‫رسالة مطولة حول استشهاد عبد العزيز‬

‫الرنتيسي‬
‫رحمه الله‬

‫بقلم‬
‫الشهاب الثاقب‬
‫حقوق الطبع لكل مسلم‬

‫‪1‬‬

‫بسم ال الرحمن الرحيم‬
‫ل الّلهُمّ مَاِلكَ‬
‫الحمد لك يا رب وحدك ل شريك لك أنت الذي تقول على لسان المؤمنين { قُ ِ‬

‫خ ْيرُ‬
‫ا ْل ُملْكِ ُت ْؤتِي ا ْل ُم ْلكَ مَن تَشَاء َوتَنزِعُ ا ْل ُملْكَ ِممّن تَشَاء َو ُت ِعزّ مَن تَشَاء َوتُذِلّ مَن تَشَاء ِبيَ ِدكَ الْ َ‬
‫شيْءٍ قَدِيرٌ} (‪ )26‬سورة آل عمران‬
‫عَلىَ كُلّ َ‬
‫ِإ ّنكَ َ‬

‫جعُونَ} (‪ )83‬سورة يــس‬
‫شيْءٍ َوِإَليْهِ ُترْ َ‬
‫سبْحَانَ الّذِي ِبيَ ِدهِ َمَلكُوتُ كُلّ َ‬
‫وأنت الذي تقول { فَ ُ‬

‫لرْضُ إِلّ مَا شَاء َر ّبكَ إِنّ َر ّبكَ َفعّالٌ ّلمَا‬
‫سمَاوَاتُ وَا َ‬
‫وأنت الذي تقول { خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَا َمتِ ال ّ‬

‫ُيرِيدُ } (‪ )107‬سورة هود‬

‫نعم نقر ونعترف أنه ل يجري شيء في هذا الكون إل بقدر وحكمة علمها من علمها وجهلها‬

‫من جهلها‬

‫شيْءٍ مّنَ‬
‫اللهم إنا نسلم بقضائك كله عرفنا الحكمة أم لم نعرف فأنت الذي تقول { َوَل َن ْبُلوَ ّنكُمْ بِ َ‬

‫ش ِر الصّا ِبرِينَ (‪ )155‬الّذِينَ إِذَا‬
‫ل َموَالِ وَالن ُفسِ وَال ّثمَرَاتِ َوبَ ّ‬
‫الْخَوفْ وَالْجُوعِ َونَقْصٍ مّنَ ا َ‬

‫حمَةٌ‬
‫صلَوَاتٌ مّن ّر ّبهِمْ َورَ ْ‬
‫عَل ْيهِمْ َ‬
‫َأصَا َب ْتهُم ّمصِيبَةٌ قَالُواْ ِإنّا ِللّهِ َوِإنّا ِإَليْهِ رَاجِعونَ (‪ )156‬أُوَل ِئكَ َ‬

‫َوأُولَ ِئكَ هُمُ ا ْل ُم ْهتَدُونَ} (‪ )157‬سورة البقرة‬

‫اللهم إنا نحتسب عندك فقيدنا الغالي الدكتور عبد العزيز الرنتيسي‬
‫الذي طالما تمنى الشهادة في سبيلك منذ زمان بعيد‬

‫وكأنه قد شعر بدنو أجله ولذلك لم يكن هو رئيس الحركة بعد استشهاد الشيخ أحمد ياسين‬

‫وقد حاول اليهود اللئام اغتياله مرات عديدة ونجاه ال تعالى من كيدهم‬

‫ولكن هذه المرة يصيبون هدفهم ويبطشون به بعد أن بطشوا بالشيخ أحمد ياسين (( عليهما‬

‫شآبيب الرحمة والرضوان )) ولم يمض على استشهاد الشيخ أحمد ثلثة أسابيع‬
‫***************‬

‫‪2‬‬

‫ماذا أقول ؟‬
‫وقد كنت أتابع الحداث عن كثب وكنت أتابع ما يجري في الفلوجة بشيء من السى‬

‫والفرحة السى على وضعنا المزري المخزي الذي يدل على أننا فقدنا كل شيء ولم يبق لنا‬
‫مطمع في أي شيء‬

‫والفرحة بما أبداه أهلنا فيها من الصمود والبسالة وبما قدموه من تضحيات جسام‬
‫وقد قلت إن هؤلء هم أشبه بأهل جنين الصامدة‬

‫فهذا يدل على أن هذه المة لن تموت إنها حية حية حية إلى قيام الساعة‬
‫عبَا ِدنَا َف ِم ْنهُمْ ظَالِمٌ ّلنَفْسِهِ َو ِم ْنهُم مّ ْق َتصِدٌ‬
‫يقول ال تعالى { ثُمّ َأ ْو َر ْثنَا ا ْل ِكتَابَ الّذِينَ اصْطَفَ ْينَا مِنْ ِ‬

‫ن اللّهِ َذِلكَ ُهوَ الْ َفضْلُ ا ْل َكبِيرُ} (‪ )32‬سورة فاطر‬
‫خ ْيرَاتِ بِإِذْ ِ‬
‫َو ِم ْنهُمْ سَابِقٌ بِالْ َ‬
‫يقول الشهيد سيد قطب رحمه ال ‪:‬‬

‫هذا هو الكتاب في ذاته ‪ .‬وقد أورثه ال لهذه المة المسلمة ‪ ,‬اصطفاها لهذه الوراثة ‪ ,‬كما يقول‬
‫هنا في كتابه‪:‬‬

‫(ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا) ‪. .‬‬
‫وهي كلمات جديرة بأن توحي لهذه المة بكرامتها على ال ; كما توحي إليها بضخامة التبعة‬

‫الناشئة عن هذا الصطفاء وعن تلك الوراثة ‪ .‬وهي تبعة ضخمة ذات تكاليف ‪ ,‬فهل تسمع المة‬

‫المصطفاة وتستجيب ?‬

‫إن ال سبحانه قد أكرم هذه المة بالصطفاء للوراثة ; ثم أكرمها بفضله في الجزاء حتى لمن‬
‫أساء‪:‬‬

‫(فمنهم ظالم لنفسه ‪ .‬ومنهم مقتصد ‪ .‬ومنهم سابق بالخيرات بإذن ال) ‪. .‬‬

‫فالفريق الول ‪ -‬ولعله ذكر أولً لنه الكثر عددا ‪( -‬ظالم لنفسه) تربى سيئاته في العمل على‬
‫حسناته ‪ .‬والفريق الثاني وسط(مقتصد) تتعادل سيئاته وحسناته ‪ .‬والفريق الثالث (سابق‬

‫بالخيرات بإذن ال) ‪ ,‬تربى حسناته على سيئاته ‪ . .‬ولكن فضل ال شمل الثلثة جميعا ‪ .‬فكلهم‬

‫انتهى إلى الجنة وإلى النعيم الموصوف في اليات التالية ‪ .‬على تفاوت في الدرجات ‪.‬‬

‫ول ندخل هنا في تفصيل أكثر مما أراد القرآن عرضه في هذا الموضع من كرامة هذه المة‬
‫باصطفائها ‪ ,‬وكرم ال سبحانه في جزائها ‪ .‬فهذا هو الظل الذي تلقيه النصوص هنا ‪ ,‬وهي‬

‫‪3‬‬

‫النهاية التي تنتهي إليها هذه المة جيمعا ‪ -‬بفضل ال ‪ -‬ونطوي ما قد يسبق هذه النهاية من‬
‫جزاء مقدر في علم ال ‪.‬‬

‫نطوي هذا الجزاء المبدئي لنخلص إلى ما قدره ال لهذه المة بصنوفها الثلثة من حسن‬
‫الجزاء‪:‬‬

‫(ذلك هو الفضل الكبير ‪ .‬جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم‬
‫فيها حرير ‪ .‬وقالوا‪:‬الحمد ل الذي أذهب عنا الحزن ‪ .‬إن ربنا لغفور شكور ‪ .‬الذي أحلّنا دار‬

‫المقامة من فضله ل يمسنا فيها نصب ول يمسنا فيها لغوب) ‪. .‬‬

‫إن المشهد يتكشف عن نعيم مادي ملموس ‪ ,‬ونعيم نفسي محسوس ‪ .‬فهم (يحلون فيها من أساور‬
‫من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير) ‪ . .‬وذلك بعض المتاع ذي المظهر المادي ‪ ,‬الذي يلبي‬
‫بعض رغائب النفوس ‪ .‬وبجانبه ذلك الرضا وذلك المن وذلك الطمئنان‪( :‬وقالوا الحمد ل‬

‫الذي أذهب عنا الحزن) ‪ . .‬والدنيا بما فيها من‬

‫قلق على المصير ‪ ,‬ومعاناة للمور تعد حزنا بالقياس إلى هذا النعيم المقيم ‪ .‬والقلق يوم الحشر‬

‫على المصير مصدر حزن كبير ‪( .‬إن ربنا لغفور شكور) ‪ . .‬غفر لنا وشكر لنا أعمالنا بما‬

‫جازانا عليها ‪( .‬الذي أحلّنا دار المقامة) ‪ . .‬للقامة والستقرار (من فضله) فما لنا عليه من‬

‫حق ‪ ,‬إنما هو الفضل يعطيه من يشاء ‪( .‬ل يمسنا فيها نصب ول يمسنا فيها لغوب) ‪ . .‬بل‬
‫يجتمع لنا فيها النعيم والراحة والطمئنان ‪.‬‬

‫فالجو كله يسر وراحة ونعيم ‪ .‬واللفاظ مختارة لتتسق بجرسها وإيقاعها مع هذا الجو الحاني‬

‫الرحيم ‪ .‬حتى "الحزن" ل يتكأ عليه بالسكون الجازم ‪ .‬بل يقال "الحزَن" بالتسهيل والتخفيف ‪.‬‬

‫والجنة (دار المقامة) ‪ .‬والنصب واللغوب ل يمسانهم مجرد مساس ‪ .‬واليقاع الموسيقي للتعبير‬
‫كله هادىء ناعم رتيب ‪.‬‬

‫******************‬
‫ولكن لماذا يجري ما يجري علينا من نكبات ؟‬

‫س ْتهُمُ ا ْلبَأْسَاء‬
‫خَل ْواْ مِن َق ْبِلكُم مّ ّ‬
‫جنّةَ َوَلمّا يَ ْأ ِتكُم ّمثَلُ الّذِينَ َ‬
‫خلُواْ الْ َ‬
‫س ْبتُمْ أَن تَدْ ُ‬
‫يقول ال تعالى { أَمْ حَ ِ‬
‫ص ُر اللّهِ أَل إِنّ َنصْ َر اللّهِ َقرِيبٌ}‬
‫ل الرّسُولُ وَالّذِينَ آ َمنُواْ َمعَهُ َمتَى َن ْ‬
‫حتّى يَقُو َ‬
‫ضرّاء َو ُز ْلزِلُواْ َ‬
‫وَال ّ‬
‫(‪ )214‬سورة البقرة‬

‫يقول الشهيد سيد قطب رحمه ال ‪:‬‬
‫‪4‬‬

‫هكذا خاطب ال الجماعة المسلمة الولى ‪ ,‬وهكذا وجهها إلى تجارب الجماعات المؤمنة قبلها ‪,‬‬
‫وإلى سنته ‪ -‬سبحانه ‪ -‬في تربية عباده المختارين ‪ ,‬الذين يكل إليهم رايته ‪ ,‬وينوط بهم أمانته‬
‫في الرض ومنهجه وشريعته ‪ .‬وهو خطاب مطرد لكل من يختار لهذا الدور العظيم ‪. .‬‬

‫وإنها لتجربة عميقة جليلة مرهوبة ‪ . .‬إن هذا السؤال من الرسول والذين آمنوا معه ‪ .‬من‬

‫الرسول الموصول بال ‪ ,‬والمؤمنين الذين آمنوا بال ‪ .‬إن سؤالهم‪( :‬متى نصر ال ?) ليصور‬
‫مدى المحنة التي تزلزل مثل هذه القلوب الموصولة ‪ .‬ولن تكون إل محنة فوق الوصف ‪ ,‬تلقي‬
‫ظللها على مثل هاتيك القلوب ‪ ,‬فتبعث منها ذلك السؤال المكروب‪( :‬متى نصر ال ?) ‪. .‬‬

‫وعندما تثبت القلوب على مثل هذه المحنة المزلزلة ‪ . .‬عندئذ تتم كلمة ال ‪ ,‬ويجيء النصر من‬
‫ال‪:‬‬

‫(أل إن نصر ال قريب) ‪. .‬‬

‫إنه مدخر لمن يستحقونه ‪ .‬ولن يستحقه إل الذين يثبتون حتى النهاية ‪ .‬الذين يثبتون على البأساء‬
‫والضراء ‪ .‬الذين يصمدون للزلزلة ‪ .‬الذين ل يحنون رؤوسهم للعاصفة ‪ .‬الذين يستيقنون أن ل‬

‫نصر إل نصر ال ‪ ,‬وعندما يشاء ال ‪ .‬وحتى حين تبلغ المحنة ذروتها ‪ ,‬فهم يتطلعون فحسب‬

‫إلى (نصر ال) ‪ ,‬ل إلى أي حل آخر ‪ ,‬ول إلى أي نصر ل يجيء من عند ال ‪ .‬ول نصر إل‬
‫من عند ال ‪.‬‬

‫بهذا يدخل المؤمنون الجنة ‪ ,‬مستحقين لها ‪ ,‬جديرين بها ‪ ,‬بعد الجهاد والمتحان ‪ ,‬والصبر‬

‫والثبات ‪ ,‬والتجرد ل وحده ‪ ,‬والشعور به وحده ‪ ,‬وإغفال كل ما سواه وكل من سواه ‪.‬‬

‫إن الصراع والصبر عليه يهب النفوس قوة ‪ ,‬ويرفعها على ذواتها ‪ ,‬ويطهرها في بوتقة اللم ‪,‬‬
‫فيصفو عنصرها ويضيء ‪ ,‬ويهب العقيدة عمقا وقوة وحيوية ‪ ,‬فتتلل حتى في أعين أعدائها‬

‫وخصومها ‪ .‬وعندئذ يدخلون في دين ال أفواجا كما وقع ‪ ,‬وكما يقع في كل قضية حق ‪ ,‬يلقي‬
‫أصحابها ما يلقون في أول الطريق ‪ ,‬حتى إذا ثبتوا للمحنة انحاز إليهم من كانوا يحاربونهم‬

‫وناصرهم أشد المناوئين وأكبر المعاندين ‪. .‬‬

‫على أنه ‪ -‬حتى إذا لم يقع هذا ‪ -‬يقع ما هو أعظم منه في حقيقته ‪ .‬يقع أن ترتفع أرواح‬
‫أصحاب الدعوة على كل قوى الرض وشرورها وفتنتها ‪ ,‬وأن تنطلق من إسار الحرص على‬

‫الدعة والراحة ‪ ,‬والحرص على الحياة نفسها في النهاية ‪ . .‬وهذا النطلق كسب للبشرية كلها ‪,‬‬

‫‪5‬‬

‫وكسب للرواح التي تصل إليه عن طريق الستعلء ‪ .‬كسب يرجح جميع اللم وجميع البأساء‬
‫والضراء التي يعانيها المؤمنون ‪ ,‬والمؤتمنون على راية ال وأمانته ودينه وشريعته ‪.‬‬
‫وهذا النطلق هو المؤهل لحياة الجنة في نهاية المطاف ‪ . .‬وهذا هو الطريق ‪. .‬‬

‫هذا هو الطريق كما يصفه ال للجماعة المسلمة الولى ‪ ,‬وللجماعة المسلمة في كل جيل ‪.‬‬

‫هذا هو الطريق‪:‬إيمان وجهاد ‪ . .‬ومحنة وابتلء ‪ .‬وصبر وثبات ‪ . .‬وتوجه إلى ال وحده ‪ .‬ثم‬
‫يجيء النصر ‪ .‬ثم يجيء النعيم ‪. .‬‬

‫**************‬

‫ح َزنُوا َوأَنتُمُ‬
‫ويقول تعالى ‪ { :‬هَـذَا َبيَانٌ لّلنّاسِ وَهُدًى َو َموْعِظَةٌ ّل ْل ُمتّقِينَ (‪ )138‬وَلَ َت ِهنُوا وَلَ تَ ْ‬

‫سكُمْ َقرْحٌ فَقَدْ َمسّ الْ َقوْمَ َقرْحٌ ّم ْثلُهُ َو ِت ْلكَ اليّامُ نُدَا ِوُلهَا‬
‫عَلوْنَ إِن كُنتُم ّم ْؤ ِمنِينَ (‪ )139‬إِن َيمْسَ ْ‬
‫الَ ْ‬
‫حبّ الظّاِلمِينَ (‪َ )140‬وِل ُيمَحّصَ‬
‫شهَدَاء وَاللّهُ لَ يُ ِ‬
‫َبيْنَ النّاسِ َوِل َي ْعلَ َم اللّهُ الّذِينَ آ َمنُواْ َو َيتّخِذَ مِنكُمْ ُ‬

‫جنّةَ َوَلمّا َي ْعلَ ِم اللّهُ الّذِينَ جَاهَدُواْ‬
‫خلُواْ الْ َ‬
‫س ْبتُمْ أَن تَدْ ُ‬
‫اللّهُ الّذِينَ آ َمنُواْ َو َيمْحَقَ ا ْلكَا ِفرِينَ (‪ )141‬أَمْ حَ ِ‬
‫مِنكُمْ َو َي ْعلَمَ الصّا ِبرِينَ (‪َ )142‬ولَقَدْ كُنتُمْ َت َم ّنوْنَ ا ْل َم ْوتَ مِن َقبْلِ أَن َتلْ َق ْوهُ فَقَدْ َرَأ ْي ُتمُوهُ َوأَنتُمْ‬

‫علَى‬
‫خَلتْ مِن َق ْبلِ ِه الرّسُلُ أَفَإِن مّاتَ َأوْ ُقتِلَ ان َقَلبْتُمْ َ‬
‫حمّدٌ إِلّ رَسُولٌ قَدْ َ‬
‫ظرُونَ (‪َ )143‬ومَا مُ َ‬
‫تَن ُ‬

‫جزِي اللّهُ الشّا ِكرِينَ (‪َ )144‬ومَا كَانَ‬
‫سيَ ْ‬
‫ش ْيئًا وَ َ‬
‫ض ّر اللّهَ َ‬
‫عَلىَ عَ ِق َبيْهِ َفلَن َي ُ‬
‫أَعْقَا ِبكُمْ َومَن يَن َقِلبْ َ‬

‫خ َرةِ‬
‫ِلنَ ْفسٍ أَنْ َتمُوتَ إِلّ بِإِذْنِ ال ِكتَابًا ّمؤَجّلً َومَن ُيرِدْ َثوَابَ ال ّد ْنيَا ُن ْؤتِهِ ِم ْنهَا َومَن ُيرِدْ َثوَابَ ال ِ‬
‫جزِي الشّا ِكرِينَ (‪َ )145‬وكََأيّن مّن ّن ِبيّ قَاتَلَ َمعَهُ ِر ّبيّونَ َكثِيرٌ َفمَا وَ َهنُواْ ِلمَا‬
‫سنَ ْ‬
‫ُن ْؤتِهِ ِم ْنهَا وَ َ‬

‫ب الصّا ِبرِينَ (‪َ )146‬ومَا كَانَ َق ْوَلهُمْ إِلّ‬
‫ح ّ‬
‫س َتكَانُواْ وَاللّهُ يُ ِ‬
‫ضعُفُواْ َومَا ا ْ‬
‫ل اللّهِ َومَا َ‬
‫سبِي ِ‬
‫َأصَا َبهُمْ فِي َ‬
‫علَى الْ َقوْمِ ا ْلكَا ِفرِينَ (‬
‫ص ْرنَا َ‬
‫سرَا َفنَا فِي َأ ْم ِرنَا َو َث ّبتْ أَقْدَا َمنَا وان ُ‬
‫أَن قَالُواْ ر ّبنَا اغْ ِفرْ َلنَا ُذنُو َبنَا َوإِ ْ‬
‫سنِينَ (‪ } )148‬سورة آل‬
‫حبّ ا ْلمُحْ ِ‬
‫خ َرةِ وَاللّهُ يُ ِ‬
‫‪ )147‬فَآتَاهُمُ اللّهُ َثوَابَ ال ّد ْنيَا وَحُسْنَ َثوَابِ ال ِ‬

‫عمران‬

‫يقول الشهيد سيد قطب رحمه ال ‪:‬‬
‫ل تهنوا ‪ -‬من الوهن والضعف ‪ -‬ول تحزنوا ‪ -‬لما أصابكم ولما فاتكم ‪ -‬وأنتم العلون ‪. .‬‬

‫عقيدتكم أعلى فأنتم تسجدون ل وحده ‪ ,‬وهم يسجدون لشيء من خلقه أو لبعض من خلقه !‬

‫ومنهجكم أعلى ‪ .‬فأنتم تسيرون على منهج من صنع ال ‪ ,‬وهم يسيرون على منهج من صنع‬

‫خلق ال ! ودوركم أعلى ‪ .‬فأنتم الوصياء على هذه البشرية كلها ‪ ,‬الهداة لهذه البشرية كلها ‪,‬‬

‫وهم شاردون عن النهج ‪ ,‬ضالون عن الطريق ‪ .‬ومكانكم في الرض أعلى ‪ ,‬فلكم وراثة‬
‫‪6‬‬

‫الرض التي وعدكم ال بها ‪ ,‬وهم إلى الفناء والنسيان صائرون ‪ . .‬فإن كنتم مؤمنين حقا فأنتم‬
‫العلون ‪ .‬وإن كنتم مؤمنين حقا فل تهنوا ول تحزنوا ‪ .‬فإنما هي سنة ال أن تصابوا وتصيبوا‬
‫‪ ,‬على أن تكون لكم العقبى بعد الجهاد والبتلء والتمحيص‪:‬‬

‫(إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله ‪ .‬وتلك اليام نداولها بين الناس ‪ .‬وليعلم ال الذين‬
‫آمنوا ‪ ,‬ويتخذ منكم شهداء ‪ .‬وال ل يحب الظالمين ‪ .‬وليمحص ال الذين آمنوا ويمحق‬
‫الكافرين) ‪. .‬‬

‫وذكر القرح الذي أصابهم وأصاب المكذبين قرح مثله ‪ ,‬قد يكون إشارة إلى غزوة بدر ‪ .‬وقد‬
‫مس القرح فيها المشركين وسلم المسلمون ‪ .‬وقد يكون إشارة إلى غزوة أحد ‪ .‬وقد انتصر فيها‬

‫المسلمون في أول المر ‪ .‬حتى هزم المشركون وقتل منهم سبعون ‪ ,‬وتابعهم المسلمون‬

‫يضربون أقفيتهم حتى لقد سقط علم المشركين في ثنايا المعركة فلم يتقدم إليه منهم أحد ‪ .‬حتى‬
‫رفعته لهم امرأة فلثوا بها وتجمعوا عليها ‪ . .‬ثم كانت الدولة للمشركين ‪ ,‬حينما خرج الرماة‬

‫على أمر رسول ال صلى ال عليه وسلم واختلفوا فيما بينهم ‪ .‬فأصاب المسلمين ما أصابهم في‬
‫نهاية المعركة ‪ .‬جزاء وفاقا لهذا الختلف وذلك الخروج ‪ ,‬وتحقيقا لسنة من سنن ال التي ل‬

‫تتخلف ‪ ,‬إذ كان اختلف الرماة وخروجهم ناشئين من الطمع في الغنيمة ‪ .‬وال قد كتب النصر‬

‫في معارك الجهاد لمن يجاهدون في سبيله ‪ ,‬ل ينظرون إلى شيء من عرض هذه الدنيا الزهيد‬
‫‪ .‬وتحقيقا كذلك لسنة أخرى من سنن ال في الرض ‪ ,‬وهي مداولة اليام بين الناس ‪ -‬وفقا لما‬

‫يبدو من عمل الناس ونيتهم ‪ -‬فتكون لهؤلء يوما ولولئك يوما ‪ .‬ومن ثم يتبين المؤمنون‬
‫ويتبين المنافقون ‪ .‬كما تتكشف الخطاء ‪ .‬وينجلي الغبش ‪.‬‬

‫(إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله ‪ .‬وتلك اليام نداولها بين الناس ‪ . .‬وليعلم ال الذين‬
‫آمنوا) ‪. .‬‬

‫إن الشدة بعد الرخاء ‪ ,‬والرخاء بعد الشدة ‪ ,‬هما اللذان يكشفان عن معادن النفوس ‪ ,‬وطبائع‬
‫القلوب ‪ ,‬ودرجة الغبش فيها والصفاء ‪ ,‬ودرجة الهلع فيها والصبر ‪ ,‬ودرجة الثقة فيها بال أو‬

‫القنوط ‪ ,‬ودرجة الستسلم فيها لقدر ال أو البرم به والجموح !‬

‫عندئذ يتميز الصف ويتكشف عن‪:‬مؤمنين ومنافقين ‪ ,‬ويظهر هؤلء وهؤلء على حقيقتهم ‪,‬‬

‫وتتكشف في دنيا الناس دخائل نفوسهم ‪ .‬ويزول عن الصف ذلك الدخل وتلك الخلخلة التي تنشأ‬
‫من قلة التناسق بين أعضائه وأفراده ‪ ,‬وهم مختلطون مبهمون !‬
‫‪7‬‬

‫وال سبحانه يعلم المؤمنين والمنافقين ‪ .‬وال سبحانه يعلم ما تنطوي عليه الصدور ‪ .‬ولكن‬
‫الحداث ومداولة اليام بين الناس تكشف المخبوء ‪ ,‬وتجعله واقعا في حياة الناس ‪ ,‬وتحول‬

‫اليمان إلى عمل ظاهر ‪ ,‬وتحول النفاق كذلك إلى تصرف ظاهر ‪ ,‬ومن ثم يتعلق به الحساب‬
‫والجزاء ‪ .‬فال سبحانه ل يحاسب الناس على ما يعلمه من أمرهم ولكن يحاسبهم على وقوعه‬
‫منهم ‪.‬‬

‫ومداولة اليام ‪ ,‬وتعاقب الشدة والرخاء ‪ ,‬محك ل يخطىء ‪ ,‬وميزان ل يظلم ‪ .‬والرخاء في هذا‬
‫كالشدة ‪ .‬وكم من نفوس تصبر للشدة وتتماسك ‪ ,‬ولكنها تتراخى بالرخاء وتنحل ‪ .‬والنفس‬

‫المؤمنة هي التي تصبر للضراء ول تستخفها السراء ‪ ,‬وتتجه إلى ال في الحالين ‪ ,‬وتوقن أن ما‬
‫أصابها من الخير والشر فبإذن ال ‪.‬‬

‫وقد كان ال يربي هذه الجماعة ‪ -‬وهي في مطالع خطواتها لقيادة البشرية ‪ -‬فرباها بهذا‬

‫البتلء بالشدة بعد البتلء بالرخاء ‪ ,‬والبتلء بالهزيمة المريرة بعد البتلء بالنصر العجيب ‪-‬‬
‫وإن يكن هذا وهذه قد وقعا وفق أسبابهما ووفق سنن ال الجارية في النصر والهزيمة ‪ .‬لتتعلم‬
‫هذه الجماعة أسباب النصر والهزيمة ‪ .‬ولتزيد طاعة ل ‪ ,‬وتوكل عليه ‪ ,‬والتصاقا بركنه ‪.‬‬

‫ولتعرف طبيعة هذا المنهج وتكاليفه معرفة اليقين ‪.‬‬

‫ويمضي السياق يكشف للمة المسلمة عن جوانب من حكمة ال فيما وقع من أحداث المعركة ‪,‬‬
‫وفيما وراء مداولة اليام بين الناس ‪ ,‬وفيما بعد تمييز الصفوف ‪ ,‬وعلم ال للمؤمنين‪:‬‬
‫(ويتخذ منكم شهداء) ‪. .‬‬

‫وهو تعبير عجيب عن معنى عميق ‪ -‬إن الشهداء لمختارون ‪ .‬يختارهم ال من بين المجاهدين ‪,‬‬
‫ويتخذهم لنفسه ‪ -‬سبحانه ‪ -‬فما هي رزية إذن ول خسارة أن يستشهد في سبيل ال من يستشهد‬
‫‪ .‬إنما هو اختيار وانتقاء ‪ ,‬وتكريم واختصاص ‪ . .‬إن هؤلء هم الذين اختصهم ال ورزقهم‬

‫الشهادة ‪ ,‬ليستخلصهم لنفسه ‪ -‬سبحانه ‪ -‬ويخصهم بقربه ‪.‬‬

‫ثم هم شهداء يتخذهم ال ‪ ,‬ويستشهدهم على هذا الحق الذي بعث به للناس ‪ .‬يستشهدهم فيؤدون‬

‫الشهادة ‪ .‬يؤدونها أداء ل شبهة فيه ‪ ,‬ول مطعن عليه ‪ ,‬ول جدال حوله ‪ .‬يؤدونها بجهادهم حتى‬
‫الموت في سبيل إحقاق هذا الحق ‪ ,‬وتقريره في دنيا الناس ‪ .‬يطلب ال ‪ -‬سبحانه ‪ -‬منهم أداء‬

‫هذه الشهادة ‪ ,‬على أن ما جاءهم من عنده الحق ; وعلى أنهم آمنوا به ‪ ,‬وتجردوا له ‪ ,‬وأعزوه‬

‫حتى أرخصوا كل شيء دونه ; وعلى أن حياة الناس ل تصلح ول تستقيم إل بهذا الحق ; وعلى‬
‫‪8‬‬

‫أنهم هم استيقنوا هذا ‪ ,‬فلم يألوا جهدا في كفاح الباطل وطرده من حياة الناس ‪ ,‬وإقرار هذا الحق‬
‫في عالمهم وتحقيق منهج ال في حكم الناس ‪ . .‬يستشهدهم ال على هذا كله فيشهدون ‪ .‬وتكون‬

‫شهادتهم هي هذا الجهاد حتى الموت ‪ .‬وهي شهادة ل تقبل الجدال والمحال !‬

‫وكل من ينطق بالشهادتين‪:‬شهادة أن ل إله إل ال وأن محمدا رسول ال ‪ .‬ل يقال له أنه شهد ‪,‬‬
‫إل أن يؤدي مدلول هذه الشهادة ومقتضاها ‪ .‬ومدلولها هو أل يتخذ إل ال إلها ‪ .‬ومن ثم ل‬

‫يتلقى الشريعة إل منال ‪ .‬فأخص خصائص اللوهية التشريع للعباد ; وأخص خصائص العبودية‬

‫التلقي من ال ‪ . .‬ومدلولها كذلك أل يتلقى من ال إل عن محمد بما أنه رسول ال ‪ .‬ول يعتمد‬
‫مصدرا آخر للتلقي إل هذا المصدر ‪. .‬‬

‫ومقتضى هذه الشهادة أن يجاهد إذن لتصبح اللوهية ل وحده في الرض ‪ ,‬كما بلغها محمد‬

‫صلى ال عليه وسلم فيصبح المنهج الذي أراده ال للناس ‪ ,‬والذي بلغه عنه محمد صلى ال‬

‫عليه وسلم هو المنهج السائد والغالب والمطاع ‪ ,‬وهو النظام الذي يصرف حياة الناس كلها بل‬
‫استثاء ‪.‬‬

‫فإذا اقتضى هذا المر أن يموت في سبيله ‪ ,‬فهو إذن شهيد ‪ .‬أي شاهد طلب ال إليه أداء هذه‬
‫الشهادة فأداها ‪ .‬واتخذه ال شهيدا ‪ . .‬ورزقه هذا المقام ‪.‬‬
‫هذا فقه ذلك التعبير العجيب‪:‬‬
‫(ويتخذ منكم شهداء ‪. . ). .‬‬

‫وهو مدلول شهادة أن ل إله إل ال وأن محمدا رسول ال ‪ ,‬ومقتضاه ‪ . .‬ل ما انتهى إليه مدلول‬
‫هذه الشهادة من الرخص والتفاهة والضياع !‬

‫(وال ل يحب الظالمين) ‪. .‬‬

‫والظلم كثيرا ما يذكر في القرآن ويراد به الشرك ‪ .‬بوصفه أظلم الظلم وأقبحه ‪ .‬وفي القرآن‪:‬‬
‫(إن الشرك لظلم عظيم) ‪ . .‬وفي الصحيحين عن ابن مسعود‪:‬أنه قال‪:‬قلت‪:‬يا رسول ال ‪ .‬أي‬

‫الذنب أعظم ? قال‪ ":‬أن تجعل ل ندا وهو خلقك ‪. . " . . .‬‬

‫وقد أشار السياق من قبل إلى سنة ال في المكذبين ; فالن يقرر أن ال ل يحب الظالمين ‪ .‬فهو‬

‫توكيد في صورة أخرى لحقيقة ما ينتظر المكذبين الظالمين الذين ل يحبهم ال ‪ .‬والتعبير بأن‬
‫ال ل يحب الظالمين ‪ ,‬يثير في نفس المؤمن بغض الظلم وبغض الظالمين ‪ .‬وهذه الثارة في‬
‫معرض الحديث عن الجهاد والستشهاد ‪ ,‬لها مناسبتها الحاضرة ‪ .‬فالمؤمن إنما يبذل نفسه في‬
‫‪9‬‬

‫مكافحة ما يكرهه ال ومن يكرهه ‪ .‬وهذا هو مقام الستشهاد ‪ ,‬وفي هذا تكون الشهادة ; ومن‬
‫هؤلء يتخذ ال الشهداء ‪. .‬‬

‫ثم يمضي السياق القرآني يكشف عن الحكمة الكامنة وراء الحداث ‪ ,‬في تربية المة المسلمة‬
‫وتمحيصها وإعدادها لدورها العلى ‪ ,‬ولتكون أداة من أدوات قدره في محق الكافرين ‪ ,‬وستارا‬
‫لقدرته في هلك المكذبين‪:‬‬

‫(وليمحص ال الذين آمنوا ويمحق الكافرين) ‪. .‬‬

‫والتمحيص درجة بعد الفرز والتمييز ‪ .‬التمحيص عملية تتم في داخل النفس ‪ ,‬وفي مكنون‬
‫الضمير ‪ . .‬إنها عملية كشف لمكنونات الشخصية ‪ ,‬وتسليط الضوء على هذه المكنونات ‪.‬‬

‫تمهيدا لخراج الدخل والدغل والوشاب ‪ ,‬وتركها نقية واضحة مستقرة على الحق ‪ ,‬بل غبش‬
‫ول ضباب ‪. .‬‬

‫وكثيرا ما يجهل النسان نفسه ‪ ,‬ومخابئها ودروبها ومنحنياتها ‪ .‬وكثيرا ما يجهل حقيقة ضعفها‬
‫وقوتها ‪ ,‬وحقيقة ما استكن فيها من رواسب ‪ ,‬ل تظهر إل بمثير !‬

‫وفي هذا التمحيص الذي يتوله ال ‪ -‬سبحانه ‪ -‬بمداولة اليام بين الناس بين الشدة والرخاء ‪,‬‬
‫يعلم المؤمنون من أنفسهم ما لم يكونوا يعلمونه قبل هذا المحك المرير‪:‬محك الحداث والتجارب‬

‫والمواقف العملية الواقعية ‪.‬‬

‫ولقد يظن النسان في نفسه القدرة والشجاعة والتجرد والخلص من الشح والحرص ‪ . .‬ثم إذا‬

‫هو يكشف ‪ -‬على ضوء التجربة العملية ‪ ,‬وفي مواجهة الحداث الواقعية ‪ -‬إن في نفسه عقابيل‬

‫لم تمحص ‪ .‬وأنه لم يتهيأ لمثل هذا المستوى من الضغوط ! ومن الخير أن يعلم هذا من نفسه ‪,‬‬
‫ليعاود المحاولة في سبكها من جديد ‪ ,‬على مستوى الضغوط التي تقتضيها طبيعة هذه الدعوة ‪,‬‬

‫وعلى مستوى التكاليف التي تقتضيها هذه العقيدة !‬

‫وال ‪ -‬سبحانه ‪ -‬كان يربي هذه الجماعة المختارة لقيادة البشرية ‪ ,‬وكان يريد بها أمرا في هذه‬
‫الرض ‪ .‬فمحصها هذا التمحيص ‪ ,‬الذي تكشفت عنه الحداث في أحد ‪ ,‬لترتفع إلى مستوى‬

‫الدور المقدر لها ‪ ,‬وليتحقق على يديها قدر ال الذي ناطه بها‪:‬‬
‫(ويمحق الكافرين) ‪. .‬‬

‫تحقيقا لسنته في دمغ الباطل بالحق متى استعلن الحق ‪ ,‬وخلص من الشوائب بالتمحيص ‪. .‬‬

‫‪10‬‬

‫وفي سؤال استنكاري يصحح القرآن تصورات المسلمين عن سنة ال في الدعوات ‪ ,‬وفي‬
‫النصر والهزيمة ‪ ,‬وفي العمل والجزاء ‪ .‬ويبين لهم أن طريق الجنة محفوف بالمكاره ‪ ,‬وزاده‬
‫الصبر على مشاق الطريق ‪ ,‬وليس زاده التمني والماني الطائرة التي ل تثبت على المعاناة‬
‫والتمحيص‪:‬‬

‫(أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ‪ ,‬ولما يعلم ال الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين ‪ .‬ولقد كنتم‬
‫تمنون الموت من قبل أن تلقوه ‪ .‬فقد رأيتموه وأنتم تنظرون) ‪. .‬‬

‫إن صيغة السؤال الستنكارية يقصد بها إلى التنبيه بشدة إلى خطأ هذا التصور‪:‬تصور أنه يكفي‬
‫النسان أن يقولها كلمة باللسان‪:‬أسلمت وأنا على استعداد للموت ‪ .‬فيبلغ بهذه الكلمة أن يؤدي‬

‫تكاليف اليمان ‪ ,‬وأن ينتهي إلى الجنة والرضوان !‬

‫إنما هي التجربة الواقعية ‪ ,‬والمتحان العملي ‪ .‬وإنما هو الجهاد وملقاة البلء ‪ ,‬ثم الصبر على‬

‫تكاليف الجهاد ‪ ,‬وعلى معاناة البلء ‪.‬‬
‫وفي النص القرآني لفتة ذات مغزى‪:‬‬

‫(ولما يعلم ال الذين جاهدوا منكم) ‪( . .‬ويعلم الصابرين) ‪. .‬‬
‫فل يكفي أن يجاهد المؤمنون ‪ .‬إنما هو الصبر على تكاليف هذه الدعوة أيضا ‪ .‬التكاليف‬

‫المستمرة المتنوعة التي ل تقف عند الجهاد في الميدان ‪ .‬فربما كان الجهاد في الميدان أخف‬
‫تكاليف هذه الدعوة التي يطلب لها الصبر ‪ ,‬ويختبر بها اليمان ‪ .‬إنما هنالك المعاناة اليومية‬

‫التي ل تنتهي‪:‬معاناة الستقامة على أفق اليمان ‪ .‬والستقرار على مقتضياته في الشعور‬

‫والسلوك ‪ ,‬والصبر في أثناء ذلك على الضعف النساني‪:‬في النفس وفي الغير ‪ ,‬ممن يتعامل‬

‫معهم المؤمن في حياته اليومية ‪ .‬والصبر على الفترات التي يستعلي فيها الباطل وينتفش ويبدو‬
‫كالمنتصر ! والصبر على طول الطريق وبعد الشقة وكثرة العقبات ‪ .‬والصبر على وسوسة‬

‫الراحة وهفوة النفس لها في زحمة الجهد والكرب والنضال ‪ . .‬والصبر على أشياء كثيرة ليس‬
‫الجهاد في الميدان إل واحدا منها ‪ ,‬في الطريق المحفوف بالمكاره ‪ .‬طريق الجنة التي ل تنال‬
‫بالماني وبكلمات اللسان !‬

‫(ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه ‪ .‬فقد رأيتموه وأنتم تنظرون) ‪. .‬‬

‫وهكذا يقفهم السياق وجها لوجه مرة أخرى أمام الموت الذي واجهوه في المعركة ‪ ,‬وقد كانوا‬
‫من قبل يتمنون لقاءه ‪ .‬ليوازنوا في حسهم بين وزن الكلمة يقولها اللسان ‪ ,‬ووزن الحقيقة‬
‫‪11‬‬

‫يواجهها في العيان ‪ .‬فيعلمهم بهذا أن يحسبوا حسابا لكل كلمة تطلقها السنتهم ‪ ,‬ويزنوا حقيقة‬
‫رصيدها الواقعي في نفوسهم ‪ ,‬على ضوء ما واجهوه من حقيقتها حين واجهتهم ! وبذلك‬

‫يقدرون قيمة الكلمة ‪ ,‬وقيمة المنية ‪ ,‬وقيمة الوعد ‪ ,‬في ضوء الواقع الثقيل ! ثم يعلمهم أن‬
‫ليست الكلمات الطائرة ‪ ,‬والماني المرفرفة هي التي تبلغهم الجنة ‪ ,‬إنما هو تحقيق الكلمة ‪,‬‬

‫وتجسيم المنية ‪ ,‬والجهاد الحقيقي ‪ ,‬والصبر على المعاناة ‪ .‬حتى يعلم ال منهم ذلك كله واقعا‬
‫كائنا في دنيا الناس !‬

‫ولقد كان ال ‪ -‬سبحانه ‪ -‬قادرا على أن يمنح النصر لنبيه ولدعوته ولدينه ولمنهجه منذ اللحظة‬
‫الولى ‪ ,‬وبل كد من المؤمنين ول عناء ‪ .‬وكان قادرا أن ينزل الملئكة تقاتل معهم ‪ -‬أو‬
‫بدونهم ‪ -‬وتدمر على المشركين ‪ ,‬كما دمرت على عاد وثمود وقوم لوط ‪. .‬‬

‫ولكن المسألة ليست هي النصر ‪ . .‬إنما هي تربية الجماعة المسلمة ‪ ,‬التي تعد لتتسلم قيادة‬

‫البشرية ‪ . .‬البشرية بكل ضعفها ونقصها ; وبكل شهواتها ونزواتها ; وبكل جاهليتها وانحرافها‬
‫‪ . .‬وقيادتها قيادة راشدة تقتضي استعدادا عاليا من القادة ‪ .‬وأول ما تقتضيه صلبة في الخلق ‪,‬‬

‫وثبات على الحق ‪ ,‬وصبر على المعاناة ‪ ,‬ومعرفة بمواطن الضعف ومواطن القوة في النفس‬

‫البشرية ‪ ,‬وخبرة بمواطن الزلل ودواعي النحراف ‪ ,‬ووسائل العلج ‪ . .‬ثم صبر على الرخاء‬
‫كالصبر على الشدة ‪ .‬وصبر على الشدة بعد الرخاء ‪ .‬وطعمها يومئذ لذع مرير ! ‪. .‬‬

‫وهذه التربية هي التي يأخذ ال بها الجماعة المسلمة حين يأذن بتسليمها مقاليد القيادة ‪ ,‬ليعدها‬

‫بهذه التربية للدور العظيم الهائل الشاق ‪ ,‬الذي ينوطه بها في هذه الرض ‪ .‬وقد شاء ‪ -‬سبحانه‬
‫‪ -‬أن يجعل هذا الدور من نصيب "النسان" الذي استخلفه في هذا الملك العريض !‬

‫وقدر ال في إعداد الجماعة المسلمة للقيادة يمضي في طريقه ‪ ,‬بشتى السباب والوسائل ‪,‬‬

‫وشتى الملبسات والوقائع ‪ . .‬يمضي أحيانا عن طريق النصر الحاسم للجماعة المسلمة ‪,‬‬

‫فتستبشر ‪ ,‬وترتفع ثقتها بنفسها ‪ -‬في ظل العون اللهي ‪ -‬وتجرب لذة النصر ‪ ,‬وتصبر على‬

‫نشوته ‪ ,‬وتجرب مقدرتها على مغالبة البطر والزهو والخيلء ‪ ,‬وعلى التزام التواضع والشكر‬

‫ل ‪ . .‬ويمضي أحيانا عن طريق الهزيمة والكرب والشدة ‪ .‬فتلجأ إلى ال ‪ ,‬وتعرف حقيقة قوتها‬

‫الذاتية ‪ ,‬وضعفها حين تنحرف أدنى انحراف عن منهج ال ‪ .‬وتجرب مرارة الهزيمة ; وتستعلي‬
‫مع ذلك على الباطل ‪ ,‬بما عندها من الحق المجرد ; وتعرف مواضع نقصها وضعفها ‪ ,‬ومداخل‬

‫‪12‬‬

‫شهواتها ‪ ,‬ومزالق أقدامها ; فتحاول أن تصلح من هذا كله في الجولة القادمة ‪ . .‬وتخرج من‬
‫النصر ومن الهزيمة بالزاد والرصيد ‪ . .‬ويمضي قدر ال وفق سنته ل يتخلف ول يحيد ‪. .‬‬

‫وقد كان هذا كله طرفا من رصيد معركة أحد ; الذي يحشده السياق القرآني للجماعة المسملة ‪-‬‬

‫على نحو ما نرى في هذه اليات ‪ -‬وهو رصيد مدخر لكل جماعة مسلمة ولكل جيل من أجيال‬

‫المسلمين ‪.‬‬

‫ثم يمضي السياق في تقرير حقائق التصور السلمي الكبيرة ; وفي تربية الجماعة المسلمة بهذه‬
‫الحقائق ; متخذا من أحداث المعركة محورا لتقرير تلك الحقائق ; ووسيلة لتربية الجماعة‬

‫المسلمة بها على طريقة المنهج القرآني الفريد‪:‬‬

‫(وما محمد إل رسول قد خلت من قبله الرسل ‪ .‬أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ? ومن‬

‫ينقلب على عقبيه فلن يضر ال شيئا ; وسيجزي ال الشاكرين ‪ .‬وما كان لنفس أن تموت إل‬
‫بإذن ال كتابا مؤجل ; ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ‪ ,‬ومن يرد ثواب الخرة نؤته منها ;‬

‫وسنجزي الشاكرين ‪ .‬وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير ‪ ,‬فما وهنوا لما أصابهم في سبيل‬

‫ال ‪ ,‬وما ضعفوا وما استكانوا ‪ ,‬وال يحب الصابرين ‪ .‬وما كان قولهم إل أن قالوا‪:‬ربنا اغفر‬
‫لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا ‪ ,‬وثبت أقدامنا ‪ ,‬وانصرنا على القوم الكافرين ‪ .‬فآتاهم ال ثواب‬

‫الدنيا وحسن ثواب الخرة ‪ ,‬وال يحب المحسنين) ‪. .‬‬

‫إن الية الولى في هذه الفقرة تشير إلى واقعة معينة ‪ ,‬حدثت في غزوة أحد ‪ .‬ذلك حين انكشف‬
‫ظهر المسلمين بعد أن ترك الرماة أماكنهم من الجبل ‪ ,‬فركبه المشركون ‪ ,‬وأوقعوا بالمسلمين ‪,‬‬

‫وكسرت رباعية الرسول صلى ال عليه وسلم وشج وجهه ‪ ,‬ونزفت جراحه ; وحين اختلطت‬

‫المور ‪ ,‬وتفرق المسلمون ‪ ,‬ل يدري أحدهم مكان الخر ‪ . .‬حينئذ نادى مناد‪:‬إن محمدا قد قتل‬
‫‪ . .‬وكان لهذه الصيحة وقعها الشديد على المسلمين ‪ .‬فانقلب الكثيرون منهم عائدين إلى المدينة‬

‫‪ ,‬مصعدين في الجبل منهزمين ‪ ,‬تاركين المعركة يائسين ‪ . .‬لول أن ثبت رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم في تلك القلة من الرجال ; وجعل ينادي المسلمين وهم منقلبون ‪ ,‬حتى فاءوا إليه ‪,‬‬

‫وثبت ال قلوبهم ‪ ,‬وأنزل عليهم النعاس امنة منه وطمأنينة ‪ . .‬كما سيجيء ‪. .‬‬

‫فهذه الحادثة التي أذهلتهم هذا الذهول ‪ ,‬يتخذها القرآن هنا مادة للتوجيه ‪ ,‬ومناسبة لتقرير حقائق‬

‫التصور السلمي ; ويجعلها محورا لشارات موحية في حقيقة الموت وحقيقة الحياة ‪ ,‬وفي‬
‫تاريخ اليمان ومواكب المؤمنين‪:‬‬

‫‪13‬‬

‫(وما محمد إل رسول قد خلت من قبله الرسل ‪ .‬أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ? ومن‬
‫ينقلب على عقبيه فلن يضر ال شيئا ‪ .‬وسيجزي ال الشاكرين) ‪. .‬‬

‫إن محمدا ليس إل رسول ‪ .‬سبقته الرسل ‪ .‬وقد مات الرسل ‪ .‬ومحمد سيموت كما مات الرسل‬
‫قبله ‪ . .‬هذه حقيقة أولية بسيطة ‪ .‬فما بالكم غفلتم عنها حينما واجهتكم في المعركة ?‬

‫إن محمدا رسول من عند ال ‪ ,‬جاء ليبلغ كلمة ال ‪ .‬وال باق ل يموت ‪ ,‬وكلمته باقية ل تموت‬
‫‪ . .‬وما ينبغي أن يرتد المؤمنون على أعقابهم إذا مات النبي الذي جاء ليبلغهم هذه الكلمة أو‬

‫قتل ‪ . .‬وهذه كذلك حقيقة أولية بسيطة غفلوا عنها في زحمة الهول ‪ .‬وما ينبغي للمؤمنين أن‬
‫يغفلوا عن هذه الحقيقة الولية البسيطة !‬

‫إن البشر إلى فناء ‪ ,‬والعقيدة إلى بقاء ‪ ,‬ومنهج ال للحياة مستقل في ذاته عن الذين يحملونه‬

‫ويؤدونه إلى الناس ‪ ,‬من الرسل والدعاة على مدار التاريخ ‪ . .‬والمسلم الذي يحب رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم وقد كان أصحابه يحبونه الحب الذي لم تعرف له النفس البشرية في‬

‫تاريخها كله نظيرا ‪ .‬الحب الذي يفدونه معه بحياتهم أن تشوكه شوكة ‪ .‬وقد رأينا أبا دجانة‬

‫يترس عليه بظهره والنبل يقع فيه ول يتحرك ! ورأينا التسعة الذين أفرد فيهم ينافحون عنه‬
‫ويستشهدون واحدا إثر واحد ‪ . .‬وما يزال الكثيرون في كل زمان وفي كل مكان يحبونه ذلك‬

‫الحب العجيب بكل كيانهم ‪ ,‬وبكل مشاعرهم ‪ ,‬حتى ليأخذهم الوجد من مجرد ذكره صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ . .‬هذا المسلم الذي يحب محمدا ذلك الحب ‪ ,‬مطلوب منه أن يفرق بين شخص‬

‫محمد صلى ال عليه وسلم والعقيدة التي أبلغها وتركها للناس من بعده ‪ ,‬باقية ممتدة موصولة‬
‫بال الذي ل يموت ‪.‬‬

‫إن الدعوة أقدم من الداعية‪:‬‬
‫(وما محمد إل رسول قد خلت من قبله الرسل) ‪. .‬‬

‫قد خلت من قبله الرسل يحملون هذه الدعوة الضاربة في جذور الزمن ‪ ,‬العميقة في منابت‬

‫التاريخ ‪ ,‬المبتدئة مع البشرية ‪ ,‬تحدو لها بالهدى والسلم من مطالع الطريق ‪.‬‬

‫وهي أكبر من الداعية ‪ ,‬وأبقى من الداعية ‪ .‬فدعاتها يجيئون ويذهبون ‪ ,‬وتبقى هي على الجيال‬
‫والقرون ‪ ,‬ويبقى اتباعها موصولين بمصدرها الول ‪ ,‬الذي أرسل بها الرسل ‪ ,‬وهو باق ‪-‬‬

‫سبحانه ‪ -‬يتوجه إليه المؤمنون ‪ . .‬وما يجوز أن ينقلب أحد منهم على عقبيه ‪ ,‬ويرتد عن هدى‬

‫ال ‪ .‬وال حي ل يموت‪:‬‬
‫‪14‬‬

‫ومن ثم هذا الستنكار ‪ ,‬وهذا التهديد ‪ ,‬وهذا البيان المنير‪:‬‬
‫(أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ? ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر ال شيئا ‪ .‬وسيجزي‬
‫ال الشاكرين) ‪. .‬‬

‫وفي التعبير تصوير حي للرتداد‪( :‬انقلبتم على أعقابكم) ‪( . .‬ومن ينقلب على عقبيه) ‪ .‬فهذه‬
‫الحركة الحسية في النقلب تجسم معنى الرتداد عن هذه العقيدة ‪ ,‬كأنه منظر مشهود ‪.‬‬

‫والمقصود أصل ليس حركة الرتداد الحسية بالهزيمة في المعركة ‪ ,‬ولكن حركة الرتداد‬

‫النفسية التي صاحبتها حينما هتف الهاتف‪:‬إن محمدا قد قتل ‪ ,‬فأحس بعض المسلمين أن ل‬
‫جدوى إذن من قتال المشركين ‪ ,‬وبموت محمد انتهى أمر هذا الدين ‪ ,‬وانتهى أمر الجهاد‬

‫للمشركين ! فهذه الحركة النفسية يجسمها التعبير هنا ‪ ,‬فيصورها حركة ارتداد على العقاب ‪,‬‬
‫كارتدادهم في المعركة على العقاب ! وهذا هو الذي حذرهم إياه النضر بن أنس ‪ -‬رضي ال‬

‫عنه ‪ -‬فقال لهم حين وجدهم قد ألقوا بأيديهم ‪ ,‬وقالوا له‪:‬إن محمدا قد مات‪ ":‬فما تصنعون‬
‫بالحياة من بعده ? فقوموا فموتوا على ما مات عليه رسول ال صلى ال عليه وسلم " ‪.‬‬

‫(ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر ال شيئا) ‪. .‬‬

‫فإنما هو الخاسر ‪ ,‬الذي يؤذي نفسه فيتنكب الطريق ‪ . .‬وانقلبه لن يضر ال شيئا ‪ .‬فال غني‬

‫عن الناس وعن إيمانهم ‪ .‬ولكنه ‪ -‬رحمة منه بالعباد ‪ -‬شرع لهم هذا المنهج لسعادتهم هم ‪,‬‬

‫ولخيرهم هم ‪ .‬وما يتنكبه متنكب حتى يلقي جزاءه من الشقوة والحيرة في ذات نفسه وفيمن‬

‫حوله ‪ .‬وحتى يفسد النظام وتفسد الحياة ويفسد الخلق ‪ ,‬وتعوج المور كلها ‪ ,‬ويذوق الناس وبال‬

‫أمرهم في تنكبهم للمنهج الوحيد الذي تستقيم في ظله الحياة ‪ ,‬وتستقيم في ظله النفوس ‪ ,‬وتجد‬
‫الفطرة في ظله السلم مع ذاتها ‪ ,‬والسلم مع الكون الذي تعيش فيه ‪.‬‬
‫(وسيجزي ال الشاكرين) ‪. .‬‬

‫الذين يعرفون مقدار النعمة التي منحها ال لعباده في إعطائهم هذا المنهج ‪ ,‬فيشكرونها باتباع‬
‫المنهج ‪ ,‬ويشكرونها بالثناء على ال ‪ ,‬ومن ثم يسعدون بالمنهج فيكون هذا جزاء طيبا على‬
‫شكرهم ‪ ,‬ثم يسعدون بجزاء ال لهم في الخرة ‪ ,‬وهو أكبر وأبقى ‪. .‬‬

‫وكأنما أراد ال ‪ -‬سبحانه ‪ -‬بهذه الحادثة ‪ ,‬وبهذه الية ‪ ,‬أن يفطم المسلمين عن تعلقهم الشديد‬

‫بشخص النبي صلى ال عليه وسلم وهو حي بينهم ‪ .‬وأن يصلهم مباشرة بالنبع ‪ .‬النبع الذي لم‬

‫‪15‬‬

‫يفجره محمد صلى ال عليه وسلم ولكن جاء فقط ليومىء إليه ‪ ,‬ويدعو البشر إلى فيضه المتدفق‬
‫‪ ,‬كما أومأ إليه من قبله من الرسل ‪ ,‬ودعوا القافلة إلى الرتواء منه !‬

‫وكأنما أراد ال ‪ -‬سبحانه ‪ -‬أن يأخذ بأيديهم ‪ ,‬فيصلها مباشرة بالعروة الوثقى ‪ .‬العروة التي لم‬
‫يعقدها محمد صلى ال عليه وسلم إنما جاء ليعقد بها أيدي البشر ‪ ,‬ثم يدعهم عليها ويمضي وهم‬

‫بها مستمسكون !‬

‫وكأنما أراد ال ‪ -‬سبحانه ‪ -‬أن يجعل ارتباط المسلمين بالسلم مباشرة ‪ ,‬وأن يجعل عهدهم مع‬

‫ال مباشرة ‪ ,‬وأن يجعل مسؤوليتهم في هذا العهد أمام ال بل وسيط ‪ .‬حتى يستشعروا تبعتهم‬

‫المباشرة ‪ ,‬التي ل يخليهم منها أن يموت الرسول صلى ال عليه وسلم أو يقتل ‪ ,‬فهم إنما بايعوا‬
‫ال ‪ .‬وهم أمام ال مسؤولون !‬

‫وكأنما كان ال ‪ -‬سبحانه ‪ -‬يعد الجماعة المسلمة لتلقي هذه الصدمة الكبرى ‪ -‬حين تقع ‪ -‬وهو‬
‫‪ -‬سبحانه ‪ -‬يعلم أن وقعها عليهم يكاد يتجاوز طاقتهم ‪ .‬فشاء أن يدربهم عليها هذا التدريب ‪,‬‬

‫وأن يصلهم به هو ‪ ,‬وبدعوته الباقية ‪ ,‬قبل أن يستبد بهم الدهش والذهول ولقد أصيبوا ‪ -‬حين‬

‫وقعت بالفعل ‪ -‬بالدهش والذهول ‪ .‬حتى لقد وقف عمر ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬شاهرا سيفه ‪ ,‬يهدد‬
‫به من يقول‪:‬إن محمدا قد مات !‬

‫ولم يثبت إل أبو بكر ‪ ,‬الموصول القلب بصاحبه ‪ ,‬وبقدر ال فيه ‪ ,‬التصال المباشر الوثيق ‪.‬‬
‫وكانت هذه الية ‪ -‬حين ذكرها وذكر بها المدهوشين الذاهلين ‪ -‬هي النداء اللهي المسموع ‪,‬‬
‫فإذا هم يثوبون ويرجعون !‬

‫ثم يلمس السياق القرآني مكمن الخوف من الموت في النفس البشرية ‪ ,‬لمسة موحية ‪ ,‬تطرد ذلك‬

‫الخوف ‪ ,‬عن طريق بيان الحقيقة الثابتة في شأن الموت وشأن الحياة ‪ ,‬وما بعد الحياة والموت‬
‫من حكمة ل وتدبير ‪ ,‬ومن ابتلء للعباد وجزاء‪:‬‬

‫(وما كان لنفس أن تموت إل بإذن ال كتابا مؤجل ‪ .‬ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ; ومن يرد‬

‫ثواب الخرة نؤته منها ‪ .‬وسنجزي الشاكرين) ‪. .‬‬

‫إن لكل نفس كتابا مؤجل إلى أجل مرسوم ‪ .‬ولن تموت نفس حتى تستوفي هذا الجل المرسوم‬
‫‪ .‬فالخوف والهلع ‪ ,‬والحرص والتخلف ‪ ,‬ل تطيل أجل ‪ .‬والشجاعة والثبات والقدام والوفاء ل‬

‫تقصر عمرا ‪ .‬فل كان الجبن ‪ ,‬ول نامت أعين الجبناء ‪ .‬والجل المكتوب ل ينقص منه يوم‬
‫ول يزيد !‬

‫‪16‬‬

‫بذلك تستقر حقيقة الجل في النفس ‪ ,‬فتترك الشتغال به ‪ ,‬ول تجعله في الحساب ‪ ,‬وهي تفكر‬
‫في الداء والوفاء باللتزامات والتكاليف اليمانية ‪ .‬وبذلك تنطلق من عقال الشح والحرص ‪,‬‬

‫كما ترتفع على وهلة الخوف والفزع ‪ .‬وبذلك تستقيم على الطريق بكل تكاليفه وبكل التزاماته ‪,‬‬
‫في صبر وطمأنينة ‪ ,‬وتوكل على ال الذي يملك الجال وحده ‪.‬‬

‫ثم ينتقل بالنفس خطوة وراء هذه القضية التي حسم فيها القول ‪ . .‬فإنه إذا كان العمر مكتوبا ‪,‬‬
‫والجل مرسوما ‪ . .‬فلتنظر نفس ما قدمت لغد ; ولتنظر نفس ماذا تريد ‪ . .‬أتريد أن تقعد عن‬

‫تكاليف اليمان ‪ ,‬وأن تحصر همها كله في هذه الرض ‪ ,‬وأن تعيش لهذه الدنيا وحدها ? أم‬

‫تريد أن تتطلع إلى أفق أعلى ‪ ,‬وإلى اهتمامات أرفع ‪ ,‬وإلى حياة أكبر من هذه الحياة ? ‪ . .‬مع‬
‫تساوي هذا الهم وذاك فيما يختص بالعمر والحياة ?!‬

‫(ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ‪ .‬ومن يرد ثواب الخرة نؤته منها) ‪.‬‬

‫وشتان بين حياة وحياة ! وشتان بين اهتمام واهتمام ! ‪ -‬مع اتحاد النتيجة بالقياس إلى العمر‬

‫والجل ‪ -‬والذي يعيش لهذه الرض وحدها ‪ ,‬ويريد ثواب الدنيا وحدها ‪ . .‬إنما يحيا حياة‬

‫الديدان والدواب والنعام ! ثم يموت في موعده المضروب بأجله المكتوب ‪ .‬والذي يتطلع إلى‬
‫الفق الخر ‪ . .‬إنما يحيا حياة "النسان" الذي كرمه ال واستخلفه وأفرده بهذا المكان ثم يموت‬

‫في موعده المضروب بأجله المكتوب ‪( . .‬وما كان لنفس أن تموت إل بإذن ال كتابا مؤجل) ‪.‬‬
‫‪.‬‬

‫(وسنجزي الشاكرين) ‪. .‬‬

‫الذين يدركون نعمة التكريم اللهي للنسان ‪ ,‬فيرتفعون عن مدارج الحيوان ; ويشكرون ال‬
‫على تلك النعمة ‪ ,‬فينهضون بتبعات اليمان ‪. .‬‬

‫وهكذا يقرر القرآن حقيقة الموت والحياة ‪ ,‬وحقيقة الغاية التي ينتهي إليها الحياء ‪ ,‬وفق ما‬

‫يريدونه لنفسهم ‪ ,‬من اهتمام قريب كاهتمام الدود ‪ ,‬أو اهتمام بعيد كاهتمام النسان ! وبذلك‬
‫ينقل النفس من النشغال بالخوف من الموت والجزع من التكاليف ‪ -‬وهي ل تملك شيئا في‬
‫شأن الموت والحياة ‪ -‬إلى النشغال بما هو أنفع للنفس ‪ ,‬في الحقل الذي تملكه ‪ ,‬وتملك فيه‬
‫الختيار ‪ .‬فتختار الدنيا أو تختار الخرة ‪ .‬وتنال من جزاء ال ما تختار !‬

‫ثم يضرب ال للمسلمين المثل من إخوانهم المؤمنين قبلهم ‪ .‬من موكب اليمان اللحب الممتد‬
‫على طول الطريق ‪ ,‬الضارب في جذور الزمان ‪ . .‬من أولئك الذين صدقوا في إيمانهم ‪,‬‬
‫‪17‬‬

‫وقاتلوا مع أنبيائهم ‪ ,‬فلم يجزعوا عند البتلء ; وتأدبوا ‪ -‬وهم مقدمون على الموت ‪ -‬بالدب‬
‫اليماني في هذا المقام ‪ . .‬مقام الجهاد ‪ . .‬فلم يزيدوا على أن يستغفروا ربهم ; وأن يجسموا‬
‫أخطاءهم فيروها "إسرافا" في أمرهم ‪ .‬وأن يطلبوا من ربهم الثبات والنصر على الكفار ‪. .‬‬

‫وبذلك نالوا ثواب الدارين ‪ ,‬جزاء إحسانهم في أدب الدعاء ‪ ,‬وإحسانهم في موقف الجهاد ‪.‬‬
‫وكانوا مثل يضربه ال للمسلمين‪:‬‬

‫(وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير ‪ ,‬فما وهنوا لما أصابهم في سبيل ال ‪ ,‬وما ضعفوا وما‬

‫استكانوا ‪ .‬وال يحب الصابرين ‪ .‬وما كان قولهم إل أن قالوا‪:‬ربنا اغفر لنا ذنوبنا ‪ ,‬وإسرافنا في‬
‫أمرنا ; وثبت أقدامنا ; وانصرنا على القوم الكافرين ‪ .‬فآتاهم ال ثواب الدنيا وحسن ثواب‬
‫الخرة ‪ .‬وال يحب المحسنين) ‪. .‬‬

‫لقد كانت الهزيمة في "أحد" ‪ ,‬هي أول هزيمة تصدم المسلمين ‪ ,‬الذين نصرهم ال ببدر وهم‬

‫ضعاف قليل ; فكأنما وقر في نفوسهم أن النصر في كل موقعة هو السنة الكونية ‪ .‬فلما أن‬
‫صدمتهم أحد ‪ ,‬فوجئوا بالبتلء كأنهم ل ينتظرونه !‬

‫ولعله لهذا طال الحديث حول هذه الواقعة في القرآن الكريم ‪ .‬واستطرد السياق يأخذ المسلمين‬
‫بالتأسية تارة ‪ ,‬وبالستنكار تارة ‪ ,‬وبالتقرير تارة ‪ ,‬وبالمثل تارة ‪ ,‬تربية لنفوسهم ‪ ,‬وتصحيحا‬

‫لتصورهم ‪ ,‬وإعدادا لهم ‪ .‬فالطريق أمامهم طويل ‪ ,‬والتجارب أمامهم شاقة ‪ ,‬والتكاليف عليهم‬
‫باهظة ‪ ,‬والمر الذي يندبون له عظيم ‪.‬‬

‫والمثل الذي يضربه لهم هنا مثل عام ‪ ,‬ل يحدد فيه نبيا ‪ ,‬ول يحدد فيه قوما ‪ .‬إنما يربطهم‬
‫بموكب اليمان ; ويعلمهم أدب المؤمنين ; ويصور لهم البتلء كأنه المر المطرد في كل دعوة‬
‫وفي كل دين ; ويربطهم بأسلفهم من اتباع النبياء ; ليقرر في حسهم قرابة المؤمنين للمؤمنين‬
‫; ويقر في أخلدهم أن أمر العقيدة كله واحد ‪ .‬وإنهم كتيبة في الجيش اليماني الكبير‪:‬‬

‫(وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير ‪ .‬فما وهنوا لما أصابهم في سبيل ال وما ضعفوا وما‬
‫استكانوا) ‪. .‬‬

‫‪ . .‬وكم من نبي قاتلت معه جماعات كثيرة ‪ .‬فما ضعفت نفوسهم لما أصابهم من البلء والكرب‬

‫والشدة والجراح ‪ .‬وما ضعفت قواهم عن الستمرار في الكفاح ‪ ,‬وما استسلموا للجزع ول‬

‫للعداء ‪ . .‬فهذا هو شأن المؤمنين ‪ ,‬المنافحين عن عقيدة ودين ‪. .‬‬
‫(وال يحب الصابرين) ‪. .‬‬

‫‪18‬‬

‫الذين ل تضعف نفوسهم ‪ ,‬ول تتضعضع قواهم ‪ ,‬ول تلين عزائمهم ‪ ,‬ول يستكينون أو‬
‫يستسلمون ‪ . .‬والتعبير بالحب من ال للصابرين ‪ .‬له وقعه ‪ .‬وله إيحاؤه ‪ .‬فهو الحب الذي يأسو‬

‫الجراح ‪ ,‬ويمسح على القرح ‪ ,‬ويعوض ويربو عن الضر والقرح والكفاح المرير !‬

‫وإلى هنا كان السياق قد رسم الصورة الظاهرة لهؤلء المؤمنين في موقفهم من الشدة والبتلء‬
‫‪ .‬فهو يمضي بعدها ليرسم الصورة الباطنة لنفوسهم ومشاعرهم ‪ .‬صورة الدب في حق ال ‪,‬‬

‫وهم يواجهون الهول الذي يذهل النفوس ‪ ,‬ويقيدها بالخطر الراهق ل تتعداه ‪ .‬ولكنه ل يذهل‬

‫نفوس المؤمنين عن التوجه إلى ال ‪ . .‬ل لتطلب النصر أول ما تطلب ‪ -‬وهو ما يتبادر عادة‬

‫إلى النفوس ‪ -‬ولكن لتطلب العفو والمغفرة ‪ ,‬ولتعترف بالذنب والخطيئة ‪ ,‬قبل أن تطلب الثبات‬

‫والنصر على العداء‪:‬‬

‫(وما كان قولهم إل أن قالوا‪:‬ربنا اغفر لنا ذنوبنا ‪ ,‬وإسرافنا في أمرنا ‪ ,‬وثبت أقدامنا ‪,‬‬

‫وانصرنا على القوم الكافرين) ‪. .‬‬

‫إنهم لم يطلبوا نعمة ول ثراء ‪ .‬بل لم يطلبوا ثوابا ول جزاء ‪ . .‬لم يطلبوا ثواب الدنيا ول ثواب‬
‫الخرة ‪ .‬لقد كانوا أكثر أدبا مع ال ‪ ,‬وهم يتوجهون إليه ‪ ,‬بينما هم يقاتلون في سبيله ‪ .‬فلم‬

‫يطلبوا منه ‪ -‬سبحانه ‪ -‬إل غفران الذنوب ‪ ,‬وتثبيت القدام ‪ . .‬والنصر على الكفار ‪ .‬فحتى‬

‫النصر ل يطلبونه لنفسهم إنما يطلبونه هزيمة للكفر وعقوبة للكفار ‪ . .‬إنه الدب اللئق‬
‫بالمؤمنين في حق ال الكريم ‪.‬‬

‫وهؤلء الذين لم يطلبوا لنفسهم شيئا ‪ ,‬أعطاهم ال من عنده كل شيء ‪ .‬أعطاهم من عنده كل‬
‫ما يتمناه طلب الدنيا وزيادة ‪ .‬وأعطاهم كذلك كل ما يتمناه طلب الخرة ويرجونه‪:‬‬

‫(فآتاهم ال ثواب الدنيا ‪ ,‬وحسن ثواب الخرة) ‪. .‬‬

‫وشهد لهم ‪ -‬سبحانه ‪ -‬بالحسان ‪ .‬فقد أحسنوا الدب وأحسنوا الجهاد ‪ ,‬وأعلن حبه لهم ‪ .‬وهو‬

‫أكبر من النعمة وأكبر من الثواب‪:‬‬
‫(وال يحب المحسنين) ‪. .‬‬

‫وهكذا تنتهي هذه الفقرة في الستعراض ; وقد تضمنت تلك الحقائق الكبيرة في التصور‬
‫السلمي ‪ .‬وقد أدت هذا الدور في تربية الجماعة المسلمة ‪ .‬وقد ادخرت هذا الرصيد للمة‬

‫المسلمة في كل جيل ‪. .‬‬
‫***********‬

‫‪19‬‬

‫بعد هذا أقول ‪ :‬كلنا سنموت شئنا أم أبينا‬
‫جعُونَ} (‪ )35‬سورة‬
‫خ ْيرِ ِف ْتنَةً َوِإَل ْينَا ُترْ َ‬
‫شرّ وَالْ َ‬
‫قال تعالى ‪ { :‬كُلّ نَ ْفسٍ ذَائِقَةُ ا ْل َموْتِ َو َن ْبلُوكُم بِال ّ‬

‫النبياء‬

‫حزِحَ عَنِ النّارِ‬
‫وقال تعالى ‪{ :‬كُلّ نَ ْفسٍ ذَآئِقَةُ ا ْل َم ْوتِ َوِإ ّنمَا ُتوَ ّفوْنَ أُجُو َركُمْ َيوْمَ الْ ِقيَامَةِ َفمَن زُ ْ‬

‫سكُمْ‬
‫حيَاةُ ال ّد ْنيَا إِلّ َمتَاعُ ا ْل ُغرُورِ (‪َ )185‬ل ُت ْبَلوُنّ فِي َأ ْموَاِلكُمْ َوأَنفُ ِ‬
‫جنّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْ َ‬
‫َوأُدْخِلَ الْ َ‬

‫ص ِبرُواْ َو َتتّقُواْ‬
‫ش َركُواْ أَذًى َكثِيرا َوإِن َت ْ‬
‫س َمعُنّ مِنَ الّذِينَ أُوتُواْ ا ْل ِكتَابَ مِن َق ْبِلكُمْ َومِنَ الّذِينَ أَ ْ‬
‫َوَلتَ ْ‬
‫لمُورِ (‪ )186‬سورة آل عمران‬
‫عزْمِ ا ُ‬
‫فَإِنّ َذِلكَ مِنْ َ‬

‫يقول الشهيد سيد قطب رحمه ال ‪:‬‬

‫وفي هذا الدرس استعراض لبعض أفاعيل يهود وأقاويلها ‪ .‬يبدو فيه سوء الدب مع ال ‪-‬‬
‫سبحانه ‪ -‬بعد سوء الفعل مع المسلمين ‪ .‬وهم يبخلون بالوفاء بتعهداتهم المالية للرسول صلى‬

‫ال عليه وسلم ثم يزيدون فيقولون‪( :‬إن ال فقير ونحن أغنياء) !‬

‫ويبدو فيه التعلل الواهي ‪ ,‬الذي يدفعون به دعوة السلم الموجهة إليهم ; وكذب هذا التعلل ‪,‬‬
‫ومخالفته لواقعهم التاريخي المعروف ‪ .‬هذا الوقاع الذي ينضح بمخالفتهم لعهد ال معهم ‪,‬‬

‫وبكتمانهم لما أمرهم ال ببيانه من الحق ‪ ,‬ونبذه وراء ظهورهم ‪ ,‬وشرائهم به ثمنا قليل ‪.‬‬

‫وبقتلهم أنبياءهم بغير حق ‪ ,‬وقد جاءوهم بالخوارق التي طلبوها ‪ ,‬وجاءوهم بالبينات فرفضوها‬
‫‪.‬‬

‫وهذا الكشف المخجل لفاعيل اليهود مع أنبيائهم ‪ ,‬وأقاويلهم على ربهم ‪ ,‬كان هو المر الذي‬
‫يقتضيه سوء موقفهم من الجماعة المسلمة ‪ ,‬وتأثير كيدهم ودسهم وإيذائهم ‪ -‬هم والمشركون ‪-‬‬
‫للمسلمين ‪ .‬كما كانت تقتضيه تربية ال للجماعة المسلمة تربية واعية ; تبصرهم بما حولهم ‪,‬‬

‫وبمن حولهم ; وتعرفهم طبيعة الرض التي يعملون فيها ‪ ,‬وطبيعة العقبات والفخاخ المنصوبة‬

‫لهم ‪ ,‬وطبيعة اللم والتضحيات المرصودة لهم في الطريق ‪ . .‬وقد كان الكيد اليهودي للجماعة‬

‫المسلمة في المدينة أقسى وأخطر من عداوة المشركين لهم في مكة ‪ .‬ولعله ما يزال أخطر ما‬

‫يرصد للجماعات المسلمة في كل مكان ‪ ,‬على مدار التاريخ ‪. .‬‬

‫ومن ثم نجد التوجيهات الربانية تتولى على المسلمين في ثنايا الستعراض المثير ‪ . .‬نجد‬

‫توجيههم إلى حقيقة القيم الباقية والقيم الزائلة ‪ .‬فالحياة في هذه الرض محدودة بأجل ‪ .‬وكل‬

‫نفس ذائقة الموت على كل حال ‪ .‬إنما الجزاء هناك ‪ ,‬والكسب والخسارة هناك ‪( .‬فمن زحزح‬
‫‪20‬‬

‫عن النار وأدخل الجنة فقد فاز ‪ .‬وما الحياة الدنيا إل متاع الغرور) ‪ . .‬وهم مبتلون في أموالهم‬
‫وأنفسهم ‪ ,‬والذى سينالهم من أعدائهم المشركين وأهل الكتاب ‪ .‬فلعاصم لهم إل الصبر‬

‫والتقوى ‪ ,‬والمضي مع المنهج ‪ ,‬الذي يزحزحهم عن النار !‬

‫وهذا التوجيه اللهي للجماعة المسلمة في المدينة ما يزال هو هو ‪ ,‬قائما اليوم وغدا ‪ ,‬يبصر كل‬
‫جماعة مسلمة تعتزم سلوك الطريق ‪ ,‬لعادة نشأة السلم ولستئناف حياة إسلمية في ظل ال‬

‫‪ . .‬يبصرها بطبيعة أعدائها ‪ -‬وهم هم مشركين وملحدين وأهل كتاب ‪ -‬الصهيونية العالمية‬

‫والصليبية العالمية والشيوعية ! ‪ -‬ويبصرها بطبيعة العقبات والفخاخ المرصودة في طريقها ‪,‬‬
‫وبطبيعة اللم والتضحيات والذى والبتلء ‪ .‬ويعلق قلوبها وأبصارها بما هنالك ‪ .‬بما عند ال‬
‫‪ .‬ويهون عليها الذى والموت والفتنة في النفس والمال ‪ .‬ويناديها ‪ -‬كما نادى الجماعة المسلمة‬

‫الولى ‪( :-‬كل نفس ذائقة الموت ‪ ,‬وإنما توفون أجوركم يوم القيامة ‪ .‬فمن زحزح عن النار‬
‫وأدخل الجنة فقد فاز ‪ .‬وما الحياة الدنيا إل متاع الغرور ‪ .‬لتبلون في أموالكم وأنفسكم ;‬

‫ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا ‪ .‬وإن تصبروا وتتقوا‬
‫فإن ذلك من عزم المور) ‪. .‬‬

‫والقرآن هو القرآن ‪ .‬كتاب هذه المة الخالد ‪ .‬ودستورها الشامل ‪ .‬وحاديها الهادي ‪ .‬وقائدها‬

‫المين ‪.‬‬

‫وأعداؤها هم أعداؤها ‪ . .‬والطريق هو الطريق ‪. .‬‬
‫ويقول ‪:‬‬

‫إنه ل بد من استقرار هذه الحقيقة في النفس‪:‬حقيقة أن الحياة في هذه الرض موقوتة ‪ ,‬محدودة‬

‫بأجل ; ثم تأتي نهايتها حتما ‪ . .‬يموت الصالحون يموت الطالحون ‪ .‬يموت المجاهدون ويموت‬

‫القاعدون ‪ .‬يموت المستعلون بالعقيدة ويموت المستذلون للعبيد ‪ .‬يموت الشجعان الذين يأبون‬

‫الضيم ‪ ,‬ويموت الجبناء الحريصون على الحياة بأي ثمن ‪ . .‬يموت ذوو الهتمامات الكبيرة‬
‫والهداف العالية ‪ ,‬ويموت التافهون الذين يعيشون فقط للمتاع الرخيص ‪.‬‬

‫الكل يموت ‪( . .‬كل نفس ذائقة الموت) ‪ . .‬كل نفس تذوق هذه الجرعة ‪ ,‬وتفارق هذه الحياة ‪. .‬‬
‫ل فارق بين نفس ونفس في تذوق هذه الجرعة من هذه الكأس الدائرة على الجميع ‪ .‬إنما الفارق‬

‫في شيء آخر ‪ .‬الفارق في قيمة أخرى ‪ .‬الفارق في المصير الخير‪:‬‬

‫‪21‬‬

‫(وإنما توفون أجوركم يوم القيامة ‪ .‬فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز) ‪ . .‬هذه هي‬
‫القيمة التي يكون فيها الفتراق ‪ .‬وهذا هو المصير الذي يفترق فيه فلن عن فلن ‪ .‬القيمة‬

‫الباقية التي تستحق السعي والكد ‪ .‬والمصير المخوف الذي يستحق أن يحسب له ألف حساب‪:‬‬
‫(فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز) ‪. .‬‬

‫ولفظ "زحزح" بذاته يصور معناه بجرسه ‪ ,‬ويرسم هيئته ‪ ,‬ويلقي ظله ! وكأنما للنار جاذبية تشد‬
‫إليها من يقترب منها ‪ ,‬ويدخل في مجالها ! فهو في حاجة إلى من يزحزحه قليل قليل ليخلصه‬

‫من جاذبيتها المنهومة ! فمن أمكن أن يزحزح عن مجالها ‪ ,‬ويستنقذ من جاذبيتها ‪ ,‬ويدخل الجنة‬
‫‪ . .‬فقد فاز ‪. .‬‬

‫صورة قوية ‪ .‬بل مشهد حي ‪ .‬فيه حركة وشد وجذب ! وهو كذلك في حقيقته وفي طبيعته ‪.‬‬
‫فللنار جاذبية ! أليست للمعصية جاذبية ? أليست النفس في حاجة إلى من يزحزحها زحزحة‬

‫عن جاذبية المعصية ? بلى ! وهذه هي زحزحتها عن النار ! أليس النسان ‪ -‬حتى مع‬

‫المحاولة واليقظة الدائمة ‪ -‬يظل أبدا مقصرا في العمل ‪ . .‬إل أن يدركه فضل ال ? بلى !‬

‫وهذه هي الزحزحة عن النار ; حين يدرك النسان فضل ال ‪ ,‬فيزحزحه عن النار ! (وما‬
‫الحياة الدنيا إل متاع الغرور) ‪. .‬‬

‫إنها متاع ‪ .‬ولكنه ليس متاع الحقيقة ‪ ,‬ول متاع الصحو واليقظة ‪ . .‬إنها متاع الغرور ‪ .‬المتاع‬

‫الذي يخدع النسان فيحسبه متاعا ‪ .‬أو المتاع الذي ينشىء الغرور والخداع ! فأما المتاع الحق‬
‫‪ .‬المتاع الذي يستحق الجهد في تحصيله ‪ . .‬فهو ذاك ‪ . .‬هو الفوز بالجنة بعد الزحزحة عن‬

‫النار ‪.‬‬

‫وعندما تكون هذه الحقيقة قد استقرت في النفس ‪ .‬عندما تكون النفس قد أخرجت من حسابها‬
‫حكاية الحرص على الحياة ‪ -‬إذ كل نفس ذائقة الموت على كل حال ‪ -‬وأخرجت من حسابها‬
‫حكاية متاع الغرور الزائل ‪ . .‬عندئذ يحدث ال المؤمنين عما ينتظرهم من بلء في الموال‬

‫والنفس ‪ .‬وقد استعدت نفوسهم للبلء‪:‬‬

‫(لتبلون في أموالكم وأنفسكم ‪ ,‬ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى‬
‫كثيرا ‪ .‬وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم المور) ‪. .‬‬

‫إنها سنة العقائد والدعوات ‪ .‬ل بد من بلء ‪ ,‬ول بد من أذى في الموال والنفس ‪ ,‬ول بد من‬

‫صبر ومقاومة واعتزام ‪.‬‬
‫‪22‬‬

‫إنه الطريق إلى الجنة ‪ .‬وقد حفت الجنة بالمكاره ‪ .‬بينما حفت النار بالشهوات ‪.‬‬
‫ثم إنه هو الطريق الذي ل طريق غيره ‪ ,‬لنشاء الجماعة التي تحمل هذه الدعوة ‪ ,‬وتنهض‬

‫بتكاليفها ‪ .‬طريق التربية لهذه الجماعة ; وإخراج مكنوناتها من الخير والقوة والحتمال ‪ .‬وهو‬

‫طريق المزاولة العملية للتكاليف ; والمعرفة الواقعية لحقيقة الناس وحقيقة الحياة ‪.‬‬

‫ذلك ليثبت على هذه الدعوة أصلب أصحابها عودا ‪ .‬فهؤلء هم الذين يصلحون لحملها إذن‬

‫والصبر عليها ‪ .‬فهم عليها مؤتمنون ‪.‬‬

‫وذلك لكي تعز هذه الدعوة عليهم وتغلو ‪ ,‬بقدر ما يصيبهم في سبيلها من عنت وبلء ‪ ,‬وبقدر ما‬
‫يضحون في سبيلها من عزيز وغال ‪ .‬فل يفرطوا فيها بعد ذلك ‪ ,‬مهما تكن الحوال ‪.‬‬

‫وذلك لكي يصلب عود الدعوة والدعاة ‪ .‬فالمقاومة هي التي تستثير القوى الكامنة ‪ ,‬وتنميها‬
‫وتجمعها وتوجهها ‪ .‬والدعوة الجديدة في حاجة إلى استثارة هذه القوى لتتأصل جذورها وتتعمق‬

‫; وتتصل بالتربة الخصبة الغنية في أعماق الفطرة ‪. .‬‬

‫وذلك لكي يعرف أصحاب الدعوة حقيقتهم هم أنفسهم ; وهم يزاولون الحياة والجهاد مزاولة‬

‫عملية واقعية ‪ .‬ويعرفوا حقيقة النفس البشرية وخباياها ‪ .‬وحقيقة الجماعات والمجتمعات ‪ .‬وهم‬
‫يرون كيف تصطرع مبادىء دعوتهم ‪ ,‬مع الشهوات في أنفسهم وفي أنفس الناس ‪ .‬ويعرفون‬
‫مداخل الشيطان إلى هذه النفوس ‪ ,‬ومزالق الطريق ‪ ,‬ومسارب الضلل !‬

‫ثم ‪ . .‬لكي يشعر المعارضون لها في النهاية أنه ل بد فيها من خير ‪ ,‬ول بد فيها من سر ‪,‬‬

‫يجعل أصحابها يلقون في سبيلها ما يلقون وهم صامدون ‪ . .‬فعندئذ قد ينقلب المعارضون لها‬

‫إليها ‪ . .‬أفواجا ‪ . .‬في نهاية المطاف !‬

‫إنها سنة الدعوات ‪ .‬وما يصبر على ما فيها من مشقة ; ويحافظ في ثنايا الصراع المرير على‬

‫تقوى ال ‪ ,‬فل يشط فيعتدي وهو يرد العتداء ; ول ييأس من رحمة ال ويقطع أمله في نصره‬

‫وهو يعاني الشدائد ‪ . .‬ما يصبر على ذلك كله إل أولو العزم القوياء‪:‬‬
‫(وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم المور) ‪. .‬‬

‫وهكذا علمت الجماعة المسلمة في المدينة ما ينتظرها من تضحيات وآلم ‪ .‬وما ينتظرها من‬
‫أذى وبلء في النفس والموال ‪ .‬من أهل الكتاب من حولها ‪ .‬ومن المشركين أعدائها ‪. .‬‬

‫ولكنها سارت في الطريق ‪ .‬لم تتخاذل ‪ ,‬ولم تتراجع ‪ ,‬ولم تنكص على أعقابها ‪ . .‬لقد كانت‬
‫تستيقن أن كل نفس ذائقة الموت ‪ .‬وأن توفية الجور يوم القيامة ‪ .‬وأنه من زحزح عن النار‬
‫‪23‬‬

‫وأدخل الجنة فقد فاز ‪ .‬وأن الحياة الدنيا ما هي إل متاع الغرور ‪ . .‬على هذه الرض الصلبة‬
‫المكشوفة كانت تقف ; وفي هذا الطريق القاصد الواصل كانت تخطو ‪ . .‬والرض الصلبة‬

‫المكشوفة باقية لصحاب هذه الدعوة في كل زمان ‪ .‬والطريق القاصد الواصل مفتوح يراه كل‬
‫إنسان ‪ .‬وأعداء هذه الدعوة هم أعداؤها ‪ ,‬تتوالى القرون والجيال ; وهم ماضون في الكيد لها‬

‫من وراء القرون والجيال ‪ . .‬والقرآن هو القرآن ‪. .‬‬

‫وتختلف وسائل البتلء والفتنة باختلف الزمان ; وتختلف وسائل الدعاية ضد الجماعة المسلمة‬
‫‪ ,‬ووسائل إيذائها في سمعتها وفي مقوماتها وفي أعراضها وفي أهدافها وأغراضها ‪ . .‬ولكن‬

‫القاعدة واحدة‪( :‬لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن‬

‫الذين أشركوا أذى كثيرا) !‬

‫ولقد حفلت السورة بصور من مكايد أهل الكتاب والمشركين ; وصور من دعايتهم للبلبلة‬

‫والتشكيك ‪ .‬أحيانا في أصول الدعوة وحقيقتها ‪ ,‬وأحيانا في أصحابها وقيادتها ‪ .‬وهذه الصور‬
‫تتجدد مع الزمان ‪ .‬وتتنوع بابتداع وسائل الدعاية الجديدة ‪ ,‬وتوجه كلها إلى السلم في أصوله‬

‫العتقادية ‪ ,‬وإلى الجماعة المسلمة والقيادة السلمية ‪ .‬فل تخرج على هذه القاعدة التي كشف‬
‫ال عنها للجماعة المسلمة الولى ‪ ,‬وهو يكشف لها عن طبيعة الطريق ‪ ,‬وطبيعة العداء‬

‫الراصدين لها في الطريق ‪. .‬‬

‫ويبقى هذا التوجيه القرآني رصيدا للجماعة المسلمة كلما همت أن تتحرك بهذه العقيدة ‪ ,‬وأن‬
‫تحاول تحقيق منهج ال في الرض ; فتجمعت عليها وسائل الكيد والفتنة ‪ ,‬ووسائل الدعاية‬

‫الحديثة ‪ ,‬لتشويه أهدافها ‪ ,‬وتمزيق أوصالها ‪ . .‬يبقى هذا التوجيه القرآني حاضرا يجلو‬

‫لبصارها طبيعة هذه الدعوة ‪ ,‬وطبيعة طريقها ‪ .‬وطبيعة أعدائها الراصدين لها في الطريق ‪.‬‬

‫ويبث في قلبها الطمأنينة لكل ما تلقاه من وعد ال ذاك ; فتعرف حين تتناوشها الذئاب بالذى ‪,‬‬
‫وحين تعوي حولها بالدعاية ‪ ,‬وحين يصيبها البتلء والفتنة ‪ . .‬أنها سائرة في الطريق ‪ ,‬وأنها‬

‫ترى معالم الطريق !‬

‫ومن ثم تستبشر بالبتلء والذى والفتنة والدعاء الباطل عليها وإسماعها ما يكره وما يؤذي ‪.‬‬
‫‪ .‬تستبشر بهذا كله ‪ ,‬لنها تستيقن منه أنها ماضية في الطريق التي وصفها ال لها من قبل ‪.‬‬

‫وتستيقن أن الصبر والتقوى هما زاد الطريق ‪ .‬ويبطل عندها الكيد والبلبلة ويصغر عندها‬

‫‪24‬‬

‫البتلء والذى ; وتمضي في طريقها الموعود ‪ ,‬إلى المل المنشود ‪ . .‬في صبر وفي تقوى ‪.‬‬
‫‪ .‬وفي عزم أكيد ‪. .‬‬

‫**************‬
‫وأما الشهيد عبد العزيز (( عليه الرحمة والرضوان )) فما أحسبه إل مثل صاحب ياسين بل‬

‫ربما كان خيرا منه الذي قال ال عنه‬

‫سلِينَ (‪ )20‬ا ّت ِبعُوا مَن لّ يَسَْأُلكُمْ‬
‫سعَى قَالَ يَا َقوْمِ ا ّت ِبعُوا ا ْل ُمرْ َ‬
‫{ وَجَاء مِنْ أَ ْقصَى ا ْلمَدِينَةِ رَجُلٌ يَ ْ‬

‫جعُونَ (‪َ )22‬أَأتّخِذُ مِن دُونِهِ آِلهَةً‬
‫ط َرنِي َوِإَليْهِ ُترْ َ‬
‫عبُدُ الّذِي فَ َ‬
‫جرًا وَهُم ّم ْهتَدُونَ (‪َ )21‬ومَا لِي لَ أَ ْ‬
‫أَ ْ‬
‫ش ْيئًا وَلَ يُنقِذُونِ (‪ِ )23‬إنّي إِذًا لّفِي ضَلَلٍ ّمبِينٍ (‬
‫ع ُتهُمْ َ‬
‫عنّي شَفَا َ‬
‫ضرّ لّ ُتغْنِ َ‬
‫حمَن ِب ُ‬
‫إِن ُيرِدْنِ الرّ ْ‬
‫جنّةَ قَالَ يَا َل ْيتَ َق ْومِي َي ْعَلمُونَ (‪ِ )26‬بمَا غَ َفرَ‬
‫س َمعُونِ (‪ )25‬قِيلَ ادْخُلِ الْ َ‬
‫‪ِ )24‬إنّي آمَنتُ ِب َر ّبكُمْ فَا ْ‬

‫سمَاء َومَا ُكنّا‬
‫علَى َق ْومِهِ مِن َبعْ ِدهِ مِنْ جُندٍ مّنَ ال ّ‬
‫ج َعَلنِي مِنَ ا ْل ُم ْك َرمِينَ (‪َ )27‬ومَا أَن َز ْلنَا َ‬
‫لِي َربّي َو َ‬
‫علَى ا ْل ِعبَادِ مَا يَ ْأتِيهِم‬
‫س َرةً َ‬
‫صيْحَةً وَاحِ َدةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (‪ )29‬يَا حَ ْ‬
‫ل َ‬
‫مُن ِزلِينَ (‪ )28‬إِن كَا َنتْ إِ ّ‬
‫س َت ْه ِزئُون (‪َ )30‬ألَمْ َي َروْا كَمْ أَ ْهَل ْكنَا َق ْبَلهُم مّنْ الْ ُقرُونِ َأ ّنهُمْ ِإَل ْيهِمْ لَ‬
‫مّن رّسُولٍ إِلّ كَانُوا بِهِ يَ ْ‬
‫ضرُونَ (‪ )32‬سورة يس‬
‫ح َ‬
‫جمِيعٌ لّ َد ْينَا مُ ْ‬
‫جعُونَ (‪َ )31‬وإِن كُلّ ّلمّا َ‬
‫َيرْ ِ‬
‫يقول الشهيد سيد قطب رحمه ال ‪:‬‬

‫ويوحي سياق القصة بعد ذلك أنهم لم يمهلوه أن قتلوه ‪ .‬وإن كان ل يذكر شيئا من هذا صراحة‬
‫‪ .‬إنما يسدل الستار على الدنيا وما فيها ‪ ,‬وعلى القوم وما هم فيه ; ويرفعه لنرى هذا الشهيد‬

‫الذي جهر بكلمة الحق ‪ ,‬متبعا صوت الفطرة ‪ ,‬وقذف بها في وجوه من يملكون التهديد والتنكيل‬
‫‪ .‬نراه في العالم الخر ‪ .‬ونطلع على ما ادخر ال له من كرامة ‪ .‬تليق بمقام المؤمن الشجاع‬
‫المخلص الشهيد‪:‬‬

‫(قيل‪:‬ادخل الجنة ‪ .‬قال‪:‬يا ليت قومي يعلمون ‪ .‬بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين) ‪. .‬‬

‫وتتصل الحياة الدنيا بالحياة الخرة ‪ .‬ونرى الموت نقلة من عالم الفناء إلى عالم البقاء ‪ .‬وخطوة‬
‫يخلص بها المؤمن من ضيق الرض إلى سعة الجنة ‪ .‬ومن تطاول الباطل إلى طمأنينة الحق ‪.‬‬

‫ومن تهديد البغي إلى سلم النعيم ‪ .‬ومن ظلمات الجاهلية إلى نور اليقين ‪.‬‬

‫ونرى الرجل المؤمن ‪ .‬وقد اطلع على ما آتاه ال في الجنة من المغفرة والكرامة ‪ ,‬يذكر قومه‬
‫طيب القلب رضي النفس ‪ ,‬يتمنى لو يراه قومه ويرون ما آتاه ربه من الرضى والكرامة ‪,‬‬

‫ليعرفوا الحق ‪ ,‬معرفة اليقين ‪.‬‬
‫‪25‬‬

‫****************‬
‫وما أحسبه إل مثل أنس بن النضر رضي ال عنه ففي البخاري عَنْ َأ َنسٍ ‪ -‬رضى ال عنه ‪-‬‬

‫شهَ َدنِى اللّهُ‬
‫ى ‪-‬صلى ال عليه وسلم‪َ -‬لئِنْ أَ ْ‬
‫غ ْبتُ عَنْ َأوّلِ ِقتَالِ ال ّنبِ ّ‬
‫عمّهُ غَابَ عَنْ بَ ْدرٍ فَقَالَ ِ‬
‫أَنّ َ‬
‫مَعَ ال ّن ِبىّ ‪-‬صلى ال عليه وسلم‪َ -‬ل َي َريَنّ اللّهُ مَا أُجِدّ‪َ .‬فلَ ِقىَ َيوْمَ أُحُدٍ َف ُهزِ َم النّاسُ فَقَالَ الّلهُمّ ِإنّى‬

‫سيْفِهِ‬
‫ش ِركُونَ‪َ .‬فتَقَدّمَ بِ َ‬
‫سِلمِينَ ‪َ -‬وَأ ْبرَأُ ِإَل ْيكَ ِممّا جَاءَ بِهِ ا ْلمُ ْ‬
‫صنَعَ َهؤُلَءِ ‪َ -‬ي ْعنِى ا ْلمُ ْ‬
‫عتَ ِذرُ ِإَل ْيكَ ِممّا َ‬
‫أَ ْ‬
‫حتّى‬
‫ع ِرفَ َ‬
‫جنّةِ دُونَ أُحُدٍ‪َ .‬ف َمضَى فَ ُقتِلَ َفمَا ُ‬
‫سعْدُ ِإنّى أَجِدُ رِيحَ الْ َ‬
‫سعْدَ بْنَ ُمعَاذٍ فَقَالَ َأيْنَ يَا َ‬
‫َفلَ ِقىَ َ‬

‫سهْمٍ‪.‬‬
‫ض ْربَةٍ َو َر ْميَةٍ بِ َ‬
‫ط ْعنَةٍ َو َ‬
‫ختُهُ بِشَامَةٍ َأوْ ِب َبنَانِهِ َوبِهِ ِبضْعٌ َو َثمَانُونَ مِنْ َ‬
‫عرَ َفتْهُ أُ ْ‬
‫َ‬

‫ضرَ بْنَ َأ َنسٍ عَمّ َأنَسِ بْنِ مَاِلكٍ غَابَ عَنْ‬
‫عنْهُ ‪ :‬أَنّ النّ ْ‬
‫ى اللّهُ َ‬
‫ضَ‬
‫وفي سنن البيهقي ‪ :‬عَنْ َأ َنسٍ َر ِ‬

‫ش ِركِينَ‬
‫غ ْبتُ عَنْ َأوّلِ ِقتَالِ قَا َتلَهُ رَسُولُ اللّهِ ‪-‬صلى ال عليه وسلم‪ -‬ا ْلمُ ْ‬
‫ِقتَالِ بَ ْدرٍ َفَلمّا قَدِمَ قَالَ ‪ِ :‬‬

‫سِلمُونَ فَقَالَ ‪ :‬الّلهُمّ ِإنّى‬
‫شفَ ا ْلمُ ْ‬
‫صنَعُ‪َ .‬فَلمّا كَانَ َيوْمُ أُحُدٍ ا ْنكَ َ‬
‫شهَ َدنِى اللّهُ ِقتَالً َل َي َريَنّ اللّهُ مَا َأ ْ‬
‫َلئِنِ أَ ْ‬
‫سِلمِينَ ثُمّ‬
‫صنَعَ َهؤُلَءِ َي ْعنِى ا ْلمُ ْ‬
‫عتَذَرُ ِإَل ْيكَ ِممّا َ‬
‫ش ِركِينَ َوأَ ْ‬
‫َأ ْب َرأُ ِإَل ْيكَ ِممّا جَاءَ بِهِ َهؤُلَءِ َي ْعنِى ا ْلمُ ْ‬

‫جنّةِ دُونَ أُحُدٍ‬
‫لجِدُ رِيحَ الْ َ‬
‫سعْدُ وَالّذِى نَفْسِى ِبيَ ِدهِ ِإنّى َ‬
‫سعْدُ بْنُ ُمعَاذٍ فَقَالَ ‪َ :‬أىْ َ‬
‫سيْفِهِ َفلَ ِقيَهُ َ‬
‫مَشَى بِ َ‬

‫صنَعَ َفوَجَ ْدنَاهُ َبيْنَ الْ َق ْتلَى َوبِهِ ِبضْعٌ‬
‫ط ْعتُ يَا رَسُولَ اللّهِ مَا َ‬
‫ستَ َ‬
‫سعْدٌ ‪َ :‬فمَا ا ْ‬
‫جنّةِ‪ .‬قَالَ َ‬
‫وَاهًا ِلرِيحِ الْ َ‬
‫ختُهُ‬
‫عرَ َفتْهُ أُ ْ‬
‫حتّى َ‬
‫سهْمٍ وَقَدْ َم ّثلُوا بِهِ َ‬
‫ط ْعنَةٍ ِب ُرمْحٍ َو َر ْميَةٍ بِ َ‬
‫س ْيفٍ وَ َ‬
‫ض ْربَةٍ بِ َ‬
‫ن َ‬
‫جرَاحَةً مِ ْ‬
‫َو َثمَانُونَ ِ‬

‫عَليْهِ)‬
‫ل صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللّهَ َ‬
‫ِب َبنَانِهِ‪ .‬قَالَ َأنَسٌ ‪ُ :‬كنّا نَقُولُ ُأ ْن ِزلَتْ هَ ِذهِ اليَةُ (مِنَ ا ْل ُم ْؤ ِمنِينَ رِجَا ٌ‬
‫خرَجَهُ ا ْلبُخَا ِرىّ فِى الصّحِيحِ مِنْ‬
‫صوَابُ َأ َنسُ بْنُ ال ّنضْرِ‪ .‬أَ ْ‬
‫فِيهِ وَفِى َأصْحَابِهِ‪ .‬كَذَا فِى ِكتَابِى وَال ّ‬

‫عنْهُ‪.‬‬
‫ى اللّهُ َ‬
‫ضَ‬
‫سلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ثَا ِبتٍ عَنْ َأ َنسٍ َر ِ‬
‫خرَجَهُ مُ ْ‬
‫ح َميْدٍ َوأَ ْ‬
‫َأوْجُهٍ عَنْ ُ‬
‫***************‬

‫ل صَدَقُوا مَا‬
‫وما أحسبه إل ممن قال ال تعالى فيهم في سورة الحزاب ‪ :‬مِنَ ا ْل ُم ْؤ ِمنِينَ رِجَا ٌ‬

‫ي اللّهُ‬
‫ج ِز َ‬
‫ظرُ َومَا بَ ّدلُوا َتبْدِيلًا (‪ِ )23‬ليَ ْ‬
‫حبَهُ َو ِم ْنهُم مّن يَنتَ ِ‬
‫عَليْهِ َف ِم ْنهُم مّن َقضَى نَ ْ‬
‫عَاهَدُوا اللّهَ َ‬

‫ن اللّهَ كَانَ غَفُورًا رّحِيمًا (‪)24‬‬
‫عَل ْيهِمْ إِ ّ‬
‫الصّادِقِينَ ِبصِدْ ِقهِمْ َو ُيعَ ّذبَ ا ْل ُمنَافِقِينَ إِن شَاء َأوْ َيتُوبَ َ‬
‫يقول الشهيد سيد قطب رحمه ال ‪:‬‬

‫لقد كانوا ناسا من البشر ‪ ,‬ل يملكون أن يتخلصوا من مشاعر البشر ‪ ,‬وضعف البشر ‪ .‬وليس‬

‫مطلوبا منهم أن يتجاوزوا حدود جنسهم البشري ; ول أن يخرجوا من إطار هذا الجنس ;‬

‫ويفقدوا خصائصه ومميزاته ‪ .‬فلهذا خلقهم ال ‪ .‬خلقهم ليبقوا بشرا ‪ ,‬ول يتحولوا جنسا آخر ‪ .‬ل‬

‫ملئكة ول شياطين ‪ ,‬ول بهيمة ول حجرا ‪ . .‬كانوا ناسا من البشر يفزعون ‪ ,‬ويضيقون بالشدة‬
‫‪26‬‬

‫‪ ,‬ويزلزلون للخطر الذي يتجاوز الطاقة ‪ .‬ولكنهم كانوا ‪ -‬مع هذا ‪ -‬مرتبطين بالعروة الوثقى‬
‫التي تشدهم إلى ال ; و تمنعهم من السقوط ; وتجدد فيهم المل ‪ ,‬وتحرسهم من القنوط ‪. .‬‬
‫وكانوا بهذا وذاك نموذجا فريدا في تاريخ البشرية لم يعرف له نظير ‪.‬‬

‫وعلينا أن ندرك هذا لندرك ذلك النموذج الفريد في تاريخ العصور ‪ .‬علينا أن ندرك أنهم كانوا‬
‫بشرا ‪ ,‬لم يتخلوا عن طبيعة البشر ‪ ,‬بما فيها من قوة و ضعف ‪ .‬وأن منشأ امتيازهم أنهم بلغوا‬
‫في بشريتهم هذه أعلى قمة مهيأة لبني النسان ‪ ,‬في الحتفاظ بخصائص البشر في الرض مع‬
‫الستمساك بعروة السماء ‪.‬‬

‫وحين نرانا ضعفنا مرة ‪ ,‬أو زلزلنا مرة ‪ ,‬أو فزعنا مرة ‪ ,‬أو ضقنا مرة بالهول والخطر والشدة‬

‫والضيق ‪ . .‬فعلينا أل نيأس من أنفسنا ‪ ,‬وأل نهلع ونحسب أننا هلكنا ; أو أننا لم نعد نصلح‬
‫لشيء عظيم أبدا ! ولكن علينا في الوقت ذاته أل نقف إلى جوار ضعفنا لنه من فطرتنا‬

‫البشرية ! ونصر عليه لنه يقع لمن هم خير منا ! هنالك العروة الوثقى ‪ .‬عروة السماء ‪ .‬وعلينا‬
‫أن نستمسك بها لننهض من الكبوة ‪ ,‬ونسترد الثقة والطمأنينة ‪ ,‬ونتخذ من الزلزال بشيرا بالنصر‬
‫‪ .‬فنثبت ونستقر ‪ ,‬ونقوى ونطمئن ‪ ,‬ونسير في الطريق ‪. .‬‬

‫وهذا هو التوازن الذي صاغ ذلك النموذج الفريد في صدر السلم ‪ .‬النموذج الذي يذكر عنه‬

‫القرآن الكريم مواقفه الماضية وحسن بلئه وجهاده ‪ ,‬وثباته على عهده مع ال ‪ ,‬فمنهم من لقيه ‪,‬‬

‫ومنهم من ينتظر أن يلقاه‪:‬‬

‫(من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا ال عليه ‪ .‬فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر ‪ .‬وما‬

‫بدلوا تبديل) ‪. .‬‬

‫هذا في مقابل ذلك النموذج الكريه ‪ .‬نموذج الذين عاهدوا ال من قبل ل يولون الدبار ‪ .‬ثم ولم‬

‫يوفوا بعهد ال‪( :‬وكان عهد ال مسؤول) ‪. .‬‬
‫***************‬

‫كثير من الناس يلومون حماس على موقفها فيقولون بلسان الحال والمقال ‪ :‬نحن اليوم ضعفاء‬

‫فكيف نقابل أعتى قوة في العالم ؟ والنتيجة هي البادة ل محالة وإهلك الحرث والنسل في‬
‫عالم ل يؤمن إل بالقوة !!!!!‬

‫والجواب على هذه الشبهة يسير ‪:‬‬

‫‪27‬‬

‫فال تعالى أمرنا بالجهاد في سبيله مهما كنا قلة فليس النصر للكثرة دائما قال تعالى في سورة‬
‫البقرة ‪:‬‬

‫ط َعمْهُ‬
‫ش ِربَ ِمنْهُ َفَل ْيسَ ِمنّي َومَن لّمْ يَ ْ‬
‫ن اللّهَ ُم ْب َتلِيكُم ِب َن َهرٍ َفمَن َ‬
‫جنُودِ قَالَ إِ ّ‬
‫َفَلمّا َفصَلَ طَالُوتُ بِا ْل ُ‬

‫ش ِربُواْ ِمنْهُ إِلّ َقلِيلً ّم ْنهُمْ َفَلمّا جَا َو َزهُ ُهوَ وَالّذِينَ آ َمنُواْ َمعَهُ‬
‫غرْفَةً ِبيَ ِدهِ فَ َ‬
‫غ َت َرفَ ُ‬
‫فَِإنّهُ ِمنّي إِلّ مَنِ ا ْ‬

‫غَل َبتْ‬
‫ظنّونَ َأ ّنهُم مّلَقُو اللّهِ كَم مّن ِفئَةٍ َقلِيلَةٍ َ‬
‫قَالُواْ لَ طَاقَةَ َلنَا ا ْل َيوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنو ِدهِ قَالَ الّذِينَ يَ ُ‬
‫جنُو ِدهِ قَالُواْ َر ّبنَا أَ ْفرِغْ‬
‫ن اللّهِ وَاللّهُ مَ َع الصّا ِبرِينَ (‪َ )249‬وَلمّا َب َرزُواْ لِجَالُوتَ وَ ُ‬
‫ِفئَةً َكثِي َرةً بِإِذْ ِ‬

‫ن اللّهِ وَ َقتَلَ دَاوُودُ‬
‫علَى الْ َقوْمِ ا ْلكَا ِفرِينَ (‪َ )250‬ف َه َزمُوهُم بِإِذْ ِ‬
‫صرْنَا َ‬
‫ص ْبرًا َو َث ّبتْ أَقْدَا َمنَا وَان ُ‬
‫عَل ْينَا َ‬
‫َ‬
‫ضهُمْ ِب َبعْضٍ لّفَسَ َدتِ‬
‫عّلمَهُ ِممّا يَشَاء َوَلوْلَ دَفْ ُع اللّ ِه النّاسَ َب ْع َ‬
‫ح ْكمَةَ وَ َ‬
‫جَالُوتَ وَآتَا ُه اللّهُ ا ْل ُم ْلكَ وَالْ ِ‬

‫عَل ْيكَ بِالْحَقّ َوِإ ّنكَ َلمِنَ‬
‫ت اللّهِ َن ْتلُوهَا َ‬
‫علَى ا ْلعَاَلمِينَ (‪ِ )251‬ت ْلكَ آيَا ُ‬
‫ن اللّهَ ذُو َفضْلٍ َ‬
‫لرْضُ َولَـكِ ّ‬
‫اَ‬
‫سلِينَ (‪)252‬‬
‫ا ْل ُمرْ َ‬

‫والمؤمنون والمجاهدون في سبيل ال كانوا قلة عبر العصور السلمية كلها‬
‫وكذلك فإنها بيعة مع ال قال تعالى في سورة التوبة ‪:‬‬

‫ل اللّهِ َفيَ ْق ُتلُونَ‬
‫سبِي ِ‬
‫جنّةَ يُقَا ِتلُونَ فِي َ‬
‫سهُمْ َوَأ ْموَاَلهُم بِأَنّ َلهُمُ ال َ‬
‫ش َترَى مِنَ ا ْل ُم ْؤ ِمنِينَ أَنفُ َ‬
‫ن اللّهَ ا ْ‬
‫إِ ّ‬

‫شرُواْ‬
‫س َتبْ ِ‬
‫ن اللّهِ فَا ْ‬
‫عَليْهِ حَقّا فِي ال ّتوْرَاةِ وَالِنجِيلِ وَالْ ُقرْآنِ َومَنْ َأوْفَى ِب َعهْ ِدهِ مِ َ‬
‫َويُ ْق َتلُونَ وَعْدًا َ‬
‫ِب َب ْي ِعكُمُ الّذِي بَا َي ْعتُم بِهِ وَ َذِلكَ ُهوَ الْ َف ْوزُ ا ْلعَظِيمُ (‪)111‬‬
‫والبيعة ل بد لها من ثمن ويجب أن يكون باهظا‬

‫يقول الشهيد سيد قطب رحمه ال ‪:‬‬

‫إن الجهاد في سبيل اللّه بيعة معقودة بعنق كل مؤمن ‪ . .‬كل مؤمن على الطلق منذ كانت‬

‫الرسل ومنذ كان دين اللّه ‪ . .‬إنها السنة الجارية التي ل تستقيم هذه الحياة بدونها ول تصلح‬
‫الحياة بتركها‪( :‬ولول دفع اللّه الناس بعضهم ببعض لفسدت الرض) ‪( . .‬ولول دفع اللّه الناس‬

‫بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم اللّه كثيرا) ‪. .‬‬

‫إن الحق ل بد أن ينطلق في طريقه ‪ .‬ول بد أن يقف له الباطل في الطريق ! ‪ . .‬بل ل بد أن‬

‫يأخذ عليه الطريق ‪ . .‬إن دين اللّه ل بد أن ينطلق لتحرير البشر من العبودية للعباد وردهم إلى‬

‫العبودية للّه وحده ‪ .‬ول بد أن يقف له الطاغوت في الطريق ‪ . .‬بل ل بد أن يقطع عليه‬

‫الطريق ‪ . .‬ول بد لدين ال أن ينطلق في "الرض" كلها لتحرير "النسان" كله ‪ .‬ول بد للحق‬
‫أن يمضي في طريقه ول ينثني عنه ليدع للباطل طريقا ! ‪ . .‬وما دام في "الرض" كفر ‪ .‬وما‬
‫‪28‬‬

‫دام في "الرض" باطل ‪ .‬وما دامت في "الرض" عبودية لغير اللّه تذل كرامة "النسان" فالجهاد‬
‫في سبيل اللّه ماض ‪ ,‬والبيعة في عنق كل مؤمن تطالبه بالوفاء ‪ .‬وإل فليس باليمان‪:‬و " من‬

‫مات ولم يغز ‪ ,‬ولم يحدث نفسه بغزو ‪ ,‬مات على شعبة من النفاق " ‪ [ . . .‬رواه المام أحمد ‪,‬‬
‫وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي ] ‪.‬‬

‫(فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به ‪ ,‬وذلك هو الفوز العظيم) ‪.‬‬

‫استبشروا بإخلص أنفسكم وأموالكم للّه ‪ ,‬وأخذ الجنة عوضا وثمنا ‪ ,‬كما وعد اللّه ‪ . .‬وما الذي‬
‫فات ? ما الذي فات المؤمن الذي يسلم للّه نفسه وماله ويستعيض الجنة ? واللّه ما فاته شيء ‪.‬‬

‫فالنفس إلى موت ‪ ,‬والمال إلى فوت ‪ .‬سواء أنفقهما صاحبهما في سبيل اللّه أم في سبيل سواه !‬

‫والجنة كسب ‪ .‬كسب بل مقابل في حقيقة المر ول بضاعة ! فالمقابل زائل في هذا الطريق أو‬
‫ذاك !‬

‫ودع عنك رفعة النسان وهو يعيش للّه ‪ .‬ينتصر ‪ -‬إذا انتصر ‪ -‬لعلء كلمته ‪ ,‬وتقرير دينه ‪,‬‬

‫وتحرير عباده من العبودية المذلة لسواه ‪ .‬ويستشهد ‪ -‬إذا استشهد ‪ -‬في سبيله ‪ ,‬ليؤدي لدينه‬

‫شهادة بأنه خير عنده من الحياة ‪ .‬ويستشعر في كل حركة وفي كل خطوة ‪ -‬أنه أقوى من قيود‬
‫الرض وأنه أرفع من ثقلة الرض ‪ ,‬واليمان ينتصر فيه على اللم ‪ ,‬والعقيدة تنتصر فيه على‬

‫الحياة ‪.‬‬

‫إن هذا وحده كسب ‪ .‬كسب بتحقيق إنسانية النسان التي ل تتأكد كما تتأكد بانطلقه من أوهاق‬

‫الضرورة ; وانتصار اليمان فيه على اللم ‪ ,‬وانتصار العقيدة فيه على الحياة ‪ . .‬فإذا أضيفت‬
‫إلى ذلك كله ‪ . .‬الجنة ‪ . .‬فهو بيع يدعو إلى الستبشار ; وهو فوز ل ريب فيه ول جدال‪:‬‬
‫(فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به ‪ ,‬وذلك هو الفوز العظيم) ‪.‬‬
‫ثم نقف وقفة قصيرة أمام قوله تعالى في هذه الية‪:‬‬

‫(وعدا عليه حقا في التوراة والنجيل والقرآن) ‪. .‬‬

‫فوعد اللّه للمجاهدين في سبيله في القرآن معروف مشهور مؤكد مكرور ‪ . .‬وهو ل يدع مجال‬

‫للشك في إصالة عنصر الجهاد في سبيل اللّه في طبيعة هذا المنهج الرباني ; باعتباره الوسيلة‬

‫المكافئة للواقع البشري ‪ -‬ل في زمان بعينه ول في مكان بعينه ‪ -‬ما دام أن الجاهلية ل تتمثل‬
‫في نظرية تقابل بنظرية ولكنها تتمثل في تجمع عضوي حركي ‪ ,‬يحمي نفسه بالقوة المادية ;‬

‫ويقاوم دين اللّه وكل تجمع إسلمي على أساسه بالقوة المادية كذلك ; ويحول دون الناس‬
‫‪29‬‬

‫والستماع لعلن السلم العام بألوهية اللّه وحده للعباد ‪ ,‬وتحرير "النسان" في "الرض" من‬
‫العبودية للعباد ‪ .‬كما يحول دونهم ودون النضمام العضوي إلى التجمع السلمي المتحرر من‬
‫عبادة الطاغوت بعبوديته ل وحده دون العباد ‪ . .‬ومن ثم يتحتم على السلم في انطلقه في‬

‫"الرض" لتحقيق إعلنه العام بتحرير "النسان" أن يصطدم بالقوة المادية التي تحمي التجمعات‬

‫الجاهلية ; والتي تحاول بدورها ‪ -‬في حتمية ل فكاك منها ‪ -‬أن تسحق حركة البعث السلمي‬
‫وتخفت إعلنه التحريري ‪ ,‬لستبقاء العباد في رق العبودية للعباد !‬

‫فأما وعد اللّه للمجاهدين في التوراة والنجيل ‪ .‬فهو الذي يحتاج إلى شيء من البيان ‪. .‬‬

‫إن التوراة والنجيل اللذين في أيدي اليهود والنصارى اليوم ل يمكن القول بأنهما هما اللذان‬

‫أنزلهما اللّه على نبيه موسى وعلى نبيه عيسى عليهما السلم ! وحتى اليهود والنصارى أنفسهم‬
‫ل يجادلون في أن النسخة الصلية لهذين الكتابين ل وجود لها ; وأن ما بين أيديهم قد كتب بعد‬

‫فترة طويلة ضاعت فيها معظم أصول الكتابين ; ولم يبق إل ما وعته ذاكرة بعد ذاكرة ‪ . .‬وهو‬
‫قليل ‪ . .‬أضيف إليه الكثير !‬

‫ومع ذلك فما تزال في كتب العهد القديم إشارات إلى الجهاد ‪ ,‬والتحريض لليهود على قتال‬
‫أعدائهم الوثنيين ‪ ,‬لنصر إلههم وديانته وعبادته ! وإن كانت التحريفات قد شوهت تصورهم للّه‬
‫‪ -‬سبحانه ‪ -‬وتصورهم للجهاد في سبيله ‪.‬‬

‫فأما في الناجيل التي بين أيدي النصارى اليوم فل ذكر ول إشارة إلى جهاد ‪ . .‬ولكننا في‬

‫حاجة شديدة إلى تعديل المفهومات السائدة عن طبيعة النصرانية ; فهذه المفهومات إنما جاءت‬

‫من هذه الناجيل التي ل أصل لها ‪ -‬بشهادة الباحثين النصارى أنفسهم ! ‪ -‬وقبل ذلك بشهادة‬

‫اللّه سبحانه كما وردت في كتابه المحفوظ الذي ل يأتيه الباطل من بين يديه ول من خلفه ‪.‬‬

‫واللّه سبحانه يقول في كتابه المحفوظ‪:‬إن وعده بالجنة لمن يقاتلون في سبيل اللّه فيقتلون ويقتلون‬
‫; ثابت في التوراة والنجيل والقرآن ‪ . .‬فهذا إذن هو القول الفصل الذي ليس بعده لقائل مقال !‬

‫إن الجهاد في سبيل اللّه بيعة معقودة بعنق كل مؤمن ‪ .‬كل مؤمن على الطلق ‪ .‬منذ كانت‬

‫الرسل ‪ ,‬ومنذ كان دين اللّه ‪. .‬‬

‫ولكن الجهاد في سبيل اللّه ليس مجرد اندفاعة إلى القتال ; إنما هو قمة تقوم على قاعدة من‬

‫اليمان المتمثل في مشاعر وشعائر وأخلق وأعمال ‪ .‬والمؤمنون الذين عقد اللّه معهم البيعة ‪,‬‬

‫والذين تتمثل فيهم حقيقة اليمان هم قوم تتمثل فيهم صفات إيمانية أصيلة‪:‬‬
‫‪30‬‬

‫(التائبون ‪ .‬العابدون ‪ .‬الحامدون ‪ .‬السائحون ‪ .‬الراكعون الساجدون ‪ .‬المرون بالمعروف‬
‫والناهون عن المنكر ‪ .‬والحافظون لحدود ال) ‪. .‬‬

‫(التائبون) ‪ . .‬مما أسلفوا ‪ ,‬العائدون إلى اللّه مستغفرين ‪ .‬والتوبة شعور بالندم على ما مضى ‪,‬‬
‫وتوجه إلى اللّه فيما بقي ‪ ,‬وكف عن الذنب ‪ ,‬وعمل صالح يحقق التوبة بالفعل كما يحققها‬

‫بالترك ‪ .‬فهي طهارة وزكاة وتوجه وصلح ‪.‬‬

‫(العابدون) ‪ . .‬المتوجهون إلى اللّه وحده بالعبادة وبالعبودية ‪ ,‬إقرارا بالربوبية ‪ . .‬صفة هذه‬
‫ثابتة في نفوسهم تترجمها الشعائر ‪ ,‬كما يترجمها التوجه إلى ال وحده بكل عمل وبكل قول‬

‫وبكل طاعة وبكل اتباع ‪ .‬فهي إقرار باللوهية والربوبية للّه في صورة عملية واقعية ‪.‬‬

‫(الحامدون) ‪ . .‬الذين تنطوي قلوبهم على العتراف للمنعم بالنعمة ; وتلهج ألسنتهم بحمد اللّه‬

‫في السراء والضراء ‪ .‬في السراء للشكر على ظاهر النعمة ‪ ,‬وفي الضراء للشعور بما في‬

‫البتلء من الرحمة ‪ .‬وليس الحمد هو الحمد في السراء وحدها ‪ ,‬ولكنه الحمد في الضراء حين‬
‫يدرك القلب المؤمن أن اللّه الرحيم العادل ما كان ليبتلي المؤمن إل لخير يعلمه ‪ ,‬مهما خفي‬

‫على العباد إدراكه ‪.‬‬

‫(السائحون) ‪ . .‬وتختلف الروايات فيهم ‪ .‬فمنها ما يقول‪:‬إنهم المهاجرون ‪ .‬ومنها ما يقول‪:‬إنهم‬

‫المجاهدون ‪ .‬ومنها ما يقول‪:‬إنهم المتنقلون في طلب العلم ‪ .‬ومنهم من يقول‪:‬إنهم الصائمون ‪. .‬‬
‫ونحن نميل إلى اعتبارهم المتفكرين في خلق اللّه وسننه ‪ ,‬ممن قيل في أمثالهم في موضع آخر‪:‬‬

‫(إن في خلق السماوات والرض ‪ .‬واختلف الليل والنهار ليات لولي اللباب ‪ ,‬الذين يذكرون‬
‫اللّه قياما وقعودا وعلى جنوبهم ‪ ,‬ويتفكرون في خلق السماوات والرض‪:‬ربنا ما خلقت هذا‬

‫باطلً سبحانك ! ‪ . . ). . .‬فهذه الصفة أليق هنا بالجو بعد التوبة والعبادة والحمد ‪ .‬فمع التوبة‬

‫والعبادة والحمد يكون التدبر في ملكوت اللّه على هذا النحو الذي ينتهي بالنابة إلى اللّه ‪,‬‬

‫وإدراك حكمته في خلقه ‪ ,‬وإدراك الحق الذي يقوم عليه الخلق ‪ .‬ل للكتفاء بهذا الدراك وإنفاق‬
‫العمر في مجرد التأمل والعتبار ‪ .‬ولكن لبناء الحياة وعمرانها بعد ذلك على أساس هذا‬
‫الدراك ‪. .‬‬

‫(الراكعون الساجدون) ‪ . .‬الذين يقيمون الصلة ويقومون بالصلة كأنها صفة ثابتة من صفاتهم‬
‫; وكأن الركوع والسجود طابع مميز بين الناس لهم ‪.‬‬

‫‪31‬‬

‫(المرون بالمعروف والناهون عن المنكر) ‪ . .‬وحين يقوم المجتمع المسلم الذي تحكمه شريعة‬
‫اللّه ‪ ,‬فيدين للّه وحده ول يدين لسواه ‪ ,‬يكون المر بالمعروف والنهي عن المنكر في داخل هذا‬
‫المجتمع ; ويتناول ما يقع فيه من أخطاء وانحرافات عن منهج اللّه وشرعه ‪ . .‬ولكن حين ل‬

‫يكون في الرض مجتمع مسلم ; وذلك حين ل يكون في الرض مجتمع الحاكمية فيه للّه وحده‬
‫‪ ,‬وشريعة اللّه وحدها هي الحاكمة فيه ‪ ,‬فإن المر بالمعروف يجب أن يتجه أولً إلى المر‬

‫بالمعروف الكبر ‪ ,‬وهو تقرير ألوهية اللّه وحده سبحانه وتحقيق قيام المجتمع المسلم ‪ .‬والنهي‬

‫عن المنكر يجب أن يتجه أولً إلى النهي عن المنكر الكبر ‪ .‬وهو حكم الطاغوت وتعبيد الناس‬

‫لغير اللّه عن طريق حكمهم بغير شريعة اللّه ‪ . .‬والذين آمنوا بمحمد ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪-‬‬
‫هاجروا وجاهدوا ابتداء لقامة الدولة المسلمة الحاكمة بشريعة اللّه ‪ ,‬وإقامة المجتمع المسلم‬

‫المحكوم بهذه الشريعة ‪ .‬فلما تم لهم ذلك كانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر في‬

‫الفروع المتعلقة بالطاعات والمعاصي ‪ .‬ولم ينفقوا قط جهدهم ‪ ,‬قبل قيام الدولة المسلمة‬

‫والمجتمع المسلم في شيء من هذه التفريعات التي ل تنشأ إل بعد قيام الصل الصيل ! ومفهوم‬
‫المر بالمعروف والنهي عن المنكر ل بد أن يدرك وفق مقتضى الواقع ‪ .‬فل يبدأ بالمعروف‬

‫الفرعي والمنكر الفرعي قبل النتهاء من المعروف الكبر والمنكر الكبر ‪ ,‬كما وقع أول مرة‬
‫عند نشأة المجتمع المسلم !‬

‫(والحافظون لحدود اللّه) ‪ . .‬وهو القيام على حدود اللّه لتنفيذها في النفس وفي الناس ‪ .‬ومقاومة‬

‫من يضيعها أو يعتدي عليها ‪ . .‬ولكن هذه كالمر بالمعروف والنهي عن المنكر ‪ ,‬ل يقام عليها‬

‫إل في مجتمع مسلم ‪ .‬ول مجتمع مسلم إل المجتمع الذي تحكمه شريعة اللّه وحدها في أمره كله‬

‫; وإل الذي يفرد اللّه سبحانه باللوهية والربوبية والحاكمية والتشريع ; ويرفض حكم الطاغوت‬
‫المتمثل في كل شرع لم يأذن به اللّه ‪ . .‬والجهد كله يجب أن ينفق ابتداء لقامة هذا المجتمع ‪.‬‬
‫ومتى قام كان هناك مكان للحافظين لحدود اللّه فيه ‪ . .‬كما وقع كذلك أول مرة عند نشأة‬
‫المجتمع المسلم !‬

‫هذه هي الجماعة المؤمنة التي عقد اللّه معها بيعته ‪ .‬وهذه هي صفاتها ومميزاتها‪:‬توبة ترد العبد‬

‫إلى اللّه ‪ ,‬وتكفه عن الذنب ‪ ,‬وتدفعه إلى العمل الصالح ‪ .‬وعبادة تصله باللّه وتجعل اللّه معبوده‬
‫وغايته ووجهته ‪ .‬وحمد للّه على السراء والضراء نتيجة الستسلم الكامل للّه والثقة المطلقة‬
‫برحمته وعدله ‪ .‬وسياحة في ملكوت اللّه مع آيات اللّه الناطقة في الكون الدالة على الحكمة‬
‫‪32‬‬

‫والحق في تصميم الخلق ‪ .‬وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر يتجاوز صلح الذات إلى إصلح‬
‫العباد والحياة ‪ .‬وحفظ لحدود اللّه يرد عنها العادين والمضيعين ‪ ,‬ويصونها من التهجم والنتهاك‬
‫‪..‬‬

‫هذه هي الجماعة المؤمنة التي بايعها اللّه على الجنة ‪ ,‬واشترى منها النفس والموال ‪ ,‬لتمضي‬

‫مع سنة اللّه الجارية منذ كان دين اللّه ورسله ورسالته ‪ .‬قتال في سبيل اللّه لعلء كلمة اللّه ;‬
‫وقتل لعداء اللّه الذين يحادون ال ; أو استشهاد في المعركة التي ل تفتر بين الحق والباطل ‪,‬‬

‫وبين السلم والجاهلية ‪ ,‬وبين الشريعة والطاغوت ‪ ,‬وبين الهدى والضلل ‪.‬‬

‫وليست الحياة لهوا ولعبا ‪ .‬وليست الحياة أكلً كما تأكل النعام ومتاعا ‪ .‬وليست الحياة سلمة‬

‫ذليلة ‪ ,‬وراحة بليدة ورضى بالسلم الرخيصة ‪ . .‬إنما الحياة هي هذه‪:‬كفاح في سبيل الحق ‪,‬‬

‫وجهاد في سبيل الخير ‪ ,‬وانتصار لعلء كلمة اللّه ‪ ,‬أو استشهاد كذلك في سبيل اللّه ‪ . .‬ثم‬

‫الجنة والرضوان ‪. .‬‬

‫هذه هي الحياة التي يدعى إليها المؤمنون باللّه‪( :‬يا أيها الذين آمنوا استجيبوا للّه وللرسول إذا‬
‫دعاكم لما يحييكم) ‪ . . .‬وصدق اللّه ‪ .‬وصدق رسول اللّه ‪. .‬‬

‫***********‬

‫غ ْيرُ ُأ ْولِي‬
‫س َتوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ ا ْل ُمؤْ ِمنِينَ َ‬
‫شتان بين القاعدين والمجاهدين قال تعالى ‪ { :‬لّ يَ ْ‬

‫علَى‬
‫سهِمْ َ‬
‫ل اللّهُ ا ْلمُجَاهِدِينَ بَِأ ْموَاِلهِمْ َوأَنفُ ِ‬
‫سهِمْ َفضّ َ‬
‫ل اللّهِ بَِأ ْموَاِلهِمْ َوأَنفُ ِ‬
‫سبِي ِ‬
‫ض َررِ وَا ْلمُجَاهِدُونَ فِي َ‬
‫ال ّ‬

‫جرًا عَظِيمًا (‪)95‬‬
‫علَى الْقَاعِدِينَ أَ ْ‬
‫ل اللّهُ ا ْلمُجَاهِدِينَ َ‬
‫سنَى وَ َفضّ َ‬
‫الْقَاعِدِينَ َد َرجَةً َوكُلّ وَعَدَ اللّهُ الْحُ ْ‬
‫ن اللّهُ غَفُورًا رّحِيمًا (‪ )96‬سورة النساء‬
‫حمَةً َوكَا َ‬
‫َدرَجَاتٍ ّمنْهُ َو َمغْ ِف َرةً َورَ ْ‬

‫يقول الشهيد سيد قطب رحمه ال‬

‫إن هذا النص القرآني كان يواجه حالة خاصة في المجتمع المسلم وما حوله ; وكان يعالج حالة‬
‫خاصة في هذا المجتمع من التراخي ‪ -‬من بعض عناصره ‪ -‬في النهوض بتكاليف الجهاد‬

‫بالموال والنفس ‪ .‬سواء كان المقصود أولئك الذين تخلفوا عن الهجرة احتفاظا بأموالهم ‪ ,‬إذ لم‬

‫يكن المشركون يسمحون لمهاجر أن يحمل معه شيئا من ماله ; أو توفيرا لعناء الهجرة وما فيها‬
‫من مخاطر ‪ ,‬إذ لم يكن المشركون يتركون المسلمين يهاجرون ‪ ,‬وكثيرا ما كانوا يحبسونهم‬

‫ويؤذونهم ‪ -‬أو يزيدون في إيذائهم بتعبير أدق ‪ -‬إذا عرفوا منهم نية الهجرة ‪ . .‬سواء كان‬
‫المقصود هم أولئك الذين تخلفوا عن الهجرة ‪ -‬وهو ما نرجحه ‪ -‬أو كان المقصود بعض‬

‫‪33‬‬

‫المسلمين في دار السلم ‪ ,‬الذين لم ينشطوا للجهاد بالموال والنفس ‪ -‬من غير المنافقين‬
‫المبطئين الذين ورد ذكرهم في درس سابق ‪ -‬أو كان المقصود هؤلء وهؤلء ممن لم ينشطوا‬
‫للجهاد بالموال والنفس في دار الحرب ودار السلم سواء ‪.‬‬

‫إن هذا النص كان يواجه هذه الحالة الخاصة ; ولكن التعبير القرآني يقرر قاعدة عامة ; يطلقها‬
‫من قيود الزمان ‪ ,‬وملبسات البيئة ; ويجعلها هي القاعدة التي ينظر ال بها إلى المؤمنين في‬

‫كل زمان وفي كل مكان ‪ -‬قاعدة عدم الستواء بين القاعدين من المؤمنين عن الجهاد بالموال‬

‫والنفس ‪ -‬غير اولي الضرر الذين يقعدهم العجز عن الجهاد بالنفس ‪ ,‬او يقعدهم الفقر والعجز‬
‫عن الجهاد بالنفس والمال ‪ -‬عدم الستواء بين هؤلء القاعدين والخرين الذين يجاهدون‬

‫بأموالهم وأنفسهم ‪ . .‬قاعدة عامة على الطلق (ل يستوي القاعدون من المؤمنين ‪ -‬غير أولي‬
‫الضرر ‪ -‬والمجاهدون في سبيل ال بأموالهم وأنفسهم) ‪. .‬‬

‫ول يتركها هكذا مبهمة ‪ ,‬بل يوضحها ويقررها ‪ ,‬ويبين طبيعة عدم الستواء بين الفريقين‪:‬‬

‫(فضل ال المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة) ‪. .‬‬

‫وهذه الدرجة يمثلها رسول ال صلى ال عليه وسلم في مقامهم في الجنة ‪.‬‬
‫في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ‪ ,‬أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال‪ :‬إن في الجنة‬

‫مائة درجة أعدها ال للمجاهدين في سبيله ‪ .‬وما بين كل درجتين كما بين السماء والرض ‪. .‬‬

‫وقال العمش عن عمرو بن مرة ‪ ,‬عن أبى عبيدة ‪ ,‬عن عبدال بن مسعود قال‪:‬قال رسول ال‬

‫صلى ال عليه وسلم‪ ":‬من رمى بسهم فله أجره درجة " ‪ . .‬فقال رجل‪:‬يا رسول ال ‪ ,‬وما‬
‫الدرجة ? فقال‪:‬‬

‫"أما إنها ليست بعتبة أمك ‪ .‬ما بين الدرجتين مائة عام " ‪.‬‬

‫وهذه المسافات التي يمثل بها رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ ,‬نحسب أننا اليوم أقدر على‬

‫تصورها ; بعد الذي عرفناه من بعض أبعاد الكون ‪ .‬حتى إن الضوء ليصل من نجم إلى كوكب‬
‫في مئات السنين الضوئية وقد كان الذين يسمعون رسول ال صلى ال عليه وسلم يصدقونه بما‬

‫يقول ‪ .‬ولكنا ‪ -‬كما قلت ‪ -‬ربما كنا أقدر ‪ -‬فوق اليمان ‪ -‬على تصور هذه البعاد بما عرفناه‬
‫من بعض أبعاد الكون العجيب !‬

‫ثم يعود السياق بعد تقرير هذا الفارق في المستوى بين القاعدين من المؤمنين ‪ -‬غير اولي‬

‫الضرر ‪ -‬والمجاهدين بأموالهم وأنفسهم ‪ ,‬فيقرر أن ال وعد جميعهم الحسنى‪:‬‬
‫‪34‬‬

‫(وكل وعد ال الحسنى) ‪. .‬‬
‫فلليمان وزنه وقيمته على كل حال ; مع تفاضل أهله في الدرجات وفق تفاضلهم في النهوض‬

‫بتكاليف اليمان ; فيما يتعلق بالجهاد بالموال والنفس ‪ . .‬وهذا الستدراك هو الذي نفهم منه‬
‫أن هؤلء القاعدين ليسوا هم المنافقين المبطئين ‪ .‬إنما هم طائفة أخرى صالحة في الصف‬

‫المسلم ومخلصة ; ولكنها قصرت في هذا الجانب ; والقرآن يستحثها لتلفي التقصير ; والخير‬
‫مرجو فيها ‪ ,‬والمل قائم في أن تستجيب ‪.‬‬

‫فإذا انتهى من هذا الستدراك عاد لتقرير القاعدة الولى ; مؤكدا لها ‪ ,‬متوسعا في عرضها ;‬

‫ممعنا في الترغيب فيما وراءها من أجر عظيم‪:‬‬

‫وفضل ال المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما ‪ .‬درجات منه ومغفرة ورحمة ‪ .‬وكان ال‬
‫غفورا رحيمًا ‪.‬‬

‫وهذا التوكيد ‪ . .‬وهذه الوعود ‪ . .‬وهذا التمجيد للمجاهدين ‪ . .‬والتفضيل على القاعدين ‪. .‬‬

‫والتلويح بكل ما تهفو له نفس المؤمن من درجات الجر العظيم ‪ .‬ومن مغفرة ال ورحمته‬
‫للذنوب والتقصير ‪. .‬‬

‫هذا كله يشي بحقيقتين هامتين‪:‬‬

‫الحقيقة الولى‪:‬هي أن هذه النصوص كانت تواجه حالت قائمة في الجماعة المسلمة كما أسلفنا‬
‫وتعالجها ‪ .‬وهذا كفيل بأن يجعلنا أكثر إدراكا لطبيعة النفس البشرية ‪ ,‬ولطبيعة الجماعات‬

‫البشرية ‪ ,‬وأنها مهما بلغت في مجموعها من التفوق في اليمان والتربية فهي دائما في حاجة‬
‫إلى علج ما يطرأ عليها من الضعف والحرص والشح والتقصير في مواجهة التكاليف ‪,‬‬

‫وبخاصة تكاليف الجهاد بالموال والنفس ‪ ,‬مع خلوص النفس ل ‪ ,‬وفي سبيل ال ‪ .‬وظهور‬
‫هذه الخصائص البشرية ‪ -‬من الضعف والحرص والشح والتقصير ‪ -‬ل يدعو لليأس من النفس‬

‫أو الجماعة ‪ ,‬ول إلى نفض اليد منها ‪ ,‬وازدرائها ; طالما أن عناصر الخلص والجد والتعلق‬
‫بالصف والرغبة في التعامل مع ال موفورة فيها ‪ . .‬ولكن ليس معنى هذا هو إقرار النفس أو‬

‫الجماعة على ما بدا منها من الضعف والحرص والشح والتقصير ; والهتاف لها بالنبطاح في‬

‫السفح ‪ ,‬باعتبار أن هذا كله جزء من "واقعها" ! بل ل بد لها من الهتاف لتنهض من السفح‬

‫والحداء لتسير في المرتقى الصاعد ‪ ,‬إلى القمة السامقة ‪ .‬بكل ألوان الهتاف والحداء ‪ . .‬كما‬
‫نرى هنا في المنهج الرباني الحكيم ‪.‬‬
‫‪35‬‬

‫والحقيقة الثانية‪:‬هي قيمة الجهاد بالموال والنفس في ميزان ال واعتبارات هذا الدين وأصالة‬
‫هذا العنصر في طبيعة هذه العقيدة وهذا النظام ‪ .‬لما يعلمه ال ‪ -‬سبحانه ‪ -‬من طبيعة الطريق‬
‫; وطبيعة البشر ; وطبيعة المعسكرات المعادية للسلم في كل حين ‪.‬‬

‫إن "الجهاد" ليس ملبسة طارئة من ملبسات تلك الفترة ‪ .‬إنما هو ضرورة مصاحبة لركب هذه‬

‫الدعوة ! وليست المسألة ‪ -‬كما توهم بعض المخلصين ‪ -‬أن السلم نشأ في عصر‬

‫اللمبراطوريات ; فاندس في تصوراتأهله ‪ -‬اقتباسا مما حولهم ‪ -‬أنه ل بد لهم من قوة قاهرة‬
‫لحفظ التوازن !‬

‫هذه المقررات تشهد ‪ -‬على القل ‪ -‬بقلة ملبسة طبيعة السلم الصلية لنفوس هؤلء القائلين‬
‫بهذه التكهنات والظنون ‪.‬‬

‫لو كان الجهاد ملبسة طارئة في حياة المة المسلمة ما استغرق كل هذه الفصول من صلب‬
‫كتاب ال ; في مثل هذا السلوب ! ولما استغرق كذلك كل هذه الفصول من سنة رسول ال‬

‫صلى ال عليه وسلم وفي مثل هذا السلوب ‪. .‬‬

‫لو كان الجهاد ملبسة طارئة ما قال رسول ال صلى ال عليه وسلم تلك الكلمة الشاملة لكل‬
‫مسلم إلى قيام الساعة‪ ":‬من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة من النفاق " ‪.‬‬

‫ولئن كان صلى ال عليه وسلم رد في حالت فردية بعض المجاهدين ‪ ,‬لظروف عائلية لهم‬

‫خاصة ‪ ,‬كالذي جاء في الصحيح أن رجل قال للنبي صلى ال عليه وسلم أجاهد ‪ .‬قال‪ ":‬لك‬

‫أبوان ? " قال‪:‬نعم ‪ .‬قال ‪ " ,‬ففيهما جاهد " ‪ . .‬لئن كان ذلك فإنما هي حالة فردية ل تنقض‬

‫القاعدة العامة ; وفرد واحد ل ينقض المجاهدين الكثيرين ‪ .‬ولعله صلى ال عليه وسلم على‬

‫عادته في معرفة كل ظروف جنوده فردا فردا ‪ ,‬كان يعلم من حال هذا الرجل وأبويه ‪ ,‬ما جعله‬

‫يوجهه هذا التوجيه ‪. .‬‬

‫فل يقولن أحد ‪ -‬بسبب ذلك ‪ -‬إنما كان الجهاد ملبسة طارئة بسبب ظروف ‪ .‬وقد تغيرت هذه‬
‫الظروف !‬

‫وليس ذلك لن السلم يجب أن يشهر سيفه ويمشي به في الطريق يقطع به الروؤس ! ولكن‬
‫لن واقع حياة الناس وطبيعة طريق الدعوة تلزمه أن يمسك بهذا السيف ويأخذ حذره في كل‬

‫حين !‬

‫‪36‬‬

‫إن ال ‪ -‬سبحانه ‪ -‬يعلم أن هذا أمر تكرهه الملوك ! ويعلم أن ل بد لصحاب السلطان أن‬
‫يقاوموه ‪ .‬لنه طريق غير طريقهم ‪ ,‬ومنهج غير منهجهم ‪ .‬ليس بالمس فقط ‪ .‬ولكن اليوم‬

‫وغدا ‪ .‬وفي كل أرض ‪ ,‬وفي كل جيل !‬

‫وإن ال ‪ -‬سبحانه ‪ -‬يعلم أن الشر متبجح ‪ ,‬ول يمكن أن يكون منصفا ‪ .‬ول يمكن أن يدع‬

‫الخير ينمو ‪ -‬مهما يسلك هذا الخير من طرق سلمية موادعة ! ‪ -‬فإن مجرد نمو الخير يحمل‬

‫الخطورة على الشر ‪ .‬ومجرد وجود الحق يحمل الخطر على الباطل ‪ .‬ول بد أن يجنح‬
‫الشر‪:‬إلى العدوان ; ول بد أن يدافع الباطل عن نفسه بمحاولة قتل الحق وخنقه بالقوة !‬
‫هذه جبلة ! وليست ملبسة وقتية ‪. . .‬‬

‫هذه فطرة ! وليست حالة طارئة ‪. . .‬‬

‫ومن ثم ل بد من الجهاد ‪ . .‬لبد منه في كل صورة ‪ . .‬ول بد أن يبدأ في عالم الضمير ‪ .‬ثم‬

‫يظهر فيشمل عالم الحقيقة والواقع والشهود ‪ .‬ول بد من مواجهة الشر المسلح بالخير المسلح ‪.‬‬
‫ول بد من لقاء الباطل المتترس بالعدد بالحق المتوشح بالعدة ‪ . .‬وإل كان المر انتحارا ‪ .‬أو‬

‫كان هزل ل يليق بالمؤمنين !‬

‫ول بد من بذل الموال والنفس ‪ .‬كما طلب ال من المؤمنين ‪ .‬وكما اشترى منهم أنفسهم‬

‫وأموالهم بأن لهم الجنة ‪ . .‬فأما أن يقدر لهم الغلب ; أو يقدر لهم الستشهاد ; فذلك شأنه ‪-‬‬
‫سبحانه ‪ -‬وذلك قدره المصحوب بحكمته ‪ . .‬أما هم فلهم إحدى الحسنيين عند ربهم ‪ . .‬والناس‬

‫كلهم يموتون عندما يحين الجل ‪ . .‬والشهداء وحدهمهم الذين يستشهدون ‪. .‬‬

‫هناك نقط ارتكاز أصيلة في هذه العقيدة ‪ ,‬وفي منهجها الواقعي ‪ ,‬وفي خط سيرها المرسوم ‪,‬‬

‫وفي طبيعة هذا الخط وحتمياته الفطرية ‪ ,‬التي ل علقة لها بتغير الظروف ‪.‬‬

‫وهذه النقط ل يجوز أن تتميع في حس المؤمنين ‪ -‬تحت أي ظرف من الظروف ‪ .‬ومن هذه‬

‫النقط ‪ . .‬الجهاد ‪ . .‬الذي يتحدث عنه ال سبحانه هذا الحديث ‪ . .‬الجهاد في سبيل ال وحده ‪.‬‬
‫وتحت رايته وحدها ‪ . .‬وهذا هو الجهاد الذي يسمى من يقتلون فيه "شهداء" ويتلقاهم المل‬

‫العلى بالتكريم ‪. .‬‬

‫***************‬

‫ونحن نتربص إحدى الحسنيين قال تعالى في سورة التوبة ‪:‬‬

‫‪37‬‬

‫ص ْبكَ ُمصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَ ْذنَا َأ ْم َرنَا مِن َقبْلُ َو َي َت َولّواْ وّهُمْ َفرِحُونَ (‬
‫سؤْهُمْ َوإِن ُت ِ‬
‫سنَةٌ تَ ُ‬
‫صبْكَ حَ َ‬
‫إِن ُت ِ‬
‫علَى اللّهِ َف ْل َي َت َوكّلِ ا ْل ُم ْؤ ِمنُونَ (‪ )51‬قُلْ هَلْ‬
‫لنَا وَ َ‬
‫‪ )50‬قُل لّن ُيصِي َبنَا إِلّ مَا َك َتبَ اللّهُ َلنَا ُهوَ َموْ َ‬

‫س َن َييْنِ َونَحْنُ َن َت َربّصُ ِبكُمْ أَن ُيصِي َبكُ ُم اللّهُ ِبعَذَابٍ مّنْ عِن ِدهِ َأوْ بَِأيْدِينَا‬
‫َت َربّصُونَ ِبنَا إِلّ إِحْدَى الْحُ ْ‬
‫َف َت َر ّبصُواْ ِإنّا َم َعكُم ّم َت َر ّبصُونَ (‪)52‬‬

‫يقول الشهيد سيد قطب رحمه ال‬

‫واللّه قد كتب للمؤمنين النصر ‪ ,‬ووعدهم به في النهاية ‪ ,‬فمهما يصبهم من شدة ‪ ,‬ومهما يلقوا‬
‫من ابتلء ‪ ,‬فهو إعداد للنصر الموعود ‪ ,‬ليناله المؤمنون عن بينة ‪ ,‬وبعد تمحيص ‪ ,‬وبوسائله‬

‫التي اقتضتها سنة اللّه ‪ ,‬نصرا عزيزا ل رخيصا ‪ ,‬وعزة تحميها نفوس عزيزة مستعدة لكل‬
‫ابتلء ‪ ,‬صابرة على كل تضحية ‪ .‬واللّه هو الناصر وهو المعين‪:‬‬
‫(وعلى اللّه فليتوكل المؤمنون) ‪. .‬‬

‫والعتقاد بقدر اللّه ‪ ,‬والتوكل الكامل على اللّه ‪ ,‬ل ينفيان اتخاذ العدة بما في الطوق ‪ .‬فذلك أمر‬

‫اللّه الصريح‪( :‬وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ‪ ). . .‬وما يتكل على اللّه حق التكال من ل‬

‫ينفذ أمر اللّه ‪ ,‬ومن ل يأخذ بالسباب ‪ ,‬ومن ليدرك سنة اللّه الجارية التي ل تحابي أحدا ‪ ,‬ول‬

‫تراعي خاطر إنسان !‬

‫على أن المؤمن أمره كله خير ‪ .‬سواء نال النصر أو نال الشهادة ‪ .‬والكافر أمره كله شر سواء‬

‫أصابه عذاب اللّه المباشر أو على أيدي المؤمنين‪:‬‬

‫(قل‪:‬هل تربصون بنا إل إحدى الحسنيين ‪ ,‬ونحن نتربص بكم أن يصيبكم اللّه بعذاب من عنده‬

‫أو بأيدينا ‪ .‬فتربصوا إنا معكم متربصون) ‪. .‬‬

‫فماذا يتربص المنافقون بالمؤمنين ? إنها الحسنى على كل حال ‪ .‬النصر الذي تعلو به كلمة اللّه‬
‫‪ ,‬فهو جزاؤهم في هذه الرض ‪ .‬أو الشهادة في سبيل الحق عليا الدرجات عند اللّه ‪ .‬وماذا‬

‫يتربص المؤمنون بالمنافقين ? إنه عذاب اللّه يأخذهم كما أخذ من قبلهم من المكذبين ; أو ببطش‬
‫المؤمنين بهم كما وقع من قبل للمشركين ‪( . .‬فتربصوا إنا معكم متربصون) والعاقبة معروفة ‪.‬‬
‫‪ .‬والعاقبة معروفة للمؤمنين ‪.‬‬

‫*****************‬
‫ونحن إذا قتلنا فإلى جنة عرضها السموات والرض‬
‫‪38‬‬

‫ظرُ مَا‬
‫ع ْينًا َينْ ُ‬
‫سيْسَةَ َ‬
‫ل اللّ ِه ‪-‬صلى ال عليه وسلم‪ -‬بُ َ‬
‫ففي مسلم عَنْ َأ َنسِ بْنِ مَاِلكٍ قَالَ َب َعثَ رَسُو ُ‬
‫ل اللّهِ ‪-‬صلى ال عليه‬
‫غ ْيرُ رَسُو ِ‬
‫غ ْيرِى وَ َ‬
‫ص َنعَتْ عِيرُ َأبِى سُ ْفيَانَ َفجَاءَ َومَا فِى ا ْل َبيْتِ أَحَدٌ َ‬
‫َ‬

‫ل اللّ ِه ‪-‬صلى‬
‫خرَجَ رَسُو ُ‬
‫س َت ْثنَى َب ْعضَ نِسَائِهِ قَالَ فَحَ ّدثَهُ الْحَدِيثَ قَالَ فَ َ‬
‫وسلم‪ -‬قَالَ لَ أَ ْدرِى مَا ا ْ‬
‫جعَلَ رِجَالٌ‬
‫ضرًا َف ْل َي ْر َكبْ َم َعنَا »‪ .‬فَ َ‬
‫ظ ْه ُرهُ حَا ِ‬
‫طِلبَةً َفمَنْ كَانَ َ‬
‫ال عليه وسلم‪َ -‬ف َت َكلّمَ فَقَالَ « إِنّ َلنَا َ‬

‫طلَقَ رَسُولُ‬
‫ضرًا »‪ .‬فَانْ َ‬
‫ظ ْه ُرهُ حَا ِ‬
‫ع ْلوِ ا ْلمَدِينَةِ فَقَالَ « لَ إِلّ مَنْ كَانَ َ‬
‫ظ ْهرَا ِنهِمْ فِى ُ‬
‫ستَأْ ِذنُونَهُ فِى ُ‬
‫يَ ْ‬
‫ش ِركُونَ فَقَالَ‬
‫ش ِركِينَ ِإلَى بَ ْدرٍ وَجَاءَ ا ْلمُ ْ‬
‫سبَقُوا ا ْلمُ ْ‬
‫حتّى َ‬
‫اللّهِ ‪-‬صلى ال عليه وسلم‪َ -‬وَأصْحَابُهُ َ‬

‫حتّى َأكُونَ َأنَا دُونَهُ »‪ .‬فَ َدنَا‬
‫شىْءٍ َ‬
‫رَسُولُ اللّهِ ‪-‬صلى ال عليه وسلم‪ « -‬لَ يُقَ ّدمَنّ أَحَدٌ ِم ْنكُمْ ِإلَى َ‬

‫س َموَاتُ‬
‫ضهَا ال ّ‬
‫ع ْر ُ‬
‫جنّةٍ َ‬
‫ش ِركُونَ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ ‪-‬صلى ال عليه وسلم‪ « -‬قُومُوا ِإلَى َ‬
‫ا ْلمُ ْ‬
‫س َموَاتُ‬
‫ع ْرضُهَا ال ّ‬
‫جنّةٌ َ‬
‫لنْصَا ِرىّ يَا رَسُولَ اللّهِ َ‬
‫حمَامِ ا َ‬
‫ع َم ْيرُ بْنُ الْ ُ‬
‫لرْضُ »‪ .‬قَالَ يَقُولُ ُ‬
‫وَا َ‬

‫علَى‬
‫ح ِمُلكَ َ‬
‫ل اللّ ِه ‪-‬صلى ال عليه وسلم‪ « -‬مَا يَ ْ‬
‫لرْضُ قَالَ « َنعَمْ »‪ .‬قَالَ بَخٍ بَخٍ‪ .‬فَقَالَ رَسُو ُ‬
‫وَا َ‬
‫َق ْوِلكَ بَخٍ بَخٍ »‪ .‬قَالَ لَ وَاللّهِ يَا رَسُولَ اللّهِ إِلّ رَجَا َءةَ أَنْ َأكُونَ مِنْ أَ ْهِلهَا‪ .‬قَالَ « فَِإ ّنكَ مِنْ أَ ْهِلهَا‬
‫حتّى آكُلَ َت َمرَاتِى هَ ِذهِ ِإ ّنهَا‬
‫حيِيتُ َ‬
‫جعَلَ يَ ْأكُلُ ِم ْنهُنّ ثُمّ قَالَ َلئِنْ َأنَا َ‬
‫خرَجَ َت َمرَاتٍ مِنْ َق ْرنِهِ َف َ‬
‫»‪ .‬فََأ ْ‬

‫حتّى ُقتِلَ‪.‬‬
‫طوِيلَةٌ ‪ -‬قَالَ ‪َ -‬ف َرمَى ِبمَا كَانَ َمعَهُ مِنَ ال ّت ْمرِ‪ .‬ثُمّ قَا َتَلهُمْ َ‬
‫حيَاةٌ َ‬
‫لَ َ‬
‫***************‬

‫والشهادة في سبيل ال أقرب الطرق وأسرعها إلى دخول الجنة قال تعالى‬

‫لرْضُ أُعِ ّدتْ ِل ْل ُمتّقِينَ} (‪)133‬‬
‫سمَاوَاتُ وَا َ‬
‫ضهَا ال ّ‬
‫ع ْر ُ‬
‫جنّةٍ َ‬
‫‪ { :‬وَسَارِعُواْ ِإلَى َمغْ ِف َرةٍ مّن ّر ّبكُمْ وَ َ‬

‫سورة آل عمران‬

‫سمَاء وَالَْأرْضِ أُعِ ّدتْ ِللّذِينَ آ َمنُوا بِاللّهِ‬
‫ضهَا َك َعرْضِ ال ّ‬
‫عرْ ُ‬
‫جنّةٍ َ‬
‫{ سَابِقُوا ِإلَى َمغْ ِف َرةٍ مّن ّر ّبكُمْ وَ َ‬

‫سلِهِ َذِلكَ َفضْلُ اللّهِ ُي ْؤتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ ذُو الْ َفضْلِ ا ْلعَظِيمِ} (‪ )21‬سورة الحديد‬
‫َورُ ُ‬
‫يقول الشهيد سيد قطب رحمه ال‬

‫فليس السباق إلى إحراز اللهو واللعب والتفاخر والتكاثر بسباق يليق بمن شبوا عن الطوق ‪,‬‬

‫وتركوا عالم اللهو اللعب للطفال والصغار ! إنما السباق إلى ذلك الفق ‪ ,‬وإلى ذلك الهدف ‪,‬‬

‫وإلى ذلك الملك العريض‪( :‬جنة عرضها كعرض السماء والرض) ‪. .‬‬

‫وربما كان بعضهم في الزمن الخالي ‪ -‬قبل أن تكشف بعض الحقائق عن سعة هذا الكون ‪-‬‬

‫يميل إلى حمل مثل هذه الية على المجاز ‪ ,‬وكذلك حمل بعض الحاديث النبوية ‪ .‬كذلك الحديث‬
‫‪39‬‬

‫الذي أسلفنا عن أصحاب الغرف التي يتراءاها سكان الجنة كما يتراءون الكوكب الدري الغابر‬
‫في الفق من المشرق أو المغرب ‪ . .‬فأما اليوم ومراصد البشر الصغيرة تكشف عن البعاد‬

‫الكونية الهائلة التي ليس لها حدود ‪ ,‬فإن الحديث عن عرض الجنة ‪ ,‬والحديث عن تراءي‬

‫الغرف من بعيد ‪ ,‬يقع قطعا موقع الحقيقة القريبة البسيطة المشهودة ‪ ,‬ول يحتاج إلى حمله على‬

‫المجاز إطلقا ! فإن ما بين الرض والشمس مثل ل يبلغ أن يكون شيئا في أبعاد الكون يقاس !‬

‫وذلك الملك العريض في الجنة يبلغه كل من أراد ‪ ,‬ويسابق إليه كل من يشاء ‪.‬‬

‫وعربونه‪:‬اليمان بال ورسله ‪( .‬ذلك فضل ال يؤتيه من يشاء) ‪( . .‬وال ذو الفضل العظيم) ‪. .‬‬
‫وفضل ال غير محجوز ول محجور ‪ .‬فهو مباح متاح للراغبين والسابقين ‪ .‬وفي هذا فليتسابق‬
‫المتسابقون ‪ ,‬ل في رقعة الرض المحدودة الجل المحدودة الركان !‬

‫ول بد لصاحب العقيدة أن يتعامل مع هذا الوجود الكبير ; ول يحصر نفسه ونظره وتصوره‬

‫واهتمامه ومشاعره في عالم الرض الضيق الصغير ‪ . .‬ل بد له من هذا ليؤدي دوره اللئق‬
‫بصاحب العقيدة ‪ .‬هذا الدور الشاق الذي يصطدم بحقارات الناس وأطماعهم ‪ ,‬كما يصطدم‬

‫بضلل القلوب والتواء النفوس ‪ .‬ويعاني من مقاومة الباطل وتشبثه بموضعه من الرض ما ل‬
‫يصبر عليه إل من يتعامل مع وجود أكبر من هذه الحياة ‪ ,‬وأوسع من هذه الرض ‪ ,‬وأبقى من‬
‫ذلك الفناء ‪. .‬‬

‫إن مقاييس هذه الرض وموازينها ل تمثل الحقيقة التي ينبغي أن تستقر في ضمير صاحب‬

‫العقيدة ‪ .‬وما تبلغ من تمثيل تلك الحقيقة إل بقدر ما يبلغ حجم الرض بالقياس إلى حجم الكون ;‬
‫وما يبلغ عمر الرض بالقياس إلى الزل والبد ‪ .‬والفارق هائل هائل ل تبلغ مقاييس الرض‬
‫كلها أن تحدده ول حتى أن تشير إليه !‬

‫ومن ثم يبقى صاحب العقيدة في أفق الحقيقة الكبيرة مستعليا على واقع الرض الصغير ‪ .‬مهما‬
‫تضخم هذا الواقع وامتد واستطال ‪ .‬يبقى يتعامل مع تلك الحقيقة الكبيرة الطليقة من قيود هذا‬

‫الواقع الصغير ‪ .‬ويتعامل مع الوجود الكبير الذي يتمثله في الزل والبد ‪ .‬وفي ملك الخرة‬

‫الواسع العريض ‪ .‬وفي القيم اليمانية الثابتة التي ل تهتز لخلل يقع في موازين الحياة الدنيا‬

‫الصغيرة الخادعة ‪ . .‬وتلك وظيفة اليمان في حياة أصحاب العقائد المختارين لتعديل قيم الحياة‬

‫وموازينها ‪ ,‬ل للتعامل بها والخضوع لمقتضياتها ‪. . .‬‬
‫******************‬

‫‪40‬‬

‫لبد من التضحيات الجسام ليكون هؤلء منارات وضاءة للبشرية وإل كيف يرسل النبي صلى‬
‫ال عليه وسلم الرسول وحده ليبلغ رسالة ال وهو يعلم أنه قد يقتل في أية لحظة وقد حدث هذا‬
‫في حادثة بئر معونة وفي حادثة الرجيع وفي غزوة مؤتة ؟‬

‫ففي البخاري عَنْ َأ َنسٍ ‪ -‬رضى ال عنه أَنّ ال ّن ِبىّ ‪-‬صلى ال عليه وسلم‪َ -‬أتَاهُ رِعْلٌ وَ َذ ْكوَانُ‬

‫ى ‪-‬صلى ال عليه‬
‫علَى َق ْو ِمهِمْ فََأمَدّهُ ُم ال ّن ِب ّ‬
‫س َتمَدّوهُ َ‬
‫سَلمُوا وَا ْ‬
‫عمُوا َأ ّنهُمْ قَدْ أَ ْ‬
‫حيَانَ َفزَ َ‬
‫صيّةُ َو َبنُو لِ ْ‬
‫وَعُ َ‬
‫صلّونَ بِالّليْلِ‬
‫طبُونَ بِال ّنهَارِ َو ُي َ‬
‫سمّيهِمُ الْ ُقرّاءَ يَحْ ِ‬
‫ل ْنصَارِ قَالَ َأنَسٌ ُكنّا نُ َ‬
‫س ْبعِينَ مِنَ ا َ‬
‫وسلم‪ -‬بِ َ‬

‫علَى رِعْلٍ وَ َذ ْكوَانَ‬
‫ش ْهرًا يَدْعُو َ‬
‫حتّى َبَلغُوا ِب ْئرَ َمعُونَةَ غَ َدرُوا ِبهِمْ وَ َق َتلُوهُمْ فَ َق َنتَ َ‬
‫طلَقُوا ِبهِمْ َ‬
‫فَانْ َ‬

‫عنّا َق ْو َمنَا بَِأنّا قَدْ لَقِينَا َر ّبنَا‬
‫حيَانَ‪ .‬قَالَ َقتَا َدةُ وَحَ ّد َثنَا َأ َنسٌ َأ ّنهُمْ َقرَءُوا ِبهِمْ ُقرْآنًا أَلَ َبّلغُوا َ‬
‫َو َبنِى ِل ْ‬
‫عنّا َوَأرْضَانَا‪ .‬ثُمّ رُفِعَ َذِلكَ َبعْدُ‪.‬‬
‫ضىَ َ‬
‫َف َر ِ‬
‫وفي مسند أحمد ‪:‬‬

‫سَليْمٍ فِى‬
‫حرَاما خَالَهُ َأخُو أُمّ ُ‬
‫ل اللّ ِه ‪-‬صلى ال عليه وسلم‪َ -‬لمّا َب َعثَ َ‬
‫‪ -13539‬عَنْ َأ َنسٍ أَنّ رَسُو َ‬
‫ش ِركِينَ َي ْو َمئِذٍ عَا ِمرَ بْنَ الطّ َفيْلِ َوكَانَ ُهوَ َأتَى‬
‫س ْبعِينَ رَجُلً فَ ُق ِتلُوا َيوْمَ ِب ْئرِ َمعُونَةَ َوكَانَ َرئِيسُ ا ْلمُ ْ‬
‫َ‬

‫سهْلِ َو َيكُونُ لِى أَهْلُ‬
‫خصَالٍ َيكُونُ َلكَ أَهْلُ ال ّ‬
‫لثَ ِ‬
‫خ َترْ ِمنّى ثَ َ‬
‫ال ّن ِبىّ ‪-‬صلى ال عليه وسلم‪ -‬فَقَالَ ا ْ‬
‫طعِنَ فِى َب ْيتِ‬
‫غزُوكَ ِبغَطَفَانَ َأ ْلفِ أَشْ َقرَ َوَأ ْلفِ شَ ْقرَاءَ‪ .‬قَالَ فَ ُ‬
‫خلِيفَةً مِنْ َبعْ ِدكَ َأوْ أَ ْ‬
‫ا ْل َوبَرِ َأوْ َأكُونُ َ‬
‫ا ْم َرأَةٍ مِنْ َبنِى فُلَنٍ فَقَالَ غُ ّدةٌ َكغُ ّدةِ ا ْل َبعِيرِ فِى َب ْيتِ ا ْم َرَأةٍ مِنْ َبنِى فُلَنٍ ا ْئتُونِى بِ َفرَسِى‪ .‬فَُأ ِتىَ بِهِ‬

‫سَليْمٍ َورَجُلَنِ َمعَهُ رَجُلٌ مِنْ َبنِى ُأ َميّةَ َورَجُلٌ‬
‫حرَامٌ أَخُو أُمّ ُ‬
‫طلَقَ َ‬
‫ظ ْه ِرهِ فَانْ َ‬
‫علَى َ‬
‫َف َر ِكبَهُ َفمَاتَ وَ ُهوَ َ‬

‫عَل ْمتُمْ‬
‫حتّى آ ِت َيهُمْ َفإِنْ آ َمنُونِى َوإِل ُك ْنتُمْ َقرِيبا فَإِنْ َق َتلُونِى أَ ْ‬
‫عرَجُ فَقَالَ َلهُمْ كُونُوا َقرِيبا ِمنّى َ‬
‫أَ ْ‬

‫ل اللّهِ ‪-‬صلى ال عليه وسلم‪-‬‬
‫حرَامٌ فَقَالَ َأ ُت ْؤ ِمنُونِى ُأ َبّل ْغكُمْ رِسَالَةَ رَسُو ِ‬
‫َأصْحَا َبكُمْ‪ .‬قَالَ َفَأتَاهُمْ َ‬

‫ل اللّهُ‬
‫حتّى َأنْفَ َذهُ بِال ّرمْحِ قَا َ‬
‫ط َعنَهُ َ‬
‫خلْفِهِ فَ َ‬
‫جعَلَ يُحَ ّد ُثهُمْ َوَأ ْومَأُوا ِإلَى رَجُلٍ ِم ْنهُمْ مِنْ َ‬
‫ِإَل ْيكُمْ قَالُوا َنعَمْ‪ .‬فَ َ‬
‫جبَلٍ‪ .‬قَالَ َأ َنسٌ فَُأ ْنزِلَ‬
‫عرَجِ كَانَ فِى َر ْأسِ َ‬
‫غ ْيرَ الَ ْ‬
‫َأ ْك َبرُ ُف ْزتُ َو َربّ ا ْل َك ْعبَةِ‪ .‬قَالَ ثُمّ َق َتلُوهُمْ ُكّلهُمْ َ‬
‫عنّا َوَأرْضَانَا‪ .‬قَالَ فَدَعَا ال ّن ِبىّ‬
‫ضىَ َ‬
‫عَل ْينَا َوكَانَ ِممّا يُ ْق َرأُ َفنُسِخَ أَنْ َبّلغُوا َق ْو َمنَا َأنّا لَقِينَا َر ّبنَا َف َر ِ‬
‫َ‬

‫صيّةَ الّذِينَ‬
‫ع َ‬
‫حيَانَ وَ ُ‬
‫علَى رِعْلٍ وَ َذ ْكوَانَ َو َبنِى لِ ْ‬
‫صبَاحا َ‬
‫عَل ْيهِمْ َأ ْر َبعِينَ َ‬
‫صلى ال عليه وسلم‪َ -‬‬‫عصَوُا اللّهَ َورَسُولَهُ‪.‬‬
‫َ‬

‫****************‬

‫ويبقى مصداق حديث المصطفى صلى ال عليه وسلم عبر الزمان‬

‫‪41‬‬

‫س ِم ْعتُ ال ّن ِبىّ‬
‫عبْ ِد اللّهِ يَقُولُ َ‬
‫سمِعَ جَا ِبرَ بْنَ َ‬
‫خ َب َرنِى َأبُو ال ّز َب ْيرِ َأنّهُ َ‬
‫ج َريْجٍ قَالَ َأ ْ‬
‫ففي مسلم عَنِ ابْنِ ُ‬
‫علَى الْحَقّ ظَا ِهرِينَ ِإلَى َيوْمِ‬
‫‪-‬صلى ال عليه وسلم‪ -‬يَقُولُ « لَ َتزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ ُأ ّمتِى يُقَا ِتلُونَ َ‬

‫ل صَلّ َلنَا‪.‬‬
‫الْ ِقيَامَةِ ‪ -‬قَالَ ‪َ -‬ف َي ْنزِلُ عِيسَى ابْنُ َم ْريَ َم ‪-‬صلى ال عليه وسلم‪َ -‬فيَقُولُ َأمِيرُهُمْ َتعَا َ‬
‫لمّةَ »‪.‬‬
‫علَى َبعْضٍ ُأ َمرَاءُ‪َ .‬ت ْك ِرمَ َة اللّهِ هَ ِذهِ ا ُ‬
‫ضكُمْ َ‬
‫َفيَقُولُ لَ‪ .‬إِنّ َب ْع َ‬

‫س ِم ْعتُ ُمعَا ِويَةَ‬
‫ع َم ْيرَ بْنَ هَا ِنئٍ حَ ّدثَهُ قَالَ َ‬
‫حمَنِ بْنِ َيزِيدَ بْنِ جَا ِبرٍ أَنّ ُ‬
‫عبْ ِد الرّ ْ‬
‫وفي مسند أحمد عَنْ َ‬

‫ل اللّ ِه ‪-‬صلى ال عليه وسلم‪ -‬يَقُولُ « لَ َتزَالُ‬
‫س ِم ْعتُ رَسُو َ‬
‫علَى هَذَا ا ْل ِم ْنبَرِ يَقُولُ َ‬
‫بْنَ َأبِى سُ ْفيَانَ َ‬
‫عزّ وَجَلّ‬
‫حتّى يَ ْأ ِتىَ َأ ْمرُ اللّهِ َ‬
‫ضرّهُمْ مَنْ خَ َذَلهُمْ َأوْ خَالَ َفهُمْ َ‬
‫طَائِفَةٌ مِنْ ُأ ّمتِى قَا ِئمَةً بَِأ ْم ِر اللّهِ لَ َي ُ‬

‫س ِم ْعتُ ُمعَاذَ‬
‫س ِكىّ فَقَالَ يَا َأمِيرَ ا ْل ُم ْؤ ِمنِينَ َ‬
‫سكْ َ‬
‫علَى النّاسِ »‪ .‬فَقَامَ مَاِلكُ بْنُ يُخَا ِمرَ ال ّ‬
‫وَهُمْ ظَا ِهرُونَ َ‬
‫جبَلٍ‬
‫سمِعَ ُمعَاذَ بْنَ َ‬
‫ص ْوتَهُ هَذَا مَاِلكٌ َيزْعُمُ َأنّهُ َ‬
‫جبَلٍ يَقُولُ َهُمْ أَهْلُ الشّامِ‪ .‬فَقَالَ ُمعَا ِويَةُ َورَفَ َع َ‬
‫بْنَ َ‬
‫يَقُولُ َهُمْ أَهْلُ الشّامِ‪.‬‬
‫وفيه ‪:‬‬

‫خ َبرَهُمْ َأنّهُ َأتَى ال ّن ِبىّ ‪-‬صلى ال عليه وسلم‪ -‬فَقَالَ ِإنّى‬
‫سَلمَةَ بْنَ نُ َفيْلٍ أَ ْ‬
‫ج َب ْيرِ بْنِ نُ َف ْيرٍ أَنّ َ‬
‫عَنْ ُ‬

‫ى ‪-‬صلى ال‬
‫ح ْربُ َأ ْوزَارَهَا ُق ْلتُ لَ ِقتَالَ‪ .‬فَقَالَ لَهُ ال ّنبِ ّ‬
‫ض َعتِ الْ َ‬
‫خيْلَ َوَألْ َق ْيتُ السّلَحَ َو َو َ‬
‫س ِئ ْمتُ الْ َ‬
‫َ‬
‫علَى النّاسِ َيرْفَ ُع اللّهُ ُقلُوبَ‬
‫عليه وسلم‪ « -‬النَ جَاءَ الْ ِقتَالُ لَ َتزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ ُأ ّمتِى ظَا ِهرِينَ َ‬

‫علَى َذِلكَ أَلَ إِنّ عُ ْقرَ دَارِ‬
‫عزّ وَجَلّ وَهُمْ َ‬
‫حتّى يَ ْأ ِتىَ َأ ْم ُر اللّهِ َ‬
‫أَ ْقوَامٍ َفيُقَا ِتلُو َنهُمْ َو َي ْرزُ ُقهُ ُم اللّهُ ِم ْنهُمْ َ‬

‫خ ْيرُ ِإلَى َيوْمِ الْ ِقيَامَةِ »‪.‬‬
‫خيْلُ َمعْقُودٌ فِى َنوَاصِيهَا الْ َ‬
‫ا ْل ُم ْؤمِنِينَ الشّامُ وَالْ َ‬
‫وفيه ‪:‬‬

‫علَى الدّينِ‬
‫ل اللّهِ ‪-‬صلى ال عليه وسلم‪ « -‬لَ َتزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ ُأ ّمتِى َ‬
‫عَنْ َأبِى ُأمَامَةَ قَالَ قَالَ رَسُو ُ‬
‫حتّى يَ ْأ ِت َيهُمْ َأ ْم ُر اللّهِ‬
‫لوَاءَ َ‬
‫ضرّهُمْ مَنْ خَالَ َفهُمْ إِلّ مَا َأصَا َبهُمْ مِنْ ْ‬
‫ظَا ِهرِينَ ِلعَ ُدوّهِمْ قَا ِهرِينَ لَ َي ُ‬

‫ل اللّهِ َوَأيْنَ هُمْ قَالَ « ِب َب ْيتِ ا ْلمَقْدِسِ َوَأ ْكنَافِ َب ْيتِ ا ْلمَقْدِسِ »‪.‬‬
‫وَهُمْ كَ َذِلكَ »‪ .‬قَالُوا يَا رَسُو َ‬
‫********************‬

‫ويجب أن يعلم المتقاعسون والمرجفون أن التربية ل تكون إل بالحداث الجسام فهي التي‬

‫تصقل الفرد والمجتمع أما الذين يقولون ل طاقة لنا اليوم بطالوت وجنوده فهؤلء مرضى‬
‫يحتاجون إلى تربية عالية‬

‫وليعلموا أنه ينطبق عليهم قول النبي صلى ال عليه وسلم ففي سنن أبي داود ‪:‬‬

‫‪42‬‬

‫عَل ْيكُمْ َكمَا‬
‫لمَمُ أَنْ تَدَاعَى َ‬
‫شكُ ا ُ‬
‫ل اللّهِ ‪-‬صلى ال عليه وسلم‪ « -‬يُو ِ‬
‫عَنْ َث ْوبَانَ قَالَ قَالَ رَسُو ُ‬
‫ص َع ِتهَا »‪ .‬فَقَالَ قَائِلٌ َومِنْ ِقلّةٍ َنحْنُ َي ْو َمئِذٍ قَالَ « بَلْ َأ ْنتُمْ َي ْو َمئِذٍ َكثِيرٌ َوَل ِك ّنكُمْ‬
‫ل َكلَةُ ِإلَى َق ْ‬
‫تَدَاعَى ا َ‬

‫ن اللّهُ فِى ُقلُو ِبكُمُ ا ْلوَهَنَ‬
‫ن صُدُورِ عَ ُد ّوكُمُ ا ْل َمهَابَةَ ِم ْنكُمْ َوَليَقْذِفَ ّ‬
‫سيْلِ َوَل َي ْنزِعَنّ اللّهُ مِ ْ‬
‫غثَاءٌ َك ُغثَاءِ ال ّ‬
‫ُ‬
‫حبّ ال ّد ْنيَا َو َكرَا ِهيَةُ ا ْل َم ْوتِ »‪.‬‬
‫»‪ .‬فَقَالَ قَائِلٌ يَا رَسُولَ اللّهِ َومَا ا ْلوَهَنُ قَالَ « ُ‬

‫******************‬

‫فإذا كان المر كذلك فما الذي سيحدث ؟‬

‫لقد ذكرت في كتابي المطول (من المسئول عن اغتيال الشيخ أحمد ياسين ؟)‬
‫الجواب المفصل هناك‬
‫وهنا أقول ‪:‬‬

‫بالنسبة لردود الفعل‬

‫أول على مستوى الحكام‬
‫ليس إل الشجب والستنكار أو السكوت عما يجري آو إشغال الناس بأمور أخرى أو أن هذه‬

‫العمال التي يقوم بها شارون وزمرته ضد المسيرة السلمية ( المزعومة )‬

‫وهم في حقيقة المر مسرورون جدا لما يفعله شارون لن النتفاضة قد أقضت مضاجعهم‬

‫وكشفت أوراقهم وتآمرهم على قضية فلسطين بل وعلى شعوبهم وعلى دين ال تعالى بل‬
‫وعلى النسانية جمعاء‬

‫فهم عندما استشهد الشيخ القعيد لم يجرؤوا على عمل اجتماع قمامة عربية في تونس وكل‬

‫منهم صار يكيل التهم لغيره ويبتعد عن الموضوع الساس‬

‫أتدرون لماذا لم يعقد مؤتمر القمامة ؟‬

‫لن أسيادهم قالوا لهم ‪ :‬ل تعقدوا المؤتمر (( وحتى لو عقد ل خير فيه فما هو إل عبارة عن‬

‫مورفين يخدرون به الشعوب المغفلة ))‬

‫وإل كشفنا أوراقكم وقلنا لشعوبكم أنتم الذين وقعتم على اغتيال هؤلء وباركتم ذلك لتبقى‬

‫كرسيكم سالمة من كل عثرة‬

‫فما أنتم إل أحجار على رقع الشطرنج نحرككم كما نريد‬

‫بل أنتم دمى يتلهى بها أطفالنا‬
‫وأنتم كرة يلعب بها الصبيان‬

‫‪43‬‬

‫نعم هم كذلك‬
‫بل سيلقون القبض على كل من يظهر التعاطف مع الشهداء الذين يسقطون كل يوم في فلسطين‬

‫وفي العراق وفي الشيشان وفي كشمير وفي أفغانستان على يد المجرمين المحليين والخارجين‬

‫وعلى مستوى الشعوب ربما تصحوا من سهادها وتقوم بالمظاهرات الصاخبة هنا وهناك ثم‬

‫تخبو وتنهي المسالة شجب وإنكار ثم سكوت وإقرار إل من رحم ربي‬

‫وأما على مستوى العالم فقوم ل يهمهم من يقتل في هذه الرض فهم كما قال ال تعالى { ثُمّ‬

‫ل ْنهَارُ‬
‫جرُ ِمنْهُ ا َ‬
‫س َوةً َوإِنّ مِنَ الْحِجَا َرةِ َلمَا َيتَفَ ّ‬
‫حجَا َرةِ َأوْ أَشَدّ قَ ْ‬
‫ستْ ُقلُو ُبكُم مّن َبعْدِ َذِلكَ َف ِهيَ كَالْ ِ‬
‫قَ َ‬
‫عمّا‬
‫شيَ ِة اللّهِ َومَا اللّهُ ِبغَافِلٍ َ‬
‫خرُجُ ِمنْهُ ا ْلمَاء َوإِنّ ِم ْنهَا َلمَا َي ْهبِطُ مِنْ خَ ْ‬
‫َوإِنّ ِم ْنهَا َلمَا يَشّقّقُ َفيَ ْ‬
‫َت ْع َملُونَ } (‪ )74‬سورة البقرة‬

‫وقوم يظهرون شيئا من العطف والتنديد وأن هذا مبالغة في القتل أو إسراف أو عنف غير لزم‬

‫ومنهم من يبارك للجلد ما فعل كأوروبا وروسيا والهند وأمريكا بل يقول مسؤول البيت في‬

‫البيض في الخارجية المريكية تعليقا على الحادث الرهيب إن هؤلء إرهابيون يستحقون القتل‬

‫بأي شكل كان‬

‫نعم إنهم إرهابيون بنظركم أيها الفجار فأمريكا تمثل فرعون العصر الذي اراد أن يقتل النبي‬

‫موسى عليه السلم لماذا ؟ لنه سيبدل دينهم الوثني ويفسد في الرض قال تعالى { وَقَالَ‬

‫ظ ِهرَ فِي الَْأرْضِ الْفَسَادَ}‬
‫عوْنُ َذرُونِي أَ ْقتُلْ مُوسَى َو ْليَدْعُ َربّهُ ِإنّي أَخَافُ أَن ُيبَدّلَ دِي َنكُمْ َأوْ أَن يُ ْ‬
‫ِفرْ َ‬

‫(‪ )26‬سورة غافر‬

‫فل غرابة في ذلك أبدا لن ال تعالى قد كشف لنا حقيقة هؤلء‬

‫****************‬

‫إذا كان المر كذلك فما هو الحل ؟؟؟‬

‫قلت ‪ :‬الحل قد ذكره ال تعالى ورسوله صلى ال عليه وسلم وسار عليه أخيار هذه المة أل‬

‫وهو الجهاد في سبيل ال والشهادة في سبيله واليات والحاديث في هذا كثيرة جدا‬
‫وهذه خلصة لها‬

‫بسم ال الرحمن الرحيم‬

‫المقدمة‬

‫‪44‬‬

‫إن الحمدَ ل نحمدُه ونستعينه ونستغفره‪ ،‬ونعوذُ باللـه من شرور أنفُسِنا‪ ،‬ومن سيئات أعمالنا‪،‬‬
‫من يهده اللـه فل مضلّ له‪ ،‬ومن يُضلل فل هادي له‪.‬‬

‫وأشهدُ أن ل إله إل اللـه وحده لشريك له‪ ،‬وأشهد أن محمدا عبدُه ورسُوله‪.‬‬

‫أما بعد‬

‫مساهمة مني في طريق الجهاد في سبيل ال لعلء كلمة الواحد الحد قمت بجمع هذا المؤلف‬

‫وهو من كتاب ال عز وجل ومن سنة نبيه صلى ال عليه وسلم وفيه التحريض والترغيب‬

‫للجهاد في سبيل ال وأسميته باب من أبواب الجنة لقول الرسول صلى ال عليه وسلم { من أنفق‬

‫زوجين في سبيل ال نودي في الجنة ‪ :‬يا عبد ال ! هذا خير ‪ ،‬فمن كان من أهل الصلة دعي‬
‫من باب الصلة ‪ ،‬ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد ‪ ،‬ومن كان من أهل الصدقة‬

‫دعي من باب الصدقة ‪ ،‬ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان ‪ .‬قال أبو بكر الصديق‬
‫‪ :‬يا رسول ال ! ما على أحد يدعى من تلك البواب من ضرورة ‪ ،‬فهل يدعى أحد من تلك‬

‫البواب كلها ؟ قال ‪ :‬نعم ‪ ،‬وأرجو أن تكون منهم } ‪ .‬أخرجه البخاري ومسلم‬

‫اسأل ال عز وجل أن يكون هذا العمل خالص لوجه الكريم وان يتقبل مني ومنكم وان يجعل‬

‫لهذا العمل القبول وينفع به المة انه ولى ذلك والقادر عليه‬
‫وصلى ال على نبينا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين‬
‫جمع وإعداد‬

‫أخوكم‬

‫أبو أنس الطائفي‬
‫قال تعالى ‪:‬‬

‫حرّضِ ا ْل ُم ْؤ ِمنِينَ عَسَى اللّهُ أَن َي ُكفّ بَ ْأسَ الّذِينَ كَ َفرُواْ‬
‫سكَ وَ َ‬
‫ل اللّهِ لَ ُت َكّلفُ إِلّ نَفْ َ‬
‫سبِي ِ‬
‫{ فَقَاتِلْ فِي َ‬
‫وَاللّهُ أَشَدّ َبأْسًا َوأَشَدّ تَنكِيلً }‬

‫يأمر تعالى عبده ورسوله محمدا صلى ال عليه وسلم بأن يباشر القتال بنفسه ومن نكل عنه فل‬

‫عليه منه ولهذا قال "ل تكلف إل نفسك" قال ابن أبي حاتم‪ :‬حدثنا أبي حدثنا محمد بن عمرو بن‬
‫نبيح حدثنا حكام حدثنا الجراح الكندي عن أبي إسحاق قال‪ :‬سألت البراء بن عازب عن الرجل‬
‫يلقي المائة من العدو فيقاتل فيكون ممن قال ال فيه "ول تلقوا بأيديكم إلى التهلكة" قال‪ :‬قد قال‬

‫ال تعالى لنبيه"فقاتل في سبيل ال ل تكلف إل نفسك وحرض المؤمنين" ورواه المام أحمد عن‬

‫سليمان بن داود عن أبي بكر بن عياش عن أبي إسحاق قال‪ :‬قلت للبراء‪ :‬الرجل يحمل على‬
‫‪45‬‬

‫المشركين أهو ممن ألقى بيده إلى التهلكة قال‪ :‬ل إن ال بعث رسوله صلى ال عليه وسلم وقال‬
‫"فقاتل قي سبيل ال ل تكلف إل نفسك" إنما ذلك في النفقة‪ .‬وكذا رواه ابن مردويه من طريق‬

‫أبي بكر بن عياش وعلي بن صالح عن أبي إسحاق عن البراء به ثم قال ابن مردويه‪ :‬حدثنا‬
‫سليمان بن أحمد حدثنا أحمد بن النضر العسكري حدثنا مسلم بن عبدالرحمن الحرثي حدثنا‬

‫محمد بن حمير حدثنا سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن البراء قال‪ :‬لما نزلت على النبي صلى‬
‫ال عليه وسلم "فقاتل في سبيل ال ل تكلف إل نفسك وحرض المؤمنين" الية قال لصحابه "قد‬

‫أمرني ربي بالقتال فقاتلوا" حديث غريب وقوله "وحرض المؤمنين" أي على القتال ورغبهم فيه‬
‫وشجعهم عليه كما قال لهم صلى ال عليه وسلم ال عليه وسلم يوم بدر وهو يسوي الصفوف‬

‫"قوموا إلى جنة عرضها السموات والرض" وقد وردت أحاديث كثيرة في الترغيب في ذلك‬

‫فمن ذلك ما رواه البخاري عن أبي هريرة قال‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم "من آمن‬

‫بال ورسوله وأقام الصلة وآتى الزكاة وصام رمضان كان حقا على ال أن يدخله الجنة هاجر‬
‫في سبيل ال أو جلس في أرضه التي ولد فيها" قالوا‪ :‬يا رسول ال أفل نبشر الناس بذلك؟ فقال‪:‬‬

‫"إن في الجنة مائة درجة أعدها ال للمجاهدين في سبيل ال بين كل درجتين كما بين السماء‬

‫والرض فإذا سألتم ال فاسألوه الفردوس فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن‬

‫ومنه تفجر أنهار الجنة" وروى من حديث عبادة ومعاذ وأبي الدرداء نحو ذلك‪ .‬وعن أبي سعيد‬
‫الخدري أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال‪" :‬يا أبا سعيد من رضي بال ربا وبالسلم دينا‬

‫وبمحمد صلى ال عليه وسلم رسول ونبي ا وجبت له الجنة" قال‪ :‬فعجب لها أبو سعيد فقال‪:‬‬

‫أعدها علي يا رسول ال ففعل ثم قال رسول ال صلى ال عليه وسلم "وأخرى يرفع ال العبد‬

‫بها مائة درجة في الجنة ما بين كل درجتين كما بين السماء والرض" قال‪ :‬وما هى يا رسول‬

‫ال؟ قال‪" :‬الجهاد في سبيل ال" رواه مسلم‪ .‬وقوله "عسى ال أن يكف بأس الذين كفروا" أي‬

‫بتحريضك إياهم على القتال تنبعث هممهم على مناجزة العداء ومدافعتهم عن حوزة السلم‬
‫وأهله ومقاومتهم ومصابرتهم ‪.‬‬

‫وقوله تعالى وال أشد بأسا وأشد تنكيل أى هو قادر عليهم في الدنيا والخرة كما قال تعالى‬
‫"ذلك ولو يشاء ال لنتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض" الية‪.‬‬

‫ش ُعرُونَ }‬
‫حيَاء َوَلكِن لّ تَ ْ‬
‫{ وَلَ تَقُولُواْ ِلمَنْ يُ ْقتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ َأ ْموَاتٌ بَلْ أَ ْ‬

‫‪46‬‬

‫يخبر تعالى أن الشهداء في برزخهم أحياء يرزقون كما جاء في صحيح مسلم "إن أرواح‬
‫الشهداء في حواصل طيور خضر تسرح في الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى قناديل معلقة تحت‬

‫العرش فاطلع عليهم ربك اطلعة فقال ماذا تبغون؟ فقالوا يا ربنا وأي شيء نبغي وقد أعطيتنا‬

‫ما لم تعط أحدا من خلقك؟ ثم عاد عليهم بمثل هذا فلما رأوا أنهم ل يتركون من أن يسألوا قالوا‬

‫نريد أن تردنا إلى الدار الدنيا فنقاتل في سبيلك حتى نقتل فيك مرة أخرى ‪ -‬لما يرون من ثواب‬
‫الشهادة ‪ -‬فيقول الرب جل جلله "إنى كتبت أنهم إليها ل يرجعون"‪ .‬وفي الحديث الذي رواه‬

‫المام أحمد عن المام الشافعي عن المام مالك عن الزهري عن عبدالرحمن بن كعب بن مالك‬

‫عن أبيه قال‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم "نسمة المؤمن طائر تعلق فى شجر الجنة‬
‫حتى يرجعه ال إلى جسده يوم يبعثه" ففيه دللة لعموم المؤمنين أيضا وإن كان الشهداء قد‬

‫خصصوا بالذكر في القرآن تشريفا لهم وتكريما وتعظيما‪.‬‬

‫حيَاء عِندَ َر ّبهِمْ ُي ْرزَقُونَ }‬
‫ل اللّهِ َأ ْموَاتًا بَلْ أَ ْ‬
‫سبِي ِ‬
‫سبَنّ الّذِينَ ُق ِتلُواْ فِي َ‬
‫{ وَلَ تَحْ َ‬
‫يخبر تعالى عن الشهداء بأنهم وإن قتلوا في هذه الدار فإن أرواحهم حية مرزوقة في دار‬

‫القرار‪ .‬قال محمد بن جرير‪ :‬حدثنا محمد بن مرزوق حدثنا عمرو بن يونس عن عكرمة حدثنا‬
‫إسحق بن أبي طلحة حدثني أنس بن مالك في أصحاب رسول ال صلى ال عليه وسلم الذين‬

‫أرسلهم نبي ال إلى أهل بئر معونه قال‪ :‬ل أدري أربعين أو سبعين وعلى ذلك الماء عامر بن‬
‫الطفيل الجعفري فخرج أولئك النفر من أصحاب رسول ال صلى ال عليه وسلم حتى أتوا غارا‬
‫مشرفا على الماء فقعدوا فيه ثم قال بعضهم لبعض أيكم يبلغ رسالة رسول ال صلى ال عليه‬

‫وسلم أهل هذا الماء فقال ‪ -‬أراه أبو ملحان النصاري ـ أنا أبلغ رسالة رسول ال صلى ال‬

‫عليه وسلم فخرج حتى أتى حول بيتهم فاجتثى أمام البيوت ثم قال يا أهل بئر معونة إني رسول‬
‫ال إليكم إني أشهد أن ل إله إل ال وأن محمدا عبده ورسوله فآمنوا بال ورسوله فخرج إليه‬

‫رجل من كسر البيت برمح فضربه في جنبه حتى خرج من الشق الخر فقال‪ :‬ال أكبر فزت‬

‫ورب الكعبة فاتبعوا أثره حتى أتوا أصحابه في الغار فقتلهم أجميعن عامر بن الطفيل وقال ابن‬

‫إسحق‪ :‬حدثني أنس بن مالك أن ال أنزل فيهم قرآنا بلغوا عنا قومنا أنا قد لقينا ربنا فرضي عنا‬

‫ورضينا عنه ثم نسخت فرفعت بعد ما قرأناها زمانا وأنزل ال تعالى "ول تحسبن الذين قتلوا‬
‫في سبيل ال أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون" وقد قال مسلم في صحيحه‪ :‬حدثنا محمد بن‬

‫عبدال بن نمير حدثنا أبو معاوية حدثنا العمش عن عبدال بن مرة عن مسروق قال‪ :‬إنا سألنا‬
‫‪47‬‬

‫عبدال عن هذه الية‪" .‬ول تحسبن الذين قتلوا في سبيل ال أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون"‬
‫فقال‪ :‬أما إنا قد سألنا عن ذلك رسول ال صلى ال عليه وسلم فقال "أرواحهم في جوف طير‬

‫خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل فاطلع‬
‫عليهم ربهم إطلعة فقال‪ :‬هل تشتهون شيئا؟ فقالوا‪ :‬أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة‬
‫حيث شئنا؟ ففعل ذلك بهم ثلث مرات فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا‪ :‬يا رب‬

‫نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى فلما رأى أن ليس لهم حاجة‬

‫تركوا" وقد روي نحوه من حديث أنس وأبي سعيد " حديث آخر" قال المام أحمد حدثنا‬

‫عبدالصمد حدثنا حماد حدثنا ثابت عن أنس أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال "ما من نفس‬

‫تموت لها عند ال خير يسرها أن ترجع إلى الدنيا إل الشهيد فإنه يسره أن يرجع إلى الدنيا‬

‫فيقتل مرة أخرى مما يرى من فضل الشهادة" تفرد به مسلم من طريق حماد‪ " .‬حديث آخر" قال‬

‫المام أحمد‪ :‬حدثنا علي بن عبدال المديني حدثنا سفيان بن محمد بن علي بن ربيعة السلمي عن‬
‫عبدال بن محمد بن عقيل عن جابر قال‪ :‬قال لي رسول ال صلى ال عليه وسلم "أعلمت أن ال‬

‫أحيا أباك فقال له‪ :‬تمن فقال له أردّ الدنيا فأقتل فيك مرة أخرى قال‪ :‬إني قضيت أنهم إليها ل‬
‫يرجعون" تفرد به أحمد من هذا الوجه‪ .‬وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما أن أبا جابر وهو‬

‫عبدال بن عمر وبن حرام النصاري رضي ال عنه قتل يوم أحد شهيدا‪ .‬قال البخاري‪ :‬وقال‬

‫أبو الوليد عن شعبة عن ابن المنكدر سمعت جابرا قال‪ :‬لما قتل أبي جعلت أبكي وأكشف الثوب‬
‫عن وجهه فجعل أصحاب رسول ال صلى ال عليه وسلم ينهوني والنبي صلى ال عليه وسلم‬

‫لم ينه فقال النبي صلى ال عليه وسلم "ل تبكه‪ -‬أو ما تبكيه ‪ -‬ما زالت الملئكة تظله بأجنحتها‬
‫حتى رفع" وقد أسنده هو ومسلم والنسائي من طرق عن شعبة عن محمد بن المنكدر عن جابر‬
‫قال‪ :‬لما قتل أبي يوم أحد جعلت أكشف الثوب عن وجهه وأبكي وذكر تمامة بنحوه " حديث‬

‫آخر" قال المام أحمد‪ :‬حدثنا يعقوب حدثنا أبي عن أبي إسحق حدثنا إسماعيل بن أمية بن عمرو‬
‫بن سعيد عن أبي الزبير المكي عن ابن عباس قال‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم "لما‬

‫أصيب إخوانكم يوم أحد جعل ال أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من‬
‫ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم وحسن‬

‫مقيلهم قالوا يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع ال بنا لئل يزهدوا في الجهاد ول ينكلوا عن الحرب‬
‫فقال ال عز وجل‪ :‬أنا أبلغهم عنكم فأنزل ال هذه اليات "ول تحسبن الذين قتلوا في سبيل ال‬
‫‪48‬‬

‫أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون" وما بعدها"‪ .‬وهكذا رواه أحمد ورواه ابن جرير عن يونس‬
‫عن ابن وهب عن إسماعيل بن عياش عن محمد بن إسحق به‪ .‬ورواه أبو داود والحاكم في‬
‫مستدركه من حديث عبدال بن إدريس عن محمد بن إسحق به ورواه أبو داود والحاكم عن‬

‫إسماعيل بن أمية عن أبي الزبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي ال عنهما فذكره‬

‫وهذا أثبت‪ .‬وكذا رواه سفيان الثوري عن سالم الفطس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ‪-‬‬
‫وروى الحاكم في مستدركه من حديث أبي إسحق الفزاري عن سفيان بن إسماعيل بن أبي خالد‬
‫عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال‪ :‬نزلت هذه الية في حمزة وأصحابه ول تحسبن الذين‬

‫قتلوا في سبيل ال أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون" ثم قال‪ :‬صحيح على شرط الشيخين ولم‬
‫يخرجاه وكذا قال قتادة والربيع والضحاك أنها نزلت في قتلى أحد‪ " .‬حديث آخر" قال أبو بكر‬

‫بن مردويه‪ :‬حدثنا عبدال بن جعفر حدثنا هارون بن سليمان أنبأنا علي بن عبدال المديني أنبأنا‬
‫موسى بن إبراهيم بن كثير بن بشير بن الفاكه النصاري سمعت طلحة بن خراش بن‬

‫عبدالرحمن بن خراش بن الصمت النصاري قال‪ :‬سمعت جابر بن عبدال قال‪ :‬نظر إلي‬

‫رسول ال صلى ال عليه وسلم ذات يوم فقال "يا جابر مالي أراك مهتما؟" قلت يا رسول ال‬
‫استشهد أبي وترك دينا وعيال قال‪ :‬فقال "أل أخبرك ما كلم ال أحد قط إل من وراء حجاب‬

‫وإنه كلم أباك كفاحا" قال علي‪ :‬والكفاح المواجهة "قال سلني أعطك قال‪ :‬أسألك أن أرد إلى‬

‫الدنيا فأقتل فيك ثانية فقال الرب عز وجل إنه قد سبق مني القول أنهم إليها ل يرجعون قال أي‬
‫رب فأبلغ من ورائي فأنزل ال "ول تحسبن الذين قتلوا في سبيل ال أمواتا" الية‪ .‬ثم رواه من‬

‫طريق أخرى عن محمد بن سليمان بن سليط النصاري عن أبيه عن جابر به نحوه وكذا رواه‬

‫البيهقي في دلئل النبوة من طريق علي بن المديني به وقد رواه البيهقي أيضا من حديث أبي‬

‫عبادة النصاري وهو عيسى بن عبدال إن شاء ال عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت‪:‬‬

‫قال النبي صلى ال عليه وسلم لجابر "يا جابر أل أبشرك" قال‪ :‬بلى بشرك ال بالخير قال‬

‫"شعرت بأن ال أحيا أباك فقال تمن علي عبدي ما شت أعطكه قال‪ :‬يا رب ما عبدتك حق‬

‫عبادتك أتمنى عليك أن تردني إلى الدنيا فأقاتل مع نبيك وأقتل فيك مرة أخرى قال إنه سلف‬

‫مني أنه إليها ل يرجع"‪ " .‬حديث آخر" قال المام أحمد حدثنا يعقوب حدثنا أبي عن ابن إسحق‬
‫حدثنا الحارث بن فضيل النصاري عن محمود بن لبيد عن ابن عباس قال‪ :‬قال رسول ال‬

‫صلى ال عليه وسلم "الشهداء على بارق نهر بباب الجنة فيه قبة خضراء يخرج إليهم رزقهم‬
‫‪49‬‬

‫من الجنة بكرة وعشية" تفرد به أحمد وقد رواه ابن جريج عن أبي كريب حدثنا عبدالرحمن بن‬
‫سليمان وعبيدة عن محمد بن إسحق وبه وهو إسناد جيد وكأن الشهداء أقسام منهم من تسرح‬

‫أرواحهم في الجنة ومنهم من يكون على هذا النهر بباب الجنة وقد يحتمل أن يكون منتهى‬

‫سيرهم إلى هذا النهر فيجتمعون هنالك ويغدى عليهم برزقهم هناك ويراح وال أعلم ‪ -‬وقد‬

‫روينا في مسند المام أحمد حديثا فيه البشارة لكل مؤمن بأن روحه تكون في الجنة تسرح أيضا‬
‫فيها وتأكل من ثمارها وترى ما فيها من النضرة والسرور وتشاهد ما أعد ال لها من الكرامة‬

‫وهو بإسناد صحيح عزيز عظيم اجتمع فيه ثلثة من الئمة الربعة أصحاب المذاهب المتبعة‬
‫فإن المام أحمد رحمه ال رواه عن محمد بن إدريس الشافعي رحمه ال عن مالك بن أنس‬

‫الصبحي رحمه ال عن الزهري عن عبدالرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه رضي ال عنه‬
‫قال‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وآله وسلم "نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى‬

‫يرجعه ال إلى جسده يوم يبعثه" قوله "يعلق" أي يأكل وفي هذا الحديث "إن روح المؤمن تكون‬

‫على شكل طائر في الجنة" وأما أرواح الشهداء فكما تقدم في حواصل طير خضر فهي‬

‫كالكواكب بالنسبة إلى أرواح عموم المؤمنين فإنها تطير بأنفسها فنسأل ال الكريم المنان أن‬
‫يميتنا على اليمان‪.‬‬

‫{فرحين بما آتاهم ال من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم أل خوف عليهم ول‬

‫هم يحزنون }‬

‫أي الشهداء الذين قتلوا في سبيل ال أحياء عند ربهم وهم فرحون بما هم فيه من النعمة والغبطة‬
‫ومستبشرون بإخوانهم الذين يقتلون بعدهم في سبيل ال أنهم يقدمون عليهم وأنهم ل يخافون مما‬
‫أمامهم ول يحزنون على ما تركوه وراءهم نسأل ال الجنة وقال محمد بن إسحق "ويستبشرون"‬

‫أي ويسرون بلحوق من لحقهم من إخوانهم على ما مضوا عليه من جهادهم ليشركوهم فيما هم‬

‫فيه من ثواب ال الذي أعطاهم قال السدي يؤتى الشهيد بكتاب فيه يقدم عليك فلن يوم كذا وكذا‬

‫ويقدم عليك فلن يوم كذا وكذا فيسر بذلك كما يسر أهل الدنيا بغائبهم إذا قدم قال سعيد بن‬

‫جبير‪ :‬لما دخلوا الجنة ورأوا ما فيها من الكرامة للشهداء قالوا‪ :‬يا ليت إخواننا الذين في الدنيا‬

‫يعلمون ما عرفناه من الكرامة فإذا شهدوا القتال باشروها بأنفسهم حتى يستشهدوا فيصيبوا ما‬

‫أصبنا من الخير فأخبر رسول ال صلى ال عليه وسلم بأمرهم وما هم فيه من الكرامة وأخبرهم‬
‫أي ربهم أني قد أنزلت على نبيكم وأخبرته بأمركم وما أنتم فيه فاستبشروا بذلك فذلك قوله‬
‫‪50‬‬

‫"ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم" الية وقد ثبت في الصحيحين عن أنس في قصة‬
‫أصحاب بئر معونة السبعين من النصار الذين قتلوا في غداة واحدة وقنت رسول ال صلى ال‬

‫عليه وسلم يدعو على الذين قتلوهم ويلعنهم قال أنس‪ :‬ونزل فيهم قرآن قرأناه حتى رفع "أن‬
‫بلغوا عنا قومنا أنا قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا"‪.‬‬

‫سبِيلِ اللّهِ ِبَأ ْموَالِهِمْ‬
‫ض َررِ وَا ْلمُجَاهِدُونَ فِي َ‬
‫غ ْيرُ ُأ ْولِي ال ّ‬
‫س َتوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ ا ْل ُمؤْ ِمنِينَ َ‬
‫{ لّ يَ ْ‬

‫سنَى‬
‫علَى الْقَاعِدِينَ َدرَجَةً َوكُلّ وَعَ َد اللّهُ الْحُ ْ‬
‫سهِمْ َ‬
‫سهِمْ َفضّلَ اللّهُ ا ْلمُجَاهِدِينَ بَِأ ْموَاِلهِمْ َوأَنفُ ِ‬
‫َوأَنفُ ِ‬
‫جرًا عَظِيمًا }‬
‫علَى الْقَاعِدِينَ أَ ْ‬
‫وَ َفضّلَ اللّهُ ا ْلمُجَاهِدِينَ َ‬

‫قال البخاري حدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن البراء قال‪ :‬لما نزلت "ل‬

‫يستوي القاعدون من المؤمنين" دعا رسول ال صلى ال عليه وسلم زيدا فكتبها فجاء ابن أم‬

‫مكتوم فشكا ضرارته فأنزل ال غير أولى الضرر حدثنا محمد بن يوسف عن إسرائيل عن أبى‬
‫إسحاق عن البراء قال لما نزلت "ل يستوي القاعدون من المؤمنين" قال النبي صلى ال عليه‬

‫وسلم "ادع فلنا" فجاءه ومعه الدواة واللوح والكتب فقال "اكتب "ل يستوى القاعدون من‬

‫المؤمنين والمجاهدون في سبيل ال " وخلف النبي صلى ال عليه وسلم ابن أم مكتوم فقال يا‬
‫رسول ال أنا ضرير فنزلت مكانها ل يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر‬

‫والمجاهدون في سبيل ال قال البخاري أيضا حدثنا إسماعيل بن عبدال حدثني إبراهيم بن سعد‬

‫عن صالح بن كيسان عن ابن شهاب حدثني سهل بن سعد الساعدي أنه رأى مروان بن الحكم‬
‫في المسجد قال فأقبلت حتى جلست إلى جنبه فأخبرنا أن زيد بن ثابت أخبره أن رسول ال‬

‫صلى ال عليه وسلم أملى علي "ل يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل ال"‬

‫فجاءه ابن أم مكتوم وهو يمليها علي قال يا رسول ال وال لو أستطيع الجهاد لجاهدت وكان‬

‫أعمى فأنزل ال على رسول ال صلى ال عليه وسلم وكان فخذه على فخذي فثقلت علي حتى‬

‫خفت أن ترضى فخذي ثم سري عنه فأنزل "ال غير أولى الضرر" تفرد به البخاري دون مسلم‬
‫وقد روي من وجه آخر عند المام أحمد عن زيد فقال حدثنا سليمان بن داود أنبأنا عبدالرحمن‬

‫عن أبي الزناد عن خارجة بن زيد قال‪ :‬قال زيد بن ثابت‪ :‬إني قاعد إلى جنب النبي صلى ال‬
‫عليه وسلم إذ أوحي إليه وغشيته السكينة قال فرفع فخذه على فخذي حين غشيته السكينة قال‬

‫زيد فل وال ما وجدت شيئا قط أثقل من فخذ رسول ال صلى ال عليه وسلم ثم سري عنه فقال‬
‫" اكتب يا زيد" فأخذت كتفا فقال "اكتب ل يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون إلى قوله‬
‫‪51‬‬

‫"أجرا عظيما" " فكتبت ذلك في كتف فقام حين سمعها ابن أم مكتوم وكان رجل أعمى فقال حين‬
‫سمع فضيلة المجاهد بن يا رسول ال وكيف بمن ل يستطيع الجهاد ومن هو أعمى وأشباه ذلك‬

‫قال زيد فوال ما قضى كلمه أوما هو إل أن قضي كلمه ‪ -‬غشيت النبي صلى ال عليه وسلم‬

‫السكينة فوقعت فخذه على فخذي فوجدت ممن ثقلها كما وجدت في المرة الولى ثم سري عنه‬
‫فقال " اقرأ " فقرأت عليه ل يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون" فقال النبي صلى ال‬

‫عليه وسلم "غير أولي الضرر" قال زيد فألحقتها فوال كأني أنظر إلى ملحقها عند صدع كان‬

‫في الكتف‪ .‬ورواه أبو داود عن سعيد بن منصور عن عبدالرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن‬
‫خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه به نحوه‪ .‬وقال عبدالرزاق أنبأنا معمر أنبأنا الزهري عن‬

‫قبيصة بن ذؤيب عن زيد بن ثابت قال كنت أكتب لرسول ال صلى ال عليه وسلم فقال‪" :‬اكتب‬
‫ل يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل ال "‪ .‬فجاء عبد ال ابن أم مكتوم فقال‬

‫يا رسول ال إني أحب الجهاد في سبيل ال ولكن بي من الزمانة ما قد ترى وذهب بصري قال‬

‫زيد فثقلت فخذ رسول ال صلى عليه وسلم على فخذي حتى خشيت أن ترضها ثم سري عنه ثم‬

‫قال "اكتب ل يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر والمجاهدون في سبيل ال " رواه‬

‫ابن أبي حاتم وابن جرير وقال عبدالرازق أخبرنا ابن جريج أخبرني عبدالكريم هو ابن مالك‬
‫الجريري أن مقسما مولى عبدال بن الحارث أخبره أن ابن عباس أخبره ل يستوي القاعدون‬

‫من المؤمنين عن بدر والخارجون إلى بدر انفرد به البخاري دون مسلم وقد رواه الترمذي من‬

‫طريق حجاج عن ابن جريج عن عبدالكريم عن مقسم عن ابن عباس قال ل يستوي القاعدون‬

‫من المؤمنين غير أولي الضرر عن بدر والخارجون إلى بدر‪ .‬ولما نزلت غزوة بدر قال عبدال‬

‫بن جحش وابن أم مكتوم إنا أعميان يا رسول ال فهل لنا رخصة؟ فنزلت ل يستوي القاعدون‬
‫من المؤمنين غير أولي الضرر "وفضل ال المجاهدين على القاعدين درجة فهؤلء القاعدون‬

‫غير أولي الضرر وفضل ال المجاهد بن على القاعدين أجرا عظيما درجات منه" على القاعدين‬
‫من المؤمنين غير أولى الضرر"‪ .‬هذا لفظ الترمذي ثم قال هذا حديث حسن غريب من هذا‬

‫الوجه فقوله ل يستوي القاعدون من المؤمنين كان مطلقا فلما نزل بوحي سريع "غير أولي‬

‫الضرر" صار ذلك مخرجا لذوي العذار المبيحة لترك الجهاد من العمى والعرج والمرضى‬

‫عن مساواتهم للمجاهدين في سبيل ال بأموالهم وأنفسهم ثم أخبر تعالى بفضيلة المجاهدين على‬
‫القاعدين قال ابن عباس‪" :‬غير أولي الضرر" وكذا ينبغي أن يكون كما ثبت في صحيح البخاري‬
‫‪52‬‬

‫من طريق زهير بن معاوية عن حميد عن أنس أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال " إن‬
‫بالمدينة أقواما ما سرتم من مسير ول قطعتم من واد إل وهم معكم فيه" قالوا وهم بالمدينة يا‬

‫رسول ال؟ قال "نعم حبسهم العذر" وهكذا رواه أحمد عن محمد بن عدي عن حميد عن أنس به‬
‫وعلقه البخاري مجزوما ورواه أبو داود عن حماد بن سلمة عن حميد عن موسى بن أنس بن‬

‫مالك عن أبيه عن النبي صلى ال عليه وسلم قال " لقد تركتم بالمدينة أقواما ما سرتم من مسير‬

‫ول أنفقتم من نفقة ول قطعتم من واد إل وهم معكم فيه" قالوا وكيف يا رسول ال يكونون معنا‬
‫فيه؟ قال" نعم حبسهم العذر " لفظ أبي داود وفي هذا المعنى قال الشاعر‪:‬‬
‫يا راحلين إلى البيت العتيق لقد‬

‫إنا أقمنا عـلى عـذر وعن قـــدر‬

‫سرتم جسوما وسرنا نحن أرواحا‬

‫ومن أقام على عذر فقد راحــا‬

‫وقوله "وكل وعد ال الحسنى" أي الجنة والجزاء الجزيل‪ .‬وفيه دللة على أن الجهاد ليس‬

‫بفرض عين بل هو فرض‪ .‬على الكفاية‪ .‬قال تعالى "وفضل ال المجاهدين على القاعدين أجرا‬

‫عظيما" ثم أخبر سبحانه بما فضلهم به من الدرجات في غرف الجنان العاليات ومغفرة الذنوب‬

‫والزلت وأحوال الرحمة والبركات إحسانا منه وتكريما‪.‬‬

‫سهِمْ أَعْظَمُ َدرَجَةً عِن َد اللّهِ َوُأ ْوَل ِئكَ‬
‫ل اللّهِ بَِأ ْموَاِلهِمْ َوأَنفُ ِ‬
‫سبِي ِ‬
‫جرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي َ‬
‫{ الّذِينَ آ َمنُواْ وَهَا َ‬

‫هُمُ الْفَا ِئزُونَ }‬

‫قال العوفي في تفسيره عن ابن عباس في تفسيره هذه الية قال‪ :‬إن المشركين قالوا عمارة بيت‬

‫ال وقيام على السقاية خير ممن آمن وجاهد وكانوا يفخرون بالحرم ويستكبرون به من أجل‬

‫أنهم أهله وعماره فذكر ال استكبارهم وإعراضهم فقال لهل الحرم من المشركين " قد كانت‬

‫آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون مستكبرين به سامرا تهجرون " يعني أنهم كانوا‬

‫يستكبرون بالحرم قال " به سامرا " كانوا يسمرون به ويهجرون القرآن والنبي صلى ال عليه‬

‫وسلم فخير ال اليمان والجهاد مع النبي صلى ال عليه وسلم على عمارة المشركين البيت‬

‫وقيامهم على السقاية ولم يكن ينفعهم عند ال مع الشرك به وإن كانوا يعمرون بيته ويحرمون‬
‫به‪ .‬قال ال تعالى " ل يستوون عند ال وال ل يهدي القوم الظالمين " يعني الذين زعموا أنهم‬

‫أهل العمارة فسماهم ال ظالمين بشركهم فلم تغن عنهم العمارة شيئا‪ .‬وقال علي بن أبي طلحة‬

‫عن ابن عباس في تفسير هذه الية قال‪ :‬قد نزلت في العباس بن عبد المطلب حين أسر ببدر‬

‫قال لئن كنتم سبقتمونا بالسلم والهجرة والجهاد لقد كنا نعمر المسجد الحرام نسقي ونفك العاني‬
‫‪53‬‬

‫قال ال عز وجل " أجعلتم سقاية الحاج ‪ -‬إلى قوله ‪ -‬وال ل يهدي القوم الظالمين " يعني أن‬
‫ذلك كله كان في الشرك ول أقبل ما كان في الشرك وقال الضحاك بن مزاحم أقبل المسلمون‬

‫على العباس وأصحابه الذين أسروا يوم بدر يعيرونهم بالشرك فقال العباس أما وال لقد كنا‬

‫نعمر المسجد الحرام ونفك العاني ونحجب البيت ونسقي الحاج فأنزل ال " أجعلتم سقاية الحاج "‬
‫الية‪ .‬وقال عبدالرزاق‪ :‬أخبرنا ابن عيينة عن إسماعيل عن الشعبي قال‪ :‬نزلت في علي‬

‫والعباس رضي ال عنهما بما تكلما في ذلك‪ .‬وقال ابن جرير‪ :‬حدثنا يونس أخبرنا ابن وهب‬

‫أخبرني ابن لهيعة عن أبي صخر قال‪ :‬سمعت محمد بن كعب القرظي يقول‪ :‬افتخر طلحة بن‬
‫شيبة من بني عبد الدار وعباس بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب فقال طلحة أنا صاحب‬

‫البيت معي مفتاحه ولو أشاء بت فيه وقال العباس أنا صاحب السقاية والقائم عليها ولو أشاء بت‬
‫في المسجد فقال علي رضي ال عنه ما أدري ما تقولن لقد صليت إلى القبلة ستة أشهر قبل‬

‫الناس وأنا صاحب الجهاد فأنزل ال عز وجل " أجعلتم سقاية الحاج " الية كلها وهكذا قال‬

‫السدي إل أنه قال‪ :‬افتخر علي والعباس وشيبة بن عثمان وذكر نحوه وقال عبدالرزاق‪ :‬أخبرنا‬

‫معمر عن عمرو عن الحسن قال‪ :‬نزلت في علي وعباس وشيبة تكلموا في ذلك فقال العباس ما‬
‫أراني إل أني تارك سقايتنا فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم " أقيموا على سقايتكم فإن لكم‬

‫فيها خيرا " ورواه محمد بن ثور عن معمر عن الحسن فذكر نحوه وقد ورد في تفسير هذه الية‬
‫حديث مرفوع فلبد من ذكره هنا قال عبدالرزاق أخبرنا معمر عن يحيى بن أبي كثير عن‬

‫النعمان بن بشير رضي ال عنه أن رجل قال‪ :‬ما أبالي أن ل أعمل عمل بعد السلم إل أن‬
‫أسقي الحاج‪ .‬وقال آخر‪ :‬ما أبالي أن ل أعمل عمل بعد السلم إل أن أعمر المسجد الحرام‪.‬‬

‫وقال آخر‪ :‬الجهاد في سبيل ال أفضل مما قلتم‪ .‬فزجرهم عمر رضي ال عنه‪ .‬وقال‪ :‬ل ترفعوا‬

‫أصواتكم عند منبر رسول ال صلى ال عليه وسلم وذلك يوم الجمعة ولكن إذا صلينا الجمعة‬
‫دخلنا على النبي صلى ال عليه وسلم فسألناه‪ .‬فنزلت " أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد‬

‫الحرام ‪ -‬إلى قوله ‪-‬ل يستوون عند ال "‪ " .‬طريق أخرى "قال الوليد بن مسلم‪ :‬حدثتي معاوية‬

‫بن سلم عن جده أبي سلم السود عن النعمان بن بشير النصاري قال‪ :‬كنت عند منبر رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم في نفر من أصحابه فقال رجل منهم‪ :‬ما أبالي أن ل أعمل ل عمل بعد‬
‫السلم إل أن أسقي الحاج‪ .‬وقال آخر‪ :‬بل عمارة المسجد الحرام‪ .‬وقال آخر‪ :‬بل الجهاد في‬

‫سبيل ال خير مما قلتم فزجره عمر بن الخطاب رضي ال عنه وقال‪ :‬ل ترفعوا أصواتكم عند‬
‫‪54‬‬

‫منبر رسول ال صلى ال عليه وسلم وذلك يوم الجمعة ولكن إذا صليت الجمعة دخلت على‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم فاستفتيته فيما اختلفتم فيه‪ .‬قال ففعل فأنزل ال عز وجل "‬

‫أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام ‪ -‬إلى قوله ‪ -‬وال ل يهدي القوم الظالمين " ورواه‬
‫مسلم في صحيحه وأبو داود وابن جرير وهذا لفظه وابن مردويه وابن أبي حاتم في تفاسيرهم‬

‫وابن حبان في صحيحه‪.‬‬

‫خ ْيرٌ ّلكُمْ إِن كُنتُمْ َت ْعَلمُونَ}‬
‫ل اللّهِ َذِلكُمْ َ‬
‫سبِي ِ‬
‫سكُمْ فِي َ‬
‫{ انْ ِفرُواْ خِفَافًا َوثِقَالً وَجَاهِدُواْ بَِأ ْموَاِلكُمْ َوأَنفُ ِ‬

‫قال سفيان الثوري عن أبيه عن أبي الضحى مسلم بن صبيح‪ :‬هذه الية " انفروا خفافا وثقال "‬

‫أول ما نزل من سورة براءة وقال معتمر بن سليمان عن أبيه قال‪ :‬زعم حضرمي أنه ذكر له‬
‫أن ناسا كانوا عسى أن يكون أحدهم عليا وكبيرا فيقول إنى ل آثم فأنزل ال " انفروا خفافا‬

‫وثقال " الية أمر ال تعالى بالنفير العام مع رسول ال صلى ال عليه وآله وسلم عام غزوة‬

‫تبوك لقتال أعداء ال من الروم الكفرة من أهل الكتاب وحتم على المؤمنين في الخروج معه‬
‫على كل حال في المنشط والمكره والعسر واليسر فقال " انفروا خفافا وثقال " وقال علي بن زيد‬
‫عن أنس عن أبي طلحة‪ :‬كهول وشبانا ما سمع ال عذر أحد ثم خرج إلى الشام فقاتل حتى قتل‬

‫وفي رواية قرأ أبو طلحة سورة براءة فأتى على هذه الية " انفروا خفافا وثقال وجاهدوا‬

‫بأموالكم وأنفسكم في سبيل ال " فقال‪ :‬أرى ربنا استنفرنا شيوخا وشبانا جهزوني يا بني فقال‬
‫بنوه‪ :‬يرحمك ال قد غزوت مع رسول ال صلى ال عليه وآله وسلم حتى مات ومع أبي بكر‬

‫حتى مات ومع عمر حتى مات فنحن نغزو عنك فأبى فركب البحر فمات فلم يجدوا له جزيرة‬

‫يدفنوه فيها إل بعد تسعة أيام فلم يتغير فدفنوه فيها وهكذا روي عن ابن عباس وعكرمة وأبي‬

‫صالح والحسن البصري وسهيل بن عطية ومقاتل بن حيان والشعبي وزيد بن أسلم أنهم قالوا‬

‫في تفسير هذه الية " انفروا خفافا وثقال " كهول وشبانا‪ .‬وكذا قال عكرمة والضحاك ومقاتل بن‬
‫حيان وغير واحد وقال مجاهد‪ :‬شبانا وشيوخا وأغنياء ومساكين وكذا قال أبو صالح وغيره قال‬

‫الحكم بن عتيبة‪ :‬مشاغيل وغير مشاغيل وقال العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى " انفروا‬

‫خفافا وثقال " يقول انفروا نشاطا وغير نشاط وكذا قال قتادة وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد "‬

‫انفروا خفافا وثقال " قالوا‪ :‬فإن فينا الثقيل وذو الحاجة والضيعة والشغل والمتيسر به أمره‬

‫فأنزل ال وأبى أن يعذرهم دون أن ينفروا " خفافا وثقال " أي على ما كان منهم‪ .‬وقال الحسن‬

‫بن أبي الحسن البصري أيضا في العسر واليسر وهذا كله من مقتضيات العموم في الية وهذا‬
‫‪55‬‬

‫اختيار ابن جرير‪ .‬وقال المام أبو عمرو الوزاعي‪ :‬إذا كان النفير إلى دروب الروم نفر الناس‬
‫إليها خفافا وركبانا وإذا كان النفير إلى هذه السواحل نفروا إليها خفافا وثقال وركبانا ومشاة‬

‫وهذا تفصيل في المسألة وقد روي عن ابن عباس ومحمد بن كعب وعطاء الخراساني وغيرهم‬

‫أن هذه الية منسوخة بقوله تعالى " فلول نفر من كل فرقة منهم طائفة " وسيأتي الكلم على‬

‫ذلك إن شاء ال وقال السدي قوله " انفروا خفافا وثقال " يقول غنيا وفقيرا وقويا وضعيفا فجاءه‬
‫رجل يومئذ زعموا أنه المقداد وكان عظيما سمينا فشكى إليه وسأله أن يأذن له فأبى فنزلت‬

‫يومئذ " انفروا خفافا وثقال" فلما نزلت هذه الية اشتد على الناش فنسخها ال تعالى " ليس على‬
‫الضعفاء ول على المرضى ول على الذين ل يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا ل ورسوله "‬
‫وقال ابن جرير‪ :‬حدثني يعقوب حدثنا ابن علية حدثنا أيوب عن محمد قال‪ :‬شهد أبو أيوب مع‬

‫رسول ال صلى ال عليه وسلم بدرا ثم لم يتخلف عن غزاة للمسلمين إل عاما واحدا قال وكان‬

‫أبو أيوب يقول‪ :‬قال ال تعالى " انفروا خفافا وثقال فل أجدني إل خفيفا أو ثقيل وقال ابن‬

‫جرير‪ :‬حدثني سعيد بن عمر السكوني حدثنا بقية حدثنا جرير حدثني عبدالرحمن بن ميسرة‬

‫حدثني أبو راشد الحراني قال‪ :‬وافيت المقدام بن السود فارس رسول ال صلى ال عليه وإله‬
‫وسلم جالسا على تابوت من توابيت الصيارفة بحمص وقد فصل عنها من عظمه يريد الغزو‬

‫فقلت له قد أعذر ال إليك فقال أتت علينا سورة البعوث " انفروا خفافا وثقال " وقال ابن جرير‪:‬‬
‫حدثني حيان بن زيد الشرعي قال‪ :‬نفرنا مع صفوان بن عمرو وكان واليا على حمص قبل‬

‫الفسوس إلى الجراجمة فرأيت شيخا كبيرا هما قد سقط حاجباه على عينيه من أهل دمشق على‬
‫راحلته فيمن أغار فأقبلت إليه فقلت يا عم لقد أعذر ال إليك قال‪ :‬فرفع حاجبيه فقال يا بن أخي‬

‫استنفرنا ال خفافا وثقال أل إنه من يحبه ال يبتليه ثم يعيده ال فيبقيه وإنما يبتلي ال من عبادة‬
‫من شكر وصبر وذكر ولم يعبد إل ال عز وجل‪ .‬ثم رغب تعالى في النفقة في سبيله وبذل‬

‫المهج في مرضاته ومرضاة رسوله فقال " وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل ال ذلكم خير‬
‫لكم إن كنتم تعلمون " أي هذا خير لكم في الدنيا والخرة لنكم تغرمون في النفقة قليل فيغنمكم‬

‫ال أموال عدوكم في الدنيا مع ما يدخر لكم من الكرامة في الخرة كما قال النبي صلى ال عليه‬

‫وسلم " تكفل ال للمجاهد في سبيله إن توفاه أن يدخله الجنة أو يرده إلى منزله بما نال من أجر‬

‫أو غنيمة " ولهذا قال تعالى " كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير‬
‫لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم وال يعلم وأنتم ل تعلمون " ومن هذا القبيل ما رواه‬
‫‪56‬‬

‫المام أحمد‪ :‬حدثنا محمد بن أبي عدي عن حميد عن أنس عن رسول ال صلى ال عليه وإله‬
‫وسلم قال لرجل " " أسلم "قال أجدني كارها قال أسلم ولو كنت كارها "‪.‬‬

‫علِيمٌ بِا ْل ُمتّقِينَ}‬
‫سهِمْ وَاللّهُ َ‬
‫خرِ أَن يُجَاهِدُواْ بَِأ ْموَاِلهِمْ َوأَنفُ ِ‬
‫ستَأْ ِذ ُنكَ الّذِينَ ُي ْؤ ِمنُونَ بِاللّهِ وَا ْل َيوْمِ ال ِ‬
‫{ لَ يَ ْ‬

‫يقول تعالى هل تركتهم لما استأذنوك فلم تأذن لحد منهم في القعود لتعلم الصادق منهم في‬

‫إظهار طاعتك من الكاذب فإنهم قد كانوا مصرين على القعود عن الغزو وإن لم تأذن لهم فيه‪.‬‬

‫ولهذا أخبر تعالى أنه ل يستأذنه في القعود عن الغزو أحد يؤمن بال ورسوله فقال " ل يستأذنك‬
‫" أي في القعود عن الغزو "‪ .‬الذين يؤمنون بال واليوم الخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم "‬

‫لنهم يرون الجهاد قربة ولما ندبهم إليه بادروا وامتثلوا "‪.‬‬

‫ل اللّهِ َفيَ ْق ُتلُونَ‬
‫سبِي ِ‬
‫جنّةَ يُقَا ِتلُونَ فِي َ‬
‫سهُمْ َوَأ ْموَاَلهُم بِأَنّ َلهُمُ ال َ‬
‫ش َترَى مِنَ ا ْل ُم ْؤ ِمنِينَ أَنفُ َ‬
‫ن اللّهَ ا ْ‬
‫{ إِ ّ‬

‫شرُواْ‬
‫س َتبْ ِ‬
‫ن اللّهِ فَا ْ‬
‫عَليْهِ حَقّا فِي ال ّتوْرَاةِ وَالِنجِيلِ وَالْ ُقرْآنِ َومَنْ َأوْفَى ِب َعهْ ِدهِ مِ َ‬
‫َويُ ْق َتلُونَ وَعْدًا َ‬
‫ِب َب ْي ِعكُمُ الّذِي بَا َي ْعتُم بِهِ وَ َذِلكَ ُهوَ الْ َف ْوزُ ا ْلعَظِيمُ }‬

‫يخبر تعالى أنه عاوض من عباده المؤمنين عن أنفسهم وأموالهم إذ بذلوها في سبيله بالجنة وهذا‬

‫من فضله وكرمه وإحسانه فإنه قبل العوض عما يملكه بما تفضل به على عبيده المطيعين له‪.‬‬

‫ولهذا قال الحسن البصري وقتادة‪ :‬بايعهم وال فأغلى ثمنهم‪ .‬وقال شمر بن عطية ما من مسلم‬
‫إل وللّه عز وجل في عنقه بيعة وفي بها أو مات عليها ثم تل هذه الية‪ .‬ولهذا يقال من حمل‬
‫في سبيل ال بايع ال أي قبل هذا العقد ووفى به‪ .‬وقال محمد بن كعب القرظي وغيره قال‬

‫عبدال بن رواحة رضي ال عنه لرسول ال صلى ال عليه وسلم يعني ليلة العقبة اشترط لربك‬
‫ولنفسك ما شئت فقال " أشترط لربي أن تعبدوه ول تشركوا به شيئا وأشترط لنفسي أن تمنعوني‬
‫مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم " قالوا‪ :‬فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ قال " الجنة " قالوا ربح البيع ل‬
‫نقيل ول نستقيل فنزلت " إن ال اشترى من المؤمنين أنفسهم " الية وقوله " يقاتلون في سبيل‬

‫ال فيقتلون ويقتلون " أي سواء قتلوا أو قتلوا أو اجتمع لهم هذا وهذا فقد وجبت لهم الجنة‪ .‬ولهذا‬
‫جاء في الصحيحين " وتكفل ال لمن خرج في سبيله ل يخرجه إل جهاد في سبيلي وتصديق‬

‫برسلي بأن توفاه أن يدخله الجنة أو يرجعه إلى منزله الذي خرج منه نائل ما نال من أجر أو‬
‫غنيمة " وقوله " وعدا عليه حقا في التوراة والنجيل والقرآن " تأكيد لهذا الوعد وإخبار بأنه قد‬

‫كتبه على نفسه الكريمة وأنزله على رسله في كتبه الكبار وهي التوراة المنزلة على موسى‬

‫والنجيل المنزل على عيسى والقرآن المنزل على محمد صلوات ال وسلمه عليهم أجمعين‪.‬‬
‫‪57‬‬

‫وقوله " ومن أوفى بعده من ال " فإنه ل يخلف الميعاد‪ .‬هذا كقوله " ومن أصدق من ال حديثا "‬
‫ومن أصدق من ال قليل " ولهذا قال " فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم‬
‫" أي فليستبشر من قام بمقتضى هذا العقد ووفى بهذا العهد بالفوز العظيم والنعيم المقيم‪.‬‬

‫سبِيلِ اللّهِ وَالّذِينَ آوَواْ ّو َنصَرُواْ ُأ ْوَل ِئكَ‬
‫سهِمْ فِي َ‬
‫جرُواْ َوجَاهَدُواْ بَِأ ْموَاِلهِمْ َوأَنفُ ِ‬
‫{ إِنّ الّذِينَ آ َمنُواْ وَهَا َ‬

‫جرُواْ َوإِنِ‬
‫حتّى ُيهَا ِ‬
‫شيْءٍ َ‬
‫ل َي ِتهِم مّن َ‬
‫جرُواْ مَا َلكُم مّن وَ َ‬
‫ضهُمْ َأ ْوِليَاء َبعْضٍ وَالّذِينَ آ َمنُواْ َولَمْ ُيهَا ِ‬
‫َب ْع ُ‬
‫علَى َقوْمٍ َب ْي َنكُمْ َو َب ْي َنهُم مّيثَاقٌ وَاللّهُ ِبمَا َت ْع َملُونَ َبصِيرٌ }‬
‫صرُ إِلّ َ‬
‫ستَنصَرُوكُمْ فِي الدّينِ َف َعَل ْيكُمُ النّ ْ‬
‫اْ‬

‫ذكر تعالى أصناف المؤمنين وقسمهم إلى مهاجرين خرجوا من ديارهم وأموالهم وجاءوا لنصر‬
‫ال ورسوله وإقامة دينه وبذلوا أموالهم وأنفسهم في ذلك وإلى أنصار وهم المسلمون من أهل‬

‫المدينة إذ ذاك آووا إخوانهم المهاجرين في منازلهم وواسوهم في أموالهم ونصروا ال ورسوله‬
‫بالقتال معهم فهؤلء "بعضهم أولياء بعض" أي كل منهم أحق بالخر من كل وأحد ولهذا آخى‬

‫رسول ال صلى ال عليه وسلم بين المهاجرين والنصار كل اثنين أخوان فكانوا يتوارثون بذلك‬
‫إرثا مقدما على القرابة حتى نسخ ال تعالى ذلك بالمواريث‪ .‬ثبت ذلك في صحيح البخاري عن‬

‫ابن عباس ورواه العوفي وعلي بن أبي طلحة عنه وقال مجاهد وعكرمة والحسن وقتادة وغير‬
‫واحد‪ .‬قال المام أحمد‪ :‬حدثنا وكيع عن شريك عن عاصم عن أبي وائل عن جرير وهو ابن‬

‫عبدال البجلي رضي ال عنه قال‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم "المهاجرون والنصار‬
‫بعضهم أولياء بعض والطلقاء من قريش والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض إلى يوم القيامة"‬
‫تفرد به أحمد‪ .‬وقال الحافظ أبو يعلى‪ :‬حدثنا سفيان حدثنا عكرمة يعني ابن إبراهيم الزدي‬
‫حدثنا عاصم عن شقيق عن ابن مسعود قال‪ :‬سمعت رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول‬

‫"المهاجرون والنصار والطلقاء من قريش والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض في الدنيا‬
‫والخرة" هكذا رواه في مسند عبدال بن مسعود‪ .‬وقد أثنى ال ورسوله على المهاجرين‬

‫والنصار في غير ما آية في كتابه فقال "والسابقون الولون من المهاجرين والنصار والذين‬
‫اتبعوهم بإحسان رضي ال عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري من تحتها النهار" الية‬

‫وقال "لقد تاب ال على النبي والمهاجرين والنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة" الية وقال‬

‫تعالى "للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضل من ال ورضوانا‬

‫وينصرون ال ورسوله أولئك هم الصادقون والذين تبوءوا الدار واليمان من قبلهم يحبون من‬
‫هاجر إليهم ول يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم‬
‫‪58‬‬

‫خصاصة" الية وأحسن ما قيل في قوله "ول يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا" أي ل‬
‫يحسدونهم على فضل ما أعطاهم ال على هجرتهم فإن ظاهر اليات تقديم المهاجرين على‬

‫النصار وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء ل يختلفون في ذلك ولهذا قال المام أبو بكر أحمد‬
‫بن عمرو بن عبدالخالق البزار في مسنده‪ :‬حدثنا محمد بن معمر حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا‬

‫حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن حذيفة قال‪ :‬خيرني رسول ال صلى‬

‫ال عليه وسلم بين الهجرة والنصرة فاخترت الهجرة ثم قال ل نعرفه إل من هذا الوجه وقوله‬

‫تعالى "والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من وليتهم" قرأ حمزة وليتهم بالكسر والباقون بالفتح‬
‫وهما واحد كالدللة والدللة "من شيء حتى يهاجروا" هذا هو الصنف الثالث من المؤمنين وهم‬

‫الذين آمنوا ولم يهاجروا بل أقاموا في بواديهم فهؤلء ليس لهم في المغانم نصيب ول في‬

‫خمسها إل ما حضروا فيه القتال‪ .‬كما قال أحمد‪ :‬حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن علقمة بن مرثد‬

‫عن سليمان بن بريدة عن أبيه عن يزيد بن الخصيب السلمي رضي ال عنه قال‪ :‬كان رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم إذا بعث أميرا على سرية أو جيش أوصاه في خاصة نفسه بتقوى ال‬

‫وبمن معه من المسلمين خيرا وقال "اغزوا باسم ال في سبيل ال قاتلوا من كفر بال إذا لقيت‬
‫عدوكم من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلث خصال ‪ -‬أو خلل ‪ -‬فأيتهن ما أجابوك إليها‬
‫فاقبل منهم وكف عنهم ادعهم إلى السلم فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ثم ادعهم إلى‬

‫التحول من دارهم إلى دار المهاجرين وأعلمهم إن فعلوا ذلك أن لهم ما للمهاجرين وأن عليهم ما‬

‫على المهاجرين فإن أبوا واختاروا دارهم فأعلمهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم‬

‫حكم ال الذي يجري على المؤمنين ول يكون لهم في الفيء والغنيمة نصيب إل أن يجاهدوا مع‬

‫المسلمين فإن هم أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية‪ .‬فإن أجابوا فاقبل منهم وكف عنهم فإن أبوا‬

‫فاستعن بال وقاتلهم" انفرد به مسلم وعنده زيادات أخر وقوله "وإن استنصركم في الدين فعليكم‬

‫النصر" الية يقول تعالى وإن استنصركم هؤلء العراب الذين لم يهاجروا في قتال ديني على‬

‫عدو لهم فانصروهم فإنه واجب عليكم نصرهم لنهم إخوانكم في الدين إل أن يستنصروكم على‬
‫قوم من الكفار بينكم وبينهم ميثاق أي مهادنة إلى مدة فل تخفروا ذمتكم ول تنقضوا أيمانكم مع‬

‫الذين عاهدتم وهذا مروي عن ابن عباس رضي ال عنه‪.‬‬

‫ل اللّهِ‬
‫سبِي ِ‬
‫سهِمْ فِي َ‬
‫لفَ رَسُولِ اللّهِ َو َكرِهُواْ أَن يُجَاهِدُواْ بَِأ ْموَاِلهِمْ َوأَنفُ ِ‬
‫خلّفُونَ ِبمَ ْقعَدِهِمْ خِ َ‬
‫{ َفرِحَ ا ْلمُ َ‬

‫حرّا ّلوْ كَانُوا يَفْ َقهُونَ }‬
‫ج َهنّمَ أَشَدّ َ‬
‫حرّ قُلْ نَارُ َ‬
‫وَقَالُواْ لَ تَن ِفرُواْ فِي الْ َ‬
‫‪59‬‬

‫يقول تعالى ذاما للمنافقين المتخلفين عن صحابة رسول ال صلى ال عليه وسلم في غزوة تبوك‬
‫وفرحوا بقعودهم بعد خروجه " وكرهوا أن يجاهدوا " معه " بأموالهم وأنفسهم في سبيل ال‬

‫وقالوا " أي بعضهم لبعض " ل تنفروا في الحر " وذلك أن الخروج في غزوة تبوك كان في‬
‫شدة الحر عند طيب الظلل والثمار فلهذا قالوا " ل تنفروا في الحر " قال ال تعالى لرسوله‬

‫صلى ال عليه وسلم " قل " لهم " نار جهنم " التي تصيرون إليها بمخالفتكم " أشد حرا " مما‬
‫فررتم منه من الحر بل أشد حرا من النار كما قال المام مالك عن أبي الزناد عن العرج عن‬

‫أبي هريرة أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال‪ " .‬نار بني آدم التي توقدونها جزء من‬

‫سبعين جزءا من نار جهنم " فقالوا يا رسول ال إن كانت لكافية فقال " فضلت عليها بتسعة‬

‫وستين جزءا " أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك به وقال المام أحمد حدثنا سفيان عن‬
‫أبي الزناد عن العرج عن أبي هريرة عن النبي صلى ال عليه وسلم قال " إن ناركم هذه جزء‬
‫من سبعين جزءا من نار جهنم وضربت في البحر مرتين ولول ذلك ما جعل ال فيها منفعة‬
‫لحد "‪ .‬وهذا أيضا إسناده صحيح وقد روى المام أبو عيسى الترمذي وابن ماجه عن ابن‬

‫عباس الدوري وعن يحيى بن أبي بكير عن شريك عن عاصم عن أبي صالح عن أبي هريرة‬
‫رضي ال عنه قال‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم " أوقد ال على النار ألف سنة حتى‬

‫احمرت ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت فهي سوداء‬

‫كالليل المظلم " ثم قال الترمذي ل أعلم أحدا رفعه غير يحيى‪ .‬كذا قال وقد رواه الحافظ أبو بكر‬

‫بن مردويه عن إبراهيم بن محمد عن محمد بن الحسين بن مكرم عن عبيد ال بن سعيد عن‬
‫عمه عن شريك وهو ابن عبدال النخعي به وروى أيضا ابن مردويه من رواية مبارك بن‬
‫فضالة عن ثابت عن أنس قال تل رسول ال صلى ال عليه وسلم " نارا وقودها الناس‬

‫والحجارة " قال " أوقد عليها ألف عام حتى ابيضت وألف عام حتى احمرت وألف عام حتى‬

‫اسودت فهي سوداء كالليل ل يضيء لهيبها "‪ .‬وروى الحافظ أبو القاسم الطبراني من حديث‬

‫تمام بن نجيح وقد اختلف فيه عن الحسن عن أنس رفعه " لو أن شرارة بالمشرق ‪ -‬أي من نار‬

‫جهنم ‪ -‬لوجد حرها من بالمغرب "‪ .‬وروى الحافظ أبو يعلي عن إسحاق بن أبي إسرائيل عن‬

‫أبي عبيدة الحداد عن هشام بن حسان عن محمد بن شبيب عن جعفر بن أبي وحشية عن سعيد‬

‫بن جبير عن أبي هريرة قال‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم " لو كان في هذا المسجد مائة‬

‫ألف أو يزيدون وفيهم رجل من أهل النار فتنفس فأصابهم نفسه لحترق المسجد ومن فيه "‬
‫‪60‬‬

‫غريب‪ .‬وقال العمش عن أبي إسحاق عن النعمان بن بشير قال‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم " إن أهون أهل النار عذابا يوم القيامة لمن له نعلن وشراكان من نار جهنم يغلي منهما‬
‫دماغه كما يغلي المرجل ل يرى أن أحدا من أهل النار أشد عذابا منه وإنه أهونهم عذابا "‪.‬‬

‫أخرجاه في الصحيحين من حديث العمش وقال مسلم أيضا حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا‬

‫يحيى بن أبي كثير حدثنا زهير بن محمد عن سهيل بن أبي صالح عن النعمان بن أبي عياش‬
‫عن أبي سعيد الخدري أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال " إن أدنى أهل النار عذابا يوم‬

‫القيامة ينتعل بنعلين من نار يغلي دماغه من حرارة نعليه " وقال المام أحمد حدثنا يحيى عن‬

‫ابن عجلن سمعت أبي عن أبي هريرة عن النبي صلى ال عليه وسلم قال " إن أدنى أهل النار‬
‫عذابا رجل يجعل له نعلن يغلي منهما دماغه " وهذا إسناد جيد قوي رجاله على شرط مسلم‬

‫وال أعلم والحاديث والثار النبوية في هذا كثيرة وقال ال تعالى في كتابه العزيز " كل إنها‬

‫لظى نزاعة للشوى " وقال تعالى " يصب من فوق رءوسهم الحميم يصهر به ما في بطونهم‬

‫والجلود ولهم مقامع من حديد كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب‬

‫الحريق " وقال تعالى " إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كما نضجت جلودهم بدلناهم‬
‫جلودا غيرها ليذوقوا العذاب " وقال تعالى في هذه الية الكريمة " قل نار جهنم أشد حرا لو‬

‫كانوا يفقهون " أي لو أنهم يفقهون ويفقهون لنفروا مع الرسول في سبيل ال في الحر ليتقوا به‬
‫من حر جهنم الذي هو أضعاف هذا ولكنهم كما قال الخر‪ :‬كالمستجير من الرمضاء بالنار وقال‬
‫الخر‪:‬‬

‫عمرك بالحمــية أفنيـته‬

‫كان أولى لك أن تتقـــي‬

‫خوفا من البارد والحار‬

‫من المعاصي حذر النــار‬

‫ل اللّهِ‬
‫سبِي ِ‬
‫سهِمْ فِي َ‬
‫{ ِإ ّنمَا ا ْل ُم ْؤ ِمنُونَ الّذِينَ آ َمنُوا بِاللّهِ َورَسُولِهِ ثُمّ لَمْ َي ْرتَابُوا وَجَاهَدُوا بَِأ ْموَاِلهِمْ َوأَنفُ ِ‬

‫ُأ ْوَلئِكَ هُ ُم الصّادِقُونَ }‬

‫"إنما المؤمنون" أي إنما المؤمنون الكمل "الذين آمنوا بال ورسوله ثم لم يرتابوا" أي لم يشكوا‬

‫ول تزلزلوا بل ثبتوا على حال واحدة وهي التصديق المحض "وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في‬

‫سبيل ال" أي وبذلوا مهجهم ونفائس أموالهم في طاعة ال ورضوانه "أولئك هم الصادقون" أي‬
‫في قولهم إذا قالوا إنهم مؤمنون ل كبعض العراب الذين ليس لهم من اليمان إل الكلمة‬

‫الظاهرة وقال المام أحمد حدثنا يحيى بن غيلن حدثنا رشدين حدثنا عمرو بن الحارث عن أبي‬
‫‪61‬‬

‫السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد رضي ال عنه قال إن النبي صلى ال عليه وسلم قال‬
‫"المؤمنون في الدنيا على ثلثة أجزاء‪ :‬الذين آمنوا بال ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم‬

‫وأنفسهم في سبيل ال والذي يأمنه الناس على أموالهم وأنفسهم والذي إذا أشرف على طمع‬
‫تركه ل عز وجل"‪.‬‬

‫علَى تِجَا َرةٍ تُنجِيكُم مّنْ عَذَابٍ َألِيمٍ * ُت ْؤ ِمنُونَ بِاللّهِ َورَسُولِهِ‬
‫{ يَا َأ ّيهَا الّذِينَ َآ َمنُوا هَلْ أَ ُدّلكُمْ َ‬

‫خ ْيرٌ ّلكُمْ إِن كُنتُمْ َت ْعَلمُونَ * َيغْ ِفرْ َلكُمْ ُذنُو َبكُمْ‬
‫سكُمْ َذِلكُمْ َ‬
‫ل اللّهِ بَِأ ْموَاِلكُمْ َوأَنفُ ِ‬
‫سبِي ِ‬
‫َوتُجَاهِدُونَ فِي َ‬
‫جنّاتِ عَدْنٍ َذِلكَ الْ َفوْزُ ا ْلعَظِيمُ }‬
‫ط ّيبَةً فِي َ‬
‫ح ِتهَا الَْأ ْنهَارُ َومَسَاكِنَ َ‬
‫جرِي مِن تَ ْ‬
‫جنّاتٍ تَ ْ‬
‫خ ْلكُمْ َ‬
‫َويُدْ ِ‬

‫عن عبدال بن سلم أن الصحابة رضي ال عنهم أرادوا أن يسألوا رسول ال صلى ال عليه‬

‫وسلم عن أحب العمال إلى ال عز وجل ليفعلوه فأنزل ال تعالى هذه السورة ومن جملتها هذه‬
‫الية يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم ثم فسر هذه التجارة‬

‫العظيمة التي ل تبور والتي هي محصلة للمقصود ومزيلة للمحذور‪.‬‬

‫فقال تعالى تؤمنون بال ورسوله وتجاهدون في سبيل ال بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن‬

‫كنتم تعلمون أي من تجارة الدنيا والكد لها والتصدي لها وحدها‪.‬‬

‫ثم قال تعالى يغفر لكم ذنوبكم أي إن فعلتم ما أمرتكم به ودللتكم عليه غفرت لكم الزلت‬

‫وأدخلتكم الجنات والمساكن الطيبات والدرجات العاليات ولهذا قال تعالى ويدخلكم جنات تجري‬
‫من تحتها النهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم‬

‫ثم قال تعالى وأخرى تحبونها أي وأزيدكم على ذلك زيادة تحبونها وهي نصر من ال وفتح‬

‫قريب أي إذا قاتلتم في سبيله ونصرتم دينه تكفل ال بنصركم قال ال تعالى " يا أيها الذين آمنوا‬

‫إن تنصروا ال ينصركم ويثبت أقدامكم " وقال تعالى " ولينصرن ال من ينصره إن ال لقوي‬
‫عزيز " وقوله تعالى " وفتح قريب " أي عاجل فهذه الزيادة هي خير الدنيا موصول بنعيم‬
‫الخرة لمن أطاع ال ورسوله ونصر ال ودينه ولهذا قال تعالى وبشر المؤمنين‪.‬‬
‫إخلص النية في الجهاد‬

‫عن عمر بن الخطاب وهو يخطب الناس فقال سمعت رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول {‬
‫إنما العمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى ال وإلى رسوله فهجرته إلى‬

‫ال وإلى رسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه}‬
‫متفق عليه‬
‫‪62‬‬

‫عن أبي موسى قال سئل النبي صلى ال عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية‬
‫ويقاتل رياء فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم { من قاتل لتكون كلمة ال هي العليا فهو في‬

‫سبيل ال } البخاري ومسلم‬

‫عن أبي هريرة أن رجل قال يا رسول ال رجل يريد الجهاد في سبيل ال وهو يبتغي عرضا‬

‫من عرض الدنيا فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم { ل أجر له } فأعظم ذلك الناس وقالوا‬

‫للرجل عد لرسول ال صلى ال عليه وسلم فلعلك لم تفهمه فقال يا رسول ال رجل يريد الجهاد‬
‫في سبيل ال وهو يبتغي عرضا من عرض الدنيا فقال { ل أجر له } فقالوا للرجل عد لرسول‬

‫ال صلى ال عليه وسلم فقال له الثالثة فقال له { ل أجر له }حديث حسن رواه ابو داود‬

‫عن أبى هريرة رضى ال عنه قال سمعت رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول { إن أول‬
‫الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها‬
‫قال قاتلت فيك حتى استشهدت قال كذبت ولكنك قاتلت لن يقال جريء فقد قيل ثم أمر به‬
‫فسحب على وجهه حتى ألقي في النار‪ ..‬الحديث }رواه مسلم‬

‫الترغيب في سؤال الشهادة في سبيل ال‬

‫عن سهل بن حنيف رضي ال عنه أن النبي صلى ال عليه وسلم قال { من سأل ال الشهادة‬

‫بصدق بلغه ال منازل الشهداء وإن مات على فراشه}رواه مسلم‬

‫وفي رواية { من جرح جرحا في سبيل ال جاء يوم القيامة ريحه ريح المسك ‪ ،‬ولونه لون‬

‫الزعفران ‪ ،‬عليه طابع الشهداء ‪ ،‬ومن سأل ال الشهادة مخلصا أعطاه ال أجر شهيد وإن مات‬
‫على فراشه }حسن رواه ابن حبان‬

‫عن أنس بن مالك قال ‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم {من طلب الشهادة صادقا أعطيها‬

‫ولو لم تصبه}رواه مسلم‬

‫عن معاذ بن جبل حدثهم أنه سمع رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول{ من قاتل في سبيل ال‬
‫فواق ناقة فقد وجبت له الجنة ومن سأل ال القتل من نفسه صادقا ثم مات أو قتل فإن له أجر‬
‫شهيد زاد ابن المصفى من هنا ومن جرح جرحا في سبيل ال أو نكب نكبة فإنها تجيء يوم‬

‫القيامة كأغزر ما كانت لونها لون الزعفران وريحها ريح المسك ومن خرج به خراج في سبيل‬
‫ال فإن عليه طابع الشهداء } صحيح رواه أبو دواد ‪.‬‬

‫الحث على العداد وفضل الرمي والشيب‬
‫‪63‬‬

‫عن عقبة بن عامر الجهني قال سمعت رسول ال صلى ال عليه وسلم وهو على المنبر يقول{ (‬
‫وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ) أل إن القوة الرمي أل إن القوة الرمي أل إن القوة الرمي}‬

‫رواه مسلم وغيره‬

‫عن سلمة بن الكوع قال ‪ :‬مر النبي على نفر من أسلم ينتضلون فقال النبي صلى ال عليه‬

‫وسلم {ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميا وأنا مع بني فلن قال ‪ :‬فأمسك أحد الفريقين‬
‫بأيديهم فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم ما لكم ل ترمون قالوا كيف نرمي وأنت معهم فقال‬

‫النبي صلى ال عليه وسلم وأنا معكم كلكم} أخرجه البخاري وأحمد‬

‫عن عمرو بن عبسة قال سمعت رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول {من رمى العدو بسهم‬
‫فبلغ سهمه العدو أصاب أو أخطأ فعدل رقبة }صحيح رواه ابن ماجه‬

‫عن أبي نجيح السلمي قال قال رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ { :‬من شاب شيبة في سبيل ال‬
‫كانت له نورا يوم القيامة ‪ ،‬ومن رمى بسهم كان له نورا يوم القيامة ‪} ...‬صحيح أخرجه‬

‫البيهقي‬

‫عن أبي نجيح السلمي قال سمعت رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول { من بلغ بسهم في‬
‫سبيل ال فهو له درجة في الجنة فبلغت يومئذ ستة عشر سهما قال وسمعت رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم يقول من رمى بسهم في سبيل ال فهو عدل محرر } صحيح رواه النسائي‬

‫عن عقبة بن عامر رضي ال عنه قال ‪:‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫{ من علم الرمي ثم تركه فليس منا}رواه مسلم‬
‫فضل الرباط في سبيل ال‬

‫عن سهل بن سعد الساعدي رضي ال عنه أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال { رباط‬

‫يوم في سبيل ال خير من الدنيا وما عليها وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما‬

‫عليها والروحة يروحها العبد في سبيل ال أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها } البخارى‬
‫مسلم‬

‫عن سلمان رضي ال عنه قال سمعت رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول { رباط يوم وليلة‬
‫خير من صيام شهر وقيامه وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله وأجري عليه رزقه‬

‫وأمن الفتان } رواه مسلم‬

‫‪64‬‬

‫عن فضالة بن عبيد رضي ال عنه أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال { كل الميت يختم‬
‫على عمله إل المرابط فإنه ينمو له عمله إلى يوم القيامة ويؤمن من فتان القبر }صحيح رواه‬

‫أبو داود‬

‫عن عبد ال بن الزبير قال خطب عثمان بن عفان الناس فقال يا أيها الناس إني سمعت حديثا‬

‫من رسول ال صلى ال عليه وسلم لم يمنعني أن أحدثكم به إل الضن بكم وبصحابتكم‬

‫فليختر مختار لنفسه أو ليدع سمعت رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول {من رابط ليلة في‬

‫سبيل ال سبحانه كانت كألف ليلة صيامها وقيامها} حسن رواه ابن ماجه‬

‫عن عثمان بن عفان رضي ال عنه قال سمعت رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول {رباط‬

‫يوم في سبيل ال خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل }حسن رواه النسائى‬
‫عن أبي هريرة رضى ال عنه قال سمعت رسول ال يقول‬

‫{ موقف ساعة في سبيل ال خير من قيام ليلة القدر عند الحجر السود } السلسله الصحيحة‬

‫عن أبي هريرة رضي ال عنه عن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال {من مات مرابطا في‬
‫سبيل ال أجرى عليه أجر عمله الصالح الذي كان يعمل وأجرى عليه رزقه وأمن من الفتان‬

‫وبعثه ال يوم القيامة آمنا من الفزع }صحيح رواه ابن ماجه‬

‫عن أبي هريرة رضي ال عنه أن النبي صلى ال عليه وسلم قال {خير معايش الناس لهم رجل‬
‫ممسك بعنان فرسه في سبيل ال ويطير على متنه كلما سمع هيعة أو فزعة طار عليه إليها‬

‫يبتغي الموت أو القتل مظانه ورجل في غنيمة في رأس شعفة من هذه الشعاف أو بطن واد من‬
‫هذه الودية يقيم الصلة ويؤتي الزكاة ويعبد ربه حتى يأتيه اليقين ليس من الناس إل في‬
‫خير}روامسلم‬

‫فضل الحراسة في سبيل ال‬

‫عن ابن عباس رضي ال عنه قال سمعت رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول { عينان ل‬
‫تمسهما النار عين بكت من خشية ال وعين باتت تحرس في سبيل الله } حسن رواه الترمذي‬

‫عن معاوية بن حيدة رضي ال عنه قال ‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم { ثلثة ل ترى‬
‫أعينهم النار يوم القيامة ‪ :‬عين بكت من خشية ال ‪ ،‬وعين حرست في سبيل ال ‪ ،‬وعين غضت‬
‫عن محارم ال }السلسلة الصحيحة‬

‫‪65‬‬

‫عن ابن عمر رضى ال عنهما ان النبي صلى ال عليه وسلم قال { أل أنبئكم بليلة أفضل من‬
‫ليلة القدر ؟ حارس الحرس في أرض خوف لعله أن ل يرجع إلى أهله }السلسلة الصحيحة‬

‫عن سهل ابن الحنظلية أنهم ساروا مع رسول ال صلى ال عليه وسلم يوم حنين فأطنبوا السير‬
‫حتى كانت عشية فحضرت الصلة عند رسول ال صلى ال عليه وسلم فجاء رجل فارس فقال‬

‫يا رسول ال إني انطلقت بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا وكذا فإذا أنا بهوازن على بكرة آبائهم‬
‫بظعنهم ونعمهم وشائهم اجتمعوا إلى حنين فتبسم رسول ال صلى ال عليه وسلم وقال {تلك‬

‫غنيمة المسلمين غدا إن شاء ال} ثم قال من يحرسنا الليلة }قال أنس بن أبي مرثد الغنوي أنا يا‬
‫رسول ال قال فاركب فركب فرسا له فجاء إلى رسول ال صلى ال عليه وسلم فقال له رسول‬

‫ال صلى ال عليه وسلم {استقبل هذا الشعب حتى تكون في أعله ول نغرن من قبلك الليلة }فلما‬

‫أصبحنا خرج رسول ال صلى ال عليه وسلم إلى مصله فركع ركعتين ثم {قال هل أحسستم‬
‫فارسكم} قالوا يا رسول ال ما أحسسناه فثوب بالصلة فجعل رسول ال صلى ال عليه وسلم‬

‫يصلي وهو يلتفت إلى الشعب حتى إذا قضى صلته وسلم قال{ أبشروا فقد جاءكم فارسكم }‬

‫فجعلنا ننظر إلى خلل الشجر في الشعب فإذا هو قد جاء حتى وقف على رسول ال صلى ال‬

‫عليه وسلم فسلم فقال إني انطلقت حتى كنت في أعلى هذا الشعب حيث أمرني رسول ال صلى‬

‫ال عليه وسلم فلما أصبحت اطلعت الشعبين كليهما فنظرت فلم أر أحدا فقال له رسول ال صلى‬

‫ال عليه وسلم {هل نزلت الليلة} قال ل إل مصليا أو قاضيا حاجة فقال له رسول ال صلى ال‬

‫عليه وسلم {قد أوجبت فل عليك أن ل تعمل بعدها }صحيح رواه النسائى وابو داود‬
‫فضل النفقة والتجهيز‬

‫عن خريم بن فاتك رضي ال عنه قال قال رسول ال صلى ال عليه وسلم { من أنفق نفقة في‬
‫سبيل ال كتبت له بسبع مائة ضعف}صحيح رواه الترمذي و النسائي‬

‫زيد بن خالد رضي ال عنه أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال { من جهز غازيا في‬
‫سبيل ال فقد غزا ومن خلف غازيا في سبيل ال بخير فقد غزا }البخاري مسلم وغيرهما‬

‫عن زيد بن خالد الجهني رضي ال عنه قال قال رسول ال صلى ال عليه وسلم { من جهز‬
‫غازيا في سبيل ال كان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجر الغازي شيئا }صحيح رواه‬

‫ابن ماجه‬

‫‪66‬‬

‫عن أبي أمامة رضي ال عنه قال قال رسول ال صلى ال عليه وسلم { أفضل الصدقات ظل‬
‫فسطاط في سبيل ال ومنيحة خادم في سبيل ال أو طروقة فحل في سبيل ال }صحيح‬

‫رواه الترمذي‬

‫فضل الصوم في سبيل ال‬

‫عن أبي سعيد الخدري رضي ال عنه قال قال رسول ال صلى ال عليه وسلم { ما من عبد‬

‫يصوم يوما في سبيل ال إل باعد ال بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفا }البخاري ومسلم‬
‫عن أبي أمامة الباهلي رضي ال عنه عن النبي صلى ال عليه وسلم قال { من صام يوما‬
‫في سبيل ال جعل ال بينه وبين النار خندقا كما بين السماء والرض }حسن رواه الترمذي‬

‫عن عمر بن عبسه رضي ال عنه قال قال رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ { :‬من صام يوما‬
‫في سبيل ال بعدت منه النار مسيرة مئة عام }حسن رواه الطبراني‬

‫فضل الغدوة والروحة في سبيل ال‬

‫عن أنس رضي ال عنه أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال { لغدوة في سبيل ال أو‬

‫روحة خير من الدنيا وما فيها ولقاب قوس أحدكم أو موضع يده في الجنة خير من الدنيا وما‬

‫فيها ولو أن امرأة من نساء أهل الجنة اطلعت إلى الرض لضاءت ما بينهما ولملت ما بينهما‬

‫ريحا ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها } رواه البخاري مسلم والترمذي وغيرهم‬

‫عن سهل بن سعد الساعدي رضي ال عنه أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال { رباط‬

‫يوم في سبيل ال خير من الدنيا وما عليها وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما‬
‫عليها والروحة يروحها العبد في سبيل ال أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها }رواه‬
‫البخاري ومسلم‬

‫عن أبي أيوب النصاري رضي ال عنه قال قال رسول ال صلى ال عليه وسلم { غدوة في‬
‫سبيل ال أو روحة خير مما طلعت عليه الشمس وغربت }حديث صحيح رواه النسائي‬

‫عن أبي هريرة رضي ال عنه قال قال رسول ال صلى ال عليه وسلم { تضمن ال لمن‬

‫خرج في سبيله ل يخرجه إل جهادا في سبيلي وإيمانا بي وتصديقا برسلي فهو علي ضامن أن‬

‫أدخله الجنة أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائل ما نال من أجر أو غنيمة والذي نفس‬

‫محمد بيده ما من كلم يكلم في سبيل ال إل جاء يوم القيامة كهيئته حين كلم لونه لون دم‬

‫وريحه مسك والذي نفس محمد بيده لول أن يشق على المسلمين ما قعدت خلف سرية‬
‫‪67‬‬

‫تغزو في سبيل ال أبدا ولكن ل أجد سعة فأحملهم ول يجدون سعة ويشق عليهم أن يتخلفوا‬
‫عني والذي نفس محمد بيده لوددت أني أغزو في سبيل ال فأقتل ثم أغزو فأقتل ثم أغزو‬
‫فأقتل }رواه مسلم‬

‫عن معاذ رضي ال عنه قال عهد إلينا رسول ال صلى ال عليه وسلم { في خمس من فعل‬

‫منهن كان ضامنا على ال من عاد مريضا أوخرج مع جنازة أو خرج غازيا في سبيل ال أو‬
‫دخل على إمام يريد بذلك تعزيره وتوقيره أو قعد في بيته فيسلم الناس منه ويسلم } حسن رواه‬

‫احمد وغيره‬

‫فضل الغبار في سبيل ال‬

‫عن أبي هريرة رضي ال عنه قال قال رسول ال صلى ال عليه وسلم { ل يلج النار رجل‬
‫بكى من خشية ال حتى يعود اللبن في الضرع ول يجتمع غبار في سبيل ال ودخان جهنم }‬
‫صحيح رواه الترمذي‬

‫عن أبي هريرة رضي ال عنه عن النبي صلى ال عليه وسلم قال { ل يجتمع غبار في سبيل‬
‫ال عز وجل ودخان جهنم في منخري مسلم أبدا }صحيح رواه النسائي‬

‫عن أبي هريرة رضي ال عنه عن النبي صلى ال عليه وسلم قال { ل يجتمع غبار في سبيل‬

‫ال ودخان جهنم في وجه رجل أبدا ول يجتمع الشح واليمان في قلب عبد أبدا }صحيح رواه‬
‫النسائي‬

‫عبد الرحمن بن جبر رضي ال عنه أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال{ ما اغبرت قدما‬

‫عبد في سبيل ال فتمسه النار }رواه البخاري‬

‫عن مالك بن عبد ال الخثعمي رضي ال عنه قال قال رسول ال صلى ال عليه وسلم { من‬

‫اغبرت قدماه في سبيل ال حرمه ال على النار }صحيح رواه احمد‬

‫عن أبي الدرداء رضي ال عنه قال قال رسول ال صلى ال عليه وسلم { ل يجمع ال في‬
‫جوف رجل غبارا في سبيل ال ودخان جهنم ومن اغبرت قدماه في سبيل ال حرم ال سائر‬

‫جسده على النار }حسن رواه احمد‬
‫فضل الخوف في سبيل ال‬

‫‪68‬‬

‫عن عائشة رضي ال عنها قالت سمعت رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول { ما خالط قلب‬
‫امرئ مسلم رهج في سبيل ال إل حرم ال عليه النار }صحيح رواه احمد‬

‫عن أم مالك البهزية رضي ال عنها قالت ذكر رسول ال صلى ال عليه وسلم فتنة فقربها‬
‫قالت قلت يا رسول ال من خير الناس فيها قال { رجل في ماشيته يؤدي حقها ويعبد ربه ورجل‬
‫آخذ برأس فرسه يخيف العدو ويخيفونه } حسن رواه الترمذي‬

‫فضل الجهاد في سبيل ال‬

‫عن أبي هريرة رضي ال عنه أن رسول ال صلى ال عليه وسلم سئل أي العمل أفضل فقال‬

‫{ إيمان بال ورسوله قيل ثم ماذا قال الجهاد في سبيل ال قيل ثم ماذا قال حج مبرور }رواه‬
‫البخاري‬

‫عن أبي هريرة رضي ال عنه قال سئل رسول ال صلى ال عليه وسلم أي العمال أفضل‬
‫قال{ إيمان بال قال ثم ماذا قال الجهاد في سبيل ال قال ثم ماذا قال حج مبرور }رواه مسلم‬

‫عن أبي سعيد رضي ال عنه قال قال رجل أي الناس أفضل يا رسول ال قال { مؤمن يجاهد‬
‫بنفسه وماله في سبيل ال قال ثم من قال ثم رجل معتزل في شعب من الشعاب يعبد ربه‬

‫ويدع الناس من شره }رواه البخاري ومسلم‬

‫عن أبي سعيد رضي ال عنه قال قيل يا رسول ال أي المؤمنين أفضل قال {مؤمن يجاهد في‬
‫سبيل ال بنفسه وماله قالوا ثم من قال مؤمن اعتزل في شعب من الشعاب أو الشعبة كفى‬

‫الناس شره }حسن رواه احمد‬

‫عن ابن عباس رضي ال عنه أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال { أل أخبركم بخير‬

‫الناس منزل} قلنا بلى يا رسول ال قال {رجل آخذ برأس فرسه في سبيل ال عز وجل حتى‬

‫يموت أو يقتل وأخبركم بالذي يليه قلنا نعم يا رسول ال قال رجل معتزل في شعب يقيم‬

‫الصلة ويؤتي الزكاة ويعتزل شرور الناس وأخبركم بشر الناس قلنا نعم يا رسول ال قال الذي‬
‫يسأل بال عز وجل ول يعطي به }صحيح رواه النسائي‬

‫عن أبي هريرة رضي ال عنه قال مر رجل من أصحاب رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫بشعب فيه عيينة من ماء عذبة فأعجبته لطيبها فقال لو اعتزلت الناس فأقمت في هذا الشعب‬

‫ولن أفعل حتى أستأذن رسول ال صلى ال عليه وسلم فذكر ذلك لرسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم فقال { ل تفعل فإن مقام أحدكم في سبيل ال أفضل من صلته في بيته سبعين عاما أل‬
‫‪69‬‬

‫تحبون أن يغفر ال لكم ويدخلكم الجنة اغزو في سبيل ال من قاتل في سبيل ال فواق ناقة‬
‫وجبت له الجنة }حسن رواه الترمذي‬

‫عن أبي أمامة رضي ال عنه قال خرجنا مع رسول ال صلى ال عليه وسلم في سرية من‬
‫سراياه قال فمر رجل بغار فيه شيء من ماء قال فحدث نفسه بأن يقيم في ذلك الغار فيقوته ما‬
‫كان فيه من ماء ويصيب ما حوله من البقل ويتخلى من الدنيا ثم قال لو أني أتيت نبي ال‬

‫صلى ال عليه وسلم فذكرت ذلك له فإن أذن لي فعلت وإل لم أفعل فأتاه فقال يا نبي ال إني‬

‫مررت بغار فيه ما يقوتني من الماء والبقل فحدثتني نفسي بأن أقيم فيه وأتخلى من الدنيا قال‬
‫فقال النبي صلى ال عليه وسلم { إني لم أبعث باليهودية ول بالنصرانية ولكني بعثت بالحنيفية‬

‫السمحة والذي نفس محمد بيده لغدوة أو روحة في سبيل ال خير من الدنيا وما فيها ولمقام‬
‫أحدكم في الصف خير من صلته ستين سنة }‬
‫حسن رواه احمد‬

‫عن أبي هريرة رضي ال عنه قال قيل للنبي صلى ال عليه وسلم ما يعدل الجهاد في سبيل‬
‫ال عز وجل قال{ ل تستطيعونه } قال فأعادوا عليه مرتين أو ثلثا كل ذلك يقول { ل‬

‫تستطيعونه } وقال في الثالثة {مثل المجاهد في سبيل ال كمثل الصائم القائم القانت بآيات ال ل‬
‫يفتر من صيام ولصلة حتى يرجع المجاهد في سبيل ال تعالى }رواه مسلم‬

‫عن أبي هريرة رضي ال عنه قال جاء رجل إلى رسول ال صلى ال عليه وسلم فقال دلني‬

‫على عمل يعدل الجهاد قال { ل أجده قال هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك‬

‫فتقوم ول تفتر وتصوم ول تفطر قال ومن يستطيع ذلك } قال أبو هريرة إن فرس المجاهد‬

‫ليستن في طوله فيكتب له حسنات‬
‫رواه البخاري‬

‫عن أبي سعيد الخدري رضي ال عنه أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال{ يا أبا سعيد‬

‫من رضي بال ربا وبالسلم دينا وبمحمد نبيا وجبت له الجنة }فعجب لها أبو سعيد فقال‬

‫أعدها علي يا رسول ال ففعل ثم قال { وأخرى يرفع بها العبد مائة درجة في الجنة ما بين كل‬

‫درجتين كما بين السماء والرض قال وما هي يا رسول ال قال الجهاد في سبيل ال الجهاد في‬
‫سبيل ال }رواه مسلم والنسائي‬

‫‪70‬‬

‫عن أبي بكر بن أبي موسى الشعري قال سمعت أبي بحضرة العدو يقول قال رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم { إن أبواب الجنة تحت ظلل السيوف فقال رجل من القوم رث الهيئة‬

‫أأنت سمعت هذا من رسول ال صلى ال عليه وسلم يذكره قال نعم فرجع إلى أصحابه فقال‬
‫أقرأ عليكم السلم وكسر جفن سيفه فضرب به حتى قتل } رواه مسلم والترمذي‬

‫عن أنس بن مالك قال بعث رسول ال صلى ال عليه وسلم بسيسة عينا ينظر ما صنعت‬
‫عير أبي سفيان فجاء وما في البيت أحد غيري وغير رسول ال صلى ال عليه وسلم قال ل‬

‫أدري ما استثنى بعض نسائه قال فحدثه الحديث قال فخرج رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫فتكلم فقال { إن لنا طلبة فمن كان ظهره حاضرا فليركب معنا فجعل رجال يستأذنونه في‬

‫ظهرانهم في علو المدينة فقال ل إل من كان ظهره حاضرا فانطلق رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم وأصحابه حتى سبقوا المشركين إلى بدر وجاء المشركون فقال رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم ل يقدمن أحد منكم إلى شيء حتى أكون أنا دونه فدنا المشركون فقال رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم قوموا إلى جنة عرضها السموات والرض قال يقول عمير بن‬

‫الحمام النصاري يا رسول ال جنة عرضها السموات والرض قال نعم قال بخ بخ فقال‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم ما يحملك على قولك بخ بخ قال ل وال يا رسول ال إل‬

‫رجاءة أن أكون من أهلها قال فإنك من أهلها فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن ثم قال‬
‫لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة قال فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتلهم‬
‫حتى قتل }رواه مسلم‬

‫عن عبد ال بن حبشي الخثعمي رضي ال عنه أن النبي صلى ال عليه وسلم سئل أي العمال‬

‫أفضل قال‬

‫{ إيمان ل شك فيه وجهاد ل غلول فيه وحجة مبرورة قيل فأي الصلة أفضل قال طول‬

‫القنوت قيل فأي الصدقة أفضل قال جهد المقل قيل فأي الهجرة أفضل قال من هجر ما حرم‬
‫ال عز وجل قيل فأي الجهاد أفضل قال من جاهد المشركين بماله ونفسه قيل فأي القتل أشرف‬
‫قال من أهريق دمه وعقرجواده }صحيح رواه النسائي‬

‫عن معاذ بن أنس رضي ال عنه عن النبي صلى ال عليه وسلم أن امرأة أتته فقالت يا رسول‬
‫ال انطلق زوجي غازيا وكنت أقتدي بصلته إذا صلى وبفعله كله فأخبرني بعمل يبلغني عمله‬

‫حتى يرجع فقال لها { أتستطيعين أن تقومي ول تقعدي وتصومي ول تفطري وتذكري ال‬
‫‪71‬‬

‫تبارك وتعالى ول تفتري حتى يرجع قالت ما أطيق هذا يا رسول ال فقال والذي نفسي بيده لو‬
‫طوقتيه ما بلغت العشر من عمله حتى يرجع }حسن رواه احمد‬

‫عن النعمان بن بشير رضي ال عنه قال قال رسول ال صلى ال عليه وسلم { مثل المجاهد‬
‫في سبيل ال كمثل الصائم نهاره والقائم ليله حتى يرجع متى يرجع }صحيح رواه أحمد‬

‫فضل الكلم في سبيل ال‬

‫عن معاذ بن جبل رضي ال عنه عن النبي صلى ال عليه وسلم قال { من قاتل في سبيل ال‬

‫من رجل مسلم فواق ناقة وجبت له الجنة ومن جرح جرحا في سبيل ال أو نكب نكبة فإنها‬
‫تجيء يوم القيامة كأغزر ما كانت لونها الزعفران وريحها كالمسك }‬

‫صحيح رواه الترمذي وغيره‬

‫عن أبي هريرة رضي ال عنه أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال { والذي نفسي بيده ل‬

‫يكلم أحد في سبيل ال وال أعلم بمن يكلم في سبيله إل جاء يوم القيامة واللون لون الدم‬
‫والريح ريح المسك }رواه البخاري‬

‫عن أبي هريرة رضي ال عنه عن النبي صلى ال عليه وسلم قال { كل كلم يكلمه المسلم في‬
‫سبيل ال يكون يوم القيامة كهيئتها إذ طعنت تفجر دما اللون لون الدم والعرف عرف المسك‬

‫}رواه البخاري‬

‫عن أبي أمامة رضي ال عنه عن النبي صلى ال عليه وسلم قال { ليس شيء أحب إلى ال‬

‫من قطرتين وأثرين قطرة من دموع في خشية ال وقطرة دم تهراق في سبيل ال وأما‬
‫الثران فأثر في سبيل ال وأثر في فريضة من فرائض ال }حسن رواه الترمذي‬
‫فضل من قتل كافر في سبيل ال‬

‫عن أبي هريرة رضي ال عنه أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال { ل يجتمع كافر وقاتله‬
‫في النار أبدا }رواه مسلم‬

‫عن أبي هريرة رضي ال عنه أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال { ل يجتمعان في النار‬
‫اجتماعا يضر أحدهما مسلم قتل كافرا ثم سدد المسلم أو قارب ول يجتمعان في جوف عبد‬

‫غبار في سبيل ال ودخان جهنم ول يجتمعان في قلب عبد اليمان والشح }حسن رواه احمد‬

‫‪72‬‬

‫عن أبي هريرة رضي ال عنه قال قال رسول ال صلى ال عليه وسلم { ل يجتمعان في‬
‫النار أبدا اجتماعا يضر أحدهما قالوا من يا رسول ال قال مؤمن يقتله كافر ثم يسدد بعد‬

‫ذلك }حسن رواه احمد‬

‫فضل الشهادة في سبيل ال‬

‫أنس بن مالك رضي ال عنه عن النبي صلى ال عليه وسلم قال {ما أحد يدخل الجنة يحب أن‬
‫يرجع إلى الدنيا وله ما على الرض من شيء إل الشهيد يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر‬

‫مرات لما يرى من الكرامة }رواه البخاري ومسلم والترمذي‬

‫عن أنس رضي ال عنه قال قال رسول ال صلى ال عليه وسلم { يؤتى بالرجل من أهل الجنة‬
‫فيقول ال عز وجل يا ابن آدم كيف وجدت منزلك فيقول أي رب خير منزل فيقول سل‬

‫وتمن فيقول أسألك أن تردني إلى الدنيا فأقتل في سبيلك عشر مرات لما يرى من فضل الشهادة‬
‫}صحيح رواه النسائي‬

‫عن أبي هريرة رضي ال عنه قال سمعت رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول {والذي‬

‫نفسي بيده لول أن رجال يكرهون أن يتخلفوا بعدي ول أجد ما أحملهم ما تخلفت لوددت أني‬
‫أقتل في سبيل ال ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل }رواه البخاري‬

‫عن عبد ال بن عمرو بن العاص رضي ال عنهما أن رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫قال { يغفر للشهيد كل ذنب إل الدين }رواه مسلم‬

‫عن أبي قتادة رضي ال عنه عن رسول ال صلى ال عليه وسلم أنه قام فيهم فذكر لهم أن‬
‫الجهاد في سبيل ال واليمان بال أفضل العمال فقام رجل فقال يا رسول ال أرأيت إن قتلت‬

‫في سبيل ال تكفر عني خطاياي فقال له رسول ال صلى ال عليه وسلم { نعم إن قتلت في‬
‫سبيل ال وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر} ثم قال رسول ال صلى ال عليه وسلم {‬

‫كيف قلت } قال أرأيت إن قتلت في سبيل ال أتكفر عني خطاياي فقال رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم {نعم وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر إل الدين فإن جبريل عليه السلم‬
‫قال لي ذلك }رواه مسلم‬

‫عن ابن أبي عميرة رضي ال عنه أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال {ما من الناس نفس‬
‫مسلم يقبضها ال عز وجل تحب أن تعود إليكم وأن لها الدنيا وما فيها غير الشهيد }‬

‫‪73‬‬

‫و قال ابن أبي عميرة قال رسول ال صلى ال عليه وسلم { لن أقتل في سبيل ال أحب إلي‬
‫من أن يكون لي المدر والوبر } صحيح رواه احمد‬

‫عن أنس رضي ال عنه قال غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر فقال يا رسول ال‬

‫غبت عن أول قتال قاتلت المشركين لئن ال أشهدني قتال المشركين ليرين ال ما أصنع فلما‬

‫كان يوم أحد وانكشف المسلمون قال اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلء يعني أصحابه‬

‫وأبرأ إليك مما صنع هؤلء يعني المشركين ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ فقال يا سعد بن‬

‫معاذ الجنة ورب النضر إني أجد ريحها من دون أحد قال سعد فما استطعت يا رسول‬
‫ال ما صنع قال أنس فوجدنا به بضعا وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم‬

‫ووجدناه قد قتل وقد مثل به المشركون فما عرفه أحد إل أخته ببنانه قال أنس كنا نرى أو‬

‫نظن أن هذه الية نزلت فيه وفي أشباهه ( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا ال عليه)‬

‫رواه البخاري‬

‫عن سمرة رضي ال عنه قال النبي صلى ال عليه وسلم { رأيت الليلة رجلين أتياني فصعدا بي‬
‫الشجرة فأدخلني دارا هي أحسن وأفضل لم أر قط أحسن منها قال أما هذه الدار فدار الشهداء‬

‫}رواه البخاري‬

‫عن جابر بن عبد ال رضي ال عنه يقول لما قتل عبد ال بن عمرو بن حرام يوم أحد‬
‫قال رسول ال صلى ال عليه وسلم يا جابر أل أخبرك ما قال ال عز وجل لبيك قلت بلى‬

‫قال { ما كلم ال أحدا إل من وراء حجاب وكلم أباك كفاحا فقال يا عبدي تمن علي أعطك قال‬
‫يا رب تحييني فأقتل فيك ثانية قال إنه سبق مني أنهم إليها ل يرجعون قال يا رب فأبلغ من‬

‫ورائي فأنزل ال عز وجل هذه الية ول تحسبن الذين قتلوا في سبيل ال أمواتا بل أحياء عند‬
‫ربهم يرزقون }صحيح رواه الترمذي‬

‫عن ابن عباس رضي ال عنهما قال ‪:‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم { رأيت جعفر بن أبي‬
‫طالب ملكا يطير في الجنة مع الملئكة بجناحين }حسن رواه الطبراني‬

‫عن عبد ال بن عمر رضي ال عنهما قال أمر رسول ال صلى ال عليه وسلم في غزوة‬
‫مؤتة زيد بن حارثة فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم { إن قتل زيد فجعفر وإن قتل‬
‫جعفر فعبد ال بن رواحة قال عبد ال كنت فيهم في تلك الغزوة فالتمسنا جعفر بن أبي‬

‫طالب فوجدناه في القتلى ووجدنا ما في جسده بضعا وتسعين من طعنة ورمية } رواه البخاري‬
‫‪74‬‬

‫عن جابر رضي ال عنه قال قالوا يا رسول ال أي الجهاد أفضل{ قال من عقر جواده‬
‫وأهريق دمه }صحيح رواه احمد‬

‫عن أبي هريرة رضي ال عنه قال قال رسول ال صلى ال عليه وسلم { ما يجد الشهيد من‬
‫مس القتل إل كما يجد أحدكم من مس القرصة }صحيح رواه الترمذي وغيره‬

‫عن أبي الدرداء رضي ال عنه يقول قال رسول ال صلى ال عليه وسلم { يشفع الشهيد في‬
‫سبعين من أهل بيته }حسن رواه ابوداود‬

‫عن عتبة بن عبد السلمي رضي ال عنه وكان من أصحاب النبي صلى ال عليه وسلم قال‬
‫قال رسول ال صلى ال عليه وسلم { القتل ثلثة رجل مؤمن قاتل بنفسه وماله في سبيل ال‬

‫حتى إذا لقي العدو قاتلهم حتى يقتل فذلك الشهيد المفتخر في خيمة ال تحت عرشه ل يفضله‬

‫النبيون إل بدرجة النبوة ورجل مؤمن قرف على نفسه من الذنوب والخطايا جاهد بنفسه وماله‬
‫في سبيل ال حتى إذا لقي العدو قاتل حتى يقتل محيت ذنوبه وخطاياه إن السيف محاء الخطايا‬

‫وأدخل من أي أبواب الجنة شاء فإن لها ثمانية أبواب ولجهنم سبعة أبواب وبعضها أفضل من‬

‫بعض ورجل منافق جاهد بنفسه وماله حتى إذا لقي العدو قاتل في سبيل ال حتى يقتل فإن ذلك‬

‫في النار السيف ل يمحو النفاق }حسن رواه احمد‬

‫عن نعيم بن همار رضي ال عنه أن رجل سأل النبي صلى ال عليه وسلم أي الشهداء أفضل‬
‫قال { الذين إن يلقوا في الصف يلفتون وجوههم حتى يقتلوا أولئك ينطلقون في الغرف العلى‬

‫من الجنة ويضحك إليهم ربهم وإذا ضحك ربك إلى عبد في الدنيا فل حساب عليه }صحيح رواه‬
‫احمد‬

‫عن أبي سعيد رضي ال عنه قال قال رسول ال صلى ال عليه وسلم { أفضل الجهاد عند ال‬
‫يوم القيامة الذين يلقون في الصف الول فل يلفتون وجوههم حتى يقتلوا ‪ ،‬اولئك يتلبطون في‬

‫الغرف العلى من الجنة ينظر إليهم ربك ‪ ،‬إن ربك إذا ضحك إلى قوم فل حساب عليهم }صحيح‬
‫رواه الطبراني السلسلة الصحيحة‬

‫عن عبدال بن عمرو رضي ال عنه قال قال رسول ال صلى ال عليه وسلم {أول ثلة يدخلون‬

‫الجنة الفقراء المهاجرون الذين تتقى بهم المكاره ‪ ،‬إذا أمروا سمعوا وأطاعوا ‪ ،‬وإن كانت‬

‫للرجل منهم حاجة إلى السلطان لم تقض له حتى يموت وهي في صدره ‪ ،‬وإن ال عز وجل‬
‫ليدعويوم القيامة الجنة فتأتي بزخرفها وزينتها فيقول ‪ :‬أين عبادي الذين قاتلوا في سبيلي‬
‫‪75‬‬

‫وقوتلوا وأوذوا في سبيلي ‪ ،‬وجاهدوا في سبيلي ادخلوا الجنة ‪ ،‬فيدخلونها بغير حساب ‪ .‬وتأتي‬
‫الملئكة فيسجدون ‪ ،‬فيقولون ‪ :‬ربنا نحن نسبح بحمدك الليل والنهار ونقدس لك ‪ ،‬من هؤلء‬

‫الذين آثرتهم علينا ؟ فيقول الرب عز وجل ‪ :‬هؤلء عبادي الذين قاتلوا في سبيلي ‪ ،‬وأوذوا في‬
‫سبيلي ‪ ،‬فتدخل عليهم الملئكة من كل باب { سلم عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار }}صحيح‬

‫رواه الصبهاني السلسلة الصحيحة‬

‫عن المقدام بن معدي كرب الكندي رضي ال عنه قال قال رسول ال صلى ال عليه وسلم {‬

‫إن للشهيد عند ال عز وجل قال الحكم ست خصال أن يغفر له في أول دفعة من دمه‬

‫ويرى قال الحكم ويرى مقعده من الجنة ويحلى حلة اليمان ويزوج من الحور العين‬

‫ويجار من عذاب القبر ويأمن من الفزع الكبر قال الحكم يوم الفزع الكبر ويوضع على‬

‫رأسه تاج الوقار الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور‬

‫العين ويشفع في سبعين إنسانا من أقاربه }صحيح رواه احمد‬

‫عن المقدام بن معدي كرب رضي ال عنه قال قال رسول ال صلى ال عليه وسلم { للشهيد‬

‫عند ال ست خصال يغفر له في أول دفعة ويرى مقعده من الجنة ويجار من عذاب القبر‬

‫ويأمن من الفزع الكبر ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها‬

‫ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين ويشفع في سبعين من أقاربه }صحيح رواه‬
‫الترمذي وابن ماجة‬

‫عن ابن عباس رضي ال عنهما قال قال رسول ال صلى ال عليه وسلم { الشهداء على بارق‬
‫نهر بباب الجنة في قبة خضراء يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيا }حسن رواه احمد‬
‫عن ابن عباس رضي ال عنهما قال قال رسول ال صلى ال عليه وسلم { لما أصيب‬

‫إخوانكم بأحد جعل ال أرواحهم في جوف طير خضر ترد أنهار الجنة تأكل من ثمارها‬
‫وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم‬

‫ومقيلهم قالوا من يبلغ إخواننا عنا أنا أحياء في الجنة نرزق لئل يزهدوا في الجهاد ول ينكلوا‬
‫عند الحرب فقال ال سبحانه أنا أبلغهم عنكم قال فأنزل ال { ول تحسبن الذين قتلوا في سبيل‬
‫ال أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون }}حسن رواه أبو داود‬

‫‪76‬‬

‫عن راشد بن سعد عن رجل من أصحاب النبي صلى ال عليه وسلم أن رجل قال يا‬
‫رسول ال ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إل الشهيد قال { كفى ببارقة السيوف على‬
‫رأسه فتنة }صحيح رواه النسائي‬

‫عن أنس بن مالك رضي ال عنه أن أم الربيع بنت البراء وهي أم حارثة بن سراقة أتت‬

‫النبي صلى ال عليه وسلم فقالت يا نبي ال أل تحدثني عن حارثة وكان قتل يوم بدر‬

‫أصابه سهم غرب فإن كان في الجنة صبرت وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء قال‬
‫{ يا أم حارثة إنها جنان في الجنة وإن ابنك أصاب الفردوس العلى }رواه البخاري‬

‫عن عبد ال بن مسعود رضي ال عنه قال قال رسول ال صلى ال عليه وسلم { عجب ربنا‬
‫عز وجل من رجل غزا في سبيل ال فانهزم يعني أصحابه فعلم ما عليه فرجع حتى أهريق‬

‫دمه فيقول ال تعالى لملئكته انظروا إلى عبدي رجع رغبة فيما عندي وشفقة مما عندي حتى‬

‫أهريق دمه }حسن رواه ابوداود‬

‫أنس بن مالك رضي ال عنه قال جاء ناس إلى النبي صلى ال عليه وسلم فقالوا أن ابعث‬

‫معنا رجال يعلمونا القرآن والسنة فبعث إليهم سبعين رجل من النصار يقال لهم القراء فيهم‬

‫خالي حرام يقرءون القرآن ويتدارسون بالليل يتعلمون وكانوا بالنهار يجيئون بالماء فيضعونه‬

‫في المسجد ويحتطبون فيبيعونه ويشترون به الطعام لهل الصفة وللفقراء فبعثهم النبي صلى‬

‫ال عليه وسلم إليهم فعرضوا لهم فقتلوهم قبل أن يبلغوا المكان فقالوا اللهم بلغ عنا نبينا أنا قد‬

‫لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنا قال وأتى رجل حراما خال أنس من خلفه فطعنه برمح حتى‬
‫أنفذه فقال حرام فزت ورب الكعبة فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم لصحابه { إن‬

‫إخوانكم قد قتلوا وإنهم قالوا اللهم بلغ عنا نبينا أنا قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنا }رواه‬
‫البخاري ومسلم‬

‫سألنا عبد ال عن هذه الية عن مسروق قال‬

‫ول تحسبن الذين قتلوا في سبيل ال أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون قال أما إنا قد سألنا‬

‫عن ذلك (أي رسول اله صلى ال عليه وسلم) فقال { أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل‬
‫معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل فاطلع إليهم ربهم اطلعة‬
‫فقال هل تشتهون شيئا قالوا أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا ففعل ذلك بهم‬

‫‪77‬‬

‫ثلث مرات فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا يا رب نريد أن ترد أرواحنا في‬
‫أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا }رواه مسلم‬

‫عن أبي هريرة رضي ال عنه عن رسول ال صلى ال عليه وسلم أنه سأل جبريل عن هذه‬
‫الية ‪ ( { :‬ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الرض إل من شاء ال ثم نفخ‬
‫فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون )من الذين لم يشأ ال ان يصعقهم ؟ قال ( هم الشهداء) }صحيح‬

‫رواه الحاكم‬

‫***********************************‬
‫أما من سنجاهد ؟؟؟‬

‫الجواب ‪:‬‬

‫نجاهد الحكام أول واليهود والصليبيين والوثنيين وكل من يقف بطريق الدعوة السلمية كائنا‬

‫من كان فرد هيئة جماعة دولة‬

‫ج َهنّمُ َو ِبئْسَ ا ْل َمصِيرُ}‬
‫عَل ْيهِمْ َومَ ْأوَاهُمْ َ‬
‫غلُظْ َ‬
‫قال تعالى ‪ { :‬يَا َأ ّيهَا ال ّن ِبيّ جَاهِدِ ا ْلكُفّارَ وَا ْلمُنَافِقِينَ وَا ْ‬

‫(‪ )73‬سورة التوبة‬

‫يقول الشهيد سيد قطب رحمه ال‬

‫وفي سبيل حماية الجماعة المسلمة الولى كان المر لرسول ال صلى ال عليه وسلم بمجاهدة‬

‫أعدائها‪(:‬يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين ‪ ,‬واغلظ عليهم ‪ ,‬ومأواهم جهنم وبئس المصير) ‪.‬‬

‫وهي لفتة لها معناها وقيمتها بعدما تقدم من أمر المؤمنين بوقاية أنفسهم وأهليهم من النار ‪.‬‬
‫وبالتوبة النصوح التي تكفر عنهم السيئات وتدخلهم الجنة تجري من تحتها النهار ‪. .‬‬

‫لها معناها وقيمتها في ضرورة حماية المحضن الذي تتم فيه الوقاية من النار ‪ .‬فل تترك هذه‬

‫العناصر المفسدة الجائرة الظالمة ‪ ,‬تهاجم المعسكر السلمي من خارجه كما كان الكفار‬

‫يصنعون ‪ .‬أو تهاجمه من داخله كما كان المنافقون يفعلون ‪.‬‬

‫وتجمع الية بين الكفار والمنافقين في المر بجهادهم والغلظة عليهم ‪ .‬لن كل من الفريقين‬

‫يؤدي دورا مماثل في تهديد المعسكر السلمي ‪ ,‬وتحطيمه أو تفتيته ‪ .‬فجهادهم هو الجهاد‬
‫الواقي من النار ‪ .‬وجزاؤهم هو الغلظة عليهم من رسول ال والمؤمنين في الدنيا ‪.‬‬
‫(ومأواهم جهنم وبئس المصير) في الخرة !‬
‫***************‬

‫‪78‬‬

‫ش ِركِينَ‬
‫ى ‪-‬صلى ال عليه وسلم‪ -‬قَالَ ‪ « :‬جَاهِدُوا ا ْلمُ ْ‬
‫وفي سنن أبي داود عَنْ َأ َنسٍ أَنّ ال ّنبِ ّ‬
‫س َن ِتكُمْ »‪.‬‬
‫سكُمْ َوَألْ ِ‬
‫بَِأ ْموَاِلكُمْ َوَأنْفُ ِ‬

‫ش ِركِينَ‬
‫وفي سنن النسائي ‪ :‬عَنْ َأ َنسٍ عَنِ ال ّن ِبىّ ‪-‬صلى ال عليه وسلم‪ -‬قَالَ « جَاهِدُوا ا ْلمُ ْ‬

‫س َن ِتكُمْ »‪.‬‬
‫بَِأ ْموَاِلكُمْ َوَأيْدِيكُمْ َوَألْ ِ‬

‫ل اللّ ِه ‪-‬صلى ال عليه وسلم‪ -‬قَالَ « مَا مِنْ‬
‫سعُودٍ أَنّ رَسُو َ‬
‫عبْ ِد اللّهِ بْنِ مَ ْ‬
‫وفي صحيح مسلم عَنْ َ‬

‫س ّنتِهِ َويَ ْقتَدُونَ ِبَأ ْم ِرهِ‬
‫حوَا ِريّونَ َوأَصْحَابٌ َيأْخُذُونَ بِ ُ‬
‫َن ِبىّ َب َعثَهُ اللّهُ فِى ُأمّةٍ َق ْبلِى إِلّ كَانَ لَهُ مِنْ ُأ ّمتِهِ َ‬

‫خلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لَ يَ ْف َعلُونَ َويَ ْف َعلُونَ مَا لَ ُي ْؤ َمرُونَ َفمَنْ جَاهَدَهُمْ ِبيَ ِدهِ‬
‫خُلفُ مِنْ َبعْدِهِمْ ُ‬
‫ثُمّ ِإ ّنهَا تَ ْ‬
‫َف ُهوَ ُم ْؤمِنٌ َومَنْ جَاهَدَهُمْ ِبلِسَانِهِ َف ُهوَ ُم ْؤمِنٌ َومَنْ جَاهَدَهُمْ بِ َق ْلبِهِ َف ُهوَ ُم ْؤمِنٌ َوَليْسَ َورَاءَ َذِلكَ مِنَ‬

‫خرْدَلٍ »‪.‬‬
‫حبّةُ َ‬
‫الِيمَانِ َ‬
‫**********‬
‫وفي المحلى ‪:‬‬

‫علَى قَ ْدرِ طَا َقتِهِ ‪-‬‬
‫علَى كُلّ أَحَدٍ ‪َ -‬‬
‫‪ - 48‬مَسَْألَةٌ ‪ :‬وَالَْأ ْمرُ بِا ْل َم ْعرُوفِ وَال ّن ْهيُ عَنْ ا ْل ُم ْن َكرِ َف ْرضَانِ َ‬

‫ض َعفُ الْإِيمَانِ َل ْيسَ َورَاءَ َذِلكَ مِنْ‬
‫بِا ْليَدِ ‪َ ,‬فمَنْ لَمْ يَقْ ِدرْ َف ِبلِسَانِهِ ‪َ ,‬فمَنْ لَمْ يَقْ ِدرْ َفبِ َق ْلبِهِ ‪ ,‬وَ َذِلكَ َأ ْ‬
‫خ ْيرِ َويَ ْأ ُمرُونَ بِا ْل َم ْعرُوفِ‬
‫عزّ وَجَلّ ‪َ { :‬و ْل َتكُنْ ِم ْنكُمْ ُأمّةٌ يَدْعُونَ إلَى الْ َ‬
‫شيْءٌ ‪ .‬قَالَ َ‬
‫الْإِيمَانِ َ‬

‫َو َي ْن َهوْنَ عَنْ ا ْل ُم ْن َكرِ َوأُوَل ِئكَ هُمْ ا ْلمُ ْفلِحُونَ } وَقَالَ َتعَالَى ‪َ { :‬وإِنْ طَائِ َفتَانِ مِنْ ا ْل ُم ْؤمِنِينَ ا ْق َت َتلُوا‬
‫حتّى تَفِيءَ إلَى َأ ْم ِر اللّهِ } ‪.‬‬
‫خرَى فَقَا ِتلُوا اّلتِي َت ْبغِي َ‬
‫علَى الْأُ ْ‬
‫صلِحُوا َب ْي َن ُهمَا فَإِنْ َب َغتْ إحْدَا ُهمَا َ‬
‫فََأ ْ‬

‫حمَدُ‬
‫حمّدٍ ثنا أَ ْ‬
‫حمَدُ بْنُ ُم َ‬
‫عبْدُ ا ْلوَهّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَ ْ‬
‫حمَدُ بْنُ َفتْحٍ ثنا َ‬
‫سفَ ثنا أَ ْ‬
‫عبْ ُد اللّهِ بْنُ يُو ُ‬
‫حَ ّد َثنَا َ‬

‫ش ْيبَةَ ثنا‬
‫حمّدُ بْنُ ا ْل ُم َثنّى قَالَ ابْنُ َأبِي َ‬
‫ش ْيبَةَ َومُ َ‬
‫سلِمُ بْنُ الْحَجّاجِ ثنا َأبُو َب ْكرِ بْنُ َأبِي َ‬
‫عِليّ ثنا مُ ْ‬
‫بْنُ َ‬

‫ش ْعبَةُ‬
‫ش ْعبَةُ ‪ ,‬ثُمّ اتّفَقَ سُ ْفيَانُ وَ ُ‬
‫جعْ َفرٍ ثنا ُ‬
‫حمّدُ بْنُ َ‬
‫َوكِيعٌ عَنْ سُ ْفيَانَ ال ّث ْو ِريّ ‪ ,‬وَقَالَ ابْنُ ا ْل ُم َثنّى ثنا مُ َ‬
‫س ِم ْعتُ رَسُولَ‬
‫سعِيدٍ الْخُ ْد ِريّ ‪َ :‬‬
‫شهَابٍ قَالَ ‪ :‬قَالَ َأبُو َ‬
‫سلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ ِ‬
‫‪ِ ,‬كلَا ُهمَا عَنْ َق ْيسِ بْنِ مُ ْ‬

‫ستَطِعْ َف ِبلِسَانِهِ ‪,‬‬
‫اللّهِ صلى ال عليه وسلم يَقُولُ { مَنْ َرأَى ِم ْنكُمْ ُم ْن َكرًا َف ْل ُي َغ ّي ْرهُ ِبيَ ِدهِ ‪ ,‬فَإِنْ لَمْ يَ ْ‬

‫ح َميْدٍ ثنا َيعْقُوبُ بْنُ‬
‫عبْدُ بْنُ ُ‬
‫سلِمٍ حَ ّد َثنَا َ‬
‫ض َعفُ الْإِيمَانِ } ‪َ .‬وبِهِ إلَى مُ ْ‬
‫ستَطِعْ َفبِ َق ْلبِهِ ‪ ,‬وَ َذِلكَ َأ ْ‬
‫فَإِنْ لَمْ يَ ْ‬

‫ط ِميّ ‪ -‬عَنْ‬
‫ضيْلِ الْخِ ْ‬
‫سعْدٍ ثنا َأبِي عَنْ صَالِحِ بْنِ َكيْسَانَ عَنْ الْحَا ِرثِ ُهوَ ابْنُ الْ ُف َ‬
‫إ ْبرَاهِيمَ بْنِ َ‬

‫خ َرمَةَ عَنْ َأبِي رَافِعٍ ُهوَ‬
‫س َورِ بْنِ مَ ْ‬
‫حمَنِ بْنِ ا ْلمِ ْ‬
‫عبْدِ الرّ ْ‬
‫حكَمِ عَنْ َ‬
‫عبْدِ الْ َ‬
‫عبْ ِد اللّهِ بْنِ َ‬
‫جعْ َفرِ بْنِ َ‬
‫َ‬

‫سعُودٍ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صلى ال عليه‬
‫عبْ ِد اللّهِ بْنِ مَ ْ‬
‫ل اللّ ِه صلى ال عليه وسلم ‪ -‬عَنْ َ‬
‫َم ْولَى رَسُو ِ‬
‫حوَا ِريّونَ َوأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ‬
‫وسلم قَالَ { مَا مِنْ َن ِبيّ َب َعثَهُ اللّهُ فِي ُأمّةٍ َق ْبلِي إلّا كَانَ لَهُ مِنْ ُأ ّمتِهِ َ‬
‫‪79‬‬

‫خلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لَا يَ ْف َعلُونَ ‪َ ,‬ويَ ْف َعلُونَ مَا لَا‬
‫خّلفَ مِنْ َبعْدِهِمْ ُ‬
‫س ّنتِهِ َويَ ْقتَدُونَ ِبَأ ْم ِرهِ ‪ ,‬ثُمّ إ ّنهَا تَ َ‬
‫بِ ُ‬
‫ُي ْؤ َمرُونَ ‪َ ,‬فمَنْ جَاهَدَهُمْ ِبيَ ِدهِ َف ُهوَ ُم ْؤمِنٌ ‪َ ,‬ومَنْ جَاهَدَهُمْ ِبلِسَانِهِ َف ُهوَ ُم ْؤمِنٌ ‪َ ,‬ومَنْ جَاهَدَهُمْ بِ َق ْلبِهِ ‪,‬‬

‫سِلمِينَ‬
‫خ َتِلفْ أَحَدٌ مِنْ ا ْلمُ ْ‬
‫عِليّ ‪ :‬لَمْ يَ ْ‬
‫خرْدَلٍ } ‪ .‬قَالَ َ‬
‫حبّةُ َ‬
‫َف ُهوَ ُم ْؤمِنٌ ‪َ ,‬وَل ْيسَ َورَاءَ َذِلكَ مِنْ الْإِيمَانِ َ‬
‫ض ُهمَا َأوْ عَارَضَ‬
‫خ َتيْنِ ‪َ ,‬فصَحّ أَنّ مَا عَا َر َ‬
‫غ ْيرُ َمنْسُو َ‬
‫ح َك َمتَانِ َ‬
‫فِي أَنّ الْآ َي َتيْنِ ا ْلمَ ْذكُو َر َتيْنِ مُ ْ‬

‫شكّ ‪.‬‬
‫الْأَحَادِيثَ اّلتِي فِي َم ْعنَا ُهمَا ُهوَ ا ْل َمنْسُوخُ ِبلَا َ‬

‫سلِمٍ إنْ قَ َدرَ ِبيَ ِدهِ َف ِبيَ ِدهِ‬
‫علَى كُلّ مُ ْ‬
‫‪ - 1776‬مَسَْألَةٌ ‪ :‬وَالَْأ ْمرُ بِا ْل َم ْعرُوفِ وَال ّن ْهيُ عَنْ ا ْل ُم ْن َكرِ َفرْضٌ َ‬

‫ض َعفُ الْإِيمَانِ ‪ ,‬فَإِنْ لَمْ يَ ْفعَلْ‬
‫َوإِنْ لَمْ يَقْ ِدرْ ِبيَ ِدهِ َف ِبلِسَانِهِ َوإِنْ لَمْ يَقْ ِدرْ ِبلِسَانِهِ َفبِ َق ْلبِهِ َولَا بُدّ ‪ ,‬وَ َذِلكَ َأ ْ‬
‫ض ْربَ ‪َ ,‬أوْ ذَهَابَ ا ْلمَالِ ‪َ ,‬ف ُهوَ عُ ْذرٌ ُيبِيحُ لَهُ أَنْ ُي َغ ّيرَ بِ َق ْلبِهِ‬
‫َفلَا إيمَانَ لَهُ ‪َ .‬ومَنْ خَافَ الْ َقتْلَ َأوْ ال ّ‬

‫س ُكتَ عَنْ الَْأ ْمرِ بِا ْل َم ْعرُوفِ وَعَنْ ال ّن ْهيِ عَنْ ا ْل ُمنْ َكرِ فَقَطْ ‪َ .‬ولَا ُيبِيحُ لَهُ َذِلكَ ‪ :‬ا ْل َعوْنُ ِبلِسَانٍ‬
‫فَقَطْ َويَ ْ‬
‫صلًا ‪ ,‬لِ َقوْلِ اللّهِ َتعَالَى ‪َ { :‬وإِنْ طَائِ َفتَانِ مِنْ ا ْل ُمؤْ ِمنِينَ ا ْق َت َتلُوا‬
‫صوِيبِ ا ْل ُم ْن َكرِ أَ ْ‬
‫علَى َت ْ‬
‫‪َ ,‬أوْ ِبيَدٍ َ‬

‫حتّى تَفِيءَ إلَى َأ ْم ِر اللّهِ فَإِنْ‬
‫خرَى فَقَا ِتلُوا اّلتِي َت ْبغِي َ‬
‫علَى الْأُ ْ‬
‫صلِحُوا َب ْي َن ُهمَا فَإِنْ َب َغتْ إحْدَا ُهمَا َ‬
‫فََأ ْ‬

‫خ ْيرِ‬
‫عزّ وَجَلّ ‪َ { :‬و ْل َتكُنْ ِم ْنكُمْ ُأمّةٌ يَدْعُونَ إلَى الْ َ‬
‫صلِحُوا َب ْي َن ُهمَا بِا ْلعَدْلِ } ‪ .‬وَقَالَ َ‬
‫فَا َءتْ َفَأ ْ‬

‫سلِمٍ نا َأبُو َب ْكرِ‬
‫طرِيقِ مُ ْ‬
‫َويَ ْأ ُمرُونَ بِا ْل َم ْعرُوفِ َو َي ْن َهوْنَ عَنْ ا ْل ُم ْن َكرِ َوأُوَلئِكَ هُمْ ا ْلمُ ْفلِحُونَ } ‪َ .‬ومِنْ َ‬
‫ش ْيبَةَ ‪ :‬نا َوكِيعٌ عَنْ‬
‫حمّدِ بْنِ ا ْل َعلَاءِ َأبُو ُك َر ْيبٍ قَالَ ابْنُ َأبِي َ‬
‫حمّدِ بْنِ ا ْل ُم َثنّى ‪َ ,‬ومُ َ‬
‫ش ْيبَةَ ‪ِ ,‬لمُ َ‬
‫بْنُ َأبِي َ‬

‫ش ْعبَةُ ‪,‬‬
‫ش ْعبَةُ ‪ ,‬ثُمّ اتّفَقَ سُ ْفيَانُ ‪ ,‬وَ ُ‬
‫جعْ َفرٍ نا ُ‬
‫حمّدُ بْنُ َ‬
‫حمّدُ بْنُ ا ْل ُمثَنّى ‪ :‬نا مُ َ‬
‫سُ ْفيَانَ ال ّث ْو ِريّ ‪ ,‬وَقَالَ مُ َ‬

‫عمَشُ‬
‫شهَابٍ ‪ ,‬وَقَالَ َأبُو ُك َر ْيبٍ ‪ :‬نا َأبُو ُمعَا ِويَةَ نا الْأَ ْ‬
‫سلَمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ ِ‬
‫ِكلَا ُهمَا عَنْ َق ْيسِ بْنِ مُ ْ‬

‫سعِيدٍ الْخُ ْد ِريّ ‪,‬‬
‫سمَاعِيلَ بْنِ رَجَاءٍ عَنْ َأبِيهِ ‪ ,‬ثُمّ اتّفَقَ طَارِقٌ ‪َ ,‬ورَجَاءٌ ‪ِ ,‬كلَا ُهمَا ‪ :‬عَنْ َأبِي َ‬
‫عَنْ إ ْ‬
‫س ِمعْت رَسُولَ اللّهِ صلى ال عليه وسلم يَقُولُ ‪ { " :‬مَنْ َرأَى ِم ْنكُمْ ُم ْن َكرًا َف ْل ُي َغ ّي ْرهُ ِبيَ ِدهِ َفإِنْ‬
‫قَالَ ‪َ :‬‬

‫ع ْمرٌو‬
‫سلِمٍ نا َ‬
‫طرِيقِ مُ ْ‬
‫ستَطِعْ َفبِ َق ْلبِهِ وَ َذِلكَ َأضْ َعفُ الْإِيمَانِ } ‪َ .‬ومِنْ َ‬
‫ستَطِعْ َف ِبلِسَانِهِ َفإِنْ لَمْ يَ ْ‬
‫لَمْ يَ ْ‬

‫ح َميْدٍ وَاللّفْظُ لَهُ ‪ ,‬قَالُوا ُكّلهُمْ ‪ :‬نا َيعْقُوبُ بْنُ إ ْبرَاهِيمَ بْنِ‬
‫عبْدُ بْنُ ُ‬
‫ضرِ ‪ ,‬وَ َ‬
‫النّاقِدُ ‪َ ,‬وَأبُو َب ْكرِ بْنُ النّ ْ‬
‫ن صَالِحِ بْنِ َكيْسَانَ عَنْ الْحَا ِرثِ ُهوَ ابْنُ‬
‫ع ْوفٍ نا َأبِي عَ ْ‬
‫حمَنِ بْنِ َ‬
‫عبْ ِد الرّ ْ‬
‫سعْدِ بْنِ إ ْبرَاهِيمَ بْنِ َ‬
‫َ‬

‫س َورِ بْنِ‬
‫حمَنِ بْنِ ا ْلمِ ْ‬
‫عبْ ِد الرّ ْ‬
‫حكَمِ عَنْ َ‬
‫عبْ ِد اللّهِ بْنِ الْ َ‬
‫جعْ َفرِ بْنِ َ‬
‫ط ِميّ الَْأ ْنصَا ِريّ عَنْ َ‬
‫ضيْلِ الْخِ ْ‬
‫الْفُ َ‬

‫سعُودٍ حَ ّدثَهُ " أَنّ‬
‫عبْ َد اللّهِ بْنَ مَ ْ‬
‫ل اللّ ِه صلى ال عليه وسلم أَنّ َ‬
‫خ َرمَةَ عَنْ َأبِي رَافِعٍ َم ْولَى رَسُو ِ‬
‫مَ ْ‬

‫رَسُولَ اللّهِ صلى ال عليه وآله وسلم قَالَ ‪ { :‬مَا مِنْ َن ِبيّ َب َعثَهُ اللّهُ فِي ُأمّةٍ َق ْبلِي إلّا كَانَ لَهُ مِنْ‬

‫خلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لَا‬
‫س ّنتِهِ َويَ ْقتَدُونَ بَِأ ْم ِرهِ ثُمّ يَحْ ُدثُ مِنْ َبعْدِهِمْ ُ‬
‫حوَا ِريّونَ َوَأصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِ ُ‬
‫ُأ ّمتِهِ َ‬
‫يَ ْف َعلُونَ َويَ ْف َعلُونَ مَا لَا ُي ْؤ َمرُونَ َفمَنْ جَاهَدَهُمْ ِبيَ ِدهِ َف ُهوَ ُم ْؤمِنٌ َومَنْ جَاهَدَهُمْ ِبلِسَانِهِ َف ُهوَ ُم ْؤمِنٌ َومَنْ‬
‫‪80‬‬

‫سعِيدِ بْنِ َنبَاتٍ‬
‫حمّدُ بْنُ َ‬
‫خرْدَلٍ } ‪ .‬نا مُ َ‬
‫حبّةُ َ‬
‫جَاهَدَهُمْ بِ َق ْلبِهِ َف ُهوَ ُم ْؤمِنٌ َل ْيسَ َورَاءَ َذِلكَ مِنْ الْإِيمَانِ َ‬
‫حمّدُ‬
‫ش ِنيّ نا مُ َ‬
‫سلَامِ الْخُ َ‬
‫عبْدِ ال ّ‬
‫حمّدُ بْنُ َ‬
‫صبَغَ نا ُم َ‬
‫عبْدِ ا ْل َبصِيرِ نا قَاسِمُ بْنُ َأ ْ‬
‫عبْ ِد اللّهِ بْنِ َ‬
‫حمَدُ بْنُ َ‬
‫نا أَ ْ‬

‫عِليّ‬
‫ع َبيْ َدةَ عَنْ َ‬
‫سعْدِ بْنِ ُ‬
‫حمَنِ بْنُ َمهْ ِديّ نا سُ ْفيَانُ ال ّث ْو ِريّ عَنْ ُز َبيْدٍ ا ْليَا ِميّ عَنْ َ‬
‫عبْدُ الرّ ْ‬
‫ا ْل ُم َثنّى نا َ‬
‫صيَةِ اللّهِ } َومِنْ‬
‫شرٍ فِي َم ْع ِ‬
‫ي صلى ال عليه وآله وسلم قَالَ ‪ { :‬لَا طَاعَةَ ِلبَ َ‬
‫بْنِ َأبِي طَاِلبٍ عَنْ ال ّنبِ ّ‬
‫ع َمرَ‬
‫ع َمرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ ُ‬
‫ع َبيْدِ اللّهِ بْنِ ُ‬
‫سعِيدٍ الْقَطّانُ عَنْ ُ‬
‫حيَى بْنُ َ‬
‫طرِيقِ َأبِي دَاوُد نا مُسَدّدٌ نا َي ْ‬
‫َ‬

‫حبّ‬
‫سلِمِ فِيمَا أَ َ‬
‫علَى ا ْل َمرْءِ ا ْلمُ ْ‬
‫سمْعُ وَالطّاعَةُ َ‬
‫ل اللّ ِه صلى ال عليه وآله وسلم ‪ { :‬ال ّ‬
‫قَالَ ‪ :‬قَالَ رَسُو ُ‬

‫حيَى‬
‫سمْعَ َولَا طَاعَةَ } ‪َ .‬وبِهِ إلَى َأبِي دَاوُد نا َي ْ‬
‫صيَةٍ َفلَا َ‬
‫صيَةٍ َفإِذَا ُأ ِمرَ ِب َم ْع ِ‬
‫َأوْ َك ِرهَ مَا لَمْ ُي ْؤ َمرْ ِب َمعْ ِ‬
‫شرِ بْنِ‬
‫ح َميْدُ بْنُ ِهلَالٍ عَنْ بِ ْ‬
‫سَل ْيمَانُ بْنُ ا ْل ُمغِي َرةِ نا ُ‬
‫عبْدِ ا ْلوَا ِرثِ نا ُ‬
‫صمَدِ بْنُ َ‬
‫عبْ ُد ال ّ‬
‫بْنُ َمعِينٍ نا َ‬

‫ل اللّ ِه صلى ال عليه وآله وسلم‬
‫عَاصِمٍ عَنْ عُ ْقبَةَ بْنِ مَاِلكٍ عَنْ َرجُلٍ مِنْ رَهْطِهِ قَالَ { َب َعثَ رَسُو ُ‬
‫ل اللّ ِه صلى ال عليه وآله‬
‫سيْفًا َفَلمّا َرجَعَ قَالَ ‪َ :‬لوْ َرَأ ْيتَ مَا لَا َمنَا رَسُو ُ‬
‫جلًا ِم ْنهُمْ َ‬
‫حتُ رَ ُ‬
‫سلَ ْ‬
‫س ِريّةً فَ َ‬
‫َ‬

‫ج َعلُوا َمكَانَهُ مَنْ َي ْمضِي لَِأ ْمرِي } " ‪.‬‬
‫جلًا َفلَمْ َيمْضِ لَِأ ْمرِي أَنْ تَ ْ‬
‫ج ْزتُمْ إذْ َب َع ْثتُ رَ ُ‬
‫وسلم قَالَ ‪ :‬أَعْ َ‬

‫سمّهِ ‪ -‬فَالصّحَابَةُ‬
‫حبٌ ‪َ -‬وإِنْ لَمْ يُ َ‬
‫عنْ ُه صَا ِ‬
‫حبَةِ ‪َ ,‬وَالّذِي ُر ِويَ َ‬
‫حمّدٍ ‪ :‬عُ ْقبَ ُة صَحِيحُ الصّ ْ‬
‫قَالَ َأبُو مُ َ‬

‫حمّدٌ‬
‫ل اللّهِ َتعَالَى ‪ { :‬مُ َ‬
‫ح َبتِهِ َف ُهوَ عَدْلٌ مَقْطُوعٌ ِبعَدَاَلتِهِ ‪ ,‬لِ َقوْ ِ‬
‫ت صِحّ ُة صُ ْ‬
‫ُكّلهُمْ عُدُولٌ ‪ ,‬فَإِذَا َث َب َت ْ‬

‫عِليّ ] َوكُلّ مَنْ َمعَهُ مِنْ‬
‫عِليّ ‪ [ :‬وَ ُهوَ َقوْلُ َ‬
‫علَى ا ْلكُفّارِ } ‪ .‬قَالَ َ‬
‫رَسُولُ اللّهِ َوَالّذِينَ َمعَهُ أَشِدّاءُ َ‬

‫ن الصّحَابَةِ ‪َ ,‬و ُمعَا ِويَةَ ‪َ ,‬وكُلّ مَنْ‬
‫طلْحَةَ ‪ ,‬وَال ّز َب ْيرِ ‪َ ,‬وكُلّ مَنْ َم َعهُمْ مِ ْ‬
‫الصّحَابَةِ َوأُمّ ا ْل ُم ْؤ ِمنِينَ وَ َ‬

‫جمِي ِعهِمْ ‪َ -‬وكُلّ مَنْ قَامَ‬
‫ضيَ اللّهُ عَنْ َ‬
‫عِليّ ‪َ -‬ر ِ‬
‫سيْنِ بْنِ َ‬
‫ن الصّحَابَةِ ‪ ,‬وَابْنِ ال ّزبَ ْيرِ ‪ ,‬وَالْحُ َ‬
‫َمعَهُ مِ ْ‬
‫خلَافُ‬
‫خبَارِ اّلتِي فِيهَا ِ‬
‫غ ْيرِهِمْ ‪ .‬وَهَذَا الَْأحَادِيثُ نَاسِخَةٌ ِللْأَ ْ‬
‫ن الصّحَابَةِ ‪ ,‬وَالتّا ِبعِينَ ‪ ,‬وَ َ‬
‫ح ّرةِ مِ ْ‬
‫فِي الْ َ‬

‫عَليْهِ الدّينُ َقبْلَ الَْأ ْمرِ بِالْ ِقتَالِ ‪َ ,‬ولِأَنّ الَْأ ْمرَ بِا ْل َم ْعرُوفِ وَال ّن ْهيَ عَنْ‬
‫هَذَا ; لِأَنّ ِت ْلكَ ُموَافِقَةٌ ِلمَا كَانَ َ‬

‫شكّ ‪َ . -‬وبِاَللّهِ َتعَالَى ال ّتوْفِيقُ ‪.‬‬
‫خلَافِهِ ِبلَا َ‬
‫ا ْل ُم ْنكَرِ بَاقٍ مُ ْف َترَضٌ لَمْ ُينْسَخْ ‪َ ,‬ف ُهوَ النّاسِخُ لِ ِ‬
‫وفي غذاء اللباب ‪:‬‬

‫جلْدِ بِا ْليَدِ‬
‫ضعَفُهُ بِالْ َق ْلبِ ثُمّ لِسَانِهِ َوأَ ْقوَاهُ إ ْنكَارُ الْ َفتَى الْ َ‬
‫طَلبٌ ‪ :‬فِي َمرَا ِتبِ الِْإ ْنكَارِ ‪َ :‬وَأ ْ‬
‫مَ ْ‬
‫ن اللّسَانِ وَا ْليَدِ فَإِنْ قِيلَ َأيّ َت ْغيِيرٍ‬
‫ضعَفُهُ ) َأيْ َأضْ َعفُ َمرَا ِتبِ الِْإ ْنكَارِ َيكُونُ ( بِالْ َق ْلبِ ) دُو َ‬
‫( َوَأ ْ‬
‫ش َتغِلَ بِ ِذ ْكرِ َم ْولَاهُ ‪ ,‬جَلّ‬
‫جوَابُ ا ْل ُمرَادُ أَنْ ُي ْن ِكرَ َذِلكَ َولَا َي ْرضَاهُ ‪َ ,‬ويَ ْ‬
‫حصَلَ بِِإ ْنكَارِ الْ َق ْلبِ ؟ فَالْ َ‬
‫َ‬

‫ضلًا ِمنْهُ َوِإ ْنعَامًا ‪ ,‬فَقَالَ { َوَالّذِينَ لَا‬
‫ح اللّهُ َتعَالَى ا ْلعَا ِملِينَ بِ َذِلكَ تَ َف ّ‬
‫سلْطَانُهُ ‪ .‬وَقَدْ مَدَ َ‬
‫شَ ْأنُهُ ‪َ ,‬و َتعَالَى ُ‬

‫شهَدُونَ الزّورَ َوإِذَا َمرّوا بِالّلغْوِ َمرّوا ِكرَامًا } فَإِذَا َك ِرهَ ا ْل ُم ْؤمِنُ ا ْل ُم ْنكَرَ َو َنوَى بِ َق ْلبِهِ َأنّهُ َلوْ قَ َدرَ‬
‫يَ ْ‬
‫عيْنِ َكرَاهَةِ مَا‬
‫علَى كُلّ ُم ْؤمِنٍ إيجَابُ َ‬
‫جبُ َ‬
‫علَى َت ْغيِي ِرهِ َل َغ ّي َرهُ كَانَ فِي ُق ّوةِ َت ْغيِي ِرهِ لَهُ ‪َ ,‬فِإنّهُ يَ ِ‬
‫َ‬

‫‪81‬‬

‫ل عليه الصلة والسلم َكمَا فِي الْأَحَادِيثِ‬
‫حبّهُ َو َيرْضَاهُ ‪ .‬وَقَدْ قَا َ‬
‫حبّةُ مَا يُ ِ‬
‫َكرِهَهُ َم ْولَاهُ َومَ َ‬
‫عمَالُ بِال ّنيّاتِ } وَ { الدّينُ النّصِيحَةُ } ( ثُمّ ) َأرْقَى مِنْ الِْإ ْنكَارِ‬
‫صرِيحَةِ { إ ّنمَا الْأَ ْ‬
‫الصّحِيحَةِ ال ّ‬

‫سلّطَ‬
‫عَل ْيهِمْ َف َي ْت ُركُونَهُ َأوْ يُ َ‬
‫بِالْ َق ْلبِ فَقَطْ الِْإ ْنكَارُ بِ ( لِسَانِهِ ) َأيْ أَنْ ُي ْن ِكرَ ا ْل ُم ْنكَرَ ِبلِسَانِهِ ِبأَنْ َيصِيحَ َ‬
‫جلْدِ‬
‫عَل ْيهِمْ مَنْ ُي َغ ّي ُرهُ ( َوأَ ْقوَاهُ ) َأيْ أَ ْقوَى َمرَا ِتبِ الِْإ ْنكَارِ ( إ ْنكَارُ الْ َفتَى ) َأيْ الشّخْصِ ا ْلمُ ْؤمِنِ ( الْ َ‬
‫َ‬
‫جلِيدًا } َأيْ‬
‫ج َوفَ َ‬
‫ع َمرَ { كَانَ أَ ْ‬
‫جلِيدٌ ‪ .‬وَفِي حَدِيثِ ُ‬
‫ن اللّامِ َأيْ الْ َق ِويّ الشّدِيدِ ‪َ ,‬ويُقَالُ لَهُ َ‬
‫سكُو ِ‬
‫) بِ ُ‬

‫ي صلى ال‬
‫ل ال ّن ِب ّ‬
‫َق ِويّا شَدِيدًا ‪َ ,‬ف ُهوَ صِفَةٌ ِللْ َفتَى ( بِا ْليَدِ ) ُم َت َعلّقٌ بِِإ ْنكَارِ الْ َفتَى ‪ ,‬وَهَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ َقوْ ِ‬

‫ستَطِعْ َفبِ َق ْلبِهِ ‪,‬‬
‫ستَطِعْ َف ِبلِسَانِهِ ‪ ,‬فَإِنْ لَمْ يَ ْ‬
‫عليه وسلم { مَنْ َرأَى ِم ْنكُمْ ُم ْن َكرًا َف ْل ُي َغ ّي ْرهُ ِبيَ ِدهِ ‪ ,‬فَإِنْ لَمْ يَ ْ‬

‫سلِمٌ َأ ْيضًا مِنْ حَدِيثِ‬
‫سعِيدٍ الْخُ ْد ِريّ ‪َ .‬و َروَى مُ ْ‬
‫سلِمٌ مِنْ حَدِيثِ َأبِي َ‬
‫ض َعفُ الْإِيمَانِ } َروَاهُ مُ ْ‬
‫وَ َذِلكَ َأ ْ‬

‫ي صلى ال عليه وسلم قَالَ { مَا مِنْ َن ِبيّ َب َعثَ ُه اللّهُ َق ْبلِي إلّا‬
‫سعُودٍ رضي ال عنه عَنْ ال ّن ِب ّ‬
‫ابْنِ مَ ْ‬
‫خُلفُ مِنْ َبعْدِهِمْ‬
‫س ّنتِهِ َويَ ْقتَدُونَ ِبَأ ْم ِرهِ ‪ ,‬ثُمّ إ ّنهَا تَ ْ‬
‫حوَا ِريّونَ َوأَصْحَابٌ َيأْخُذُونَ بِ ُ‬
‫كَانَ لَهُ مِنْ ُأ ّمتِهِ َ‬
‫خلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لَا يَ ْف َعلُونَ ‪َ ,‬ويَ ْف َعلُونَ مَا لَا يَقُولُونَ ‪َ ,‬فمَنْ جَاهَدَهُمْ ِبيَ ِدهِ َف ُهوَ ُم ْؤمِنٌ ‪َ ,‬ومَنْ‬
‫ُ‬

‫حبّةُ‬
‫جَاهَدَهُمْ ِبلِسَانِهِ َف ُهوَ ُم ْؤمِنٌ ‪َ ,‬ومَنْ جَاهَدَهُمْ بِ َق ْلبِهِ َف ُهوَ ُم ْؤمِنٌ ‪َ ,‬ل ْيسَ َورَاءَ َذِلكَ مِنْ الْإِيمَانِ َ‬

‫شكُ هَ ِذهِ‬
‫عَليْهِ َمرْفُوعًا { يُو ِ‬
‫ن اللّهِ َ‬
‫ضوَا ُ‬
‫ع َمرَ ِر ْ‬
‫ضعِيفٍ عَنْ ُ‬
‫سنَا ٍد َ‬
‫سمَاعِيِليّ بِإِ ْ‬
‫خرَجَ الْإِ ْ‬
‫خرْدَلٍ } ‪َ .‬وأَ ْ‬
‫َ‬
‫جبُنَ ِبيَ ِدهِ َف ِبلِسَانِهِ وَ َق ْلبِهِ ‪ ,‬فَإِنْ‬
‫الُْأمّةُ أَنْ َت ْهَلكَ إلّا َثلَاثَةَ نَ َفرٍ ‪ ,‬رَجُلٌ َأ ْن َكرَ ِبيَ ِدهِ َو ِبلِسَانِهِ َوبِ َق ْلبِهِ ‪َ ,‬فإِنْ َ‬

‫عَليْهِ‬
‫ضوَانُ اللّهِ َ‬
‫عِليّ ِر ْ‬
‫سنَادٍ ُمنْقَطِعٍ عَنْ َ‬
‫سمَاعِيلِيّ َأ ْيضًا بِإِ ْ‬
‫خرَجَ الْإِ ْ‬
‫جبُنَ ِبلِسَانِهِ َويَ ِدهِ َفبِ َق ْلبِهِ } ‪َ .‬وأَ ْ‬
‫َ‬

‫ل اللّهِ‬
‫ستَطِيعُ ا ْل ُم ْؤمِنُ فِيهَا أَنْ ُي َغ ّيرَ ِبيَدٍ َولَا ِبلِسَانٍ ‪ُ .‬قلْت يَا رَسُو َ‬
‫س َتكُونُ َبعْدِي ِفتَنٌ لَا يَ ْ‬
‫َمرْفُوعًا { َ‬

‫ش ْيئًا ؟ قَالَ لَا إلّا‬
‫ل اللّهِ وَهَلْ ُينْقِصُ َذِلكَ إيمَا َنهُمْ َ‬
‫َو َك ْيفَ َذِلكَ ؟ قَالَ ُي ْن ِكرُونَهُ بِ ُقلُو ِبهِمْ ‪ُ .‬قلْت يَا رَسُو َ‬
‫سنَادٍ‬
‫ن الصّا ِمتِ بِإِ ْ‬
‫عبَا َدةَ بْ ِ‬
‫طبَرَا ِنيّ ِب َم ْعنَاهُ مِنْ حَدِيثِ ُ‬
‫خرّجَهُ ال ّ‬
‫ن الصّفَا } وَ َ‬
‫طرُ مِ ْ‬
‫َكمَا ُينْقِصُ الْقَ ْ‬

‫سبِ الِْإ ْمكَانِ وَالْقُ ْد َرةِ‬
‫علَى وُجُوبِ إ ْنكَارِ ا ْل ُم ْن َكرِ بِحَ َ‬
‫حوُهَا َدّلتْ َ‬
‫خبَارُ َونَ ْ‬
‫ضعِيفٍ َمرْفُوعًا ‪َ .‬فهَ ِذهِ الْأَ ْ‬
‫َ‬
‫علَى ذَهَابِ الْإِيمَانِ مِنْ َق ْلبِهِ ‪,‬‬
‫عَليْهِ ‪َ ,‬وأَنّ الِْإ ْنكَارَ بِالْ َق ْلبِ لَا بُدّ ِمنْهُ ‪َ ,‬فمَنْ لَمْ ُي ْن ِكرْ َق ْلبُهُ ا ْل ُمنْ َكرَ دَلّ َ‬
‫َ‬

‫جهَادُ‬
‫جهَادُ بَِأيْدِيكُمْ ‪ ,‬ثُمّ الْ ِ‬
‫جهَادِ الْ ِ‬
‫عَليْهِ مِنْ الْ ِ‬
‫عَليْهِ " إنّ َأوّلَ مَا ُت ْغَلبُونَ َ‬
‫ضوَانُ اللّهِ َ‬
‫عِليّ ِر ْ‬
‫وَقَدْ قَالَ َ‬

‫علَاهُ‬
‫جعَلَ أَ ْ‬
‫جهَادُ بِ ُقلُو ِبكُمْ ‪َ ,‬فمَنْ لَمْ َي ْع ِرفْ َق ْلبُهُ ا ْل َم ْعرُوفَ َو ُي ْنكِرْ َق ْلبُهُ ا ْل ُم ْن َكرَ ُن ِكسَ فَ َ‬
‫س َن ِتكُمْ ‪ ,‬ثُمّ الْ ِ‬
‫بَِألْ ِ‬

‫جلًا يَقُولُ َهَلكَ مَنْ لَمْ يَ ْأ ُمرْ بِا ْل َم ْعرُوفِ َولَمْ َينْهَ عَنْ‬
‫سعُو ٍد رضي ال عنه رَ ُ‬
‫سمِعَ ابْنُ مَ ْ‬
‫أَسْ َفلَهُ ‪ .‬وَ َ‬
‫سعُودٍ ‪َ :‬هَلكَ مَنْ لَمْ َي ْع ِرفْ بِ َق ْلبِهِ ا ْل َم ْعرُوفَ وَا ْل ُم ْن َكرَ ‪ .‬يُشِيرُ إلَى أَنّ َم ْعرِفَةَ‬
‫ا ْل ُم ْنكَرِ ‪ .‬فَقَالَ ابْنُ مَ ْ‬
‫ا ْل َم ْعرُوفِ وَا ْل ُم ْن َكرِ بِالْ َق ْلبِ َف ْرضٌ لَا يَسْقُطُ عَنْ أَحَدٍ ‪َ ,‬فمَنْ لَمْ َي ْعرِفْهُ َهَلكَ ‪َ .‬وَأمّا الِْإ ْنكَارُ بِاللّسَانِ‬

‫ن ال ّن ِبيّ صلى ال‬
‫عمِي َرةَ عَ ْ‬
‫سنَنِ َأبِي دَاوُد عَنْ ا ْل ُع ْرسِ بْنِ َ‬
‫سبِ الطّاقَةِ ‪ .‬وَفِي ُ‬
‫جبُ ِبحَ َ‬
‫وَا ْليَدِ فَِإ ّنمَا يَ ِ‬
‫‪82‬‬

‫ع ْنهَا ‪,‬‬
‫شهِدَهَا َف َكرِ َههَا َكمَنْ غَابَ َ‬
‫ع ِمَلتْ الْخَطِيئَةُ فِي الَْأرْضِ كَانَ مَنْ َ‬
‫عليه وسلم قَالَ ‪ { :‬إذَا ُ‬
‫شهِدَ الْخَطِيئَةَ‬
‫جبٍ ‪َ :‬فمَنْ َ‬
‫شهِدَهَا } ‪ .‬قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَ َ‬
‫ض َيهَا كَانَ َكمَنْ َ‬
‫ع ْنهَا َف َر ِ‬
‫َومَنْ غَابَ َ‬

‫ض َيهَا‬
‫ع ْنهَا َف َر ِ‬
‫جزَ عَنْ إ ْنكَارِهَا ِبلِسَانِهِ َويَ ِدهِ ‪َ ,‬ومَنْ غَابَ َ‬
‫عَ‬
‫شهَدْهَا إذَا َ‬
‫َف َكرِ َههَا بِ َق ْلبِهِ كَانَ َكمَنْ لَمْ يَ ْ‬

‫ح ّرمَاتِ‬
‫ن الرّضَا بِالْخَطَايَا مِنْ أَ ْقبَحِ ا ْلمُ َ‬
‫علَى إ ْنكَارِهَا َولَمْ ُي ْن ِكرْهَا ‪ ,‬لِأَ ّ‬
‫شهِدَهَا وَقَ َدرَ َ‬
‫كَانَ َكمَنْ َ‬

‫سلِمٍ لَا يَسْقُطُ عَنْ أَحَدٍ فِي حَالٍ مِنْ‬
‫علَى كُلّ مُ ْ‬
‫َويَفُوتُ بِهِ إ ْنكَارُ الْخَطِيئَةِ بِالْ َق ْلبِ وَ ُهوَ َمرَضٌ َ‬

‫عَليْهِ بِأَنّ َق ْوَلهُمْ إ ْنكَارُ ا ْل ُم ْن َكرِ َفرْضُ كِفَايَةٍ إذَا قَامَ بِهِ ا ْل َبعْضُ‬
‫ن اللّهِ َ‬
‫ضوَا ُ‬
‫حوَالِ ‪ .‬فََأ ْف َه َمنَا َكلَامُهُ ِر ْ‬
‫الْأَ ْ‬
‫حصُلُ َت ْغيِيرُ ا ْل ُمنْ َكرِ ِب ِهمَا‬
‫ن اللّ َذيْنِ يَ ْ‬
‫سلَ ْفنَا بِأَنّ ُمرَادَهُمْ الِْإ ْنكَارُ بِا ْليَدِ وَاللّسَا ِ‬
‫علَى مَا أَ ْ‬
‫سَقَطَ عَنْ ا ْلبَاقِي َ‬

‫سلِمٍ ‪ .‬وَهَ ِذهِ فَائِ َدةٌ َي ْن َبغِي التّفَطّنُ َلهَا ‪.‬‬
‫علَى كُلّ مُ ْ‬
‫عيْنٍ َ‬
‫َأوْ بِأَحَدِ ِهمَا ‪َ ,‬وَأمّا الِْإ ْنكَارُ بِالْ َق ْلبِ فَ َفرْضُ َ‬

‫ي صلى ال عليه وسلم قَالَ { مَنْ‬
‫خرَجَ ابْنُ َأبِي ال ّد ْنيَا عَنْ َأبِي ُه َر ْي َرةَ رضي ال عنه عَنْ ال ّنبِ ّ‬
‫َوأَ ْ‬
‫حضَرَهَا } وَهَذَا ِمثْلُ‬
‫ح ّبهَا َفكََأنّهُ َ‬
‫ع ْنهَا فَأَ َ‬
‫ع ْنهَا ‪َ ,‬ومَنْ غَابَ َ‬
‫ضرَ َم ْعصِيَةً َف َكرِ َههَا َفكََأنّهُ غَابَ َ‬
‫ح َ‬
‫َ‬

‫سلِمٍ فِي كُلّ حَالٍ ‪َ .‬فهَذَا‬
‫علَى كُلّ مُ ْ‬
‫الّذِي َق ْبلَهُ ‪ .‬قَالَ الْحَافِظُ ‪َ :‬ف َت َبيّنَ ِبهَذَا أَنّ الِْإ ْنكَارَ بِالْ َق ْلبِ َف ْرضٌ َ‬
‫علَى كُلّ ا ْلعَالَمِ إ ْنكَارُ مَا‬
‫جبُ َ‬
‫عَليْهِ لَِأنّهُ يَ ِ‬
‫غبَارَ َ‬
‫صرِيحٌ ِمنْهُ ِبمَا َف ِه ْمنَاهُ مِنْ َكلَامِهِ ‪ ,‬وَ ُهوَ ظَا ِهرٌ لَا ُ‬
‫َ‬

‫سعِيدٍ الْخُ ْد ِريّ‬
‫حمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ َأبِي َ‬
‫سلْطَانُهُ ‪َ .‬و َروَى الِْإمَامُ أَ ْ‬
‫جبّارَ جَلّ شَ ْأنُهُ َو َتعَالَى ُ‬
‫ُي ْغضِبُ الْ َ‬

‫ن اللّهَ َتعَالَى َليَسْأَلُ ا ْل َعبْدَ‬
‫ل اللّ ِه صلى ال عليه وسلم يَقُولُ { إ ّ‬
‫س ِمعْت رَسُو َ‬
‫رضي ال عنه قَالَ َ‬

‫جتَهُ قَالَ يَا َربّ‬
‫حّ‬
‫عبْدًا ُ‬
‫حتّى يَقُولَ مَا َم َنعَك إذْ َرَأيْت ا ْل ُم ْن َكرَ أَنْ ُت ْن ِك َرهُ ‪َ .‬فإِذَا لَقّنَ اللّهُ َ‬
‫َيوْمَ الْ ِقيَامَةِ َ‬

‫ل اللّهُ مَا َم َنعَك أَنْ‬
‫ج ْوتُك وَ َفرَقْت النّاسَ } ‪َ .‬وَأمّا مَا تَقَدّمَ مِنْ َق ْولِهِ صلى ال عليه وسلم { َفيَقُو ُ‬
‫رَ َ‬

‫خرّجَهُ ال ّت ْرمِ ِذيّ‬
‫شيَةُ النّاسِ َفيَقُولُ إيّايَ ُك ْنتَ أَحَقّ أَنْ تَخْشَى } ‪َ .‬ومَا َ‬
‫تَقُولَ فِي كَذَا َوكَذَا َفيَقُولَ خَ ْ‬

‫عِلمَهُ }‬
‫جلًا َه ْيبَ ُة النّاسِ أَنْ يَقُولَ ِبحَقّ إذَا َ‬
‫سعِيدٍ َمرْفُوعًا { َألَا لَا َي ْم َنعَنّ رَ ُ‬
‫وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ َأبِي َ‬

‫حمَدُ َوزَادَ فِيهِ { فَِإنّهُ لَا يُ َق ّربُ‬
‫خرّجَهُ الِْإمَامُ أَ ْ‬
‫شيَاءَ َف ِه ْبنَا ‪ .‬وَ َ‬
‫سعِيدٍ وَقَالَ قَدْ َواَللّهِ َرَأ ْينَا أَ ْ‬
‫َو َبكَى َأبُو َ‬
‫علَى أَنّ ا ْلمَانِعَ لَهُ مِنْ‬
‫حمُولَاتٌ َ‬
‫مِنْ أَجَلٍ َولَا ُيبَاعِدُ مِنْ ِرزْقٍ أَنْ يُقَالَ بِحَقّ َأوْ يُ َذ ّكرَ ِبعَظِيمٍ } َفمَ ْ‬

‫عنْهُ ‪:‬‬
‫ضيَ َ‬
‫سلَامِ رحمه ال َو َر ِ‬
‫شيْخُ الْإِ ْ‬
‫خ ْوفِ ا ْلمُسْقِطِ ِللِْإ ْنكَارِ ‪ .‬قَالَ َ‬
‫جرّدُ ا ْل َه ْيبَةِ دُونَ الْ َ‬
‫الِْإ ْنكَارِ مُ َ‬
‫ُمرَا ُدهُ صلى ال عليه وسلم فِي َق ْولِهِ َي ْعنِي فِي الْحَدِيثِ السّابِقِ { َليْسَ َورَاءَ َذِلكَ مِنْ الْإِيمَانِ ِمثْقَالُ‬
‫حتّى يَ ْف َعلَهُ ا ْل ُم ْؤمِنُ بَلْ الِْإ ْنكَارُ‬
‫خرْدَلٍ } َأنّهُ لَمْ َيبْقَ َبعْدَ هَذَا الِْإ ْنكَارِ مَا يَدْخُلُ فِي الْإِيمَانِ َ‬
‫حبّةِ َ‬
‫َ‬

‫خرْدَلٍ ‪,‬‬
‫حبّةُ َ‬
‫خرُ حُدُودِ الْإِيمَانِ ‪َ ,‬ل ْيسَ ُمرَا ُدهُ أَنّ مَنْ لَمْ ُي ْن ِكرْ لَمْ َيكُنْ َمعَهُ مِنْ الْإِيمَانِ َ‬
‫بِالْ َق ْلبِ آ ِ‬

‫جبُ‬
‫طبَقَاتٍ ‪َ ,‬فكُلّ ِم ْنهُمْ َفعَلَ الْإِيمَانَ الّذِي يَ ِ‬
‫جعَلَ ا ْل ُم ْؤ ِمنِينَ َثلَاثَ َ‬
‫َوِلهَذَا قَالَ َوَل ْيسَ َورَاءَ َذِلكَ ‪ ,‬فَ َ‬
‫ع ِتهِمْ مَعَ ُبلُوغِ‬
‫ستِطَا َ‬
‫سبِ ا ْ‬
‫جبِ بِحَ َ‬
‫ضلُونَ فِي الْإِيمَانِ ا ْلوَا ِ‬
‫علِمَ بِ َذِلكَ أَنّ النّاسَ َيتَفَا َ‬
‫عَليْهِ ‪ .‬قَالَ وَ ُ‬
‫َ‬
‫‪83‬‬

‫عبْ ِد اللّ ِه رضي ال عنه ‪َ :‬ك ْيفَ الَْأ ْمرُ‬
‫الْخِطَابِ إَل ْيهِمْ ‪ .‬ا ْن َتهَى َكلَامُهُ ‪ .‬وَقَالَ ا ْل َمرّو ِذيّ ‪ُ :‬قلْت لَِأبِي َ‬
‫بِا ْل َم ْعرُوفِ وَال ّن ْهيُ عَنْ ا ْل ُم ْنكَرِ ؟ قَالَ بِا ْليَدِ وَاللّسَانِ َوبِالْ َق ْلبِ وَ ُهوَ َأضْ َعفُ ‪ُ .‬قلْت ‪َ :‬ك ْيفَ بِا ْليَدِ ؟‬
‫ص ْبيَانِ ا ْل ُكتّابِ يَ ْق َت ِتلُونَ فَ َفرّقَ َب ْي َنهُمْ ‪ .‬وَقَالَ فِي‬
‫علَى ِ‬
‫عبْ ِد اللّهِ َمرّ َ‬
‫قَالَ يُ َفرّقُ َب ْي َنهُمْ ‪َ .‬و َرَأيْت َأبَا َ‬

‫جوَازُ الِْإ ْنكَارِ‬
‫سلَاحِ ‪ .‬قَالَ الْقَاضِي ‪ :‬وَظَا ِهرُ هَذَا َ‬
‫س ْيفِ وَال ّ‬
‫ِروَايَةِ صَالِحٍ ‪ :‬ال ّت ْغيِيرُ بِا ْليَدِ َل ْيسَ بِال ّ‬

‫علَى مَنْ َت َركَ مَا َي ْل َزمُهُ ِف ْعلُهُ ِبلَا عُ ْذرٍ ‪ .‬زَادَ فِي ِنهَايَةِ‬
‫بِا ْليَدِ إذَا لَمْ يُفْضِ إلَى الْ َقتْلِ وَالْ ِقتَالِ ‪َ ,‬و ُي ْن ِكرُ َ‬

‫طلُوبَ مَعَ قُ ْد َرتِهِ‬
‫علَى مَنْ َت َركَ الِْإ ْنكَارَ ا ْلمَ ْ‬
‫عَليْهِ َو ُي ْن ِكرُ َ‬
‫جبَ الِْإ ْنكَارُ َ‬
‫ا ْل ُم ْبتَ ِدئِينَ ‪ِ :‬بلَا عُ ْذرٍ ظَا ِهرٍ وَ َ‬
‫غ ْيرِ‬
‫ض ْربُ بِا ْليَدِ وَالرّجْلِ وَ َ‬
‫ج ْو ِزيّ ‪ :‬ال ّ‬
‫سلْطَانٍ ‪ .‬وَقَالَ الِْإمَامُ ابْنُ الْ َ‬
‫س ْيفٌ إلّا مَعَ ُ‬
‫عَليْهِ ‪َ .‬ولَا ُي ْن ِكرُ َ‬
‫َ‬
‫علَى قَ ْدرِ‬
‫ضرُو َرةِ وَالِا ْق ِتصَارِ َ‬
‫ط ال ّ‬
‫شرْ ِ‬
‫س ْيفٍ َيجُوزُ ِللْآحَادِ بِ َ‬
‫سلَاحٍ َأوْ َ‬
‫شهَارُ ِ‬
‫َذِلكَ ِممّا َل ْيسَ فِيهِ إ ْ‬

‫علَى الصّحِيحِ ِل َئلّا ُيؤَ ّديَ‬
‫سلْطَانِ َ‬
‫سلَاحَ َفلَا بُدّ مِنْ إذْنِ ال ّ‬
‫ش ِهرُونَ ال ّ‬
‫عوَانٍ يُ ْ‬
‫حتَاجَ إلَى أَ ْ‬
‫الْحَاجَةِ ‪ ,‬فَإِنْ ا ْ‬
‫إلَى الْ ِفتَنِ وَ َهيَجَانِ الْفَسَادِ وَا ْلمِحَنِ ‪. .‬‬
‫وفي التاج المذهب ‪:‬‬

‫علَمْ أَنّ الَْأ ْمرَ بِا ْل َم ْعرُوفِ وَالنّ ْهيَ‬
‫( ‪َ ( ) 473‬فصْلٌ ) فِي الَْأ ْمرِ بِا ْل َم ْعرُوفِ وَال ّن ْهيِ عَنْ ا ْل ُم ْن َكرِ ‪ .‬ا ْ‬

‫شرْعًا ; لَِأ ّن ُهمَا مِنْ وَظَا ِئفِ الَْأ ْن ِبيَاءِ عليهم‬
‫شعَا ِئرِ الدّينِ َووُجُو ُبهَا َم ْعلُومٌ َ‬
‫عَنْ ا ْل ُم ْنكَرِ مِنْ أَعْظَمِ َ‬

‫عمِ َدةِ هَذَا الدّينِ وَال ّركْنَانِ ا ْل َكبِيرَانِ مِنْ َأ ْركَانِهِ َوكُلّ مَنْ قَامَ‬
‫السلم وَ ُهمَا ا ْل ِعمَادَانِ ا ْلعَظِيمَانِ مِنْ أَ ْ‬
‫عُلوّ ِه ّمتِهِ‬
‫جنَانِهِ َو َك ْث َرةِ إحْسَانِهِ وَ ُ‬
‫علَى ُق ّوةِ إيمَانِهِ َو َثبَاتِ َ‬
‫ج َعَل ُهمَا دِينَهُ فَ َذِلكَ دَالّ َ‬
‫ِب ِهمَا مِنْ ا ْل ُعَلمَاءِ وَ َ‬
‫سرِي َرتِهِ وَحُسْنِ سِي َرتِهِ َولَا َيتّسِعُ ِلمَا َورَدَ فِي ِهمَا مِنْ الْآيَاتِ الْ ُقرْآ ِنيّةِ وَالْأَحَادِيثِ ال ّن َبوِيّةِ إلّا‬
‫وَطِيبِ َ‬
‫خ ْيرِ َويَ ْأ ُمرُونَ بِا ْل َم ْعرُوفِ‬
‫ستَقِلّ َفمِنْ الَْأوّلِ قوله تعالى { َو ْل َتكُنْ ِم ْنكُمْ ُأمّةٌ يَدْعُونَ إلَى الْ َ‬
‫ُم َؤّلفٌ مُ ْ‬

‫جتْ لِلنّاسِ َت ْأ ُمرُونَ‬
‫خرِ َ‬
‫خ ْيرَ ُأمّةٍ أُ ْ‬
‫َو َي ْن َهوْنَ عَنْ ا ْل ُم ْن َكرِ َوأُوَل ِئكَ هُمْ ا ْلمُ ْفلِحُونَ } وَقَالَ َتعَالَى { ُك ْنتُمْ َ‬

‫بِا ْل َم ْعرُوفِ َو َت ْن َهوْنَ عَنْ ا ْل ُم ْنكَرِ } وَقَالَ َتعَالَى { خُذْ ا ْلعَ ْفوَ َو ْأ ُمرْ بِا ْل ُع ْرفِ َوأَعْرِضْ عَنْ الْجَا ِهلِينَ }‬
‫علَى لِسَانِ دَاوُد وَعِيسَى ابْنِ َم ْريَمَ َذِلكَ ِبمَا‬
‫سرَائِيلَ َ‬
‫‪ .‬وَقَالَ َتعَالَى { ُلعِنَ الّذِينَ كَ َفرُوا مِنْ َبنِي إ ْ‬

‫غ ْيرُ َذِلكَ مِنْ‬
‫عصَوْا َوكَانُوا َي ْعتَدُونَ كَانُوا لَا َي َتنَا َهوْنَ عَنْ ُم ْن َكرٍ َف َعلُوهُ َل ِب ْئسَ مَا كَانُوا يَ ْف َعلُونَ } وَ َ‬
‫َ‬
‫س ِمعْت رَسُولَ‬
‫ي رضي ال عنه قَالَ َ‬
‫سعِيدٍ الْخُ ْد ِر ّ‬
‫الْآيَاتِ ‪َ ,‬ومِنْ الثّانِي أَحَادِيثُ " الَْأوّلُ " عَنْ َأبِي َ‬

‫ستَطِعْ‬
‫اللّهِ صلى ال عليه وآله وسلم يَقُولُ ‪ { " :‬مَنْ َرأَى ِم ْنكُمْ ُم ْن َكرًا َف ْل ُي َغ ّي ْرهُ ِبيَ ِدهِ َفإِنْ لَمْ يَ ْ‬

‫سعُودٍ‬
‫سلِمٌ ‪ ( .‬الثّانِي ) عَنْ َأبِي مَ ْ‬
‫ض َعفُ الْإِيمَانِ } " َروَاهُ مُ ْ‬
‫ستَطِعْ َفبِ َق ْلبِهِ وَ َذِلكَ أَ ْ‬
‫َف ِبلِسَانِهِ َفإِنْ لَمْ يَ ْ‬

‫رضي ال عنه أَنّ رَسُولَ اللّهِ صلى ال عليه وآله وسلم قَالَ ‪ { :‬مَا مِنْ َن ِبيّ َب َعثَهُ اللّهُ فِي ُأمّةٍ‬
‫خُلفُ مِنْ‬
‫س ّنتِهِ َويَ ْقتَدُونَ بَِأ ْم ِرهِ ثُمّ إ ّنهَا تَ ْ‬
‫حوَا ِريّونَ َوأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِ ُ‬
‫َق ْبلِي إلّا كَانَ لَهُ مِنْ ُأ ّمتِهِ َ‬

‫‪84‬‬

‫خلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لَا يَ ْف َعلُونَ َويَ ْف َعلُونَ مَا لَا ُي ْؤ َمرُونَ َفمَنْ جَاهَدَهُمْ ِبيَ ِدهِ َف ُهوَ ُم ْؤمِنٌ َومَنْ‬
‫َبعْدِهِمْ ُ‬
‫حبّةُ‬
‫جَاهَدَهُمْ ِبلِسَانِهِ َف ُهوَ ُم ْؤمِنٌ َومَنْ جَاهَدَهُمْ بِ َق ْلبِهِ َف ُهوَ ُم ْؤمِنٌ َل ْيسَ َورَاءَ َذِلكَ مِنْ الْإِيمَانِ َ‬

‫ن ال ّن ِبيّ صلى ال عليه‬
‫سلِمٌ َأ ْيضًا ‪ ( .‬الثّاِلثُ ) عَنْ حُ َذيْفَ َة رضي ال عنه عَ ْ‬
‫خرْدَلٍ } " َروَاهُ مُ ْ‬
‫َ‬
‫ن اللّهُ أَنْ‬
‫شكَ ّ‬
‫وآله وسلم " قَالَ { َوَالّذِي نَفْسِي ِبيَ ِدهِ َلتَ ْأ ُمرُنّ بِا ْل َم ْعرُوفِ َو َت ْن َهوْنَ عَنْ ا ْل ُم ْنكَرِ َأوْ َليُو ِ‬

‫ستَجَابُ َلكُمْ } " َروَا ُه ال ّت ْرمِ ِذيّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ ‪.‬‬
‫عَل ْيكُمْ عِقَابًا ِمنْهُ ثُمّ تَدْعُونَهُ َفلَا يُ ْ‬
‫َي ْب َعثَ َ‬
‫وَالْأَحَادِيثُ فِي َذِلكَ َكثِي َرةٌ ‪.‬‬

‫******************‬
‫لماذا يجب جهاد الحكام أول ؟‬

‫أقول ‪ :‬يجب جهادهم للسباب التالية ‪:‬‬
‫‪.1‬محاربتهم شريعة ال في كل مكان‬

‫‪.2‬مطاردة الدعاة المخلصين وقتلهم وتعذيبهم أو تشريدهم في الرض‬
‫‪.3‬فرض مناهج الكفر والضلل على المسلمين‬
‫‪.4‬تحكيم شرائع الجاهلية‬

‫‪.5‬إقصاء منهج ال تعالى من الحياة‬
‫‪.6‬التلعب بدين ال‬

‫‪ .7‬التآمر على المسلمين‬
‫‪ .8‬تولي الكفار والفجار‬

‫‪.9‬نهب خيرات المسلمين‬

‫‪ .10‬تسليم المسلمين للكفار‬
‫‪.11‬التخلي عن الجهاد في سبيل ال‬
‫‪ .12‬حماية حدود دولة اليهود‬

‫‪.13‬منع أية مساعدة للمجاهدين ووصفهم بالرهابيين والمجرمين والشاذين‬

‫‪ .14‬البطش والتنكيل بالشعوب والجيوش قوات المن ليس لحماية الحدود بل لحماية‬
‫العروش‬

‫وغير ذلك من أسباب لو وجد سبب واحد لوجب جهادهم فما ل يتم الواجب غل به فهو‬
‫واجب وقد عمل عماد الدين الزنكي ونور الدين محمود وصلح الدين اليوبي أكثر من‬
‫‪85‬‬

‫ستين سنة مجاهدين الدول المتآمرة التي كانت تحيط بفلسطين وعملت اتفاقيات من‬
‫الصليبيين‬

‫ولم يتوانوا عن جهادها بحجة أنهم مسلمون وموحدون بل ليسوا مسلمين ول موحدين حقيقة‬

‫فأقل وصف لهم منافقين وقد كان التتار والمغول مثلهم كذلك‬
‫قال شيخ السلم ابن تيمية ‪:‬‬

‫قتال التتار ومن نحا نحوهم وسار بركبهم‬

‫‪ - 6 - 777‬مَسَْألَةٌ ‪:‬‬

‫علَى َبيَانِ الْحَقّ ا ْل ُمبِينِ ‪,‬‬
‫ن رضي ال عنهم أجمعين ‪َ ,‬وأَعَا َنهُمْ َ‬
‫مَا تَقُولُ السّا َدةُ ا ْل ُعَلمَاءُ َأ ِئمّةُ الدّي ِ‬

‫غ َمرَاتِ الْجَا ِهلِينَ وَالزّا ِئغِينَ فِي ‪َ :‬ه ُؤلَاءِ ال ّتتَارِ الّذِينَ يَقْ ُدمُونَ إلَى الشّامِ َم ّرةً َبعْدَ َم ّرةٍ وَقَدْ‬
‫شفِ َ‬
‫َوكَ ْ‬
‫عَليْهِ فِي َأوّلِ الَْأ ْمرِ َفهَلْ‬
‫علَى ا ْلكُ ْفرِ الّذِي كَانُوا َ‬
‫سلَامِ َولَمْ ُيبْقُوا َ‬
‫سبُوا إلَى الْإِ ْ‬
‫شهَا َد َتيْنِ ‪ ,‬وَا ْنتَ َ‬
‫َت َكّلمُوا بِال ّ‬

‫حكْمُ مَنْ كَانَ‬
‫علَى ِقتَاِلهِمْ ‪َ ,‬ومَا مَذَا ِهبُ ا ْل ُعَلمَاءِ فِي َذِلكَ ؟ َومَا ُ‬
‫جبُ ِقتَاُلهُمْ أَمْ لَا ؟ َومَا الْحُجّةُ َ‬
‫يَ ِ‬
‫خرَجُوهُ َم َعهُمْ‬
‫حكْمُ مَنْ قَدْ أَ ْ‬
‫غ ْيرِهِمْ ؟ َومَا ُ‬
‫سِلمِينَ الُْأ َمرَاءِ وَ َ‬
‫س َكرِ ا ْلمُ ْ‬
‫َم َعهُمْ ِممّنْ يَ ِفرّ إَل ْيهِمْ مِنْ عَ ْ‬

‫سبِينَ إلَى ا ْل ِعلْمِ ‪ ,‬وَالْفِقْهِ ‪ ,‬وَالْفَ ْقرِ ‪ ,‬وَالّنصُوصِ‬
‫س َكرِهِمْ مِنْ ا ْل ُم ْنتَ ِ‬
‫حكْمُ مَنْ َيكُونُ مَعَ عَ ْ‬
‫ُم ْكرَهًا ؟ َومَا ُ‬
‫سِلمُونَ َو ِكلَا ُهمَا ظَالِمٌ ‪َ ,‬فلَا‬
‫سِلمُونَ وَا ْلمُقَا ِتلُونَ َلهُمْ مُ ْ‬
‫حوِ َذِلكَ ‪َ .‬ومَا يُقَالُ فِيمَنْ زَعَمَ َأ ّنهُمْ مُ ْ‬
‫‪َ ,‬ونَ ْ‬

‫جبُ‬
‫يُقَاتِلُ مَعَ أَحَدِ ِهمَا ‪ .‬وَفِي َقوْلِ مَنْ زَعَمَ َأ ّنهُمْ يُقَا َتلُونَ َكمَا تُقَاتَلُ ا ْل ُبغَاةُ ا ْل ُمتََأ ّولُونَ ‪َ ,‬ومَا ا ْلوَا ِ‬
‫سِلمِينَ مِنْ أَهْلِ ا ْل ِعلْمِ وَالدّينِ َوأَهْلِ الْ ِقتَالِ َوأَهْلِ الَْأ ْموَالِ فِي َأ ْمرِهِمْ ‪ .‬أَ ْفتُونَا فِي‬
‫جمَاعَةِ ا ْلمُ ْ‬
‫علَى َ‬
‫َ‬
‫علَى َأ ْك َثرِهِمْ‬
‫سِلمِينَ ‪ ,‬بَلْ َ‬
‫علَى َكثِيرٍ مِنْ ا ْلمُ ْ‬
‫شكَلَ َ‬
‫ج ِوبَةٍ َمبْسُوطَةٍ شَا ِفيَةٍ ‪ ,‬فَإِنّ َأ ْمرَهُمْ قَدْ أَ ْ‬
‫َذِلكَ بِأَ ْ‬

‫حكْ ِم اللّهِ َتعَالَى َورَسُولِهِ صلى ال عليه وسلم فِي‬
‫حوَاِلهِمْ ‪َ ,‬وتَا َرةً ِلعَدَمِ ا ْل ِعلْمِ بِ ُ‬
‫تَا َرةً ِلعَدَمِ ا ْل ِعلْمِ بَِأ ْ‬
‫س ُبنَا َو ِنعْمَ‬
‫شيْءٍ قَدِيرٌ وَ ُهوَ حَ ْ‬
‫علَى كُلّ َ‬
‫ح َمتِهِ إنّهُ َ‬
‫خ ْيرٍ بِقُ ْد َرتِهِ َورَ ْ‬
‫سرُ ِلكُلّ َ‬
‫ِم ْثِلهِمْ ‪َ ,‬واَللّهُ ا ْل ُميَ ّ‬

‫سنّةِ رَسُولِهِ ‪,‬‬
‫ب اللّهِ ‪ ,‬وَ ُ‬
‫جبُ ِقتَالُ َه ُؤلَاءِ ِب ِكتَا ِ‬
‫حمْدُ ِللّهِ َربّ ا ْلعَاَلمِينَ ‪َ ,‬نعَمْ يَ ِ‬
‫جوَابُ ‪ :‬الْ َ‬
‫ا ْل َوكِيلُ ؟ الْ َ‬
‫صلَيْنِ ‪ :‬أَحَدُ ُهمَا ‪ :‬ا ْل َم ْعرِفَةُ بِحَاِلهِمْ ‪ .‬وَالثّانِي ‪َ :‬م ْعرِفَةُ‬
‫علَى َأ ْ‬
‫سِلمِينَ ‪ ,‬وَهَذَا َم ْب ِنيّ َ‬
‫وَاتّفَاقِ َأ ِئمّةِ ا ْلمُ ْ‬

‫شرْهُمْ َي ْعلَمُ َذِلكَ‬
‫شرَ الْ َقوْمَ ِب ِعلْمِ حَاِلهِمْ ‪َ ,‬ومَنْ لَمْ ُيبَا ِ‬
‫حكْ ِم اللّهِ فِي ِم ْثِلهِمْ ‪َ .‬فَأمّا الَْأوّلُ ‪َ :‬فكُلّ مَنْ بَا َ‬
‫ُ‬

‫خبَا ِر الصّادِقِينَ ‪َ ,‬ونَحْنُ نَ ْذ ُكرُ جُلّ ُأمُورِهِمْ َبعْدَ أَنْ ُن َبيّنَ الَْأصْلَ‬
‫خبَارِ ا ْل ُم َتوَا ِت َرةِ ‪َ ,‬وأَ ْ‬
‫ِبمَا َبَلغَهُ مِنْ الْأَ ْ‬
‫شرِيعَةٍ‬
‫جتْ عَنْ َ‬
‫خرَ َ‬
‫سلَا ِميّةِ َفنَقُولُ ‪ :‬كُلّ طَائِفَةٍ َ‬
‫شرِيعَةِ الْإِ ْ‬
‫ختَصّ ِب َم ْعرِ َفتِهِ أَهْلُ ا ْل ِعلْمِ بِال ّ‬
‫خرَ الّذِي يَ ْ‬
‫الْآ َ‬
‫سِلمِينَ ‪َ ,‬وإِنْ َت َكّل َمتْ‬
‫جبُ ِقتَاُلهَا بِاتّفَاقِ َأ ِئمّةِ ا ْلمُ ْ‬
‫سلَامِ الظّا ِه َرةِ ا ْل ُمتَوَا ِت َرةِ فَِإنّهُ يَ ِ‬
‫شرَائِعِ الْإِ ْ‬
‫مِنْ َ‬

‫صلّوا ‪,‬‬
‫حتّى ُي َ‬
‫جبَ ِقتَاُلهُمْ َ‬
‫خمْسِ ‪َ ,‬و َ‬
‫صَلوَاتِ الْ َ‬
‫شهَا َد َتيْنِ وَا ْمتَ َنعُوا عَنْ ال ّ‬
‫شهَا َد َتيْنِ ‪َ ,‬فإِذَا أَ َقرّوا بِال ّ‬
‫بِال ّ‬
‫‪86‬‬

‫ش ْهرِ‬
‫صيَامِ َ‬
‫ن ِ‬
‫حتّى ُيؤَدّوا ال ّزكَاةَ ‪َ ,‬وكَ َذِلكَ إنْ ا ْم َت َنعُوا عَ ْ‬
‫جبَ ِقتَاُلهُمْ َ‬
‫ن ال ّزكَاةِ ‪ ,‬وَ َ‬
‫َوإِنْ ا ْم َت َنعُوا عَ ْ‬
‫سرِ ‪,‬‬
‫حشِ ‪َ ,‬أ ْو ال ّزنَا ‪َ ,‬أوْ ا ْل َميْ ِ‬
‫حرِيمِ الْ َفوَا ِ‬
‫َر َمضَانَ ‪َ ,‬أوْ حَجّ ا ْل َب ْيتِ ا ْل َعتِيقِ ‪َ ,‬وكَ َذِلكَ إنْ ا ْم َت َنعُوا عَنْ تَ ْ‬

‫حكْمِ فِي ال ّدمَاءِ ‪,‬‬
‫شرِيعَةِ َوكَ َذِلكَ إنْ ا ْم َت َنعُوا عَنْ الْ ُ‬
‫ح ّرمَاتِ ال ّ‬
‫غ ْيرِ َذِلكَ مِنْ ُم َ‬
‫خ ْمرِ ‪َ ,‬أوْ َ‬
‫َأوْ الْ َ‬

‫سنّةِ ‪َ ,‬وكَ َذِلكَ إنْ ا ْم َت َنعُوا عَنْ الَْأ ْمرِ‬
‫حكْمِ ا ْل ِكتَابِ وَال ّ‬
‫حوِهَا بِ ُ‬
‫عرَاضِ ‪ ,‬وَالَْأ ْبضَاعِ ‪َ ,‬ونَ ْ‬
‫وَالَْأ ْموَالِ وَالْأَ ْ‬
‫ج ْزيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ‬
‫سِلمُوا َو ُيؤَدّوا الْ ِ‬
‫جهَادِ ا ْلكُفّارِ إلَى أَنْ يُ ْ‬
‫بِا ْل َم ْعرُوفِ وَال ّن ْهيِ عَنْ ا ْل ُم ْنكَرِ ‪ ,‬وَ ِ‬

‫سَلفِ الُْأمّةِ َوَأ ِئ ّم ِتهَا ِمثْلُ ‪:‬‬
‫سنّةِ ‪ ,‬وَا ّتبَاعِ َ‬
‫ظ َهرُوا ا ْلبِدَعَ ا ْلمُخَالِفَةَ ِل ْل ِكتَابِ وَال ّ‬
‫غرُونَ ‪َ .‬وكَ َذِلكَ إنْ أَ ْ‬
‫صَا ِ‬
‫سمَاءِ اللّهِ َوصِفَاتِهِ ‪َ ,‬أوْ ال ّتكْذِيبَ بِقَ َد ِرهِ‬
‫سمَا ِء اللّهِ وَآيَاتِهِ ‪َ ,‬أوْ ال ّتكْذِيبَ بِأَ ْ‬
‫ظ ِهرُوا الِْإلْحَادَ فِي أَ ْ‬
‫أَنْ يُ ْ‬

‫طعْنَ فِي‬
‫خلَفَا ِء الرّاشِدِينَ ‪َ ,‬أوْ ال ّ‬
‫عهْدِ الْ ُ‬
‫علَى َ‬
‫سِلمِينَ َ‬
‫جمَاعَةُ ا ْلمُ ْ‬
‫عَليْهِ َ‬
‫وَ َقضَائِهِ َأوْ ال ّتكْذِيبَ ِبمَا كَانَ َ‬
‫حتّى‬
‫سِلمِينَ َ‬
‫جرِينَ وَالَْأ ْنصَارِ َوَالّذِينَ ا ّت َبعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ َأوْ مُقَا َتلَةِ ا ْلمُ ْ‬
‫السّابِقِينَ الَْأ ّولِينَ مِنْ ا ْل ُمهَا ِ‬

‫ل اللّهُ َتعَالَى ‪:‬‬
‫سلَامِ َوَأ ْمثَالِ هَ ِذهِ الُْأمُورِ قَا َ‬
‫شرِيعَةِ الْإِ ْ‬
‫خرُوجَ عَنْ َ‬
‫جبُ الْ ُ‬
‫ع ِتهِمْ اّلتِي تُو ِ‬
‫خلُوا فِي طَا َ‬
‫يَدْ ُ‬

‫حتّى لَا َتكُونَ ِف ْتنَةٌ َو َيكُونَ الدّينُ ُكلّهُ ِللّهِ } فَإِذَا كَانَ َب ْعضُ الدّينِ ِللّهِ َو َب ْعضُهُ ِل َغ ْيرِ اللّهِ‬
‫{ وَقَا ِتلُوهُمْ َ‬

‫حتّى َيكُونَ الدّينُ ُكلّهُ ِللّهِ ‪ .‬وَقَالَ َتعَالَى ‪ { :‬يَا َأ ّيهَا الّذِينَ آ َمنُوا اتّقُوا اللّهَ وَ َذرُوا مَا‬
‫جبَ الْ ِقتَالُ َ‬
‫وَ َ‬

‫ح ْربٍ مِنْ اللّهِ َورَسُولِهِ } وَهَ ِذهِ الْآيَةُ َن َزَلتْ‬
‫بَ ِقيَ مِنْ ال ّربَا إنْ ُك ْنتُمْ ُم ْؤ ِمنِينَ ‪َ ,‬فإِنْ لَمْ تَ ْف َعلُوا فَأْ َذنُوا بِ َ‬
‫صّلوْا َوصَامُوا ‪َ ,‬لكِنْ كَانُوا َي َتعَا َملُونَ بِال ّربَا ‪َ ,‬فَأ ْنزَلَ اللّهُ‬
‫سَلمُوا َو َ‬
‫فِي أَهْلِ الطّا ِئفِ ‪َ ,‬وكَانُوا قَدْ أَ ْ‬

‫ح ْربٍ مِنْ‬
‫ن ال ّربَا ‪ ,‬وَقَالَ ‪ { :‬فَإِنْ لَمْ تَ ْف َعلُوا فَأْ َذنُوا بِ َ‬
‫هَ ِذهِ الْآيَةَ َوَأ َمرَ ا ْلمُ ْؤ ِمنِينَ فِيهَا ِب َت ْركِ مَا بَ ِقيَ مِ ْ‬
‫ح ّرمَاتِ‬
‫خرُ ا ْلمُ َ‬
‫ن صَحِيحٌ ‪ ,‬وَال ّربَا آ ِ‬
‫اللّهِ َورَسُولِهِ } وَقَدْ ُق ِرئَ { فَأُ ِذنُوا } وَ { آ َذنُوا } َو ِكلَا ا ْل َم ْع َن َييْ ِ‬

‫عنْهُ مُحَا ِربًا ِللّهِ َورَسُولِهِ‬
‫فِي الْ ُقرْآنِ ‪ ,‬وَ ُهوَ مَا يُوجَدُ ِب َترَاضِي ا ْل ُم َتعَا ِملِينَ ‪ ,‬فَإِذَا كَانَ مَنْ لَمْ َي ْنتَهِ َ‬
‫حرِيمًا ‪ .‬وَقَدْ‬
‫حرِيمًا َوأَعْظَمُ تَ ْ‬
‫سبَقُ تَ ْ‬
‫ح ّرمَاتِ اّلتِي ِهيَ أَ ْ‬
‫غ ْي ِرهِ مِنْ ا ْلمُ َ‬
‫َف َك ْيفَ ِبمَنْ لَمْ َي ْنتَهِ عَنْ َ‬

‫عنْدَ أَهْلِ ا ْلعِلْمِ‬
‫خوَارِجِ ‪ ,‬وَ ِهيَ ُم َتوَا ِت َرةٌ ِ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم الْأَحَادِيثُ بِ ِقتَالِ الْ َ‬
‫ستَفَاضَ عَنْ ال ّن ِب ّ‬
‫اْ‬
‫سلِمٌ فِي‬
‫ش َرةِ َأوْجُهٍ ‪ ,‬وَقَدْ َروَاهَا مُ ْ‬
‫خوَارِجِ مِنْ عَ َ‬
‫حمَدُ ‪ :‬صَحّ الْحَدِيثُ فِي الْ َ‬
‫بِالْحَدِيثِ ‪ .‬قَالَ الِْإمَامُ أَ ْ‬

‫سهْلِ بْنِ‬
‫سعِيدٍ الْخُ ْد ِريّ ‪ ,‬وَ َ‬
‫عِليّ ‪َ ,‬وَأبِي َ‬
‫صَحِيحِهِ ‪َ ,‬و َروَى ا ْلبُخَا ِريّ ِم ْنهَا َثلَاثَةَ َأوْجُهٍ ‪ :‬حَدِيثَ َ‬

‫ل صلى ال عليه وسلم فِي صِ َف ِتهِمْ ‪:‬‬
‫خرُ ُم َتعَدّ َدةٌ ‪ .‬وَقَدْ قَا َ‬
‫طرُقٌ أُ َ‬
‫سنَنِ ‪ ,‬وَا ْلمَسَانِيدِ ُ‬
‫ح َن ْيفٍ ‪ ,‬وَفِي ال ّ‬
‫ُ‬

‫صيَا ِمهِمْ ‪ ,‬وَ ِقرَا َءتَهُ مَعَ ِقرَا َء ِتهِمْ ‪ ,‬يَ ْقرَءُونَ‬
‫صيَامَهُ مَ َع ِ‬
‫صلَا ِتهِمْ ‪َ ,‬و ِ‬
‫صلَاتَهُ مَ َع َ‬
‫{ يَحْ ِقرُ أَحَ ُدكُ ْم َ‬

‫ن ال ّر ِميّةِ ‪َ ,‬أ ْي َنمَا لَقِي ُتمُوهُمْ‬
‫سهْمُ مِ ْ‬
‫سلَامِ َكمَا َي ْمرُقُ ال ّ‬
‫جرَهُمْ ‪َ ,‬ي ْمرُقُونَ مِنْ الْإِ ْ‬
‫حنَا ِ‬
‫الْ ُقرْآنَ لَا يُجَا ِوزُ َ‬

‫عنْ َد اللّهِ ِلمَنْ َق َتَلهُمْ َيوْمَ الْ ِقيَامَةِ ‪َ ,‬لئِنْ أَ ْد َركْتهمْ لَأَ ْق ُتَل ّنهُمْ َقتْلَ عَادٍ } ‪.‬‬
‫جرًا ِ‬
‫فَا ْق ُتلُوهُمْ ‪َ ,‬فإِنّ فِي َق ْتِلهِمْ أَ ْ‬

‫سَلفُ‬
‫علَى ِقتَاِلهِمْ َ‬
‫عِليّ بْنُ َأبِي طَاِلبٍ ِبمَنْ َمعَهُ مِنْ الصّحَابَةِ وَاتّفَقَ َ‬
‫وَ َه ُؤلَاءِ قَا َتَلهُمْ َأمِيرُ ا ْل ُم ْؤمِنِينَ َ‬
‫‪87‬‬

‫ن الصّحَابَةَ‬
‫جمَلِ َوصِفّينَ ‪ ,‬فَإِ ّ‬
‫الُْأمّةِ ‪َ ,‬وَأ ِئ ّم ُتهَا لَمْ َي َتنَازَعُوا فِي ِقتَاِلهِمْ َكمَا َتنَازَعُوا فِي الْ ِقتَالِ َيوْمَ الْ َ‬
‫عِليّ رضي ال عنه ‪ ,‬وَ َقوْمٌ قَا َتلُوا مَعَ مَنْ‬
‫صنَافٍ ‪َ :‬قوْمٌ قَا َتلُوا مَعَ َ‬
‫كَانُوا فِي ِقتَالِ الْ ِف ْتنَةِ َثلَاثَةُ َأ ْ‬

‫خوَارِجُ َفلَمْ َيكُنْ فِيهِمْ أَحَدٌ‬
‫قَاتَلَ ‪ ,‬وَ َقوْمٌ َقعَدُوا عَنْ الْ ِقتَالِ لَمْ يُقَا ِتلُوا ا ْلوَاحِ َدةَ مِنْ الطّائِ َف َتيْنِ ‪َ .‬وَأمّا الْ َ‬

‫سعِيدٍ أَنّ ال ّن ِبيّ‬
‫ن الصّحَابَةِ ‪ .‬وَفِي الصّحِيحِ ‪ :‬عَنْ َأبِي َ‬
‫مِنْ الصّحَابَةِ َولَا َنهَى عَنْ ِقتَاِلهِمْ أَحَدٌ مِ ْ‬

‫سِلمِينَ تَ ْق ُتُلهُمْ َأ ْولَى الطّائِ َف َتيْنِ‬
‫علَى حِينِ ُفرْقَةٍ مِنْ ا ْلمُ ْ‬
‫صلى ال عليه وسلم قَالَ ‪َ { :‬ت ْمرُقُ مَارِقَةٌ َ‬
‫عِليّا‬
‫بِالْحَقّ } ‪ .‬وَفِي لَفْظٍ ‪ { :‬أَ ْدنَى الطّائِ َف َتيْنِ إلَى الْحَقّ } ‪َ .‬ف ِبهَذَا الْحَدِيثِ الصّحِيحِ َث َبتَ أَنّ َ‬

‫سلَامِ‬
‫َوأَصْحَابَهُ كَانُوا أَ ْق َربَ إلَى الْحَقّ مِنْ ُمعَا ِويَةَ َوَأصْحَابِهِ ‪َ ,‬وأَنّ ِت ْلكَ ا ْلمَارِقَةَ اّلتِي َمرَ َقتْ مِنْ الْإِ ْ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم بِ ِقتَالِ هَ ِذهِ ا ْلمَارِقَةِ ‪َ ,‬وَأكّدَ‬
‫حكْمَ إحْدَى الطّائِ َف َتيْنِ ‪ ,‬بَلْ َأ َمرَ ال ّن ِب ّ‬
‫ح ْك ُمهَا ُ‬
‫َل ْيسَ ُ‬

‫عنْهُ فِي‬
‫الَْأ ْمرَ بِ ِقتَاِلهَا ‪َ ,‬ولَمْ يَ ْأ ُمرْ بِ ِقتَالِ إحْدَى الطّائِ َف َتيْنِ ‪َ ,‬كمَا َأ َمرَ بِ ِقتَالِ هَ ِذهِ ‪ ,‬بَلْ قَدْ َث َبتَ َ‬

‫صلِحُ اللّهُ بِهِ َبيْنَ‬
‫س ُي ْ‬
‫سيّدٌ وَ َ‬
‫الصّحِيحِ ‪ :‬مِنْ حَدِيثِ َأبِي َب ْك َرةَ َأنّهُ قَالَ ِللْحَسَنِ ‪ { :‬إنّ ا ْبنِي هَذَا َ‬

‫صلَحَ اللّهُ بِهِ َبيْنَ الطّائِ َف َتيْنِ ‪,‬‬
‫عَليْهِ ِبمَا َأ ْ‬
‫سِلمِينَ } ‪َ .‬فمَدَحَ الْحَسَنَ َوَأ ْثنَى َ‬
‫طَائِ َف َتيْنِ عَظِي َم َتيْنِ مِنْ ا ْلمُ ْ‬
‫ختَارَ الَْأصْلَ وَحَقَنَ ال ّدمَاءَ مَعَ ُنزُولِهِ عَنْ الَْأ ْمرِ ‪َ ,‬فَلوْ كَانَ الْ ِقتَالُ‬
‫حِينَ َت َركَ الْ ِقتَالَ وَقَدْ بُويِعَ لَهُ وَا ْ‬

‫عنْهُ ‪.‬‬
‫عَليْهِ ِب َت ْركِ مَا َأ َم َر اللّهُ بِهِ وَ ِفعْلِ مَا َنهَى اللّهُ َ‬
‫مَ ْأمُورًا بِهِ لَمْ َيمْدَحْ الْحَسَنَ َو ُي ْثنِي َ‬

‫عِليّ َيوْمَ‬
‫طرِيقَانِ ‪ِ :‬م ْنهُمْ مَنْ َيرَى ِقتَالَ َ‬
‫ستَحِقّ الْ ِقتَالَ مِنْ أَهْلِ الْ ِق ْبلَةِ َ‬
‫وَا ْلعَُلمَاءُ َلهُمْ فِي ِقتَالِ مَنْ يَ ْ‬
‫جعَلُ ِقتَالَ َأبِي َب ْكرٍ‬
‫جمَلِ ‪َ ,‬وصِفّينَ ‪ُ ,‬كلّهُ مِنْ بَابِ ِقتَالِ أَهْلِ ا ْل َب ْغيِ ‪َ ,‬وكَ َذِلكَ يَ ْ‬
‫حرُورَاءَ ‪َ ,‬و َيوْمَ الْ َ‬
‫َ‬

‫سبِينَ إلَى الْ ِقبْلَةِ ‪َ ,‬كمَا َذ َكرَ َذِلكَ مَنْ َذ َك َرهُ‬
‫ِلمَا ِنعِي ال ّزكَاةِ ‪َ ,‬وكَ َذِلكَ ِقتَالُ سَا ِئرِ مَنْ قُوتِلَ مِنْ ا ْل ُم ْنتَ ِ‬
‫غ ْيرِهِمْ ‪ ,‬وَهُمْ ُمتّفِقُونَ‬
‫حمَدَ وَ َ‬
‫حنِيفَةَ ‪ ,‬وَالشّا ِف ِعيّ ‪َ ,‬ومَنْ وَافَ َقهُمْ مِنْ َأصْحَابِ أَ ْ‬
‫مِنْ َأصْحَابِ َأبِي َ‬
‫ن الصّحَابَةَ َليْسُوا فُسّاقًا بَلْ هُمْ عُدُولٌ ‪ .‬فَقَالُوا ‪ :‬إنّ أَهْلَ ا ْل َب ْغيِ عُدُولٌ مَعَ ِقتَاِلهِمْ ‪ ,‬وَهُمْ‬
‫علَى أَ ّ‬
‫َ‬

‫غ ْي ِرهِ ‪ .‬فَذَ َهبُوا إلَى‬
‫ج َتهِدِينَ فِي الْ ُفرُوعِ ‪ ,‬وَخَالَ َفتْ فِي َذِلكَ طَائِفَةٌ كَابْنِ عَقِيلٍ وَ َ‬
‫طئُونَ خَطَأَ ا ْلمُ ْ‬
‫مُخْ ِ‬
‫ظرُوا إلَى مَنْ عَ ُد ّوهُ مِنْ أَهْلِ ا ْل َب ْغيِ فِي َز َم ِنهِمْ ‪َ ,‬ف َرَأوْهُمْ فُسّاقًا ‪َ ,‬ولَا‬
‫تَفْسِيقِ أَهْلِ ا ْل َب ْغيِ ‪ ,‬وَ َه ُؤلَاءِ نَ َ‬

‫ق الصّحَابَةَ َبعْضُ أَهْلِ الْأَ ْهوَاءِ مِنْ ا ْل ُم ْع َت ِزلَةِ‬
‫خلُونَ الصّحَابَةَ فِي َذِلكَ ‪َ ,‬وِإ ّنمَا يُفَسّ ُ‬
‫َر ْيبَ َأ ّنهُمْ لَا يُدْ ِ‬

‫خوَارِجِ وَال ّروَافِضِ َوَل ْيسَ َذِلكَ مِنْ مَذْ َهبِ الَْأ ِئمّةِ‬
‫حوِهِمْ ‪َ ,‬كمَا ُيكَ ّفرُهُمْ َبعْضُ أَهْلِ الْأَ ْهوَاءِ مِنْ الْ َ‬
‫َونَ ْ‬

‫جمَاعَةِ ‪َ ,‬ولَا يَقُولُونَ ‪ :‬إنّ َأ ْموَاَلهُمْ َم ْعصُومَةٌ َكمَا كَا َنتْ ‪َ ,‬ومَا كَانَ ثَا ِبتًا‬
‫سنّةِ وَالْ َ‬
‫وَالْفُ َقهَاءِ أَهْلِ ال ّ‬

‫ج ْمهُورَ ا ْل ُعَلمَاءِ يَقُولُونَ ‪:‬‬
‫حتّى إنّ ُ‬
‫ضمَنْ ‪َ ,‬‬
‫حبِهِ ‪َ ,‬ومَا ُأ ْتِلفَ فِي حَالِ الْ ِقتَالِ لَمْ ُي ْ‬
‫ِب َع ْينِهِ رُدّ إلَى صَا ِ‬

