسا ً له منذ ذاك ‪ .‬ولم يكن‬
‫في السساحة الستي عليهسا المهجسع إل مهجسع ثسان فقسط هسو مهجسع ‪30‬‬
‫إضافة إلى المستوصف السسذي تسسم تخصيصسسه للسسسجناء الشسسيوعيين كمسسا‬
‫ذكرت ‪ .‬فكان نصيبنا من التنفس مضاعفا ً ‪ .‬وبسسدل أن يكسسون مسسرة فسسي‬
‫اليوم كما جرت العادة فقد أصبح مرتين الن صبحا ً ومساء ‪ .‬ساعة فسسي‬
‫كل مرة بدل أن تكون نصف ساعة كما سسسبق ‪ .‬وهسسذا يعنسسي مزيسسدا ً مسسن‬
‫العنت والقتل والتعرض لذى الشرطة المتربصين ‪.‬‬
‫ولقد اشتد أذى الشرطة في تلك الفترة زيادة عمسسا هسسو عليسسه وتمسسادوا‬
‫فسسي عسسدوانيتهم ‪ .‬فكنسسا إذا خرجنسسا إلسسى التنفسسس فسسي الصسسباح أو فسسي‬
‫المساء جهزنا أنفسنا لحفل كامسل مسسن التعسذيب ينتظرنسسا ‪ .‬ولكسسم كسسان‬
‫يحلو لهؤلء الزبانية أن يبطحوا واحدا ً منا على الرض ويأخسسذوا بسسالقفز‬
‫على ظهره أو على صدره بل رحمة ‪ .‬ولكسسم تكسسسرت أضسسلع إخسسوة منسسا‬
‫في هسذا النسوع مسن التعسذيب ‪ .‬ول أنسسى كيسف قسام واحسد مسن هسؤلء‬
‫الموتورين مرة بإخراج عضوه على مرأى الناس جميعا ً وأخذ يبول علينا‬
‫ونحن جالسين القرفصاء بيسسن يسسديه فسسي موعسسد التنفسسس ! وأمسسا الجلسسد‬
‫والضرب والمسبات البذيئة فهذه كلها لم تعد تدخل في الحساب لنهسسا‬
‫جزء لزم من حياتنا على مدار السنوات التي خلت ‪.‬‬
‫ومما ل يزال واضحا ً في ذاكرتي عن ذلك العام أنهم منعوا فيه الصسسيام‬
‫عنسسا فسسي رمضسسان لول مسسرة ‪ .‬فمسسن قبسسل كسسانوا يسسأتون لنسسا بالسسسحور‬

‫والفطور بدل وجبات الطعام المعتادة ‪ .‬لكنهم وابتداء من رمضان عسسام‬
‫‪ 1986‬امتنعوا عن ذلك ‪ .‬وصارت الوجبات الثلث على فقرها تأتينا في‬
‫مواعيسسدها العاديسسة ‪ .‬وصسسار ممنوعسسا ً ادخسسار الطعسسام إلسسى الفطسسور أو‬
‫السحور ‪ .‬فإذا أحسوا أن أحدنا صسسائم أخرجسسوه وقتلسسوه قيام سا ً وقعسسودا ً‬
‫وأجبروه على الفطار ‪ .‬وهكذا صرنا ممنوعين من الصلة ومن الصسسيام‬
‫معا ً ‪ .‬وزادنا الزبانية بذلك هما ً جديدا ً وقهرا ً وعذابا ً من نوع آخر ‪.‬‬
‫كذلك يحضرني مسسن ذكريسسات عسسام ‪ 1986‬المريسسرة إعسسدام العميسسد أحمسسد‬
‫غنوم الذي اعتقل منذ عام ‪ 1980‬وظل طوال تلك السنين يعاني عذابا ً‬
‫مضاعفا ً من الشسسرطة الحاقسسدين السسذين كسسانوا يتلسسذذون بتعسسذيبه رحمسسه‬
‫الله ‪ ،‬ويحسون بالنشسسوة وهسسم يسسرون إنفسسسهم يتحكمسسون بهسسذه الرتبسسة‬
‫العسكرية العالية وهم مجرد أفراد مجندين في التسلسل العسكري ‪.‬‬
‫اختناق‬
‫ومع اشتداد الكرب وتوافسسد المزيسسد مسسن السسسجناء علسسى المهسساجع السستي‬
‫اكتظت بنزلئها حدثت في شهر آب من عسسام ‪ 87‬حادثسسة مسسثيرة ‪ .‬ففسسي‬
‫هسساب ارتفعسست الحسسرارة بشسسكل غيسسر‬
‫ذلسسك الشسسهر السسذي يسسسمونه آب الل ّ‬
‫معقسسول فسسي السسوقت السسذي كسسانت التهويسسة فسسي المهسساجع منعدمسسة‬
‫والشراقات والنوافسذ تجلسسب المزيسسد مسسن السسخونة ول تقسي مسن وهسسج‬
‫الشمس شسسيئا ً ‪ ،‬ممسا تسسبب فسسي حادثسسة اختنساق جمساعي كسادت تسودي‬
‫بأرواح العشرات ‪.‬‬
‫ولقد بسدأ الختنساق وقتهسا فسي مهجسع السسل ‪ 36‬قبيسل المغسرب وأخسذ‬
‫السجناء الذين شارفوا على المسسوت يقرعسسون البسساب وينسسادون الحسسرس‬
‫وقد طاشت منهم العقول وشارفوا على الهلك ‪ .‬فلما أتوا يسسسألونهم‬
‫عم حدث صاحوا فيهم أنهم يختنقون ‪ .‬لكن الشرطة لسسم يأخسسذوا المسسر‬
‫مأخذ الجد وتلكأوا في الرد عليهم ‪ .‬ففقد السجناء المساكين عقسسولهم‬
‫وقسسد قسساربوا أن يفقسسدوا أرواحهسسم جميعسسا ً ‪ ،‬وأخسسذوا يقرعسسون البسساب‬
‫ويدقون على الجدران ويرفعون أصواتهم بالصراخ والمسبات ‪.‬‬
‫وسرعان ما صدرت الوامر للشسسرطة فانتشسسروا علسسى أسسسطحة مهسساجع‬
‫الباحة كلها ‪ ،‬وسلطوا الرشاشات الكبيرة ‪ 500‬مم على المهجع خشسسية‬
‫أن يتطور المر إلى تمرد أو عصيان جماعي ‪ ،‬ثم فتحوا الباب للسسسجناء‬
‫ليخرجوا إلى الباحة ‪ .‬وما أن فعلوا حتى اندفع الخوة من غير وعسسي ل‬

‫يلوون على شسسيء ‪ .‬وارتمسسوا علسسى الرض يتلسسوون ويتقيسسأون ‪ .‬وحضسسر‬
‫طبيب السجن وقتها وتأكد من جدية المر ‪ .‬ولسسم يلبسسث أن صسسدر المسسر‬
‫بإخراج سجناء المهاجع كلهم إلى الباحات تفاديا ً لتكرار المسسر ‪ .‬وبقينسسا‬
‫يومها في الهواء الطلق حتى قرابة الساعة الثانية بعسسد منتصسسف الليسسل‬
‫قبل أن يعيدونا إلى مهاجعنا ‪ .‬ومن يومها وعلى مدى أسبوعين تسساليين‬
‫ظللنا نخرج إلى التنفس مرتين في اليوم مسسن غيسسر ضسسرب أو تعسسذيب ‪.‬‬
‫وسمحوا لنا وقتها أن نرش أرض الباحة السمنتية بالماء للتخفيف مسسن‬
‫حدة الحر ‪ .‬ثم لم تلبث هذه الستثناءات أن انتهت ‪ .‬وعدنا إلى برنامسسج‬
‫المعاناة نفسه ‪ .‬فنجونسسا مسسن الحسسر القاتسسل ومسسن الختنسساق ولكسسن إلسسى‬
‫حين !‬
‫تنقلت‬
‫مضت أيام قليلة على حادثة الختناق تلك لراني أنقل من مهجع السل‬
‫‪ 29‬إلى مهجع جديد للصحاء بنوه أمام مهجع ‪ 25‬في الباحسسة السادسسسة‬
‫أطلقنا عليه اسم "جديد ظهره" ‪ .‬فوجدتني في مساحة غرفسسة ونصسسف‬
‫محشورا ً مع مائة وعشرين سجينا ً نكاد من شدة الزحام أن نجلس فوق‬
‫بعضنا البعض !‬
‫ولقد تم اختياري رئيسا ً لهذا المهجع أول ما دخلناه ‪ .‬فلما رأيت الحالة‬
‫على هذا الشكل اندفعت مع أول وجبسسة طعسسام يحضسسرونها إلينسسا وقلسست‬
‫للمسسساعد أن العسسدد كسسبير هنسسا ‪ .‬ومسسن غيسسر أن يجيبنسسي بشسسيء مضسسى‬
‫المساعد وأرسل الشرطة بعد قليل فأخرجوني وأطعموني قتلة قيامسسا ً‬
‫وقعودا ً رجعت منها إلى المهجع محمل ً !‬
‫لكن الحر لم يكن ليرحمنا ‪ ..‬والمكان يطبق علينا بجدرانه الصماء فكأنه‬
‫القبر ‪ .‬ولم تمض أيام قلئل حتى طفح الكيل بنا وفقدنا القسسدرة علسسى‬
‫التحمسسل ‪ .‬وجعلنسسا قرابسسة منتصسسف الليسسل ننسسادي الشسسرطة ونسسدق البسساب‬
‫ونقفز نحو النوافذ نكاد نختنق ‪ .‬وعاد الشسسرطة فأخرجونسسا إلسسى الباحسسة‬
‫ساعة زمن ثم أعادونا ‪ .‬ثم لم يلبثوا وأن عادوا وطلبوا عشرين شسخص‬
‫منا ليغادروا إلى مهجع آخر فكنت في طليعتهسسم ‪ .‬ووجسسدتهم يقودوننسسا‬
‫إلى مهجع ‪ 28‬في نفس الباحة ‪ .‬فكانت فرصة لي للنجاة من الزدحام‬
‫من جهة ‪ ،‬والتعرف على إخوة جدد من ناحية أخرى ‪ .‬كان مسسن أبرزهسسم‬

‫الشسسيخ محمسسد سسسعيد عطسسا أحسسد تلميسسذ الشسسيخ محمسسد سسسعيد رمضسسان‬
‫البوطي ‪ .‬فاستفدت من علمه ومن صحبته ‪.‬‬
‫كذلك التقيت في مهجع ‪ 28‬رجل ً من بيت العطار من حلب وجدت‬
‫الخوة يجهدون في مداراته وخدمته والتخفيف عنه ‪ .‬ولم ألبث أن‬
‫وقَ ولديه الثنين إلى العدام أمامه‬
‫أعلموني أن المسكين شهد َ‬
‫س ْ‬
‫وهما في مقتبل العمر ‪ .‬وما زاده ذلك إل إيمانا ً وتسليما ً‬

‫مغادرون ‪ ..‬وقادمون !‬
‫ولم تطل إقامتي في مهجع ‪ 28‬كذلك ‪ ،‬فلم ألبث أن نقلسست مسسن جديسسد‬
‫إلى مهجع السل ‪ 18‬في الباحة الرابعة فكانت محطسسة قصسسيرة أخسسرى ‪،‬‬
‫حدث خللها أن قامت إدارة السجن بنقل الشيوعيين ومجموعسة أخسرى‬
‫من السجناء الحداث إلى سجن صيدنايا الذي بني حسسديثا ً وقتهسسا ‪ .‬فلمسسا‬
‫خل المستوصف من الشيوعيين ُنقلت إليه مسسع مجموعسسة مسسن السسسجناء‬
‫الخرين ‪ .‬ثم لم نلبث فسسي هسسذه الفسسترة العصسسيبة أن تنسساهى لسسسماعنا‬
‫وصسسول دفعسسة جديسسدة مسسن المعتقليسسن حلسسوا بسسدل ً عسسن المغسسادرين إلسسى‬
‫صيدنايا ‪ .‬ولقد بلغنا أن الوافدين الجدد اتهموا بحسسوادث تفجيسسر باصسسات‬
‫وقطارات وقتها ‪ ،‬وأن عددهم كان بيسسن السسستين والسسسبعين ‪ ،‬عزلسسوهم‬
‫كلهم في مهجع مستقل وسلطوا عليهم أشد أنواع العذاب حتى قضى‬
‫عدد منهم حتفه ‪ .‬ولقد كنا نسمع أصواتهم وهم يعذبون ونتلقسسى نتفسسا ً‬
‫من أخبارهم من هنا وهناك ‪ ،‬غير أننسسا لسسم نلتسسق بهسسم ولسسم نعسسرف عسسن‬
‫مصيرهم شيئا ً مؤكدا ً بعد ذلك ‪.‬‬
‫وبعد أن مكثت هناك فترة تم نقلي ثانية إلى مهجع ‪ . 29‬ثسسم لسسم ألبسسث‬
‫أن نقلت مرة أخرى إلى مهجع ‪ . 28‬وبعد حوالي خمسة أو ستة أشسسهر‬
‫تالية نقلت من جديسسد إلسسى مهجسسع ‪ 22‬فسسي الباحسسة الرابعسسة ‪ .‬وفسسي هسسذا‬
‫المكان تعرضت إلى محنة جديدة كدت أن أفقد حياتي بسببها وقتذاك ‪.‬‬
‫ورأيت من الهوال هناك ما كاد ينسيني كسل هسسذا السسذي رأيسست وعسسانيت‬
‫من قبل !‬

‫حتى في المنام !‬
‫كسسانت السسسابيع الولسسى السستي أمضسسيتها فسسي مهجسسع ‪ 22‬كالواحسسة السستي‬
‫ده التعب في صحراء قاحلة ‪ .‬فمن قبسسل‬
‫فاجأت عابرا ً أنهكه العطش وه ّ‬
‫كنا في المهاجع الخرى معرضين ليل نهار لمراقبة الشرطة من فسسوق‬
‫الشراقات ‪ .‬ولسم نكسن بسذلك نسأمن شسرورهم بسسبب كسان أو مسن غيسر‬
‫سبب ‪ .‬فلما جئت مهجع ‪ 22‬وجدته من غيسسر شسسراقات ‪ .‬ووجسسدتنا علسسى‬
‫الرغم من الشدة المحيطة وسوء الحوال نغتنم هسسذه الفرصسسة ونتنعسسم‬
‫بهسسا أيمسسا تنعسسم ‪ .‬فوقتهسسا اسسستطعنا مسسن أن نعسسود إلسسى صسسلة الجماعسسة‬
‫ونؤديها بشكل طبيعي بعد أن حرمنا ذلسسك كسسل هاتيسسك السسسنين ‪ .‬وصسسار‬
‫أحدنا إذا أراد أن يتحدث في الوقات التي ل يتردد الشرطة فيها علينسسا‬
‫وقف وتكلم وأنصت له الباقون وحاوروه وشاركوه ‪.‬‬
‫كذلك كانت تلك الفترة استثنائية بالنسسسبة لتسسوفر الطعسسام أيض سا ً ‪ .‬فلسسم‬
‫يكن عددنا قد جاوز الستين ولكننا كنا نتلقسسى طعامسا ً مخصصسا ً لحسسوالي‬
‫المائة والخمسين وفق ما اعتاد الشرطة أن يحشروا فسي هسذا المهجسع‬
‫وفي سواه ‪ .‬ولقد تسسم اختيسساري رئيس سا ً للمهجسسع ‪ 22‬أيض سا ً مسسن أول مسسا‬
‫وصلت إليه ‪.‬‬
‫لكن هذه النعم لم تطل ‪ .‬ومع اشتداد الحوال في السسسجن عسسام ‪1988‬‬
‫وازدياد الوامر صرامة وقسوة فوجئنا بالدارة تقرر فتح شراقتين في‬
‫سقف المهجع ‪ 22‬أسوة ببقية المهاجع الخرى ‪ .‬وعاد التنفسسس ليصسسبح‬
‫مرتين في الصبح وفي المساء ‪ .‬ومع كل موعد تنفس حفسسل تعسسذيب ‪..‬‬
‫ومع كل فتحة باب للتفقد أو لدخال الطعام حفل آخر ‪ .‬ولسسم تلبسسث أن‬
‫صدرت إلينا الوامسسر لول مسسرة خلل فسسترة سسسجننا بالكامسسل أن نغطسسي‬
‫أعيننا ونحن نيام ! وألزمونا أن يحتفسسظ كسسل منسسا بطماشسسة دائمسسة معسسه‬
‫ليغطي بها عينيه حين النوم ‪ .‬علوة على أن يكسسون النسسائم دائم سا ً علسسى‬
‫جنبه باستمرار ‪ .‬فعدنا بذلك إلى وضعية النكشاف المسسستمر للشسسرطة‬
‫الذين يتجولون فوق المهاجع باستمرار ‪ .‬وصار واحدهم إذا شسساهد مسسن‬
‫الشراقة أحدا ً منا يتقلب في الليل خلل نومه أو يتحرك حتى ولسسو مسسن‬
‫غيسسر إرادتسسه صسساح بسسالحرس الليلسسي أن يسسوقظه ويعّلمسسه ‪ .‬فسسإذا أصسسبح‬
‫المسكين كان الشرطي وعذاب ل يعلمه إل الله في انتظاره !‬

‫ولكم كان الشرطي يطل على المهجع بعد منتصف الليسسل يتصسسيد أحسسدا ً‬
‫يشبع فيه تشهيه للقتل والتعذيب ‪ .‬فإن لم يجد كسسان أسسسهل مسسا يكسسون‬
‫عليه أن ينادي على الحرس الليلي ويأمره أن يعل ّسسم نفسسسه ! بسسل إنهسسم‬
‫كانوا يحضرون في الصباح ويسألون رئيس المهجع أين المعّلسسم ‪ .‬فسسإن‬
‫لم يكن الشرطي قد عّلم أحدا ً ليلتها قالوا لسسه ‪ :‬أخسسرج الحسسرس الليلسسي‬
‫مسسن سسساعة الثانيسسة عشسسرة إلسسى الواحسسدة مثل ً ‪ .‬فيخرجسسونه ويتسسسلون‬
‫بتعذيبه وضربه من غير أي سبب ‪.‬‬
‫وضسساعف الشسسرطة مسسن ترصسسدهم للمصسسلين ‪ .‬وصسسار أمسسرا ً اعتيادي سا ً أن‬
‫يخرجوا رئيس المهجع ويسألونه عسسن أسسسماء السسذين ل يزالسسون يصسسلون‬
‫عنسسده ‪ .‬ولقسسد حسسدث ذلسسك معسسي مسسرات عديسسدة ‪ .‬فسسأخرجوني وسسسألوني‬
‫وضربوني لقدم لهم أسماء من يصلي أو ي ُدَّرس في المهجع !‬
‫طلق بالكراه‬
‫ومن مشاهد تلك الفترة التي ل تزال تحضرني قصة طبيب أسنان مسسن‬
‫دمشق اسمه رضوان العمر استدعوه بعسد حسوالي تسسع سسنوات مضست‬
‫على اعتقاله وأمروه في الذاتيسسة أن يوقسسع علسسى ورقسسة طلق زوجتسسه ‪.‬‬
‫وذعر الخ ‪ ..‬ورفض أن يفعل ‪ .‬لكن جلسة التعذيب التي أتبعسست رفضسسه‬
‫جعلته يوافق مكرها ً ‪ .‬فكانت من ثسسم القاصسسمة لسسه ‪ .‬ووجسسد نفسسسه بعسسد‬
‫هذي السنوات يفقد زوجه وطفله من غير إرادته ومسسن دون أن يعسسرف‬
‫السبب ‪ ،‬ومن قبلهما فقسسد شسسبابه وحريتسسه مسسع ألسسوف مسسن خيسسرة أبنسساء‬
‫الوطن مثلسسه ‪ .‬ول أدري مسسا السسذي حسسل بسسالخ بعسسدها ‪ ،‬لكسسن آثسسار محنتسسه‬
‫الخيرة تلك نزلت عليه كانت أثقل ربما من كل ما نزل به طوال سسسني‬
‫اعتقاله ‪ .‬ولم يكن له ول لنا أمام ذلك كله إل التسليم والحتساب‬
‫الفأرة !‬
‫ولقد كان أمرا ً شائعا ً منذ بدايات أيامنسسا فسسي تسسدمر أن يأمرنسسا الجلدون‬
‫بتناول بقايا الطعام من بين القمامة وأكلها عنوة ‪ ،‬أو التقاط ذبابسسة أو‬
‫صرصار يصادفنا في الباحة وابتلعسسه ‪ .‬ولسسم يكسسن بعضسسهم ليتسسورع عسسن‬
‫البصاق على الرض وإجبار واحد من السجناء على لحس بصاقه بعسسده ‪.‬‬
‫لكننا وعندما حان موعد الطعام في يسسوم مسسن أيسسام عسسام ‪ 1989‬ووصسسل‬
‫الدور على مهجع ‪ 18‬المقابل لمهجعنا على الباحة الرابعة سمعنا لغطا ً‬
‫من هناك أثار انتباهنا ‪ .‬فأسرعت كعسسادتي وجعلسست أسسسترق النظسسر مسسن‬

‫شق في باب المهجع أسسستطلع المسسر ‪ .‬فرأيسست الشسسرطة منكسسبين علسسى‬
‫رئيس المهجع من بيت خريطة من الزبداني ‪ -‬وكان نقيبسا ً فسي الجيسش‬
‫قبسسل اعتقسساله ‪ -‬يضسسربونه ويركلسسونه وهسسو عسساري الصسسدر بيسسن أيسسديهم‬
‫ويأمرونه بابتلع شيء بالكراه يحمله بيده ‪ .‬فلما دققت النظر وجدتها‬
‫فأرة ميتة ينهالون عليه ضربا ً ويجلدونه واحدا ً بعد الخر وهسسم يسسأمرونه‬
‫أن يبتلعهسسا ‪ .‬والخ المسسسكين برغسسم كسسل هسسذا العسسذاب ل يسسستطيع أن‬
‫يفعل ‪ .‬حتى إذا اشتد عليه الضرب وأرهقه الجلسسد وخسسارت قسسواه دسسسوا‬
‫الفأرة في فمه دسا ً وبلعوه إياها ورموا به في المهجع ‪ .‬وكسسان يتسسولى‬
‫كبر هذه العملية شرطي منهم كان يسمي نفسه أبا غضب ‪ .‬وكان أشد‬
‫ما يحلو له أن يصفع الواحد منا بكفه السستي تملسسؤ قسسدرا ً وتفيسسض فيكسساد‬
‫يخرق له طبلة أذنه وهو يقول بانتشاء ‪ :‬خذها من أبي غضب ول !‬
‫ولم تمض مسسن الزمسسن برهسسة حسستى دق رئيسسس مهجسسع ‪ 18‬البسساب وأخسسبر‬
‫الشرطة بشيء لم أفهمه تماما ً ‪ .‬لكنني عسسدت وسسسمعت أصسسداء حسسديث‬
‫يدور حول الفأرة ‪ .‬وفي المساء حضر أبسسو غضسسب إلسسى مهجعنسسا ونسسادى‬
‫على المسؤول الصحي لدينا وكان الخ غسان عبد البسساقي مسسن حمسساة ‪،‬‬
‫وسأله ما الذي يمكن أن يحدث للنسان إذا أكسسل فسسأرة ‪ ..‬هسسل يمسسوت ؟‬
‫وقتها لم يجد الخ إل أن يتملص من الجابة ويقول له ل ‪ .‬قسال لسه أبسو‬
‫غضب ‪ :‬انقلع ‪ .‬وأقفل الباب ومضى ‪ .‬ولسسم نتسسبين مسسا السسذي جسسرى للخ‬
‫بالتحديد ‪ ،‬لكننا أدركنا أن ضررا ً أصابه ‪ ،‬وأنه لم يكسسن بالضسسرر المعتسساد ‪.‬‬
‫المر الذي جعلهم يعطون المر بعض الهمية فيسألون ويستفسرون !‬
‫إلى المزبلة !‬
‫وهكسسذا لسسم ينقطسسع العسسذاب أبسسدا ً ‪ .‬ولسسم يتوقسف الرهسساب والضسسغوطات‬
‫النفسية ل في الليل ول في النهار ‪ .‬ولم يعد واحسسدنا ينعسسم بسسأدنى حسسد‬
‫من الراحة حسستى ولسسو فسسي المنسسام ‪ .‬فكسسادت النفسسوس أن تنهسسار ‪ ،‬وبلسسغ‬
‫الصبر فينا منتهاه ‪ .‬وانتهى الحال ببعضنا أن فقد عقله أو كسساد ‪ .‬وفسسي‬
‫ليلة باردة من ليالي شسسهر كسسانون الول مسسن عسسام ‪ 1989‬صسسحونا علسسى‬
‫صوت أحد السجناء من مهجع ‪ 20‬القريب يصيح ويشتم الشرطي بملسء‬
‫فمسسه ‪ .‬وسسسرعان مسسا حضسسر عسسدد مسسن الشسسرطة العسسسكرية نحسسس وقسسع‬
‫أقدامهم ونسمع أصواتهم ونادوا عليه يسألونه ‪:‬‬
‫شو مالك ول ؟‬

‫ولم يكن الحوار كله واضحا ً لنا ‪ ،‬لكننا سمعناهم يأمرون رئيس المهجسسع‬
‫أن يربط الخ ويضعه في "البخشسة" وهسو الحمسام كمسا كسانوا يطلقسون‬
‫عليه ‪ .‬وفي الصباح جاء مساعد السجن محمد نعمة فأخرجه ورماه إلى‬
‫الزبانية الذين وضعوه في الدولب أمام المهجسسع وانهسسالوا عليسسه ضسسربا ً‬
‫جعله يهز الباحة بصراخه واستغاثته ‪ .‬وعندما أتى وقت التفقد أخرجوه‬
‫مرة ثانية وجعلوا يضربونه ويعفسونه حتى لم يعد يبلغنسسا منسسه ل صسسوت‬
‫ول حركة ‪ .‬ثم أمروا رئيس المهجع أن يدخله ‪ .‬وبعد قليسسل قسسرع رئيسسس‬
‫المهجع الباب وأبلغهم ‪ -‬ونحن نسمعه بآذاننا ‪ -‬أن واحدا ً في مهجعه قد‬
‫توفي ‪ .‬فلم يزيدوا أن قالوا له ‪ -‬والله ‪: -‬‬
‫خذوه وكبوه في الزبالة !‬
‫ورأيتهم من شق الباب يسحبون الخ ويمضون به ‪ ..‬فيما مضى القتلسسة‬
‫إلى برنامجهم المعتسساد مسسن غيسسر أن يهسستز لهسسم طسسرف أو تختلسسج فيهسسم‬
‫عضلة !‬
‫انهيار‬
‫ومع تزايسسد الضسسغوط وبلسسوغ البطسسش السسذي ننسساله مسسن الشسسرطة حسسدا ً ل‬
‫يوصف ظهرت بيننا حقيقة المر حالت من النهيار النفسسسي لسسم تكسسن‬
‫تدل على ضعف أصسسحابها قسسدر دللتهسسا علسسى درجسسة التعسسذيب الوحشسسي‬
‫والمعاناة المرة التي تتنزل علينا جميعسا ً حسستى تفتسسن منسسا عسسن دينهسسم ‪.‬‬
‫وفي هذا الصدد أذكر تمام سا ً أن واحسسدا ً مسسن السسسجناء رفسسض ذات صسسباح‬
‫أيقظوه فيه للصلة أن يفعل ‪ .‬وأخذ الخ ‪ -‬غفر الله له ‪ -‬المسسر موقفسسا ً‬
‫من يومها ‪ .‬وصار على الرغم من خلفيته الثقافية العالية يجيب سائليه‬
‫بأن الله قال ) إن تنصروا الله ينصركم ( ‪ .‬وها نحن نصرناه فلسسم يجبنسسا‬
‫وينتصر لنا فلماذا الصلة إذا ً ؟‬
‫وعلى الرغسسم مسسن فظاعسسة القسسول ومسسا تبعسسه ‪ ،‬ومسسع أن كسسل السسذين لسسم‬
‫يتزلزلوا عن إيمانهم بالله ولم يحيدوا عن إسلمهم كانوا يعانون نفس‬
‫معاناة ذلسسك الخ ويعيشسسون المحنسسة مثلسسه ‪ ،‬إل أننسسا عسسذرناه ودعونسسا لسسه‬
‫بالثبات والهداية ‪ .‬فإذا كسان الفقسسر وحسسده كفسرا ً أو يكسساد ‪ ،‬فكيسسف بكسسل‬
‫نوازل الفقر والقهر والعذاب والجوع والرعسسب تتنسسزل علسسى تلسسك الفئة‬
‫العزلء من غير حول لها ول قوة طيلة عشر سنوات !‬

‫‪ 350‬جلدة !‬
‫لم يمض أسبوع علسسى الجريمسسة الخيسسرة للزبانيسسة فسسي مهجسسع ‪ 20‬حسستى‬
‫وقعت محنستي أنسا ‪ .‬فبينمسا كنست وبساقي الخسوة فسي المهجسع حسوالي‬
‫الساعة العاشرة صباحا ً من يسسوم ‪ 20/12/89‬حضسسر واحسسد مسسن الشسسرطة‬
‫العسكرية وناداني وقال ‪:‬‬
‫رئيس المهجع لهون ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬حاضر سيدي ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬شو هالصوت عندك ول ؟‬
‫قلت ‪ :‬ما في عندي صوت سيدي ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬ل الصوت عالي عندك ‪.‬‬
‫وطي الصوت ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬حاضر سيدي ب ِن ْ َ‬
‫ومن غير أن يزيد الكلم عن هذه العبارات حرفا ً واحدا ً وجسسدته يبسسادرني‬
‫ويقول ‪:‬‬
‫أنا بدي أعمل هيك وهيك من أمك ‪ .‬شو ؟‬
‫فلمسسا أردت أن ألسستزم الصسسمت وأدع السسستفزاز يمسسر عسساد وسسسألني‬
‫باستفزاز أشد يريدني أن أجيب فأقع في حبال مكره ‪:‬‬
‫شو ؟‬
‫قلت ولم يعد أمامي بد من الجابة مكررا ً ما قال حرفيا ً ‪ :‬أنا بدي أعمل‬
‫هيك وهيك من أمك ‪.‬‬
‫فصعق الزنيم وصاح وهو ل يكاد يصسسدق مسسا يسسسمع ‪ :‬أنسست عسسم بتسسسبني‬
‫يا ‪....‬‬
‫قلت أحاول أن أطفىء جهنم هذه التي اشتعلت في قلبسسه السسسود ‪ :‬ل‬
‫سيدي ‪ .‬أنت قلت لي أن أعيد وراءك ففعلت !‬

‫فتركني هكذا مكاني وذهب مهرول ً إلى الذاتية ‪ ،‬ليعود بعد بضع دقسسائق‬
‫ومعه المسسساعد وجمسع مسن الشسسرطة يحمسسل أحسدهم السسدولب ‪ .‬وتقسدم‬
‫الرقيب مني وسألني عم حدث فأخبرته ‪ .‬فقال لي مستهزئا ً ‪:‬‬
‫انزل في الدولب إذا ً فهذا لن يضرك ‪.‬‬
‫فلم أجد مفرا ً من النصسياع ‪ .‬ومسا أن نزلست فسسي السدولب حستى نزلست‬
‫العصي والسياط علي ‪ .‬وبدأت أصسسيح وأصسسيح وأصسسيح ‪ ..‬واللسسم ينهسسش‬
‫جلدي ولحم قدمي اللتين تفتحتا تحت الضرب حتى لم أعد أحسسس بهمسسا‬
‫آخر المر ‪ .‬وعندما بلغت الضربات حوالي ‪ 350‬جلسسدة أطلقسسوني ‪ .‬فلسسم‬
‫أسسستطع العسسودة إلسسى المهجسسع إل زحف سا ً ‪ .‬وارتميسست علسسى أقسسرب جسسدار‬
‫وصلت إليه وأنا أكاد أغيب عن الوعي ‪.‬‬
‫"فرخ راتب" !‬
‫غير أن وقت التفقد في المهجع لم يلبث أن حان ‪ .‬وكان المفروض أن‬
‫أنهض وأقدم الصسف باعتبسساري رئيسس المهجسع ‪ .‬فلمسا لسسم أقسدر تسسولى‬
‫نائبي الخ عماد ذلك وقدم الصسسف ‪ .‬لكنهسسم ولمسسا لسسم يجسسدوني أمسسامهم‬
‫سسسألوه عنسسي فسسأخبرهم أننسسي مريسسض ‪ .‬فسسأمروه أن يخرجنسسي إليهسسم ‪.‬‬
‫فحملني الخوة حمل ً ووضسعوني أمسسام الشسسرطة لينهسسال الزبانيسة علسسي‬
‫ضربا ً وركل ً من جديد ‪ .‬ويأمرونني أن أخرج لمثل هذا اللقاء كل يوم ‪.‬‬
‫ومن يومها صار لزاما ً علي أن أنال ثلث وجبات من العذاب يوميا ً علسسى‬
‫أقل تقدير ‪ .‬وفق عدد المرات التي يفتح علينا الباب فيها ‪ .‬وعسسدا ذلسسك‬
‫تولى في الليل أمري شرطي آخر كنا نسسسميه "فسسرخ راتسسب" لنسسه أتسسى‬
‫فسسي صسسوته وشراسسسته علسسى شسساكلة شسسرطي آخسسر سسسبق وعانينسسا مسسن‬
‫عدوانيته وجبروته عام ‪ 84‬اسمه راتب ‪ .‬فجاء "فرخ راتب" هذا أول مسسا‬
‫جاء ليلتها وسأل أين رئيسسس المهجسسع ‪ .‬فقسسالوا لسسه أنسسه مريسسض ونسسائم ‪.‬‬
‫فأمرهم بإيقاظي ‪ .‬فلما وقفت بيسسن يسسديه أمرنسسي أن أتسسولى الحراسسسة‬
‫الليلية حتى الصسسباح ‪ .‬وكسسانت العسسادة أن يسسوزع رئيسسس كسسل مهجسسع هسسذه‬
‫المهمة على عدد مسسن السسسجناء ليكسسون نصسسيب الواحسسد منهسسم سسساعة أو‬
‫ساعتين من الحراسة وحسب ‪ .‬لكنه ألزمني بتولي المهمة كلها طسسوال‬
‫الليل ‪ .‬وانتهت نوبة "فسرخ راتسسب" عنسسد السسساعة الواحسسدة بعسد منتصسسف‬
‫الليل ‪ .‬وبقيت أنا أغالب النوم وأجتر اللم وأسسسأل اللسسه الفسسرج ‪ .‬وعنسسد‬
‫الساعة الرابعة حضر "فرخ راتب" لنوبته الجديدة ونادى ‪:‬‬

‫حرس ليلي ‪.‬‬
‫فقفز قلبي من مكانه وناديت مجيبا ً ‪ :‬حاضر ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬اشلح بالشورت ‪.‬‬
‫ففعلت وأنا أستعيذ الله بسري من شره ومكره ‪ .‬فلما فعلت أمرني أن‬
‫أوقظ مساعدي ‪ ،‬فأيقظته ‪ .‬فقال "فرخ راتب" لي ‪:‬‬
‫اجلس جاثيا ً ‪.‬‬
‫فجلست ‪ .‬وأمر نائبي عماد أن يمل بيدونا ً بالماء ويصسسبه فسسوقي ‪ .‬فلسسم‬
‫يجسسد الخ إل أن يطيسسع ‪ .‬وتكسسرر المسسر ‪ ،‬ون ّ‬
‫فسسذ الخ ‪ .‬وفسسي تلسسك الليلسسة‬
‫الباردة من شهر كانون الثاني صب "فرخ راتسسب" علسسي سسبعة بيسدونات‬
‫من الماء البارد ملت أرض المهجع وبللت بطانيات كل من كسسان قريبسسا ً‬
‫من مكاني ‪ .‬فلما انتهى أمرني أن أعاود الحراسة حتى الصباح فنفسذت‬
‫المر ‪ .‬وعند الساعة السادسة صباحا ً سلم "فرخ راتب" نوبته ومضسسى ‪.‬‬
‫ولم يلبث أن عاد في السابعة وفتح البسساب ‪ .‬وأمرنسسي أن أبقسسى مكسساني‬
‫بالشورت حتى يطلبني من جديد ‪.‬‬
‫وعنسسدما حسسان وقسست الفطسسار نسساداني إلسسى الخسسارج وانهسسال علسسي جلسسدا ً‬
‫بالسوط حتى كاد يهلكني ‪ .‬ولم يخفف صسسراخي ورجسساءاتي وتوسسسلتي‬
‫من المر شسيء ‪ .‬حستى إذا أحسس أنسه أطفسأ ظمسأ الهمجيسة الستي لسديه‬
‫أرسلني ‪ .‬فزحفت إلسسى المهجسسع زحفسا ً ‪ .‬وارتميسست علسسى الرض أقسسرب‬
‫للغيبوبة مني إلسسى الصسسحو ‪ .‬غيسسر أن وقسست التفقسسد لسسم يلبسسث أن حسسل ‪.‬‬
‫وخرج مساعدي يريد أن ينوب عني مسسن جديسسد ‪ .‬لكنهسسم عسسادوا وسسسألوه‬
‫عني ‪ .‬فلما أخبرهم أنني مريض ضربوه هو الخسسر وأمسسروه أن ينسساديني‬
‫لقدم الصف ‪.‬‬
‫وهكذا مضت اليام والليالي علسسى هسسذه الشسساكلة أربعسسة أشسسهر أو ربمسسا‬
‫أكثر ‪ .‬حاول الخوة خللها أن يساعدونني في مناوبة الليل ‪ .‬فكنت إذا‬
‫دنت نوبة "فرخ راتب" قمت وحرست ‪ .‬فإذا انتهى قام أحد غيري وسد‬
‫مكاني ‪ .‬فإذا عسسادت نسسوبته أيقظسسوني لقسسف مسسن جديسسد ‪ .‬لكسسن الخسسبيث‬
‫أرسل في يوم من اليام شرطيا ً آخر ليتأكسسد مسسن سسسهري ‪ .‬فلمسسا وجسسد‬
‫سسسجينا ً غيسري يقسسوم بالمهمسسة أخرجنسسي وأخسسرج الحسسرس الليلسسي كلهسسم‬

