‫الحوار جنوب جنوب‬

‫كان لنهيار التحاد السوفييتي ونهاية الحرب الباردة الثر الكبير في تدني مستوى حوار شمال‪-‬‬
‫جنوب وبخاصة بعد ما انكبت معظم الدول الرأسمالية الكبرى على توجيه المساعدات التي كانت‬
‫تستفيد منها دول الجنوب نحو دول المعسكر الشرقي السابق لتشجيعها على النخراط في اتباع‬
‫إصلحات سياسية ديموقراطية وأخرى اقتصادية تصب باتجاه نهج القتصاد الحر‪.‬‬
‫وهكذا وفي الوقت الذي أضحت فيه الدول الرأسمالية الكبرى تحقق مزيدا من النجازات في‬
‫ظل هذه التحولت الدولية الراهنة على مختلف الواجهات والمستويات‪ :‬القتصادية والسياسية‬
‫والعسكرية والتكنولوجية‪ ..‬وتمكنت من تذليل خلفاتها في سبيل بلورة تكتلت اقتصادية ناجحة‬
‫ورائدة على المستوى العالمي‪ ..‬ازدادت الوضاع قتامة وسوءا بدول الجنوب‪.‬‬
‫فالوضاع القتصادية لمعظم هذه الدول ازدادت سوءا وتدهورا بالشكل الذي انعكس سلبا على‬
‫أوضاعها الجتماعية والسياسية مما كان له الثر في تعميق تبعيتها للمؤسسات المالية الدولية‬
‫الكبرى التي أثقلتها بالديون المشروطة والوصفات الملغومة‪.‬‬
‫وهو ما أسهم أيضا في تغييب أي دور لها في صياغة وترتيب أوضاع عالم ما بعد الحرب‬
‫الباردة‪ ,‬ول عجب في ذلك‪ ,‬فمجمل تكتلت الجنوب التي احتلت مكانة وازنة في عالم الحرب‬
‫الباردة والتي طالما شكلت إطارا لبلورة تصورات ومطالب مشتركة لدول الجنوب أصابها ما‬
‫يشبه الشلل بعد انهيار المعسكر الشرقي‪ ,‬وأفرغت من محتواها ولم تعد لها سوى قيمة تاريخية‪,‬‬
‫مثلما هو الشأن بالنسبة لحركة عدم النحياز التي احتضنت ودافعت عن القضايا العادلة من قبيل‬
‫الحث على احترام حق تقرير المصير والحد من التدخلت الجنبية ورفض الحرب الباردة‪ ،‬بل‬
‫حتى إن الجمعية العامة للمم المتحدة التي شكلت فيما مضى منبرا لطرح المطالب والتصورات‬
‫وإطارا للتنسيق والتعاون بين مختلف هذه الدول وبلورة قرارات تصب في خدمة مصالحها‬
‫العادلة ومواجهة مختلف المخاطر التي تتهددها‪ ,‬خبا بريقها على حساب مجلس المن الذي‬
‫أضحى المحتكر الرئيسي لقرارات وتحركات المم المتحدة‪.‬‬
‫وقد كان لهذه المتغيرات الثر الكبير في بروز علقات غير متكافئة بين شمال غني وجنوب‬
‫فقير‪.‬‬
‫ورغم وجود بعض اللقاءات المتقطعة بين مختلف دول الجنوب لمناقشة هذه التحديات‪ ،‬إل أنها‬
‫لم تسفر عن الخروج باستراتيجية فعالة تمكن من رص صفوفها باتجاه مواجهة هذه المخاطر‪.‬‬
‫ويمكن القول أن القمة المريكية الجنوبية – العربية التي انعقدت بالبرازيل بتاريخ ‪ 10‬و ‪11‬‬
‫مايو ‪ 2005‬يمكن أن تشكل مدخل مهما لعادة الدفء والحياة من جديد إلى الحوار جنوب‪-‬‬
‫جنوب الذي انطلق بعد حصول العديد من الدول النامية على استقللها‪ ,‬بعد جمود أصابه منذ‬
‫نهاية الحرب الباردة كما ذكرنا‪.‬‬
‫فالدول المشاركة في هذه القمة لها وزنها وأهميتها ضمن مجموعة الدول النامية‪ ,‬ولها من‬
‫المكانيات البشرية والقتصادية والطبيعية والتجارب السياسية ما يؤهلها للنخراط في تعاون‬
‫مثمر وحقيقي في شتى الميادين بالشكل الذي‬
‫قد يخدم مصالحها ويسهم في جر مختلف الدول النامية الخرى إلى النخراط في هذا التعاون‪.‬‬
‫ولعل ما يجعل من هذا الحوار والتعاون أمرا ملحا وضروريا‪ ,‬هو حجم التحديات والمخاطر‬
‫التي أضحت تتهدد وتواجه هذه الدول مجتمعة‪.‬‬
‫وهذه التحديات تتباين بين ما هو اقتصادي مرتبط بتداعيات العولمة وإفرازاتها وسياسي مرتبط‬
‫بتزايد الضغوطات على مختلف الدول باتجاه احترام حقوق النسان ونهج الديموقراطية وحاجة‬
‫هذه الدول لبلورة تصور موحد بشأن الصلح المرتقب للمم المتحدة‪ ,‬وعسكري تعكسه مختلف‬
‫العتداءات والتهديدات التي تطال العديد من دول الجنوب وبخاصة العربية منها‪..‬‬
‫فالظرفية الدولية تحتم العمل الجماعي وتكثيف الجهود نحو بلورة تصورات مشتركة وموحدة‬
‫إزاء ما يعرفه العالم من تحولت‪.‬‬
‫فمواجهة مخاطر العولمة وتلفي وتفادي التهديدات والضغوطات المستمرة ضد هذه الدول‬

‫وتكريس إصلح يكفل مصالح الجنوب داخل المم المتحدة تتطلب تكتلت اقتصادية فاعلة‬
‫وتصورات مشتركة وديبلوماسية تفاوضية وازنة‪.‬‬
‫ولعل من شأن تعزيز هذا الحوار بين هذه الدول الذي أضحت تمليه هذه الظروف أن يمكن هذه‬
‫الدول من تبوء مكانة إيجابية ضمن الطراف الفاعلة في المجتمع الدولي بدل التفاعل السلبي مع‬
‫هذه المتغيرات‪.‬‬
‫ومما لشك فيه أن هذه الدول إذا لم تتدارك المر وتدلي بدلوها في المساهمة بشكل إيجابي في‬
‫مسار العلقات الدولية فالكيد أن مصير العالم سيصاغ دون أخذ رأيها أو الستئناس به‪.‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful