‫رسالة مطولة حول استشهاد عبد العزيز‬ ‫الرنتيسي‬ ‫رحمه الله‬ ‫بقلم‬ ‫الشهاب الثاقب‬ ‫حقوق الطبع لكل مسلم‬ ‫‪1‬‬ ‫بسم ال الرحمن الرحيم‬ ‫ل الّلهُمّ مَاِلكَ‬ ‫الحمد لك يا رب وحدك ل شريك لك أنت الذي تقول على لسان المؤمنين { قُ ِ‬ ‫خ ْيرُ‬ ‫ا ْل ُملْكِ ُت ْؤتِي ا ْل ُم ْلكَ مَن تَشَاء َوتَنزِعُ ا ْل ُملْكَ ِممّن تَشَاء َو ُت ِعزّ مَن تَشَاء َوتُذِلّ مَن تَشَاء ِبيَ ِدكَ الْ َ‬ ‫شيْءٍ قَدِيرٌ} (‪ )26‬سورة آل عمران‬ ‫عَلىَ كُلّ َ‬ ‫ِإ ّنكَ َ‬ ‫جعُونَ} (‪ )83‬سورة يــس‬ ‫شيْءٍ َوِإَليْهِ ُترْ َ‬ ‫سبْحَانَ الّذِي ِبيَ ِدهِ َمَلكُوتُ كُلّ َ‬ ‫وأنت الذي تقول { فَ ُ‬ ‫لرْضُ إِلّ مَا شَاء َر ّبكَ إِنّ َر ّبكَ َفعّالٌ ّلمَا‬ ‫سمَاوَاتُ وَا َ‬ ‫وأنت الذي تقول { خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَا َمتِ ال ّ‬ ‫ُيرِيدُ } (‪ )107‬سورة هود‬ ‫نعم نقر ونعترف أنه ل يجري شيء في هذا الكون إل بقدر وحكمة علمها من علمها وجهلها‬ ‫من جهلها‬ ‫شيْءٍ مّنَ‬ ‫اللهم إنا نسلم بقضائك كله عرفنا الحكمة أم لم نعرف فأنت الذي تقول { َوَل َن ْبُلوَ ّنكُمْ بِ َ‬ ‫ش ِر الصّا ِبرِينَ (‪ )155‬الّذِينَ إِذَا‬ ‫ل َموَالِ وَالن ُفسِ وَال ّثمَرَاتِ َوبَ ّ‬ ‫الْخَوفْ وَالْجُوعِ َونَقْصٍ مّنَ ا َ‬ ‫حمَةٌ‬ ‫صلَوَاتٌ مّن ّر ّبهِمْ َورَ ْ‬ ‫عَل ْيهِمْ َ‬ ‫َأصَا َب ْتهُم ّمصِيبَةٌ قَالُواْ ِإنّا ِللّهِ َوِإنّا ِإَليْهِ رَاجِعونَ (‪ )156‬أُوَل ِئكَ َ‬ ‫َوأُولَ ِئكَ هُمُ ا ْل ُم ْهتَدُونَ} (‪ )157‬سورة البقرة‬ ‫اللهم إنا نحتسب عندك فقيدنا الغالي الدكتور عبد العزيز الرنتيسي‬ ‫الذي طالما تمنى الشهادة في سبيلك منذ زمان بعيد‬ ‫وكأنه قد شعر بدنو أجله ولذلك لم يكن هو رئيس الحركة بعد استشهاد الشيخ أحمد ياسين‬ ‫وقد حاول اليهود اللئام اغتياله مرات عديدة ونجاه ال تعالى من كيدهم‬ ‫ولكن هذه المرة يصيبون هدفهم ويبطشون به بعد أن بطشوا بالشيخ أحمد ياسين (( عليهما‬ ‫شآبيب الرحمة والرضوان )) ولم يمض على استشهاد الشيخ أحمد ثلثة أسابيع‬ ‫***************‬ ‫‪2‬‬ ‫ماذا أقول ؟‬ ‫وقد كنت أتابع الحداث عن كثب وكنت أتابع ما يجري في الفلوجة بشيء من السى‬ ‫والفرحة السى على وضعنا المزري المخزي الذي يدل على أننا فقدنا كل شيء ولم يبق لنا‬ ‫مطمع في أي شيء‬ ‫والفرحة بما أبداه أهلنا فيها من الصمود والبسالة وبما قدموه من تضحيات جسام‬ ‫وقد قلت إن هؤلء هم أشبه بأهل جنين الصامدة‬ ‫فهذا يدل على أن هذه المة لن تموت إنها حية حية حية إلى قيام الساعة‬ ‫عبَا ِدنَا َف ِم ْنهُمْ ظَالِمٌ ّلنَفْسِهِ َو ِم ْنهُم مّ ْق َتصِدٌ‬ ‫يقول ال تعالى { ثُمّ َأ ْو َر ْثنَا ا ْل ِكتَابَ الّذِينَ اصْطَفَ ْينَا مِنْ ِ‬ ‫ن اللّهِ َذِلكَ ُهوَ الْ َفضْلُ ا ْل َكبِيرُ} (‪ )32‬سورة فاطر‬ ‫خ ْيرَاتِ بِإِذْ ِ‬ ‫َو ِم ْنهُمْ سَابِقٌ بِالْ َ‬ ‫يقول الشهيد سيد قطب رحمه ال ‪:‬‬ ‫هذا هو الكتاب في ذاته ‪ .‬وقد أورثه ال لهذه المة المسلمة ‪ ,‬اصطفاها لهذه الوراثة ‪ ,‬كما يقول‬ ‫هنا في كتابه‪:‬‬ ‫(ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا) ‪. .‬‬ ‫وهي كلمات جديرة بأن توحي لهذه المة بكرامتها على ال ; كما توحي إليها بضخامة التبعة‬ ‫الناشئة عن هذا الصطفاء وعن تلك الوراثة ‪ .‬وهي تبعة ضخمة ذات تكاليف ‪ ,‬فهل تسمع المة‬ ‫المصطفاة وتستجيب ?‬ ‫إن ال سبحانه قد أكرم هذه المة بالصطفاء للوراثة ; ثم أكرمها بفضله في الجزاء حتى لمن‬ ‫أساء‪:‬‬ ‫(فمنهم ظالم لنفسه ‪ .‬ومنهم مقتصد ‪ .‬ومنهم سابق بالخيرات بإذن ال) ‪. .‬‬ ‫فالفريق الول ‪ -‬ولعله ذكر أولً لنه الكثر عددا ‪( -‬ظالم لنفسه) تربى سيئاته في العمل على‬ ‫حسناته ‪ .‬والفريق الثاني وسط(مقتصد) تتعادل سيئاته وحسناته ‪ .‬والفريق الثالث (سابق‬ ‫بالخيرات بإذن ال) ‪ ,‬تربى حسناته على سيئاته ‪ . .‬ولكن فضل ال شمل الثلثة جميعا ‪ .‬فكلهم‬ ‫انتهى إلى الجنة وإلى النعيم الموصوف في اليات التالية ‪ .‬على تفاوت في الدرجات ‪.‬‬ ‫ول ندخل هنا في تفصيل أكثر مما أراد القرآن عرضه في هذا الموضع من كرامة هذه المة‬ ‫باصطفائها ‪ ,‬وكرم ال سبحانه في جزائها ‪ .‬فهذا هو الظل الذي تلقيه النصوص هنا ‪ ,‬وهي‬ ‫‪3‬‬ ‫النهاية التي تنتهي إليها هذه المة جيمعا ‪ -‬بفضل ال ‪ -‬ونطوي ما قد يسبق هذه النهاية من‬ ‫جزاء مقدر في علم ال ‪.‬‬ ‫نطوي هذا الجزاء المبدئي لنخلص إلى ما قدره ال لهذه المة بصنوفها الثلثة من حسن‬ ‫الجزاء‪:‬‬ ‫(ذلك هو الفضل الكبير ‪ .‬جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم‬ ‫فيها حرير ‪ .‬وقالوا‪:‬الحمد ل الذي أذهب عنا الحزن ‪ .‬إن ربنا لغفور شكور ‪ .‬الذي أحلّنا دار‬ ‫المقامة من فضله ل يمسنا فيها نصب ول يمسنا فيها لغوب) ‪. .‬‬ ‫إن المشهد يتكشف عن نعيم مادي ملموس ‪ ,‬ونعيم نفسي محسوس ‪ .‬فهم (يحلون فيها من أساور‬ ‫من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير) ‪ . .‬وذلك بعض المتاع ذي المظهر المادي ‪ ,‬الذي يلبي‬ ‫بعض رغائب النفوس ‪ .‬وبجانبه ذلك الرضا وذلك المن وذلك الطمئنان‪( :‬وقالوا الحمد ل‬ ‫الذي أذهب عنا الحزن) ‪ . .‬والدنيا بما فيها من‬ ‫قلق على المصير ‪ ,‬ومعاناة للمور تعد حزنا بالقياس إلى هذا النعيم المقيم ‪ .‬والقلق يوم الحشر‬ ‫على المصير مصدر حزن كبير ‪( .‬إن ربنا لغفور شكور) ‪ . .‬غفر لنا وشكر لنا أعمالنا بما‬ ‫جازانا عليها ‪( .‬الذي أحلّنا دار المقامة) ‪ . .‬للقامة والستقرار (من فضله) فما لنا عليه من‬ ‫حق ‪ ,‬إنما هو الفضل يعطيه من يشاء ‪( .‬ل يمسنا فيها نصب ول يمسنا فيها لغوب) ‪ . .‬بل‬ ‫يجتمع لنا فيها النعيم والراحة والطمئنان ‪.‬‬ ‫فالجو كله يسر وراحة ونعيم ‪ .‬واللفاظ مختارة لتتسق بجرسها وإيقاعها مع هذا الجو الحاني‬ ‫الرحيم ‪ .‬حتى "الحزن" ل يتكأ عليه بالسكون الجازم ‪ .‬بل يقال "الحزَن" بالتسهيل والتخفيف ‪.‬‬ ‫والجنة (دار المقامة) ‪ .‬والنصب واللغوب ل يمسانهم مجرد مساس ‪ .‬واليقاع الموسيقي للتعبير‬ ‫كله هادىء ناعم رتيب ‪.‬‬ ‫******************‬ ‫ولكن لماذا يجري ما يجري علينا من نكبات ؟‬ ‫س ْتهُمُ ا ْلبَأْسَاء‬ ‫خَل ْواْ مِن َق ْبِلكُم مّ ّ‬ ‫جنّةَ َوَلمّا يَ ْأ ِتكُم ّمثَلُ الّذِينَ َ‬ ‫خلُواْ الْ َ‬ ‫س ْبتُمْ أَن تَدْ ُ‬ ‫يقول ال تعالى { أَمْ حَ ِ‬ ‫ص ُر اللّهِ أَل إِنّ َنصْ َر اللّهِ َقرِيبٌ}‬ ‫ل الرّسُولُ وَالّذِينَ آ َمنُواْ َمعَهُ َمتَى َن ْ‬ ‫حتّى يَقُو َ‬ ‫ضرّاء َو ُز ْلزِلُواْ َ‬ ‫وَال ّ‬ ‫(‪ )214‬سورة البقرة‬ ‫يقول الشهيد سيد قطب رحمه ال ‪:‬‬ ‫‪4‬‬ ‫هكذا خاطب ال الجماعة المسلمة الولى ‪ ,‬وهكذا وجهها إلى تجارب الجماعات المؤمنة قبلها ‪,‬‬ ‫وإلى سنته ‪ -‬سبحانه ‪ -‬في تربية عباده المختارين ‪ ,‬الذين يكل إليهم رايته ‪ ,‬وينوط بهم أمانته‬ ‫في الرض ومنهجه وشريعته ‪ .‬وهو خطاب مطرد لكل من يختار لهذا الدور العظيم ‪. .‬‬ ‫وإنها لتجربة عميقة جليلة مرهوبة ‪ . .‬إن هذا السؤال من الرسول والذين آمنوا معه ‪ .‬من‬ ‫الرسول الموصول بال ‪ ,‬والمؤمنين الذين آمنوا بال ‪ .‬إن سؤالهم‪( :‬متى نصر ال ?) ليصور‬ ‫مدى المحنة التي تزلزل مثل هذه القلوب الموصولة ‪ .‬ولن تكون إل محنة فوق الوصف ‪ ,‬تلقي‬ ‫ظللها على مثل هاتيك القلوب ‪ ,‬فتبعث منها ذلك السؤال المكروب‪( :‬متى نصر ال ?) ‪. .‬‬ ‫وعندما تثبت القلوب على مثل هذه المحنة المزلزلة ‪ . .‬عندئذ تتم كلمة ال ‪ ,‬ويجيء النصر من‬ ‫ال‪:‬‬ ‫(أل إن نصر ال قريب) ‪. .‬‬ ‫إنه مدخر لمن يستحقونه ‪ .‬ولن يستحقه إل الذين يثبتون حتى النهاية ‪ .‬الذين يثبتون على البأساء‬ ‫والضراء ‪ .‬الذين يصمدون للزلزلة ‪ .‬الذين ل يحنون رؤوسهم للعاصفة ‪ .‬الذين يستيقنون أن ل‬ ‫نصر إل نصر ال ‪ ,‬وعندما يشاء ال ‪ .‬وحتى حين تبلغ المحنة ذروتها ‪ ,‬فهم يتطلعون فحسب‬ ‫إلى (نصر ال) ‪ ,‬ل إلى أي حل آخر ‪ ,‬ول إلى أي نصر ل يجيء من عند ال ‪ .‬ول نصر إل‬ ‫من عند ال ‪.‬‬ ‫بهذا يدخل المؤمنون الجنة ‪ ,‬مستحقين لها ‪ ,‬جديرين بها ‪ ,‬بعد الجهاد والمتحان ‪ ,‬والصبر‬ ‫والثبات ‪ ,‬والتجرد ل وحده ‪ ,‬والشعور به وحده ‪ ,‬وإغفال كل ما سواه وكل من سواه ‪.‬‬ ‫إن الصراع والصبر عليه يهب النفوس قوة ‪ ,‬ويرفعها على ذواتها ‪ ,‬ويطهرها في بوتقة اللم ‪,‬‬ ‫فيصفو عنصرها ويضيء ‪ ,‬ويهب العقيدة عمقا وقوة وحيوية ‪ ,‬فتتلل حتى في أعين أعدائها‬ ‫وخصومها ‪ .‬وعندئذ يدخلون في دين ال أفواجا كما وقع ‪ ,‬وكما يقع في كل قضية حق ‪ ,‬يلقي‬ ‫أصحابها ما يلقون في أول الطريق ‪ ,‬حتى إذا ثبتوا للمحنة انحاز إليهم من كانوا يحاربونهم‬ ‫وناصرهم أشد المناوئين وأكبر المعاندين ‪. .‬‬ ‫على أنه ‪ -‬حتى إذا لم يقع هذا ‪ -‬يقع ما هو أعظم منه في حقيقته ‪ .‬يقع أن ترتفع أرواح‬ ‫أصحاب الدعوة على كل قوى الرض وشرورها وفتنتها ‪ ,‬وأن تنطلق من إسار الحرص على‬ ‫الدعة والراحة ‪ ,‬والحرص على الحياة نفسها في النهاية ‪ . .‬وهذا النطلق كسب للبشرية كلها ‪,‬‬ ‫‪5‬‬ ‫وكسب للرواح التي تصل إليه عن طريق الستعلء ‪ .‬كسب يرجح جميع اللم وجميع البأساء‬ ‫والضراء التي يعانيها المؤمنون ‪ ,‬والمؤتمنون على راية ال وأمانته ودينه وشريعته ‪.‬‬ ‫وهذا النطلق هو المؤهل لحياة الجنة في نهاية المطاف ‪ . .‬وهذا هو الطريق ‪. .‬‬ ‫هذا هو الطريق كما يصفه ال للجماعة المسلمة الولى ‪ ,‬وللجماعة المسلمة في كل جيل ‪.‬‬ ‫هذا هو الطريق‪:‬إيمان وجهاد ‪ . .‬ومحنة وابتلء ‪ .‬وصبر وثبات ‪ . .‬وتوجه إلى ال وحده ‪ .‬ثم‬ ‫يجيء النصر ‪ .‬ثم يجيء النعيم ‪. .‬‬ ‫**************‬ ‫ح َزنُوا َوأَنتُمُ‬ ‫ويقول تعالى ‪ { :‬هَـذَا َبيَانٌ لّلنّاسِ وَهُدًى َو َموْعِظَةٌ ّل ْل ُمتّقِينَ (‪ )138‬وَلَ َت ِهنُوا وَلَ تَ ْ‬ ‫سكُمْ َقرْحٌ فَقَدْ َمسّ الْ َقوْمَ َقرْحٌ ّم ْثلُهُ َو ِت ْلكَ اليّامُ نُدَا ِوُلهَا‬ ‫عَلوْنَ إِن كُنتُم ّم ْؤ ِمنِينَ (‪ )139‬إِن َيمْسَ ْ‬ ‫الَ ْ‬ ‫حبّ الظّاِلمِينَ (‪َ )140‬وِل ُيمَحّصَ‬ ‫شهَدَاء وَاللّهُ لَ يُ ِ‬ ‫َبيْنَ النّاسِ َوِل َي ْعلَ َم اللّهُ الّذِينَ آ َمنُواْ َو َيتّخِذَ مِنكُمْ ُ‬ ‫جنّةَ َوَلمّا َي ْعلَ ِم اللّهُ الّذِينَ جَاهَدُواْ‬ ‫خلُواْ الْ َ‬ ‫س ْبتُمْ أَن تَدْ ُ‬ ‫اللّهُ الّذِينَ آ َمنُواْ َو َيمْحَقَ ا ْلكَا ِفرِينَ (‪ )141‬أَمْ حَ ِ‬ ‫مِنكُمْ َو َي ْعلَمَ الصّا ِبرِينَ (‪َ )142‬ولَقَدْ كُنتُمْ َت َم ّنوْنَ ا ْل َم ْوتَ مِن َقبْلِ أَن َتلْ َق ْوهُ فَقَدْ َرَأ ْي ُتمُوهُ َوأَنتُمْ‬ ‫علَى‬ ‫خَلتْ مِن َق ْبلِ ِه الرّسُلُ أَفَإِن مّاتَ َأوْ ُقتِلَ ان َقَلبْتُمْ َ‬ ‫حمّدٌ إِلّ رَسُولٌ قَدْ َ‬ ‫ظرُونَ (‪َ )143‬ومَا مُ َ‬ ‫تَن ُ‬ ‫جزِي اللّهُ الشّا ِكرِينَ (‪َ )144‬ومَا كَانَ‬ ‫سيَ ْ‬ ‫ش ْيئًا وَ َ‬ ‫ض ّر اللّهَ َ‬ ‫عَلىَ عَ ِق َبيْهِ َفلَن َي ُ‬ ‫أَعْقَا ِبكُمْ َومَن يَن َقِلبْ َ‬ ‫خ َرةِ‬ ‫ِلنَ ْفسٍ أَنْ َتمُوتَ إِلّ بِإِذْنِ ال ِكتَابًا ّمؤَجّلً َومَن ُيرِدْ َثوَابَ ال ّد ْنيَا ُن ْؤتِهِ ِم ْنهَا َومَن ُيرِدْ َثوَابَ ال ِ‬ ‫جزِي الشّا ِكرِينَ (‪َ )145‬وكََأيّن مّن ّن ِبيّ قَاتَلَ َمعَهُ ِر ّبيّونَ َكثِيرٌ َفمَا وَ َهنُواْ ِلمَا‬ ‫سنَ ْ‬ ‫ُن ْؤتِهِ ِم ْنهَا وَ َ‬ ‫ب الصّا ِبرِينَ (‪َ )146‬ومَا كَانَ َق ْوَلهُمْ إِلّ‬ ‫ح ّ‬ ‫س َتكَانُواْ وَاللّهُ يُ ِ‬ ‫ضعُفُواْ َومَا ا ْ‬ ‫ل اللّهِ َومَا َ‬ ‫سبِي ِ‬ ‫َأصَا َبهُمْ فِي َ‬ ‫علَى الْ َقوْمِ ا ْلكَا ِفرِينَ (‬ ‫ص ْرنَا َ‬ ‫سرَا َفنَا فِي َأ ْم ِرنَا َو َث ّبتْ أَقْدَا َمنَا وان ُ‬ ‫أَن قَالُواْ ر ّبنَا اغْ ِفرْ َلنَا ُذنُو َبنَا َوإِ ْ‬ ‫سنِينَ (‪ } )148‬سورة آل‬ ‫حبّ ا ْلمُحْ ِ‬ ‫خ َرةِ وَاللّهُ يُ ِ‬ ‫‪ )147‬فَآتَاهُمُ اللّهُ َثوَابَ ال ّد ْنيَا وَحُسْنَ َثوَابِ ال ِ‬ ‫عمران‬ ‫يقول الشهيد سيد قطب رحمه ال ‪:‬‬ ‫ل تهنوا ‪ -‬من الوهن والضعف ‪ -‬ول تحزنوا ‪ -‬لما أصابكم ولما فاتكم ‪ -‬وأنتم العلون ‪. .‬‬ ‫عقيدتكم أعلى فأنتم تسجدون ل وحده ‪ ,‬وهم يسجدون لشيء من خلقه أو لبعض من خلقه !‬ ‫ومنهجكم أعلى ‪ .‬فأنتم تسيرون على منهج من صنع ال ‪ ,‬وهم يسيرون على منهج من صنع‬ ‫خلق ال ! ودوركم أعلى ‪ .‬فأنتم الوصياء على هذه البشرية كلها ‪ ,‬الهداة لهذه البشرية كلها ‪,‬‬ ‫وهم شاردون عن النهج ‪ ,‬ضالون عن الطريق ‪ .‬ومكانكم في الرض أعلى ‪ ,‬فلكم وراثة‬ ‫‪6‬‬ ‫الرض التي وعدكم ال بها ‪ ,‬وهم إلى الفناء والنسيان صائرون ‪ . .‬فإن كنتم مؤمنين حقا فأنتم‬ ‫العلون ‪ .‬وإن كنتم مؤمنين حقا فل تهنوا ول تحزنوا ‪ .‬فإنما هي سنة ال أن تصابوا وتصيبوا‬ ‫‪ ,‬على أن تكون لكم العقبى بعد الجهاد والبتلء والتمحيص‪:‬‬ ‫(إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله ‪ .‬وتلك اليام نداولها بين الناس ‪ .‬وليعلم ال الذين‬ ‫آمنوا ‪ ,‬ويتخذ منكم شهداء ‪ .‬وال ل يحب الظالمين ‪ .‬وليمحص ال الذين آمنوا ويمحق‬ ‫الكافرين) ‪. .‬‬ ‫وذكر القرح الذي أصابهم وأصاب المكذبين قرح مثله ‪ ,‬قد يكون إشارة إلى غزوة بدر ‪ .‬وقد‬ ‫مس القرح فيها المشركين وسلم المسلمون ‪ .‬وقد يكون إشارة إلى غزوة أحد ‪ .‬وقد انتصر فيها‬ ‫المسلمون في أول المر ‪ .‬حتى هزم المشركون وقتل منهم سبعون ‪ ,‬وتابعهم المسلمون‬ ‫يضربون أقفيتهم حتى لقد سقط علم المشركين في ثنايا المعركة فلم يتقدم إليه منهم أحد ‪ .‬حتى‬ ‫رفعته لهم امرأة فلثوا بها وتجمعوا عليها ‪ . .‬ثم كانت الدولة للمشركين ‪ ,‬حينما خرج الرماة‬ ‫على أمر رسول ال صلى ال عليه وسلم واختلفوا فيما بينهم ‪ .‬فأصاب المسلمين ما أصابهم في‬ ‫نهاية المعركة ‪ .‬جزاء وفاقا لهذا الختلف وذلك الخروج ‪ ,‬وتحقيقا لسنة من سنن ال التي ل‬ ‫تتخلف ‪ ,‬إذ كان اختلف الرماة وخروجهم ناشئين من الطمع في الغنيمة ‪ .‬وال قد كتب النصر‬ ‫في معارك الجهاد لمن يجاهدون في سبيله ‪ ,‬ل ينظرون إلى شيء من عرض هذه الدنيا الزهيد‬ ‫‪ .‬وتحقيقا كذلك لسنة أخرى من سنن ال في الرض ‪ ,‬وهي مداولة اليام بين الناس ‪ -‬وفقا لما‬ ‫يبدو من عمل الناس ونيتهم ‪ -‬فتكون لهؤلء يوما ولولئك يوما ‪ .‬ومن ثم يتبين المؤمنون‬ ‫ويتبين المنافقون ‪ .‬كما تتكشف الخطاء ‪ .‬وينجلي الغبش ‪.‬‬ ‫(إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله ‪ .‬وتلك اليام نداولها بين الناس ‪ . .‬وليعلم ال الذين‬ ‫آمنوا) ‪. .‬‬ ‫إن الشدة بعد الرخاء ‪ ,‬والرخاء بعد الشدة ‪ ,‬هما اللذان يكشفان عن معادن النفوس ‪ ,‬وطبائع‬ ‫القلوب ‪ ,‬ودرجة الغبش فيها والصفاء ‪ ,‬ودرجة الهلع فيها والصبر ‪ ,‬ودرجة الثقة فيها بال أو‬ ‫القنوط ‪ ,‬ودرجة الستسلم فيها لقدر ال أو البرم به والجموح !‬ ‫عندئذ يتميز الصف ويتكشف عن‪:‬مؤمنين ومنافقين ‪ ,‬ويظهر هؤلء وهؤلء على حقيقتهم ‪,‬‬ ‫وتتكشف في دنيا الناس دخائل نفوسهم ‪ .‬ويزول عن الصف ذلك الدخل وتلك الخلخلة التي تنشأ‬ ‫من قلة التناسق بين أعضائه وأفراده ‪ ,‬وهم مختلطون مبهمون !‬ ‫‪7‬‬ ‫وال سبحانه يعلم المؤمنين والمنافقين ‪ .‬وال سبحانه يعلم ما تنطوي عليه الصدور ‪ .‬ولكن‬ ‫الحداث ومداولة اليام بين الناس تكشف المخبوء ‪ ,‬وتجعله واقعا في حياة الناس ‪ ,‬وتحول‬ ‫اليمان إلى عمل ظاهر ‪ ,‬وتحول النفاق كذلك إلى تصرف ظاهر ‪ ,‬ومن ثم يتعلق به الحساب‬ ‫والجزاء ‪ .‬فال سبحانه ل يحاسب الناس على ما يعلمه من أمرهم ولكن يحاسبهم على وقوعه‬ ‫منهم ‪.‬‬ ‫ومداولة اليام ‪ ,‬وتعاقب الشدة والرخاء ‪ ,‬محك ل يخطىء ‪ ,‬وميزان ل يظلم ‪ .‬والرخاء في هذا‬ ‫كالشدة ‪ .‬وكم من نفوس تصبر للشدة وتتماسك ‪ ,‬ولكنها تتراخى بالرخاء وتنحل ‪ .‬والنفس‬ ‫المؤمنة هي التي تصبر للضراء ول تستخفها السراء ‪ ,‬وتتجه إلى ال في الحالين ‪ ,‬وتوقن أن ما‬ ‫أصابها من الخير والشر فبإذن ال ‪.‬‬ ‫وقد كان ال يربي هذه الجماعة ‪ -‬وهي في مطالع خطواتها لقيادة البشرية ‪ -‬فرباها بهذا‬ ‫البتلء بالشدة بعد البتلء بالرخاء ‪ ,‬والبتلء بالهزيمة المريرة بعد البتلء بالنصر العجيب ‪-‬‬ ‫وإن يكن هذا وهذه قد وقعا وفق أسبابهما ووفق سنن ال الجارية في النصر والهزيمة ‪ .‬لتتعلم‬ ‫هذه الجماعة أسباب النصر والهزيمة ‪ .‬ولتزيد طاعة ل ‪ ,‬وتوكل عليه ‪ ,‬والتصاقا بركنه ‪.‬‬ ‫ولتعرف طبيعة هذا المنهج وتكاليفه معرفة اليقين ‪.‬‬ ‫ويمضي السياق يكشف للمة المسلمة عن جوانب من حكمة ال فيما وقع من أحداث المعركة ‪,‬‬ ‫وفيما وراء مداولة اليام بين الناس ‪ ,‬وفيما بعد تمييز الصفوف ‪ ,‬وعلم ال للمؤمنين‪:‬‬ ‫(ويتخذ منكم شهداء) ‪. .‬‬ ‫وهو تعبير عجيب عن معنى عميق ‪ -‬إن الشهداء لمختارون ‪ .‬يختارهم ال من بين المجاهدين ‪,‬‬ ‫ويتخذهم لنفسه ‪ -‬سبحانه ‪ -‬فما هي رزية إذن ول خسارة أن يستشهد في سبيل ال من يستشهد‬ ‫‪ .‬إنما هو اختيار وانتقاء ‪ ,‬وتكريم واختصاص ‪ . .‬إن هؤلء هم الذين اختصهم ال ورزقهم‬ ‫الشهادة ‪ ,‬ليستخلصهم لنفسه ‪ -‬سبحانه ‪ -‬ويخصهم بقربه ‪.‬‬ ‫ثم هم شهداء يتخذهم ال ‪ ,‬ويستشهدهم على هذا الحق الذي بعث به للناس ‪ .‬يستشهدهم فيؤدون‬ ‫الشهادة ‪ .‬يؤدونها أداء ل شبهة فيه ‪ ,‬ول مطعن عليه ‪ ,‬ول جدال حوله ‪ .‬يؤدونها بجهادهم حتى‬ ‫الموت في سبيل إحقاق هذا الحق ‪ ,‬وتقريره في دنيا الناس ‪ .‬يطلب ال ‪ -‬سبحانه ‪ -‬منهم أداء‬ ‫هذه الشهادة ‪ ,‬على أن ما جاءهم من عنده الحق ; وعلى أنهم آمنوا به ‪ ,‬وتجردوا له ‪ ,‬وأعزوه‬ ‫حتى أرخصوا كل شيء دونه ; وعلى أن حياة الناس ل تصلح ول تستقيم إل بهذا الحق ; وعلى‬ ‫‪8‬‬ ‫أنهم هم استيقنوا هذا ‪ ,‬فلم يألوا جهدا في كفاح الباطل وطرده من حياة الناس ‪ ,‬وإقرار هذا الحق‬ ‫في عالمهم وتحقيق منهج ال في حكم الناس ‪ . .‬يستشهدهم ال على هذا كله فيشهدون ‪ .‬وتكون‬ ‫شهادتهم هي هذا الجهاد حتى الموت ‪ .‬وهي شهادة ل تقبل الجدال والمحال !‬ ‫وكل من ينطق بالشهادتين‪:‬شهادة أن ل إله إل ال وأن محمدا رسول ال ‪ .‬ل يقال له أنه شهد ‪,‬‬ ‫إل أن يؤدي مدلول هذه الشهادة ومقتضاها ‪ .‬ومدلولها هو أل يتخذ إل ال إلها ‪ .‬ومن ثم ل‬ ‫يتلقى الشريعة إل منال ‪ .‬فأخص خصائص اللوهية التشريع للعباد ; وأخص خصائص العبودية‬ ‫التلقي من ال ‪ . .‬ومدلولها كذلك أل يتلقى من ال إل عن محمد بما أنه رسول ال ‪ .‬ول يعتمد‬ ‫مصدرا آخر للتلقي إل هذا المصدر ‪. .‬‬ ‫ومقتضى هذه الشهادة أن يجاهد إذن لتصبح اللوهية ل وحده في الرض ‪ ,‬كما بلغها محمد‬ ‫صلى ال عليه وسلم فيصبح المنهج الذي أراده ال للناس ‪ ,‬والذي بلغه عنه محمد صلى ال‬ ‫عليه وسلم هو المنهج السائد والغالب والمطاع ‪ ,‬وهو النظام الذي يصرف حياة الناس كلها بل‬ ‫استثاء ‪.‬‬ ‫فإذا اقتضى هذا المر أن يموت في سبيله ‪ ,‬فهو إذن شهيد ‪ .‬أي شاهد طلب ال إليه أداء هذه‬ ‫الشهادة فأداها ‪ .‬واتخذه ال شهيدا ‪ . .‬ورزقه هذا المقام ‪.‬‬ ‫هذا فقه ذلك التعبير العجيب‪:‬‬ ‫(ويتخذ منكم شهداء ‪. . ). .‬‬ ‫وهو مدلول شهادة أن ل إله إل ال وأن محمدا رسول ال ‪ ,‬ومقتضاه ‪ . .‬ل ما انتهى إليه مدلول‬ ‫هذه الشهادة من الرخص والتفاهة والضياع !‬ ‫(وال ل يحب الظالمين) ‪. .‬‬ ‫والظلم كثيرا ما يذكر في القرآن ويراد به الشرك ‪ .‬بوصفه أظلم الظلم وأقبحه ‪ .‬وفي القرآن‪:‬‬ ‫(إن الشرك لظلم عظيم) ‪ . .‬وفي الصحيحين عن ابن مسعود‪:‬أنه قال‪:‬قلت‪:‬يا رسول ال ‪ .‬أي‬ ‫الذنب أعظم ? قال‪ ":‬أن تجعل ل ندا وهو خلقك ‪. . " . . .‬‬ ‫وقد أشار السياق من قبل إلى سنة ال في المكذبين ; فالن يقرر أن ال ل يحب الظالمين ‪ .‬فهو‬ ‫توكيد في صورة أخرى لحقيقة ما ينتظر المكذبين الظالمين الذين ل يحبهم ال ‪ .‬والتعبير بأن‬ ‫ال ل يحب الظالمين ‪ ,‬يثير في نفس المؤمن بغض الظلم وبغض الظالمين ‪ .‬وهذه الثارة في‬ ‫معرض الحديث عن الجهاد والستشهاد ‪ ,‬لها مناسبتها الحاضرة ‪ .‬فالمؤمن إنما يبذل نفسه في‬ ‫‪9‬‬ ‫مكافحة ما يكرهه ال ومن يكرهه ‪ .‬وهذا هو مقام الستشهاد ‪ ,‬وفي هذا تكون الشهادة ; ومن‬ ‫هؤلء يتخذ ال الشهداء ‪. .‬‬ ‫ثم يمضي السياق القرآني يكشف عن الحكمة الكامنة وراء الحداث ‪ ,‬في تربية المة المسلمة‬ ‫وتمحيصها وإعدادها لدورها العلى ‪ ,‬ولتكون أداة من أدوات قدره في محق الكافرين ‪ ,‬وستارا‬ ‫لقدرته في هلك المكذبين‪:‬‬ ‫(وليمحص ال الذين آمنوا ويمحق الكافرين) ‪. .‬‬ ‫والتمحيص درجة بعد الفرز والتمييز ‪ .‬التمحيص عملية تتم في داخل النفس ‪ ,‬وفي مكنون‬ ‫الضمير ‪ . .‬إنها عملية كشف لمكنونات الشخصية ‪ ,‬وتسليط الضوء على هذه المكنونات ‪.‬‬ ‫تمهيدا لخراج الدخل والدغل والوشاب ‪ ,‬وتركها نقية واضحة مستقرة على الحق ‪ ,‬بل غبش‬ ‫ول ضباب ‪. .‬‬ ‫وكثيرا ما يجهل النسان نفسه ‪ ,‬ومخابئها ودروبها ومنحنياتها ‪ .‬وكثيرا ما يجهل حقيقة ضعفها‬ ‫وقوتها ‪ ,‬وحقيقة ما استكن فيها من رواسب ‪ ,‬ل تظهر إل بمثير !‬ ‫وفي هذا التمحيص الذي يتوله ال ‪ -‬سبحانه ‪ -‬بمداولة اليام بين الناس بين الشدة والرخاء ‪,‬‬ ‫يعلم المؤمنون من أنفسهم ما لم يكونوا يعلمونه قبل هذا المحك المرير‪:‬محك الحداث والتجارب‬ ‫والمواقف العملية الواقعية ‪.‬‬ ‫ولقد يظن النسان في نفسه القدرة والشجاعة والتجرد والخلص من الشح والحرص ‪ . .‬ثم إذا‬ ‫هو يكشف ‪ -‬على ضوء التجربة العملية ‪ ,‬وفي مواجهة الحداث الواقعية ‪ -‬إن في نفسه عقابيل‬ ‫لم تمحص ‪ .‬وأنه لم يتهيأ لمثل هذا المستوى من الضغوط ! ومن الخير أن يعلم هذا من نفسه ‪,‬‬ ‫ليعاود المحاولة في سبكها من جديد ‪ ,‬على مستوى الضغوط التي تقتضيها طبيعة هذه الدعوة ‪,‬‬ ‫وعلى مستوى التكاليف التي تقتضيها هذه العقيدة !‬ ‫وال ‪ -‬سبحانه ‪ -‬كان يربي هذه الجماعة المختارة لقيادة البشرية ‪ ,‬وكان يريد بها أمرا في هذه‬ ‫الرض ‪ .‬فمحصها هذا التمحيص ‪ ,‬الذي تكشفت عنه الحداث في أحد ‪ ,‬لترتفع إلى مستوى‬ ‫الدور المقدر لها ‪ ,‬وليتحقق على يديها قدر ال الذي ناطه بها‪:‬‬ ‫(ويمحق الكافرين) ‪. .‬‬ ‫تحقيقا لسنته في دمغ الباطل بالحق متى استعلن الحق ‪ ,‬وخلص من الشوائب بالتمحيص ‪. .‬‬ ‫‪10‬‬ ‫وفي سؤال استنكاري يصحح القرآن تصورات المسلمين عن سنة ال في الدعوات ‪ ,‬وفي‬ ‫النصر والهزيمة ‪ ,‬وفي العمل والجزاء ‪ .‬ويبين لهم أن طريق الجنة محفوف بالمكاره ‪ ,‬وزاده‬ ‫الصبر على مشاق الطريق ‪ ,‬وليس زاده التمني والماني الطائرة التي ل تثبت على المعاناة‬ ‫والتمحيص‪:‬‬ ‫(أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ‪ ,‬ولما يعلم ال الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين ‪ .‬ولقد كنتم‬ ‫تمنون الموت من قبل أن تلقوه ‪ .‬فقد رأيتموه وأنتم تنظرون) ‪. .‬‬ ‫إن صيغة السؤال الستنكارية يقصد بها إلى التنبيه بشدة إلى خطأ هذا التصور‪:‬تصور أنه يكفي‬ ‫النسان أن يقولها كلمة باللسان‪:‬أسلمت وأنا على استعداد للموت ‪ .‬فيبلغ بهذه الكلمة أن يؤدي‬ ‫تكاليف اليمان ‪ ,‬وأن ينتهي إلى الجنة والرضوان !‬ ‫إنما هي التجربة الواقعية ‪ ,‬والمتحان العملي ‪ .‬وإنما هو الجهاد وملقاة البلء ‪ ,‬ثم الصبر على‬ ‫تكاليف الجهاد ‪ ,‬وعلى معاناة البلء ‪.‬‬ ‫وفي النص القرآني لفتة ذات مغزى‪:‬‬ ‫(ولما يعلم ال الذين جاهدوا منكم) ‪( . .‬ويعلم الصابرين) ‪. .‬‬ ‫فل يكفي أن يجاهد المؤمنون ‪ .‬إنما هو الصبر على تكاليف هذه الدعوة أيضا ‪ .‬التكاليف‬ ‫المستمرة المتنوعة التي ل تقف عند الجهاد في الميدان ‪ .‬فربما كان الجهاد في الميدان أخف‬ ‫تكاليف هذه الدعوة التي يطلب لها الصبر ‪ ,‬ويختبر بها اليمان ‪ .‬إنما هنالك المعاناة اليومية‬ ‫التي ل تنتهي‪:‬معاناة الستقامة على أفق اليمان ‪ .‬والستقرار على مقتضياته في الشعور‬ ‫والسلوك ‪ ,‬والصبر في أثناء ذلك على الضعف النساني‪:‬في النفس وفي الغير ‪ ,‬ممن يتعامل‬ ‫معهم المؤمن في حياته اليومية ‪ .‬والصبر على الفترات التي يستعلي فيها الباطل وينتفش ويبدو‬ ‫كالمنتصر ! والصبر على طول الطريق وبعد الشقة وكثرة العقبات ‪ .‬والصبر على وسوسة‬ ‫الراحة وهفوة النفس لها في زحمة الجهد والكرب والنضال ‪ . .‬والصبر على أشياء كثيرة ليس‬ ‫الجهاد في الميدان إل واحدا منها ‪ ,‬في الطريق المحفوف بالمكاره ‪ .‬طريق الجنة التي ل تنال‬ ‫بالماني وبكلمات اللسان !‬ ‫(ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه ‪ .‬فقد رأيتموه وأنتم تنظرون) ‪. .‬‬ ‫وهكذا يقفهم السياق وجها لوجه مرة أخرى أمام الموت الذي واجهوه في المعركة ‪ ,‬وقد كانوا‬ ‫من قبل يتمنون لقاءه ‪ .‬ليوازنوا في حسهم بين وزن الكلمة يقولها اللسان ‪ ,‬ووزن الحقيقة‬ ‫‪11‬‬ ‫يواجهها في العيان ‪ .‬فيعلمهم بهذا أن يحسبوا حسابا لكل كلمة تطلقها السنتهم ‪ ,‬ويزنوا حقيقة‬ ‫رصيدها الواقعي في نفوسهم ‪ ,‬على ضوء ما واجهوه من حقيقتها حين واجهتهم ! وبذلك‬ ‫يقدرون قيمة الكلمة ‪ ,‬وقيمة المنية ‪ ,‬وقيمة الوعد ‪ ,‬في ضوء الواقع الثقيل ! ثم يعلمهم أن‬ ‫ليست الكلمات الطائرة ‪ ,‬والماني المرفرفة هي التي تبلغهم الجنة ‪ ,‬إنما هو تحقيق الكلمة ‪,‬‬ ‫وتجسيم المنية ‪ ,‬والجهاد الحقيقي ‪ ,‬والصبر على المعاناة ‪ .‬حتى يعلم ال منهم ذلك كله واقعا‬ ‫كائنا في دنيا الناس !‬ ‫ولقد كان ال ‪ -‬سبحانه ‪ -‬قادرا على أن يمنح النصر لنبيه ولدعوته ولدينه ولمنهجه منذ اللحظة‬ ‫الولى ‪ ,‬وبل كد من المؤمنين ول عناء ‪ .‬وكان قادرا أن ينزل الملئكة تقاتل معهم ‪ -‬أو‬ ‫بدونهم ‪ -‬وتدمر على المشركين ‪ ,‬كما دمرت على عاد وثمود وقوم لوط ‪. .‬‬ ‫ولكن المسألة ليست هي النصر ‪ . .‬إنما هي تربية الجماعة المسلمة ‪ ,‬التي تعد لتتسلم قيادة‬ ‫البشرية ‪ . .‬البشرية بكل ضعفها ونقصها ; وبكل شهواتها ونزواتها ; وبكل جاهليتها وانحرافها‬ ‫‪ . .‬وقيادتها قيادة راشدة تقتضي استعدادا عاليا من القادة ‪ .‬وأول ما تقتضيه صلبة في الخلق ‪,‬‬ ‫وثبات على الحق ‪ ,‬وصبر على المعاناة ‪ ,‬ومعرفة بمواطن الضعف ومواطن القوة في النفس‬ ‫البشرية ‪ ,‬وخبرة بمواطن الزلل ودواعي النحراف ‪ ,‬ووسائل العلج ‪ . .‬ثم صبر على الرخاء‬ ‫كالصبر على الشدة ‪ .‬وصبر على الشدة بعد الرخاء ‪ .‬وطعمها يومئذ لذع مرير ! ‪. .‬‬ ‫وهذه التربية هي التي يأخذ ال بها الجماعة المسلمة حين يأذن بتسليمها مقاليد القيادة ‪ ,‬ليعدها‬ ‫بهذه التربية للدور العظيم الهائل الشاق ‪ ,‬الذي ينوطه بها في هذه الرض ‪ .‬وقد شاء ‪ -‬سبحانه‬ ‫‪ -‬أن يجعل هذا الدور من نصيب "النسان" الذي استخلفه في هذا الملك العريض !‬ ‫وقدر ال في إعداد الجماعة المسلمة للقيادة يمضي في طريقه ‪ ,‬بشتى السباب والوسائل ‪,‬‬ ‫وشتى الملبسات والوقائع ‪ . .‬يمضي أحيانا عن طريق النصر الحاسم للجماعة المسلمة ‪,‬‬ ‫فتستبشر ‪ ,‬وترتفع ثقتها بنفسها ‪ -‬في ظل العون اللهي ‪ -‬وتجرب لذة النصر ‪ ,‬وتصبر على‬ ‫نشوته ‪ ,‬وتجرب مقدرتها على مغالبة البطر والزهو والخيلء ‪ ,‬وعلى التزام التواضع والشكر‬ ‫ل ‪ . .‬ويمضي أحيانا عن طريق الهزيمة والكرب والشدة ‪ .‬فتلجأ إلى ال ‪ ,‬وتعرف حقيقة قوتها‬ ‫الذاتية ‪ ,‬وضعفها حين تنحرف أدنى انحراف عن منهج ال ‪ .‬وتجرب مرارة الهزيمة ; وتستعلي‬ ‫مع ذلك على الباطل ‪ ,‬بما عندها من الحق المجرد ; وتعرف مواضع نقصها وضعفها ‪ ,‬ومداخل‬ ‫‪12‬‬ ‫شهواتها ‪ ,‬ومزالق أقدامها ; فتحاول أن تصلح من هذا كله في الجولة القادمة ‪ . .‬وتخرج من‬ ‫النصر ومن الهزيمة بالزاد والرصيد ‪ . .‬ويمضي قدر ال وفق سنته ل يتخلف ول يحيد ‪. .‬‬ ‫وقد كان هذا كله طرفا من رصيد معركة أحد ; الذي يحشده السياق القرآني للجماعة المسملة ‪-‬‬ ‫على نحو ما نرى في هذه اليات ‪ -‬وهو رصيد مدخر لكل جماعة مسلمة ولكل جيل من أجيال‬ ‫المسلمين ‪.‬‬ ‫ثم يمضي السياق في تقرير حقائق التصور السلمي الكبيرة ; وفي تربية الجماعة المسلمة بهذه‬ ‫الحقائق ; متخذا من أحداث المعركة محورا لتقرير تلك الحقائق ; ووسيلة لتربية الجماعة‬ ‫المسلمة بها على طريقة المنهج القرآني الفريد‪:‬‬ ‫(وما محمد إل رسول قد خلت من قبله الرسل ‪ .‬أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ? ومن‬ ‫ينقلب على عقبيه فلن يضر ال شيئا ; وسيجزي ال الشاكرين ‪ .‬وما كان لنفس أن تموت إل‬ ‫بإذن ال كتابا مؤجل ; ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ‪ ,‬ومن يرد ثواب الخرة نؤته منها ;‬ ‫وسنجزي الشاكرين ‪ .‬وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير ‪ ,‬فما وهنوا لما أصابهم في سبيل‬ ‫ال ‪ ,‬وما ضعفوا وما استكانوا ‪ ,‬وال يحب الصابرين ‪ .‬وما كان قولهم إل أن قالوا‪:‬ربنا اغفر‬ ‫لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا ‪ ,‬وثبت أقدامنا ‪ ,‬وانصرنا على القوم الكافرين ‪ .‬فآتاهم ال ثواب‬ ‫الدنيا وحسن ثواب الخرة ‪ ,‬وال يحب المحسنين) ‪. .‬‬ ‫إن الية الولى في هذه الفقرة تشير إلى واقعة معينة ‪ ,‬حدثت في غزوة أحد ‪ .‬ذلك حين انكشف‬ ‫ظهر المسلمين بعد أن ترك الرماة أماكنهم من الجبل ‪ ,‬فركبه المشركون ‪ ,‬وأوقعوا بالمسلمين ‪,‬‬ ‫وكسرت رباعية الرسول صلى ال عليه وسلم وشج وجهه ‪ ,‬ونزفت جراحه ; وحين اختلطت‬ ‫المور ‪ ,‬وتفرق المسلمون ‪ ,‬ل يدري أحدهم مكان الخر ‪ . .‬حينئذ نادى مناد‪:‬إن محمدا قد قتل‬ ‫‪ . .‬وكان لهذه الصيحة وقعها الشديد على المسلمين ‪ .‬فانقلب الكثيرون منهم عائدين إلى المدينة‬ ‫‪ ,‬مصعدين في الجبل منهزمين ‪ ,‬تاركين المعركة يائسين ‪ . .‬لول أن ثبت رسول ال صلى ال‬ ‫عليه وسلم في تلك القلة من الرجال ; وجعل ينادي المسلمين وهم منقلبون ‪ ,‬حتى فاءوا إليه ‪,‬‬ ‫وثبت ال قلوبهم ‪ ,‬وأنزل عليهم النعاس امنة منه وطمأنينة ‪ . .‬كما سيجيء ‪. .‬‬ ‫فهذه الحادثة التي أذهلتهم هذا الذهول ‪ ,‬يتخذها القرآن هنا مادة للتوجيه ‪ ,‬ومناسبة لتقرير حقائق‬ ‫التصور السلمي ; ويجعلها محورا لشارات موحية في حقيقة الموت وحقيقة الحياة ‪ ,‬وفي‬ ‫تاريخ اليمان ومواكب المؤمنين‪:‬‬ ‫‪13‬‬ ‫(وما محمد إل رسول قد خلت من قبله الرسل ‪ .‬أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ? ومن‬ ‫ينقلب على عقبيه فلن يضر ال شيئا ‪ .‬وسيجزي ال الشاكرين) ‪. .‬‬ ‫إن محمدا ليس إل رسول ‪ .‬سبقته الرسل ‪ .‬وقد مات الرسل ‪ .‬ومحمد سيموت كما مات الرسل‬ ‫قبله ‪ . .‬هذه حقيقة أولية بسيطة ‪ .‬فما بالكم غفلتم عنها حينما واجهتكم في المعركة ?‬ ‫إن محمدا رسول من عند ال ‪ ,‬جاء ليبلغ كلمة ال ‪ .‬وال باق ل يموت ‪ ,‬وكلمته باقية ل تموت‬ ‫‪ . .‬وما ينبغي أن يرتد المؤمنون على أعقابهم إذا مات النبي الذي جاء ليبلغهم هذه الكلمة أو‬ ‫قتل ‪ . .‬وهذه كذلك حقيقة أولية بسيطة غفلوا عنها في زحمة الهول ‪ .‬وما ينبغي للمؤمنين أن‬ ‫يغفلوا عن هذه الحقيقة الولية البسيطة !‬ ‫إن البشر إلى فناء ‪ ,‬والعقيدة إلى بقاء ‪ ,‬ومنهج ال للحياة مستقل في ذاته عن الذين يحملونه‬ ‫ويؤدونه إلى الناس ‪ ,‬من الرسل والدعاة على مدار التاريخ ‪ . .‬والمسلم الذي يحب رسول ال‬ ‫صلى ال عليه وسلم وقد كان أصحابه يحبونه الحب الذي لم تعرف له النفس البشرية في‬ ‫تاريخها كله نظيرا ‪ .‬الحب الذي يفدونه معه بحياتهم أن تشوكه شوكة ‪ .‬وقد رأينا أبا دجانة‬ ‫يترس عليه بظهره والنبل يقع فيه ول يتحرك ! ورأينا التسعة الذين أفرد فيهم ينافحون عنه‬ ‫ويستشهدون واحدا إثر واحد ‪ . .‬وما يزال الكثيرون في كل زمان وفي كل مكان يحبونه ذلك‬ ‫الحب العجيب بكل كيانهم ‪ ,‬وبكل مشاعرهم ‪ ,‬حتى ليأخذهم الوجد من مجرد ذكره صلى ال‬ ‫عليه وسلم ‪ . .‬هذا المسلم الذي يحب محمدا ذلك الحب ‪ ,‬مطلوب منه أن يفرق بين شخص‬ ‫محمد صلى ال عليه وسلم والعقيدة التي أبلغها وتركها للناس من بعده ‪ ,‬باقية ممتدة موصولة‬ ‫بال الذي ل يموت ‪.‬‬ ‫إن الدعوة أقدم من الداعية‪:‬‬ ‫(وما محمد إل رسول قد خلت من قبله الرسل) ‪. .‬‬ ‫قد خلت من قبله الرسل يحملون هذه الدعوة الضاربة في جذور الزمن ‪ ,‬العميقة في منابت‬ ‫التاريخ ‪ ,‬المبتدئة مع البشرية ‪ ,‬تحدو لها بالهدى والسلم من مطالع الطريق ‪.‬‬ ‫وهي أكبر من الداعية ‪ ,‬وأبقى من الداعية ‪ .‬فدعاتها يجيئون ويذهبون ‪ ,‬وتبقى هي على الجيال‬ ‫والقرون ‪ ,‬ويبقى اتباعها موصولين بمصدرها الول ‪ ,‬الذي أرسل بها الرسل ‪ ,‬وهو باق ‪-‬‬ ‫سبحانه ‪ -‬يتوجه إليه المؤمنون ‪ . .‬وما يجوز أن ينقلب أحد منهم على عقبيه ‪ ,‬ويرتد عن هدى‬ ‫ال ‪ .‬وال حي ل يموت‪:‬‬ ‫‪14‬‬ ‫ومن ثم هذا الستنكار ‪ ,‬وهذا التهديد ‪ ,‬وهذا البيان المنير‪:‬‬ ‫(أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ? ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر ال شيئا ‪ .‬وسيجزي‬ ‫ال الشاكرين) ‪. .‬‬ ‫وفي التعبير تصوير حي للرتداد‪( :‬انقلبتم على أعقابكم) ‪( . .‬ومن ينقلب على عقبيه) ‪ .‬فهذه‬ ‫الحركة الحسية في النقلب تجسم معنى الرتداد عن هذه العقيدة ‪ ,‬كأنه منظر مشهود ‪.‬‬ ‫والمقصود أصل ليس حركة الرتداد الحسية بالهزيمة في المعركة ‪ ,‬ولكن حركة الرتداد‬ ‫النفسية التي صاحبتها حينما هتف الهاتف‪:‬إن محمدا قد قتل ‪ ,‬فأحس بعض المسلمين أن ل‬ ‫جدوى إذن من قتال المشركين ‪ ,‬وبموت محمد انتهى أمر هذا الدين ‪ ,‬وانتهى أمر الجهاد‬ ‫للمشركين ! فهذه الحركة النفسية يجسمها التعبير هنا ‪ ,‬فيصورها حركة ارتداد على العقاب ‪,‬‬ ‫كارتدادهم في المعركة على العقاب ! وهذا هو الذي حذرهم إياه النضر بن أنس ‪ -‬رضي ال‬ ‫عنه ‪ -‬فقال لهم حين وجدهم قد ألقوا بأيديهم ‪ ,‬وقالوا له‪:‬إن محمدا قد مات‪ ":‬فما تصنعون‬ ‫بالحياة من بعده ? فقوموا فموتوا على ما مات عليه رسول ال صلى ال عليه وسلم " ‪.‬‬ ‫(ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر ال شيئا) ‪. .‬‬ ‫فإنما هو الخاسر ‪ ,‬الذي يؤذي نفسه فيتنكب الطريق ‪ . .‬وانقلبه لن يضر ال شيئا ‪ .‬فال غني‬ ‫عن الناس وعن إيمانهم ‪ .‬ولكنه ‪ -‬رحمة منه بالعباد ‪ -‬شرع لهم هذا المنهج لسعادتهم هم ‪,‬‬ ‫ولخيرهم هم ‪ .‬وما يتنكبه متنكب حتى يلقي جزاءه من الشقوة والحيرة في ذات نفسه وفيمن‬ ‫حوله ‪ .‬وحتى يفسد النظام وتفسد الحياة ويفسد الخلق ‪ ,‬وتعوج المور كلها ‪ ,‬ويذوق الناس وبال‬ ‫أمرهم في تنكبهم للمنهج الوحيد الذي تستقيم في ظله الحياة ‪ ,‬وتستقيم في ظله النفوس ‪ ,‬وتجد‬ ‫الفطرة في ظله السلم مع ذاتها ‪ ,‬والسلم مع الكون الذي تعيش فيه ‪.‬‬ ‫(وسيجزي ال الشاكرين) ‪. .‬‬ ‫الذين يعرفون مقدار النعمة التي منحها ال لعباده في إعطائهم هذا المنهج ‪ ,‬فيشكرونها باتباع‬ ‫المنهج ‪ ,‬ويشكرونها بالثناء على ال ‪ ,‬ومن ثم يسعدون بالمنهج فيكون هذا جزاء طيبا على‬ ‫شكرهم ‪ ,‬ثم يسعدون بجزاء ال لهم في الخرة ‪ ,‬وهو أكبر وأبقى ‪. .‬‬ ‫وكأنما أراد ال ‪ -‬سبحانه ‪ -‬بهذه الحادثة ‪ ,‬وبهذه الية ‪ ,‬أن يفطم المسلمين عن تعلقهم الشديد‬ ‫بشخص النبي صلى ال عليه وسلم وهو حي بينهم ‪ .‬وأن يصلهم مباشرة بالنبع ‪ .‬النبع الذي لم‬ ‫‪15‬‬ ‫يفجره محمد صلى ال عليه وسلم ولكن جاء فقط ليومىء إليه ‪ ,‬ويدعو البشر إلى فيضه المتدفق‬ ‫‪ ,‬كما أومأ إليه من قبله من الرسل ‪ ,‬ودعوا القافلة إلى الرتواء منه !‬ ‫وكأنما أراد ال ‪ -‬سبحانه ‪ -‬أن يأخذ بأيديهم ‪ ,‬فيصلها مباشرة بالعروة الوثقى ‪ .‬العروة التي لم‬ ‫يعقدها محمد صلى ال عليه وسلم إنما جاء ليعقد بها أيدي البشر ‪ ,‬ثم يدعهم عليها ويمضي وهم‬ ‫بها مستمسكون !‬ ‫وكأنما أراد ال ‪ -‬سبحانه ‪ -‬أن يجعل ارتباط المسلمين بالسلم مباشرة ‪ ,‬وأن يجعل عهدهم مع‬ ‫ال مباشرة ‪ ,‬وأن يجعل مسؤوليتهم في هذا العهد أمام ال بل وسيط ‪ .‬حتى يستشعروا تبعتهم‬ ‫المباشرة ‪ ,‬التي ل يخليهم منها أن يموت الرسول صلى ال عليه وسلم أو يقتل ‪ ,‬فهم إنما بايعوا‬ ‫ال ‪ .‬وهم أمام ال مسؤولون !‬ ‫وكأنما كان ال ‪ -‬سبحانه ‪ -‬يعد الجماعة المسلمة لتلقي هذه الصدمة الكبرى ‪ -‬حين تقع ‪ -‬وهو‬ ‫‪ -‬سبحانه ‪ -‬يعلم أن وقعها عليهم يكاد يتجاوز طاقتهم ‪ .‬فشاء أن يدربهم عليها هذا التدريب ‪,‬‬ ‫وأن يصلهم به هو ‪ ,‬وبدعوته الباقية ‪ ,‬قبل أن يستبد بهم الدهش والذهول ولقد أصيبوا ‪ -‬حين‬ ‫وقعت بالفعل ‪ -‬بالدهش والذهول ‪ .‬حتى لقد وقف عمر ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬شاهرا سيفه ‪ ,‬يهدد‬ ‫به من يقول‪:‬إن محمدا قد مات !‬ ‫ولم يثبت إل أبو بكر ‪ ,‬الموصول القلب بصاحبه ‪ ,‬وبقدر ال فيه ‪ ,‬التصال المباشر الوثيق ‪.‬‬ ‫وكانت هذه الية ‪ -‬حين ذكرها وذكر بها المدهوشين الذاهلين ‪ -‬هي النداء اللهي المسموع ‪,‬‬ ‫فإذا هم يثوبون ويرجعون !‬ ‫ثم يلمس السياق القرآني مكمن الخوف من الموت في النفس البشرية ‪ ,‬لمسة موحية ‪ ,‬تطرد ذلك‬ ‫الخوف ‪ ,‬عن طريق بيان الحقيقة الثابتة في شأن الموت وشأن الحياة ‪ ,‬وما بعد الحياة والموت‬ ‫من حكمة ل وتدبير ‪ ,‬ومن ابتلء للعباد وجزاء‪:‬‬ ‫(وما كان لنفس أن تموت إل بإذن ال كتابا مؤجل ‪ .‬ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ; ومن يرد‬ ‫ثواب الخرة نؤته منها ‪ .‬وسنجزي الشاكرين) ‪. .‬‬ ‫إن لكل نفس كتابا مؤجل إلى أجل مرسوم ‪ .‬ولن تموت نفس حتى تستوفي هذا الجل المرسوم‬ ‫‪ .‬فالخوف والهلع ‪ ,‬والحرص والتخلف ‪ ,‬ل تطيل أجل ‪ .‬والشجاعة والثبات والقدام والوفاء ل‬ ‫تقصر عمرا ‪ .‬فل كان الجبن ‪ ,‬ول نامت أعين الجبناء ‪ .‬والجل المكتوب ل ينقص منه يوم‬ ‫ول يزيد !‬ ‫‪16‬‬ ‫بذلك تستقر حقيقة الجل في النفس ‪ ,‬فتترك الشتغال به ‪ ,‬ول تجعله في الحساب ‪ ,‬وهي تفكر‬ ‫في الداء والوفاء باللتزامات والتكاليف اليمانية ‪ .‬وبذلك تنطلق من عقال الشح والحرص ‪,‬‬ ‫كما ترتفع على وهلة الخوف والفزع ‪ .‬وبذلك تستقيم على الطريق بكل تكاليفه وبكل التزاماته ‪,‬‬ ‫في صبر وطمأنينة ‪ ,‬وتوكل على ال الذي يملك الجال وحده ‪.‬‬ ‫ثم ينتقل بالنفس خطوة وراء هذه القضية التي حسم فيها القول ‪ . .‬فإنه إذا كان العمر مكتوبا ‪,‬‬ ‫والجل مرسوما ‪ . .‬فلتنظر نفس ما قدمت لغد ; ولتنظر نفس ماذا تريد ‪ . .‬أتريد أن تقعد عن‬ ‫تكاليف اليمان ‪ ,‬وأن تحصر همها كله في هذه الرض ‪ ,‬وأن تعيش لهذه الدنيا وحدها ? أم‬ ‫تريد أن تتطلع إلى أفق أعلى ‪ ,‬وإلى اهتمامات أرفع ‪ ,‬وإلى حياة أكبر من هذه الحياة ? ‪ . .‬مع‬ ‫تساوي هذا الهم وذاك فيما يختص بالعمر والحياة ?!‬ ‫(ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ‪ .‬ومن يرد ثواب الخرة نؤته منها) ‪.‬‬ ‫وشتان بين حياة وحياة ! وشتان بين اهتمام واهتمام ! ‪ -‬مع اتحاد النتيجة بالقياس إلى العمر‬ ‫والجل ‪ -‬والذي يعيش لهذه الرض وحدها ‪ ,‬ويريد ثواب الدنيا وحدها ‪ . .‬إنما يحيا حياة‬ ‫الديدان والدواب والنعام ! ثم يموت في موعده المضروب بأجله المكتوب ‪ .‬والذي يتطلع إلى‬ ‫الفق الخر ‪ . .‬إنما يحيا حياة "النسان" الذي كرمه ال واستخلفه وأفرده بهذا المكان ثم يموت‬ ‫في موعده المضروب بأجله المكتوب ‪( . .‬وما كان لنفس أن تموت إل بإذن ال كتابا مؤجل) ‪.‬‬ ‫‪.‬‬ ‫(وسنجزي الشاكرين) ‪. .‬‬ ‫الذين يدركون نعمة التكريم اللهي للنسان ‪ ,‬فيرتفعون عن مدارج الحيوان ; ويشكرون ال‬ ‫على تلك النعمة ‪ ,‬فينهضون بتبعات اليمان ‪. .‬‬ ‫وهكذا يقرر القرآن حقيقة الموت والحياة ‪ ,‬وحقيقة الغاية التي ينتهي إليها الحياء ‪ ,‬وفق ما‬ ‫يريدونه لنفسهم ‪ ,‬من اهتمام قريب كاهتمام الدود ‪ ,‬أو اهتمام بعيد كاهتمام النسان ! وبذلك‬ ‫ينقل النفس من النشغال بالخوف من الموت والجزع من التكاليف ‪ -‬وهي ل تملك شيئا في‬ ‫شأن الموت والحياة ‪ -‬إلى النشغال بما هو أنفع للنفس ‪ ,‬في الحقل الذي تملكه ‪ ,‬وتملك فيه‬ ‫الختيار ‪ .‬فتختار الدنيا أو تختار الخرة ‪ .‬وتنال من جزاء ال ما تختار !‬ ‫ثم يضرب ال للمسلمين المثل من إخوانهم المؤمنين قبلهم ‪ .‬من موكب اليمان اللحب الممتد‬ ‫على طول الطريق ‪ ,‬الضارب في جذور الزمان ‪ . .‬من أولئك الذين صدقوا في إيمانهم ‪,‬‬ ‫‪17‬‬ ‫وقاتلوا مع أنبيائهم ‪ ,‬فلم يجزعوا عند البتلء ; وتأدبوا ‪ -‬وهم مقدمون على الموت ‪ -‬بالدب‬ ‫اليماني في هذا المقام ‪ . .‬مقام الجهاد ‪ . .‬فلم يزيدوا على أن يستغفروا ربهم ; وأن يجسموا‬ ‫أخطاءهم فيروها "إسرافا" في أمرهم ‪ .‬وأن يطلبوا من ربهم الثبات والنصر على الكفار ‪. .‬‬ ‫وبذلك نالوا ثواب الدارين ‪ ,‬جزاء إحسانهم في أدب الدعاء ‪ ,‬وإحسانهم في موقف الجهاد ‪.‬‬ ‫وكانوا مثل يضربه ال للمسلمين‪:‬‬ ‫(وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير ‪ ,‬فما وهنوا لما أصابهم في سبيل ال ‪ ,‬وما ضعفوا وما‬ ‫استكانوا ‪ .‬وال يحب الصابرين ‪ .‬وما كان قولهم إل أن قالوا‪:‬ربنا اغفر لنا ذنوبنا ‪ ,‬وإسرافنا في‬ ‫أمرنا ; وثبت أقدامنا ; وانصرنا على القوم الكافرين ‪ .‬فآتاهم ال ثواب الدنيا وحسن ثواب‬ ‫الخرة ‪ .‬وال يحب المحسنين) ‪. .‬‬ ‫لقد كانت الهزيمة في "أحد" ‪ ,‬هي أول هزيمة تصدم المسلمين ‪ ,‬الذين نصرهم ال ببدر وهم‬ ‫ضعاف قليل ; فكأنما وقر في نفوسهم أن النصر في كل موقعة هو السنة الكونية ‪ .‬فلما أن‬ ‫صدمتهم أحد ‪ ,‬فوجئوا بالبتلء كأنهم ل ينتظرونه !‬ ‫ولعله لهذا طال الحديث حول هذه الواقعة في القرآن الكريم ‪ .‬واستطرد السياق يأخذ المسلمين‬ ‫بالتأسية تارة ‪ ,‬وبالستنكار تارة ‪ ,‬وبالتقرير تارة ‪ ,‬وبالمثل تارة ‪ ,‬تربية لنفوسهم ‪ ,‬وتصحيحا‬ ‫لتصورهم ‪ ,‬وإعدادا لهم ‪ .‬فالطريق أمامهم طويل ‪ ,‬والتجارب أمامهم شاقة ‪ ,‬والتكاليف عليهم‬ ‫باهظة ‪ ,‬والمر الذي يندبون له عظيم ‪.‬‬ ‫والمثل الذي يضربه لهم هنا مثل عام ‪ ,‬ل يحدد فيه نبيا ‪ ,‬ول يحدد فيه قوما ‪ .‬إنما يربطهم‬ ‫بموكب اليمان ; ويعلمهم أدب المؤمنين ; ويصور لهم البتلء كأنه المر المطرد في كل دعوة‬ ‫وفي كل دين ; ويربطهم بأسلفهم من اتباع النبياء ; ليقرر في حسهم قرابة المؤمنين للمؤمنين‬ ‫; ويقر في أخلدهم أن أمر العقيدة كله واحد ‪ .‬وإنهم كتيبة في الجيش اليماني الكبير‪:‬‬ ‫(وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير ‪ .‬فما وهنوا لما أصابهم في سبيل ال وما ضعفوا وما‬ ‫استكانوا) ‪. .‬‬ ‫‪ . .‬وكم من نبي قاتلت معه جماعات كثيرة ‪ .‬فما ضعفت نفوسهم لما أصابهم من البلء والكرب‬ ‫والشدة والجراح ‪ .‬وما ضعفت قواهم عن الستمرار في الكفاح ‪ ,‬وما استسلموا للجزع ول‬ ‫للعداء ‪ . .‬فهذا هو شأن المؤمنين ‪ ,‬المنافحين عن عقيدة ودين ‪. .‬‬ ‫(وال يحب الصابرين) ‪. .‬‬ ‫‪18‬‬ ‫الذين ل تضعف نفوسهم ‪ ,‬ول تتضعضع قواهم ‪ ,‬ول تلين عزائمهم ‪ ,‬ول يستكينون أو‬ ‫يستسلمون ‪ . .‬والتعبير بالحب من ال للصابرين ‪ .‬له وقعه ‪ .‬وله إيحاؤه ‪ .‬فهو الحب الذي يأسو‬ ‫الجراح ‪ ,‬ويمسح على القرح ‪ ,‬ويعوض ويربو عن الضر والقرح والكفاح المرير !‬ ‫وإلى هنا كان السياق قد رسم الصورة الظاهرة لهؤلء المؤمنين في موقفهم من الشدة والبتلء‬ ‫‪ .‬فهو يمضي بعدها ليرسم الصورة الباطنة لنفوسهم ومشاعرهم ‪ .‬صورة الدب في حق ال ‪,‬‬ ‫وهم يواجهون الهول الذي يذهل النفوس ‪ ,‬ويقيدها بالخطر الراهق ل تتعداه ‪ .‬ولكنه ل يذهل‬ ‫نفوس المؤمنين عن التوجه إلى ال ‪ . .‬ل لتطلب النصر أول ما تطلب ‪ -‬وهو ما يتبادر عادة‬ ‫إلى النفوس ‪ -‬ولكن لتطلب العفو والمغفرة ‪ ,‬ولتعترف بالذنب والخطيئة ‪ ,‬قبل أن تطلب الثبات‬ ‫والنصر على العداء‪:‬‬ ‫(وما كان قولهم إل أن قالوا‪:‬ربنا اغفر لنا ذنوبنا ‪ ,‬وإسرافنا في أمرنا ‪ ,‬وثبت أقدامنا ‪,‬‬ ‫وانصرنا على القوم الكافرين) ‪. .‬‬ ‫إنهم لم يطلبوا نعمة ول ثراء ‪ .‬بل لم يطلبوا ثوابا ول جزاء ‪ . .‬لم يطلبوا ثواب الدنيا ول ثواب‬ ‫الخرة ‪ .‬لقد كانوا أكثر أدبا مع ال ‪ ,‬وهم يتوجهون إليه ‪ ,‬بينما هم يقاتلون في سبيله ‪ .‬فلم‬ ‫يطلبوا منه ‪ -‬سبحانه ‪ -‬إل غفران الذنوب ‪ ,‬وتثبيت القدام ‪ . .‬والنصر على الكفار ‪ .‬فحتى‬ ‫النصر ل يطلبونه لنفسهم إنما يطلبونه هزيمة للكفر وعقوبة للكفار ‪ . .‬إنه الدب اللئق‬ ‫بالمؤمنين في حق ال الكريم ‪.‬‬ ‫وهؤلء الذين لم يطلبوا لنفسهم شيئا ‪ ,‬أعطاهم ال من عنده كل شيء ‪ .‬أعطاهم من عنده كل‬ ‫ما يتمناه طلب الدنيا وزيادة ‪ .‬وأعطاهم كذلك كل ما يتمناه طلب الخرة ويرجونه‪:‬‬ ‫(فآتاهم ال ثواب الدنيا ‪ ,‬وحسن ثواب الخرة) ‪. .‬‬ ‫وشهد لهم ‪ -‬سبحانه ‪ -‬بالحسان ‪ .‬فقد أحسنوا الدب وأحسنوا الجهاد ‪ ,‬وأعلن حبه لهم ‪ .‬وهو‬ ‫أكبر من النعمة وأكبر من الثواب‪:‬‬ ‫(وال يحب المحسنين) ‪. .‬‬ ‫وهكذا تنتهي هذه الفقرة في الستعراض ; وقد تضمنت تلك الحقائق الكبيرة في التصور‬ ‫السلمي ‪ .‬وقد أدت هذا الدور في تربية الجماعة المسلمة ‪ .‬وقد ادخرت هذا الرصيد للمة‬ ‫المسلمة في كل جيل ‪. .‬‬ ‫***********‬ ‫‪19‬‬ ‫بعد هذا أقول ‪ :‬كلنا سنموت شئنا أم أبينا‬ ‫جعُونَ} (‪ )35‬سورة‬ ‫خ ْيرِ ِف ْتنَةً َوِإَل ْينَا ُترْ َ‬ ‫شرّ وَالْ َ‬ ‫قال تعالى ‪ { :‬كُلّ نَ ْفسٍ ذَائِقَةُ ا ْل َموْتِ َو َن ْبلُوكُم بِال ّ‬ ‫النبياء‬ ‫حزِحَ عَنِ النّارِ‬ ‫وقال تعالى ‪{ :‬كُلّ نَ ْفسٍ ذَآئِقَةُ ا ْل َم ْوتِ َوِإ ّنمَا ُتوَ ّفوْنَ أُجُو َركُمْ َيوْمَ الْ ِقيَامَةِ َفمَن زُ ْ‬ ‫سكُمْ‬ ‫حيَاةُ ال ّد ْنيَا إِلّ َمتَاعُ ا ْل ُغرُورِ (‪َ )185‬ل ُت ْبَلوُنّ فِي َأ ْموَاِلكُمْ َوأَنفُ ِ‬ ‫جنّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْ َ‬ ‫َوأُدْخِلَ الْ َ‬ ‫ص ِبرُواْ َو َتتّقُواْ‬ ‫ش َركُواْ أَذًى َكثِيرا َوإِن َت ْ‬ ‫س َمعُنّ مِنَ الّذِينَ أُوتُواْ ا ْل ِكتَابَ مِن َق ْبِلكُمْ َومِنَ الّذِينَ أَ ْ‬ ‫َوَلتَ ْ‬ ‫لمُورِ (‪ )186‬سورة آل عمران‬ ‫عزْمِ ا ُ‬ ‫فَإِنّ َذِلكَ مِنْ َ‬ ‫يقول الشهيد سيد قطب رحمه ال ‪:‬‬ ‫وفي هذا الدرس استعراض لبعض أفاعيل يهود وأقاويلها ‪ .‬يبدو فيه سوء الدب مع ال ‪-‬‬ ‫سبحانه ‪ -‬بعد سوء الفعل مع المسلمين ‪ .‬وهم يبخلون بالوفاء بتعهداتهم المالية للرسول صلى‬ ‫ال عليه وسلم ثم يزيدون فيقولون‪( :‬إن ال فقير ونحن أغنياء) !‬ ‫ويبدو فيه التعلل الواهي ‪ ,‬الذي يدفعون به دعوة السلم الموجهة إليهم ; وكذب هذا التعلل ‪,‬‬ ‫ومخالفته لواقعهم التاريخي المعروف ‪ .‬هذا الوقاع الذي ينضح بمخالفتهم لعهد ال معهم ‪,‬‬ ‫وبكتمانهم لما أمرهم ال ببيانه من الحق ‪ ,‬ونبذه وراء ظهورهم ‪ ,‬وشرائهم به ثمنا قليل ‪.‬‬ ‫وبقتلهم أنبياءهم بغير حق ‪ ,‬وقد جاءوهم بالخوارق التي طلبوها ‪ ,‬وجاءوهم بالبينات فرفضوها‬ ‫‪.‬‬ ‫وهذا الكشف المخجل لفاعيل اليهود مع أنبيائهم ‪ ,‬وأقاويلهم على ربهم ‪ ,‬كان هو المر الذي‬ ‫يقتضيه سوء موقفهم من الجماعة المسلمة ‪ ,‬وتأثير كيدهم ودسهم وإيذائهم ‪ -‬هم والمشركون ‪-‬‬ ‫للمسلمين ‪ .‬كما كانت تقتضيه تربية ال للجماعة المسلمة تربية واعية ; تبصرهم بما حولهم ‪,‬‬ ‫وبمن حولهم ; وتعرفهم طبيعة الرض التي يعملون فيها ‪ ,‬وطبيعة العقبات والفخاخ المنصوبة‬ ‫لهم ‪ ,‬وطبيعة اللم والتضحيات المرصودة لهم في الطريق ‪ . .‬وقد كان الكيد اليهودي للجماعة‬ ‫المسلمة في المدينة أقسى وأخطر من عداوة المشركين لهم في مكة ‪ .‬ولعله ما يزال أخطر ما‬ ‫يرصد للجماعات المسلمة في كل مكان ‪ ,‬على مدار التاريخ ‪. .‬‬ ‫ومن ثم نجد التوجيهات الربانية تتولى على المسلمين في ثنايا الستعراض المثير ‪ . .‬نجد‬ ‫توجيههم إلى حقيقة القيم الباقية والقيم الزائلة ‪ .‬فالحياة في هذه الرض محدودة بأجل ‪ .‬وكل‬ ‫نفس ذائقة الموت على كل حال ‪ .‬إنما الجزاء هناك ‪ ,‬والكسب والخسارة هناك ‪( .‬فمن زحزح‬ ‫‪20‬‬ ‫عن النار وأدخل الجنة فقد فاز ‪ .‬وما الحياة الدنيا إل متاع الغرور) ‪ . .‬وهم مبتلون في أموالهم‬ ‫وأنفسهم ‪ ,‬والذى سينالهم من أعدائهم المشركين وأهل الكتاب ‪ .‬فلعاصم لهم إل الصبر‬ ‫والتقوى ‪ ,‬والمضي مع المنهج ‪ ,‬الذي يزحزحهم عن النار !‬ ‫وهذا التوجيه اللهي للجماعة المسلمة في المدينة ما يزال هو هو ‪ ,‬قائما اليوم وغدا ‪ ,‬يبصر كل‬ ‫جماعة مسلمة تعتزم سلوك الطريق ‪ ,‬لعادة نشأة السلم ولستئناف حياة إسلمية في ظل ال‬ ‫‪ . .‬يبصرها بطبيعة أعدائها ‪ -‬وهم هم مشركين وملحدين وأهل كتاب ‪ -‬الصهيونية العالمية‬ ‫والصليبية العالمية والشيوعية ! ‪ -‬ويبصرها بطبيعة العقبات والفخاخ المرصودة في طريقها ‪,‬‬ ‫وبطبيعة اللم والتضحيات والذى والبتلء ‪ .‬ويعلق قلوبها وأبصارها بما هنالك ‪ .‬بما عند ال‬ ‫‪ .‬ويهون عليها الذى والموت والفتنة في النفس والمال ‪ .‬ويناديها ‪ -‬كما نادى الجماعة المسلمة‬ ‫الولى ‪( :-‬كل نفس ذائقة الموت ‪ ,‬وإنما توفون أجوركم يوم القيامة ‪ .‬فمن زحزح عن النار‬ ‫وأدخل الجنة فقد فاز ‪ .‬وما الحياة الدنيا إل متاع الغرور ‪ .‬لتبلون في أموالكم وأنفسكم ;‬ ‫ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا ‪ .‬وإن تصبروا وتتقوا‬ ‫فإن ذلك من عزم المور) ‪. .‬‬ ‫والقرآن هو القرآن ‪ .‬كتاب هذه المة الخالد ‪ .‬ودستورها الشامل ‪ .‬وحاديها الهادي ‪ .‬وقائدها‬ ‫المين ‪.‬‬ ‫وأعداؤها هم أعداؤها ‪ . .‬والطريق هو الطريق ‪. .‬‬ ‫ويقول ‪:‬‬ ‫إنه ل بد من استقرار هذه الحقيقة في النفس‪:‬حقيقة أن الحياة في هذه الرض موقوتة ‪ ,‬محدودة‬ ‫بأجل ; ثم تأتي نهايتها حتما ‪ . .‬يموت الصالحون يموت الطالحون ‪ .‬يموت المجاهدون ويموت‬ ‫القاعدون ‪ .‬يموت المستعلون بالعقيدة ويموت المستذلون للعبيد ‪ .‬يموت الشجعان الذين يأبون‬ ‫الضيم ‪ ,‬ويموت الجبناء الحريصون على الحياة بأي ثمن ‪ . .‬يموت ذوو الهتمامات الكبيرة‬ ‫والهداف العالية ‪ ,‬ويموت التافهون الذين يعيشون فقط للمتاع الرخيص ‪.‬‬ ‫الكل يموت ‪( . .‬كل نفس ذائقة الموت) ‪ . .‬كل نفس تذوق هذه الجرعة ‪ ,‬وتفارق هذه الحياة ‪. .‬‬ ‫ل فارق بين نفس ونفس في تذوق هذه الجرعة من هذه الكأس الدائرة على الجميع ‪ .‬إنما الفارق‬ ‫في شيء آخر ‪ .‬الفارق في قيمة أخرى ‪ .‬الفارق في المصير الخير‪:‬‬ ‫‪21‬‬ ‫(وإنما توفون أجوركم يوم القيامة ‪ .‬فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز) ‪ . .‬هذه هي‬ ‫القيمة التي يكون فيها الفتراق ‪ .‬وهذا هو المصير الذي يفترق فيه فلن عن فلن ‪ .‬القيمة‬ ‫الباقية التي تستحق السعي والكد ‪ .‬والمصير المخوف الذي يستحق أن يحسب له ألف حساب‪:‬‬ ‫(فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز) ‪. .‬‬ ‫ولفظ "زحزح" بذاته يصور معناه بجرسه ‪ ,‬ويرسم هيئته ‪ ,‬ويلقي ظله ! وكأنما للنار جاذبية تشد‬ ‫إليها من يقترب منها ‪ ,‬ويدخل في مجالها ! فهو في حاجة إلى من يزحزحه قليل قليل ليخلصه‬ ‫من جاذبيتها المنهومة ! فمن أمكن أن يزحزح عن مجالها ‪ ,‬ويستنقذ من جاذبيتها ‪ ,‬ويدخل الجنة‬ ‫‪ . .‬فقد فاز ‪. .‬‬ ‫صورة قوية ‪ .‬بل مشهد حي ‪ .‬فيه حركة وشد وجذب ! وهو كذلك في حقيقته وفي طبيعته ‪.‬‬ ‫فللنار جاذبية ! أليست للمعصية جاذبية ? أليست النفس في حاجة إلى من يزحزحها زحزحة‬ ‫عن جاذبية المعصية ? بلى ! وهذه هي زحزحتها عن النار ! أليس النسان ‪ -‬حتى مع‬ ‫المحاولة واليقظة الدائمة ‪ -‬يظل أبدا مقصرا في العمل ‪ . .‬إل أن يدركه فضل ال ? بلى !‬ ‫وهذه هي الزحزحة عن النار ; حين يدرك النسان فضل ال ‪ ,‬فيزحزحه عن النار ! (وما‬ ‫الحياة الدنيا إل متاع الغرور) ‪. .‬‬ ‫إنها متاع ‪ .‬ولكنه ليس متاع الحقيقة ‪ ,‬ول متاع الصحو واليقظة ‪ . .‬إنها متاع الغرور ‪ .‬المتاع‬ ‫الذي يخدع النسان فيحسبه متاعا ‪ .‬أو المتاع الذي ينشىء الغرور والخداع ! فأما المتاع الحق‬ ‫‪ .‬المتاع الذي يستحق الجهد في تحصيله ‪ . .‬فهو ذاك ‪ . .‬هو الفوز بالجنة بعد الزحزحة عن‬ ‫النار ‪.‬‬ ‫وعندما تكون هذه الحقيقة قد استقرت في النفس ‪ .‬عندما تكون النفس قد أخرجت من حسابها‬ ‫حكاية الحرص على الحياة ‪ -‬إذ كل نفس ذائقة الموت على كل حال ‪ -‬وأخرجت من حسابها‬ ‫حكاية متاع الغرور الزائل ‪ . .‬عندئذ يحدث ال المؤمنين عما ينتظرهم من بلء في الموال‬ ‫والنفس ‪ .‬وقد استعدت نفوسهم للبلء‪:‬‬ ‫(لتبلون في أموالكم وأنفسكم ‪ ,‬ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى‬ ‫كثيرا ‪ .‬وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم المور) ‪. .‬‬ ‫إنها سنة العقائد والدعوات ‪ .‬ل بد من بلء ‪ ,‬ول بد من أذى في الموال والنفس ‪ ,‬ول بد من‬ ‫صبر ومقاومة واعتزام ‪.‬‬ ‫‪22‬‬ ‫إنه الطريق إلى الجنة ‪ .‬وقد حفت الجنة بالمكاره ‪ .‬بينما حفت النار بالشهوات ‪.‬‬ ‫ثم إنه هو الطريق الذي ل طريق غيره ‪ ,‬لنشاء الجماعة التي تحمل هذه الدعوة ‪ ,‬وتنهض‬ ‫بتكاليفها ‪ .‬طريق التربية لهذه الجماعة ; وإخراج مكنوناتها من الخير والقوة والحتمال ‪ .‬وهو‬ ‫طريق المزاولة العملية للتكاليف ; والمعرفة الواقعية لحقيقة الناس وحقيقة الحياة ‪.‬‬ ‫ذلك ليثبت على هذه الدعوة أصلب أصحابها عودا ‪ .‬فهؤلء هم الذين يصلحون لحملها إذن‬ ‫والصبر عليها ‪ .‬فهم عليها مؤتمنون ‪.‬‬ ‫وذلك لكي تعز هذه الدعوة عليهم وتغلو ‪ ,‬بقدر ما يصيبهم في سبيلها من عنت وبلء ‪ ,‬وبقدر ما‬ ‫يضحون في سبيلها من عزيز وغال ‪ .‬فل يفرطوا فيها بعد ذلك ‪ ,‬مهما تكن الحوال ‪.‬‬ ‫وذلك لكي يصلب عود الدعوة والدعاة ‪ .‬فالمقاومة هي التي تستثير القوى الكامنة ‪ ,‬وتنميها‬ ‫وتجمعها وتوجهها ‪ .‬والدعوة الجديدة في حاجة إلى استثارة هذه القوى لتتأصل جذورها وتتعمق‬ ‫; وتتصل بالتربة الخصبة الغنية في أعماق الفطرة ‪. .‬‬ ‫وذلك لكي يعرف أصحاب الدعوة حقيقتهم هم أنفسهم ; وهم يزاولون الحياة والجهاد مزاولة‬ ‫عملية واقعية ‪ .‬ويعرفوا حقيقة النفس البشرية وخباياها ‪ .‬وحقيقة الجماعات والمجتمعات ‪ .‬وهم‬ ‫يرون كيف تصطرع مبادىء دعوتهم ‪ ,‬مع الشهوات في أنفسهم وفي أنفس الناس ‪ .‬ويعرفون‬ ‫مداخل الشيطان إلى هذه النفوس ‪ ,‬ومزالق الطريق ‪ ,‬ومسارب الضلل !‬ ‫ثم ‪ . .‬لكي يشعر المعارضون لها في النهاية أنه ل بد فيها من خير ‪ ,‬ول بد فيها من سر ‪,‬‬ ‫يجعل أصحابها يلقون في سبيلها ما يلقون وهم صامدون ‪ . .‬فعندئذ قد ينقلب المعارضون لها‬ ‫إليها ‪ . .‬أفواجا ‪ . .‬في نهاية المطاف !‬ ‫إنها سنة الدعوات ‪ .‬وما يصبر على ما فيها من مشقة ; ويحافظ في ثنايا الصراع المرير على‬ ‫تقوى ال ‪ ,‬فل يشط فيعتدي وهو يرد العتداء ; ول ييأس من رحمة ال ويقطع أمله في نصره‬ ‫وهو يعاني الشدائد ‪ . .‬ما يصبر على ذلك كله إل أولو العزم القوياء‪:‬‬ ‫(وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم المور) ‪. .‬‬ ‫وهكذا علمت الجماعة المسلمة في المدينة ما ينتظرها من تضحيات وآلم ‪ .‬وما ينتظرها من‬ ‫أذى وبلء في النفس والموال ‪ .‬من أهل الكتاب من حولها ‪ .‬ومن المشركين أعدائها ‪. .‬‬ ‫ولكنها سارت في الطريق ‪ .‬لم تتخاذل ‪ ,‬ولم تتراجع ‪ ,‬ولم تنكص على أعقابها ‪ . .‬لقد كانت‬ ‫تستيقن أن كل نفس ذائقة الموت ‪ .‬وأن توفية الجور يوم القيامة ‪ .‬وأنه من زحزح عن النار‬ ‫‪23‬‬ ‫وأدخل الجنة فقد فاز ‪ .‬وأن الحياة الدنيا ما هي إل متاع الغرور ‪ . .‬على هذه الرض الصلبة‬ ‫المكشوفة كانت تقف ; وفي هذا الطريق القاصد الواصل كانت تخطو ‪ . .‬والرض الصلبة‬ ‫المكشوفة باقية لصحاب هذه الدعوة في كل زمان ‪ .‬والطريق القاصد الواصل مفتوح يراه كل‬ ‫إنسان ‪ .‬وأعداء هذه الدعوة هم أعداؤها ‪ ,‬تتوالى القرون والجيال ; وهم ماضون في الكيد لها‬ ‫من وراء القرون والجيال ‪ . .‬والقرآن هو القرآن ‪. .‬‬ ‫وتختلف وسائل البتلء والفتنة باختلف الزمان ; وتختلف وسائل الدعاية ضد الجماعة المسلمة‬ ‫‪ ,‬ووسائل إيذائها في سمعتها وفي مقوماتها وفي أعراضها وفي أهدافها وأغراضها ‪ . .‬ولكن‬ ‫القاعدة واحدة‪( :‬لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن‬ ‫الذين أشركوا أذى كثيرا) !‬ ‫ولقد حفلت السورة بصور من مكايد أهل الكتاب والمشركين ; وصور من دعايتهم للبلبلة‬ ‫والتشكيك ‪ .‬أحيانا في أصول الدعوة وحقيقتها ‪ ,‬وأحيانا في أصحابها وقيادتها ‪ .‬وهذه الصور‬ ‫تتجدد مع الزمان ‪ .‬وتتنوع بابتداع وسائل الدعاية الجديدة ‪ ,‬وتوجه كلها إلى السلم في أصوله‬ ‫العتقادية ‪ ,‬وإلى الجماعة المسلمة والقيادة السلمية ‪ .‬فل تخرج على هذه القاعدة التي كشف‬ ‫ال عنها للجماعة المسلمة الولى ‪ ,‬وهو يكشف لها عن طبيعة الطريق ‪ ,‬وطبيعة العداء‬ ‫الراصدين لها في الطريق ‪. .‬‬ ‫ويبقى هذا التوجيه القرآني رصيدا للجماعة المسلمة كلما همت أن تتحرك بهذه العقيدة ‪ ,‬وأن‬ ‫تحاول تحقيق منهج ال في الرض ; فتجمعت عليها وسائل الكيد والفتنة ‪ ,‬ووسائل الدعاية‬ ‫الحديثة ‪ ,‬لتشويه أهدافها ‪ ,‬وتمزيق أوصالها ‪ . .‬يبقى هذا التوجيه القرآني حاضرا يجلو‬ ‫لبصارها طبيعة هذه الدعوة ‪ ,‬وطبيعة طريقها ‪ .‬وطبيعة أعدائها الراصدين لها في الطريق ‪.‬‬ ‫ويبث في قلبها الطمأنينة لكل ما تلقاه من وعد ال ذاك ; فتعرف حين تتناوشها الذئاب بالذى ‪,‬‬ ‫وحين تعوي حولها بالدعاية ‪ ,‬وحين يصيبها البتلء والفتنة ‪ . .‬أنها سائرة في الطريق ‪ ,‬وأنها‬ ‫ترى معالم الطريق !‬ ‫ومن ثم تستبشر بالبتلء والذى والفتنة والدعاء الباطل عليها وإسماعها ما يكره وما يؤذي ‪.‬‬ ‫‪ .‬تستبشر بهذا كله ‪ ,‬لنها تستيقن منه أنها ماضية في الطريق التي وصفها ال لها من قبل ‪.‬‬ ‫وتستيقن أن الصبر والتقوى هما زاد الطريق ‪ .‬ويبطل عندها الكيد والبلبلة ويصغر عندها‬ ‫‪24‬‬ ‫البتلء والذى ; وتمضي في طريقها الموعود ‪ ,‬إلى المل المنشود ‪ . .‬في صبر وفي تقوى ‪.‬‬ ‫‪ .‬وفي عزم أكيد ‪. .‬‬ ‫**************‬ ‫وأما الشهيد عبد العزيز (( عليه الرحمة والرضوان )) فما أحسبه إل مثل صاحب ياسين بل‬ ‫ربما كان خيرا منه الذي قال ال عنه‬ ‫سلِينَ (‪ )20‬ا ّت ِبعُوا مَن لّ يَسَْأُلكُمْ‬ ‫سعَى قَالَ يَا َقوْمِ ا ّت ِبعُوا ا ْل ُمرْ َ‬ ‫{ وَجَاء مِنْ أَ ْقصَى ا ْلمَدِينَةِ رَجُلٌ يَ ْ‬ ‫جعُونَ (‪َ )22‬أَأتّخِذُ مِن دُونِهِ آِلهَةً‬ ‫ط َرنِي َوِإَليْهِ ُترْ َ‬ ‫عبُدُ الّذِي فَ َ‬ ‫جرًا وَهُم ّم ْهتَدُونَ (‪َ )21‬ومَا لِي لَ أَ ْ‬ ‫أَ ْ‬ ‫ش ْيئًا وَلَ يُنقِذُونِ (‪ِ )23‬إنّي إِذًا لّفِي ضَلَلٍ ّمبِينٍ (‬ ‫ع ُتهُمْ َ‬ ‫عنّي شَفَا َ‬ ‫ضرّ لّ ُتغْنِ َ‬ ‫حمَن ِب ُ‬ ‫إِن ُيرِدْنِ الرّ ْ‬ ‫جنّةَ قَالَ يَا َل ْيتَ َق ْومِي َي ْعَلمُونَ (‪ِ )26‬بمَا غَ َفرَ‬ ‫س َمعُونِ (‪ )25‬قِيلَ ادْخُلِ الْ َ‬ ‫‪ِ )24‬إنّي آمَنتُ ِب َر ّبكُمْ فَا ْ‬ ‫سمَاء َومَا ُكنّا‬ ‫علَى َق ْومِهِ مِن َبعْ ِدهِ مِنْ جُندٍ مّنَ ال ّ‬ ‫ج َعَلنِي مِنَ ا ْل ُم ْك َرمِينَ (‪َ )27‬ومَا أَن َز ْلنَا َ‬ ‫لِي َربّي َو َ‬ ‫علَى ا ْل ِعبَادِ مَا يَ ْأتِيهِم‬ ‫س َرةً َ‬ ‫صيْحَةً وَاحِ َدةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (‪ )29‬يَا حَ ْ‬ ‫ل َ‬ ‫مُن ِزلِينَ (‪ )28‬إِن كَا َنتْ إِ ّ‬ ‫س َت ْه ِزئُون (‪َ )30‬ألَمْ َي َروْا كَمْ أَ ْهَل ْكنَا َق ْبَلهُم مّنْ الْ ُقرُونِ َأ ّنهُمْ ِإَل ْيهِمْ لَ‬ ‫مّن رّسُولٍ إِلّ كَانُوا بِهِ يَ ْ‬ ‫ضرُونَ (‪ )32‬سورة يس‬ ‫ح َ‬ ‫جمِيعٌ لّ َد ْينَا مُ ْ‬ ‫جعُونَ (‪َ )31‬وإِن كُلّ ّلمّا َ‬ ‫َيرْ ِ‬ ‫يقول الشهيد سيد قطب رحمه ال ‪:‬‬ ‫ويوحي سياق القصة بعد ذلك أنهم لم يمهلوه أن قتلوه ‪ .‬وإن كان ل يذكر شيئا من هذا صراحة‬ ‫‪ .‬إنما يسدل الستار على الدنيا وما فيها ‪ ,‬وعلى القوم وما هم فيه ; ويرفعه لنرى هذا الشهيد‬ ‫الذي جهر بكلمة الحق ‪ ,‬متبعا صوت الفطرة ‪ ,‬وقذف بها في وجوه من يملكون التهديد والتنكيل‬ ‫‪ .‬نراه في العالم الخر ‪ .‬ونطلع على ما ادخر ال له من كرامة ‪ .‬تليق بمقام المؤمن الشجاع‬ ‫المخلص الشهيد‪:‬‬ ‫(قيل‪:‬ادخل الجنة ‪ .‬قال‪:‬يا ليت قومي يعلمون ‪ .‬بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين) ‪. .‬‬ ‫وتتصل الحياة الدنيا بالحياة الخرة ‪ .‬ونرى الموت نقلة من عالم الفناء إلى عالم البقاء ‪ .‬وخطوة‬ ‫يخلص بها المؤمن من ضيق الرض إلى سعة الجنة ‪ .‬ومن تطاول الباطل إلى طمأنينة الحق ‪.‬‬ ‫ومن تهديد البغي إلى سلم النعيم ‪ .‬ومن ظلمات الجاهلية إلى نور اليقين ‪.‬‬ ‫ونرى الرجل المؤمن ‪ .‬وقد اطلع على ما آتاه ال في الجنة من المغفرة والكرامة ‪ ,‬يذكر قومه‬ ‫طيب القلب رضي النفس ‪ ,‬يتمنى لو يراه قومه ويرون ما آتاه ربه من الرضى والكرامة ‪,‬‬ ‫ليعرفوا الحق ‪ ,‬معرفة اليقين ‪.‬‬ ‫‪25‬‬ ‫****************‬ ‫وما أحسبه إل مثل أنس بن النضر رضي ال عنه ففي البخاري عَنْ َأ َنسٍ ‪ -‬رضى ال عنه ‪-‬‬ ‫شهَ َدنِى اللّهُ‬ ‫ى ‪-‬صلى ال عليه وسلم‪َ -‬لئِنْ أَ ْ‬ ‫غ ْبتُ عَنْ َأوّلِ ِقتَالِ ال ّنبِ ّ‬ ‫عمّهُ غَابَ عَنْ بَ ْدرٍ فَقَالَ ِ‬ ‫أَنّ َ‬ ‫مَعَ ال ّن ِبىّ ‪-‬صلى ال عليه وسلم‪َ -‬ل َي َريَنّ اللّهُ مَا أُجِدّ‪َ .‬فلَ ِقىَ َيوْمَ أُحُدٍ َف ُهزِ َم النّاسُ فَقَالَ الّلهُمّ ِإنّى‬ ‫سيْفِهِ‬ ‫ش ِركُونَ‪َ .‬فتَقَدّمَ بِ َ‬ ‫سِلمِينَ ‪َ -‬وَأ ْبرَأُ ِإَل ْيكَ ِممّا جَاءَ بِهِ ا ْلمُ ْ‬ ‫صنَعَ َهؤُلَءِ ‪َ -‬ي ْعنِى ا ْلمُ ْ‬ ‫عتَ ِذرُ ِإَل ْيكَ ِممّا َ‬ ‫أَ ْ‬ ‫حتّى‬ ‫ع ِرفَ َ‬ ‫جنّةِ دُونَ أُحُدٍ‪َ .‬ف َمضَى فَ ُقتِلَ َفمَا ُ‬ ‫سعْدُ ِإنّى أَجِدُ رِيحَ الْ َ‬ ‫سعْدَ بْنَ ُمعَاذٍ فَقَالَ َأيْنَ يَا َ‬ ‫َفلَ ِقىَ َ‬ ‫سهْمٍ‪.‬‬ ‫ض ْربَةٍ َو َر ْميَةٍ بِ َ‬ ‫ط ْعنَةٍ َو َ‬ ‫ختُهُ بِشَامَةٍ َأوْ ِب َبنَانِهِ َوبِهِ ِبضْعٌ َو َثمَانُونَ مِنْ َ‬ ‫عرَ َفتْهُ أُ ْ‬ ‫َ‬ ‫ضرَ بْنَ َأ َنسٍ عَمّ َأنَسِ بْنِ مَاِلكٍ غَابَ عَنْ‬ ‫عنْهُ ‪ :‬أَنّ النّ ْ‬ ‫ى اللّهُ َ‬ ‫ضَ‬ ‫وفي سنن البيهقي ‪ :‬عَنْ َأ َنسٍ َر ِ‬ ‫ش ِركِينَ‬ ‫غ ْبتُ عَنْ َأوّلِ ِقتَالِ قَا َتلَهُ رَسُولُ اللّهِ ‪-‬صلى ال عليه وسلم‪ -‬ا ْلمُ ْ‬ ‫ِقتَالِ بَ ْدرٍ َفَلمّا قَدِمَ قَالَ ‪ِ :‬‬ ‫سِلمُونَ فَقَالَ ‪ :‬الّلهُمّ ِإنّى‬ ‫شفَ ا ْلمُ ْ‬ ‫صنَعُ‪َ .‬فَلمّا كَانَ َيوْمُ أُحُدٍ ا ْنكَ َ‬ ‫شهَ َدنِى اللّهُ ِقتَالً َل َي َريَنّ اللّهُ مَا َأ ْ‬ ‫َلئِنِ أَ ْ‬ ‫سِلمِينَ ثُمّ‬ ‫صنَعَ َهؤُلَءِ َي ْعنِى ا ْلمُ ْ‬ ‫عتَذَرُ ِإَل ْيكَ ِممّا َ‬ ‫ش ِركِينَ َوأَ ْ‬ ‫َأ ْب َرأُ ِإَل ْيكَ ِممّا جَاءَ بِهِ َهؤُلَءِ َي ْعنِى ا ْلمُ ْ‬ ‫جنّةِ دُونَ أُحُدٍ‬ ‫لجِدُ رِيحَ الْ َ‬ ‫سعْدُ وَالّذِى نَفْسِى ِبيَ ِدهِ ِإنّى َ‬ ‫سعْدُ بْنُ ُمعَاذٍ فَقَالَ ‪َ :‬أىْ َ‬ ‫سيْفِهِ َفلَ ِقيَهُ َ‬ ‫مَشَى بِ َ‬ ‫صنَعَ َفوَجَ ْدنَاهُ َبيْنَ الْ َق ْتلَى َوبِهِ ِبضْعٌ‬ ‫ط ْعتُ يَا رَسُولَ اللّهِ مَا َ‬ ‫ستَ َ‬ ‫سعْدٌ ‪َ :‬فمَا ا ْ‬ ‫جنّةِ‪ .‬قَالَ َ‬ ‫وَاهًا ِلرِيحِ الْ َ‬ ‫ختُهُ‬ ‫عرَ َفتْهُ أُ ْ‬ ‫حتّى َ‬ ‫سهْمٍ وَقَدْ َم ّثلُوا بِهِ َ‬ ‫ط ْعنَةٍ ِب ُرمْحٍ َو َر ْميَةٍ بِ َ‬ ‫س ْيفٍ وَ َ‬ ‫ض ْربَةٍ بِ َ‬ ‫ن َ‬ ‫جرَاحَةً مِ ْ‬ ‫َو َثمَانُونَ ِ‬ ‫عَليْهِ)‬ ‫ل صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللّهَ َ‬ ‫ِب َبنَانِهِ‪ .‬قَالَ َأنَسٌ ‪ُ :‬كنّا نَقُولُ ُأ ْن ِزلَتْ هَ ِذهِ اليَةُ (مِنَ ا ْل ُم ْؤ ِمنِينَ رِجَا ٌ‬ ‫خرَجَهُ ا ْلبُخَا ِرىّ فِى الصّحِيحِ مِنْ‬ ‫صوَابُ َأ َنسُ بْنُ ال ّنضْرِ‪ .‬أَ ْ‬ ‫فِيهِ وَفِى َأصْحَابِهِ‪ .‬كَذَا فِى ِكتَابِى وَال ّ‬ ‫عنْهُ‪.‬‬ ‫ى اللّهُ َ‬ ‫ضَ‬ ‫سلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ثَا ِبتٍ عَنْ َأ َنسٍ َر ِ‬ ‫خرَجَهُ مُ ْ‬ ‫ح َميْدٍ َوأَ ْ‬ ‫َأوْجُهٍ عَنْ ُ‬ ‫***************‬ ‫ل صَدَقُوا مَا‬ ‫وما أحسبه إل ممن قال ال تعالى فيهم في سورة الحزاب ‪ :‬مِنَ ا ْل ُم ْؤ ِمنِينَ رِجَا ٌ‬ ‫ي اللّهُ‬ ‫ج ِز َ‬ ‫ظرُ َومَا بَ ّدلُوا َتبْدِيلًا (‪ِ )23‬ليَ ْ‬ ‫حبَهُ َو ِم ْنهُم مّن يَنتَ ِ‬ ‫عَليْهِ َف ِم ْنهُم مّن َقضَى نَ ْ‬ ‫عَاهَدُوا اللّهَ َ‬ ‫ن اللّهَ كَانَ غَفُورًا رّحِيمًا (‪)24‬‬ ‫عَل ْيهِمْ إِ ّ‬ ‫الصّادِقِينَ ِبصِدْ ِقهِمْ َو ُيعَ ّذبَ ا ْل ُمنَافِقِينَ إِن شَاء َأوْ َيتُوبَ َ‬ ‫يقول الشهيد سيد قطب رحمه ال ‪:‬‬ ‫لقد كانوا ناسا من البشر ‪ ,‬ل يملكون أن يتخلصوا من مشاعر البشر ‪ ,‬وضعف البشر ‪ .‬وليس‬ ‫مطلوبا منهم أن يتجاوزوا حدود جنسهم البشري ; ول أن يخرجوا من إطار هذا الجنس ;‬ ‫ويفقدوا خصائصه ومميزاته ‪ .‬فلهذا خلقهم ال ‪ .‬خلقهم ليبقوا بشرا ‪ ,‬ول يتحولوا جنسا آخر ‪ .‬ل‬ ‫ملئكة ول شياطين ‪ ,‬ول بهيمة ول حجرا ‪ . .‬كانوا ناسا من البشر يفزعون ‪ ,‬ويضيقون بالشدة‬ ‫‪26‬‬ ‫‪ ,‬ويزلزلون للخطر الذي يتجاوز الطاقة ‪ .‬ولكنهم كانوا ‪ -‬مع هذا ‪ -‬مرتبطين بالعروة الوثقى‬ ‫التي تشدهم إلى ال ; و تمنعهم من السقوط ; وتجدد فيهم المل ‪ ,‬وتحرسهم من القنوط ‪. .‬‬ ‫وكانوا بهذا وذاك نموذجا فريدا في تاريخ البشرية لم يعرف له نظير ‪.‬‬ ‫وعلينا أن ندرك هذا لندرك ذلك النموذج الفريد في تاريخ العصور ‪ .‬علينا أن ندرك أنهم كانوا‬ ‫بشرا ‪ ,‬لم يتخلوا عن طبيعة البشر ‪ ,‬بما فيها من قوة و ضعف ‪ .‬وأن منشأ امتيازهم أنهم بلغوا‬ ‫في بشريتهم هذه أعلى قمة مهيأة لبني النسان ‪ ,‬في الحتفاظ بخصائص البشر في الرض مع‬ ‫الستمساك بعروة السماء ‪.‬‬ ‫وحين نرانا ضعفنا مرة ‪ ,‬أو زلزلنا مرة ‪ ,‬أو فزعنا مرة ‪ ,‬أو ضقنا مرة بالهول والخطر والشدة‬ ‫والضيق ‪ . .‬فعلينا أل نيأس من أنفسنا ‪ ,‬وأل نهلع ونحسب أننا هلكنا ; أو أننا لم نعد نصلح‬ ‫لشيء عظيم أبدا ! ولكن علينا في الوقت ذاته أل نقف إلى جوار ضعفنا لنه من فطرتنا‬ ‫البشرية ! ونصر عليه لنه يقع لمن هم خير منا ! هنالك العروة الوثقى ‪ .‬عروة السماء ‪ .‬وعلينا‬ ‫أن نستمسك بها لننهض من الكبوة ‪ ,‬ونسترد الثقة والطمأنينة ‪ ,‬ونتخذ من الزلزال بشيرا بالنصر‬ ‫‪ .‬فنثبت ونستقر ‪ ,‬ونقوى ونطمئن ‪ ,‬ونسير في الطريق ‪. .‬‬ ‫وهذا هو التوازن الذي صاغ ذلك النموذج الفريد في صدر السلم ‪ .‬النموذج الذي يذكر عنه‬ ‫القرآن الكريم مواقفه الماضية وحسن بلئه وجهاده ‪ ,‬وثباته على عهده مع ال ‪ ,‬فمنهم من لقيه ‪,‬‬ ‫ومنهم من ينتظر أن يلقاه‪:‬‬ ‫(من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا ال عليه ‪ .‬فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر ‪ .‬وما‬ ‫بدلوا تبديل) ‪. .‬‬ ‫هذا في مقابل ذلك النموذج الكريه ‪ .‬نموذج الذين عاهدوا ال من قبل ل يولون الدبار ‪ .‬ثم ولم‬ ‫يوفوا بعهد ال‪( :‬وكان عهد ال مسؤول) ‪. .‬‬ ‫***************‬ ‫كثير من الناس يلومون حماس على موقفها فيقولون بلسان الحال والمقال ‪ :‬نحن اليوم ضعفاء‬ ‫فكيف نقابل أعتى قوة في العالم ؟ والنتيجة هي البادة ل محالة وإهلك الحرث والنسل في‬ ‫عالم ل يؤمن إل بالقوة !!!!!‬ ‫والجواب على هذه الشبهة يسير ‪:‬‬ ‫‪27‬‬ ‫فال تعالى أمرنا بالجهاد في سبيله مهما كنا قلة فليس النصر للكثرة دائما قال تعالى في سورة‬ ‫البقرة ‪:‬‬ ‫ط َعمْهُ‬ ‫ش ِربَ ِمنْهُ َفَل ْيسَ ِمنّي َومَن لّمْ يَ ْ‬ ‫ن اللّهَ ُم ْب َتلِيكُم ِب َن َهرٍ َفمَن َ‬ ‫جنُودِ قَالَ إِ ّ‬ ‫َفَلمّا َفصَلَ طَالُوتُ بِا ْل ُ‬ ‫ش ِربُواْ ِمنْهُ إِلّ َقلِيلً ّم ْنهُمْ َفَلمّا جَا َو َزهُ ُهوَ وَالّذِينَ آ َمنُواْ َمعَهُ‬ ‫غرْفَةً ِبيَ ِدهِ فَ َ‬ ‫غ َت َرفَ ُ‬ ‫فَِإنّهُ ِمنّي إِلّ مَنِ ا ْ‬ ‫غَل َبتْ‬ ‫ظنّونَ َأ ّنهُم مّلَقُو اللّهِ كَم مّن ِفئَةٍ َقلِيلَةٍ َ‬ ‫قَالُواْ لَ طَاقَةَ َلنَا ا ْل َيوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنو ِدهِ قَالَ الّذِينَ يَ ُ‬ ‫جنُو ِدهِ قَالُواْ َر ّبنَا أَ ْفرِغْ‬ ‫ن اللّهِ وَاللّهُ مَ َع الصّا ِبرِينَ (‪َ )249‬وَلمّا َب َرزُواْ لِجَالُوتَ وَ ُ‬ ‫ِفئَةً َكثِي َرةً بِإِذْ ِ‬ ‫ن اللّهِ وَ َقتَلَ دَاوُودُ‬ ‫علَى الْ َقوْمِ ا ْلكَا ِفرِينَ (‪َ )250‬ف َه َزمُوهُم بِإِذْ ِ‬ ‫صرْنَا َ‬ ‫ص ْبرًا َو َث ّبتْ أَقْدَا َمنَا وَان ُ‬ ‫عَل ْينَا َ‬ ‫َ‬ ‫ضهُمْ ِب َبعْضٍ لّفَسَ َدتِ‬ ‫عّلمَهُ ِممّا يَشَاء َوَلوْلَ دَفْ ُع اللّ ِه النّاسَ َب ْع َ‬ ‫ح ْكمَةَ وَ َ‬ ‫جَالُوتَ وَآتَا ُه اللّهُ ا ْل ُم ْلكَ وَالْ ِ‬ ‫عَل ْيكَ بِالْحَقّ َوِإ ّنكَ َلمِنَ‬ ‫ت اللّهِ َن ْتلُوهَا َ‬ ‫علَى ا ْلعَاَلمِينَ (‪ِ )251‬ت ْلكَ آيَا ُ‬ ‫ن اللّهَ ذُو َفضْلٍ َ‬ ‫لرْضُ َولَـكِ ّ‬ ‫اَ‬ ‫سلِينَ (‪)252‬‬ ‫ا ْل ُمرْ َ‬ ‫والمؤمنون والمجاهدون في سبيل ال كانوا قلة عبر العصور السلمية كلها‬ ‫وكذلك فإنها بيعة مع ال قال تعالى في سورة التوبة ‪:‬‬ ‫ل اللّهِ َفيَ ْق ُتلُونَ‬ ‫سبِي ِ‬ ‫جنّةَ يُقَا ِتلُونَ فِي َ‬ ‫سهُمْ َوَأ ْموَاَلهُم بِأَنّ َلهُمُ ال َ‬ ‫ش َترَى مِنَ ا ْل ُم ْؤ ِمنِينَ أَنفُ َ‬ ‫ن اللّهَ ا ْ‬ ‫إِ ّ‬ ‫شرُواْ‬ ‫س َتبْ ِ‬ ‫ن اللّهِ فَا ْ‬ ‫عَليْهِ حَقّا فِي ال ّتوْرَاةِ وَالِنجِيلِ وَالْ ُقرْآنِ َومَنْ َأوْفَى ِب َعهْ ِدهِ مِ َ‬ ‫َويُ ْق َتلُونَ وَعْدًا َ‬ ‫ِب َب ْي ِعكُمُ الّذِي بَا َي ْعتُم بِهِ وَ َذِلكَ ُهوَ الْ َف ْوزُ ا ْلعَظِيمُ (‪)111‬‬ ‫والبيعة ل بد لها من ثمن ويجب أن يكون باهظا‬ ‫يقول الشهيد سيد قطب رحمه ال ‪:‬‬ ‫إن الجهاد في سبيل اللّه بيعة معقودة بعنق كل مؤمن ‪ . .‬كل مؤمن على الطلق منذ كانت‬ ‫الرسل ومنذ كان دين اللّه ‪ . .‬إنها السنة الجارية التي ل تستقيم هذه الحياة بدونها ول تصلح‬ ‫الحياة بتركها‪( :‬ولول دفع اللّه الناس بعضهم ببعض لفسدت الرض) ‪( . .‬ولول دفع اللّه الناس‬ ‫بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم اللّه كثيرا) ‪. .‬‬ ‫إن الحق ل بد أن ينطلق في طريقه ‪ .‬ول بد أن يقف له الباطل في الطريق ! ‪ . .‬بل ل بد أن‬ ‫يأخذ عليه الطريق ‪ . .‬إن دين اللّه ل بد أن ينطلق لتحرير البشر من العبودية للعباد وردهم إلى‬ ‫العبودية للّه وحده ‪ .‬ول بد أن يقف له الطاغوت في الطريق ‪ . .‬بل ل بد أن يقطع عليه‬ ‫الطريق ‪ . .‬ول بد لدين ال أن ينطلق في "الرض" كلها لتحرير "النسان" كله ‪ .‬ول بد للحق‬ ‫أن يمضي في طريقه ول ينثني عنه ليدع للباطل طريقا ! ‪ . .‬وما دام في "الرض" كفر ‪ .‬وما‬ ‫‪28‬‬ ‫دام في "الرض" باطل ‪ .‬وما دامت في "الرض" عبودية لغير اللّه تذل كرامة "النسان" فالجهاد‬ ‫في سبيل اللّه ماض ‪ ,‬والبيعة في عنق كل مؤمن تطالبه بالوفاء ‪ .‬وإل فليس باليمان‪:‬و " من‬ ‫مات ولم يغز ‪ ,‬ولم يحدث نفسه بغزو ‪ ,‬مات على شعبة من النفاق " ‪ [ . . .‬رواه المام أحمد ‪,‬‬ ‫وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي ] ‪.‬‬ ‫(فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به ‪ ,‬وذلك هو الفوز العظيم) ‪.‬‬ ‫استبشروا بإخلص أنفسكم وأموالكم للّه ‪ ,‬وأخذ الجنة عوضا وثمنا ‪ ,‬كما وعد اللّه ‪ . .‬وما الذي‬ ‫فات ? ما الذي فات المؤمن الذي يسلم للّه نفسه وماله ويستعيض الجنة ? واللّه ما فاته شيء ‪.‬‬ ‫فالنفس إلى موت ‪ ,‬والمال إلى فوت ‪ .‬سواء أنفقهما صاحبهما في سبيل اللّه أم في سبيل سواه !‬ ‫والجنة كسب ‪ .‬كسب بل مقابل في حقيقة المر ول بضاعة ! فالمقابل زائل في هذا الطريق أو‬ ‫ذاك !‬ ‫ودع عنك رفعة النسان وهو يعيش للّه ‪ .‬ينتصر ‪ -‬إذا انتصر ‪ -‬لعلء كلمته ‪ ,‬وتقرير دينه ‪,‬‬ ‫وتحرير عباده من العبودية المذلة لسواه ‪ .‬ويستشهد ‪ -‬إذا استشهد ‪ -‬في سبيله ‪ ,‬ليؤدي لدينه‬ ‫شهادة بأنه خير عنده من الحياة ‪ .‬ويستشعر في كل حركة وفي كل خطوة ‪ -‬أنه أقوى من قيود‬ ‫الرض وأنه أرفع من ثقلة الرض ‪ ,‬واليمان ينتصر فيه على اللم ‪ ,‬والعقيدة تنتصر فيه على‬ ‫الحياة ‪.‬‬ ‫إن هذا وحده كسب ‪ .‬كسب بتحقيق إنسانية النسان التي ل تتأكد كما تتأكد بانطلقه من أوهاق‬ ‫الضرورة ; وانتصار اليمان فيه على اللم ‪ ,‬وانتصار العقيدة فيه على الحياة ‪ . .‬فإذا أضيفت‬ ‫إلى ذلك كله ‪ . .‬الجنة ‪ . .‬فهو بيع يدعو إلى الستبشار ; وهو فوز ل ريب فيه ول جدال‪:‬‬ ‫(فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به ‪ ,‬وذلك هو الفوز العظيم) ‪.‬‬ ‫ثم نقف وقفة قصيرة أمام قوله تعالى في هذه الية‪:‬‬ ‫(وعدا عليه حقا في التوراة والنجيل والقرآن) ‪. .‬‬ ‫فوعد اللّه للمجاهدين في سبيله في القرآن معروف مشهور مؤكد مكرور ‪ . .‬وهو ل يدع مجال‬ ‫للشك في إصالة عنصر الجهاد في سبيل اللّه في طبيعة هذا المنهج الرباني ; باعتباره الوسيلة‬ ‫المكافئة للواقع البشري ‪ -‬ل في زمان بعينه ول في مكان بعينه ‪ -‬ما دام أن الجاهلية ل تتمثل‬ ‫في نظرية تقابل بنظرية ولكنها تتمثل في تجمع عضوي حركي ‪ ,‬يحمي نفسه بالقوة المادية ;‬ ‫ويقاوم دين اللّه وكل تجمع إسلمي على أساسه بالقوة المادية كذلك ; ويحول دون الناس‬ ‫‪29‬‬ ‫والستماع لعلن السلم العام بألوهية اللّه وحده للعباد ‪ ,‬وتحرير "النسان" في "الرض" من‬ ‫العبودية للعباد ‪ .‬كما يحول دونهم ودون النضمام العضوي إلى التجمع السلمي المتحرر من‬ ‫عبادة الطاغوت بعبوديته ل وحده دون العباد ‪ . .‬ومن ثم يتحتم على السلم في انطلقه في‬ ‫"الرض" لتحقيق إعلنه العام بتحرير "النسان" أن يصطدم بالقوة المادية التي تحمي التجمعات‬ ‫الجاهلية ; والتي تحاول بدورها ‪ -‬في حتمية ل فكاك منها ‪ -‬أن تسحق حركة البعث السلمي‬ ‫وتخفت إعلنه التحريري ‪ ,‬لستبقاء العباد في رق العبودية للعباد !‬ ‫فأما وعد اللّه للمجاهدين في التوراة والنجيل ‪ .‬فهو الذي يحتاج إلى شيء من البيان ‪. .‬‬ ‫إن التوراة والنجيل اللذين في أيدي اليهود والنصارى اليوم ل يمكن القول بأنهما هما اللذان‬ ‫أنزلهما اللّه على نبيه موسى وعلى نبيه عيسى عليهما السلم ! وحتى اليهود والنصارى أنفسهم‬ ‫ل يجادلون في أن النسخة الصلية لهذين الكتابين ل وجود لها ; وأن ما بين أيديهم قد كتب بعد‬ ‫فترة طويلة ضاعت فيها معظم أصول الكتابين ; ولم يبق إل ما وعته ذاكرة بعد ذاكرة ‪ . .‬وهو‬ ‫قليل ‪ . .‬أضيف إليه الكثير !‬ ‫ومع ذلك فما تزال في كتب العهد القديم إشارات إلى الجهاد ‪ ,‬والتحريض لليهود على قتال‬ ‫أعدائهم الوثنيين ‪ ,‬لنصر إلههم وديانته وعبادته ! وإن كانت التحريفات قد شوهت تصورهم للّه‬ ‫‪ -‬سبحانه ‪ -‬وتصورهم للجهاد في سبيله ‪.‬‬ ‫فأما في الناجيل التي بين أيدي النصارى اليوم فل ذكر ول إشارة إلى جهاد ‪ . .‬ولكننا في‬ ‫حاجة شديدة إلى تعديل المفهومات السائدة عن طبيعة النصرانية ; فهذه المفهومات إنما جاءت‬ ‫من هذه الناجيل التي ل أصل لها ‪ -‬بشهادة الباحثين النصارى أنفسهم ! ‪ -‬وقبل ذلك بشهادة‬ ‫اللّه سبحانه كما وردت في كتابه المحفوظ الذي ل يأتيه الباطل من بين يديه ول من خلفه ‪.‬‬ ‫واللّه سبحانه يقول في كتابه المحفوظ‪:‬إن وعده بالجنة لمن يقاتلون في سبيل اللّه فيقتلون ويقتلون‬ ‫; ثابت في التوراة والنجيل والقرآن ‪ . .‬فهذا إذن هو القول الفصل الذي ليس بعده لقائل مقال !‬ ‫إن الجهاد في سبيل اللّه بيعة معقودة بعنق كل مؤمن ‪ .‬كل مؤمن على الطلق ‪ .‬منذ كانت‬ ‫الرسل ‪ ,‬ومنذ كان دين اللّه ‪. .‬‬ ‫ولكن الجهاد في سبيل اللّه ليس مجرد اندفاعة إلى القتال ; إنما هو قمة تقوم على قاعدة من‬ ‫اليمان المتمثل في مشاعر وشعائر وأخلق وأعمال ‪ .‬والمؤمنون الذين عقد اللّه معهم البيعة ‪,‬‬ ‫والذين تتمثل فيهم حقيقة اليمان هم قوم تتمثل فيهم صفات إيمانية أصيلة‪:‬‬ ‫‪30‬‬ ‫(التائبون ‪ .‬العابدون ‪ .‬الحامدون ‪ .‬السائحون ‪ .‬الراكعون الساجدون ‪ .‬المرون بالمعروف‬ ‫والناهون عن المنكر ‪ .‬والحافظون لحدود ال) ‪. .‬‬ ‫(التائبون) ‪ . .‬مما أسلفوا ‪ ,‬العائدون إلى اللّه مستغفرين ‪ .‬والتوبة شعور بالندم على ما مضى ‪,‬‬ ‫وتوجه إلى اللّه فيما بقي ‪ ,‬وكف عن الذنب ‪ ,‬وعمل صالح يحقق التوبة بالفعل كما يحققها‬ ‫بالترك ‪ .‬فهي طهارة وزكاة وتوجه وصلح ‪.‬‬ ‫(العابدون) ‪ . .‬المتوجهون إلى اللّه وحده بالعبادة وبالعبودية ‪ ,‬إقرارا بالربوبية ‪ . .‬صفة هذه‬ ‫ثابتة في نفوسهم تترجمها الشعائر ‪ ,‬كما يترجمها التوجه إلى ال وحده بكل عمل وبكل قول‬ ‫وبكل طاعة وبكل اتباع ‪ .‬فهي إقرار باللوهية والربوبية للّه في صورة عملية واقعية ‪.‬‬ ‫(الحامدون) ‪ . .‬الذين تنطوي قلوبهم على العتراف للمنعم بالنعمة ; وتلهج ألسنتهم بحمد اللّه‬ ‫في السراء والضراء ‪ .‬في السراء للشكر على ظاهر النعمة ‪ ,‬وفي الضراء للشعور بما في‬ ‫البتلء من الرحمة ‪ .‬وليس الحمد هو الحمد في السراء وحدها ‪ ,‬ولكنه الحمد في الضراء حين‬ ‫يدرك القلب المؤمن أن اللّه الرحيم العادل ما كان ليبتلي المؤمن إل لخير يعلمه ‪ ,‬مهما خفي‬ ‫على العباد إدراكه ‪.‬‬ ‫(السائحون) ‪ . .‬وتختلف الروايات فيهم ‪ .‬فمنها ما يقول‪:‬إنهم المهاجرون ‪ .‬ومنها ما يقول‪:‬إنهم‬ ‫المجاهدون ‪ .‬ومنها ما يقول‪:‬إنهم المتنقلون في طلب العلم ‪ .‬ومنهم من يقول‪:‬إنهم الصائمون ‪. .‬‬ ‫ونحن نميل إلى اعتبارهم المتفكرين في خلق اللّه وسننه ‪ ,‬ممن قيل في أمثالهم في موضع آخر‪:‬‬ ‫(إن في خلق السماوات والرض ‪ .‬واختلف الليل والنهار ليات لولي اللباب ‪ ,‬الذين يذكرون‬ ‫اللّه قياما وقعودا وعلى جنوبهم ‪ ,‬ويتفكرون في خلق السماوات والرض‪:‬ربنا ما خلقت هذا‬ ‫باطلً سبحانك ! ‪ . . ). . .‬فهذه الصفة أليق هنا بالجو بعد التوبة والعبادة والحمد ‪ .‬فمع التوبة‬ ‫والعبادة والحمد يكون التدبر في ملكوت اللّه على هذا النحو الذي ينتهي بالنابة إلى اللّه ‪,‬‬ ‫وإدراك حكمته في خلقه ‪ ,‬وإدراك الحق الذي يقوم عليه الخلق ‪ .‬ل للكتفاء بهذا الدراك وإنفاق‬ ‫العمر في مجرد التأمل والعتبار ‪ .‬ولكن لبناء الحياة وعمرانها بعد ذلك على أساس هذا‬ ‫الدراك ‪. .‬‬ ‫(الراكعون الساجدون) ‪ . .‬الذين يقيمون الصلة ويقومون بالصلة كأنها صفة ثابتة من صفاتهم‬ ‫; وكأن الركوع والسجود طابع مميز بين الناس لهم ‪.‬‬ ‫‪31‬‬ ‫(المرون بالمعروف والناهون عن المنكر) ‪ . .‬وحين يقوم المجتمع المسلم الذي تحكمه شريعة‬ ‫اللّه ‪ ,‬فيدين للّه وحده ول يدين لسواه ‪ ,‬يكون المر بالمعروف والنهي عن المنكر في داخل هذا‬ ‫المجتمع ; ويتناول ما يقع فيه من أخطاء وانحرافات عن منهج اللّه وشرعه ‪ . .‬ولكن حين ل‬ ‫يكون في الرض مجتمع مسلم ; وذلك حين ل يكون في الرض مجتمع الحاكمية فيه للّه وحده‬ ‫‪ ,‬وشريعة اللّه وحدها هي الحاكمة فيه ‪ ,‬فإن المر بالمعروف يجب أن يتجه أولً إلى المر‬ ‫بالمعروف الكبر ‪ ,‬وهو تقرير ألوهية اللّه وحده سبحانه وتحقيق قيام المجتمع المسلم ‪ .‬والنهي‬ ‫عن المنكر يجب أن يتجه أولً إلى النهي عن المنكر الكبر ‪ .‬وهو حكم الطاغوت وتعبيد الناس‬ ‫لغير اللّه عن طريق حكمهم بغير شريعة اللّه ‪ . .‬والذين آمنوا بمحمد ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪-‬‬ ‫هاجروا وجاهدوا ابتداء لقامة الدولة المسلمة الحاكمة بشريعة اللّه ‪ ,‬وإقامة المجتمع المسلم‬ ‫المحكوم بهذه الشريعة ‪ .‬فلما تم لهم ذلك كانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر في‬ ‫الفروع المتعلقة بالطاعات والمعاصي ‪ .‬ولم ينفقوا قط جهدهم ‪ ,‬قبل قيام الدولة المسلمة‬ ‫والمجتمع المسلم في شيء من هذه التفريعات التي ل تنشأ إل بعد قيام الصل الصيل ! ومفهوم‬ ‫المر بالمعروف والنهي عن المنكر ل بد أن يدرك وفق مقتضى الواقع ‪ .‬فل يبدأ بالمعروف‬ ‫الفرعي والمنكر الفرعي قبل النتهاء من المعروف الكبر والمنكر الكبر ‪ ,‬كما وقع أول مرة‬ ‫عند نشأة المجتمع المسلم !‬ ‫(والحافظون لحدود اللّه) ‪ . .‬وهو القيام على حدود اللّه لتنفيذها في النفس وفي الناس ‪ .‬ومقاومة‬ ‫من يضيعها أو يعتدي عليها ‪ . .‬ولكن هذه كالمر بالمعروف والنهي عن المنكر ‪ ,‬ل يقام عليها‬ ‫إل في مجتمع مسلم ‪ .‬ول مجتمع مسلم إل المجتمع الذي تحكمه شريعة اللّه وحدها في أمره كله‬ ‫; وإل الذي يفرد اللّه سبحانه باللوهية والربوبية والحاكمية والتشريع ; ويرفض حكم الطاغوت‬ ‫المتمثل في كل شرع لم يأذن به اللّه ‪ . .‬والجهد كله يجب أن ينفق ابتداء لقامة هذا المجتمع ‪.‬‬ ‫ومتى قام كان هناك مكان للحافظين لحدود اللّه فيه ‪ . .‬كما وقع كذلك أول مرة عند نشأة‬ ‫المجتمع المسلم !‬ ‫هذه هي الجماعة المؤمنة التي عقد اللّه معها بيعته ‪ .‬وهذه هي صفاتها ومميزاتها‪:‬توبة ترد العبد‬ ‫إلى اللّه ‪ ,‬وتكفه عن الذنب ‪ ,‬وتدفعه إلى العمل الصالح ‪ .‬وعبادة تصله باللّه وتجعل اللّه معبوده‬ ‫وغايته ووجهته ‪ .‬وحمد للّه على السراء والضراء نتيجة الستسلم الكامل للّه والثقة المطلقة‬ ‫برحمته وعدله ‪ .‬وسياحة في ملكوت اللّه مع آيات اللّه الناطقة في الكون الدالة على الحكمة‬ ‫‪32‬‬ ‫والحق في تصميم الخلق ‪ .‬وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر يتجاوز صلح الذات إلى إصلح‬ ‫العباد والحياة ‪ .‬وحفظ لحدود اللّه يرد عنها العادين والمضيعين ‪ ,‬ويصونها من التهجم والنتهاك‬ ‫‪..‬‬ ‫هذه هي الجماعة المؤمنة التي بايعها اللّه على الجنة ‪ ,‬واشترى منها النفس والموال ‪ ,‬لتمضي‬ ‫مع سنة اللّه الجارية منذ كان دين اللّه ورسله ورسالته ‪ .‬قتال في سبيل اللّه لعلء كلمة اللّه ;‬ ‫وقتل لعداء اللّه الذين يحادون ال ; أو استشهاد في المعركة التي ل تفتر بين الحق والباطل ‪,‬‬ ‫وبين السلم والجاهلية ‪ ,‬وبين الشريعة والطاغوت ‪ ,‬وبين الهدى والضلل ‪.‬‬ ‫وليست الحياة لهوا ولعبا ‪ .‬وليست الحياة أكلً كما تأكل النعام ومتاعا ‪ .‬وليست الحياة سلمة‬ ‫ذليلة ‪ ,‬وراحة بليدة ورضى بالسلم الرخيصة ‪ . .‬إنما الحياة هي هذه‪:‬كفاح في سبيل الحق ‪,‬‬ ‫وجهاد في سبيل الخير ‪ ,‬وانتصار لعلء كلمة اللّه ‪ ,‬أو استشهاد كذلك في سبيل اللّه ‪ . .‬ثم‬ ‫الجنة والرضوان ‪. .‬‬ ‫هذه هي الحياة التي يدعى إليها المؤمنون باللّه‪( :‬يا أيها الذين آمنوا استجيبوا للّه وللرسول إذا‬ ‫دعاكم لما يحييكم) ‪ . . .‬وصدق اللّه ‪ .‬وصدق رسول اللّه ‪. .‬‬ ‫***********‬ ‫غ ْيرُ ُأ ْولِي‬ ‫س َتوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ ا ْل ُمؤْ ِمنِينَ َ‬ ‫شتان بين القاعدين والمجاهدين قال تعالى ‪ { :‬لّ يَ ْ‬ ‫علَى‬ ‫سهِمْ َ‬ ‫ل اللّهُ ا ْلمُجَاهِدِينَ بَِأ ْموَاِلهِمْ َوأَنفُ ِ‬ ‫سهِمْ َفضّ َ‬ ‫ل اللّهِ بَِأ ْموَاِلهِمْ َوأَنفُ ِ‬ ‫سبِي ِ‬ ‫ض َررِ وَا ْلمُجَاهِدُونَ فِي َ‬ ‫ال ّ‬ ‫جرًا عَظِيمًا (‪)95‬‬ ‫علَى الْقَاعِدِينَ أَ ْ‬ ‫ل اللّهُ ا ْلمُجَاهِدِينَ َ‬ ‫سنَى وَ َفضّ َ‬ ‫الْقَاعِدِينَ َد َرجَةً َوكُلّ وَعَدَ اللّهُ الْحُ ْ‬ ‫ن اللّهُ غَفُورًا رّحِيمًا (‪ )96‬سورة النساء‬ ‫حمَةً َوكَا َ‬ ‫َدرَجَاتٍ ّمنْهُ َو َمغْ ِف َرةً َورَ ْ‬ ‫يقول الشهيد سيد قطب رحمه ال‬ ‫إن هذا النص القرآني كان يواجه حالة خاصة في المجتمع المسلم وما حوله ; وكان يعالج حالة‬ ‫خاصة في هذا المجتمع من التراخي ‪ -‬من بعض عناصره ‪ -‬في النهوض بتكاليف الجهاد‬ ‫بالموال والنفس ‪ .‬سواء كان المقصود أولئك الذين تخلفوا عن الهجرة احتفاظا بأموالهم ‪ ,‬إذ لم‬ ‫يكن المشركون يسمحون لمهاجر أن يحمل معه شيئا من ماله ; أو توفيرا لعناء الهجرة وما فيها‬ ‫من مخاطر ‪ ,‬إذ لم يكن المشركون يتركون المسلمين يهاجرون ‪ ,‬وكثيرا ما كانوا يحبسونهم‬ ‫ويؤذونهم ‪ -‬أو يزيدون في إيذائهم بتعبير أدق ‪ -‬إذا عرفوا منهم نية الهجرة ‪ . .‬سواء كان‬ ‫المقصود هم أولئك الذين تخلفوا عن الهجرة ‪ -‬وهو ما نرجحه ‪ -‬أو كان المقصود بعض‬ ‫‪33‬‬ ‫المسلمين في دار السلم ‪ ,‬الذين لم ينشطوا للجهاد بالموال والنفس ‪ -‬من غير المنافقين‬ ‫المبطئين الذين ورد ذكرهم في درس سابق ‪ -‬أو كان المقصود هؤلء وهؤلء ممن لم ينشطوا‬ ‫للجهاد بالموال والنفس في دار الحرب ودار السلم سواء ‪.‬‬ ‫إن هذا النص كان يواجه هذه الحالة الخاصة ; ولكن التعبير القرآني يقرر قاعدة عامة ; يطلقها‬ ‫من قيود الزمان ‪ ,‬وملبسات البيئة ; ويجعلها هي القاعدة التي ينظر ال بها إلى المؤمنين في‬ ‫كل زمان وفي كل مكان ‪ -‬قاعدة عدم الستواء بين القاعدين من المؤمنين عن الجهاد بالموال‬ ‫والنفس ‪ -‬غير اولي الضرر الذين يقعدهم العجز عن الجهاد بالنفس ‪ ,‬او يقعدهم الفقر والعجز‬ ‫عن الجهاد بالنفس والمال ‪ -‬عدم الستواء بين هؤلء القاعدين والخرين الذين يجاهدون‬ ‫بأموالهم وأنفسهم ‪ . .‬قاعدة عامة على الطلق (ل يستوي القاعدون من المؤمنين ‪ -‬غير أولي‬ ‫الضرر ‪ -‬والمجاهدون في سبيل ال بأموالهم وأنفسهم) ‪. .‬‬ ‫ول يتركها هكذا مبهمة ‪ ,‬بل يوضحها ويقررها ‪ ,‬ويبين طبيعة عدم الستواء بين الفريقين‪:‬‬ ‫(فضل ال المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة) ‪. .