‫وجلدنا جميعا ً ‪ .‬فصرت أضطر للوقوف الليسسل كلسه مسسن جديسسد ‪ .‬وعنسسدما‬
‫مل ُسسوَنه بالعسسذاب‬
‫ج ِ‬
‫وجدتهم قد علقوا علسسى الخ عمسساد أيضسا ً وكسسادوا أن ي ُ ْ‬
‫معي رأيتني أولى بذلك منه لنني أنا الذي شستمت الشسرطي ‪ .‬فصسسرت‬
‫أخرج أغلب الحيان إلى التفقد وتقدم الصف وتنسساول نصسسيبي المقسسدر‬
‫ُ‬
‫هسس َ‬
‫ك بسسدني وعسسدت‬
‫مسسن الضسسرب والتعسسذيب ‪ .‬حسستى سسساءت حسسالتي وأن ْ ِ‬
‫فانتكسسست بالسسسل بعسسد أن شسسفيت منسسه ‪ .‬فكسسان ذلسسك ‪ -‬سسسبحان اللسسه ‪-‬‬
‫الضارة النافعة ‪ .‬إذ لم يلبث المسؤول الصحي زاهسسي عبسسادي أن حضسسر‬
‫للكشف على المرضى ‪ ،‬فلما رأى حالتي تلك طلسسب نقلسسي إلسسى مهجسسع‬
‫المسلولين ‪ .‬فتم ذلك في شهر نيسسان مسن عسسام ‪ 1990‬وأنجسساني اللسه‬
‫من هذه المحنة وأنا على آخر نفس !‬
‫مزيد من المعلومات!‬
‫ومما هو جدير بالتسجيل عن عام ‪ 1990‬هذا أن إدارة السسسجن أرسسسلت‬
‫في شهر شباط تسأل في المهاجع عن آخسر شسخص جساءته زيسارة مسن‬
‫أهله أو أقاربه ‪ ،‬فأخبر كل مهجع عن الشخص المقصسسود ‪ .‬وفسسي اليسسوم‬
‫ض عليهسسم اسسستئناف‬
‫التالي تم استدعاء هؤلء جميعسا ً إلسسى الدارة و ُ‬
‫ر َ‬
‫عس ِ‬
‫الزيارات وبعسسض الميسسزات مقابسسل التعامسسل مسسع الدارة بشسسكل واضسسح ‪.‬‬
‫وطلبوا منهم معلومات محددة عن حال السجناء في كل مهجسسع ‪ ،‬وعسسن‬
‫الفكار التي يتداولونها ‪ ،‬والقناعات التي ل زالوا يحملونها ‪ ،‬وهل ثمسسة‬
‫من يدعو إلى الجهاد مسسن بينهسسم ‪ ،‬ومسسا مسسدى اسسستعدادهم للتعامسسل مسسع‬
‫قيسساداتهم السسسابقة ‪ ،‬ورأي كسسل منهسسم فسسي هسسذه القيسسادات ‪ .‬ورغسسم أن‬
‫الحدث كان مثيرا ً وقتها ‪ ،‬وعلى الرغم من بعض اللغسسط الخسسافت السسذي‬
‫سسساد حينسسذاك ‪ ،‬إل أن محسسن السسسنين الخسسوالي جعلتنسسا نسسألف أي جديسسد‬
‫ونتقبل كل قضاء نازل بالصبر وبالستسلم ‪.‬‬
‫وفاة زاهي عبادي‬
‫عدت إلى مهجع السل ‪ 35‬مرة أخرى فابتعدت عن "فرخ راتب" ومكسسره‬
‫وعن العذاب والقهر بعض الشيىء ‪ .‬وبدأت أتلقسسى علج السسسل المتسساح‬
‫من جديد ‪ .‬حتى إذا تحسنت حسالتي واسستعدت قسواي نقلسست ثانيسة إلسسى‬
‫مهجع ‪ 28‬مع الصحاء ‪ .‬ولم نلبث أن بلغنا على غير موعد نبأ مفسساجىء‬
‫بوفاة الخ الحبيب زاهي عبادي بعد كل هذه السنوات التي أمضاها في‬
‫خدمة إخوانه المسلولين والمعلولين صسسابرا ً محتسسسبا ً ‪ .‬وكسسانت الروايسسة‬

‫التي بلغتنا أنه أصيب بخراج مفاجىء في قدمه فأخذوه إلى مستشفى‬
‫خارج تدمر فعاد ميتا ً ! لكن ذلك زاد المسر غموضسا ً ‪ ،‬وجعلنسا نرجسح أنسه‬
‫قتل عمدا ً بعدما أمضى كل هاتيك السنوات متنقل ً بين المهاجع واطلسسع‬
‫على الكثير من حالت السجن والسجناء ‪ .‬ولم يكن أي شسسيء فسسي تلسسك‬
‫الغابة مستغربا ً ‪ ..‬ولسسم يكسسن أي حسسادث بشسسع أمسسرا ً مسسستبعدا ً بيسسن قسسوم‬
‫أسهل ما اعتادوا عليه سفك الدماء !‬
‫شاهد على مجزرة تدمر‬
‫قلت أن بعضا ً من المهاجع كانت حينما وصلنا تدمر قبل أكثر من عشسسر‬
‫سنوات ل تزال تحتفظ على جدرانها وأسقفها بآثار مسسن مجسسزرة تسسدمر‬
‫الكبرى في حزيران عام ‪ . 1980‬ولقسسد حسسدث فعل ً وأن سسسمعت كبسساقي‬
‫النسساس عسسن المجسسزرة وأنسسا ل أزال فسسي دمشسسق قبسسل اعتقسسالي ببضسسعة‬
‫أشهر ‪ .‬ولقد تمكن وقتها أحد الخوة من بيت وطفة من دمشق من أن‬
‫يحصل على قائمة بأسماء الضحايا من ملفات وزارة الدفاع حيسسث كسسان‬
‫يخدم جنديته اللزاميسسة ‪ ،‬وأوصسلها للخسسوة فسسي قيسسادة دمشسق الناشسسئة‬
‫وقتذاك ‪ .‬وتم كشف الخ مسسن بعسسد وإعسسدامه فسسي سسسجن تسسدمر نفسسسه ‪.‬‬
‫وكان العدد الرسمي كما أذكر في حدود الثمانمائة قتيل ‪ .‬لكنني طوال‬
‫السنوات التي أمضيتها في سجن تدمر لسسم أجسسد بنفسسسي شسساهدا ً علسسى‬
‫المجزرة ‪ ،‬حتى جمعتني القدار فسسي تلسسك الفسسترة بسسسجين يمينسسي مسسن‬
‫حماة توطدت علقتي معه ‪ .‬فقص علي أنه كان معتقل ً منذ عسسام ‪1980‬‬
‫مع مجموعة من البعثيين العراقييسسن ‪ .‬وأن إدارة السسسجن فرزتهسسم منسسذ‬
‫ذاك ووضعته في أحد مهاجع الباحة الرابعة بشكل منفصل عسسن سسسجناء‬
‫الخوان أو التجاه السلمي ‪.‬‬
‫وذات ليلة صدرت الوامر إليهم كلهم لينقلوا إلى مهجع ‪ 29‬في الباحة‬
‫السابعة بشكل مفاجىء ‪ .‬وصبيحة اليوم التالي بلغت أسماعهم أصوات‬
‫طائرات مروحية تحلق فوق المهسساجع وتنسسزل فسسي مكسسان قريسسب ‪ .‬ولسسم‬
‫تمض برهة حتى بدأوا يسمعون أصسسوات الرصسساص وانفجسسارات القنابسسل‬
‫وصيحات التكسسبير فسسي الباحسسات المجسساورة ‪ .‬ثسسم لسسم تلبسسث الصسسوات أن‬
‫هسسدأت ‪ .‬وعسسادت المروحيسسات فغسسادرت المكسسان ‪ .‬ولسسم يتمكسسن أي مسسن‬
‫السسجناء الخريسن وقتهسا مسن معرفسة مسا حسدث ‪ .‬حستى تسسربت أخبسار‬
‫المجزرة إليهم مع سجناء جدد حضسسروا بعسسدها وسسسمعوا بهسسا مسسن خسسارج‬
‫السوار قبل اعتقالهم ‪ .‬وظل هذا الشخص على قيد الحياة حسستى قسسدر‬

‫لي أن ألقاه وأسمع شهادته ‪ .‬ورغم أننسسي ل أدري مسسا السسذي حسسل بهسسذا‬
‫الخ ‪ ،‬إل أنني أتمنى أن أراه يومسا ً علسسى منصسسة الشسسهادة يسسروي قصسسته‬
‫أمام محكمة عادلة ‪ .‬تعيد فتسسح ملفسسات الفظسسائع السستي شسسهدتها جسسدران‬
‫مهاجع تدمر وبقية أوكار المخابرات وسجونها وأقبيتهسسا ‪ ،‬وتطبسسق فسسي‬
‫كل الجناة حكم الحق ‪ .‬عل أرواح البرياء السستي أزهقسست مسسن غيسسر ذنسسب‬
‫تقسسر ‪ ..‬وترتفسسع عسسن هسسذا السسوطن غباشسسة الطائفيسسة المقيتسسة والظلسسم‬
‫والجبروت ‪.‬‬
‫آخر الوافدين !‬
‫مضت المور فسسي السسسجن بعمومهسسا نحسسو الهسسدوء النسسسبي ‪ .‬فالتعسسذيب‬
‫الجماعي خفت حدته ‪ ،‬والضرب الوحشي قلت نسبته ‪ .‬ثم لسسم نلبسسث أن‬
‫وجدنا الدارة تقوم بفرز جديسسد للسسسجناء فسسي شسسهر نيسسسان ‪ 1991‬تسسم‬
‫بموجبهسسا تقسسسيمنا وتوزيعنسسا علسسى مهسساجع جديسسدة وباحسسات مختلفسسة ‪.‬‬
‫ووجدتني في هذا السسسياق أنقسسل هسسذه المسسرة إلسسى مهجسسع رقسسم ‪ 7‬فسسي‬
‫الباحة الرابعة ‪ .‬وهناك أمضيت قرابة سنة أخسسرى خفسست فيهسسا المعانسساة‬
‫نوعا ً ما ‪ ،‬وبدأنا نلحظ خللها تحسنا ً نسسسبيا ً فسسي الطعسسام ‪ ،‬كسسانت مسسادته‬
‫الساسية زيادة كمية الثوم !‬
‫ومن باحة مهجعنسسا السسسابع تلسسك كسسان علسسى لجنسسة العسسدامات السستي لسسم‬
‫تتوقف أعمالها أبدا ً أن تمر من أمامنا مضسيا ً فسي طريقهسا إلسى الباحسة‬
‫السادسسسة لتنفسسذ الحكسسام ‪ .‬وكنسا نسسسمع أصسسواتهم ونتمكسن أحيانسا ً مسن‬
‫التلصص عليهم من شقوق الباب ‪ .‬وفي نفس الوقت كنا نحس وصول‬
‫الدفعات الجديدة من المعتقلين التي لم تتوقف أيض سا ً ونسسسمع أصسسوات‬
‫اسسستغاثاتهم وصسسياحهم مسسن سسساحة الذاتيسسة المجسساورة والباحسسة الولسسى‬
‫القريبة منا ‪ .‬وفي شسسهر تشسسرين الثسساني عسسام ‪ 1991‬كسسانت آخسسر دفعسسة‬
‫جديدة من السجناء تصل تدمر على عهدي لتستقبلهم حفلة الستقبال‬
‫الرعيبسسة ذاتهسسا ‪ ..‬وتبلغنسسا أصسسوات اسسستغاثاتهم وصسسيحات اللسسم تزلسسزل‬
‫المكان ول تحرك في قلوب الزبانيسسة شسسعرة ! وحسستى ل تنتقسسل الخبسسار‬
‫ويطلع السجناء القدامى على مستجدات الحداث في الخارج كسسان يتسسم‬
‫عزل السسسجناء الجسسدد فسسي مهسساجع مسسستقلة فل نلتقيهسسم ول يلتقونسسا ‪،‬‬
‫ولكن أصوات استغاثاتهم كانت أكثر من كافية لنعلم بوصولهم إلى هذا‬
‫المكان الرعيب ‪.‬‬