‫ل اللّهِ صلى ال‬
‫ضمَنُ لَا َه ُؤلَاءِ َولَا َه ُؤلَاءِ ‪َ .‬كمَا قَالَ الزّهْ ِريّ ‪ :‬وَ َق َعتْ الْ ِف ْتنَةُ َوَأصْحَابُ رَسُو ِ‬
‫لَا َي ْ‬
‫ج َمعُوا أَنّ كُلّ مَالٍ َأوْ دَمٍ ُأصِيبَ ِبتَ ْأوِيلِ الْ ُقرْآنِ فَِإنّهُ هَ َدرٌ ‪ ,‬وَهَلْ َيجُوزُ‬
‫عليه وسلم ُم َتوَا ِفرُونَ ‪َ ,‬فأَ ْ‬
‫‪88‬‬

‫حمَدَ َيجُوزُ‬
‫ج َهيْنِ فِي مَذْ َهبِ أَ ْ‬
‫علَى وَ ْ‬
‫ضرُورَةٌ َ‬
‫ك َ‬
‫ح ْر ِبهِمْ إذَا لَمْ َيكُنْ إلَى َذِل َ‬
‫حهِمْ فِي َ‬
‫سلَا ِ‬
‫س َتعَانَ بِ ِ‬
‫أَنْ يُ ْ‬
‫سرِهِمْ وَا ّتبَاعِ مُ ْد ِبرِهِمْ‬
‫خ َتلَفُوا فِي َقتْلِ أُ َ‬
‫حنِيفَةَ ‪ ,‬وَا ْ‬
‫وَا ْل َمنْعُ َقوْلُ الشّا ِف ِعيّ وَالرّخْصَةُ َقوْلُ َأبِي َ‬

‫حنِيفَةَ ‪َ ,‬و َم َنعَهُ الشّا ِف ِعيّ ‪,‬‬
‫ج ّوزَ َذِلكَ َأبُو َ‬
‫جئُونَ إَل ْيهَا ‪ ,‬فَ َ‬
‫حهِمْ إذَا كَانَ َلهُمْ ِفئَةٌ َيلْ َ‬
‫جرِي ِ‬
‫علَى َ‬
‫وَالتّذْفِيفِ َ‬
‫حمَدَ وَفِي مَذْ َهبِهِ وَجْهٌ َأنّهُ ُي ّتبَعُ مُ ْد ِبرُهُمْ مِنْ َأوّلِ الْ ِقتَالِ ‪َ ,‬وَأمّا إذَا لَمْ‬
‫شهُورُ فِي مَذْ َهبِ أَ ْ‬
‫وَ ُهوَ ا ْلمَ ْ‬
‫غ ْي ُرهُ عَنْ َم ْروَانَ بْنِ‬
‫سعِيدٌ وَ َ‬
‫جرِيحٍ ‪َ ,‬كمَا َروَاهُ َ‬
‫علَى َ‬
‫َيكُنْ َلهُمْ ِفئَةٌ ‪َ ,‬فلَا يُ ْقتَلُ أَسِيرٌ ‪َ ,‬ولَا يُذَ ّففُ َ‬

‫غلَقَ‬
‫جرِيحٍ َومَنْ أَ ْ‬
‫علَى َ‬
‫جمَلِ ‪ ,‬لَا يُ ْق َتلَنّ مُ ْد ِبرٌ ‪َ ,‬ولَا يُ َذ ّففُ َ‬
‫ج صَارِخٌ ‪َ ,‬ل َعلّهُ َيوْمَ الْ َ‬
‫خرَ َ‬
‫حكَمِ قَالَ ‪َ :‬‬
‫الْ َ‬
‫طرِيقَةَ فَقَدْ َي َتوَهّمُ أَنّ َه ُؤلَاءِ ال ّتتَارَ‬
‫سَلكَ هَ ِذهِ ال ّ‬
‫سلَاحَ َف ُهوَ آمِنٌ ‪َ .‬فمَنْ َ‬
‫بَابَهُ َف ُهوَ آمِنٌ ‪َ ,‬ومَنْ َألْقَى ال ّ‬
‫حكْمِ‬
‫حكَامِ ‪َ ,‬كمَا أَدْخَلَ مَنْ أُدْخِلَ فِي هَذَا الْ ُ‬
‫حكُمُ فِيهِمْ ِب ِمثْلِ هَ ِذهِ الْأَ ْ‬
‫مِنْ أَهْلِ ا ْل َب ْغيِ ا ْل ُمتََأ ّولِينَ َويَ ْ‬

‫س ُن َبيّنُ فَسَادَ هَذَا التّوَهّمِ إنْ شَاءَ اللّهُ َتعَالَى ‪.‬‬
‫خوَارِجَ وَ َ‬
‫مَا ِنعِي ال ّزكَاةِ وَالْ َ‬

‫جمَلِ َوصِفّينَ ‪,‬‬
‫حوِهِمْ ‪َ :‬ليْسَ كَ ِقتَالِ أَهْلِ الْ َ‬
‫خوَارِجِ ‪َ ,‬ونَ ْ‬
‫وَالطّرِيقَةُ الثّا ِنيَةُ أَنّ ِقتَالَ مَا ِنعِي ال ّزكَاةِ ‪ ,‬وَالْ َ‬

‫سنّةِ‬
‫عتِقَادِ أَهْلِ ال ّ‬
‫ج ْمهُورِ الَْأ ِئمّةِ ا ْل ُمتَقَ ّدمِينَ وَ ُهوَ الّذِي يَ ْذ ُكرُونَهُ فِي ا ْ‬
‫وَهَذَا ُهوَ ا ْل َمنْصُوصُ عَنْ ُ‬

‫غ ْي ِرهِ ‪,‬‬
‫حمَدَ وَ َ‬
‫غ ْي ِرهِ ‪َ ,‬ومَذْ َهبُ َأ ِئمّةِ الْحَدِيثِ كَأَ ْ‬
‫جمَاعَةِ ‪ ,‬وَ ُهوَ مَذْ َهبُ أَهْلِ ا ْلمَدِينَةِ ‪َ :‬كمَاِلكٍ ‪ ,‬وَ َ‬
‫وَالْ َ‬

‫غنِيمَةَ‬
‫حتّى فِي الَْأ ْموَالِ فَإِنّ ِم ْنهُمْ مَنْ َأبَاحَ َ‬
‫غ ْيرِ َم ْوضِعٍ َ‬
‫علَى الْ َفرْقِ َبيْنَ هَذَا وَهَذَا فِي َ‬
‫وَقَدْ َنصّوا َ‬
‫سهْمٌ فِي َق ْريَةٍ‬
‫حرُورِيّةَ كَانَ َلهُمْ َ‬
‫حمَدُ فِي ِروَايَةِ َأبِي طَاِلبٍ فِي َ‬
‫خوَارِجِ ‪ .‬وَقَدْ َنصّ أَ ْ‬
‫َأ ْموَالِ الْ َ‬

‫خمْسَةٍ‬
‫علَى َ‬
‫خمُسُهُ َ‬
‫سِلمِينَ ‪َ ,‬فيُقَسّمُ ُ‬
‫ضهُمْ َفيْءٌ ِل ْلمُ ْ‬
‫سِلمُونَ فََأ ْر ُ‬
‫سِلمِينَ فَ َق َتَلهُمْ ا ْلمُ ْ‬
‫خرَجُوا يُقَا ِتلُونَ ا ْلمُ ْ‬
‫فَ َ‬

‫سِلمِينَ ‪َ ,‬ولَا يُقَسّمُ ِمثْلَ‬
‫علَى ا ْلمُ ْ‬
‫خرَاجَ َ‬
‫حمِلُ الَْأمِيرُ الْ َ‬
‫خمَاسِهِ ِللّذِينَ قَا َتلُوا يُقَسّمُ َب ْي َنهُمْ ‪َ ,‬أوْ يَ ْ‬
‫َوَأ ْر َبعَةُ أَ ْ‬
‫غ ِن َمتْ‬
‫خ َواِرجِ إذَا ُ‬
‫حمَدُ الَْأرْضَ اّلتِي ِللْ َ‬
‫جعَلَ أَ ْ‬
‫سِلمِينَ َف َ‬
‫علَى ا ْلمُ ْ‬
‫ع ْن َوةً ‪َ ,‬ووَقَفَهُ َ‬
‫سوَادَ َ‬
‫ع َمرُ ال ّ‬
‫مَا أَخَذَ ُ‬

‫صوَابُ ا ْلمَقْطُوعُ بِهِ ; فَإِنّ النّصّ‬
‫طرِيقَةُ ِهيَ ال ّ‬
‫ج ْملَةِ َفهَ ِذهِ ال ّ‬
‫غنِمَ مِنْ َأ ْموَالِ ا ْلكُفّارِ ‪َ ,‬وبِالْ ُ‬
‫ِب َم ْن ِزلَةِ مَا ُ‬

‫ي رضي ال عنه تُ َفرّقُ َبيْنَ هَذَا وَهَذَا ‪ ,‬فَِإنّهُ قَاتَلَ‬
‫عِل ّ‬
‫جمَاعَ َفرّقَ َبيْنَ هَذَا وَهَذَا ‪ ,‬وَسِي َرةُ َ‬
‫وَالْإِ ْ‬

‫ن الصّحَابَةِ‬
‫خوَارِجَ ِبنَصّ رَسُولِ اللّهِ صلى ال عليه وسلم وَ َفرِحَ بِ َذِلكَ ‪َ ,‬ولَمْ ُينَازِعْهُ فِيهِ َأحَدٌ مِ ْ‬
‫الْ َ‬
‫جمَلِ‬
‫ظ َهرَ ‪ ,‬وَقَالَ مِنْ أَهْلِ الْ َ‬
‫عَليْهِ مَا َ‬
‫ظ َهرَ ِمنْهُ مِنْ َكرَا َهتِهِ وَالذّمّ َ‬
‫‪َ ,‬وَأمّا الْ ِقتَالُ َيوْ َم صِفّينَ فَقَدْ َ‬

‫خوَارِجُ فَفِي‬
‫علَى َق ْتلَى الطّائِ َف َتيْنِ ‪َ .‬وَأمّا الْ َ‬
‫صلّى َ‬
‫س ْيفُ ‪َ ,‬و َ‬
‫ط ْهرُهُمْ ال ّ‬
‫عَل ْينَا ُ‬
‫خوَا ُننَا َب َغوْا َ‬
‫غ ْيرِهِمْ ‪ :‬إ ْ‬
‫وَ َ‬
‫ل اللّ ِه صلى ال عليه وسلم يَقُولُ ‪:‬‬
‫س ِمعْت رَسُو َ‬
‫عِليّ بْنِ َأبِي طَاِلبٍ قَالَ ‪َ :‬‬
‫حيْنِ ‪ :‬عَنْ َ‬
‫الصّحِي َ‬

‫خ ْيرِ َقوْلِ ا ْل َبرِيّةِ لَا‬
‫حلَامِ ‪ ,‬يَقُولُونَ مِنْ َ‬
‫سنَانِ ‪ ,‬سُ َفهَاءُ الْأَ ْ‬
‫خ ِر ال ّزمَانِ حِدَاثُ الْأَ ْ‬
‫خرُجُ َقوْمٌ فِي آ ِ‬
‫ستَ ْ‬
‫{ َ‬

‫ن ال ّر ِميّةِ ‪َ ,‬فَأ ْي َنمَا لَقِي ُتمُوهُمْ‬
‫سهْمُ مِ ْ‬
‫جرَهُمْ ‪َ ,‬ي ْمرُقُونَ مِنْ الدّينِ َكمَا َي ْمرُقُ ال ّ‬
‫حنَا ِ‬
‫يُجَا ِوزُ إيمَا ُنهُمْ َ‬

‫سلِمٍ ‪ :‬عَنْ َزيْدِ بْنِ وَ ْهبٍ‬
‫جرًا ِلمَنْ َق َتَلهُمْ َيوْمَ الْ ِقيَامَةِ } ‪ .‬وَفِي صَحِيحِ مُ ْ‬
‫فَا ْق ُتلُوهُمْ ‪َ ,‬فإِنّ فِي َق ْتِلهِمْ أَ ْ‬
‫‪89‬‬

‫عِليّ ‪َ :‬أ ّيهَا النّاسُ إنّي‬
‫خوَارِجِ فَقَالَ َ‬
‫عِليّ الّذِينَ سَارُوا إلَى الْ َ‬
‫ج ْيشِ الّذِي كَانُوا مَعَ َ‬
‫َأنّهُ كَانَ فِي الْ َ‬
‫خرُجُ َقوْمٌ مِنْ ُأ ّمتِي يَ ْقرَءُونَ الْ ُقرْآنَ ‪َ ,‬ل ْيسَ‬
‫س ِمعْت رَسُولَ اللّهِ صلى ال عليه وسلم يَقُولُ ‪ { :‬يَ ْ‬
‫َ‬

‫شيْءٍ ‪,‬‬
‫صيَا ِمهِمْ بِ َ‬
‫صيَا ُمكُمْ إلّا ِ‬
‫شيْءٍ ‪َ ,‬ولَا ِ‬
‫صلَا ِتهِمْ بِ َ‬
‫صلَا ُتكُمْ إلَى َ‬
‫شيْءٍ ; َولَا َ‬
‫ِقرَا َء ُتكُمْ إلَى ِقرَا َء ِتهِمْ بِ َ‬

‫سلَامِ‬
‫صلَا ُتهُمْ َترَا ِق َيهُمْ ‪َ ,‬ي ْمرُقُونَ مِنْ الْإِ ْ‬
‫عَل ْيهِمْ ‪ ,‬لَا تُجَا ِو ُز َ‬
‫سبُونَ َأنّهُ َلهُمْ ‪ ,‬وَ ُهوَ َ‬
‫يَ ْقرَءُونَ الْ ُقرْآنَ يَحْ ِ‬

‫حمّدٍ َن ِب ّيهِمْ‬
‫علَى لِسَانِ مُ َ‬
‫ضيَ َلهُمْ َ‬
‫ج ْيشُ الّذِينَ ُيصِيبُو َنهُمْ مَا ُق ِ‬
‫سهْمُ مِنْ ال ّر ِميّةِ َلوْ َي ْعلَمُ الْ َ‬
‫َكمَا َي ْمرُقُ ال ّ‬
‫حَلمَةِ الثّ ْديِ‬
‫عضُ ِدهِ ِمثْلُ َ‬
‫علَى َ‬
‫عضُدٌ َل ْيسَ لَهُ ِذرَاعٌ َ‬
‫جلًا لَهُ َ‬
‫َل َن َكلُوا عَنْ ا ْل َعمَلِ ‪ ,‬وَآيَةُ َذِلكَ أَنّ فِيهِمْ رَ ُ‬
‫خلُفُو َنكُمْ فِي‬
‫ش َعرَاتٌ بِيضٌ قَالَ ‪َ :‬فيَذْ َهبُونَ إلَى ُمعَا ِويَةَ َوأَهْلِ الشّامِ َو َي ْت ُركُونَ َه ُؤلَاءِ يَ ْ‬
‫عَليْهِ َ‬
‫‪َ ,‬‬

‫حرَامَ ‪,‬‬
‫َذرَا ِر ّيكُمْ َوَأ ْموَاِلكُمْ ‪َ ,‬واَللّهِ إنّي لََأرْجُو أَنْ َيكُونُوا َه ُؤلَاءِ الْ َقوْمَ فَِإ ّنهُمْ قَدْ سَ َفكُوا الدّمَ الْ َ‬

‫عبْدُ‬
‫خوَارِجِ َي ْو َمئِذٍ َ‬
‫علَى الْ َ‬
‫علَى اسْ ِم اللّهِ } ‪ .‬قَالَ ‪َ :‬فَلمّا ا ْلتَ َق ْينَا وَ َ‬
‫سرْحِ النّاسِ ‪ ,‬فَسِيرُوا َ‬
‫َوأَغَارُوا فِي َ‬
‫سيُو َفكُمْ مِنْ حُقُو ِقهَا ‪ ,‬فَِإنّي ُأنَاشِ ُدكُمْ َكمَا‬
‫سلّوا ُ‬
‫اللّهِ بْنُ وَ ْهبٍ َرئِيسًا فَقَالَ َلهُمْ ‪َ :‬ألْقُوا ال ّرمَاحَ ‪ ,‬وَ ُ‬

‫حهِمْ‬
‫حرَهُ ْم النّاسُ ِب ِرمَا ِ‬
‫سيُوفَ ‪ ,‬وَسَ َ‬
‫سلّوا ال ّ‬
‫حهِمْ ‪ ,‬وَ َ‬
‫جعُوا َفوَحّشُوا ِب ِرمَا ِ‬
‫حرُورَاءَ ‪َ ,‬فرَ َ‬
‫نَاشَدُوكُمْ َيوْمَ َ‬
‫عِليّ ‪:‬‬
‫جلَانِ ‪ :‬فَقَالَ َ‬
‫علَى َبعْضٍ ‪َ ,‬ومَا ُأصِيبَ مِنْ النّاسِ َي ْو َمئِذٍ إلّا رَ ُ‬
‫ضهُمْ َ‬
‫‪ .‬قَالَ ‪َ :‬وأَ ْقبَلَ َب ْع ُ‬

‫علَى‬
‫ضهُمْ َ‬
‫حتّى َأتَى نَاسًا قَدْ أَ ْقبَلَ َب ْع ُ‬
‫سيْفِهِ َ‬
‫علَى َ‬
‫ا ْل َتمَسُوا فِيهِ ا ْلمَخْدَعَ ‪ .‬فَا ْل َتمَسُوهُ ‪َ ,‬فلَمْ َيجِدُوهُ فَقَامَ َ‬
‫خرُوهُمْ َفوَجَدُوهُ ِممّا َيلِي الَْأرْضَ َف َك ّبرَ ثُمّ قَالَ ‪ :‬صَدَقَ اللّهُ ‪َ ,‬و َبلّغَ رَسُولُهُ ‪ .‬قَالَ ‪:‬‬
‫َبعْضٍ ‪ .‬قَالَ ‪ :‬أَ ّ‬
‫س ِمعْت هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ‬
‫ن اللّهُ الّذِي لَا إلَهَ إلّا ُهوَ أَ َ‬
‫س ْلمَا ِنيّ فَقَالَ ‪ :‬يَا َأمِيرَ ا ْل ُم ْؤمِنِي َ‬
‫ع َبيْ َدةُ ال ّ‬
‫فَقَامَ إَليْهِ ُ‬

‫حِلفُ‬
‫حلَفَهُ َثلَاثًا وَ ُهوَ يَ ْ‬
‫ستَ ْ‬
‫حتّى ا ْ‬
‫رَسُولِ اللّهِ صلى ال عليه وسلم قَالَ ‪ :‬إي َواَللّهِ الّذِي لَا إلَهَ إلّا ُهوَ َ‬

‫علَى‬
‫خوَارِجِ َو َتضْلِيِلهِمْ ‪َ ,‬وِإ ّنمَا َتنَازَعُوا فِي َتكْفِيرِهِمْ ‪َ ,‬‬
‫علَى ذَمّ الْ َ‬
‫لَهُ َأ ْيضًا ‪ .‬فَإِنّ الُْأمّةَ ُمتّفِقُونَ َ‬

‫حمَدَ ‪ ,‬وَفِي مَذْ َهبِ الشّا ِف ِعيّ َأيْضًا ِنزَاعٌ فِي‬
‫شهُو َريْنِ مِنْ مَذْ َهبِ مَاِلكٍ ‪َ ,‬وأَ ْ‬
‫علَى َق ْوَليْنِ مَ ْ‬
‫َتكْفِيرِهِمْ َ‬
‫طرِيقَةِ الْأُولَى ‪ :‬أَحَدُ ُهمَا ‪َ :‬أ ّنهُمْ‬
‫علَى ال ّ‬
‫غ ْي ِرهِ َ‬
‫حمَدَ وَ َ‬
‫جهَانِ فِي مَذْ َهبِ أَ ْ‬
‫كُ ْفرِهِمْ ‪َ ,‬وِلهَذَا كَانَ فِيهِمْ وَ ْ‬

‫ُبغَاةٌ ‪ .‬وَالثّانِي ‪َ :‬أ ّنهُمْ كُفّارٌ كَا ْل ُم ْرتَدّينَ يَجُوزُ َق ْتُلهُمْ ا ْبتِدَاءً وَ َقتْلُ َأمِيرِهِمْ ‪ ,‬وَا ّتبَاعُ مُ ْد ِبرِهِمْ َومَنْ قُ ِدرَ‬
‫س ُتتِيبَ كَا ْل ُم ْرتَدّ ‪ ,‬فَإِنْ تَابَ َوِإلّا ُقتِلَ ‪َ ,‬كمَا أَنّ مَذْ َهبَهُ فِي مَا ِنعِي ال ّزكَاةِ إذَا قَا َتلُوا الِْإمَامَ‬
‫عَليْهِ ِم ْنهُمْ اُ ْ‬
‫َ‬
‫ل الصّدّيقِ‬
‫علَى ِروَا َيتَيْنِ ‪ ,‬وَهَذَا ُكلّهُ ِممّا ُي َبيّنُ أَنّ ِقتَا َ‬
‫عَل ْيهَا ‪ ,‬هَلْ َيكْ ُفرُونَ مَعَ الْإِ ْقرَارِ ِبوُجُو ِبهَا َ‬
‫َ‬

‫غ ْي ِرهِ‬
‫عِليّ وَ َ‬
‫جمَلِ ‪َ ,‬وصِفّينَ ‪َ ,‬ف َكلَامُ َ‬
‫خوَارِجَ َل ْيسَ ِمثْلَ الْ ِقتَالِ َيوْمَ الْ َ‬
‫عِليّ الْ َ‬
‫ِلمَا ِنعِي ال ّزكَاةِ ‪ ,‬وَ ِقتَالَ َ‬
‫سلَامِ ‪ .‬وَهَذَا ُهوَ ا ْل َم ْنصُوصُ عَنْ‬
‫خوَارِجِ يَ ْقتَضِي َأ ّنهُمْ َليْسُوا كُفّارًا كَا ْل ُم ْرتَدّينَ عَنْ َأصْلِ الْإِ ْ‬
‫فِي الْ َ‬

‫جمَلِ َوصِفّينَ ‪ ,‬بَلْ ُهوَ َنوْعٌ ثَاِلثٌ‬
‫حكْمِ أَهْلِ الْ َ‬
‫ح ْك ُمهُمْ كَ ُ‬
‫غ ْي ِرهِ ‪َ ,‬وَليْسُوا مَعَ َذِلكَ ُ‬
‫حمَدَ وَ َ‬
‫الَْأ ِئمّةِ كَأَ ْ‬

‫غ ْيرِ‬
‫صلَاةِ ‪ ,‬وَ َ‬
‫شهَا َد َتيْنِ ‪ ,‬وَال ّ‬
‫وَهَذَا َأصَحّ الْأَ ْقوَالِ ال ّثلَاثَةِ فِيهِمْ ‪َ ,‬و ِممّنْ قَا َتَلهُمْ الصّحَابَةُ مَعَ إ ْقرَارِهِمْ ال ّ‬
‫‪90‬‬

‫ع َمرَ بْنَ الْخَطّابِ قَالَ لَِأبِي َب ْكرٍ ‪:‬‬
‫حيْنِ ‪ :‬عَنْ َأبِي ُه َر ْي َرةَ أَنّ ُ‬
‫َذِلكَ مَا ِنعُوا الزّكَاةِ ‪َ ,‬كمَا فِي الصّحِي َ‬
‫ل اللّ ِه صلى ال عليه وسلم ‪ُ { :‬أ ِمرْت أَنْ‬
‫ل اللّهِ ‪َ ,‬ك ْيفَ تُقَاتِلُ النّاسَ ‪ ,‬وَقَدْ قَالَ رَسُو ُ‬
‫خلِيفَةَ رَسُو ِ‬
‫يَا َ‬

‫صمُوا ِمنّي ِدمَاءَهُمْ‬
‫ع َ‬
‫شهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلّا اللّهُ َوَأنّي رَسُولُ اللّهِ ‪ ,‬فَإِذَا قَالُوهَا َ‬
‫حتّى يَ ْ‬
‫أُقَاتِلَ النّاسَ َ‬

‫ن ال ّزكَاةَ مِنْ حَ ّقهَا ‪َ ,‬واَللّهِ‬
‫َوَأ ْموَاَلهُمْ ‪ ,‬إلّا بِحَ ّقهَا ‪ } .‬فَقَالَ لَهُ َأبُو َب ْكرٍ ‪َ :‬ألَمْ يَقُلْ لَك { إلّا بِحَ ّقهَا } فَإِ ّ‬

‫علَى َم ْن ِعهَا قَالَ‬
‫عنَاقًا كَانُوا ُيؤَدّو َنهَا إلَى رَسُولِ اللّهِ صلى ال عليه وسلم لَقَا َتلْتهمْ َ‬
‫َلوْ َم َنعُونِي ِ‬

‫ح صَ ْدرَ َأبِي َب ْكرٍ ِللْ ِقتَالِ َف َعِلمْت َأنّهُ الْحَقّ ‪ .‬وَقَدْ اتّفَقَ‬
‫شرَ َ‬
‫ن اللّهَ قَدْ َ‬
‫ع َمرُ ‪َ :‬فمَا ُهوَ إلّا أَنْ َرَأيْت أَ ّ‬
‫ُ‬

‫ش ْهرَ‬
‫خ ْمسَ َو َيصُومُونَ َ‬
‫صلّونَ الْ َ‬
‫علَى ِقتَالِ مَا ِنعِي ال ّزكَاةِ َوإِنْ كَانُوا ُي َ‬
‫الصّحَابَةُ وَالَْأ ِئمّةُ َبعْدَهُمْ َ‬

‫علَى َم ْن ِعهَا ‪َ ,‬وإِنْ‬
‫ش ْبهَةٌ سَا ِئغَةٌ ‪َ ,‬فِلهَذَا كَانُوا ُم ْرتَدّينَ وَهُمْ يُقَا ِتلُونَ َ‬
‫َر َمضَانَ وَ َه ُؤلَاءِ لَمْ َيكُنْ َلهُمْ ُ‬

‫ن اللّهَ َأ َمرَ َن ِبيّهُ بِأَخْ ِذ ال ّزكَاةِ بِ َق ْولِهِ ‪:‬‬
‫ع ْنهُمْ َأ ّنهُمْ قَالُوا ‪ :‬إ ّ‬
‫ح ِكيَ َ‬
‫أَ َقرّوا بِا ْلوُجُوبِ َكمَا َأ َمرَ اللّهُ ‪ .‬وَقَدْ ُ‬
‫{ خُذْ مِنْ َأ ْموَاِلهِمْ صَدَقَةً } وَقَدْ تَسْقُطُ ِب َم ْوتِهِ ‪َ .‬وكَ َذِلكَ { َأ َم َر ال ّن ِبيّ صلى ال عليه وسلم بِ ِقتَالِ‬
‫علِمَ أَنّ‬
‫حوَاِلهِمْ ‪ :‬فَقَدْ ُ‬
‫خرُ وَ ُهوَ َم ْعرِفَةُ أَ ْ‬
‫خ ْمرِ } ‪َ .‬وَأمّا الَْأصْلُ الْآ َ‬
‫ش ْربِ الْ َ‬
‫الّذِينَ لَا َي ْن َتهُونَ عَنْ ُ‬

‫طوْا النّاسَ الَْأمَانَ‬
‫سعِينَ ‪َ ,‬وأَعْ َ‬
‫سعَةٍ َوتِ ْ‬
‫علَى الشّامِ فِي ا ْل َم ّرةِ الْأُولَى عَامَ تِ ْ‬
‫َه ُؤلَاءِ الْ َقوْمَ جَارُوا َ‬

‫سِلمِينَ ‪ ,‬مَا يُقَالُ ‪ :‬إنّهُ مِائَةُ َأ ْلفٍ‬
‫سَلبُوا مِنْ َذرَا ِريّ ا ْلمُ ْ‬
‫علَى ا ْل ِم ْن َبرِ بِ ِدمَشْقَ ‪َ ,‬ومَعَ هَذَا فَقَدْ َ‬
‫وَ َقرَءُوهُ َ‬
‫غ ْيرِ‬
‫حمْصَ ‪ ,‬وَدَا ِريّا ‪ ,‬وَ َ‬
‫حيّةِ ‪َ ,‬ونَا ُبُلسَ ‪ ,‬وَ ِ‬
‫ل الصّالِ ِ‬
‫جبَ ِ‬
‫عَليْهِ ‪ ,‬وَ َف َعلُوا ِب َب ْيتِ ا ْلمَقْ ِدسِ ‪َ ,‬وبِ َ‬
‫‪َ ,‬أوْ َيزِيدُ َ‬

‫سِلمِينَ َقرِيبًا مِنْ مِائَةِ َأ ْلفٍ‬
‫س َبوْا مِنْ ا ْلمُ ْ‬
‫حتّى يُقَالَ ‪ :‬إ ّنهُمْ َ‬
‫س ْبيِ مَا لَا َي ْعَلمُهُ إلّا اللّهُ َ‬
‫َذِلكَ مِنْ الْ َقتْلِ وَال ّ‬
‫غ ْيرِهَا ‪ :‬كَا ْلمَسْجِدِ الْأَ ْقصَى ‪ ,‬وَالُْأ َم ِويّ ‪,‬‬
‫سِلمِينَ فِي ا ْلمَسَاجِدِ وَ َ‬
‫خيَارِ نِسَاءِ ا ْلمُ ْ‬
‫جرُونَ ِب ِ‬
‫ج َعلُوا يَ ْف ُ‬
‫وَ َ‬

‫صلّونَ‬
‫ج ْمهُورَهُمْ لَا ُي َ‬
‫س َكرَ الْ َقوْمِ َف َرَأ ْينَا ُ‬
‫ج َعلُوا الْجَامِعَ الّذِي بِا ْلعُ َق ْيبَةِ َدكّا ‪ ,‬وَقَدْ شَاهَ ْدنَا عَ ْ‬
‫غ ْيرِهِ ‪َ ,‬و َ‬
‫وَ َ‬
‫خ ّربُوا مِنْ‬
‫سِلمِينَ وَ َذرَا ِر ّيهِمْ ‪ ,‬وَ َ‬
‫س َكرِهِمْ ُمؤَ ّذنًا َولَا إمَامًا ‪ .‬وَقَدْ أَخَذُوا مِنْ َأ ْموَالِ ا ْلمُ ْ‬
‫‪َ ,‬ولَمْ َنرَ فِي عَ ْ‬

‫خلْقِ ‪ ,‬إمّا ِزنْدِيقٌ‬
‫شرّ الْ َ‬
‫ِديَارِهِمْ مَا لَا َي ْعَلمُهُ إلّا اللّهُ َولَمْ َيكُنْ َم َعهُمْ فِي َد ْوَل ِتهِمْ إلّا مَنْ كَانَ مِنْ َ‬

‫ج ْه ِميّةِ‬
‫شرّ أَهْلِ ا ْلبِدَعِ كَالرّا ِفضَةِ وَالْ َ‬
‫سلَامِ فِي ا ْلبَاطِنِ ‪َ ,‬وِإمّا مَنْ ُهوَ مِنْ َ‬
‫ُمنَافِقٌ لَا َي ْعتَقِدُ دِينَ الْإِ ْ‬

‫جرُ النّاسِ َوأَفْسَ ُقهُمْ ‪ ,‬وَهُمْ فِي ِبلَادِهِمْ مَعَ َت َم ّك ِنهِمْ لَا َيحُجّونَ‬
‫حوِهِمْ ‪َ .‬وِإمّا مَنْ ُهوَ أَ ْف َ‬
‫وَالِاتّحَا ِديّة َونَ ْ‬
‫عَل ْيهِمْ إقَا َم الصّلَاةِ َولَا إيتَاءَ‬
‫صلّي َو َيصُومُ ‪َ ,‬فَل ْيسَ ا ْلغَاِلبُ َ‬
‫ا ْل َب ْيتَ ا ْل َعتِيقَ ‪َ ,‬وإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ ُي َ‬

‫ج َعلُوهُ َوِليّا َلهُمْ ‪َ ,‬وإِنْ كَانَ‬
‫ع ِتهِمْ َ‬
‫ج ْنكِيزْ خَانْ ‪َ ,‬فمَنْ دَخَلَ فِي طَا َ‬
‫علَى ُم ْلكِ ِ‬
‫ال ّزكَاةِ ‪ ,‬وَهُمْ يُقَا ِتلُونَ َ‬
‫علَى‬
‫سِلمِينَ َولَا يُقَا ِتلُونَ َ‬
‫خيَارِ ا ْلمُ ْ‬
‫ج َعلُوهُ عَ ُدوّا َلهُمْ ‪َ ,‬وإِنْ كَانَ مِنْ ِ‬
‫خرَجَ عَنْ َذِلكَ َ‬
‫كَا ِفرًا َومَنْ َ‬

‫سِلمِينَ ِم ْنهُمْ مِنْ َأكَا ِبرِ ُأ َمرَا ِئهِمْ‬
‫صغَارَ ‪ ,‬بَلْ غَايَةُ َكثِيرٍ مِنْ ا ْلمُ ْ‬
‫ج ْزيَةَ ‪ ,‬وَال ّ‬
‫ضعُونَ الْ ِ‬
‫سلَامِ َولَا َي َ‬
‫الْإِ ْ‬
‫ش ِركِينَ مِنْ ا ْل َيهُودِ وَالنّصَارَى ‪َ .‬كمَا‬
‫ظمُونَهُ مِنْ ا ْلمُ ْ‬
‫عنْدَهُمْ ‪َ ,‬كمَنْ ُيعَ ّ‬
‫سلِمُ ِ‬
‫َو ُو َزرَا ِئهِمْ أَنْ َيكُونَ ا ْلمُ ْ‬
‫‪91‬‬

‫سِلمِينَ ‪َ ,‬و َيتَ َق ّربُ إَل ْيهِمْ بَِأنّا‬
‫طبُ رُسُلَ ا ْلمُ ْ‬
‫قَالَ َأ ْك َبرُ مُقَ ّدمِيهِمْ الّذِينَ قَ ِدمُوا إلَى الشّامِ ‪ ,‬وَ ُهوَ يُخَا ِ‬
‫ج ْنكِيزْ خَانْ ‪َ ,‬فهَذَا غَايَةُ مَا‬
‫حمّدٌ ‪ ,‬وَ ِ‬
‫عنْ ِد اللّهِ ‪ :‬مُ َ‬
‫سِلمُونَ فَقَالَ ‪ :‬هَذَانِ آ َيتَانِ عَظِي َمتَانِ جَاءَا مِنْ ِ‬
‫مُ ْ‬

‫سيّدِ َولَدِ‬
‫عَليْهِ ‪ ,‬وَ َ‬
‫خلْقِ َ‬
‫ل اللّهِ َأ ْكرَمِ الْ َ‬
‫س ّويَ َبيْنَ رَسُو ِ‬
‫سِلمِينَ أَنْ يُ َ‬
‫َيتَ َق ّربُ بِهِ َأ ْك َبرُ مُقَ ّدمِيهِمْ إلَى ا ْلمُ ْ‬

‫ش ِركِينَ ‪ ,‬كُ ْفرًا وَفَسَادًا وَعُ ْدوَانًا مِنْ‬
‫ش ِركٍ مِنْ أَعْظَمِ ا ْلمُ ْ‬
‫سلِينَ ‪َ ,‬و َبيْنَ َمِلكٍ كَا ِفرٍ مُ ْ‬
‫آدَمَ ‪ ,‬وَخَاتَمِ ا ْل ُمرْ َ‬

‫ج ْنكِيزْ خَانْ عَظِيمًا فَِإ ّنهُمْ‬
‫عتِقَادَ َه ُؤلَاءِ ال ّتتَارِ كَانَ فِي ِ‬
‫صرَ َوَأ ْمثَالِهِ ‪ .‬وَ َذِلكَ أَنّ ا ْ‬
‫ختِ َن ّ‬
‫ج ْنسِ بُ ْ‬
‫ِ‬

‫ح ّبَلتْ ُأمّهُ‬
‫ش ْمسَ َ‬
‫ج ْنسِ مَا َي ْعتَقِ ُدهُ ال ّنصَارَى فِي ا ْلمَسِيحِ ‪َ ,‬ويَقُولُونَ ‪ :‬إنّ ال ّ‬
‫ن اللّهِ مِنْ ِ‬
‫َي ْعتَقِدُونَ َأنّهُ ابْ ُ‬
‫عنْدَ كُلّ‬
‫ح ِبَلتْ ‪َ ,‬و َم ْعلُومٌ ِ‬
‫حتّى َ‬
‫خَلتْ فِيهَا َ‬
‫خ ْيمَةِ فَدَ َ‬
‫شمْسُ مِنْ ُك ّوةِ الْ َ‬
‫خ ْيمَةٍ َف َن َزَلتْ ال ّ‬
‫‪َ ,‬وَأ ّنهَا كَا َنتْ فِي َ‬

‫علَى َأنّهُ َولَدُ ِزنًا ‪َ ,‬وأَنّ ُأمّهُ َز َنتْ َف َك َت َمتْ ِزنَاهَا ‪َ ,‬وأَخْ َفتْ هَذَا‬
‫ذِي دِينٍ أَنّ هَذَا كَ ِذبٌ ‪ .‬وَهَذَا َدلِيلٌ َ‬

‫سنّهُ َلهُمْ ‪,‬‬
‫عنْ َد اللّهِ فِي َتعْظِيمِ مَا َ‬
‫ج َعلُونَهُ أَعْظَمَ رَسُولٍ ِ‬
‫ع ْنهَا َم َع ّر َة ال ّزنَا ‪ ,‬وَهُمْ مَعَ هَذَا يَ ْ‬
‫حتّى تَدْفَعَ َ‬
‫َ‬

‫علَى‬
‫ش ُكرُونَهُ َ‬
‫ج ْنكِيزْ خَانْ ‪َ ,‬ويَ ْ‬
‫عنْدَهُمْ مِنْ ا ْلمَالِ هَذَا ِرزْقُ ِ‬
‫حتّى يَقُولُوا ِلمَا ِ‬
‫ظنّهِ ‪ ,‬وَ ُهوَ َ‬
‫شرَعَهُ بِ َ‬
‫وَ َ‬
‫سنّهُ َلهُمْ هَذَا ا ْلكَا ِفرُ ا ْل َملْعُونُ ا ْل ُمعَادِي ِللّهِ‬
‫حلّونَ َقتْلَ مَنْ عَادَى مَا َ‬
‫س َت ِ‬
‫ش ْر ِبهِمْ ‪ ,‬وَهُمْ يَ ْ‬
‫َأ ْكِلهِمْ وَ ُ‬

‫جعَلَ‬
‫سلَامِ أَنْ َي ْ‬
‫عبَا ِدهِ ا ْل ُم ْؤ ِمنِينَ ‪َ .‬فهَذَا َوَأ ْمثَالُهُ مِنْ مُقَ ّدمِيهِمْ كَانَ غَا َيتُهُ َبعْدَ الْإِ ْ‬
‫َولَِأ ْن ِبيَائِهِ َورَسُولِهِ وَ ِ‬

‫ض َررًا‬
‫ل َ‬
‫س ْيِلمَةَ ا ْلكَذّابَ " كَانَ أَقَ ّ‬
‫حمّدًا صلى ال عليه وسلم ِب َم ْن ِزلَةِ هَذَا ا ْل َم ْلعُونِ ‪َ ,‬و َم ْعلُومٌ أَنّ " مُ َ‬
‫مُ َ‬
‫ستَحَلّ الصّحَابَةُ ِقتَالَهُ ‪,‬‬
‫حمّدٍ فِي الرّسَالَةِ ‪َ ,‬و ِبهَذَا ا ْ‬
‫شرِيكُ مُ َ‬
‫سِلمِينَ مِنْ هَذَا ‪ ,‬وَادّعَى َأنّهُ َ‬
‫علَى ا ْلمُ ْ‬
‫َ‬

‫ج ْنكِيزْ خَانْ ‪,‬‬
‫حمّدًا كَ ِ‬
‫جعَلُ مُ َ‬
‫سلَامِ َي ْ‬
‫ظ ِهرُهُ مِنْ الْإِ ْ‬
‫وَ ِقتَالَ َأصْحَابِهِ ا ْل ُم ْرتَدّينَ ‪َ ,‬ف َك ْيفَ ِبمَنْ كَانَ فِيمَا يُ ْ‬
‫شرِيعَةِ الْ ُقرْآنِ‬
‫سِلمِينَ ا ْل ُم ّت ِبعَةِ لِ َ‬
‫علَى ا ْلمُ ْ‬
‫ج ْنكِيزْ خَانْ " َ‬
‫ظمُونَ َأ ْمرَ " ِ‬
‫سلَامِ ُيعَ ّ‬
‫ظهَارِهِمْ ِللْإِ ْ‬
‫َوِإلّا َفهُمْ مَعَ إ ْ‬

‫سِلمِينَ بَلْ أَعْظَمَ ‪ .‬أُوَل ِئكَ‬
‫ج ْنكِيزْ خَانْ " َكمَا يُقَا ِتلُونَ ا ْلمُ ْ‬
‫سنّهُ " ِ‬
‫َولَا يُقَا ِتلُونَ أُوَلئِكَ ا ْل ُم ّت ِبعِينَ ِلمَا َ‬

‫ح ِملُونَ إَليْهِ الَْأ ْموَالَ ‪َ ,‬ويُ ِقرّونَ لَهُ بِال ّنيَابَةِ ‪َ ,‬ولَا يُخَالِفُونَ مَا‬
‫ا ْلكُفّارُ َيبْ ُذلُونَ لَهُ الطّاعَةَ وَالِانْ ِقيَادَ ‪َ ,‬ويَ ْ‬
‫سِلمِينَ َو ُيعَادُو َنهُمْ‬
‫يَ ْأ ُمرُهُمْ بِهِ إلّا َكمَا ُيخَاِلفُ الْخَارِجُ عَنْ طَاعَةِ الِْإمَامِ ِللِْإمَامِ ‪ ,‬وَهُمْ يُحَا ِربُونَ ا ْلمُ ْ‬

‫ضعَهُ َلهُمْ ‪َ ,‬ذِلكَ‬
‫سِلمِينَ الطّاعَةَ َلهُمْ َوبَذْلَ الَْأ ْموَالِ وَالدّخُولَ فِيمَا َو َ‬
‫طُلبُونَ مِنْ ا ْلمُ ْ‬
‫أَعْظَمَ ُمعَادَاةٍ َويَ ْ‬

‫حوِ ِهمَا ‪ .‬بَلْ ُهوَ أَعْظَمُ فَسَادًا فِي الَْأرْضِ‬
‫عوْنَ َأوْ ال ّن ْمرُودِ َونَ ْ‬
‫ش ِركُ ا ْلمُشَابِهُ لِ ِفرْ َ‬
‫ا ْل َملِكُ ا ْلكَا ِفرُ ا ْلمُ ْ‬

‫ض ِعفُ طَائِفَةً ِم ْنهُمْ‬
‫س َت ْ‬
‫ش َيعًا يَ ْ‬
‫جعَلَ أَ ْهَلهَا ِ‬
‫علَا فِي الَْأرْضِ وَ َ‬
‫عوْنَ َ‬
‫ل اللّهُ َتعَالَى ‪ { :‬إنّ ِفرْ َ‬
‫ِم ْن ُهمَا ‪ .‬قَا َ‬

‫ض ِعفُ‬
‫س َت ْ‬
‫علَا فِي الَْأرْضِ يَ ْ‬
‫حيِي نِسَاءَهُمْ إنّهُ كَانَ مِنْ ا ْلمُفْسِدِينَ } ‪ .‬وَهَذَا ا ْلكَا ِفرُ َ‬
‫ستَ ْ‬
‫يُ َذبّحُ َأ ْبنَاءَهُمْ َويَ ْ‬

‫ل الرّجَالِ ‪,‬‬
‫ش ِركِينَ بِ َقتْ ِ‬
‫سِلمِينَ ‪ ,‬وَا ْل َيهُودِ ‪ ,‬وَالنّصَارَى َومَنْ خَالَفَهُ مِنْ ا ْلمُ ْ‬
‫أَهْلَ ا ْل ِملَلِ ُكّلهُمْ مِنْ ا ْلمُ ْ‬

‫عمّا‬
‫حبّ الْفَسَادَ ‪َ ,‬و َيرُدّ النّاسَ َ‬
‫ح ْرثَ ‪ ,‬وَالنّسْلَ ‪َ ,‬واَللّهُ لَا يُ ِ‬
‫حرِيمِ ‪َ ,‬ويَأْخُذُ الَْأ ْموَالَ َو ُي ْهِلكُ الْ َ‬
‫س ْبيِ الْ َ‬
‫وَ َ‬
‫شرِي َعتِهِ‬
‫س ّنتِهِ الْجَا ِهِليّةِ وَ َ‬
‫خلُوا فِيمَا ا ْبتَدَعَهُ مِنْ ُ‬
‫سلِينَ إلَى أَنْ يَدْ ُ‬
‫س ْلكِ الَْأ ْن ِبيَاءِ وَا ْلمُرْ َ‬
‫عَليْهِ مِنْ ِ‬
‫كَانُوا َ‬
‫‪92‬‬

‫سِلمِينَ َويُطِيعُو َنهُمْ‬
‫علَى دِينِ ا ْلمُ ْ‬
‫ظمُونَ دِينَ أُوَل ِئكَ ا ْلكُفّارِ َ‬
‫سلَامِ َو ُيعَ ّ‬
‫ا ْلكُ ْف ِريّةِ ‪َ ,‬فهُمْ يَدّعُونَ دِينَ الْإِ ْ‬
‫جرَ َبيْنَ َأكَا ِبرِهِمْ‬
‫شَ‬
‫حكْمُ فِيمَا َ‬
‫َو ُيوَالُو َنهُمْ أَعْظَمَ ِب َكثِيرٍ مِنْ طَاعَةِ اللّهِ َورَسُولِهِ ‪َ ,‬و ُموَالَاةِ ا ْل ُم ْؤ ِمنِينَ وَالْ ُ‬

‫سلَامِ‬
‫ج َعلُونَ دِينَ الْإِ ْ‬
‫غ ْيرِهِمْ يَ ْ‬
‫حكْ ِم اللّهِ َورَسُولِهِ ‪َ .‬وكَ َذِلكَ الَْأكَا ِبرُ مِنْ ُو َزرَا ِئهِمْ وَ َ‬
‫حكْمِ الْجَا ِهِليّةِ ‪ ,‬لَا بِ ُ‬
‫بِ ُ‬
‫سِلمِينَ ‪ ,‬ثُمّ‬
‫عنْدَ ا ْلمُ ْ‬
‫طرُقٌ إلَى اللّهِ ِب َم ْن ِزلَةِ ا ْلمَذَا ِهبِ الَْأ ْر َبعَةِ ِ‬
‫كَدِينِ ا ْل َيهُودِ وَال ّنصَارَى َوأَنّ هَ ِذهِ ُكّلهَا ُ‬

‫سِلمِينَ ‪ .‬وَهَذَا الْ َقوْلُ‬
‫ِم ْنهُمْ مَنْ ُيرَجّحُ دِينَ ا ْل َيهُودِ َأوْ دِينَ ال ّنصَارَى ‪َ ,‬و ِم ْنهُمْ مَنْ ُيرَجّحُ دِينَ ا ْلمُ ْ‬

‫حوِهِمْ ‪,‬‬
‫ع ْو ِنيّةِ َونَ ْ‬
‫ج ْه ِميّةُ مِنْ الِاتّحَا ِديّةِ الْ ِفرْ َ‬
‫س ّيمَا الْ َ‬
‫عبّادِهِمْ ‪ ,‬لَا ِ‬
‫حتّى فِي فُ َقهَا ِئهِمْ وَ ُ‬
‫فَاشٍ غَاِلبٌ فِيهِمْ َ‬
‫علَى هَذَا َكثِيرٌ مِنْ‬
‫عَل ْيهِمْ الْ َفلْسَفَةُ وَهَذَا مَذْ َهبُ َكثِيرٍ مِنْ ا ْل ُمتَ َفلْسِفَةِ َأوْ َأ ْك َثرِهِمْ وَ َ‬
‫غَل َبتْ َ‬
‫فَِإنّهُ َ‬

‫خوَاصّ ا ْل ُعَلمَاءِ ِم ْنهُمْ‬
‫النّصَارَى َأوْ َأ ْك َثرُهُمْ َو َكثِيرٌ مِنْ ا ْل َيهُودِ َأ ْيضًا ‪ .‬بَلْ َلوْ قَالَ الْقَائِلُ ‪ :‬إنْ غَابَ َ‬
‫س ِمعْت مَا لَا َيتّسِعُ لَهُ هَذَا ا ْل َم ْوضِعُ ‪,‬‬
‫علَى هَذَا ا ْلمَذْ َهبِ َلمَا ُأ ْبعِدَ ‪ .‬وَقَدْ َرَأيْت مِنْ َذِلكَ وَ َ‬
‫وَا ْل ُعبّادُ َ‬

‫غ ْيرِ دِينِ‬
‫سوّغَ ا ّتبَاعَ َ‬
‫سِلمِينَ أَنّ مَنْ َ‬
‫جمِيعِ ا ْلمُ ْ‬
‫سِلمِينَ َوبِاتّفَاقِ َ‬
‫طرَارِ مِنْ دِينِ ا ْلمُ ْ‬
‫َو َم ْعلُومٌ بِالِاضْ ِ‬

‫حمّدٍ صلى ال عليه وسلم َف ُهوَ كَا ِفرٌ ‪ ,‬وَ ُهوَ َككُ ْفرِ مَنْ آمَنَ‬
‫شرِيعَةِ مُ َ‬
‫غ ْيرِ َ‬
‫شرِيعَةٍ َ‬
‫سلَامِ َأوْ ا ّتبَاعِ َ‬
‫الْإِ ْ‬
‫سلِهِ َو ُيرِيدُونَ‬
‫ِب َبعْضِ ا ْل ِكتَابِ َوكَ َفرَ ِب َبعْضِ ا ْل ِكتَابِ ‪َ ,‬كمَا قَالَ َتعَالَى ‪ { :‬إنّ الّذِينَ َيكْ ُفرُونَ بِاَللّهِ َورُ ُ‬

‫سلِهِ َويَقُولُونَ ُن ْؤمِنُ ِب َبعْضٍ َو َنكْ ُفرُ ِب َبعْضٍ َو ُيرِيدُونَ أَنْ َيتّخِذُوا َبيْنَ َذِلكَ‬
‫ن اللّهِ َورُ ُ‬
‫أَنْ يُ َفرّقُوا َبيْ َ‬

‫خلُونَ فِي‬
‫عتَ ْدنَا ِل ْلكَا ِفرِينَ عَذَابًا ُمهِينًا } ‪ .‬وَا ْل َيهُودُ وَالنّصَارَى دَا ِ‬
‫سبِيلًا أُوَل ِئكَ هُمْ ا ْلكَا ِفرُونَ حَقّا َوأَ ْ‬
‫َ‬

‫سفَ مِنْ ا ْل َيهُودِ وَال ّنصَارَى‬
‫َذِلكَ ‪َ ,‬وكَ َذِلكَ ا ْل ُمتَفَلْسِفَةُ ُي ْؤ ِمنُونَ ِب َبعْضٍ َو َيكْ ُفرُونَ ِب َب ْعضٍ ‪َ ,‬ومَنْ تَ َفلْ َ‬

‫ج َهيْنِ ‪ .‬وَ َه ُؤلَاءِ َأ ْك َثرُ ُو َزرَا ِئهِمْ الّذِينَ َيصْ ُدرُونَ عَنْ َر ْأيِهِ غَا َيتُهُ أَنْ َيكُونَ مِنْ هَذَا‬
‫َيبْقَى كُ ْف ُرهُ مِنْ َو ْ‬

‫سفِ ‪,‬‬
‫سلَامِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ ا ْل َيهُو ِديّةِ وَالتّفَلْ ُ‬
‫سبَ إلَى الْإِ ْ‬
‫ض ْربِ ‪َ ,‬فِإنّهُ كَانَ َيهُو ِديّا ُمتَ َفلْسِفًا ثُمّ ا ْنتَ َ‬
‫ال ّ‬

‫عنْدَهُمْ‬
‫عنْدَهُمْ مِنْ َذوِي الْأَ ْقلَامِ وَذَاكَ أَعْظَمُ مَنْ كَانَ ِ‬
‫ك الرّفْضَ َفهَذَا ُهوَ أَعْظَمُ مَنْ ِ‬
‫َوضَمّ إلَى َذِل َ‬

‫خلَةٌ‬
‫ج ْملَةِ ‪َ :‬فمَا مِنْ نِفَاقٍ َو َزنْدَقَةٍ َوِإلْحَادٍ إلّا وَ ِهيَ دَا ِ‬
‫س ْيفِ َف ْل َي ْع َتبِرْ ا ْل ُم ْؤمِنُ ِبهَذَا ‪َ .‬وبِالْ ُ‬
‫مِنْ َذوِي ال ّ‬
‫خلْقِ‬
‫خلْقِ َوأَ َقّلهِمْ َم ْعرِفَةً بِالدّينِ َوَأ ْبعَدِهِمْ عَنْ ا ّتبَاعِهِ َوأَعْظَمِ الْ َ‬
‫جهَلِ الْ َ‬
‫فِي ا ّتبَاعِ ال ّتتَارِ ; لَِأ ّنهُمْ مِنْ أَ ْ‬

‫سمُوا النّاسَ َأ ْر َبعَةَ أَقْسَامٍ يال ُربَاع وداشمند وطاط ‪َ ,‬أيْ‬
‫ا ّتبَاعًا لِلظّنّ َومَا َت ْهوَى الَْأنْ ُفسُ ‪ .‬وَقَدْ قَ ّ‬

‫ن صَدِي َقهُمْ‬
‫س ّن ِتهِمْ ا ْلكُ ْف ِريّةِ كَا َ‬
‫ع ِتهِمْ الْجَا ِهِليّةِ وَ ُ‬
‫صَدِي ُقهُمْ وَعَ ُدوّهُمْ وَا ْلعَالِمُ وَا ْلعَا ّميّ ‪َ ,‬فمَنْ دَخَلَ فِي طَا َ‬
‫علْمٍ‬
‫سبَ إلَى ِ‬
‫سلِهِ َوَأ ْوِليَائِهِ ‪َ ,‬وكُلّ مَنْ ا ْنتَ َ‬
‫‪َ ,‬ومَنْ خَالَ َفهُمْ كَانَ عَ ُدوّهُمْ ‪َ .‬وَلوْ كَانَ مِنْ َأ ْن ِبيَاءِ اللّهِ َورُ ُ‬

‫س ّم ْوهُ " داشمند " كَالْفَقِيهِ ‪ ,‬وَالزّاهِدِ ‪ ,‬وَالْقِسّيسِ ‪ ,‬وَالرّا ِهبِ ‪ ,‬وَ َدنَانِ ا ْل َيهُودِ ‪ ,‬وَا ْل ُمنَجّمِ ‪,‬‬
‫َأوْ دِينٍ َ‬
‫سبِ ‪َ ,‬فيُ ْدرِجُونَ سَادِنَ الَْأصْنَامِ َفيُ ْدرِجُونَ فِي هَذَا مِنْ‬
‫طبِيبِ ‪ ,‬وَا ْلكَا ِتبِ ‪ ,‬وَالْحَا ِ‬
‫حرِ ‪ ,‬وَال ّ‬
‫وَالسّا ِ‬

‫ج َعلُونَ أَهْلَ ا ْل ِعلْمِ وَالْإِيمَانِ َنوْعًا‬
‫ش ِركِينَ َوأَهْلِ ا ْل ِكتَابِ ‪َ ,‬وأَهْلِ ا ْلبِدَعِ مَا لَا َي ْعَلمُهُ إلّا اللّهُ ‪َ ,‬ويَ ْ‬
‫ا ْلمُ ْ‬
‫‪93‬‬

‫حكّامُ‬
‫سيّ َوَأ ْمثَالِهِ ‪ ,‬هُمْ الْ ُ‬
‫ط ِنيّ َة ال ّزنَادِقَةَ ا ْل ُمنَافِقِينَ كَالطّو ِ‬
‫ج َعلُونَ الْ َقرَامِطَةَ ا ْل َملَاحِ َدةَ ا ْلبَا ِ‬
‫وَاحِدًا ‪ ,‬بَلْ يَ ْ‬
‫سِلمِينَ وَالْ َيهُودِ وَالنّصَارَى ‪َ .‬وكَ َذِلكَ َوزِيرُهُمْ‬
‫علْمٍ َأوْ دِينٍ مِنْ ا ْلمُ ْ‬
‫سبَ إلَى ِ‬
‫جمِيعِ مَنْ ا ْنتَ َ‬
‫علَى َ‬
‫َ‬

‫سِلمِينَ كَالرّا ِفضَةِ وَا ْل َملَاحِ َدةِ‬
‫شرَارَ ا ْلمُ ْ‬
‫علَى هَ ِذهِ الَْأصْنَافِ َويُقَدّمُ ِ‬
‫حكُمُ َ‬
‫السّفِيهُ ا ْل ُملَقّبُ بِالرّشِيدِ ‪َ ,‬ي ْ‬
‫حتّى َت َولّى َقضَاءَ الْ ُقضَاةِ مَنْ كَانَ أَ ْق َربَ إلَى ال ّزنْدَقَةِ‬
‫سِلمِينَ أَهْلِ ا ْل ِعلْمِ وَالْإِيمَانِ ‪َ ,‬‬
‫خيَارِ ا ْلمُ ْ‬
‫علَى ِ‬
‫َ‬

‫ح ْيثُ َتكُونُ ُموَافِقَةً ِل ْلكُفّارِ وَا ْل ُمنَافِقِينَ مِنْ ا ْل َيهُودِ وَالْ َقرَامِطَةِ ‪,‬‬
‫وَالِْإلْحَادِ وَا ْلكُ ْفرِ بِاَللّهِ َورَسُولِهِ ‪ ,‬بِ َ‬

‫سلَامِ ِبمَا لَا بُدّ لَهُ‬
‫شرِيعَةِ الْإِ ْ‬
‫غ ْيرِهِ َو َيتَظَا َهرُ مِنْ َ‬
‫علَى مَا ُيرِيدُونَهُ أَعْظَمَ مِنْ َ‬
‫وَا ْلمَلَاحِ َدةِ ‪ ,‬وَالرّا ِفضَةِ َ‬
‫صنّفًا‬
‫ص ّنفَ ُم َ‬
‫خبِيثَ ا ْل ُملْحِدَ ا ْل ُمنَافِقَ َ‬
‫حتّى إنّ َوزِيرَهُمْ هَذَا الْ َ‬
‫سِلمِينَ َ‬
‫ِمنْهُ لِأَجْلِ مَنْ ُهنَاكَ مِنْ ا ْلمُ ْ‬

‫عَل ْيهِمْ َولَا‬
‫ضيَ بِدِينِ ا ْل َيهُودِ وَال ّنصَارَى ‪َ ,‬وَأنّهُ لَا ُي ْن ِكرُ َ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم َر ِ‬
‫ضمُونُهُ أَنّ ال ّن ِب ّ‬
‫َم ْ‬
‫خبِيثُ الْجَاهِلُ بِ َق ْولِهِ ‪:‬‬
‫ستَدَلّ الْ َ‬
‫سلَامِ وَا ْ‬
‫يَ ُذمّونَ ‪َ ,‬ولَا َي ْن َهوْنَ دِي َنهُمْ ‪َ ,‬ولَا ُي ْؤ َمرُونَ بِالِا ْنتِقَالِ إلَى الْإِ ْ‬

‫عبَ ْدتُمْ َولَا َأ ْنتُمْ‬
‫عبُدُ َولَا َأنَا عَابِدٌ مَا َ‬
‫عبُدُ مَا َت ْعبُدُونَ َولَا َأ ْنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَ ْ‬
‫{ قُلْ يَا َأ ّيهَا ا ْلكَا ِفرُونَ لَا أَ ْ‬

‫عبُدُ َلكُمْ دِي ُنكُمْ َوِليَ دِينٌ } ‪َ .‬وزَعَمَ أَنّ هَ ِذهِ الْآيَةَ تَ ْقتَضِي َأنّهُ َي ْرضَى دِي َنهُمْ ‪ ,‬وَقَالَ ‪:‬‬
‫عَابِدُونَ مَا أَ ْ‬

‫جهْلٌ ِمنْهُ ‪,‬‬
‫س َببِ َذِلكَ ُأمُورٌ ‪َ ,‬ومِنْ ا ْل َم ْعلُومِ أَنّ هَذَا َ‬
‫ج َرتْ بِ َ‬
‫ستْ َمنْسُوخَةً ‪ ,‬وَ َ‬
‫ح َكمَةٌ َليْ َ‬
‫وَهَ ِذهِ الْآيَةُ مُ ْ‬

‫ضيّا لَهُ ‪َ ,‬وِإ ّنمَا‬
‫فَإِنّ َق ْولَهُ َلكُمْ دِي ُنكُمْ َوِليَ دِينٌ َل ْيسَ فِيهِ مَا يَ ْق َتضِي أَنْ َيكُونَ دِينُ ا ْلكُفّارِ حَقّا َولَا َم ْر ِ‬

‫ش ْركِ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم فِي هَ ِذهِ السّو َرةِ إ ّنهَا َبرَا َءةٌ مِنْ ال ّ‬
‫علَى َت ْب ِرئَةٍ مِنْ دِي ِنهِمْ ‪َ ,‬وِلهَذَا قَا َ‬
‫يَدُلّ َ‬

‫عمَلُ َوَأنَا‬
‫ع َمُلكُمْ َأ ْنتُمْ َبرِيئُونَ ِممّا أَ ْ‬
‫ع َملِي َوَلكُمْ َ‬
‫خرَى ‪َ { :‬وإِنْ كَ ّذبُوك فَقُلْ لِي َ‬
‫َكمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُ ْ‬

‫عمَاُلكُمْ ‪ .‬وَقَدْ ا ّتبَعَ‬
‫عمَاُلنَا َوَلكُمْ أَ ْ‬
‫َبرِيءٌ ِممّا َت ْع َملُونَ } ‪ .‬فَ َق ْولُهُ ‪َ { :‬لكُمْ دِي ُنكُمْ َوِليَ دِينٌ } كَ َق ْولِهِ َلنَا أَ ْ‬

‫عمَلُ ‪َ ,‬وَأنَا َبرِيءٌ ِممّا َت ْع َملُونَ ‪َ ,‬وَلوْ قُ ّدرَ أَنّ‬
‫ح ْيثُ قَالَ ‪َ :‬أ ْنتُمْ َبرِيئُونَ ِممّا أَ ْ‬
‫جبِهِ َومُ ْقتَضَاهُ َ‬
‫َذِلكَ ِبمُو ِ‬
‫سلَامِ‬
‫طرَارِ مِنْ دِينِ الْإِ ْ‬
‫علِمَ بِالِاضْ ِ‬
‫فِي هَ ِذهِ السّو َرةِ مَا يَ ْق َتضِي َأ ّنهُمْ لَمْ ُي ْؤ َمرُوا ِب َت ْركِ دِي ِنهِمْ فَقَدْ ُ‬

‫ش ِركِينَ َوأَهْلِ ا ْل ِكتَابِ بِالْإِيمَانِ بِهِ ‪َ ,‬وَأنّهُ جَاءَهُمْ‬
‫جمَاعِ الُْأمّةِ َأنّهُ َأ َمرَ ا ْلمُ ْ‬
‫بِالّنصُوصِ ا ْل ُمتَوَا ِت َرةِ َوبِإِ ْ‬
‫علَى‬
‫ظ َهرُوا الرّفْضَ َو َم َنعُوا أَنْ نَ ْذ ُكرَ َ‬
‫خلُدُونَ فِي النّارِ ‪ .‬وَقَدْ أَ ْ‬
‫خ َبرَ َأ ّنهُمْ كَا ِفرُونَ يَ ْ‬
‫علَى َذِلكَ َوأَ ْ‬
‫َ‬

‫شرَ الّذِينَ َتزْعُ ُم الرّافِضَةُ َأ ّنهُمْ‬
‫ع َوةَ ِللِا ْث َنيْ عَ َ‬
‫ظ َهرُوا الدّ ْ‬
‫عِليّا َوأَ ْ‬
‫خلَفَاءَ الرّاشِدِينَ ‪ ,‬وَ َذ َكرُوا َ‬
‫ا ْل َمنَا ِبرِ الْ ُ‬
‫خلَافَةَ َلهُمْ ‪َ ,‬ولَا‬
‫ع ْثمَانَ ‪ :‬كُفّارٌ ‪ ,‬وَفُجّارٌ ‪ ,‬ظَاِلمُونَ لَا ِ‬
‫ع َمرَ ‪ ,‬وَ ُ‬
‫َأ ِئمّةٌ َم ْعصُومُونَ َوأَنّ َأبَا َب ْكرٍ ‪ ,‬وَ ُ‬
‫ِلمَنْ َبعْدَهُمْ ‪.‬‬

‫عِليّ‬
‫ع ْثمَانَ ‪ ,‬وَ َ‬
‫خوَارِجَ غَا َي ُتهُمْ َتكْفِيرُ ُ‬
‫خوَارِجِ ا ْلمَارِقِينَ ‪ ,‬فَإِنّ الْ َ‬
‫شرّ مِنْ مَذْ َهبِ الْ َ‬
‫َومَذْ َهبُ الرّا ِفضَةِ َ‬

‫ج ْمهُورِ السّابِقِينَ الَْأ ّولِينَ ‪َ ,‬وتَجْحَدُ‬
‫ع ْثمَانَ ‪ ,‬وَ ُ‬
‫ع َمرَ ‪ ,‬وَ ُ‬
‫‪ ,‬وَشِي َع ِت ِهمَا ‪ ,‬وَالرّا ِفضَةَ َتكْفِيرُ َأبِي َب ْكرٍ ‪ ,‬وَ ُ‬
‫خوَارِجُ ‪ ,‬وَفِيهِمْ مِنْ ا ْلكَ ِذبِ‬
‫ل اللّهِ صلى ال عليه وسلم أَعْظَمَ ِممّا جَحَدَ بِهِ الْ َ‬
‫سنّةِ رَسُو ِ‬
‫مِنْ ُ‬

‫‪94‬‬

‫سِلمِينَ مَا َل ْيسَ‬
‫علَى ا ْلمُ ْ‬
‫خوَارِجِ ‪ ,‬وَفِيهِمْ مِنْ ُمعَا َونَةِ ا ْلكُفّارِ َ‬
‫وَالِا ْف ِترَاءِ وَا ْل ُغُلوّ وَالِْإلْحَادِ مَا َليْسَ فِي الْ َ‬
‫سِلمِينَ وَالرّا ِفضَةُ هُمْ‬
‫حصُلُ بِ َد ْولَةِ ا ْلمُ ْ‬
‫حبّ ال ّتتَارَ وَ َد ْوَل َتهُمْ لَِأنّهُ يَ ْ‬
‫خوَارِجِ ‪ ,‬وَالرّا ِفضَةِ تُ ِ‬
‫مِنْ الْ َ‬

‫سبَابِ فِي‬
‫سِلمِينَ ‪ ,‬وَهُمْ كَانُوا مِنْ أَعْظَمِ الْأَ ْ‬
‫علَى ِقتَالِ ا ْلمُ ْ‬
‫ش ِركِينَ وَا ْل َيهُودِ وَال ّنصَارَى َ‬
‫ُمعَا ِونُونَ ِل ْلمُ ْ‬
‫خرَاسَانَ ‪ ,‬وَا ْل ِعرَاقِ ‪ ,‬وَالشّامِ ‪َ ,‬وكَانَ مِنْ أَعْظَمِ‬
‫شرِقِ بِ ُ‬
‫سلَا ِمهِمْ إلَى َأرْضِ ا ْلمَ ْ‬
‫دُخُولِ ال ّتتَارِ َقبْلَ إ ْ‬

‫ضيّةُ ابْنِ ا ْل َعلْ َق ِميّ‬
‫حرِي ِمهِمْ ‪ ,‬وَ َق ِ‬
‫س ْبيِ َ‬
‫سِلمِينَ وَ َ‬
‫سلَامِ وَ َقتْلِ ا ْلمُ ْ‬
‫علَى أَخْذِهِمْ ِل ِبلَادِ الْإِ ْ‬
‫النّاسِ ُمعَا َونَةً َلهُمْ َ‬

‫عمُومُ النّاسِ ‪َ .‬وكَ َذِلكَ‬
‫شهُو َرةٌ َي ْعرِ ُفهَا ُ‬
‫حَلبَ مَ ْ‬
‫حبِ َ‬
‫حَلبَ مَعَ صَا ِ‬
‫ض ّيتُهُمْ فِي َ‬
‫خلِيفَةِ وَ َق ِ‬
‫َوَأ ْمثَالِهِ مَعَ الْ َ‬

‫ن الرّا ِفضَةَ‬
‫خ ْب َرةِ أَ ّ‬
‫ع َرفَ أَهْلُ الْ ِ‬
‫سوَاحِلِ الشّامِ قَدْ َ‬
‫سِلمِينَ َو َبيْنَ ال ّنصَارَى بِ َ‬
‫حرُوبِ اّلتِي َبيْنَ ا ْلمُ ْ‬
‫فِي الْ ُ‬

‫علَى‬
‫عزّ َ‬
‫علَى أَخْذِ ا ْل ِبلَادِ َلمّا جَا َء ال ّتتَارُ وَ َ‬
‫سِلمِينَ ‪َ ,‬وَأ ّنهُمْ عَا َونُوهُمْ َ‬
‫علَى ا ْلمُ ْ‬
‫َتكُونُ مَعَ النّصَارَى َ‬

‫ش ِركِينَ كَانَ َذِلكَ‬
‫سِلمُونَ ال ّنصَارَى وَا ْلمُ ْ‬
‫غَلبَ ا ْلمُ ْ‬
‫سوَاحِلِ ‪َ ,‬وإِذَا َ‬
‫غ ْيرِهَا مِنْ ال ّ‬
‫عكّا وَ َ‬
‫الرّافِضَةِ َفتْحُ َ‬
‫عنْدَ‬
‫س ّرةً ِ‬
‫سِلمِينَ كَانَ َذِلكَ عِيدًا ‪َ ,‬ومَ َ‬
‫ش ِركُونَ وَالنّصَارَى ا ْلمُ ْ‬
‫غَلبَ ا ْلمُ ْ‬
‫عنْ َد الرّا ِفضَةِ ‪َ ,‬وإِذَا َ‬
‫غصّةً ِ‬
‫ُ‬

‫سمَاعِيِليّة ‪َ ,‬وَأ ْمثَاِلهِمْ مِنْ‬
‫ص ْي ِريّةِ ‪ ,‬وَالْإِ ْ‬
‫ل ال ّزنْدَقَةِ وَالِْإلْحَادِ مِنْ الّن َ‬
‫الرّافِضَةِ ‪ ,‬وَدَخَلَ فِي الرّافِضَةِ أَهْ ُ‬
‫غ ْيرِ َذِلكَ ‪ ,‬وَالرّافِضَةُ‬
‫خرَاسَانَ ‪ ,‬وَا ْل ِعرَاقِ ‪ ,‬وَالشّامِ ‪ ,‬وَ َ‬
‫غ ْيرِهِمْ ِممّنْ كَانَ بِ ُ‬
‫ا ْل َملَاحِ َدةِ الْ َقرَامِطَةِ وَ َ‬
‫خوَارِجِ‬
‫علَى اللّهِ َورَسُولِهِ أَعْظَمُ ِممّا فِي الْ َ‬
‫ج ْه ِميّةٌ قَ َد ِريّةٌ ‪ ,‬وَفِيهِمْ مِنْ ا ْلكَ ِذبِ وَا ْلبِدَعِ وَالِا ْف ِترَاءِ َ‬
‫َ‬

‫ل اللّ ِه صلى ال عليه وسلم‬
‫عِليّ وَسَا ِئ ُر الصّحَابَةِ بَِأ ْمرِ رَسُو ِ‬
‫ا ْلمَارِقِينَ الّذِينَ قَا َتَلهُمْ َأمِيرُ ا ْل ُم ْؤ ِمنِينَ َ‬
‫شرَائِعِ الدّينِ أَعْظَمُ ِممّا فِي مَا ِنعِي الزّكَاةِ الّذِينَ قَا َتَلهُمْ َأبُو َب ْك ٍر الصّدّيقُ‬
‫ن الرّ ّدةِ عَنْ َ‬
‫بَلْ فِيهِمْ مِ ْ‬

‫خوَارِجَ َق ْولُهُ ‪َ { :‬فهُمْ يَ ْق ُتلُونَ أَهْلَ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم الْ َ‬
‫وَالصّحَابَةُ ‪َ ,‬ومِنْ أَعْظَمِ مَا ذَمّ بِهِ ال ّن ِب ّ‬

‫عِليّ‬
‫سعِيدٍ قَالَ ‪َ { :‬ب َعثَ َ‬
‫حيْنِ ‪ :‬عَنْ َأبِي َ‬
‫خرِجَ فِي الصّحِي َ‬
‫سلَامِ َويَدَعُونَ أَهْلَ الْأَ ْديَانِ } ‪َ .‬كمَا أُ ْ‬
‫الْإِ ْ‬
‫ض َبتْ ُق َر ْيشٌ‬
‫س َمهَا َبيْنَ َأ ْر َبعَةٍ َي ْعنِي مِنْ ُأ َمرَاءِ نَجْدٍ َف َغ ِ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم بِذُ َه ْيبَةٍ فَقَ ّ‬
‫إلَى ال ّن ِب ّ‬

‫عنَا ‪ ,‬قَالَ ‪ :‬إ ّنمَا َأتََألّ ُفهُمْ َفأَ ْقبَلَ رَجُلٌ غَا ِئرُ ا ْل َع ْي َنيْنِ‬
‫صنَادِيدَ أَهْلِ نَجْدٍ َويَدَ ُ‬
‫وَالَْأنْصَارُ قَالُوا ‪ُ :‬يعْطِي َ‬
‫حمّدُ اتّقِ اللّهِ ; فَقَالَ ‪ :‬مَنْ يُطِيعُ‬
‫حلُوقٌ ‪ ,‬فَقَالَ ‪ :‬يَا مُ َ‬
‫حيَةِ مَ ْ‬
‫ث اللّ ْ‬
‫جبِينِ ‪َ ,‬ك ّ‬
‫ج َن َتيْنِ نَا ِتئُ الْ َ‬
‫ش ِرفُ ا ْلوَ ْ‬
‫مُ ْ‬

‫علَى أَهْلِ الَْأرْضِ َولَا تَ ْأ َمنُونِي فَسََألَهُ رَجُلٌ َق ْتلَهُ َف َم َنعَهُ ‪َ ,‬فَلمّا َولّى قَالَ‬
‫صيْته َأيَ ْأ َم ُننِي اللّهُ َ‬
‫ع َ‬
‫اللّهَ إذَا َ‬
‫جرَهُمْ َي ْمرُقُونَ مِنْ‬
‫حنَا ِ‬
‫ضئِ هَذَا َأوْ فِي عَ ِقبِ هَذَا َق ْومًا يَ ْقرَءُونَ الْ ُقرْآنَ لَا يُجَا ِوزُ َ‬
‫ضئْ ِ‬
‫ن ِ‬
‫‪ :‬إنّ مِ ْ‬

‫سلَامِ ‪َ ,‬ويَدَعُونَ أَهْلَ الَْأ ْوثَانِ ‪َ ,‬لئِنْ أَ ْد َركْتهمْ لَأَ ْق ُتلَنهُمْ‬
‫ن ال ّر ِميّةِ ‪ ,‬يَ ْق ُتلُونَ أَهْلَ الْإِ ْ‬
‫سهْمِ مِ ْ‬
‫الدّينِ ُمرُوقَ ال ّ‬
‫ل اللّهِ صلى ال‬
‫عنْدَ رَسُو ِ‬
‫سعِيدٍ قَالَ ‪َ :‬ب ْي َنمَا نَحْنُ ِ‬
‫حيْنِ عَنْ { َأبِي َ‬
‫َقتْلَ عَادٍ } وَفِي لَفْظٍ فِي الصّحِي َ‬

‫ل اللّهِ‬
‫ص َرةِ ‪ ,‬وَ ُهوَ رَجُلٌ مِنْ َبنِي َتمِيمٍ ‪ .‬فَقَالَ ‪ :‬يَا رَسُو َ‬
‫خ َو ْي ِ‬
‫سمًا َأتَاهُ ذُو الْ ُ‬
‫عليه وسلم وَ ُهوَ يُقَسّمُ قَ ْ‬
‫ع َمرُ ‪ :‬يَا‬
‫سرْت إنْ لَمْ َأكُنْ أَعْدِلُ فَقَالَ ُ‬
‫خبْت َوخَ ِ‬
‫‪ ,‬اعْدِلْ ‪ .‬فَقَالَ ‪َ :‬و ْيلَك َفمَنْ َيعْدِلُ إذَا لَمْ أَعْدِلْ قَدْ ِ‬
‫‪95‬‬

‫عنُقَهُ ‪ .‬فَقَالَ ‪ :‬دَعْهُ َفإِنّ لَهُ َأصْحَابًا يَحْ ِقرُ أَحَ ُدكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ‬
‫ض ِربُ ُ‬
‫رَسُولَ اللّهِ ‪َ ,‬أتَأْذَنُ لِي فِيهِ فََأ ْ‬
‫صيَا ِمهِمْ يَ ْقرَءُونَ الْ ُقرْآنَ لَا يُجَا ِوزُ َترَا ِق َيهُمْ ‪َ ,‬ي ْمرُقُونَ مِنْ الدّينِ َكمَا َي ْمرُقُ‬
‫صيَامَهُ مَ َع ِ‬
‫صلَا ِتهِمْ َو ِ‬
‫َ‬

‫شيْءٌ‬
‫ظرُ إلَى ِرصَافِهِ َفلَا يُوجَدُ فِيهِ َ‬
‫شيْءٌ ‪ ,‬ثُمّ َينْ ُ‬
‫صلِهِ َفلَا يُوجَدُ فِيهِ َ‬
‫ظرُ إلَى َن ْ‬
‫سهْمُ مِنْ الرّ ِميّةِ ‪َ ,‬ينْ ُ‬
‫ال ّ‬
‫سبَقَ الْ َف ْرثَ‬
‫شيْءٌ قَدْ َ‬
‫ظرُ إلَى قُذَ ِذهِ َفلَا يُوجَدُ فِيهِ َ‬
‫شيْءٌ ثُمّ َينْ ُ‬
‫ضيّهِ َفلَا يُوجَدُ فِيهِ َ‬
‫ظرُ إلَى َن ِ‬
‫‪ ,‬ثُمّ َينْ ُ‬

‫علَى حِينِ‬
‫خرُجُونَ َ‬
‫ضعَةِ يَ ْ‬
‫عضُ َديْهِ ِمثْلُ ثَ ْديِ ا ْل َم ْرَأةِ ‪َ ,‬أوْ ِمثْلُ ا ْلبَ ْ‬
‫سوَدُ إحْدَى َ‬
‫وَالدّمَ ‪ ,‬آ َي ُتهُمْ رَجُلٌ أَ ْ‬
‫س ِمعْت هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رَسُولِ اللّهِ صلى ال‬
‫شهَدُ َأنّي َ‬
‫سعِيدٍ ‪ :‬فََأ ْ‬
‫ُفرْقَةٍ مِنْ النّاسِ } ‪ .‬قَالَ َأبُو َ‬

‫عِليّ بْنَ َأبِي طَاِلبٍ قَا َتَلهُمْ َوَأنَا َمعَهُ ‪ ,‬فََأ َمرَ‬
‫شهَدُ أَنّ َ‬
‫عِليّ بْنَ َأبِي طَاِلبٍ قَا َتَلهُمْ ‪َ ,‬وأَ ْ‬
‫عليه وسلم أَنّ َ‬
‫ل اللّهِ صلى ال عليه وسلم الّذِي‬
‫علَى َن ْعتِ رَسُو ِ‬
‫ظرْت إَليْهِ َ‬
‫حتّى نَ َ‬
‫بِ َذِلكَ الرّجُلِ ‪ ,‬فَا ْل ُت ِمسَ فَُأ ِتيَ بِهِ َ‬

‫خوَارِجُ ا ْلمَارِقُونَ مِنْ أَعْظَمِ مَا َذ ّمهُمْ بِهِ ال ّن ِبيّ صلى ال عليه وسلم َأ ّنهُمْ يَ ْق ُتلُونَ‬
‫َن َعتَهُ ‪َ ,‬ف َه ُؤلَاءِ الْ َ‬

‫خوَارِجُ مَعَ‬
‫ن النّاسِ وَالْ َ‬
‫علَى حِينِ ُفرْقَةٍ مِ ْ‬
‫خرُجُونَ َ‬
‫سلَامِ َويَدَعُونَ أَهْلَ الَْأ ْوثَانِ ‪ ,‬وَ َذ َكرَ َأ ّنهُمْ يَ ْ‬
‫أَهْلَ الْإِ ْ‬
‫علَى ِقتَالِ‬
‫سِلمِينَ ‪ ,‬وَالرّافِضَةُ ُيعَا ِونُونَ ا ْلكُفّارَ َ‬
‫علَى ِقتَالِ ا ْلمُ ْ‬
‫هَذَا لَمْ َيكُونُوا ُيعَا ِونُونَ ا ْلكُفّارَ َ‬

‫سِلمِينَ مَعَ ا ْلكُفّارِ ‪َ ,‬فكَانُوا‬
‫حتّى قَا َتلُوا ا ْلمُ ْ‬
‫سلِمِينَ َ‬
‫سِلمِينَ ‪َ ,‬فلَمْ َيكْ ِفهِمْ َأ ّنهُمْ لَا يُقَا ِتلُونَ ا ْلكُفّارَ مَعَ ا ْلمُ ْ‬
‫ا ْلمُ ْ‬
‫علَى وُجُوبِ ِقتَالِ‬
‫سِلمُونَ َ‬
‫جمَعَ ا ْلمُ ْ‬
‫أَعْظَمَ ُمرُوقًا عَنْ الدّينِ مِنْ أُوَل ِئكَ ا ْلمَارِقِينَ ِب َكثِيرٍ َكثِيرٍ ‪ .‬وَقَدْ أَ ْ‬

‫عِليّ رضي ال عنه ‪,‬‬
‫سِلمِينَ ‪َ ,‬كمَا قَا َتَلهُمْ َ‬
‫جمَاعَةَ ا ْلمُ ْ‬
‫حوِهِمْ ‪ ,‬إذَا فَارَقُوا َ‬
‫خوَارِجِ وَال ّروَافِضِ َونَ ْ‬
‫الْ َ‬
‫شرِكِينَ مَا ُهوَ مِنْ‬
‫ج ْنكِيزْ خَانْ َمِلكَ ا ْلمُ ْ‬
‫ش ِركِينَ َكنَائِسًا وَ ِ‬
‫حكَامِ ا ْلمُ ْ‬
‫ضمّوا إلَى َذِلكَ مِنْ أَ ْ‬
‫َف َك ْيفَ إذَا َ‬

‫ح ْك ُمهُمْ وَفِيهِمْ مِنْ الرّدّةِ عَنْ‬
‫ح ْكمُهُ ُ‬
‫سلَامِ ‪َ ,‬وكُلّ مَنْ قَ َفزَ إَل ْيهِمْ مِنْ ُأ َمرَاءَ فَ ُ‬
‫أَعْظَمِ ا ْل ُمضَا ّدةِ لِدِينِ الْإِ ْ‬
‫س ّموْا مَا ِنعِي ال ّزكَاةِ‬
‫سَلفُ قَدْ َ‬
‫سلَامِ ‪َ .‬وإِذَا كَانَ ال ّ‬
‫شرَائِعِ الْإِ ْ‬
‫عنْهُ مِنْ َ‬
‫سلَامِ ‪ ,‬بِقَ ْدرِ مَا ا ْرتَدّ َ‬
‫شرَائِعِ الْإِ ْ‬
‫َ‬

‫ن صَارَ‬
‫سِلمِينَ ‪َ ,‬ف َك ْيفَ ِممّ ْ‬
‫جمَاعَةَ ا ْلمُ ْ‬
‫صلّونَ ‪َ ,‬ولَمْ َيكُونُوا يُقَا ِتلُونَ َ‬
‫ُم ْرتَدّينَ مَعَ َك ْو ِنهِمْ َيصُومُونَ َو ُي َ‬
‫س َت ْولَى َه ُؤلَاءِ ا ْلمُحَا ِربُونَ ِللّهِ‬
‫سِلمِينَ مَعَ َأنّهُ وَا ْل ِعيَاذُ بِاَللّهِ َلوْ ا ْ‬
‫مَعَ أَعْدَاءِ اللّهِ َورَسُولِهِ قَا ِتلًا ِل ْلمُ ْ‬

‫صرَ ‪ .‬فِي ِمثْلِ هَذَا‬
‫علَى َأرْضِ الشّامِ َومِ ْ‬
‫َورَسُولِهِ ا ْلمُحَادّونَ ِللّهِ َورَسُولِهِ ا ْل ُمعَادُونَ ِللّهِ َورَسُولِهِ ‪َ ,‬‬

‫حوِ ِهمَا‬
‫صرَ َونَ ْ‬
‫شرَا ِئعِهِ ‪َ .‬أمّا الطّائِفَةُ بِالشّامِ َو ِم ْ‬
‫سلَامِ وَ ُدرُوسِ َ‬
‫ا ْلوَ ْقتِ َلأَ ْفضَى َذِلكَ إلَى َزوَالِ دِينِ الْإِ ْ‬
‫ق النّاسِ دُخُولًا فِي الطّائِفَةِ ا ْل َمنْصُو َرةِ‬
‫سلَامِ ‪ ,‬وَهُمْ مِنْ أَحَ ّ‬
‫َفهُمْ فِي هَذَا ا ْلوَ ْقتِ ا ْلمُقَا ِتلُونَ عَنْ دِينِ الْإِ ْ‬

‫عنْهُ ‪ { :‬لَا َتزَالُ‬
‫ستَفِيضَةِ َ‬
‫ث الصّحِيحَةِ ا ْلمُ ْ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم بِ َق ْولِهِ فِي الْأَحَادِي ِ‬
‫اّلتِي َذ َكرَهَا ال ّنبِ ّ‬
‫حتّى تَقُومَ السّاعَةُ } ‪.‬‬
‫ضرّهُمْ مَنْ خَالَ َفهُمْ َولَا مَنْ خَ َذَلهُمْ َ‬
‫علَى الْحَقّ لَا َي ُ‬
‫طَائِفَةٌ مِنْ ُأ ّمتِي ظَا ِهرِينَ َ‬

‫ي صلى ال عليه وسلم َت َكلّمَ ِبهَذَا ا ْل َكلَامِ‬
‫سلِمٍ ‪ { :‬لَا َيزَالُ أَهْلُ ا ْل َغ ْربِ } ‪ .‬وَال ّنبِ ّ‬
‫وَفِي ِروَايَةٍ ِلمُ ْ‬

‫شرِيقَ وَال ّت ْغرِيبَ مِنْ‬
‫ن التّ ْ‬
‫ع ْنهَا ‪ ,‬فَإِ ّ‬
‫شرُقُ َ‬
‫شرْقُهُ مَا يَ ْ‬
‫ع ْنهَا ‪ ,‬وَ َ‬
‫ِبمَدِي َنتِهِ ال ّنبَ ِويّةِ ‪َ ,‬ف َغ ْربُهُ مَا َي ْغ ُربُ َ‬
‫‪96‬‬

‫س َكنْ َد ِريّة مِنْ ا ْل َغ ْربِ‬
‫غ ْربٌ ‪َ ,‬وِلهَذَا إذَا قَدِمَ الرّجُلُ إلَى الْإِ ْ‬
‫شرْقٌ وَ َ‬
‫س ِبيّةِ ‪ ,‬إذْ كُلّ َبلَدٍ لَهُ َ‬
‫الُْأمُورِ النّ ْ‬
‫سمّونَ أَهْلَ‬
‫سمّونَ أَهْلَ الشّامِ أَهْلَ ا ْل َغ ْربِ ‪َ ,‬ويُ َ‬
‫شرْقِ ‪َ ,‬وكَانَ أَهْلُ ا ْلمَدِينَةِ يُ َ‬
‫يَقُولُونَ ‪ :‬سَا َفرَ إلَى ال ّ‬

‫طبَا ‪.‬‬
‫شرِقِ َفخَ َ‬
‫جلَانِ مِنْ أَهْلِ ا ْلمَ ْ‬
‫ع َمرَ قَالَ ‪ :‬قَدِمَ رَ ُ‬
‫شرْقِ ‪َ ,‬كمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ ُ‬
‫نَجْدٍ وَا ْل ِعرَاقِ أَهَلَ ال ّ‬
‫ح ْنبَلٍ ‪ :‬أَهْلُ ا ْل َغ ْربِ هُمْ أَهْلُ الشّامِ ‪َ .‬ي ْعنِي‬
‫حمَدُ بْنُ َ‬
‫وَفِي ِروَايَةٍ ‪ { :‬مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ } ‪َ .‬وِلهَذَا قَالَ أَ ْ‬

‫شرْقِ ‪َ ,‬وكُلّ‬
‫ع ْنهَا َف ُهوَ مِنْ ال ّ‬
‫شرُقُ َ‬
‫شرْقِ ‪َ ,‬وكُلّ مَا يَ ْ‬
‫هُمْ أَهْلُ ا ْل َغ ْربِ َكمَا أَنّ نَجْدًا وَا ْل ِعرَاقِ َأوّلُ ال ّ‬

‫حيْنِ ‪ :‬أَنّ ُمعَاذَ بْنَ‬
‫غيْرِهَا َف ُهوَ دَاخِلٌ فِي ا ْل َغ ْربِ ‪ .‬وَفِي الصّحِي َ‬
‫صرَ وَ َ‬
‫مَا َي ْغ ُربُ عَنْ الشّامِ مِنْ ِم ْ‬

‫جبَلٍ قَالَ فِي الطّائِفَةِ ا ْل َم ْنصُو َرةِ ‪ ,‬وَهُمْ بِالشّامِ فَِإ ّنهَا َأصْلُ ا ْل َم ْغ ِربِ ‪ ,‬وَهُمْ َفتَحُوا سَا ِئرَ ا ْل َم ْغ ِربِ ‪:‬‬
‫َ‬

‫ع ْنهَا‬
‫غ ْربُ ا ْلمَدِينَةِ ال ّنبَ ِويّةِ مَا يَ ْق ُربُ َ‬
‫غ ْيرِ َذِلكَ ‪َ ,‬وإِذَا كَانَ َ‬
‫َك ِمصْرِ ‪ ,‬وَالْ َق ْي َروَانِ ‪ ,‬وَالَْأنْ َدلُسِ ‪ ,‬وَ َ‬
‫علَى‬
‫حوَهَا َ‬
‫حرّانَ وَالرّقّةَ وسمنصاط َونَ ْ‬
‫علَى مُسَا َمتَةِ ا ْلمَدِينَةِ ال ّن َب ِويّةِ َكمَا أَنّ َ‬
‫حوُهَا َ‬
‫فَال ّن ّي َرةُ َونَ ْ‬

‫ي صلى ال عليه وسلم ِلمَا‬
‫مُسَا َمتَةِ َمكّةَ ‪َ ,‬فمَا َي ْغ ُربُ عَنْ ال ّنيّ َرةِ َف ُهوَ مِنْ ا ْل َغ ْربِ الّذِينَ وَعَدَهُ ْم ال ّن ِب ّ‬

‫خرَ فِي صِفَةِ الطّائِفَةِ ا ْل َم ْنصُو َرةِ َأ ّنهُمْ بَِأ ْكنَافِ ا ْل َب ْيتِ ا ْلمُقَدّسِ ‪ ,‬وَهَ ِذهِ‬
‫تَقَدّمَ ‪ .‬وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثٍ آ َ‬

‫حوَالَ ا ْلعَالَمِ فِي هَذَا ا ْلوَ ْقتِ َف َعلِمَ أَنّ هَ ِذهِ‬
‫الطّائِفَةُ ِهيَ اّلتِي ِبَأ ْكنَافِ ا ْل َب ْيتِ ا ْلمُقَ ّدسِ ا ْل َيوْمَ َومَنْ يَ ّد ّبرُ أَ ْ‬

‫غ ْر ِبهَا ‪ ,‬فَِإ ّنهُمْ هُمْ‬
‫شرْقِ الَْأرْضِ وَ َ‬
‫جهَادًا عَنْ َ‬
‫ع َملًا وَ ِ‬
‫ع ْلمًا وَ َ‬
‫سلَامِ ِ‬
‫طوَا ِئفِ بِدِينِ الْإِ ْ‬
‫الطّائِفَةَ ِهيَ أَ ْقوَمُ ال ّ‬
‫ش ِركِينَ ‪َ ,‬وأَهْلِ ا ْل ِكتَابِ ‪َ ,‬و َمغَازِيهِمْ مَ َع ال ّنصَارَى ‪,‬‬
‫ش ْوكَةِ ا ْلعَظِيمَةِ مِنْ ا ْلمُ ْ‬
‫الّذِينَ يُقَا ِتلُونَ أَهْلَ ال ّ‬
‫غ ْيرِهِمْ ‪:‬‬
‫خلِينَ فِي الرّافِضَةِ وَ َ‬
‫ش ِركِينَ مِنْ ال ّت ْركِ ‪َ ,‬ومَ َع ال ّزنَادِقَةِ ا ْل ُمنَافِقِينَ مِنْ الدّا ِ‬
‫َومَعَ ا ْلمُ ْ‬

‫سِلمِينَ‬
‫حوِهِمْ مِنْ الْ َقرَامِطَةِ ‪َ ,‬م ْعرُوفَةٌ َم ْعلُومَةٌ قَدِيمًا وَحَدِيثًا وَا ْل ِعزّ الّذِي ِل ْلمُ ْ‬
‫سمَاعِيِليّةِ ‪َ ,‬ونَ ْ‬
‫كَالْإِ ْ‬

‫علَى‬
‫س ّتمِائَةٍ دَخَلَ َ‬
‫سعِينَ وَ ِ‬
‫سنَةَ تِسْعٍ َوتِ ْ‬
‫ِبمَشَارِقِ الَْأرْضِ َو َمغَا ِر ِبهَا ُهوَ ِب ِعزّهِمْ َوِلهَذَا َلمّا ُه ِزمُوا َ‬
‫حكَايَاتُ فِي‬
‫سلَامِ مِنْ الذّلّ وَا ْلمُصِيبَةِ ِبمَشَارِقِ الَْأرْضِ َو َمغَا ِر ِبهَا مَا لَا َي ْعَلمُهُ إلّا اللّهُ ‪ ,‬وَالْ ِ‬
‫أَهْلِ الْإِ ْ‬
‫جزُونَ عَنْ‬
‫ضعَافٌ عَا ِ‬
‫سكّانَ ا ْل َيمَنِ فِي هَذَا ا ْلوَ ْقتِ ِ‬
‫ض َعهَا ‪ ,‬وَ َذِلكَ أَنّ ُ‬
‫َذِلكَ َكثِي َرةٌ َل ْيسَ هَذَا َم ْو ِ‬

‫سمْعِ‬
‫سلُوا بِال ّ‬
‫حتّى َذ َكرُوا َأ ّنهُمْ َأرْ َ‬
‫ض ّيعُونَ لَهُ ‪ ,‬وَهُمْ مُطِيعُونَ ِلمَنْ َمَلكَ هَ ِذهِ ا ْل ِبلَادَ َ‬
‫جهَادِ َأوْ ُم َ‬
‫الْ ِ‬

‫سكّانُ‬
‫جرَى ‪َ .‬وَأمّا ُ‬
‫جرَى ِبهَا مِنْ الْ َقتْلِ مَا َ‬
‫حَلبَ َ‬
‫ش ِركِينَ َلمّا جَاءَ إلَى َ‬
‫وَالطّاعَةِ ِل َه ُؤلَاءِ ‪َ ,‬و َمِلكُ ا ْلمُ ْ‬

‫ضلَالِ وَالْفُجُورِ مَا لَا‬
‫شرِيعَةِ ‪ ,‬وَفِيهِمْ مِنْ ا ْلبِدَعِ وَال ّ‬
‫الْحِجَازِ َفَأ ْك َثرُهُمْ َأوْ َكثِيرٌ ِم ْنهُمْ خَارِجُونَ عَنْ ال ّ‬
‫جزُونَ ‪َ ,‬وِإ ّنمَا َتكُونُ َلهُمْ الْ ُق ّوةُ وَا ْل ِع ّزةُ‬
‫ضعَفُونَ عَا ِ‬
‫س َت ْ‬
‫َي ْعَلمُهُ إلّا اللّهُ ‪َ ,‬وأَهْلُ الْإِيمَانِ وَالدّينِ فِيهِمْ مُ ْ‬
‫سلَامِ ِبهَ ِذهِ ا ْل ِبلَادِ ‪َ ,‬فَلوْ َذّلتْ هَ ِذهِ الطّائِفَةُ وَا ْل ِعيَاذُ بِاَللّهِ َتعَالَى َلكَانَ‬
‫فِي هَذَا ا ْلوَ ْقتِ ِل َغ ْيرِ أَهْلِ الْإِ ْ‬

‫غَلبَ فِيهِ ْم الرّفْضُ ‪َ ,‬و َمَلكَ َه ُؤلَاءِ ال ّتتَارُ ا ْلمُحَا ِربُونَ‬
‫س ّيمَا وَقَدْ َ‬
‫ا ْل ُم ْؤمِنُونَ بِالْحِجَازِ مِنْ أَذَلّ النّاسِ لَا ِ‬
‫عرَا ُبهَا غَاِلبُونَ‬
‫غَلبُوا لَفَسَدَ الْحِجَازُ بِا ْل ُكّليّةِ ‪َ .‬وَأمّا ِبلَادُ إ ْفرِي ِقيّةَ فَأَ ْ‬
‫ِللّهِ َورَسُولِهِ الْآنَ َمرْفُوضُونَ َفَلوْ َ‬
‫‪97‬‬

‫ستِيلَاءِ‬
‫جهَادِ وَا ْل َغزْوِ ‪َ .‬وَأمّا ا ْل َغ ْربُ الْأَ ْقصَى َفمَعَ ا ْ‬
‫س َتحِقّونَ ِللْ ِ‬
‫خلْقِ بَلْ هُمْ مُ ْ‬
‫شرّ الْ َ‬
‫عَل ْيهَا ‪ ,‬وَهُمْ مِنْ َ‬
‫َ‬
‫س َكرِهِمْ مِنْ ال ّنصَارَى‬
‫جهَادِ النّصَارَى الّذِينَ ُهنَاكَ بَلْ فِي عَ ْ‬
‫علَى َأ ْك َثرِ ِبلَادِهِمْ لَا يَقُومُونَ بِ ِ‬
‫الْإِ ْف ِرنْجِ َ‬

‫علَى هَ ِذهِ ا ْل ِبلَادِ َلكَانَ أَهْلُ ا ْل َم ْغ ِربِ َم َعهُمْ مِنْ‬
‫س َت ْولَى ال ّتتَارُ َ‬
‫خلْقٌ عَظِيمٌ َلوْ ا ْ‬
‫ص ْلبَانَ َ‬
‫ن ال ّ‬
‫ح ِملُو َ‬
‫الّذِينَ َي ْ‬
‫غ ْي ُرهُ‬
‫علَى أَهْلِ ا ْل َمغْ ِربِ ‪َ ,‬فهَذَا وَ َ‬
‫ح ْزبًا َ‬
‫س ّيمَا وَال ّنصَارَى تَ ْدخُلُ مَعَ ال ّتتَارِ َف َيصِيرُونَ ِ‬
‫أَذَلّ النّاسِ لَا ِ‬
‫عزّ‬
‫عزّهُمْ ِ‬
‫سلَامِ ‪ ,‬وَ ِ‬
‫صرَ فِي هَذَا ا ْلوَ ْقتِ هُمْ َكتِيبَةُ الْإِ ْ‬
‫ِممّا ُي َبيّنُ أَنّ هَ ِذهِ ا ْل ِعصَابَةَ اّلتِي بِالشّامِ َومِ ْ‬

‫عزّ َولَا َكِلمَةٌ عَاِليَةٌ ‪َ ,‬ولَا‬
‫سلَامِ ِ‬
‫عَل ْيهِمْ ال ّتتَارُ لَمْ َيبْقَ ِللْإِ ْ‬
‫س َت ْولَى َ‬
‫سلَامِ ‪َ ,‬فَلوْ ا ْ‬
‫سلَامِ ‪ ,‬وَ ُذّلهُمْ ذُلّ الْإِ ْ‬
‫الْإِ ْ‬

‫ع ْنهُمْ إلَى ال ّتتَارِ كَانَ أَحَقّ بِالْ ِقتَالِ‬
‫عنْهُ ‪َ ,‬فمَنْ قَ َفزَ َ‬
‫طَائِفَةٌ ظَا ِه َرةٌ عَاِليَةٌ يَخَا ُفهَا أَهْلُ الَْأرْضِ تُقَاتِلُ َ‬

‫غيْرُ ا ْل ُم ْك َرهِ ‪.‬‬
‫مِنْ َكثِيرٍ مِنْ ال ّتتَارِ ‪ ,‬فَإِنّ ال ّتتَارَ فِيهِمْ ا ْل ُم ْك َرهُ وَ َ‬

‫صِليّ مِنْ وُجُوهٍ ُم َتعَدّ َدةٍ ‪ِ :‬م ْنهَا ‪:‬‬
‫سنّةُ بِأَنّ عُقُوبَةَ ا ْل ُم ْرتَدّ أَعْظَمُ مِنْ عُقُوبَةِ ا ْلكَا ِفرِ الَْأ ْ‬
‫ستَ َق ّرتْ ال ّ‬
‫وَقَدْ ا ْ‬
‫صِليّ ‪.‬‬
‫خلَافِ ا ْلكَا ِفرِ الَْأ ْ‬
‫ج ْزيَةٌ ‪َ ,‬ولَا ُتعْقَدُ لَهُ ِذمّةٌ بِ ِ‬
‫عَليْهِ ِ‬
‫أَنّ ا ْل ُمرْتَدّ يُ ْقتَلُ ِبكُلّ حَالٍ ‪َ ,‬ولَا ُيضْ َربُ َ‬

‫صِليّ الّذِي َليْسَ ُهوَ مِنْ أَهْلِ‬
‫خلَافِ ا ْلكَا ِفرِ الَْأ ْ‬
‫جزًا عَنْ الْ ِقتَالِ بِ ِ‬
‫َو ِم ْنهَا ‪ :‬أَنّ ا ْل ُم ْرتَدّ يُ ْقتَلُ َوإِنْ كَانَ عَا ِ‬

‫ج ْمهُورِ‬
‫حمَدَ ‪َ .‬وِلهَذَا كَانَ مَذْ َهبُ الْ ُ‬
‫حنِيفَة ‪َ ,‬ومَاِلكٍ ‪َ ,‬وأَ ْ‬
‫عنْدَ َأ ْك َثرِ ا ْلعَُلمَاءِ َكَأبِي َ‬
‫الْ ِقتَالِ فَِإنّهُ لَا يُ ْقتَلُ ِ‬

‫حمَدَ ‪َ .‬و ِم ْنهَا أَنّ ا ْل ُمرْتَدّ لَا َي ِرثُ ‪َ ,‬ولَا ُينَاكَحُ‬
‫أَنّ ا ْل ُمرْتَدّ يُ ْقتَلُ َكمَا ُهوَ مَذْ َهبُ مَاِلكٍ ‪ ,‬وَالشّا ِف ِعيّ ‪َ ,‬وأَ ْ‬
‫ت الرّ ّدةُ عَنْ‬
‫حكَامِ ‪َ ,‬وإِذَا كَا َن ْ‬
‫غ ْيرِ َذِلكَ مِنْ الْأَ ْ‬
‫صِليّ ‪ ,‬إلَى َ‬
‫خلَافِ ا ْلكَا ِفرِ الَْأ ْ‬
‫حتُهُ ‪ ,‬بِ ِ‬
‫‪َ ,‬ولَا ُت ْؤكَلُ َذبِي َ‬

‫صِليّ‬
‫خرُوجِ الْخَارِجِ الَْأ ْ‬
‫شرَا ِئعِهِ أَعْظَمُ مِنْ ُ‬
‫َأصْلِ الدّينِ أَعْظَمَ مِنْ ا ْلكُ ْفرِ ِبَأصْلِ الدّينِ ‪ ,‬فَالرّ ّدةُ عَنْ َ‬

‫حوَالَ ال ّتتَارِ َو َي ْعلَمُ أَنّ ا ْل ُم ْرتَدّينَ الّذِينَ فِيهِمْ مِنْ الْ ُفرْسِ‬
‫شرَا ِئعِهِ ‪َ ,‬وِلهَذَا كَانَ كُلّ ُم ْؤمِنٍ َي ْع ِرفُ أَ ْ‬
‫عَنْ َ‬

‫شهَا َد َتيْنِ‬
‫حوِهِمْ ‪ ,‬وَهُمْ َبعْدَ أَنْ َت َكّلمُوا بِال ّ‬
‫صلِيّينَ مِنْ ال ّت ْركِ َونَ ْ‬
‫شرّ مِنْ ا ْلكُفّارِ الَْأ ْ‬
‫غ ْيرِهِمْ َ‬
‫وَا ْلعَ َربِ وَ َ‬

‫غ ْيرِهِمْ ‪َ .‬و ِبهَذَا َي َت َبيّنُ‬
‫خ ْيرٌ مِنْ ا ْل ُم ْرتَدّينَ مِنْ الْ ُف ْرسِ وَا ْل َعرَبِ وَ َ‬
‫شرَائِعِ الدّينِ َ‬
‫مَعَ َت ْر ِكهِمْ ِل َكثِيرٍ مِنْ َ‬

‫سلِمَ‬
‫شرّ مِنْ ال ّت ْركِ الّذِينَ كَانُوا كُفّارًا ‪ ,‬فَإِنّ ا ْلمُ ْ‬
‫سلِمَ الَْأصْلِ ُهوَ َ‬
‫أَنّ مَنْ كَانَ َم َعهُمْ ِممّنْ كَانَ مُ ْ‬

‫شرَائِعِ ِمثْلُ ‪:‬‬
‫س َوأَ حَالًا ِممّنْ لَمْ يَدْخُلْ َبعْدُ فِي ِت ْلكَ ال ّ‬
‫شرَا ِئعِهِ كَانَ أَ ْ‬
‫صلِيّ إذَا ا ْرتَدّ عَنْ َبعْضِ َ‬
‫الَْأ ْ‬

‫شرَائِعِ ُمتَفَ ّقهًا ‪َ ,‬أوْ‬
‫مَا ِنعِي ال ّزكَاةِ َوَأ ْمثَاِلهِمْ ِممّنْ قَا َتَلهُمْ الصّدّيقُ ‪َ .‬وإِنْ كَانَ ا ْل ُم ْرتَدّ عَنْ َبعْضِ ال ّ‬
‫خلُوا فِي ِت ْلكَ‬
‫ن ال ّت ْركِ الّذِينَ لَمْ يَدْ ُ‬
‫شرّ مِ ْ‬
‫غ ْيرَ َذِلكَ َف َه ُؤلَاءِ َ‬
‫جرًا ‪َ ,‬أوْ كَا ِتبًا ‪َ ,‬أوْ َ‬
‫ُم َتصَوّفًا َأوْ تَا ِ‬

‫علَى الدّينِ مَا لَا يَجِدُونَهُ‬
‫ض َررِ َه ُؤلَاءِ َ‬
‫ن َ‬
‫سِلمُونَ مِ ْ‬
‫سلَامِ ‪َ ,‬وِلهَذَا يَجِدُ ا ْلمُ ْ‬
‫علَى الْإِ ْ‬
‫صرّوا َ‬
‫شرَائِعِ َوَأ َ‬
‫ال ّ‬
‫شرَا ِئعِهِ وَطَاعَ ِة اللّهِ َورَسُولِهِ أَعْظَمَ مِنْ انْ ِقيَادِ َه ُؤلَاءِ الّذِينَ‬
‫سلَامِ وَ َ‬
‫ضرَرِ أُوَل ِئكَ ‪َ ,‬و َينْقَادُونَ ِللْإِ ْ‬
‫مِنْ َ‬

‫ا ْرتَدّوا عَنْ َبعْضِ الدّينِ َونَافَقُوا فِي َبعْضِهِ ‪َ ,‬وإِنْ تَظَا َهرُوا بِالِا ْنتِسَابِ إلَى ا ْل ِعلْمِ وَالدّينِ ‪ ,‬وَغَايَةُ مَا‬
‫ج ْه ِميّا اتّحَا ِديّا‬
‫خيَارُهُمْ َيكُونُ َ‬
‫ضيّا ‪ ,‬وَ ِ‬
‫سمَاعِيِليّا ‪َ ,‬أوْ رَا ِف ِ‬
‫ص ْي ِريّا ‪َ ,‬أوْ إ ْ‬
‫يُوجَدُ مِنْ َه ُؤلَاءِ َيكُونُ ُملْحِدًا ُن َ‬
‫‪98‬‬

‫جرٌ‬
‫سلَامِ إلّا ُمنَافِقٌ ‪َ ,‬أوْ ِزنْدِيقٌ ‪َ ,‬أوْ فَاسِقٌ فَا ِ‬
‫ظ ِهرِينَ ِللْإِ ْ‬
‫طوْعًا مِنْ ا ْلمُ ْ‬
‫ح َوهُ ‪ ,‬فَِإنّهُ لَا َي ْنضَمّ إَل ْيهِمْ َ‬
‫َأوْ نَ ْ‬
‫جمِيعَهُ إذْ لَا‬
‫س َكرَ َ‬
‫عَل ْينَا أَنْ نُقَاتِلَ ا ْلعَ ْ‬
‫علَى ِن ّيتِهِ ‪َ ,‬ونَحْنُ َ‬
‫خرَجُوهُ َم َعهُمْ ُم ْكرَهًا فَِإنّهُ ُي ْب َعثُ َ‬
‫‪َ ,‬ومَنْ أَ ْ‬

‫غ ْي ِرهِ ‪ .‬وَقَدْ َث َبتَ فِي الصّحِيحِ ‪ :‬عَنْ ال ّن ِبيّ صلى ال عليه وسلم َأنّهُ قَالَ ‪:‬‬
‫َي َت َم ّيزُ ا ْل ُم ْك َرهُ مِنْ َ‬

‫سفَ ِبهِمْ فَقِيلَ ‪ :‬يَا رَسُولَ‬
‫ج ْيشٌ مِنْ النّاسِ ‪َ ,‬ف َب ْي َنمَا هُمْ ِب َبيْدَاءَ مِنْ الَْأ ْرضِ إذْ خُ ِ‬
‫{ َي ْغزُو هَذَا ا ْل َبيْتَ َ‬

‫ي صلى ال‬
‫ن ال ّن ِب ّ‬
‫ستَفِيضٌ عَ ْ‬
‫علَى ِنيّا ِتهِمْ } ‪ .‬وَالْحَدِيثُ مُ ْ‬
‫اللّهِ ‪ ,‬إنّ فِيهِمْ ا ْل ُم ْكرَهَ ‪ .‬فَقَالَ ‪ُ :‬ي ْب َعثُونَ َ‬
‫سَلمَةَ ‪ .‬فَفِي‬
‫خرَجَهُ َأ ْربَابُ الصّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ ‪ ,‬وَحَ ْفصَةَ ‪َ ,‬وأُمّ َ‬
‫عليه وسلم مِنْ ُوجُوهٍ ُم َتعَدّ َدةٍ أَ ْ‬

‫ل اللّ ِه صلى ال عليه وسلم ‪َ :‬يعُوذُ عَائِذٌ بِا ْل َب ْيتِ‬
‫سَلمَةَ قَاَلتْ ‪ { :‬قَالَ رَسُو ُ‬
‫سلِمٍ ‪ :‬عَنْ أُمّ َ‬
‫صَحِيحِ مُ ْ‬
‫ل اللّهِ ‪َ ,‬ف َك ْيفَ ِبمَنْ كَانَ‬
‫سفَ ِبهِمْ فَ ُقلْت ‪ :‬يَا رَسُو َ‬
‫َف ُي ْب َعثُ إَليْهِ َب ْعثٌ فَإِذَا كَانُوا ِب َبيْدَاءَ مِنْ الَْأرْضِ خُ ِ‬

‫حيْنِ ‪ :‬عَنْ‬
‫علَى ِن ّيتِهِ } وَفِي الصّحِي َ‬
‫سفُ بِهِ َم َعهُمْ َوَل ِكنّهُ ُي ْب َعثُ َيوْمَ الْ ِقيَامَةِ َ‬
‫كَارِهًا ‪ .‬قَالَ ‪ُ :‬يخْ َ‬

‫ص َنعْت‬
‫ع َبثَ رَسُولُ اللّهِ صلى ال عليه وسلم فِي َمنَامِهِ فَ ُق ْلنَا ‪ :‬يَا رَسُولَ اللّهِ ‪َ ,‬‬
‫عَائِشَةَ قَاَلتْ ‪َ { :‬‬
‫جبُ أَنّ نَاسًا مِنْ ُأ ّمتِي َي ُؤمّونَ هَذَا ا ْل َب ْيتَ ِبرَجُلٍ مِنْ‬
‫ش ْيئًا فِي َمنَامِك لَمْ َتكُنْ تَ ْف َعلُهُ ‪ .‬فَقَالَ ‪ :‬ا ْلعَ َ‬
‫َ‬
‫سفَ ِبهِمْ ‪ .‬فَ ُق ْلنَا ‪ :‬يَا رَسُولَ اللّهِ ‪ ,‬إنّ‬
‫حتّى إذَا كَانُوا بِا ْل َبيْدَاءِ خُ ِ‬
‫ُق َر ْيشٍ ‪ ,‬وَقَدْ لَجَأَ إلَى ا ْل َب ْيتِ َ‬

‫سبِيلِ َف َي ْهِلكُونَ َم ْهَلكًا‬
‫جنُونُ وَابْنُ ال ّ‬
‫صرُ وَا ْلمَ ْ‬
‫س َت ْن ِ‬
‫جمَعُ النّاسَ ‪ .‬قَالَ ‪َ :‬نعَمْ ‪ ,‬فِيهِمْ ا ْلمُ ْ‬
‫طرِيقَ قَدْ يَ ْ‬
‫ال ّ‬
‫علَى ِنيّا ِتهِمْ } وَفِي لَفْظٍ ِل ْلبُخَا ِريّ ‪ :‬عَنْ‬
‫عزّ وَجَلّ َ‬
‫شتّى ‪َ ,‬ي ْب َع ُثهُمْ اللّهُ َ‬
‫وَاحِدًا َو َيصْدُرُونَ َمصَا ِدرَ َ‬

‫ج ْيشٌ ا ْل َك ْعبَةِ فَإِذَا كَانُوا ِب َبيْدَاءَ مِنْ‬
‫ل اللّ ِه صلى ال عليه وسلم ‪َ :‬ي ْغزُو َ‬
‫عَائِشَةَ قَاَلتْ ‪ { :‬قَالَ رَسُو ُ‬

‫خرِهِمْ ‪ ,‬وَفِيهِمْ‬
‫سفُ بَِأ ّوِلهِمْ وَآ ِ‬
‫ل اللّهِ ‪ ,‬يُخْ َ‬
‫خرِهِمْ ‪ .‬قَاَلتْ ‪ُ :‬قلْت ‪ :‬يَا رَسُو َ‬
‫سفُ ِبَأ ّوِلهِمْ وَآ ِ‬
‫الَْأرْضِ يُخْ َ‬
‫علَى ِنيّا ِتهِمْ } ‪ .‬وَفِي صَحِيحِ‬
‫خرِهِمْ ثُمّ ُي ْب َعثُونَ َ‬
‫سفُ ِبَأ ّوِلهِمْ وَآ ِ‬
‫سوَا ُقهُمْ َومَنْ َل ْيسَ ِم ْنهُمْ ‪ .‬قَالَ ‪ :‬يُخْ َ‬
‫أَ ْ‬

‫س َيعُوذُ ِبهَذَا ا ْل َب ْيتِ ‪َ -‬ي ْعنِي ا ْل َك ْعبَةَ‬
‫ل اللّهِ صلى ال عليه وسلم قَالَ ‪َ :‬‬
‫سلِمٍ ‪ :‬عَنْ حَ ْفصَةَ { أَنّ رَسُو َ‬
‫مُ ْ‬
‫حتّى إذَا كَانُوا ِب َبيْدَاءَ مِنْ‬
‫ج ْيشٌ َي ْو َمئِذٍ َ‬
‫ستْ َلهُمْ َم َنعَةٌ َولَا عَدَدٌ َولَا عُ ّدةٌ ‪ُ ,‬ي ْب َعثُ إَل ْيهِمْ َ‬
‫‪َ -‬قوْمٌ َليْ َ‬

‫عبْ ُد اللّهِ‬
‫سفُ بْنُ مَا َهكَ ‪َ :‬وأَهْلُ الشّامِ َي ْو َمئِذٍ يَسِيرُونَ إلَى َمكّةَ فَقَالَ َ‬
‫سفَ ِبهِمْ } ‪ .‬قَالَ يُو ُ‬
‫الَْأرْضِ خُ ِ‬
‫ح ُرمَاتِهِ‬
‫ج ْيشَ الّذِي َأرَادَ أَنْ َي ْن َت ِهكَ ُ‬
‫جيْشِ َفاَللّهُ َتعَالَى أَ ْهَلكَ الْ َ‬
‫بْنُ صَ ْفوَانَ ‪َ :‬أمَا َواَللّهِ مَا ُهوَ ِبهَذَا الْ َ‬

‫جبُ‬
‫علَى ِنيّا ِتهِمْ ‪َ .‬ف َك ْيفَ يَ ِ‬
‫علَى ال ّت ْميِيزِ َب ْي َنهُمْ مَعَ َأنّهُ َي ْب َع ُثهُمْ َ‬
‫غ ْيرَ ا ْل ُم ْك َرهِ ‪ .‬مَعَ قُ ْد َرتِهِ َ‬
‫ا ْل ُم ْكرَهَ فِيهِمْ وَ َ‬

‫غيْ ِرهِ وَهُمْ لَا َي ْعَلمُونَ َذِلكَ بَلْ َلوْ ادّعَى مُدّعٍ َأنّهُ‬
‫علَى ا ْل ُم ْؤ ِمنِينَ ا ْلمُجَاهِدِينَ أَنْ ُي َم ّيزُوا َبيْنَ ا ْل ُم ْك َرهِ وَ َ‬
‫َ‬
‫طلِبِ قَالَ لِل ّن ِبيّ‬
‫عبْدِ ا ْلمُ ّ‬
‫عوَاهُ ‪َ .‬كمَا ُر ِويَ { أَنّ ا ْل َعبّاسَ بْنَ َ‬
‫جرّدِ دَ ْ‬
‫خرَجَ ُم ْكرَهًا لَمْ َينْ َفعْهُ َذِلكَ ِبمُ َ‬
‫َ‬

‫ل اللّهِ ‪ ,‬إنّي ‪ُ ,‬كنْت ُم ْكرَهًا ‪ .‬فَقَالَ ‪:‬‬
‫سلِمُونَ َيوْمَ بَ ْدرٍ ‪ :‬يَا رَسُو َ‬
‫س َرهُ ا ْلمُ ْ‬
‫صلى ال عليه وسلم َلمّا أَ َ‬
‫خيَارِ‬
‫سرِي َرتُك َفِإلَى اللّهِ } ‪ .‬بَلْ َلوْ كَانَ فِيهِمْ َقوْ ٌم صَالِحُونَ مِنْ ِ‬
‫عَل ْينَا َوَأمّا َ‬
‫َأمّا ظَا ِهرُك َفكَانَ َ‬
‫‪99‬‬

‫علَى أَنّ ا ْلكُفّارَ َلوْ َت َترّسُوا‬
‫النّاسِ َولَمْ ُي ْمكِنْ ِقتَاُلهُمْ إلّا بِ َقتْلِ َه ُؤلَاءِ لَ ُق ِتلُوا َأ ْيضًا فَإِنّ الَْأ ِئمّةَ ُمتّفِقُونَ َ‬
‫خفْ‬
‫سِلمِينَ إذَا لَمْ يُقَا ِتلُوا فَِإنّهُ يَجُوزُ أَنْ َن ْر ِم َيهُمْ َونَقْصِدَ ا ْلكُفّارَ ‪َ ,‬وَلوْ لَمْ نَ َ‬
‫علَى ا ْلمُ ْ‬
‫سِلمِينَ وَخِيفَ َ‬
‫ِبمُ ْ‬
‫جهَادِ‬
‫سِلمِينَ َأ ْيضًا فِي أَحَدِ َق ْوَليْ ا ْل ُعلَمَاءِ ‪َ .‬ومَنْ ُقتِلَ لِأَجْلِ الْ ِ‬
‫سِلمِينَ جَازَ وَ ِهيَ أُوَل ِئكَ ا ْلمُ ْ‬
‫علَى ا ْلمُ ْ‬
‫َ‬

‫علَى ِن ّيتِهِ ‪َ ,‬ولَمْ َيكُنْ َق ْتلُهُ‬
‫شهِيدًا ‪َ ,‬و ُب ِعثَ َ‬
‫ظلُومٌ كَانَ َ‬
‫الّذِي َأ َمرَ اللّهُ بِهِ َورَسُولُهُ ُهوَ فِي ا ْلبَاطِنِ مَ ْ‬
‫جبًا َوإِنْ ُقتِلَ مِنْ‬
‫جهَادُ وَا ِ‬
‫أَعْظَمَ فَسَادًا مِنْ َقتْلِ مَنْ يُ ْقتَلُ مِنْ ا ْل ُم ْؤ ِمنِينَ ا ْلمُجَاهِدِينَ ‪َ ,‬وإِذَا كَانَ الْ ِ‬

‫جهَادِ َل ْيسَ أَعْظَمَ مِنْ هَذَا ‪,‬‬
‫سِلمِينَ لِحَاجَةِ الْ ِ‬
‫سِلمِينَ مَا شَا َء اللّهُ فَقِيلَ مَنْ يُ ْقتَلُ فِي صَ ّفهِمْ مِنْ ا ْلمُ ْ‬
‫ا ْلمُ ْ‬

‫سيْفِهِ َوَليْسَ لَهُ أَنْ يُقَاتِلَ ‪َ ,‬وإِنْ‬
‫سرِ َ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ا ْل ُم ْك َرهَ فِي ِقتَالِ الْ ِف ْتنَةِ ِبكَ ْ‬
‫بَلْ قَدْ َأ َمرَ ال ّن ِب ّ‬
‫س َتكُونُ‬
‫ل اللّ ِه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬إ ّنهَا َ‬
‫سلِمٍ عَنْ َأبِي َب ْك َرةَ { قَالَ رَسُو ُ‬
‫ُقتِلَ ‪َ ,‬كمَا فِي صَحِيحِ مُ ْ‬
‫خ ْيرٌ مِنْ‬
‫خ ْيرٌ مِنْ ا ْلمَاشِي ‪ ,‬وَا ْلمَاشِي فِيهَا َ‬
‫ِفتَنٌ َألَا ثُمّ َتكُونُ ِفتَنٌ َألَا ثُمّ َتكُونُ ِفتَنٌ الْقَاعِدُ فِيهَا َ‬

‫غنَمٌ َف ْل َيلْحَقْ‬
‫السّاعِي ‪َ ,‬ألَا فَإِذَا َن َزلَتْ َأوْ وَ َق َعتْ َفمَنْ كَانَ لَهُ إبِلٌ َف ْل َيلْحَقْ بِِإ ِبلِهِ ‪َ ,‬ومَنْ كَا َنتْ لَهُ َ‬

‫ل اللّهِ ‪َ ,‬أ َرَأيْت مَنْ لَمْ‬
‫ِب َغ َنمِهِ ‪َ ,‬ومَنْ كَا َنتْ لَهُ َأرْضٌ َف ْل َيلْحَقْ ِبَأرْضِهِ ‪ ,‬قَالَ ‪ :‬فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُو َ‬

‫جرٍ ‪ ,‬ثُمّ ِل َينْجُ إنْ‬
‫علَى حَ ّدهِ بِحَ َ‬
‫سيْفِهِ َفيَدُقّ َ‬
‫غنَمٌ ‪َ ,‬ولَا َأرْضٌ قَالَ ‪َ :‬ي ْعمِدُ إلَى َ‬
‫َيكُنْ لَهُ إبِلٌ ‪َ ,‬ولَا َ‬

‫ل اللّهِ ‪,‬‬
‫ستَطَاعَ النّجَاةَ ‪ .‬الّلهُمّ هَلْ َبّلغْت ‪ ,‬الّلهُمّ هَلْ َبّلغْت الّلهُمّ هَلْ َبّلغْت ‪ .‬فَقَالَ رَجُلٌ ‪ :‬يَا رَسُو َ‬
‫اْ‬

‫سيْفِهِ َأوْ‬
‫ض ِر ُبنِي رَجُلٌ بِ َ‬
‫طلَقَ بِي إلَى إحْدَى الصّفّيْنِ َأوْ إحْدَى الْ ِف َئ َتيْنِ َف َي ْ‬
‫حتّى ُينْ َ‬
‫َأ َرَأيْت إنْ ُأ ْكرِهْت َ‬
‫ب النّارِ } ‪ .‬فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ َأنّهُ‬
‫س ْهمِهِ َفيَ ْق ُتَلنِي ‪ .‬قَالَ ‪َ :‬يبُوءُ بِِإ ْثمِهِ َوِإ ْثمِك ‪َ ,‬و َيكُونُ مِنْ َأصْحَا ِ‬
‫بِ َ‬

‫سلَاحِ الّذِي يُقَاتِلُ‬
‫ع ِتزَالِ َأوْ إ ْفسَادِ ال ّ‬
‫َنهَى عَنْ الْ ِقتَالِ فِي الْ ِف ْتنَةِ بَلْ َأ َمرَ ِبمَا َي َتعَ ّذرُ َمعَهُ الْ ِقتَالُ مِنْ الِا ْ‬
‫ظ ْلمًا كَانَ الْقَاتِلُ قَدْ بَاءَ بِِإ ْثمِهِ‬
‫غ ْي ُرهُ ثُمّ َبيّنَ أَنّ ا ْل ُم ْك َرهَ إذَا ُقتِلَ ُ‬
‫بِهِ ‪ .‬وَقَدْ َدخَلَ فِي َذِلكَ ا ْل ُم ْك َرهُ وَ َ‬

‫ظلُومِ { إنّي ُأرِيدُ أَنْ َتبُوءَ بِِإ ْثمِي َوِإ ْثمِك‬
‫َوِإثْمِ ا ْلمَ ْقتُولِ َكمَا قَالَ َتعَالَى فِي ِقصّةِ ا ْب َنيْ آدَمَ عَنْ ا ْلمَ ْ‬

‫علَى نَفْسِهِ‬
‫ل صَائِلٌ َ‬
‫جزَاءُ الظّاِلمِينَ } َو َم ْعلُومٌ أَنّ الِْإنْسَانَ إذَا صَا َ‬
‫َف َتكُونَ مِنْ َأصْحَابِ النّارِ وَ َذِلكَ َ‬
‫علَى َق ْوَليْنِ ُهمَا‬
‫عَليْهِ الدّفْعُ بِالْ ِقتَالِ َ‬
‫جبُ َ‬
‫جمَاعِ َوِإ ّنمَا َتنَازَعُوا هَلْ يَ ِ‬
‫سنّةِ وَالْإِ ْ‬
‫جَازَ لَهُ الدّفْعُ بِال ّ‬

‫صفّ ‪ .‬وَالثّا ِنيَةُ ‪ :‬يَجُوزُ لَهُ‬
‫ضرْ ال ّ‬
‫ح ُ‬
‫جبُ الدّفْعُ عَنْ نَفْسِهِ َوَلوْ لَمْ يَ ْ‬
‫حمَدَ ‪ :‬إحْدَا ُهمَا ‪َ :‬ي ِ‬
‫ِروَا َيتَانِ عَنْ أَ ْ‬
‫الدّفْعُ عَنْ نَفْسِهِ ‪َ .‬وَأمّا الِا ْبتِدَاءُ بِالْ ِقتَالِ فِي الْ ِف ْتنَةِ َفلَا يَجُوزُ ِبلَا َر ْيبٍ ‪ ,‬وَا ْلمَ ْقصُودُ َأنّهُ إذَا كَانَ‬

‫حتّى يُ ْقتَلَ‬
‫ص ِبرَ َ‬
‫سلَاحِهِ ‪َ ,‬وأَنْ َي ْ‬
‫عَليْهِ إفْسَادُ ِ‬
‫علَى الْ ِقتَالِ فِي الْ ِف ْتنَةِ َل ْيسَ لَهُ أَنْ يُقَاتِلَ ‪ ,‬بَلْ َ‬
‫ا ْل ُم ْكرَهُ َ‬
‫سلَامِ ‪َ :‬كمَا ِنعِي‬
‫شرَائِعِ الْإِ ْ‬
‫سِلمِينَ مَعَ الطّائِفَةِ الْخَارِجَةِ عَنْ َ‬
‫علَى ِقتَالِ ا ْلمُ ْ‬
‫ظلُومًا َف َك ْيفَ بِا ْل ُم ْك َرهِ َ‬
‫مَ ْ‬

‫حضُورِ أَنْ لَا يُقَاتِلَ‬
‫علَى الْ ُ‬
‫عَليْهِ إذَا ُأ ْك ِرهَ َ‬
‫جبُ َ‬
‫حوِهِمْ ‪َ ,‬فلَا َر ْيبَ أَنّ هَذَا يَ ِ‬
‫ال ّزكَاةِ ‪ ,‬وَا ْلمُ ْرتَدّينَ ‪َ ,‬ونَ ْ‬
‫سلِمِينَ ‪َ ,‬و َكمَا َلوْ َأ ْك َرهَ‬
‫حضُورِ صَ ّفهِمْ ِليُقَاتِلَ ا ْلمُ ْ‬
‫علَى ُ‬
‫سِلمُونَ َكمَا َلوْ َأ ْكرَهَهُ ا ْلكُفّارُ َ‬
‫َوإِنْ َق َتلَهُ ا ْلمُ ْ‬
‫‪100‬‬

‫سِلمِينَ ‪َ ,‬وإِنْ َأ ْكرَهَهُ بِالْ َقتْلِ‬
‫سلِمٍ َمعْصُومٍ فَِإنّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ َق ْتلُهُ بِاتّفَاقِ ا ْلمُ ْ‬
‫علَى َقتْلِ مُ ْ‬
‫جلًا َ‬
‫رَجُلٌ رَ ُ‬
‫غ ْي َرهُ َفيَ ْق ُتلَهُ ‪ِ ,‬ل َئلّا‬
‫ظلِمَ َ‬
‫فَِإنّهُ َل ْيسَ حِفْظُ نَفْسِهِ بِ َقتْلِ َذِلكَ ا ْل َمعْصُومِ َأ ْولَى مِنْ ا ْل َع ْكسِ ‪َ ,‬فَل ْيسَ لَهُ أَنْ يَ ْ‬

‫حمَدَ ‪َ ,‬ومَاِلكٍ ‪,‬‬
‫عنْدَ َأ ْك َثرِ ا ْل ُعَلمَاءِ ‪ :‬كَأَ ْ‬
‫جمِيعًا ِ‬
‫علَى ا ْل ُم ْك ِرهِ َ‬
‫يُ ْقتَلَ ُهوَ ‪ ,‬بَلْ إذَا َفعَلَ َذِلكَ كَانَ الْ َقوَدُ َ‬
‫حنِيفَةَ ‪,‬‬
‫علَى ا ْل ُم ْك ِرهِ فَقَطْ كَ َقوْلِ ‪َ :‬أبِي َ‬
‫جبُ الْ َقوَدُ َ‬
‫خرِ ‪َ :‬ي ِ‬
‫وَالشّا ِف ِعيّ ‪ ,‬فِي أَحَدِ َق ْوَليْهِ ‪ ,‬وَفِي الْآ َ‬

‫جبُ‬
‫سفَ ‪ :‬يُو ِ‬
‫شرِ َكمَا ُر ِويَ َذِلكَ عَنْ زُ َفرَ ‪َ ,‬وَأبُو يُو ُ‬
‫علَى ا ْل ُم ْك َرهِ ا ْل ُمبَا ِ‬
‫حمّدٍ ‪ ,‬وَقِيلَ ‪ :‬الْ َقوَدُ َ‬
‫َومُ َ‬
‫ي صلى ال عليه‬
‫ن ال ّن ِب ّ‬
‫سلِمٌ فِي صَحِيحِهِ ‪ :‬عَ ْ‬
‫جبْهُ ‪ .‬وَقَدْ َروَى مُ ْ‬
‫ضمَانَ بِال ّديَةِ بَدَلَ الْ َقوَدِ َولَمْ يُو ِ‬
‫ال ّ‬

‫ظهُورِ الدّينِ ‪َ ,‬وِلهَذَا‬
‫صلَحَةِ ُ‬
‫وسلم ِقصّةَ َأصْحَابِ الْأُخْدُودِ وَفِيهَا أَنّ ا ْل ُغلَامَ َأ َمرَ بِ َقتْلِ نَفْسِهِ لِأَجْلِ َم ْ‬
‫ظنّهِ َأ ّنهُمْ يَ ْق ُتلُونَهُ إذَا كَانَ‬
‫علَى َ‬
‫غَلبَ َ‬
‫صفّ ا ْلكُفّارِ َوإِنْ َ‬
‫سلِمُ فِي َ‬
‫ج ّوزَ الَْأ ِئمّةُ الَْأ ْر َبعَةُ أَنْ َي ْن َغمِسَ ا ْلمُ ْ‬
‫َ‬

‫ن الرّجُلُ‬
‫خرَ ‪ ,‬فَإِذَا كَا َ‬
‫طنَا الْ َقوْلَ فِي هَ ِذهِ ا ْلمَسَْألَةِ فِي َم ْوضِعٍ آ َ‬
‫سِلمِينَ ‪ .‬وَقَدْ بَسَ ْ‬
‫صلَحَةٌ ِل ْلمُ ْ‬
‫فِي َذِلكَ َم ْ‬
‫جهَادِ مَعَ أَنّ َق ْتلَهُ نَفْسَهُ أَعْظَمُ مِنْ َق ْتلِهِ ِل َغ ْيرِهِ كَانَ مَا‬
‫صلَحَةِ الْ ِ‬
‫يَ ْفعَلُ مَا َي ْعتَقِدُ َأنّهُ يُ ْقتَلُ بِهِ ِلأَجْلِ َم ْ‬

‫ض َررِ ا ْلعَ ُدوّ ا ْلمُفْسِدِ‬
‫حصُلُ إلّا بِ َذِلكَ وَدَفْ ِع َ‬
‫غ ْي ِرهِ لِأَجْلِ َمصْلَحَةِ الدّينِ اّلتِي لَا تَ ْ‬
‫يُ ْفضِي إلَى َقتْلِ َ‬

‫ن الصّائِلَ‬
‫علَى أَ ّ‬
‫جمَاعُ ُمتّفِ َقيْنِ َ‬
‫سنّةُ وَالْإِ ْ‬
‫لِلدّينِ وَال ّد ْنيَا ‪ ,‬الّذِي لَا َينْدَفِعُ إلّا بِ َذِلكَ َأ ْولَى َوإِذَا كَا َنتْ ال ّ‬

‫سلِمَ إذَا لَمْ َينْدَفِعْ صَ ْولُهُ إلّا بِالْ َقتْلِ ُقتِلَ َوإِنْ كَانَ ا ْلمَالُ الّذِي يَأْخُ ُذهُ قِيرَاطًا مِنْ دِينَارٍ ‪َ ,‬كمَا قَالَ‬
‫ا ْلمُ ْ‬
‫شهِيدٌ ‪َ ,‬ومَنْ ُقتِلَ دُونَ‬
‫ث الصّحِيحِ ‪ { :‬مَنْ ُقتِلَ دُونَ مَالِهِ َف ُهوَ َ‬
‫ال ّن ِبيّ صلى ال عليه وسلم فِي الْحَدِي ِ‬
‫شرَائِعِ‬
‫شهِيدٌ } ‪َ .‬ف َك ْيفَ بِ ِقتَالِ َه ُؤلَاءِ الْخَارِجِينَ عَنْ َ‬
‫ح َرمِهِ َف ُهوَ َ‬
‫شهِيدٌ ‪َ ,‬ومَنْ ُقتِلَ دُونَ َ‬
‫َدمِهِ َف ُهوَ َ‬

‫ص ْوُلهُمْ َو َب ْغ ُيهُمْ أَقَلّ مَا فِيهِمْ ‪َ ,‬فإِنّ ِقتَالَ ا ْل ُم ْعتَدِينَ الصّا ِئلِينَ‬
‫ن َ‬
‫سلَامِ ا ْلمُحَا ِربِينَ ِللّهِ َورَسُولِهِ الّذِي َ‬
‫الْإِ ْ‬
‫سهِمْ ‪َ ,‬وَأمْوَاِلهِمْ ‪,‬‬
‫سِلمِينَ فِي َأنْفُ ِ‬
‫علَى ا ْلمُ ْ‬
‫جمَاعِ ‪ ,‬وَ َه ُؤلَاءِ ُم ْعتَدُونَ صَا ِئلُونَ َ‬
‫سنّةِ وَالْإِ ْ‬
‫ثَا ِبتٌ بِال ّ‬

‫شهِيدٌ ‪َ ,‬ف َك ْيفَ‬
‫عَل ْيهَا ‪َ ,‬ومَنْ ُقتِلَ دُو َنهَا َف ُهوَ َ‬
‫ل الصّائِلِ َ‬
‫ح َر ِمهِمْ ‪ ,‬وَدِي ِنهِمْ ‪َ ,‬وكُلّ مِنْ هَ ِذهِ ُيبِيحُ ِقتَا َ‬
‫وَ ُ‬
‫شرّ ا ْل ُبغَاةِ ا ْل ُمتََأ ّولِينَ الظّاِلمِينَ ‪َ ,‬لكِنْ مَنْ زَعَمَ َأ ّنهُمْ يُقَا َتلُونَ َكمَا‬
‫عَل ْيهَا ُكّلهَا وَهُمْ مِنْ َ‬
‫ِبمَنْ قَاتَلَ َ‬

‫ضلَالًا َبعِيدًا فَإِنّ أَقَلّ مَا فِي ا ْل ُبغَاةِ ا ْل ُمتََأ ّولِينَ أَنْ‬
‫ل َ‬
‫طأً َقبِيحًا وَضَ ّ‬
‫تُقَاتَلُ ا ْل ُبغَاةُ ا ْل ُمتََأ ّولُونَ فَقَدْ أَخْطَأَ خَ َ‬
‫ش ْبهَةً َب ّي َنهَا ‪,‬‬
‫سُلهُمْ ‪ ,‬فَإِنْ َذ َكرُوا ُ‬
‫خرَجُوا بِهِ ‪َ .‬وِلهَذَا قَالُوا ‪ :‬إنّ الِْإمَامَ ُيرَا َ‬
‫َيكُونَ َلهُمْ َت ْأوِيلٌ سَائِغٌ َ‬

‫ش ْبهَةٍ ِل َه ُؤلَاءِ ا ْلمُحَا ِربِينَ ِللّهِ َورَسُولِهِ السّاعِينَ فِي الَْأرْضِ فَسَادًا ‪,‬‬
‫ظِلمَةً َأزَاَلهَا ‪ ,‬فََأيّ ُ‬
‫َوإِنْ َذ َكرُوا مَ ْ‬
‫ع َملًا مِنْ هَ ِذهِ‬
‫ع ْلمًا وَ َ‬
‫سلَامِ ِ‬
‫شرَائِعِ الدّينِ َولَا َر ْيبَ َأ ّنهُمْ لَا يَقُولُونَ َأ ّنهُمْ أَ ْقوَمُ بِدِينِ الْإِ ْ‬
‫وَالْخَارِجِينَ عَنْ َ‬
‫سلَامٍ ِم ْنهُمْ ‪َ ,‬وَأ ْتبَعُ لَهُ ِم ْنهُمْ ‪,‬‬
‫علَ ُمهُمْ بِإِ ْ‬
‫سلَامَ َي ْعَلمُونَ أَنّ هَ ِذهِ الطّائِفَةَ أَ ْ‬
‫عوَاهُمْ الْإِ ْ‬
‫الطّائِفَةِ بَلْ ُهوَ مَعَ دَ ْ‬
‫سِلمِينَ بِالْ ِقتَالِ ‪,‬‬
‫سلِمٍ َوكَا ِفرٍ َي ْعلَمُ َذِلكَ وَهُمْ مَعَ َذِلكَ ُينْ ِذرُونَ ا ْلمُ ْ‬
‫سمَاءِ مِنْ مُ ْ‬
‫حتَ أَدِيمِ ال ّ‬
‫َوكُلّ مَنْ تَ ْ‬
‫حرِيمِ‬
‫س َبوْا غَاِلبَ َ‬
‫سِلمِينَ َك ْيفَ وَهُمْ قَدْ َ‬
‫حلّونَ ِبهَا ِقتَالَ ا ْلمُ ْ‬
‫ستَ ِ‬
‫ش ْبهَةٌ َب ّينَةٌ يَ ْ‬
‫فَا ْم َتنَعَ أَنْ َتكُونَ َلهُمْ ُ‬
‫‪101‬‬

‫ظمُونَ ا ْلبُ ْقعَةَ َويَ ْأخُذُونَ مَا فِيهَا مِنْ‬
‫حتّى إنّ النّاسَ قَدْ َرَأوْهُمْ ُيعَ ّ‬
‫الرّعِيّةِ الّذِينَ لَمْ يُقَا ِتلُوهُمْ ؟ َ‬
‫حرِيمَهُ‬
‫سبُونَ َ‬
‫عَليْهِ مِنْ ال ّثيَابِ ‪َ ,‬ويَ ْ‬
‫سُلبُونَهُ مَا َ‬
‫ن الرّجُلَ َو َي َت َب ّركُونَ بِهِ ‪َ ,‬ويَ ْ‬
‫ظمُو َ‬
‫الَْأ ْموَالِ ‪َ ,‬و ُيعَ ّ‬

‫جرُهُمْ ‪ ,‬وَا ْل ُمتََأوّلُ تَ ْأوِيلًا دِي ِنيّا لَا‬
‫ظلَمُ النّاسِ َوأَفْ َ‬
‫َو ُيعَا ِقبُونَهُ بَِأ ْنوَاعِ ا ْلعُقُوبَاتِ اّلتِي لَا ُيعَا َقبُ ِبهَا إلّا أَ ْ‬
‫طوَعُ‬
‫ظمُونَ مَنْ ُيعَا ِقبُونَهُ فِي الدّينِ ‪َ ,‬ويَقُولُونَ ‪ :‬إنّهُ أَ ْ‬
‫صيًا لِلدّينِ ‪ ,‬وَهُمْ ُيعَ ّ‬
‫ُيعَا ِقبُ إلّا مَنْ َيرَاهُ عَا ِ‬

‫ِللّهِ ِم ْنهُمْ ‪ ,‬فََأيّ َت ْأوِيلٍ بَ ِقيَ َلهُمْ ‪ ,‬ثُمّ َلوْ قُ ّدرَ َأ ّنهُمْ ُمتََأ ّولُونَ لَمْ َيكُنْ َت ْأوِيُلهُمْ سَا ِئغًا ‪ ,‬بَلْ تَ ْأوِيلُ‬

‫عوْا ا ّتبَاعَ الْ ُقرْآنِ ‪َ ,‬وأَنّ مَا‬
‫خوَارِجُ فَِإ ّنهُمْ ادّ َ‬
‫خوَارِجِ َومَا ِنعِي ال ّزكَاةِ َأوْجَهُ مِنْ تَ ْأوِيِلهِمْ ‪َ ,‬أمّا الْ َ‬
‫الْ َ‬

‫ن اللّهَ قَالَ ِل َن ِبيّهِ‬
‫سنّةِ لَا يَجُوزُ ا ْل َعمَلُ بِهِ ‪َ .‬وَأمّا مَا ِنعُوا ال ّزكَاةِ فَقَدْ َذ َكرُوا َأ ّنهُمْ قَالُوا ‪ :‬إ ّ‬
‫خَالَفَهُ مِنْ ال ّ‬
‫عَل ْينَا أَنْ نَدْ َف َعهَا ِل َغ ْي ِرهِ َفلَمْ َيكُونُوا يَدْ َفعُو َنهَا‬
‫‪ :‬خُذْ مِنْ َأ ْموَاِلهِ ْم صَدَقَةً وَهَذَا خِطَابٌ ِل َن ِبيّهِ فَقَطْ َفَليْسَ َ‬

‫ظ َر ِتهِمْ مَعَ‬
‫ظرَاتٌ َك ُمنَا َ‬
‫عبَا َدةٌ َوِل ْلعَُلمَاءِ َم َعهُمْ ُمنَا َ‬
‫علْمٌ وَ ِ‬
‫خوَارِجُ َلهُمْ ِ‬
‫خرِجُو َنهَا لَهُ ‪ ,‬وَالْ َ‬
‫لَِأبِي َب ْكرٍ َولَا يُ ْ‬
‫سِلمِينَ ‪َ ,‬فَلوْ كَانُوا ُمتََأ ّولِينَ لَمْ َيكُنْ َلهُمْ‬
‫علَى ِقتَالِ ا ْلمُ ْ‬
‫ظرُونَ َ‬
‫ج ْه ِميّةِ ‪َ ,‬وَأمّا َه ُؤلَاءِ َفلَا ُينَا َ‬
‫الرّافِضَةِ وَالْ َ‬
‫س ْبعَةِ‬
‫ضهُمْ بِأَنْ قَالَ ‪َ :‬مِل ُكنَا ِمِلكٌ ابْنُ َمِلكٍ ابْنُ َمِلكٍ إلَى َ‬
‫ط َبنِي َب ْع ُ‬
‫تَ ْأوِيلٌ يَقُولُهُ ذُو عَقْلٍ ‪ ,‬وَقَدْ خَا َ‬

‫خرَ بِا ْلكَا ِفرِ ‪ ,‬بَلْ‬
‫أَجْدَادٍ ‪َ ,‬و َمِل ُككُمْ ابْنُ َم ْولًى فَ ُقلْت ‪ :‬لَهُ ‪ :‬آبَاءُ َذِلكَ ا ْل َمِلكِ ُكّلهُمْ كُفّارٌ ‪َ ,‬ولَا فَ ْ‬

‫ش ِركٍ َوَلوْ‬
‫خ ْيرٌ مِنْ مُ ْ‬
‫ل اللّهُ َتعَالَى { َوَل َعبْدٌ ُم ْؤمِنٌ َ‬
‫خ ْيرٌ مِنْ ا ْل َمِلكِ ا ْلكَا ِفرِ ‪ ,‬قَا َ‬
‫سلِمُ َ‬
‫ا ْل َم ْملُوكُ ا ْلمُ ْ‬
‫سلِمَ َوَلوْ‬
‫عَليْهِ أَنْ يُطِيعَ ا ْلمُ ْ‬
‫جبَ َ‬
‫سِلمًا وَ َ‬
‫جهُمْ ‪َ ,‬و َم ْعلُومٌ أَنّ مَنْ كَانَ مُ ْ‬
‫ج َبكُمْ } ‪َ .‬فهَ ِذهِ َوَأ ْمثَاُلهَا حُجَ ُ‬
‫أَعْ َ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم َأنّهُ قَالَ ‪:‬‬
‫عبْدًا َولَا يُطِيعُ ا ْلكَا ِفرَ ‪ .‬وَقَدْ َث َبتَ فِي الصّحِيحِ ‪ :‬عَنْ ال ّن ِب ّ‬
‫كَانَ َ‬

‫شيّ َكأَنّ َرأْسَهُ َزبِيبَةٌ مَا أَقَامَ فِيكُمْ ِكتَابَ اللّهِ } ‪ .‬وَدِينُ‬
‫حبَ ِ‬
‫عبْدٌ َ‬
‫عَل ْيكُمْ َ‬
‫س َمعُوا َوأَطِيعُوا َوإِنْ ُأ ّمرَ َ‬
‫{اْ‬

‫سلَامِ إ ّنمَا يُ َفضّلُ الِْإنْسَانَ بِإِيمَانِهِ َوتَ ْقوَاهُ لَا بِآبَائِهِ ‪َ ,‬وَلوْ كَانُوا مِنْ َبنِي هَاشِمٍ أَهْلِ َب ْيتِ ال ّن ِبيّ‬
‫الْإِ ْ‬

‫عصَاهُ‬
‫ق النّارَ ِلمَنْ َ‬
‫خلَ َ‬
‫شيّا ‪ ,‬وَ َ‬
‫حبَ ِ‬
‫عبْدًا َ‬
‫جنّةَ ِلمَنْ أَطَاعَهُ َوإِنْ كَانَ َ‬
‫خلَقَ الْ َ‬
‫صلى ال عليه وسلم فَِإنّهُ َ‬
‫ج َع ْلنَاكُمْ‬
‫خلَ ْقنَاكُمْ مِنْ َذ َكرٍ َوُأ ْنثَى َو َ‬
‫شيّا ‪ .‬وَقَدْ قَالَ َتعَالَى ‪ { :‬يَا َأ ّيهَا النّاسُ إنّا َ‬
‫شرِيفًا ُقرَ ِ‬
‫َوَلوْ كَانَ َ‬

‫عنْهُ صلى ال عليه وسلم َأنّهُ قَالَ‬
‫سنَنِ َ‬
‫عنْدَ اللّهِ َأتْقَاكُمْ } وَفِي ال ّ‬
‫شعُوبًا وَ َقبَائِلَ ِل َتعَارَفُوا إنّ َأ ْك َر َمكُمْ ِ‬
‫ُ‬

‫علَى َأ ْبيَضَ ‪َ ,‬ولَا لَِأ ْب َيضَ‬
‫سوَدَ َ‬
‫ع َربِيّ ‪َ ,‬ولَا لِأَ ْ‬
‫علَى َ‬
‫ج ِميّ َ‬
‫ج ِميّ ‪َ ,‬ولَا ِلعَ َ‬
‫علَى عَ َ‬
‫‪ { " :‬لَا َفضْلَ ِل َع َر ِبيّ َ‬

‫عنْهُ َأنّهُ قَالَ لِ َقبِيلَةٍ‬
‫حيْنِ ‪َ :‬‬
‫سوَدَ إلّا بِالتّ ْقوَى ‪ ,‬النّاسُ مِنْ آدَمَ وَآدَمُ مِنْ ُترَابٍ } ‪ .‬وَفِي الصّحِي َ‬
‫علَى أَ ْ‬
‫َ‬
‫خ َبرَ ال ّن ِبيّ‬
‫َقرِيبَةٍ ِمنْهُ ‪ { :‬إنّ آلَ َأبِي ُفلَانٍ َليْسُوا بَِأ ْوِليَائِي إ ّنمَا َوِليّي اللّهُ َوصَالِحُ ا ْل ُم ْؤمِنِينَ } ‪َ .‬فأَ ْ‬

‫سبِ ‪ ,‬بَلْ بِالْإِيمَانِ وَالتّ ْقوَى ‪ ,‬فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي‬
‫ستْ بِالْ َقرَابَةِ وَالنّ َ‬
‫صلى ال عليه وسلم أَنّ ُموَالَاتَهُ َليْ َ‬
‫علَى أَنّ مَنْ كَانَ‬
‫سِلمُونَ َ‬
‫جمَعَ ا ْلمُ ْ‬
‫ش ِركِ ‪ ,‬وَقَدْ أَ ْ‬
‫ج ْنكِيزْ خَانْ ا ْلكَا ِفرِ ا ْلمُ ْ‬
‫َقرَابَةِ الرّسُولِ َف َك ْيفَ بِ َقرَابَةِ ِ‬

‫شيّا‬
‫حبَ ِ‬
‫سوَدَ َ‬
‫أَعْظَمَ إيمَانًا َوتَ ْقوًى كَانَ أَ ْفضَلَ ِممّنْ ُهوَ دُونَهُ فِي الْإِيمَانِ وَالتّ ْقوَى ‪َ ,‬وإِنْ كَانَ الَْأوّلُ أَ ْ‬
‫‪102‬‬

‫سيّا ‪.‬‬
‫عبّا ِ‬
‫عَل ِويّا َأوْ َ‬
‫وَالثّانِي َ‬
‫‪00000000000000000‬‬
‫خرُجُ ُم ْكرَهًا‬
‫جنَادٍ َي ْم َت ِنعُونَ عَنْ ِقتَالِ ال ّتتَارِ ‪َ ,‬ويَقُولُونَ ‪ :‬إنّ فِيهِمْ مَنْ يَ ْ‬
‫‪ - 7 - 778‬مَسَْألَةٌ ‪ :‬فِي أَ ْ‬
‫حمْدُ ِللّهِ َربّ ا ْلعَاَلمِينَ ‪ِ .‬قتَالُ ال ّتتَارِ الّذِينَ‬
‫جوَابُ ‪ :‬الْ َ‬
‫َم َعهُمْ َوإِذَا َه َربَ أَحَدُهُمْ هَلْ ُي ّتبَعُ أَمْ لَا ؟ الْ َ‬

‫حتّى لَا َتكُونَ‬
‫سنّةِ ‪ ,‬فَإِنّ اللّهَ يَقُولُ فِي الْ ُقرْآنِ { وَقَا ِتلُوهُمْ َ‬
‫جبٌ بِا ْل ِكتَابِ وَال ّ‬
‫قَ ِدمُوا إلَى ِبلَادِ الشّامِ وَا ِ‬
‫ِف ْتنَةٌ َو َيكُونَ الدّينُ ُكلّهُ ِللّهِ } وَالدّينُ ُهوَ الطّاعَةُ ‪ ,‬فَإِذَا كَانَ َبعْضُ الدّينِ ِللّهِ َو َبعْضُهُ ِل َغ ْي ِر اللّهِ‬

‫ل اللّهُ َتعَالَى ‪ { :‬يَا َأ ّيهَا الّذِينَ آ َمنُوا اتّقُوا اللّهَ‬
‫حتّى َيكُونَ الدّينُ ُكلّهُ ِللّهِ ‪َ ,‬وِلهَذَا قَا َ‬
‫جبَ الْ ِقتَالُ َ‬
‫وَ َ‬

‫ح ْربٍ مِنْ اللّهِ َورَسُولِهِ } ‪ .‬وَهَ ِذهِ‬
‫وَ َذرُوا مَا بَ ِقيَ مِنْ ال ّربَا إنْ ُك ْنتُمْ ُم ْؤ ِمنِينَ ‪َ ,‬فإِنْ لَمْ تَ ْف َعلُوا فَأْ َذنُوا بِ َ‬

‫صيَامَ ‪َ ,‬لكِنْ ا ْم َت َنعُوا مِنْ‬
‫صلَاةَ وَال ّ‬
‫سلَامِ وَا ْل َت َزمُوا ال ّ‬
‫خلُوا فِي الْإِ ْ‬
‫الْآيَةُ َن َزَلتْ فِي أَهْلِ الطّا ِئفِ َلمّا دَ َ‬

‫ح ّرمَهُ‬
‫خرُ مَا َ‬
‫ن ال ّربَا ‪ ,‬وَال ّربَا ُهوَ آ ِ‬
‫َت ْركِ الرّبَا َف َبيّنَ اللّهُ َأ ّنهُمْ مُحَا ِربُونَ لَهُ َوِلرَسُولِهِ إذَا لَمْ َي ْن َتهُوا عَ ْ‬

‫جهَادُهُمْ ‪,‬‬
‫جبُ ِ‬
‫حبِهِ ‪ ,‬فَإِذَا كَانَ َه ُؤلَاءِ مُحَا ِربِينَ ِللّهِ َورَسُولِهِ يَ ِ‬
‫اللّهُ ‪ ,‬وَ ُهوَ مَالٌ ُيؤْخَذُ ِب ِرضَا صَا ِ‬

‫علَى أَنّ‬
‫سِلمِينَ َ‬
‫عَلمَاءُ ا ْلمُ ْ‬
‫سلَامِ َأوْ َأ ْك َثرَهَا كَال ّتتَارِ ‪ .‬وَقَدْ اتّفَقَ ُ‬
‫شرَائِعِ الْإِ ْ‬
‫َف َك ْيفَ ِبمَنْ َي ْت ُركُ َكثِيرًا مِنْ َ‬

‫جبُ ِقتَاُلهَا إذَا‬
‫سلَامِ الظّا ِه َرةِ ا ْل ُم َتوَا ِترَةِ ‪ ,‬فَِإنّهُ يَ ِ‬
‫جبَاتِ الْإِ ْ‬
‫الطّائِفَةَ ا ْل ُم ْم َتنِعَةَ إذَا ا ْم َت َن َعتْ عَنْ َبعْضِ وَا ِ‬
‫ش ْهرِ َر َمضَانَ ‪َ ,‬أوْ حَجّ ا ْل َب ْيتِ‬
‫صيَامِ َ‬
‫ن الصّلَاةِ ‪ ,‬وَال ّزكَاةِ ‪َ ,‬أ ْو ِ‬
‫شهَا َد َتيْنِ ‪ ,‬وَا ْم َتنَعُوا عَ ْ‬
‫َت َكّلمُوا بِال ّ‬

‫خ ْمرِ ‪َ ,‬أوْ ِنكَاحِ‬
‫حشِ ‪َ ,‬أوْ الْ َ‬
‫حرِيمِ الْ َفوَا ِ‬
‫سنّةِ ‪َ ,‬أوْ عَنْ تَ ْ‬
‫حكْمِ َب ْي َنهُمْ بِا ْل ِكتَابِ وَال ّ‬
‫ا ْل َعتِيقِ ‪َ ,‬أوْ عَنْ الْ ُ‬

‫جهَادِ‬
‫سرِ ‪َ ,‬أوْ الْ ِ‬
‫حلَالِ النّفُوسِ وَالَْأ ْموَالِ ِب َغ ْيرِ حَقّ ‪َ ,‬أ ْو ال ّربَا ‪َ ,‬أوْ ا ْل َميْ ِ‬
‫ستِ ْ‬
‫َذوَاتِ ا ْلمَحَارِمِ ‪َ ,‬أوْ عَنْ ا ْ‬

‫سلَامِ ‪ ,‬فَِإ ّنهُمْ يُقَا َتلُونَ‬
‫شرَائِعِ الْإِ ْ‬
‫حوِ َذِلكَ مِنْ َ‬
‫علَى أَهْلِ ا ْل ِكتَابِ ‪َ ,‬ونَ ْ‬
‫ج ْزيَةَ َ‬
‫ض ْربِهِمْ الْ ِ‬
‫ِل ْلكُفّارِ ‪َ ,‬أوْ عَنْ َ‬

‫ظرَ َأبَا َب ْكرٍ فِي مَا ِنعِي‬
‫ع َمرَ َلمّا نَا َ‬
‫حيْنِ ‪ :‬أَنّ ُ‬
‫حتّى َيكُونَ الدّينُ ُكلّهُ ِللّهِ ‪ .‬وَقَدْ َث َبتَ فِي الصّحِي َ‬
‫عَل ْيهَا َ‬
‫َ‬

‫ج َبهَا اللّهُ َورَسُولُهُ ‪َ ,‬وإِنْ كَانَ قَدْ‬
‫ال ّزكَاةِ قَالَ لَهُ َأبُو َب ْكرٍ ‪َ :‬ك ْيفَ لَا أُقَاتِلُ مَنْ َت َركَ الْحُقُوقَ اّلتِي َأوْ َ‬
‫عنَاقًا كَانُوا ُيؤَدّو َنهَا إلَى رَسُولِ‬
‫ن ال ّزكَاةَ مِنْ حَ ّقهَا َواَللّهِ َلوْ َم َنعُونِي َ‬
‫سلَمَ كَال ّزكَاةِ ‪ .‬وَقَالَ لَهُ ‪ :‬فَإِ ّ‬
‫أَ ْ‬

‫ح اللّهُ‬
‫شرَ َ‬
‫ع َمرُ ‪َ ,‬فمَا ُهوَ إلّا أَنْ َرَأيْت قَدْ َ‬
‫علَى َم ْن ِعهَا ‪ ,‬قَالَ ُ‬
‫اللّهِ صلى ال عليه وسلم لَقَا َتلْتهمْ َ‬

‫ي صلى ال‬
‫غ ْيرِ وَجْهٍ أَنّ ال ّن ِب ّ‬
‫صَ ْدرَ َأبِي َب ْكرٍ ِللْ ِقتَالِ َف َعِلمْت َأنّهُ الْحَقّ ‪ .‬وَقَدْ َث َبتَ فِي الصّحِيحِ مِنْ َ‬
‫صيَا ِمهِمْ‬
‫صيَامَهُ مَعَ ِ‬
‫صلَا ِتهِمْ َو ِ‬
‫صلَاتَهُ مَ َع َ‬
‫خوَارِجَ وَقَالَ فِيهِمْ ‪ { " :‬يَحْ ِقرُ أَحَ ُدكُ ْم َ‬
‫عليه وسلم َذ َكرَ الْ َ‬

‫سهْمُ‬
‫سلَامِ َكمَا َي ْمرُقُ ال ّ‬
‫جرَهُمْ ‪َ ,‬ي ْمرُقُونَ مِنْ الْإِ ْ‬
‫حنَا ِ‬
‫وَ ِقرَا َءتَهُ مَعَ ِقرَا َء ِتهِمْ ‪ ,‬يَ ْقرَءُونَ الْ ُقرْآنَ لَا يُجَا ِوزُ َ‬
‫عنْ َد اللّهِ ِلمَنْ َق َتَلهُمْ َيوْمَ الْ ِقيَامَةِ َلئِنْ‬
‫جرًا ِ‬
‫مِنْ ال ّر ِميّةِ َأ ْي َنمَا لَقِي ُتمُوهُمْ فَا ْق ُتلُوهُمْ ‪ ,‬فَإِنّ فِي َق ْتِلهِمْ أَ ْ‬

‫علَى ِقتَالِ َه ُؤلَاءِ ‪َ ,‬وَأوّلُ مَنْ قَا َتَلهُمْ َأمِيرُ‬
‫سَلفُ وَالَْأ ِئمّةُ َ‬
‫أَ ْد َر ْك ُتهُمْ لََأ ْق ُتَل ّنهُمْ َقتْلَ عَادٍ } ‪ .‬وَقَدْ اتّفَقَ ال ّ‬
‫‪103‬‬

‫خلَافَةِ َبنِي‬
‫سِلمُونَ يُقَا ِتلُونَ فِي صَ ْدرِ ِ‬
‫عِليّ بْنُ َأبِي طَاِلبٍ رضي ال عنه ‪َ ,‬ومَا زَالَ ا ْلمُ ْ‬
‫ا ْل ُم ْؤمِنِينَ َ‬
‫ظَلمَةً ‪َ ,‬وكَانَ الْحَجّاجُ َو ُنوّابُهُ ِممّنْ يُقَا ِتلُو َنهُمْ ‪َ ,‬فكُلّ َأ ِئمّةِ‬
‫ُأ َميّةَ َو َبنِي ا ْل َعبّاسِ مَعَ الُْأ َمرَاءِ َوإِنْ كَانُوا َ‬
‫سلَامِ مِنْ مَا ِنعِي ال ّزكَاةِ‬
‫شرِيعَةِ الْإِ ْ‬
‫خرُوجًا عَنْ َ‬
‫شبَا ُههُمْ أَعْظَمُ ُ‬
‫سِلمِينَ يَ ْأ ُمرُونَ بِ ِقتَاِلهِمْ وَال ّتتَارُ َوأَ ْ‬
‫ا ْلمُ ْ‬

‫جهَلُ النّاسِ‬
‫شكّ فِي ِقتَاِلهِمْ َف ُهوَ أَ ْ‬
‫ك ال ّربَا ‪َ ,‬فمَنْ َ‬
‫خوَارِجِ مِنْ أَهْلِ الطّا ِئفِ الّذِينَ ا ْم َت َنعُوا عَنْ َت ْر ِ‬
‫وَالْ َ‬
‫سِلمِينَ ‪َ ,‬كمَا { قَالَ‬
‫جبَ ِقتَاُلهُمْ قُو ِتلُوا َوإِنْ كَانَ فِيهِمْ ا ْل ُم ْك َرهُ بِاتّفَاقِ ا ْلمُ ْ‬
‫ح ْيثُ وَ َ‬
‫سلَامِ ‪ ,‬وَ َ‬
‫بِدِينِ الْإِ ْ‬

‫ي صلى ال عليه وسلم‬
‫ل ال ّن ِب ّ‬
‫خرَجْت ُم ْكرَهًا ‪ ,‬فَقَا َ‬
‫ل اللّهِ ‪ ,‬إنّي َ‬
‫سرَ َيوْمَ بَ ْدرٍ ‪ :‬يَا رَسُو َ‬
‫ا ْل َعبّاسُ َلمّا أُ ِ‬
‫ج ْيشَ ا ْلكُفّارِ إذَا‬
‫علَى أَنّ َ‬
‫سرِي َرتُك فَِإلَى اللّهِ } ‪ .‬وَقَدْ اتّفَقَ ا ْل ُعَلمَاءُ َ‬
‫عَل ْينَا َوَأمّا َ‬
‫‪َ :‬أمّا ظَا ِهرُك َفكَانَ َ‬

‫ن الضّ َررُ إذَا لَمْ يُقَا َتلُوا ‪َ ,‬وإِنْ‬
‫سِلمِي َ‬
‫علَى ا ْلمُ ْ‬
‫سِلمِينَ وَخِيفَ َ‬
‫سرَى ا ْلمُ ْ‬
‫عنْدَهُمْ مِنْ أَ ْ‬
‫َت َترّسُوا ِبمَنْ ِ‬

‫جوَازِ الْ ِقتَالِ‬
‫سِلمِينَ فَفِي َ‬
‫علَى ا ْلمُ ْ‬
‫خفْ َ‬
‫سِلمِينَ الّذِينَ َت َترّسُوا ِبهِمْ ‪َ ,‬وإِنْ لَمْ يُ َ‬
‫أَ ْفضَى َذِلكَ إلَى َقتْلِ ا ْلمُ ْ‬
‫سِلمُونَ إذَا ُق ِتلُوا كَانُوا‬
‫شهُورَانِ ِل ْل ُعَلمَاءِ ‪ ,‬وَ َه ُؤلَاءِ ا ْلمُ ْ‬
‫سِلمِينَ َق ْولَانِ مَ ْ‬
‫ا ْلمُفْضِي إلَى َقتْلِ َه ُؤلَاءِ ا ْلمُ ْ‬

‫سِلمِينَ إذَا قَا َتلُوا ا ْلكُفّارَ َفمَنْ ُقتِلَ‬
‫شهِيدًا ‪ ,‬فَإِنّ ا ْلمُ ْ‬
‫جبُ لِأَجْلِ مَنْ يُ ْقتَلُ َ‬
‫جهَادُ ا ْلوَا ِ‬
‫شهَدَاءَ َولَا ُي ْت َركُ الْ ِ‬
‫ُ‬

‫سلَامِ كَانَ‬
‫صلَحَةِ الْإِ ْ‬
‫ستَحِقّ الْ َقتْلَ لِأَجْلِ َم ْ‬
‫شهِيدًا ‪َ ,‬ومَنْ ُقتِلَ وَ ُهوَ فِي ا ْلبَاطِنِ لَا يَ ْ‬
‫سِلمِينَ َيكُونُ َ‬
‫مِنْ ا ْلمُ ْ‬

‫ي صلى ال عليه وسلم َأنّهُ قَالَ ‪َ { " :‬ي ْغزُو هَذَا ا ْل َب ْيتَ‬
‫حيْنِ ‪ :‬عَنْ ال ّن ِب ّ‬
‫شهِيدًا ‪ .‬وَقَدْ َث َبتَ فِي الصّحِي َ‬
‫َ‬
‫ل اللّهِ ‪ ,‬وَفِيهِمْ‬
‫سفَ ِبهِمْ ‪ .‬فَقِيلَ ‪ :‬يَا رَسُو َ‬
‫ج ْيشٌ مِنْ النّاسِ َف َب ْي َنمَا هُمْ ِب َبيْدَاءَ مِنْ الَْأرْضِ إذْ خُ ِ‬
‫َ‬

‫ج ْيشِ الّذِي َي ْغزُو‬
‫علَى ِنيّا ِتهِمْ } ‪ .‬فَإِذَا كَانَ ا ْلعَذَابُ الّذِي ُي ْن ِزلُهُ اللّهُ بِالْ َ‬
‫ا ْل ُم ْكرَهُ فَقَالَ ‪ُ :‬ي ْب َعثُونَ َ‬

‫سِلمِينَ ُي ْن ِزلُهُ بِا ْل ُم ْك َرهِ ‪َ ,‬ف َك ْيفَ بِا ْلعَذَابِ الّذِي ُيعَ ّذ ُبهُمْ اللّهُ بِهِ َأوْ بَِأيْدِي ا ْلمُ ْؤ ِمنِينَ َكمَا قَالَ َتعَالَى‬
‫ا ْلمُ ْ‬

‫عنْ ِدهِ َأوْ‬
‫س َن َييْنِ َونَحْنُ َن َت َربّصُ ِبكُمْ أَنْ ُيصِي َبكُ ْم اللّهُ ِبعَذَابٍ مِنْ ِ‬
‫{ قُلْ هَلْ َت َر ّبصُونَ ِبنَا إلّا إحْدَى الْحُ ْ‬

‫علَى ال ّت ْميِيزِ فَإِذَا َق َت ْلنَاهُمْ بَِأ ْم ِر اللّهِ ُكنّا فِي َذِلكَ مَأْجُورِينَ‬
‫بَِأيْدِينَا } ‪َ .‬ونَحْنُ لَا َن ْعلَمُ ا ْل ُم ْكرَهَ َولَا نَقْ ِدرُ َ‬

‫علَى ِن ّيتِهِ َيوْمَ‬
‫شرُ َ‬
‫ستَطِيعُ الِا ْم ِتنَاعَ َفِإنّهُ يُحْ َ‬
‫علَى ِنيّا ِتهِمْ ‪َ ,‬فمَنْ كَانَ ُم ْكرَهًا لَا يَ ْ‬
‫َو َمعْذُورِينَ َوكَانُوا هُمْ َ‬
‫سِلمِينَ ‪.‬‬
‫س َكرِ ا ْلمُ ْ‬
‫الْ ِقيَامَةِ ‪ ,‬فَإِذَا ُقتِلَ لِأَجْلِ ِقيَامِ الدّينِ لَمْ َيكُنْ َذِلكَ ِبأَعْظَمَ مِنْ َقتْلِ مَنْ يُ ْقتَلُ مِنْ عَ ْ‬

‫جعَلُ ِقتَاَلهُمْ ِب َم ْن ِزلَةِ ِقتَالِ ا ْل ُبغَاةِ ا ْل ُمتََأ ّولِينَ ‪ ,‬وَ َه ُؤلَاءِ إذَا‬
‫َوَأمّا إذَا َه َربَ أَحَدُهُمْ فَإِنّ مِنْ النّاسِ مَنْ يَ ْ‬
‫علَى‬
‫حهِمْ ‪َ ,‬‬
‫جرِي ِ‬
‫علَى َ‬
‫جهَازُ َ‬
‫كَانَ َلهُمْ طَائِفَةٌ ُم ْم َت ِنعَةٌ َفهَلْ َيجُوزُ ا ّتبَاعُ مُ ْد ِبرِهِمْ وَ َقتْلُ أَسِيرِهِمْ وَالْإِ ْ‬

‫جمَلِ‬
‫عِليّ بْنِ َأبِي طَاِلبٍ نَادَى َيوْمَ الْ َ‬
‫شهُو َريْنِ ‪ ,‬فَقِيلَ ‪ :‬لَا يُ ْفعَلُ َذِلكَ ; لِأَنّ ُمنَا ِديَ َ‬
‫َق ْوَليْنِ ِل ْلعَُلمَاءِ مَ ْ‬
‫جمَلِ لَمْ‬
‫جرِيحٍ ‪َ ,‬ولَا يُ ْقتَلُ أَسِيرٌ ‪ ,‬وَقِيلَ ‪ :‬بَلْ يُ ْفعَلُ َذِلكَ لَِأنّهُ َيوْمَ الْ َ‬
‫علَى َ‬
‫ج َهزُ َ‬
‫‪ :‬لَا ُي ْتبَعُ مُ ْد ِبرٌ ‪َ ,‬ولَا يُ ْ‬

‫َيكُنْ َلهُمْ طَائِفَةٌ ُم ْم َت ِنعَةٌ َوكَانَ ا ْلمَقْصُودُ مِنْ الْ ِقتَالِ دَ ْف َعهُمْ ‪َ ,‬فَلمّا انْدَ َفعُوا لَمْ َيكُنْ إلَى َذِلكَ حَاجَةٌ‬

‫ج َعَلهُمْ‬
‫خلَافِ َذِلكَ ‪َ ,‬فمَنْ َ‬
‫جمَلِ َوصِفّينَ كَانَ َأ ْمرُهُمْ بِ ِ‬
‫ِب َم ْن ِزلَةِ َدفْ ِع الصّائِلِ ‪ .‬وَقَدْ ُر ِويَ َأنّهُ َيوْمَ الْ َ‬
‫‪104‬‬

‫صوَابُ أَنّ َه ُؤلَاءِ َليْسُوا مِنْ ا ْل ُبغَاةِ ا ْل ُمتََأ ّولِينَ‬
‫جعَلَ فِيهِمْ هَ َذيْنِ الْ َق ْوَليْنِ ‪ .‬وَال ّ‬
‫ِب َم ْن ِزلَةِ ا ْل ُبغَاةِ ا ْل ُمتََأ ّولِينَ َ‬
‫خوَارِجِ ا ْلمَارِقِينَ ‪َ ,‬ومَا ِنعِي الزّكَاةِ‬
‫ج ْنسِ الْ َ‬
‫صلًا ‪َ ,‬وِإ ّنمَا هُمْ مِنْ ِ‬
‫‪ ,‬فَإِنّ َه ُؤلَاءِ َليْسَ َلهُمْ تَ ْأوِيلٌ سَائِغٌ َأ ْ‬

‫سلَامِ ‪,‬‬
‫شرَائِعِ الْإِ ْ‬
‫عنْهُ مِنْ َ‬
‫خرَجُوا َ‬
‫علَى مَا َ‬
‫حوِهِمْ ِممّنْ قُو ِتلُوا َ‬
‫ح َر ِميّةِ ‪َ ,‬ونَ ْ‬
‫‪َ ,‬وأَهْلِ الطّا ِئفِ ‪ ,‬وَالْ َ‬

‫ج َعلُوا ِقتَالَ‬
‫صنّفِينَ فِي ِقتَالِ أَهْلِ ا ْل َبغْيِ َ‬
‫علَى َكثِيرٍ مِنْ النّاسِ مِنْ الْفُ َقهَاءِ ا ْلمُ َ‬
‫ش َتبَهَ َ‬
‫وَهَذَا َموْضِعٌ ا ْ‬

‫ص َرةِ ‪ ,‬وَ ِقتَالَهُ ِل ُمعَا ِويَةَ َوَأ ْتبَاعِهِ مِنْ ِقتَالِ أَهْلِ‬
‫عِليّ لِأَهْلِ ا ْلبَ ْ‬
‫خوَارِجِ ‪ ,‬وَ ِقتَالَ َ‬
‫مَا ِنعِي ال ّزكَاةِ ‪ ,‬وَ ِقتَالَ الْ َ‬

‫غلِطُوا‬
‫ن النّاسِ ‪ ,‬وَقَدْ َ‬
‫ا ْل َب ْغيِ وَ َذِلكَ ُكلّهُ مَ ْأمُورٌ بِهِ ‪ ,‬وَ َفرّعُوا مَسَائِلَ َذِلكَ تَ ْفرِيعَ مَنْ َيرَى َذِلكَ َبيْ َ‬
‫سنّةِ ‪َ ,‬وأَهْلِ ا ْلمَدِينَ ِة ال ّن َب ِويّةِ ‪ ,‬كَالَْأ ْوزَاعِيّ ‪ ,‬وَال ّث ْو ِريّ ‪,‬‬
‫عَليْهِ َأ ِئمّةُ الْحَدِيثِ ‪ ,‬وَال ّ‬
‫ل الصّوَابُ مَا َ‬
‫بَ ْ‬

‫خ َواِرجِ ثَا ِبتٌ‬
‫عِليّ ِللْ َ‬
‫غيْرِهِمْ ‪َ ,‬أنّهُ يُ َفرّقُ َبيْنَ هَذَا وَهَذَا ‪ ,‬فَ ِقتَالُ َ‬
‫ح ْنبَلٍ ‪ ,‬وَ َ‬
‫حمَدَ بْنِ َ‬
‫َومَاِلكٍ ‪َ ,‬وأَ ْ‬

‫سِلمِينَ ‪َ .‬وَأمّا الْ ِقتَالُ َيوْمَ صِفّينَ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم بِاتّفَاقِ ا ْلمُ ْ‬
‫صرِيحَةِ عَنْ ال ّن ِب ّ‬
‫بِالّنصُوصِ ال ّ‬

‫حمّدِ‬
‫سعْدِ بْنِ َأبِي وَقّاصٍ ‪َ ,‬ومُ َ‬
‫عنْهُ َأكَا ِب ُر الصّحَابَةِ ِمثْلُ َ‬
‫ل صَدّ َ‬
‫عَليْهِ الصّحَابَةُ ‪ ,‬بَ ْ‬
‫ح ِوهِ َفلَمْ َيتّفِقْ َ‬
‫َونَ ْ‬
‫عِليّ بْنِ َأبِي طَاِلبٍ‬
‫غ ْيرِهِمْ ‪َ .‬ولَمْ َيكُنْ َبعْدَ َ‬
‫ع َمرَ ‪ ,‬وَ َ‬
‫عبْ ِد اللّهِ بْنِ ُ‬
‫سَلمَة ‪َ ,‬وأُسَامَةَ بْنِ َزيْدٍ ‪ ,‬وَ َ‬
‫بْنِ مَ ْ‬
‫ث الصّحِيحَةُ عَنْ ال ّن ِبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫سعْدِ بْنِ َأبِي وَقّاصٍ ‪ ,‬وَالْأَحَادِي ُ‬
‫س َك َريْنِ ِمثْلُ َ‬
‫فِي ا ْلعَ ْ‬

‫عنْهُ فِي صَحِيحِ‬
‫صلَاحُ َبيْنَ َت ْي ِنكَ الطّائِ َف َتيْنِ ‪ ,‬لَا الِا ْق ِتتَالُ َب ْي َن ُهمَا ‪َ .‬كمَا َث َبتَ َ‬
‫جبُ الِْإ ْ‬
‫تَ ْق َتضِي َأنّهُ كَانَ َي ِ‬
‫ح اللّهُ بِهِ َبيْنَ‬
‫صلِ ُ‬
‫سيُ ْ‬
‫سيّدٌ وَ َ‬
‫ج ْيشُ َمعَهُ فَقَالَ ‪ { :‬إنّ ا ْبنِي هَذَا َ‬
‫طبَ النّاسَ وَالْ َ‬
‫ا ْلبُخَا ِريّ ‪َ :‬أنّهُ خَ َ‬

‫جعَلَ ال ّن ِبيّ‬
‫صلَحَ اللّهُ بِالْحَسَنِ َبيْنَ أَهْلِ ا ْلعِرَاقِ َوأَهْلِ الشّامِ } َف َ‬
‫طَائِ َف َتيْنِ عَظِي َم َتيْنِ مِنْ ا ْل ُم ْؤ ِمنِينَ فََأ ْ‬

‫سلّمَ الَْأ ْمرَ‬
‫صلَاحَ بِهِ مِنْ َفضَائِلِ الْحَسَنِ ‪ ,‬مَعَ أَنّ الْحَسَنَ َنزَلَ عَنْ الَْأ ْمرِ وَ َ‬
‫صلى ال عليه وسلم الِْإ ْ‬

‫خلَافَةِ َو ُمصَالَحَةِ ُمعَا ِويَةَ لَمْ َيمْدَحْهُ ال ّنبِيّ‬
‫إلَى ُمعَا ِويَةَ ‪َ ,‬فَلوْ كَانَ الْ ِقتَالُ ُهوَ ا ْلمَ ْأمُورُ بِهِ دُونَ َت ْركِ الْ ِ‬

‫علَى َت ْركِ الَْأ ْولَى‬
‫علَى َت ْركِ مَا ُأ ِمرَ بِهِ ‪ ,‬وَ ِفعْلِ مَا لَمْ ُي ْؤ َمرْ بِهِ َولَا مَ َدحَهُ َ‬
‫صلى ال عليه وسلم َ‬

‫حبّهُ اللّهُ َورَسُولُهُ لَا الْ ِقتَالُ ‪ .‬وَقَدْ َث َبتَ فِي‬
‫وَ ِفعْلِ الْأَ ْدنَى ‪َ ,‬ف ُعلِمَ أَنّ الّذِي َف َعلَهُ الْحَسَنُ ُهوَ الّذِي كَانَ يُ ِ‬

‫علَى فَخِ َذيْهِ َويَقُولُ ‪ { :‬الّلهُمّ إنّي‬
‫ضعُهُ َوأُسَامَةَ َ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم كَانَ َي َ‬
‫الصّحِيحِ ‪ :‬أَنّ ال ّن ِب ّ‬

‫ل اللّهِ صلى ال عليه وسلم َل ُهمَا‬
‫حبّةِ رَسُو ِ‬
‫ظ َهرَ َأ َثرُ َم َ‬
‫ح ّب ُهمَا } ‪ .‬وَقَدْ َ‬
‫حبّ مَنْ يُ ِ‬
‫ح ّب ُهمَا َوأَ ِ‬
‫ح ّبهُمْ فَأَ ِ‬
‫أُ ِ‬
‫ِب َكرَا َه ِتهِمَا الْ ِقتَالَ فِي الْ ِف ْتنَةِ ‪ ,‬فَإِنّ أُسَامَةَ ا ْم َتنَعَ عَنْ الْ ِقتَالِ مَعَ وَاحِ َدةٍ مِنْ الطّائِ َف َتيْنِ ‪َ ,‬وكَ َذلِكَ الْحَسَنُ‬

‫علَى َأبِيهِ‬
‫عِليّ بَِأنّهُ لَا يُقَاتِلُ َوَلمّا صَارَ الَْأ ْمرُ إَليْهِ َفعَلَ مَا كَانَ يُشِيرُ بِهِ َ‬
‫علَى َ‬
‫كَانَ دَا ِئمًا يُشِيرُ َ‬

‫عنْ ُه صلى ال عليه وسلم فِي الصّحِيحِ َأنّهُ قَالَ ‪َ { " :‬ت ْمرُقُ‬
‫رضي ال عنهم أجمعين ‪ .‬وَقَدْ َث َبتَ َ‬

‫خوَارِجُ‬
‫سِلمِينَ تَ ْق ُتُلهُمْ َأ ْولَى الطّائِ َف َتيْنِ بِالْحَقّ } ‪َ .‬فهَ ِذهِ ا ْلمَارِقَةُ هُمْ الْ َ‬
‫علَى حِينِ ُفرْقَةٍ مِنْ ا ْلمُ ْ‬
‫مَارِقَةٌ َ‬
‫خوَارِجِ ‪,‬‬
‫عِليّ بْنُ َأبِي طَاِلبٍ ‪ ,‬وَهَذَا ُيصَدّقُهُ بَ ِقيّةُ الْأَحَادِيثِ اّلتِي فِيهَا الَْأ ْمرُ بِ ِقتَالِ الْ َ‬
‫‪ ,‬وَقَا َتَلهُمْ َ‬
‫‪105‬‬

‫عِليّ َأ ْولَى بِالْحَقّ مِنْ ُمعَا ِويَةَ‬
‫حبّ ُه اللّهُ َورَسُولُهُ ‪َ .‬وأَنّ الّذِينَ قَا َتلُوهُمْ مَعَ َ‬
‫َو ُت َبيّنُ أَنّ َق ْتَلهُمْ ِممّا يُ ِ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم بِالْ ِقتَالِ ِلوَاحِ َدةٍ مِنْ‬
‫َوأَصْحَابِهِ ‪ ,‬مَعَ َك ْو ِنهِمْ َأ ْولَى بِالْحَقّ ‪َ ,‬فلَمْ يَ ْأ ُمرْ ال ّن ِب ّ‬

‫ي صلى ال عليه‬
‫ن ال ّن ِب ّ‬
‫صلَاحَ َب ْي َن ُهمَا ‪ .‬وَقَدْ َث َبتَ عَ ْ‬
‫خوَارِجِ ‪ ,‬بَلْ مَدَحَ الِْإ ْ‬
‫الطّائِ َف َتيْنِ َكمَا َأ َمرَ بِ ِقتَالِ الْ َ‬
‫ضعُهُ‬
‫ث الصّحِيحَةِ مَا َل ْيسَ هَذَا َم ْو ِ‬
‫وسلم مِنْ َكرَاهَةِ الْ ِقتَالِ فِي الْ ِفتَنِ وَالتّحْذِيرِ ِم ْنهَا مِنْ الَْأحَادِي ِ‬

‫خ ْيرٌ‬
‫خ ْيرٌ مِنْ ا ْلمَاشِي ‪ ,‬وَا ْلمَاشِي َ‬
‫خ ْيرٌ مِنْ الْقَائِمِ ‪ ,‬وَالْقَائِمُ فِيهَا َ‬
‫س َتكُونُ ِف ْتنَةٌ الْقَاعِدُ فِيهَا َ‬
‫كَ َق ْولِهِ ‪َ { :‬‬
‫طرِ‬
‫جبَالِ َو َموَاقِعَ الْقَ ْ‬
‫ش َعفَ الْ ِ‬
‫غنَمٌ َي ّتبِعُ ِبهَا َ‬
‫سلِمِ َ‬
‫خ ْيرُ مَالِ ا ْلمُ ْ‬
‫شكُ أَنْ َيكُونَ َ‬
‫مِنْ السّاعِي } وَقَالَ { يُو ِ‬

‫سِلمِينَ‬
‫طوَا ِئفِ ا ْلمُ ْ‬
‫سِلمِينَ وَ َ‬
‫حرُوبِ اّلتِي َتكُونُ َبيْنَ ُملُوكِ ا ْلمُ ْ‬
‫‪ ,‬يَ ِفرّ بِدِينِهِ مِنْ الْ ِفتَنِ } ‪ .‬فَالْ ِفتَنُ ِمثْلُ الْ ُ‬

‫جمَلِ َوصِفّينَ َوِإ ّنمَا‬
‫سلَامِ ِمثْلُ مَا كَانَ أَهْلُ الْ َ‬
‫شرَائِعِ الْإِ ْ‬
‫‪ ,‬مَعَ أَنّ كُلّ وَاحِ َدةٍ مِنْ الطّائِ َف َتيْنِ ُم ْل َت ِزمَةٌ لِ َ‬

‫خوَارِجِ َومَا ِنعِي ال ّزكَاةِ َوأَهْلِ الطّا ِئفِ الّذِينَ لَمْ َيكُونُوا‬
‫ع َرضَتْ ‪َ .‬وَأمّا ِقتَالُ الْ َ‬
‫شبَهٍ َوُأمُورٍ َ‬
‫ا ْق َت َتلُوا لِ ُ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم‬
‫ن ال ّن ِب ّ‬
‫شرَائِعِ الثّا ِبتَةِ عَ ْ‬
‫خلُوا فِي ال ّ‬
‫حتّى يَدْ ُ‬
‫ح ّرمُونَ الرّبَا َف َه ُؤلَاءِ يُقَا َتلُونَ َ‬
‫يُ َ‬

‫علَى‬
‫جهَازُ َ‬
‫وَ َه ُؤلَاءِ إذَا كَانَ َلهُمْ طَائِفَةٌ ُم ْم َت ِنعَةٌ َفلَا َر ْيبَ َأنّهُ يَجُوزُ َقتْلُ أَسِيرِهِمْ وَا ّتبَاعُ مُ ْد ِبرِهِمْ وَالْإِ ْ‬
‫سِلمِينَ أَنْ‬
‫علَى ا ْلمُ ْ‬
‫جبُ َ‬
‫عَليْهِ فَِإنّهُ َي ِ‬
‫علَى مَا هُمْ َ‬
‫حهِمْ ‪َ ,‬فإِنّ َه ُؤلَاءِ إذَا كَانُوا مُقِيمِينَ ِب ِبلَادِهِمْ َ‬
‫جرِي ِ‬
‫َ‬

‫علَى دِينِ‬
‫حتّى َيكُونَ الدّينُ ُكلّهُ ِللّهِ ‪ ,‬فَإِنّ َه ُؤلَا ِء ال ّتتَارَ لَا يُقَا ِتلُونَ َ‬
‫يَ ْقصِدُوهُمْ فِي ِبلَادِهِمْ لِ ِقتَاِلهِمْ َ‬

‫عنْهُ ‪َ .‬وإِنْ كَانَ‬
‫ع ِتهِمْ كَفّوا َ‬
‫ع ِتهِمْ ‪َ ,‬فمَنْ َدخَلَ فِي طَا َ‬
‫خلُوا فِي طَا َ‬
‫حتّى يَدْ ُ‬
‫سلَامِ بَلْ يُقَا ِتلُونَ النّاسَ َ‬
‫الْإِ ْ‬
‫صرَا ِنيّا َأوْ َيهُو ِديّا َومَنْ لَمْ يَدْخُلْ كَانَ عَ ُدوّا َلهُمْ َوإِنْ كَانَ مِنْ الَْأ ْن ِبيَاءِ وَالصّالِحِينَ وَقَدْ‬
‫ش ِركًا َأوْ َن ْ‬
‫مُ ْ‬

‫سِلمِينَ مِنْ‬
‫علَى ا ْلمُ ْ‬
‫جبُ َ‬
‫عبَا َدهُ ا ْل ُم ْؤ ِمنِينَ ‪َ ,‬فيَ ِ‬
‫سِلمِينَ أَنْ يُقَا ِتلُوا أَعْدَا َءهُ ا ْلكُفّارَ َو ُيوَالُوا ِ‬
‫َأ َمرَ اللّهُ ا ْلمُ ْ‬
‫علَى ِقتَالِ ا ْلكُفّارِ ‪َ ,‬وَل ْيسَ‬
‫جمِي ِعهِمْ أَنْ َيكُونُوا ُم َتعَا ِونِينَ َ‬
‫صرَ وَا ْل َيمَنِ وَا ْل َم ْغ ِربِ َ‬
‫جنْدِ الشّامِ َو ِم ْ‬
‫ُ‬

‫عَل ْيهِمْ أَنْ يُقَا ِتلُوا مَنْ‬
‫جبُ َ‬
‫جرّ ِد ال ّريَاسَةِ وَالْأَ ْهوَاءِ َف َه ُؤلَاءِ ال ّتتَارُ أَقَلّ مَا يَ ِ‬
‫ضهِمْ أَنْ يُقَاتِلَ َب ْعضًا ِبمُ َ‬
‫ِل َبعْ ِ‬
‫علَى ِقتَالِ‬
‫سِلمِينَ ‪َ ,‬و َي َتعَا َونُونَ هُمْ وَهُمْ َ‬
‫َيلِيهِمْ مِنْ ا ْلكَا ِفرِينَ ‪َ ,‬وأَنْ َيكُفّوا عَنْ ِقتَالِ مَنْ َيلِيهِمْ مِنْ ا ْلمُ ْ‬

‫غ ْيرُ ُم ْك َرهٍ إلّا فَاسِقٌ ‪َ ,‬أوْ ُم ْبتَدِعٌ ‪َ ,‬أوْ ِزنْدِيقٌ ‪ ,‬كَا ْل َملَاحِ َدةِ الْ َقرَامِطَةِ‬
‫ا ْلكُفّارِ ‪َ .‬وَأ ْيضًا لَا يُقَاتِلُ َم َعهُمْ َ‬

‫حلُوِليّةِ ‪َ ,‬و َم َعهُمْ ِممّنْ يُ َقلّدُونَهُ مِنْ‬
‫طلَةِ مِنْ النّفَاةِ الْ ُ‬
‫ج ْه ِميّةِ ا ْل ُمعَ ّ‬
‫سبّابَةِ ‪َ ,‬وكَا ْل َ‬
‫ط ِنيّةِ ‪َ ,‬وكَالرّافِضَةِ ال ّ‬
‫وَا ْلبَا ِ‬

‫سنُونَ بِهِ الظّنّ ‪,‬‬
‫جهّالٌ يُ َقلّدُونَ الّذِينَ يُحْ ِ‬
‫شرّ ِم ْنهُمْ ‪ ,‬فَإِنّ ال ّتتَارَ ُ‬
‫سبِينَ إلَى ا ْل ِعلْمِ وَالدّينِ مَنْ ُهوَ َ‬
‫ا ْل ُم ْنتَ ِ‬
‫ن اللّهِ‬
‫علَى اللّهِ َورَسُولِهِ ‪َ ,‬و ُيبَ ّدلُونَ دِي َ‬
‫ضلَالِ الّذِي َيكْ ِذبُونَ بِهِ َ‬
‫غ ّيهِمْ َي ّت ِبعُونَهُ فِي ال ّ‬
‫وَهُمْ ِلضَلَاِلهِمْ وَ َ‬

‫عَلمُهُ مِنْ ُأمُورِهِمْ‬
‫حرّ َم اللّهُ َورَسُولُهُ َولَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقّ ‪َ ,‬وَلوْ َوصَفْتُ مَا أَ ْ‬
‫ح ّرمُونَ مَا َ‬
‫َولَا يُ َ‬

‫حنِي ِفيّ‬
‫سلَامِ الْ َ‬
‫ظ َهرُوا دِينَ الْإِ ْ‬
‫ج َت ِمعَانِ ‪َ ,‬وَلوْ أَ ْ‬
‫سلَامِ لَا يَ ْ‬
‫ج ْملَةِ ‪َ :‬فمَذْ َه ُبهُمْ وَدِينُ الْإِ ْ‬
‫لَطَالَ الْخِطَابُ ‪َ .‬وبِالْ ُ‬

‫ي صلى ال عليه وسلم‬
‫ن ال ّن ِب ّ‬
‫الّذِي ُب ِعثَ الرّسُولُ بِهِ لَا ْهتَ َدوْا َوأَطَاعُوا ِمثْلُ الطّائِفَةِ ا ْل َمنْصُو َرةِ ‪ .‬فَإِ ّ‬
‫‪106‬‬

‫ضرّهُمْ مَنْ خَالَ َفهُمْ َولَا‬
‫علَى الْحَقّ لَا َي ُ‬
‫عنْهُ َأنّهُ قَالَ ‪ { :‬لَا َيزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ ُأ ّمتِي ظَا ِهرِينَ َ‬
‫قَدْ َث َبتَ َ‬
‫عنْهُ فِي الصّحِيحِ َأنّهُ قَالَ ‪ { :‬لَا َيزَالُ أَهْلُ ا ْل َغ ْربِ‬
‫حتّى تَقُومَ السّاعَةُ } ‪َ .‬و َث َبتَ َ‬
‫مَنْ خَ َذَلهُمْ َ‬

‫ي صلى ال عليه وسلم َت َكلّمَ ِبهَذَا‬
‫حوَهَا } ‪ .‬فَإِنّ ال ّن ِب ّ‬
‫ظَا ِهرِينَ َوَأوّلُ ا ْل َغ ْربِ مَا يُسَا ِمتُ ال ّنثْ َرةَ َونَ ْ‬

‫ع ْنهَا َف ُهوَ‬
‫شرّقَ َ‬
‫صرَ َومَا َ‬
‫غ ْربٌ كَالشّامِ َو ِم ْ‬
‫ع ْنهَا َف ُهوَ َ‬
‫ا ْل َكلَامِ وَ ُهوَ بِا ْلمَدِينَةِ ال ّن َب ِويّةِ ‪َ ,‬فمَا َي ْغ ُربُ َ‬

‫سمّونَ أَهْلَ ا ْل ِعرَاقِ‬
‫سمّونَ أَهْلَ الشّامِ أَهْلَ ا ْل َم ْغ ِربِ ‪َ ,‬ويُ َ‬
‫سَلفُ يُ َ‬
‫جزِي َرةِ وَا ْلعِرَاقِ َوكَانَ ال ّ‬
‫شرْقٌ كَالْ َ‬
‫َ‬

‫عيّةِ فِيهَا مَا ُهوَ مَ ْذكُورٌ فِي‬
‫شرْ ِ‬
‫ج ْملَةُ اّلتِي َذ َكرْتهَا فِيهَا مِنْ الْآثَارِ وَالْأَ ِدلّةِ ال ّ‬
‫شرِقِ ‪ .‬وَهَ ِذهِ الْ ُ‬
‫أَهْلَ ا ْلمَ ْ‬
‫علَمُ ‪.‬‬
‫غ ْيرِ هَذَا ا ْل َموْضِعِ ‪َ ,‬واَللّهُ أَ ْ‬
‫َ‬
‫****************‬

‫ويقول العلمة أبو بصير ‪:‬‬
‫لماذا الجهادُ في سبيلِ الِ ‪..‬؟‬

‫إن الحمد ل نحمدُه ونستعينه ونستهديه ونستغفرُه‪ ،‬ونعوذ بال من شرور أنفسنا ومن‬
‫سيئات أعمالنا‪ ،‬من يهده الُ فل مُضلّ له ومن يُضلل فل هادي له ‪.‬‬

‫وأشهد أن ل إله إل ال وحده ل شريك له‪ ،‬وأشهد أن محمدا عبده ورسوله‪ ،‬وأنه قد‬

‫جاهد في سبيل ال حق جهاده حتى أتاه اليقين ‪ ..‬صلى ال عليه وعلى آله وصحبه وسلّم ‪.‬‬

‫وبعد‪ :‬فإن كثيرا من الناس ـ على اختلف مقاصدهم ونواياهم ـ يتساءلون‪ :‬لماذا خيار‬

‫الجهاد في سبيل ال‪ ،‬وليس دونه ‪..‬؟!‬

‫والذين يسألون هذا السؤال هم أصناف ثلثة‪:‬‬
‫‪ -1‬فريق منهم يطرح هذا السؤال استرشادا وطلبا للحق ليلتزموه ‪ ..‬وهؤلء ل حرج‬

‫عليهم إن شاء ال ‪.‬‬

‫‪ -2‬وفريق آخر يطرح هذا السؤال مشككا في جدوى هذا الطريق ‪ ..‬مظهرا نوع شفقة‬

‫على المسلمين وعلى حرماتهم‪ ،‬على اعتبار أن هذا الطريق من لوازمه الوقوع في الفتنة‪،‬‬

‫وتعريض المسلمين لن تسفك دماؤهم وتُنتهك حرماتهم ‪ ..‬وكذلك تعريض الوطان للدمار‬

‫والخراب ‪ ..‬لذلك فهم ل يتورعون في أن يطرحوا نظرياتهم وبدائلهم ـ التي هي من عند‬

‫أهوائهم وأنفسهم ـ عن هذا الطريق ‪ ..‬كطرحهم لطريق النتخابات الديمقراطية وما يتفرع‬
‫عنها من فروع وتبعات ‪ ..‬وكطريق القتصار على الدعوة باللسان على مبدأ كفوا أيديكم‬

‫وأقيموا الصلة‪ ،‬إلى أن يبعث ال بالفرج أو يظهر المام ‪ ..‬أو طريق القتصار على عنصر‬
‫‪107‬‬

‫التربية ‪ ..‬وغير ذلك من الطرق والطروحات التي تتبناها وتدعو لها بعض الجماعات السلمية‬
‫المعاصرة !‬

‫‪ -3‬وفريق ثالث خبثت طويته‪ ،‬وساء مقصده ‪ ..‬يطرحون هذا السؤال من قبيل الطعن‬

‫والستخفاف بمبدأ الجهاد ‪ ..‬وعلى أنه خيار غير متحضر ل يناسب زماننا المعاصر ‪ ..‬ويتمثل‬

‫هذا الفريق في موقف العلمانيين على اختلف مدارسهم ومذاهبهم الباطلة ‪!!..‬‬

‫وهذا الفريق العلماني الكافر ـ بحكم الوسائل المتاحة له ـ قد ترك أثره الكبير على‬

‫تفكير ومعنويات كثير من المثقفين السلميين ‪ ..‬مما حدا بالخرين أن يقفوا موقف المدافع عن‬
‫مبدأ الجهاد في سبيل ال وبطريقة مشوهة وغير لئقة؛ وكأن الجهاد تهمة مشينة تحتاج إلى من‬
‫يدافع عنها ‪ ..‬أو يوجد لها المبررات والمسوغات !!‬

‫فهم تارة يطرحون مبدأ الجهاد ويحصرونه في معنى الدفاع عن الوطان ‪ ..‬والوطان‬

‫التي تُغزى تحديدا من عدو خارجي ‪ ..‬أما الوطان التي تُغزى من العداء الداخليين ـ الذين‬
‫يكونون في الغالب هم أشد عداوة للمة والوطان من العداء الخارجيين‪ ،‬ومن مسيلمة الكذاب‬
‫أيام الصدّيق‬

‫ـ ل يجوز أن يُعمل بالجهاد مع هؤلء الصنف من العداء ‪ ..‬حيث توجد‬

‫الطرق الديمقراطية المتحضرة المعروفة دوليا لفك مثل هذه النزاعات الداخلية ‪!!..‬‬

‫وتارة يحصرونه في جهاد الكلمة أو النفس ‪ ..‬وتارة في التنقل بين المساجد والمبيت فيها‬

‫على طريقة إخواننا التبليغيين ‪ ..‬وتارة ‪ ..‬وتارة ‪ ..‬فتوسعت الهوة بين معاني هذا الدين العظيم‬
‫كما أوحاه ال تعالى على عبده ونبيه محمد‬

‫‪ ..‬وبين مستوى التزام كثير من الناس في زماننا‬

‫المعاصر ‪ ..‬فانعكس ذلك على المة سلبا وذلً وهوانا‪ ،‬وضياعا ‪!!..‬‬

‫لجل ذلك كله نجد لزاما في أن نجيب على هذا السؤال بشيء من التفصيل والبيان‪ :‬لماذا‬

‫الجهاد في سبيل ال ‪..‬؟؟‬

‫ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيّ عن بينة ‪ ..‬مستلهما من ال تعالى وحده السداد‬

‫والعون والتوفيق ‪.‬‬

‫فأقول‪ :‬ل خيار للمة ـ إن أرادت أن تحيى‪ ،‬وتسترد عافيتها‪ ،‬وتستأنف حياتها‬

‫السلمية من جديد ـ إل خيار وطريق الجهاد في سبيل ال وفق ما أمر ال تعالى وشرع ‪..‬‬

‫رضي من رضي وسخط من سخط؛ وذلك لسباب عدة نذكر أهمها في النقاط التالية‪:‬‬

‫‪108‬‬

‫أولً‪ :‬لن ال تعالى أمرنا بالجهاد ‪ ..‬فارتضاه لنا طريقا إلى العزة والنصر والتمكين ‪..‬‬
‫فهو قدر هذه المة‪ ،‬ل فكاك لها منه‪ ،‬أو التنكب عنه ‪ ..‬فليس للمؤمن ـ وهو يُسمى مؤمنا ـ‬

‫أن يرتضي لنفسه ولمته شيئا بخلف ما ارتضاه ال تعالى لعباده إل إذا آثر الكفر على‬
‫اليمان‪ ،‬والخروج عن مسمى اليمان اسما وحكما ‪.‬‬

‫والدلة على ذلك أكثر من أن تُحصر في هذا الموضع‪ ،‬نذكر منها قوله تعالى‪ :‬كتب‬

‫عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر‬
‫لكم وال يعلم وأنتم ل تعلمون‬
‫الصيام‬

‫البقرة‪.216:‬‬

‫فقوله تعالى‪ :‬كتب عليكم القتال‬

‫أي فُرض ‪ ..‬وهو كقوله تعالى‪ :‬كتب عليكم‬

‫من حيث دللة الوجوب ‪ ..‬فكما أن الصيام فرض وكتب على المؤمنين كذلك القتال‬

‫والجهاد في سبيل ال فهو فرض وكتب على المؤمنين ‪.‬‬

‫والمة عندما تستقبل المر بالقتال والجهاد كما تستقبل المر بالصيام ‪ ..‬وتستعد وتفرح‬

‫للول كما تستعد وتفرح للثاني ‪ ..‬فحينئذٍ استبشروا بالفتح وبنصر من ال قريب ‪.‬‬

‫ومما يستغرب له‪ ،‬ويشتد له العجب ‪ ..‬أن المة ل تقبل من أحد ـ أيا كان وصفه أو‬

‫كانت مكانته ـ أن يجادلها في شرعية ووجوب‬

‫كتب عليكم الصيام‬

‫بينما نراها ل تحرك‬

‫ساكنا‪ ،‬ول تبدي اعتراضا عندما ينبري من ذوي النفوس المريضة المشبوهة من يشكك في‬

‫شرعية ووجوب‬

‫والوجوب ‪ ..‬؟!!‬

‫كتب عليكم القتال‬

‫علما أن كل اليتين لهما نفس الدللة من حيث المر‬

‫وقال تعالى‪ :‬وقاتلوهم حتى ل تكون فتن ٌة ويكونَ الدينُ كله ل‬

‫النفال‪.39:‬‬

‫وقال تعالى‪ :‬إل تنفروا يُعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ول تضروه شيئا وال‬
‫على كل شيء قدير‬

‫التوبة‪.39:‬‬

‫وقال تعالى‪ :‬انفروا خفافا وثِقالً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل ال ذلكم خير لكم‬

‫إن كنتم تعلمون‬

‫التوبة‪.41:‬‬

‫وقال تعالى‪ :‬إن ال اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يُقاتلون في‬

‫سبيل ال فيقتُلون ويُقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من ال‬

‫فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم‬

‫التوبة‪.111:‬‬

‫‪109‬‬

‫وهذا بيع قد تم ل يجوز لمؤمن ـ ما دام مؤمنا ـ أن يتخلف عنه وعن تبعاته ‪ ..‬وقوله‬
‫تعالى‪ :‬اشترى من المؤمنين‬

‫من صيغ العموم التي تفيد جميع المؤمنين من دون استثناء ‪..‬‬

‫فمن أراد أن يخرج عن عقده وما تم بيعه فهو بذلك يخرج عن كونه من المؤمنين الذين اشترى‬
‫ال منهم أنفسهم وأموالهم يَقتلون ويُقتَلون ‪ ..‬وهم رضوا بالبيع مقابل جنة عرضها السماوات‬
‫والرض ‪.‬‬

‫وقال تعالى‪ :‬قاتلوا الذين ل يؤمنون بال ول باليوم الخر ول يحرمون ما حرم الُ‬

‫ورسوله ول يدينون دين الحق من الذين أُوتوا الكتاب حتى يُعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون‬
‫التوبة‪.29:‬‬

‫وقال تعالى‪ :‬وقاتلوا المشركين كافةً كما يُقاتلونكم كافة واعلموا أن ال مع المتقين‬

‫التوبة‪.36:‬‬

‫وغيرها كثير من اليات التي تفيد وجوب الجهاد ‪ ..‬وأنه المنهج الحق الذي ارتضاه ال‬

‫تعالى لعباده ل مناص لهم من تنكبه أو التفلت منه ومن تبعاته إل وهم مرتكبون الوزر والثم‪،‬‬
‫حاكمين على أنفسهم بالذل والهوان والضياع والعذاب ‪!..‬‬

‫به‬

‫وفي الحديث فقد صح عنه‬

‫مئات الحاديث التي تحض على الجهاد‪ ،‬وتأمر به‪ ،‬وتلزم‬

‫المة ‪ ..‬وتحذر من تركه أو الغفلة عنه إلى ما سواه من الطرق الخرى الملتوية‪ ،‬نذكر منها‬
‫الطائفة التالية‪:‬‬

‫قال رسول ال‬

‫‪ ":‬أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن ل إله إل ال وأن محمدا‬

‫رسول ال‪ ،‬ويقيموا الصلة‪ ،‬ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إل‬
‫بحق السلم‪ ،‬وحسابهم على ال " البخاري ‪.‬‬
‫وقال‬

‫‪ ":‬بُعثت بين يدي الساعة بالسيف‪ ،‬حتى يُعبد ال تعالى وحده ل شريك له‪ ،‬وجعل‬

‫رزقي تحت ظل رمحي‪ ،‬وجُعل الذل والصغار على من خالف أمري "(‪.)1‬‬
‫وقال‬

‫‪ ":‬واعلموا أن الجنة تحت ظلل السيوف " البخاري‪.‬‬

‫وقال‬

‫‪ ":‬من مات ولم يغزُ‪ ،‬ولم يحدث به نفسه مات على شعبة من نفاق " مسلم‪.‬‬

‫وقال‬

‫‪ ":‬من لم يغز‪ ،‬أو يجهز غازيا‪ ،‬أو يخلف غازيا في أهله بخير‪ ،‬أصابه ال‬

‫بقارعة قبل يوم القيامة "(‪.)2‬‬
‫‪110‬‬

‫فالمؤمن ل يجوز له إل أن يكون واحدا من ثلث‪ :‬إما أن يكون غازيا في سبيل ال‪،‬‬
‫وإما أن يخلف غازيا في أهله بالخير‪ ،‬وإما أن يجهز غازيا في سبيل ال ‪ ..‬فإن لم يكن واحدا‬

‫من هؤلء فلينتظر قارعة تنزل بساحته ـ ل يعلم ماهيتها وحجمها إل ال ـ قبل يوم القيامة‬
‫‪!..‬‬

‫وقال‬

‫‪ ":‬رباط يوم في سبيل ال خير من ألف يومٍ فيما سواه من المنازل "(‪.)3‬‬

‫وقال‬

‫‪ ":‬الغدوة والروحة في سبيل ال أفضل من الدنيا وما فيها " متفق عليه‪.‬‬

‫وقال‬

‫‪ ":‬من اغبرت قدماه في سبيل ال فهو حرام على النار "(‪.)4‬‬

‫قلت‪ :‬كيف بمن يعلو الغبارُ وجهَه ‪ ..‬ويُلمس شغاف قلبه ‪ ..‬إنها الجنان والدرجات العل‬

‫وربّ الكعبة ؟!‬
‫وقال‬

‫‪ ":‬عليكم بالجهاد في سبيل ال تبارك وتعالى؛ فإنه باب من أبواب الجنة يُذهب‬

‫ال به اله ّم والغمّ "(‪.)5‬‬

‫وعن سلمة بن نفيل الكندي‪ ،‬قال‪ :‬كنت جالسا عند رسول ال‬

‫فقال رجل‪ :‬يا رسول‬

‫ال‪ ،‬أذال الناس الخيل ـ أي استخفوا بها وتركوها ـ ووضعوا السلح‪ ،‬وقالوا‪ :‬ل جهاد‪ ،‬قد‬
‫وضعت الحرب أوزارها ! فأقبل رسول ال‬

‫ـــــــــــــــــ‬

‫بوجهه وقال‪ ":‬كذبوا‪ ،‬الن جاء القتال‪ ،‬ول يزال‬

‫(‪ )1‬أخرجه أحمد وغيره‪ ،‬صحيح الجامع‪.2831:‬‬

‫(‪ )2‬صحيح سنن أبي داود‪ )3( .2185 :‬صحيح سنن النسائي‪.2971:‬‬
‫(‪ )4‬صحيح سنن النسائي‪ )5( .2919 :‬أخرجه الحاكم وغيره‪ ،‬السلسلة الصحيحة‪.1941:‬‬

‫من أمتي أمة يقاتلون على الحق ويُزيغ ال لهم قلوب أقوام ويرزقهم منهم حتى تقوم الساعة‪،‬‬
‫وحتى يأتي وعد ال‪ ،‬والخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة "(‪.)1‬‬
‫وقال رسول ال‬

‫‪ ":‬والذي نفس محمد بيده لول أن يشق على المسلمين ما قعدت خلف‬

‫سرية تغزو في سبيل ال أبدا‪ ،‬ولكن ل أجد سعة فأحملهم‪ ،‬ول يجدون سعة ويشق عليهم أن‬

‫يتخلفوا عني‪ ،‬والذي نفس محمد بيده لوددت أني أغزو في سبيل ال فأُقتل‪ ،‬ثم أغزو فأُقتل‪ ،‬ثم‬
‫أغزو فأقتل " مسلم‪.‬‬
‫وقال‬

‫‪ ":‬ولن أُقتلَ في سبيل ال أحبّ إلي من أن يكون لي أهل الو َبرِ والم َدرِ "(‪.)2‬‬

‫‪111‬‬

‫هذا قليل من كثير مما ثبت عن سيد الخلق وإمام المجاهدين‬

‫في الحض على الجهاد‬

‫في سبيل ال والترغيب به ‪ ..‬ولو طالَبنا المخالفون بأن نأتيهم بألف دليل ودليل من الكتاب‬

‫والسنة على مشروعية هذا الطريق المبارك لسهل علينا ـ بإذن ال ـ أن نأتيهم بما طلبوا ‪..‬‬
‫ولكن لو طالبناهم بدليل واحد ـ من الكتاب أو السنة ـ على مشروعية ما هم عليه من الطرق‬

‫والمناهج المنحرفة لعجزوا أن يأتونا بذلك ‪ ..‬ولرأيتهم يلوون أعناقهم ويلتجئون إلى المتشابهات‬

‫والعموميات وليس لهم فيها أدنى حجة أو دليل ‪!..‬‬

‫ثم نقول لهؤلء المخالفين إن قدرتم على تحريف نص أو نصين عن ظاهرهما‬

‫ودللتهما‪ ..‬فأنى لكم بتأويل وتحريف آلف النصوص الشرعية التي تحض وتأمر بالجهاد في‬
‫سبيل ال ‪..‬؟!!‬

‫كذلك كيف يليق بكم ـ وأنتم تُظهرون حرصكم على نصرة هذا الدين ـ أن تصرفوا‬

‫نظركم عن هذه النصوص على كثرتها‪ ،‬وتجعلوها وراءكم ظهريا وكأنها لم تكن‪ ،‬وال تعالى ـ‬
‫بكبريائه وعظمته وأسمائه الحسنى وصفاته العل ـ يخاطبكم بها وكل المؤمنين ‪..‬‬

‫عليكم القتال ‪..‬‬

‫كتب‬

‫يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي ال بقوم يحبهم‬

‫ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل ال ‪..‬‬
‫آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا ‪..‬‬

‫انفروا في سبيل ال اثاقلتم إلى الرض ‪..‬‬
‫وليجدوا فيكم غِلظة ‪..‬‬

‫يا أيها الذين‬

‫يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم‬

‫يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار‬

‫‪ ..‬ألستم من الذين آمنوا الذين تعنيهم هذه اليات وغيرها ‪ ..‬ألستم من‬

‫الذين آمنوا الذين يخاطبهم ال تعالى ‪..‬؟!!‬

‫ثانيا‪ :‬لن في الجهاد حياة ‪ ..‬حياة حقيقية لمعاني العزة والكرامة ‪ ..‬حياة حقيقية لنسانية‬

‫وآدمية النسان ‪ ..‬حياة حقيقية لحرمات النسان من النتهاك أو أن تكون عرضة لطماع‬

‫ـــــــــــــــــــ‬

‫(‪ )1‬صحيح سنن النسائي‪ )2( .3333 :‬صحيح سنن النسائي‪.2955:‬‬
‫وأحقاد الوحوش الدمية الفاجرة ‪!..‬‬

‫قال تعالى‪ :‬يا أيها الذين آمنوا استجيبوا ل وللرسول إذا دعاكم لما يُحييكم ‪..‬‬

‫النفال‪ .24:‬أي لما فيه سبب حياتكم الحقيقية ‪ ..‬حياة القلوب والبدان معا ‪ ..‬ومما دعانا إليه‬
‫النبي‬

‫الجهاد في سبيل ال ‪.‬‬
‫‪112‬‬

‫وفي قوله تعالى‪ :‬إذا دعاكم لما يحييكم‬

‫قال ابن الزبير‪ :‬أي للحرب التي أعزكم ال‬

‫تعالى بها بعد الذل وقواكم بها بعد الضعف‪ ،‬ومنعكم من عدوكم بعد القهر منهم لكم ا‪ -‬هـ‪.‬‬
‫وقال ابن إسحاق‪ ،‬وابن قتيبة‪ :‬هو الجهاد الذي يحيي دينَهم ويُعليهم ‪ ..‬ا‪ -‬هـ‪.‬‬

‫وقال تعالى‪ :‬ولكم في القصاص حياة يا أُولي اللباب لعلكم تتقون‬

‫البقرة‪ .179:‬أي‬

‫حياة حقيقية آمنة وسالمة من الجرام والعتداءات على حرمات وحقوق النسان ‪ ..‬والقصاص‬
‫جزئية تدخل في معنى الجهاد في سبيل ال ‪.‬‬

‫وقال تعالى‪ :‬وقاتلوهم حتى ل تكون فتنة ‪..‬‬

‫النفال‪ .39:‬والفتنة كل ما يُضاد الحياة‬

‫الحقيقية السوية الخالية من الفتن والخراب والفساد ‪ ..‬فإذا استؤصلت الفتنة من المجتمعات ‪..‬‬

‫تحققت الحياة الحقيقية التي ملؤها الخير والسلمة للجميع ‪ ..‬والفتنة ـ بخاصة إذا كانت ممتنعة‬

‫بقوة السلح ـ ل يمكن استئصالها إل بالجهاد والقتال كما أمر ال تعالى‪.‬‬
‫وقال تعالى لما أمر بالجهاد والقتال‪ :‬وهو خير لكم ‪..‬‬

‫التوبة‪ :‬ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون‬

‫البقرة‪ .216:‬وفي سورة‬

‫التوبة‪ .41:‬والخيرية هنا تشمل خيري الدنيا والخرة‬

‫‪ ..‬تشمل الحياة الحقيقية التي ينبغي أن يعيشها النسان ‪ ..‬وإن كانت هذه الحقيقة الساطعة ـ‬

‫بسبب من عند أنفسنا ـ ل نعلمها بادئ ذي بدء‪ ،‬فإن ال تعالى يعلمها‪ ،‬كما قال تعالى‪ :‬وال‬

‫يعلم وأنتم ل تعلمون‬

‫‪.‬‬

‫وفي الحديث الذي أخرجه البخاري وغيره‪ ،‬قال‬

‫‪ ":‬مثل القائم على حدود ال والواقع‬

‫فيها كمثل قومٍ استهموا ـ أي اقترعوا ـ على سفينة‪ ،‬فأصاب بعضهم أعلها وبعضهم أسفلها‪،‬‬
‫فكان الذي في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا‪ :‬لو أنا خرقنا في نصيبنا‬

‫خرقا ولم نؤذِ مَن فوقنا‪ ،‬فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا‪ ،‬وإن أخذوا على أيديهم نجوا‬

‫ونجوا جميعا "‪ .‬أي إن أخذوا على أيدي أهل الباطل والفساد والشر بالجهاد والنكار ‪ ..‬نجوا‪،‬‬

‫ونجوا جميعا‪ ،‬ونجت معهم البلد من الغرق والضياع ‪ ..‬من كل ما يدخل في معاني الهلك ‪..‬‬
‫وكل من ينجو من مطلق الهلك تحققت له ول بد الحياة الحقيقية في الدنيا والخرة ‪.‬‬

‫وإذا كان في الجهاد حياة حقيقية فإن من لوازم تركه العذاب والحياة الضنك وتحقيق‬

‫الموت الحقيقي للبلد والعباد ‪ ..‬موت حقيقي لمعاني الحرية والعزة والكرامة ‪!..‬‬

‫ما قيمة الجساد إذا كانت تدب على الرض ‪ ..‬وجميع الحرمات ومعاني إنسانية النسان‬

‫تنتهك وتُقتل ‪..‬؟!‬
‫‪113‬‬

‫قال تعالى‪ :‬ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا‬
‫الجهاد في سبيل ال ‪..‬‬

‫وقال تعالى‪ :‬إل تنفروا يعذبكم عذابا أليما‬

‫طه‪ .124:‬ومن الذكر‬

‫التوبة‪ .39:‬والعذاب هنا يشمل عذابي‬

‫الدنيا والخرة ‪ ..‬عذاب الدنيا لما يترتب على ترك الجهاد وتسليم العناق والحرمات لرحمة‬
‫الطواغيت ‪ ..‬وعذاب الخرة بسبب عصيان أمر ال تعالى بجهاد الطواغيت الظالمين ‪.‬‬
‫مصداق ذلك في السنة قوله‬
‫وقال‬

‫‪ ":‬ما ترك قوم الجهادَ إل عمهم ال بالعذاب "(‪.)1‬‬

‫‪ ":‬إذا تبايعتم بالعينة‪ ،‬وأخذتم أذناب البقر‪ ،‬ورضيتم بالزرع‪ ،‬وتركتم الجهاد سلط‬

‫ال عليكم ذلً ل ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم "(‪ .)2‬أي ترجعوا عما كان سببا في ِذلّكم ‪..‬‬

‫وهو ترك النشغال بما تقدم ذكره في الحديث عن الجهاد في سبيل ال ‪ ..‬فسمى ال تعالى‬

‫الجهاد بالدين ‪ ..‬فمن ترك الجهاد فقد ترك الدين ‪ ..‬ومن رجع إلى الجهاد رجع إلى الدين !‬
‫وقد تقدم قوله‬

‫‪ ":‬من لم يغز‪ ،‬أو يجهز غازيا‪ ،‬أو يخلف غازيا في أهله بخير أصابه‬

‫ال بقارعة قبل يوم القيامة "‪ .‬قارعة ‪ ..‬ال أعلم بحجمها ونوعها ‪!..‬‬
‫وقال‬

‫‪ ":‬يوشك المم أن تداعى عليكم ـ أي تجتمع وتتكالب ـ كما تداعى الكلة إلى‬

‫قصعتها‪ ،‬فقال قائل‪ :‬ومن قلة نحن يومئذٍ ؟ قال‪ :‬بل أنتم يومئذٍ كثير‪ ،‬ولكنكم غثاء كغثاء السيل‪،‬‬

‫ولينزعن ال من صدور عدوكم المهابة منكم‪ ،‬وليقذفن في قلوبكم الوهن‪ ،‬فقال‪ :‬يا رسول ال وما‬
‫الوهن ؟ قال‪ :‬حب الدنيا وكراهية الموت "(‪.)3‬‬
‫صدق رسول ال‬

‫‪ ..‬فأي هوان وأي ذلّ تعيشه أمة السلم في هذا الزمان بسبب‬

‫تركها للجهاد(‪ .. )4‬تأمل مصابها في بلد الشام وبخاصة منها فلسطين ‪ ..‬ثم تأمل مصابها في‬

‫البوسنة والهرسك‪ ،‬وفي كوسوفو وكيف أن الناس ضربوا في الوديان والغابات يؤاثرون وحشية‬
‫ـــــــــــــــــــ‬

‫(‪ )1‬أخرجه الطبراني‪ ،‬السلسلة الصحيحة‪.2663:‬‬
‫(‪ )2‬أخرجه أبو داود وغيره‪ ،‬السلسلة الصحيحة‪.11:‬‬

‫(‪ )3‬أخرجه أبو داود وغيره‪ ،‬السلسلة الصحيحة‪.958:‬‬
‫(‪ )4‬مع ضرورة الشارة إلى وجود الطائفة المنصورة المجاهدة التي يُحيي ال تعالى بها‬

‫فريضة الجهاد ‪ ..‬وهي طائفة موجودة على مدار الزمان‪ ،‬ل يمكن أن يخلو زمان من وجودها‬
‫ومن أثر لها ‪ ..‬كما أفادت بذلك أحاديث نبوية عديدة ول الحمد ‪ ..‬وإني لرجو أن يكون‬
‫‪114‬‬

‫المجاهدون الموحدون في الشيشان وفي فلسطين من هذه الطائفة المنصورة إن شاء ال ‪ ..‬نسأل‬
‫ال تعالى لهم الثبات والنصر على العداء ‪.‬‬

‫الوحوش المفترسة على وحشية الوحوش الدمية الصربية الصليبية ‪ ..‬ثم تأمل مصابها مؤخرا‬
‫في الشيشان ‪ ..‬انظر شرقا وغربا ‪ ..‬شمالً وجنوبا ‪..‬ما من قطر من أقطار الرض إل وتجد‬

‫فيه الشعوب تدفع ضريبة باهظة في دينها وفي معاشها ‪ ..‬في كل ما تملك من مالٍ وأرض‬

‫وعرض ‪ ..‬كل ذلك بسبب تخليها عن الجهاد في سبيل ال ‪ ..‬وإيثارها للدعة والراحة‪ ،‬وركونها‬

‫لظاهر الحياة الدنيا ‪!..‬‬

‫فإن قيل كيف يكون في الجهاد حياة ويترتب عليه ما يترتب من القتل والقتال وحصول‬

‫الجراحات وغير ذلك ‪..‬؟!‬

‫أقول‪ :‬نعم‪ ،‬رغم ما ذُكر فإن في الجهاد حياة وذلك من وجهين‪:‬‬

‫ألهما‪ :‬من حيث تقليل نسبة الخسائر التي يمكن أن تصيب النفس والموال والحرمات ‪..‬‬
‫فإذا كان في الجهاد تقتل بعض النفس‪ ،‬وتتحقق بعض الخسائر أو الجراحات ‪ ..‬فإن ضريبة‬

‫ترك الجهاد في سبيل ال‪ ،‬والخلود إلى الرض ‪ ..‬هي أضعاف أضعاف ما يمكن أن يتحصل‬
‫بسبب الجهاد ‪ ..‬فيكون في الجهاد حياة للفارق بين ما يُعد ضريبة للجهاد وبين ما هو ضريبة‬

‫لترك الجهاد والركون إلى الرض وحب الدنيا ‪ ..‬وهو فارق ضخم جدا !‬

‫ولتوضيح الصورة أكثر نضرب المثال التالي‪ :‬في حال آثرت الشعوب الجهاد يُقتل منها‬

‫مثلً عشرة أنفس ‪ ..‬وفي حال آثرت ترك الجهاد ‪ ..‬يُقتل منها مائة نفس ‪ ..‬فيكون في اختيارها‬
‫لطريق الجهاد حياة حقيقية لتسعين نفس ـ كان موتها محقق في حال ترك الجهاد ـ وهو‬

‫الفارق بين ضريبة وتبعات الجهاد وبين ضريبة ترك الجهاد ‪ ..‬وهذا مثال ضربناه لتقريب‬

‫الصورة إليك يمكنك القياس عليه عند الحديث عن الحرمات التي يمكن أن تنتهك في مواطن‬

‫الجهاد ‪ ..‬والحرمات التي تنتهك في مواطن الستسلم والركون إلى الرض وترك الجهاد (‪!)1‬‬

‫ــــــــــــــــــ‬

‫(‪ )1‬لكي تعرف الفارق بين تكاليف الجهاد ‪ ..‬وتكاليف الركون إلى الدنيا وترك الجهاد تأمل ما‬
‫حصل في كلّ من البوسنة والهرسك والشيشان ‪ ..‬حيث في البوسنة والهرسك ـ بسبب ترك‬

‫الجهاد وانشغال الناس في البحث عن الثغور للفرار ـ قد انتهكت أعراض عشرات اللف من‬

‫‪115‬‬

‫النساء والفتيات المسلمات ‪ ..‬إضافة إلى مئات المقابر الجماعية للناس هناك حيث يُقبرون وهم‬
‫أحياء ‪ ..‬وهذا مرده كله يعود إلى تركهم للجهاد في سبيل ال‪ ،‬وانشغالهم عنه بالدنيا ‪!..‬‬

‫بينما ـ رغم وحشية الجيش الروسي وشدة فجوره وكفره وإجرامه ـ لم يحصل في‬

‫الشيشان شيء مما ذكر في البوسنة والهرسك ‪ ..‬بسبب أن إخواننا هناك ـ حفظهم ال من كل‬

‫سوء ـ قد آثروا طريق الجهاد في سبيل ال من أول الحداث وقبلها ‪ ..‬وقد بلغنا أن وحشا‬

‫روسيا ـ من قادة الجيش الروسي! ـ قد تجاسرت نفسه على العتداء على شرف فتاة مسلمة‬

‫شيشانية ثم قام بقتلها ‪ ..‬فكانت النتيجة أن اعتقل ⇦‬

‫أما ثانيا‪ :‬ففي الجهاد حياة لمعانٍ ل تقل قيمة عن النفس والرواح ‪ ..‬حياة لمعاني‬

‫الحرية‪ ،‬والعزة‪ ،‬والكرامة‪ ،‬والشرف ‪ ..‬ل طعم للحياة من دونها ‪ ..‬ول قيمة للجساد التي تدب‬
‫على الرض من دونها ‪ ..‬وهذه معانٍ ل تُستجدى من الخرين ‪ ..‬ول يمكن أن تحي من دون‬
‫الجهاد في سبيل ال !‬

‫فالجهاد حياة حقيقية من هذا الوجه ‪ ..‬فتفطن لذلك !‬

‫وهو ـ أي الجهاد ـ إضافة إلى جميع ما تقدم مؤداه إلى حياة الخلود والنعيم في الجنان‬
‫قبل يوم القيامة‪ ،‬وبعد قيامها كما قال تعالى‪ :‬ول تحسبن الذين قُتلوا في سبيل ال أمواتا بل‬

‫أحياءٌ عند ربهم يُرزقون ‪ .‬فرحين بما آتاهم ال من فضله‬

‫آل عمران‪.169:‬‬

‫وقال تعالى‪ :‬ول تقولوا لمن يُقتل في سبيل ال أموات بل أحياء ولكن ل تشعرون‬

‫البقرة‪.154:‬‬

‫ثالثا‪ :‬لن الجهاد في سبيل ال هو الدعوة الصادقة والوسيلة الحقيقية لتحقيق السلم في‬

‫الرض ‪ ..‬وبيان ذلك أن ال تعالى فطر الخلق على سُنة ثابتة ماضية ـ ل يمكن لحدٍ مهما‬
‫أوتي من قوة أو نفوذ أن يلغيها أو يغيرها ـ ل تتغير ول تتبدل إلى يوم القيامة؛ وهي سنة‬

‫التدافع بين الحق وأهله من جهة وبين الباطل وأهله من جهة أخرى ‪ ..‬فالباطل ـ منذ أن وجد‬
‫ـ بكل تجمعاته وتكتلته يعمل جاهدا على استئصال الحق من الوجود وبسط نفوذه عليه‪،‬‬

‫وتحقيق السلم في الرض على طريقته الباطلة الظالمة ‪ ..‬وكذلك الحق بكل تجمعاته ل يألو‬
‫جهدا في تحجيم الباطل وكسر شوكته ‪ ..‬وفرض السلم في الرض على طريقته العادلة ‪.‬‬

‫فلو قُدر للباطل أن يبسط نفوذه على بقعة من بقاع الرض فهل تراه قادر على تحقيق‬

‫السلم العادل فيها ‪ ..‬أو أن ينصف الحق وأهله من نفسه ‪..‬؟!‬
‫‪116‬‬

‫الجواب‪ :‬ل ‪ ..‬لماذا ؟!‬
‫ذلك لسببين‪ ،‬أولهما‪ :‬ل يوجد للباطل قانون عادل ثابت يُلزم به أهله وأتباعه في السخط‬

‫ـــــــــــــــــــ‬

‫⇦ المجاهدون مقابل هذه المرأة ما يُقارب عشرة جنود ومقاتلين من الجيش الروسي ‪ ..‬ولما‬

‫أبى قادة الروس بتسليم المجرم الذي قام بالجرم المذكور للمجاهدين مقابل تسليمهم ما لدى‬

‫المجاهدين من أسرى ‪ ..‬قام المجاهدون ـ ثأرا لشرف وعرض تلك المرأة المسلمة ـ بقتل ما‬

‫لديهم من أسرى جنود الروس ‪ ..‬ولهم ذلك ‪ ..‬مما جعل طواغيت الروس أن يفكروا ألف مرة‬

‫قبل أن تتجاسر نفوسهم الخبيثة على العتداء على أعراض المسلمين ونسائهم ‪ ..‬ومرد ذلك كله‬

‫ـ كما تقدم ـ إلى إحياء فريضة الجهاد في سبيل ال في تلك الديار ‪ ..‬فتأمل الفارق الضخم‬
‫بين تكاليف الجهاد وبين تكاليف وتبعات ترك الجهاد ‪!..‬‬

‫والرضى ‪ ..‬في القوة والضعف ‪ ..‬في السلم والحرب ‪ ..‬الذي يمنعهم من التمادي في ظلم العباد‬
‫والمخالفين ‪ ..‬مما يحملهم على أن يشرعوا لنفسهم وللخرين القوانين التي تلبي نزواتهم‬

‫وأهواءهم‪ ،‬وأحقادهم ‪ ..‬والتي مؤداها إلى ظلم الخرين وهضم حقوقهم ووجودهم ‪ ..‬فهم ـ أي‬
‫أهل الباطل ـ ل يتورعون في أن يصدروا القوانين أو يغيروا بها ـ وقت يشاءون ـ لما يخدم‬

‫مصالحهم ومآربهم الخاصة وإن أدى ذلك إلى هضم وسحق الشعوب الخرى ‪!..‬‬

‫ولو وجدوا في مرحلة من المراحل أن قوانينهم ـ التي هي من عند أنفسهم وأهوائهم ـ‬

‫ل تلبي رغباتهم‪ ،‬وأطماعهم‪ ،‬وأحقادهم ‪ ..‬فالحبار والرهبان من دهاقنة الساسة جاهزون لسن‬
‫القوانين التي ترقى إلى درجة تلبية الرغبات والطماع ‪ ..‬والتي سرعان ما تتحول قوانينهم‬

‫الجائرة إلى مستوى القانونية أو الشرعية الدولية التي يجب على الشعوب المقهورة المسلوبة‬

‫الحقوق أن تحتكم إليها وترضى بها وبتبعاتها ‪ ..‬والويل كل الويل لمن يخالفها أو يعترض‬
‫عليها(‪!!)1‬‬

‫فالباطل الذي ل يملك الميزان الثابت العادل ‪ ..‬ل يمكن‪ ،‬بل ل يسمح للخرين أن‬

‫يتعاملوا معه بسلم أو بغير صدام ‪ ..‬وبالتالي فهو غير مؤهل بأن يحقق السلم العادل في‬
‫الوجود!‬

‫السبب الثاني‪ :‬فقد تضافرت أدلة النصوص الشرعية وكذلك أدلة الواقع المعايش على أن‬

‫الباطل بكل تجمعاته ومذاهبه ل يمكن أن يرضى عن الحق وأهله‪ ،‬أو أن تهدأ مطاردته‬
‫‪117‬‬

‫وملحقته لهم ‪ ..‬إل بأحد خيارين‪ :‬إما أن يرتد الحق عن حقه ليدخل في دين ومذاهب الباطل ‪..‬‬
‫وإما خيار القتل والتشريد والستئصال من الوجود إن قدروا على ذلك ‪!!..‬‬

‫قال تعالى‪ :‬ول يزالون يُقاتلوكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا‬

‫البقرة‪.217:‬‬

‫ـــــــــــــــــ‬

‫(‪ )1‬لتعرف حقيقة ذلك تأمل القوانين الجائرة الصادرة عن المم المتحدة‪ ،‬التي وراءها قوى‬
‫الستكبار العالمي أمريكا ومن دار في فلكها من دول الغرب الصليبي ‪ ..‬كيف تبيح للمغتصب‬

‫الظالم بأن يغتصب حقوق الخرين كما هو حاصل في فلسطين ‪ ..‬وفي الشيشان ‪ ..‬وفي‬

‫أفغانستان ‪ ..‬وفي العراق ‪ ..‬وفي كشمير وغيرها من البلدان والمصار ‪ ..‬كل ذلك يمرر بعد‬

‫أن تصدر القوانين ـ وما أسهل إصدارها على مصاصي الدماء من الحبار والرهبان ـ التي‬
‫تبيح هذا الغتصاب ‪ ..‬وهذه النتهاكات ‪ ..‬لتصبح فيما بعد هي الحق الذي ل يجوز التعقيب‬

‫عليه ‪ ..‬وخلفها من الحق هو الباطل الذي يُعد الهمس به من الرهاب ‪!! ..‬‬

‫وتأمل كذلك كيف تُطالب دول النفاق والشقاق ‪ ..‬العراق وشعب العراق باللتزام الحرفي‬

‫بالقوانين الصادرة عن المم المتحدة ـ أو بالحرى أمريكا راعية الطغيان العالمي ـ التي أدت‬
‫إلى قتل مئات اللف من أطفال العراق جوعا ومرضا ‪ ..‬وكأن هذه القوانين الكافرة آيات‬

‫منزلة من السماء ل تجوز مخالفتها أو معارضتها ‪ ..‬بل اليات المنزلت في القرآن الكريم‬
‫يجرؤون على مخالفتها وردها ول يجرؤون على مخالفة تلك القوانين التي مصدرها مصاصي‬
‫الدماء من الطواغيت ‪!! ..‬‬

‫وقوله تعال‪ :‬ول يزالون ‪..‬‬

‫يفيد الستمرار والمواصلة على القتال ما داموا قادرين‬

‫على ذلك ‪ ..‬والغرض من هذا القتال أن يردوا أهل الحق عن حقهم ودينهم ليدخلوهم في باطلهم‬
‫ودينهم ‪!..‬‬

‫وقال تعالى‪ :‬كيف وإن يظهروا عليكم ل يرقبوا فيكم إلً ول ذمة‬

‫التوبة‪ .8:‬أي إن‬

‫عل سلطانهم على أهل الحق ل يُراعون فيهم حرمة القرابة‪ ،‬ول حرمة ما بينهم من العهود‬

‫والمواثيق‪ ،‬ول يمنعهم عن سفك الدم الحرام أو انتهاك الحرمات شيء من ذلك ‪ ..‬ومن كان‬
‫كذلك ل يمكن أن يحقق السلم‪ ،‬أو أن يكون مؤهلً لتحقيق السلم مع الخرين ‪!..‬‬

‫‪118‬‬

‫وقال تعالى‪ :‬ولن ترضى عنك اليهود ول النصارى حتى تتبع ملتهم‬

‫البقرة‪.120:‬‬

‫فلن الواردة في الية الكريمة تفيد نفي الحاضر والمستقبل ‪ ..‬أي مهما حاول أهل الحق أن‬

‫يسترضوا اليهود والنصارى عنهم فلن يُفلحوا إل بشرط واحد‪ :‬وهو اتباع ملتهم والدخول في‬
‫دينهم وباطلهم ‪!..‬‬

‫والية تفيد كذلك أن رضى اليهود والنصارى عن المسلم مؤشر صريح على انحراف‬

‫المسلم عن جادة الحق والصواب إلى الباطل الذي هم عليه ‪ ..‬فحيثما يظهر رضى القوم عن‬
‫المسلم فعليه أن يتهم نفسه‪ ،‬وأن يُراجع دينه !!‬

‫وقال تعالى‪ :‬وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودنّ في ملتنا‬

‫إبراهيم‪ .13:‬فقوله تعالى‬

‫وقال الذين كفروا ‪..‬‬

‫يفيد الستغراق؛ أي جميع الذين كفروا على‬

‫مدار الزمن وإلى يوم القيامة يقولون للرسل وأتباعهم المؤمنين‬

‫لتعودن في ملتنا‬

‫لنخرجنكم من أرضنا أو‬

‫‪ ..‬ومن كان هذا وصفه وديدنه فأنى له أن يحقق السلم في الرض ؟!!‬

‫ونحو ذلك قوله تعالى عن فتية أهل الكهف‪ :‬إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو‬

‫يُعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا‬
‫التي تفيد هذا المعنى ‪..‬‬

‫الكهف‪ .20:‬وغيرها كثير من اليات القرآنية الكريمة‬

‫وفي الحديث فقد أخرج البخاري وغيره أن النبي‬

‫لما أخبر ورقة بن نوفل خبر ما‬

‫رأى من الوحي‪ ،‬قال له ورقة‪ :‬هذا الناموس ـ أي جبريل عليه السلم ـ الذي نزل على‬

‫موسى‪ ،‬يا ليتني فيها جذعا ـ أي شابا قوياُ ـ ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك‪ ،‬فقال رسول‬
‫ال‬

‫‪ :‬أو مخرجي هم ؟! فقال‪ :‬نعم‪ ،‬لم يأتِ رجل بمثل ما جئت به إل عودي‪ ،‬وإن يدركني‬

‫يومك أنصرك نصرا مؤزرا ‪.‬‬

‫هذه أدلة النصوص الشرعية ‪ ..‬أما أدلة الواقع الملموس والمشاهد فحدث عنها ول‬

‫حرج؛ فما أكثر تلك الديار وأولئك الشعوب التي تنتهك حرماتهم صباح مساء بسبب أنهم لم‬
‫يدخلوا في‬

‫طاعة القوم أو في دينهم ‪..‬؟!‬
‫فانظر ماذا حصل ويحصل في فلسطين ‪ ..‬وماذا حصل في البوسنة والهرسك ‪ ..‬وفي‬

‫كوسوفو ‪ ..‬وماذا يحصل في هذه اليام في الشيشان ‪ ..‬وفي الفلبين ‪ ..‬وفي أندونيسيا ‪ ..‬وفي‬

‫‪119‬‬

‫الصين ‪ ..‬وفي كشمير ‪ ..‬وفي أفغانستان ‪ ..‬وفي العراق ‪ ..‬وفي السودان ‪ ..‬وفي أرتيريا ‪..‬‬
‫وفي لبنان ‪ ..‬وفي الصومال ‪ ..‬وغيرها كثير من البلدان ‪!!..‬‬

‫ما يحصل في تلك الديار وغيرها من ممارسات وتصفيات وحصارات‪ ،‬ومؤامرات ‪..‬‬

‫لهو أكبر دليل على أن القوم ل يُحسنون صنعة السلم ‪ ..‬إل سلم السياد مع العبيد ‪ ..‬العبيد‬

‫الذين ل يحق لهم ـ في قوانين السياد ـ إل أن يمتهنوا صنعة الركوع والسجود والطاعة‬
‫للسياد ولقوانين السياد ‪!..‬‬

‫هذا هو سلم الباطل ‪ ..‬فسلمه غدر وحرب وق تل وقتال ‪ ..‬وهضم ون صب للحقوق والحريات‬
‫‪ ..‬ومن كان كذلك فهو غير مؤهل لرعاية عملية السلم ‪ ..‬ول لبسط وتحقيق السلم ‪ ..‬لنهم‬
‫هم أنفسهم يفقدون السلم ‪ ..‬وفاقد الشيء ل يمكن أن يعطيه للخرين !‬

‫إذا كان هذا هو سلم الباطل ‪ ..‬فهل الحق قادر على تحقيق السلم العادل ‪ ..‬وهل هو‬

‫قادر على إنصاف الخرين ـ ولو كانوا من أهل الباطل ـ من نفسه ‪ ..‬أو يحقق لهم المن‬
‫والسلم ‪..‬؟!‬

‫الجواب‪ :‬نعم ‪ ..‬لماذا ؟‬
‫لن الحق يملك القانون العادل الثابت الذي يُعرفه ما له وما عليه ‪ ..‬القانون الذي يلتزمه‬

‫في السر والعلن ‪ ..‬في السخط والرضى ‪ ..‬في السلم والحرب ‪ ..‬وليس له أن يخرج قيد أنملة‬
‫عن هذا القانون إل إذا آثر أن يخرج عن كونه ووصفه بأنه الحق أو من أهل الحق !‬

‫هذا القانون هو " حكم ال تعالى " الذي ل يتغير ول يتبدل‪ ،‬والذي ل يُحابي مخلوقا على‬

‫حساب مخلوق ‪ ..‬فكل الناس أمامه سواء ‪ ..‬الغالب والمغلوب ‪ ..‬الضعيف والقوي ‪ ..‬السيد‬

‫والوضيع ل فرق بينهم أمام حكم ال ‪ ..‬فلكل له وعليه ‪ ..‬وعلى الجميع أن يلتزموا بما لهم وما‬
‫عليهم ‪ ..‬بحسب ما يقضي ال تعالى في حكمه وشرعه!‬

‫وهذا من أكبر العوامل التي تعين على تحقيق السلم في الرض ‪ ..‬إذ أن الخرين‬

‫يعرفون قبل أن يدخلوا في السلم مع الحق وأهله ما لهم وما عليهم ‪ ..‬إنهم جميعا أمام قانون‬
‫واحد ل يمكن أن يتغير ول أن يتبدل بحسب الهواء والمصالح ‪ ..‬فهو ل يخضع لمزاج‬

‫السلطين أو الحكام ول لسياساتهم ‪ ..‬كما ل يجوز أن يخضع لرغبات ونزوات الشعوب‬

‫المنتصرة الغالبة ‪ ..‬كما هو الحال عند الباطل وأهله !!‬

‫‪120‬‬

‫فهم عندما يدخلون في سلم الحق لن يكونوا عبيدا للعبيد ‪ ..‬ول خاضعين لسلطة العبيد‬
‫كما هو الحال عندما ينتصر الباطل في موقعة من المواقع ‪ ..‬وإنما هم في حقيقة أمرهم داخلون‬
‫في الطاعة العامة ل‬

‫‪ ..‬وفي العبودية العامة للخالق‬

‫‪ ..‬وفي السلم العام الذي شرعه ال‬

‫تعالى للعباد ‪ ..‬وهذه عبودية تشريف ل انتقاص فيها من قدر المخلوق أو العباد(‪!.. )1‬‬

‫من قوانين الحق التي يلتزم بها المسلمون حكاما ومحكومين قوله تعالى‪ :‬يا أيها الذين‬

‫آمنوا أوفوا بالعقود‬

‫اليمان بعد توكيدها‬

‫المائدة‪ .1:‬وقوله تعالى‪ :‬وأوفوا بعهد ال إذا عاهدتم ول تنقضوا‬

‫النحل‪ .91:‬وقوله تعالى‪ :‬ول تشتروا بعهد ال ثمنا قليلً إنما عند ال‬

‫هو خير لكم إن كنتم تعلمون‬

‫النحل‪ .95:‬وقوله تعالى‪ :‬وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولً‬

‫السراء‪ .34:‬فهي نصوص تلحق ضمير وأخلق المؤمن أينما ذهب أو حل وأقام ‪ ..‬تمنعه‬

‫من أن يفكر ـ مجرد التفكير ـ في الغدر أو الخيانة أو نقض العهد مهما كانت تكاليف وتبعات‬

‫اللتزام بالعهد أو العقد الذي يعطيه المؤمن للخرين(‪!.. )2‬‬
‫ـــــــــــــــــــ‬

‫(‪ )1‬العبادة نوعان‪ :‬عباد شرعية دينية أو عبادة خاصة ‪ ..‬وهذه عبادة ل إكراه فيها إن أبى‬
‫النسان أن يدخل فيها ‪ ..‬وهو المراد من قوله تعالى‪ :‬ل إكراه في الدين ‪ ..‬؛ أي ل إكراه‬

‫على الدخول في العبادة الشرعية الدينية ‪ ..‬وعبادة كونية قدرية أو عبادة عامة؛ وهي عبادة‬
‫الدخول في الطاعة العامة لحكم ال‬

‫‪ ..‬والنقياد العام لسلطة شرع ال‬

‫‪ ..‬وهذه عبادة ل‬

‫مناص لحدٍ من العباد أن يتخلف عنها أو ل يدخل فيها ‪ ..‬فإن أبوا إل القتال قوتلوا عليها ‪..‬‬

‫وهو المراد من قوله تعالى‪ :‬وقاتلوهم حتى ل تكون فتنة ويكون الدين كله ل‬

‫أي حتى‬

‫تكون الطاعة والخضوع كله ل وحده ‪ ..‬وليس لسلطان‪ ،‬أو شعب منتصر ‪ ..‬فإن أتوا بالعبادة‬
‫العامة والطاعة العامة لحكم ال تعالى وسلطانه ‪ ..‬فليدخلوا بعدها في العبادة الدينية الخاصة‬

‫التي يشاءون ‪ ..‬وحسابهم على ال !!‬

‫(‪ )2‬مما يذكره لنا التاريخ‪ :‬أن أبا عبيدة بن الجراح‬

‫كان قد صالح نصارى الروم على‬

‫مدينة دمشق‪ ،‬وكان خالد بن الوليد لم يعلم بصلح وعهد أبي عبيدة مع نصارى الروم ‪ ..‬فافتتح‬
‫دمشق عنوة من جهة الباب الشرقي للمدينة ‪ ..‬ولما ذكر النصارى ذلك لعبيدة ر ّد إليهم المدينة‬
‫بكاملها ـ التي هي دمشق! ـ وفاء بالعهد وبالكلمة التي أعطاها لهم ‪!..‬‬

‫‪121‬‬

‫تأمل ‪ ..‬أهكذا هم الصهاينة اليهود اليوم ـ ووراءهم أمريكا والغرب الصليبي ـ في‬
‫تعاملهم مع العقود والعهود التي يعطونها للخرين ‪ ..‬كم هي العقود والعهود التي يبرمونها اليوم‬
‫‪ ..‬وفي اليوم الثاني يغدرون بها لدنى مصلحة يمكن أن يفقدونها من وراء هذا العقد أو العهد‬
‫‪ ..‬فأنى لهؤلء أن يكونوا دعاة بحق للسلم أو أنهم كفأ لن يكونوا رعاة بحق لعملية السلم‬

‫‪ ..‬؟!!‬

‫ثم تأمل انسحاب الصهاينة اليهود الصوري من أراضٍ ل حق لهم فيها في فلسطين ‪ ..‬كيف‬

‫يكون بالشبر والفِتر ‪ ..‬وذلك كله بعد العهود الكثيرة الكاذبة والمتراكمة عليهم منذ عقود قد‬
‫أعطوها للخرين ‪!!..‬‬
‫وقد تقدم معنا حديث السفينة‪ ،‬وفيه قوله‬

‫‪ ":‬فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا‪ ،‬وإن‬

‫أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا "؛ أي إن تركوا لهل الباطل الحرية في قيادة السفينة‬

‫والمجتمعات‪ ،‬أو أن يفرضوا سلمهم الباطل كما يحلو لهم فقد هلكوا جميعا‪ :‬الصالحين‬
‫والطالحين ‪ ..‬وغرقت بهم السفينة‪ ،‬وهلكت البلد ‪! ..‬‬

‫وإن أخذوا على أيديهم ـ بالجهاد والقتال ـ ومنعوهم عن فسادهم وطغيانهم‪ ،‬وفرضوا‬

‫سلمهم العادل ‪ ..‬نجوا جميعا‪ ً:‬الصالحين والطالحين معا ‪ ..‬ونجت معهم السفينة والمجتمعات‬

‫من الغرق في أوحال الشرك والفساد‪ ،‬والدمار ‪! ..‬‬

‫والذي يهمنا من ألفاظ الحديث في هذا الموضع قوله‬

‫" نجوا ونجوا جميعا " الذي يفيد‬

‫حرص الحق على تحقيق النجاة والسلمة لهل الباطل كذلك ‪ ..‬وهذا مال يمكن أن نجده أو‬
‫نشعر به عند أهل الباطل نحو الحق وأهله ‪!..‬‬
‫وقال‬

‫‪ .)1‬وقال‬

‫‪ ":‬من أمن رجلً على دمه فقتله فأنا بريء من القاتل‪ ،‬وإن كان المقتول كافرا "(‬

‫‪ ":‬من قتل نفسا معاهدة بغير حلها‪ ،‬حرم ال عليه الجنة أن يشم ريحها "(‪.)2‬‬

‫هذه هي أخلق ال حق ال تي تُلزم كل م سلم ولو كان في أدغال إفريق يا أو الفلب ين ‪ ..‬ف هو‬

‫يكف يه بأن ي سمع بهذا الحد يث أو نحوه ليكون له رادعا وزاجرا يرد عه من أن ي مس أو ي صيب‬
‫الكافر الذمي أو المعاهد المؤمّن بأدنى أذى أو سوء ‪!..‬‬

‫وبعد‪ ،‬فإنه يحق لنا أن نسأل‪ :‬أهكذا هم أهل الباطل ـ بكل تجمعاتهم ومذاهبهم ـ عندما‬

‫يتعاملون مع المسلمين وبخاصة إن ظهروا عليهم بنوع قوة أو سلطة ‪ ..‬؟!‬

‫‪122‬‬

‫الجواب‪ :‬تجده في المجازر الجماعية بحق الشيوخ والطفال والنساء التي ارتكبت في‬
‫البوسنة والهرسك ‪ ..‬وفي الشيشان ‪ ..‬وفي أفغانستان من قبل ‪ ..‬تجده في المقابر الجماعية‬

‫للحياء ‪ ..‬تجده في حرق المسلمين وهم يتعبدون في مساجدهم كما حصل في مالوكو إندونسيا‬

‫‪ ..‬؟!!‬

‫تجد الجواب في البيوت المهدمة على أهلها وأصحابها البرياء في فلسطين ‪..‬؟!‬
‫راجع تاريخ فتوحات السلم كلها ‪ ..‬هل تعرف مرة أن السلم اضطر ـ فضلً عن‬

‫أن يجبر ـ أهل البلد بأن يخرجوا من ديارهم باللف أو المليين ‪!!..‬‬

‫بينما نجد صهاينة اليهود لما غزوا فلسطين شردوا مليين المسلمين من أبناءها‬

‫وأسكنوهم في العراء وفي المخيمات ‪ ..‬ثم بعد ذلك قسّموا الناس بين نازح ولجئ‪ ،‬ولكل منهما‬
‫درجة ؟!‬

‫ـــــــــــــــــ‬
‫(‪ )1‬أخرجه النسائي‪ ،‬وابن ماجة‪ ،‬وأحمد‪ ،‬السلسلة الصحيحة‪.440:‬‬
‫(‪ )2‬صحيح سنن النسائي‪.4423:‬‬

‫كذلك لما غزت روسيا من قبل أفغانستان ‪ ..‬وكذلك لما غزت الشيشان ‪ ..‬وكذلك‬

‫الصرب لما غزوا البوسنة والهرسك ‪ ..‬أجبروا المسلمين من أهل البلد على الهجرة والخروج‬
‫من ديارهم وبيوتهم ‪ ..‬وذلك بعد أن ارتكبوا بحقهم المجازر التي ل يمكن أن يتصورها عقل‬
‫آدمي ‪!!..‬‬

‫كل ذلك يحصل في زمن الديمقراطية ‪ ..‬وزمن النسانية ‪ ..‬ومحاربة العنصرية ‪..‬‬

‫وعلى مرأى ومسمع من جميع محافل الباطل ومؤسساته ودوله(‪.)1‬‬

‫كل ذلك يجعلنا نجزم ونؤكد بأن الباطل ل يمكن له أن يحقق السلم العادل في الوجود‬

‫لنه ل يملك الخصائص النفسية والخلقية التي تمكنه من ذلك‪ ،‬بخلف الحق فإنه يملك جميع‬
‫مقومات وخصائص تحقيق السلم العادل في الرض كل الرض ‪ ..‬وبالتالي هو الذي يجب أن‬

‫يُرشح لقيادة ورعاية عملية السلم‪ ،‬وعلى طريقته الخاصة به ‪ ..‬وليس على طريقة أحدٍ غيره‪.‬‬

‫ولما كان الباطل ل يسمح للحق أن يقود ويرعى عملية السلم ‪ ..‬أو يحقق السلم العادل‬

‫على طريقته الشرعية الربانية ‪ ..‬لزم على الحق وأهله أن يجاهدوا الباطل وأهله ويزيلوا من‬

‫أمامهم العقبات الكثيرة التي ينثرها الباطل في طريقهم والتي تحيل بينهم وبين تحقيق السلم ‪!..‬‬
‫‪123‬‬

‫لذا فإن كل من يريد السلم بحق نقول له‪ :‬أقرب طريق لتحقيق السلم العادل هو الجهاد‬
‫في سبيل ال ‪ ..‬وأي طريق آخر يُسلك غير طريق الجهاد فهو طريق ل يوصل للسلم ول‬

‫يمكن أن يحقق السلم‪ ،‬وهو مضيعة للوقات والعمار من غير طائل ول فائدة ‪ ..‬وليس من‬
‫ورائه إل تأخير عملية السلم ‪ ..‬وإطالة أمد الحروب والظلم والشقاء والحرمان ‪!..‬‬

‫فكل من يتنكب طريق الجهاد ـ بقصد أو غير قصد ـ فهو ل يعمل للسلم ‪ ..‬ول يريد‬

‫للسلم أن تقوم له قائمة ‪ ..‬وإنما يريد أن يطيل أمد الحروب والشقاء والظلم والحرمان ‪ ..‬يريد‬

‫أن يطيل عمر طغيان الباطل ‪ ..‬يريد أن يكرس سلم الباطل الذي هو ليس بسلم ‪ ..‬وإن زعم‬
‫ملء ــــــــــــــــــ‬

‫(‪ )1‬فإن قيل ولكن يوجد في الدول الغربية المتحضرة قوانين تحارب العنصرية ‪ ..‬أقول‪ :‬رغم‬

‫أن هذه الدول قد اهتدت لهذه القوانين مؤخرا وبعد سلسلة طويلة من النتهاكات لحقوق النسان‬
‫‪ ..‬إل أن هذه القوانين عبارة عن حبر على ورق ل سلطان لها في ضمائر الشعوب وأخلقهم‬

‫‪ ..‬لذا نرى هذه القوانين في وادٍ وأخلق وممارسات الناس في وادٍ آخر‪ ،‬والدلة على ذلك أكثر‬

‫من أن تحصر في هذا الموضع‪ ،‬كان آخرها ـ كما طالعتنا بذلك وكالت النباء ـ قتل طفل‬

‫في ألمانيا ‪ ..‬ذنبه وجرمه أن أباه مسلم من العراق ‪ ..‬علما أن أمه ألمانية الصل والمنشأ ‪..‬؟!!‬
‫ثم ما قيمة أن تُحارَب العنصرية على مستوى ممارسة الفراد في داخل المجتمع ‪ ..‬بينما‬

‫في المقابل هم يقرون ويباركون العنصرية الدولية التي تمارس بحق دول وشعوب من الدرجة‬

‫الثانية أو الثالثة كما يصنفونها هم ‪ ..‬كما هو حاصل في فلسطين وغيرها من البلدان ؟!!‬
‫شدقيه أنه من دعاة وأنصار السلم !!‬