‬‬ ‫وهذه الدرجة يمثلها رسول ال صلى ال عليه وسلم في مقامهم في الجنة ‪.‬‬ ‫في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ‪ ,‬أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال‪ :‬إن في الجنة‬ ‫مائة درجة أعدها ال للمجاهدين في سبيله ‪ .‬وما بين كل درجتين كما بين السماء والرض ‪. .‬‬ ‫وقال العمش عن عمرو بن مرة ‪ ,‬عن أبى عبيدة ‪ ,‬عن عبدال بن مسعود قال‪:‬قال رسول ال‬ ‫صلى ال عليه وسلم‪ ":‬من رمى بسهم فله أجره درجة " ‪ . .‬فقال رجل‪:‬يا رسول ال ‪ ,‬وما‬ ‫الدرجة ? فقال‪:‬‬ ‫"أما إنها ليست بعتبة أمك ‪ .‬ما بين الدرجتين مائة عام " ‪.‬‬ ‫وهذه المسافات التي يمثل بها رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ ,‬نحسب أننا اليوم أقدر على‬ ‫تصورها ; بعد الذي عرفناه من بعض أبعاد الكون ‪ .‬حتى إن الضوء ليصل من نجم إلى كوكب‬ ‫في مئات السنين الضوئية وقد كان الذين يسمعون رسول ال صلى ال عليه وسلم يصدقونه بما‬ ‫يقول ‪ .‬ولكنا ‪ -‬كما قلت ‪ -‬ربما كنا أقدر ‪ -‬فوق اليمان ‪ -‬على تصور هذه البعاد بما عرفناه‬ ‫من بعض أبعاد الكون العجيب !‬ ‫ثم يعود السياق بعد تقرير هذا الفارق في المستوى بين القاعدين من المؤمنين ‪ -‬غير اولي‬ ‫الضرر ‪ -‬والمجاهدين بأموالهم وأنفسهم ‪ ,‬فيقرر أن ال وعد جميعهم الحسنى‪:‬‬ ‫‪34‬‬ ‫(وكل وعد ال الحسنى) ‪. .‬‬ ‫فلليمان وزنه وقيمته على كل حال ; مع تفاضل أهله في الدرجات وفق تفاضلهم في النهوض‬ ‫بتكاليف اليمان ; فيما يتعلق بالجهاد بالموال والنفس ‪ . .‬وهذا الستدراك هو الذي نفهم منه‬ ‫أن هؤلء القاعدين ليسوا هم المنافقين المبطئين ‪ .‬إنما هم طائفة أخرى صالحة في الصف‬ ‫المسلم ومخلصة ; ولكنها قصرت في هذا الجانب ; والقرآن يستحثها لتلفي التقصير ; والخير‬ ‫مرجو فيها ‪ ,‬والمل قائم في أن تستجيب ‪.‬‬ ‫فإذا انتهى من هذا الستدراك عاد لتقرير القاعدة الولى ; مؤكدا لها ‪ ,‬متوسعا في عرضها ;‬ ‫ممعنا في الترغيب فيما وراءها من أجر عظيم‪:‬‬ ‫وفضل ال المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما ‪ .‬درجات منه ومغفرة ورحمة ‪ .‬وكان ال‬ ‫غفورا رحيمًا ‪.‬‬ ‫وهذا التوكيد ‪ . .‬وهذه الوعود ‪ . .‬وهذا التمجيد للمجاهدين ‪ . .‬والتفضيل على القاعدين ‪. .‬‬ ‫والتلويح بكل ما تهفو له نفس المؤمن من درجات الجر العظيم ‪ .‬ومن مغفرة ال ورحمته‬ ‫للذنوب والتقصير ‪. .‬‬ ‫هذا كله يشي بحقيقتين هامتين‪:‬‬ ‫الحقيقة الولى‪:‬هي أن هذه النصوص كانت تواجه حالت قائمة في الجماعة المسلمة كما أسلفنا‬ ‫وتعالجها ‪ .‬وهذا كفيل بأن يجعلنا أكثر إدراكا لطبيعة النفس البشرية ‪ ,‬ولطبيعة الجماعات‬ ‫البشرية ‪ ,‬وأنها مهما بلغت في مجموعها من التفوق في اليمان والتربية فهي دائما في حاجة‬ ‫إلى علج ما يطرأ عليها من الضعف والحرص والشح والتقصير في مواجهة التكاليف ‪,‬‬ ‫وبخاصة تكاليف الجهاد بالموال والنفس ‪ ,‬مع خلوص النفس ل ‪ ,‬وفي سبيل ال ‪ .‬وظهور‬ ‫هذه الخصائص البشرية ‪ -‬من الضعف والحرص والشح والتقصير ‪ -‬ل يدعو لليأس من النفس‬ ‫أو الجماعة ‪ ,‬ول إلى نفض اليد منها ‪ ,‬وازدرائها ; طالما أن عناصر الخلص والجد والتعلق‬ ‫بالصف والرغبة في التعامل مع ال موفورة فيها ‪ . .‬ولكن ليس معنى هذا هو إقرار النفس أو‬ ‫الجماعة على ما بدا منها من الضعف والحرص والشح والتقصير ; والهتاف لها بالنبطاح في‬ ‫السفح ‪ ,‬باعتبار أن هذا كله جزء من "واقعها" ! بل ل بد لها من الهتاف لتنهض من السفح‬ ‫والحداء لتسير في المرتقى الصاعد ‪ ,‬إلى القمة السامقة ‪ .‬بكل ألوان الهتاف والحداء ‪ . .‬كما‬ ‫نرى هنا في المنهج الرباني الحكيم ‪.‬‬ ‫‪35‬‬ ‫والحقيقة الثانية‪:‬هي قيمة الجهاد بالموال والنفس في ميزان ال واعتبارات هذا الدين وأصالة‬ ‫هذا العنصر في طبيعة هذه العقيدة وهذا النظام ‪ .‬لما يعلمه ال ‪ -‬سبحانه ‪ -‬من طبيعة الطريق‬ ‫; وطبيعة البشر ; وطبيعة المعسكرات المعادية للسلم في كل حين ‪.‬‬ ‫إن "الجهاد" ليس ملبسة طارئة من ملبسات تلك الفترة ‪ .‬إنما هو ضرورة مصاحبة لركب هذه‬ ‫الدعوة ! وليست المسألة ‪ -‬كما توهم بعض المخلصين ‪ -‬أن السلم نشأ في عصر‬ ‫اللمبراطوريات ; فاندس في تصوراتأهله ‪ -‬اقتباسا مما حولهم ‪ -‬أنه ل بد لهم من قوة قاهرة‬ ‫لحفظ التوازن !‬ ‫هذه المقررات تشهد ‪ -‬على القل ‪ -‬بقلة ملبسة طبيعة السلم الصلية لنفوس هؤلء القائلين‬ ‫بهذه التكهنات والظنون ‪.‬‬ ‫لو كان الجهاد ملبسة طارئة في حياة المة المسلمة ما استغرق كل هذه الفصول من صلب‬ ‫كتاب ال ; في مثل هذا السلوب ! ولما استغرق كذلك كل هذه الفصول من سنة رسول ال‬ ‫صلى ال عليه وسلم وفي مثل هذا السلوب ‪. .‬‬ ‫لو كان الجهاد ملبسة طارئة ما قال رسول ال صلى ال عليه وسلم تلك الكلمة الشاملة لكل‬ ‫مسلم إلى قيام الساعة‪ ":‬من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة من النفاق " ‪.‬‬ ‫ولئن كان صلى ال عليه وسلم رد في حالت فردية بعض المجاهدين ‪ ,‬لظروف عائلية لهم‬ ‫خاصة ‪ ,‬كالذي جاء في الصحيح أن رجل قال للنبي صلى ال عليه وسلم أجاهد ‪ .‬قال‪ ":‬لك‬ ‫أبوان ? " قال‪:‬نعم ‪ .‬قال ‪ " ,‬ففيهما جاهد " ‪ . .‬لئن كان ذلك فإنما هي حالة فردية ل تنقض‬ ‫القاعدة العامة ; وفرد واحد ل ينقض المجاهدين الكثيرين ‪ .‬ولعله صلى ال عليه وسلم على‬ ‫عادته في معرفة كل ظروف جنوده فردا فردا ‪ ,‬كان يعلم من حال هذا الرجل وأبويه ‪ ,‬ما جعله‬ ‫يوجهه هذا التوجيه ‪. .‬‬ ‫فل يقولن أحد ‪ -‬بسبب ذلك ‪ -‬إنما كان الجهاد ملبسة طارئة بسبب ظروف ‪ .‬وقد تغيرت هذه‬ ‫الظروف !‬ ‫وليس ذلك لن السلم يجب أن يشهر سيفه ويمشي به في الطريق يقطع به الروؤس ! ولكن‬ ‫لن واقع حياة الناس وطبيعة طريق الدعوة تلزمه أن يمسك بهذا السيف ويأخذ حذره في كل‬ ‫حين !‬ ‫‪36‬‬ ‫إن ال ‪ -‬سبحانه ‪ -‬يعلم أن هذا أمر تكرهه الملوك ! ويعلم أن ل بد لصحاب السلطان أن‬ ‫يقاوموه ‪ .‬لنه طريق غير طريقهم ‪ ,‬ومنهج غير منهجهم ‪ .‬ليس بالمس فقط ‪ .‬ولكن اليوم‬ ‫وغدا ‪ .‬وفي كل أرض ‪ ,‬وفي كل جيل !‬ ‫وإن ال ‪ -‬سبحانه ‪ -‬يعلم أن الشر متبجح ‪ ,‬ول يمكن أن يكون منصفا ‪ .‬ول يمكن أن يدع‬ ‫الخير ينمو ‪ -‬مهما يسلك هذا الخير من طرق سلمية موادعة ! ‪ -‬فإن مجرد نمو الخير يحمل‬ ‫الخطورة على الشر ‪ .‬ومجرد وجود الحق يحمل الخطر على الباطل ‪ .‬ول بد أن يجنح‬ ‫الشر‪:‬إلى العدوان ; ول بد أن يدافع الباطل عن نفسه بمحاولة قتل الحق وخنقه بالقوة !‬ ‫هذه جبلة ! وليست ملبسة وقتية ‪. . .‬‬ ‫هذه فطرة ! وليست حالة طارئة ‪. . .‬‬ ‫ومن ثم ل بد من الجهاد ‪ . .‬لبد منه في كل صورة ‪ . .‬ول بد أن يبدأ في عالم الضمير ‪ .‬ثم‬ ‫يظهر فيشمل عالم الحقيقة والواقع والشهود ‪ .‬ول بد من مواجهة الشر المسلح بالخير المسلح ‪.‬‬ ‫ول بد من لقاء الباطل المتترس بالعدد بالحق المتوشح بالعدة ‪ . .‬وإل كان المر انتحارا ‪ .‬أو‬ ‫كان هزل ل يليق بالمؤمنين !‬ ‫ول بد من بذل الموال والنفس ‪ .‬كما طلب ال من المؤمنين ‪ .‬وكما اشترى منهم أنفسهم‬ ‫وأموالهم بأن لهم الجنة ‪ . .‬فأما أن يقدر لهم الغلب ; أو يقدر لهم الستشهاد ; فذلك شأنه ‪-‬‬ ‫سبحانه ‪ -‬وذلك قدره المصحوب بحكمته ‪ . .‬أما هم فلهم إحدى الحسنيين عند ربهم ‪ . .‬والناس‬ ‫كلهم يموتون عندما يحين الجل ‪ . .‬والشهداء وحدهمهم الذين يستشهدون ‪. .‬‬ ‫هناك نقط ارتكاز أصيلة في هذه العقيدة ‪ ,‬وفي منهجها الواقعي ‪ ,‬وفي خط سيرها المرسوم ‪,‬‬ ‫وفي طبيعة هذا الخط وحتمياته الفطرية ‪ ,‬التي ل علقة لها بتغير الظروف ‪.‬‬ ‫وهذه النقط ل يجوز أن تتميع في حس المؤمنين ‪ -‬تحت أي ظرف من الظروف ‪ .‬ومن هذه‬ ‫النقط ‪ . .‬الجهاد ‪ . .‬الذي يتحدث عنه ال سبحانه هذا الحديث ‪ . .‬الجهاد في سبيل ال وحده ‪.‬‬ ‫وتحت رايته وحدها ‪ . .‬وهذا هو الجهاد الذي يسمى من يقتلون فيه "شهداء" ويتلقاهم المل‬ ‫العلى بالتكريم ‪. .‬‬ ‫***************‬ ‫ونحن نتربص إحدى الحسنيين قال تعالى في سورة التوبة ‪:‬‬ ‫‪37‬‬ ‫ص ْبكَ ُمصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَ ْذنَا َأ ْم َرنَا مِن َقبْلُ َو َي َت َولّواْ وّهُمْ َفرِحُونَ (‬ ‫سؤْهُمْ َوإِن ُت ِ‬ ‫سنَةٌ تَ ُ‬ ‫صبْكَ حَ َ‬ ‫إِن ُت ِ‬ ‫علَى اللّهِ َف ْل َي َت َوكّلِ ا ْل ُم ْؤ ِمنُونَ (‪ )51‬قُلْ هَلْ‬ ‫لنَا وَ َ‬ ‫‪ )50‬قُل لّن ُيصِي َبنَا إِلّ مَا َك َتبَ اللّهُ َلنَا ُهوَ َموْ َ‬ ‫س َن َييْنِ َونَحْنُ َن َت َربّصُ ِبكُمْ أَن ُيصِي َبكُ ُم اللّهُ ِبعَذَابٍ مّنْ عِن ِدهِ َأوْ بَِأيْدِينَا‬ ‫َت َربّصُونَ ِبنَا إِلّ إِحْدَى الْحُ ْ‬ ‫َف َت َر ّبصُواْ ِإنّا َم َعكُم ّم َت َر ّبصُونَ (‪)52‬‬ ‫يقول الشهيد سيد قطب رحمه ال‬ ‫واللّه قد كتب للمؤمنين النصر ‪ ,‬ووعدهم به في النهاية ‪ ,‬فمهما يصبهم من شدة ‪ ,‬ومهما يلقوا‬ ‫من ابتلء ‪ ,‬فهو إعداد للنصر الموعود ‪ ,‬ليناله المؤمنون عن بينة ‪ ,‬وبعد تمحيص ‪ ,‬وبوسائله‬ ‫التي اقتضتها سنة اللّه ‪ ,‬نصرا عزيزا ل رخيصا ‪ ,‬وعزة تحميها نفوس عزيزة مستعدة لكل‬ ‫ابتلء ‪ ,‬صابرة على كل تضحية ‪ .‬واللّه هو الناصر وهو المعين‪:‬‬ ‫(وعلى اللّه فليتوكل المؤمنون) ‪. .‬‬ ‫والعتقاد بقدر اللّه ‪ ,‬والتوكل الكامل على اللّه ‪ ,‬ل ينفيان اتخاذ العدة بما في الطوق ‪ .‬فذلك أمر‬ ‫اللّه الصريح‪( :‬وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ‪ ). . .‬وما يتكل على اللّه حق التكال من ل‬ ‫ينفذ أمر اللّه ‪ ,‬ومن ل يأخذ بالسباب ‪ ,‬ومن ليدرك سنة اللّه الجارية التي ل تحابي أحدا ‪ ,‬ول‬ ‫تراعي خاطر إنسان !‬ ‫على أن المؤمن أمره كله خير ‪ .‬سواء نال النصر أو نال الشهادة ‪ .‬والكافر أمره كله شر سواء‬ ‫أصابه عذاب اللّه المباشر أو على أيدي المؤمنين‪:‬‬ ‫(قل‪:‬هل تربصون بنا إل إحدى الحسنيين ‪ ,‬ونحن نتربص بكم أن يصيبكم اللّه بعذاب من عنده‬ ‫أو بأيدينا ‪ .‬فتربصوا إنا معكم متربصون) ‪. .‬‬ ‫فماذا يتربص المنافقون بالمؤمنين ? إنها الحسنى على كل حال ‪ .‬النصر الذي تعلو به كلمة اللّه‬ ‫‪ ,‬فهو جزاؤهم في هذه الرض ‪ .‬أو الشهادة في سبيل الحق عليا الدرجات عند اللّه ‪ .‬وماذا‬ ‫يتربص المؤمنون بالمنافقين ? إنه عذاب اللّه يأخذهم كما أخذ من قبلهم من المكذبين ; أو ببطش‬ ‫المؤمنين بهم كما وقع من قبل للمشركين ‪( . .‬فتربصوا إنا معكم متربصون) والعاقبة معروفة ‪.‬‬ ‫‪ .‬والعاقبة معروفة للمؤمنين ‪.‬‬ ‫*****************‬ ‫ونحن إذا قتلنا فإلى جنة عرضها السموات والرض‬ ‫‪38‬‬ ‫ظرُ مَا‬ ‫ع ْينًا َينْ ُ‬ ‫سيْسَةَ َ‬ ‫ل اللّ ِه ‪-‬صلى ال عليه وسلم‪ -‬بُ َ‬ ‫ففي مسلم عَنْ َأ َنسِ بْنِ مَاِلكٍ قَالَ َب َعثَ رَسُو ُ‬ ‫ل اللّهِ ‪-‬صلى ال عليه‬ ‫غ ْيرُ رَسُو ِ‬ ‫غ ْيرِى وَ َ‬ ‫ص َنعَتْ عِيرُ َأبِى سُ ْفيَانَ َفجَاءَ َومَا فِى ا ْل َبيْتِ أَحَدٌ َ‬ ‫َ‬ ‫ل اللّ ِه ‪-‬صلى‬ ‫خرَجَ رَسُو ُ‬ ‫س َت ْثنَى َب ْعضَ نِسَائِهِ قَالَ فَحَ ّدثَهُ الْحَدِيثَ قَالَ فَ َ‬ ‫وسلم‪ -‬قَالَ لَ أَ ْدرِى مَا ا ْ‬ ‫جعَلَ رِجَالٌ‬ ‫ضرًا َف ْل َي ْر َكبْ َم َعنَا »‪ .‬فَ َ‬ ‫ظ ْه ُرهُ حَا ِ‬ ‫طِلبَةً َفمَنْ كَانَ َ‬ ‫ال عليه وسلم‪َ -‬ف َت َكلّمَ فَقَالَ « إِنّ َلنَا َ‬ ‫طلَقَ رَسُولُ‬ ‫ضرًا »‪ .‬فَانْ َ‬ ‫ظ ْه ُرهُ حَا ِ‬ ‫ع ْلوِ ا ْلمَدِينَةِ فَقَالَ « لَ إِلّ مَنْ كَانَ َ‬ ‫ظ ْهرَا ِنهِمْ فِى ُ‬ ‫ستَأْ ِذنُونَهُ فِى ُ‬ ‫يَ ْ‬ ‫ش ِركُونَ فَقَالَ‬ ‫ش ِركِينَ ِإلَى بَ ْدرٍ وَجَاءَ ا ْلمُ ْ‬ ‫سبَقُوا ا ْلمُ ْ‬ ‫حتّى َ‬ ‫اللّهِ ‪-‬صلى ال عليه وسلم‪َ -‬وَأصْحَابُهُ َ‬ ‫حتّى َأكُونَ َأنَا دُونَهُ »‪ .‬فَ َدنَا‬ ‫شىْءٍ َ‬ ‫رَسُولُ اللّهِ ‪-‬صلى ال عليه وسلم‪ « -‬لَ يُقَ ّدمَنّ أَحَدٌ ِم ْنكُمْ ِإلَى َ‬ ‫س َموَاتُ‬ ‫ضهَا ال ّ‬ ‫ع ْر ُ‬ ‫جنّةٍ َ‬ ‫ش ِركُونَ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ ‪-‬صلى ال عليه وسلم‪ « -‬قُومُوا ِإلَى َ‬ ‫ا ْلمُ ْ‬ ‫س َموَاتُ‬ ‫ع ْرضُهَا ال ّ‬ ‫جنّةٌ َ‬ ‫لنْصَا ِرىّ يَا رَسُولَ اللّهِ َ‬ ‫حمَامِ ا َ‬ ‫ع َم ْيرُ بْنُ الْ ُ‬ ‫لرْضُ »‪ .‬قَالَ يَقُولُ ُ‬ ‫وَا َ‬ ‫علَى‬ ‫ح ِمُلكَ َ‬ ‫ل اللّ ِه ‪-‬صلى ال عليه وسلم‪ « -‬مَا يَ ْ‬ ‫لرْضُ قَالَ « َنعَمْ »‪ .‬قَالَ بَخٍ بَخٍ‪ .‬فَقَالَ رَسُو ُ‬ ‫وَا َ‬ ‫َق ْوِلكَ بَخٍ بَخٍ »‪ .‬قَالَ لَ وَاللّهِ يَا رَسُولَ اللّهِ إِلّ رَجَا َءةَ أَنْ َأكُونَ مِنْ أَ ْهِلهَا‪ .‬قَالَ « فَِإ ّنكَ مِنْ أَ ْهِلهَا‬ ‫حتّى آكُلَ َت َمرَاتِى هَ ِذهِ ِإ ّنهَا‬ ‫حيِيتُ َ‬ ‫جعَلَ يَ ْأكُلُ ِم ْنهُنّ ثُمّ قَالَ َلئِنْ َأنَا َ‬ ‫خرَجَ َت َمرَاتٍ مِنْ َق ْرنِهِ َف َ‬ ‫»‪ .‬فََأ ْ‬ ‫حتّى ُقتِلَ‪.‬‬ ‫طوِيلَةٌ ‪ -‬قَالَ ‪َ -‬ف َرمَى ِبمَا كَانَ َمعَهُ مِنَ ال ّت ْمرِ‪ .‬ثُمّ قَا َتَلهُمْ َ‬ ‫حيَاةٌ َ‬ ‫لَ َ‬ ‫***************‬ ‫والشهادة في سبيل ال أقرب الطرق وأسرعها إلى دخول الجنة قال تعالى‬ ‫لرْضُ أُعِ ّدتْ ِل ْل ُمتّقِينَ} (‪)133‬‬ ‫سمَاوَاتُ وَا َ‬ ‫ضهَا ال ّ‬ ‫ع ْر ُ‬ ‫جنّةٍ َ‬ ‫‪ { :‬وَسَارِعُواْ ِإلَى َمغْ ِف َرةٍ مّن ّر ّبكُمْ وَ َ‬ ‫سورة آل عمران‬ ‫سمَاء وَالَْأرْضِ أُعِ ّدتْ ِللّذِينَ آ َمنُوا بِاللّهِ‬ ‫ضهَا َك َعرْضِ ال ّ‬ ‫عرْ ُ‬ ‫جنّةٍ َ‬ ‫{ سَابِقُوا ِإلَى َمغْ ِف َرةٍ مّن ّر ّبكُمْ وَ َ‬ ‫سلِهِ َذِلكَ َفضْلُ اللّهِ ُي ْؤتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ ذُو الْ َفضْلِ ا ْلعَظِيمِ} (‪ )21‬سورة الحديد‬ ‫َورُ ُ‬ ‫يقول الشهيد سيد قطب رحمه ال‬ ‫فليس السباق إلى إحراز اللهو واللعب والتفاخر والتكاثر بسباق يليق بمن شبوا عن الطوق ‪,‬‬ ‫وتركوا عالم اللهو اللعب للطفال والصغار ! إنما السباق إلى ذلك الفق ‪ ,‬وإلى ذلك الهدف ‪,‬‬ ‫وإلى ذلك الملك العريض‪( :‬جنة عرضها كعرض السماء والرض) ‪. .‬‬ ‫وربما كان بعضهم في الزمن الخالي ‪ -‬قبل أن تكشف بعض الحقائق عن سعة هذا الكون ‪-‬‬ ‫يميل إلى حمل مثل هذه الية على المجاز ‪ ,‬وكذلك حمل بعض الحاديث النبوية ‪ .‬كذلك الحديث‬ ‫‪39‬‬ ‫الذي أسلفنا عن أصحاب الغرف التي يتراءاها سكان الجنة كما يتراءون الكوكب الدري الغابر‬ ‫في الفق من المشرق أو المغرب ‪ . .‬فأما اليوم ومراصد البشر الصغيرة تكشف عن البعاد‬ ‫الكونية الهائلة التي ليس لها حدود ‪ ,‬فإن الحديث عن عرض الجنة ‪ ,‬والحديث عن تراءي‬ ‫الغرف من بعيد ‪ ,‬يقع قطعا موقع الحقيقة القريبة البسيطة المشهودة ‪ ,‬ول يحتاج إلى حمله على‬ ‫المجاز إطلقا ! فإن ما بين الرض والشمس مثل ل يبلغ أن يكون شيئا في أبعاد الكون يقاس !‬ ‫وذلك الملك العريض في الجنة يبلغه كل من أراد ‪ ,‬ويسابق إليه كل من يشاء ‪.‬‬ ‫وعربونه‪:‬اليمان بال ورسله ‪( .‬ذلك فضل ال يؤتيه من يشاء) ‪( . .‬وال ذو الفضل العظيم) ‪. .‬‬ ‫وفضل ال غير محجوز ول محجور ‪ .‬فهو مباح متاح للراغبين والسابقين ‪ .‬وفي هذا فليتسابق‬ ‫المتسابقون ‪ ,‬ل في رقعة الرض المحدودة الجل المحدودة الركان !‬ ‫ول بد لصاحب العقيدة أن يتعامل مع هذا الوجود الكبير ; ول يحصر نفسه ونظره وتصوره‬ ‫واهتمامه ومشاعره في عالم الرض الضيق الصغير ‪ . .‬ل بد له من هذا ليؤدي دوره اللئق‬ ‫بصاحب العقيدة ‪ .‬هذا الدور الشاق الذي يصطدم بحقارات الناس وأطماعهم ‪ ,‬كما يصطدم‬ ‫بضلل القلوب والتواء النفوس ‪ .‬ويعاني من مقاومة الباطل وتشبثه بموضعه من الرض ما ل‬ ‫يصبر عليه إل من يتعامل مع وجود أكبر من هذه الحياة ‪ ,‬وأوسع من هذه الرض ‪ ,‬وأبقى من‬ ‫ذلك الفناء ‪. .‬‬ ‫إن مقاييس هذه الرض وموازينها ل تمثل الحقيقة التي ينبغي أن تستقر في ضمير صاحب‬ ‫العقيدة ‪ .‬وما تبلغ من تمثيل تلك الحقيقة إل بقدر ما يبلغ حجم الرض بالقياس إلى حجم الكون ;‬ ‫وما يبلغ عمر الرض بالقياس إلى الزل والبد ‪ .‬والفارق هائل هائل ل تبلغ مقاييس الرض‬ ‫كلها أن تحدده ول حتى أن تشير إليه !‬ ‫ومن ثم يبقى صاحب العقيدة في أفق الحقيقة الكبيرة مستعليا على واقع الرض الصغير ‪ .‬مهما‬ ‫تضخم هذا الواقع وامتد واستطال ‪ .‬يبقى يتعامل مع تلك الحقيقة الكبيرة الطليقة من قيود هذا‬ ‫الواقع الصغير ‪ .‬ويتعامل مع الوجود الكبير الذي يتمثله في الزل والبد ‪ .‬وفي ملك الخرة‬ ‫الواسع العريض ‪ .‬وفي القيم اليمانية الثابتة التي ل تهتز لخلل يقع في موازين الحياة الدنيا‬ ‫الصغيرة الخادعة ‪ . .‬وتلك وظيفة اليمان في حياة أصحاب العقائد المختارين لتعديل قيم الحياة‬ ‫وموازينها ‪ ,‬ل للتعامل بها والخضوع لمقتضياتها ‪. . .‬‬ ‫******************‬ ‫‪40‬‬ ‫لبد من التضحيات الجسام ليكون هؤلء منارات وضاءة للبشرية وإل كيف يرسل النبي صلى‬ ‫ال عليه وسلم الرسول وحده ليبلغ رسالة ال وهو يعلم أنه قد يقتل في أية لحظة وقد حدث هذا‬ ‫في حادثة بئر معونة وفي حادثة الرجيع وفي غزوة مؤتة ؟‬ ‫ففي البخاري عَنْ َأ َنسٍ ‪ -‬رضى ال عنه أَنّ ال ّن ِبىّ ‪-‬صلى ال عليه وسلم‪َ -‬أتَاهُ رِعْلٌ وَ َذ ْكوَانُ‬ ‫ى ‪-‬صلى ال عليه‬ ‫علَى َق ْو ِمهِمْ فََأمَدّهُ ُم ال ّن ِب ّ‬ ‫س َتمَدّوهُ َ‬ ‫سَلمُوا وَا ْ‬ ‫عمُوا َأ ّنهُمْ قَدْ أَ ْ‬ ‫حيَانَ َفزَ َ‬ ‫صيّةُ َو َبنُو لِ ْ‬ ‫وَعُ َ‬ ‫صلّونَ بِالّليْلِ‬ ‫طبُونَ بِال ّنهَارِ َو ُي َ‬ ‫سمّيهِمُ الْ ُقرّاءَ يَحْ ِ‬ ‫ل ْنصَارِ قَالَ َأنَسٌ ُكنّا نُ َ‬ ‫س ْبعِينَ مِنَ ا َ‬ ‫وسلم‪ -‬بِ َ‬ ‫علَى رِعْلٍ وَ َذ ْكوَانَ‬ ‫ش ْهرًا يَدْعُو َ‬ ‫حتّى َبَلغُوا ِب ْئرَ َمعُونَةَ غَ َدرُوا ِبهِمْ وَ َق َتلُوهُمْ فَ َق َنتَ َ‬ ‫طلَقُوا ِبهِمْ َ‬ ‫فَانْ َ‬ ‫عنّا َق ْو َمنَا بَِأنّا قَدْ لَقِينَا َر ّبنَا‬ ‫حيَانَ‪ .‬قَالَ َقتَا َدةُ وَحَ ّد َثنَا َأ َنسٌ َأ ّنهُمْ َقرَءُوا ِبهِمْ ُقرْآنًا أَلَ َبّلغُوا َ‬ ‫َو َبنِى ِل ْ‬ ‫عنّا َوَأرْضَانَا‪ .‬ثُمّ رُفِعَ َذِلكَ َبعْدُ‪.‬‬ ‫ضىَ َ‬ ‫َف َر ِ‬ ‫وفي مسند أحمد ‪:‬‬ ‫سَليْمٍ فِى‬ ‫حرَاما خَالَهُ َأخُو أُمّ ُ‬ ‫ل اللّ ِه ‪-‬صلى ال عليه وسلم‪َ -‬لمّا َب َعثَ َ‬ ‫‪ -13539‬عَنْ َأ َنسٍ أَنّ رَسُو َ‬ ‫ش ِركِينَ َي ْو َمئِذٍ عَا ِمرَ بْنَ الطّ َفيْلِ َوكَانَ ُهوَ َأتَى‬ ‫س ْبعِينَ رَجُلً فَ ُق ِتلُوا َيوْمَ ِب ْئرِ َمعُونَةَ َوكَانَ َرئِيسُ ا ْلمُ ْ‬ ‫َ‬ ‫سهْلِ َو َيكُونُ لِى أَهْلُ‬ ‫خصَالٍ َيكُونُ َلكَ أَهْلُ ال ّ‬ ‫لثَ ِ‬ ‫خ َترْ ِمنّى ثَ َ‬ ‫ال ّن ِبىّ ‪-‬صلى ال عليه وسلم‪ -‬فَقَالَ ا ْ‬ ‫طعِنَ فِى َب ْيتِ‬ ‫غزُوكَ ِبغَطَفَانَ َأ ْلفِ أَشْ َقرَ َوَأ ْلفِ شَ ْقرَاءَ‪ .‬قَالَ فَ ُ‬ ‫خلِيفَةً مِنْ َبعْ ِدكَ َأوْ أَ ْ‬ ‫ا ْل َوبَرِ َأوْ َأكُونُ َ‬ ‫ا ْم َرأَةٍ مِنْ َبنِى فُلَنٍ فَقَالَ غُ ّدةٌ َكغُ ّدةِ ا ْل َبعِيرِ فِى َب ْيتِ ا ْم َرَأةٍ مِنْ َبنِى فُلَنٍ ا ْئتُونِى بِ َفرَسِى‪ .‬فَُأ ِتىَ بِهِ‬ ‫سَليْمٍ َورَجُلَنِ َمعَهُ رَجُلٌ مِنْ َبنِى ُأ َميّةَ َورَجُلٌ‬ ‫حرَامٌ أَخُو أُمّ ُ‬ ‫طلَقَ َ‬ ‫ظ ْه ِرهِ فَانْ َ‬ ‫علَى َ‬ ‫َف َر ِكبَهُ َفمَاتَ وَ ُهوَ َ‬ ‫عَل ْمتُمْ‬ ‫حتّى آ ِت َيهُمْ َفإِنْ آ َمنُونِى َوإِل ُك ْنتُمْ َقرِيبا فَإِنْ َق َتلُونِى أَ ْ‬ ‫عرَجُ فَقَالَ َلهُمْ كُونُوا َقرِيبا ِمنّى َ‬ ‫أَ ْ‬ ‫ل اللّهِ ‪-‬صلى ال عليه وسلم‪-‬‬ ‫حرَامٌ فَقَالَ َأ ُت ْؤ ِمنُونِى ُأ َبّل ْغكُمْ رِسَالَةَ رَسُو ِ‬ ‫َأصْحَا َبكُمْ‪ .‬قَالَ َفَأتَاهُمْ َ‬ ‫ل اللّهُ‬ ‫حتّى َأنْفَ َذهُ بِال ّرمْحِ قَا َ‬ ‫ط َعنَهُ َ‬ ‫خلْفِهِ فَ َ‬ ‫جعَلَ يُحَ ّد ُثهُمْ َوَأ ْومَأُوا ِإلَى رَجُلٍ ِم ْنهُمْ مِنْ َ‬ ‫ِإَل ْيكُمْ قَالُوا َنعَمْ‪ .‬فَ َ‬ ‫جبَلٍ‪ .‬قَالَ َأ َنسٌ فَُأ ْنزِلَ‬ ‫عرَجِ كَانَ فِى َر ْأسِ َ‬ ‫غ ْيرَ الَ ْ‬ ‫َأ ْك َبرُ ُف ْزتُ َو َربّ ا ْل َك ْعبَةِ‪ .‬قَالَ ثُمّ َق َتلُوهُمْ ُكّلهُمْ َ‬ ‫عنّا َوَأرْضَانَا‪ .‬قَالَ فَدَعَا ال ّن ِبىّ‬ ‫ضىَ َ‬ ‫عَل ْينَا َوكَانَ ِممّا يُ ْق َرأُ َفنُسِخَ أَنْ َبّلغُوا َق ْو َمنَا َأنّا لَقِينَا َر ّبنَا َف َر ِ‬ ‫َ‬ ‫صيّةَ الّذِينَ‬ ‫ع َ‬ ‫حيَانَ وَ ُ‬ ‫علَى رِعْلٍ وَ َذ ْكوَانَ َو َبنِى لِ ْ‬ ‫صبَاحا َ‬ ‫عَل ْيهِمْ َأ ْر َبعِينَ َ‬ ‫صلى ال عليه وسلم‪َ -‬‬‫عصَوُا اللّهَ َورَسُولَهُ‪.‬‬ ‫َ‬ ‫****************‬ ‫ويبقى مصداق حديث المصطفى صلى ال عليه وسلم عبر الزمان‬ ‫‪41‬‬ ‫س ِم ْعتُ ال ّن ِبىّ‬ ‫عبْ ِد اللّهِ يَقُولُ َ‬ ‫سمِعَ جَا ِبرَ بْنَ َ‬ ‫خ َب َرنِى َأبُو ال ّز َب ْيرِ َأنّهُ َ‬ ‫ج َريْجٍ قَالَ َأ ْ‬ ‫ففي مسلم عَنِ ابْنِ ُ‬ ‫علَى الْحَقّ ظَا ِهرِينَ ِإلَى َيوْمِ‬ ‫‪-‬صلى ال عليه وسلم‪ -‬يَقُولُ « لَ َتزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ ُأ ّمتِى يُقَا ِتلُونَ َ‬ ‫ل صَلّ َلنَا‪.‬‬ ‫الْ ِقيَامَةِ ‪ -‬قَالَ ‪َ -‬ف َي ْنزِلُ عِيسَى ابْنُ َم ْريَ َم ‪-‬صلى ال عليه وسلم‪َ -‬فيَقُولُ َأمِيرُهُمْ َتعَا َ‬ ‫لمّةَ »‪.‬‬ ‫علَى َبعْضٍ ُأ َمرَاءُ‪َ .‬ت ْك ِرمَ َة اللّهِ هَ ِذهِ ا ُ‬ ‫ضكُمْ َ‬ ‫َفيَقُولُ لَ‪ .‬إِنّ َب ْع َ‬ ‫س ِم ْعتُ ُمعَا ِويَةَ‬ ‫ع َم ْيرَ بْنَ هَا ِنئٍ حَ ّدثَهُ قَالَ َ‬ ‫حمَنِ بْنِ َيزِيدَ بْنِ جَا ِبرٍ أَنّ ُ‬ ‫عبْ ِد الرّ ْ‬ ‫وفي مسند أحمد عَنْ َ‬ ‫ل اللّ ِه ‪-‬صلى ال عليه وسلم‪ -‬يَقُولُ « لَ َتزَالُ‬ ‫س ِم ْعتُ رَسُو َ‬ ‫علَى هَذَا ا ْل ِم ْنبَرِ يَقُولُ َ‬ ‫بْنَ َأبِى سُ ْفيَانَ َ‬ ‫عزّ وَجَلّ‬ ‫حتّى يَ ْأ ِتىَ َأ ْمرُ اللّهِ َ‬ ‫ضرّهُمْ مَنْ خَ َذَلهُمْ َأوْ خَالَ َفهُمْ َ‬ ‫طَائِفَةٌ مِنْ ُأ ّمتِى قَا ِئمَةً بَِأ ْم ِر اللّهِ لَ َي ُ‬ ‫س ِم ْعتُ ُمعَاذَ‬ ‫س ِكىّ فَقَالَ يَا َأمِيرَ ا ْل ُم ْؤ ِمنِينَ َ‬ ‫سكْ َ‬ ‫علَى النّاسِ »‪ .‬فَقَامَ مَاِلكُ بْنُ يُخَا ِمرَ ال ّ‬ ‫وَهُمْ ظَا ِهرُونَ َ‬ ‫جبَلٍ‬ ‫سمِعَ ُمعَاذَ بْنَ َ‬ ‫ص ْوتَهُ هَذَا مَاِلكٌ َيزْعُمُ َأنّهُ َ‬ ‫جبَلٍ يَقُولُ َهُمْ أَهْلُ الشّامِ‪ .‬فَقَالَ ُمعَا ِويَةُ َورَفَ َع َ‬ ‫بْنَ َ‬ ‫يَقُولُ َهُمْ أَهْلُ الشّامِ‪.‬‬ ‫وفيه ‪:‬‬ ‫خ َبرَهُمْ َأنّهُ َأتَى ال ّن ِبىّ ‪-‬صلى ال عليه وسلم‪ -‬فَقَالَ ِإنّى‬ ‫سَلمَةَ بْنَ نُ َفيْلٍ أَ ْ‬ ‫ج َب ْيرِ بْنِ نُ َف ْيرٍ أَنّ َ‬ ‫عَنْ ُ‬ ‫ى ‪-‬صلى ال‬ ‫ح ْربُ َأ ْوزَارَهَا ُق ْلتُ لَ ِقتَالَ‪ .‬فَقَالَ لَهُ ال ّنبِ ّ‬ ‫ض َعتِ الْ َ‬ ‫خيْلَ َوَألْ َق ْيتُ السّلَحَ َو َو َ‬ ‫س ِئ ْمتُ الْ َ‬ ‫َ‬ ‫علَى النّاسِ َيرْفَ ُع اللّهُ ُقلُوبَ‬ ‫عليه وسلم‪ « -‬النَ جَاءَ الْ ِقتَالُ لَ َتزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ ُأ ّمتِى ظَا ِهرِينَ َ‬ ‫علَى َذِلكَ أَلَ إِنّ عُ ْقرَ دَارِ‬ ‫عزّ وَجَلّ وَهُمْ َ‬ ‫حتّى يَ ْأ ِتىَ َأ ْم ُر اللّهِ َ‬ ‫أَ ْقوَامٍ َفيُقَا ِتلُو َنهُمْ َو َي ْرزُ ُقهُ ُم اللّهُ ِم ْنهُمْ َ‬ ‫خ ْيرُ ِإلَى َيوْمِ الْ ِقيَامَةِ »‪.‬‬ ‫خيْلُ َمعْقُودٌ فِى َنوَاصِيهَا الْ َ‬ ‫ا ْل ُم ْؤمِنِينَ الشّامُ وَالْ َ‬ ‫وفيه ‪:‬‬ ‫علَى الدّينِ‬ ‫ل اللّهِ ‪-‬صلى ال عليه وسلم‪ « -‬لَ َتزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ ُأ ّمتِى َ‬ ‫عَنْ َأبِى ُأمَامَةَ قَالَ قَالَ رَسُو ُ‬ ‫حتّى يَ ْأ ِت َيهُمْ َأ ْم ُر اللّهِ‬ ‫لوَاءَ َ‬ ‫ضرّهُمْ مَنْ خَالَ َفهُمْ إِلّ مَا َأصَا َبهُمْ مِنْ ْ‬ ‫ظَا ِهرِينَ ِلعَ ُدوّهِمْ قَا ِهرِينَ لَ َي ُ‬ ‫ل اللّهِ َوَأيْنَ هُمْ قَالَ « ِب َب ْيتِ ا ْلمَقْدِسِ َوَأ ْكنَافِ َب ْيتِ ا ْلمَقْدِسِ »‪.‬‬ ‫وَهُمْ كَ َذِلكَ »‪ .‬قَالُوا يَا رَسُو َ‬ ‫********************‬ ‫ويجب أن يعلم المتقاعسون والمرجفون أن التربية ل تكون إل بالحداث الجسام فهي التي‬ ‫تصقل الفرد والمجتمع أما الذين يقولون ل طاقة لنا اليوم بطالوت وجنوده فهؤلء مرضى‬ ‫يحتاجون إلى تربية عالية‬ ‫وليعلموا أنه ينطبق عليهم قول النبي صلى ال عليه وسلم ففي سنن أبي داود ‪:‬‬ ‫‪42‬‬ ‫عَل ْيكُمْ َكمَا‬ ‫لمَمُ أَنْ تَدَاعَى َ‬ ‫شكُ ا ُ‬ ‫ل اللّهِ ‪-‬صلى ال عليه وسلم‪ « -‬يُو ِ‬ ‫عَنْ َث ْوبَانَ قَالَ قَالَ رَسُو ُ‬ ‫ص َع ِتهَا »‪ .‬فَقَالَ قَائِلٌ َومِنْ ِقلّةٍ َنحْنُ َي ْو َمئِذٍ قَالَ « بَلْ َأ ْنتُمْ َي ْو َمئِذٍ َكثِيرٌ َوَل ِك ّنكُمْ‬ ‫ل َكلَةُ ِإلَى َق ْ‬ ‫تَدَاعَى ا َ‬ ‫ن اللّهُ فِى ُقلُو ِبكُمُ ا ْلوَهَنَ‬ ‫ن صُدُورِ عَ ُد ّوكُمُ ا ْل َمهَابَةَ ِم ْنكُمْ َوَليَقْذِفَ ّ‬ ‫سيْلِ َوَل َي ْنزِعَنّ اللّهُ مِ ْ‬ ‫غثَاءٌ َك ُغثَاءِ ال ّ‬ ‫ُ‬ ‫حبّ ال ّد ْنيَا َو َكرَا ِهيَةُ ا ْل َم ْوتِ »‪.‬‬ ‫»‪ .‬فَقَالَ قَائِلٌ يَا رَسُولَ اللّهِ َومَا ا ْلوَهَنُ قَالَ « ُ‬ ‫******************‬ ‫فإذا كان المر كذلك فما الذي سيحدث ؟‬ ‫لقد ذكرت في كتابي المطول (من المسئول عن اغتيال الشيخ أحمد ياسين ؟)‬ ‫الجواب المفصل هناك‬ ‫وهنا أقول ‪:‬‬ ‫بالنسبة لردود الفعل‬ ‫أول على مستوى الحكام‬ ‫ليس إل الشجب والستنكار أو السكوت عما يجري آو إشغال الناس بأمور أخرى أو أن هذه‬ ‫العمال التي يقوم بها شارون وزمرته ضد المسيرة السلمية ( المزعومة )‬ ‫وهم في حقيقة المر مسرورون جدا لما يفعله شارون لن النتفاضة قد أقضت مضاجعهم‬ ‫وكشفت أوراقهم وتآمرهم على قضية فلسطين بل وعلى شعوبهم وعلى دين ال تعالى بل‬ ‫وعلى النسانية جمعاء‬ ‫فهم عندما استشهد الشيخ القعيد لم يجرؤوا على عمل اجتماع قمامة عربية في تونس وكل‬ ‫منهم صار يكيل التهم لغيره ويبتعد عن الموضوع الساس‬ ‫أتدرون لماذا لم يعقد مؤتمر القمامة ؟‬ ‫لن أسيادهم قالوا لهم ‪ :‬ل تعقدوا المؤتمر (( وحتى لو عقد ل خير فيه فما هو إل عبارة عن‬ ‫مورفين يخدرون به الشعوب المغفلة ))‬ ‫وإل كشفنا أوراقكم وقلنا لشعوبكم أنتم الذين وقعتم على اغتيال هؤلء وباركتم ذلك لتبقى‬ ‫كرسيكم سالمة من كل عثرة‬ ‫فما أنتم إل أحجار على رقع الشطرنج نحرككم كما نريد‬ ‫بل أنتم دمى يتلهى بها أطفالنا‬ ‫وأنتم كرة يلعب بها الصبيان‬ ‫‪43‬‬ ‫نعم هم كذلك‬ ‫بل سيلقون القبض على كل من يظهر التعاطف مع الشهداء الذين يسقطون كل يوم في فلسطين‬ ‫وفي العراق وفي الشيشان وفي كشمير وفي أفغانستان على يد المجرمين المحليين والخارجين‬ ‫وعلى مستوى الشعوب ربما تصحوا من سهادها وتقوم بالمظاهرات الصاخبة هنا وهناك ثم‬ ‫تخبو وتنهي المسالة شجب وإنكار ثم سكوت وإقرار إل من رحم ربي‬ ‫وأما على مستوى العالم فقوم ل يهمهم من يقتل في هذه الرض فهم كما قال ال تعالى { ثُمّ‬ ‫ل ْنهَارُ‬ ‫جرُ ِمنْهُ ا َ‬ ‫س َوةً َوإِنّ مِنَ الْحِجَا َرةِ َلمَا َيتَفَ ّ‬ ‫حجَا َرةِ َأوْ أَشَدّ قَ ْ‬ ‫ستْ ُقلُو ُبكُم مّن َبعْدِ َذِلكَ َف ِهيَ كَالْ ِ‬ ‫قَ َ‬ ‫عمّا‬ ‫شيَ ِة اللّهِ َومَا اللّهُ ِبغَافِلٍ َ‬ ‫خرُجُ ِمنْهُ ا ْلمَاء َوإِنّ ِم ْنهَا َلمَا َي ْهبِطُ مِنْ خَ ْ‬ ‫َوإِنّ ِم ْنهَا َلمَا يَشّقّقُ َفيَ ْ‬ ‫َت ْع َملُونَ } (‪ )74‬سورة البقرة‬ ‫وقوم يظهرون شيئا من العطف والتنديد وأن هذا مبالغة في القتل أو إسراف أو عنف غير لزم‬ ‫ومنهم من يبارك للجلد ما فعل كأوروبا وروسيا والهند وأمريكا بل يقول مسؤول البيت في‬ ‫البيض في الخارجية المريكية تعليقا على الحادث الرهيب إن هؤلء إرهابيون يستحقون القتل‬ ‫بأي شكل كان‬ ‫نعم إنهم إرهابيون بنظركم أيها الفجار فأمريكا تمثل فرعون العصر الذي اراد أن يقتل النبي‬ ‫موسى عليه السلم لماذا ؟ لنه سيبدل دينهم الوثني ويفسد في الرض قال تعالى { وَقَالَ‬ ‫ظ ِهرَ فِي الَْأرْضِ الْفَسَادَ}‬ ‫عوْنُ َذرُونِي أَ ْقتُلْ مُوسَى َو ْليَدْعُ َربّهُ ِإنّي أَخَافُ أَن ُيبَدّلَ دِي َنكُمْ َأوْ أَن يُ ْ‬ ‫ِفرْ َ‬ ‫(‪ )26‬سورة غافر‬ ‫فل غرابة في ذلك أبدا لن ال تعالى قد كشف لنا حقيقة هؤلء‬ ‫****************‬ ‫إذا كان المر كذلك فما هو الحل ؟؟؟‬ ‫قلت ‪ :‬الحل قد ذكره ال تعالى ورسوله صلى ال عليه وسلم وسار عليه أخيار هذه المة أل‬ ‫وهو الجهاد في سبيل ال والشهادة في سبيله واليات والحاديث في هذا كثيرة جدا‬ ‫وهذه خلصة لها‬ ‫بسم ال الرحمن الرحيم‬ ‫المقدمة‬ ‫‪44‬‬ ‫إن الحمدَ ل نحمدُه ونستعينه ونستغفره‪ ،‬ونعوذُ باللـه من شرور أنفُسِنا‪ ،‬ومن سيئات أعمالنا‪،‬‬ ‫من يهده اللـه فل مضلّ له‪ ،‬ومن يُضلل فل هادي له‪.‬‬ ‫وأشهدُ أن ل إله إل اللـه وحده لشريك له‪ ،‬وأشهد أن محمدا عبدُه ورسُوله‪.‬‬ ‫أما بعد‬ ‫مساهمة مني في طريق الجهاد في سبيل ال لعلء كلمة الواحد الحد قمت بجمع هذا المؤلف‬ ‫وهو من كتاب ال عز وجل ومن سنة نبيه صلى ال عليه وسلم وفيه التحريض والترغيب‬ ‫للجهاد في سبيل ال وأسميته باب من أبواب الجنة لقول الرسول صلى ال عليه وسلم { من أنفق‬ ‫زوجين في سبيل ال نودي في الجنة ‪ :‬يا عبد ال ! هذا خير ‪ ،‬فمن كان من أهل الصلة دعي‬ ‫من باب الصلة ‪ ،‬ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد ‪ ،‬ومن كان من أهل الصدقة‬ ‫دعي من باب الصدقة ‪ ،‬ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان ‪ .‬قال أبو بكر الصديق‬ ‫‪ :‬يا رسول ال ! ما على أحد يدعى من تلك البواب من ضرورة ‪ ،‬فهل يدعى أحد من تلك‬ ‫البواب كلها ؟ قال ‪ :‬نعم ‪ ،‬وأرجو أن تكون منهم } ‪ .‬أخرجه البخاري ومسلم‬ ‫اسأل ال عز وجل أن يكون هذا العمل خالص لوجه الكريم وان يتقبل مني ومنكم وان يجعل‬ ‫لهذا العمل القبول وينفع به المة انه ولى ذلك والقادر عليه‬ ‫وصلى ال على نبينا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين‬ ‫جمع وإعداد‬ ‫أخوكم‬ ‫أبو أنس الطائفي‬ ‫قال تعالى ‪:‬‬ ‫حرّضِ ا ْل ُم ْؤ ِمنِينَ عَسَى اللّهُ أَن َي ُكفّ بَ ْأسَ الّذِينَ كَ َفرُواْ‬ ‫سكَ وَ َ‬ ‫ل اللّهِ لَ ُت َكّلفُ إِلّ نَفْ َ‬ ‫سبِي ِ‬ ‫{ فَقَاتِلْ فِي َ‬ ‫وَاللّهُ أَشَدّ َبأْسًا َوأَشَدّ تَنكِيلً }‬ ‫يأمر تعالى عبده ورسوله محمدا صلى ال عليه وسلم بأن يباشر القتال بنفسه ومن نكل عنه فل‬ ‫عليه منه ولهذا قال "ل تكلف إل نفسك" قال ابن أبي حاتم‪ :‬حدثنا أبي حدثنا محمد بن عمرو بن‬ ‫نبيح حدثنا حكام حدثنا الجراح الكندي عن أبي إسحاق قال‪ :‬سألت البراء بن عازب عن الرجل‬ ‫يلقي المائة من العدو فيقاتل فيكون ممن قال ال فيه "ول تلقوا بأيديكم إلى التهلكة" قال‪ :‬قد قال‬ ‫ال تعالى لنبيه"فقاتل في سبيل ال ل تكلف إل نفسك وحرض المؤمنين" ورواه المام أحمد عن‬ ‫سليمان بن داود عن أبي بكر بن عياش عن أبي إسحاق قال‪ :‬قلت للبراء‪ :‬الرجل يحمل على‬ ‫‪45‬‬ ‫المشركين أهو ممن ألقى بيده إلى التهلكة قال‪ :‬ل إن ال بعث رسوله صلى ال عليه وسلم وقال‬ ‫"فقاتل قي سبيل ال ل تكلف إل نفسك" إنما ذلك في النفقة‪ .‬وكذا رواه ابن مردويه من طريق‬ ‫أبي بكر بن عياش وعلي بن صالح عن أبي إسحاق عن البراء به ثم قال ابن مردويه‪ :‬حدثنا‬ ‫سليمان بن أحمد حدثنا أحمد بن النضر العسكري حدثنا مسلم بن عبدالرحمن الحرثي حدثنا‬ ‫محمد بن حمير حدثنا سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن البراء قال‪ :‬لما نزلت على النبي صلى‬ ‫ال عليه وسلم "فقاتل في سبيل ال ل تكلف إل نفسك وحرض المؤمنين" الية قال لصحابه "قد‬ ‫أمرني ربي بالقتال فقاتلوا" حديث غريب وقوله "وحرض المؤمنين" أي على القتال ورغبهم فيه‬ ‫وشجعهم عليه كما قال لهم صلى ال عليه وسلم ال عليه وسلم يوم بدر وهو يسوي الصفوف‬ ‫"قوموا إلى جنة عرضها السموات والرض" وقد وردت أحاديث كثيرة في الترغيب في ذلك‬ ‫فمن ذلك ما رواه البخاري عن أبي هريرة قال‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم "من آمن‬ ‫بال ورسوله وأقام الصلة وآتى الزكاة وصام رمضان كان حقا على ال أن يدخله الجنة هاجر‬ ‫في سبيل ال أو جلس في أرضه التي ولد فيها" قالوا‪ :‬يا رسول ال أفل نبشر الناس بذلك؟ فقال‪:‬‬ ‫"إن في الجنة مائة درجة أعدها ال للمجاهدين في سبيل ال بين كل درجتين كما بين السماء‬ ‫والرض فإذا سألتم ال فاسألوه الفردوس فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن‬ ‫ومنه تفجر أنهار الجنة" وروى من حديث عبادة ومعاذ وأبي الدرداء نحو ذلك‪ .‬وعن أبي سعيد‬ ‫الخدري أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال‪" :‬يا أبا سعيد من رضي بال ربا وبالسلم دينا‬ ‫وبمحمد صلى ال عليه وسلم رسول ونبي ا وجبت له الجنة" قال‪ :‬فعجب لها أبو سعيد فقال‪:‬‬ ‫أعدها علي يا رسول ال ففعل ثم قال رسول ال صلى ال عليه وسلم "وأخرى يرفع ال العبد‬ ‫بها مائة درجة في الجنة ما بين كل درجتين كما بين السماء والرض" قال‪ :‬وما هى يا رسول‬ ‫ال؟ قال‪" :‬الجهاد في سبيل ال" رواه مسلم‪ .‬وقوله "عسى ال أن يكف بأس الذين كفروا" أي‬ ‫بتحريضك إياهم على القتال تنبعث هممهم على مناجزة العداء ومدافعتهم عن حوزة السلم‬ ‫وأهله ومقاومتهم ومصابرتهم ‪.‬‬ ‫وقوله تعالى وال أشد بأسا وأشد تنكيل أى هو قادر عليهم في الدنيا والخرة كما قال تعالى‬ ‫"ذلك ولو يشاء ال لنتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض" الية‪.‬‬ ‫ش ُعرُونَ }‬ ‫حيَاء َوَلكِن لّ تَ ْ‬ ‫{ وَلَ تَقُولُواْ ِلمَنْ يُ ْقتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ َأ ْموَاتٌ بَلْ أَ ْ‬ ‫‪46‬‬ ‫يخبر تعالى أن الشهداء في برزخهم أحياء يرزقون كما جاء في صحيح مسلم "إن أرواح‬ ‫الشهداء في حواصل طيور خضر تسرح في الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى قناديل معلقة تحت‬ ‫العرش فاطلع عليهم ربك اطلعة فقال ماذا تبغون؟ فقالوا يا ربنا وأي شيء نبغي وقد أعطيتنا‬ ‫ما لم تعط أحدا من خلقك؟ ثم عاد عليهم بمثل هذا فلما رأوا أنهم ل يتركون من أن يسألوا قالوا‬ ‫نريد أن تردنا إلى الدار الدنيا فنقاتل في سبيلك حتى نقتل فيك مرة أخرى ‪ -‬لما يرون من ثواب‬ ‫الشهادة ‪ -‬فيقول الرب جل جلله "إنى كتبت أنهم إليها ل يرجعون"‪ .‬وفي الحديث الذي رواه‬ ‫المام أحمد عن المام الشافعي عن المام مالك عن الزهري عن عبدالرحمن بن كعب بن مالك‬ ‫عن أبيه قال‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم "نسمة المؤمن طائر تعلق فى شجر الجنة‬ ‫حتى يرجعه ال إلى جسده يوم يبعثه" ففيه دللة لعموم المؤمنين أيضا وإن كان الشهداء قد‬ ‫خصصوا بالذكر في القرآن تشريفا لهم وتكريما وتعظيما‪.‬‬ ‫حيَاء عِندَ َر ّبهِمْ ُي ْرزَقُونَ }‬ ‫ل اللّهِ َأ ْموَاتًا بَلْ أَ ْ‬ ‫سبِي ِ‬ ‫سبَنّ الّذِينَ ُق ِتلُواْ فِي َ‬ ‫{ وَلَ تَحْ َ‬ ‫يخبر تعالى عن الشهداء بأنهم وإن قتلوا في هذه الدار فإن أرواحهم حية مرزوقة في دار‬ ‫القرار‪ .‬قال محمد بن جرير‪ :‬حدثنا محمد بن مرزوق حدثنا عمرو بن يونس عن عكرمة حدثنا‬ ‫إسحق بن أبي طلحة حدثني أنس بن مالك في أصحاب رسول ال صلى ال عليه وسلم الذين‬ ‫أرسلهم نبي ال إلى أهل بئر معونه قال‪ :‬ل أدري أربعين أو سبعين وعلى ذلك الماء عامر بن‬ ‫الطفيل الجعفري فخرج أولئك النفر من أصحاب رسول ال صلى ال عليه وسلم حتى أتوا غارا‬ ‫مشرفا على الماء فقعدوا فيه ثم قال بعضهم لبعض أيكم يبلغ رسالة رسول ال صلى ال عليه‬ ‫وسلم أهل هذا الماء فقال ‪ -‬أراه أبو ملحان النصاري ـ أنا أبلغ رسالة رسول ال صلى ال‬ ‫عليه وسلم فخرج حتى أتى حول بيتهم فاجتثى أمام البيوت ثم قال يا أهل بئر معونة إني رسول‬ ‫ال إليكم إني أشهد أن ل إله إل ال وأن محمدا عبده ورسوله فآمنوا بال ورسوله فخرج إليه‬ ‫رجل من كسر البيت برمح فضربه في جنبه حتى خرج من الشق الخر فقال‪ :‬ال أكبر فزت‬ ‫ورب الكعبة فاتبعوا أثره حتى أتوا أصحابه في الغار فقتلهم أجميعن عامر بن الطفيل وقال ابن‬ ‫إسحق‪ :‬حدثني أنس بن مالك أن ال أنزل فيهم قرآنا بلغوا عنا قومنا أنا قد لقينا ربنا فرضي عنا‬ ‫ورضينا عنه ثم نسخت فرفعت بعد ما قرأناها زمانا وأنزل ال تعالى "ول تحسبن الذين قتلوا‬ ‫في سبيل ال أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون" وقد قال مسلم في صحيحه‪ :‬حدثنا محمد بن‬ ‫عبدال بن نمير حدثنا أبو معاوية حدثنا العمش عن عبدال بن مرة عن مسروق قال‪ :‬إنا سألنا‬ ‫‪47‬‬ ‫عبدال عن هذه الية‪" .‬ول تحسبن الذين قتلوا في سبيل ال أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون"‬ ‫فقال‪ :‬أما إنا قد سألنا عن ذلك رسول ال صلى ال عليه وسلم فقال "أرواحهم في جوف طير‬ ‫خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل فاطلع‬ ‫عليهم ربهم إطلعة فقال‪ :‬هل تشتهون شيئا؟ فقالوا‪ :‬أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة‬ ‫حيث شئنا؟ ففعل ذلك بهم ثلث مرات فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا‪ :‬يا رب‬ ‫نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى فلما رأى أن ليس لهم حاجة‬ ‫تركوا" وقد روي نحوه من حديث أنس وأبي سعيد " حديث آخر" قال المام أحمد حدثنا‬ ‫عبدالصمد حدثنا حماد حدثنا ثابت عن أنس أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال "ما من نفس‬ ‫تموت لها عند ال خير يسرها أن ترجع إلى الدنيا إل الشهيد فإنه يسره أن يرجع إلى الدنيا‬ ‫فيقتل مرة أخرى مما يرى من فضل الشهادة" تفرد به مسلم من طريق حماد‪ " .‬حديث آخر" قال‬ ‫المام أحمد‪ :‬حدثنا علي بن عبدال المديني حدثنا سفيان بن محمد بن علي بن ربيعة السلمي عن‬ ‫عبدال بن محمد بن عقيل عن جابر قال‪ :‬قال لي رسول ال صلى ال عليه وسلم "أعلمت أن ال‬ ‫أحيا أباك فقال له‪ :‬تمن فقال له أردّ الدنيا فأقتل فيك مرة أخرى قال‪ :‬إني قضيت أنهم إليها ل‬ ‫يرجعون" تفرد به أحمد من هذا الوجه‪ .‬وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما أن أبا جابر وهو‬ ‫عبدال بن عمر وبن حرام النصاري رضي ال عنه قتل يوم أحد شهيدا‪ .‬قال البخاري‪ :‬وقال‬ ‫أبو الوليد عن شعبة عن ابن المنكدر سمعت جابرا قال‪ :‬لما قتل أبي جعلت أبكي وأكشف الثوب‬ ‫عن وجهه فجعل أصحاب رسول ال صلى ال عليه وسلم ينهوني والنبي صلى ال عليه وسلم‬ ‫لم ينه فقال النبي صلى ال عليه وسلم "ل تبكه‪ -‬أو ما تبكيه ‪ -‬ما زالت الملئكة تظله بأجنحتها‬ ‫حتى رفع" وقد أسنده هو ومسلم والنسائي من طرق عن شعبة عن محمد بن المنكدر عن جابر‬ ‫قال‪ :‬لما قتل أبي يوم أحد جعلت أكشف الثوب عن وجهه وأبكي وذكر تمامة بنحوه " حديث‬ ‫آخر" قال المام أحمد‪ :‬حدثنا يعقوب حدثنا أبي عن أبي إسحق حدثنا إسماعيل بن أمية بن عمرو‬ ‫بن سعيد عن أبي الزبير المكي عن ابن عباس قال‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم "لما‬ ‫أصيب إخوانكم يوم أحد جعل ال أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من‬ ‫ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم وحسن‬ ‫مقيلهم قالوا يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع ال بنا لئل يزهدوا في الجهاد ول ينكلوا عن الحرب‬ ‫فقال ال عز وجل‪ :‬أنا أبلغهم عنكم فأنزل ال هذه اليات "ول تحسبن الذين قتلوا في سبيل ال‬ ‫‪48‬‬ ‫أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون" وما بعدها"‪ .‬وهكذا رواه أحمد ورواه ابن جرير عن يونس‬ ‫عن ابن وهب عن إسماعيل بن عياش عن محمد بن إسحق به‪ .‬ورواه أبو داود والحاكم في‬ ‫مستدركه من حديث عبدال بن إدريس عن محمد بن إسحق به ورواه أبو داود والحاكم عن‬ ‫إسماعيل بن أمية عن أبي الزبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي ال عنهما فذكره‬ ‫وهذا أثبت‪ .‬وكذا رواه سفيان الثوري عن سالم الفطس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ‪-‬‬ ‫وروى الحاكم في مستدركه من حديث أبي إسحق الفزاري عن سفيان بن إسماعيل بن أبي خالد‬ ‫عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال‪ :‬نزلت هذه الية في حمزة وأصحابه ول تحسبن الذين‬ ‫قتلوا في سبيل ال أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون" ثم قال‪ :‬صحيح على شرط الشيخين ولم‬ ‫يخرجاه وكذا قال قتادة والربيع والضحاك أنها نزلت في قتلى أحد‪ " .‬حديث آخر" قال أبو بكر‬ ‫بن مردويه‪ :‬حدثنا عبدال بن جعفر حدثنا هارون بن سليمان أنبأنا علي بن عبدال المديني أنبأنا‬ ‫موسى بن إبراهيم بن كثير بن بشير بن الفاكه النصاري سمعت طلحة بن خراش بن‬ ‫عبدالرحمن بن خراش بن الصمت النصاري قال‪ :‬سمعت جابر بن عبدال قال‪ :‬نظر إلي‬ ‫رسول ال صلى ال عليه وسلم ذات يوم فقال "يا جابر مالي أراك مهتما؟" قلت يا رسول ال‬ ‫استشهد أبي وترك دينا وعيال قال‪ :‬فقال "أل أخبرك ما كلم ال أحد قط إل من وراء حجاب‬ ‫وإنه كلم أباك كفاحا" قال علي‪ :‬والكفاح المواجهة "قال سلني أعطك قال‪ :‬أسألك أن أرد إلى‬ ‫الدنيا فأقتل فيك ثانية فقال الرب عز وجل إنه قد سبق مني القول أنهم إليها ل يرجعون قال أي‬ ‫رب فأبلغ من ورائي فأنزل ال "ول تحسبن الذين قتلوا في سبيل ال أمواتا" الية‪ .‬ثم رواه من‬ ‫طريق أخرى عن محمد بن سليمان بن سليط النصاري عن أبيه عن جابر به نحوه وكذا رواه‬ ‫البيهقي في دلئل النبوة من طريق علي بن المديني به وقد رواه البيهقي أيضا من حديث أبي‬ ‫عبادة النصاري وهو عيسى بن عبدال إن شاء ال عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت‪:‬‬ ‫قال النبي صلى ال عليه وسلم لجابر "يا جابر أل أبشرك" قال‪ :‬بلى بشرك ال بالخير قال‬ ‫"شعرت بأن ال أحيا أباك فقال تمن علي عبدي ما شت أعطكه قال‪ :‬يا رب ما عبدتك حق‬ ‫عبادتك أتمنى عليك أن تردني إلى الدنيا فأقاتل مع نبيك وأقتل فيك مرة أخرى قال إنه سلف‬ ‫مني أنه إليها ل يرجع"‪ " .‬حديث آخر" قال المام أحمد حدثنا يعقوب حدثنا أبي عن ابن إسحق‬ ‫حدثنا الحارث بن فضيل النصاري عن محمود بن لبيد عن ابن عباس قال‪ :‬قال رسول ال‬ ‫صلى ال عليه وسلم "الشهداء على بارق نهر بباب الجنة فيه قبة خضراء يخرج إليهم رزقهم‬ ‫‪49‬‬ ‫من الجنة بكرة وعشية" تفرد به أحمد وقد رواه ابن جريج عن أبي كريب حدثنا عبدالرحمن بن‬ ‫سليمان وعبيدة عن محمد بن إسحق وبه وهو إسناد جيد وكأن الشهداء أقسام منهم من تسرح‬ ‫أرواحهم في الجنة ومنهم من يكون على هذا النهر بباب الجنة وقد يحتمل أن يكون منتهى‬ ‫سيرهم إلى هذا النهر فيجتمعون هنالك ويغدى عليهم برزقهم هناك ويراح وال أعلم ‪ -‬وقد‬ ‫روينا في مسند المام أحمد حديثا فيه البشارة لكل مؤمن بأن روحه تكون في الجنة تسرح أيضا‬ ‫فيها وتأكل من ثمارها وترى ما فيها من النضرة والسرور وتشاهد ما أعد ال لها من الكرامة‬ ‫وهو بإسناد صحيح عزيز عظيم اجتمع فيه ثلثة من الئمة الربعة أصحاب المذاهب المتبعة‬ ‫فإن المام أحمد رحمه ال رواه عن محمد بن إدريس الشافعي رحمه ال عن مالك بن أنس‬ ‫الصبحي رحمه ال عن الزهري عن عبدالرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه رضي ال عنه‬ ‫قال‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وآله وسلم "نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى‬ ‫يرجعه ال إلى جسده يوم يبعثه" قوله "يعلق" أي يأكل وفي هذا الحديث "إن روح المؤمن تكون‬ ‫على شكل طائر في الجنة" وأما أرواح الشهداء فكما تقدم في حواصل طير خضر فهي‬ ‫كالكواكب بالنسبة إلى أرواح عموم المؤمنين فإنها تطير بأنفسها فنسأل ال الكريم المنان أن‬ ‫يميتنا على اليمان‪.‬‬ ‫{فرحين بما آتاهم ال من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم أل خوف عليهم ول‬ ‫هم يحزنون }‬ ‫أي الشهداء الذين قتلوا في سبيل ال أحياء عند ربهم وهم فرحون بما هم فيه من النعمة والغبطة‬ ‫ومستبشرون بإخوانهم الذين يقتلون بعدهم في سبيل ال أنهم يقدمون عليهم وأنهم ل يخافون مما‬ ‫أمامهم ول يحزنون على ما تركوه وراءهم نسأل ال الجنة وقال محمد بن إسحق "ويستبشرون"‬ ‫أي ويسرون بلحوق من لحقهم من إخوانهم على ما مضوا عليه من جهادهم ليشركوهم فيما هم‬ ‫فيه من ثواب ال الذي أعطاهم قال السدي يؤتى الشهيد بكتاب فيه يقدم عليك فلن يوم كذا وكذا‬ ‫ويقدم عليك فلن يوم كذا وكذا فيسر بذلك كما يسر أهل الدنيا بغائبهم إذا قدم قال سعيد بن‬ ‫جبير‪ :‬لما دخلوا الجنة ورأوا ما فيها من الكرامة للشهداء قالوا‪ :‬يا ليت إخواننا الذين في الدنيا‬ ‫يعلمون ما عرفناه من الكرامة فإذا شهدوا القتال باشروها بأنفسهم حتى يستشهدوا فيصيبوا ما‬ ‫أصبنا من الخير فأخبر رسول ال صلى ال عليه وسلم بأمرهم وما هم فيه من الكرامة وأخبرهم‬ ‫أي ربهم أني قد أنزلت على نبيكم وأخبرته بأمركم وما أنتم فيه فاستبشروا بذلك فذلك قوله‬ ‫‪50‬‬ ‫"ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم" الية وقد ثبت في الصحيحين عن أنس في قصة‬ ‫أصحاب بئر معونة السبعين من النصار الذين قتلوا في غداة واحدة وقنت رسول ال صلى ال‬ ‫عليه وسلم يدعو على الذين قتلوهم ويلعنهم قال أنس‪ :‬ونزل فيهم قرآن قرأناه حتى رفع "أن‬ ‫بلغوا عنا قومنا أنا قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا"‪.‬‬ ‫سبِيلِ اللّهِ ِبَأ ْموَالِهِمْ‬ ‫ض َررِ وَا ْلمُجَاهِدُونَ فِي َ‬ ‫غ ْيرُ ُأ ْولِي ال ّ‬ ‫س َتوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ ا ْل ُمؤْ ِمنِينَ َ‬ ‫{ لّ يَ ْ‬ ‫سنَى‬ ‫علَى الْقَاعِدِينَ َدرَجَةً َوكُلّ وَعَ َد اللّهُ الْحُ ْ‬ ‫سهِمْ َ‬ ‫سهِمْ َفضّلَ اللّهُ ا ْلمُجَاهِدِينَ بَِأ ْموَاِلهِمْ َوأَنفُ ِ‬ ‫َوأَنفُ ِ‬ ‫جرًا عَظِيمًا }‬ ‫علَى الْقَاعِدِينَ أَ ْ‬ ‫وَ َفضّلَ اللّهُ ا ْلمُجَاهِدِينَ َ‬ ‫قال البخاري حدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن البراء قال‪ :‬لما نزلت "ل‬ ‫يستوي القاعدون من المؤمنين" دعا رسول ال صلى ال عليه وسلم زيدا فكتبها فجاء ابن أم‬ ‫مكتوم فشكا ضرارته فأنزل ال غير أولى الضرر حدثنا محمد بن يوسف عن إسرائيل عن أبى‬ ‫إسحاق عن البراء قال لما نزلت "ل يستوي القاعدون من المؤمنين" قال النبي صلى ال عليه‬ ‫وسلم "ادع فلنا" فجاءه ومعه الدواة واللوح والكتب فقال "اكتب "ل يستوى القاعدون من‬ ‫المؤمنين والمجاهدون في سبيل ال " وخلف النبي صلى ال عليه وسلم ابن أم مكتوم فقال يا‬ ‫رسول ال أنا ضرير فنزلت مكانها ل يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر‬ ‫والمجاهدون في سبيل ال قال البخاري أيضا حدثنا إسماعيل بن عبدال حدثني إبراهيم بن سعد‬ ‫عن صالح بن كيسان عن ابن شهاب حدثني سهل بن سعد الساعدي أنه رأى مروان بن الحكم‬ ‫في المسجد قال فأقبلت حتى جلست إلى جنبه فأخبرنا أن زيد بن ثابت أخبره أن رسول ال‬ ‫صلى ال عليه وسلم أملى علي "ل يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل ال"‬ ‫فجاءه ابن أم مكتوم وهو يمليها علي قال يا رسول ال وال لو أستطيع الجهاد لجاهدت وكان‬ ‫أعمى فأنزل ال على رسول ال صلى ال عليه وسلم وكان فخذه على فخذي فثقلت علي حتى‬ ‫خفت أن ترضى فخذي ثم سري عنه فأنزل "ال غير أولى الضرر" تفرد به البخاري دون مسلم‬ ‫وقد روي من وجه آخر عند المام أحمد عن زيد فقال حدثنا سليمان بن داود أنبأنا عبدالرحمن‬ ‫عن أبي الزناد عن خارجة بن زيد قال‪ :‬قال زيد بن ثابت‪ :‬إني قاعد إلى جنب النبي صلى ال‬ ‫عليه وسلم إذ أوحي إليه وغشيته السكينة قال فرفع فخذه على فخذي حين غشيته السكينة قال‬ ‫زيد فل وال ما وجدت شيئا قط أثقل من فخذ رسول ال صلى ال عليه وسلم ثم سري عنه فقال‬ ‫" اكتب يا زيد" فأخذت كتفا فقال "اكتب ل يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون إلى قوله‬ ‫‪51‬‬ ‫"أجرا عظيما" " فكتبت ذلك في كتف فقام حين سمعها ابن أم مكتوم وكان رجل أعمى فقال حين‬ ‫سمع فضيلة المجاهد بن يا رسول ال وكيف بمن ل يستطيع الجهاد ومن هو أعمى وأشباه ذلك‬ ‫قال زيد فوال ما قضى كلمه أوما هو إل أن قضي كلمه ‪ -‬غشيت النبي صلى ال عليه وسلم‬ ‫السكينة فوقعت فخذه على فخذي فوجدت ممن ثقلها كما وجدت في المرة الولى ثم سري عنه‬ ‫فقال " اقرأ " فقرأت عليه ل يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون" فقال النبي صلى ال‬ ‫عليه وسلم "غير أولي الضرر" قال زيد فألحقتها فوال كأني أنظر إلى ملحقها عند صدع كان‬ ‫في الكتف‪ .‬ورواه أبو داود عن سعيد بن منصور عن عبدالرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن‬ ‫خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه به نحوه‪ .‬وقال عبدالرزاق أنبأنا معمر أنبأنا الزهري عن‬ ‫قبيصة بن ذؤيب عن زيد بن ثابت قال كنت أكتب لرسول ال صلى ال عليه وسلم فقال‪" :‬اكتب‬ ‫ل يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل ال "‪ .‬فجاء عبد ال ابن أم مكتوم فقال‬ ‫يا رسول ال إني أحب الجهاد في سبيل ال ولكن بي من الزمانة ما قد ترى وذهب بصري قال‬ ‫زيد فثقلت فخذ رسول ال صلى عليه وسلم على فخذي حتى خشيت أن ترضها ثم سري عنه ثم‬ ‫قال "اكتب ل يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر والمجاهدون في سبيل ال " رواه‬ ‫ابن أبي حاتم وابن جرير وقال عبدالرازق أخبرنا ابن جريج أخبرني عبدالكريم هو ابن مالك‬ ‫الجريري أن مقسما مولى عبدال بن الحارث أخبره أن ابن عباس أخبره ل يستوي القاعدون‬ ‫من المؤمنين عن بدر والخارجون إلى بدر انفرد به البخاري دون مسلم وقد رواه الترمذي من‬ ‫طريق حجاج عن ابن جريج عن عبدالكريم عن مقسم عن ابن عباس قال ل يستوي القاعدون‬ ‫من المؤمنين غير أولي الضرر عن بدر والخارجون إلى بدر‪ .‬ولما نزلت غزوة بدر قال عبدال‬ ‫بن جحش وابن أم مكتوم إنا أعميان يا رسول ال فهل لنا رخصة؟ فنزلت ل يستوي القاعدون‬ ‫من المؤمنين غير أولي الضرر "وفضل ال المجاهدين على القاعدين درجة فهؤلء القاعدون‬ ‫غير أولي الضرر وفضل ال المجاهد بن على القاعدين أجرا عظيما درجات منه" على القاعدين‬ ‫من المؤمنين غير أولى الضرر"‪ .‬هذا لفظ الترمذي ثم قال هذا حديث حسن غريب من هذا‬ ‫الوجه فقوله ل يستوي القاعدون من المؤمنين كان مطلقا فلما نزل بوحي سريع "غير أولي‬ ‫الضرر" صار ذلك مخرجا لذوي العذار المبيحة لترك الجهاد من العمى والعرج والمرضى‬ ‫عن مساواتهم للمجاهدين في سبيل ال بأموالهم وأنفسهم ثم أخبر تعالى بفضيلة المجاهدين على‬ ‫القاعدين قال ابن عباس‪" :‬غير أولي الضرر" وكذا ينبغي أن يكون كما ثبت في صحيح البخاري‬ ‫‪52‬‬ ‫من طريق زهير بن معاوية عن حميد عن أنس أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال " إن‬ ‫بالمدينة أقواما ما سرتم من مسير ول قطعتم من واد إل وهم معكم فيه" قالوا وهم بالمدينة يا‬ ‫رسول ال؟ قال "نعم حبسهم العذر" وهكذا رواه أحمد عن محمد بن عدي عن حميد عن أنس به‬ ‫وعلقه البخاري مجزوما ورواه أبو داود عن حماد بن سلمة عن حميد عن موسى بن أنس بن‬ ‫مالك عن أبيه عن النبي صلى ال عليه وسلم قال " لقد تركتم بالمدينة أقواما ما سرتم من مسير‬ ‫ول أنفقتم من نفقة ول قطعتم من واد إل وهم معكم فيه" قالوا وكيف يا رسول ال يكونون معنا‬ ‫فيه؟ قال" نعم حبسهم العذر " لفظ أبي داود وفي هذا المعنى قال الشاعر‪:‬‬ ‫يا راحلين إلى البيت العتيق لقد‬ ‫إنا أقمنا عـلى عـذر وعن قـــدر‬ ‫سرتم جسوما وسرنا نحن أرواحا‬ ‫ومن أقام على عذر فقد راحــا‬ ‫وقوله "وكل وعد ال الحسنى" أي الجنة والجزاء الجزيل‪ .‬وفيه دللة على أن الجهاد ليس‬ ‫بفرض عين بل هو فرض‪ .‬على الكفاية‪ .‬قال تعالى "وفضل ال المجاهدين على القاعدين أجرا‬ ‫عظيما" ثم أخبر سبحانه بما فضلهم به من الدرجات في غرف الجنان العاليات ومغفرة الذنوب‬ ‫والزلت وأحوال الرحمة والبركات إحسانا منه وتكريما‪.‬‬ ‫سهِمْ أَعْظَمُ َدرَجَةً عِن َد اللّهِ َوُأ ْوَل ِئكَ‬ ‫ل اللّهِ بَِأ ْموَاِلهِمْ َوأَنفُ ِ‬ ‫سبِي ِ‬ ‫جرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي َ‬ ‫{ الّذِينَ آ َمنُواْ وَهَا َ‬ ‫هُمُ الْفَا ِئزُونَ }‬ ‫قال العوفي في تفسيره عن ابن عباس في تفسيره هذه الية قال‪ :‬إن المشركين قالوا عمارة بيت‬ ‫ال وقيام على السقاية خير ممن آمن وجاهد وكانوا يفخرون بالحرم ويستكبرون به من أجل‬ ‫أنهم أهله وعماره فذكر ال استكبارهم وإعراضهم فقال لهل الحرم من المشركين " قد كانت‬ ‫آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون مستكبرين به سامرا تهجرون " يعني أنهم كانوا‬ ‫يستكبرون بالحرم قال " به سامرا " كانوا يسمرون به ويهجرون القرآن والنبي صلى ال عليه‬ ‫وسلم فخير ال اليمان والجهاد مع النبي صلى ال عليه وسلم على عمارة المشركين البيت‬ ‫وقيامهم على السقاية ولم يكن ينفعهم عند ال مع الشرك به وإن كانوا يعمرون بيته ويحرمون‬ ‫به‪ .‬قال ال تعالى " ل يستوون عند ال وال ل يهدي القوم الظالمين " يعني الذين زعموا أنهم‬ ‫أهل العمارة فسماهم ال ظالمين بشركهم فلم تغن عنهم العمارة شيئا‪ .‬وقال علي بن أبي طلحة‬ ‫عن ابن عباس في تفسير هذه الية قال‪ :‬قد نزلت في العباس بن عبد المطلب حين أسر ببدر‬ ‫قال لئن كنتم سبقتمونا بالسلم والهجرة والجهاد لقد كنا نعمر المسجد الحرام نسقي ونفك العاني‬ ‫‪53‬‬ ‫قال ال عز وجل " أجعلتم سقاية الحاج ‪ -‬إلى قوله ‪ -‬وال ل يهدي القوم الظالمين " يعني أن‬ ‫ذلك كله كان في الشرك ول أقبل ما كان في الشرك وقال الضحاك بن مزاحم أقبل المسلمون‬ ‫على العباس وأصحابه الذين أسروا يوم بدر يعيرونهم بالشرك فقال العباس أما وال لقد كنا‬ ‫نعمر المسجد الحرام ونفك العاني ونحجب البيت ونسقي الحاج فأنزل ال " أجعلتم سقاية الحاج "‬ ‫الية‪ .‬وقال عبدالرزاق‪ :‬أخبرنا ابن عيينة عن إسماعيل عن الشعبي قال‪ :‬نزلت في علي‬ ‫والعباس رضي ال عنهما بما تكلما في ذلك‪ .‬وقال ابن جرير‪ :‬حدثنا يونس أخبرنا ابن وهب‬ ‫أخبرني ابن لهيعة عن أبي صخر قال‪ :‬سمعت محمد بن كعب القرظي يقول‪ :‬افتخر طلحة بن‬ ‫شيبة من بني عبد الدار وعباس بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب فقال طلحة أنا صاحب‬ ‫البيت معي مفتاحه ولو أشاء بت فيه وقال العباس أنا صاحب السقاية والقائم عليها ولو أشاء بت‬ ‫في المسجد فقال علي رضي ال عنه ما أدري ما تقولن لقد صليت إلى القبلة ستة أشهر قبل‬ ‫الناس وأنا صاحب الجهاد فأنزل ال عز وجل " أجعلتم سقاية الحاج " الية كلها وهكذا قال‬ ‫السدي إل أنه قال‪ :‬افتخر علي والعباس وشيبة بن عثمان وذكر نحوه وقال عبدالرزاق‪ :‬أخبرنا‬ ‫معمر عن عمرو عن الحسن قال‪ :‬نزلت في علي وعباس وشيبة تكلموا في ذلك فقال العباس ما‬ ‫أراني إل أني تارك سقايتنا فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم " أقيموا على سقايتكم فإن لكم‬ ‫فيها خيرا " ورواه محمد بن ثور عن معمر عن الحسن فذكر نحوه وقد ورد في تفسير هذه الية‬ ‫حديث مرفوع فلبد من ذكره هنا قال عبدالرزاق أخبرنا معمر عن يحيى بن أبي كثير عن‬ ‫النعمان بن بشير رضي ال عنه أن رجل قال‪ :‬ما أبالي أن ل أعمل عمل بعد السلم إل أن‬ ‫أسقي الحاج‪ .‬وقال آخر‪ :‬ما أبالي أن ل أعمل عمل بعد السلم إل أن أعمر المسجد الحرام‪.‬‬ ‫وقال آخر‪ :‬الجهاد في سبيل ال أفضل مما قلتم‪ .‬فزجرهم عمر رضي ال عنه‪ .‬وقال‪ :‬ل ترفعوا‬ ‫أصواتكم عند منبر رسول ال صلى ال عليه وسلم وذلك يوم الجمعة ولكن إذا صلينا الجمعة‬ ‫دخلنا على النبي صلى ال عليه وسلم فسألناه‪ .‬فنزلت " أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد‬ ‫الحرام ‪ -‬إلى قوله ‪-‬ل يستوون عند ال "‪ " .‬طريق أخرى "قال الوليد بن مسلم‪ :‬حدثتي معاوية‬ ‫بن سلم عن جده أبي سلم السود عن النعمان بن بشير النصاري قال‪ :‬كنت عند منبر رسول‬ ‫ال صلى ال عليه وسلم في نفر من أصحابه فقال رجل منهم‪ :‬ما أبالي أن ل أعمل ل عمل بعد‬ ‫السلم إل أن أسقي الحاج‪ .‬وقال آخر‪ :‬بل عمارة المسجد الحرام‪ .‬وقال آخر‪ :‬بل الجهاد في‬ ‫سبيل ال خير مما قلتم فزجره عمر بن الخطاب رضي ال عنه وقال‪ :‬ل ترفعوا أصواتكم عند‬ ‫‪54‬‬ ‫منبر رسول ال صلى ال عليه وسلم وذلك يوم الجمعة ولكن إذا صليت الجمعة دخلت على‬ ‫رسول ال صلى ال عليه وسلم فاستفتيته فيما اختلفتم فيه‪ .‬قال ففعل فأنزل ال عز وجل "‬ ‫أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام ‪ -‬إلى قوله ‪ -‬وال ل يهدي القوم الظالمين " ورواه‬ ‫مسلم في صحيحه وأبو داود وابن جرير وهذا لفظه وابن مردويه وابن أبي حاتم في تفاسيرهم‬ ‫وابن حبان في صحيحه‪.‬‬ ‫خ ْيرٌ ّلكُمْ إِن كُنتُمْ َت ْعَلمُونَ}‬ ‫ل اللّهِ َذِلكُمْ َ‬ ‫سبِي ِ‬ ‫سكُمْ فِي َ‬ ‫{ انْ ِفرُواْ خِفَافًا َوثِقَالً وَجَاهِدُواْ بَِأ ْموَاِلكُمْ َوأَنفُ ِ‬ ‫قال سفيان الثوري عن أبيه عن أبي الضحى مسلم بن صبيح‪ :‬هذه الية " انفروا خفافا وثقال "‬ ‫أول ما نزل من سورة براءة وقال معتمر بن سليمان عن أبيه قال‪ :‬زعم حضرمي أنه ذكر له‬ ‫أن ناسا كانوا عسى أن يكون أحدهم عليا وكبيرا فيقول إنى ل آثم فأنزل ال " انفروا خفافا‬ ‫وثقال " الية أمر ال تعالى بالنفير العام مع رسول ال صلى ال عليه وآله وسلم عام غزوة‬ ‫تبوك لقتال أعداء ال من الروم الكفرة من أهل الكتاب وحتم على المؤمنين في الخروج معه‬ ‫على كل حال في المنشط والمكره والعسر واليسر فقال " انفروا خفافا وثقال " وقال علي بن زيد‬ ‫عن أنس عن أبي طلحة‪ :‬كهول وشبانا ما سمع ال عذر أحد ثم خرج إلى الشام فقاتل حتى قتل‬ ‫وفي رواية قرأ أبو طلحة سورة براءة فأتى على هذه الية " انفروا خفافا وثقال وجاهدوا‬ ‫بأموالكم وأنفسكم في سبيل ال " فقال‪ :‬أرى ربنا استنفرنا شيوخا وشبانا جهزوني يا بني فقال‬ ‫بنوه‪ :‬يرحمك ال قد غزوت مع رسول ال صلى ال عليه وآله وسلم حتى مات ومع أبي بكر‬ ‫حتى مات ومع عمر حتى مات فنحن نغزو عنك فأبى فركب البحر فمات فلم يجدوا له جزيرة‬ ‫يدفنوه فيها إل بعد تسعة أيام فلم يتغير فدفنوه فيها وهكذا روي عن ابن عباس وعكرمة وأبي‬ ‫صالح والحسن البصري وسهيل بن عطية ومقاتل بن حيان والشعبي وزيد بن أسلم أنهم قالوا‬ ‫في تفسير هذه الية " انفروا خفافا وثقال " كهول وشبانا‪ .‬وكذا قال عكرمة والضحاك ومقاتل بن‬ ‫حيان وغير واحد وقال مجاهد‪ :‬شبانا وشيوخا وأغنياء ومساكين وكذا قال أبو صالح وغيره قال‬ ‫الحكم بن عتيبة‪ :‬مشاغيل وغير مشاغيل وقال العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى " انفروا‬ ‫خفافا وثقال " يقول انفروا نشاطا وغير نشاط وكذا قال قتادة وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد "‬ ‫انفروا خفافا وثقال " قالوا‪ :‬فإن فينا الثقيل وذو الحاجة والضيعة والشغل والمتيسر به أمره‬ ‫فأنزل ال وأبى أن يعذرهم دون أن ينفروا " خفافا وثقال " أي على ما كان منهم‪ .‬وقال الحسن‬ ‫بن أبي الحسن البصري أيضا في العسر واليسر وهذا كله من مقتضيات العموم في الية وهذا‬ ‫‪55‬‬ ‫اختيار ابن جرير‪ .‬وقال المام أبو عمرو الوزاعي‪ :‬إذا كان النفير إلى دروب الروم نفر الناس‬ ‫إليها خفافا وركبانا وإذا كان النفير إلى هذه السواحل نفروا إليها خفافا وثقال وركبانا ومشاة‬ ‫وهذا تفصيل في المسألة وقد روي عن ابن عباس ومحمد بن كعب وعطاء الخراساني وغيرهم‬ ‫أن هذه الية منسوخة بقوله تعالى " فلول نفر من كل فرقة منهم طائفة " وسيأتي الكلم على‬ ‫ذلك إن شاء ال وقال السدي قوله " انفروا خفافا وثقال " يقول غنيا وفقيرا وقويا وضعيفا فجاءه‬ ‫رجل يومئذ زعموا أنه المقداد وكان عظيما سمينا فشكى إليه وسأله أن يأذن له فأبى فنزلت‬ ‫يومئذ " انفروا خفافا وثقال" فلما نزلت هذه الية اشتد على الناش فنسخها ال تعالى " ليس على‬ ‫الضعفاء ول على المرضى ول على الذين ل يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا ل ورسوله "‬ ‫وقال ابن جرير‪ :‬حدثني يعقوب حدثنا ابن علية حدثنا أيوب عن محمد قال‪ :‬شهد أبو أيوب مع‬ ‫رسول ال صلى ال عليه وسلم بدرا ثم لم يتخلف عن غزاة للمسلمين إل عاما واحدا قال وكان‬ ‫أبو أيوب يقول‪ :‬قال ال تعالى " انفروا خفافا وثقال فل أجدني إل خفيفا أو ثقيل وقال ابن‬ ‫جرير‪ :‬حدثني سعيد بن عمر السكوني حدثنا بقية حدثنا جرير حدثني عبدالرحمن بن ميسرة‬ ‫حدثني أبو راشد الحراني قال‪ :‬وافيت المقدام بن السود فارس رسول ال صلى ال عليه وإله‬ ‫وسلم جالسا على تابوت من توابيت الصيارفة بحمص وقد فصل عنها من عظمه يريد الغزو‬ ‫فقلت له قد أعذر ال إليك فقال أتت علينا سورة البعوث " انفروا خفافا وثقال " وقال ابن جرير‪:‬‬ ‫حدثني حيان بن زيد الشرعي قال‪ :‬نفرنا مع صفوان بن عمرو وكان واليا على حمص قبل‬ ‫الفسوس إلى الجراجمة فرأيت شيخا كبيرا هما قد سقط حاجباه على عينيه من أهل دمشق على‬ ‫راحلته فيمن أغار فأقبلت إليه فقلت يا عم لقد أعذر ال إليك قال‪ :‬فرفع حاجبيه فقال يا بن أخي‬ ‫استنفرنا ال خفافا وثقال أل إنه من يحبه ال يبتليه ثم يعيده ال فيبقيه وإنما يبتلي ال من عبادة‬ ‫من شكر وصبر وذكر ولم يعبد إل ال عز وجل‪ .‬ثم رغب تعالى في النفقة في سبيله وبذل‬ ‫المهج في مرضاته ومرضاة رسوله فقال " وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل ال ذلكم خير‬ ‫لكم إن كنتم تعلمون " أي هذا خير لكم في الدنيا والخرة لنكم تغرمون في النفقة قليل فيغنمكم‬ ‫ال أموال عدوكم في الدنيا مع ما يدخر لكم من الكرامة في الخرة كما قال النبي صلى ال عليه‬ ‫وسلم " تكفل ال للمجاهد في سبيله إن توفاه أن يدخله الجنة أو يرده إلى منزله بما نال من أجر‬ ‫أو غنيمة " ولهذا قال تعالى " كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير‬ ‫لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم وال يعلم وأنتم ل تعلمون " ومن هذا القبيل ما رواه‬ ‫‪56‬‬ ‫المام أحمد‪ :‬حدثنا محمد بن أبي عدي عن حميد عن أنس عن رسول ال صلى ال عليه وإله‬ ‫وسلم قال لرجل " " أسلم "قال أجدني كارها قال أسلم ولو كنت كارها "‪.‬‬ ‫علِيمٌ بِا ْل ُمتّقِينَ}‬ ‫سهِمْ وَاللّهُ َ‬ ‫خرِ أَن يُجَاهِدُواْ بَِأ ْموَاِلهِمْ َوأَنفُ ِ‬ ‫ستَأْ ِذ ُنكَ الّذِينَ ُي ْؤ ِمنُونَ بِاللّهِ وَا ْل َيوْمِ ال ِ‬ ‫{ لَ يَ ْ‬ ‫يقول تعالى هل تركتهم لما استأذنوك فلم تأذن لحد منهم في القعود لتعلم الصادق منهم في‬ ‫إظهار طاعتك من الكاذب فإنهم قد كانوا مصرين على القعود عن الغزو وإن لم تأذن لهم فيه‪.‬‬ ‫ولهذا أخبر تعالى أنه ل يستأذنه في القعود عن الغزو أحد يؤمن بال ورسوله فقال " ل يستأذنك‬ ‫" أي في القعود عن الغزو "‪ .‬الذين يؤمنون بال واليوم الخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم "‬ ‫لنهم يرون الجهاد قربة ولما ندبهم إليه بادروا وامتثلوا "‪.‬‬ ‫ل اللّهِ َفيَ ْق ُتلُونَ‬ ‫سبِي ِ‬ ‫جنّةَ يُقَا ِتلُونَ فِي َ‬ ‫سهُمْ َوَأ ْموَاَلهُم بِأَنّ َلهُمُ ال َ‬ ‫ش َترَى مِنَ ا ْل ُم ْؤ ِمنِينَ أَنفُ َ‬ ‫ن اللّهَ ا ْ‬ ‫{ إِ ّ‬ ‫شرُواْ‬ ‫س َتبْ ِ‬ ‫ن اللّهِ فَا ْ‬ ‫عَليْهِ حَقّا فِي ال ّتوْرَاةِ وَالِنجِيلِ وَالْ ُقرْآنِ َومَنْ َأوْفَى ِب َعهْ ِدهِ مِ َ‬ ‫َويُ ْق َتلُونَ وَعْدًا َ‬ ‫ِب َب ْي ِعكُمُ الّذِي بَا َي ْعتُم بِهِ وَ َذِلكَ ُهوَ الْ َف ْوزُ ا ْلعَظِيمُ }‬ ‫يخبر تعالى أنه عاوض من عباده المؤمنين عن أنفسهم وأموالهم إذ بذلوها في سبيله بالجنة وهذا‬ ‫من فضله وكرمه وإحسانه فإنه قبل العوض عما يملكه بما تفضل به على عبيده المطيعين له‪.‬‬ ‫ولهذا قال الحسن البصري وقتادة‪ :‬بايعهم وال فأغلى ثمنهم‪ .‬وقال شمر بن عطية ما من مسلم‬ ‫إل وللّه عز وجل في عنقه بيعة وفي بها أو مات عليها ثم تل هذه الية‪ .‬ولهذا يقال من حمل‬ ‫في سبيل ال بايع ال أي قبل هذا العقد ووفى به‪ .‬وقال محمد بن كعب القرظي وغيره قال‬ ‫عبدال بن رواحة رضي ال عنه لرسول ال صلى ال عليه وسلم يعني ليلة العقبة اشترط لربك‬ ‫ولنفسك ما شئت فقال " أشترط لربي أن تعبدوه ول تشركوا به شيئا وأشترط لنفسي أن تمنعوني‬ ‫مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم " قالوا‪ :‬فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ قال " الجنة " قالوا ربح البيع ل‬ ‫نقيل ول نستقيل فنزلت " إن ال اشترى من المؤمنين أنفسهم " الية وقوله " يقاتلون في سبيل‬ ‫ال فيقتلون ويقتلون " أي سواء قتلوا أو قتلوا أو اجتمع لهم هذا وهذا فقد وجبت لهم الجنة‪ .‬ولهذا‬ ‫جاء في الصحيحين " وتكفل ال لمن خرج في سبيله ل يخرجه إل جهاد في سبيلي وتصديق‬ ‫برسلي بأن توفاه أن يدخله الجنة أو يرجعه إلى منزله الذي خرج منه نائل ما نال من أجر أو‬ ‫غنيمة " وقوله " وعدا عليه حقا في التوراة والنجيل والقرآن " تأكيد لهذا الوعد وإخبار بأنه قد‬ ‫كتبه على نفسه الكريمة وأنزله على رسله في كتبه الكبار وهي التوراة المنزلة على موسى‬ ‫والنجيل المنزل على عيسى والقرآن المنزل على محمد صلوات ال وسلمه عليهم أجمعين‪.‬‬ ‫‪57‬‬ ‫وقوله " ومن أوفى بعده من ال " فإنه ل يخلف الميعاد‪ .‬هذا كقوله " ومن أصدق من ال حديثا "‬ ‫ومن أصدق من ال قليل " ولهذا قال " فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم‬ ‫" أي فليستبشر من قام بمقتضى هذا العقد ووفى بهذا العهد بالفوز العظيم والنعيم المقيم‪.‬‬ ‫سبِيلِ اللّهِ وَالّذِينَ آوَواْ ّو َنصَرُواْ ُأ ْوَل ِئكَ‬ ‫سهِمْ فِي َ‬ ‫جرُواْ َوجَاهَدُواْ بَِأ ْموَاِلهِمْ َوأَنفُ ِ‬ ‫{ إِنّ الّذِينَ آ َمنُواْ وَهَا َ‬ ‫جرُواْ َوإِنِ‬ ‫حتّى ُيهَا ِ‬ ‫شيْءٍ َ‬ ‫ل َي ِتهِم مّن َ‬ ‫جرُواْ مَا َلكُم مّن وَ َ‬ ‫ضهُمْ َأ ْوِليَاء َبعْضٍ وَالّذِينَ آ َمنُواْ َولَمْ ُيهَا ِ‬ ‫َب ْع ُ‬ ‫علَى َقوْمٍ َب ْي َنكُمْ َو َب ْي َنهُم مّيثَاقٌ وَاللّهُ ِبمَا َت ْع َملُونَ َبصِيرٌ }‬ ‫صرُ إِلّ َ‬ ‫ستَنصَرُوكُمْ فِي الدّينِ َف َعَل ْيكُمُ النّ ْ‬ ‫اْ‬ ‫ذكر تعالى أصناف المؤمنين وقسمهم إلى مهاجرين خرجوا من ديارهم وأموالهم وجاءوا لنصر‬ ‫ال ورسوله وإقامة دينه وبذلوا أموالهم وأنفسهم في ذلك وإلى أنصار وهم المسلمون من أهل‬ ‫المدينة إذ ذاك آووا إخوانهم المهاجرين في منازلهم وواسوهم في أموالهم ونصروا ال ورسوله‬ ‫بالقتال معهم فهؤلء "بعضهم أولياء بعض" أي كل منهم أحق بالخر من كل وأحد ولهذا آخى‬ ‫رسول ال صلى ال عليه وسلم بين المهاجرين والنصار كل اثنين أخوان فكانوا يتوارثون بذلك‬ ‫إرثا مقدما على القرابة حتى نسخ ال تعالى ذلك بالمواريث‪ .‬ثبت ذلك في صحيح البخاري عن‬ ‫ابن عباس ورواه العوفي وعلي بن أبي طلحة عنه وقال مجاهد وعكرمة والحسن وقتادة وغير‬ ‫واحد‪ .‬قال المام أحمد‪ :‬حدثنا وكيع عن شريك عن عاصم عن أبي وائل عن جرير وهو ابن‬ ‫عبدال البجلي رضي ال عنه قال‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم "المهاجرون والنصار‬ ‫بعضهم أولياء بعض والطلقاء من قريش والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض إلى يوم القيامة"‬ ‫تفرد به أحمد‪ .‬وقال الحافظ أبو يعلى‪ :‬حدثنا سفيان حدثنا عكرمة يعني ابن إبراهيم الزدي‬ ‫حدثنا عاصم عن شقيق عن ابن مسعود قال‪ :‬سمعت رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول‬ ‫"المهاجرون والنصار والطلقاء من قريش والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض في الدنيا‬ ‫والخرة" هكذا رواه في مسند عبدال بن مسعود‪ .‬وقد أثنى ال ورسوله على المهاجرين‬ ‫والنصار في غير ما آية في كتابه فقال "والسابقون الولون من المهاجرين والنصار والذين‬ ‫اتبعوهم بإحسان رضي ال عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري من تحتها النهار" الية‬ ‫وقال "لقد تاب ال على النبي والمهاجرين والنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة" الية وقال‬ ‫تعالى "للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضل من ال ورضوانا‬ ‫وينصرون ال ورسوله أولئك هم الصادقون والذين تبوءوا الدار واليمان من قبلهم يحبون من‬ ‫هاجر إليهم ول يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم‬ ‫‪58‬‬ ‫خصاصة" الية وأحسن ما قيل في قوله "ول يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا" أي ل‬ ‫يحسدونهم على فضل ما أعطاهم ال على هجرتهم فإن ظاهر اليات تقديم المهاجرين على‬ ‫النصار وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء ل يختلفون في ذلك ولهذا قال المام أبو بكر أحمد‬ ‫بن عمرو بن عبدالخالق البزار في مسنده‪ :‬حدثنا محمد بن معمر حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا‬ ‫حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن حذيفة قال‪ :‬خيرني رسول ال صلى‬ ‫ال عليه وسلم بين الهجرة والنصرة فاخترت الهجرة ثم قال ل نعرفه إل من هذا الوجه وقوله‬ ‫تعالى "والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من وليتهم" قرأ حمزة وليتهم بالكسر والباقون بالفتح‬ ‫وهما واحد كالدللة والدللة "من شيء حتى يهاجروا" هذا هو الصنف الثالث من المؤمنين وهم‬ ‫الذين آمنوا ولم يهاجروا بل أقاموا في بواديهم فهؤلء ليس لهم في المغانم نصيب ول في‬ ‫خمسها إل ما حضروا فيه القتال‪ .‬كما قال أحمد‪ :‬حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن علقمة بن مرثد‬ ‫عن سليمان بن بريدة عن أبيه عن يزيد بن الخصيب السلمي رضي ال عنه قال‪ :‬كان رسول‬ ‫ال صلى ال عليه وسلم إذا بعث أميرا على سرية أو جيش أوصاه في خاصة نفسه بتقوى ال‬ ‫وبمن معه من المسلمين خيرا وقال "اغزوا باسم ال في سبيل ال قاتلوا من كفر بال إذا لقيت‬ ‫عدوكم من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلث خصال ‪ -‬أو خلل ‪ -‬فأيتهن ما أجابوك إليها‬ ‫فاقبل منهم وكف عنهم ادعهم إلى السلم فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ثم ادعهم إلى‬ ‫التحول من دارهم إلى دار المهاجرين وأعلمهم إن فعلوا ذلك أن لهم ما للمهاجرين وأن عليهم ما‬ ‫على المهاجرين فإن أبوا واختاروا دارهم فأعلمهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم‬ ‫حكم ال الذي يجري على المؤمنين ول يكون لهم في الفيء والغنيمة نصيب إل أن يجاهدوا مع‬ ‫المسلمين فإن هم أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية‪ .‬فإن أجابوا فاقبل منهم وكف عنهم فإن أبوا‬ ‫فاستعن بال وقاتلهم" انفرد به مسلم وعنده زيادات أخر وقوله "وإن استنصركم في الدين فعليكم‬ ‫النصر" الية يقول تعالى وإن استنصركم هؤلء العراب الذين لم يهاجروا في قتال ديني على‬ ‫عدو لهم فانصروهم فإنه واجب عليكم نصرهم لنهم إخوانكم في الدين إل أن يستنصروكم على‬ ‫قوم من الكفار بينكم وبينهم ميثاق أي مهادنة إلى مدة فل تخفروا ذمتكم ول تنقضوا أيمانكم مع‬ ‫الذين عاهدتم وهذا مروي عن ابن عباس رضي ال عنه‪.‬‬ ‫ل اللّهِ‬ ‫سبِي ِ‬ ‫سهِمْ فِي َ‬ ‫لفَ رَسُولِ اللّهِ َو َكرِهُواْ أَن يُجَاهِدُواْ بَِأ ْموَاِلهِمْ َوأَنفُ ِ‬ ‫خلّفُونَ ِبمَ ْقعَدِهِمْ خِ َ‬ ‫{ َفرِحَ ا ْلمُ َ‬ ‫حرّا ّلوْ كَانُوا يَفْ َقهُونَ }‬ ‫ج َهنّمَ أَشَدّ َ‬ ‫حرّ قُلْ نَارُ َ‬ ‫وَقَالُواْ لَ تَن ِفرُواْ فِي الْ َ‬ ‫‪59‬‬ ‫يقول تعالى ذاما للمنافقين المتخلفين عن صحابة رسول ال صلى ال عليه وسلم في غزوة تبوك‬ ‫وفرحوا بقعودهم بعد خروجه " وكرهوا أن يجاهدوا " معه " بأموالهم وأنفسهم في سبيل ال‬ ‫وقالوا " أي بعضهم لبعض " ل تنفروا في الحر " وذلك أن الخروج في غزوة تبوك كان في‬ ‫شدة الحر عند طيب الظلل والثمار فلهذا قالوا " ل تنفروا في الحر " قال ال تعالى لرسوله‬ ‫صلى ال عليه وسلم " قل " لهم " نار جهنم " التي تصيرون إليها بمخالفتكم " أشد حرا " مما‬ ‫فررتم منه من الحر بل أشد حرا من النار كما قال المام مالك عن أبي الزناد عن العرج عن‬ ‫أبي هريرة أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال‪ " .‬نار بني آدم التي توقدونها جزء من‬ ‫سبعين جزءا من نار جهنم " فقالوا يا رسول ال إن كانت لكافية فقال " فضلت عليها بتسعة‬ ‫وستين جزءا " أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك به وقال المام أحمد حدثنا سفيان عن‬ ‫أبي الزناد عن العرج عن أبي هريرة عن النبي صلى ال عليه وسلم قال " إن ناركم هذه جزء‬ ‫من سبعين جزءا من نار جهنم وضربت في البحر مرتين ولول ذلك ما جعل ال فيها منفعة‬ ‫لحد "‪ .‬وهذا أيضا إسناده صحيح وقد روى المام أبو عيسى الترمذي وابن ماجه عن ابن‬ ‫عباس الدوري وعن يحيى بن أبي بكير عن شريك عن عاصم عن أبي صالح عن أبي هريرة‬ ‫رضي ال عنه قال‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم " أوقد ال على النار ألف سنة حتى‬ ‫احمرت ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت فهي سوداء‬ ‫كالليل المظلم " ثم قال الترمذي ل أعلم أحدا رفعه غير يحيى‪ .‬كذا قال وقد رواه الحافظ أبو بكر‬ ‫بن مردويه عن إبراهيم بن محمد عن محمد بن الحسين بن مكرم عن عبيد ال بن سعيد عن‬ ‫عمه عن شريك وهو ابن عبدال النخعي به وروى أيضا ابن مردويه من رواية مبارك بن‬ ‫فضالة عن ثابت عن أنس قال تل رسول ال صلى ال عليه وسلم " نارا وقودها الناس‬ ‫والحجارة " قال " أوقد عليها ألف عام حتى ابيضت وألف عام حتى احمرت وألف عام حتى‬ ‫اسودت فهي سوداء كالليل ل يضيء لهيبها "‪ .‬وروى الحافظ أبو القاسم الطبراني من حديث‬ ‫تمام بن نجيح وقد اختلف فيه عن الحسن عن أنس رفعه " لو أن شرارة بالمشرق ‪ -‬أي من نار‬ ‫جهنم ‪ -‬لوجد حرها من بالمغرب "‪ .‬وروى الحافظ أبو يعلي عن إسحاق بن أبي إسرائيل عن‬ ‫أبي عبيدة الحداد عن هشام بن حسان عن محمد بن شبيب عن جعفر بن أبي وحشية عن سعيد‬ ‫بن جبير عن أبي هريرة قال‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم " لو كان في هذا المسجد مائة‬ ‫ألف أو يزيدون وفيهم رجل من أهل النار فتنفس فأصابهم نفسه لحترق المسجد ومن فيه "‬ ‫‪60‬‬ ‫غريب‪ .‬وقال العمش عن أبي إسحاق عن النعمان بن بشير قال‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه‬ ‫وسلم " إن أهون أهل النار عذابا يوم القيامة لمن له نعلن وشراكان من نار جهنم يغلي منهما‬ ‫دماغه كما يغلي المرجل ل يرى أن أحدا من أهل النار أشد عذابا منه وإنه أهونهم عذابا "‪.‬‬ ‫أخرجاه في الصحيحين من حديث العمش وقال مسلم أيضا حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا‬ ‫يحيى بن أبي كثير حدثنا زهير بن محمد عن سهيل بن أبي صالح عن النعمان بن أبي عياش‬ ‫عن أبي سعيد الخدري أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال " إن أدنى أهل النار عذابا يوم‬ ‫القيامة ينتعل بنعلين من نار يغلي دماغه من حرارة نعليه " وقال المام أحمد حدثنا يحيى عن‬ ‫ابن عجلن سمعت أبي عن أبي هريرة عن النبي صلى ال عليه وسلم قال " إن أدنى أهل النار‬ ‫عذابا رجل يجعل له نعلن يغلي منهما دماغه " وهذا إسناد جيد قوي رجاله على شرط مسلم‬ ‫وال أعلم والحاديث والثار النبوية في هذا كثيرة وقال ال تعالى في كتابه العزيز " كل إنها‬ ‫لظى نزاعة للشوى " وقال تعالى " يصب من فوق رءوسهم الحميم يصهر به ما في بطونهم‬ ‫والجلود ولهم مقامع من حديد كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب‬ ‫الحريق " وقال تعالى " إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كما نضجت جلودهم بدلناهم‬ ‫جلودا غيرها ليذوقوا العذاب " وقال تعالى في هذه الية الكريمة " قل نار جهنم أشد حرا لو‬ ‫كانوا يفقهون " أي لو أنهم يفقهون ويفقهون لنفروا مع الرسول في سبيل ال في الحر ليتقوا به‬ ‫من حر جهنم الذي هو أضعاف هذا ولكنهم كما قال الخر‪ :‬كالمستجير من الرمضاء بالنار وقال‬ ‫الخر‪:‬‬ ‫عمرك بالحمــية أفنيـته‬ ‫كان أولى لك أن تتقـــي‬ ‫خوفا من البارد والحار‬ ‫من المعاصي حذر النــار‬ ‫ل اللّهِ‬ ‫سبِي ِ‬ ‫سهِمْ فِي َ‬ ‫{ ِإ ّنمَا ا ْل ُم ْؤ ِمنُونَ الّذِينَ آ َمنُوا بِاللّهِ َورَسُولِهِ ثُمّ لَمْ َي ْرتَابُوا وَجَاهَدُوا بَِأ ْموَاِلهِمْ َوأَنفُ ِ‬ ‫ُأ ْوَلئِكَ هُ ُم الصّادِقُونَ }‬ ‫"إنما المؤمنون" أي إنما المؤمنون الكمل "الذين آمنوا بال ورسوله ثم لم يرتابوا" أي لم يشكوا‬ ‫ول تزلزلوا بل ثبتوا على حال واحدة وهي التصديق المحض "وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في‬ ‫سبيل ال" أي وبذلوا مهجهم ونفائس أموالهم في طاعة ال ورضوانه "أولئك هم الصادقون" أي‬ ‫في قولهم إذا قالوا إنهم مؤمنون ل كبعض العراب الذين ليس لهم من اليمان إل الكلمة‬ ‫الظاهرة وقال المام أحمد حدثنا يحيى بن غيلن حدثنا رشدين حدثنا عمرو بن الحارث عن أبي‬ ‫‪61‬‬ ‫السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد رضي ال عنه قال إن النبي صلى ال عليه وسلم قال‬ ‫"المؤمنون في الدنيا على ثلثة أجزاء‪ :‬الذين آمنوا بال ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم‬ ‫وأنفسهم في سبيل ال والذي يأمنه الناس على أموالهم وأنفسهم والذي إذا أشرف على طمع‬ ‫تركه ل عز وجل"‪.‬‬ ‫علَى تِجَا َرةٍ تُنجِيكُم مّنْ عَذَابٍ َألِيمٍ * ُت ْؤ ِمنُونَ بِاللّهِ َورَسُولِهِ‬ ‫{ يَا َأ ّيهَا الّذِينَ َآ َمنُوا هَلْ أَ ُدّلكُمْ َ‬ ‫خ ْيرٌ ّلكُمْ إِن كُنتُمْ َت ْعَلمُونَ * َيغْ ِفرْ َلكُمْ ُذنُو َبكُمْ‬ ‫سكُمْ َذِلكُمْ َ‬ ‫ل اللّهِ بَِأ ْموَاِلكُمْ َوأَنفُ ِ‬ ‫سبِي ِ‬ ‫َوتُجَاهِدُونَ فِي َ‬ ‫جنّاتِ عَدْنٍ َذِلكَ الْ َفوْزُ ا ْلعَظِيمُ }‬ ‫ط ّيبَةً فِي َ‬ ‫ح ِتهَا الَْأ ْنهَارُ َومَسَاكِنَ َ‬ ‫جرِي مِن تَ ْ‬ ‫جنّاتٍ تَ ْ‬ ‫خ ْلكُمْ َ‬ ‫َويُدْ ِ‬ ‫عن عبدال بن سلم أن الصحابة رضي ال عنهم أرادوا أن يسألوا رسول ال صلى ال عليه‬ ‫وسلم عن أحب العمال إلى ال عز وجل ليفعلوه فأنزل ال تعالى هذه السورة ومن جملتها هذه‬ ‫الية يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم ثم فسر هذه التجارة‬ ‫العظيمة التي ل تبور والتي هي محصلة للمقصود ومزيلة للمحذور‪.‬‬ ‫فقال تعالى تؤمنون بال ورسوله وتجاهدون في سبيل ال بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن‬ ‫كنتم تعلمون أي من تجارة الدنيا والكد لها والتصدي لها وحدها‪.‬‬ ‫ثم قال تعالى يغفر لكم ذنوبكم أي إن فعلتم ما أمرتكم به ودللتكم عليه غفرت لكم الزلت‬ ‫وأدخلتكم الجنات والمساكن الطيبات والدرجات العاليات ولهذا قال تعالى ويدخلكم جنات تجري‬ ‫من تحتها النهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم‬ ‫ثم قال تعالى وأخرى تحبونها أي وأزيدكم على ذلك زيادة تحبونها وهي نصر من ال وفتح‬ ‫قريب أي إذا قاتلتم في سبيله ونصرتم دينه تكفل ال بنصركم قال ال تعالى " يا أيها الذين آمنوا‬ ‫إن تنصروا ال ينصركم ويثبت أقدامكم " وقال تعالى " ولينصرن ال من ينصره إن ال لقوي‬ ‫عزيز " وقوله تعالى " وفتح قريب " أي عاجل فهذه الزيادة هي خير الدنيا موصول بنعيم‬ ‫الخرة لمن أطاع ال ورسوله ونصر ال ودينه ولهذا قال تعالى وبشر المؤمنين‪.‬‬ ‫إخلص النية في الجهاد‬ ‫عن عمر بن الخطاب وهو يخطب الناس فقال سمعت رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول {‬ ‫إنما العمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى ال وإلى رسوله فهجرته إلى‬ ‫ال وإلى رسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه}‬ ‫متفق عليه‬ ‫‪62‬‬ ‫عن أبي موسى قال سئل النبي صلى ال عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية‬ ‫ويقاتل رياء فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم { من قاتل لتكون كلمة ال هي العليا فهو في‬ ‫سبيل ال } البخاري ومسلم‬ ‫عن أبي هريرة أن رجل قال يا رسول ال رجل يريد الجهاد في سبيل ال وهو يبتغي عرضا‬ ‫من عرض الدنيا فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم { ل أجر له } فأعظم ذلك الناس وقالوا‬ ‫للرجل عد لرسول ال صلى ال عليه وسلم فلعلك لم تفهمه فقال يا رسول ال رجل يريد الجهاد‬ ‫في سبيل ال وهو يبتغي عرضا من عرض الدنيا فقال { ل أجر له } فقالوا للرجل عد لرسول‬ ‫ال صلى ال عليه وسلم فقال له الثالثة فقال له { ل أجر له }حديث حسن رواه ابو داود‬ ‫عن أبى هريرة رضى ال عنه قال سمعت رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول { إن أول‬ ‫الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها‬ ‫قال قاتلت فيك حتى استشهدت قال كذبت ولكنك قاتلت لن يقال جريء فقد قيل ثم أمر به‬ ‫فسحب على وجهه حتى ألقي في النار‪ ..‬الحديث }رواه مسلم‬ ‫الترغيب في سؤال الشهادة في سبيل ال‬ ‫عن سهل بن حنيف رضي ال عنه أن النبي صلى ال عليه وسلم قال { من سأل ال الشهادة‬ ‫بصدق بلغه ال منازل الشهداء وإن مات على فراشه}رواه مسلم‬ ‫وفي رواية { من جرح جرحا في سبيل ال جاء يوم القيامة ريحه ريح المسك ‪ ،‬ولونه لون‬ ‫الزعفران ‪ ،‬عليه طابع الشهداء ‪ ،‬ومن سأل ال الشهادة مخلصا أعطاه ال أجر شهيد وإن مات‬ ‫على فراشه }حسن رواه ابن حبان‬ ‫عن أنس بن مالك قال ‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم {من طلب الشهادة صادقا أعطيها‬ ‫ولو لم تصبه}رواه مسلم‬ ‫عن معاذ بن جبل حدثهم أنه سمع رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول{ من قاتل في سبيل ال‬ ‫فواق ناقة فقد وجبت له الجنة ومن سأل ال القتل من نفسه صادقا ثم مات أو قتل فإن له أجر‬ ‫شهيد زاد ابن المصفى من هنا ومن جرح جرحا في سبيل ال أو نكب نكبة فإنها تجيء يوم‬ ‫القيامة كأغزر ما كانت لونها لون الزعفران وريحها ريح المسك ومن خرج به خراج في سبيل‬ ‫ال فإن عليه طابع الشهداء } صحيح رواه أبو دواد ‪.‬‬ ‫الحث على العداد وفضل الرمي والشيب‬ ‫‪63‬‬ ‫عن عقبة بن عامر الجهني قال سمعت رسول ال صلى ال عليه وسلم وهو على المنبر يقول{ (‬ ‫وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ) أل إن القوة الرمي أل إن القوة الرمي أل إن القوة الرمي}‬ ‫رواه مسلم وغيره‬ ‫عن سلمة بن الكوع قال ‪ :‬مر النبي على نفر من أسلم ينتضلون فقال النبي صلى ال عليه‬ ‫وسلم {ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميا وأنا مع بني فلن قال ‪ :‬فأمسك أحد الفريقين‬ ‫بأيديهم فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم ما لكم ل ترمون قالوا كيف نرمي وأنت معهم فقال‬ ‫النبي صلى ال عليه وسلم وأنا معكم كلكم} أخرجه البخاري وأحمد‬ ‫عن عمرو بن عبسة قال سمعت رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول {من رمى العدو بسهم‬ ‫فبلغ سهمه العدو أصاب أو أخطأ فعدل رقبة }صحيح رواه ابن ماجه‬ ‫عن أبي نجيح السلمي قال قال رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ { :‬من شاب شيبة في سبيل ال‬ ‫كانت له نورا يوم القيامة ‪ ،‬ومن رمى بسهم كان له نورا يوم القيامة ‪} ...‬صحيح أخرجه‬ ‫البيهقي‬ ‫عن أبي نجيح السلمي قال سمعت رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول { من بلغ بسهم في‬ ‫سبيل ال فهو له درجة في الجنة فبلغت يومئذ ستة عشر سهما قال وسمعت رسول ال صلى‬ ‫ال عليه وسلم يقول من رمى بسهم في سبيل ال فهو عدل محرر } صحيح رواه النسائي‬ ‫عن عقبة بن عامر رضي ال عنه قال ‪:‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‬ ‫{ من علم الرمي ثم تركه فليس منا}رواه مسلم‬ ‫فضل الرباط في سبيل ال‬ ‫عن سهل بن سعد الساعدي رضي ال عنه أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال { رباط‬ ‫يوم في سبيل ال خير من الدنيا وما عليها وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما‬ ‫عليها والروحة يروحها العبد في سبيل ال أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها } البخارى‬ ‫مسلم‬ ‫عن سلمان رضي ال عنه قال سمعت رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول { رباط يوم وليلة‬ ‫خير من صيام شهر وقيامه وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله وأجري عليه رزقه‬ ‫وأمن الفتان } رواه مسلم‬ ‫‪64‬‬ ‫عن فضالة بن عبيد رضي ال عنه أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال { كل الميت يختم‬ ‫على عمله إل المرابط فإنه ينمو له عمله إلى يوم القيامة ويؤمن من فتان القبر }صحيح رواه‬ ‫أبو داود‬ ‫عن عبد ال بن الزبير قال خطب عثمان بن عفان الناس فقال يا أيها الناس إني سمعت حديثا‬ ‫من رسول ال صلى ال عليه وسلم لم يمنعني أن أحدثكم به إل الضن بكم وبصحابتكم‬ ‫فليختر مختار لنفسه أو ليدع سمعت رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول {من رابط ليلة في‬ ‫سبيل ال سبحانه كانت كألف ليلة صيامها وقيامها} حسن رواه ابن ماجه‬ ‫عن عثمان بن عفان رضي ال عنه قال سمعت رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول {رباط‬ ‫يوم في سبيل ال خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل }حسن رواه النسائى‬ ‫عن أبي هريرة رضى ال عنه قال سمعت رسول ال يقول‬ ‫{ موقف ساعة في سبيل ال خير من قيام ليلة القدر عند الحجر السود } السلسله الصحيحة‬ ‫عن أبي هريرة رضي ال عنه عن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال {من مات مرابطا في‬ ‫سبيل ال أجرى عليه أجر عمله الصالح الذي كان يعمل وأجرى عليه رزقه وأمن من الفتان‬ ‫وبعثه ال يوم القيامة آمنا من الفزع }صحيح رواه ابن ماجه‬ ‫عن أبي هريرة رضي ال عنه أن النبي صلى ال عليه وسلم قال {خير معايش الناس لهم رجل‬ ‫ممسك بعنان فرسه في سبيل ال ويطير على متنه كلما سمع هيعة أو فزعة طار عليه إليها‬ ‫يبتغي الموت أو القتل مظانه ورجل في غنيمة في رأس شعفة من هذه الشعاف أو بطن واد من‬ ‫هذه الودية يقيم الصلة ويؤتي الزكاة ويعبد ربه حتى يأتيه اليقين ليس من الناس إل في‬ ‫خير}روامسلم‬ ‫فضل الحراسة في سبيل ال‬ ‫عن ابن عباس رضي ال عنه قال سمعت رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول { عينان ل‬ ‫تمسهما النار عين بكت من خشية ال وعين باتت تحرس في سبيل الله } حسن رواه الترمذي‬ ‫عن معاوية بن حيدة رضي ال عنه قال ‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم { ثلثة ل ترى‬ ‫أعينهم النار يوم القيامة ‪ :‬عين بكت من خشية ال ‪ ،‬وعين حرست في سبيل ال ‪ ،‬وعين غضت‬ ‫عن محارم ال }السلسلة الصحيحة‬ ‫‪65‬‬ ‫عن ابن عمر رضى ال عنهما ان النبي صلى ال عليه وسلم قال { أل أنبئكم بليلة أفضل من‬ ‫ليلة القدر ؟ حارس الحرس في أرض خوف لعله أن ل يرجع إلى أهله }السلسلة الصحيحة‬ ‫عن سهل ابن الحنظلية أنهم ساروا مع رسول ال صلى ال عليه وسلم يوم حنين فأطنبوا السير‬ ‫حتى كانت عشية فحضرت الصلة عند رسول ال صلى ال عليه وسلم فجاء رجل فارس فقال‬ ‫يا رسول ال إني انطلقت بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا وكذا فإذا أنا بهوازن على بكرة آبائهم‬ ‫بظعنهم ونعمهم وشائهم اجتمعوا إلى حنين فتبسم رسول ال صلى ال عليه وسلم وقال {تلك‬ ‫غنيمة المسلمين غدا إن شاء ال} ثم قال من يحرسنا الليلة }قال أنس بن أبي مرثد الغنوي أنا يا‬ ‫رسول ال قال فاركب فركب فرسا له فجاء إلى رسول ال صلى ال عليه وسلم فقال له رسول‬ ‫ال صلى ال عليه وسلم {استقبل هذا الشعب حتى تكون في أعله ول نغرن من قبلك الليلة }فلما‬ ‫أصبحنا خرج رسول ال صلى ال عليه وسلم إلى مصله فركع ركعتين ثم {قال هل أحسستم‬ ‫فارسكم} قالوا يا رسول ال ما أحسسناه فثوب بالصلة فجعل رسول ال صلى ال عليه وسلم‬ ‫يصلي وهو يلتفت إلى الشعب حتى إذا قضى صلته وسلم قال{ أبشروا فقد جاءكم فارسكم }‬ ‫فجعلنا ننظر إلى خلل الشجر في الشعب فإذا هو قد جاء حتى وقف على رسول ال صلى ال‬ ‫عليه وسلم فسلم فقال إني انطلقت حتى كنت في أعلى هذا الشعب حيث أمرني رسول ال صلى‬ ‫ال عليه وسلم فلما أصبحت اطلعت الشعبين كليهما فنظرت فلم أر أحدا فقال له رسول ال صلى‬ ‫ال عليه وسلم {هل نزلت الليلة} قال ل إل مصليا أو قاضيا حاجة فقال له رسول ال صلى ال‬ ‫عليه وسلم {قد أوجبت فل عليك أن ل تعمل بعدها }صحيح رواه النسائى وابو داود‬ ‫فضل النفقة والتجهيز‬ ‫عن خريم بن فاتك رضي ال عنه قال قال رسول ال صلى ال عليه وسلم { من أنفق نفقة في‬ ‫سبيل ال كتبت له بسبع مائة ضعف}صحيح رواه الترمذي و النسائي‬ ‫زيد بن خالد رضي ال عنه أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال { من جهز غازيا في‬ ‫سبيل ال فقد غزا ومن خلف غازيا في سبيل ال بخير فقد غزا }البخاري مسلم وغيرهما‬ ‫عن زيد بن خالد الجهني رضي ال عنه قال قال رسول ال صلى ال عليه وسلم { من جهز‬ ‫غازيا في سبيل ال كان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجر الغازي شيئا }صحيح رواه‬ ‫ابن ماجه‬ ‫‪66‬‬ ‫عن أبي أمامة رضي ال عنه قال قال رسول ال صلى ال عليه وسلم { أفضل الصدقات ظل‬ ‫فسطاط في سبيل ال ومنيحة خادم في سبيل ال أو طروقة فحل في سبيل ال }صحيح‬ ‫رواه الترمذي‬ ‫فضل الصوم في سبيل ال‬ ‫عن أبي سعيد الخدري رضي ال عنه قال قال رسول ال صلى ال عليه وسلم { ما من عبد‬ ‫يصوم يوما في سبيل ال إل باعد ال بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفا }البخاري ومسلم‬ ‫عن أبي أمامة الباهلي رضي ال عنه عن النبي صلى ال عليه وسلم قال { من صام يوما‬ ‫في سبيل ال جعل ال بينه وبين النار خندقا كما بين السماء والرض }حسن رواه الترمذي‬ ‫عن عمر بن عبسه رضي ال عنه قال قال رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ { :‬من صام يوما‬ ‫في سبيل ال بعدت منه النار مسيرة مئة عام }حسن رواه الطبراني‬ ‫فضل الغدوة والروحة في سبيل ال‬ ‫عن أنس رضي ال عنه أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال { لغدوة في سبيل ال أو‬ ‫روحة خير من الدنيا وما فيها ولقاب قوس أحدكم أو موضع يده في الجنة خير من الدنيا وما‬ ‫فيها ولو أن امرأة من نساء أهل الجنة اطلعت إلى الرض لضاءت ما بينهما ولملت ما بينهما‬ ‫ريحا ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها } رواه البخاري مسلم والترمذي وغيرهم‬ ‫عن سهل بن سعد الساعدي رضي ال عنه أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال { رباط‬ ‫يوم في سبيل ال خير من الدنيا وما عليها وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما‬ ‫عليها والروحة يروحها العبد في سبيل ال أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها }رواه‬ ‫البخاري ومسلم‬ ‫عن أبي أيوب النصاري رضي ال عنه قال قال رسول ال صلى ال عليه وسلم { غدوة في‬ ‫سبيل ال أو روحة خير مما طلعت عليه الشمس وغربت }حديث صحيح رواه النسائي‬ ‫عن أبي هريرة رضي ال عنه قال قال رسول ال صلى ال عليه وسلم { تضمن ال لمن‬ ‫خرج في سبيله ل يخرجه إل جهادا في سبيلي وإيمانا بي وتصديقا برسلي فهو علي ضامن أن‬ ‫أدخله الجنة أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائل ما نال من أجر أو غنيمة والذي نفس‬ ‫محمد بيده ما من كلم يكلم في سبيل ال إل جاء يوم القيامة كهيئته حين كلم لونه لون دم‬ ‫وريحه مسك والذي نفس محمد بيده لول أن يشق على المسلمين ما قعدت خلف سرية‬ ‫‪67‬‬ ‫تغزو في سبيل ال أبدا ولكن ل أجد سعة فأحملهم ول يجدون سعة ويشق عليهم أن يتخلفوا‬ ‫عني والذي نفس محمد بيده لوددت أني أغزو في سبيل ال فأقتل ثم أغزو فأقتل ثم أغزو‬ ‫فأقتل }رواه مسلم‬ ‫عن معاذ رضي ال عنه قال عهد إلينا رسول ال صلى ال عليه وسلم { في خمس من فعل‬ ‫منهن كان ضامنا على ال من عاد مريضا أوخرج مع جنازة أو خرج غازيا في سبيل ال أو‬ ‫دخل على إمام يريد بذلك تعزيره وتوقيره أو قعد في بيته فيسلم الناس منه ويسلم } حسن رواه‬ ‫احمد وغيره‬ ‫فضل الغبار في سبيل ال‬ ‫عن أبي هريرة رضي ال عنه قال قال رسول ال صلى ال عليه وسلم { ل يلج النار رجل‬ ‫بكى من خشية ال حتى يعود اللبن في الضرع ول يجتمع غبار في سبيل ال ودخان جهنم }‬ ‫صحيح رواه الترمذي‬ ‫عن أبي هريرة رضي ال عنه عن النبي صلى ال عليه وسلم قال { ل يجتمع غبار في سبيل‬ ‫ال عز وجل ودخان جهنم في منخري مسلم أبدا }صحيح رواه النسائي‬ ‫عن أبي هريرة رضي ال عنه عن النبي صلى ال عليه وسلم قال { ل يجتمع غبار في سبيل‬ ‫ال ودخان جهنم في وجه رجل أبدا ول يجتمع الشح واليمان في قلب عبد أبدا }صحيح رواه‬ ‫النسائي‬ ‫عبد الرحمن بن جبر رضي ال عنه أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال{ ما اغبرت قدما‬ ‫عبد في سبيل ال فتمسه النار }رواه البخاري‬ ‫عن مالك بن عبد ال الخثعمي رضي ال عنه قال قال رسول ال صلى ال عليه وسلم { من‬ ‫اغبرت قدماه في سبيل ال حرمه ال على النار }صحيح رواه احمد‬ ‫عن أبي الدرداء رضي ال عنه قال قال رسول ال صلى ال عليه وسلم { ل يجمع ال في‬ ‫جوف رجل غبارا في سبيل ال ودخان جهنم ومن اغبرت قدماه في سبيل ال حرم ال سائر‬ ‫جسده على النار }حسن رواه احمد‬ ‫فضل الخوف في سبيل ال‬ ‫‪68‬‬ ‫عن عائشة رضي ال عنها قالت سمعت رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول { ما خالط قلب‬ ‫امرئ مسلم رهج في سبيل ال إل حرم ال عليه النار }صحيح رواه احمد‬ ‫عن أم مالك البهزية رضي ال عنها قالت ذكر رسول ال صلى ال عليه وسلم فتنة فقربها‬ ‫قالت قلت يا رسول ال من خير الناس فيها قال { رجل في ماشيته يؤدي حقها ويعبد ربه ورجل‬ ‫آخذ برأس فرسه يخيف العدو ويخيفونه } حسن رواه الترمذي‬ ‫فضل الجهاد في سبيل ال‬ ‫عن أبي هريرة رضي ال عنه أن رسول ال صلى ال عليه وسلم سئل أي العمل أفضل فقال‬ ‫{ إيمان بال ورسوله قيل ثم ماذا قال الجهاد في سبيل ال قيل ثم ماذا قال حج مبرور }رواه‬ ‫البخاري‬ ‫عن أبي هريرة رضي ال عنه قال سئل رسول ال صلى ال عليه وسلم أي العمال أفضل‬ ‫قال{ إيمان بال قال ثم ماذا قال الجهاد في سبيل ال قال ثم ماذا قال حج مبرور }رواه مسلم‬ ‫عن أبي سعيد رضي ال عنه قال قال رجل أي الناس أفضل يا رسول ال قال { مؤمن يجاهد‬ ‫بنفسه وماله في سبيل ال قال ثم من قال ثم رجل معتزل في شعب من الشعاب يعبد ربه‬ ‫ويدع الناس من شره }رواه البخاري ومسلم‬ ‫عن أبي سعيد رضي ال عنه قال قيل يا رسول ال أي المؤمنين أفضل قال {مؤمن يجاهد في‬ ‫سبيل ال بنفسه وماله قالوا ثم من قال مؤمن اعتزل في شعب من الشعاب أو الشعبة كفى‬ ‫الناس شره }حسن رواه احمد‬ ‫عن ابن عباس رضي ال عنه أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال { أل أخبركم بخير‬ ‫الناس منزل} قلنا بلى يا رسول ال قال {رجل آخذ برأس فرسه في سبيل ال عز وجل حتى‬ ‫يموت أو يقتل وأخبركم بالذي يليه قلنا نعم يا رسول ال قال رجل معتزل في شعب يقيم‬ ‫الصلة ويؤتي الزكاة ويعتزل شرور الناس وأخبركم بشر الناس قلنا نعم يا رسول ال قال الذي‬ ‫يسأل بال عز وجل ول يعطي به }صحيح رواه النسائي‬ ‫عن أبي هريرة رضي ال عنه قال مر رجل من أصحاب رسول ال صلى ال عليه وسلم‬ ‫بشعب فيه عيينة من ماء عذبة فأعجبته لطيبها فقال لو اعتزلت الناس فأقمت في هذا الشعب‬ ‫ولن أفعل حتى أستأذن رسول ال صلى ال عليه وسلم فذكر ذلك لرسول ال صلى ال عليه‬ ‫وسلم فقال { ل تفعل فإن مقام أحدكم في سبيل ال أفضل من صلته في بيته سبعين عاما أل‬ ‫‪69‬‬ ‫تحبون أن يغفر ال لكم ويدخلكم الجنة اغزو في سبيل ال من قاتل في سبيل ال فواق ناقة‬ ‫وجبت له الجنة }حسن رواه الترمذي‬ ‫عن أبي أمامة رضي ال عنه قال خرجنا مع رسول ال صلى ال عليه وسلم في سرية من‬ ‫سراياه قال فمر رجل بغار فيه شيء من ماء قال فحدث نفسه بأن يقيم في ذلك الغار فيقوته ما‬ ‫كان فيه من ماء ويصيب ما حوله من البقل ويتخلى من الدنيا ثم قال لو أني أتيت نبي ال‬ ‫صلى ال عليه وسلم فذكرت ذلك له فإن أذن لي فعلت وإل لم أفعل فأتاه فقال يا نبي ال إني‬ ‫مررت بغار فيه ما يقوتني من الماء والبقل فحدثتني نفسي بأن أقيم فيه وأتخلى من الدنيا قال‬ ‫فقال النبي صلى ال عليه وسلم { إني لم أبعث باليهودية ول بالنصرانية ولكني بعثت بالحنيفية‬ ‫السمحة والذي نفس محمد بيده لغدوة أو روحة في سبيل ال خير من الدنيا وما فيها ولمقام‬ ‫أحدكم في الصف خير من صلته ستين سنة }‬ ‫حسن رواه احمد‬ ‫عن أبي هريرة رضي ال عنه قال قيل للنبي صلى ال عليه وسلم ما يعدل الجهاد في سبيل‬ ‫ال عز وجل قال{ ل تستطيعونه } قال فأعادوا عليه مرتين أو ثلثا كل ذلك يقول { ل‬ ‫تستطيعونه } وقال في الثالثة {مثل المجاهد في سبيل ال كمثل الصائم القائم القانت بآيات ال ل‬ ‫يفتر من صيام ولصلة حتى يرجع المجاهد في سبيل ال تعالى }رواه مسلم‬ ‫عن أبي هريرة رضي ال عنه قال جاء رجل إلى رسول ال صلى ال عليه وسلم فقال دلني‬ ‫على عمل يعدل الجهاد قال { ل أجده قال هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك‬ ‫فتقوم ول تفتر وتصوم ول تفطر قال ومن يستطيع ذلك } قال أبو هريرة إن فرس المجاهد‬ ‫ليستن في طوله فيكتب له حسنات‬ ‫رواه البخاري‬ ‫عن أبي سعيد الخدري رضي ال عنه أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال{ يا أبا سعيد‬ ‫من رضي بال ربا وبالسلم دينا وبمحمد نبيا وجبت له الجنة }فعجب لها أبو سعيد فقال‬ ‫أعدها علي يا رسول ال ففعل ثم قال { وأخرى يرفع بها العبد مائة درجة في الجنة ما بين كل‬ ‫درجتين كما بين السماء والرض قال وما هي يا رسول ال قال الجهاد في سبيل ال الجهاد في‬ ‫سبيل ال }رواه مسلم والنسائي‬ ‫‪70‬‬ ‫عن أبي بكر بن أبي موسى الشعري قال سمعت أبي بحضرة العدو يقول قال رسول ال‬ ‫صلى ال عليه وسلم { إن أبواب الجنة تحت ظلل السيوف فقال رجل من القوم رث الهيئة‬ ‫أأنت سمعت هذا من رسول ال صلى ال عليه وسلم يذكره قال نعم فرجع إلى أصحابه فقال‬ ‫أقرأ عليكم السلم وكسر جفن سيفه فضرب به حتى قتل } رواه مسلم والترمذي‬ ‫عن أنس بن مالك قال بعث رسول ال صلى ال عليه وسلم بسيسة عينا ينظر ما صنعت‬ ‫عير أبي سفيان فجاء وما في البيت أحد غيري وغير رسول ال صلى ال عليه وسلم قال ل‬ ‫أدري ما استثنى بعض نسائه قال فحدثه الحديث قال فخرج رسول ال صلى ال عليه وسلم‬ ‫فتكلم فقال { إن لنا طلبة فمن كان ظهره حاضرا فليركب معنا فجعل رجال يستأذنونه في‬ ‫ظهرانهم في علو المدينة فقال ل إل من كان ظهره حاضرا فانطلق رسول ال صلى ال‬ ‫عليه وسلم وأصحابه حتى سبقوا المشركين إلى بدر وجاء المشركون فقال رسول ال صلى‬ ‫ال عليه وسلم ل يقدمن أحد منكم إلى شيء حتى أكون أنا دونه فدنا المشركون فقال رسول‬ ‫ال صلى ال عليه وسلم قوموا إلى جنة عرضها السموات والرض قال يقول عمير بن‬ ‫الحمام النصاري يا رسول ال جنة عرضها السموات والرض قال نعم قال بخ بخ فقال‬ ‫رسول ال صلى ال عليه وسلم ما يحملك على قولك بخ بخ قال ل وال يا رسول ال إل‬ ‫رجاءة أن أكون من أهلها قال فإنك من أهلها فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن ثم قال‬ ‫لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة قال فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتلهم‬ ‫حتى قتل }رواه مسلم‬ ‫عن عبد ال بن حبشي الخثعمي رضي ال عنه أن النبي صلى ال عليه وسلم سئل أي العمال‬ ‫أفضل قال‬ ‫{ إيمان ل شك فيه وجهاد ل غلول فيه وحجة مبرورة قيل فأي الصلة أفضل قال طول‬ ‫القنوت قيل فأي الصدقة أفضل قال جهد المقل قيل فأي الهجرة أفضل قال من هجر ما حرم‬ ‫ال عز وجل قيل فأي الجهاد أفضل قال من جاهد المشركين بماله ونفسه قيل فأي القتل أشرف‬ ‫قال من أهريق دمه وعقرجواده }صحيح رواه النسائي‬ ‫عن معاذ بن أنس رضي ال عنه عن النبي صلى ال عليه وسلم أن امرأة أتته فقالت يا رسول‬ ‫ال انطلق زوجي غازيا وكنت أقتدي بصلته إذا صلى وبفعله كله فأخبرني بعمل يبلغني عمله‬ ‫حتى يرجع فقال لها { أتستطيعين أن تقومي ول تقعدي وتصومي ول تفطري وتذكري ال‬ ‫‪71‬‬ ‫تبارك وتعالى ول تفتري حتى يرجع قالت ما أطيق هذا يا رسول ال فقال والذي نفسي بيده لو‬ ‫طوقتيه ما بلغت العشر من عمله حتى يرجع }حسن رواه احمد‬ ‫عن النعمان بن بشير رضي ال عنه قال قال رسول ال صلى ال عليه وسلم { مثل المجاهد‬ ‫في سبيل ال كمثل الصائم نهاره والقائم ليله حتى يرجع متى يرجع }صحيح رواه أحمد‬ ‫فضل الكلم في سبيل ال‬ ‫عن معاذ بن جبل رضي ال عنه عن النبي صلى ال عليه وسلم قال { من قاتل في سبيل ال‬ ‫من رجل مسلم فواق ناقة وجبت له الجنة ومن جرح جرحا في سبيل ال أو نكب نكبة فإنها‬ ‫تجيء يوم القيامة كأغزر ما كانت لونها الزعفران وريحها كالمسك }‬ ‫صحيح رواه الترمذي وغيره‬ ‫عن أبي هريرة رضي ال عنه أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال { والذي نفسي بيده ل‬ ‫يكلم أحد في سبيل ال وال أعلم بمن يكلم في سبيله إل جاء يوم القيامة واللون لون الدم‬ ‫والريح ريح المسك }رواه البخاري‬ ‫عن أبي هريرة رضي ال عنه عن النبي صلى ال عليه وسلم قال { كل كلم يكلمه المسلم في‬ ‫سبيل ال يكون يوم القيامة كهيئتها إذ طعنت تفجر دما اللون لون الدم والعرف عرف المسك‬ ‫}رواه البخاري‬ ‫عن أبي أمامة رضي ال عنه عن النبي صلى ال عليه وسلم قال { ليس شيء أحب إلى ال‬ ‫من قطرتين وأثرين قطرة من دموع في خشية ال وقطرة دم تهراق في سبيل ال وأما‬ ‫الثران فأثر في سبيل ال وأثر في فريضة من فرائض ال }حسن رواه الترمذي‬ ‫فضل من قتل كافر في سبيل ال‬ ‫عن أبي هريرة رضي ال عنه أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال { ل يجتمع كافر وقاتله‬ ‫في النار أبدا }رواه مسلم‬ ‫عن أبي هريرة رضي ال عنه أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال { ل يجتمعان في النار‬ ‫اجتماعا يضر أحدهما مسلم قتل كافرا ثم سدد المسلم أو قارب ول يجتمعان في جوف عبد‬ ‫غبار في سبيل ال ودخان جهنم ول يجتمعان في قلب عبد اليمان والشح }حسن رواه احمد‬ ‫‪72‬‬ ‫عن أبي هريرة رضي ال عنه قال قال رسول ال صلى ال عليه وسلم { ل يجتمعان في‬ ‫النار أبدا اجتماعا يضر أحدهما قالوا من يا رسول ال قال مؤمن يقتله كافر ثم يسدد بعد‬ ‫ذلك }حسن رواه احمد‬ ‫فضل الشهادة في سبيل ال‬ ‫أنس بن مالك رضي ال عنه عن النبي صلى ال عليه وسلم قال {ما أحد يدخل الجنة يحب أن‬ ‫يرجع إلى الدنيا وله ما على الرض من شيء إل الشهيد يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر‬ ‫مرات لما يرى من الكرامة }رواه البخاري ومسلم والترمذي‬ ‫عن أنس رضي ال عنه قال قال رسول ال صلى ال عليه وسلم { يؤتى بالرجل من أهل الجنة‬ ‫فيقول ال عز وجل يا ابن آدم كيف وجدت منزلك فيقول أي رب خير منزل فيقول سل‬ ‫وتمن فيقول أسألك أن تردني إلى الدنيا فأقتل في سبيلك عشر مرات لما يرى من فضل الشهادة‬ ‫}صحيح رواه النسائي‬ ‫عن أبي هريرة رضي ال عنه قال سمعت رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول {والذي‬ ‫نفسي بيده لول أن رجال يكرهون أن يتخلفوا بعدي ول أجد ما أحملهم ما تخلفت لوددت أني‬ ‫أقتل في سبيل ال ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل }رواه البخاري‬ ‫عن عبد ال بن عمرو بن العاص رضي ال عنهما أن رسول ال صلى ال عليه وسلم‬ ‫قال { يغفر للشهيد كل ذنب إل الدين }رواه مسلم‬ ‫عن أبي قتادة رضي ال عنه عن رسول ال صلى ال عليه وسلم أنه قام فيهم فذكر لهم أن‬ ‫الجهاد في سبيل ال واليمان بال أفضل العمال فقام رجل فقال يا رسول ال أرأيت إن قتلت‬ ‫في سبيل ال تكفر عني خطاياي فقال له رسول ال صلى ال عليه وسلم { نعم إن قتلت في‬ ‫سبيل ال وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر} ثم قال رسول ال صلى ال عليه وسلم {‬ ‫كيف قلت } قال أرأيت إن قتلت في سبيل ال أتكفر عني خطاياي فقال رسول ال صلى ال‬ ‫عليه وسلم {نعم وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر إل الدين فإن جبريل عليه السلم‬ ‫قال لي ذلك }رواه مسلم‬ ‫عن ابن أبي عميرة رضي ال عنه أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال {ما من الناس نفس‬ ‫مسلم يقبضها ال عز وجل تحب أن تعود إليكم وأن لها الدنيا وما فيها غير الشهيد }‬ ‫‪73‬‬ ‫و قال ابن أبي عميرة قال رسول ال صلى ال عليه وسلم { لن أقتل في سبيل ال أحب إلي‬ ‫من أن يكون لي المدر والوبر } صحيح رواه احمد‬ ‫عن أنس رضي ال عنه قال غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر فقال يا رسول ال‬ ‫غبت عن أول قتال قاتلت المشركين لئن ال أشهدني قتال المشركين ليرين ال ما أصنع فلما‬ ‫كان يوم أحد وانكشف المسلمون قال اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلء يعني أصحابه‬ ‫وأبرأ إليك مما صنع هؤلء يعني المشركين ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ فقال يا سعد بن‬ ‫معاذ الجنة ورب النضر إني أجد ريحها من دون أحد قال سعد فما استطعت يا رسول‬ ‫ال ما صنع قال أنس فوجدنا به بضعا وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم‬ ‫ووجدناه قد قتل وقد مثل به المشركون فما عرفه أحد إل أخته ببنانه قال أنس كنا نرى أو‬ ‫نظن أن هذه الية نزلت فيه وفي أشباهه ( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا ال عليه)‬ ‫رواه البخاري‬ ‫عن سمرة رضي ال عنه قال النبي صلى ال عليه وسلم { رأيت الليلة رجلين أتياني فصعدا بي‬ ‫الشجرة فأدخلني دارا هي أحسن وأفضل لم أر قط أحسن منها قال أما هذه الدار فدار الشهداء‬ ‫}رواه البخاري‬ ‫عن جابر بن عبد ال رضي ال عنه يقول لما قتل عبد ال بن عمرو بن حرام يوم أحد‬ ‫قال رسول ال صلى ال عليه وسلم يا جابر أل أخبرك ما قال ال عز وجل لبيك قلت بلى‬ ‫قال { ما كلم ال أحدا إل من وراء حجاب وكلم أباك كفاحا فقال يا عبدي تمن علي أعطك قال‬ ‫يا رب تحييني فأقتل فيك ثانية قال إنه سبق مني أنهم إليها ل يرجعون قال يا رب فأبلغ من‬ ‫ورائي فأنزل ال عز وجل هذه الية ول تحسبن الذين قتلوا في سبيل ال أمواتا بل أحياء عند‬ ‫ربهم يرزقون }صحيح رواه الترمذي‬ ‫عن ابن عباس رضي ال عنهما قال ‪:‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم { رأيت جعفر بن أبي‬ ‫طالب ملكا يطير في الجنة مع الملئكة بجناحين }حسن رواه الطبراني‬ ‫عن عبد ال بن عمر رضي ال عنهما قال أمر رسول ال صلى ال عليه وسلم في غزوة‬ ‫مؤتة زيد بن حارثة فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم { إن قتل زيد فجعفر وإن قتل‬ ‫جعفر فعبد ال بن رواحة قال عبد ال كنت فيهم في تلك الغزوة فالتمسنا جعفر بن أبي‬ ‫طالب فوجدناه في القتلى ووجدنا ما في جسده بضعا وتسعين من طعنة ورمية } رواه البخاري‬ ‫‪74‬‬ ‫عن جابر رضي ال عنه قال قالوا يا رسول ال أي الجهاد أفضل{ قال من عقر جواده‬ ‫وأهريق دمه }صحيح رواه احمد‬ ‫عن أبي هريرة رضي ال عنه قال قال رسول ال صلى ال عليه وسلم { ما يجد الشهيد من‬ ‫مس القتل إل كما يجد أحدكم من مس القرصة }صحيح رواه الترمذي وغيره‬ ‫عن أبي الدرداء رضي ال عنه يقول قال رسول ال صلى ال عليه وسلم { يشفع الشهيد في‬ ‫سبعين من أهل بيته }حسن رواه ابوداود‬ ‫عن عتبة بن عبد السلمي رضي ال عنه وكان من أصحاب النبي صلى ال عليه وسلم قال‬ ‫قال رسول ال صلى ال عليه وسلم { القتل ثلثة رجل مؤمن قاتل بنفسه وماله في سبيل ال‬ ‫حتى إذا لقي العدو قاتلهم حتى يقتل فذلك الشهيد المفتخر في خيمة ال تحت عرشه ل يفضله‬ ‫النبيون إل بدرجة النبوة ورجل مؤمن قرف على نفسه من الذنوب والخطايا جاهد بنفسه وماله‬ ‫في سبيل ال حتى إذا لقي العدو قاتل حتى يقتل محيت ذنوبه وخطاياه إن السيف محاء الخطايا‬ ‫وأدخل من أي أبواب الجنة شاء فإن لها ثمانية أبواب ولجهنم سبعة أبواب وبعضها أفضل من‬ ‫بعض ورجل منافق جاهد بنفسه وماله حتى إذا لقي العدو قاتل في سبيل ال حتى يقتل فإن ذلك‬ ‫في النار السيف ل يمحو النفاق }حسن رواه احمد‬ ‫عن نعيم بن همار رضي ال عنه أن رجل سأل النبي صلى ال عليه وسلم أي الشهداء أفضل‬ ‫قال { الذين إن يلقوا في الصف يلفتون وجوههم حتى يقتلوا أولئك ينطلقون في الغرف العلى‬ ‫من الجنة ويضحك إليهم ربهم وإذا ضحك ربك إلى عبد في الدنيا فل حساب عليه }صحيح رواه‬ ‫احمد‬ ‫عن أبي سعيد رضي ال عنه قال قال رسول ال صلى ال عليه وسلم { أفضل الجهاد عند ال‬ ‫يوم القيامة الذين يلقون في الصف الول فل يلفتون وجوههم حتى يقتلوا ‪ ،‬اولئك يتلبطون في‬ ‫الغرف العلى من الجنة ينظر إليهم ربك ‪ ،‬إن ربك إذا ضحك إلى قوم فل حساب عليهم }صحيح‬ ‫رواه الطبراني السلسلة الصحيحة‬ ‫عن عبدال بن عمرو رضي ال عنه قال قال رسول ال صلى ال عليه وسلم {أول ثلة يدخلون‬ ‫الجنة الفقراء المهاجرون الذين تتقى بهم المكاره ‪ ،‬إذا أمروا سمعوا وأطاعوا ‪ ،‬وإن كانت‬ ‫للرجل منهم حاجة إلى السلطان لم تقض له حتى يموت وهي في صدره ‪ ،‬وإن ال عز وجل‬ ‫ليدعويوم القيامة الجنة فتأتي بزخرفها وزينتها فيقول ‪ :‬أين عبادي الذين قاتلوا في سبيلي‬ ‫‪75‬‬ ‫وقوتلوا وأوذوا في سبيلي ‪ ،‬وجاهدوا في سبيلي ادخلوا الجنة ‪ ،‬فيدخلونها بغير حساب ‪ .‬وتأتي‬ ‫الملئكة فيسجدون ‪ ،‬فيقولون ‪ :‬ربنا نحن نسبح بحمدك الليل والنهار ونقدس لك ‪ ،‬من هؤلء‬ ‫الذين آثرتهم علينا ؟ فيقول الرب عز وجل ‪ :‬هؤلء عبادي الذين قاتلوا في سبيلي ‪ ،‬وأوذوا في‬ ‫سبيلي ‪ ،‬فتدخل عليهم الملئكة من كل باب { سلم عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار }}صحيح‬ ‫رواه الصبهاني السلسلة الصحيحة‬ ‫عن المقدام بن معدي كرب الكندي رضي ال عنه قال قال رسول ال صلى ال عليه وسلم {‬ ‫إن للشهيد عند ال عز وجل قال الحكم ست خصال أن يغفر له في أول دفعة من دمه‬ ‫ويرى قال الحكم ويرى مقعده من الجنة ويحلى حلة اليمان ويزوج من الحور العين‬ ‫ويجار من عذاب القبر ويأمن من الفزع الكبر قال الحكم يوم الفزع الكبر ويوضع على‬ ‫رأسه تاج الوقار الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور‬ ‫العين ويشفع في سبعين إنسانا من أقاربه }صحيح رواه احمد‬ ‫عن المقدام بن معدي كرب رضي ال عنه قال قال رسول ال صلى ال عليه وسلم { للشهيد‬ ‫عند ال ست خصال يغفر له في أول دفعة ويرى مقعده من الجنة ويجار من عذاب القبر‬ ‫ويأمن من الفزع الكبر ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها‬ ‫ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين ويشفع في سبعين من أقاربه }صحيح رواه‬ ‫الترمذي وابن ماجة‬ ‫عن ابن عباس رضي ال عنهما قال قال رسول ال صلى ال عليه وسلم { الشهداء على بارق‬ ‫نهر بباب الجنة في قبة خضراء يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيا }حسن رواه احمد‬ ‫عن ابن عباس رضي ال عنهما قال قال رسول ال صلى ال عليه وسلم { لما أصيب‬ ‫إخوانكم بأحد جعل ال أرواحهم في جوف طير خضر ترد أنهار الجنة تأكل من ثمارها‬ ‫وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم‬ ‫ومقيلهم قالوا من يبلغ إخواننا عنا أنا أحياء في الجنة نرزق لئل يزهدوا في الجهاد ول ينكلوا‬ ‫عند الحرب فقال ال سبحانه أنا أبلغهم عنكم قال فأنزل ال { ول تحسبن الذين قتلوا في سبيل‬ ‫ال أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون }}حسن رواه أبو داود‬ ‫‪76‬‬ ‫عن راشد بن سعد عن رجل من أصحاب النبي صلى ال عليه وسلم أن رجل قال يا‬ ‫رسول ال ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إل الشهيد قال { كفى ببارقة السيوف على‬ ‫رأسه فتنة }صحيح رواه النسائي‬ ‫عن أنس بن مالك رضي ال عنه أن أم الربيع بنت البراء وهي أم حارثة بن سراقة أتت‬ ‫النبي صلى ال عليه وسلم فقالت يا نبي ال أل تحدثني عن حارثة وكان قتل يوم بدر‬ ‫أصابه سهم غرب فإن كان في الجنة صبرت وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء قال‬ ‫{ يا أم حارثة إنها جنان في الجنة وإن ابنك أصاب الفردوس العلى }رواه البخاري‬ ‫عن عبد ال بن مسعود رضي ال عنه قال قال رسول ال صلى ال عليه وسلم { عجب ربنا‬ ‫عز وجل من رجل غزا في سبيل ال فانهزم يعني أصحابه فعلم ما عليه فرجع حتى أهريق‬ ‫دمه فيقول ال تعالى لملئكته انظروا إلى عبدي رجع رغبة فيما عندي وشفقة مما عندي حتى‬ ‫أهريق دمه }حسن رواه ابوداود‬ ‫أنس بن مالك رضي ال عنه قال جاء ناس إلى النبي صلى ال عليه وسلم فقالوا أن ابعث‬ ‫معنا رجال يعلمونا القرآن والسنة فبعث إليهم سبعين رجل من النصار يقال لهم القراء فيهم‬ ‫خالي حرام يقرءون القرآن ويتدارسون بالليل يتعلمون وكانوا بالنهار يجيئون بالماء فيضعونه‬ ‫في المسجد ويحتطبون فيبيعونه ويشترون به الطعام لهل الصفة وللفقراء فبعثهم النبي صلى‬ ‫ال عليه وسلم إليهم فعرضوا لهم فقتلوهم قبل أن يبلغوا المكان فقالوا اللهم بلغ عنا نبينا أنا قد‬ ‫لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنا قال وأتى رجل حراما خال أنس من خلفه فطعنه برمح حتى‬ ‫أنفذه فقال حرام فزت ورب الكعبة فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم لصحابه { إن‬ ‫إخوانكم قد قتلوا وإنهم قالوا اللهم بلغ عنا نبينا أنا قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنا }رواه‬ ‫البخاري ومسلم‬ ‫سألنا عبد ال عن هذه الية عن مسروق قال‬ ‫ول تحسبن الذين قتلوا في سبيل ال أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون قال أما إنا قد سألنا‬ ‫عن ذلك (أي رسول اله صلى ال عليه وسلم) فقال { أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل‬ ‫معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل فاطلع إليهم ربهم اطلعة‬ ‫فقال هل تشتهون شيئا قالوا أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا ففعل ذلك بهم‬ ‫‪77‬‬ ‫ثلث مرات فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا يا رب نريد أن ترد أرواحنا في‬ ‫أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا }رواه مسلم‬ ‫عن أبي هريرة رضي ال عنه عن رسول ال صلى ال عليه وسلم أنه سأل جبريل عن هذه‬ ‫الية ‪ ( { :‬ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الرض إل من شاء ال ثم نفخ‬ ‫فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون )من الذين لم يشأ ال ان يصعقهم ؟ قال ( هم الشهداء) }صحيح‬ ‫رواه الحاكم‬ ‫***********************************‬ ‫أما من سنجاهد ؟؟؟‬ ‫الجواب ‪:‬‬ ‫نجاهد الحكام أول واليهود والصليبيين والوثنيين وكل من يقف بطريق الدعوة السلمية كائنا‬ ‫من كان فرد هيئة جماعة دولة‬ ‫ج َهنّمُ َو ِبئْسَ ا ْل َمصِيرُ}‬ ‫عَل ْيهِمْ َومَ ْأوَاهُمْ َ‬ ‫غلُظْ َ‬ ‫قال تعالى ‪ { :‬يَا َأ ّيهَا ال ّن ِبيّ جَاهِدِ ا ْلكُفّارَ وَا ْلمُنَافِقِينَ وَا ْ‬ ‫(‪ )73‬سورة التوبة‬ ‫يقول الشهيد سيد قطب رحمه ال‬ ‫وفي سبيل حماية الجماعة المسلمة الولى كان المر لرسول ال صلى ال عليه وسلم بمجاهدة‬ ‫أعدائها‪(:‬يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين ‪ ,‬واغلظ عليهم ‪ ,‬ومأواهم جهنم وبئس المصير) ‪.‬‬ ‫وهي لفتة لها معناها وقيمتها بعدما تقدم من أمر المؤمنين بوقاية أنفسهم وأهليهم من النار ‪.‬‬ ‫وبالتوبة النصوح التي تكفر عنهم السيئات وتدخلهم الجنة تجري من تحتها النهار ‪. .‬‬ ‫لها معناها وقيمتها في ضرورة حماية المحضن الذي تتم فيه الوقاية من النار ‪ .‬فل تترك هذه‬ ‫العناصر المفسدة الجائرة الظالمة ‪ ,‬تهاجم المعسكر السلمي من خارجه كما كان الكفار‬ ‫يصنعون ‪ .‬أو تهاجمه من داخله كما كان المنافقون يفعلون ‪.‬‬ ‫وتجمع الية بين الكفار والمنافقين في المر بجهادهم والغلظة عليهم ‪ .‬لن كل من الفريقين‬ ‫يؤدي دورا مماثل في تهديد المعسكر السلمي ‪ ,‬وتحطيمه أو تفتيته ‪ .‬فجهادهم هو الجهاد‬ ‫الواقي من النار ‪ .‬وجزاؤهم هو الغلظة عليهم من رسول ال والمؤمنين في الدنيا ‪.‬‬ ‫(ومأواهم جهنم وبئس المصير) في الخرة !‬ ‫***************‬ ‫‪78‬‬ ‫ش ِركِينَ‬ ‫ى ‪-‬صلى ال عليه وسلم‪ -‬قَالَ ‪ « :‬جَاهِدُوا ا ْلمُ ْ‬ ‫وفي سنن أبي داود عَنْ َأ َنسٍ أَنّ ال ّنبِ ّ‬ ‫س َن ِتكُمْ »‪.‬‬ ‫سكُمْ َوَألْ ِ‬ ‫بَِأ ْموَاِلكُمْ َوَأنْفُ ِ‬ ‫ش ِركِينَ‬ ‫وفي سنن النسائي ‪ :‬عَنْ َأ َنسٍ عَنِ ال ّن ِبىّ ‪-‬صلى ال عليه وسلم‪ -‬قَالَ « جَاهِدُوا ا ْلمُ ْ‬ ‫س َن ِتكُمْ »‪.‬‬ ‫بَِأ ْموَاِلكُمْ َوَأيْدِيكُمْ َوَألْ ِ‬ ‫ل اللّ ِه ‪-‬صلى ال عليه وسلم‪ -‬قَالَ « مَا مِنْ‬ ‫سعُودٍ أَنّ رَسُو َ‬ ‫عبْ ِد اللّهِ بْنِ مَ ْ‬ ‫وفي صحيح مسلم عَنْ َ‬ ‫س ّنتِهِ َويَ ْقتَدُونَ ِبَأ ْم ِرهِ‬ ‫حوَا ِريّونَ َوأَصْحَابٌ َيأْخُذُونَ بِ ُ‬ ‫َن ِبىّ َب َعثَهُ اللّهُ فِى ُأمّةٍ َق ْبلِى إِلّ كَانَ لَهُ مِنْ ُأ ّمتِهِ َ‬ ‫خلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لَ يَ ْف َعلُونَ َويَ ْف َعلُونَ مَا لَ ُي ْؤ َمرُونَ َفمَنْ جَاهَدَهُمْ ِبيَ ِدهِ‬ ‫خُلفُ مِنْ َبعْدِهِمْ ُ‬ ‫ثُمّ ِإ ّنهَا تَ ْ‬ ‫َف ُهوَ ُم ْؤمِنٌ َومَنْ جَاهَدَهُمْ ِبلِسَانِهِ َف ُهوَ ُم ْؤمِنٌ َومَنْ جَاهَدَهُمْ بِ َق ْلبِهِ َف ُهوَ ُم ْؤمِنٌ َوَليْسَ َورَاءَ َذِلكَ مِنَ‬ ‫خرْدَلٍ »‪.‬‬ ‫حبّةُ َ‬ ‫الِيمَانِ َ‬ ‫**********‬ ‫وفي المحلى ‪:‬‬ ‫علَى قَ ْدرِ طَا َقتِهِ ‪-‬‬ ‫علَى كُلّ أَحَدٍ ‪َ -‬‬ ‫‪ - 48‬مَسَْألَةٌ ‪ :‬وَالَْأ ْمرُ بِا ْل َم ْعرُوفِ وَال ّن ْهيُ عَنْ ا ْل ُم ْن َكرِ َف ْرضَانِ َ‬ ‫ض َعفُ الْإِيمَانِ َل ْيسَ َورَاءَ َذِلكَ مِنْ‬ ‫بِا ْليَدِ ‪َ ,‬فمَنْ لَمْ يَقْ ِدرْ َف ِبلِسَانِهِ ‪َ ,‬فمَنْ لَمْ يَقْ ِدرْ َفبِ َق ْلبِهِ ‪ ,‬وَ َذِلكَ َأ ْ‬ ‫خ ْيرِ َويَ ْأ ُمرُونَ بِا ْل َم ْعرُوفِ‬ ‫عزّ وَجَلّ ‪َ { :‬و ْل َتكُنْ ِم ْنكُمْ ُأمّةٌ يَدْعُونَ إلَى الْ َ‬ ‫شيْءٌ ‪ .‬قَالَ َ‬ ‫الْإِيمَانِ َ‬ ‫َو َي ْن َهوْنَ عَنْ ا ْل ُم ْن َكرِ َوأُوَل ِئكَ هُمْ ا ْلمُ ْفلِحُونَ } وَقَالَ َتعَالَى ‪َ { :‬وإِنْ طَائِ َفتَانِ مِنْ ا ْل ُم ْؤمِنِينَ ا ْق َت َتلُوا‬ ‫حتّى تَفِيءَ إلَى َأ ْم ِر اللّهِ } ‪.‬‬ ‫خرَى فَقَا ِتلُوا اّلتِي َت ْبغِي َ‬ ‫علَى الْأُ ْ‬ ‫صلِحُوا َب ْي َن ُهمَا فَإِنْ َب َغتْ إحْدَا ُهمَا َ‬ ‫فََأ ْ‬ ‫حمَدُ‬ ‫حمّدٍ ثنا أَ ْ‬ ‫حمَدُ بْنُ ُم َ‬ ‫عبْدُ ا ْلوَهّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَ ْ‬ ‫حمَدُ بْنُ َفتْحٍ ثنا َ‬ ‫سفَ ثنا أَ ْ‬ ‫عبْ ُد اللّهِ بْنُ يُو ُ‬ ‫حَ ّد َثنَا َ‬ ‫ش ْيبَةَ ثنا‬ ‫حمّدُ بْنُ ا ْل ُم َثنّى قَالَ ابْنُ َأبِي َ‬ ‫ش ْيبَةَ َومُ َ‬ ‫سلِمُ بْنُ الْحَجّاجِ ثنا َأبُو َب ْكرِ بْنُ َأبِي َ‬ ‫عِليّ ثنا مُ ْ‬ ‫بْنُ َ‬ ‫ش ْعبَةُ‬ ‫ش ْعبَةُ ‪ ,‬ثُمّ اتّفَقَ سُ ْفيَانُ وَ ُ‬ ‫جعْ َفرٍ ثنا ُ‬ ‫حمّدُ بْنُ َ‬ ‫َوكِيعٌ عَنْ سُ ْفيَانَ ال ّث ْو ِريّ ‪ ,‬وَقَالَ ابْنُ ا ْل ُم َثنّى ثنا مُ َ‬ ‫س ِم ْعتُ رَسُولَ‬ ‫سعِيدٍ الْخُ ْد ِريّ ‪َ :‬‬ ‫شهَابٍ قَالَ ‪ :‬قَالَ َأبُو َ‬ ‫سلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ ِ‬ ‫‪ِ ,‬كلَا ُهمَا عَنْ َق ْيسِ بْنِ مُ ْ‬ ‫ستَطِعْ َف ِبلِسَانِهِ ‪,‬‬ ‫اللّهِ صلى ال عليه وسلم يَقُولُ { مَنْ َرأَى ِم ْنكُمْ ُم ْن َكرًا َف ْل ُي َغ ّي ْرهُ ِبيَ ِدهِ ‪ ,‬فَإِنْ لَمْ يَ ْ‬ ‫ح َميْدٍ ثنا َيعْقُوبُ بْنُ‬ ‫عبْدُ بْنُ ُ‬ ‫سلِمٍ حَ ّد َثنَا َ‬ ‫ض َعفُ الْإِيمَانِ } ‪َ .‬وبِهِ إلَى مُ ْ‬ ‫ستَطِعْ َفبِ َق ْلبِهِ ‪ ,‬وَ َذِلكَ َأ ْ‬ ‫فَإِنْ لَمْ يَ ْ‬ ‫ط ِميّ ‪ -‬عَنْ‬ ‫ضيْلِ الْخِ ْ‬ ‫سعْدٍ ثنا َأبِي عَنْ صَالِحِ بْنِ َكيْسَانَ عَنْ الْحَا ِرثِ ُهوَ ابْنُ الْ ُف َ‬ ‫إ ْبرَاهِيمَ بْنِ َ‬ ‫خ َرمَةَ عَنْ َأبِي رَافِعٍ ُهوَ‬ ‫س َورِ بْنِ مَ ْ‬ ‫حمَنِ بْنِ ا ْلمِ ْ‬ ‫عبْدِ الرّ ْ‬ ‫حكَمِ عَنْ َ‬ ‫عبْدِ الْ َ‬ ‫عبْ ِد اللّهِ بْنِ َ‬ ‫جعْ َفرِ بْنِ َ‬ ‫َ‬ ‫سعُودٍ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صلى ال عليه‬ ‫عبْ ِد اللّهِ بْنِ مَ ْ‬ ‫ل اللّ ِه صلى ال عليه وسلم ‪ -‬عَنْ َ‬ ‫َم ْولَى رَسُو ِ‬ ‫حوَا ِريّونَ َوأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ‬ ‫وسلم قَالَ { مَا مِنْ َن ِبيّ َب َعثَهُ اللّهُ فِي ُأمّةٍ َق ْبلِي إلّا كَانَ لَهُ مِنْ ُأ ّمتِهِ َ‬ ‫‪79‬‬ ‫خلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لَا يَ ْف َعلُونَ ‪َ ,‬ويَ ْف َعلُونَ مَا لَا‬ ‫خّلفَ مِنْ َبعْدِهِمْ ُ‬ ‫س ّنتِهِ َويَ ْقتَدُونَ ِبَأ ْم ِرهِ ‪ ,‬ثُمّ إ ّنهَا تَ َ‬ ‫بِ ُ‬ ‫ُي ْؤ َمرُونَ ‪َ ,‬فمَنْ جَاهَدَهُمْ ِبيَ ِدهِ َف ُهوَ ُم ْؤمِنٌ ‪َ ,‬ومَنْ جَاهَدَهُمْ ِبلِسَانِهِ َف ُهوَ ُم ْؤمِنٌ ‪َ ,‬ومَنْ جَاهَدَهُمْ بِ َق ْلبِهِ ‪,‬‬ ‫سِلمِينَ‬ ‫خ َتِلفْ أَحَدٌ مِنْ ا ْلمُ ْ‬ ‫عِليّ ‪ :‬لَمْ يَ ْ‬ ‫خرْدَلٍ } ‪ .‬قَالَ َ‬ ‫حبّةُ َ‬ ‫َف ُهوَ ُم ْؤمِنٌ ‪َ ,‬وَل ْيسَ َورَاءَ َذِلكَ مِنْ الْإِيمَانِ َ‬ ‫ض ُهمَا َأوْ عَارَضَ‬ ‫خ َتيْنِ ‪َ ,‬فصَحّ أَنّ مَا عَا َر َ‬ ‫غ ْيرُ َمنْسُو َ‬ ‫ح َك َمتَانِ َ‬ ‫فِي أَنّ الْآ َي َتيْنِ ا ْلمَ ْذكُو َر َتيْنِ مُ ْ‬ ‫شكّ ‪.‬‬ ‫الْأَحَادِيثَ اّلتِي فِي َم ْعنَا ُهمَا ُهوَ ا ْل َمنْسُوخُ ِبلَا َ‬ ‫سلِمٍ إنْ قَ َدرَ ِبيَ ِدهِ َف ِبيَ ِدهِ‬ ‫علَى كُلّ مُ ْ‬ ‫‪ - 1776‬مَسَْألَةٌ ‪ :‬وَالَْأ ْمرُ بِا ْل َم ْعرُوفِ وَال ّن ْهيُ عَنْ ا ْل ُم ْن َكرِ َفرْضٌ َ‬ ‫ض َعفُ الْإِيمَانِ ‪ ,‬فَإِنْ لَمْ يَ ْفعَلْ‬ ‫َوإِنْ لَمْ يَقْ ِدرْ ِبيَ ِدهِ َف ِبلِسَانِهِ َوإِنْ لَمْ يَقْ ِدرْ ِبلِسَانِهِ َفبِ َق ْلبِهِ َولَا بُدّ ‪ ,‬وَ َذِلكَ َأ ْ‬ ‫ض ْربَ ‪َ ,‬أوْ ذَهَابَ ا ْلمَالِ ‪َ ,‬ف ُهوَ عُ ْذرٌ ُيبِيحُ لَهُ أَنْ ُي َغ ّيرَ بِ َق ْلبِهِ‬ ‫َفلَا إيمَانَ لَهُ ‪َ .‬ومَنْ خَافَ الْ َقتْلَ َأوْ ال ّ‬ ‫س ُكتَ عَنْ الَْأ ْمرِ بِا ْل َم ْعرُوفِ وَعَنْ ال ّن ْهيِ عَنْ ا ْل ُمنْ َكرِ فَقَطْ ‪َ .‬ولَا ُيبِيحُ لَهُ َذِلكَ ‪ :‬ا ْل َعوْنُ ِبلِسَانٍ‬ ‫فَقَطْ َويَ ْ‬ ‫صلًا ‪ ,‬لِ َقوْلِ اللّهِ َتعَالَى ‪َ { :‬وإِنْ طَائِ َفتَانِ مِنْ ا ْل ُمؤْ ِمنِينَ ا ْق َت َتلُوا‬ ‫صوِيبِ ا ْل ُم ْن َكرِ أَ ْ‬ ‫علَى َت ْ‬ ‫‪َ ,‬أوْ ِبيَدٍ َ‬ ‫حتّى تَفِيءَ إلَى َأ ْم ِر اللّهِ فَإِنْ‬ ‫خرَى فَقَا ِتلُوا اّلتِي َت ْبغِي َ‬ ‫علَى الْأُ ْ‬ ‫صلِحُوا َب ْي َن ُهمَا فَإِنْ َب َغتْ إحْدَا ُهمَا َ‬ ‫فََأ ْ‬ ‫خ ْيرِ‬ ‫عزّ وَجَلّ ‪َ { :‬و ْل َتكُنْ ِم ْنكُمْ ُأمّةٌ يَدْعُونَ إلَى الْ َ‬ ‫صلِحُوا َب ْي َن ُهمَا بِا ْلعَدْلِ } ‪ .‬وَقَالَ َ‬ ‫فَا َءتْ َفَأ ْ‬ ‫سلِمٍ نا َأبُو َب ْكرِ‬ ‫طرِيقِ مُ ْ‬ ‫َويَ ْأ ُمرُونَ بِا ْل َم ْعرُوفِ َو َي ْن َهوْنَ عَنْ ا ْل ُم ْن َكرِ َوأُوَلئِكَ هُمْ ا ْلمُ ْفلِحُونَ } ‪َ .‬ومِنْ َ‬ ‫ش ْيبَةَ ‪ :‬نا َوكِيعٌ عَنْ‬ ‫حمّدِ بْنِ ا ْل َعلَاءِ َأبُو ُك َر ْيبٍ قَالَ ابْنُ َأبِي َ‬ ‫حمّدِ بْنِ ا ْل ُم َثنّى ‪َ ,‬ومُ َ‬ ‫ش ْيبَةَ ‪ِ ,‬لمُ َ‬ ‫بْنُ َأبِي َ‬ ‫ش ْعبَةُ ‪,‬‬ ‫ش ْعبَةُ ‪ ,‬ثُمّ اتّفَقَ سُ ْفيَانُ ‪ ,‬وَ ُ‬ ‫جعْ َفرٍ نا ُ‬ ‫حمّدُ بْنُ َ‬ ‫حمّدُ بْنُ ا ْل ُمثَنّى ‪ :‬نا مُ َ‬ ‫سُ ْفيَانَ ال ّث ْو ِريّ ‪ ,‬وَقَالَ مُ َ‬ ‫عمَشُ‬ ‫شهَابٍ ‪ ,‬وَقَالَ َأبُو ُك َر ْيبٍ ‪ :‬نا َأبُو ُمعَا ِويَةَ نا الْأَ ْ‬ ‫سلَمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ ِ‬ ‫ِكلَا ُهمَا عَنْ َق ْيسِ بْنِ مُ ْ‬ ‫سعِيدٍ الْخُ ْد ِريّ ‪,‬‬ ‫سمَاعِيلَ بْنِ رَجَاءٍ عَنْ َأبِيهِ ‪ ,‬ثُمّ اتّفَقَ طَارِقٌ ‪َ ,‬ورَجَاءٌ ‪ِ ,‬كلَا ُهمَا ‪ :‬عَنْ َأبِي َ‬ ‫عَنْ إ ْ‬ ‫س ِمعْت رَسُولَ اللّهِ صلى ال عليه وسلم يَقُولُ ‪ { " :‬مَنْ َرأَى ِم ْنكُمْ ُم ْن َكرًا َف ْل ُي َغ ّي ْرهُ ِبيَ ِدهِ َفإِنْ‬ ‫قَالَ ‪َ :‬‬ ‫ع ْمرٌو‬ ‫سلِمٍ نا َ‬ ‫طرِيقِ مُ ْ‬ ‫ستَطِعْ َفبِ َق ْلبِهِ وَ َذِلكَ َأضْ َعفُ الْإِيمَانِ } ‪َ .‬ومِنْ َ‬ ‫ستَطِعْ َف ِبلِسَانِهِ َفإِنْ لَمْ يَ ْ‬ ‫لَمْ يَ ْ‬ ‫ح َميْدٍ وَاللّفْظُ لَهُ ‪ ,‬قَالُوا ُكّلهُمْ ‪ :‬نا َيعْقُوبُ بْنُ إ ْبرَاهِيمَ بْنِ‬ ‫عبْدُ بْنُ ُ‬ ‫ضرِ ‪ ,‬وَ َ‬ ‫النّاقِدُ ‪َ ,‬وَأبُو َب ْكرِ بْنُ النّ ْ‬ ‫ن صَالِحِ بْنِ َكيْسَانَ عَنْ الْحَا ِرثِ ُهوَ ابْنُ‬ ‫ع ْوفٍ نا َأبِي عَ ْ‬ ‫حمَنِ بْنِ َ‬ ‫عبْ ِد الرّ ْ‬ ‫سعْدِ بْنِ إ ْبرَاهِيمَ بْنِ َ‬ ‫َ‬ ‫س َورِ بْنِ‬ ‫حمَنِ بْنِ ا ْلمِ ْ‬ ‫عبْ ِد الرّ ْ‬ ‫حكَمِ عَنْ َ‬ ‫عبْ ِد اللّهِ بْنِ الْ َ‬ ‫جعْ َفرِ بْنِ َ‬ ‫ط ِميّ الَْأ ْنصَا ِريّ عَنْ َ‬ ‫ضيْلِ الْخِ ْ‬ ‫الْفُ َ‬ ‫سعُودٍ حَ ّدثَهُ " أَنّ‬ ‫عبْ َد اللّهِ بْنَ مَ ْ‬ ‫ل اللّ ِه صلى ال عليه وسلم أَنّ َ‬ ‫خ َرمَةَ عَنْ َأبِي رَافِعٍ َم ْولَى رَسُو ِ‬ ‫مَ ْ‬ ‫رَسُولَ اللّهِ صلى ال عليه وآله وسلم قَالَ ‪ { :‬مَا مِنْ َن ِبيّ َب َعثَهُ اللّهُ فِي ُأمّةٍ َق ْبلِي إلّا كَانَ لَهُ مِنْ‬ ‫خلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لَا‬ ‫س ّنتِهِ َويَ ْقتَدُونَ بَِأ ْم ِرهِ ثُمّ يَحْ ُدثُ مِنْ َبعْدِهِمْ ُ‬ ‫حوَا ِريّونَ َوَأصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِ ُ‬ ‫ُأ ّمتِهِ َ‬ ‫يَ ْف َعلُونَ َويَ ْف َعلُونَ مَا لَا ُي ْؤ َمرُونَ َفمَنْ جَاهَدَهُمْ ِبيَ ِدهِ َف ُهوَ ُم ْؤمِنٌ َومَنْ جَاهَدَهُمْ ِبلِسَانِهِ َف ُهوَ ُم ْؤمِنٌ َومَنْ‬ ‫‪80‬‬ ‫سعِيدِ بْنِ َنبَاتٍ‬ ‫حمّدُ بْنُ َ‬ ‫خرْدَلٍ } ‪ .‬نا مُ َ‬ ‫حبّةُ َ‬ ‫جَاهَدَهُمْ بِ َق ْلبِهِ َف ُهوَ ُم ْؤمِنٌ َل ْيسَ َورَاءَ َذِلكَ مِنْ الْإِيمَانِ َ‬ ‫حمّدُ‬ ‫ش ِنيّ نا مُ َ‬ ‫سلَامِ الْخُ َ‬ ‫عبْدِ ال ّ‬ ‫حمّدُ بْنُ َ‬ ‫صبَغَ نا ُم َ‬ ‫عبْدِ ا ْل َبصِيرِ نا قَاسِمُ بْنُ َأ ْ‬ ‫عبْ ِد اللّهِ بْنِ َ‬ ‫حمَدُ بْنُ َ‬ ‫نا أَ ْ‬ ‫عِليّ‬ ‫ع َبيْ َدةَ عَنْ َ‬ ‫سعْدِ بْنِ ُ‬ ‫حمَنِ بْنُ َمهْ ِديّ نا سُ ْفيَانُ ال ّث ْو ِريّ عَنْ ُز َبيْدٍ ا ْليَا ِميّ عَنْ َ‬ ‫عبْدُ الرّ ْ‬ ‫ا ْل ُم َثنّى نا َ‬ ‫صيَةِ اللّهِ } َومِنْ‬ ‫شرٍ فِي َم ْع ِ‬ ‫ي صلى ال عليه وآله وسلم قَالَ ‪ { :‬لَا طَاعَةَ ِلبَ َ‬ ‫بْنِ َأبِي طَاِلبٍ عَنْ ال ّنبِ ّ‬ ‫ع َمرَ‬ ‫ع َمرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ ُ‬ ‫ع َبيْدِ اللّهِ بْنِ ُ‬ ‫سعِيدٍ الْقَطّانُ عَنْ ُ‬ ‫حيَى بْنُ َ‬ ‫طرِيقِ َأبِي دَاوُد نا مُسَدّدٌ نا َي ْ‬ ‫َ‬ ‫حبّ‬ ‫سلِمِ فِيمَا أَ َ‬ ‫علَى ا ْل َمرْءِ ا ْلمُ ْ‬ ‫سمْعُ وَالطّاعَةُ َ‬ ‫ل اللّ ِه صلى ال عليه وآله وسلم ‪ { :‬ال ّ‬ ‫قَالَ ‪ :‬قَالَ رَسُو ُ‬ ‫حيَى‬ ‫سمْعَ َولَا طَاعَةَ } ‪َ .‬وبِهِ إلَى َأبِي دَاوُد نا َي ْ‬ ‫صيَةٍ َفلَا َ‬ ‫صيَةٍ َفإِذَا ُأ ِمرَ ِب َم ْع ِ‬ ‫َأوْ َك ِرهَ مَا لَمْ ُي ْؤ َمرْ ِب َمعْ ِ‬ ‫شرِ بْنِ‬ ‫ح َميْدُ بْنُ ِهلَالٍ عَنْ بِ ْ‬ ‫سَل ْيمَانُ بْنُ ا ْل ُمغِي َرةِ نا ُ‬ ‫عبْدِ ا ْلوَا ِرثِ نا ُ‬ ‫صمَدِ بْنُ َ‬ ‫عبْ ُد ال ّ‬ ‫بْنُ َمعِينٍ نا َ‬ ‫ل اللّ ِه صلى ال عليه وآله وسلم‬ ‫عَاصِمٍ عَنْ عُ ْقبَةَ بْنِ مَاِلكٍ عَنْ َرجُلٍ مِنْ رَهْطِهِ قَالَ { َب َعثَ رَسُو ُ‬ ‫ل اللّ ِه صلى ال عليه وآله‬ ‫سيْفًا َفَلمّا َرجَعَ قَالَ ‪َ :‬لوْ َرَأ ْيتَ مَا لَا َمنَا رَسُو ُ‬ ‫جلًا ِم ْنهُمْ َ‬ ‫حتُ رَ ُ‬ ‫سلَ ْ‬ ‫س ِريّةً فَ َ‬ ‫َ‬ ‫ج َعلُوا َمكَانَهُ مَنْ َي ْمضِي لَِأ ْمرِي } " ‪.‬‬ ‫جلًا َفلَمْ َيمْضِ لَِأ ْمرِي أَنْ تَ ْ‬ ‫ج ْزتُمْ إذْ َب َع ْثتُ رَ ُ‬ ‫وسلم قَالَ ‪ :‬أَعْ َ‬ ‫سمّهِ ‪ -‬فَالصّحَابَةُ‬ ‫حبٌ ‪َ -‬وإِنْ لَمْ يُ َ‬ ‫عنْ ُه صَا ِ‬ ‫حبَةِ ‪َ ,‬وَالّذِي ُر ِويَ َ‬ ‫حمّدٍ ‪ :‬عُ ْقبَ ُة صَحِيحُ الصّ ْ‬ ‫قَالَ َأبُو مُ َ‬ ‫حمّدٌ‬ ‫ل اللّهِ َتعَالَى ‪ { :‬مُ َ‬ ‫ح َبتِهِ َف ُهوَ عَدْلٌ مَقْطُوعٌ ِبعَدَاَلتِهِ ‪ ,‬لِ َقوْ ِ‬ ‫ت صِحّ ُة صُ ْ‬ ‫ُكّلهُمْ عُدُولٌ ‪ ,‬فَإِذَا َث َب َت ْ‬ ‫عِليّ ] َوكُلّ مَنْ َمعَهُ مِنْ‬ ‫عِليّ ‪ [ :‬وَ ُهوَ َقوْلُ َ‬ ‫علَى ا ْلكُفّارِ } ‪ .‬قَالَ َ‬ ‫رَسُولُ اللّهِ َوَالّذِينَ َمعَهُ أَشِدّاءُ َ‬ ‫ن الصّحَابَةِ ‪َ ,‬و ُمعَا ِويَةَ ‪َ ,‬وكُلّ مَنْ‬ ‫طلْحَةَ ‪ ,‬وَال ّز َب ْيرِ ‪َ ,‬وكُلّ مَنْ َم َعهُمْ مِ ْ‬ ‫الصّحَابَةِ َوأُمّ ا ْل ُم ْؤ ِمنِينَ وَ َ‬ ‫جمِي ِعهِمْ ‪َ -‬وكُلّ مَنْ قَامَ‬ ‫ضيَ اللّهُ عَنْ َ‬ ‫عِليّ ‪َ -‬ر ِ‬ ‫سيْنِ بْنِ َ‬ ‫ن الصّحَابَةِ ‪ ,‬وَابْنِ ال ّزبَ ْيرِ ‪ ,‬وَالْحُ َ‬ ‫َمعَهُ مِ ْ‬ ‫خلَافُ‬ ‫خبَارِ اّلتِي فِيهَا ِ‬ ‫غ ْيرِهِمْ ‪ .‬وَهَذَا الَْأحَادِيثُ نَاسِخَةٌ ِللْأَ ْ‬ ‫ن الصّحَابَةِ ‪ ,‬وَالتّا ِبعِينَ ‪ ,‬وَ َ‬ ‫ح ّرةِ مِ ْ‬ ‫فِي الْ َ‬ ‫عَليْهِ الدّينُ َقبْلَ الَْأ ْمرِ بِالْ ِقتَالِ ‪َ ,‬ولِأَنّ الَْأ ْمرَ بِا ْل َم ْعرُوفِ وَال ّن ْهيَ عَنْ‬ ‫هَذَا ; لِأَنّ ِت ْلكَ ُموَافِقَةٌ ِلمَا كَانَ َ‬ ‫شكّ ‪َ . -‬وبِاَللّهِ َتعَالَى ال ّتوْفِيقُ ‪.‬‬ ‫خلَافِهِ ِبلَا َ‬ ‫ا ْل ُم ْنكَرِ بَاقٍ مُ ْف َترَضٌ لَمْ ُينْسَخْ ‪َ ,‬ف ُهوَ النّاسِخُ لِ ِ‬ ‫وفي غذاء اللباب ‪:‬‬ ‫جلْدِ بِا ْليَدِ‬ ‫ضعَفُهُ بِالْ َق ْلبِ ثُمّ لِسَانِهِ َوأَ ْقوَاهُ إ ْنكَارُ الْ َفتَى الْ َ‬ ‫طَلبٌ ‪ :‬فِي َمرَا ِتبِ الِْإ ْنكَارِ ‪َ :‬وَأ ْ‬ ‫مَ ْ‬ ‫ن اللّسَانِ وَا ْليَدِ فَإِنْ قِيلَ َأيّ َت ْغيِيرٍ‬ ‫ضعَفُهُ ) َأيْ َأضْ َعفُ َمرَا ِتبِ الِْإ ْنكَارِ َيكُونُ ( بِالْ َق ْلبِ ) دُو َ‬ ‫( َوَأ ْ‬ ‫ش َتغِلَ بِ ِذ ْكرِ َم ْولَاهُ ‪ ,‬جَلّ‬ ‫جوَابُ ا ْل ُمرَادُ أَنْ ُي ْن ِكرَ َذِلكَ َولَا َي ْرضَاهُ ‪َ ,‬ويَ ْ‬ ‫حصَلَ بِِإ ْنكَارِ الْ َق ْلبِ ؟ فَالْ َ‬ ‫َ‬ ‫ضلًا ِمنْهُ َوِإ ْنعَامًا ‪ ,‬فَقَالَ { َوَالّذِينَ لَا‬ ‫ح اللّهُ َتعَالَى ا ْلعَا ِملِينَ بِ َذِلكَ تَ َف ّ‬ ‫سلْطَانُهُ ‪ .‬وَقَدْ مَدَ َ‬ ‫شَ ْأنُهُ ‪َ ,‬و َتعَالَى ُ‬ ‫شهَدُونَ الزّورَ َوإِذَا َمرّوا بِالّلغْوِ َمرّوا ِكرَامًا } فَإِذَا َك ِرهَ ا ْل ُم ْؤمِنُ ا ْل ُم ْنكَرَ َو َنوَى بِ َق ْلبِهِ َأنّهُ َلوْ قَ َدرَ‬ ‫يَ ْ‬ ‫عيْنِ َكرَاهَةِ مَا‬ ‫علَى كُلّ ُم ْؤمِنٍ إيجَابُ َ‬ ‫جبُ َ‬ ‫علَى َت ْغيِي ِرهِ َل َغ ّي َرهُ كَانَ فِي ُق ّوةِ َت ْغيِي ِرهِ لَهُ ‪َ ,‬فِإنّهُ يَ ِ‬ ‫َ‬ ‫‪81‬‬ ‫ل عليه الصلة والسلم َكمَا فِي الْأَحَادِيثِ‬ ‫حبّهُ َو َيرْضَاهُ ‪ .‬وَقَدْ قَا َ‬ ‫حبّةُ مَا يُ ِ‬ ‫َكرِهَهُ َم ْولَاهُ َومَ َ‬ ‫عمَالُ بِال ّنيّاتِ } وَ { الدّينُ النّصِيحَةُ } ( ثُمّ ) َأرْقَى مِنْ الِْإ ْنكَارِ‬ ‫صرِيحَةِ { إ ّنمَا الْأَ ْ‬ ‫الصّحِيحَةِ ال ّ‬ ‫سلّطَ‬ ‫عَل ْيهِمْ َف َي ْت ُركُونَهُ َأوْ يُ َ‬ ‫بِالْ َق ْلبِ فَقَطْ الِْإ ْنكَارُ بِ ( لِسَانِهِ ) َأيْ أَنْ ُي ْن ِكرَ ا ْل ُم ْنكَرَ ِبلِسَانِهِ ِبأَنْ َيصِيحَ َ‬ ‫جلْدِ‬ ‫عَل ْيهِمْ مَنْ ُي َغ ّي ُرهُ ( َوأَ ْقوَاهُ ) َأيْ أَ ْقوَى َمرَا ِتبِ الِْإ ْنكَارِ ( إ ْنكَارُ الْ َفتَى ) َأيْ الشّخْصِ ا ْلمُ ْؤمِنِ ( الْ َ‬ ‫َ‬ ‫جلِيدًا } َأيْ‬ ‫ج َوفَ َ‬ ‫ع َمرَ { كَانَ أَ ْ‬ ‫جلِيدٌ ‪ .‬وَفِي حَدِيثِ ُ‬ ‫ن اللّامِ َأيْ الْ َق ِويّ الشّدِيدِ ‪َ ,‬ويُقَالُ لَهُ َ‬ ‫سكُو ِ‬ ‫) بِ ُ‬ ‫ي صلى ال‬ ‫ل ال ّن ِب ّ‬ ‫َق ِويّا شَدِيدًا ‪َ ,‬ف ُهوَ صِفَةٌ ِللْ َفتَى ( بِا ْليَدِ ) ُم َت َعلّقٌ بِِإ ْنكَارِ الْ َفتَى ‪ ,‬وَهَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ َقوْ ِ‬ ‫ستَطِعْ َفبِ َق ْلبِهِ ‪,‬‬ ‫ستَطِعْ َف ِبلِسَانِهِ ‪ ,‬فَإِنْ لَمْ يَ ْ‬ ‫عليه وسلم { مَنْ َرأَى ِم ْنكُمْ ُم ْن َكرًا َف ْل ُي َغ ّي ْرهُ ِبيَ ِدهِ ‪ ,‬فَإِنْ لَمْ يَ ْ‬ ‫سلِمٌ َأ ْيضًا مِنْ حَدِيثِ‬ ‫سعِيدٍ الْخُ ْد ِريّ ‪َ .‬و َروَى مُ ْ‬ ‫سلِمٌ مِنْ حَدِيثِ َأبِي َ‬ ‫ض َعفُ الْإِيمَانِ } َروَاهُ مُ ْ‬ ‫وَ َذِلكَ َأ ْ‬ ‫ي صلى ال عليه وسلم قَالَ { مَا مِنْ َن ِبيّ َب َعثَ ُه اللّهُ َق ْبلِي إلّا‬ ‫سعُودٍ رضي ال عنه عَنْ ال ّن ِب ّ‬ ‫ابْنِ مَ ْ‬ ‫خُلفُ مِنْ َبعْدِهِمْ‬ ‫س ّنتِهِ َويَ ْقتَدُونَ ِبَأ ْم ِرهِ ‪ ,‬ثُمّ إ ّنهَا تَ ْ‬ ‫حوَا ِريّونَ َوأَصْحَابٌ َيأْخُذُونَ بِ ُ‬ ‫كَانَ لَهُ مِنْ ُأ ّمتِهِ َ‬ ‫خلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لَا يَ ْف َعلُونَ ‪َ ,‬ويَ ْف َعلُونَ مَا لَا يَقُولُونَ ‪َ ,‬فمَنْ جَاهَدَهُمْ ِبيَ ِدهِ َف ُهوَ ُم ْؤمِنٌ ‪َ ,‬ومَنْ‬ ‫ُ‬ ‫حبّةُ‬ ‫جَاهَدَهُمْ ِبلِسَانِهِ َف ُهوَ ُم ْؤمِنٌ ‪َ ,‬ومَنْ جَاهَدَهُمْ بِ َق ْلبِهِ َف ُهوَ ُم ْؤمِنٌ ‪َ ,‬ل ْيسَ َورَاءَ َذِلكَ مِنْ الْإِيمَانِ َ‬ ‫شكُ هَ ِذهِ‬ ‫عَليْهِ َمرْفُوعًا { يُو ِ‬ ‫ن اللّهِ َ‬ ‫ضوَا ُ‬ ‫ع َمرَ ِر ْ‬ ‫ضعِيفٍ عَنْ ُ‬ ‫سنَا ٍد َ‬ ‫سمَاعِيِليّ بِإِ ْ‬ ‫خرَجَ الْإِ ْ‬ ‫خرْدَلٍ } ‪َ .‬وأَ ْ‬ ‫َ‬ ‫جبُنَ ِبيَ ِدهِ َف ِبلِسَانِهِ وَ َق ْلبِهِ ‪ ,‬فَإِنْ‬ ‫الُْأمّةُ أَنْ َت ْهَلكَ إلّا َثلَاثَةَ نَ َفرٍ ‪ ,‬رَجُلٌ َأ ْن َكرَ ِبيَ ِدهِ َو ِبلِسَانِهِ َوبِ َق ْلبِهِ ‪َ ,‬فإِنْ َ‬ ‫عَليْهِ‬ ‫ضوَانُ اللّهِ َ‬ ‫عِليّ ِر ْ‬ ‫سنَادٍ ُمنْقَطِعٍ عَنْ َ‬ ‫سمَاعِيلِيّ َأ ْيضًا بِإِ ْ‬ ‫خرَجَ الْإِ ْ‬ ‫جبُنَ ِبلِسَانِهِ َويَ ِدهِ َفبِ َق ْلبِهِ } ‪َ .‬وأَ ْ‬ ‫َ‬ ‫ل اللّهِ‬ ‫ستَطِيعُ ا ْل ُم ْؤمِنُ فِيهَا أَنْ ُي َغ ّيرَ ِبيَدٍ َولَا ِبلِسَانٍ ‪ُ .‬قلْت يَا رَسُو َ‬ ‫س َتكُونُ َبعْدِي ِفتَنٌ لَا يَ ْ‬ ‫َمرْفُوعًا { َ‬ ‫ش ْيئًا ؟ قَالَ لَا إلّا‬ ‫ل اللّهِ وَهَلْ ُينْقِصُ َذِلكَ إيمَا َنهُمْ َ‬ ‫َو َك ْيفَ َذِلكَ ؟ قَالَ ُي ْن ِكرُونَهُ بِ ُقلُو ِبهِمْ ‪ُ .‬قلْت يَا رَسُو َ‬ ‫سنَادٍ‬ ‫ن الصّا ِمتِ بِإِ ْ‬ ‫عبَا َدةَ بْ ِ‬ ‫طبَرَا ِنيّ ِب َم ْعنَاهُ مِنْ حَدِيثِ ُ‬ ‫خرّجَهُ ال ّ‬ ‫ن الصّفَا } وَ َ‬ ‫طرُ مِ ْ‬ ‫َكمَا ُينْقِصُ الْقَ ْ‬ ‫سبِ الِْإ ْمكَانِ وَالْقُ ْد َرةِ‬ ‫علَى وُجُوبِ إ ْنكَارِ ا ْل ُم ْن َكرِ بِحَ َ‬ ‫حوُهَا َدّلتْ َ‬ ‫خبَارُ َونَ ْ‬ ‫ضعِيفٍ َمرْفُوعًا ‪َ .‬فهَ ِذهِ الْأَ ْ‬ ‫َ‬ ‫علَى ذَهَابِ الْإِيمَانِ مِنْ َق ْلبِهِ ‪,‬‬ ‫عَليْهِ ‪َ ,‬وأَنّ الِْإ ْنكَارَ بِالْ َق ْلبِ لَا بُدّ ِمنْهُ ‪َ ,‬فمَنْ لَمْ ُي ْن ِكرْ َق ْلبُهُ ا ْل ُمنْ َكرَ دَلّ َ‬ ‫َ‬ ‫جهَادُ‬ ‫جهَادُ بَِأيْدِيكُمْ ‪ ,‬ثُمّ الْ ِ‬ ‫جهَادِ الْ ِ‬ ‫عَليْهِ مِنْ الْ ِ‬ ‫عَليْهِ " إنّ َأوّلَ مَا ُت ْغَلبُونَ َ‬ ‫ضوَانُ اللّهِ َ‬ ‫عِليّ ِر ْ‬ ‫وَقَدْ قَالَ َ‬ ‫علَاهُ‬ ‫جعَلَ أَ ْ‬ ‫جهَادُ بِ ُقلُو ِبكُمْ ‪َ ,‬فمَنْ لَمْ َي ْع ِرفْ َق ْلبُهُ ا ْل َم ْعرُوفَ َو ُي ْنكِرْ َق ْلبُهُ ا ْل ُم ْن َكرَ ُن ِكسَ فَ َ‬ ‫س َن ِتكُمْ ‪ ,‬ثُمّ الْ ِ‬ ‫بَِألْ ِ‬ ‫جلًا يَقُولُ َهَلكَ مَنْ لَمْ يَ ْأ ُمرْ بِا ْل َم ْعرُوفِ َولَمْ َينْهَ عَنْ‬ ‫سعُو ٍد رضي ال عنه رَ ُ‬ ‫سمِعَ ابْنُ مَ ْ‬ ‫أَسْ َفلَهُ ‪ .‬وَ َ‬ ‫سعُودٍ ‪َ :‬هَلكَ مَنْ لَمْ َي ْع ِرفْ بِ َق ْلبِهِ ا ْل َم ْعرُوفَ وَا ْل ُم ْن َكرَ ‪ .‬يُشِيرُ إلَى أَنّ َم ْعرِفَةَ‬ ‫ا ْل ُم ْنكَرِ ‪ .‬فَقَالَ ابْنُ مَ ْ‬ ‫ا ْل َم ْعرُوفِ وَا ْل ُم ْن َكرِ بِالْ َق ْلبِ َف ْرضٌ لَا يَسْقُطُ عَنْ أَحَدٍ ‪َ ,‬فمَنْ لَمْ َي ْعرِفْهُ َهَلكَ ‪َ .‬وَأمّا الِْإ ْنكَارُ بِاللّسَانِ‬ ‫ن ال ّن ِبيّ صلى ال‬ ‫عمِي َرةَ عَ ْ‬ ‫سنَنِ َأبِي دَاوُد عَنْ ا ْل ُع ْرسِ بْنِ َ‬ ‫سبِ الطّاقَةِ ‪ .‬وَفِي ُ‬ ‫جبُ ِبحَ َ‬ ‫وَا ْليَدِ فَِإ ّنمَا يَ ِ‬ ‫‪82‬‬ ‫ع ْنهَا ‪,‬‬ ‫شهِدَهَا َف َكرِ َههَا َكمَنْ غَابَ َ‬ ‫ع ِمَلتْ الْخَطِيئَةُ فِي الَْأرْضِ كَانَ مَنْ َ‬ ‫عليه وسلم قَالَ ‪ { :‬إذَا ُ‬ ‫شهِدَ الْخَطِيئَةَ‬ ‫جبٍ ‪َ :‬فمَنْ َ‬ ‫شهِدَهَا } ‪ .‬قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَ َ‬ ‫ض َيهَا كَانَ َكمَنْ َ‬ ‫ع ْنهَا َف َر ِ‬ ‫َومَنْ غَابَ َ‬ ‫ض َيهَا‬ ‫ع ْنهَا َف َر ِ‬ ‫جزَ عَنْ إ ْنكَارِهَا ِبلِسَانِهِ َويَ ِدهِ ‪َ ,‬ومَنْ غَابَ َ‬ ‫عَ‬ ‫شهَدْهَا إذَا َ‬ ‫َف َكرِ َههَا بِ َق ْلبِهِ كَانَ َكمَنْ لَمْ يَ ْ‬ ‫ح ّرمَاتِ‬ ‫ن الرّضَا بِالْخَطَايَا مِنْ أَ ْقبَحِ ا ْلمُ َ‬ ‫علَى إ ْنكَارِهَا َولَمْ ُي ْن ِكرْهَا ‪ ,‬لِأَ ّ‬ ‫شهِدَهَا وَقَ َدرَ َ‬ ‫كَانَ َكمَنْ َ‬ ‫سلِمٍ لَا يَسْقُطُ عَنْ أَحَدٍ فِي حَالٍ مِنْ‬ ‫علَى كُلّ مُ ْ‬ ‫َويَفُوتُ بِهِ إ ْنكَارُ الْخَطِيئَةِ بِالْ َق ْلبِ وَ ُهوَ َمرَضٌ َ‬ ‫عَليْهِ بِأَنّ َق ْوَلهُمْ إ ْنكَارُ ا ْل ُم ْن َكرِ َفرْضُ كِفَايَةٍ إذَا قَامَ بِهِ ا ْل َبعْضُ‬ ‫ن اللّهِ َ‬ ‫ضوَا ُ‬ ‫حوَالِ ‪ .‬فََأ ْف َه َمنَا َكلَامُهُ ِر ْ‬ ‫الْأَ ْ‬ ‫حصُلُ َت ْغيِيرُ ا ْل ُمنْ َكرِ ِب ِهمَا‬ ‫ن اللّ َذيْنِ يَ ْ‬ ‫سلَ ْفنَا بِأَنّ ُمرَادَهُمْ الِْإ ْنكَارُ بِا ْليَدِ وَاللّسَا ِ‬ ‫علَى مَا أَ ْ‬ ‫سَقَطَ عَنْ ا ْلبَاقِي َ‬ ‫سلِمٍ ‪ .‬وَهَ ِذهِ فَائِ َدةٌ َي ْن َبغِي التّفَطّنُ َلهَا ‪.‬‬ ‫علَى كُلّ مُ ْ‬ ‫عيْنٍ َ‬ ‫َأوْ بِأَحَدِ ِهمَا ‪َ ,‬وَأمّا الِْإ ْنكَارُ بِالْ َق ْلبِ فَ َفرْضُ َ‬ ‫ي صلى ال عليه وسلم قَالَ { مَنْ‬ ‫خرَجَ ابْنُ َأبِي ال ّد ْنيَا عَنْ َأبِي ُه َر ْي َرةَ رضي ال عنه عَنْ ال ّنبِ ّ‬ ‫َوأَ ْ‬ ‫حضَرَهَا } وَهَذَا ِمثْلُ‬ ‫ح ّبهَا َفكََأنّهُ َ‬ ‫ع ْنهَا فَأَ َ‬ ‫ع ْنهَا ‪َ ,‬ومَنْ غَابَ َ‬ ‫ضرَ َم ْعصِيَةً َف َكرِ َههَا َفكََأنّهُ غَابَ َ‬ ‫ح َ‬ ‫َ‬ ‫سلِمٍ فِي كُلّ حَالٍ ‪َ .‬فهَذَا‬ ‫علَى كُلّ مُ ْ‬ ‫الّذِي َق ْبلَهُ ‪ .‬قَالَ الْحَافِظُ ‪َ :‬ف َت َبيّنَ ِبهَذَا أَنّ الِْإ ْنكَارَ بِالْ َق ْلبِ َف ْرضٌ َ‬ ‫علَى كُلّ ا ْلعَالَمِ إ ْنكَارُ مَا‬ ‫جبُ َ‬ ‫عَليْهِ لَِأنّهُ يَ ِ‬ ‫غبَارَ َ‬ ‫صرِيحٌ ِمنْهُ ِبمَا َف ِه ْمنَاهُ مِنْ َكلَامِهِ ‪ ,‬وَ ُهوَ ظَا ِهرٌ لَا ُ‬ ‫َ‬ ‫سعِيدٍ الْخُ ْد ِريّ‬ ‫حمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ َأبِي َ‬ ‫سلْطَانُهُ ‪َ .‬و َروَى الِْإمَامُ أَ ْ‬ ‫جبّارَ جَلّ شَ ْأنُهُ َو َتعَالَى ُ‬ ‫ُي ْغضِبُ الْ َ‬ ‫ن اللّهَ َتعَالَى َليَسْأَلُ ا ْل َعبْدَ‬ ‫ل اللّ ِه صلى ال عليه وسلم يَقُولُ { إ ّ‬ ‫س ِمعْت رَسُو َ‬ ‫رضي ال عنه قَالَ َ‬ ‫جتَهُ قَالَ يَا َربّ‬ ‫حّ‬ ‫عبْدًا ُ‬ ‫حتّى يَقُولَ مَا َم َنعَك إذْ َرَأيْت ا ْل ُم ْن َكرَ أَنْ ُت ْن ِك َرهُ ‪َ .‬فإِذَا لَقّنَ اللّهُ َ‬ ‫َيوْمَ الْ ِقيَامَةِ َ‬ ‫ل اللّهُ مَا َم َنعَك أَنْ‬ ‫ج ْوتُك وَ َفرَقْت النّاسَ } ‪َ .‬وَأمّا مَا تَقَدّمَ مِنْ َق ْولِهِ صلى ال عليه وسلم { َفيَقُو ُ‬ ‫رَ َ‬ ‫خرّجَهُ ال ّت ْرمِ ِذيّ‬ ‫شيَةُ النّاسِ َفيَقُولُ إيّايَ ُك ْنتَ أَحَقّ أَنْ تَخْشَى } ‪َ .‬ومَا َ‬ ‫تَقُولَ فِي كَذَا َوكَذَا َفيَقُولَ خَ ْ‬ ‫عِلمَهُ }‬ ‫جلًا َه ْيبَ ُة النّاسِ أَنْ يَقُولَ ِبحَقّ إذَا َ‬ ‫سعِيدٍ َمرْفُوعًا { َألَا لَا َي ْم َنعَنّ رَ ُ‬ ‫وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ َأبِي َ‬ ‫حمَدُ َوزَادَ فِيهِ { فَِإنّهُ لَا يُ َق ّربُ‬ ‫خرّجَهُ الِْإمَامُ أَ ْ‬ ‫شيَاءَ َف ِه ْبنَا ‪ .‬وَ َ‬ ‫سعِيدٍ وَقَالَ قَدْ َواَللّهِ َرَأ ْينَا أَ ْ‬ ‫َو َبكَى َأبُو َ‬ ‫علَى أَنّ ا ْلمَانِعَ لَهُ مِنْ‬ ‫حمُولَاتٌ َ‬ ‫مِنْ أَجَلٍ َولَا ُيبَاعِدُ مِنْ ِرزْقٍ أَنْ يُقَالَ بِحَقّ َأوْ يُ َذ ّكرَ ِبعَظِيمٍ } َفمَ ْ‬ ‫عنْهُ ‪:‬‬ ‫ضيَ َ‬ ‫سلَامِ رحمه ال َو َر ِ‬ ‫شيْخُ الْإِ ْ‬ ‫خ ْوفِ ا ْلمُسْقِطِ ِللِْإ ْنكَارِ ‪ .‬قَالَ َ‬ ‫جرّدُ ا ْل َه ْيبَةِ دُونَ الْ َ‬ ‫الِْإ ْنكَارِ مُ َ‬ ‫ُمرَا ُدهُ صلى ال عليه وسلم فِي َق ْولِهِ َي ْعنِي فِي الْحَدِيثِ السّابِقِ { َليْسَ َورَاءَ َذِلكَ مِنْ الْإِيمَانِ ِمثْقَالُ‬ ‫حتّى يَ ْف َعلَهُ ا ْل ُم ْؤمِنُ بَلْ الِْإ ْنكَارُ‬ ‫خرْدَلٍ } َأنّهُ لَمْ َيبْقَ َبعْدَ هَذَا الِْإ ْنكَارِ مَا يَدْخُلُ فِي الْإِيمَانِ َ‬ ‫حبّةِ َ‬ ‫َ‬ ‫خرْدَلٍ ‪,‬‬ ‫حبّةُ َ‬ ‫خرُ حُدُودِ الْإِيمَانِ ‪َ ,‬ل ْيسَ ُمرَا ُدهُ أَنّ مَنْ لَمْ ُي ْن ِكرْ لَمْ َيكُنْ َمعَهُ مِنْ الْإِيمَانِ َ‬ ‫بِالْ َق ْلبِ آ ِ‬ ‫جبُ‬ ‫طبَقَاتٍ ‪َ ,‬فكُلّ ِم ْنهُمْ َفعَلَ الْإِيمَانَ الّذِي يَ ِ‬ ‫جعَلَ ا ْل ُم ْؤ ِمنِينَ َثلَاثَ َ‬ ‫َوِلهَذَا قَالَ َوَل ْيسَ َورَاءَ َذِلكَ ‪ ,‬فَ َ‬ ‫ع ِتهِمْ مَعَ ُبلُوغِ‬ ‫ستِطَا َ‬ ‫سبِ ا ْ‬ ‫جبِ بِحَ َ‬ ‫ضلُونَ فِي الْإِيمَانِ ا ْلوَا ِ‬ ‫علِمَ بِ َذِلكَ أَنّ النّاسَ َيتَفَا َ‬ ‫عَليْهِ ‪ .‬قَالَ وَ ُ‬ ‫َ‬ ‫‪83‬‬ ‫عبْ ِد اللّ ِه رضي ال عنه ‪َ :‬ك ْيفَ الَْأ ْمرُ‬ ‫الْخِطَابِ إَل ْيهِمْ ‪ .‬ا ْن َتهَى َكلَامُهُ ‪ .‬وَقَالَ ا ْل َمرّو ِذيّ ‪ُ :‬قلْت لَِأبِي َ‬ ‫بِا ْل َم ْعرُوفِ وَال ّن ْهيُ عَنْ ا ْل ُم ْنكَرِ ؟ قَالَ بِا ْليَدِ وَاللّسَانِ َوبِالْ َق ْلبِ وَ ُهوَ َأضْ َعفُ ‪ُ .‬قلْت ‪َ :‬ك ْيفَ بِا ْليَدِ ؟‬ ‫ص ْبيَانِ ا ْل ُكتّابِ يَ ْق َت ِتلُونَ فَ َفرّقَ َب ْي َنهُمْ ‪ .‬وَقَالَ فِي‬ ‫علَى ِ‬ ‫عبْ ِد اللّهِ َمرّ َ‬ ‫قَالَ يُ َفرّقُ َب ْي َنهُمْ ‪َ .‬و َرَأيْت َأبَا َ‬ ‫جوَازُ الِْإ ْنكَارِ‬ ‫سلَاحِ ‪ .‬قَالَ الْقَاضِي ‪ :‬وَظَا ِهرُ هَذَا َ‬ ‫س ْيفِ وَال ّ‬ ‫ِروَايَةِ صَالِحٍ ‪ :‬ال ّت ْغيِيرُ بِا ْليَدِ َل ْيسَ بِال ّ‬ ‫علَى مَنْ َت َركَ مَا َي ْل َزمُهُ ِف ْعلُهُ ِبلَا عُ ْذرٍ ‪ .‬زَادَ فِي ِنهَايَةِ‬ ‫بِا ْليَدِ إذَا لَمْ يُفْضِ إلَى الْ َقتْلِ وَالْ ِقتَالِ ‪َ ,‬و ُي ْن ِكرُ َ‬ ‫طلُوبَ مَعَ قُ ْد َرتِهِ‬ ‫علَى مَنْ َت َركَ الِْإ ْنكَارَ ا ْلمَ ْ‬ ‫عَليْهِ َو ُي ْن ِكرُ َ‬ ‫جبَ الِْإ ْنكَارُ َ‬ ‫ا ْل ُم ْبتَ ِدئِينَ ‪ِ :‬بلَا عُ ْذرٍ ظَا ِهرٍ وَ َ‬ ‫غ ْيرِ‬ ‫ض ْربُ بِا ْليَدِ وَالرّجْلِ وَ َ‬ ‫ج ْو ِزيّ ‪ :‬ال ّ‬ ‫سلْطَانٍ ‪ .‬وَقَالَ الِْإمَامُ ابْنُ الْ َ‬ ‫س ْيفٌ إلّا مَعَ ُ‬ ‫عَليْهِ ‪َ .‬ولَا ُي ْن ِكرُ َ‬ ‫َ‬ ‫علَى قَ ْدرِ‬ ‫ضرُو َرةِ وَالِا ْق ِتصَارِ َ‬ ‫ط ال ّ‬ ‫شرْ ِ‬ ‫س ْيفٍ َيجُوزُ ِللْآحَادِ بِ َ‬ ‫سلَاحٍ َأوْ َ‬ ‫شهَارُ ِ‬ ‫َذِلكَ ِممّا َل ْيسَ فِيهِ إ ْ‬ ‫علَى الصّحِيحِ ِل َئلّا ُيؤَ ّديَ‬ ‫سلْطَانِ َ‬ ‫سلَاحَ َفلَا بُدّ مِنْ إذْنِ ال ّ‬ ‫ش ِهرُونَ ال ّ‬ ‫عوَانٍ يُ ْ‬ ‫حتَاجَ إلَى أَ ْ‬ ‫الْحَاجَةِ ‪ ,‬فَإِنْ ا ْ‬ ‫إلَى الْ ِفتَنِ وَ َهيَجَانِ الْفَسَادِ وَا ْلمِحَنِ ‪. .‬‬ ‫وفي التاج المذهب ‪:‬‬ ‫علَمْ أَنّ الَْأ ْمرَ بِا ْل َم ْعرُوفِ وَالنّ ْهيَ‬ ‫( ‪َ ( ) 473‬فصْلٌ ) فِي الَْأ ْمرِ بِا ْل َم ْعرُوفِ وَال ّن ْهيِ عَنْ ا ْل ُم ْن َكرِ ‪ .‬ا ْ‬ ‫شرْعًا ; لَِأ ّن ُهمَا مِنْ وَظَا ِئفِ الَْأ ْن ِبيَاءِ عليهم‬ ‫شعَا ِئرِ الدّينِ َووُجُو ُبهَا َم ْعلُومٌ َ‬ ‫عَنْ ا ْل ُم ْنكَرِ مِنْ أَعْظَمِ َ‬ ‫عمِ َدةِ هَذَا الدّينِ وَال ّركْنَانِ ا ْل َكبِيرَانِ مِنْ َأ ْركَانِهِ َوكُلّ مَنْ قَامَ‬ ‫السلم وَ ُهمَا ا ْل ِعمَادَانِ ا ْلعَظِيمَانِ مِنْ أَ ْ‬ ‫عُلوّ ِه ّمتِهِ‬ ‫جنَانِهِ َو َك ْث َرةِ إحْسَانِهِ وَ ُ‬ ‫علَى ُق ّوةِ إيمَانِهِ َو َثبَاتِ َ‬ ‫ج َعَل ُهمَا دِينَهُ فَ َذِلكَ دَالّ َ‬ ‫ِب ِهمَا مِنْ ا ْل ُعَلمَاءِ وَ َ‬ ‫سرِي َرتِهِ وَحُسْنِ سِي َرتِهِ َولَا َيتّسِعُ ِلمَا َورَدَ فِي ِهمَا مِنْ الْآيَاتِ الْ ُقرْآ ِنيّةِ وَالْأَحَادِيثِ ال ّن َبوِيّةِ إلّا‬ ‫وَطِيبِ َ‬ ‫خ ْيرِ َويَ ْأ ُمرُونَ بِا ْل َم ْعرُوفِ‬ ‫ستَقِلّ َفمِنْ الَْأوّلِ قوله تعالى { َو ْل َتكُنْ ِم ْنكُمْ ُأمّةٌ يَدْعُونَ إلَى الْ َ‬ ‫ُم َؤّلفٌ مُ ْ‬ ‫جتْ لِلنّاسِ َت ْأ ُمرُونَ‬ ‫خرِ َ‬ ‫خ ْيرَ ُأمّةٍ أُ ْ‬ ‫َو َي ْن َهوْنَ عَنْ ا ْل ُم ْن َكرِ َوأُوَل ِئكَ هُمْ ا ْلمُ ْفلِحُونَ } وَقَالَ َتعَالَى { ُك ْنتُمْ َ‬ ‫بِا ْل َم ْعرُوفِ َو َت ْن َهوْنَ عَنْ ا ْل ُم ْنكَرِ } وَقَالَ َتعَالَى { خُذْ ا ْلعَ ْفوَ َو ْأ ُمرْ بِا ْل ُع ْرفِ َوأَعْرِضْ عَنْ الْجَا ِهلِينَ }‬ ‫علَى لِسَانِ دَاوُد وَعِيسَى ابْنِ َم ْريَمَ َذِلكَ ِبمَا‬ ‫سرَائِيلَ َ‬ ‫‪ .‬وَقَالَ َتعَالَى { ُلعِنَ الّذِينَ كَ َفرُوا مِنْ َبنِي إ ْ‬ ‫غ ْيرُ َذِلكَ مِنْ‬ ‫عصَوْا َوكَانُوا َي ْعتَدُونَ كَانُوا لَا َي َتنَا َهوْنَ عَنْ ُم ْن َكرٍ َف َعلُوهُ َل ِب ْئسَ مَا كَانُوا يَ ْف َعلُونَ } وَ َ‬ ‫َ‬ ‫س ِمعْت رَسُولَ‬ ‫ي رضي ال عنه قَالَ َ‬ ‫سعِيدٍ الْخُ ْد ِر ّ‬ ‫الْآيَاتِ ‪َ ,‬ومِنْ الثّانِي أَحَادِيثُ " الَْأوّلُ " عَنْ َأبِي َ‬ ‫ستَطِعْ‬ ‫اللّهِ صلى ال عليه وآله وسلم يَقُولُ ‪ { " :‬مَنْ َرأَى ِم ْنكُمْ ُم ْن َكرًا َف ْل ُي َغ ّي ْرهُ ِبيَ ِدهِ َفإِنْ لَمْ يَ ْ‬ ‫سعُودٍ‬ ‫سلِمٌ ‪ ( .‬الثّانِي ) عَنْ َأبِي مَ ْ‬ ‫ض َعفُ الْإِيمَانِ } " َروَاهُ مُ ْ‬ ‫ستَطِعْ َفبِ َق ْلبِهِ وَ َذِلكَ أَ ْ‬ ‫َف ِبلِسَانِهِ َفإِنْ لَمْ يَ ْ‬ ‫رضي ال عنه أَنّ رَسُولَ اللّهِ صلى ال عليه وآله وسلم قَالَ ‪ { :‬مَا مِنْ َن ِبيّ َب َعثَهُ اللّهُ فِي ُأمّةٍ‬ ‫خُلفُ مِنْ‬ ‫س ّنتِهِ َويَ ْقتَدُونَ بَِأ ْم ِرهِ ثُمّ إ ّنهَا تَ ْ‬ ‫حوَا ِريّونَ َوأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِ ُ‬ ‫َق ْبلِي إلّا كَانَ لَهُ مِنْ ُأ ّمتِهِ َ‬ ‫‪84‬‬ ‫خلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لَا يَ ْف َعلُونَ َويَ ْف َعلُونَ مَا لَا ُي ْؤ َمرُونَ َفمَنْ جَاهَدَهُمْ ِبيَ ِدهِ َف ُهوَ ُم ْؤمِنٌ َومَنْ‬ ‫َبعْدِهِمْ ُ‬ ‫حبّةُ‬ ‫جَاهَدَهُمْ ِبلِسَانِهِ َف ُهوَ ُم ْؤمِنٌ َومَنْ جَاهَدَهُمْ بِ َق ْلبِهِ َف ُهوَ ُم ْؤمِنٌ َل ْيسَ َورَاءَ َذِلكَ مِنْ الْإِيمَانِ َ‬ ‫ن ال ّن ِبيّ صلى ال عليه‬ ‫سلِمٌ َأ ْيضًا ‪ ( .‬الثّاِلثُ ) عَنْ حُ َذيْفَ َة رضي ال عنه عَ ْ‬ ‫خرْدَلٍ } " َروَاهُ مُ ْ‬ ‫َ‬ ‫ن اللّهُ أَنْ‬ ‫شكَ ّ‬ ‫وآله وسلم " قَالَ { َوَالّذِي نَفْسِي ِبيَ ِدهِ َلتَ ْأ ُمرُنّ بِا ْل َم ْعرُوفِ َو َت ْن َهوْنَ عَنْ ا ْل ُم ْنكَرِ َأوْ َليُو ِ‬ ‫ستَجَابُ َلكُمْ } " َروَا ُه ال ّت ْرمِ ِذيّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ ‪.‬‬ ‫عَل ْيكُمْ عِقَابًا ِمنْهُ ثُمّ تَدْعُونَهُ َفلَا يُ ْ‬ ‫َي ْب َعثَ َ‬ ‫وَالْأَحَادِيثُ فِي َذِلكَ َكثِي َرةٌ ‪.‬‬ ‫******************‬ ‫لماذا يجب جهاد الحكام أول ؟‬ ‫أقول ‪ :‬يجب جهادهم للسباب التالية ‪:‬‬ ‫‪.1‬محاربتهم شريعة ال في كل مكان‬ ‫‪.2‬مطاردة الدعاة المخلصين وقتلهم وتعذيبهم أو تشريدهم في الرض‬ ‫‪.3‬فرض مناهج الكفر والضلل على المسلمين‬ ‫‪.4‬تحكيم شرائع الجاهلية‬ ‫‪.5‬إقصاء منهج ال تعالى من الحياة‬ ‫‪.6‬التلعب بدين ال‬ ‫‪ .7‬التآمر على المسلمين‬ ‫‪ .8‬تولي الكفار والفجار‬ ‫‪.9‬نهب خيرات المسلمين‬ ‫‪ .10‬تسليم المسلمين للكفار‬ ‫‪.11‬التخلي عن الجهاد في سبيل ال‬ ‫‪ .12‬حماية حدود دولة اليهود‬ ‫‪.13‬منع أية مساعدة للمجاهدين ووصفهم بالرهابيين والمجرمين والشاذين‬ ‫‪ .14‬البطش والتنكيل بالشعوب والجيوش قوات المن ليس لحماية الحدود بل لحماية‬ ‫العروش‬ ‫وغير ذلك من أسباب لو وجد سبب واحد لوجب جهادهم فما ل يتم الواجب غل به فهو‬ ‫واجب وقد عمل عماد الدين الزنكي ونور الدين محمود وصلح الدين اليوبي أكثر من‬ ‫‪85‬‬ ‫ستين سنة مجاهدين الدول المتآمرة التي كانت تحيط بفلسطين وعملت اتفاقيات من‬ ‫الصليبيين‬ ‫ولم يتوانوا عن جهادها بحجة أنهم مسلمون وموحدون بل ليسوا مسلمين ول موحدين حقيقة‬ ‫فأقل وصف لهم منافقين وقد كان التتار والمغول مثلهم كذلك‬ ‫قال شيخ السلم ابن تيمية ‪:‬‬ ‫قتال التتار ومن نحا نحوهم وسار بركبهم‬ ‫‪ - 6 - 777‬مَسَْألَةٌ ‪:‬‬ ‫علَى َبيَانِ الْحَقّ ا ْل ُمبِينِ ‪,‬‬ ‫ن رضي ال عنهم أجمعين ‪َ ,‬وأَعَا َنهُمْ َ‬ ‫مَا تَقُولُ السّا َدةُ ا ْل ُعَلمَاءُ َأ ِئمّةُ الدّي ِ‬ ‫غ َمرَاتِ الْجَا ِهلِينَ وَالزّا ِئغِينَ فِي ‪َ :‬ه ُؤلَاءِ ال ّتتَارِ الّذِينَ يَقْ ُدمُونَ إلَى الشّامِ َم ّرةً َبعْدَ َم ّرةٍ وَقَدْ‬ ‫شفِ َ‬ ‫َوكَ ْ‬ ‫عَليْهِ فِي َأوّلِ الَْأ ْمرِ َفهَلْ‬ ‫علَى ا ْلكُ ْفرِ الّذِي كَانُوا َ‬ ‫سلَامِ َولَمْ ُيبْقُوا َ‬ ‫سبُوا إلَى الْإِ ْ‬ ‫شهَا َد َتيْنِ ‪ ,‬وَا ْنتَ َ‬ ‫َت َكّلمُوا بِال ّ‬ ‫حكْمُ مَنْ كَانَ‬ ‫علَى ِقتَاِلهِمْ ‪َ ,‬ومَا مَذَا ِهبُ ا ْل ُعَلمَاءِ فِي َذِلكَ ؟ َومَا ُ‬ ‫جبُ ِقتَاُلهُمْ أَمْ لَا ؟ َومَا الْحُجّةُ َ‬ ‫يَ ِ‬ ‫خرَجُوهُ َم َعهُمْ‬ ‫حكْمُ مَنْ قَدْ أَ ْ‬ ‫غ ْيرِهِمْ ؟ َومَا ُ‬ ‫سِلمِينَ الُْأ َمرَاءِ وَ َ‬ ‫س َكرِ ا ْلمُ ْ‬ ‫َم َعهُمْ ِممّنْ يَ ِفرّ إَل ْيهِمْ مِنْ عَ ْ‬ ‫سبِينَ إلَى ا ْل ِعلْمِ ‪ ,‬وَالْفِقْهِ ‪ ,‬وَالْفَ ْقرِ ‪ ,‬وَالّنصُوصِ‬ ‫س َكرِهِمْ مِنْ ا ْل ُم ْنتَ ِ‬ ‫حكْمُ مَنْ َيكُونُ مَعَ عَ ْ‬ ‫ُم ْكرَهًا ؟ َومَا ُ‬ ‫سِلمُونَ َو ِكلَا ُهمَا ظَالِمٌ ‪َ ,‬فلَا‬ ‫سِلمُونَ وَا ْلمُقَا ِتلُونَ َلهُمْ مُ ْ‬ ‫حوِ َذِلكَ ‪َ .‬ومَا يُقَالُ فِيمَنْ زَعَمَ َأ ّنهُمْ مُ ْ‬ ‫‪َ ,‬ونَ ْ‬ ‫جبُ‬ ‫يُقَاتِلُ مَعَ أَحَدِ ِهمَا ‪ .‬وَفِي َقوْلِ مَنْ زَعَمَ َأ ّنهُمْ يُقَا َتلُونَ َكمَا تُقَاتَلُ ا ْل ُبغَاةُ ا ْل ُمتََأ ّولُونَ ‪َ ,‬ومَا ا ْلوَا ِ‬ ‫سِلمِينَ مِنْ أَهْلِ ا ْل ِعلْمِ وَالدّينِ َوأَهْلِ الْ ِقتَالِ َوأَهْلِ الَْأ ْموَالِ فِي َأ ْمرِهِمْ ‪ .‬أَ ْفتُونَا فِي‬ ‫جمَاعَةِ ا ْلمُ ْ‬ ‫علَى َ‬ ‫َ‬ ‫علَى َأ ْك َثرِهِمْ‬ ‫سِلمِينَ ‪ ,‬بَلْ َ‬ ‫علَى َكثِيرٍ مِنْ ا ْلمُ ْ‬ ‫شكَلَ َ‬ ‫ج ِوبَةٍ َمبْسُوطَةٍ شَا ِفيَةٍ ‪ ,‬فَإِنّ َأ ْمرَهُمْ قَدْ أَ ْ‬ ‫َذِلكَ بِأَ ْ‬ ‫حكْ ِم اللّهِ َتعَالَى َورَسُولِهِ صلى ال عليه وسلم فِي‬ ‫حوَاِلهِمْ ‪َ ,‬وتَا َرةً ِلعَدَمِ ا ْل ِعلْمِ بِ ُ‬ ‫تَا َرةً ِلعَدَمِ ا ْل ِعلْمِ بَِأ ْ‬ ‫س ُبنَا َو ِنعْمَ‬ ‫شيْءٍ قَدِيرٌ وَ ُهوَ حَ ْ‬ ‫علَى كُلّ َ‬ ‫ح َمتِهِ إنّهُ َ‬ ‫خ ْيرٍ بِقُ ْد َرتِهِ َورَ ْ‬ ‫سرُ ِلكُلّ َ‬ ‫ِم ْثِلهِمْ ‪َ ,‬واَللّهُ ا ْل ُميَ ّ‬ ‫سنّةِ رَسُولِهِ ‪,‬‬ ‫ب اللّهِ ‪ ,‬وَ ُ‬ ‫جبُ ِقتَالُ َه ُؤلَاءِ ِب ِكتَا ِ‬ ‫حمْدُ ِللّهِ َربّ ا ْلعَاَلمِينَ ‪َ ,‬نعَمْ يَ ِ‬ ‫جوَابُ ‪ :‬الْ َ‬ ‫ا ْل َوكِيلُ ؟ الْ َ‬ ‫صلَيْنِ ‪ :‬أَحَدُ ُهمَا ‪ :‬ا ْل َم ْعرِفَةُ بِحَاِلهِمْ ‪ .‬وَالثّانِي ‪َ :‬م ْعرِفَةُ‬ ‫علَى َأ ْ‬ ‫سِلمِينَ ‪ ,‬وَهَذَا َم ْب ِنيّ َ‬ ‫وَاتّفَاقِ َأ ِئمّةِ ا ْلمُ ْ‬ ‫شرْهُمْ َي ْعلَمُ َذِلكَ‬ ‫شرَ الْ َقوْمَ ِب ِعلْمِ حَاِلهِمْ ‪َ ,‬ومَنْ لَمْ ُيبَا ِ‬ ‫حكْ ِم اللّهِ فِي ِم ْثِلهِمْ ‪َ .‬فَأمّا الَْأوّلُ ‪َ :‬فكُلّ مَنْ بَا َ‬ ‫ُ‬ ‫خبَا ِر الصّادِقِينَ ‪َ ,‬ونَحْنُ نَ ْذ ُكرُ جُلّ ُأمُورِهِمْ َبعْدَ أَنْ ُن َبيّنَ الَْأصْلَ‬ ‫خبَارِ ا ْل ُم َتوَا ِت َرةِ ‪َ ,‬وأَ ْ‬ ‫ِبمَا َبَلغَهُ مِنْ الْأَ ْ‬ ‫شرِيعَةٍ‬ ‫جتْ عَنْ َ‬ ‫خرَ َ‬ ‫سلَا ِميّةِ َفنَقُولُ ‪ :‬كُلّ طَائِفَةٍ َ‬ ‫شرِيعَةِ الْإِ ْ‬ ‫ختَصّ ِب َم ْعرِ َفتِهِ أَهْلُ ا ْل ِعلْمِ بِال ّ‬ ‫خرَ الّذِي يَ ْ‬ ‫الْآ َ‬ ‫سِلمِينَ ‪َ ,‬وإِنْ َت َكّل َمتْ‬ ‫جبُ ِقتَاُلهَا بِاتّفَاقِ َأ ِئمّةِ ا ْلمُ ْ‬ ‫سلَامِ الظّا ِه َرةِ ا ْل ُمتَوَا ِت َرةِ فَِإنّهُ يَ ِ‬ ‫شرَائِعِ الْإِ ْ‬ ‫مِنْ َ‬ ‫صلّوا ‪,‬‬ ‫حتّى ُي َ‬ ‫جبَ ِقتَاُلهُمْ َ‬ ‫خمْسِ ‪َ ,‬و َ‬ ‫صَلوَاتِ الْ َ‬ ‫شهَا َد َتيْنِ وَا ْمتَ َنعُوا عَنْ ال ّ‬ ‫شهَا َد َتيْنِ ‪َ ,‬فإِذَا أَ َقرّوا بِال ّ‬ ‫بِال ّ‬ ‫‪86‬‬ ‫ش ْهرِ‬ ‫صيَامِ َ‬ ‫ن ِ‬ ‫حتّى ُيؤَدّوا ال ّزكَاةَ ‪َ ,‬وكَ َذِلكَ إنْ ا ْم َت َنعُوا عَ ْ‬ ‫جبَ ِقتَاُلهُمْ َ‬ ‫ن ال ّزكَاةِ ‪ ,‬وَ َ‬ ‫َوإِنْ ا ْم َت َنعُوا عَ ْ‬ ‫سرِ ‪,‬‬ ‫حشِ ‪َ ,‬أ ْو ال ّزنَا ‪َ ,‬أوْ ا ْل َميْ ِ‬ ‫حرِيمِ الْ َفوَا ِ‬ ‫َر َمضَانَ ‪َ ,‬أوْ حَجّ ا ْل َب ْيتِ ا ْل َعتِيقِ ‪َ ,‬وكَ َذِلكَ إنْ ا ْم َت َنعُوا عَنْ تَ ْ‬ ‫حكْمِ فِي ال ّدمَاءِ ‪,‬‬ ‫شرِيعَةِ َوكَ َذِلكَ إنْ ا ْم َت َنعُوا عَنْ الْ ُ‬ ‫ح ّرمَاتِ ال ّ‬ ‫غ ْيرِ َذِلكَ مِنْ ُم َ‬ ‫خ ْمرِ ‪َ ,‬أوْ َ‬ ‫َأوْ الْ َ‬ ‫سنّةِ ‪َ ,‬وكَ َذِلكَ إنْ ا ْم َت َنعُوا عَنْ الَْأ ْمرِ‬ ‫حكْمِ ا ْل ِكتَابِ وَال ّ‬ ‫حوِهَا بِ ُ‬ ‫عرَاضِ ‪ ,‬وَالَْأ ْبضَاعِ ‪َ ,‬ونَ ْ‬ ‫وَالَْأ ْموَالِ وَالْأَ ْ‬ ‫ج ْزيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ‬ ‫سِلمُوا َو ُيؤَدّوا الْ ِ‬ ‫جهَادِ ا ْلكُفّارِ إلَى أَنْ يُ ْ‬ ‫بِا ْل َم ْعرُوفِ وَال ّن ْهيِ عَنْ ا ْل ُم ْنكَرِ ‪ ,‬وَ ِ‬ ‫سَلفِ الُْأمّةِ َوَأ ِئ ّم ِتهَا ِمثْلُ ‪:‬‬ ‫سنّةِ ‪ ,‬وَا ّتبَاعِ َ‬ ‫ظ َهرُوا ا ْلبِدَعَ ا ْلمُخَالِفَةَ ِل ْل ِكتَابِ وَال ّ‬ ‫غرُونَ ‪َ .‬وكَ َذِلكَ إنْ أَ ْ‬ ‫صَا ِ‬ ‫سمَاءِ اللّهِ َوصِفَاتِهِ ‪َ ,‬أوْ ال ّتكْذِيبَ بِقَ َد ِرهِ‬ ‫سمَا ِء اللّهِ وَآيَاتِهِ ‪َ ,‬أوْ ال ّتكْذِيبَ بِأَ ْ‬ ‫ظ ِهرُوا الِْإلْحَادَ فِي أَ ْ‬ ‫أَنْ يُ ْ‬ ‫طعْنَ فِي‬ ‫خلَفَا ِء الرّاشِدِينَ ‪َ ,‬أوْ ال ّ‬ ‫عهْدِ الْ ُ‬ ‫علَى َ‬ ‫سِلمِينَ َ‬ ‫جمَاعَةُ ا ْلمُ ْ‬ ‫عَليْهِ َ‬ ‫وَ َقضَائِهِ َأوْ ال ّتكْذِيبَ ِبمَا كَانَ َ‬ ‫حتّى‬ ‫سِلمِينَ َ‬ ‫جرِينَ وَالَْأ ْنصَارِ َوَالّذِينَ ا ّت َبعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ َأوْ مُقَا َتلَةِ ا ْلمُ ْ‬ ‫السّابِقِينَ الَْأ ّولِينَ مِنْ ا ْل ُمهَا ِ‬ ‫ل اللّهُ َتعَالَى ‪:‬‬ ‫سلَامِ َوَأ ْمثَالِ هَ ِذهِ الُْأمُورِ قَا َ‬ ‫شرِيعَةِ الْإِ ْ‬ ‫خرُوجَ عَنْ َ‬ ‫جبُ الْ ُ‬ ‫ع ِتهِمْ اّلتِي تُو ِ‬ ‫خلُوا فِي طَا َ‬ ‫يَدْ ُ‬ ‫حتّى لَا َتكُونَ ِف ْتنَةٌ َو َيكُونَ الدّينُ ُكلّهُ ِللّهِ } فَإِذَا كَانَ َب ْعضُ الدّينِ ِللّهِ َو َب ْعضُهُ ِل َغ ْيرِ اللّهِ‬ ‫{ وَقَا ِتلُوهُمْ َ‬ ‫حتّى َيكُونَ الدّينُ ُكلّهُ ِللّهِ ‪ .‬وَقَالَ َتعَالَى ‪ { :‬يَا َأ ّيهَا الّذِينَ آ َمنُوا اتّقُوا اللّهَ وَ َذرُوا مَا‬ ‫جبَ الْ ِقتَالُ َ‬ ‫وَ َ‬ ‫ح ْربٍ مِنْ اللّهِ َورَسُولِهِ } وَهَ ِذهِ الْآيَةُ َن َزَلتْ‬ ‫بَ ِقيَ مِنْ ال ّربَا إنْ ُك ْنتُمْ ُم ْؤ ِمنِينَ ‪َ ,‬فإِنْ لَمْ تَ ْف َعلُوا فَأْ َذنُوا بِ َ‬ ‫صّلوْا َوصَامُوا ‪َ ,‬لكِنْ كَانُوا َي َتعَا َملُونَ بِال ّربَا ‪َ ,‬فَأ ْنزَلَ اللّهُ‬ ‫سَلمُوا َو َ‬ ‫فِي أَهْلِ الطّا ِئفِ ‪َ ,‬وكَانُوا قَدْ أَ ْ‬ ‫ح ْربٍ مِنْ‬ ‫ن ال ّربَا ‪ ,‬وَقَالَ ‪ { :‬فَإِنْ لَمْ تَ ْف َعلُوا فَأْ َذنُوا بِ َ‬ ‫هَ ِذهِ الْآيَةَ َوَأ َمرَ ا ْلمُ ْؤ ِمنِينَ فِيهَا ِب َت ْركِ مَا بَ ِقيَ مِ ْ‬ ‫ح ّرمَاتِ‬ ‫خرُ ا ْلمُ َ‬ ‫ن صَحِيحٌ ‪ ,‬وَال ّربَا آ ِ‬ ‫اللّهِ َورَسُولِهِ } وَقَدْ ُق ِرئَ { فَأُ ِذنُوا } وَ { آ َذنُوا } َو ِكلَا ا ْل َم ْع َن َييْ ِ‬ ‫عنْهُ مُحَا ِربًا ِللّهِ َورَسُولِهِ‬ ‫فِي الْ ُقرْآنِ ‪ ,‬وَ ُهوَ مَا يُوجَدُ ِب َترَاضِي ا ْل ُم َتعَا ِملِينَ ‪ ,‬فَإِذَا كَانَ مَنْ لَمْ َي ْنتَهِ َ‬ ‫حرِيمًا ‪ .‬وَقَدْ‬ ‫حرِيمًا َوأَعْظَمُ تَ ْ‬ ‫سبَقُ تَ ْ‬ ‫ح ّرمَاتِ اّلتِي ِهيَ أَ ْ‬ ‫غ ْي ِرهِ مِنْ ا ْلمُ َ‬ ‫َف َك ْيفَ ِبمَنْ لَمْ َي ْنتَهِ عَنْ َ‬ ‫عنْدَ أَهْلِ ا ْلعِلْمِ‬ ‫خوَارِجِ ‪ ,‬وَ ِهيَ ُم َتوَا ِت َرةٌ ِ‬ ‫ي صلى ال عليه وسلم الْأَحَادِيثُ بِ ِقتَالِ الْ َ‬ ‫ستَفَاضَ عَنْ ال ّن ِب ّ‬ ‫اْ‬ ‫سلِمٌ فِي‬ ‫ش َرةِ َأوْجُهٍ ‪ ,‬وَقَدْ َروَاهَا مُ ْ‬ ‫خوَارِجِ مِنْ عَ َ‬ ‫حمَدُ ‪ :‬صَحّ الْحَدِيثُ فِي الْ َ‬ ‫بِالْحَدِيثِ ‪ .‬قَالَ الِْإمَامُ أَ ْ‬ ‫سهْلِ بْنِ‬ ‫سعِيدٍ الْخُ ْد ِريّ ‪ ,‬وَ َ‬ ‫عِليّ ‪َ ,‬وَأبِي َ‬ ‫صَحِيحِهِ ‪َ ,‬و َروَى ا ْلبُخَا ِريّ ِم ْنهَا َثلَاثَةَ َأوْجُهٍ ‪ :‬حَدِيثَ َ‬ ‫ل صلى ال عليه وسلم فِي صِ َف ِتهِمْ ‪:‬‬ ‫خرُ ُم َتعَدّ َدةٌ ‪ .‬وَقَدْ قَا َ‬ ‫طرُقٌ أُ َ‬ ‫سنَنِ ‪ ,‬وَا ْلمَسَانِيدِ ُ‬ ‫ح َن ْيفٍ ‪ ,‬وَفِي ال ّ‬ ‫ُ‬ ‫صيَا ِمهِمْ ‪ ,‬وَ ِقرَا َءتَهُ مَعَ ِقرَا َء ِتهِمْ ‪ ,‬يَ ْقرَءُونَ‬ ‫صيَامَهُ مَ َع ِ‬ ‫صلَا ِتهِمْ ‪َ ,‬و ِ‬ ‫صلَاتَهُ مَ َع َ‬ ‫{ يَحْ ِقرُ أَحَ ُدكُ ْم َ‬ ‫ن ال ّر ِميّةِ ‪َ ,‬أ ْي َنمَا لَقِي ُتمُوهُمْ‬ ‫سهْمُ مِ ْ‬ ‫سلَامِ َكمَا َي ْمرُقُ ال ّ‬ ‫جرَهُمْ ‪َ ,‬ي ْمرُقُونَ مِنْ الْإِ ْ‬ ‫حنَا ِ‬ ‫الْ ُقرْآنَ لَا يُجَا ِوزُ َ‬ ‫عنْ َد اللّهِ ِلمَنْ َق َتَلهُمْ َيوْمَ الْ ِقيَامَةِ ‪َ ,‬لئِنْ أَ ْد َركْتهمْ لَأَ ْق ُتَل ّنهُمْ َقتْلَ عَادٍ } ‪.‬‬ ‫جرًا ِ‬ ‫فَا ْق ُتلُوهُمْ ‪َ ,‬فإِنّ فِي َق ْتِلهِمْ أَ ْ‬ ‫سَلفُ‬ ‫علَى ِقتَاِلهِمْ َ‬ ‫عِليّ بْنُ َأبِي طَاِلبٍ ِبمَنْ َمعَهُ مِنْ الصّحَابَةِ وَاتّفَقَ َ‬ ‫وَ َه ُؤلَاءِ قَا َتَلهُمْ َأمِيرُ ا ْل ُم ْؤمِنِينَ َ‬ ‫‪87‬‬ ‫ن الصّحَابَةَ‬ ‫جمَلِ َوصِفّينَ ‪ ,‬فَإِ ّ‬ ‫الُْأمّةِ ‪َ ,‬وَأ ِئ ّم ُتهَا لَمْ َي َتنَازَعُوا فِي ِقتَاِلهِمْ َكمَا َتنَازَعُوا فِي الْ ِقتَالِ َيوْمَ الْ َ‬ ‫عِليّ رضي ال عنه ‪ ,‬وَ َقوْمٌ قَا َتلُوا مَعَ مَنْ‬ ‫صنَافٍ ‪َ :‬قوْمٌ قَا َتلُوا مَعَ َ‬ ‫كَانُوا فِي ِقتَالِ الْ ِف ْتنَةِ َثلَاثَةُ َأ ْ‬ ‫خوَارِجُ َفلَمْ َيكُنْ فِيهِمْ أَحَدٌ‬ ‫قَاتَلَ ‪ ,‬وَ َقوْمٌ َقعَدُوا عَنْ الْ ِقتَالِ لَمْ يُقَا ِتلُوا ا ْلوَاحِ َدةَ مِنْ الطّائِ َف َتيْنِ ‪َ .‬وَأمّا الْ َ‬ ‫سعِيدٍ أَنّ ال ّن ِبيّ‬ ‫ن الصّحَابَةِ ‪ .‬وَفِي الصّحِيحِ ‪ :‬عَنْ َأبِي َ‬ ‫مِنْ الصّحَابَةِ َولَا َنهَى عَنْ ِقتَاِلهِمْ أَحَدٌ مِ ْ‬ ‫سِلمِينَ تَ ْق ُتُلهُمْ َأ ْولَى الطّائِ َف َتيْنِ‬ ‫علَى حِينِ ُفرْقَةٍ مِنْ ا ْلمُ ْ‬ ‫صلى ال عليه وسلم قَالَ ‪َ { :‬ت ْمرُقُ مَارِقَةٌ َ‬ ‫عِليّا‬ ‫بِالْحَقّ } ‪ .‬وَفِي لَفْظٍ ‪ { :‬أَ ْدنَى الطّائِ َف َتيْنِ إلَى الْحَقّ } ‪َ .‬ف ِبهَذَا الْحَدِيثِ الصّحِيحِ َث َبتَ أَنّ َ‬ ‫سلَامِ‬ ‫َوأَصْحَابَهُ كَانُوا أَ ْق َربَ إلَى الْحَقّ مِنْ ُمعَا ِويَةَ َوَأصْحَابِهِ ‪َ ,‬وأَنّ ِت ْلكَ ا ْلمَارِقَةَ اّلتِي َمرَ َقتْ مِنْ الْإِ ْ‬ ‫ي صلى ال عليه وسلم بِ ِقتَالِ هَ ِذهِ ا ْلمَارِقَةِ ‪َ ,‬وَأكّدَ‬ ‫حكْمَ إحْدَى الطّائِ َف َتيْنِ ‪ ,‬بَلْ َأ َمرَ ال ّن ِب ّ‬ ‫ح ْك ُمهَا ُ‬ ‫َل ْيسَ ُ‬ ‫عنْهُ فِي‬ ‫الَْأ ْمرَ بِ ِقتَاِلهَا ‪َ ,‬ولَمْ يَ ْأ ُمرْ بِ ِقتَالِ إحْدَى الطّائِ َف َتيْنِ ‪َ ,‬كمَا َأ َمرَ بِ ِقتَالِ هَ ِذهِ ‪ ,‬بَلْ قَدْ َث َبتَ َ‬ ‫صلِحُ اللّهُ بِهِ َبيْنَ‬ ‫س ُي ْ‬ ‫سيّدٌ وَ َ‬ ‫الصّحِيحِ ‪ :‬مِنْ حَدِيثِ َأبِي َب ْك َرةَ َأنّهُ قَالَ ِللْحَسَنِ ‪ { :‬إنّ ا ْبنِي هَذَا َ‬ ‫صلَحَ اللّهُ بِهِ َبيْنَ الطّائِ َف َتيْنِ ‪,‬‬ ‫عَليْهِ ِبمَا َأ ْ‬ ‫سِلمِينَ } ‪َ .‬فمَدَحَ الْحَسَنَ َوَأ ْثنَى َ‬ ‫طَائِ َف َتيْنِ عَظِي َم َتيْنِ مِنْ ا ْلمُ ْ‬ ‫ختَارَ الَْأصْلَ وَحَقَنَ ال ّدمَاءَ مَعَ ُنزُولِهِ عَنْ الَْأ ْمرِ ‪َ ,‬فَلوْ كَانَ الْ ِقتَالُ‬ ‫حِينَ َت َركَ الْ ِقتَالَ وَقَدْ بُويِعَ لَهُ وَا ْ‬ ‫عنْهُ ‪.‬‬ ‫عَليْهِ ِب َت ْركِ مَا َأ َم َر اللّهُ بِهِ وَ ِفعْلِ مَا َنهَى اللّهُ َ‬ ‫مَ ْأمُورًا بِهِ لَمْ َيمْدَحْ الْحَسَنَ َو ُي ْثنِي َ‬ ‫عِليّ َيوْمَ‬ ‫طرِيقَانِ ‪ِ :‬م ْنهُمْ مَنْ َيرَى ِقتَالَ َ‬ ‫ستَحِقّ الْ ِقتَالَ مِنْ أَهْلِ الْ ِق ْبلَةِ َ‬ ‫وَا ْلعَُلمَاءُ َلهُمْ فِي ِقتَالِ مَنْ يَ ْ‬ ‫جعَلُ ِقتَالَ َأبِي َب ْكرٍ‬ ‫جمَلِ ‪َ ,‬وصِفّينَ ‪ُ ,‬كلّهُ مِنْ بَابِ ِقتَالِ أَهْلِ ا ْل َب ْغيِ ‪َ ,‬وكَ َذِلكَ يَ ْ‬ ‫حرُورَاءَ ‪َ ,‬و َيوْمَ الْ َ‬ ‫َ‬ ‫سبِينَ إلَى الْ ِقبْلَةِ ‪َ ,‬كمَا َذ َكرَ َذِلكَ مَنْ َذ َك َرهُ‬ ‫ِلمَا ِنعِي ال ّزكَاةِ ‪َ ,‬وكَ َذِلكَ ِقتَالُ سَا ِئرِ مَنْ قُوتِلَ مِنْ ا ْل ُم ْنتَ ِ‬ ‫غ ْيرِهِمْ ‪ ,‬وَهُمْ ُمتّفِقُونَ‬ ‫حمَدَ وَ َ‬ ‫حنِيفَةَ ‪ ,‬وَالشّا ِف ِعيّ ‪َ ,‬ومَنْ وَافَ َقهُمْ مِنْ َأصْحَابِ أَ ْ‬ ‫مِنْ َأصْحَابِ َأبِي َ‬ ‫ن الصّحَابَةَ َليْسُوا فُسّاقًا بَلْ هُمْ عُدُولٌ ‪ .‬فَقَالُوا ‪ :‬إنّ أَهْلَ ا ْل َب ْغيِ عُدُولٌ مَعَ ِقتَاِلهِمْ ‪ ,‬وَهُمْ‬ ‫علَى أَ ّ‬ ‫َ‬ ‫غ ْي ِرهِ ‪ .‬فَذَ َهبُوا إلَى‬ ‫ج َتهِدِينَ فِي الْ ُفرُوعِ ‪ ,‬وَخَالَ َفتْ فِي َذِلكَ طَائِفَةٌ كَابْنِ عَقِيلٍ وَ َ‬ ‫طئُونَ خَطَأَ ا ْلمُ ْ‬ ‫مُخْ ِ‬ ‫ظرُوا إلَى مَنْ عَ ُد ّوهُ مِنْ أَهْلِ ا ْل َب ْغيِ فِي َز َم ِنهِمْ ‪َ ,‬ف َرَأوْهُمْ فُسّاقًا ‪َ ,‬ولَا‬ ‫تَفْسِيقِ أَهْلِ ا ْل َب ْغيِ ‪ ,‬وَ َه ُؤلَاءِ نَ َ‬ ‫ق الصّحَابَةَ َبعْضُ أَهْلِ الْأَ ْهوَاءِ مِنْ ا ْل ُم ْع َت ِزلَةِ‬ ‫خلُونَ الصّحَابَةَ فِي َذِلكَ ‪َ ,‬وِإ ّنمَا يُفَسّ ُ‬ ‫َر ْيبَ َأ ّنهُمْ لَا يُدْ ِ‬ ‫خوَارِجِ وَال ّروَافِضِ َوَل ْيسَ َذِلكَ مِنْ مَذْ َهبِ الَْأ ِئمّةِ‬ ‫حوِهِمْ ‪َ ,‬كمَا ُيكَ ّفرُهُمْ َبعْضُ أَهْلِ الْأَ ْهوَاءِ مِنْ الْ َ‬ ‫َونَ ْ‬ ‫جمَاعَةِ ‪َ ,‬ولَا يَقُولُونَ ‪ :‬إنّ َأ ْموَاَلهُمْ َم ْعصُومَةٌ َكمَا كَا َنتْ ‪َ ,‬ومَا كَانَ ثَا ِبتًا‬ ‫سنّةِ وَالْ َ‬ ‫وَالْفُ َقهَاءِ أَهْلِ ال ّ‬ ‫ج ْمهُورَ ا ْل ُعَلمَاءِ يَقُولُونَ ‪:‬‬ ‫حتّى إنّ ُ‬ ‫ضمَنْ ‪َ ,‬‬ ‫حبِهِ ‪َ ,‬ومَا ُأ ْتِلفَ فِي حَالِ الْ ِقتَالِ لَمْ ُي ْ‬ ‫ِب َع ْينِهِ رُدّ إلَى صَا ِ‬ ‫ل اللّهِ صلى ال‬ ‫ضمَنُ لَا َه ُؤلَاءِ َولَا َه ُؤلَاءِ ‪َ .‬كمَا قَالَ الزّهْ ِريّ ‪ :‬وَ َق َعتْ الْ ِف ْتنَةُ َوَأصْحَابُ رَسُو ِ‬ ‫لَا َي ْ‬ ‫ج َمعُوا أَنّ كُلّ مَالٍ َأوْ دَمٍ ُأصِيبَ ِبتَ ْأوِيلِ الْ ُقرْآنِ فَِإنّهُ هَ َدرٌ ‪ ,‬وَهَلْ َيجُوزُ‬ ‫عليه وسلم ُم َتوَا ِفرُونَ ‪َ ,‬فأَ ْ‬ ‫‪88‬‬ ‫حمَدَ َيجُوزُ‬ ‫ج َهيْنِ فِي مَذْ َهبِ أَ ْ‬ ‫علَى وَ ْ‬ ‫ضرُورَةٌ َ‬ ‫ك َ‬ ‫ح ْر ِبهِمْ إذَا لَمْ َيكُنْ إلَى َذِل َ‬ ‫حهِمْ فِي َ‬ ‫سلَا ِ‬ ‫س َتعَانَ بِ ِ‬ ‫أَنْ يُ ْ‬ ‫سرِهِمْ وَا ّتبَاعِ مُ ْد ِبرِهِمْ‬ ‫خ َتلَفُوا فِي َقتْلِ أُ َ‬ ‫حنِيفَةَ ‪ ,‬وَا ْ‬ ‫وَا ْل َمنْعُ َقوْلُ الشّا ِف ِعيّ وَالرّخْصَةُ َقوْلُ َأبِي َ‬ ‫حنِيفَةَ ‪َ ,‬و َم َنعَهُ الشّا ِف ِعيّ ‪,‬‬ ‫ج ّوزَ َذِلكَ َأبُو َ‬ ‫جئُونَ إَل ْيهَا ‪ ,‬فَ َ‬ ‫حهِمْ إذَا كَانَ َلهُمْ ِفئَةٌ َيلْ َ‬ ‫جرِي ِ‬ ‫علَى َ‬ ‫وَالتّذْفِيفِ َ‬ ‫حمَدَ وَفِي مَذْ َهبِهِ وَجْهٌ َأنّهُ ُي ّتبَعُ مُ ْد ِبرُهُمْ مِنْ َأوّلِ الْ ِقتَالِ ‪َ ,‬وَأمّا إذَا لَمْ‬ ‫شهُورُ فِي مَذْ َهبِ أَ ْ‬ ‫وَ ُهوَ ا ْلمَ ْ‬ ‫غ ْي ُرهُ عَنْ َم ْروَانَ بْنِ‬ ‫سعِيدٌ وَ َ‬ ‫جرِيحٍ ‪َ ,‬كمَا َروَاهُ َ‬ ‫علَى َ‬ ‫َيكُنْ َلهُمْ ِفئَةٌ ‪َ ,‬فلَا يُ ْقتَلُ أَسِيرٌ ‪َ ,‬ولَا يُذَ ّففُ َ‬ ‫غلَقَ‬ ‫جرِيحٍ َومَنْ أَ ْ‬ ‫علَى َ‬ ‫جمَلِ ‪ ,‬لَا يُ ْق َتلَنّ مُ ْد ِبرٌ ‪َ ,‬ولَا يُ َذ ّففُ َ‬ ‫ج صَارِخٌ ‪َ ,‬ل َعلّهُ َيوْمَ الْ َ‬ ‫خرَ َ‬ ‫حكَمِ قَالَ ‪َ :‬‬ ‫الْ َ‬ ‫طرِيقَةَ فَقَدْ َي َتوَهّمُ أَنّ َه ُؤلَاءِ ال ّتتَارَ‬ ‫سَلكَ هَ ِذهِ ال ّ‬ ‫سلَاحَ َف ُهوَ آمِنٌ ‪َ .‬فمَنْ َ‬ ‫بَابَهُ َف ُهوَ آمِنٌ ‪َ ,‬ومَنْ َألْقَى ال ّ‬ ‫حكْمِ‬ ‫حكَامِ ‪َ ,‬كمَا أَدْخَلَ مَنْ أُدْخِلَ فِي هَذَا الْ ُ‬ ‫حكُمُ فِيهِمْ ِب ِمثْلِ هَ ِذهِ الْأَ ْ‬ ‫مِنْ أَهْلِ ا ْل َب ْغيِ ا ْل ُمتََأ ّولِينَ َويَ ْ‬ ‫س ُن َبيّنُ فَسَادَ هَذَا التّوَهّمِ إنْ شَاءَ اللّهُ َتعَالَى ‪.‬‬ ‫خوَارِجَ وَ َ‬ ‫مَا ِنعِي ال ّزكَاةِ وَالْ َ‬ ‫جمَلِ َوصِفّينَ ‪,‬‬ ‫حوِهِمْ ‪َ :‬ليْسَ كَ ِقتَالِ أَهْلِ الْ َ‬ ‫خوَارِجِ ‪َ ,‬ونَ ْ‬ ‫وَالطّرِيقَةُ الثّا ِنيَةُ أَنّ ِقتَالَ مَا ِنعِي ال ّزكَاةِ ‪ ,‬وَالْ َ‬ ‫سنّةِ‬ ‫عتِقَادِ أَهْلِ ال ّ‬ ‫ج ْمهُورِ الَْأ ِئمّةِ ا ْل ُمتَقَ ّدمِينَ وَ ُهوَ الّذِي يَ ْذ ُكرُونَهُ فِي ا ْ‬ ‫وَهَذَا ُهوَ ا ْل َمنْصُوصُ عَنْ ُ‬ ‫غ ْي ِرهِ ‪,‬‬ ‫حمَدَ وَ َ‬ ‫غ ْي ِرهِ ‪َ ,‬ومَذْ َهبُ َأ ِئمّةِ الْحَدِيثِ كَأَ ْ‬ ‫جمَاعَةِ ‪ ,‬وَ ُهوَ مَذْ َهبُ أَهْلِ ا ْلمَدِينَةِ ‪َ :‬كمَاِلكٍ ‪ ,‬وَ َ‬ ‫وَالْ َ‬ ‫غنِيمَةَ‬ ‫حتّى فِي الَْأ ْموَالِ فَإِنّ ِم ْنهُمْ مَنْ َأبَاحَ َ‬ ‫غ ْيرِ َم ْوضِعٍ َ‬ ‫علَى الْ َفرْقِ َبيْنَ هَذَا وَهَذَا فِي َ‬ ‫وَقَدْ َنصّوا َ‬ ‫سهْمٌ فِي َق ْريَةٍ‬ ‫حرُورِيّةَ كَانَ َلهُمْ َ‬ ‫حمَدُ فِي ِروَايَةِ َأبِي طَاِلبٍ فِي َ‬ ‫خوَارِجِ ‪ .‬وَقَدْ َنصّ أَ ْ‬ ‫َأ ْموَالِ الْ َ‬ ‫خمْسَةٍ‬ ‫علَى َ‬ ‫خمُسُهُ َ‬ ‫سِلمِينَ ‪َ ,‬فيُقَسّمُ ُ‬ ‫ضهُمْ َفيْءٌ ِل ْلمُ ْ‬ ‫سِلمُونَ فََأ ْر ُ‬ ‫سِلمِينَ فَ َق َتَلهُمْ ا ْلمُ ْ‬ ‫خرَجُوا يُقَا ِتلُونَ ا ْلمُ ْ‬ ‫فَ َ‬ ‫سِلمِينَ ‪َ ,‬ولَا يُقَسّمُ ِمثْلَ‬ ‫علَى ا ْلمُ ْ‬ ‫خرَاجَ َ‬ ‫حمِلُ الَْأمِيرُ الْ َ‬ ‫خمَاسِهِ ِللّذِينَ قَا َتلُوا يُقَسّمُ َب ْي َنهُمْ ‪َ ,‬أوْ يَ ْ‬ ‫َوَأ ْر َبعَةُ أَ ْ‬ ‫غ ِن َمتْ‬ ‫خ َواِرجِ إذَا ُ‬ ‫حمَدُ الَْأرْضَ اّلتِي ِللْ َ‬ ‫جعَلَ أَ ْ‬ ‫سِلمِينَ َف َ‬ ‫علَى ا ْلمُ ْ‬ ‫ع ْن َوةً ‪َ ,‬ووَقَفَهُ َ‬ ‫سوَادَ َ‬ ‫ع َمرُ ال ّ‬ ‫مَا أَخَذَ ُ‬ ‫صوَابُ ا ْلمَقْطُوعُ بِهِ ; فَإِنّ النّصّ‬ ‫طرِيقَةُ ِهيَ ال ّ‬ ‫ج ْملَةِ َفهَ ِذهِ ال ّ‬ ‫غنِمَ مِنْ َأ ْموَالِ ا ْلكُفّارِ ‪َ ,‬وبِالْ ُ‬ ‫ِب َم ْن ِزلَةِ مَا ُ‬ ‫ي رضي ال عنه تُ َفرّقُ َبيْنَ هَذَا وَهَذَا ‪ ,‬فَِإنّهُ قَاتَلَ‬ ‫عِل ّ‬ ‫جمَاعَ َفرّقَ َبيْنَ هَذَا وَهَذَا ‪ ,‬وَسِي َرةُ َ‬ ‫وَالْإِ ْ‬ ‫ن الصّحَابَةِ‬ ‫خوَارِجَ ِبنَصّ رَسُولِ اللّهِ صلى ال عليه وسلم وَ َفرِحَ بِ َذِلكَ ‪َ ,‬ولَمْ ُينَازِعْهُ فِيهِ َأحَدٌ مِ ْ‬ ‫الْ َ‬ ‫جمَلِ‬ ‫ظ َهرَ ‪ ,‬وَقَالَ مِنْ أَهْلِ الْ َ‬ ‫عَليْهِ مَا َ‬ ‫ظ َهرَ ِمنْهُ مِنْ َكرَا َهتِهِ وَالذّمّ َ‬ ‫‪َ ,‬وَأمّا الْ ِقتَالُ َيوْ َم صِفّينَ فَقَدْ َ‬ ‫خوَارِجُ فَفِي‬ ‫علَى َق ْتلَى الطّائِ َف َتيْنِ ‪َ .‬وَأمّا الْ َ‬ ‫صلّى َ‬ ‫س ْيفُ ‪َ ,‬و َ‬ ‫ط ْهرُهُمْ ال ّ‬ ‫عَل ْينَا ُ‬ ‫خوَا ُننَا َب َغوْا َ‬ ‫غ ْيرِهِمْ ‪ :‬إ ْ‬ ‫وَ َ‬ ‫ل اللّ ِه صلى ال عليه وسلم يَقُولُ ‪:‬‬ ‫س ِمعْت رَسُو َ‬ ‫عِليّ بْنِ َأبِي طَاِلبٍ قَالَ ‪َ :‬‬ ‫حيْنِ ‪ :‬عَنْ َ‬ ‫الصّحِي َ‬ ‫خ ْيرِ َقوْلِ ا ْل َبرِيّةِ لَا‬ ‫حلَامِ ‪ ,‬يَقُولُونَ مِنْ َ‬ ‫سنَانِ ‪ ,‬سُ َفهَاءُ الْأَ ْ‬ ‫خ ِر ال ّزمَانِ حِدَاثُ الْأَ ْ‬ ‫خرُجُ َقوْمٌ فِي آ ِ‬ ‫ستَ ْ‬ ‫{ َ‬ ‫ن ال ّر ِميّةِ ‪َ ,‬فَأ ْي َنمَا لَقِي ُتمُوهُمْ‬ ‫سهْمُ مِ ْ‬ ‫جرَهُمْ ‪َ ,‬ي ْمرُقُونَ مِنْ الدّينِ َكمَا َي ْمرُقُ ال ّ‬ ‫حنَا ِ‬ ‫يُجَا ِوزُ إيمَا ُنهُمْ َ‬ ‫سلِمٍ ‪ :‬عَنْ َزيْدِ بْنِ وَ ْهبٍ‬ ‫جرًا ِلمَنْ َق َتَلهُمْ َيوْمَ الْ ِقيَامَةِ } ‪ .‬وَفِي صَحِيحِ مُ ْ‬ ‫فَا ْق ُتلُوهُمْ ‪َ ,‬فإِنّ فِي َق ْتِلهِمْ أَ ْ‬ ‫‪89‬‬ ‫عِليّ ‪َ :‬أ ّيهَا النّاسُ إنّي‬ ‫خوَارِجِ فَقَالَ َ‬ ‫عِليّ الّذِينَ سَارُوا إلَى الْ َ‬ ‫ج ْيشِ الّذِي كَانُوا مَعَ َ‬ ‫َأنّهُ كَانَ فِي الْ َ‬ ‫خرُجُ َقوْمٌ مِنْ ُأ ّمتِي يَ ْقرَءُونَ الْ ُقرْآنَ ‪َ ,‬ل ْيسَ‬ ‫س ِمعْت رَسُولَ اللّهِ صلى ال عليه وسلم يَقُولُ ‪ { :‬يَ ْ‬ ‫َ‬ ‫شيْءٍ ‪,‬‬ ‫صيَا ِمهِمْ بِ َ‬ ‫صيَا ُمكُمْ إلّا ِ‬ ‫شيْءٍ ‪َ ,‬ولَا ِ‬ ‫صلَا ِتهِمْ بِ َ‬ ‫صلَا ُتكُمْ إلَى َ‬ ‫شيْءٍ ; َولَا َ‬ ‫ِقرَا َء ُتكُمْ إلَى ِقرَا َء ِتهِمْ بِ َ‬ ‫سلَامِ‬ ‫صلَا ُتهُمْ َترَا ِق َيهُمْ ‪َ ,‬ي ْمرُقُونَ مِنْ الْإِ ْ‬ ‫عَل ْيهِمْ ‪ ,‬لَا تُجَا ِو ُز َ‬ ‫سبُونَ َأنّهُ َلهُمْ ‪ ,‬وَ ُهوَ َ‬ ‫يَ ْقرَءُونَ الْ ُقرْآنَ يَحْ ِ‬ ‫حمّدٍ َن ِب ّيهِمْ‬ ‫علَى لِسَانِ مُ َ‬ ‫ضيَ َلهُمْ َ‬ ‫ج ْيشُ الّذِينَ ُيصِيبُو َنهُمْ مَا ُق ِ‬ ‫سهْمُ مِنْ ال ّر ِميّةِ َلوْ َي ْعلَمُ الْ َ‬ ‫َكمَا َي ْمرُقُ ال ّ‬ ‫حَلمَةِ الثّ ْديِ‬ ‫عضُ ِدهِ ِمثْلُ َ‬ ‫علَى َ‬ ‫عضُدٌ َل ْيسَ لَهُ ِذرَاعٌ َ‬ ‫جلًا لَهُ َ‬ ‫َل َن َكلُوا عَنْ ا ْل َعمَلِ ‪ ,‬وَآيَةُ َذِلكَ أَنّ فِيهِمْ رَ ُ‬ ‫خلُفُو َنكُمْ فِي‬ ‫ش َعرَاتٌ بِيضٌ قَالَ ‪َ :‬فيَذْ َهبُونَ إلَى ُمعَا ِويَةَ َوأَهْلِ الشّامِ َو َي ْت ُركُونَ َه ُؤلَاءِ يَ ْ‬ ‫عَليْهِ َ‬ ‫‪َ ,‬‬ ‫حرَامَ ‪,‬‬ ‫َذرَا ِر ّيكُمْ َوَأ ْموَاِلكُمْ ‪َ ,‬واَللّهِ إنّي لََأرْجُو أَنْ َيكُونُوا َه ُؤلَاءِ الْ َقوْمَ فَِإ ّنهُمْ قَدْ سَ َفكُوا الدّمَ الْ َ‬ ‫عبْدُ‬ ‫خوَارِجِ َي ْو َمئِذٍ َ‬ ‫علَى الْ َ‬ ‫علَى اسْ ِم اللّهِ } ‪ .‬قَالَ ‪َ :‬فَلمّا ا ْلتَ َق ْينَا وَ َ‬ ‫سرْحِ النّاسِ ‪ ,‬فَسِيرُوا َ‬ ‫َوأَغَارُوا فِي َ‬ ‫سيُو َفكُمْ مِنْ حُقُو ِقهَا ‪ ,‬فَِإنّي ُأنَاشِ ُدكُمْ َكمَا‬ ‫سلّوا ُ‬ ‫اللّهِ بْنُ وَ ْهبٍ َرئِيسًا فَقَالَ َلهُمْ ‪َ :‬ألْقُوا ال ّرمَاحَ ‪ ,‬وَ ُ‬ ‫حهِمْ‬ ‫حرَهُ ْم النّاسُ ِب ِرمَا ِ‬ ‫سيُوفَ ‪ ,‬وَسَ َ‬ ‫سلّوا ال ّ‬ ‫حهِمْ ‪ ,‬وَ َ‬ ‫جعُوا َفوَحّشُوا ِب ِرمَا ِ‬ ‫حرُورَاءَ ‪َ ,‬فرَ َ‬ ‫نَاشَدُوكُمْ َيوْمَ َ‬ ‫عِليّ ‪:‬‬ ‫جلَانِ ‪ :‬فَقَالَ َ‬ ‫علَى َبعْضٍ ‪َ ,‬ومَا ُأصِيبَ مِنْ النّاسِ َي ْو َمئِذٍ إلّا رَ ُ‬ ‫ضهُمْ َ‬ ‫‪ .‬قَالَ ‪َ :‬وأَ ْقبَلَ َب ْع ُ‬ ‫علَى‬ ‫ضهُمْ َ‬ ‫حتّى َأتَى نَاسًا قَدْ أَ ْقبَلَ َب ْع ُ‬ ‫سيْفِهِ َ‬ ‫علَى َ‬ ‫ا ْل َتمَسُوا فِيهِ ا ْلمَخْدَعَ ‪ .‬فَا ْل َتمَسُوهُ ‪َ ,‬فلَمْ َيجِدُوهُ فَقَامَ َ‬ ‫خرُوهُمْ َفوَجَدُوهُ ِممّا َيلِي الَْأرْضَ َف َك ّبرَ ثُمّ قَالَ ‪ :‬صَدَقَ اللّهُ ‪َ ,‬و َبلّغَ رَسُولُهُ ‪ .‬قَالَ ‪:‬‬ ‫َبعْضٍ ‪ .‬قَالَ ‪ :‬أَ ّ‬ ‫س ِمعْت هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ‬ ‫ن اللّهُ الّذِي لَا إلَهَ إلّا ُهوَ أَ َ‬ ‫س ْلمَا ِنيّ فَقَالَ ‪ :‬يَا َأمِيرَ ا ْل ُم ْؤمِنِي َ‬ ‫ع َبيْ َدةُ ال ّ‬ ‫فَقَامَ إَليْهِ ُ‬ ‫حِلفُ‬ ‫حلَفَهُ َثلَاثًا وَ ُهوَ يَ ْ‬ ‫ستَ ْ‬ ‫حتّى ا ْ‬ ‫رَسُولِ اللّهِ صلى ال عليه وسلم قَالَ ‪ :‬إي َواَللّهِ الّذِي لَا إلَهَ إلّا ُهوَ َ‬ ‫علَى‬ ‫خوَارِجِ َو َتضْلِيِلهِمْ ‪َ ,‬وِإ ّنمَا َتنَازَعُوا فِي َتكْفِيرِهِمْ ‪َ ,‬‬ ‫علَى ذَمّ الْ َ‬ ‫لَهُ َأ ْيضًا ‪ .‬فَإِنّ الُْأمّةَ ُمتّفِقُونَ َ‬ ‫حمَدَ ‪ ,‬وَفِي مَذْ َهبِ الشّا ِف ِعيّ َأيْضًا ِنزَاعٌ فِي‬ ‫شهُو َريْنِ مِنْ مَذْ َهبِ مَاِلكٍ ‪َ ,‬وأَ ْ‬ ‫علَى َق ْوَليْنِ مَ ْ‬ ‫َتكْفِيرِهِمْ َ‬ ‫طرِيقَةِ الْأُولَى ‪ :‬أَحَدُ ُهمَا ‪َ :‬أ ّنهُمْ‬ ‫علَى ال ّ‬ ‫غ ْي ِرهِ َ‬ ‫حمَدَ وَ َ‬ ‫جهَانِ فِي مَذْ َهبِ أَ ْ‬ ‫كُ ْفرِهِمْ ‪َ ,‬وِلهَذَا كَانَ فِيهِمْ وَ ْ‬ ‫ُبغَاةٌ ‪ .‬وَالثّانِي ‪َ :‬أ ّنهُمْ كُفّارٌ كَا ْل ُم ْرتَدّينَ يَجُوزُ َق ْتُلهُمْ ا ْبتِدَاءً وَ َقتْلُ َأمِيرِهِمْ ‪ ,‬وَا ّتبَاعُ مُ ْد ِبرِهِمْ َومَنْ قُ ِدرَ‬ ‫س ُتتِيبَ كَا ْل ُم ْرتَدّ ‪ ,‬فَإِنْ تَابَ َوِإلّا ُقتِلَ ‪َ ,‬كمَا أَنّ مَذْ َهبَهُ فِي مَا ِنعِي ال ّزكَاةِ إذَا قَا َتلُوا الِْإمَامَ‬ ‫عَليْهِ ِم ْنهُمْ اُ ْ‬ ‫َ‬ ‫ل الصّدّيقِ‬ ‫علَى ِروَا َيتَيْنِ ‪ ,‬وَهَذَا ُكلّهُ ِممّا ُي َبيّنُ أَنّ ِقتَا َ‬ ‫عَل ْيهَا ‪ ,‬هَلْ َيكْ ُفرُونَ مَعَ الْإِ ْقرَارِ ِبوُجُو ِبهَا َ‬ ‫َ‬ ‫غ ْي ِرهِ‬ ‫عِليّ وَ َ‬ ‫جمَلِ ‪َ ,‬وصِفّينَ ‪َ ,‬ف َكلَامُ َ‬ ‫خوَارِجَ َل ْيسَ ِمثْلَ الْ ِقتَالِ َيوْمَ الْ َ‬ ‫عِليّ الْ َ‬ ‫ِلمَا ِنعِي ال ّزكَاةِ ‪ ,‬وَ ِقتَالَ َ‬ ‫سلَامِ ‪ .‬وَهَذَا ُهوَ ا ْل َم ْنصُوصُ عَنْ‬ ‫خوَارِجِ يَ ْقتَضِي َأ ّنهُمْ َليْسُوا كُفّارًا كَا ْل ُم ْرتَدّينَ عَنْ َأصْلِ الْإِ ْ‬ ‫فِي الْ َ‬ ‫جمَلِ َوصِفّينَ ‪ ,‬بَلْ ُهوَ َنوْعٌ ثَاِلثٌ‬ ‫حكْمِ أَهْلِ الْ َ‬ ‫ح ْك ُمهُمْ كَ ُ‬ ‫غ ْي ِرهِ ‪َ ,‬وَليْسُوا مَعَ َذِلكَ ُ‬ ‫حمَدَ وَ َ‬ ‫الَْأ ِئمّةِ كَأَ ْ‬ ‫غ ْيرِ‬ ‫صلَاةِ ‪ ,‬وَ َ‬ ‫شهَا َد َتيْنِ ‪ ,‬وَال ّ‬ ‫وَهَذَا َأصَحّ الْأَ ْقوَالِ ال ّثلَاثَةِ فِيهِمْ ‪َ ,‬و ِممّنْ قَا َتَلهُمْ الصّحَابَةُ مَعَ إ ْقرَارِهِمْ ال ّ‬ ‫‪90‬‬ ‫ع َمرَ بْنَ الْخَطّابِ قَالَ لَِأبِي َب ْكرٍ ‪:‬‬ ‫حيْنِ ‪ :‬عَنْ َأبِي ُه َر ْي َرةَ أَنّ ُ‬ ‫َذِلكَ مَا ِنعُوا الزّكَاةِ ‪َ ,‬كمَا فِي الصّحِي َ‬ ‫ل اللّ ِه صلى ال عليه وسلم ‪ُ { :‬أ ِمرْت أَنْ‬ ‫ل اللّهِ ‪َ ,‬ك ْيفَ تُقَاتِلُ النّاسَ ‪ ,‬وَقَدْ قَالَ رَسُو ُ‬ ‫خلِيفَةَ رَسُو ِ‬ ‫يَا َ‬ ‫صمُوا ِمنّي ِدمَاءَهُمْ‬ ‫ع َ‬ ‫شهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلّا اللّهُ َوَأنّي رَسُولُ اللّهِ ‪ ,‬فَإِذَا قَالُوهَا َ‬ ‫حتّى يَ ْ‬ ‫أُقَاتِلَ النّاسَ َ‬ ‫ن ال ّزكَاةَ مِنْ حَ ّقهَا ‪َ ,‬واَللّهِ‬ ‫َوَأ ْموَاَلهُمْ ‪ ,‬إلّا بِحَ ّقهَا ‪ } .‬فَقَالَ لَهُ َأبُو َب ْكرٍ ‪َ :‬ألَمْ يَقُلْ لَك { إلّا بِحَ ّقهَا } فَإِ ّ‬ ‫علَى َم ْن ِعهَا قَالَ‬ ‫عنَاقًا كَانُوا ُيؤَدّو َنهَا إلَى رَسُولِ اللّهِ صلى ال عليه وسلم لَقَا َتلْتهمْ َ‬ ‫َلوْ َم َنعُونِي ِ‬ ‫ح صَ ْدرَ َأبِي َب ْكرٍ ِللْ ِقتَالِ َف َعِلمْت َأنّهُ الْحَقّ ‪ .‬وَقَدْ اتّفَقَ‬ ‫شرَ َ‬ ‫ن اللّهَ قَدْ َ‬ ‫ع َمرُ ‪َ :‬فمَا ُهوَ إلّا أَنْ َرَأيْت أَ ّ‬ ‫ُ‬ ‫ش ْهرَ‬ ‫خ ْمسَ َو َيصُومُونَ َ‬ ‫صلّونَ الْ َ‬ ‫علَى ِقتَالِ مَا ِنعِي ال ّزكَاةِ َوإِنْ كَانُوا ُي َ‬ ‫الصّحَابَةُ وَالَْأ ِئمّةُ َبعْدَهُمْ َ‬ ‫علَى َم ْن ِعهَا ‪َ ,‬وإِنْ‬ ‫ش ْبهَةٌ سَا ِئغَةٌ ‪َ ,‬فِلهَذَا كَانُوا ُم ْرتَدّينَ وَهُمْ يُقَا ِتلُونَ َ‬ ‫َر َمضَانَ وَ َه ُؤلَاءِ لَمْ َيكُنْ َلهُمْ ُ‬ ‫ن اللّهَ َأ َمرَ َن ِبيّهُ بِأَخْ ِذ ال ّزكَاةِ بِ َق ْولِهِ ‪:‬‬ ‫ع ْنهُمْ َأ ّنهُمْ قَالُوا ‪ :‬إ ّ‬ ‫ح ِكيَ َ‬ ‫أَ َقرّوا بِا ْلوُجُوبِ َكمَا َأ َمرَ اللّهُ ‪ .‬وَقَدْ ُ‬ ‫{ خُذْ مِنْ َأ ْموَاِلهِمْ صَدَقَةً } وَقَدْ تَسْقُطُ ِب َم ْوتِهِ ‪َ .‬وكَ َذِلكَ { َأ َم َر ال ّن ِبيّ صلى ال عليه وسلم بِ ِقتَالِ‬ ‫علِمَ أَنّ‬ ‫حوَاِلهِمْ ‪ :‬فَقَدْ ُ‬ ‫خرُ وَ ُهوَ َم ْعرِفَةُ أَ ْ‬ ‫خ ْمرِ } ‪َ .‬وَأمّا الَْأصْلُ الْآ َ‬ ‫ش ْربِ الْ َ‬ ‫الّذِينَ لَا َي ْن َتهُونَ عَنْ ُ‬ ‫طوْا النّاسَ الَْأمَانَ‬ ‫سعِينَ ‪َ ,‬وأَعْ َ‬ ‫سعَةٍ َوتِ ْ‬ ‫علَى الشّامِ فِي ا ْل َم ّرةِ الْأُولَى عَامَ تِ ْ‬ ‫َه ُؤلَاءِ الْ َقوْمَ جَارُوا َ‬ ‫سِلمِينَ ‪ ,‬مَا يُقَالُ ‪ :‬إنّهُ مِائَةُ َأ ْلفٍ‬ ‫سَلبُوا مِنْ َذرَا ِريّ ا ْلمُ ْ‬ ‫علَى ا ْل ِم ْن َبرِ بِ ِدمَشْقَ ‪َ ,‬ومَعَ هَذَا فَقَدْ َ‬ ‫وَ َقرَءُوهُ َ‬ ‫غ ْيرِ‬ ‫حمْصَ ‪ ,‬وَدَا ِريّا ‪ ,‬وَ َ‬ ‫حيّةِ ‪َ ,‬ونَا ُبُلسَ ‪ ,‬وَ ِ‬ ‫ل الصّالِ ِ‬ ‫جبَ ِ‬ ‫عَليْهِ ‪ ,‬وَ َف َعلُوا ِب َب ْيتِ ا ْلمَقْ ِدسِ ‪َ ,‬وبِ َ‬ ‫‪َ ,‬أوْ َيزِيدُ َ‬ ‫سِلمِينَ َقرِيبًا مِنْ مِائَةِ َأ ْلفٍ‬ ‫س َبوْا مِنْ ا ْلمُ ْ‬ ‫حتّى يُقَالَ ‪ :‬إ ّنهُمْ َ‬ ‫س ْبيِ مَا لَا َي ْعَلمُهُ إلّا اللّهُ َ‬ ‫َذِلكَ مِنْ الْ َقتْلِ وَال ّ‬ ‫غ ْيرِهَا ‪ :‬كَا ْلمَسْجِدِ الْأَ ْقصَى ‪ ,‬وَالُْأ َم ِويّ ‪,‬‬ ‫سِلمِينَ فِي ا ْلمَسَاجِدِ وَ َ‬ ‫خيَارِ نِسَاءِ ا ْلمُ ْ‬ ‫جرُونَ ِب ِ‬ ‫ج َعلُوا يَ ْف ُ‬ ‫وَ َ‬ ‫صلّونَ‬ ‫ج ْمهُورَهُمْ لَا ُي َ‬ ‫س َكرَ الْ َقوْمِ َف َرَأ ْينَا ُ‬ ‫ج َعلُوا الْجَامِعَ الّذِي بِا ْلعُ َق ْيبَةِ َدكّا ‪ ,‬وَقَدْ شَاهَ ْدنَا عَ ْ‬ ‫غ ْيرِهِ ‪َ ,‬و َ‬ ‫وَ َ‬ ‫خ ّربُوا مِنْ‬ ‫سِلمِينَ وَ َذرَا ِر ّيهِمْ ‪ ,‬وَ َ‬ ‫س َكرِهِمْ ُمؤَ ّذنًا َولَا إمَامًا ‪ .‬وَقَدْ أَخَذُوا مِنْ َأ ْموَالِ ا ْلمُ ْ‬ ‫‪َ ,‬ولَمْ َنرَ فِي عَ ْ‬ ‫خلْقِ ‪ ,‬إمّا ِزنْدِيقٌ‬ ‫شرّ الْ َ‬ ‫ِديَارِهِمْ مَا لَا َي ْعَلمُهُ إلّا اللّهُ َولَمْ َيكُنْ َم َعهُمْ فِي َد ْوَل ِتهِمْ إلّا مَنْ كَانَ مِنْ َ‬ ‫ج ْه ِميّةِ‬ ‫شرّ أَهْلِ ا ْلبِدَعِ كَالرّا ِفضَةِ وَالْ َ‬ ‫سلَامِ فِي ا ْلبَاطِنِ ‪َ ,‬وِإمّا مَنْ ُهوَ مِنْ َ‬ ‫ُمنَافِقٌ لَا َي ْعتَقِدُ دِينَ الْإِ ْ‬ ‫جرُ النّاسِ َوأَفْسَ ُقهُمْ ‪ ,‬وَهُمْ فِي ِبلَادِهِمْ مَعَ َت َم ّك ِنهِمْ لَا َيحُجّونَ‬ ‫حوِهِمْ ‪َ .‬وِإمّا مَنْ ُهوَ أَ ْف َ‬ ‫وَالِاتّحَا ِديّة َونَ ْ‬ ‫عَل ْيهِمْ إقَا َم الصّلَاةِ َولَا إيتَاءَ‬ ‫صلّي َو َيصُومُ ‪َ ,‬فَل ْيسَ ا ْلغَاِلبُ َ‬ ‫ا ْل َب ْيتَ ا ْل َعتِيقَ ‪َ ,‬وإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ ُي َ‬ ‫ج َعلُوهُ َوِليّا َلهُمْ ‪َ ,‬وإِنْ كَانَ‬ ‫ع ِتهِمْ َ‬ ‫ج ْنكِيزْ خَانْ ‪َ ,‬فمَنْ دَخَلَ فِي طَا َ‬ ‫علَى ُم ْلكِ ِ‬ ‫ال ّزكَاةِ ‪ ,‬وَهُمْ يُقَا ِتلُونَ َ‬ ‫علَى‬ ‫سِلمِينَ َولَا يُقَا ِتلُونَ َ‬ ‫خيَارِ ا ْلمُ ْ‬ ‫ج َعلُوهُ عَ ُدوّا َلهُمْ ‪َ ,‬وإِنْ كَانَ مِنْ ِ‬ ‫خرَجَ عَنْ َذِلكَ َ‬ ‫كَا ِفرًا َومَنْ َ‬ ‫سِلمِينَ ِم ْنهُمْ مِنْ َأكَا ِبرِ ُأ َمرَا ِئهِمْ‬ ‫صغَارَ ‪ ,‬بَلْ غَايَةُ َكثِيرٍ مِنْ ا ْلمُ ْ‬ ‫ج ْزيَةَ ‪ ,‬وَال ّ‬ ‫ضعُونَ الْ ِ‬ ‫سلَامِ َولَا َي َ‬ ‫الْإِ ْ‬ ‫ش ِركِينَ مِنْ ا ْل َيهُودِ وَالنّصَارَى ‪َ .‬كمَا‬ ‫ظمُونَهُ مِنْ ا ْلمُ ْ‬ ‫عنْدَهُمْ ‪َ ,‬كمَنْ ُيعَ ّ‬ ‫سلِمُ ِ‬ ‫َو ُو َزرَا ِئهِمْ أَنْ َيكُونَ ا ْلمُ ْ‬ ‫‪91‬‬ ‫سِلمِينَ ‪َ ,‬و َيتَ َق ّربُ إَل ْيهِمْ بَِأنّا‬ ‫طبُ رُسُلَ ا ْلمُ ْ‬ ‫قَالَ َأ ْك َبرُ مُقَ ّدمِيهِمْ الّذِينَ قَ ِدمُوا إلَى الشّامِ ‪ ,‬وَ ُهوَ يُخَا ِ‬ ‫ج ْنكِيزْ خَانْ ‪َ ,‬فهَذَا غَايَةُ مَا‬ ‫حمّدٌ ‪ ,‬وَ ِ‬ ‫عنْ ِد اللّهِ ‪ :‬مُ َ‬ ‫سِلمُونَ فَقَالَ ‪ :‬هَذَانِ آ َيتَانِ عَظِي َمتَانِ جَاءَا مِنْ ِ‬ ‫مُ ْ‬ ‫سيّدِ َولَدِ‬ ‫عَليْهِ ‪ ,‬وَ َ‬ ‫خلْقِ َ‬ ‫ل اللّهِ َأ ْكرَمِ الْ َ‬ ‫س ّويَ َبيْنَ رَسُو ِ‬ ‫سِلمِينَ أَنْ يُ َ‬ ‫َيتَ َق ّربُ بِهِ َأ ْك َبرُ مُقَ ّدمِيهِمْ إلَى ا ْلمُ ْ‬ ‫ش ِركِينَ ‪ ,‬كُ ْفرًا وَفَسَادًا وَعُ ْدوَانًا مِنْ‬ ‫ش ِركٍ مِنْ أَعْظَمِ ا ْلمُ ْ‬ ‫سلِينَ ‪َ ,‬و َبيْنَ َمِلكٍ كَا ِفرٍ مُ ْ‬ ‫آدَمَ ‪ ,‬وَخَاتَمِ ا ْل ُمرْ َ‬ ‫ج ْنكِيزْ خَانْ عَظِيمًا فَِإ ّنهُمْ‬ ‫عتِقَادَ َه ُؤلَاءِ ال ّتتَارِ كَانَ فِي ِ‬ ‫صرَ َوَأ ْمثَالِهِ ‪ .‬وَ َذِلكَ أَنّ ا ْ‬ ‫ختِ َن ّ‬ ‫ج ْنسِ بُ ْ‬ ‫ِ‬ ‫ح ّبَلتْ ُأمّهُ‬ ‫ش ْمسَ َ‬ ‫ج ْنسِ مَا َي ْعتَقِ ُدهُ ال ّنصَارَى فِي ا ْلمَسِيحِ ‪َ ,‬ويَقُولُونَ ‪ :‬إنّ ال ّ‬ ‫ن اللّهِ مِنْ ِ‬ ‫َي ْعتَقِدُونَ َأنّهُ ابْ ُ‬ ‫عنْدَ كُلّ‬ ‫ح ِبَلتْ ‪َ ,‬و َم ْعلُومٌ ِ‬ ‫حتّى َ‬ ‫خَلتْ فِيهَا َ‬ ‫خ ْيمَةِ فَدَ َ‬ ‫شمْسُ مِنْ ُك ّوةِ الْ َ‬ ‫خ ْيمَةٍ َف َن َزَلتْ ال ّ‬ ‫‪َ ,‬وَأ ّنهَا كَا َنتْ فِي َ‬ ‫علَى َأنّهُ َولَدُ ِزنًا ‪َ ,‬وأَنّ ُأمّهُ َز َنتْ َف َك َت َمتْ ِزنَاهَا ‪َ ,‬وأَخْ َفتْ هَذَا‬ ‫ذِي دِينٍ أَنّ هَذَا كَ ِذبٌ ‪ .‬وَهَذَا َدلِيلٌ َ‬ ‫سنّهُ َلهُمْ ‪,‬‬ ‫عنْ َد اللّهِ فِي َتعْظِيمِ مَا َ‬ ‫ج َعلُونَهُ أَعْظَمَ رَسُولٍ ِ‬ ‫ع ْنهَا َم َع ّر َة ال ّزنَا ‪ ,‬وَهُمْ مَعَ هَذَا يَ ْ‬ ‫حتّى تَدْفَعَ َ‬ ‫َ‬ ‫علَى‬ ‫ش ُكرُونَهُ َ‬ ‫ج ْنكِيزْ خَانْ ‪َ ,‬ويَ ْ‬ ‫عنْدَهُمْ مِنْ ا ْلمَالِ هَذَا ِرزْقُ ِ‬ ‫حتّى يَقُولُوا ِلمَا ِ‬ ‫ظنّهِ ‪ ,‬وَ ُهوَ َ‬ ‫شرَعَهُ بِ َ‬ ‫وَ َ‬ ‫سنّهُ َلهُمْ هَذَا ا ْلكَا ِفرُ ا ْل َملْعُونُ ا ْل ُمعَادِي ِللّهِ‬ ‫حلّونَ َقتْلَ مَنْ عَادَى مَا َ‬ ‫س َت ِ‬ ‫ش ْر ِبهِمْ ‪ ,‬وَهُمْ يَ ْ‬ ‫َأ ْكِلهِمْ وَ ُ‬ ‫جعَلَ‬ ‫سلَامِ أَنْ َي ْ‬ ‫عبَا ِدهِ ا ْل ُم ْؤ ِمنِينَ ‪َ .‬فهَذَا َوَأ ْمثَالُهُ مِنْ مُقَ ّدمِيهِمْ كَانَ غَا َيتُهُ َبعْدَ الْإِ ْ‬ ‫َولَِأ ْن ِبيَائِهِ َورَسُولِهِ وَ ِ‬ ‫ض َررًا‬ ‫ل َ‬ ‫س ْيِلمَةَ ا ْلكَذّابَ " كَانَ أَقَ ّ‬ ‫حمّدًا صلى ال عليه وسلم ِب َم ْن ِزلَةِ هَذَا ا ْل َم ْلعُونِ ‪َ ,‬و َم ْعلُومٌ أَنّ " مُ َ‬ ‫مُ َ‬ ‫ستَحَلّ الصّحَابَةُ ِقتَالَهُ ‪,‬‬ ‫حمّدٍ فِي الرّسَالَةِ ‪َ ,‬و ِبهَذَا ا ْ‬ ‫شرِيكُ مُ َ‬ ‫سِلمِينَ مِنْ هَذَا ‪ ,‬وَادّعَى َأنّهُ َ‬ ‫علَى ا ْلمُ ْ‬ ‫َ‬ ‫ج ْنكِيزْ خَانْ ‪,‬‬ ‫حمّدًا كَ ِ‬ ‫جعَلُ مُ َ‬ ‫سلَامِ َي ْ‬ ‫ظ ِهرُهُ مِنْ الْإِ ْ‬ ‫وَ ِقتَالَ َأصْحَابِهِ ا ْل ُم ْرتَدّينَ ‪َ ,‬ف َك ْيفَ ِبمَنْ كَانَ فِيمَا يُ ْ‬ ‫شرِيعَةِ الْ ُقرْآنِ‬ ‫سِلمِينَ ا ْل ُم ّت ِبعَةِ لِ َ‬ ‫علَى ا ْلمُ ْ‬ ‫ج ْنكِيزْ خَانْ " َ‬ ‫ظمُونَ َأ ْمرَ " ِ‬ ‫سلَامِ ُيعَ ّ‬ ‫ظهَارِهِمْ ِللْإِ ْ‬ ‫َوِإلّا َفهُمْ مَعَ إ ْ‬ ‫سِلمِينَ بَلْ أَعْظَمَ ‪ .‬أُوَل ِئكَ‬ ‫ج ْنكِيزْ خَانْ " َكمَا يُقَا ِتلُونَ ا ْلمُ ْ‬ ‫سنّهُ " ِ‬ ‫َولَا يُقَا ِتلُونَ أُوَلئِكَ ا ْل ُم ّت ِبعِينَ ِلمَا َ‬ ‫ح ِملُونَ إَليْهِ الَْأ ْموَالَ ‪َ ,‬ويُ ِقرّونَ لَهُ بِال ّنيَابَةِ ‪َ ,‬ولَا يُخَالِفُونَ مَا‬ ‫ا ْلكُفّارُ َيبْ ُذلُونَ لَهُ الطّاعَةَ وَالِانْ ِقيَادَ ‪َ ,‬ويَ ْ‬ ‫سِلمِينَ َو ُيعَادُو َنهُمْ‬ ‫يَ ْأ ُمرُهُمْ بِهِ إلّا َكمَا ُيخَاِلفُ الْخَارِجُ عَنْ طَاعَةِ الِْإمَامِ ِللِْإمَامِ ‪ ,‬وَهُمْ يُحَا ِربُونَ ا ْلمُ ْ‬ ‫ضعَهُ َلهُمْ ‪َ ,‬ذِلكَ‬ ‫سِلمِينَ الطّاعَةَ َلهُمْ َوبَذْلَ الَْأ ْموَالِ وَالدّخُولَ فِيمَا َو َ‬ ‫طُلبُونَ مِنْ ا ْلمُ ْ‬ ‫أَعْظَمَ ُمعَادَاةٍ َويَ ْ‬ ‫حوِ ِهمَا ‪ .‬بَلْ ُهوَ أَعْظَمُ فَسَادًا فِي الَْأرْضِ‬ ‫عوْنَ َأوْ ال ّن ْمرُودِ َونَ ْ‬ ‫ش ِركُ ا ْلمُشَابِهُ لِ ِفرْ َ‬ ‫ا ْل َملِكُ ا ْلكَا ِفرُ ا ْلمُ ْ‬ ‫ض ِعفُ طَائِفَةً ِم ْنهُمْ‬ ‫س َت ْ‬ ‫ش َيعًا يَ ْ‬ ‫جعَلَ أَ ْهَلهَا ِ‬ ‫علَا فِي الَْأرْضِ وَ َ‬ ‫عوْنَ َ‬ ‫ل اللّهُ َتعَالَى ‪ { :‬إنّ ِفرْ َ‬ ‫ِم ْن ُهمَا ‪ .‬قَا َ‬ ‫ض ِعفُ‬ ‫س َت ْ‬ ‫علَا فِي الَْأرْضِ يَ ْ‬ ‫حيِي نِسَاءَهُمْ إنّهُ كَانَ مِنْ ا ْلمُفْسِدِينَ } ‪ .‬وَهَذَا ا ْلكَا ِفرُ َ‬ ‫ستَ ْ‬ ‫يُ َذبّحُ َأ ْبنَاءَهُمْ َويَ ْ‬ ‫ل الرّجَالِ ‪,‬‬ ‫ش ِركِينَ بِ َقتْ ِ‬ ‫سِلمِينَ ‪ ,‬وَا ْل َيهُودِ ‪ ,‬وَالنّصَارَى َومَنْ خَالَفَهُ مِنْ ا ْلمُ ْ‬ ‫أَهْلَ ا ْل ِملَلِ ُكّلهُمْ مِنْ ا ْلمُ ْ‬ ‫عمّا‬ ‫حبّ الْفَسَادَ ‪َ ,‬و َيرُدّ النّاسَ َ‬ ‫ح ْرثَ ‪ ,‬وَالنّسْلَ ‪َ ,‬واَللّهُ لَا يُ ِ‬ ‫حرِيمِ ‪َ ,‬ويَأْخُذُ الَْأ ْموَالَ َو ُي ْهِلكُ الْ َ‬ ‫س ْبيِ الْ َ‬ ‫وَ َ‬ ‫شرِي َعتِهِ‬ ‫س ّنتِهِ الْجَا ِهِليّةِ وَ َ‬ ‫خلُوا فِيمَا ا ْبتَدَعَهُ مِنْ ُ‬ ‫سلِينَ إلَى أَنْ يَدْ ُ‬ ‫س ْلكِ الَْأ ْن ِبيَاءِ وَا ْلمُرْ َ‬ ‫عَليْهِ مِنْ ِ‬ ‫كَانُوا َ‬ ‫‪92‬‬ ‫سِلمِينَ َويُطِيعُو َنهُمْ‬ ‫علَى دِينِ ا ْلمُ ْ‬ ‫ظمُونَ دِينَ أُوَل ِئكَ ا ْلكُفّارِ َ‬ ‫سلَامِ َو ُيعَ ّ‬ ‫ا ْلكُ ْف ِريّةِ ‪َ ,‬فهُمْ يَدّعُونَ دِينَ الْإِ ْ‬ ‫جرَ َبيْنَ َأكَا ِبرِهِمْ‬ ‫شَ‬ ‫حكْمُ فِيمَا َ‬ ‫َو ُيوَالُو َنهُمْ أَعْظَمَ ِب َكثِيرٍ مِنْ طَاعَةِ اللّهِ َورَسُولِهِ ‪َ ,‬و ُموَالَاةِ ا ْل ُم ْؤ ِمنِينَ وَالْ ُ‬ ‫سلَامِ‬ ‫ج َعلُونَ دِينَ الْإِ ْ‬ ‫غ ْيرِهِمْ يَ ْ‬ ‫حكْ ِم اللّهِ َورَسُولِهِ ‪َ .‬وكَ َذِلكَ الَْأكَا ِبرُ مِنْ ُو َزرَا ِئهِمْ وَ َ‬ ‫حكْمِ الْجَا ِهِليّةِ ‪ ,‬لَا بِ ُ‬ ‫بِ ُ‬ ‫سِلمِينَ ‪ ,‬ثُمّ‬ ‫عنْدَ ا ْلمُ ْ‬ ‫طرُقٌ إلَى اللّهِ ِب َم ْن ِزلَةِ ا ْلمَذَا ِهبِ الَْأ ْر َبعَةِ ِ‬ ‫كَدِينِ ا ْل َيهُودِ وَال ّنصَارَى َوأَنّ هَ ِذهِ ُكّلهَا ُ‬ ‫سِلمِينَ ‪ .‬وَهَذَا الْ َقوْلُ‬ ‫ِم ْنهُمْ مَنْ ُيرَجّحُ دِينَ ا ْل َيهُودِ َأوْ دِينَ ال ّنصَارَى ‪َ ,‬و ِم ْنهُمْ مَنْ ُيرَجّحُ دِينَ ا ْلمُ ْ‬ ‫حوِهِمْ ‪,‬‬ ‫ع ْو ِنيّةِ َونَ ْ‬ ‫ج ْه ِميّةُ مِنْ الِاتّحَا ِديّةِ الْ ِفرْ َ‬ ‫س ّيمَا الْ َ‬ ‫عبّادِهِمْ ‪ ,‬لَا ِ‬ ‫حتّى فِي فُ َقهَا ِئهِمْ وَ ُ‬ ‫فَاشٍ غَاِلبٌ فِيهِمْ َ‬ ‫علَى هَذَا َكثِيرٌ مِنْ‬ ‫عَل ْيهِمْ الْ َفلْسَفَةُ وَهَذَا مَذْ َهبُ َكثِيرٍ مِنْ ا ْل ُمتَ َفلْسِفَةِ َأوْ َأ ْك َثرِهِمْ وَ َ‬ ‫غَل َبتْ َ‬ ‫فَِإنّهُ َ‬ ‫خوَاصّ ا ْل ُعَلمَاءِ ِم ْنهُمْ‬ ‫النّصَارَى َأوْ َأ ْك َثرُهُمْ َو َكثِيرٌ مِنْ ا ْل َيهُودِ َأ ْيضًا ‪ .‬بَلْ َلوْ قَالَ الْقَائِلُ ‪ :‬إنْ غَابَ َ‬ ‫س ِمعْت مَا لَا َيتّسِعُ لَهُ هَذَا ا ْل َم ْوضِعُ ‪,‬‬ ‫علَى هَذَا ا ْلمَذْ َهبِ َلمَا ُأ ْبعِدَ ‪ .‬وَقَدْ َرَأيْت مِنْ َذِلكَ وَ َ‬ ‫وَا ْل ُعبّادُ َ‬ ‫غ ْيرِ دِينِ‬ ‫سوّغَ ا ّتبَاعَ َ‬ ‫سِلمِينَ أَنّ مَنْ َ‬ ‫جمِيعِ ا ْلمُ ْ‬ ‫سِلمِينَ َوبِاتّفَاقِ َ‬ ‫طرَارِ مِنْ دِينِ ا ْلمُ ْ‬ ‫َو َم ْعلُومٌ بِالِاضْ ِ‬ ‫حمّدٍ صلى ال عليه وسلم َف ُهوَ كَا ِفرٌ ‪ ,‬وَ ُهوَ َككُ ْفرِ مَنْ آمَنَ‬ ‫شرِيعَةِ مُ َ‬ ‫غ ْيرِ َ‬ ‫شرِيعَةٍ َ‬ ‫سلَامِ َأوْ ا ّتبَاعِ َ‬ ‫الْإِ ْ‬ ‫سلِهِ َو ُيرِيدُونَ‬ ‫ِب َبعْضِ ا ْل ِكتَابِ َوكَ َفرَ ِب َبعْضِ ا ْل ِكتَابِ ‪َ ,‬كمَا قَالَ َتعَالَى ‪ { :‬إنّ الّذِينَ َيكْ ُفرُونَ بِاَللّهِ َورُ ُ‬ ‫سلِهِ َويَقُولُونَ ُن ْؤمِنُ ِب َبعْضٍ َو َنكْ ُفرُ ِب َبعْضٍ َو ُيرِيدُونَ أَنْ َيتّخِذُوا َبيْنَ َذِلكَ‬ ‫ن اللّهِ َورُ ُ‬ ‫أَنْ يُ َفرّقُوا َبيْ َ‬ ‫خلُونَ فِي‬ ‫عتَ ْدنَا ِل ْلكَا ِفرِينَ عَذَابًا ُمهِينًا } ‪ .‬وَا ْل َيهُودُ وَالنّصَارَى دَا ِ‬ ‫سبِيلًا أُوَل ِئكَ هُمْ ا ْلكَا ِفرُونَ حَقّا َوأَ ْ‬ ‫َ‬ ‫سفَ مِنْ ا ْل َيهُودِ وَال ّنصَارَى‬ ‫َذِلكَ ‪َ ,‬وكَ َذِلكَ ا ْل ُمتَفَلْسِفَةُ ُي ْؤ ِمنُونَ ِب َبعْضٍ َو َيكْ ُفرُونَ ِب َب ْعضٍ ‪َ ,‬ومَنْ تَ َفلْ َ‬ ‫ج َهيْنِ ‪ .‬وَ َه ُؤلَاءِ َأ ْك َثرُ ُو َزرَا ِئهِمْ الّذِينَ َيصْ ُدرُونَ عَنْ َر ْأيِهِ غَا َيتُهُ أَنْ َيكُونَ مِنْ هَذَا‬ ‫َيبْقَى كُ ْف ُرهُ مِنْ َو ْ‬ ‫سفِ ‪,‬‬ ‫سلَامِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ ا ْل َيهُو ِديّةِ وَالتّفَلْ ُ‬ ‫سبَ إلَى الْإِ ْ‬ ‫ض ْربِ ‪َ ,‬فِإنّهُ كَانَ َيهُو ِديّا ُمتَ َفلْسِفًا ثُمّ ا ْنتَ َ‬ ‫ال ّ‬ ‫عنْدَهُمْ‬ ‫عنْدَهُمْ مِنْ َذوِي الْأَ ْقلَامِ وَذَاكَ أَعْظَمُ مَنْ كَانَ ِ‬ ‫ك الرّفْضَ َفهَذَا ُهوَ أَعْظَمُ مَنْ ِ‬ ‫َوضَمّ إلَى َذِل َ‬ ‫خلَةٌ‬ ‫ج ْملَةِ ‪َ :‬فمَا مِنْ نِفَاقٍ َو َزنْدَقَةٍ َوِإلْحَادٍ إلّا وَ ِهيَ دَا ِ‬ ‫س ْيفِ َف ْل َي ْع َتبِرْ ا ْل ُم ْؤمِنُ ِبهَذَا ‪َ .‬وبِالْ ُ‬ ‫مِنْ َذوِي ال ّ‬ ‫خلْقِ‬ ‫خلْقِ َوأَ َقّلهِمْ َم ْعرِفَةً بِالدّينِ َوَأ ْبعَدِهِمْ عَنْ ا ّتبَاعِهِ َوأَعْظَمِ الْ َ‬ ‫جهَلِ الْ َ‬ ‫فِي ا ّتبَاعِ ال ّتتَارِ ; لَِأ ّنهُمْ مِنْ أَ ْ‬ ‫سمُوا النّاسَ َأ ْر َبعَةَ أَقْسَامٍ يال ُربَاع وداشمند وطاط ‪َ ,‬أيْ‬ ‫ا ّتبَاعًا لِلظّنّ َومَا َت ْهوَى الَْأنْ ُفسُ ‪ .‬وَقَدْ قَ ّ‬ ‫ن صَدِي َقهُمْ‬ ‫س ّن ِتهِمْ ا ْلكُ ْف ِريّةِ كَا َ‬ ‫ع ِتهِمْ الْجَا ِهِليّةِ وَ ُ‬ ‫صَدِي ُقهُمْ وَعَ ُدوّهُمْ وَا ْلعَالِمُ وَا ْلعَا ّميّ ‪َ ,‬فمَنْ دَخَلَ فِي طَا َ‬ ‫علْمٍ‬ ‫سبَ إلَى ِ‬ ‫سلِهِ َوَأ ْوِليَائِهِ ‪َ ,‬وكُلّ مَنْ ا ْنتَ َ‬ ‫‪َ ,‬ومَنْ خَالَ َفهُمْ كَانَ عَ ُدوّهُمْ ‪َ .‬وَلوْ كَانَ مِنْ َأ ْن ِبيَاءِ اللّهِ َورُ ُ‬ ‫س ّم ْوهُ " داشمند " كَالْفَقِيهِ ‪ ,‬وَالزّاهِدِ ‪ ,‬وَالْقِسّيسِ ‪ ,‬وَالرّا ِهبِ ‪ ,‬وَ َدنَانِ ا ْل َيهُودِ ‪ ,‬وَا ْل ُمنَجّمِ ‪,‬‬ ‫َأوْ دِينٍ َ‬ ‫سبِ ‪َ ,‬فيُ ْدرِجُونَ سَادِنَ الَْأصْنَامِ َفيُ ْدرِجُونَ فِي هَذَا مِنْ‬ ‫طبِيبِ ‪ ,‬وَا ْلكَا ِتبِ ‪ ,‬وَالْحَا ِ‬ ‫حرِ ‪ ,‬وَال ّ‬ ‫وَالسّا ِ‬ ‫ج َعلُونَ أَهْلَ ا ْل ِعلْمِ وَالْإِيمَانِ َنوْعًا‬ ‫ش ِركِينَ َوأَهْلِ ا ْل ِكتَابِ ‪َ ,‬وأَهْلِ ا ْلبِدَعِ مَا لَا َي ْعَلمُهُ إلّا اللّهُ ‪َ ,‬ويَ ْ‬ ‫ا ْلمُ ْ‬ ‫‪93‬‬ ‫حكّامُ‬ ‫سيّ َوَأ ْمثَالِهِ ‪ ,‬هُمْ الْ ُ‬ ‫ط ِنيّ َة ال ّزنَادِقَةَ ا ْل ُمنَافِقِينَ كَالطّو ِ‬ ‫ج َعلُونَ الْ َقرَامِطَةَ ا ْل َملَاحِ َدةَ ا ْلبَا ِ‬ ‫وَاحِدًا ‪ ,‬بَلْ يَ ْ‬ ‫سِلمِينَ وَالْ َيهُودِ وَالنّصَارَى ‪َ .‬وكَ َذِلكَ َوزِيرُهُمْ‬ ‫علْمٍ َأوْ دِينٍ مِنْ ا ْلمُ ْ‬ ‫سبَ إلَى ِ‬ ‫جمِيعِ مَنْ ا ْنتَ َ‬ ‫علَى َ‬ ‫َ‬ ‫سِلمِينَ كَالرّا ِفضَةِ وَا ْل َملَاحِ َدةِ‬ ‫شرَارَ ا ْلمُ ْ‬ ‫علَى هَ ِذهِ الَْأصْنَافِ َويُقَدّمُ ِ‬ ‫حكُمُ َ‬ ‫السّفِيهُ ا ْل ُملَقّبُ بِالرّشِيدِ ‪َ ,‬ي ْ‬ ‫حتّى َت َولّى َقضَاءَ الْ ُقضَاةِ مَنْ كَانَ أَ ْق َربَ إلَى ال ّزنْدَقَةِ‬ ‫سِلمِينَ أَهْلِ ا ْل ِعلْمِ وَالْإِيمَانِ ‪َ ,‬‬ ‫خيَارِ ا ْلمُ ْ‬ ‫علَى ِ‬ ‫َ‬ ‫ح ْيثُ َتكُونُ ُموَافِقَةً ِل ْلكُفّارِ وَا ْل ُمنَافِقِينَ مِنْ ا ْل َيهُودِ وَالْ َقرَامِطَةِ ‪,‬‬ ‫وَالِْإلْحَادِ وَا ْلكُ ْفرِ بِاَللّهِ َورَسُولِهِ ‪ ,‬بِ َ‬ ‫سلَامِ ِبمَا لَا بُدّ لَهُ‬ ‫شرِيعَةِ الْإِ ْ‬ ‫غ ْيرِهِ َو َيتَظَا َهرُ مِنْ َ‬ ‫علَى مَا ُيرِيدُونَهُ أَعْظَمَ مِنْ َ‬ ‫وَا ْلمَلَاحِ َدةِ ‪ ,‬وَالرّا ِفضَةِ َ‬ ‫صنّفًا‬ ‫ص ّنفَ ُم َ‬ ‫خبِيثَ ا ْل ُملْحِدَ ا ْل ُمنَافِقَ َ‬ ‫حتّى إنّ َوزِيرَهُمْ هَذَا الْ َ‬ ‫سِلمِينَ َ‬ ‫ِمنْهُ لِأَجْلِ مَنْ ُهنَاكَ مِنْ ا ْلمُ ْ‬ ‫عَل ْيهِمْ َولَا‬ ‫ضيَ بِدِينِ ا ْل َيهُودِ وَال ّنصَارَى ‪َ ,‬وَأنّهُ لَا ُي ْن ِكرُ َ‬ ‫ي صلى ال عليه وسلم َر ِ‬ ‫ضمُونُهُ أَنّ ال ّن ِب ّ‬ ‫َم ْ‬ ‫خبِيثُ الْجَاهِلُ بِ َق ْولِهِ ‪:‬‬ ‫ستَدَلّ الْ َ‬ ‫سلَامِ وَا ْ‬ ‫يَ ُذمّونَ ‪َ ,‬ولَا َي ْن َهوْنَ دِي َنهُمْ ‪َ ,‬ولَا ُي ْؤ َمرُونَ بِالِا ْنتِقَالِ إلَى الْإِ ْ‬ ‫عبَ ْدتُمْ َولَا َأ ْنتُمْ‬ ‫عبُدُ َولَا َأنَا عَابِدٌ مَا َ‬ ‫عبُدُ مَا َت ْعبُدُونَ َولَا َأ ْنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَ ْ‬ ‫{ قُلْ يَا َأ ّيهَا ا ْلكَا ِفرُونَ لَا أَ ْ‬ ‫عبُدُ َلكُمْ دِي ُنكُمْ َوِليَ دِينٌ } ‪َ .‬وزَعَمَ أَنّ هَ ِذهِ الْآيَةَ تَ ْقتَضِي َأنّهُ َي ْرضَى دِي َنهُمْ ‪ ,‬وَقَالَ ‪:‬‬ ‫عَابِدُونَ مَا أَ ْ‬ ‫جهْلٌ ِمنْهُ ‪,‬‬ ‫س َببِ َذِلكَ ُأمُورٌ ‪َ ,‬ومِنْ ا ْل َم ْعلُومِ أَنّ هَذَا َ‬ ‫ج َرتْ بِ َ‬ ‫ستْ َمنْسُوخَةً ‪ ,‬وَ َ‬ ‫ح َكمَةٌ َليْ َ‬ ‫وَهَ ِذهِ الْآيَةُ مُ ْ‬ ‫ضيّا لَهُ ‪َ ,‬وِإ ّنمَا‬ ‫فَإِنّ َق ْولَهُ َلكُمْ دِي ُنكُمْ َوِليَ دِينٌ َل ْيسَ فِيهِ مَا يَ ْق َتضِي أَنْ َيكُونَ دِينُ ا ْلكُفّارِ حَقّا َولَا َم ْر ِ‬ ‫ش ْركِ‬ ‫ل صلى ال عليه وسلم فِي هَ ِذهِ السّو َرةِ إ ّنهَا َبرَا َءةٌ مِنْ ال ّ‬ ‫علَى َت ْب ِرئَةٍ مِنْ دِي ِنهِمْ ‪َ ,‬وِلهَذَا قَا َ‬ ‫يَدُلّ َ‬ ‫عمَلُ َوَأنَا‬ ‫ع َمُلكُمْ َأ ْنتُمْ َبرِيئُونَ ِممّا أَ ْ‬ ‫ع َملِي َوَلكُمْ َ‬ ‫خرَى ‪َ { :‬وإِنْ كَ ّذبُوك فَقُلْ لِي َ‬ ‫َكمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُ ْ‬ ‫عمَاُلكُمْ ‪ .‬وَقَدْ ا ّتبَعَ‬ ‫عمَاُلنَا َوَلكُمْ أَ ْ‬ ‫َبرِيءٌ ِممّا َت ْع َملُونَ } ‪ .‬فَ َق ْولُهُ ‪َ { :‬لكُمْ دِي ُنكُمْ َوِليَ دِينٌ } كَ َق ْولِهِ َلنَا أَ ْ‬ ‫عمَلُ ‪َ ,‬وَأنَا َبرِيءٌ ِممّا َت ْع َملُونَ ‪َ ,‬وَلوْ قُ ّدرَ أَنّ‬ ‫ح ْيثُ قَالَ ‪َ :‬أ ْنتُمْ َبرِيئُونَ ِممّا أَ ْ‬ ‫جبِهِ َومُ ْقتَضَاهُ َ‬ ‫َذِلكَ ِبمُو ِ‬ ‫سلَامِ‬ ‫طرَارِ مِنْ دِينِ الْإِ ْ‬ ‫علِمَ بِالِاضْ ِ‬ ‫فِي هَ ِذهِ السّو َرةِ مَا يَ ْق َتضِي َأ ّنهُمْ لَمْ ُي ْؤ َمرُوا ِب َت ْركِ دِي ِنهِمْ فَقَدْ ُ‬ ‫ش ِركِينَ َوأَهْلِ ا ْل ِكتَابِ بِالْإِيمَانِ بِهِ ‪َ ,‬وَأنّهُ جَاءَهُمْ‬ ‫جمَاعِ الُْأمّةِ َأنّهُ َأ َمرَ ا ْلمُ ْ‬ ‫بِالّنصُوصِ ا ْل ُمتَوَا ِت َرةِ َوبِإِ ْ‬ ‫علَى‬ ‫ظ َهرُوا الرّفْضَ َو َم َنعُوا أَنْ نَ ْذ ُكرَ َ‬ ‫خلُدُونَ فِي النّارِ ‪ .‬وَقَدْ أَ ْ‬ ‫خ َبرَ َأ ّنهُمْ كَا ِفرُونَ يَ ْ‬ ‫علَى َذِلكَ َوأَ ْ‬ ‫َ‬ ‫شرَ الّذِينَ َتزْعُ ُم الرّافِضَةُ َأ ّنهُمْ‬ ‫ع َوةَ ِللِا ْث َنيْ عَ َ‬ ‫ظ َهرُوا الدّ ْ‬ ‫عِليّا َوأَ ْ‬ ‫خلَفَاءَ الرّاشِدِينَ ‪ ,‬وَ َذ َكرُوا َ‬ ‫ا ْل َمنَا ِبرِ الْ ُ‬ ‫خلَافَةَ َلهُمْ ‪َ ,‬ولَا‬ ‫ع ْثمَانَ ‪ :‬كُفّارٌ ‪ ,‬وَفُجّارٌ ‪ ,‬ظَاِلمُونَ لَا ِ‬ ‫ع َمرَ ‪ ,‬وَ ُ‬ ‫َأ ِئمّةٌ َم ْعصُومُونَ َوأَنّ َأبَا َب ْكرٍ ‪ ,‬وَ ُ‬ ‫ِلمَنْ َبعْدَهُمْ ‪.‬‬ ‫عِليّ‬ ‫ع ْثمَانَ ‪ ,‬وَ َ‬ ‫خوَارِجَ غَا َي ُتهُمْ َتكْفِيرُ ُ‬ ‫خوَارِجِ ا ْلمَارِقِينَ ‪ ,‬فَإِنّ الْ َ‬ ‫شرّ مِنْ مَذْ َهبِ الْ َ‬ ‫َومَذْ َهبُ الرّا ِفضَةِ َ‬ ‫ج ْمهُورِ السّابِقِينَ الَْأ ّولِينَ ‪َ ,‬وتَجْحَدُ‬ ‫ع ْثمَانَ ‪ ,‬وَ ُ‬ ‫ع َمرَ ‪ ,‬وَ ُ‬ ‫‪ ,‬وَشِي َع ِت ِهمَا ‪ ,‬وَالرّا ِفضَةَ َتكْفِيرُ َأبِي َب ْكرٍ ‪ ,‬وَ ُ‬ ‫خوَارِجُ ‪ ,‬وَفِيهِمْ مِنْ ا ْلكَ ِذبِ‬ ‫ل اللّهِ صلى ال عليه وسلم أَعْظَمَ ِممّا جَحَدَ بِهِ الْ َ‬ ‫سنّةِ رَسُو ِ‬ ‫مِنْ ُ‬ ‫‪94‬‬ ‫سِلمِينَ مَا َل ْيسَ‬ ‫علَى ا ْلمُ ْ‬ ‫خوَارِجِ ‪ ,‬وَفِيهِمْ مِنْ ُمعَا َونَةِ ا ْلكُفّارِ َ‬ ‫وَالِا ْف ِترَاءِ وَا ْل ُغُلوّ وَالِْإلْحَادِ مَا َليْسَ فِي الْ َ‬ ‫سِلمِينَ وَالرّا ِفضَةُ هُمْ‬ ‫حصُلُ بِ َد ْولَةِ ا ْلمُ ْ‬ ‫حبّ ال ّتتَارَ وَ َد ْوَل َتهُمْ لَِأنّهُ يَ ْ‬ ‫خوَارِجِ ‪ ,‬وَالرّا ِفضَةِ تُ ِ‬ ‫مِنْ الْ َ‬ ‫سبَابِ فِي‬ ‫سِلمِينَ ‪ ,‬وَهُمْ كَانُوا مِنْ أَعْظَمِ الْأَ ْ‬ ‫علَى ِقتَالِ ا ْلمُ ْ‬ ‫ش ِركِينَ وَا ْل َيهُودِ وَال ّنصَارَى َ‬ ‫ُمعَا ِونُونَ ِل ْلمُ ْ‬ ‫خرَاسَانَ ‪ ,‬وَا ْل ِعرَاقِ ‪ ,‬وَالشّامِ ‪َ ,‬وكَانَ مِنْ أَعْظَمِ‬ ‫شرِقِ بِ ُ‬ ‫سلَا ِمهِمْ إلَى َأرْضِ ا ْلمَ ْ‬ ‫دُخُولِ ال ّتتَارِ َقبْلَ إ ْ‬ ‫ضيّةُ ابْنِ ا ْل َعلْ َق ِميّ‬ ‫حرِي ِمهِمْ ‪ ,‬وَ َق ِ‬ ‫س ْبيِ َ‬ ‫سِلمِينَ وَ َ‬ ‫سلَامِ وَ َقتْلِ ا ْلمُ ْ‬ ‫علَى أَخْذِهِمْ ِل ِبلَادِ الْإِ ْ‬ ‫النّاسِ ُمعَا َونَةً َلهُمْ َ‬ ‫عمُومُ النّاسِ ‪َ .‬وكَ َذِلكَ‬ ‫شهُو َرةٌ َي ْعرِ ُفهَا ُ‬ ‫حَلبَ مَ ْ‬ ‫حبِ َ‬ ‫حَلبَ مَعَ صَا ِ‬ ‫ض ّيتُهُمْ فِي َ‬ ‫خلِيفَةِ وَ َق ِ‬ ‫َوَأ ْمثَالِهِ مَعَ الْ َ‬ ‫ن الرّا ِفضَةَ‬ ‫خ ْب َرةِ أَ ّ‬ ‫ع َرفَ أَهْلُ الْ ِ‬ ‫سوَاحِلِ الشّامِ قَدْ َ‬ ‫سِلمِينَ َو َبيْنَ ال ّنصَارَى بِ َ‬ ‫حرُوبِ اّلتِي َبيْنَ ا ْلمُ ْ‬ ‫فِي الْ ُ‬ ‫علَى‬ ‫عزّ َ‬ ‫علَى أَخْذِ ا ْل ِبلَادِ َلمّا جَا َء ال ّتتَارُ وَ َ‬ ‫سِلمِينَ ‪َ ,‬وَأ ّنهُمْ عَا َونُوهُمْ َ‬ ‫علَى ا ْلمُ ْ‬ ‫َتكُونُ مَعَ النّصَارَى َ‬ ‫ش ِركِينَ كَانَ َذِلكَ‬ ‫سِلمُونَ ال ّنصَارَى وَا ْلمُ ْ‬ ‫غَلبَ ا ْلمُ ْ‬ ‫سوَاحِلِ ‪َ ,‬وإِذَا َ‬ ‫غ ْيرِهَا مِنْ ال ّ‬ ‫عكّا وَ َ‬ ‫الرّافِضَةِ َفتْحُ َ‬ ‫عنْدَ‬ ‫س ّرةً ِ‬ ‫سِلمِينَ كَانَ َذِلكَ عِيدًا ‪َ ,‬ومَ َ‬ ‫ش ِركُونَ وَالنّصَارَى ا ْلمُ ْ‬ ‫غَلبَ ا ْلمُ ْ‬ ‫عنْ َد الرّا ِفضَةِ ‪َ ,‬وإِذَا َ‬ ‫غصّةً ِ‬ ‫ُ‬ ‫سمَاعِيِليّة ‪َ ,‬وَأ ْمثَاِلهِمْ مِنْ‬ ‫ص ْي ِريّةِ ‪ ,‬وَالْإِ ْ‬ ‫ل ال ّزنْدَقَةِ وَالِْإلْحَادِ مِنْ الّن َ‬ ‫الرّافِضَةِ ‪ ,‬وَدَخَلَ فِي الرّافِضَةِ أَهْ ُ‬ ‫غ ْيرِ َذِلكَ ‪ ,‬وَالرّافِضَةُ‬ ‫خرَاسَانَ ‪ ,‬وَا ْل ِعرَاقِ ‪ ,‬وَالشّامِ ‪ ,‬وَ َ‬ ‫غ ْيرِهِمْ ِممّنْ كَانَ بِ ُ‬ ‫ا ْل َملَاحِ َدةِ الْ َقرَامِطَةِ وَ َ‬ ‫خوَارِجِ‬ ‫علَى اللّهِ َورَسُولِهِ أَعْظَمُ ِممّا فِي الْ َ‬ ‫ج ْه ِميّةٌ قَ َد ِريّةٌ ‪ ,‬وَفِيهِمْ مِنْ ا ْلكَ ِذبِ وَا ْلبِدَعِ وَالِا ْف ِترَاءِ َ‬ ‫َ‬ ‫ل اللّ ِه صلى ال عليه وسلم‬ ‫عِليّ وَسَا ِئ ُر الصّحَابَةِ بَِأ ْمرِ رَسُو ِ‬ ‫ا ْلمَارِقِينَ الّذِينَ قَا َتَلهُمْ َأمِيرُ ا ْل ُم ْؤ ِمنِينَ َ‬ ‫شرَائِعِ الدّينِ أَعْظَمُ ِممّا فِي مَا ِنعِي الزّكَاةِ الّذِينَ قَا َتَلهُمْ َأبُو َب ْك ٍر الصّدّيقُ‬ ‫ن الرّ ّدةِ عَنْ َ‬ ‫بَلْ فِيهِمْ مِ ْ‬ ‫خوَارِجَ َق ْولُهُ ‪َ { :‬فهُمْ يَ ْق ُتلُونَ أَهْلَ‬ ‫ي صلى ال عليه وسلم الْ َ‬ ‫وَالصّحَابَةُ ‪َ ,‬ومِنْ أَعْظَمِ مَا ذَمّ بِهِ ال ّن ِب ّ‬ ‫عِليّ‬ ‫سعِيدٍ قَالَ ‪َ { :‬ب َعثَ َ‬ ‫حيْنِ ‪ :‬عَنْ َأبِي َ‬ ‫خرِجَ فِي الصّحِي َ‬ ‫سلَامِ َويَدَعُونَ أَهْلَ الْأَ ْديَانِ } ‪َ .‬كمَا أُ ْ‬ ‫الْإِ ْ‬ ‫ض َبتْ ُق َر ْيشٌ‬ ‫س َمهَا َبيْنَ َأ ْر َبعَةٍ َي ْعنِي مِنْ ُأ َمرَاءِ نَجْدٍ َف َغ ِ‬ ‫ي صلى ال عليه وسلم بِذُ َه ْيبَةٍ فَقَ ّ‬ ‫إلَى ال ّن ِب ّ‬ ‫عنَا ‪ ,‬قَالَ ‪ :‬إ ّنمَا َأتََألّ ُفهُمْ َفأَ ْقبَلَ رَجُلٌ غَا ِئرُ ا ْل َع ْي َنيْنِ‬ ‫صنَادِيدَ أَهْلِ نَجْدٍ َويَدَ ُ‬ ‫وَالَْأنْصَارُ قَالُوا ‪ُ :‬يعْطِي َ‬ ‫حمّدُ اتّقِ اللّهِ ; فَقَالَ ‪ :‬مَنْ يُطِيعُ‬ ‫حلُوقٌ ‪ ,‬فَقَالَ ‪ :‬يَا مُ َ‬ ‫حيَةِ مَ ْ‬ ‫ث اللّ ْ‬ ‫جبِينِ ‪َ ,‬ك ّ‬ ‫ج َن َتيْنِ نَا ِتئُ الْ َ‬ ‫ش ِرفُ ا ْلوَ ْ‬ ‫مُ ْ‬ ‫علَى أَهْلِ الَْأرْضِ َولَا تَ ْأ َمنُونِي فَسََألَهُ رَجُلٌ َق ْتلَهُ َف َم َنعَهُ ‪َ ,‬فَلمّا َولّى قَالَ‬ ‫صيْته َأيَ ْأ َم ُننِي اللّهُ َ‬ ‫ع َ‬ ‫اللّهَ إذَا َ‬ ‫جرَهُمْ َي ْمرُقُونَ مِنْ‬ ‫حنَا ِ‬ ‫ضئِ هَذَا َأوْ فِي عَ ِقبِ هَذَا َق ْومًا يَ ْقرَءُونَ الْ ُقرْآنَ لَا يُجَا ِوزُ َ‬ ‫ضئْ ِ‬ ‫ن ِ‬ ‫‪ :‬إنّ مِ ْ‬ ‫سلَامِ ‪َ ,‬ويَدَعُونَ أَهْلَ الَْأ ْوثَانِ ‪َ ,‬لئِنْ أَ ْد َركْتهمْ لَأَ ْق ُتلَنهُمْ‬ ‫ن ال ّر ِميّةِ ‪ ,‬يَ ْق ُتلُونَ أَهْلَ الْإِ ْ‬ ‫سهْمِ مِ ْ‬ ‫الدّينِ ُمرُوقَ ال ّ‬ ‫ل اللّهِ صلى ال‬ ‫عنْدَ رَسُو ِ‬ ‫سعِيدٍ قَالَ ‪َ :‬ب ْي َنمَا نَحْنُ ِ‬ ‫حيْنِ عَنْ { َأبِي َ‬ ‫َقتْلَ عَادٍ } وَفِي لَفْظٍ فِي الصّحِي َ‬ ‫ل اللّهِ‬ ‫ص َرةِ ‪ ,‬وَ ُهوَ رَجُلٌ مِنْ َبنِي َتمِيمٍ ‪ .‬فَقَالَ ‪ :‬يَا رَسُو َ‬ ‫خ َو ْي ِ‬ ‫سمًا َأتَاهُ ذُو الْ ُ‬ ‫عليه وسلم وَ ُهوَ يُقَسّمُ قَ ْ‬ ‫ع َمرُ ‪ :‬يَا‬ ‫سرْت إنْ لَمْ َأكُنْ أَعْدِلُ فَقَالَ ُ‬ ‫خبْت َوخَ ِ‬ ‫‪ ,‬اعْدِلْ ‪ .‬فَقَالَ ‪َ :‬و ْيلَك َفمَنْ َيعْدِلُ إذَا لَمْ أَعْدِلْ قَدْ ِ‬ ‫‪95‬‬ ‫عنُقَهُ ‪ .‬فَقَالَ ‪ :‬دَعْهُ َفإِنّ لَهُ َأصْحَابًا يَحْ ِقرُ أَحَ ُدكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ‬ ‫ض ِربُ ُ‬ ‫رَسُولَ اللّهِ ‪َ ,‬أتَأْذَنُ لِي فِيهِ فََأ ْ‬ ‫صيَا ِمهِمْ يَ ْقرَءُونَ الْ ُقرْآنَ لَا يُجَا ِوزُ َترَا ِق َيهُمْ ‪َ ,‬ي ْمرُقُونَ مِنْ الدّينِ َكمَا َي ْمرُقُ‬ ‫صيَامَهُ مَ َع ِ‬ ‫صلَا ِتهِمْ َو ِ‬ ‫َ‬ ‫شيْءٌ‬ ‫ظرُ إلَى ِرصَافِهِ َفلَا يُوجَدُ فِيهِ َ‬ ‫شيْءٌ ‪ ,‬ثُمّ َينْ ُ‬ ‫صلِهِ َفلَا يُوجَدُ فِيهِ َ‬ ‫ظرُ إلَى َن ْ‬ ‫سهْمُ مِنْ الرّ ِميّةِ ‪َ ,‬ينْ ُ‬ ‫ال ّ‬ ‫سبَقَ الْ َف ْرثَ‬ ‫شيْءٌ قَدْ َ‬ ‫ظرُ إلَى قُذَ ِذهِ َفلَا يُوجَدُ فِيهِ َ‬ ‫شيْءٌ ثُمّ َينْ ُ‬ ‫ضيّهِ َفلَا يُوجَدُ فِيهِ َ‬ ‫ظرُ إلَى َن ِ‬ ‫‪ ,‬ثُمّ َينْ ُ‬ ‫علَى حِينِ‬ ‫خرُجُونَ َ‬ ‫ضعَةِ يَ ْ‬ ‫عضُ َديْهِ ِمثْلُ ثَ ْديِ ا ْل َم ْرَأةِ ‪َ ,‬أوْ ِمثْلُ ا ْلبَ ْ‬ ‫سوَدُ إحْدَى َ‬ ‫وَالدّمَ ‪ ,‬آ َي ُتهُمْ رَجُلٌ أَ ْ‬ ‫س ِمعْت هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رَسُولِ اللّهِ صلى ال‬ ‫شهَدُ َأنّي َ‬ ‫سعِيدٍ ‪ :‬فََأ ْ‬ ‫ُفرْقَةٍ مِنْ النّاسِ } ‪ .‬قَالَ َأبُو َ‬ ‫عِليّ بْنَ َأبِي طَاِلبٍ قَا َتَلهُمْ َوَأنَا َمعَهُ ‪ ,‬فََأ َمرَ‬ ‫شهَدُ أَنّ َ‬ ‫عِليّ بْنَ َأبِي طَاِلبٍ قَا َتَلهُمْ ‪َ ,‬وأَ ْ‬ ‫عليه وسلم أَنّ َ‬ ‫ل اللّهِ صلى ال عليه وسلم الّذِي‬ ‫علَى َن ْعتِ رَسُو ِ‬ ‫ظرْت إَليْهِ َ‬ ‫حتّى نَ َ‬ ‫بِ َذِلكَ الرّجُلِ ‪ ,‬فَا ْل ُت ِمسَ فَُأ ِتيَ بِهِ َ‬ ‫خوَارِجُ ا ْلمَارِقُونَ مِنْ أَعْظَمِ مَا َذ ّمهُمْ بِهِ ال ّن ِبيّ صلى ال عليه وسلم َأ ّنهُمْ يَ ْق ُتلُونَ‬ ‫َن َعتَهُ ‪َ ,‬ف َه ُؤلَاءِ الْ َ‬ ‫خوَارِجُ مَعَ‬ ‫ن النّاسِ وَالْ َ‬ ‫علَى حِينِ ُفرْقَةٍ مِ ْ‬ ‫خرُجُونَ َ‬ ‫سلَامِ َويَدَعُونَ أَهْلَ الَْأ ْوثَانِ ‪ ,‬وَ َذ َكرَ َأ ّنهُمْ يَ ْ‬ ‫أَهْلَ الْإِ ْ‬ ‫علَى ِقتَالِ‬ ‫سِلمِينَ ‪ ,‬وَالرّافِضَةُ ُيعَا ِونُونَ ا ْلكُفّارَ َ‬ ‫علَى ِقتَالِ ا ْلمُ ْ‬ ‫هَذَا لَمْ َيكُونُوا ُيعَا ِونُونَ ا ْلكُفّارَ َ‬ ‫سِلمِينَ مَعَ ا ْلكُفّارِ ‪َ ,‬فكَانُوا‬ ‫حتّى قَا َتلُوا ا ْلمُ ْ‬ ‫سلِمِينَ َ‬ ‫سِلمِينَ ‪َ ,‬فلَمْ َيكْ ِفهِمْ َأ ّنهُمْ لَا يُقَا ِتلُونَ ا ْلكُفّارَ مَعَ ا ْلمُ ْ‬ ‫ا ْلمُ ْ‬ ‫علَى وُجُوبِ ِقتَالِ‬ ‫سِلمُونَ َ‬ ‫جمَعَ ا ْلمُ ْ‬ ‫أَعْظَمَ ُمرُوقًا عَنْ الدّينِ مِنْ أُوَل ِئكَ ا ْلمَارِقِينَ ِب َكثِيرٍ َكثِيرٍ ‪ .‬وَقَدْ أَ ْ‬ ‫عِليّ رضي ال عنه ‪,‬‬ ‫سِلمِينَ ‪َ ,‬كمَا قَا َتَلهُمْ َ‬ ‫جمَاعَةَ ا ْلمُ ْ‬ ‫حوِهِمْ ‪ ,‬إذَا فَارَقُوا َ‬ ‫خوَارِجِ وَال ّروَافِضِ َونَ ْ‬ ‫الْ َ‬ ‫شرِكِينَ مَا ُهوَ مِنْ‬ ‫ج ْنكِيزْ خَانْ َمِلكَ ا ْلمُ ْ‬ ‫ش ِركِينَ َكنَائِسًا وَ ِ‬ ‫حكَامِ ا ْلمُ ْ‬ ‫ضمّوا إلَى َذِلكَ مِنْ أَ ْ‬ ‫َف َك ْيفَ إذَا َ‬ ‫ح ْك ُمهُمْ وَفِيهِمْ مِنْ الرّدّةِ عَنْ‬ ‫ح ْكمُهُ ُ‬ ‫سلَامِ ‪َ ,‬وكُلّ مَنْ قَ َفزَ إَل ْيهِمْ مِنْ ُأ َمرَاءَ فَ ُ‬ ‫أَعْظَمِ ا ْل ُمضَا ّدةِ لِدِينِ الْإِ ْ‬ ‫س ّموْا مَا ِنعِي ال ّزكَاةِ‬ ‫سَلفُ قَدْ َ‬ ‫سلَامِ ‪َ .‬وإِذَا كَانَ ال ّ‬ ‫شرَائِعِ الْإِ ْ‬ ‫عنْهُ مِنْ َ‬ ‫سلَامِ ‪ ,‬بِقَ ْدرِ مَا ا ْرتَدّ َ‬ ‫شرَائِعِ الْإِ ْ‬ ‫َ‬ ‫ن صَارَ‬ ‫سِلمِينَ ‪َ ,‬ف َك ْيفَ ِممّ ْ‬ ‫جمَاعَةَ ا ْلمُ ْ‬ ‫صلّونَ ‪َ ,‬ولَمْ َيكُونُوا يُقَا ِتلُونَ َ‬ ‫ُم ْرتَدّينَ مَعَ َك ْو ِنهِمْ َيصُومُونَ َو ُي َ‬ ‫س َت ْولَى َه ُؤلَاءِ ا ْلمُحَا ِربُونَ ِللّهِ‬ ‫سِلمِينَ مَعَ َأنّهُ وَا ْل ِعيَاذُ بِاَللّهِ َلوْ ا ْ‬ ‫مَعَ أَعْدَاءِ اللّهِ َورَسُولِهِ قَا ِتلًا ِل ْلمُ ْ‬ ‫صرَ ‪ .‬فِي ِمثْلِ هَذَا‬ ‫علَى َأرْضِ الشّامِ َومِ ْ‬ ‫َورَسُولِهِ ا ْلمُحَادّونَ ِللّهِ َورَسُولِهِ ا ْل ُمعَادُونَ ِللّهِ َورَسُولِهِ ‪َ ,‬‬ ‫حوِ ِهمَا‬ ‫صرَ َونَ ْ‬ ‫شرَا ِئعِهِ ‪َ .‬أمّا الطّائِفَةُ بِالشّامِ َو ِم ْ‬ ‫سلَامِ وَ ُدرُوسِ َ‬ ‫ا ْلوَ ْقتِ َلأَ ْفضَى َذِلكَ إلَى َزوَالِ دِينِ الْإِ ْ‬ ‫ق النّاسِ دُخُولًا فِي الطّائِفَةِ ا ْل َمنْصُو َرةِ‬ ‫سلَامِ ‪ ,‬وَهُمْ مِنْ أَحَ ّ‬ ‫َفهُمْ فِي هَذَا ا ْلوَ ْقتِ ا ْلمُقَا ِتلُونَ عَنْ دِينِ الْإِ ْ‬ ‫عنْهُ ‪ { :‬لَا َتزَالُ‬ ‫ستَفِيضَةِ َ‬ ‫ث الصّحِيحَةِ ا ْلمُ ْ‬ ‫ي صلى ال عليه وسلم بِ َق ْولِهِ فِي الْأَحَادِي ِ‬ ‫اّلتِي َذ َكرَهَا ال ّنبِ ّ‬ ‫حتّى تَقُومَ السّاعَةُ } ‪.‬‬ ‫ضرّهُمْ مَنْ خَالَ َفهُمْ َولَا مَنْ خَ َذَلهُمْ َ‬ ‫علَى الْحَقّ لَا َي ُ‬ ‫طَائِفَةٌ مِنْ ُأ ّمتِي ظَا ِهرِينَ َ‬ ‫ي صلى ال عليه وسلم َت َكلّمَ ِبهَذَا ا ْل َكلَامِ‬ ‫سلِمٍ ‪ { :‬لَا َيزَالُ أَهْلُ ا ْل َغ ْربِ } ‪ .‬وَال ّنبِ ّ‬ ‫وَفِي ِروَايَةٍ ِلمُ ْ‬ ‫شرِيقَ وَال ّت ْغرِيبَ مِنْ‬ ‫ن التّ ْ‬ ‫ع ْنهَا ‪ ,‬فَإِ ّ‬ ‫شرُقُ َ‬ ‫شرْقُهُ مَا يَ ْ‬ ‫ع ْنهَا ‪ ,‬وَ َ‬ ‫ِبمَدِي َنتِهِ ال ّنبَ ِويّةِ ‪َ ,‬ف َغ ْربُهُ مَا َي ْغ ُربُ َ‬ ‫‪96‬‬ ‫س َكنْ َد ِريّة مِنْ ا ْل َغ ْربِ‬ ‫غ ْربٌ ‪َ ,‬وِلهَذَا إذَا قَدِمَ الرّجُلُ إلَى الْإِ ْ‬ ‫شرْقٌ وَ َ‬ ‫س ِبيّةِ ‪ ,‬إذْ كُلّ َبلَدٍ لَهُ َ‬ ‫الُْأمُورِ النّ ْ‬ ‫سمّونَ أَهْلَ‬ ‫سمّونَ أَهْلَ الشّامِ أَهْلَ ا ْل َغ ْربِ ‪َ ,‬ويُ َ‬ ‫شرْقِ ‪َ ,‬وكَانَ أَهْلُ ا ْلمَدِينَةِ يُ َ‬ ‫يَقُولُونَ ‪ :‬سَا َفرَ إلَى ال ّ‬ ‫طبَا ‪.‬‬ ‫شرِقِ َفخَ َ‬ ‫جلَانِ مِنْ أَهْلِ ا ْلمَ ْ‬ ‫ع َمرَ قَالَ ‪ :‬قَدِمَ رَ ُ‬ ‫شرْقِ ‪َ ,‬كمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ ُ‬ ‫نَجْدٍ وَا ْل ِعرَاقِ أَهَلَ ال ّ‬ ‫ح ْنبَلٍ ‪ :‬أَهْلُ ا ْل َغ ْربِ هُمْ أَهْلُ الشّامِ ‪َ .‬ي ْعنِي‬ ‫حمَدُ بْنُ َ‬ ‫وَفِي ِروَايَةٍ ‪ { :‬مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ } ‪َ .‬وِلهَذَا قَالَ أَ ْ‬ ‫شرْقِ ‪َ ,‬وكُلّ‬ ‫ع ْنهَا َف ُهوَ مِنْ ال ّ‬ ‫شرُقُ َ‬ ‫شرْقِ ‪َ ,‬وكُلّ مَا يَ ْ‬ ‫هُمْ أَهْلُ ا ْل َغ ْربِ َكمَا أَنّ نَجْدًا وَا ْل ِعرَاقِ َأوّلُ ال ّ‬ ‫حيْنِ ‪ :‬أَنّ ُمعَاذَ بْنَ‬ ‫غيْرِهَا َف ُهوَ دَاخِلٌ فِي ا ْل َغ ْربِ ‪ .‬وَفِي الصّحِي َ‬ ‫صرَ وَ َ‬ ‫مَا َي ْغ ُربُ عَنْ الشّامِ مِنْ ِم ْ‬ ‫جبَلٍ قَالَ فِي الطّائِفَةِ ا ْل َم ْنصُو َرةِ ‪ ,‬وَهُمْ بِالشّامِ فَِإ ّنهَا َأصْلُ ا ْل َم ْغ ِربِ ‪ ,‬وَهُمْ َفتَحُوا سَا ِئرَ ا ْل َم ْغ ِربِ ‪:‬‬ ‫َ‬ ‫ع ْنهَا‬ ‫غ ْربُ ا ْلمَدِينَةِ ال ّنبَ ِويّةِ مَا يَ ْق ُربُ َ‬ ‫غ ْيرِ َذِلكَ ‪َ ,‬وإِذَا كَانَ َ‬ ‫َك ِمصْرِ ‪ ,‬وَالْ َق ْي َروَانِ ‪ ,‬وَالَْأنْ َدلُسِ ‪ ,‬وَ َ‬ ‫علَى‬ ‫حوَهَا َ‬ ‫حرّانَ وَالرّقّةَ وسمنصاط َونَ ْ‬ ‫علَى مُسَا َمتَةِ ا ْلمَدِينَةِ ال ّن َب ِويّةِ َكمَا أَنّ َ‬ ‫حوُهَا َ‬ ‫فَال ّن ّي َرةُ َونَ ْ‬ ‫ي صلى ال عليه وسلم ِلمَا‬ ‫مُسَا َمتَةِ َمكّةَ ‪َ ,‬فمَا َي ْغ ُربُ عَنْ ال ّنيّ َرةِ َف ُهوَ مِنْ ا ْل َغ ْربِ الّذِينَ وَعَدَهُ ْم ال ّن ِب ّ‬ ‫خرَ فِي صِفَةِ الطّائِفَةِ ا ْل َم ْنصُو َرةِ َأ ّنهُمْ بَِأ ْكنَافِ ا ْل َب ْيتِ ا ْلمُقَدّسِ ‪ ,‬وَهَ ِذهِ‬ ‫تَقَدّمَ ‪ .‬وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثٍ آ َ‬ ‫حوَالَ ا ْلعَالَمِ فِي هَذَا ا ْلوَ ْقتِ َف َعلِمَ أَنّ هَ ِذهِ‬ ‫الطّائِفَةُ ِهيَ اّلتِي ِبَأ ْكنَافِ ا ْل َب ْيتِ ا ْلمُقَ ّدسِ ا ْل َيوْمَ َومَنْ يَ ّد ّبرُ أَ ْ‬ ‫غ ْر ِبهَا ‪ ,‬فَِإ ّنهُمْ هُمْ‬ ‫شرْقِ الَْأرْضِ وَ َ‬ ‫جهَادًا عَنْ َ‬ ‫ع َملًا وَ ِ‬ ‫ع ْلمًا وَ َ‬ ‫سلَامِ ِ‬ ‫طوَا ِئفِ بِدِينِ الْإِ ْ‬ ‫الطّائِفَةَ ِهيَ أَ ْقوَمُ ال ّ‬ ‫ش ِركِينَ ‪َ ,‬وأَهْلِ ا ْل ِكتَابِ ‪َ ,‬و َمغَازِيهِمْ مَ َع ال ّنصَارَى ‪,‬‬ ‫ش ْوكَةِ ا ْلعَظِيمَةِ مِنْ ا ْلمُ ْ‬ ‫الّذِينَ يُقَا ِتلُونَ أَهْلَ ال ّ‬ ‫غ ْيرِهِمْ ‪:‬‬ ‫خلِينَ فِي الرّافِضَةِ وَ َ‬ ‫ش ِركِينَ مِنْ ال ّت ْركِ ‪َ ,‬ومَ َع ال ّزنَادِقَةِ ا ْل ُمنَافِقِينَ مِنْ الدّا ِ‬ ‫َومَعَ ا ْلمُ ْ‬ ‫سِلمِينَ‬ ‫حوِهِمْ مِنْ الْ َقرَامِطَةِ ‪َ ,‬م ْعرُوفَةٌ َم ْعلُومَةٌ قَدِيمًا وَحَدِيثًا وَا ْل ِعزّ الّذِي ِل ْلمُ ْ‬ ‫سمَاعِيِليّةِ ‪َ ,‬ونَ ْ‬ ‫كَالْإِ ْ‬ ‫علَى‬ ‫س ّتمِائَةٍ دَخَلَ َ‬ ‫سعِينَ وَ ِ‬ ‫سنَةَ تِسْعٍ َوتِ ْ‬ ‫ِبمَشَارِقِ الَْأرْضِ َو َمغَا ِر ِبهَا ُهوَ ِب ِعزّهِمْ َوِلهَذَا َلمّا ُه ِزمُوا َ‬ ‫حكَايَاتُ فِي‬ ‫سلَامِ مِنْ الذّلّ وَا ْلمُصِيبَةِ ِبمَشَارِقِ الَْأرْضِ َو َمغَا ِر ِبهَا مَا لَا َي ْعَلمُهُ إلّا اللّهُ ‪ ,‬وَالْ ِ‬ ‫أَهْلِ الْإِ ْ‬ ‫جزُونَ عَنْ‬ ‫ضعَافٌ عَا ِ‬ ‫سكّانَ ا ْل َيمَنِ فِي هَذَا ا ْلوَ ْقتِ ِ‬ ‫ض َعهَا ‪ ,‬وَ َذِلكَ أَنّ ُ‬ ‫َذِلكَ َكثِي َرةٌ َل ْيسَ هَذَا َم ْو ِ‬ ‫سمْعِ‬ ‫سلُوا بِال ّ‬ ‫حتّى َذ َكرُوا َأ ّنهُمْ َأرْ َ‬ ‫ض ّيعُونَ لَهُ ‪ ,‬وَهُمْ مُطِيعُونَ ِلمَنْ َمَلكَ هَ ِذهِ ا ْل ِبلَادَ َ‬ ‫جهَادِ َأوْ ُم َ‬ ‫الْ ِ‬ ‫سكّانُ‬ ‫جرَى ‪َ .‬وَأمّا ُ‬ ‫جرَى ِبهَا مِنْ الْ َقتْلِ مَا َ‬ ‫حَلبَ َ‬ ‫ش ِركِينَ َلمّا جَاءَ إلَى َ‬ ‫وَالطّاعَةِ ِل َه ُؤلَاءِ ‪َ ,‬و َمِلكُ ا ْلمُ ْ‬ ‫ضلَالِ وَالْفُجُورِ مَا لَا‬ ‫شرِيعَةِ ‪ ,‬وَفِيهِمْ مِنْ ا ْلبِدَعِ وَال ّ‬ ‫الْحِجَازِ َفَأ ْك َثرُهُمْ َأوْ َكثِيرٌ ِم ْنهُمْ خَارِجُونَ عَنْ ال ّ‬ ‫جزُونَ ‪َ ,‬وِإ ّنمَا َتكُونُ َلهُمْ الْ ُق ّوةُ وَا ْل ِع ّزةُ‬ ‫ضعَفُونَ عَا ِ‬ ‫س َت ْ‬ ‫َي ْعَلمُهُ إلّا اللّهُ ‪َ ,‬وأَهْلُ الْإِيمَانِ وَالدّينِ فِيهِمْ مُ ْ‬ ‫سلَامِ ِبهَ ِذهِ ا ْل ِبلَادِ ‪َ ,‬فَلوْ َذّلتْ هَ ِذهِ الطّائِفَةُ وَا ْل ِعيَاذُ بِاَللّهِ َتعَالَى َلكَانَ‬ ‫فِي هَذَا ا ْلوَ ْقتِ ِل َغ ْيرِ أَهْلِ الْإِ ْ‬ ‫غَلبَ فِيهِ ْم الرّفْضُ ‪َ ,‬و َمَلكَ َه ُؤلَاءِ ال ّتتَارُ ا ْلمُحَا ِربُونَ‬ ‫س ّيمَا وَقَدْ َ‬ ‫ا ْل ُم ْؤمِنُونَ بِالْحِجَازِ مِنْ أَذَلّ النّاسِ لَا ِ‬ ‫عرَا ُبهَا غَاِلبُونَ‬ ‫غَلبُوا لَفَسَدَ الْحِجَازُ بِا ْل ُكّليّةِ ‪َ .‬وَأمّا ِبلَادُ إ ْفرِي ِقيّةَ فَأَ ْ‬ ‫ِللّهِ َورَسُولِهِ الْآنَ َمرْفُوضُونَ َفَلوْ َ‬ ‫‪97‬‬ ‫ستِيلَاءِ‬ ‫جهَادِ وَا ْل َغزْوِ ‪َ .‬وَأمّا ا ْل َغ ْربُ الْأَ ْقصَى َفمَعَ ا ْ‬ ‫س َتحِقّونَ ِللْ ِ‬ ‫خلْقِ بَلْ هُمْ مُ ْ‬ ‫شرّ الْ َ‬ ‫عَل ْيهَا ‪ ,‬وَهُمْ مِنْ َ‬ ‫َ‬ ‫س َكرِهِمْ مِنْ ال ّنصَارَى‬ ‫جهَادِ النّصَارَى الّذِينَ ُهنَاكَ بَلْ فِي عَ ْ‬ ‫علَى َأ ْك َثرِ ِبلَادِهِمْ لَا يَقُومُونَ بِ ِ‬ ‫الْإِ ْف ِرنْجِ َ‬ ‫علَى هَ ِذهِ ا ْل ِبلَادِ َلكَانَ أَهْلُ ا ْل َم ْغ ِربِ َم َعهُمْ مِنْ‬ ‫س َت ْولَى ال ّتتَارُ َ‬ ‫خلْقٌ عَظِيمٌ َلوْ ا ْ‬ ‫ص ْلبَانَ َ‬ ‫ن ال ّ‬ ‫ح ِملُو َ‬ ‫الّذِينَ َي ْ‬ ‫غ ْي ُرهُ‬ ‫علَى أَهْلِ ا ْل َمغْ ِربِ ‪َ ,‬فهَذَا وَ َ‬ ‫ح ْزبًا َ‬ ‫س ّيمَا وَال ّنصَارَى تَ ْدخُلُ مَعَ ال ّتتَارِ َف َيصِيرُونَ ِ‬ ‫أَذَلّ النّاسِ لَا ِ‬ ‫عزّ‬ ‫عزّهُمْ ِ‬ ‫سلَامِ ‪ ,‬وَ ِ‬ ‫صرَ فِي هَذَا ا ْلوَ ْقتِ هُمْ َكتِيبَةُ الْإِ ْ‬ ‫ِممّا ُي َبيّنُ أَنّ هَ ِذهِ ا ْل ِعصَابَةَ اّلتِي بِالشّامِ َومِ ْ‬ ‫عزّ َولَا َكِلمَةٌ عَاِليَةٌ ‪َ ,‬ولَا‬ ‫سلَامِ ِ‬ ‫عَل ْيهِمْ ال ّتتَارُ لَمْ َيبْقَ ِللْإِ ْ‬ ‫س َت ْولَى َ‬ ‫سلَامِ ‪َ ,‬فَلوْ ا ْ‬ ‫سلَامِ ‪ ,‬وَ ُذّلهُمْ ذُلّ الْإِ ْ‬ ‫الْإِ ْ‬ ‫ع ْنهُمْ إلَى ال ّتتَارِ كَانَ أَحَقّ بِالْ ِقتَالِ‬ ‫عنْهُ ‪َ ,‬فمَنْ قَ َفزَ َ‬ ‫طَائِفَةٌ ظَا ِه َرةٌ عَاِليَةٌ يَخَا ُفهَا أَهْلُ الَْأرْضِ تُقَاتِلُ َ‬ ‫غيْرُ ا ْل ُم ْك َرهِ ‪.‬‬ ‫مِنْ َكثِيرٍ مِنْ ال ّتتَارِ ‪ ,‬فَإِنّ ال ّتتَارَ فِيهِمْ ا ْل ُم ْك َرهُ وَ َ‬ ‫صِليّ مِنْ وُجُوهٍ ُم َتعَدّ َدةٍ ‪ِ :‬م ْنهَا ‪:‬‬ ‫سنّةُ بِأَنّ عُقُوبَةَ ا ْل ُم ْرتَدّ أَعْظَمُ مِنْ عُقُوبَةِ ا ْلكَا ِفرِ الَْأ ْ‬ ‫ستَ َق ّرتْ ال ّ‬ ‫وَقَدْ ا ْ‬ ‫صِليّ ‪.‬‬ ‫خلَافِ ا ْلكَا ِفرِ الَْأ ْ‬ ‫ج ْزيَةٌ ‪َ ,‬ولَا ُتعْقَدُ لَهُ ِذمّةٌ بِ ِ‬ ‫عَليْهِ ِ‬ ‫أَنّ ا ْل ُمرْتَدّ يُ ْقتَلُ ِبكُلّ حَالٍ ‪َ ,‬ولَا ُيضْ َربُ َ‬ ‫صِليّ الّذِي َليْسَ ُهوَ مِنْ أَهْلِ‬ ‫خلَافِ ا ْلكَا ِفرِ الَْأ ْ‬ ‫جزًا عَنْ الْ ِقتَالِ بِ ِ‬ ‫َو ِم ْنهَا ‪ :‬أَنّ ا ْل ُم ْرتَدّ يُ ْقتَلُ َوإِنْ كَانَ عَا ِ‬ ‫ج ْمهُورِ‬ ‫حمَدَ ‪َ .‬وِلهَذَا كَانَ مَذْ َهبُ الْ ُ‬ ‫حنِيفَة ‪َ ,‬ومَاِلكٍ ‪َ ,‬وأَ ْ‬ ‫عنْدَ َأ ْك َثرِ ا ْلعَُلمَاءِ َكَأبِي َ‬ ‫الْ ِقتَالِ فَِإنّهُ لَا يُ ْقتَلُ ِ‬ ‫حمَدَ ‪َ .‬و ِم ْنهَا أَنّ ا ْل ُمرْتَدّ لَا َي ِرثُ ‪َ ,‬ولَا ُينَاكَحُ‬ ‫أَنّ ا ْل ُمرْتَدّ يُ ْقتَلُ َكمَا ُهوَ مَذْ َهبُ مَاِلكٍ ‪ ,‬وَالشّا ِف ِعيّ ‪َ ,‬وأَ ْ‬ ‫ت الرّ ّدةُ عَنْ‬ ‫حكَامِ ‪َ ,‬وإِذَا كَا َن ْ‬ ‫غ ْيرِ َذِلكَ مِنْ الْأَ ْ‬ ‫صِليّ ‪ ,‬إلَى َ‬ ‫خلَافِ ا ْلكَا ِفرِ الَْأ ْ‬ ‫حتُهُ ‪ ,‬بِ ِ‬ ‫‪َ ,‬ولَا ُت ْؤكَلُ َذبِي َ‬ ‫صِليّ‬ ‫خرُوجِ الْخَارِجِ الَْأ ْ‬ ‫شرَا ِئعِهِ أَعْظَمُ مِنْ ُ‬ ‫َأصْلِ الدّينِ أَعْظَمَ مِنْ ا ْلكُ ْفرِ ِبَأصْلِ الدّينِ ‪ ,‬فَالرّ ّدةُ عَنْ َ‬ ‫حوَالَ ال ّتتَارِ َو َي ْعلَمُ أَنّ ا ْل ُم ْرتَدّينَ الّذِينَ فِيهِمْ مِنْ الْ ُفرْسِ‬ ‫شرَا ِئعِهِ ‪َ ,‬وِلهَذَا كَانَ كُلّ ُم ْؤمِنٍ َي ْع ِرفُ أَ ْ‬ ‫عَنْ َ‬ ‫شهَا َد َتيْنِ‬ ‫حوِهِمْ ‪ ,‬وَهُمْ َبعْدَ أَنْ َت َكّلمُوا بِال ّ‬ ‫صلِيّينَ مِنْ ال ّت ْركِ َونَ ْ‬ ‫شرّ مِنْ ا ْلكُفّارِ الَْأ ْ‬ ‫غ ْيرِهِمْ َ‬ ‫وَا ْلعَ َربِ وَ َ‬ ‫غ ْيرِهِمْ ‪َ .‬و ِبهَذَا َي َت َبيّنُ‬ ‫خ ْيرٌ مِنْ ا ْل ُم ْرتَدّينَ مِنْ الْ ُف ْرسِ وَا ْل َعرَبِ وَ َ‬ ‫شرَائِعِ الدّينِ َ‬ ‫مَعَ َت ْر ِكهِمْ ِل َكثِيرٍ مِنْ َ‬ ‫سلِمَ‬ ‫شرّ مِنْ ال ّت ْركِ الّذِينَ كَانُوا كُفّارًا ‪ ,‬فَإِنّ ا ْلمُ ْ‬ ‫سلِمَ الَْأصْلِ ُهوَ َ‬ ‫أَنّ مَنْ كَانَ َم َعهُمْ ِممّنْ كَانَ مُ ْ‬ ‫شرَائِعِ ِمثْلُ ‪:‬‬ ‫س َوأَ حَالًا ِممّنْ لَمْ يَدْخُلْ َبعْدُ فِي ِت ْلكَ ال ّ‬ ‫شرَا ِئعِهِ كَانَ أَ ْ‬ ‫صلِيّ إذَا ا ْرتَدّ عَنْ َبعْضِ َ‬ ‫الَْأ ْ‬ ‫شرَائِعِ ُمتَفَ ّقهًا ‪َ ,‬أوْ‬ ‫مَا ِنعِي ال ّزكَاةِ َوَأ ْمثَاِلهِمْ ِممّنْ قَا َتَلهُمْ الصّدّيقُ ‪َ .‬وإِنْ كَانَ ا ْل ُم ْرتَدّ عَنْ َبعْضِ ال ّ‬ ‫خلُوا فِي ِت ْلكَ‬ ‫ن ال ّت ْركِ الّذِينَ لَمْ يَدْ ُ‬ ‫شرّ مِ ْ‬ ‫غ ْيرَ َذِلكَ َف َه ُؤلَاءِ َ‬ ‫جرًا ‪َ ,‬أوْ كَا ِتبًا ‪َ ,‬أوْ َ‬ ‫ُم َتصَوّفًا َأوْ تَا ِ‬ ‫علَى الدّينِ مَا لَا يَجِدُونَهُ‬ ‫ض َررِ َه ُؤلَاءِ َ‬ ‫ن َ‬ ‫سِلمُونَ مِ ْ‬ ‫سلَامِ ‪َ ,‬وِلهَذَا يَجِدُ ا ْلمُ ْ‬ ‫علَى الْإِ ْ‬ ‫صرّوا َ‬ ‫شرَائِعِ َوَأ َ‬ ‫ال ّ‬ ‫شرَا ِئعِهِ وَطَاعَ ِة اللّهِ َورَسُولِهِ أَعْظَمَ مِنْ انْ ِقيَادِ َه ُؤلَاءِ الّذِينَ‬ ‫سلَامِ وَ َ‬ ‫ضرَرِ أُوَل ِئكَ ‪َ ,‬و َينْقَادُونَ ِللْإِ ْ‬ ‫مِنْ َ‬ ‫ا ْرتَدّوا عَنْ َبعْضِ الدّينِ َونَافَقُوا فِي َبعْضِهِ ‪َ ,‬وإِنْ تَظَا َهرُوا بِالِا ْنتِسَابِ إلَى ا ْل ِعلْمِ وَالدّينِ ‪ ,‬وَغَايَةُ مَا‬ ‫ج ْه ِميّا اتّحَا ِديّا‬ ‫خيَارُهُمْ َيكُونُ َ‬ ‫ضيّا ‪ ,‬وَ ِ‬ ‫سمَاعِيِليّا ‪َ ,‬أوْ رَا ِف ِ‬ ‫ص ْي ِريّا ‪َ ,‬أوْ إ ْ‬ ‫يُوجَدُ مِنْ َه ُؤلَاءِ َيكُونُ ُملْحِدًا ُن َ‬ ‫‪98‬‬ ‫جرٌ‬ ‫سلَامِ إلّا ُمنَافِقٌ ‪َ ,‬أوْ ِزنْدِيقٌ ‪َ ,‬أوْ فَاسِقٌ فَا ِ‬ ‫ظ ِهرِينَ ِللْإِ ْ‬ ‫طوْعًا مِنْ ا ْلمُ ْ‬ ‫ح َوهُ ‪ ,‬فَِإنّهُ لَا َي ْنضَمّ إَل ْيهِمْ َ‬ ‫َأوْ نَ ْ‬ ‫جمِيعَهُ إذْ لَا‬ ‫س َكرَ َ‬ ‫عَل ْينَا أَنْ نُقَاتِلَ ا ْلعَ ْ‬ ‫علَى ِن ّيتِهِ ‪َ ,‬ونَحْنُ َ‬ ‫خرَجُوهُ َم َعهُمْ ُم ْكرَهًا فَِإنّهُ ُي ْب َعثُ َ‬ ‫‪َ ,‬ومَنْ أَ ْ‬ ‫غ ْي ِرهِ ‪ .‬وَقَدْ َث َبتَ فِي الصّحِيحِ ‪ :‬عَنْ ال ّن ِبيّ صلى ال عليه وسلم َأنّهُ قَالَ ‪:‬‬ ‫َي َت َم ّيزُ ا ْل ُم ْك َرهُ مِنْ َ‬ ‫سفَ ِبهِمْ فَقِيلَ ‪ :‬يَا رَسُولَ‬ ‫ج ْيشٌ مِنْ النّاسِ ‪َ ,‬ف َب ْي َنمَا هُمْ ِب َبيْدَاءَ مِنْ الَْأ ْرضِ إذْ خُ ِ‬ ‫{ َي ْغزُو هَذَا ا ْل َبيْتَ َ‬ ‫ي صلى ال‬ ‫ن ال ّن ِب ّ‬ ‫ستَفِيضٌ عَ ْ‬ ‫علَى ِنيّا ِتهِمْ } ‪ .‬وَالْحَدِيثُ مُ ْ‬ ‫اللّهِ ‪ ,‬إنّ فِيهِمْ ا ْل ُم ْكرَهَ ‪ .‬فَقَالَ ‪ُ :‬ي ْب َعثُونَ َ‬ ‫سَلمَةَ ‪ .‬فَفِي‬ ‫خرَجَهُ َأ ْربَابُ الصّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ ‪ ,‬وَحَ ْفصَةَ ‪َ ,‬وأُمّ َ‬ ‫عليه وسلم مِنْ ُوجُوهٍ ُم َتعَدّ َدةٍ أَ ْ‬ ‫ل اللّ ِه صلى ال عليه وسلم ‪َ :‬يعُوذُ عَائِذٌ بِا ْل َب ْيتِ‬ ‫سَلمَةَ قَاَلتْ ‪ { :‬قَالَ رَسُو ُ‬ ‫سلِمٍ ‪ :‬عَنْ أُمّ َ‬ ‫صَحِيحِ مُ ْ‬ ‫ل اللّهِ ‪َ ,‬ف َك ْيفَ ِبمَنْ كَانَ‬ ‫سفَ ِبهِمْ فَ ُقلْت ‪ :‬يَا رَسُو َ‬ ‫َف ُي ْب َعثُ إَليْهِ َب ْعثٌ فَإِذَا كَانُوا ِب َبيْدَاءَ مِنْ الَْأرْضِ خُ ِ‬ ‫حيْنِ ‪ :‬عَنْ‬ ‫علَى ِن ّيتِهِ } وَفِي الصّحِي َ‬ ‫سفُ بِهِ َم َعهُمْ َوَل ِكنّهُ ُي ْب َعثُ َيوْمَ الْ ِقيَامَةِ َ‬ ‫كَارِهًا ‪ .‬قَالَ ‪ُ :‬يخْ َ‬ ‫ص َنعْت‬ ‫ع َبثَ رَسُولُ اللّهِ صلى ال عليه وسلم فِي َمنَامِهِ فَ ُق ْلنَا ‪ :‬يَا رَسُولَ اللّهِ ‪َ ,‬‬ ‫عَائِشَةَ قَاَلتْ ‪َ { :‬‬ ‫جبُ أَنّ نَاسًا مِنْ ُأ ّمتِي َي ُؤمّونَ هَذَا ا ْل َب ْيتَ ِبرَجُلٍ مِنْ‬ ‫ش ْيئًا فِي َمنَامِك لَمْ َتكُنْ تَ ْف َعلُهُ ‪ .‬فَقَالَ ‪ :‬ا ْلعَ َ‬ ‫َ‬ ‫سفَ ِبهِمْ ‪ .‬فَ ُق ْلنَا ‪ :‬يَا رَسُولَ اللّهِ ‪ ,‬إنّ‬ ‫حتّى إذَا كَانُوا بِا ْل َبيْدَاءِ خُ ِ‬ ‫ُق َر ْيشٍ ‪ ,‬وَقَدْ لَجَأَ إلَى ا ْل َب ْيتِ َ‬ ‫سبِيلِ َف َي ْهِلكُونَ َم ْهَلكًا‬ ‫جنُونُ وَابْنُ ال ّ‬ ‫صرُ وَا ْلمَ ْ‬ ‫س َت ْن ِ‬ ‫جمَعُ النّاسَ ‪ .‬قَالَ ‪َ :‬نعَمْ ‪ ,‬فِيهِمْ ا ْلمُ ْ‬ ‫طرِيقَ قَدْ يَ ْ‬ ‫ال ّ‬ ‫علَى ِنيّا ِتهِمْ } وَفِي لَفْظٍ ِل ْلبُخَا ِريّ ‪ :‬عَنْ‬ ‫عزّ وَجَلّ َ‬ ‫شتّى ‪َ ,‬ي ْب َع ُثهُمْ اللّهُ َ‬ ‫وَاحِدًا َو َيصْدُرُونَ َمصَا ِدرَ َ‬ ‫ج ْيشٌ ا ْل َك ْعبَةِ فَإِذَا كَانُوا ِب َبيْدَاءَ مِنْ‬ ‫ل اللّ ِه صلى ال عليه وسلم ‪َ :‬ي ْغزُو َ‬ ‫عَائِشَةَ قَاَلتْ ‪ { :‬قَالَ رَسُو ُ‬ ‫خرِهِمْ ‪ ,‬وَفِيهِمْ‬ ‫سفُ بَِأ ّوِلهِمْ وَآ ِ‬ ‫ل اللّهِ ‪ ,‬يُخْ َ‬ ‫خرِهِمْ ‪ .‬قَاَلتْ ‪ُ :‬قلْت ‪ :‬يَا رَسُو َ‬ ‫سفُ ِبَأ ّوِلهِمْ وَآ ِ‬ ‫الَْأرْضِ يُخْ َ‬ ‫علَى ِنيّا ِتهِمْ } ‪ .‬وَفِي صَحِيحِ‬ ‫خرِهِمْ ثُمّ ُي ْب َعثُونَ َ‬ ‫سفُ ِبَأ ّوِلهِمْ وَآ ِ‬ ‫سوَا ُقهُمْ َومَنْ َل ْيسَ ِم ْنهُمْ ‪ .‬قَالَ ‪ :‬يُخْ َ‬ ‫أَ ْ‬ ‫س َيعُوذُ ِبهَذَا ا ْل َب ْيتِ ‪َ -‬ي ْعنِي ا ْل َك ْعبَةَ‬ ‫ل اللّهِ صلى ال عليه وسلم قَالَ ‪َ :‬‬ ‫سلِمٍ ‪ :‬عَنْ حَ ْفصَةَ { أَنّ رَسُو َ‬ ‫مُ ْ‬ ‫حتّى إذَا كَانُوا ِب َبيْدَاءَ مِنْ‬ ‫ج ْيشٌ َي ْو َمئِذٍ َ‬ ‫ستْ َلهُمْ َم َنعَةٌ َولَا عَدَدٌ َولَا عُ ّدةٌ ‪ُ ,‬ي ْب َعثُ إَل ْيهِمْ َ‬ ‫‪َ -‬قوْمٌ َليْ َ‬ ‫عبْ ُد اللّهِ‬ ‫سفُ بْنُ مَا َهكَ ‪َ :‬وأَهْلُ الشّامِ َي ْو َمئِذٍ يَسِيرُونَ إلَى َمكّةَ فَقَالَ َ‬ ‫سفَ ِبهِمْ } ‪ .‬قَالَ يُو ُ‬ ‫الَْأرْضِ خُ ِ‬ ‫ح ُرمَاتِهِ‬ ‫ج ْيشَ الّذِي َأرَادَ أَنْ َي ْن َت ِهكَ ُ‬ ‫جيْشِ َفاَللّهُ َتعَالَى أَ ْهَلكَ الْ َ‬ ‫بْنُ صَ ْفوَانَ ‪َ :‬أمَا َواَللّهِ مَا ُهوَ ِبهَذَا الْ َ‬ ‫جبُ‬ ‫علَى ِنيّا ِتهِمْ ‪َ .‬ف َك ْيفَ يَ ِ‬ ‫علَى ال ّت ْميِيزِ َب ْي َنهُمْ مَعَ َأنّهُ َي ْب َع ُثهُمْ َ‬ ‫غ ْيرَ ا ْل ُم ْك َرهِ ‪ .‬مَعَ قُ ْد َرتِهِ َ‬ ‫ا ْل ُم ْكرَهَ فِيهِمْ وَ َ‬ ‫غيْ ِرهِ وَهُمْ لَا َي ْعَلمُونَ َذِلكَ بَلْ َلوْ ادّعَى مُدّعٍ َأنّهُ‬ ‫علَى ا ْل ُم ْؤ ِمنِينَ ا ْلمُجَاهِدِينَ أَنْ ُي َم ّيزُوا َبيْنَ ا ْل ُم ْك َرهِ وَ َ‬ ‫َ‬ ‫طلِبِ قَالَ لِل ّن ِبيّ‬ ‫عبْدِ ا ْلمُ ّ‬ ‫عوَاهُ ‪َ .‬كمَا ُر ِويَ { أَنّ ا ْل َعبّاسَ بْنَ َ‬ ‫جرّدِ دَ ْ‬ ‫خرَجَ ُم ْكرَهًا لَمْ َينْ َفعْهُ َذِلكَ ِبمُ َ‬ ‫َ‬ ‫ل اللّهِ ‪ ,‬إنّي ‪ُ ,‬كنْت ُم ْكرَهًا ‪ .‬فَقَالَ ‪:‬‬ ‫سلِمُونَ َيوْمَ بَ ْدرٍ ‪ :‬يَا رَسُو َ‬ ‫س َرهُ ا ْلمُ ْ‬ ‫صلى ال عليه وسلم َلمّا أَ َ‬ ‫خيَارِ‬ ‫سرِي َرتُك َفِإلَى اللّهِ } ‪ .‬بَلْ َلوْ كَانَ فِيهِمْ َقوْ ٌم صَالِحُونَ مِنْ ِ‬ ‫عَل ْينَا َوَأمّا َ‬ ‫َأمّا ظَا ِهرُك َفكَانَ َ‬ ‫‪99‬‬ ‫علَى أَنّ ا ْلكُفّارَ َلوْ َت َترّسُوا‬ ‫النّاسِ َولَمْ ُي ْمكِنْ ِقتَاُلهُمْ إلّا بِ َقتْلِ َه ُؤلَاءِ لَ ُق ِتلُوا َأ ْيضًا فَإِنّ الَْأ ِئمّةَ ُمتّفِقُونَ َ‬ ‫خفْ‬ ‫سِلمِينَ إذَا لَمْ يُقَا ِتلُوا فَِإنّهُ يَجُوزُ أَنْ َن ْر ِم َيهُمْ َونَقْصِدَ ا ْلكُفّارَ ‪َ ,‬وَلوْ لَمْ نَ َ‬ ‫علَى ا ْلمُ ْ‬ ‫سِلمِينَ وَخِيفَ َ‬ ‫ِبمُ ْ‬ ‫جهَادِ‬ ‫سِلمِينَ َأ ْيضًا فِي أَحَدِ َق ْوَليْ ا ْل ُعلَمَاءِ ‪َ .‬ومَنْ ُقتِلَ لِأَجْلِ الْ ِ‬ ‫سِلمِينَ جَازَ وَ ِهيَ أُوَل ِئكَ ا ْلمُ ْ‬ ‫علَى ا ْلمُ ْ‬ ‫َ‬ ‫علَى ِن ّيتِهِ ‪َ ,‬ولَمْ َيكُنْ َق ْتلُهُ‬ ‫شهِيدًا ‪َ ,‬و ُب ِعثَ َ‬ ‫ظلُومٌ كَانَ َ‬ ‫الّذِي َأ َمرَ اللّهُ بِهِ َورَسُولُهُ ُهوَ فِي ا ْلبَاطِنِ مَ ْ‬ ‫جبًا َوإِنْ ُقتِلَ مِنْ‬ ‫جهَادُ وَا ِ‬ ‫أَعْظَمَ فَسَادًا مِنْ َقتْلِ مَنْ يُ ْقتَلُ مِنْ ا ْل ُم ْؤ ِمنِينَ ا ْلمُجَاهِدِينَ ‪َ ,‬وإِذَا كَانَ الْ ِ‬ ‫جهَادِ َل ْيسَ أَعْظَمَ مِنْ هَذَا ‪,‬‬ ‫سِلمِينَ لِحَاجَةِ الْ ِ‬ ‫سِلمِينَ مَا شَا َء اللّهُ فَقِيلَ مَنْ يُ ْقتَلُ فِي صَ ّفهِمْ مِنْ ا ْلمُ ْ‬ ‫ا ْلمُ ْ‬ ‫سيْفِهِ َوَليْسَ لَهُ أَنْ يُقَاتِلَ ‪َ ,‬وإِنْ‬ ‫سرِ َ‬ ‫ي صلى ال عليه وسلم ا ْل ُم ْك َرهَ فِي ِقتَالِ الْ ِف ْتنَةِ ِبكَ ْ‬ ‫بَلْ قَدْ َأ َمرَ ال ّن ِب ّ‬ ‫س َتكُونُ‬ ‫ل اللّ ِه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬إ ّنهَا َ‬ ‫سلِمٍ عَنْ َأبِي َب ْك َرةَ { قَالَ رَسُو ُ‬ ‫ُقتِلَ ‪َ ,‬كمَا فِي صَحِيحِ مُ ْ‬ ‫خ ْيرٌ مِنْ‬ ‫خ ْيرٌ مِنْ ا ْلمَاشِي ‪ ,‬وَا ْلمَاشِي فِيهَا َ‬ ‫ِفتَنٌ َألَا ثُمّ َتكُونُ ِفتَنٌ َألَا ثُمّ َتكُونُ ِفتَنٌ الْقَاعِدُ فِيهَا َ‬ ‫غنَمٌ َف ْل َيلْحَقْ‬ ‫السّاعِي ‪َ ,‬ألَا فَإِذَا َن َزلَتْ َأوْ وَ َق َعتْ َفمَنْ كَانَ لَهُ إبِلٌ َف ْل َيلْحَقْ بِِإ ِبلِهِ ‪َ ,‬ومَنْ كَا َنتْ لَهُ َ‬ ‫ل اللّهِ ‪َ ,‬أ َرَأيْت مَنْ لَمْ‬ ‫ِب َغ َنمِهِ ‪َ ,‬ومَنْ كَا َنتْ لَهُ َأرْضٌ َف ْل َيلْحَقْ ِبَأرْضِهِ ‪ ,‬قَالَ ‪ :‬فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُو َ‬ ‫جرٍ ‪ ,‬ثُمّ ِل َينْجُ إنْ‬ ‫علَى حَ ّدهِ بِحَ َ‬ ‫سيْفِهِ َفيَدُقّ َ‬ ‫غنَمٌ ‪َ ,‬ولَا َأرْضٌ قَالَ ‪َ :‬ي ْعمِدُ إلَى َ‬ ‫َيكُنْ لَهُ إبِلٌ ‪َ ,‬ولَا َ‬ ‫ل اللّهِ ‪,‬‬ ‫ستَطَاعَ النّجَاةَ ‪ .‬الّلهُمّ هَلْ َبّلغْت ‪ ,‬الّلهُمّ هَلْ َبّلغْت الّلهُمّ هَلْ َبّلغْت ‪ .‬فَقَالَ رَجُلٌ ‪ :‬يَا رَسُو َ‬ ‫اْ‬ ‫سيْفِهِ َأوْ‬ ‫ض ِر ُبنِي رَجُلٌ بِ َ‬ ‫طلَقَ بِي إلَى إحْدَى الصّفّيْنِ َأوْ إحْدَى الْ ِف َئ َتيْنِ َف َي ْ‬ ‫حتّى ُينْ َ‬ ‫َأ َرَأيْت إنْ ُأ ْكرِهْت َ‬ ‫ب النّارِ } ‪ .‬فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ َأنّهُ‬ ‫س ْهمِهِ َفيَ ْق ُتَلنِي ‪ .‬قَالَ ‪َ :‬يبُوءُ بِِإ ْثمِهِ َوِإ ْثمِك ‪َ ,‬و َيكُونُ مِنْ َأصْحَا ِ‬ ‫بِ َ‬ ‫سلَاحِ الّذِي يُقَاتِلُ‬ ‫ع ِتزَالِ َأوْ إ ْفسَادِ ال ّ‬ ‫َنهَى عَنْ الْ ِقتَالِ فِي الْ ِف ْتنَةِ بَلْ َأ َمرَ ِبمَا َي َتعَ ّذرُ َمعَهُ الْ ِقتَالُ مِنْ الِا ْ‬ ‫ظ ْلمًا كَانَ الْقَاتِلُ قَدْ بَاءَ بِِإ ْثمِهِ‬ ‫غ ْي ُرهُ ثُمّ َبيّنَ أَنّ ا ْل ُم ْك َرهَ إذَا ُقتِلَ ُ‬ ‫بِهِ ‪ .‬وَقَدْ َدخَلَ فِي َذِلكَ ا ْل ُم ْك َرهُ وَ َ‬ ‫ظلُومِ { إنّي ُأرِيدُ أَنْ َتبُوءَ بِِإ ْثمِي َوِإ ْثمِك‬ ‫َوِإثْمِ ا ْلمَ ْقتُولِ َكمَا قَالَ َتعَالَى فِي ِقصّةِ ا ْب َنيْ آدَمَ عَنْ ا ْلمَ ْ‬ ‫علَى نَفْسِهِ‬ ‫ل صَائِلٌ َ‬ ‫جزَاءُ الظّاِلمِينَ } َو َم ْعلُومٌ أَنّ الِْإنْسَانَ إذَا صَا َ‬ ‫َف َتكُونَ مِنْ َأصْحَابِ النّارِ وَ َذِلكَ َ‬ ‫علَى َق ْوَليْنِ ُهمَا‬ ‫عَليْهِ الدّفْعُ بِالْ ِقتَالِ َ‬ ‫جبُ َ‬ ‫جمَاعِ َوِإ ّنمَا َتنَازَعُوا هَلْ يَ ِ‬ ‫سنّةِ وَالْإِ ْ‬ ‫جَازَ لَهُ الدّفْعُ بِال ّ‬ ‫صفّ ‪ .‬وَالثّا ِنيَةُ ‪ :‬يَجُوزُ لَهُ‬ ‫ضرْ ال ّ‬ ‫ح ُ‬ ‫جبُ الدّفْعُ عَنْ نَفْسِهِ َوَلوْ لَمْ يَ ْ‬ ‫حمَدَ ‪ :‬إحْدَا ُهمَا ‪َ :‬ي ِ‬ ‫ِروَا َيتَانِ عَنْ أَ ْ‬ ‫الدّفْعُ عَنْ نَفْسِهِ ‪َ .‬وَأمّا الِا ْبتِدَاءُ بِالْ ِقتَالِ فِي الْ ِف ْتنَةِ َفلَا يَجُوزُ ِبلَا َر ْيبٍ ‪ ,‬وَا ْلمَ ْقصُودُ َأنّهُ إذَا كَانَ‬ ‫حتّى يُ ْقتَلَ‬ ‫ص ِبرَ َ‬ ‫سلَاحِهِ ‪َ ,‬وأَنْ َي ْ‬ ‫عَليْهِ إفْسَادُ ِ‬ ‫علَى الْ ِقتَالِ فِي الْ ِف ْتنَةِ َل ْيسَ لَهُ أَنْ يُقَاتِلَ ‪ ,‬بَلْ َ‬ ‫ا ْل ُم ْكرَهُ َ‬ ‫سلَامِ ‪َ :‬كمَا ِنعِي‬ ‫شرَائِعِ الْإِ ْ‬ ‫سِلمِينَ مَعَ الطّائِفَةِ الْخَارِجَةِ عَنْ َ‬ ‫علَى ِقتَالِ ا ْلمُ ْ‬ ‫ظلُومًا َف َك ْيفَ بِا ْل ُم ْك َرهِ َ‬ ‫مَ ْ‬ ‫حضُورِ أَنْ لَا يُقَاتِلَ‬ ‫علَى الْ ُ‬ ‫عَليْهِ إذَا ُأ ْك ِرهَ َ‬ ‫جبُ َ‬ ‫حوِهِمْ ‪َ ,‬فلَا َر ْيبَ أَنّ هَذَا يَ ِ‬ ‫ال ّزكَاةِ ‪ ,‬وَا ْلمُ ْرتَدّينَ ‪َ ,‬ونَ ْ‬ ‫سلِمِينَ ‪َ ,‬و َكمَا َلوْ َأ ْك َرهَ‬ ‫حضُورِ صَ ّفهِمْ ِليُقَاتِلَ ا ْلمُ ْ‬ ‫علَى ُ‬ ‫سِلمُونَ َكمَا َلوْ َأ ْكرَهَهُ ا ْلكُفّارُ َ‬ ‫َوإِنْ َق َتلَهُ ا ْلمُ ْ‬ ‫‪100‬‬ ‫سِلمِينَ ‪َ ,‬وإِنْ َأ ْكرَهَهُ بِالْ َقتْلِ‬ ‫سلِمٍ َمعْصُومٍ فَِإنّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ َق ْتلُهُ بِاتّفَاقِ ا ْلمُ ْ‬ ‫علَى َقتْلِ مُ ْ‬ ‫جلًا َ‬ ‫رَجُلٌ رَ ُ‬ ‫غ ْي َرهُ َفيَ ْق ُتلَهُ ‪ِ ,‬ل َئلّا‬ ‫ظلِمَ َ‬ ‫فَِإنّهُ َل ْيسَ حِفْظُ نَفْسِهِ بِ َقتْلِ َذِلكَ ا ْل َمعْصُومِ َأ ْولَى مِنْ ا ْل َع ْكسِ ‪َ ,‬فَل ْيسَ لَهُ أَنْ يَ ْ‬ ‫حمَدَ ‪َ ,‬ومَاِلكٍ ‪,‬‬ ‫عنْدَ َأ ْك َثرِ ا ْل ُعَلمَاءِ ‪ :‬كَأَ ْ‬ ‫جمِيعًا ِ‬ ‫علَى ا ْل ُم ْك ِرهِ َ‬ ‫يُ ْقتَلَ ُهوَ ‪ ,‬بَلْ إذَا َفعَلَ َذِلكَ كَانَ الْ َقوَدُ َ‬ ‫حنِيفَةَ ‪,‬‬ ‫علَى ا ْل ُم ْك ِرهِ فَقَطْ كَ َقوْلِ ‪َ :‬أبِي َ‬ ‫جبُ الْ َقوَدُ َ‬ ‫خرِ ‪َ :‬ي ِ‬ ‫وَالشّا ِف ِعيّ ‪ ,‬فِي أَحَدِ َق ْوَليْهِ ‪ ,‬وَفِي الْآ َ‬ ‫جبُ‬ ‫سفَ ‪ :‬يُو ِ‬ ‫شرِ َكمَا ُر ِويَ َذِلكَ عَنْ زُ َفرَ ‪َ ,‬وَأبُو يُو ُ‬ ‫علَى ا ْل ُم ْك َرهِ ا ْل ُمبَا ِ‬ ‫حمّدٍ ‪ ,‬وَقِيلَ ‪ :‬الْ َقوَدُ َ‬ ‫َومُ َ‬ ‫ي صلى ال عليه‬ ‫ن ال ّن ِب ّ‬ ‫سلِمٌ فِي صَحِيحِهِ ‪ :‬عَ ْ‬ ‫جبْهُ ‪ .‬وَقَدْ َروَى مُ ْ‬ ‫ضمَانَ بِال ّديَةِ بَدَلَ الْ َقوَدِ َولَمْ يُو ِ‬ ‫ال ّ‬ ‫ظهُورِ الدّينِ ‪َ ,‬وِلهَذَا‬ ‫صلَحَةِ ُ‬ ‫وسلم ِقصّةَ َأصْحَابِ الْأُخْدُودِ وَفِيهَا أَنّ ا ْل ُغلَامَ َأ َمرَ بِ َقتْلِ نَفْسِهِ لِأَجْلِ َم ْ‬ ‫ظنّهِ َأ ّنهُمْ يَ ْق ُتلُونَهُ إذَا كَانَ‬ ‫علَى َ‬ ‫غَلبَ َ‬ ‫صفّ ا ْلكُفّارِ َوإِنْ َ‬ ‫سلِمُ فِي َ‬ ‫ج ّوزَ الَْأ ِئمّةُ الَْأ ْر َبعَةُ أَنْ َي ْن َغمِسَ ا ْلمُ ْ‬ ‫َ‬ ‫ن الرّجُلُ‬ ‫خرَ ‪ ,‬فَإِذَا كَا َ‬ ‫طنَا الْ َقوْلَ فِي هَ ِذهِ ا ْلمَسَْألَةِ فِي َم ْوضِعٍ آ َ‬ ‫سِلمِينَ ‪ .‬وَقَدْ بَسَ ْ‬ ‫صلَحَةٌ ِل ْلمُ ْ‬ ‫فِي َذِلكَ َم ْ‬ ‫جهَادِ مَعَ أَنّ َق ْتلَهُ نَفْسَهُ أَعْظَمُ مِنْ َق ْتلِهِ ِل َغ ْيرِهِ كَانَ مَا‬ ‫صلَحَةِ الْ ِ‬ ‫يَ ْفعَلُ مَا َي ْعتَقِدُ َأنّهُ يُ ْقتَلُ بِهِ ِلأَجْلِ َم ْ‬ ‫ض َررِ ا ْلعَ ُدوّ ا ْلمُفْسِدِ‬ ‫حصُلُ إلّا بِ َذِلكَ وَدَفْ ِع َ‬ ‫غ ْي ِرهِ لِأَجْلِ َمصْلَحَةِ الدّينِ اّلتِي لَا تَ ْ‬ ‫يُ ْفضِي إلَى َقتْلِ َ‬ ‫ن الصّائِلَ‬ ‫علَى أَ ّ‬ ‫جمَاعُ ُمتّفِ َقيْنِ َ‬ ‫سنّةُ وَالْإِ ْ‬ ‫لِلدّينِ وَال ّد ْنيَا ‪ ,‬الّذِي لَا َينْدَفِعُ إلّا بِ َذِلكَ َأ ْولَى َوإِذَا كَا َنتْ ال ّ‬ ‫سلِمَ إذَا لَمْ َينْدَفِعْ صَ ْولُهُ إلّا بِالْ َقتْلِ ُقتِلَ َوإِنْ كَانَ ا ْلمَالُ الّذِي يَأْخُ ُذهُ قِيرَاطًا مِنْ دِينَارٍ ‪َ ,‬كمَا قَالَ‬ ‫ا ْلمُ ْ‬ ‫شهِيدٌ ‪َ ,‬ومَنْ ُقتِلَ دُونَ‬ ‫ث الصّحِيحِ ‪ { :‬مَنْ ُقتِلَ دُونَ مَالِهِ َف ُهوَ َ‬ ‫ال ّن ِبيّ صلى ال عليه وسلم فِي الْحَدِي ِ‬ ‫شرَائِعِ‬ ‫شهِيدٌ } ‪َ .‬ف َك ْيفَ بِ ِقتَالِ َه ُؤلَاءِ الْخَارِجِينَ عَنْ َ‬ ‫ح َرمِهِ َف ُهوَ َ‬ ‫شهِيدٌ ‪َ ,‬ومَنْ ُقتِلَ دُونَ َ‬ ‫َدمِهِ َف ُهوَ َ‬ ‫ص ْوُلهُمْ َو َب ْغ ُيهُمْ أَقَلّ مَا فِيهِمْ ‪َ ,‬فإِنّ ِقتَالَ ا ْل ُم ْعتَدِينَ الصّا ِئلِينَ‬ ‫ن َ‬ ‫سلَامِ ا ْلمُحَا ِربِينَ ِللّهِ َورَسُولِهِ الّذِي َ‬ ‫الْإِ ْ‬ ‫سهِمْ ‪َ ,‬وَأمْوَاِلهِمْ ‪,‬‬ ‫سِلمِينَ فِي َأنْفُ ِ‬ ‫علَى ا ْلمُ ْ‬ ‫جمَاعِ ‪ ,‬وَ َه ُؤلَاءِ ُم ْعتَدُونَ صَا ِئلُونَ َ‬ ‫سنّةِ وَالْإِ ْ‬ ‫ثَا ِبتٌ بِال ّ‬ ‫شهِيدٌ ‪َ ,‬ف َك ْيفَ‬ ‫عَل ْيهَا ‪َ ,‬ومَنْ ُقتِلَ دُو َنهَا َف ُهوَ َ‬ ‫ل الصّائِلِ َ‬ ‫ح َر ِمهِمْ ‪ ,‬وَدِي ِنهِمْ ‪َ ,‬وكُلّ مِنْ هَ ِذهِ ُيبِيحُ ِقتَا َ‬ ‫وَ ُ‬ ‫شرّ ا ْل ُبغَاةِ ا ْل ُمتََأ ّولِينَ الظّاِلمِينَ ‪َ ,‬لكِنْ مَنْ زَعَمَ َأ ّنهُمْ يُقَا َتلُونَ َكمَا‬ ‫عَل ْيهَا ُكّلهَا وَهُمْ مِنْ َ‬ ‫ِبمَنْ قَاتَلَ َ‬ ‫ضلَالًا َبعِيدًا فَإِنّ أَقَلّ مَا فِي ا ْل ُبغَاةِ ا ْل ُمتََأ ّولِينَ أَنْ‬ ‫ل َ‬ ‫طأً َقبِيحًا وَضَ ّ‬ ‫تُقَاتَلُ ا ْل ُبغَاةُ ا ْل ُمتََأ ّولُونَ فَقَدْ أَخْطَأَ خَ َ‬ ‫ش ْبهَةً َب ّي َنهَا ‪,‬‬ ‫سُلهُمْ ‪ ,‬فَإِنْ َذ َكرُوا ُ‬ ‫خرَجُوا بِهِ ‪َ .‬وِلهَذَا قَالُوا ‪ :‬إنّ الِْإمَامَ ُيرَا َ‬ ‫َيكُونَ َلهُمْ َت ْأوِيلٌ سَائِغٌ َ‬ ‫ش ْبهَةٍ ِل َه ُؤلَاءِ ا ْلمُحَا ِربِينَ ِللّهِ َورَسُولِهِ السّاعِينَ فِي الَْأرْضِ فَسَادًا ‪,‬‬ ‫ظِلمَةً َأزَاَلهَا ‪ ,‬فََأيّ ُ‬ ‫َوإِنْ َذ َكرُوا مَ ْ‬ ‫ع َملًا مِنْ هَ ِذهِ‬ ‫ع ْلمًا وَ َ‬ ‫سلَامِ ِ‬ ‫شرَائِعِ الدّينِ َولَا َر ْيبَ َأ ّنهُمْ لَا يَقُولُونَ َأ ّنهُمْ أَ ْقوَمُ بِدِينِ الْإِ ْ‬ ‫وَالْخَارِجِينَ عَنْ َ‬ ‫سلَامٍ ِم ْنهُمْ ‪َ ,‬وَأ ْتبَعُ لَهُ ِم ْنهُمْ ‪,‬‬ ‫علَ ُمهُمْ بِإِ ْ‬ ‫سلَامَ َي ْعَلمُونَ أَنّ هَ ِذهِ الطّائِفَةَ أَ ْ‬ ‫عوَاهُمْ الْإِ ْ‬ ‫الطّائِفَةِ بَلْ ُهوَ مَعَ دَ ْ‬ ‫سِلمِينَ بِالْ ِقتَالِ ‪,‬‬ ‫سلِمٍ َوكَا ِفرٍ َي ْعلَمُ َذِلكَ وَهُمْ مَعَ َذِلكَ ُينْ ِذرُونَ ا ْلمُ ْ‬ ‫سمَاءِ مِنْ مُ ْ‬ ‫حتَ أَدِيمِ ال ّ‬ ‫َوكُلّ مَنْ تَ ْ‬ ‫حرِيمِ‬ ‫س َبوْا غَاِلبَ َ‬ ‫سِلمِينَ َك ْيفَ وَهُمْ قَدْ َ‬ ‫حلّونَ ِبهَا ِقتَالَ ا ْلمُ ْ‬ ‫ستَ ِ‬ ‫ش ْبهَةٌ َب ّينَةٌ يَ ْ‬ ‫فَا ْم َتنَعَ أَنْ َتكُونَ َلهُمْ ُ‬ ‫‪101‬‬ ‫ظمُونَ ا ْلبُ ْقعَةَ َويَ ْأخُذُونَ مَا فِيهَا مِنْ‬ ‫حتّى إنّ النّاسَ قَدْ َرَأوْهُمْ ُيعَ ّ‬ ‫الرّعِيّةِ الّذِينَ لَمْ يُقَا ِتلُوهُمْ ؟ َ‬ ‫حرِيمَهُ‬ ‫سبُونَ َ‬ ‫عَليْهِ مِنْ ال ّثيَابِ ‪َ ,‬ويَ ْ‬ ‫سُلبُونَهُ مَا َ‬ ‫ن الرّجُلَ َو َي َت َب ّركُونَ بِهِ ‪َ ,‬ويَ ْ‬ ‫ظمُو َ‬ ‫الَْأ ْموَالِ ‪َ ,‬و ُيعَ ّ‬ ‫جرُهُمْ ‪ ,‬وَا ْل ُمتََأوّلُ تَ ْأوِيلًا دِي ِنيّا لَا‬ ‫ظلَمُ النّاسِ َوأَفْ َ‬ ‫َو ُيعَا ِقبُونَهُ بَِأ ْنوَاعِ ا ْلعُقُوبَاتِ اّلتِي لَا ُيعَا َقبُ ِبهَا إلّا أَ ْ‬ ‫طوَعُ‬ ‫ظمُونَ مَنْ ُيعَا ِقبُونَهُ فِي الدّينِ ‪َ ,‬ويَقُولُونَ ‪ :‬إنّهُ أَ ْ‬ ‫صيًا لِلدّينِ ‪ ,‬وَهُمْ ُيعَ ّ‬ ‫ُيعَا ِقبُ إلّا مَنْ َيرَاهُ عَا ِ‬ ‫ِللّهِ ِم ْنهُمْ ‪ ,‬فََأيّ َت ْأوِيلٍ بَ ِقيَ َلهُمْ ‪ ,‬ثُمّ َلوْ قُ ّدرَ َأ ّنهُمْ ُمتََأ ّولُونَ لَمْ َيكُنْ َت ْأوِيُلهُمْ سَا ِئغًا ‪ ,‬بَلْ تَ ْأوِيلُ‬ ‫عوْا ا ّتبَاعَ الْ ُقرْآنِ ‪َ ,‬وأَنّ مَا‬ ‫خوَارِجُ فَِإ ّنهُمْ ادّ َ‬ ‫خوَارِجِ َومَا ِنعِي ال ّزكَاةِ َأوْجَهُ مِنْ تَ ْأوِيِلهِمْ ‪َ ,‬أمّا الْ َ‬ ‫الْ َ‬ ‫ن اللّهَ قَالَ ِل َن ِبيّهِ‬ ‫سنّةِ لَا يَجُوزُ ا ْل َعمَلُ بِهِ ‪َ .‬وَأمّا مَا ِنعُوا ال ّزكَاةِ فَقَدْ َذ َكرُوا َأ ّنهُمْ قَالُوا ‪ :‬إ ّ‬ ‫خَالَفَهُ مِنْ ال ّ‬ ‫عَل ْينَا أَنْ نَدْ َف َعهَا ِل َغ ْي ِرهِ َفلَمْ َيكُونُوا يَدْ َفعُو َنهَا‬ ‫‪ :‬خُذْ مِنْ َأ ْموَاِلهِ ْم صَدَقَةً وَهَذَا خِطَابٌ ِل َن ِبيّهِ فَقَطْ َفَليْسَ َ‬ ‫ظ َر ِتهِمْ مَعَ‬ ‫ظرَاتٌ َك ُمنَا َ‬ ‫عبَا َدةٌ َوِل ْلعَُلمَاءِ َم َعهُمْ ُمنَا َ‬ ‫علْمٌ وَ ِ‬ ‫خوَارِجُ َلهُمْ ِ‬ ‫خرِجُو َنهَا لَهُ ‪ ,‬وَالْ َ‬ ‫لَِأبِي َب ْكرٍ َولَا يُ ْ‬ ‫سِلمِينَ ‪َ ,‬فَلوْ كَانُوا ُمتََأ ّولِينَ لَمْ َيكُنْ َلهُمْ‬ ‫علَى ِقتَالِ ا ْلمُ ْ‬ ‫ظرُونَ َ‬ ‫ج ْه ِميّةِ ‪َ ,‬وَأمّا َه ُؤلَاءِ َفلَا ُينَا َ‬ ‫الرّافِضَةِ وَالْ َ‬ ‫س ْبعَةِ‬ ‫ضهُمْ بِأَنْ قَالَ ‪َ :‬مِل ُكنَا ِمِلكٌ ابْنُ َمِلكٍ ابْنُ َمِلكٍ إلَى َ‬ ‫ط َبنِي َب ْع ُ‬ ‫تَ ْأوِيلٌ يَقُولُهُ ذُو عَقْلٍ ‪ ,‬وَقَدْ خَا َ‬ ‫خرَ بِا ْلكَا ِفرِ ‪ ,‬بَلْ‬ ‫أَجْدَادٍ ‪َ ,‬و َمِل ُككُمْ ابْنُ َم ْولًى فَ ُقلْت ‪ :‬لَهُ ‪ :‬آبَاءُ َذِلكَ ا ْل َمِلكِ ُكّلهُمْ كُفّارٌ ‪َ ,‬ولَا فَ ْ‬ ‫ش ِركٍ َوَلوْ‬ ‫خ ْيرٌ مِنْ مُ ْ‬ ‫ل اللّهُ َتعَالَى { َوَل َعبْدٌ ُم ْؤمِنٌ َ‬ ‫خ ْيرٌ مِنْ ا ْل َمِلكِ ا ْلكَا ِفرِ ‪ ,‬قَا َ‬ ‫سلِمُ َ‬ ‫ا ْل َم ْملُوكُ ا ْلمُ ْ‬ ‫سلِمَ َوَلوْ‬ ‫عَليْهِ أَنْ يُطِيعَ ا ْلمُ ْ‬ ‫جبَ َ‬ ‫سِلمًا وَ َ‬ ‫جهُمْ ‪َ ,‬و َم ْعلُومٌ أَنّ مَنْ كَانَ مُ ْ‬ ‫ج َبكُمْ } ‪َ .‬فهَ ِذهِ َوَأ ْمثَاُلهَا حُجَ ُ‬ ‫أَعْ َ‬ ‫ي صلى ال عليه وسلم َأنّهُ قَالَ ‪:‬‬ ‫عبْدًا َولَا يُطِيعُ ا ْلكَا ِفرَ ‪ .‬وَقَدْ َث َبتَ فِي الصّحِيحِ ‪ :‬عَنْ ال ّن ِب ّ‬ ‫كَانَ َ‬ ‫شيّ َكأَنّ َرأْسَهُ َزبِيبَةٌ مَا أَقَامَ فِيكُمْ ِكتَابَ اللّهِ } ‪ .‬وَدِينُ‬ ‫حبَ ِ‬ ‫عبْدٌ َ‬ ‫عَل ْيكُمْ َ‬ ‫س َمعُوا َوأَطِيعُوا َوإِنْ ُأ ّمرَ َ‬ ‫{اْ‬ ‫سلَامِ إ ّنمَا يُ َفضّلُ الِْإنْسَانَ بِإِيمَانِهِ َوتَ ْقوَاهُ لَا بِآبَائِهِ ‪َ ,‬وَلوْ كَانُوا مِنْ َبنِي هَاشِمٍ أَهْلِ َب ْيتِ ال ّن ِبيّ‬ ‫الْإِ ْ‬ ‫عصَاهُ‬ ‫ق النّارَ ِلمَنْ َ‬ ‫خلَ َ‬ ‫شيّا ‪ ,‬وَ َ‬ ‫حبَ ِ‬ ‫عبْدًا َ‬ ‫جنّةَ ِلمَنْ أَطَاعَهُ َوإِنْ كَانَ َ‬ ‫خلَقَ الْ َ‬ ‫صلى ال عليه وسلم فَِإنّهُ َ‬ ‫ج َع ْلنَاكُمْ‬ ‫خلَ ْقنَاكُمْ مِنْ َذ َكرٍ َوُأ ْنثَى َو َ‬ ‫شيّا ‪ .‬وَقَدْ قَالَ َتعَالَى ‪ { :‬يَا َأ ّيهَا النّاسُ إنّا َ‬ ‫شرِيفًا ُقرَ ِ‬ ‫َوَلوْ كَانَ َ‬ ‫عنْهُ صلى ال عليه وسلم َأنّهُ قَالَ‬ ‫سنَنِ َ‬ ‫عنْدَ اللّهِ َأتْقَاكُمْ } وَفِي ال ّ‬ ‫شعُوبًا وَ َقبَائِلَ ِل َتعَارَفُوا إنّ َأ ْك َر َمكُمْ ِ‬ ‫ُ‬ ‫علَى َأ ْبيَضَ ‪َ ,‬ولَا لَِأ ْب َيضَ‬ ‫سوَدَ َ‬ ‫ع َربِيّ ‪َ ,‬ولَا لِأَ ْ‬ ‫علَى َ‬ ‫ج ِميّ َ‬ ‫ج ِميّ ‪َ ,‬ولَا ِلعَ َ‬ ‫علَى عَ َ‬ ‫‪ { " :‬لَا َفضْلَ ِل َع َر ِبيّ َ‬ ‫عنْهُ َأنّهُ قَالَ لِ َقبِيلَةٍ‬ ‫حيْنِ ‪َ :‬‬ ‫سوَدَ إلّا بِالتّ ْقوَى ‪ ,‬النّاسُ مِنْ آدَمَ وَآدَمُ مِنْ ُترَابٍ } ‪ .‬وَفِي الصّحِي َ‬ ‫علَى أَ ْ‬ ‫َ‬ ‫خ َبرَ ال ّن ِبيّ‬ ‫َقرِيبَةٍ ِمنْهُ ‪ { :‬إنّ آلَ َأبِي ُفلَانٍ َليْسُوا بَِأ ْوِليَائِي إ ّنمَا َوِليّي اللّهُ َوصَالِحُ ا ْل ُم ْؤمِنِينَ } ‪َ .‬فأَ ْ‬ ‫سبِ ‪ ,‬بَلْ بِالْإِيمَانِ وَالتّ ْقوَى ‪ ,‬فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي‬ ‫ستْ بِالْ َقرَابَةِ وَالنّ َ‬ ‫صلى ال عليه وسلم أَنّ ُموَالَاتَهُ َليْ َ‬ ‫علَى أَنّ مَنْ كَانَ‬ ‫سِلمُونَ َ‬ ‫جمَعَ ا ْلمُ ْ‬ ‫ش ِركِ ‪ ,‬وَقَدْ أَ ْ‬ ‫ج ْنكِيزْ خَانْ ا ْلكَا ِفرِ ا ْلمُ ْ‬ ‫َقرَابَةِ الرّسُولِ َف َك ْيفَ بِ َقرَابَةِ ِ‬ ‫شيّا‬ ‫حبَ ِ‬ ‫سوَدَ َ‬ ‫أَعْظَمَ إيمَانًا َوتَ ْقوًى كَانَ أَ ْفضَلَ ِممّنْ ُهوَ دُونَهُ فِي الْإِيمَانِ وَالتّ ْقوَى ‪َ ,‬وإِنْ كَانَ الَْأوّلُ أَ ْ‬ ‫‪102‬‬ ‫سيّا ‪.‬‬ ‫عبّا ِ‬ ‫عَل ِويّا َأوْ َ‬ ‫وَالثّانِي َ‬ ‫‪00000000000000000‬‬ ‫خرُجُ ُم ْكرَهًا‬ ‫جنَادٍ َي ْم َت ِنعُونَ عَنْ ِقتَالِ ال ّتتَارِ ‪َ ,‬ويَقُولُونَ ‪ :‬إنّ فِيهِمْ مَنْ يَ ْ‬ ‫‪ - 7 - 778‬مَسَْألَةٌ ‪ :‬فِي أَ ْ‬ ‫حمْدُ ِللّهِ َربّ ا ْلعَاَلمِينَ ‪ِ .‬قتَالُ ال ّتتَارِ الّذِينَ‬ ‫جوَابُ ‪ :‬الْ َ‬ ‫َم َعهُمْ َوإِذَا َه َربَ أَحَدُهُمْ هَلْ ُي ّتبَعُ أَمْ لَا ؟ الْ َ‬ ‫حتّى لَا َتكُونَ‬ ‫سنّةِ ‪ ,‬فَإِنّ اللّهَ يَقُولُ فِي الْ ُقرْآنِ { وَقَا ِتلُوهُمْ َ‬ ‫جبٌ بِا ْل ِكتَابِ وَال ّ‬ ‫قَ ِدمُوا إلَى ِبلَادِ الشّامِ وَا ِ‬ ‫ِف ْتنَةٌ َو َيكُونَ الدّينُ ُكلّهُ ِللّهِ } وَالدّينُ ُهوَ الطّاعَةُ ‪ ,‬فَإِذَا كَانَ َبعْضُ الدّينِ ِللّهِ َو َبعْضُهُ ِل َغ ْي ِر اللّهِ‬ ‫ل اللّهُ َتعَالَى ‪ { :‬يَا َأ ّيهَا الّذِينَ آ َمنُوا اتّقُوا اللّهَ‬ ‫حتّى َيكُونَ الدّينُ ُكلّهُ ِللّهِ ‪َ ,‬وِلهَذَا قَا َ‬ ‫جبَ الْ ِقتَالُ َ‬ ‫وَ َ‬ ‫ح ْربٍ مِنْ اللّهِ َورَسُولِهِ } ‪ .‬وَهَ ِذهِ‬ ‫وَ َذرُوا مَا بَ ِقيَ مِنْ ال ّربَا إنْ ُك ْنتُمْ ُم ْؤ ِمنِينَ ‪َ ,‬فإِنْ لَمْ تَ ْف َعلُوا فَأْ َذنُوا بِ َ‬ ‫صيَامَ ‪َ ,‬لكِنْ ا ْم َت َنعُوا مِنْ‬ ‫صلَاةَ وَال ّ‬ ‫سلَامِ وَا ْل َت َزمُوا ال ّ‬ ‫خلُوا فِي الْإِ ْ‬ ‫الْآيَةُ َن َزَلتْ فِي أَهْلِ الطّا ِئفِ َلمّا دَ َ‬ ‫ح ّرمَهُ‬ ‫خرُ مَا َ‬ ‫ن ال ّربَا ‪ ,‬وَال ّربَا ُهوَ آ ِ‬ ‫َت ْركِ الرّبَا َف َبيّنَ اللّهُ َأ ّنهُمْ مُحَا ِربُونَ لَهُ َوِلرَسُولِهِ إذَا لَمْ َي ْن َتهُوا عَ ْ‬ ‫جهَادُهُمْ ‪,‬‬ ‫جبُ ِ‬ ‫حبِهِ ‪ ,‬فَإِذَا كَانَ َه ُؤلَاءِ مُحَا ِربِينَ ِللّهِ َورَسُولِهِ يَ ِ‬ ‫اللّهُ ‪ ,‬وَ ُهوَ مَالٌ ُيؤْخَذُ ِب ِرضَا صَا ِ‬ ‫علَى أَنّ‬ ‫سِلمِينَ َ‬ ‫عَلمَاءُ ا ْلمُ ْ‬ ‫سلَامِ َأوْ َأ ْك َثرَهَا كَال ّتتَارِ ‪ .‬وَقَدْ اتّفَقَ ُ‬ ‫شرَائِعِ الْإِ ْ‬ ‫َف َك ْيفَ ِبمَنْ َي ْت ُركُ َكثِيرًا مِنْ َ‬ ‫جبُ ِقتَاُلهَا إذَا‬ ‫سلَامِ الظّا ِه َرةِ ا ْل ُم َتوَا ِترَةِ ‪ ,‬فَِإنّهُ يَ ِ‬ ‫جبَاتِ الْإِ ْ‬ ‫الطّائِفَةَ ا ْل ُم ْم َتنِعَةَ إذَا ا ْم َت َن َعتْ عَنْ َبعْضِ وَا ِ‬ ‫ش ْهرِ َر َمضَانَ ‪َ ,‬أوْ حَجّ ا ْل َب ْيتِ‬ ‫صيَامِ َ‬ ‫ن الصّلَاةِ ‪ ,‬وَال ّزكَاةِ ‪َ ,‬أ ْو ِ‬ ‫شهَا َد َتيْنِ ‪ ,‬وَا ْم َتنَعُوا عَ ْ‬ ‫َت َكّلمُوا بِال ّ‬ ‫خ ْمرِ ‪َ ,‬أوْ ِنكَاحِ‬ ‫حشِ ‪َ ,‬أوْ الْ َ‬ ‫حرِيمِ الْ َفوَا ِ‬ ‫سنّةِ ‪َ ,‬أوْ عَنْ تَ ْ‬ ‫حكْمِ َب ْي َنهُمْ بِا ْل ِكتَابِ وَال ّ‬ ‫ا ْل َعتِيقِ ‪َ ,‬أوْ عَنْ الْ ُ‬ ‫جهَادِ‬ ‫سرِ ‪َ ,‬أوْ الْ ِ‬ ‫حلَالِ النّفُوسِ وَالَْأ ْموَالِ ِب َغ ْيرِ حَقّ ‪َ ,‬أ ْو ال ّربَا ‪َ ,‬أوْ ا ْل َميْ ِ‬ ‫ستِ ْ‬ ‫َذوَاتِ ا ْلمَحَارِمِ ‪َ ,‬أوْ عَنْ ا ْ‬ ‫سلَامِ ‪ ,‬فَِإ ّنهُمْ يُقَا َتلُونَ‬ ‫شرَائِعِ الْإِ ْ‬ ‫حوِ َذِلكَ مِنْ َ‬ ‫علَى أَهْلِ ا ْل ِكتَابِ ‪َ ,‬ونَ ْ‬ ‫ج ْزيَةَ َ‬ ‫ض ْربِهِمْ الْ ِ‬ ‫ِل ْلكُفّارِ ‪َ ,‬أوْ عَنْ َ‬ ‫ظرَ َأبَا َب ْكرٍ فِي مَا ِنعِي‬ ‫ع َمرَ َلمّا نَا َ‬ ‫حيْنِ ‪ :‬أَنّ ُ‬ ‫حتّى َيكُونَ الدّينُ ُكلّهُ ِللّهِ ‪ .‬وَقَدْ َث َبتَ فِي الصّحِي َ‬ ‫عَل ْيهَا َ‬ ‫َ‬ ‫ج َبهَا اللّهُ َورَسُولُهُ ‪َ ,‬وإِنْ كَانَ قَدْ‬ ‫ال ّزكَاةِ قَالَ لَهُ َأبُو َب ْكرٍ ‪َ :‬ك ْيفَ لَا أُقَاتِلُ مَنْ َت َركَ الْحُقُوقَ اّلتِي َأوْ َ‬ ‫عنَاقًا كَانُوا ُيؤَدّو َنهَا إلَى رَسُولِ‬ ‫ن ال ّزكَاةَ مِنْ حَ ّقهَا َواَللّهِ َلوْ َم َنعُونِي َ‬ ‫سلَمَ كَال ّزكَاةِ ‪ .‬وَقَالَ لَهُ ‪ :‬فَإِ ّ‬ ‫أَ ْ‬ ‫ح اللّهُ‬ ‫شرَ َ‬ ‫ع َمرُ ‪َ ,‬فمَا ُهوَ إلّا أَنْ َرَأيْت قَدْ َ‬ ‫علَى َم ْن ِعهَا ‪ ,‬قَالَ ُ‬ ‫اللّهِ صلى ال عليه وسلم لَقَا َتلْتهمْ َ‬ ‫ي صلى ال‬ ‫غ ْيرِ وَجْهٍ أَنّ ال ّن ِب ّ‬ ‫صَ ْدرَ َأبِي َب ْكرٍ ِللْ ِقتَالِ َف َعِلمْت َأنّهُ الْحَقّ ‪ .‬وَقَدْ َث َبتَ فِي الصّحِيحِ مِنْ َ‬ ‫صيَا ِمهِمْ‬ ‫صيَامَهُ مَعَ ِ‬ ‫صلَا ِتهِمْ َو ِ‬ ‫صلَاتَهُ مَ َع َ‬ ‫خوَارِجَ وَقَالَ فِيهِمْ ‪ { " :‬يَحْ ِقرُ أَحَ ُدكُ ْم َ‬ ‫عليه وسلم َذ َكرَ الْ َ‬ ‫سهْمُ‬ ‫سلَامِ َكمَا َي ْمرُقُ ال ّ‬ ‫جرَهُمْ ‪َ ,‬ي ْمرُقُونَ مِنْ الْإِ ْ‬ ‫حنَا ِ‬ ‫وَ ِقرَا َءتَهُ مَعَ ِقرَا َء ِتهِمْ ‪ ,‬يَ ْقرَءُونَ الْ ُقرْآنَ لَا يُجَا ِوزُ َ‬ ‫عنْ َد اللّهِ ِلمَنْ َق َتَلهُمْ َيوْمَ الْ ِقيَامَةِ َلئِنْ‬ ‫جرًا ِ‬ ‫مِنْ ال ّر ِميّةِ َأ ْي َنمَا لَقِي ُتمُوهُمْ فَا ْق ُتلُوهُمْ ‪ ,‬فَإِنّ فِي َق ْتِلهِمْ أَ ْ‬ ‫علَى ِقتَالِ َه ُؤلَاءِ ‪َ ,‬وَأوّلُ مَنْ قَا َتَلهُمْ َأمِيرُ‬ ‫سَلفُ وَالَْأ ِئمّةُ َ‬ ‫أَ ْد َر ْك ُتهُمْ لََأ ْق ُتَل ّنهُمْ َقتْلَ عَادٍ } ‪ .‬وَقَدْ اتّفَقَ ال ّ‬ ‫‪103‬‬ ‫خلَافَةِ َبنِي‬ ‫سِلمُونَ يُقَا ِتلُونَ فِي صَ ْدرِ ِ‬ ‫عِليّ بْنُ َأبِي طَاِلبٍ رضي ال عنه ‪َ ,‬ومَا زَالَ ا ْلمُ ْ‬ ‫ا ْل ُم ْؤمِنِينَ َ‬ ‫ظَلمَةً ‪َ ,‬وكَانَ الْحَجّاجُ َو ُنوّابُهُ ِممّنْ يُقَا ِتلُو َنهُمْ ‪َ ,‬فكُلّ َأ ِئمّةِ‬ ‫ُأ َميّةَ َو َبنِي ا ْل َعبّاسِ مَعَ الُْأ َمرَاءِ َوإِنْ كَانُوا َ‬ ‫سلَامِ مِنْ مَا ِنعِي ال ّزكَاةِ‬ ‫شرِيعَةِ الْإِ ْ‬ ‫خرُوجًا عَنْ َ‬ ‫شبَا ُههُمْ أَعْظَمُ ُ‬ ‫سِلمِينَ يَ ْأ ُمرُونَ بِ ِقتَاِلهِمْ وَال ّتتَارُ َوأَ ْ‬ ‫ا ْلمُ ْ‬ ‫جهَلُ النّاسِ‬ ‫شكّ فِي ِقتَاِلهِمْ َف ُهوَ أَ ْ‬ ‫ك ال ّربَا ‪َ ,‬فمَنْ َ‬ ‫خوَارِجِ مِنْ أَهْلِ الطّا ِئفِ الّذِينَ ا ْم َت َنعُوا عَنْ َت ْر ِ‬ ‫وَالْ َ‬ ‫سِلمِينَ ‪َ ,‬كمَا { قَالَ‬ ‫جبَ ِقتَاُلهُمْ قُو ِتلُوا َوإِنْ كَانَ فِيهِمْ ا ْل ُم ْك َرهُ بِاتّفَاقِ ا ْلمُ ْ‬ ‫ح ْيثُ وَ َ‬ ‫سلَامِ ‪ ,‬وَ َ‬ ‫بِدِينِ الْإِ ْ‬ ‫ي صلى ال عليه وسلم‬ ‫ل ال ّن ِب ّ‬ ‫خرَجْت ُم ْكرَهًا ‪ ,‬فَقَا َ‬ ‫ل اللّهِ ‪ ,‬إنّي َ‬ ‫سرَ َيوْمَ بَ ْدرٍ ‪ :‬يَا رَسُو َ‬ ‫ا ْل َعبّاسُ َلمّا أُ ِ‬ ‫ج ْيشَ ا ْلكُفّارِ إذَا‬ ‫علَى أَنّ َ‬ ‫سرِي َرتُك فَِإلَى اللّهِ } ‪ .‬وَقَدْ اتّفَقَ ا ْل ُعَلمَاءُ َ‬ ‫عَل ْينَا َوَأمّا َ‬ ‫‪َ :‬أمّا ظَا ِهرُك َفكَانَ َ‬ ‫ن الضّ َررُ إذَا لَمْ يُقَا َتلُوا ‪َ ,‬وإِنْ‬ ‫سِلمِي َ‬ ‫علَى ا ْلمُ ْ‬ ‫سِلمِينَ وَخِيفَ َ‬ ‫سرَى ا ْلمُ ْ‬ ‫عنْدَهُمْ مِنْ أَ ْ‬ ‫َت َترّسُوا ِبمَنْ ِ‬ ‫جوَازِ الْ ِقتَالِ‬ ‫سِلمِينَ فَفِي َ‬ ‫علَى ا ْلمُ ْ‬ ‫خفْ َ‬ ‫سِلمِينَ الّذِينَ َت َترّسُوا ِبهِمْ ‪َ ,‬وإِنْ لَمْ يُ َ‬ ‫أَ ْفضَى َذِلكَ إلَى َقتْلِ ا ْلمُ ْ‬ ‫سِلمُونَ إذَا ُق ِتلُوا كَانُوا‬ ‫شهُورَانِ ِل ْل ُعَلمَاءِ ‪ ,‬وَ َه ُؤلَاءِ ا ْلمُ ْ‬ ‫سِلمِينَ َق ْولَانِ مَ ْ‬ ‫ا ْلمُفْضِي إلَى َقتْلِ َه ُؤلَاءِ ا ْلمُ ْ‬ ‫سِلمِينَ إذَا قَا َتلُوا ا ْلكُفّارَ َفمَنْ ُقتِلَ‬ ‫شهِيدًا ‪ ,‬فَإِنّ ا ْلمُ ْ‬ ‫جبُ لِأَجْلِ مَنْ يُ ْقتَلُ َ‬ ‫جهَادُ ا ْلوَا ِ‬ ‫شهَدَاءَ َولَا ُي ْت َركُ الْ ِ‬ ‫ُ‬ ‫سلَامِ كَانَ‬ ‫صلَحَةِ الْإِ ْ‬ ‫ستَحِقّ الْ َقتْلَ لِأَجْلِ َم ْ‬ ‫شهِيدًا ‪َ ,‬ومَنْ ُقتِلَ وَ ُهوَ فِي ا ْلبَاطِنِ لَا يَ ْ‬ ‫سِلمِينَ َيكُونُ َ‬ ‫مِنْ ا ْلمُ ْ‬ ‫ي صلى ال عليه وسلم َأنّهُ قَالَ ‪َ { " :‬ي ْغزُو هَذَا ا ْل َب ْيتَ‬ ‫حيْنِ ‪ :‬عَنْ ال ّن ِب ّ‬ ‫شهِيدًا ‪ .‬وَقَدْ َث َبتَ فِي الصّحِي َ‬ ‫َ‬ ‫ل اللّهِ ‪ ,‬وَفِيهِمْ‬ ‫سفَ ِبهِمْ ‪ .‬فَقِيلَ ‪ :‬يَا رَسُو َ‬ ‫ج ْيشٌ مِنْ النّاسِ َف َب ْي َنمَا هُمْ ِب َبيْدَاءَ مِنْ الَْأرْضِ إذْ خُ ِ‬ ‫َ‬ ‫ج ْيشِ الّذِي َي ْغزُو‬ ‫علَى ِنيّا ِتهِمْ } ‪ .‬فَإِذَا كَانَ ا ْلعَذَابُ الّذِي ُي ْن ِزلُهُ اللّهُ بِالْ َ‬ ‫ا ْل ُم ْكرَهُ فَقَالَ ‪ُ :‬ي ْب َعثُونَ َ‬ ‫سِلمِينَ ُي ْن ِزلُهُ بِا ْل ُم ْك َرهِ ‪َ ,‬ف َك ْيفَ بِا ْلعَذَابِ الّذِي ُيعَ ّذ ُبهُمْ اللّهُ بِهِ َأوْ بَِأيْدِي ا ْلمُ ْؤ ِمنِينَ َكمَا قَالَ َتعَالَى‬ ‫ا ْلمُ ْ‬ ‫عنْ ِدهِ َأوْ‬ ‫س َن َييْنِ َونَحْنُ َن َت َربّصُ ِبكُمْ أَنْ ُيصِي َبكُ ْم اللّهُ ِبعَذَابٍ مِنْ ِ‬ ‫{ قُلْ هَلْ َت َر ّبصُونَ ِبنَا إلّا إحْدَى الْحُ ْ‬ ‫علَى ال ّت ْميِيزِ فَإِذَا َق َت ْلنَاهُمْ بَِأ ْم ِر اللّهِ ُكنّا فِي َذِلكَ مَأْجُورِينَ‬ ‫بَِأيْدِينَا } ‪َ .‬ونَحْنُ لَا َن ْعلَمُ ا ْل ُم ْكرَهَ َولَا نَقْ ِدرُ َ‬ ‫علَى ِن ّيتِهِ َيوْمَ‬ ‫شرُ َ‬ ‫ستَطِيعُ الِا ْم ِتنَاعَ َفِإنّهُ يُحْ َ‬ ‫علَى ِنيّا ِتهِمْ ‪َ ,‬فمَنْ كَانَ ُم ْكرَهًا لَا يَ ْ‬ ‫َو َمعْذُورِينَ َوكَانُوا هُمْ َ‬ ‫سِلمِينَ ‪.‬‬ ‫س َكرِ ا ْلمُ ْ‬ ‫الْ ِقيَامَةِ ‪ ,‬فَإِذَا ُقتِلَ لِأَجْلِ ِقيَامِ الدّينِ لَمْ َيكُنْ َذِلكَ ِبأَعْظَمَ مِنْ َقتْلِ مَنْ يُ ْقتَلُ مِنْ عَ ْ‬ ‫جعَلُ ِقتَاَلهُمْ ِب َم ْن ِزلَةِ ِقتَالِ ا ْل ُبغَاةِ ا ْل ُمتََأ ّولِينَ ‪ ,‬وَ َه ُؤلَاءِ إذَا‬ ‫َوَأمّا إذَا َه َربَ أَحَدُهُمْ فَإِنّ مِنْ النّاسِ مَنْ يَ ْ‬ ‫علَى‬ ‫حهِمْ ‪َ ,‬‬ ‫جرِي ِ‬ ‫علَى َ‬ ‫جهَازُ َ‬ ‫كَانَ َلهُمْ طَائِفَةٌ ُم ْم َت ِنعَةٌ َفهَلْ َيجُوزُ ا ّتبَاعُ مُ ْد ِبرِهِمْ وَ َقتْلُ أَسِيرِهِمْ وَالْإِ ْ‬ ‫جمَلِ‬ ‫عِليّ بْنِ َأبِي طَاِلبٍ نَادَى َيوْمَ الْ َ‬ ‫شهُو َريْنِ ‪ ,‬فَقِيلَ ‪ :‬لَا يُ ْفعَلُ َذِلكَ ; لِأَنّ ُمنَا ِديَ َ‬ ‫َق ْوَليْنِ ِل ْلعَُلمَاءِ مَ ْ‬ ‫جمَلِ لَمْ‬ ‫جرِيحٍ ‪َ ,‬ولَا يُ ْقتَلُ أَسِيرٌ ‪ ,‬وَقِيلَ ‪ :‬بَلْ يُ ْفعَلُ َذِلكَ لَِأنّهُ َيوْمَ الْ َ‬ ‫علَى َ‬ ‫ج َهزُ َ‬ ‫‪ :‬لَا ُي ْتبَعُ مُ ْد ِبرٌ ‪َ ,‬ولَا يُ ْ‬ ‫َيكُنْ َلهُمْ طَائِفَةٌ ُم ْم َت ِنعَةٌ َوكَانَ ا ْلمَقْصُودُ مِنْ الْ ِقتَالِ دَ ْف َعهُمْ ‪َ ,‬فَلمّا انْدَ َفعُوا لَمْ َيكُنْ إلَى َذِلكَ حَاجَةٌ‬ ‫ج َعَلهُمْ‬ ‫خلَافِ َذِلكَ ‪َ ,‬فمَنْ َ‬ ‫جمَلِ َوصِفّينَ كَانَ َأ ْمرُهُمْ بِ ِ‬ ‫ِب َم ْن ِزلَةِ َدفْ ِع الصّائِلِ ‪ .‬وَقَدْ ُر ِويَ َأنّهُ َيوْمَ الْ َ‬ ‫‪104‬‬ ‫صوَابُ أَنّ َه ُؤلَاءِ َليْسُوا مِنْ ا ْل ُبغَاةِ ا ْل ُمتََأ ّولِينَ‬ ‫جعَلَ فِيهِمْ هَ َذيْنِ الْ َق ْوَليْنِ ‪ .‬وَال ّ‬ ‫ِب َم ْن ِزلَةِ ا ْل ُبغَاةِ ا ْل ُمتََأ ّولِينَ َ‬ ‫خوَارِجِ ا ْلمَارِقِينَ ‪َ ,‬ومَا ِنعِي الزّكَاةِ‬ ‫ج ْنسِ الْ َ‬ ‫صلًا ‪َ ,‬وِإ ّنمَا هُمْ مِنْ ِ‬ ‫‪ ,‬فَإِنّ َه ُؤلَاءِ َليْسَ َلهُمْ تَ ْأوِيلٌ سَائِغٌ َأ ْ‬ ‫سلَامِ ‪,‬‬ ‫شرَائِعِ الْإِ ْ‬ ‫عنْهُ مِنْ َ‬ ‫خرَجُوا َ‬ ‫علَى مَا َ‬ ‫حوِهِمْ ِممّنْ قُو ِتلُوا َ‬ ‫ح َر ِميّةِ ‪َ ,‬ونَ ْ‬ ‫‪َ ,‬وأَهْلِ الطّا ِئفِ ‪ ,‬وَالْ َ‬ ‫ج َعلُوا ِقتَالَ‬ ‫صنّفِينَ فِي ِقتَالِ أَهْلِ ا ْل َبغْيِ َ‬ ‫علَى َكثِيرٍ مِنْ النّاسِ مِنْ الْفُ َقهَاءِ ا ْلمُ َ‬ ‫ش َتبَهَ َ‬ ‫وَهَذَا َموْضِعٌ ا ْ‬ ‫ص َرةِ ‪ ,‬وَ ِقتَالَهُ ِل ُمعَا ِويَةَ َوَأ ْتبَاعِهِ مِنْ ِقتَالِ أَهْلِ‬ ‫عِليّ لِأَهْلِ ا ْلبَ ْ‬ ‫خوَارِجِ ‪ ,‬وَ ِقتَالَ َ‬ ‫مَا ِنعِي ال ّزكَاةِ ‪ ,‬وَ ِقتَالَ الْ َ‬ ‫غلِطُوا‬ ‫ن النّاسِ ‪ ,‬وَقَدْ َ‬ ‫ا ْل َب ْغيِ وَ َذِلكَ ُكلّهُ مَ ْأمُورٌ بِهِ ‪ ,‬وَ َفرّعُوا مَسَائِلَ َذِلكَ تَ ْفرِيعَ مَنْ َيرَى َذِلكَ َبيْ َ‬ ‫سنّةِ ‪َ ,‬وأَهْلِ ا ْلمَدِينَ ِة ال ّن َب ِويّةِ ‪ ,‬كَالَْأ ْوزَاعِيّ ‪ ,‬وَال ّث ْو ِريّ ‪,‬‬ ‫عَليْهِ َأ ِئمّةُ الْحَدِيثِ ‪ ,‬وَال ّ‬ ‫ل الصّوَابُ مَا َ‬ ‫بَ ْ‬ ‫خ َواِرجِ ثَا ِبتٌ‬ ‫عِليّ ِللْ َ‬ ‫غيْرِهِمْ ‪َ ,‬أنّهُ يُ َفرّقُ َبيْنَ هَذَا وَهَذَا ‪ ,‬فَ ِقتَالُ َ‬ ‫ح ْنبَلٍ ‪ ,‬وَ َ‬ ‫حمَدَ بْنِ َ‬ ‫َومَاِلكٍ ‪َ ,‬وأَ ْ‬ ‫سِلمِينَ ‪َ .‬وَأمّا الْ ِقتَالُ َيوْمَ صِفّينَ‬ ‫ي صلى ال عليه وسلم بِاتّفَاقِ ا ْلمُ ْ‬ ‫صرِيحَةِ عَنْ ال ّن ِب ّ‬ ‫بِالّنصُوصِ ال ّ‬ ‫حمّدِ‬ ‫سعْدِ بْنِ َأبِي وَقّاصٍ ‪َ ,‬ومُ َ‬ ‫عنْهُ َأكَا ِب ُر الصّحَابَةِ ِمثْلُ َ‬ ‫ل صَدّ َ‬ ‫عَليْهِ الصّحَابَةُ ‪ ,‬بَ ْ‬ ‫ح ِوهِ َفلَمْ َيتّفِقْ َ‬ ‫َونَ ْ‬ ‫عِليّ بْنِ َأبِي طَاِلبٍ‬ ‫غ ْيرِهِمْ ‪َ .‬ولَمْ َيكُنْ َبعْدَ َ‬ ‫ع َمرَ ‪ ,‬وَ َ‬ ‫عبْ ِد اللّهِ بْنِ ُ‬ ‫سَلمَة ‪َ ,‬وأُسَامَةَ بْنِ َزيْدٍ ‪ ,‬وَ َ‬ ‫بْنِ مَ ْ‬ ‫ث الصّحِيحَةُ عَنْ ال ّن ِبيّ صلى ال عليه وسلم‬ ‫سعْدِ بْنِ َأبِي وَقّاصٍ ‪ ,‬وَالْأَحَادِي ُ‬ ‫س َك َريْنِ ِمثْلُ َ‬ ‫فِي ا ْلعَ ْ‬ ‫عنْهُ فِي صَحِيحِ‬ ‫صلَاحُ َبيْنَ َت ْي ِنكَ الطّائِ َف َتيْنِ ‪ ,‬لَا الِا ْق ِتتَالُ َب ْي َن ُهمَا ‪َ .‬كمَا َث َبتَ َ‬ ‫جبُ الِْإ ْ‬ ‫تَ ْق َتضِي َأنّهُ كَانَ َي ِ‬ ‫ح اللّهُ بِهِ َبيْنَ‬ ‫صلِ ُ‬ ‫سيُ ْ‬ ‫سيّدٌ وَ َ‬ ‫ج ْيشُ َمعَهُ فَقَالَ ‪ { :‬إنّ ا ْبنِي هَذَا َ‬ ‫طبَ النّاسَ وَالْ َ‬ ‫ا ْلبُخَا ِريّ ‪َ :‬أنّهُ خَ َ‬ ‫جعَلَ ال ّن ِبيّ‬ ‫صلَحَ اللّهُ بِالْحَسَنِ َبيْنَ أَهْلِ ا ْلعِرَاقِ َوأَهْلِ الشّامِ } َف َ‬ ‫طَائِ َف َتيْنِ عَظِي َم َتيْنِ مِنْ ا ْل ُم ْؤ ِمنِينَ فََأ ْ‬ ‫سلّمَ الَْأ ْمرَ‬ ‫صلَاحَ بِهِ مِنْ َفضَائِلِ الْحَسَنِ ‪ ,‬مَعَ أَنّ الْحَسَنَ َنزَلَ عَنْ الَْأ ْمرِ وَ َ‬ ‫صلى ال عليه وسلم الِْإ ْ‬ ‫خلَافَةِ َو ُمصَالَحَةِ ُمعَا ِويَةَ لَمْ َيمْدَحْهُ ال ّنبِيّ‬ ‫إلَى ُمعَا ِويَةَ ‪َ ,‬فَلوْ كَانَ الْ ِقتَالُ ُهوَ ا ْلمَ ْأمُورُ بِهِ دُونَ َت ْركِ الْ ِ‬ ‫علَى َت ْركِ الَْأ ْولَى‬ ‫علَى َت ْركِ مَا ُأ ِمرَ بِهِ ‪ ,‬وَ ِفعْلِ مَا لَمْ ُي ْؤ َمرْ بِهِ َولَا مَ َدحَهُ َ‬ ‫صلى ال عليه وسلم َ‬ ‫حبّهُ اللّهُ َورَسُولُهُ لَا الْ ِقتَالُ ‪ .‬وَقَدْ َث َبتَ فِي‬ ‫وَ ِفعْلِ الْأَ ْدنَى ‪َ ,‬ف ُعلِمَ أَنّ الّذِي َف َعلَهُ الْحَسَنُ ُهوَ الّذِي كَانَ يُ ِ‬ ‫علَى فَخِ َذيْهِ َويَقُولُ ‪ { :‬الّلهُمّ إنّي‬ ‫ضعُهُ َوأُسَامَةَ َ‬ ‫ي صلى ال عليه وسلم كَانَ َي َ‬ ‫الصّحِيحِ ‪ :‬أَنّ ال ّن ِب ّ‬ ‫ل اللّهِ صلى ال عليه وسلم َل ُهمَا‬ ‫حبّةِ رَسُو ِ‬ ‫ظ َهرَ َأ َثرُ َم َ‬ ‫ح ّب ُهمَا } ‪ .‬وَقَدْ َ‬ ‫حبّ مَنْ يُ ِ‬ ‫ح ّب ُهمَا َوأَ ِ‬ ‫ح ّبهُمْ فَأَ ِ‬ ‫أُ ِ‬ ‫ِب َكرَا َه ِتهِمَا الْ ِقتَالَ فِي الْ ِف ْتنَةِ ‪ ,‬فَإِنّ أُسَامَةَ ا ْم َتنَعَ عَنْ الْ ِقتَالِ مَعَ وَاحِ َدةٍ مِنْ الطّائِ َف َتيْنِ ‪َ ,‬وكَ َذلِكَ الْحَسَنُ‬ ‫علَى َأبِيهِ‬ ‫عِليّ بَِأنّهُ لَا يُقَاتِلُ َوَلمّا صَارَ الَْأ ْمرُ إَليْهِ َفعَلَ مَا كَانَ يُشِيرُ بِهِ َ‬ ‫علَى َ‬ ‫كَانَ دَا ِئمًا يُشِيرُ َ‬ ‫عنْ ُه صلى ال عليه وسلم فِي الصّحِيحِ َأنّهُ قَالَ ‪َ { " :‬ت ْمرُقُ‬ ‫رضي ال عنهم أجمعين ‪ .‬وَقَدْ َث َبتَ َ‬ ‫خوَارِجُ‬ ‫سِلمِينَ تَ ْق ُتُلهُمْ َأ ْولَى الطّائِ َف َتيْنِ بِالْحَقّ } ‪َ .‬فهَ ِذهِ ا ْلمَارِقَةُ هُمْ الْ َ‬ ‫علَى حِينِ ُفرْقَةٍ مِنْ ا ْلمُ ْ‬ ‫مَارِقَةٌ َ‬ ‫خوَارِجِ ‪,‬‬ ‫عِليّ بْنُ َأبِي طَاِلبٍ ‪ ,‬وَهَذَا ُيصَدّقُهُ بَ ِقيّةُ الْأَحَادِيثِ اّلتِي فِيهَا الَْأ ْمرُ بِ ِقتَالِ الْ َ‬ ‫‪ ,‬وَقَا َتَلهُمْ َ‬ ‫‪105‬‬ ‫عِليّ َأ ْولَى بِالْحَقّ مِنْ ُمعَا ِويَةَ‬ ‫حبّ ُه اللّهُ َورَسُولُهُ ‪َ .‬وأَنّ الّذِينَ قَا َتلُوهُمْ مَعَ َ‬ ‫َو ُت َبيّنُ أَنّ َق ْتَلهُمْ ِممّا يُ ِ‬ ‫ي صلى ال عليه وسلم بِالْ ِقتَالِ ِلوَاحِ َدةٍ مِنْ‬ ‫َوأَصْحَابِهِ ‪ ,‬مَعَ َك ْو ِنهِمْ َأ ْولَى بِالْحَقّ ‪َ ,‬فلَمْ يَ ْأ ُمرْ ال ّن ِب ّ‬ ‫ي صلى ال عليه‬ ‫ن ال ّن ِب ّ‬ ‫صلَاحَ َب ْي َن ُهمَا ‪ .‬وَقَدْ َث َبتَ عَ ْ‬ ‫خوَارِجِ ‪ ,‬بَلْ مَدَحَ الِْإ ْ‬ ‫الطّائِ َف َتيْنِ َكمَا َأ َمرَ بِ ِقتَالِ الْ َ‬ ‫ضعُهُ‬ ‫ث الصّحِيحَةِ مَا َل ْيسَ هَذَا َم ْو ِ‬ ‫وسلم مِنْ َكرَاهَةِ الْ ِقتَالِ فِي الْ ِفتَنِ وَالتّحْذِيرِ ِم ْنهَا مِنْ الَْأحَادِي ِ‬ ‫خ ْيرٌ‬ ‫خ ْيرٌ مِنْ ا ْلمَاشِي ‪ ,‬وَا ْلمَاشِي َ‬ ‫خ ْيرٌ مِنْ الْقَائِمِ ‪ ,‬وَالْقَائِمُ فِيهَا َ‬ ‫س َتكُونُ ِف ْتنَةٌ الْقَاعِدُ فِيهَا َ‬ ‫كَ َق ْولِهِ ‪َ { :‬‬ ‫طرِ‬ ‫جبَالِ َو َموَاقِعَ الْقَ ْ‬ ‫ش َعفَ الْ ِ‬ ‫غنَمٌ َي ّتبِعُ ِبهَا َ‬ ‫سلِمِ َ‬ ‫خ ْيرُ مَالِ ا ْلمُ ْ‬ ‫شكُ أَنْ َيكُونَ َ‬ ‫مِنْ السّاعِي } وَقَالَ { يُو ِ‬ ‫سِلمِينَ‬ ‫طوَا ِئفِ ا ْلمُ ْ‬ ‫سِلمِينَ وَ َ‬ ‫حرُوبِ اّلتِي َتكُونُ َبيْنَ ُملُوكِ ا ْلمُ ْ‬ ‫‪ ,‬يَ ِفرّ بِدِينِهِ مِنْ الْ ِفتَنِ } ‪ .‬فَالْ ِفتَنُ ِمثْلُ الْ ُ‬ ‫جمَلِ َوصِفّينَ َوِإ ّنمَا‬ ‫سلَامِ ِمثْلُ مَا كَانَ أَهْلُ الْ َ‬ ‫شرَائِعِ الْإِ ْ‬ ‫‪ ,‬مَعَ أَنّ كُلّ وَاحِ َدةٍ مِنْ الطّائِ َف َتيْنِ ُم ْل َت ِزمَةٌ لِ َ‬ ‫خوَارِجِ َومَا ِنعِي ال ّزكَاةِ َوأَهْلِ الطّا ِئفِ الّذِينَ لَمْ َيكُونُوا‬ ‫ع َرضَتْ ‪َ .‬وَأمّا ِقتَالُ الْ َ‬ ‫شبَهٍ َوُأمُورٍ َ‬ ‫ا ْق َت َتلُوا لِ ُ‬ ‫ي صلى ال عليه وسلم‬ ‫ن ال ّن ِب ّ‬ ‫شرَائِعِ الثّا ِبتَةِ عَ ْ‬ ‫خلُوا فِي ال ّ‬ ‫حتّى يَدْ ُ‬ ‫ح ّرمُونَ الرّبَا َف َه ُؤلَاءِ يُقَا َتلُونَ َ‬ ‫يُ َ‬ ‫علَى‬ ‫جهَازُ َ‬ ‫وَ َه ُؤلَاءِ إذَا كَانَ َلهُمْ طَائِفَةٌ ُم ْم َت ِنعَةٌ َفلَا َر ْيبَ َأنّهُ يَجُوزُ َقتْلُ أَسِيرِهِمْ وَا ّتبَاعُ مُ ْد ِبرِهِمْ وَالْإِ ْ‬ ‫سِلمِينَ أَنْ‬ ‫علَى ا ْلمُ ْ‬ ‫جبُ َ‬ ‫عَليْهِ فَِإنّهُ َي ِ‬ ‫علَى مَا هُمْ َ‬ ‫حهِمْ ‪َ ,‬فإِنّ َه ُؤلَاءِ إذَا كَانُوا مُقِيمِينَ ِب ِبلَادِهِمْ َ‬ ‫جرِي ِ‬ ‫َ‬ ‫علَى دِينِ‬ ‫حتّى َيكُونَ الدّينُ ُكلّهُ ِللّهِ ‪ ,‬فَإِنّ َه ُؤلَا ِء ال ّتتَارَ لَا يُقَا ِتلُونَ َ‬ ‫يَ ْقصِدُوهُمْ فِي ِبلَادِهِمْ لِ ِقتَاِلهِمْ َ‬ ‫عنْهُ ‪َ .‬وإِنْ كَانَ‬ ‫ع ِتهِمْ كَفّوا َ‬ ‫ع ِتهِمْ ‪َ ,‬فمَنْ َدخَلَ فِي طَا َ‬ ‫خلُوا فِي طَا َ‬ ‫حتّى يَدْ ُ‬ ‫سلَامِ بَلْ يُقَا ِتلُونَ النّاسَ َ‬ ‫الْإِ ْ‬ ‫صرَا ِنيّا َأوْ َيهُو ِديّا َومَنْ لَمْ يَدْخُلْ كَانَ عَ ُدوّا َلهُمْ َوإِنْ كَانَ مِنْ الَْأ ْن ِبيَاءِ وَالصّالِحِينَ وَقَدْ‬ ‫ش ِركًا َأوْ َن ْ‬ ‫مُ ْ‬ ‫سِلمِينَ مِنْ‬ ‫علَى ا ْلمُ ْ‬ ‫جبُ َ‬ ‫عبَا َدهُ ا ْل ُم ْؤ ِمنِينَ ‪َ ,‬فيَ ِ‬ ‫سِلمِينَ أَنْ يُقَا ِتلُوا أَعْدَا َءهُ ا ْلكُفّارَ َو ُيوَالُوا ِ‬ ‫َأ َمرَ اللّهُ ا ْلمُ ْ‬ ‫علَى ِقتَالِ ا ْلكُفّارِ ‪َ ,‬وَل ْيسَ‬ ‫جمِي ِعهِمْ أَنْ َيكُونُوا ُم َتعَا ِونِينَ َ‬ ‫صرَ وَا ْل َيمَنِ وَا ْل َم ْغ ِربِ َ‬ ‫جنْدِ الشّامِ َو ِم ْ‬ ‫ُ‬ ‫عَل ْيهِمْ أَنْ يُقَا ِتلُوا مَنْ‬ ‫جبُ َ‬ ‫جرّ ِد ال ّريَاسَةِ وَالْأَ ْهوَاءِ َف َه ُؤلَاءِ ال ّتتَارُ أَقَلّ مَا يَ ِ‬ ‫ضهِمْ أَنْ يُقَاتِلَ َب ْعضًا ِبمُ َ‬ ‫ِل َبعْ ِ‬ ‫علَى ِقتَالِ‬ ‫سِلمِينَ ‪َ ,‬و َي َتعَا َونُونَ هُمْ وَهُمْ َ‬ ‫َيلِيهِمْ مِنْ ا ْلكَا ِفرِينَ ‪َ ,‬وأَنْ َيكُفّوا عَنْ ِقتَالِ مَنْ َيلِيهِمْ مِنْ ا ْلمُ ْ‬ ‫غ ْيرُ ُم ْك َرهٍ إلّا فَاسِقٌ ‪َ ,‬أوْ ُم ْبتَدِعٌ ‪َ ,‬أوْ ِزنْدِيقٌ ‪ ,‬كَا ْل َملَاحِ َدةِ الْ َقرَامِطَةِ‬ ‫ا ْلكُفّارِ ‪َ .‬وَأ ْيضًا لَا يُقَاتِلُ َم َعهُمْ َ‬ ‫حلُوِليّةِ ‪َ ,‬و َم َعهُمْ ِممّنْ يُ َقلّدُونَهُ مِنْ‬ ‫طلَةِ مِنْ النّفَاةِ الْ ُ‬ ‫ج ْه ِميّةِ ا ْل ُمعَ ّ‬ ‫سبّابَةِ ‪َ ,‬وكَا ْل َ‬ ‫ط ِنيّةِ ‪َ ,‬وكَالرّافِضَةِ ال ّ‬ ‫وَا ْلبَا ِ‬ ‫سنُونَ بِهِ الظّنّ ‪,‬‬ ‫جهّالٌ يُ َقلّدُونَ الّذِينَ يُحْ ِ‬ ‫شرّ ِم ْنهُمْ ‪ ,‬فَإِنّ ال ّتتَارَ ُ‬ ‫سبِينَ إلَى ا ْل ِعلْمِ وَالدّينِ مَنْ ُهوَ َ‬ ‫ا ْل ُم ْنتَ ِ‬ ‫ن اللّهِ‬ ‫علَى اللّهِ َورَسُولِهِ ‪َ ,‬و ُيبَ ّدلُونَ دِي َ‬ ‫ضلَالِ الّذِي َيكْ ِذبُونَ بِهِ َ‬ ‫غ ّيهِمْ َي ّت ِبعُونَهُ فِي ال ّ‬ ‫وَهُمْ ِلضَلَاِلهِمْ وَ َ‬ ‫عَلمُهُ مِنْ ُأمُورِهِمْ‬ ‫حرّ َم اللّهُ َورَسُولُهُ َولَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقّ ‪َ ,‬وَلوْ َوصَفْتُ مَا أَ ْ‬ ‫ح ّرمُونَ مَا َ‬ ‫َولَا يُ َ‬ ‫حنِي ِفيّ‬ ‫سلَامِ الْ َ‬ ‫ظ َهرُوا دِينَ الْإِ ْ‬ ‫ج َت ِمعَانِ ‪َ ,‬وَلوْ أَ ْ‬ ‫سلَامِ لَا يَ ْ‬ ‫ج ْملَةِ ‪َ :‬فمَذْ َه ُبهُمْ وَدِينُ الْإِ ْ‬ ‫لَطَالَ الْخِطَابُ ‪َ .‬وبِالْ ُ‬ ‫ي صلى ال عليه وسلم‬ ‫ن ال ّن ِب ّ‬ ‫الّذِي ُب ِعثَ الرّسُولُ بِهِ لَا ْهتَ َدوْا َوأَطَاعُوا ِمثْلُ الطّائِفَةِ ا ْل َمنْصُو َرةِ ‪ .‬فَإِ ّ‬ ‫‪106‬‬ ‫ضرّهُمْ مَنْ خَالَ َفهُمْ َولَا‬ ‫علَى الْحَقّ لَا َي ُ‬ ‫عنْهُ َأنّهُ قَالَ ‪ { :‬لَا َيزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ ُأ ّمتِي ظَا ِهرِينَ َ‬ ‫قَدْ َث َبتَ َ‬ ‫عنْهُ فِي الصّحِيحِ َأنّهُ قَالَ ‪ { :‬لَا َيزَالُ أَهْلُ ا ْل َغ ْربِ‬ ‫حتّى تَقُومَ السّاعَةُ } ‪َ .‬و َث َبتَ َ‬ ‫مَنْ خَ َذَلهُمْ َ‬ ‫ي صلى ال عليه وسلم َت َكلّمَ ِبهَذَا‬ ‫حوَهَا } ‪ .‬فَإِنّ ال ّن ِب ّ‬ ‫ظَا ِهرِينَ َوَأوّلُ ا ْل َغ ْربِ مَا يُسَا ِمتُ ال ّنثْ َرةَ َونَ ْ‬ ‫ع ْنهَا َف ُهوَ‬ ‫شرّقَ َ‬ ‫صرَ َومَا َ‬ ‫غ ْربٌ كَالشّامِ َو ِم ْ‬ ‫ع ْنهَا َف ُهوَ َ‬ ‫ا ْل َكلَامِ وَ ُهوَ بِا ْلمَدِينَةِ ال ّن َب ِويّةِ ‪َ ,‬فمَا َي ْغ ُربُ َ‬ ‫سمّونَ أَهْلَ ا ْل ِعرَاقِ‬ ‫سمّونَ أَهْلَ الشّامِ أَهْلَ ا ْل َم ْغ ِربِ ‪َ ,‬ويُ َ‬ ‫سَلفُ يُ َ‬ ‫جزِي َرةِ وَا ْلعِرَاقِ َوكَانَ ال ّ‬ ‫شرْقٌ كَالْ َ‬ ‫َ‬ ‫عيّةِ فِيهَا مَا ُهوَ مَ ْذكُورٌ فِي‬ ‫شرْ ِ‬ ‫ج ْملَةُ اّلتِي َذ َكرْتهَا فِيهَا مِنْ الْآثَارِ وَالْأَ ِدلّةِ ال ّ‬ ‫شرِقِ ‪ .‬وَهَ ِذهِ الْ ُ‬ ‫أَهْلَ ا ْلمَ ْ‬ ‫علَمُ ‪.‬‬ ‫غ ْيرِ هَذَا ا ْل َموْضِعِ ‪َ ,‬واَللّهُ أَ ْ‬ ‫َ‬ ‫****************‬ ‫ويقول العلمة أبو بصير ‪:‬‬ ‫لماذا الجهادُ في سبيلِ الِ ‪..‬؟‬ ‫إن الحمد ل نحمدُه ونستعينه ونستهديه ونستغفرُه‪ ،‬ونعوذ بال من شرور أنفسنا ومن‬ ‫سيئات أعمالنا‪ ،‬من يهده الُ فل مُضلّ له ومن يُضلل فل هادي له ‪.‬‬ ‫وأشهد أن ل إله إل ال وحده ل شريك له‪ ،‬وأشهد أن محمدا عبده ورسوله‪ ،‬وأنه قد‬ ‫جاهد في سبيل ال حق جهاده حتى أتاه اليقين ‪ ..‬صلى ال عليه وعلى آله وصحبه وسلّم ‪.‬‬ ‫وبعد‪ :‬فإن كثيرا من الناس ـ على اختلف مقاصدهم ونواياهم ـ يتساءلون‪ :‬لماذا خيار‬ ‫الجهاد في سبيل ال‪ ،‬وليس دونه ‪..‬؟!‬ ‫والذين يسألون هذا السؤال هم أصناف ثلثة‪:‬‬ ‫‪ -1‬فريق منهم يطرح هذا السؤال استرشادا وطلبا للحق ليلتزموه ‪ ..‬وهؤلء ل حرج‬ ‫عليهم إن شاء ال ‪.‬‬ ‫‪ -2‬وفريق آخر يطرح هذا السؤال مشككا في جدوى هذا الطريق ‪ ..‬مظهرا نوع شفقة‬ ‫على المسلمين وعلى حرماتهم‪ ،‬على اعتبار أن هذا الطريق من لوازمه الوقوع في الفتنة‪،‬‬ ‫وتعريض المسلمين لن تسفك دماؤهم وتُنتهك حرماتهم ‪ ..‬وكذلك تعريض الوطان للدمار‬ ‫والخراب ‪ ..‬لذلك فهم ل يتورعون في أن يطرحوا نظرياتهم وبدائلهم ـ التي هي من عند‬ ‫أهوائهم وأنفسهم ـ عن هذا الطريق ‪ ..‬كطرحهم لطريق النتخابات الديمقراطية وما يتفرع‬ ‫عنها من فروع وتبعات ‪ ..‬وكطريق القتصار على الدعوة باللسان على مبدأ كفوا أيديكم‬ ‫وأقيموا الصلة‪ ،‬إلى أن يبعث ال بالفرج أو يظهر المام ‪ ..‬أو طريق القتصار على عنصر‬ ‫‪107‬‬ ‫التربية ‪ ..‬وغير ذلك من الطرق والطروحات التي تتبناها وتدعو لها بعض الجماعات السلمية‬ ‫المعاصرة !‬ ‫‪ -3‬وفريق ثالث خبثت طويته‪ ،‬وساء مقصده ‪ ..‬يطرحون هذا السؤال من قبيل الطعن‬ ‫والستخفاف بمبدأ الجهاد ‪ ..‬وعلى أنه خيار غير متحضر ل يناسب زماننا المعاصر ‪ ..‬ويتمثل‬ ‫هذا الفريق في موقف العلمانيين على اختلف مدارسهم ومذاهبهم الباطلة ‪!!..‬‬ ‫وهذا الفريق العلماني الكافر ـ بحكم الوسائل المتاحة له ـ قد ترك أثره الكبير على‬ ‫تفكير ومعنويات كثير من المثقفين السلميين ‪ ..‬مما حدا بالخرين أن يقفوا موقف المدافع عن‬ ‫مبدأ الجهاد في سبيل ال وبطريقة مشوهة وغير لئقة؛ وكأن الجهاد تهمة مشينة تحتاج إلى من‬ ‫يدافع عنها ‪ ..‬أو يوجد لها المبررات والمسوغات !!‬ ‫فهم تارة يطرحون مبدأ الجهاد ويحصرونه في معنى الدفاع عن الوطان ‪ ..‬والوطان‬ ‫التي تُغزى تحديدا من عدو خارجي ‪ ..‬أما الوطان التي تُغزى من العداء الداخليين ـ الذين‬ ‫يكونون في الغالب هم أشد عداوة للمة والوطان من العداء الخارجيين‪ ،‬ومن مسيلمة الكذاب‬ ‫أيام الصدّيق‬ ‫ـ ل يجوز أن يُعمل بالجهاد مع هؤلء الصنف من العداء ‪ ..‬حيث توجد‬ ‫الطرق الديمقراطية المتحضرة المعروفة دوليا لفك مثل هذه النزاعات الداخلية ‪!!..‬‬ ‫وتارة يحصرونه في جهاد الكلمة أو النفس ‪ ..‬وتارة في التنقل بين المساجد والمبيت فيها‬ ‫على طريقة إخواننا التبليغيين ‪ ..‬وتارة ‪ ..‬وتارة ‪ ..‬فتوسعت الهوة بين معاني هذا الدين العظيم‬ ‫كما أوحاه ال تعالى على عبده ونبيه محمد‬ ‫‪ ..‬وبين مستوى التزام كثير من الناس في زماننا‬ ‫المعاصر ‪ ..‬فانعكس ذلك على المة سلبا وذلً وهوانا‪ ،‬وضياعا ‪!!..‬‬ ‫لجل ذلك كله نجد لزاما في أن نجيب على هذا السؤال بشيء من التفصيل والبيان‪ :‬لماذا‬ ‫الجهاد في سبيل ال ‪..‬؟؟‬ ‫ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيّ عن بينة ‪ ..‬مستلهما من ال تعالى وحده السداد‬ ‫والعون والتوفيق ‪.‬‬ ‫فأقول‪ :‬ل خيار للمة ـ إن أرادت أن تحيى‪ ،‬وتسترد عافيتها‪ ،‬وتستأنف حياتها‬ ‫السلمية من جديد ـ إل خيار وطريق الجهاد في سبيل ال وفق ما أمر ال تعالى وشرع ‪..‬‬ ‫رضي من رضي وسخط من سخط؛ وذلك لسباب عدة نذكر أهمها في النقاط التالية‪:‬‬ ‫‪108‬‬ ‫أولً‪ :‬لن ال تعالى أمرنا بالجهاد ‪ ..‬فارتضاه لنا طريقا إلى العزة والنصر والتمكين ‪..‬‬ ‫فهو قدر هذه المة‪ ،‬ل فكاك لها منه‪ ،‬أو التنكب عنه ‪ ..‬فليس للمؤمن ـ وهو يُسمى مؤمنا ـ‬ ‫أن يرتضي لنفسه ولمته شيئا بخلف ما ارتضاه ال تعالى لعباده إل إذا آثر الكفر على‬ ‫اليمان‪ ،‬والخروج عن مسمى اليمان اسما وحكما ‪.‬‬ ‫والدلة على ذلك أكثر من أن تُحصر في هذا الموضع‪ ،‬نذكر منها قوله تعالى‪ :‬كتب‬ ‫عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر‬ ‫لكم وال يعلم وأنتم ل تعلمون‬ ‫الصيام‬ ‫البقرة‪.216:‬‬ ‫فقوله تعالى‪ :‬كتب عليكم القتال‬ ‫أي فُرض ‪ ..‬وهو كقوله تعالى‪ :‬كتب عليكم‬ ‫من حيث دللة الوجوب ‪ ..‬فكما أن الصيام فرض وكتب على المؤمنين كذلك القتال‬ ‫والجهاد في سبيل ال فهو فرض وكتب على المؤمنين ‪.‬‬ ‫والمة عندما تستقبل المر بالقتال والجهاد كما تستقبل المر بالصيام ‪ ..‬وتستعد وتفرح‬ ‫للول كما تستعد وتفرح للثاني ‪ ..‬فحينئذٍ استبشروا بالفتح وبنصر من ال قريب ‪.‬‬ ‫ومما يستغرب له‪ ،‬ويشتد له العجب ‪ ..‬أن المة ل تقبل من أحد ـ أيا كان وصفه أو‬ ‫كانت مكانته ـ أن يجادلها في شرعية ووجوب‬ ‫كتب عليكم الصيام‬ ‫بينما نراها ل تحرك‬ ‫ساكنا‪ ،‬ول تبدي اعتراضا عندما ينبري من ذوي النفوس المريضة المشبوهة من يشكك في‬ ‫شرعية ووجوب‬ ‫والوجوب ‪ ..‬؟!!‬ ‫كتب عليكم القتال‬ ‫علما أن كل اليتين لهما نفس الدللة من حيث المر‬ ‫وقال تعالى‪ :‬وقاتلوهم حتى ل تكون فتن ٌة ويكونَ الدينُ كله ل‬ ‫النفال‪.39:‬‬ ‫وقال تعالى‪ :‬إل تنفروا يُعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ول تضروه شيئا وال‬ ‫على كل شيء قدير‬ ‫التوبة‪.39:‬‬ ‫وقال تعالى‪ :‬انفروا خفافا وثِقالً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل ال ذلكم خير لكم‬ ‫إن كنتم تعلمون‬ ‫التوبة‪.41:‬‬ ‫وقال تعالى‪ :‬إن ال اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يُقاتلون في‬ ‫سبيل ال فيقتُلون ويُقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من ال‬ ‫فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم‬ ‫التوبة‪.111:‬‬ ‫‪109‬‬ ‫وهذا بيع قد تم ل يجوز لمؤمن ـ ما دام مؤمنا ـ أن يتخلف عنه وعن تبعاته ‪ ..‬وقوله‬ ‫تعالى‪ :‬اشترى من المؤمنين‬ ‫من صيغ العموم التي تفيد جميع المؤمنين من دون استثناء ‪..‬‬ ‫فمن أراد أن يخرج عن عقده وما تم بيعه فهو بذلك يخرج عن كونه من المؤمنين الذين اشترى‬ ‫ال منهم أنفسهم وأموالهم يَقتلون ويُقتَلون ‪ ..‬وهم رضوا بالبيع مقابل جنة عرضها السماوات‬ ‫والرض ‪.‬‬ ‫وقال تعالى‪ :‬قاتلوا الذين ل يؤمنون بال ول باليوم الخر ول يحرمون ما حرم الُ‬ ‫ورسوله ول يدينون دين الحق من الذين أُوتوا الكتاب حتى يُعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون‬ ‫التوبة‪.29:‬‬ ‫وقال تعالى‪ :‬وقاتلوا المشركين كافةً كما يُقاتلونكم كافة واعلموا أن ال مع المتقين‬ ‫التوبة‪.36:‬‬ ‫وغيرها كثير من اليات التي تفيد وجوب الجهاد ‪ ..‬وأنه المنهج الحق الذي ارتضاه ال‬ ‫تعالى لعباده ل مناص لهم من تنكبه أو التفلت منه ومن تبعاته إل وهم مرتكبون الوزر والثم‪،‬‬ ‫حاكمين على أنفسهم بالذل والهوان والضياع والعذاب ‪!..‬‬ ‫به‬ ‫وفي الحديث فقد صح عنه‬ ‫مئات الحاديث التي تحض على الجهاد‪ ،‬وتأمر به‪ ،‬وتلزم‬ ‫المة ‪ ..‬وتحذر من تركه أو الغفلة عنه إلى ما سواه من الطرق الخرى الملتوية‪ ،‬نذكر منها‬ ‫الطائفة التالية‪:‬‬ ‫قال رسول ال‬ ‫‪ ":‬أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن ل إله إل ال وأن محمدا‬ ‫رسول ال‪ ،‬ويقيموا الصلة‪ ،‬ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إل‬ ‫بحق السلم‪ ،‬وحسابهم على ال " البخاري ‪.‬‬ ‫وقال‬ ‫‪ ":‬بُعثت بين يدي الساعة بالسيف‪ ،‬حتى يُعبد ال تعالى وحده ل شريك له‪ ،‬وجعل‬ ‫رزقي تحت ظل رمحي‪ ،‬وجُعل الذل والصغار على من خالف أمري "(‪.)1‬‬ ‫وقال‬ ‫‪ ":‬واعلموا أن الجنة تحت ظلل السيوف " البخاري‪.‬‬ ‫وقال‬ ‫‪ ":‬من مات ولم يغزُ‪ ،‬ولم يحدث به نفسه مات على شعبة من نفاق " مسلم‪.‬‬ ‫وقال‬ ‫‪ ":‬من لم يغز‪ ،‬أو يجهز غازيا‪ ،‬أو يخلف غازيا في أهله بخير‪ ،‬أصابه ال‬ ‫بقارعة قبل يوم القيامة "(‪.)2‬‬ ‫‪110‬‬ ‫فالمؤمن ل يجوز له إل أن يكون واحدا من ثلث‪ :‬إما أن يكون غازيا في سبيل ال‪،‬‬ ‫وإما أن يخلف غازيا في أهله بالخير‪ ،‬وإما أن يجهز غازيا في سبيل ال ‪ ..‬فإن لم يكن واحدا‬ ‫من هؤلء فلينتظر قارعة تنزل بساحته ـ ل يعلم ماهيتها وحجمها إل ال ـ قبل يوم القيامة‬ ‫‪!..‬‬ ‫وقال‬ ‫‪ ":‬رباط يوم في سبيل ال خير من ألف يومٍ فيما سواه من المنازل "(‪.)3‬‬ ‫وقال‬ ‫‪ ":‬الغدوة والروحة في سبيل ال أفضل من الدنيا وما فيها " متفق عليه‪.‬‬ ‫وقال‬ ‫‪ ":‬من اغبرت قدماه في سبيل ال فهو حرام على النار "(‪.)4‬‬ ‫قلت‪ :‬كيف بمن يعلو الغبارُ وجهَه ‪ ..‬ويُلمس شغاف قلبه ‪ ..‬إنها الجنان والدرجات العل‬ ‫وربّ الكعبة ؟!‬ ‫وقال‬ ‫‪ ":‬عليكم بالجهاد في سبيل ال تبارك وتعالى؛ فإنه باب من أبواب الجنة يُذهب‬ ‫ال به اله ّم والغمّ "(‪.)5‬‬ ‫وعن سلمة بن نفيل الكندي‪ ،‬قال‪ :‬كنت جالسا عند رسول ال‬ ‫فقال رجل‪ :‬يا رسول‬ ‫ال‪ ،‬أذال الناس الخيل ـ أي استخفوا بها وتركوها ـ ووضعوا السلح‪ ،‬وقالوا‪ :‬ل جهاد‪ ،‬قد‬ ‫وضعت الحرب أوزارها ! فأقبل رسول ال‬ ‫ـــــــــــــــــ‬ ‫بوجهه وقال‪ ":‬كذبوا‪ ،‬الن جاء القتال‪ ،‬ول يزال‬ ‫(‪ )1‬أخرجه أحمد وغيره‪ ،‬صحيح الجامع‪.2831:‬‬ ‫(‪ )2‬صحيح سنن أبي داود‪ )3( .2185 :‬صحيح سنن النسائي‪.2971:‬‬ ‫(‪ )4‬صحيح سنن النسائي‪ )5( .2919 :‬أخرجه الحاكم وغيره‪ ،‬السلسلة الصحيحة‪.1941:‬‬ ‫من أمتي أمة يقاتلون على الحق ويُزيغ ال لهم قلوب أقوام ويرزقهم منهم حتى تقوم الساعة‪،‬‬ ‫وحتى يأتي وعد ال‪ ،‬والخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة "(‪.)1‬‬ ‫وقال رسول ال‬ ‫‪ ":‬والذي نفس محمد بيده لول أن يشق على المسلمين ما قعدت خلف‬ ‫سرية تغزو في سبيل ال أبدا‪ ،‬ولكن ل أجد سعة فأحملهم‪ ،‬ول يجدون سعة ويشق عليهم أن‬ ‫يتخلفوا عني‪ ،‬والذي نفس محمد بيده لوددت أني أغزو في سبيل ال فأُقتل‪ ،‬ثم أغزو فأُقتل‪ ،‬ثم‬ ‫أغزو فأقتل " مسلم‪.‬‬ ‫وقال‬ ‫‪ ":‬ولن أُقتلَ في سبيل ال أحبّ إلي من أن يكون لي أهل الو َبرِ والم َدرِ "(‪.)2‬‬ ‫‪111‬‬ ‫هذا قليل من كثير مما ثبت عن سيد الخلق وإمام المجاهدين‬ ‫في الحض على الجهاد‬ ‫في سبيل ال والترغيب به ‪ ..‬ولو طالَبنا المخالفون بأن نأتيهم بألف دليل ودليل من الكتاب‬ ‫والسنة على مشروعية هذا الطريق المبارك لسهل علينا ـ بإذن ال ـ أن نأتيهم بما طلبوا ‪..‬‬ ‫ولكن لو طالبناهم بدليل واحد ـ من الكتاب أو السنة ـ على مشروعية ما هم عليه من الطرق‬ ‫والمناهج المنحرفة لعجزوا أن يأتونا بذلك ‪ ..‬ولرأيتهم يلوون أعناقهم ويلتجئون إلى المتشابهات‬ ‫والعموميات وليس لهم فيها أدنى حجة أو دليل ‪!..‬‬ ‫ثم نقول لهؤلء المخالفين إن قدرتم على تحريف نص أو نصين عن ظاهرهما‬ ‫ودللتهما‪ ..‬فأنى لكم بتأويل وتحريف آلف النصوص الشرعية التي تحض وتأمر بالجهاد في‬ ‫سبيل ال ‪..‬؟!!‬ ‫كذلك كيف يليق بكم ـ وأنتم تُظهرون حرصكم على نصرة هذا الدين ـ أن تصرفوا‬ ‫نظركم عن هذه النصوص على كثرتها‪ ،‬وتجعلوها وراءكم ظهريا وكأنها لم تكن‪ ،‬وال تعالى ـ‬ ‫بكبريائه وعظمته وأسمائه الحسنى وصفاته العل ـ يخاطبكم بها وكل المؤمنين ‪..‬‬ ‫عليكم القتال ‪..‬‬ ‫كتب‬ ‫يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي ال بقوم يحبهم‬ ‫ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل ال ‪..‬‬ ‫آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا ‪..‬‬ ‫انفروا في سبيل ال اثاقلتم إلى الرض ‪..‬‬ ‫وليجدوا فيكم غِلظة ‪..‬‬ ‫يا أيها الذين‬ ‫يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم‬ ‫يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار‬ ‫‪ ..‬ألستم من الذين آمنوا الذين تعنيهم هذه اليات وغيرها ‪ ..‬ألستم من‬ ‫الذين آمنوا الذين يخاطبهم ال تعالى ‪..‬؟!!‬ ‫ثانيا‪ :‬لن في الجهاد حياة ‪ ..‬حياة حقيقية لمعاني العزة والكرامة ‪ ..‬حياة حقيقية لنسانية‬ ‫وآدمية النسان ‪ ..‬حياة حقيقية لحرمات النسان من النتهاك أو أن تكون عرضة لطماع‬ ‫ـــــــــــــــــــ‬ ‫(‪ )1‬صحيح سنن النسائي‪ )2( .3333 :‬صحيح سنن النسائي‪.2955:‬‬ ‫وأحقاد الوحوش الدمية الفاجرة ‪!..‬‬ ‫قال تعالى‪ :‬يا أيها الذين آمنوا استجيبوا ل وللرسول إذا دعاكم لما يُحييكم ‪..‬‬ ‫النفال‪ .24:‬أي لما فيه سبب حياتكم الحقيقية ‪ ..‬حياة القلوب والبدان معا ‪ ..‬ومما دعانا إليه‬ ‫النبي‬ ‫الجهاد في سبيل ال ‪.‬‬ ‫‪112‬‬ ‫وفي قوله تعالى‪ :‬إذا دعاكم لما يحييكم‬ ‫قال ابن الزبير‪ :‬أي للحرب التي أعزكم ال‬ ‫تعالى بها بعد الذل وقواكم بها بعد الضعف‪ ،‬ومنعكم من عدوكم بعد القهر منهم لكم ا‪ -‬هـ‪.‬‬ ‫وقال ابن إسحاق‪ ،‬وابن قتيبة‪ :‬هو الجهاد الذي يحيي دينَهم ويُعليهم ‪ ..‬ا‪ -‬هـ‪.‬‬ ‫وقال تعالى‪ :‬ولكم في القصاص حياة يا أُولي اللباب لعلكم تتقون‬ ‫البقرة‪ .179:‬أي‬ ‫حياة حقيقية آمنة وسالمة من الجرام والعتداءات على حرمات وحقوق النسان ‪ ..‬والقصاص‬ ‫جزئية تدخل في معنى الجهاد في سبيل ال ‪.‬‬ ‫وقال تعالى‪ :‬وقاتلوهم حتى ل تكون فتنة ‪..‬‬ ‫النفال‪ .39:‬والفتنة كل ما يُضاد الحياة‬ ‫الحقيقية السوية الخالية من الفتن والخراب والفساد ‪ ..‬فإذا استؤصلت الفتنة من المجتمعات ‪..‬‬ ‫تحققت الحياة الحقيقية التي ملؤها الخير والسلمة للجميع ‪ ..‬والفتنة ـ بخاصة إذا كانت ممتنعة‬ ‫بقوة السلح ـ ل يمكن استئصالها إل بالجهاد والقتال كما أمر ال تعالى‪.‬‬ ‫وقال تعالى لما أمر بالجهاد والقتال‪ :‬وهو خير لكم ‪..‬‬ ‫التوبة‪ :‬ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون‬ ‫البقرة‪ .216:‬وفي سورة‬ ‫التوبة‪ .41:‬والخيرية هنا تشمل خيري الدنيا والخرة‬ ‫‪ ..‬تشمل الحياة الحقيقية التي ينبغي أن يعيشها النسان ‪ ..‬وإن كانت هذه الحقيقة الساطعة ـ‬ ‫بسبب من عند أنفسنا ـ ل نعلمها بادئ ذي بدء‪ ،‬فإن ال تعالى يعلمها‪ ،‬كما قال تعالى‪ :‬وال‬ ‫يعلم وأنتم ل تعلمون‬ ‫‪.‬‬ ‫وفي الحديث الذي أخرجه البخاري وغيره‪ ،‬قال‬ ‫‪ ":‬مثل القائم على حدود ال والواقع‬ ‫فيها كمثل قومٍ استهموا ـ أي اقترعوا ـ على سفينة‪ ،‬فأصاب بعضهم أعلها وبعضهم أسفلها‪،‬‬ ‫فكان الذي في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا‪ :‬لو أنا خرقنا في نصيبنا‬ ‫خرقا ولم نؤذِ مَن فوقنا‪ ،‬فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا‪ ،‬وإن أخذوا على أيديهم نجوا‬ ‫ونجوا جميعا "‪ .‬أي إن أخذوا على أيدي أهل الباطل والفساد والشر بالجهاد والنكار ‪ ..‬نجوا‪،‬‬ ‫ونجوا جميعا‪ ،‬ونجت معهم البلد من الغرق والضياع ‪ ..‬من كل ما يدخل في معاني الهلك ‪..‬‬ ‫وكل من ينجو من مطلق الهلك تحققت له ول بد الحياة الحقيقية في الدنيا والخرة ‪.‬‬ ‫وإذا كان في الجهاد حياة حقيقية فإن من لوازم تركه العذاب والحياة الضنك وتحقيق‬ ‫الموت الحقيقي للبلد والعباد ‪ ..‬موت حقيقي لمعاني الحرية والعزة والكرامة ‪!..‬‬ ‫ما قيمة الجساد إذا كانت تدب على الرض ‪ ..‬وجميع الحرمات ومعاني إنسانية النسان‬ ‫تنتهك وتُقتل ‪..‬؟!‬ ‫‪113‬‬ ‫قال تعالى‪ :‬ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا‬ ‫الجهاد في سبيل ال ‪..‬‬ ‫وقال تعالى‪ :‬إل تنفروا يعذبكم عذابا أليما‬ ‫طه‪ .124:‬ومن الذكر‬ ‫التوبة‪ .39:‬والعذاب هنا يشمل عذابي‬ ‫الدنيا والخرة ‪ ..‬عذاب الدنيا لما يترتب على ترك الجهاد وتسليم العناق والحرمات لرحمة‬ ‫الطواغيت ‪ ..‬وعذاب الخرة بسبب عصيان أمر ال تعالى بجهاد الطواغيت الظالمين ‪.‬‬ ‫مصداق ذلك في السنة قوله‬ ‫وقال‬ ‫‪ ":‬ما ترك قوم الجهادَ إل عمهم ال بالعذاب "(‪.)1‬‬ ‫‪ ":‬إذا تبايعتم بالعينة‪ ،‬وأخذتم أذناب البقر‪ ،‬ورضيتم بالزرع‪ ،‬وتركتم الجهاد سلط‬ ‫ال عليكم ذلً ل ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم "(‪ .)2‬أي ترجعوا عما كان سببا في ِذلّكم ‪..‬‬ ‫وهو ترك النشغال بما تقدم ذكره في الحديث عن الجهاد في سبيل ال ‪ ..‬فسمى ال تعالى‬ ‫الجهاد بالدين ‪ ..‬فمن ترك الجهاد فقد ترك الدين ‪ ..‬ومن رجع إلى الجهاد رجع إلى الدين !‬ ‫وقد تقدم قوله‬ ‫‪ ":‬من لم يغز‪ ،‬أو يجهز غازيا‪ ،‬أو يخلف غازيا في أهله بخير أصابه‬ ‫ال بقارعة قبل يوم القيامة "‪ .‬قارعة ‪ ..‬ال أعلم بحجمها ونوعها ‪!..‬‬ ‫وقال‬ ‫‪ ":‬يوشك المم أن تداعى عليكم ـ أي تجتمع وتتكالب ـ كما تداعى الكلة إلى‬ ‫قصعتها‪ ،‬فقال قائل‪ :‬ومن قلة نحن يومئذٍ ؟ قال‪ :‬بل أنتم يومئذٍ كثير‪ ،‬ولكنكم غثاء كغثاء السيل‪،‬‬ ‫ولينزعن ال من صدور عدوكم المهابة منكم‪ ،‬وليقذفن في قلوبكم الوهن‪ ،‬فقال‪ :‬يا رسول ال وما‬ ‫الوهن ؟ قال‪ :‬حب الدنيا وكراهية الموت "(‪.)3‬‬ ‫صدق رسول ال‬ ‫‪ ..‬فأي هوان وأي ذلّ تعيشه أمة السلم في هذا الزمان بسبب‬ ‫تركها للجهاد(‪ .. )4‬تأمل مصابها في بلد الشام وبخاصة منها فلسطين ‪ ..‬ثم تأمل مصابها في‬ ‫البوسنة والهرسك‪ ،‬وفي كوسوفو وكيف أن الناس ضربوا في الوديان والغابات يؤاثرون وحشية‬ ‫ـــــــــــــــــــ‬ ‫(‪ )1‬أخرجه الطبراني‪ ،‬السلسلة الصحيحة‪.2663:‬‬ ‫(‪ )2‬أخرجه أبو داود وغيره‪ ،‬السلسلة الصحيحة‪.11:‬‬ ‫(‪ )3‬أخرجه أبو داود وغيره‪ ،‬السلسلة الصحيحة‪.958:‬‬ ‫(‪ )4‬مع ضرورة الشارة إلى وجود الطائفة المنصورة المجاهدة التي يُحيي ال تعالى بها‬ ‫فريضة الجهاد ‪ ..‬وهي طائفة موجودة على مدار الزمان‪ ،‬ل يمكن أن يخلو زمان من وجودها‬ ‫ومن أثر لها ‪ ..‬كما أفادت بذلك أحاديث نبوية عديدة ول الحمد ‪ ..‬وإني لرجو أن يكون‬ ‫‪114‬‬ ‫المجاهدون الموحدون في الشيشان وفي فلسطين من هذه الطائفة المنصورة إن شاء ال ‪ ..‬نسأل‬ ‫ال تعالى لهم الثبات والنصر على العداء ‪.‬‬ ‫الوحوش المفترسة على وحشية الوحوش الدمية الصربية الصليبية ‪ ..‬ثم تأمل مصابها مؤخرا‬ ‫في الشيشان ‪ ..‬انظر شرقا وغربا ‪ ..‬شمالً وجنوبا ‪..‬ما من قطر من أقطار الرض إل وتجد‬ ‫فيه الشعوب تدفع ضريبة باهظة في دينها وفي معاشها ‪ ..‬في كل ما تملك من مالٍ وأرض‬ ‫وعرض ‪ ..‬كل ذلك بسبب تخليها عن الجهاد في سبيل ال ‪ ..‬وإيثارها للدعة والراحة‪ ،‬وركونها‬ ‫لظاهر الحياة الدنيا ‪!..‬‬ ‫فإن قيل كيف يكون في الجهاد حياة ويترتب عليه ما يترتب من القتل والقتال وحصول‬ ‫الجراحات وغير ذلك ‪..‬؟!‬ ‫أقول‪ :‬نعم‪ ،‬رغم ما ذُكر فإن في الجهاد حياة وذلك من وجهين‪:‬‬ ‫ألهما‪ :‬من حيث تقليل نسبة الخسائر التي يمكن أن تصيب النفس والموال والحرمات ‪..‬‬ ‫فإذا كان في الجهاد تقتل بعض النفس‪ ،‬وتتحقق بعض الخسائر أو الجراحات ‪ ..‬فإن ضريبة‬ ‫ترك الجهاد في سبيل ال‪ ،‬والخلود إلى الرض ‪ ..‬هي أضعاف أضعاف ما يمكن أن يتحصل‬ ‫بسبب الجهاد ‪ ..‬فيكون في الجهاد حياة للفارق بين ما يُعد ضريبة للجهاد وبين ما هو ضريبة‬ ‫لترك الجهاد والركون إلى الرض وحب الدنيا ‪ ..‬وهو فارق ضخم جدا !‬ ‫ولتوضيح الصورة أكثر نضرب المثال التالي‪ :‬في حال آثرت الشعوب الجهاد يُقتل منها‬ ‫مثلً عشرة أنفس ‪ ..‬وفي حال آثرت ترك الجهاد ‪ ..‬يُقتل منها مائة نفس ‪ ..‬فيكون في اختيارها‬ ‫لطريق الجهاد حياة حقيقية لتسعين نفس ـ كان موتها محقق في حال ترك الجهاد ـ وهو‬ ‫الفارق بين ضريبة وتبعات الجهاد وبين ضريبة ترك الجهاد ‪ ..‬وهذا مثال ضربناه لتقريب‬ ‫الصورة إليك يمكنك القياس عليه عند الحديث عن الحرمات التي يمكن أن تنتهك في مواطن‬ ‫الجهاد ‪ ..‬والحرمات التي تنتهك في مواطن الستسلم والركون إلى الرض وترك الجهاد (‪!)1‬‬ ‫ــــــــــــــــــ‬ ‫(‪ )1‬لكي تعرف الفارق بين تكاليف الجهاد ‪ ..‬وتكاليف الركون إلى الدنيا وترك الجهاد تأمل ما‬ ‫حصل في كلّ من البوسنة والهرسك والشيشان ‪ ..‬حيث في البوسنة والهرسك ـ بسبب ترك‬ ‫الجهاد وانشغال الناس في البحث عن الثغور للفرار ـ قد انتهكت أعراض عشرات اللف من‬ ‫‪115‬‬ ‫النساء والفتيات المسلمات ‪ ..‬إضافة إلى مئات المقابر الجماعية للناس هناك حيث يُقبرون وهم‬ ‫أحياء ‪ ..‬وهذا مرده كله يعود إلى تركهم للجهاد في سبيل ال‪ ،‬وانشغالهم عنه بالدنيا ‪!..‬‬ ‫بينما ـ رغم وحشية الجيش الروسي وشدة فجوره وكفره وإجرامه ـ لم يحصل في‬ ‫الشيشان شيء مما ذكر في البوسنة والهرسك ‪ ..‬بسبب أن إخواننا هناك ـ حفظهم ال من كل‬ ‫سوء ـ قد آثروا طريق الجهاد في سبيل ال من أول الحداث وقبلها ‪ ..‬وقد بلغنا أن وحشا‬ ‫روسيا ـ من قادة الجيش الروسي! ـ قد تجاسرت نفسه على العتداء على شرف فتاة مسلمة‬ ‫شيشانية ثم قام بقتلها ‪ ..‬فكانت النتيجة أن اعتقل ⇦‬ ‫أما ثانيا‪ :‬ففي الجهاد حياة لمعانٍ ل تقل قيمة عن النفس والرواح ‪ ..‬حياة لمعاني‬ ‫الحرية‪ ،‬والعزة‪ ،‬والكرامة‪ ،‬والشرف ‪ ..‬ل طعم للحياة من دونها ‪ ..‬ول قيمة للجساد التي تدب‬ ‫على الرض من دونها ‪ ..‬وهذه معانٍ ل تُستجدى من الخرين ‪ ..‬ول يمكن أن تحي من دون‬ ‫الجهاد في سبيل ال !‬ ‫فالجهاد حياة حقيقية من هذا الوجه ‪ ..‬فتفطن لذلك !‬ ‫وهو ـ أي الجهاد ـ إضافة إلى جميع ما تقدم مؤداه إلى حياة الخلود والنعيم في الجنان‬ ‫قبل يوم القيامة‪ ،‬وبعد قيامها كما قال تعالى‪ :‬ول تحسبن الذين قُتلوا في سبيل ال أمواتا بل‬ ‫أحياءٌ عند ربهم يُرزقون ‪ .‬فرحين بما آتاهم ال من فضله‬ ‫آل عمران‪.169:‬‬ ‫وقال تعالى‪ :‬ول تقولوا لمن يُقتل في سبيل ال أموات بل أحياء ولكن ل تشعرون‬ ‫البقرة‪.154:‬‬ ‫ثالثا‪ :‬لن الجهاد في سبيل ال هو الدعوة الصادقة والوسيلة الحقيقية لتحقيق السلم في‬ ‫الرض ‪ ..‬وبيان ذلك أن ال تعالى فطر الخلق على سُنة ثابتة ماضية ـ ل يمكن لحدٍ مهما‬ ‫أوتي من قوة أو نفوذ أن يلغيها أو يغيرها ـ ل تتغير ول تتبدل إلى يوم القيامة؛ وهي سنة‬ ‫التدافع بين الحق وأهله من جهة وبين الباطل وأهله من جهة أخرى ‪ ..‬فالباطل ـ منذ أن وجد‬ ‫ـ بكل تجمعاته وتكتلته يعمل جاهدا على استئصال الحق من الوجود وبسط نفوذه عليه‪،‬‬ ‫وتحقيق السلم في الرض على طريقته الباطلة الظالمة ‪ ..‬وكذلك الحق بكل تجمعاته ل يألو‬ ‫جهدا في تحجيم الباطل وكسر شوكته ‪ ..‬وفرض السلم في الرض على طريقته العادلة ‪.‬‬ ‫فلو قُدر للباطل أن يبسط نفوذه على بقعة من بقاع الرض فهل تراه قادر على تحقيق‬ ‫السلم العادل فيها ‪ ..‬أو أن ينصف الحق وأهله من نفسه ‪..‬؟!‬ ‫‪116‬‬ ‫الجواب‪ :‬ل ‪ ..‬لماذا ؟!‬ ‫ذلك لسببين‪ ،‬أولهما‪ :‬ل يوجد للباطل قانون عادل ثابت يُلزم به أهله وأتباعه في السخط‬ ‫ـــــــــــــــــــ‬ ‫⇦ المجاهدون مقابل هذه المرأة ما يُقارب عشرة جنود ومقاتلين من الجيش الروسي ‪ ..‬ولما‬ ‫أبى قادة الروس بتسليم المجرم الذي قام بالجرم المذكور للمجاهدين مقابل تسليمهم ما لدى‬ ‫المجاهدين من أسرى ‪ ..‬قام المجاهدون ـ ثأرا لشرف وعرض تلك المرأة المسلمة ـ بقتل ما‬ ‫لديهم من أسرى جنود الروس ‪ ..‬ولهم ذلك ‪ ..‬مما جعل طواغيت الروس أن يفكروا ألف مرة‬ ‫قبل أن تتجاسر نفوسهم الخبيثة على العتداء على أعراض المسلمين ونسائهم ‪ ..‬ومرد ذلك كله‬ ‫ـ كما تقدم ـ إلى إحياء فريضة الجهاد في سبيل ال في تلك الديار ‪ ..‬فتأمل الفارق الضخم‬ ‫بين تكاليف الجهاد وبين تكاليف وتبعات ترك الجهاد ‪!..‬‬ ‫والرضى ‪ ..‬في القوة والضعف ‪ ..‬في السلم والحرب ‪ ..‬الذي يمنعهم من التمادي في ظلم العباد‬ ‫والمخالفين ‪ ..‬مما يحملهم على أن يشرعوا لنفسهم وللخرين القوانين التي تلبي نزواتهم‬ ‫وأهواءهم‪ ،‬وأحقادهم ‪ ..‬والتي مؤداها إلى ظلم الخرين وهضم حقوقهم ووجودهم ‪ ..‬فهم ـ أي‬ ‫أهل الباطل ـ ل يتورعون في أن يصدروا القوانين أو يغيروا بها ـ وقت يشاءون ـ لما يخدم‬ ‫مصالحهم ومآربهم الخاصة وإن أدى ذلك إلى هضم وسحق الشعوب الخرى ‪!..‬‬ ‫ولو وجدوا في مرحلة من المراحل أن قوانينهم ـ التي هي من عند أنفسهم وأهوائهم ـ‬ ‫ل تلبي رغباتهم‪ ،‬وأطماعهم‪ ،‬وأحقادهم ‪ ..‬فالحبار والرهبان من دهاقنة الساسة جاهزون لسن‬ ‫القوانين التي ترقى إلى درجة تلبية الرغبات والطماع ‪ ..‬والتي سرعان ما تتحول قوانينهم‬ ‫الجائرة إلى مستوى القانونية أو الشرعية الدولية التي يجب على الشعوب المقهورة المسلوبة‬ ‫الحقوق أن تحتكم إليها وترضى بها وبتبعاتها ‪ ..‬والويل كل الويل لمن يخالفها أو يعترض‬ ‫عليها(‪!!)1‬‬ ‫فالباطل الذي ل يملك الميزان الثابت العادل ‪ ..‬ل يمكن‪ ،‬بل ل يسمح للخرين أن‬ ‫يتعاملوا معه بسلم أو بغير صدام ‪ ..‬وبالتالي فهو غير مؤهل بأن يحقق السلم العادل في‬ ‫الوجود!‬ ‫السبب الثاني‪ :‬فقد تضافرت أدلة النصوص الشرعية وكذلك أدلة الواقع المعايش على أن‬ ‫الباطل بكل تجمعاته ومذاهبه ل يمكن أن يرضى عن الحق وأهله‪ ،‬أو أن تهدأ مطاردته‬ ‫‪117‬‬ ‫وملحقته لهم ‪ ..‬إل بأحد خيارين‪ :‬إما أن يرتد الحق عن حقه ليدخل في دين ومذاهب الباطل ‪..‬‬ ‫وإما خيار القتل والتشريد والستئصال من الوجود إن قدروا على ذلك ‪!!..‬‬ ‫قال تعالى‪ :‬ول يزالون يُقاتلوكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا‬ ‫البقرة‪.217:‬‬ ‫ـــــــــــــــــ‬ ‫(‪ )1‬لتعرف حقيقة ذلك تأمل القوانين الجائرة الصادرة عن المم المتحدة‪ ،‬التي وراءها قوى‬ ‫الستكبار العالمي أمريكا ومن دار في فلكها من دول الغرب الصليبي ‪ ..‬كيف تبيح للمغتصب‬ ‫الظالم بأن يغتصب حقوق الخرين كما هو حاصل في فلسطين ‪ ..‬وفي الشيشان ‪ ..‬وفي‬ ‫أفغانستان ‪ ..‬وفي العراق ‪ ..‬وفي كشمير وغيرها من البلدان والمصار ‪ ..‬كل ذلك يمرر بعد‬ ‫أن تصدر القوانين ـ وما أسهل إصدارها على مصاصي الدماء من الحبار والرهبان ـ التي‬ ‫تبيح هذا الغتصاب ‪ ..‬وهذه النتهاكات ‪ ..‬لتصبح فيما بعد هي الحق الذي ل يجوز التعقيب‬ ‫عليه ‪ ..‬وخلفها من الحق هو الباطل الذي يُعد الهمس به من الرهاب ‪!! ..‬‬ ‫وتأمل كذلك كيف تُطالب دول النفاق والشقاق ‪ ..‬العراق وشعب العراق باللتزام الحرفي‬ ‫بالقوانين الصادرة عن المم المتحدة ـ أو بالحرى أمريكا راعية الطغيان العالمي ـ التي أدت‬ ‫إلى قتل مئات اللف من أطفال العراق جوعا ومرضا ‪ ..‬وكأن هذه القوانين الكافرة آيات‬ ‫منزلة من السماء ل تجوز مخالفتها أو معارضتها ‪ ..‬بل اليات المنزلت في القرآن الكريم‬ ‫يجرؤون على مخالفتها وردها ول يجرؤون على مخالفة تلك القوانين التي مصدرها مصاصي‬ ‫الدماء من الطواغيت ‪!! ..‬‬ ‫وقوله تعال‪ :‬ول يزالون ‪..‬‬ ‫يفيد الستمرار والمواصلة على القتال ما داموا قادرين‬ ‫على ذلك ‪ ..‬والغرض من هذا القتال أن يردوا أهل الحق عن حقهم ودينهم ليدخلوهم في باطلهم‬ ‫ودينهم ‪!..‬‬ ‫وقال تعالى‪ :‬كيف وإن يظهروا عليكم ل يرقبوا فيكم إلً ول ذمة‬ ‫التوبة‪ .8:‬أي إن‬ ‫عل سلطانهم على أهل الحق ل يُراعون فيهم حرمة القرابة‪ ،‬ول حرمة ما بينهم من العهود‬ ‫والمواثيق‪ ،‬ول يمنعهم عن سفك الدم الحرام أو انتهاك الحرمات شيء من ذلك ‪ ..‬ومن كان‬ ‫كذلك ل يمكن أن يحقق السلم‪ ،‬أو أن يكون مؤهلً لتحقيق السلم مع الخرين ‪!..‬‬ ‫‪118‬‬ ‫وقال تعالى‪ :‬ولن ترضى عنك اليهود ول النصارى حتى تتبع ملتهم‬ ‫البقرة‪.120:‬‬ ‫فلن الواردة في الية الكريمة تفيد نفي الحاضر والمستقبل ‪ ..‬أي مهما حاول أهل الحق أن‬ ‫يسترضوا اليهود والنصارى عنهم فلن يُفلحوا إل بشرط واحد‪ :‬وهو اتباع ملتهم والدخول في‬ ‫دينهم وباطلهم ‪!..‬‬ ‫والية تفيد كذلك أن رضى اليهود والنصارى عن المسلم مؤشر صريح على انحراف‬ ‫المسلم عن جادة الحق والصواب إلى الباطل الذي هم عليه ‪ ..‬فحيثما يظهر رضى القوم عن‬ ‫المسلم فعليه أن يتهم نفسه‪ ،‬وأن يُراجع دينه !!‬ ‫وقال تعالى‪ :‬وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودنّ في ملتنا‬ ‫إبراهيم‪ .13:‬فقوله تعالى‬ ‫وقال الذين كفروا ‪..‬‬ ‫يفيد الستغراق؛ أي جميع الذين كفروا على‬ ‫مدار الزمن وإلى يوم القيامة يقولون للرسل وأتباعهم المؤمنين‬ ‫لتعودن في ملتنا‬ ‫لنخرجنكم من أرضنا أو‬ ‫‪ ..‬ومن كان هذا وصفه وديدنه فأنى له أن يحقق السلم في الرض ؟!!‬ ‫ونحو ذلك قوله تعالى عن فتية أهل الكهف‪ :‬إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو‬ ‫يُعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا‬ ‫التي تفيد هذا المعنى ‪..‬‬ ‫الكهف‪ .20:‬وغيرها كثير من اليات القرآنية الكريمة‬ ‫وفي الحديث فقد أخرج البخاري وغيره أن النبي‬ ‫لما أخبر ورقة بن نوفل خبر ما‬ ‫رأى من الوحي‪ ،‬قال له ورقة‪ :‬هذا الناموس ـ أي جبريل عليه السلم ـ الذي نزل على‬ ‫موسى‪ ،‬يا ليتني فيها جذعا ـ أي شابا قوياُ ـ ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك‪ ،‬فقال رسول‬ ‫ال‬ ‫‪ :‬أو مخرجي هم ؟! فقال‪ :‬نعم‪ ،‬لم يأتِ رجل بمثل ما جئت به إل عودي‪ ،‬وإن يدركني‬ ‫يومك أنصرك نصرا مؤزرا ‪.‬‬ ‫هذه أدلة النصوص الشرعية ‪ ..‬أما أدلة الواقع الملموس والمشاهد فحدث عنها ول‬ ‫حرج؛ فما أكثر تلك الديار وأولئك الشعوب التي تنتهك حرماتهم صباح مساء بسبب أنهم لم‬ ‫يدخلوا في‬ ‫طاعة القوم أو في دينهم ‪..‬؟!‬ ‫فانظر ماذا حصل ويحصل في فلسطين ‪ ..‬وماذا حصل في البوسنة والهرسك ‪ ..‬وفي‬ ‫كوسوفو ‪ ..‬وماذا يحصل في هذه اليام في الشيشان ‪ ..‬وفي الفلبين ‪ ..‬وفي أندونيسيا ‪ ..‬وفي‬ ‫‪119‬‬ ‫الصين ‪ ..‬وفي كشمير ‪ ..‬وفي أفغانستان ‪ ..‬وفي العراق ‪ ..‬وفي السودان ‪ ..‬وفي أرتيريا ‪..‬‬ ‫وفي لبنان ‪ ..‬وفي الصومال ‪ ..‬وغيرها كثير من البلدان ‪!!..‬‬ ‫ما يحصل في تلك الديار وغيرها من ممارسات وتصفيات وحصارات‪ ،‬ومؤامرات ‪..‬‬ ‫لهو أكبر دليل على أن القوم ل يُحسنون صنعة السلم ‪ ..‬إل سلم السياد مع العبيد ‪ ..‬العبيد‬ ‫الذين ل يحق لهم ـ في قوانين السياد ـ إل أن يمتهنوا صنعة الركوع والسجود والطاعة‬ ‫للسياد ولقوانين السياد ‪!..‬‬ ‫هذا هو سلم الباطل ‪ ..‬فسلمه غدر وحرب وق تل وقتال ‪ ..‬وهضم ون صب للحقوق والحريات‬ ‫‪ ..‬ومن كان كذلك فهو غير مؤهل لرعاية عملية السلم ‪ ..‬ول لبسط وتحقيق السلم ‪ ..‬لنهم‬ ‫هم أنفسهم يفقدون السلم ‪ ..‬وفاقد الشيء ل يمكن أن يعطيه للخرين !‬ ‫إذا كان هذا هو سلم الباطل ‪ ..‬فهل الحق قادر على تحقيق السلم العادل ‪ ..‬وهل هو‬ ‫قادر على إنصاف الخرين ـ ولو كانوا من أهل الباطل ـ من نفسه ‪ ..‬أو يحقق لهم المن‬ ‫والسلم ‪..‬؟!‬ ‫الجواب‪ :‬نعم ‪ ..‬لماذا ؟‬ ‫لن الحق يملك القانون العادل الثابت الذي يُعرفه ما له وما عليه ‪ ..‬القانون الذي يلتزمه‬ ‫في السر والعلن ‪ ..‬في السخط والرضى ‪ ..‬في السلم والحرب ‪ ..‬وليس له أن يخرج قيد أنملة‬ ‫عن هذا القانون إل إذا آثر أن يخرج عن كونه ووصفه بأنه الحق أو من أهل الحق !‬ ‫هذا القانون هو " حكم ال تعالى " الذي ل يتغير ول يتبدل‪ ،‬والذي ل يُحابي مخلوقا على‬ ‫حساب مخلوق ‪ ..‬فكل الناس أمامه سواء ‪ ..‬الغالب والمغلوب ‪ ..‬الضعيف والقوي ‪ ..‬السيد‬ ‫والوضيع ل فرق بينهم أمام حكم ال ‪ ..‬فلكل له وعليه ‪ ..‬وعلى الجميع أن يلتزموا بما لهم وما‬ ‫عليهم ‪ ..‬بحسب ما يقضي ال تعالى في حكمه وشرعه!‬ ‫وهذا من أكبر العوامل التي تعين على تحقيق السلم في الرض ‪ ..‬إذ أن الخرين‬ ‫يعرفون قبل أن يدخلوا في السلم مع الحق وأهله ما لهم وما عليهم ‪ ..‬إنهم جميعا أمام قانون‬ ‫واحد ل يمكن أن يتغير ول أن يتبدل بحسب الهواء والمصالح ‪ ..‬فهو ل يخضع لمزاج‬ ‫السلطين أو الحكام ول لسياساتهم ‪ ..‬كما ل يجوز أن يخضع لرغبات ونزوات الشعوب‬ ‫المنتصرة الغالبة ‪ ..‬كما هو الحال عند الباطل وأهله !!‬ ‫‪120‬‬ ‫فهم عندما يدخلون في سلم الحق لن يكونوا عبيدا للعبيد ‪ ..‬ول خاضعين لسلطة العبيد‬ ‫كما هو الحال عندما ينتصر الباطل في موقعة من المواقع ‪ ..‬وإنما هم في حقيقة أمرهم داخلون‬ ‫في الطاعة العامة ل‬ ‫‪ ..‬وفي العبودية العامة للخالق‬ ‫‪ ..‬وفي السلم العام الذي شرعه ال‬ ‫تعالى للعباد ‪ ..‬وهذه عبودية تشريف ل انتقاص فيها من قدر المخلوق أو العباد(‪!.. )1‬‬ ‫من قوانين الحق التي يلتزم بها المسلمون حكاما ومحكومين قوله تعالى‪ :‬يا أيها الذين‬ ‫آمنوا أوفوا بالعقود‬ ‫اليمان بعد توكيدها‬ ‫المائدة‪ .1:‬وقوله تعالى‪ :‬وأوفوا بعهد ال إذا عاهدتم ول تنقضوا‬ ‫النحل‪ .91:‬وقوله تعالى‪ :‬ول تشتروا بعهد ال ثمنا قليلً إنما عند ال‬ ‫هو خير لكم إن كنتم تعلمون‬ ‫النحل‪ .95:‬وقوله تعالى‪ :‬وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولً‬ ‫السراء‪ .34:‬فهي نصوص تلحق ضمير وأخلق المؤمن أينما ذهب أو حل وأقام ‪ ..‬تمنعه‬ ‫من أن يفكر ـ مجرد التفكير ـ في الغدر أو الخيانة أو نقض العهد مهما كانت تكاليف وتبعات‬ ‫اللتزام بالعهد أو العقد الذي يعطيه المؤمن للخرين(‪!.. )2‬‬ ‫ـــــــــــــــــــ‬ ‫(‪ )1‬العبادة نوعان‪ :‬عباد شرعية دينية أو عبادة خاصة ‪ ..‬وهذه عبادة ل إكراه فيها إن أبى‬ ‫النسان أن يدخل فيها ‪ ..‬وهو المراد من قوله تعالى‪ :‬ل إكراه في الدين ‪ ..‬؛ أي ل إكراه‬ ‫على الدخول في العبادة الشرعية الدينية ‪ ..‬وعبادة كونية قدرية أو عبادة عامة؛ وهي عبادة‬ ‫الدخول في الطاعة العامة لحكم ال‬ ‫‪ ..‬والنقياد العام لسلطة شرع ال‬ ‫‪ ..‬وهذه عبادة ل‬ ‫مناص لحدٍ من العباد أن يتخلف عنها أو ل يدخل فيها ‪ ..‬فإن أبوا إل القتال قوتلوا عليها ‪..‬‬ ‫وهو المراد من قوله تعالى‪ :‬وقاتلوهم حتى ل تكون فتنة ويكون الدين كله ل‬ ‫أي حتى‬ ‫تكون الطاعة والخضوع كله ل وحده ‪ ..‬وليس لسلطان‪ ،‬أو شعب منتصر ‪ ..‬فإن أتوا بالعبادة‬ ‫العامة والطاعة العامة لحكم ال تعالى وسلطانه ‪ ..‬فليدخلوا بعدها في العبادة الدينية الخاصة‬ ‫التي يشاءون ‪ ..‬وحسابهم على ال !!‬ ‫(‪ )2‬مما يذكره لنا التاريخ‪ :‬أن أبا عبيدة بن الجراح‬ ‫كان قد صالح نصارى الروم على‬ ‫مدينة دمشق‪ ،‬وكان خالد بن الوليد لم يعلم بصلح وعهد أبي عبيدة مع نصارى الروم ‪ ..‬فافتتح‬ ‫دمشق عنوة من جهة الباب الشرقي للمدينة ‪ ..‬ولما ذكر النصارى ذلك لعبيدة ر ّد إليهم المدينة‬ ‫بكاملها ـ التي هي دمشق! ـ وفاء بالعهد وبالكلمة التي أعطاها لهم ‪!..‬‬ ‫‪121‬‬ ‫تأمل ‪ ..‬أهكذا هم الصهاينة اليهود اليوم ـ ووراءهم أمريكا والغرب الصليبي ـ في‬ ‫تعاملهم مع العقود والعهود التي يعطونها للخرين ‪ ..‬كم هي العقود والعهود التي يبرمونها اليوم‬ ‫‪ ..‬وفي اليوم الثاني يغدرون بها لدنى مصلحة يمكن أن يفقدونها من وراء هذا العقد أو العهد‬ ‫‪ ..‬فأنى لهؤلء أن يكونوا دعاة بحق للسلم أو أنهم كفأ لن يكونوا رعاة بحق لعملية السلم‬ ‫‪ ..‬؟!!‬ ‫ثم تأمل انسحاب الصهاينة اليهود الصوري من أراضٍ ل حق لهم فيها في فلسطين ‪ ..‬كيف‬ ‫يكون بالشبر والفِتر ‪ ..‬وذلك كله بعد العهود الكثيرة الكاذبة والمتراكمة عليهم منذ عقود قد‬ ‫أعطوها للخرين ‪!!..‬‬ ‫وقد تقدم معنا حديث السفينة‪ ،‬وفيه قوله‬ ‫‪ ":‬فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا‪ ،‬وإن‬ ‫أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا "؛ أي إن تركوا لهل الباطل الحرية في قيادة السفينة‬ ‫والمجتمعات‪ ،‬أو أن يفرضوا سلمهم الباطل كما يحلو لهم فقد هلكوا جميعا‪ :‬الصالحين‬ ‫والطالحين ‪ ..‬وغرقت بهم السفينة‪ ،‬وهلكت البلد ‪! ..‬‬ ‫وإن أخذوا على أيديهم ـ بالجهاد والقتال ـ ومنعوهم عن فسادهم وطغيانهم‪ ،‬وفرضوا‬ ‫سلمهم العادل ‪ ..‬نجوا جميعا‪ ً:‬الصالحين والطالحين معا ‪ ..‬ونجت معهم السفينة والمجتمعات‬ ‫من الغرق في أوحال الشرك والفساد‪ ،‬والدمار ‪! ..‬‬ ‫والذي يهمنا من ألفاظ الحديث في هذا الموضع قوله‬ ‫" نجوا ونجوا جميعا " الذي يفيد‬ ‫حرص الحق على تحقيق النجاة والسلمة لهل الباطل كذلك ‪ ..‬وهذا مال يمكن أن نجده أو‬ ‫نشعر به عند أهل الباطل نحو الحق وأهله ‪!..‬‬ ‫وقال‬ ‫‪ .)1‬وقال‬ ‫‪ ":‬من أمن رجلً على دمه فقتله فأنا بريء من القاتل‪ ،‬وإن كان المقتول كافرا "(‬ ‫‪ ":‬من قتل نفسا معاهدة بغير حلها‪ ،‬حرم ال عليه الجنة أن يشم ريحها "(‪.)2‬‬ ‫هذه هي أخلق ال حق ال تي تُلزم كل م سلم ولو كان في أدغال إفريق يا أو الفلب ين ‪ ..‬ف هو‬ ‫يكف يه بأن ي سمع بهذا الحد يث أو نحوه ليكون له رادعا وزاجرا يرد عه من أن ي مس أو ي صيب‬ ‫الكافر الذمي أو المعاهد المؤمّن بأدنى أذى أو سوء ‪!..‬‬ ‫وبعد‪ ،‬فإنه يحق لنا أن نسأل‪ :‬أهكذا هم أهل الباطل ـ بكل تجمعاتهم ومذاهبهم ـ عندما‬ ‫يتعاملون مع المسلمين وبخاصة إن ظهروا عليهم بنوع قوة أو سلطة ‪ ..‬؟!‬ ‫‪122‬‬ ‫الجواب‪ :‬تجده في المجازر الجماعية بحق الشيوخ والطفال والنساء التي ارتكبت في‬ ‫البوسنة والهرسك ‪ ..‬وفي الشيشان ‪ ..‬وفي أفغانستان من قبل ‪ ..‬تجده في المقابر الجماعية‬ ‫للحياء ‪ ..‬تجده في حرق المسلمين وهم يتعبدون في مساجدهم كما حصل في مالوكو إندونسيا‬ ‫‪ ..‬؟!!‬ ‫تجد الجواب في البيوت المهدمة على أهلها وأصحابها البرياء في فلسطين ‪..‬؟!‬ ‫راجع تاريخ فتوحات السلم كلها ‪ ..‬هل تعرف مرة أن السلم اضطر ـ فضلً عن‬ ‫أن يجبر ـ أهل البلد بأن يخرجوا من ديارهم باللف أو المليين ‪!!..‬‬ ‫بينما نجد صهاينة اليهود لما غزوا فلسطين شردوا مليين المسلمين من أبناءها‬ ‫وأسكنوهم في العراء وفي المخيمات ‪ ..‬ثم بعد ذلك قسّموا الناس بين نازح ولجئ‪ ،‬ولكل منهما‬ ‫درجة ؟!‬ ‫ـــــــــــــــــ‬ ‫(‪ )1‬أخرجه النسائي‪ ،‬وابن ماجة‪ ،‬وأحمد‪ ،‬السلسلة الصحيحة‪.440:‬‬ ‫(‪ )2‬صحيح سنن النسائي‪.4423:‬‬ ‫كذلك لما غزت روسيا من قبل أفغانستان ‪ ..‬وكذلك لما غزت الشيشان ‪ ..‬وكذلك‬ ‫الصرب لما غزوا البوسنة والهرسك ‪ ..‬أجبروا المسلمين من أهل البلد على الهجرة والخروج‬ ‫من ديارهم وبيوتهم ‪ ..‬وذلك بعد أن ارتكبوا بحقهم المجازر التي ل يمكن أن يتصورها عقل‬ ‫آدمي ‪!!..‬‬ ‫كل ذلك يحصل في زمن الديمقراطية ‪ ..‬وزمن النسانية ‪ ..‬ومحاربة العنصرية ‪..‬‬ ‫وعلى مرأى ومسمع من جميع محافل الباطل ومؤسساته ودوله(‪.)1‬‬ ‫كل ذلك يجعلنا نجزم ونؤكد بأن الباطل ل يمكن له أن يحقق السلم العادل في الوجود‬ ‫لنه ل يملك الخصائص النفسية والخلقية التي تمكنه من ذلك‪ ،‬بخلف الحق فإنه يملك جميع‬ ‫مقومات وخصائص تحقيق السلم العادل في الرض كل الرض ‪ ..‬وبالتالي هو الذي يجب أن‬ ‫يُرشح لقيادة ورعاية عملية السلم‪ ،‬وعلى طريقته الخاصة به ‪ ..‬وليس على طريقة أحدٍ غيره‪.‬‬ ‫ولما كان الباطل ل يسمح للحق أن يقود ويرعى عملية السلم ‪ ..‬أو يحقق السلم العادل‬ ‫على طريقته الشرعية الربانية ‪ ..‬لزم على الحق وأهله أن يجاهدوا الباطل وأهله ويزيلوا من‬ ‫أمامهم العقبات الكثيرة التي ينثرها الباطل في طريقهم والتي تحيل بينهم وبين تحقيق السلم ‪!..‬‬ ‫‪123‬‬ ‫لذا فإن كل من يريد السلم بحق نقول له‪ :‬أقرب طريق لتحقيق السلم العادل هو الجهاد‬ ‫في سبيل ال ‪ ..‬وأي طريق آخر يُسلك غير طريق الجهاد فهو طريق ل يوصل للسلم ول‬ ‫يمكن أن يحقق السلم‪ ،‬وهو مضيعة للوقات والعمار من غير طائل ول فائدة ‪ ..‬وليس من‬ ‫ورائه إل تأخير عملية السلم ‪ ..‬وإطالة أمد الحروب والظلم والشقاء والحرمان ‪!..‬‬ ‫فكل من يتنكب طريق الجهاد ـ بقصد أو غير قصد ـ فهو ل يعمل للسلم ‪ ..‬ول يريد‬ ‫للسلم أن تقوم له قائمة ‪ ..‬وإنما يريد أن يطيل أمد الحروب والشقاء والظلم والحرمان ‪ ..‬يريد‬ ‫أن يطيل عمر طغيان الباطل ‪ ..‬يريد أن يكرس سلم الباطل الذي هو ليس بسلم ‪ ..‬وإن زعم‬ ‫ملء ــــــــــــــــــ‬ ‫(‪ )1‬فإن قيل ولكن يوجد في الدول الغربية المتحضرة قوانين تحارب العنصرية ‪ ..‬أقول‪ :‬رغم‬ ‫أن هذه الدول قد اهتدت لهذه القوانين مؤخرا وبعد سلسلة طويلة من النتهاكات لحقوق النسان‬ ‫‪ ..‬إل أن هذه القوانين عبارة عن حبر على ورق ل سلطان لها في ضمائر الشعوب وأخلقهم‬ ‫‪ ..‬لذا نرى هذه القوانين في وادٍ وأخلق وممارسات الناس في وادٍ آخر‪ ،‬والدلة على ذلك أكثر‬ ‫من أن تحصر في هذا الموضع‪ ،‬كان آخرها ـ كما طالعتنا بذلك وكالت النباء ـ قتل طفل‬ ‫في ألمانيا ‪ ..‬ذنبه وجرمه أن أباه مسلم من العراق ‪ ..‬علما أن أمه ألمانية الصل والمنشأ ‪..‬؟!!‬ ‫ثم ما قيمة أن تُحارَب العنصرية على مستوى ممارسة الفراد في داخل المجتمع ‪ ..‬بينما‬ ‫في المقابل هم يقرون ويباركون العنصرية الدولية التي تمارس بحق دول وشعوب من الدرجة‬ ‫الثانية أو الثالثة كما يصنفونها هم ‪ ..‬كما هو حاصل في فلسطين وغيرها من البلدان ؟!!‬ ‫شدقيه أنه من دعاة وأنصار السلم !!‬ ‫وعليه فإن أقرب الناس للسلم‪ ،‬وأصدقهم دعوة إلى السلم هم المجاهدون في سبيل ال‬ ‫الذين يُقاتلون في سبيل ال ‪ ..‬وأكثر الناس بعدا وعداءً للسلم هم أكثرهم عداءً لمبدأ الجهاد في‬ ‫سبيل ال ‪!!..‬‬ ‫رابعا‪ :‬لن الغايات العامة للسلم ل يمكن أن تتحقق إل بالجهاد في سبيل ال ‪.‬‬ ‫فمن دواعي الشروع في طريق الجهاد كذلك أن الغايات العظمى الكليّة للسلم ل يمكن‬ ‫أن تتحقق إل بالجهاد في سبيل ال ‪.‬‬ ‫ومن أجل وأعظم غايات السلم نشر التوحيد وبسط نفوذه ‪ ..‬واستئصال الشرك وتحجيم‬ ‫نفوذه ‪ ..‬والعمل على أطر العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ‪ ..‬ومن جور الديان‬ ‫‪124‬‬ ‫والشرك إلى عدل السلم والتوحيد ‪ ..‬وهذه مهمة جميع النبياء والرسل من لدن آدم‬ ‫نبينا محمد‬ ‫الطاغوت‬ ‫إلى‬ ‫‪ ،‬كما قال تعالى‪ :‬ولقد بعثنا في كل أمة رسولً أن اعبدوا ال واجتنبوا‬ ‫النحل‪.36:‬‬ ‫وقد تقدمت الشارة إلى حرص الباطل الشديد على منع الحق من أن يبسط نفوذه أو‬ ‫ينشر ما لديه من الخير والهداية‪ ،‬وهو ل يتردد في زرع العقبات والشواك في طريقه‪ ،‬التي‬ ‫تعيق بين رسالته وهدفه وبين الناس ‪ ..‬وقد ذكرنا ـ فيما تقدم ـ الدلة على ذلك من النصوص‬ ‫الشرعية‪ ،‬وكذلك أدلة الواقع التي تثبت أن الباطل ل يهدأ له بال ول تقر له عين إل بعد أن يرد‬ ‫الحق عن حقه أو يُزيله عن الوجود والحياة إن استطاع ‪!..‬‬ ‫وهذا واقع ظاهر ل خفاء فيه ‪ ..‬ل ينبغي أن نطيل الجدال حوله لنثبت صحته ‪!..‬‬ ‫الشاهد مما تقدم‪ :‬أن السلم ل بد له من أن يؤدي رسالته‪ ،‬وهو وجِد لذلك ‪ ..‬وأن‬ ‫القائمين على نصرة هذا الدين الحنيف ل بد لهم من أن يعملوا جادين ومخلصين لنصرة هذا‬ ‫الدين ونشر تعاليمه بين الناس كل الناس‪ ،‬وليس لهم خيار غير ذلك ‪ ..‬وهذا من لوازمه إزالة‬ ‫كل العقبات والشواك التي يفترشها الباطل في طريق الحق ‪ ..‬ومادة ذلك كله الجهاد في سبيل‬ ‫ال ‪.‬‬ ‫فالباطل بكل جيوشه وتجمعاته ‪ ..‬ليس ذلك الخصم السهل البسيط المسكين ـ كما يصور‬ ‫البعض ـ الذي يمكن أن تحسم معه المشاكل من خلل الوعظ أو مجرد الكلمة ـ على طريقة‬ ‫المفتونين بالديمقراطية ـ بعيدا عن قوة السيف والحديد ‪ ..‬والذين يرون غير ذلك فهؤلء لم‬ ‫يقرأوا القرآن بعد ‪ ..‬ولم يقرأوا التاريخ ول الواقع كذلك ‪ ..‬وهم على قلوبهم وأبصارهم غشاوة!‬ ‫لجل ذلك نجد أن ال تعالى قد أنزل القرآن الكريم؛ وهو الحق المطلق ‪ ..‬وأنزل معه‬ ‫الحديد فيه بأس شديد ليحمي به هذا الحق ‪ ..‬ويسهّل له رسالته في الوجود ‪.‬‬ ‫قال تعالى‪ :‬لقد أرسلنا رُسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط‬ ‫وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلمَ الُ من ينصرُه ورسلَه بالغيب إن ال قوي‬ ‫عزيز‬ ‫الحديد‪.25:‬‬ ‫فالحق ل بد له من حديد يحميه ويرد عنه سهام شياطين النس والجن ‪ ..‬فحق بل حديد‬ ‫سهل المنال ‪ ..‬وسهل أن تنتهك حرماته ‪ ..‬وسهل أن يُمنع عن تحقيق أهدافه ورسالته ‪ ..‬وهو‬ ‫عرضة للسخرية والستهانة من كل مارق أو كافر معاند ‪!..‬‬ ‫‪125‬‬ ‫فالذي ل يرى الجهاد ‪ ..‬ول يدعو للجهاد ‪ ..‬ول يأمر بالجهاد ‪ ..‬فهو ـ بقصد أو غير‬ ‫قصد ـ يُريد أن ينزل بالحق كل أنواع الذى المتقدمة الذكر أعله ‪ ..‬ول يريد للحق أن تقوم له‬ ‫قائمة عز مشرفة !‬ ‫تأمل عدد نسخ القرآن الكريم التي تطبع في العالم فهي تتجاوز مئات المليين ‪ ..‬بل ما‬ ‫من بيت إل وفيه عدة نسخ من القرآن الكريم ‪ ..‬ولكن لما تخلى الناس عن الحديد وخلت بيوتهم‬ ‫من الحديد ‪ ..‬ضعف أثر القرآن في الوجود !‬ ‫وهذا الذي يريده الخليفة الثالث عثمان بن عفان‬ ‫من قوله‪ :‬إن ال ليزع ـ أي ليردع‬ ‫ـ بالسلطان مال يزع بالقرآن !‬ ‫خلصة القول‪ :‬أن القرآن والحديد رسالتان متوازيتان تسيران جنبا إلى جنب ‪ ..‬ل‬ ‫مضاء لحداهما إل بالخرى ‪ ..‬وهما للحق كالجناحين للطائر ل يمكن له الطيران والعلو في‬ ‫السماء إل بهما معا ‪ ..‬فإن أصيب في أحد جناحيه خرّ إلى الرض ووقع ‪ ..‬ول بد له من أن‬ ‫يقع !‬ ‫خامسا‪ :‬ثم بعد كل ذلك لن الجهاد في سبيل ال عبادة عظيمة ‪ ..‬التفريط بها تفريط بباب‬ ‫عظيم من أبواب الجنة ‪ ..‬تفريط بالدرجات العُل ‪ ..‬والخصال الفريدة ‪ ..‬التي ل يمكن أن تتأتى‬ ‫للقاعدين من غير جهاد ‪ ..‬مهما أتوا من ضروب العبادات الخرى ‪ ..‬لندع نصوص الكتاب‬ ‫والسنة تحدثنا عن كل ذلك‪:‬‬ ‫قال تعال‪ :‬ل يستوي القاعدون من المؤمنين غيرُ أُولي الضرر والمجاهدون في سبيل‬ ‫ال بأموالهم وأنفسهم فضّل ال المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجةً وكلً وعدَ ال‬ ‫الحسنى وفضل ال المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما‬ ‫جاء رجل إلى رسول ال‬ ‫النساء‪.95:‬‬ ‫فقال‪ :‬دلني على عمل يعدل الجهاد‪ ،‬قال‪ ":‬ل أجده ! ‪ ..‬هل‬ ‫تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ول تفتر‪ ،‬وتصوم ول تفطر ؟! " قال‪ :‬ومن‬ ‫يستطيع ذلك ؟!! [ البخاري ]‪.‬‬ ‫وقيل يا رسول ال أي الناس أفضل ؟ فقال رسول ال‬ ‫‪ ":‬مؤمن يجاهد في سبيل ال‬ ‫بنفسه وماله ‪ ["..‬البخاري ]‪.‬‬ ‫وقال‬ ‫‪ ":‬لغدوة في سبيل ال أو روحة خير من الدنيا وما فيها "[ البخاري ]‪.‬‬ ‫‪126‬‬ ‫وقال‬ ‫‪ ":‬لغدوة أو روحة في سبيل ال خير مما تطلع عليه الشمس وتغرب‬ ‫"[ البخاري ]‪ .‬وقال‬ ‫‪ ":‬واعلموا أن الجنة تحت ظلل السيوف "[ البخاري ]‪.‬‬ ‫وقال‪ ":‬رباط يوم في سبيل ال خير من الدنيا وما عليها ‪ [" ..‬البخاري ]‪ .‬هذا رباط يومٍ‬ ‫في سبيل ال ‪ ..‬فكيف بجهاد يومٍ في سبيل ال ‪ ..‬أو جهاد أيام ‪ ..‬أو جهاد أشهر ‪ ..‬أو جهاد‬ ‫العمر ‪ ..‬ال أكبر ‪ ..‬إنها الجنان والدرجات ورب الكعبة !!‬ ‫وقال‬ ‫‪ ":‬تضمّن الُ لمن خرج في سبيله ل يُخرجه إل جهادا في سبيلي وإيمانا بي‬ ‫وتصديقا برسلي فهو علي ضامن أن أدخله الجنة أو أُرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلً ما‬ ‫نال من أجرٍ أو غنيمة‪ ،‬والذي نفس محمد بيده ما من كلم يكلم في سبيل ال إل جاء يوم القيامة‬ ‫كهيئته حين كُلم؛ لونه لون دمٍ وريحه مسك ‪ .‬والذي نفس محمد بيده لول أن يشق على المسلمين‬ ‫ما قعدت خلف سرية تغزو في سبيل ال أبدا‪ ،‬ولكن ل أجد سعة فأحملهم ول يجدون سعة‪،‬‬ ‫ويشق عليهم أن يتخلفوا عني‪ ،‬والذي نفس محمدٍ بيده لوددت أني أغزو في سبيل ال فأُقتل ثم‬ ‫أغزو فأُقتل‪ ،‬ثم أغزو فأُقتل "[ مسلم ]‪.‬‬ ‫وعن أبي سعيد الخدري أن رسول ال‬ ‫قال‪ :‬يا أبا سعيد من رضي بال ربا‪،‬‬ ‫وبالسلم دينا‪ ،‬وبمحمدٍ نبيا وجبت له الجنة " فعجب لها أبو سعيد فقال‪ :‬أعدها علي يا رسول‬ ‫ال‪ ،‬ففعل ثم قال‪ ":‬وأُخرى يُرفع بها العبد مائة درجة في الجنة ما بين كل درجتين كما بين‬ ‫السماء والرض!" قال وما هي يا رسول ال ؟ قال‪ ":‬الجهاد في سبيل ال‪ ،‬الجهاد في سبيل ال‬ ‫"[ مسلم ]‪.‬‬ ‫وقال‬ ‫‪ ":‬أبواب الجنة تحت ظلل السيوف "[ مسلم ]‪ .‬فهو ليس باب واحد بل هي‬ ‫أبواب كلها تحت ظلل السيوف والجهاد ‪!..‬‬ ‫قال النووي‪ :‬قال العلماء معناه أن الجهاد وحضور معركة القتال طريق إلى الجنة وسبب‬ ‫لدخولها ‪ ..‬ا‪ -‬هـ‪.‬‬ ‫وقال‬ ‫‪ ":‬رباط يومٍ وليلة خير من صيام شهر وقيامه‪ ،‬وإن مات جرى عليه عمله الذي‬ ‫وقال‬ ‫‪ ":‬كل ميت يُختم على عمله إل الذي مات مرابطا في سبيل ال فإنه يُنمى له‬ ‫كان يعمله‪ ،‬وأجري عليه رزقه‪ ،‬وأمن الفتان "[ مسلم ]‪.‬‬ ‫عمله إلى يوم القيامة‪ ،‬ويأمن فتنة القبر "(‪.)1‬‬ ‫ــــــــــــــــــــ‬ ‫‪127‬‬ ‫(‪ )1‬صحيح سنن الترمذي‪.1322 :‬‬ ‫وقال‬ ‫‪ ":‬من اغبرت قدماه في سبيل ال فهما حرام على النار "[ البخاري ]‪.‬‬ ‫وقال‬ ‫ستّ خصال‪ :‬يُغفر له في أول دُفعة‪ ،‬ويُرى مقعده من الجنة‪،‬‬ ‫‪ ":‬للشهيد عند ال ِ‬ ‫وقال‬ ‫‪ ":‬ل يجتمع غبار في سبيل ال ودخان جهنم "(‪.)1‬‬ ‫ويُجار من عذاب القبر‪ ،‬ويأمن من الفزع الكبر‪ ،‬ويُضع على رأسه تاجُ الوقار‪ ،‬الياقوتة منها‬ ‫خير من الدنيا وما فيها‪ ،‬ويُزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين‪ ،‬ويُشفّع في سبعين من‬ ‫أقاربه "(‪ .)2‬فهي ليست خصلة واحدة بل ست خصال بعضها يفضل ويعلو بعض ‪ ..‬أكرم‬ ‫وأعظم بها من خصال‪ ،‬ل يُعطاها إل الشهيد ‪!!..‬‬ ‫وقال‬ ‫‪ ":‬عليكم بالجهاد في سبيل ال تبارك وتعالى؛ فإنه باب من أبواب الجنة يُذهب‬ ‫ال به الهم والغم "‪ .‬وقد تقدم ‪.‬‬ ‫وقال‬ ‫‪ ":‬إن السيوف مفاتيح الجنة "(‪.)3‬‬ ‫وقال ‪ ":‬أل أنبئكم بليلةٍ أفضل من ليلة القدر ؟! حارس الحرس في أرض خوف لعله أن‬ ‫ل يرجع إلى أهله "(‪ .)4‬وحارس الحرس هو الحارس الذي يحرس في الخطوط المامية‬ ‫المتاخمة للعدو ‪ ..‬فيكون بذلك حارسا للحرس الذين يحرسون في الخطوط الخلفية من موقع‬ ‫العدو ‪ ..‬وال تعالى أعلم ‪.‬‬ ‫وقال‬ ‫‪ ":‬إن ال‬ ‫ليدعو يوم القيامة الجنة فتأتي بزُخرفها وزينتها فيقول‪ :‬أين عبادي‬ ‫الذين قاتلوا في سبيلي‪ ،‬وجاهدوا في سبيلي ادخلوا الجنة‪ ،‬فيدخلونها بغير حساب ‪ .‬وتأتي‬ ‫الملئكة فيسجدون‪ ،‬فيقولون‪ :‬ربنا نحن نسبح بحمدك الليل والنهار ونقدس لك‪ ،‬من هؤلء الذين‬ ‫آثرتهم علينا ؟ فيقول الرب‬ ‫عليهم الملئكة من كل باب‬ ‫‪ :‬هؤلء عبادي الذين قاتلوا في سبيلي‪ ،‬وأوذوا في سبيلي‪ ،‬فتدخل‬ ‫سلم عليكم بما صبرتم فنعم عُقبى الدار ‪(5‬‬ ‫)‪.‬‬ ‫هذا غيض من فيض مما ثبت في فضل الجهاد ‪ ..‬وما للمجاهدين من أجر‪ ،‬ومثوبة‪،‬‬ ‫وكرامة ل يؤتاها غيرهم ‪ ..‬وهو باعث عظيم على السير في هذا الطريق المبارك العظيم ل‬ ‫يفرط به إل كل خائب خاسر !‬ ‫وهو كذلك ـ أي الجهاد في سبيل ال ـ عبادة يظهر فيها مدى صدق حب العبد لربه‬ ‫ــــــــــــــــــ‬ ‫(‪ )1‬صحيح سنن الترمذي‪ )2( .1333 :‬صحيح سنن الترمذي‪.1358:‬‬ ‫‪128‬‬ ‫(‪ )3‬أخرجه ابن أبي شيبة‪ ،‬السلسلة الصحيحة‪.2672 :‬‬ ‫(‪ )4‬أخرجه الحاكم وغيره‪ ،‬السلسلة الصحيحة‪.2811 :‬‬ ‫(‪ )5‬أخرجه الصفهاني في الترغيب والترهيب وغيره‪ ،‬السلسلة الصحيحة‪.2556 :‬‬ ‫‪ ..‬ومدى صدق انتمائه لهذا الدين ‪ ..‬فبالجهاد تُعرف الرجال‪ ،‬وتُعرف حقيقة معادن الناس‪،‬‬ ‫ومن منهم الصادق في زعمه لليمان ومن منهم الكاذب ‪ ..‬فالمؤمن الصادق في إيمانه وحبه‬ ‫لربه‬ ‫هو الذي يقتحم المخاطر ول يتردد في أن يرمي بنفسه في مواطن الجهاد والخوف في‬ ‫سبيل ال ‪ ..‬أما أصحاب القلوب المريضة بالنفاق وغيرهم هم الذين يبحثون عن العذار‬ ‫والذرائع الكاذبة لكي يتخلفوا عن مواطن الجهاد في سبيل ال ‪!..‬‬ ‫قال تعالى‪ :‬ل يستأذنك الذين يؤمنون بال واليوم الخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم‬ ‫وال عليم بالمتقين ‪ .‬إنما يستأذنك الذين ل يؤمنون بال واليوم الخر وارتابت قلوبهم فهم في‬ ‫ريبهم يترددون‬ ‫التوبة‪.45-44:‬‬ ‫قال ابن تيمية في الفتاوى‪ :28/438:‬فهذا إخبار من ال أن المؤمن ل يستأذن الرسول في‬ ‫ترك الجهاد وإنما يستأذنه الذين ل يؤمنون‪ ،‬فكيف بالتارك من غير استئذان ‪..‬؟! ا‪-‬هـ ‪.‬‬ ‫قلت‪ :‬فكيف بمن يثبط المة عن الجهاد‪ ،‬ويؤثم المجاهدين ويجرمهم لجهادهم ‪..‬؟!‬ ‫كيف بمن يُعطل الجهاد كليا‪ ،‬ويصد عنه المة لتأويلت باطلة فاسدة مبعثها الخور‪،‬‬ ‫والجبن والرجاف ‪..‬؟!‬ ‫كيف بمن يستبدل الجهاد في سبيل ال بالطرق الباطلة الشركية كالديمقراطية‪،‬‬ ‫والنتخابات البرلمانية وغيرها ‪ ..‬ويحسنها ويفضلها عليه ‪..‬؟!‬ ‫كيف بمن يكره الجهاد والمجاهدين ـ صفوة هذه المة ـ ويعاديهم‪ ،‬ويحرض الناس‬ ‫على أذاهم والنيل منهم ومن جهادهم ‪ ..‬حسدا من عند أنفسهم ؟!‬ ‫ل شك أن هؤلء أولى بالنفاق من أولئك الذين يتركون الجهاد بعد استئذان ‪!..‬‬ ‫قال‬ ‫‪ ":‬من مات ولم يغز‪ ،‬ولم يُحدث به نفسه مات على شعبة من نفاق "[ مسلم ]‪.‬‬ ‫هذا فيمن لم يحدث نفسه بالجهاد بصدق وإخلص ‪ ..‬فكيف بمن تقدم ذكرهم‪ ،‬وذكرت‬ ‫أوصافهم وخصالهم المشينة ‪ ..‬ل شك أنهم أولى بالنفاق وبشعب النفاق !‬ ‫‪129‬‬ ‫من علمات الولية والصطفاء المتابعة ‪ ..‬والجهاد في سبيل ال ‪ ..‬فمن أتى بالمتابعة‬ ‫للشريعة والسنة من دون الجهاد في سبيل ال ل يكون وليا من أولياء ال ‪ ..‬ومن أتى بالجهاد‬ ‫من دون المتابعة للشريعة والسنة ل يكون وليا من أولياء ال ‪ ..‬ولتحقيق الولية ل بد من‬ ‫المتابعة والجهاد في سبيل ال معا‪.‬‬ ‫قال ابن تيمية رحمه ال‪ :‬قد جعل ال لهل محبته علمتين‪ :‬اتباع الرسول‪ ،‬والجهاد في‬ ‫سبيل ال؛ وذلك لن الجهاد حقيقته الجتهاد في حصول ما يحبه ال من اليمان والعمل‬ ‫الصالح‪ ،‬وفي دفع ما يبغضه من الكفر والفسوق والعصيان ا‪ -‬هـ‪.‬‬ ‫عجبا لولئك الذين يريدون أن يربوا شباب المة بعيدا عن مواطن وساحات الجهاد ‪..‬‬ ‫يربونهم في صالت التنظير المكيفة بعيدا عن واقع الحياة‪ ،‬وآلم المة ‪ ..‬ثم هم يتوقعون بعد‬ ‫ذلك أن يرتفع هؤلء الشباب إلى مستوى مسؤوليات ومبادئ هذا الدين العظيم ‪ ..‬أو أن يكونوا‬ ‫يوما من اليام أكفاءً لتحمل مسؤولياتهم الضخمة نحو هذا الدين ‪ ..‬أو أن يكونوا من أولياء ال‬ ‫الربانيين ؟!‬ ‫هؤلء يحلمون ‪ ..‬أو أنهم لم يقرؤوا كلمات هذا الدين ‪ ..‬ولو قرؤوها فهم لم يقرؤوها‬ ‫على مراد ال ورسوله ‪!!..‬‬ ‫أمة السلم أمة كتبَ الُ عليها أن تكون أمة جهاد وبذل وعطاء ‪ ..‬أمة ل تعرف الدعة‬ ‫أو الميوعة أو الهزل أو الركون للدنيا والمتاع ‪ ..‬أمة ل تعرف إل الجد في جميع أمورها ‪..‬‬ ‫لنها أمة رسالة ودين تتوقف عليها نجاة البشرية جمعاء!‬ ‫لجل ذلك كله نقول ـ ما قلناه في أول هذا المقال ـ ل خيار للمة إل خيار الجهاد ‪..‬‬ ‫ول عز لها إل بالجهاد ‪ ..‬ول نجاة لها إل بالجهاد ‪ ..‬ول طريق لها تسلكه إل طريق الجهاد ‪..‬‬ ‫فهل أنتم موقنون ‪ ..‬فهل أنتم مؤمنون ؟؟!!‬ ‫اللهم إني قد بلغت ‪ ..‬اللهم فاشهد ‪.‬‬ ‫وآخر دعوانا أن الحمد ل رب العالمين ‪.‬‬ ‫وصلى ال على سيدنا وقائدنا ونبينا محمد‪ ،‬وعلى آله وصحبه وسلّم‪.‬‬ ‫‪24/10/1421‬هـ ‪.‬‬ ‫عبد المنعم مصطفى حليمة‬ ‫‪130‬‬ ‫‪ 19/1/2001‬م ‪.‬‬ ‫أبو بصير‬ ‫‪www.abubaseer.com‬‬ ‫لماذا الجهادُ في سبيل ال ‪..‬؟‬ ‫( الجزء الثاني )‬ ‫بسم ال الرحمن الرحيم‬ ‫الحمد ل‪ ،‬والصلة والسلم على رسول ال‪ ،‬وبعد‪.‬‬ ‫من الحقائق التي يُسلم بها جميع أصحاب العقول والفطر السليمة أن ال تعالى هو خالق‬ ‫الخلق ‪ ..‬وهو المالك الحقيقي لما خلق ‪ ..‬ل شريك له في الملك ول في الخلق‪.‬‬ ‫سمَاوَاتِ وَالَْأرْضَ بِا ْلحَقّ َو َيوْمَ يَقُولُ كُنْ َف َيكُونُ َق ْولُهُ الْحَقّ‬ ‫خلَقَ ال ّ‬ ‫تعالى‪ :‬وَ ُهوَ الّذِي َ‬ ‫‪‬‬ ‫قال‬ ‫خبِيرُ ‪‬النعام‪.73:‬‬ ‫حكِيمُ الْ َ‬ ‫شهَا َدةِ وَ ُهوَ الْ َ‬ ‫َولَهُ ا ْل ُملْكُ َيوْمَ ُينْفَخُ فِي الصّورِ عَالِمُ ا ْل َغ ْيبِ وَال ّ‬ ‫خرَجَ بِهِ مِنَ‬ ‫سمَاءِ مَاءً فََأ ْ‬ ‫سمَاوَاتِ وَالَْأرْضَ َوَأ ْنزَلَ مِنَ ال ّ‬ ‫خلَقَ ال ّ‬ ‫وقال تعالى‪ :‬اللّهُ الّذِي َ‬ ‫خرَ َلكُمُ الَْأ ْنهَارَ ‪‬إبراهيم‪.32:‬‬ ‫حرِ بَِأ ْم ِرهِ وَسَ ّ‬ ‫ج ِريَ فِي ا ْلبَ ْ‬ ‫خرَ َلكُمُ الْ ُف ْلكَ ِلتَ ْ‬ ‫ال ّث َمرَاتِ ِرزْقا َلكُمْ وَسَ ّ‬ ‫طنِهِ َو ِم ْنهُمْ مَنْ َيمْشِي‬ ‫علَى بَ ْ‬ ‫خلَقَ كُلّ دَابّةٍ مِنْ مَاءٍ َف ِم ْنهُمْ مَنْ َيمْشِي َ‬ ‫وقال تعالى‪ :‬وَاللّهُ َ‬ ‫شيْءٍ قَدِيرٌ ‪‬النور‪:‬‬ ‫علَى كُلّ َ‬ ‫ق اللّهُ مَا يَشَاءُ إِنّ اللّهَ َ‬ ‫خلُ ُ‬ ‫علَى َأ ْربَعٍ يَ ْ‬ ‫جَليْنِ َو ِم ْنهُمْ مَنْ َيمْشِي َ‬ ‫علَى ِر ْ‬ ‫َ‬ ‫خلَقَ‬ ‫تعالى‪َ :‬وَلئِنْ سََأ ْل َتهُمْ مَنْ َ‬ ‫‪‬‬ ‫‪ .45‬وهذا ل خلف فيه بين الشعوب وأهل الديانات كلها‪ ،‬كما قال‬ ‫ش ْمسَ وَالْ َق َمرَ َليَقُولُنّ اللّهُ فََأنّى ُيؤْ َفكُونَ ‪‬العنكبوت‪ .61:‬وإنما حصل‬ ‫خرَ ال ّ‬ ‫سمَاوَاتِ وَالَْأرْضَ وَسَ ّ‬ ‫ال ّ‬ ‫الخلف فيما بينهم حول المعبود المستحق للعبادة‪ ،‬والطاعة‪ ،‬والتأله ‪ ..‬فحصل بسبب ذلك‬ ‫الخلف الشراك بال‬ ‫‪ ..‬وعُبد من دونه من ل يجوز أن يُعبد؛ لنه مخلوق ضعيف لم يخلق‬ ‫خلَقُونَ‬ ‫شيْئا وَهُمْ يُ ْ‬ ‫خلُقُ َ‬ ‫ش ِركُونَ مَا ل يَ ْ‬ ‫تعالى‪َ :‬أيُ ْ‬ ‫‪‬‬ ‫شيئا ‪ ..‬وليس بقادرٍ على أن يخلق شيئا‪ ،‬كما قال‬ ‫خلُقُ أَفَل تَ َذ ّكرُونَ ‪‬النحل‪ .17:‬ل يستوون مثلً‬ ‫خلُقُ َكمَنْ ل يَ ْ‬ ‫تعالى‪ :‬أَ َفمَنْ َي ْ‬ ‫‪‬‬ ‫‪‬العراف‪ .191:‬وقال‬ ‫‪!..‬‬ ‫فال تعالى هو الخالق لهذا الكون وما فيه؛ وبالتالي فهو المعبود بحق ‪ ..‬ل شريك له ‪..‬‬ ‫وهو وحده له الحكم والمر دون أحدٍ سواه‬ ‫ك اللّهُ‬ ‫خلْقُ وَالَْأ ْمرُ َتبَا َر َ‬ ‫‪ ،‬كما قال تعالى‪ :‬أَل لَهُ الْ َ‬ ‫َربّ ا ْلعَاَلمِينَ ‪‬العراف‪ .54:‬فمالك الملك الذي له الخلق ‪ ..‬هو الذي له المر وحده ‪ ..‬وهو‬ ‫الذي يجب أن يُطاع في ما يأمر به وينهى عنه ‪ ..‬أما الذي ل يخلق وهو يُخلق ‪ ..‬ول يَملك‬ ‫‪131‬‬ ‫وهو يُملك ‪ ..‬ل يجوز أن يكون له شيء من المر ‪ ..‬كما ل يجوز أن يُطاع في شيء مما يأمر‬ ‫به فيما ل يملكه ول يخلقه!‬ ‫فالمر الناهي هو الخالق المالك ‪ ..‬أما الذي ل يخلق ول يملك ‪ ..‬فل أمر له ول نهي!‬ ‫هنا مكمن الخلف والنزاع بين أهل الحق من أتباع النبياء والرسل ‪ ..‬وبين ما سواهم‬ ‫من الشعوب والمم الضالة ‪ ..‬التي ضلت طريق التوحيد ‪ ..‬والعبودية ل‬ ‫وحده ‪ ..‬لتقع في‬ ‫أوحال الشرك ‪ ..‬وعبودية المخلوق؛ الذي ل يملك لنفسه ضرا ول نفعا!‬ ‫كل المم والشعوب الضالة ‪ ..‬على اختلف مذاهبهم ومشاربهم ‪ ..‬وأديانهم ‪ ..‬ومسمياتهم‬ ‫‪ ..‬يشتركون في خصلة واحدة‪ ،‬وتوحدهم خصلة واحدة؛ أل وهي عبادة المخلوق من دون ال‬ ‫‪ ..‬وصرف الطاعة والتأله لهذا المخلوق من دون ال تعالى ‪ ..‬وإن اختلفوا فيما بينهم على‬ ‫صورة وشكل واسم هذا المخلوق!‬ ‫فهم وإن كانوا فرقا وشيعا شتى ‪ ..‬متنازعة ومختلفة فيما بينها ‪ ..‬إل أنهم عندما تكون‬ ‫المعركة بين أهل الحق من أتباع النبياء والرسل ‪ ..‬وبين أهل الباطل من عبدة الوثان‬ ‫والطواغيت ‪ ..‬تراهم جميعا صفا واحدا ضد الحق وأهله؛ لشتراكهم جميعا في خصلة واحدة؛‬ ‫وهي عبادة المخلوق من دون الخالق ‪ ..‬بغض النظر عن صفة وشكل هذا المخلوق ‪ ..‬كما قال‬ ‫ضهُمْ َأ ْوِليَاءُ َبعْضٍ ‪‬المائدة‪.51:‬‬ ‫تعالى‪َ :‬ب ْع ُ‬ ‫‪‬‬ ‫فالذي يوحدهم على الحق وأهله الشرك بال‬ ‫‪ ..‬وعبادة الطاغوت!‬ ‫ال تعالى يقول لعباده أنا المعبود المطاع ‪ ..‬لنني أنا الخالق المالك ‪ ..‬وحقي عليكم أن‬ ‫خلَ ْقتُ الْجِنّ وَالْ ِأ ْنسَ ِإلّا ِل َي ْعبُدُونِ ‪‬الذريات‪ .56:‬وقال تعالى‪ :‬‬ ‫شيئا‪َ :‬ومَا َ‬ ‫‪‬‬ ‫تعبدوني ل تُشركوا بي‬ ‫حنَفَاءَ َويُقِيمُوا الصّلةَ َو ُي ْؤتُوا ال ّزكَاةَ وَ َذِلكَ دِينُ‬ ‫خِلصِينَ لَهُ الدّينَ ُ‬ ‫َومَا ُأ ِمرُوا ِإلّا ِل َي ْعبُدُوا اللّهَ مُ ْ‬ ‫الْ َق ّيمَةِ ‪‬البينة‪.5:‬‬ ‫فيأتي الطاغوت المخلوق المملوك الضعيف الذي ل يملك لنفسه نفعا ول ضرا إل ما شاء‬ ‫ال ـ على اختلف صوره ومسمياته ـ فيقول‪ :‬ل ‪ ..‬بل أنا المعبود المطاع من دون ال ‪ ..‬ما‬ ‫علمت لكم من إله ومشرع ترجعون إليه في جميع شؤون حياتكم غيري ‪ ..‬ويجيش من أجل ذلك‬ ‫الجند والجيوش وكل من يدخل في حلفه وطاعته من دون ال!‬ ‫ومن خصائص ال تعالى وصفاته أنه غيور ‪ ..‬يغار على حرماته وعلى حقه على‬ ‫عباده ‪ ..‬فل أحد أغير منه‬ ‫على الحرمات وعلى العباد‪ ،‬كما في الحديث الصحيح‪ ":‬ل أحد‬ ‫‪132‬‬ ‫أغير من ال‪ ،‬ولذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن‪ ،‬ول أحد أحب إليه العذر من ال‪،‬‬ ‫من أجل ذلك أنزل الكتاب‪ ،‬وأرسل الرسل "‪.‬‬ ‫كما أنه‬ ‫يبغض الظلم ويحرمه ‪ ..‬ولشيء يُغضبه ويُسخطه كظلم الشرك ‪ ..‬وظلم‬ ‫الطواغيت التي تستشرف خصائص اللهية وتُعبد من دون ال؛ لنه ظلم عظيم لحق ال تعالى‬ ‫ن اللّهَ ل‬ ‫ظلْمٌ عَظِيمٌ ‪‬لقمان‪ .13:‬وقال تعالى‪ :‬إِ ّ‬ ‫ش ْركَ لَ ُ‬ ‫على عباده ‪ ..‬ولدمية النسان معا‪ :‬إِنّ ال ّ‬ ‫ش ِركْ بِاللّهِ فَقَدِ ا ْف َترَى ِإثْما عَظِيما ‪‬النساء‪:‬‬ ‫ش َركَ بِهِ َو َيغْ ِفرُ مَا دُونَ َذِلكَ ِلمَنْ يَشَاءُ َومَنْ يُ ْ‬ ‫َيغْ ِفرُ أَنْ يُ ْ‬ ‫‪.48‬‬ ‫أي ظلمٍ يعلو ظلم الطاغوت الذي يجعل من نفسه ندا ل‬ ‫‪ ..‬ويُعلن على المل وبكل‬ ‫وقاحة أنه الله المعبود ‪ ..‬وأنه الحكَم والمطاع لذاته ‪ ..‬الذي له حق التشريع والحظر والباحة‬ ‫والحكم على الشياء من دون ال ‪ ..‬وما على الناس إل أن يدخلوا في طاعته وعبادته وحزبه‬ ‫من دون ال‬ ‫‪..‬؟!‬ ‫أي ظلم يعلو ظلم العبد وهو يقول لربه وخالقه ومالكه والمتفضل عليه بالنعم التي ل‬ ‫تُحصى‪ :‬أنت لست معبودي ‪ ..‬ول حق لك علي ‪ ..‬وإنما معبودي الذي له كامل الحق علي ذلك‬ ‫الطاغوت من البشر أو الحجر أو البقر ‪!!..‬‬ ‫أي ظلم يعلو ظلم العبد وهو يقول لخالقه ـ رغم اليات الباهرات الدالة عليه‬ ‫والتي‬ ‫ل تُحصى ـ‪ :‬ل حجة لك علي ‪ ..‬وإنما الحجة الكاملة للطاغوت ‪!!..‬‬ ‫إن مقتضيات أسماء ال الحسنى وصفاته العليا ل تقبل هذا الظلم والزور ‪ ..‬والجحود ‪..‬‬ ‫لجل ذلك شرع ال تعالى الجهاد ‪!...‬‬ ‫أمر عباده الموحدين الذين استجابوا لدعوة النبياء والرسل ‪ ..‬بأن يُجاهدوا المشركين‬ ‫الذين ضلوا عن عبادته وتوحيده وعبدوا الطاغوت من دونه ‪ ..‬ليأطروهم إلى الحقّ أطرا ‪..‬‬ ‫وليخرجوهم من ظلم الشرك وظلماته إلى عدل التوحيد ونوره ‪ ..‬ولهم مقابل ذلك رضوانه‬ ‫تعالى والجنة ‪ ..‬أنعم به من ثمن!‬ ‫سبِيلِ‬ ‫جنّةَ يُقَا ِتلُونَ فِي َ‬ ‫سهُمْ َوَأ ْموَاَلهُمْ بِأَنّ َلهُمُ الْ َ‬ ‫ش َترَى مِنَ ا ْل ُم ْؤ ِمنِينَ َأنْفُ َ‬ ‫ن اللّهَ ا ْ‬ ‫تعالى‪ :‬إِ ّ‬ ‫‪‬‬ ‫قال‬ ‫عَليْهِ حَقّا فِي ال ّت ْورَاةِ وَالِْإنْجِيلِ وَالْ ُقرْآنِ َومَنْ َأوْفَى ِب َعهْ ِدهِ مِنَ اللّهِ‬ ‫اللّهِ َفيَ ْق ُتلُونَ َويُ ْق َتلُونَ وَعْدا َ‬ ‫شرُوا ِب َب ْي ِعكُمُ الّذِي بَا َي ْعتُمْ بِهِ وَ َذِلكَ ُهوَ الْ َفوْزُ ا ْلعَظِيمُ ‪‬التوبة‪.111:‬‬ ‫س َتبْ ِ‬ ‫فَا ْ‬ ‫‪133‬‬ ‫أمر عباده الموحدين بأن يقصدوا المشركين ‪ ..‬ليخرجوهم ـ ولو بالسلسل ـ من‬ ‫حظيرة الشرك والضياع ‪ ..‬ليأتوا بهم إلى حظيرة العبودية والتوحيد ‪ ..‬والخضوع ‪ ..‬ومن‬ ‫السبيل الذي ينتهي بهم إلى النار وجحيمها إلى السبيل الذي ينتهي بهم إلى الجنة ونعيمها ‪ ..‬ولو‬ ‫استدعى المر إلى الجهاد والقتال ‪ ..‬فإن الفتنة أشد من القتل والقتال‪.‬‬ ‫علَى ا ْلبَاطِلِ َفيَ ْد َمغُهُ فَإِذَا ُهوَ زَاهِقٌ َوَلكُمُ ا ْل َويْلُ ِممّا َتصِفُونَ ‪‬‬ ‫تعالى‪ :‬بَلْ نَقْ ِذفُ بِالْحَقّ َ‬ ‫‪‬‬ ‫قال‬ ‫النبياء‪ .18:‬فمن الحقّ الذي يقذف ال تعالى به الباطل وأهله جندَ التوحيد وأهله‪.‬‬ ‫وفي الحديث فقد صح عن النبي‬ ‫أنه قال‪ ":‬عجبت لقوامٍ يُساقون إلى الجنة في‬ ‫السلسل وهم كارهون "‪ .‬وفي رواية‪ ":‬عجب ربنا‬ ‫من قومٍ يُقادون إلى الجنة في السلسل "‪.‬‬ ‫هذا المعنى هو الذي أراده الصحابي الجليل ربعي بن عامر عندما أجاب ملك بلد فارس‬ ‫لما سأله عن العلة التي حملتهم على الجهاد والقتال ‪ ..‬وغزو فارس في عقر دارهم‪ ،‬فقال له‪:‬‬ ‫لقد ابتعثنا ال تعالى لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد‪ ،‬ومن جور الديان إلى‬ ‫عدل السلم ‪!..‬‬ ‫ل توجد لنا غاية أخرى حملتنا على غزو بلدكم سوى هذه الغاية ‪ ..‬ول يوجد سبب آخر‬ ‫حملنا على غزو بلدكم سوى ما أنتم عليه من ظلم الشرك ‪ ..‬وعبودية العبيد للعبيد ‪ ..‬وهذا هو‬ ‫المعنى الحقيقي للجهاد في سبيل ال الذي أمرنا ال تعالى به‪.‬‬ ‫ل حظوظ فيه للنفس ‪ ..‬ول أطماع ول مآرب أخرى ‪ ..‬سوى إخراج العباد من عبادة‬ ‫العباد إلى عبادة رب العباد ‪ ..‬فإن تحقق ذلك ‪ ..‬تحقق السلم والمان ‪ ..‬وتصافت النفوس‬ ‫وتآخت وتحابت في ال مهما كان بينها قبل ذلك من جراحات ودماء وثارات!‬ ‫خوَا ُنكُمْ فِي الدّينِ َونُ َفصّلُ الْآياتِ‬ ‫تعالى‪ :‬فَإِنْ تَابُوا َوأَقَامُوا الصّلةَ وَآ َتوُا ال ّزكَاةَ فَإِ ْ‬ ‫‪‬‬ ‫كما قال‬ ‫لِ َقوْمٍ َي ْعَلمُونَ ‪‬التوبة‪ .11:‬فتنقلب العداوة مباشرة ـ إن تابوا وأقاموا الصلة ـ إلى أخوة متحابين‬ ‫في ال والدين‪.‬‬ ‫سنَةٌ فِي ِإ ْبرَاهِيمَ وَالّذِينَ َمعَهُ إِذْ قَالُوا لِ َق ْو ِمهِمْ ِإنّا ُبرَآءُ‬ ‫س َوةٌ حَ َ‬ ‫وقال تعالى‪ :‬قَدْ كَا َنتْ َلكُمْ أُ ْ‬ ‫حتّى ُت ْؤ ِمنُوا‬ ‫ن اللّهِ كَ َف ْرنَا ِبكُمْ َوبَدَا َب ْي َننَا َو َب ْي َنكُمُ ا ْلعَدَا َوةُ وَا ْل َب ْغضَاءُ َأبَدا َ‬ ‫ِم ْنكُمْ َو ِممّا َت ْعبُدُونَ مِنْ دُو ِ‬ ‫بِاللّهِ وَحْ َدهُ ‪‬الممتحنة‪ .4:‬فهذه العداوة مستمرة أبدا ـ عبر الزمان كلها وإلى أن تقوم الساعة ـ‬ ‫بين أتباع النبياء والرسل وبين الطواغيت وأتباعهم ‪ ..‬إلى أن يعبدوا ال تعالى وحده ‪ ..‬فإن‬ ‫‪134‬‬ ‫آمنوا وعبدوا ال تعالى وحده وتبرؤوا مما هم فيه من الشرك ‪ ..‬ذهبت العداوة والبغضاء وحلت‬ ‫محلهما المحبة والخاء!‬ ‫وفي غزوة أحد لما جُرح وجه النبي‬ ‫البيضة على رأسه‪ ،‬وجعل الدم يسلت عنه‬ ‫رباعيته‪ ،‬وهو يدعوهم إلى ال "!‬ ‫فأنزل ال‬ ‫‪ ،‬وكُسرت رُباعيته‪ ،‬وشُج في رأسه‪ ،‬وهُشمت‬ ‫وهو يقول‪ ":‬كيف يُفلح قوم شجوا نبيهم وكسروا‬ ‫عَل ْيهِمْ َأوْ ُيعَ ّذ َبهُمْ َفِإ ّنهُمْ ظَاِلمُونَ ‪‬آل‬ ‫شيْءٌ َأوْ َيتُوبَ َ‬ ‫إليه‪َ :‬ل ْيسَ َلكَ مِنَ الَْأ ْمرِ َ‬ ‫‪‬‬ ‫عمران‪ .128:‬أي أن المر كله ل تعالى ‪ ..‬أما أنت يا محمد فإنك عبد ال ورسوله ‪ ..‬فليس لك‬ ‫من المر شيء ‪ ..‬فليس لك أنت ومن تبعك من المؤمنين سوى المضي لمري ‪ ..‬والصبر على‬ ‫جهاد من عصاني وعبد غيري إلى أن يدخل في طاعتي وعبادتي ‪ ..‬فأنا ابتعثتك وجميع النبياء‬ ‫عبُدُوا اللّهَ‬ ‫والرسل من قبلك لجل ذلك‪ ،‬كما قال تعالى‪َ :‬ولَقَدْ َب َع ْثنَا فِي كُلّ ُأمّةٍ رَسُولً أَنِ ا ْ‬ ‫ج َت ِنبُوا الطّاغُوتَ ‪‬النحل‪.36:‬‬ ‫وَا ْ‬ ‫سبِيلِ الطّاغُوتِ‬ ‫ل اللّهِ وَالّذِينَ كَ َفرُوا يُقَا ِتلُونَ فِي َ‬ ‫سبِي ِ‬ ‫وقال تعالى‪ :‬الّذِينَ آ َمنُوا يُقَا ِتلُونَ فِي َ‬ ‫ضعِيفا ‪‬النساء‪  .76:‬الّذِينَ آ َمنُوا ‪  ‬وَالّذِينَ كَ َفرُوا ‪ ‬من‬ ‫ن َ‬ ‫شيْطَانِ كَا َ‬ ‫شيْطَانِ إِنّ َكيْدَ ال ّ‬ ‫فَقَا ِتلُوا َأ ْوِليَاءَ ال ّ‬ ‫صيغ العموم؛ أي كل الذين آمنوا يقاتلون في سبيل ال ‪ ..‬ول يجوز لهم غير ذلك ‪ ..‬وكل الذين‬ ‫كفروا بجميع طوائفهم ومللهم وعلى اختلف راياتهم ومسمياتهم ‪ ..‬ومواقعهم ‪ ..‬يُقاتلون في‬ ‫سبيل الطاغوت ‪ ..‬فالقتال في سبيل الطاغوت سمة مشتركة بين جميع ملل الكفر والشرك‪.‬‬ ‫هذا المعنى لغايات ومقاصد الجهاد في السلم ‪ ..‬يجب أن يعرفه العدو المحارب ‪ ..‬كما‬ ‫يجب أن ل يسهو عنه المجاهد وهو في غمرات الغزو والجهاد في سبيل ال‪.‬‬ ‫وآخر دعوانا أن الحمد ل رب العالمين‪.‬‬ ‫‪ 4/11/1423‬هـ‪.‬‬ ‫‪ 6/1/2003‬م‪.‬‬ ‫عبد المنعم مصطفى حليمة‬ ‫أبو بصير‬ ‫‪www.abubaseer.com‬‬ ‫**********‬ ‫‪135‬‬ ‫‪ :‬ويقول أبو قتادة‬ ‫لماذا الجهاد لماذا الجهاد‬ ‫[الكاتب؛ أبو قتادة الفلسطيني]‬ ‫خلْقَةٍ وتكوين‪ ،‬قال اللـه تعالى‪:‬‬ ‫لقد كتب اللـه في الزل أن يخلقَ النسان خلقا سويّا في أحسن ِ‬ ‫حمْلِ المانة‪،‬‬ ‫{لقد خلقنا النسانَ في أحسنِ تقويم}‪ ،‬فأبدعه أيّما إبداع‪ ،‬ثمّ جعله مناطَ التكليف و َ‬ ‫قال تعالى‪ { :‬إنّا عرضنا المانة على السموات والرض والجبال فأبينَ أن يحملنها وأشفقنَ منها‬ ‫وحملها النسان إنّه كان ظلوما جهولً} ‪ .‬وليس الظلم والجهل بسبب حملها‪ ،‬ولكنّه بجهله في‬ ‫قيمة هذه المانة‪ ،‬وبظلمه لحقّها‪.‬‬ ‫وأكرم اللـه هذا المخلوق بأن سخّر له كلّ شيءٍ خلقه من سموات وأرض‪ ،‬قال تعالى‪ { :‬ألم‬ ‫تروا أنّ ال سخّر لكم ما في السموات والرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرةً وباطنة} وقال تعالى‪:‬‬ ‫{وسخّر لكم ما في السموات والرض جميعا منه إن في ذلك ليات لقوم يتفكّرون}‪ ،‬فقد خلق‬ ‫اللـه كلّ شيء خدمةً للنسان‪ ،‬وجعل الُ النسانَ له وحده من أجل عبادته‪ ،‬قال تعالى‪{ :‬وما‬ ‫ن والنسَ إلّ ليعبدون‪ ،‬ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون‪ ،‬إنّ ال هو‬ ‫خلقتُ الج ّ‬ ‫ل اللـه‬ ‫الرزّاق ذو القوّة المتين}‪ ،‬وقد أخذ اللـه على النسان العهود والمواثيق أن ل يعبد إ ّ‬ ‫تعالى‪ ،‬قال ربّنا جلّ في عُله‪ { :‬وإذ أخذ ربّك من بني آدم من ظهورهم ذرّيتهم وأشهدهم على‬ ‫أنفسهم ألستُ بربّكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنّا كنّا عن هذا غافلين‪ ،‬أو تقولوا إنّما‬ ‫أشرك آباؤنا من قبلُ وكنّا ذرّيةً من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون} ‪.‬‬ ‫وروى المامان البخاري ومسلم عن أنس بن مالك عن النبيّ صلى ال عليه وسلم قال‪ ( :‬يقالُ‬ ‫للرجل من أهل النار يوم القيامة‪ :‬أرأيت لو كان لك ما على الرض من شيء أكنتَ مفتديا به؟‬ ‫قال فيقول‪ :‬نعم‪ .‬فيقول‪ :‬قد أردّت منك أهون من ذلك‪ ،‬قد أخذت عليك في ظهر آدم أن ل تشركَ‬ ‫بي شيئا فأبيت إلّ أن تشرك بي‪ .‬وقال ابن عبّاس رضي اللـه عنهما‪ :‬إنّ اللـه تعالى أخذ‬ ‫الميثاق من ظهر آدم عليه السلم بنعمان يوم عرفة‪ ،‬فأخرج من صلبه كلّ ذريّة ذرأها فنثرها‬ ‫بين يديه ثمّ كلّمهم قبلً ‪ ،‬قال تعالى { ألست بربّكم قالوا بلى شهدنا} )‪[ .‬صحيح من قول ابن‬ ‫عبّاس كما قال ابن كثير رحمه اللـه تعالى]‪.‬‬ ‫وقد قدّر اللـه تعالى أن ينقسم البشر في عبوديّتهم له إلى فريقين‪ :‬فريقٍ أوفياء لهذه العبوديّة‪،‬‬ ‫وفريقٍ آخر سينكرونها ويتنكّبون عن صراطها‪ ،‬ولتذكير الناس بالميثاق أرسل اللـه الرسل‬ ‫‪136‬‬ ‫وأنزل الكتب‪ ،‬قال تعالى‪{ :‬رسلً مبشّرين ومنذرين لئلّ يكون للناس على ال حجّة بعد الرسل‬ ‫وكان ال عزيزا حكيما} ‪.‬‬ ‫وقال أبيّ بن كعب ‪ ،‬في تفسير آية الميثاق السابقة ‪ ( :‬يقول اللـه تعالى‪ :‬فإنّي أشهد عليكم‬ ‫السموات السبع والرضين السبع وأشهد عليكم أباكم آدم أن تقولوا يوم القيامة لم نعلم بهذا‪،‬‬ ‫إعلموا أنّه ل إله غيري ول ربّ غيري ول تشركوا بي شيئا‪ ،‬وإنّي سأرسل إليكم رسلً‬ ‫ليذكّروكم بعهدي وميثاقي وأنزل عليكم كتبي‪ .‬قالوا‪ :‬نشهد إنّك ربّنا وإلهنا‪ ،‬ل ربّ لنا غيرك‪،‬‬ ‫ول إله لنا غيرك‪ ،‬فأقرّوا له يومئذٍ بالطاعة‪ ،‬ورفع أباهم آدم فنظر إليهم فرأى فيهم الغنيّ‬ ‫والفقير وحسن الصورة ودون ذلك‪ .‬فقال آدم‪ :‬يا ربّ لو سوّيتَ بين عبادك‪ .‬قال‪ :‬إنّي أحببت أن‬ ‫أُشكر‪ ،‬ورأى فيهم النبياء مثل السرج‪ ،‬عليهم النور) ‪[ .‬رواه عبداللـه في مسند أبيه وصحّحه‬ ‫الحاكم وهو كما قال] ‪.‬‬ ‫وقد جعل اللـه تعالى للطائع مستقرّا هي جنّته‪ ،‬وللذين رفضوا مستقرّا هي النار‪ ،‬قال تعالى‪:‬‬ ‫{للذين استجابوا لربّهم الحسنى‪ ،‬والذين لم يستجيبوا لو أنّ لهم ما في الرض جميعا ومثله معه‬ ‫لفتدوا به أولئك لهم سوء الحساب ومأواهم جهنّم وبئس المهاد} [الرعد‪.]18 :‬‬ ‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ ( :‬يقول ال تعالى‬ ‫وفي الصحيحين من حديث أنس بن مالك‪ ،‬عن النب ّ‬ ‫لهونِ أهل النار عذابا يوم القيامة‪ :‬لو أنّ لك ما في الرض من شيء أكنت تفتدي به؟ فيقول‪:‬‬ ‫نعم‪ ،‬فيقول‪ :‬أردّت منك أهون من هذا وأنت في صلب آدم أن ل تشرك بي شيئا فأبيت إلّ أن‬ ‫تشرك بي ) ‪.‬‬ ‫قال تعالى‪{ :‬أفمن يعلم أنّما أُنزِل إليك من ربّك الحقّ كمن هو أعمى إنّما يتذكّر أولو اللباب‪،‬‬ ‫الذين يوفون بعهد ال ول ينقضون الميثاق والذين يصلون ما أمر ال به أن يوصل ويخشون‬ ‫ربّهم ويخافون سوء الحساب‪ ،‬والذين صبروا ابتغاء وجه ربّهم وأقاموا الصلة وأنفقوا ممّا‬ ‫رزقناهم سرّا وعلنيةً ويدرأون بالحسنة السيّئة أولئك لهم عقبى الدار‪ ،‬جنّات عدنٍ يدخلونها‬ ‫ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرّياتهم والملئكة يدخلون عليهم من كلّ باب سلمٌ عليكم بما‬ ‫صبرتم فنعم عقبى الدار‪ ،‬والذين ينقضون عهد ال من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر ال به أن‬ ‫يوصل ويفسدون في الرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار} [الرعد‪.]25-19 :‬‬ ‫وهكذا ستكون نهاية هذا النسان بقسميه‪.‬‬ ‫مهمّـة النبــياء وأتــباعهم ‪:‬‬ ‫‪137‬‬ ‫قال تعالى‪{ :‬شرع لكم من الدين ما وصّى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصّينا به إبراهيم‬ ‫وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ول تتفرّقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه} [الشورى‪:‬‬ ‫‪.]13‬‬ ‫فقد أمر اللـه النبياء بإقامة الدين وهو العمل به في أنفسهم وفي الناس‪ ،‬ولذلك أمرهم بالدعوة‬ ‫والتبيين والنذارة فقال سبحانه وتعالى‪{ :‬رسلً مبشّرين ومنذرين} [النساء‪ ،]165 :‬فمهمّة النبياء‬ ‫هداية الخلق وتعليمهم ما يحبّه ربّنا ويغضبه ‪ ،‬قال تعالى‪{ :‬إنّما أنت منذرٌ ولكلّ قوم هاد}‬ ‫[الرعد‪.]7 :‬‬ ‫وقال تعالى‪{ :‬إنّك لتهدي إلى صراطٍ مستقيم} وهذه هداية الدعوة والدللة والرشاد‪ ،‬وأنزل معهم‬ ‫الكتب وعلمهم الحكمة‪ ،‬قال تعالى‪{ :‬وإذ أخذ ال ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة} [آل‬ ‫عمران‪.]81 :‬‬ ‫وقذف اللـه في قلوب النبياء الرحمة على الخلق والرغبة الشديدة في هدايتهم كما قال تعالى‪:‬‬ ‫{فلعلّك باخعٌ نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا} [الكهف‪ ،]6 :‬وقد سمّى اللـه‬ ‫نبيّه محمّدا بالرؤوف الرحيم‪ ،‬قال تعالى‪{ :‬بالمؤمنين رؤوف رحيم} [التوبة‪.]128 :‬‬ ‫وكان آخر النبياء هو نبيّنا محمّد صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬وهو خاتمهم‪ .‬قال تعالى‪{ :‬ما كان‬ ‫محمّدٌ أبا أحدٍ من رجالكم ولكن رسول ال وخاتم النبيّين} [الحزاب‪. ]40 :‬‬ ‫وقال صلى ال عليه وسلم ‪ :‬مثلي ومثل النبياء كمثل رجلٍ بنى دارا فأكملها وأحسنها إلّ‬ ‫موضع لبنة‪ ،‬فجعل الناس يدخلونها يتعجّبون ويقولون‪ :‬لول موضع اللبنة‪ .‬رواه البخاري‪ ،‬وزاد‬ ‫مسلم‪ :‬قال رسول اللـه ‪ :‬فأنا موضع اللبنة‪ ،‬جئت فختمت النبياء‪.‬‬ ‫وروى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة قال‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ ( :‬نحن‬ ‫الخرون ونحن السابقون يوم القيامة‪ ،‬بيد أنّ كلّ أمّة أوتيت الكتاب من قبلنا وأوتيناه من‬ ‫بعدهم ) ‪.‬‬ ‫وقد أُرسلَ محمّدٌ صلى ال عليه وسلم إلى جميع الخلق‪ ،‬من أبيضٍ وأسودٍ وأحمر‪ ،‬وإلى العرب‬ ‫والعجم‪ ،‬وإلى الوثنيين واليهود والنصارى ‪ ،‬قال تعالى‪{ :‬وما أرسلناك إلّ كافّة للناس بشيرا‬ ‫ونذيرا} [سبأ‪ ،]28 :‬وقال عليه الصلة والسلم‪ ( :‬والذي نفس محمّد بيده‪ ،‬ل يسمع بي أحد من‬ ‫هذه المّة يهوديّ ول نصرانيّ ثمّ يموت ولم يؤمن بالذي أُرسِلتُ به إلّ كان من أهل النار ) ‪.‬‬ ‫‪138‬‬ ‫[رواه مسلم]‪ ،‬وقال صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬فيه كذلك‪ ( :‬وكان الرسول يبعث في قومه خاصّة‬ ‫و ُبعِثتُ إلى الناس عامّة ) ‪.‬‬ ‫الطـــائفة المـــنصورة وظـــهور الـــدين ‪:‬‬ ‫وقد كتب اللـه تعالى لدينه الظهور والرفعة والغلبة بالحجّة والبيان وبالسيف والسنان‪ ،‬قال‬ ‫تعالى‪{ :‬هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون}‬ ‫[الصفّ‪ ،]9 :‬وقد جاء ( ابتلًء للناس‪ ،‬قال ‪ :‬إنّي مبتليك ومُبتلٍ بك [رواه مسلم]‪.‬‬ ‫ومن أجل إقامة الدين وحصول الرفعة والغلبة أرسل اللـه مع نبيّه الكتاب والميزان والحديد‪.‬‬ ‫سلَنا بالبيّنات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط‪ ،‬وأنزلنا‬ ‫قال تعالى‪{ :‬لقد أرسلنا رُ ُ‬ ‫سلَه بالغيب‪ ،‬إن ال لقويّ عزيز}‬ ‫صرُه ور ُ‬ ‫الحديد فيه بأسٌ شديد ومنافع للناس وليعلم ال من ين ُ‬ ‫[الحديد‪.]25 :‬‬ ‫فكتابه يهدي إلى الحقّ‪ ،‬والحديد يُقوّم من خرج عنه‪ ،‬والناس ل يُصلِحُهم إلّ هذا‪ ،‬ومتى ضعف‬ ‫في الناس أحدُ المرين ‪-‬الكتاب والحديد‪ -‬حصل الفساد والخراب‪ ،‬قاصلى ال عليه وسلم ‪:‬‬ ‫ُبعِثتُ بالسيف بين يدي الساعة حتّى يُعبَ َد اللـه وحده‪.‬‬ ‫فكان هذا ميراثه في أمّته‪ :‬الكتاب الهادي والسيف المانع المقوّم‪ ،‬فكان الناس قسمين‪ :‬علماء‬ ‫وأهل جهاد‪ ،‬وقد جمع اللـه هاتين الفضيلتين لخير الخلق بعد النبياء وهم الصحابة ‪ ،‬قال‬ ‫تعالى‪{ :‬محمّد رسول ال والذين معه أشدّاء على الكفّار رحماءُ بينهم تراهم ركّعا سجّدا يبتغون‬ ‫فضلً من ال ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة‪ ،‬ومثلهم في‬ ‫النجيل كزرعٍ أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزرّاع ليغيظ بهم الكفّار}‬ ‫[الفتح‪. ]29 :‬‬ ‫وقال عليه الصلة والسلم ‪ :‬إنّ العلماء ورثة النبياء‪ ،‬وإنّ النبياء لم يورثوا دينارا ول درهما‬ ‫وإنّما ورثوا العلم‪ ،‬فمن أخذه أخذ بحظٍ عظيم وافر [رواه الترمذيّ وهو حسن] ‪.‬‬ ‫فكما أمر اللـه تعالى نبيّه بالقتداء في النبياء كما قال تعالى {أولئك الذين هدى ال فبهداهم‬ ‫اقتده} [النعام‪ ]90 :‬فكذلك أمر اللـه أمّة محمّ ٍد صلى ال عليه وسلم أن تقتدي به‪ ،‬فأسرع‬ ‫الناسُ في التسابق في أخذ ميراثه وإقامته في أنفسهم وفي الناس‪.‬‬ ‫فمن أقبل على دين اللـه يريده ويبتغيه علّموه وفقّهوه كما قال عليه الصلة والسلم ‪ :‬نضّر‬ ‫اللـه امرءً سمع مقالتي فوعاها وأدّاها كما سمعها [رواه الترمذي وغيره]‪ ،‬ومن أعرض عنه‬ ‫‪139‬‬ ‫قاتلوه حتّى يخضع لحكم اللـه تعالى ‪ ،‬كما قال تعالى‪{ :‬قاتلوا الذين ل يؤمنون بال ول باليوم‬ ‫الخر ول يحرّمون ما حرّم ال ورسوله ول يدينون دين الحقّ من الذين أوتوا الكتاب حتّى‬ ‫يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون} [التوبة‪.]29 :‬‬ ‫وهكذا كان دور أتباع محمّد ‪ ،‬وهذا كان عملهم‪ ،‬هداية الخلق إلى الحقّ وتقويم من أعرض‬ ‫وتعدّى‪ ،‬ل عمل لهم في حقيقة المر إلّ هذا‪ ،‬فلمّا توفيّ رسول اللـه انتشر الصحابة في الفاق‬ ‫فخرج جيش أسامة لقتال الروم‪ ،‬وخرجت جموع الصحابة لقتال من ارتدّ من العرب عن‬ ‫السلم‪ ،‬ثمّ حملوا هذا الدين للتابعين ثمّ جيلً بعد جيل‪ .‬قال عليه الصلة والسلم ‪ :‬يحمل هذا‬ ‫خَلفٍ عُدولُه‪ ،‬ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين [رواه‬ ‫العلم من كلّ َ‬ ‫جماعة من الصحابة وصحّحه المام أحمد وابن القيّم]‪ ،‬فكان مداد العلماء ودماء الشهداء هما‬ ‫أحبّ ما يتقرّب به إلى اللـه تعالى‪ ،‬مداد العلماء لهداية الخلق وتعليمهم السنّة وكشف البدعة‬ ‫ونشر الحقّ‪ ،‬ودماء الشهداء من أجل نشر التنزيل وحفظ التأويل‪ ،‬وكلّما أظهر الناس بدعة قام‬ ‫لها العلماء حقّ القيام فأزالوا عنها زيفها ونفّروا الناس منها‪ ،‬وكلما جهل الناس سنّة أظهروها‬ ‫وعلّموها المّة‪ ،‬وكلّما خرج عن هذه المّة من داخلها من يريد لها شرّا أو جاء من خارجها‬ ‫ليستبيح بيضتها قاموا له بالسيف حتّى يكسروا له قرنه ويردّوه على عقبيه ويدخلوه حجره‪.‬‬ ‫كذا فعل الصدّيق مع المرتدّين‪ ،‬وكذا فعل عليّ بن أبي طالب مع الخوارج إذ أرسل لهم‬ ‫عبداللـه بن عبّاس فناظرهم حتى ردّ أكثرهم ثمّ قاتلهم حتّى قتل منهم مقتلةً عظيمة‪ ،‬وهكذا فعل‬ ‫ق والهدى‬ ‫عمر بن عبدالعزيز معهم‪ ،‬وقد كتب اللـه تعالى بقاء طائفة منصورة قائمة بالح ّ‬ ‫وحاملةً للسيف والسنان إلى قيام الساعة‪.‬‬ ‫قال عليه الصلة والسلم ‪ :‬ل تزال طائفة من أمّتي يقاتلون على الحقّ ظاهرين إلى يوم القيامة‪.‬‬ ‫قال‪ :‬فينزل عيسى بن مريم عليه السلم‪ ،‬فيقول إمامهم‪ :‬تعالى صلّ لنا‪ ،‬فيقول‪ :‬ل‪ ،‬إنّ بعضكم‬ ‫على بعض أمراء تكرمة اللـه هذه المّة‪ .‬رواه مسلم من حديث جابر بن عبداللـه ‪ ،‬وفيه عن‬ ‫عقبة بن عامر قال‪ :‬قال رسول اللـه ‪ :‬ل تزال عصابة من أمّتي يقاتلون على أمر اللـه‬ ‫قاهرين لعدوّهم‪ ،‬ل يضرّهم من خالفهم حتّى تأتي الساعة وهم على ذلك‪.‬‬ ‫وهؤلء في كلّ وقت غرباء‪ .‬وروى الترمذي في سننه وقال‪ :‬حسن صحيح أنّ رسول ال صلى‬ ‫ال عليه وسلم قال‪ :‬إنّ الدين بدأ غريبا‪ ،‬ويرجع غريبا‪ ،‬فطوبى للغرباء‪ ،‬الذين يصلحون ما أفسد‬ ‫الناس من بعدي من سنّتي‪ .‬وفي رواية أخرى عند غيره قال عنهم‪ :‬الفرّارون بدينهم يجتمعون‬ ‫‪140‬‬ ‫إلى عيسى عليه السلم‪ ،‬وفي رواية‪ :‬ناس صالحون قليل في ناس سوء كثير من يعصيهم أكثر‬ ‫ممّن يطيعهم‪.‬‬ ‫ق والهدى‪ ،‬ل يكتمون الناس شيئا كما قال تعالى‪{ :‬وإذ‬ ‫فورّاث النبيّ صنفان‪ :‬علماء دعاة إلى الح ّ‬ ‫أخذ ال ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيّننّه للناس ول تكتمونه} [آل عمران‪ ،]187 :‬وقد أنذر من‬ ‫علم علما أوجبه اللـه على الناس ثمّ كتمه بأن يلجمه يوم القيامة بلجام من نار كما في الحديث‬ ‫الصحيح ‪.‬‬ ‫وصنفٌ آخر هم الذين يحمون هذا العلم ويقيمونه في الناس إذا ملكتهم الهواء وهم المجاهدون‬ ‫في سبيل اللـه‪ ،‬وخير المرين هو من جمع بين الفضلين‪ ،‬وهذه هي صفة الطائفة المنصورة‪،‬‬ ‫فهي طائفة علم وجهاد‪ .‬قال عليه الصلة والسلم ‪ :‬ما من نبيّ بعثه اللـه في أمّة قبلي إلّ كان‬ ‫له من أمّته حواريّون وأصحاب يأخذون بسنّته ويقتدون بأمره‪ ،‬ثمّ إنها تخلف من بعدهم خلوف‬ ‫يقولون ما ل يفعلون‪ ،‬ويفعلون ما ل يؤمرون‪ ،‬فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن‪ ،‬ومن جاهدهم‬ ‫بلسانه فهو مؤمن‪ ،‬ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن [رواه مسلم من حديث عبداللـه بن مسعود ]‪.‬‬ ‫وكان العلماء على الدوام هم حجّة اللـه على هذه المّة‪ ،‬كما كان شأن المام أحمد رحمه اللـه‬ ‫تعالى في فتنة خلق القرآن‪ ،‬إذ وقف لهذه الفتنة التي كادت تعصف بالمّة وتخرجها إلى الشرك‬ ‫والكفران موقف السد الذي يحمي ذمامه فنصره اللـه وأيّده‪ ،‬وكما هو موقف علماء المالكيّة‬ ‫من أتباع سحنون في فتنة الباطنيّة العبيدية حين قاتلوهم وكشفوا زندقتهم‪ .‬قال الرعينيّ في‬ ‫كتابه‪ :‬أجمع علماء القيروان‪ :‬أبو محمّد بن أبي زيد‪ ،‬وأبو الحسن القابسيّ‪ ،‬وأبو القاسم بن‬ ‫شبلون‪ ،‬وأبو علي بن خلدون وأبو محمد الطبيقي وأبو بكر بن عذرة‪ :‬أنّ حال بني عبيد‪ ،‬حال‬ ‫المرتدّين والزنادقة‪ ،‬فحال المرتدّين بما أظهروه من خلف الشريعة فل يورثون بالجماع‪،‬‬ ‫وحال الزنادقة‪ :‬بما أخفوه من التعطيل‪ ،‬فيقتلون بالزندقة [ترتيب المدارك‪ ،‬جـ ‪.]7/247‬‬ ‫وخرج العلماء لقتالهم‪ .‬قال أبو الفرج ابن الجوزي‪ :‬أقام جوهر (الصقلي نائب العبيديين في‬ ‫مصر) القائد لبي تميم صاحب مصر أبا بكر النابلسي (المام القدوة) وقال له‪ :‬بلغنا أنّك قلت‪:‬‬ ‫إذا كان مع الرجل عشرة أسهم‪ ،‬وجب أن يرمي في الروم سهما وفينا تسعة؟ قال‪ :‬ما قُلت هذا‪،‬‬ ‫بل قلت‪ :‬إذا كان معه عشرة أسهم وجب أن يرميكم بتسعة وأن يرمي العاشر فيكم أيضا‪ ،‬فإنّكم‬ ‫غيّرتم الملّة‪ ،‬وقتلتم الصالحين‪ ،‬وادّعيتم نور اللهية‪ ،‬فشهره ثمّ ضربه ثمّ أمر يهوديّا فسلخه‬ ‫[أنظر سير أعلم النبلء‪.]7/148 ،‬‬ ‫‪141‬‬ ‫وقال الذهبيّ‪ :‬وقد أجمع علماء المغرب على محاربة آل عبيد لما شهروه من الكفر الصراح‬ ‫الذي ل حيلة فيه‪ .‬وخطب المام أحمد بن أبي وليد الناس قائلً ‪ :‬جاهدوا من كفر باللـه وزعم‬ ‫أنّه ربّ من دون ال‪ ،‬وغيّر أحكام ال وسبّ نبيّه صلى ال عليه وسلم وأصحاب نبيّه‪ ،‬فبكى‬ ‫الناس بكاءً شديدا‪ .‬وركب ربيع القطّان فرسا ملبسا‪ ،‬وفي عنقه المصحف وحوله جمع كبير وهو‬ ‫يتلو آيات جهاد الكفرة فاستشهد هو وخلق من الناس‪.‬‬ ‫وهكذا كان شأن المام أحمد بن تيمية في بيانه للحق والهدى والسنة‪ ،‬فكشف أهل البدع من‬ ‫متكلّمين وفلسفة وصوفيّة‪ ،‬وجلّى الحق الذي غشيته زبالت الهواء أحسن بيان وأجله‪ ،‬ثمّ قام‬ ‫مقام المجاهدين فقاتل التتار وحرّض الناس على قتالهم وحضّ ملوك السلم عليهم وخوّفهم إن‬ ‫لم يقوموا بواجب الجهاد ضدّ التتار أنّه ومن معه من المسلمين سيبدلونهم ويختارون ملوكا‬ ‫عليهم غيرهم‪ ،‬ولما التبس على الناس أمر قتالهم وفي أيّ نوع من النواع يدخل قتالهم‪ ،‬بيّن أنّ‬ ‫قتالهم هو قتال من امتنع عن شرائع السلم‪ ،‬فعاد الحقّ أبلجا وكشف اللـه الغمّة وهزم التتار‬ ‫في معركة شقحب (مرج الصفر)‪.‬‬ ‫ثمّ ما كان من شأن الشيخ محمّد بن عبدالوهّاب رحمه اللـه تعالى حين دعا إلى التوحيد والسنّة‬ ‫فعُودي ورُمي عن قوس واحدة‪...‬‬ ‫وهكذا هي سلسلة الدعوة والجهاد‪ ،‬حلقاتها تمتدّ من زمن إلى زمن‪ ،‬ل تنقطع ول تتوقّف حتّى‬ ‫يومنا هذا‪.‬‬ ‫***‬ ‫أخي المسلم‪:‬‬ ‫إذا علمت هذا وتبيّن لك على وجه صحيح رأيت الواجب الملقى على عاتقك‪ ،‬وبحثت عن هذه‬ ‫الطائفة التي يمتدّ تاريخها من يومنا هذا إلى النبيّ ‪ ،‬وهي الطائفة التي تدعو الناس إلى التوحيد‬ ‫والسنّة‪ ،‬وتكشف للناس الشرك والبدعة‪ ،‬وتقاتل في سبيل ذلك حتّى تقوم الساعة‪.‬‬ ‫والن تسأل من نحن ولماذا الجهاد؟ لقد نشأنا فوجدنا علما مفقودا‪ ،‬وأمّة جاهلة‪ ،‬ومعاصي‬ ‫متفشيّة‪ ،‬وحقوقا مهدورة‪ ،‬وأرضا مغصوبة‪ ،‬وحكّاما مرتدّين‪ .‬فما هو الواجب الملقى على عاتق‬ ‫من علّمه اللـه وفقّهه؟‬ ‫لقد قيّض اللـه في زماننا أمرا عظيما هو انتشار كتب السلف‪ ،‬وقد مرّ وقت طويل كان الناس‬ ‫إلّ قلّة قليلة ل يعرفون من كتب العقائد إلّ كتب أهل الكلم‪ ،‬فل يعرفون إلّ العقائد النسفية‬ ‫‪142‬‬ ‫وشرح جوهرة التوحيد وأمثالهما‪ ،‬ول يقرؤون الفقه إلّ من كتب المتون ول يعرفون إلّ التقليد‪،‬‬ ‫ل كتب التربية الصوفية كالرسالة القشيرية واللمع للطوسي وإحياء‬ ‫ول يعرفون كتب التربية إ ّ‬ ‫علوم الدين للغزالي‪..‬‬ ‫ثمّ برحمة من اللـه تعالى أن أقبل الناس على طباعة وتحقيق كتب السلف‪ ،‬فطبعت مؤلّفات‬ ‫ورسائل وفتاوى شيخ السلم ابن تيمية‪ ،‬وطبعت كتب السنّة والتوحيد كالسنّة لعبداللـه بن‬ ‫المام أحمد والسنّة لبن أبي عاصم والتوحيد لبن خزيمة والشريعة للجري‪ ،‬ثمّ تتابع السيل‬ ‫المبارك‪ ،‬فأقبل الناس على دراسة هذه الكتب ثمّ بالبحث عن بقايا العلماء الذين هم همزة الوصل‬ ‫للطائفة المنصورة الدائمة الباقية‪ ،‬وبدؤوا يحاولون فهم واقعهم على ضوء فهم أئمّة هذه الطائفة‬ ‫بدءا من أبي بكر الصدّيق إلى قول أيّ عالم أصاب الحقّ والهداية وارتبط بالكتاب والسنّة‪.‬‬ ‫فكان ما خرجوا به أنّ المّة غيّرت وبدّلت وأصابها الجهل في كلّ جوانب هذا الدين‪ ،‬وبسبب‬ ‫ن بعضها لحق بالمشركين واتّبع دينهم‪،‬‬ ‫جهلها وقعت في المعاصي والذنوب واقترفت البدع‪ ،‬بل إ ّ‬ ‫ثمّ نظروا فوجدوا أنّه قد استولى على أمرهم وقيادتهم حكّام باعوا دينهم للشيطان ودخلوا في‬ ‫ل أغلقوه‪،‬‬ ‫دين المشركين‪ ،‬وسرقوا مقدّراتها من خيرات اللـه فيها‪ ،‬ولم يجدوا طريقا للخير إ ّ‬ ‫فعطّلوا المساجد ودور العلم ولحقوا العلماء والدعاة إلى اللـه‪ ،‬ولم يجدوا طريقا للشرّ إلّ‬ ‫سلكوه‪ ،‬فنشروا دين الردّة وحسّنوا للناس الباطل والكفر من علمانية وديمقراطية وشيوعية‬ ‫واشتراكية‪ ،‬وأوجبوا على الناس المعاصي فأقاموا مصارف الربا وضيّقوا على الناس سبل‬ ‫الحياة حتّى ل يدخلوا إلّ من بابه‪ ،‬ونشروا الرذيلة مع الفقر حتّى ل يكون للشاب إلّ طريق‬ ‫الخبث‪ ،‬ثمّ لم يجدوا منفذا للشرّ إلّ وسهّلوه وقرّبوه للناس‪ ،‬والمّة ترى السماء هي السماء‬ ‫التي عهدتها في تاريخها وأمّا الحقائق فتخالف ذلك كلّه‪ ،‬ثمّ وجد من حسّن هذا المر وأفرغ‬ ‫وسعه من أجل إسباغ الشرعيّة عليه وساعدهم في هذا قلب السماء‪ ،‬فالزندقة عندهم هي‬ ‫الحرّية‪ ،‬والدخول في دين الطاغوت ديمقراطيّة‪ ،‬وموالة الكافرين سلما ووحدةً وطنيّة‪ ،‬وأمّا‬ ‫شرع اللـه ودينه فهو التخلّف والرجوع إلى الوراء إلى زمن البعير والسيف والرمح‪ ،‬وسمّوا‬ ‫زنا المرأة فنّا وحرّية اختيار‪ ،‬وسمّوا بيع الوطان والديار سلما وحسن جوار‪.‬‬ ‫هذا أبصره الشباب المقبل على ربّه ودينه‪ ،‬فعلم من دينه ما علم‪ ،‬فحمل كلمة الحقّ وقذفها في‬ ‫صدور العداء والمناوئين وبدأ يدعو إلى اللـه ويكشف للناس حقيقة ما هم عليه والواجب‬ ‫‪143‬‬ ‫الملقى على عاتقهم‪ ،‬وكان جماع ذلك كلّه في كلمتين‪ :‬الدعوة إلى اللـه والجهاد في سبيل‬ ‫اللـه‪.‬‬ ‫الدعوة إلى اللـه‪ :‬وفيها تعليم الناس ما جهلوه من التوحيد والسنّة‪ ،‬وفيها المر بالمعروف‬ ‫والنهي عن المنكر‪.‬‬ ‫وأمّا الجهاد في سبيل اللـه تعالى‪ ،‬فهو ض ّد المرتدّين قبل غيرهم‪ ،‬لنّ رأس المال مقدّم على‬ ‫الربح وتحقيق الزيادة‪ ،‬أمّا الدليل على ردّة هؤلء الحكّام وردّة طوائفهم فهو بسبب تبديلهم‬ ‫شريعة الرحمن وموالتهم لليهود والنصارى والشيوعيين‪ ،‬ومعاداتهم المؤمنين والموحّدين وأتباع‬ ‫الرسل‪ ،‬ومن فعل هذه الفاعيل فهو بإجماع المّة المسلمة التي خلت أنّه كافر مرتدّ‪ ،‬وإليك‬ ‫الدليل ردّة من بدّل شريعة الرحمن وحكم بشريعة الشيطان ‪ ،‬يقول شيخ السلم ابن تيمية‪:‬‬ ‫"والنسان متى حلّل الحرام المجمع عليه أو حرّم الحلل المجمع عليه أو بدّل الشرع المجمع‬ ‫عليه كان كافرا باتّفاق الفقهاء" ‪.‬‬ ‫والعبودية تقوم على الطاعة وامتثال المر‪ ،‬ول تصحّ عبوديّة دون امتثال أمر السيّد المر وهو‬ ‫المعبود‪ ،‬ولذلك فكلّ من اتّخذ من نفسه آمرا ناهيا حاكما على غيره من خلل التشريع والذي‬ ‫معناه تسمية الشياء ووصفها بالحلّ والحرمة فقد جعل نفسه إلها مطاعا معبودا يُعبَد الدلّة من‬ ‫القرآن والسنّة إنّ ممّا اتّفق عليه جميع النبياء والمرسلين هو الدعوة إلى توحيد اللـه في‬ ‫العبادة والقصد والطلب‪ ،‬قال تعالى‪{ :‬ولقد بعثنا في كلّ أمّة رسولً أن اعبدوا ال واجتنبوا‬ ‫الطاغوت} [النحل‪ ،]36 :‬وكان ممّا يدخل في عبادة اللـه تعالى‪ ،‬بل هو قاعدة العبادة وأصلها‪،‬‬ ‫حكَمُ وله الحُكم‪ .‬قال تعالى‪{ :‬إنِ الحكمُ‬ ‫هو إفراد اللـه تعالى في الطاعة والمتثال‪ ،‬فاللـه هو ال َ‬ ‫إلّ ل} [النعام‪ .]57 :‬وقال تعالى‪{ :‬أل له الحكم} [النعام‪ .]12 :‬وقال تعالى‪{ :‬أل له الخلق‬ ‫والمر} [العراف‪ .]54 :‬وقال تعالى‪{ :‬وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى ال} [الشورى‪:‬‬ ‫‪ .]10‬وقال تعالى‪{ :‬ول يشرك في حكمه أحدا} [الكهف‪ .]26 :‬فهذه اليات تبيّن بوضوح وجلء‬ ‫أنّ حقّ الحكم هو للـه وحده‪ ،‬بل إنّ معنى الله هو المعبود‪ ،‬والعبودية تقوم على الطاعة‬ ‫وامتثال المر‪ ،‬ول تصحّ عبوديّة دون امتثال أمر السيّد المر وهو المعبود‪.‬‬ ‫ولذلك فكلّ من اتّخذ من نفسه آمرا ناهيا حاكما على غيره من خلل التشريع والذي معناه تسمية‬ ‫الشياء ووصفها بالحلّ والحرمة فقد جعل نفسه إلها مطاعا معبودا يُعبَد‪ ،‬قال تعالى‪{ :‬أم لهم‬ ‫شركاءُ شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به ال} [الشورى‪ .]21 :‬فقد سمّى اللـه المشرّع شريكا‬ ‫‪144‬‬ ‫وسمّى ما شرّع دينا‪ ،‬وأصل كلمة الدين تعني الخضوع‪ ،‬وهكذا حال المطيع لشرع غيره فإنّما‬ ‫هو خاضع له‪ ،‬وهو معنى الدين‪ ،‬فهذه الية جامعة لهذا الباب وهو تسمية المشرّع إلها‪ ،‬وتسمية‬ ‫الشرع الذي شرعه دينا‪ ،‬وتسمية الطائع له مشركا‪ ،‬وقال تعالى‪{ :‬إتّخذوا أحبارهم ورهبانهم‬ ‫ي صلى ال عليه وسلم ربوبيّتهم على أتباعهم‬ ‫أربابا من دون ال} [التوبة‪ ،]31 :‬وقد فسّر النب ّ‬ ‫ي صلى ال عليه‬ ‫بطاعة التباع لهم في ما أحلّوا وحرّموا‪ ،‬فعن عديّ بن حاتم أنّه سمع النب ّ‬ ‫وسلميقرأ هذه الية‪ { :‬إتّخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون ال والمسيح ابن مريم وما‬ ‫ُأمِروا إلّ ليعبدوا إلها واحدا ل إله إلّ هو سبحانه عمّا يشركون} [التوبة‪ ،]31 :‬فقال‪ :‬إنّا لسنا‬ ‫نعبدهم‪ ،‬فقال أليس يحرّمون ما أحلّ اللـه فتحرّمونه‪ ،‬ويحلّون ما حرّم اللـه فتحلّونه؟ فقال‪:‬‬ ‫بلى‪ .‬فقال‪ :‬فتلك عبادتهم‪[ .‬رواه الترمذيّ وحسّنه] ‪.‬‬ ‫وقد قرّر اللـه في كتابه كفرَ من حكم بغير كتابه‪ ،‬فقال سبحانه‪{ :‬ومن لم يحكم بما أنزل ال‬ ‫فأولئك هم الكافرون} [المائدة‪.]44 :‬‬ ‫وسمّى اللـه من تحاكم الناس إليه من غير خضوع لحكام الكتاب والسنّة طاغوتا‪ .‬قال تعالى‪:‬‬ ‫{يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أُمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلّهم ضللً‬ ‫بعيدا} [النساء‪ ،]60 :‬وقال الشيخ المام محمد المين الشنقيطي في أضواء البيان‪ :‬كلّ تحاكم إلى‬ ‫غير شرع اللـه فهو تحاكم إلى الطاغوت [‪.]7/65‬‬ ‫ومثل الية التي تقدّمت‪{ :‬أم لهم شركاء‪ }...‬قوله تعالى‪{ :‬إنِ الحكم إلّ ل أمر أل تعبدوا إلّ إياه‬ ‫ذلك الدين القيّم} [يوسف‪ .]40 :‬فقد سمّى اللـه الحكم عبادة‪ ،‬وسمّى ما يُحكم به دينا‪ ،‬فمن حكّم‬ ‫اللـه في كلّ أمر فقد عبده واتّخذ دينه دينا‪ ،‬ومن حكّم الطاغوت في أيّ أمرٍ فقد عبده واتّخذ‬ ‫حكمه دينا‪ ،‬وقد سمّى اللـه تعالى شرع الطواغيت دينا‪ ،‬كما سمّى شرعه دينا فقال تعالى عن‬ ‫يوسف‪{ :‬كذلك كدنا ليوسف‪ ،‬ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلّ أن يشاء ال} [يوسف‪،]76 :‬‬ ‫فقد سمّى شرعَ الملك وحكمَه وملكَه دينا‪.‬‬ ‫أقوال العلماء في حكم المبدّلين للشريعة‪:‬‬ ‫وقد تكلّم علماؤنا في كفر هذه الديان والتشريعات الباطلة وحكموا على من شرعها وقام عليها‬ ‫بالكفر والردّة‪:‬‬ ‫قال ابن حزم رحمه اللـه تعالى‪ :‬من حكم بحكم النجيل ممّا لم يأت بالنص عليه وحيٌ في‬ ‫شريعة السلم فإنّه كافر مشرك خارج عن السلم [الحكام في أصول الحكام‪.]5/153 ،‬‬ ‫‪145‬‬ ‫وقال ابن تيمية رحمه اللـه تعالى‪ :‬معلوم بالضطرار من دين المسلمين وباتّفاق جميع‬ ‫المسلمين أنّ من سوّغ اتّباع غير دين السلم أو اتّباع شريعة غير شريعة محمّد ( فهو كافر‬ ‫[مجموع الفتاوى‪ .]28/524 ،‬ويقول كذلك‪ :‬الشرع المنزّل من عند اللـه تعالى وهو الكتاب‬ ‫والسنّة الذي بعث اللـه به رسوله فإنّ هذا الشرع ليس لحد من الخلق الخروج عنه‪ ،‬ول‬ ‫يخرج عنه إلّ كافر ‪[ .‬مجموع الفتاوى‪ .]11/262 ،‬ويقول‪ :‬والنسان متى حلّل الحرام المجمع‬ ‫عليه أو حرّم الحلل المجمع عليه أو بدّل الشرع المجمع عليه كان كافرا باتّفاق الفقهاء [مجموع‬ ‫الفتاوى‪.]3/267 ،‬‬ ‫ويقول ابن كثير رحمه اللـه تعالى‪ :‬فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمّد بن عبداللـه‬ ‫خاتم النبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر [البداية والنهاية‪.]13/119 ،‬‬ ‫ويقول عبداللطيف بن عبدالرحمن آل الشيخ‪ :‬من تحاكم إلى غير كتاب اللـه وسنّة رسوله ( بعد‬ ‫التعريف فهو كافر‪ ،‬قال تعالى‪{ :‬ومن لم يحكم بما أنزل ال فأولئك هم الكافرون}‪ ،‬وقال تعالى‪:‬‬ ‫{أفغير اللـه يبغون‪[ }...‬الدرر السنّية ‪.]8/241‬‬ ‫وقال عبداللـه بن حميد‪ :‬ومن أصدر تشريعا عامّا ملزما للناس يتعارض مع حكم اللـه فهذا‬ ‫يخرج من الملّة كافرا ‪[ .‬أهمّية الجهاد‪ ،‬ص ‪.]196‬‬ ‫ويقول محمّد بن إبراهيم آل الشيخ‪ :‬إنّ من الكفر الكبر المستبين تنزيل القانون اللعين منزلة ما‬ ‫نزل به الروح المين على قلب محمّد صلى ال عليه وسلم ليكون من المنذرين بلسان عربيّ‬ ‫مبين‪ ،‬في الحكم به بين العالمين‪ ،‬والرد إليه عند تنازع المتنازعين مناقضة ومعاندة لقول اللـه‬ ‫عزّ وجلّ‪{ :‬فإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى ال والرسول إن كنتم تؤمنون بال واليوم الخر‪،‬‬ ‫ي صلى‬ ‫ذلك خيرٌ وأحسن تأويلً} ‪ .‬وقد نفى اللـه سبحانه وتعالى اليمان عن من لم يحكّموا النب ّ‬ ‫ال عليه وسلم فيما شجر بينهم نفيا مؤكّدا بتكرار أداة النفي وبالقسم‪ ،‬قال تعالى‪{ :‬فل وربّك ل‬ ‫يؤمنون حتّى يحكّموك فيما شجر بينهم ثمّ ل يجدوا في أنفسهم حرجا ممّا قضيت ويسلّموا‬ ‫تسليما} [رسالة تحكيم القوانين]‪.‬‬ ‫وقد ذكر فيها أنّ من أعظم أنواع الكفر الكبر في هذا الباب هو ما وقع فيه المرتدّون‬ ‫المعاصرون‪ ،‬فقال‪ :‬الخامس‪ :‬وهو أعظمها وأشملها وأظهرها معاندة للشرع ومكابرة لحكامه‬ ‫ومشاقّة للـه ولرسوله‪ ،‬ومضاهاة بالمحاكم الشرعيّة إعدادا وإمدادا وإرصادا وتأصيلً وتفريعا‬ ‫وتشكيلً وتنويعا وحكما وإلزاما ومراجع ومستندات‪ ،‬فكما أنّ للمحاكم الشرعيّة مراجع‬ ‫‪146‬‬ ‫ومستندات مرجعها كلّها إلى كتاب اللـه وسنّة رسوله صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬فلهذه المحاكم‬ ‫مراجع هي‪ :‬القانون الملفّق وشرائع شتّى‪ ،‬وقوانين كثيرة كالقانون الفرنسي‪ ،‬والقانون المريكي‬ ‫والقانون البريطاني‪ ،‬وغيرها من القوانين‪ ،‬ومن مذاهب بعض البدعيّين المنتسبين إلى الشريعة‬ ‫وغير ذلك‪ ..‬فهذه المحاكم الن في كثير من أمصار السلم مهيّأة مكمّلة مفتوحة البواب‪،‬‬ ‫والناس إليها أسراب إثر أسراب‪ ،‬يحكم حكّامها بينهم بما يخالف حكم السنّة والكتاب من أحكام‬ ‫ذلك القانون وتلزمهم وتقرّهم عليه‪ ،‬وتحتّمه عليهم‪ ،‬فأيّ كفر فوق هذا الكفر‪ ،‬وأيّ مناقضة‬ ‫للشهادة بأنّ محمّدا رسول اللـه بعد هذه المناقضة؟ ‪.‬‬ ‫وقال الشيخ الشنقيطي في أضواء البيان‪ :‬والعجب ممّن يحكّم غير تشريع اللـه ثمّ يدّعي السلم‬ ‫كما قال تعالى‪{ :‬ألم ترَ إلى الذين يزعمون أنّهم آمنوا بما أُنزل إليك وما أُنزِلَ من قبلك يريدون‬ ‫أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد ُأمِروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلّهم ضللً بعيدا}‪،‬‬ ‫وقال‪{ :‬ومن لم يحكم بما أنزل ال فأولئك هم الكافرون}‪ ،‬وقال‪{ :‬أفغير ال أبتغي حكما وهو‬ ‫الذي أنزل إليكم الكتاب مفصّلً والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنّه منزّل من ربّك بالحقّ فل‬ ‫تكوننّ من الممترين} ‪. ]3/441[ .‬‬ ‫ويقول رحمه اللـه إنّ متّبعي أحكام المشرّعين غير ما شرعه اللـه أنّهم مشركون باللـه [‬ ‫‪.]83-4/82‬‬ ‫ويقول الشيخ أحمد شاكر رحمه اللـه تعالى‪ :‬هذه القوانين التي فرضها على المسلمين أعداءُ‬ ‫السلم السافرو العداوة هي في حقيقتها دينٌ آخر جعلوه دينا للمسلمين بدلً من دينهم النقيّ‬ ‫السامي‪ ،‬لنهم أوجبوا عليهم طاعتها‪ ،‬وغرسوا في قلوبهم حبّها وتقديسها والعصبيّة لها‪ ،‬حتّى لقد‬ ‫حرَم المحكمة‪،‬‬ ‫تجري على اللسنة والقلم كثيرا كلمات‪ :‬تقديس القانون‪ ،‬قدسيّة القضاء‪َ ،‬‬ ‫صفَ بها الشريعة السلمية وآراء الفقهاء السلميين‪.‬‬ ‫وأمثال ذلك من الكلمات التي يأبون أن تو َ‬ ‫بل هم حينئذٍ يصفونها بكلمات الرجعيّة‪ ،‬الجمود‪ ،‬الكهنوت‪ ،‬شريعة الغاب [عمدة التفسير‪،‬‬ ‫‪.]3/214‬‬ ‫ويقول‪ :‬إنّ المر في هذه القوانين الوضعيّة واضح وضوح الشمس‪ ،‬هي كفرٌ بواحٌ ل خفاء فيه‬ ‫ول مداراة‪ ،‬ول عذر لحد ممن ينتسب للسلم كائنا من كان في العمل بها أو الخضوع لها أو‬ ‫إقرارها‪ ،‬فليحذر امرؤٌ لنفسه‪ ،‬وكلّ امرئ حسيب نفسه [السابق‪.]4/174،‬‬ ‫‪147‬‬ ‫ويقول الشيخ محمّد حامد الفقي‪ :‬الذي يُستخلص من كلم السلف ‪ :‬أنّ الطاغوت كلّ ما صرف‬ ‫العبد وصدّه عن عبادة اللـه وإخلص الدين والطاعة للـه ولرسوله‪ ،‬سواء في ذلك الشيطان‬ ‫من الجنّ الشياطين والنس والشجار والحجار وغيرها‪ ،‬ويدخل في ذلك بل شكّ‪ :‬الحكم‬ ‫بالقوانين الجنبيّة عن السلم وشرائعه وغيرها من كلّ ما وضعه النسان ليحكم به في الدماء‬ ‫والفروج والموال‪ ،‬وليبطل بها شرائع اللـه‪ ،‬من إقامة الحدود وتحريم الربا والزنا والخمر‬ ‫ونحو ذلك ممّا أخذت هذه القوانين تحلّلها وتحميها بنفوذها ومنفّذيها‪ ،‬والقوانين نفسها طواغيت‪،‬‬ ‫وواضعوها ومروّجوها طواغيت [هامش فتح المجيد]‪.‬‬ ‫وهكذا علمنا أن الشرع الذي تُحكم به بلد المسلمين هو شرع طاغوتيّ وأنّ حكّامنا طواغيت‬ ‫كفرة‪ ،‬بل هم من أش ّد أنواع الكفّار وأغلظهم‪ ،‬فإنّ هؤلء لم يحكموا بشريعة الشيطان فقط‪،‬‬ ‫ولكنّهم صرّحوا بأنّ اللـه تعالى ليس له الحقّ في الحكم والتشريع‪ ،‬فإنّه ما من دولة إلّ وقد‬ ‫كتبت في دستورها‪ :‬أنّ السيادة للشعب‪ ،‬والسيادة في دينهم تعني معنى السيّد في دين اللـه‬ ‫تعالى وهو معنى الله‪ ،‬فإنّ السيادة عندهم هي سلطة مطلقة لها الحقّ في تقييم الشياء‬ ‫والفعال‪ ،‬أي هي سلطة التحليل والتحريم‪ ،‬وهذا هو معنى الحاكم وهو معنى الله والمعبود كما‬ ‫تقدّم‪.‬‬ ‫وأمّا الدول التي تزعم أنّها لم تكتب قانوناُ أو دستورا وتزعم العمل بالكتاب والسنّة‪ ،‬فيقال لهم‪:‬‬ ‫ما أشدّ كذبكم وتدجيلكم‪ ،‬فإنّ واقعكم هو واقع الدول التي كتبت دستورها وقانونها‪ ،‬فشبهكم بهم‬ ‫هو شبه الغراب بالغراب‪ ،‬ثمّ زعمتم أنّكم لم تجعلوا السلطات بيد الشعب‪ ،‬ولم تقولوا أنّ السيادة‬ ‫لغير اللـه‪ ،‬فها أنتم الن كوّنتم مجلس شورى تغييرا للسماء فقط وانضممتم بهذا المجلس إلى‬ ‫اتّحاد المجالس الشركيّة البرلمانيّة كبقيّة إخوانكم‪ ،‬ثمّ ها أنتم تدخلون في كلّ مؤسّسة كافرة‬ ‫كالجامعة العربية وهيئة المم المتّحدة وغيرها‪ ،‬ثمّ كذلك أنتم فرضتم من الدساتير والقوانين‬ ‫ل اللـه تعالى‪ ،‬وسمّيتم هذه بالنظم‬ ‫الكافرة التي أبحتم بها ما حرّم اللـه وحرمتم بها ما أح ّ‬ ‫تغييرا للسماء مع اتّفاق الحقائق‪ -‬فأبحتم الربا‪ ،‬فها هي البنوك الربويّة مشرعة البواب‪ ،‬فيقال‬‫لكم بأيّ قانون تمّ الترخيص لهذا العمل‪ ،‬بل إنّ هذه الدولة المزعومة هي الدولة الوحيدة في‬ ‫العالم التي تمنع الترخيص لما يسمّى بالبنك السلمي‪.‬‬ ‫وهكذا أيّها السائل الصادق رأيت أنّ دولنا محكومة بحكومات مرتدّة كافرة وبحكّام كفّار مرتدين‬ ‫وأنّهم شرّعوا للناس دينا وأوجبوا على الناس الدخول فيه‪.‬‬ ‫‪148‬‬ ‫ثمّ إنّ هؤلء الحكّام قد والوا أعداء اللـه تعالى وعادوا أهل السلم‪ :‬فما من حاكم من هؤلء‬ ‫ل وتراه يقرّب المشركين ويوادّهم ويناصرهم ويدافع عنهم‪ ،‬ول يسمح في بلده قطّ أن يشتم‬ ‫إّ‬ ‫هؤلء الكفّار أو أن يعلن أحد بغضهم‪ ،‬وفرضوا في قوانينهم من العقوبات الشديدة لمن سبّ‬ ‫هؤلء المشركين أو لعن دينهم ‪.‬‬ ‫وإنّ من صور الموالة والنصرة أنّهم عقدوا معهم من التحالفات العسكرية والمنية مما جعلهم‬ ‫في دين واحد ومذهب واحد‪ ،‬فإنّ أعظم درجات الموالة هي النصرة قال تعالى‪{ :‬يا أيّها الذين‬ ‫آمنوا ل تتّخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولّهم منكم فإنّه منهم إن ال‬ ‫ل يهدي القوم الظالمين} [المائدة‪ . ]51 :‬قال ابن جرير الطبري في تفسير الية‪ :‬فإنّ من تولّهم‬ ‫ونصرهم على المؤمنين فهو من أهل دينهم وملّتهم‪ ،‬فإنّه ل يتولّى متولٍ أحدا إلّ وهو به وبدينه‬ ‫وما هو عليه راض‪ ،‬وإذا رضيه ورضي دينه فقد عادى ما خالفه وسخطه وصار حكمه حكمه[‬ ‫‪. ]6/277‬‬ ‫وهكذا علمنا كفر هؤلء الحكّام من هذا الباب‪ ،‬فهؤلء الحكّام مكّنوا للمشركين واليهود‬ ‫والنصارى من بلد المسلمين‪ ،‬ثمّ من صور الموالة التي وقع فيها هؤلء المرتدّون هو الدخول‬ ‫في طاعة المشركين‪ ،‬وذلك بالنقياد لهم واتّباع شريعتهم والنضمام إلى طوائفهم والتي هي‬ ‫المؤسّسات التي تدين بدين الشيطان من مذاهب إنسانية كقولهم‪ :‬ل فرق بين إنسان وآخر حسب‬ ‫دينه‪ ،‬فدعوا إلى المساواة بين المسلم والمشرك تحت دعوة المذهب النساني الذي نشره اليهود‬ ‫في هؤلء البهائم واللـه تعالى قد قطع موالة المؤمن للمشرك وأوجب عليه بغضه وبغض‬ ‫دينه‪ ،‬قال تعالى‪{ :‬يا أيّها الذين آمنوا ل تتّخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبّوا الكفر على‬ ‫اليمان ومن يتولّهم منكم فأولئك هم الظالمون} [التوبة‪ ، ]23 :‬ففي هذه الية قطع اللـه علئق‬ ‫الموالة بين المؤمن وبين أبيه وأخيه الكافر‪ ،‬فكيف بالجنبيّ؟ وفيها من بيان ضلل وكفر ما‬ ‫يُسمّى في بلدنا بأخوّة المواطنة المزعومة‪ ،‬فإنّ دساتير وقوانين البلد التي حكّمها هؤلء‬ ‫المرتدّون تنصّ على المساواة بين أهل البلد الواحد دون اعتبار دينه وعقيدته تحت دعوى‬ ‫المواطنة المزعومة فهم يقولون‪ :‬الدين للـه والوطن للجميع‪ ،‬ومعناه أنّ قانون المواطنة ل يفرّق‬ ‫بين الناس باعتبار الدين والعتقاد‪ ،‬فالمسلم والكافر عندهم سواء واللـه جعل مَن والى كافرا‬ ‫مثله في الحكم‪ ،‬قال تعالى‪{ :‬والذين كفروا بعضهم أولياء بعض} [النفال‪ . ]73 :‬وإنّ مما أجمع‬ ‫النبياء على تبليغه للناس هو البراءة من المشركين كما قال تعالى عن أبي النبياء إبراهيم عليه‬ ‫‪149‬‬ ‫السلم‪{ :‬قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنّا برءاء منكم ومما‬ ‫تعبدون من دون ال كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتّى تؤمنوا بال وحده}‬ ‫[الممتحنة‪. ]4 :‬‬ ‫ثمّ انظروا إلى هؤلء الملعين ماذا فعلوا بالمسلمين والدعاة إلى اللـه‪ :‬لقد علّقوا لهم المشانق‬ ‫وملؤوا بهم السجون وشرّدوهم في الرض‪ ،‬فما من دولة من هذه الدول إلّ وقد اب ُتِليَ الدعاة إلى‬ ‫اللـه تعالى فيها فسُجنوا وعُذّبوا و ُقتّلوا‪ ،‬وما نقموا منهم إلّ أن يؤمنوا باللـه العزيز الحميد‪،‬‬ ‫وأخرجوا الشباب من البلد لطهرهم كما قال تعالى على لسان قوم لوط‪{ :‬أخرِجُوهم من قريتكم‬ ‫إنّهم أُناسٌ يتطهّرون} [العراف]‪.‬‬ ‫فهؤلء الحكّام خرجوا من دين اللـه تعالى من هذه البواب ومن غيرها‪ ،‬وهذا من العلم‬ ‫الضروري الذي يجب أن ل يجهله أحد من أهل السلم ‪.‬‬ ‫َت ِبعَاتِ تكفير الحكّام‪:‬‬ ‫قال القاضي عياض‪ :‬أجمع العلماء على أنّ المامة ل تنعقد لكافر وعلى أنّه لو طرأ عليه كفر‬ ‫ينعزل‪.‬‬ ‫قال‪ :‬وكذا لو ترك إقامة الصلوات والدعاء إليها‪...‬‬ ‫وقد يسأل سائل‪ :‬ما أهمّية هذا العلم‪ ،‬وهل من الواجب أن ُيكَ ّفرَ المسلمُ هؤلء الحكّامَ الطواغيت؟‬ ‫فالجواب‪ :‬نعم‪ ،‬فإنّه مما يجب أن يعلمه كلّ مسلم أن تكفير الكافرين الملحدين هو ركن من‬ ‫أركان عقيدة المسلم‪ ،‬وذلك لما يترتّب على هذا التكفير من الواجبات‪.‬‬ ‫فإن سألت‪ :‬ما هي هذه الواجبات؟‬ ‫قلنا لك‪ :‬إعلم أيّها الخ الحبيب أنّ البراءة من هؤلء الطواغيت هو فرض عينٍ على كلّ مسلم‪،‬‬ ‫فقد تقدّم لك من الدلة على أنّ من ركنِ اليمان الركين والذي ل يصح إسلم المرء إلّ به هو‬ ‫البراءة من هؤلء الطواغيت ووجوب معاداتهم وبغضهم وعدم محبّتهم‪ ،‬وممّا قاله أئمّتنا‪ :‬إنّ‬ ‫تكفير الملحدين ضروريّة من ضروريّات الدين‪ ،‬وإنّ من مقتضيات هذه البراءة هو بغضهم‬ ‫وعدم محبّتهم وعدم الدخول في طاعتهم‪ ،‬فل يجوز للمسلم أن يعاونهم أو أن يدخل في أيّ‬ ‫مؤسّسة من مؤسّسات نصرتهم وتقويتهم كالجيش والمن والمخابرات‪ ،‬ومن يدخل من المسلمين‬ ‫في نصرتهم في هذه المؤسّسات فإنّه معرّض لقوله تعالى‪{ :‬ومن يتولّهم منكم فإنّه منهم} وهذا‬ ‫يعرّضه إلى ما أوجب اللـه على المؤمنين من معاداته ومقاتلته‪ ،‬قال تعالى‪{ :‬الذين آمنوا‬ ‫‪150‬‬ ‫يُقاتلون في سبيل ال‪ ،‬والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت‪ ،‬فقاتلوا أولياء الشيطان إنّ كيد‬ ‫الشيطان كان ضعيفا} [النساء‪ .]76 :‬وقال تعالى‪{ :‬ولن يجعل ال للكافرين على المؤمنين سبيلً}‬ ‫[النساء‪ ،]141 :‬وهذا حاكم كافر فيجب خلع وليته وعدم طاعته‪.‬‬ ‫وجـــوب قـتـالـهـم ‪:‬‬ ‫ثمّ إعلم أنّ هذه البراءة توجب مقاتلة هؤلء الحكّام‪ ،‬فإنّه إن كفر الحاكم وارتدّ عن شريعة‬ ‫الرحمن فإنه يُقاتل حتّى يُزال ويُقام بدلً منه رجلٌ من أهل اليمان‪ .‬وهذا هو الواجب الثاني‪.‬‬ ‫فعن عبادة بن الصامت رضي ال عنه قال‪ :‬دعانا رسول اللـه صلى ال عليه وسلم فبايعناه‪،‬‬ ‫فكان فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة‬ ‫علينا‪ ،‬وأن ل ننازع المر أهله‪ ،‬قال‪ :‬إلّ أن تروا كفرا بواحا عندكم من اللـه فيه برهان ‪.‬‬ ‫[متّفق عليه] ‪.‬‬ ‫قال النووي‪ :‬قال القاضي عياض‪ :‬أجمع العلماء على أنّ المامة ل تنعقد لكافر وعلى أنّه لو‬ ‫طرأ عليه كفر ينعزل‪ .‬قال‪ :‬وكذا لو ترك إقامة الصلوات والدعاء إليها‪ ...‬قال القاضي‪ :‬فلو‬ ‫طرأ عليه كفر وتغيير للشرع أو بدعة خرج عن حكم الولية وسقطت طاعته ووجب على‬ ‫المسلمين القيام عليه وخلعه ونصب إمام عادل إن أمكنهم ذلك‪ ،‬فإن لم يقع ذلك إلّ لطائفة وجب‬ ‫عليهم القيام بخلع الكافر ول يجب في المبتدع إلّ إذا ظنّوا القدرة عليه فإنّ تحقّقوا العجز لم‬ ‫يجب القيام فيها وليهاجر المسلم عن أرضه إلى غيرها ويفرّ بدينه ‪[ .‬شرح النووي على مسلم‪،‬‬ ‫‪.]12/229‬‬ ‫وقال ابن حجر‪ :‬قال ابن التين‪ :‬وقد أجمعوا أنّه ‪-‬أي الخليفة‪ -‬إذا دعا إلى كفر أو بدعة أنّه يُقام‬ ‫عليه ‪ .‬وقال ابن حجر‪ :‬وملخّصه أنّه ينعزل بالكفر إجماعا‪ ،‬فجيب على كلّ مسلم القيام في ذلك‬ ‫[فتح الباري‪.]13/123 :‬‬ ‫فأنت ترى إجماع العلماء على أنّه ل يجوز للمسلم أن يرضى بحكم الكافر عليه‪ ،‬بل يجب أن‬ ‫تكون العزّة للـه ولرسوله وللمؤمنين ‪-‬كما قال تعالى‪ -‬وإنّ خضوع المسلم للكافر وأحكامه هي‬ ‫صور من صور الذلّة التي ل تنبغي للمؤمن‪.‬‬ ‫ثمّ إعلم حفظك اللـه أنّ حكم المرتدّ في ديننا ‪-‬كما هو شأن هؤلء الحكّام‪ -‬أغلظُ وأشدّ من حكم‬ ‫الكافر الصلي‪ .‬قال ابن تيمية رحمه اللـه تعالى‪ :‬وكفر الردّة أغلظ بالجماع من الكفر الصلي‬ ‫[مجموع الفتاوى‪.]28/478 ،‬‬ ‫‪151‬‬ ‫وقال كذلك‪ :‬وقد استقرّت السنّة بأنّ عقوبة المرتدّ أعظم من عقوبة الكافر الصلي من وجوه‬ ‫متعدّدة‪ ،‬منها أنّ المرتدّ يُقتل بكلّ حال ول يُضرب عليه جزية‪ ،‬ول تُعقَد له ذمّة‪ ،‬بخلف الكافر‬ ‫الصلي الذي ليس هو من أهل القتال‪ ،‬فإنّه ل يُقتل عند أكثر العلماء كأبي حنيفة ومالك وأحمد‪،‬‬ ‫ولهذا كان مذهب الجمهور أنّ المرتدّ يُقتل كما هو مذهب مالك والشافعي وأحمد‪ ،‬ومنها أنّ‬ ‫المرتدّ ل يرث ول يناكح ول تؤكل ذبيحته‪ ،‬بخلف الكافر الصلي إلى غير ذلك من الحكام ‪.‬‬ ‫[مجموع الفتاوى‪.]28/534 ،‬‬ ‫وقد أنكر المام أحمد عقد الذمّة للمرتدّ‪ ،‬ففي جامع الخلل‪ :‬قال الثرم‪ :‬سمعت أبا عبداللـه‬ ‫يُسأل عن الزنادقة تُؤخذ منهم الجزية؟ فأنكر ذلك‪ ،‬وقال‪ :‬ل بل تُضرب أعناقهم‪ ،‬ما سمعنا بهذا‬ ‫في السلم‪ .‬ثمّ قال‪ :‬سبحان اللـه؟! تُؤخذ الجزية من الزنادقة؟ منكرا لذلك جدّا‪ ،‬قال الثرم‪:‬‬ ‫وأظهر إنكار ذلك واستعظمه ‪[ .‬فقرة ‪.]1340‬‬ ‫بل إنّهم رأوا في المرتدّ أن ل يُدفن‪ :‬قال إسحق بن منصور‪ :‬قلت لحمد‪ :‬المرتدّ إذا قُتل ما‬ ‫يُصنع بجيفته؟ قال‪ :‬يُقال‪ :‬يُترك حيث ضُرب عنقه كأنّما كان ذاك المكان قبره‪ .‬يُعجبني هذا‪.‬‬ ‫[السابق‪ ،‬فقرة ‪.]1301‬‬ ‫وقال ابن تيمية‪ :‬والصدّيق رضي ال عنه وسائر الصحابة بدؤوابجهاد المرتدّين قبل جهاد الكفّار‬ ‫من أهل الكتاب‪ ،‬فإنّ جهاد هؤلء حفظ لما فُتح من بلد المسلمين وأن يدخل فيه من أراد‬ ‫الخروج عنه‪ ،‬وجهاد من لم يقاتلنا من المشركين وأهل الكتاب من زيادة إظهار الدين‪ ،‬وحفظ‬ ‫رأس المال مقدّم على الربح ‪[ .‬مجموع الفتاوى‪.]159-35/158 ،‬‬ ‫فواجب كل مسلم أن يجاهد هؤلء حتّى يخلعهم ويزيلهم عن ولية المسلمين‪ ،‬ويجب على‬ ‫المسلمين جميعا أن ينشغلوا بإعداد أدوات الجهاد ما استطاعوا إلى ذلك سبيلً من أجل إعادة‬ ‫سلطان المسلمين إلى هذه الرض التي فتحها المسلمون بدمائهم‪ ،‬فجاء هؤلء الحكّام الملعين‬ ‫فغيّروا الملّة والدين وبدّلوا الشريعة وأعادوا سلطان المشركين إليها‪.‬‬ ‫ثمّ إعلم أنّ هؤلء الحكّام مفسدون في الرض بسبب ما هم عليه من البغض لهذه المّة‪ ،‬وبسبب‬ ‫حكمهم بشريعة الشيطان واللـه قد أمر المؤمنين بجهاد المفسدين في الرض‪ ،‬قال تعالى‪{ :‬إنّما‬ ‫جزاء الذين يحاربون ال ورسوله ويسعون في الرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطّع‬ ‫أيديهم وأرجلهم من خلف أو ينفَوا من الرض}‪[ .‬المائدة‪. ]33 :‬‬ ‫‪152‬‬ ‫وهؤلء الحكّام اجتمع فيهم ما تقدّم من محاربة للـه ولرسوله وذلك بالعراض عن شريعة‬ ‫السلم وترك الخضوع لحكام الكتاب والسنّة والفساد في الرض‪ ،‬فالواجب أن يقوم أهل‬ ‫السلم عليهم كلّ قيام حتّى تط ّهرَ الرض منهم‪.‬‬ ‫وهذا المر يجب أن يكون اليوم قبل الغد‪ ،‬فإنّ كلّ يومٍ وكلّ لحظة تمرّ على أمّتنا وهم في سدّة‬ ‫الحكم يزداد شرّهم وتبتعد المّة عن دين اللـه تعالى‪ ،‬وذلك أنّهم‪ ،‬مع طوائف ومؤسّسات الفساد‬ ‫التي يديرونها‪ ،‬يجذّرون الفساد في المجتمعات وينشطوا بكلّ قوّتهم لن يكون هو حياة الناس‬ ‫وثقافتهم وغذاؤهم‪ ،‬فليس الحكمة ما يزعم البعض بأنّ التأنّي خيرٌ من القدام في قتال هؤلء‬ ‫المبدّلين والمرتدّين‪ ،‬بل الصحيح إنّه كلّما تعجّل أهل السنة والدعوة والجهاد في إزالة هؤلء‬ ‫المرتدّين كلّما أحسنوا لنفسهم وأحسنوا لمّتهم‪.‬‬ ‫أل ترى أيّها الحبيب ماذا تصنع وزارات العلم من بثّ سموم الزندقة‪ ،‬ومن نشر العهر‬ ‫والرذيلة‪ ،‬ومن تحسين الفجور والزنا‪ ،‬ومن الدعوة إلى المذاهب الشركيّة الهدّامة من نفايات‬ ‫العقول وزبالتها؟‬ ‫ثمّ أل ترى ما تصنع وزارات العدل المزعوم من تحليلٍ للحرام وإباحة للفروج ومن تضييع‬ ‫للحقوق وقلب المور رأسا على عقب‪ ،‬فمن هو ذلك المرء الذي يطمئنّ إلى الوصول إلى حقّه‬ ‫أو دفع الظلم عن نفسه عن طريق هذه المحاكم التي تقوم عليها وزارات العدل المزعوم؟‬ ‫ثمّ أل ترى المؤسّسات المالية التي تديرها الدولة يقوم كلّ أمر من أمورها على الربا المحرّم‪،‬‬ ‫فل يستطيع أحد أن يحفظ ماله إلّ في البنوك الربويّة‪ ،‬ول يستطيع أن يقوم بتجارته إلّ عن‬ ‫طريقها‪ ،‬ثمّ هذه القروض التي يزعمونها لتحسين معيشة الناس فهي ل تكون إلّ عن طريق‬ ‫الفائدة الربويّة؟‬ ‫ول تنسَ أن تنظر وتتفكّر في نظم التأمين الجباري على ضروريّات الناس في هذه الحياة‬ ‫كالسيّارة وغيرها‪.‬‬ ‫ثمّ أل ترى وزارة التربية والتعليم ماذا صنعت في جيل الشباب الذي تخرّج من معاهدها‬ ‫ومدارسها‪ ،‬ماذا علّموه وثقّفوه وأيّ شيء من السلم اهتمّوا به لتربيته إياه وتعليمه؟‬ ‫وها هي اليّام تزيد المر وضوحا وذلك بعد ما يسمّى بالسلم المزعوم مع إخوان القردة‬ ‫والخنازير‪ ،‬حيث أزالوا كلّ آية أو حديث أو خبر فيه بيان عداء المسلم لعداء الملّة والدين‪،‬‬ ‫وكيف بدؤوا ببثّ ما يسمّى بالتطبيع والذي هو حقيقة تدمير لعقيدة الولء والبراء والتي ل يصحّ‬ ‫‪153‬‬ ‫إسلم المرء إل بها كما تقدّم‪ .‬ثمّ انظر إلى بقيّة معاهد التعليم كالجامعات والمعاهد العليا‪ ،‬وقارن‬ ‫بينها وبين ما أمر اللـه تعالى‪ ،‬ترى حقيقة هذه المؤسّسات والدوائر التي يفرضها هؤلء‬ ‫ل وضوح وجلء‪.‬‬ ‫الطواغيت وأعوانهم بك ّ‬ ‫فهل بقي للمسلم عذرٌ في عدم القيام على هؤلء الحكّام وقتالهم‪ ،‬واللـه تعالى يقول‪{ :‬وقاتلوهم‬ ‫حتّى ل تكون فتنة ويكون الدين كلّه ل} [النفال‪ .]39 :‬فهل الدين في بلدنا للـه‪ ،‬أم أنّه في‬ ‫أغلبه لغير اللـه‪ ،‬وفيه القليل الذي يزعمون أخذه من الشريعة السلمية؟‬ ‫فإذا كان بعض الدين للـه والخر لغيره وجب القتال والجهاد حتّى يكون الدين كلّه للـه‬ ‫سبحانه وتعالى‪.‬‬ ‫إنّنا نجاهد أيّها الخ الحبيب لنّ الجهاد هو الطريق الوحيد لعودة المّة إلى عزّتها ورفعتها‪،‬‬ ‫وذلك كما قال صلى ال عليه وسلم‪ :‬إذا تبايعتم بالعينة واتّبعتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع‬ ‫وترتكم الجهاد في سبيل اللـه سلّط اللـه عليكم ذلً ل يرفعه حتّى تعودوا لدينكم ‪ ،‬والدين ها‬ ‫هنا هو الجهاد كما هو ظاهر من سياق وسباق الحديث‪.‬‬ ‫إنّنا نجاهد لنّ الجهاد هو الحياة كما قال تعالى‪{ :‬استجيبوا ل وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم}‬ ‫[النفال‪ ،]24 :‬وفسّر العلماء الحياة هنا بالجهاد‪.‬‬ ‫أمّا إذا قيل لك‪ :‬اصبر‪ ،‬فاعلم أنّ الصبر على الذلّ والخزي والعار ل يرضاه اللـه للمسلمين‪،‬‬ ‫فإنّ اللـه تعالى يقول‪{ :‬ول العزّة ولرسوله وللمؤمنين} [المنافقون‪ ،]8 :‬وقال تعالى‪{ :‬ولن‬ ‫يجعل ال للكافرين على المؤمنين سبيلً}‪.‬‬ ‫وإذا قيل لك أنّ الجهاد فتنة‪ ،‬فقل له ما قاله تعالى لمثاله‪{ :‬أل في الفتنة سقطوا وإنّ جهنّم‬ ‫لمحيطة بالكافرين} [التوبة‪ ،]49 :‬وكيف يكون الجهاد فتنة وبالجهاد تُزال كلّ فتنة كما قال‬ ‫تعالى‪{ :‬وقاتلوهم حتّى ل تكون فتنة}‪.‬‬ ‫وإذا قيل لك إنّ الجهاد فيه الموت‪ ،‬فقل له‪ :‬ما جاهدّت إلّ لموت‪ ،‬فإنّ الموت في الجهاد شهادة‬ ‫في سبيل اللـه وهذا الذي نطلب‪ .‬قال تعالى‪{ :‬من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا ال عليه‬ ‫فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلً} [الحزاب‪ .]23 :‬وقال تعالى‪{ :‬ول‬ ‫تحسبنّ الذين قُتلوا في سبيل ال أمواتا بل أحياءٌ عند ربّهم يرزقون} [آل عمران‪.]169 :‬‬ ‫‪154‬‬ ‫وإن قيل لك أنت في هذا الطريق وحدك وليس لك من معين‪ ،‬والناس في شغل عنك بأموالهم‬ ‫وأهليهم‪ ،‬فقل لهم‪ :‬هذا هو شأن أهل الحقّ في كلّ زمان‪ ،‬أنّهم غرباء‪ .‬واللـه تعالى يقول‪:‬‬ ‫سكَ وحرّضِ المؤمنين} [النساء‪.]84 :‬‬ ‫{فقاتل في سبيل ال ل تُكّلفُ إلّ نف َ‬ ‫قال المام القرطبي في تفسيرها‪ ( :‬هي أمرٌ للنبيّ بالعراض عن المنافقين وبالجدّ في القتال في‬ ‫سبيل اللـه وإن لم يساعده أحد على ذلك ) ‪[ .‬الجامع لحكام القرآن‪. ]5/293 ،‬‬ ‫وهذه أيّها الخ المحبّ كلمات يسيرة للتعريف بهويّتنا وتجيبك سريعا على سؤالك‪ :‬من نحن‬ ‫وماذا نريد ولماذا الجهاد في سبيل اللـه‪.‬‬ ‫فهلّ حملت معنا هذه المانة ولم تظلمها بعد أن علمتها؟! قال تعالى‪{ :‬وسارعوا إلى مغفرة من‬ ‫ربّكم وجنّة عرضها السموات والرض أُعدّت للمتّقين} [آل عمران‪.]133 :‬‬ ‫والحــــمــد ل رب الـعـــالـمــيــن‬ ‫***********************‬ ‫الرد على مرجئة العصر ‪:‬‬ ‫حول مــرجـئة الــعــصـر‬ ‫الحمد ل رب العالمين والصلة والسلم على النبي المين وعلى آله وصحبه أجمعين‪.‬‬ ‫من سمة أهل البدع قديما وحديثا التدليس والكذب‪ ,‬والتلبيس والتزوير‪ ,‬وخداع النفس بالماني‬ ‫الكاذبة‪ ,‬طمعا في استقرارها على باطلها‪ ،‬وترويجا للباطل بين الناس‪ ,‬خاصة جهلتهم وغمارهم‪,‬‬ ‫وقد تتابعت الخبار يدفع بعضها بعضا في صور هذا التزوير من قبل أئمّة البدع القدماء‪ ,‬وما‬ ‫كان من خلفهم إلّ الوفاء القبيح لهذا الفعل القبيح‪ ,‬هذا شأن أهل البدع قديما‪ ,‬ولكن المر صار‬ ‫زاد ضغثا على إبالة حين صارت جرأة أهل البدع على فعل القبيح أشدّ من أسلفهم‪ ,‬فقد صار‬ ‫أهل البدع في زماننا يكذبون ويُزوّرون لباطلهم‪ ,‬مع شهرتهم بالسرقة والتدليس‪.‬‬ ‫صدر في الونة الخيرة كتاب (تحذير المّة من تعليقات الحلبي على أقوال الئمّة) للدكتور‬ ‫محمد أبو ارحيّم‪ ,‬والكتاب يكشف مبتدع استمرأ السرقة والتّشبّع بما لم يعط‪ ,‬حتى صار علما هو‬ ‫وبعض إخوانه في هذا الفن‪ ,‬كمثل سليم الهللي الذي كشف سرقته أحمد الكويتي في كتاب له‬ ‫سمّاه (الكشف المثالي عن سرقات سليم الهللي) وهو كتاب مطبوع‪ ,‬وفيه عشرات المثلة من‬ ‫السطو الصريح والسرقة القبيحة لكلم الخرين ونسبتها للنفس زورا وبهتانا متشبعا بما لم يعط‬ ‫وهو غيض من فيض‪ .‬هذا الكتاب الذي ذكرنا أسمه (تحذير المّة) على ما فيه من بلوي‬ ‫‪155‬‬ ‫ومصائب من تسمية بعض شيوخ الرجاء أئمّة‪ ,‬ومن تسمية من جعل نفسه خادما للطاغوت‬ ‫إماما‪ ,‬ومع إقرار كاتبه أنّه على منهج اشتراط الستحلل للتكفير في المكفّرات المُجمع عليه كما‬ ‫هو مذهب غلة المرجئة الضّالة إلّ أنّ فيه ما ينبغي أنْ نكشفه للنّاس‪ .‬فأول ما يتبادر إلى الذهن‬ ‫بعد أن يرى مثل هذا الكتاب أن يقول‪ :‬إنّ الخرق قد اتّسع على الرّاقع‪ ,‬وصار الكذب أكثر من‬ ‫أن يستر أو يؤول‪ ,‬وصارت السرقة تقع في نور الشمس‪ ,‬فما عاد هناك متّسع من الهروب أو‬ ‫السكوت أو التأويل‪ ,‬فبدأ الصراخ‪ :‬أوقفوا هذه الجرائم أو كما قال جرير‪ :‬بني حنيفة احكموا‬ ‫سفهاءكم‪.‬‬ ‫نعم ينبغي لعقلء هؤلء القوم ‪-‬على ما فيهم من الخطأ على ال ورسوله صلى ال عليه وسلّم‬ ‫في الفهم‪ -‬ينبغي على عقلئهم أن يوقفوا سفاهة السفهاء‪ ,‬وكذب الكذابين حتى لو كانوا على‬ ‫مذهبهم وطريقتهم‪ ,‬وهذا الكتاب (تحذير المّة من تعليقات الحلبي) فيما أعلم هو أول كتاب يقوله‬ ‫هؤلء القوم بصوت عال‪ .‬قبل مدة ليست بالطويلة أخرج علي الحلبي كتابا سمّاه بعنوان فاقع‬ ‫(فتنة التكفير) وهو تفريغ لشريط اللباني في جواب وسؤال لحدهم‪ ,‬والشكوك تدور حول هذا‬ ‫النوع من السئلة إذ أنّ أغلب السائلين يرتبون السئلة على وجه يبدو للمجيب والسامع أنّها ل‬ ‫تحتمل إلّ جوابا واحدا‪ ,‬فيكون السؤال مقدمة لجواب معروف‪ ,‬وعلى هذا جرت سنّة بدعة‬ ‫المدخليين (أتباع ربيع المدخلي) في نشر بدعهم وضللتهم‪ ,‬وللسف أنّ المر صار أكبر من‬ ‫مجرّد السئلة والجوبة ضدّ المخالفين‪ .‬بل زاد حتى صار عمالة للطاغوت‪ ,‬فإنّ هؤلء القوم‬ ‫يتقربون إلى ال (فيما يزعمون) بكشف أسماء المخالفين ممّن يرى تكفير النظمة الطاغوتية‪,‬‬ ‫وقد صرّح بعضهم وهو قرين علي الحلبي واسمه مراد شكري أنّه سيبقى وفيا للنظام الطاغوتي‬ ‫الردني‪ ,‬وأنّه لن يتردد في كشف كل إنسان يعرف أنّه يقول بتكفير حاكم الردن‪ ,‬وقد ألّف هذا‬ ‫الكذّاب كتابا سيئا سمّاه (إحكام التقرير لحكام مسألة التكفير)‪ ,‬مله وشحنه ببدعة أهل الرجاء‬ ‫وبمذهبهم أنّه ل يوجد في الدنيا إلّ كفر التكذيب‪ ,‬وقد ردّ عليه أحد طلبة العلم في كتاب سمّاه‬ ‫(براءة أهل السنّة من اشتراط التكذيب للخروج من الملّة وبيان أنّ هذا قول المرجئة والجهمية)‪,‬‬ ‫واسم كاتبه أبوعبدالرحمن السبيعي‪.‬‬ ‫وقد كشف فيه بدعة القول بهذا القصر لنواع التكفير‪ ,‬فجزاه ال خير الجزاء‪ .‬ومن عجيب أمر‬ ‫هذا الرجل ‪-‬مراد شكري‪ -‬انشغاله بتأليف الكتب لثبات نسب هاشمية الطاغوت الردني‪,‬‬ ‫فسبحان من وهب ومنع‪ .‬قلت‪ :‬اللباني في باب اليمان معروف قوله‪ ,‬وقد تبيّن لذي عينين أنّه‬ ‫‪156‬‬ ‫مع التقائه مع السلف في اللفظ بقوله‪ :‬إنّ اليمان قول وعمل‪ ,‬لكن في التفسير لهذه الكلمة هو مع‬ ‫أهل الرجاء‪ ,‬بل وللمانة العلمية هو على مذهب غلة المرجئة‪ ,‬فإنّ اللباني يشترط الستحلل‬ ‫في التكفير في المكفرات الصريحة‪ ,‬وقد طبق هذا المبدأ على مسألة‪ :‬ساب الرسول صلى ال‬ ‫عليه وسلّم‪ ,‬حين رفض تكفير الساب حتى يتبين شرط الستحلل‪ ,‬وهو قول من سمّاهم أئمّتنا‬ ‫بغلة المرجئة‪ ,‬أمّا أفراخ المرجئة فهم الذين لم يتوقفوا بتكفيره من أجل أي شرط باستثناء‬ ‫(الكراه) ولكنّهم حملوا تكفيره على معنى التكذيب القلبي لنبوته‪ ,‬وهذا ما ذكره المام أحمد بن‬ ‫تيمية في كتابه (الصارم المسلول على شاتم الرسول)‪ ,‬وهو أمر مشهور وصار بفضل ال تعالى‬ ‫من أبجديات فهم طلبة العلم لموضوع اليمان‪ ,‬وهو المر الذي ما زال اللباني وجماعته فقط‪,‬‬ ‫فقد كشف الشيخ سفر الحوالي (فكّ ال أسره من سجون الطغاة المرتدين)‪ ,‬أنّ هناك من بدأ يقول‬ ‫هذا عندهم في الجزيرة كما في كتابه‪ :‬ظاهرة الرجاء‪ .‬كتاب الحلبي قذف في صدره عبارات‬ ‫أشبه بطنين وقرع أهل الدعايات الكاذبة‪ ,‬طمعا في الترويج‪ ,‬وإرهابا لولئك المساكين الذين ما‬ ‫زالوا يقتاتون على الشعارات والسماء دون المعاني‪ ,‬ورضوا بالتقليد وآثروا الدّعة واتباع أئمّة‬ ‫الوقت الذين حاطوا بكل شيء علما كما يظنون في أئمتهم‪ .‬هكذا كتب الحلبي عنوان كتابه‪:‬‬ ‫التحذير من فتنة التكفير بحوث علمية‪ ,‬ونقول عقدية‪ ,‬لعدد من علماء السلم‪ ,‬محدثين‪ ,‬وفقهاء‪,‬‬ ‫ومفسرين‪ ,‬تتضمّن جوابا علميا فريدا‪ :‬للعلمة المحدّث الشيخ محمد ناصر اللباني وروجع عليه‬ ‫نفسه‪ ,‬مقرا لنشرها‪ .‬وتحسب أنّ وراءه من المر العظيم والشأن الجليل ما يستحق النظر‬ ‫والقراءة‪ ,‬ولكن يا حسرتنا فليس كل بيضاء شحمة‪ ,‬وإذا كان كتابا مثل هذا بكل هذا النحراف‪,‬‬ ‫وكل هذا الفساد والفساد وهو بمثل هذا التقريظ والتعليق والمراجعة والهتمام فيا حسرة أمّة‬ ‫محمد صلى ال عليه وسلّم‪ ,‬ويا ضياعها وهوانها‪ ,‬ويا عظيم مصيبتها‪ .‬أمّا كذب هذا العنوان‬ ‫بقول الجامع والمقدم والمعلّق‪ :‬بحوث علمية‪ ,‬ونقول عقدية‪ .‬إلخ‪.‬‬ ‫فوال ل ترى في هذا الزمان أكذب من هؤلء القوم‪ ,‬ول أكثر تزويرا منهم‪ ,‬ول أقلّ حياءً من‬ ‫مثل هذا الذي صار علما على كلّ الرذائل‪ .‬فحسبنا ال ونعم الوكيل‪.‬‬ ‫وإذا سألت عن أي شيء يتكلم هذا (المكتوب)‪ ,‬وأي تكفير يدفعه هذا (الكتيب) علمت أي جهود‬ ‫تبذلها الدول الطاغوتية في نشر وترويج هذا الكتيب‪ ,‬فالكتاب يدافع عن تكفير أئمّة الكفر‬ ‫والطغيان في هذا العصر أعني حكام بلدنا الذين صار كفرهم اشهر من نار على علم‪ .‬وكتاب‬ ‫الحلبي هذا قام بالردّ عليه أخونا أبو محمد المقدسي في كتاب له سمّاه (تبصير العقلء بتلبيسات‬ ‫‪157‬‬ ‫أهل التجهّم والرجاء)‪ ,‬يقول الشيخ المقدسي فكّ ال أسره في مقدمته‪ :‬وهذه الفتوى التي نمقها‬ ‫المقدّم لها وأخرجها كتابا ُقرّظ له بكلم علماء الدولة السعودية وسمّاها‪ :‬التحذير من فتنة‬ ‫التكفير‪ ،‬وكان الولى أنْ يُعجم الحاء لتصير خاء ويُهمل الذال لتصير دالً‪.‬‬ ‫هي في الحقيقة فتوى قديمة‪ ,‬قد طنطن حولها جهمية زماننا طنطنة كثيرة وقد طبعوها قبل مدة‪,‬‬ ‫ووُزعت مجانا بعنوان‪( :‬فتنة التكفير والحاكمية) قدّم لها وزادها تخليطا وتخبيطا‪ :‬محمد بن عبد‬ ‫ال الحسين وقد كشف الخ أبو محمد شيئا من كذب وتدليس علي الحلبي في كتابه هذا حيث‬ ‫يقول‪ :‬ومادمنا مع ابن حزم فيطيب لي أخي القارئ قبل أن أُغادر هذا الموضع أنْ أُعرّفك بمثال‬ ‫من (أمانة)!!! الحلبي ‪-‬وسيأتي مثله الكثير‪ -‬لتعرف كيف تتعامل مع كتبه ونقولته‪ .‬فقد نقل في‬ ‫هامش صفحة ‪ 4‬من مقدمته عن ابن حزم قوله في تعريف الكفر‪( :‬الكفر صفة من جحد شيئا‬ ‫افترض ال تعالى اليمان به بعد قيام الحجّة عليه ببلوغ الحق إليه‪ ).‬وتأمّل كيف أغلق القوس‬ ‫هنا ووضع نقطة بكل جرأة مع أنّ للكلم بقية مهمّة تنقض تلبيسات الحلبي وإرجائه وهو قول‬ ‫عمِلَ عملً جاء‬ ‫ابن حزم بعد ذلك مباشرة‪( :‬بقلبه دون لسانه أو بلسانه دون قلبه أو بهما معا أو َ‬ ‫به النص بأنّه مخرج له بذلك عن اسم اليمان) انظر الحكام ‪ .1/45‬فالذي اجتزأه الحلبي من‬ ‫كلم ابن حزم تجهّم محض‪ ,‬لكنّه مع هذه الزيادة التي طواها الحلبي بأمانته!! وبترها بدقته!!‬ ‫سنّة والجماعة الذي تضيق منه صدور أهل التجهّم والرجاء ولذلك فهم كما قال‬ ‫هو قول أهل ال ّ‬ ‫الحلبي صفحة ‪( :6‬يطوون هذه النقول ويكتمونها عن أتباعهم)!! ص ‪ 16‬بخط اليد‪ .‬وقد كشف‬ ‫الخ أبو محمد تدليس الحلبي في تحقيق المسألة كما هي على أرض الواقع تحت عنوان‪ :‬خلط‬ ‫مرجئة العصر بين ترك حكم ال وبين الحكم بمعناه التشريعي‪.‬‬ ‫وقصد الخ أن يقول‪ :‬إنّ الواقع الذي تعيشه المّة هو تحليل ما حرّم ال وتحريم ما أحلّ ال‬ ‫وليس هو كما ذكر بعض الئمّة قديما من تقسيمهم الحاكم إلى قسمين كافر وغير كافر‪ ,‬وذلك‬ ‫بتركه الحكم بما أنزل ال تعالى‪.‬‬ ‫ونقل قول ابن كثير رحمه ال رحمه ال تعالى‪( :‬فمن ترك التشريع المحكم المنزل على محمد‬ ‫بن عبد ال خاتم النبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة فقد كفر‪ ,‬فكيف بمن تحاكم إلى‬ ‫الياسق وقدّمها عليها‪ ,‬ل شكّ أنّ هذا يكفر بإجماع المسلمين)البداية والنهاية ‪13/119‬‬ ‫‪158‬‬ ‫وكتاب الخ أبي محمد يستحق النظّر والقراءة لما فيه من استيفاء الرد على هذا المدلس الجاهل‬ ‫وهو لم يطبع بعد‪ .‬وها أنا أكشف شيئا آخر كذب فيه المدلس على ابن القيم حين قال ‪ :‬قال‬ ‫العلمة ابن القيم في مختصر "مختصر الصواعق المرسلة ‪ :"12/421‬فمن جحد شيئا جاء به‬ ‫الرسول صلى ال عليه وسلّم بعد معرفته بأنّه جاء به‪ ,‬فهو كافر في دقّ الدين وجلّه‪ .‬وجعل‬ ‫كلم ابن القيم هذا دليلً على اشتراط المام الجحود لكل كفر هو في ديننا‪ ,‬وليس في كلمه‬ ‫علِمَ طلبة العلم أنّ الجحود عند ابن القيم نوع من أنواع الكفر وليس هو الكفر‬ ‫شيء من هذا‪ ,‬فقد َ‬ ‫الوحيد في العالم‬ ‫ثم أنّ الجحود ليس هو من أعمال القلب فقط‪ ,‬بل الجحود في القرآن الكريم لم يطلق إلّ على‬ ‫قول اللسان مع تصديق القلب‪.‬قال تعالى‪( :‬وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم‪ ).‬النمل ‪.14‬‬ ‫وقال تعالى‪( :‬فإنهم ل يكذبونك ولكن الظالمين بآيات ال يجحدون) النعام ‪.33‬‬ ‫فال تعالى في كتابه جعل الجحود في هاتين اليتين من قول اللسان فقط مع استيقان القلب‬ ‫فاحفظ هذا واهتمّ به‪ .‬وكلم ابن القيم في موطنه هو للرد على من فرّق بين العلميات والعمليات‬ ‫(مثل هذا المدلس الجاهل)‪ ,‬وليرد على من جعل التكفير لجاحد الصول دوت الفروع‪ :‬باعتبار‬ ‫أنّ الصول عندهم هي العقائد والفروع هي العمليات‪ .‬والن نعود إلى كتاب الدكتور محمد أبو‬ ‫ارحيم إذ أنّ الكتاب فيه حسنات منها‪:‬‬ ‫ـ كشف تزويرات عديدة في النقول وفي تفسير النصوص من قبل الحلبي‪.‬‬ ‫ـ كشف قلة أدب الحلبي مع المحدث أحمد شاكر‪.‬‬ ‫ـ الرد عن الستاذ محمد قطب وما افتراه عليه الحلبي‪.‬‬ ‫ـ تحريف وتأويل كلم ابن تيمية وابن كثير ومحمد إبراهيم آل الشيخ‪.‬‬ ‫ـ زيادات أشبه بزيادات المبتدعة (بل هي أختها) على كلم الئمّة‪.‬‬ ‫ـ افتراءه على الئمّة في معنى تبديل الشريعة‪.‬‬ ‫وها أنا أسوق لك بعض ما ذكره الدكتور أبو ارحيم في كتابه‪ ,‬وما كشفه بنفسه من صنيع هذا‬ ‫المدلس الجاهل‪ :‬يقول أبو ارحيم‪ :‬زعم الحلبي أنّ شيخ السلم قد بنى الحكم بالتكفير على ثلثة‬ ‫أمور‪ :‬المعرفة والعتقاد ثم الستحلل‪ ,‬فمن وجدت فيه فقد كفر وإلّ فهو جاهل‪ ,‬وقد استنبط‬ ‫هذه المعرفة من قول شيخ السلم‪ ,‬فقال‪ :‬قال شيخ السلم ابن تيمية أيضا في كتابه العظيم‬ ‫(منهاج السنّة ‪ :)5/131‬ول ريب أن من لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل ال على رسوله فهو‬ ‫‪159‬‬ ‫كافر‪ ,‬فمن استحل أن يحكم بين الناس بما يراه هو عدلً من غير أتباع لما أنزل ال فهو كافر ثم‬ ‫قال بعد كلم‪" :‬فإنّ كثيرا من الناس أسلموا ولكن مع هذا ل يحكمون إلّ بالعادات الجارية لهم‬ ‫التي يأمر بها المطاعون‪ ,‬فهؤلء إذا عرفوا أنه ل يجوز الحكم إل بما أنزل ال فلم يلتزموا ذلك‪,‬‬ ‫بل استحلوا أن يحكموا بخلف ما أنزل ال فهم كفار‪ ,‬وإلّ كانوا جهّالً" قال الحلبي معلقا‪:‬‬ ‫وكلمه رحمه ال بيّن واضح في أنه بنى الحكم على المعرفة والعتقاد ثم الستحلل‪ ,‬وأنّ عدم‬ ‫وجود ذلك ل يلزم منه الكفر‪ ,‬وإنما يكون فاعله جاهلً ل كافرا‪ .‬قال أبو ارحيم في الهامش‪:‬‬ ‫انظر التحذير ‪ 17-15‬ثم شرع أبو ارحيم في بيان ضلل وفساد ما قاله الحلبي وفي تقويله ابن‬ ‫تيمية رحمه ال تعالى ما لم يقله وبيّن أن كلمة ابن تيمية في آخر كلمه‪" :‬وإل كانوا جهّالً" ل‬ ‫تعود على المستحل وإنما تعود على الجملة الخيرة‪ ,‬فإنّ العتقاد بعدم وجوب الحكم بما أنزل‬ ‫ال على رسوله مع تيقنه أنه حكم ال كاف للحكم على معتقده بالكفر وإن لم يستحل الحكم بما‬ ‫أنزل ال‪.‬ثم خلص إلى قوله‪" :‬إن القاعدة التي ابتدعها علي الحلبي من كلم شيخ السلم‬ ‫المتقدم‪ ,‬عاطلة باطلة‪ ,‬ويجب طردها من سجل العلماء الثلثة‪ ,‬إذ هم منها براء‪ ,‬وكلم شيخ‬ ‫السلم يشهد ببراءة نفسه منها‪ ,‬لنّ من اعتقد عدم وجوب الحكم بما أنزل ال‪ ,‬بل ولو حكم بما‬ ‫أنزل ال من استحل الحكم بغير ما أنزل ال مع علمه كاف للدللة على كفره ولو اعتقد وجوب‬ ‫الحكم بما أنزل ال ولنّ منتهى هذه البدعة (معرفة واعتقاد ثم استحلل= كفر وإلّ فل) إلغاء‬ ‫للتكفير المشروع من سجل المسلمين وإذا لم يكن هذا إرجاءً فماذا يكون؟!! انتهى كلم الدكتور‪.‬‬ ‫وقد ذكر أبو ارحيم أنّ الحلبي في مناقشته معه قد اعترف بخطأ هذا الفعل والتدليس ثم تراجع‬ ‫في رسالة طبعها بعد ذلك‪ ,‬وبعد مراجعة الشريط الذي هو أصل الكتاب تبيّن صحة ما ذكره‬ ‫الدكتور أبو ارحيم‪.‬‬ ‫ثم ذكر أبو ارحيم أخطأ الحلبي على الستاذ محمد قطب حفظه ال‪ ,‬وقد كشف الدكتور تدليس‬ ‫وكذب الحلبي بأجلى صورة‪ ,‬ولول ضيق المقام لذكرتها كاملة ففيها البيان الشافي لحقيقة هذا‬ ‫المدلس الجاهل‪ .‬هذا وأكثر منها تجدها في كتاب من القطع الصغير عدد صفحاته الفعلية‬ ‫‪78‬صفحة والكتاب شبه تفريغ لشريطي المناظرة التي تمت بين المؤلف (أبو ارحيم) وبين علي‬ ‫الحلبي‪ ,‬ولكن للشريط معاني أخرى ل توجد في الكتاب منها قول محمد شقرة (الحكم بين‬ ‫الطرفين في المناظرة)‪ :‬لو غيرك فعلها يا علي لقطعت يده‪.‬‬ ‫‪160‬‬ ‫أقول‪ :‬وهل ل تقطع يد الحلبي في السرقة والتدليس لنه من أهل البيت ـوهو ممّن شهدوا‬ ‫المواقع؟‬ ‫إظهار المدورة الجاهلة لتحميل الكلم ما ل يحتمل من قبل الحلبي‬ ‫لم يجد الحلبي ما يدافع به عن نفسه سوى قوله‪ :‬إنّ الكتاب قرأه اللباني وقال‪ :‬لقد تمتعت به‬ ‫قلتُ‪ :‬وهذا يثبت أن أذواق بعض الناس صارت الحكم الذي يرجع إليه أتباع هذا التيار لكن‬ ‫الكتاب وقع في خطأ موضوعي وهو اعتقاده أن كلم الحلبي ل يعتقده اللباني‪ ,‬وهذا خطأ‪ ,‬فإنّ‬ ‫كل ما قاله الحلبي هو موافق لما يقوله اللباني في أحاديثه‪ ,‬ومحاولة (أبو ارحيم) نسبته خطأ‬ ‫هذه العقائد إلى أشخاص دون بقية التباع والسلفية الجديدة خروج عن الموضوعية‪ ,‬فإنّ هذا‬ ‫التيار الجديد والذي يقوده اللباني وربيع المدخلي وتنصرهما تزويرات الحلبي ومن هو على‬ ‫شاكلته هو منهج أصيل وليس خطأ عارض‪ ,‬فإنّ اللباني يرى أنّه ل يوجد عمل (أي عمل)‬ ‫مكفّر ومخرج من الملّة‪ ,‬حتى ساب النبي صلى ال عليه وسلّم كما تقدم‪ ,‬وإن تقريرات اللباني‬ ‫في هذا الباب هي عين تقريرات مذهب المرجئة الغلة‪ ,‬وأشرطته شاهدة على ذلك‪ ,‬وللخ أبو‬ ‫بصير (عبد المنعم أبو حليمة) رد رائع على شريط بعنوان (الكفر كفران) بحيث كشف فيه‬ ‫خطأه في هذا الباب‪ ,‬ومن فوائده أنه يكشف طريقة اللباني الظالمة في الحِجاج والمناظرة‪ ,‬وأنه‬ ‫يحل لنفسه ما يحرم على غيره‪ ,‬ويستطيع الخ المنصف أن يعرف انحراف اللباني في مسمى‬ ‫اليمان وحقيقته بعد أن يطّلع على فتاوى اللباني في العقائد التي قام على طبعها هذا المدلس‬ ‫الجاهل ‪-‬علي الحلبي‪ .-‬ولذلك على الكاتب (أبو ارحيم) أن يخرج من هذا التيار وأن يُعلن‬ ‫براءته منه ويرتقي في النسبة إلى الرجال الوائل‪ ,‬وسيكتشف عمق ما عليه أصحاب هذا المنهج‬ ‫من انحراف في باب اليمان‪ .‬لكني أقول لعل (أبو ارحيم) يعيش نفس المرحلة التي كنّا فيها‬ ‫ن المنهج صار في‬ ‫يوما‪ ,‬وهي محاولة الصلح من الداخل‪ ,‬ولكن قد ثبت خطأ هذا الطريق‪ ,‬إ ّ‬ ‫كل عِرق ولم يعد لتقويم الشيوخ سبيل‪ ,‬فلبد من البيان‪ .‬وهذا المعنى عند (أبو ارحيم) هو الذي‬ ‫جعله يكيل المدح لمحمد شقرة ويستشهد بكلمه وكلم اللباني في موضوع الحاكمية‪ ,‬لكن (أبو‬ ‫ارحيم) ماذا سيفعل إذا قرأ في مجلة الفرقان الكويتية (في عددها رقم ‪ 84‬السنة التاسعة صفحة‬ ‫‪ 34‬تحت عنوان فتاوى منهجية) وفيها فتوى هيئة كبار علماء آل سعود في بدعية القول بتوحيد‬ ‫الحاكمية‪ ,‬هل سيخالفهم أم سيحني رأسه للعاصفة كما فعل غيره‪ .‬على كل حال‪ :‬أبو ارحيم هو‬ ‫دكتور في الشريعة ويدّرسها في أحد جامعات الردن بهذه المخالفة للحلبي وبهذه الصراحة‬ ‫‪161‬‬ ‫سيجني ثمار عقوقه للحراس اليقظين على المنهج المبتدع‪ ,‬وما ذكره في مقدمة كتابه أنّه سيُشهَر‬ ‫به وس ُيتّهم بالخارجية هو بداية الطريق لتحرير العقل من هوى البدعة والسير في ركاب‬ ‫الطواغيت‪.‬‬ ‫*****************‬ ‫وأما عساكر السلطان فيجوز قتلهم لنهم يساعدون الحاكم على الباطل ومن باب دفع الصائل‬ ‫يقول العالم المجاهد أبو محمد المقدسي ‪:‬‬ ‫كشف شبهات المجادلين عن عساكر الشرك وأنصار القوانين‬ ‫بسم ال الرحمن الرحيم‬ ‫مقدمة الطبعة الولى‬ ‫الحمد ل والصلة والسلم على رسول ال ومن واله ‪ ..‬وبعد ‪:‬‬ ‫فهذه إحدى رسائل السجن كنت قد كتبتها في سجن سواقة في عام ‪1416‬هـ ‪ .‬لرد أشهر‬ ‫شبهات المجادلين عن عساكر وأنصار القوانين ‪.‬‬ ‫وذلك بعد أن انتشرت دعوتنا –بفضل ال تعالى‪ -‬في السجن وخارجه ‪ ،‬فقرت بذلك عيون‬ ‫الموحدين ‪ ،‬وحرّت عيون الملحدين والمشركين ‪.‬‬ ‫فانبرى المجادلون دونهم المخذلون عن تكفيرهم وجهادهم من جماعات التجهم والرجاء ‪،‬‬ ‫يطنطنون بأمثال هذه الشبهات ‪ ،‬ويسعون للصد بها عن دعوة التوحيد ‪ ،‬والترقيع لعساكر الشرك‬ ‫والتنديد ة‬ ‫فقمت بكتابة هذه الوراق بأسلوب سهل يناسب المقام لتيسير الرد عليهم وعلى شبهاتهم ‪،‬‬ ‫ل بفضل ال تعالى ‪،‬‬ ‫وتسهيله على إخواننا المبتدئين في هذه الدعوة المباركة ة وقد تحقق ذلك فع ً‬ ‫حتى كان عوام الموحدين يفحمون في هذه البواب من كانوا يفاخرون بأنهم من خريجي كليات‬ ‫الشريعة ونحوها وهذا مصداق قول شيخ السلم محمد عبد الوهاب في كتابه كشف الشبهات ‪:‬‬ ‫سُلهُم بِا ْل َب ّينَاتِ َفرِحُواْ ِبمَا‬ ‫(وقد يكون لعداء التوحيد علوم كثيرة كما قال تعالى ( َفَلمّا جَا َء ْتهُمْ رُ ُ‬ ‫س َت ْه ِزئُونَ) {‪83‬غافر} والواجب على المسلم أن يتعلم من‬ ‫عِندَهُمْ مّنَ ا ْل ِعلْمِ وَحَاقَ ِبهِم مّا كَانُواْ بِهِ يَ ْ‬ ‫دين ال ما يصير له سلحا يقابل به هؤلء الشياطين‪ ،‬ومن ثم ل خوف ول حزن لن ( َكيْدَ‬ ‫ضعِيفا ) {‪ 76‬النساء}‬ ‫ن َ‬ ‫شيْطَانِ كَا َ‬ ‫ال ّ‬ ‫‪162‬‬ ‫والعامي من الموحدين يغلب آلف من علماء المشركين كما قال تعالى ( َوإِنّ جُن َدنَا َلهُمُ ا ْلغَاِلبُونَ)‬ ‫{‪173‬الصافات} فجند ال هم الغالبون بالحجة واللسان ‪ ،‬كما أنهم غالبون بالسيف والسنان)‬ ‫أ‪.‬هـ مختصرا‬ ‫وقد قام إخواننا في السجن آنذاك بنسخ هذه الوراق ونشرها بين السجناء على اختلف‬ ‫قضاياهم ‪ ،‬كما قمنا بتسليم نسخ منها لكثير من الشرط والعساكر والضباط الذين كنا ندعوهم‬ ‫إلى البراءة من شركيات قوانينهم وكفريات طواغيتهم ‪ ،‬فيلوذ كثير منهم بأمثال هذه الشبهات ‪..‬‬ ‫ولم يكن في حساباتي حين كتبتها إخراجها للطباعة والنشر لوجود ما يغني عنها في كتاباتي‬ ‫المفصلة في هذا الباب كـ (إمتاع النظر في كشف شبهات مرجئة العصر) ونحوه ‪..‬خصوصا‬ ‫وأن هذه الورقات كتبت على وجه الختصار واعتمادا على ما في الذهن والذاكرة ‪ ،‬لفقر السجن‬ ‫وشحه في الصول المطلوبة ‪..‬ثم إني فوجئت بعد أن فرّج ال عنا ‪ ،‬بأنها قد نشرت عبر‬ ‫(النترنت) وصورت وتداولها كثير من الشباب لختصارها وسهولتها ‪ ..‬رغم ما فيها من‬ ‫أخطاء مطبعية وبعض السقط والنقص الظاهر في بعض المواضع‪ ..‬وهو المر الذي دعاني‬ ‫إلى مراجعة نسخة مطبوعة من طرف بعض الفاضل لصيانتها من السقط والخلل قدر‬ ‫عَليْهِ َت َو ّك ْلتُ َوِإَليْهِ ُأنِيبُ) ‪.‬‬ ‫المستطاع وإعدادها للطبع ‪َ ( ،‬ومَا َتوْفِيقِي إِلّ بِاللّهِ َ‬ ‫ل المولى تبارك وتعالى أن ينفع بها ‪ ،‬وأن يثبتنا ويعيننا على نصرة دينه وحراسة شريعته‪،‬‬ ‫سائ ً‬ ‫وأن يستعملنا في الذب عن حرماته ‪..‬وأن يتقبل منا إنه هو السميع العليم ‪.‬وصلى ال وسلم على‬ ‫نبيه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ‪.‬‬ ‫صفر ‪1420‬هـ‬ ‫المقدمة‬ ‫الحمد ل ربّ العالمين والصلة والسلم على خاتم النبياء والمرسلين وبعد ‪.‬‬ ‫فهذه شبهات طالما سمعناها تتردد على ألسنة كثير من المجادلين عن جُند الطواغيت وعساكر‬ ‫القوانين حتى بلغ المر أن تلقفها منهم أولئك العساكر المشركون الذين ل يعرفون من الدين إل‬ ‫السم ول من معالمه إل الرسم وصاروا يجادلون بها الموحّدين ويُمارون بها المسلمين لتسويغ‬ ‫شركهم وباطلهم ونصرتهم للطاغوت الذي أمر ال أول ما أمرهم أن يجتنبوه ويكفروا به ‪.‬‬ ‫ج َت ِنبُواْ الْطّاغُوتَ)) ‪ ,‬وقال سبحانه‪:‬‬ ‫عبُدُواْ اللّهَ وَا ْ‬ ‫قال تعالى‪َ (( :‬ولَقَدْ َب َع ْثنَا فِي كُلّ ُأمّةٍ رّسُولً أَنِ ا ْ‬ ‫(( ُيرِيدُونَ أَن َيتَحَا َكمُواْ ِإلَى الطّاغُوتِ وَقَدْ ُأ ِمرُواْ أَن َيكْ ُفرُواْ بِهِ)) ‪.‬‬ ‫‪163‬‬ ‫غ ْيرَ الّذِي قِيلَ َلهُمْ) ‪ ,‬فبدلً من أن يكفروا به ‪ ,‬حرسوه وحموه ودافعوا‬ ‫ظَلمُواْ َقوْلً َ‬ ‫( َفبَدّلَ الّذِينَ َ‬ ‫عنه وجادلوا دونه وصاروا له جندا محضرين وحراسا مخلصين ضحوا من أجله بمهجهم‬ ‫وبذلوا في سبيله أوقاتهم وأعمارهم ‪.‬‬ ‫وعندما كنا ندعو كثيرا منهم إلى التوحيد والبراءة من الشرك والتنديد كانوا يجادلون بشبه‬ ‫أوحاها إليهم شياطين الجن والنس لبسوا بها الحق بالباطل والنور بالظلم ‪.‬‬ ‫ضهُمْ ِإلَى َبعْضٍ‬ ‫ل ْنسِ وَالْجِنّ يُوحِي َب ْع ُ‬ ‫شيَاطِينَ ا ِ‬ ‫ج َع ْلنَا ِلكُلّ ِن ِبيّ عَ ُدوّا َ‬ ‫قال تعالى‪َ (( :‬وكَ َذِلكَ َ‬ ‫صغَى ِإَليْهِ أَ ْفئِ َدةُ الّذِينَ لَ‬ ‫غرُورا َوَلوْ شَاءَ َر ّبكَ مَا َف َعلُوهُ فَ َذرْهُمْ َومَا يَ ْف َترُونَ * َوِل َت ْ‬ ‫خ ُرفَ الْ َقوْلِ ُ‬ ‫زُ ْ‬ ‫ض ْوهُ َوِليَ ْق َترِفُواْ مَا هُم مّ ْق َترِفُونَ))‪.‬‬ ‫خ َرةِ َوِليَ ْر َ‬ ‫ُي ْؤ ِمنُونَ بِال ِ‬ ‫فبيّن ال سبحانه أنّ أفئدة الذين ل يُؤمنون بالخرة هي التي تصغي لمثل ذلك الزخرف وهي‬ ‫التي ترتضي تلك الشبهات ليرقّعوا باطلهم ويستروا بها شركياتهم وليقترفوا ما هم مقترفون ‪.‬‬ ‫لَلكُمْ َي ْبغُو َنكُمُ‬ ‫ضعُواْ خِ َ‬ ‫لوْ َ‬ ‫خبَالً و َ‬ ‫خرَجُواْ فِيكُم مّا زَادُوكُمْ إِلّ َ‬ ‫وقال سبحانه في آية أخرى ((َلوْ َ‬ ‫علِيمٌ بِالظّاِلمِينَ))‬ ‫سمّاعُونَ َلهُمْ وَاللّهُ َ‬ ‫الْ ِف ْتنَةَ وَفِيكُمْ َ‬ ‫فبيّن ال سبحانه أنّ في صفوف المسلمين من قد يستمع لتخذيل المنافقين ولشبهات المرجفين‪.‬‬ ‫لجل ذلك كلّه أحببنا أن نردّ في هذه الورقات على أشهر شبهاتهم باختصار يُناسب المحل‬ ‫والمكان والزمان بحيث يكون صالحا لن يُطالعه العساكر أنفسهم وكذلك المجادلين عنهم‬ ‫وغيرهم من المتأثرين بتلكم الشبهات والتي حقيقتها كما يقول الشاعر‪:‬‬ ‫شبه تهافت كالزجاج تخالها‬ ‫حقا وكلّ كاسرٌ مكســـور‬ ‫عسى ال عز وجل أن يفتح بهذه الورقات آذانا صما وأعينا عميا وقلوبا غلفا إنه ولي ذلك‬ ‫والقادر عليه ‪ ,‬وهو مولنا نعم المولى ونعم النصير ‪.‬‬ ‫سجـن سـواقـة‬ ‫ربيــــــــع الول ‪1416‬‬ ‫من هجرة المصطفى عليه الصلة والسلم‬ ‫أبــو محمــد المقــدســي‬ ‫وقد ناقشنا في هذه الورقات أشهر شبهاتهم وهي ‪:‬‬ ‫• عدم كفر الحكام كفر أكبر بل كفرا دون كفر‬ ‫• أنهم يقولون ل إله إل ال‬ ‫‪164‬‬ ‫• أنّهم يُصلّون ويصومون‬ ‫• من كفّر مسلما فقد كفر‬ ‫• العــذر بالجــــهل‬ ‫• الكراه والستضعاف والرزق والمصلحة‬ ‫الشبهة الولى‬ ‫عدم كفر الحكام كفرا أكبر بل كفرا دون كفر‬ ‫قال المجادلون عن عساكر القوانين ‪ :‬نحن نخالفكم في الصل الذي تبنون عليه تكفير أنصار‬ ‫هؤلء الحكام من مخابرات وعساكر وغيرهم إذ كفر هذه الحكومات عندنا كفر دون كفر كما‬ ‫قال ابن عباس رضي ال عنه ‪.‬‬ ‫وبالتالي فكل فرع تبنونه على تكفير الحكام كفرا أكبر ل يستقيم عندنا ‪.‬‬ ‫فنقول‪ :‬ليس من مسألة إلّ وللناس فيها خلف لكن ل يعني ذلك تمييعها وعدم معرفة الحق فيها‪,‬‬ ‫إذ ليس كل خلف معتبر ‪.‬‬ ‫ل الضّلَلُ} وقال سبحانه‪َ { :‬وَلوْ كَانَ مِنْ عِندِ‬ ‫والحق واحد ل يتعدد قال تعالى‪َ { :‬فمَاذَا َبعْدَ الْحَقّ إِ ّ‬ ‫ختِلَفا َكثِيرا} ‪.‬‬ ‫غ ْيرِ اللّهِ َلوَجَدُواْ فِيهِ ا ْ‬ ‫َ‬ ‫ولذلك قال العلماء أن اختلف التنوع محتمل لنه اختلف في الفروع ناتج عن اختلف في‬ ‫تصحيح حديث أو تضعيفه أو بسبب عدم بلوغه للفقيه ونحو ذلك‪.‬‬ ‫أما اختلف التضاد خصوصا في أهم المهمات في الدين كالشرك والتوحيد واليمان والكفر فل‬ ‫يجوز ول يحل لحد أن يرضى به أو يقره أو يتخذه ذريعة وعذرا لموالة المرتدين وأهل‬ ‫الشراك أو نصرتهم أو مودّتهم بل لبد من البت في هذه المسائل التي تنبني عليها أوثق عرى‬ ‫اليمان ‪ ،‬والوصول إلى الحق فيها لن ال جل ذكره لم يتركنا هملً ول خلقنا عبثا سبحانه‬ ‫جعُونَ } وهو سبحانه لم يفرط في الكتاب من شيء‬ ‫عبَثا َوَأ ّنكُمْ ِإَل ْينَا لَ ُترْ َ‬ ‫خلَ ْقنَاكُمْ َ‬ ‫س ْبتُمْ َأ ّنمَا َ‬ ‫{أَفَحَ ِ‬ ‫شيْءٍ } فليس من خير إل ودلنا ال عليه ورغبنا فيه وليس‬ ‫طنَا فِي ال ِكتَابِ مِن َ‬ ‫قال تعالى‪{ :‬مّا َفرّ ْ‬ ‫حيّ عَن َب ّينَةٍ} ‪.‬‬ ‫حيَى مَنْ َ‬ ‫من شر إل ونبّه ال عليه وحذّر منه {ّل َي ْهِلكَ مَنْ َهَلكَ عَن َب ّينَةٍ َويَ ْ‬ ‫وهذا المر ـ أعني كفر هؤلء الحكام الطواغيت ـ هو عند من فقه دينه وعرف توحيده‬ ‫أوضح من الشمس في رابعة النهار ولكن ليس من عجب أن يتشوش ضوء الشمس على من في‬ ‫عينيه رمد‪.‬‬ ‫‪165‬‬ ‫ومرادنا هنا ‪ -‬إن شاء ال تعالى ‪ -‬معالجة ذلك الرمد وإزالة ذلك التشويش بمراهم التوحيد‬ ‫وبإثمد من أدلة الوحيين (الكتاب والسنة) ‪.‬‬ ‫فنقول‪ :‬اعلم أولً أن هؤلء الطواغيت ل يكفرون من باب واحد حتى يرد تكفيرهم بمثل هذه‬ ‫الشبهة المتهافتة المبنية على القول المنسوب لبن عباس رضي ال عنه "كفر دون كفر" بل هم‬ ‫يكفرون من أبواب عديدة شتى ‪:‬‬ ‫• منها‪ :‬أن لشهادة التوحيد (ل إله إل ال) ركنان أصليان ل يغني أحدهما عن الخر ‪.‬‬ ‫بل ل بد لقبول هذه الشهادة وصحتها التيان بهما جميعا هما‪ :‬النفي (ل إله) والثبات (إل ال)‬ ‫أو كما بيّن ذلك ال تعالى ( الكفر بالطاغوت) و(اليمان بال) قال تعالى‪َ { :‬فمَنْ َيكْ ُفرْ بِالطّاغُوتِ‬ ‫سكَ بِا ْل ُع ْر َوةِ ا ْل ُوثْقَى} فمن لم يجمع بين هذين الركنين فإنه لم يستمسك‬ ‫س َتمْ َ‬ ‫َو ْي ْؤمِن بِاللّهِ فَقَدِ ا ْ‬ ‫بالعروة الوثقى ومن لم يستمسك بالعروة الوثقى فهو هالك مع الهالكين لنه ليس من جملة‬ ‫الموحدين بل هو في عداد المشركين أو الكافرين‬ ‫فهؤلء الحكام الذين اتخذوا مع ال أندادا مشرعين لو صدّقنا زعمهم بأنهم مؤمنون بال فإن‬ ‫هذا ل يكفي للدخول في دائرة التوحيد إذ بقي الركن الخر الذي ذكره ال هنا قبل ركن‬ ‫اليمان لهميته ‪ ،‬أل وهو (الكفر بالطاغوت) ‪.‬‬ ‫فإيمانهم بال دون كفر بالطاغوت هو مثل إيمان قريش بال دون أن يكفروا بطواغيتهم‪.‬‬ ‫ومعلوم أن هذا اليمان لم ينفع قريشا ول عصم دماءهم أو أموالهم حتى ضمّوا إليه البراءة‬ ‫والكفر بطواغيتهم أما قبل ذلك ‪ ،‬فإن إيمانهم المختلط الممزوج بالشرك الظاهر لم ينفعهم ل في‬ ‫ش ِركُونَ }‪.‬‬ ‫أحكام الدنيا ول في أحكام الخرة قال تعالى { َومَا ُي ْؤمِنُ َأ ْك َثرُهُمْ بِاللّهِ إِلّ وَهُمْ مّ ْ‬ ‫ع َمُلكَ َوَل َتكُونَنّ مِنَ‬ ‫حبَطَنّ َ‬ ‫ش َر ْكتَ َليَ ْ‬ ‫والشرك ناقض لليمان محبط للعمال قال تعالى ‪َ( :‬لئِنْ أَ ْ‬ ‫سرِينَ )‬ ‫الْخَا ِ‬ ‫ومعلوم أن هؤلء الحكام ل يكفرون بطواغيت الشرق والغرب ول يتبرؤون منهم بل هم بهم‬ ‫ض الخصومة والنزاع وارتضوا أحكامهم الكفرية‬ ‫مؤمنون تولّوهم وتحاكموا إليهم في ف ّ‬ ‫وقوانينهم الدولية في ظل هيئة اللمم (المم) ومحكمتها الكفرية ( )‪.‬‬ ‫وكذلك الطواغيت العربية وميثاقهم الشبيه بميثاق المم الملحدة الكافرة الدولي فهم لجميع أولئك‬ ‫الطواغيت أحباب وأولياء وعبيد لم يجتنبوهم ولم يجتنبوا نصرتهم ومظاهرتهم على شركهم‪،‬‬ ‫حتى يخرجوا من الشرك الذي قد ولجوا فيه ومن ثم يحكم لهم بالسلم‬ ‫‪166‬‬ ‫فإن كان أمر طواغيت العرب مشتبه على من في عينه رمد فإن أمر طواغيت الكفر الغربيين‬ ‫والشرقيين من نصارى وبوذيين وشيوعيين وهندوس ونحوهم ل يخفى وال إل على العميان ‪،‬‬ ‫ومع ذلك فهم لهم أخوة وأحباء لم يكفروا بهم بل تجمع بينهم روابط الخوة والصداقة والمودة‬ ‫ويجمع بينهم ميثاق المم المتحدة!! الكفري ويحتكمون عند الخصومة إلى محكمتها الكفرية‬ ‫التي مقرها في لهاي ‪.‬‬ ‫فهم ما حققوا ركن التوحيد الول والمهم (الكفر بالطاغوت) حتى يكونوا مسلمين هذا إذا سلمنا‬ ‫جدلً أنهم قد جاءوا بالركن الخر (اليمان بال) فكيف إذا أضيف إلى ذلك أنهم هم أنفسهم‬ ‫أيضا طواغيت يُعبدون من دون ال فيشرّعون للناس من الدين ما لم يأذن به ال ويدعون الناس‬ ‫ويأطرونهم أطرا ويقصرونهم قصرا على متابعة تشريعاتهم الباطلة هذه كما سيأتي ‪.‬‬ ‫• ويكفرون أيضا من باب استهزائهم بدين ال تعالى وشرائعه ‪.‬‬ ‫وترخيصهم لكل مستهزئ به عبر الصحافة أو الذاعة أو التلفاز وغيرها من المؤسسات‬ ‫العلمية الباحية الكافرة التي حموها وحرسوها بقوانينهم وعساكرهم ‪.‬‬ ‫س َت ْهزِءُونَ * لَ َت ْعتَ ِذرُواْ قَدْ كَ َف ْرتُمْ َبعْدَ‬ ‫وقد قال ال تبارك وتعالى {قُلْ َأبِاللّهِ وَآيَاتِهِ َورَسُولِهِ كُنتُمْ تَ ْ‬ ‫إِيمَا ِنكُمْ} ‪.‬‬ ‫وهذه اليات نزلت في أناس كانوا مسلمين يصلون ويصومون ويزكون وخرجوا في غزوة من‬ ‫أعظم غزوات المسلمين ومع هذا كفّرهم ال عز وجل لما صدرت منهم كلمات استهزءوا فيها‬ ‫بحفظة كتاب ال‪ ,‬فكيف بأراذل الخلق الذين ل يرجون لدين ال وقارا وقد جعلوه ألعوبة وهزءا‬ ‫لكل ساقط وساقطة واتخذوه وراءهم ظِهريا ‪.‬‬ ‫وأعظم من ذلك كله أن ينزلوه منزلة قوانينهم وتشريعاتهم الساقطة فيصوّتوا عليه ويتشاوروا في‬ ‫أوامره ونواهيه مع العلمانيين والنصارى والملحدة فهل ثم أعظم استهزاء واستخفافا من هذا؟ ‪.‬‬ ‫• ويكفرون من باب توليهم للمشركين الغربيين والشرقيين ومظاهرتهم على الموحدين ‪.‬‬ ‫سواء بعقد اتفاقيات النصرة (المنية) التي يتبادلون من خللها المعلومات عن الموحدين الذين‬ ‫يصِفونهم بالرهابيين والصوليين‪ ،‬ويتم من خلل ذلك تسليم الموحدين والمجاهدين لعدائهم‬ ‫من طواغيت البلدان الخرى ‪.‬‬ ‫وقد قال ال تعالى { َومَن َي َت َوّلهُمْ مّنكُمْ َفِإنّهُ ِم ْنهُمْ} ‪.‬‬ ‫‪167‬‬ ‫ولجل ذلك قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في نواقض السلم "الناقض الثامن مظاهرة‬ ‫المشركين ومعاونتهم على الموحدين كفر"‪.‬‬ ‫وذكر حفيده الشيخ سليمان بن عبد ال في رسالته حكم موالة أهل الشراك عند قوله تعالى {َألَمْ‬ ‫خرُجَنّ َم َعكُمْ‬ ‫جتُمْ َلنَ ْ‬ ‫خرِ ْ‬ ‫خوَا ِنهِمُ الّذِينَ كَ َفرُواْ مِنْ أَهْلِ ا ْل ِكتَابِ َلئِنْ أُ ْ‬ ‫َترَ ِإلَى الّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لِ ْ‬ ‫شهَدُ ِإ ّنهُمْ َلكَا ِذبُونَ } إنّ هذه اليات نزلت‬ ‫ص َر ّنكُمْ وَاللّهُ يَ ْ‬ ‫وَلَ نُطِيعُ فيكُمْ أَحَدا َأبَدا َوإِن قُو ِت ْلتُمْ َلنَن ُ‬ ‫في أناس كانوا يُظهرون السلم ويقبل منهم ذلك في الدنيا فيعامَلون معاملة المسلمين لن‬ ‫المسلمين مأمورون بالخذ بالظاهر لكنهم لمّا عقدوا مع اليهود اتفاقية نصرة ضد الموحدين ‪-‬‬ ‫ومع أن ال يعلم أنهم باتفاقيتهم هذه كاذبون‪ -‬فقد عقد بينهم وبين أهل الكتاب عقد الخوة‬ ‫ووصفهم بأنهم إخوانهم وهذا تكفير لهم ‪ .‬وهذا معنى كلمه رحمه ال ة‬ ‫فكيف بمن عقد اتفاقيات النصرة مع المشركين من عبيد القوانين الشرقيين والغربيين وحارب‬ ‫الموحدين وسلّمهم إلى حكومات بلدهم فعلً ؟ ل شك أنه داخل في هذا الحكم من باب أولى‪.‬‬ ‫•ويكفرون من باب ابتغائهم الديمقراطية دينا عوضا عن دين ال ‪.‬‬ ‫عنْدَ الِ الِسْلمُ} والسلم دين ال الحق الذي بُعث به محمد صلى ال‬ ‫فقد قال تعالى { إِنّ الدّينَ ِ‬ ‫عليه وسلم وأما الديمقراطية فهي دين اخترعه اليونان ‪.‬‬ ‫ل الضّلَلُ}‬ ‫وهي دون شك ليست من دين ال فهي قطعا ليس من الحق { َفمَاذَا َبعْدَ الْحَقّ إِ ّ‬ ‫وهؤلء القوم يُصرّحون ويُعلنون دوما مُختارين غير مُكرهين بل فخورين مسرورين بأن‬ ‫الديمقراطية وليس السلم خيارهم الوحيد ‪.‬‬ ‫والديمقراطية مع السلم ل يجتمعان إذ ل يقبل ال إل السلم الخالص‪ ،‬والسلم الذي هو دين‬ ‫ال الخالص جعل التشريع والحكم ل وحده أما الديمقراطية فهي دين شركي كفري جعلت الحكم‬ ‫والتشريع للشعب ل ل ‪ ،‬وال جلّ ذكره ل يقبل ول يرضى أن يجمع المرء بين الكفر وبين‬ ‫السلم أو بين الشرك والتوحيد‪.‬‬ ‫بل ل يُقبل السلم والتوحيد ول يصح إل إذا كفر المرء وتبرأ من كل دين غير دين ال‬ ‫الخالص ‪.‬‬ ‫خ َرةِ هُمْ كَا ِفرُونَ * وَا ّت َب ْعتُ‬ ‫قال تعالى عن يوسف {ِإنّي َت َر ْكتُ ِملّةَ َقوْمٍ لّ ُي ْؤ ِمنُونَ بِاللّهِ وَهُمْ بِال ِ‬ ‫شيْءٍ} ‪.‬‬ ‫ش ِركَ بِاللّهِ مِن َ‬ ‫ِملّةَ آبَائِـي ِإ ْبرَاهِيمَ َوإِسْحَاقَ َو َيعْقُوبَ مَا كَانَ َلنَا أَن نّ ْ‬ ‫‪168‬‬ ‫وقال رسول ال صلى ال عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي يرويه مسلم "من قال ل إله إل‬ ‫ال وكفر بما يُعبد من دون ال حرم ماله ودمه وحسابه على ال" ‪.‬‬ ‫وفي رواية عند مسلم أيضا "من وحّد ال ‪ ". . .‬الحديث ‪.‬‬ ‫وليست الديان فقط هي النصرانية واليهودية بل وأيضا الشيوعية والديمقراطية ونحوها من‬ ‫الملل والمذاهب الرضية الكافرة فل بد من البراءة من جميع الملل والنّحل والمذاهب الباطلة‬ ‫ليقبل ال دين السلم ‪.‬‬ ‫فكما أنه ل يجوز في دين ال أن يكون النسان مسلما نصرانيا أو مسلما يهوديا فكذلك ل‬ ‫يرضى ال أن يكون المرء مسلما ديمقراطيا فالسلم دين ال والديمقراطية دين كفري ‪.‬‬ ‫سرِينَ} ‪.‬‬ ‫خ َرةِ مِنَ الْخَا ِ‬ ‫غ ْيرَ الِسْلَمِ دِينا َفلَنْ يُ ْقبَلَ ِمنْهُ وَ ُهوَ فِي ال ِ‬ ‫{ َومَن َي ْبتَغِ َ‬ ‫هذا إذا جمعوا بين السلم والديمقراطية فكيف إذا تركوا السلم وأعرضوا عن تشريعه‬ ‫وأحكامه وحدوده واختاروا الديمقراطية وحكمها وتشريعها‪.‬‬ ‫•ويكفرون من باب مساواتهم لنفسهم ولربابهم المتفرقين مع ال الواحد القهار ‪.‬‬ ‫بل هم في دينهم الذي يدينون به أعظم عندهم من ال فأحكام ال تُعطّل ويُضرب بها عرض‬ ‫الحائط ومن عارضها أو حادّها أو حاربها أو استهزأ بها فهو حبيبهم ووليّهم يحميه قانونهم‬ ‫ويكفل له حرية العتقاد وحق الحياة مع أنه في دين ال مرتد‪.‬‬ ‫أما من خالف قوانينهم أو طعن في دساتيرهم أو تعرّض لربابهم المتفرقين فهو المغضوب عليه‬ ‫وهو المعذّب والمسجون والمفتون ومن مظاهر ذلك ـ وهي كثيرة ‪:‬‬ ‫إن سابّ ال والدين والرسول عندهم إن روجع ـ فإن المحكمة التي تحاكمه محكمة مدنية‬ ‫وحكمه ل يتجاوز الشهر أو الشهرين بخلف سابّ آلهتهم المفتراة وأربابهم المتفرقين من الملك‬ ‫أو وزرائه أو غيرهم من أوليائه فإنه يُحاكم في محكمة أمن الدولة وغالبا يصل حكمه إلى ثلث‬ ‫سنوات ‪.‬‬ ‫فهم لم يساووا أنفسهم وأربابهم بال وحسب‪ ،‬بل طغوا وعظّموها أكثر من تعظيـم ال ـ هـذا‬ ‫إن كـان عندهم في الصل تعظيما ل ـ‬ ‫ولقد كان شرك المشركين الوائل أنهم أحبوا أندادهم كحب ال أو ساووهم بال في التعظيم أو‬ ‫حبّ‬ ‫حبّو َنهُمْ كَ ُ‬ ‫ن اللّهِ أَندَادا يُ ِ‬ ‫التشريع أو الحكم أو العبادة قال تعالى { َومِنَ النّاسِ مَن َيتّخِذُ مِن دُو ِ‬ ‫سوّيكُمْ ِب َربّ ا ْلعَاَلمِينَ } ‪.‬‬ ‫اللّهِ} وقال تعالى {تَاللّهِ إِن ُكنّا لَفِي ضَلَلٍ ّمبِينٍ * إِذْ نُ َ‬ ‫‪169‬‬ ‫أما مشركوا زماننا فإنهم طغوا وبغوا فعظموا آلهتهم وأربابهم ورفعوهم فوق مقام ال‪ ،‬تعالى ال‬ ‫عما يقولون علوا كبيرا‪.‬‬ ‫وهذا أمر ل يجادل فيه إنسان يعرف واقعهم وقوانينهم ‪.‬‬ ‫ت ويصدّق‬ ‫وستعرف فيما يأتي أن الحاكم الحقيقي والمشرّع الصيل والرئيس عندهم الذي يب ّ‬ ‫على القوانين هو ليس ال ودينه بل هو طاغوتهم وإلههم الذي يحبونه ويعظمونه أكثر من ال ‪.‬‬ ‫ويغضبون له ولدينه ولحكمه ويعاقبون ويسجنون ويثورون بما ل يفعلونه إذا انتهِك دين ال‬ ‫سبّت شريعته والواقع المرير الذي نعيشه أكبر شاهد وبرهان على هذا ‪.‬‬ ‫وُ‬ ‫•ويكفرون من باب التشريع مع ال عز وجل‪:‬‬ ‫وهو شرك العصر الذي روّجوا له ودعوا الناس إليه بل شجعوهم على الدخول فيه والمشاركة‬ ‫فيه وحببوه إليهم ‪.‬‬ ‫وشرّعوا في دساتيرهم قوانين مضادة لدين ال وتوحيده جعلت لهم الحق في التشريع مطلقا في‬ ‫جميع البواب ‪.‬‬ ‫كمـا هـو نص المادة (‪ )26‬من الدستور الردني‪:‬‬ ‫أ ـ السلطة التشريعية تناط بالملك وأعضاء مجلس المة‪.‬‬ ‫ب ـ تمارس السلطة التشريعية صلحياتها وفقا لمواد الدستور ‪.‬‬ ‫شرَعُواْ َلهُمْ مّنَ الدّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللّهُ }‬ ‫ش َركَاءُ َ‬ ‫وقد قال تعالى منكرا على المشركين {أَمْ َلهُمْ ُ‬ ‫خ ْيرٌ أَ ِم اللّهُ ا ْلوَاحِدُ الْ َقهّارُ } وقال سبحانه عن الطاعة في‬ ‫وقال عز وجل {َأَأ ْربَابٌ ّمتّ َفرّقُونَ َ‬ ‫ش ِركُونَ} ‪.‬‬ ‫ط ْع ُتمُوهُمْ ِإ ّنكُمْ َلمُ ْ‬ ‫التشريع ولو في مسألة واحدة { َوإِنْ أَ َ‬ ‫فكيف بممارسة السلطة التشريعية مُطلقا ويوضّح أنّهم قد أشركوا بال عز وجل في أبواب‬ ‫التشريع شركا أكبرا بواحا‪.‬‬ ‫إنّ دساتيرهم نصّت على أنّ (الشريعة السلمية مصدر رئيسي من مصادر التشريع) وهذا‬ ‫يعني أنّهم ل يوحّدون ال في التشريع ‪ .‬بل للتشريع عندهم مصادر متعددة رئيسية وفرعية فما‬ ‫الشريعة السلمية عندهم إل مصدر من تلكم المصادر أو بتعبير أوضح كفري‪( :‬إن اللهة‬ ‫والرباب المشرعين عندهم كثيرة متعددة متفرقة منها الرئيسي ومنها الفرعي وما ال عندهم إل‬ ‫إله من أولئك الرباب المتفرقين) تعالى ال عن إفكهم وعما يقولون علوا كبيرا ‪.‬‬ ‫‪170‬‬ ‫ومن كان عنده معرفة وخبرة في قوانينهم سيعرف أن إلههم الرئيسي الذي ل يقر قانون ول‬ ‫يصدّق أو ينفذ إل بتوقيعه هو في‬ ‫الحقيقة طاغوتهم سواء كان ملكا أو أميرا أو رئيسا وأن تشريعات الله الواحد الحــد‬ ‫عمِـل بها في بعـض البــواب ل تنـفُذ عندهم ول تأخذ‬ ‫الــذي في السـمـاء إن ُ‬ ‫صفتها القانونية إل برضى وإقرار وتصديق ربهم هذا الذي في الرض تعالى ال عما يفترون‬ ‫علوّا كبيرا (‪.)2‬‬ ‫واعلم أن كفرهم هذا أبشع من شرك كفار قريش الذين كانوا مثل هؤلء يعدّدون اللهة‬ ‫والرباب ويشركونها مع ال في العبادة‪.‬‬ ‫لكن كانت عبادة أولئك سجود وركوع‪ ،‬وعبادة هؤلء طاعه في التشريع في كافة البواب وإنما‬ ‫كان شرك هؤلء أبشع‪ ,‬لن مشركي قريش كانوا يجعلون ال عز وجل أعظم آلهتهم وأعلها‬ ‫وأجلّها ويزعمون أنهم ما يعبدون هذه اللهة إل لتقرّبهم إلى الله العظم الذي في السماء‪ ,‬حتى‬ ‫كانت تلبية بعضهم التي يهلون بها في الحج‪:‬‬ ‫لبـيك اللـهم لبّيك‬ ‫إل شريكا هو لـك‬ ‫لـبّيك ل شـريك لـك‬ ‫تمـلـكـه ومـا ملـك‬ ‫أما مشركوا الدستور فإنهم وإن سلّموا بأن ال هو الرزّاق وهو محي الموتى وهو الذي ينزل‬ ‫المطر من السماء وينبت الكل وهو يشفي ويهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور أو‬ ‫يزوّجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما ‪،‬نعم هم يؤمنون بأنّ المر في ذلك كله له وليس‬ ‫لملكهم أو أميرهم لكن التّشريع والمر والحكم النافذ عندهم فوق كل حكم وتشريع هو في‬ ‫الحقيقة لمليكهم طاغوتهم أو إلههم الذي في الرض‪.‬‬ ‫فهم في الشرك مثل كفار قريش إل أنهم زادوا على كفر أولئك أنهم يعظمون أمر وحكم وتشريع‬ ‫آلهتهم وأربابهم المتفرقة في الرض أكثر من تعظيم ال وحكمه وتشريعه‪.‬‬ ‫عمّا‬ ‫فتباّ وسحقا سحقا لمن كان أشد كفرا من أبي جهل وأبي لهب {َأإِلَـهٌ مّ َع اللّهِ َتعَالَى اللّهُ َ‬ ‫ش ِركُونَ}‪.‬‬ ‫يُ ْ‬ ‫واعلم أن أبواب شرك هؤلء القوم وكفرهم البواح عديدة وكثيرة‬ ‫لو أخذنا في عدّها واستقصائها لطال بنا المقام فهم لم يتركوا نوعا من أنواع الكفر إل وقد ولغوا‬ ‫فيه‪.‬‬ ‫‪171‬‬ ‫ولكن فيما ذُكر كفاية لمن أراد الهداية ‪.‬‬ ‫أما من ختم ال على قلبه فلو انتطحت الجبال بين يديه لما انتفع أو اهتدى‪.‬‬ ‫والذي نُريد أن نُعرّف الموحد به هنا أن كفر القوم ل يتوقف على باب واحد حتى يُردّ بشبهة أو‬ ‫بقولة‪.‬‬ ‫فالقوم قد مُلئوا شركا وكفرا إلى مشاشتهم والمهمّ هنا في هذا الموضع أن تعرف أن باب‬ ‫الشراك في التشريع ليس هو باب ترك الحكم بما أنزل ال لشهوة أو لهوى أحيانا والذي يتنزل‬ ‫فيه القول المنسوب لبن عباس "كفر دون كفر" ول هو الباب الذي كان الخوارج يجادلون ابن‬ ‫عباس وغيره من الصحابة فيه‬ ‫إذ لم يكن في زمن ابن عباس والخوارج من حكام المسلمين من يدّعي لنفسه حق التشريع مع‬ ‫ال‪ ،‬ول كان فيهم من مارس التشريع ولو في مسألة واحدة إذ هذا عندهم كفرٌ بالجماع‪.‬‬ ‫وابن عباس الذي يُنسب إليه قول "كفر دون كفر" هو نفسه راوي سبب نزول قوله تعالى في‬ ‫طاعة المشركين ولو في قضية تشريعية واحدة ( ) {وإن أطعتموهم إنّكم لمشركون} ‪.‬‬ ‫فلو كان الذي يدندن حوله الخوارج هو الحكم بمعنى التشريع لما قال فيه ابن عباس "كفر دون‬ ‫كفر" ومعاذ ال أن يقول فيه ذلك وهو حبر القرآن ‪.‬‬ ‫وإنما الذي كان ينتقده الخوارج هو بعض التجاوزات والجتهادات التي كانوا يرونها خاطئة‪.‬‬ ‫حكَمين التي جرت في التحكيم بين جيش علي ومعاوية وما جرى فيها‬ ‫ومن أمثلة ذلك قصة ال َ‬ ‫ل اللّهُ‬ ‫حكُم ِبمَا أَنزَ َ‬ ‫حيث ثار الخوارج وقالوا حكّمتم الرجال واحتجّوا بعموم قوله تعالى { َومَن لّمْ يَ ْ‬ ‫فَُأ ْولَـ ِئكَ هُمُ ا ْلكَا ِفرُونَ } وزعموا أن كل من عصى ال فقد حكم بغير ما أنزل ال وكفّروا‬ ‫الحكمين ومن رضي بحكمهما وكفّروا معاوية وعلي رضي ال عنهما وكان ذلك أول‬ ‫مخرجهم ‪ ،‬ولذلك سميت أول فرقهم بالمحكّمة‪ ،‬فناظرهم الصحابة ومن أكثر من ناظرهم ابن‬ ‫عباس‪ ،‬وحاجّهم بأن ذلك من الصلح بين المسلمين وليس من الحكم بغير ما أنزل ال بمعناه‬ ‫حكَما مّنْ‬ ‫حكَما مّنْ أَ ْهلِهِ وَ َ‬ ‫الكفري واستدل بقوله تعالى في الخصومة بين الزوجين {فَا ْب َعثُواْ َ‬ ‫أَ ْهِلهَا} وأنه إن جاز تحكيم الرجال في الصلح بين الزوجين فمن باب أولى أنه يجوز لحقن دماء‬ ‫أمة محمد صلى ال عليه وسلّم‪.‬‬ ‫وناظرهم بغير ذلك من الدلة كما هو مبسوط في كتب التاريخ والفِرق ‪،‬وبيّن لهم أن هذا الباب‬ ‫وإن حصلت فيه أخطاء أو تجاوزات فهو ليس من الكفر الذي يذهبون إليه وعلى هذا يُحمل ما‬ ‫‪172‬‬ ‫ينسب إليه من قول "كفر دون كفر" فرجع منهم خلق‪ ،‬وأصر آخرون فقاتلهم علي والصحابة‬ ‫وحصل معهم ما هو معلوم في كتب التاريخ ‪.‬‬ ‫فهل ما القوم فيه اليوم من التشريع مع ال واستبدال أحكام ال وابتغاء غير ال حكما ومشرعا‬ ‫وغير السلم دينا ومنهجا‪.‬‬ ‫هل هذا كله يا أولي اللباب من ذلك الباب الذي جرى بين الصحابة وأنكره الخوارج وجرت‬ ‫فيه المناظرة حتى يصلح تنزيل ما قيل في ذلك الزمان عليه؟‪.‬‬ ‫حكُم ِبمَا أَنزَلَ اللّهُ َفُأ ْولَـئِكَ هُمُ ا ْلكَا ِفرُونَ} عام يشمل‬ ‫وعلى كل حال فقوله تعالى { َومَن لّمْ يَ ْ‬ ‫الحكم بمعنى الجور (كفر دون كفر) والحكم بمعنى التشريع (كفر بواح) ‪.‬‬ ‫ولذلك فإن السلف كانوا إذا وردت الية وأراد المستدل بها المعنى الول (الجور) أوّلوها‬ ‫وحملوها على الكفر الصغر‪ ،‬وإن استدل بها على المعنى الثاني (التبديل والتشريع) أبقوها على‬ ‫ظاهرها أي الكفر البواح الحقيقي ‪.‬‬ ‫مع أن الصل في اليات أنها تتناول الكفر الكبر البواح الذي مارسه اليهود حين اتّفقوا‬ ‫واجتمعوا وتواطئوا على أحكام غير أحكام ال ‪.‬‬ ‫ولذلك قال البراء بن عازب رضي ال عنه كما في صحيح مسلم بعد أن ذكر قوله تعالى { َومَن‬ ‫ل اللّهُ فَُأ ْولَـ ِئكَ هُمُ ا ْلكَا ِفرُونَ} و{الظّالمون} و{الفاسقون} قال "في الكفار كلها" ‪.‬‬ ‫حكُم ِبمَا أَنزَ َ‬ ‫لّمْ يَ ْ‬ ‫فلو أن الخوارج أوردوها في موضعها على من شرّع أو وقع في ما وقع به اليهود لما أنكر‬ ‫عليهم السلف ولبقوا الكفر فيها على حقيقته ولما أوّلوها( ) ‪.‬‬ ‫لكنّ ذلك لم يكن موجودا في ذلك الزمان حتى يخوضـوا فيه‪ ,‬ولو كان موجودا لما أوردوا‬ ‫عليه مثل هذه الية الظنية الدللة التي تحمل المعنيين‪ ،‬بل لوردوا نصوصا قطعية الدللة ل‬ ‫شرَعُواْ َلهُمْ مّنَ الدّينِ مَا لَمْ‬ ‫ش َركَاءُ َ‬ ‫تحتمل إل المعنى التشريعي التبديلي كقوله تعالى {أَمْ َلهُمْ ُ‬ ‫ط ْع ُتمُوهُمْ ِإ ّنكُمْ‬ ‫شيَاطِينَ َليُوحُونَ ِإلَى َأ ْوِليَا ِئهِمْ ِليُجَا ِدلُوكُمْ َوإِنْ أَ َ‬ ‫يَأْذَن بِ ِه اللّهُ} ‪ ,‬وقوله تعالى { َوإِنّ ال ّ‬ ‫غ ْيرَ الِسْلَمِ دِينا َفلَنْ يُ ْقبَلَ‬ ‫ش ِركُونَ } وقوله تعالى {أَ َفحُكمَ الجّا ِهِليّةِ َي ْبغُونَ } وقوله { َومَن َي ْبتَغِ َ‬ ‫َلمُ ْ‬ ‫ِمنْهُ} ‪.‬‬ ‫لكنّ شيئا من هذا لم يكن موجودا عند الخلفاء في زمن الخوارج وابن عباس‪ ،‬ومن ثم فل يحل‬ ‫إيراد ردّ الصحابة عليهم في ذلك المقام وتنزيله على شرك هذه الحكومات وكفرها البواح في‬ ‫هذا الزمان‪.‬‬ ‫‪173‬‬ ‫ومن فعل ذلك فقد لبّس الحق بالباطل والنور بالظلم بل هو‪-‬ورب الكعبة‪ -‬على خطر عظيم‪،‬‬ ‫لن لزم ذلك أنّ ما كان ينتقده الخوارج على الصحابة والخلفاء الرّاشدين هو من جنس شرك‬ ‫هؤلء الحكام الكافرين وفي هذا تكفير للصحابة أجمعين في هذا الزمان‪.‬‬ ‫ول شك أنّ من كفّرهم فإنه هو الكافر‪ ،‬لن الصحابة قد رضي ال عنهم ورضوا عنه بنص‬ ‫القرآن‪.‬‬ ‫ورميهم بشيء من شرك هؤلء الحكام وكفرهم تكذيب لصريح القرآن أو وصفٌ ل بأنه يرضى‬ ‫عن القوم الكافرين‪ ،‬وذلك كلّه كفر‪.‬‬ ‫فليحذر امرئ على دينه من هذه المهالك وليتّق ال من رمي الصحابة بالكفر والشرك ترقيعا‬ ‫للطواغيت‪.‬‬ ‫الشبهة الثانية‬ ‫أنهم يقولون ل إله إل ال ‪:‬‬ ‫قالوا ‪ :‬كيف تُكفّرون هؤلء العساكر أو أولئك المخابرات والمن الوقائي ونحوهم من أنصار‬ ‫القوانين‪ ,‬ومن ثم ل تُسلّمون عليهم وتعاملـونهم معاملة الكفار مع أنّهم يشهدون أن ل إله إل ال‬ ‫‪.‬‬ ‫وقد أنكر رسول ال صلى ال عليه وسلم على أُسامة حكمه بالكفر على الرجـل الذي تلفّـظ‬ ‫بـ ل إله إل ال ومن ثَم قتله‪ ,‬وقال له‪" :‬كيف قتلـته بعـد أن قال ل إلـه إل ال؟" ‪.‬‬ ‫ل اللّهِ َف َت َب ّينُواْ وَلَ تَقُولُواْ ِلمَنْ َألْقَى‬ ‫سبِي ِ‬ ‫ض َر ْبتُمْ فِي َ‬ ‫وال جل ذكره يقول {يَاَأ ّيهَا الّذِينَ آ َمنُواْ إِذَا َ‬ ‫حيَاةِ ال ّد ْنيَا َف ِعنْدَ اللّهِ َمغَانِمُ َكثِي َرةٌ كَذِلكَ ُك ْنتُمْ مّن َقبْلُ‬ ‫عرَضَ الْ َ‬ ‫ستَ ُم ْؤمِنا َت ْب َتغُونَ َ‬ ‫ِإَل ْيكُمُ السّلَمَ لَ ْ‬ ‫خبِيرا } ‪.‬‬ ‫ن اللّهَ كَانَ ِبمَا َت ْع َملُونَ َ‬ ‫عَل ْيكُمْ َف َت َب ّينُواْ إِ ّ‬ ‫ن اللّهُ َ‬ ‫َفمَ ّ‬ ‫وكذلك حديـث "من مات وهو يشهد أن ل إله إل ال دخل الجنة" ‪.‬‬ ‫وحديث "البطاقة" الذي فيه أنّ رجلً يأتي يوم القيامة بتسع وتسعين سجلّ من الذنوب حتى يظن‬ ‫أنه هالك توزن هذه السجلت ببطاقة عليها ل إله إل ال فترجح البطاقة ‪.‬‬ ‫وكذلك الحديث المروي عن حذيفة مرفوعا قال‪" :‬يُسرى على كتاب ال في ليلة فل تبقى في‬ ‫الرض منه آية وتبقى فئام من الناس ما يدرون ما صلة وما صدقة وما نُسُك يقولون هذه‬ ‫الكلمة (ل إله إل ال) أدركنا آباءنا عليها فنحن نقـولها" قال صِـلَة ( )‪" :‬فما تنفعـهم ل إلـه‬ ‫إل ال وهم ل يدرون ما صـلة وما صدقة وما نُسُك؟" قال حذيفة‪" :‬تنجيـهم من النـار"‪.‬‬ ‫‪174‬‬ ‫ونحو ذلك من الحاديث ( ) ‪.‬‬ ‫والجواب من وجوه عدّة ‪:‬‬ ‫ح َكمَاتٌ هُنّ أُمّ ا ْل ِكتَابِ‬ ‫عَل ْيكَ ا ْل ِكتَابَ ِمنْهُ آيَاتٌ مّ ْ‬ ‫أولً ‪ :‬قد قال تعالى في كتابه { ُهوَ الّذِي أَنزَلَ َ‬ ‫خرُ ُمتَشَا ِبهَاتٌ فََأمّا الّذِينَ في ُقلُو ِبهِمْ َزيْغٌ َف َي ّت ِبعُونَ مَا تَشَابَهَ ِمنْهُ ا ْب ِتغَاءَ الْ ِف ْتنَةِ وَا ْب ِتغَاءَ تَ ْأوِيلِهِ َومَا‬ ‫َوأُ َ‬ ‫ل اللّهُ وَالرّاسِخُونَ فِي ا ْل ِعلْمِ يَقُولُونَ آ َمنّا بِهِ كُلّ مّنْ عِندِ َر ّبنَا َومَا يَ ّذ ّكرُ إِلّ ُأ ْولُواْ‬ ‫َي ْعلَمُ تَ ْأوِيلَهُ إِ ّ‬ ‫ل ْلبَابِ } ‪.‬‬ ‫اَ‬ ‫فبيّن ال عزّ وجلّ بأنه ابتلى عباده بأن جعل في الشريعة التي أنزلها إليهم آيات محكمات‬ ‫وقواعد راسيات وأوامر واضحات بيّنات عليها مدار الشريعة وإليها يُردّ المر عند النزاع‬ ‫والخلف‬ ‫وهناك أُخر متشابهات أو ظنّية الدللة تحتمل في الذهان أكثر من معنى‪ ،‬وبيّن أنّ أهل الزّيغ‬ ‫والضلل هم الذين يتّبعون المتشابه ويذرون المحكم ابتغاء تأويله عن مراد ال الذي أنزله عليه‬ ‫للتلبيس وابتغاء الفتنة بين عباد ال ‪.‬‬ ‫أما طريقة طلّب الحق وأهل العلم الراسخين فيه‪،‬فهي أن يردّوا المتشابه الذي يشكل عليهم إلى‬ ‫المحكم الذي هو أصل الكتاب وأمّه الذي عليه مدار التأويل وإليه يُردّ الخلف ‪.‬‬ ‫وقد بيّن الشاطبي في العتصام أن هذه القاعدة ليست خاصة في الكتاب الكريم وحده‪ ،‬بل هي‬ ‫مطردة في السنّة النبـوية والسـيرة المحمدية ‪.‬‬ ‫حيث أنّ هنــاك أحـاديث وحـوادث أعيان قيلت أو حصلت في مـناسـبات معيـنة إذا‬ ‫أُخذت وحدها دون مبيّناتها كان ذلك من قبيل اتّباع المتشابه وترك المحكم ‪.‬‬ ‫وكذلك أخذ العام دون مخصّصه أو المطلق دون مقيّده ‪ ،‬أو التشبّث بنص من بين طائفة من‬ ‫النصوص جميعها يتناول قضية واحدة وإهمال غيره مما هو مرتبط به ذلك كله من اتباع‬ ‫المتشابه وترك المحكم وهو من التقوّل على ال بغير علم وتقويل الشرع ما لم يقل به‪.‬‬ ‫إذ ل بد من اليمان بكلم ال ورسوله جميعا وأخذه كله والدخول في السلم كافة ‪.‬‬ ‫أما تتبّع ما يوافق الهوى فهي طريقة أهل الزيغ والضلل وهو سبب ضلل أكثر أهل الضللة ‪.‬‬ ‫فالخوارج ضلّوا لما أهملوا نصوص الوعد وركّزوا على نصوص الوعيد فأخذوا قوله تعالى‬ ‫ج َهنّمَ خَالِدِينَ فِيهَا َأبَدا } وهو نص عامّ يكون من المتشابه‬ ‫ص اللّهَ َورَسُولَهُ َفإِنّ لَهُ نَارَ َ‬ ‫{ َومَن َي ْع ِ‬ ‫‪175‬‬ ‫ش َركَ بِهِ َو َيغْ ِفرُ مَا‬ ‫ن اللّهَ لَ َيغْ ِفرُ أَن يُ ْ‬ ‫إن لم يُردّ إلى مقيّده ومبيّنه الذي أهملوه وهو قوله تعالى {إِ ّ‬ ‫دُونَ َذِلكَ ِلمَن يَشَاءُ } ‪.‬‬ ‫وكذلك المرجئة تمسّكوا ببعض النصوص المتقدّمة التي تبشّر من قال ل إله إل ال بالجنة‬ ‫فأرجأوا العمال وأهملوها واكتفوا في الحكم بالسلم ودخول الجنة بالكلمة وحدها دون تحقيق‬ ‫مقتضياتها أو التزام لوازمها ‪ ،‬وإن كان ذلك مستطاعا مقدورا عليه‪.‬‬ ‫مع أن العلماء قد بيّنوا كما روى البخاري في صحيحه عن وهب بن منبّه أن "ل إله إل ال‬ ‫مفتاح الجنة لكن لكل مفتاح أسنان فمن جاء بمفتاح له أسنان فتح ومن جاء بمفتاح ليس له‬ ‫أسنان لم يفتح" وأسنانها هي تحقيق شروطها واجتناب نواقضها ‪.‬‬ ‫إذ ل يشك عاقل عارف بحقيقة دين السلم أن المراد من ل إله إل ال هو معناها التي تتضمّنه‬ ‫من نفي وإثبات‪ ,‬أما أن يتلفّظ بها دون القصد إلى معناها أو دون تحقيق مقتضاها واجتناب‬ ‫نواقضها فهذا ليس هو مطلوب ال عزّ وجلّ ‪.‬‬ ‫شهِدَ بِا ْلحَقّ وَهُمْ َي ْعَلمُونَ}‬ ‫علَمْ َأنّهُ لَ ِإلَـهَ إِل اللّهُ } وقال سبحانه {إِلّ مَن َ‬ ‫ولذلك قال سبحانه {فَا ْ‬ ‫‪.‬‬ ‫والحديث المذكور "من مات وهو يعلم أنّه ل إله إل ال دخل الجنة" دليل أيضا على أنّ معرفة‬ ‫معنى هذه الكلمة المتضمن للتوحيد والبراءة من التنديد وقصده في الشهادة شرط لتحقيقها ولنيل‬ ‫موعود ال عليها ‪.‬‬ ‫وقد بوّب له النووي في صحيح مسلم (باب من مات على التوحيد دخل الجنّة) ‪.‬‬ ‫فالمطلوب هو تحقيق التوحيد الذي تحويه هذه الكلمة وليس مجرد التلفّظ بها دون اجتناب‬ ‫نواقضها والستسلم لحقوقها‪.‬‬ ‫كما في حديث معاذ المروي في الصحيحين أن رسول ال صلى ال عليه وسلم أوصاه وعلّمه‬ ‫أسلوب الدعوة لمّا بعثه إلى اليمن فقال‪" :‬فليكن أوّل ما تدعوهم إليه ل إله إل ال" وفي رواية‬ ‫إلى أن يوحّدوا ال" فدلّ ذلك على أنّ المراد حقيقة الكلمة ما تنفيه وما تثبته وليس فقط اللّفظ‬ ‫المجرّد من ذلك ‪.‬‬ ‫وقد بيّنا لك معنى التوحيد في الوراق التي سبقت هذه والتي سمّيناها "هذان خصمان اختصموا‬ ‫في ربهم" وعرفت أنه معنى (ل إله إل ال) و(العروة الوثقى) وأنّ له ركنين‪:‬‬ ‫النفي والثبات ‪.‬‬ ‫‪176‬‬ ‫أمّا النفي فهو (ل إله) وهو الكفر بالطاغوت‪ ،‬وأمّا الثبات فهو (إل ال) وهو عبادة ال وحده‪,‬‬ ‫كما بيّنه تعالى في تعريف العروة الوثقى حيث قال {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بال فقد‬ ‫استمسك بالعروة الوثقى} ‪.‬حيث جعل سبحانه شرط النجاة والستمساك بالعروة الوثقى أمرين ل‬ ‫انفكاك لحدهما عن الخر (الكفر بالطاغوت) و(اليمان بال)‪ ،‬ول يكفي (الكفر بالطاغوت)‬ ‫وحده دون (اليمان بال)‪ ،‬كما ل ينفع (اليمان بال) وحده دون (الكفر بالطاغوت) بل لبدّ من‬ ‫الجمع بين المرين ‪.‬‬ ‫فما دام هؤلء العساكر أو غيرهم غير كافرين بالطاغوت بل هم حرّاسه وأنصاره وجنده‬ ‫وأركانه وحفظته ‪،‬فهم ليسوا بمسلمين ول مؤمنين ول متمسّكين بالعروة الوثقى بل هم من‬ ‫الهالكين إن ماتوا على شركهم‪ ،‬وإن تلفّظوا بـ(ل إله إل ال) مئات بل آلف المرات‪.‬‬ ‫وكما قلنا من قبل فإنّ أتْباع مُسيلَمة الكذّاب كانوا يقولون ل إله إل ال ويصلّون ويصومون‬ ‫ويشهدون أنّ محمدا رسول ال لكن أشركوا معه رجلً بالرسالة فكفروا وحلّت دماءهم وأموالهم‬ ‫ولم تنفعهم ل إله إل ال بمجرد أن أشركوا مع رسول ال صلى ال عليه وسلّم رجلً من‬ ‫عشيرتهم في النبوة والرسالة‪.‬‬ ‫فكيف بمن أشرك مع ال ملكا أو أميرا أو رئيسا أو عالما بالعبادة‪ ..‬فصرف له أي نوع من‬ ‫أنواع العبادة سواءً سجود أو ركوع أو تشريع كما هو حاصل في شرك هؤلء القوم؟! ‪.‬‬ ‫وتعريف هذا المر أعني الكفر بالطاغوت مع اليمان بال ما هو إل شرط من شروط عدّة لهذه‬ ‫الكلمة العظيمة (ل إله إل ال) ولقد تكلّم العلماء في شروطها وذكروا الدلّة على ذلك ليعرف‬ ‫المسلم إنّها ليست بكلمة تُلفظ باللسان وكفى فذكروا الشرط المتقدم‪:‬‬ ‫‪1‬ـ العلم بمقتضاها نفيـا وإثبـاتا‪.‬‬ ‫‪2‬ـ النقيــاد لحقـوقها‪.‬‬ ‫وذكـروا أيضا‪:‬‬ ‫‪3‬ـ الصدق المنـافي للكذب‪.‬‬ ‫‪4‬ـ الخلص المنافي للشرك‪.‬‬ ‫‪5‬ـ اليقين المنافي للشـك‪.‬‬ ‫‪6‬ـ المحبة لهذه الكلمة ولما دّلت عليه‪.‬‬ ‫‪7‬ـ القبول المنافي لردّ أي شيء من لوازمها‪.‬‬ ‫‪177‬‬ ‫وتفصيل ذلك مبسوط في مواضعه بأدلّته ‪.‬‬ ‫والمراد من ذكره هنا أن تعرف أنّ أمثال هذه الحاديث المذكورة في هذه الشبهة لها ما يُبيّنها‬ ‫في النصوص الخرى من الكتاب والسنّة‪.‬‬ ‫فحديث "من مات وهو يعلم أنّه ل إله إل ال دخل الجنّة" ل بدّ أن يفسّر ويُربط بقوله تعالى { َفمَنْ‬ ‫سكَ بِا ْل ُع ْروَةِ ا ْل ُوثْقَى} ول بدّ أن يردّ إلى قوله تعالى {إِنّ‬ ‫س َتمْ َ‬ ‫َيكْ ُفرْ بِالطّاغُوتِ َو ْي ْؤمِن بِاللّهِ فَقَدِ ا ْ‬ ‫ش َركَ بِهِ َو َيغْ ِفرُ مَا دُونَ َذِلكَ ِلمَن يَشَاءُ} ‪.‬‬ ‫اللّهَ لَ َيغْ ِفرُ أَن يُ ْ‬ ‫فلو أنّ مشركا قال "ل إله إل ال" ألف مرّة وكان يعلم معناها لكنّه لم يترك شركه ول تبرّأ من‬ ‫طاغوته الذي يعبد ه وينصره ‪ ،‬فإنه لم يستمسك بالعروة الوثقى ولن يغفر ال له ولن يدخل‬ ‫جنّةَ }‪.‬‬ ‫علَيهِ الْ َ‬ ‫حرّ َم اللّهُ َ‬ ‫ش ِركْ بِاللّهِ فَقَدْ َ‬ ‫الجنة‪ ،‬قال تعالى‪ِ{ :‬إنّهُ مَن يُ ْ‬ ‫وهكذا يجب أن يُضاف إلى ذلك كل حديث يتكلم في الموضوع نفسه لنحيط بالموضوع من كل‬ ‫جوانبه ول نكون ممّن يتّبعون ما تشابه من النصوص فيُضم إليه حديث الصحيحين‪ " :‬أشهد أن‬ ‫ل إله إل ال وأنّني رسول ال ل يلقى الَ بهما عبدٌ غير شاكّ بهما إل دخل الجنة" ‪.‬‬ ‫ومثله حديث‪" :‬ما من أحد شهد أن ل إله إل ال وأني رسول ال صدقا من قلبه إل حرّم ال‬ ‫عليه النّار" ‪.‬‬ ‫ونحو ذلك من الحاديث وبمثل هذه الطريقة يُفهم الدين ويُنال العلم ويُعرف مراد ال كما يحب‬ ‫ويرضى ولذلك نقل النووي في شرح مسلم (‪)1/219‬عن بعض أهل العلم قولهم في تأويل هذه‬ ‫الحاديث أنها " مجملة تحتاج إلى شرح ومعناه من قال الكلمة وأدى حقها وفريضتها وهذا قول‬ ‫الحسن البصري وقيل أن ذلك لمن قالها عند الندم والتوبة ومات على ذلك وهذا هو قول‬ ‫البخاري " قال النووي‪":‬هذه التأويلت إنما هي إذا حملت الحاديث على ظاهرها وأما إذا ُنزّلت‬ ‫منازلها فل يشكل تأويلها على ما بينه المحققون"‪.‬‬ ‫ومثل ذلك يقال في حديث "البطاقة" فالمراد ببطاقة (ل إله إل ال) كما عرفت هو تحقيق‬ ‫التوحيد من اليمان بال والكفر بالطواغيت وعدم التيان بشيء من نواقضها ‪.‬‬ ‫ن اللّهَ لَ َيغْ ِفرُ أَن‬ ‫فبِردّ هذا الحديث وفهمه على ضوء النصوص المحكمة كقوله تعالى ‪{ :‬إِ ّ‬ ‫ش َركَ بِهِ َو َيغْ ِفرُ مَا دُونَ َذِلكَ ِلمَن يَشَاءُ }‪ ،‬تعـرف أنّ السجلّت التسعة والتسعين هي قطعا‬ ‫يُ ْ‬ ‫ذنوب غير مكفّرة أو ذنوب دون الشـرك لن الشـرك الذي يناقض هذه البطاقة ل يغفره ال‬ ‫أبدا كما في الية وصاحبه ل يدخل الجنة إن مات عليه‪ ,‬ولو أنّ في هذه السجلت ناقض من‬ ‫‪178‬‬ ‫النواقض لما طاشت به البطاقة ولما نجا صاحبها لنها ساعتئذٍ ل تكون بطاقة التوحيد الصحيح‬ ‫بل بطاقة كلمة ودعوى منقوضة تقال باللسان دون قصد معناها أو تحقيق لوازمها ‪.‬‬ ‫فلو أنّ في هذه السجلت عبادة غير ال أو التشريع مع ال أو نُصرة المشرّعين وتولّيهم أو سبّ‬ ‫الدين أو حرب أوليائه َلمَا رجحت أو نفعت أو دخل صاحبها الجنّة إذ هذه كلها موانع وقواطع‬ ‫تقطع وتمنع الفوز والنجاة‪ ،‬لكن السجلت ذنوب دون الشرك ‪.‬‬ ‫وفي الحديث بيان أهمية وعظم كلمة التوحيد وبيان أنّ من حقّقها فأتى بها كما يحبّ ربّنا‬ ‫ويرضى فإن التوحيد بعظمته يغمر جميع الذنوب والخطايا التي هي دون الشرك ويدمغها‪،‬‬ ‫ويبين ذلك ويوضحه أيضا الحديث القدسي ‪" :‬يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الرض خطايا ‪ ،‬ثم‬ ‫لقيتني ل تشرك بي شيئا أتيتك بقرابها مغفرة" رواه الترمذي‪.‬‬ ‫وكذلك حديث حذيفة المذكور "يُسرى على كتاب ال في ليلة فل تبقى منه في الرض آية " فهو‬ ‫إن صحّ يُحمل على أنّ هؤلء الناس الذين ل يعرفون من الشرائع إل هذه الكلمة محققين لمعناها‬ ‫غير مشركين بال لنّ ال ل يغفر أن يشرَك به‪.‬‬ ‫أمّا تركهم الصلة والصدقة والنّسك فإن كانوا موحّدين فإنهم يعذرون بذلك لنّ هذه الشرائع ل‬ ‫تُعرف إل بالحجة الرسالية ‪.‬‬ ‫وقد ذكر الحديث أن كتاب ال يُرفع في زمنهم فل تبقى منه في الرض آية ‪.‬‬ ‫حيَ ِإَليّ هَـذَا الْ ُقرْآنُ لُن ِذ َركُمْ بِهِ َومَن‬ ‫وكتاب ال هو الحجّة التي علّق ال النّذارة بها‪ ،‬فقال { َوأُو ِ‬ ‫َبلَغَ} فمن بلغه القـرآن فقد قامت عليه الحجّة ومن لم يبلغه فإنه يُعذر بفـروع الشريعة لكنه ل‬ ‫يُعـذر بتـرك أصل التوحيد واتّباع الشرك الصراح والتنديد ‪.‬‬ ‫لن هذا أمر قد أقام ال عليه حجته البالغة من أبواب شتى كما سيأتي بعد‪.‬‬ ‫وحال هؤلء إن صحّ الحديث كحال زيد بن عمرو بن نفيل الذي كان قبل بعثة النبي صلى ال‬ ‫عليه وسلّم حنيفا مسلما من غير أن يأتيه نبي فإنه حقّق التوحيد وكان على ملة إبراهيم كما في‬ ‫صحيح البخاري وكان يقول كما في رواية ابن إسحاق‪" :‬اللهم لو أعلم أحب الوجوه إليك لعبدتك‬ ‫به‪ ،‬ولكني ل أعلمه" ‪.‬‬ ‫فمثل هذا يعذر بتفاصيل الشرائع التي ل تُعرف إل عن طريق الرسل فهو ل يدري كيف‬ ‫الصلة أو الزكاة ولذلك يُعذر فيهما‪.‬‬ ‫‪179‬‬ ‫أمّا التوحيد فل ينجو إل بتحقيقه لنه حق ال على العبيد الذي بعث من أجله كافة رسله وأقام‬ ‫عليه الحجج المتنوعة ‪.‬‬ ‫وهذا كله يُصار إليه إذا كانت لفظة "تنجيهم من النار" مرفوعة إلى النبي صلى ال عليه وسلّم‪.‬‬ ‫لكنّ الصواب أنّها موقوفة مدرجة من قول حذيفة كما قرّره أهل العلم في الحديث ‪.‬‬ ‫بل قد ذهب بعض المحققين إلى أن الحديث برمّته ل يصحّ لن فيه "أبو معاوية خازم الضرير"‬ ‫مدلّس وفي مروياته عن غير العمش ضعف وقد رواه هنا من غير طريق العمش وهو فوق‬ ‫ذلك رأس من رؤوس الرجاء كما ذكر الحافظ بن حجر وغيره وهذا الحديث مما يتمسك‬ ‫ويستدل به المرجئة ‪.‬‬ ‫وقد حذّر العلماء من قبول مرويات أهل البدع إن كانت مما ينصر بدعتهم(*)‪ ،‬وهذا الحديث‬ ‫مما يستنصر به أهل الرجاء ‪ ،‬فكيف إذا انضاف إلى ذلك الضعف والتدليس؟‪.‬‬ ‫أما حديث أُسامة‪ :‬فإنه في الكافر الذي يُسْلم للتّو ول يُظهر ناقض من نواقض السلم فمثل هذا‬ ‫ل يحل قتله لنه دخل إلى العصمة فوجب الكف عنه حتى يأتي بناقض ‪.‬‬ ‫ولذلك بوّب له النووي في صحيح مسلم (باب تحريم قتل الكافر بعد قوله ل إله إل ال) ولكن‬ ‫يجب أن يُعلم أنّ هناك فرق كبير بين (ابتداء العصمة و بين استمرارها) فالعصمة تبدأ للكافر‬ ‫بمجرد تلفّظه بكلمة التوحيد ولكن استمرار تلك العصمة ل يكون إل بالتزام حقوق هذه الكلمة‬ ‫وخلع واجتناب نواقضها ‪.‬‬ ‫فالكافر عندما يهمّ بالدخول للسلم يتلفّظ بكلمة التوحيد ومجرّد تلفّظه يعني استعداده لقبول‬ ‫شرائع السلم واستسلمه لحقوقها وبراءته من نواقضها فإن لم يحقق ذلك لم تستمر العصمة‬ ‫التي دخل إليها بالكلمة بل انقطعت ‪.‬‬ ‫فالحديث إذا لرجل أسلم للتّو ولم يُظهر شيئا من نواقض السلم ‪.‬‬ ‫وليس هو فيمن يزعم ويدعي السلم منذ دهر‪ .‬وإذا نظرت في حاله وجدته حربا على السلم‬ ‫وأهله سِلما للطاغوت وأوليائه وقوانينه وباطله فهذا لو قالها مئات بل ألوف المرات لم تكن‬ ‫لتنفعه حتى ينخلع عن الكفر والشرك والطاغوت الذي يعبده ويتولّه ويحرسه ‪.‬‬ ‫لنّ هذا هو أهم معاني هذه الكلمة التي لم يحققها دهره كله‪.‬‬ ‫‪180‬‬ ‫ستَ ُم ْؤمِنا} ‪ ،‬فإنها نزلت كما في‬ ‫ومثل ذلك قوله تعالى {وَلَ تَقُولُواْ ِلمَنْ َألْقَى ِإَل ْيكُمُ السّلَمَ لَ ْ‬ ‫الحديث الذي يبيّن سبب نزولها في مجموعة من الصحابة مرّوا برجل معه غنيّمة فسلم عليهم‬ ‫وأظهر السلم ولم يُظهر شيئا من نواقضه ومع هذا فعلوا معه كما فعل أسامة فقتلوه بحجة أنّه‬ ‫قالها خوفا منهم وأخذوا غنمه ‪.‬‬ ‫فأنكر ال تعالى عليهم ذلك في القرآن إذِ الواجب فيمن أظهر لنا السلم أن نعامله بظاهره ما لم‬ ‫يُظهر لنا خلف ذلك ‪.‬‬ ‫فإن تبيّن لنا بعد ذلك أنه يُظهر السلم ودين آخـر كفـري ولم يبـرأ منه ـ كالديمقـراطية‬ ‫ـ مثلً ـ أو موالة القوانين الوضعية ـ لم نقبل منه حتى يبرأ من ذلك كله ويُخلص دينه ل‬ ‫رب العالمين ‪.‬‬ ‫ولذلك قال سبحانه قبل ذلك وبعده {ف َت َب ّينُوا}‪.‬‬ ‫الشبهة الثالثة‬ ‫أنّهم يُصلّون ويصومون ‪:‬‬ ‫قالوا ‪ :‬كيف تكفرون عساكر القانون وأنصار الدستور وبعضهم يصلّي ويصوم ويحج‪ ,‬وربما‬ ‫ذكروا حديث مسلم الذي فيه ذكر أمراء الجور‪ ،‬ومنه قول الصحابة‪ :‬أفل نقاتلهم يا رسول ال؟‬ ‫قال‪" :‬ل‪ ,‬ما أقاموا فيكم الصلة" ‪.‬‬ ‫ومثل ذلك حديث ذي الخويصرة الذي تكلّم في قسمة النبي صلى ال عليه وسلم فقال خالد بن‬ ‫الوليد‪ :‬أل أقتله؟ فقال النبي صلى ال عليه وسلم‪" :‬أليس يصلّي؟ أما إني لم أؤمر بقتل المصلين"‬ ‫وفي رواية "يتحدث الناس محمد يقتل أصحابه " ‪.‬‬ ‫الجواب نقول ‪ :‬لقد علمت أنّ دين ال الذي بعث ال به كافّة رسله هو التوحيد‪.‬‬ ‫ول بد أن تعلم أنّ هذا التوحيد هو شرط رئيس من شروط قبول العمل والعبادة‪.‬‬ ‫فالعمل ل يكون خالصا متقبلً إل بتحقيق هذا الشرط مع الشرط الخر الذي هو المتابعة ( أن‬ ‫يكون العمل موافقا لما جاء به النبي صلى ال عليه وسلم) والشرط هو ما يلزم من عدمه عدم‬ ‫العبادة وبطلنها ‪.‬‬ ‫ولذلك فقد ذكر ال عزّ وجلّ أعمالً كثيرة للكفار والمشركين لكنه بيّن سبحانه أنّه ل يتقبّلها بل‬ ‫يجعلها هباءً منثورا لنّها فقدت شرط الخلص والتوحيد‪.‬‬ ‫‪181‬‬ ‫قال تعالى {والذين كفروا أعمالهم كسرابٍ بقيعة يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئا‬ ‫ووجد الَ عنده فوفّاه حسابه} ‪.‬‬ ‫وفي الحديث القدسي الذي يرويه النبي صلى ال عليه وسلم عن ربه‪" :‬أنا أغنى الشركاء عن‬ ‫الشرك من عمل عملً أشرك به معي غيري تركته وشركه" وهذا يستدلّ به العلماء على الشرك‬ ‫الصغر فيدخل فيه الكبر من باب أولى‪.‬‬ ‫فالشاهد من هذا كله أن التوحيد شرط في صحة الصلة وفي قبولها ‪.‬‬ ‫والدخول للسلم إنما يكون من باب التوحيد (ل إله إل ال) وليس من باب الصلة أو غيرها‬ ‫من العبادات دون تحقيق للتوحيد‪ ،‬وإنما يحكم أهل العلم للمصلي بالسلم لتضمن الصلة‬ ‫للتوحيد ‪ ،‬ولن التوحيد شرط صحتها وقبولها ‪.‬‬ ‫فمن جاء بصلة أوصيام أو زكاة من غير أن يحقق التوحيد بركنيه (اليمان بال) و(الكفر‬ ‫بالطاغوت) فإن أعماله جميعها باطلة وليس صلته فقط‪.‬‬ ‫فمن صلى وهو مظهر للشرك غير مجتنب لعبادة الطواغيت ونصرتهم لم تقبل صلته ولم‬ ‫تدخله في دائرة السلم ول أخرجته من دائرة الشراك‪.‬‬ ‫سرِينَ }‬ ‫ع َمُلكَ َوَل َتكُونَنّ مِنَ الْخَا ِ‬ ‫حبَطَنّ َ‬ ‫ش َر ْكتَ َليَ ْ‬ ‫ومن أوضح الدلّة على ذلك قوله تعالى {َلئِنْ أَ ْ‬ ‫ع ْنهُمْ مّا كَانُواْ َي ْع َملُونَ } ‪ 188‬النعام‪.‬‬ ‫حبِطَ َ‬ ‫ش َركُواْ لَ َ‬ ‫وكذلك قوله تعالى { َوَلوْ أَ ْ‬ ‫فاجتناب الشرك بال تعالى بترك عبادة الطواغيت وخلع متابعتهم على تشريعاتهم أعظم شروط‬ ‫قبول العمل وهو أول فرض افترضه ال تعالى على عباده وأمرهم به وبدونه تحبط العمال‪.‬‬ ‫وهؤلء العساكر بدلً من أن يستجيبوا لمر ال تعالى بالكفر بالطاغوت {وَقَدْ ُأ ِمرُواْ أَن َيكْ ُفرُواْ‬ ‫بِهِ} وبدّلوا قولً غير الذي قيل لهم‪ ,‬فحرسوه وحموه ونصروه واتّبعوه ونصروا تشريعاته‬ ‫وقانونه الكفري‪.‬‬ ‫ولذلك ل تقبل منهم صلة ول صيام ول غيره من العمال ما داموا لم يحققوا شرط قبولها‪.‬‬ ‫أرأيت لو أنّ هذا العسكري أو ذلك الضابط أو الجاسوس أو المن الوقائي أو المخابرات أو‬ ‫غيرهم صلّوا صلة من غير وضوء‪ ،‬ترى صلة أحدهم مقبولة عند ال تعالى ؟ أم هي باطلة‬ ‫مردودة على وجهه؟‪.‬‬ ‫ن الصلة بغير‬ ‫لعلك تقول هذا أمر ل يختلف فيه شخصان ول ينتطح فيه عنزان ل شك أ ّ‬ ‫وضوء باطلة مردودة‪.‬‬ ‫‪182‬‬ ‫فتأمّل هذا الموضع يا عبد ال إذا كان ترك الطهارة مبطل للصلة لنه شرط في صحتها‪،‬‬ ‫فكيـف بترك التوحيـد والكفر بالطواغيت الذي هو أعظم شروط قبول العمال؟‪.‬‬ ‫ولذلك فهو الشرط والمر الذي أوجب ال على ابن آدم تعلمه والعمل به قبل تعلم الصلة‬ ‫وشروطها والطهارة وشروطها ونواقضها‪.‬‬ ‫وهو الشرط الذي فرض على الصحابة في مكة قبل فرض الصلة وغيرها ‪ ،‬ومعلوم أن‬ ‫الصحابة ما عُذّبوا في مكّة ول ابتُلوا وهاجروا وأوذوا إل من أجله إذ لم يعذبهم قومهم ول‬ ‫آذوهم لجل الصلة أو الزكاة أو غيرها من الطاعات والشرائع التي لم تكن قد فرضت ول‬ ‫طولبوا بها بعد وإنما طولبوا أول ما طولبوا بتحقيق ذلك المر العظيم لن تلك العبادات ل تقبل‬ ‫بدونه ولذلك لم يكن من أمر الرسول صلى ال عليه وسلم ول من طريقة دعوته هو وأصحابه‬ ‫أن يبدأوا في دعوة المشركين بالصلة أو بالزكاة أو نحوها من الشرائع قبل دعوتهم لتحقيق‬ ‫التوحيد واجتناب عبادة الطواغيت ‪ ،‬ل وال ما كانت هذه دعوتهم أبدا‪.‬‬ ‫وتأمل حديث معاذ بن جبل في الصحيحين حين بعثه الرسول صلى ال عليه وسلم إلى اليمن‬ ‫وعلّمه أسلوب الدعوة وطريقتها قال‪" :‬فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن ل إله إل ال" ‪.‬‬ ‫علِمهم أنّ ال قد افترض عليهم خمس‬ ‫وفي رواية "إلى أن يوحدوا ال" "فإن هم أطاعوك لذلك فأ ْ‬ ‫صلوات في اليوم والليلة فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أنّ ال قد أوجب عليهم في أموالهم‬ ‫صدقة تؤخذ من أغنيائهم فتردّ إلى فقرائهم‪ . . .‬الحديث" ‪.‬‬ ‫فدعوة النسان إلى السلم ابتداءً ل تكون من الصلة بل من التوحيد‪.‬‬ ‫ثم يؤمر إن حقق التوحيد بالصلة والزكاة وسائر الركان ‪.‬‬ ‫فمن حقّق التوحيد واعتصم بالعروة الوثقى نجى وقُبلت منه الصلة وسائر الركان ومن تمسّك‬ ‫بشرائع وأركان السلم دون أن يتمسّك بالعروة الوثقى فهو من جملة الهالكين ‪.‬‬ ‫لن ال لم يضمن لشيء من عرى السلم اليمان أن ل تنفصم إل إذا انضمّت إليها وارتبطت‬ ‫بها هذه العروة الوثقى التي ضمن سبحانه أن ل تنفصم قال تعالى {لَ ِإ ْكرَاهَ فِي الدّينِ قَد ّت َبيّنَ‬ ‫سكَ بِا ْل ُع ْر َوةِ ا ْل ُوثْقَى لَ انفِصَامَ َلهَا‬ ‫س َتمْ َ‬ ‫الرّشْدُ مِنَ ا ْلغَيّ َفمَنْ َيكْ ُفرْ بِالطّاغُوتِ َو ْي ْؤمِن بِاللّهِ فَقَدِ ا ْ‬ ‫علِيمٌ }‪ 256‬البقرة‪.‬‬ ‫سمِيعٌ َ‬ ‫وَاللّهُ َ‬ ‫لذك فإنّ كثيرا ممن نصبوا بالعبادة في الدنيا تردّ عبادتهم على وجوههم يوم القيامة ويكون‬ ‫صبَةٌ } أي في العبادة ثم مصيرها‪:‬‬ ‫شعَةٌ * عَا ِملَةٌ نّا ِ‬ ‫مصيرهم النار‪ ،‬قال تعالى {وُجُوهٌ َي ْو َمئِذٍ خَا ِ‬ ‫‪183‬‬ ‫{ َتصْلَى نَارا حَا ِميَةً } لن عبادتها وصلتها وتعبها ونصبها كان هبا ًء منثورا‪ ،‬لنه بغير توحيد‬ ‫وإخلص فإذا فهمت هذا وعلمت أنه قاعدة من قواعد دين المسلمين وأصل محكم من أصولهم‬ ‫يُردّ إليه كل ما تشابه من النصوص فا ْفهَم على ضوئه بعد ذلك كل حديث يشكل عليك في هذه‬ ‫البواب‪.‬‬ ‫ومن ذلك حديث مسلم المتقدم في شأن المراء ونهي النبي صلى ال عليه وسلم عن قتالهم ما‬ ‫أقاموا فينا الصلة فهو إشارة إلى إقامة الدين والتوحيد مع الصلة وليس المقصود إقامة الصلة‬ ‫وحدها بغير توحيد!! بدليل أنّ المر بالقتال كما في الحاديث الخرى المبيّنة لهذا الحديث يذكر‬ ‫أول ما يذكر فيها قبل الصلة والزكاة‪( :‬تحقيق التوحيد) كما في الحديث المتفق عليه "أُمرت أنْ‬ ‫أُقاتل الناس حتى يشهدوا أن ل إله إل ال وأنّ محمدا رسول ال ويقيموا الصلة ويؤتوا الزكاة‬ ‫فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إل بحقّها وحسابهم على ال"‪.‬‬ ‫فتأمّل ذكر التوحيد وأنّ القتال ابتداءا عليه‪ ،‬ومن ثم على حقوقه ولوازمه‪.‬‬ ‫سبِيَلهُمْ} ‪.‬‬ ‫خلّواْ َ‬ ‫لةَ وَآ َت ُو ْا ال ّزكَاةَ فَ َ‬ ‫وهذا معنى قوله تعالى {فَإِن تَابُواْ َوأَقَامُو ْا الصّ َ‬ ‫فإن تابوا‪ :‬أي من الشرك والكفر وخلعوا عبادة غير ال وحقّقوا التوحيد ومن ثم أقاموا الصلة‬ ‫وآتوا الزكاة فقد عُصمت دماؤهم وأموالهم إل بحقّها‪.‬‬ ‫أما إقامة الصلة دون التوبة من الشرك ودون التوحيد أو إقامة الصلة مع نواقض ل إله إل ال‬ ‫فل تغني من ال شيئا‪ ،‬وكم من مصلّ في زمن رسول ال صلى ال عليه وسلم كفر وارتدّ بكلمة‬ ‫‪.‬‬ ‫من نواقض هذا التوحيد العظيم ومن أمثلة ذلك ما قدّمناه لك في النّفر الذين خرجوا مع رسول‬ ‫ال صلى ال عليه وسلم مجاهدين في غزوة تبوك وهم من المصلّين ومع ذلك كفروا لمّا جاءوا‬ ‫بناقض من نواقض التوحيد والسلم‪ ،‬هو استهزائهم بحفظة كتاب ال قال تعالى {لَ َت ْعتَ ِذرُواْ قَدْ‬ ‫كَ َف ْرتُمْ َبعْدَ إِيمَا ِنكُمْ} وكانوا يصلّون ‪.‬‬ ‫وعلى مثل هذا مضى علماء المسلمين ولذلك جعلوا في كتب الفقه بابا يسمى (باب حكم المرتدّ)‬ ‫وعرّفوه بأنه المسلم الذي يرتدّ بقول أو عمل أو اعتقاد بعد إسلمه وربما يكون مصليا‪.‬‬ ‫ولذلك أفتى شيخ السلم ابن تيمية رحمه ال بكفر عبيد الياسق وهو دستور أو قانون التتار في‬ ‫زمنه كما أفتى بكفر أنصارهم وعساكرهم مع أن فيهم من كان يصلّي‪ ,‬وراجع المجلد ‪ 28‬من‬ ‫فتاواه ‪.‬‬ ‫‪184‬‬ ‫ومثل ذلك كله يقال في حديث ذي الخويصرة فقوله "أليس يصلي؟" أو "لعله أن يكون يصلي" ‪.‬‬ ‫فيه قاعدة الخذ بالظاهر والعلنية وترك السريرة إلى ال وأنّ ذلك الرجل كان يُظهر التوحيد‬ ‫لن القاعدة التي عرفتها فيما تقدم تقرّر أنّه ل قبول للصلة وحدها دون التوحيد ‪ .‬فلو أنّ هذا‬ ‫الرجل كان يعبد الطاغوت أو ينصره أو يقبل غير ال مشرعا وحكما ويُظهـر ذلك لماَ قبل منه‬ ‫رسول ال صلى ال عليه وسلم السلم بالصلة وحدها ( ) ‪.‬‬ ‫فمن الفوائد المستفادة من هذا الحديث وأمثاله أننا نعصم دم ومال كل من بصلي إلى قبلتنا ونعده‬ ‫من أهل القبلة المسلمين لتضمن الصلة للتوحيد ‪ ،‬ما لم يظهر منه ناقض أو قاطع من قواطع‬ ‫السلم الظاهرة البينة ‪..‬‬ ‫وأنصار القانون قد أظهروا تولي الشرك (القانون وأهله ) وظاهروهم على الموحدين ‪ ،‬وهذا‬ ‫ناقض ظاهر من نواقض السلم فلم ينفعهم إظهارهم للصلة مع تلبسهم بتلك النواقض ولم يغن‬ ‫ذلك عنهم شيئا ‪.‬‬ ‫الشبهة الرابعة‬ ‫من كفّر مسلما فقد كفر‪:‬‬ ‫قال المجادلون عن عساكر القوانين ‪ :‬إنّ التكفير أمر خطير لنّ رسول ال صلى ال عليه وسلّم‬ ‫قد قال‪" :‬من كفّر مسلما فقد كفر" بل سمعنا بعض جهّالهم يقول‪ :‬ل يجوز تكفير إل من وُلد‬ ‫كافرا من أبوين كافرين‪.‬‬ ‫الجواب نقول ‪ :‬ليس التكفير على إطلقه أمر خطير ومذموم‪.‬‬ ‫ولكن تكفير المسلم بمجرّد الهوى وبمحض العصبية دون دليل شرعي هو المذموم والخطير ‪.‬‬ ‫وليس كل الكفر مذموم كما أنه ليس كل اليمان ممدوح ‪.‬‬ ‫فمن اليمان ما هو واجب كاليمان بال ومنه ما هو محرّم وشرك كاليمان بالطاغوت ‪.‬‬ ‫وكذلك الكفر منه ما هو واجب وممدوح كالكفر بالطاغوت ومنه ما هو مذموم كالكفر بال وآياته‬ ‫ودينه ‪.‬‬ ‫وأيضا كما أن تكفير المسلم دون دليل شرعي أمر خطير‪ ،‬فكذلك الحكم على المشرك أو الكافر‬ ‫بالسلم وعصمة الدم وإدخاله بالتالي في الخوة السلمية والموالة اليمانية أمر خطير وفساد‬ ‫كبير ‪.‬‬ ‫لرْضِ وَفَسَادٌ َكبِيرٌ}‪.‬‬ ‫ضهُمْ َأ ْوِليَاءُ َبعْضٍ إِلّ تَ ْف َعلُوهُ َتكُنْ ِف ْتنَةٌ فِي ا َ‬ ‫قال تعالى {وَالّذينَ كَ َفرُواْ َب ْع ُ‬ ‫‪185‬‬ ‫أمّا الحديث المذكور فلم يصح عن النبي صلى ال عليه وسلّم بهذا اللفظ أبدا فليس كل من كفّر‬ ‫مسلما يكفر خصوصا إذا كان ذلك المسلم قد أتى "بما سمّاه ال ورسوله كفرا" ‪.‬‬ ‫ومفهوم هذا اللفظ أن المسلم ل يكفر أبدا وهذا منقوض بقوله تعالى عن أُناس كانوا يُظهرون‬ ‫علَى أَ ْدبَارِهِمْ مّن َبعْدِ‬ ‫السلم {لَ َت ْعتَ ِذرُواْ قَدْ كَ َف ْرتُمْ َبعْدَ إِيمَا ِنكُمْ} وقوله سبحانه {إِنّ الّذِينَ ا ْرتَدّواْ َ‬ ‫سوّلَ َلهُمْ َوَأ ْملَى َلهُمْ} ‪ ،‬وقوله عزّ وجلّ {يَأ ّيهَا الّذِينَ آ َمنُواْ مَن َي ْرتَدّ‬ ‫شيْطَانُ َ‬ ‫مَا َت َبيّنَ َلهُمُ ا ْلهُدَى ال ّ‬ ‫علَى ا ْلكَا ِفرِينَ‬ ‫عزّةٍ َ‬ ‫علَى ا ْل ُم ْؤ ِمنِينَ أَ ِ‬ ‫حبّونَهُ أَ ِذلّةٍ َ‬ ‫ح ّبهُمْ َويُ ِ‬ ‫س ْوفَ يَ ْأتِي اللّهُ بِ َقوْمٍ يُ ِ‬ ‫مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَ َ‬ ‫علِيمٌ}‬ ‫ل اللّهِ وَلَ يَخَافُونَ َل ْومَةَ لئِمٍ ذِلكَ َفضْلُ اللّهِ ُي ْؤتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ َ‬ ‫سبِي ِ‬ ‫يُجَاهِدُونَ فِي َ‬ ‫ونحوها من اليات ‪.‬‬ ‫وإذا كان المسلم ل يكفر أو يرتدّ أبدا فما فائدة أحكام المرتدّ التي ُدوّنت في كتب الفقه السلمي‪.‬‬ ‫ومنها قول النبي صلى ال عليه وسلّم "من بدّل دينه فاقتلوه" ‪.‬‬ ‫وإنّما لفظ الحديث في صحيح مسلم "من قال لخيه المسلم يا كافر فإن كان كذلك وإل حار عليه"‬ ‫‪.‬‬ ‫وقوله "فإن كان كذلك" دالّ على جواز التكفير للمسلم الذي يظهر فيه كفر وتنتفي في حقه موانع‬ ‫التكفير أي إنْ كان كذلك فل حرج‪.‬‬ ‫"وإل حار عليه" أي‪ :‬رجع عليه تكفيره إن لم يكن من كفره قد كفر‪.‬‬ ‫ولذلك فإن من كفّر مسلما ظهر منه شيء من الكفر فإنه ل يكفر حتى وإن كان حكمه لم يوافق‬ ‫الصواب لقيام مانع من موانع التكفير لم يطّلع عليه بل إذا كان تكفيره له غضبا لدين ال‬ ‫ومحارمه ‪ ،‬فإنه مأجور على ذلك كما حصل مع الفاروق رضي ال عنه عندما قال للنبي صلى‬ ‫ال عليه وسلّم "دعني أضرب عنق هذا المنافق" يعني بذلك (حاطِب) ‪.‬‬ ‫ن النبي صلى ال عليه وسلّم بيّن أنّ حاطب لم يكفر إل أنّه لم يقل لعمر ـ لقد حار عليك‬ ‫فمع أ ّ‬ ‫الكفر لنّك كفّرت مسلما واستحللت دمه ومن كفّر مسلما فقد كفـر كما يزعم هؤلء‍!!‬ ‫وقد أشار ابن القيم ـ رحمه ال تعالى ـ في زاد المعاد إلى هذا المعنى عند ذكره الفوائد‬ ‫المستفادة من قصة حاطب بن أبي بلتعة في فتح مكة ‪.‬‬ ‫ف ُعلِم أنّ الذي يُذمّ‪ ,‬وهو على أمر خطير إنما هو من كفّر مسلما لمحض الهوى والعصبية‬ ‫والحزبية‬ ‫‪186‬‬ ‫ويجب أن يعرف الموحّد لمزيد من الفائدة أنّ هذا الحديث مُؤوّل عند العلماء على وجوه عدّة‬ ‫أحدها‪ :‬أنّه من وصف دين المسلمين والتوحيد بأنه كفر فقد كفر‪.‬‬ ‫ووجه آخر‪ :‬حملوه على من استهان واستهتر بتكفير المسلمين فإنّ ذلك قد يؤدّي به إلى الكفر‬ ‫وغير ذلك من التّأويلت‪.‬‬ ‫وقد ذكر النووي منها في شرح صحيح مسلم عدة أوجه‪.‬‬ ‫وإنّما اضطروا إلى تأويله وفهمه على ضوء غيره من النصوص‪ ،‬لن ظاهره معارض لصل‬ ‫من أصول الدين المحكمة عند أهل السنّة والجماعة في أبواب الكفر واليمان وهو قوله تعالى‬ ‫ش َركَ بِهِ َو َيغْ ِفرُ مَا دُونَ َذِلكَ ِلمَن يَشَاءُ} ‪.‬‬ ‫{إِنّ اللّهَ لَ َيغْ ِفرُ أَن يُ ْ‬ ‫ول شك أنّ رمي المسلم بالكفر غضبا دنيويا أو للهوى مسبة له‪ ،‬وذلك دون الشرك ‪.‬‬ ‫ولذلك اضطرّ من اضطرّ إلى تأويله‪ ،‬برده إلى النصوص المحكمة الخرى ‪ ،‬وفهمه على‬ ‫ضوئها‪.‬‬ ‫ولو قلنا نحن الذين يحتج علينا خصومنا بمثل هذه الشبهة‪ ،‬أنّ من كفّرنا أو كفّر غيرنا من‬ ‫الموحدين المسلمين بغضا لهم ولتوحيدهم وبراءتهم من الطواغيت وسمّى دينهم دين الخوارج‬ ‫نصرة لعداء التوحيد من الطواغيت ومظاهرة لقوانينهم وعساكرهم على الموحدين‪ ،‬بأنّه هو‬ ‫الكافر استدللً بهذا الحديث لكان ذلك حقّا ل مرية فيه ولما احتيج إلى تأويله لنّ ذلك كفر دون‬ ‫شكّ‪.‬‬ ‫أمّا قول ذلك الجاهل ل يكفر إل من ُولِدَ كافرا من أبوين كافرين فهو قول ساقط يدلّ على أنّ‬ ‫قائله ل يعرف حقيقة دين السلم وتكلّف الردّ عليه مضيعة للوقت والجهد ومعناه أنّ المسلم ل‬ ‫يكفر أبدا وهذا لم يقل به من المتقدّمين ل عالم ول جاهل ‪.‬‬ ‫ويكفي في كشف بطلنه ما تقدّم من كلم ال تعالى وكلم رسوله وكلم العلماء في باب أحكام‬ ‫المرتد فإنّ فيه شفاء لمن في ناظريه عمىً‪.‬‬ ‫الشبهة الخامسة‬ ‫العــذر بالجــــهل‪:‬‬ ‫قال المجادلون عن عساكر القوانين‪ :‬إنّ هؤلء العساكر جهّال بحاجة إلى من يعلمهم ويدعوهم‬ ‫ويبيّن لهم‪ ,‬فهم ل يعرفون أنّ سادتهم طواغيت وانّ طاعتهم لهم في التّشريع عبادة وشرك ‪.‬‬ ‫وبالتالي فليس تولّيهم لهم وحراستهم للقانون كفر ‪.‬‬ ‫‪187‬‬ ‫الجواب ‪ :‬ل خلف في أهمية واستحباب دعوة هؤلء العساكر وغيرهم وأنّ ذلك من أحسن‬ ‫سِلمِينَ}‬ ‫ل صَالِحا وَقَالَ ِإ ّننِي مِنَ ا ْلمُ ْ‬ ‫عمِ َ‬ ‫العمال قال تعالى { َومَنْ أَحْسَنُ َقوْلً ّممّن دَعَا ِإلَى اللّهِ وَ َ‬ ‫‪.‬‬ ‫لكن كُلّ مشرك بال في العبادة (‪ )8‬قبل الدعوة وأثناءها وبعدها ما داموا غير ملتزمين بالتوحيد‬ ‫ول كافرين بالطواغيت فهم مشركون‪.‬‬ ‫والقول بأهمية دعوتهم ل يغير من حكمهم ول يجعلهم موحدين أو يرفع مسمّى الشرك عنهم فال‬ ‫سمَعَ كَلَمَ اللّهِ ثُمّ َأ ْبِلغْهُ مَ ْأ َمنَهُ‬ ‫حتّى يَ ْ‬ ‫ج ْرهُ َ‬ ‫ستَجَا َركَ فَأَ ِ‬ ‫ش ِركِينَ ا ْ‬ ‫عزّ وجلّ يقول { َوإِنْ أَحَدٌ مّنَ ا ْلمُ ْ‬ ‫ذِلكَ بَِأ ّنهُمْ َقوْمٌ لّ َي ْعَلمُونَ } ‪.‬‬ ‫فقد سمّاهم ال بالمشركين قبل أن يسمعوا كلم ال ووصفهم بذلك مع أنّهم ل يعلمون ( أي جهّال‬ ‫)‪.‬‬ ‫وأمره لنبيه صلى ال عليه وسلّم بدعوتهم وإسماعهم وتبليـغهم الدعـوة لم يغيّـر من ذلك‬ ‫الوصـف شيـئا ل قبل الدعوة ول أثنــاءها ول بعـدها ما دامـوا ملزمـين للشرك غير‬ ‫ملتزمـين للتوحيـد ‪.‬‬ ‫وذلك لنّ الشرك الكبر المناقض للحنيفية السمحة وهو صرف شيء من العبادة الظاهرة لغير‬ ‫ال عزّ وجلّ أمر ل يُعذر فاعله بالجهل أصلً فقد أقام ال عزّ وجلّ عليه حجته البالغة من‬ ‫أبواب شتى ذكر العلماء منها‪:‬‬ ‫‪ -1‬الدلّة الكونية الظاهرة الدالة على وحدانية ال‪ ،‬حيث يستدل بربوبيته على وحدانيته سبحانه‬ ‫فالذي خلق ورزق وصوّر ودبّر هو وحده الذي يجب أن يُعبد ويشرّع ول يجوز شرعا وعقلً‬ ‫ل ْمرُ}‪.‬‬ ‫خلْقُ وَا َ‬ ‫أن يُصرف شيء من ذلك لغيره سبحانه {أَلَ لَهُ الْ َ‬ ‫‪ -2‬ومنها أخذه سبحـانه الميثـاق على بني آدم في ذلك حيـث استخرجهم من ظهر أبيهم آدم‬ ‫ستَ‬ ‫سهِمْ َألَ ْ‬ ‫علَى أَنفُ ِ‬ ‫شهَدَهُمْ َ‬ ‫ظهُورِهِمْ ُذ ّر ّي َتهُمْ َوأَ ْ‬ ‫كالذر قال تعالى { َوإِذْ أَخَذَ َر ّبكَ مِن َبنِي آدَمَ مِن ُ‬ ‫ش َركَ‬ ‫شهِ ْدنَا أَن تَقُولُواْ َيوْمَ الْ ِقيَامَةِ ِإنّا ُكنّا عَنْ هَـذَا غَا ِفلِينَ * َأوْ تَقُولُواْ ِإ ّنمَا أَ ْ‬ ‫ِب َر ّبكُمْ قَالُواْ َبلَى َ‬ ‫طلُونَ }‪ .‬فلم يعذرهم ال تعالى بدعوى‬ ‫آبَا ُؤنَا مِن َقبْلُ َو ُكنّا ُذ ّريّةً مّن َبعْدِهِمْ أَ َف ُت ْهِل ُكنَا ِبمَا َفعَلَ ا ْل ُمبْ ِ‬ ‫الغفلة والجهل وتقليد الباء في الشرك الظاهر المستبين ‪ ،‬بعد أن أخذ ميثاقهم على أن ل يتخذوا‬ ‫ربا سواه‪.‬‬ ‫‪188‬‬ ‫‪ -3‬ومنها فطرة ال التي فطر الناس عليها وغرسها في قلوب العباد على أنّ الخالق الرّازق هو‬ ‫وحده المعبود المشرّع كما في الحديث الذي يرويه الشيخان أن رسول ال صلى ال عليه وسلّم‬ ‫قال ‪" :‬كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه" وفي رواية‬ ‫(ويشركانه) وهي في صحيح مسلم وفي الحديث القدسي الذي يرويه مسلم أيضا "إني خلقت‬ ‫عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم فحرّمت عليهم ما أحللت لهم"‪.‬‬ ‫‪ -4‬وإضافة إلى ذلك أرسل سبحانه الرسل جميعهم من أجل هذه الغاية العظيمة {* َولَقَدْ َب َع ْثنَا‬ ‫شرِينَ َومُن ِذرِينَ ِلئَلّ َيكُونَ‬ ‫ج َت ِنبُواْ الْطّاغُوتَ} ‪{ ،‬رّسُلً ّمبَ ّ‬ ‫عبُدُواْ اللّهَ وَا ْ‬ ‫فِي كُلّ ُأمّةٍ رّسُولً أَنِ ا ْ‬ ‫علَى اللّهِ حُجّةٌ َبعْدَ الرّسُلِ} فمن لم تصله رسالة نبي سمع بغيره‪.‬‬ ‫لِلنّاسِ َ‬ ‫إذ جميعهم وإن تنوّعت شرائعهم إلّ أنّ دعوتهم إلى تحقيق التوحيد وهدم الشرك والتنديد واحدة‪.‬‬ ‫حتّى َن ْب َعثَ رَسُولً) وقد صدق ال وحده فبعث للناس كافة رسله‬ ‫وقد قال تعالى ( َومَا ُكنّا ُمعَ ّذبِينَ َ‬ ‫‪ ،‬وختمهم بمحمد صلى ال عليه وسلم أوضح به المحجة وأقام به الحجة ‪ ،‬وليس بعده ثم‬ ‫رسول‪.‬‬ ‫‪ -5‬وأنزل سبحانه الكتب جميعها تدعوا إلى هذه الغاية العظيمة وختمها بكتاب ل يغسله الماء ل‬ ‫يبلى ول يبيد فتكفّل بحفظه إلى يوم القيامة وعلّق النذارة ببلوغه في كثير من أبواب الدين‪.‬‬ ‫حيَ ِإَليّ هَـذَا الْ ُقرْآنُ‬ ‫فكيف بأعظم وأهم وأخطر باب من تلكم البواب (التوحيد) قال تعالى { َوأُو ِ‬ ‫حتّى‬ ‫ش ِركِينَ مُن َفكّينَ َ‬ ‫لُن ِذ َركُمْ بِهِ َومَن َبلَغَ} وقال تعالى {لَمْ َيكُنِ الّذِينَ كَ َفرُواْ مِنْ أَهْلِ ا ْل ِكتَابِ وَا ْلمُ ْ‬ ‫تَ ْأ ِت َيهُمُ ا ْل َب ّينَةُ} ‪.‬‬ ‫ط ّه َرةً } ‪.‬‬ ‫ن اللّهِ َي ْتلُو صُحُفا مّ َ‬ ‫ثم عرّف البيّنة والحجّة سبحانه بقوله {رَسُولٌ مّ َ‬ ‫فمن بلغه هذا القرآن العظيم فقد قامت عليه الحجّة والنذارة ‪ ،‬خصوصا في أوضح أبواب الدين‬ ‫الذي بعث كافة الرسل من أجله‪.‬‬ ‫أمّا أن يُراد بالحجة وقيامها أن يؤتى إلى كل واحد في مكانه فتقام عليه الحجة فهو ما أنكره ال‬ ‫ستَن ِف َرةٌ *‬ ‫ح ُمرٌ مّ ْ‬ ‫تعالى في قوله تعالى عن المشركين { َفمَا َلهُمْ عَنِ التّ ْذكِ َرةِ ُم ْع ِرضِينَ * َكَأ ّنهُمْ ُ‬ ‫ش َرةً } ‪.‬‬ ‫س َو َرةٍ * بَلْ ُيرِيدُ كُلّ ا ْمرِىءٍ ّم ْنهُمْ أَن ُي ْؤتَى صُحُفا ّمنَ ّ‬ ‫َف ّرتْ مِن قَ ْ‬ ‫ومعلوم من سيرة النبي صلى ال عليه وسلم أن شأنه في دعوة الطوائف الممتنعة‪ ،‬أنه كان‬ ‫يراسل رؤوس تلك الطوائف دون آحاد رعيتهم ‪ ،‬ولم يكن يشترط أو يأمر رسله وأمراءه‬ ‫بوجوب تتبع آحاد الناس لقامة الحجة عليهم ‪ ،‬خصوصا في المحاربين ‪.‬وأن الحال عند‬ ‫‪189‬‬ ‫شوّه في أرجاء المعمورة ليس كالحال في فجر الدعوة وأول‬ ‫العلماء بعد انتشار السلم وف ُ‬ ‫السلم أو مع حديث العهد بالسلم‪.‬‬ ‫وهؤلء الطواغيت وأنصارهم من عساكر القانون يقتفون آثار من قبلهم من المشركين في‬ ‫العراض عن القرآن المتضمن للتوحيد وإهماله وينفرون من سماع الحق كنفور وفرار الحمر‬ ‫الوحشية من السد‪ ،‬فهم مشركون جهال بجهل اكتسبوه بإعراضهم عن التذكرة المحفوظة‬ ‫والحجة القائمة بين أيديهم ‪..‬‬ ‫ل لجهل سببه عدم بلوغ الرسالة ‪ ،‬أو لجهل سببه العته أو الجنون أو الصغر أو نحو ذلك من‬ ‫موانع الهلية ‪..‬أضف إلى ذلك أنهم محاربون ممتنعون عن شرائع السلم بشوكة ‪ ،‬ومعلوم أن‬ ‫المحارب ل تجب إقامة الحجة عليه ةولذلك فرق العلماء في هذا الباب بين من كان قتاله قتال‬ ‫دفع وبين من كان قتاله قتال طلب‪،‬ثم يأتي أولئك المجادلون عن هؤلء المحاربين لدين ال‬ ‫وأوليائه ليرقّعوا باطلهم‪ ,‬فيزعمون أنّ الحجّة غير مقامة عليهم‪ ,‬ولزم هذا ‪-‬مع مافيه من‬ ‫حجّةُ ا ْلبَاِلغَةُ} وقد علمتَ أنها مقامة في أصل‬ ‫جهل‪ -‬مناقض ومعارض لقوله تعالى {قُلْ َفِللّهِ الْ ُ‬ ‫التوحيد من وجوه وأبواب شتى‪.‬‬ ‫ولذلك فقد قال النبي صلى ال عليه وسلّم لرجل سأله عن أبيه‪" :‬إن أبي وأباك في النار" رواه‬ ‫مسلم مع أنّهم من القوم الذين قال ال فيهم {ِلتُن ِذرَ َقوْما مّا أُن ِذرَ آبَاؤُهُمْ َفهُمْ غَا ِفلُونَ} ‪.‬‬ ‫ن أصل التوحيد والتحذير من الشرك الكبر وعبادة غير ال تعالى‪ ،‬قد أقام ال‬ ‫وما ذلك إلّ ل ّ‬ ‫عليها الحجة البالغة كما تقدّم من أبواب شتى وأرسل بها الرسل أجمعين ‪.‬‬ ‫ومع هذا يأتي بعض من ل يعرفون من الدين إلّ السم ول من معالمه إلّ الرسم يطالبون بإقامة‬ ‫الحجة في باب الشرك الواضح المستبين والتوحيد الذي هو أحق حقوق ال على العبيد ‪ ،‬والذي‬ ‫ُبعِث من أجله جميع الرسل وأُنزلت له كافة الكتب وتواترت عليه الحجج ‪.‬‬ ‫وربما أقاموا على ذلك شبها بآيات يضعونها في غير موضعها كقوله تعالى { َومَا ُكنّا ُمعَ ّذبِينَ‬ ‫حتّى َن ْب َعثَ رَسُولً} يريدون‪ :‬أنّه ل تكفير إلّ بعد إقامة الحجّة في كل باب حتى في الشرك‬ ‫َ‬ ‫الكبر الواضح المستبين‪.‬‬ ‫وليس في هذه الية وجه دللة على قولهم الفاسد هذا فال جلّ ذكره لم يقل "وما كنّا مكفرين‬ ‫حتى نبعث رسولً"! ‪.‬‬ ‫‪190‬‬ ‫وإنّما قال {معذّبين} والمقصود بذلك عذاب الستئصال الدنيوي وهي كقوله تعالى { َومَا كَانَ َر ّبكَ‬ ‫عَل ْيهِمْ آيَا ِتنَا} ‪ ,‬أو العذاب الخروي كما قال تعالى‬ ‫حتّى َي ْب َعثَ فِي ُأ ّمهَا رَسُولً َي ْتلُو َ‬ ‫ُم ْهِلكَ الْ ُقرَى َ‬ ‫خ َز َن ُتهَا َألَمْ يَ ْأ ِتكُمْ نَذِيرٌ * قَالُواْ َبلَى} ‪.‬‬ ‫{ ُكّلمَا ُألْ ِقيَ فِيهَا َفوْجٌ سََأَلهُمْ َ‬ ‫أمّا التكفير خصوصا في الشرك الكبر وعبادة غير ال فليس هو المراد بذلك‪ ،‬إذ الكافر إمّا أن‬ ‫يكون كافرا معاندا كالمغضوب عليهم عرفوا الحق وكفروا به‪ ،‬أو يكون كافرا جاهلً معرضا أو‬ ‫مضلّلً كالضالّين الذي لبّس عليهم علماؤهم‪.‬‬ ‫جهّال ضلّل وإنما أوردهم‬ ‫وليس كل كافر يكون كفره عن علم وجحود للحق بل أكثر الكفار ُ‬ ‫النار كفرهم بتقليد ساداتهم وكبرائهم وآبائهم ويحسبون أنّهم يُحسنون صنعا ‪.‬‬ ‫وباب الشرك الكبر الصريح قد أقام ال عليه حججه البالغة فل يُعذر الجاهل فيه لنّ جهله‬ ‫والحالة كذلك إنما يكون إعراضا عن الدين وعن تعلم أهم ما خلق من أجله وليس جهل من لم‬ ‫تقم عليه الحجّة ‪.‬‬ ‫وفي قصة زيد بن عمرو بن نُفيل عبرة فقد حقّق التوحيد دون أن يبعث رسول خاص بزمانه‬ ‫وذلك قبل بعثة النبي صلى ال عليه وسلّم مباشرة فقد كان من القوم الذين قال ال تعالى فيهم‬ ‫{ِلتُن ِذرَ َقوْما مّا َأتَاهُم مّن نّذِيرٍ مّن َق ْبِلكَ} ومع ذلك فقد كان زيد حنيفا على ملّة سيدنا إبراهيم‬ ‫اهتدى إلى التوحيد بفطرته فكان يبرأ من طواغيت قومه ويجتنب عبادتها ونصرتها‪ ،‬وكان ذلك‬ ‫كافيا لنجاته‪ ،‬فقد أخبر النبي صلى ال عليه وسلم أنه يبعث أمة وحده‪ ،‬ورآه صلى ال عليه‬ ‫وسلم ‪ ،‬وقد قُدّمت له سُفرة "مذبوحة على نصبهم" فأبى أن يأكلها وقال‪( :‬إني لست آكل مما‬ ‫تذبحون على أنصابكم) وكان يعيب على قريش ذبائحهم ويقول ‪ (:‬الشاة خلقها ال وأنزل لها من‬ ‫السماء الماء‪ ،‬وأنبت لها من الرض ثم أنتم تذبحونها على غير اسم ال ‪ ،‬إنكارا لذلك وإعظاما‬ ‫له) رواه البخاري‪. .‬‬ ‫فتأمّل كيف أنّ التوحيد مزروع في الفطرة وأنّ الشرك هو الطارئ الذي اخترعه الناس‬ ‫وانحرفوا إليه ‪.‬‬ ‫فهذا رجل لم يأته نبي خاص بزمانه‪ ،‬ومع هذا عرف التوحيد وحقّقه فنجا وعُذر بتفاصيل‬ ‫الشريعة والعبادات التي ل تُعرف إلّ عن طريق الحجّة الرسالية فقد كان يقول كما في رواية‬ ‫ابن إسحاق‪ " :‬اللهم لو أعلم أحب الوجوه إليك لعبدتك به ‪ ،‬ولكني ل أعلمه ‪ ،‬ثم يسجد على‬ ‫الرض براحته "‪.‬‬ ‫‪191‬‬ ‫فعُذر بترك الصلة والصيام ونحوه من الشرائع التي ل تُعرف إلّ عن طريق الرسل ‪.‬‬ ‫بينما لم يُعذر أهل زمانه ومنهم والديّ النبي صلى ال عليه وسلّم لنّهم لم يحقّقوا التوحيد‬ ‫ويبرأوا من الشرك والكفر والتنديد مع أنّـهم لم يأتهم نذير كما أخبر تعالى‪.‬‬ ‫فتدبّر هذا المعنى جيدا واعلم أنّ هذا الباب (باب العذر بالجهل) قد تكلّم فيه العلماء وخاض فيه‬ ‫المتأخرون ول يفهمه حق الفهم إلّ من أحاط به من جوانبه أمّا من أخذ منه بنص واحد وبنى‬ ‫عليه المسائل الكبار فقد جانب الصواب وأبعد النجعة‪.‬‬ ‫واعلم بعد هذا كله أنّ كفر هؤلء الطواغيت وأنصارهم اليوم ليس هو من الجهل بمعنى عدم‬ ‫علّقت به‬ ‫بلوغ الحجّة الرسالية فقد ُبعِث خاتم الرسل وليس بعده ثَم رسول‪ ,‬وكتاب ال الذي ُ‬ ‫النذارة محفوظ ل يأتيه الباطل من بين يديه ول من خلفه ‪ ،‬وهو بين أيديهم‬ ‫ولكن أكثر الناس استحبوا الحياة الدنيا على الخرة فهم معرضون عن طلب الحق وعن اتباعه‬ ‫فكفرهم كفر إعراض وليس بسبب عدم بلوغ الحجّة الرسالية ‪.‬‬ ‫ن اللّهِ} كانوا يجهلون أنّ الطاعة في‬ ‫حبَارَهُمْ َورُ ْهبَا َنهُمْ َأ ْربَابا مّن دُو ِ‬ ‫ثم اعلم أن الذين {اتّخَذُواْ أَ ْ‬ ‫التشريع عبادة وشرك كما في حديث عُدي بن حاتم الصحيح بمجموع طرقه وفيه قوله "ما‬ ‫عبدوهم" فما كانوا يعرفون أن الطاعة في التحليل والتحريم والتشريع عبادة ومع هذا كفروا‬ ‫بصرف ذلك لغير ال وصاروا به متخذين أربابا من دون ال ولم يُعذروا بهذا الجهل‪.‬‬ ‫لنّ المر منافٍ للفطرة التي فطر ال الناس عليها‪ ,‬فالذي خلق ورزق وصوّر وبرأ هو الذي ل‬ ‫يجوز أن يشرّع ويأمر ويحكم أحد سواه ‪ ،‬وقد بعث ال كافة رسله وأنزل جميع كتبه لجل‬ ‫توحيد ال بالعبادة وإفراده بالحكم والتشريع واجتناب عبادة من سواه ‪ ،‬ثم المر بعد ذلك في‬ ‫زماننا أوضح من ذلك فهذا الضابط أو ذلك الشرطي وذلك المخابرات أو المن الوقائي‪ ،‬إذا ما‬ ‫سألته عن دينه زعم أنّه السلم وأنّ كتابه القرآن‪ ،‬وأنه يتلوه آناء الليل وأطراف النهار زيادة‬ ‫في إقامة الحجة!! ثم هو مع ذلك يخذل السلم والقرآن ويحاكم ويسجن ويتجسّس على من‬ ‫يسعى لتحكيمه ونصرته ويحارب كل من يدعوا إلى التوحيـد والـبراءة من الشرك والتنديد‬ ‫وينصر في المقابل شرع الطاغوت وقانونه الوضعي ودستوره الشركي الذي ألغى أحكام‬ ‫الشرع ويظاهر أولياءه من أعداء التوحيد ويتولهم ويُعينهم على أهل الحق ‪.‬‬ ‫فهل مناقضة هذا لدين ال تخفى على من زعم السلم ؟ وهل هي من الغامضات والمشكلت‬ ‫الملتبسات حتى يقال "لم تقم عليهم الحجّة"؟‪.‬‬ ‫‪192‬‬ ‫إنّ المر وال أوضح من الشمس في رابعة النهار‪.‬‬ ‫فها هنا صفّان وفريقان يختصمون‪ :‬صف شرك وصف توحيد صف القانون الوضعي وصف‬ ‫الشريعة المطهّرة وهؤلء القوم يختارون بمحض إرادتهم وبكامل عقلهم واختيارهم صف‬ ‫الطاغوت إمّا حبّا له أو استحبابا للحياة الدنيا "الراتب والتقاعد" ونحوه على الخرة يقاتلون في‬ ‫سبيله وينصرونه ويحاربون من ناوأه أو اجتنبه من أهل صف التوحيد{الّذِينَ آ َمنُواْ يُقَا ِتلُونَ فِي‬ ‫سبِيلِ الطّاغُوتِ}‪.‬‬ ‫ل اللّهِ وَالّذِينَ كَ َفرُواْ يُقَا ِتلُونَ فِي َ‬ ‫سبِي ِ‬ ‫َ‬ ‫ولذلك سيقول هؤلء الجند يوم القيامة عندما يعاينون فوز أهل التوحيد وهزيمة وهلك أهل‬ ‫ضعْفَيْنِ مِنَ ا ْلعَذَابِ‬ ‫سبِيلْ * َر ّبنَا ا ِتهِمْ ِ‬ ‫ضلّونَا ال ّ‬ ‫ط ْعنَا سَا َد َتنَا َو ُك َبرَا َءنَا فََأ َ‬ ‫الشرك والتنديد { َر ّبنَا ِإنّا أَ َ‬ ‫وَا ْل َعنْهُمْ َلعْنا َكبِيرا } ‪.‬‬ ‫فتأمل قولهم {فأضلّونا السبيل} هل عُذروا به؟! ‪.‬‬ ‫سبُونَ َأ ّنهُم ّم ْهتَدُونَ}‬ ‫صنْعا} { َويَحْ َ‬ ‫ن ُ‬ ‫سنُو َ‬ ‫سبُونَ َأ ّنهُمْ يُحْ ِ‬ ‫وقال عن كثير من الكفار بأنّهم كانوا {يَحْ َ‬ ‫شيْءٍ} وكل ذلك لم ينفعهم لنّهم نقضوا أمرا بينا ظاهرا أقام ال عليه‬ ‫علَى َ‬ ‫سبُونَ َأ ّنهُمْ َ‬ ‫و{ َويَحْ َ‬ ‫حجّته البالغة وأرسل من أجله جميع رسله ولو كان خطأهم وانحرافهم حصل في أمر غامض‬ ‫ملتبس وكان عندهم أصل السلم لكان حالهم فيه على غير هذا (‪.)9‬‬ ‫والكلم في هذا الباب يطول وقد فصّل فيه أهل العلم ولنا فيه مُصنّف سمّيناه (الفرق المبين بين‬ ‫العذر بالجهل والعراض عن الدين) يسّر ال طبعه لكن في هذا القدر في هذا المحل كفاية لمن‬ ‫أراد الهداية‪.‬‬ ‫الشبهة السادسة‬ ‫الكراه والستضعاف والرزق والمصلحة‬ ‫قــالوا ‪ :‬إنّ كثيرا من هؤلء العساكر ل يحبّون الطاغوت بل منهم من يكفر به يبرأ من‬ ‫قانونه الوضعي وهم في قلوبهم يبغضون الطاغوت لكنّهم يعتذرون بالرزق والراتب وأنّه لم يبق‬ ‫لبعضهم إل سنوات قليلة على التقاعد‪.‬‬ ‫وربما ذكروا الستضعاف والكراه وبعضهم يرى أنّ في عمله هذا مصلحة للسلم وخدمة‬ ‫للمسلمين ‪.‬‬ ‫‪193‬‬ ‫والجواب ‪ :‬أن نقول إنّ الفرق بين أهل السنّة وغيرهم من أهل الزيغ والضلل‪ :‬أنّ اليمان عند‬ ‫أهل السنّة اعتقاد بالجنان وقول باللّسان وعمل بالجوارح والركان وليس هو فقط اعتقاد بالقلب‬ ‫باطنا‪.‬‬ ‫فالكفر بالطاغوت ل بد أن يكون ظاهرا وباطنا ولذلك كنّا مطَالبين في شريعتنا بالخذ بالظاهر‬ ‫وعدم البحث عن الغيب الذي في القلوب والذي ل يعلمه إلّ ال ‪.‬‬ ‫فالمنافق إذا أبطن الكفر وبغض الشريعة لكنّه أظهر لنا اليمان بال والكفر بالطاغوت والتزام‬ ‫شعائر السلم الظاهرة ولو كان ذلك عنده خوفا من سلطان السلم فإنّنا مطالَبون بمعاملته‬ ‫بالظاهر ول دخل لنا بباطنه ‪.‬‬ ‫ولذلك فإنّه يُحسب على المسلمين ويُعصم دمه ومالـه وحسـابه في الخـرة على ال حيث‬ ‫قال تعـالى {إِنّ ا ْل ُمنَافِقِينَ فِي ال ّد ْركِ الَسْفَلِ مِنَ النّارِ} والعكـس بالعكـس‪.‬‬ ‫فكـذلك من زعــم أنّه مؤمن بال في باطنه كافر بالطاغوت في قلبه وكان ظاهره مخالفا‬ ‫مناقضا لزعمه بأن صار من عساكر الشرك وأنصار الطاغوت يكثّر سوادهم وينصر ويحرس‬ ‫قانونهم "الطاغوت الذي أمره ال أن يكفر به" ويتولهم ويظاهرهم على المسلمين فإنّنا نأخذه‬ ‫ونحكم عليه بظاهره هذا ‪.‬‬ ‫لنّنا كما في الحديث "لم نؤمر أن نشقّ عن قلوب الناس ول عن صدورهم" ‪.‬‬ ‫ولذلك قال عمر بن الخطاب رضي ال عنه كما في صحيح البخاري "إنّ ناسا كانوا يؤخذون‬ ‫بالوحي في عهد رسول ال صلى ال عليه وسلّم فمن أظهر لنا خيرا أمناه وقربناه وليس لنا من‬ ‫سريرته شيء ال يحاسب سريرته ومن أظهر لنا سوءا لم نأمنه ولم نصدّقه وإنْ قال أنّ سريرته‬ ‫حسنة" ‪.‬‬ ‫وفي حديث البخاري أيضا في قصة الجيش الذي يغزو الكعبة فيخسف ال بأوله وآخره مع أنّ‬ ‫فيهم من ليس منهم والمجبور ونحوهم ‪.‬‬ ‫ففي ذلك دللة واضحة على هذا المر‪ ،‬لنّ أ ّم المؤمنين حينما سألت رسول ال صلى ال عليه‬ ‫وسلّم عن حكم هؤلء الذين خرجوا مكثرين لسواد ذلك الجيش وليس بنيّتهم قتال المؤمنين قال‪:‬‬ ‫"يهلكون مهلكا واحدا ويُبعثون على نيّاتهم يوم القيامة" ‪.‬‬ ‫وفي هذا يقول شيخ السلم في الفتاوى(‪ )28/537‬وهو يتكلم عن جيش عبيد الياسق "الدستور‬ ‫التّتري" وفيهم من كان يصلّي ويزعم الكراه ونحوه ‪.‬‬ ‫‪194‬‬ ‫قال‪" :‬فال تعالى قد أهلك الجيش الذي أراد أن ينتهك حرماته –المكره فيهم وغير المكره‪ -‬مع‬ ‫قدرته على التمييز بينهم ‪ ،‬مع أنه يبعثهم على نياتهم ‪ ،‬فكيف يجب على المؤمنين المجاهدين أن‬ ‫يميزوا بين المكره وغيره وهم ل يعلمون ذلك ؟! " أ‪.‬هـ‬ ‫أقول‪ :‬وأنّى لنا ذلك؟ وكيف؟! وهل لنا إلّ أحكام الظاهر ‪.‬‬ ‫فهذا صفّ خرج محاربا لهل السلم مكثرا لسواد أهل الشرك والوثان فحكم من كان فيه‬ ‫وأظهر تولّيه ونصرته في الدنيا حكمهم وليس لنا نحن بأحكام الخرة الن‪.‬‬ ‫ويدل على ذلك معاملة رسول ال صلى ال عليه وسلّم للعباس حين أُسِر في صف الكفار ببدر‬ ‫فزعم أنّه مسلم وأنه خرج مكرها فقال له رسول ال صلى ال عليه وسلّم "أمّا سريرتك فإلى ال‬ ‫وأمّا ظاهرك فلنا" ‪.‬رواه المام أحمد وفيه راو لم يسم لكن أصل القصة في صحيح البخاري‬ ‫وفيها َأ ْم ُرهُ صلى ال عليه وسلم له أن يفدي نفسه كالمشركين ‪ ،‬فعامله معاملة الصف الذي‬ ‫خرج مكثّرا لسواده وهذا هو ما نفعله تماما مع عساكر الشرك وأنصار القانون ‪.‬‬ ‫أفل يسعنا ما وسع رسول ال صلى ال عليه وسلّم وهو أتقانا وأخوفنا ل وأورعنا في التكفير‬ ‫والحكم على الناس وفي غير ذلك‪.‬‬ ‫* أما دعوى الكراه فمردودة في مقامنا هذا ‪.‬‬ ‫لن الكراه على إظهار الكفر حدّ له العلماء حدودا ل تنطبق على هؤلء بحال ويمكن لطالب‬ ‫الحق مراجعتها مفصّلة في غير هذا الموضع ( ) وفرّقوا تفريقا واضحا بين الكراه على‬ ‫المعاصي وبين الكراه على الكفر أو الشرك أو نصرة المشركين ونحوه‪.‬‬ ‫ومن تأمّل حال هؤلء القوم لم يجدهم مكرهين بحال بل هي أعمالهم ووظائفهم التي يفخرون بها‬ ‫ويتقاضون عليها الرّتب والرواتب والجور ‪.‬‬ ‫وأي إكراه هذا الذي يُدفع لصاحبه أجرا وينال عليه المتيازات ويمكث فيه العشرة والعشرين‬ ‫سنة نصيرا للشرك بزعمهم مكرها؟؟!‬ ‫فإن تعذّروا بالستضعاف فقد تعذّر به قوم من قبلهم فما قُبل منهم وهم قوم أسلموا بمكة ولم‬ ‫يفارقوا صف المشركين إلى صف أهل التوحيد فلما كان يوم بدر أخرجهم المشركون في مقدمة‬ ‫الصفوف‪.‬‬ ‫‪195‬‬ ‫وتأمل كيف أنهم لم يخرجوا معهم متطوّعين ول دخلوا جيشهم راغبين يأخذون على ذلك الرتب‬ ‫والرواتب كحال هؤلء ومع ذلك أنزل ال تعالى فيهم قرآنا يبّين أنّهم ليسوا بمعذوريـن في‬ ‫سهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ؟} ‪.‬‬ ‫ذلك ول هم بمستضعفين فقال سبحانه {إِنّ الّذِينَ َتوَفّاهُمُ ا ْلمَل ِئكَةُ ظَاِلمِي َأنْفُ ِ‬ ‫أي‪ :‬في أي صف كنتم ؟ أفي صف التوحيد والشريعة ؟ أم في صف الشرك والتنديد والدستور‬ ‫الوضعي والقانون الكفري ؟! ‪.‬‬ ‫والجواب الواضـح الصحيح أن يقولوا‪ :‬كنا في صف المشركين ولكنهم لما عاينوا هلك أهل‬ ‫هذا الصف ‪ ،‬حادوا عن هذا الجواب ‪ ،‬إلى التعذر بالستضعاف ‪ ،‬ظانين أن هذا ينفعهم في‬ ‫البراءة من الشرك والمشركين‪.‬‬ ‫فتأمل كيف يحاولون التبرؤ من صف الطاغوت وجيشه الذي هلكوا فيه منذ اللحظة الولى من‬ ‫لحظات الدار الخرة لن هذا أهم أمرٍ فرّطوا فيه وأهملوه وهو المر الذي أوردهم المهالك ‪.‬‬ ‫ولكن هل ينفعهم ذلك وقد ماتوا في صفه ولم يفارقوه ويبرءوا منه في الدنيا؟! فتأمل كيف‬ ‫لرْضِ } ‪.‬‬ ‫ضعَفِينَ فِي ا َ‬ ‫س َت ْ‬ ‫يجيبون على سؤال الملئكة‪{ :‬فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ ُكنّا مُ ْ‬ ‫ص ْواْ بِهِ بَلْ هُمْ َقوْمٌ طَاغُونَ} وهكذا يجيبوننا‬ ‫تلك حجتهم التي توارثوها عبر جيوش الكفر {َأ َتوَا َ‬ ‫دوما عندما ندعوهم إلى التوحيد والبراءة من الشرك والتنديد ‪.‬‬ ‫وهكذا يجادل عنهم المجادلون عندما نبيّن حكمهم في دين ال وموقفهم من التوحيد يقولون‪ُ { :‬كنّا‬ ‫لرْضِ} الراتب‪ ..‬والبيت‪ ..‬والرزق‪ ...‬فهل يُقبل منهم مثل هذا؟!‬ ‫ضعَفِينَ فِي ا َ‬ ‫س َت ْ‬ ‫مُ ْ‬ ‫سعَةً‬ ‫ض اللّهِ وَا ِ‬ ‫تأمل جواب الملئكة لهم وحذار من هذا الموقف وأصحابه {قَالْواْ َألَمْ َتكُنْ َأرْ ُ‬ ‫ج َهنّمُ وَسَا َءتْ َمصِيرا} ألم تكن أبواب الرزق واسعة فتهجروا‬ ‫جرُواْ فِيهَا فَُأ ْولَـ ِئكَ َم ْأوَاهُمْ َ‬ ‫َف ُتهَا ِ‬ ‫ذلك الصف الشركي إلى غيره؟ ‪.‬‬ ‫ومَنْ يرزق النمل والنحل والطير وسائر الدواب والمشركين والكفار‪،‬هل تراه يعجز عن أن‬ ‫يرزق المتقين والبرار الذين يتطهّرون من صف الشرك ويفارقونه محبّة ونصرة للتوحيد‬ ‫وأهله؟ تعالى ال علواّ كبيرا عما يصفون‪.‬‬ ‫ج َهنّمُ وَسَا َءتْ َمصِيرا} مع أنّهم لم يخرجوا‬ ‫وتأمل تهديد ال ووعيده لهم بقوله {فَُأ ْولَـ ِئكَ َم ْأوَاهُمْ َ‬ ‫في ذلك الجيش متطوعين ول مختارين لكنهم قصّروا في الهجرة في بادئ المر فلمّا عزم‬ ‫المر تورّطوا في الخروج في صف أعداء الموحدين ‪.‬‬ ‫‪196‬‬ ‫ستَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَ َي ْهتَدُونَ‬ ‫ن الرّجَالِ وَالنّسَاءِ وَا ْلوِلْدَانِ لَ يَ ْ‬ ‫ضعَفِينَ مِ َ‬ ‫س َت ْ‬ ‫ثم قال تعالى {إِلّ ا ْلمُ ْ‬ ‫ن اللّهُ عَ ُفوّا غَفُورا} فلم يعذر ال سبحانه وتعالى‬ ‫ع ْنهُمْ َوكَا َ‬ ‫سبِيلً * فَُأ ْولَـ ِئكَ عَسَى اللّهُ أَن َيعْ ُفوَ َ‬ ‫َ‬ ‫بعذر الستضعاف إل من ل يستطيع حيلة في الخروج والفرار إلى ال من صف الكفار كأن‬ ‫يكون جريحا أو عاجزا أو مقيدا أو مأسورا أو ل يهتدي طريقة وسبيل الهجرة الفرار إلى‬ ‫الصف المسلم كأن يكون امرأة أو صبيا أو شيخا أو ضعيفا ‪.‬‬ ‫ثم رغّب ال تعالى بالهجرة والفرار من هذه الصفوف المشركة ووعد أهلها بالرزق الوفير‬ ‫الواسع فمن ترك شيئا ل عوّضه ال خيرا منه‪ ,‬وذلك ليقطع كل حجج القوم الواهية فقال { َومَن‬ ‫سبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الَرض مراغما كثيرا وسعة } كما قال في مقام اخر من مقامات‬ ‫جرْ فِي َ‬ ‫ُيهَا ِ‬ ‫دعوته عباده المؤمنين الى البراءة من الشرك وأهله‪ { :‬و إن خفتم عيلة فسوف يغنيكم ال من‬ ‫فضله إن شاء إن ال عليم حكيم }‪.‬‬ ‫* و آخرون رقّعوا واقعهم المنحرف بحجة المصلحة فزعموا أنّهم يخدمون الدين بوظائفهم هذه‬ ‫المنتنة وواقع حال أكثرهم خدمة جيوبهم وكروشهم وقروشهم ليس إلّ‪.‬‬ ‫ورحم ال سفيان الثوري يوم قال وهو يوصي بعض أصحابه ويحذرهم من مداهنة السلطين‬ ‫والدخول عليهم ـ مع أنّ سلطينهم كانوا يحكّمون شرع ال إلّ أنّهم أظهـروا بعض المعاصي‬ ‫فكيف بسلطيـن الكفر والشرك اليوم ؟ قال رحمه ال‪" :‬إياك والمراء أن تدنوا منهم‬ ‫أوتخالطهم في شيء من الشياء ‪ ،‬وإياك أن تخدع ويقال لك لتشفع أو تدرأ عن مظلوم أو ترد‬ ‫مظلمة فإنّ ذلك خديعة إبليس اتّخذها فجّار القرّاء سلّما‪. "...‬‬ ‫أجل إنّها خديعة إبليس التي يسمّونها اليوم بمصلحة الدعوة يهدمون بها التوحيد أعظم مصلحة‬ ‫في الوجود ويلبسون الحق بالباطل ‪.‬‬ ‫وقد صدق سيد قطب يوم وصفها بأنها أمست عند كثير من الدعاة مزلّة وصارت صنما يعبدونه‬ ‫من دون ال‪.‬‬ ‫ولشيخ السلم رحمه ال تعالى في ذلك فتوى سُئل فيها عن رجل من أهل السنّة سمع بمجموعة‬ ‫من قطّاع الطرق الذين يجتمعون على قصد الكبائر وقطع الطريق والقتل وفعل الفواحش‬ ‫والمنكرات‪ ،‬وأنّه قصد إلى هدايتهم فلم يتمكّن من ذلك بزعمه ‪ ،‬إل بأن عمل لهم سماعا بدف‬ ‫بغناء مغني غير فاحش حتى اهتدى منهم خلق ‪ ،‬وصار الذين كانوا ل يتورّعون عن الكبائر‬ ‫يتورّعون عن الصغائر والشبهات فهل طريقة هذا الشيخ جائزة ومشروعة؟!‬ ‫‪197‬‬ ‫فبيّن رحمه ال تعالى ما ملخصه ‪ " ،‬أنّ هذه الطريقة مبتدعة وأنّ في طريقة الرسول الرحمانية‬ ‫غنىً عن الطرق الشيطانية"‬ ‫فإنّه حتى وإن كانت النتيجة ظاهرها حسن فإنّ الغاية عند أهل السلم ل تبرر الوسيلة‪،‬‬ ‫فالنجاسة ل تزال بالنجاسة ول يتطهّر من البول بالبول‪.‬‬ ‫وكما أنّ غاية الداعية عظيمة ومطهّرة فيجب أن تكون وسائله للبلوغ إلى هذه الغاية كذلك ‪.‬‬ ‫ومعلوم أن أعظم مصلحة في الوجود هي التوحيد وأن أعظم مفسدة في الوجود هي الشرك فكل‬ ‫مصلحة تعارض تلك المصلحة فإنها مردودة وأي مفسدة أمام مفسدة الشرك فمغمورة ‪.‬‬ ‫فل يحل لحد يفهم عِظم التوحيد وخطر الشرك أن يصير مِعولً من معاول هدم التوحيد‬ ‫وحارسا من حراس الشرك والتنديد‪ ،‬بحجة جلب مصلحة أخرى مزعومة أو درأ مفاسد أخرى‬ ‫مرجوحة أياّ كانت ‪ ،‬ول أن يجعل دينه كبش فداء ينحره على عتبات مصالح ودنيا الخرين‪,‬‬ ‫والكلم في هذا الباب يطول وله موضعه المفصل (‪ )11‬ولكن اللّبيب تكفيه منه هنا الشارة وال‬ ‫المستعان‪.‬‬ ‫الخـــــاتـمــــــــــــــــــــــة‬ ‫أخيرا وليس آخرا فقد سمعنا كثيرا ممن لم يعرفوا حقيقة هذا التوحيد يقولون‪ :‬ماذا تستفيدون من‬ ‫تكفير هؤلء العساكر أو أولئك المخابرات ونحوهم من أنصار الطواغيت؟!‬ ‫فنقول أولً ‪ :‬مادام هذا هو حكم ال فليس مهماّ أن نعرف حكمته‪ ،‬وإنما المهم عند عباد الرحمن‬ ‫أن تنشرح له صدورهم وترضى به نفوسهم وتسلّم له تسليما‬ ‫ثم نقول ‪ :‬إنّ فوائد ذلك ل يسع هذا المقام لحصرها‪ ،‬ولو لم يكن فيها إلّ تحقيق التوحيد العملي‬ ‫(ملّة إبراهيم) المتضمّن للبراءة من الشرك والمشركين لكفى ‪.‬‬ ‫سنَةٌ فِي ِإ ْبرَاهِيمَ وَالّذِينَ َمعَهُ إِذْ قَالُواْ لِ َق ْو ِمهِمْ ِإنّا ُبرَءاؤاْ ّم ْنكُمْ‬ ‫س َوةٌ حَ َ‬ ‫قال تعالى {قَدْ كَا َنتْ َلكُمْ أُ ْ‬ ‫حتّى ُت ْؤ ِمنُواْ بِاللّهِ‬ ‫َو ِممّا َت ْعبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ كَ َف ْرنَا ِبكُمْ َوبَدَا َب ْي َننَا َو َب ْي َنكُمُ ا ْلعَدَا َوةُ وَا ْل َب ْغضَاءُ َأبَدا َ‬ ‫وَحْ َدهُ} فال يدعونا للقتداء والتّأسي بهذه القدوة الحسنة والملة العظيمة التي أهم أركانها البراءة‬ ‫من الشرك والمشركين والكفر بهم ومعاداتهم فكيف يحقق هذا من ل يعرف الكافر من المسلم؟؟‬ ‫عبُدُ مَا َت ْعبُدُونَ * وَلَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا‬ ‫وممّن يتبرأ وكيف؟! قال تعالى {قُلْ يَأ ّيهَا ا ْلكَا ِفرُونَ * لَ أَ ْ‬ ‫عبُدُ * َلكُمْ دِي ُنكُمْ َوِليَ دِينِ *}‪.‬‬ ‫عبَدتّمْ * وَلَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَ ْ‬ ‫عبُدُ * وَلَ َأنَا عَابِدٌ مّا َ‬ ‫أَ ْ‬ ‫وأيضا من الفوائد العظيمة تمييز الخبيث من الطيب واستبانة سبيل المجرمين ‪.‬‬ ‫‪198‬‬ ‫ج ِرمِينَ} فمن لم يعرف الكفر من اليمان‬ ‫سبِيلُ ا ْلمُ ْ‬ ‫س َتبِينَ َ‬ ‫قال تعالى { َوكَ َذِلكَ ن َفصّلُ اليَاتِ َوِلتَ ْ‬ ‫والكافر من المسلم أنّى له أن يستبين سبيل المجرمين وأنّى له أن يميّز سبيل المؤمنين من سبيل‬ ‫المجرمين؟ ليسلك من ثم سبيل المؤمنين ‪ ،‬ويجتنب سبيل المجرمين وكيف سيطبّق الحب في‬ ‫ال للمؤمنين والبغض في ال للمشركين وذلك من أوثق عرى اليمان وفي تركه تخبّط عظيم‬ ‫وفساد كبير ‪.‬‬ ‫لرْضِ وَفَسَادٌ َكبِيرٌ} ‪.‬‬ ‫ضهُمْ َأ ْوِليَاءُ َبعْضٍ إِلّ تَ ْف َعلُوهُ َتكُنْ ِف ْتنَةٌ فِي ا َ‬ ‫قال تعالى {وَالّذينَ كَ َفرُواْ َب ْع ُ‬ ‫وتظهر هذه الموالة وتلكم المعاداة بتحقيق آثارها ولوازمها عمليا فكيف يحققها من ل يميّز بين‬ ‫الصفوف ؟! والواقع أعظم شاهد على هذا‪ ،‬فإنك تجد من أهمل هذا المر واستخفّ به ل‬ ‫يعرف من يحب ومن يبغض ومن يوالي ومن يعادي وتجده يخلط وربما يساوي في المعاملة‬ ‫ج ِرمِينَ‬ ‫سِلمِينَ كَا ْلمُ ْ‬ ‫جعَلُ ا ْلمُ ْ‬ ‫بين المسلمين والمجرمين مع أنّ ال تعالى أنكر ذلك فقال سبحانه {أَ َفنَ ْ‬ ‫جعَلُ ا ْل ُمتّقِينَ كَالْفُجّارِ ؟} (‪)12‬‬ ‫ح ُكمُونَ }؟ وقال تعالى {أَمْ َن ْ‬ ‫* مَا َلكُمْ َك ْيفَ تَ ْ‬ ‫وقد رتّب ال على ذلك أحكاما في عصمة الدم وفي الميراث والولء والنكاح والطعام (الذبح)‬ ‫والمعاملة من سلم ومودّة وغير ذلك من الحقوق الواجبة للمسلم أو الخاصة به من دون سائر‬ ‫الكفار‪.‬‬ ‫ولذلك فإنك تجد فرقا واضحا بينّا بين سبيل الموحدين و طريقة تعاملهم مع الكفار والمشركين‪،‬‬ ‫وبين سبيل غيرهم ممن ل يرفعون بهذا المر رأسا ويهملونه‪ ،‬بل ينكرونه على أهل التوحيد و‬ ‫يبدعونهم به‪ ،‬بل منهم يكفّر أهل التوحيد لتجريدهم التوحيد ولبراءتهم من الشرك والتنديد‪ ،‬ولذلك‬ ‫اختلط الحابل بالنابل عندهم فبرءوا من الموحدين وأبغضوهم وعادوهم وأطالوا ألسنتهم بالطعن‬ ‫فيهم وفي دعوتهم‪ ،‬بينما ل يجد منهم أعداء ال إلّ كل مودّة وإدهان ‪.‬‬ ‫ومنهم من يشاركهم في مجالسهم ومهالكهم ول يفرّقون بين مصلحة التوحيد العظمى التي تُفرّق‬ ‫بين المسلمين والمشركين وبين الوحدة الوطنية التي تؤالف وتجمع الكافرين على اختلف‬ ‫توجّهاتهم وتخلط المتّقين بالفجّار ‪.‬‬ ‫ويغفلون أو يتغافلون عن وصف الملئكة للنبي صلى ال عليه وسلّم‪" :‬ومحمد فرْق بين الناس"‬ ‫رواه البخاري ‪.‬‬ ‫وفي رواية‪" :‬فرّق بين الناس" ‪.‬‬ ‫‪199‬‬ ‫ويُعرضون عن هدي الفرقان الذي فرّق بين أهل الشرك وأهل اليمان وإن كانوا أقرب نسبا‬ ‫للنسان‪.‬‬ ‫ومن الفوائد أيضا أنّ معرفة ذلك تحدّد طريق الدعوة الصحيحة التي يجب أن يسلكها المرء مع‬ ‫القوم الذين هو بين ظهرانيهم ‪.‬‬ ‫فإنّ كونهم مسلمين يختلف عن كونهم مشركين وكونهم مشركين وثنيّين يختلف عن كونهم‬ ‫مشركين كتابيّين وكونهم مرتدّين يختلف عن كونهم كافرين أصليّين‪.‬‬ ‫ولذلك قال رسول ال صلى ال عليه وسلّم لمعاذ لمّا بعثه إلى اليمن كما في الحديث المروي في‬ ‫الصحيحين‪" :‬إنّك تأتي قوما من أهل الكتـاب فليكن أول ما تدعـوهم إليـه شهـادة أن ل‬ ‫إلـه إلّ ال‪ ...‬ـ وفي رواية ـ "إلى أن يوحّدوا ال" فإن هم أجابوك إلى ذلك فأعلمهم أنّ ال‬ ‫قد افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة‪ ...‬الحديث"‪.‬‬ ‫فتأمل كيف عرّفه بحالهم وحكمهم‪ ,‬ثم رتب على ذلك طريقة الدعوة والتعامل معهم وغير ذلك‬ ‫من الفوائد التي ليس هذا مقام حصرها‬ ‫وختاما فليتّق ال فينا وفي أنفسهم أولئك الجهال أو المفترين الذين يرموننا بتكفير الناس كلهم‬ ‫بالعموم دون أن يسمعوا ما نقول‪ ،‬أو يقرؤوا ما نكتب‪ ،‬فإنهم معروضون على رب ل تخفى‬ ‫عليه خافية وأقوالهم محصية في كتاب ل يغادر صغيرة ول كبيرة إلّ إحصاها وقد قال تعالى‬ ‫ح َت َملُواْ ُب ْهتَانا َوِإثْما ّمبِينا} ‪.‬‬ ‫سبُواْ فَقَدِ ا ْ‬ ‫{وَالّذِينَ ُيؤْذُونَ ا ْل ُم ْؤمِنِينَ وَا ْل ُم ْؤ ِمنَاتِ ِب َغ ْيرِ مَا ا ْكتَ َ‬ ‫وقال رسول ال صلى ال عليه وسلّم‪" :‬من قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه ال رَدْغة الخبال‬ ‫( ) حتى يأتي بالمخرج مما قال"‪ .‬رواه أبو داود والطبراني وغيرهما‪.‬‬ ‫حلّه ‪ ،‬ول‬ ‫فها نحن نقولها صريحة واضحة بيّنة ‪ :‬إننا ل نُكفّر مسلما بذنب غير مكفّر ما لم يست ِ‬ ‫نكفّر الناس كلهم بالعموم كما يرمينا بذلك أعداؤنا من الطواغيت ويبهتنا به خصومنا من‬ ‫جماعات الرجاء وإنّما نكفّر من هدم التوحيد أو أعان على هدمه أو أتى بشيء من نواقضه أو‬ ‫عادى أهله نصرة لعدائه من أهل الشرك والتنديد ومظاهرة لهم على الموحدين‪.‬‬ ‫ن المرء‬ ‫ونعرف أنّ للكفر شروطا وموانع ول نكفّر إلّ باستيفاء الشروط وانتفاء الموانع ونعلم أ ّ‬ ‫قد يصدر منه قول الكفر أو عمله‪ ،‬ول يكفر لقيام مانع من موانع التكفير‪.‬‬ ‫وكل ما تكلمنا به في هذه الوراق وغيرها إنّما هو في كفر أعداء التوحيد وعساكر الشرك‬ ‫والتنديد الذين مرقوا من الدين وحاربوا أهله ونصروا الدستور الشركي والقانون الوضعي ‪.‬‬ ‫‪200‬‬ ‫وكفر هؤلء أوضح عندنا من الشمس في رابعة النهار بالدلّة الشرعية وليس بالهوى أو التقليد‬ ‫أو الستحسان‪.‬‬ ‫فنقول لخصومنا ‪ :‬اتّقوا ال {وَلَ َت ْلبِسُواْ الْحَقّ بِا ْلبَاطِلِ َو َت ْك ُتمُواْ الْحَقّ َوَأ ْنتُمْ َت ْعَلمُونَ } بيننا وبينكم‬ ‫كتاب ال تعالى وسنة رسوله صلى ال عليه وسلّم ل نقبل حكما غير ذلك إيتونا منه بدليل‬ ‫وبرهان ينقض ما قلناه وستجدوننا إن شاء ال تعالى أسعد الناس به وأول من يرجع إليه {قُلْ‬ ‫هَاتُواْ ُبرْهَا َنكُمْ إِن ُك ْنتُمْ صَادِقِينَ}‪.‬‬ ‫أمّا الشقشقات الفارغة والسفسطات الجوفاء والتهامات الباطلة التي ل يسنـدها دليل وبرهـان‬ ‫شرعي ول تنبني على الكتـاب والسنة فإنها مـردودة على صاحبـها ومن لم يقبل بالدليل‬ ‫الشرعي ويذعن له وينقاد فل خير فيه ول ينفع فيه تقصير أو تطويل الكلم ‪.‬‬ ‫قال تعالى { َف ِبَأيّ حَدِيثٍ َبعْ َد اللّهِ وَآيَاتِهِ ُي ْؤ ِمنُونَ}‪.‬‬ ‫ورحم ال ابن القيّم إذ يقول في نونيّته عن الكتاب والسنة‪:‬‬ ‫من لـم يكــن يكـفيــــه ذان‬ ‫فل كفـاه ال شرّ حوادث الزمـان‬ ‫من لـم يكــن يشــفيـــه ذان‬ ‫فل شفـاه ال في قلب ول أبـــدان‬ ‫من لـم يكــن يـغــنيـــه ذان‬ ‫رماه رب العرش بالقلل والحرمان‬ ‫إنّ الكلم مع الكبار وليس مع‬ ‫تلــك الراذل سفـلـــة الحيـــوان‬ ‫وصلى ال وسلّم على نبيّنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين‬ ‫***********************‬ ‫كشف النقاب عن شريعة الغاب‬ ‫لبي محمد عاصم المقدسي‬ ‫ إلى عبيد الياسق العصري وحكوماتهم وأوليائهم وأنصارهم‪..‬‬‫‪ -‬إلى سدنتهم وأذنابهم من الئمة المضلين‪..‬‬ ‫‪201‬‬ ‫ إلى هؤلء جميعا نقول‪:‬‬‫ل نعبد ما تعبدون‪ ..‬لكم دينكم ولنا دين‪ ..‬كفرنا بكم وبدساتيركم وبقوانينكم‬ ‫وبتشريعاتكم التي تعبدونها من دون ال‪ ..‬وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى ترجعوا‬ ‫إلى دين ال وتنقادوا لشرعه وحكمه وتسلموا‬ ‫بسم ال الرحمن الرحيم‬ ‫تسليما‪.‬‬ ‫مقدمة‬ ‫الحمد ل الذي ل يغفر أن يشرك به‪ ،‬ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء‪ ،‬ومن يشرك بال فقد افترى‬ ‫إثما عظيما‪ ،‬ومن يشرك بال فقد ضلّ ضللً بعيداة‬ ‫والصلة والسلم على سيد الموحدين‪ ،‬المأمور في محكم التنزيل باتباع ملّة إبراهيم‪ ،‬والقتداء‬ ‫بدعوة المرسلين‪ ،‬بتوحيد ربّ العالمين‪ ،‬والبراءة من الشرك والمشركين‪ ،‬وبعد ة‬ ‫فإن من الحقائق التي ل يجادل فيها عاقل‪ ،‬أنّ لكل زمان فتنته وشركياته التي تتفاوت بالعِظَم‬ ‫انتشارا وخطورةة‬ ‫فقد تنتشر في زمن من الزمنة أو في بلد من البلدان عبادة أوثان الحجر والشجر‪ ،‬حتى تكون‬ ‫هي فِتنة ذلك الزمان أو تلك البلد وشِركها العظيم‪ ،‬مع وجود شركيات ومعاصي أقل انتشارا‬ ‫وأدنى خطورة‪..‬‬ ‫وقد ينتشر الشرك والخوض في أسماء ال تعالى وصفاته في زمن من الزمنة‪ ،‬حتى يكون هو‬ ‫فِتنة العصر العظيمة وطامته المبينة ‪ ،‬مع وجود فِتن ومنكرات ومصائب في المة هي أخف‬ ‫خطرا ونكايةً وأقل انتشاراة‬ ‫كما قد تنتشر عبادة القبور والضرحة والولياء‪ ،‬حتى تكون شعارات ذلك الزمان أو تلك البلد‬ ‫وطامته العظمى‪ ،‬مع وجود غير ذلك من الشركيات والمعاصي القل خطورة وانتشارا ة‬ ‫وهكذا‪.‬‬ ‫وإنّ من رحمة ال تعالى بالمة أنْ يهيئ لها في كل زمان دعاة من عباده فطنا راشدين‪،‬‬ ‫يُجددون لها أمر دينها‪ ،‬ويحفظونه من تحريف المحرفين وطعن الطاعنين‪ ،‬ويحاربون هذه الفتن‪،‬‬ ‫ويقفون في وجه شركيات زمانهم‪ ..‬يُحذرون النّاس منها‪ ،‬ويأخذون بأيديهم إلى واحة التوحيد‬ ‫وروض اليمانة‬ ‫‪202‬‬ ‫إذا عرفنا ذلك فإن مما ل يقره النقل ول العقل أن يتشاغل بعض المصلحين في أزمنتهم عن تلك‬ ‫الفتن العظيمة ذات الخطر المستطير بغيرها مما هو أقل خطورة وأضعف انتشارا‪ ،‬وأن يِميتوا‬ ‫الكلم عن ذلك الخطر إماتةً ل حياة فيها‪ ..‬بينما يُشعلون ويُضرمون المعارك الضارية بين‬ ‫المسلمين أنفسهم في قضايا هي أقل خطورة بكثير من فتن العصر الداهمة‪ ،‬بل هي في الحقيقة‬ ‫تبع للفتن العظيمة‪ ،‬وقد تزول بزوالهاة‬ ‫وإنّ من الشرك والكفر الواضح المستبين في زماننا هذا‪ ،‬تنزيل القانون اللعين منزلة ما نزل به‬ ‫الروح المين على خاتم النبياء والمرسلينة‬ ‫بل إنه يكاد يكون أعظم أنواع الشرك التي يجب أن يتصدى لها العلماء والمصلحون في هذا‬ ‫الزمان‪ ،‬خاصة في هذه البلد التي نعمت بوصول دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه‬ ‫إليها‪ ،‬فل تكاد ترى قبرا أو ضريحا تشدّ إليه الرحال‪ ،‬أو شجرة أو حجرا يُعبد مع ال تعالى‪..‬‬ ‫فل يعقل والحال كذلك ول يستساغ أبدا ما يفعله كثير من الدعاة من الدندنة ليل نهار على شرك‬ ‫القبور والصنام وما حواليها‪ ،‬بينما هم قد قبروا الكلم عن شرك العصر وفتنة هذا الزمان من‬ ‫تحكيم قوانين الفرنجة‪ ،‬فل يذكرون ذلك في محافلهم أو مجالسهم أو كتبهم إل قليلً قليلً‪.‬‬ ‫حتى إن كثيرا من المسلمين ما عادوا يعرفون عن كتب التوحيد والعقيدة ورسائلها إل أنها كتب‬ ‫تحارب القبوريين والمشعوذين‪ ..‬أما الحكم والتشريع وما إلى ذلك فإن القضية عندهم فيها غبش‬ ‫كبيرة‬ ‫أضف إلى هذه المأساة أن حال كثير من دعاة هذا التوحيد الناقص المبتور لم يقف عند السكوت‬ ‫عن بيان شرك العصر وعدم تحذير الناس من أوليائه وحسب‪ ..‬بل إن كثيرا من هؤلء الدعاة‬ ‫قد أمسوا جنودا للشرك وحُراسا للقانون وشرطة للدستور وحماة للطواغيت‪ ..‬هم لهم جندٌ‬ ‫محضرون‪ ..‬ل يعرف أكثرهم البراءة إل من المتصوفة وشعوذاتهم‪ ،‬والروافض وباطلهم‪ ،‬وعُباد‬ ‫القبور وشركياتهم‪ ..‬وما إلى ذلك ‪ -‬وهذا حق ‪ -‬ولكنك إذا اقتربتَ من عبيد الياسق‪ ،‬وقوانينهم‪،‬‬ ‫وظَلمهم‪ ،‬وظُلماتهم ومواقف هؤلء الدعاة وطرائقهم معهم‪ ..‬فإنك سترى عجبا‪ ..‬وليس الخبر‬ ‫كالمعاينة‪ ..‬يغدو الواحد من هؤلء يدرسُ ويُدرّس التوحيد‪ ،‬بل ويحفظه ول يمنعه توحيده هذا‪،‬‬ ‫من إظهار الولء لذناب الفرنجة وعبيد القانون‪ ..‬وإنما كل الناس عنده إخوان يُصاحب أولياء‬ ‫الوثان‪ ،‬كما يصاحب عِباد الرحمن‪ ،‬ويأنس بالمنقلب على عقبيه‪ ،‬كما يأنس بالثابت على‬ ‫اليمانة‬ ‫‪203‬‬ ‫يغدو يبيع دينه لجل وظيفة أو رتبة‪ ،‬وعلى رأسه وفوق أكتافه شعار الطاغوت وشعار حكومة‬ ‫الياسق‪ ..‬ويقسم على الولء لعبيد القانون وعلى احترام قوانينهم الكفرية‪ ..‬ينتسب إلى الحق‬ ‫ويُوالي من خرج عنه وعق فماذا بقي من توحيده؟؟ ‪.‬‬ ‫يظــنون أن الدين لبيك في الفــــل وفعل صلة والسكوت عن المـــــل‬ ‫وسالم وخالط من لـذا الدين قـد قــل وما الـدين إلّ الـحب والبـغـض والول‬ ‫كــذاك الــبرا من كل غـــــاو وآثم‬ ‫وإن تعجب لواقع هؤلء فعجبك أشد لمن ذهب يكفر الطواغيت وحكوماتهم من منطلقات‬ ‫الحماس الجوف أو التقليد أو غيره‪ ..‬ثم ل يؤثّر هذا المذهب والختيار في مناهجهم وطرائقهم‬ ‫ودعواتهم‪ ..‬بل الحال هو الحال والمداهنة كما هي والسير في ركاب الظالمين مستمر‪ ..‬فماذا‬ ‫استفادوا إذا من الدندنة والخلف في التكفير‪ ..‬إذا كان التكفير ل يعدّل لهم طريقا أو يقوّم‬ ‫منهجا‪ ..‬ويا ليتهم لم يكفّروا الطواغيت ولكنهم على القل كَ َفرُوا بقوانينهم وعادوا باطلهم‬ ‫وتبرؤوا من ظلماتهم وكَفّوا عن مداهنتهم‪..‬‬ ‫فهذا زمان امتُحن فيه أهل اليمان وابتُلي فيه دعاة السلم بقَبض العلماء العاملين الذين يبلغون‬ ‫رسالت ال ويخشونه ول يخشون أحدا إلّ ال‪ ..‬ول يخافون في سبيله سبحانه لومة لئم أو‬ ‫شماتة شامت أو عداوة عدو أو كيد كائد‪ ..‬ويقودون المة بالكتاب والحديد‪ ..‬ل بالكتاب وحده‬ ‫ول بالحديد وحده‪ ..‬كحال كثير من الدعوات‪ ..‬بل كما يقول شيخ السلم ابن تيمية عند قوله‬ ‫سَلنَا بِا ْل َب ّينَاتِ َوَأ ْن َز ْلنَا َم َعهُمْ ا ْل ِكتَابَ وَا ْلمِيزَانَ ِليَقُو َم النّاسُ بِالْقِسْطِ َوَأ ْن َز ْلنَا‬ ‫س ْلنَا رُ ُ‬ ‫تعالى‪{ :‬لَقَدْ َأرْ َ‬ ‫ن اللّهَ َق ِويّ‬ ‫سلَهُ بِا ْل َغ ْيبِ إِ ّ‬ ‫الْحَدِيدَ فِيهِ بَ ْأسٌ شَدِيدٌ َو َمنَافِعُ لِلنّاسِ َوِل َي ْعلَ َم اللّهُ مَنْ َي ْنصُ ُرهُ َورُ ُ‬ ‫عزِيزٌ}[الحديد‪ .]25:‬قال‪ ( :‬قوام الدين بكتاب يهدي وسيف ينصر وكفى بربك هاديا‬ ‫َ‬ ‫ونصيرا)اهـ‪.‬‬ ‫أين هم أولئك العلماء الذين يتقدمون الصفوف ويقودون المة ويتصدون للطغاة‪ ..‬إن واقعنا اليوم‬ ‫أليم جدا‪ ..‬فإلى ال وحده نشكو وحشتنا وما حل بهذه المة من ذهاب العلماء العاملين‪ ..‬وذهاب‬ ‫الخوان وقلة النصار والعوان القائمين بتكاليف التوحيد حق القيام‪ ..‬هم اليوم وال في الناس‬ ‫كالشعرة البيضاء في الجلد السود‪ ..‬أين العنقاء لتطلب؟ وأين السمندل ليجلب؟ لم يبق إلّ رسوم‬ ‫قد درست‪ ،‬وأعلم قد عفت عليها عواصف الهوى وطمستها محبة الدنيا وحظوظ النفس‪ ..‬إلى‬ ‫‪204‬‬ ‫ال وحده نشكو هيمنة الضلل وغلبة الهوى وتوافر أسباب الفتن وانطماس أعلم السنن وإمارة‬ ‫السفهاء وحكم الرويبضة وإنا ل وإنا إليه راجعون‪..‬‬ ‫ولما رأى العبد الفقير إلى توفيق ربه ومغفرته‪ ،‬كاتب هذه الكلمات والسطور حال المة هذه‪..‬‬ ‫بين سكوت علمائها وجهل أبنائها وانحراف كثير من دعاتها عن منهاج النبوة‪ ..‬وطغيان‬ ‫سلطينها وكفر قوانينها وتكالب المم عليها من كل مكان‪ ،‬رام أداء النصيحة التي بايع أصحاب‬ ‫محمد محمدا‬ ‫عليها تنبيها للمسلمين وبراءة من القوانين وعبيد القوانين‪ ..‬عسى أن ينال بذلك‬ ‫معذرة رب العالمين‪ ..‬يوم ل ينفع مال ول بنون إلّ من أتى ال بقلب سليم‪..‬‬ ‫ولعلي أسن بكتابي هذا سنة حسنة للدعاة في إظهار الدّين وإعلنه بإبداء العداوة لهذه القوانين‬ ‫الشركية ولمن نافح عنها وحكمها وحماها ووالها‪..‬وببيان وتفصيل النصح للمة بذكر قوانين‬ ‫عبيد الياسق صراحة بأرقامها‪ ،‬وتسفيهها وبيان حقارتها و َت َه ْل ُهِلهَا وتناقضها ونقصها وفسادها‬ ‫وظلمها وجورها‪ ..‬وأن تحكيمها ضياع للموال والحقوق وهدر للدماء والرواح والنفوس‬ ‫وإماتة الدين والعقيدة وهتك للعراض وإفساد للنساب‪ ..‬حتى تظهر وتتعرى حقيقة محبيها‬ ‫وأوليائها علنية لكل واحد من المة‪ ،‬وبيان الموقف تجاههم وحكم موالتهم أو التقرب إليهم أو‬ ‫العمل في شرطتهم وجيشهم وحرسهم ومباحثهم وأمنهم أو في أية وظيفة تعينهم على باطلهم‬ ‫وظلمهم أو فيها تطبيق قوانينهم أو نوع موالة أو احترام لها ولموادها‪ ..‬وغير ذلك مما وفقنا‬ ‫ال عز وجل للتنبيه عليه في هذه الورقات‪ ..‬وله الحمد والمنة‪ ..‬فإن فتنة كهذه‪ ..‬وحالها ما‬ ‫وصفنا من الخطورة والنتشار لبد أن يفصل النصح فيها للمة تفصيلً‪ ..‬ويظهر الكلم حولها‬ ‫علنية ل خفاء فيها ول تلبيس ول تمييع أو ترقيع أو تطييبا للخواطر أو حسابا لتخيلت‬ ‫وتخذيلت الشياطين بدعوى تقديم مصالح الدعوات ودرء الفتنة والمفسدة عن الدعاة‪ ..‬وما إلى‬ ‫ذلك‪ ..‬فأي مصلحة أعظم من إظهار دين ال َتعَالى وإعلن توحيده وإزهاق وفضح وتعرية‬ ‫الباطل والشرك وكشف زيوفه؟؟ هل هناك مصلحة في دين السلم أعظم من " ل ِإلَهَ إِلّ‬ ‫ال" ؟؟‬ ‫أجيبونا وأفتونا يا أصحاب المصالح والستحسانات‪ ..‬إنها أصل دعوة النبياء والمرسلين وقطب‬ ‫رحاها والغاية من خلق الجن والنس أجمعين‪ ،‬التي اختص بها المؤمنون وجحدها المشركون‬ ‫وفيها وقع النزاع ولها شرع الجهاد وانقسم العباد‪ ،‬وما بقية الدين إلّ فروع تندرج تحت هذا‬ ‫‪205‬‬ ‫الصل العظيم‪ ..‬فأي مفسدة أعظم وأشنع من إخماد نور هذه الحقيقة وإخفائها والسكوت عن‬ ‫تشويه الطغاة لها‪..‬‬ ‫يا قوم إن هذا المر ليس فرعا من الفروع أو مستحبا من المستحبات أو مصلحة من المصالح‬ ‫المرجوحة لنتركه تأليفا للمبتدئين أو إرضاء لسواد عيون النافرين‪ ..‬إنه جزء أصيل من توحيد‬ ‫ألوهية الخالق تباركت أسماؤه‪ ..‬فسحقا لكل مصلحة تعارض وتعطل هذا الصل الصيل‪ ،‬بل‬ ‫سحقا للحياة كلها سحقا للجساد والرواح والباء والمهات والبناء والهل والخوان والموال‬ ‫إن قامت عائقا في سبيل هذه الغاية العظيمة‪ ..‬والمصلحة الجليلة‪..‬‬ ‫ليّ شيء إذا تكون التضحيات ولجل ماذا‬ ‫وإذا لم يضحّ المسلم بذلك كله لجل " ل ِإلَهَ إِلّ ال" فَ َ‬ ‫يخالف وينازع ويحب ويبغض ويعادي‪ ،‬وفي سبيل ماذا يقاتل ويقتل إذا؟؟ أي نقل بل أي عقل‬ ‫يخالف هذا يا أولي النقول والعقول؟؟‪ ..‬إنه الصل الذي كان يُنشر الصالحون من أجله‪..‬‬ ‫ويحملون على ألواح الخشب ويمشطون بأمشاط الحديد دون اللحم والعظم‪ ،‬إنه الصل الذي من‬ ‫أجله عُذب وهاجر وقاتل نبينا محمد‬ ‫وأصحابه‪ ..‬إنه الصل الذي ل زالت من أجله تتدفق‬ ‫شللت الدم عبر التاريخ السلمي‪ ،‬ليس من عهد الصحابة وحسب بل قبل ذلك بكثير‪ ..‬وعلى‬ ‫مدار دعوات الرسل وأتباعهم من المصلحين‪..‬‬ ‫ثم أليست هذه هي ملة أبينا إبراهيم التي أمر نبينا‬ ‫يُعلنها إبراهيم‬ ‫وأمرنا باتباعها في محكم التنزيل‪َ ..‬ألَمْ‬ ‫والذين معه ويصدعوا بها على رؤوس المل في زمانهم‪ ..‬كما أخبر َتعَالى‬ ‫سنَةٌ فِي ِإ ْبرَاهِيمَ وَالّذِينَ َمعَهُ إِذْ قَالُوا لِ َق ْو ِمهِمْ ِإنّا ُبرَءاؤا ِم ْنكُمْ َو ِممّا‬ ‫س َوةٌ حَ َ‬ ‫عنهم‪{ :‬قَدْ كَا َنتْ َلكُمْ أُ ْ‬ ‫حتّى ُت ْؤ ِمنُوا بِاللّهِ وَحْ َدهُ}‬ ‫ن اللّهِ كَ َف ْرنَا ِبكُمْ َوبَدَا َب ْي َننَا َو َب ْي َنكُمْ ا ْلعَدَاوَةُ وَا ْل َب ْغضَاءُ َأبَدًا َ‬ ‫َت ْعبُدُونَ مِنْ دُو ِ‬ ‫[الممتحنة‪.]4 :‬‬ ‫وتأمل تقديمه سبحانه {الْعَدَا َوةَ} على{ا ْل َبغْضَاء} لكونها أظهر‪ ،‬وتأمل قوله َتعَالى ‪{ :‬بَدَا} أي ظهر‬ ‫علَى الْحَقّ‪ ..‬الحديث) نسأل ال َتعَالى‬ ‫وبان‪ ..‬ومثله قوله ‪( :‬ل َتزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ ُأ ّمتِي ظَا ِهرِينَ َ‬ ‫أن يجعلنا منهم‪.‬‬ ‫ونختم هذه المقدمة بكلم نفيس لحد أعلم الدعوة السلفية في نجد وهو الشيخ العلمة حمد بن‬ ‫عتيق رحمه ال َتعَالى حيث يقول في كتابه القيم ( سبيل النجاة والفكاك من موالة المرتدين‬ ‫وأهل الشراك) ‪( :‬إن كثيرا من الناس قد يظن أنه إذا قدر أن يتلفظ بالشهادتين وأن يصلي‬ ‫الصلوات الخمس‪ ،‬ول يرد عن المسجد فقد أظهر دينه وإن كان مع ذلك بين المشركين أو في‬ ‫‪206‬‬ ‫أماكن المرتدين‪ ،‬وقد غلطوا أقبح الغلط‪ .‬اعلم أن الكفر له أنواع وأقسام تتعدد بتعدد المكفرات‬ ‫وكل طائفة من طوائف الكفر عندها نوع منه‪ .‬ول يكون المسلم مظهرا لدينه حتى يخالف كل‬ ‫طائفة بما اشتهر عندها ويصرح لها بعداوته‪ ،‬والبراءة منه‪ )..‬انتهى كلمه رحمه ال َتعَالى وهو‬ ‫واضح جلي‪ ..‬فل يكون إظهار الدين وإعلن ملة إبراهيم وسلوك دعوة النبياء والمرسلين في‬ ‫مثل هذا البلد وهذا الواقع بمجرد الدندنة على شرك الحجار والشجار أو الضرحة والقبور أو‬ ‫الصوفية والروافض وحسب‪ ..‬بل لبد أن يكون في مقدمة ذلك كله الصدع بسفاهة القانون‬ ‫والبراءة منه ومن عبيده وتـحذير المسلمين من السير في ركابهم وركاب حكوماتهم أو العمل‬ ‫معهم في أي وظيفة تعينهم على إقرار واستمرار شركهم ومنكرهم وباطلهم العظيم هذا ‪ ..‬بل‬ ‫السعي الحثيث في إبطال قوانينهم هذه ونقضها وهدمها‪ ..‬وإعداد أبناء المسلمين منذ نعومة‬ ‫أظفارهم على هذا التوحيد العملي والعتقادي ببغضها وبغض كل من حكم بها كائنا من كان‪..‬‬ ‫كل ذلك من أجل إخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة ال وحده‪ ..‬واستنقاذهم من أغلل‬ ‫الشرك إلى عزة التوحيد‪ ..‬والسعي إلى إعلء كلمة ال َتعَالى وإعزاز دينه وإعادة راية الجهاد‬ ‫لنصرة المستضعفين ولتحرير أوطان المسلمين وإعادة الخلفة وتحكيم شرعه َتعَالى في‬ ‫أرضه‪..‬‬ ‫وما الرسالة التي بين يدي القارئ إلّ محاولة لسلوك هذا الطريق والدعوة إليه ولو بنزع دلو‪..‬‬ ‫أو بكف رمل‪ ..‬أو بشطر كلمة‪ ..‬وسميتها‪:‬‬ ‫( تنبيه البرية إلى وجوب الكفر بالدستور ومعاداة أوليائه والبراءة من القوانين الوضعية)‬ ‫وإن شئت فسمها‪ ( :‬كشف النقاب عن شريعة الغاب )‪.‬‬ ‫والمرجو من الملك الوهاب حسن العقبى والمآب‪ ..‬والقبول والخلص والثواب‪ ..‬إنه ولي ذلك‬ ‫والقادر عليه وصلى ال على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم‪.‬‬ ‫بسم ال الرحمن الرحيم‬ ‫وهو حسبنا ونعم الوكيل‬ ‫الحمد ل الذي يقذف بالحق على الباطل فإذا هو زاهق‪..‬‬ ‫ل اللّهُ وَل َت ّتبِعْ أَ ْهوَاءَهُمْ وَاحْ َذرْهُمْ أَنْ يَ ْف ِتنُوكَ‬ ‫حكُمْ َب ْي َنهُمْ ِبمَا أَنزَ َ‬ ‫والحمد ل القائل لنبيه ‪َ { :‬وأَنِ ا ْ‬ ‫علَمْ َأ ّنمَا ُيرِي ُد اللّهُ أَنْ ُيصِيبَهُمْ ِب َبعْضِ ُذنُو ِبهِمْ َوإِنّ َكثِيرًا‬ ‫ل اللّهُ ِإَل ْيكَ فَإِنْ َت َوّلوْا فَا ْ‬ ‫عَنْ َبعْضِ مَا أَنزَ َ‬ ‫‪207‬‬ ‫ح ْكمًا لِ َقوْمٍ يُو ِقنُونَ}[المائدة‪-49 :‬‬ ‫حكْمَ الْجَا ِهِليّةِ َي ْبغُونَ َومَنْ َأحْسَنُ مِنْ اللّهِ ُ‬ ‫مِنْ النّاسِ لَفَاسِقُونَ أَ َف ُ‬ ‫‪.]50‬‬ ‫وبعد‪ ..‬فهذه نصيحة نوجهها إلى إخواننا المسلمين عامة‪ :‬عوامّهم ودعاتهم‪ ..‬في زمان عزّ فيه‬ ‫الناصحون‪ ..‬وا ْل َت َبسَ فيه الحق مع الباطل‪ ،‬وكتم فيه كثير من المنتسبين إلى العلم ما أمرهم ال‬ ‫َتعَالى بأدائه وبيانه من ُم ِهمّات الدين وأصوله‪ ..‬ل نريد من ورائها أجرا‪ ،‬وأسوتنا في ذلك أنبياء‬ ‫علَى َربّ‬ ‫جرِي إِلّ َ‬ ‫جرٍ إِنْ أَ ْ‬ ‫عَليْهِ مِنْ أَ ْ‬ ‫ال حين كانوا يقولون لقوامهم‪َ { :‬ومَا أَسَْأُلكُمْ َ‬ ‫ا ْلعَاَلمِينَ}[الشعراء‪ ،]109 :‬ول نريد إلّ الصلح ما استطعنا إلى ذلك سبيلً‪ ..‬كما قال نبي ال‬ ‫ط ْعتُ َومَا‬ ‫ستَ َ‬ ‫لصْلحَ مَا ا ْ‬ ‫عنْهُ إِنْ ُأرِيدُ إِلّ ا ِ‬ ‫شعيب لقومه ‪َ { :‬ومَا ُأرِيدُ أَنْ أُخَالِ َفكُمْ ِإلَى مَا َأ ْنهَاكُمْ َ‬ ‫عَليْهِ َت َو ّكلْتُ َوِإَليْهِ ُأنِيبُ} [ هود‪.]88 :‬‬ ‫َتوْفِيقِي إِلّ بِاللّهِ َ‬ ‫ونقدم بين يديها بهذه المقدمات المهمة ة‬ ‫[‬ ‫‪1‬‬ ‫]‬ ‫توحيد ال هو الغاية العظمى‬ ‫ع َبثًا‬ ‫خلَ ْقنَاكُمْ َ‬ ‫س ْبتُمْ َأ ّنمَا َ‬ ‫• اعلم يا عبد ال أن ال تبارك وتعالى لم يخلقك عبثا‪ ،‬قال تعالى‪{ :‬أَفَحَ ِ‬ ‫جعُونَ}[المؤمنون‪ ،]115 :‬بل قد خلقك سبحانه لغاية هامة قد غفل عنها أكثر‬ ‫َوَأ ّنكُمْ ِإَل ْينَا ل ُترْ َ‬ ‫خلَ ْقتُ الْجِنّ وَالِنسَ إِلّ ِل َي ْعبُدُون}[الذاريات‪.]56 :‬‬ ‫الناس‪ ،‬قال تعالى‪َ { :‬ومَا َ‬ ‫• وليست هذه الغاية ( عبادة ال فحسب)‪ ،‬فإن كثيرا من الكفار يعبدون ال ويعبدون معه آلهة‬ ‫أخرى‪ ،‬كما كان يفعل مشركو قريش‪ ..‬إنما الغاية‪( :‬عبادته وحده)‪ ..‬لذا قال غير واحد من‬ ‫المفسرين {إِلّ ِل َي ْعبُدُون} أي‪ :‬يوحدون‪.‬‬ ‫فالمطلوب إذن هو توحيد ال َتعَالى في العبادة بكل أنواعها‪ ،‬ويدخل في ذلك الحكم والتشريع‪،‬‬ ‫ول يتم ذلك ول يصح إلّ بالكفر والبراءة من كل معبود ومتبوع ومشرع سواه‪ ..‬وهذا هو أصل‬ ‫الدين ومن أهم معاني ( ل ِإلَهَ إِلّ ال) التي ل يصير المرء مسلما إلّ بها‪ ..‬وهذه هي الغاية التي‬ ‫عبُدُوا اللّهَ‬ ‫بُعث من أجلها رسل ال أجمعون‪ ،‬قال تعالى‪َ { :‬ولَقَدْ َب َع ْثنَا فِي كُلّ ُأمّةٍ رَسُولً أَنْ اُ ْ‬ ‫ج َت ِنبُوا الطّاغُوتَ} [النحل‪ ،]36:‬وهو المر الذي قد غفل عنه وجهله أكثر الناس قال تعالى‪:‬‬ ‫وَا ْ‬ ‫حكْمُ إِلّ ِللّهِ َأ َمرَ أَلّ َت ْعبُدُوا إِلّ ِإيّاهُ َذِلكَ الدّينُ الْ َقيّمُ َوَلكِنّ َأ ْك َث َر النّاسِ ل َي ْعَلمُونَ}[يوسف‪:‬‬ ‫{إِنْ الْ ُ‬ ‫‪.]40‬‬ ‫[‬ ‫‪2‬‬ ‫]‬ ‫‪208‬‬ ‫التسليم لحكم الكتاب والسنة ونبذ ما سواهما‬ ‫من أهم معاني التوحيد‬ ‫• واعلم كذلك أن من أهم معاني الشطر الثاني من الشهادتين وهو "محمد رسول ال" ‪ :‬تحكيم‬ ‫الرسول صلوات ال وسلمه عليه‪ ،‬ويكون في زماننا بتحكيم دينه وسنته وأمره ونهيه‪ ..‬فذلك‬ ‫كله وحي من عند ال قال َتعَالى ‪{ :‬فَل َو َر ّبكَ ل ُي ْؤ ِمنُونَ} وهذا قَسَمٌ من ال َتعَالى بنفسه‬ ‫جرَ َب ْي َنهُمْ}[النساء‪.]8 :‬‬ ‫ح ّكمُوكَ فِيمَا شَ َ‬ ‫حتّى يُ َ‬ ‫العظيمة الجليلة‪َ { ..‬‬ ‫• ول يكفي تحكيم شريعة ال َتعَالى التي أُرسل بها محمد‬ ‫من كتاب وسنة‪ ،‬ل يكفي ذلك‬ ‫وحده وحسب لصحة إسلم المرء وإيمانه بل لبد من انشراح الصدر لحكامها والرضى بها‬ ‫ح َرجًا‬ ‫سهِمْ َ‬ ‫والنقياد والتسليم المطلق لها‪ ،‬قال َتعَالى في آخر الية السابقة ‪{ :‬ثُمّ ل يَجِدُوا فِي أَنفُ ِ‬ ‫سلِيمًا}‪.‬‬ ‫سّلمُوا تَ ْ‬ ‫ض ْيتَ َويُ َ‬ ‫ِممّا َق َ‬ ‫[‬ ‫‪3‬‬ ‫]‬ ‫البراءة من كل شرع غير شرع ال‬ ‫من أهم معاني ل ِإلَهَ إِلّ ال‬ ‫وهذا يلزم منه أن يجدوا حرجا عظيما من أنفسهم في كل مشرع ومعبود غير ال َتعَالى ومن‬ ‫كل شريعة غير دين ال َتعَالى ومن كل حكم غير حكم ال تعالى‪ ،‬وأن ل يستسلموا له أو‬ ‫يرضوا به أو يحترموه أو يقدموه أو يوقروه‪ ،‬وإل كانوا مشركين‪.‬‬ ‫بل الواجب عليهم أن يُؤخروه ويُسفّهوه و َيكْ ُفرُوا به ويتبرءوا منه‪ .‬كما كان النبي‬ ‫يصنع مع‬ ‫أصنام قومه وطواغيتهم‪.‬‬ ‫• يقول شيخ السلم ابن تيمية ‪( :‬وهذا الدين هو دين السلم‪ ،‬ل يقبل ال دينا غيره‪ ،‬فالسلم‬ ‫يتضمن الستسلم ل وحده‪ ،‬فمن استسلم له ولغيره كان مشركا‪ ،‬ومن لم يستسلم له كان‬ ‫مستكبرا عن عبادته‪ ،‬والمشرك والمستكبر عن عبادته كافران) اهـ ‪.‬‬ ‫• ويقول إمام الدعوة النجدية الشيخ محمد بن عبد الوهاب مُعلقا على ما رواه مسلم في‬ ‫صحيحه عن أبي مالك الشجعي عن أبيه أن النبي‬ ‫قال ‪( :‬مَنْ قَالَ ل ِإلَهَ إِلّ ال َوكَ َفرَ ِبمَا‬ ‫علَى اللّهِ)[ رواه مسلم في كتاب اليمان] قال‪( :‬وهذا‬ ‫حرُمَ مَالُهُ وَ َدمُهُ وَحِسَابُهُ َ‬ ‫ُي ْعبَدُ مِنْ دُونِ اللّهِ َ‬ ‫من أعظم ما يبين معنى ل ِإلَهَ إِلّ ال فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصما للمال والدم‪ .‬بل ول‬ ‫‪209‬‬ ‫معرفة معناها مع لفظها‪ ،‬بل ول القرار بذلك‪ ،‬بل ول كونه يدعو إلّ ال وحده حتى يضيف إلى‬ ‫ذلك الكفر بما يعبد من دون ال‪ .‬فإن شك أو تردد لم يحرم ماله ودمه‪ )..‬اهـ ‪.‬‬ ‫[‬ ‫‪4‬‬ ‫]‬ ‫توحيد ال فرض في جميع أنواع العبادة‬ ‫ثم اعلم أن العبادة تشمل أمورا كثيرة وأقساما شتى قد جهلها كثير من الناس في زماننا هذا‪..‬‬ ‫فيجب عليك معرفتها حتى تُوحد ال َتعَالى بها كلها فتكون مسلما مؤمنا موحدا‪ ..‬فتنال موعوده‬ ‫سبحانه بالمغفرة ودخول الجنة‪ ،‬فهي ليست فقط الصلة والصوم والزكاة والحج كما يتوهم كثير‬ ‫من الناس‪ ..‬بل يدخل فيها َأيْضا النذر والطواف والذبح والدعاء والستعاذة والستغاثة‬ ‫والستعانة فيما ل يقدر عليه إلّ ال َتعَالى كجلب الرزق ودفع الضر والمرض وغير ذلك‪ ،‬فإن‬ ‫ذلك كله من العبادة التي ل يجوز صرفها إلّ ل َتعَالى وحده‪ ،‬وإذا صرف العبد شيئا من ذلك‬ ‫لغير ال َتعَالى ومات عليه مات مشركا‪.‬‬ ‫جنّةَ}[المائدة‪.]72 :‬وقال تعالى‪{ :‬إِنّ اللّهَ‬ ‫عَليْهِ الْ َ‬ ‫حرّ َم اللّهُ َ‬ ‫ش ِركْ بِاللّهِ فَقَدْ َ‬ ‫وقد قال تعالى‪ِ{ :‬إنّهُ مَنْ يُ ْ‬ ‫ش ِركْ بِاللّهِ فَقَدْ ا ْف َترَى ِإ ْثمًا‬ ‫ش َركَ بِهِ َو َيغْ ِفرُ مَا دُونَ َذِلكَ ِلمَنْ يَشَاءُ َومَنْ يُ ْ‬ ‫ل َيغْ ِفرُ أَنْ يُ ْ‬ ‫ش َركَ بِهِ َو َيغْ ِفرُ مَا دُونَ َذِلكَ ِلمَنْ يَشَاءُ‬ ‫عَظِيمًا}[النساء‪ .]48:‬وقال سبحانه {إِنّ اللّهَ ل َيغْ ِفرُ أَنْ يُ ْ‬ ‫ل ضَللً َبعِيدًا}[النساء‪.]116 :‬‬ ‫ش ِركْ بِاللّهِ فَقَ ْد ضَ ّ‬ ‫َومَنْ يُ ْ‬ ‫[‬ ‫‪5‬‬ ‫]‬ ‫الطاعة في التشريع من أقسام العبادة‬ ‫والرضى بالقوانين شرك أكبر‬ ‫واعلم أن من أهم أقسام العبادة التي ل يجوز صرفها لغير ال َتعَالى َأيْضا وإل كان النسان‬ ‫مشركا ‪ ( :‬الطاعة في التحليل والتحريم والتشريع) فمن أطاع غير ال َتعَالى في ذلك أو أظهر‬ ‫الرضى والتسليم بحكمه وتشريعه وقانونه‪ ...‬وتابعه على ذلك‪ ..‬فقد أشرك واتخذ ذلك المتبوع‬ ‫شرَعُوا َلهُمْ مِنْ الدّينِ مَا لَمْ َيأْذَنْ بِ ِه اللّهُ}[الشورى‪.]21 :‬‬ ‫ش َركَاءُ َ‬ ‫ربّا‪ ..‬قال تعالى‪{ :‬أَمْ َلهُمْ ُ‬ ‫• جاء في كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب قوله‪ :‬باب (من أطاع العلماء والمراء‬ ‫في تحريم ما أحل ال‪ ،‬أو تحليل ما حرم ال فقد اتخذهم أربابا من دون ال) اهـ‪ .‬وذكر فيه‬ ‫ن اللّهِ}[التوبة‪:‬‬ ‫حبَارَهُمْ َورُ ْهبَا َنهُمْ َأ ْربَابًا مِنْ دُو ِ‬ ‫حديث عدي بن حاتم في قوله تعالى‪{ :‬اتّخَذُوا أَ ْ‬ ‫‪.]31‬‬ ‫‪210‬‬ ‫ش ِركُونَ}[‬ ‫ط ْع ُتمُوهُمْ ِإ ّنكُمْ َلمُ ْ‬ ‫شيَاطِينَ َليُوحُونَ ِإلَى َأ ْولِيَا ِئهِمْ ِليُجَا ِدلُوكُمْ َوإِنْ أَ َ‬ ‫• وقال َتعَالى ‪َ { :‬وإِنّ ال ّ‬ ‫النعام‪ ،]121 :‬روى الحاكم وغيره بسند صحيح عن ابن عباس؛ أن أناسا كانوا يجادلون‬ ‫المسلمين في مسألة الذبح وتحريم الميتة فيقولون‪( :‬تَ ْأ ُكلُونَ مَا َق َت ْلتُمْ وَلَ تَ ْأ ُكلُونَ ممّا َقتَلَ الُ)‬ ‫ش ِركُونَ} وانظر كيف أكد سبحانه وتعالى‬ ‫ط ْع ُتمُوهُمْ ِإ ّنكُمْ َلمُ ْ‬ ‫يعنون‪ :‬الميتة‪ .‬فقال َتعَالى ‪َ { :‬وإِنْ أَ َ‬ ‫ذلك بأن المؤكدة‪..‬‬ ‫يقول ابن كثير في تفسير هذه الية‪( :‬أي حيث عدلتم عن أمر ال لكم وشرعه إلى قول غيره‬ ‫فقدمتم عليه غيره فهذا هو الشرك)اهـ‪.‬‬ ‫ويقول الشنقيطي في تفسيره‪ ،‬عن هذه الية‪ ( :‬فتوى سماوية من الخالق جل وعل صرّح فيها‬ ‫بأن متبع تشريع الشيطان المخالف لتشريع الرحمن مشرك بال)‪ .‬اهـ‪.‬‬ ‫ح ْكمِهِ أَحَدًا}[الكهف‪.]26 :‬‬ ‫ش ِركُ فِي ُ‬ ‫• ويقول تعالى‪{ :‬وَل يُ ْ‬ ‫يقول العلمة الشنقيطي ‪( :‬إن متبعي أحكام المشرّعين غير ما شرعه ال أنهم مشركون بال) ثم‬ ‫سرد اليات المبينة لذلك إلى أن قال ‪( :‬وبهذه النصوص السماوية التي ذكرنا يظهر غاية‬ ‫الظهور ‪ :‬أن الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على ألسنة أوليائه مخالفة لما‬ ‫شرعه ال جل وعل على ألسنة رسله صلى ال عليهم وسلم‪ ،‬إنه ل يشك في كفرهم وشركهم إلّ‬ ‫من طمس ال بصيرته‪ ،‬وأعماه عن نور الوحي مثلهم)اهـ ‪ .‬وقال في موضع آخر‪( :‬فالشراك‬ ‫بال في حكمه كالشراك به في عبادتهة وفي قراءة ابن عامر من السبعة {ول تُشركْ في حُكمه‬ ‫أحدا} بصيغة النهي) ويقول ‪( :‬لما كان التشريع وجميع الحكام شرعية كانت أو كونية قدرية‪،‬‬ ‫من خصائص الربوبية ‪ ...‬كان كل من اتبع غير تشريع ال قد اتخذ ذلك المشرع ربا‪ ،‬وأشركه‬ ‫مع ال‪).‬اهـ ‪.‬‬ ‫[‬ ‫‪6‬‬ ‫]‬ ‫شرطان للنجاة والتمسك بالعروة الوثقى‬ ‫الكفر بكل الطواغيت واليمان بال وحده‬ ‫وخلصة القول أن المطلوب من كل مسلم في كل زمان ومكان لكي يكون مسلما مُوحّدا أن‬ ‫يحقق معنى ( ل ِإلَهَ إِلّ ال ) الحقيقي الذي غفل عنه أكثر الناس‪ ،‬وهو ما حوته من شرطي‬ ‫النفي والثبات‪ ،‬وهما الكفر بكل طاغوت واليمان بال والستسلم له وحده‪ .‬قال تعالى‪َ { :‬فمَنْ‬ ‫سكَ بِا ْل ُع ْروَةِ ا ْل ُوثْقَى}[البقرة‪ ]256:‬وتأمل كيف قدم سبحانه‬ ‫س َتمْ َ‬ ‫َيكْ ُفرْ بِالطّاغُوتِ َو ُي ْؤمِنْ بِاللّهِ فَقَدْ ا ْ‬ ‫‪211‬‬ ‫الكفر بالطاغوت‪ ،‬كما قدم النفي في الشهادة‪ ..‬وما ذلك إلّ تأكيدا لهمية هذه القضية‬ ‫وخطورتها‪..‬‬ ‫• قال العلمة الشنقيطي رحمه ال تعالى‪( :‬يُفهم منه ‪ -‬أي من الية السابقة ‪ -‬أن من لم يكفر‬ ‫بالطاغوت لم يتمسك بالعروة الوثقى ومن لم يتمسك بها فهو متردّ مع الهالكين)اهـ ‪.‬‬ ‫فإذا علمت هذا‪ ،‬فل تظنن الطاغوت ما هو إلّ أصناما من حجر فتُحجّر معنى واسعا‪ ،‬بل‬ ‫الطاغوت يشمل هذا وغيره‪ ..‬فهو لغة مشتق من الطغيان وهو مجاوزة الحد‪ ،‬قال َتعَالى ‪ِ{ :‬إنّا‬ ‫ح َم ْلنَاكُمْ فِي الْجَا ِريَةِ}[الحاقة‪ ]11 :‬فهو كل ما طغى عن حده الحقيقي فعُبد مع ال‬ ‫طغَى ا ْلمَاءُ َ‬ ‫َلمّا َ‬ ‫َتعَالى بأي نوع من العبادة المشار إليها آنفا‪..‬‬ ‫وعلى هذا فلكل زمان ومكان طواغيته المختلفة ول يصير المرء مسلما موحدا حتى يكفر بكل‬ ‫طاغوت‪ ،‬وخاصة طاغوت زمانه ومكانه ويتبرأ منه ومن عبادته‪ ..‬فهناك من يعبد النار‬ ‫كالمجوس فهي طاغوتهم التي ل يصيرون مسلمين وإن آمنوا بال َتعَالى حتى يكفروا بها‪..‬‬ ‫وكذلك من يعبد الشمس أو القمر أو النجوم أو الكواكب فهي طواغيتهم التي ل يصح إسلمهم‬ ‫إن أسلموا حتى يكفروا بها ويتبرءوا من عبادتها‪ ..‬وكذا من يعبد الصنام كما كان حال كفار‬ ‫قريش وغيرهم فهي طواغيتهم التي ل يصيرون مسلمين إلّ بالكفر بها وإن أقروا وآمنوا بال‬ ‫خلَ َقهُمْ َليَقُولُنّ‬ ‫ربهم وخالقم ورازقهم ومالكهم كما أخبر َتعَالى عن كفار قريش‪َ { :‬وَلئِنْ سََأ ْل َتهُمْ مَنْ َ‬ ‫سمْعَ‬ ‫لرْضِ َأمّنْ َي ْمِلكُ ال ّ‬ ‫سمَاءِ وَا َ‬ ‫اللّهُ}[الزخرف‪ ]87 :‬وقال تعالى‪{ :‬قُلْ مَنْ َي ْرزُ ُقكُمْ مِنْ ال ّ‬ ‫سيَقُولُونَ اللّهُ‬ ‫ل ْمرَ فَ َ‬ ‫حيّ َومَنْ يُ َد ّبرُ ا َ‬ ‫خرِجُ ا ْل َم ّيتَ مِنْ الْ َ‬ ‫حيّ مِنْ ا ْل َم ّيتِ َويُ ْ‬ ‫خرِجُ الْ َ‬ ‫لبْصَارَ َومَنْ يُ ْ‬ ‫وَا َ‬ ‫فَقُلْ أَفَل َتتّقُونَ}[يونس‪ ]31 :‬ومع ذلك قاتلهم النبي‬ ‫ولم تُعصم دماؤُهم ولم يصيروا مسلمين‬ ‫حتى كفروا بتلك الصنام وتبرؤوا من عبادتها‪ ..‬وقد تقدم قول الشيخ محمد بن عبد الوهاب‬ ‫ن اللّهِة)‪.‬‬ ‫حول حديث أبي مالك الشجعي (مَنْ قَالَ ل ِإلَهَ إِلّ ال َوكَ َفرَ ِبمَا ُي ْعبَدُ مِنْ دُو ِ‬ ‫• ويقول الشيخ العلمة حمد بن عتيق رحمه ال في كتابه (سبيل النجاة والفكاك من موالة‬ ‫المرتدين وأهل الشراك)‪( :‬اعلم أن الكفر له أنواع وأقسام تتعدد بتعدد المكفرات وكل طائفة من‬ ‫طوائف الكفر قد اشتهر عندها نوع منه‪ ،‬ول يكون المسلم مظهرا لدينه حتى يخالف كل طائفة‬ ‫بما اشتهر عندها ويصرح لها بعداوته‪ ،‬والبراءة منه‪ )...‬اهـ‪.‬‬ ‫[‬ ‫‪7‬‬ ‫]‬ ‫من أشنع طواغيت العصر الواجب الكفر بها‬ ‫‪212‬‬ ‫الدستور والقوانين الوضعية‬ ‫إذا فهمت ما سبق‪ ،‬فاعلم أن من أشنع طواغيت العصر في بلدنا هذا وفي كثير من بلدان‬ ‫المسلمين هو هذا (الدستور وقوانينه الوضعية) التي خضع لها العباد وخنعت لها الرقاب‪..‬‬ ‫وعبادتها تكون بإتباعها والتحاكم إليها والتسليم بتشريعاتها والرضى بها‪..‬‬ ‫• يقول مجاهد‪( :‬الطاغوت الشيطان في صورة النسان يتحاكمون إليه وهو صاحب أمرهم)‪.‬‬ ‫• ويقول شيخ السلم ابن تيمية ‪( :‬الطاغوت‪ :‬فعلوت من الطغيان‪ ،‬والطغيان‪ :‬مجاوزة الحد‪،‬‬ ‫وهو الظلم والبغي‪ ،‬فالمعبود من دون ال إذا لم يكن كارها لذلك ‪ :‬طاغوت‪ ..‬إلى أن قال‪ :‬ولهذا‬ ‫سمي من تُحوكم إليه من حاكم بغير كتاب ال‪ :‬طاغوت) اهـ‬ ‫• ويقول العلمة ابن القيم‪( :‬الطاغوت ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع‪،‬‬ ‫فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير ال ورسوله أو يعبدونه من دون ال‪ ،‬أو يتبعونه على‬ ‫غير بصيرة من ال)‪ .‬اهـ‪.‬‬ ‫ويقول َأيْضا رحمه ال‪( :‬من تحاكم أو حاكم إلى غير ما جاء به الرسول‬ ‫فقد حكّم الطاغوت‬ ‫عمُونَ َأ ّنهُمْ آ َمنُوا‬ ‫وتحاكم إليه) • ويقول ابن كثير في تفسير قوله َتعَالى ‪َ{ :‬ألَمْ َترَ ِإلَى الّذِينَ َيزْ ُ‬ ‫ِبمَا أُنزِلَ ِإَل ْيكَ َومَا أُنزِلَ مِنْ َق ْبِلكَ ُيرِيدُونَ أَنْ َيتَحَا َكمُوا ِإلَى الطّاغُوتِ وَقَدْ ُأ ِمرُوا أَنْ َيكْ ُفرُوا بِهِ‬ ‫ضّلهُمْ ضَللً َبعِيدًا}[النساء‪ .]60 :‬قال رحمه ال بعد أن ساق أقوالً في معنى‬ ‫شيْطَانُ أَنْ ُي ِ‬ ‫َو ُيرِيدُ ال ّ‬ ‫الطاغوت ‪( :‬والية أعم من ذلك كله فإنها ذامّة لمن عدل عن الكتاب والسنة وتحاكموا إلى ما‬ ‫سواهما من الباطل وهو المراد بالطاغوت هنا)اهـ‪.‬‬ ‫فكل من تحوكم إليه غير شرع ال فهو طاغوت مخلوقا كان أو قانونا‪..‬‬ ‫• ويقول العلمة الشنقيطي في أضواء البيان عن الية السابقة‪( :‬وكل تحاكم إلى غير شرع ال‬ ‫فهو تحاكم إلى الطاغوت) اهـ ‪.‬‬ ‫• ويقول الشيخ سليمان بن سحمان في رسالة في الدرر السنية‪( :‬الطاغوت ثلثة أنواع‪:‬‬ ‫طاغوت حكم وطاغوت عبادة وطاغوت طاعة ومتابعة‪)..‬اهـ ‪.‬‬ ‫• ويقول الشيخ عبد ال بن عبد الرحمن أبا بطين في معنى الطاغوت‪( :‬ويشمل َأيْضا كل من‬ ‫نصبه الناس للحكم بينهم بأحكام الجاهلية المضادة لحكم ال ورسوله) اهـ ‪.‬‬ ‫إذا عرفت هذا‪ ،‬فاعلم أنه لن يصح إسلمك وتوحيدك ولن تحقق معنى ( ل ِإلَهَ إِلّ ال) الحقيقي‬ ‫ولن تجد سبيلك إلى الجنة حتى تكفر وتتبرأ من كل طاغوت‪ ،‬وعلى رأس ذلك هذا الطاغوت‬ ‫‪213‬‬ ‫العصري الذي اتبعه وانقاد له أكثر الخلق وعبدوه عبادة تشريع‪ ،‬فرضوا بأوامره ونواهيه‬ ‫وتابعوه واجتمعوا معه على تشريعاته وتواطؤوا على قانونه وعظموه ووقّروه ونزّهوه وقدّسوه‪،‬‬ ‫وأحبوا عبيده وبجّلوهم ووالوهم‪ ،‬فالواجب عليك إن كنت تريد الجنة‪ ،‬أن تكفر به وتُعاديه وتتبرأ‬ ‫منه ومن عبيده وأوليائه وتُبغضهم و ُت َبغّضهم لولدك وأهلك وتعمل وتجاهد طول حياتك من‬ ‫أجل هدمه وإبطاله وأن ل تستسلم أو ترضى أو ينشرح صدرك إلّ لحكم ال َتعَالى وشرعه‬ ‫وحده‪ ...‬وإل فالنار النار‪‬‬ ‫[‬ ‫‪8‬‬ ‫]‬ ‫ياسق طغاة العصر وياسق التتار‬ ‫ولكي يتضح لك المر وتنجلي عنك كل شبهة ول يبقى في ذهنك مجال لتلبيس أهل الباطل‬ ‫وعلماء الحكومات ممن ينافحون عن هذا الباطل وطغيانه‪ ..‬فها نحن نكشف ونبين لك ونضع‬ ‫بين يديك أمثلة مما يحويه هذا الطاغوت (نعني الدستور وقوانينه الوضعية) من كفر وشرك‬ ‫وسفاهة وزندقة وإلحاد‪ ،‬لتكون على بينة من أمرك ودينك فتحْذر وتُحذّر من هذا الشرك العظيم‬ ‫(شرك العصر) الذي وقع فيه أكثر الناس في زماننا شعروا أو من حيث ل يشعرون‪..‬‬ ‫وقبل ذلك لبد أن تعلم بأن شريعة ال َتعَالى قد كانت هي الحاكمة في بلد المسلمين ولقرون‬ ‫عديدة‪ ،‬ويومها كان المسلمون أعزّة كراما يُرهبون عدوّ ال وعدوهم‪ ..‬إلى أن جاء هؤلء‬ ‫السفهاء من حكام المسلمين الذين إذا قال لهم الناس والدعاة المخلصون حكّموا شرع ال ‪َ { ‬وإِذَا‬ ‫ع ْنكَ صُدُودًا}[النساء‪:‬‬ ‫ل اللّهُ َوِإلَى الرّسُولِ َرَأ ْيتَ ا ْل ُمنَافِقِينَ َيصُدّونَ َ‬ ‫قِيلَ َلهُمْ َتعَاَلوْا ِإلَى مَا أَنزَ َ‬ ‫‪.]61‬جاءوا ‪ -‬ل أبقاهم ال ‪ -‬في غفلة من المة وركون من أبنائها ‪ ..‬واستبدلوا الذي هو أدنى‬ ‫بالذي هو خير‪ ،‬فنبذوا الشريعة وأحلوا محلها القانون الوضعي الكافر‪ .‬كما فعل أعداؤنا التتار‬ ‫يوم استولوا على ممالك المسلمين‪ ،‬حيث حكموا سياستهم الملكية المأخوذة عن ملكهم‬ ‫حكْمَ الْجَا ِهِليّةِ َي ْبغُونَ} [المائدة‪]50 :‬‬ ‫(سنكزخان) يقول الحافظ ابن كثير في تفسير قوله تعالى‪{ :‬أَفَ ُ‬ ‫عن هذا الملك بأنه‪( :‬وضع لهم الياسق وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها عن‬ ‫شرائع شتى‪ :‬من اليهودية والنصرانية والملة السلمية وغيرها وفيها كثير من الحكام أخذها‬ ‫من مجرد نظره وهواه فصارت في بنيه شرعا متبعا يقدمونها على الحكم بكتاب ال وسنة‬ ‫رسول ال ) ‪.‬‬ ‫‪214‬‬ ‫ولو تأملت دستور هذا البلد وغيره من البلدان المنتسبة للسلم ولو تأملت قوانينهم الوضعية‬ ‫لرأيتها كياسق التتار أو أشد خبثا‪..‬‬ ‫فإن عبيدها قد عطلوا الشريعة السلمية في النفوس والدماء والفروج والموال وغير ذلك‬ ‫وهجروا حدودها وأحكام قصاصها وشؤون السياسة والقتصاد والعلقات الدولية وغير ذلك‪..‬‬ ‫وأخذوه كله من القانون الفرنسي النصراني تماما كياسق التتار فقد أخذ من النصارى‪ ..‬وهؤلء‬ ‫قنن لهم فقهاء القانون ‪ -‬كما يسمونهم ‪ -‬وغيرهم من عبيد القانون بأهوائهم‪ ..‬وكذلك ياسق‬ ‫التتار فقد كان من مصادره الرأي والهوى‪ ..‬وأبقوا ‪ -‬ل أبقاهم ال ‪ -‬بعض القوانين المستقاة‬ ‫من الشريعة السلمية مقتصرة على قضايا الرث والطلق والزواج والتي يسمونها أحوالً‬ ‫شخصية‪ ،‬أبقوها للتلبيس على الناس بأنهم لم يهجروا الشريعة كلياة تماما كما كان ياسق التتار‬ ‫فلقد كان فيه َأيْضا أحكام من الملة السلميةة كما ذكر ابن كثير وغيرهة‬ ‫فل فرق إذا بين هذا الدستور وقوانينه وبين ياسق التتار‪ ،‬ولكن الفرق بين سكوت المة في‬ ‫زماننا عن هذه القوانين وبين حالها مع ياسق التتار كبير‪ ،‬فإنهم لم يهنأ لهم حال ولم يقر لهم‬ ‫قرار مع ذلك الياسق وما فتئوا يعملون مع علمائهم ويجاهدون ويدعون إلى إبطاله وإزالته‬ ‫وتبديله حتى نصرهم ال عز وجل ومكن لهم وأعزهم‪ ..‬وبقيت شريعة ال هي الحاكمة‬ ‫المهيمنة‪ ،‬ورغم فترات الضعف والشتات التي انتابت المة ورغم تكالب العداء وتمكنهم من‬ ‫التسلط على كثير من أجزائها كالباطنيين والصليبيين وغيرهم‪ ..‬لم تبدل المة ول بدل حكامها‬ ‫وسلطينها في بقية أجزاء بلد المسلمين شريعة ال الحاكمة‪ ..‬إلى أن أُلغيت الخلفة السلمية‬ ‫على أيدي اليهود وأذنابهم ‪ ..‬وجاء الستعمار الصليبي العصري ولم يخرج من ديار المسلمين‬ ‫حوْا بدورهم الشريعة وأعادوا تحكيم ذلك الياسق‬ ‫حتى مكّن لذنابه من سفهاء الحكام الذين ن ّ‬ ‫التتري ولكن بلباس عصري براقة‬ ‫وها هي بلد المسلمين أثقلتها قيود الطواغيت وسلسلهم وظلماتهم في ظل هذه القوانين وحل‬ ‫فيها كل فساد ودخلها كل إلحاد‪ ..‬وعرض للناس بسبب هذه القوانين ومفاسدها فساد في فطرهم‬ ‫وظلمة في قلوبهم وكدر في أفهامهم ومحق في عقولهم وعمّتهم وغلبت عليهم فتنها حتى ربا‬ ‫فيها الصغير وهرم عليها الكبير فلم يعد يراها أكثر الناس منكرا‪ ..‬بل أمست عندهم البدع في‬ ‫ظلها مقام السنن‪ ،‬والهوى مقام الرشد‪ ،‬والضلل مقام الهدى‪ ،‬والمنكر مقام المعروف‪ ،‬والجهل‬ ‫مقام العلم‪ ،‬والرياء مقام الخلص‪ ،‬والباطل مقام الحق‪ ،‬والكذب مقام الصدق‪ ،‬والمداهنة مقام‬ ‫‪215‬‬ ‫النصيحة وقول الحق ‪ ..‬والربا مقام البيع‪ ،‬والظلم مقام العدل‪ ،‬والفجور مقام العفاف‪ ..‬فصارت‬ ‫الدولة والغلبة لهذه المور وأهلها هم المشار إليهم وكانت ‪ 0‬قبل ذلك لضدادها وأهلها هم‬ ‫المشار إليهم‪ ،‬وأصبح بطن الرض ‪ -‬وال ‪ -‬خيرا من ظهرها‪ ،‬وقمم الجبال خير من السهول‬ ‫ومخالطة الوحش أسلم من مخالطة الناس‪ ،‬اقشعرت الرض وأظلمت السماء وظهر الفساد في‬ ‫البر والبحر من ظلم الفجرة‪ ،‬وذهبت البركات وقلّت الخيرات وتكدرت الحياة من فسق الظلمة‪،‬‬ ‫وبكى ضوء النهار وظلمة الليل من العمال الخبيثة والفعال الفظيعة وكثرة الفواحش وغلبة‬ ‫المنكرات والقبائح وهذا وال منذر بسيل عذاب قد انعقد غمامه‪ ،‬ومؤذن بليل بلد قد ا ْدَلهَمّ‬ ‫ظلمه‪ ،‬ما لم يقم دعاة الحق والمصلحون بالصدع بالحق وبيانه وما لم يقم جند التوحيد بتغيير‬ ‫ذلك المنكر العظيم‪ ،‬وإنقاذ الناس من عبودية الطواغيت وقوانينهمة وإخراجهم من الظلمات إلى‬ ‫ظَلمُوا َأيّ مُن َقَلبٍ يَن َقِلبُونَ}[الشعراء‪.]227 :‬‬ ‫س َيعْلَمُ الّذِينَ َ‬ ‫النور‪ ..‬وإل فإن العقبة وال كؤود‪{ ..‬وَ َ‬ ‫فانظـــر إلى القرآن معزولً لديهم‬ ‫عـن نـفوذ وليــة السلـطــان‬ ‫وانظـر إلى قول الرسول كـــذاك‬ ‫معزولً لديهم ليس ذا سلطـــــان‬ ‫يا لـيـتهم إذ يحـكمون بـعزلــه‬ ‫لم يرفـعـوا رايــات جنكزخــان‬ ‫وانظر إليه لـيـس يقبـل قـولــه‬ ‫في الحكم والتشريع والسلطـــــان‬ ‫يبكي عـلـيـه أهـلـه وجنـوده‬ ‫بدمـائـهم ومدامـع الجفــــان‬ ‫وال مـا عـزلوه تـعظيما لـــه‬ ‫وانظر إليـه ليـس ينفــذ حكمـه‬ ‫أيظن ذلك قطّ ذو عـرفــــــان‬ ‫بين الخصوم ومـالـه من شــــان‬ ‫لكنما المقبول حـكم (الكفــر) ل أحـكامه ل يستوي الحكــمـــان‬ ‫عـهدوه قدما ليس يحكــم غـيره‬ ‫وسـواه مـعــزول عن السلطــان‬ ‫إن غاب نابت عنه أقــوال الرسول‬ ‫هما لهم دون الورى حكمــــــان‬ ‫بجنود تعـطيل وكفــــران من‬ ‫(الفرنج والذناب مــن عـــربان)‬ ‫فـال يعـظم في ( الشريعة أجركم)‬ ‫يــا أمــة الثــار والـقـرآن‬ ‫فـأتاهـم ما لم يكن في ظـنـهم‬ ‫فـعـلوا بـملتـه وسـنتـه كما‬ ‫[‬ ‫‪9‬‬ ‫]‬ ‫في حكم جنكزخان ذي الطــــغيان‬ ‫فعلوا بـأمتـه مــن العــــدوان‬ ‫مثال من طواغيت العصر‬ ‫‪216‬‬ ‫هذا‪ ،‬ولو أردنا أن نسوق ونتتبع دساتير وقوانين النظمة المنتسبة إلى السلم كلها‪ ،‬ونذكر أمثلة‬ ‫من كفرياتها ونستعرضها واحدا واحدا لطال بنا المقام دون فائدة تذكر‪ ..‬وذلك لن دساتيرهم‬ ‫‪-‬وقد اطلعت على أكثرها ‪ -‬منقولة عن بعضها البعض متفقة في غالبية قوانينها العفنة ل‬ ‫تختلف إلّ بأرقام المواد وبترتيبها وبأشياء يسيرة تتبع نظام حكم البلد من ملكي أو جمهوري أو‬ ‫نحوه‪ ،‬وزيادات أخرى في بعض النظمة التي تحكم بنظام الحزب ل تعدو كونها زيادة في‬ ‫الكفر‪...‬‬ ‫من أجل ذلك اكتفينا بالتمثيل بدستور هذا البلد وقوانينه الوضعية كمثال من قوانين العصر‬ ‫الخبيثة‪..‬‬ ‫وكل مسلم في أي دولة أخرى يستطيع أن ينزل كلمنا هذا كله على قوانين بلده بمجرد أن يبدل‬ ‫أرقام المواد التي أشرنا إليها هنا بأرقام مواد وقوانين بلده‪...‬‬ ‫وجزى ال خيرا من قام بذلك ناصحا للمة مخلصا‪...‬‬ ‫ياسق الكويت‬ ‫والطاغوت الذي وقع الختيار عليه هو دستور الكويت وقوانينه‪ ،‬تلك الدولة التي طالما التبس‬ ‫أمرها على كثير من عميان البصائر‪ ،‬فأخذوا يثنون على قوانينها وقضاتها وحكومتها وحكامها‪..‬‬ ‫اخترناها لجل ذلك ليدخل غيرها في كلمنا ‪ -‬عند هؤلء الناس ‪ -‬من باب أولى‪..‬‬ ‫وإليك الن بعض المثلة من طاغوت الكويت‪ ..‬نقصد من ذكرها بيان زيف هذا الطاغوت‬ ‫وسفاهته وحقارته وبطلنه وكفره‪ ..‬وبيان أنه نابع من وحي الشياطين وأهواء البشر وأنه ل‬ ‫يحكم بين الخلق بالعدل بل إن قوانينه وبنوده سبب في ظهور الفساد في البلد والعباد ومعول‬ ‫وُضع لهدم ما بناه السلم من المقاصد والقواعد والشرائع ‪ ..‬ولهدر ما جاء الدين لحفظه‬ ‫وصيانته من العراض والنساب والعقول والدماء والموال‪..‬‬ ‫وقدوتنا في هذه الطريق نبينا محمد‬ ‫وسائر أنبياء ال ورسله صلوات ال وسلمه عليهم حينما‬ ‫كانوا يبينون زيف وسفاهة وضلل طواغيت أقوامهم‪.‬‬ ‫لنخلص من ذلك كله إلى دعوة قومنا وأمتنا للكفر بهذا الطاغوت العصري‪ ،‬وبكل طاغوت يعبد‬ ‫من دون ال َتعَالى عبادة تشريع أو غيرها‪ ...‬والبراءة من أوليائه المصرّين على تحكيمه‬ ‫وعبادته وتعبيد الناس له‪..‬‬ ‫‪217‬‬ ‫فنخرجهم بذلك من عبادة الطاغوت إلى عبادة ال وحده‪ ..‬ومن جور وظلم القوانين وسدنتها‪..‬‬ ‫إلى عدل ونور السلم‪{ ..‬وَاللّهُ ُمتِمّ نُو ِرهِ َوَلوْ َك ِرهَ ا ْلكَا ِفرُونَ}[الصف‪.]8 :‬‬ ‫فَخُـذْها نِبـالً مِنْ حَـنيفٍ ُموَحّدٍ ُت َمزّقُ مِـنْ سُـوءِ العَقيدَةِ ما ُيرْدي‬ ‫مـ َنزّهـةً عن ذِكـرِ ليلَـى وقَدّهَا‬ ‫وعَن َوصْلِ هِنـ ٍد والرّباب وعن وَعْدِ‬ ‫اعلم قبل أن نشرع في تسفيه طاغوتهم أننا حينما نذكر (الطاغوت) أو (الياسق العصري) في‬ ‫هذه الورقات فإننا نعني بذلك دستورهم المكوّن من (‪ )183‬مادة والذي أُصدر عام‬ ‫الموافق‬ ‫‪1962‬‬ ‫‪1382‬‬ ‫هـ‬ ‫م وحُكم به العباد في هذه البلدة بأمر ومصادقة حاكم الكويت في ذلك الوقت (عبد‬ ‫ال بن سالم الصباح) عليه من ال ما يستحق‪ ،‬وأيضا ما أُلحق به من القوانين والترقيعات في‬ ‫عهد المذكور والعهود التي تلته‪ ،‬من ذلك قانون الجزاء وترقيعاته‪ ،‬أعني ما يسمونه بالقوانين‬ ‫المعدلة والمكملة‪ ،‬وكذا القانون المدني المكوّن مما يقرب من (‪ )1100‬مادة‪ ،‬والقانون التجاري‬ ‫الذي يعتبرونه فرعا لقانونهم المدني‪ ،‬وغير ذلك من قوانينهم الباطلة التي أحلوها محل (مجلة‬ ‫الحكام العدلية) التي رغم ما ينتقد عليها فقد كانت تمثل البقية الباقية من أحكام الشريعة‬ ‫السلمية وفقا للمذهب الحنفي وكان يحكم بها في أواخر الدولة العثمانيةة ‪ -‬ويعترف وزير‬ ‫الدولة للشؤون القانونية والدارية سلمان بن دعيج الصباح كما في مقدمة قانونهم المدني‪ ،‬بأن (‬ ‫أحمد بن جابر الصباح) حاكم الكويت من عام (‪ )1921‬إلى (‪ )1950‬قد أصدر أمرا في عام‬ ‫(‪1938‬‬ ‫) بتطبيق (مجلة الحكام العدلية)‪ ...‬ويبدو أن المر لم يدم طويلً حتى جاء خليفته (عبد ال بن‬ ‫سالم) فأصدر (الياسق الكويتي) الدستور في عام (‪ )1962‬وكان عهد هذا المذكور هو عهد‬ ‫القانون عندهم‪ ،‬فقد صدرت فيه العديد من قوانينهم العفنة كقانون التجارة الصادر عام (‪)1961‬‬ ‫وقانون الجزاء الصادر عام (‪ )1960‬وغيره‪ ..‬ثم جاء العهد التالي فأضيفت كثير من القوانين‬ ‫وغُيرت ورُقعت أخرى‪ ..‬إلى أن جاءت سنة (‪ )1980‬في عهد الحاكم الحالي لتنسف البقية الباقية‬ ‫من أحكام الشريعة المتمثلة بمجلة الحكام العدلية وليحل محلها قانونهم المدني الذي صدر‬ ‫بمرسوم رقم (‪ )67‬بقصر السيف‪ ..‬وكانت المادة الولى فيه تقول‪ ( :‬يُلغى العمل بمجلة الحكام‬ ‫العدلية‪ ،‬ويستعاض عنها بالقانون المدني‪ )...‬ووقع على هذا المرسوم كل من ‪ :‬أمير الكويت‪:‬‬ ‫جابر بن أحمد‪ ،‬ورئيس مجلس الوزراء‪ :‬سعد بن عبد ال‪ ،‬ورئيس الدولة للشؤون القانونية‪:‬‬ ‫سلمان بن دعيج‪...‬‬ ‫فاسـأل بهـم ذا خـبرة تلقــاهم‬ ‫أعـــداء كل موحـد ربــــاني‬ ‫‪218‬‬ ‫تــوبوا إلى الرحمن من تعطـيلكــم فالـرب يـقـبـل تـوبة الـندمـان‬ ‫من تاب منكم فالجـنان مــصـيره‬ ‫أمثلة كفرية من الدستور‬ ‫[‬ ‫‪1‬‬ ‫أو مـات (طـاغــوتا) فـفي النيران‬ ‫] من الله المشرع في دستورهم ؟؟ إنه ليس ال وحده‪..‬‬ ‫وهذا هو الشرك‪ ..‬فالشرك ليس رفض عبادة ال‪ ..‬بل عبادة آلهة أخرى معه‪ ..‬جاء في المادة (‬ ‫‪ )2‬من ياسقهم‪ ( :‬الشريعة مصدر رئيسي للتشريع )‪ ،‬وهذا يعني‪ ،‬كما هو واضح من السياق لكل‬ ‫من يفقه العربية ومن مذكرتهم التفسيرية أيضا‪ ،‬أن التشريع عندهم له مصادر عديدة أخرى غير‬ ‫الشريعة‪..‬‬ ‫وأن الشريعة ليست إل مصدرا تشريعيا رئيسيا ( أشرك ) معه مصادر أخرى رئيسة وفرعية‪..‬‬ ‫وهكذا فإن هذه المادة ل تنص ول تعترف أبدا بشهادة أن ل إله إل ال‪ ،‬بل معناها الحرفي‬ ‫الشرعي هو‪ ( :‬أشهد أن ال إله من اللهة الرئيسة‪ ،‬وأشهد أن معه آلهة رئيسة وفرعية أخرى )‬ ‫‪ ..‬وهذا شرك باللوهية وكفر بواح ظاهر بين واضح ل يخفى إل على من طمس ال بصيرته‬ ‫وأعماه وجعله كالنعام بل أضل‪..‬‬ ‫وقد بينا لك فيما تقدم‪ ،‬أنّ من الشرك المستبين‪:‬‬ ‫التحاكم إلى الطاغوت‪ ،‬وأن الطاغوت يشمل كل تشريع سوى شرع ال تعالى‪.‬‬ ‫فتعدد مصادر التشريع يعني تعدد الرباب واللهة المعبودة من دون ال تعالى‪ ،‬قال تعالى‪:‬‬ ‫{ ءأرباب متفرقون خيرٌ أمِ ال الواحدُ القهار(‪ )39‬ما تعبدون من دونه إل أسماء سميتموها أنتم‬ ‫وأباؤكم ما أنزل ال بها من سلطان إن الحكم إل ل أمر أل تعبدوا إل إياه ذلك الدين القيّم ولكنّ‬ ‫أكثر الناس ل يعلمون } [ يوسف‪]39:40 :‬‬ ‫وقال تعالى‪ { :‬أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدّين ما لم يأذن به ال ولول كلمة الفصل لقُضي‬ ‫بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم } [ الشورى‪]21 :‬‬ ‫وقد علمت أن جعلهم الشريعة مصدرا من هذه المصادر التشريعية المختلفة‪ ،‬يأخذون منها ما‬ ‫يوافق أهواءهم‪ ،‬ويتركون ما ترفضه عقولهم النخرة‪ ،‬هو تماما كفعل التتار في ياسقهم‪ .‬انظر‬ ‫وصف ابن كثير للياسق التتري في المقدمة الثامنة‪ ،‬وهو أيضا مشابهة ومتابعة لليهود الذين قال‬ ‫ال تعالى فيهم‪ { :‬أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إل‬ ‫خزيٌ في الحياة الدنيا } وهل هناك أشد مما هم فيه اليوم من خزي وذل للشرق والغرب‪ ،‬بل‬ ‫‪219‬‬ ‫ولليهود أنفسهم الذين كتب ال عليهم الذلة‪ ..‬ثم قال تعالى‪ { :‬ويوم القيامة ُيرَدّون إلى أشدّ العذاب‬ ‫وما ال بغافل عما تعملون(‪ )85‬أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالخرة فل يخفف عنهم العذاب‬ ‫ول هم ينصرون } [ البقرة ‪]85،86‬‬ ‫• وجاء في المذكرة التفسيرية لهذه المادة‪ ،‬بعد أن ذكروا أن من فوائد هذه الصيغة الكفرية‪،‬‬ ‫أنها ل تمنع المشرع من استحداث أحكام من مصادر أخرى غير الشريعة‪ ،‬قالوا ‪ -‬فضّ ال‬ ‫أفواههم ‪ -‬بالحرف الواحد‪ ( :‬بل إن في النص ما يسمح مثلً بالخذ بالقوانين الجزائية الحديثة‬ ‫مع وجود الحدود في الشريعة السلمية وكل ذلك ما كان ليستقيم لو قيل (الشريعة السلمية‬ ‫المصدر الرئيسي للتشريع) إذ يوقع المشرع في حرج بالغ )‪ .‬قاتل ال هذا المشرع‪ ..‬الذي جعل‬ ‫من نفسه ندّا ل‪..‬‬ ‫وأذكرك بالمقدمة الثانية والثالثة‪.‬‬ ‫وانظر إلى قولهم (يوقع المشرع في حرج بالغ) وارجع لقوله َتعَالى في ذلك الموضع‪{ :‬فَل‬ ‫ض ْيتَ‬ ‫حرَجًا ِممّا َق َ‬ ‫سهِمْ َ‬ ‫جرَ َب ْي َنهُمْ ثُمّ ل َيجِدُوا فِي أَنفُ ِ‬ ‫ح ّكمُوكَ فِيمَا شَ َ‬ ‫حتّى ُي َ‬ ‫َو َر ّبكَ ل ُي ْؤ ِمنُونَ َ‬ ‫سلِيمًا}[النساء‪ ]65 :‬وتأمل كلمة (حرجا) في الية وكيف أنها نكرة في سياق النفي‬ ‫سّلمُوا تَ ْ‬ ‫َويُ َ‬ ‫فتشتمل كل أنواع الحرج كبيرا كان أم صغيرا فكلّه مضاد لليمان‪ ..‬ومع ذلك فهؤلء السفهاء‬ ‫يصفون التسليم المطلق للشريعة‪ ،‬بأن فيه ( حرجا بالغا )‪ .‬فهل يجوز لموحد بعد هذا أن يحترم‬ ‫ياسقهم هذا؟؟ أو يوالي عبيده أو يحبهم‪..‬؟؟ فليتعرف المسلمون على نوع الحكم الذي يحكمهم‪،‬‬ ‫وما يحويه من زيغ وضلل وهم غافلون نائمون‪..‬‬ ‫ثم قالوا في الموضع نفسه من المذكرة الكفرية‪ ( :‬ومن ثم ل يمنع النص المذكور من الخذ‬ ‫عاجلً أو آجلً‪ ،‬بالحكام الشرعية كاملة وفي كل المور إذا رأى المشرع ذلك)‪.‬‬ ‫وها هنا مسألة خطيرة جدا‪ ..‬فحتى لو فرضنا جدلً أنهم أرادوا تحكيم بعض نصوص الشريعة‬ ‫في يوم من اليام فلن يكون ذلك استسلما أو انقيادا ل َتعَالى ورضا بحكمه‪ ..‬وإنما لرأي‬ ‫وإرادة وهوى طاغوتهم (المشرّع)‪.‬‬ ‫يقول العلمة أحمد شاكر في كتابه (كلمة حق) ‪ ( :‬ترى في بعض بلد المسلمين قوانين ضربت‬ ‫عليها‪ ،‬نقلت عن أوربة الوثنية الملحدة‪ ،‬وهي قوانين تخالف السلم مخالفة جوهرية في كثير‬ ‫من أصولها وفروعها‪ ،‬بل إن في بعضها ما ينقض السلم ويهدمه‪ ،‬وذلك أمر واضح بديهي‪ ،‬ل‬ ‫يخالف فيه إلّ من يغالط نفسه‪ ،‬ويجهل دينه أو يعاديه من حيث ل يشعر‪ ،‬وهي في كثير من‬ ‫‪220‬‬ ‫أحكامها َأيْضا توافق التشريع السلمي أو ل تنافيه على القل‪ ،‬وإن العمل بها في بلد المسلمين‬ ‫غير جائز‪ ،‬حتى فيما وافق التشريع السلمي‪ ،‬لن من وضعها حين وضعها لم ينظر إلى‬ ‫موافقتها للسلم أو مخالفتها‪ ،‬وإنما نظر إلى موافقتها لقوانين أوربة‪)...‬‬ ‫ثم ذكر كلما للشافعي رحمه ال َتعَالى خلصته أن المجتهد إذا اجتهد عن علم وإحاطة بالدلة‬ ‫وتحري للحق فأخطأ كان معذورا مأجورا‪ ،‬أما من لم يتحرّ الدليل‪ ،‬وتكلّف بل علم فإن إصابته‬ ‫‪ -‬وإن أصاب الحق‪ -‬تكون غير محمودة ومن هذا يظهر لك بأن القوانين إن كان في بعضها ما‬ ‫يوافق الشريعة فإنه باطل َأيْضا ل يُحمد ول يُمدح أبدا‪ ،‬لنه لم يخرج من دائرة الشرك‪ ،‬فما هو‬ ‫إلّ انقياد لحكم الدستور واتباع لرأي مشرّعهم ‪ -‬الذي هو غير ال ‪ -‬ول يُمدح أو يُحمد أبدا إلّ‬ ‫حين يكون ذلك استسلما وانقيادا لرب العباد وحده‪...‬‬ ‫حكُمْ َب ْي َنهُمْ ِبمَا أَنزَلَ اللّهُ} [المائدة‪]49 :‬‬ ‫وخلصة القول أنّ ال جل وعل قد قال في كتابه‪َ { :‬وأَنِ ا ْ‬ ‫ولم يقل‪ ..‬بمثل ما أنزل ال‪ ..‬فتنبه لهذا وافهمه جيدا‪..‬‬ ‫ومما سبق تظهر لك فضيحة من فضائح عبيد الياسق ‪ -‬وما أكثرها‪ -‬وذلك أن المشرع الحقيقي‬ ‫عندهم؛ هو ليس ال عز وجل‪ ..‬وأن جعلهم الشريعة مصدرا من مصادر التشريع كذب وتمويه‪،‬‬ ‫وبمعنى آخر‪ :‬أن جعلهم ال أحد المشرّعين المعبودين‪ ..‬وإن كان شركا لو صح ‪ -‬فإنه غير‬ ‫صحيح ‪ -‬وهم كاذبون به‪ ..‬ملبّسون مخادعون‪..‬‬ ‫فمن هو مشرّعهم الحقيقي الذي يعبدونه إذن ؟؟‬ ‫• الله المشرع عندهم ليس الخالق الباري جل وعل‪ ..‬وإنما هو ‪ :‬ثالوث ( المير ومجلس‬ ‫المة وفقا للدستور)‪ .‬وهكذا فقد شابهوا أحبابهم وأولياءهم عبّاد الصليب في عقيدة التثليث‬ ‫الشركية‪ ..‬فأولئك عندهم ( الرب والبن وروح القدس) وهؤلء عندهم ( المير ومجلس المة‬ ‫والدستور)‪ .‬وإليك الدلة على هذا من ياسقهم نفسه ‪:‬‬ ‫جاء في المادة (‪ )51‬من الياسق الكويتي ‪ ( :‬السلطة التشريعية يتولها المير ومجلس المة وفقا‬ ‫للدستور) ‪.‬‬ ‫وهذا َأيْضا كفر فوق كفر وشرك فوق شرك وظلم فوق ظلم كما قدمنا وفصلنا‪ ...‬فل ينكر هذا‬ ‫إلّ جاهل بدين السلم‪ ..‬أو كافر ظالم يرضى أن يعبد مع ال آلهة أخرى باطلة زائفة‪..‬‬ ‫وسيأتي عما قريب كلم العلمة الشنقيطي رحمه ال في صفات من يستحق وحده التشريع من‬ ‫تفسيره القيم "أضواء البيان"‪ ..‬ومن ذلك ما قاله رحمه ال ‪ -‬بعد أن ذكر قوله َتعَالى ‪{ :‬وَل تَدْعُ‬ ‫‪221‬‬ ‫جعُونَ}[القصص‪:‬‬ ‫حكْمُ َوِإلَيْهِ ُترْ َ‬ ‫جهَهُ لَهُ الْ ُ‬ ‫شيْءٍ هَاِلكٌ إِلّ وَ ْ‬ ‫خرَ ل ِإلَهَ إِلّ ُهوَ كُلّ َ‬ ‫مَ َع اللّهِ ِإَلهًا آ َ‬ ‫‪-]88‬قال ‪( :‬فهل في الكفرة الفجرة المشرّعين من يستحق أن يوصف بأنه الله الواحد؟؟ وأن‬ ‫كل شيء هالك إلّ وجهه؟ وأن الخلئق يرجعون إليه؟ تبارك ربنا وتعاظم وتقدس أن يوصف‬ ‫أخس خلقه بصفاته‪.‬‬ ‫ش َركْ بِهِ‬ ‫ي اللّهُ وَحْ َدهُ كَ َف ْرتُمْ َوإِنْ يُ ْ‬ ‫عَ‬ ‫ومن اليات الدالة على ذلك قوله تعالى‪َ { :‬ذِلكُمْ بَِأنّهُ إِذَا دُ ِ‬ ‫حكْمُ ِللّهِ ا ْل َعلِيّ ا ْل َكبِيرِ}[غافر‪.]12 :‬‬ ‫ُت ْؤ ِمنُوا فَالْ ُ‬ ‫فهل في الكفرة الفجرة المشرّعين للنظم الشيطانية من يستحق أن يوصف في أعظم كتاب‬ ‫سماوي بأنه العلي القدير؟ سبحانك ربنا وتعاليت عن كل ما ل يليق بكمالك وجللك‪..‬‬ ‫خ َرةِ‬ ‫حمْدُ فِي الُولَى وَال ِ‬ ‫ومن اليات الدالة على ذلك قوله تعالى‪{ :‬وَ ُه َو اللّهُ ل ِإلَهَ إِلّ ُهوَ لَهُ الْ َ‬ ‫غ ْيرُ‬ ‫س ْرمَدًا ِإلَى َيوْمِ الْ ِقيَامَةِ مَنْ ِإلَهٌ َ‬ ‫عَل ْيكُ ُم الّليْلَ َ‬ ‫ل اللّهُ َ‬ ‫جعَ َ‬ ‫جعُونَ‪ ،‬قُلْ َأ َرأَ ْيتُمْ إِنْ َ‬ ‫حكْمُ َوِإَليْهِ ُترْ َ‬ ‫ولَهُ الْ ُ‬ ‫س ْرمَدًا ِإلَى َيوْمِ الْ ِقيَامَةِ مَنْ‬ ‫عَل ْيكُمُ ال ّنهَارَ َ‬ ‫ل اللّهُ َ‬ ‫جعَ َ‬ ‫س َمعُونَ قُلْ َأ َرَأ ْيتُمْ إِنْ َ‬ ‫اللّهِ َي ْأتِيكُمْ ِبضِيَاءٍ أَفَل تَ ْ‬ ‫س ُكنُوا‬ ‫جعَلَ َلكُ ْم الّليْلَ وَالنّهَارَ ِلتَ ْ‬ ‫ح َمتِهِ َ‬ ‫صرُونَ َومِنْ َر ْ‬ ‫س ُكنُونَ فِيهِ أَفَل ُت ْب ِ‬ ‫غ ْيرُ اللّهِ يَ ْأتِيكُمْ ِبَليْلٍ تَ ْ‬ ‫ِإلَهٌ َ‬ ‫ش ُكرُونَ}[القصص‪.]73-70 :‬‬ ‫ضلِهِ َوَل َعّلكُمْ تَ ْ‬ ‫فِيهِ َوِل َت ْب َتغُوا مِنْ َف ْ‬ ‫فهل في مشرعي القوانين الوضعية من يستحق أن يوصف بأن له الحمد في الولى والخرة‬ ‫وأنه هو الذي يصرف الليل والنهار مبينا بذلك كمال قدرته وعظمة إنعامه على خلقه؟؟ سبحان‬ ‫خالق السماوات والرض‪ ،‬جل وعل أن يكون له شريك في حكمه أو عبادته أو ملكهة) انتهى‬ ‫كلمه رحمه ال‪.‬‬ ‫فإن كان هذا المير ومجلس أمته يستحق أن يوصف بشيء من هذه الصفات ‪ -‬ولن يكون ذلك‬ ‫أبدا‪ -‬فليتول السلطة التشريعية وليقل أنا ربكم العلى‪ ،‬وإذا علم علما جازما يقينا بأنه أخس‬ ‫وأحقر وأتفه وأذل من أن يتصف بشيء من ذلكة فلينخلع من التشريع وليدعه وليرُجعه وليردّه‬ ‫لمن هذه صفاته سبحانه وتعالى عما يشركونة‬ ‫وإذا كان رسول ال‬ ‫ليس له أن يشرع إن هو إل وحي يوحى وإذا كان صلوات ال وسلمه‬ ‫عليه يمنع عما هو أهون بكثير من التشريع وهو تسعير السلع كما صحّ في الحديث الذي رواه‬ ‫عهْدِ رَسُولِ اللّهِ‬ ‫علَى َ‬ ‫س ْعرُ َ‬ ‫أبو داود والترمذي وابن ماجة وغيرهم عَنْ َأنَسِ قَالَ‪ ( :‬غَل ال ّ‬ ‫ط الرّازِقُ ِإنّي‬ ‫س ّعرُ الْقَابِضُ ا ْلبَاسِ ُ‬ ‫ن اللّهَ ُهوَ ا ْلمُ َ‬ ‫س ّعرْ َلنَا فَقَالَ إِ ّ‬ ‫س ْعرُ فَ َ‬ ‫ل اللّهِ قَدْ غَل ال ّ‬ ‫فَقَالُوا يَا رَسُو َ‬ ‫ظَلمَةٍ فِي دَمٍ وَل مَالٍ)‪.‬‬ ‫طُل ُبنِي ِبمَ ْ‬ ‫لرْجُو أَنْ َألْقَى َربّي َوَل ْيسَ أَحَدٌ يَ ْ‬ ‫َ‬ ‫‪222‬‬ ‫ل اللّهِ‬ ‫فتأمل ورع رَسُو ِ‬ ‫وخوفه من التسعير‪ ،‬ثم تأمل حال من ل يصح أن يقارنوا أو يقاسوا‬ ‫بنعله؛ من عبيد الياسق الذين لم يجعلوا من أنفسهم مسعرين فقط كما في قانون رقم (‪ )10‬لسنة‬ ‫‪1979‬‬ ‫م في شأن تحديد أسعار بعض السلع مادة رقم (‪ )3‬و(‪ )6‬وغيرها‪ ،‬بل يقننون العقوبات‬ ‫لمن خالف تسعيرهم كما في المواد (‪ )13‬و(‪ )15‬وغيرها من قانونهم هذا‪ ،‬ليس هذا فقط‪ ،‬بل‬ ‫جعلوا من أنفسهم مشرعين وأربابا مع ال كما رأيت‪ ..‬وسترى المزيدة فتبّا لهم وسحقا‪.‬‬ ‫هذا‪ ،‬ولقد عظموا مشرّعهم ومعبودهم أكثر من تعظيم قريش آلهتهاة‪ .‬فقد حكموا كما في المادة‬ ‫رقم (‪ )25‬من جرائم أمن الدولة بالسجن مدة خمس سنوات لكل من (عاب في ذات المير)‬ ‫وقريش لم تصل إلى هذا الحد‪ ،‬حينما وصفوا رسول ال‬ ‫كان كفار قريش أقلّ منه ضلل‪.‬‬ ‫بأنه ( عاب آلهتنا وديننا) فتعسا لمن‬ ‫شرَعُوا َلهُمْ مِنْ‬ ‫ش َركَاءُ َ‬ ‫وأخيرا فإن ال يبطل كل تشريع غير تشريعه فيقول مستنكرا {أَمْ َلهُمْ ُ‬ ‫ضيَ َب ْي َنهُمْ َوإِنّ الظّاِلمِينَ َلهُمْ عَذَابٌ َألِي ٌم }[الشورى‪:‬‬ ‫الدّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِ ِه اللّهُ َوَلوْل َكِلمَةُ الْفَصْلِ لَ ُق ِ‬ ‫ش َركَاءُ}‪ :‬أي ألهم؟ والهمزة للتقريع‪.‬‬ ‫‪{ ،]21‬أَمْ َلهُمْ ُ‬ ‫فال عز وجل يخص نفسه العظيمة بالتشريع ويبطل جميع الشركاء الذين أشركهم الناس معه‬ ‫ويبطل تشريعاتهم وينكر على الناس اتباعها‪..‬‬ ‫وياسق القوم يأبى ويعاند ويقول‪( :‬السلطة التشريعية يتولها المير ومجلس المة) ‪ُ{ -‬أفّ َلكُمْ‬ ‫ن اللّهِ أَفَل َتعْ ِقلُونَ} ‪ -‬ل جرم أن من رضي بتشريعهم وقبله ولم يكفر به‬ ‫َوِلمَا َت ْعبُدُونَ مِنْ دُو ِ‬ ‫ويتبرأ منه فقد اتخذ هذا الثالوث وثنا وإلها‪ ،‬وجعله نِدّا ل تعالى‪..‬‬ ‫ونذكّر هذين المشرعين‪ ،‬أعني (المير ومجلس أمته) بمصير واحد من المشرعين الغابرين‪،‬‬ ‫وهو ( عمرو بن لحي) أول من شرع لقريش عبادة الوثان وتسييب السوائب‪ ،‬قال النبي‬ ‫‪:‬‬ ‫صبَهُ فِي النّارِ) ‪ ،‬ولن ينفعك يومئذ يا عبد‬ ‫جرّ ُق ْ‬ ‫عيّ يَ ُ‬ ‫خزَا ِ‬ ‫حيّ الْ ُ‬ ‫ع ْمرَو بْنَ عَا ِمرِ بْنِ لُ َ‬ ‫( َرَأ ْيتُ َ‬ ‫الياسق جيشٌ ول شرطةٌ ول (مباحث) ول سلطان‪ ،‬ول المادة رقم (‪ )45‬من ياسق الكفر التي‬ ‫تقول ( ذات المير مصونة ل تُمس) ول المادتان رقم (‪ )23‬و(‪ )24‬من قوانين جرائم أمن الدولة‬ ‫التي تقضي بإعدام كل من عرض حياة المير أو حريته للخطر أو اعتدى بالقوة على السلطات‬ ‫التي يتولها‪ ..‬ول غيرها من المواد‪ ..‬فارجع إلى دين ال َتعَالى وشرعه واكفر وتبرأ من‬ ‫ياسقك هذا قبل أن يأتيك يوم تقول فيه {يَا َل ْي َتنِي لَمْ أُوتَ ِكتَابِيه َولَمْ أَ ْدرِ مَا حِسَابِيه يَا َل ْي َتهَا كَا َنتْ‬ ‫سلْطَانِيه}[الحاقة‪.]29-25 :‬‬ ‫عنّي ُ‬ ‫عنّي مَالِيه َهَلكَ َ‬ ‫غنَى َ‬ ‫ضيَةَ مَا أَ ْ‬ ‫الْقَا ِ‬ ‫‪223‬‬ ‫[‬ ‫‪2‬‬ ‫] ما هو الدين الذي يحترمه ويدين به الدستور؟؟ وبالتالي كل من احترم‬ ‫الدستورة إنه ليس السلم‪.‬‬ ‫جاء في المادة رقم (‪ )6‬من الياسق الكويتي‪ ( :‬نظام الحكم ديمقراطي) وعرّفوا هذا الدين الذي‬ ‫هو (الديمقراطية) بقولهم في المادة نفسها‪( :‬السيادة فيه للمة مصدر السلطات جميعا)‪.‬‬ ‫ح ْكمُهُ ِإلَى اللّهِ}[الشورى‪ .]10 :‬ويقول‪{ :‬فَإِنْ‬ ‫شيْءٍ فَ ُ‬ ‫خ َتلَ ْفتُمْ فِيهِ مِنْ َ‬ ‫فال عز وجل يقول‪َ { :‬ومَا ا ْ‬ ‫خ ْيرٌ َوأَحْسَنُ‬ ‫خرِ َذِلكَ َ‬ ‫شيْءٍ َفرُدّوهُ ِإلَى اللّهِ وَالرّسُولِ إِنْ كُنتُمْ ُت ْؤ ِمنُونَ بِاللّهِ وَا ْل َيوْمِ ال ِ‬ ‫عتُمْ فِي َ‬ ‫َتنَازَ ْ‬ ‫حكْمُ إِلّ ِللّهِ}[يوسف‪.]40 :‬‬ ‫تَ ْأوِيلً}[النساء‪ .]59 :‬ويقول ‪{ :‬إِنْ الْ ُ‬ ‫حكْمُ إِلّ للمة)ة (وهي مصدر السلطات جميعا)ً‪ ،‬أي ما‬ ‫والدستور يقول وعبيده يقولون‪( :‬إِنْ الْ ُ‬ ‫قالت المة عنه‪( :‬حرام) فهو حرام‪ ،‬وما قالت ‪( :‬حلل) فهو حلل‪ ..‬هذا ما تقرره هذه‬ ‫المادة‪..‬وهو دين الدستور وهذا الدين ليس دين السلم الذي بعث ال به نبيه محمدا‬ ‫للناس‬ ‫غ ْيرَ الِسْلمِ دِينًا َفلَنْ يُ ْقبَلَ ِمنْهُ وَ ُهوَ فِي‬ ‫كافة والذي ل يقبل ال دينا سواه‪ ،‬قال تعالى‪َ { :‬ومَنْ َي ْبتَغِ َ‬ ‫سرِينَ}[آل عمران‪ ،]85 :‬وإنما هو (دين ديمقراط) الذي يُعرّفونه بالديمقراطية‪..‬‬ ‫خ َرةِ مِنْ الْخَا ِ‬ ‫ال ِ‬ ‫وهو حكم الكثرية أي أن التشريع يكون بما يراه ويهواه أكثر الناس‪ ،‬وال رب الناس يقول‪:‬‬ ‫صتَ ِب ُم ْؤ ِمنِينَ}[يوسف‪ ،]103 :‬ويقول سبحانه في أكثر من آية في كتابه‬ ‫ح َر ْ‬ ‫{ َومَا َأ ْك َثرُ النّاسِ َوَلوْ َ‬ ‫ش ُكرُونَ}[ غافر‪،]61 :‬‬ ‫{ َوَلكِنّ َأ ْك َثرَ النّاسِ ل َي ْعَلمُونَ}[الجاثية‪ ،]26 :‬ويقول‪َ { :‬وَلكِنّ َأكْثرَ النّاسِ ل يَ ْ‬ ‫ويقول‪َ { :‬ولَكِنّ َأ ْك َثرَ النّاسِ ل ُي ْؤ ِمنُونَ}[ غافر‪ ،]59 :‬ويقول‪َ { :‬فَأبَى َأ ْك َثرُ النّاسِ إِلّ كُفُورًا}[‬ ‫ش ِركُونَ}[ يوسف‪ ،]106 :‬ويقول‪:‬‬ ‫الفرقان‪ ،]50 :‬ويقول‪َ { :‬ومَا ُي ْؤمِنُ َأ ْك َثرُهُمْ بِاللّهِ إِلّ وَهُمْ مُ ْ‬ ‫{ َوَأ ْكثَرُهُمْ ِللْحَقّ كَارِهُونَ}[المؤمنون‪ ،]70:‬ويقول‪{ :‬بَلْ َأ ْك َثرُهُمْ ل َيعْ ِقلُونَ}[العنكبوت‪ ،]63 :‬ويقول‪:‬‬ ‫ل اللّهِ إِنْ َي ّت ِبعُونَ إِلّ الظّنّ َوإِنْ هُمْ إِلّ‬ ‫سبِي ِ‬ ‫لرْضِ ُيضِلّوكَ عَنْ َ‬ ‫{ َوإِنْ تُطِعْ َأ ْك َثرَ مَنْ فِي ا َ‬ ‫خ ُرصُونَ}[ النعام‪.]116 :‬‬ ‫يَ ْ‬ ‫خلَقَ وَ ُه َو اللّطِيفُ‬ ‫هذا قول ال رب الناس وحكمه العادل في أكثرهم وهو خالقهم {أَل َي ْعلَمُ مَنْ َ‬ ‫خبِيرُ}[ الملك‪.]14 :‬‬ ‫الْ َ‬ ‫• وال قد أمر نبيه‬ ‫بالحكم بين المة بما أنزل إليه وحذره من اتباع أهوائها وآراءها فقال‪:‬‬ ‫ل اللّهُ‬ ‫حكُمْ َب ْي َنهُمْ ِبمَا أَنزَلَ اللّهُ وَل َت ّتبِعْ أَ ْهوَاءَهُمْ وَاحْ َذرْهُمْ أَنْ يَ ْف ِتنُوكَ عَنْ َب ْعضِ مَا أَنزَ َ‬ ‫{ َوأَنِ ا ْ‬ ‫ِإَل ْيكَ}[المائدة ‪.]49 :‬‬ ‫‪224‬‬ ‫ومع ذلك فالياسق يقول‪ ( :‬المة مصدر السلطان جميعا )‪.‬‬ ‫ولحظ كلمة (بعض) التي حذر ال منها في الية‪ ..‬وكلمة (جميعا) في ياسقهم الكفري‪..‬‬ ‫فهل يوجد وقاحة أشنع من هذه الوقاحة؟ وهل بعد هذه المحادّة لشرع ال من محادّة؟ وهل فوق‬ ‫هذا التعدي لحدود ال َتعَالى شيء؟؟‪.‬‬ ‫ن اللّهِ أَفَل َتعْ ِقلُونَ} [ النبياء ‪.]67 :‬‬ ‫{ُأفّ َلكُمْ َوِلمَا َت ْعبُدُونَ مِنْ دُو ِ‬ ‫وأخيرا فإن ال عز وجل قد بين للمة بل للخلق الضعفاء المهازيل جميعا حدودهم‪ ،‬وأعلمهم‬ ‫خلْقُ‬ ‫بأن الذي خلق ورزق وصوّر وفطر سبحانه‪ ..‬هو وحده الذي يحكم ويشرع ويأمر {أَل لَهُ الْ َ‬ ‫ك اللّهُ َربّ ا ْلعَاَلمِينَ} [العراف ‪.]54 :‬‬ ‫ل ْمرُ َتبَا َر َ‬ ‫وَا َ‬ ‫يقول الشنقيطي في أضواء البيان (‪( :)7/163‬اعلم أن ال جل وعل بين في آيات كثيرة‪ ،‬صفات‬ ‫من يستحق أن يكون الحكم له‪ ،‬فعلى كل عاقل أن يتأمل الصفات المذكورة ويقابلها مع صفات‬ ‫البشر المشرّعين للقوانين الوضعية‪ ،‬فينظر هل تنطبق عليهم صفات من له التشريع‪ ،‬سبحان ال‬ ‫وتعالى عن ذلك‪ ،‬فإن كانت ل تنطبق عليهم ولن يكون‪ ،‬فليتبع تشريعهم وإن ظهر يقينا أنهم‬ ‫أحقر وأخس وأذل وأصغر من ذلك‪ ،‬فليقف بهم عند حدهم‪ ،‬ول يجاوز بهم إلى مقام الربوبية‪،‬‬ ‫سبحانه وتعالى أن يكون له شريك في عبادته أو حكمه أو ملكه‪ ،‬فمن اليات القرآنية التي‬ ‫ح ْكمُهُ ِإلَى‬ ‫شيْءٍ فَ ُ‬ ‫خ َتلَ ْفتُمْ فِيهِ مِنْ َ‬ ‫أوضح بها َتعَالى صفات من له الحكم والتشريع قوله هنا { َومَا ا ْ‬ ‫عَليْهِ َت َو ّك ْلتُ َوِإَليْهِ ُأنِيبُ‬ ‫اللّهِ}[الشورى‪ ،]10 :‬ثم قال مبينا صفات من له الحكم‪َ { :‬ذِلكُمْ اللّهُ َربّي َ‬ ‫ل ْنعَامِ َأ ْزوَاجًا يَ ْذ َر ُؤكُمْ فِيهِ َل ْيسَ‬ ‫سكُمْ َأ ْزوَاجًا َومِنْ ا َ‬ ‫جعَلَ َلكُمْ مِنْ َأنْفُ ِ‬ ‫لرْضِ َ‬ ‫سمَاوَاتِ وَا َ‬ ‫طرُ ال ّ‬ ‫فَا ِ‬ ‫لرْضِ َيبْسُطُ ال ّرزْقَ ِلمَنْ يَشَاءُ َويَقْ ِدرُ ِإنّهُ‬ ‫سمَاوَاتِ وَا َ‬ ‫سمِيعُ ال َبصِيرُ لَهُ مَقَالِيدُ ال ّ‬ ‫شيْءٌ وَ ُهوَ ال ّ‬ ‫َك ِم ْثلِهِ َ‬ ‫علِيمٌ}[الشورى‪.]12-10:‬‬ ‫شيْءٍ َ‬ ‫ِبكُلّ َ‬ ‫فهل في الكفرة الفجرة المشرّعين للنظم الشيطانية‪ ،‬من يستحق أن يوصف بأنه الرب الذي‬ ‫تفوض إليه المور‪ ،‬ويُتوكل عليه‪ ،‬وأنه فاطر السماوات والرض أي خالقها على غير مثال‬ ‫شيْءٌ وَ ُهوَ‬ ‫سابق‪ ،‬وأنه هو الذي خلق البشر أزواجا‪ ،‬وخلق لهم أزواج النعام‪ ..‬وأنه {َل ْيسَ َك ِم ْثلِهِ َ‬ ‫لرْضِ}‪ ،‬وأنه الذي { َيبْسُطُ الرّزْقَ ِلمَنْ يَشَاءُ‬ ‫سمَاوَاتِ وَا َ‬ ‫سمِيعُ البَصِيرُ}‪ ،‬وأنه {لَهُ مَقَالِيدُ ال ّ‬ ‫ال ّ‬ ‫علِيمٌ}‪.‬‬ ‫شيْءٍ َ‬ ‫َويَقْ ِدرُ} أي يضيقه على من يشاء وهو { ِبكُلّ َ‬ ‫فعليكم أيها المسلمون أن تتفهموا صفات من يستحق أن يُشرّع ويُحلّل ويُحرّم‪ ،‬ول تقبلوا تشريعا‬ ‫من كافر خسيس حقير جاهل‪ ).‬انتهى كلمه من تفسير سورة الشورى رحمه ال تعالى‪..‬‬ ‫‪225‬‬ ‫ال أكبر هتكت أستاركم‬ ‫حتى غدوتم ضحكة الصبيان‬ ‫ح ْكمِهِ‬ ‫ش ِركُ فِي ُ‬ ‫فليس لحد كائنا من كان أن يشاركه سبحانه في حكمه‪ ..‬قال تعالى‪{ :‬وَل يُ ْ‬ ‫ح ْكمِهِ} [الرعد‪.]41:‬‬ ‫حكُمُ ل ُمعَ ّقبَ لِ ُ‬ ‫أَحَدًا}[الكهف‪ .]26 :‬ول أن يعقب عليه‪ ،‬قال سبحانه‪{ :‬وَاللّهُ يَ ْ‬ ‫ول أن يختار‪ ..‬فكما أن ليس لهم الخيرة في الخلق والقدر‪ ..‬أي في إرادة ال الكونية‪ .‬قال‬ ‫ش ِركُونَ}‬ ‫عمّا يُ ْ‬ ‫ن اللّهِ َو َتعَالَى َ‬ ‫سبْحَا َ‬ ‫خ َي َرةُ ُ‬ ‫ختَارُ مَا كَانَ َلهُمْ الْ ِ‬ ‫خلُقُ مَا يَشَاءُ َويَ ْ‬ ‫تعالى‪َ { :‬و َربّكَ يَ ْ‬ ‫[القصص‪ .]68:‬فكذلك ل تجوز ول تحل لهم الخيرة في المر والتشريع والحكم والقضاء‪..‬بل‬ ‫الواجب على كل من يدعي ويزعم اليمان؛ أن يستسلم وينقاد مختارا لرادة ال الشرعية كما‬ ‫ك اللّهُ‬ ‫ل ْمرُ َتبَا َر َ‬ ‫خلْقُ وَا َ‬ ‫أنه منقاد ل محالة شاء أم أبى لرادة ال الكونية‪ .‬قال سبحانه‪{ :‬أَل لَهُ الْ َ‬ ‫َربّ ا ْلعَاَلمِينَ} [العراف ‪ .]54 :‬وقال جل وعز‪َ { :‬ومَا كَانَ ِل ُم ْؤمِنٍ وَل ُم ْؤ ِمنَةٍ إِذَا َقضَى اللّهُ‬ ‫ل ضَللً‬ ‫ص اللّهَ َورَسُولَهُ فَقَ ْد ضَ ّ‬ ‫خ َي َرةُ مِنْ َأ ْمرِهِمْ َومَنْ َيعْ ِ‬ ‫َورَسُولُهُ َأ ْمرًا أَنْ َيكُونَ َلهُمْ الْ ِ‬ ‫ُمبِينًا}[الحزاب ‪ .]36 :‬هذا إن كانوا يزعمون اليمان‪ ..‬وإل فلهم الخيار في ترك سبيل الجنة‬ ‫وسلوك سبيل النار‪..‬‬ ‫وبعد‪ ..‬فليختر كل امرئ لنفسه‪ :‬سبيل البرار أم سبيل الفجارة دين ال الخالص‪ ..‬أم دين‬ ‫ن الرّشْدُ مِنْ ال َغيّ َفمَنْ َيكْ ُفرْ بِالطّاغُوتِ َو ُي ْؤمِنْ بِاللّهِ فَقَدْ‬ ‫الدستور؟ {ل ِإ ْكرَاهَ فِي الدّينِ قَدْ َت َبيّ َ‬ ‫سكَ بِا ْل ُع ْر َوةِ ا ْل ُوثْقَى} [البقرة ‪.]256 :‬‬ ‫س َتمْ َ‬ ‫اْ‬ ‫ويحترمون ويحمون الملل والنحل الباطلة كلها‪ ،‬أما دين السلم‪ ..‬فعليه السلم‪..‬‬ ‫واعلم أن دين الديمقراطية الكفري هذا الذي يظهرون بالدعوة إليه؛ للضحك على المغفلين من‬ ‫الناس‪ ،‬ليس هو دين الدستور الوحيد‪ ..‬بل إن هذا الطاغوت قد جمع كل ملة ودين ومذهب‬ ‫وشريعة فكفلها وحملها وأطلق العنان والحرية لها‪ .‬ولم يستثن من ذلك دين باطل‪ ..‬فهو ل يطلق‬ ‫العنان فقط لليهود وعباد الصليب أو يحمي كتبهم المحرفة وما تحويه من شرك وباطل‪ ..‬بل‬ ‫يحمي عبادة البقر والحجر والشجر وعبادة النيران والفئران‪ ،‬وعبادة بوذا وغاندي وماوتسي‪..‬‬ ‫بل يحمي السيك والهندوس والبهائيين والسماعليين والرافضة وغيرهم من أصحاب الملل‬ ‫الباطلة والنحل الخبيثة‪..‬‬ ‫وإليك الدلة على ذلك من ياسقهم نفسه‪:‬‬ ‫جاء في المادة (‪ )35‬من ياسقهم ما نصه ‪( :‬حرية العتقاد مطلقة وتحمي المادة حرية القيام‬ ‫بشرائع الديان طبقا للعادات المرعية على أن ل يخل ذلك بالنظام العام أو ينافي الداب)‪.‬‬ ‫‪226‬‬ ‫وتأمل قولهم (الديان) بصيغة الجمع المعرف باللف واللم‪ :‬أي كل الديان بل استثناء‪ .‬ولم‬ ‫يقيدوا ذلك بأن ل يُخل بالتوحيد مثل أو يخدش شرائع السلم ويضادها‪ ،‬وإنما فقط أن ل‬ ‫يخالف عاداتهم البالية‪ ،‬وسوف ترى فيما يأتي أن العرف والعادة عندهم بعد القانون مقدم دوما‬ ‫على شرع ال َتعَالى هذا إن ذكروا الشرع أصلً‪..‬وإل فالصل عندهم عدم اللتفات إليه‪ ،‬كما‬ ‫هو الحال هنا فإنهم لم يضعوا له اعتبارا أو وجودا‪.‬‬ ‫ثم اشترطوا عدم الخلل بالنظام العام وهذا أهم ما يعنيهم‪ ،‬ومعناه استقرار عروشهم ونفوذ‬ ‫قوانينهم وأنظمتهم‪ ،‬أما قولهم ( أو ينافي الداب) فإنها كلمة هلمية يستفيدون منها كيفما شاءوا‬ ‫فلو وقف مسلم مثلً وبيّن للناس بطلن دين الصليب أو دين الروافض وذكر بعض دعاة‬ ‫الضللة منهم‪ ،‬وسفه أحلمهم وحذر الناس من باطلهمة لمكنهم بهذه العبارة أن ينالوا منه إن‬ ‫شاءوا ما يشتهون‪ ..‬وهكذا شأنهم في أكثر قوانين ياسقهم‪ ..‬يستعملون الكلمات المطاطية التي‬ ‫يديرونها بأهوائهم كما يشتهون‪ ..‬ول يقيدونها بالدين لئل يقعوا في الحرج الذي ذكر ال َتعَالى‬ ‫وجوده عند غير المؤمنين‪ ،‬والذي صرحوا به وبكل وضوح فيما تقدم‪ ..‬وفي الوقت نفسه تنطلي‬ ‫قوانينهم هذه على السفهاء والمغفلين فتجد في المة من يقول بأنها ل تعارض الدين ول حدوده‪.‬‬ ‫والنـاس أكثرهم فأهل ظواهر‬ ‫تبدو لهم ليسوا بأهل معــان‬ ‫فهم القشور وبالقشور قوامهم واللب حظ خلصة النسـان‬ ‫ومن أخطر وأكفر ما تحويه هذه المادة هو فتحهم لباب الردة بتبديل دين السلم لمن شاء متى‬ ‫شاء دون أي عقاب‪ ..‬بل في ظل حماية قانونهم الكافر الخبيث‪ ،‬وذلك ما تضمنه قولهم في هذه‬ ‫المادة ( حرية العتقاد مطلقة‪ )..‬ولن تجد أبدا في قوانينهم هذه من أولها إلى آخرها عقوبة ولو‬ ‫تافهة لمن بدل دينه‪ ..‬بل هاهنا فتح لباب الردة ليخرج الناس منه أفواجا في ظل حماية الدولة‬ ‫وقوانينها مع أن النبي‬ ‫يقول ‪( :‬مَنْ بَدّلَ دِينَهُ فَا ْق ُتلُوهُ) ‪ .‬فرسول رب العالمين يقول (ا ْق ُتلُوهُ)‪،‬‬ ‫وياسق الكفر يقول‪( :‬له الحرية المطلقة)‪،‬‬ ‫ن اللّهِ أَفَل َتعْ ِقلُونَ}‪.‬‬ ‫{ُأفّ َلكُمْ َوِلمَا َت ْعبُدُونَ مِنْ دُو ِ‬ ‫فلو أن أي منتسب للسلم ارتد وأصبح يهوديا أو نصرانيا أو سيكيا أو عابدا للبقر لما وجد من‬ ‫قانونهم الكفري هذا إلّ الحماية والتأييد والحرية‪ ..‬وليس لحد كائنا من كان أن يقيم عليه حدّ ال‬ ‫َتعَالى بالقتل‪ ،‬وإن قام بذلك أحد‪ُ ،‬قتِل وأُخِذ بالكافر‪ ..‬فالناس عندهم سواء مسلمهم ومجرمهم في‬ ‫كل شيء مع أن النبي‬ ‫سلِمٌ ِبكَا ِفرٍ) ‪.‬‬ ‫يقول‪( :‬ل يُ ْقتَلُ مُ ْ‬ ‫‪227‬‬ ‫فالشريعة تحدد وتنظم وتحفظ دين ال وهم يريدونها عوجا وغوغائية‪ ..‬وإليك ما يدل على ذلك‬ ‫أيضا‪:‬‬ ‫جاء في مادة (‪ )29‬من ياسقهم الشركي‪ ( :‬الناس متساوون لدى القانون في الحقوق والواجبات‬ ‫العامة ل تمييز في ذلك بسبب الجنس أو الصل أو اللغة أو الدين)‪.‬‬ ‫خبِيثِ} [المائدة‪:‬‬ ‫ج َبكَ َك ْث َرةُ الْ َ‬ ‫طيّبُ َوَلوْ أَعْ َ‬ ‫خبِيثُ وَال ّ‬ ‫س َتوِي الْ َ‬ ‫ال الخالق البارئ يقول‪{ :‬قُلْ ل يَ ْ‬ ‫ظُلمَاتُ وَل النّورُ وَل الظّلّ وَل‬ ‫عمَى وَا ْل َبصِيرُ وَل ال ّ‬ ‫س َتوِي الَ ْ‬ ‫‪ .]100‬ويقول سبحانه ‪َ { :‬ومَا يَ ْ‬ ‫سمِعٍ مَنْ فِي الْ ُقبُورِ}‬ ‫سمِعُ مَنْ يَشَاءُ َومَا َأ ْنتَ ِبمُ ْ‬ ‫ن اللّهَ يُ ْ‬ ‫ل ْموَاتُ إِ ّ‬ ‫حيَاءُ وَل ا َ‬ ‫س َتوِي الَ ْ‬ ‫حرُورُ َومَا يَ ْ‬ ‫الْ َ‬ ‫جنّةِ} [الحشر ‪.]20 :‬‬ ‫س َتوِي َأصْحَابُ النّارِ َوَأصْحَابُ الْ َ‬ ‫[فاطر ‪ .]22-19 :‬ويقول سبحانه ‪{ :‬ل يَ ْ‬ ‫س َتوُونَ} [السجدة‪:‬‬ ‫ال يحكم بهذا بعدله ورحمته ويقول‪{ :‬أَ َفمَنْ كَانَ ُم ْؤ ِمنًا َكمَنْ كَانَ فَاسِقًا ل يَ ْ‬ ‫‪ .]18‬وياسق الكفر وعبيده يقولون‪( :‬الناس متساوونة)‬ ‫ن اللّهِ أَفَل َتعْ ِقلُونَ}‬ ‫{ُأفّ َلكُمْ َوِلمَا َت ْعبُدُونَ مِنْ دُو ِ‬ ‫جعَلُ‬ ‫وهذا حكم سوء‪ ،‬حكم الجاهلية الذي أنكره ال َتعَالى على المشركين فقال تعالى‪{ :‬أَ َفنَ ْ‬ ‫ح ُكمُونَ} [القلم ‪ .]36-35 :‬وعبيد الياسق ضاهوا أولئك‬ ‫ج ِرمِينَ مَا َلكُمْ َك ْيفَ تَ ْ‬ ‫سِلمِينَ كَا ْلمُ ْ‬ ‫ا ْلمُ ْ‬ ‫الجاهلين في حكمهم هذا‪ ،‬وشابهوهم كما شابهوا النصارى في عقيدة التثليث‪ ،‬ومن قبل شابهوا‬ ‫اليهود في أخذهم ببعض الكتاب ونبذهم بعضه وشابهوا التتار في مصادر ياسقهم‪ ،‬قد جمعوا كل‬ ‫شر وباطل‪..‬‬ ‫ثم يقول ال في السورة نفسها منكرا على المشركين ذلك الحكم العوج‪{ :‬أَمْ َلكُمْ ِكتَابٌ فِيهِ‬ ‫خ ّيرُونَ} [القلم ‪ .]38-37 :‬ويُجيب عبيد الياسق‪( :‬نعم‪ ،‬عندنا كتاب‬ ‫تَ ْدرُسُونَ إِنّ َلكُمْ فِيهِ َلمَا تَ َ‬ ‫ندرسه ونُدرسه في جامعاتنا ومدارسنا ونبجّله ونقدسه ونحترمه ونحميه ونعاقب من تهجم عليه‬ ‫أو كفر به‪ ..‬نعم‪ ،‬ونحكم به بجنب ما نشتهي ونتخير‪ ،‬إنه الدستور الذي شرع لنا أن ل فرق بين‬ ‫الناس في الحقوق والواجبات بسبب الدين)‪.‬‬ ‫ن اللّهِ أَفَل َتعْ ِقلُونَ}‬ ‫{ُأفّ َلكُمْ َوِلمَا َت ْعبُدُونَ مِنْ دُو ِ‬ ‫إن عادت العقرب عدنا لها‬ ‫[‬ ‫‪3‬‬ ‫وكانت النعل لها جاهزة‬ ‫] ما هو قرآنهم الذي يعظمونه ويقدسونه ويرجعون كل شيء إلى حدوده؟؟ هل هو كتاب‬ ‫ال تعالى ؟؟ كلّ‪ ،‬بل الدستور‪..‬‬ ‫جاء في المادة السابقة رقم (‪ )5‬أن تشريع أميرهم يكون (وفقا للدستور)‪.‬‬ ‫‪228‬‬ ‫وجاء في المادة (‪ )53‬أيضا‪( :‬السلطة القضائية تتولها المحاكم باسم المير في حدود الدستور)‪.‬‬ ‫وهكذا لو تصفحت قوانينهم النتنة ونظرت في موادها‪ ،‬لوجدت هذه العبارات تتكرر دوما‬ ‫وبكثرة‪ - :‬في حدود القانون ‪ -‬وفقا للقانون ‪ -‬وفقا لقواعد القانون ‪ -‬بموجب القانون ‪ -‬بناء‬ ‫على القانون ‪ -‬طبقا للقانون ‪ -‬يُعيّن القانون ‪ -‬يقضي القانون ‪ -‬ما ينص عليه القانون ‪-‬‬ ‫الحوال التي يقرها القانون ة ‪ -‬وفقا للدستور ‪ -‬بموجب الدستور ‪ -‬في حدود الدستور‪.‬‬ ‫فهم يرجعون كل تشريعاتهم وكل أمور حياتهم لياسقهم هذا ويعظمونه ويقدسونه لدرجة أن كل‬ ‫من تولى منصبا خبيثا في حكومتهم كأمير أو نائب أمير أو رئيس مجلس الوزراء أو عضوية‬ ‫مجلس المة أو الوزارة فإنه لبد له أن يقسم على احترام كتابهم النتن هذا‪.‬‬ ‫ولجل ذلك سموا هذا القسم باليمين الدستوريةة ونسميها نحن باليمين الشركية الطاغوتية‪ ..‬فهم‬ ‫يقسمون على احترام هذا الياسق‪ ..‬ويعظمونه ويقضون ويحكمون ويشرعون كما قررته هاتان‬ ‫المادتان وفقا لحدود الدستور‪.‬‬ ‫وهكذا فل اعتبار عندهم بكتاب ال تعالى‪ ،‬ول وجود لحدوده في محاكمهم وقضائهم وتشريعاتهم‬ ‫بل يضربون بها عرض الحائط ويتعدونها وقد قال تعالى‪ِ { :‬تلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَل َت ْعتَدُوهَا َومَنْ َي َتعَدّ‬ ‫حُدُو َد اللّهِ فَُأ ْوَل ِئكَ هُمْ الظّاِلمُونَ} [البقرة ‪ .]229 :‬ويقول سبحانه ‪َ { :‬و ِت ْلكَ حُدُو ُد اللّهِ َومَنْ َي َتعَدّ‬ ‫ظلَمَ نَفْسَهُ} [الطلق ‪ .]1 :‬ويقول عز وجل‪َ { :‬ومَنْ َيعْصِ اللّهَ َورَسُولَهُ َو َي َتعَدّ‬ ‫حُدُو َد اللّهِ فَقَدْ َ‬ ‫خلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا َولَهُ عَذَابٌ ُمهِينٌ} [النساء ‪ .]14 :‬ومع ذلك فإن عبيد الياسق يتعدون‬ ‫حُدُو َدهُ يُدْ ِ‬ ‫حدود ال ويقولون‪( :‬في حدود الدستور)‪.‬‬ ‫ن اللّهِ أَفَل َتعْ ِقلُونَ}؟‪..‬‬ ‫{ُأفّ َلكُمْ َوِلمَا َت ْعبُدُونَ مِنْ دُو ِ‬ ‫يا أمة قد صار من كفرانها‬ ‫جزء يسير جملة الكفـران‬ ‫وال ما يرضى بهذا خائف‬ ‫من ربه أمسى على اليمان‬ ‫خـــــلصة مــــا ســـبق‬ ‫يتلخص لدينا مما سبق من فضائح عبيد القانون‪ ،‬أن دستورهم هذا قائم على الكفر والشرك‬ ‫والزندقة واللحاد ومحاربة ال ورسوله ودينه‪..‬‬ ‫• فهم ل يعترفون بال عز وجل ول بتشريعه‪ ..‬بل الكلمة الولى والخيرة ترجع إلى رأي‬ ‫وهوى مشرّعهم‪ ..‬ويظهرون ويعلنون ‪ -‬كما رأيت ‪ -‬ويجاهرون بتحرجهم البالغ من الستسلم‬ ‫لشرع ال وحكمه وحده‪..‬‬ ‫‪229‬‬ ‫• ل يقيمون وزنا لملة التوحيد ودين السلم‪ ..‬فهم يحترمون ويحمون جميع أديان الكفر‬ ‫والشرك والوثنية وكل الملل الخبيثة التي تُضاد التوحيد وتنافيه وتحاربه‪ ،‬ويحمون طقوسها‬ ‫الشركية ويدافعون عن كتبها وعقائدها الكفرية‪ ..‬ويساوون أهل السلم بأهل الوثان والجرام‪..‬‬ ‫ويفتحون باب الردة على مصراعيه‪ ..‬بل ويعاقبون كل من حاول إغلقه ودرء الناس عنه‪..‬‬ ‫• السلطان الحقيقي عندهم ليس ل َتعَالى كما أمر سبحانه وأوجب‪ ،‬وإنما للمة بفجّارها‬ ‫وكفّارها وزناتها ولصوصها وأفّاكيها‪ ،‬وهي صاحبة السلطات جميعاة ويمثل أولئك الحـثالت‬ ‫وغيرهم‪( :‬مجلس المة والمير وفقا للدستور)‪ .‬وهذا ثالوثهم الذي يقدسون ويعبدون‪..‬‬ ‫• وكتابهم الذي يعظمونه ويقدسونه ويجلونه ويحكمونه ويقدمونه على كتاب ال هو (الدستور)‬ ‫وقوانينه‪ ..‬أما القرآن فليس له اعتبار ول تقدير ول سلطان ول تحكيم‪ ..‬ول يأخذون منه حين‬ ‫يأخذون للتلبيس على العباد‪ ،‬إلّ ما كان موافقا لهوائهم وشهواتهم‪( ..‬متمشيا مع مصالح البلد‬ ‫ الفاسدة‪ -‬وواقعها ‪ -‬النتن)‪.‬‬‫فانظر إلى السلم كيف بقاؤه‬ ‫من بعد هذا القول ذي البـطـلن‬ ‫وال لول ال حافـظ دينــه‬ ‫لتهدمت منـه قــوى الركـان‬ ‫فاحمـد إلهـك أيها السني إذ‬ ‫عافاك من (قانون) ذي بهتـــان‬ ‫(قانونـهم) أحداث هذا العصر‬ ‫ناقضة لصل طـهارة اليـمـان‬ ‫(قانونهـم) ريـح المقاعـد أين‬ ‫تلك الريح من روحٍ ومن ريحــان‬ ‫أمثلة كفرية من قوانينهم الخرى‬ ‫يقول أحد الخبراء القانونين معترفا بتناقض وتخبط القانون‪ ( :‬لو أنك طلبت من عشرة خبراء‬ ‫قانونيين أن يعرّفوا القانون‪ ،‬فعليك الستعداد لسماع أحد عشر تعريفا) أهـ‬ ‫قبل أن نشرع بسرد أمثلة كفرية من قوانينهم الخرى‪ ،‬أعني المدني والتجاري والجزاء‬ ‫وترقيعاتها‪ ..‬ننبه على أمر هام فنقول‪-:‬‬ ‫اعلم أن علماء الصول المسلمين إذا تكلّموا في الحكام‪ ،‬ذكروا الحكم والحاكم والمحكوم فيه‪:‬‬ ‫الذي هو فعل المكلف ‪ -‬والمحكوم عليه‪ ،‬أي المكلف نفسه‪.‬‬ ‫والحكم عندهم‪ ( :‬خطاب ال تعالى المتعلق بأفعال المكلفين طلبا أو وضعا )‬ ‫والطلب يشمل‪ :‬الواجب ( أو الفرض ) والمحرّم ( أو المحظور ) والمستحب والمكروه والمباح‬ ‫( أو الجائز)‪.‬‬ ‫‪230‬‬ ‫والوضع يشمل ‪ :‬الصحة والبطلن ( أو الفساد )‪..‬‬ ‫والحاكم ‪ :‬هو ال تباركت أسماؤه كما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود وغيره أن‬ ‫حكَم وإليه الحُكم )‪.‬‬ ‫رسول ال صلى ال عليه وسلم قال‪ ( :‬إن ال هو ال َ‬ ‫وقد عرفت مما تقدم تفصيلة أن الحُكم عند عبيد الياسق هو‪ ( :‬خطاب أميرهم ومجلس أمته وفقا‬ ‫لحدود وأهواء وثنهم الدستور )‪.‬‬ ‫والحاكم عندهم ‪ :‬هو ثالوث ( المير ومجلس أمته والدستور )‪.‬‬ ‫وهذا أمر قد قدمنا الدلئل عليه من دستورهم فل حاجة إلى العادة والتكرار‪ ..‬ولكن المر‬ ‫الخطير الذي نريد التنبيه عليه هنا‪ ..‬أنهم قد صبغوا ووصفوا أحكامهم أيضا‪ ،‬بخطاب ال تعالى‬ ‫للعباد في الحكام الشرعية من تكليف ووضع‪.‬‬ ‫والمقلب لقوانينهم النتنة يجدهم يستفتحون المئات من موادهم بقولهم ‪ - :‬يحرم أو يحظر‪-‬‬ ‫ويجب أو يفرض القانون ‪ ..‬يجوز أو ل يجوز ‪ -‬أو يباح ‪ -‬يصحّ ‪-‬أو يقع باطلً ‪ ..‬وهكذا ‪..‬‬ ‫بوقاحة سافرة مكشوفة رغم أن ال تعالى يقول‪ { :‬ول تَقولوا لما تَصفُ ألس َن ُتكُم الكذبَ هذا حللٌ‬ ‫وهذا حرامٌ لتفتروا على ال الكذبَ إنّ الذينَ يفترونَ على ال الكذبَ ل يُفلحون‪َ ،‬متَاعٌ َقلِيلٌ َوَلهُمْ‬ ‫عَذَابٌ َألِيمٌ} [النحل ‪.]117 :‬‬ ‫ثم اعلم أن من فضل ال َتعَالى ومنّه‪ ،‬أن جعل شريعته سبحانه كلها قائمة على درء المفاسد عن‬ ‫العباد وجلب المصالح لهم‪ ..‬وحدّ علماء السلم الضروريات التي جاءت شريعة السلم لدرء‬ ‫المفاسد عنها بستة أمور عليها قيام حياة الناس واستقامة مصالحهم‪ ،‬وإذا فقدت اختل نظام‬ ‫حياتهم وعمت فيها الفوضى والفساد‪ ..‬وهي‪:‬‬ ‫(‪)1‬الدين (‪ )2‬النفس (‪ )3‬العقل (‪ )4‬العرض (‪ )5‬المال (‪ )6‬النسب‪.‬‬ ‫إذا علمت هذا ‪ ..‬بقي أن تعلم أن قوانينهم هذه تعمل جهارا نهارا على هدم وهدر وهتك وتضييع‬ ‫هذه المور الضرورية وغيرها مما جاءت الشريعة لحفظه ودرء المفاسد عنه‪..‬‬ ‫وإليك الدلة على ذلك من قوانينهم النتنة نفسها حتى تتعرف إلى حقارة وتفاهة التشريع الذي‬ ‫يحكم به عبيد الياسق ‪:‬‬ ‫أول‪ :‬عدوان قوانينهم على دين السلم واستخفافها بملة التوحيد وحمايتها للشرك والمشركين‪.‬‬ ‫دين السلم أو ( التوحيد ) من أهم الضرورات التي جاءت الشريعة للمحافظة عليها ودرء‬ ‫المفاسد عنها‪ ،‬والحاديث في التحذير من الشرك بأنواعه المختلفة أكثر من أن يتسع لها هذا‬ ‫‪231‬‬ ‫حتّى ل َتكُونَ ِف ْتنَةٌ َو َيكُونَ الدّينُ ُكلّهُ‬ ‫المقام الضيق‪ ..‬وقدمنا فيما مضى قوله تعالى‪{ :‬وَقَا ِتلُوهُمْ َ‬ ‫ِللّهِ} [النفال ‪ .]39 :‬وقول النبي‬ ‫‪( :‬مَنْ بَدّلَ دِينَهُ فَا ْق ُتلُوهُ) ‪.‬‬ ‫أما موقف قوانين عبيد الياسق من هذه الضرورة الخطيرة‪ ..‬فقد تقدم بيان ذلك في المثال الثاني‬ ‫من كفريات دستورهم بما يُغني عن إعادته‪ ،‬وملخصه أن القوم ل يقيمون اعتبارا لدين السلم‬ ‫في قوانينهم‪ ..‬فلو قلّبت قوانينهم كلها من أولها إلى آخرها لما وجدت مادة واحدة أو نصف مادة‬ ‫أو سطرا أو كلمة تحرم أو تمنع أو حتى تقول بكراهة الرتداد عن دين السلم أو تنص على‬ ‫عقوبة ولو هزيلة لذلكة فتلك عندهم حرية‪ ،‬وليست بجريمة مطلقا‪.‬‬ ‫جاء في كتاب (الوسيط في شرح القانون الجزائي الكويتي) ص‬ ‫‪11‬‬ ‫( كان الدين مصدرا لكل‬ ‫أنواع السلوك فيما مضى‪ ،‬ولم يشذ التنظيم التشريعي عن ذلك‪ ،‬فكان العدوان على المقدسات‬ ‫الدينية‪ ،‬معاقبا جزائيا‪ ،‬كما كان التظاهر بعدم التمسك بالشعائر المقدسة جرما يلحق مقترفه)‬ ‫إلى أن قالوا في الصفحة نفسها‪( :‬وجاءت شرعة حقوق النسان التي أعلنتها المم المتحدة عام‬ ‫‪1948‬‬ ‫تؤكد حرية العبادة وحرية التعبير عن الرأي‪ ،‬وقد أقرت الدول العربية هذه الشرعة‪،‬‬ ‫وأعلنت قبولها بمبادئها‪ ،‬وهذا التطور في الراء انتهى إلى قصر رسالة القانون الجزائي على‬ ‫معالجة الجريمة والمجرمين دون تجاوزها إلى قضايا أخرى تتجاوز أهدافه ولذلك فإنه ل‬ ‫يتعرض للجرائم الدينية إل إذا تسببت في إحداث اضطراب في المن‪ ،‬أو جرحت مشاعر‬ ‫الكثرية الدينية‪ )..‬إلى قوله ‪( :‬ل توجد نصوص قانونية تعاقب على عدم القيام بالشعائر‬ ‫الدينية‪ ..‬الخ)‪ .‬والتعليق على هذه الزندقة المكشوفة يحتاج إلى مصنف وحده‪ ..‬والمقصود منه‬ ‫أن يعرف الموحد؛ أنّ الردة عن الدين بأي صورة‪ ،‬مغلظة كانت أم غير مغلظة‪ ،‬ليست بجريمة‬ ‫عندهم ول حتى جنحة‪ ،‬ول عقوبة عليها‪ ،‬بل هي حرية تحميها وتكفلها قوانينهم‪..‬‬ ‫علَم أي دولة أخرى من دول الولياء من مكانه‪ ،‬يعتبر جنحة‬ ‫علَمهم أو َ‬ ‫بينما مجرد تنـزيل َ‬ ‫تستوجب السجن ثلث سنوات وغرامة مالية قدرها‬ ‫‪225‬‬ ‫دينارا‪.‬‬ ‫ومجرد جرح كلب مملوك للغير أو قرد أو خنزير يكفي لسجن النسان بسببه سنتين ويعاقب‬ ‫بغرامة قدرها‬ ‫‪2000‬‬ ‫روبية‪.‬‬ ‫علَمهم النتن ولجرح حيوان‬ ‫وهذا يدلك على سفاهة قوانينهم هذه وخستها‪ ،‬فهي تعاقب لنزال َ‬ ‫وإن كان مأمورا بقتله في دين ال تعالى‪ ،‬أما إقصاء الشريعة وإنزالها عن دفة الحكم وفصلها‬ ‫عن الدنيا‪ ،‬وقتل الدين وإماتة العقيدة وهدمها فل عقوبة عليه ألبتّة ‪ ..‬بل إن في مواد قوانينهم ما‬ ‫‪232‬‬ ‫يحمي المرتدين والمشركين على اختلف مللهم ونحلهم بل والوثنيين كعباد بوذا وغيرهم‪ ،‬وقد‬ ‫قدمنا أن من الدلة الواضحة على أنهم ل يقيمون أي اعتبار لدين السلم حمايتهم لكل العقائد‬ ‫والديان الباطلة وحماية طقوسها الشركية وكتبها الباطلة التي هي حرب على توحيد ال َتعَالى‬ ‫وطعن صريح في عقائد السلم النقية‪ ،‬فيحمون السيكي وإفكه‪ ،‬والبوذي وباطله‪ ،‬وعباد البقر‬ ‫وشركياتهم‪ ،‬وكل ملة ونحلة خبيثة‪ .‬وهذا كله مضاد لدين ال وتوحيده الذي يقتضي ويوجب‬ ‫البراءة من كل ملة باطلةة‬ ‫وتقدمت المادة (‪ )35‬من ياسقهم والتي نصت على أن (حرية العتقاد مطلقة) فل بأس في ياسقهم‬ ‫أن يرتد المسلم عن دينه فيصبح يهوديا أو نصرانيا أو وثنيا أو علمانيا أو شيوعيا‪ ..‬فهذه حرية‬ ‫شخصية يكفلها قانونهم النتن‪ ،‬والواقع البائس أكبر شاهد على ذلك ‪..‬‬ ‫إذا فقوانينهم حرب على التوحيد وهدر وتضييع لدين السلم وحماية للشرك وأهله‪..‬‬ ‫يا قومنا ال في إسلمكم‬ ‫ل تفسدوه (بياسق ) الشيطان‬ ‫ثانيا ‪ :‬تضييع قوانينهم للنفوس والدماء وتهوينها من شأن الجريمة والمجرمين‬ ‫عصمت الشريعة السلمية دم المسلم فل يحل دمه إلّ بأمور محدودة منصوص عليها في‬ ‫سلِمٍ إِلّ‬ ‫الكتاب والسنّة‪ ..‬ومن ذلك ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما‪( :‬ل يَحِلّ دَمُ ا ْم ِرئٍ مُ ْ‬ ‫جمَاعَةِ)‪.‬‬ ‫س‪ 1‬وَالتّا ِركُ لِدِينِهِ ا ْلمُفَارِقُ ِللْ َ‬ ‫ب الزّانِي وَالنّ ْفسُ بِالنّفْ ِ‬ ‫بِإِحْدَى ثَلثٍ ال ّث ّي ُ‬ ‫• والثيب الزاني ‪ :‬هو المتزوج إذا زنا‪ ،‬وسيأتي فيما بعد بيان هذا وذكر قوانينهم التي تشجع‬ ‫على الزنا والدعارة والفواحش‪ ،‬وأن شريعة ال َتعَالى تأمر بقتل الثيب إذا زنى وقوانينهم تحميه‬ ‫وتقول‪ :‬ل يقتلة‬ ‫سلِمٌ ِبكَا ِفرٍ) كما تقدم من حديث النبي‬ ‫• والمقصود بالنفس نفس المؤمن الموحد (ول يُ ْقتَلُ مُ ْ‬ ‫وهذا بالطبع مردود غير معتبر في قوانينهم التي تساوي بين المسلمين والمجرمين خلفا‬ ‫لشريعة ال العادلة التي ل تقتل المسلم الموحد بالكافر النجس ومع ذلك فإذا وُجدت دولة السلم‬ ‫فإن أهل العهد وأهل الذمة تُعصم دماؤهم‪ ،‬ليس السيك وعبدة البقر وبوذا وغيرهم من عبدة‬ ‫الوثان‪ ،‬وكذا الروافض وأمثالهم فهؤلء ليسوا أهل ذمة وإنما المقصود بهم أهل الكتاب ومن‬ ‫سن الصحابة بهم سنتهم‪ ،‬ول يعني عصم دمائهم أن يقتل المسلم بالكافر وإنما يعني إثم القاتل‬ ‫سلِمِ )‬ ‫صفُ ِديَةِ ا ْلمُ ْ‬ ‫عند ال تعالى وتغريمه الدية‪ ،‬وديتهم نصف دية المسلم لحديث ( ِديَةُ المعاهد ِن ْ‬ ‫رواه المام أحمد وغيره وهو حديث حسن‪ ،‬إل أن يكون قتل عمد فتضاعف الدية بدل القود كما‬ ‫‪233‬‬ ‫في مسند المام أحمد والدارقطني وغيرهما وهو صحيح من قضاء عثمان بن عفان ‪ ،‬ول‬ ‫يساوون بالمسلمين كما في ياسق الكفر‪ ،‬وهذا كله إذا كانوا يدفعون الجزية عن يد وهم‬ ‫صاغرون ول يعلنون أو يجاهرون بطقوس دينهم أو يظهرون صلبانهم أو كتبهم وشركياتهم‪..‬‬ ‫ول يترفّعون على المسلمين أو حتى يساوون أنفسهم أو يتشبهون بهم وقد قال الفاروق لبي‬ ‫موسى حينما كان واليا واتخذ كاتبا نصرانيا‪( :‬ل تؤمّنوهم وقد خوّنهم ال‪ ،‬ول تقرّبوهم وقد‬ ‫أبعدهم ال ول تعزّوهم وقد أذلّهم ال) رواه البيهقي وهو صحيحة‬ ‫هذا في حكم الفاروق وأمثاله من أولياء الرحمن أما في حكم أولياء ياسق الشيطان فهم أعزة‬ ‫مُقدّمون مُبجّلون مع أنهم يسومون المسلمين أشد العذاب في كل مكان‪ ..‬ويستضعفونهم‬ ‫ويستهزؤون بدين السلم ويطعنون بنبيه ويعلنون شركياتهم ويجاهرون بهاة‬ ‫• والتارك لدينه‪ :‬هو المرتد‪ ،‬وقد تقدم بأنهم فتحوا باب الردة على مصراعيه وحرسوا ذلك‬ ‫وحموه بقوانينهم الكافرة‪ ،‬ول تخفى حال بلد المسلمين اليوم على كل بصير فإن أنواع الردة‬ ‫وأشكالها المختلفة في ظل هذه القوانين النتنة قد ملت كل مكان‪ ..‬سواء بترك شعائر السلم‬ ‫وتعطيلها كليا أو بترك الصلة وجحدها أو بانتشار نواقض ( ل ِإلَهَ إِلّ ال) المختلفة من‬ ‫الستهزاء والطعن في الدين وأوامره وغير ذلك مما هو مشتهر ومعروف‪ ..‬ول يلقى ذلك كله‬ ‫من هذه القوانين وعبيدها إلّ الحماية والحراسة والتأييد‪..‬‬ ‫ويلتحق بقتل المرتد قتل الساحر فقد ثبت الدليل على قتله من السنة لنه كافر‪ ..‬وهذا غير‬ ‫موجود في قوانينهم طبعا لن السحر أصبح فنّا من الفنون العصرية‪ ..‬أما الرقى القرآنية‬ ‫والعلجات النبوية الشرعية فهي عندهم شعوذات يطاردها قانونهم ويمنعها‪.‬‬ ‫ويلتحق بذلك الفساد في الرض وقطع الطريق وشق عصا المسلمين وأمثاله كما في الية (‪)33‬‬ ‫من سورة المائدة التي تسمى بآية الحرابة‪ ..‬وهذا بالطبع ل تعرفه قوانين عبيد الياسق إلّ إذا‬ ‫كان في سبيل حماية عروشهم وأمن كروشهم‪ ،‬فحينئذ تخرج وتنطلق فتاوى سدنتهم من كل‬ ‫منافق عليم اللسان يدندنون بهذه الية ليصبغوا جرائم الطغاة في حق كل من خرج على قوانينهم‬ ‫الباطلة صبغة شرعية ولو كان ذلك الخارج من أتقى أهل الرض وأصلحهم‪ ..‬فإنه يُسمى‬ ‫بخروجه على كفريات عبيد الياسق مفسدا في الرض باغيا خارجيا إلى غير ذلك من ألقابهم‬ ‫التي يج َترّونها دوما وينعتون بها أهل الدين والصلح‪ ،‬أما من خرج على الدين وأخرجه من‬ ‫واقع الحكم والحياة وأفسد عقائد الناس وشريعتهم وحياتهم وأحكامهم وأموالهم وأعراضهم‬ ‫‪234‬‬ ‫بقوانينه الفاسدة‪ ..‬فإن هذه الية ل تتناوله أبدا عند علماء السوء هؤلء‪ ،‬وكذا قوانينهم ل شأن‬ ‫لها بذلك؛ ول تعاقب عليه‪ ،‬لنها كما قدمنا مقصورة على معالجة كل ما يشتهون إلّ الجرائم في‬ ‫حق الدين‪ ..‬وهذا ما قررته شرعة حقوق النسان التي أعلنتها المم المتحدة وهي سيدتهم‬ ‫المبجّلة فكيف يحيدون عن قراراتها؟؟‪.‬‬ ‫ومن ذلك قتل اللوطي سواء كان محصنا أو غير محصن‪ ،‬كما في حديث ابن عباس أن النبي‬ ‫عمَلَ َقوْمِ لُوطٍ فَا ْق ُتلُوا الْفَاعِلَ وَا ْلمَ ْفعُولَ بِهِ)‬ ‫قال‪( :‬مَنْ وَجَ ْد ُتمُوهُ َي ْعمَلُ َ‬ ‫أما في شرع عبيد الياسق فليس للوطي قتل أبدا بل عقوبته الحبس مدة ل تتجاوز سبع سنوات‪..‬‬ ‫وهذا يعني أنها قد تنحدر وتتدنى إلى أقل من ذلك بكثير تبعا لهوى القاضي (وشطارة المحامي‬ ‫وقوة الواسطة)‪.‬‬ ‫هذا إذا واقع رجل رجلً آخر بلغ الحادية والعشرين كما في المادة (‪ )193‬من قانون الجزاء‪ ،‬أما‬ ‫إذا كان دون الثامنة عشرة ولو بأيام‪ ،‬فلهما مطلق الحرية في اللواطة وغيرها كما ستعرفه مما‬ ‫سيأتي من قانون الحداثة لتزداد بصيرة من نتانة قوانينهم وقذارتها‪ ،‬وأنها تشجع على اللواطة‬ ‫والزنا والخنا‪.‬‬ ‫عَل ْيكُمْ‬ ‫وكذلك النفس بالنفس في شرع ال ‪ ..‬أي قتل المسلم عمدا كما في قوله تعالى‪ُ { :‬ك ِتبَ َ‬ ‫سلْطَانًا}‬ ‫ج َع ْلنَا ِل َوِليّهِ ُ‬ ‫ظلُومًا فَقَدْ َ‬ ‫الْقِصَاصُ فِي الْ َق ْتلَى} [البقرة ‪ .]178 :‬وقوله تعالى‪َ { :‬ومَنْ ُقتِلَ مَ ْ‬ ‫[السراء‪ .]33:‬فقاتل النفس المسلمة يقتل في شرع ال‪.‬‬ ‫أما في شرع عبيد الياسق فالمر مختلف‪ ،‬والقوم عندهم استدراكات كثيرة على ال‪َ ،‬تعَالى ال‬ ‫عما يفتريه الظالمون علوا كبيرا‪ ،‬ومن ذلك‪:‬‬ ‫المرأة إذا ارتكبت جريمة قتل وكانت حاملً ثم وضعت طفلها حيا فإنها ل تقتل في شرعهم‬ ‫أبدا‪ ..‬انظر مادة رقم (‪ )59‬من قانون الجزاء ومادة (‪ )318‬من قانون الجراءات والمحاكمات‬ ‫ومادة (‪ )49‬من قانون تنظيم السجون‪ ..‬ومعلوم في شرع ال َتعَالى أن المرأة إذا ارتكبت ما‬ ‫يوجب القتل وكانت حاملً ل تعفى من القتل بل تُقتل بعد أن تضع ما في بطنها وترضعه‬ ‫وتفطمه كما في حديث الغامدية التي زنت وحملت من الزنا‪..‬‬ ‫فال عز وجل يوجب قتلها‪ ..‬وعبيد الياسق يوجبون وقف تنفيذ العدام فانظر إلى الوقاحة‬ ‫والمحادة‪..‬‬ ‫‪235‬‬ ‫كذلك الشاب البالغ العاقل في شرع ال إذا قتل‪ ،‬فإنه ل يقتل عندهم‪ ،‬ما دام لم يتم الثامنة عشرة‬ ‫من عمره ولو بأيام كما في المادة رقم (‪ )14‬من قانون الحداث ‪-:‬‬ ‫( أ ‪ -‬إذا ارتكب الحدث الذي أكمل الخامسة عشرة ولم يكمل الثامنة عشر من العمر جناية‬ ‫عقوبتها العدام أو الحبس المؤبد حكم القاضي عليه بالحبس مدة ل تزيد على عشر سنوات)‪.‬‬ ‫وحتى الرجل الكبير الذي تعدى الثامنة عشرة من عمره إذا قتل عمدا ل يعاقب بالعدام على‬ ‫كل حال‪ ،‬بل للقاضي أن يستبدل ذلك الحبس المؤبد كما في المادة (‪ )149‬من قانون الجزاء ول‬ ‫يعاقب عندهم بالعدام جزما إلّ إذا اقترن القتل العمد بسبق الصرار والترصد كما في المادة (‬ ‫‪.)150‬‬ ‫بل لعبيد الياسق ومحاكمهم أن يستبدلوا عقوبة العدام بالسجن المؤقت أيضا‪ ،‬متى شاءوا كما‬ ‫في المادة (‪ )83‬المرقعة من قانون الجزاء التي تنص على أنه ( يجوز للمحكمة إذا رأت أن‬ ‫المتهم جدير بالرأفة بالنظر إلى الظروف التي ارتكب فيها الجريمة‪ ،‬أو بالنظر إلى ماضيه أو‬ ‫أخلقه أو سنه‪ ،‬وأن تستبدل بعقوبة العدام عقوبة الحبس المؤبد أو المؤقت الذي ل تقل مدته‬ ‫عن عشر سنوات)‪ ..‬ثم قالوا للتهويل من شأن مادتهم الفاسدة هذه ‪ ( :‬ول يجوز أن تقل عقوبة‬ ‫الحبس المؤقت عن ثلث الحد القصى للجريمة) ثم عادوا فخرموها ليبقى معهم مجال للعب‬ ‫والعبث فقالوا‪ ( :‬كل ذلك ما لم ينص القانون على حد أدنى آخر) وبالطبع فإن قانونهم ينص‬ ‫على تهوينات وتمييعات كثيرة ل تحصى سنعدد كثيرا منها فيما يأتي لتعرف أن القضية في‬ ‫شريعة الغاب ( حاميها حراميها) ومواد وبنود تخبط بعضها بعضا (وأنت وحظك وواسطتك يا‬ ‫ولد)‪.‬‬ ‫بل إن المادة رقم (‪( )160‬المعدلة) المرقعة من قانون الجراءات والمحاكمات تتيح لكثير من‬ ‫المجرمين الهرب والفرار من عقوبة العدام بسهولة جدا فهي تنص على أنه‪ ( :‬إذا كانت‬ ‫الجريمة معاقبا عليها بالحبس مدة تزيد على سبع سنوات أو بعقوبة أشد من ذلك واشترك في‬ ‫ارتكابها أكثر من شخص واحد‪ .‬وكان التحقيق في حاجة إلى أدلة كافية ضدهم أو ضد بعضهم‬ ‫فللمحكمة أن تمنح عفوا لي شخص يظن أن له علقة بالجريمة ولو كان متهما بارتكابها على‬ ‫شرط أن يدلي بمعلومات تكفي للقبض على المتهمين الخرين وأن يقدم كل ما لديه من أدلة‬ ‫تساعد في إدانتهم ويعتبر المتهم في هذه الحالة شاهدا‪ ،‬ولكن ل يحلف اليمين‪ .‬ويجوز أن يبقى‬ ‫محبوسا على ذمة القضية ويصبح العفو نافذا ملزما إذا قام المتهم بتنفيذ هذه الشروط بحسن نية‬ ‫‪236‬‬ ‫وساعد المحكمة في التحقيق مساعدة جدية ويصدر الحكم بعدم قبول الدعوى ضده بناء على‬ ‫العفو)ة‬ ‫فبإمكان أي مجرم شارك في قتل البرياء أن ينجو من عقوبة العدام أو المؤبد بأن يبادر‬ ‫ويسارع في التبليغ عن شركائهة وهذا فتح باب عظيم لزهاق أرواح البرياء والستخفاف بها‪..‬‬ ‫في ظل حماية هذه المادة من قانونهم النتنة‬ ‫أليست هذه شرعة غاب‪..‬؟؟ إي وربي إنها العبث والسفاهة والفوضىة‬ ‫ليس ذلك وحسب بل لميرهم أن يسقط الحكم تماما ويأمر بالعفو الشامل عن القاتل قتلً عمدا‬ ‫وإن كان قتله عن سبق الصرار والترصد كما في المادة (‪ )217‬من قانون الجراءات‬ ‫والمحاكمات الجزائية‪( :‬كل حكم بالعدام ل يجوز تنفيذه إلّ بعد مصادقة المير عليه‪ ،‬ويوضع‬ ‫المحكوم عليه في السجن إلى أن يُصدر المير قراره بالمصادقة أو تخفيف العقوبة أو العفو)‪.‬‬ ‫بل قد نصوا على ذلك في دستورهم الكفري فقالوا في المادة (‪ )75‬منه ‪( :‬للمير أن يعفو‬ ‫بمرسوم عن عقوبات الجرائم أو أن يخففها)‪.‬‬ ‫وكذا مادة (‪ )60‬من قانون الجزاء ‪ ( :‬ل يجوز تنفيذ عقوبة العدام إلّ بعد تصديق المير‪،‬‬ ‫ويحق له من تلقاء نفسه العفو عن هذه العقوبة أو استبدال غيرها بها)‪.‬‬ ‫أليس هذا قمة في العبث بأرواح الناس وحقوقهم ودمائهم؟‪ ..‬ثم ليتفكر العاق‪ ،‬ما مصدر هذا‬ ‫القانون وأمثاله؟ هل هو الكتاب والسنة يا ترى؟؟‬ ‫هـذا كتاب ال أنّى قال ذا‬ ‫أو عبده المبعوث بالبرهـــان‬ ‫أو صحبه من بعده أو تابع‬ ‫لهم عـلى اليـمان والحسان‬ ‫ل وال إنما مصدره كناسة الهواء وزبالة الراء وقذارة الشهوات‪ ..‬أليس من مصادر تشريعهم‬ ‫الرأي والهوى؟‪ ..‬فلبد إذن أن تطوع وتشكل القوانين تبعا لمصالحهم وكما يشتهون ويحبون‪..‬‬ ‫وأين هذا كله من شرع اللطيف الخبير الذي ل يأتيه الباطل من بين يديه ول من خلفه؟‪ ..‬فسحقا‬ ‫سحقا لمن عطّله واستبدل به هذه القاذورات سحقا له وبعداة وعلى هذا فإذا كان القاتل من آل‬ ‫الصباح مثلً‪ ،‬أو كانت لديه معرفة وعلقة طاغوتية بالمير فلهذا المير أن يقرر العفو الشامل‬ ‫عن أخيه المجرم الثيم ولو كان المقتول أتقى أهل الرض جميعا فل قيمة لذلك عندهم ول‬ ‫حبّ رسول ال‬ ‫اعتبار‪ ..‬وأنّى هذا المير وأمثاله من نعل أسامة بن زيد ِ‬ ‫الذي قال له النبي‪:‬‬ ‫‪237‬‬ ‫ط ْعتُ‬ ‫سرَ َقتْ لَقَ َ‬ ‫حمّدٍ َ‬ ‫طمَةَ ِب ْنتَ مُ َ‬ ‫(َأتَشْفَعُ فِي حَدّ مِنْ حُدُو ِد اللّهِ؟)‪ ..‬إلى قوله‪( :‬وَايْ ُم اللّهِ َلوْ أَنّ فَا ِ‬ ‫يَدَهَا) ‪.‬‬ ‫وإذا علمت أن شريعة ال َتعَالى لم تُحل دم المسلم إلّ بأمور معدودة منصوص عليها‪ ،‬بقي أن‬ ‫تعلم أن عبيد الياسق قد استحلوا قتله في أبواب شتى‪ ،‬تبعا لهوائهم ومصالح عروشهم فمن‬ ‫ذلك‪:‬‬ ‫‪ -‬مادة (‪ )1‬من الجرائم المتعلقة بأمن الدولة‪( :‬يعاقب بالعدام ‪ :‬أ‪ -‬كل من ارتكب فعلً يؤدي‬ ‫إلى المساس باستقلل البلد أو وحدتها أو سلمة أراضيها‪ .‬ب ‪ -‬كل كويتي رفع السلح على‬ ‫الكويت ‪ ..‬الخ)‪.‬‬ ‫وهذا كما أسلفنا من القوانين المطاطية التي يستفيد منها عبيد الياسق لحماية عروشهم وقوانينهم‬ ‫وسلطانهم كيف شاؤوا ومتى شاؤوا تبعا لهوائهم‪..‬‬ ‫ومثل ذلك تماما المادة (‪ )23‬من القانون نفسه‪( :‬يعاقب بالعدام كل من اعتدى على حياة‬‫المير أو على سلمته أو على حريته أو تعمد تعريض حياته أو حريته للخطر ‪ ،‬ويحكم بذات‬ ‫العقوبة إذا كان الفعل قد وقع على ولي العهد)‪.‬‬ ‫‪ -‬وكذلك المادة (‪ ( : )24‬يعاقب بالعدام كل من اعتدى بالقوة على السلطات التي يتولها‬ ‫المير‪ ،‬سواء كان ذلك بحرمانه من كل هذه السلطات أو من بعضها أو كان بعزله أو إجباره‬ ‫على التنازل ويعاقب بنفس العقوبة كل من استعمل القوة لقلب نظام الحكم القائم في البلد)‪.‬‬ ‫ أضف إلى ذلك من أمثلة أهوائهم مادة (‪ ( )31‬ل جريمة إذا وقع الفعل أثناء مباراة رياضيةة‬‫الخ) تأمل السفاهة‪ !.‬ومادة (‪ ( :)37‬ل جريمة إذا وقع الفعل من موظف عام أثناء مباشرته‬ ‫اختصاصه‪ ،‬استعمالً لسلطة يقررها القانون‪ ،‬أو تنفيذا لمر يوجب عليه القانون طاعته‪ ،‬بشرط‬ ‫أن يلتزم حدود السلطة أو المر) فينكّلون طبقا لهذه المادة وأمثالها بكل مخالف لسلطتهم‬ ‫وشركياتهم وباطلهم في حدود ما يوجب ياسقهم الذي ل يقيم وزنا لحرمات ال‪ ،‬ول يرقب في‬ ‫مؤمن إلً ول ذمة‪.‬‬ ‫وهكذا ترى أن قوانينهم هذه ليست إلّ عبثا واستهتارا واستخفافا بنفوس المسلمين ودمائهم‪ ،‬وفي‬ ‫الوقت نفسه هي حماية لدماء ونفوس المجرمين والمشركين والمرتدين كما تقدم يقلبونها‬ ‫بأهوائهم وشهواتهم كيفما شاؤوا‪.‬‬ ‫ثالثا‪ :‬استهتار قوانينهم واستخفافها بالعقول‬ ‫‪238‬‬ ‫العقل َأيْضا من الضروريات التي جاءت الشريعة لحفظها لذا فقد حرم ال كل شراب مسكر‪،‬‬ ‫عمَلِ‬ ‫جسٌ مِنْ َ‬ ‫لزْلمُ رِ ْ‬ ‫سرُ وَالَنصَابُ وَا َ‬ ‫خ ْمرُ وَالْ َميْ ِ‬ ‫قال تعالى‪{ :‬يَا َأ ّيهَا الّذِينَ آ َمنُوا ِإ ّنمَا الْ َ‬ ‫خ ْمرِ‬ ‫شيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ َب ْي َنكُمْ ا ْلعَدَا َوةَ وَا ْل َبغْضَاءَ فِي الْ َ‬ ‫ج َت ِنبُوهُ َل َعّلكُمْ تُ ْفلِحُونَ ِإ ّنمَا ُيرِيدُ ال ّ‬ ‫شيْطَانِ فَا ْ‬ ‫ال ّ‬ ‫ن الصّلةِ َفهَلْ َأ ْنتُمْ مُن َتهُونَ} [المائدة ‪.]91-90 :‬وأوجب النبي‬ ‫وَا ْل َميْسِرِ َو َيصُ ّدكُمْ عَنْ ِذ ْكرِ اللّهِ وَعَ ْ‬ ‫الحد على شارب الخمر درءا للمفسدة عن العقل‪ ،‬وكان شاربها يضرب بالجريد والنعال زيادة‬ ‫في الزجر والتنفير عنها‪..‬‬ ‫أما في شرع عبيد الياسق فالخمر ليست محرمة ول مانع من تعاطيها لمن شاء متى شاء ولكن‬ ‫الشرط الوحيد عندهم فقط أل يكون ذلك في مكان عام‪ ،‬وحتى من تعاطاها في مكان عام ولو‬ ‫شهد عليه ألف إنسان فإن دين ياسقهم ل يوجب عليه حدا ول ضربا‪ ،‬وإنما عقوبة هزيلة تافهة‬ ‫تُـهوّن من شأن هذه الكبيرة وتشجّع عليها‪..‬‬ ‫جاء في المادة (‪ )206‬مكرر‪( :‬يعاقب بالحبس مدة ل تزيد على ستة شهور وبغرامة ل تجاوز‬ ‫خمسين دينارا أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من تعاطى في مكان عام أو في مكان يستطيع فيه‬ ‫رؤيته من كان في مكان عام أو في ناد خاص خمرا أو شرابا مسكرا‪ )..‬والمقلب لجرائدهم‬ ‫النتنة‬ ‫يجد فيها عشرات بل مئات من جرائم السكر التي يحكم فيها بوقف تنفيذ هذا القانون‬ ‫رغم هزالته وتفاهته‪ ،‬فيُحكم على المجاهر بالسكر بسجن لمدة شهر أو شهرين أو ثلثة غالبا مع‬ ‫وقف التنفيذ‪ ،‬أي أنه ل يسجن فعليا بل ذلك مجرد تهديد‪ ..‬وأحيانا إذا حكم عليه بالسجن خرج‬ ‫بكفالة قدرها خمسون دينارا‪ ،‬أي أنه إذا عاد إلى المجاهرة بالسكر أخذت منه الخمسون دينارا‬ ‫فقط‪ ،‬كما هو واضح في القانون حيث قالوا‪ ( :‬أو بإحدى هاتين العقوبتين) فل تتعجب بعد أن‬ ‫عرفت هذا إذا ما رأيت أو سمعت خبرا مفاده (أصدرت محكمة الجنح حكمها بحبس المتهم‬ ‫حسين ثلثة أشهر مع الشغل وكفالة خمسين دينارا ليقاف التنفيذ بتهمة السكر البين‪ ،‬وإقلقه‬ ‫راحة عمته فاطمة بسبب تناوله الخمر‪ ،‬ودخوله منزلها وإيقاظها من نومهاةالخ)‪.‬‬ ‫وغير ذلك كثير ل نريد تسويد هذه الصفحات به وإنما نقصد التمثل‪..‬وكل ذلك كي يسهلوا‬ ‫تعاطي الخمر وهي مقدمات لباحتها مطلقا كما هو حال كثير من دول الجوار الطاغوتية‬ ‫الخرى‪.‬‬ ‫بل يصرحون وبوقاحة في قوانينهم بتسمية الخمر بالمشروبات الروحية تهوينا لها ومتابعة‬ ‫لوليائهم الغربيين كما في قانون المرور‪ .‬انظر على سبيل المثال مادة (‪ )38‬ومادة (‪ ..)44‬وهذا‬ ‫‪239‬‬ ‫مصداق قول رسول ال‬ ‫حين أخبر عن أناس يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها‪ ..‬كما في‬ ‫الحديث الذي رواه ابن ماجة عن عبادة ابن الصامت‪.‬‬ ‫وهذا يدلك على استهتار القوم واستخفافهم بعقول البشر التي جعلتها الشريعة من الضروريات‬ ‫التي يجب حفظها وحمايتها‪.‬حتى بلغ بهم المر أن يعظموا شأن الحيوان وإن كان حيوانا حقيرا‬ ‫كالخنزير مثلً أكثر من عقول الخلق‪..‬‬ ‫حيث تقدم أن من جرح أيّ (حيوان مملوك) هكذا جاء في المادة (‪ )254‬من قانون الجزاء بصيغة‬ ‫العموم ولم تستثن أي نوع من الحيوانات خنزيرا أو غيره‪ ،‬المهم أن يكون مملوكا ولو لكافر‬ ‫محارب أو مشرك فإنهم لم يحددوا أيضا‪ ..‬فالعقوبة عندهم السجن سنتين فأقل وغرامة ألفي‬ ‫روبية‪ ..‬بينما للحفاظ على العقل وضعوا عقوبة ل تزيد عن ستة أشهر فجرح كلب لسيكي أو‬ ‫خنزير لصليبي أهم في شريعة وقوانين عبيد الياسق من العقل الذي امتن ال َتعَالى به على‬ ‫النسان‪..‬‬ ‫ن اللّهِ أَفَل َتعْ ِقلُونَ }‬ ‫{ ُأفّ َلكُمْ َوِلمَا َت ْعبُدُونَ مِنْ دُو ِ‬ ‫علَم‬ ‫علَم روسيا الشيوعية أو أمريكا الصليبية‪ ،‬إنزاله فقط ليس تقطيعه أو إهانته‪ ،‬أو َ‬ ‫كذلك إنزال َ‬ ‫أي دولة خبيثة تحارب السلم والمسلمين‪ ،‬المهم عندهم أل تكون معادية لنظمتهم فهذا عندهم‬ ‫جريمة أعظم من جريمة العتداء على الشرع والعقل لذا فإن ياسقهم النتن كما في المادة (‪)33‬‬ ‫من قانون جرائم أمن الدولة يقضي على من فعل ذلك بالسجن ثلث سنوات وغرامة مالية‬ ‫قدرها (‪ )225‬دينارا‪ ..‬كما تقدم‪ .‬فالحمد ل على نعمة السلم ونعمة العقل التي حرم منها‬ ‫أصحاب هذه التشريعات المتهافتة الساقطة‪.‬‬ ‫رابعا‪ :‬تلعب قوانينهم وعبثها بالعراض‬ ‫العرض َأيْضا من الضرورات التي جاءت الشريعة لحفظها وحمايتها‪ ،‬فنهى سبحانه عن كل ما‬ ‫ضكُمْ َبعْضًا}[الحجرات ‪.]12 :‬‬ ‫يمس عرض المسلم من أذى‪ .‬من ذلك قوله تعالى‪{ :‬وَل َي ْغ َتبْ َب ْع ُ‬ ‫للْقَابِ} [الحجرات ‪ .]11 :‬وأحاديث النبي‬ ‫سكُمْ وَل َتنَا َبزُوا بِا َ‬ ‫وقوله عز وجل‪{ :‬وَل َتلْمزُوا أَنفُ َ‬ ‫في ذلك كثيرة‪ ..‬ولجل ذلك حرّم ال القذف وجعله من الموبقات وأوجب سبحانه على من رمى‬ ‫صنَاتِ ثُمّ لَمْ يَ ْأتُوا بَِأ ْر َبعَةِ‬ ‫ح َ‬ ‫مسلما بفرية حدّ القذف ثمانين جلدة‪ ،‬قال تعالى‪{ :‬وَالّذِينَ َي ْرمُونَ ا ْلمُ ْ‬ ‫شهَا َدةً َأبَدًا َوُأ ْوَل ِئكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ إِلّ الّذِينَ تَابُوا مِنْ‬ ‫جلْ َدةً وَل تَ ْق َبلُوا َلهُمْ َ‬ ‫جلِدُوهُمْ َثمَانِينَ َ‬ ‫شهَدَاءَ فَا ْ‬ ‫ُ‬ ‫ن اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور ‪.]5-4 :‬‬ ‫صلَحُوا فَإِ ّ‬ ‫َبعْدِ َذِلكَ َوأَ ْ‬ ‫‪240‬‬ ‫فتوجب شريعة ال َتعَالى القاذف طبقا لهذه الية إذا لم يقم البينة على صحة ما قال‪ ،‬ثلثة‬ ‫أحكام‪:‬‬ ‫أحدها‪ :‬أن يجلد ثمانين جلدة‪.‬‬ ‫والثاني‪ :‬أن ترد شهادته أبدا‪.‬‬ ‫والثالث‪ :‬أن تنتفي عدالته فيصير فاسقا‪.‬‬ ‫خ َرةِ‬ ‫صنَاتِ ا ْلغَافِلتِ ا ْل ُمؤْ ِمنَاتِ ُل ِعنُوا فِي ال ّد ْنيَا وَال ِ‬ ‫ح َ‬ ‫وقال َتعَالى في حقه‪{ :‬إِنّ الّذِينَ َي ْرمُونَ ا ْلمُ ْ‬ ‫َوَلهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور ‪ .]23 :‬هذا في دين ال تعالى‪.‬‬ ‫أما في دين عبيد الياسق ‪ ،‬فإن المر مختلف لنهم ل َي ْعتَدّون أصلً بأحكام الشريعة ل قرآنها‬ ‫ول سنّة نبيها‬ ‫‪ ،‬ل في القذف ول في غيره‪ ،‬لذا فإن عقوبة القذف عندهم قد ل تتعدى السجن‬ ‫شهرا واحدا أو الغرامة التي ل تتجاوز مائة روبية‪ ،‬طبقا لمادة (‪ )212‬من قانون الجزاء وقد‬ ‫تزيد عن ذلك قليلً بشرط أن ل تتعدى السنتين‪ ،‬أو الغرامة التي ل تتجاوز ألفي روبية‪ ،‬وهي‬ ‫أشد عقوبة عندهم للقذف كما في المادة (‪ )209‬والتي نصها‪( :‬كل من أسند لشخص‪ ،‬في مكان‬ ‫عام أو على مسمع أو مرأى من شخص آخر غير المجني عليه‪ ،‬واقعة تستوجب عقاب من‬ ‫تنسب إليه أو تؤذي سمعته‪ ،‬يعاقب بالحبس مدة ل تجاوز سنتين وبغرامة ل تجاوز ألفي روبية‬ ‫أو بإحدى هاتين العقوبتين‪.‬‬ ‫فال عز وجل يأمر في شريعة السلم بجلد القاذف ثمانين جلدة‪ ،‬وردّ شهادته وإسقاط عدالته‪..‬‬ ‫وعبيد الياسق يقولون‪ :‬ل‪ ..‬السجن أو الغرامة فقط‪ ،‬هذا إذا لم يحكموا بوقف التنفيذ‪ ..‬أو‬ ‫يستعملوا المواد التي تعطي المير حق العفو في أي جريمة كما تقدم أو غير ذلك مما يجعل‬ ‫أعراض الناس ألعوبة لكل خسيسة‬ ‫واعلم أن المر ل يقف عند هذا الحد بل القوم قد شرعوا في دينهم قوانين تفتح الباب على‬ ‫مصراعيه لكل نذل وحقير ليطعن في أعراض من شاء من المسلمين كيف شاء ومتى شاءة‬ ‫وانظر على سبيل المثال المادة (‪ )213‬من قانون الجزاء‪ (( :‬ل جريمة إذا وقعت الفعال‬ ‫المنصوص عليها في المواد السابقة ‪ -‬أي مواد القذف والسب ‪ -‬في الحوال التية‪ - :‬إذا‬ ‫صدرت القوال أو العبارات المنشورة من موظف أو غير موظف تنفيذا لحكم القانون أو‬ ‫استعمالً لختصاص أو لحق يقرره ))‪ ،‬وذكروا أحوالً أخرى ‪ ..‬ثم قالوا ‪ (( - :‬وفي الحوال‬ ‫المتقدمة الذكر‪ ،‬يستوي أن تكون القوال أو العبارات صحيحة أو غير صحيحة‪ ،‬ويستوي أن‬ ‫‪241‬‬ ‫يكون من صدرت منه يعتقد صحتها أو ل يعتقد ذلك‪ ،‬ويستوي أن يكون النشر قد تم بحسن نية‬ ‫أو بسوء نية))‪ .‬وهاك بعض صفات هذه القوال والعبارات التي جوزوها لموظف أو غير‬ ‫موظف تنفيذا لحكم القانون أو استعمال لختصاص منحة له القانون‪ ،‬كما جاءت في مادتيهم (‬ ‫‪ :)210( )209‬فمن ذلك ‪( :‬وصف الشخص بواقعة تستوجب عقابا ‪ ،‬أو تؤذي سمعته‪ ،‬أو سب‬ ‫يخدش شرفه)‪.‬‬ ‫أليس هذا تسهيلً وفتحا لباب الطعن في العراض في ظل حماية قانونهم؟؟‪ .‬وفي ظل (الحقوق‬ ‫والختصاصات التي يقررها) لوليائه وعبيده وسدنته‪ ..‬على حد تعبيرهم‪..‬؟؟‬ ‫بقي أن تعلم أخيرا أن نصوص موادهم هذه المتعلقة بالقذف نصوص مطاطية هلمية عامة‬ ‫كباقي قوانينهم‪ ..‬فيستطيعون عن طريق تسيّب هذه المواد وعمومها أن يدخلوا فيها وتحت‬ ‫محتواها كل باطل وهوى وزور يشتهونه‪ ،‬فيستطيعون على سبيل المثال أن يصدوا الناس عن‬ ‫النهي عن المنكر‪ ،‬كالتحذير من منكرات الممثلين الساقطين والساقطات الحياء منهم والموات‬ ‫ومن أفلمهم ومسرحياتهم الفاجرة التي يشيعون فيها الفاحشة بين المسلمين‪ ..‬فباستطاعة عبيد‬ ‫الياسق بواسطة هذه القوانين وعباراتها الهلمية أن يزجوا بكل مخلص حذّر الناس من هذه‬ ‫المنكرات بالسجن سنتين مع الغرامة المالية‪ ..‬وهكذا‪ ،‬بأمثال قولهم في المادة (‪( )209‬أو تؤذي‬ ‫سمعته) فإن هذه العبارة ليس لها حدود ول قيود عندهم‪ ،‬خصوصا وقد قالوا (يستوي أن تكون‬ ‫القوال أو العبارات صحيحة أو غير صحيحة‪ ..‬إلخ )‪ ،‬فيدخل في ذلك إنكار المنكر على أهله‬ ‫ولو كان شركا صراحا ‪ ..‬أضف إلى ذلك أن قانونهم هذا يصلح للذب عن كل زنديق وملحد‬ ‫وينفع لحماية كل كافر ومشرك دون تفريق بين بوذي أو هندوسي أو سيكي أو رافضي‪ ،‬فقولهم‬ ‫في مواد القذف المشار إلى أرقامها آنفا ( كل من أسند لشخص) يؤدي ولبد إلى هذه النتيجة‬ ‫الوخيمة‪ ..‬أعني حماية الشرك وأهله‪..‬‬ ‫وواقع مجتمعاتهم النكد من أكبر الدلة على ما نقول‪ ..‬فإن صور الدعاة المخلصين من المؤمنين‬ ‫تشوه ويطعن فيها ليل نهار‪ .‬فتارة يظهرونهم في تمثيلياتهم الفاجرة بصور معتوهين يلحقون‬ ‫النساء في كل مكان ل همّ لهم إلّ فروجهم‪ ..‬وتارة يصورون ذلك في صحافتهم النتنة بصور‬ ‫(كاريك