‫نعم للقائد !!‬
‫وذات يسسوم مسسن نهايسسات تشسسرين الثسساني أو بسسدايات كسسانون الول عسسام‬
‫‪ . 1991‬وبينما نحن في المهجع نجرع السى ونغسسص بالحسسسرات أقبسسل‬
‫علينا مساعد السجن محمسسد نعمسسة وأبلغنسسا أن انتخابسسات لرئيسسس الدولسسة‬
‫أوشكت أن تجسسري خلل أيسسام ‪ ..‬وأن علينسسا أن نظهسسر محبتنسسا وتقسسديرنا‬
‫للقائد السد فنقول له "نعم" بالفم الملن والصوت العالي ‪.‬‬
‫ولم يكن من خيار أمام أحد في كل سورية إل أن يقول تلك الس"نعسسم" ‪.‬‬
‫تماما ً كتلك التي قلناها لسليمان الخطيب حين أبلغنسسا بأحكسسام العسسدام‬
‫أمام محكمته الهزلية ‪ .‬أو كتلك التي قالها الطبيب المسكين بعد حفسسل‬
‫العذاب ليطلق زوجته ‪ .‬أو كالنعم التي كنا نقولها للشرطي إذا قال لنا‬
‫أنه يريد أن يفعل كذا وكذا بأمهاتنسسا وأخواتنسسا ‪ .‬أو كسسآلف وآلف مثلهسسا‬
‫يقولها كل مواطن مقهور ل يملك لرد ظلم زبانية النظام وسسفاهاتهم‬
‫عونآ ً ول سندا ً ‪.‬‬
‫وكتب رئيس المهجع قائمة بأسمائنا كلنا ‪ .‬ووقعنا وقلنا "نعم" ‪ .‬وكسسان‬
‫النكى أن قسام بعسض مسن هسدته المحنسة وأنهكتسه المعانساة فساقترح أن‬
‫نكتب العبارة "نعم للقائد" على واحد من قمصاننا البيضاء ل بسسالحبر أو‬
‫بالدهان وإنما بدمنا ! وهرع البعض فاستجابوا وأحضسسروا مسسن مسسسؤول‬
‫المهجع الصحي إبرة وجعلوا يسحبون من أوردتهم ما يكفسسي مسسن السسدم‬
‫ليكتبوا به على القميص !‬
‫بشارات !‬
‫وفي ليلة من ليالي شهر كانون الول من عام ‪ 1991‬وجدتني أستغرق‬
‫في النوم فسسأرى فسسي المنسسام الشسسرطة العسسسكرية يسسدخلون علينسسا فسسي‬
‫المهجسسع بملبسسسهم الكاكيسسة وطاقيسساتهم الحمسسراء وسسسحناتهم البغيضسسة‬
‫ويخبروننا بقرار انتقالنا من هذا المكان ‪ .‬ورأيتنسسي أمضسسي إلسسى زاويسسة‬
‫من زوايا المهجع اعتدنا أن نكدس فيها حقائبنا البالية فأحمل من بيسسن‬
‫الكداس حقيبتي وتسسأتي مجموعسسة مسسن الشسسباب فيفعلسسون مسسا فعلسست ‪.‬‬
‫ورأيسست علسسي دوبسسا رئيسسس فسسرع المخسسابرات العسسسكرية يمضسسي معنسسا أو‬
‫نمضسسي معسسه فننطلسسق إلسسى بسساص كسسان بانتظارنسسا ونركسسب فيسسه جميعنسسا‬
‫ونمضي ‪ .‬وبعد أن غادر البسساص سسسجن تسسدمر وقطعنسساه بمسسسافة بعيسسدة‬

‫انتهى المنام ‪ .‬فلما استيقظت وقصصسست الرؤيسسا علسسى الشسسباب حسسولي‬
‫تفاءلوا وقالوا لي إن شاء الله يفرجها الله عليك ‪.‬‬
‫ولم يمض يومان فقط حتى وجدت الشرطة ينسسادون اسسسمي بعسسد صسسلة‬
‫العصر وكان يوم أربعاء ‪ .‬فلما خرجت إليهم سألوني عن اسمي الكامل‬
‫واسسسم أبسسي وأمسسي فسأجبتهم ‪ .‬فلسسم يزيسسدوا أن قسالوا لسسي مسسن غيسر أي‬
‫تعليق ‪:‬‬
‫ضب أغراضك وجهز حالك لبرة ‪.‬‬
‫وكنا جميعا ً متعودين أن يأتينا مثل هسسذا اليعسساز فسسي أي لحظسسة ‪ .‬سسسواء‬
‫للنتقال من مهجع إلى آخر أو للخروج إلسسى العسسدام ! ووجسسدت الخسسوة‬
‫يلتفون حولي ويودعونني ول يدري أحد منا إلى أين المصير ‪ .‬وخرجسست‬
‫وقد وضعت الطماشة على عيني وعقسسدت يسسدي خلسسف ظهسسري كالعسسادة‬
‫ومضيت أتبعهم ‪ .‬فسسأدركت أنهسسم يقسسودونني باتجسساه السسساحة السادسسسة‬
‫التي تنفذ فيها أحكام العدام ‪ .‬فجعلسست أتقلسسب بيسسن هسسواجس اقسستراب‬
‫النهاية وأحاسيس غامضة تبشرني من أعمساقي بسسدنو الفسسرج ‪ .‬وجعلست‬
‫أتساءل بيني وبين نفسي عن سبب اقتيادي إلسسى الباحسسة السادسسسة إذا‬
‫كان هناك إفراج ‪ .‬ولماذا لم يأخذونني إلى الذاتيسسة فسسي الباحسة الولسسى‬
‫لخرج من حيث دخلت قبل عشرة أعوام أو أكثر !‬
‫ولم تطل بي التساؤلت التي قطعها توقف الركب وصسسوت بسساب يفتسسح‬
‫ونداء واحد من الشرطة يقول لي ‪:‬‬
‫أدخل ول ‪.‬‬
‫وأغلق الباب ورائي ‪ ..‬وأحسسسست أن الشسسرطة تركسسوني وذهبسسوا ‪ ..‬وأن‬
‫ثمة من يشاركني هذا المكسسان الجديسسد ويهمهسسم حسسولي ‪ .‬وبحسسذر شسسديد‬
‫أرسلت يدي من وراء ظهري إلسسى وسسسطي ‪ .‬فلمسسا تأكسسدت أن أحسسدا ً لسسم‬
‫ينتهرني أو يصسسرخ فسسي رفعتهمسسا إلسسى وجهسسي وفككسست الطماشسسة عسسن‬
‫عينسسي ‪ .‬فوجسسدتني محاطسا ً بعسسدد مسسن السسسجناء يتطلعسسون فسسي وأتطلسسع‬
‫فيهم ‪.‬‬
‫خير يا شباب شو في ؟‬
‫سألتهم متوجسا ً ومستغربا ً ‪ ..‬فقالوا ببشاشة وبشر ‪:‬‬

‫ان شاء الله خير ‪ .‬هناك إخلء سبيل ‪.‬‬
‫ماذا ؟‬
‫قلتها وأنا ل أكاد أصدق أو أسسستوعب مسسا قسسالوا ‪ .‬فكسسرروا علسسي وأكسسدوا‬
‫لي ‪ .‬ولم يلبث أن أطل علينا من فوق الشراقة أحد الشرطة وقال لنسسا‬
‫من غير أن نعرف السبب الشيء نفسه ‪ .‬ولم تمض نصف ساعة أخسسرى‬
‫حتى فتح البساب مسن جديسد فهرعنسا مسن فورنسا حسسب العسادة واتجهنسا‬
‫برؤوسسسنا إلسسى الجسسدار ‪ .‬وتقسسدم واحسسد ممسسن سسسبقوني فقسسدم الصسسف ‪.‬‬
‫وأحسسنا بدخول أشخاص عديدين وراءنا ‪ ،‬فتوجست خيفة وأنسسا أتوقسسع‬
‫كل شر ول أستغربه ‪ .‬وأتانا اليعاز مرة واحدة ‪:‬‬
‫وراء در ‪.‬‬
‫فاستدرنا وعيوننا ل تزال مغمضة حسب التعليمات ‪ .‬لكسسن اليعسساز أتانسسا‬
‫مرة أخرى يقول ‪:‬‬
‫ارفع راسك ول وفتح عينيك ‪.‬‬
‫مفاجآت !‬
‫فتحت عيني يكاد يشسسلهما الخسسوف فراعنسسي أن أنظسسر فسسأرى لول مسسرة‬
‫طوال تلك السنوات سحنة جلدينسسا بوجسسوه آدميسسة مسسن لحسسم ودم ‪ .‬ولسسم‬
‫يكن مألوفسا ً لسسي ول لحسسد ممسسن معسسي أبسسدا ً أن نبصسسر شخصسا ً فسسي هسسذا‬
‫المكان معافى في بدنه متأنقسا ً فسسي ملبسسسه ‪ ،‬نبسست الشسسعر فسسي رأسسسه‬
‫وشاربيه بشكل طبيعي وطال من غير أن تجرده آلة الحلقة أو تشوهه‬
‫الصفعات واللطمات !‬
‫وأمعنا النظر ونحن كالطفل الذي يطلسسع علسسى العسسالم مسسن حسسوله لول‬
‫مرة فرأينا مساعد السجن محمسسد نعمسسة ورئيسسس السسسجن نفسسسه غسسازي‬
‫الجهني يقفان في مواجهتنا ومن ورائهما وعسسن أيمانهمسسا وشسسمائلهما‬
‫الزبانية يترصدوننا بنظراتهم الماكرة ‪ .‬وبعبارات مقتضبة أخبرنا العقيد‬
‫الجهني أن سيادة رئيس الدولة أصدر عفسسوا ً عنكسسم ‪ ..‬وإن هسسي إل أيسسام‬
‫وتكونوا بين أهليكم ‪ .‬وأمرنا مسسن ثسسم أن نخلسسع ملبسسسنا جميع سا ً ونبقسسى‬
‫بالشورت فقط ‪ .‬والتفت إلى كومة مسسن الملبسسس والحذيسسة العسسسكرية‬