‫وعليه فإن أقرب الناس للسلم‪ ،‬وأصدقهم دعوة إلى السلم هم المجاهدون في سبيل ال‬

‫الذين يُقاتلون في سبيل ال ‪ ..‬وأكثر الناس بعدا وعداءً للسلم هم أكثرهم عداءً لمبدأ الجهاد في‬
‫سبيل ال ‪!!..‬‬

‫رابعا‪ :‬لن الغايات العامة للسلم ل يمكن أن تتحقق إل بالجهاد في سبيل ال ‪.‬‬

‫فمن دواعي الشروع في طريق الجهاد كذلك أن الغايات العظمى الكليّة للسلم ل يمكن‬
‫أن تتحقق إل بالجهاد في سبيل ال ‪.‬‬

‫ومن أجل وأعظم غايات السلم نشر التوحيد وبسط نفوذه ‪ ..‬واستئصال الشرك وتحجيم‬

‫نفوذه ‪ ..‬والعمل على أطر العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ‪ ..‬ومن جور الديان‬
‫‪124‬‬

‫والشرك إلى عدل السلم والتوحيد ‪ ..‬وهذه مهمة جميع النبياء والرسل من لدن آدم‬
‫نبينا محمد‬

‫الطاغوت‬

‫إلى‬

‫‪ ،‬كما قال تعالى‪ :‬ولقد بعثنا في كل أمة رسولً أن اعبدوا ال واجتنبوا‬

‫النحل‪.36:‬‬

‫وقد تقدمت الشارة إلى حرص الباطل الشديد على منع الحق من أن يبسط نفوذه أو‬

‫ينشر ما لديه من الخير والهداية‪ ،‬وهو ل يتردد في زرع العقبات والشواك في طريقه‪ ،‬التي‬
‫تعيق بين رسالته وهدفه وبين الناس ‪ ..‬وقد ذكرنا ـ فيما تقدم ـ الدلة على ذلك من النصوص‬

‫الشرعية‪ ،‬وكذلك أدلة الواقع التي تثبت أن الباطل ل يهدأ له بال ول تقر له عين إل بعد أن يرد‬
‫الحق عن حقه أو يُزيله عن الوجود والحياة إن استطاع ‪!..‬‬

‫وهذا واقع ظاهر ل خفاء فيه ‪ ..‬ل ينبغي أن نطيل الجدال حوله لنثبت صحته ‪!..‬‬
‫الشاهد مما تقدم‪ :‬أن السلم ل بد له من أن يؤدي رسالته‪ ،‬وهو وجِد لذلك ‪ ..‬وأن‬

‫القائمين على نصرة هذا الدين الحنيف ل بد لهم من أن يعملوا جادين ومخلصين لنصرة هذا‬
‫الدين ونشر تعاليمه بين الناس كل الناس‪ ،‬وليس لهم خيار غير ذلك ‪ ..‬وهذا من لوازمه إزالة‬

‫كل العقبات والشواك التي يفترشها الباطل في طريق الحق ‪ ..‬ومادة ذلك كله الجهاد في سبيل‬
‫ال ‪.‬‬

‫فالباطل بكل جيوشه وتجمعاته ‪ ..‬ليس ذلك الخصم السهل البسيط المسكين ـ كما يصور‬

‫البعض ـ الذي يمكن أن تحسم معه المشاكل من خلل الوعظ أو مجرد الكلمة ـ على طريقة‬

‫المفتونين بالديمقراطية ـ بعيدا عن قوة السيف والحديد ‪ ..‬والذين يرون غير ذلك فهؤلء لم‬

‫يقرأوا القرآن بعد ‪ ..‬ولم يقرأوا التاريخ ول الواقع كذلك ‪ ..‬وهم على قلوبهم وأبصارهم غشاوة!‬
‫لجل ذلك نجد أن ال تعالى قد أنزل القرآن الكريم؛ وهو الحق المطلق ‪ ..‬وأنزل معه‬

‫الحديد فيه بأس شديد ليحمي به هذا الحق ‪ ..‬ويسهّل له رسالته في الوجود ‪.‬‬

‫قال تعالى‪ :‬لقد أرسلنا رُسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط‬

‫وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلمَ الُ من ينصرُه ورسلَه بالغيب إن ال قوي‬
‫عزيز‬

‫الحديد‪.25:‬‬

‫فالحق ل بد له من حديد يحميه ويرد عنه سهام شياطين النس والجن ‪ ..‬فحق بل حديد‬

‫سهل المنال ‪ ..‬وسهل أن تنتهك حرماته ‪ ..‬وسهل أن يُمنع عن تحقيق أهدافه ورسالته ‪ ..‬وهو‬
‫عرضة للسخرية والستهانة من كل مارق أو كافر معاند ‪!..‬‬

‫‪125‬‬

‫فالذي ل يرى الجهاد ‪ ..‬ول يدعو للجهاد ‪ ..‬ول يأمر بالجهاد ‪ ..‬فهو ـ بقصد أو غير‬
‫قصد ـ يُريد أن ينزل بالحق كل أنواع الذى المتقدمة الذكر أعله ‪ ..‬ول يريد للحق أن تقوم له‬
‫قائمة عز مشرفة !‬

‫تأمل عدد نسخ القرآن الكريم التي تطبع في العالم فهي تتجاوز مئات المليين ‪ ..‬بل ما‬

‫من بيت إل وفيه عدة نسخ من القرآن الكريم ‪ ..‬ولكن لما تخلى الناس عن الحديد وخلت بيوتهم‬
‫من الحديد ‪ ..‬ضعف أثر القرآن في الوجود !‬

‫وهذا الذي يريده الخليفة الثالث عثمان بن عفان‬

‫من قوله‪ :‬إن ال ليزع ـ أي ليردع‬

‫ـ بالسلطان مال يزع بالقرآن !‬

‫خلصة القول‪ :‬أن القرآن والحديد رسالتان متوازيتان تسيران جنبا إلى جنب ‪ ..‬ل‬

‫مضاء لحداهما إل بالخرى ‪ ..‬وهما للحق كالجناحين للطائر ل يمكن له الطيران والعلو في‬

‫السماء إل بهما معا ‪ ..‬فإن أصيب في أحد جناحيه خرّ إلى الرض ووقع ‪ ..‬ول بد له من أن‬

‫يقع !‬

‫خامسا‪ :‬ثم بعد كل ذلك لن الجهاد في سبيل ال عبادة عظيمة ‪ ..‬التفريط بها تفريط بباب‬

‫عظيم من أبواب الجنة ‪ ..‬تفريط بالدرجات العُل ‪ ..‬والخصال الفريدة ‪ ..‬التي ل يمكن أن تتأتى‬
‫للقاعدين من غير جهاد ‪ ..‬مهما أتوا من ضروب العبادات الخرى ‪ ..‬لندع نصوص الكتاب‬

‫والسنة تحدثنا عن كل ذلك‪:‬‬

‫قال تعال‪ :‬ل يستوي القاعدون من المؤمنين غيرُ أُولي الضرر والمجاهدون في سبيل‬

‫ال بأموالهم وأنفسهم فضّل ال المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجةً وكلً وعدَ ال‬

‫الحسنى وفضل ال المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما‬
‫جاء رجل إلى رسول ال‬

‫النساء‪.95:‬‬

‫فقال‪ :‬دلني على عمل يعدل الجهاد‪ ،‬قال‪ ":‬ل أجده ! ‪ ..‬هل‬

‫تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ول تفتر‪ ،‬وتصوم ول تفطر ؟! " قال‪ :‬ومن‬
‫يستطيع ذلك ؟!! [ البخاري ]‪.‬‬

‫وقيل يا رسول ال أي الناس أفضل ؟ فقال رسول ال‬

‫‪ ":‬مؤمن يجاهد في سبيل ال‬

‫بنفسه وماله ‪ ["..‬البخاري ]‪.‬‬
‫وقال‬

‫‪ ":‬لغدوة في سبيل ال أو روحة خير من الدنيا وما فيها "[ البخاري ]‪.‬‬

‫‪126‬‬

‫وقال‬

‫‪ ":‬لغدوة أو روحة في سبيل ال خير مما تطلع عليه الشمس وتغرب‬

‫"[ البخاري ]‪ .‬وقال‬

‫‪ ":‬واعلموا أن الجنة تحت ظلل السيوف "[ البخاري ]‪.‬‬

‫وقال‪ ":‬رباط يوم في سبيل ال خير من الدنيا وما عليها ‪ [" ..‬البخاري ]‪ .‬هذا رباط يومٍ‬

‫في سبيل ال ‪ ..‬فكيف بجهاد يومٍ في سبيل ال ‪ ..‬أو جهاد أيام ‪ ..‬أو جهاد أشهر ‪ ..‬أو جهاد‬

‫العمر ‪ ..‬ال أكبر ‪ ..‬إنها الجنان والدرجات ورب الكعبة !!‬
‫وقال‬

‫‪ ":‬تضمّن الُ لمن خرج في سبيله ل يُخرجه إل جهادا في سبيلي وإيمانا بي‬

‫وتصديقا برسلي فهو علي ضامن أن أدخله الجنة أو أُرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلً ما‬
‫نال من أجرٍ أو غنيمة‪ ،‬والذي نفس محمد بيده ما من كلم يكلم في سبيل ال إل جاء يوم القيامة‬

‫كهيئته حين كُلم؛ لونه لون دمٍ وريحه مسك ‪ .‬والذي نفس محمد بيده لول أن يشق على المسلمين‬
‫ما قعدت خلف سرية تغزو في سبيل ال أبدا‪ ،‬ولكن ل أجد سعة فأحملهم ول يجدون سعة‪،‬‬

‫ويشق عليهم أن يتخلفوا عني‪ ،‬والذي نفس محمدٍ بيده لوددت أني أغزو في سبيل ال فأُقتل ثم‬
‫أغزو فأُقتل‪ ،‬ثم أغزو فأُقتل "[ مسلم ]‪.‬‬

‫وعن أبي سعيد الخدري أن رسول ال‬

‫قال‪ :‬يا أبا سعيد من رضي بال ربا‪،‬‬

‫وبالسلم دينا‪ ،‬وبمحمدٍ نبيا وجبت له الجنة " فعجب لها أبو سعيد فقال‪ :‬أعدها علي يا رسول‬

‫ال‪ ،‬ففعل ثم قال‪ ":‬وأُخرى يُرفع بها العبد مائة درجة في الجنة ما بين كل درجتين كما بين‬

‫السماء والرض!" قال وما هي يا رسول ال ؟ قال‪ ":‬الجهاد في سبيل ال‪ ،‬الجهاد في سبيل ال‬

‫"[ مسلم ]‪.‬‬

‫وقال‬

‫‪ ":‬أبواب الجنة تحت ظلل السيوف "[ مسلم ]‪ .‬فهو ليس باب واحد بل هي‬

‫أبواب كلها تحت ظلل السيوف والجهاد ‪!..‬‬

‫قال النووي‪ :‬قال العلماء معناه أن الجهاد وحضور معركة القتال طريق إلى الجنة وسبب‬

‫لدخولها ‪ ..‬ا‪ -‬هـ‪.‬‬
‫وقال‬

‫‪ ":‬رباط يومٍ وليلة خير من صيام شهر وقيامه‪ ،‬وإن مات جرى عليه عمله الذي‬

‫وقال‬

‫‪ ":‬كل ميت يُختم على عمله إل الذي مات مرابطا في سبيل ال فإنه يُنمى له‬

‫كان يعمله‪ ،‬وأجري عليه رزقه‪ ،‬وأمن الفتان "[ مسلم ]‪.‬‬
‫عمله إلى يوم القيامة‪ ،‬ويأمن فتنة القبر "(‪.)1‬‬
‫ــــــــــــــــــــ‬

‫‪127‬‬

‫(‪ )1‬صحيح سنن الترمذي‪.1322 :‬‬
‫وقال‬

‫‪ ":‬من اغبرت قدماه في سبيل ال فهما حرام على النار "[ البخاري ]‪.‬‬

‫وقال‬

‫ستّ خصال‪ :‬يُغفر له في أول دُفعة‪ ،‬ويُرى مقعده من الجنة‪،‬‬
‫‪ ":‬للشهيد عند ال ِ‬

‫وقال‬

‫‪ ":‬ل يجتمع غبار في سبيل ال ودخان جهنم "(‪.)1‬‬

‫ويُجار من عذاب القبر‪ ،‬ويأمن من الفزع الكبر‪ ،‬ويُضع على رأسه تاجُ الوقار‪ ،‬الياقوتة منها‬

‫خير من الدنيا وما فيها‪ ،‬ويُزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين‪ ،‬ويُشفّع في سبعين من‬

‫أقاربه "(‪ .)2‬فهي ليست خصلة واحدة بل ست خصال بعضها يفضل ويعلو بعض ‪ ..‬أكرم‬
‫وأعظم بها من خصال‪ ،‬ل يُعطاها إل الشهيد ‪!!..‬‬
‫وقال‬

‫‪ ":‬عليكم بالجهاد في سبيل ال تبارك وتعالى؛ فإنه باب من أبواب الجنة يُذهب‬

‫ال به الهم والغم "‪ .‬وقد تقدم ‪.‬‬
‫وقال‬

‫‪ ":‬إن السيوف مفاتيح الجنة "(‪.)3‬‬

‫وقال ‪ ":‬أل أنبئكم بليلةٍ أفضل من ليلة القدر ؟! حارس الحرس في أرض خوف لعله أن‬

‫ل يرجع إلى أهله "(‪ .)4‬وحارس الحرس هو الحارس الذي يحرس في الخطوط المامية‬

‫المتاخمة للعدو ‪ ..‬فيكون بذلك حارسا للحرس الذين يحرسون في الخطوط الخلفية من موقع‬

‫العدو ‪ ..‬وال تعالى أعلم ‪.‬‬
‫وقال‬

‫‪ ":‬إن ال‬

‫ليدعو يوم القيامة الجنة فتأتي بزُخرفها وزينتها فيقول‪ :‬أين عبادي‬

‫الذين قاتلوا في سبيلي‪ ،‬وجاهدوا في سبيلي ادخلوا الجنة‪ ،‬فيدخلونها بغير حساب ‪ .‬وتأتي‬

‫الملئكة فيسجدون‪ ،‬فيقولون‪ :‬ربنا نحن نسبح بحمدك الليل والنهار ونقدس لك‪ ،‬من هؤلء الذين‬
‫آثرتهم علينا ؟ فيقول الرب‬

‫عليهم الملئكة من كل باب‬

‫‪ :‬هؤلء عبادي الذين قاتلوا في سبيلي‪ ،‬وأوذوا في سبيلي‪ ،‬فتدخل‬
‫سلم عليكم بما صبرتم فنعم عُقبى الدار ‪(5‬‬

‫)‪.‬‬

‫هذا غيض من فيض مما ثبت في فضل الجهاد ‪ ..‬وما للمجاهدين من أجر‪ ،‬ومثوبة‪،‬‬

‫وكرامة ل يؤتاها غيرهم ‪ ..‬وهو باعث عظيم على السير في هذا الطريق المبارك العظيم ل‬
‫يفرط به إل كل خائب خاسر !‬

‫وهو كذلك ـ أي الجهاد في سبيل ال ـ عبادة يظهر فيها مدى صدق حب العبد لربه‬

‫ــــــــــــــــــ‬

‫(‪ )1‬صحيح سنن الترمذي‪ )2( .1333 :‬صحيح سنن الترمذي‪.1358:‬‬
‫‪128‬‬

‫(‪ )3‬أخرجه ابن أبي شيبة‪ ،‬السلسلة الصحيحة‪.2672 :‬‬
‫(‪ )4‬أخرجه الحاكم وغيره‪ ،‬السلسلة الصحيحة‪.2811 :‬‬

‫(‪ )5‬أخرجه الصفهاني في الترغيب والترهيب وغيره‪ ،‬السلسلة الصحيحة‪.2556 :‬‬
‫‪ ..‬ومدى صدق انتمائه لهذا الدين ‪ ..‬فبالجهاد تُعرف الرجال‪ ،‬وتُعرف حقيقة معادن الناس‪،‬‬

‫ومن منهم الصادق في زعمه لليمان ومن منهم الكاذب ‪ ..‬فالمؤمن الصادق في إيمانه وحبه‬
‫لربه‬

‫هو الذي يقتحم المخاطر ول يتردد في أن يرمي بنفسه في مواطن الجهاد والخوف في‬

‫سبيل ال ‪ ..‬أما أصحاب القلوب المريضة بالنفاق وغيرهم هم الذين يبحثون عن العذار‬

‫والذرائع الكاذبة لكي يتخلفوا عن مواطن الجهاد في سبيل ال ‪!..‬‬

‫قال تعالى‪ :‬ل يستأذنك الذين يؤمنون بال واليوم الخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم‬

‫وال عليم بالمتقين ‪ .‬إنما يستأذنك الذين ل يؤمنون بال واليوم الخر وارتابت قلوبهم فهم في‬

‫ريبهم يترددون‬

‫التوبة‪.45-44:‬‬

‫قال ابن تيمية في الفتاوى‪ :28/438:‬فهذا إخبار من ال أن المؤمن ل يستأذن الرسول في‬

‫ترك الجهاد وإنما يستأذنه الذين ل يؤمنون‪ ،‬فكيف بالتارك من غير استئذان ‪..‬؟! ا‪-‬هـ ‪.‬‬
‫قلت‪ :‬فكيف بمن يثبط المة عن الجهاد‪ ،‬ويؤثم المجاهدين ويجرمهم لجهادهم ‪..‬؟!‬

‫كيف بمن يُعطل الجهاد كليا‪ ،‬ويصد عنه المة لتأويلت باطلة فاسدة مبعثها الخور‪،‬‬
‫والجبن والرجاف ‪..‬؟!‬

‫كيف بمن يستبدل الجهاد في سبيل ال بالطرق الباطلة الشركية كالديمقراطية‪،‬‬

‫والنتخابات البرلمانية وغيرها ‪ ..‬ويحسنها ويفضلها عليه ‪..‬؟!‬

‫كيف بمن يكره الجهاد والمجاهدين ـ صفوة هذه المة ـ ويعاديهم‪ ،‬ويحرض الناس‬

‫على أذاهم والنيل منهم ومن جهادهم ‪ ..‬حسدا من عند أنفسهم ؟!‬

‫ل شك أن هؤلء أولى بالنفاق من أولئك الذين يتركون الجهاد بعد استئذان ‪!..‬‬
‫قال‬

‫‪ ":‬من مات ولم يغز‪ ،‬ولم يُحدث به نفسه مات على شعبة من نفاق "[ مسلم ]‪.‬‬

‫هذا فيمن لم يحدث نفسه بالجهاد بصدق وإخلص ‪ ..‬فكيف بمن تقدم ذكرهم‪ ،‬وذكرت‬

‫أوصافهم وخصالهم المشينة ‪ ..‬ل شك أنهم أولى بالنفاق وبشعب النفاق !‬

‫‪129‬‬

‫من علمات الولية والصطفاء المتابعة ‪ ..‬والجهاد في سبيل ال ‪ ..‬فمن أتى بالمتابعة‬
‫للشريعة والسنة من دون الجهاد في سبيل ال ل يكون وليا من أولياء ال ‪ ..‬ومن أتى بالجهاد‬
‫من دون المتابعة للشريعة والسنة ل يكون وليا من أولياء ال ‪ ..‬ولتحقيق الولية ل بد من‬

‫المتابعة والجهاد في سبيل ال معا‪.‬‬

‫قال ابن تيمية رحمه ال‪ :‬قد جعل ال لهل محبته علمتين‪ :‬اتباع الرسول‪ ،‬والجهاد في‬

‫سبيل ال؛ وذلك لن الجهاد حقيقته الجتهاد في حصول ما يحبه ال من اليمان والعمل‬

‫الصالح‪ ،‬وفي دفع ما يبغضه من الكفر والفسوق والعصيان ا‪ -‬هـ‪.‬‬

‫عجبا لولئك الذين يريدون أن يربوا شباب المة بعيدا عن مواطن وساحات الجهاد ‪..‬‬

‫يربونهم في صالت التنظير المكيفة بعيدا عن واقع الحياة‪ ،‬وآلم المة ‪ ..‬ثم هم يتوقعون بعد‬

‫ذلك أن يرتفع هؤلء الشباب إلى مستوى مسؤوليات ومبادئ هذا الدين العظيم ‪ ..‬أو أن يكونوا‬
‫يوما من اليام أكفاءً لتحمل مسؤولياتهم الضخمة نحو هذا الدين ‪ ..‬أو أن يكونوا من أولياء ال‬

‫الربانيين ؟!‬

‫هؤلء يحلمون ‪ ..‬أو أنهم لم يقرؤوا كلمات هذا الدين ‪ ..‬ولو قرؤوها فهم لم يقرؤوها‬

‫على مراد ال ورسوله ‪!!..‬‬

‫أمة السلم أمة كتبَ الُ عليها أن تكون أمة جهاد وبذل وعطاء ‪ ..‬أمة ل تعرف الدعة‬

‫أو الميوعة أو الهزل أو الركون للدنيا والمتاع ‪ ..‬أمة ل تعرف إل الجد في جميع أمورها ‪..‬‬
‫لنها أمة رسالة ودين تتوقف عليها نجاة البشرية جمعاء!‬

‫لجل ذلك كله نقول ـ ما قلناه في أول هذا المقال ـ ل خيار للمة إل خيار الجهاد ‪..‬‬

‫ول عز لها إل بالجهاد ‪ ..‬ول نجاة لها إل بالجهاد ‪ ..‬ول طريق لها تسلكه إل طريق الجهاد ‪..‬‬
‫فهل أنتم موقنون ‪ ..‬فهل أنتم مؤمنون ؟؟!!‬
‫اللهم إني قد بلغت ‪ ..‬اللهم فاشهد ‪.‬‬
‫وآخر دعوانا أن الحمد ل رب العالمين ‪.‬‬

‫وصلى ال على سيدنا وقائدنا ونبينا محمد‪ ،‬وعلى آله وصحبه وسلّم‪.‬‬
‫‪24/10/1421‬هـ ‪.‬‬

‫عبد المنعم مصطفى حليمة‬

‫‪130‬‬

‫‪ 19/1/2001‬م ‪.‬‬

‫أبو بصير‬
‫‪www.abubaseer.com‬‬
‫لماذا الجهادُ في سبيل ال ‪..‬؟‬
‫( الجزء الثاني )‬

‫بسم ال الرحمن الرحيم‬

‫الحمد ل‪ ،‬والصلة والسلم على رسول ال‪ ،‬وبعد‪.‬‬

‫من الحقائق التي يُسلم بها جميع أصحاب العقول والفطر السليمة أن ال تعالى هو خالق‬

‫الخلق ‪ ..‬وهو المالك الحقيقي لما خلق ‪ ..‬ل شريك له في الملك ول في الخلق‪.‬‬

‫سمَاوَاتِ وَالَْأرْضَ بِا ْلحَقّ َو َيوْمَ يَقُولُ كُنْ َف َيكُونُ َق ْولُهُ الْحَقّ‬
‫خلَقَ ال ّ‬
‫تعالى‪ :‬وَ ُهوَ الّذِي َ‬
‫‪‬‬
‫قال‬

‫خبِيرُ ‪‬النعام‪.73:‬‬
‫حكِيمُ الْ َ‬
‫شهَا َدةِ وَ ُهوَ الْ َ‬
‫َولَهُ ا ْل ُملْكُ َيوْمَ ُينْفَخُ فِي الصّورِ عَالِمُ ا ْل َغ ْيبِ وَال ّ‬

‫خرَجَ بِهِ مِنَ‬
‫سمَاءِ مَاءً فََأ ْ‬
‫سمَاوَاتِ وَالَْأرْضَ َوَأ ْنزَلَ مِنَ ال ّ‬
‫خلَقَ ال ّ‬
‫وقال تعالى‪ :‬اللّهُ الّذِي َ‬

‫خرَ َلكُمُ الَْأ ْنهَارَ ‪‬إبراهيم‪.32:‬‬
‫حرِ بَِأ ْم ِرهِ وَسَ ّ‬
‫ج ِريَ فِي ا ْلبَ ْ‬
‫خرَ َلكُمُ الْ ُف ْلكَ ِلتَ ْ‬
‫ال ّث َمرَاتِ ِرزْقا َلكُمْ وَسَ ّ‬

‫طنِهِ َو ِم ْنهُمْ مَنْ َيمْشِي‬
‫علَى بَ ْ‬
‫خلَقَ كُلّ دَابّةٍ مِنْ مَاءٍ َف ِم ْنهُمْ مَنْ َيمْشِي َ‬
‫وقال تعالى‪ :‬وَاللّهُ َ‬

‫شيْءٍ قَدِيرٌ ‪‬النور‪:‬‬
‫علَى كُلّ َ‬
‫ق اللّهُ مَا يَشَاءُ إِنّ اللّهَ َ‬
‫خلُ ُ‬
‫علَى َأ ْربَعٍ يَ ْ‬
‫جَليْنِ َو ِم ْنهُمْ مَنْ َيمْشِي َ‬
‫علَى ِر ْ‬
‫َ‬
‫خلَقَ‬
‫تعالى‪َ :‬وَلئِنْ سََأ ْل َتهُمْ مَنْ َ‬
‫‪‬‬
‫‪ .45‬وهذا ل خلف فيه بين الشعوب وأهل الديانات كلها‪ ،‬كما قال‬

‫ش ْمسَ وَالْ َق َمرَ َليَقُولُنّ اللّهُ فََأنّى ُيؤْ َفكُونَ ‪‬العنكبوت‪ .61:‬وإنما حصل‬
‫خرَ ال ّ‬
‫سمَاوَاتِ وَالَْأرْضَ وَسَ ّ‬
‫ال ّ‬
‫الخلف فيما بينهم حول المعبود المستحق للعبادة‪ ،‬والطاعة‪ ،‬والتأله ‪ ..‬فحصل بسبب ذلك‬

‫الخلف الشراك بال‬

‫‪ ..‬وعُبد من دونه من ل يجوز أن يُعبد؛ لنه مخلوق ضعيف لم يخلق‬

‫خلَقُونَ‬
‫شيْئا وَهُمْ يُ ْ‬
‫خلُقُ َ‬
‫ش ِركُونَ مَا ل يَ ْ‬
‫تعالى‪َ :‬أيُ ْ‬
‫‪‬‬
‫شيئا ‪ ..‬وليس بقادرٍ على أن يخلق شيئا‪ ،‬كما قال‬

‫خلُقُ أَفَل تَ َذ ّكرُونَ ‪‬النحل‪ .17:‬ل يستوون مثلً‬
‫خلُقُ َكمَنْ ل يَ ْ‬
‫تعالى‪ :‬أَ َفمَنْ َي ْ‬
‫‪‬‬
‫‪‬العراف‪ .191:‬وقال‬
‫‪!..‬‬

‫فال تعالى هو الخالق لهذا الكون وما فيه؛ وبالتالي فهو المعبود بحق ‪ ..‬ل شريك له ‪..‬‬

‫وهو وحده له الحكم والمر دون أحدٍ سواه‬

‫ك اللّهُ‬
‫خلْقُ وَالَْأ ْمرُ َتبَا َر َ‬
‫‪ ،‬كما قال تعالى‪ :‬أَل لَهُ الْ َ‬

‫َربّ ا ْلعَاَلمِينَ ‪‬العراف‪ .54:‬فمالك الملك الذي له الخلق ‪ ..‬هو الذي له المر وحده ‪ ..‬وهو‬

‫الذي يجب أن يُطاع في ما يأمر به وينهى عنه ‪ ..‬أما الذي ل يخلق وهو يُخلق ‪ ..‬ول يَملك‬

‫‪131‬‬

‫وهو يُملك ‪ ..‬ل يجوز أن يكون له شيء من المر ‪ ..‬كما ل يجوز أن يُطاع في شيء مما يأمر‬
‫به فيما ل يملكه ول يخلقه!‬

‫فالمر الناهي هو الخالق المالك ‪ ..‬أما الذي ل يخلق ول يملك ‪ ..‬فل أمر له ول نهي!‬

‫هنا مكمن الخلف والنزاع بين أهل الحق من أتباع النبياء والرسل ‪ ..‬وبين ما سواهم‬

‫من الشعوب والمم الضالة ‪ ..‬التي ضلت طريق التوحيد ‪ ..‬والعبودية ل‬

‫وحده ‪ ..‬لتقع في‬

‫أوحال الشرك ‪ ..‬وعبودية المخلوق؛ الذي ل يملك لنفسه ضرا ول نفعا!‬

‫كل المم والشعوب الضالة ‪ ..‬على اختلف مذاهبهم ومشاربهم ‪ ..‬وأديانهم ‪ ..‬ومسمياتهم‬

‫‪ ..‬يشتركون في خصلة واحدة‪ ،‬وتوحدهم خصلة واحدة؛ أل وهي عبادة المخلوق من دون ال‬

‫‪ ..‬وصرف الطاعة والتأله لهذا المخلوق من دون ال تعالى ‪ ..‬وإن اختلفوا فيما بينهم على‬

‫صورة وشكل واسم هذا المخلوق!‬

‫فهم وإن كانوا فرقا وشيعا شتى ‪ ..‬متنازعة ومختلفة فيما بينها ‪ ..‬إل أنهم عندما تكون‬

‫المعركة بين أهل الحق من أتباع النبياء والرسل ‪ ..‬وبين أهل الباطل من عبدة الوثان‬

‫والطواغيت ‪ ..‬تراهم جميعا صفا واحدا ضد الحق وأهله؛ لشتراكهم جميعا في خصلة واحدة؛‬
‫وهي عبادة المخلوق من دون الخالق ‪ ..‬بغض النظر عن صفة وشكل هذا المخلوق ‪ ..‬كما قال‬
‫ضهُمْ َأ ْوِليَاءُ َبعْضٍ ‪‬المائدة‪.51:‬‬
‫تعالى‪َ :‬ب ْع ُ‬
‫‪‬‬

‫فالذي يوحدهم على الحق وأهله الشرك بال‬

‫‪ ..‬وعبادة الطاغوت!‬

‫ال تعالى يقول لعباده أنا المعبود المطاع ‪ ..‬لنني أنا الخالق المالك ‪ ..‬وحقي عليكم أن‬

‫خلَ ْقتُ الْجِنّ وَالْ ِأ ْنسَ ِإلّا ِل َي ْعبُدُونِ ‪‬الذريات‪ .56:‬وقال تعالى‪ :‬‬
‫شيئا‪َ :‬ومَا َ‬
‫‪‬‬
‫تعبدوني ل تُشركوا بي‬

‫حنَفَاءَ َويُقِيمُوا الصّلةَ َو ُي ْؤتُوا ال ّزكَاةَ وَ َذِلكَ دِينُ‬
‫خِلصِينَ لَهُ الدّينَ ُ‬
‫َومَا ُأ ِمرُوا ِإلّا ِل َي ْعبُدُوا اللّهَ مُ ْ‬

‫الْ َق ّيمَةِ ‪‬البينة‪.5:‬‬

‫فيأتي الطاغوت المخلوق المملوك الضعيف الذي ل يملك لنفسه نفعا ول ضرا إل ما شاء‬

‫ال ـ على اختلف صوره ومسمياته ـ فيقول‪ :‬ل ‪ ..‬بل أنا المعبود المطاع من دون ال ‪ ..‬ما‬

‫علمت لكم من إله ومشرع ترجعون إليه في جميع شؤون حياتكم غيري ‪ ..‬ويجيش من أجل ذلك‬
‫الجند والجيوش وكل من يدخل في حلفه وطاعته من دون ال!‬

‫ومن خصائص ال تعالى وصفاته أنه غيور ‪ ..‬يغار على حرماته وعلى حقه على‬

‫عباده ‪ ..‬فل أحد أغير منه‬

‫على الحرمات وعلى العباد‪ ،‬كما في الحديث الصحيح‪ ":‬ل أحد‬
‫‪132‬‬

‫أغير من ال‪ ،‬ولذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن‪ ،‬ول أحد أحب إليه العذر من ال‪،‬‬
‫من أجل ذلك أنزل الكتاب‪ ،‬وأرسل الرسل "‪.‬‬
‫كما أنه‬

‫يبغض الظلم ويحرمه ‪ ..‬ولشيء يُغضبه ويُسخطه كظلم الشرك ‪ ..‬وظلم‬

‫الطواغيت التي تستشرف خصائص اللهية وتُعبد من دون ال؛ لنه ظلم عظيم لحق ال تعالى‬
‫ن اللّهَ ل‬
‫ظلْمٌ عَظِيمٌ ‪‬لقمان‪ .13:‬وقال تعالى‪ :‬إِ ّ‬
‫ش ْركَ لَ ُ‬
‫على عباده ‪ ..‬ولدمية النسان معا‪ :‬إِنّ ال ّ‬

‫ش ِركْ بِاللّهِ فَقَدِ ا ْف َترَى ِإثْما عَظِيما ‪‬النساء‪:‬‬
‫ش َركَ بِهِ َو َيغْ ِفرُ مَا دُونَ َذِلكَ ِلمَنْ يَشَاءُ َومَنْ يُ ْ‬
‫َيغْ ِفرُ أَنْ يُ ْ‬
‫‪.48‬‬

‫أي ظلمٍ يعلو ظلم الطاغوت الذي يجعل من نفسه ندا ل‬

‫‪ ..‬ويُعلن على المل وبكل‬

‫وقاحة أنه الله المعبود ‪ ..‬وأنه الحكَم والمطاع لذاته ‪ ..‬الذي له حق التشريع والحظر والباحة‬
‫والحكم على الشياء من دون ال ‪ ..‬وما على الناس إل أن يدخلوا في طاعته وعبادته وحزبه‬
‫من دون ال‬

‫‪..‬؟!‬

‫أي ظلم يعلو ظلم العبد وهو يقول لربه وخالقه ومالكه والمتفضل عليه بالنعم التي ل‬

‫تُحصى‪ :‬أنت لست معبودي ‪ ..‬ول حق لك علي ‪ ..‬وإنما معبودي الذي له كامل الحق علي ذلك‬
‫الطاغوت من البشر أو الحجر أو البقر ‪!!..‬‬

‫أي ظلم يعلو ظلم العبد وهو يقول لخالقه ـ رغم اليات الباهرات الدالة عليه‬

‫والتي‬

‫ل تُحصى ـ‪ :‬ل حجة لك علي ‪ ..‬وإنما الحجة الكاملة للطاغوت ‪!!..‬‬

‫إن مقتضيات أسماء ال الحسنى وصفاته العليا ل تقبل هذا الظلم والزور ‪ ..‬والجحود ‪..‬‬

‫لجل ذلك شرع ال تعالى الجهاد ‪!...‬‬

‫أمر عباده الموحدين الذين استجابوا لدعوة النبياء والرسل ‪ ..‬بأن يُجاهدوا المشركين‬

‫الذين ضلوا عن عبادته وتوحيده وعبدوا الطاغوت من دونه ‪ ..‬ليأطروهم إلى الحقّ أطرا ‪..‬‬
‫وليخرجوهم من ظلم الشرك وظلماته إلى عدل التوحيد ونوره ‪ ..‬ولهم مقابل ذلك رضوانه‬

‫تعالى والجنة ‪ ..‬أنعم به من ثمن!‬

‫سبِيلِ‬
‫جنّةَ يُقَا ِتلُونَ فِي َ‬
‫سهُمْ َوَأ ْموَاَلهُمْ بِأَنّ َلهُمُ الْ َ‬
‫ش َترَى مِنَ ا ْل ُم ْؤ ِمنِينَ َأنْفُ َ‬
‫ن اللّهَ ا ْ‬
‫تعالى‪ :‬إِ ّ‬
‫‪‬‬
‫قال‬

‫عَليْهِ حَقّا فِي ال ّت ْورَاةِ وَالِْإنْجِيلِ وَالْ ُقرْآنِ َومَنْ َأوْفَى ِب َعهْ ِدهِ مِنَ اللّهِ‬
‫اللّهِ َفيَ ْق ُتلُونَ َويُ ْق َتلُونَ وَعْدا َ‬
‫شرُوا ِب َب ْي ِعكُمُ الّذِي بَا َي ْعتُمْ بِهِ وَ َذِلكَ ُهوَ الْ َفوْزُ ا ْلعَظِيمُ ‪‬التوبة‪.111:‬‬
‫س َتبْ ِ‬
‫فَا ْ‬

‫‪133‬‬

‫أمر عباده الموحدين بأن يقصدوا المشركين ‪ ..‬ليخرجوهم ـ ولو بالسلسل ـ من‬
‫حظيرة الشرك والضياع ‪ ..‬ليأتوا بهم إلى حظيرة العبودية والتوحيد ‪ ..‬والخضوع ‪ ..‬ومن‬

‫السبيل الذي ينتهي بهم إلى النار وجحيمها إلى السبيل الذي ينتهي بهم إلى الجنة ونعيمها ‪ ..‬ولو‬
‫استدعى المر إلى الجهاد والقتال ‪ ..‬فإن الفتنة أشد من القتل والقتال‪.‬‬

‫علَى ا ْلبَاطِلِ َفيَ ْد َمغُهُ فَإِذَا ُهوَ زَاهِقٌ َوَلكُمُ ا ْل َويْلُ ِممّا َتصِفُونَ ‪‬‬
‫تعالى‪ :‬بَلْ نَقْ ِذفُ بِالْحَقّ َ‬
‫‪‬‬
‫قال‬

‫النبياء‪ .18:‬فمن الحقّ الذي يقذف ال تعالى به الباطل وأهله جندَ التوحيد وأهله‪.‬‬
‫وفي الحديث فقد صح عن النبي‬

‫أنه قال‪ ":‬عجبت لقوامٍ يُساقون إلى الجنة في‬

‫السلسل وهم كارهون "‪ .‬وفي رواية‪ ":‬عجب ربنا‬

‫من قومٍ يُقادون إلى الجنة في السلسل "‪.‬‬

‫هذا المعنى هو الذي أراده الصحابي الجليل ربعي بن عامر عندما أجاب ملك بلد فارس‬

‫لما سأله عن العلة التي حملتهم على الجهاد والقتال ‪ ..‬وغزو فارس في عقر دارهم‪ ،‬فقال له‪:‬‬

‫لقد ابتعثنا ال تعالى لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد‪ ،‬ومن جور الديان إلى‬
‫عدل السلم ‪!..‬‬

‫ل توجد لنا غاية أخرى حملتنا على غزو بلدكم سوى هذه الغاية ‪ ..‬ول يوجد سبب آخر‬

‫حملنا على غزو بلدكم سوى ما أنتم عليه من ظلم الشرك ‪ ..‬وعبودية العبيد للعبيد ‪ ..‬وهذا هو‬

‫المعنى الحقيقي للجهاد في سبيل ال الذي أمرنا ال تعالى به‪.‬‬

‫ل حظوظ فيه للنفس ‪ ..‬ول أطماع ول مآرب أخرى ‪ ..‬سوى إخراج العباد من عبادة‬

‫العباد إلى عبادة رب العباد ‪ ..‬فإن تحقق ذلك ‪ ..‬تحقق السلم والمان ‪ ..‬وتصافت النفوس‬
‫وتآخت وتحابت في ال مهما كان بينها قبل ذلك من جراحات ودماء وثارات!‬

‫خوَا ُنكُمْ فِي الدّينِ َونُ َفصّلُ الْآياتِ‬
‫تعالى‪ :‬فَإِنْ تَابُوا َوأَقَامُوا الصّلةَ وَآ َتوُا ال ّزكَاةَ فَإِ ْ‬
‫‪‬‬
‫كما قال‬

‫لِ َقوْمٍ َي ْعَلمُونَ ‪‬التوبة‪ .11:‬فتنقلب العداوة مباشرة ـ إن تابوا وأقاموا الصلة ـ إلى أخوة متحابين‬
‫في ال والدين‪.‬‬

‫سنَةٌ فِي ِإ ْبرَاهِيمَ وَالّذِينَ َمعَهُ إِذْ قَالُوا لِ َق ْو ِمهِمْ ِإنّا ُبرَآءُ‬
‫س َوةٌ حَ َ‬
‫وقال تعالى‪ :‬قَدْ كَا َنتْ َلكُمْ أُ ْ‬

‫حتّى ُت ْؤ ِمنُوا‬
‫ن اللّهِ كَ َف ْرنَا ِبكُمْ َوبَدَا َب ْي َننَا َو َب ْي َنكُمُ ا ْلعَدَا َوةُ وَا ْل َب ْغضَاءُ َأبَدا َ‬
‫ِم ْنكُمْ َو ِممّا َت ْعبُدُونَ مِنْ دُو ِ‬
‫بِاللّهِ وَحْ َدهُ ‪‬الممتحنة‪ .4:‬فهذه العداوة مستمرة أبدا ـ عبر الزمان كلها وإلى أن تقوم الساعة ـ‬

‫بين أتباع النبياء والرسل وبين الطواغيت وأتباعهم ‪ ..‬إلى أن يعبدوا ال تعالى وحده ‪ ..‬فإن‬

‫‪134‬‬

‫آمنوا وعبدوا ال تعالى وحده وتبرؤوا مما هم فيه من الشرك ‪ ..‬ذهبت العداوة والبغضاء وحلت‬
‫محلهما المحبة والخاء!‬

‫وفي غزوة أحد لما جُرح وجه النبي‬

‫البيضة على رأسه‪ ،‬وجعل الدم يسلت عنه‬
‫رباعيته‪ ،‬وهو يدعوهم إلى ال "!‬
‫فأنزل ال‬

‫‪ ،‬وكُسرت رُباعيته‪ ،‬وشُج في رأسه‪ ،‬وهُشمت‬
‫وهو يقول‪ ":‬كيف يُفلح قوم شجوا نبيهم وكسروا‬

‫عَل ْيهِمْ َأوْ ُيعَ ّذ َبهُمْ َفِإ ّنهُمْ ظَاِلمُونَ ‪‬آل‬
‫شيْءٌ َأوْ َيتُوبَ َ‬
‫إليه‪َ :‬ل ْيسَ َلكَ مِنَ الَْأ ْمرِ َ‬
‫‪‬‬

‫عمران‪ .128:‬أي أن المر كله ل تعالى ‪ ..‬أما أنت يا محمد فإنك عبد ال ورسوله ‪ ..‬فليس لك‬
‫من المر شيء ‪ ..‬فليس لك أنت ومن تبعك من المؤمنين سوى المضي لمري ‪ ..‬والصبر على‬
‫جهاد من عصاني وعبد غيري إلى أن يدخل في طاعتي وعبادتي ‪ ..‬فأنا ابتعثتك وجميع النبياء‬

‫عبُدُوا اللّهَ‬
‫والرسل من قبلك لجل ذلك‪ ،‬كما قال تعالى‪َ :‬ولَقَدْ َب َع ْثنَا فِي كُلّ ُأمّةٍ رَسُولً أَنِ ا ْ‬
‫ج َت ِنبُوا الطّاغُوتَ ‪‬النحل‪.36:‬‬
‫وَا ْ‬

‫سبِيلِ الطّاغُوتِ‬
‫ل اللّهِ وَالّذِينَ كَ َفرُوا يُقَا ِتلُونَ فِي َ‬
‫سبِي ِ‬
‫وقال تعالى‪ :‬الّذِينَ آ َمنُوا يُقَا ِتلُونَ فِي َ‬

‫ضعِيفا ‪‬النساء‪  .76:‬الّذِينَ آ َمنُوا ‪  ‬وَالّذِينَ كَ َفرُوا ‪ ‬من‬
‫ن َ‬
‫شيْطَانِ كَا َ‬
‫شيْطَانِ إِنّ َكيْدَ ال ّ‬
‫فَقَا ِتلُوا َأ ْوِليَاءَ ال ّ‬
‫صيغ العموم؛ أي كل الذين آمنوا يقاتلون في سبيل ال ‪ ..‬ول يجوز لهم غير ذلك ‪ ..‬وكل الذين‬
‫كفروا بجميع طوائفهم ومللهم وعلى اختلف راياتهم ومسمياتهم ‪ ..‬ومواقعهم ‪ ..‬يُقاتلون في‬
‫سبيل الطاغوت ‪ ..‬فالقتال في سبيل الطاغوت سمة مشتركة بين جميع ملل الكفر والشرك‪.‬‬

‫هذا المعنى لغايات ومقاصد الجهاد في السلم ‪ ..‬يجب أن يعرفه العدو المحارب ‪ ..‬كما‬

‫يجب أن ل يسهو عنه المجاهد وهو في غمرات الغزو والجهاد في سبيل ال‪.‬‬
‫وآخر دعوانا أن الحمد ل رب العالمين‪.‬‬
‫‪ 4/11/1423‬هـ‪.‬‬
‫‪ 6/1/2003‬م‪.‬‬

‫عبد المنعم مصطفى حليمة‬
‫أبو بصير‬

‫‪www.abubaseer.com‬‬
‫**********‬

‫‪135‬‬

‫‪ :‬ويقول أبو قتادة‬
‫لماذا الجهاد لماذا الجهاد‬

‫[الكاتب؛ أبو قتادة الفلسطيني]‬

‫خلْقَةٍ وتكوين‪ ،‬قال اللـه تعالى‪:‬‬
‫لقد كتب اللـه في الزل أن يخلقَ النسان خلقا سويّا في أحسن ِ‬

‫حمْلِ المانة‪،‬‬
‫{لقد خلقنا النسانَ في أحسنِ تقويم}‪ ،‬فأبدعه أيّما إبداع‪ ،‬ثمّ جعله مناطَ التكليف و َ‬

‫قال تعالى‪ { :‬إنّا عرضنا المانة على السموات والرض والجبال فأبينَ أن يحملنها وأشفقنَ منها‬

‫وحملها النسان إنّه كان ظلوما جهولً} ‪ .‬وليس الظلم والجهل بسبب حملها‪ ،‬ولكنّه بجهله في‬
‫قيمة هذه المانة‪ ،‬وبظلمه لحقّها‪.‬‬

‫وأكرم اللـه هذا المخلوق بأن سخّر له كلّ شيءٍ خلقه من سموات وأرض‪ ،‬قال تعالى‪ { :‬ألم‬
‫تروا أنّ ال سخّر لكم ما في السموات والرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرةً وباطنة} وقال تعالى‪:‬‬
‫{وسخّر لكم ما في السموات والرض جميعا منه إن في ذلك ليات لقوم يتفكّرون}‪ ،‬فقد خلق‬

‫اللـه كلّ شيء خدمةً للنسان‪ ،‬وجعل الُ النسانَ له وحده من أجل عبادته‪ ،‬قال تعالى‪{ :‬وما‬
‫ن والنسَ إلّ ليعبدون‪ ،‬ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون‪ ،‬إنّ ال هو‬
‫خلقتُ الج ّ‬

‫ل اللـه‬
‫الرزّاق ذو القوّة المتين}‪ ،‬وقد أخذ اللـه على النسان العهود والمواثيق أن ل يعبد إ ّ‬

‫تعالى‪ ،‬قال ربّنا جلّ في عُله‪ { :‬وإذ أخذ ربّك من بني آدم من ظهورهم ذرّيتهم وأشهدهم على‬
‫أنفسهم ألستُ بربّكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنّا كنّا عن هذا غافلين‪ ،‬أو تقولوا إنّما‬

‫أشرك آباؤنا من قبلُ وكنّا ذرّيةً من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون} ‪.‬‬

‫وروى المامان البخاري ومسلم عن أنس بن مالك عن النبيّ صلى ال عليه وسلم قال‪ ( :‬يقالُ‬

‫للرجل من أهل النار يوم القيامة‪ :‬أرأيت لو كان لك ما على الرض من شيء أكنتَ مفتديا به؟‬
‫قال فيقول‪ :‬نعم‪ .‬فيقول‪ :‬قد أردّت منك أهون من ذلك‪ ،‬قد أخذت عليك في ظهر آدم أن ل تشركَ‬

‫بي شيئا فأبيت إلّ أن تشرك بي‪ .‬وقال ابن عبّاس رضي اللـه عنهما‪ :‬إنّ اللـه تعالى أخذ‬

‫الميثاق من ظهر آدم عليه السلم بنعمان يوم عرفة‪ ،‬فأخرج من صلبه كلّ ذريّة ذرأها فنثرها‬

‫بين يديه ثمّ كلّمهم قبلً ‪ ،‬قال تعالى { ألست بربّكم قالوا بلى شهدنا} )‪[ .‬صحيح من قول ابن‬
‫عبّاس كما قال ابن كثير رحمه اللـه تعالى]‪.‬‬

‫وقد قدّر اللـه تعالى أن ينقسم البشر في عبوديّتهم له إلى فريقين‪ :‬فريقٍ أوفياء لهذه العبوديّة‪،‬‬

‫وفريقٍ آخر سينكرونها ويتنكّبون عن صراطها‪ ،‬ولتذكير الناس بالميثاق أرسل اللـه الرسل‬
‫‪136‬‬

‫وأنزل الكتب‪ ،‬قال تعالى‪{ :‬رسلً مبشّرين ومنذرين لئلّ يكون للناس على ال حجّة بعد الرسل‬
‫وكان ال عزيزا حكيما} ‪.‬‬

‫وقال أبيّ بن كعب ‪ ،‬في تفسير آية الميثاق السابقة ‪ ( :‬يقول اللـه تعالى‪ :‬فإنّي أشهد عليكم‬
‫السموات السبع والرضين السبع وأشهد عليكم أباكم آدم أن تقولوا يوم القيامة لم نعلم بهذا‪،‬‬

‫إعلموا أنّه ل إله غيري ول ربّ غيري ول تشركوا بي شيئا‪ ،‬وإنّي سأرسل إليكم رسلً‬

‫ليذكّروكم بعهدي وميثاقي وأنزل عليكم كتبي‪ .‬قالوا‪ :‬نشهد إنّك ربّنا وإلهنا‪ ،‬ل ربّ لنا غيرك‪،‬‬
‫ول إله لنا غيرك‪ ،‬فأقرّوا له يومئذٍ بالطاعة‪ ،‬ورفع أباهم آدم فنظر إليهم فرأى فيهم الغنيّ‬

‫والفقير وحسن الصورة ودون ذلك‪ .‬فقال آدم‪ :‬يا ربّ لو سوّيتَ بين عبادك‪ .‬قال‪ :‬إنّي أحببت أن‬

‫أُشكر‪ ،‬ورأى فيهم النبياء مثل السرج‪ ،‬عليهم النور) ‪[ .‬رواه عبداللـه في مسند أبيه وصحّحه‬
‫الحاكم وهو كما قال] ‪.‬‬

‫وقد جعل اللـه تعالى للطائع مستقرّا هي جنّته‪ ،‬وللذين رفضوا مستقرّا هي النار‪ ،‬قال تعالى‪:‬‬

‫{للذين استجابوا لربّهم الحسنى‪ ،‬والذين لم يستجيبوا لو أنّ لهم ما في الرض جميعا ومثله معه‬
‫لفتدوا به أولئك لهم سوء الحساب ومأواهم جهنّم وبئس المهاد} [الرعد‪.]18 :‬‬

‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ ( :‬يقول ال تعالى‬
‫وفي الصحيحين من حديث أنس بن مالك‪ ،‬عن النب ّ‬

‫لهونِ أهل النار عذابا يوم القيامة‪ :‬لو أنّ لك ما في الرض من شيء أكنت تفتدي به؟ فيقول‪:‬‬
‫نعم‪ ،‬فيقول‪ :‬أردّت منك أهون من هذا وأنت في صلب آدم أن ل تشرك بي شيئا فأبيت إلّ أن‬
‫تشرك بي ) ‪.‬‬

‫قال تعالى‪{ :‬أفمن يعلم أنّما أُنزِل إليك من ربّك الحقّ كمن هو أعمى إنّما يتذكّر أولو اللباب‪،‬‬

‫الذين يوفون بعهد ال ول ينقضون الميثاق والذين يصلون ما أمر ال به أن يوصل ويخشون‬
‫ربّهم ويخافون سوء الحساب‪ ،‬والذين صبروا ابتغاء وجه ربّهم وأقاموا الصلة وأنفقوا ممّا‬

‫رزقناهم سرّا وعلنيةً ويدرأون بالحسنة السيّئة أولئك لهم عقبى الدار‪ ،‬جنّات عدنٍ يدخلونها‬

‫ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرّياتهم والملئكة يدخلون عليهم من كلّ باب سلمٌ عليكم بما‬

‫صبرتم فنعم عقبى الدار‪ ،‬والذين ينقضون عهد ال من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر ال به أن‬
‫يوصل ويفسدون في الرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار} [الرعد‪.]25-19 :‬‬
‫وهكذا ستكون نهاية هذا النسان بقسميه‪.‬‬

‫مهمّـة النبــياء وأتــباعهم ‪:‬‬
‫‪137‬‬

‫قال تعالى‪{ :‬شرع لكم من الدين ما وصّى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصّينا به إبراهيم‬
‫وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ول تتفرّقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه} [الشورى‪:‬‬
‫‪.]13‬‬

‫فقد أمر اللـه النبياء بإقامة الدين وهو العمل به في أنفسهم وفي الناس‪ ،‬ولذلك أمرهم بالدعوة‬

‫والتبيين والنذارة فقال سبحانه وتعالى‪{ :‬رسلً مبشّرين ومنذرين} [النساء‪ ،]165 :‬فمهمّة النبياء‬
‫هداية الخلق وتعليمهم ما يحبّه ربّنا ويغضبه ‪ ،‬قال تعالى‪{ :‬إنّما أنت منذرٌ ولكلّ قوم هاد}‬

‫[الرعد‪.]7 :‬‬

‫وقال تعالى‪{ :‬إنّك لتهدي إلى صراطٍ مستقيم} وهذه هداية الدعوة والدللة والرشاد‪ ،‬وأنزل معهم‬

‫الكتب وعلمهم الحكمة‪ ،‬قال تعالى‪{ :‬وإذ أخذ ال ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة} [آل‬
‫عمران‪.]81 :‬‬

‫وقذف اللـه في قلوب النبياء الرحمة على الخلق والرغبة الشديدة في هدايتهم كما قال تعالى‪:‬‬
‫{فلعلّك باخعٌ نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا} [الكهف‪ ،]6 :‬وقد سمّى اللـه‬

‫نبيّه محمّدا بالرؤوف الرحيم‪ ،‬قال تعالى‪{ :‬بالمؤمنين رؤوف رحيم} [التوبة‪.]128 :‬‬

‫وكان آخر النبياء هو نبيّنا محمّد صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬وهو خاتمهم‪ .‬قال تعالى‪{ :‬ما كان‬

‫محمّدٌ أبا أحدٍ من رجالكم ولكن رسول ال وخاتم النبيّين} [الحزاب‪. ]40 :‬‬

‫وقال صلى ال عليه وسلم ‪ :‬مثلي ومثل النبياء كمثل رجلٍ بنى دارا فأكملها وأحسنها إلّ‬

‫موضع لبنة‪ ،‬فجعل الناس يدخلونها يتعجّبون ويقولون‪ :‬لول موضع اللبنة‪ .‬رواه البخاري‪ ،‬وزاد‬
‫مسلم‪ :‬قال رسول اللـه ‪ :‬فأنا موضع اللبنة‪ ،‬جئت فختمت النبياء‪.‬‬

‫وروى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة قال‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ ( :‬نحن‬
‫الخرون ونحن السابقون يوم القيامة‪ ،‬بيد أنّ كلّ أمّة أوتيت الكتاب من قبلنا وأوتيناه من‬

‫بعدهم ) ‪.‬‬

‫وقد أُرسلَ محمّدٌ صلى ال عليه وسلم إلى جميع الخلق‪ ،‬من أبيضٍ وأسودٍ وأحمر‪ ،‬وإلى العرب‬

‫والعجم‪ ،‬وإلى الوثنيين واليهود والنصارى ‪ ،‬قال تعالى‪{ :‬وما أرسلناك إلّ كافّة للناس بشيرا‬

‫ونذيرا} [سبأ‪ ،]28 :‬وقال عليه الصلة والسلم‪ ( :‬والذي نفس محمّد بيده‪ ،‬ل يسمع بي أحد من‬
‫هذه المّة يهوديّ ول نصرانيّ ثمّ يموت ولم يؤمن بالذي أُرسِلتُ به إلّ كان من أهل النار ) ‪.‬‬

‫‪138‬‬

‫[رواه مسلم]‪ ،‬وقال صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬فيه كذلك‪ ( :‬وكان الرسول يبعث في قومه خاصّة‬
‫و ُبعِثتُ إلى الناس عامّة ) ‪.‬‬

‫الطـــائفة المـــنصورة وظـــهور الـــدين ‪:‬‬
‫وقد كتب اللـه تعالى لدينه الظهور والرفعة والغلبة بالحجّة والبيان وبالسيف والسنان‪ ،‬قال‬

‫تعالى‪{ :‬هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون}‬
‫[الصفّ‪ ،]9 :‬وقد جاء ( ابتلًء للناس‪ ،‬قال ‪ :‬إنّي مبتليك ومُبتلٍ بك [رواه مسلم]‪.‬‬

‫ومن أجل إقامة الدين وحصول الرفعة والغلبة أرسل اللـه مع نبيّه الكتاب والميزان والحديد‪.‬‬
‫سلَنا بالبيّنات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط‪ ،‬وأنزلنا‬
‫قال تعالى‪{ :‬لقد أرسلنا رُ ُ‬

‫سلَه بالغيب‪ ،‬إن ال لقويّ عزيز}‬
‫صرُه ور ُ‬
‫الحديد فيه بأسٌ شديد ومنافع للناس وليعلم ال من ين ُ‬
‫[الحديد‪.]25 :‬‬

‫فكتابه يهدي إلى الحقّ‪ ،‬والحديد يُقوّم من خرج عنه‪ ،‬والناس ل يُصلِحُهم إلّ هذا‪ ،‬ومتى ضعف‬

‫في الناس أحدُ المرين ‪-‬الكتاب والحديد‪ -‬حصل الفساد والخراب‪ ،‬قاصلى ال عليه وسلم ‪:‬‬

‫ُبعِثتُ بالسيف بين يدي الساعة حتّى يُعبَ َد اللـه وحده‪.‬‬

‫فكان هذا ميراثه في أمّته‪ :‬الكتاب الهادي والسيف المانع المقوّم‪ ،‬فكان الناس قسمين‪ :‬علماء‬

‫وأهل جهاد‪ ،‬وقد جمع اللـه هاتين الفضيلتين لخير الخلق بعد النبياء وهم الصحابة ‪ ،‬قال‬

‫تعالى‪{ :‬محمّد رسول ال والذين معه أشدّاء على الكفّار رحماءُ بينهم تراهم ركّعا سجّدا يبتغون‬

‫فضلً من ال ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة‪ ،‬ومثلهم في‬
‫النجيل كزرعٍ أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزرّاع ليغيظ بهم الكفّار}‬

‫[الفتح‪. ]29 :‬‬

‫وقال عليه الصلة والسلم ‪ :‬إنّ العلماء ورثة النبياء‪ ،‬وإنّ النبياء لم يورثوا دينارا ول درهما‬

‫وإنّما ورثوا العلم‪ ،‬فمن أخذه أخذ بحظٍ عظيم وافر [رواه الترمذيّ وهو حسن] ‪.‬‬

‫فكما أمر اللـه تعالى نبيّه بالقتداء في النبياء كما قال تعالى {أولئك الذين هدى ال فبهداهم‬

‫اقتده} [النعام‪ ]90 :‬فكذلك أمر اللـه أمّة محمّ ٍد صلى ال عليه وسلم أن تقتدي به‪ ،‬فأسرع‬
‫الناسُ في التسابق في أخذ ميراثه وإقامته في أنفسهم وفي الناس‪.‬‬

‫فمن أقبل على دين اللـه يريده ويبتغيه علّموه وفقّهوه كما قال عليه الصلة والسلم ‪ :‬نضّر‬

‫اللـه امرءً سمع مقالتي فوعاها وأدّاها كما سمعها [رواه الترمذي وغيره]‪ ،‬ومن أعرض عنه‬
‫‪139‬‬

‫قاتلوه حتّى يخضع لحكم اللـه تعالى ‪ ،‬كما قال تعالى‪{ :‬قاتلوا الذين ل يؤمنون بال ول باليوم‬
‫الخر ول يحرّمون ما حرّم ال ورسوله ول يدينون دين الحقّ من الذين أوتوا الكتاب حتّى‬

‫يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون} [التوبة‪.]29 :‬‬

‫وهكذا كان دور أتباع محمّد ‪ ،‬وهذا كان عملهم‪ ،‬هداية الخلق إلى الحقّ وتقويم من أعرض‬

‫وتعدّى‪ ،‬ل عمل لهم في حقيقة المر إلّ هذا‪ ،‬فلمّا توفيّ رسول اللـه انتشر الصحابة في الفاق‬
‫فخرج جيش أسامة لقتال الروم‪ ،‬وخرجت جموع الصحابة لقتال من ارتدّ من العرب عن‬

‫السلم‪ ،‬ثمّ حملوا هذا الدين للتابعين ثمّ جيلً بعد جيل‪ .‬قال عليه الصلة والسلم ‪ :‬يحمل هذا‬
‫خَلفٍ عُدولُه‪ ،‬ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين [رواه‬
‫العلم من كلّ َ‬
‫جماعة من الصحابة وصحّحه المام أحمد وابن القيّم]‪ ،‬فكان مداد العلماء ودماء الشهداء هما‬

‫أحبّ ما يتقرّب به إلى اللـه تعالى‪ ،‬مداد العلماء لهداية الخلق وتعليمهم السنّة وكشف البدعة‬

‫ونشر الحقّ‪ ،‬ودماء الشهداء من أجل نشر التنزيل وحفظ التأويل‪ ،‬وكلّما أظهر الناس بدعة قام‬
‫لها العلماء حقّ القيام فأزالوا عنها زيفها ونفّروا الناس منها‪ ،‬وكلما جهل الناس سنّة أظهروها‬

‫وعلّموها المّة‪ ،‬وكلّما خرج عن هذه المّة من داخلها من يريد لها شرّا أو جاء من خارجها‬
‫ليستبيح بيضتها قاموا له بالسيف حتّى يكسروا له قرنه ويردّوه على عقبيه ويدخلوه حجره‪.‬‬
‫كذا فعل الصدّيق مع المرتدّين‪ ،‬وكذا فعل عليّ بن أبي طالب مع الخوارج إذ أرسل لهم‬

‫عبداللـه بن عبّاس فناظرهم حتى ردّ أكثرهم ثمّ قاتلهم حتّى قتل منهم مقتلةً عظيمة‪ ،‬وهكذا فعل‬
‫ق والهدى‬
‫عمر بن عبدالعزيز معهم‪ ،‬وقد كتب اللـه تعالى بقاء طائفة منصورة قائمة بالح ّ‬
‫وحاملةً للسيف والسنان إلى قيام الساعة‪.‬‬

‫قال عليه الصلة والسلم ‪ :‬ل تزال طائفة من أمّتي يقاتلون على الحقّ ظاهرين إلى يوم القيامة‪.‬‬
‫قال‪ :‬فينزل عيسى بن مريم عليه السلم‪ ،‬فيقول إمامهم‪ :‬تعالى صلّ لنا‪ ،‬فيقول‪ :‬ل‪ ،‬إنّ بعضكم‬

‫على بعض أمراء تكرمة اللـه هذه المّة‪ .‬رواه مسلم من حديث جابر بن عبداللـه ‪ ،‬وفيه عن‬
‫عقبة بن عامر قال‪ :‬قال رسول اللـه ‪ :‬ل تزال عصابة من أمّتي يقاتلون على أمر اللـه‬
‫قاهرين لعدوّهم‪ ،‬ل يضرّهم من خالفهم حتّى تأتي الساعة وهم على ذلك‪.‬‬

‫وهؤلء في كلّ وقت غرباء‪ .‬وروى الترمذي في سننه وقال‪ :‬حسن صحيح أنّ رسول ال صلى‬

‫ال عليه وسلم قال‪ :‬إنّ الدين بدأ غريبا‪ ،‬ويرجع غريبا‪ ،‬فطوبى للغرباء‪ ،‬الذين يصلحون ما أفسد‬

‫الناس من بعدي من سنّتي‪ .‬وفي رواية أخرى عند غيره قال عنهم‪ :‬الفرّارون بدينهم يجتمعون‬
‫‪140‬‬

‫إلى عيسى عليه السلم‪ ،‬وفي رواية‪ :‬ناس صالحون قليل في ناس سوء كثير من يعصيهم أكثر‬
‫ممّن يطيعهم‪.‬‬

‫ق والهدى‪ ،‬ل يكتمون الناس شيئا كما قال تعالى‪{ :‬وإذ‬
‫فورّاث النبيّ صنفان‪ :‬علماء دعاة إلى الح ّ‬
‫أخذ ال ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيّننّه للناس ول تكتمونه} [آل عمران‪ ،]187 :‬وقد أنذر من‬

‫علم علما أوجبه اللـه على الناس ثمّ كتمه بأن يلجمه يوم القيامة بلجام من نار كما في الحديث‬
‫الصحيح ‪.‬‬

‫وصنفٌ آخر هم الذين يحمون هذا العلم ويقيمونه في الناس إذا ملكتهم الهواء وهم المجاهدون‬
‫في سبيل اللـه‪ ،‬وخير المرين هو من جمع بين الفضلين‪ ،‬وهذه هي صفة الطائفة المنصورة‪،‬‬

‫فهي طائفة علم وجهاد‪ .‬قال عليه الصلة والسلم ‪ :‬ما من نبيّ بعثه اللـه في أمّة قبلي إلّ كان‬

‫له من أمّته حواريّون وأصحاب يأخذون بسنّته ويقتدون بأمره‪ ،‬ثمّ إنها تخلف من بعدهم خلوف‬

‫يقولون ما ل يفعلون‪ ،‬ويفعلون ما ل يؤمرون‪ ،‬فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن‪ ،‬ومن جاهدهم‬

‫بلسانه فهو مؤمن‪ ،‬ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن [رواه مسلم من حديث عبداللـه بن مسعود ]‪.‬‬

‫وكان العلماء على الدوام هم حجّة اللـه على هذه المّة‪ ،‬كما كان شأن المام أحمد رحمه اللـه‬
‫تعالى في فتنة خلق القرآن‪ ،‬إذ وقف لهذه الفتنة التي كادت تعصف بالمّة وتخرجها إلى الشرك‬

‫والكفران موقف السد الذي يحمي ذمامه فنصره اللـه وأيّده‪ ،‬وكما هو موقف علماء المالكيّة‬
‫من أتباع سحنون في فتنة الباطنيّة العبيدية حين قاتلوهم وكشفوا زندقتهم‪ .‬قال الرعينيّ في‬
‫كتابه‪ :‬أجمع علماء القيروان‪ :‬أبو محمّد بن أبي زيد‪ ،‬وأبو الحسن القابسيّ‪ ،‬وأبو القاسم بن‬

‫شبلون‪ ،‬وأبو علي بن خلدون وأبو محمد الطبيقي وأبو بكر بن عذرة‪ :‬أنّ حال بني عبيد‪ ،‬حال‬

‫المرتدّين والزنادقة‪ ،‬فحال المرتدّين بما أظهروه من خلف الشريعة فل يورثون بالجماع‪،‬‬
‫وحال الزنادقة‪ :‬بما أخفوه من التعطيل‪ ،‬فيقتلون بالزندقة [ترتيب المدارك‪ ،‬جـ ‪.]7/247‬‬

‫وخرج العلماء لقتالهم‪ .‬قال أبو الفرج ابن الجوزي‪ :‬أقام جوهر (الصقلي نائب العبيديين في‬
‫مصر) القائد لبي تميم صاحب مصر أبا بكر النابلسي (المام القدوة) وقال له‪ :‬بلغنا أنّك قلت‪:‬‬

‫إذا كان مع الرجل عشرة أسهم‪ ،‬وجب أن يرمي في الروم سهما وفينا تسعة؟ قال‪ :‬ما قُلت هذا‪،‬‬
‫بل قلت‪ :‬إذا كان معه عشرة أسهم وجب أن يرميكم بتسعة وأن يرمي العاشر فيكم أيضا‪ ،‬فإنّكم‬

‫غيّرتم الملّة‪ ،‬وقتلتم الصالحين‪ ،‬وادّعيتم نور اللهية‪ ،‬فشهره ثمّ ضربه ثمّ أمر يهوديّا فسلخه‬
‫[أنظر سير أعلم النبلء‪.]7/148 ،‬‬

‫‪141‬‬

‫وقال الذهبيّ‪ :‬وقد أجمع علماء المغرب على محاربة آل عبيد لما شهروه من الكفر الصراح‬
‫الذي ل حيلة فيه‪ .‬وخطب المام أحمد بن أبي وليد الناس قائلً ‪ :‬جاهدوا من كفر باللـه وزعم‬

‫أنّه ربّ من دون ال‪ ،‬وغيّر أحكام ال وسبّ نبيّه صلى ال عليه وسلم وأصحاب نبيّه‪ ،‬فبكى‬

‫الناس بكاءً شديدا‪ .‬وركب ربيع القطّان فرسا ملبسا‪ ،‬وفي عنقه المصحف وحوله جمع كبير وهو‬

‫يتلو آيات جهاد الكفرة فاستشهد هو وخلق من الناس‪.‬‬

‫وهكذا كان شأن المام أحمد بن تيمية في بيانه للحق والهدى والسنة‪ ،‬فكشف أهل البدع من‬

‫متكلّمين وفلسفة وصوفيّة‪ ،‬وجلّى الحق الذي غشيته زبالت الهواء أحسن بيان وأجله‪ ،‬ثمّ قام‬
‫مقام المجاهدين فقاتل التتار وحرّض الناس على قتالهم وحضّ ملوك السلم عليهم وخوّفهم إن‬

‫لم يقوموا بواجب الجهاد ضدّ التتار أنّه ومن معه من المسلمين سيبدلونهم ويختارون ملوكا‬

‫عليهم غيرهم‪ ،‬ولما التبس على الناس أمر قتالهم وفي أيّ نوع من النواع يدخل قتالهم‪ ،‬بيّن أنّ‬
‫قتالهم هو قتال من امتنع عن شرائع السلم‪ ،‬فعاد الحقّ أبلجا وكشف اللـه الغمّة وهزم التتار‬

‫في معركة شقحب (مرج الصفر)‪.‬‬

‫ثمّ ما كان من شأن الشيخ محمّد بن عبدالوهّاب رحمه اللـه تعالى حين دعا إلى التوحيد والسنّة‬
‫فعُودي ورُمي عن قوس واحدة‪...‬‬

‫وهكذا هي سلسلة الدعوة والجهاد‪ ،‬حلقاتها تمتدّ من زمن إلى زمن‪ ،‬ل تنقطع ول تتوقّف حتّى‬
‫يومنا هذا‪.‬‬
‫***‬

‫أخي المسلم‪:‬‬

‫إذا علمت هذا وتبيّن لك على وجه صحيح رأيت الواجب الملقى على عاتقك‪ ،‬وبحثت عن هذه‬
‫الطائفة التي يمتدّ تاريخها من يومنا هذا إلى النبيّ ‪ ،‬وهي الطائفة التي تدعو الناس إلى التوحيد‬

‫والسنّة‪ ،‬وتكشف للناس الشرك والبدعة‪ ،‬وتقاتل في سبيل ذلك حتّى تقوم الساعة‪.‬‬

‫والن تسأل من نحن ولماذا الجهاد؟ لقد نشأنا فوجدنا علما مفقودا‪ ،‬وأمّة جاهلة‪ ،‬ومعاصي‬

‫متفشيّة‪ ،‬وحقوقا مهدورة‪ ،‬وأرضا مغصوبة‪ ،‬وحكّاما مرتدّين‪ .‬فما هو الواجب الملقى على عاتق‬

‫من علّمه اللـه وفقّهه؟‬

‫لقد قيّض اللـه في زماننا أمرا عظيما هو انتشار كتب السلف‪ ،‬وقد مرّ وقت طويل كان الناس‬

‫إلّ قلّة قليلة ل يعرفون من كتب العقائد إلّ كتب أهل الكلم‪ ،‬فل يعرفون إلّ العقائد النسفية‬
‫‪142‬‬

‫وشرح جوهرة التوحيد وأمثالهما‪ ،‬ول يقرؤون الفقه إلّ من كتب المتون ول يعرفون إلّ التقليد‪،‬‬
‫ل كتب التربية الصوفية كالرسالة القشيرية واللمع للطوسي وإحياء‬
‫ول يعرفون كتب التربية إ ّ‬

‫علوم الدين للغزالي‪..‬‬

‫ثمّ برحمة من اللـه تعالى أن أقبل الناس على طباعة وتحقيق كتب السلف‪ ،‬فطبعت مؤلّفات‬
‫ورسائل وفتاوى شيخ السلم ابن تيمية‪ ،‬وطبعت كتب السنّة والتوحيد كالسنّة لعبداللـه بن‬

‫المام أحمد والسنّة لبن أبي عاصم والتوحيد لبن خزيمة والشريعة للجري‪ ،‬ثمّ تتابع السيل‬

‫المبارك‪ ،‬فأقبل الناس على دراسة هذه الكتب ثمّ بالبحث عن بقايا العلماء الذين هم همزة الوصل‬
‫للطائفة المنصورة الدائمة الباقية‪ ،‬وبدؤوا يحاولون فهم واقعهم على ضوء فهم أئمّة هذه الطائفة‬
‫بدءا من أبي بكر الصدّيق إلى قول أيّ عالم أصاب الحقّ والهداية وارتبط بالكتاب والسنّة‪.‬‬

‫فكان ما خرجوا به أنّ المّة غيّرت وبدّلت وأصابها الجهل في كلّ جوانب هذا الدين‪ ،‬وبسبب‬

‫ن بعضها لحق بالمشركين واتّبع دينهم‪،‬‬
‫جهلها وقعت في المعاصي والذنوب واقترفت البدع‪ ،‬بل إ ّ‬
‫ثمّ نظروا فوجدوا أنّه قد استولى على أمرهم وقيادتهم حكّام باعوا دينهم للشيطان ودخلوا في‬

‫ل أغلقوه‪،‬‬
‫دين المشركين‪ ،‬وسرقوا مقدّراتها من خيرات اللـه فيها‪ ،‬ولم يجدوا طريقا للخير إ ّ‬
‫فعطّلوا المساجد ودور العلم ولحقوا العلماء والدعاة إلى اللـه‪ ،‬ولم يجدوا طريقا للشرّ إلّ‬

‫سلكوه‪ ،‬فنشروا دين الردّة وحسّنوا للناس الباطل والكفر من علمانية وديمقراطية وشيوعية‬

‫واشتراكية‪ ،‬وأوجبوا على الناس المعاصي فأقاموا مصارف الربا وضيّقوا على الناس سبل‬

‫الحياة حتّى ل يدخلوا إلّ من بابه‪ ،‬ونشروا الرذيلة مع الفقر حتّى ل يكون للشاب إلّ طريق‬

‫الخبث‪ ،‬ثمّ لم يجدوا منفذا للشرّ إلّ وسهّلوه وقرّبوه للناس‪ ،‬والمّة ترى السماء هي السماء‬

‫التي عهدتها في تاريخها وأمّا الحقائق فتخالف ذلك كلّه‪ ،‬ثمّ وجد من حسّن هذا المر وأفرغ‬
‫وسعه من أجل إسباغ الشرعيّة عليه وساعدهم في هذا قلب السماء‪ ،‬فالزندقة عندهم هي‬

‫الحرّية‪ ،‬والدخول في دين الطاغوت ديمقراطيّة‪ ،‬وموالة الكافرين سلما ووحدةً وطنيّة‪ ،‬وأمّا‬
‫شرع اللـه ودينه فهو التخلّف والرجوع إلى الوراء إلى زمن البعير والسيف والرمح‪ ،‬وسمّوا‬

‫زنا المرأة فنّا وحرّية اختيار‪ ،‬وسمّوا بيع الوطان والديار سلما وحسن جوار‪.‬‬

‫هذا أبصره الشباب المقبل على ربّه ودينه‪ ،‬فعلم من دينه ما علم‪ ،‬فحمل كلمة الحقّ وقذفها في‬

‫صدور العداء والمناوئين وبدأ يدعو إلى اللـه ويكشف للناس حقيقة ما هم عليه والواجب‬

‫‪143‬‬

‫الملقى على عاتقهم‪ ،‬وكان جماع ذلك كلّه في كلمتين‪ :‬الدعوة إلى اللـه والجهاد في سبيل‬
‫اللـه‪.‬‬

‫الدعوة إلى اللـه‪ :‬وفيها تعليم الناس ما جهلوه من التوحيد والسنّة‪ ،‬وفيها المر بالمعروف‬

‫والنهي عن المنكر‪.‬‬

‫وأمّا الجهاد في سبيل اللـه تعالى‪ ،‬فهو ض ّد المرتدّين قبل غيرهم‪ ،‬لنّ رأس المال مقدّم على‬

‫الربح وتحقيق الزيادة‪ ،‬أمّا الدليل على ردّة هؤلء الحكّام وردّة طوائفهم فهو بسبب تبديلهم‬

‫شريعة الرحمن وموالتهم لليهود والنصارى والشيوعيين‪ ،‬ومعاداتهم المؤمنين والموحّدين وأتباع‬

‫الرسل‪ ،‬ومن فعل هذه الفاعيل فهو بإجماع المّة المسلمة التي خلت أنّه كافر مرتدّ‪ ،‬وإليك‬

‫الدليل ردّة من بدّل شريعة الرحمن وحكم بشريعة الشيطان ‪ ،‬يقول شيخ السلم ابن تيمية‪:‬‬

‫"والنسان متى حلّل الحرام المجمع عليه أو حرّم الحلل المجمع عليه أو بدّل الشرع المجمع‬

‫عليه كان كافرا باتّفاق الفقهاء" ‪.‬‬

‫والعبودية تقوم على الطاعة وامتثال المر‪ ،‬ول تصحّ عبوديّة دون امتثال أمر السيّد المر وهو‬
‫المعبود‪ ،‬ولذلك فكلّ من اتّخذ من نفسه آمرا ناهيا حاكما على غيره من خلل التشريع والذي‬

‫معناه تسمية الشياء ووصفها بالحلّ والحرمة فقد جعل نفسه إلها مطاعا معبودا يُعبَد الدلّة من‬

‫القرآن والسنّة إنّ ممّا اتّفق عليه جميع النبياء والمرسلين هو الدعوة إلى توحيد اللـه في‬

‫العبادة والقصد والطلب‪ ،‬قال تعالى‪{ :‬ولقد بعثنا في كلّ أمّة رسولً أن اعبدوا ال واجتنبوا‬

‫الطاغوت} [النحل‪ ،]36 :‬وكان ممّا يدخل في عبادة اللـه تعالى‪ ،‬بل هو قاعدة العبادة وأصلها‪،‬‬
‫حكَمُ وله الحُكم‪ .‬قال تعالى‪{ :‬إنِ الحكمُ‬
‫هو إفراد اللـه تعالى في الطاعة والمتثال‪ ،‬فاللـه هو ال َ‬

‫إلّ ل} [النعام‪ .]57 :‬وقال تعالى‪{ :‬أل له الحكم} [النعام‪ .]12 :‬وقال تعالى‪{ :‬أل له الخلق‬

‫والمر} [العراف‪ .]54 :‬وقال تعالى‪{ :‬وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى ال} [الشورى‪:‬‬

‫‪ .]10‬وقال تعالى‪{ :‬ول يشرك في حكمه أحدا} [الكهف‪ .]26 :‬فهذه اليات تبيّن بوضوح وجلء‬

‫أنّ حقّ الحكم هو للـه وحده‪ ،‬بل إنّ معنى الله هو المعبود‪ ،‬والعبودية تقوم على الطاعة‬
‫وامتثال المر‪ ،‬ول تصحّ عبوديّة دون امتثال أمر السيّد المر وهو المعبود‪.‬‬

‫ولذلك فكلّ من اتّخذ من نفسه آمرا ناهيا حاكما على غيره من خلل التشريع والذي معناه تسمية‬
‫الشياء ووصفها بالحلّ والحرمة فقد جعل نفسه إلها مطاعا معبودا يُعبَد‪ ،‬قال تعالى‪{ :‬أم لهم‬

‫شركاءُ شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به ال} [الشورى‪ .]21 :‬فقد سمّى اللـه المشرّع شريكا‬
‫‪144‬‬

‫وسمّى ما شرّع دينا‪ ،‬وأصل كلمة الدين تعني الخضوع‪ ،‬وهكذا حال المطيع لشرع غيره فإنّما‬
‫هو خاضع له‪ ،‬وهو معنى الدين‪ ،‬فهذه الية جامعة لهذا الباب وهو تسمية المشرّع إلها‪ ،‬وتسمية‬

‫الشرع الذي شرعه دينا‪ ،‬وتسمية الطائع له مشركا‪ ،‬وقال تعالى‪{ :‬إتّخذوا أحبارهم ورهبانهم‬

‫ي صلى ال عليه وسلم ربوبيّتهم على أتباعهم‬
‫أربابا من دون ال} [التوبة‪ ،]31 :‬وقد فسّر النب ّ‬
‫ي صلى ال عليه‬
‫بطاعة التباع لهم في ما أحلّوا وحرّموا‪ ،‬فعن عديّ بن حاتم أنّه سمع النب ّ‬

‫وسلميقرأ هذه الية‪ { :‬إتّخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون ال والمسيح ابن مريم وما‬

‫ُأمِروا إلّ ليعبدوا إلها واحدا ل إله إلّ هو سبحانه عمّا يشركون} [التوبة‪ ،]31 :‬فقال‪ :‬إنّا لسنا‬
‫نعبدهم‪ ،‬فقال أليس يحرّمون ما أحلّ اللـه فتحرّمونه‪ ،‬ويحلّون ما حرّم اللـه فتحلّونه؟ فقال‪:‬‬

‫بلى‪ .‬فقال‪ :‬فتلك عبادتهم‪[ .‬رواه الترمذيّ وحسّنه] ‪.‬‬

‫وقد قرّر اللـه في كتابه كفرَ من حكم بغير كتابه‪ ،‬فقال سبحانه‪{ :‬ومن لم يحكم بما أنزل ال‬
‫فأولئك هم الكافرون} [المائدة‪.]44 :‬‬

‫وسمّى اللـه من تحاكم الناس إليه من غير خضوع لحكام الكتاب والسنّة طاغوتا‪ .‬قال تعالى‪:‬‬

‫{يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أُمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلّهم ضللً‬

‫بعيدا} [النساء‪ ،]60 :‬وقال الشيخ المام محمد المين الشنقيطي في أضواء البيان‪ :‬كلّ تحاكم إلى‬
‫غير شرع اللـه فهو تحاكم إلى الطاغوت [‪.]7/65‬‬

‫ومثل الية التي تقدّمت‪{ :‬أم لهم شركاء‪ }...‬قوله تعالى‪{ :‬إنِ الحكم إلّ ل أمر أل تعبدوا إلّ إياه‬
‫ذلك الدين القيّم} [يوسف‪ .]40 :‬فقد سمّى اللـه الحكم عبادة‪ ،‬وسمّى ما يُحكم به دينا‪ ،‬فمن حكّم‬

‫اللـه في كلّ أمر فقد عبده واتّخذ دينه دينا‪ ،‬ومن حكّم الطاغوت في أيّ أمرٍ فقد عبده واتّخذ‬

‫حكمه دينا‪ ،‬وقد سمّى اللـه تعالى شرع الطواغيت دينا‪ ،‬كما سمّى شرعه دينا فقال تعالى عن‬

‫يوسف‪{ :‬كذلك كدنا ليوسف‪ ،‬ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلّ أن يشاء ال} [يوسف‪،]76 :‬‬
‫فقد سمّى شرعَ الملك وحكمَه وملكَه دينا‪.‬‬

‫أقوال العلماء في حكم المبدّلين للشريعة‪:‬‬

‫وقد تكلّم علماؤنا في كفر هذه الديان والتشريعات الباطلة وحكموا على من شرعها وقام عليها‬

‫بالكفر والردّة‪:‬‬

‫قال ابن حزم رحمه اللـه تعالى‪ :‬من حكم بحكم النجيل ممّا لم يأت بالنص عليه وحيٌ في‬

‫شريعة السلم فإنّه كافر مشرك خارج عن السلم [الحكام في أصول الحكام‪.]5/153 ،‬‬
‫‪145‬‬

‫وقال ابن تيمية رحمه اللـه تعالى‪ :‬معلوم بالضطرار من دين المسلمين وباتّفاق جميع‬
‫المسلمين أنّ من سوّغ اتّباع غير دين السلم أو اتّباع شريعة غير شريعة محمّد ( فهو كافر‬
‫[مجموع الفتاوى‪ .]28/524 ،‬ويقول كذلك‪ :‬الشرع المنزّل من عند اللـه تعالى وهو الكتاب‬

‫والسنّة الذي بعث اللـه به رسوله فإنّ هذا الشرع ليس لحد من الخلق الخروج عنه‪ ،‬ول‬

‫يخرج عنه إلّ كافر ‪[ .‬مجموع الفتاوى‪ .]11/262 ،‬ويقول‪ :‬والنسان متى حلّل الحرام المجمع‬

‫عليه أو حرّم الحلل المجمع عليه أو بدّل الشرع المجمع عليه كان كافرا باتّفاق الفقهاء [مجموع‬
‫الفتاوى‪.]3/267 ،‬‬

‫ويقول ابن كثير رحمه اللـه تعالى‪ :‬فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمّد بن عبداللـه‬
‫خاتم النبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر [البداية والنهاية‪.]13/119 ،‬‬

‫ويقول عبداللطيف بن عبدالرحمن آل الشيخ‪ :‬من تحاكم إلى غير كتاب اللـه وسنّة رسوله ( بعد‬

‫التعريف فهو كافر‪ ،‬قال تعالى‪{ :‬ومن لم يحكم بما أنزل ال فأولئك هم الكافرون}‪ ،‬وقال تعالى‪:‬‬
‫{أفغير اللـه يبغون‪[ }...‬الدرر السنّية ‪.]8/241‬‬

‫وقال عبداللـه بن حميد‪ :‬ومن أصدر تشريعا عامّا ملزما للناس يتعارض مع حكم اللـه فهذا‬
‫يخرج من الملّة كافرا ‪[ .‬أهمّية الجهاد‪ ،‬ص ‪.]196‬‬

‫ويقول محمّد بن إبراهيم آل الشيخ‪ :‬إنّ من الكفر الكبر المستبين تنزيل القانون اللعين منزلة ما‬
‫نزل به الروح المين على قلب محمّد صلى ال عليه وسلم ليكون من المنذرين بلسان عربيّ‬

‫مبين‪ ،‬في الحكم به بين العالمين‪ ،‬والرد إليه عند تنازع المتنازعين مناقضة ومعاندة لقول اللـه‬
‫عزّ وجلّ‪{ :‬فإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى ال والرسول إن كنتم تؤمنون بال واليوم الخر‪،‬‬

‫ي صلى‬
‫ذلك خيرٌ وأحسن تأويلً} ‪ .‬وقد نفى اللـه سبحانه وتعالى اليمان عن من لم يحكّموا النب ّ‬
‫ال عليه وسلم فيما شجر بينهم نفيا مؤكّدا بتكرار أداة النفي وبالقسم‪ ،‬قال تعالى‪{ :‬فل وربّك ل‬

‫يؤمنون حتّى يحكّموك فيما شجر بينهم ثمّ ل يجدوا في أنفسهم حرجا ممّا قضيت ويسلّموا‬
‫تسليما} [رسالة تحكيم القوانين]‪.‬‬

‫وقد ذكر فيها أنّ من أعظم أنواع الكفر الكبر في هذا الباب هو ما وقع فيه المرتدّون‬

‫المعاصرون‪ ،‬فقال‪ :‬الخامس‪ :‬وهو أعظمها وأشملها وأظهرها معاندة للشرع ومكابرة لحكامه‬

‫ومشاقّة للـه ولرسوله‪ ،‬ومضاهاة بالمحاكم الشرعيّة إعدادا وإمدادا وإرصادا وتأصيلً وتفريعا‬

‫وتشكيلً وتنويعا وحكما وإلزاما ومراجع ومستندات‪ ،‬فكما أنّ للمحاكم الشرعيّة مراجع‬
‫‪146‬‬

‫ومستندات مرجعها كلّها إلى كتاب اللـه وسنّة رسوله صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬فلهذه المحاكم‬
‫مراجع هي‪ :‬القانون الملفّق وشرائع شتّى‪ ،‬وقوانين كثيرة كالقانون الفرنسي‪ ،‬والقانون المريكي‬

‫والقانون البريطاني‪ ،‬وغيرها من القوانين‪ ،‬ومن مذاهب بعض البدعيّين المنتسبين إلى الشريعة‬
‫وغير ذلك‪ ..‬فهذه المحاكم الن في كثير من أمصار السلم مهيّأة مكمّلة مفتوحة البواب‪،‬‬

‫والناس إليها أسراب إثر أسراب‪ ،‬يحكم حكّامها بينهم بما يخالف حكم السنّة والكتاب من أحكام‬
‫ذلك القانون وتلزمهم وتقرّهم عليه‪ ،‬وتحتّمه عليهم‪ ،‬فأيّ كفر فوق هذا الكفر‪ ،‬وأيّ مناقضة‬
‫للشهادة بأنّ محمّدا رسول اللـه بعد هذه المناقضة؟ ‪.‬‬

‫وقال الشيخ الشنقيطي في أضواء البيان‪ :‬والعجب ممّن يحكّم غير تشريع اللـه ثمّ يدّعي السلم‬
‫كما قال تعالى‪{ :‬ألم ترَ إلى الذين يزعمون أنّهم آمنوا بما أُنزل إليك وما أُنزِلَ من قبلك يريدون‬

‫أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد ُأمِروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلّهم ضللً بعيدا}‪،‬‬
‫وقال‪{ :‬ومن لم يحكم بما أنزل ال فأولئك هم الكافرون}‪ ،‬وقال‪{ :‬أفغير ال أبتغي حكما وهو‬

‫الذي أنزل إليكم الكتاب مفصّلً والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنّه منزّل من ربّك بالحقّ فل‬

‫تكوننّ من الممترين} ‪. ]3/441[ .‬‬

‫ويقول رحمه اللـه إنّ متّبعي أحكام المشرّعين غير ما شرعه اللـه أنّهم مشركون باللـه [‬

‫‪.]83-4/82‬‬

‫ويقول الشيخ أحمد شاكر رحمه اللـه تعالى‪ :‬هذه القوانين التي فرضها على المسلمين أعداءُ‬
‫السلم السافرو العداوة هي في حقيقتها دينٌ آخر جعلوه دينا للمسلمين بدلً من دينهم النقيّ‬

‫السامي‪ ،‬لنهم أوجبوا عليهم طاعتها‪ ،‬وغرسوا في قلوبهم حبّها وتقديسها والعصبيّة لها‪ ،‬حتّى لقد‬
‫حرَم المحكمة‪،‬‬
‫تجري على اللسنة والقلم كثيرا كلمات‪ :‬تقديس القانون‪ ،‬قدسيّة القضاء‪َ ،‬‬

‫صفَ بها الشريعة السلمية وآراء الفقهاء السلميين‪.‬‬
‫وأمثال ذلك من الكلمات التي يأبون أن تو َ‬
‫بل هم حينئذٍ يصفونها بكلمات الرجعيّة‪ ،‬الجمود‪ ،‬الكهنوت‪ ،‬شريعة الغاب [عمدة التفسير‪،‬‬

‫‪.]3/214‬‬

‫ويقول‪ :‬إنّ المر في هذه القوانين الوضعيّة واضح وضوح الشمس‪ ،‬هي كفرٌ بواحٌ ل خفاء فيه‬
‫ول مداراة‪ ،‬ول عذر لحد ممن ينتسب للسلم كائنا من كان في العمل بها أو الخضوع لها أو‬
‫إقرارها‪ ،‬فليحذر امرؤٌ لنفسه‪ ،‬وكلّ امرئ حسيب نفسه [السابق‪.]4/174،‬‬

‫‪147‬‬

‫ويقول الشيخ محمّد حامد الفقي‪ :‬الذي يُستخلص من كلم السلف ‪ :‬أنّ الطاغوت كلّ ما صرف‬
‫العبد وصدّه عن عبادة اللـه وإخلص الدين والطاعة للـه ولرسوله‪ ،‬سواء في ذلك الشيطان‬
‫من الجنّ الشياطين والنس والشجار والحجار وغيرها‪ ،‬ويدخل في ذلك بل شكّ‪ :‬الحكم‬

‫بالقوانين الجنبيّة عن السلم وشرائعه وغيرها من كلّ ما وضعه النسان ليحكم به في الدماء‬

‫والفروج والموال‪ ،‬وليبطل بها شرائع اللـه‪ ،‬من إقامة الحدود وتحريم الربا والزنا والخمر‬

‫ونحو ذلك ممّا أخذت هذه القوانين تحلّلها وتحميها بنفوذها ومنفّذيها‪ ،‬والقوانين نفسها طواغيت‪،‬‬

‫وواضعوها ومروّجوها طواغيت [هامش فتح المجيد]‪.‬‬

‫وهكذا علمنا أن الشرع الذي تُحكم به بلد المسلمين هو شرع طاغوتيّ وأنّ حكّامنا طواغيت‬

‫كفرة‪ ،‬بل هم من أش ّد أنواع الكفّار وأغلظهم‪ ،‬فإنّ هؤلء لم يحكموا بشريعة الشيطان فقط‪،‬‬

‫ولكنّهم صرّحوا بأنّ اللـه تعالى ليس له الحقّ في الحكم والتشريع‪ ،‬فإنّه ما من دولة إلّ وقد‬
‫كتبت في دستورها‪ :‬أنّ السيادة للشعب‪ ،‬والسيادة في دينهم تعني معنى السيّد في دين اللـه‬
‫تعالى وهو معنى الله‪ ،‬فإنّ السيادة عندهم هي سلطة مطلقة لها الحقّ في تقييم الشياء‬

‫والفعال‪ ،‬أي هي سلطة التحليل والتحريم‪ ،‬وهذا هو معنى الحاكم وهو معنى الله والمعبود كما‬

‫تقدّم‪.‬‬

‫وأمّا الدول التي تزعم أنّها لم تكتب قانوناُ أو دستورا وتزعم العمل بالكتاب والسنّة‪ ،‬فيقال لهم‪:‬‬
‫ما أشدّ كذبكم وتدجيلكم‪ ،‬فإنّ واقعكم هو واقع الدول التي كتبت دستورها وقانونها‪ ،‬فشبهكم بهم‬

‫هو شبه الغراب بالغراب‪ ،‬ثمّ زعمتم أنّكم لم تجعلوا السلطات بيد الشعب‪ ،‬ولم تقولوا أنّ السيادة‬
‫لغير اللـه‪ ،‬فها أنتم الن كوّنتم مجلس شورى تغييرا للسماء فقط وانضممتم بهذا المجلس إلى‬
‫اتّحاد المجالس الشركيّة البرلمانيّة كبقيّة إخوانكم‪ ،‬ثمّ ها أنتم تدخلون في كلّ مؤسّسة كافرة‬

‫كالجامعة العربية وهيئة المم المتّحدة وغيرها‪ ،‬ثمّ كذلك أنتم فرضتم من الدساتير والقوانين‬

‫ل اللـه تعالى‪ ،‬وسمّيتم هذه بالنظم‬
‫الكافرة التي أبحتم بها ما حرّم اللـه وحرمتم بها ما أح ّ‬

‫تغييرا للسماء مع اتّفاق الحقائق‪ -‬فأبحتم الربا‪ ،‬فها هي البنوك الربويّة مشرعة البواب‪ ،‬فيقال‬‫لكم بأيّ قانون تمّ الترخيص لهذا العمل‪ ،‬بل إنّ هذه الدولة المزعومة هي الدولة الوحيدة في‬
‫العالم التي تمنع الترخيص لما يسمّى بالبنك السلمي‪.‬‬

‫وهكذا أيّها السائل الصادق رأيت أنّ دولنا محكومة بحكومات مرتدّة كافرة وبحكّام كفّار مرتدين‬
‫وأنّهم شرّعوا للناس دينا وأوجبوا على الناس الدخول فيه‪.‬‬
‫‪148‬‬

‫ثمّ إنّ هؤلء الحكّام قد والوا أعداء اللـه تعالى وعادوا أهل السلم‪ :‬فما من حاكم من هؤلء‬
‫ل وتراه يقرّب المشركين ويوادّهم ويناصرهم ويدافع عنهم‪ ،‬ول يسمح في بلده قطّ أن يشتم‬
‫إّ‬
‫هؤلء الكفّار أو أن يعلن أحد بغضهم‪ ،‬وفرضوا في قوانينهم من العقوبات الشديدة لمن سبّ‬
‫هؤلء المشركين أو لعن دينهم ‪.‬‬

‫وإنّ من صور الموالة والنصرة أنّهم عقدوا معهم من التحالفات العسكرية والمنية مما جعلهم‬
‫في دين واحد ومذهب واحد‪ ،‬فإنّ أعظم درجات الموالة هي النصرة قال تعالى‪{ :‬يا أيّها الذين‬

‫آمنوا ل تتّخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولّهم منكم فإنّه منهم إن ال‬
‫ل يهدي القوم الظالمين} [المائدة‪ . ]51 :‬قال ابن جرير الطبري في تفسير الية‪ :‬فإنّ من تولّهم‬

‫ونصرهم على المؤمنين فهو من أهل دينهم وملّتهم‪ ،‬فإنّه ل يتولّى متولٍ أحدا إلّ وهو به وبدينه‬

‫وما هو عليه راض‪ ،‬وإذا رضيه ورضي دينه فقد عادى ما خالفه وسخطه وصار حكمه حكمه[‬

‫‪. ]6/277‬‬

‫وهكذا علمنا كفر هؤلء الحكّام من هذا الباب‪ ،‬فهؤلء الحكّام مكّنوا للمشركين واليهود‬

‫والنصارى من بلد المسلمين‪ ،‬ثمّ من صور الموالة التي وقع فيها هؤلء المرتدّون هو الدخول‬
‫في طاعة المشركين‪ ،‬وذلك بالنقياد لهم واتّباع شريعتهم والنضمام إلى طوائفهم والتي هي‬

‫المؤسّسات التي تدين بدين الشيطان من مذاهب إنسانية كقولهم‪ :‬ل فرق بين إنسان وآخر حسب‬
‫دينه‪ ،‬فدعوا إلى المساواة بين المسلم والمشرك تحت دعوة المذهب النساني الذي نشره اليهود‬

‫في هؤلء البهائم واللـه تعالى قد قطع موالة المؤمن للمشرك وأوجب عليه بغضه وبغض‬

‫دينه‪ ،‬قال تعالى‪{ :‬يا أيّها الذين آمنوا ل تتّخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبّوا الكفر على‬

‫اليمان ومن يتولّهم منكم فأولئك هم الظالمون} [التوبة‪ ، ]23 :‬ففي هذه الية قطع اللـه علئق‬
‫الموالة بين المؤمن وبين أبيه وأخيه الكافر‪ ،‬فكيف بالجنبيّ؟ وفيها من بيان ضلل وكفر ما‬
‫يُسمّى في بلدنا بأخوّة المواطنة المزعومة‪ ،‬فإنّ دساتير وقوانين البلد التي حكّمها هؤلء‬

‫المرتدّون تنصّ على المساواة بين أهل البلد الواحد دون اعتبار دينه وعقيدته تحت دعوى‬

‫المواطنة المزعومة فهم يقولون‪ :‬الدين للـه والوطن للجميع‪ ،‬ومعناه أنّ قانون المواطنة ل يفرّق‬
‫بين الناس باعتبار الدين والعتقاد‪ ،‬فالمسلم والكافر عندهم سواء واللـه جعل مَن والى كافرا‬

‫مثله في الحكم‪ ،‬قال تعالى‪{ :‬والذين كفروا بعضهم أولياء بعض} [النفال‪ . ]73 :‬وإنّ مما أجمع‬
‫النبياء على تبليغه للناس هو البراءة من المشركين كما قال تعالى عن أبي النبياء إبراهيم عليه‬
‫‪149‬‬

‫السلم‪{ :‬قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنّا برءاء منكم ومما‬
‫تعبدون من دون ال كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتّى تؤمنوا بال وحده}‬
‫[الممتحنة‪. ]4 :‬‬

‫ثمّ انظروا إلى هؤلء الملعين ماذا فعلوا بالمسلمين والدعاة إلى اللـه‪ :‬لقد علّقوا لهم المشانق‬

‫وملؤوا بهم السجون وشرّدوهم في الرض‪ ،‬فما من دولة من هذه الدول إلّ وقد اب ُتِليَ الدعاة إلى‬
‫اللـه تعالى فيها فسُجنوا وعُذّبوا و ُقتّلوا‪ ،‬وما نقموا منهم إلّ أن يؤمنوا باللـه العزيز الحميد‪،‬‬

‫وأخرجوا الشباب من البلد لطهرهم كما قال تعالى على لسان قوم لوط‪{ :‬أخرِجُوهم من قريتكم‬

‫إنّهم أُناسٌ يتطهّرون} [العراف]‪.‬‬

‫فهؤلء الحكّام خرجوا من دين اللـه تعالى من هذه البواب ومن غيرها‪ ،‬وهذا من العلم‬

‫الضروري الذي يجب أن ل يجهله أحد من أهل السلم ‪.‬‬
‫َت ِبعَاتِ تكفير الحكّام‪:‬‬

‫قال القاضي عياض‪ :‬أجمع العلماء على أنّ المامة ل تنعقد لكافر وعلى أنّه لو طرأ عليه كفر‬

‫ينعزل‪.‬‬

‫قال‪ :‬وكذا لو ترك إقامة الصلوات والدعاء إليها‪...‬‬

‫وقد يسأل سائل‪ :‬ما أهمّية هذا العلم‪ ،‬وهل من الواجب أن ُيكَ ّفرَ المسلمُ هؤلء الحكّامَ الطواغيت؟‬
‫فالجواب‪ :‬نعم‪ ،‬فإنّه مما يجب أن يعلمه كلّ مسلم أن تكفير الكافرين الملحدين هو ركن من‬

‫أركان عقيدة المسلم‪ ،‬وذلك لما يترتّب على هذا التكفير من الواجبات‪.‬‬
‫فإن سألت‪ :‬ما هي هذه الواجبات؟‬

‫قلنا لك‪ :‬إعلم أيّها الخ الحبيب أنّ البراءة من هؤلء الطواغيت هو فرض عينٍ على كلّ مسلم‪،‬‬
‫فقد تقدّم لك من الدلة على أنّ من ركنِ اليمان الركين والذي ل يصح إسلم المرء إلّ به هو‬

‫البراءة من هؤلء الطواغيت ووجوب معاداتهم وبغضهم وعدم محبّتهم‪ ،‬وممّا قاله أئمّتنا‪ :‬إنّ‬
‫تكفير الملحدين ضروريّة من ضروريّات الدين‪ ،‬وإنّ من مقتضيات هذه البراءة هو بغضهم‬

‫وعدم محبّتهم وعدم الدخول في طاعتهم‪ ،‬فل يجوز للمسلم أن يعاونهم أو أن يدخل في أيّ‬

‫مؤسّسة من مؤسّسات نصرتهم وتقويتهم كالجيش والمن والمخابرات‪ ،‬ومن يدخل من المسلمين‬

‫في نصرتهم في هذه المؤسّسات فإنّه معرّض لقوله تعالى‪{ :‬ومن يتولّهم منكم فإنّه منهم} وهذا‬
‫يعرّضه إلى ما أوجب اللـه على المؤمنين من معاداته ومقاتلته‪ ،‬قال تعالى‪{ :‬الذين آمنوا‬

‫‪150‬‬

‫يُقاتلون في سبيل ال‪ ،‬والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت‪ ،‬فقاتلوا أولياء الشيطان إنّ كيد‬
‫الشيطان كان ضعيفا} [النساء‪ .]76 :‬وقال تعالى‪{ :‬ولن يجعل ال للكافرين على المؤمنين سبيلً}‬
‫[النساء‪ ،]141 :‬وهذا حاكم كافر فيجب خلع وليته وعدم طاعته‪.‬‬

‫وجـــوب قـتـالـهـم ‪:‬‬

‫ثمّ إعلم أنّ هذه البراءة توجب مقاتلة هؤلء الحكّام‪ ،‬فإنّه إن كفر الحاكم وارتدّ عن شريعة‬

‫الرحمن فإنه يُقاتل حتّى يُزال ويُقام بدلً منه رجلٌ من أهل اليمان‪ .‬وهذا هو الواجب الثاني‪.‬‬

‫فعن عبادة بن الصامت رضي ال عنه قال‪ :‬دعانا رسول اللـه صلى ال عليه وسلم فبايعناه‪،‬‬
‫فكان فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة‬

‫علينا‪ ،‬وأن ل ننازع المر أهله‪ ،‬قال‪ :‬إلّ أن تروا كفرا بواحا عندكم من اللـه فيه برهان ‪.‬‬
‫[متّفق عليه] ‪.‬‬

‫قال النووي‪ :‬قال القاضي عياض‪ :‬أجمع العلماء على أنّ المامة ل تنعقد لكافر وعلى أنّه لو‬

‫طرأ عليه كفر ينعزل‪ .‬قال‪ :‬وكذا لو ترك إقامة الصلوات والدعاء إليها‪ ...‬قال القاضي‪ :‬فلو‬
‫طرأ عليه كفر وتغيير للشرع أو بدعة خرج عن حكم الولية وسقطت طاعته ووجب على‬

‫المسلمين القيام عليه وخلعه ونصب إمام عادل إن أمكنهم ذلك‪ ،‬فإن لم يقع ذلك إلّ لطائفة وجب‬
‫عليهم القيام بخلع الكافر ول يجب في المبتدع إلّ إذا ظنّوا القدرة عليه فإنّ تحقّقوا العجز لم‬

‫يجب القيام فيها وليهاجر المسلم عن أرضه إلى غيرها ويفرّ بدينه ‪[ .‬شرح النووي على مسلم‪،‬‬

‫‪.]12/229‬‬

‫وقال ابن حجر‪ :‬قال ابن التين‪ :‬وقد أجمعوا أنّه ‪-‬أي الخليفة‪ -‬إذا دعا إلى كفر أو بدعة أنّه يُقام‬

‫عليه ‪ .‬وقال ابن حجر‪ :‬وملخّصه أنّه ينعزل بالكفر إجماعا‪ ،‬فجيب على كلّ مسلم القيام في ذلك‬
‫[فتح الباري‪.]13/123 :‬‬

‫فأنت ترى إجماع العلماء على أنّه ل يجوز للمسلم أن يرضى بحكم الكافر عليه‪ ،‬بل يجب أن‬

‫تكون العزّة للـه ولرسوله وللمؤمنين ‪-‬كما قال تعالى‪ -‬وإنّ خضوع المسلم للكافر وأحكامه هي‬

‫صور من صور الذلّة التي ل تنبغي للمؤمن‪.‬‬

‫ثمّ إعلم حفظك اللـه أنّ حكم المرتدّ في ديننا ‪-‬كما هو شأن هؤلء الحكّام‪ -‬أغلظُ وأشدّ من حكم‬
‫الكافر الصلي‪ .‬قال ابن تيمية رحمه اللـه تعالى‪ :‬وكفر الردّة أغلظ بالجماع من الكفر الصلي‬
‫[مجموع الفتاوى‪.]28/478 ،‬‬
‫‪151‬‬

‫وقال كذلك‪ :‬وقد استقرّت السنّة بأنّ عقوبة المرتدّ أعظم من عقوبة الكافر الصلي من وجوه‬
‫متعدّدة‪ ،‬منها أنّ المرتدّ يُقتل بكلّ حال ول يُضرب عليه جزية‪ ،‬ول تُعقَد له ذمّة‪ ،‬بخلف الكافر‬
‫الصلي الذي ليس هو من أهل القتال‪ ،‬فإنّه ل يُقتل عند أكثر العلماء كأبي حنيفة ومالك وأحمد‪،‬‬

‫ولهذا كان مذهب الجمهور أنّ المرتدّ يُقتل كما هو مذهب مالك والشافعي وأحمد‪ ،‬ومنها أنّ‬

‫المرتدّ ل يرث ول يناكح ول تؤكل ذبيحته‪ ،‬بخلف الكافر الصلي إلى غير ذلك من الحكام ‪.‬‬
‫[مجموع الفتاوى‪.]28/534 ،‬‬

‫وقد أنكر المام أحمد عقد الذمّة للمرتدّ‪ ،‬ففي جامع الخلل‪ :‬قال الثرم‪ :‬سمعت أبا عبداللـه‬
‫يُسأل عن الزنادقة تُؤخذ منهم الجزية؟ فأنكر ذلك‪ ،‬وقال‪ :‬ل بل تُضرب أعناقهم‪ ،‬ما سمعنا بهذا‬
‫في السلم‪ .‬ثمّ قال‪ :‬سبحان اللـه؟! تُؤخذ الجزية من الزنادقة؟ منكرا لذلك جدّا‪ ،‬قال الثرم‪:‬‬

‫وأظهر إنكار ذلك واستعظمه ‪[ .‬فقرة ‪.]1340‬‬

‫بل إنّهم رأوا في المرتدّ أن ل يُدفن‪ :‬قال إسحق بن منصور‪ :‬قلت لحمد‪ :‬المرتدّ إذا قُتل ما‬

‫يُصنع بجيفته؟ قال‪ :‬يُقال‪ :‬يُترك حيث ضُرب عنقه كأنّما كان ذاك المكان قبره‪ .‬يُعجبني هذا‪.‬‬
‫[السابق‪ ،‬فقرة ‪.]1301‬‬

‫وقال ابن تيمية‪ :‬والصدّيق رضي ال عنه وسائر الصحابة بدؤوابجهاد المرتدّين قبل جهاد الكفّار‬

‫من أهل الكتاب‪ ،‬فإنّ جهاد هؤلء حفظ لما فُتح من بلد المسلمين وأن يدخل فيه من أراد‬

‫الخروج عنه‪ ،‬وجهاد من لم يقاتلنا من المشركين وأهل الكتاب من زيادة إظهار الدين‪ ،‬وحفظ‬
‫رأس المال مقدّم على الربح ‪[ .‬مجموع الفتاوى‪.]159-35/158 ،‬‬

‫فواجب كل مسلم أن يجاهد هؤلء حتّى يخلعهم ويزيلهم عن ولية المسلمين‪ ،‬ويجب على‬

‫المسلمين جميعا أن ينشغلوا بإعداد أدوات الجهاد ما استطاعوا إلى ذلك سبيلً من أجل إعادة‬
‫سلطان المسلمين إلى هذه الرض التي فتحها المسلمون بدمائهم‪ ،‬فجاء هؤلء الحكّام الملعين‬

‫فغيّروا الملّة والدين وبدّلوا الشريعة وأعادوا سلطان المشركين إليها‪.‬‬

‫ثمّ إعلم أنّ هؤلء الحكّام مفسدون في الرض بسبب ما هم عليه من البغض لهذه المّة‪ ،‬وبسبب‬
‫حكمهم بشريعة الشيطان واللـه قد أمر المؤمنين بجهاد المفسدين في الرض‪ ،‬قال تعالى‪{ :‬إنّما‬

‫جزاء الذين يحاربون ال ورسوله ويسعون في الرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطّع‬

‫أيديهم وأرجلهم من خلف أو ينفَوا من الرض}‪[ .‬المائدة‪. ]33 :‬‬

‫‪152‬‬

‫وهؤلء الحكّام اجتمع فيهم ما تقدّم من محاربة للـه ولرسوله وذلك بالعراض عن شريعة‬
‫السلم وترك الخضوع لحكام الكتاب والسنّة والفساد في الرض‪ ،‬فالواجب أن يقوم أهل‬
‫السلم عليهم كلّ قيام حتّى تط ّهرَ الرض منهم‪.‬‬

‫وهذا المر يجب أن يكون اليوم قبل الغد‪ ،‬فإنّ كلّ يومٍ وكلّ لحظة تمرّ على أمّتنا وهم في سدّة‬

‫الحكم يزداد شرّهم وتبتعد المّة عن دين اللـه تعالى‪ ،‬وذلك أنّهم‪ ،‬مع طوائف ومؤسّسات الفساد‬

‫التي يديرونها‪ ،‬يجذّرون الفساد في المجتمعات وينشطوا بكلّ قوّتهم لن يكون هو حياة الناس‬
‫وثقافتهم وغذاؤهم‪ ،‬فليس الحكمة ما يزعم البعض بأنّ التأنّي خيرٌ من القدام في قتال هؤلء‬

‫المبدّلين والمرتدّين‪ ،‬بل الصحيح إنّه كلّما تعجّل أهل السنة والدعوة والجهاد في إزالة هؤلء‬

‫المرتدّين كلّما أحسنوا لنفسهم وأحسنوا لمّتهم‪.‬‬

‫أل ترى أيّها الحبيب ماذا تصنع وزارات العلم من بثّ سموم الزندقة‪ ،‬ومن نشر العهر‬

‫والرذيلة‪ ،‬ومن تحسين الفجور والزنا‪ ،‬ومن الدعوة إلى المذاهب الشركيّة الهدّامة من نفايات‬
‫العقول وزبالتها؟‬

‫ثمّ أل ترى ما تصنع وزارات العدل المزعوم من تحليلٍ للحرام وإباحة للفروج ومن تضييع‬
‫للحقوق وقلب المور رأسا على عقب‪ ،‬فمن هو ذلك المرء الذي يطمئنّ إلى الوصول إلى حقّه‬

‫أو دفع الظلم عن نفسه عن طريق هذه المحاكم التي تقوم عليها وزارات العدل المزعوم؟‬

‫ثمّ أل ترى المؤسّسات المالية التي تديرها الدولة يقوم كلّ أمر من أمورها على الربا المحرّم‪،‬‬
‫فل يستطيع أحد أن يحفظ ماله إلّ في البنوك الربويّة‪ ،‬ول يستطيع أن يقوم بتجارته إلّ عن‬

‫طريقها‪ ،‬ثمّ هذه القروض التي يزعمونها لتحسين معيشة الناس فهي ل تكون إلّ عن طريق‬

‫الفائدة الربويّة؟‬

‫ول تنسَ أن تنظر وتتفكّر في نظم التأمين الجباري على ضروريّات الناس في هذه الحياة‬
‫كالسيّارة وغيرها‪.‬‬

‫ثمّ أل ترى وزارة التربية والتعليم ماذا صنعت في جيل الشباب الذي تخرّج من معاهدها‬
‫ومدارسها‪ ،‬ماذا علّموه وثقّفوه وأيّ شيء من السلم اهتمّوا به لتربيته إياه وتعليمه؟‬

‫وها هي اليّام تزيد المر وضوحا وذلك بعد ما يسمّى بالسلم المزعوم مع إخوان القردة‬

‫والخنازير‪ ،‬حيث أزالوا كلّ آية أو حديث أو خبر فيه بيان عداء المسلم لعداء الملّة والدين‪،‬‬
‫وكيف بدؤوا ببثّ ما يسمّى بالتطبيع والذي هو حقيقة تدمير لعقيدة الولء والبراء والتي ل يصحّ‬
‫‪153‬‬

‫إسلم المرء إل بها كما تقدّم‪ .‬ثمّ انظر إلى بقيّة معاهد التعليم كالجامعات والمعاهد العليا‪ ،‬وقارن‬
‫بينها وبين ما أمر اللـه تعالى‪ ،‬ترى حقيقة هذه المؤسّسات والدوائر التي يفرضها هؤلء‬

‫ل وضوح وجلء‪.‬‬
‫الطواغيت وأعوانهم بك ّ‬

‫فهل بقي للمسلم عذرٌ في عدم القيام على هؤلء الحكّام وقتالهم‪ ،‬واللـه تعالى يقول‪{ :‬وقاتلوهم‬

‫حتّى ل تكون فتنة ويكون الدين كلّه ل} [النفال‪ .]39 :‬فهل الدين في بلدنا للـه‪ ،‬أم أنّه في‬
‫أغلبه لغير اللـه‪ ،‬وفيه القليل الذي يزعمون أخذه من الشريعة السلمية؟‬

‫فإذا كان بعض الدين للـه والخر لغيره وجب القتال والجهاد حتّى يكون الدين كلّه للـه‬

‫سبحانه وتعالى‪.‬‬

‫إنّنا نجاهد أيّها الخ الحبيب لنّ الجهاد هو الطريق الوحيد لعودة المّة إلى عزّتها ورفعتها‪،‬‬
‫وذلك كما قال صلى ال عليه وسلم‪ :‬إذا تبايعتم بالعينة واتّبعتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع‬

‫وترتكم الجهاد في سبيل اللـه سلّط اللـه عليكم ذلً ل يرفعه حتّى تعودوا لدينكم ‪ ،‬والدين ها‬
‫هنا هو الجهاد كما هو ظاهر من سياق وسباق الحديث‪.‬‬

‫إنّنا نجاهد لنّ الجهاد هو الحياة كما قال تعالى‪{ :‬استجيبوا ل وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم}‬
‫[النفال‪ ،]24 :‬وفسّر العلماء الحياة هنا بالجهاد‪.‬‬

‫أمّا إذا قيل لك‪ :‬اصبر‪ ،‬فاعلم أنّ الصبر على الذلّ والخزي والعار ل يرضاه اللـه للمسلمين‪،‬‬
‫فإنّ اللـه تعالى يقول‪{ :‬ول العزّة ولرسوله وللمؤمنين} [المنافقون‪ ،]8 :‬وقال تعالى‪{ :‬ولن‬
‫يجعل ال للكافرين على المؤمنين سبيلً}‪.‬‬

‫وإذا قيل لك أنّ الجهاد فتنة‪ ،‬فقل له ما قاله تعالى لمثاله‪{ :‬أل في الفتنة سقطوا وإنّ جهنّم‬

‫لمحيطة بالكافرين} [التوبة‪ ،]49 :‬وكيف يكون الجهاد فتنة وبالجهاد تُزال كلّ فتنة كما قال‬

‫تعالى‪{ :‬وقاتلوهم حتّى ل تكون فتنة}‪.‬‬

‫وإذا قيل لك إنّ الجهاد فيه الموت‪ ،‬فقل له‪ :‬ما جاهدّت إلّ لموت‪ ،‬فإنّ الموت في الجهاد شهادة‬
‫في سبيل اللـه وهذا الذي نطلب‪ .‬قال تعالى‪{ :‬من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا ال عليه‬

‫فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلً} [الحزاب‪ .]23 :‬وقال تعالى‪{ :‬ول‬
‫تحسبنّ الذين قُتلوا في سبيل ال أمواتا بل أحياءٌ عند ربّهم يرزقون} [آل عمران‪.]169 :‬‬

‫‪154‬‬

‫وإن قيل لك أنت في هذا الطريق وحدك وليس لك من معين‪ ،‬والناس في شغل عنك بأموالهم‬
‫وأهليهم‪ ،‬فقل لهم‪ :‬هذا هو شأن أهل الحقّ في كلّ زمان‪ ،‬أنّهم غرباء‪ .‬واللـه تعالى يقول‪:‬‬
‫سكَ وحرّضِ المؤمنين} [النساء‪.]84 :‬‬
‫{فقاتل في سبيل ال ل تُكّلفُ إلّ نف َ‬

‫قال المام القرطبي في تفسيرها‪ ( :‬هي أمرٌ للنبيّ بالعراض عن المنافقين وبالجدّ في القتال في‬

‫سبيل اللـه وإن لم يساعده أحد على ذلك ) ‪[ .‬الجامع لحكام القرآن‪. ]5/293 ،‬‬

‫وهذه أيّها الخ المحبّ كلمات يسيرة للتعريف بهويّتنا وتجيبك سريعا على سؤالك‪ :‬من نحن‬
‫وماذا نريد ولماذا الجهاد في سبيل اللـه‪.‬‬

‫فهلّ حملت معنا هذه المانة ولم تظلمها بعد أن علمتها؟! قال تعالى‪{ :‬وسارعوا إلى مغفرة من‬

‫ربّكم وجنّة عرضها السموات والرض أُعدّت للمتّقين} [آل عمران‪.]133 :‬‬
‫والحــــمــد ل رب الـعـــالـمــيــن‬
‫***********************‬

‫الرد على مرجئة العصر ‪:‬‬

‫حول مــرجـئة الــعــصـر‬
‫الحمد ل رب العالمين والصلة والسلم على النبي المين وعلى آله وصحبه أجمعين‪.‬‬

‫من سمة أهل البدع قديما وحديثا التدليس والكذب‪ ,‬والتلبيس والتزوير‪ ,‬وخداع النفس بالماني‬
‫الكاذبة‪ ,‬طمعا في استقرارها على باطلها‪ ،‬وترويجا للباطل بين الناس‪ ,‬خاصة جهلتهم وغمارهم‪,‬‬
‫وقد تتابعت الخبار يدفع بعضها بعضا في صور هذا التزوير من قبل أئمّة البدع القدماء‪ ,‬وما‬

‫كان من خلفهم إلّ الوفاء القبيح لهذا الفعل القبيح‪ ,‬هذا شأن أهل البدع قديما‪ ,‬ولكن المر صار‬

‫زاد ضغثا على إبالة حين صارت جرأة أهل البدع على فعل القبيح أشدّ من أسلفهم‪ ,‬فقد صار‬
‫أهل البدع في زماننا يكذبون ويُزوّرون لباطلهم‪ ,‬مع شهرتهم بالسرقة والتدليس‪.‬‬

‫صدر في الونة الخيرة كتاب (تحذير المّة من تعليقات الحلبي على أقوال الئمّة) للدكتور‬
‫محمد أبو ارحيّم‪ ,‬والكتاب يكشف مبتدع استمرأ السرقة والتّشبّع بما لم يعط‪ ,‬حتى صار علما هو‬
‫وبعض إخوانه في هذا الفن‪ ,‬كمثل سليم الهللي الذي كشف سرقته أحمد الكويتي في كتاب له‬

‫سمّاه (الكشف المثالي عن سرقات سليم الهللي) وهو كتاب مطبوع‪ ,‬وفيه عشرات المثلة من‬

‫السطو الصريح والسرقة القبيحة لكلم الخرين ونسبتها للنفس زورا وبهتانا متشبعا بما لم يعط‬
‫وهو غيض من فيض‪ .‬هذا الكتاب الذي ذكرنا أسمه (تحذير المّة) على ما فيه من بلوي‬
‫‪155‬‬

‫ومصائب من تسمية بعض شيوخ الرجاء أئمّة‪ ,‬ومن تسمية من جعل نفسه خادما للطاغوت‬
‫إماما‪ ,‬ومع إقرار كاتبه أنّه على منهج اشتراط الستحلل للتكفير في المكفّرات المُجمع عليه كما‬

‫هو مذهب غلة المرجئة الضّالة إلّ أنّ فيه ما ينبغي أنْ نكشفه للنّاس‪ .‬فأول ما يتبادر إلى الذهن‬
‫بعد أن يرى مثل هذا الكتاب أن يقول‪ :‬إنّ الخرق قد اتّسع على الرّاقع‪ ,‬وصار الكذب أكثر من‬

‫أن يستر أو يؤول‪ ,‬وصارت السرقة تقع في نور الشمس‪ ,‬فما عاد هناك متّسع من الهروب أو‬
‫السكوت أو التأويل‪ ,‬فبدأ الصراخ‪ :‬أوقفوا هذه الجرائم أو كما قال جرير‪ :‬بني حنيفة احكموا‬
‫سفهاءكم‪.‬‬

‫نعم ينبغي لعقلء هؤلء القوم ‪-‬على ما فيهم من الخطأ على ال ورسوله صلى ال عليه وسلّم‬
‫في الفهم‪ -‬ينبغي على عقلئهم أن يوقفوا سفاهة السفهاء‪ ,‬وكذب الكذابين حتى لو كانوا على‬

‫مذهبهم وطريقتهم‪ ,‬وهذا الكتاب (تحذير المّة من تعليقات الحلبي) فيما أعلم هو أول كتاب يقوله‬
‫هؤلء القوم بصوت عال‪ .‬قبل مدة ليست بالطويلة أخرج علي الحلبي كتابا سمّاه بعنوان فاقع‬

‫(فتنة التكفير) وهو تفريغ لشريط اللباني في جواب وسؤال لحدهم‪ ,‬والشكوك تدور حول هذا‬

‫النوع من السئلة إذ أنّ أغلب السائلين يرتبون السئلة على وجه يبدو للمجيب والسامع أنّها ل‬
‫تحتمل إلّ جوابا واحدا‪ ,‬فيكون السؤال مقدمة لجواب معروف‪ ,‬وعلى هذا جرت سنّة بدعة‬

‫المدخليين (أتباع ربيع المدخلي) في نشر بدعهم وضللتهم‪ ,‬وللسف أنّ المر صار أكبر من‬
‫مجرّد السئلة والجوبة ضدّ المخالفين‪ .‬بل زاد حتى صار عمالة للطاغوت‪ ,‬فإنّ هؤلء القوم‬

‫يتقربون إلى ال (فيما يزعمون) بكشف أسماء المخالفين ممّن يرى تكفير النظمة الطاغوتية‪,‬‬
‫وقد صرّح بعضهم وهو قرين علي الحلبي واسمه مراد شكري أنّه سيبقى وفيا للنظام الطاغوتي‬

‫الردني‪ ,‬وأنّه لن يتردد في كشف كل إنسان يعرف أنّه يقول بتكفير حاكم الردن‪ ,‬وقد ألّف هذا‬
‫الكذّاب كتابا سيئا سمّاه (إحكام التقرير لحكام مسألة التكفير)‪ ,‬مله وشحنه ببدعة أهل الرجاء‬

‫وبمذهبهم أنّه ل يوجد في الدنيا إلّ كفر التكذيب‪ ,‬وقد ردّ عليه أحد طلبة العلم في كتاب سمّاه‬

‫(براءة أهل السنّة من اشتراط التكذيب للخروج من الملّة وبيان أنّ هذا قول المرجئة والجهمية)‪,‬‬

‫واسم كاتبه أبوعبدالرحمن السبيعي‪.‬‬

‫وقد كشف فيه بدعة القول بهذا القصر لنواع التكفير‪ ,‬فجزاه ال خير الجزاء‪ .‬ومن عجيب أمر‬

‫هذا الرجل ‪-‬مراد شكري‪ -‬انشغاله بتأليف الكتب لثبات نسب هاشمية الطاغوت الردني‪,‬‬

‫فسبحان من وهب ومنع‪ .‬قلت‪ :‬اللباني في باب اليمان معروف قوله‪ ,‬وقد تبيّن لذي عينين أنّه‬
‫‪156‬‬

‫مع التقائه مع السلف في اللفظ بقوله‪ :‬إنّ اليمان قول وعمل‪ ,‬لكن في التفسير لهذه الكلمة هو مع‬
‫أهل الرجاء‪ ,‬بل وللمانة العلمية هو على مذهب غلة المرجئة‪ ,‬فإنّ اللباني يشترط الستحلل‬

‫في التكفير في المكفرات الصريحة‪ ,‬وقد طبق هذا المبدأ على مسألة‪ :‬ساب الرسول صلى ال‬

‫عليه وسلّم‪ ,‬حين رفض تكفير الساب حتى يتبين شرط الستحلل‪ ,‬وهو قول من سمّاهم أئمّتنا‬
‫بغلة المرجئة‪ ,‬أمّا أفراخ المرجئة فهم الذين لم يتوقفوا بتكفيره من أجل أي شرط باستثناء‬

‫(الكراه) ولكنّهم حملوا تكفيره على معنى التكذيب القلبي لنبوته‪ ,‬وهذا ما ذكره المام أحمد بن‬

‫تيمية في كتابه (الصارم المسلول على شاتم الرسول)‪ ,‬وهو أمر مشهور وصار بفضل ال تعالى‬
‫من أبجديات فهم طلبة العلم لموضوع اليمان‪ ,‬وهو المر الذي ما زال اللباني وجماعته فقط‪,‬‬

‫فقد كشف الشيخ سفر الحوالي (فكّ ال أسره من سجون الطغاة المرتدين)‪ ,‬أنّ هناك من بدأ يقول‬

‫هذا عندهم في الجزيرة كما في كتابه‪ :‬ظاهرة الرجاء‪ .‬كتاب الحلبي قذف في صدره عبارات‬

‫أشبه بطنين وقرع أهل الدعايات الكاذبة‪ ,‬طمعا في الترويج‪ ,‬وإرهابا لولئك المساكين الذين ما‬
‫زالوا يقتاتون على الشعارات والسماء دون المعاني‪ ,‬ورضوا بالتقليد وآثروا الدّعة واتباع أئمّة‬
‫الوقت الذين حاطوا بكل شيء علما كما يظنون في أئمتهم‪ .‬هكذا كتب الحلبي عنوان كتابه‪:‬‬

‫التحذير من فتنة التكفير بحوث علمية‪ ,‬ونقول عقدية‪ ,‬لعدد من علماء السلم‪ ,‬محدثين‪ ,‬وفقهاء‪,‬‬

‫ومفسرين‪ ,‬تتضمّن جوابا علميا فريدا‪ :‬للعلمة المحدّث الشيخ محمد ناصر اللباني وروجع عليه‬
‫نفسه‪ ,‬مقرا لنشرها‪ .‬وتحسب أنّ وراءه من المر العظيم والشأن الجليل ما يستحق النظر‬

‫والقراءة‪ ,‬ولكن يا حسرتنا فليس كل بيضاء شحمة‪ ,‬وإذا كان كتابا مثل هذا بكل هذا النحراف‪,‬‬
‫وكل هذا الفساد والفساد وهو بمثل هذا التقريظ والتعليق والمراجعة والهتمام فيا حسرة أمّة‬
‫محمد صلى ال عليه وسلّم‪ ,‬ويا ضياعها وهوانها‪ ,‬ويا عظيم مصيبتها‪ .‬أمّا كذب هذا العنوان‬

‫بقول الجامع والمقدم والمعلّق‪ :‬بحوث علمية‪ ,‬ونقول عقدية‪ .‬إلخ‪.‬‬

‫فوال ل ترى في هذا الزمان أكذب من هؤلء القوم‪ ,‬ول أكثر تزويرا منهم‪ ,‬ول أقلّ حياءً من‬

‫مثل هذا الذي صار علما على كلّ الرذائل‪ .‬فحسبنا ال ونعم الوكيل‪.‬‬

‫وإذا سألت عن أي شيء يتكلم هذا (المكتوب)‪ ,‬وأي تكفير يدفعه هذا (الكتيب) علمت أي جهود‬
‫تبذلها الدول الطاغوتية في نشر وترويج هذا الكتيب‪ ,‬فالكتاب يدافع عن تكفير أئمّة الكفر‬

‫والطغيان في هذا العصر أعني حكام بلدنا الذين صار كفرهم اشهر من نار على علم‪ .‬وكتاب‬
‫الحلبي هذا قام بالردّ عليه أخونا أبو محمد المقدسي في كتاب له سمّاه (تبصير العقلء بتلبيسات‬
‫‪157‬‬

‫أهل التجهّم والرجاء)‪ ,‬يقول الشيخ المقدسي فكّ ال أسره في مقدمته‪ :‬وهذه الفتوى التي نمقها‬
‫المقدّم لها وأخرجها كتابا ُقرّظ له بكلم علماء الدولة السعودية وسمّاها‪ :‬التحذير من فتنة‬

‫التكفير‪ ،‬وكان الولى أنْ يُعجم الحاء لتصير خاء ويُهمل الذال لتصير دالً‪.‬‬

‫هي في الحقيقة فتوى قديمة‪ ,‬قد طنطن حولها جهمية زماننا طنطنة كثيرة وقد طبعوها قبل مدة‪,‬‬

‫ووُزعت مجانا بعنوان‪( :‬فتنة التكفير والحاكمية) قدّم لها وزادها تخليطا وتخبيطا‪ :‬محمد بن عبد‬
‫ال الحسين وقد كشف الخ أبو محمد شيئا من كذب وتدليس علي الحلبي في كتابه هذا حيث‬

‫يقول‪ :‬ومادمنا مع ابن حزم فيطيب لي أخي القارئ قبل أن أُغادر هذا الموضع أنْ أُعرّفك بمثال‬
‫من (أمانة)!!! الحلبي ‪-‬وسيأتي مثله الكثير‪ -‬لتعرف كيف تتعامل مع كتبه ونقولته‪ .‬فقد نقل في‬
‫هامش صفحة ‪ 4‬من مقدمته عن ابن حزم قوله في تعريف الكفر‪( :‬الكفر صفة من جحد شيئا‬

‫افترض ال تعالى اليمان به بعد قيام الحجّة عليه ببلوغ الحق إليه‪ ).‬وتأمّل كيف أغلق القوس‬

‫هنا ووضع نقطة بكل جرأة مع أنّ للكلم بقية مهمّة تنقض تلبيسات الحلبي وإرجائه وهو قول‬
‫عمِلَ عملً جاء‬
‫ابن حزم بعد ذلك مباشرة‪( :‬بقلبه دون لسانه أو بلسانه دون قلبه أو بهما معا أو َ‬
‫به النص بأنّه مخرج له بذلك عن اسم اليمان) انظر الحكام ‪ .1/45‬فالذي اجتزأه الحلبي من‬

‫كلم ابن حزم تجهّم محض‪ ,‬لكنّه مع هذه الزيادة التي طواها الحلبي بأمانته!! وبترها بدقته!!‬

‫سنّة والجماعة الذي تضيق منه صدور أهل التجهّم والرجاء ولذلك فهم كما قال‬
‫هو قول أهل ال ّ‬

‫الحلبي صفحة ‪( :6‬يطوون هذه النقول ويكتمونها عن أتباعهم)!! ص ‪ 16‬بخط اليد‪ .‬وقد كشف‬

‫الخ أبو محمد تدليس الحلبي في تحقيق المسألة كما هي على أرض الواقع تحت عنوان‪ :‬خلط‬
‫مرجئة العصر بين ترك حكم ال وبين الحكم بمعناه التشريعي‪.‬‬

‫وقصد الخ أن يقول‪ :‬إنّ الواقع الذي تعيشه المّة هو تحليل ما حرّم ال وتحريم ما أحلّ ال‬
‫وليس هو كما ذكر بعض الئمّة قديما من تقسيمهم الحاكم إلى قسمين كافر وغير كافر‪ ,‬وذلك‬
‫بتركه الحكم بما أنزل ال تعالى‪.‬‬

‫ونقل قول ابن كثير رحمه ال رحمه ال تعالى‪( :‬فمن ترك التشريع المحكم المنزل على محمد‬

‫بن عبد ال خاتم النبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة فقد كفر‪ ,‬فكيف بمن تحاكم إلى‬
‫الياسق وقدّمها عليها‪ ,‬ل شكّ أنّ هذا يكفر بإجماع المسلمين)البداية والنهاية ‪13/119‬‬

‫‪158‬‬

‫وكتاب الخ أبي محمد يستحق النظّر والقراءة لما فيه من استيفاء الرد على هذا المدلس الجاهل‬
‫وهو لم يطبع بعد‪ .‬وها أنا أكشف شيئا آخر كذب فيه المدلس على ابن القيم حين قال ‪ :‬قال‬

‫العلمة ابن القيم في مختصر "مختصر الصواعق المرسلة ‪ :"12/421‬فمن جحد شيئا جاء به‬
‫الرسول صلى ال عليه وسلّم بعد معرفته بأنّه جاء به‪ ,‬فهو كافر في دقّ الدين وجلّه‪ .‬وجعل‬
‫كلم ابن القيم هذا دليلً على اشتراط المام الجحود لكل كفر هو في ديننا‪ ,‬وليس في كلمه‬

‫علِمَ طلبة العلم أنّ الجحود عند ابن القيم نوع من أنواع الكفر وليس هو الكفر‬
‫شيء من هذا‪ ,‬فقد َ‬

‫الوحيد في العالم‬

‫ثم أنّ الجحود ليس هو من أعمال القلب فقط‪ ,‬بل الجحود في القرآن الكريم لم يطلق إلّ على‬
‫قول اللسان مع تصديق القلب‪.‬قال تعالى‪( :‬وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم‪ ).‬النمل ‪.14‬‬
‫وقال تعالى‪( :‬فإنهم ل يكذبونك ولكن الظالمين بآيات ال يجحدون) النعام ‪.33‬‬

‫فال تعالى في كتابه جعل الجحود في هاتين اليتين من قول اللسان فقط مع استيقان القلب‬
‫فاحفظ هذا واهتمّ به‪ .‬وكلم ابن القيم في موطنه هو للرد على من فرّق بين العلميات والعمليات‬

‫(مثل هذا المدلس الجاهل)‪ ,‬وليرد على من جعل التكفير لجاحد الصول دوت الفروع‪ :‬باعتبار‬

‫أنّ الصول عندهم هي العقائد والفروع هي العمليات‪ .‬والن نعود إلى كتاب الدكتور محمد أبو‬
‫ارحيم إذ أنّ الكتاب فيه حسنات منها‪:‬‬

‫ـ كشف تزويرات عديدة في النقول وفي تفسير النصوص من قبل الحلبي‪.‬‬
‫ـ كشف قلة أدب الحلبي مع المحدث أحمد شاكر‪.‬‬

‫ـ الرد عن الستاذ محمد قطب وما افتراه عليه الحلبي‪.‬‬

‫ـ تحريف وتأويل كلم ابن تيمية وابن كثير ومحمد إبراهيم آل الشيخ‪.‬‬

‫ـ زيادات أشبه بزيادات المبتدعة (بل هي أختها) على كلم الئمّة‪.‬‬

‫ـ افتراءه على الئمّة في معنى تبديل الشريعة‪.‬‬

‫وها أنا أسوق لك بعض ما ذكره الدكتور أبو ارحيم في كتابه‪ ,‬وما كشفه بنفسه من صنيع هذا‬

‫المدلس الجاهل‪ :‬يقول أبو ارحيم‪ :‬زعم الحلبي أنّ شيخ السلم قد بنى الحكم بالتكفير على ثلثة‬
‫أمور‪ :‬المعرفة والعتقاد ثم الستحلل‪ ,‬فمن وجدت فيه فقد كفر وإلّ فهو جاهل‪ ,‬وقد استنبط‬
‫هذه المعرفة من قول شيخ السلم‪ ,‬فقال‪ :‬قال شيخ السلم ابن تيمية أيضا في كتابه العظيم‬

‫(منهاج السنّة ‪ :)5/131‬ول ريب أن من لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل ال على رسوله فهو‬
‫‪159‬‬

‫كافر‪ ,‬فمن استحل أن يحكم بين الناس بما يراه هو عدلً من غير أتباع لما أنزل ال فهو كافر ثم‬
‫قال بعد كلم‪" :‬فإنّ كثيرا من الناس أسلموا ولكن مع هذا ل يحكمون إلّ بالعادات الجارية لهم‬

‫التي يأمر بها المطاعون‪ ,‬فهؤلء إذا عرفوا أنه ل يجوز الحكم إل بما أنزل ال فلم يلتزموا ذلك‪,‬‬
‫بل استحلوا أن يحكموا بخلف ما أنزل ال فهم كفار‪ ,‬وإلّ كانوا جهّالً" قال الحلبي معلقا‪:‬‬

‫وكلمه رحمه ال بيّن واضح في أنه بنى الحكم على المعرفة والعتقاد ثم الستحلل‪ ,‬وأنّ عدم‬
‫وجود ذلك ل يلزم منه الكفر‪ ,‬وإنما يكون فاعله جاهلً ل كافرا‪ .‬قال أبو ارحيم في الهامش‪:‬‬

‫انظر التحذير ‪ 17-15‬ثم شرع أبو ارحيم في بيان ضلل وفساد ما قاله الحلبي وفي تقويله ابن‬
‫تيمية رحمه ال تعالى ما لم يقله وبيّن أن كلمة ابن تيمية في آخر كلمه‪" :‬وإل كانوا جهّالً" ل‬

‫تعود على المستحل وإنما تعود على الجملة الخيرة‪ ,‬فإنّ العتقاد بعدم وجوب الحكم بما أنزل‬
‫ال على رسوله مع تيقنه أنه حكم ال كاف للحكم على معتقده بالكفر وإن لم يستحل الحكم بما‬

‫أنزل ال‪.‬ثم خلص إلى قوله‪" :‬إن القاعدة التي ابتدعها علي الحلبي من كلم شيخ السلم‬

‫المتقدم‪ ,‬عاطلة باطلة‪ ,‬ويجب طردها من سجل العلماء الثلثة‪ ,‬إذ هم منها براء‪ ,‬وكلم شيخ‬

‫السلم يشهد ببراءة نفسه منها‪ ,‬لنّ من اعتقد عدم وجوب الحكم بما أنزل ال‪ ,‬بل ولو حكم بما‬

‫أنزل ال من استحل الحكم بغير ما أنزل ال مع علمه كاف للدللة على كفره ولو اعتقد وجوب‬
‫الحكم بما أنزل ال ولنّ منتهى هذه البدعة (معرفة واعتقاد ثم استحلل= كفر وإلّ فل) إلغاء‬

‫للتكفير المشروع من سجل المسلمين وإذا لم يكن هذا إرجاءً فماذا يكون؟!! انتهى كلم الدكتور‪.‬‬
‫وقد ذكر أبو ارحيم أنّ الحلبي في مناقشته معه قد اعترف بخطأ هذا الفعل والتدليس ثم تراجع‬
‫في رسالة طبعها بعد ذلك‪ ,‬وبعد مراجعة الشريط الذي هو أصل الكتاب تبيّن صحة ما ذكره‬

‫الدكتور أبو ارحيم‪.‬‬

‫ثم ذكر أبو ارحيم أخطأ الحلبي على الستاذ محمد قطب حفظه ال‪ ,‬وقد كشف الدكتور تدليس‬

‫وكذب الحلبي بأجلى صورة‪ ,‬ولول ضيق المقام لذكرتها كاملة ففيها البيان الشافي لحقيقة هذا‬
‫المدلس الجاهل‪ .‬هذا وأكثر منها تجدها في كتاب من القطع الصغير عدد صفحاته الفعلية‬

‫‪78‬صفحة والكتاب شبه تفريغ لشريطي المناظرة التي تمت بين المؤلف (أبو ارحيم) وبين علي‬

‫الحلبي‪ ,‬ولكن للشريط معاني أخرى ل توجد في الكتاب منها قول محمد شقرة (الحكم بين‬
‫الطرفين في المناظرة)‪ :‬لو غيرك فعلها يا علي لقطعت يده‪.‬‬

‫‪160‬‬

‫أقول‪ :‬وهل ل تقطع يد الحلبي في السرقة والتدليس لنه من أهل البيت ـوهو ممّن شهدوا‬
‫المواقع؟‬

‫إظهار المدورة الجاهلة لتحميل الكلم ما ل يحتمل من قبل الحلبي‬

‫لم يجد الحلبي ما يدافع به عن نفسه سوى قوله‪ :‬إنّ الكتاب قرأه اللباني وقال‪ :‬لقد تمتعت به‬
‫قلتُ‪ :‬وهذا يثبت أن أذواق بعض الناس صارت الحكم الذي يرجع إليه أتباع هذا التيار لكن‬

‫الكتاب وقع في خطأ موضوعي وهو اعتقاده أن كلم الحلبي ل يعتقده اللباني‪ ,‬وهذا خطأ‪ ,‬فإنّ‬
‫كل ما قاله الحلبي هو موافق لما يقوله اللباني في أحاديثه‪ ,‬ومحاولة (أبو ارحيم) نسبته خطأ‬

‫هذه العقائد إلى أشخاص دون بقية التباع والسلفية الجديدة خروج عن الموضوعية‪ ,‬فإنّ هذا‬

‫التيار الجديد والذي يقوده اللباني وربيع المدخلي وتنصرهما تزويرات الحلبي ومن هو على‬
‫شاكلته هو منهج أصيل وليس خطأ عارض‪ ,‬فإنّ اللباني يرى أنّه ل يوجد عمل (أي عمل)‬

‫مكفّر ومخرج من الملّة‪ ,‬حتى ساب النبي صلى ال عليه وسلّم كما تقدم‪ ,‬وإن تقريرات اللباني‬
‫في هذا الباب هي عين تقريرات مذهب المرجئة الغلة‪ ,‬وأشرطته شاهدة على ذلك‪ ,‬وللخ أبو‬

‫بصير (عبد المنعم أبو حليمة) رد رائع على شريط بعنوان (الكفر كفران) بحيث كشف فيه‬

‫خطأه في هذا الباب‪ ,‬ومن فوائده أنه يكشف طريقة اللباني الظالمة في الحِجاج والمناظرة‪ ,‬وأنه‬
‫يحل لنفسه ما يحرم على غيره‪ ,‬ويستطيع الخ المنصف أن يعرف انحراف اللباني في مسمى‬

‫اليمان وحقيقته بعد أن يطّلع على فتاوى اللباني في العقائد التي قام على طبعها هذا المدلس‬
‫الجاهل ‪-‬علي الحلبي‪ .-‬ولذلك على الكاتب (أبو ارحيم) أن يخرج من هذا التيار وأن يُعلن‬

‫براءته منه ويرتقي في النسبة إلى الرجال الوائل‪ ,‬وسيكتشف عمق ما عليه أصحاب هذا المنهج‬
‫من انحراف في باب اليمان‪ .‬لكني أقول لعل (أبو ارحيم) يعيش نفس المرحلة التي كنّا فيها‬

‫ن المنهج صار في‬
‫يوما‪ ,‬وهي محاولة الصلح من الداخل‪ ,‬ولكن قد ثبت خطأ هذا الطريق‪ ,‬إ ّ‬

‫كل عِرق ولم يعد لتقويم الشيوخ سبيل‪ ,‬فلبد من البيان‪ .‬وهذا المعنى عند (أبو ارحيم) هو الذي‬
‫جعله يكيل المدح لمحمد شقرة ويستشهد بكلمه وكلم اللباني في موضوع الحاكمية‪ ,‬لكن (أبو‬

‫ارحيم) ماذا سيفعل إذا قرأ في مجلة الفرقان الكويتية (في عددها رقم ‪ 84‬السنة التاسعة صفحة‬

‫‪ 34‬تحت عنوان فتاوى منهجية) وفيها فتوى هيئة كبار علماء آل سعود في بدعية القول بتوحيد‬
‫الحاكمية‪ ,‬هل سيخالفهم أم سيحني رأسه للعاصفة كما فعل غيره‪ .‬على كل حال‪ :‬أبو ارحيم هو‬

‫دكتور في الشريعة ويدّرسها في أحد جامعات الردن بهذه المخالفة للحلبي وبهذه الصراحة‬
‫‪161‬‬

‫سيجني ثمار عقوقه للحراس اليقظين على المنهج المبتدع‪ ,‬وما ذكره في مقدمة كتابه أنّه سيُشهَر‬
‫به وس ُيتّهم بالخارجية هو بداية الطريق لتحرير العقل من هوى البدعة والسير في ركاب‬

‫الطواغيت‪.‬‬

‫*****************‬
‫وأما عساكر السلطان فيجوز قتلهم لنهم يساعدون الحاكم على الباطل ومن باب دفع الصائل‬
‫يقول العالم المجاهد أبو محمد المقدسي ‪:‬‬

‫كشف شبهات المجادلين عن عساكر الشرك وأنصار القوانين‬
‫بسم ال الرحمن الرحيم‬

‫مقدمة الطبعة الولى‬

‫الحمد ل والصلة والسلم على رسول ال ومن واله ‪ ..‬وبعد ‪:‬‬

‫فهذه إحدى رسائل السجن كنت قد كتبتها في سجن سواقة في عام ‪1416‬هـ ‪ .‬لرد أشهر‬

‫شبهات المجادلين عن عساكر وأنصار القوانين ‪.‬‬

‫وذلك بعد أن انتشرت دعوتنا –بفضل ال تعالى‪ -‬في السجن وخارجه ‪ ،‬فقرت بذلك عيون‬
‫الموحدين ‪ ،‬وحرّت عيون الملحدين والمشركين ‪.‬‬

‫فانبرى المجادلون دونهم المخذلون عن تكفيرهم وجهادهم من جماعات التجهم والرجاء ‪،‬‬

‫يطنطنون بأمثال هذه الشبهات ‪ ،‬ويسعون للصد بها عن دعوة التوحيد ‪ ،‬والترقيع لعساكر الشرك‬

‫والتنديد ة‬

‫فقمت بكتابة هذه الوراق بأسلوب سهل يناسب المقام لتيسير الرد عليهم وعلى شبهاتهم ‪،‬‬

‫ل بفضل ال تعالى ‪،‬‬
‫وتسهيله على إخواننا المبتدئين في هذه الدعوة المباركة ة وقد تحقق ذلك فع ً‬
‫حتى كان عوام الموحدين يفحمون في هذه البواب من كانوا يفاخرون بأنهم من خريجي كليات‬

‫الشريعة ونحوها وهذا مصداق قول شيخ السلم محمد عبد الوهاب في كتابه كشف الشبهات ‪:‬‬
‫سُلهُم بِا ْل َب ّينَاتِ َفرِحُواْ ِبمَا‬
‫(وقد يكون لعداء التوحيد علوم كثيرة كما قال تعالى ( َفَلمّا جَا َء ْتهُمْ رُ ُ‬

‫س َت ْه ِزئُونَ) {‪83‬غافر} والواجب على المسلم أن يتعلم من‬
‫عِندَهُمْ مّنَ ا ْل ِعلْمِ وَحَاقَ ِبهِم مّا كَانُواْ بِهِ يَ ْ‬
‫دين ال ما يصير له سلحا يقابل به هؤلء الشياطين‪ ،‬ومن ثم ل خوف ول حزن لن ( َكيْدَ‬

‫ضعِيفا ) {‪ 76‬النساء}‬
‫ن َ‬
‫شيْطَانِ كَا َ‬
‫ال ّ‬

‫‪162‬‬

‫والعامي من الموحدين يغلب آلف من علماء المشركين كما قال تعالى ( َوإِنّ جُن َدنَا َلهُمُ ا ْلغَاِلبُونَ)‬
‫{‪173‬الصافات} فجند ال هم الغالبون بالحجة واللسان ‪ ،‬كما أنهم غالبون بالسيف والسنان)‬
‫أ‪.‬هـ مختصرا‬

‫وقد قام إخواننا في السجن آنذاك بنسخ هذه الوراق ونشرها بين السجناء على اختلف‬

‫قضاياهم ‪ ،‬كما قمنا بتسليم نسخ منها لكثير من الشرط والعساكر والضباط الذين كنا ندعوهم‬
‫إلى البراءة من شركيات قوانينهم وكفريات طواغيتهم ‪ ،‬فيلوذ كثير منهم بأمثال هذه الشبهات ‪..‬‬
‫ولم يكن في حساباتي حين كتبتها إخراجها للطباعة والنشر لوجود ما يغني عنها في كتاباتي‬

‫المفصلة في هذا الباب كـ (إمتاع النظر في كشف شبهات مرجئة العصر) ونحوه ‪..‬خصوصا‬

‫وأن هذه الورقات كتبت على وجه الختصار واعتمادا على ما في الذهن والذاكرة ‪ ،‬لفقر السجن‬
‫وشحه في الصول المطلوبة ‪..‬ثم إني فوجئت بعد أن فرّج ال عنا ‪ ،‬بأنها قد نشرت عبر‬

‫(النترنت) وصورت وتداولها كثير من الشباب لختصارها وسهولتها ‪ ..‬رغم ما فيها من‬
‫أخطاء مطبعية وبعض السقط والنقص الظاهر في بعض المواضع‪ ..‬وهو المر الذي دعاني‬

‫إلى مراجعة نسخة مطبوعة من طرف بعض الفاضل لصيانتها من السقط والخلل قدر‬
‫عَليْهِ َت َو ّك ْلتُ َوِإَليْهِ ُأنِيبُ) ‪.‬‬
‫المستطاع وإعدادها للطبع ‪َ ( ،‬ومَا َتوْفِيقِي إِلّ بِاللّهِ َ‬

‫ل المولى تبارك وتعالى أن ينفع بها ‪ ،‬وأن يثبتنا ويعيننا على نصرة دينه وحراسة شريعته‪،‬‬
‫سائ ً‬

‫وأن يستعملنا في الذب عن حرماته ‪..‬وأن يتقبل منا إنه هو السميع العليم ‪.‬وصلى ال وسلم على‬
‫نبيه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ‪.‬‬

‫صفر ‪1420‬هـ‬
‫المقدمة‬

‫الحمد ل ربّ العالمين والصلة والسلم على خاتم النبياء والمرسلين وبعد ‪.‬‬

‫فهذه شبهات طالما سمعناها تتردد على ألسنة كثير من المجادلين عن جُند الطواغيت وعساكر‬

‫القوانين حتى بلغ المر أن تلقفها منهم أولئك العساكر المشركون الذين ل يعرفون من الدين إل‬
‫السم ول من معالمه إل الرسم وصاروا يجادلون بها الموحّدين ويُمارون بها المسلمين لتسويغ‬

‫شركهم وباطلهم ونصرتهم للطاغوت الذي أمر ال أول ما أمرهم أن يجتنبوه ويكفروا به ‪.‬‬

‫ج َت ِنبُواْ الْطّاغُوتَ)) ‪ ,‬وقال سبحانه‪:‬‬
‫عبُدُواْ اللّهَ وَا ْ‬
‫قال تعالى‪َ (( :‬ولَقَدْ َب َع ْثنَا فِي كُلّ ُأمّةٍ رّسُولً أَنِ ا ْ‬

‫(( ُيرِيدُونَ أَن َيتَحَا َكمُواْ ِإلَى الطّاغُوتِ وَقَدْ ُأ ِمرُواْ أَن َيكْ ُفرُواْ بِهِ)) ‪.‬‬
‫‪163‬‬

‫غ ْيرَ الّذِي قِيلَ َلهُمْ) ‪ ,‬فبدلً من أن يكفروا به ‪ ,‬حرسوه وحموه ودافعوا‬
‫ظَلمُواْ َقوْلً َ‬
‫( َفبَدّلَ الّذِينَ َ‬
‫عنه وجادلوا دونه وصاروا له جندا محضرين وحراسا مخلصين ضحوا من أجله بمهجهم‬

‫وبذلوا في سبيله أوقاتهم وأعمارهم ‪.‬‬

‫وعندما كنا ندعو كثيرا منهم إلى التوحيد والبراءة من الشرك والتنديد كانوا يجادلون بشبه‬
‫أوحاها إليهم شياطين الجن والنس لبسوا بها الحق بالباطل والنور بالظلم ‪.‬‬

‫ضهُمْ ِإلَى َبعْضٍ‬
‫ل ْنسِ وَالْجِنّ يُوحِي َب ْع ُ‬
‫شيَاطِينَ ا ِ‬
‫ج َع ْلنَا ِلكُلّ ِن ِبيّ عَ ُدوّا َ‬
‫قال تعالى‪َ (( :‬وكَ َذِلكَ َ‬

‫صغَى ِإَليْهِ أَ ْفئِ َدةُ الّذِينَ لَ‬
‫غرُورا َوَلوْ شَاءَ َر ّبكَ مَا َف َعلُوهُ فَ َذرْهُمْ َومَا يَ ْف َترُونَ * َوِل َت ْ‬
‫خ ُرفَ الْ َقوْلِ ُ‬
‫زُ ْ‬
‫ض ْوهُ َوِليَ ْق َترِفُواْ مَا هُم مّ ْق َترِفُونَ))‪.‬‬
‫خ َرةِ َوِليَ ْر َ‬
‫ُي ْؤ ِمنُونَ بِال ِ‬

‫فبيّن ال سبحانه أنّ أفئدة الذين ل يُؤمنون بالخرة هي التي تصغي لمثل ذلك الزخرف وهي‬

‫التي ترتضي تلك الشبهات ليرقّعوا باطلهم ويستروا بها شركياتهم وليقترفوا ما هم مقترفون ‪.‬‬

‫لَلكُمْ َي ْبغُو َنكُمُ‬
‫ضعُواْ خِ َ‬
‫لوْ َ‬
‫خبَالً و َ‬
‫خرَجُواْ فِيكُم مّا زَادُوكُمْ إِلّ َ‬
‫وقال سبحانه في آية أخرى ((َلوْ َ‬

‫علِيمٌ بِالظّاِلمِينَ))‬
‫سمّاعُونَ َلهُمْ وَاللّهُ َ‬
‫الْ ِف ْتنَةَ وَفِيكُمْ َ‬

‫فبيّن ال سبحانه أنّ في صفوف المسلمين من قد يستمع لتخذيل المنافقين ولشبهات المرجفين‪.‬‬
‫لجل ذلك كلّه أحببنا أن نردّ في هذه الورقات على أشهر شبهاتهم باختصار يُناسب المحل‬

‫والمكان والزمان بحيث يكون صالحا لن يُطالعه العساكر أنفسهم وكذلك المجادلين عنهم‬
‫وغيرهم من المتأثرين بتلكم الشبهات والتي حقيقتها كما يقول الشاعر‪:‬‬
‫شبه تهافت كالزجاج تخالها‬

‫حقا وكلّ كاسرٌ مكســـور‬

‫عسى ال عز وجل أن يفتح بهذه الورقات آذانا صما وأعينا عميا وقلوبا غلفا إنه ولي ذلك‬

‫والقادر عليه ‪ ,‬وهو مولنا نعم المولى ونعم النصير ‪.‬‬
‫سجـن سـواقـة‬

‫ربيــــــــع الول ‪1416‬‬
‫من هجرة المصطفى عليه الصلة والسلم‬
‫أبــو محمــد المقــدســي‬

‫وقد ناقشنا في هذه الورقات أشهر شبهاتهم وهي ‪:‬‬
‫• عدم كفر الحكام كفر أكبر بل كفرا دون كفر‬

‫• أنهم يقولون ل إله إل ال‬
‫‪164‬‬

‫• أنّهم يُصلّون ويصومون‬
‫• من كفّر مسلما فقد كفر‬

‫• العــذر بالجــــهل‬
‫• الكراه والستضعاف والرزق والمصلحة‬

‫الشبهة الولى‬

‫عدم كفر الحكام كفرا أكبر بل كفرا دون كفر‬

‫قال المجادلون عن عساكر القوانين ‪ :‬نحن نخالفكم في الصل الذي تبنون عليه تكفير أنصار‬

‫هؤلء الحكام من مخابرات وعساكر وغيرهم إذ كفر هذه الحكومات عندنا كفر دون كفر كما‬

‫قال ابن عباس رضي ال عنه ‪.‬‬

‫وبالتالي فكل فرع تبنونه على تكفير الحكام كفرا أكبر ل يستقيم عندنا ‪.‬‬

‫فنقول‪ :‬ليس من مسألة إلّ وللناس فيها خلف لكن ل يعني ذلك تمييعها وعدم معرفة الحق فيها‪,‬‬

‫إذ ليس كل خلف معتبر ‪.‬‬

‫ل الضّلَلُ} وقال سبحانه‪َ { :‬وَلوْ كَانَ مِنْ عِندِ‬
‫والحق واحد ل يتعدد قال تعالى‪َ { :‬فمَاذَا َبعْدَ الْحَقّ إِ ّ‬
‫ختِلَفا َكثِيرا} ‪.‬‬
‫غ ْيرِ اللّهِ َلوَجَدُواْ فِيهِ ا ْ‬
‫َ‬

‫ولذلك قال العلماء أن اختلف التنوع محتمل لنه اختلف في الفروع ناتج عن اختلف في‬
‫تصحيح حديث أو تضعيفه أو بسبب عدم بلوغه للفقيه ونحو ذلك‪.‬‬

‫أما اختلف التضاد خصوصا في أهم المهمات في الدين كالشرك والتوحيد واليمان والكفر فل‬
‫يجوز ول يحل لحد أن يرضى به أو يقره أو يتخذه ذريعة وعذرا لموالة المرتدين وأهل‬

‫الشراك أو نصرتهم أو مودّتهم بل لبد من البت في هذه المسائل التي تنبني عليها أوثق عرى‬
‫اليمان ‪ ،‬والوصول إلى الحق فيها لن ال جل ذكره لم يتركنا هملً ول خلقنا عبثا سبحانه‬

‫جعُونَ } وهو سبحانه لم يفرط في الكتاب من شيء‬
‫عبَثا َوَأ ّنكُمْ ِإَل ْينَا لَ ُترْ َ‬
‫خلَ ْقنَاكُمْ َ‬
‫س ْبتُمْ َأ ّنمَا َ‬
‫{أَفَحَ ِ‬
‫شيْءٍ } فليس من خير إل ودلنا ال عليه ورغبنا فيه وليس‬
‫طنَا فِي ال ِكتَابِ مِن َ‬
‫قال تعالى‪{ :‬مّا َفرّ ْ‬

‫حيّ عَن َب ّينَةٍ} ‪.‬‬
‫حيَى مَنْ َ‬
‫من شر إل ونبّه ال عليه وحذّر منه {ّل َي ْهِلكَ مَنْ َهَلكَ عَن َب ّينَةٍ َويَ ْ‬

‫وهذا المر ـ أعني كفر هؤلء الحكام الطواغيت ـ هو عند من فقه دينه وعرف توحيده‬

‫أوضح من الشمس في رابعة النهار ولكن ليس من عجب أن يتشوش ضوء الشمس على من في‬
‫عينيه رمد‪.‬‬
‫‪165‬‬

‫ومرادنا هنا ‪ -‬إن شاء ال تعالى ‪ -‬معالجة ذلك الرمد وإزالة ذلك التشويش بمراهم التوحيد‬
‫وبإثمد من أدلة الوحيين (الكتاب والسنة) ‪.‬‬

‫فنقول‪ :‬اعلم أولً أن هؤلء الطواغيت ل يكفرون من باب واحد حتى يرد تكفيرهم بمثل هذه‬
‫الشبهة المتهافتة المبنية على القول المنسوب لبن عباس رضي ال عنه "كفر دون كفر" بل هم‬

‫يكفرون من أبواب عديدة شتى ‪:‬‬

‫• منها‪ :‬أن لشهادة التوحيد (ل إله إل ال) ركنان أصليان ل يغني أحدهما عن الخر ‪.‬‬

‫بل ل بد لقبول هذه الشهادة وصحتها التيان بهما جميعا هما‪ :‬النفي (ل إله) والثبات (إل ال)‬

‫أو كما بيّن ذلك ال تعالى ( الكفر بالطاغوت) و(اليمان بال) قال تعالى‪َ { :‬فمَنْ َيكْ ُفرْ بِالطّاغُوتِ‬
‫سكَ بِا ْل ُع ْر َوةِ ا ْل ُوثْقَى} فمن لم يجمع بين هذين الركنين فإنه لم يستمسك‬
‫س َتمْ َ‬
‫َو ْي ْؤمِن بِاللّهِ فَقَدِ ا ْ‬
‫بالعروة الوثقى ومن لم يستمسك بالعروة الوثقى فهو هالك مع الهالكين لنه ليس من جملة‬
‫الموحدين بل هو في عداد المشركين أو الكافرين‬

‫فهؤلء الحكام الذين اتخذوا مع ال أندادا مشرعين لو صدّقنا زعمهم بأنهم مؤمنون بال فإن‬

‫هذا ل يكفي للدخول في دائرة التوحيد إذ بقي الركن الخر الذي ذكره ال هنا قبل ركن‬
‫اليمان لهميته ‪ ،‬أل وهو (الكفر بالطاغوت) ‪.‬‬

‫فإيمانهم بال دون كفر بالطاغوت هو مثل إيمان قريش بال دون أن يكفروا بطواغيتهم‪.‬‬

‫ومعلوم أن هذا اليمان لم ينفع قريشا ول عصم دماءهم أو أموالهم حتى ضمّوا إليه البراءة‬

‫والكفر بطواغيتهم أما قبل ذلك ‪ ،‬فإن إيمانهم المختلط الممزوج بالشرك الظاهر لم ينفعهم ل في‬
‫ش ِركُونَ }‪.‬‬
‫أحكام الدنيا ول في أحكام الخرة قال تعالى { َومَا ُي ْؤمِنُ َأ ْك َثرُهُمْ بِاللّهِ إِلّ وَهُمْ مّ ْ‬

‫ع َمُلكَ َوَل َتكُونَنّ مِنَ‬
‫حبَطَنّ َ‬
‫ش َر ْكتَ َليَ ْ‬
‫والشرك ناقض لليمان محبط للعمال قال تعالى ‪َ( :‬لئِنْ أَ ْ‬
‫سرِينَ )‬
‫الْخَا ِ‬

‫ومعلوم أن هؤلء الحكام ل يكفرون بطواغيت الشرق والغرب ول يتبرؤون منهم بل هم بهم‬
‫ض الخصومة والنزاع وارتضوا أحكامهم الكفرية‬
‫مؤمنون تولّوهم وتحاكموا إليهم في ف ّ‬
‫وقوانينهم الدولية في ظل هيئة اللمم (المم) ومحكمتها الكفرية ( )‪.‬‬

‫وكذلك الطواغيت العربية وميثاقهم الشبيه بميثاق المم الملحدة الكافرة الدولي فهم لجميع أولئك‬
‫الطواغيت أحباب وأولياء وعبيد لم يجتنبوهم ولم يجتنبوا نصرتهم ومظاهرتهم على شركهم‪،‬‬
‫حتى يخرجوا من الشرك الذي قد ولجوا فيه ومن ثم يحكم لهم بالسلم‬
‫‪166‬‬

‫فإن كان أمر طواغيت العرب مشتبه على من في عينه رمد فإن أمر طواغيت الكفر الغربيين‬
‫والشرقيين من نصارى وبوذيين وشيوعيين وهندوس ونحوهم ل يخفى وال إل على العميان ‪،‬‬

‫ومع ذلك فهم لهم أخوة وأحباء لم يكفروا بهم بل تجمع بينهم روابط الخوة والصداقة والمودة‬
‫ويجمع بينهم ميثاق المم المتحدة!! الكفري ويحتكمون عند الخصومة إلى محكمتها الكفرية‬

‫التي مقرها في لهاي ‪.‬‬

‫فهم ما حققوا ركن التوحيد الول والمهم (الكفر بالطاغوت) حتى يكونوا مسلمين هذا إذا سلمنا‬

‫جدلً أنهم قد جاءوا بالركن الخر (اليمان بال) فكيف إذا أضيف إلى ذلك أنهم هم أنفسهم‬

‫أيضا طواغيت يُعبدون من دون ال فيشرّعون للناس من الدين ما لم يأذن به ال ويدعون الناس‬

‫ويأطرونهم أطرا ويقصرونهم قصرا على متابعة تشريعاتهم الباطلة هذه كما سيأتي ‪.‬‬
‫• ويكفرون أيضا من باب استهزائهم بدين ال تعالى وشرائعه ‪.‬‬

‫وترخيصهم لكل مستهزئ به عبر الصحافة أو الذاعة أو التلفاز وغيرها من المؤسسات‬

‫العلمية الباحية الكافرة التي حموها وحرسوها بقوانينهم وعساكرهم ‪.‬‬

‫س َت ْهزِءُونَ * لَ َت ْعتَ ِذرُواْ قَدْ كَ َف ْرتُمْ َبعْدَ‬
‫وقد قال ال تبارك وتعالى {قُلْ َأبِاللّهِ وَآيَاتِهِ َورَسُولِهِ كُنتُمْ تَ ْ‬

‫إِيمَا ِنكُمْ} ‪.‬‬

‫وهذه اليات نزلت في أناس كانوا مسلمين يصلون ويصومون ويزكون وخرجوا في غزوة من‬

‫أعظم غزوات المسلمين ومع هذا كفّرهم ال عز وجل لما صدرت منهم كلمات استهزءوا فيها‬

‫بحفظة كتاب ال‪ ,‬فكيف بأراذل الخلق الذين ل يرجون لدين ال وقارا وقد جعلوه ألعوبة وهزءا‬

‫لكل ساقط وساقطة واتخذوه وراءهم ظِهريا ‪.‬‬

‫وأعظم من ذلك كله أن ينزلوه منزلة قوانينهم وتشريعاتهم الساقطة فيصوّتوا عليه ويتشاوروا في‬
‫أوامره ونواهيه مع العلمانيين والنصارى والملحدة فهل ثم أعظم استهزاء واستخفافا من هذا؟ ‪.‬‬
‫• ويكفرون من باب توليهم للمشركين الغربيين والشرقيين ومظاهرتهم على الموحدين ‪.‬‬

‫سواء بعقد اتفاقيات النصرة (المنية) التي يتبادلون من خللها المعلومات عن الموحدين الذين‬

‫يصِفونهم بالرهابيين والصوليين‪ ،‬ويتم من خلل ذلك تسليم الموحدين والمجاهدين لعدائهم‬
‫من طواغيت البلدان الخرى ‪.‬‬

‫وقد قال ال تعالى { َومَن َي َت َوّلهُمْ مّنكُمْ َفِإنّهُ ِم ْنهُمْ} ‪.‬‬

‫‪167‬‬

‫ولجل ذلك قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في نواقض السلم "الناقض الثامن مظاهرة‬
‫المشركين ومعاونتهم على الموحدين كفر"‪.‬‬

‫وذكر حفيده الشيخ سليمان بن عبد ال في رسالته حكم موالة أهل الشراك عند قوله تعالى {َألَمْ‬
‫خرُجَنّ َم َعكُمْ‬
‫جتُمْ َلنَ ْ‬
‫خرِ ْ‬
‫خوَا ِنهِمُ الّذِينَ كَ َفرُواْ مِنْ أَهْلِ ا ْل ِكتَابِ َلئِنْ أُ ْ‬
‫َترَ ِإلَى الّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لِ ْ‬

‫شهَدُ ِإ ّنهُمْ َلكَا ِذبُونَ } إنّ هذه اليات نزلت‬
‫ص َر ّنكُمْ وَاللّهُ يَ ْ‬
‫وَلَ نُطِيعُ فيكُمْ أَحَدا َأبَدا َوإِن قُو ِت ْلتُمْ َلنَن ُ‬
‫في أناس كانوا يُظهرون السلم ويقبل منهم ذلك في الدنيا فيعامَلون معاملة المسلمين لن‬

‫المسلمين مأمورون بالخذ بالظاهر لكنهم لمّا عقدوا مع اليهود اتفاقية نصرة ضد الموحدين ‪-‬‬
‫ومع أن ال يعلم أنهم باتفاقيتهم هذه كاذبون‪ -‬فقد عقد بينهم وبين أهل الكتاب عقد الخوة‬
‫ووصفهم بأنهم إخوانهم وهذا تكفير لهم ‪ .‬وهذا معنى كلمه رحمه ال ة‬

‫فكيف بمن عقد اتفاقيات النصرة مع المشركين من عبيد القوانين الشرقيين والغربيين وحارب‬

‫الموحدين وسلّمهم إلى حكومات بلدهم فعلً ؟ ل شك أنه داخل في هذا الحكم من باب أولى‪.‬‬
‫•ويكفرون من باب ابتغائهم الديمقراطية دينا عوضا عن دين ال ‪.‬‬

‫عنْدَ الِ الِسْلمُ} والسلم دين ال الحق الذي بُعث به محمد صلى ال‬
‫فقد قال تعالى { إِنّ الدّينَ ِ‬

‫عليه وسلم وأما الديمقراطية فهي دين اخترعه اليونان ‪.‬‬

‫ل الضّلَلُ}‬
‫وهي دون شك ليست من دين ال فهي قطعا ليس من الحق { َفمَاذَا َبعْدَ الْحَقّ إِ ّ‬

‫وهؤلء القوم يُصرّحون ويُعلنون دوما مُختارين غير مُكرهين بل فخورين مسرورين بأن‬

‫الديمقراطية وليس السلم خيارهم الوحيد ‪.‬‬

‫والديمقراطية مع السلم ل يجتمعان إذ ل يقبل ال إل السلم الخالص‪ ،‬والسلم الذي هو دين‬

‫ال الخالص جعل التشريع والحكم ل وحده أما الديمقراطية فهي دين شركي كفري جعلت الحكم‬

‫والتشريع للشعب ل ل ‪ ،‬وال جلّ ذكره ل يقبل ول يرضى أن يجمع المرء بين الكفر وبين‬
‫السلم أو بين الشرك والتوحيد‪.‬‬

‫بل ل يُقبل السلم والتوحيد ول يصح إل إذا كفر المرء وتبرأ من كل دين غير دين ال‬
‫الخالص ‪.‬‬

‫خ َرةِ هُمْ كَا ِفرُونَ * وَا ّت َب ْعتُ‬
‫قال تعالى عن يوسف {ِإنّي َت َر ْكتُ ِملّةَ َقوْمٍ لّ ُي ْؤ ِمنُونَ بِاللّهِ وَهُمْ بِال ِ‬

‫شيْءٍ} ‪.‬‬
‫ش ِركَ بِاللّهِ مِن َ‬
‫ِملّةَ آبَائِـي ِإ ْبرَاهِيمَ َوإِسْحَاقَ َو َيعْقُوبَ مَا كَانَ َلنَا أَن نّ ْ‬

‫‪168‬‬

‫وقال رسول ال صلى ال عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي يرويه مسلم "من قال ل إله إل‬
‫ال وكفر بما يُعبد من دون ال حرم ماله ودمه وحسابه على ال" ‪.‬‬

‫وفي رواية عند مسلم أيضا "من وحّد ال ‪ ". . .‬الحديث ‪.‬‬

‫وليست الديان فقط هي النصرانية واليهودية بل وأيضا الشيوعية والديمقراطية ونحوها من‬

‫الملل والمذاهب الرضية الكافرة فل بد من البراءة من جميع الملل والنّحل والمذاهب الباطلة‬
‫ليقبل ال دين السلم ‪.‬‬

‫فكما أنه ل يجوز في دين ال أن يكون النسان مسلما نصرانيا أو مسلما يهوديا فكذلك ل‬

‫يرضى ال أن يكون المرء مسلما ديمقراطيا فالسلم دين ال والديمقراطية دين كفري ‪.‬‬
‫سرِينَ} ‪.‬‬
‫خ َرةِ مِنَ الْخَا ِ‬
‫غ ْيرَ الِسْلَمِ دِينا َفلَنْ يُ ْقبَلَ ِمنْهُ وَ ُهوَ فِي ال ِ‬
‫{ َومَن َي ْبتَغِ َ‬

‫هذا إذا جمعوا بين السلم والديمقراطية فكيف إذا تركوا السلم وأعرضوا عن تشريعه‬
‫وأحكامه وحدوده واختاروا الديمقراطية وحكمها وتشريعها‪.‬‬

‫•ويكفرون من باب مساواتهم لنفسهم ولربابهم المتفرقين مع ال الواحد القهار ‪.‬‬

‫بل هم في دينهم الذي يدينون به أعظم عندهم من ال فأحكام ال تُعطّل ويُضرب بها عرض‬

‫الحائط ومن عارضها أو حادّها أو حاربها أو استهزأ بها فهو حبيبهم ووليّهم يحميه قانونهم‬

‫ويكفل له حرية العتقاد وحق الحياة مع أنه في دين ال مرتد‪.‬‬

‫أما من خالف قوانينهم أو طعن في دساتيرهم أو تعرّض لربابهم المتفرقين فهو المغضوب عليه‬

‫وهو المعذّب والمسجون والمفتون ومن مظاهر ذلك ـ وهي كثيرة ‪:‬‬

‫إن سابّ ال والدين والرسول عندهم إن روجع ـ فإن المحكمة التي تحاكمه محكمة مدنية‬

‫وحكمه ل يتجاوز الشهر أو الشهرين بخلف سابّ آلهتهم المفتراة وأربابهم المتفرقين من الملك‬

‫أو وزرائه أو غيرهم من أوليائه فإنه يُحاكم في محكمة أمن الدولة وغالبا يصل حكمه إلى ثلث‬
‫سنوات ‪.‬‬

‫فهم لم يساووا أنفسهم وأربابهم بال وحسب‪ ،‬بل طغوا وعظّموها أكثر من تعظيـم ال ـ هـذا‬

‫إن كـان عندهم في الصل تعظيما ل ـ‬

‫ولقد كان شرك المشركين الوائل أنهم أحبوا أندادهم كحب ال أو ساووهم بال في التعظيم أو‬

‫حبّ‬
‫حبّو َنهُمْ كَ ُ‬
‫ن اللّهِ أَندَادا يُ ِ‬
‫التشريع أو الحكم أو العبادة قال تعالى { َومِنَ النّاسِ مَن َيتّخِذُ مِن دُو ِ‬
‫سوّيكُمْ ِب َربّ ا ْلعَاَلمِينَ } ‪.‬‬
‫اللّهِ} وقال تعالى {تَاللّهِ إِن ُكنّا لَفِي ضَلَلٍ ّمبِينٍ * إِذْ نُ َ‬
‫‪169‬‬

‫أما مشركوا زماننا فإنهم طغوا وبغوا فعظموا آلهتهم وأربابهم ورفعوهم فوق مقام ال‪ ،‬تعالى ال‬
‫عما يقولون علوا كبيرا‪.‬‬

‫وهذا أمر ل يجادل فيه إنسان يعرف واقعهم وقوانينهم ‪.‬‬
‫ت ويصدّق‬
‫وستعرف فيما يأتي أن الحاكم الحقيقي والمشرّع الصيل والرئيس عندهم الذي يب ّ‬

‫على القوانين هو ليس ال ودينه بل هو طاغوتهم وإلههم الذي يحبونه ويعظمونه أكثر من ال ‪.‬‬
‫ويغضبون له ولدينه ولحكمه ويعاقبون ويسجنون ويثورون بما ل يفعلونه إذا انتهِك دين ال‬
‫سبّت شريعته والواقع المرير الذي نعيشه أكبر شاهد وبرهان على هذا ‪.‬‬
‫وُ‬

‫•ويكفرون من باب التشريع مع ال عز وجل‪:‬‬

‫وهو شرك العصر الذي روّجوا له ودعوا الناس إليه بل شجعوهم على الدخول فيه والمشاركة‬
‫فيه وحببوه إليهم ‪.‬‬

‫وشرّعوا في دساتيرهم قوانين مضادة لدين ال وتوحيده جعلت لهم الحق في التشريع مطلقا في‬
‫جميع البواب ‪.‬‬

‫كمـا هـو نص المادة (‪ )26‬من الدستور الردني‪:‬‬

‫أ ـ السلطة التشريعية تناط بالملك وأعضاء مجلس المة‪.‬‬

‫ب ـ تمارس السلطة التشريعية صلحياتها وفقا لمواد الدستور ‪.‬‬
‫شرَعُواْ َلهُمْ مّنَ الدّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللّهُ }‬
‫ش َركَاءُ َ‬
‫وقد قال تعالى منكرا على المشركين {أَمْ َلهُمْ ُ‬
‫خ ْيرٌ أَ ِم اللّهُ ا ْلوَاحِدُ الْ َقهّارُ } وقال سبحانه عن الطاعة في‬
‫وقال عز وجل {َأَأ ْربَابٌ ّمتّ َفرّقُونَ َ‬

‫ش ِركُونَ} ‪.‬‬
‫ط ْع ُتمُوهُمْ ِإ ّنكُمْ َلمُ ْ‬
‫التشريع ولو في مسألة واحدة { َوإِنْ أَ َ‬

‫فكيف بممارسة السلطة التشريعية مُطلقا ويوضّح أنّهم قد أشركوا بال عز وجل في أبواب‬

‫التشريع شركا أكبرا بواحا‪.‬‬

‫إنّ دساتيرهم نصّت على أنّ (الشريعة السلمية مصدر رئيسي من مصادر التشريع) وهذا‬
‫يعني أنّهم ل يوحّدون ال في التشريع ‪ .‬بل للتشريع عندهم مصادر متعددة رئيسية وفرعية فما‬

‫الشريعة السلمية عندهم إل مصدر من تلكم المصادر أو بتعبير أوضح كفري‪( :‬إن اللهة‬

‫والرباب المشرعين عندهم كثيرة متعددة متفرقة منها الرئيسي ومنها الفرعي وما ال عندهم إل‬

‫إله من أولئك الرباب المتفرقين) تعالى ال عن إفكهم وعما يقولون علوا كبيرا ‪.‬‬

‫‪170‬‬

‫ومن كان عنده معرفة وخبرة في قوانينهم سيعرف أن إلههم الرئيسي الذي ل يقر قانون ول‬
‫يصدّق أو ينفذ إل بتوقيعه هو في‬

‫الحقيقة طاغوتهم سواء كان ملكا أو أميرا أو رئيسا وأن تشريعات الله الواحد الحــد‬

‫عمِـل بها في بعـض البــواب ل تنـفُذ عندهم ول تأخذ‬
‫الــذي في السـمـاء إن ُ‬

‫صفتها القانونية إل برضى وإقرار وتصديق ربهم هذا الذي في الرض تعالى ال عما يفترون‬
‫علوّا كبيرا (‪.)2‬‬

‫واعلم أن كفرهم هذا أبشع من شرك كفار قريش الذين كانوا مثل هؤلء يعدّدون اللهة‬
‫والرباب ويشركونها مع ال في العبادة‪.‬‬

‫لكن كانت عبادة أولئك سجود وركوع‪ ،‬وعبادة هؤلء طاعه في التشريع في كافة البواب وإنما‬
‫كان شرك هؤلء أبشع‪ ,‬لن مشركي قريش كانوا يجعلون ال عز وجل أعظم آلهتهم وأعلها‬

‫وأجلّها ويزعمون أنهم ما يعبدون هذه اللهة إل لتقرّبهم إلى الله العظم الذي في السماء‪ ,‬حتى‬
‫كانت تلبية بعضهم التي يهلون بها في الحج‪:‬‬

‫لبـيك اللـهم لبّيك‬

‫إل شريكا هو لـك‬

‫لـبّيك ل شـريك لـك‬
‫تمـلـكـه ومـا ملـك‬

‫أما مشركوا الدستور فإنهم وإن سلّموا بأن ال هو الرزّاق وهو محي الموتى وهو الذي ينزل‬
‫المطر من السماء وينبت الكل وهو يشفي ويهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور أو‬

‫يزوّجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما ‪،‬نعم هم يؤمنون بأنّ المر في ذلك كله له وليس‬

‫لملكهم أو أميرهم لكن التّشريع والمر والحكم النافذ عندهم فوق كل حكم وتشريع هو في‬
‫الحقيقة لمليكهم طاغوتهم أو إلههم الذي في الرض‪.‬‬

‫فهم في الشرك مثل كفار قريش إل أنهم زادوا على كفر أولئك أنهم يعظمون أمر وحكم وتشريع‬

‫آلهتهم وأربابهم المتفرقة في الرض أكثر من تعظيم ال وحكمه وتشريعه‪.‬‬

‫عمّا‬
‫فتباّ وسحقا سحقا لمن كان أشد كفرا من أبي جهل وأبي لهب {َأإِلَـهٌ مّ َع اللّهِ َتعَالَى اللّهُ َ‬

‫ش ِركُونَ}‪.‬‬
‫يُ ْ‬

‫واعلم أن أبواب شرك هؤلء القوم وكفرهم البواح عديدة وكثيرة‬

‫لو أخذنا في عدّها واستقصائها لطال بنا المقام فهم لم يتركوا نوعا من أنواع الكفر إل وقد ولغوا‬
‫فيه‪.‬‬
‫‪171‬‬

‫ولكن فيما ذُكر كفاية لمن أراد الهداية ‪.‬‬
‫أما من ختم ال على قلبه فلو انتطحت الجبال بين يديه لما انتفع أو اهتدى‪.‬‬

‫والذي نُريد أن نُعرّف الموحد به هنا أن كفر القوم ل يتوقف على باب واحد حتى يُردّ بشبهة أو‬
‫بقولة‪.‬‬

‫فالقوم قد مُلئوا شركا وكفرا إلى مشاشتهم والمهمّ هنا في هذا الموضع أن تعرف أن باب‬

‫الشراك في التشريع ليس هو باب ترك الحكم بما أنزل ال لشهوة أو لهوى أحيانا والذي يتنزل‬
‫فيه القول المنسوب لبن عباس "كفر دون كفر" ول هو الباب الذي كان الخوارج يجادلون ابن‬
‫عباس وغيره من الصحابة فيه‬

‫إذ لم يكن في زمن ابن عباس والخوارج من حكام المسلمين من يدّعي لنفسه حق التشريع مع‬
‫ال‪ ،‬ول كان فيهم من مارس التشريع ولو في مسألة واحدة إذ هذا عندهم كفرٌ بالجماع‪.‬‬

‫وابن عباس الذي يُنسب إليه قول "كفر دون كفر" هو نفسه راوي سبب نزول قوله تعالى في‬
‫طاعة المشركين ولو في قضية تشريعية واحدة ( ) {وإن أطعتموهم إنّكم لمشركون} ‪.‬‬

‫فلو كان الذي يدندن حوله الخوارج هو الحكم بمعنى التشريع لما قال فيه ابن عباس "كفر دون‬

‫كفر" ومعاذ ال أن يقول فيه ذلك وهو حبر القرآن ‪.‬‬

‫وإنما الذي كان ينتقده الخوارج هو بعض التجاوزات والجتهادات التي كانوا يرونها خاطئة‪.‬‬
‫حكَمين التي جرت في التحكيم بين جيش علي ومعاوية وما جرى فيها‬
‫ومن أمثلة ذلك قصة ال َ‬

‫ل اللّهُ‬
‫حكُم ِبمَا أَنزَ َ‬
‫حيث ثار الخوارج وقالوا حكّمتم الرجال واحتجّوا بعموم قوله تعالى { َومَن لّمْ يَ ْ‬

‫فَُأ ْولَـ ِئكَ هُمُ ا ْلكَا ِفرُونَ } وزعموا أن كل من عصى ال فقد حكم بغير ما أنزل ال وكفّروا‬

‫الحكمين ومن رضي بحكمهما وكفّروا معاوية وعلي رضي ال عنهما وكان ذلك أول‬

‫مخرجهم ‪ ،‬ولذلك سميت أول فرقهم بالمحكّمة‪ ،‬فناظرهم الصحابة ومن أكثر من ناظرهم ابن‬

‫عباس‪ ،‬وحاجّهم بأن ذلك من الصلح بين المسلمين وليس من الحكم بغير ما أنزل ال بمعناه‬
‫حكَما مّنْ‬
‫حكَما مّنْ أَ ْهلِهِ وَ َ‬
‫الكفري واستدل بقوله تعالى في الخصومة بين الزوجين {فَا ْب َعثُواْ َ‬

‫أَ ْهِلهَا} وأنه إن جاز تحكيم الرجال في الصلح بين الزوجين فمن باب أولى أنه يجوز لحقن دماء‬

‫أمة محمد صلى ال عليه وسلّم‪.‬‬

‫وناظرهم بغير ذلك من الدلة كما هو مبسوط في كتب التاريخ والفِرق ‪،‬وبيّن لهم أن هذا الباب‬

‫وإن حصلت فيه أخطاء أو تجاوزات فهو ليس من الكفر الذي يذهبون إليه وعلى هذا يُحمل ما‬
‫‪172‬‬

‫ينسب إليه من قول "كفر دون كفر" فرجع منهم خلق‪ ،‬وأصر آخرون فقاتلهم علي والصحابة‬
‫وحصل معهم ما هو معلوم في كتب التاريخ ‪.‬‬

‫فهل ما القوم فيه اليوم من التشريع مع ال واستبدال أحكام ال وابتغاء غير ال حكما ومشرعا‬

‫وغير السلم دينا ومنهجا‪.‬‬

‫هل هذا كله يا أولي اللباب من ذلك الباب الذي جرى بين الصحابة وأنكره الخوارج وجرت‬

‫فيه المناظرة حتى يصلح تنزيل ما قيل في ذلك الزمان عليه؟‪.‬‬

‫حكُم ِبمَا أَنزَلَ اللّهُ َفُأ ْولَـئِكَ هُمُ ا ْلكَا ِفرُونَ} عام يشمل‬
‫وعلى كل حال فقوله تعالى { َومَن لّمْ يَ ْ‬
‫الحكم بمعنى الجور (كفر دون كفر) والحكم بمعنى التشريع (كفر بواح) ‪.‬‬

‫ولذلك فإن السلف كانوا إذا وردت الية وأراد المستدل بها المعنى الول (الجور) أوّلوها‬
‫وحملوها على الكفر الصغر‪ ،‬وإن استدل بها على المعنى الثاني (التبديل والتشريع) أبقوها على‬
‫ظاهرها أي الكفر البواح الحقيقي ‪.‬‬

‫مع أن الصل في اليات أنها تتناول الكفر الكبر البواح الذي مارسه اليهود حين اتّفقوا‬

‫واجتمعوا وتواطئوا على أحكام غير أحكام ال ‪.‬‬

‫ولذلك قال البراء بن عازب رضي ال عنه كما في صحيح مسلم بعد أن ذكر قوله تعالى { َومَن‬

‫ل اللّهُ فَُأ ْولَـ ِئكَ هُمُ ا ْلكَا ِفرُونَ} و{الظّالمون} و{الفاسقون} قال "في الكفار كلها" ‪.‬‬
‫حكُم ِبمَا أَنزَ َ‬
‫لّمْ يَ ْ‬
‫فلو أن الخوارج أوردوها في موضعها على من شرّع أو وقع في ما وقع به اليهود لما أنكر‬

‫عليهم السلف ولبقوا الكفر فيها على حقيقته ولما أوّلوها( ) ‪.‬‬

‫لكنّ ذلك لم يكن موجودا في ذلك الزمان حتى يخوضـوا فيه‪ ,‬ولو كان موجودا لما أوردوا‬

‫عليه مثل هذه الية الظنية الدللة التي تحمل المعنيين‪ ،‬بل لوردوا نصوصا قطعية الدللة ل‬
‫شرَعُواْ َلهُمْ مّنَ الدّينِ مَا لَمْ‬
‫ش َركَاءُ َ‬
‫تحتمل إل المعنى التشريعي التبديلي كقوله تعالى {أَمْ َلهُمْ ُ‬

‫ط ْع ُتمُوهُمْ ِإ ّنكُمْ‬
‫شيَاطِينَ َليُوحُونَ ِإلَى َأ ْوِليَا ِئهِمْ ِليُجَا ِدلُوكُمْ َوإِنْ أَ َ‬
‫يَأْذَن بِ ِه اللّهُ} ‪ ,‬وقوله تعالى { َوإِنّ ال ّ‬
‫غ ْيرَ الِسْلَمِ دِينا َفلَنْ يُ ْقبَلَ‬
‫ش ِركُونَ } وقوله تعالى {أَ َفحُكمَ الجّا ِهِليّةِ َي ْبغُونَ } وقوله { َومَن َي ْبتَغِ َ‬
‫َلمُ ْ‬
‫ِمنْهُ} ‪.‬‬

‫لكنّ شيئا من هذا لم يكن موجودا عند الخلفاء في زمن الخوارج وابن عباس‪ ،‬ومن ثم فل يحل‬

‫إيراد ردّ الصحابة عليهم في ذلك المقام وتنزيله على شرك هذه الحكومات وكفرها البواح في‬
‫هذا الزمان‪.‬‬

‫‪173‬‬

‫ومن فعل ذلك فقد لبّس الحق بالباطل والنور بالظلم بل هو‪-‬ورب الكعبة‪ -‬على خطر عظيم‪،‬‬
‫لن لزم ذلك أنّ ما كان ينتقده الخوارج على الصحابة والخلفاء الرّاشدين هو من جنس شرك‬
‫هؤلء الحكام الكافرين وفي هذا تكفير للصحابة أجمعين في هذا الزمان‪.‬‬

‫ول شك أنّ من كفّرهم فإنه هو الكافر‪ ،‬لن الصحابة قد رضي ال عنهم ورضوا عنه بنص‬

‫القرآن‪.‬‬

‫ورميهم بشيء من شرك هؤلء الحكام وكفرهم تكذيب لصريح القرآن أو وصفٌ ل بأنه يرضى‬
‫عن القوم الكافرين‪ ،‬وذلك كلّه كفر‪.‬‬

‫فليحذر امرئ على دينه من هذه المهالك وليتّق ال من رمي الصحابة بالكفر والشرك ترقيعا‬

‫للطواغيت‪.‬‬

‫الشبهة الثانية‬

‫أنهم يقولون ل إله إل ال ‪:‬‬
‫قالوا ‪ :‬كيف تُكفّرون هؤلء العساكر أو أولئك المخابرات والمن الوقائي ونحوهم من أنصار‬

‫القوانين‪ ,‬ومن ثم ل تُسلّمون عليهم وتعاملـونهم معاملة الكفار مع أنّهم يشهدون أن ل إله إل ال‬
‫‪.‬‬

‫وقد أنكر رسول ال صلى ال عليه وسلم على أُسامة حكمه بالكفر على الرجـل الذي تلفّـظ‬
‫بـ ل إله إل ال ومن ثَم قتله‪ ,‬وقال له‪" :‬كيف قتلـته بعـد أن قال ل إلـه إل ال؟" ‪.‬‬

‫ل اللّهِ َف َت َب ّينُواْ وَلَ تَقُولُواْ ِلمَنْ َألْقَى‬
‫سبِي ِ‬
‫ض َر ْبتُمْ فِي َ‬
‫وال جل ذكره يقول {يَاَأ ّيهَا الّذِينَ آ َمنُواْ إِذَا َ‬
‫حيَاةِ ال ّد ْنيَا َف ِعنْدَ اللّهِ َمغَانِمُ َكثِي َرةٌ كَذِلكَ ُك ْنتُمْ مّن َقبْلُ‬
‫عرَضَ الْ َ‬
‫ستَ ُم ْؤمِنا َت ْب َتغُونَ َ‬
‫ِإَل ْيكُمُ السّلَمَ لَ ْ‬
‫خبِيرا } ‪.‬‬
‫ن اللّهَ كَانَ ِبمَا َت ْع َملُونَ َ‬
‫عَل ْيكُمْ َف َت َب ّينُواْ إِ ّ‬
‫ن اللّهُ َ‬
‫َفمَ ّ‬

‫وكذلك حديـث "من مات وهو يشهد أن ل إله إل ال دخل الجنة" ‪.‬‬

‫وحديث "البطاقة" الذي فيه أنّ رجلً يأتي يوم القيامة بتسع وتسعين سجلّ من الذنوب حتى يظن‬

‫أنه هالك توزن هذه السجلت ببطاقة عليها ل إله إل ال فترجح البطاقة ‪.‬‬

‫وكذلك الحديث المروي عن حذيفة مرفوعا قال‪" :‬يُسرى على كتاب ال في ليلة فل تبقى في‬
‫الرض منه آية وتبقى فئام من الناس ما يدرون ما صلة وما صدقة وما نُسُك يقولون هذه‬

‫الكلمة (ل إله إل ال) أدركنا آباءنا عليها فنحن نقـولها" قال صِـلَة ( )‪" :‬فما تنفعـهم ل إلـه‬
‫إل ال وهم ل يدرون ما صـلة وما صدقة وما نُسُك؟" قال حذيفة‪" :‬تنجيـهم من النـار"‪.‬‬
‫‪174‬‬

‫ونحو ذلك من الحاديث ( ) ‪.‬‬
‫والجواب من وجوه عدّة ‪:‬‬

‫ح َكمَاتٌ هُنّ أُمّ ا ْل ِكتَابِ‬
‫عَل ْيكَ ا ْل ِكتَابَ ِمنْهُ آيَاتٌ مّ ْ‬
‫أولً ‪ :‬قد قال تعالى في كتابه { ُهوَ الّذِي أَنزَلَ َ‬
‫خرُ ُمتَشَا ِبهَاتٌ فََأمّا الّذِينَ في ُقلُو ِبهِمْ َزيْغٌ َف َي ّت ِبعُونَ مَا تَشَابَهَ ِمنْهُ ا ْب ِتغَاءَ الْ ِف ْتنَةِ وَا ْب ِتغَاءَ تَ ْأوِيلِهِ َومَا‬
‫َوأُ َ‬
‫ل اللّهُ وَالرّاسِخُونَ فِي ا ْل ِعلْمِ يَقُولُونَ آ َمنّا بِهِ كُلّ مّنْ عِندِ َر ّبنَا َومَا يَ ّذ ّكرُ إِلّ ُأ ْولُواْ‬
‫َي ْعلَمُ تَ ْأوِيلَهُ إِ ّ‬
‫ل ْلبَابِ } ‪.‬‬
‫اَ‬

‫فبيّن ال عزّ وجلّ بأنه ابتلى عباده بأن جعل في الشريعة التي أنزلها إليهم آيات محكمات‬

‫وقواعد راسيات وأوامر واضحات بيّنات عليها مدار الشريعة وإليها يُردّ المر عند النزاع‬
‫والخلف‬

‫وهناك أُخر متشابهات أو ظنّية الدللة تحتمل في الذهان أكثر من معنى‪ ،‬وبيّن أنّ أهل الزّيغ‬

‫والضلل هم الذين يتّبعون المتشابه ويذرون المحكم ابتغاء تأويله عن مراد ال الذي أنزله عليه‬
‫للتلبيس وابتغاء الفتنة بين عباد ال ‪.‬‬

‫أما طريقة طلّب الحق وأهل العلم الراسخين فيه‪،‬فهي أن يردّوا المتشابه الذي يشكل عليهم إلى‬

‫المحكم الذي هو أصل الكتاب وأمّه الذي عليه مدار التأويل وإليه يُردّ الخلف ‪.‬‬

‫وقد بيّن الشاطبي في العتصام أن هذه القاعدة ليست خاصة في الكتاب الكريم وحده‪ ،‬بل هي‬

‫مطردة في السنّة النبـوية والسـيرة المحمدية ‪.‬‬

‫حيث أنّ هنــاك أحـاديث وحـوادث أعيان قيلت أو حصلت في مـناسـبات معيـنة إذا‬

‫أُخذت وحدها دون مبيّناتها كان ذلك من قبيل اتّباع المتشابه وترك المحكم ‪.‬‬

‫وكذلك أخذ العام دون مخصّصه أو المطلق دون مقيّده ‪ ،‬أو التشبّث بنص من بين طائفة من‬
‫النصوص جميعها يتناول قضية واحدة وإهمال غيره مما هو مرتبط به ذلك كله من اتباع‬
‫المتشابه وترك المحكم وهو من التقوّل على ال بغير علم وتقويل الشرع ما لم يقل به‪.‬‬
‫إذ ل بد من اليمان بكلم ال ورسوله جميعا وأخذه كله والدخول في السلم كافة ‪.‬‬

‫أما تتبّع ما يوافق الهوى فهي طريقة أهل الزيغ والضلل وهو سبب ضلل أكثر أهل الضللة ‪.‬‬
‫فالخوارج ضلّوا لما أهملوا نصوص الوعد وركّزوا على نصوص الوعيد فأخذوا قوله تعالى‬

‫ج َهنّمَ خَالِدِينَ فِيهَا َأبَدا } وهو نص عامّ يكون من المتشابه‬
‫ص اللّهَ َورَسُولَهُ َفإِنّ لَهُ نَارَ َ‬
‫{ َومَن َي ْع ِ‬

‫‪175‬‬

‫ش َركَ بِهِ َو َيغْ ِفرُ مَا‬
‫ن اللّهَ لَ َيغْ ِفرُ أَن يُ ْ‬
‫إن لم يُردّ إلى مقيّده ومبيّنه الذي أهملوه وهو قوله تعالى {إِ ّ‬
‫دُونَ َذِلكَ ِلمَن يَشَاءُ } ‪.‬‬

‫وكذلك المرجئة تمسّكوا ببعض النصوص المتقدّمة التي تبشّر من قال ل إله إل ال بالجنة‬
‫فأرجأوا العمال وأهملوها واكتفوا في الحكم بالسلم ودخول الجنة بالكلمة وحدها دون تحقيق‬

‫مقتضياتها أو التزام لوازمها ‪ ،‬وإن كان ذلك مستطاعا مقدورا عليه‪.‬‬

‫مع أن العلماء قد بيّنوا كما روى البخاري في صحيحه عن وهب بن منبّه أن "ل إله إل ال‬
‫مفتاح الجنة لكن لكل مفتاح أسنان فمن جاء بمفتاح له أسنان فتح ومن جاء بمفتاح ليس له‬

‫أسنان لم يفتح" وأسنانها هي تحقيق شروطها واجتناب نواقضها ‪.‬‬

‫إذ ل يشك عاقل عارف بحقيقة دين السلم أن المراد من ل إله إل ال هو معناها التي تتضمّنه‬
‫من نفي وإثبات‪ ,‬أما أن يتلفّظ بها دون القصد إلى معناها أو دون تحقيق مقتضاها واجتناب‬
‫نواقضها فهذا ليس هو مطلوب ال عزّ وجلّ ‪.‬‬

‫شهِدَ بِا ْلحَقّ وَهُمْ َي ْعَلمُونَ}‬
‫علَمْ َأنّهُ لَ ِإلَـهَ إِل اللّهُ } وقال سبحانه {إِلّ مَن َ‬
‫ولذلك قال سبحانه {فَا ْ‬
‫‪.‬‬

‫والحديث المذكور "من مات وهو يعلم أنّه ل إله إل ال دخل الجنة" دليل أيضا على أنّ معرفة‬

‫معنى هذه الكلمة المتضمن للتوحيد والبراءة من التنديد وقصده في الشهادة شرط لتحقيقها ولنيل‬
‫موعود ال عليها ‪.‬‬

‫وقد بوّب له النووي في صحيح مسلم (باب من مات على التوحيد دخل الجنّة) ‪.‬‬

‫فالمطلوب هو تحقيق التوحيد الذي تحويه هذه الكلمة وليس مجرد التلفّظ بها دون اجتناب‬

‫نواقضها والستسلم لحقوقها‪.‬‬

‫كما في حديث معاذ المروي في الصحيحين أن رسول ال صلى ال عليه وسلم أوصاه وعلّمه‬

‫أسلوب الدعوة لمّا بعثه إلى اليمن فقال‪" :‬فليكن أوّل ما تدعوهم إليه ل إله إل ال" وفي رواية‬

‫إلى أن يوحّدوا ال" فدلّ ذلك على أنّ المراد حقيقة الكلمة ما تنفيه وما تثبته وليس فقط اللّفظ‬
‫المجرّد من ذلك ‪.‬‬

‫وقد بيّنا لك معنى التوحيد في الوراق التي سبقت هذه والتي سمّيناها "هذان خصمان اختصموا‬
‫في ربهم" وعرفت أنه معنى (ل إله إل ال) و(العروة الوثقى) وأنّ له ركنين‪:‬‬

‫النفي والثبات ‪.‬‬
‫‪176‬‬

‫أمّا النفي فهو (ل إله) وهو الكفر بالطاغوت‪ ،‬وأمّا الثبات فهو (إل ال) وهو عبادة ال وحده‪,‬‬
‫كما بيّنه تعالى في تعريف العروة الوثقى حيث قال {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بال فقد‬

‫استمسك بالعروة الوثقى} ‪.‬حيث جعل سبحانه شرط النجاة والستمساك بالعروة الوثقى أمرين ل‬
‫انفكاك لحدهما عن الخر (الكفر بالطاغوت) و(اليمان بال)‪ ،‬ول يكفي (الكفر بالطاغوت)‬

‫وحده دون (اليمان بال)‪ ،‬كما ل ينفع (اليمان بال) وحده دون (الكفر بالطاغوت) بل لبدّ من‬

‫الجمع بين المرين ‪.‬‬

‫فما دام هؤلء العساكر أو غيرهم غير كافرين بالطاغوت بل هم حرّاسه وأنصاره وجنده‬

‫وأركانه وحفظته ‪،‬فهم ليسوا بمسلمين ول مؤمنين ول متمسّكين بالعروة الوثقى بل هم من‬

‫الهالكين إن ماتوا على شركهم‪ ،‬وإن تلفّظوا بـ(ل إله إل ال) مئات بل آلف المرات‪.‬‬

‫وكما قلنا من قبل فإنّ أتْباع مُسيلَمة الكذّاب كانوا يقولون ل إله إل ال ويصلّون ويصومون‬

‫ويشهدون أنّ محمدا رسول ال لكن أشركوا معه رجلً بالرسالة فكفروا وحلّت دماءهم وأموالهم‬
‫ولم تنفعهم ل إله إل ال بمجرد أن أشركوا مع رسول ال صلى ال عليه وسلّم رجلً من‬
‫عشيرتهم في النبوة والرسالة‪.‬‬

‫فكيف بمن أشرك مع ال ملكا أو أميرا أو رئيسا أو عالما بالعبادة‪ ..‬فصرف له أي نوع من‬

‫أنواع العبادة سواءً سجود أو ركوع أو تشريع كما هو حاصل في شرك هؤلء القوم؟! ‪.‬‬

‫وتعريف هذا المر أعني الكفر بالطاغوت مع اليمان بال ما هو إل شرط من شروط عدّة لهذه‬

‫الكلمة العظيمة (ل إله إل ال) ولقد تكلّم العلماء في شروطها وذكروا الدلّة على ذلك ليعرف‬
‫المسلم إنّها ليست بكلمة تُلفظ باللسان وكفى فذكروا الشرط المتقدم‪:‬‬
‫‪1‬ـ العلم بمقتضاها نفيـا وإثبـاتا‪.‬‬
‫‪2‬ـ النقيــاد لحقـوقها‪.‬‬

‫وذكـروا أيضا‪:‬‬

‫‪3‬ـ الصدق المنـافي للكذب‪.‬‬

‫‪4‬ـ الخلص المنافي للشرك‪.‬‬
‫‪5‬ـ اليقين المنافي للشـك‪.‬‬

‫‪6‬ـ المحبة لهذه الكلمة ولما دّلت عليه‪.‬‬
‫‪7‬ـ القبول المنافي لردّ أي شيء من لوازمها‪.‬‬
‫‪177‬‬

‫وتفصيل ذلك مبسوط في مواضعه بأدلّته ‪.‬‬
‫والمراد من ذكره هنا أن تعرف أنّ أمثال هذه الحاديث المذكورة في هذه الشبهة لها ما يُبيّنها‬
‫في النصوص الخرى من الكتاب والسنّة‪.‬‬

‫فحديث "من مات وهو يعلم أنّه ل إله إل ال دخل الجنّة" ل بدّ أن يفسّر ويُربط بقوله تعالى { َفمَنْ‬

‫سكَ بِا ْل ُع ْروَةِ ا ْل ُوثْقَى} ول بدّ أن يردّ إلى قوله تعالى {إِنّ‬
‫س َتمْ َ‬
‫َيكْ ُفرْ بِالطّاغُوتِ َو ْي ْؤمِن بِاللّهِ فَقَدِ ا ْ‬
‫ش َركَ بِهِ َو َيغْ ِفرُ مَا دُونَ َذِلكَ ِلمَن يَشَاءُ} ‪.‬‬
‫اللّهَ لَ َيغْ ِفرُ أَن يُ ْ‬

‫فلو أنّ مشركا قال "ل إله إل ال" ألف مرّة وكان يعلم معناها لكنّه لم يترك شركه ول تبرّأ من‬
‫طاغوته الذي يعبد ه وينصره ‪ ،‬فإنه لم يستمسك بالعروة الوثقى ولن يغفر ال له ولن يدخل‬
‫جنّةَ }‪.‬‬
‫علَيهِ الْ َ‬
‫حرّ َم اللّهُ َ‬
‫ش ِركْ بِاللّهِ فَقَدْ َ‬
‫الجنة‪ ،‬قال تعالى‪ِ{ :‬إنّهُ مَن يُ ْ‬

‫وهكذا يجب أن يُضاف إلى ذلك كل حديث يتكلم في الموضوع نفسه لنحيط بالموضوع من كل‬

‫جوانبه ول نكون ممّن يتّبعون ما تشابه من النصوص فيُضم إليه حديث الصحيحين‪ " :‬أشهد أن‬
‫ل إله إل ال وأنّني رسول ال ل يلقى الَ بهما عبدٌ غير شاكّ بهما إل دخل الجنة" ‪.‬‬

‫ومثله حديث‪" :‬ما من أحد شهد أن ل إله إل ال وأني رسول ال صدقا من قلبه إل حرّم ال‬
‫عليه النّار" ‪.‬‬

‫ونحو ذلك من الحاديث وبمثل هذه الطريقة يُفهم الدين ويُنال العلم ويُعرف مراد ال كما يحب‬

‫ويرضى ولذلك نقل النووي في شرح مسلم (‪)1/219‬عن بعض أهل العلم قولهم في تأويل هذه‬

‫الحاديث أنها " مجملة تحتاج إلى شرح ومعناه من قال الكلمة وأدى حقها وفريضتها وهذا قول‬

‫الحسن البصري وقيل أن ذلك لمن قالها عند الندم والتوبة ومات على ذلك وهذا هو قول‬

‫البخاري " قال النووي‪":‬هذه التأويلت إنما هي إذا حملت الحاديث على ظاهرها وأما إذا ُنزّلت‬
‫منازلها فل يشكل تأويلها على ما بينه المحققون"‪.‬‬

‫ومثل ذلك يقال في حديث "البطاقة" فالمراد ببطاقة (ل إله إل ال) كما عرفت هو تحقيق‬
‫التوحيد من اليمان بال والكفر بالطواغيت وعدم التيان بشيء من نواقضها ‪.‬‬

‫ن اللّهَ لَ َيغْ ِفرُ أَن‬
‫فبِردّ هذا الحديث وفهمه على ضوء النصوص المحكمة كقوله تعالى ‪{ :‬إِ ّ‬

‫ش َركَ بِهِ َو َيغْ ِفرُ مَا دُونَ َذِلكَ ِلمَن يَشَاءُ }‪ ،‬تعـرف أنّ السجلّت التسعة والتسعين هي قطعا‬
‫يُ ْ‬

‫ذنوب غير مكفّرة أو ذنوب دون الشـرك لن الشـرك الذي يناقض هذه البطاقة ل يغفره ال‬
‫أبدا كما في الية وصاحبه ل يدخل الجنة إن مات عليه‪ ,‬ولو أنّ في هذه السجلت ناقض من‬
‫‪178‬‬

‫النواقض لما طاشت به البطاقة ولما نجا صاحبها لنها ساعتئذٍ ل تكون بطاقة التوحيد الصحيح‬
‫بل بطاقة كلمة ودعوى منقوضة تقال باللسان دون قصد معناها أو تحقيق لوازمها ‪.‬‬

‫فلو أنّ في هذه السجلت عبادة غير ال أو التشريع مع ال أو نُصرة المشرّعين وتولّيهم أو سبّ‬
‫الدين أو حرب أوليائه َلمَا رجحت أو نفعت أو دخل صاحبها الجنّة إذ هذه كلها موانع وقواطع‬
‫تقطع وتمنع الفوز والنجاة‪ ،‬لكن السجلت ذنوب دون الشرك ‪.‬‬

‫وفي الحديث بيان أهمية وعظم كلمة التوحيد وبيان أنّ من حقّقها فأتى بها كما يحبّ ربّنا‬

‫ويرضى فإن التوحيد بعظمته يغمر جميع الذنوب والخطايا التي هي دون الشرك ويدمغها‪،‬‬
‫ويبين ذلك ويوضحه أيضا الحديث القدسي ‪" :‬يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الرض خطايا ‪ ،‬ثم‬
‫لقيتني ل تشرك بي شيئا أتيتك بقرابها مغفرة" رواه الترمذي‪.‬‬

‫وكذلك حديث حذيفة المذكور "يُسرى على كتاب ال في ليلة فل تبقى منه في الرض آية " فهو‬

‫إن صحّ يُحمل على أنّ هؤلء الناس الذين ل يعرفون من الشرائع إل هذه الكلمة محققين لمعناها‬
‫غير مشركين بال لنّ ال ل يغفر أن يشرَك به‪.‬‬

‫أمّا تركهم الصلة والصدقة والنّسك فإن كانوا موحّدين فإنهم يعذرون بذلك لنّ هذه الشرائع ل‬
‫تُعرف إل بالحجة الرسالية ‪.‬‬

‫وقد ذكر الحديث أن كتاب ال يُرفع في زمنهم فل تبقى منه في الرض آية ‪.‬‬

‫حيَ ِإَليّ هَـذَا الْ ُقرْآنُ لُن ِذ َركُمْ بِهِ َومَن‬
‫وكتاب ال هو الحجّة التي علّق ال النّذارة بها‪ ،‬فقال { َوأُو ِ‬

‫َبلَغَ} فمن بلغه القـرآن فقد قامت عليه الحجّة ومن لم يبلغه فإنه يُعذر بفـروع الشريعة لكنه ل‬
‫يُعـذر بتـرك أصل التوحيد واتّباع الشرك الصراح والتنديد ‪.‬‬

‫لن هذا أمر قد أقام ال عليه حجته البالغة من أبواب شتى كما سيأتي بعد‪.‬‬
‫وحال هؤلء إن صحّ الحديث كحال زيد بن عمرو بن نفيل الذي كان قبل بعثة النبي صلى ال‬

‫عليه وسلّم حنيفا مسلما من غير أن يأتيه نبي فإنه حقّق التوحيد وكان على ملة إبراهيم كما في‬
‫صحيح البخاري وكان يقول كما في رواية ابن إسحاق‪" :‬اللهم لو أعلم أحب الوجوه إليك لعبدتك‬
‫به‪ ،‬ولكني ل أعلمه" ‪.‬‬

‫فمثل هذا يعذر بتفاصيل الشرائع التي ل تُعرف إل عن طريق الرسل فهو ل يدري كيف‬

‫الصلة أو الزكاة ولذلك يُعذر فيهما‪.‬‬

‫‪179‬‬

‫أمّا التوحيد فل ينجو إل بتحقيقه لنه حق ال على العبيد الذي بعث من أجله كافة رسله وأقام‬
‫عليه الحجج المتنوعة ‪.‬‬

‫وهذا كله يُصار إليه إذا كانت لفظة "تنجيهم من النار" مرفوعة إلى النبي صلى ال عليه وسلّم‪.‬‬

‫لكنّ الصواب أنّها موقوفة مدرجة من قول حذيفة كما قرّره أهل العلم في الحديث ‪.‬‬

‫بل قد ذهب بعض المحققين إلى أن الحديث برمّته ل يصحّ لن فيه "أبو معاوية خازم الضرير"‬

‫مدلّس وفي مروياته عن غير العمش ضعف وقد رواه هنا من غير طريق العمش وهو فوق‬
‫ذلك رأس من رؤوس الرجاء كما ذكر الحافظ بن حجر وغيره وهذا الحديث مما يتمسك‬
‫ويستدل به المرجئة ‪.‬‬
‫وقد حذّر العلماء من قبول مرويات أهل البدع إن كانت مما ينصر بدعتهم(*)‪ ،‬وهذا الحديث‬
‫مما يستنصر به أهل الرجاء ‪ ،‬فكيف إذا انضاف إلى ذلك الضعف والتدليس؟‪.‬‬

‫أما حديث أُسامة‪ :‬فإنه في الكافر الذي يُسْلم للتّو ول يُظهر ناقض من نواقض السلم فمثل هذا‬
‫ل يحل قتله لنه دخل إلى العصمة فوجب الكف عنه حتى يأتي بناقض ‪.‬‬

‫ولذلك بوّب له النووي في صحيح مسلم (باب تحريم قتل الكافر بعد قوله ل إله إل ال) ولكن‬
‫يجب أن يُعلم أنّ هناك فرق كبير بين (ابتداء العصمة و بين استمرارها) فالعصمة تبدأ للكافر‬

‫بمجرد تلفّظه بكلمة التوحيد ولكن استمرار تلك العصمة ل يكون إل بالتزام حقوق هذه الكلمة‬
‫وخلع واجتناب نواقضها ‪.‬‬

‫فالكافر عندما يهمّ بالدخول للسلم يتلفّظ بكلمة التوحيد ومجرّد تلفّظه يعني استعداده لقبول‬

‫شرائع السلم واستسلمه لحقوقها وبراءته من نواقضها فإن لم يحقق ذلك لم تستمر العصمة‬

‫التي دخل إليها بالكلمة بل انقطعت ‪.‬‬

‫فالحديث إذا لرجل أسلم للتّو ولم يُظهر شيئا من نواقض السلم ‪.‬‬

‫وليس هو فيمن يزعم ويدعي السلم منذ دهر‪ .‬وإذا نظرت في حاله وجدته حربا على السلم‬
‫وأهله سِلما للطاغوت وأوليائه وقوانينه وباطله فهذا لو قالها مئات بل ألوف المرات لم تكن‬
‫لتنفعه حتى ينخلع عن الكفر والشرك والطاغوت الذي يعبده ويتولّه ويحرسه ‪.‬‬
‫لنّ هذا هو أهم معاني هذه الكلمة التي لم يحققها دهره كله‪.‬‬

‫‪180‬‬

‫ستَ ُم ْؤمِنا} ‪ ،‬فإنها نزلت كما في‬
‫ومثل ذلك قوله تعالى {وَلَ تَقُولُواْ ِلمَنْ َألْقَى ِإَل ْيكُمُ السّلَمَ لَ ْ‬
‫الحديث الذي يبيّن سبب نزولها في مجموعة من الصحابة مرّوا برجل معه غنيّمة فسلم عليهم‬

‫وأظهر السلم ولم يُظهر شيئا من نواقضه ومع هذا فعلوا معه كما فعل أسامة فقتلوه بحجة أنّه‬
‫قالها خوفا منهم وأخذوا غنمه ‪.‬‬

‫فأنكر ال تعالى عليهم ذلك في القرآن إذِ الواجب فيمن أظهر لنا السلم أن نعامله بظاهره ما لم‬
‫يُظهر لنا خلف ذلك ‪.‬‬

‫فإن تبيّن لنا بعد ذلك أنه يُظهر السلم ودين آخـر كفـري ولم يبـرأ منه ـ كالديمقـراطية‬

‫ـ مثلً ـ أو موالة القوانين الوضعية ـ لم نقبل منه حتى يبرأ من ذلك كله ويُخلص دينه ل‬

‫رب العالمين ‪.‬‬

‫ولذلك قال سبحانه قبل ذلك وبعده {ف َت َب ّينُوا}‪.‬‬
‫الشبهة الثالثة‬

‫أنّهم يُصلّون ويصومون ‪:‬‬

‫قالوا ‪ :‬كيف تكفرون عساكر القانون وأنصار الدستور وبعضهم يصلّي ويصوم ويحج‪ ,‬وربما‬

‫ذكروا حديث مسلم الذي فيه ذكر أمراء الجور‪ ،‬ومنه قول الصحابة‪ :‬أفل نقاتلهم يا رسول ال؟‬
‫قال‪" :‬ل‪ ,‬ما أقاموا فيكم الصلة" ‪.‬‬

‫ومثل ذلك حديث ذي الخويصرة الذي تكلّم في قسمة النبي صلى ال عليه وسلم فقال خالد بن‬

‫الوليد‪ :‬أل أقتله؟ فقال النبي صلى ال عليه وسلم‪" :‬أليس يصلّي؟ أما إني لم أؤمر بقتل المصلين"‬
‫وفي رواية "يتحدث الناس محمد يقتل أصحابه " ‪.‬‬

‫الجواب نقول ‪ :‬لقد علمت أنّ دين ال الذي بعث ال به كافّة رسله هو التوحيد‪.‬‬
‫ول بد أن تعلم أنّ هذا التوحيد هو شرط رئيس من شروط قبول العمل والعبادة‪.‬‬

‫فالعمل ل يكون خالصا متقبلً إل بتحقيق هذا الشرط مع الشرط الخر الذي هو المتابعة ( أن‬

‫يكون العمل موافقا لما جاء به النبي صلى ال عليه وسلم) والشرط هو ما يلزم من عدمه عدم‬
‫العبادة وبطلنها ‪.‬‬

‫ولذلك فقد ذكر ال عزّ وجلّ أعمالً كثيرة للكفار والمشركين لكنه بيّن سبحانه أنّه ل يتقبّلها بل‬
‫يجعلها هباءً منثورا لنّها فقدت شرط الخلص والتوحيد‪.‬‬

‫‪181‬‬

‫قال تعالى {والذين كفروا أعمالهم كسرابٍ بقيعة يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئا‬
‫ووجد الَ عنده فوفّاه حسابه} ‪.‬‬

‫وفي الحديث القدسي الذي يرويه النبي صلى ال عليه وسلم عن ربه‪" :‬أنا أغنى الشركاء عن‬
‫الشرك من عمل عملً أشرك به معي غيري تركته وشركه" وهذا يستدلّ به العلماء على الشرك‬

‫الصغر فيدخل فيه الكبر من باب أولى‪.‬‬

‫فالشاهد من هذا كله أن التوحيد شرط في صحة الصلة وفي قبولها ‪.‬‬

‫والدخول للسلم إنما يكون من باب التوحيد (ل إله إل ال) وليس من باب الصلة أو غيرها‬
‫من العبادات دون تحقيق للتوحيد‪ ،‬وإنما يحكم أهل العلم للمصلي بالسلم لتضمن الصلة‬

‫للتوحيد ‪ ،‬ولن التوحيد شرط صحتها وقبولها ‪.‬‬

‫فمن جاء بصلة أوصيام أو زكاة من غير أن يحقق التوحيد بركنيه (اليمان بال) و(الكفر‬

‫بالطاغوت) فإن أعماله جميعها باطلة وليس صلته فقط‪.‬‬

‫فمن صلى وهو مظهر للشرك غير مجتنب لعبادة الطواغيت ونصرتهم لم تقبل صلته ولم‬
‫تدخله في دائرة السلم ول أخرجته من دائرة الشراك‪.‬‬

‫سرِينَ }‬
‫ع َمُلكَ َوَل َتكُونَنّ مِنَ الْخَا ِ‬
‫حبَطَنّ َ‬
‫ش َر ْكتَ َليَ ْ‬
‫ومن أوضح الدلّة على ذلك قوله تعالى {َلئِنْ أَ ْ‬

‫ع ْنهُمْ مّا كَانُواْ َي ْع َملُونَ } ‪ 188‬النعام‪.‬‬
‫حبِطَ َ‬
‫ش َركُواْ لَ َ‬
‫وكذلك قوله تعالى { َوَلوْ أَ ْ‬

‫فاجتناب الشرك بال تعالى بترك عبادة الطواغيت وخلع متابعتهم على تشريعاتهم أعظم شروط‬

‫قبول العمل وهو أول فرض افترضه ال تعالى على عباده وأمرهم به وبدونه تحبط العمال‪.‬‬

‫وهؤلء العساكر بدلً من أن يستجيبوا لمر ال تعالى بالكفر بالطاغوت {وَقَدْ ُأ ِمرُواْ أَن َيكْ ُفرُواْ‬
‫بِهِ} وبدّلوا قولً غير الذي قيل لهم‪ ,‬فحرسوه وحموه ونصروه واتّبعوه ونصروا تشريعاته‬
‫وقانونه الكفري‪.‬‬

‫ولذلك ل تقبل منهم صلة ول صيام ول غيره من العمال ما داموا لم يحققوا شرط قبولها‪.‬‬
‫أرأيت لو أنّ هذا العسكري أو ذلك الضابط أو الجاسوس أو المن الوقائي أو المخابرات أو‬

‫غيرهم صلّوا صلة من غير وضوء‪ ،‬ترى صلة أحدهم مقبولة عند ال تعالى ؟ أم هي باطلة‬
‫مردودة على وجهه؟‪.‬‬

‫ن الصلة بغير‬
‫لعلك تقول هذا أمر ل يختلف فيه شخصان ول ينتطح فيه عنزان ل شك أ ّ‬
‫وضوء باطلة مردودة‪.‬‬
‫‪182‬‬

‫فتأمّل هذا الموضع يا عبد ال إذا كان ترك الطهارة مبطل للصلة لنه شرط في صحتها‪،‬‬
‫فكيـف بترك التوحيـد والكفر بالطواغيت الذي هو أعظم شروط قبول العمال؟‪.‬‬

‫ولذلك فهو الشرط والمر الذي أوجب ال على ابن آدم تعلمه والعمل به قبل تعلم الصلة‬
‫وشروطها والطهارة وشروطها ونواقضها‪.‬‬

‫وهو الشرط الذي فرض على الصحابة في مكة قبل فرض الصلة وغيرها ‪ ،‬ومعلوم أن‬
‫الصحابة ما عُذّبوا في مكّة ول ابتُلوا وهاجروا وأوذوا إل من أجله إذ لم يعذبهم قومهم ول‬

‫آذوهم لجل الصلة أو الزكاة أو غيرها من الطاعات والشرائع التي لم تكن قد فرضت ول‬

‫طولبوا بها بعد وإنما طولبوا أول ما طولبوا بتحقيق ذلك المر العظيم لن تلك العبادات ل تقبل‬
‫بدونه ولذلك لم يكن من أمر الرسول صلى ال عليه وسلم ول من طريقة دعوته هو وأصحابه‬
‫أن يبدأوا في دعوة المشركين بالصلة أو بالزكاة أو نحوها من الشرائع قبل دعوتهم لتحقيق‬
‫التوحيد واجتناب عبادة الطواغيت ‪ ،‬ل وال ما كانت هذه دعوتهم أبدا‪.‬‬

‫وتأمل حديث معاذ بن جبل في الصحيحين حين بعثه الرسول صلى ال عليه وسلم إلى اليمن‬

‫وعلّمه أسلوب الدعوة وطريقتها قال‪" :‬فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن ل إله إل ال" ‪.‬‬

‫علِمهم أنّ ال قد افترض عليهم خمس‬
‫وفي رواية "إلى أن يوحدوا ال" "فإن هم أطاعوك لذلك فأ ْ‬

‫صلوات في اليوم والليلة فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أنّ ال قد أوجب عليهم في أموالهم‬
‫صدقة تؤخذ من أغنيائهم فتردّ إلى فقرائهم‪ . . .‬الحديث" ‪.‬‬

‫فدعوة النسان إلى السلم ابتداءً ل تكون من الصلة بل من التوحيد‪.‬‬

‫ثم يؤمر إن حقق التوحيد بالصلة والزكاة وسائر الركان ‪.‬‬

‫فمن حقّق التوحيد واعتصم بالعروة الوثقى نجى وقُبلت منه الصلة وسائر الركان ومن تمسّك‬

‫بشرائع وأركان السلم دون أن يتمسّك بالعروة الوثقى فهو من جملة الهالكين ‪.‬‬

‫لن ال لم يضمن لشيء من عرى السلم اليمان أن ل تنفصم إل إذا انضمّت إليها وارتبطت‬

‫بها هذه العروة الوثقى التي ضمن سبحانه أن ل تنفصم قال تعالى {لَ ِإ ْكرَاهَ فِي الدّينِ قَد ّت َبيّنَ‬

‫سكَ بِا ْل ُع ْر َوةِ ا ْل ُوثْقَى لَ انفِصَامَ َلهَا‬
‫س َتمْ َ‬
‫الرّشْدُ مِنَ ا ْلغَيّ َفمَنْ َيكْ ُفرْ بِالطّاغُوتِ َو ْي ْؤمِن بِاللّهِ فَقَدِ ا ْ‬
‫علِيمٌ }‪ 256‬البقرة‪.‬‬
‫سمِيعٌ َ‬
‫وَاللّهُ َ‬

‫لذك فإنّ كثيرا ممن نصبوا بالعبادة في الدنيا تردّ عبادتهم على وجوههم يوم القيامة ويكون‬

‫صبَةٌ } أي في العبادة ثم مصيرها‪:‬‬
‫شعَةٌ * عَا ِملَةٌ نّا ِ‬
‫مصيرهم النار‪ ،‬قال تعالى {وُجُوهٌ َي ْو َمئِذٍ خَا ِ‬
‫‪183‬‬

‫{ َتصْلَى نَارا حَا ِميَةً } لن عبادتها وصلتها وتعبها ونصبها كان هبا ًء منثورا‪ ،‬لنه بغير توحيد‬
‫وإخلص فإذا فهمت هذا وعلمت أنه قاعدة من قواعد دين المسلمين وأصل محكم من أصولهم‬

‫يُردّ إليه كل ما تشابه من النصوص فا ْفهَم على ضوئه بعد ذلك كل حديث يشكل عليك في هذه‬
‫البواب‪.‬‬

‫ومن ذلك حديث مسلم المتقدم في شأن المراء ونهي النبي صلى ال عليه وسلم عن قتالهم ما‬
‫أقاموا فينا الصلة فهو إشارة إلى إقامة الدين والتوحيد مع الصلة وليس المقصود إقامة الصلة‬

‫وحدها بغير توحيد!! بدليل أنّ المر بالقتال كما في الحاديث الخرى المبيّنة لهذا الحديث يذكر‬

‫أول ما يذكر فيها قبل الصلة والزكاة‪( :‬تحقيق التوحيد) كما في الحديث المتفق عليه "أُمرت أنْ‬
‫أُقاتل الناس حتى يشهدوا أن ل إله إل ال وأنّ محمدا رسول ال ويقيموا الصلة ويؤتوا الزكاة‬
‫فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إل بحقّها وحسابهم على ال"‪.‬‬

‫فتأمّل ذكر التوحيد وأنّ القتال ابتداءا عليه‪ ،‬ومن ثم على حقوقه ولوازمه‪.‬‬

‫سبِيَلهُمْ} ‪.‬‬
‫خلّواْ َ‬
‫لةَ وَآ َت ُو ْا ال ّزكَاةَ فَ َ‬
‫وهذا معنى قوله تعالى {فَإِن تَابُواْ َوأَقَامُو ْا الصّ َ‬

‫فإن تابوا‪ :‬أي من الشرك والكفر وخلعوا عبادة غير ال وحقّقوا التوحيد ومن ثم أقاموا الصلة‬

‫وآتوا الزكاة فقد عُصمت دماؤهم وأموالهم إل بحقّها‪.‬‬

‫أما إقامة الصلة دون التوبة من الشرك ودون التوحيد أو إقامة الصلة مع نواقض ل إله إل ال‬
‫فل تغني من ال شيئا‪ ،‬وكم من مصلّ في زمن رسول ال صلى ال عليه وسلم كفر وارتدّ بكلمة‬

‫‪.‬‬

‫من نواقض هذا التوحيد العظيم ومن أمثلة ذلك ما قدّمناه لك في النّفر الذين خرجوا مع رسول‬

‫ال صلى ال عليه وسلم مجاهدين في غزوة تبوك وهم من المصلّين ومع ذلك كفروا لمّا جاءوا‬
‫بناقض من نواقض التوحيد والسلم‪ ،‬هو استهزائهم بحفظة كتاب ال قال تعالى {لَ َت ْعتَ ِذرُواْ قَدْ‬

‫كَ َف ْرتُمْ َبعْدَ إِيمَا ِنكُمْ} وكانوا يصلّون ‪.‬‬

‫وعلى مثل هذا مضى علماء المسلمين ولذلك جعلوا في كتب الفقه بابا يسمى (باب حكم المرتدّ)‬
‫وعرّفوه بأنه المسلم الذي يرتدّ بقول أو عمل أو اعتقاد بعد إسلمه وربما يكون مصليا‪.‬‬

‫ولذلك أفتى شيخ السلم ابن تيمية رحمه ال بكفر عبيد الياسق وهو دستور أو قانون التتار في‬
‫زمنه كما أفتى بكفر أنصارهم وعساكرهم مع أن فيهم من كان يصلّي‪ ,‬وراجع المجلد ‪ 28‬من‬
‫فتاواه ‪.‬‬
‫‪184‬‬

‫ومثل ذلك كله يقال في حديث ذي الخويصرة فقوله "أليس يصلي؟" أو "لعله أن يكون يصلي" ‪.‬‬
‫فيه قاعدة الخذ بالظاهر والعلنية وترك السريرة إلى ال وأنّ ذلك الرجل كان يُظهر التوحيد‬

‫لن القاعدة التي عرفتها فيما تقدم تقرّر أنّه ل قبول للصلة وحدها دون التوحيد ‪ .‬فلو أنّ هذا‬
‫الرجل كان يعبد الطاغوت أو ينصره أو يقبل غير ال مشرعا وحكما ويُظهـر ذلك لماَ قبل منه‬

‫رسول ال صلى ال عليه وسلم السلم بالصلة وحدها ( ) ‪.‬‬

‫فمن الفوائد المستفادة من هذا الحديث وأمثاله أننا نعصم دم ومال كل من بصلي إلى قبلتنا ونعده‬

‫من أهل القبلة المسلمين لتضمن الصلة للتوحيد ‪ ،‬ما لم يظهر منه ناقض أو قاطع من قواطع‬
‫السلم الظاهرة البينة ‪..‬‬

‫وأنصار القانون قد أظهروا تولي الشرك (القانون وأهله ) وظاهروهم على الموحدين ‪ ،‬وهذا‬
‫ناقض ظاهر من نواقض السلم فلم ينفعهم إظهارهم للصلة مع تلبسهم بتلك النواقض ولم يغن‬

‫ذلك عنهم شيئا ‪.‬‬
‫الشبهة الرابعة‬

‫من كفّر مسلما فقد كفر‪:‬‬
‫قال المجادلون عن عساكر القوانين ‪ :‬إنّ التكفير أمر خطير لنّ رسول ال صلى ال عليه وسلّم‬

‫قد قال‪" :‬من كفّر مسلما فقد كفر" بل سمعنا بعض جهّالهم يقول‪ :‬ل يجوز تكفير إل من وُلد‬
‫كافرا من أبوين كافرين‪.‬‬

‫الجواب نقول ‪ :‬ليس التكفير على إطلقه أمر خطير ومذموم‪.‬‬
‫ولكن تكفير المسلم بمجرّد الهوى وبمحض العصبية دون دليل شرعي هو المذموم والخطير ‪.‬‬
‫وليس كل الكفر مذموم كما أنه ليس كل اليمان ممدوح ‪.‬‬

‫فمن اليمان ما هو واجب كاليمان بال ومنه ما هو محرّم وشرك كاليمان بالطاغوت ‪.‬‬

‫وكذلك الكفر منه ما هو واجب وممدوح كالكفر بالطاغوت ومنه ما هو مذموم كالكفر بال وآياته‬
‫ودينه ‪.‬‬

‫وأيضا كما أن تكفير المسلم دون دليل شرعي أمر خطير‪ ،‬فكذلك الحكم على المشرك أو الكافر‬
‫بالسلم وعصمة الدم وإدخاله بالتالي في الخوة السلمية والموالة اليمانية أمر خطير وفساد‬

‫كبير ‪.‬‬

‫لرْضِ وَفَسَادٌ َكبِيرٌ}‪.‬‬
‫ضهُمْ َأ ْوِليَاءُ َبعْضٍ إِلّ تَ ْف َعلُوهُ َتكُنْ ِف ْتنَةٌ فِي ا َ‬
‫قال تعالى {وَالّذينَ كَ َفرُواْ َب ْع ُ‬
‫‪185‬‬

‫أمّا الحديث المذكور فلم يصح عن النبي صلى ال عليه وسلّم بهذا اللفظ أبدا فليس كل من كفّر‬
‫مسلما يكفر خصوصا إذا كان ذلك المسلم قد أتى "بما سمّاه ال ورسوله كفرا" ‪.‬‬

‫ومفهوم هذا اللفظ أن المسلم ل يكفر أبدا وهذا منقوض بقوله تعالى عن أُناس كانوا يُظهرون‬
‫علَى أَ ْدبَارِهِمْ مّن َبعْدِ‬
‫السلم {لَ َت ْعتَ ِذرُواْ قَدْ كَ َف ْرتُمْ َبعْدَ إِيمَا ِنكُمْ} وقوله سبحانه {إِنّ الّذِينَ ا ْرتَدّواْ َ‬

‫سوّلَ َلهُمْ َوَأ ْملَى َلهُمْ} ‪ ،‬وقوله عزّ وجلّ {يَأ ّيهَا الّذِينَ آ َمنُواْ مَن َي ْرتَدّ‬
‫شيْطَانُ َ‬
‫مَا َت َبيّنَ َلهُمُ ا ْلهُدَى ال ّ‬
‫علَى ا ْلكَا ِفرِينَ‬
‫عزّةٍ َ‬
‫علَى ا ْل ُم ْؤ ِمنِينَ أَ ِ‬
‫حبّونَهُ أَ ِذلّةٍ َ‬
‫ح ّبهُمْ َويُ ِ‬
‫س ْوفَ يَ ْأتِي اللّهُ بِ َقوْمٍ يُ ِ‬
‫مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَ َ‬

‫علِيمٌ}‬
‫ل اللّهِ وَلَ يَخَافُونَ َل ْومَةَ لئِمٍ ذِلكَ َفضْلُ اللّهِ ُي ْؤتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ َ‬
‫سبِي ِ‬
‫يُجَاهِدُونَ فِي َ‬
‫ونحوها من اليات ‪.‬‬

‫وإذا كان المسلم ل يكفر أو يرتدّ أبدا فما فائدة أحكام المرتدّ التي ُدوّنت في كتب الفقه السلمي‪.‬‬
‫ومنها قول النبي صلى ال عليه وسلّم "من بدّل دينه فاقتلوه" ‪.‬‬

‫وإنّما لفظ الحديث في صحيح مسلم "من قال لخيه المسلم يا كافر فإن كان كذلك وإل حار عليه"‬
‫‪.‬‬

‫وقوله "فإن كان كذلك" دالّ على جواز التكفير للمسلم الذي يظهر فيه كفر وتنتفي في حقه موانع‬
‫التكفير أي إنْ كان كذلك فل حرج‪.‬‬

‫"وإل حار عليه" أي‪ :‬رجع عليه تكفيره إن لم يكن من كفره قد كفر‪.‬‬

‫ولذلك فإن من كفّر مسلما ظهر منه شيء من الكفر فإنه ل يكفر حتى وإن كان حكمه لم يوافق‬
‫الصواب لقيام مانع من موانع التكفير لم يطّلع عليه بل إذا كان تكفيره له غضبا لدين ال‬

‫ومحارمه ‪ ،‬فإنه مأجور على ذلك كما حصل مع الفاروق رضي ال عنه عندما قال للنبي صلى‬

‫ال عليه وسلّم "دعني أضرب عنق هذا المنافق" يعني بذلك (حاطِب) ‪.‬‬

‫ن النبي صلى ال عليه وسلّم بيّن أنّ حاطب لم يكفر إل أنّه لم يقل لعمر ـ لقد حار عليك‬
‫فمع أ ّ‬

‫الكفر لنّك كفّرت مسلما واستحللت دمه ومن كفّر مسلما فقد كفـر كما يزعم هؤلء‍!!‬

‫وقد أشار ابن القيم ـ رحمه ال تعالى ـ في زاد المعاد إلى هذا المعنى عند ذكره الفوائد‬

‫المستفادة من قصة حاطب بن أبي بلتعة في فتح مكة ‪.‬‬

‫ف ُعلِم أنّ الذي يُذمّ‪ ,‬وهو على أمر خطير إنما هو من كفّر مسلما لمحض الهوى والعصبية‬

‫والحزبية‬

‫‪186‬‬

‫ويجب أن يعرف الموحّد لمزيد من الفائدة أنّ هذا الحديث مُؤوّل عند العلماء على وجوه عدّة‬
‫أحدها‪ :‬أنّه من وصف دين المسلمين والتوحيد بأنه كفر فقد كفر‪.‬‬

‫ووجه آخر‪ :‬حملوه على من استهان واستهتر بتكفير المسلمين فإنّ ذلك قد يؤدّي به إلى الكفر‬

‫وغير ذلك من التّأويلت‪.‬‬

‫وقد ذكر النووي منها في شرح صحيح مسلم عدة أوجه‪.‬‬

‫وإنّما اضطروا إلى تأويله وفهمه على ضوء غيره من النصوص‪ ،‬لن ظاهره معارض لصل‬
‫من أصول الدين المحكمة عند أهل السنّة والجماعة في أبواب الكفر واليمان وهو قوله تعالى‬

‫ش َركَ بِهِ َو َيغْ ِفرُ مَا دُونَ َذِلكَ ِلمَن يَشَاءُ} ‪.‬‬
‫{إِنّ اللّهَ لَ َيغْ ِفرُ أَن يُ ْ‬

‫ول شك أنّ رمي المسلم بالكفر غضبا دنيويا أو للهوى مسبة له‪ ،‬وذلك دون الشرك ‪.‬‬

‫ولذلك اضطرّ من اضطرّ إلى تأويله‪ ،‬برده إلى النصوص المحكمة الخرى ‪ ،‬وفهمه على‬

‫ضوئها‪.‬‬

‫ولو قلنا نحن الذين يحتج علينا خصومنا بمثل هذه الشبهة‪ ،‬أنّ من كفّرنا أو كفّر غيرنا من‬

‫الموحدين المسلمين بغضا لهم ولتوحيدهم وبراءتهم من الطواغيت وسمّى دينهم دين الخوارج‬

‫نصرة لعداء التوحيد من الطواغيت ومظاهرة لقوانينهم وعساكرهم على الموحدين‪ ،‬بأنّه هو‬

‫الكافر استدللً بهذا الحديث لكان ذلك حقّا ل مرية فيه ولما احتيج إلى تأويله لنّ ذلك كفر دون‬

‫شكّ‪.‬‬

‫أمّا قول ذلك الجاهل ل يكفر إل من ُولِدَ كافرا من أبوين كافرين فهو قول ساقط يدلّ على أنّ‬
‫قائله ل يعرف حقيقة دين السلم وتكلّف الردّ عليه مضيعة للوقت والجهد ومعناه أنّ المسلم ل‬

‫يكفر أبدا وهذا لم يقل به من المتقدّمين ل عالم ول جاهل ‪.‬‬

‫ويكفي في كشف بطلنه ما تقدّم من كلم ال تعالى وكلم رسوله وكلم العلماء في باب أحكام‬

‫المرتد فإنّ فيه شفاء لمن في ناظريه عمىً‪.‬‬
‫الشبهة الخامسة‬

‫العــذر بالجــــهل‪:‬‬
‫قال المجادلون عن عساكر القوانين‪ :‬إنّ هؤلء العساكر جهّال بحاجة إلى من يعلمهم ويدعوهم‬

‫ويبيّن لهم‪ ,‬فهم ل يعرفون أنّ سادتهم طواغيت وانّ طاعتهم لهم في التّشريع عبادة وشرك ‪.‬‬
‫وبالتالي فليس تولّيهم لهم وحراستهم للقانون كفر ‪.‬‬

‫‪187‬‬

‫الجواب ‪ :‬ل خلف في أهمية واستحباب دعوة هؤلء العساكر وغيرهم وأنّ ذلك من أحسن‬
‫سِلمِينَ}‬
‫ل صَالِحا وَقَالَ ِإ ّننِي مِنَ ا ْلمُ ْ‬
‫عمِ َ‬
‫العمال قال تعالى { َومَنْ أَحْسَنُ َقوْلً ّممّن دَعَا ِإلَى اللّهِ وَ َ‬

‫‪.‬‬

‫لكن كُلّ مشرك بال في العبادة (‪ )8‬قبل الدعوة وأثناءها وبعدها ما داموا غير ملتزمين بالتوحيد‬
‫ول كافرين بالطواغيت فهم مشركون‪.‬‬

‫والقول بأهمية دعوتهم ل يغير من حكمهم ول يجعلهم موحدين أو يرفع مسمّى الشرك عنهم فال‬
‫سمَعَ كَلَمَ اللّهِ ثُمّ َأ ْبِلغْهُ مَ ْأ َمنَهُ‬
‫حتّى يَ ْ‬
‫ج ْرهُ َ‬
‫ستَجَا َركَ فَأَ ِ‬
‫ش ِركِينَ ا ْ‬
‫عزّ وجلّ يقول { َوإِنْ أَحَدٌ مّنَ ا ْلمُ ْ‬
‫ذِلكَ بَِأ ّنهُمْ َقوْمٌ لّ َي ْعَلمُونَ } ‪.‬‬

‫فقد سمّاهم ال بالمشركين قبل أن يسمعوا كلم ال ووصفهم بذلك مع أنّهم ل يعلمون ( أي جهّال‬

‫)‪.‬‬

‫وأمره لنبيه صلى ال عليه وسلّم بدعوتهم وإسماعهم وتبليـغهم الدعـوة لم يغيّـر من ذلك‬
‫الوصـف شيـئا ل قبل الدعوة ول أثنــاءها ول بعـدها ما دامـوا ملزمـين للشرك غير‬

‫ملتزمـين للتوحيـد ‪.‬‬

‫وذلك لنّ الشرك الكبر المناقض للحنيفية السمحة وهو صرف شيء من العبادة الظاهرة لغير‬
‫ال عزّ وجلّ أمر ل يُعذر فاعله بالجهل أصلً فقد أقام ال عزّ وجلّ عليه حجته البالغة من‬

‫أبواب شتى ذكر العلماء منها‪:‬‬

‫‪ -1‬الدلّة الكونية الظاهرة الدالة على وحدانية ال‪ ،‬حيث يستدل بربوبيته على وحدانيته سبحانه‬
‫فالذي خلق ورزق وصوّر ودبّر هو وحده الذي يجب أن يُعبد ويشرّع ول يجوز شرعا وعقلً‬

‫ل ْمرُ}‪.‬‬
‫خلْقُ وَا َ‬
‫أن يُصرف شيء من ذلك لغيره سبحانه {أَلَ لَهُ الْ َ‬

‫‪ -2‬ومنها أخذه سبحـانه الميثـاق على بني آدم في ذلك حيـث استخرجهم من ظهر أبيهم آدم‬
‫ستَ‬
‫سهِمْ َألَ ْ‬
‫علَى أَنفُ ِ‬
‫شهَدَهُمْ َ‬
‫ظهُورِهِمْ ُذ ّر ّي َتهُمْ َوأَ ْ‬
‫كالذر قال تعالى { َوإِذْ أَخَذَ َر ّبكَ مِن َبنِي آدَمَ مِن ُ‬

‫ش َركَ‬
‫شهِ ْدنَا أَن تَقُولُواْ َيوْمَ الْ ِقيَامَةِ ِإنّا ُكنّا عَنْ هَـذَا غَا ِفلِينَ * َأوْ تَقُولُواْ ِإ ّنمَا أَ ْ‬
‫ِب َر ّبكُمْ قَالُواْ َبلَى َ‬

‫طلُونَ }‪ .‬فلم يعذرهم ال تعالى بدعوى‬
‫آبَا ُؤنَا مِن َقبْلُ َو ُكنّا ُذ ّريّةً مّن َبعْدِهِمْ أَ َف ُت ْهِل ُكنَا ِبمَا َفعَلَ ا ْل ُمبْ ِ‬

‫الغفلة والجهل وتقليد الباء في الشرك الظاهر المستبين ‪ ،‬بعد أن أخذ ميثاقهم على أن ل يتخذوا‬
‫ربا سواه‪.‬‬

‫‪188‬‬

‫‪ -3‬ومنها فطرة ال التي فطر الناس عليها وغرسها في قلوب العباد على أنّ الخالق الرّازق هو‬
‫وحده المعبود المشرّع كما في الحديث الذي يرويه الشيخان أن رسول ال صلى ال عليه وسلّم‬
‫قال ‪" :‬كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه" وفي رواية‬

‫(ويشركانه) وهي في صحيح مسلم وفي الحديث القدسي الذي يرويه مسلم أيضا "إني خلقت‬
‫عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم فحرّمت عليهم ما أحللت لهم"‪.‬‬

‫‪ -4‬وإضافة إلى ذلك أرسل سبحانه الرسل جميعهم من أجل هذه الغاية العظيمة {* َولَقَدْ َب َع ْثنَا‬
‫شرِينَ َومُن ِذرِينَ ِلئَلّ َيكُونَ‬
‫ج َت ِنبُواْ الْطّاغُوتَ} ‪{ ،‬رّسُلً ّمبَ ّ‬
‫عبُدُواْ اللّهَ وَا ْ‬
‫فِي كُلّ ُأمّةٍ رّسُولً أَنِ ا ْ‬

‫علَى اللّهِ حُجّةٌ َبعْدَ الرّسُلِ} فمن لم تصله رسالة نبي سمع بغيره‪.‬‬
‫لِلنّاسِ َ‬

‫إذ جميعهم وإن تنوّعت شرائعهم إلّ أنّ دعوتهم إلى تحقيق التوحيد وهدم الشرك والتنديد واحدة‪.‬‬
‫حتّى َن ْب َعثَ رَسُولً) وقد صدق ال وحده فبعث للناس كافة رسله‬
‫وقد قال تعالى ( َومَا ُكنّا ُمعَ ّذبِينَ َ‬

‫‪ ،‬وختمهم بمحمد صلى ال عليه وسلم أوضح به المحجة وأقام به الحجة ‪ ،‬وليس بعده ثم‬
‫رسول‪.‬‬

‫‪ -5‬وأنزل سبحانه الكتب جميعها تدعوا إلى هذه الغاية العظيمة وختمها بكتاب ل يغسله الماء ل‬
‫يبلى ول يبيد فتكفّل بحفظه إلى يوم القيامة وعلّق النذارة ببلوغه في كثير من أبواب الدين‪.‬‬

‫حيَ ِإَليّ هَـذَا الْ ُقرْآنُ‬
‫فكيف بأعظم وأهم وأخطر باب من تلكم البواب (التوحيد) قال تعالى { َوأُو ِ‬

‫حتّى‬
‫ش ِركِينَ مُن َفكّينَ َ‬
‫لُن ِذ َركُمْ بِهِ َومَن َبلَغَ} وقال تعالى {لَمْ َيكُنِ الّذِينَ كَ َفرُواْ مِنْ أَهْلِ ا ْل ِكتَابِ وَا ْلمُ ْ‬

‫تَ ْأ ِت َيهُمُ ا ْل َب ّينَةُ} ‪.‬‬

‫ط ّه َرةً } ‪.‬‬
‫ن اللّهِ َي ْتلُو صُحُفا مّ َ‬
‫ثم عرّف البيّنة والحجّة سبحانه بقوله {رَسُولٌ مّ َ‬

‫فمن بلغه هذا القرآن العظيم فقد قامت عليه الحجّة والنذارة ‪ ،‬خصوصا في أوضح أبواب الدين‬

‫الذي بعث كافة الرسل من أجله‪.‬‬

‫أمّا أن يُراد بالحجة وقيامها أن يؤتى إلى كل واحد في مكانه فتقام عليه الحجة فهو ما أنكره ال‬
‫ستَن ِف َرةٌ *‬
‫ح ُمرٌ مّ ْ‬
‫تعالى في قوله تعالى عن المشركين { َفمَا َلهُمْ عَنِ التّ ْذكِ َرةِ ُم ْع ِرضِينَ * َكَأ ّنهُمْ ُ‬
‫ش َرةً } ‪.‬‬
‫س َو َرةٍ * بَلْ ُيرِيدُ كُلّ ا ْمرِىءٍ ّم ْنهُمْ أَن ُي ْؤتَى صُحُفا ّمنَ ّ‬
‫َف ّرتْ مِن قَ ْ‬

‫ومعلوم من سيرة النبي صلى ال عليه وسلم أن شأنه في دعوة الطوائف الممتنعة‪ ،‬أنه كان‬
‫يراسل رؤوس تلك الطوائف دون آحاد رعيتهم ‪ ،‬ولم يكن يشترط أو يأمر رسله وأمراءه‬
‫بوجوب تتبع آحاد الناس لقامة الحجة عليهم ‪ ،‬خصوصا في المحاربين ‪.‬وأن الحال عند‬
‫‪189‬‬

‫شوّه في أرجاء المعمورة ليس كالحال في فجر الدعوة وأول‬
‫العلماء بعد انتشار السلم وف ُ‬
‫السلم أو مع حديث العهد بالسلم‪.‬‬

‫وهؤلء الطواغيت وأنصارهم من عساكر القانون يقتفون آثار من قبلهم من المشركين في‬
‫العراض عن القرآن المتضمن للتوحيد وإهماله وينفرون من سماع الحق كنفور وفرار الحمر‬
‫الوحشية من السد‪ ،‬فهم مشركون جهال بجهل اكتسبوه بإعراضهم عن التذكرة المحفوظة‬
‫والحجة القائمة بين أيديهم ‪..‬‬

‫ل لجهل سببه عدم بلوغ الرسالة ‪ ،‬أو لجهل سببه العته أو الجنون أو الصغر أو نحو ذلك من‬

‫موانع الهلية ‪..‬أضف إلى ذلك أنهم محاربون ممتنعون عن شرائع السلم بشوكة ‪ ،‬ومعلوم أن‬
‫المحارب ل تجب إقامة الحجة عليه ةولذلك فرق العلماء في هذا الباب بين من كان قتاله قتال‬
‫دفع وبين من كان قتاله قتال طلب‪،‬ثم يأتي أولئك المجادلون عن هؤلء المحاربين لدين ال‬

‫وأوليائه ليرقّعوا باطلهم‪ ,‬فيزعمون أنّ الحجّة غير مقامة عليهم‪ ,‬ولزم هذا ‪-‬مع مافيه من‬
‫حجّةُ ا ْلبَاِلغَةُ} وقد علمتَ أنها مقامة في أصل‬
‫جهل‪ -‬مناقض ومعارض لقوله تعالى {قُلْ َفِللّهِ الْ ُ‬

‫التوحيد من وجوه وأبواب شتى‪.‬‬

‫ولذلك فقد قال النبي صلى ال عليه وسلّم لرجل سأله عن أبيه‪" :‬إن أبي وأباك في النار" رواه‬
‫مسلم مع أنّهم من القوم الذين قال ال فيهم {ِلتُن ِذرَ َقوْما مّا أُن ِذرَ آبَاؤُهُمْ َفهُمْ غَا ِفلُونَ} ‪.‬‬

‫ن أصل التوحيد والتحذير من الشرك الكبر وعبادة غير ال تعالى‪ ،‬قد أقام ال‬
‫وما ذلك إلّ ل ّ‬

‫عليها الحجة البالغة كما تقدّم من أبواب شتى وأرسل بها الرسل أجمعين ‪.‬‬

‫ومع هذا يأتي بعض من ل يعرفون من الدين إلّ السم ول من معالمه إلّ الرسم يطالبون بإقامة‬
‫الحجة في باب الشرك الواضح المستبين والتوحيد الذي هو أحق حقوق ال على العبيد ‪ ،‬والذي‬

‫ُبعِث من أجله جميع الرسل وأُنزلت له كافة الكتب وتواترت عليه الحجج ‪.‬‬

‫وربما أقاموا على ذلك شبها بآيات يضعونها في غير موضعها كقوله تعالى { َومَا ُكنّا ُمعَ ّذبِينَ‬
‫حتّى َن ْب َعثَ رَسُولً} يريدون‪ :‬أنّه ل تكفير إلّ بعد إقامة الحجّة في كل باب حتى في الشرك‬
‫َ‬

‫الكبر الواضح المستبين‪.‬‬

‫وليس في هذه الية وجه دللة على قولهم الفاسد هذا فال جلّ ذكره لم يقل "وما كنّا مكفرين‬
‫حتى نبعث رسولً"! ‪.‬‬

‫‪190‬‬

‫وإنّما قال {معذّبين} والمقصود بذلك عذاب الستئصال الدنيوي وهي كقوله تعالى { َومَا كَانَ َر ّبكَ‬
‫عَل ْيهِمْ آيَا ِتنَا} ‪ ,‬أو العذاب الخروي كما قال تعالى‬
‫حتّى َي ْب َعثَ فِي ُأ ّمهَا رَسُولً َي ْتلُو َ‬
‫ُم ْهِلكَ الْ ُقرَى َ‬
‫خ َز َن ُتهَا َألَمْ يَ ْأ ِتكُمْ نَذِيرٌ * قَالُواْ َبلَى} ‪.‬‬
‫{ ُكّلمَا ُألْ ِقيَ فِيهَا َفوْجٌ سََأَلهُمْ َ‬

‫أمّا التكفير خصوصا في الشرك الكبر وعبادة غير ال فليس هو المراد بذلك‪ ،‬إذ الكافر إمّا أن‬

‫يكون كافرا معاندا كالمغضوب عليهم عرفوا الحق وكفروا به‪ ،‬أو يكون كافرا جاهلً معرضا أو‬
‫مضلّلً كالضالّين الذي لبّس عليهم علماؤهم‪.‬‬

‫جهّال ضلّل وإنما أوردهم‬
‫وليس كل كافر يكون كفره عن علم وجحود للحق بل أكثر الكفار ُ‬
‫النار كفرهم بتقليد ساداتهم وكبرائهم وآبائهم ويحسبون أنّهم يُحسنون صنعا ‪.‬‬

‫وباب الشرك الكبر الصريح قد أقام ال عليه حججه البالغة فل يُعذر الجاهل فيه لنّ جهله‬
‫والحالة كذلك إنما يكون إعراضا عن الدين وعن تعلم أهم ما خلق من أجله وليس جهل من لم‬

‫تقم عليه الحجّة ‪.‬‬

‫وفي قصة زيد بن عمرو بن نُفيل عبرة فقد حقّق التوحيد دون أن يبعث رسول خاص بزمانه‬

‫وذلك قبل بعثة النبي صلى ال عليه وسلّم مباشرة فقد كان من القوم الذين قال ال تعالى فيهم‬
‫{ِلتُن ِذرَ َقوْما مّا َأتَاهُم مّن نّذِيرٍ مّن َق ْبِلكَ} ومع ذلك فقد كان زيد حنيفا على ملّة سيدنا إبراهيم‬

‫اهتدى إلى التوحيد بفطرته فكان يبرأ من طواغيت قومه ويجتنب عبادتها ونصرتها‪ ،‬وكان ذلك‬
‫كافيا لنجاته‪ ،‬فقد أخبر النبي صلى ال عليه وسلم أنه يبعث أمة وحده‪ ،‬ورآه صلى ال عليه‬

‫وسلم ‪ ،‬وقد قُدّمت له سُفرة "مذبوحة على نصبهم" فأبى أن يأكلها وقال‪( :‬إني لست آكل مما‬
‫تذبحون على أنصابكم) وكان يعيب على قريش ذبائحهم ويقول ‪ (:‬الشاة خلقها ال وأنزل لها من‬
‫السماء الماء‪ ،‬وأنبت لها من الرض ثم أنتم تذبحونها على غير اسم ال ‪ ،‬إنكارا لذلك وإعظاما‬

‫له) رواه البخاري‪. .‬‬

‫فتأمّل كيف أنّ التوحيد مزروع في الفطرة وأنّ الشرك هو الطارئ الذي اخترعه الناس‬

‫وانحرفوا إليه ‪.‬‬

‫فهذا رجل لم يأته نبي خاص بزمانه‪ ،‬ومع هذا عرف التوحيد وحقّقه فنجا وعُذر بتفاصيل‬

‫الشريعة والعبادات التي ل تُعرف إلّ عن طريق الحجّة الرسالية فقد كان يقول كما في رواية‬
‫ابن إسحاق‪ " :‬اللهم لو أعلم أحب الوجوه إليك لعبدتك به ‪ ،‬ولكني ل أعلمه ‪ ،‬ثم يسجد على‬
‫الرض براحته "‪.‬‬
‫‪191‬‬

‫فعُذر بترك الصلة والصيام ونحوه من الشرائع التي ل تُعرف إلّ عن طريق الرسل ‪.‬‬
‫بينما لم يُعذر أهل زمانه ومنهم والديّ النبي صلى ال عليه وسلّم لنّهم لم يحقّقوا التوحيد‬

‫ويبرأوا من الشرك والكفر والتنديد مع أنّـهم لم يأتهم نذير كما أخبر تعالى‪.‬‬

‫فتدبّر هذا المعنى جيدا واعلم أنّ هذا الباب (باب العذر بالجهل) قد تكلّم فيه العلماء وخاض فيه‬

‫المتأخرون ول يفهمه حق الفهم إلّ من أحاط به من جوانبه أمّا من أخذ منه بنص واحد وبنى‬
‫عليه المسائل الكبار فقد جانب الصواب وأبعد النجعة‪.‬‬

‫واعلم بعد هذا كله أنّ كفر هؤلء الطواغيت وأنصارهم اليوم ليس هو من الجهل بمعنى عدم‬
‫علّقت به‬
‫بلوغ الحجّة الرسالية فقد ُبعِث خاتم الرسل وليس بعده ثَم رسول‪ ,‬وكتاب ال الذي ُ‬
‫النذارة محفوظ ل يأتيه الباطل من بين يديه ول من خلفه ‪ ،‬وهو بين أيديهم‬

‫ولكن أكثر الناس استحبوا الحياة الدنيا على الخرة فهم معرضون عن طلب الحق وعن اتباعه‬
‫فكفرهم كفر إعراض وليس بسبب عدم بلوغ الحجّة الرسالية ‪.‬‬

‫ن اللّهِ} كانوا يجهلون أنّ الطاعة في‬
‫حبَارَهُمْ َورُ ْهبَا َنهُمْ َأ ْربَابا مّن دُو ِ‬
‫ثم اعلم أن الذين {اتّخَذُواْ أَ ْ‬

‫التشريع عبادة وشرك كما في حديث عُدي بن حاتم الصحيح بمجموع طرقه وفيه قوله "ما‬

‫عبدوهم" فما كانوا يعرفون أن الطاعة في التحليل والتحريم والتشريع عبادة ومع هذا كفروا‬

‫بصرف ذلك لغير ال وصاروا به متخذين أربابا من دون ال ولم يُعذروا بهذا الجهل‪.‬‬

‫لنّ المر منافٍ للفطرة التي فطر ال الناس عليها‪ ,‬فالذي خلق ورزق وصوّر وبرأ هو الذي ل‬
‫يجوز أن يشرّع ويأمر ويحكم أحد سواه ‪ ،‬وقد بعث ال كافة رسله وأنزل جميع كتبه لجل‬

‫توحيد ال بالعبادة وإفراده بالحكم والتشريع واجتناب عبادة من سواه ‪ ،‬ثم المر بعد ذلك في‬

‫زماننا أوضح من ذلك فهذا الضابط أو ذلك الشرطي وذلك المخابرات أو المن الوقائي‪ ،‬إذا ما‬
‫سألته عن دينه زعم أنّه السلم وأنّ كتابه القرآن‪ ،‬وأنه يتلوه آناء الليل وأطراف النهار زيادة‬

‫في إقامة الحجة!! ثم هو مع ذلك يخذل السلم والقرآن ويحاكم ويسجن ويتجسّس على من‬

‫يسعى لتحكيمه ونصرته ويحارب كل من يدعوا إلى التوحيـد والـبراءة من الشرك والتنديد‬

‫وينصر في المقابل شرع الطاغوت وقانونه الوضعي ودستوره الشركي الذي ألغى أحكام‬
‫الشرع ويظاهر أولياءه من أعداء التوحيد ويتولهم ويُعينهم على أهل الحق ‪.‬‬

‫فهل مناقضة هذا لدين ال تخفى على من زعم السلم ؟ وهل هي من الغامضات والمشكلت‬

‫الملتبسات حتى يقال "لم تقم عليهم الحجّة"؟‪.‬‬
‫‪192‬‬

‫إنّ المر وال أوضح من الشمس في رابعة النهار‪.‬‬
‫فها هنا صفّان وفريقان يختصمون‪ :‬صف شرك وصف توحيد صف القانون الوضعي وصف‬

‫الشريعة المطهّرة وهؤلء القوم يختارون بمحض إرادتهم وبكامل عقلهم واختيارهم صف‬

‫الطاغوت إمّا حبّا له أو استحبابا للحياة الدنيا "الراتب والتقاعد" ونحوه على الخرة يقاتلون في‬

‫سبيله وينصرونه ويحاربون من ناوأه أو اجتنبه من أهل صف التوحيد{الّذِينَ آ َمنُواْ يُقَا ِتلُونَ فِي‬
‫سبِيلِ الطّاغُوتِ}‪.‬‬
‫ل اللّهِ وَالّذِينَ كَ َفرُواْ يُقَا ِتلُونَ فِي َ‬
‫سبِي ِ‬
‫َ‬

‫ولذلك سيقول هؤلء الجند يوم القيامة عندما يعاينون فوز أهل التوحيد وهزيمة وهلك أهل‬
‫ضعْفَيْنِ مِنَ ا ْلعَذَابِ‬
‫سبِيلْ * َر ّبنَا ا ِتهِمْ ِ‬
‫ضلّونَا ال ّ‬
‫ط ْعنَا سَا َد َتنَا َو ُك َبرَا َءنَا فََأ َ‬
‫الشرك والتنديد { َر ّبنَا ِإنّا أَ َ‬
‫وَا ْل َعنْهُمْ َلعْنا َكبِيرا } ‪.‬‬

‫فتأمل قولهم {فأضلّونا السبيل} هل عُذروا به؟! ‪.‬‬

‫سبُونَ َأ ّنهُم ّم ْهتَدُونَ}‬
‫صنْعا} { َويَحْ َ‬
‫ن ُ‬
‫سنُو َ‬
‫سبُونَ َأ ّنهُمْ يُحْ ِ‬
‫وقال عن كثير من الكفار بأنّهم كانوا {يَحْ َ‬

‫شيْءٍ} وكل ذلك لم ينفعهم لنّهم نقضوا أمرا بينا ظاهرا أقام ال عليه‬
‫علَى َ‬
‫سبُونَ َأ ّنهُمْ َ‬
‫و{ َويَحْ َ‬

‫حجّته البالغة وأرسل من أجله جميع رسله ولو كان خطأهم وانحرافهم حصل في أمر غامض‬

‫ملتبس وكان عندهم أصل السلم لكان حالهم فيه على غير هذا (‪.)9‬‬

‫والكلم في هذا الباب يطول وقد فصّل فيه أهل العلم ولنا فيه مُصنّف سمّيناه (الفرق المبين بين‬
‫العذر بالجهل والعراض عن الدين) يسّر ال طبعه لكن في هذا القدر في هذا المحل كفاية لمن‬

‫أراد الهداية‪.‬‬

‫الشبهة السادسة‬

‫الكراه والستضعاف والرزق والمصلحة‬
‫قــالوا ‪ :‬إنّ كثيرا من هؤلء العساكر ل يحبّون الطاغوت بل منهم من يكفر به يبرأ من‬

‫قانونه الوضعي وهم في قلوبهم يبغضون الطاغوت لكنّهم يعتذرون بالرزق والراتب وأنّه لم يبق‬
‫لبعضهم إل سنوات قليلة على التقاعد‪.‬‬

‫وربما ذكروا الستضعاف والكراه وبعضهم يرى أنّ في عمله هذا مصلحة للسلم وخدمة‬
‫للمسلمين ‪.‬‬

‫‪193‬‬

‫والجواب ‪ :‬أن نقول إنّ الفرق بين أهل السنّة وغيرهم من أهل الزيغ والضلل‪ :‬أنّ اليمان عند‬
‫أهل السنّة اعتقاد بالجنان وقول باللّسان وعمل بالجوارح والركان وليس هو فقط اعتقاد بالقلب‬
‫باطنا‪.‬‬

‫فالكفر بالطاغوت ل بد أن يكون ظاهرا وباطنا ولذلك كنّا مطَالبين في شريعتنا بالخذ بالظاهر‬

‫وعدم البحث عن الغيب الذي في القلوب والذي ل يعلمه إلّ ال ‪.‬‬

‫فالمنافق إذا أبطن الكفر وبغض الشريعة لكنّه أظهر لنا اليمان بال والكفر بالطاغوت والتزام‬

‫شعائر السلم الظاهرة ولو كان ذلك عنده خوفا من سلطان السلم فإنّنا مطالَبون بمعاملته‬
‫بالظاهر ول دخل لنا بباطنه ‪.‬‬

‫ولذلك فإنّه يُحسب على المسلمين ويُعصم دمه ومالـه وحسـابه في الخـرة على ال حيث‬
‫قال تعـالى {إِنّ ا ْل ُمنَافِقِينَ فِي ال ّد ْركِ الَسْفَلِ مِنَ النّارِ} والعكـس بالعكـس‪.‬‬

‫فكـذلك من زعــم أنّه مؤمن بال في باطنه كافر بالطاغوت في قلبه وكان ظاهره مخالفا‬
‫مناقضا لزعمه بأن صار من عساكر الشرك وأنصار الطاغوت يكثّر سوادهم وينصر ويحرس‬
‫قانونهم "الطاغوت الذي أمره ال أن يكفر به" ويتولهم ويظاهرهم على المسلمين فإنّنا نأخذه‬

‫ونحكم عليه بظاهره هذا ‪.‬‬

‫لنّنا كما في الحديث "لم نؤمر أن نشقّ عن قلوب الناس ول عن صدورهم" ‪.‬‬
‫ولذلك قال عمر بن الخطاب رضي ال عنه كما في صحيح البخاري "إنّ ناسا كانوا يؤخذون‬

‫بالوحي في عهد رسول ال صلى ال عليه وسلّم فمن أظهر لنا خيرا أمناه وقربناه وليس لنا من‬

‫سريرته شيء ال يحاسب سريرته ومن أظهر لنا سوءا لم نأمنه ولم نصدّقه وإنْ قال أنّ سريرته‬
‫حسنة" ‪.‬‬

‫وفي حديث البخاري أيضا في قصة الجيش الذي يغزو الكعبة فيخسف ال بأوله وآخره مع أنّ‬

‫فيهم من ليس منهم والمجبور ونحوهم ‪.‬‬

‫ففي ذلك دللة واضحة على هذا المر‪ ،‬لنّ أ ّم المؤمنين حينما سألت رسول ال صلى ال عليه‬

‫وسلّم عن حكم هؤلء الذين خرجوا مكثرين لسواد ذلك الجيش وليس بنيّتهم قتال المؤمنين قال‪:‬‬
‫"يهلكون مهلكا واحدا ويُبعثون على نيّاتهم يوم القيامة" ‪.‬‬

‫وفي هذا يقول شيخ السلم في الفتاوى(‪ )28/537‬وهو يتكلم عن جيش عبيد الياسق "الدستور‬

‫التّتري" وفيهم من كان يصلّي ويزعم الكراه ونحوه ‪.‬‬
‫‪194‬‬

‫قال‪" :‬فال تعالى قد أهلك الجيش الذي أراد أن ينتهك حرماته –المكره فيهم وغير المكره‪ -‬مع‬
‫قدرته على التمييز بينهم ‪ ،‬مع أنه يبعثهم على نياتهم ‪ ،‬فكيف يجب على المؤمنين المجاهدين أن‬

‫يميزوا بين المكره وغيره وهم ل يعلمون ذلك ؟! " أ‪.‬هـ‬

‫أقول‪ :‬وأنّى لنا ذلك؟ وكيف؟! وهل لنا إلّ أحكام الظاهر ‪.‬‬

‫فهذا صفّ خرج محاربا لهل السلم مكثرا لسواد أهل الشرك والوثان فحكم من كان فيه‬
‫وأظهر تولّيه ونصرته في الدنيا حكمهم وليس لنا نحن بأحكام الخرة الن‪.‬‬

‫ويدل على ذلك معاملة رسول ال صلى ال عليه وسلّم للعباس حين أُسِر في صف الكفار ببدر‬
‫فزعم أنّه مسلم وأنه خرج مكرها فقال له رسول ال صلى ال عليه وسلّم "أمّا سريرتك فإلى ال‬

‫وأمّا ظاهرك فلنا" ‪.‬رواه المام أحمد وفيه راو لم يسم لكن أصل القصة في صحيح البخاري‬
‫وفيها َأ ْم ُرهُ صلى ال عليه وسلم له أن يفدي نفسه كالمشركين ‪ ،‬فعامله معاملة الصف الذي‬

‫خرج مكثّرا لسواده وهذا هو ما نفعله تماما مع عساكر الشرك وأنصار القانون ‪.‬‬

‫أفل يسعنا ما وسع رسول ال صلى ال عليه وسلّم وهو أتقانا وأخوفنا ل وأورعنا في التكفير‬

‫والحكم على الناس وفي غير ذلك‪.‬‬

‫* أما دعوى الكراه فمردودة في مقامنا هذا ‪.‬‬

‫لن الكراه على إظهار الكفر حدّ له العلماء حدودا ل تنطبق على هؤلء بحال ويمكن لطالب‬
‫الحق مراجعتها مفصّلة في غير هذا الموضع ( ) وفرّقوا تفريقا واضحا بين الكراه على‬

‫المعاصي وبين الكراه على الكفر أو الشرك أو نصرة المشركين ونحوه‪.‬‬

‫ومن تأمّل حال هؤلء القوم لم يجدهم مكرهين بحال بل هي أعمالهم ووظائفهم التي يفخرون بها‬
‫ويتقاضون عليها الرّتب والرواتب والجور ‪.‬‬

‫وأي إكراه هذا الذي يُدفع لصاحبه أجرا وينال عليه المتيازات ويمكث فيه العشرة والعشرين‬
‫سنة نصيرا للشرك بزعمهم مكرها؟؟!‬

‫فإن تعذّروا بالستضعاف فقد تعذّر به قوم من قبلهم فما قُبل منهم وهم قوم أسلموا بمكة ولم‬

‫يفارقوا صف المشركين إلى صف أهل التوحيد فلما كان يوم بدر أخرجهم المشركون في مقدمة‬
‫الصفوف‪.‬‬

‫‪195‬‬

‫وتأمل كيف أنهم لم يخرجوا معهم متطوّعين ول دخلوا جيشهم راغبين يأخذون على ذلك الرتب‬
‫والرواتب كحال هؤلء ومع ذلك أنزل ال تعالى فيهم قرآنا يبّين أنّهم ليسوا بمعذوريـن في‬

‫سهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ؟} ‪.‬‬
‫ذلك ول هم بمستضعفين فقال سبحانه {إِنّ الّذِينَ َتوَفّاهُمُ ا ْلمَل ِئكَةُ ظَاِلمِي َأنْفُ ِ‬

‫أي‪ :‬في أي صف كنتم ؟ أفي صف التوحيد والشريعة ؟ أم في صف الشرك والتنديد والدستور‬

‫الوضعي والقانون الكفري ؟! ‪.‬‬

‫والجواب الواضـح الصحيح أن يقولوا‪ :‬كنا في صف المشركين ولكنهم لما عاينوا هلك أهل‬
‫هذا الصف ‪ ،‬حادوا عن هذا الجواب ‪ ،‬إلى التعذر بالستضعاف ‪ ،‬ظانين أن هذا ينفعهم في‬

‫البراءة من الشرك والمشركين‪.‬‬

‫فتأمل كيف يحاولون التبرؤ من صف الطاغوت وجيشه الذي هلكوا فيه منذ اللحظة الولى من‬

‫لحظات الدار الخرة لن هذا أهم أمرٍ فرّطوا فيه وأهملوه وهو المر الذي أوردهم المهالك ‪.‬‬

‫ولكن هل ينفعهم ذلك وقد ماتوا في صفه ولم يفارقوه ويبرءوا منه في الدنيا؟! فتأمل كيف‬
‫لرْضِ } ‪.‬‬
‫ضعَفِينَ فِي ا َ‬
‫س َت ْ‬
‫يجيبون على سؤال الملئكة‪{ :‬فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ ُكنّا مُ ْ‬

‫ص ْواْ بِهِ بَلْ هُمْ َقوْمٌ طَاغُونَ} وهكذا يجيبوننا‬
‫تلك حجتهم التي توارثوها عبر جيوش الكفر {َأ َتوَا َ‬
‫دوما عندما ندعوهم إلى التوحيد والبراءة من الشرك والتنديد ‪.‬‬

‫وهكذا يجادل عنهم المجادلون عندما نبيّن حكمهم في دين ال وموقفهم من التوحيد يقولون‪ُ { :‬كنّا‬
‫لرْضِ} الراتب‪ ..‬والبيت‪ ..‬والرزق‪ ...‬فهل يُقبل منهم مثل هذا؟!‬
‫ضعَفِينَ فِي ا َ‬
‫س َت ْ‬
‫مُ ْ‬

‫سعَةً‬
‫ض اللّهِ وَا ِ‬
‫تأمل جواب الملئكة لهم وحذار من هذا الموقف وأصحابه {قَالْواْ َألَمْ َتكُنْ َأرْ ُ‬

‫ج َهنّمُ وَسَا َءتْ َمصِيرا} ألم تكن أبواب الرزق واسعة فتهجروا‬
‫جرُواْ فِيهَا فَُأ ْولَـ ِئكَ َم ْأوَاهُمْ َ‬
‫َف ُتهَا ِ‬

‫ذلك الصف الشركي إلى غيره؟ ‪.‬‬

‫ومَنْ يرزق النمل والنحل والطير وسائر الدواب والمشركين والكفار‪،‬هل تراه يعجز عن أن‬

‫يرزق المتقين والبرار الذين يتطهّرون من صف الشرك ويفارقونه محبّة ونصرة للتوحيد‬
‫وأهله؟ تعالى ال علواّ كبيرا عما يصفون‪.‬‬

‫ج َهنّمُ وَسَا َءتْ َمصِيرا} مع أنّهم لم يخرجوا‬
‫وتأمل تهديد ال ووعيده لهم بقوله {فَُأ ْولَـ ِئكَ َم ْأوَاهُمْ َ‬

‫في ذلك الجيش متطوعين ول مختارين لكنهم قصّروا في الهجرة في بادئ المر فلمّا عزم‬

‫المر تورّطوا في الخروج في صف أعداء الموحدين ‪.‬‬

‫‪196‬‬

‫ستَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَ َي ْهتَدُونَ‬
‫ن الرّجَالِ وَالنّسَاءِ وَا ْلوِلْدَانِ لَ يَ ْ‬
‫ضعَفِينَ مِ َ‬
‫س َت ْ‬
‫ثم قال تعالى {إِلّ ا ْلمُ ْ‬
‫ن اللّهُ عَ ُفوّا غَفُورا} فلم يعذر ال سبحانه وتعالى‬
‫ع ْنهُمْ َوكَا َ‬
‫سبِيلً * فَُأ ْولَـ ِئكَ عَسَى اللّهُ أَن َيعْ ُفوَ َ‬
‫َ‬

‫بعذر الستضعاف إل من ل يستطيع حيلة في الخروج والفرار إلى ال من صف الكفار كأن‬
‫يكون جريحا أو عاجزا أو مقيدا أو مأسورا أو ل يهتدي طريقة وسبيل الهجرة الفرار إلى‬
‫الصف المسلم كأن يكون امرأة أو صبيا أو شيخا أو ضعيفا ‪.‬‬

‫ثم رغّب ال تعالى بالهجرة والفرار من هذه الصفوف المشركة ووعد أهلها بالرزق الوفير‬

‫الواسع فمن ترك شيئا ل عوّضه ال خيرا منه‪ ,‬وذلك ليقطع كل حجج القوم الواهية فقال { َومَن‬
‫سبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الَرض مراغما كثيرا وسعة } كما قال في مقام اخر من مقامات‬
‫جرْ فِي َ‬
‫ُيهَا ِ‬

‫دعوته عباده المؤمنين الى البراءة من الشرك وأهله‪ { :‬و إن خفتم عيلة فسوف يغنيكم ال من‬
‫فضله إن شاء إن ال عليم حكيم }‪.‬‬

‫* و آخرون رقّعوا واقعهم المنحرف بحجة المصلحة فزعموا أنّهم يخدمون الدين بوظائفهم هذه‬

‫المنتنة وواقع حال أكثرهم خدمة جيوبهم وكروشهم وقروشهم ليس إلّ‪.‬‬

‫ورحم ال سفيان الثوري يوم قال وهو يوصي بعض أصحابه ويحذرهم من مداهنة السلطين‬

‫والدخول عليهم ـ مع أنّ سلطينهم كانوا يحكّمون شرع ال إلّ أنّهم أظهـروا بعض المعاصي‬
‫فكيف بسلطيـن الكفر والشرك اليوم ؟ قال رحمه ال‪" :‬إياك والمراء أن تدنوا منهم‬

‫أوتخالطهم في شيء من الشياء ‪ ،‬وإياك أن تخدع ويقال لك لتشفع أو تدرأ عن مظلوم أو ترد‬

‫مظلمة فإنّ ذلك خديعة إبليس اتّخذها فجّار القرّاء سلّما‪. "...‬‬

‫أجل إنّها خديعة إبليس التي يسمّونها اليوم بمصلحة الدعوة يهدمون بها التوحيد أعظم مصلحة‬
‫في الوجود ويلبسون الحق بالباطل ‪.‬‬

‫وقد صدق سيد قطب يوم وصفها بأنها أمست عند كثير من الدعاة مزلّة وصارت صنما يعبدونه‬

‫من دون ال‪.‬‬

‫ولشيخ السلم رحمه ال تعالى في ذلك فتوى سُئل فيها عن رجل من أهل السنّة سمع بمجموعة‬
‫من قطّاع الطرق الذين يجتمعون على قصد الكبائر وقطع الطريق والقتل وفعل الفواحش‬

‫والمنكرات‪ ،‬وأنّه قصد إلى هدايتهم فلم يتمكّن من ذلك بزعمه ‪ ،‬إل بأن عمل لهم سماعا بدف‬
‫بغناء مغني غير فاحش حتى اهتدى منهم خلق ‪ ،‬وصار الذين كانوا ل يتورّعون عن الكبائر‬

‫يتورّعون عن الصغائر والشبهات فهل طريقة هذا الشيخ جائزة ومشروعة؟!‬
‫‪197‬‬

‫فبيّن رحمه ال تعالى ما ملخصه ‪ " ،‬أنّ هذه الطريقة مبتدعة وأنّ في طريقة الرسول الرحمانية‬
‫غنىً عن الطرق الشيطانية"‬

‫فإنّه حتى وإن كانت النتيجة ظاهرها حسن فإنّ الغاية عند أهل السلم ل تبرر الوسيلة‪،‬‬
‫فالنجاسة ل تزال بالنجاسة ول يتطهّر من البول بالبول‪.‬‬

‫وكما أنّ غاية الداعية عظيمة ومطهّرة فيجب أن تكون وسائله للبلوغ إلى هذه الغاية كذلك ‪.‬‬
‫ومعلوم أن أعظم مصلحة في الوجود هي التوحيد وأن أعظم مفسدة في الوجود هي الشرك فكل‬
‫مصلحة تعارض تلك المصلحة فإنها مردودة وأي مفسدة أمام مفسدة الشرك فمغمورة ‪.‬‬

‫فل يحل لحد يفهم عِظم التوحيد وخطر الشرك أن يصير مِعولً من معاول هدم التوحيد‬

‫وحارسا من حراس الشرك والتنديد‪ ،‬بحجة جلب مصلحة أخرى مزعومة أو درأ مفاسد أخرى‬

‫مرجوحة أياّ كانت ‪ ،‬ول أن يجعل دينه كبش فداء ينحره على عتبات مصالح ودنيا الخرين‪,‬‬

‫والكلم في هذا الباب يطول وله موضعه المفصل (‪ )11‬ولكن اللّبيب تكفيه منه هنا الشارة وال‬
‫المستعان‪.‬‬

‫الخـــــاتـمــــــــــــــــــــــة‬
‫أخيرا وليس آخرا فقد سمعنا كثيرا ممن لم يعرفوا حقيقة هذا التوحيد يقولون‪ :‬ماذا تستفيدون من‬

‫تكفير هؤلء العساكر أو أولئك المخابرات ونحوهم من أنصار الطواغيت؟!‬

‫فنقول أولً ‪ :‬مادام هذا هو حكم ال فليس مهماّ أن نعرف حكمته‪ ،‬وإنما المهم عند عباد الرحمن‬

‫أن تنشرح له صدورهم وترضى به نفوسهم وتسلّم له تسليما‬

‫ثم نقول ‪ :‬إنّ فوائد ذلك ل يسع هذا المقام لحصرها‪ ،‬ولو لم يكن فيها إلّ تحقيق التوحيد العملي‬

‫(ملّة إبراهيم) المتضمّن للبراءة من الشرك والمشركين لكفى ‪.‬‬

‫سنَةٌ فِي ِإ ْبرَاهِيمَ وَالّذِينَ َمعَهُ إِذْ قَالُواْ لِ َق ْو ِمهِمْ ِإنّا ُبرَءاؤاْ ّم ْنكُمْ‬
‫س َوةٌ حَ َ‬
‫قال تعالى {قَدْ كَا َنتْ َلكُمْ أُ ْ‬

‫حتّى ُت ْؤ ِمنُواْ بِاللّهِ‬
‫َو ِممّا َت ْعبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ كَ َف ْرنَا ِبكُمْ َوبَدَا َب ْي َننَا َو َب ْي َنكُمُ ا ْلعَدَا َوةُ وَا ْل َب ْغضَاءُ َأبَدا َ‬
‫وَحْ َدهُ} فال يدعونا للقتداء والتّأسي بهذه القدوة الحسنة والملة العظيمة التي أهم أركانها البراءة‬

‫من الشرك والمشركين والكفر بهم ومعاداتهم فكيف يحقق هذا من ل يعرف الكافر من المسلم؟؟‬

‫عبُدُ مَا َت ْعبُدُونَ * وَلَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا‬
‫وممّن يتبرأ وكيف؟! قال تعالى {قُلْ يَأ ّيهَا ا ْلكَا ِفرُونَ * لَ أَ ْ‬
‫عبُدُ * َلكُمْ دِي ُنكُمْ َوِليَ دِينِ *}‪.‬‬
‫عبَدتّمْ * وَلَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَ ْ‬
‫عبُدُ * وَلَ َأنَا عَابِدٌ مّا َ‬
‫أَ ْ‬

‫وأيضا من الفوائد العظيمة تمييز الخبيث من الطيب واستبانة سبيل المجرمين ‪.‬‬
‫‪198‬‬

‫ج ِرمِينَ} فمن لم يعرف الكفر من اليمان‬
‫سبِيلُ ا ْلمُ ْ‬
‫س َتبِينَ َ‬
‫قال تعالى { َوكَ َذِلكَ ن َفصّلُ اليَاتِ َوِلتَ ْ‬
‫والكافر من المسلم أنّى له أن يستبين سبيل المجرمين وأنّى له أن يميّز سبيل المؤمنين من سبيل‬

‫المجرمين؟ ليسلك من ثم سبيل المؤمنين ‪ ،‬ويجتنب سبيل المجرمين وكيف سيطبّق الحب في‬
‫ال للمؤمنين والبغض في ال للمشركين وذلك من أوثق عرى اليمان وفي تركه تخبّط عظيم‬
‫وفساد كبير ‪.‬‬

‫لرْضِ وَفَسَادٌ َكبِيرٌ} ‪.‬‬
‫ضهُمْ َأ ْوِليَاءُ َبعْضٍ إِلّ تَ ْف َعلُوهُ َتكُنْ ِف ْتنَةٌ فِي ا َ‬
‫قال تعالى {وَالّذينَ كَ َفرُواْ َب ْع ُ‬

‫وتظهر هذه الموالة وتلكم المعاداة بتحقيق آثارها ولوازمها عمليا فكيف يحققها من ل يميّز بين‬
‫الصفوف ؟! والواقع أعظم شاهد على هذا‪ ،‬فإنك تجد من أهمل هذا المر واستخفّ به ل‬

‫يعرف من يحب ومن يبغض ومن يوالي ومن يعادي وتجده يخلط وربما يساوي في المعاملة‬
‫ج ِرمِينَ‬
‫سِلمِينَ كَا ْلمُ ْ‬
‫جعَلُ ا ْلمُ ْ‬
‫بين المسلمين والمجرمين مع أنّ ال تعالى أنكر ذلك فقال سبحانه {أَ َفنَ ْ‬
‫جعَلُ ا ْل ُمتّقِينَ كَالْفُجّارِ ؟} (‪)12‬‬
‫ح ُكمُونَ }؟ وقال تعالى {أَمْ َن ْ‬
‫* مَا َلكُمْ َك ْيفَ تَ ْ‬

‫وقد رتّب ال على ذلك أحكاما في عصمة الدم وفي الميراث والولء والنكاح والطعام (الذبح)‬

‫والمعاملة من سلم ومودّة وغير ذلك من الحقوق الواجبة للمسلم أو الخاصة به من دون سائر‬
‫الكفار‪.‬‬

‫ولذلك فإنك تجد فرقا واضحا بينّا بين سبيل الموحدين و طريقة تعاملهم مع الكفار والمشركين‪،‬‬
‫وبين سبيل غيرهم ممن ل يرفعون بهذا المر رأسا ويهملونه‪ ،‬بل ينكرونه على أهل التوحيد و‬

‫يبدعونهم به‪ ،‬بل منهم يكفّر أهل التوحيد لتجريدهم التوحيد ولبراءتهم من الشرك والتنديد‪ ،‬ولذلك‬
‫اختلط الحابل بالنابل عندهم فبرءوا من الموحدين وأبغضوهم وعادوهم وأطالوا ألسنتهم بالطعن‬
‫فيهم وفي دعوتهم‪ ،‬بينما ل يجد منهم أعداء ال إلّ كل مودّة وإدهان ‪.‬‬

‫ومنهم من يشاركهم في مجالسهم ومهالكهم ول يفرّقون بين مصلحة التوحيد العظمى التي تُفرّق‬
‫بين المسلمين والمشركين وبين الوحدة الوطنية التي تؤالف وتجمع الكافرين على اختلف‬
‫توجّهاتهم وتخلط المتّقين بالفجّار ‪.‬‬

‫ويغفلون أو يتغافلون عن وصف الملئكة للنبي صلى ال عليه وسلّم‪" :‬ومحمد فرْق بين الناس"‬
‫رواه البخاري ‪.‬‬

‫وفي رواية‪" :‬فرّق بين الناس" ‪.‬‬

‫‪199‬‬

‫ويُعرضون عن هدي الفرقان الذي فرّق بين أهل الشرك وأهل اليمان وإن كانوا أقرب نسبا‬
‫للنسان‪.‬‬

‫ومن الفوائد أيضا أنّ معرفة ذلك تحدّد طريق الدعوة الصحيحة التي يجب أن يسلكها المرء مع‬
‫القوم الذين هو بين ظهرانيهم ‪.‬‬

‫فإنّ كونهم مسلمين يختلف عن كونهم مشركين وكونهم مشركين وثنيّين يختلف عن كونهم‬

‫مشركين كتابيّين وكونهم مرتدّين يختلف عن كونهم كافرين أصليّين‪.‬‬

‫ولذلك قال رسول ال صلى ال عليه وسلّم لمعاذ لمّا بعثه إلى اليمن كما في الحديث المروي في‬
‫الصحيحين‪" :‬إنّك تأتي قوما من أهل الكتـاب فليكن أول ما تدعـوهم إليـه شهـادة أن ل‬

‫إلـه إلّ ال‪ ...‬ـ وفي رواية ـ "إلى أن يوحّدوا ال" فإن هم أجابوك إلى ذلك فأعلمهم أنّ ال‬
‫قد افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة‪ ...‬الحديث"‪.‬‬

‫فتأمل كيف عرّفه بحالهم وحكمهم‪ ,‬ثم رتب على ذلك طريقة الدعوة والتعامل معهم وغير ذلك‬
‫من الفوائد التي ليس هذا مقام حصرها‬

‫وختاما فليتّق ال فينا وفي أنفسهم أولئك الجهال أو المفترين الذين يرموننا بتكفير الناس كلهم‬

‫بالعموم دون أن يسمعوا ما نقول‪ ،‬أو يقرؤوا ما نكتب‪ ،‬فإنهم معروضون على رب ل تخفى‬

‫عليه خافية وأقوالهم محصية في كتاب ل يغادر صغيرة ول كبيرة إلّ إحصاها وقد قال تعالى‬
‫ح َت َملُواْ ُب ْهتَانا َوِإثْما ّمبِينا} ‪.‬‬
‫سبُواْ فَقَدِ ا ْ‬
‫{وَالّذِينَ ُيؤْذُونَ ا ْل ُم ْؤمِنِينَ وَا ْل ُم ْؤ ِمنَاتِ ِب َغ ْيرِ مَا ا ْكتَ َ‬

‫وقال رسول ال صلى ال عليه وسلّم‪" :‬من قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه ال رَدْغة الخبال‬

‫( ) حتى يأتي بالمخرج مما قال"‪ .‬رواه أبو داود والطبراني وغيرهما‪.‬‬

‫حلّه ‪ ،‬ول‬
‫فها نحن نقولها صريحة واضحة بيّنة ‪ :‬إننا ل نُكفّر مسلما بذنب غير مكفّر ما لم يست ِ‬

‫نكفّر الناس كلهم بالعموم كما يرمينا بذلك أعداؤنا من الطواغيت ويبهتنا به خصومنا من‬

‫جماعات الرجاء وإنّما نكفّر من هدم التوحيد أو أعان على هدمه أو أتى بشيء من نواقضه أو‬

‫عادى أهله نصرة لعدائه من أهل الشرك والتنديد ومظاهرة لهم على الموحدين‪.‬‬

‫ن المرء‬
‫ونعرف أنّ للكفر شروطا وموانع ول نكفّر إلّ باستيفاء الشروط وانتفاء الموانع ونعلم أ ّ‬
‫قد يصدر منه قول الكفر أو عمله‪ ،‬ول يكفر لقيام مانع من موانع التكفير‪.‬‬

‫وكل ما تكلمنا به في هذه الوراق وغيرها إنّما هو في كفر أعداء التوحيد وعساكر الشرك‬
‫والتنديد الذين مرقوا من الدين وحاربوا أهله ونصروا الدستور الشركي والقانون الوضعي ‪.‬‬
‫‪200‬‬

‫وكفر هؤلء أوضح عندنا من الشمس في رابعة النهار بالدلّة الشرعية وليس بالهوى أو التقليد‬
‫أو الستحسان‪.‬‬

‫فنقول لخصومنا ‪ :‬اتّقوا ال {وَلَ َت ْلبِسُواْ الْحَقّ بِا ْلبَاطِلِ َو َت ْك ُتمُواْ الْحَقّ َوَأ ْنتُمْ َت ْعَلمُونَ } بيننا وبينكم‬
‫كتاب ال تعالى وسنة رسوله صلى ال عليه وسلّم ل نقبل حكما غير ذلك إيتونا منه بدليل‬

‫وبرهان ينقض ما قلناه وستجدوننا إن شاء ال تعالى أسعد الناس به وأول من يرجع إليه {قُلْ‬
‫هَاتُواْ ُبرْهَا َنكُمْ إِن ُك ْنتُمْ صَادِقِينَ}‪.‬‬

‫أمّا الشقشقات الفارغة والسفسطات الجوفاء والتهامات الباطلة التي ل يسنـدها دليل وبرهـان‬
‫شرعي ول تنبني على الكتـاب والسنة فإنها مـردودة على صاحبـها ومن لم يقبل بالدليل‬

‫الشرعي ويذعن له وينقاد فل خير فيه ول ينفع فيه تقصير أو تطويل الكلم ‪.‬‬
‫قال تعالى { َف ِبَأيّ حَدِيثٍ َبعْ َد اللّهِ وَآيَاتِهِ ُي ْؤ ِمنُونَ}‪.‬‬

‫ورحم ال ابن القيّم إذ يقول في نونيّته عن الكتاب والسنة‪:‬‬
‫من لـم يكــن يكـفيــــه ذان‬

‫فل كفـاه ال شرّ حوادث الزمـان‬

‫من لـم يكــن يشــفيـــه ذان‬

‫فل شفـاه ال في قلب ول أبـــدان‬

‫من لـم يكــن يـغــنيـــه ذان‬

‫رماه رب العرش بالقلل والحرمان‬

‫إنّ الكلم مع الكبار وليس مع‬

‫تلــك الراذل سفـلـــة الحيـــوان‬

‫وصلى ال وسلّم على نبيّنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين‬
‫***********************‬
‫كشف النقاب عن شريعة الغاب‬

‫لبي محمد عاصم المقدسي‬

‫ إلى عبيد الياسق العصري وحكوماتهم وأوليائهم وأنصارهم‪..‬‬‫‪ -‬إلى سدنتهم وأذنابهم من الئمة المضلين‪..‬‬

‫‪201‬‬

‫ إلى هؤلء جميعا نقول‪:‬‬‫ل نعبد ما تعبدون‪ ..‬لكم دينكم ولنا دين‪ ..‬كفرنا بكم وبدساتيركم وبقوانينكم‬

‫وبتشريعاتكم التي تعبدونها من دون ال‪ ..‬وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى ترجعوا‬
‫إلى دين ال وتنقادوا لشرعه وحكمه وتسلموا‬
‫بسم ال الرحمن الرحيم‬

‫تسليما‪.‬‬

‫مقدمة‬

‫الحمد ل الذي ل يغفر أن يشرك به‪ ،‬ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء‪ ،‬ومن يشرك بال فقد افترى‬
‫إثما عظيما‪ ،‬ومن يشرك بال فقد ضلّ ضللً بعيداة‬

‫والصلة والسلم على سيد الموحدين‪ ،‬المأمور في محكم التنزيل باتباع ملّة إبراهيم‪ ،‬والقتداء‬
‫بدعوة المرسلين‪ ،‬بتوحيد ربّ العالمين‪ ،‬والبراءة من الشرك والمشركين‪ ،‬وبعد ة‬

‫فإن من الحقائق التي ل يجادل فيها عاقل‪ ،‬أنّ لكل زمان فتنته وشركياته التي تتفاوت بالعِظَم‬

‫انتشارا وخطورةة‬

‫فقد تنتشر في زمن من الزمنة أو في بلد من البلدان عبادة أوثان الحجر والشجر‪ ،‬حتى تكون‬

‫هي فِتنة ذلك الزمان أو تلك البلد وشِركها العظيم‪ ،‬مع وجود شركيات ومعاصي أقل انتشارا‬

‫وأدنى خطورة‪..‬‬

‫وقد ينتشر الشرك والخوض في أسماء ال تعالى وصفاته في زمن من الزمنة‪ ،‬حتى يكون هو‬

‫فِتنة العصر العظيمة وطامته المبينة ‪ ،‬مع وجود فِتن ومنكرات ومصائب في المة هي أخف‬
‫خطرا ونكايةً وأقل انتشاراة‬

‫كما قد تنتشر عبادة القبور والضرحة والولياء‪ ،‬حتى تكون شعارات ذلك الزمان أو تلك البلد‬

‫وطامته العظمى‪ ،‬مع وجود غير ذلك من الشركيات والمعاصي القل خطورة وانتشارا ة‬

‫وهكذا‪.‬‬

‫وإنّ من رحمة ال تعالى بالمة أنْ يهيئ لها في كل زمان دعاة من عباده فطنا راشدين‪،‬‬

‫يُجددون لها أمر دينها‪ ،‬ويحفظونه من تحريف المحرفين وطعن الطاعنين‪ ،‬ويحاربون هذه الفتن‪،‬‬

‫ويقفون في وجه شركيات زمانهم‪ ..‬يُحذرون النّاس منها‪ ،‬ويأخذون بأيديهم إلى واحة التوحيد‬
‫وروض اليمانة‬

‫‪202‬‬

‫إذا عرفنا ذلك فإن مما ل يقره النقل ول العقل أن يتشاغل بعض المصلحين في أزمنتهم عن تلك‬
‫الفتن العظيمة ذات الخطر المستطير بغيرها مما هو أقل خطورة وأضعف انتشارا‪ ،‬وأن يِميتوا‬

‫الكلم عن ذلك الخطر إماتةً ل حياة فيها‪ ..‬بينما يُشعلون ويُضرمون المعارك الضارية بين‬

‫المسلمين أنفسهم في قضايا هي أقل خطورة بكثير من فتن العصر الداهمة‪ ،‬بل هي في الحقيقة‬
‫تبع للفتن العظيمة‪ ،‬وقد تزول بزوالهاة‬

‫وإنّ من الشرك والكفر الواضح المستبين في زماننا هذا‪ ،‬تنزيل القانون اللعين منزلة ما نزل به‬

‫الروح المين على خاتم النبياء والمرسلينة‬

‫بل إنه يكاد يكون أعظم أنواع الشرك التي يجب أن يتصدى لها العلماء والمصلحون في هذا‬

‫الزمان‪ ،‬خاصة في هذه البلد التي نعمت بوصول دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه‬
‫إليها‪ ،‬فل تكاد ترى قبرا أو ضريحا تشدّ إليه الرحال‪ ،‬أو شجرة أو حجرا يُعبد مع ال تعالى‪..‬‬

‫فل يعقل والحال كذلك ول يستساغ أبدا ما يفعله كثير من الدعاة من الدندنة ليل نهار على شرك‬

‫القبور والصنام وما حواليها‪ ،‬بينما هم قد قبروا الكلم عن شرك العصر وفتنة هذا الزمان من‬
‫تحكيم قوانين الفرنجة‪ ،‬فل يذكرون ذلك في محافلهم أو مجالسهم أو كتبهم إل قليلً قليلً‪.‬‬

‫حتى إن كثيرا من المسلمين ما عادوا يعرفون عن كتب التوحيد والعقيدة ورسائلها إل أنها كتب‬

‫تحارب القبوريين والمشعوذين‪ ..‬أما الحكم والتشريع وما إلى ذلك فإن القضية عندهم فيها غبش‬
‫كبيرة‬

‫أضف إلى هذه المأساة أن حال كثير من دعاة هذا التوحيد الناقص المبتور لم يقف عند السكوت‬
‫عن بيان شرك العصر وعدم تحذير الناس من أوليائه وحسب‪ ..‬بل إن كثيرا من هؤلء الدعاة‬
‫قد أمسوا جنودا للشرك وحُراسا للقانون وشرطة للدستور وحماة للطواغيت‪ ..‬هم لهم جندٌ‬

‫محضرون‪ ..‬ل يعرف أكثرهم البراءة إل من المتصوفة وشعوذاتهم‪ ،‬والروافض وباطلهم‪ ،‬وعُباد‬

‫القبور وشركياتهم‪ ..‬وما إلى ذلك ‪ -‬وهذا حق ‪ -‬ولكنك إذا اقتربتَ من عبيد الياسق‪ ،‬وقوانينهم‪،‬‬
‫وظَلمهم‪ ،‬وظُلماتهم ومواقف هؤلء الدعاة وطرائقهم معهم‪ ..‬فإنك سترى عجبا‪ ..‬وليس الخبر‬

‫كالمعاينة‪ ..‬يغدو الواحد من هؤلء يدرسُ ويُدرّس التوحيد‪ ،‬بل ويحفظه ول يمنعه توحيده هذا‪،‬‬

‫من إظهار الولء لذناب الفرنجة وعبيد القانون‪ ..‬وإنما كل الناس عنده إخوان يُصاحب أولياء‬
‫الوثان‪ ،‬كما يصاحب عِباد الرحمن‪ ،‬ويأنس بالمنقلب على عقبيه‪ ،‬كما يأنس بالثابت على‬
‫اليمانة‬
‫‪203‬‬

‫يغدو يبيع دينه لجل وظيفة أو رتبة‪ ،‬وعلى رأسه وفوق أكتافه شعار الطاغوت وشعار حكومة‬
‫الياسق‪ ..‬ويقسم على الولء لعبيد القانون وعلى احترام قوانينهم الكفرية‪ ..‬ينتسب إلى الحق‬

‫ويُوالي من خرج عنه وعق فماذا بقي من توحيده؟؟ ‪.‬‬

‫يظــنون أن الدين لبيك في الفــــل وفعل صلة والسكوت عن المـــــل‬

‫وسالم وخالط من لـذا الدين قـد قــل وما الـدين إلّ الـحب والبـغـض والول‬

‫كــذاك الــبرا من كل غـــــاو وآثم‬

‫وإن تعجب لواقع هؤلء فعجبك أشد لمن ذهب يكفر الطواغيت وحكوماتهم من منطلقات‬
‫الحماس الجوف أو التقليد أو غيره‪ ..‬ثم ل يؤثّر هذا المذهب والختيار في مناهجهم وطرائقهم‬

‫ودعواتهم‪ ..‬بل الحال هو الحال والمداهنة كما هي والسير في ركاب الظالمين مستمر‪ ..‬فماذا‬
‫استفادوا إذا من الدندنة والخلف في التكفير‪ ..‬إذا كان التكفير ل يعدّل لهم طريقا أو يقوّم‬
‫منهجا‪ ..‬ويا ليتهم لم يكفّروا الطواغيت ولكنهم على القل كَ َفرُوا بقوانينهم وعادوا باطلهم‬

‫وتبرؤوا من ظلماتهم وكَفّوا عن مداهنتهم‪..‬‬

‫فهذا زمان امتُحن فيه أهل اليمان وابتُلي فيه دعاة السلم بقَبض العلماء العاملين الذين يبلغون‬
‫رسالت ال ويخشونه ول يخشون أحدا إلّ ال‪ ..‬ول يخافون في سبيله سبحانه لومة لئم أو‬

‫شماتة شامت أو عداوة عدو أو كيد كائد‪ ..‬ويقودون المة بالكتاب والحديد‪ ..‬ل بالكتاب وحده‬

‫ول بالحديد وحده‪ ..‬كحال كثير من الدعوات‪ ..‬بل كما يقول شيخ السلم ابن تيمية عند قوله‬

‫سَلنَا بِا ْل َب ّينَاتِ َوَأ ْن َز ْلنَا َم َعهُمْ ا ْل ِكتَابَ وَا ْلمِيزَانَ ِليَقُو َم النّاسُ بِالْقِسْطِ َوَأ ْن َز ْلنَا‬
‫س ْلنَا رُ ُ‬
‫تعالى‪{ :‬لَقَدْ َأرْ َ‬
‫ن اللّهَ َق ِويّ‬
‫سلَهُ بِا ْل َغ ْيبِ إِ ّ‬
‫الْحَدِيدَ فِيهِ بَ ْأسٌ شَدِيدٌ َو َمنَافِعُ لِلنّاسِ َوِل َي ْعلَ َم اللّهُ مَنْ َي ْنصُ ُرهُ َورُ ُ‬

‫عزِيزٌ}[الحديد‪ .]25:‬قال‪ ( :‬قوام الدين بكتاب يهدي وسيف ينصر وكفى بربك هاديا‬
‫َ‬
‫ونصيرا)اهـ‪.‬‬

‫أين هم أولئك العلماء الذين يتقدمون الصفوف ويقودون المة ويتصدون للطغاة‪ ..‬إن واقعنا اليوم‬
‫أليم جدا‪ ..‬فإلى ال وحده نشكو وحشتنا وما حل بهذه المة من ذهاب العلماء العاملين‪ ..‬وذهاب‬
‫الخوان وقلة النصار والعوان القائمين بتكاليف التوحيد حق القيام‪ ..‬هم اليوم وال في الناس‬

‫كالشعرة البيضاء في الجلد السود‪ ..‬أين العنقاء لتطلب؟ وأين السمندل ليجلب؟ لم يبق إلّ رسوم‬
‫قد درست‪ ،‬وأعلم قد عفت عليها عواصف الهوى وطمستها محبة الدنيا وحظوظ النفس‪ ..‬إلى‬

‫‪204‬‬

‫ال وحده نشكو هيمنة الضلل وغلبة الهوى وتوافر أسباب الفتن وانطماس أعلم السنن وإمارة‬
‫السفهاء وحكم الرويبضة وإنا ل وإنا إليه راجعون‪..‬‬

‫ولما رأى العبد الفقير إلى توفيق ربه ومغفرته‪ ،‬كاتب هذه الكلمات والسطور حال المة هذه‪..‬‬
‫بين سكوت علمائها وجهل أبنائها وانحراف كثير من دعاتها عن منهاج النبوة‪ ..‬وطغيان‬

‫سلطينها وكفر قوانينها وتكالب المم عليها من كل مكان‪ ،‬رام أداء النصيحة التي بايع أصحاب‬
‫محمد محمدا‬

‫عليها تنبيها للمسلمين وبراءة من القوانين وعبيد القوانين‪ ..‬عسى أن ينال بذلك‬

‫معذرة رب العالمين‪ ..‬يوم ل ينفع مال ول بنون إلّ من أتى ال بقلب سليم‪..‬‬

‫ولعلي أسن بكتابي هذا سنة حسنة للدعاة في إظهار الدّين وإعلنه بإبداء العداوة لهذه القوانين‬

‫الشركية ولمن نافح عنها وحكمها وحماها ووالها‪..‬وببيان وتفصيل النصح للمة بذكر قوانين‬
‫عبيد الياسق صراحة بأرقامها‪ ،‬وتسفيهها وبيان حقارتها و َت َه ْل ُهِلهَا وتناقضها ونقصها وفسادها‬

‫وظلمها وجورها‪ ..‬وأن تحكيمها ضياع للموال والحقوق وهدر للدماء والرواح والنفوس‬

‫وإماتة الدين والعقيدة وهتك للعراض وإفساد للنساب‪ ..‬حتى تظهر وتتعرى حقيقة محبيها‬

‫وأوليائها علنية لكل واحد من المة‪ ،‬وبيان الموقف تجاههم وحكم موالتهم أو التقرب إليهم أو‬
‫العمل في شرطتهم وجيشهم وحرسهم ومباحثهم وأمنهم أو في أية وظيفة تعينهم على باطلهم‬

‫وظلمهم أو فيها تطبيق قوانينهم أو نوع موالة أو احترام لها ولموادها‪ ..‬وغير ذلك مما وفقنا‬
‫ال عز وجل للتنبيه عليه في هذه الورقات‪ ..‬وله الحمد والمنة‪ ..‬فإن فتنة كهذه‪ ..‬وحالها ما‬

‫وصفنا من الخطورة والنتشار لبد أن يفصل النصح فيها للمة تفصيلً‪ ..‬ويظهر الكلم حولها‬
‫علنية ل خفاء فيها ول تلبيس ول تمييع أو ترقيع أو تطييبا للخواطر أو حسابا لتخيلت‬

‫وتخذيلت الشياطين بدعوى تقديم مصالح الدعوات ودرء الفتنة والمفسدة عن الدعاة‪ ..‬وما إلى‬

‫ذلك‪ ..‬فأي مصلحة أعظم من إظهار دين ال َتعَالى وإعلن توحيده وإزهاق وفضح وتعرية‬
‫الباطل والشرك وكشف زيوفه؟؟ هل هناك مصلحة في دين السلم أعظم من " ل ِإلَهَ إِلّ‬
‫ال" ؟؟‬

‫أجيبونا وأفتونا يا أصحاب المصالح والستحسانات‪ ..‬إنها أصل دعوة النبياء والمرسلين وقطب‬

‫رحاها والغاية من خلق الجن والنس أجمعين‪ ،‬التي اختص بها المؤمنون وجحدها المشركون‬
‫وفيها وقع النزاع ولها شرع الجهاد وانقسم العباد‪ ،‬وما بقية الدين إلّ فروع تندرج تحت هذا‬

‫‪205‬‬

‫الصل العظيم‪ ..‬فأي مفسدة أعظم وأشنع من إخماد نور هذه الحقيقة وإخفائها والسكوت عن‬
‫تشويه الطغاة لها‪..‬‬

‫يا قوم إن هذا المر ليس فرعا من الفروع أو مستحبا من المستحبات أو مصلحة من المصالح‬

‫المرجوحة لنتركه تأليفا للمبتدئين أو إرضاء لسواد عيون النافرين‪ ..‬إنه جزء أصيل من توحيد‬

‫ألوهية الخالق تباركت أسماؤه‪ ..‬فسحقا لكل مصلحة تعارض وتعطل هذا الصل الصيل‪ ،‬بل‬

‫سحقا للحياة كلها سحقا للجساد والرواح والباء والمهات والبناء والهل والخوان والموال‬

‫إن قامت عائقا في سبيل هذه الغاية العظيمة‪ ..‬والمصلحة الجليلة‪..‬‬

‫ليّ شيء إذا تكون التضحيات ولجل ماذا‬
‫وإذا لم يضحّ المسلم بذلك كله لجل " ل ِإلَهَ إِلّ ال" فَ َ‬
‫يخالف وينازع ويحب ويبغض ويعادي‪ ،‬وفي سبيل ماذا يقاتل ويقتل إذا؟؟ أي نقل بل أي عقل‬

‫يخالف هذا يا أولي النقول والعقول؟؟‪ ..‬إنه الصل الذي كان يُنشر الصالحون من أجله‪..‬‬

‫ويحملون على ألواح الخشب ويمشطون بأمشاط الحديد دون اللحم والعظم‪ ،‬إنه الصل الذي من‬
‫أجله عُذب وهاجر وقاتل نبينا محمد‬

‫وأصحابه‪ ..‬إنه الصل الذي ل زالت من أجله تتدفق‬

‫شللت الدم عبر التاريخ السلمي‪ ،‬ليس من عهد الصحابة وحسب بل قبل ذلك بكثير‪ ..‬وعلى‬
‫مدار دعوات الرسل وأتباعهم من المصلحين‪..‬‬

‫ثم أليست هذه هي ملة أبينا إبراهيم التي أمر نبينا‬

‫يُعلنها إبراهيم‬

‫وأمرنا باتباعها في محكم التنزيل‪َ ..‬ألَمْ‬

‫والذين معه ويصدعوا بها على رؤوس المل في زمانهم‪ ..‬كما أخبر َتعَالى‬

‫سنَةٌ فِي ِإ ْبرَاهِيمَ وَالّذِينَ َمعَهُ إِذْ قَالُوا لِ َق ْو ِمهِمْ ِإنّا ُبرَءاؤا ِم ْنكُمْ َو ِممّا‬
‫س َوةٌ حَ َ‬
‫عنهم‪{ :‬قَدْ كَا َنتْ َلكُمْ أُ ْ‬

‫حتّى ُت ْؤ ِمنُوا بِاللّهِ وَحْ َدهُ}‬
‫ن اللّهِ كَ َف ْرنَا ِبكُمْ َوبَدَا َب ْي َننَا َو َب ْي َنكُمْ ا ْلعَدَاوَةُ وَا ْل َب ْغضَاءُ َأبَدًا َ‬
‫َت ْعبُدُونَ مِنْ دُو ِ‬

‫[الممتحنة‪.]4 :‬‬

‫وتأمل تقديمه سبحانه {الْعَدَا َوةَ} على{ا ْل َبغْضَاء} لكونها أظهر‪ ،‬وتأمل قوله َتعَالى ‪{ :‬بَدَا} أي ظهر‬

‫علَى الْحَقّ‪ ..‬الحديث) نسأل ال َتعَالى‬
‫وبان‪ ..‬ومثله قوله ‪( :‬ل َتزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ ُأ ّمتِي ظَا ِهرِينَ َ‬
‫أن يجعلنا منهم‪.‬‬

‫ونختم هذه المقدمة بكلم نفيس لحد أعلم الدعوة السلفية في نجد وهو الشيخ العلمة حمد بن‬

‫عتيق رحمه ال َتعَالى حيث يقول في كتابه القيم ( سبيل النجاة والفكاك من موالة المرتدين‬

‫وأهل الشراك) ‪( :‬إن كثيرا من الناس قد يظن أنه إذا قدر أن يتلفظ بالشهادتين وأن يصلي‬

‫الصلوات الخمس‪ ،‬ول يرد عن المسجد فقد أظهر دينه وإن كان مع ذلك بين المشركين أو في‬
‫‪206‬‬

‫أماكن المرتدين‪ ،‬وقد غلطوا أقبح الغلط‪ .‬اعلم أن الكفر له أنواع وأقسام تتعدد بتعدد المكفرات‬
‫وكل طائفة من طوائف الكفر عندها نوع منه‪ .‬ول يكون المسلم مظهرا لدينه حتى يخالف كل‬

‫طائفة بما اشتهر عندها ويصرح لها بعداوته‪ ،‬والبراءة منه‪ )..‬انتهى كلمه رحمه ال َتعَالى وهو‬

‫واضح جلي‪ ..‬فل يكون إظهار الدين وإعلن ملة إبراهيم وسلوك دعوة النبياء والمرسلين في‬

‫مثل هذا البلد وهذا الواقع بمجرد الدندنة على شرك الحجار والشجار أو الضرحة والقبور أو‬

‫الصوفية والروافض وحسب‪ ..‬بل لبد أن يكون في مقدمة ذلك كله الصدع بسفاهة القانون‬

‫والبراءة منه ومن عبيده وتـحذير المسلمين من السير في ركابهم وركاب حكوماتهم أو العمل‬
‫معهم في أي وظيفة تعينهم على إقرار واستمرار شركهم ومنكرهم وباطلهم العظيم هذا ‪ ..‬بل‬
‫السعي الحثيث في إبطال قوانينهم هذه ونقضها وهدمها‪ ..‬وإعداد أبناء المسلمين منذ نعومة‬

‫أظفارهم على هذا التوحيد العملي والعتقادي ببغضها وبغض كل من حكم بها كائنا من كان‪..‬‬
‫كل ذلك من أجل إخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة ال وحده‪ ..‬واستنقاذهم من أغلل‬

‫الشرك إلى عزة التوحيد‪ ..‬والسعي إلى إعلء كلمة ال َتعَالى وإعزاز دينه وإعادة راية الجهاد‬

‫لنصرة المستضعفين ولتحرير أوطان المسلمين وإعادة الخلفة وتحكيم شرعه َتعَالى في‬
‫أرضه‪..‬‬

‫وما الرسالة التي بين يدي القارئ إلّ محاولة لسلوك هذا الطريق والدعوة إليه ولو بنزع دلو‪..‬‬

‫أو بكف رمل‪ ..‬أو بشطر كلمة‪ ..‬وسميتها‪:‬‬

‫( تنبيه البرية إلى وجوب الكفر بالدستور ومعاداة أوليائه والبراءة من القوانين الوضعية)‬

‫وإن شئت فسمها‪ ( :‬كشف النقاب عن شريعة الغاب )‪.‬‬

‫والمرجو من الملك الوهاب حسن العقبى والمآب‪ ..‬والقبول والخلص والثواب‪ ..‬إنه ولي ذلك‬
‫والقادر عليه وصلى ال على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم‪.‬‬
‫بسم ال الرحمن الرحيم‬

‫وهو حسبنا ونعم الوكيل‬

‫الحمد ل الذي يقذف بالحق على الباطل فإذا هو زاهق‪..‬‬

‫ل اللّهُ وَل َت ّتبِعْ أَ ْهوَاءَهُمْ وَاحْ َذرْهُمْ أَنْ يَ ْف ِتنُوكَ‬
‫حكُمْ َب ْي َنهُمْ ِبمَا أَنزَ َ‬
‫والحمد ل القائل لنبيه ‪َ { :‬وأَنِ ا ْ‬

‫علَمْ َأ ّنمَا ُيرِي ُد اللّهُ أَنْ ُيصِيبَهُمْ ِب َبعْضِ ُذنُو ِبهِمْ َوإِنّ َكثِيرًا‬
‫ل اللّهُ ِإَل ْيكَ فَإِنْ َت َوّلوْا فَا ْ‬
‫عَنْ َبعْضِ مَا أَنزَ َ‬

‫‪207‬‬

‫ح ْكمًا لِ َقوْمٍ يُو ِقنُونَ}[المائدة‪-49 :‬‬
‫حكْمَ الْجَا ِهِليّةِ َي ْبغُونَ َومَنْ َأحْسَنُ مِنْ اللّهِ ُ‬
‫مِنْ النّاسِ لَفَاسِقُونَ أَ َف ُ‬
‫‪.]50‬‬

‫وبعد‪ ..‬فهذه نصيحة نوجهها إلى إخواننا المسلمين عامة‪ :‬عوامّهم ودعاتهم‪ ..‬في زمان عزّ فيه‬
‫الناصحون‪ ..‬وا ْل َت َبسَ فيه الحق مع الباطل‪ ،‬وكتم فيه كثير من المنتسبين إلى العلم ما أمرهم ال‬

‫َتعَالى بأدائه وبيانه من ُم ِهمّات الدين وأصوله‪ ..‬ل نريد من ورائها أجرا‪ ،‬وأسوتنا في ذلك أنبياء‬
‫علَى َربّ‬
‫جرِي إِلّ َ‬
‫جرٍ إِنْ أَ ْ‬
‫عَليْهِ مِنْ أَ ْ‬
‫ال حين كانوا يقولون لقوامهم‪َ { :‬ومَا أَسَْأُلكُمْ َ‬

‫ا ْلعَاَلمِينَ}[الشعراء‪ ،]109 :‬ول نريد إلّ الصلح ما استطعنا إلى ذلك سبيلً‪ ..‬كما قال نبي ال‬
‫ط ْعتُ َومَا‬
‫ستَ َ‬
‫لصْلحَ مَا ا ْ‬
‫عنْهُ إِنْ ُأرِيدُ إِلّ ا ِ‬
‫شعيب لقومه ‪َ { :‬ومَا ُأرِيدُ أَنْ أُخَالِ َفكُمْ ِإلَى مَا َأ ْنهَاكُمْ َ‬

‫عَليْهِ َت َو ّكلْتُ َوِإَليْهِ ُأنِيبُ} [ هود‪.]88 :‬‬
‫َتوْفِيقِي إِلّ بِاللّهِ َ‬
‫ونقدم بين يديها بهذه المقدمات المهمة ة‬
‫[‬

‫‪1‬‬

‫]‬

‫توحيد ال هو الغاية العظمى‬

‫ع َبثًا‬
‫خلَ ْقنَاكُمْ َ‬
‫س ْبتُمْ َأ ّنمَا َ‬
‫• اعلم يا عبد ال أن ال تبارك وتعالى لم يخلقك عبثا‪ ،‬قال تعالى‪{ :‬أَفَحَ ِ‬
‫جعُونَ}[المؤمنون‪ ،]115 :‬بل قد خلقك سبحانه لغاية هامة قد غفل عنها أكثر‬
‫َوَأ ّنكُمْ ِإَل ْينَا ل ُترْ َ‬

‫خلَ ْقتُ الْجِنّ وَالِنسَ إِلّ ِل َي ْعبُدُون}[الذاريات‪.]56 :‬‬
‫الناس‪ ،‬قال تعالى‪َ { :‬ومَا َ‬

‫• وليست هذه الغاية ( عبادة ال فحسب)‪ ،‬فإن كثيرا من الكفار يعبدون ال ويعبدون معه آلهة‬
‫أخرى‪ ،‬كما كان يفعل مشركو قريش‪ ..‬إنما الغاية‪( :‬عبادته وحده)‪ ..‬لذا قال غير واحد من‬

‫المفسرين {إِلّ ِل َي ْعبُدُون} أي‪ :‬يوحدون‪.‬‬

‫فالمطلوب إذن هو توحيد ال َتعَالى في العبادة بكل أنواعها‪ ،‬ويدخل في ذلك الحكم والتشريع‪،‬‬
‫ول يتم ذلك ول يصح إلّ بالكفر والبراءة من كل معبود ومتبوع ومشرع سواه‪ ..‬وهذا هو أصل‬

‫الدين ومن أهم معاني ( ل ِإلَهَ إِلّ ال) التي ل يصير المرء مسلما إلّ بها‪ ..‬وهذه هي الغاية التي‬
‫عبُدُوا اللّهَ‬
‫بُعث من أجلها رسل ال أجمعون‪ ،‬قال تعالى‪َ { :‬ولَقَدْ َب َع ْثنَا فِي كُلّ ُأمّةٍ رَسُولً أَنْ اُ ْ‬

‫ج َت ِنبُوا الطّاغُوتَ} [النحل‪ ،]36:‬وهو المر الذي قد غفل عنه وجهله أكثر الناس قال تعالى‪:‬‬
‫وَا ْ‬
‫حكْمُ إِلّ ِللّهِ َأ َمرَ أَلّ َت ْعبُدُوا إِلّ ِإيّاهُ َذِلكَ الدّينُ الْ َقيّمُ َوَلكِنّ َأ ْك َث َر النّاسِ ل َي ْعَلمُونَ}[يوسف‪:‬‬
‫{إِنْ الْ ُ‬
‫‪.]40‬‬
‫[‬

‫‪2‬‬

‫]‬
‫‪208‬‬

‫التسليم لحكم الكتاب والسنة ونبذ ما سواهما‬
‫من أهم معاني التوحيد‬

‫• واعلم كذلك أن من أهم معاني الشطر الثاني من الشهادتين وهو "محمد رسول ال" ‪ :‬تحكيم‬
‫الرسول صلوات ال وسلمه عليه‪ ،‬ويكون في زماننا بتحكيم دينه وسنته وأمره ونهيه‪ ..‬فذلك‬
‫كله وحي من عند ال قال َتعَالى ‪{ :‬فَل َو َر ّبكَ ل ُي ْؤ ِمنُونَ} وهذا قَسَمٌ من ال َتعَالى بنفسه‬

‫جرَ َب ْي َنهُمْ}[النساء‪.]8 :‬‬
‫ح ّكمُوكَ فِيمَا شَ َ‬
‫حتّى يُ َ‬
‫العظيمة الجليلة‪َ { ..‬‬
‫• ول يكفي تحكيم شريعة ال َتعَالى التي أُرسل بها محمد‬

‫من كتاب وسنة‪ ،‬ل يكفي ذلك‬

‫وحده وحسب لصحة إسلم المرء وإيمانه بل لبد من انشراح الصدر لحكامها والرضى بها‬

‫ح َرجًا‬
‫سهِمْ َ‬
‫والنقياد والتسليم المطلق لها‪ ،‬قال َتعَالى في آخر الية السابقة ‪{ :‬ثُمّ ل يَجِدُوا فِي أَنفُ ِ‬
‫سلِيمًا}‪.‬‬
‫سّلمُوا تَ ْ‬
‫ض ْيتَ َويُ َ‬
‫ِممّا َق َ‬
‫[‬

‫‪3‬‬

‫]‬

‫البراءة من كل شرع غير شرع ال‬
‫من أهم معاني ل ِإلَهَ إِلّ ال‬

‫وهذا يلزم منه أن يجدوا حرجا عظيما من أنفسهم في كل مشرع ومعبود غير ال َتعَالى ومن‬
‫كل شريعة غير دين ال َتعَالى ومن كل حكم غير حكم ال تعالى‪ ،‬وأن ل يستسلموا له أو‬

‫يرضوا به أو يحترموه أو يقدموه أو يوقروه‪ ،‬وإل كانوا مشركين‪.‬‬

‫بل الواجب عليهم أن يُؤخروه ويُسفّهوه و َيكْ ُفرُوا به ويتبرءوا منه‪ .‬كما كان النبي‬

‫يصنع مع‬

‫أصنام قومه وطواغيتهم‪.‬‬

‫• يقول شيخ السلم ابن تيمية ‪( :‬وهذا الدين هو دين السلم‪ ،‬ل يقبل ال دينا غيره‪ ،‬فالسلم‬

‫يتضمن الستسلم ل وحده‪ ،‬فمن استسلم له ولغيره كان مشركا‪ ،‬ومن لم يستسلم له كان‬
‫مستكبرا عن عبادته‪ ،‬والمشرك والمستكبر عن عبادته كافران) اهـ ‪.‬‬

‫• ويقول إمام الدعوة النجدية الشيخ محمد بن عبد الوهاب مُعلقا على ما رواه مسلم في‬
‫صحيحه عن أبي مالك الشجعي عن أبيه أن النبي‬

‫قال ‪( :‬مَنْ قَالَ ل ِإلَهَ إِلّ ال َوكَ َفرَ ِبمَا‬

‫علَى اللّهِ)[ رواه مسلم في كتاب اليمان] قال‪( :‬وهذا‬
‫حرُمَ مَالُهُ وَ َدمُهُ وَحِسَابُهُ َ‬
‫ُي ْعبَدُ مِنْ دُونِ اللّهِ َ‬

‫من أعظم ما يبين معنى ل ِإلَهَ إِلّ ال فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصما للمال والدم‪ .‬بل ول‬

‫‪209‬‬

‫معرفة معناها مع لفظها‪ ،‬بل ول القرار بذلك‪ ،‬بل ول كونه يدعو إلّ ال وحده حتى يضيف إلى‬
‫ذلك الكفر بما يعبد من دون ال‪ .‬فإن شك أو تردد لم يحرم ماله ودمه‪ )..‬اهـ ‪.‬‬
‫[‬

‫‪4‬‬

‫]‬

‫توحيد ال فرض في جميع أنواع العبادة‬

‫ثم اعلم أن العبادة تشمل أمورا كثيرة وأقساما شتى قد جهلها كثير من الناس في زماننا هذا‪..‬‬
‫فيجب عليك معرفتها حتى تُوحد ال َتعَالى بها كلها فتكون مسلما مؤمنا موحدا‪ ..‬فتنال موعوده‬

‫سبحانه بالمغفرة ودخول الجنة‪ ،‬فهي ليست فقط الصلة والصوم والزكاة والحج كما يتوهم كثير‬
‫من الناس‪ ..‬بل يدخل فيها َأيْضا النذر والطواف والذبح والدعاء والستعاذة والستغاثة‬

‫والستعانة فيما ل يقدر عليه إلّ ال َتعَالى كجلب الرزق ودفع الضر والمرض وغير ذلك‪ ،‬فإن‬

‫ذلك كله من العبادة التي ل يجوز صرفها إلّ ل َتعَالى وحده‪ ،‬وإذا صرف العبد شيئا من ذلك‬

‫لغير ال َتعَالى ومات عليه مات مشركا‪.‬‬

‫جنّةَ}[المائدة‪.]72 :‬وقال تعالى‪{ :‬إِنّ اللّهَ‬
‫عَليْهِ الْ َ‬
‫حرّ َم اللّهُ َ‬
‫ش ِركْ بِاللّهِ فَقَدْ َ‬
‫وقد قال تعالى‪ِ{ :‬إنّهُ مَنْ يُ ْ‬

‫ش ِركْ بِاللّهِ فَقَدْ ا ْف َترَى ِإ ْثمًا‬
‫ش َركَ بِهِ َو َيغْ ِفرُ مَا دُونَ َذِلكَ ِلمَنْ يَشَاءُ َومَنْ يُ ْ‬
‫ل َيغْ ِفرُ أَنْ يُ ْ‬

‫ش َركَ بِهِ َو َيغْ ِفرُ مَا دُونَ َذِلكَ ِلمَنْ يَشَاءُ‬
‫عَظِيمًا}[النساء‪ .]48:‬وقال سبحانه {إِنّ اللّهَ ل َيغْ ِفرُ أَنْ يُ ْ‬

‫ل ضَللً َبعِيدًا}[النساء‪.]116 :‬‬
‫ش ِركْ بِاللّهِ فَقَ ْد ضَ ّ‬
‫َومَنْ يُ ْ‬
‫[‬

‫‪5‬‬

‫]‬

‫الطاعة في التشريع من أقسام العبادة‬
‫والرضى بالقوانين شرك أكبر‬

‫واعلم أن من أهم أقسام العبادة التي ل يجوز صرفها لغير ال َتعَالى َأيْضا وإل كان النسان‬
‫مشركا ‪ ( :‬الطاعة في التحليل والتحريم والتشريع) فمن أطاع غير ال َتعَالى في ذلك أو أظهر‬

‫الرضى والتسليم بحكمه وتشريعه وقانونه‪ ...‬وتابعه على ذلك‪ ..‬فقد أشرك واتخذ ذلك المتبوع‬
‫شرَعُوا َلهُمْ مِنْ الدّينِ مَا لَمْ َيأْذَنْ بِ ِه اللّهُ}[الشورى‪.]21 :‬‬
‫ش َركَاءُ َ‬
‫ربّا‪ ..‬قال تعالى‪{ :‬أَمْ َلهُمْ ُ‬

‫• جاء في كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب قوله‪ :‬باب (من أطاع العلماء والمراء‬
‫في تحريم ما أحل ال‪ ،‬أو تحليل ما حرم ال فقد اتخذهم أربابا من دون ال) اهـ‪ .‬وذكر فيه‬
‫ن اللّهِ}[التوبة‪:‬‬
‫حبَارَهُمْ َورُ ْهبَا َنهُمْ َأ ْربَابًا مِنْ دُو ِ‬
‫حديث عدي بن حاتم في قوله تعالى‪{ :‬اتّخَذُوا أَ ْ‬

‫‪.]31‬‬
‫‪210‬‬

‫ش ِركُونَ}[‬
‫ط ْع ُتمُوهُمْ ِإ ّنكُمْ َلمُ ْ‬
‫شيَاطِينَ َليُوحُونَ ِإلَى َأ ْولِيَا ِئهِمْ ِليُجَا ِدلُوكُمْ َوإِنْ أَ َ‬
‫• وقال َتعَالى ‪َ { :‬وإِنّ ال ّ‬
‫النعام‪ ،]121 :‬روى الحاكم وغيره بسند صحيح عن ابن عباس؛ أن أناسا كانوا يجادلون‬

‫المسلمين في مسألة الذبح وتحريم الميتة فيقولون‪( :‬تَ ْأ ُكلُونَ مَا َق َت ْلتُمْ وَلَ تَ ْأ ُكلُونَ ممّا َقتَلَ الُ)‬
‫ش ِركُونَ} وانظر كيف أكد سبحانه وتعالى‬
‫ط ْع ُتمُوهُمْ ِإ ّنكُمْ َلمُ ْ‬
‫يعنون‪ :‬الميتة‪ .‬فقال َتعَالى ‪َ { :‬وإِنْ أَ َ‬
‫ذلك بأن المؤكدة‪..‬‬

‫يقول ابن كثير في تفسير هذه الية‪( :‬أي حيث عدلتم عن أمر ال لكم وشرعه إلى قول غيره‬
‫فقدمتم عليه غيره فهذا هو الشرك)اهـ‪.‬‬

‫ويقول الشنقيطي في تفسيره‪ ،‬عن هذه الية‪ ( :‬فتوى سماوية من الخالق جل وعل صرّح فيها‬
‫بأن متبع تشريع الشيطان المخالف لتشريع الرحمن مشرك بال)‪ .‬اهـ‪.‬‬

‫ح ْكمِهِ أَحَدًا}[الكهف‪.]26 :‬‬
‫ش ِركُ فِي ُ‬
‫• ويقول تعالى‪{ :‬وَل يُ ْ‬

‫يقول العلمة الشنقيطي ‪( :‬إن متبعي أحكام المشرّعين غير ما شرعه ال أنهم مشركون بال) ثم‬
‫سرد اليات المبينة لذلك إلى أن قال ‪( :‬وبهذه النصوص السماوية التي ذكرنا يظهر غاية‬

‫الظهور ‪ :‬أن الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على ألسنة أوليائه مخالفة لما‬
‫شرعه ال جل وعل على ألسنة رسله صلى ال عليهم وسلم‪ ،‬إنه ل يشك في كفرهم وشركهم إلّ‬

‫من طمس ال بصيرته‪ ،‬وأعماه عن نور الوحي مثلهم)اهـ ‪ .‬وقال في موضع آخر‪( :‬فالشراك‬
‫بال في حكمه كالشراك به في عبادتهة وفي قراءة ابن عامر من السبعة {ول تُشركْ في حُكمه‬

‫أحدا} بصيغة النهي) ويقول ‪( :‬لما كان التشريع وجميع الحكام شرعية كانت أو كونية قدرية‪،‬‬

‫من خصائص الربوبية ‪ ...‬كان كل من اتبع غير تشريع ال قد اتخذ ذلك المشرع ربا‪ ،‬وأشركه‬
‫مع ال‪).‬اهـ ‪.‬‬
‫[‬

‫‪6‬‬

‫]‬

‫شرطان للنجاة والتمسك بالعروة الوثقى‬
‫الكفر بكل الطواغيت واليمان بال وحده‬

‫وخلصة القول أن المطلوب من كل مسلم في كل زمان ومكان لكي يكون مسلما مُوحّدا أن‬
‫يحقق معنى ( ل ِإلَهَ إِلّ ال ) الحقيقي الذي غفل عنه أكثر الناس‪ ،‬وهو ما حوته من شرطي‬

‫النفي والثبات‪ ،‬وهما الكفر بكل طاغوت واليمان بال والستسلم له وحده‪ .‬قال تعالى‪َ { :‬فمَنْ‬
‫سكَ بِا ْل ُع ْروَةِ ا ْل ُوثْقَى}[البقرة‪ ]256:‬وتأمل كيف قدم سبحانه‬
‫س َتمْ َ‬
‫َيكْ ُفرْ بِالطّاغُوتِ َو ُي ْؤمِنْ بِاللّهِ فَقَدْ ا ْ‬
‫‪211‬‬

‫الكفر بالطاغوت‪ ،‬كما قدم النفي في الشهادة‪ ..‬وما ذلك إلّ تأكيدا لهمية هذه القضية‬
‫وخطورتها‪..‬‬

‫• قال العلمة الشنقيطي رحمه ال تعالى‪( :‬يُفهم منه ‪ -‬أي من الية السابقة ‪ -‬أن من لم يكفر‬

‫بالطاغوت لم يتمسك بالعروة الوثقى ومن لم يتمسك بها فهو متردّ مع الهالكين)اهـ ‪.‬‬

‫فإذا علمت هذا‪ ،‬فل تظنن الطاغوت ما هو إلّ أصناما من حجر فتُحجّر معنى واسعا‪ ،‬بل‬

‫الطاغوت يشمل هذا وغيره‪ ..‬فهو لغة مشتق من الطغيان وهو مجاوزة الحد‪ ،‬قال َتعَالى ‪ِ{ :‬إنّا‬

‫ح َم ْلنَاكُمْ فِي الْجَا ِريَةِ}[الحاقة‪ ]11 :‬فهو كل ما طغى عن حده الحقيقي فعُبد مع ال‬
‫طغَى ا ْلمَاءُ َ‬
‫َلمّا َ‬
‫َتعَالى بأي نوع من العبادة المشار إليها آنفا‪..‬‬

‫وعلى هذا فلكل زمان ومكان طواغيته المختلفة ول يصير المرء مسلما موحدا حتى يكفر بكل‬
‫طاغوت‪ ،‬وخاصة طاغوت زمانه ومكانه ويتبرأ منه ومن عبادته‪ ..‬فهناك من يعبد النار‬

‫كالمجوس فهي طاغوتهم التي ل يصيرون مسلمين وإن آمنوا بال َتعَالى حتى يكفروا بها‪..‬‬

‫وكذلك من يعبد الشمس أو القمر أو النجوم أو الكواكب فهي طواغيتهم التي ل يصح إسلمهم‬
‫إن أسلموا حتى يكفروا بها ويتبرءوا من عبادتها‪ ..‬وكذا من يعبد الصنام كما كان حال كفار‬

‫قريش وغيرهم فهي طواغيتهم التي ل يصيرون مسلمين إلّ بالكفر بها وإن أقروا وآمنوا بال‬

‫خلَ َقهُمْ َليَقُولُنّ‬
‫ربهم وخالقم ورازقهم ومالكهم كما أخبر َتعَالى عن كفار قريش‪َ { :‬وَلئِنْ سََأ ْل َتهُمْ مَنْ َ‬
‫سمْعَ‬
‫لرْضِ َأمّنْ َي ْمِلكُ ال ّ‬
‫سمَاءِ وَا َ‬
‫اللّهُ}[الزخرف‪ ]87 :‬وقال تعالى‪{ :‬قُلْ مَنْ َي ْرزُ ُقكُمْ مِنْ ال ّ‬

‫سيَقُولُونَ اللّهُ‬
‫ل ْمرَ فَ َ‬
‫حيّ َومَنْ يُ َد ّبرُ ا َ‬
‫خرِجُ ا ْل َم ّيتَ مِنْ الْ َ‬
‫حيّ مِنْ ا ْل َم ّيتِ َويُ ْ‬
‫خرِجُ الْ َ‬
‫لبْصَارَ َومَنْ يُ ْ‬
‫وَا َ‬
‫فَقُلْ أَفَل َتتّقُونَ}[يونس‪ ]31 :‬ومع ذلك قاتلهم النبي‬

‫ولم تُعصم دماؤُهم ولم يصيروا مسلمين‬

‫حتى كفروا بتلك الصنام وتبرؤوا من عبادتها‪ ..‬وقد تقدم قول الشيخ محمد بن عبد الوهاب‬
‫ن اللّهِة)‪.‬‬
‫حول حديث أبي مالك الشجعي (مَنْ قَالَ ل ِإلَهَ إِلّ ال َوكَ َفرَ ِبمَا ُي ْعبَدُ مِنْ دُو ِ‬

‫• ويقول الشيخ العلمة حمد بن عتيق رحمه ال في كتابه (سبيل النجاة والفكاك من موالة‬
‫المرتدين وأهل الشراك)‪( :‬اعلم أن الكفر له أنواع وأقسام تتعدد بتعدد المكفرات وكل طائفة من‬
‫طوائف الكفر قد اشتهر عندها نوع منه‪ ،‬ول يكون المسلم مظهرا لدينه حتى يخالف كل طائفة‬
‫بما اشتهر عندها ويصرح لها بعداوته‪ ،‬والبراءة منه‪ )...‬اهـ‪.‬‬
‫[‬

‫‪7‬‬

‫]‬

‫من أشنع طواغيت العصر الواجب الكفر بها‬
‫‪212‬‬

‫الدستور والقوانين الوضعية‬
‫إذا فهمت ما سبق‪ ،‬فاعلم أن من أشنع طواغيت العصر في بلدنا هذا وفي كثير من بلدان‬

‫المسلمين هو هذا (الدستور وقوانينه الوضعية) التي خضع لها العباد وخنعت لها الرقاب‪..‬‬
‫وعبادتها تكون بإتباعها والتحاكم إليها والتسليم بتشريعاتها والرضى بها‪..‬‬

‫• يقول مجاهد‪( :‬الطاغوت الشيطان في صورة النسان يتحاكمون إليه وهو صاحب أمرهم)‪.‬‬

‫• ويقول شيخ السلم ابن تيمية ‪( :‬الطاغوت‪ :‬فعلوت من الطغيان‪ ،‬والطغيان‪ :‬مجاوزة الحد‪،‬‬

‫وهو الظلم والبغي‪ ،‬فالمعبود من دون ال إذا لم يكن كارها لذلك ‪ :‬طاغوت‪ ..‬إلى أن قال‪ :‬ولهذا‬
‫سمي من تُحوكم إليه من حاكم بغير كتاب ال‪ :‬طاغوت) اهـ‬

‫• ويقول العلمة ابن القيم‪( :‬الطاغوت ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع‪،‬‬
‫فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير ال ورسوله أو يعبدونه من دون ال‪ ،‬أو يتبعونه على‬

‫غير بصيرة من ال)‪ .‬اهـ‪.‬‬

‫ويقول َأيْضا رحمه ال‪( :‬من تحاكم أو حاكم إلى غير ما جاء به الرسول‬

‫فقد حكّم الطاغوت‬

‫عمُونَ َأ ّنهُمْ آ َمنُوا‬
‫وتحاكم إليه) • ويقول ابن كثير في تفسير قوله َتعَالى ‪َ{ :‬ألَمْ َترَ ِإلَى الّذِينَ َيزْ ُ‬

‫ِبمَا أُنزِلَ ِإَل ْيكَ َومَا أُنزِلَ مِنْ َق ْبِلكَ ُيرِيدُونَ أَنْ َيتَحَا َكمُوا ِإلَى الطّاغُوتِ وَقَدْ ُأ ِمرُوا أَنْ َيكْ ُفرُوا بِهِ‬

‫ضّلهُمْ ضَللً َبعِيدًا}[النساء‪ .]60 :‬قال رحمه ال بعد أن ساق أقوالً في معنى‬
‫شيْطَانُ أَنْ ُي ِ‬
‫َو ُيرِيدُ ال ّ‬
‫الطاغوت ‪( :‬والية أعم من ذلك كله فإنها ذامّة لمن عدل عن الكتاب والسنة وتحاكموا إلى ما‬
‫سواهما من الباطل وهو المراد بالطاغوت هنا)اهـ‪.‬‬

‫فكل من تحوكم إليه غير شرع ال فهو طاغوت مخلوقا كان أو قانونا‪..‬‬

‫• ويقول العلمة الشنقيطي في أضواء البيان عن الية السابقة‪( :‬وكل تحاكم إلى غير شرع ال‬
‫فهو تحاكم إلى الطاغوت) اهـ ‪.‬‬

‫• ويقول الشيخ سليمان بن سحمان في رسالة في الدرر السنية‪( :‬الطاغوت ثلثة أنواع‪:‬‬
‫طاغوت حكم وطاغوت عبادة وطاغوت طاعة ومتابعة‪)..‬اهـ ‪.‬‬

‫• ويقول الشيخ عبد ال بن عبد الرحمن أبا بطين في معنى الطاغوت‪( :‬ويشمل َأيْضا كل من‬
‫نصبه الناس للحكم بينهم بأحكام الجاهلية المضادة لحكم ال ورسوله) اهـ ‪.‬‬

‫إذا عرفت هذا‪ ،‬فاعلم أنه لن يصح إسلمك وتوحيدك ولن تحقق معنى ( ل ِإلَهَ إِلّ ال) الحقيقي‬

‫ولن تجد سبيلك إلى الجنة حتى تكفر وتتبرأ من كل طاغوت‪ ،‬وعلى رأس ذلك هذا الطاغوت‬
‫‪213‬‬

‫العصري الذي اتبعه وانقاد له أكثر الخلق وعبدوه عبادة تشريع‪ ،‬فرضوا بأوامره ونواهيه‬
‫وتابعوه واجتمعوا معه على تشريعاته وتواطؤوا على قانونه وعظموه ووقّروه ونزّهوه وقدّسوه‪،‬‬

‫وأحبوا عبيده وبجّلوهم ووالوهم‪ ،‬فالواجب عليك إن كنت تريد الجنة‪ ،‬أن تكفر به وتُعاديه وتتبرأ‬
‫منه ومن عبيده وأوليائه وتُبغضهم و ُت َبغّضهم لولدك وأهلك وتعمل وتجاهد طول حياتك من‬
‫أجل هدمه وإبطاله وأن ل تستسلم أو ترضى أو ينشرح صدرك إلّ لحكم ال َتعَالى وشرعه‬
‫وحده‪ ...‬وإل فالنار النار‪‬‬
‫[‬

‫‪8‬‬

‫]‬

‫ياسق طغاة العصر وياسق التتار‬

‫ولكي يتضح لك المر وتنجلي عنك كل شبهة ول يبقى في ذهنك مجال لتلبيس أهل الباطل‬
‫وعلماء الحكومات ممن ينافحون عن هذا الباطل وطغيانه‪ ..‬فها نحن نكشف ونبين لك ونضع‬

‫بين يديك أمثلة مما يحويه هذا الطاغوت (نعني الدستور وقوانينه الوضعية) من كفر وشرك‬

‫وسفاهة وزندقة وإلحاد‪ ،‬لتكون على بينة من أمرك ودينك فتحْذر وتُحذّر من هذا الشرك العظيم‬

‫(شرك العصر) الذي وقع فيه أكثر الناس في زماننا شعروا أو من حيث ل يشعرون‪..‬‬

‫وقبل ذلك لبد أن تعلم بأن شريعة ال َتعَالى قد كانت هي الحاكمة في بلد المسلمين ولقرون‬

‫عديدة‪ ،‬ويومها كان المسلمون أعزّة كراما يُرهبون عدوّ ال وعدوهم‪ ..‬إلى أن جاء هؤلء‬

‫السفهاء من حكام المسلمين الذين إذا قال لهم الناس والدعاة المخلصون حكّموا شرع ال ‪َ { ‬وإِذَا‬

‫ع ْنكَ صُدُودًا}[النساء‪:‬‬
‫ل اللّهُ َوِإلَى الرّسُولِ َرَأ ْيتَ ا ْل ُمنَافِقِينَ َيصُدّونَ َ‬
‫قِيلَ َلهُمْ َتعَاَلوْا ِإلَى مَا أَنزَ َ‬

‫‪.]61‬جاءوا ‪ -‬ل أبقاهم ال ‪ -‬في غفلة من المة وركون من أبنائها ‪ ..‬واستبدلوا الذي هو أدنى‬
‫بالذي هو خير‪ ،‬فنبذوا الشريعة وأحلوا محلها القانون الوضعي الكافر‪ .‬كما فعل أعداؤنا التتار‬

‫يوم استولوا على ممالك المسلمين‪ ،‬حيث حكموا سياستهم الملكية المأخوذة عن ملكهم‬

‫حكْمَ الْجَا ِهِليّةِ َي ْبغُونَ} [المائدة‪]50 :‬‬
‫(سنكزخان) يقول الحافظ ابن كثير في تفسير قوله تعالى‪{ :‬أَفَ ُ‬

‫عن هذا الملك بأنه‪( :‬وضع لهم الياسق وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها عن‬

‫شرائع شتى‪ :‬من اليهودية والنصرانية والملة السلمية وغيرها وفيها كثير من الحكام أخذها‬
‫من مجرد نظره وهواه فصارت في بنيه شرعا متبعا يقدمونها على الحكم بكتاب ال وسنة‬
‫رسول ال ) ‪.‬‬

‫‪214‬‬

‫ولو تأملت دستور هذا البلد وغيره من البلدان المنتسبة للسلم ولو تأملت قوانينهم الوضعية‬
‫لرأيتها كياسق التتار أو أشد خبثا‪..‬‬

‫فإن عبيدها قد عطلوا الشريعة السلمية في النفوس والدماء والفروج والموال وغير ذلك‬

‫وهجروا حدودها وأحكام قصاصها وشؤون السياسة والقتصاد والعلقات الدولية وغير ذلك‪..‬‬

‫وأخذوه كله من القانون الفرنسي النصراني تماما كياسق التتار فقد أخذ من النصارى‪ ..‬وهؤلء‬
‫قنن لهم فقهاء القانون ‪ -‬كما يسمونهم ‪ -‬وغيرهم من عبيد القانون بأهوائهم‪ ..‬وكذلك ياسق‬

‫التتار فقد كان من مصادره الرأي والهوى‪ ..‬وأبقوا ‪ -‬ل أبقاهم ال ‪ -‬بعض القوانين المستقاة‬
‫من الشريعة السلمية مقتصرة على قضايا الرث والطلق والزواج والتي يسمونها أحوالً‬

‫شخصية‪ ،‬أبقوها للتلبيس على الناس بأنهم لم يهجروا الشريعة كلياة تماما كما كان ياسق التتار‬
‫فلقد كان فيه َأيْضا أحكام من الملة السلميةة كما ذكر ابن كثير وغيرهة‬

‫فل فرق إذا بين هذا الدستور وقوانينه وبين ياسق التتار‪ ،‬ولكن الفرق بين سكوت المة في‬

‫زماننا عن هذه القوانين وبين حالها مع ياسق التتار كبير‪ ،‬فإنهم لم يهنأ لهم حال ولم يقر لهم‬

‫قرار مع ذلك الياسق وما فتئوا يعملون مع علمائهم ويجاهدون ويدعون إلى إبطاله وإزالته‬
‫وتبديله حتى نصرهم ال عز وجل ومكن لهم وأعزهم‪ ..‬وبقيت شريعة ال هي الحاكمة‬

‫المهيمنة‪ ،‬ورغم فترات الضعف والشتات التي انتابت المة ورغم تكالب العداء وتمكنهم من‬
‫التسلط على كثير من أجزائها كالباطنيين والصليبيين وغيرهم‪ ..‬لم تبدل المة ول بدل حكامها‬

‫وسلطينها في بقية أجزاء بلد المسلمين شريعة ال الحاكمة‪ ..‬إلى أن أُلغيت الخلفة السلمية‬

‫على أيدي اليهود وأذنابهم ‪ ..‬وجاء الستعمار الصليبي العصري ولم يخرج من ديار المسلمين‬
‫حوْا بدورهم الشريعة وأعادوا تحكيم ذلك الياسق‬
‫حتى مكّن لذنابه من سفهاء الحكام الذين ن ّ‬

‫التتري ولكن بلباس عصري براقة‬

‫وها هي بلد المسلمين أثقلتها قيود الطواغيت وسلسلهم وظلماتهم في ظل هذه القوانين وحل‬
‫فيها كل فساد ودخلها كل إلحاد‪ ..‬وعرض للناس بسبب هذه القوانين ومفاسدها فساد في فطرهم‬

‫وظلمة في قلوبهم وكدر في أفهامهم ومحق في عقولهم وعمّتهم وغلبت عليهم فتنها حتى ربا‬

‫فيها الصغير وهرم عليها الكبير فلم يعد يراها أكثر الناس منكرا‪ ..‬بل أمست عندهم البدع في‬

‫ظلها مقام السنن‪ ،‬والهوى مقام الرشد‪ ،‬والضلل مقام الهدى‪ ،‬والمنكر مقام المعروف‪ ،‬والجهل‬

‫مقام العلم‪ ،‬والرياء مقام الخلص‪ ،‬والباطل مقام الحق‪ ،‬والكذب مقام الصدق‪ ،‬والمداهنة مقام‬
‫‪215‬‬

‫النصيحة وقول الحق ‪ ..‬والربا مقام البيع‪ ،‬والظلم مقام العدل‪ ،‬والفجور مقام العفاف‪ ..‬فصارت‬
‫الدولة والغلبة لهذه المور وأهلها هم المشار إليهم وكانت ‪ 0‬قبل ذلك لضدادها وأهلها هم‬

‫المشار إليهم‪ ،‬وأصبح بطن الرض ‪ -‬وال ‪ -‬خيرا من ظهرها‪ ،‬وقمم الجبال خير من السهول‬
‫ومخالطة الوحش أسلم من مخالطة الناس‪ ،‬اقشعرت الرض وأظلمت السماء وظهر الفساد في‬

‫البر والبحر من ظلم الفجرة‪ ،‬وذهبت البركات وقلّت الخيرات وتكدرت الحياة من فسق الظلمة‪،‬‬
‫وبكى ضوء النهار وظلمة الليل من العمال الخبيثة والفعال الفظيعة وكثرة الفواحش وغلبة‬

‫المنكرات والقبائح وهذا وال منذر بسيل عذاب قد انعقد غمامه‪ ،‬ومؤذن بليل بلد قد ا ْدَلهَمّ‬

‫ظلمه‪ ،‬ما لم يقم دعاة الحق والمصلحون بالصدع بالحق وبيانه وما لم يقم جند التوحيد بتغيير‬

‫ذلك المنكر العظيم‪ ،‬وإنقاذ الناس من عبودية الطواغيت وقوانينهمة وإخراجهم من الظلمات إلى‬
‫ظَلمُوا َأيّ مُن َقَلبٍ يَن َقِلبُونَ}[الشعراء‪.]227 :‬‬
‫س َيعْلَمُ الّذِينَ َ‬
‫النور‪ ..‬وإل فإن العقبة وال كؤود‪{ ..‬وَ َ‬
‫فانظـــر إلى القرآن معزولً لديهم‬

‫عـن نـفوذ وليــة السلـطــان‬

‫وانظـر إلى قول الرسول كـــذاك‬

‫معزولً لديهم ليس ذا سلطـــــان‬

‫يا لـيـتهم إذ يحـكمون بـعزلــه‬

‫لم يرفـعـوا رايــات جنكزخــان‬

‫وانظر إليه لـيـس يقبـل قـولــه‬

‫في الحكم والتشريع والسلطـــــان‬

‫يبكي عـلـيـه أهـلـه وجنـوده‬

‫بدمـائـهم ومدامـع الجفــــان‬

‫وال مـا عـزلوه تـعظيما لـــه‬

‫وانظر إليـه ليـس ينفــذ حكمـه‬

‫أيظن ذلك قطّ ذو عـرفــــــان‬

‫بين الخصوم ومـالـه من شــــان‬

‫لكنما المقبول حـكم (الكفــر) ل أحـكامه ل يستوي الحكــمـــان‬

‫عـهدوه قدما ليس يحكــم غـيره‬

‫وسـواه مـعــزول عن السلطــان‬

‫إن غاب نابت عنه أقــوال الرسول‬

‫هما لهم دون الورى حكمــــــان‬

‫بجنود تعـطيل وكفــــران من‬

‫(الفرنج والذناب مــن عـــربان)‬

‫فـال يعـظم في ( الشريعة أجركم)‬

‫يــا أمــة الثــار والـقـرآن‬

‫فـأتاهـم ما لم يكن في ظـنـهم‬

‫فـعـلوا بـملتـه وسـنتـه كما‬
‫[‬

‫‪9‬‬

‫]‬

‫في حكم جنكزخان ذي الطــــغيان‬

‫فعلوا بـأمتـه مــن العــــدوان‬

‫مثال من طواغيت العصر‬
‫‪216‬‬

‫هذا‪ ،‬ولو أردنا أن نسوق ونتتبع دساتير وقوانين النظمة المنتسبة إلى السلم كلها‪ ،‬ونذكر أمثلة‬
‫من كفرياتها ونستعرضها واحدا واحدا لطال بنا المقام دون فائدة تذكر‪ ..‬وذلك لن دساتيرهم‬
‫‪-‬وقد اطلعت على أكثرها ‪ -‬منقولة عن بعضها البعض متفقة في غالبية قوانينها العفنة ل‬

‫تختلف إلّ بأرقام المواد وبترتيبها وبأشياء يسيرة تتبع نظام حكم البلد من ملكي أو جمهوري أو‬
‫نحوه‪ ،‬وزيادات أخرى في بعض النظمة التي تحكم بنظام الحزب ل تعدو كونها زيادة في‬

‫الكفر‪...‬‬

‫من أجل ذلك اكتفينا بالتمثيل بدستور هذا البلد وقوانينه الوضعية كمثال من قوانين العصر‬
‫الخبيثة‪..‬‬

‫وكل مسلم في أي دولة أخرى يستطيع أن ينزل كلمنا هذا كله على قوانين بلده بمجرد أن يبدل‬
‫أرقام المواد التي أشرنا إليها هنا بأرقام مواد وقوانين بلده‪...‬‬
‫وجزى ال خيرا من قام بذلك ناصحا للمة مخلصا‪...‬‬

‫ياسق الكويت‬

‫والطاغوت الذي وقع الختيار عليه هو دستور الكويت وقوانينه‪ ،‬تلك الدولة التي طالما التبس‬
‫أمرها على كثير من عميان البصائر‪ ،‬فأخذوا يثنون على قوانينها وقضاتها وحكومتها وحكامها‪..‬‬
‫اخترناها لجل ذلك ليدخل غيرها في كلمنا ‪ -‬عند هؤلء الناس ‪ -‬من باب أولى‪..‬‬

‫وإليك الن بعض المثلة من طاغوت الكويت‪ ..‬نقصد من ذكرها بيان زيف هذا الطاغوت‬

‫وسفاهته وحقارته وبطلنه وكفره‪ ..‬وبيان أنه نابع من وحي الشياطين وأهواء البشر وأنه ل‬

‫يحكم بين الخلق بالعدل بل إن قوانينه وبنوده سبب في ظهور الفساد في البلد والعباد ومعول‬

‫وُضع لهدم ما بناه السلم من المقاصد والقواعد والشرائع ‪ ..‬ولهدر ما جاء الدين لحفظه‬
‫وصيانته من العراض والنساب والعقول والدماء والموال‪..‬‬
‫وقدوتنا في هذه الطريق نبينا محمد‬

‫وسائر أنبياء ال ورسله صلوات ال وسلمه عليهم حينما‬

‫كانوا يبينون زيف وسفاهة وضلل طواغيت أقوامهم‪.‬‬

‫لنخلص من ذلك كله إلى دعوة قومنا وأمتنا للكفر بهذا الطاغوت العصري‪ ،‬وبكل طاغوت يعبد‬

‫من دون ال َتعَالى عبادة تشريع أو غيرها‪ ...‬والبراءة من أوليائه المصرّين على تحكيمه‬
‫وعبادته وتعبيد الناس له‪..‬‬

‫‪217‬‬

‫فنخرجهم بذلك من عبادة الطاغوت إلى عبادة ال وحده‪ ..‬ومن جور وظلم القوانين وسدنتها‪..‬‬
‫إلى عدل ونور السلم‪{ ..‬وَاللّهُ ُمتِمّ نُو ِرهِ َوَلوْ َك ِرهَ ا ْلكَا ِفرُونَ}[الصف‪.]8 :‬‬
‫فَخُـذْها نِبـالً مِنْ حَـنيفٍ ُموَحّدٍ ُت َمزّقُ مِـنْ سُـوءِ العَقيدَةِ ما ُيرْدي‬

‫مـ َنزّهـةً عن ذِكـرِ ليلَـى وقَدّهَا‬

‫وعَن َوصْلِ هِنـ ٍد والرّباب وعن وَعْدِ‬

‫اعلم قبل أن نشرع في تسفيه طاغوتهم أننا حينما نذكر (الطاغوت) أو (الياسق العصري) في‬
‫هذه الورقات فإننا نعني بذلك دستورهم المكوّن من (‪ )183‬مادة والذي أُصدر عام‬

‫الموافق‬

‫‪1962‬‬

‫‪1382‬‬

‫هـ‬

‫م وحُكم به العباد في هذه البلدة بأمر ومصادقة حاكم الكويت في ذلك الوقت (عبد‬

‫ال بن سالم الصباح) عليه من ال ما يستحق‪ ،‬وأيضا ما أُلحق به من القوانين والترقيعات في‬

‫عهد المذكور والعهود التي تلته‪ ،‬من ذلك قانون الجزاء وترقيعاته‪ ،‬أعني ما يسمونه بالقوانين‬
‫المعدلة والمكملة‪ ،‬وكذا القانون المدني المكوّن مما يقرب من (‪ )1100‬مادة‪ ،‬والقانون التجاري‬

‫الذي يعتبرونه فرعا لقانونهم المدني‪ ،‬وغير ذلك من قوانينهم الباطلة التي أحلوها محل (مجلة‬
‫الحكام العدلية) التي رغم ما ينتقد عليها فقد كانت تمثل البقية الباقية من أحكام الشريعة‬

‫السلمية وفقا للمذهب الحنفي وكان يحكم بها في أواخر الدولة العثمانيةة ‪ -‬ويعترف وزير‬
‫الدولة للشؤون القانونية والدارية سلمان بن دعيج الصباح كما في مقدمة قانونهم المدني‪ ،‬بأن (‬
‫أحمد بن جابر الصباح) حاكم الكويت من عام (‪ )1921‬إلى (‪ )1950‬قد أصدر أمرا في عام‬

‫(‪1938‬‬

‫) بتطبيق (مجلة الحكام العدلية)‪ ...‬ويبدو أن المر لم يدم طويلً حتى جاء خليفته (عبد ال بن‬
‫سالم) فأصدر (الياسق الكويتي) الدستور في عام (‪ )1962‬وكان عهد هذا المذكور هو عهد‬

‫القانون عندهم‪ ،‬فقد صدرت فيه العديد من قوانينهم العفنة كقانون التجارة الصادر عام (‪)1961‬‬
‫وقانون الجزاء الصادر عام (‪ )1960‬وغيره‪ ..‬ثم جاء العهد التالي فأضيفت كثير من القوانين‬

‫وغُيرت ورُقعت أخرى‪ ..‬إلى أن جاءت سنة (‪ )1980‬في عهد الحاكم الحالي لتنسف البقية الباقية‬
‫من أحكام الشريعة المتمثلة بمجلة الحكام العدلية وليحل محلها قانونهم المدني الذي صدر‬

‫بمرسوم رقم (‪ )67‬بقصر السيف‪ ..‬وكانت المادة الولى فيه تقول‪ ( :‬يُلغى العمل بمجلة الحكام‬

‫العدلية‪ ،‬ويستعاض عنها بالقانون المدني‪ )...‬ووقع على هذا المرسوم كل من ‪ :‬أمير الكويت‪:‬‬
‫جابر بن أحمد‪ ،‬ورئيس مجلس الوزراء‪ :‬سعد بن عبد ال‪ ،‬ورئيس الدولة للشؤون القانونية‪:‬‬

‫سلمان بن دعيج‪...‬‬

‫فاسـأل بهـم ذا خـبرة تلقــاهم‬

‫أعـــداء كل موحـد ربــــاني‬
‫‪218‬‬

‫تــوبوا إلى الرحمن من تعطـيلكــم فالـرب يـقـبـل تـوبة الـندمـان‬
‫من تاب منكم فالجـنان مــصـيره‬

‫أمثلة كفرية من الدستور‬
‫[‬

‫‪1‬‬

‫أو مـات (طـاغــوتا) فـفي النيران‬

‫] من الله المشرع في دستورهم ؟؟ إنه ليس ال وحده‪..‬‬

‫وهذا هو الشرك‪ ..‬فالشرك ليس رفض عبادة ال‪ ..‬بل عبادة آلهة أخرى معه‪ ..‬جاء في المادة (‬
‫‪ )2‬من ياسقهم‪ ( :‬الشريعة مصدر رئيسي للتشريع )‪ ،‬وهذا يعني‪ ،‬كما هو واضح من السياق لكل‬

‫من يفقه العربية ومن مذكرتهم التفسيرية أيضا‪ ،‬أن التشريع عندهم له مصادر عديدة أخرى غير‬
‫الشريعة‪..‬‬

‫وأن الشريعة ليست إل مصدرا تشريعيا رئيسيا ( أشرك ) معه مصادر أخرى رئيسة وفرعية‪..‬‬
‫وهكذا فإن هذه المادة ل تنص ول تعترف أبدا بشهادة أن ل إله إل ال‪ ،‬بل معناها الحرفي‬

‫الشرعي هو‪ ( :‬أشهد أن ال إله من اللهة الرئيسة‪ ،‬وأشهد أن معه آلهة رئيسة وفرعية أخرى )‬
‫‪ ..‬وهذا شرك باللوهية وكفر بواح ظاهر بين واضح ل يخفى إل على من طمس ال بصيرته‬

‫وأعماه وجعله كالنعام بل أضل‪..‬‬

‫وقد بينا لك فيما تقدم‪ ،‬أنّ من الشرك المستبين‪:‬‬

‫التحاكم إلى الطاغوت‪ ،‬وأن الطاغوت يشمل كل تشريع سوى شرع ال تعالى‪.‬‬
‫فتعدد مصادر التشريع يعني تعدد الرباب واللهة المعبودة من دون ال تعالى‪ ،‬قال تعالى‪:‬‬

‫{ ءأرباب متفرقون خيرٌ أمِ ال الواحدُ القهار(‪ )39‬ما تعبدون من دونه إل أسماء سميتموها أنتم‬
‫وأباؤكم ما أنزل ال بها من سلطان إن الحكم إل ل أمر أل تعبدوا إل إياه ذلك الدين القيّم ولكنّ‬

‫أكثر الناس ل يعلمون } [ يوسف‪]39:40 :‬‬

‫وقال تعالى‪ { :‬أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدّين ما لم يأذن به ال ولول كلمة الفصل لقُضي‬

‫بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم } [ الشورى‪]21 :‬‬

‫وقد علمت أن جعلهم الشريعة مصدرا من هذه المصادر التشريعية المختلفة‪ ،‬يأخذون منها ما‬

‫يوافق أهواءهم‪ ،‬ويتركون ما ترفضه عقولهم النخرة‪ ،‬هو تماما كفعل التتار في ياسقهم‪ .‬انظر‬
‫وصف ابن كثير للياسق التتري في المقدمة الثامنة‪ ،‬وهو أيضا مشابهة ومتابعة لليهود الذين قال‬
‫ال تعالى فيهم‪ { :‬أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إل‬

‫خزيٌ في الحياة الدنيا } وهل هناك أشد مما هم فيه اليوم من خزي وذل للشرق والغرب‪ ،‬بل‬
‫‪219‬‬

‫ولليهود أنفسهم الذين كتب ال عليهم الذلة‪ ..‬ثم قال تعالى‪ { :‬ويوم القيامة ُيرَدّون إلى أشدّ العذاب‬
‫وما ال بغافل عما تعملون(‪ )85‬أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالخرة فل يخفف عنهم العذاب‬

‫ول هم ينصرون } [ البقرة ‪]85،86‬‬

‫• وجاء في المذكرة التفسيرية لهذه المادة‪ ،‬بعد أن ذكروا أن من فوائد هذه الصيغة الكفرية‪،‬‬
‫أنها ل تمنع المشرع من استحداث أحكام من مصادر أخرى غير الشريعة‪ ،‬قالوا ‪ -‬فضّ ال‬

‫أفواههم ‪ -‬بالحرف الواحد‪ ( :‬بل إن في النص ما يسمح مثلً بالخذ بالقوانين الجزائية الحديثة‬
‫مع وجود الحدود في الشريعة السلمية وكل ذلك ما كان ليستقيم لو قيل (الشريعة السلمية‬

‫المصدر الرئيسي للتشريع) إذ يوقع المشرع في حرج بالغ )‪ .‬قاتل ال هذا المشرع‪ ..‬الذي جعل‬
‫من نفسه ندّا ل‪..‬‬

‫وأذكرك بالمقدمة الثانية والثالثة‪.‬‬

‫وانظر إلى قولهم (يوقع المشرع في حرج بالغ) وارجع لقوله َتعَالى في ذلك الموضع‪{ :‬فَل‬
‫ض ْيتَ‬
‫حرَجًا ِممّا َق َ‬
‫سهِمْ َ‬
‫جرَ َب ْي َنهُمْ ثُمّ ل َيجِدُوا فِي أَنفُ ِ‬
‫ح ّكمُوكَ فِيمَا شَ َ‬
‫حتّى ُي َ‬
‫َو َر ّبكَ ل ُي ْؤ ِمنُونَ َ‬

‫سلِيمًا}[النساء‪ ]65 :‬وتأمل كلمة (حرجا) في الية وكيف أنها نكرة في سياق النفي‬
‫سّلمُوا تَ ْ‬
‫َويُ َ‬
‫فتشتمل كل أنواع الحرج كبيرا كان أم صغيرا فكلّه مضاد لليمان‪ ..‬ومع ذلك فهؤلء السفهاء‬

‫يصفون التسليم المطلق للشريعة‪ ،‬بأن فيه ( حرجا بالغا )‪ .‬فهل يجوز لموحد بعد هذا أن يحترم‬
‫ياسقهم هذا؟؟ أو يوالي عبيده أو يحبهم‪..‬؟؟ فليتعرف المسلمون على نوع الحكم الذي يحكمهم‪،‬‬

‫وما يحويه من زيغ وضلل وهم غافلون نائمون‪..‬‬

‫ثم قالوا في الموضع نفسه من المذكرة الكفرية‪ ( :‬ومن ثم ل يمنع النص المذكور من الخذ‬
‫عاجلً أو آجلً‪ ،‬بالحكام الشرعية كاملة وفي كل المور إذا رأى المشرع ذلك)‪.‬‬

‫وها هنا مسألة خطيرة جدا‪ ..‬فحتى لو فرضنا جدلً أنهم أرادوا تحكيم بعض نصوص الشريعة‬

‫في يوم من اليام فلن يكون ذلك استسلما أو انقيادا ل َتعَالى ورضا بحكمه‪ ..‬وإنما لرأي‬
‫وإرادة وهوى طاغوتهم (المشرّع)‪.‬‬

‫يقول العلمة أحمد شاكر في كتابه (كلمة حق) ‪ ( :‬ترى في بعض بلد المسلمين قوانين ضربت‬
‫عليها‪ ،‬نقلت عن أوربة الوثنية الملحدة‪ ،‬وهي قوانين تخالف السلم مخالفة جوهرية في كثير‬

‫من أصولها وفروعها‪ ،‬بل إن في بعضها ما ينقض السلم ويهدمه‪ ،‬وذلك أمر واضح بديهي‪ ،‬ل‬
‫يخالف فيه إلّ من يغالط نفسه‪ ،‬ويجهل دينه أو يعاديه من حيث ل يشعر‪ ،‬وهي في كثير من‬
‫‪220‬‬

‫أحكامها َأيْضا توافق التشريع السلمي أو ل تنافيه على القل‪ ،‬وإن العمل بها في بلد المسلمين‬
‫غير جائز‪ ،‬حتى فيما وافق التشريع السلمي‪ ،‬لن من وضعها حين وضعها لم ينظر إلى‬
‫موافقتها للسلم أو مخالفتها‪ ،‬وإنما نظر إلى موافقتها لقوانين أوربة‪)...‬‬

‫ثم ذكر كلما للشافعي رحمه ال َتعَالى خلصته أن المجتهد إذا اجتهد عن علم وإحاطة بالدلة‬

‫وتحري للحق فأخطأ كان معذورا مأجورا‪ ،‬أما من لم يتحرّ الدليل‪ ،‬وتكلّف بل علم فإن إصابته‬
‫‪ -‬وإن أصاب الحق‪ -‬تكون غير محمودة ومن هذا يظهر لك بأن القوانين إن كان في بعضها ما‬

‫يوافق الشريعة فإنه باطل َأيْضا ل يُحمد ول يُمدح أبدا‪ ،‬لنه لم يخرج من دائرة الشرك‪ ،‬فما هو‬

‫إلّ انقياد لحكم الدستور واتباع لرأي مشرّعهم ‪ -‬الذي هو غير ال ‪ -‬ول يُمدح أو يُحمد أبدا إلّ‬
‫حين يكون ذلك استسلما وانقيادا لرب العباد وحده‪...‬‬

‫حكُمْ َب ْي َنهُمْ ِبمَا أَنزَلَ اللّهُ} [المائدة‪]49 :‬‬
‫وخلصة القول أنّ ال جل وعل قد قال في كتابه‪َ { :‬وأَنِ ا ْ‬

‫ولم يقل‪ ..‬بمثل ما أنزل ال‪ ..‬فتنبه لهذا وافهمه جيدا‪..‬‬

‫ومما سبق تظهر لك فضيحة من فضائح عبيد الياسق ‪ -‬وما أكثرها‪ -‬وذلك أن المشرع الحقيقي‬

‫عندهم؛ هو ليس ال عز وجل‪ ..‬وأن جعلهم الشريعة مصدرا من مصادر التشريع كذب وتمويه‪،‬‬
‫وبمعنى آخر‪ :‬أن جعلهم ال أحد المشرّعين المعبودين‪ ..‬وإن كان شركا لو صح ‪ -‬فإنه غير‬
‫صحيح ‪ -‬وهم كاذبون به‪ ..‬ملبّسون مخادعون‪..‬‬
‫فمن هو مشرّعهم الحقيقي الذي يعبدونه إذن ؟؟‬

‫• الله المشرع عندهم ليس الخالق الباري جل وعل‪ ..‬وإنما هو ‪ :‬ثالوث ( المير ومجلس‬
‫المة وفقا للدستور)‪ .‬وهكذا فقد شابهوا أحبابهم وأولياءهم عبّاد الصليب في عقيدة التثليث‬

‫الشركية‪ ..‬فأولئك عندهم ( الرب والبن وروح القدس) وهؤلء عندهم ( المير ومجلس المة‬
‫والدستور)‪ .‬وإليك الدلة على هذا من ياسقهم نفسه ‪:‬‬

‫جاء في المادة (‪ )51‬من الياسق الكويتي ‪ ( :‬السلطة التشريعية يتولها المير ومجلس المة وفقا‬

‫للدستور) ‪.‬‬

‫وهذا َأيْضا كفر فوق كفر وشرك فوق شرك وظلم فوق ظلم كما قدمنا وفصلنا‪ ...‬فل ينكر هذا‬
‫إلّ جاهل بدين السلم‪ ..‬أو كافر ظالم يرضى أن يعبد مع ال آلهة أخرى باطلة زائفة‪..‬‬

‫وسيأتي عما قريب كلم العلمة الشنقيطي رحمه ال في صفات من يستحق وحده التشريع من‬

‫تفسيره القيم "أضواء البيان"‪ ..‬ومن ذلك ما قاله رحمه ال ‪ -‬بعد أن ذكر قوله َتعَالى ‪{ :‬وَل تَدْعُ‬
‫‪221‬‬

‫جعُونَ}[القصص‪:‬‬
‫حكْمُ َوِإلَيْهِ ُترْ َ‬
‫جهَهُ لَهُ الْ ُ‬
‫شيْءٍ هَاِلكٌ إِلّ وَ ْ‬
‫خرَ ل ِإلَهَ إِلّ ُهوَ كُلّ َ‬
‫مَ َع اللّهِ ِإَلهًا آ َ‬
‫‪-]88‬قال ‪( :‬فهل في الكفرة الفجرة المشرّعين من يستحق أن يوصف بأنه الله الواحد؟؟ وأن‬

‫كل شيء هالك إلّ وجهه؟ وأن الخلئق يرجعون إليه؟ تبارك ربنا وتعاظم وتقدس أن يوصف‬

‫أخس خلقه بصفاته‪.‬‬

‫ش َركْ بِهِ‬
‫ي اللّهُ وَحْ َدهُ كَ َف ْرتُمْ َوإِنْ يُ ْ‬
‫عَ‬
‫ومن اليات الدالة على ذلك قوله تعالى‪َ { :‬ذِلكُمْ بَِأنّهُ إِذَا دُ ِ‬
‫حكْمُ ِللّهِ ا ْل َعلِيّ ا ْل َكبِيرِ}[غافر‪.]12 :‬‬
‫ُت ْؤ ِمنُوا فَالْ ُ‬

‫فهل في الكفرة الفجرة المشرّعين للنظم الشيطانية من يستحق أن يوصف في أعظم كتاب‬

‫سماوي بأنه العلي القدير؟ سبحانك ربنا وتعاليت عن كل ما ل يليق بكمالك وجللك‪..‬‬

‫خ َرةِ‬
‫حمْدُ فِي الُولَى وَال ِ‬
‫ومن اليات الدالة على ذلك قوله تعالى‪{ :‬وَ ُه َو اللّهُ ل ِإلَهَ إِلّ ُهوَ لَهُ الْ َ‬

‫غ ْيرُ‬
‫س ْرمَدًا ِإلَى َيوْمِ الْ ِقيَامَةِ مَنْ ِإلَهٌ َ‬
‫عَل ْيكُ ُم الّليْلَ َ‬
‫ل اللّهُ َ‬
‫جعَ َ‬
‫جعُونَ‪ ،‬قُلْ َأ َرأَ ْيتُمْ إِنْ َ‬
‫حكْمُ َوِإَليْهِ ُترْ َ‬
‫ولَهُ الْ ُ‬

‫س ْرمَدًا ِإلَى َيوْمِ الْ ِقيَامَةِ مَنْ‬
‫عَل ْيكُمُ ال ّنهَارَ َ‬
‫ل اللّهُ َ‬
‫جعَ َ‬
‫س َمعُونَ قُلْ َأ َرَأ ْيتُمْ إِنْ َ‬
‫اللّهِ َي ْأتِيكُمْ ِبضِيَاءٍ أَفَل تَ ْ‬
‫س ُكنُوا‬
‫جعَلَ َلكُ ْم الّليْلَ وَالنّهَارَ ِلتَ ْ‬
‫ح َمتِهِ َ‬
‫صرُونَ َومِنْ َر ْ‬
‫س ُكنُونَ فِيهِ أَفَل ُت ْب ِ‬
‫غ ْيرُ اللّهِ يَ ْأتِيكُمْ ِبَليْلٍ تَ ْ‬
‫ِإلَهٌ َ‬
‫ش ُكرُونَ}[القصص‪.]73-70 :‬‬
‫ضلِهِ َوَل َعّلكُمْ تَ ْ‬
‫فِيهِ َوِل َت ْب َتغُوا مِنْ َف ْ‬

‫فهل في مشرعي القوانين الوضعية من يستحق أن يوصف بأن له الحمد في الولى والخرة‬

‫وأنه هو الذي يصرف الليل والنهار مبينا بذلك كمال قدرته وعظمة إنعامه على خلقه؟؟ سبحان‬
‫خالق السماوات والرض‪ ،‬جل وعل أن يكون له شريك في حكمه أو عبادته أو ملكهة) انتهى‬

‫كلمه رحمه ال‪.‬‬

‫فإن كان هذا المير ومجلس أمته يستحق أن يوصف بشيء من هذه الصفات ‪ -‬ولن يكون ذلك‬

‫أبدا‪ -‬فليتول السلطة التشريعية وليقل أنا ربكم العلى‪ ،‬وإذا علم علما جازما يقينا بأنه أخس‬

‫وأحقر وأتفه وأذل من أن يتصف بشيء من ذلكة فلينخلع من التشريع وليدعه وليرُجعه وليردّه‬

‫لمن هذه صفاته سبحانه وتعالى عما يشركونة‬
‫وإذا كان رسول ال‬

‫ليس له أن يشرع إن هو إل وحي يوحى وإذا كان صلوات ال وسلمه‬

‫عليه يمنع عما هو أهون بكثير من التشريع وهو تسعير السلع كما صحّ في الحديث الذي رواه‬

‫عهْدِ رَسُولِ اللّهِ‬
‫علَى َ‬
‫س ْعرُ َ‬
‫أبو داود والترمذي وابن ماجة وغيرهم عَنْ َأنَسِ قَالَ‪ ( :‬غَل ال ّ‬

‫ط الرّازِقُ ِإنّي‬
‫س ّعرُ الْقَابِضُ ا ْلبَاسِ ُ‬
‫ن اللّهَ ُهوَ ا ْلمُ َ‬
‫س ّعرْ َلنَا فَقَالَ إِ ّ‬
‫س ْعرُ فَ َ‬
‫ل اللّهِ قَدْ غَل ال ّ‬
‫فَقَالُوا يَا رَسُو َ‬

‫ظَلمَةٍ فِي دَمٍ وَل مَالٍ)‪.‬‬
‫طُل ُبنِي ِبمَ ْ‬
‫لرْجُو أَنْ َألْقَى َربّي َوَل ْيسَ أَحَدٌ يَ ْ‬
‫َ‬
‫‪222‬‬

‫ل اللّهِ‬
‫فتأمل ورع رَسُو ِ‬

‫وخوفه من التسعير‪ ،‬ثم تأمل حال من ل يصح أن يقارنوا أو يقاسوا‬

‫بنعله؛ من عبيد الياسق الذين لم يجعلوا من أنفسهم مسعرين فقط كما في قانون رقم (‪ )10‬لسنة‬
‫‪1979‬‬

‫م في شأن تحديد أسعار بعض السلع مادة رقم (‪ )3‬و(‪ )6‬وغيرها‪ ،‬بل يقننون العقوبات‬

‫لمن خالف تسعيرهم كما في المواد (‪ )13‬و(‪ )15‬وغيرها من قانونهم هذا‪ ،‬ليس هذا فقط‪ ،‬بل‬
‫جعلوا من أنفسهم مشرعين وأربابا مع ال كما رأيت‪ ..‬وسترى المزيدة فتبّا لهم وسحقا‪.‬‬

‫هذا‪ ،‬ولقد عظموا مشرّعهم ومعبودهم أكثر من تعظيم قريش آلهتهاة‪ .‬فقد حكموا كما في المادة‬
‫رقم (‪ )25‬من جرائم أمن الدولة بالسجن مدة خمس سنوات لكل من (عاب في ذات المير)‬

‫وقريش لم تصل إلى هذا الحد‪ ،‬حينما وصفوا رسول ال‬
‫كان كفار قريش أقلّ منه ضلل‪.‬‬

‫بأنه ( عاب آلهتنا وديننا) فتعسا لمن‬

‫شرَعُوا َلهُمْ مِنْ‬
‫ش َركَاءُ َ‬
‫وأخيرا فإن ال يبطل كل تشريع غير تشريعه فيقول مستنكرا {أَمْ َلهُمْ ُ‬

‫ضيَ َب ْي َنهُمْ َوإِنّ الظّاِلمِينَ َلهُمْ عَذَابٌ َألِي ٌم }[الشورى‪:‬‬
‫الدّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِ ِه اللّهُ َوَلوْل َكِلمَةُ الْفَصْلِ لَ ُق ِ‬
‫ش َركَاءُ}‪ :‬أي ألهم؟ والهمزة للتقريع‪.‬‬
‫‪{ ،]21‬أَمْ َلهُمْ ُ‬

‫فال عز وجل يخص نفسه العظيمة بالتشريع ويبطل جميع الشركاء الذين أشركهم الناس معه‬

‫ويبطل تشريعاتهم وينكر على الناس اتباعها‪..‬‬

‫وياسق القوم يأبى ويعاند ويقول‪( :‬السلطة التشريعية يتولها المير ومجلس المة) ‪ُ{ -‬أفّ َلكُمْ‬

‫ن اللّهِ أَفَل َتعْ ِقلُونَ} ‪ -‬ل جرم أن من رضي بتشريعهم وقبله ولم يكفر به‬
‫َوِلمَا َت ْعبُدُونَ مِنْ دُو ِ‬

‫ويتبرأ منه فقد اتخذ هذا الثالوث وثنا وإلها‪ ،‬وجعله نِدّا ل تعالى‪..‬‬

‫ونذكّر هذين المشرعين‪ ،‬أعني (المير ومجلس أمته) بمصير واحد من المشرعين الغابرين‪،‬‬
‫وهو ( عمرو بن لحي) أول من شرع لقريش عبادة الوثان وتسييب السوائب‪ ،‬قال النبي‬

‫‪:‬‬

‫صبَهُ فِي النّارِ) ‪ ،‬ولن ينفعك يومئذ يا عبد‬
‫جرّ ُق ْ‬
‫عيّ يَ ُ‬
‫خزَا ِ‬
‫حيّ الْ ُ‬
‫ع ْمرَو بْنَ عَا ِمرِ بْنِ لُ َ‬
‫( َرَأ ْيتُ َ‬

‫الياسق جيشٌ ول شرطةٌ ول (مباحث) ول سلطان‪ ،‬ول المادة رقم (‪ )45‬من ياسق الكفر التي‬

‫تقول ( ذات المير مصونة ل تُمس) ول المادتان رقم (‪ )23‬و(‪ )24‬من قوانين جرائم أمن الدولة‬

‫التي تقضي بإعدام كل من عرض حياة المير أو حريته للخطر أو اعتدى بالقوة على السلطات‬
‫التي يتولها‪ ..‬ول غيرها من المواد‪ ..‬فارجع إلى دين ال َتعَالى وشرعه واكفر وتبرأ من‬

‫ياسقك هذا قبل أن يأتيك يوم تقول فيه {يَا َل ْي َتنِي لَمْ أُوتَ ِكتَابِيه َولَمْ أَ ْدرِ مَا حِسَابِيه يَا َل ْي َتهَا كَا َنتْ‬

‫سلْطَانِيه}[الحاقة‪.]29-25 :‬‬
‫عنّي ُ‬
‫عنّي مَالِيه َهَلكَ َ‬
‫غنَى َ‬
‫ضيَةَ مَا أَ ْ‬
‫الْقَا ِ‬
‫‪223‬‬

‫[‬

‫‪2‬‬

‫] ما هو الدين الذي يحترمه ويدين به الدستور؟؟ وبالتالي كل من احترم‬

‫الدستورة إنه ليس السلم‪.‬‬

‫جاء في المادة رقم (‪ )6‬من الياسق الكويتي‪ ( :‬نظام الحكم ديمقراطي) وعرّفوا هذا الدين الذي‬

‫هو (الديمقراطية) بقولهم في المادة نفسها‪( :‬السيادة فيه للمة مصدر السلطات جميعا)‪.‬‬

‫ح ْكمُهُ ِإلَى اللّهِ}[الشورى‪ .]10 :‬ويقول‪{ :‬فَإِنْ‬
‫شيْءٍ فَ ُ‬
‫خ َتلَ ْفتُمْ فِيهِ مِنْ َ‬
‫فال عز وجل يقول‪َ { :‬ومَا ا ْ‬

‫خ ْيرٌ َوأَحْسَنُ‬
‫خرِ َذِلكَ َ‬
‫شيْءٍ َفرُدّوهُ ِإلَى اللّهِ وَالرّسُولِ إِنْ كُنتُمْ ُت ْؤ ِمنُونَ بِاللّهِ وَا ْل َيوْمِ ال ِ‬
‫عتُمْ فِي َ‬
‫َتنَازَ ْ‬

‫حكْمُ إِلّ ِللّهِ}[يوسف‪.]40 :‬‬
‫تَ ْأوِيلً}[النساء‪ .]59 :‬ويقول ‪{ :‬إِنْ الْ ُ‬

‫حكْمُ إِلّ للمة)ة (وهي مصدر السلطات جميعا)ً‪ ،‬أي ما‬
‫والدستور يقول وعبيده يقولون‪( :‬إِنْ الْ ُ‬

‫قالت المة عنه‪( :‬حرام) فهو حرام‪ ،‬وما قالت ‪( :‬حلل) فهو حلل‪ ..‬هذا ما تقرره هذه‬
‫المادة‪..‬وهو دين الدستور وهذا الدين ليس دين السلم الذي بعث ال به نبيه محمدا‬

‫للناس‬

‫غ ْيرَ الِسْلمِ دِينًا َفلَنْ يُ ْق