‫الجديدة فسسأمر الشسسرطة أن يوزعوهسسا علينسسا ثسسم مضسسى ومعسسه المسسساعد‬
‫والشرطة وأغلقوا علينا الباب ‪.‬‬
‫عقدت المفاجأة ألسنتنا جميعا ً وأصسسابتنا بالربكسسة إلسسى حيسسن ‪ .‬حسستى إذا‬
‫هدأت النفوس واستقرت اتجهنا إلى بعضسسنا البعسسض نتسسساءل ونتسسداول‬
‫ونحاول أن نجد تفسيرا ً لما يجري فلم نفلح ‪ .‬وأخذت أتملى في رفسساق‬
‫هذا المهجع الجديد فوجدتهم قرابة الخمسة والثلثين شخص سا ً عركتهسسم‬
‫المحنة وناءت بكلكلها عليهسسم مثلمسسا فعلسست بسسي ‪ ،‬فلسسم تسسترك فيهسسم إل‬
‫سحنا ً مصفرة وعيونا ً ذابلة وأجسادا ً واهنة ‪..‬‬
‫وانقضى يوم الربعاء ونحن في هذا المهجع الذي يسمى مهجع ‪ 6‬على‬
‫‪ 2‬الجديد نتجاذب أطراف الحديث ونتعسرف علسى بعضسنا البعسض ‪ .‬وجساء‬
‫الخميس وانقضى كما جاء ونحن نقطع السوقت بتبسادل أخبسار المهساجع‬
‫وروايات العذاب والسى ‪ .‬وكذلك حدث في اليوم التالي ونحن نقسسترب‬
‫من الشك ونكاد ننتكس من التفاؤل إلى التشاؤم من جديسسد ‪ .‬حسستى إذا‬
‫كان صباح السبت وجدناهم ينادوننا للخروج من المهجع والنتظام فسسي‬
‫صسسف فسسي الخسسارج أمسسامه ‪ .‬فخرجنسسا كسسذلك مغمضسسي العيسسون منكسسسي‬
‫الرؤوس يلتصق واحدنا بأخيه خشية أن يتعثر ‪ .‬لكن اليعاز جاءنا كسسذلك‬
‫بأن نفتح عيوننا ونتطلع بشسسكل طسسبيعي ‪ .‬فلمسسا فعلسست وفتحسست عينسسي‬
‫هالني أن أنظر إلى هذا المكان الرعيب الذي ضمتني جدرانه وحملتنسي‬
‫أرضه وأكلت عصي زبانيته وسياطهم من جسدي ما شاء الله أكثر مسسن‬
‫عشر سنوات فكأنني أراه الن لول مرة !‬
‫كان كل جدار أقابله كطود جاثم على صدري عشر سنوات مسسن غيسسر أن‬
‫أراه ‪ .‬وكل باب غليظ مشبك بالحديد كشوكة فسسي حلقسسي أبصسسرها الن‬
‫لول مسسرة ‪ .‬وهسسذه الوجسسوه الكالحسسة وتلسسك القسسسمات الطاغيسسة وهسسذه‬
‫المهاجع المقفلة كالتوابيت كم مسسرة لطمتنسسي أو عركتنسسي أو حملتنسسي‬
‫وأنا رهين المحبسين ترهقني ذلة السسسر ورهبسسة الظلم وقسسد أطبقسست‬
‫أجفاني على نوافذ الضسسياء بسسالكراه فل أرى خسسارج المهجسسع إل الظلم‬
‫وحسب !‬
‫بوابة المغادرين !‬
‫وسار ركبنا نحن الذين صدر العفو عنسسا كخسسط النمسسل يتجسسه نحسسو الباحسسة‬
‫الخامسة وأنا أتوقع أن نمضي الن إلى الذاتية لنتسلم أماناتنا ونسجل‬

‫أسماءنا ونخرج من الباب الذي دخلنا منه ‪ .‬لكني وجسسدت الركسسب ينعسسرج‬
‫بنا باتجاه المطابخ نحو باب خلفي للسجن اعتادت سسسيارات الجيسسش أن‬
‫تدخل الطعام والمشسسانق منسسه وتخسسرج عسسائدة بالقسسدور الفارغسسة وجثسسث‬
‫الموتى والمعدومين بنفس الوتيرة ونفس البرود ! وعلسسى مقربسسة مسسن‬
‫الباب وجدنا باص تويوتا أحمسر اللسون بانتظارنسا فصسعدنا إليسه ل ننبسس‬
‫ببنت شفة ‪ .‬ورافقنا في باصنا الذي توزعنا على مقاعده واجمين ثلثة‬
‫عناصر من المخابرات العسكرية لم يكن يبدو عليهم الكسستراث بأمرنسسا ‪.‬‬
‫وكنت عندما أتملى فيهم أحس أنهم ربمسسا لسسم يسسدروا أيسسن أمضسسينا آخسسر‬
‫عشر سنوات مسسن أعمارنسسا أو حسستى أنهسسم كسسانوا عنسسدما دخلنسسا زنزانسسات‬
‫الفرع الذي أتوا منسسه قبسسل اثنسستي عشسرة سسسنة خلسست مجسسرد طلب فسسي‬
‫المرحلة العدادية أو الثانوية على أبعد تقدير !‬
‫دمعة شكر‬
‫ومضى الباص بنا يزمجر على هسسذا الخسسط الضسيق يسسرع سساعة ويبطسسؤ‬
‫أخرى ‪ .‬ونحن فيه كأننا الطفال في أرحام أمهاتهم نشاهد العالم فسسي‬
‫الخارج من غير أن ندرك علقتنسسا بسسه أو مصسسيرنا فيسسه ‪ .‬والمشسساهد مسسن‬
‫حولنا تتسارع وتتغير وتتبدل ‪ .‬والوجوه والسسبيوت والبهسسائم والسسسيارات‬
‫والغيوم والسماوات كلها كالكلمات الغريبة في قسساموس لغسسة نسسسيناها‬
‫منذ أكثر من عقد خلى !‬
‫وارتددت إلى نفسي لحظة فجعلسست أتسذكر المنسام السذي شساهدته قبسل‬
‫بضعة أيام وحسب ‪ .‬وجعلت أقارن الباص الذي ركبته في المنسسام وهسسذا‬
‫الباص الذي يقلنا الن ‪ .‬والجمسع السذين هرعسوا فسي الرؤيسا لمرافقستي‬
‫وجمع الخوة الذين معي ‪ .‬ورئيس المخابرات العسسسكرية هنسساك وجنسسده‬
‫هنسسا ‪ .‬ووجسسدتني مسسن غيسسر إرادة منسسي أتبسسسم وقسسد نسسسيت كيسسف تفسستر‬
‫الشفاه عسسن ابتسسسامة سسسعد ‪ .‬وأتجسسه بجسسوارحي كلهسسا إلسسى اللسسه العلسسي‬
‫الرحيم أود أن أسجد له كل عمري شاكرا ً ‪ .‬فلم تجبني من كسسل هاتيسسك‬
‫الجوارح المأخوذة بتسارع الحداث وقتهسسا إل دمعسسة حسسرى طفسسرت مسسن‬
‫عيني على وجل ‪.‬‬
‫وأسسسسرع السسسسائق بالحافلسسسة ‪ ..‬وأسسسسرعت بنسسسا الخسسسواطر والخيسسسالت‬
‫والتساؤلت والماني والمخاوف كلها تتراكض فينا معا ً ‪ .‬وعبرنسسا تسسدمر‬
‫المدينة من غير أن نلفت فيها نظر أحد ‪ .‬وتخطينسسا حمسسص مرقسسد خالسسد‬

‫بسسن الوليسسد تغشسساها كآبسسة ووحشسسة ‪ ..‬وأشسسرفنا علسسى دمشسسق عاصسسمة‬
‫المويين والمجد والفتوحات بالمس ‪ ..‬ومهسسد المظسسالم والقهسسر ووكسسر‬
‫الطائفية اليوم ‪ .‬وأكمل الباص بنا إلى فرع المخسسابرات العسسسكرية مسسن‬
‫جديد ‪ .‬وتسلمنا الزبانية كالعادة تغيرت وجوههم وأسماؤهم ولم يتغيسسر‬
‫من عدوانيتهم شيء ‪ .‬وبعد أن أخذوا أسماءنا وتسلموا أماناتنا أدخلونسسا‬
‫على واحد من المهاجع تحت الرض لنقضي ليلتنا هناك ‪.‬‬
‫صفحة جديدة !‬
‫وفي اليوم التالي الثامن والعشرين من كانون الول جمعونا كلنسا فسي‬
‫قاعسسة محاضسسرات واسسسعة ووزعونسسا علسسى كراسسسيها السسوثيرة ‪ .‬واعتلسسى‬
‫مجموعة من الضباط المدنيين المنصة ‪ .‬وتقدم أحدهم منا فألقى فينسسا‬
‫كلمة مقتضبة استهلها بالثناء على الرئيس القائد السسذي يعسسرف النسساس‬
‫كل الناس أن الكرم من سماته ‪ ..‬وأنه ينظر إلى الشسسعب بعيسسن الرأفسسة‬
‫والعطف على الدوام ‪ ..‬ولذلك أصدر أمرا ً بالفراج عنسا بمناسسسبة إعسادة‬
‫انتخابه ! وقال لنا المتحدث أن بعضنا ربمسسا لسسم يكسسن يسسستحق كسسل هسسذا‬
‫العتقال الطويل ‪ ..‬وأن بعضنا الخر نال الن جزاءه ‪ .‬ودعانا أن ننسى‬
‫كلنا الماضسسي ونبسسدأ صسسفحة جديسسدة مسسن اليسسوم ‪ .‬فيسسذهب الطسسالب إلسسى‬
‫مدرسته ‪ .‬والعامل إلى مصنعه ‪ .‬والموظف إلى وظيفته ‪ .‬ويعسسود الكسسل‬
‫إلى حياتهم الطبيعية وينسوا الماضي ‪ .‬وختسسم المتحسسدث كلمتسسه منوهسا ً‬
‫أن الفرع سيوصل كل ً منا إلى محافظته ومدينته ‪.‬‬
‫وانفض الجتماع ‪ ..‬وجعل رجال المخابرات يقتادون كسسل مجموعسسة مسسن‬
‫المعتقلين إلى زاوية حسب محافظسساتهم ‪ .‬ولمسسا كنسست الردنسسي الوحيسسد‬
‫فقد اقتادوني مع أربعة عناصر منهم إلى سيارة اتجهت بنا إلى الحدود‬
‫السورية الردنية مباشرة ‪ .‬وعندما وصلنا مدينة درعا بعد منتصف الليل‬
‫سلموني للشرطة المدنية هناك ‪ .‬وتقدم هؤلء فسلموني بدورهم إلى‬
‫المخابرات الردنية على الطرف الخر من الحدود ‪ ،‬ولم يزيدوا عسسن أن‬
‫قسسالوا لهسسم أننسسي كنسست موقوفسسا ً لسسديهم ‪ .‬فلمسسا اسسستلمني الردنيسسون‬
‫وسألوني عن جوازي أو وثيقسسة تثبسست شخصسسيتي لسسم أجسسد شسسيئا ً أقسسدمه‬
‫لهم ‪ .‬فعاد واحدهم وسألني منذ متى تم توقيفي ‪ .‬سألته ‪ :‬ما اليسسوم ؟‬
‫قال ‪ 29 :‬كانون الول ‪ . 1991‬قلسست أرد علسسى سسسؤاله ‪ :‬منسسذ أكسسثر مسسن‬
‫إحدى عشرة سنة إذا ً ‪ .‬منذ الثامن من تشرين الول عام ‪ . 1980‬فكسساد‬
‫الرجل يصعق من المفاجأة ‪ .‬وعندما وصلت والدتي ووالدي وأختي بعد‬

‫ساعات لستلمي لم تكن مفاجأتهم أقل منه وهم يرون ولسسدهم السسذي‬
‫غادرهم ابن تسع عشرة سسسنة عسساد إليهسسم اليسسوم ابسسن إحسسدى وثلثيسسن ‪.‬‬
‫ناحل الوجه ‪ ،‬حليق الرأس ‪ ،‬منهك القوى ‪ ،‬يرتدي ملبسسس العسسسكريين‬
‫الكاكي وحذاء الجيش ‪ .‬ووجسسدتني أمسسام أهلسسي السسذين غسسادرتهم أصسسحاء‬
‫أشداء أنهكتهم بدورهم السنون وهدتهم اللوعة ‪.‬‬
‫وهرعت إلى يدي والدي رحمه الله أقبلهما وإلى أمي أحضسسنها وأطلسسب‬
‫منهما السماح ‪ .‬وجعلت والدتي تنظر في وجهي تتفسسرس فيسسه وتقسسول‬
‫حر فيها ول‬
‫لي ‪ :‬أنت محمد ؟ أكيد أنت محمد ! وتناولت يدي تقلبها وت ُب َ ِ‬
‫تكاد تصدق ! وتنسساولت أنسسا يسسديها ألثمهمسسا وأطلسسب منهسسا مجسسددا ً الرضسسا‬
‫والسماح ‪ .‬وتدفقت عبراتنا جميعسا ً وخنقنسسا النشسيج ‪ .‬واحسسدودب بعضسسنا‬
‫على بعض وكأننا نتقي جورة الزمان وتربص المتربصين ‪.‬‬
‫وأقفلت بنا السيارة تعود بي إلى بيسست أهلسسي الغسسوالي بعسسد غيبسسة عقسسد‬
‫ونيف مسسن الزمسسان ‪ ..‬وكسسرت السسسئلة وتسسدفقت الحكايسسات ‪ ..‬وانفجسسرت‬
‫الحزان واللم والحسرات حبيسة دهر مسسن الزمسسان ‪ .‬دهسسر كسسل لحظسسة‬
‫فيه كانت أثقل من الدهر كله ‪ ..‬وكسسل زفسسرة أو شسسهقة مسسن أيسسامه لهسسا‬
‫حكايسسة تحكسسى ‪ ..‬ولوعسسة تفسسري الكبسسد ‪ ..‬وذكريسسات وشسسجى ‪ .‬ل تسسوفي‬
‫وصفها قواميس الرض ‪ ..‬ول تسبر أغوارها من الكلمسسات شسسيء ‪ ..‬ول‬
‫يمسح حرها إل الرحمن الرحيم ‪.‬‬
‫وبعد ‪..‬‬
‫فها هي ذي صفحات من ذكريات المحنة التي قدر لي أن أعيشسسها فسسي‬
‫سجون النظام السوري قد باتت جاهزة للتو تنتظر دورة المطبعة تأخذ‬
‫مجراها ‪ .‬وإني إذ أحمد الله تعالى الذي يسر لي إخراج هسسذه السسذكريات‬
‫على شكل كتاب ‪ ..‬وأشكره من قبل ومسسن بعسسد أن نجسساني وفسّرج عنسسي‬
‫ن بالحرية علي ‪ ..‬أود أن أسجل بعض نقاط أراهسسا جسسديرة أن أختتسسم‬
‫وم ّ‬
‫بها كتابي هذا ‪ ،‬سائل ً الله تعالى النفع والقبول ‪.‬‬
‫‪ - 1‬مسسرت عسسدة سسسنوات علسسى خروجسسي مسسن سسسجن تسسدمر مسسررت فيهسسا‬
‫بظروف عديدة متغيرة ‪ ،‬مما جعلني أنسى الكثير ممسسا شسساهدت ورأيسست‬
‫وسمعت في تلك المحنة الرهيبة ‪ .‬ولقد حاولت فيمسسا كتبسست أن أتحسسرى‬
‫الدقة قدر المستطاع ‪ ،‬وأن أوثق المعلومات التي سجلتها مسسا وسسسعني‬
‫الجهد ‪ .‬لكني أعلسسم أن الكمسسال للسسه وحسسده ‪ ،‬وأن كسسل بنسسي آدم خطسساء ‪.‬‬

‫وللزمن حكمه كما يقولون ‪ .‬ولذلك أرجو أن يسامحني القارىء الكريسسم‬
‫إن وجد أي نقص أو عجز أو خطأ فيما قرأ ‪ ،‬وليصحح لي كل مسسن ملسسك‬
‫معلومة مكملة أو إضافة مفصلة ‪.‬‬
‫‪ - 2‬وفي هذا السياق ومن هذا المنطلق ‪ ،‬أدعو كسسل أخ مسسسه مسسن فيسسح‬
‫تلك المحنة جانب أو ناله من لظاها أذى ‪ ،‬وأدعو كل مواطن شهد على‬
‫ممارسات النظسسام السسسوري القمعيسسة مشسسهدا ً أو عسسرف خسسبرا ً أن يبسسادر‬
‫ويسجل تجربته ويكتب مشاهداته وشهادته ‪ .‬ولسسو لسسم يكسسن لسسدى المسسرء‬
‫فرصسسة للنشسسر اليسسوم أو كسسانت ظروفسسه ل تسسسمح الن فغسسدا ً سسستختلف‬
‫الموازين وتتغير الحوال إن شاء الله ‪ .‬لكن المانسسة تظسسل فسسي أعناقنسسا‬
‫والشهادة حق ل يقبل أن نكتمه ‪ .‬والذاكرة لن تسسدوم فيهسسا المعلومسسات‬
‫والذكريات كما هي اليوم ‪ .‬والعمر بيد الله ل ندري متى ينقضسسي ‪ .‬وإذا‬
‫كان جيلنا قد عاصر جانبا ً من الحداث واطلع على بعسسض أوجسسه النظسسام‬
‫الديكتاتوري الطائفي فسسي سسسورية ‪ ،‬فسسإن أجيسسال ً تاليسسة وشسسعوبا ً أخسسرى‬
‫تحتاج أن تعرف الحقيقسسة وتسسدرس مسسا حسسدث ‪ .‬ول بسسد لكسسل مسسن أراد أن‬
‫يخطو على طريق الدعوة إلسسى اللسسه أن يرصسسد تجسسارب سسسابقيه وخسسبرة‬
‫المتقدمين عليه ‪ .‬أما أن تتكسسرر التجسسارب متماثلسسة متشسسابهة ل تسسستزيد‬
‫واحدتها مسسن أخراهسسا ول يتعلسسم لحقهسسا مسسن سسسابقها فتلسسك علسسة معلسسة‬
‫وجمود مهلك ‪ .‬وسبب كاف لتكرار النوازل والمآسي والنكبات ‪.‬‬
‫‪ - 3‬وحسستى ل تتكسسرر النكبسسات وحسستى تكتمسسل الفسسائدة مسسن تسسسطير هسسذا‬
‫الكتاب أراني واجبا ً علي أن أسجل خلصة ما وصسسلنا إليسسه مسسن قناعسسات‬
‫ورؤى بعد سنوات محنتنا تلك ‪ .‬وإننسسي إذ أتحسسدث بضسسمير الجماعسسة هنسسا‬
‫فإنما أقصد الغالبية من إخوة المحنة الذين جمعتني وإياهم علسسى مسسدار‬
‫سسسنوات متتاليسسة القيسسود المطبقسسة والبسسواب المغلقسسة ‪ ..‬وجلسسسات‬
‫المصارحة والنقد الموضوعي والتقييم البناء ‪ .‬فوصلنا مسسن بعسسد جسسدال‬
‫وأخذ ورد إلى أن السلم الذي اعتنقناه واعتقدناه وحملناه في قلوبنا‬
‫وامتحنا في سسسبيله وابتلينسسا ‪ ..‬هسسذا السسسلم ل زال مسسن بعسسد كسسل هسسذه‬
‫المحنة والعذاب والمشانق والمجازر هو الحق لم يتغيسسر ‪ ،‬وهسسو الهسسدف‬
‫لم يتبدل ‪ ،‬وهو الطريق لم نحد بإذن الله عنسسه ‪ .‬ول زلنسسا حقيقسسة علسسى‬
‫قناعة خالصة بوجوب العمل لسسدين اللسسه ونشسسر دعسسوته ‪ ،‬وحتميسسة تبليسسغ‬
‫رسالته الخالدة لنها المل الوحيد لنجاة البشرية جمعاء ‪.‬‬

‫‪ - 4‬أمسسا السسذي توقفنسسا عنسسده وانكببنسسا علسسى النظسسر إليسسه فهسسو الكيفيسسة‬
‫والوسيلة التي يمكن أن نحقسسق بهسسا مسسا اعتقسسدناه ‪ .‬فمسسن خلل محنتنسسا‬
‫وكربتنا ‪ ..‬وبعد الثمن الباهظ الذي دفعنسساه دمسا ً وأرواحسا ً وزهسسرات مسسن‬
‫شباب السسدعوة ورصسسيد مسسن النجسساح انهسسار وانقضسسى ‪ ..‬تسسبين لنسسا وتأكسسد‬
‫وتحقق أن أول ما نحتاجه قبسسل أن نخطسسو أي خطسسوة تاليسسة هسسو الصسسف‬
‫المنظم الموحد ‪ .‬فوالله لم يؤت إخواننا المجاهسسدون فسسي سسسورية ‪ -‬ول‬
‫في غيرهسا ‪ -‬مسن قلسة مسال أو سسلح أو عتساد ‪ ،‬ولسم يهزمهسم اسستبداد‬
‫عدوهم أو قوة تسليحه أو شدة بطشه ‪ .‬ولكن التجربة أثبتت وأكدت أن‬
‫الشر أتي من التنازع والختلف ‪ ،‬والبنيان تهدم من الفرقسسة قبسسل كسسل‬
‫شيء ‪.‬‬
‫‪ - 5‬أما القضية التاليسة الستي وجسدنا البسدء مسن غيرهسا معنساه التهلكسة ‪،‬‬
‫والمسير من غير أن تترسخ فينا نذير الضياع فهي التربية ‪ .‬ولقد كسسان‬
‫أمرا ً عجبا ً أن تنفق كل الحركات السلمية جل جهدها وأكثر وقتها في‬
‫الحديث عن التربية وتطبيقاتها ‪ ،‬ثم إذا فاجأتنا المحنسسة وجسسدنا أنفسسسنا‬
‫أبعد ما نكون عن التربية الحقيقية وأكثر من يفتقدها !‬
‫وعندما أذكر التربية هنا فأنما أعني كل ما ينسسدرج تحسست هسسذا المسسسمى‬
‫من أبواب ‪ :‬التربية الروحية ‪ ..‬والسسسلوكية ‪ ..‬والبدنيسسة ‪ ..‬والعسسسكرية ‪..‬‬
‫والتنظيمية ‪ ..‬والمنية ‪ .‬وحتمية أن تجتمع كسسل هسسذه البسسواب فسسي بنسساء‬
‫شخصية الداعية ‪ .‬وإل فما معنى أن يحضر شخص واحد باعترافاته مائة‬
‫أخ من تنظيم سري ناشىء ؟ وكيسف يفسسر أن يضسطلع فسرد فسي هسذا‬
‫التنظيم بمسؤوليات تمكنه من معرفة كل الصف القيادي في التنظيسسم‬
‫وعناصره الفاعلة وأسراره الخطيرة ومخابىء سلحه ومواقسسع قواعسسده‬
‫ورموز اتصالته وكل صغيرة وكبيرة فيه !!‬
‫‪ - 6‬ان قناعتنا بعد كل هذه المحنة في وجوب مقاومة الظلم لم تتغيسسر‬
‫بفضل الله ولن تتغير ‪ .‬والعمل للسلم لمسسا يسسزل كيسسوم دخلنسسا المحنسسة‬
‫واجبسسا ً حتميسسا ً وأمانسسة ملزمسسة ‪ ،‬لكنسسا إذا أردنسسا أن نحمسسل هسسذه المانسسة‬
‫فلنحملها بوعي كامل وكفاءة كافية ‪ ..‬أو نتنحى لمن هو أقدر وأكفأ ‪.‬‬
‫إنني ومن بعد التجربة أؤمن اليوم أننا إذا تخلينسسا فسسسيهيؤ اللسسه تعسسالى‬
‫من هو أقدر وأكفأ وأجدر على حمل المانة ‪ .‬أما إذا صممنا على تقسسدم‬
‫الصفوف من غير إعداد كاف وكفاءة وحنكسسة فقسسد جنينسسا علسسى أنفسسسنا‬

‫وتجنينا على دين اللسسه ودعسسوته ‪ .‬وهيهسسات هيهسسات أن ينصسسر قسسوم هسسذا‬
‫حالهم وذاك الطريق الذي اختاروه ‪.‬‬
‫هسسذه بعسسض ملحظسسات أردت أن أختتسسم بهسسا ذكريسسات المحنسسة وشسسهادة‬
‫التجربة ‪ .‬سائل ً الله تعالى الرحمة والمغفرة وحسن الخواتيم ‪ .‬والحمد‬
‫لله رب العالمين ‪.‬‬

‫من سجل الشهداء‬
‫ليس من السهل أبدا ً أن يصدر إحصاء حقيقي عسسن عسسدد شسسهداء سسسجن‬
‫تدمر أو أسماء أولئك الشهداء ‪ .‬فالرهاب الذي يحيط حيسساة المعتقليسسن‬
‫ابتداء ‪ ،‬والسرية التي تتم بها العدامات مسسن بعسسد ‪ ،‬وانقسسراض الشسسهود‬
‫تلو الشهود ‪ ،‬والتوتر والخوف والتنقلت ‪ ،‬وانتظار الموت الدائم ‪ ..‬كل‬
‫ذلك يجعل المعتقل ذاهل ً عن كثير مما يسسدور حسوله ‪ ،‬جساهل ً بمسا يحسدث‬
‫حتى خلف باب المهجع الذي يقبع فيه ‪.‬‬
‫ومما رسسخ فسي السذاكرة ‪ ،‬وبعسد تمحيسص وتسدقيق ومراجعسة متكسررة ‪،‬‬
‫أستطيع أن أثبت فيما يلي أسسسماء مسسن شسسهدت إعسسدامهم بنفسسسي ‪ ،‬أو‬
‫سمعت أسماءهم تتلى من سسجل المطلسسوبين للعسدام ‪ ،‬أو بلغنسسي مسسن‬
‫مصادر ثقة أن إعدامهم قد تم تنفيذه فعل ً ‪ .‬وغسسالب أولئك قضسسوا فسسي‬
‫سجن تدمر ‪ ،‬وقليل منهم أعدموا في سجن المسسزة وحمسسل إلينسسا الخسسبر‬
‫القادمون ممن عاصروا إعدامهم هناك ‪ .‬وإنسسي وأنسسا أسسسأل اللسسه تعسسالى‬
‫الرحمة والقبول للشهداء ‪ ،‬أؤكد ما هسسو معلسسوم مسسن المسسر بالضسسرورة ‪،‬‬
‫بأن عدد الذين قضوا على أعواد المشانق أو بأيدي الجلوزة والزبانية ‪.‬‬
‫أضعاف أضعاف هذا الرقسسم ‪ .‬وأعسسود لسسذلك فسسأهيب بكسسل أخ شسسهد هسسذه‬
‫المحنة أو علم عنها مهما علم ‪ ،‬أن يسجل ذاك الذي شسسهد ‪ ،‬ويوثسسق مسسا‬
‫علم وما وعى ‪ ،‬عسى أن تكمل أمثسسال هسسذه العمسسال بعضسسها البعسسض ‪،‬‬
‫وتكمل الجهود المتعددة صورة الفاجعة ‪ ،‬وتحفظ للجيال مدى الشناعة‬
‫التي اقترفتها اليدي الثمة ‪ ،‬بحق أبناء القطر السوري المنكوب‬

‫من سجل الشهداء‬

‫رق‬
‫م‬

‫السم‬

‫‪1‬‬

‫غالب حداد‬

‫حماة‬

‫‪2‬‬

‫حسن الصغير‬

‫حمص‬

‫‪3‬‬

‫عبد المجيد الدباغ حمص‬

‫المهنة‬

‫المدينة‬

‫التاريخ‬

‫الكيفية‬

‫‪1980‬‬

‫شنقا ً‬

‫مجند‬

‫‪1981‬‬

‫شنقا ً‬

‫معلم رياضيات‬

‫‪1981‬‬

‫شنقا ً‬

‫‪5‬‬

‫حسين الطنجي‬

‫حلب‬

‫طالب ثانوي‬

‫‪1981‬‬

‫شنقا ً‬

‫‪6‬‬

‫أمين الصفر‬

‫حماة‬

‫خريج المدرسة ‪1981‬‬
‫الشرعية‬

‫شنقا ً‬

‫‪7‬‬

‫محمد فخري‬

‫حماة‬

‫مهني‬

‫‪1981‬‬

‫شنقا ً‬

‫‪8‬‬

‫مأمون كردي‬

‫حماة‬

‫طالب جامعي‬

‫‪1981‬‬

‫بالتعذيب‬

‫‪9‬‬

‫ناصح شنيطبي‬

‫دمشق‬

‫‪1981‬‬

‫الكوليرا‬

‫دمشق‬

‫‪1981‬‬

‫بالتعذيب‬

‫طالب هندسة‬

‫‪1981‬‬

‫شنقا ً‬

‫‪ 12‬نعيم صيام‬

‫الردن‬

‫طالب تجارة‬
‫بحلب‬

‫‪1981‬‬

‫شنقا ً‬

‫‪ 13‬حسين رشيد‬
‫عثمان‬

‫الباب‪/‬حلب صحفي في‬
‫وكالة النباء‬
‫السورية‬

‫‪1981‬‬
‫أو‬
‫‪1982‬‬

‫شنقا ً‬

‫‪ 14‬أيمن عثمان‬

‫الباب‪/‬حلب نقيب متطوع‬

‫‪ 15‬جمال عقيل‬

‫طالب هندسة‬

‫‪ 10‬جهاد حلق‬

‫‪ 11‬ناصر الدين البيك حمص‬

‫شنقا ً‬
‫‪1982‬‬

‫شنقا ً‬

‫‪1982‬‬

‫شنقا ً‬

‫كلية الشريعة‬

‫‪1982‬‬

‫شنقا ً‬

‫‪ 18‬عبد الكريم غانم‬

‫دمشق‬

‫طالب هندسة‬

‫‪1982‬‬

‫شنقا ً‬

‫‪ 19‬كمال أندورة‬

‫دمشق‬

‫طالب كهرباء‬

‫‪1982‬‬

‫المرض‬

‫‪ 20‬هشام مجندف‬

‫حمص‬

‫مجند بالمرية‬

‫‪1982‬‬

‫المرض‬

‫‪ 21‬بسام الهاشمي‬

‫حمص‬

‫طالب ثانوي‬

‫‪1982‬‬

‫المرض‬

‫‪ 22‬سامي وحود‬

‫حمص‬

‫طالب ميكانيك‬

‫‪1982‬‬

‫المرض‬

‫‪ 23‬زاهد داخل‬

‫حلب‬

‫طبيب‬

‫‪1982‬‬

‫بالتعذيب‬

‫‪ 24‬حسان طرابيشي حمص‬

‫طالب ميكانيك‬

‫‪1982‬‬

‫شنقا ً‬

‫حمص‬

‫طبيب أعصاب‬

‫‪1982‬‬

‫شنقا ً‬

‫حلب‬

‫‪ 16‬جلل الدين جلل حلب‬
‫‪ 17‬محمد صادق العون حماة‬

‫‪ 25‬توفيق دراق‬

‫السباعي‬
‫‪ 26‬عبد العزيز عوض صوران‪/‬حما مجند عسكري‬
‫ة‬
‫سالم‬
‫‪ 27‬يحيى عبد الكريم حماة‬
‫الشامي‬

‫‪1982‬‬

‫السل‬

‫طالب صيدلة‬

‫‪1982‬‬

‫بالتعذيب‬

‫طالب جامعي‬

‫‪1982‬‬

‫شنقا ً‬

‫‪1982‬‬

‫شنقا ً‬

‫‪1982‬‬
‫أو‬
‫‪1983‬‬

‫شنقا ً‬

‫شنقا ً‬

‫‪ 28‬عبد الوهاب‬
‫حلموشي‬

‫حمص‬

‫‪ 29‬يوسف عبارة‬

‫حلب‬

‫‪ 30‬بسام سباعي‬

‫حمص‬

‫مهندس‬

‫‪ 31‬محمد صنوبر‬

‫دمشق‬

‫طالب بكالوريا‬

‫‪1983‬‬

‫مدرس لغة‬
‫عربية وملزم‬
‫مكلف‬

‫‪1983‬‬

‫شنقا ً‬

‫‪ 33‬عبد الرحمن‬
‫فليطاني‬

‫حمص‬

‫موظف‬

‫‪1983‬‬

‫السل‬

‫‪ 34‬مصطفى‬

‫حلب‬

‫تاجر‬

‫‪1983‬‬

‫السل‬

‫‪ 35‬عبد الساتر‬
‫مصطفى‬

‫حمص‬

‫‪1983‬‬

‫السل‬

‫‪ 36‬محمد حسن‬
‫عجعوج‬

‫حماة‬

‫‪1983‬‬

‫السكتة‬
‫القلبية‬

‫طالب هندسة‬

‫‪1983‬‬

‫شنقا ً‬

‫‪ 38‬مأمون الذهبي‬

‫دمشق‬

‫طالب بكالوريا‬

‫‪1983‬‬

‫المرض‬

‫‪ 39‬أحمد دعدع‬

‫حماة‬

‫مهني‬

‫‪1983‬‬
‫أو‬
‫‪1984‬‬

‫شنقا ً‬

‫‪1983‬‬
‫أو‬
‫‪1984‬‬

‫شنقا ً‬

‫سائق سيارة‬

‫‪1983‬‬
‫أو‬
‫‪1984‬‬

‫شنقا ً‬

‫طالب هندسة‬

‫‪1984‬‬

‫شنقا ً‬

‫خريج جامعي‬

‫‪1984‬‬

‫شنقا ً‬

‫‪ 32‬عبد الحكيم ‪ .......‬سراقب ‪/‬‬
‫إدلب‬

‫‪ 37‬عبد الكريم الصالح دير الزور‬

‫‪ 40‬عبد الكريم الصالح الباب‪/‬حلب طالب هندسة‬

‫‪ 41‬حسين العدم‬

‫الردن‬

‫‪ 42‬عبد المعز العجمي حمص‬
‫‪ 43‬نديم منصور‬

‫ادلب‬

‫‪ 44‬جمال عيار‬

‫حلب‬

‫خريج المدرسة ‪1984‬‬
‫الشرعية‬

‫شنقا ً‬

‫‪ 45‬سحبان بركات‬

‫حماة‬

‫طالب زراعة‬

‫‪1984‬‬

‫شنقا ً‬

‫‪ ....... 46‬العابدي‬

‫دمشق‬

‫تاجر‬

‫‪1984‬‬

‫شنقا ً‬

‫‪ 47‬ملهم التاسي‬

‫حمص‬

‫طالب جامعي‬

‫‪1984‬‬

‫شنقا ً‬

‫‪ 48‬طريف حداد‬

‫حمص‬

‫طالب بكالوريا‬

‫‪1984‬‬

‫شنقا ً‬

‫‪ 49‬هيثم مل عثمان‬

‫دمشق‬

‫طالب هندسة‬

‫‪1984‬‬

‫شنقا ً‬

‫‪ 50‬عمر بدر‬

‫حمص‬

‫أعمال حرة‬

‫‪1984‬‬

‫شنقا ً‬

‫‪ 51‬يوسف عبيد‬

‫دمشق‬

‫‪1984‬‬

‫شنقا ً‬

‫‪ 52‬ضياء أسود‬

‫حلب‬

‫طالب هندسة‬

‫‪1984‬‬
‫أو‬
‫‪1985‬‬

‫شنقا ً‬

‫‪ 53‬عبد الكريم مهلهل دير الزور‬

‫طالب طب‬

‫‪1984‬‬
‫أو‬
‫‪1985‬‬

‫شنقا ً‬

‫‪ ......... 54‬سراج‬

‫دير الزور‬

‫طالب طب‬

‫‪1984‬‬
‫أو‬
‫‪1985‬‬

‫شنقا ً‬

‫‪ 55‬حزين قاسم‬

‫المعرة‬

‫مدرس ابتدائي ‪1985‬‬

‫السل‬

‫‪ 56‬مصطفى‬
‫المصطفى‬

‫منخ‪/‬حلب‬

‫خريج المدرسة ‪1985‬‬
‫الشرعية‬

‫السل‬

‫‪ ....... 57‬عطار‬

‫حلب‬

‫طالب ثانوي‬

‫‪1985‬‬

‫شنقا ً‬

‫‪ ...... 58‬عطار‬

‫حلب‬

‫طالب ثانوي‬

‫‪1985‬‬

‫شنقا ً‬

‫‪ 59‬أيمن عنجريني‬

‫حلب‬

‫طالب‬

‫‪1985‬‬
‫أو‬
‫‪1986‬‬

‫شنقا ً‬

‫‪ 60‬أحمد غنوم‬

‫حلب‬

‫عميد في‬
‫الجيش‬

‫‪1986‬‬

‫شنقا ً‬

‫‪ 61‬عمر حيدر‬

‫المعرة‬

‫مدرس‬

‫‪1986‬‬

‫السكتة‬
‫القلبية‬

‫‪ 62‬طاهر العلو‬

‫حلب‬

‫‪1986‬‬

‫شنقا ً‬

‫‪ 63‬زاهي عبادي‬

‫دير الزور‬

‫طبيب‬

‫‪1990‬‬

‫غير واضحة‬

‫‪ ....... 64‬وطفة‬

‫دمشق‬

‫مجند عسكري‬

‫شنقا ً‬

‫‪ 65‬عبد الله بعلبكي‬

‫قدسيا‪/‬‬
‫دمشق‬

‫مهندس‬

‫شنقا ً‬

‫‪ 66‬أحمد فطومة‬

‫حماة‬

‫مهني‬

‫بالتعذيب‬

‫‪ 67‬طاهر عارف جيللو سلقين‪/‬ادل مدرس ديانة‬
‫ب‬
‫‪ 68‬محمد أرمنازي‬

‫حماة‬

‫‪ 69‬مطاع أتاسي‬

‫حمص‬

‫شنقا ً‬
‫شنقا ً‬
‫)بالمزة(‬

‫طبيب‬

‫شنقا ً‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful