‫أحكام‬

‫حضور المساجد‬

‫تأليف‬

‫عبد الله بن صالح الفوزان‬
‫عضو هيئة التدريس‬
‫بجامعة المام محمد بن سعودا لسلمية‬

‫‪‬‬
‫مقـدمـة الطبعة الثانية‬
‫الحمد لله رب العالمين‪ ،‬والصلة والسلم على نبينا محمد وعلى‬
‫آله وصحبه أجمعين ‪. . .‬‬
‫أما بعد ‪. .‬‬
‫فهذه هي الطبعة الثانية لكتابي "أحكام حضور المساجد" بعد نفففاد‬
‫طبعته الولى‪ ،‬وإلحاح الكثيرين بإعادة طبعه‪.‬‬
‫وقففد قففرأت الكتففاب وزدت عليففه أحكام فا ً أخففرى‪ ،‬وأضفففت بعففض‬
‫الفوائد وصححت ما فيه مفن أخطفاء‪ ،‬كمففا عنيفت بوضففع الفواصفل ففي‬
‫مواضعها المناسبة‪.‬‬
‫وصففلى اللففه وسففلم علففى عبففده ورسففوله نبينففا محمففد وعلففى آلففه‬
‫وصحبه‪.‬‬

‫كتبه‬
‫عبد الله بن صالح الفوزان‬
‫في ضحى يوم الخميس‬
‫‪20/12/1421‬هف‬

‫‪2‬‬

‫مقـدمـة‬
‫إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره‪ ،‬ونعوذ بالله من شرور‬
‫أنفسنا ومن سيئات أعمالنا‪ ،‬من يهده الله فل مضل له‪ ،‬ومن يضلل فل‬
‫هادي له‪ .‬وأشهد أن ل إله إل الله وحده ل شريك له‪ .‬وأشهد أن محمدا ً‬
‫عبده ورسوله‪.‬‬
‫أما بعد‪:‬‬
‫فإن الصلة جماعة في بيوت الله تعالى من واجبات الدين‪ ،‬وسنن‬
‫الهدى‪ .‬يجتمع للمصلي فيها شرف المناجاة لله تعالى‪ ،‬وشرف العبادة‪،‬‬
‫وشرف البقعة‪ .‬ولقد رتب السلم على حضور المساجد أجرا ً عظيما ً‬
‫تحدثت عنه نصوص كثيرة‪.‬‬
‫وإذا كان حضور الجماعة بهذه المنفزلة‪ ،‬فإنه يجب على قاصد‬
‫المسجد لداء هذه العبادة العظيمة أن يتحلى بأشرف الصفات‪ ،‬وأحسن‬
‫الخصال‪ ،‬مما ورد في أحكام حضور المساجد مما دل عليه كتاب الله‬
‫تعالى وسنة رسوله‪‬؛ تأدبا ً مع الله تعالى‪ ،‬واحتراما ً للبقعة‪ ،‬ومراعاة‬
‫لخوانه المصلين‪ ،‬وتطبيقا ً للسنة‪.‬‬
‫وإن من الملحظة أن كثيرا ً ممن يقصدون المساجد لداء الصلة‬
‫يخلون بأشياء كثيرة تتعلق بالمساجد‪ ،‬سواء قبل دخولها أو بعد دخولها‪.‬‬
‫فهناك أخطاء‪ ،‬وهناك مخالفات‪ ،‬وهذا يرجع – في نظري – إلى سببين‪:‬‬
‫الول‪ :‬ضعف اليمان عند جمع من الناس مما أدى إلى الجهل‬
‫بأحكام كثيرة تتعلق بالمساجد‪ ،‬أو العلم بها مع الزهد فيها والرغبة عن‬
‫العمل بها‪.‬‬
‫وإن العراض عن دين الله ل يتعلمه ول يعمل به أمر جد ّ خطيرة‪،‬‬
‫وقد ورد عن النبي ‪ e‬أنه قال‪" :‬إن الله يبغض ك ّ‬
‫ل عالم بأمر الدنيا‬
‫جاهل بأمر الخرة")‪ .(1‬وإني أخشى أن يكون التساهل بأحكام المساجد‬
‫تساهل ً بالصلة ذاتها‪.‬‬
‫السبب الثاني‪ :‬تحول هذه العبادة العظيمة – وهي الصلة – إلى‬
‫عادة عند كثير من الناس؛ تجد أن الذاهب إلى المسجد كالذاهب إلى‬
‫‪1‬‬

‫‪3‬‬

‫)( هذا جزء من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – وقد أخرجه ابن حبان في صحيحه )‪(1/273‬‬
‫والبيهقي )‪ (10/194‬وهو حديث صحيح‪ .‬انظر الصحيحة لللباني رقم )‪.(195‬‬

‫مكان آخر‪ ،‬ل يجد فرقا ً بين التجاهين‪ ،‬إن لم يهتم للثاني أكثر من‬
‫الول‪.‬‬
‫إن الصلة التي كانت قرة عيون المؤمنين‪ ،‬ومعراج المتقين‪،‬‬
‫أصبحت عند كثير من المصلين عبارة عن حركات منظمة تفتقد‬
‫الخشوع والطمأنينة والقبال الحقيقي على مالك يوم الدين‪ .‬وأّنى‬
‫لصلة كهذه أن تنهى عن الفحشاء والمنكر‪ ،‬فتؤدي وظيفتها في حياة‬
‫الناس وسلوكهم ‪!. .‬‬
‫إن مرتكب الكبائر يجلس في المسجد ويتلو آيات الله‪ ،‬فتمر عليه‬
‫آيات الربا‪ ،‬وآيات المر باتباع الرسول ‪ e‬وغيرها‪ ،‬دون أن تهّز من نفسه‬
‫أو تنبه شعوره !!)‪.(1‬‬
‫أقول‪ :‬لهذين السببين وغيرهما رغبت في جمع ما حضرني من‬
‫أحكام حضور المساجد وآدابه في بحث مستقل؛ حرصا ً على إحياء‬
‫السنة‪ ،‬وتذكير الناس بما غفلوا عنه‪ ،‬وحثا ً على العمل بها‪ ،‬كما هو شأن‬
‫السلف الصالح من هذه المة‪.‬‬
‫وحرصت على إيراد أصح القوال في كثير من المسائل‪ ،‬مبتعدا ً‬
‫عن الخلف ومناقشات الدلة‪ ،‬إل ما يدعو له المقام كما تراه في بعض‬
‫المسائل‪.‬‬
‫وفي تخريج الحاديث اقتصر على الصحيحين إن كان الحديث‬
‫فيهما‪ ،‬وإل فالسنن‪ ،‬وقد أزيد على ذلك إن كان ثم فائدة‪ ،‬فإن لم يكن‬
‫فيها ذكرت غيرها‪ ،‬وغرضي من ذلك الختصار؛ لئل أثقل هوامش‬
‫الكتاب‪.‬‬
‫وإذا رأيت – أيها القارئ الكريم – طول ً في بعض الحكام وقصرا ً‬
‫في أخرى فلن طبيعة الموضوع تفرض هذا وتقتضي ذاك‪ .‬وهكذا‬
‫الشأن في فصول الكتاب‪.‬‬
‫وقد جعلت هذا الكتاب في تمهيد‪ ،‬وثلثة أبواب‪.‬‬
‫أما التمهيد فيشتمل على مطلبين‪:‬‬
‫الول‪ :‬في تعريف المسجد وفضل بنائه وما ينبغي فيه‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫‪4‬‬

‫)( في مجلة البحوث السلمية‪ ،‬العدد الثاني‪ ،‬ص)‪ (185‬مقال جيد‪ ،‬قي موضوع‪ :‬تحول العبادات‬
‫إلى عادات‪ ،‬للدكتور محمد أبي الفتح البيانوني‪.‬‬

‫والثاني‪ :‬في حكم صلة الجماعة والتحذير من التهاون فيها‪.‬‬
‫وأما الباب الول – وهو أطول البواب – فهو في أحكام حضور‬
‫المسجد للصلوات الخمس وقد جعلته في فصلين‪:‬‬
‫الول‪ :‬في أحكام الخروج إلى المسجد‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬في أحكام حضور المسجد‪.‬‬
‫وأما الثاني فهو في أحكام حضور الجمعة؛ لن لها أحكاما ً تزيد‬
‫على الصلوات الخرى‪ ،‬وقد جعلته في فصلين – أيضا ً ‪:-‬‬
‫الول‪ :‬في أحكام الستعداد للجمعة‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬في أحكام حضور مسجد الجمعة‪.‬‬
‫وأما الباب الثالث‪ :‬فتكلمت فيه على أحكام حضور المرأة‬
‫للمسجد؛ لنها وإن كانت تشارك الرجل في جملة من أحكامه؛ إل أن‬
‫لها أحكاما ً تخصها‪.‬‬
‫والله نسأل أن يرزقنا جميعا ً العلم النافع والعمل الصالح‪ ،‬إنه‬
‫واهب ذلك لمن شاء‪ ،‬وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله‬
‫وصحبه‪.‬‬
‫كتبه‬
‫عبد الله بن صالح‬
‫الفوزان‬

‫‪5‬‬

‫تمهـيد‬
‫يشتمل على مطلبين‪:‬‬

‫المطلب الول‬
‫في تعريف المسجد‪ ،‬وفضل بنائه‪ ،‬وما ينبغي فيه‬
‫فِعل( – بكسر العين ‪ :-‬اسم لمكان‬
‫م ْ‬
‫المسجد لغة‪ :‬على وزن ) َ‬
‫السجود‪ ،‬وبالفتح‪ :‬اسم للمصدر‪.‬‬
‫قال في "الصحاح"‪) :‬المسجد بالفتح‪ :‬جبهة الرجل حيث يصيبه ندب‬
‫جد‪ :‬واحد المساجد ‪.(1)( . . .‬‬
‫س َ‬
‫جد والم ْ‬
‫السجود ‪ . .‬والم ْ‬
‫س ِ‬
‫وقال في "تثقيف اللسان"‪) :‬ويقال للمسجد‪ :‬مسيد‪ ،‬بفتح الميم‪،‬‬
‫حكاه غير واحد()‪ .(2‬فتحصل في ذلك ثلث لغات‪ :‬كسر الجيم‪ ،‬وفتحها‪،‬‬
‫ومسيد بالياء موضع الجيم‪.‬‬
‫أما المسجد شرعًا‪ :‬فكل موضع من الرض‪ ،‬لقوله ‪" :e‬جعلت لي‬
‫الرض مسجدًا")‪ (3‬أي‪ :‬موضع سجود‪ ،‬ل يختص السجود منها بموضع دون‬
‫غيره‪.‬‬
‫وهذا يدل على أن الصل في الرض الطهارة حتى تعلم نجاستها‪،‬‬
‫وأن كل أرض طاهرة طيبة للصلة‪ ،‬إل ما دل الدليل على استثنائه‬
‫كالمقبرة والحمام ومعاطن البل ونحو ذلك‪.‬‬
‫وتعريف المسجد شرعا ً بأنه كل موضع من الرض ذكره الزركشي‬
‫الشافعي وتبعه على ذلك الجّراعي الحنبلي)‪ .(4‬لكن هذا تعريف المسجد‬
‫لغة – كما مضى – ل شرعا ً كما سيأتي إن شاء الله ‪.-‬‬
‫أما المسجد شرعا ً فهو بقعة من الرض تحررت عن التملك‬
‫صصت للصلة‬
‫الشخصي‪ ،‬وعادت إلى ما كانت عليه لله تعالى‪ ،‬وخ ّ‬
‫والعبادة)‪.(5‬‬
‫وهذا ما جعله الزركشي مسجدا ً في العرف حث قال‪) :‬ثم إن‬
‫العرف خصص المسجد بالمكان المهيأ للصلوات الخمس‪ ،‬حتى يخرج‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪6‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫الصحاح )‪.(485 – 2/484‬‬
‫تثقيف اللسان ص )‪.(186‬‬
‫أخرجه البخاري )‪ (335‬ومسلم )‪.(521‬‬
‫إعلم الساجد ص )‪ ،(27‬تحفة الراكع ص)‪.(12‬‬
‫أحكام المساجد في السلم ص)‪.(18‬‬

‫المصّلى المجتمع فيه للعياد ونحوها‪ ،‬فل يعطى حكمه‪ ،‬وكذلك الربط‬
‫والمدارس فإنها هيئت لغير ذلك()‪.(1‬‬
‫ولعل مراده بذلك العرف الشرعي‪ ،‬فإن العلماء أجمعوا على أن‬
‫البقعة ل تكون مسجدا ً حتى يقفها مالكها وقفا ً صحيحا ً مؤبدًا‪ ،‬ل‬
‫اشتراط فيه ول خيار‪ .‬سواء وقفها واللفظ‪ ،‬أو وجد من القرائن الفعلية‬
‫ما يدل على ذلك؛ كأن يبني مسجدا ً ويأذن للناس في الصلة فيه)‪.(2‬‬
‫فإن لم يوقف فليس بمسجد ولو اتخذ للصلة‪ ،‬وذلك كما لو اتخذ‬
‫رجل معذور شرعا ً في التخلف عن الجماعة مصلى في بيته‪ ،‬أو اتخذت‬
‫المرأة مصلى في قعر دارها‪ ،‬وكذا ما يوجد في الدوائر الحكومية‪ ،‬أو‬
‫المدارس من أماكن يصلى فيها فليست بمساجد‪ ،‬فل تعطى حكمه‪.‬‬
‫قال البغوي بعد إيراد حديث )أمر رسول الله ‪ e‬ببناء المساجد في‬
‫الدور ‪) :(3)(. .‬وفي الحديث دليل على أن المكان ل يصير مسجدا ً‬
‫بالتسمية حتى يسّبله صاحبه‪ ،‬ولو صار مسجدا ً لزال عنه ملك المالك()‪.(4‬‬
‫وقد اختلف العلماء في مصلى العيد – وهو المكان المخصص‬
‫لصلة العيد سواء أحيط بسور أم ل – هل يعد ّ مسجدا ً فيعطى أحكام‬
‫المساجد؟ قولن‪:‬‬
‫الول‪ :‬أن مصلى العيد ليس بمسجد‪ ،‬فل يأخذ أحكامه‪ ،‬إل ما‬
‫يتعلق بطهارة البقعة‪ ،‬وتواصل الصفوف‪ ،‬والقتداء بالمام‪ ،‬وهذا قول‬
‫جمهور العلماء؛ لن مصلى العيد ليس له جماعة راتبة يقيمون الصلة‬
‫المفروضة‪ ،‬وما ل تقام فيه الصلة المفروضة ل يعتبر مسجدًا‪ ،‬فل تكون‬
‫له أحكام المسجد)‪.(5‬‬
‫القول الثاني‪ :‬أن مصلى العيد مسجد‪ ،‬إذا جعله صاحبه وقفًا‪،‬‬
‫فيأخذ أحكام المسجد من تحريم البيع والشراء فيه ودخول الحائض‪،‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪7‬‬

‫)( إعلم الساجد ص)‪ ،(28‬تحفة الراكع ص)‪ .(12‬والّربط‪ :‬مفرده رباط وهو‪ :‬المكان يبنى للفقراء‪.‬‬
‫)( المغني )‪ ،(8/190‬أحكام المساجد في السلم ص)‪.(18‬‬
‫)( أخرجه الترمذي )‪ (595 ،594‬وأبو داود )‪ (455‬وابن ماجه )‪ ،(758‬وإسناده صحيح‪ .‬إل أنه أعلّ‬
‫بالرسال‪ .‬لكن جاء وصله من ثقة فيقبل‪ .‬والمراد بالدور‪ :‬القبائل‪ ،‬كما فسرها سفيان ابن عيينة‪.‬‬
‫ونقله الترمذي‪ ،‬وقيل‪ :‬البيوت‪ ،‬وهو قول الخطابي‪ .‬انظر‪ :‬تحفة الحوذي )‪ ،(3/206‬معالم السنن )‬
‫‪.(1/258‬‬
‫)( شرح السنة )‪.(2/400‬‬
‫)( انظر‪ :‬المجموع )‪ ،(2/180‬إعلم الساجد ص )‪.(386‬‬

‫ونحو ذلك‪ ،‬وهو الصحيح من المذهب عند الحنابلة‪ .‬وهو قول عياض‬
‫الدارمي)‪ .(1‬قال في الفروع‪) :‬والصحيح أن مصلى العيد مسجد()‪.(2‬‬
‫واستدلوا بقول أم عطية – رضي الله عنها ‪) :-‬أمرنا أن نخرج العواتق‬
‫وذوات الخدور‪ ،‬ويعتزلن الحّيض المصلى()‪.(3‬‬
‫ووجه الدللة‪ :‬أن فيه أمر النبي ‪ e‬الحيض باعتزال المصلى‪ ،‬فدل‬
‫على أنه مسجد‪ ،‬له حكم المساجد‪ ،‬ولو لم يكن كذلك لما منعت منه‬
‫الحائض ‪. . .‬‬
‫وأجاب الجمهور عن ذلك بأن أمر الحّيض باعتزال المصلى‬
‫ليتميزن‪ ،‬ولئل يلوثن المصلى‪ ،‬وليتسع لغيرهن)‪.(4‬‬
‫والقول بأن مصلى العيد مسجد قول قوي‪ ،‬وذلك لوقفة لله تعالى‬
‫للصلة فيه‪ ،‬ول فرق بين أن يكون لصلة عيد أو راتبة؛ لن الرسول ‪e‬‬
‫أمر الحّيض باعتزاله‪ ،‬والمرأة الحائض ل تعتزل إل المسجد‪ ،‬ل تعتزل‬
‫مصلها في بيتها أو مصلى رجل في بيته‪ .‬وعلى هذا فيصلي النسان إذا‬
‫دخل مصلى العيد)‪.(5‬‬
‫أما مصلى الجنائز – إن وجد لها مكان خاص – فليس بمسجد؛ لن‬
‫صلة الجنازة ل ركوع فيها ول سجود)‪.(6‬‬
‫ومما يأخذ حكم المسجد‪ :‬رحبة المسجد – وهي ساحته ومّتسعه –‬
‫والغالب أنها متصلة به‪ ،‬يشملها سوره‪ ،‬سواء كانت في وسط المسجد‬
‫وخلفها وأمامها أروقة‪ ،‬أو كانت الروقة في جهة القبلة فقط‪ ،‬كما في‬
‫أكثر المساجد)‪.(7‬‬
‫وكذا مكتبة المسجد؛ وهي غرفة تبنى في رحبته غالبًا‪ ،‬فلها حكم‬
‫المسجد إن كان بابها في وسط المسجد‪ ،‬فتشرع تحية المسجد لمن‬
‫دخلها‪ ،‬ويصح العتكاف فيها‪ ،‬فإن كان بابها خارج المسجد فليست منه‪،‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫‪8‬‬

‫)( المجموع شرح المهذب )‪.(2/180‬‬
‫)( الفروع )‪.(1/202‬‬
‫)( أخرجه البخاري )‪.(324‬‬
‫)( المجموع )‪.(2/180‬‬
‫)( منتهى الرادات )‪ ،(1/83‬معونة أولي النهى )‪ ،(1/397‬النصاف )‪ ،(1/246‬الشرح الممتع )‬
‫‪ ،(5/204‬مجالس عشر ذي الحجة ص )‪.(105‬‬
‫)( انظر‪ :‬كشاف القناع )‪.(1/148‬‬
‫)( انظر‪ :‬المجموع )‪ (6/507‬النصاف )‪.(3/364‬‬

‫وكذا لو كانت خارج سور المسجد‪ ،‬بأن بنيت بجواره وفتح لها باب إلى‬
‫المسجد فإنها ل تكون منه)‪.(1‬‬
‫وقد ورد في بناء المساجد أو المساهمة في بنائها أدلة كثيرة‪ ،‬تدل‬
‫على أن ذلك من أجل الطاعات‪ ،‬وأفضل القربات؛ لن المساجد بيوت‬
‫الله تعالى‪ ،‬وهي الوسيلة لقامة صلة الجماعة‪ ،‬ولها وظائف عظيمة‬
‫في نظر السلم‪.‬‬
‫قال تعالى‪ :‬إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الخر‬
‫وأقام الصلة وآتي الزكاة ولم يخش إل الله فعسى أولئك أن يكونوا‬
‫من المهتدين‪.(2)‬‬
‫وقوله‪ :‬يعمر مساجد الله‪ ‬شامل للعمارة بالبناء والعمارة‬
‫بالعبادة؛ لن باني المسجد يتقرب إلى الله تعالى ببنائه‪ ،‬فهو يعمر‬
‫المسجد لطاعة الله تعالى‪.‬‬
‫وعن عثمان بن عفان – رضي الله عنه – قال‪ :‬إني سمعت رسول‬
‫الله ‪ e‬يقول‪" :‬من بنى لله مسجدا ً يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتا ً‬
‫في الجنة" وفي رواية‪" :‬بنى الله له مثله في الجنة")‪.(3‬‬
‫وعن أبي ذر – رضي الله عنه – قال‪" :‬من بنى لله مسجدا ً ولو‬
‫مفحص قطاة بنى الله له بيتا ً في الجنة" وفي رواية‪" :‬ولو كمفحص‬
‫قطاة")‪ ،(4‬وفي حديث جابر – رضي الله عنه – بلفظ‪" :‬كمفحص قطاة‬
‫أو أصغر ‪.(5)". .‬‬
‫ومفحص القطاة‪ :‬هو الموضع الذي تفحص التراب عنه‪ ،‬أي‪:‬‬
‫ص القطاة بهذا؛ لنها ل تبيض في شجرة‬
‫تكشفه وتحيه لتبيض فيه)‪ .(6‬وخ ّ‬

‫‪1‬‬

‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫‪5‬‬

‫‪6‬‬

‫‪9‬‬

‫)( أحكام المساجد في الشريعة السلمية )‪ ،(2/79‬فتاوى ابن عثيمين )‪ ،(14/351‬أحكام‬
‫المساجد في السلم )‪.(2/59‬‬
‫)( سورة التوبة‪ :‬الية ‪.18‬‬
‫)( أخرجه البخاري )‪ (450‬ومسلم )‪.(533‬‬
‫)( أخرجه البزار )‪ 260‬مختصر زوائده( والطبراني في الصغير )‪ (2/120‬وابن حبان )‪ (4/490‬وابن‬
‫أبي شيبة )‪ .(1/310‬وهو حديث صحيح‪.‬‬
‫)( أخرجه ابن ماجه )‪ (738‬وابن خزيمة )‪ ،(2/269‬قال في الزوائد )‪" :(1/261‬هذا إسناد صحيح ‪.‬‬
‫‪.". .‬‬
‫)( انظر‪ :‬أساس البلغة ص )‪.(335‬‬

‫ول على رأس جبل‪ ،‬إنما تجعل مجثمها على بسيط من الرض‪ .‬فلذلك‬
‫شبه به المسجد)‪.(1‬‬
‫قال في فتح الباري‪) :‬وحمل أكثر العلماء ذلك على المبالغة؛ لن‬
‫المكان الذي تفحص القطاة عنه لتضع بيضها وترقد عليه ل يكفي‬
‫مقداره للصلة فيه‪ ،‬ويؤيده رواية جابر هذه‪ ،‬وقيل‪ :‬بل هو على ظاهره‪،‬‬
‫والمعنى‪ :‬أن يزيد في مسجد قدرا ً يحتاج إليه‪ ،‬تكون الزيادة هذا القدر‪،‬‬
‫أو يشترك جماعة في بناء مسجد‪ ،‬فتقع حصة كل واحد منهم ذلك القدر‬
‫‪.(2)( . . .‬‬
‫وتنبغي العناية ببناء المسجد بتهيئة المساحة الكافية‪ ،‬والهتمام‬
‫بتحديد جهة القبلة‪ ،‬وأن يتولى البناء أيد مسلمة أمينة‪ ،‬وأن تبنى بما‬
‫يتناسب مع البنيان الحديث‪ ،‬ويجب الحذر من زخرفة المساجد والتباهي‬
‫ص‬
‫بذلك – كما هو الواقع اليوم – وذلك من علمة الساعة‪ ،‬وقد ن ّ‬
‫)‪.(3‬‬
‫العلماء على كراهة ذلك‪ ،‬وصرح بعضهم بالتحريم‬
‫وقد ورد عن أنس – رضي الله عنه – أن النبي ‪ e‬قال‪" :‬ل تقوم‬
‫الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد")‪.(4‬‬
‫قال البخاري‪ :‬قال أنس‪ :‬يتباهون بها‪ ،‬ثم ل يعمرنها إل قلي ً‬
‫ل‪ ،‬وقال‬
‫ابن عباس‪ :‬لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى‪ .‬أ هف‪ .‬والتباهي بها‪:‬‬
‫العناية بزخرفتها‪ ،‬والتسابق في ذلك‪.‬‬
‫وقد نهى عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – عن زخرفة‬
‫المساجد؛ لن ذلك يشغل الناس عن صلتهم‪ ،‬مع ما فيه من السراف‬
‫والتبذير‪ ،‬فقال – رضي الله عنه – عندما أمر بتجديد المسجد النبوي –‬
‫ن الناس من المطر‪،‬‬
‫مع كثرة الفتوح في أيامه وسعة المال ‪" :-‬أك ّ‬
‫فر‪ ،‬فتفتن الناس")‪.(5‬‬
‫مر أو تص ّ‬
‫وإياك أن تح ّ‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫‪5‬‬

‫‪10‬‬

‫)( انظر‪ :‬حياة الحيوان الكبرى )‪.(2/255‬‬
‫)( فتح الباري )‪.(1/545‬‬
‫)( المجموع )‪ ،(2/180‬أحكام المساجد في الشريعة السلمية )‪.(2/46‬‬
‫)( أخرجه أحمد )‪ (19/372‬وأبو داود )‪ (449‬والنسائي )‪ (2/32‬وابن ماجه )‪ (739‬وابن خزيمة )‬
‫‪ (2/282‬وابن حبان )‪ (1614‬و)‪ (6760‬من طرق عن حماد بن سلمة‪ ،‬وإسناده صحيح على شرط‬
‫مسلم‪ .‬رجالة ثقات رجال الشيخين غير حماد بن سلمة فمن رجال مسلم‪.‬‬
‫)( انظر‪ :‬فتح الباري )‪.(1/539‬‬

‫قال النووي‪) :‬يكره زخرفة المسجد ونقشه وتزيينه؛ للحاديث‬
‫المشهورة‪ ،‬ولئل يشغل قلب المصلي()‪.(1‬‬
‫ولعل المراد بذلك كراهة التحريم لما في ذلك من إضاعة المال‪،‬‬

‫والتسبب في إشغال المصلين‪ ،‬وإبعادهم عن الخشوع والتدبر‬
‫والحضور مع الله تعالى‪ .‬وقد ذكر كثير من أهل العلم زخرفة‬
‫المساجد من البدع في الدين)‪.(2‬‬
‫قال ابن بطال بعد أن ذكر آثار تدل على كراهية المغالة في‬
‫تشييد المساجد وتزيينها قال‪) :‬وهذه الثار مع ما ذكر البخاري في هذا‬
‫الباب تدل على أن السنة في بنيان المساجد القصد وترك الغلو في‬
‫تشييدها خشية الفتنة والمباهاة ببنائها ‪ . . .‬وكان عمر رضي الله عنه‬
‫قد فتح الله الدنيا على أيامه ومكنه من المال فلم يغير المسجد عن‬
‫بنيانه الذي كان عليه في عهد النبي ‪ ،e‬ثم جاء المر إلى عثمان‪ ،‬والمال‬
‫صة)‪،(3‬‬
‫في زمانه أكثر‪ ،‬فلم يزد أن جعل في مكان اللبن حجارة وق ّ‬
‫صر هو وعمر عن البلوغ في‬
‫وسقفه بالساج مكان الجريد‪ ،‬فلم يق ّ‬
‫تشييده إلى أبلغ الغايات إل عن علم منهما من الرسول بكراهة ذلك‪،‬‬
‫وليفتدى بهما في الخذ من الدنيا بالقصد والكفاية‪ ،‬والزهد في معالي‬
‫أمورها‪ ،‬وإيثار البلغة منها)‪.(4‬‬
‫ويجب الحذر من السراف في توابع المسجد أو مكملته من‬
‫محرابه وأبوابه ونوافذه وفرشه وإنارته ومكبرات الصوت‪ ،‬ووسائل‬
‫التبريد‪ ،‬فلبد أن يكون ذلك بالقدر الكافي‪ ،‬والحذر مما يزيد على‬
‫كفاية‪.‬‬
‫وينهى عن زخرفة المحراب‪ ،‬أو كتابة شيء من اليات أو تعليق‬
‫الساعات ونحو ذلك مما يكون في قبلة المصلي‪ ،‬قال المام مالك –‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫‪11‬‬

‫)( المجموع )‪.(2/180‬‬
‫)( انظر‪ :‬البداع في مضار البتداع ص )‪ ،(183 ،74‬المر بالتباع ص )‪.(300‬‬
‫ص بلغة الحجاز‪.‬‬
‫)( القصة‪ :‬بفتح القاف‪ :‬الج ّ‬
‫)( شرح ابن بطال على صحيح البخاري )‪ (98 ،2/97‬وانظر‪ :‬الحوادث والبدع للطرطوشي ص)‬
‫‪.(103‬‬

‫رحمه الله ‪" :-‬أكره أن يكتب في قبلة المسجد بشيء من القرآن‬
‫والتزويق" وقال‪" :‬إن ذلك يشغل المصلي")‪.(1‬‬
‫وينبغي أن يكون المسجد مربعا ً أو مستطي ً‬
‫ل؛ لتتساوى فيه‬
‫الصفوف‪ ،‬وتتضح جهة القبلة لمن رأى المسجد‪ ،‬كما ينبغي الحذر من‬
‫عمارة المسجد على هيئة توحي بالتشبه‪ ،‬حتى إن من رأى بعضها ل‬
‫يدري أهي مساجد أم ل‪ ،‬بسبب أشكالها الغريبة)‪ ،(2‬والله المستعان‪.‬‬
‫كما يجب البعد عن السراف والمبالغة في تطويل المنائر أو‬
‫تعددها – كما في بعض المساجد – مما يكلف مبالغ عظيمة‪ ،‬قد تكفي‬
‫لبناء مساجد أخرى‪ ،‬ومكبرات الصوت تغني عن رفع المنائر أو تعددها‪،‬‬
‫بل قد تغني عنها البتة‪.‬‬
‫كما ينبغي الحذر من وضع الهلل في رأس المنارة‪ ،‬فإنه شعار‬
‫اتخذه المسلمون في وقت مضى‪ ،‬وهو مقتبس من غير المسلمين‪،‬‬
‫الذين اتخذوا لزخرفة بعض مبانيهم)‪.(3‬‬
‫ولبد أن تكون فرش المسجد من اللوان الهادئة‪ .‬التي ليس فيها‬
‫شيء من التصاوير ول الزخرفة‪ ،‬لن صور الصلبان والحيوان تكثر في‬
‫الفرش ل سيما ما يصنع للمساجد‪.‬‬
‫ويجوز وضع المدافئ الكهربائية في المسجد‪ ،‬فإن كانت في غير‬
‫جهة القبلة فهو أولى وإل فقد أفتى بعض العلماء بجواز وضعها في قبلة‬
‫المسجد أمام المصلين؛ لحاجة الناس إليها في أيام الشتاء)‪ ،(4‬وإن أتي‬
‫بدلها بالمدافئ الكهربائية الزيتية فهو أفضل؛ لنه ل أثر لها إل الحرارة‪.‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫‪12‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫الحوادث والبدع ص)‪.(107‬‬
‫أحكام المساجد في الشريعة السلمية )‪.(102 ،2/101‬‬
‫انظر‪ :‬العمارة في صدر السلم‪ ،‬ص)‪ (26‬المساجد بين التباع والبتداع ص)‪.(16‬‬
‫مجموع فتاوى ابن عثيمين – رحمه الله – )‪.(13/338‬‬

‫المطلب الثاني‬
‫في وجوب صلة الجماعة والتحذير من التهاون‬
‫فيها‬
‫للجتماع المشروع في العبادات شأن كبير عند الله تعالى‪ ،‬وله‬
‫فوائد كثيرة اجتماعية وفردية دينية ودنيوية‪ ،‬ومن هذه الجتماعات‬
‫صلة الجماعة في المسجد‪ ،‬يجتمع فيه أهل المحلة الواحدة ك ّ‬
‫ل يوم‬
‫وليلة خمس مرات‪ .‬فيحصل التواصل والتعاون‪ ،‬ويظهر عز السلم‬
‫وقوة المسلمين‪.‬‬
‫يتم في هذا الجتماع تعليم الجاهل‪ ،‬وتنشيط العاجز‪ ،‬والتعاون‬
‫على البر والتقوى والتنافس في أعمال الخير؛ من العطف على‬
‫الفقير والعاجز وغير ذلك من الفوائد العظيمة التي تعود على الفرد‬
‫والمجتمع بالخير والبركة‪.‬‬
‫ولقد كثرت الدلة من الكتاب والسنة على وجوب صلة الجماعة‬
‫وأدائها مع عباد الله في المساجد التي بنيت لها‪ ،‬وأنه ليس لحد من‬
‫عباد الله رخصة إذا سمع النداء أن يدع الجماعة ويصلي في منفزله‬
‫أو مكان عمله إل من عذر‪.‬‬
‫قال الله تعالى‪ :‬وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلواة فلتقم‬
‫طآئفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فيكونوا من ورآئكم‬
‫ولتأت طآئفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم‬
‫وأسلحتهم‪.(1)‬‬
‫ووجه الدللة من الية على أن صلة الجماعة واجبة‪ :‬أن الله‬
‫تعالى أمر بإقامة صلة الجماعة وهم في حالة الحرب والخوف‪ .‬ولو‬
‫كانت الجماعة سنة – كما يقول بعض الناس – لكان أولى العذار‬
‫بسقوطها عذر الخوف‪ .‬ولكن لما أمر الله تعالى بها في هذه الحال‪،‬‬
‫وسمح بأن يترك لها أكثر واجبات الصلة دل ذلك على أن وجوبها في‬
‫حال المن أولى‪ ،‬وإل فلو صلوا فرادى لم يكونوا بحاجة إلى ترك‬
‫‪1‬‬

‫‪13‬‬

‫)( سورة النساء‪ :‬الية ‪.102‬‬

‫بعض الواجبات‪ ،‬فإن هذه المور وغيرها تبطل الصلة لو فعلت بغير‬
‫عذر‪.‬‬
‫ثم تأمل كيف دلت الية الكريمة على أن صلة الجماعة فرض‬
‫عين وليست فرض كفاية وإل لسقطت عن الطائفة الثانية بفعل‬
‫الطائفة الولى)‪.(1‬‬
‫وانظر كيف جاز الجمع بين الصلتين للمطر وتقديم الصلة الثانية‬
‫عن وقتها لجل الجماعة‪ ،‬لو كان فعلها في البيت جائزا ً لما جاز الجمع‬
‫لذلك؛ لن أكثر الناس قادرون على الجماعة في البيوت فإن النسان‬
‫غالبا ً ل يخلو أن تكون عنده زوجة أو ولد أو صديق أو نحوهم‪ ،‬فيمكنه‬
‫أن يصلي كل صلة في وقتها جماعة‪ ،‬فلما جاز الجمع علم أن المقصود‬
‫بالجماعة جماعة المسجد‪ ،‬وأن حضور المساجد واجب على العيان إل‬
‫بعارض يجوز معه ترك الجماعة ‪.‬‬
‫وقال تعالى‪[ :‬وأقيموا الصلواة وآتوا الزكاة واركعوا مع‬
‫الراكعين] ‪.‬‬
‫قال ابن الجوزي‪ :‬أي‪ :‬صلوا مع المصلين‪ .‬وقال أبو بكر الكاساني‪:‬‬
‫)أمر الله تعالى بالركوع مع الراكعين‪ ،‬وذلك يكون في حالة المشاركة‬
‫في الصلة‪ ،‬فكان أمرا ً بإقامة الصلة بالجماعة‪ ،‬ومطلق المر لوجوب‬
‫العمل( ‪.‬‬
‫وقال تعالى‪[ :‬يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فل‬
‫يستطيعون)‪ (42‬خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى‬
‫السجود وهم سالمون] ‪.‬‬
‫قال ابن كثير رحمه الله‪) :‬لما دعوا إلى السجود في الدنيا‬
‫فامتنعوا منه مع صحتهم وسلمتهم كذلك عوقبوا بعدم قدرتهم عليه في‬
‫الخرة إذا تجلى الرب – عز وجل – فسجد له المؤمنون ل يستطيع أحد‬
‫من الكافرين ول المنافقين أن يسجد‪ ،‬بل يعود ظهر أحدهم طبقا ً‬
‫)‪(2‬‬

‫)‪(3‬‬

‫)‪(4‬‬

‫)‪(5‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪14‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫انظر‪ :‬كتاب الصلة لبن القيم ص )‪ ،(112‬ومجموع الفتاوى )‪.(23/227‬‬
‫انظر‪ :‬كتاب الصلة ص )‪.(137‬‬
‫سورة البقرة‪ :‬الية ‪.43‬‬
‫زاد المسير )‪ ،(1/75‬بدائع الصنائع )‪ ،(1/155‬وانظر‪ :‬كتاب الصلة لبن القيم ص)‪.(113‬‬
‫سورة القلم‪ :‬اليتان ‪.43 – 42‬‬

‫واحدًا‪ ،‬كلما أراد أحدهم أن يسجد خّر لقفاه‪ ،‬عكس السجود‪ ،‬كما كانوا‬
‫في الدنيا‪ ،‬بخلف ما عليه المؤمنون()‪ .(1‬وعليه فإجابة الداعي هي إتيان‬
‫المسجد‪ ،‬كما قال ‪ e‬للعمى‪) :‬أجب()‪ ،(2‬والله أعلم‪.‬‬
‫وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله ‪ e‬قال‪" :‬إن‬
‫أثقل صلة على المنافقين صلة العشاء وصلة الفجر‪ ،‬ولو يعلمون ما‬
‫فيهما لتوهما ولو حبوًا‪ ،‬ولقد هممت أن آمر بالصلة فتقام‪ ،‬ثم آمر رجل ً‬
‫فيصلي بالناس‪ ،‬ثم انطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم‬
‫ل يشهدون الصلة‪ ،‬فأحرق عليهم بيوتهم بالنار)‪."(3‬‬
‫م بتحريق بيوت المتخلفين عنها عليهم‪.‬‬
‫ووجه الدللة‪ :‬أن النبي ‪ e‬ه ّ‬
‫ول يهم بهذه العقوبة إل من أجل ترك واجب‪ ،‬وهو حضور الجماعة‪ .‬وإل‬
‫فالظاهر أنهم يصلون في بيوتهم؛ لقوله‪" :‬ل يشهدون الصلة"‪ .‬وفي‬
‫رواية‪" :‬فأحرق على من ل يخرج إلى الصلة بعد"‪ .‬أي‪ :‬بعد أن يسمع‬
‫النداء إليها أو بعد أن يبلغه التهديد المذكور)‪.(4‬‬
‫وعن عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – أنه قال‪) :‬من سّره‬
‫أن يلقى الله غدا ً مسلما ً فليحافظ على هؤلء الصلوات حيث ينادى‬
‫ن‪ ،‬فإن الله شرع لنبيكم ‪ e‬سنن الهدى‪ ،‬وإنهن من سنن الهدى‪ ،‬ولو‬
‫به ّ‬
‫أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة‬
‫نبيكم‪ ،‬ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم‪ ،‬وما من رجل يتطهر فيحسن‬
‫الطهور ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إل كتب الله له بكل‬
‫خطوة يخطوها حسنة‪ ،‬ويرفعه بها درجة‪ ،‬ويحط بها عنه سيئة‪ ،‬ولقد‬
‫رأيتنا وما يتخلف عنها إل منافق معلوم النفاق‪ ،‬ولقد كان الرجل يؤتى‬
‫به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف()‪.(5‬‬
‫فتأمل أول ً كيف جعل ابن مسعود – رضي الله عنه – الصلة في‬
‫البيوت وترك المساجد تركا ً للسنة‪ ،‬وترك السنة ضلل وانحراف‪ .‬ومثل‬
‫هذا ل يقال بالرأي‪ ،‬ول ضلل إل بترك شعيرة من شعائر الدين‪ ،‬مما‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪15‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫تفسير ابن كثير )‪.(8/225‬‬
‫كتاب الصلة لبن القيم ص)‪.(112‬‬
‫أخرجه البخاري برقم )‪ ،(626‬ومسلم رقم )‪.(651‬‬
‫انظر كتاب الصلة لبن القيم ص)‪ ،(114‬وانظر فتح الباري )‪.(2/141‬‬
‫رواه مسلم رقم )‪.(654‬‬

‫يدل على أن المساجد من أعظم شعائر الدين‪ ،‬وأنها ما بنيت إل ليصلي‬
‫فيها‪.‬‬
‫ثم تأمل ثانيًا‪ :‬كيف أجمع الصحابة – رضي الله عنهم – على أن‬
‫ترك صلة الجماعة في المسجد من علمات النفاق‪ ،‬حيث قال‪) :‬ولقد‬
‫رأيتنا وما يتخلف عنها إل منافق معلوم النفاق( ول يوصف بالنفاق من‬
‫ترك سنة‪ ،‬بل من ترك فريضة أو فعل محرما ً)‪.(1‬‬
‫ثم تأمل ثالثًا‪ :‬تعظيم الصحابة – رضي الله عنهم – لمر الجماعة‬
‫حيث إن الرجل المريض يؤتى به وقد مسك رجلن بعضديه حتى يقام‬
‫في الصف‪ ،‬مما يدل على تأكيد صلة الجماعة وتحمل المشقة في‬
‫حضورها‪ .‬وإذا كان هذا في حق المريض‪ ،‬فكيف يكون الحكم في حق‬
‫المعافى المن الذي يتقلب صباح مساء في نعم الله تعالى‪ ،‬ثم يقابل‬
‫ذلك بالتخلف عن صلة الجماعة‪ ،‬فهل هذا من الشاكرين؟‬
‫وقد ثبت عنه ‪ e‬تفضيل صلة الرجل في المسجد جماعة على‬
‫صلته في بيته وفي سوقه خمسة وعشرين ضعفًا‪ ،‬وذلك ما يرويه لنا‬
‫أبو هريرة – رضي الله عنه – قال‪ :‬قال رسول الله ‪" :e‬صلة الرجل‬
‫في الجماعة تضّعف على صلته في بيته وفي سوقه خمسة وعشرين‬
‫ضعفًا‪ ،‬وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء‪ ،‬ثم خرج إلى المسجد ل‬
‫يخرجه إل الصلة‪ ،‬لم يخط خطوة إل رفعت له بها درجة‪ ،‬وح ّ‬
‫ط عنه بها‬
‫خطيئة‪ .‬فإذا صلى لم تزل الملئكة تصلي عليه ما دام في مصله‪:‬‬
‫اللهم ص ّ‬
‫ل عليه‪ ،‬اللهم ارحمه! ول يزال أحدكم في صلة ما انتظر‬
‫الصلة")‪.(2‬‬
‫وهذا أجر عظيم‪ ،‬وثواب جزيل‪ ،‬ل يفرط فيه ويكتفي بدرجة واحدة‬
‫إل محروم اتبع هواه‪ ،‬وزهد فيما عند الله من الجر‪ ،‬نسأل الله‬
‫السلمة‪ .‬وهذه المضاعفة لصلة الجماعة في المسجد لوصاف ثلثة‬
‫دل عليها الحديث‪:‬‬
‫الوصف الول‪ :‬إحسان الوضوء‪ ،‬وذلك – والله أعلم – بأن يتوضأ‬
‫كوضوء النبي ‪.e‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪16‬‬

‫)( انظر كتاب الصلة لبن القيم ص)‪.(120‬‬
‫)( أخرجه البخاري رقم )‪ ،(620‬ومسلم رقم )‪.(649‬‬

‫الوصف الثاني‪ :‬الخروج إلى المسجد بنية خالصة ل يخرجه إل‬
‫قصد الصلة في الجماعة‪.‬‬
‫الوصف الثالث‪ :‬المبادرة إلى صلة ما كتب له من حين يصل إلى‬
‫المسجد‪ .‬والتضعيف المذكور في الحديث مرتب على هذه الوصاف‬
‫الثلثة‪ ،‬وما رتب على أوصاف متعددة ل يوجد بوجود بعضها‪ ،‬إل إذا د ّ‬
‫ل‬
‫الدليل على إلغاء ما ليس معتبرا ً أو ليس مقصودا ً لذاته)‪.(1‬‬
‫بهذه الوصاف الثلثة يحصل المصلي على ثلث فوائد عظيمة‬
‫وهي‪:‬‬
‫الولى‪ :‬أن ل يخطو خطوة إل رفع الله له بها درجة وحط عنه بها‬
‫خطيئة‪.‬‬
‫الثانية‪ :‬أن الملئكة تصلي عليه ما دام في المكان الذي أوقع فيه‬
‫الصلة من المسجد تقول‪) :‬اللهم ص ّ‬
‫ل عليه‪ ،‬اللهم اغفر له‪ ،‬اللهم‬
‫ارحمه‪ ،‬اللهم تب عليه(‪.‬‬
‫ومن قام إلى بقعة أخرى من المسجد مستمرا ً على نية انتظار‬
‫الصلة كان كذلك – إن شاء الله ‪-‬؛ لن قوله‪" :‬في مصله" خرج مخرج‬
‫الغالب‪ ،‬وهذا هو الظاهر)‪ ،(2‬وسيأتي زيادة بيان لذلك إن شاء الله‪.‬‬
‫الثالثة‪ :‬أنه ل يزال في صلة ما انتظر الصلة‪.‬‬
‫ول ريب أن هذه الفوائد ل يحصل عليها ويظفر بها إل من صلى مع‬
‫الجماعة في المسجد‪ ،‬أما من صلى في بيته منفردا ً أو في جماعة فففإن‬
‫هذه المزايا ل تحصل له؛ فإن قوله ‪" :e‬ثم خرج إلى المسجد" وصففف ل‬
‫يجوز إلغاؤه‪ ،‬وعليه فالتضعيف خاص بمن صلى في المسجد)‪.(3‬‬
‫وهناك بشارة عظيمة لمن صلى مع الجماعة‪ ،‬يرويها لنففا عففن نففبي‬
‫الهدى والرحمة ‪ e‬ثالث الخلفاء الراشدين عثمان بن عفان – رضي اللففه‬
‫عنه – ونصها‪" :‬من توضأ للصلة فأسبغ الوضوء ثففم مشففى إلففى الصففلة‬
‫المكتوبة فصلها مففع النففاس أو مففع الجماعففة أو فففي المسففجد غفففر لففه‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪17‬‬

‫)( فتح الباري )‪.(2/135‬‬
‫)( فتح الباري )‪ .(2/136‬وانظر‪ :‬الموطأ )‪.(1/161‬‬
‫)( المصدر السابق‪.‬‬

‫ذنوبه")‪ .(1‬فقوله ‪" :e‬ثم مشى إلففى الصففلة المكتوبففة" مؤيففد لقففوله فففي‬
‫الحديث المتقدم‪" :‬ثم خرج إلى المسجد"‪.‬‬
‫ولقد زهد في هذا الثواب العظيم كثير من الناس فففي زماننففا هففذا‬
‫مع كففثرة المسففاجد وقربهففا مففن الففبيوت‪ ،‬فصففاروا يتخلفففون عففن صففلة‬
‫الجماعة عمومًا‪ ،‬أو عففن صففلة الفجففر خصوصفًا‪ ،‬ثففم يففذكرون أعففذارا ً ل‬
‫تنفعهم عند الله‪ ،‬وهففم يتقلبففون فففي نعففم الخففالق مففن المففال والصففحة‬
‫والمسكن والمن‪.‬‬
‫إن النبي ‪ e‬لم يرخص لعبد الله بن أم مكتوم – رضففي اللففه عنففه –‬
‫في التخلففف عففن صففلة الجماعففة‪ ،‬مففع وجففود أعففذار سففتة‪ ،‬دلففت عليهففا‬
‫النصوص)‪ ،(2‬وإليك بيانها؛ لتعلم تأكيد السلم لصلة الجماعة‪ ،‬ولتعلففم أن‬
‫هذه العذار لو كانت موجودة لديك فل رخصة لك في التخلف‪ ،‬ولو وجد‬
‫عذر واحد فقط فل رخصة لك من باب أولى‪ ،‬فكيف وليففس لففك عففذر؟!‬
‫اقرأها أو اسمعها وكن منصفا ً ‪: . .‬‬
‫‪ (1‬العذر الول‪ :‬كونه فاقد البصر‪.‬‬
‫‪ (2‬العذر الثاني‪ :‬عدم وجود قائد يرافقففه إلففى المسففجد‪.‬‬
‫وقد دل على هذين العذرين حديث أبي هريرة – رضي الله عنه‬
‫– قال‪ :‬أتى النّبي ‪ e‬رجل أعمى‪ ،‬فقال‪ :‬يا رسول الله إنففه ليففس‬
‫لي قائد يقودني إلى المسجد‪ .‬فسأل رسول اللففه ‪ e‬أن يرخففص‬
‫له فيصلي في بيته‪ ،‬فرخص له‪ ،‬فلمففا ولففى دعففاه‪ ،‬فقففال‪" :‬هففل‬
‫تسمع النداء بالصلة"؟ فقال‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪" :‬فأجب")‪.(3‬‬
‫‪ (3‬العذر الثالث‪ :‬بعد داره عن المسجد‪ .‬وقد دل عليه ما‬
‫رواه عبد الله ابن أم مكتوم – رضي الله عنه – أنه سففأل النففبي‬
‫‪ e‬فقال‪ :‬يا رسول الله! إني رجل ضففرير البصففر‪ ،‬شاسففع الففدار‪،‬‬
‫ولي قائد ل يلومني )ل يليمني( فهل لي رخصة أن أصففلي فففي‬
‫بيتي؟‬
‫قال‪" :‬هل تسمع النداء"؟‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪18‬‬

‫)( أخرجه مسلم رقم )‪.(232‬‬
‫)( انظر كتاب )أهمية صلة الجماعة( للدكتور‪ :‬فضيل إلهي )ص ‪ (46‬وما بعدها‪.‬‬
‫)( أخرجه مسلم رقم )‪.(653‬‬

‫قال‪ :‬نعم‪.‬‬
‫قال‪" :‬ل أجد لك رخصة")‪.(1‬‬

‫ة! إنه أعمففى‪ ،‬وداره بعيففدة‪ ،‬ول قففائد لففه‪،‬‬
‫ما أعظم صلة الجماع َ‬
‫لكن يجب عليه أن يصلي في المسجد ما دام أنه يسففمع النففداء‪ .‬نعففم‬
‫داره بعيدة‪ ،‬وله عذر‪ ،‬فكيففف بمففن داره قريبففة‪ ،‬وهففو مبصففر‪ ،‬وصففوت‬
‫المؤذن يخترق أجواء بيته؟؟ ورحم الله المام ابن خزيمة على تبففويبه‬
‫لهذا الحديث بقفوله‪) :‬بفاب أمفر العميفان بشفهود صفلة الجماعفة وإن‬
‫كانت منازلهم نائية عن المسجد ل يطففاوعهم قففائدهم بإتيففانهم إيففاهم‬
‫المساجد‪ .‬والدليل على أن شهود الجماعة فريضففة ل فضففيلة‪ ،‬إذ غيففر‬
‫جائز أن يقال‪" :‬ل رخصة في ترك الفضيلة"()‪.(2‬‬
‫‪ (4‬العذر الرابع‪ :‬وجود شجر ونخل بينه وبين المسففجد‪.‬‬
‫وقد دل على ذلك ما رواه أم مكتوم – أيضا ً – رضففي اللففه عنففه؛‬
‫أن رسول الله ‪ e‬أتى المسجد‪ ،‬فرأى في القوم رّقة فقفال‪" :‬إن‬
‫لهم أن أجعل للنففاس إمامفًا‪ ،‬ثففم أخففرج فل أقففدر علففى إنسففان‬
‫يتخلف عففن الصففلة فففي بيتففه إل أحرقتففه عليففه"‪ .‬فقففال ابففن أم‬
‫مكتففوم – رضففي اللففه عنففه ‪ :-‬يففا رسففول اللففه! إن بينففي وبيففن‬
‫المسجد نخل وشجرًا‪ ،‬ول أقدر على قائد كل ساعة‪ ،‬أيسعني أن‬
‫أصففلي فففي بيففتي؟ قففال‪" :‬أتسففمع القامففة"؟ قففال‪ :‬نعففم‪ ،‬قففال‪:‬‬
‫"فأتها")‪.(3‬‬
‫‪ (5‬العذر الخامس‪ :‬وجود الهوام والسباع فففي المدينففة‪.‬‬
‫وقد دل على ذلك ما رواه ابن أم مكتففوم – أيض فا ً – رضففي اللففه‬
‫عنه‪ ،‬قال‪ :‬يا رسففول اللففه! إن المدينففة كففثيرة الهففوام والسففباع‪،‬‬

‫‪1‬‬

‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪19‬‬

‫)( أخرجه أبو داود )‪ ،(2/257‬وقال عنه النووي‪) :‬رواه أبو داود بإسناد صحيح أو حسن( ]شرح‬
‫المهذب ‪ .[4/191‬وقوله‪) :‬ل يمني( أصله‪ :‬يلئمني بالهمز أي‪ :‬يوافقني ثم خفف الهمز فصار ياء‪،‬‬
‫وقد جاء في رواية بالواو ]النهاية لبن الثير ‪.[4/278‬‬
‫)( صحيح ابن خزيمة )‪.(2/368‬‬
‫)( أخرجه أحمد )‪ .(24/245‬قال في بلوغ الماني )‪) :(5/178‬وأخرجه ابن خزيمة )‪(1479‬‬
‫والحاكم )‪ (1/247‬وصحح إسناده وأقره الذهبي( وله شاهد من حديث أبي هريرة‪ ،‬رضي الله عنه‬
‫وقد تقدم في أول الكلم‪.‬‬

‫ي‬
‫ي على الفلح‪ .‬فحفف ّ‬
‫ي على الصلة‪ ،‬ح ّ‬
‫فقال النبي ‪" :e‬تسمع ح ّ‬
‫هل")‪ (1‬أي‪ :‬أقبل وأجب‪.‬‬
‫‪ (6‬العذر الســادس‪ :‬كففبر سففنة ورق عظمففه‪ .‬وقففد دل‬
‫عليه ما ورد عن أبي أمامة – رضي الله عنه – قففال‪ :‬أقبففل ابففن‬
‫أم مكتوم – رضي الله عنه‪ ،‬وهو أعمى‪ ،‬وهو الففذي نففزل فيففه‪[ :‬‬
‫عبس وتولى )‪ (1‬أن جاءه العمى])‪ (2‬وكففان رجل ً مففن قريففش –‬
‫إلى رسول الله ‪ ،e‬فقال له‪ :‬يا رسول الله! بأبي وأمي‪ ،‬أنا كمففا‬
‫تراني‪ ،‬قد دبرت سني‪ ،‬ورقّ عظمي‪ ،‬وذهب بصري‪ ،‬ولي قائد ل‬
‫يليمني قيادتي إياي‪ ،‬فهل تجد لي من رخصة أصففلي فففي بيففتي‬
‫الصلوات؟‬
‫قال‪" :‬هل تسمع المؤذن من البيت الذي أنت فيه"؟‬
‫قال‪ :‬نعم‪ .‬يا رسول الله!‬
‫قففال رسففول اللففه ‪" :e‬مفا أجفد لفك مفن رخصفة‪ .‬ولففو يعلفم هففذا‬
‫المتخلف عن الصلة في الجماعة مففا لهففذا الماشففي إليهففا لتاهففا ولففو‬
‫حبوا على يديه ورجليه")‪.(3‬‬
‫إن جميع ما تقففدم دليففل واضففح وبرهففان قففاطع علففى أن حضففور‬
‫الجماعة في المساجد واجب‪ ،‬وأنه ل رخصة في التخلف عنهففا إل مففن‬
‫عذر يمنع الحضور‪ ،‬ولو كان التخلف سائغا ً أو الحضور ندبا ً لكان أولففى‬
‫من يسعه التخلف عنها أهل الضرر والضعف‪ ،‬ومن كان في مثل حففال‬
‫ابفن أم مكتفوم – رضفي اللفه عنفه ‪ ،-‬وإذا كفان العمففى ل رخصفة لفه‬
‫فالبصير أولى بأن ل تكون له رخصة)‪.(4‬‬
‫إن الجماعة فففي نظففر الشففارع هففي جماعففة المسففجد ل جماعففة‬
‫البيوت ول غيرها‪ .‬والتضعيف خففاص بجماعففة المسففجد – كمففا تقففدم –‬
‫ومن صلى في بيته مع أهله أو غيره واعتقد أنه صلى في جماعة وأنه‬
‫ينال التضعيف فاعتقاده بمعزل عن الصواب‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫‪20‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫أخرجه أبو داود )‪ ،(2/257‬والحاكم )‪ ،(1/247‬وقال‪ :‬صحيح السناد‪ ،‬ووافقه الذهبي‪.‬‬
‫سورة عبس‪ :‬اليتان ‪.2 – 1‬‬
‫أخرجه الطبراني في الكبير )‪ ،(8/266‬وحسنه اللباني في صحيح الترغيب والترهيب )‪.(1/247‬‬
‫انظر معالم السنن للخطابي )‪.(1/160‬‬

‫ومما يدل على أن الجماعة تكون في المسففاجد دون الففبيوت أن‬
‫السلف من الصحابة – رضي الله عنهم – ومن بعدهم إذا طمعوا فففي‬
‫إدراك جماعة المسجد لم يكونوا يصلونها في البيوت‪ ،‬بل كان الواحففد‬
‫منهم إذا فاتته الجماعة في مسجده ذهب إلففى آخففر‪ .‬قففال البخففاري –‬
‫رحمه الله – في صحيحه‪) :‬وكان السود إذا فاتته الجماعة ذهففب إلففى‬
‫مسجد آخر()‪.(1‬‬
‫وعن معاوية بن قّرة قال‪) :‬كان حذيفففة – رضففي اللففه عنففه – إذا‬
‫فاتته الصلة في مسجد قومه يعلق نعليه ويتبع المساجد حتى يصففليها‬
‫في جماعة()‪ .(2‬وهكذا فعل سعيد بن جبير رحمه الله تعالى)‪.(3‬‬
‫فيا أخي حافظ على صلة الجماعة‪ ،‬وكن مففن عمففار بيففوت اللففه‬
‫تعالى‪ ،‬وبادر لحضور المسجد‪ ،‬ففي ذلك الجر العظيم‪ ،‬والخير الكففثير‬
‫في الدنيا والخرة‪ ،‬وإياك والكسل في عبادة عظيمة‪ ،‬هي من أشرف‬
‫العبادات وأفضل الطاعات‪ ،‬وسففتجد – إن شففاء اللففه – ثففواب صففلتك‪،‬‬
‫ومحافظتك على الجماعة أحوج ما تكون إليه‪ .‬والله يتولى الصالحين‪.‬‬
‫‪.‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪21‬‬

‫)( فتح الباري )‪.(2/131‬‬
‫)( المصنف لبن أبي شيبة )‪.(2/205‬‬
‫)( مصنف عبدا لرازق )‪.(1/515‬‬

‫الباب الول‬
‫في أحكام حضور المساجد‬
‫وفيه فصلن‪:‬‬
‫الول‪ :‬في أحكام الخروج إلى المسجد‬
‫•‬
‫الثاني‪ :‬في أحكام حضور المسجد‬
‫•‬

‫‪22‬‬

‫الفصل الول‬
‫في أحكام الخروج إلى المسجد‬
‫"وفيه ثمانية أحكام"‬
‫الحكم الول‬
‫الخروج في أحسن هيئة‬
‫الصلة صلة بين العبد وربه‪ ،‬يقف المصلي بين يدي الله تعالى‬
‫يناجيه‪ ،‬يقرأ كلمه‪ ،‬ويذكره‪ ،‬ويدعوه‪ ،‬فيلزم أن يكون في هذا الموقف‬
‫العظيم على أحسن هيئة وأتم حال‪.‬‬
‫ومن هنا وجبت طهارة البدن والثوب والبقعة‪ ،‬وكانت الطهارة من‬
‫الحداث والنجاس شرطا ً في صحة الصلة على ما هو مبين في كتب‬
‫الحديث والفقه‪.‬‬
‫والمقصود هنا الحديث عن مكملت الطهارة التي ينبغي لكل‬
‫مص ّ‬
‫ل أن يتحلى بها قبل الدخول في الصلة‪ ،‬وذلك لن كثيرا ً من‬
‫المصلين ل يهتم بها ول يلقي لها با ً‬
‫ل؛ لن الصلة تحولت عنده من‬
‫عبادة إلى عادة‪ ،‬فهو يأتي إليها بهيئة أقل من الهيئة التي يذهب بها إلى‬
‫مكان عمله‪ ،‬ومما يتعلق بحسن الهيئة ما يلي‪:‬‬
‫أول ً – الزينة الظاهرة‪.‬‬
‫ثانيا ً – طيب الرائحة‪.‬‬
‫ثالثا ً – السواك‪.‬‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬الزينة الظاهرة‪ ،‬ويراد بها‪:‬‬
‫‪ (1‬جمال الثياب‪:‬‬
‫فينبغي للمصلي أن يلبس عند مناجاة ربه أحسن ثيابه في الصلة‬
‫كلها‪ ،‬من غير تفريق بين صلة الليل وصلة النهار‪ ،‬أو صلة الفجر‬
‫وغيرها‪ ،‬إذ ليس المقصود من اللباس هو ستر العورة فحسب‪ ،‬وإنما‬
‫يراد مع ذلك التجمل للوقوف بين يدي رب العالمين‪ ،‬قال تعالى‪ :‬يا‬
‫بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ول تسرفوا إنه ل‬
‫يحب المسرفين ‪.(1)‬‬
‫فهذه الية دليل على وجوب ستر العورة بلبس الثياب عند كل‬
‫صلة‪ .‬والثياب من نعم الله على عباده؛ لما فيها من ستر العورات‪،‬‬
‫وهي – أيضا ً – زينة وجمال‪ ،‬ول تكون كذلك إل إذا كانت نظيفة‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫‪23‬‬

‫)( سورة العراف‪ :‬الية ‪.31‬‬

‫قال ابن كثير – رحمه الله – في تفسير هذه الية‪) :‬ولهذه الية‬
‫وما ورد في معناها من السنة يستحب التجمل عند الصلة‪ ،‬ول سيما‬
‫يوم الجمعة ويوم العيد‪ ،‬والطيب؛ لنه من الزينة‪ ،‬والسواك؛ لنه من‬
‫تمام ذلك( ‪.‬‬
‫وقال ابن عبد البر‪) :‬إن أهل العلم يستحبون للواحد المطيق على‬
‫الثياب أن يتجمل في صلته ما استطاع من ثيابه وطيبه وسواكه( ‪.‬‬
‫وفي الحديث الصحيح‪ :‬أن النبي ‪ ‬سئل عن الرجل يحب أن‬
‫يكون ثوبه حسنا ً ونعله حسنة‪ ،‬فقال‪" :‬إن الله جميل يحب الجمال‪،‬‬
‫الكبر بطر الحق وغمط الناس" ‪.‬‬
‫قال الشوكاني‪) :‬الحديث يدل على أن محبة لبس الثوب الحسن‬
‫والنعل الحسن وتخير اللباس الجميل ليس من الكبر في شيء‪ ،‬هذا‬
‫مما ل خلف فيه فيما أعلم ‪. ( . .‬‬
‫ومن الناس من ل يهتم باللباس عند خروجه للصلة‪ ،‬بل يصلي‬
‫بثيابه التي عليه ولو كانت رثة أو لها رائحة كريهة‪ ،‬كقميص المهنة‪،‬‬
‫ورداء العمل‪ ،‬ول يكلف نفسه بتبديلها‪ ،‬فيؤذي المصلين بدرنها‪ ،‬ويزكم‬
‫أنوفهم بنتن ريحها‪ ،‬ويلوث فرش المسجد بوسخها‪ ،‬وهذا منهي عنه‬
‫شرعًا؛ قال تعالى‪[ :‬يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد ‪. ]. .‬‬
‫مع أن هذا النسان لو أراد مقابلة شخص له جاه دنيوي‪ ،‬أو أراد‬
‫الذهاب لمناسبة من المناسبات ما ذهب بهذه الثياب‪ ،‬بل يرتدي أجمل‬
‫ما يملك‪ ،‬ويتطيب بأحسن ما يجد‪ ،‬حتى لو لقي في المسجد من يكن‬
‫له احتراما ً تأسف على مظهره‪ ،‬وتمنى أنه لو لبس أسن ثيابه‪ ،‬فكيف‬
‫يهتم للوقوف أمام المخلوق ول يهتم للوقوف أمام الخالق؟ إن هذا‬
‫دليل على التساهل في شأن الصلة‪ ،‬وعدم إدراك حقيقتها‪.‬‬
‫فحري بالمسلم أن يستشعر عظمة من يقف بين يديه‪ ،‬ويعرف‬
‫أنه سيكون في بيت من بيوت الله تعالى‪ ،‬ول ريب أن الوقوف أمام‬
‫رب العالمين وزيارة بيته يستدعي حسن المنظر وبهاء الطلعة‪.‬‬
‫أضف إلى ذلك أن لقاء إخوانه المصلين والجتماع بهم وإظهار‬
‫المسجد بالمظهر المريح والرائحة الطيبة مما يؤكد جمال المظهر‬
‫ونظافة الثياب‪ ،‬وذلك مما يعين على العبادة‪.‬‬
‫)‪(1‬‬

‫)‪(2‬‬

‫)‪(3‬‬

‫)‪(4‬‬

‫)‪(5‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪24‬‬

‫)( تفسير ابن كثير )‪.(3/402‬‬
‫)( التمهيد )‪.(6/369‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫)( أخرجه مسلم رقم )‪ .(91‬ومعنى )بطر الحق(‪ :‬دفعه وإنكاره ترفعا وتجبرا‪ ،‬و)غمط الناس(‪:‬‬
‫احتقارها‪ .‬ذكره النووي‪.‬‬
‫)( نيل الوطار )‪.(2/124‬‬
‫)( سورة العراف‪ :‬الية ‪.31‬‬

‫ومن الناس من ل يهتم بلباس صلة العشاء الخرة ول صلة‬
‫الفجر بحجة أن هذه ثياب الليل‪ ،‬وقد يصلي بلباس النوم كالقميص‬
‫مل نفسه عناء تبديلها‪ ،‬وذلك خوفا ً على الثياب الثمينة‬
‫المعروف‪ ،‬ول يح ّ‬
‫أن تتأثر طياتها ويتبدل صقلها‪ ،‬والناس ل يرون هذا اللباس في هاتين‬
‫الصلتين غالبًا‪ ،‬وكأن التجمل صار لهام‪ .‬فهل يتنبه الناس لهذا ول سيما‬
‫الشباب؟ لعل وعسى)‪.(1‬‬
‫‪ (2‬ستر الفخذين‪:‬‬
‫إن ستر الفخذين من زينة الصلة‪ ،‬سواء قلنا‪ :‬هما عورة‪ ،‬أم ل؛‬
‫لن زينة الصلة شيء‪ ،‬والعورة شيء آخر‪ .‬وهذا داخل في عموم قوله‬
‫تعالى‪[ :‬يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد ‪.(2)]. .‬‬
‫وبعض الملبس الصيفية تكون شفافة ل تستر الفخذين إذا كان‬
‫على المصلي سروايل قصيرة‪ ،‬فينبغي التنبه لذلك‪ ،‬وأنه لبد ّ من لبس‬
‫السروايل الطويلة أو تجنب هذا النوع من اللباس؛ لن ستر العورة‬
‫شرط في الصلة‪ ،‬ولبد ّ أن يكون الساتر مما ل يصف البشرة؛ لن‬
‫الستر ل يحصل بدون ذلك)‪.(3‬‬
‫قال المام الشافعي رحمه الله‪) :‬وإن صلى في قميص يشف عنه‬
‫لم تجز الصلة()‪.(4‬‬
‫قال في شرح المهذب‪) :‬يجب الستر بما يحول بين الناظر ولون‬
‫البشرة‪ ،‬فل يكفي ثوب رقيق يشاهد من ورائه سواد البشرة أو‬
‫بياضها ‪.(5)( . .‬‬
‫وكذا ينبغي تنبيه بعض الباء إلى أنه ل ينبغي لهم أن يلبسوا‬
‫صبيانهم السروايل القصيرة ويحضروهم إلى المساجد؛ لن الرسول ‪‬‬
‫قال‪" :‬مروهم بالصلة لسبع")‪ ،(6‬وهذا يشمل أمرهم بشروطها‪ ،‬ومن‬
‫ذلك الوضوء وستر العورة وما يكمل ذلك)‪.(7‬‬
‫‪ (3‬ستر العاتق‪:‬‬
‫العاتق‪ :‬هو موضع الرداء من المنكب‪ ،‬وهو ما بين المنكب إلى أصل‬
‫العتق‪ ،‬وستره مطلوب حتى على القول بالستحباب‪ ،‬فإن ستره من‬
‫تمام الزينة‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫‪25‬‬

‫)( اقرأ في كتاب )وفي الصلة صحة ووقاية(‪ ،‬للدكتور‪ :‬فارس علوان‪.‬‬
‫)( سورة العراف‪ :‬الية ‪.31‬‬
‫)( انظر الروض المربع بحاشية ابن قاسم )‪.(1/493‬‬
‫)( الم للشافعي )‪.(1/111‬‬
‫)( شرح المهذب للنووي )‪.(3/170‬‬
‫)( سيأتي تخريجه إن شاء الله في حضور الصبيان المساجد‪.‬‬
‫)( انظر تعليق الشيخ اللباني على حجاب المرأة ولباسها في الصلة لشيخ السلم ابن تيمية‬
‫رحمه الله )ص ‪.(27‬‬

‫وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال‪ :‬قال رسول الله ‪" :‬ل‬
‫يصلين أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه شيء"‪ .‬وفي رواية‪:‬‬
‫"عاتقيه")‪.(1‬‬
‫قال في فتح الباري‪) :‬والمراد أنه ل يتزر في وسطه ويشد طرفي‬
‫الثوب في حقويه‪ ،‬بل يتوشح بهما على عاتقيه؛ ليحصل الستر لجزء من‬
‫أعالي البدن وإن كان ليس بعورة‪ ،‬أو لكون ذلك أمكن في ستر العورة(‬
‫)‪.(2‬‬
‫وإذا ثبت أن العاتقين ليسا من العورة دل على أن المر بهذا‬
‫الستر لحق الصلة وحرمتها‪ ،‬ولذا يرى فريق من العلماء بطلن الصلة‬
‫إذا لم يكن على عاتقي المصلي من ثوبه شيء‪ ،‬وهو المذهب عند‬
‫الحنابلة‪ ،‬كما في النصاف)‪ .(3‬وعند الجمهور أن هذا للستحباب‪ ،‬كما‬
‫نقله الحافظ في الفتح)‪ ،(4‬ول ريب أن ستر المنكبين زينة وجمال‪ ،‬وقد‬
‫ورد عن ابن عمر – رضي الله عنهما – قال‪ :‬قال رسول الله ‪" :‬إذا‬
‫صلى أحدكم فليلبس ثوبيه‪ ،‬فإن الله أحق من يتزّين له")‪.(5‬‬
‫ومن الخطأ ما يفعله بعض المصلين عندما يصلي بالفنيلة العلقية‬
‫ذات الحبل اليسير الذي يكون على الكتف؛ لن المر بوضع الثوب على‬
‫العاتق لقصد الستر‪ ،‬وما كان بهذه الصفة ل يسمى سترة ول لباسا ً)‪،(6‬‬
‫وكذا ما يفعله بعض المحرمين عندما يصلي وقد وضع وسط ردائه على‬
‫رقبته وسدل طرفيه على صدره‪ ،‬فبقي العاتقان مكشوفين‪ ،‬وكذا‬
‫الظهر والصدر والبطن‪ ،‬وهذا إخلل بالزينة المطلوبة من المصلي‪.‬‬
‫‪ (4‬ستر الرأس‪:‬‬
‫تقدم أن المطلوب من المسلم أن يدخل في صلته على أحسن‬
‫هيئة وأتم حال‪ ،‬لقوله ‪" :‬فإن الله أحق من يتزّين له"‪ ،‬وليس من‬
‫الهيئة الحسنة والمنظر البهي كشف الرأس في أماكن العبادات‪ ،‬ول‬
‫سيما في مجتمع اعتاد أهله أن يستروا رؤوسهم كما في مجتمعنا هذا‪،‬‬
‫وليس كشف الرأس أمرا ً مقبول ً في أعرافنا وتقاليدنا؛ لن هذا المجتمع‬
‫‪ ()1‬أخرجه البخاري رقم )‪ ،(352‬ومسلم رقم )‪.(516‬‬
‫‪ ()2‬فتح الباري )‪.(1/471‬‬
‫‪ ()3‬النصاف‪ ،(1/454) :‬والمغني )‪.(2/290‬‬
‫‪ ()4‬فتح الباري )‪.(1/472‬‬
‫‪5‬‬
‫)( أخرجه الطبراني في الوسط )‪ (10/170‬من طريق زهير بن عباد‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا حفص بن‬
‫ميسرة‪ ،‬عن موسى بن عقبة‪ ،‬عن نافع‪ ،‬عن ابن عمر‪ .‬قال في "فمجمع الزوائد" )‪ :(2/51‬إسناده‬
‫حسن‪ .‬أ هف‪ .‬ولعل ذلك من أجل زهير فهو متكلم فيه كما في التهذيب )‪ (3/297‬وأخرجه البيهقي )‬
‫‪ (2/236‬من طريق أنس بن عياض‪ ،‬عن موسى بن عقبة‪ ،‬به‪ .‬قال اللباني‪) :‬وهذا إسناد صحيح‬
‫على شرط الشيخين( انظر السلسلة الصحيحة )‪.(3/356‬‬
‫‪ ()6‬انظر المغني‪.(2/291) :‬‬

‫‪26‬‬

‫نشأ على عادة ستر الرأس‪ ،‬والمقرر في باب اللباس أن يلبس النسان‬
‫زيّ بلده بشرط التقيد بالضوابط الشرعية‪ ،‬وقد ذكر أهل العلم أنه‬
‫يكره للنسان مخالفة عادة بلده في اللباس‪ ،‬وأنه قد يدخل في لباس‬
‫الشهرة‪ ،‬فيشار إليه بالصابع‪ ،‬وربما كان ذلك يزري به‪ ،‬وينقص‬
‫مروءته)‪.(1‬‬
‫ومن هنا يتأكد ستر الرأس حال الصلة؛ لن ذلك داخل في الزينة‬
‫المأمور بها في قوله تعالى‪[ :‬يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد ‪. .‬‬
‫‪.(2)].‬‬
‫ولو قّيد اعتبار ستر الرأس من زينة الصلة في مجتمع يعتبر ستر‬
‫الرأس عندهم من الزينة لكان متوجهًا؛ لعموم الية‪ .‬أما في مجتمع ل‬
‫يرى ستره من الزينة فإنه ل يمكن أن نحدد فيه حكما ً شرعيًا‪ ،‬بل له أن‬
‫يصلي مكشوف الرأس ول حرج عليه)‪.(3‬‬
‫ومن الملحظ أن عادة كشف الرأس قد تسربت إلى بلدنا‪ ،‬وسار‬
‫عليها ثلة من شبابنا تشبها ً بالخرين‪ ،‬وعشقا ً لما هم عليه من الغث‬
‫والسمين‪ ،‬وهم يسعون للقضاء على الشخصية السلمية وطمس‬
‫معالمها المهتدية بكتاب الله وسنة رسوله ‪ ،e‬وإنه ليمر بك بعض‬
‫الشباب وقد حسر عن رأسه‪ ،‬فتكره ذلك وتستهجنه؛ لنه تأثر بغيره‬
‫وترك زيّ بلده‪ ،‬والله المستعان‪.‬‬
‫‪ (5‬ل يغطي فاه في الصلة‪:‬‬
‫وهذا من الداب التي ينبغي للمصلي التنبه لها والهتمام بها‪ .‬وقد‬
‫روى لنا الصحابي أبو هريرة – رضي الله عنه ‪ :-‬أن رسول الله ‪ e‬نهى‬
‫أن يغطي الرجل فاه)‪ .(4‬ول ريب أن التلثم – وهو‪ :‬تغطية الفم – ليس‬
‫من الزينة المأمور بأخذها عند الصلة‪ ،‬بل ليس من الزينة أص ً‬
‫ل‪.‬‬
‫وأما التلثم على النف فل يكره؛ لن تخصيص الفم بالنهي عن‬
‫تغطيته يدل على إباحة غيره‪ ،‬وروي عن ابن عمر أنه كرهه)‪ ،(5‬ومن‬
‫المعلوم أن التلثم على النف يلزم منه تغطية الفم غالبًا‪ .‬فعلى المسلم‬
‫أن يمتثل النهي السابق‪ ،‬إل لحاجة مثل أن يتثاءب‪ ،‬فإن السّنة أن يضع‬
‫‪ ()1‬انظر‪ :‬الداب الشرعية لبن مفلح )‪ ،(3/527‬غذاء اللباب للسفاريني )‪ ،(2/163‬وتمام المنة‬
‫لللباني )ص ‪.(165 – 164‬‬
‫‪ () 2‬سورة العراف‪ :‬الية ‪.31‬‬
‫‪ () 3‬انظر‪ :‬مجموع فتاوى ابن عثيمين )‪.(12/294‬‬
‫سنه اللباني في صحيح الجامع‬
‫‪ () 4‬أخرجه أبو داود رقم )‪ ،(643‬والترمذي رقم )‪ (378‬وغيرهما‪ ،‬وح ّ‬
‫)‪ .(6883‬وانظر‪ :‬السنن الكبرى للبيهقي )‪.(2/242‬‬
‫‪ () 5‬انظر المغني )‪.(2/298‬‬

‫‪27‬‬

‫يده على فيه لقوله ‪" :e‬إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده على فيه‪ ،‬فإن‬
‫الشيطان يدخل")‪.(1‬‬
‫ومن الناس من يتلثم في صلته على أنفه وفمه‪ ،‬ول سيما في‬
‫أيام الشتاء في صلة الفجر غالبًا‪ .‬فينبغي التنبه لذلك والتنبيه عليه)‪.(2‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪28‬‬

‫)( أخرجه مسلم رقم )‪.(2995‬‬
‫)( انظر اقتضاء الصراط المستقيم لبن تيمية )‪ ،(1/344‬ففيه تعليل للنهي عن تغطية الفم في‬
‫الصلة‪.‬‬

‫الثاني – مما يتعلق بحسن الهيئة‪:‬‬
‫الهتمام بطيب الرائحة‪:‬‬
‫ومن تمام حسن الهيئة وجمال المظهر أن يكون المصلي طيب‬
‫الرائحة‪ ،‬بعيدا ً عن كل ما له رائحة كريهة‪ ،‬سواء كان من الجسم ذاته أو‬
‫من أسباب خارجية كالثوم والبصل والكراث‪ ،‬فقد نهى الشرع النسان‬
‫إذا تناول شيئا ً من ذلك أن يحضر المساجد؛ لما في حضوره من أذية‬
‫الملئكة والمسلمين‪ .‬ودرء هذه الذية العامة أولى من مراعاة مصلحة‬
‫هذا الشخص بحضور المسجد؛ لنه هو السبب في تفويت ذلك على‬
‫نفسه‪.‬‬
‫وقد ورد عن جابر – رضي الله عنه – قال‪ :‬قال النبي ‪" :e‬من أكل‬
‫من هذه الشجرة – يريد الثوم – فل يغشانا في مساجدنا")‪.(1‬‬
‫وعنه – رضي الله عنه – أن النبي ‪ e‬قال‪" :‬من أكل البصل والثوم‬
‫ن مسجدنا‪ ،‬فإن الملئكة تتأذى مما يتأذى منه بنو‬
‫والكراث فل يقرب ّ‬
‫آدم")‪.(2‬‬
‫وعنه أيضا ً – رضي الله عنه – أن النبي ‪ e‬قال‪" :‬من أكل ثوما ً أو‬
‫بصل ً فليعتزلنا أو فليعتزل مسجدنا وليقعد في بيته"‪ ،‬وإن النبي ‪ e‬أتي‬
‫بقدر فيه خضرات من بقول فوجد لها ريحًا‪ ،‬فسأل فأخبر بما فيها من‬
‫البقول‪ ،‬فقال‪" :‬قربوها" إلى بعض أصحابه كان معه‪ ،‬فلما رآه كره‬
‫أكلها‪ ،‬قال‪" :‬كل فإني أناجي من ل تناجي")‪.(3‬‬
‫فهذه نصوص صريحة صحيحة تدل بمفهومها على أن الرائحة‬
‫الطيبة ل بد منها لمن أراد حضور المساجد‪ .‬وكذا مصلى العيد)‪ ،(4‬وتدل‬
‫بمنطوقها على أن من أكل ثوما ً أو بصل ً أو كراثا ً فهو مأمور باعتزال‬
‫مساجد المسلمين‪ ،‬وجماعتهم‪ ،‬وعدم قربها‪ ،‬وأنه مأمور من قبل اشرع‬
‫بالجلوس في منفزله‪ ،‬عقوبة له حيث فوت على نفسه فضيلة الجماعة‪،‬‬
‫ولم يبال بأذية الملئكة‪ ،‬ولم يراع شعور إخوانه المصلين‪.‬‬
‫وينبغي أن يفهم المسلم أن إباحة هذه الخضروات ذوات الرائحة‬
‫الكريهة ليس دليل ً على عدم وجوب صلة الجماعة‪ ،‬بحجة أن الجماعة‬
‫لو كانت واجبة لحرم جميع ما يمنع حضورها‪ .‬وذلك لن كون أكلها يحول‬
‫دون حضور الجماعة ليس لسقوط الطلب عن المكلف بل هو مطالب‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫‪29‬‬

‫)( أخرجه البخاري رقم )‪ ،(816‬ومسلم رقم )‪.(564‬‬
‫)( أخرجه مسلم برقم )‪ ،(74) (564‬وانظر‪) :‬عمدة الحكام( تحقيق‪ :‬محمود الرناؤوط رقم )‬
‫‪.(124‬‬
‫)( أخرجه البخاري رقم )‪ ،(718‬ومسلم رقم )‪ ،(73) (564‬واللفظ للبخاري‪.‬‬
‫)( انظر شرح النووي على مسلم )‪ ،(5/52‬وفتح الباري )‪.(2/343‬‬

‫بالجماعة‪ ،‬ولكنه منع من حضورها وأمر بالقعود في بيته عقوبة له؛‬
‫لوجود المانع وهي الرائحة المؤذية‪ ،‬أل ترى أن حضور الطعام يسوغ‬
‫دم بين يديه وهو محتاج له مع كون ذلك مباحًا‪ ،‬أما‬
‫ترك الجماعة لمن ق ّ‬
‫إذا أراد إنسان أن يتخذ أكل هذه البقول حيلة لترك الجماعة والصلة‬
‫في بيته فإن ذلك يحرم عليه)‪.(1‬‬
‫وهذا الحكم‪ ،‬وهو نهي من أكل ثوما ً وبصل ً أن يدخل مساجد‬
‫المسلمين‪ ،‬خاص بالنبي لجل رائحته‪ .‬وأما الثوم المطبوخ الذي ذهبت‬
‫رائحته فل مانع منه‪ ،‬لكن إن لم تذهب بقي الحكم‪ ،‬فإن الحكم إذا لم‬
‫يكن له إل علة واحدة فإنه يدور معها وجودا ً وعدمًا‪ ،‬والشرع علل ذلك‬
‫بالذية فمتى وجدت الذية ترتب الحكم)‪.(2‬‬
‫وعن قّرة – رضي الله عنه ‪ :-‬أن رسول الله ‪ e‬نهى عن هاتين‬
‫الشجرتين وقال‪" :‬من أكلهما فل يقربن مسجدنا" وقال‪" :‬إن كنتم ل بد ّ‬
‫آكليهما فأميتوهما طبخًا" قال‪ :‬يعني البصل والثوم)‪.(3‬‬
‫وهذا النهي عن حضور المسجد ليس خاصا ً بالجزء الداخلي منه‪،‬‬
‫بل رحبة المسجد وساحته كذلك؛ لنها من المسجد‪ ،‬وقد ورد عن عمر‬
‫– رضي الله عنهما – أنه قال‪ :‬إنكم أيها الناس تأكلون من شجرتين ما‬
‫أراهما إل خبيثين‪ :‬هذا البصل والثوم‪ ،‬ولقد رأيت نبي الله ‪ e‬إذا وجد‬
‫ريحهما من الرجل في المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع‪ ،‬فمن أكلهما‬
‫فليمتهما طبخا ً)‪.(4‬‬
‫وإذا كان هذا هو الحكم الشرعي في أكل الثوم والبصل والكراث‪،‬‬
‫وهي من المباحات؛ فكيف يكون حكم شرب الدخان ونحوه وهو محرم‬
‫شرعا ً إذا حضر شاربه مساجد المسلمين وآذاهم برائحته‪ ،‬وقبل ذلك‬
‫آذى الملئكة المكرمين‪ ،‬وكيف يناجي ربه بتلوة كلمه وذكره ودعائه‬
‫بهذا الفم ذي الرائحة الكريهة؟‬
‫إن شارب الدخان داخل تحت عموم النهي عن حضور المسجد‬
‫لمن أكل ثوما ً من باب أولى؛ لوجود العلة وهي الذية بصورة أعظم من‬
‫أذية أكل الثوم‪ ،‬بل إن شارب الدخان بالضافة إلى أذيته قد تلبس بأمر‬
‫محرم مصّرا ً عليه؛ لنه مضر بالصحة بإخبار الطباء المعتبرين‪ ،‬وفيه‬
‫إضاعة المال‪ ،‬وهو مسكر تارة ومفتر أخرى‪ ،‬ول أدري كيف يرضى هذا‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪4‬‬

‫‪30‬‬

‫)( انظر‪ :‬فتح الباري )‪ ،(2/343‬ومعالم السنن للخطابي )‪ ،(5/329‬تنبيه الفهام بشرح عمدة‬
‫الحكام لبن عثيمين )‪.(2/68‬‬
‫)( انظر فتح الباري )‪.(2/343‬‬
‫)( رواه أبو داود )‪ ،(10/305‬وأحمد )‪ 17/74‬الفتح( وسنده جيد‪ ،‬وقد رواه مسلم في صحيحه )‬
‫‪ ،(567‬عن عمر رضي الله عنه موقوفا ً عليه‪ ،‬وهو المذكور بعد‪.‬‬
‫)( انظر فتح الباري )‪.(2/344‬‬

‫المسلم بأذية إخوانه في مساجدهم برائحة جسم أو ثيابه أو فمه‪ ،‬مما‬
‫يجعلهم يتضايقون من مجاورته في الصلة‪ ،‬فيكون سببا ً في عدم‬
‫خشوعهم وتلذذهم بمناجاة الله تعالى‪ ،‬وقد قال النبي ‪" :e‬من أذى‬
‫المسلمين في طرقهم وجبت عليهم لعنتهم")‪ ،(1‬فإذا كان هذا في‬
‫الطرق فكيف يكون اليذاء في المساجد؟؟‬

‫‪1‬‬

‫‪31‬‬

‫)( رواه الطبراني في الكبير رقم )‪ ((3050‬بإسناد حسن‪.‬‬

‫الثالث‪ :‬السواك‬
‫وهو من مكملت الطهارة‪ ،‬لنه تنظيف للفم مما علق به من‬
‫أوساخ تسبب الروائح الكريهة‪ ،‬وقد اعتنى الشارع بالسواك عند الصلة‪،‬‬
‫ورغب فيه النبي ‪ e‬قول ً وفع ً‬
‫ل‪.‬‬
‫فعن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن النبي ‪ e‬قال‪" :‬لول أن‬
‫أشق على أمتي لمرتهم بالسواك عند كل صلة"‪ ،‬وفي رواية لمالك‪:‬‬
‫"عند كل وضوء")‪.(1‬‬
‫وعنه ‪ e‬أنه قال‪" :‬السواك مطهرة للفم مرضاة للرب")‪ ،(2‬فهو‬
‫مرضاة للرب تبارك وتعالى من جهة أن التيان بالمندوب امتثال ً موجب‬
‫للثواب‪ ،‬ومن جهة أنه مقدمة للصلة‪ ،‬والصلة مناجاة‪ ،‬ول ريب أن‬
‫طيب الرائحة يحبه صاحب المناجاة‪ ،‬وهو مطهرة للفم‪ ،‬لنه الطريقة‬
‫المثلى لتنظيف السنان والفم‪ ،‬وقد وجد العلماء فائدة ومفعول‬
‫السواك بعد أربعة عشر قرنا ً من ذكر المصطفى ‪ e‬لتلك الحقيقة‪ ،‬وثبت‬
‫بعد الدراسات والبحاث التي أجريت على السواك أنه يحوي جميع‬
‫المواد المطهرة القوية التي تساعد على الفتك بالجراثيم التي تتسبب‬
‫في أمراض الفم واللسان‪.‬‬
‫كما ثبت أنه يفوق الفرشاة والمعجون‪ ،‬ول يوجد معجون للسنان‬
‫يحتوي على المواد التي يحويها السواك‪ ،‬بل ثبت أن أغلب المعاجين‬
‫الموجودة في السوق تجارية ورخيصة ل يقصد بها إل الربح‪ ،‬وقد ل‬
‫يستفيد منها الفم واللثة‪.‬‬
‫ول فرق في استحباب السواك عند الصلة بين الفريضة والنافلة‪،‬‬
‫حتى صلة الصائم بعد الزوال‪ ،‬كالظهر والعصر يتأكد فيها السواك على‬
‫أرجح القوال‪ ،‬لعموم أدلة الحث على السواك عند الصلة كحديث أبي‬
‫هريرة المتقدم‪.‬‬
‫فإذا كان السواك مطهرة للفم مرضاة لله تعالى فحري بالمسلم‬
‫والمسلمة أن يهتم كل منهما به عند الصلة فرضا ً كانت أو نف ً‬
‫ل‪ ،‬فإن‬
‫من الناس من ل يقيم للسواك وزنًا‪ ،‬إما للجهل بقدره أو التساهل‪،‬‬
‫والتساهل عند النساء أكثر‪ ،‬فليحرص المسلم على ما يحبه موله‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫‪32‬‬

‫)( أخرجه البخاري رقم )‪ ،(847‬ومسلم رقم )‪ ،(252‬وأبو داود )‪ (46‬والترمذي )‪ (22‬والنسائي )‬
‫‪ ،(1/266‬وأخرجه مالك في الموطأ )‪ ،(1/66‬وأحمد )‪ ،(12/293‬وانظر‪ :‬التمهيد لبن عبد البر )‬
‫‪ (7/194‬والحديث له طرق‪ ،‬وله ألفاظ‪.‬‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫)( أخرجه النسائي )‪ ،(1/10‬وأحمد )‪ ،(6/47‬وعلقه البخاري مجزما به )‪ 4/158‬الفتح(‪ ،‬قال‬
‫النووي في شرح المهذب )‪) :(1/268‬إن تعليقات البخاري إذا كانت بصيغة الجزم فهي صحيحة(‪،‬‬
‫والحديث له شواهد كثيرة عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم‪ ،‬فانظر‪ :‬التلخيص الحبير )‬
‫‪ ،(1/70‬وإرواء الغليل )‪.(1/105‬‬

‫ويقربه إليه ويستاك حتى عند النافلة‪ ،‬فإن من الناس من يتساهل به‬
‫ول سيما في النافلة التي بعد الصلة)‪.(1‬‬

‫‪1‬‬

‫‪33‬‬

‫)( انظر‪ :‬كتاب )زينة المرأة المسلمة( لراقمه )ص ‪ .(95‬ط الرابعة‪.‬‬

‫الحكم الثاني‬
‫المبادرة بالحضور إلى المسجد‬
‫اعلم أن نصوص الشريعة قد وردت بالحث على المبادرة بالعمال‬
‫الصالحة‪ ،‬والمسارعة لداء الواجبات‪ ،‬ومنها حضور المساجد والجلوس‬
‫فيها لنتظار الصلة‪ .‬وتضمنت هذه النصوص ما أعد الله تعالى من‬
‫الفضل والتكريم لمن اتصف بهذه الصفة العالية التي تدل على رغبة‬
‫صاحبها في فعل الخيرات والمسارعة لنيل القربات‪.‬‬
‫قال الله تعالى‪[ :‬وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها‬
‫السموات والرض أعدت للمتقين])‪.(1‬‬
‫وقال تعالى‪[ :‬فاستبقوا الخيرات])‪.(2‬‬
‫وقال تعالى عن الصفوة من عباده‪[ :‬يسارعون في الخيرات])‪.(3‬‬
‫يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله ‪) :-‬والمر‬
‫بالستباق إلى الخيرات قدر زائد على المر بفعل الخيرات‪ ،‬فإن‬
‫الستباق إليها يتضمن فعلها‪ ،‬وتكميلها‪ ،‬وإيقاعها على أكمل الحوال‪،‬‬
‫والمبادرة إليها‪ ،‬ومن سبق في الدنيا إلى الخيرات فهو السابق في‬
‫الخرة إلى الجنات‪ ،‬فالسابقون أعلى الخلق درجة‪ ،‬والخيرات تشمل‬
‫جميع الفرائض والنوافل من صلة وصيام وزكاة وحج وعمرة وجهاد‬
‫ونفع متعد ّ وقاصر()‪.(4‬‬
‫إن التبكير إلى المساجد وانتظار إقامة الصلة والشتغال بالذكر‬
‫والقراءة والنوافل من أسباب المغفرة ومن أعظم الخيرات‪ ،‬ولقد‬
‫أجمل النبي ‪ e‬الثواب العظيم في التكبير بقوله عليه الصلة والسلم‪:‬‬
‫"ولو يعلمون ما في التهجير لستبقوا إليه ‪ ". . .‬الحديث)‪ ،(5‬ويأتي بتمامه‬
‫إن شاء الله‪.‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪34‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫سورة آل عمران‪ :‬الية ‪.133‬‬
‫سورة البقرة‪ :‬الية ‪.148‬‬
‫سورة النبياء‪ :‬الية ‪.90‬‬
‫تفسير ابن سعدي )‪.(1/112‬‬
‫أخرجه البخاري )‪ (590‬ومسلم )‪.(437‬‬

‫قال النووي‪) :‬التهجير‪ :‬التبكير إلى الصلة‪ ،‬أيّ صلة كانت‪ .‬قال‬
‫الهروي وغيره‪:‬وخصه الخليل بالجمعة‪ ،‬والصواب المشهور‪ :‬الول()‪.(1‬‬
‫وقال ابن أبي حمزة‪) :‬فيه دليل على أن المسابقة تكون حسا ً‬
‫ومعنى‪ .‬فهنا تكون معنى ل حسًا‪ ،‬فإن المسابقة على القدام حسا ً‬
‫تقتضي الجري والسرعة‪ .‬والجري هنا والسرعة ممنوعان من حديث‬
‫آخر ‪ . . .‬فلم يبق هنا إل أن تكون معنى وهي الشغل بمراقبة الوقت()‪.(2‬‬
‫إن المبادرة إلى المساجد دليل على تعظيم الصلة وتعلق القلب‬
‫بالمسجد‪ ،‬وعلى قدر الطاعة عموما ً في نفس المصلي‪ ،‬وعلى أن‬
‫الصلة مقدمة عنده على كل شأن من شؤون حياته‪ ،‬وهذا – والله –‬
‫عنوان الفلح وعلمة الصلح‪ .‬قال الله تعالى‪[ :‬في بيوت أذن الله أن‬
‫ترفع ويذكر فيه اسمه يسبح له فيها بالغدو والصال‬

‫)‪ (36‬رجال ل‬

‫تلهيهم تجارة ول بيع عن ذكر الله وإقام الصلة وإيتاء الزكاة يخافون‬
‫يوما ً تتقلب فيه القلوب والبصار)‪ (37‬ليجزيهم الله أحسن ما عملوا‬
‫ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب])‪.(3‬‬
‫إن النسان ما دام حيا ً فهو مشغول بجسمه وعقله ك ّ‬
‫ل بحسب‬
‫حاله‪ .‬ولكن ل شغل عند حضور الصلة عن الصلة لمن وفقه الله‬
‫تعالى لطاعته ورزقه تعظيم شعائره‪ ،‬فقدم طاعة موله ومراده‬
‫ومحبته على مراده ومحبته‪ ،‬فسارع إلى الخيرات ونافس في نيل‬
‫القربات‪ ،‬وازداد يقينه بأن من تعظيم الصلة التيان إلى المسجد قبل‬
‫القامة‪.‬‬
‫ولقد كان السلف الصالح على حرص شديد على صلتهم‪ ،‬يبادرون‬
‫إليها مهما كان المر؛ لنهم عرفوا قدرها عند خالقهم‪ ،‬فصار ذلك سجبة‬
‫لهم وخلقًا‪ ،‬وإليك طرفا ً من أخبارهم‪ ،‬فنعم القدوة هم بعد نبينا وقدوتنا‬
‫محمد بن عبد الله صلوات الله وسلمه عليه‪.‬‬
‫ذكر المام ابن المبارك عن عدي بن حاتم – رضي الله عنه –‬
‫قال‪) :‬ما دخل وقت صلة قط حتى اشتاق إليها()‪.(4‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫‪35‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫شرح مسلم )‪ ،(4/402‬وانظر فتح الباري )‪.(2/97‬‬
‫بهجة النفوس لبن أبي جمرة )‪.(1/214‬‬
‫سورة النور‪ :‬اليات ‪.38 – 36‬‬
‫كتاب الزهد )ص ‪.(460‬‬

‫ولم يكن – رضي الله عنه – يشتاق إلى الصلة فحسب‪ ،‬بل كان‬
‫يستعد لها ويحضر إلى المسجد قبل القامة‪ ،‬فقد ذكر الحافظ الذهبي‬
‫عنه أنه قال‪) :‬ما أقيمت الصلة منذ أسلمت إل وأنا على وضوء()‪.(1‬‬
‫وهذا الحنف بن قيس – رحمه الله – قيل له‪ :‬إن فيك أناة‬
‫شديدة! فقال‪) :‬قد عرفت من نفسي عجلة في صلتي إذا حضرت‬
‫حتى أصليها()‪.(2‬‬
‫وكان سعيد بن المسيب – رحمه الله – يحضر المسجد قبل الذان‬
‫واستمر على ذلك مدة ل تقل عن ثلثين سنة؛ فقد روى المام ابن أبي‬
‫شيبة عن سعيد ابن المسيب قال‪) :‬ما أذن المؤذن منذ ثلثين سنة إل‬
‫وأنا في المسجد()‪.(3‬‬
‫ونقل ابن سعد عنه أنه قال‪) :‬ما سمعت تأذينا ً في أهلي منذ‬
‫ثلثين سنة()‪.(4‬‬
‫ولم تفته صلة الجماعة طيلة أربعين سنة‪ ،‬فقد روى ابن سعد –‬
‫أيضا ً – عنه أنه قال‪ :‬ما فاتته صلة الجماعة منذ أربعين سنة ول نظر‬
‫في أقفائهم)‪.(5‬‬
‫وكان العمش رغم كبر سنه يحرص على التكبيرة الولى‪ .‬فقد‬
‫قال وكيع‪) :‬اختلفت إليه قريبا ً من سنتين ما رأيته يقضي ركعة‪ ،‬وكان‬
‫قريبا ً من سبعين سنة لم تفته التكبيرة الولى()‪.(6‬‬
‫في(؛ لنه كان‬
‫وكان المحدث الثقة بشر بن الحسن يقال له‪) :‬الص ّ‬
‫يلزم الصف الول في مسجد البصرة خمسين سنة)‪.(7‬‬
‫وهذا إبراهيم بن ميمون المروزي أحد الدعاة المحدثين الثقات‬
‫من أصحاب عطاء بن أبي رباح‪ ،‬وكانت مهنته الصياغة وطرق الذهب‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫‪36‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫سير أعلم النبلء )‪.(3/164‬‬
‫طبقات ابن سعد )‪.(7/96‬‬
‫المصنف )‪.(1/351‬‬
‫طبقات ابن سعد )‪.(5/131‬‬
‫المصدر السابق‪.‬‬
‫تهذيب التهذيب )‪.(4/196‬‬
‫المصدر السابق )‪.(1/391‬‬

‫مارين بالمعروف(‪ .‬قال ابن‬
‫والفضة‪ .‬قالوا‪) :‬كان فقيها ً فاضل ً من ال ّ‬
‫معين‪) :‬كان إذا رفع المطرقة فسمع النداء لم يرّدها()‪.(1‬‬
‫قال قاضي الشام سليمان بن حمزة المقدسي‪ ،‬وهو من ذرية ابن‬
‫قدامة صاحب كتاب "المغني"‪) :‬لم أص ّ‬
‫ل الفريضة قط منفردا ً إل‬
‫مرتين‪ ،‬وكأني لم أصلهما قط( مع أنه قارب التسعين)‪.(2‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪37‬‬

‫)( المصدر السابق أيضا ً )‪.(1/151‬‬
‫)( ذيل طبقات الحنابلة )‪ ،(2/365‬وانظر كتاب )الرقائق( للستاذ محمد أحمد الراشد )ص ‪.(24‬‬

‫فضائل المبادرة إلى المسجد وفوائدها‬
‫جاءت النصوص في فضل التبكير إلى المسجد‪ ،‬وبيان ما رتب الله‬
‫تعالى على ذلك من الجر العظيم‪ ،‬وما يحصل من الفوائد الجمة التي‬
‫يظفر بها كل من بادر‪ ،‬مما يجعل المسلم ينهض مسارعا ً لداء فريضة‬
‫الله إذا سمع منادي الله يدعوه‪) :‬حي على الصلة حي على الفلح(‪،‬‬
‫متخليا ً عن مشاغله‪ ،‬فرحا ً بحلول وقت المناجاة‪.‬‬
‫وإن المتأمل في هذه الفضائل والفوائد ليرى عظيم فضل الله‬
‫تعالى وسعة رحمته بعباده الصالحين الذين لبوا النداء ونهضوا إليه‬
‫مبادرين‪ ،‬فأثابهم الله على حسن صنيعهم وزادهم من فضله‪.‬‬
‫وهذه – أخي المسلم – نبذة ل بأس بها في فضائل وفوائد‬
‫المبادرة جمعتها من النصوص وذيلتها بكلم أهل العلم – رحمهم الله –‬
‫أضعها في العناوين التالية‪ ،‬راجيا ً من الله تعالى أن يجعلها نافعة‪ .‬فمنها‪:‬‬
‫‪(1‬‬

‫التصاف بصفة من يظلهم الله في ظله‪:‬‬

‫إن من السعداء في الدار الخرة الذين يظلهم الله في ظله‬
‫يوم ل ظل إل ظله‪ :‬الرجل الذي تعلق قلبه بالمسجد‪ ،‬فأحبه حبا ً شديدًا‪،‬‬
‫إذا أدى فريضة انتظر الخرى‪ ،‬يصلي مع الجماعة‪ ،‬ويبادر إلى الحضور‪.‬‬
‫فالمبادرة وتعلق القلب في المسجد أمران متلزمان‪ ،‬فعن أبي هريرة‬
‫– رضي الله عنه – عن النبي ‪ e‬قال‪" :‬سبعة يظلهم الله في ظله يوم ل‬
‫ظل إل ظله"‪ .‬فذكر منهم‪" :‬ورجل قلبه معلق بالمساجد" وفي رواية‬
‫المام مالك‪" :‬ورجل قلبه متعلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود‬
‫إليه")‪.(1‬‬
‫قال ابن عبد البر في التمهيد‪) :‬هذا أحسن حديث يروى في‬
‫فضائل العمال وأعمها وأصحها إن شاء الله‪ .‬وحسبك فض ً‬
‫ل؛ لن العلم‬
‫محيط بأن كل من كان في ظل الله يوم القيامة لم ينله هول‬
‫الموقف ‪.(2)( . .‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪38‬‬

‫)( أخرجه البخاري رقم )‪ ،(629‬ومسلم رقم )‪ ،(1031‬ومالك في الموطأ )‪.(2/952‬‬
‫)( التمهيد )‪.(2/282‬‬

‫ويقول المام النووي في شرح قوله ‪" :e‬ورجل قلبه معلق في‬
‫المساجد"‪) :‬معناه‪ :‬شديد الحب لها‪ ،‬والملزمة للجماعة فيها‪ .‬وليس‬
‫معناه‪ :‬دوام القعود فيها()‪.(3‬‬

‫‪3‬‬

‫‪39‬‬

‫)( شرح النووي )‪.(7/127‬‬

‫‪(2‬‬

‫أن المبادر في صلة ما انتظر الصلة‪:‬‬

‫إن مما يدل على فضل صلة الجماعة وفضل المبادرة‬
‫بحضور المسجد أن من خرج إليها فهو في صلة طال الوقت أو قصر‪.‬‬
‫وهذا فضل من الله ورحمة‪ .‬دل على ذلك ما ورد عن أبي هريرة –‬
‫رضي الله عنه – أن رسول الله ‪ e‬قال‪" :‬ل يزال أحدكم في صلة ما‬
‫دامت الصلة تحبسه ل يمنعه أن ينقلب إلى أهله إل الصلة ‪.". .‬‬
‫وفي رواية‪" :‬إن أحدكم في صلة ما دامت الصلة تحبسه‪،‬‬
‫والملئكة تقول‪ :‬اللهم اغفر له‪ ،‬اللهم رحمه‪ .‬ما لم يقم من مصله أو‬
‫يحدث ‪.(1)" . .‬‬
‫ورواه مالك موقفا ً عن نعيم المجمر أنه سمع أبا هريرة – رضي‬
‫الله عنه – يقول‪) :‬إذا صّلى أحدكم ثم جلس في مصله لم تزل‬
‫الملئكة تصلي عليه‪ :‬اللهم اغفر له‪ ،‬اللهم ارحمه‪ ،‬فإن قام من مصله‬
‫فجلس في المسجد ينتظر الصلة‪ ،‬لم يزل في صلة حتى يصلي()‪.(2‬‬
‫قال ابن عبد البر‪) :‬في هذا الحديث دليل على أن فضل منتظر‬
‫الصلة كفضل المصلي؛ لنه معلوم أن قوله عليه الصلة والسلم‪" :‬ل‬
‫يزال أحدكم في صلة ما كانت الصلة تحبسه" لم يرد به أن ينتظر‬
‫الصلة قائم ول أنه راكع ساجد؛ وإنما أراد أن فضل انتظار الصلة‬
‫بالقصد إلى ذلك وبالنية فيه كفضل الصلة‪ ،‬وأن منتظرها كالمصلي في‬
‫الفضل‪ ،‬ولله أن يتفضل بما شاء على من يشاء فيما شاء من العمال‪،‬‬
‫ل معقب لحكمه ول راد لفضله‪ ،‬ومن الوجه الذي عرفنا فضل الصلة‬
‫فيه عرفنا فضل انتظارها‪ ،‬وقد علم الناس أن المصلي في تلوته‬
‫وقيامه وركوعه أتعب من المنتظر للصلة ذاكرا ً كان أو ساكتًا‪ ،‬ولكن‬
‫الفضائل ل تدرك بنظر‪ ،‬ول مدخل فيها لقياس‪ ،‬ولو أخذت قياسا ً لكان‬
‫من نوى السيئة كمن نوى الحسنة‪ ،‬ولكن الله منعم كريم‪ ،‬متفضل‬
‫رحيم‪ ،‬يكتب الحسنة بالنية وإن لم تعمل‪ ،‬فإن عملت ضعفت عشرا ً‬
‫إلى سبع مائة‪ ،‬والله يضاعف لمن يشاء‪ ،‬ول يؤاخذ عباده المسلمين بما‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪40‬‬

‫)( أخرجه البخاري رقم )‪ ،(628 ،434‬وأخرجه مسلم رقم )‪.(649‬‬
‫)( أخرجه مالك )‪.(1/161‬‬

‫وسوست به صدورهم‪ ،‬ونووا من الشر ما لم يعملوه‪ ،‬وهذا كله ل‬
‫مدخل فيه للقياس()‪.(1‬‬
‫وقال أيضًا‪) :‬هذا الحديث من أفضل ما يروى في فضل المنتظر‬
‫للصلة؛ لن الملئكة تستغفر له‪ ،‬وفي استغفارهم له دليل على أنه‬
‫يغفر له – إن شاء الله – أل ترى أن طلب العلم من أفضل العمال‪.‬‬
‫وغنما صار كذلك – والله أعلم – لن الملئكة تضع أجنحتها له بالدعاء‬
‫والستغفار ‪.(2)(. . .‬‬
‫واعلم أن في الموقوف الذي رواه مالك – رحمه الله – فائدة‬
‫مهمة‪ ،‬وهي أن قوله في رواية البخاري‪" :‬ما لم يقم من مصله" خرج‬
‫مخرج الغالب‪ .‬والمراد به المكان الذي أوقع فيه الصلة من المسجد‪.‬‬
‫فلو قام إلى بقعة أخرى من المسجد مستمرا ً على نية انتظار الصلة‬
‫كان كذلك – إن شاء الله تعالى – ول سيما إن كان لغرض يعينه على‬
‫النتظار كالنتقال من مكان بارد إلى دافئ أو من حار إلى بارد‪ ،‬أو‬
‫ليستند إلى حائط ونحو ذلك‪ .‬بل إن قوله عليه الصلة والسلم‪" :‬ول‬
‫في صلة ما انتظر الصلة" يفيد هذا المعنى‪ ،‬والله أعلم)‪.(3‬‬
‫وقد جعل الله تعالى انتظار الصلة بعد الصلة من أسباب محو‬
‫الذنوب وتطهير العبد من خطاياه؛ فعن أبي هريرة ‪ -‬رضي الله عنه –‬
‫أن رسول الله ‪ e‬قال‪" :‬أل دلكم على ما يمحوا الله به الخطايا ويرفع به‬
‫الدرجات"؟ قالوا‪ :‬بلى يا رسول الله‪ .‬قال‪" :‬إسباغ الوضوء على‬
‫المكاره‪ ،‬وكثرة الخطا إلى المساجد‪ ،‬وانتظار الصلة بعد الصلة‪،‬‬
‫فذلكم الرباط")‪.(4‬‬
‫فالحديث بعمومه يفيد فضل انتظار الصلة‪ ،‬والمبادرة بحضور‬
‫المسجد‪ .‬فإن النتظار يشمل انتظار الوقت وانتظار الجماعة‪ ،‬كما‬
‫يشمل انتظارها في المسجد بالحضور مبكرًا‪ ،‬وانتظارها في البيت أو‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫‪41‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫التمهيد )‪.(43 ،19/26‬‬
‫المصدر السابق‪.‬‬
‫انظر فتح الباري )‪ ،(2/136‬والفواكه العديدة )‪.(1/102‬‬
‫أخرجه مسلم رقم )‪ ،(251‬وانظر صحيح الترغيب والترهيب )‪.(1/155‬‬

‫الشغل أو السوق ليبادر بالحضور‪ ،‬وذلك لتعلق فكره وقلبه بها‪ ،‬فهو‬
‫دائم الحضور والمراقبة غير ملته عن أفضل العبادات البدنية بشيء)‪.(1‬‬
‫وتأمل كيف شبه النبي ‪ e‬هذه العمال الثلثة بالرباط الذي هو‬
‫القامة على جهاد العدو بالحرب وارتباط الخيل وإعدادها‪ .‬مما يؤكد‬
‫فضل هذه العمال وعظيم مكانتها عند الله تعالى‪.‬‬
‫وقد ورد – أيضا ً – في فضل المبادرة إلى المسجد التي من‬
‫لوازمها توطن المسجد حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي‬
‫‪ e‬قال‪" :‬ما توطن رجل مسلم المساجد للصلة والذكر إل تبشش الله‬
‫تعالى إليه كما يتبشبش أهل الغائب بغائبهم إذا قدم عليهم")‪.(2‬‬
‫ش‪ :‬فرح الصديق بالصديق‪ ،‬واللطف في‬
‫قال ابن الثير‪) :‬الب ّ‬
‫المسألة والقبال عليه()‪ .(3‬وقد بوب ابن خزيمة على هذا الحديث‬
‫ب تعالى بمشي عبده إلى المسجد متوضيًا(‬
‫بقوله‪) :‬باب ذكر فرح الر ّ‬
‫)‪.(4‬‬
‫‪(3‬‬

‫صلة الملئكة عليه واستغفارهم له‪:‬‬

‫قال الله تعالى‪[ :‬هو الذي يصلي عليكم وملئكته ليخرجكم من‬
‫الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما])‪.(5‬‬
‫فهذه نعمة عظيمة أنعم الله بها على عباده الطائعين تستدعي‬
‫منهم شكرها والكثار من ذكر الله تعالى الذي لطف بهم ورحمهم‬
‫وجعل ملئكته يستغفرون لهم‪ .‬فكان ذلك سببا ً في هدايتهم وإخراجهم‬
‫من ظلمات الذنوب والجهل إلى نور اليمان والتوفيق والعلم‬
‫والعمل)‪ ،(6‬والصلة من الله تعالى‪ :‬ثناؤه على عبده في المل العلى‪،‬‬
‫والصلة من الملئكة‪ :‬الدعاء والستغفار)‪.(7‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫‪42‬‬

‫)( انظر دليل الفالحين )‪.(1/366‬‬
‫)( أخرجه ابن ماجه )‪ ،(1/262‬والحاكم )‪ .(1/213‬وقال‪ :‬صحيح على شرط الشيخين‪ ،‬وانظر‬
‫صحيح الترغيب والترهيب )‪ .(1/202‬وروى الحديث ابن خزيمة بلفظ آخر مقارب )‪.(2/374‬‬
‫)( النهاية )‪.(1/130‬‬
‫)( صحيح بان خزيمة )‪.(2/374‬‬
‫)( سورة الحزاب‪ :‬الية ‪.43‬‬
‫)( انظر تفسير ابن سعدي )‪.(4/158‬‬
‫)( ذكر ذلك البخاري عن أبي العالية‪ .‬انظر فتح الباري )‪.(8/532‬‬

‫إن الله تعالى قد كلف الملئكة بالدعاء للذين يؤمون المساجد‬
‫للصلة ويجلسون فيها منتظرين القامة‪ ،‬أو يمكثون في مصلهم بعد‬
‫الصلة قائلين‪ :‬اللهم اغفر له! اللهم ارحمه‪ .‬كما تقدم في حديث أبي‬
‫هريرة – رضي الله عنه ‪.-‬‬
‫فانظر – أخي المسلم – إلى قدرك عند الله تعالى إذا أطعته؛‬
‫كلف ملئكته المقربين بالدعاء لك والصلة عليك‪ ،‬ما أعظمها من نعمة‬
‫وأكبرها من منحة!!‬
‫‪(4‬‬

‫المشي إلى المسجد بسكينة‪:‬‬

‫إن من فوائد التبكير لحضور الصلة أن المصلي يمشي إليها‬
‫بسكينة ووقار‪ ،‬لسعة الوقت‪ .‬أما الذي يأتي متأخرا ً فإنه يسرع‪ ،‬ول‬
‫يصل المسجد إل وقد حفزه النفس‪ ،‬وهذا أمر ملحظ‪ .‬وسيأتي الكلم‬
‫على هذا الدب قريبا ً عن شاء الله‪.‬‬
‫‪(5‬‬

‫دخول المسجد داعيًا‪:‬‬

‫وهذه فائدة أخرى‪ ،‬فإن المبكر للصلة يتمكن من التيان بالدعاء‬
‫المأثور عند دخول المسجد؛ لنه ل يخاف فوت الصلة فيسرع ويخل‬
‫بهذا الدعاء‪ ،‬وسأذكر ذلك إن شاء الله تعالى‪.‬‬
‫‪(6‬‬

‫تحصيل الصف الول‪:‬‬

‫في الصف الول فضل عظيم دلت عليه الحاديث الصحيحة‪ ،‬فهو‬
‫على مثل صف الملئكة‪ .‬والله تعالى وملئكته يصلون على الصفوف‬
‫الولى‪ ،‬وقد صلى النبي الكريم ‪ e‬على الصف الول والثاني‪ .‬وهذه‬
‫الفضائل ل يظفر بها إل من سارع لحضور الجماعة‪ ،‬وتقدم للصف‬
‫الول‪ ،‬كما سيأتي ذكره إن شاء الله‪.‬‬
‫‪(7‬‬

‫تحصيل ميمنة الصف‪:‬‬

‫إن تحصيل ميمنة الصف والدنو من المام ل يكون لمن جاء‬
‫متأخرًا‪ ،‬فإن أردت فضيلة ميمنة الصف فعليك بالمبادرة؛ لن جهة يمين‬
‫المام أشرف وأفضل من جهة يساره؛ ولهذا لما قام ابن عباس –‬
‫رضي الله عنهما – عن يسار النبي ‪ e‬أخذ بيده حتى أقامه عن يمينه‪،‬‬
‫وقد بوب البخاري – رحمه الله – على حديث ابن عباس بقوله‪" :‬باب‪:‬‬

‫‪43‬‬

‫ميمنة المسجد والمام" قال ابن رجب – رحمه الله ‪" :-‬ويستدل بذلك‬
‫على أن جهة يمين المام للمأمومين الذين يقومون خلف المام أشرف‬
‫وأفضل من جهة يساره")‪.(1‬‬
‫ولقد كان الصحابة – رضي الله عنهم – يحبون أن يكونوا عن يمين‬
‫رسول الله ‪ e‬إذا صلوا؛ يقول البراء – رضي الله عنه ‪ :-‬كنا إذا صلينا‬
‫خلف رسول الله ‪ e‬أحببنا أن نكون عن يمينه‪ ،‬يقبل علينا بوجهه‪ ،‬قال‪:‬‬
‫فسمعته يقول‪" :‬رب قني عذابك يوم تبعث أو تجمع عبادك")‪.(2‬‬
‫يقول العلمة محمد شمس الحق تعليقا ً على كلم البراء – رضي‬
‫الله عنه ‪) :-‬لكون يمين الصف أفضل‪ ،‬ولكونه عليه الصلة والسلم‬
‫يقبل علينا بوجهه عند السلم أول ً قبل أن يقبل على من يساره()‪.(3‬‬
‫‪(8‬‬

‫الدعاء بين الذان والقامة‪:‬‬

‫من مواطن إجابة الدعاء‪ :‬الدعاء بين الذان والقامة‪ ،‬وذلك –‬
‫والله أعلم – لشرف الوقت‪ .‬فعلى المسلم أن يبادر بالحضور إلى‬
‫المسجد ويدعو بين الذان والقامة؛ لعل الله أن يستجيب له؛ فإن من‬
‫ألهم الدعاء فقد أريد به الجابة‪ ،‬لن الله تعالى يقول‪[ :‬أدعوني استجب‬
‫لكم] وقد ورد عن أنس – رضي الله عنه – قال‪ :‬قال رسول الله ‪" :e‬ل‬
‫يرد الدعاء بين الذان والقامة" وعند أحمد وابن خزيمة‪" :‬الدعاء بين‬
‫الذان والقامة ل يرد فادعوا")‪.(4‬‬
‫ومثل هذا مقيد بما إذا اجتمعت شروط الدعاء وآدابه‪ ،‬وما لم يكن‬
‫دعاء بإثم ول قطيعة رحم‪ ،‬والله اعلم‪.‬‬
‫‪(9‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫‪44‬‬

‫الصلة قبل القامة‪:‬‬

‫)( انظر‪ :‬فتح الباري لبن رجب )‪ (6/294‬وابن حجر )‪.(2/213‬‬
‫)( أخرجه مسلم )‪ ،(709‬واللفظ له‪ .‬وأخرجه النسائي )‪ ،(2/94‬وأبو داود )‪ ،(2/322‬وابن ماجه )‬
‫‪ (1006‬بدون الدعاء‪.‬‬
‫)( عون المعبود )‪.(2/322‬‬
‫)( أخرجه أحمد )‪ (20/41‬والنسائي في عمل اليوم والليلة )‪ (67‬وابن خزيمة من طريق إسرائيل‬
‫عن أبي إسحاق عن بريد بن أبي مريم عن أنس‪ ،‬به وهذا إسناد صحيح‪ ،‬رجاله ثقات‪ ،‬وأخرجه أبو‬
‫مي‪ ،‬وإسناده‬
‫داود )‪ ،(2/224‬والترمذي )‪ ،(1/624‬والنسائي )‪ (68‬وغيرهم من طريق زيد الع ّ‬
‫ضعيف‪ ،‬وحسنه الترمذي‪ ،‬ولعل ذلك للطريق الذي قبله‪ .‬وانظر‪" :‬نتائج الفكار" لبن حجر )‬
‫‪.(1/364‬‬

‫عن عبد الله بن مغفل – رضي الله عنه – قال‪ :‬قال رسول الله‬
‫‪" :e‬بين كل أذانين صلة‪ ،‬بين كل أذانين صلة"‪ ،‬ثم قال في الثالثة‪:‬‬
‫"لمن شاء")‪.(1‬‬
‫وهذا الحديث دليل على استحباب النافلة بين الذان والقامة؛ لن‬
‫المراد بالذانين‪ :‬الذان والقامة؛ لن الذان إعلم بحضور الوقت‪،‬‬
‫والقامة أذان بفعل الصلة‪.‬‬
‫والصلة قبل القامة قد تكون تحية المسجد‪ ،‬وقد تكون نفل ً مطلقا ً أو‬
‫مقيدًا‪ .‬وعن عبد الله بن الزبير قال‪ :‬قال رسول الله ‪" :e‬ما من صلة‬
‫مفروضة إل وبين يديها ركعتان")‪.(2‬‬
‫إن الصلة قبل القامة حمى للفريضة‪ ،‬وذريعة للمدوامة عليها؛‬
‫لن النوافل رياضة للنفس‪ ،‬يستدعي القيام بها أداء الفرض على أكمل‬
‫وجه‪ ،‬فمن أدى النوافل استمر على الفرائض‪ ،‬ومن قصر في النوافل‬
‫فهو عرضة لن يقصر في الواجب‪ ،‬وهذا ملحظ‪ ،‬والتوفيق من الله)‪.(3‬‬
‫‪(10‬‬

‫إدراك تكبيرة الحرام مع المام‪:‬‬

‫من ثمار المبادرة إلى المسجد‪ :‬إدراك تكبيرة الحرام مع المام‪،‬‬
‫وفي ذلك ثواب عظيم‪ ،‬فعن أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال‪:‬‬
‫قال رسول الله ‪" :e‬من صلى لله أربعين يوما ً في جماعة يدرك‬
‫التكبيرة الولى كتب له براءتان‪ :‬براءة من النار‪ ،‬وبراءة من النفاق")‪.(4‬‬
‫قال الطيبي في شرح الحديث‪ :‬يؤمنه في الدنيا أن يعمل عمل‬
‫المنافق‪ ،‬ويوفقه لعمل أهل الخلص‪ ،‬وفي الخرة يؤمنه مما يعذب به‬
‫المنافق‪ ،‬أو يشهد له أنه غير منافق‪ ،‬فإن المنافقين إذا قاموا إلى‬
‫الصلة قاموا كسالى‪ ،‬وحال هذا بخلفهم()‪.(5‬‬
‫قال النووي في شرح المهذب‪) :‬يستحب المحافظة على إدراك‬
‫تكبيرة الحرام مع المام‪ ،‬بأن يتقدم إلى المسجد قبل وقت‬
‫القامة ‪ ( . . .‬ثم قال‪) :‬واختلف أصحابنا فيما يدرك به فضيلة تكبيرة‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪45‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫أخرجه البخاري رقم )‪ ،(601‬ومسلم رقم )‪ ،(838‬وانظر معالم السنن للخطابي )‪.(2/83‬‬
‫أخرجه ابن حبان )‪ ،(4/77‬وانظر الصحيحة لللياني رقم الحديث )‪.(232‬‬
‫انظر الموافقات للشاطبي )‪(1/151‬؛ وأصول الفقه لبي زهرة )ص ‪.(32‬‬
‫أخرجه الترمذي )‪ ،(2/440‬وحسنه اللباني في صحيح سنن الترمذي )‪.(1/77‬‬
‫شرح الطيبي )‪.(3/74‬‬

‫الحرام على خمسة أوجه‪ :‬أصحها‪ :‬بأن يحضر تكبيرة المام‪ ،‬ويشتغل‬
‫عقبها بعقد صلته من غير وسوسة ظاهرة‪ ،‬فإن أخر لم يدركها ‪.(1)( . .‬‬
‫ومما يدل على ذلك أن من أهل العلم من قال‪ :‬إذا أقيمت الصلة‬
‫وهو في نافلة قطعها‪ ،‬ليدرك الفريضة من أولها‪ .‬وسيأتي – إن شاء الله‬
‫تعالى – الكلم على هذه المسألة‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫‪46‬‬

‫)( المجموع شرح المهذب )‪ ،(4/206‬وشرح النووي على مسلم )‪ ،(4/363‬وفتح الباري )‪.(2/179‬‬

‫‪(11‬‬

‫التأمين مع المام‪:‬‬

‫عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ‪ e‬قال‪" :‬إذا قال‬
‫المام‪[ :‬غير المغضوب عليهم ول الضالين] فقولوا‪ :‬آمين‪ ،‬فإن من‬
‫وافق قوله قول الملئكة غفر له ما تقدم من ذنبه")‪.(1‬‬
‫وعن أبي موسى الشعري – رضي الله عنه – قال‪ :‬إن رسول الله ‪e‬‬
‫خطبنا‪ ،‬فبين لنا سنتنا‪ ،‬وعلمنا صلتنا‪ ،‬فقال‪" :‬إذا صليتم فأقيموا‬
‫صفوفكم‪ ،‬ثم ليؤمكم أحدكم فإذا كبر فكبروا‪ ،‬وإذا قال‪[ :‬غير المغضوب‬
‫عليهم ول الضالين] فقولوا‪ :‬أمين‪ ،‬يجبكم الله")‪.(2‬‬
‫من المام‬
‫وعن أبي هريرة – رضي الله عنه أن النبي ‪ e‬قال‪" :‬إذا أ ّ‬
‫فأمنوا؛ فإنه من وافق تأمينه تأمين الملئكة غفر له ما تقدم من‬
‫ذنبه")‪.(3‬‬
‫إن في التأمين وراء المام ثوابا ً عظيما ً وخيرا ً كثيرا ً ل يحصل لمن‬
‫صلى منفردًا‪.‬‬
‫فأو ً‬
‫من مع المصلين‪ .‬والمراد بهم – والله أعلم –‬
‫ل‪ :‬أن الملئكة تؤ ّ‬
‫من أذن لهم بالتأمين مع المام‪ ،‬ل جميع الملئكة‪ ،‬فيما يظهر)‪.(4‬‬
‫وثانيًا‪ :‬أن من وافق تأمينه تأمين الملئكة وصادفه في الزمن غفر‬
‫له ما سبق من الذنوب‪.‬‬
‫وثالثًا‪ :‬أن الله تعالى يستجيب دعاءهم‪.‬‬
‫وهذه المور الثلثة تدل على فضل التأمين والهتمام به‪ .‬وهذا إنما‬
‫يكون بالتقدم إلى المسجد وحضور تأمين المام‪ ،‬وانظر إلى هذا القول‬
‫اليسير الذي ل كلفة فيه كيف ترتبت عليه هذه الفضائل وأهمها مغفرة‬
‫الذنوب واستجابة الدعاء! وهذا فضل من الله ونعمة)‪.(5‬‬
‫وقد ورد عن عائشة – رضي الله عنها – عن النبي ‪ e‬قال‪" :‬ما‬
‫حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على السلم والتأمين")‪.(6‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫‪47‬‬

‫)( أخرجه البخاري )‪ ،(749‬ومسلم )‪.(410‬‬
‫)( هذا جزء من حديث أبي موسى الشعري – رضي الله عنه – أخرجه مسلم رقم )‪.(404‬‬
‫)( أخرجه البخاري )‪ 2/262‬فتح( ومسلم )‪.(410‬‬
‫)( انظر فتح الباري )‪.(2/265‬‬
‫)( المصدر السابق )‪.(2/266‬‬
‫)( أخرجه ابن ماجه )‪ (1/278‬بإسناد صحيح‪ ،‬كما في "الزوائد" للبوصيري )‪ ،(1/176‬وأخرجه ابن‬
‫خزيمة )‪.(1/288‬‬

‫منوا" أن‬
‫من المام فأ ّ‬
‫وظاهر قوله في الحديث المتقدم‪" :‬إذا أ ّ‬
‫تأمين المأموم يتأخر عن تأمين المام؛ لنه رتب عليه بالفاء‪ ،‬لكن‬
‫حديث "إذا قال المام [غير المغضوب عليهم ول الضالين] فقولوا‪:‬‬
‫آمين" يدل على اقتران تأمين المأموم بتأمين المام‪ ،‬ليقارن تأمين‬
‫الملئكة في السماء‪ ،‬وذلك لن التأمين لقراءة المام ل لتأمينه‪ ،‬فلذلك‬
‫منوا" أي‪ :‬إذا شرع‬
‫من المام فأ ّ‬
‫ل يتأخر عنه‪ ،‬ويكون معنى قوله‪" :‬إذا أ ّ‬
‫في التأمين‪ ،‬وهذا قول الجمهور‪ .‬ويؤيد ذلك حديث أبي هريرة – رضي‬
‫الله عنه – بلفظ "إذا قال المام‪[ :‬غير المغضوب عليهم ول‬
‫الضالين] فقولوا‪ :‬آمين فإن الملئكة تقول‪ :‬آمين‪ ،‬وإن المام يقول‪:‬‬
‫آمين‪ ،‬فمن وافق تأمينه تأمين الملئكة غفر له ما تقدم من ذنبه")‪.(1‬‬
‫فعلل باقتران تأمين المام والملئكة‪.‬‬
‫ولذا قال العلماء‪ :‬ل تستحب للمأموم مقارنة إمامه في شيء غير‬
‫التأمين‪ ،‬والله أعلم)‪.(2‬‬
‫‪(12‬‬

‫الصلة بخشوع‪:‬‬

‫أعلم أن الله تعالى أثنى في كتابه العظيم على الخاشعين في‬
‫صلتهم‪ .‬ووعدهم أجرا ً عظيما ً فقال تعالى‪[ :‬قد أفلح المؤمنون)‪(1‬‬
‫الذين هم في صلتهم خاشعون )‪ (2‬والذين هم عن اللغو معرضون )‪(3‬‬
‫والذين هم للزكاة فاعلون )‪ (4‬والذين هم لفروجهم حافظون )‪ (5‬إل‬
‫على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم غير ملومين )‪ (6‬فمن ابتغى وراء‬
‫ذلك فأولئك هم العادون )‪ (7‬والذين هم لماناتهم وعهدهم راعون )‪(8‬‬
‫والذين هم على صلواتهم يحافظون )‪ (9‬أولئك هم الوارثون )‪(10‬‬
‫يرثون الفردوس هم فيها خالدون )‪.(3)](11‬‬
‫ولقد بين النبي ‪ e‬أثر الخشوع في الصلة وحضور القلب فيها؛‬
‫فقال – عليه الصلة والسلم – في بيان فضل الوضوء وثوابه‪" :‬فإن هو‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪48‬‬

‫)( أخرجه أحمد )‪ (13/95‬والنسائي )‪ (2/144‬وإسناده صحيح‪.‬‬
‫)( انظر‪ :‬فتح الباري لبن رجب )‪ (7/91‬ولبن حجر )‪.(2/262‬‬
‫)( سورة المؤمنون‪ :‬اليات ‪.11 – 1‬‬

‫قام‪ ،‬وصلى فحمد الله وأثنى عليه ومجده بالذي هو أهله‪ ،‬وفرغ قلبه‬
‫لله‪ ،‬إل انصرف من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمه")‪.(1‬‬
‫وعن عمار بن ياسر – رضي الله عنه – قال‪ :‬سمعت رسول الله‬
‫‪ e‬يقول‪" :‬إن الرجل لينصرف وما كتب له إل عشر صلته‪ ،‬تسعها‪،‬‬
‫ثمنها‪ ،‬سبعها‪ ،‬سدسها‪ ،‬خمسها‪ ،‬ربعها‪ ،‬ثلثها‪ ،‬نصفها")‪.(2‬‬
‫وإن هذا وغيره يحمل المسلم على أن يخشع في صلته ويقبل‬
‫على الله تعالى‪ ،‬محاول ً قدر استطاعته التجرد عن كل ما يشغله‬
‫ويحول بينه وبين الخشوع‪ .‬يقول ابن كثير – رحمه الله ‪. . ) :-‬‬
‫والخشوع في الصلة إنما يحصل لمن فرغ قلبه لها‪ ،‬واشتغل بها عما‬
‫عداها‪ ،‬وآثرها على غيرها‪ ،‬وحينئذ تكون راحة له وقرة عين‪ ،‬كما قال‬
‫ي الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلة ‪(" . .‬‬
‫النبي ‪" :e‬حبب إل ّ‬
‫)‪.(3‬‬
‫وتعتبر المبادرة لحضور المسجد والنقطاع عن مشاغل الدنيا‬
‫ومتاعبها في تلك اللحظات من أسباب الخشوع في الصلة وإقبال‬
‫المصلي على ربه‪ .‬فإن المصلي كلما طال لبثه في المسجد واشتغل‬
‫بالصلة والقراءة والذكر والدعاء قبل إقامة الفريضة حضر قلبه‪،‬‬
‫وسكنت جوارحه‪ ،‬ووجد نشاطا ً وراحة وروحًا‪ ،‬فهو يقول‪ :‬أصلي‬
‫فأستريح بصلتي‪ ،‬كما قال النبي ‪" :e‬يا بلل أرحنا بالصلة")‪.(4‬‬
‫وإنك لترى علمات الهدوء والطمأنينة بادية على وجوه المبادرين‬
‫حتى إنهم آخر أهل المسجد خروجا ً في الغالب‪ ،‬وهم أولهم دخو ً‬
‫ل‪،‬‬
‫وانظر إلى حال المتأخرين الذين تفوتهم الصلة أو بعضها فهم أسرع‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪4‬‬

‫‪49‬‬

‫)( هذا جزء من حديث طويل‪ ،‬أخرجه مسلم عن عمرو بن عبسة رضي الله عنه برقم )‪.(832‬‬
‫)( أخرجه أبو داود )‪ (3/3‬والنسائي في "الكبرى" )‪ (1/211‬وسنده حسن‪ .‬صحيح الجامع )‪.(2/65‬‬
‫)( تفسير ابن كثير )‪ ،(5/456‬والحديث أخرجه أحمد )‪ ،(3/128‬والنسائي )‪ .(62 – 7/61‬وغيرهما‬
‫من حديث أنس رضي الله عنه‪ ،‬وهو حديث صحيح‪.‬‬
‫)( راجع الوابل الصيب لبن القيم )ص ‪ .(26 ،25‬والحديث أخرجه أبو داود )‪ ،(4985‬وأحمد )‬
‫‪ (5/364‬وهو حديث صحيح‪.‬‬

‫الناس خروجًا‪ ،‬مما يدل على أن للمبادرة والبقاء في المسجد لنتظار‬
‫الفريضة أثرا ً كبيرًا‪.‬‬
‫وبعد ‪ . .‬فهذه نبذة ل بأس بها في فضائل المبادرة لحضور الصلة‪،‬‬
‫لعلك بعد قراءتها أو سماعها تشمر مع المشمرين‪ ،‬راغبا ً إلى الله تعالى‬
‫أن يحقق لك هذه الفضائل‪ ،‬ويمنحك هذه الفوائد‪ ،‬فتكون من‬
‫المفلحين‪.‬‬

‫‪50‬‬

‫الحكم الثالث‬
‫الدعاء عند الخروج إلى الصلة‬
‫إذ ارتدى المصلي ثيابه النظيفة واهتم برائحته وسواكه وخرج من‬
‫ن له أن يدعو بدعاء النبي ‪ e‬الذي ورد في حديث‬
‫بيته إلى المسجد س ّ‬
‫ابن عباس – رضي الله عنهما – أنه قال‪ :‬رقدت عند رسول الله ‪e‬‬
‫فاستيقظ فتسوك‪ ،‬وتوضأ‪ ،‬وهو يقول‪[ :‬إن في خلق السموات والرض‬
‫واختلف الليل والنهار ليات لولي اللباب])‪ .(1‬فقرأ هؤلء اليات حتى‬
‫ختم السورة‪ ،‬ثم قام فصلى ركعتين‪ ،‬فأطال فيهما القيام والركوع‬
‫والسجود‪ ،‬ثم انصرف فنام حتى نفخ‪ ،‬ثم فعل ذلك ثلث مرات ست‬
‫ركعات‪ ،‬كل ذلك يستاك ويتوضأ‪ ،‬ويقرأ هؤلء اليات‪ ،‬ثم أوتر بثلث‪،‬‬
‫فأذن المؤذن‪ ،‬فخرج إلى الصلة وهو يقول‪" :‬اللهم اجعل في قلبي‬
‫نورًا‪ ،‬وفي لساني نورًا‪ ،‬واجعل في سمعي نورًا‪ ،‬واجعل في بصري‬
‫نورًا‪ ،‬واجعل من خلفي نورًا‪ ،‬ومن أمامي نورًا‪ ،‬واجعل فوقي نورًا‪ ،‬ومن‬
‫تحتي نورًا‪ ،‬اللهم اعطني نورا ً ‪.(2)" . . .‬‬
‫واعلم أخي المسلم أن هذا الدعاء ورد عن النبي ‪ e‬في مواطن‬
‫أخرى غير وقت الخروج إلى المسجد‪ ،‬فقد ورد في بعض الروايات عند‬
‫مسلم‪) :‬فجعل يقول في صلته أو في سجوده(‪ ،‬وعند البخاري في‬
‫الدعوات‪) :‬فصلى ولم يتوضأ‪ ،‬وكان يقول في دعائه(‪ ،‬وعند الترمذي‪:‬‬
‫)سمعت رسول الله ‪ e‬حين فرغ من صلته ‪ ( . .‬الحديث‪ ،‬وفيه زيادات‪.‬‬
‫وهذه الروايات كلها ثابتة‪ ،‬وطريق الجمع بينها أن يدعو المسلم‬
‫بهذا الدعاء في هذه المواضع كلها‪ ،‬كما أفاد ذلك الحافظ ابن حجر في‬
‫"تخريج أحاديث الذكار")‪.(3‬‬
‫‪ () 1‬سورة آل عمران‪ :‬الية ‪.190‬‬
‫‪ () 2‬أخرجه مسلم رقم )‪ ،(763‬وأصله في البخاري‪ ،‬لكن جاء بدل قوله‪) :‬فخرج إلى الصلة وهو‬
‫يقول(‪) :‬وكان يقول في دعائه(‪ .‬وانظر‪ :‬شرح النووي على مسلم )‪(298 ،6/295‬؛ وفتح الباري )‬
‫‪ ،(11/116‬وتحفة الحوذي )‪ .(9/367‬وقد ذكره الشيخ محمد بن عبدا لوهاب – رحمه الله – في‬
‫)آداب المشي إلى الصلة( ص ‪.4‬‬
‫‪ ()3‬انظر تخريج أحاديث الذكار )‪.(2/266‬‬

‫‪51‬‬

‫وهذه قاعدة في كل عبادة ترد على وجوه متنوعة ثابتة‪ ،‬كأدعية‬
‫الستفتاح‪ ،‬وصيغ التشهد‪ ،‬وأدعية الرفع من الركوع‪ ،‬وغير ذلك‪،‬‬
‫فالفضل أن يفعل هذا تارة‪ ،‬ويفعل هذا تارة؛ ليكون عامل ً بالسنة‪ ،‬وإن‬
‫كان بعض النواع أرجح وأفضل)‪.(1‬‬
‫وأحسب أن هذا الدعاء من السنن المهجورة اليوم‪ ،‬التي قلما‬
‫يفطن لها كثير من الناس‪ ،‬لسيما وأنه يحتاج إلى حفظ‪ ،‬فينبغي حفظه‬
‫والعتناء به؛ فإنه دعاء عظيم؛ لنه دعاء بالعلم والهداية‪ ،‬والمسلم إذا‬
‫اجتمع له نور الفطرة ونور اليمان ونور العلم حاز الخير كله‪ ،‬وليس كل‬
‫أحد يصلح لذلك‪ .‬قال تعالى‪ . . .[ :‬يهدي الله لنوره من يشاء ‪.(2)]. . .‬‬
‫قال النووي – رحمه الله – في شرح صحيح مسلم‪) :‬قال العلماء‪:‬‬
‫سأل النور في أعضائه وجهاته‪ ،‬والمراد به‪ :‬بيان الحق وضياؤه والهداية‬
‫إليه‪ ،‬فسأل النور في جميع أعضائه وجسمه وتصرفاته وتقلباته وحالته‬
‫وجملته في جهاته الست حتى ل يزيغ شيء منها عنه()‪.(3‬‬
‫هذا وقد ذكر النووي في كتابه‪) :‬الذكار( أن المصلي إذا خرج من‬
‫بيته يضم هذا الدعاء إلى الدعية الواردة فيما يقول من خرج من بيته‬
‫إلى أي موضع)‪ .(4‬قلت‪ :‬ول سيما إذا كان المسجد بعيدًا‪.‬‬
‫ومن ذلك ما ورد عن أم سلمة – رضي الله عنها – قالت‪ :‬ما خرج‬
‫النبي ‪ e‬من بيتي قط إل رفع طرفه إلى السماء فقال‪" :‬اللهم إني أعوذ‬
‫ل‪ ،‬أو أِزل أو أَز ّ‬
‫ض ّ‬
‫ض ّ‬
‫ظلم أو أظَلم‪ ،‬أو أجهل أو‬
‫ل‪ ،‬أو أ ِ‬
‫بك أن أ ِ‬
‫ل أو أ َ‬
‫يجهل علي")‪.(5‬‬
‫وعن أنس بن مالك – رضي الله عنه – أن النبي ‪ e‬قال‪" :‬إذا خرج‬
‫الرجل من بيته فقال‪ :‬باسم الله‪ ،‬توكلت على الله‪ ،‬ل حول ول قوة إل‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪52‬‬

‫)( انظر مجموع فتاوى شيخ السلم ابن تيمية رحمه الله )‪.(22/335‬‬
‫)( سورة النور‪ :‬الية ‪.35‬‬
‫)( شرح النووي على مسلم )‪.(6/291‬‬
‫)( الذكار )ص ‪.(31‬‬
‫)( أخرجه أبو داود رقم )‪ ،(5094‬والترمذي رقم )‪ ،(3423‬والنسائي )‪ ،(8/268‬وابن ماجه رقم )‬
‫‪ (3884‬وإسناده صحيح‪.‬‬

‫بالله"‪ .‬قال‪" :‬يقال حينئذ‪ :‬هديت وكفيت ووقيت‪ .‬فتتنحى له الشياطين‪.‬‬
‫فيقول شيطان آخر‪ :‬كيف لك برجل قد هدي وكفي ووقي؟")‪.(1‬‬

‫الحكم الرابع‬
‫الذهاب إلى المسجد ما شيا ً‬
‫اعلم أنه قد ورد الجر العظيم في المشي إلى المسجد‪ ،‬وأن‬
‫أعظم المصلين أجرا ً أبعدهم منفز ً‬
‫ل‪ .‬وقد نص فقهاؤنا – رحمهم الله –‬
‫على أنه يسن مقاربة الخطا‪ ،‬وعدم العجلة في الذهاب إلى المسجد؛‬
‫لتكثر حسنات الماشي إليه‪ ،‬استنادا ً إلى النصوص الشرعية الدالة على‬
‫فضل كثرة الخطا إلى المساجد‪.‬‬
‫فعن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله ‪ e‬قال‪" :‬أل‬
‫أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا‪ :‬بلى يا‬
‫رسول الله‪ .‬قال‪" :‬إسباع الوضوء على المكاره‪ ،‬وكثرة الخطا إلى‬
‫المساجد‪ ،‬وانتظار الصلة بعد الصلة‪ ،‬فذلكم الّرباط‪ ،‬فذلكم‬
‫الرباط")‪.(2‬‬
‫وعن أبي موسى – رضي الله عنه – قال‪ :‬قال رسول الله ‪" :e‬إن‬
‫أعظم الناس أجرا ً في الصلة أبعدهم إليها ممشى فأبعدهم‪ ،‬والذي‬
‫ينتظر الصلة حتى يصليها مع المام أعظم أجرا ً من الذي يصليها ثم‬
‫ينام")‪.(3‬‬
‫فهذا الحديث وما قبله دليل على فضل المنفزل البعيد عن‬
‫المسجد؛ لحصول كثرة الخطا الذي من ثمرته حصول الثواب‪ ،‬وكثرتها‬
‫تكون ببعد الدار‪ ،‬كما تكون بكثرة التردد إلى المسجد‪.‬‬
‫وعن أبي بن كعب – رضي الله عنه – قال‪ :‬كان رجل ل أعلم رجل ً‬
‫أبعد من المسجد منه‪ ،‬وكان ل تخطئه صلة‪ ،‬فقيل له أو قلت له‪ :‬لو‬
‫اشتريت حمارا ً تركبه في الظلماء وفي الرمضاء‪ ،‬قال‪ :‬ما يسرني أن‬
‫منفزلي إلى جنب المسجد‪ ،‬إني أريد أن يكتب ممشاي إلى المسجد‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪53‬‬

‫) ( أخرجه أبو داود رقم )‪ ،(5095‬والترمذي رقم )‪ ،(3426‬والنسائي في "عمل اليوم والليلة" )‬
‫‪ ،(89‬وهو حديث صحيح‪.‬‬
‫)( أخرجه مسلم رقم )‪.(251‬‬
‫)( أخرجه البخاري رقم )‪ ،(623‬ومسلم رقم )‪.(662‬‬

‫ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي‪ .‬فقال رسول الله ‪" :e‬قد جمع الله لك‬
‫ذلك كله")‪.(1‬‬
‫فانظر أخي المسلم إلى هذا الثواب العظيم من الرب الكريم‪،‬‬
‫حيث دل الحديث على إثبات الجر في الخطا في الرجوع من الصلة‬
‫كما في الذهاب إليها‪ ،‬ولهذا آثر الصحابي – رضي الله عنه – المشي‬
‫على قدميه مع بعد داره عن المسجد‪.‬‬
‫وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال‪ :‬قال رسول الله ‪" :e‬من‬
‫تطهر في بيته ثم مشى إلى بيت الله ليقضي فريضة من فرائض الله‬
‫كانت خطوتاه إحداهما تحط خطيئة والخرى ترفع حسنة")‪.(2‬‬
‫وعن بريدة – رضي الله عنه – عن النبي ‪ e‬قال‪" :‬بشر المشائين‬
‫في الظلم إلى المسجد بالنور التام يوم القيامة")‪.(3‬‬

‫قال في دليل الفالحين‪ ) :‬الظلم‪ :‬بضم ففتح‪ :‬جمع ظلمة‪ .‬وهي‬
‫تعم ظلمة العشاء والفجر‪ .‬وفي الحديث فضل المشي إلى الصلة‬
‫سواء كان المشفي طويل ً أو قصيرًا‪ ،‬وفضل المشفي إليها للجماعات‬
‫في ظلم الليل( أ هف)‪.(4‬‬
‫وهذا الفضل ثابت – إن شاء الله – لمن صلى العشاء والفجر مع‬
‫الجماعة‪ ،‬ولو كانت الطرق مضاءة؛ لن هاتين الصلتين في ظلمة‬
‫الليل‪ ،‬والله أعلم‪.‬‬
‫فهذه الحاديث وغيرها فيها حث للمسلم على أن يجتهد في إتيان‬
‫المسجد ماشيا ً ل راكبا ً ولو كانت داره بعيدة‪ ،‬ما لم تكن مشقة أو عذر‬
‫ود نفسه ركوب السيارة‪ ،‬إذا كان المسجد تصله‬
‫ككبر ونحوه‪ ،‬وأل يع ّ‬
‫القدم بل مشقة‪.‬‬
‫ومع هذه الفضائل العظيمة في المشي إلى المسجد من محو‬
‫الخطايا ورفع الدرجات والجر العظيم والنور التام يوم القيامة؛ فإن‬
‫هناك فوائد أخرى عظيمة تعود على البدن‪:‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪4‬‬

‫‪54‬‬

‫)( أخرجه مسلم رقم )‪.(663‬‬
‫)( أخرجه مسلم رقم )‪.(666‬‬
‫)( أخرجه أبو داود رقم )‪ ،(561‬والترمذي رقم )‪ (223‬وهو حديث صحيح بشواهده‪ .‬فانظر‪:‬‬
‫"صحيح الترغيب" )‪ (1/198‬وصحيح ابن حبان )‪.(5/394‬‬
‫)( دليل الفالحين لبن علن )‪ ،(559 ،3/558‬وانظر عون المعبود )‪.(2/268‬‬

‫إن المشي إلى المسجد هو رياضة بحد ذاته‪ ،‬وفوائده ل تحصى؛‬
‫لن الجسم كله يتحرك ويعمل في المشي‪ ،‬له دور كبير في تعزيز‬
‫مناعة الجسم وتقويته وتنشيطه بإذن الله تعالى؛ ليكون أهل ً لمقاومة‬
‫المراض وأكثر العلل والفات‪.‬‬
‫إن السعي إلى بيوت الله تعالى ك ّ‬
‫ل يوم في أوقات معلومة‬
‫متقطعة يكفي لتمرين العضلت وتنشيط الوصال وتحسين حالة‬
‫الجسم العامة‪ ،‬كما أن المشي إلى المساجد يساهم في الوقاية من‬
‫سمن؛ لن‬
‫المراض التي سببها الخمول وكثرة الجلوس وعلى رأسها ال ّ‬
‫المشي يعمل على إذابة الشحوم والدهون‪ .‬كما أن المشي علج‬
‫لمراض القلب حيث إنه يعطي القلب – بإذن الله – القدرة على العمل‬
‫وتحمل الجهود‪ ،‬حيث تكون الدورة الدموية أكثر انتظامًا‪.‬‬
‫كما أن المشي إلى المسجد علج للتعب الذهني والتفكير‬
‫الطويل؛ إذ أنه يعيد العقل إلى حالته الطبيعية‪ ،‬ويساعد على السترخاء‬
‫العصبي والعضلي‪.‬‬
‫وبالجملة ففي المشي إلى بيوت الله تعالى من الفوائد الصحية‬
‫الشيء الكثير مما أبان عنه الطب الحديث‪ ،‬وهي فوائد عاجلة ينعم الله‬
‫تعالى بها على عبده المؤمن في الدنيا حيث لبى النداء وأجاب داعي‬
‫الله‪ .‬وهناك الجر العظيم والنور التام في الدار الخرة إن شاء الله)‪.(1‬‬

‫‪1‬‬

‫‪55‬‬

‫)( راجع كتاب )الصلة والرياضة البدنية( تأليف‪ :‬عدنان الطرشة )ص ‪ (82‬وما بعدها‪ ،‬وكتاب )في‬
‫الصلة صحة ووقاية( للدكتور‪ :‬فارس علوان )ص ‪.(246 ،159‬‬

‫الحكم الخامس‬
‫المشي بسكينة ووقار‬
‫عن أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي ‪ e‬قال‪" :‬إذا سمعتم‬
‫القامة فامشوا إلى الصلة‪ ،‬وعليكم بالسكينة والوقار‪ ،‬ول تسرعوا‪ ،‬فما‬
‫أدركتم فصلوا‪ ،‬وما فاتكم فأتموا")‪.(1‬‬
‫وب للصلة‬
‫وعنه – رضي الله عنه – أن رسول الله ‪ e‬قال‪" :‬إذا ث ّ‬
‫فل تأتوها وأنتم تسعون‪ ،‬وأتوها وعليكم السكينة‪ ،‬فما أدركتم فصلوا‪،‬‬
‫وما فاتكم فأتموا‪ ،‬فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلة فهو في‬
‫صلة")‪.(2‬‬
‫وب‬
‫وعنه أيضا ً – رضي الله عنه – قال‪ :‬قال رسول الله ‪" :e‬إذا ث ّ‬
‫بالصلة فل يسعى إليها أحدكم‪ ،‬ولكن ليمش‪ ،‬وعليه السكينة والوقار‪،‬‬
‫فص ّ‬
‫ل ما أدركت‪ ،‬واقض ما سبقك)‪.(3‬‬
‫إن هذه النصوص تبين أدب الحضور لداء الصلة‪ ،‬وأن المصلي‬
‫يمشي إليها بسكينة ووقار‪ ،‬والسكينة هي‪ :‬التأني في الحركات واجتناب‬
‫العبث‪ ،‬والوقار‪ :‬غض البصر‪ ،‬وخفض الصوت‪ ،‬وعدم اللتفات‪.‬‬
‫ول ريب أن المسلم إذا حضر المسجد بهذه الصفة فقد حاز على‬
‫ثلثة أمور‪:‬‬
‫الول‪ :‬الراحة والطمأنينة؛ لنه إذا أسرع ودخل الصلة على هذه‬
‫الحال فإنه يثور نفسه‪ ،‬فل يحصل له تمام الخشوع في القراءة وغيرها‪،‬‬
‫وهذا ملحظ‪ ،‬بخلف ما إذا دخلها وهو ساكن مرتاح فإنه إلى الخشوع‬
‫والخضوع أقرب‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬امتثال قوله ‪" :e‬فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلة فهو‬
‫في صلة"‪ .‬أي‪ :‬أنه في حكم المصلي‪ ،‬فينبغي له اعتماد ما ينبغي‬
‫للمصلي اعتماده واجتناب ما ينبغي للمصلي اجتنابه‪.‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪56‬‬

‫)( أخرجه البخاري رقم )‪ ،(610‬ومسلم رقم )‪ (603‬واللفظ للبخاري‪.‬‬
‫)( أخرجه مسلم رقم )‪.(151 – 602‬‬
‫)( أخرجه مسلم رقم )‪.(154 – 602‬‬

‫الثالث‪ :‬كثرة الخطا إلى المسجد‪ ،‬وهذا ل يتأتى مع السرعة‪ .‬وهو‬
‫معنى مقصود لذاته وردت فيه أحاديث‪ ،‬كقوله ‪" :e‬إن لكم بكل خطوة‬
‫درجة")‪.(1‬‬
‫وعن سعيد بن المسّيب قال‪ :‬حضر رجل ً من النصار الموت فقال‪:‬‬
‫إني محدثكم حديثا ً ما أحدثكموه إل احتسابًا؛ سمعت رسول الله ‪e‬‬
‫يقول‪" :‬إذا توضأ أحدكم فأحسن الوضوء ثم خرج إلى الصلة لم يرفع‬
‫قدمه اليمنى إل كتب الله عز وجل له حسنة‪ ،‬ولم يضع قدمه اليسرى‬
‫إل حط الله عز وجل عنه سيئة‪ ،‬فليقرب أحدكم أو ليبعد‪ .‬فإن أتى‬
‫المسجد فصلى في جماعة غفر له‪ ،‬فإن أتى المسجد وقد صلوا بعضا ً‬
‫وبقي بعض صلى ما أدرك وأتم ما بقي كان كذلك‪ ،‬فإن أتى المسجد‬
‫وقد صلوا فأتم الصلة‪ ،‬كان كذلك")‪.(2‬‬
‫فعلى المصلي أن يخرج إلى صلته بسكينة ووقار‪ ،‬وأن يجتنب‬
‫العبث في طريقه إلى المسجد‪ ،‬فل يتكلم بكلم قبيح؛ لنه في هذا‬
‫الموضع أقبح‪ .‬ول ينظر على ما ل يحل له‪ ،‬ول يتعاطى ما يكره‪ ،‬فكل‬
‫ذلك يتعين اجتنابه‪ ،‬وهو في هذا الموضع أهم‪.‬‬
‫واعلم أن هذه الحاديث التي فيها المر بالمشي إلى الصلة‬
‫والنهي عن السراع عامة في جميع الحوال‪ ،‬ل فرق بين أن يخاف‬
‫فوات تكبيرة الحرام‪ ،‬أو فوات ركعة‪ ،‬أو فوات الجماعة بالكلية‪ ،‬أو ل‬
‫يخاف شيئا ً من ذلك‪ .‬كما أنه ل فرق بين الجمعة وغيرها‪ ،‬وهذا هو‬
‫الصواب إن شاء الله؛ لن النصوص عامة لم تستثن حالة واحدة‪ ،‬ول‬
‫يجوز لحد أن يخصص نصا ً إل بدليل‪ ،‬بل قد ورد ما يدل على العموم‪،‬‬
‫وهو ما جاء عن قتادة عن أبيه قال‪ :‬بينما نحن جلوس مع النبي ‪ e‬إذ‬
‫سمع جلبة رجال فلما صلى قال‪" :‬ما شأنكم"؟ قالوا‪ :‬استعجلنا إلى‬
‫الصلة‪ .‬قال‪" :‬فل تفعلوا‪ ،‬إذا أتيتم الصلة فعليكم بالسكينة‪ ،‬فما أدركتم‬
‫فصلوا‪ ،‬وما فاتكم فأتفموا")‪.(3‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪3‬‬

‫‪57‬‬

‫)( أخرجه مسلم بتمامه رقم )‪.(664‬‬
‫)( أخرجه أبو داود رقم )‪ .(563‬وصححه اللباني في "صحيح أبي داود" )‪ (1/112‬وانظر‪ :‬تحفة‬
‫الشراف )‪.(11/157‬‬
‫)( أخرجه البخاري رقم )‪ ،(609‬ومسلم )‪ ،(603‬وانظر القواعد النورانية لبن تيمية )ص ‪ (49‬ففيها‬
‫بيان أن المر بالسكينة في المشي إلى الصلة يقتضي وجوب السكينة في الصلة‪ .‬وهذه من‬

‫صص بسماع القامة‪ ،‬وهو دال على‬
‫فهذا حديث عام غير مخ ّ‬
‫العموم في جميع الحوال‪ ،‬وفي جميع الصلوات‪ ،‬كما تقدم‪.‬‬
‫وأما ما ورد عن بعض الصحابة أنهم كانوا يسرعون إذا سمعوا‬
‫القامة فلعله محمول على أنه لم يبلغهم النهي‪ ،‬ومن لم يبلغه النص لم‬
‫يكلف أن يكون عالما ً بموجبه‪.‬‬

‫إن أكثر الداخلين إلى المساجد يخّلون بهذا الدب فتراهم إذا‬
‫ركع المام يسرعون فيشوشون على أنفسهم‪ ،‬بالعجلة وعدم التأني‪،‬‬
‫وعلى غيرهم من المصلين بأصوات أحذيتهم وحركات أرجلهم‪،‬‬
‫وإعلمهم المام بدخولهم لينتظرهم‪ ،‬وهذا مخالف للهدي النبوي‪:‬‬
‫"فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا"‪ ،‬ول يعد المشي بهدوء استهانة‬
‫بالصلة كما يفهمه بعض الناس‪ ،‬بل هذا عين الهتمام بالصلة‪ ،‬فإن‬
‫النسان في صلة منذ خروجه من منفزله للصلة‪.‬‬
‫فإن قال قائل‪ :‬وما معنى قوله تعالى ‪‬يا أيها الذين آمنوا إذا‬
‫نودي للصلة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ‪. . .‬‬

‫)‪(1‬‬

‫مع‬

‫حديث‪" :‬فل تأتوها وأنتم تسعون"؟‬
‫فالجواب – والله أعلم – أن المراد بالسعي في الحديث‪:‬‬
‫السراع والعدو‪ ،‬بدليل مقابلة السعي بالمشي في قوله‪" :‬وأتوها‬
‫وأنتم تمشون"‪ ،‬فيكون الحديث نهيا ً عن السراع‪.‬‬
‫ي والذهاب‪ .‬يقال‪:‬‬
‫وأما السعي في الية الكريمة فهو‪ :‬المض ّ‬
‫سعيت في كذا أو إلى كذا‪ :‬إذا ذهبت إليه وعملت فيه‪ .‬قال البخاري –‬
‫رحمه الله تعالى – في صحيحه في كتاب الجمعة‪) :‬باب المشي إلى‬
‫الجمعة‪ .‬وقول الله جل ذكره‪ :‬فاسعوا إلى ذكر الله‪ ،‬ومن قال‪:‬‬
‫السعي‪ :‬العمل والذهاب؛ لقول الله تعالى‪ :‬وسعى إليها سعيها ‪(‬‬
‫ثم ذكر حديث أبي هريرة – رضي الله عنه ‪" :-‬إذا أقيمت الصلة فل‬
‫تأتوها تسعون" وتقدم بلفظ آخر‪ ،‬وإيراد البخاري حديث أبي هريرة –‬
‫رضي الله عنه – في هذا الباب بعد الية يشعر بأنه يرى أنه ل فرق‬
‫الفوائد‪.‬‬
‫‪ ()1‬سورة الجمعة‪ :‬الية ‪.9‬‬

‫‪58‬‬

‫بين الجمعة وغيرها‪ ،‬كما ذكره الحافظ في الفتح)‪ .(1‬وعلى هذا يكون‬
‫المراد بالسعي في الية – والله أعلم – هو المضي إلى الجمعة‬
‫والذهاب إليها‪ ،‬مع الجد والمبادرة ومراعاة ما جاء في السنة من‬
‫السكينة والوقار‪ ،‬قال الراغب الصفهاني‪) :‬السعي‪ :‬المشي السريع‪.‬‬
‫وهو دون العدو‪ ،‬ويستعمل للجد في المر خيرا ً كان أو شرًا‪ ،‬قال‬
‫تعالى‪ :‬وسعى في خرابها‪ ،(2)‬وقال تعالى‪ :‬فأولئك كان سعيهم‬
‫مشكورا ً‪ (3)‬وأكثر ما يستعمل في الفعال المحمودة ‪.(4)( . .‬‬
‫ول يعارض ما قررناه لك ما ورد في حديث أبي بكرة – رضي‬
‫الله عنه – في شأن الكسوف قال‪) :‬خسفت الشمس ونحن عند‬
‫النبي ‪ e‬فقام يجّر ثوبه مستعجل ً حتى أتى المسجد(‪ ،‬فإن سبب ذلك‬
‫فزعه ‪ ،e‬كما دل عليه حديث أبي موسى – رضي الله عنه – قال‪:‬‬
‫)خسفت الشمس فقام النبي ‪ e‬فزعا ً يخشى أن تكون الساعة ‪(. . .‬‬
‫)‪ .(5‬فتكون هذه السرعة لصلة الكسوف من الحوال العارضة؛ لوجود‬
‫المقتضي لها وهو الفزع‪ ،‬والله أعلم‪.‬‬

‫‪ ()1‬فتح الباري )‪.(2/390‬‬
‫‪ ()2‬سورة البقرة‪ :‬الية ‪.114‬‬
‫‪ ()3‬سورة السراء‪ :‬الية ‪.19‬‬
‫‪ ()4‬المفردات في غريب القرآن ص ‪ ،233‬وانظر مجموع الفتاوى )‪ ،(22/259‬وحاشية السندي على‬
‫النسائي )‪ ،(2/114‬والتبيان لبن القيم ‪0‬ص ‪.(7 ،6‬‬
‫‪ ()5‬حديث أبي بكرة أخرجه البخاري برقم )‪ ،(993‬وحديث أبي موسى أخرجه البخاري برقم )‬
‫‪ ،(1010‬ومسلم برقم )‪.(912‬‬

‫‪59‬‬

‫الحكم السادس‬
‫ل يشبك بين أصابعه‬
‫وهذا من آداب الخروج إلى المسجد التي نهي المصلي عنها‪ ،‬كما في‬
‫حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله ‪ e‬قال‪" :‬إذا توضأ‬
‫أحدكم في بيته ثم أتى المسجد كان في صلة حتى يرجع‪ ،‬فل يفعل‬
‫هكذا" وشبك بين أصابعه)‪.(1‬‬
‫وعن أبي ثمامة الحّناط أن كعب بن عجرة أدركه وهو يريد المسجد‪،‬‬
‫أدرك أحدهما صاحبه‪ ،‬قال‪ :‬فوجدني وأنا مشبك بيد‪ ،‬فنهاني عن ذلك‬
‫وقال‪ :‬إن رسول الله ‪ e‬قال‪" :‬إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه ثم خرج‬
‫عامدا ً إلى المسجد فل يشبكن يديه فإنه في صلة ‪.(2)". . .‬‬
‫فهذا وما قبله دليل على النهي عن تشبيك الصابع حال المشي إلى‬
‫المسجد للصلة؛ لن هذا العامد إلى المسجد في حكم المصلي‪ .‬قال‬
‫الخطابي – رحمه الله ‪) :-‬تشبيك اليد هو‪ :‬إدخال الصابع بعضها في‬
‫بعض‪ ،‬والشتباك بهما‪ ،‬وقد يفعله بعض الناس عبثًا‪ ،‬وبعضهم ليفرقع‬
‫أصابعه عندما يجده من التمدد فيها‪ ،‬وربما قعد النسان فشبك بين‬
‫أصابعه واحتبى بيديه‪ ،‬يريد به الستراحة‪ ،‬وربما استجلب به النوم‪،‬‬
‫فيكون ذلك سببا ً لنتقاض طهره‪ ،‬فقيل لمن تطهر وخرج متوجها ً إلى‬
‫الصلة‪ :‬ل تشبك بين أصابعك؛ لن جميع ما ذكرناه من هذه الوجوه‬
‫على اختلفها ل يلئم شيء منها الصلة ول يشاكل حال المصلي()‪.(3‬‬
‫وقد ورد في حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – في قصة ذي‬
‫اليدين في موضوع سجود السهو بلفظ‪) :‬فقام إلى خشبة معروضة في‬
‫المسجد‪ ،‬فاتكأ عليها‪ ،‬كأنه غضبان‪ ،‬ووضع يده اليمنى على اليسرى‪،‬‬
‫وشبك بين أصابعه ‪.(4)(. . .‬‬
‫ول منافاة بين هذا وما قبله؛ لن هذا التشبيك وقع بعد انقضاء‬
‫الصلة في ظنه‪ ،‬فهو في حكم المنصرف عن الصلة‪ ،‬ويكون النهي‬
‫‪ ()1‬أخرجه الدارمي )‪ ،(1/267‬والحاكم )‪ ،(1/206‬وقال‪ :‬صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي‪.‬‬
‫قال اللباني‪" :‬وهو كما قال"‪) :‬الرواء‪(2/102 :‬‬
‫‪ ()2‬أخرجه أبو داود رقم )‪ ،(562‬وصححه اللباني في صحيح أبي دادود )‪.(1/112‬‬
‫‪ ()3‬معالم السنن )‪.(1/295‬‬
‫‪ ()4‬أخرجه البخاري رقم )‪ ،(468‬ومسلم ) ‪.(573‬‬

‫‪60‬‬

‫خاصا ً بالمصلي؛ لن ذلك من العبث وعدم الخشوع‪ ،‬أو بمن قصد‬
‫المسجد‪ ،‬كما تقدم)‪.(1‬‬
‫ومما يحسن التنبيه عليه أن من المصلين من يعبث بأصابعه‬
‫يفرقعها بغمز مفاصلها حتى تصوت – كما قال الخطابي – وهذا عبث ل‬
‫يليق بالمصلي‪ ،‬وهو دليل على عدم الخشوع‪ ،‬إذ لو خشع القلب‬
‫لخشعت الجوارح وسكنت‪.‬‬
‫وعن شعبة مولى ابن عباس قال‪ :‬صليت إلى جنب ابن عباس‬
‫م لك! تفقع أصابعك‬
‫فف ّ‬
‫قعت أصابعي‪ ،‬فلما قضيت الصلة قال‪ :‬ل أ ّ‬
‫وأنت في الصلة!)‪.(2‬‬

‫‪ ()1‬راجع فتح الباري )‪ ،(1/565‬وانظر غذاء اللباب )‪.(2/391‬‬
‫‪ ()2‬رواه ابن أبي شيبة )‪ .(2/344‬قال في إرواء الغليل )‪ :(2/99‬سنده حسن‪.‬‬

‫‪61‬‬

‫الحكم السابع‬
‫في حضور الصبيان المساجد‬
‫الصبيان‪ :‬جمع صبي‪ ،‬وهو في اللغة‪ :‬من حين يولد إلى أن يفطم‪،‬‬
‫أما الفقهاء فيقولون‪ :‬الصبي من دون البلوغ)‪ ،(1‬وهذا هو المراد‬
‫بموضوعنا هنا‪ ،‬ويؤيد ذلك الحديث التي‪" :‬مروا الصبي بالصلة إذا بلغ‬
‫سبع سنين" فسماه صبيا ً وقد جاوز السابعة‪.‬‬
‫فإن كان مميزا ً وهو من بلغ سبع سنين‪ ،‬فإن وليه يحضره إلى‬
‫المسجد؛ لنه مأمور بتكليفه بالصلة إذا بلغ هذه السن‪ .‬لما ورد عن‬
‫سبرة – رضي الله عنه – قال‪ :‬قال رسول الله ‪" :e‬مروا الصبي‬
‫بالصلة إذا بلغ سبع سنين‪ .‬وإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها")‪.(2‬‬
‫وقد دل هذا الحديث على مسألتين‪:‬‬
‫الولى‪ :‬أن ولي الصبي من أب أو جد أو أخ أو وصي أو غيرهم‬
‫مكّلف من قبل الشرع بأن يأمر الصغير بالصلة‪ :‬ذكرا ً كان أم أنثى‪،‬‬
‫وتعليمه ما تتوقف عليه صحة الصلة من الشروط والركان‪ ،‬وذلك إذا‬
‫أكمل سبع سنين؛ لن التمييز يحصل بعدها غالبًا‪.‬‬
‫وكثير من الولياء قد تساهل في هذا المر العظيم‪ ،‬ول سيما مع‬
‫البنات‪ .‬وهذا المر للصغير وإن كان أمر تدريب ل أمر إيجاب‪ ،‬لكن له‬
‫فوائد عظيمة‪ ،‬والشارع الحكيم ل يأمر إل بما فيه مصلحة‪.‬‬
‫المسألة الثانية‪ :‬إن الحديث يدل على الذن للصبيان بدخول‬
‫المساجد؛ لنها أماكن أداء الصلة‪ .‬وعلى ولي الصغير أن يعوده الذهاب‬
‫على المسجد وحضور الجماعة‪ ،‬فيأخذه معه‪ ،‬ويجعله بجانبه‪ ،‬لينشأ على‬
‫حب العبادة والتعلق بالمسجد‪ ،‬فيسهل عليه المر بعد البلوغ‪.‬‬
‫وأما إذا كان الصبي غير مميز‪ ،‬فقد ورد في نصوص الشريعة ما‬
‫يدل على جواز دخوله المسجد‪ ،‬وهي نصوص صحيحة صريحة‪ ،‬رواها‬
‫عدد من الصحابة – رضي الله عنهم – بألفاظ متعددة‪. . .‬‬
‫‪ ()1‬اللسان )‪ ،(14/450‬الدر النقي لبن عبد الهادي )‪ ،(1/170‬الشباه والنظائر للسيوطي ص)‪،(31‬‬
‫فتح الباري )‪.(2/346‬‬
‫‪2‬‬
‫)( أخرجه أبو داود )‪ (494‬والترمذي )‪ (407‬وقال‪ :‬حديث حسن صحيح‪ ،‬وله شاهد من حديث عبد‬
‫الله بن عمرو – رضي الله عنهما – عند أبي داود )‪.(495‬‬

‫‪62‬‬

‫ومن ذلك ما روى أبو قتادة النصاري – رضي الله عنه – أن‬
‫رسول الله ‪ e‬كان يصلي وهو حامل أمامه بنت زينب بنت رسول الله‬
‫‪ ،e‬ولبي العاص بن ربيعة بن عبد شمس‪ ،‬فإذا سجد وضعها وإذا قام‬
‫حملها‪.‬‬
‫وفي لفظ‪) :‬رأيت النبي ‪ e‬يؤم الناس‪ ،‬وأمامه بنت أبي‬
‫العاص ‪. . .‬على عاتقه ‪.(1)( . .‬‬
‫فهذا الحديث دل على مسألتين‪:‬‬
‫الولى‪ :‬جواز إحضار الصبي إلى المسجد وإن كان صغيرًا‪ ،‬لما‬
‫ورد في بعض الروايات‪) :‬بينما نحن في المسجد جلوسا ً خرج علينا‬
‫رسول الله ‪ e‬يحمل أمامه ‪ . . .‬وهي صبية ‪(2)( . .‬؛ وجواز حمله في‬
‫الصلة ولو كانت فريضة لقوله‪) :‬رأيت رسول الله ‪ e‬يؤم الناس ‪( . .‬‬
‫الحديث‪.‬‬
‫الثانية‪ :‬أن ثياب الطفال وأبدانهم طاهرة ما لم تعلم نجاستها)‪،(3‬‬
‫وعليه فل يجوز منعهم من المساجد لمجرد احتمال تنجيسهم لها‪.‬‬
‫ومن الدلة – أيضا ً – ما ورد عن عائشة – رضي الله عنها – قالت‪:‬‬
‫أعتم رسول الله ‪ e‬في العشاء حتى ناداه عمر‪ :‬قد نام النساء والصبيان‬
‫‪ . .‬الحديث)‪ .(4‬فدل هذا الحديث على مسألتين‪:‬‬

‫الولى‪ :‬جواز دخول الصبيان المساجد‪ ،‬وحضورهم الصلوات‪،‬‬
‫وهو صريح في أن ذلك وقت صلة العشاء في ظلمة الليل‪ .‬وقد بوب‬
‫البخاري – رحمه الله – على هذا الحديث بقوله‪) :‬باب وضوء الصبيان‪.‬‬
‫‪ – .‬إلى قوله ‪ :-‬وحضورهم الجماعة والعيدين والجنائز وصفوفهم(‪،‬‬
‫وهذا يدل على أن البخاري فهم أن هؤلء الصبيان كانوا حضورا ً في‬
‫المسجد‪ ،‬وهذا هو الظاهر‪ .‬خلفا ً لمن قال‪ :‬إن المراد‪ :‬ناموا في‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫‪63‬‬

‫)( أخرجه البخاري )‪ (516‬ومسلم )‪ ،(543‬والرواية المذكروة له‪ .‬وقوله‪) :‬ولبي العاص ‪(. .‬‬
‫معطوف على )زينب( والتقدير‪ :‬بنت لزينب ولبي العاص‪.‬‬
‫)( أخرجه أبو داود )‪ (918‬وإسناده صحيح‪.‬‬
‫)( انظر معالم السنن للخطابي )‪ ،(1/431‬العلم بفوائد عمدة الحكام )‪.(3/156‬‬
‫)( أخرجه البخاري )‪ (566‬وقوله‪) :‬أعتم( أي‪ :‬دخل في العتمة مثل‪ :‬أصبح‪ ،‬دخل في الصباح‪.‬‬
‫خر صلة العشاء إلى العتمة‪ ،‬وهي‪ :‬ثلث الليل بعد مغيب الشفق‪ ،‬ومثل حديث عائشة‬
‫والمعنى‪ :‬أ ّ‬
‫حديث ابن عباس – رضي الله عنهما – عند البخاري )‪ (7239‬ومسلم )‪.(642‬‬

‫البيوت؛ لن عمر – رضي الله عنه – نبه النبي ‪ e‬إلى أنهم ناموا‪ ،‬ولو‬
‫كان ذلك النوم في البيوت لكان طبيعيا ً ول حاجة للتنبيه إليه)‪.(1‬‬
‫وإنما خصهم بذلك؛ لنهم مظنة قلة الصبر عن النوم‪ ،‬ومح ّ‬
‫ل‬
‫الشفقة والرحمة‪ ،‬بخلف الرجال)‪.(2‬‬
‫المسألة الثانية‪ :‬أن لفظ "الصبيان" في الحديث جمع معرف‬
‫باللم‪ ،‬فيعم كل صبي صغيرا ً كان أو كبيرًا‪.‬‬
‫وأما منع الصبيان من دخول المساجد بحجة التشويش على‬
‫المصلين بما يحدث منهم من بكاء أو صراخ أو لعب‪ ،‬فهذا مردود؛ لن‬
‫الصبي إن كان مميزا ً أمكن تأديبه وتعليمه السلوك الطيب والخلق‬
‫الحميدة‪ ،‬ل سيما في بيوت الله‪ .‬فيتعلم النصات‪ ،‬وحسن الستماع‪،‬‬
‫والهدوء؛ لن ما يسمع من هؤلء المميزين من اللفاظ السيئة‪،‬‬
‫والعبارات البذيئة‪ ،‬والحركات التي ل تناسب المسجد إنما هو بسبب‬
‫إهمال الولياء‪ ،‬وعدم العناية بهذه الناشئة‪.‬‬
‫ومن أسباب ذلك‪ :‬ترك الصغار في الصف متجاورين فيحصل منهم‬
‫اللعب والحركات التي تشوش على المصلين عموما ً وعلى من‬
‫يجاورهم خصوصًا‪ .‬أما إذا فّرق بينهم‪ ،‬أو صلى صبي بجانب وليه فإنه‬
‫يزول هذا المحذور‪ .‬وهذا هو الواجب على الولياء وجماعة المسجد‬
‫الذين يكثر الصبيان فيهم‪ ،‬وإن تركوهم وشأنهم صاروا مصدر إزعاج‪.‬‬
‫وقد يصعب علج المر إن لم يتدارك من أوله‪ .‬وهذا أمر مشاهد‬
‫وملحوظ‪.‬‬
‫وإن كان الصبي غير مميز فيمكن حمله في الصلة‪ ،‬كما فعل‬
‫النبي ‪ ،e‬أو تلهيته بشيء من اللعب‪ ،‬كما ثبت في السنة)‪.(3‬‬
‫وإذا تقدم الصبيان – ول سيما المميزون – إلى الصف الول أو‬
‫كانوا وراء المام فإنه ل ينبغي إبعادهم – على الراجح من قولي أهل‬
‫العلم – لما يلي‪:‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪64‬‬

‫)( فتح الباري )‪ (2/344‬تحذير الساجد )‪.(25‬‬
‫)( فتح الباري )‪.(2/48‬‬
‫وذ – رضي الله عنها – أخرجه البخاري )‪ (4/200‬ومسلم )‬
‫)( ورد ذلك في حديث الربيع بنت مع ّ‬
‫‪.(1136‬‬

‫‪(1‬‬

‫ما ورد في حديث ابن عمر – رضي الله عنهما – قال‪ :‬نهى‬

‫النبي ‪ e‬أن يقيم الرجل أخاه من مقعده ويجلس فيه‪ ،‬وفي‬
‫لفظ‪) :‬أن يقيم الرجل الرجل()‪ ،(1‬فهذا نهي صريح في إقامة‬
‫الرجل أخاه من مكانه ثم يجلس فيه‪ ،‬والصبي المميز داخل في‬
‫هذا الحكم‪.‬‬
‫قال القرطبي‪) :‬نهيه ‪ e‬عن أن يقام الرجل من مجلسه إنما‬
‫كان ذلك لجل أن السابق لمجلس قد اختص به إلى أن يقوم‬
‫باختياره عند فراغ غرضه‪ ،‬فكأنه قد ملك منفعة ما اختص به من‬
‫ذلك‪ ،‬فل يجوز أن يحال بينه وبين ما يملكه ‪.(2)( . .‬‬

‫‪(2‬‬

‫أن إبقاءهم في أماكنهم فيه ترغيب لهم في الصلة‪ ،‬واعتياد‬

‫المسجد‪ .‬أما طردهم وإبعادهم – كما يفعله كثير من الناس‬

‫)‪(3‬‬

‫–‬

‫فهذا فيه محاذير عديدة منها‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫أن هذا مخالف لما كان عليه سلف المة‪ ،‬فإنه لو كان تأخير‬

‫الصبيان أمرا ً مشهورا ً لستمر العمل عليه‪ ،‬كتأخير النساء‪،‬‬
‫ولنقل كما نقلت المور المشهورة نقل ً ل يحتمل الختلف)‪.(4‬‬
‫خر الصبي فهو إما رأي‬
‫وأما ما ورد من أن بعض السلف أ ّ‬
‫صحابي‪ ،‬أو محمول على صبي ل يعقل الصلة‪ ،‬ويعبث فيها)‪.(5‬‬
‫ أن طرد الصبي من الصف الول يؤدي إلى كسر قلبه‪،‬‬‫وتنفيره من الصلة‪ ،‬وبغضه المسجد‪ .‬والشارع الحكيم يحرص‬
‫على ترغيبهم في الصلة وحضور المسجد‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪65‬‬

‫)( أخرجه البخاري )‪ (911‬ومسلم )‪.(2177‬‬
‫)( المفهم )‪.(5/509‬‬
‫)( قد يحتج من يرى إبعاد الصبيان عن المساجد بحديث "جنبوا مساجدكم صبيانكم" وقد أخرجه‬
‫ابن ماجه )‪ (750‬والطبراني في الكبير )‪ (22/57‬من طريق الحارث بن نبهان حدثنا عتبة عن أبي‬
‫سعيد عن مكحول عن واثلة بن السقع – رضي الله عنه – والحارث هذا ضعيف جدًا‪ ،‬قال‬
‫البخاري‪ :‬منكر الحديث‪ ،‬وقال النسائي وأبو حاتم‪ :‬متروك‪،‬وقال ابن معين‪ :‬ليس بشيء‪ ،‬ومرة‬
‫قال‪ :‬ل يكتب حديثه‪ .‬ذكر ذلك الذهبي في الميزان )‪ (1/444‬والحديث له شواهد ل يصح منها‬
‫شيء‪ .‬انظر‪ :‬نصب الراية )‪.(2/491‬‬
‫)( حاشية ابن قاسم على الروض المربع )‪.(2/341‬‬
‫)( انظر‪ :‬العلم بفوائد عمدة الحكام لبن الملقن )‪ (2/533‬الفروع )‪.(407 ،1/406‬‬

‫ أن هذا قد يؤدي إلى اجتماع الصبيان في مكان واحد متأخر‪،‬‬‫وهو سبب في عبثهم وتشويشهم‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫أن هذا الصبي يكره الرجل الذي أقامه من مكانه ويحقد‬

‫عليه‪ ،‬ويدوم على ذكره بسوء؛ لن الصغير عادة ل ينسى ما‬
‫فعل به)‪.(1‬‬
‫ثم إن إحضار الصبيان للمسجد ليس مقصورا ً على تعليمهم‬
‫الصلة وترغيبهم في المسجد‪ ،‬بل هناك مقاصد أخرى منها‪:‬‬
‫أن يكون الصبي صغيرا ً وليس له في البيت من يرعاه وقت‬
‫الصلة فيصحبه المصلي معه‪ .‬أو يكون النسان في السوق أو في‬
‫الطريق ومعه ابنه فتحضر الصلة فيدخله المسجد معه‪ .‬ونحو ذلك مما‬
‫يعرض ول سيما في أوقات الصلة‪.‬‬
‫أما ما ورد في حديث أبي مسعود – رضي الله عنه – من قوله ‪:e‬‬
‫"ليلني منكم أولو الحلم والنهى‪ ،‬ثم الذين يلونفهم‪ ،‬ثم الذين‬
‫يلونفهم"‬

‫)‪(2‬‬

‫فهذا ل يفيد تأخير الصغار عن أماكنهم‪ ،‬وإنما هو حث لولي‬

‫الحلم والّنهى – وهم أصحاب العقول – على التقدم ليكونوا وراء‬
‫المام‪ ،‬لتنبيهه على سهو إن طرأ‪ ،‬أو استخلف أحدهم إن احتاج إلى‬
‫ذلك‪ .‬ولو كان المراد النهي عن تقدم الصبيان لقال‪ :‬ل يلني إل أولو‬
‫الحلم والنهى)‪.(3‬‬
‫وتجوز مصافة الصبي‪ ،‬وذلك بأن يقف معه رجل بالغ في صف‬
‫واحد‪ ،‬أو يصلي بالغ بعدد من الصبيان‪ ،‬فيكونون صفا ً – وهذا على‬
‫الراجح من قول أهل العلم‪ ،‬وهو قول الجمهور – لورود أدلة صحيحة‬
‫صريحة تفيد ذلك؛ ومن ذلك حديث أنس بن مالك – رضي الله عنه –‬
‫أن جدته مليكة – رضي الله عنها – دعت رسول الله ‪ e‬لطعام صنعته‪،‬‬
‫فأكل منه‪ ،‬فقال‪" :‬قوموا فلصل بكم"‪ ،‬فقمت إلى حصير لنا قد اسود ّ‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪3‬‬

‫‪66‬‬

‫)( الشرح الممتع )‪.(3/21‬‬
‫)( أخرجه مسلم )‪ (432‬ومثله حديث عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – وهو عند مسلم‬
‫أيضًا‪.‬‬
‫)( الشرح الممتع )‪ ،( /3‬وانظر‪ :‬أحكام القرآن لبن العربي )‪.(3/1116‬‬

‫من طول ما لبث فنضحته بماء‪ ،‬فقام رسول الله ‪ e‬واليتيم معه‪،‬‬
‫والعجوز من ورائنا‪ ،‬فصلى بنا ركعتين)‪.(1‬‬
‫فهذا الحديث دليل على جواز مصافة البالغ الصبي؛ لن هذا اليتيم‬
‫ف مع أنس – رضي الله عنه – خلف النبي ‪ .e‬واليتيم‪ :‬من مات أبوه‬
‫ص ّ‬
‫ولم يبلغ‪.‬‬

‫الحكم الثامن‬
‫في دخول الجنب والحائض المسجد‬
‫دخول الجنب والحائض المسجد إما أن يكون عبورا ً ومرورا ً به‬
‫لخذ شيء منه كسجادة أو كتاب ونحو ذلك‪ ،‬أو يكون لبثا ً وجلوسا ً فيه‪.‬‬
‫فإن كان مرورا ً به فإنه يجوز ذلك للجنب والحائض على الراجح‬

‫من أقوال أهل العلم‪ ،‬لقوله تعالى‪[ :‬يا أيها الذين آمنوا ل تقربوا‬
‫الصلة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ول جنبا ً إل عابري سبيل‬
‫حتى تغتسلوا])‪.(2‬‬
‫والمراد بالصلة‪ :‬أماكنها وهي المساجد‪ ،‬والمعنى‪ :‬ل تقربوا‬
‫المصّلى للصلة وأنتم سكارى ‪ . .‬ول تقربوه جنبا ً حتى تغتسلوا [إل‬
‫عابري سبيل] أي‪ :‬مجتازين للخروج منه‪ ،‬وقد روي ذلك عن ابن مسعود‬
‫وابن عباس بأسانيد فيها مقال‪ ،‬وثبت هذا التفسير عن جماعة من‬
‫التابعين كسعيد بن المسيب‪ ،‬والحسن البصري‪ ،‬وإبراهيم النخعي)‪.(3‬‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪67‬‬

‫)( أخرجه البخاري )‪ (380‬ومسلم )‪ (658‬وقوله‪" :‬فلص ّ‬
‫ل لكم" اللم لم المر وهي ساكنة‬
‫لوقوعها بعد فاء العطف‪ ،‬والفعل مجزوم بحذف الياء‪ .‬وفي رواية‪" :‬فلصل" بكسر اللم على أنها‬
‫للتعليل‪ .‬والفعل بعدها منصوب بفتح الياء‪) .‬تنبيه الفهام( لبن عثميمين )‪.(1/172‬‬
‫)( سورة النساء‪ :‬الية ‪.43‬‬
‫)( تفسير ابن جرير )‪.(384 – 8/379‬‬

‫وذهب إلى هذا التفسير الشافعي‪ ،‬كما في كتابه "الم" ونقله عنه ابن‬
‫المنذر)‪.(1‬‬
‫ورجحه ابن جرير وابن كثير وقال‪ :‬وهو الظاهر من الية‪ .‬ومال‬
‫إليه القرطبي والشوكاني في تفسيرهما)‪ ،(2‬قالوا‪ :‬ول يراد بالية‪:‬‬
‫الصلة‪ ،‬وبقوله‪[ :‬إل عابري سبيل] المسافر؛ لن التيمم ل يخص‬
‫المسافر‪ ،‬ولنه بين حكم المسافر في آخر الية [وإن كنتم مرضى أو‬
‫على سفر] وقد ذهب شيخ السلم ابن تيمية إلى أن النهي في الية‬
‫عن قربان الصلة وعن قربان موضعها)‪.(3‬‬
‫وأما الحائض فقد ورد عن عائشة – رضي الله عنها – أن رسول‬
‫خمرة من المسجد"‪ ،‬قالت‪ :‬إني حائض‪ ،‬قال‪:‬‬
‫الله ‪ e‬قال لها‪" :‬ناوليني ال ُ‬
‫"إن حيضتك ليست في يدك")‪.(4‬‬
‫فهذا يدل على جواز مرور الحائض في المسجد وأنها ليست‬
‫نجسة‪ ،‬ولكن النجس منها هو موضع الدم وهو الفرج؛ لن الرسول ‪e‬‬
‫خمرة‪ :‬بضم الخاء‪ :‬حصير‬
‫خمرة من المسجد‪ .‬وال ُ‬
‫أمرها أن تأتيه بال ً‬
‫صغير‪.‬‬
‫وأما لبث الجنب في المسجد فل يجوز‪ ،‬على الراجح من أقوال‬
‫أهل العلم‪ ،‬استدلل ً بالية السابقة‪ ،‬وأخذا ً بحديث عائشة – رضي الله‬
‫عنها – أن النبي ‪ e‬قال‪" :‬ل أحل المسجد لحائض ول جنب")‪.(5‬‬
‫لكن إن توضأ الجنب جاز له اللبث على ما قال المام أحمد‪.‬‬
‫واختاره ابن تيمية‬

‫)‪(6‬‬

‫لما روى حنبل بن إسحاق عن أبي نعيم‪ ،‬عن هشام‬

‫بن سعد عن زيد ابن أسلم قال‪ :‬كان أصحاب رسول الله ‪ e‬يتحدثون‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪6‬‬

‫‪68‬‬

‫)( الم )‪ ،(71 – 1/70‬الوسط لبن المنذر )‪.(2/108‬‬
‫)( تفسير ابن كثير )‪ ،(2/275‬تفسير القرطبي )‪ ،(5/207‬فتح القدير )‪.(1/469‬‬
‫)( الفتاوى الكبرى )‪.(1/126‬‬
‫)( أخرجه مسلم )‪ (298‬وأخرجه بلفظ آخر برقم )‪.(299‬‬
‫)( أخرجه أبو داود )‪ (232‬وابن خزيمة )‪ (1327‬وهو حديث مختلف في تصحيحه‪ ،‬فقد صححه ابن‬
‫خزيمة‪ ،‬وحسنه ابن القطان في "الوهم والغيهام" )‪ (5/332‬والزيلعي في "نصب الراية" )‬
‫‪ ،(1/194‬كما صححه الشوكاني في "نيل الوطار" )‪ (1/270‬وقال الشيخ عبد العزيز بن باز‪ :‬ل‬
‫بأس بإسناده‪.‬‬
‫ضعفه البيهقي في سننه )‪ (2/443‬وقال عبد الحق‪ :‬ل يثبت‪ ،‬وبالغ ابن حزم فقال في‬
‫"المحلى" )‪ :(2/186‬إنه باطل‪.‬‬
‫)( الفتاوى )‪.(345 – 21/344‬‬

‫في المسجد على غير وضوء‪ ،‬وكان الرجل يكون جنبا ً فيتوضأ‪ ،‬ثم يدخل‬
‫المسجد فيتحدث)‪.(1‬‬
‫وعن عطاء بن يسار قال‪ :‬رأيت رجال ً من أصحاب رسول الله ‪e‬‬
‫يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضؤوا وضوء الصلة)‪.(2‬‬
‫وأما الحائض – ومثلها النفساء – فليس في منعها من المسجد إل‬
‫حديث عائشة – المتقدم – والحوط أل تلبث في المسجد إل لضرورة –‬
‫كما قال ابن تيمية – كما لو خافت على نفسها أو كان البرد شديدا ً أو‬
‫كان فيه مطر أو نحو ذلك)‪ .(3‬ويدخل في حكم المسجد ساحته‪ ،‬ومكتبة‬
‫المسجد – على ما تقدم في أول الكتاب – فل تلبث فيها الحائض‬
‫لستماع محاضرة أو درس أو نحو ذلك؛ لن لها حكم المسجد‪ .‬والله‬
‫أعلم‪.‬‬

‫الفصل الثاني‬
‫أحكام حضور المسجد‬
‫وفيه خمسة وعشرون حكما ً‬
‫الحكم الول‬
‫تعاهد النعلين‬
‫كل مسلم مطالب بنظافة المسجد كنظافة منفزله بل أشد‪،‬‬
‫فتصان المساجد عن كل وسخ وقذر‪ ،‬وكل رائحة كريهة‪ ،‬ويتعين في‬
‫حق داخل المسجد أن يتعاهد نعله عند إرادة دخول المسجد؛ لزالة ما‬
‫علق بها من أذى يكون سببا ً في نجاسة المسجد إذا تساقط فيه‪ ،‬ول‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫‪3‬‬

‫‪69‬‬

‫)( ذكره بان كثير في تفسيره )‪ ،(2/275‬وذكره المجد في المنتقى )‪ ،(1/399‬وقال ابن كثير‪ :‬هذا‬
‫إسناد صحيح على شرط مسلم‪ .‬أهف‪ .‬وهذا السناد رجاله كلهم ثقات‪ ،‬سوى هشام بن سعد‪ .‬فقد‬
‫قال عنه الحافظ في "التقريب"‪ :‬صدوق له أوهام‪ .‬أهف‪ .‬لكن نقل الحافظ في تهذيبه )‪ (11/37‬أن‬
‫الجري روى عن أبي داود أنه قال‪ :‬أثبت الناس في زيد بن أسلم هشام ابن سعد‪ .‬أهف‪.‬‬
‫)( عزاه في "إعلم الساجد" ص )‪ (315‬إلى مسند أحمد ومسند سعيد بن منصور‪ ،‬وقال‪ :‬هذا‬
‫إسناد على شرط مسلم‪ .‬وكذا عزاه إلى الثاني فقط المجد في المنتقى )‪ (1/399‬وساقه‬
‫بإسناده‪.‬‬
‫)( مجموع الفتاوى )‪.(26/177‬‬

‫ريب أن ساحة المسجد ورحبته في حكم المسجد‪ ،‬ويكثر كونها طريقا ً‬
‫إلى الجزء الداخلي من المسجد‪ ،‬ومن هنا يتعين الهتمام بها وصيانتها‬
‫من أذى النعلين‪.‬‬
‫وقد ورد عن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – قال‪ :‬بينما‬
‫رسول الله ‪ e‬يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره‪ ،‬فما‬
‫رأى ذلك القوم ألقوا نعالهم‪ ،‬فلما قضى رسول الله ‪ e‬صلته قال‪" :‬ما‬
‫حملكم على إلقائكم نعالكم؟" قالوا‪ :‬رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا‪،،‬‬
‫فقال رسول الله ‪" :e‬إن جبريل – عليه السلم – أتاني فأخبرني أن فيها‬
‫قذرا ً – أو قال‪ - :‬أذى" وقال‪" :‬إذ جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر‪ ،‬فإن‬
‫رأى في نعليه قذرا ً أو أذى فليمسحه وليص ّ‬
‫ل فيهما")‪.(1‬‬
‫فهذا الحديث د ّ‬
‫ل على مسائل‪:‬‬
‫الولى‪ :‬مشروعية الصلة في النعال‪ ،‬وأن الصحابة – رضي الله‬
‫عنهم – كانوا يصلون في نعالهم‪ ،‬وفي هذا مخالفة لليهود‪ ،‬فإنهم ل‬
‫يصلون في نعالهم‪.‬‬
‫وقد د ّ‬
‫ل على مشروعية الصلة بالنعال نصوص كثيرة منها‪:‬‬
‫ما رواه أبو مسلمة سعيد بن يزيد الزدي قال‪ :‬سألت أنس بن‬
‫مالك‪ :‬أكان النبي ‪ e‬يصلي في نعليه؟ قال‪ :‬نعم)‪.(2‬‬
‫وعن يزيد بن عبد الله بن الشحير عن أبيه قال‪ :‬رأيت رسول الله‬
‫‪ e‬يصلي في نعليه)‪.(3‬‬
‫وينبغي للمسلم أن يصلي في نعليه أحيانًا‪ ،‬ل سيما إذا كان‬
‫المسجد غير مفروش‪ ،‬أو في رحبته‪ ،‬أو مصلى العيد‪ ،‬أو في الصحراء‬
‫لسفر أو نزهة ونحوهما‪ ،‬ومن فوائد ذلك تطبيق السنة‪ ،‬وإشاعتها بين‬
‫الناس‪.‬‬
‫ويرى فريق من أهل العلم استحباب الصلة في النعال‪ .‬ويرى‬
‫آخرون أن الصلة بها من الرخص‪ ،‬ل من المستحبات؛ لن ذلك ل يدخل‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪70‬‬

‫)( أخرجه أبو داود )‪ ،(2/353‬وإسناده صحيح على شرط مسلم‪ ،‬كما في "مشكاة المصابيح"‬
‫بتحقيق اللباني )‪ ،(1/238‬وله شاهد من حديث أنس – رضي الله عنه – أخرجه الحاكم )‪،(1/235‬‬
‫والبيهقي )‪ (2/404‬وغيرهما‪ .‬وهو حديث صحيح على شرط البخاري كما قال الحاكم‪.‬‬
‫)( أخرجه البخاري رقم )‪ ،(386‬ومسلم رقم )‪.(555‬‬
‫)( أخرجه عبد الرازق )‪ (1/384‬ورجاله رجال الصحيح‪.‬‬

‫في المعنى المطلوب من الصلة‪ ،‬ولبس النعال في الصلة وإن كان‬
‫ملبس الزينة إل أن ملمسة الرض التي تكثر فيها النجاسات قد تقصر‬
‫عن هذه الرتبة)‪.(1‬‬
‫أما إذا كان المسجد مفروشا ً فإنه ل يصلي في نعليه لمرين‪:‬‬
‫الول‪ :‬أن المساجد ل تسلم من تلويث فرشها حتى مع العناية‬
‫بالنعال وتفقدها؛ لن الفرش سريعة التأثر باللون والرائحة‪ ،‬ولذا قال‬
‫ابن عابدين‪" :‬إذا خشي تلويث فرش المسجد ينبغي عدمه – أي عدم‬
‫الصلة بالنعال – وإن كانت طاهرة")‪ ،(2‬وقال ابن دقيق العيد‪) :‬وإذا‬
‫تعارضت مراعاة مصلحة التحسين ومراعاة إزالة النجاسة قدمت‬
‫الثانية؛ لنها من باب دفع المفاسد‪ ،‬والخرى من باب جلب المصالح()‪.(3‬‬
‫المر الثاني‪ :‬أن الغالب على الناس الغفلة عن العناية بنعالهم‬
‫حين يدخلون المسجد‪ ،‬ل سيما إذا اعتادوا دخول المساجد بها فإنه مع‬
‫طول الزمن تضعف عنايتهم بها‪.‬‬
‫المسألة الثانية‪ :‬أن مسح النعل ودلكها بالرض مطهر لها من‬
‫القذر والذى)‪ ،(4‬فليحرص المسلم على مسح نعله ودلكها بالرض عند‬
‫دخول المسجد ولو لم يرد الصلة بها‪ ،‬لئل يؤدي ذلك إلى تساقط الذى‬
‫في المسجد‪ ،‬وهذا أمر تركه كثير من الناس‪ ،‬نتيجة العجلة في دخول‬
‫المسجد‪.‬‬
‫الثالثة‪ :‬أن المصلي إذا خلع نعليه وكان وحده وضعهما عن يساره‪،‬‬
‫وإذا كان مع غيره في الصف وكان عن يمينه وعن يساره ناس فإنه‬
‫يضعهما بين رجليه؛ لما ورد عن أبي هريرة – رضي الله عنه – عن‬
‫رسول الله ‪ e‬قال‪" :‬إذا صلى أحدكم فخلع نعليه فل يؤذي بهما أحدًا‪،‬‬
‫ليجعلهما بين رجليه أو ليص ّ‬
‫ل فيهما")‪.(5‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪71‬‬

‫)( انظر إحكام الحكام لبن دقيق العيد بحاشية الصنعاني )‪ ،(2/344‬وفتح الباري )‪.(1/494‬‬
‫)( حاشية ابن عابدين )‪.(2/344‬‬
‫)( إحكام الحكام )‪ ،(2/345‬وقارنه بفتح الباري )‪ ،(1/494‬وانظر مجموع الفتاوى لشيخ السلم )‬
‫‪.(24/195‬‬
‫)( انظر إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان لبن القيم )‪.(1/166‬‬
‫)( أخرجه أبو داود رقم )‪ ،(655 ،654‬وصححه اللباني‪ ،‬صحيح أبي داود )‪.(129 ،1/128‬‬

‫وبعض المصلين يضع نعليه أمامه‪ ،‬أو خلفه‪ ،‬أو عن يمين غيره‪،‬‬
‫فيؤذي بهما الخرين‪ ،‬ول سيما مع تقارب الصفوف‪ ،‬كما في ساحة‬
‫المسجد الحرام‪ ،‬والمقصود هو عدم أذية الخرين‪ ،‬فلينصرف فيهما‬
‫بعيدا ً عن ذلك‪.‬‬

‫‪72‬‬

‫الحكم الثاني‬
‫تقديم اليمنى عند الدخول‬
‫أعلم أن لدخول المسجد صفة خاصة‪ ،‬وهي تقديم الرجل اليمنى؛‬
‫لن اليمين أعدت لكل ما هو من باب التكريم‪ ،‬واليسار لما هو بضد‬
‫ذلك‪ ،‬وهذه الصفة يخل بها كثيرون جهل ً أو عجلة‪ ،‬مع أنه ثبت فيها‬
‫نصوص عامة ونصوص خاصة‪.‬‬
‫فعن أنس – رضي الله عنه – أنه قال‪) :‬من السنة إذا دخلت‬
‫المسجد أن تبدأ برجلك اليمنى‪ ،‬وإذا خرجت أن تبدأ برجلك اليسرى()‪.(1‬‬
‫قال في فتح الباري‪) :‬والصحيح أن قول الصحابي‪" :‬من السنة‬
‫كذا" محمول على الرفع()‪.(2‬‬
‫قال البخاري – رحمه الله – في صحيحه‪) :‬باب التيمن في دخول‬
‫المسجد وغيره( وكان ابن عمر يبدأ برجله اليمنى‪ ،‬فإذا خرج بدأ برجله‬
‫اليسرى‪ ،‬ثم ذكر حديث عائشة – رضي الله عنها – بلفظ‪) :‬كان النبي ‪e‬‬
‫يحب التيمن ما استطاع في شأنه كله في طهوره وترجله وتنعله()‪.(3‬‬
‫قال العيني‪) :‬مطابقته للترجمة من حيث عمومه؛ لن يدل على‬
‫البداءة باليمين في دخول المسجد()‪.(4‬‬
‫وقال ابن علن في شرح الذكار‪) :‬وخصت اليمنى بالدخول؛‬
‫لشرفه واليسرى بالخروج؛ لخسته‪ ،‬وهذا مما ينبغي العتناء بها كغيره‬
‫من الداب()‪.(5‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪73‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫أخرجه الحاكم )‪ ،(1/218‬وقال‪ :‬صحيح على شرط مسلم‪ ،‬ووافقه الذهبي‪.‬‬
‫فتح الباري )‪.(523‬‬
‫أخرجه البخاري رقم )‪ ،(426‬ومسلم رقم )‪ .(268‬وانظر‪ :‬فتح الباري )‪.(1/523‬‬
‫عمدة القاري )‪.(3/429‬‬
‫الفتوحات الربانية لبن علن )‪.(2/42‬‬

‫الحكم الثالث‬
‫الدعاء عند دخول المسجد‬
‫لما كانت المساجد أحب البقاع إلى الله تعالى؛ لنها بيوت الطاعة‬
‫ومظنة لنفزول الرحمة وأساسها على التقوى‪ ،‬فيها يعبد الله ويوحد‪،‬‬
‫أرشد النبي ‪ e‬من دخل المسجد إلى أدعية جامعة مناسبة للحال‪ ،‬فقد‬
‫ورد عن أبي حميد أو أبي أسيد قال‪ :‬قال رسول الله ‪" :e‬إذا دخل‬
‫أحدكم المسجد فليقل‪ :‬اللهم افتح لي أبواب رحمتك‪ ،‬وإذا خرج فليقل‪:‬‬
‫اللهم إني أسألك من فضلك")‪.(1‬‬
‫وعن عبد الله بن عمرو بن العاص‪ ،‬عن النبي ‪ :e‬أنه كان إذا دخل‬
‫المسجد قال‪" :‬أعوذ بالله العظيم‪ ،‬وبوجهه الكريم‪ ،‬وسلطانه القديم‬
‫من الشيطان الرجيم"‪ ،‬قال عقبة لحيوة‪ :‬أقط؟ قلت‪ :‬نعم‪ .‬قال‪" :‬فإذا‬
‫قال ذلك قال الشيطان‪ :‬حفظ مني سائر اليوم")‪.(2‬‬
‫وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله ‪ e‬قال‪" :‬إذا‬
‫دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي ‪ e‬وليقل‪ :‬اللهم افتح لي أبواب‬
‫رحمتك‪ ،‬وإذا خرج فليسلم على النبي ‪ e‬وليقل‪ :‬اللهم أجرني من‬
‫الشيطان الرجيم")‪.(3‬‬
‫وسر تخصيص طلب الرحمة بالدخول وسؤال الفضل بالخروج أن‬
‫من دخل المسجد اشتغل بما يقربه إلى الله تعالى وإلى رضوانه وجنته‬
‫من الصلة والذكر والدعاء‪ ،‬فناسب ذكر الرحمة‪ ،‬وإذا خرج اشتغل‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫‪3‬‬

‫‪74‬‬

‫)( أخرجه مسلم رقم )‪ .(713‬وأما زيادة )رب اغفر لي‪ ،‬وافتح لي ‪ ( . .‬فقد وردت عند الترمذي )‬
‫‪ (314‬من طريق ليث بن أبي سليم عن عبد الله بن الحسن عن أمه فاطمة بنت الحسين عن‬
‫جدتها فاطمة الكبرى‪ .‬وهذا سند منقطع‪ ،‬كما قال الترمذي‪ ،‬وليث بن أبي سليم ضعيف‪ ،‬وقد تفرد‬
‫بهذه الزيادة‪ ،‬وقد تابعه على رواية أصل الحديث إسماعيل بن علية‪ ،‬وليس فيه هذه الزيادة‪ ،‬وقد‬
‫ساقه الترمذي )‪ .(315‬وإسماعيل ثقة حافظ‪ ،‬والله أعلم‪.‬‬
‫)( أخرجه أبو داود رقم )‪ ،(466‬بإسناد جيد‪ ،‬كما قاله النووي في "الذكار" ص )‪ ،(33‬وقد عزاه‬
‫الحافظ ابن كثير في تفسيره )‪ (6/70‬إلى صحيح البخاري‪ ،‬فلعله سهو‪ ،‬والله أعلم‪.‬‬
‫)( أخرجه ابن خزيمة )‪(1/231‬؛ وابن حبان )‪(3/247‬؛ والحاكم )‪ ،(1/206‬وقال‪ :‬على شرطهما‪.‬‬
‫وأقره الذهبي؛ وأخرجه النسائي رقم )‪(90‬؛ وابن السني رقم )‪ ،(85‬كلهما في عمل اليوم‬
‫والليلة‪ ،‬وأخرجه ابن ماجه )‪ ،(1/254‬من طريق محمد بن بشار‪ ،‬وفيه‪) :‬اللهم اعصمني( بدل‬
‫)أجرني(‪ ،‬وهذا الحديث إسناده حسن لشواهده‪.‬‬

‫بابتغاء الرزق الحلل فناسب ذكر الفضل‪ ،‬قال تعالى‪[ :‬فإذا قضيت‬
‫الصلة فانتشروا في الرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا ً‬
‫لعلكم تفلحون])‪.(2)(1‬‬
‫ن له أن يدعو بما ورد في‬
‫فإذا دخل المسجد وانتهى إلى الصف س ّ‬
‫حديث سعد بن أبي وقاص – رضي الله عنه – أن رجل ً جاء إلى الصلة‬
‫ورسول الله ‪ e‬يصلي فقال حين انتهى إلى الصف‪ :‬اللهم آتني أفضل ما‬
‫تؤتي عبادك الصالحين‪ ،‬فما قضى رسول الله ‪ e‬الصلة‪ ،‬قال‪" :‬من‬
‫المتكلم آنفًا"؟ قال الرجل‪ :‬أنا يا رسول الله‪ ،‬قال‪" :‬إذ يعقر جوادك‪،‬‬
‫وتستشهد في سبيل الله")‪.(3‬‬
‫وكثير من الناس ل يعرف هذه الدعية‪ ،‬أو يخ ّ‬
‫ل بها‪ ،‬أو يقولها على‬
‫صفة تخالف ما هي عليه‪ ،‬فليحرص المصلي على الدعاء فما أقرب‬
‫الجابة لمن توفرت عنده شروط الدعاء!!‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪75‬‬

‫)( سورة الجمعة‪ :‬الية ‪.10‬‬
‫)( الفتوحات الربانية لبن علن )‪.(2/42‬‬
‫)( أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة رقم )‪ ،(93‬وابن السني رقم )‪ ،(106‬والحاكم )‬
‫‪ ،(1/207‬قال الحافظ‪ :‬إسناده حسن‪ .‬انظر الفتوحات الربانية لبن علن )‪.(2/143‬‬

‫الحكم الرابع‬
‫التقدم للصف الول‬
‫من آداب حضور المساجد‪ :‬التقدم للصف الول‪ ،‬والقرب من‬
‫المام‪ ،‬كما دلت على ذلك النصوص؛ لما في الصف الول من الفضل‬
‫العظيم‪.‬‬
‫فعن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله ‪ e‬قال‪" :‬لو‬
‫يعلم الناس ما في النداء والصف الول ثم لم يجدوا إل أن يستهموا‬
‫عليه لستهموا‪،‬ولو يعلمون ما في التهجير لستبقوا إليه‪ ،‬ولو يعلمون‬
‫ما في العتمة والصبح لتوهما ولو حبوًا")‪ .(1‬والتهجير‪ :‬التبكير إلى‬
‫الصلة‪ ،‬والمبادرة إليها)‪.(2‬‬
‫وعنه – أيضا ً رضي الله عنه – عن النبي ‪ e‬قال‪" :‬لو تعلمون‪ ،‬أو‬
‫يعلمون‪ ،‬ما في الصف المتقدم لكانت قرعة"‪ .‬وفي رواية‪" :‬ما كانت‬
‫إل قرعة")‪.(3‬‬
‫ي بن كعب – رضي الله عنه – قال‪ :‬قال رسول الله ‪:e‬‬
‫وعن أب ّ‬
‫"الصف الول على مثل صف الملئكة‪ ،‬ولو تعلمون فضيلته‬
‫لبتدرتموه")‪.(4‬‬
‫وعن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – أن رسول الله ‪e‬‬
‫رأى في أصحابه تأخرًا‪ ،‬فقال لهم‪" :‬تقدموا فائتموا بي وليأتم بكم من‬
‫بعدكم‪ ،‬ل يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله")‪.(5‬‬
‫فهذه الحاديث وغيرها تدل على فضل الصف الول‪ ،‬وأنه ينبغي‬
‫الحرص عليه بالتبكير إلى الصلة‪ ،‬حتى أنه لو أدى المر إلى القرعة‬
‫لكانت مشروعة فيه‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪76‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫تقدم تخريجه‪.‬‬
‫انظر‪ :‬فتح الباري )‪ (2/97‬والنهاية لبن الثير )‪.(5/246‬‬
‫أخرجه مسلم برقم )‪.(439‬‬
‫أخرجه أبو داود رقم )‪ ،(544‬وإسناده حسن كما قال اللباني‪.‬‬
‫أخرجه مسلم برقم )‪ ،(438‬وأبو داود رقم ‪ ،(0680‬والنسائي )‪.(2/83‬‬

‫والمراد بالصف الول‪ :‬هو ما يلي المام‪ ،‬سواء جاء صاحبه‬
‫متقدما ً أو متأخرًا‪ ،‬وإن كان المتقدم حاز فضيلة التبكير فجمع بين‬
‫الفضيلتين‪.‬‬
‫وفي الصف الول مزايا عظيمة ينبغي للمسلم أن يهتم بها‬
‫ويحرص على الظفر بها‪ .‬وقد ذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري‬
‫طرفا ً منها‪.‬‬
‫فمن ذلك‪ :‬المسارعة إلى خلص الذمة‪ ،‬والسبق لدخول‬
‫المسجد‪ ،‬والقرب من المام‪ ،‬واستماع قراءته‪ ،‬والتعلم منه‪ ،‬والفتح‬
‫عليه‪ ،‬والسلمة من اختراق المارة بين يديه‪ ،‬وسلمة البال من رؤية‬
‫من يكون قدامة‪ ،‬وسلمة موضع سجوده من أذيال المصلين)‪.(1‬‬
‫ومن الناس من ل يهتم بالصف الول مع إمكان الصلة‬
‫والجلوس فيه‪ ،‬فتراه يدخل المسجد مبكرا ً ويقف متنفل ً وسط‬
‫المسجد‪ ،‬أو في مؤخره‪ ،‬أو يقف في طرف الصف الول مع خلوه‬
‫من جهة المام‪ ،‬وهذا رغبة عن الخير‪ ،‬وزهد فيه‪ ،‬مبعثه الجهل أو‬
‫عدم المبالة باكتساب الفضائل‪ ،‬فالله المستعان‪.‬‬
‫يقول شيخ السلم بان تيمية – رحمه الله ‪) :-‬فمن جاء أول‬
‫الناس وصف في غير الول فقد خالف الشريعة‪ ،‬وإذا ضم إلى ذلك‬
‫إساءة الصلة أو فضول الكلم أو مكروهه أو محرمه ونحو ذلك مما‬
‫يصان المسجد عنه‪ ،‬فقد ترك تعظيم الشرائع‪ ،‬وخرج عن الحدود‬
‫المشروعة من طاعة الله‪ ،‬وإن لم يعتقد نقص ما فعله ويلتزم اتباع‬
‫أمر الله استحق العقوبة البليغة التي تحمله وأمثاله على أداء ما أمر‬
‫الله به وترك ما نهى الله عنه‪ ،‬والله أعلم()‪.(2‬‬
‫وينبغي لطلبة العلم أن يتقدموا إلى الصف الول؛ لنهم داخلون‬
‫في قوله ‪" :e‬ليلني منكم أولو الحلم والنهى‪ ،‬ثم الذين يلونفهم ثم‬
‫الذين يلونفهم ‪.(3)". .‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪77‬‬

‫)( فتح الباري )‪.(2/208‬‬
‫)( مجموع فتاوى ابن تيمية )‪.(22/262‬‬
‫)( أخرجه مسلم برقم )‪ ،(432‬والنسائي )‪ ،(2/90‬وأبو داود رقم )‪.(674‬‬

‫قال النووي‪) :‬وفي هذا الحديث تقديم الفضل فالفضل إلى‬
‫المام؛ لنه أولى بالكرام‪ ،‬ولنه ربما احتاج المام إلى استخلف‪،‬‬
‫فيكون هو أولى‪ ،‬ولنه يتفطن لتنبيه المام على السهو لما يتفطن له‬
‫غيره‪ ،‬وليضبطوا صفة الصلة ويحفظوها‪ ،‬وينقلوها ويعلموها الناس‪،‬‬
‫وليقتدي بأفعالهم من وراءهم ‪.(1)( . .‬‬
‫وقال في النصاف‪) :‬السنة أن يتقدم في الصف الول أولو‬
‫الفضل ولسن‪ ،‬وأن يلي المام أكملهم وأفضلهم‪ ،‬قال المام أحمد‪:‬‬
‫يلي المام الشيوخ وأهل القرآن ويؤخر الصبيان()‪.(2‬‬
‫وهذا الحكم – وهو الحث على الصف الول والدنو من المام –‬
‫خاص بالرجال‪ ،‬أما النساء إذا حضرن المساجد فيتعين في حقهن‬
‫التأخر والبعد عن المام وعن صفوف الرجال‪ ،‬كما سيأتي بيانه في‬
‫الباب الثالث‪ ،‬إن شاء الله تعالى‪ ،‬والله أعلم‪.‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪78‬‬

‫)( شرح النووي على صحيح مسلم )‪.(400 – 4/399‬‬
‫)( النصاف )‪.(2/285‬‬

‫المكان الفاضل في المسجد النبوي‬
‫أعلم أن المكان الفاضل في مسجد رسول الله ‪ e‬هو الذي أمام‬
‫المحراب النبوي في الزيادة التي في قبلة المسجد‪ ،‬وليس ما يفهمه‬
‫كثير من الناس من أن المكان الفاضل هو في المسجد القديم‪ ،‬الذي‬
‫كان في عهده ‪ e‬دون ما زاده عمر وعثمان – رضي الله عنهما – والذي‬
‫هو موضع المحراب اليوم‪.‬‬
‫إن عمر – رضي الله عنه – كان يقف في تلك الزيادة ووراءه‬
‫الصحابة – رضي الله عنهم – وهم متوافرون ومتفقون على أن هذا هو‬
‫المكان الفاضل‪ ،‬وهل يظن بهم أنهم يتركون المكان الفاضل ويعتقدون‬
‫أن الصلة في غير موضعهم أفضل؟!‬
‫والناس اليوم يزدحمون للصلة في موضع المسجد القديم اعتقادا ً‬
‫منهم أنه أفضل‪ ،‬فترى الصفوف تتكامل في ذلك الموضع دون الزيادة‪،‬‬
‫وهذا وإن كان الدافع إليه محبة الرسول ‪ e‬لكن فيه مخالفات شرعية‬
‫منها‪:‬‬
‫‪ (1‬ترك وصل الصفوف وإتمام الول فالول‪ ،‬وقد ثبت ما يدل‬
‫على المر بوصل الصفوف وأن من وصل صفا ً وصله الله ومن‬
‫قطع صفا ً قطعه الله‪.‬‬
‫‪(2‬‬

‫تفويت الصلة في الصف الول مع إمكانه لمن يحضر متقدما ً‬
‫ولكنه يرغب عنه‪ ،‬ومن المعلوم أن الصف الول هو الذي يلي‬
‫المام‪ ،‬كما أسلفنا‪ ،‬وقد حث النبي ‪ e‬على المبادرة بحضور‬
‫المساجد والدنو من المام‪ ،‬كما تقدم – أيضا ً ‪.-‬‬

‫‪(3‬‬

‫أن في ذلك مخالفة لهدي الصحابة – رضي الله عنهم – فإن‬
‫م الصحابة في هذه الزيادة‪ ،‬ول ريب‬
‫عمر – رضي الله عنه – أ ّ‬
‫أنهم كانوا يتسابقون للصلة وراء المام ويحرصون على الصف‬
‫الول‪.‬‬

‫فليحرص المسلم على الصف الول في المسجد النبوي كغيره من‬
‫المساجد‪ ،‬ول يغتر بمن يتأخر عنها ويصلي في موضع المسجد القديم‪.‬‬

‫‪79‬‬

‫ول يقال‪ :‬إن هذه الزيادة ليست من المسجد‪ ،‬فإن صلة الصحابة‬
‫فيها دال على أنها في حكم المسجد قطعًا‪.‬‬
‫وأما قوله ‪" :e‬صلة في مسجدي هذا خير من ألف صلة أو كألف‬
‫صلة فيما سواه من المساجد إل أن يكون المسجد الحرام")‪(1‬؛ فهذا لم‬
‫يقصد به نفي مضاعفة الجر في الضافات الحادثة‪ ،‬ولكن المراد به –‬
‫والله أعلم – نفي التضعيف في المساجد التي بناها الرسول ‪ e‬في‬
‫المدينة كمسجد قباء‪ ،‬فأكد أن التضعيف خاص بمسجده بقوله‪" :‬هذا"‬
‫ولم يقصد إخراج ما سيزاد فيه‪ ،‬والله أعلم)‪.(2‬‬
‫وقد رأيت لشيخ السلم ابن تيمية – رحمه الله – كلما ً نفيسا ً‬
‫حول هذا الموضوع‪ ،‬فأنقله هنا‪ ،‬يقول رحمه الله‪) :‬وقد جاءت الثار بأن‬
‫حكم الزيادة في مسجده ‪ e‬حكم المزيد‪ ،‬تضّعف فيه الصلة بألف‬
‫صلة‪ ،‬كما أن المسجد الحرام حكم الزيادة فيه حكم المزيد‪ ،‬فيجوز‬
‫الطواف فيه والطواف ل يكون إل في المسجد ل خارجا ً منه‪ ،‬ولهذا‬
‫اتفق الصحابة على أنهم يصلون في الصف الول من الزيادة التي‬
‫زادها عمر ثم عثمان‪ ،‬وعلى ذلك عمل المسلمين كلهم‪ ،‬فلول أن حكمه‬
‫حكم مسجده لكانت تلك صلة في غير مسجده‪ ،‬والصحابة وسائر‬
‫المسلمين بعدهم ل يحافظون على العدول عن مسجده إلى غير‬
‫مسجده‪ ،‬ويأمرون بذلك(‪ ،‬ثم قال‪) :‬وهذا الذي جاءت به الثار‪ ،‬وهو‬
‫الذي يدل عليه كلم الئمة المتقدمين وعملهم‪ ،‬فإنهم قالوا‪ :‬إن صلة‬
‫الفرض خلف المام أفضل‪ ،‬وهذا الذي قالوه هو الذي جاءت به السنة‪،‬‬
‫وكذلك كان المر على عهد عمر وعثمان – رضي الله عنهما – فإن‬
‫كليهما مما زاد من قبلي المسجد‪ ،‬فكان مقدمة في الصلوات الخمس‬
‫في الزيادة‪ ،‬وكذلك مقام الصف الول الذي هو أفضل ما يقام فيه‬
‫بالسنة والجماع‪ ،‬وإذا كان كذلك فيمتنع أن تكون الصلة في غير‬
‫مسجده‪ ،‬أفضل منها في مسجده‪ ،‬وأن يكون الخلفاء والصفوف الول‬
‫كانوا يصلون في غير مسجده‪ ،‬وما بلغني عن أحد من السلف خلف‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫‪80‬‬

‫)( أخرجه البخاري رقم )‪ ،(1133‬ومسلم رقم )‪ ،(1394‬وراجع سلسلة الحاديث الضعيفة‬
‫والموضوعة )‪.(2/403‬‬
‫)( انظر وفاء الوفاء )‪.(1/358‬‬

‫هذا‪ ،‬لكن رأيت بعض المتأخرين قد ذكر أن الزيادة ليست من مسجده‪،‬‬
‫وما علمت لمن ذكر ذلك سلفا ً من العلماء()‪.(1‬‬

‫‪1‬‬

‫‪81‬‬

‫)( الرد على الخنائي المطبوع بهامش "تلخيص كتاب الستغاثة" ص)‪.(198 -196‬‬

‫الحكم الخامس‬
‫السلم على من في المسجد‬
‫ومن آداب دخول المساجد السلم على من فيه ولو كان يصلي‪،‬‬
‫فإن السلم على المصلي مشروع‪ ،‬كما هو مذهب الجمهور من أهل‬
‫العلم‪ ،‬وذلك لما ورد عن ابن مسعود – رضي الله عنه – قال‪ :‬كنت‬
‫ي فلما رجعنا سلمت عليه‬
‫أسلم على النبي ‪ e‬وهو في الصلة فيرد عل ّ‬
‫فلم يرد ّ علي‪ ،‬وقال‪" :‬إن في الصلة شغ ً‬
‫ل")‪.(1‬‬
‫وعنه – رضي الله عنه – قال‪ :‬كنت آتي النبي ‪ e‬وهو يصلي فأسلم‬
‫عليه فيرد علي‪ ،‬فأتيته فسلمت عليه وهو يصلي فلم يرد ّ علي‪ ،‬فلما‬
‫سلم أشار إلى القوم فقال‪" :‬إن الله عز وجل – يعني – أحدث في‬
‫الصلة أل تكلموا إل بذكر الله وما ينبغي لكم‪ ،‬وأن تقوموا لله‬
‫قانتين")‪.(2‬‬
‫فهذا وما قبله دليل على جواز السلم على المصلي‪ ،‬فإن ابن‬
‫مسعود – رضي الله عنه – كان يسلم على النبي ‪ e‬وهو في صلته‪،‬‬
‫فيرد عليه السلم باللفظ‪ ،‬ولما حّرم الكلم في الصلة‪ ،‬ورجع‬
‫المسلمون من الهجرة الثانية إلى الحبشة سلم ابن مسعود – رضي‬
‫الله عنه – كعادته فلم يرد عليه النبي ‪ e‬باللفظ‪ ،‬وإنما رد بالشارة كما‬
‫في حديث ابن عمر التي قريبًا‪ ،‬وبين أن سبب امتناع الرد باللفظ هو‬
‫أن المصلي مشغول شغل ً عظيما ً متنوعا ً من ذكر قراءة ودعاء وغير‬
‫ذلك مما يتعلق بمناجاة الله تعالى التي تستدعي الستغراق بخدمته‪،‬‬
‫فل يصلح فيها الشتغال بغيره‪ ،‬ولو كان السلم على المصلي غير‬
‫مشروع لبّينه ‪ e‬ولو بعدم الشارة في الرد؛ لن تأخير البيان عن وقت‬
‫الحاجة ل يجوز‪ ،‬فلما ثبت الرد بالشارة وعدم النكار علم أن السلم‬
‫على المصلي مشروع‪.‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪82‬‬

‫)( أخرجه البخاري رقم )‪ ،(1158 ،1141‬ومسلم رقم )‪ ،(538‬وأبو داود )‪.(3/191‬‬
‫)( أخرجه أبو داود )‪ ،(3/193‬والنسائي )‪ ،(3/19‬واللفظ له‪ ،‬وأصله الصحيحين‪.‬‬

‫وثبت الرد عنه ‪ e‬بإشارة‪ ،‬وذلك فيما رواه ابن عمر – رضي الله‬
‫عنهما – قال‪ :‬خرج رسول الله ‪ e‬إلى قباء يصلي فيه‪ ،‬فجاءته النصار‪،‬‬
‫فسلموا عليه وهو يصلي‪ ،‬قال‪ :‬فقلت لبلل‪ :‬كيف رأيت رسول الله ‪e‬‬
‫يرد عليهم حين كانوا يسلمون عليه وهو يصلي؟ قال‪ :‬يقول هكذا‪،‬‬
‫وبسط كفه‪ ،‬وبسط جعفر ابن عوف كفه‪ ،‬وجعل بطنه أسفل وجعل‬
‫ظهره فوق)‪.(1‬‬
‫وورد في السنة صفات أخرى لرد المصلي السلم‪ ،‬ومنها‪:‬‬
‫الرد بالشارة بالصبع‪ ،‬والظهر أنها السبابة؛ لنها أيسر؛ ولن‬
‫العادة جرت برفعها‪ ،‬وذلك في حديث ابن عمر – أيضا ً – عن صهيب‬
‫قال‪ :‬مررت برسول الله ‪ e‬وهو يصلي فسلمت عليه فرد ّ علي إشارة‪،‬‬
‫وقال الليث بن سعد – أحد رواته ‪ :-‬ل أعلم إل أنه قال‪ :‬إشارة‬
‫بإصبعه)‪.(2‬‬
‫قال الشوكاني‪) :‬ول اختلف بينهما‪ ،‬فيجوز أن يكون أشار بإصبعه‬
‫مرة ومرة بجميع يده‪ ،‬ويحتمل أن يكون المراد باليد الصبع؛ حمل ً‬
‫للمطلق على المقيد()‪.(3‬‬
‫كما ورد الرد إيماء بالرأس‪ ،‬وذلك في حديث ابن مسعود‪) :‬فأومأ‬
‫برأسه(‪ ،‬وفي رواية‪) :‬فقال برأسه‪ ،‬يعني‪ :‬الرد()‪.(4‬‬
‫قال في نيل الوطار‪) :‬ويجمع بين الروايات أنه ‪ e‬فعل هذا مرة‬
‫وهذا مرة فيكون جميع ذلك جائزًا()‪ (5‬والله أعلم‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫‪5‬‬

‫‪83‬‬

‫)( أخرجه أبو داود )‪ ،(3/195‬والترمذي )‪ ،(2/204‬وابن ماجه )‪ ،(1/324‬وقال الترمذي‪ :‬هذا‬
‫حديث حسن صحيح‪.‬‬
‫)( أخرجه أبو داود )‪ ،(3/194‬والترمذي )‪ ،(2/363‬والنسائي )‪ (3/5‬وحسنه الترمذي‪.‬‬
‫)( نيل الوطار )‪.(2/370‬‬
‫وزي‪ ،‬وقد تفرد به‪ ،‬قال البيهقي وقال‬
‫)( أخرجه البيهقي )‪ (2/260‬من طريق محمد بن الصلت الت ّ ّ‬
‫عنه الحافظ في التقريب‪ :‬صدوق يهم‪ .‬أهف‪ .‬وعلى هذا ففي ثبوت هذه الصفة نظر‪ ،‬والولى‬
‫القتصار على الصفتين الوليين‪ ،‬والله أعلم‪.‬‬
‫)( نيل الوطار )‪ ،(2/371‬وانظر في موضوع السلم على المصلي "زاد المعاد" )‪.(2/413‬‬

‫الحكم السادس‬
‫صلة تحية المسجد‬
‫ومن آداب حضور المساجد – وهي بيوت الله تعالى وأمكنه عبادته‬
‫– أن يصلي الداخل ركعتين تعظيما ً لله تعالى‪ ،‬وإكراما ً لموضع العبادة‪.‬‬
‫وهذه الصلة هي تحية المسجد؛ لن الداخل يبتدئ بهما كما يبتدئ‬
‫الداخل على القوم بالتحية‪.‬‬
‫وقد د ّ‬
‫ل على مشروعية تحية المسجد حديث أبي قتادة السلمي –‬
‫رضي الله عنه – قال‪ :‬قال رسول الله ‪" :e‬إذا دخل أحدكم المسجد فل‬
‫يجلس حتى يصلي ركعتين"‪ .‬وفي رواية‪" :‬فيركع ركعتين قبل أن‬
‫يجلس")‪.(1‬‬
‫ويتعلق بتحية المسجد مسائل مهمة أبينها – بتوفيق الله تعالى –‬
‫كما يلي‪:‬‬
‫المسألة الولى‪ :‬حكم تحية المسجد‬
‫جمهور العلماء على أن تحية المسجد من السنن المندوب إليها‬
‫وليست واجبة‪ .‬قال في فتح الباري‪) :‬اتفق أئمة الفتوى على أن المر‬
‫في ذلك للندب()‪ .(2‬وقال ابن دقيق العيد‪) :‬وجمهور العلماء على عدم‬
‫الوجوب لهما()‪ .(3‬وقال النووي‪) :‬إنه إجماع المسلمين()‪ .(4‬ولكن نقل‬
‫الجماع فيه نظر‪ ،‬فقد نقفل ابن بطال عن أهل الظاهر قولهم‬
‫بالوجوب)‪ .(5‬وحكى ذلك القاضي عياض عن داود وأصحابه)‪ ،(6‬والذي‬
‫صرح به ابن حزم خلفه)‪ (7‬وعمدة الجمهور في عدم الوجوب‪:‬‬
‫‪(1‬‬

‫حديث عبد الله بن بسر – رضي الله عنه – قال‪ :‬جاء رجل‬
‫يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة والنبي ‪ e‬يخطب‪ .‬فقال له‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫‪84‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫أخرجه البخاري رقم )‪ ،(433‬ومسلم رقم )‪.(714‬‬
‫فتح الباري )‪.(1/537‬‬
‫إحكام الحكام )‪.(2/467‬‬
‫شرح مسلم )‪.(5/233‬‬
‫شرح ابن بطال على صحيح البخاري )‪.(2/93‬‬
‫شرح القاضي عياض على صحيح مسلم )‪.(3/49‬‬
‫المحلى )‪.(2/231‬‬

‫رسول الله ‪" :e‬اجلس فقد آذيت" وفي رواية‪" :‬وآنيت")‪.(1‬‬
‫أي‪ :‬أبطأت وتأخرت‪.‬‬
‫ووجه الدللة‪ :‬أن الرسول ‪ e‬أمره بالجلوس ولم يأمره‬
‫بتحية المسجد فد ّ‬
‫ل على أنها غير واجبة‪.‬‬
‫‪(2‬‬

‫حديث أنس بن مالك – رضي الله عنه – في قصة العرابي‪،‬‬
‫وهو ضمام ابن ثعلبة لما سأل رسول الله ‪ e‬عما يجب عليه‬
‫من الصلة فأجابه ‪ :e‬الصلوات الخمس‪ ،‬فقال‪ :‬هل علي‬
‫وع")‪.(2‬‬
‫غيرها؟ قال‪" :‬ل‪ ،‬إل أن تط ّ‬

‫ومن قال بالوجوب استدل بما يلي‪:‬‬
‫‪(1‬‬

‫حديث أبي قتادة المذكور‪ ،‬وقد ورد بلفظ المر "فليركع‬

‫ركعتين" وبلفظ النهي "فل يجلس"‪ ،‬والمر عند الطلق‬
‫للوجوب‪ ،‬والنهي عند الطلق للتحريم؛ وحديث أنس في قصة‬
‫العرابي ل يصلح أن يكون صارفا ً كما سيأتي إن شاء الله‪.‬‬
‫‪ (2‬حديث جابر – رضي الله عنه – قال‪ :‬دخل رجل يوم الجمعة‬
‫ورسول الله ‪ e‬يخطب فقال‪" :‬أصليت؟" قال‪ :‬ل‪ .‬قال‪" :‬فص ّ‬
‫ل‬
‫ركعتين"‪ .‬والرجل هو‪ :‬سليك الغطفاني‪ ،‬كما وقع مسمى عند‬
‫مسلم)‪.(3‬‬
‫ووجه الدللة‪ :‬إن الرسول ‪ e‬أمر سليكا ً بتحية المسجد بعدما‬
‫جلس‪ ،‬وقطع الخطبة لجل سؤاله وأمره بالصلة‪ .‬وهذا من مؤكدات‬
‫اليجاب‪ .‬ولو سقطت التحية في حال لكان هذا الحال أولى بها؛ فإنه‬
‫مأمور باستماع الخطبة‪ ،‬فلما ترك لها استماع الخطبة دل على تأكدها‪.‬‬
‫وقد أجاب القائلون بالوجوب عن أدلة الولين بما يلي‪:‬‬
‫‪ (1‬أما حديث "اجلس فقد آذيت" فل دللة فيه صريحة على‬
‫عدم الوجوب؛ لحتمال أن المراد "اجلس" أي‪ :‬ل تتخط‪ .‬ولم‬
‫يقصد ترك التحية‪ ،‬أو أن المراد‪ :‬اجلس بشرط الجلوس‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪85‬‬

‫)( أخرجه أبو داود )‪،(3/467‬والنسائي )‪ ،(3/103‬وأحمد )‪ .(4/188‬والزيادة له‪ ،‬والحديث إسناده‬
‫حسن‪ ،‬وله شواهد‪ ،‬وصححه ابن خزيمة )‪.(3/156‬‬
‫)( أخرجه البخاري رقم )‪ ،(46‬ومسلم رقم )‪.(11‬‬
‫)( أخرجه البخاري رقم )‪ ،(930‬ومسلم رقم )‪.(875‬‬

‫المفهوم من قوله‪" :‬فال يجلس حتى يصلي ركعتين"‪،‬‬
‫ولحتمال أن يكون هذا الصحابي صّلى التحية في جانب من‬
‫المسجد قبل وقوع التخطي منه‪ ،‬أو أنه كان ذلك قبل المر بها‬
‫والنهي عن تركها‪ ،‬وإذا وجد الحتمال بطل الستدلل‪ ،‬لسيما‬
‫والحديث معارض بمثل حديث جابر في قصة سليك وحديث‬
‫أبي قتادة‪ ،‬ودللتهما أصرح)‪.(1‬‬
‫‪(2‬‬

‫وأما حديث أنس في قصة العرابي فعنه ثلثة أجوبة‪:‬‬

‫ إن التعاليم الواقعة في مبادئ الشريعة ل تصلح لصرف ما‬‫تجدد من الوامر عن الوجوب؛ لن الشريعة كانت شيئا ً فشيئا ً‬
‫وغل لزم على ذلك أن واجبات الشريعة هي ما ذكر في حديث‬
‫أنس في قصة ضمام بن ثعلبة من حصرا ً باعتبار وقت السؤال‪،‬‬
‫ولم يقل‪ :‬إنه ل يجب عليه ما يوجبه الله على عباده بعد ذلك‪،‬‬
‫بل ما أجبه الله وجب‪ .‬ول ريب أن واجبات الشريعة قد بلغت‬
‫أضعاف أضعاف تلك المور‪.‬‬
‫‪-‬‬

‫إن قوله‪" :‬إل أن تطوع" ينفي وجوب الواجبات ابتداء ل‬

‫الواجبات بأسباب يختار المكلف فعلها‪ ،‬كتحية المسجد – مثل ً ‪.-‬‬
‫‪-‬‬

‫إن جماعة من المتمسكين بحديث ضمام بن ثعلبة في‬

‫صرف المر عن الوجوب في حديث أبي قتادة قالوا بوجوب‬
‫صلوات خارجة عن الخمس‪ ،‬كالجنازة وركعتي الطواف‬
‫والعيدين‪ .‬فما أجابوا به عن إيجاب هذه الصلوات هو جواب‬
‫الموجبين لتحية المسجد‪ ،‬والله أعلم)‪.(2‬‬
‫قال ابن دقيق العيد على حديث أبي قتادة‪) :‬ول شك أن ظاهر‬
‫المر الوجوب وظاهر النهي التحريم‪ ،‬ومن أزالهما عن الظاهر‬
‫فهو محتاج إلى دليل()‪.(3‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪86‬‬

‫)( انظر فتح الباري )‪.(2/409‬‬
‫)( انظر نيل الوطار )‪.(3/79‬‬
‫)( إحكام الحكام )‪.(4/468‬‬

‫قال الصنعاني في حاشيته على شرح ابن دقيق العيد‪) :‬أقول‪ :‬هذا‬
‫هو الصواب‪ ،‬وإيجابها هو الجاري على مقتضى الوامر والنواهي()‪.(4‬‬
‫وقال الشوكاني‪) :‬إذا عرفت هذا – أي ما ذكر من الجوبة – لح‬
‫لك أن الظاهر ما قاله أهل الظاهر من الوجوب()‪.(2‬‬
‫والحق أن القول بالوجوب قوي؛ لقوة مأخذه؛ ولن سبب الوجوب‬
‫هو دخول المسجد‪ ،‬فل معارضة بين هذا وبين ما يدل على أن ماعدا‬
‫الصلوات الخمس تطوع‪ ،‬لكن إن قيل‪ :‬بأن تحية المسجد من السنن‬
‫المؤكدة ما كان ذلك بعيدًا‪ ،‬والعلم عند الله تعالى‪.‬‬
‫المسألة الثانية‪ :‬تحية المسجد وقت النهي‪:‬‬
‫اختلف العلماء في صلة تحية المسجد وقت النهي‪ ،‬كأن يدخل بعد‬
‫الفجر أو قبل المغرب‪ ،‬على قولين‪:‬‬
‫الول‪ :‬تصّلى تحية المسجد وقت النهي‪ ،‬وهذا هو الصح عند‬
‫الشافعية‪ ،‬ورواية في مذهب المام أحمد‪ ،‬وهو اختيار شيخ السلم ابن‬
‫تيمية‪ ،‬وتلميذه ابن القيم رحم الله الجميع‪ .‬وقد بسط ابن تيمية – رحمه‬
‫الله – أدلة هذا القول‪ ،‬وأيده بما ل مزيد عليه)‪.(3‬‬
‫القول الثاني‪ :‬ل تصلى في وقت النهي‪ ،‬وهو مذهب الحنفية‬
‫والمالكية ورواية عن المام أحمد‪ ،‬كما في النصاف)‪.(4‬‬
‫وسبب الخلف‪ :‬هوة تعارض العمومين؛ عموم أحاديث تحية‬
‫المسجد وفيه أمر بالصلة لكل داخل من غير تفصيل‪ ،‬وعموم أحاديث‬
‫النهي عن الصلة في أوقات النهي‪ ،‬كقوله ‪" :e‬ل صلة بعد الصبح حتى‬
‫ترتفع الشمس‪ ،‬ول صلة بعد العصر حتى تغرب الشمس")‪ ،(5‬وهذا عام‬
‫في كل صلة كما يفيده النفي بف )ل( التي لنفي الجنس‪ ،‬فتدخل تحية‬
‫المسجد في هذا العموم المنفي‪.‬‬
‫فذهب الولون إلى تخصيص عموم حديث‪) :‬ل صلة بعد الصبح ‪. .‬‬
‫(إلخ بحديث تحية المسجد‪ ،‬فأخرجوها من عموم هذا الحديث‪ ،‬فتصلى‬
‫‪4‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪87‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫حاشية الصنعاني )‪.(4/468‬‬
‫نيل الوطار )‪.(3/79‬‬
‫انظر مجموع الفتاوى )‪.(217 – 210 ،199 – 23/178‬‬
‫انظر )‪.(2/208‬‬
‫أخرجه البخاري رقم )‪ ،(561‬ومسلم رقم )‪.(827‬‬

‫في أوقات النهي‪ ،‬وذلك لن حديث )ل صلة( قد ثبت تخصيصه بغير‬
‫تحية المسجد‪ ،‬ومن ذلك‪ :‬قضاء الفوائت؛ لحديث أنس – رضي الله عنه‬
‫– عن النبي ‪ e‬قال‪" :‬من نسي صلة فيص ّ‬
‫ل إذا ذكرها‪ ،‬ل كفار لها إل‬
‫ذلك‪ :‬وأقم الصلة لذكرى‪.(1)‬‬
‫ومن ذلك – أيضا ً ‪ :-‬إعادة الجماعة‪ ،‬لحديث يزيد بن السود –‬
‫رضي الله عنه – قال‪ :‬شهدت مع النبي ‪ e‬حجته‪ ،‬فصليت معه صلة‬
‫الصبح في مسجد الخيف‪ ،‬فلما قضى صلته انحرف‪ ،‬فإذا هو برجلين‬
‫في أخرى القوم لم يصليا‪ .‬فقال‪" :‬علي بهما"‪ ،‬فجيء بهما ترعد‬
‫فرائصهما فقال‪" :‬ما منعكما أن تصليا معنا"؟ فقال‪ :‬يا رسول الله صلينا‬
‫في رحالنا‪ ،‬قال‪" :‬فل تفعل‪ ،‬إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد‬
‫)‪(2‬‬

‫فهذا صريح في جواز إعادة‬

‫الجماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلة"‬
‫الجماعة لمن دخل مسجدا ً وأهله يصلون بعد الفجر وهو وقت نهي‪.‬‬
‫ومن ذلك – أيضا ً ‪ :-‬ركعتا الطواف‪ ،‬لحديث جبير بن مطعم –‬

‫رضي الله عنه – أن النبي ‪ e‬قال‪" :‬يا بني عبد مناف ل تنعوا أحدا ً طاف‬
‫بهذا البيت وصلى آية ساعة شاء من ليل أو نهار")‪.(3‬‬
‫فهذه الحاديث وغيرها مخصصة لعموم حديث "ل صلة"‪ ،‬وحديث‬
‫تحية المسجد عام محفوظ لم يدخله التخصيص‪ ،‬وأحاديث النهي ليس‬
‫فيها حديث واحد عام باق على عمومه‪ ،‬بل كلها مخصوصة‪ ،‬والعام‬
‫والذي لم يدخله التخصيص مقدم على العام الذي دخله التخصيص)‪.(4‬‬
‫ومما يؤيد إخراج تحية المسجد من عموم النهي غير ما ذكر‪ :‬أن‬
‫النبي ‪ e‬أمر بتحية المسجد حال الخطبة‪ ،‬كما سيأتي إن شاء الله‪.‬‬
‫والنهي عن الصلة في وقت الخطبة أشد؛ لن السامع منهي عن كل ما‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪3‬‬

‫‪4‬‬

‫‪88‬‬

‫)( أخرجه البخاري رقم )‪ ،(572‬ومسلم رقم )‪.(684‬‬
‫)( أخرجه أبو داود )‪ ،(2/283‬والترمذي )‪ ،(219‬والنسائي )‪ ،(2/112‬وقال الترمذي‪ :‬حديث حسن‬
‫صحيح‪ .‬والفرائص بالصاد‪ :‬جمع فريصة‪ ،‬وهي اللحمة التي بين جنب الدابة وكتفها‪ .‬قاله في النهاية‬
‫)‪.(3/431‬‬
‫)( أخرجه الترمذي )‪ ،(3/604‬والنسائي )‪ ،(1/284‬وأحمد )‪ ،(4/80‬وقال الترمذي‪ :‬حديث حسن‬
‫صحيح‪.‬‬
‫)( انظر مجموع الفتاوى )‪ ،(195 ،23/185‬وإعلم الموقعين لبن القيم )‪.(2/322‬‬

‫يشغله عن الستماع حتى الصلة حيث أمر الشرع بتخفيفها‪ ،‬فإذا فعلت‬
‫تحية المسجد وقت الخطبة ففعلها في سائر الوقات أولى)‪.(1‬‬
‫ثم إن تحية المسجد كغيرها من ذوات السباب تفوت إذا أخرت‬
‫عن وقت النهي ويحرم المصلي ثوابها‪ ،‬وهذا بخلف النفل المطلق‪،‬‬
‫فإنه إذا منع منه المكلف وقت النهي ففي غيره من الوقات متسع‬
‫لفعله‪ ،‬فل تضييق عليه ول حرمان‪ ،‬بل قد يكون في المنع من الصلة‬
‫في بعض الوقات مصلحة للمكلف من إجمام نفسه وإقبالها على فعل‬
‫الطاعة بنشاط‪ ،‬وهذا أمر ملحوظ)‪.(2‬‬
‫وعلى هذا فتحمل أحاديث النهي عن الصلة في الوقات‬
‫المذكورة على ما ل سبب له‪ ،‬كالنفل المطلق‪ ،‬ويخص منها ما له سبب‬
‫كتحية المسجد‪ .‬وهذا هو الرأي المختار – إن شاء الله – وبه تجتمع‬
‫الدلة‪ ،‬ويعمل بها كلها)‪ .(3‬والله أعلم‪.‬‬
‫المسألة الثالثة‪ :‬ل صلة إذا أقيمت الصلة‬

‫أعلم أن النافلة ل تشرع إذا دخل المسجد والمام في الفريضة‪،‬‬
‫أو قد شرع المؤذن في القامة‪ ،‬أو دخل والصلة ستقام‪ ،‬فل تصلي‬
‫تحية المسجد في هذه الحالت؛ وذلك لعموم حديث أبي هريرة –‬
‫رضي الله عنه – عن النبي ‪ e‬قال‪" :‬إذا أقيمت الصلة فل صلة إل‬
‫المكتوبة")‪ .(4‬وعند ابن حبان‪" :‬إذا أخذ المؤذن في القامة")‪.(5‬‬
‫قال النووي‪) :‬الحكمة فيه أن يتفرغ للفريضة من أولها فيشرع‬
‫فيها عقب شروع المام‪ ،‬والمحافظة على مكملت الفريضة أولى من‬
‫التشاغل بالنافلة()‪.(6‬‬
‫وقال القاضي‪) :‬وفيه حكمة أخرى‪ :‬وهو النهي عن الختلف على‬
‫الئمة()‪.(7‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫‪89‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫انظر مجموع الفتاوى )‪.(193 ،23/192‬‬
‫انظر مجموع الفتاوى )‪.(196 ،23/187‬‬
‫انظر فتح الباري )‪ ،(2/59‬وتعليق الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – عليه‪.‬‬
‫أخرجه مسلم رقم )‪ ،(710‬وأبو داود )‪ ،(4/143‬والترمذي )‪ ،(2/481‬والنسائي )‪.(2/16‬‬
‫صحيح ابن حبان )‪ ،(3/307‬ورجال إسناده ثقات‪.‬‬
‫شرح النووي على مسلم )‪.(5/230‬‬
‫شرح صحيح مسلم للقاضي عياض )‪.(3/46‬‬

‫قال العراقي‪) :‬إن قوله "فل صلة" يحتمل أن يراد‪ :‬فل يشرع‬
‫حينئذ في صلة عند إقامة الصلة‪ ،‬ويحتمل أن يراد‪ :‬فل يشتغل بصلة‬
‫وإن كان قد شرع فيها قبل القامة‪ ،‬بل يقطعها المصلي؛ لدراك فضيلة‬
‫التحرم‪ ،‬أو أنها تبطل بنفسها وإن لم يقطعها المصلي‪ ،‬يحتمل كل ً من‬
‫المرين()‪.(1‬‬
‫وأعلم أنه ل فرق في منع التنفل بعد الشروع في إقامة الصلة‬
‫بين الراتبة أو غيرها‪ ،‬كما أنه ل فرق بين ركعتي الفجر أو غيرهما‪ ،‬وما‬
‫يتوهمه بعض الناس من جواز ركعتي الفجر ولو كان المام في‬
‫المكتوبة؛ بحجة طول القراءة وأنه يتمكن من أدائها قبل الركوع فهذا‬
‫غير صحيح‪ ،‬وصلته باطلة؛ لعموم قوله ‪" :e‬من عمل عمل ً ليس عليه‬
‫أمرنا فهو رد")‪ .(2‬وأداء ركعتين والصلة قد أقيمت ليس عليه أمر‬
‫الرسول ‪ e‬فيكون مردودا ً على صاحبه‪ ،‬وما كان مردودا ً على صاحبه‬
‫فهو فاسد‪ ،‬كيف وقد نهى النبي ‪ e‬عن ذلك كما تقدم‪ ،‬فيكون أشد ردًا‪.‬‬
‫وأما ما ورد من زيادة‪) :‬فل صلة إل المكتوبة إل ركعتي الصبح(‬
‫فهي كما قال ابن القيم‪) :‬زيادة كاسمها ل أصل لها(‪.‬‬
‫وقال البيهقي‪) :‬هذه الزيادة ل أصل لها(؛ وذلك لن في إسنادها‬
‫حجاج ابن نصير الفساطيطي‪ ،‬وعباد بن كثير الثقفي‪) :‬وهما ضعيفان(‪.‬‬
‫وفي التقريب‪ :‬أن الول ضعيف‪ ،‬والثاني متروك)‪.(3‬‬
‫لكن إذا أقيمت الصلة وهو في تحية المسجد‪ ،‬أو في راتبة‪ ،‬فهل‬
‫يقطعها؟ ثلثة أقوال‪:‬‬
‫الول‪ :‬أنه يقطعها؛ لعموم "إذا أقيمت الصلة فل صلة إل‬
‫المكتوبة"‪ .‬فإن الحديث عام يشمل من شرع في النافلة بعد سماع‬
‫القامة للفريضة‪ ،‬أو كان قد شرع في النافلة وسمع القامة بعد ذلك‪،‬‬
‫وقد أخرج ابن أبي شيبة عن بيان قال‪) :‬كان قيس بن أبي حازم يؤمنا‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪3‬‬

‫‪90‬‬

‫)( انظر‪ :‬نيل الوطار )‪.(3/97‬‬
‫)( أخرجه مسلم رقم )‪ ،(1718‬وأخرجه البخاري تعليقا ً في البيوع وموصول ً في الصلح‪ .‬انظر فتح‬
‫الباري )‪ ،(4/355‬وأخرجه أبو داود رقم )‪ ،(4606‬وابن ماجه رقم )‪.(14‬‬
‫)( انظر إعلم الموقعين )‪ ،(2/356‬والسنن الكبرى للبيهقي )‪ ،(2/483‬ومجموع الفتاوى )‬
‫‪.(23/264‬‬

‫فأقام المؤذن للصلة وقد صلى ركعة‪ ،‬قال‪ :‬فتركها‪ ،‬ثم تقدم فصلى‬
‫بنا()‪.(1‬‬

‫ولجل أن يدرك الفريضة من أولها بإدراك تكبيرة الحرام بعد‬
‫تكبير المام‪ ،‬كما ذكر النووي سابقًا‪ ،‬والرسول ‪ e‬يقول‪" :‬إذا كبر‬
‫فكبروا"‬

‫)‪(2‬‬

‫وهذه الجملة تدل على أن تكبير المأموم يقع عقب تكبير‬

‫المام فل يقارنه ول يتقدم عليه‪ ،‬بدليل رواية أبي داود‪" :‬ول تركعوا‬
‫حتى يركع‪ ،‬ول تسجدوا حتى يسجد"‪.‬‬
‫القول الثاني‪ :‬أنه ل يقطعها بل يتمها‪ .‬واستدل من قال بهذا‬
‫بعموم قوله تعالى‪[ :‬ول تبطلوا أعمالكم])‪.(3‬‬
‫ووجه الدللة‪ :‬أن قطع النافلة وعدم إتمامها إبطال للمؤدي‪ ،‬والية‬
‫تنهى عن إبطال العمال مطلقًا‪ ،‬فيدخل ذلك في عمومها‪ ،‬قال‬
‫الشوكاني في فتح القدير‪) :‬والظاهر النهي عن كل سبب من السباب‬
‫التي توصل إلى بطلن العمال كائنا ً ما كان‪ ،‬من غير تخصيص بنوع‬
‫معين()‪.(4‬‬
‫وأجابوا عن حديث أبي هريرة – المتقدم – بأن النهي متوجه إلى‬
‫الشروع في غير تلك المكتوبة‪ .‬وأما إتمام المشروعة قبل القامة‬
‫فضروري ل اختياري‪ ،‬فل يدخل في النهي المستفاد من الحديث‪ ،‬عمل ً‬
‫بعموم الية‪.‬‬
‫القول الثالث‪ :‬التفصيل‪ :‬وهو أنه إذا كان في الركعة الثانية فل‬
‫يقطعها بل يتمها خفيفة‪ ،‬وإن كان في الركعة الولى فإنه يقطعها؛‬
‫لقوله ‪" :e‬من أدرك ركعة من الصلة فقد أدرك الصلة")‪ .(5‬فمن صلى‬
‫ركعة قبل القامة فقد أدرك ركعة من الصلة سالمة من المعارض‬
‫الذي هو القامة‪ ،‬فيكون قد أدرك الصلة بإدراكه الركعة فيتمها خفيف‪،‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪91‬‬

‫)( المصنف لبن أبي شيبة )‪.(2/79‬‬
‫)( أخرجه البخاري برقم )‪ ،(371‬ومسلم برقم )‪ (411‬وهو من حديث أنس – رضي الله عنه –‬
‫وقد ورد اللفظ في حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – ورواه أبو داود )‪ (2/314‬من حديث أبي‬
‫هريرة‪.‬‬
‫)( سورة محمد‪ :‬الية ‪.33‬‬
‫)( فتح القدير )‪.(5/41‬‬
‫)( أخرجه البخاري )‪ (555‬ومسلم )‪ (607‬من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه ‪.-‬‬

‫ومن كان في الركعة الولى ولو في السجدة الثانية منها فإنه يقطعها؛‬
‫م له هذه الصلة‪ ،‬ولم تخلص له حيث لم يدرك منها ركعة قبل‬
‫لنه لم تت ّ‬
‫النهي عن النافلة)‪.(1‬‬

‫يقول العلمة المباركفوري في شرح المشكاة‪) :‬الراجح عندي‪:‬‬
‫أن يقطع عند القامة إن بقيت عليه ركعة‪ ،‬فإن أقل الصلة ركعة‪،‬‬
‫وقد قال النبي ‪" :e‬ل صلة بعد القامة إل المكتوبة" فل يجوز له أن‬
‫يصلي ركعة بعد القامة‪ ،‬وأما إذا أقيمت الصلة وهو في السجدة أو‬
‫التشهد فل بأس لو لم يقطعها؛ لنه ل يصدق عليه أنه صلى صلة‪،‬‬
‫أي‪ :‬ركعة بعد القامة ‪.(2)(. . .‬‬
‫وأما الية فيجاب عليها بثلثة أجوبة‪:‬‬
‫الول‪ :‬أنها عامة والحديث خاص‪ ،‬والخاص يقضي على العام‪،‬‬
‫ول يخالفه‪ ،‬كما في الصول‪ ،‬فيكون إبطال النافلة بإقامة الصلة‬
‫صصا ً من عموم الية بمقتضى الحديث‪.‬‬
‫مخ ّ‬
‫الثاني‪ :‬أن سياق الية‪[ :‬يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا‬
‫الرسول ول تبطلوا أعمالكم])‪ .(3‬يدل على – والله أعلم – على أن‬
‫البطال إنما يكون بمعصية الله تعالى أو معصية رسوله ‪e‬؛ لن الية‬
‫أمر بطاعة الله وطاعة الرسول ونهي عن المعصية المؤدية إلى‬
‫إبطال العمال‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬أن قطع النافلة إذا أقيمت الفريضة ل معصية فيه‪ ،‬بل‬
‫هو عين الطاعة للرسول ‪ e‬القائل‪" :‬إذا أقيمت الصلة فل صلة إل‬
‫المكتوبة"‪.‬‬
‫قال في المحلي‪) :‬فإن قيل‪ :‬قال الله تعالى‪[ :‬ول تبطلوا‬
‫أعمالكم]! قلنا‪ :‬نعم هذا حق وما هو أبطلها‪ ،‬ولو تعمد إبطالها لكان‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪92‬‬

‫)( الممتع )‪ ،(4/238‬مجموع فتاوى ابن عثيمين )‪.(15/99‬‬
‫)( المراعاة شرح المشكاة )‪.(2:71‬‬
‫)( سورة محمد‪ :‬الية ‪.33‬‬

‫مسيئًا‪ .‬ولكن الله عز وجل أبطلها عليه‪ ،‬كما تبطل بالحدث‪ ،‬وبمرور‬
‫ما يبطل الصلة مروره‪ ،‬ونحو ذلك()‪.(1‬‬
‫وعلى القول بأنه يقطعها فإنه ل يحتاج إلى تسليم – على أرجح‬
‫القوال – بل يخرج منها ويلحق بالفريضة التي أقيمت؛ وذلك لمرين‪:‬‬
‫الول‪ :‬أن التسليم خاص بالصالة الكاملة؛ لحديث علي – رضي‬
‫الله عنه – قال‪ :‬قال رسول الله ‪" :e‬مفتاح الصلة الطهور‪ ،‬وتحريمها‬
‫التكبير‪ ،‬وتحليلها التسليم")‪.(2‬‬
‫الثاني‪ :‬قوله ‪" :e‬إذا أحدث أحدكم في صلته فيأخذ بأنفه ثم‬
‫لينصرف"‬

‫)‪(3‬‬

‫فأمره بالنصراف ولم يأمره بالسلم لوجود هذا العارض‬

‫الذي قطع صلته‪ ،‬وإقامة الفريضة عارض تقطع النافلة لجله‪ ،‬فلم‬
‫تحصل النافلة الكاملة التي ل يكون الخروج منها إل التسليم‪ .‬والله‬
‫أعلم‪.‬‬
‫المسألة الرابعة‪ :‬تحية المسجد الحرام‬
‫اعلم أن داخل المسجد الحرام له حالتان‪:‬‬
‫الولى‪ :‬أن يريد الطواف‪ ،‬فهذا تحيته الطواف‪ ،‬سواء كان لحج أو‬
‫عمرة‪ ،‬أو كان الطواف تطوعا ً أو غير ذلك‪ ،‬فيبدأ بالطواف ثم يصلي‬
‫ركعتي الطواف خلف المقام فل يجلس – إن أراد الجلوس – إل وقد‬
‫صلى‪ .‬فحصلت التحية ضمنًا؛ لن المقصود افتتاح محل العبادة بعبادة‪،‬‬
‫صل هذا المقصود)‪.(4‬‬
‫وعبادة الطواف تح ّ‬
‫هذه هي السنة في حقه‪ ،‬وأما كونه يصلي ركعتين تحية المسجد‬
‫ثم يبدأ بالطواف فهذا خلف السنة؛ فإنه ‪ e‬لما دخل المسجد بدأ‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪3‬‬

‫‪4‬‬

‫‪93‬‬

‫)( المحلى )‪.(3/112‬‬
‫)( أخرجه أبو داود )‪ (61‬والترمذي )‪ (3‬وابن ماجه )‪ (275‬وقال الترمذي‪" :‬هذا الحديث أصح شيء‬
‫في هذا الباب وأحسن"‪ .‬وقال النووي‪ :‬حديث حسن‪ ،‬والحديث له شواهد يرقى بها إلى درجة‬
‫الصحة‪ .‬انظر‪ :‬نصب الراية )‪.(1/308‬‬
‫)( أخرجه أبو داود )‪ (1114‬وابن ماجه )‪ (122‬والدارقطني )‪ (1/157‬وابن حبان )‪ ،(6/11‬وابن‬
‫خزيمة )‪ ،(1018‬والحاكم )‪ (1/184‬وصححه على شرطهما‪ ،‬ووافقه الذهبي‪ .‬والحديث له طرق‪،‬‬
‫وقد اختلف في وصله وإرساله‪ .‬فانظر السنن الكبرى للبيهقي )‪ ،(2/254‬وانظر معناه في‬
‫"معالم السنن" )‪.(1/248‬‬
‫)( انظر إحكام الحكام بحاشية الصنعاني )‪ ،(2/474‬والقواعد النورانية )ص ‪.(101‬‬

‫بالطواف‪ ،‬كما في حديث جابر وغيره)‪ .(1‬وبعض الناس ل يعرف هذا‪،‬‬
‫فتراه يصلي ركعتين ثم يذهب إلى المطاف لداء نسكه‪.‬‬
‫أما لو أراد الجلوس قبل الطواف وأراد تأخيره لعذر‪ ،‬كانتظار‬
‫رفقة أو لستراحة فهذا يشرع له أن يصلي تحية المسجد ركعتين؛‬
‫لعموم حديث أبي قتادة‪" :‬فل يجلس حتى يصلي ركعتين"‪.‬‬
‫الحالة الثانية‪ :‬أن يريد الجلوس لنتظار صلة أو قراءة أو ذكر‬
‫ونحو ذلك فهذا يشرع في حقه أن يصلي التحية؛ لعموم الدلة الواردة‬
‫في الصلة قبل الجلوس‪ ،‬فإنها تشمل المسجد الحرام بل ريب‪.‬‬
‫ول يقال‪ :‬عن تحية المسجد الحرام هي الطواف؛ لمرين‪:‬‬
‫الول‪ :‬أن ما اشتهر على اللسنة من أن تحية المسجد الحرام‬
‫الطواف ل أصل له‪ .‬قال الحافظ ابن حجر رحمه الله‪) :‬حديث "من أتى‬
‫البيت فليحيه بالطواف" لم أجده()‪.(2‬‬
‫وقال القاري في الموضوعات الكبرى‪) :‬حديث "تحية البيت‬
‫الطواف"‪ .‬قال السخاوي‪ :‬لم أره بهذا اللفظ‪ .‬قلت‪ :‬المراد بالبيت هو‬
‫الكعبة‪ ،‬وهو بيت الله الحرام‪ ،‬ومعناه صحيح‪ ،‬كما في الصحيح عن‬
‫عائشة‪" :‬أول شيء بدأ به النبي ‪ e‬حين قدم مكة أنه توضأ ثم طاف ‪. .‬‬
‫" الحديث‪ .‬وذلك لن كل من يدخل المسجد الحرام يسن له أن يبدأ‬
‫بالطواف فرضا ً أو نف ً‬
‫ل‪ ،‬ول يأتي بصلة تحية المسجد إل إذا لم يكن في‬
‫نيته أن يطوف لعذر أو غيره‪.‬‬
‫وليس معناه أن تحية المسجد ساقطة عن هذا المسجد‪ ،‬كما‬
‫توهم بعضهم من مفهوم هذه العبارة الصادرة عن الفقهاء وغيرهم(‪.‬‬
‫أهف)‪.(3‬‬
‫المر الثاني‪ :‬أن في ذلك حرجا ً عظيما ً ل تأتي الشريعة‬
‫السلمية بمثله‪ ،‬فلو كان الداخل للمسجد الحرام ل يجلس حتى يطوف‬
‫لوقع الناس في مشقة‪ ،‬ل سيما مع تكرر دخول المسجد الحرام لصلة‬
‫وغيرها‪ .‬وكيف يكون الحال أوقات المواسم كالحج أو رمضان وغيرها‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪94‬‬

‫)( انظر فتح الباري )‪.(2/412‬‬
‫)( الدارية )‪ ،(2/17‬وانظر نصب الراية )‪.(3/51‬‬
‫)( الموضوعات الكبرى )ص ‪ ،(156‬وانظر السلسلة الضعيفة لللباني )‪.(3/73‬‬

‫من الوقات التي يزدحم فيها المسجد الحرام بالمعتمرين والحجاج‬
‫والمصلين‪ .‬فالحمد لله على تيسيره‪.‬‬
‫المسألة الخامسة‪ :‬سقوط تحية المسجد‬
‫تسقط تحية المسجد في صور عديدة أهمها ما يلي‪:‬‬
‫‪(1‬‬

‫إذا تكرر دخول النسان المسجد عدة مرات متوالية‪ ،‬فمن أهل‬
‫العلم من قال‪ :‬يكفيه ركعتان‪ ،‬وهو قول الحنفية)‪ ،(1‬ونقله‬
‫المرداوي عن ابن عقيل الحنبلي‪ ،‬وعلل ذلك بالمشقة لو صلى‬
‫لكل مرة)‪.(2‬‬
‫وقال الكثرون‪ :‬تستحب التحية لكل مرة‪ ،‬قال النووي‪ :‬وهو‬
‫القوى والقرب على ظاهر الحديث‪ .‬أهف)‪ .(3‬ورجحه الشيخ عبد‬
‫الرحمن السعدي)‪.(4‬‬
‫والظهر أنه يكفيه ركعتان؛ لن من خرج من المسجد وعاد‬
‫إليه عن قرب لم يخرج خروجا ً منقطعًا‪ ،‬فل يعد خروجًا‪ ،‬بدليل‬
‫أن مثل ذلك ل يقطع اعتكاف المعتكف‪ ،‬أما من خرج خروجا ً‬
‫منقطعا ً ولم ينو الرجوع فهذا تشرع له التحية مرة أخرى إن‬
‫رجع‪ .‬والله أعلم)‪.(5‬‬

‫‪(2‬‬

‫إذا دخل المسجد وجلس قبل التحية‪ ،‬فإن لم يطل الفصل قام‬
‫وصلى‪ ،‬على الظهر من قولي أهل العلم)‪ ،(6‬ويدل لذلك حديث‬
‫جابر – رضي الله عنه – قال‪ :‬بينما النبي ‪ e‬يخطب يوم الجمعة‬
‫إذ جاء رجل فقال النبي ‪" :e‬أصليت يا فلن؟" قال‪ :‬ل‪ .‬قال‪:‬‬
‫"قم فص ّ‬
‫ل ركعتين")‪.(7‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫‪95‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫حاشية ابن عابدين )‪.(2/460‬‬
‫تصحيح الفروع مع الفروع )‪.(1/502‬‬
‫المجموع )‪.(4/52‬‬
‫الفتاوى السعدية ص )‪.(161‬‬
‫فتاوى ابن عثيمين )‪.(4/353‬‬
‫أحكام المساجد )‪.(2/188‬‬
‫تقدم تخريجه‪.‬‬

‫قال النووي‪) :‬الذي يقتضيه هذا الحديث أنه إذا ترك التحية‬
‫جهل ً بها أو سهوا ً يشرع له فعلها ما لم يطل الفصل‪ ،‬وهذا هو‬
‫المختار()‪.(1‬‬
‫أما إذا جلس وطال الفصل فمن أهل العلم من قال‪ :‬إنه‬
‫فات محلها‪ ،‬وقال آخرون‪ :‬بل يقوم ويصلي ولو طال الفصل؛‬
‫لن الرسول ‪ e‬سليكا ً – كما تقدم – بتحية المسجد بعد جلوسه‪،‬‬
‫ول تحديد لهذا الفصل‪ ،‬فل يتركها الداخل حتى ولو جلس فإنه‬
‫يصليها)‪.(2‬‬
‫والقول بأنه إذا طال الفصل ل يصليها ل يخلو من وجاهة‪،‬‬
‫ونقل الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" عن المحب الطبري‬
‫أنه قال‪) :‬يحتمل أن يقال‪ :‬وقتهما قبل الجلوس وقت فضيلة‪،‬‬
‫وبعده وقت جواز‪ ،‬أو يقال وقتهما قبله أداء وبعده قضاء‪،‬‬
‫ويحتمل أن تحمل مشروعيتهما بعد الجلوس على ما إذا لم‬
‫يطل الفصل()‪.(3‬‬
‫‪(3‬‬

‫إذا دخل المسجد وقد أقيمت الفريضة – كما تقدم – أو صلة‬
‫نفل كالتراويح‪ ،‬أو صلى مقضية سقطت عنه تحية المسجد؛‬
‫لقوله ‪" :e‬إذا أقيمت الصلة فل صلة إل المكتوبة")‪.(4‬‬
‫لن المقصود من تحية المسجد هو تعظيم المسجد بأي صلة‬
‫كانت وشغل بقعة المسجد بصلة‪ ،‬فقامت الفريضة أو النافلة‬
‫أو المقضية ونحوها مقام التحية‪ ،‬فلم تبق التحية مطلوبة)‪.(5‬‬

‫‪(4‬‬

‫إذا دخل والخطيب يوشك أن ينهي خطبة الجمعة فإنه يقف إلى‬
‫قيام الصلة‪ ،‬لكراهة الجلوس قبل التحية‪ ،‬ول صليها؛ لنه مأمور‬
‫بصلتها حيث يمكنه ذلك‪ ،‬وفي هذه الحال ل يمكنه أن يصلي‪،‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪96‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫المجموع )‪.(4/53‬‬
‫المغني )‪ ،(2/554‬أحكام المساجد )‪.(2/188‬‬
‫فتح الباري )‪ ،(1/538‬كشاف القناع )‪.(2/46‬‬
‫تقدم تخريجه‪.‬‬
‫فتح الباري )‪.(1/14‬‬

‫فتسقط عنه‪ ،‬وكذا لو خشي فوات تكبيرة الحرام‪ ،‬أو الفاتحة‪،‬‬
‫أو الركعة الولى سقطت عنه تحية المسجد)‪.(6‬‬
‫‪ (5‬إذا دخل المسجد الحرام وهو يريد الطواف سقطت عنه‬
‫التحية‪ .‬وقد مضى الكلم على هذه الصورة‪ .‬والله أعلم‪.‬‬

‫‪6‬‬

‫‪97‬‬

‫)( انظر‪ :‬الم )‪.(1/227‬‬

‫الحكم السابع‬
‫الصلة إلى سترة‬
‫ومما ينبغي أن يحرص عليه المصلي بعد دخول المسجد أن يصلي‬
‫النافلة إلى سترة‪ ،‬وأن يدنو منها‪ ،‬وهي مشروعية في حق المام‬
‫والمنفرد‪ ،‬وكذا المسبوق إذا قام لقضاء ما فاته إن أمكن‪ ،‬حتى ولو كان‬
‫المصلي في مكان ل يخشى فيه مارًا؛ لعموم الدلة لكل مص ّ‬
‫ل؛ ولنه‬
‫قد يكون المار من الجنس الذي ل يراه النسي‪ ،‬وهو الشيطان‪ ،‬كما‬
‫في حديث سهل التي – إن شاء الله ‪.-‬‬
‫ول فرق في مشروعية اتخاذ السترة بين الرجال والنساء‪ ،‬على‬
‫أن التساهل فيها موجود‪ ،‬فمن المتنفلين من ل يصلي إلى سترة‪ ،‬بل‬
‫يصلي وسط المسجد‪ ،‬أو في مؤخره بل سترة‪ ،‬وهذا من الجهل وعدم‬
‫الفقه في الدين‪ .‬والنساء يتساهلن في السترة‪ ،‬فل تكاد تجد امرأة‬
‫تصلي في بيتها إلى سترة إل القليل النادر)‪.(1‬‬
‫وقد دلت السنة القولية والفعلية على تأكيد اتخاذ السترة‪ ،‬وقد‬
‫واظب عليها النبي ‪ e‬ولم يتركها حضرا ً ول سفرًا‪ ،‬وأمر بها في عدة‬
‫أحاديث‪ ،‬حتى ذهب فريق من أهل العلم إلى وجوبها‪ ،‬وهو مروي عن‬
‫المام أحمد رحمه الله‪ ،‬وبه قال ابن خزيمة وبدر الدين العيني‬
‫والشوكاني وغيرهم‪ ،‬رحم الله الجميع‪،‬وهذا قول قوي وإن كان‬
‫الجمهور قالوا بالسنية‪ ،‬فإن المر باتخاذ السترة أمر مطلق ل قرينة‬
‫معه تصرفه عن الوجوب‪ ،‬فيكون مقتضيا ً له‪ ،‬وإليك بعضا ً من هذه‬
‫النصوص‪:‬‬
‫عن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – قال‪ :‬قال رسول الله‬
‫‪" :e‬إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة‪ ،‬وليدن منها‪ ،‬ول يدع أحدا ً يمر‬
‫بينه وبينها‪ ،‬فإذا جاء أحد يمر فيقاتله؛ فإنه شيطان)‪.(2‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪98‬‬

‫)( انظر‪ :‬عمدة القاري )‪ ،(4/123‬ونيل الوطار )‪.(3/3‬‬
‫)( أخرجه أبو داود )‪ ،(2/390‬وابن ماجه )‪ ،(1/307‬والبيهقي )‪ ،(2/267‬وقد صححه ابن خزيمة )‬
‫‪ ،(2/27‬واللباني في "صحيح الجامع" )‪(654،664‬‬

‫قال الشوكاني‪) :‬فيه أن اتخاذ السترة واجب()‪.(1‬‬
‫وعن سهل بن أبي حثمة – رضي الله عنه – قال‪ :‬قال رسول الله‬
‫‪" :e‬إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة‪ ،‬وليدن منها‪ ،‬ل يقطع الشيطان‬
‫عليه صلته")‪.(2‬‬
‫وعن سبرة بن معبد الجهني – رضي الله عنه – قال‪ :‬قال رسول‬
‫الله ‪" :e‬إذا صلى أحدكم فليستتر لصلته ولو بسهم")‪.(3‬‬
‫وي‪ ،‬في طرفه نصل يرمى به عن‬
‫والسهم‪ :‬عود من الخشب يس ّ‬
‫القوس‪ ،‬ويبلغ طوله فترا ً تقريبًا‪ ،‬والفتر‪ :‬بالكسر‪ ،‬ما بين طرف البهام‬
‫وطرف السبابة بالتفريج المعتاد)‪ ،(4‬ويقدر بحوالي ستة عشر سنتًا‪.‬‬
‫وعن ابن عمر – رضي الله عنهما ‪ :-‬أن رسول الله ‪ e‬كان إذا‬
‫خرج يوم العيد أمر بالحربة فتوضع بين يديه‪ ،‬فيصلي إليها والناس‬
‫م اتخذها المراء)‪.(5‬‬
‫وراءه‪ ،‬وكان يفعل ذلك في سفره‪ ،‬فمن ث ّ‬
‫والحربة‪ :‬آلة قصيرة من الحديد‪ ،‬محددة الرأس‪ ،‬تستعمل في‬
‫الحرب)‪.(6‬‬
‫وعن عون بن أبي جحيفة قال‪ :‬سمعت أبي‪ :‬أن النبي ‪ e‬صلى‬
‫بالبطحاء وبين يديه عنفزلة الظهر ركعتين‪ ،‬والعصر ركعتين‪ ،‬يمر بين‬
‫يديه المرأة والحمار‪ ،‬وفي رواية‪ :‬يمر من ورائها المرأة والحمار‬
‫والكلب)‪.(7‬‬

‫والعنفزة‪ :‬أطول من العصا‪ ،‬وأقصر من الرمح‪ ،‬في أسفلها زج‬
‫كزج الرمح‪ ،‬يتوكأ عليها الشيخ الكبير)‪.(8‬‬
‫وعن أبي ذر – رضي الله عنه – قال‪ :‬قال رسول الله ‪" :e‬إذا قام‬
‫أحدكم يصلي فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل‪ ،‬فإذا لم‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬

‫‪99‬‬

‫)( نيل الوطار )‪ ،(3/2‬وانظر السيل الجرار للشوكاني )‪.(1/176‬‬
‫)( أخرجه أبو داود )‪ ،(2/388‬وصححه بن خزيمة )‪ ،(2/27‬والنووي في المجموع )‪.(3/8‬‬
‫)( أخرجه أحمد )‪ ،(3/404‬والطبراني في الكبير )‪ ،(7/114‬وابن خزيمة )‪ (2/13‬وإسناده حسن‪.‬‬
‫)( لسان العرب )‪ ،(5/44) (12/308‬والمعجم الوسيط )‪ ،(1/459‬وانظر‪" :‬الحرف والصناعات‬
‫في الحجاز" ص)‪.(212‬‬
‫)( أخرجه البخاري )‪ ،(1/573‬ومسلم )‪.(4/464‬‬
‫)( المعجم الوسيط )‪ ،(1/164‬وانظر‪" :‬الحرف والصناعات في الحجاز" ص)‪.(218‬‬
‫)( أخرجه البخاري )‪ ،(1/573‬ومسلم )‪.(4/464‬‬
‫)( المعجم الوسيط )‪.(2/631‬‬

‫يكن بين يديه مثل آخرة الرحل فإنه يقطع صلته الحمار والمرأة‬
‫والكلب السود")‪.(1‬‬
‫قال النووي‪) :‬آخرة الرحل‪ :‬بهمزة ممدودة‪ ،‬وكسر الخاء‪ ،‬وهي‬
‫العود الذي في آخر الرحل(‪.‬أهف)‪.(2‬‬
‫والرحل‪ :‬هو المعروف عند أهل البل بالشداد‪ ،‬وهو المركب المعد‬
‫للراكب‪ ،‬يكون من الخشب‪ ،‬وفي آخره خشبة يستند إليها الراكب‪.‬‬
‫فهذه النصوص دليل صريح على مشروعية اتخاذ السترة عند‬
‫الصلة‪ ،‬سواء كان ذلك في المسجد‪ ،‬أو المنفزل‪ ،‬أو في الصحراء‪.‬‬
‫ولقد امتثل السلف الصالح مدلول هذه النصوص‪ ،‬وثبت من‬
‫أقوالهم وأفعالهم ما يدل على ذلك‪.‬‬
‫فعن أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال‪ :‬لقد رأيت أصحاب‬
‫النبي ‪ e‬يبتدرون السواري عند المغرب حتى يخرج النبي ‪.e‬‬
‫وفي رواية‪ :‬وهم كذلك يصلون الركعتين قبل المغرب)‪.(3‬‬
‫وعن قّرة بن إياس قال‪ :‬رآني عمر وأنا أصلي بين أسطوانتين –‬
‫أي‪ :‬عمودين – فأخذ بقفائي فأدناني إلى سترة‪ ،‬فقال‪ :‬صل إليها)‪.(4‬‬
‫قال الحافظ ابن حجر‪) :‬أراد عمر بذلك أن تكون صلته على‬
‫سترة()‪.(5‬‬
‫وقال عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه ‪) :-‬أربع من الجفاء‪:‬‬
‫أن يصلي الرجل إلى غير سترة‪ ،‬وأن يسمح جبهته قبل أن ينصرف‪ ،‬أو‬
‫يبول قائمًا‪ ،‬أو يسمع المنادي ثم ل يجيبه()‪.(6‬‬
‫والحكمة من المر باتخاذ السترة دفع الضرر عن الصلة الذي‬
‫سببه مرور الشيطان أمام المصلي‪ ،‬وهذا ما يفهم من قوله ‪ e‬في‬
‫حديث سهل المتقدم‪" :‬فليصل إلى سترة‪ ،‬وليدن منها‪ ،‬ل يقطع‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫‪100‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫أخرجه مسلم ‪.(04/473‬‬
‫شرح النووي على مسلم )‪.(4/462‬‬
‫أخرجه البخاري )‪.(2/106) ،(1/577‬‬
‫رواه البخاري تعليقا ً )‪ (1/577‬بصيغة الجزم‪ ،‬ووصله ابن أبي شيبة )‪ (2/370‬وهو أثر حسن‪.‬‬
‫فتح الباري )‪.(1/57‬‬
‫أخرجه ابن أبي شيبة )‪ (2/61‬وسنده حسن‪.‬‬

‫الشيطان عليه صلته")‪ .(1‬قال السندي‪) :‬هذه جملة مستأنفة بمنفزلة‬
‫التعليل‪ ،‬أي‪ :‬لئل يقطع الشيطان عليه صلته()‪.(2‬‬
‫وعن ابن عمر – رضي الله عنهما – أن رسول الله ‪ e‬قال‪" :‬إذ‬
‫كان أحدكم يصلي فل يدع أحدا ً يمر بين يديه‪ ،‬فإن أبى فليقاتله؛ فإن‬
‫معه القرين")‪.(3‬‬
‫والشيطان يطلق حقيقة على الجن‪ ،‬ويطلق على النس أيضًا‪.‬‬
‫قال العيني‪) :‬وقد يكون أراد بالشيطان المار بين يديه‪ :‬نفسه‪ ،‬وذلك أن‬
‫الشيطان هو المارد الخبيث من الجن والنس()‪.(4‬‬
‫ف البصر عما وراءها‪،‬‬
‫وقال بعض العلماء‪ :‬الحكمة في السترة ك ّ‬
‫ومنع من يجتاز بقربه‪ ،‬وهذا أمر محسوس؛ فإن من يصلي إلى سترة‬
‫أجمع لقلبه وأقرب لخشوعه وأغض لبصره‪ ،‬ل سيما إذا كانت سترة‬
‫شاخصة كجدار أو سارية؛ والله المستعان‪.‬‬
‫وتحصل السترة بكل ما يجعله المصلي تجاه القبلة كالسارية‪،‬‬
‫والجدار ولو قصيرًا‪ ،‬والراحلة‪ ،‬والسيارة‪ ،‬والشجرة‪ ،‬والسرير‪ ،‬واللبنة‪،‬‬
‫والمخدة‪ ،‬والعصا والحجر‪ ،‬وغير ذلك)‪.(5‬‬
‫وأجاز بعض العلماء فرش السجادة واعتبار نهايتها سترة له‪ .‬قال‬
‫في سبل السلم‪) :‬وقاس الشافعية على ذلك – أي وضع الخط – بسط‬
‫المصلي لنحو سجادة‪ ،‬بجامع إشعار المار أنه في الصلة‪ ،‬وهو صحيح(‬
‫)‪.(6‬‬
‫ول تحديد لعرض السترة؛ فإن الرسول ‪ e‬صلى إلى العنفزة )وهي‬
‫عصا في أسفلها حديدة(‪ ،‬وصلى على الرمح ونحوهما‪ ،‬وفي حديث‬
‫سبرة المتقدم‪" :‬ولو بسهم"‪.‬‬
‫وأما ارتفاعها فتقدم في حديث أبي ذر – رضي الله عنه – أنها‬
‫مثل آخر الرحل‪ ،‬والمراد بذلك‪ :‬الخشبة التي يستند إليها الراكب‪ ،‬كما‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫‪101‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫انظر‪ :‬إتحاف الخوة بأحكام الصلة إلى السترة )ص ‪.(128‬‬
‫حاشية السندي على سنن النسائي )‪.(2/62‬‬
‫أخرجه مسلم )‪.(4/470‬‬
‫عمدة القاري ‪.(04/122‬‬
‫شرح النووي على مسلم )‪.(4/463‬‬
‫المجموع )‪ ،(3/248‬سبل السلم )‪.(1/284‬‬

‫مضى‪ ،‬ومقدارها ذراع‪ ،‬كما صرح به عطاء‪ ،‬وأفتى به الثوري‪ ،‬قال ابن‬
‫جريج‪ :‬قال عطاء‪ :‬كان من مضى يجعلون مؤخرة الرحل إذا صلوا‪،‬‬
‫قلت‪ :‬وكم بلغك قدر مؤخرة الرحل؟ قال‪ :‬ذراع‪ ،‬قال‪ :‬سمعت الثوري‬
‫يفتي بقول عطاء)‪ ،(1‬وذكر النووي أنها ثلثا ذراع)‪ ،(2‬والظاهر أن طولها‬
‫يختلف‪ ،‬والله أعلم‪.‬‬
‫وأعلم أن ظاهر النصوص يدل على أن المصلي يجعل السترة‬
‫قبالة وجهه ول ينحرف عنها‪ ،‬فإن قول الراوي‪ :‬صلى رسول الله ‪ e‬إلى‬
‫الحربة‪ .‬وقوله‪ :‬بين يديه عنفزة‪ ،‬ونحوهما يدل على مقابلة السترة‬
‫وعدم النحراف‪ .‬قال ابن عبد البر‪) :‬وأما استقبال السترة والصمد لها‬
‫فل تحديد في ذلك عند العلماء‪،‬وحسب المصلي أن تكون سترته قبالة‬
‫وجهه(‪ .‬أهف)‪.(3‬‬
‫وأما حديث ضباعة بنت المقداد بن السود عن أبيها قالت‪) :‬ما‬
‫رأيت رسول الله ‪ e‬صلى على عمود ول عود ول شجرة إل جعله على‬
‫حاجبه اليمن أو اليسر ول يصمد له صمدًا(؛ فهو حديث ضعيف‪ ،‬كما‬
‫حققه ابن القيم وغيره من أهل العلم)‪.(4‬‬
‫وقد دلت الحاديث المتقدمة على وجوب الدنو من السترة على‬
‫ما ذهب إليه فريق من أهل العلم لمرين‪:‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫‪102‬‬

‫)( أخرجه عبد الرازق في المصنف )‪ ،(2/9‬ورواه أبو داود عن عطاء )‪ (2/481‬وهو أثر صحيح‪.‬‬
‫)( شرح النووي على مسلم )‪.(4/463‬‬
‫)( التمهيد )‪.(4/197‬‬
‫)( أخرجه أبو داود )‪ ،(693‬وأحمد )‪ (6/4‬وغيرهما من طريق على بن عياش ثنا أبو عبيدة الوليد‬
‫ابن كامل البجلي‪ ،‬حدثني المهلب بن حجر البهراني عن ضباعة ‪ . .‬به‪ .‬وهذا إسناد ضعيف‪ ،‬تفرد به‬
‫الوليد بن كامل‪ ،‬كما قاله البيهقي )‪ (2/279‬وعلته ثلثة أمور‪:‬‬
‫‪ (1‬جهالة الوليد بن كامل‪ ،‬قال ابن القطان في "بيان الوهم والبهام" )‪" :(3/352‬الوليد‬
‫بن كامل من الشيوخ الذين لم تثبت عدالتهم‪ ،‬ول لهم من الرواية كبير شيء يستدل به‬
‫على حالهم"‪.‬‬
‫ص عليه الحافظ ابن حجر وغيره‪ ،‬ففي رواية على بن‬
‫‪ (2‬اضطراب الوليد فيه‪ ،‬كما ن ّ‬
‫ل‪ ،‬وفي رواية بقية جعله قو ً‬
‫عياش – هذه – جعله فع ً‬
‫ل‪ .‬كما عند النسائي – على ما قاله‬
‫ابن القيم في "تهذيب السنن" )‪ – (1/341‬كما أنه تارة يقول‪ :‬ضباعة بنت المقداد‪،‬‬
‫وتارة‪ :‬ضبيعة بنت المقدام‪.‬‬
‫ً‬
‫‪ (3‬جهالة ضباعة والمهلب‪ .‬ذكر ذلك ابن القطان – أيضا – )‪ (2/352‬ولهذا ضعفه‬
‫المحققون من أهل العلم أمثال‪ :‬البيهقي وعبد الحق وابن القطان والنووي والمنذري‬
‫وغيرهم‪ .‬والله أعلم‪ .‬انظر تهذيب السنن )‪ ،(1/341‬ونصب الراية )‪ ،(2/83‬وإتحاف‬
‫الخوة ص)‪.(131‬‬

‫الول‪ :‬أن الرسول ‪ e‬أمر بذلك‪ ،‬والمر عند الطلق يقتضي‬
‫الوجوب‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬التعليل بقوله‪" :‬وليدن منها‪،‬ل يقطع الشيطان عليه‬
‫صلته")‪.(1‬‬
‫وأما مقدار ذلك فقد دل عليه حديث سهل بن سعد الساعدي –‬
‫رضي الله عنه – قال‪ :‬كان بين مصلى رسول الله ‪ e‬وبين الجدار ممر‬
‫شاة)‪.(2‬‬
‫والمراد بالمصّلى‪ :‬مكان الصلة‪ ،‬وهو ما يصلي فيه النسان من‬
‫موضع القدمين والجبهة في السجود‪ ،‬فتكون المسافة بين موضع‬
‫سجوده وبين سترته قدر ممر شاة‪ ،‬وهو نصف ذراع تقريبًا‪ ،‬أو ثلثة‬
‫أذرع تقريبا ً من موضع القدمين على السترة)‪،(3‬كما ورد في حديث بلل‬
‫– رضي الله عنه ‪ :-‬أنه ‪ e‬صلى في الكعبة‪ ،‬وبينه وبين الجدار ثلثة‬
‫أذرع)‪.(4‬‬
‫يقول البغوي رحمه الله‪) :‬والعمل على هذا عند أهل العلم؛‬
‫استحبوا الدنو من السترة‪ ،‬بحيث يكون بينه وبينها قدر إمكان السجود‪،‬‬
‫وكذلك بين الصفين()‪ ،(5‬وعلى هذا فينبغي قرب الصف الول من‬
‫المام؛ لن سترة المام سترة لمن خلفه‪ .‬والله أعلم‪.‬‬
‫السترة في المسجد الحرام‪:‬‬
‫اعلم أن النصوص الدالة على مشروعية السترة في الصلة‪،‬‬
‫وتحريم المرور بين يدي المصلي‪ ،‬ووجوب رد المار تشمل المسجد‬
‫الحرام‪ ،‬فإنها أدلة عامة ل مخصص لها‪ ،‬بل قد ورد في اتخاذ السترة‬
‫بمكة عموما ً وفي المسجد الحرام خصوصا ً أدلة صريحة تؤيد ذلك‪.‬‬
‫فمنها حديث أبي جحيفة – رضي الله عنه – قال‪ :‬خرج رسول الله‬
‫‪ e‬بالهاجرة فصلى بالبطحاء الظهر والعصر ركعتين‪،‬ونصب بين يديه‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫‪5‬‬

‫‪103‬‬

‫)( انظر‪ :‬المحلى )‪ ،(4/261‬فتح الباري )‪ ،(1/575‬شرح ثلثيات مسند أحمد )‪.(2/786‬‬
‫)( رواه البخاري )‪ ،(1/574‬ومسلم )‪.(4/472‬‬
‫)( انظر فتح الباري )‪.(575 -1/574‬‬
‫)( أخرجه أحمد )‪ ،(2/113‬والنسائي )‪ ،(2/63‬وأبو داود )‪ ،(2024‬وإسناده صحيح على شرط‬
‫البخاري ومسلم‪.‬‬
‫)( شرح السنة )‪.(2/447‬‬

‫عنفزة ‪ . .‬الحديث)‪ .(1‬وقد بوب عليه البخاري رحمه الله فقال‪) :‬باب‬
‫السترة بمكة وغيرها(‪.‬‬
‫قال ابن حجر في فتح الباري‪) :‬فأراد البخاري التنبيه على ضعف‬
‫الحديث – أي حديث المطلب التي – وأنه ل فرق بين مكة وغيرها في‬
‫مشروعية السترة( قال‪) :‬وهذا هو المعروف عند الشافعية وأنه ل فرق‬
‫في منع المرور بين يدي المصلي بين مكة وغيرها()‪.(2‬‬
‫وعن جابر – رضي الله عنه – في حديثه الطويل في صفة حج‬
‫النبي ‪ e‬قال‪ :‬ثم نفذ إلى مقام إبراهيم – عليه السلم – فقرأ‪[ :‬واتخذوا‬
‫)‪(3‬‬

‫من مقام إبراهيم مصلى]‬

‫فجعل المقام بينه وبين البيت‪ .‬فذكر صلته‬

‫ركعتين)‪.(4‬‬
‫وعن يحيى بن أبي كثير قال‪ :‬رأيت أنس بن مالك في المسجد‬
‫الحرام قد نصب عصا يصلي إليها)‪.(5‬‬
‫وعن صالح بن كيسان قال‪ :‬رأيت ابن عمر يصلي في الكعبة‪ ،‬ول‬
‫يدع أحدا ً يمر بين يديه)‪.(6‬‬
‫فهذه نصوص صحيحة صريحة في أن اتخاذ السترة في المسجد‬
‫الحرام ومكة عموما ً مشروع‪ .‬وعلى هذا فل يجوز المرور بين يدي‬
‫المصلي عامة‪ ،‬ول أعلم دليل ً يستثني المسجد الحرام‪ ،‬والوعيد في‬
‫الحاديث عام يستحقه كل من يمر بين مص ّ‬
‫ل في أي مكان‪.‬‬
‫وأما ما ورد عن المطلب بن أبي وداعة قال‪ :‬رأيت رسول الله ‪e‬‬
‫طاف بالبيت سبعًا‪ ،‬ثم صلى ركعتين بحذائه في حاشية المقام‪ ،‬وليس‬
‫واف أحد)‪ ،(7‬وفي رواية‪) :‬وليس بينه وبين الطواف‬
‫بينه وبين الط ّ‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫‪7‬‬

‫‪104‬‬

‫)( أخرجه البخاري رقم )‪ ،(479‬ومسلم رقم ‪.(0503‬‬
‫)( فتح الباري )‪.(1/576‬‬
‫)( سورة البقرة‪ :‬الية ‪.125‬‬
‫)( أخرجه مسلم رقم )‪.(1218‬‬
‫)( أخرجه ابن أبي شيبة ‪.(01/277‬‬
‫)( أخرجه البخاري معلقا ً مختصرًا‪ ،‬وانظر فتح الباري )‪ ،(1/581‬وتغليق التعليق )‪،(2/247‬‬

‫وانظر في هذا الثر وما قبله )حجة النبي ‪ (e‬لللباني )ص ‪ ،(24‬ط الثالثة‪.‬‬
‫)( أخرجه أحمد )‪ ،(6/399‬وأبو داود رقم )‪ ،(2016‬وابن ماجه )‪ ،(2/986‬والنسائي )‪،2/67‬‬
‫‪ ((5/235‬واللفظ له‪.‬‬

‫سترة(‪،‬فهذا قد استدل به من قال‪ :‬ل سترة في المسجد الحرام‪ .‬ولكن‬
‫هذا الستدلل غير ناهض؛ لوجوه منها‪:‬‬
‫الول‪ :‬أن الحديث ضعيف؛ لنه من رواية كثير بن كثير بن‬
‫المطلب بن أبي وداعة عن بعض أهله عن جده‪ ،‬وفيه علة أخرى‪ ،‬وهي‬
‫الختلف في إسناده)‪.(1‬‬
‫الثاني‪ :‬أنه فعل‪ ،‬وأحاديث المر بالسترة قول‪ ،‬وقد تقرر في‬
‫الصول أن فعله ‪ e‬ل يعارض القول الخاص بالمة‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬أنه معارض بما هو أقوى منه‪ ،‬وهو ملزمة الرسول ‪e‬‬
‫اتخاذ السترة سفرا ً وحضرا ً الثابت بالحاديث الصحيحة‪ .‬وكذلك أمره ‪e‬‬
‫بالسترة أمرا ً صريحا ً مطلقا ً في نصوص كثيرة – كما تقدم ‪.-‬‬
‫الرابع‪ :‬أن الثابت في حديث جابر ‪ -‬رضي الله عنه – وغيره أنه ‪e‬‬
‫صلى بعد فراغه من الطواف خلف المقام‪ ،‬فيكون المقام سترة له‪.‬‬
‫قال جابر –رضي الله عنه ‪) :-‬وطاف النبي ‪ e‬بالبيت وصلى ركعتين‪،‬‬
‫والمقام بينه وبين البيت ‪(. .‬‬

‫)‪(2‬‬

‫ولهذا قال السندي – رحمه الله – على‬

‫حديث المطلب‪) :‬قلت‪ :‬لكن المقام يكفي سترة‪ ،‬وعلى هذا فل يصلح‬
‫هذا الحديث دليل ً لمن يقول‪ :‬ل حاجة في مكة إلى سترة‪ ،‬فليتأمل()‪.(3‬‬
‫ومن العلماء من يجيز المرور بين يدي المصلي في المسجد‬
‫)‪(4‬‬

‫كالزحام الشديد للمشقة‪ ،‬ول أعلم لذلك‬

‫الحرام في حال الضرورة‬
‫دلي ً‬
‫ل‪ .‬لكني أقول‪ :‬ليت المر اقتصر في المسجد الحرام على حال‬
‫الضرورة‪ ،‬كأيام الحج‪ ،‬ورمضان – مثل ً ‪-‬؛ لن الواجب على العبد أن‬
‫يتقي الله ما استطاع‪ ،‬ولكن صار المرور شيئا ً عاديا ً لدى عموم الناس‪،‬‬
‫حتى إن بعضهم ليمر بين يدي المتنفلين ذهابا ً وإيابا ً لدنى حاجة‪،‬دون أن‬
‫س بحرج‪ ،‬وهذا مما يشاهد ويؤسف عليه‪ ،‬إذ ل ريب أن المرور بين‬
‫يح ّ‬
‫يدي المصلي فيه تشويش عليه وأذية له‪ ،‬فالله المستعان‪.‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫‪105‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫انظر السلسلة الضعيفة لللباني رقم )‪.(928‬‬
‫تقدم تخريجه قريبًا‪.‬‬
‫حاشية السندي على سنن ا لنسائي )‪.(2/67‬‬
‫انظر فتح الباري ))‪.(1/576‬‬

‫الحكم الثامن‬
‫ل يخرج من المسجد بعد الذان‬
‫من آداب حضور المساجد‪ :‬أن ل يخرج المسلم بعد الذان إل‬
‫بعذر؛ لن الخروج إعراض عما يقتضيه الذان من طلب القبال‬
‫وحضور المساجد لداء الصلة؛ ولئل يكون الخروج ذريعة إلى‬
‫الشتغال عن صلة الجماعة والتأخر عنها‪ ،‬وقد ورد عن أبي هريرة –‬
‫رضي الله عنه – أن رسول الله ‪ e‬قال‪" :‬إذا نودي للصلة أدبر‬
‫الشيطان وله ضراط حتى ل يسمع التأذين ‪ ". .‬الحديث)‪.(1‬‬
‫قال بان بطال‪) :‬يشبه أن يكون الزجر عن خروج المرء من‬
‫المسجد بعد أن يؤذن من هذا المعنى؛ لئل يكون متشبها ً بالشيطان‬
‫الذي يفّر عند سماع الذان‪ ،‬والله أعلم()‪.(2‬‬
‫وعن أبي الشعثاء قال‪ :‬كنا قعودا ً في المسجد مع أبي هريرة –‬
‫رضي الله عنه – فأذن المؤذن‪ ،‬فقام رجل من المسجد يمشي‪،‬‬
‫فأتبعه أبو هريرة بصره حتى خرج من المسجد‪ ،‬فقال أبو هريرة‪) :‬أما‬
‫هذا فقد عصى أبا القاسم ‪.(3)(e‬‬
‫وهذا المرفوع حكما ً الذي يحتج به؛ لن الحكم على الشيء بأنه‬
‫طاعة أو معصية ل يكون إل بنص من الشارع‪ ،‬ول يجزم الصحابي‬
‫بذلك إل وعنده علم منه‪ ،‬على أنه قد ورد عن أي هريرة – رضي الله‬
‫عنه – قال‪ :‬قال رسول الله ‪" :e‬ل يسمع النداء في مسجدي هذا‪ ،‬ثم‬
‫يخرج منه إل لحاجة‪ ،‬ثم ل يرجع إليه إل منافق")‪.(4‬‬
‫قال الترمذي – رحمه الله – بعد حديث أبي هريرة المتقدم‪:‬‬
‫)وعلى هذا العمل عند أهل العلم من أصحاب النبي ‪ e‬ومن بعدهم‪ ،‬أل‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪4‬‬

‫‪106‬‬

‫)( أخرجه البخاري رقم )‪ ،(583‬ومسلم رقم )‪.(389‬‬
‫)( شرح ابن بطال على البخاري )‪ ،(2/235‬فتح الباري )‪.(2/87‬‬
‫)( أخرجه مسلم )‪ (3/162‬وغيره‪ .‬وانظر إعلم الموقعين )‪ ،(3/160‬وفيه )قال عمار ‪ (. .‬بدل‬
‫)قال أبو هريرة(‪.‬‬
‫)( أخرجه الطبراني في الوسط )‪ (502 – 4/501‬ورواته محتج بهم في الصحيح‪ ،‬قاله في‬
‫مجمع الزوائد )‪ ،(2/5‬وصححه اللباني في صحيح الترغيب )‪.(1/179‬‬

‫يخرج أحد من المسجد بعد الذان إل من عذر؛ أن يكون على غير‬
‫وضوء أو أمر لبد منه( أهف)‪.(1‬‬
‫أما من خرج لعذر شرعي كوضوء فقد ورد الدليل بجوازه‪ ،‬وهو ما‬
‫دل عليه حديث أبي هريرة – رضي الله عنه ‪ :-‬أن رسول الله ‪ e‬خرج‬
‫وقد أقيمت الصلة وعدلت الصفوف‪ ،‬حتى إذا قام في مصله انتظرنا‬
‫أن يكبر انصرف‪ ،‬قال‪" :‬على مكانكم" فمكثنا على هيئتنا حتى خرج إلينا‬
‫ينطف رأسه ماء‪ ،‬وقد اغتسل)‪.(2‬‬
‫وكذا يجوز الخروج لمن كان إماما ً في مسجد آخر حضر درسا ً أو‬
‫محاضرة؛ لن هذا عذر شرعي داخل في عموم الحاجة المنصوص على‬
‫استثنائها‪.‬‬
‫وعن عثمان بن عفان – رضي الله عنه – قال‪ :‬قال رسول الله‬
‫‪" :e‬من أدركه الذان في المسجد ثم خرج‪ ،‬لحاجة‪ ،‬وهو ل يريد الرجعة‬
‫فهو منافق")‪.(3‬‬
‫وعن سعيد بن المسيب‪ :‬أن النبي ‪ e‬قال‪" :‬ل يخرج من المسجد‬
‫أحد بعد النداء إل منافق‪ ،‬إل أحد أخرجته حاجة وهو يريد الرجوع")‪.(4‬‬
‫والمعنى‪ :‬أن فعله هذا فعل المنافق؛ إذ المؤمن حقا ً ليس من‬
‫شأنه ذلك‪ ،‬فالنفاق هنا النافق العملي‪ ،‬وليس العتقادي‪ ،‬والله أعلم)‪.(5‬‬
‫وبعض المؤذنين إذا أذن خرج إلى بيته أو لشغله‪ ،‬وهذا وإن كان‬
‫يريد الرجوع لكن الولى في حقه عدم الخروج؛ لنني أخشى أن يكون‬
‫خروجا ً لغير حاجة‪ ،‬بل دعت إليه العادة والملل من الجلوس في‬
‫المسجد حتى القامة في غالب المساجد‪ ،‬والمؤذن أولى بالمتثال من‬
‫غيره؛ لنه يدعو الناس إلى حضور الصلة والمبادرة إليها‪ ،‬ثم هو يخرج‬
‫ول يعود إل قبيل القامة‪ .‬فينبغي التنبيه لذلك‪ ،‬والتنبيه عليه‪.‬‬

‫الحكم التاسع‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪107‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫جامع الترمذي )‪ 1/608‬مع التحفة(‪.‬‬
‫أخرجه البخاري رقم )‪ ،(613‬ومسلم رقم )‪.(605‬‬
‫أخرجه ابن ماجه )‪ 1/123‬صحيح ابن ماجه(‪ ،‬وصححه اللباني في صحيح الترغيب )‪.(1/179‬‬
‫رواه أبو داود في المراسيل )ص ‪ ،(82‬وصححه اللباني في صحيح الترغيب )‪.(1/179‬‬
‫قاله اللباني في المصدر المذكور‪.‬‬

‫وظيفة الجالس في المسجد‬
‫إن المساجد موضع العبادة وحضور الملئكة ونزول الرحمة‪ .‬فما‬
‫بنيت إل لذكر الله تعالى والصلة‪ .‬فلها من الحرمة ما ليس لغيرها‪.‬‬
‫وقد اختصت المساجد بآداب ينبغي للجالس فيها أن يتحلى بها‪،‬‬
‫وتكون طبيعة له وسجية بل تكلف ول مشقة‪.‬‬
‫وقد نوه الله تعالى بذكر المساجد‪ ،‬وأثنى على المتعبدين فيها؛‬
‫قال تعالى‪[ :‬في بيوت أذن الله ترفع ويذكر فيه اسمه يسبح له فيها‬
‫بالغدو والصال)‪ (36‬رجال ل تلهيهم تجارة ول بيع عن ذكر الله وإقام‬
‫الصلة وإتآء الزكاة يخافون يوما ً تتقلب فيه القلوب والبصار])‪ .(1‬وأكد‬
‫جمهور المفسرين على أن المراد بالبيوت‪ :‬المساجد)‪.(2‬‬
‫وقد وصف النبي ‪ e‬المساجد بأنها أحب البقاع إلى الله تعالى‪،‬‬
‫ففي حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي ‪ e‬قال‪" :‬أحب‬
‫البلد إلى الله تعالى مساجدها‪ ،‬وأبغض البلد إلى الله أسواقها")‪.(3‬‬
‫قال في بلوغ الماني‪) :‬وإنما كانت المساجد أحب البقاع إلى‬
‫الله عز وجل؛ لنها مكان الصلة‪ ،‬والعبادة‪ ،‬وذكر الله‪ ،‬وتعمرها‬
‫الملئكة‪ ،‬أما السواق فكانت أبغض البقاع إلى الله؛ لما يكثر فيها من‬
‫الكذب والغش والخداع واليمان الكاذبة؛ ولنها مساكن الشياطين‪،‬‬
‫تلهيهم عن ذكر الله وإقام الصلة‪ ،‬وتغويهم على الكذب واليمان‬
‫الفاجرة‪ ،‬نعوذ بالله من ذلك()‪.(4‬‬
‫وكما أخبر النبي ‪ e‬عن المساجد بأنها أفضل البقاع‪ ،‬فقد أخبر‬
‫عن وظيفتها ومهمة الجالس فيها؛ ففي حديث أنس – رضي الله عنه‬
‫– في قصة العرابي الذي بال في المسجد جاء قوله ‪" :e‬إن هذه‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫‪108‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫سورة النور‪ :‬اليتان ‪.37 – 36‬‬
‫تفسير ابن كثير )‪.(6/65‬‬
‫أخرجه مسلم )‪.(5/177‬‬
‫بلوغ الماني من أسرار الفتح الرباني للساعاتي )‪.(15/22‬‬

‫المساجد ل تصلح لشيء من هذا البول ول القذر؛ إنما هي لذكر الله‬
‫عز وجل والصلة وقراءة القرآن")‪.(1‬‬
‫فيحرص من وفقه الله تعالى للتقدم إلى المسجد قبل القامة‬
‫على التحلي بالداب الشرعية بعد أن يصلي تحية المسجد أو السنة‬
‫الراتبة‪ ،‬ومن ذلك ما يلي‪:‬‬
‫‪(1‬‬

‫قراءة القرآن‪:‬‬

‫ل مكان أفضل من المسجد لقراءة القرآن‪ .‬يقول النووي رحمه‬
‫الله‪) :‬ويستحب أن تكون القراءة في مكان نظيف مختار‪ ،‬ولهذا‬
‫استحب جماعة من العلماء القراءة في المسجد؛ لكونه جامعا ً‬
‫للنظافة وشرف البقعة()‪.(2‬‬
‫وقراءة القرآن في المسجد أفضل من الذكر سواء كانت‬
‫القراءة حفظا ً أو غيبا ً عن ظهر قلب‪ ،‬وليحرص القارئ على التأدب‬
‫بآداب التلوة‪ ،‬من الخلص والترتيل وتحسين الصوت والخشوع‬
‫والسؤال عند آية الرحمة والتعوذ عند آية العذاب والسجود في‬
‫مواضعه‪ ،‬وأل يرفع صوته بالقراءة‪ ،‬وأل يقطعها لمحادثة أحد‪ ،‬إل لرد‬
‫السلم وإجابة المؤذن؛ لعموم الدلة على وجوب رد السلم‬
‫ومشروعية إجابة المؤذن‪ ،‬كما يجوز قطعها لكلم ل بد منه كتنبيه‬
‫غافل أو إرشاد أعمى‪ ،‬ونحو ذلك‪.‬‬
‫ومن الناس من يتساهل في ذلك فيتحدث مع جاره أثناء التلوة‪،‬‬
‫بل ويقطعها لدنى كلم‪ ،‬ول يتحرج من تكرار ذلك‪.‬‬
‫ومن كان ل يحسن القراءة فليكثر من ذكر الله تعالى ومن‬
‫التسبيح والتحميد والتهليل‪ ،‬ففي ذلك ثواب عظيم وخير كثير‪ ،‬دلت‬
‫عليه الحاديث الصحيحة‪ ،‬ول سيما إذا كان ذلك في المساجد‪.‬‬

‫‪109‬‬

‫‪1‬‬

‫)( أخرجه البخاري )‪ ،(1/322‬ومسلم )‪.(3/195‬‬

‫‪2‬‬

‫)( التبيان في آداب حملة القرآن )ص ‪.(56‬‬

‫‪(2‬‬

‫الحذر من الكلم الباطل وما ل فائدة فيه‪:‬‬

‫ل مكان في المسجد للكلم الباطل من الغيبة والكذب ونحو ذلك‪،‬‬
‫وإذا كانت هذه المور محرمة فهي في المسجد أشد تحريمًا‪ ،‬وك ّ‬
‫ل كلم‬
‫ل فائدة فيه فإن المسجد ينفزه عنه‪ ،‬فإن المساجد لم تبن لففذلك‪ .‬ومففن‬
‫الناس ل يفتأ يتحدث مع جاره في كلم ل خير فيه أو فيه مضرة‪ ،‬وأكففثر‬
‫هفؤلء ممففن يتقففدمون إلفى المسفجد‪ ،‬ويحرمففون أنفسففهم مفن فضفائل‬
‫العمال التي ل كلفففة فيهففا مفن الفذكر والتسففبيح‪ ،‬فهففي حففظ للفوقت‪،‬‬
‫واحترام للبقعة‪ ،‬وخير يدخره أحوج ما يكون إليه‪.‬‬
‫قال شيخ السلم ابن تيمية – رحمه الله ‪) :-‬وأما الكلم الذي يحبه‬
‫الله ورسوله في المسجد فحسن‪ ،‬وأما المحرم فهو في المسففجد أشففد‬
‫تحريمًا‪ ،‬وكذلك المكروه‪ ،‬ويكره فيه فضول المباح()‪.(1‬‬
‫وقد ورد عن ابن عباس – رضي الله عنهمففا – أنفه قففال فففي قفوله‬
‫تعالى‪[ :‬في بيوت أذن الله أن ترفع])‪ ،(2‬قال‪) :‬نهففى سففبحانه عففن اللغففو‬
‫فيها(‪ ،‬وكذا قال جمع من السلف)‪ .(3‬قففال سففعيد بففن المسففيب – رحمففه‬
‫الله ‪) :-‬من جلس في المسجد فإنما يجالس ربه‪ ،‬فما حقه أن يقففول إل‬
‫خيرًا()‪.(4‬‬
‫‪(3‬‬

‫الحذر من رفع الصوت‪:‬‬

‫لقد نهى النبي ‪ e‬عن رفع الصوت بالقراءة؛ لئل يشوش القارئ‬
‫على غيره من المصلين والتالين – كما تقدم ‪ ،-‬وإذا كان منهيا ً عن رفع‬
‫صوته بالقراءة وهي عبادة إذا تأذى به أحد‪ ،‬فكيف يكون الحكم فيمن‬
‫يرفع صوته في غير ذلك كحديث الدنيا‪ ،‬وكيف يكون الحكم إذا كان‬
‫يرفع صوته ومن بجواره يقرأ القرآن؟!‬
‫قال ابن عبد البر‪) :‬وإذا نهي المسلم عن أذى المسلم في عمل‬
‫البر وتلوة القرآن فإيذاؤه في غير ذلك أشد تحريمًا()‪.(5‬‬

‫‪110‬‬

‫‪1‬‬

‫)( مجموع الفتاوى )‪.(262 ،22/200‬‬

‫‪2‬‬

‫)( سورة النور‪ :‬الية ‪.36‬‬

‫‪3‬‬

‫)( تفسير ابن كثير )‪.(6/66‬‬

‫‪4‬‬

‫)( تفسير القرطبي )‪.(12/277‬‬

‫‪5‬‬

‫)( شرح الزرقاني على الموطأ )‪.(1/168‬‬

‫وعن السائب بن يزيد – رضي الله عنه – قال‪ :‬كنت قائما ً في‬
‫المسجد فحصبني رجل‪ ،‬فنظرت فإذا عمر بن الخطاب – رضي الله‬
‫عنه ‪ ،-‬فقال‪ :‬اذهب فائتني بهذين‪ ،‬فجئته بهما‪ ،‬فقال‪ :‬من أنتما؟ أو‪ :‬من‬
‫أين أنتما؟ قال‪ :‬من أهل الطائف‪ ،‬قال‪ :‬لو كنتما من أهل البلد‬
‫لوجعتكما‪ ،‬ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله ‪e‬؟!)‪.(1‬‬
‫وقد نص أهل العلم على كراهة رفع الصوت في المسجد‪ ،‬إل فيما‬
‫لبد منه من العلم ونحوه‪ ،‬والله أعلم‪.‬‬
‫‪(4‬‬

‫الحذر من البيع والشراء في المسجد‪:‬‬

‫عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ‪ e‬قال‪" :‬إذا رأيتم‬
‫من يبيع أو يبتاع في المسجد‪ ،‬فقولوا‪ :‬ل أربح الله تجارتك‪ .‬وإذا رأيتم‬
‫من ينشد ضالة فقولوا‪ :‬ل رد الله عليك")‪.(2‬‬
‫وعن عمرو بن شعيب‪ ،‬عن أبيه‪ ،‬عن جده‪ :‬أن رسول الله ‪ e‬نهى‬
‫عن الشراء والبيع في المسجد ‪.(3) .‬‬
‫وروى مالك‪ :‬أن عطاء بن يسار كان إذا مر عليه بعض من يبيع‬
‫في المساجد دعاه فسأله‪ :‬ما معك‪ ،‬وماذا تريد؟ فإن أخبره أنه يريد أن‬
‫يبيعه قال‪ :‬عليك بسوق الدنيا‪ ،‬وإنما هذه أسواق الخرة)‪.(4‬‬
‫وإنما نهي عن البيع والشراء في المسجد؛ لما يصاحب ذلك من‬
‫اللغط ورفع الصوت وتلويث المسجد بمخلفات البيع ونحو ذلك مما‬
‫يفقد المساجد حرمتها ومكانتها؛ فإن المساجد لم تبن لهذا‪ ،‬وإنما بنيت‬
‫لذكر الله تعالى والصلة والعلم‪ ،‬والبيع والشراء ونشد الضالة إخراج لها‬
‫عن وظيفتها التي قررها الشرع‪ ،‬ويلحق بالبيع ما في معناه من الجارة‬
‫والرهن والقرض ونحوها من العقود‪.‬‬
‫‪(5‬‬

‫الحذر من استدعاء النوم بالنعاس‪:‬‬

‫‪1‬‬

‫)( أخرجه البخاري )‪ (470‬وفي لفظ )كنت نائمًا(‪ .‬انظر‪ :‬فتح الباري )‪.(1/560‬‬

‫‪2‬‬

‫)( رواه مسلم رقم )‪ ،(568‬وأبو داود رقم )‪ ،(473‬والترمذي رقم )‪ (1321‬واللفظ له‪.‬‬

‫‪3‬‬

‫)( رواه الترمذي رقم )‪ ،(322‬وأبو داود رقم )‪ ،(1079‬والنسائي )‪ ،(2/47‬وإسناده حسن‪ .‬انظر‪:‬‬
‫صحيح أبي داود )‪.(1/201‬‬

‫‪4‬‬

‫‪111‬‬

‫)( رواه مالك في الموطأ )‪.(1/174‬‬

‫ينبغي للجالس في المسجد أل يكون للنوم أو النعاس عليه سبيل‪،‬‬
‫ول سيما مع طول المكث كيوم الجمعة‪ ،‬ول ريب أن النعاس قففد يكففون‬
‫من المور القهرية إل أنه يمكن تفادي ذلففك براحففة تامففة قبففل الحضففور‬
‫إلى المسجد‪ ،‬ول سيما يوم الجمعة‪ ،‬ول يليق بمسلم أن يجعففل اليقظففة‬
‫وقوة النتباه في السواق‪ ،‬ويجعل حظ المسجد النوم والنعاس‪.‬‬
‫كما ينبغي استدعاء النعففاس بسففبب مففن السففباب كالسففتناد إلففى‬
‫جدار‪ ،‬أو خفض الرأس‪ ،‬بل يشتغل الجففالس بمففا تقففدم‪ ،‬ول سففيما تلوة‬
‫القرآن‪.‬‬
‫ومن الناس من ل يبالي بذلك ولو كان في مجلس مففن المجففالس‬
‫ما كان للنعاس عليه من سبيل‪ ،‬فليحرص المسلم على اغتنام الوقففات‬
‫ل سيما في أفضل البقاع وهي المساجد‪ ،‬وقد أرشد النبي ‪ e‬من ينعففس‬
‫إلى علج ميسور؛ فقد ورد عن عبد الله بن عمر – رضي اللففه عنهمففا –‬
‫قال‪ :‬سمعت رسول الله ‪ e‬يقول‪" :‬إذا نعس أحدكم وهففو فففي المسففجد‬
‫فيتحول من مجلسه ذلك على غيره")‪.(1‬‬
‫قال الشوكاني‪) :‬والحكمة في المففر بففالتحول‪ :‬أن الحركففة تففذهب‬
‫النعاس‪ ،‬ويحتمل أن الحكمة فيه انتقاله من المكان أصابته فيففه الغفلففة‬
‫بنومه وإن كان النائم ل حرج عليه‪ ،‬فقد أمر النففبي ‪ e‬فففي قصففة نففومهم‬
‫عن صلة الصبح فففي الففوادي بالنتقففال منففه‪ ،‬وأيضفا ً مففن جلففس ينتظففر‬
‫الصلة فهو في صلة‪ ،‬والنعاس في الصلة مففن الشففيطان‪ ،‬فربمففا كففان‬
‫المر بالتحول لذهاب ما هو منسففوب علففى الشففيطان مففن حيففث غفلففة‬
‫الجالس عن الذكر أو سماع الخطبة أو ما فيه منفعة()‪.(2‬‬
‫وقد ورد في بعض طرق الحديث تقييد ذلك بالجمعة‪ ،‬وسأذكر ذلك‬
‫– إن شاء الله – عند الكلم على أحكام حضور الجمعة‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫)( أخرجه أبو داود رقم )‪ (1119‬واللفظ له‪ ،‬والترمذي رقم )‪ (526‬بلفظ‪) :‬يوم الجمعة(‪ ،‬والبيهقي‬
‫)‪ ،(3/273‬وقال الترمذي‪ :‬هذا حديث حسن صحيح‪ .‬أهف‪ .‬وفيه عنعنة محمد بن إسحاق‪ ،‬لكن أخرجه‬
‫أحمد في المسند )‪ (2/135‬فصرح فيه ابن إسحاق بالحديث‪ ،‬فزالت شبهة تدليسه‪ ،‬لكن قال‬
‫البيهقي عقبه‪) :‬ول يثبت رفع هذا الحديث‪ ،‬والمشهور عن ابن عمر من قوله(‪ .‬لكن ذكر اللباني‬
‫أن المرفوع يتقوى بأن له طريقا ً أخرى وشاهدًا‪ ،‬ثم ذكر ذلك‪ .‬انظر‪ :‬جامع الصول )‪،(5/194‬‬
‫والصحيحة لللباني رقم )‪.(469‬‬

‫‪2‬‬

‫‪112‬‬

‫)( نيل الوطار )‪.(3/284‬‬

‫الحكم العاشر‬
‫تسوية الصفوف وإتمامها‬
‫من آداب حضففور المسففاجد تسففوية الصفففوف إذا أقيمففت الصففلة‪،‬‬
‫ولقد أولى السلم صفوف المصلين عنايففة كففبيرة‪ ،‬حيففث أمففر بتسففوية‬
‫الصفوف‪ ،‬وبين كيفية التسوية‪ ،‬وأظهر فضيلة تسويتها‪ ،‬والهتمام بها‪.‬‬
‫فعن أنس بن مالك – رضي اللففه عنففه – أن النففبي ‪ e‬قففال‪" :‬سففووا‬
‫صفوفكم؛ فإن تسوية الصفوف من تمففام الصففلة"‪ ،‬وفففي روايففة‪" :‬مففن‬
‫إقامة الصلة")‪.(1‬‬
‫وعن أبي مسعود البدري – رضي الله عنه – قال‪ :‬كان رسول الله‬
‫‪ e‬يمسففح مناكبنففا فففي الصففلة‪ ،‬ويقففول‪" :‬اسففتووا‪ ،‬ول تختلفففوا فتختلففف‬
‫قلوبكم ‪.(2)" . .‬‬
‫وعن النعمان بن بشير – رضي اللففه عنففه – قففال‪ :‬سففمعت رسففول‬
‫ون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم")‪.(3‬‬
‫الله ‪ e‬يقول‪" :‬التس ّ‬
‫فهذه نصوص واضحة في وجوب تسوية الصفوف‪ ،‬قال البخففاري –‬
‫رحمه الله تعالى – في صحيحه‪) :‬باب إثم مفن ل يتفم الصفففوف(‪ ،‬وأورد‬
‫فيه بسنده عن بشير بن يسار النصاري عن أنففس بفن مالفك‪ :‬أنفه قففدم‬
‫المدينة‪ ،‬فقيل له‪ :‬ما أنكرت منا منذ يوم عهففدت رسففول اللففه ‪e‬؟ قففال‪:‬‬
‫)ما أنكرت شيئا ً إل أنكم ل تقيمون الصفوف()‪.(4‬‬
‫قال في فتح الباري‪) :‬يحتمل أن يكون البخاري أخففذ الوجففوب مففن‬
‫صيغة المر في قوله‪" :‬سووا صفوفكم"‪ ،‬ومففن عمففوم قففوله ‪" :e‬صففلوا‬
‫كما رأيتموني أصلي"‪ ،‬ومن ورود الوعيد على تركه‪ ،‬فترجح عنففده بهففذه‬
‫القرائن أن إنكار أنس إنما وقع على ترك الواجب‪ ،‬وأن كان النكففار قففد‬

‫‪113‬‬

‫‪1‬‬

‫)( أخرجه البخاري رقم )‪ ،(690‬ومسلم )‪ ،(433‬والرواية الثانية للبخاري‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫)( أخرجه مسلم رقم )‪.(432‬‬

‫‪3‬‬

‫)( أخرجه البخاري رقم )‪ ،(685‬ومسلم )‪.(436‬‬

‫‪4‬‬

‫)( أخرجه البخاري )‪.(724‬‬

‫يقع على ترك السففنن‪ ،‬ومففع الجهففتين‪ ،‬ويؤيففد ذلففك أن أنسفا ً مففع إنكففاره‬
‫عليهم لم يأمرهم بإعادة الصلة()‪.(1‬‬
‫وفي تسوية الصفوف ثواب عظيم دلت عليه السنة؛ فمن ذلك مففا‬
‫ورد عن ابن عمر – رضي الله عنهما – أن رسول اللففه ‪ e‬قففال‪" :‬أقيمففوا‬
‫الصفففوف‪ ،‬وحففاذوا بيففن المنففاكب‪ ،‬وسففدوا الخلففل‪ ،‬ول تففذروا فرجففات‬
‫للشيطان‪ ،‬ومن وصل صفا ً وصله الله‪ ،‬ومن قطع صفا ً قطعة الله")‪.(2‬‬
‫وعن عائشة – رضي الله عنها – أن رسول الله ‪ e‬قال‪" :‬مففن سففد‬
‫فرجة رفعه الله بها درجة‪ ،‬وبنى له بيتا ً في الجنة")‪.(3‬‬
‫وعن عائشة – أيضا ً رضي الله عنها – أن رسول اللففه ‪ e‬قففال‪" :‬إن‬
‫الله وملئكته يصلون على الذين يصلون الصفوف")‪.(4‬‬
‫وعن عبد الله بن عمر رضي اللففه عنهمففا أن رسففول اللففه ‪ e‬قففال‪:‬‬
‫"خياركم ألينكم مناكب في الصلة‪ ،‬ومففا مففن خطففوة أجففرا ً مففن خطففوة‬
‫مشاها ً رجل إلى فرجة في الصف فسدها")‪.(5‬‬
‫فهذه الحاديث تبين فضيلة تسوية الصفففوف وس فد ّ الفففرج‪ ،‬ومففدح‬
‫من يلين بين صاحبه إذا أمره بالستواء‪ ،‬أو أراد دخول ً في الصففف؛ لسففد‬
‫فرجة أو لضيق مكان فل يمنعه‪ ،‬بل يمكنه مفن ذلفك ول يفدفعه بمنكبفه‪،‬‬
‫فهذا من خيار الناس)‪.(6‬‬
‫وأما كيفية تسففوية الصففف فقففد دلففت عليهففا نصففوص كففثيرة تقففدم‬
‫بعضها‪ ،‬ومنها – أيضا ً – ما ورد عن أنس – رضي الله عنه – عن النففبي ‪e‬‬
‫قال‪" :‬أقيموا صفوفكم فإني أراكم من وراء ظهري"‪ ،‬وكان أحدنا يلففزق‬
‫منكبه بمنكب صاحبه‪ ،‬وقدمه بقدمه‪ ،‬وفي رواية‪ :‬قال أنس‪) :‬لقد رأيففت‬
‫‪1‬‬

‫)( فتح الباري )‪.(2/210‬‬

‫‪2‬‬

‫)( أخرجه أبو داود رقم )‪ ،(666‬وأخرج آخره من قوله‪" :‬ومن وصل صفا ً ‪" . .‬ابن خزيمة )‪(3/23‬‬
‫والنسائي )‪ (2/93‬والحاكم )‪ (1/213‬وقال‪" :‬هذا حديث صحيح على شرط مسلم لم يخرجاه"‬
‫وصححه اللباني في "صحيح أبي داود" )‪.(1/131‬‬

‫‪3‬‬

‫)( رواه الطبراني في الوسط )‪ (5793‬وانظر صحيح الترغيب رقم )‪.(502‬‬

‫‪4‬‬

‫)( أخرجه أحمد )‪ 5/316‬الفتح الرباني(‪ ،‬وابن ماجه رقم )‪ (997‬وغيرهما‪ ،‬وإسناده صحيح‪.‬‬

‫‪5‬‬

‫)( أخرجه الطبراني في الوسط )‪ (141 ،115 ،6/103‬وروى الشطر الول منه الزار )‪351‬‬
‫زوائده( وإسناده حسن؛ لن فيه ليث بن أبي سليم‪ ،‬وهو سيء الحفظ‪ ،‬ويشهد له حديث ابن‬
‫عباس الذي عند أبي داود )‪ (672‬وأخرجه ابن حبان في صحيحه )‪ ،(5/52‬وابن خزيمة )‪.(1566‬‬

‫‪6‬‬

‫‪114‬‬

‫)( انظر معالم السنن للخطابي )‪.(1/334‬‬

‫أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه‪ ،‬وقدمه بقدمه‪ ،‬ولو ذهبففت تفعففل ذلففك‬
‫اليوم لترى أحدهم كففأنه بغففل شففموس)‪ .(1‬والشففموس‪ :‬بضففم المعجمففة‬
‫والميم‪ :‬الفرس يستعصي على راكبه)‪.(2‬‬
‫وقال النعمان بن بشير – رضي الله عنه ‪) :-‬فرأيت الرجففل يلصففق‬
‫منكبه بمنكب صاحبه‪ ،‬وركبته بركبة صاحبه‪ ،‬وكعبه بكعبه()‪.(3‬‬
‫وعن أنس – رضي الله عنه – أن رسول الله ‪ e‬قال‪" :‬أتموا الصف‬
‫المقدم ثم الذي يليه‪ ،‬فما كان من نقص فليكن في الصف المؤخر")‪.(4‬‬
‫ومن مجموع النصوص يتضح أن تسوية الصف تتحقق بما يلي‪:‬‬
‫‪ (1‬إتمام الصف الول فالول‪ ،‬وسد ّ الفرج بالتراص‪.‬‬
‫‪ (2‬اسفففتقامة الصفففف وتعفففديله بالمحفففاذاة بيفففن العنفففاق‬
‫والمناكب والركب والكعب‪ ،‬بحيث ل يتقدم عنق على عنففق‪ ،‬ول‬
‫منكب على منكب ول صدر على صدر‪.‬‬
‫‪ (3‬أل يوسع المصفلي بيفن قففدميه؛ لن ذلففك يمنفع التصفاق‬
‫منكب صاحبه بمنكبه‪.‬‬
‫‪ (4‬التقارب فيما بين الصفففوف‪ ،‬وفيمففا بينهففا وبيففن المففام؛‬
‫فإن هذا من تسوية الصفوف)‪.(5‬‬
‫وليس من تسوية الصف ما يفعله بعض النففاس مففن ملحظففة مففن‬
‫على يمينه ومن على يساره؛ ليلصق كعبه بكعب جاره‪ ،‬يفعل ذلففك فففي‬
‫القيام والركوع وبعد الرفع مففن الركففوع‪ .‬وهففذا الفعففل ل أصففل لففه فففي‬
‫تسوية الصفوف‪ ،‬وفيه أخطاء عديدة‪:‬‬
‫الول‪ :‬أن فيه اشتغا ً‬
‫ل؛ فيه اشففتغال بمففا لففم يشففرع‪ ،‬وإكثففار مففن‬
‫الحركففة‪ ،‬واهتمففام بعففد القيففام لمل الفففراغ‪ ،‬وفيففه إشففعال للجففار‬
‫بملحقة قدمه‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫)( أخرجه البخاري رقم ‪ ،(0692‬والرواية الثانية لبي يعلى في مسنده )‪ (4/30‬وسعيد بن منصور‬
‫والسماعيلي كما في فتح الباري )‪ .(2/211‬وسندها صحيح على شرط الشيخين كما في السلسلة‬
‫الصحيحة )‪.(31‬‬

‫‪2‬‬

‫)( المصباح المنير ص)‪.(322‬‬
‫)( أخرجه البخاري تعليقا ً بصيغة الجزم )‪ 2/211‬الفتح(‪ .‬انظر تغليق التعليق )‪.(2/302‬‬

‫‪4‬‬

‫)( أخرجه أبو داود رقم )‪ ،(671‬والنسائي )‪ ،(2/93‬وإسناده صحيح‪.‬‬

‫‪5‬‬

‫)( انظر‪ :‬الشرح الممتع )‪.(3/13‬‬

‫‪3‬‬

‫‪115‬‬

‫الثاني‪ :‬فيه توسيع للفرج بين المتصافين‪ ،‬ويظهففر ذلففك إذا هففوى‬
‫المأموم للسجود‪ .‬وهذا يؤدي إلى عدم التصففاق منكبففه بمنكففب صففاحبه‪،‬‬
‫وركبته بركبته‪ ،‬وكعبه بكعبه‪ ،‬فانظر كيف ض فّيع هففذا المصففلي سففنة مففن‬
‫أجل فعل ل أصل له‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬فيه اقتطاع لمحل قدم غيره بغيففر حففق‪ ،‬فففإن جففاره يفففر‬
‫منه وهو يلحقه في مكانه الذي سبق إليه‪.‬‬
‫الرابع‪ :‬فيه تفويت لتوجيه رؤوس القدمين إلففى القبلففة؛ لن أكففثر‬
‫هؤلء يلوي قدمه‪ ،‬ليلزقها بقدم جاره‪.‬‬
‫ص الصفففوف خففاص بمففا يلففي المففام‪ ،‬فمففن كففان‬
‫الخامس‪ :‬أن ر ّ‬
‫يمين الصف فحقه أن يسد الخلل ويتم الصف متجها ً إلى اليسففار‪ ،‬ومففن‬
‫كان على يسار المام فيتجه إلى اليمين‪ ،‬وفي هذا الفعففل مخالفففة بينففة‬
‫لهذه السنة‬

‫)‪(1‬‬

‫ول دليل لمن يفعل ذلك بقول النعمان بن بشير المتقدم‪) :‬فرأيففت‬
‫الرجل يلزق منكبه بمنكب صاحبه‪ ،‬وركبته بركبة صاحبه‪ ،‬وكعبه بكعبففه(‪،‬‬
‫فإن المراد بالحففديث – كمففا يقففول الحففافظ فففي الفتففح – المبالغففة فففي‬
‫تعديل الصف‪ ،‬وسد ّ خلله)‪(2‬؛ بدليل أن إلزاقه الركبة بالركبة حال القيففام‬
‫متعذر‪.‬‬
‫وإنما ذكرت هذه الجزئية؛ لني رأيت مففن يفعلهففا‪ ،‬ويحففرص عليهففا‬
‫ويناقش فيها‪ ،‬فرحم الله امرأ وقف عند السنة‪ ،‬ولم يفففض بففه تطبيقهففا‬
‫على الغلو والزيادة‪.‬‬
‫ول ينبغي للنسان أن يقف بين السواري لغير حاجة؛ لمففا ورد عففن‬
‫معاوية ابن قرة‪ ،‬عن أبيه قال‪) :‬كنا ننهى أن نصف بيففن السففواري علففى‬
‫عهد رسول الله ‪ ،e‬ونطرد عنها طردًا()‪ ،(3‬وله شاهد من حديث أنس بن‬
‫مالك رضي الله عنه يتقففوى بففه‪ ،‬يرويففه عبففد الحميففد بففن محمففود قففال‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫)( انظر رسالة‪) :‬ل جديد في أحكام الصلة(‪ ،‬بقلم‪ :‬بكر أبو زيد )ص ‪ (9‬وما بعدها‪ .‬مجموع فتاوى‬
‫ابن عثيمين )‪.(13/51‬‬

‫‪2‬‬

‫)( فتح الباري )‪.(2/211‬‬

‫‪3‬‬

‫)( أخرجه ابن خزيمة )‪ ،(1567‬وابن ماجه رقم )‪ ،(1002‬والحاكم )‪ ،(1/218‬والبيهقي )‪،(3/104‬‬
‫وقال الحاكم‪ :‬صحيح السناد‪ .‬ووافقه الذهبي‪ ،‬وفي سنده‪ :‬هارون بن مسلم‪ ،‬وهو مستور‪ ،‬لكن‬
‫يشهد له ما بعده‪ ،‬وانظر السلسلة الصحيحة رقم )‪.(335‬‬

‫‪116‬‬

‫صليت مع أنس بن مالك يوم الجمعففة فففدفعنا إلففى السففواري‪ ،‬فتقففدمنا‬
‫وتأخرنا‪ ،‬فقال أنس‪" :‬كنا نتقي هذا على عهد رسول الله ‪.(1)"e‬‬
‫فهذا الحديث وما قبله نص صففريح فففي أنففه ل ينبغففي للمصففلين أن‬
‫يصفوا بين السفواري؛ لن السفواري تحفول بينهفم وبيفن اتصفال الصفف‬
‫وتسويته)‪.(2‬‬
‫لكففن إن ضففاق المسففجد فل بففأس‪ ،‬كالمسففجد الحففرام أو بعففض‬
‫المساجد الكبيرة‪ ،‬وذلك للحاجة‪ ،‬لكن ل ينبغي التسففاهل فففي هففذا‪ ،‬كمففا‬
‫يوجد في المسجد الحرام عند قلة الناس‪ ،‬عنففدما يلزمففك بعففض النففاس‬
‫بإتمام الصف ولو كان بين السواري مع إمكان التقدم أو التأخر‪ ،‬فالففذي‬
‫أراه أن مثل هذا الصففف ينبغففي تركففه إذا لففم يكففن حاجففة‪ ،‬أمففا إذا كففان‬
‫الصف صغيرا ً قدر ما بين الساريتين فل بأس؛ لعدم العلة‪ ،‬وهي انقطففاع‬
‫الصف على القول بها‪.‬‬
‫ول بأس بالصلة بين الساريتين فففي غيففر الجماعففة كالنافلففة‪ ،‬قففال‬
‫البخاري رحمه الله‪) :‬باب الصلة بين السواري في غير جماعففة(‪ ،‬وذكففر‬
‫حديث ابن عمر قال‪) :‬دخل النبي ‪ e‬البيت وأسامة بن زيففد وعثمففان بففن‬
‫طلحة وبلل‪ ،‬فأطال ثم خرج‪ ،‬كنت أول الناس دخل على أثره‪ ،‬فسألت‬
‫بل ً‬
‫ل‪ :‬أين صّلى؟ قال‪ :‬بين العمودين المقدمين()‪.(3‬‬
‫وليحذر المصلي أن يقف في صف متأخر مففع وجففود أمكنففة خاليففة‬
‫في الصفففوف الول‪ ،‬كمففا يفعلففه بعففض النففاس عنففدما يقيمففون صفففا ً أو‬
‫صفوفا ً وبينهم وبين المام صفوف شاغرة‪ ،‬فففإن هففذا مخففالف لقففوله ‪:e‬‬
‫"أتموا الصف المقدم ثم الذي يليه ‪ ". . .‬الحديث‪ ،‬وتقدم قريبًا‪ ،‬ولقففوله‬
‫‪" :e‬تقدموا فائتموا بي‪ ،‬وليأتكم بكم من بعدكم‪ ،‬ل يففزال قففوم يتففأخرون‬
‫حتى يؤخرهم الله")‪.(4‬‬
‫‪1‬‬

‫)( أخرجه أبو داود )‪ ،(2/370‬والترمذي )‪ ،(2/21‬والنسائي )‪ ،(1/131‬وابن خزيمة )‪ ،(1568‬وقال‬
‫الترمذي‪ :‬حديث حسن صحيح‪ .‬قال الحافظ في الفتح )‪ :(1/578‬حديث أنس إسناده صحيح ‪. . .‬‬

‫‪2‬‬

‫سنه الترمذي‪ .‬أهف‪.‬‬
‫وح ّ‬
‫)( انظر فتح الباري )‪.(1/578‬‬

‫‪3‬‬

‫)( انظر فتح الباري )‪ ،(1/578‬والسنن الكبرى للبيهقي )‪.(3/104‬‬

‫‪4‬‬

‫)( انظر‪ :‬القول المبين في أخطاء المصلين )ص ‪ ،(213‬والحديث الثاني تقدم تخريجه في الحكم‬
‫الرابع من هذا الفصل‪.‬‬

‫‪117‬‬

‫يقول شيخ السلم ابن تيمية رحمه الله‪) :‬ول يصف في الطرقففات‬
‫والحوانيت مع خلو المسجد‪ ،‬ومن فعل ذلك استحق التأديب‪ ،‬ولمن جفاء‬
‫بعده تخطيه‪ ،‬ويدخل لتكميل الصفوف المتقدمة‪ ،‬فإن هذا ل حرمة له(‪.‬‬
‫وقال‪) :‬بل إذا امتل المسجد بالصفوف صفوا خارج المسفجد‪ ،‬فففإن‬
‫اتصلت الصفوف حينئذ في الطرقات والسواق صحت صلتهم‪ ،‬وأما إذا‬
‫صفوا وبينهم وبيفن الصفف الخفر طريفق يمشفي النفاس فيفه لفم تصفح‬
‫صلتهم في أظهر قولي العلماء‪ ،‬وكذلك إذا كففان بينهففم وبيففن الصفففوف‬
‫حائط بحيث ل يرون الصفوف ولكن يسففمعون التكففبير مففن غيففر حاجففة‬
‫فإنه ل تصح صلتهم في أظهر قولي العلماء()‪.(1‬‬
‫وقففال أيضففًا‪) :‬والسففنة فففي الصفففوف أن يتمففوا الول فففالول‪،‬‬
‫ويتراصون في الصف‪ ،‬فمن صلى في مؤخر المسجد مففع خلففو مففا يلففي‬
‫المام كانت صلته مكروهة‪ ،‬والله أعلم()‪.(2‬‬
‫وختاما ً أوجه نداء إلى أئمة المساجد أن يهتموا بتسففوية الصفففوف‪،‬‬
‫ويأمروا المأمومين بذلك قبل تكبيرة الحرام بألفاظ التسوية الثابتة في‬
‫ووا‬
‫السففنة؛ مثففل‪ :‬اسففتووا ول تختلفففوا فتختلففف قلففوبكم‪ ،‬اعتففدلوا‪ ،‬سفف ّ‬
‫صفوفكم فإن تسوية الصفففوف مففن تمففام الصففلة‪ ،‬أتمففوا الصففف الول‬
‫فالول)‪ ،(3‬ونحو ذلك‪ ،‬ويختففار مففن اللفففاظ الففواردة مففا يناسففب الحففال‪،‬‬
‫والولى عدم زيادة‪) :‬رحمكم الله(؛ لعففدم ورودهففا فففي أحففاديث تسففوية‬
‫الصفوف‪.‬‬
‫ول يكفي أن يقول المام ذلففك دون أن يلتفففت إلففى المففأمومين –‬
‫كما عليه بعض الئمة – ثم يكبر ويترك الخلل والفرجات‪ ،‬وعلففى المففام‬
‫أن يحيي السنة المهجورة‪ ،‬فيأتي بنفسه إلى ناحية الصففف لتسففويته‪ ،‬أو‬
‫يرسل رجل ً لتسوية الصف‪ ،‬فقد ثبففت أنففه ‪ e‬كففان يشففرف بنفسففه علففى‬
‫تسوية الصف‪ ،‬قال أبو مسعود – عقبة بن عمرو رضي الله عنه ‪ :-‬كففان‬
‫رسففول اللففه ‪ e‬يمسففح مناكبنففا فففي الصففلة‪ ،‬ويقففول‪" :‬اسففتووا ول‬
‫تختلفوا ‪ (4)". .‬ويقففول الففبراء – رضففي اللففه عنففه ‪ :-‬كففان رسففول اللففه ‪e‬‬
‫يتخلل الصف من ناحية إلى ناحية‪ ،‬يسمح صدورنا ومناكبنا‪ ،‬ويقففول‪ " :‬ل‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫‪118‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫مجموع فتاوى ابن تيمية )‪.(23/410‬‬
‫المصدر السابق )‪.(23/408‬‬
‫انظر‪ :‬المصّنف لبن أبي شيبة )‪.(1/351‬‬
‫تقدم قريبًا‪.‬‬

‫تختلفوا فتختلف قلوبكم")‪ ،(1‬وجاء عن عمر – رضي الله عنه – أنه كففان‬
‫يأمر بتسوية الصفففوف‪ ،‬فففإذ جففاؤوه فففأخبروه أن قففد اسففتوت كب ّففر)‪،(2‬‬
‫فلعل الئمة – وفقهم الله – ينتبهون لهذا‪ ،‬والله أعلم‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫)( رواه أبو داود رقم )‪ ،(664‬والنسائي )‪ ،(90 ،2/89‬وابن خزيمة )‪ ،(3/24‬وإسناده صحيح‪،‬‬
‫وانظر صحيح الترغيب رقم )‪.(490‬‬
‫)( أخرجه مالك في الموطأ )‪ ،(1/158‬وانظر المنتقى للباجي )‪ ،(1/279‬وشرح السنة للبغوي )‬
‫‪.(3/369‬‬

‫‪119‬‬

‫الحكم الحادي عشر‬
‫في صلة المنفرد خلف الصف‬
‫إذا دخل المسجد فوجد أن الصف قد تم ولم يجففد لففه مكان فا ً فهففل‬
‫يصلي خلف الصف منفردأ؟ أو يجذب رجل ً يقففف معففه؟ أو ينتظففر حففتى‬
‫يأتي أحد؟ هذه المسألة فيها خلف بين العلمففاء‪ ،‬أذكففره فيمففا يلففي‪ ،‬ثففم‬
‫أبين القول المختار‪ ،‬بعون الله تعالى‪.‬‬
‫فالقول الول‪ :‬أن المنفرد يكون صفا ً وحده‪ ،‬وصففلته صففحيحة‪.‬‬
‫وهذا مذهب الجمهففور – كمففا حكففاه صففاحب بدايففة المجتهففد –‬

‫)‪(1‬‬

‫ومنهففم‬

‫الئمة الثلثة مالك والشافعي وأبو حنيفة‪.‬‬
‫ومن أدلة هؤلء‪ :‬حديث أبي بكر– رضي اللفه عنفه – وفيفه‪) :‬فركفع‬
‫دون الصف ثم مشى إلى الصف()‪ (2‬قال البغففوي – رحمففه اللففه ‪) :-‬فففي‬
‫هذا الحديث أنواع من الفقه‪ ،‬منها‪ :‬أن من صففلى خلففف الصففف منفففردا ً‬
‫بصلة المام تصح صلته؛ لن أبا بكرة ركع خلف الصف‪ ،‬فقد أتى بجففزء‬
‫من الصلة خلف الصف‪ ،‬ثم لفم يفأمره النفبي ‪ e‬بالعفادة‪ ،‬وأرشفده ففي‬
‫المستقبل إلى ما هو أفضل بقوله‪" :‬ول تعد"‪،‬وهففو نهففي إرشففاد‪ ،‬ل نهففي‬
‫تحريم‪ ،‬ولو كان للتحريم لمره بالعادة()‪.(3‬‬
‫القول الثاني‪ :‬أن صلة المنفرد خلف الصف باطلة‪ ،‬وهو مذهب‬
‫)‪(4‬‬

‫المام أحمد‪ ،‬ورواية عن المام مالك – ما في الفصاح لبففن هففبيرة –‬
‫وبه قال جمع من الفقهاء والمحدثين‪.‬‬

‫واستدل هؤلء بحديث وابصة بن معبد أن رسول اللففه ‪ e‬رأى رجل ً‬
‫يصلي خلف الصف وحده فأمره أن يعيد الصلة)‪.(5‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪120‬‬

‫)( بداية المجتهد )‪.(1/187‬‬
‫)( أخرجه البخاري وأبو داود )‪ (684‬واللفظ له‪.‬‬
‫)( شرح السنة )‪.(3/338‬‬
‫)( الفصاح )‪.(1/54‬‬
‫)( أخرجه أبو داود )‪ ،(2/376‬والترمذي )‪ ،(3/22‬وقال‪ :‬حديث حسن‪ ،‬وأخرجه ابن ماجه )‬
‫‪ ،(1/321‬وأحمد )‪ ،(4/228‬وحسنه كما في رواية الثرم‪ ،‬كما نقله الحافظ في التلخيص )‪.(2/38‬‬

‫وله شاهد من حديث على بن شيبان قال‪ :‬خرجنا قدمنا على النبي‬
‫‪ e‬فبايعناه‪ ،‬وصلينا خلفه‪ ،‬فقضفى نفبي اللفه ‪ e‬الصفلة ففرأى رجل ً خلفف‬
‫الصف وحده‪ ،‬فوقف عليه نبي اللففه ‪ e‬حففتى انصففرف‪ ،‬فقففال‪" :‬اسففتقبل‬
‫صلتك‪ ،‬فل صلة للذي خلف الصف")‪ .(1‬وقد نقل عبد الله بن أحمد فففي‬
‫المسند بعد حديث وابصة قال‪) :‬وكان أبي يقول بهذا الحديث()‪.(2‬‬
‫القول الثــالث‪ :‬التفصففيل‪ ،‬وهففو أنففه إن وجففد محل ً فففي الصففف‬
‫فصلى وحده لم تصح‪ ،‬وإن اجتهد ولم يجد جاز أن يقف وحده‪.‬‬
‫وهذا قال به الحسن البصري‪ ،‬كما في المصففنف لبففن أبففي شففيبة؛‬
‫والبويطي‪ ،‬كمففا ذكففره الشففوكاني فففي نيففل الوطففار؛ وابففن قدامففة فففي‬
‫المغني‪ ،‬وإليه ذهب شيخ السلم ابففن تيميففة‪ ،‬وأيففده كمففا فففي الفتففاوى‪،‬‬
‫والقواعد النوارنية والمسائل الماردينية؛ وكففذا ابففن القيففم‪ ،‬وهففو اختيففار‬
‫الشيخ عبد الرحمن السعدي‪ ،‬رحم الله الجميع)‪.(3‬‬
‫وهذا هو المختار – إن شاء الله – لما يلي‪:‬‬

‫‪ (1‬أن العلماء مجمعون على أن واجبات الصلة وأركانها تسففقط‬
‫عنففد عففدم القففدرة‪ ،‬فل واجففب مففع العجففز‪ ،‬ول محففرم مففع‬
‫الضرورة‪ .‬وهذه قاعدة عظيمة من قواعد الشريعة‪.‬‬
‫فالقيام ركن فففي صففلة الفففرض‪ ،‬فففإذا لففم يسففتطع القيففام‬
‫ص فّلى قاعففدًا‪ ،‬وهكففذا الركففوع والسففجود وغيرهففا‪ ،‬والمصففافة‬
‫ليست من الركان ول من الواجبات‪ .‬ول ريففب أن العجففز عففن‬
‫المصافة عذر‪ ،‬ومن القواعد المقررة مففن نصففوص الشففريعة‪.‬‬
‫أن الحكم يتغير إذا ما طفرأ علفى صفاحب الحكفم عفذر‪ ،‬فهفذا‬
‫العريان يصلي على حاله إذا لم يجد ما يسففتر عففورته‪ ،‬والففذي‬
‫اشتبهت عليه القبلة يصلي إلى أي جهة‪ ،‬ول يلزمه العففادة إذا‬
‫وجد سترة أو تبينت له القبلة‪ ،‬وهكذا ‪. .‬‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪121‬‬

‫)( أخرجه ابن ماجه )‪ ،(1/320‬وأحمد )‪ ،(4/23‬والبيهقي )‪ ،(3/105‬وابن حبان )‪ (3/312‬وغيرهم‪،‬‬
‫وهو حديث صحيح لغيره‪ ،‬وله شواهد وطرق ل تخلو من مقال‪ .‬راجع الرواء )‪.(2/327‬‬
‫)( انظر‪ :‬المسند )‪.(4/228‬‬
‫)( المصنف لبن أبي شيبة )‪ ،(2/193‬ونيل الوطار )‪ ،(3/229‬والمغني )‪ ،(3/56‬ومجموع الفتاوى‬
‫)‪ ،(23/397‬والقواعد النورانية )ص ‪ (99 ،98‬والختيارات )ص ‪ ،(71‬والمسائل الماردينية )ص‬
‫‪ ،(84‬وإعلم الموقعين )‪ ،(22 ،2/21‬والفتاوى السعدية )ص ‪ (169‬وما بعدها‪.‬‬

‫‪ (2‬أن عمومففات الشففريعة تؤيففد هففذا القففول‪ ،‬كقففوله تعففالى‪:‬‬
‫‪‬فاتقوا الله ما استطعتم‪ ،(1)‬وقوله تعالى‪ :‬ل يكلف الله‬
‫نفسا ً إل وسعها‪ ،(2)‬وقوله ‪" :e‬إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما‬
‫استطعتم")‪.(3‬‬
‫‪ (3‬أن هذا القول فيه جمع بين الدلة؛ فقففوله ‪" :e‬ل صففلة لمنفففرد‬
‫خلف الصف"‪ ،‬محمول علففى مففا إذا لففم يجففد فرجففة فل يحمففل‬
‫عليه الحديث‪ ،‬بدليل ما ذكرنا في المرين السابقين؛ لنه ليففس‬
‫بمقصر‪ ،‬فتصح صلته إن شاء الله‪.‬‬
‫يقول شيخ السلم ابن تيمية – رحمه الله – )وأما حديث أبي بكرة‬
‫فليس فيه أنه صلى منفردا ً خلففف الصففف قبففل رفففع المففام رأسففه مففن‬
‫الركوع‪ ،‬فقففد أدرك مففن الصففطفاف المففأمور بففه مففا يكففون بففه مففدركا ً‬
‫للركعة‪ ،‬فهو بمنفزلة أن يقف وحده ثففم يجيففء آخففر فيصففافه‪ ،‬فففإن هففذا‬
‫جائز باتفاق الئمة ‪.(4)(. . .‬‬
‫وعلى هذا فمن صلى جزءا ً من صلته خلف الصف ثففم انضففم إليففه‬
‫آخر ل يعد مصليا ً خلف الصف منفردًا‪ .‬وهذا ما فعله أبو بكرة رضي الله‬
‫عنه‪.‬‬
‫والظهر في حديث أبي بكففرة أن النهففي فففي قففوله ‪" :e‬زادك اللففه‬
‫حرصًا‪ ،‬ول تعفد"‪ ،‬نهفي عفن السفراع والسفعي الشفديد؛ لمفا تقفدم أول‬
‫الكتاب من النهي عن إتيان الصلة في حالة السراع‪ ،‬ول يمكن أن يعود‬
‫إلى الركوع دون الصف‪ ،‬ول للعتداد بتلففك الركعففة‪ ،‬ل سففيما وقففد فعففل‬
‫ذلك بعض الصحابة كأبي بكر‪ ،‬وزيد بن ثابت‪ ،‬وابن مسعود – رضي اللففه‬
‫عنهم – وثبت هذا عنهم بأسانيد صحيحة)‪.(5‬‬
‫ول يجوز لمن لم يجد مكانا ً في الصففف أن يجففذب رجل ً يقففف معففه‬
‫لما يلي‪:‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪122‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫سورة التغابن‪ :‬الية ‪.16‬‬
‫سورة البقرة‪ :‬الية ‪.286‬‬
‫أخرجه مسلم رقم )‪ ،(1337‬والنسائي )‪.(111 ،5/110‬‬
‫مجموع فتاوى شيخ السلم )‪ ،(23/397‬وانظر الفتاوى السعدية )ص ‪.(171‬‬
‫انظر‪ :‬إرواء الغليل )‪.(264 ،2/263‬‬

‫‪ (1‬أن الحديث الففوارد فففي الجففذب ضففعيف‪ ،‬وهففو حففديث وابصففة‪،‬‬
‫وفيه‪" :‬أل دخلت في الصف أو جذبت رجل ً يصلي معك")‪.(1‬‬
‫‪ (2‬أن الجذب تصرف إلى إيجاد فرجة في الصف‪ ،‬والمشروع س فد ّ‬
‫الفرج‪.‬‬
‫‪ (3‬أن الجذب تصففرف فففي المجففذوب‪ ،‬وتشففويش عليففه‪ ،‬وتفففويت‬
‫لفضففيلة الصففف الول وكففونه خلففف المففام؛ لن الغففالب فففي‬
‫الجذب أن يكون لمن هو خلف المام)‪.(2‬‬
‫وإذا دخل اثنان وفي الصف فرجة فأيهما أفضففل‪ :‬وقوفهمففا مع فا ً أو‬
‫سد أحدهما الفرجة ووقف الخر فذًا؟‬
‫ذهب بعض أهل العلم إلى أن الراجح الصطفاف مع بقففاء الفرجففة؛ لن‬
‫سد الفرجة مستحب‪ ،‬والصطفاف واجب‪.‬‬
‫وفي هذا نظر؛ فإن قوله ‪" :e‬من وصل صفا ً وصله الله ومن قطففع‬
‫صفا ً قطعه الله")‪ ،(3‬يفيد وجوب سد الفرجة‪ ،‬وعليففه فففالولى فففي هففذه‬
‫الحالة أن يسد أحدهما الفرجة وينفرد الخر‪ ،‬والله أعلم‪.‬‬
‫قال في عون المعبود‪") :‬مففن وصففل صفففًا"‪ :‬بالحضففور فيففه‪ ،‬وسفد ّ‬
‫الخلل منه‪" .‬ومففن قطففع صفففًا"‪ :‬أي‪ :‬بالغيبففة‪ ،‬أو بعففدم السففد‪ ،‬أو بوضففع‬
‫شيء مانع()‪.(4‬‬
‫ومثل ما تقدم ما لو وقف اثنان فففي الصففف ثففم انصففرف أحففدهما‬
‫لعذر‪ ،‬فإن الخر يقف وحده على الصحيح‪ ،‬أو يقف عن يميففن المففام إن‬
‫أمكففن‪ ،‬ول يجففذب رج ً‬
‫ل‪ ،‬وأمففا قففول صففاحب المغنففي‪) :‬إنففه يففدخل فففي‬
‫الصف‪ ،‬أو ينبه رجل ً يخرج معه‪ ،‬أو يقف عن يمين المام‪ ،‬فإن لم يمكففن‬
‫شيء من ذلك نوى الحففدث()‪ ،(5‬أقففول‪ :‬هففذا فيففه نظففر‪ ،‬والصففواب – إن‬
‫شاء الله – أنه يتم الصلة معهم ولو لم يقف معه أحد‪ ،‬ول شففيء عليففه؛‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪123‬‬

‫)( أخرجه الطبراني في الكبير )‪ ،(22/145‬والبيهقي )‪ ،(3/105‬وأبو يعلى )‪ (2/245‬من طريق‬
‫السري بن إسماعيل عن الشعبي عن وابصة‪ ،‬والسري بن إسماعيل‪ :‬متروك‪ ،‬وقد توبع على هذه‬
‫الزيادة بمتابعة واهية‪ .‬فانظر "الرواء" )‪.(2/326‬‬
‫)( انظر تعليق الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – على فتح الباري )‪،(2/213‬وانظر الضعيفة‬
‫)‪.(2/322‬‬
‫)( تقدم تخريجه في الحكم العاشر‪.‬‬
‫)( عون المعبود )‪.(2/366‬‬
‫)( المغني )‪.(3/55‬‬

‫لنه معذور ول تقصير منه‪،‬كمففا لففو سففبق إمففامه الحففدث فففإن صففلته ل‬
‫تبطل ببطلن صلة إمامه‪ ،‬بل يستخلف على القففول المختففار فففي هففذه‬
‫المسالة‪ ،‬وما ذكره في المغني قول في المذهب‪.‬‬
‫ومثل ذلك قول الشيخ منصور البهوتي فففي بففاب "صففلة الجمعففة"‬
‫من شرح الزاد‪) :‬وإن أحرم ثم زحم وأخرج عن الصف فصففلى فففذا ً لففم‬
‫تصح()‪ .(1‬وهذا مبني على القول بأن صلة المنفرد خلف الصف ل تصح‪،‬‬
‫وقد علمت أن المختار القول بالصحة لمن كان معذورا ً بأن اجتهففد ولففم‬
‫يجد مكانًا‪ ،‬وهذا الذي زحم أولى بالعذر‪ ،‬فصلته معهم صحيحة‪ ،‬إن شاء‬
‫الله تعالى‪ ،‬والله أعلم‪.‬‬
‫واعلم أن الذين ل يجيزون صلة المنفرد خلف الصف اختلفوا فففي‬
‫بيان ماذا يفعل‪ :‬فقال بعضففهم‪ :‬يجففذب رج ً‬
‫ل‪ .‬وقففد علمففت ضففعف ذلففك‪،‬‬
‫وقال آخرون‪ :‬يقف عن يمين المام‪،‬وهذا ل دليل عليه في هذه المسألة‬
‫بالذات‪ ،‬وقد ورد أن أبا بكر وقففف عففن يميففن الرسففول ‪ e‬فففي مرضففه –‬
‫عليه الصلة والسلم – وهي قضية فردية‪ .‬أضف إلى ذلك أن الصفففوف‬
‫قد تكون كثيرة واختراقها والوقوف عففن يميففن المففام يحففدث تشويش فا ً‬
‫على المام والمأمومين‪ ،‬ول سيما الصف الول ومن هففم خلففف المففام‪،‬‬
‫ثم إذا حضر ثان وثالث هل يقال لكل واحد يأت بمفرده‪ :‬قف عن يميففن‬
‫المام؟! إن هذه التصرفات تؤيد القول بأنه يصلي خلففف الصففف إذا لففم‬
‫يجد مكانًا‪ ،‬والله اعلم)‪.(2‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪124‬‬

‫)( شرح الزاد بحاشية ابن قاسم )‪.(2/443‬‬
‫)( راجع رسالة‪) :‬ثلث مسائل في الصلة(‪ ،‬بقلم نزار محمد عرعور )ص ‪.(35‬‬

‫الحكم الثاني عشر‬
‫الدخول مع المام على أي حال‬
‫إذا دخل المصلي والمام في الصلة دخل معه على أي حال كففان؛‬
‫في القيام أو الركوع أو السجود أو بين السجدتين؛ وذلففك لمففا ورد عففن‬
‫أبي هريرة – رضي الله عنه – قال‪ :‬قال رسول اللففه ‪" :e‬إذا جئتففم إلففى‬
‫الصلة ونحن سجود فكبروا‪ ،‬ول تعدوها شففيئًا‪ ،‬ومففن أدرك الركعففة فقففد‬
‫أدرك الصلة")‪.(1‬‬
‫وعن أبي قتادة – رضي الله عنه – قال‪ :‬قففال رسففول اللففه ‪" :e‬إذا‬
‫أتيتم الصلة فعليكم بالسكينة‪ ،‬فما أدركتم فصلوا‪ ،‬وما فاتكم فأتموا")‪.(2‬‬
‫قال الحافظ ابن حجففر‪) :‬اسففتد ّ‬
‫ل بففه علففى اسففتحباب الففدخول مففع‬
‫المام في أي حال وجد عليها()‪.(3‬‬
‫وعن معاذ – رضي الله عنه – قال‪ :‬قففال رسففول اللففه ‪" :e‬إذا أتففى‬
‫أحدكم والمام على حال فليصنع كما يصنع المام")‪.(4‬‬
‫هذه هي السنة في حق الداخل والمام في الصلة؛ بدللة ما ذكففر‬
‫من النصوص‪.‬‬
‫ومن الناس من إذا دخل والمام ساجد أو بين السجدتين لم يدخل‬
‫معه حتى يقوم إلى الركعة التالية‪ ،‬أو يعلم أنه في التشهد فيجلس معه‪،‬‬
‫وهذا قد حرم نفسه فضل السجود‪ ،‬مع أنه مخففالف لمففا تضففمنته الدلففة‬
‫المتقدمة‪ .‬قال بعض العلماء فففي فضففل السففجود مففع المففام إذا أدركففه‬
‫ساجدًا‪) :‬لعله أن ل يرفع رأسه من السجدة حتى يغفر له()‪.(5‬‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫‪5‬‬

‫‪125‬‬

‫)( أخرجه أبو داود )‪ ،(3/145‬وابن خزيمة )‪ ،(3/57‬والدارقطني )‪ ،(1/347‬والحاكم )‪(1/216‬‬
‫والبيهقي )‪ ،(2/89‬وقال‪" :‬تفرد به يحيى بن أبي سليمان المديني‪ ،‬وقد روي بإسناد آخر‪ ،‬أضعف‬
‫من ذلك عن أبي هريرة" أهف‪ .‬ويحيى هذا قال عنه البخاري‪ :‬منكر الحديث ‪ . . .‬لكن له شاهد قوي‪،‬‬
‫فانظر‪ :‬السلسلة الصحيحة )‪ (3/185‬والرواء )‪.(2/260‬‬
‫)( تقدم هذا الحديث في الحكم الرابع من أحكام الخروج إلى المسجد‪.‬‬
‫)( فتح الباري )‪.(2/118‬‬
‫)( أخرجه الترمذي )‪ ،(3/199‬وصححه اللباني في صحيح الترمذي )‪ ،(1/183‬وانظر نيل الوطار )‬
‫‪ ،(3/173‬وانظر الصحيحة )‪.(3/185‬‬
‫)( تحفة الحوذي )‪.(2/199‬‬

‫قال في تحفة الحوذي‪) :‬قففوله‪" :‬فليصففنع كمففا يصففنع المففام" أي‪:‬‬
‫فليوافق المام فيما هو فيه من القيام أو الركففوع أو غيففر ذلففك‪ ،‬أي‪ :‬فل‬
‫ينتظر المام إلى القيام‪ ،‬كما يفعله العوام()‪.(1‬‬
‫واعلم أن أحوال المام وقت دخول المأموم المسففجد أربففع‪ ،‬وهففي‬
‫أهم الحوال‪:‬‬
‫‪ (1‬أن يكون المام قائما ً في سرية أو جهرية‪.‬‬
‫‪ (2‬أن يكون المام راكعًا‪.‬‬
‫‪ (3‬أن يكون المام ساجدا ً وبين السجدتين‪.‬‬
‫‪ (4‬أن يكون المام في التشهد‪.‬‬
‫وسأبين – إن شاء الله – ما يفعله المأموم في كففل حالففة‪ ،‬فففأقول‬
‫مستمدا ً من الله التوفيق والسداد‪:‬‬
‫الحالة الولى‪ :‬أن يكون المام قائما ً‬
‫مففن دخفل والمففام يقففرأ الفاتحففة فففإنه يكففبر تكففبيرة الحففرام‪ ،‬ثففم‬
‫يسففكت حففتى يفففرغ المففام مففن قففراءة الفاتحففة؛ لن المففأموم مففأمور‬
‫بالسففتماع والنصففات لقففراءة إمففامه‪ ،‬واسففتفتاحه وتعففوذ يشففغله عففن‬
‫السففتماع والنصففات المففأمور بففه‪ ،‬وليففس لففه أن يشففغل عمففا أمففر بففه‬
‫بشيء)‪.(2‬‬
‫وهذا القول – أعني أنه ل يستفتح ول يتعوذ حال جهر إمففامه – هففو‬
‫أصح القوال في هذه المسألة – إن شاء الله – كما قفال شفيخ السفلم‬
‫ابن تيمية – رحمه اللففه –)‪(3‬؛ وذلففك لقففوة مأخففذه؛ فففإن النهففي ‪ e‬يقففول‪:‬‬
‫"إنما جعل المام ليؤتم به‪ ،‬فإذا كبر فكبروا‪ ،‬وإذا قرأ فأنصتوا")‪.(4‬‬
‫فإذا فرغ المام مفن الفاتحفة أتفى المفأموم بفدعاء السفتفتاح‪ ،‬ثفم‬
‫استعاذ وقرأ البسملة والفاتحة‪ ،‬وإذا لم يمكنه أن يستفتح ويستعيد قبففل‬
‫أن يبدأ المام بقراءة السورة فإنه ل يستفتح؛ لن دعاء الستفتاح سنة؛‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫‪126‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫المرجع السابق‪.‬‬
‫مجموع الفتاوى )‪.(23/280‬‬
‫المصدر السابق )‪.(23/281) ،(22/341‬‬
‫أخرجه مسلم رقم )‪.(404‬‬

‫بل يستعيذ ويقرأ؛ لقوله ‪" :e‬ل تفعلوا إل بأم القرآن؛ فإنه ل صففلة لمففن‬
‫لم يقرأ بها")‪.(1‬‬
‫وهذا على القول بوجوب قراءة الفاتحة على المأموم فففي الصففلة‬
‫الجهرية‪ ،‬والراجففح وجوبهففا عليففه؛ لعمففوم قففوله ‪" :e‬ل صففلة لمففن يقففرأ‬
‫بفاتحة الكتاب"‬

‫)‪(2‬‬

‫وهذا نفي للصحة‪.‬‬

‫أما إذا دخل المسجد والمام في الصلة السرية فإنه يكبر تكففبيرة‬
‫الحرام‪ ،‬ويستفتح‪ ،‬ويستعيذ‪ ،‬ثم يقرأ إذا ظن أنففه يتففم الفاتحففة قبففل أن‬
‫يركع إمامه إذا كان تكبيرة الحففرام ول يسففتفتح؛ لن الهتمففام بففالفرض‬
‫أولى)‪.(3‬‬
‫ول يقتصر في قراءته خلف إمامه في السرية علفى قصففار السففور‬
‫إذا كان عارفا ً لغيرها فففي صففلة يطيففل المففام فيهففا غالبفا ً كففالظهر؛ لن‬
‫قراءة القرآن في الصلة أفضل من قراءته خارج الصلة‪ ،‬ومففا ورد مففن‬
‫الفضل لقارئ القرآن يتناول المصلي أعظم مما يتناول غيره‪.‬‬
‫ثم إن السكوت في الصلة بل ذكر ول قراءة ول دعاء ليس عبادة‪،‬‬
‫ول مأمورا ً به فيما عدا النصات لقففراءة المففام‪ ،‬بففل إن السففكوت يفتففح‬
‫باب الخواطر والفكار التي تبعد المصلي عما هو فيه)‪.(4‬‬
‫وإذا ركع المام ترك المففأموم بقيففة الفاتحففة وركففع معففه؛ لنففه لففم‬
‫يدرك غير ما قرأه‪ ،‬ويكون مدركا ً للركعففة لففو أدركففه فففي الركففوع‪ ،‬فففإن‬
‫الفاتحة تسقط عنففه‪ ،‬ول يتخلففف عففن إمففامه لتمففام الفاتحففة؛ لقففوله ‪:e‬‬
‫"وإذا ركع فاركعوا")‪ ،(5‬والله أعلم‪.‬‬
‫الحالة الثانية‪ :‬أن يكون المام راكعا ً‬

‫‪1‬‬

‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪127‬‬

‫)( أخرجه أبو داود )‪ (823‬والترمذي رقم )‪ (311‬وأحمد )‪ (322 ،5/316‬والبخاري في "جزء‬
‫القراءة خلف المام" ص)‪ (61‬من حديث عبادة بن الصامت – رضي الله عنه – وقال الترمذي‪:‬‬
‫حديث حسن‪ ،‬وانظر‪ :‬التلخيص )‪.(1/246‬‬
‫)( أخرجه البخاري ‪ ،(0756‬ومسلم )‪ (394‬عن عبادة بن الصامت – رضي الله عنه ‪.-‬‬
‫)( مغني المحتاج )‪ ،(1/257‬وانظر تلبيس إبليس )ص ‪.(161‬‬
‫)( انظر مجموع الفتاوى )‪.(22/296‬‬
‫)( انظر شرح المهذب )‪ ،(213 ،4/212‬والحديث جزء من حديث "إنما جعل المام ليؤتم به"‪ ،‬وقد‬
‫ذكر تخريجه قريبًا‪.‬‬

‫إذا دخل المسجد والمام راكع ركع معه‪ ،‬ويكون مدركا ً للركعففة إذا‬
‫اجتمع مع المام في حد أقل الركوع‪ ،‬وهو قدر ما يمففس وسففط الخلقففة‬
‫ركبتيه بيديه‪ ،‬ولو لم يطمئن‪ ،‬قال أبففو داود‪ :‬سففمعت أحمففد سففئل عمففن‬
‫أدرك المام راكعًا‪ ،‬فكبر ثم ركع فرفع المام؟ قال‪ :‬إذا أمكن يففديه مففن‬
‫ركبتيه قبل أن يرفع المام فقد أدرك‪ .‬أهف)‪.(1‬‬
‫ثم يطمئن ويتابع إمففامه‪ ،‬وإذا أدركففه حففال الركففوع أجزأتففه تكففبيرة‬
‫واحدة‪ ،‬وهي تكبيرة الحرام عن تكبيرة الركوع‪ ،‬روي ذلك عففن زيفد بفن‬
‫ثابت وابن عمر وسففعيد وعطففاء والحسففن وإبراهيففم النخعففي‪ ،‬وبففه قففال‬
‫الشافعي ومالك وأصحاب الرأي‪ ،‬وهو المنصففوص عففن أحمففد‪ ،‬قففال أبففو‬
‫داود‪ :‬قلت لحمد‪ :‬أدرك المام راكعًا؟ قال‪ :‬يجزيك تكبيرة)‪ .(2‬أهف‪.‬‬
‫وذلك لن حال الركوع يضيق عن الجمع بين تكبيرتين في الغففالب‪،‬‬
‫ولنه اجتمع عبادتان من جنس واحففد فففي محففل واحففد‪ ،‬ونيففة الركففوع ل‬
‫تنافي نية الفتتاح‪ ،‬فأجزأ الركن – وهي تكبيرة الحرام – عن الففواجب –‬
‫وهي تكبيرة الركففوع – كطففواف الفاضففة يغنففي عففن طففواف الففوداع إذا‬
‫جعله آخر شيء)‪.(3‬‬
‫فإن أمكن أن يففأتي بتكففبيرتين‪ :‬الولففى للحففرام‪ ،‬والثانيففة للركففوع‬
‫ب إليففك؟ قففال‪:‬‬
‫فهذا أولى‪ ،‬قال أبو داود‪ :‬قلت لحمففد‪ :‬يكففبر مرتيففن أحف ّ‬
‫فإن كبر تكبيرتين فليس فيه اختلف)‪ .(4‬أهف‪.‬‬
‫وعلى الداخل أن يكبر للحرام قائمفًا‪ ،‬فففإن أتففى بهففا حففال انحنففائه‬
‫للركوع لم يصح)‪.(5‬‬
‫وإذا ركع مع المام أجزأته الركعة ولو لم يقرأ الفاتحة‪ ،‬وهففذا قففول‬
‫الجمهور‪ ،‬وهو الراجح – إن شاء الله – لقففوله ‪" :e‬مففن أدرك ركعففة مففن‬
‫الصلة فقد أدرك الصلة")‪ .(6‬فدل على أن الداخل مع المففام الففذي لففم‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫‪128‬‬

‫)( مسائل المام أحمد لبي داود )ص ‪ ،(35‬وانظر حاشية الروض لبن قاسم )‪ ،(2/275‬وشرح‬
‫المهذب )‪.(4/215‬‬
‫)( مسائل المام أحمد )ص ‪ (35‬والمغني )‪.(2/182‬‬
‫)( المغني )‪ ،(2/183‬وانظر‪ :‬القواعد لبن رجب "القاعدة الثامنة عشرة"‪.‬‬
‫)( مسائل المام أحمد )ص ‪.(35‬‬
‫)( المغني )‪.(2/130‬‬
‫)( تقدم تخريجه في الحكم السادس‪.‬‬

‫يتمكن من قراءة الفاتحة قد أدرك الركعة بمجرد إدراكه له راكعًا‪ ،‬قففال‬
‫ابن خزيمة‪) :‬باب إدراك المأموم المام ساجدًا‪ ،‬والمر بالقتداء بففه فففي‬
‫السجود‪ ،‬وأنه ل يعتد به؛ إذ المدرك للسجدة إنما يكون بففإدراك الركففوع‬
‫قبلها(‪ .‬ثم ساق الحديث)‪.(1‬‬
‫وكذلك فإن الرسول ‪ e‬أمر الففداخل بففأن يصفنع كمفا يصففنع المفام‪،‬‬
‫ومعلوم أنففه ل يحصففل المتثففال إل إذا ركففع مففع إمففامه‪ ،‬فففإذا أخففذ يقففرأ‬
‫الفاتحة فقد أدرك المام على حالة ولم يصنع كما صنع إمففامه‪ ،‬فخففالف‬
‫المر الذي وجب عليه امتثاله)‪.(2‬‬
‫وكذلك يؤيده حديث أبي بكرة – رضي الله عنففه – أنففه انتهففى إلففى‬
‫النبي ‪ e‬وهو راكع‪ ،‬فركع معه قبل أن يصل إلى الصف‪ ،‬فذكر ذلك للنبي‬
‫‪ e‬فقال‪" :‬زادك الله حرصا ً ول تعد")‪.(3‬‬
‫ووجه الدللة‪ :‬أنه لو لم يكن إدراك الركففوع مجففزئا ً لدراك الركعففة‬
‫مع المام لمره النبي ‪ e‬بقضاء تلك الركعة التي لم يدرك القراءة فيهففا‪،‬‬
‫ولم ينقل عنه ذلك وقت الحاجة‪ ،‬فدل علففى أن مففن أدرك الركففوع فقففد‬
‫أدرك الركعة)‪.(4‬‬
‫وأما أدلة وجفوب قفراءة الفاتحفة ففي الصفلة فهفي عامفة تشفمل‬
‫المسففبوق وغيففر المسففبوق‪ ،‬وحففديث أبففي بكففرة خففاص بالمسففبوق‪ ،‬ول‬
‫تعففارض بيففن العففام والخففاص‪ ،‬كمففا فففي الصففول‪ ،‬حيففث يخصففص العففام‬
‫بالخاص‪ ،‬ويكون المسبوق الذي لم يدرك القيام ومحل القففراءة خارجففا ً‬
‫من هذا العموم‪ ،‬والله أعلم)‪.(5‬‬
‫الحالة الثالثة‪ :‬أن يكون المام ساجدا ً أو بين السجدتين‬
‫إذا دخل المصلي المسجد والمام في السففجود سففجد معففه – لمففا‬
‫تقدم من قفوله ‪" :e‬إذا جئتفم إلففى الصفلة ونحففن سففجود فاسففجدوا‪ ،‬ول‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪129‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫صحيح ابن خزيمة )‪.(3/57‬‬
‫من كلم الشوكاني – رحمه الله – في رسالة لهن أوردها صاحب عون المعبود )‪.(3/157‬‬
‫تقدم تخريجه قريبًا‪.‬‬
‫انظر الصحيحة رقم )‪.(230‬‬
‫انظر مجموع الفتاوى )‪.(23/290‬‬

‫دوها شيئا ً ‪ – ". .‬أو بين السجدتين جلس معه؛ لعمفوم مفا تقففدم‪ ،‬ولففو‬
‫تع ّ‬
‫لم تحسب له هذه الركعة؛ لنه لم يدرك الركوع معه‪.‬‬
‫وقد ذكر أهل العلم – رحمهم الله تعالى – أن المصلي الذي أدرك‬
‫إمامه ساجدا ً أنه يكبر تكبيرة الحرام ثم يسجد مع إمامه من غير تكبير؛‬
‫لنه لم يدرك محل التكففبير‪ ،‬قففال ابففن قدامففة فففي المغنففي‪) :‬وإن أدرك‬
‫المام في ركن غير الركوع لففم يكففبر إل تكففبيرة الفتتففاح‪ ،‬وينحففط بغيففر‬

‫تكبير؛ لنه ل يعتد ّ له به‪ ،‬وقد فاته محل التكبير‪ ،‬وإن أدركه في السجود‬
‫أو التشهد الول كبر حال قيامه مع المام على الثالثة؛ لنه مأموم له‪،‬‬
‫فيتابعه في التكبير‪ ،‬كمن أدرك معه من أولها()‪.(1‬‬
‫وهففذا بخلف التكففبير للركففوع؛ فففإنه محسففوب لففه‪ ،‬وبخلف مففا إذا‬
‫انتقل بعد ذلك مع المام من السجود أو غيره‪ ،‬فإنه يكبر موافقة للمففام‬
‫في النتقال إليه‪ ،‬وإن كان غير محسففوب لففه‪ ،‬كمففا أفففاده ابففن قدامففة –‬
‫رحمه الله‪-‬‬
‫والقففول الثففاني‪ :‬أنففه ينحففط معففه بتكففبير‪ ،‬فيكففبر الولففى للحففرام‪،‬‬
‫والثانية ليقعد بها؛ لنه التزم متابعة المام وهو في القعففود أو السففجود‪،‬‬
‫والنتقال من القيام إلى السجود يكون بالتكبير‪ ،‬والله اعلم)‪.(2‬‬
‫ولو أحرم بالصلة وانحط ساجدا ً فرفع المام رأسففه قبفل أن يضففع‬
‫المأموم جبهته على الرض‪ ،‬فالظاهر أنه يرجع معففه ول يسففجد؛ لفففوات‬
‫محل المتابعة برفع المام رأسه من الرض قبففل وضففع المففأموم جبهتففه‬
‫عليها‪ ،‬بخلف ما إذا كان معه من أول الصلة‪.‬‬
‫ولو أدركه في السجدة الولى فانحط ساجدا ً فرفع المففام رأسففه‪،‬‬
‫وجلس بين السجدتين جلس معه المأموم‪ ،‬فإذا سجد الثانية سجد معه‪،‬‬
‫والله اعلم)‪.(3‬‬
‫الحالة الرابعة‪ :‬أن يكون المام في التشهد‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪3‬‬

‫‪130‬‬

‫)( المغني )‪ ،(2/183‬والمجموع شرح المهذب )‪.(4/218‬‬
‫)( شرح المهذب )‪ ،(4/218‬وحاشية ابن قاسم )‪ ،(2/277‬وانظر النصاف )‪ ،(2/225‬وانظر‬
‫السنن الكبرى للبيهقي )‪.(2/91‬‬
‫)( انظر القول التمام )ص ‪.(202‬‬

‫إذا دخل المسجد والمام في التشففهد فقففد فففاتته صففلة الجماعففة؛‬
‫لن صلة الجماعة ل تدرك إل بإدراك ركعة كاملة على القول المختار –‬
‫كما سيأتي إن شاء الله ‪.-‬‬
‫وهذا الذي دخل المسجد والمام في التشهد الصل أنه يففدخل مففع‬
‫المام؛ لعموم "إذا أتى أحففدكم والمففام علففى حففال فليصففنع كمففا يصففنع‬
‫المام")‪ .(1‬إل إذا كان يطمع بمجيء غيره فإن من العلماء من يففرى أنففه‬
‫ل يدخل مع المففام؛ لفففوات الجماعففة‪ ،‬ولففه ولمففن جففاء معففه أن يقيمففوا‬
‫جماعة ثانية)‪ – (2‬كما سيأتي بيانه إن شاء الله – يقول شيخ السلم ابففن‬
‫تيمية – رحمففه اللففه ‪) :-‬إذا كففان المففدرك أقففل مففن ركعففة وكففان بعففدها‬
‫جماعة أخرى فصلى معهم في جماعة صلة تامة فهذا أفضل‪ ،‬فإن هففذا‬
‫يكون مصليا ً في جماعة‪ ،‬بخلف الول()‪ ،(3‬والله أعلم‪.‬‬

‫الحكم الثالث عشر‬
‫ما تدرك به الجماعة‬
‫تدرك الجماعة بإدراك ركعة مع المام‪ ،‬فمن أدرك مع إمامه ركعففة‬
‫فقد أدرك الجماعة‪ ،‬ومن أدرك أقل من ركعة‪ ،‬كأن يدركه فففي السففجود‬
‫من الركعة الخيرة أو في التشهد؛ فقد فاتته الجماعة‪ ،‬وهذا هففو القففول‬
‫الراجح من قولي أهل العلم‪ ،‬ودليل ما رواه أبو هريرة – رضي الله عنه‬
‫– عن النبي ‪ e‬قال‪" :‬من أدرك ركعة من الصلة فقد أدرك الصلة")‪.(4‬‬
‫فهذا حديث صففريح يففدل بمنطففوقه علففى أن مففن أدرك ركعففة مففن‬
‫صلة المام فقد أدرك صلة الجماعة؛ لنففه نففص عففام فففي جميففع صففور‬
‫إدراك ركعة من الصلة‪ ،‬سواء كان إدراك جماعة‪ ،‬أو إدراك وقت‪.‬‬
‫ويدل بمفهومه على أن من أدرك أقل من ركعة لم يدرك الصففلة‪،‬‬
‫سواء كان إدراك جماعة‪ ،‬أو إدراك وقت‪.‬‬
‫والركعة ل تدرك إل بإدراك الركوع مع المام‪ ،‬بأن يجتمع مع المام‬
‫في حد أقل الركوع‪ ،‬ولو لم يدرك قراءة الفاتحة مع إمامه‪ ،‬وقففد مضففى‬
‫بيان ذلك‪.‬‬
‫أما من قال‪ :‬إن الجماعة تدرك بإدراك التكبير قبففل سففلم المففام؛‬
‫فهو قول مرجوج‪ ،‬ل يعضده دليل؛ لما يلي‪:‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫‪131‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫تقدم تخرجيه قريبًا‪.‬‬
‫انظر‪ :‬فتاوى ابن عثيمين)‪ (15/89‬وفتاوى ابن بارز )‪.(12/173‬‬
‫مجموع الفتاوى )‪.(23/257‬‬
‫تقدم تخريجه في الحكم السادس‪.‬‬

‫‪ (1‬أنه مبني على تعليففل‪ ،‬وهففو أن المففأموم أدرك جففزءا ً مففن صففلة‬
‫المام‪ ،‬فأشبه ما لو أدرك ركعة‪ ،‬وهذا تعليل في مقابلة نص‪.‬‬
‫‪ (2‬أنه ل يعرف في نصففوص الشففرع تعليففق الدراك تكففبيرة ل فففي‬
‫الوقت‪ ،‬ول في الجمعة‪ ،‬ول في الجماعة‪ ،‬فهو وصف ملغى فففي‬
‫نظر الشارع فل يجوز اعتباره‪ ،‬ول بناء الحكم عليه‪.‬‬
‫‪ (3‬أن ما دون الركعة ل يعتد به في الصففلة؛ لن المففأموم يسففتقبل‬
‫جميع صلته منفردا ً فلم يدرك مع إمامه شففيئا ً يحتسففب لففه بففه‪،‬‬
‫فتكون صلته كلها صلة منفرد)‪.(1‬‬
‫لكن بقي مسألة يسأل عنها‪ ،‬ويناسب ذكرها هنا؛ وهي‪ :‬هففل يجففوز‬
‫للمسففبوق أن يعتففد بالركعففة الففزائدة فففي حففق المففام‪ ،‬ويعتبرهففا ركعففة‬
‫صحيحة له؟ ومثال ذلك‪ :‬إمام قام إلى خامسة في رباعيففة – كففالظهر –‬
‫أو إلى رابعة في المغفرب سفاهيًا‪ ،‬وهنفاك مفأموم دخفل معفه ففي هفذه‬
‫الركعة‪ ،‬ولم يعلم أنها زائدة‪ ،‬فهل تحسب له ويكون قد أدرك الجماعة؟‬
‫الراجح من قولي أهل العلم أنه يعتد بها‪ ،‬فتحسب لففه مففن صففلته‪،‬‬
‫ويكون أدرك الجماعة؛ لنه أدرك مع المام ركعة‪ ،‬وهي وإن كانت زائدة‬
‫في حق المام فهو معذور بزيادتها؛ لنه لم يتعمدها‪ ،‬وهي صففحيحة فففي‬
‫حق المسبوق؛ لنها من صلته الصفلية‪ .‬ولفو قلنفا‪ :‬ل يعتفد بهفا لقتضفى‬
‫ذلففك جففواز أن يزيففد فففي الصففلة ركعففة متعمففدًا‪ ،‬وذلففك مبطففل للصففلة‬
‫بالجماع؛ لنه يقتضي أن يصلي الرباعية خمس فًا‪ ،‬والمغففرب أربع فًا‪ ،‬ومففا‬
‫لزم منه خرق الجماع ومخالفة الدلة الشرعية فهو غير صحيح‪.‬‬
‫وأما من قال‪ :‬إن المسبوق ل يعتد بها‪ ،‬لنها زيادة ل يعتد بها المام‬
‫فلم يعتد بها المأموم‪ ،‬ففيه نظففر؛ لن المففام ل يعتففد بهففا؛ لكونهففا زائدة‬
‫في حقه والمأموم يعتد بها؛ لكونها من صلته فكيففف نلغيهففا ونففأمره أن‬
‫يزيد في صلته؟! والله أعلم)‪.(2‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪132‬‬

‫)( انظر‪ :‬مجموع الفتاوى )‪ ،(23/257‬أحكام المامة والئتمام ص)‪.(360‬‬
‫)( انظر‪ :‬النصاف )‪ ،(2/127،128‬الفتاوى السعدية ص)‪ ،(153‬أحكام المامة والئتمام ص)‬
‫‪.(369‬‬

‫الحكم الرابع عشر‬
‫في صفة الصلة‬
‫ثبت عنه ‪ e‬أنه قال‪" :‬صففلوا كمففا رأيتمففوني أصففلي")‪ .(1‬وقففد بيففن‬
‫النبي ‪ e‬صفة الصلة بالقول والفعل‪ .‬وحريّ بالمكلف أن يتأسى بنففبيه‬
‫‪ e‬في صفففة صففلته‪ ،‬فففإن ذلففك أقففوى فففي إيمففانه‪ ،‬وأد ّ‬
‫ل علففى اتبففاعه‬
‫لرسول اللففه ‪ ،e‬وأكمففل فففي عبففادته‪ .‬وكففثير مففن النففاس يخل ّففون فففي‬
‫الصلة بأشففياء‪ ،‬إمفا جهل ً وإمففا تهاونفًا‪ ،‬وسفأذكر – بعففون اللفه – صففة‬
‫الصلة كما ثبت في السنة‪ ،‬مجرد عن الدليل خشية الطالة‪ ،‬مع عففزو‬
‫كل صفة إلى مصدرها من مصادر السنة‪ ،‬فأقول‪:‬‬
‫‪(1‬‬

‫يسففن القيففام إلففى الصففلة عنففد قففول المففؤذن‪" :‬قففد‬
‫قامت الصلة"‪ ،‬وإن قام عند رؤيففة المففام‪ ،‬أو عنففد أول القامففة‬
‫فل بأس؛ لن في المر سعة)‪ .(2‬ثم يكففبر تكففبيرة الحففرام قففائ ً‬
‫ل‪:‬‬
‫"الله أكبر"‪ ،‬ل يجزئ عنها غيرها)‪ ،(3‬رافعفا ً يففديه إلففى منكففبيه‪ ،‬أو‬
‫علففى فففروع أذنيففه‪ ،‬مبسففوطتين‪ ،‬مضففمومتي الصففابع مسففتقبل ً‬
‫ببطونهما القبلة)‪.(4‬‬
‫وما بعض الناس من الرفع إلى سرته‪ ،‬أو فوقها بقليل فهففو‬
‫قصور في تطبيق السنة‪.‬‬
‫وهذا الرفع مشروع في حق المرأة أيضًا؛ لن الصل أن مففا‬

‫ثبت في حق الرجال يثبت في حق النساء‪ ،‬وكففذا العكففس‪ ،‬إل مففا‬
‫دل الدليل على استثنائه)‪.(5‬‬
‫فإن وجد مانع من الرفع رفع حسب استطاعته‪ ،‬فإن كففان ل‬
‫يستطيع رفعها معًا‪ ،‬رفع واحدة‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪133‬‬

‫)( هذه الجملة وردت في حديث مالك بن الحويرث – رضي الله عنه – وقد انفرد بها البخاري )‬
‫‪ (631‬عن بقية أصحاب الكتب الستة‪.‬‬
‫)( انظر‪ :‬شرح النووي على مسلم )‪ ،(5/105‬بدائع الفوائد )‪.(3/80‬‬
‫)( زاد المعاد )‪.(1/201‬‬
‫)( الخاري )‪ ،(735‬ومسلم )‪ ،(391 ،390‬وانظر‪ :‬زاد المعاد )‪.(1/202‬‬
‫)( المغني )‪ ،(2/258‬مجموع فتاوى ابن عثيمين )‪.(74 ،13/73‬‬

‫والفضل أن يبففدأ التكفبير مففع رففع يففديه‪ ،‬وينهيففه مففع انتهففاء‬
‫الرفع؛ لن الرفففع للتكففبير‪ ،‬ولفه أن يقفدم الرفففع قبفل التكففبير‪ ،‬أو‬
‫يقدم التكبير قل الرفع)‪ .(1‬فإذا فرغ من تكففبيرة الحففرام سففن لففه‬
‫أن يقبض كوع يسراه بيمينه‬

‫)‪(2‬‬

‫أو يضع يده اليمنففى علففى ذراع اليففد‬

‫اليسرى‪ ،‬ثففم يضففعهما علففى صففدره)‪ ،(3‬وهففو دليففل الخشففوع والففذل‬
‫والنكسار بين يدي رب العالمين)‪.(4‬‬
‫والسنة أن ينظر المصلي إلى موضع سجوده؛ لنه أخشففع للقلففب‪،‬‬
‫وأكف للبصر‪ ،‬وأبلغ في الخضوع‪ ،‬ول فرق في ذلك بين المسجد الحرام‬
‫وغيره؛ لعدم المخصص)‪.(5‬‬
‫ولم يرد في المسافة بين القدمين حال القيام سنة عففن الرسففول‬
‫‪ ،e‬فتكون المسافة بحسب طبيعة النسان حال وقففوفه؛ لن كففل شففيء‬
‫لم يرد به صفة شرعية فإنه يبقى على طبيعته)‪.(6‬‬
‫‪(2‬‬

‫ثففم يسففتفتح وهففو سففنة‪ ،‬فيقففول‪" :‬سففبحانك اللهففم‬
‫وبحمففدك‪ ،‬وتبففارك اسففمك‪ ،‬وتعففالى جففدك‪ ،‬ول إلففه غيففرك")‪ ،(7‬أو‬
‫يقول‪" :‬اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعففدت بيففن المشففرق‬
‫والمغرب‪ ،‬اللهم نقني من خطاياي كما ينقففى الثففوب البيففض مففن‬
‫الدنس‪ ،‬اللهم اغسلني مففن خطايففاي بالمفاء والثلففج والففبرد")‪ ،(8‬أو‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫‪8‬‬

‫‪134‬‬

‫)( انظر‪ :‬نيل الوطار )‪.(2/179‬‬
‫)( أبو داود )‪ ،(723‬النسائي )‪ .(2/97‬وإسناده صحيح‪ .‬وانظر‪ :‬التلخيص )‪.(1/238‬‬
‫)( البخاري )‪ ،(740‬ابن خزيمة )‪ ،(479‬البيهقي )‪ ،(2/30‬وانظر‪ :‬الشرح الممتع )‪.(3/46‬‬
‫)( انظر‪ :‬الخشوع في الصلة‪ ،‬لبن رجب ص)‪.(36-35‬‬
‫)( الشرح الممتع )‪.(3/51‬‬
‫)( انظر‪ :‬النصاف )‪.(2/69‬‬
‫)( أبو داود )‪ ،(775‬والترمذي )‪ ،(242‬النسائي )‪ ،(2/132‬وابن ماجه )‪ ،(806‬والحاكم )‪(1/235‬‬
‫وصححه الحاكم‪ ،‬ووافقه الذهبي‪ .‬والحديث له عدة طرق‪ ،‬عن عمر وأبي سعيد وعائشة رضي الله‬
‫عنهم‪ ،‬وقد أخرجه مسلم )‪ (399‬بسند فيه انقطاع‪ ،‬لكن مسلما ً أورده عرضا ً ل قصدًا‪ ،‬وانظر‪:‬‬
‫شرح النووي )‪.(3/354‬‬
‫وفي رفع هذا الحديث مقال لهل العلم‪ ،‬وقد صح عن عمر موقوفًا‪ ،‬وله حكم الرفع‪ .‬وقد‬
‫اختار المام أحمد هذا الستفتاح لعشرة أوجه‪ ،‬ذكرها ابن القيم في زاد المعاد )‪.(1/205‬‬
‫)( البخاري )‪ ،(744‬ومسلم )‪.(598‬‬

‫غيففر ذلففك إحيففاء للسففنة‪ ،‬وهففو أحضففر للقلففب‪ ،‬وأدعففى لفهففم مففا‬
‫يقول)‪.(1‬‬
‫ثم يستعيذ للقراءة‪ ،‬والستعاذة سنة؛ ثم يبسمل‪ ،‬وهي‬
‫‪(3‬‬
‫سنة أيضًا‪ ،‬ثم يقرأ الفاتحة سواء كان إماما ً أو مأموما ً أو منفففردًا‪،‬‬
‫وسواء كانت الصلة سرية أو جهرية‪ ،‬فيقرأ المأموم الفاتحففة ولففو‬
‫في أثناء جهر المام بالقراءة)‪(2‬؛ لن الفاتحة ركن ل تصففح الصففلة‬
‫إل بهففا‪ ،‬إل المسففبوق إذا أدرك المففام فففي الركففوع فقففد أدرك‬
‫الركعة‪ ،‬وتسقط عنه الفاتحة – كما تقدم ‪.-‬‬
‫ويجب أن تكون قراءة الفاتحة في حال القيام‪ ،‬فإن قرأ شيئا ً‬
‫منها قبل أن يقوم إلى الركعة الثانية بل عذر لم تصح)‪.(3‬‬
‫ول بففد أن يقففرأ الفاتحففة تامففة متواليففة‪ ،‬مففع تشففديداتها‪ ،‬فففإن‬
‫أسقط منها حرفا ً أو لحن فيهففا لحنفا ً يغيفر المعنفى لفم تصففح‪ ،‬وإذا‬
‫انتهى من قراءتها قال‪ :‬آمين‪ .‬والسنة أن يكون تأمين المأموم مع‬
‫تأمين المام – كما تقدم أيضا ً ‪ ،-‬ثم يقففرأ مففا تيسففر مففن القففرآن‪،‬‬
‫وإن كان مأموم فا ً قففرأ بقففدر إطالففة الصففلة – كففالظهر مثل ً ‪-‬؛ لن‬
‫الصلة ليس فيها سكوت إل فيحال جهر المام‪.‬‬
‫ثم يسكت بعد قراءته سكتة لطيفففة‪ ،‬ثففم يركففع رافع فا ً‬
‫‪(4‬‬
‫يديه – كما تقدم ‪ ،-‬والمجزئ من الركوع هو النحناء بحيث يمكنففه‬
‫س ركبتيه بيديه)‪.(4‬‬
‫م ّ‬
‫والركوع الموافق للسنة ما اجتمع فيه أربع صفات‪:‬‬
‫الولى‪ :‬أن يمففد ظهففره ويبسففطه فل يقوسففه ول يهصففره بحيففث‬
‫ينفزل وسطه‪.‬‬
‫الثانية‪ :‬أن يجعل رأسه حيال ظهره‪ ،‬فل يرفعه ول يخفضه)‪.(5‬‬
‫الثالثة‪ :‬أن يضع كفيه على ركبتيه‪ ،‬مفّرجتي الصابع‪ ،‬قابض فا ً بهمففا‬
‫على ركبتيه‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪135‬‬

‫)( وهذا الذي ينبغي في العبادات الواردة على وجوه متعددة كأفعال الصلة وأقوالها – كما تقدم‬
‫ص )‪ ،(58‬انظر‪ :‬قواعد ابن رجب "القاعدة الثانية عشرة"‪ ،‬مجموع فتاوى ابن تيمية )‪.(22/459‬‬
‫)( مجموع الفتاوى )‪ ،(22/340‬نيل الوطار )‪ ،(2/243‬فتاوى الشيخ ابن باز )‪ ،(1/61‬مجموع‬
‫فتاوى الشيخ بن عثيمين )‪.(13/154‬‬
‫)( مجموع فتاوى ابن عثيمين )‪.(13/352‬‬
‫)( منتهى الرادات )‪ ،(1/214‬المجموع شرح المهذب )‪.(3/406‬‬
‫)( مسلم )‪ ،(498‬وابن ماجه )‪ ،(872‬وانظر‪ :‬مجمع الزوائد )‪ ،(2/305‬فتح الباري )‪.(2/275‬‬

‫الرابعة‪ :‬أن يجافي مرفقيه عن جنبه ما لففم يففؤذ أحففدًا‪ ،‬وإل تففرك‬
‫ذلك)‪ ،(1‬ثم يقول‪ :‬سبحان ربي العظيففم)‪ .(2‬والففواجب مففرة واحففدة‪،‬‬
‫والفضل الكثار من التسبيح على مقففدار تطويففل الصففلة)‪ ،(3‬إل إذا‬
‫اكن إماما ً فل يطيل‪ ،‬إل علففم مففن حففال المففأمومين أنهففم يففؤثرون‬
‫ذلك‪.‬‬
‫وإن قال‪" :‬سبحانك اللهم ربنا وبحمدك‪ ،‬اللهم اغفففر لففي")‪ (4‬فحسففن‪ ،‬أو‬
‫غير ذلك من أذكار الركوع الواردة في السنة)‪.(5‬‬
‫ثم يرفع رأسه مففن الركففوع مكففبرا ً رافعفا ً يففديه – كمففا‬
‫‪(5‬‬
‫تقففدم ‪ ،-‬ويعتففد قائمففا ً حففتى يرجففع كففل عضففو إلففى موضففعه)‪،(6‬‬
‫ويطمئن)‪ ،(7‬ويقول حال رفعه‪" :‬سمع الله لمن حمده"‪ ،‬إماما ً كان‬
‫أو منفردًا‪ ،‬ثم يقول وهففو قففائم‪" :‬ربنففا ولففك الحمففد")‪ ،(8‬أو يقففول‪:‬‬
‫"ربنا ولك الحمد حمدا ً كففثيرا ً طيبفا ً مباركفا ً فيففه‪ ،‬ملففء السففماوات‬
‫وملء الرض وملء ما بينهما‪ ،‬وملء ما شئت من شيء بعد‪ ،‬أهل‬
‫الثناء والمجد‪ ،‬أحففق مففا قففال العبففد‪ ،‬وكلنففا لففك عبففد‪ ،‬ل مففانع لمففا‬
‫أعطيت‪ ،‬ول معطي لما منعت‪ ،‬ول ينفع ذا الجد منك الجد")‪.(9‬‬
‫ويضع يده اليمنى على ذراعه اليسفرى حفال قيفامه؛ لنفه لفم‬
‫يثبت عن النبي ‪ e‬التفريق بين ما قبل الركوع وما بعد الرفففع منففه‪،‬‬
‫بل ظاهر السنة هو الوضع المذكور)‪.(10‬‬
‫ثم يهففوي للسففجود مكففبرًا‪ ،‬والفضففل أن يكففون ابتففداء‬
‫‪(6‬‬
‫التكبير مع ابتداء انحطاطه‪ ،‬وانتهاؤه مع انتهائه‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬
‫‪9‬‬
‫‪10‬‬

‫‪136‬‬

‫)( الخاري )‪ ،(828‬والترمذي )‪ ،(260‬وأبو داود )‪.(734) ،(731‬‬
‫)( أبو داود )‪ ،(869‬وابن ماجه )‪ ،(87‬وانظر‪ :‬صفة صلة النبي ‪ e‬لللباني ص)‪.(132‬‬
‫)( انظر‪ :‬سنن الترمذي )‪ (2/57‬والمصر السابق‪.‬‬
‫)( الخاري )‪ ،(4968‬ومسلم )‪.(484‬‬
‫)( الذكار للنووي ص)‪.(50‬‬
‫)( الخاري )‪.(828‬‬
‫)( الخاري )‪ ،(757‬ومسلم )‪.(397‬‬
‫)( الخاري )‪ ،(789‬مسلم )‪.(28 /392‬‬
‫)( مسلم )‪.(477‬‬
‫)( البخاري )‪ ،(740‬وانظر‪ :‬رسالة الشيخ‪ :‬عبد العزيز بن باز – رحمه الله – )أين يضع المصلي‬
‫يديه بعد الرفع من الركوع( ضمن "ثلث رسائل في الصلة" من مطبوعات الجامعة السلمية‬
‫بالمدينة النبوية‪ .‬وانظر‪ :‬النكت على المحرر لبن مفلح )‪.(1/62‬‬

‫والسنة أن يضع المصلي ركبتيه على الرض ثم يديه ثم‬
‫جبهته وأنفه)‪ ،(1‬فإن احتاج لتقديم يديه قبل ركبففتيه لكففبر أو مففرض‬
‫فله ذلك‪ .‬فيسجد على جبهتففه مففع أنفففه‪ ،‬ويففديه وركبففتيه وأطففراف‬
‫قدميه‪ .‬والسجود الموافق للسنة ما اجتمع فيه أربع صفات‪:‬‬
‫الولى‪ :‬أن يجعل يديه حال سجوده حففذو منكففبيه‪ ،‬ولففه أن يسففجد‬
‫بين كفيه‪ ،‬وله أن يجعلهما حذو أذنيه‪،‬‬

‫فكل ذلففك ورد فففي‬

‫السنة)‪.(2‬‬
‫الثانية‪ :‬أن يبسط كفيه‪ ،‬مضموتي الصابع إلى القبلة)‪.(3‬‬
‫الثالثة‪ :‬أن يجافي عضديه عن جنبيه‪ ،‬وبطنه عن فخففذيه‪ ،‬وفخففذيه‬
‫عن ساقية)‪ ،(4‬وهذه المجافاة سنة ما لم يؤذ من يجانبه‪ ،‬فففإن‬
‫حصل ذلك ترك المجافاة‪.‬‬
‫الرابعة‪ :‬أن يضم قدميه في أثناء السجود‪ ،‬ويثني أصابعهما بحيففث‬
‫تكون في اتجاه القبلة)‪.(5‬‬
‫ويسن العتدال في السجود‪ ،‬ول ينبغي المتففداد الففزائد‪ ،‬فففإنه‬
‫خلف السفففنة)‪ ،(6‬ول يبسفففط ذراعيفففه علفففى الرض‪ ،‬إل إذا طفففال‬
‫السجود فله أن يعتمد بمرفقيه على فخذيه)‪ ،(7‬وينبغي للمصلي أن‬
‫يباشر الرض بجبهته إل إن كان الحائل منفصل ً – كفراش المسجد‬
‫– فيجوز‪ ،‬فإن كان متصل ً – كطرف ثوبه أو غترته ونحو ذلك – كره‬
‫السجود عليه إل لحاجة‪ ،‬كففبرد أو حففر أو شففوك ونحففو ذلففك)‪ ،(8‬ثففم‬
‫يقول‪ :‬سبحان ربي العلى)‪ ،(9‬ثلثًا‪ ،‬ويجزئ واحدة‪ ،‬ولففه أن يقففول‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬
‫‪9‬‬

‫‪137‬‬

‫)( أبو داود )‪ ،(838‬والنسائي )‪ ،(2/206‬والترمذي )‪ (268‬وقال‪ :‬حديث حسن غريب‪ .‬وانظر‪:‬‬
‫المغني )‪ ،(1/193‬وزاد المعاد )‪ ،(1/223‬والشرح الممتع )‪.(3/154‬‬
‫)( أبو داود )‪ ،(734‬والترمذي )‪ (171 ،270‬وقال عن كل واحد منهما‪ :‬حديث حسن صحيح‪.‬‬
‫)( سنن الترمذي )‪.(61-2/59‬‬
‫)( البخاري )‪ ،(390‬ومسلم )‪.(495‬‬
‫)( الشرح الممتع )‪ .(3/169‬صفة صلة النبي ‪ – e -‬لللباني‪ ،‬ص)‪ ،(142‬وانظر‪ :‬رسالة "ل جديد‬
‫في أحكام الصلة" لبكر أبو زيد –الطبعة الثالثة – فقد أثبت أن السنة في القدمين حال السجود‬
‫هو التفريق باعتدال على سمت البدن وضّعف القول برص الساجد عقبيه‪ ،‬والله اعلم‪.‬‬
‫)( مجموع فتاوى ابن عثيمين )‪.(13/187‬‬
‫)( أبو داود )‪ ،(902‬والترمذي‪ .‬وانظر‪ :‬فتح الباري )‪ ،(2/294‬والتنقيح المشبع ص)‪.(69‬‬
‫)( المغني )‪ ،(1/197‬الشرح الممتع )‪.(3/160‬‬
‫)( أبو داود )‪ ،(871‬والترمذي )‪ (262‬وقال‪ :‬حديث حسن صحيح‪.‬‬

‫"سبحانك اللهم ربنا وبحمدك‪ ،‬اللهم اغفر لي")‪ ،(1‬أو يقول‪" :‬اللهففم‬
‫اغفر لي ذنبي كله دقة وجله وأوله وآخره وعلنيته وسففره"‬

‫)‪(2‬‬

‫إلففى‬

‫غير ذلك مما ثبففت فففي السففنة‪ ،‬وينبغففي الكثففار مففن الففدعاء حففال‬
‫السجود‪ ،‬لقرب العبد من ربه تبارك وتعالى)‪.(3‬‬
‫ثم يرفع رأسه مكبرا ً في حال رفعه‪ ،‬ويجلس مفترشا ً‬
‫‪(7‬‬
‫رجله اليسرى‪ ،‬ناصبا ً اليمنى‪ ،‬مسففتقبل ً بأصففابعها القبلففة)‪ ،(4‬ويضففع‬
‫يديه علففى فخففذيه‪ ،‬وأطففراف أصففابعه عنففد ركبففتيه‪ ،‬ولففه أن يضففع‬
‫اليمنى على الركبة‪ ،‬واليسرى يلقمهففا الركبففة كالقففابض لهففا‪ ،‬وكل‬
‫اليدين تكون مبسوطة مضمومة الصففابع‪ ،‬موجهففة إلففى القبلففة)‪،(5‬‬
‫وإن قبض من اليد اليمنى الخنصر – وهففي الصففبع الكففبيرة – مففع‬
‫الوسطى‪ ،‬أو غير ذلك من الصفففات‪ ،‬ورفففع السففبابة يحركهففا عنففد‬
‫الففدعاء جففاز‪ ،‬فقففد قففال بففذلك بعففض العلمففاء اسففتنادا ً لبعففض‬
‫النصوص)‪.(6‬‬
‫)‪(7‬‬

‫ويقول‪ :‬ربي اغفر لي‬

‫ثلثًا‪ ،‬ويجزئ واحففدة‪ ،‬ولففه أن يقففول‪:‬‬

‫"اللهم اغفر لي وارحمني وعافني واهدني وارزقني")‪.(8‬‬
‫ثم يسجد الثانية كالولى في الهيئة والدعاء‪ ،‬ثم يرفففع‬
‫‪(8‬‬
‫مكبرا ً ناهضا ً على صدور قدميه)‪ ،(9‬معتمدا ً بيففديه علففى ركبففتيه إن‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪6‬‬

‫‪7‬‬

‫‪8‬‬

‫‪9‬‬

‫‪138‬‬

‫)( تقدم تخريجه‪.‬‬
‫)( مسلم )‪.(483‬‬
‫)( الذكار للنووي )‪ ،(53‬وصفة الصلة لللباني ص)‪.(145‬‬
‫)( مسلم )‪ ،498‬وأبو داود )‪ ،(958‬والنسائي )‪ ،(2/187‬وانظر‪ :‬المغني )‪.(2/205‬‬
‫)( يرى الفقهاء – رحمهم الله – أن اليد اليمنى تبسط بين السجدتين كما تبسط اليسرى‪ ،‬وحملوا‬
‫الحاديث التي فيها القبض على الجلوس للتشهد‪ ،‬وانظر‪ :‬فتاوى ابن باز )‪.(11/146‬‬
‫)( قال بذلك ابن القيم كما في زاد المعاد )‪ ،(1/238‬وتبعه على ذلك الشيخ محمد العثيمين كما‬
‫في مجموع فتاواه )‪ ،(211 – 13/191‬وانظر‪ :‬رسالة "ل جديد في أحكام الصلة" لبكر أبو زيد‬
‫ص)‪.(38‬‬
‫)( أبو داود )‪ ،(874‬والنسائي )‪ ،(2/183‬وابن ماجه )‪ ،(897‬والحاكم )‪،(1/271‬وصححه على‬
‫شرطهما ووافقه الذهبي‪ ،‬وحسنه اللباني في صفة الصلة ص)‪.(153‬‬
‫)( أبو داود )‪ ،(850‬والترمذي )‪ ،(284‬وابن ماجه )‪ ،(898‬والحاكم )‪ (1/271‬وصححه ووافقه‬
‫الذهبي‪ .‬وحسنه النووي في "الذكار" ص)‪ (56‬وقد نقل الترمذي في هذا الموضع عن الشافعي‬
‫وأحمد وإسحاق أنهم يرون أن هذا الدعاء جائز في المكتوبة والتطوع‪.‬‬
‫)( أبو داود )‪ ،(838) ،(992‬والنسائي )‪ ،(2/186‬وابن خزيمة )‪.(629‬‬

‫سهل‪ ،‬وإل اعتمد علففى الرض)‪ ،(1‬ول يجلففس جلسففة السففتراحة –‬
‫وهي جلسة خفيفة كهيئة الجلوس بيففن السففجدتين – إل إن فعلهففا‬
‫إمامه‪ ،‬وإل نهض لئل يخالفه)‪.(2‬‬
‫‪(9‬‬

‫ثم يصلي الركعة الثانية كالولى‪ ،‬سوى تكبيرة الحرام‬
‫والستفتاح‪ ،‬ول يستعيذ للقففراءة فففي الركعففة الثانيففة؛ لن الصففلة‬
‫جملففة واحففدة‪ ،‬إل إذا لففم يتعففوذ فففي الركعففة الولففى لكففونه أدرك‬
‫المام راكعًا‪ ،‬فيتعوذ إذا قام للقراءة‪ ،‬أما البسملة فتسن في كففل‬
‫ركعة؛ لنها تستفتح بها السورة)‪.(3‬‬

‫‪(10‬‬

‫فففإذا فففرغ مففن الركعففة الثانيففة جلففس للتشففهد الول‬
‫كجلوسه بين السجدتين‪ ،‬ويضع يديه على فخذيه‪ ،‬ويقبض الخنصففر‬
‫والبنصر‪ ،‬ويحلففق حلقففة بالبهففام مففع الوسففطى‪ ،‬أو يضففم الخنصففر‬
‫والبنصر والوسطى ويضم إليها البهام‪ ،‬وتبقففى السففبابة مفتوحففة‪،‬‬
‫أما اليسفرى فهفي مبسفوطة‪ ،‬مضفمومة الصفابع‪ ،‬وأطرافهفا إلفى‬
‫القبلة)‪ ،(4‬ويرفع السبابة يشير بها)‪ ،(5‬ويرمي ببصره إليها)‪.(6‬‬
‫ثم يقرا التشهد‪ ،‬وله صيغ متعددة‪ ،‬وبأي تشهد تشّهد مما صح‬
‫عن النبي ‪ e‬جاز)‪ ،(7‬فإن تشهد بنوع مرة وبنوع مففرة أخففرى فهففو‬
‫أفضل‪ .‬ومن ذلك‪" :‬التحيات للففه والصففلوات والطيبففات‪ ،‬السففلم‬
‫عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته‪ ،‬السففلم علينففا وعلففى عبففاد‬

‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪6‬‬

‫‪7‬‬

‫‪139‬‬

‫)( انظر‪ :‬المغني )‪ ،(2/215‬ويرى مالك والشافعي أن السنة أن ينهض معتمدا ً على يديه لحديث‬
‫مالك بن الحويرث‪) :‬أنه ‪ e‬لما رفع راسه من السجدة الثانية استوى قاعدا ً ثم اعتمد على الرض(‬
‫أخرجه النسائي )‪ (2/186‬ولعل ذلك محمول على أنه كان منه ‪ e‬لمشقة القيام عليه لضعفه‬
‫وكبره‪ ،‬وبهذا تجتمع الدلة‪ ،‬وهو قول صاحب المغني )‪.(2/214‬‬
‫)( مجموع فتاوى ابن تيمية ‪ ،(022/425‬الممتع )‪ .(3/112‬وفي جلسة الستراحة خلف بين أهل‬
‫العلم‪ ،‬فمنهم من قال‪ :‬إنها سنة‪ ،‬ومنهم من قال‪ :‬إنها تشرع عند الحاجة‪ ،‬وهو الذي اختاره ابن‬
‫قدامة وابن القيم‪ .‬فانظر‪ :‬المغني )‪ ،(2/213‬زاد المعاد )‪.(1/240‬‬
‫)( المغني )‪.(2/215‬‬
‫)( مسلم )‪.(580) (579‬‬
‫)( أبو داود )‪ ،(726‬والنسائي )‪ ،(2/126‬وابن الجارود )‪ ،(208‬وابن خزيمة )‪،(356 ،1/355‬‬
‫وإسناده صحيح‪ ،‬وانظر‪ :‬زاد المعاد )‪ (1/238‬فتاوى ابن باز )‪.(11/185‬‬
‫)( أبو داود )‪ (990‬والنسائي )‪ (3/39‬وأحمد )‪ (26/25‬وابن خزيمة )‪ (719 ،718‬وهو حديث‬
‫صحيح‪.‬‬
‫)( المغني )‪ ،(2/202‬صفة الصلة لللباني ص)‪.(161‬‬

‫اله الصالحين‪ ،‬أشهد أن ل إله إل اللفه‪ ،‬وأشفهد أن محمفدأ عبفده‬
‫)‪(1‬‬
‫ورسوله"‬
‫فإن فففرغ المففأموم مففن هففذا التشففهد قبففل قيففام إمففامه إلففى‬
‫الركعة الثالثة فإنه يقرأ بقيففة التشففهد‪ ،‬وهففو قففوله‪) :‬اللهففم صففل‬
‫على محمد ‪(. . .‬إلخ‪ ،‬ل سيما إن كان المام يكمل التشهد‪ ،‬فففإن‬
‫المففأموم يكملففه؛ لنففه تففابع لمففامه)‪ ،(2‬ولن الصففلة ليففس فيهففا‬
‫سكوت إل حال قراءة المام‪.‬‬
‫فإذا فففرغ مففن التشففهد الول نهففض إلففى الثالثففة كمففا‬
‫‪(11‬‬
‫تقدم في صفة النهففوض مففن السففجود إلففى الركعففة الثانيففة‪ ،‬فففإذا‬
‫اعتدل رفع يديه – كما فعل عند تكبيرة الحرام – ويصلي الركعففة‬
‫الثالثة – إن كانت الصلة ثلثية – ويقتصر على قففراءة الفاتحففة)‪.(3‬‬
‫وإن قرأ أحيانا ً شيئا ً مع الفاتحففة فهففذا أفضففل‪ ،‬ل سففيما عففن كففان‬
‫مأموما ً وفرغ من الفاتحة قبل أن يركع إمامه‪ ،‬لما تقدم)‪.(4‬‬
‫وفي آخرها يجلس للتشهد الخير متوّركًا‪ ،‬وصفته‪ :‬أن‬
‫‪(12‬‬
‫يفرش رجله اليسرى‪ ،‬ويخرجها عن يمينه‪ ،‬وينصب اليمنى‪ ،‬جفاعل ً‬
‫مقعدته على الرض)‪ (5‬أو يفففرش قففدميه كليهمففا‪ ،‬ويخرجهمففا مففن‬
‫الجانب اليسففر)‪ .(6‬أو يفففرش اليمنففى ويففدخل اليسففرى بيففن فخففذ‬
‫وساق الرجل اليمنى)‪ ،(7‬والفضل أن يفعل هذا تارة‪ ،‬وهففذا تففارة‪،‬‬
‫كما تقدم‪ .‬والمرأة كالرجل في ذلك)‪.(8‬‬
‫ثم يقرأ التشهد الخير كالول‪ ،‬ويزيففد الصففلة علففى النففبي ‪،e‬‬
‫وقد وردت بألفاظ متعددة)‪ ،(9‬ثم يتعوذ قائ ً‬
‫ل‪" :‬اللهم إني أعوذ بففك‬
‫من عذاب جهنم‪ ،‬ومن عذاب القبر‪ ،‬ومن فتنففة المحيففا والممففات‪،‬‬
‫ومن شّر فتنة المسيح الدجال")‪ (10‬ثففم يففدعو بمففا شففاء مففن أمففور‬
‫دينه ودنياه‪ ،‬ومن الوارد‪" :‬اللهم إني ظلمت نفسففي ظلم فا ً كففثيرًا‪،‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬
‫‪9‬‬
‫‪10‬‬

‫‪140‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫البخاري )‪ ،(835‬ومسلم )‪.(402‬‬
‫انظر‪ :‬صفة الصلة لللباني ص)‪.(164‬‬
‫البخاري )‪ ،(776‬ومسلم ‪.(0451‬‬
‫مسلم )‪.(452‬‬
‫البخاري )‪.(828‬‬
‫أبو داود )‪ (965‬والترمذي )‪ (304‬وقال‪ :‬حديث حسن صحيح‪.‬‬
‫مسلم )‪.(579‬‬
‫الشرح الممتع )‪.(3/301‬‬
‫صفة الصلة ص)‪.(164‬‬
‫البخاري )‪ (835‬ومسلم )‪.(588‬‬

‫ول يغفر الذنوب إل أنت‪ ،‬فاغفر لي مغفرة من عنففدك‪ ،‬وارحمنففي‬
‫إنك أنت الغفور الرحيم")‪" ،(1‬اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت‪،‬‬
‫وما أسررت وما أعلنت‪ ،‬وما أسرفت‪ ،‬وما أنت أعلم به مني‪ ،‬أنت‬
‫المقدم وأنت المؤخر‪ ،‬ل إله إل أنت")‪.(2‬‬
‫ثم يسلم عن يمينه قائ ً‬
‫ل‪ :‬السلم عليكففم ورحمففة اللففه‪ ،‬وعففن‬
‫يساره كذلك‪ ،‬ويبالغ في اللتفات حتى يرى بياض خده)‪ ،(3‬وإن زاد‬
‫أحيانا ً "وبركففاته" جففاز لثبففوت ذلففك عففن النففبي ‪ (4)e‬لكففن ل يففداوم‬
‫عليها؛ لنها لم ترد في أكثر أحاديث السلم‪.‬‬
‫ول أصل للمصافحة بعد الصلة – كمففا يفعلففه بعففض النففاس –‬
‫فيصافح الذي عن يمينه وشماله‪ ،‬قائ ً‬
‫ل‪ :‬تقبل الله‪ ،‬سواء كان ذلك‬
‫بعد صلة الفجر والعصر أو بعففد كففل صففلة‪ ،‬فففإن هففذا مففن البففدع‬
‫المحدثة التي ل أصل لها في الشرع‪ ،‬مع ما فيها من الشغال عن‬
‫الذكر‪ ،‬ولم يفعل ذلك الصحابة – رضففي اللففه عنهففم – ومففن سففار‬
‫على نهجهم من سلف هففذه المففة‪ ،‬والمصففافحة إنمففا تشففرع عنففد‬
‫الملقاة‪ ،‬ل في أثناء المجالسة‪.‬‬
‫ومثل ذلك ما يفعله بعض المصلين من الشارة بالكف يمنففة‬
‫ويسرة مع التسليم فهو بدعة؛ لن إحداث هيئة فففي العبففادات لففم‬
‫يرد فيها دليل داخل في مسمى البدعة)‪ ،(5‬والله أعلم‪.‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪4‬‬

‫‪5‬‬

‫‪141‬‬

‫)( البخاري )‪ (834‬ومسلم )‪.(2705‬‬
‫)( مسلم )‪.(771‬‬
‫)( أبو داود )‪ (996‬والنسائي )‪ (3/52‬والترمذي )‪ (295‬وابن ماجه )‪ (914‬وقال الترمذي‪ :‬حديث‬
‫حسن صحيح‪.‬‬
‫)( أبو داود )‪ ،(997‬قال الحافظ في البلوغ )‪ :(1/84‬بسند صحيح‪ .‬أ هف‪ .‬وقد اختلفت كلمة العلماء‬
‫في ثبوت كلمة )وبركاته( في التسليمة الثانية‪ ،‬فلم يذكرها عبد الحق في الحكام الوسطى )‬
‫‪ (1/413‬وابن الثير في جامع الصول )‪ (5/410‬والزيلعي في نصب الراية )‪ (1/432‬وقد سقطت‬
‫من طبعة محمد محيي الدين لسنن أبي داود )‪ (1/265‬لكنها موجودة في النسخة الهندية‪ ،‬وفي‬
‫طبعة الدعاس ص)‪ (607‬وقد تكون عن الهندية‪ ،‬وقد نسبها إلى أبي داود الحافظ في البلوغ –‬
‫وقد حذفت من بعض الطبعات ‪ ،-‬وفي التلخيص )‪ (1/289‬مع أنه أنكرها في نتائج الفكار )‬
‫ص عليها‬
‫‪ ،(2/236‬كما نسبها إلى أبي داود ابن دقيق العيد في اللمام رقم )‪ ،(260‬وقد ن ّ‬
‫الصنعاني في سبل السلم )‪ ،(1/380‬وقد وردت – أيضا ً – في حديث ابن مسعود عند ابن ماجه –‬
‫كما ذكر الحافظ في التلخيص – لكنها غير موجود في طبعة محمد فؤاد عبد الباقي )‪ .(914‬وذكر‬
‫الرناؤوط أنها في نسخة خطية في السنن لبن ماجه في دار الكتب الظاهرية‪ ،‬وذلك في تعليقه‬
‫على شرح السنة )‪.(3/205‬‬
‫)( انظر‪ :‬مجموع الفتاوى )‪ ،(23/339‬فتاوى العز بن عبد السلم ص)‪ ،(47 ،46‬ورسالة‪" :‬تمام‬
‫الكلم في بدعية المصافحة بعد السلم"‪.‬‬

‫الحكم الخامس عشر‬
‫في الذكر بعد الصلة‬
‫للذكر بعد الصلة شأن عظيم‪ ،‬حث عليه النبي ‪ ،e‬ورغب فيه قففول ً‬
‫وفع ً‬
‫ل‪ ،‬وقد دل ذلك مجمل ً قوله تعالى‪ :‬وأدبار السجود‪ (1)‬قففال ابففن‬
‫عباس – رضي الله عنهما – )أمره أن يسبح في أدبار الصلوات كلها()‪.(2‬‬
‫ولففذا قففال المففام النففووي – رحمففه اللففه ‪) :-‬أجمففع العلمففاء علففى‬
‫استحباب الذكر بعد الصلة‪ ،‬وجاء فيه أحاديث كثيرة صحيحة فففي أنففواع‬
‫منه متعددة()‪.(3‬‬
‫والذكر بعد الصلة من المواضع التي يتأكد فيهففا الففذكر)‪ .(4‬فينبغففي‬
‫للمسففلم أن يتعلففم هففذه الذكففار‪ ،‬وأن يحففرص علففى التيففان بهففا فففي‬
‫مواضعها‪ ،‬وأل تأخذه العجلة‪ ،‬فيتركها‪ ،‬فيفوته خير كثير‪ ،‬كمففا عليففه كففثير‬
‫من الناس اليوم‪.‬‬
‫وسأذكر شيئا ً من هذه الذكار بسياق أحاديثها؛ ليكون المسلم على‬
‫بصيرة من ذلففك إن شففاء اللففه تعففالى‪ ،‬وليحففرص علففى التقيففد باللفففاظ‬
‫الواردة عنه ‪e‬؛ لن ذلك أكمل في التعبد‪.‬‬
‫روى ثوبان – رضي الله عنه – قال‪ :‬كان رسول الله ‪ e‬إذا انصففرف‬
‫من صلته اسففتغفر ثلث فًا‪ ،‬وقففال‪" :‬اللهففم أنففت السففلم‪ ،‬ومنففك السففلم‪،‬‬
‫تباركت ذا الجلل والكرام"‪ ،‬وفي روايففة لحففديث عائشففة – رضففي اللففه‬
‫عنها ‪" :-‬يا ذا الجلل والكرام"‪ ،‬قيل للوذاعي – وهففو أحففد رواة حففديث‬
‫ثوبان ‪ :-‬كيف الستغفار؟ قال‪ :‬تقول‪ :‬استغفر الله‪ ،‬استغفر الله)‪.(5‬‬
‫وأما زيادة لفظ )وتعاليت( بعد لفظ تبففاركت فهففي وإن كففانت مففن‬
‫ألفاظ الثناء على الله تعالى ووردت في أحاديث أخرى‪ ،‬إل أنففه ل أصففل‬
‫لها في هذا الموضع‪ .‬والله أعلم‪.‬‬
‫وعن المغيرة بن شعبة – رضي الله عنه – أن النففبي ‪ e‬كففان يقففول‬
‫في دبر كل صلة مكتوبة‪" :‬ل إله إل الله وحده ل شريك لففه‪ ،‬لففه الملففك‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪142‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫سورة ق‪ :‬الية ‪.40‬‬
‫أخرجه البخاري )‪.(4852‬‬
‫الذكار ص)‪.(66‬‬
‫جامع العلوم والحكم لبن رجب ص)‪.(421‬‬
‫أخرجه مسلم )‪ ،(591‬وحديث عائشة – رضي الله عنها – رقم )‪.(592‬‬

‫وله الحمد‪ ،‬وهو على كل شففيء قففدير‪ ،‬اللهففم ل مففانع لمففا أعطيففت‪ ،‬ول‬
‫معطي لما منعت‪ ،‬ول ينفع ذا الجد منك الجد")‪.(1‬‬
‫وفي رواية سندها صحيح‪" :‬ل إله إل اللففه وحففده ل شففريك لففه‪ ،‬لففه‬
‫الملك‪ ،‬وله الحمد‪ ،‬وهو على كل شيء قدير"‪ ،‬ثلث مرات)‪.(2‬‬
‫وعن أبي الزبير قال‪ :‬كان ابن الزبير – رضي الله عنه – يقول في‬
‫دبر كل صلة حين يسلم‪" :‬ل إله إل الله‪ ،‬وحده ل شريك له‪ ،‬له الملففك‪،‬‬
‫وله الحمد‪ ،‬وهو على كل شيء قدير‪ ،‬ل حول ول قوة إل بالله‪ ،‬ل إلففه إل‬
‫الله‪ ،‬ول نعبد إل إياه‪ ،‬له النعمة‪ ،‬وله الفضل‪ ،‬وله الثنففاء الحسففن‪ ،‬ل إلففه‬
‫إل الله‪ ،‬مخلصين له الدين ولو كره الكافرون"‪ .‬وقال‪ :‬كان رسففول اللففه‬
‫‪ e‬يهلل بهن دبر كل صلة)‪.(3‬‬
‫فإن كان بعد صلة المغرب أو الفجففر هل ّففل عشففر مففرات‪ ،‬لحففديث‬
‫أبي ذر – رضي الله عنه – عن النبي ‪ e‬قال‪" :‬من قال دبر صلة الفجففر‪،‬‬
‫وهو ثاني رجليه قبل أن يتكلففم‪ :‬ل إلففه إل اللففه وحففده ل شففريك لففه‪ ،‬لففه‬
‫الملك وله الحمد‪ ،‬يحيي ويميت‪ ،‬بيده الخير وهو على كففل شففيء قففدير‪،‬‬
‫عشر مرات‪ ،‬كتب له عشر حسنات‪ ،‬ومحيت عنه عشففر سففيئات‪ ،‬ورفففع‬
‫له عشر درجات‪ ،‬وكان يومه ذلك في حرز من كل مكروه وحففرس مففن‬
‫الشيطان‪ ،‬ولم ينبغ لذنب أن يدركه في ذلك اليوم إل الشرك بالله")‪.(4‬‬
‫وعن معاذ بن جبل – رضي الله عنه ‪ :-‬أن رسول الله ‪ e‬أخففذ بيففده‬
‫ن فففي دبففر كففل‬
‫وقال‪" :‬يا معاذ والله إني لحبك"‪ .‬فقال يا معففاذ ل تففدع ّ‬
‫صلة تقول‪ :‬اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك")‪.(5‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫‪5‬‬

‫‪143‬‬

‫)( أخرجه البخاري )‪ (844‬ومسلم )‪.(593‬‬
‫)( هذه الزيادة عند أحمد )‪ (30/127‬والنسائي )‪ (3/71‬وابن خزيمة )‪ ،(1/365‬وانظر‪ :‬فتح الباري‬
‫)‪ (2/333‬والسلسلة الصحيحة لللباني رقم )‪.(196‬‬
‫)( أخرجه مسلم )‪.(594‬‬
‫)( أخرجه الترمذي )‪ (3474‬والنسائي في "عمل اليوم والليلة" )‪ (127‬وهذا لفظ الترمذي‪ ،‬إل‬
‫قوله‪" :‬بيده الخير" فللنسائي‪ ،‬وقال الترمذي‪ :‬هذا حديث حسن صحيح غريب‪ .‬ونقله النووي عنه‬
‫في الذكار ص)‪ (70‬وأقّره‪ ،‬والحديث رجاله كلهم ثقات‪ ،‬إل شهر بن حوشب فقد قال عنه الحافظ‬
‫في التقريب‪" :‬صدوق كثير الرسال والوهام" ونقل الحافظ في تهذيبه )‪ (4/325‬عن الترمذي عن‬
‫وى أمره‪ .‬وذكر ابن القطان في طبيان الوهم والبهام" )‬
‫البخاري أنه قال‪ :‬شهر حسن الحديث‪ .‬وق ّ‬
‫‪ (3/321‬بأنه قد وثقه قوم وضعفه آخرون‪ ،‬ثم قال‪ :‬ولم أسمع لمضعفيه حجة‪ . .‬ثم إن الحديث‬
‫ورد من عدة طرق عن عدد من الصحابة يدل على أنه حفظه‪.‬‬
‫)( أخرجه أبو داود )‪ (1522‬والنسائي )‪ (3/45‬والحاكم )‪ (1/273‬وهو حديث صحيح كما قال‬
‫النووي في الذكار ص)‪ (69‬والحافظ ابن حجر في نتائج الفكار )‪ ،(2/297‬وله شواهد تؤيده‬
‫فانظر )صحيح كتاب الذكار وضعيفه( للهللي )‪.(1/206‬‬

‫وعن سعد بن أبي وقاص أنه كان يعلففم بنيففه هففؤلء الكلمففات كمففا‬
‫يعلم المعلم الغلمان الكتابة‪ ،‬ويقول‪ :‬إن رسول الله ‪ e‬كففان يتعففوذ بهففن‬
‫دبفر الصفلة‪" .‬اللهفم إن أعفوذ بفك مفن البخفل‪ ،‬وأعفوذ بفك مفن عفذاب‬
‫القبر")‪.(1‬‬
‫وقد ورد في "الصحيحين" وغيرهما أدعية أخرى ‪. . .‬‬
‫ثم يبدأ المصلي بالتسبيح‪ ،‬وقد ورد في السنة صفات متعددة ومن‬
‫ذلك‪:‬‬
‫الصفة الولى‪ :‬أن يسبح ثلثا ً وثلثين‪ ،‬ويحمففد ثلث فا ً وثلثيففن‪ ،‬ويكففبر‬
‫ثلثا ً وثلثين‪ ،‬ويقول تمام المائة‪" :‬ل إله إل الله وحده ل شففريك لففه‪ ،‬لففه‬
‫الملك وله الحمد‪ ،‬وهو على كل شيء قدير"‪.‬‬
‫ودليل ذلك حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – عن رسول الله ‪e‬‬
‫قال‪" :‬من سبح الله في دبر كففل صففلة ثلثفا ً وثلثيففن‪ ،‬وحمففد اللففه ثلثفا ً‬
‫وثلثين‪ ،‬وكبر الله ثلثا ً وثلثين فتلك تسعة وتسعون‪ ،‬وقال تمام المففائة‪:‬‬
‫ل إله إل الله وحده ل شريك له الملك وله الحمد‪ ،‬وهو على كففل شففيء‬
‫قدير؛ غفرت له خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر")‪.(2‬‬
‫الصفة الثانية‪ :‬ما ورد في حديث كعب بن عجرة – رضي الله عنففه‬
‫– عن رسول الله ‪ e‬قال‪" :‬معقبات ل يخيب قائلهن أو فاعلهن دبففر كففل‬
‫صففلة مكتوبففة‪ :‬ثلث وثلثففون تسففبيحة‪ ،‬وثلث وثلثففون تحميففدة‪ ،‬وأربففع‬
‫وثلثون تكبيرة"‬

‫)‪(3‬‬

‫ومعنى "معقبففات"‪ :‬أي‪ :‬تفعففل مففرة بعففد أخففرى فففي‬

‫أعقاب الصلة‪.‬‬
‫الصفة الثالثة‪ :‬ما ورد في حديث عبد الله بن عمففرو – رضففي اللففه‬
‫عنهما – قال‪ :‬قال رسول الله ‪" :- e‬خلتان ل يحصففيهما رجففل مسففلم إل‬
‫دخل الجنة‪ ،‬أل وهما يسير‪ ،‬ومن يعمل بهما قليل‪ :‬يسففبح اللففه دبففر كففل‬
‫صلة عشرًا‪ ،‬ويحمده عشرًا‪ ،‬ويكبره عشففرًا"‪ ،‬قففال‪ :‬فأنففا رأيففت رسففول‬
‫‪ () 1‬أخرجه البخاري )‪ (2822‬وهذا على أن المراد بدبر الصلة‪ :‬ما بعد السلم‪ ،‬والقول الثاني‪ :‬أن‬
‫دبر الصلة ما قبل السلم‪ .‬وهذا اختيار شيخ السلم ابن تيمية‪ ،‬كما نقله عنه ابن القيم في )زاد‬
‫المعاد( )‪ (1/305‬وانظر مجموع فتاوى ابن تيمية )‪ (22/518‬وقال رحمه الله‪) :‬المناجاة والدعاء‬
‫حين القبال والتوجه إليه في الصلة‪ ،‬أما حال النصراف من ذلك فالثناء والذكر أولى( وتبعه على‬
‫ذلك تلميذه ابن القيم كما في الزاد )‪ .(1/257‬وانظر فتاوى ابن باز )‪.(197 – 1/194‬‬
‫‪ ()2‬أخرجه مسلم )‪.(597‬‬
‫‪ ()3‬أخرجه مسلم )‪.(596‬‬

‫‪144‬‬

‫الله ‪ e‬يعقدها بيده قال‪" :‬قتلك خمسون ومائة باللسففان وألففف وخمففس‬
‫مائة في الميزان ‪ ". . .‬الحديث)‪.(1‬‬
‫الصفففة الرابعففة‪ :‬أن يسففبح خمسففا ً وعشففرين‪ ،‬ويحمففد خمسففا ً‬
‫وعشرين‪ ،‬ويهلل خمسا ً وعشرين‪ ،‬ودليل ذلففك حففديث زيففد بففن ثففابت –‬
‫رضي الله عنه – قال‪ :‬أمففروا أن يسففبحوا دبففر كف ّ‬
‫ل صففلة ثلثفا ً وثلثيففن‪،‬‬
‫ويحمدوا ثلثا ً وثلثين‪ ،‬ويكبروا أربعا ً وثلثين‪ ،‬فأتي رجل من النصار فففي‬
‫منامه‪ ،‬فقيل له‪ :‬أمركم رسول اللففه ‪ e‬أن تسففبحوا دبفر كففل صفلة ثلثفا ً‬
‫وثلثين‪ ،‬وتحمدوا ثلثا ً وثلثين‪ ،‬وتكبروا أربعا ً وثلثيففن؟ قففال‪ :‬نعففم‪ .‬قففال‪:‬‬
‫فاجعلوا خمسا ً وعشرين‪ ،‬واجعلوا فيها التهليل‪ ،‬فلما أصبح أتففى النففبي ‪e‬‬
‫فذكر ذلك له‪ ،‬فقال‪" :‬اجعلوها كذلك")‪.(2‬‬
‫والفضل أن يأتي المصلي بهذه الصفة تففارة‪ ،‬وبهففذه تففارة أخففرى‪،‬‬
‫لما تقدم في العبادات والواردة على صفات متعددة‪.‬‬
‫والفضل أن يكون عد التسبيح بالنامففل – وهففي الصففابع – لدللففة‬
‫السففنة علففى ذلففك – كمففا سففيأتي إن شففاء اللففه – وقففد درج علففى ذلففك‬
‫الصحابة – رضي الله عنهم – ومن تبعهم بإحسان إلى يومنا هذا – وللففه‬
‫الحمد – وهففو أولففى مففن اسففتعمال السففبحة ونحوهففا‪ ،‬فففإنه أقففرب إلففى‬
‫الخلص‪ ،‬وأبعد عن الريففاء‪ ،‬وأدعففى إلففى حضففور القلففب‪ .‬وللمصففلي أن‬
‫يعقد التسبيح بكلتا يديه؛ لما تقدم في حديث عبد الله بن عمرو – رضي‬
‫الله عنهما – قال‪) :‬فأنا رأيت رسول الله ‪ e‬يعقدها بيففده( ولفففظ "اليففد"‬
‫للجنس‪ ،‬فيففراد بفه‪ :‬اليففدان‪ ،‬وفففي بعفض ألففاظ الحففديث‪) :‬ولقفد رأيفت‬
‫رسول الله ‪ e‬يعقدها هكذا( وعد ّ بأصابعه)‪.(3‬‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫‪3‬‬

‫‪145‬‬

‫)( أخرجه البخاري )‪ (6329‬بلفظ آخر من طريق سمي عن أي صالح عن أبي هريرة‪ ،‬وأخرجه‬
‫بهذا اللفظ أبو داود‪.‬‬
‫)( أخرجه أحمد )‪ (190 ،5/184‬والنسائي )‪ (3/76‬والحاكم )‪ (1/253‬وقال‪ :‬صحيح السناد‪.‬‬
‫ووافقه الذهبي‪ ،‬وله شاهد من حديث ابن عمر عند النسائي )‪ .(3/76‬وسنده حسن‪.‬‬
‫)( ورد عند أبي داود )‪ (1502‬من طريق محمد بن قدامة‪ ،‬حدثنا عثام عن العمش عن عطاء بن‬
‫السائب عن أبيه به‪ ،‬بلفظ‪" :‬بيمينه" وهي لفظة تغرد بها محمد بن قدامة – شيخ أبي داود –‬
‫مخالفا ً بذلك بقية الرواة الخذين عن عثام الذين رووا الحديث بمثل لفظ الجماعة – أقران‬
‫العمش – أمثال‪ :‬شعبة وسفيان الثوري وإسماعيل بن علية‪ ،‬وغيرهم ممن هم جبال في الحفظ‬
‫والتقان‪ ،‬وكلهم ل يذكرون لفظة "بيمينه"‪ ،‬وعليه فهي شاذة غير محفزظة؛ لن قاعدة المحدثين‬
‫أنه إذا اتحد مخرج الحديث امتنع الحمل على التعدد‪ ،‬وهذا الحديث متحد المخرج – كما تقدم –‬
‫ومثل هذه الزيادة ل تقبل إذا خالف الراوي من هم أكثر منه عددًا‪ ،‬أو كان فيهم من هو أحفظ منه‪،‬‬
‫وكل المرين موجود هنا‪ ،‬ولو كانت هذه اللفظة محفوظة لما غفل عنها الجمهور من رواة‬
‫الحديث‪ ،‬يقول شيخ المفسرين الحافظ محمد بن جرير الطبري – رحمه الله ‪) :-‬والحفاظ الثقات‬
‫إذا تتابعوا على نقل شيء بصفة‪ ،‬فخالهم واحد منفرد ليس له حفظهم‪ ،‬كانت الجماعة الثبات‬
‫أحق بصحة ما نقلوا من الفرد الذي ليس له حفهم(‪ .‬انظر‪ :‬رسالة‪" :‬ل جديد في أحكام الصلة"‬

‫وعن يسيرة – وكانت من المهاجرات – قالت‪ :‬قال لنا رسول اللففه‬
‫‪" :e‬يا نساء المسلمات‪ ،‬عليكن بالتهليل والتسبيح والتقديس‪ ،‬ول تغفلففن‬
‫فتنسين الرحمة‪ ،‬واعقدن بالنامل؛ فإنهن مسؤولت مستنطقات")‪.(1‬‬
‫ويسن رفع الصوت بالذكر بعد الصلة؛ لما ورد عن عمرو بن دينار‬
‫أن أبا معبد مولى ابن عباس أخبره أن ابن عباس – رضي الله عنهمففا –‬
‫أخبره‪ :‬أن رفع الصوت بالذكر – حيففن ينصففرف النففاس مففن المكتوبففة –‬
‫كان على عهد النبي ‪ .e‬وعنه قال‪ :‬كنففت أعففرف انقضففاء صففلة النففبي ‪e‬‬
‫بالتكبير)‪.(2‬‬
‫والصففل أن كففل إنسففان يففذكر اللففه تعففالى بمفففرده‪ ،‬وأمففا الففذكر‬
‫الجماعي على صوت واحد بعد التسليم من الصلة فهففذا وصففف يحتففاج‬
‫إلى دليل من كتاب أو سنة؛ لنه وصف يتعلق بعبادة‪ ،‬والعبففادات مبناهففا‬
‫على التوقيف والتباع‪ ،‬ل على الحداث والختراع)‪.(3‬‬
‫وبعد الذكر يقرأ آيففة الكرسففي ‪‬اللففه ل إلففه إل هففو الحففي القيففوم‬
‫‪ . . . ‬إلى‪ :‬وهو العلي العظيم‪ ‬لحفديث أبفي أمامفة – رضفي اللفه‬
‫عنه – قال‪ :‬قال رسول الله ‪" :e‬مففن قففرأ آيففة الكرسففي دبفر كفل صففلة‬
‫مكتوبففة‪ ،‬لففم يمنعففه مففن دخففول الجنففة إل المففوت")‪ ،(4‬ثففم يقففرأ سففورة‬
‫الخلص [قل هو الله أحد])‪ (5‬والمعوذتين [أعوذ برب الفق] و [قل أعوذ‬
‫برب الناس]‪ ،‬لما ورد عفن عقفب بفن عفامر – رضفي اللفه عنفه – قفال‪:‬‬
‫وذات دبر كل صلة)‪.(6‬‬
‫أمرني رسول الله ‪ e‬أن أقرأ بالمع ّ‬

‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫‪5‬‬

‫‪6‬‬

‫‪146‬‬

‫ص)‪ ،(53‬تفسير الطبري )‪ (9/566‬تحقيق‪ :‬محمود شاكر‪ ،‬النكت على ابن الصلح لبن حجر )‬
‫‪ ،(2/691‬فتاوى ابن باز )‪.(187 – 11/186‬‬
‫)( أخرجه أحمد )‪ (6/371‬وأبو داود )‪ (1501‬والترمذي )‪ (3635‬وحسنه اللباني في "صحيح أبي‬
‫داود" وانظر‪ :‬بلوغ الماني )‪.(14/221‬‬
‫)( أخرجه البخاري )‪ (841‬ومسلم )‪ (583‬وانظر‪ :‬رسالة‪" :‬تحقيق الكلم في مشروعية الجهر‬
‫بالذكر بعد السلم" لبن سحمان – رحمه الله ‪.-‬‬
‫)( انظر‪ :‬تصحيح الدعاء ص)‪.(134‬‬
‫)( أخرجه النسائي في "عمل اليوم والليلة" )‪ (10‬وعزاه المنذري في "الترغيب" )‪ (2/453‬إلى‬
‫ابن حبان في كتاب الصلة‪ ،‬والحديث له طرق‪ ،‬وهو حديث صحيح‪ .‬فانظر‪ :‬الصحيحة )‪.(972‬‬
‫)( ورد ذلك في حديث أبي اماممة المتقدم عند الطبراني في الكبير )‪ (8/134‬بزيادة )وقل هو‬
‫الله أحد( قال المنذري‪ :‬وإسناده بهذه الزيادة جيد )‪ .(2/453‬وكذا قال الهيثمي في "مجمع‬
‫الزوائد" )‪.(10/102‬‬
‫)( أخرجه أبو داود )‪ (1523‬والنسائي )‪ (3/58‬والترمذي )‪ (2903‬وقال‪ :‬حديث حسن‪.‬‬

‫الحكم السادس عشر‬
‫في الفصل بين الفريضة والنافلة‬
‫دلت نصففوص الشفريعة علففى أنففه ينبغففي لمففن صففلى الفريضففة أن‬
‫يتحول عن مكانه لصلة النفل إذا كانت النافلة في المسجد‪ ،‬فإن حصل‬
‫بينهمففا بكلم كفففى‪ ،‬والمففراد بففه‪ :‬التحففدث مففع الخريففن؛ لنففه أبلففغ فففي‬
‫الفصل‪ ،‬وأبعد عن جنففس الصففلة‪ .‬والحففال الول أكمففل‪ ،‬وذلففك ليحصففل‬
‫تمييز بين الفريضة والنافلة‪ ،‬وهذا مقاصد الشريعة فففي مشففروعية هففذا‬
‫الحكم‪.‬‬
‫ول فرق في ذلك بيفن المفام والمففأموم‪،‬ول بيففن الرجفل والمفرأة‪،‬‬
‫لعموم الدلة‪.‬‬
‫وقد دل على ذلك ما ورد عففن عمففر بففن عطففاء أن نففافع بففن جففبير‬
‫أرسله إلى السائب ابن أخت نمر يسأل عن شيء رآه منه معاويففة فففي‬
‫الصلة‪ ،‬فقال‪ :‬نعففم‪ ،‬صففليت معففه الجمعففة فففي المقصففورة‪ ،‬فلمففا سففلم‬
‫ي‪ ،‬فقففال‪ :‬ل تعففد‬
‫المام قمت من مقامي‪ ،‬فصليت‪ ،‬فلما دخل أرسل إل ف ّ‬
‫لما فعلت؛ إذا صليت الجمعة فل تصلها بصلة حتى تكلم أو تخرج؛ فففإن‬
‫رسففول اللففه ‪ e‬أمرنففا بففذلك؛ أن ل نوصففل صففلة بصففلة حففتى نتكلففم أو‬
‫نخرج)‪.(1‬‬
‫قال النووي‪) :‬فيه دليل لما قاله أصحابنا‪ :‬إن النافلة الراتبة وغيرها‬
‫يستحب أن يتحول لها من موضففع الفريضففة إلففى موضففع آخففر‪ ،‬وأفضففله‬
‫التحول إلى بيته‪ ،‬وإل فموضع آخر من المسجد أو غيففره‪ ،‬ليكففثر مواضففع‬
‫سجوده‪ ،‬ولتنفصل صورة النافلففة عففن صففورة الفريضففة‪ ،‬وقففوله‪" :‬حففتى‬
‫يتكلففم" دليففل علففى أن الفصففل بينهمففا يحصففل بففالكلم – أيضفا ً – ولكففن‬
‫بالنتقال أفضل؛ لما ذكرناه‪ ،‬والله أعلم()‪.(2‬‬
‫وعن رجل من أصحاب النففبي ‪ :e‬أن رسففول اللففه ‪ e‬صففلى العصففر‪،‬‬
‫فقام رجل يصلي‪ ،‬فرآه عمر فقال له‪ :‬اجلس‪ ،‬فإنما هلك الكتاب أنه لم‬
‫يكن لصلتهم فصل‪ ،‬فقال رسول الله ‪" :e‬أحسن ابن الخطاب")‪.(3‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪147‬‬

‫)( أخرجه مسلم )‪.(883‬‬
‫)( شرح النووي على مسلم )‪.(6/420‬‬
‫ً‬
‫)( أخرجه أحمد )‪ (5/368‬بإسناد صحيح‪ ،‬وأخرجه أبو داود )‪ 3/309‬عون( مطول‪ ،‬ولم يذكر أنها‬
‫صلة العصر‪ .‬انظر‪ :‬تنبيه القارئ ص)‪ ،(164‬للشيخ عبد الله الدويش – رحمه الله ‪.-‬‬

‫وعن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال‪ :‬من صلى المكتوبة ثففم‬
‫بدا له أن يتطوع فليتكلم‪ ،‬أو فليمش‪ ،‬وليص ّ‬
‫ل أمام ذلك‪ .‬قال‪ :‬وقال ابن‬
‫عباس‪ :‬إني لقول للجارية‪ :‬انظري كم ذهب الليل؟ ما بي إل أن أفصففل‬
‫بينهما)‪.(1‬‬
‫فهذه الدلة بينت مسألتين‪:‬‬
‫الولى‪ :‬أن الفصل بين الفريضة والنافلة قففد يكففون بالزمففان‪ ،‬وقففد‬
‫يكون بالتحول من مكان إلى مكان‪ ،‬وقد يكففون بففالكلم‪ ،‬ففففي الحففديث‬
‫الول الفصففل بالتقففدم مففن موضففع إلففى موضففع‪ ،‬وفففي الثففاني الفصففل‬
‫بالزمان‪ ،‬فإن الظاهر أن عمر – رضي الله عنه – لم يرد بالفصل فصففل ً‬
‫بالتقدم؛ لنه قال له‪ :‬اجلس‪ ،‬ولم يقل‪ :‬تقدم أو تأخر)‪ ،(2‬وفي حديث ابن‬
‫عباس – رضي الله عنهما – الفصل بففالكلم كمففا فففي حففديث معاويففة –‬
‫أيضا ً – وظاهره أنه ل يحصل الفصل بالذكر بعد الصففلة‪ ،‬وإل لمففا احتففاج‬
‫ابن باس على مخاطبة الجارية)‪ .(3‬ويمكن أن يحمففل هففذا علففى الكمففل‪،‬‬
‫والله اعلم‪.‬‬
‫وأكمل أنففواع الفصففل أن يتحففول النسففان إلففى بيتففه فيصففلي فيففه‬
‫النافلة؛ لما ورد عن زيد بن ثابت – رضي الله عنففه – أن النففبي ‪ e‬قففال‪:‬‬
‫"صلوا أيها الناس في بيوتكم‪ ،‬فإن أفضل الصلة صلة المففرء فففي بيتففه‬
‫إل المكتوبة")‪.(4‬‬
‫وعن عبد الله بن عمر – رضففي اللففه عنهمففا – عففن النففبي ‪ e‬قففال‪:‬‬
‫"اجعلوا في بيوتكم من صلتكم‪ ،‬ول تتخذوها قبورًا")‪.(5‬‬
‫وعن جابر – رضي الله عنه – قال‪ :‬قال رسول اللففه ‪" :e‬إذا قضففى‬
‫أحدكم الصلة في مسجده‪ ،‬فيجعل لففبيته نصففيبا ً مففن صففلته‪ ،‬فففإن اللففه‬
‫جاعل في بيته من صلته خيرًا")‪.(6‬‬
‫قال القرطبي‪) :‬والخير الذي يجعل في الففبيت بسففبب التنقففل فيففه‬
‫هو‪ :‬عمارته بذكر الله‪ ،‬وبطاعته‪ ،‬بالملئكة‪ ،‬وبدعائهم واستغفارهم‪ ،‬ومففا‬
‫يحصل لهله من الثواب والبركة()‪ (7‬أهف‪.‬‬
‫قلت‪ :‬ومن الخير الموعود به تربية أهل البيت من الصغار والنساء‬
‫على محبة الصلة والعناية بها‪ ،‬والقيام بها على أكمل الوجوه‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫‪148‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫أخرجه عبد الرازق )‪ (2/416‬وابن أبي شيبة )‪ (1/89‬وإسناده صحيح‪.‬‬
‫انظر‪ :‬إعلم أهل العصر ص)‪.(117‬‬
‫انظر‪ :‬رسالة "حكم الفصل بين الفريضة والنفل" ص)‪.(21‬‬
‫أخرجه البخاري )‪ (731‬ومسلم )‪.(781‬‬
‫أخرجه البخاري )‪ (432‬ومسلم )‪.(777‬‬
‫أخرجه مسلم )‪.(778‬‬
‫المفهم )‪.(2/411‬‬

‫المسألة الثانية‪ :‬مما دلت عليه أحاديث هذا الحكم‪ :‬أن فيها إشارة‬
‫إلى الحكمة من المر بالتحول من مكان الفريضة أو الكلم بعدها‪ ،‬وهي‬
‫الفصل بين الفريضة والنافلة والتمييز بينهما)‪.(1‬‬
‫يقول شيخ السلم ابن تيمية – رحمففه اللففه ‪) :-‬والسففنة أن يفصففل‬
‫بين الفرض والنفل في الجمعة وغيرها‪ ،‬كما ثبت عنه في الصحيح أنه ‪e‬‬
‫نهى أن توصل صلة بصلة‪ ،‬حتى يفصل بينهما بقيففام أو كلم‪ ،‬فل يفعففل‬
‫ما يفعله كثير من الناس؛ يصل السلم بركعتي السنة‪ ،‬فإن هففذا ركففوب‬
‫لنهي النبي ‪.e‬‬
‫وفي هذا من الحكمة التمييز بين الفرض وغير الفرض‪ ،‬كمففا يميففز‬
‫بين العبادة وغير العبادة‪.‬‬
‫ولهذا استحب تعجيل الفطور‪ ،‬وتأخير السحور‪ ،‬والكل يوم الفطففر‬
‫قبل الصففلة‪ ،‬ونهففي عففن اسففتقبال رمضففان بيففوم أو يففومين‪ .‬فهففذا كلففه‬
‫للفصل بين المأمور بففه مففن رمضففان وغيففر المففأمور بففه‪ ،‬والفصففل بيففن‬
‫العبادة وغيرها‪ ،‬وهكذا تمييز الجمعة التي أوجبها الله من غيرها‪.‬‬
‫وأيض فا ً فففإن كففثيرا ً مففن أهففل البففدع كالرافضففة وغيرهففم ل ينففوون‬
‫الجمعة‪ ،‬بل ينوون الظهر‪ ،‬ويظهرون أنهم سلموا وما سففلموا‪ ،‬فيصففلون‬
‫ظهرًا‪ ،‬ويظن الظان أنهم يصلون السنة‪ ،‬فإن حصل التمييز بين الفففرض‬
‫والنفل كان في هذا منع لهذه البدعة)‪.((2‬‬
‫وما ذكره الشيخ – رحمه الله – موجودا ً الن ل سيما في الحرمين‬
‫الشريفين‪ ،‬حيث ترى العدد الكثير من المصلين بمجرد السلم ينهضففون‬
‫لداء السنة البعدية‪ ،‬ول ريب أن هذا ارتكاب للنهي‪ ،‬وقد يكون فيهم من‬
‫أهل البدع‪ ،‬كما ذكر – رحمه الله ‪.-‬‬
‫وقد ذكر العلماء حكمة أخرى وهي تكثير مواضع العبففادة‪ ،‬نسففب‬
‫ذلك الشوكاني إلى البخففاري والبغففوي)‪(3‬؛ لن مواضففع العبففادة‪ ،‬تشففهد‬
‫للعابففد أخففذا ً مففن عمففوم قففوله تعففالى‪ :‬فمففا بكففت عليهففم السففماء‬
‫والرض‪ (4)‬أي‪ :‬أن الرض تبكي علففى صففاحب الطاعففة)‪ ،(5‬وكففذا قففوله‬
‫دث أخبارها‪ (6)‬أي‪ :‬تشهد على العاملين بمففا عملففوا‬
‫تعالى‪ :‬يومئذ تح ّ‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫‪149‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫إعلم الموقعين )‪.(3/159‬‬
‫مجموع الفتاوى )‪.(24/202‬‬
‫نيل الوطار )‪.(3/224‬‬
‫سورة الدخان‪ :‬الية ‪.29‬‬
‫تفسير ابن كثير )‪.(7/239‬‬
‫سورة الزلزلة‪ :‬الية ‪.4‬‬

‫علففى ظهرهففا‪ ،‬مففن خيففر وشففر‪ ،‬فففإن الرض مففن جملففة الشففهود الففذين‬
‫يشهدون على العباد بأعمالهم)‪ .(7‬والله أعلم‪.‬‬

‫‪7‬‬

‫‪150‬‬

‫)( تفسير ابن سعدي )‪.(5/445‬‬

‫الحكم السابع عشر‬
‫من دخل المسجد وقد فاتته الصلة فوجد من‬
‫يصلي صّلى معه‬
‫من دخل المسجد وقد فاتته الجماعة فإما أن يجففد مففن يصففلي‪ ،‬أو‬
‫ل‪ ،‬فإن وجد جماعة يصلون صلى معهفم‪ ،‬وإن وجفد منففردا ً يصفلي تلفك‬
‫الصلة بأمارة دخل معه‪ ،‬وصار الول إمامفا ً للثفاني‪ ،‬فتصففح نيفة المامفة‬
‫في أثناء الصلة؛ بدليل حديث ابن عباس – رضففي اللففه عنهمففا – عنففدما‬
‫بات عند خالته ميمونة‪ ،‬فقام الرسول ‪ e‬يصلي من الليل‪ ،‬فقام معه عن‬
‫يساره‪ ،‬فجعله عن يمينه)‪ .(1‬ففيه إشارة إلى أنه ‪ e‬نوى المامة في أثناء‬
‫الصلة)‪.(2‬‬
‫قال ابن عبد البر‪) :‬فيه رد على من لم يجز للمصلي أن يؤم أحففدا ً‬
‫إل أن ينوي المامة مع الحرام؛ لن النبي ‪ e‬لم ينففو إمامففة ابففن عبففاس‪،‬‬
‫وقد قام على جنبه فأتم به‪ ،‬وسلك رسول اللففه ‪ e‬سففنة المففام؛ إذ نقلففه‬
‫عن شماله إلى يمينه()‪.(3‬‬
‫وهناك أدلة أخرى تفيد اقتداء الصحابة – رضي الله عنهم – بففالنبي‬
‫‪ ،e‬ولم ينو المامة من أول الصلة‪ ،‬فففأم بهففم‪ ،‬ولففم ينكففر عليهففم‪ ،‬فففدل‬
‫على أن نية المامة ليست شرطًا‪.‬‬
‫قففال الشففيخ عبففد العزيففز بففن بففاز – رحمففه اللففه ‪) :-‬ول فففرق بيففن‬
‫الفريضة والنافلة؛ لن الصل التسوية بينهما في الحكففام‪ ،‬إل مففا خصففه‬
‫الدليل ول مخصص هنا فيما أعلم‪ ،‬والله أعلم()‪.(4‬‬
‫فإن لم يجد أحدا ً يصففلي طلفب مفن الحاضففرين أن يصفلي أحفدهم‬
‫معه؛ لحديث أبي سعيد الخدري – رضي اللففه عنففه ‪ :-‬أن رسففول اللففه ‪e‬‬
‫أبصر رجل ً يصففلي وحففده‪ ،‬فقففال‪" :‬أل رجففل يتصففدق علففى هففذا فيصففلي‬
‫معه"؟ فقام رجل فصلى معه)‪.(5‬‬
‫وعمففوم الحففديث يفيففد أن المصففلي مففع الجماعففة يصففلي مففع هففذا‬
‫المتأخر ولو كانت المغرب أو العصر‪ ،‬وسأذكر ذلك‪ ،‬إن شاء الله)‪.(6‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫‪151‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫هذا قطعة من حديث طويل أخرجه البخاري )‪ (699‬وفي مواضع أخرى‪ ،‬ومسلم )‪.(763‬‬
‫انظر فتح الباري )‪.(2/192‬‬
‫التمهيد )‪.(13/210‬‬
‫انظر فتح الباري )‪.(3/14‬‬
‫المرجع السابق‪ .‬الحديث يأتي تخريجه – إن شاء الله ‪.-‬‬
‫انظر‪ :‬الحكم التاسع عشر‪.‬‬

‫أو يخرج إلى مسجد آخففر فيصففلي فيففه إذا كففان يطمففع فففي إدراك‬
‫جماعته‪ ،‬وقد ورد في صحيح البخاري أن السود بن يزيد النخعي – أحففد‬
‫كبار التابعين – كان إذا فاتته الجماعة ذهب على مسجد آخر‪.‬‬
‫وقد أورد البخاري – رحمه الله – هذا الثر في بففاب "فضففل صففلة‬
‫الجماعة"‪ ،‬وبين الحافظ ابن حجففر أن البخففاري قصففد بففإيراده فففي هففذا‬
‫مففع فففي‬
‫الباب أن الفضل الوارد في صلة الجماعة مقصور على مففن ج ّ‬
‫مع في بيته – مثل ً ‪-‬؛ لن التجميع لو لم يكن مختصا ً‬
‫المسجد‪ ،‬دون من ج ّ‬
‫مع السود في مكانه‪ ،‬ولم ينتقل إلففى مسففجد آخففر؛ لطلففب‬
‫بالمسجد لج ّ‬
‫الجماعة)‪.(1‬‬
‫فينبغي لمن فاتته الجماعة في مسجده أن يحففرص علففى تحصففيل‬
‫ثوابها ولو في مسجد آخر؛ ل سيما إذا كففان قريب فا ً مففن منفففزله ل يشففق‬
‫عليه‪ ،‬وفي وقتنا هذا كثرت المساجد في الحياء‪ ،‬وقد يكون هناك فارق‬
‫في وقت القامة بين مسجد ومسجد‪ ،‬مما يكون سببا ً في إدراك الصلة‬
‫في مسفجد آخفر‪ .‬وقفد مضفى شفيء مفن هفذا ففي أول الكتفاب‪ ،‬واللفه‬
‫الموفق‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫‪152‬‬

‫)( انظر فتح الباري )‪.(2/131‬‬

‫الحكم الثامن عشر‬
‫إقامة جماعة غير معتادة لمن فاتتهم الصلة‬
‫إذا دخل المصلي المسجد فوجد المام قد فرغ من الصلة‪ ،‬أو في‬
‫التشهد – كما مضى – فإن له أن يقيم جماعة ثانيففة هففو ومففن معففه‪ ،‬ول‬
‫حرج في ذلك إن شففاء اللففه تعففالى‪ ،‬لكففن ل ينبغففي للجماعففة الثانيففة أن‬
‫يصلوا إذا وجدوا المام ففي التشفهد إل بعفد أن تنتهفي الجماعفة الولفى‬
‫التي مع المام الراتب؛ لئل تجتمع جماعتففان فففي مسففجد‪ ،‬سففواء كففانت‬
‫الجماعة الثانية مع الولى في مكان واحد من المسجد‪ ،‬أو ل؛ لئل يكففون‬
‫ذلك افتياتا ً)‪ (1‬على المام‪.‬‬
‫واعلم أن من تأمل مصادر الشريعة ومواردها ومففا اشففتملت عليففه‬
‫من المصالح والرغبة في الجتماع والئتلف‪ ،‬وعدم التفريففق والختلف؛‬
‫علم أن إقامة جماعة ثانية غير معتففادة أولففى مففن تفرقهففم وصففلة كففل‬
‫واحد منهم منفردًا‪.‬‬
‫وقد دلت نصوص الشريعة على هذا‪ ،‬وسأذكر – بعون الله – بعففض‬
‫هذه الدلة‪ ،‬وشيئا ً من كلم أهل العلم في هذه المسألة المهمة‪:‬‬
‫فعن أبي بففن كعففب – رضففي اللففه عنففه – أن رسففول اللففه ‪ e‬قففال‪:‬‬
‫" ‪ . . .‬وإن صلة الرجل مع الرجل أزكى من صلته وحففده‪ ،‬وصففلته مففع‬
‫الرجلين أزكى من صلته مع الرجل‪ ،‬وما كففثر فهففو أحففب إلففى اللففه عففز‬
‫وجل")‪.(2‬‬
‫فدل الحديث بعمومه على أن من صلى مع رجففل فهففو أزكففى مففن‬
‫صلته منفردًا‪ ،‬فيدخل في ذلك إقامة جماعة ثانية لمن فاتتهم الجماعففة‬
‫مع المام الراتب‪.‬‬
‫وعن أبي سففعيد الخففدري – رضففي اللففه عنففه ‪ :-‬أن رسففول اللففه ‪e‬‬
‫أبصر رجل ً يصلي وحففده‪ ،‬فقففال‪" :‬أل رجففل يتصففدق علففى هففذا‪ ،‬فيصففلي‬
‫)‪(3‬‬
‫معه"؟ فقام رجل فصلى معه"‬
‫وقد بوب ابن خزيمة على هذا الحديث فقال‪" :‬بففاب الرخصففة فففي‬
‫مع فيه ضد ّ قول مففن زعففم أنهففم‬
‫الصلة جماعة في المسجد الذي قد ج ّ‬
‫يصلون فرادى إذا صلى في المسجد جماعة مرة")‪.(4‬‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫‪153‬‬

‫)( افتات عليه في المر‪ :‬حكم‪ ،‬وكل من أحدث دونك شيئا ً فقد افتات عليك فيه‪" .‬اللسان" )‬
‫‪.(2/69‬‬
‫)( أخرجه أبو داود )‪ ،(2/259‬والنسائي )‪ (2/104‬وإسناده صحيح‪ ،‬قاله اللباني‪.‬‬
‫)( أخرجه أبو داود )‪ (2/282‬وإسناده صحيح‪.‬‬
‫)( صحيح ابن خزيمة )‪.(3/57‬‬

‫قال البغوي‪) :‬ففيه دليل على أنه يجوز لمن صلى فففي جماعففة أن‬
‫يصليها ثانيا ً مع جماعة آخرين‪ ،‬وأنففه يجففوز إقامففة الجماعففة فففي مسففجد‬
‫مرتين‪ ،‬وهو قول غير واحد من الصحابة والتابعين()‪.(1‬‬
‫وقول المانعين‪ :‬إنها صففلة متنقففل وراء مفففترض فيجففوز تكرارهففا‪،‬‬
‫وأما بمفترض فل يجوز‪ .‬فهذا فيه نظر قوي؛ فإنهففا إذا جففازت بمفففترض‬
‫ومتنقل فما الذي ينفي جوازها بمفترضففين؟ ومففن ادعففى الفففرق فعليففه‬
‫الدليل)‪.(2‬‬
‫وعن ابن عمر – رضي الله عنهما – أن رسول الله ‪ e‬قال‪" :‬صففلة‬
‫الجماعة تفضل صلة الفذ بسبع وعشرين درجة")‪.(3‬‬
‫فهذا الحديث نففص صففريح فففي فضففل صففلة الجماعففة علففى صففلة‬
‫المنفرد‪ ،‬ولم يرد تقييد ذلك بال تكون جماعة ثانية‪ ،‬بل جفاء مطلقفا ً ففي‬
‫فضل صلة الجماعة‪ ،‬والرجل مع الرجل جماعففة؛ لن الرسففول ‪ e‬جعففل‬
‫التضعيف لغير الفذ‪ ،‬فعلم أن ما زاد على الفذ فهففو جماعففة‪ ،‬فففإذا أقففام‬
‫رجلن جماعة ثانية حصل لهما التضعيف – إن شاء اللففه لهففذا الحففديث‪،‬‬
‫والله أعلم‪.‬‬
‫ولقففد كففان السففلف الصففالح مففن هففذه المففة أفهففم منففا لمففدارك‬
‫النصوص وأعلم بمقاصد الشرع‪ ،‬فجاء عن عدد منهم إقامة جماعة ثانية‬
‫في مسجد قد صلى فيه‪ ،‬حين فاتتهم الجماعة الولى‪.‬‬
‫فقد ورد عن عبد الله بفن مسفعود – رضفي اللفه عنفه – أنفه دخفل‬
‫مع بعلقمة ومسروق والسود)‪.(4‬‬
‫المسجد وقد صلوا فج ّ‬
‫وجاء أنس – رضي الله عنففه – إلففى مسففجد قففد ص فّلي فيففه فففأذن‬
‫وأقام‪ ،‬وصلى جماعة)‪.(5‬‬
‫وعن ابن جريج‪ :‬قلت لعطاء‪ :‬نفر دخلوا مسجد مكة خلف الصففلة‬
‫– أي‪ :‬بعد الصففلة – ليل ً أو نهفارا ً أو يفؤمهم أحفدهم)‪(6‬؟ قفال‪ :‬نعفم‪ ،‬ومفا‬
‫بأس ذلك؟)‪.(7‬‬
‫وهناك آثار وأقوال أخرى تفيد جواز ذلففك)‪ ،(8‬وفيمففا ذكففر كفايففة إن‬
‫شاء الله‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬

‫‪154‬‬

‫)( شرح السنة )‪ ،(3/438‬وانظر شرح المهذب )‪.(4/222‬‬
‫)( انظر تحفة الحوذي )‪.(2/11‬‬
‫)( أخرجه البخاري رقم )‪ ،(619‬ومسلم )‪.(650‬‬
‫)( أخرجه ابن أبي شيبة )‪ .(2/323‬قال في بلوغ الماني )‪ :(5/344‬إسناده صحيح‪.‬‬
‫)( أخرجه البخاري تعليا ً )‪ 2/131‬الفتح(‪ .‬قال الحافظ في تغليق التعليق )‪ :(2/277‬هذا إسناد‬
‫صحيح موقوف‪ .‬أهف‪ .‬وأخرجه ابن أبي شيبة )‪ ،(2/321‬وعبد الرازق )‪.(2/291‬‬
‫)( معطوف على مقدر‪ ،‬أي‪ :‬أيصلون فرادى أو يؤمهم أحدهم؟‬
‫)( المحلى لبن حزم )‪.(238 ،4/237‬‬
‫)( المصدر السابق‪ ،‬وانظر‪ :‬فتاوى ابن باز )‪ (173 – 12/165‬وابن عثميمين )‪.(15/93‬‬

‫وأما ما ورد عن السلف مففن كراهيففة جماعففة ثانيففة وأنهففم يصففلون‬
‫فرادى فلعله محمول على ما إذا اعتاد أناس إقامففة جماعففة دائمففة فففي‬
‫مسجد ل إمام راتب‪ ،‬يصلون وحدهم‪ ،‬ويخرجون وحدهم‪ ،‬فهذا ل يجففوز؛‬
‫لنففه يففؤدي إلففى تفريففق الكلمففة‪ ،‬والقضففاء علففى وحففدة المسففلمين‬
‫واجتماعهم‪ ،‬كما أنه سبب لختلف القلوب‪ ،‬والتهاون بالصلة مع المام‪،‬‬
‫ولئل يرغب رجال عن إمامة رجل فيجدون غيره إمامًا‪ ،‬فيؤدي ذلك على‬
‫تقليل الجماعة مع المام الراتب وهذا ممنوع)‪.(1‬‬
‫ول ريب أن إقامة جماعة ثانيففة بصفففة دائمففة لففم يكففن فففي عصففر‬
‫الصحابة والتابعين لهم بإحسان‪ ،‬وإنما حدث ذلك فيما بعد‪ ،‬فيكففون مففن‬
‫البدع‪ ،‬كما نص على ذلك جمع من أهل العلم‪ ،‬منهم‪ :‬شيخ السففلم ابففن‬
‫)‪.(2‬‬
‫تيمية رحمه الله‬
‫ومن الملحظ أن إقامة جماعة ثانية ل يكون في الغالب مففن قففوم‬
‫كثر‪ ،‬بل يصلي واحد بمثلففه أو بففاثنين أو ثلثففة‪ ،‬ول أظففن أن أحففدا ً منهففم‬
‫يجففري علففى بففاله تفريففق الكلمففة‪ ،‬أو التففأخر عففن الجماعففة مففع المففام‬
‫الراتب‪ ،‬ثم إن مثل هذه الجماعففة إن وجففدت فففي مسففاجدنا فهففي فففي‬
‫الغالب من عابري سبيل ليسوا مففن جماعففة هففذا المسففجد الففذي صففلوا‬
‫فيه‪ ،‬فالقول بجواز الجماعة الثانيففة علففى الصفففة المففذكورة وجيففه‪ ،‬لمففا‬
‫ذكر‪ .‬والله اعلم‪.‬‬
‫أما ما يقع في المساجد التي على ظهففر الطريففق ممففا ليففس فيففه‬
‫مؤذن راتب‪ ،‬ول إمام معلوم‪ ،‬فيصلي فيه المارة جماعة جماعة فهففذا ل‬
‫محذور فيه؛ لنه ليس فيه المعنى الففذي تقففدم مففن تفففرق الكلمففة‪ ،‬وأن‬
‫يرغب رجال عن إمامة رجل فيجدون غيره إمامًا‪ .‬قال النففووي‪) :‬إذا لففم‬
‫يكففن للمسففجد إمففام راتففب فل كراهففة فففي الجماعففة الثانيففة والثالثففة‬
‫بالجماع()‪.(3‬‬
‫وقد استدل المانعون من إقامة جماعة ثانية في المسففجد بحففديث‬
‫أبي بكرة – رضي الله عنه ‪ :-‬أن رسول الله ‪ e‬أقبل من نواحي المدينففة‬
‫يريد الصلة‪ ،‬فوجد النففاس قففد صففلوا‪ ،‬فمففال إلففى منفففزله‪ ،‬فجمففع أهلففه‬
‫فصلى بهم)‪.(4‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫‪155‬‬

‫)( انظر الم للشافعي )‪.(1/180‬‬
‫)( مجموع الفتاوى )‪.(23/258‬‬
‫)( المجموع شرح المهذب )‪.(4/222‬‬
‫)( أخرجه الطبراني في الوسط )‪ (5/304‬وقال‪" :‬لهم لم يرو هذا الحديث عن خالد الح ّ‬
‫ذاء إل أبو‬
‫مطيع معاوية بن يحيى‪ ،‬ول يروى عن أبي بكرة غل بهذا السناد" قال في التقريب‪" :‬معاوية ابن‬
‫يحيى الطرابلسي‪،‬أبو مطيع‪ . . . ،‬صدوق له أوهام" وانظر‪ :‬مجمع الزوائد )‪.(2/45‬‬

‫ووجه الدللة على المنع‪ :‬أن الجماعة الثانية لو كانت مشففروعة بل‬
‫كراهففة لصففلى النففبي ‪ e‬فففي المسففجد‪ ،‬ولمففا اختففار بيتففه علففى جماعففة‬
‫المسجد‪.‬‬
‫والجواب عن ذلك من وجهين‪:‬‬
‫الول‪ :‬أن أحاديث فضل صلة الجماعة أكثر وأقوى سندا ً من هذا‬
‫الحديث‪ ،‬فإنه مختلف في صحته‪ ،‬وللعلماء فيه كلم‪ .‬وقد ذكره الهيثمي‬
‫ثم قال‪) :‬رواه الطبراني في الكففبير والوسففط ورجففاله ثقففات(‪ .‬وهففذا ل‬
‫يعني صحة الحديث‪ ،‬ول أنه حس‪ ،‬على أن في سنده أبففا مطيففع معاويففة‬
‫بن يحيى‪ ،‬وهو متكلففم فيففه‪ ،‬بففل إن الحففافظ الففذهبي فففي الميففزان لمففا‬
‫ترجمه ذكر له أحاديث مناكير‪ ،‬ومنها هذا)‪.(1‬‬
‫الثاني‪ :‬على فرض صحة الحديث فليس فيففه دللففة علففى المنففع‪،‬‬
‫وذلك من ثلثة أوجه‪:‬‬
‫الول‪ :‬أن الحديث ليس بنص على أنه ‪ e‬جمففع أهلففه فصففلى بهففم‬
‫في المنفزل‪ ،‬بل يحتمل أن يكون صلى بهم فففي المسففجد‪،‬ويكففون ميلففه‬
‫إلى منفزله لجمع أهله ل للصلة فيه‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬سلمنا أنه صلى بهم فففي المنفففزل‪ ،‬فل يثبففت منففه كراهففة‬
‫جماعة ثانية في المسجد‪ ،‬بل غاية ما يفيد أنه لو جاء رجل إلففى مسففجد‬
‫قد صلي فيه فله أن ل يصلي فيه‪ ،‬بل يففذهب إلففى بيتففه ويصففلي بففأهله‪،‬‬
‫وأما أنه ل يجوز له أن يصلي في ذلك المسففجد بالجماعففة‪ ،‬أو يكففره لففه‬
‫ذلك فل دللة للحديث عليه‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬لو ثبت من هذا الحديث كراهة تكرار الجماعة؛ لجل أنففه‬
‫‪ e‬لففم يصففل فففي المسففجد‪ ،‬فلخففر أن يسففتدل بففه علففى كراهففة الصففلة‬
‫فرادى؛ لنه ‪ e‬لففم يصففل فففي المسففجد ل منفففردا ً ول بالجماعففة‪ ،‬وعليففه‬
‫فالرسول ‪ e‬ترك فضل المسففجد النبففوي ولففم يصففل فيففه منفففردًا‪ ،‬وهففم‬
‫يقولون‪ :‬لو كانت الجماعة الثانيفة مشفروعة بل كراهفة لمفا تفرك فضفل‬
‫المسجد النبوي)‪.(2‬‬
‫وإذا كان الحديث بهذه الحتمالت فكيف يؤخففذ بففه ويففترك مففا هففو‬
‫أوضح دللة وأقوى سندًا؟ على أن المنع من إقامففة جماعففة ثانيففة قففوي‬
‫فيمن اعتاد التخلف عن الجماعة‪ ،‬وصار ديدنه إقامة جماعة ثانية‪ .‬واللففه‬
‫اعلم‪.‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪156‬‬

‫)( ميزان العتدال )‪.(140 ،4/139‬‬
‫)( انظر تحفة الحوذي )‪ (2/9‬وما بعدها‪.‬‬

‫الحكم التاسع عشر‬
‫من صّلى ثم دخل مسجدا ً صّلى معهم‬
‫من آداب دخول المساجد أن من دخففل مسففجدا ً فوجففدهم يصففلون‬
‫وهو قد صّلى‪ ،‬فإنه يشرع له أن يصلي معهم‪ ،‬إدراك فا ً لفضففل الجماعففة‪،‬‬
‫سواء كان الوقت وقففت نهففي أم ل‪ ،‬وتكففون لففه نافلففة؛ لقففوله ‪" :e‬ص ف ّ‬
‫ل‬
‫الصلة لوقتها‪ ،‬فإن أدركتك الصلة معهم فص ّ‬
‫ل‪ ،‬ول تقل‪ :‬إني قد صففليت‬
‫فل أصلي")‪.(1‬‬
‫قال النووي‪) :‬وفي هذا الحديث‪ :‬أنه ل بأس بإعادة الصبح والعصففر‬
‫والمغرب كباقي الصلوات؛ لن النبي ‪ e‬أطلق المر بإعادة الصففلة ولففم‬
‫يفرق بين صلة وصلة‪ ،‬وهذا هو الصحيح فففي مففذهبنا‪ ،‬ولنففا وجففه أنففه ل‬
‫يعيد الصبح والعصر؛ لن الثانية نفل‪ ،‬ول تنفل بعدهما‪ ،‬ووجه أنه ل يعيففد‬
‫المغرب؛ لئل تصير شفففعًا‪ ،‬وهففو ضففعيف()‪ (2‬وقففال فففي بدايففة المجتهففد‪:‬‬
‫)والتمسك بالعموم أقوى()‪.(3‬‬
‫وعن يزيد بن السود العامري قال‪ :‬شهدت مع رسول الله ‪ e‬صلة‬
‫الفجر في مسجد الخيف‪ ،‬فلمففا قضففى صففلته إذ هففو برجليففن فففي آخففر‬
‫ي بهمففا"‪ ،‬فففأتي بهمففا ترعففد فرائصففهما‪،‬‬
‫القوم لم يصليا معه‪ ،‬قال‪" :‬عل ف ّ‬
‫فقال‪" :‬ما منعكما أن تصليا معنا؟"‪ ،‬قال‪ :‬يا رسول اللففه! إنففا قففد صففلينا‬
‫في رحالنا‪ ،‬قال‪" :‬فل تفعل‪ ،‬إذا صليتما فففي رحالكمففا ثففم أتيتمففا مسففجد‬
‫جماعة‪ ،‬فصليا معهم؛ فإنهما لكما نافلة")‪.(4‬‬
‫قال الترمذي‪) :‬وهو قففول غيففر واحففد مففن أهففل العلففم‪ ،‬وبففه يقففول‬
‫سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق قالوا‪ :‬إذا صلى الرجل وحففده‬
‫ثففم أدرك الجماعففة فففإنه يعيففد الصففلوات كلهففا فففي الجمعففة‪ ،‬وإذا صففلى‬
‫المغففرب وحففده ثففم أدرك الجماعففة قففالوا‪ :‬فففإنه يصففليها معهففم ويشفففع‬
‫بركعة‪ ،‬والتي صلى وحده هي المكتوبة عندهم()‪.(5‬‬
‫قال السففندي‪) :‬وقففوله‪" :‬فصففليا معهففم"‪ :‬هففذا تصففريح فففي عمففوم‬
‫الحكم في أوقات الكراهة أيضًا‪ ،‬ورافع عن تخصيص الحكم بغير أوقففات‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪157‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫أخرجه مسلم رقم )‪.(648‬‬
‫شرح النووي )‪.(5/154‬‬
‫بداية المجتهد )‪.(1/179‬‬
‫تقدم تخريجه في الكلم على تحية المسجد وقت النهي‪.‬‬
‫جامع الترمذي )‪.(1/426‬‬

‫الكراهة؛ لتفاقهم على أنه ل يصح استثناء المورد من العموم‪ ،‬والمففورد‬
‫صلة الفجر(‪ .‬أهف)‪.(1‬‬
‫وقال في عون المعبود‪) :‬وظاهر الحديث حجة على مففن منففع عففن‬
‫شيء من الصلوات كلها‪ ،‬أل تراه عليه الصلة والسلم يقول‪" :‬إذا صلى‬
‫أحدكم في رحله ثم أدرك المام ولم يص ّ‬
‫ل فليصل معففه"؟ ولففم يسففتثن‬
‫صلة دون صلة()‪.(2‬‬
‫وقد أفتى بمقتضى ذلك إمام السنة أحمد بن حنبل – رحمه اللففه –‬
‫قال أبففو داود‪ :‬سففمعت أحمففد قففال لففه رجففل‪ :‬إذا دخلففت المسففجد وقففد‬
‫صليت العصر وأقيمت الصلة؟ قال‪ :‬ص ّ‬
‫ل معهففم‪ ،‬قيففل‪ :‬والظهففر؟ قففال‪:‬‬
‫والصلوات كلها‪ ،‬قال أبو داود لحمد‪ :‬والمغرب إذا صففليتها أضففيف إليهففا‬
‫ركعة؟ قال‪ :‬نعم ‪.(3) . . .‬‬
‫وهذه العادة سببها حضور الجماعة‪ ،‬ول فرق بين أن يصلي الولى‬
‫وحده أو يصلي مع جماعة‪ ،‬ول فرق – أيضا ً – في إعادتهففا مففع الجماعففة‬
‫بين ما إذا أقيمففت الصففلة وهففو فففي المسففجد‪ ،‬أو دخففل المسففجد وهففم‬
‫يصلون؛ لعمففوم الدلففة‪ ،‬ولئل يكففون قعففود والنففاس يصففلون ذريعففة إلففى‬
‫إساءة الظن به‪ ،‬والوقوع في عرضه وأنه ليس من المصلين‪.‬‬
‫وظاهر قوله ‪ e‬في حديث يزيد‪" :‬إذا أتيتما مسجد جماعة" أن ذلك‬
‫مختص بالجماعة التي تقام في المسفجد‪ ،‬ل الفتي قفد تقفام ففي غيفره‪،‬‬
‫فمن حضر جماعة يصلون في منفزل لعذر وكان هو قد صّلى لففم يصفف ّ‬
‫ل‬
‫معهم‪ ،‬فيحمل المطلففق الففوارد فففي بعففض روايففات الحففديث علففى هففذا‬
‫المقيد‪ ،‬والله أعلم)‪.(4‬‬
‫قال في المغني‪) :‬إذا أعاد المغرب شفعها برابعة‪ ،‬نص عليه أحمد؛‬
‫لن هذه الصلة نافلة‪ ،‬ول يشرع التنفففل بففوتر غيففرا لففوتر‪ ،‬فكففان زيففادة‬
‫ركعة أولى من نقصانها؛ لئل يفارق إمامه قبل إتمام صلته(‪ .‬أهف)‪.(5‬‬
‫وفي هذه المفارقة مخالفة لقوله ‪" :e‬إنما جعل المففام ليففؤتم بففه‪،‬‬
‫فل تختلفوا عليه")‪ ،(6‬قال ابن أبي شيبة في مصنفه‪) :‬باب من قففال‪ :‬إذا‬
‫أعدت المغرب فاشفع بركعة(‪ ،‬وذكر آثارا ً عن السلف‪ ،‬منها‪ :‬عن علي –‬
‫رضي الله عنه – قال‪ :‬يشفع بركعة‪ .‬يعني‪ :‬إذا أعاد المغرب)‪.(7‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫‪158‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫حاشية السندي على النسائي )‪.(2/113‬‬
‫عون المعبود )‪ ،(2/284‬وراجع مجموع الفتاوى )‪.(23/18‬‬
‫مسائل المام أحمد لبي داود ص)‪.(48‬‬
‫نيل الوطار )‪.(3/107‬‬
‫المغني )‪.(2/521‬‬
‫أخرجه البخاري )‪ (689‬ومسلم )‪.(414‬‬
‫المصنف)‪.(2/276‬‬

‫ولو قال قائل‪ :‬إنه يصلي معهم المغففرب‪ ،‬ول يلففزم أن يزيففد عليهففا‬
‫ركعة؛ لعموم الدلة في هذه المسألة؛ لما كان ذلففك بعيففدًا‪ ،‬لكنففه مبنففي‬
‫على صحة التطوع بوتر‪ ،‬والله أعلم‪.‬‬

‫‪159‬‬

‫الحكم العشرون‬
‫اختلف نية المام والمأموم‬
‫من أحكام دخول المسففجد الففتي ينبغففي العلففم بهففا أنففه ل يشففترط‬
‫اتحاد نية المام والمأموم‪ ،‬وأن اختلف نية المام عففن المففأموم ل يمنففع‬
‫صحة القتداء‪ ،‬فففالمفترض يففأتم بالمتنفففل‪ ،‬والمتنفففل يففأتم بففالمفترض‪،‬‬
‫والمفترض يقتدي بمفترض آخر‪ ،‬فهذه ثلث حالت‪:‬‬
‫فالولى‪ :‬كما لو دخل إنسان المسجد‪ ،‬والمام يصلي التراويح‪ ،‬فله‬
‫أن يصلي العشاء خلفه ركعتين‪ ،‬ثم يقوم فيتم ركعتين‪ ،‬وهذا قول المام‬
‫الشافعي وأصحابه‪ ،‬ورواية عن المام أحمد‪ ،‬اختارها ابن قدامففة‪ ،‬وشففيخ‬
‫السلم ابن تيمية‪ ،‬رحم الله الجميع)‪ ،(1‬وذلك لما ورد عن جابر – رضففي‬
‫الله عنه ‪ :-‬أن معاذا ً – رضي اللففه عنففه كففان يصففلي مففع رسففول اللففه ‪e‬‬
‫العشاء الخرة‪ ،‬ثم يرجع إلى قومه‪ ،‬فيصلي بهم تلك الصلة")‪.(2‬‬
‫كما يدل على ذلك – أيضا ً – أن الرسول ‪ e‬ص فّلى بالطائفففة الثانيففة‬
‫صلة الخوف‪ ،‬وهي له نافلة‪ ،‬فإنه صلى بطائفة وسلم‪ ،‬ثم صلى بطائفة‬
‫أخرى وسلم)‪.(3‬‬
‫وأما حدث "إنما جعل المففام ليففؤتم بففه‪ ،‬فل تختلفففوا عليففه")‪ ،(4‬فل‬
‫دليل فيه على عدم الجففواز؛ لنففه محمففول علففى الختلف فففي الفعففال‬
‫سره بفذلك‪ ،‬كمفا ففي تمفام الحفديث‪ ،‬وعلفى‬
‫الظاهرة؛ لن الرسول ‪ e‬ف ّ‬
‫تقدير أنه عام فففي اختلف النيففات والفعففال الظففاهرة‪ ،‬فهففو مخصففوص‬
‫بمثل حديث جابر المذكور‪ ،‬ول تعارض بين العام والخاص‪.‬‬
‫يقول شيخ السلم ابن تيمية – رحمففه اللففه ‪) :-‬والففذين منعففا ذلففك‬
‫ليس لهم حجة مستقيمة‪ ،‬فإنهم احتجوا بلفظ ل يدل على محل النفزاع‪،‬‬
‫كقوله‪" :‬إنما جعل المففام ليففؤتم بففه‪ ،‬فل تختلفففوا عليففه"‪ ،‬وبففأن "المففام‬
‫ضامن"‪ ،‬فل تكون صلته أنقص من صففلة المففأموم‪ ،‬وليففس فففي هففذين‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪4‬‬

‫‪160‬‬

‫)( المجموع شرح المهذب )‪ ،(4/269‬والمغني )‪ ،(3/67‬ومجموع الفتاوى )‪.(23/386‬‬
‫)( رواه البخاري )‪ ،(668‬ومسلم )‪ .(465‬وانظر‪ :‬فتاوى ابن باز )‪.(12/181‬‬
‫)( رواه أبو داود )‪ ،(4/126‬والنسائي )‪ ،(3/178‬وصححه اللباني في "صحيح أبي داود" )‬
‫‪ ،(1/232‬وانظر كلم ابن القيم عليه في تهذيب السنن )‪ (4/126‬بهامش عون المعبود(‪.‬‬
‫)( تقدم تخريجه‪.‬‬

‫الحديثين ما يدفع تلك الحجج‪ ،‬والختلف المراد به الختلف في الفعال‬
‫كما جاء مفسرا ً ‪.(. . .‬‬
‫وقال – أيضا ً ‪) :-‬فقد ثبت صلة المتنفل خلف المفترض فففي عففدة‬
‫أحاديث‪ ،‬وثبت أيضا ً بالعكس‪ ،‬فعلم أن موافقة المام في نية الفرض أو‬
‫التنفل ليست بواجبة‪ ،‬والمام ضامن وإن كان متنف ً‬
‫ل()‪.(1‬‬
‫وقال السندي على حديث صلة الخوف المتقففدم‪) :‬ول يخفففى أنففه‬
‫يلزم فيه اقتداء المفترض بالمتنفل قطعًا‪ ،‬ولم أر لهم جوابا ً شافيًا()‪.(2‬‬
‫وأما الصورة الثانية‪ :‬وهي متنفل يقتدي بمفففترض‪ ،‬فكمففا لفو دخففل‬
‫إنسان المسجد فوجففدهم يصففلون‪ ،‬وقففد كففان صففلى تلففك الصففلة‪ ،‬فففإنه‬
‫يصلي معهم وتكون له نافلة‪ .‬وتقدم بحث هذه المسألة)‪.(3‬‬
‫وأما الصورة الثالثة‪ :‬وهي مفترض يقتدي بمفترض آخر‪ ،‬فكمففا لففو‬
‫دخل إنسان لم يصل الظهففر والمففام يصففلي العصففر‪ ،‬فففإنه يصففلي وراء‬
‫إمامه بنية الظهر‪ ،‬ثم بعففد فراغففه يصففلي العصففر‪ ،‬لوجففوب الففترتيب‪ ،‬ول‬
‫يسقط خشية فوات الجماعة)‪.(4‬‬
‫وكذا يجوز أن يصلي الظهر أو العصر أو المغرب أو العشففاء خلففف‬
‫من يصلي الفجر‪ ،‬وشرط ذلك‪ :‬أل تكون إحدى الصلتين تخالف الخففرى‬
‫في الفعففال الظففاهرة؛ لحففديث "فل تختلفففوا عليففه"‪ ،‬فل يصففلي الظهففر‬
‫خلف من يصلي الكسوف – مثل ً –)‪.(5‬‬
‫وهففذا قففول الشففافعية‪ ،‬وروايففة عففن المففام أحمففد‪ ،‬اختارهففا شففيخ‬
‫السلم ابن تيمية – رحمه الله – لقصة معاذ – رضي الله عنه‪ ،‬حيث دل‬
‫الحديث على أن اختلف النية بين المام والمأموم ل يؤثر‪ ،‬فكذلك هنففا‪،‬‬
‫اختلف نية الفريضفة مفن فريضفة إلفى أخفرى ل يفؤثر‪ ،‬ومفن منفع ذلفك‬
‫استدل بما تقدم‪ ،‬والجواب كما سلف‪ ،‬والله أعلم‪.‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪161‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫مجموع الفتاوى )‪.(386 ،23/385‬‬
‫حاشية السندي على النسائي )‪.(3/178‬‬
‫انظر‪ :‬المغني )‪.(3/68‬‬
‫فتاوى ابن باز )‪.(191 ،12/182‬‬
‫انظر‪ :‬المغني )‪.(3/69‬‬

‫الحكم الحادي والعشرون‬
‫إذا صلى المسافر خلف المقيم أتم‬
‫إذا دخففل المسففجد رجففل مسففافر‪ ،‬والنففاس يصففلون صففلى معهففم‪،‬‬
‫ولزمه التمام ومتابعة المام؛ وذلك لما ورد عن موسى بن سلمة قففال‪:‬‬
‫كنا مع ابن عباس بمكة‪ ،‬فقلت‪ :‬إنا إذا كنا معكم صلينا أربعًا‪ ،‬وإذا رجعنففا‬
‫على رحالنا صلينا ركعتين‪ ،‬قال‪ :‬تلك سنة أبي القاسم)‪.(1‬‬
‫وعنه – أيضا ً – قال‪ :‬سألت ابن عباس‪ :‬كيف أصلي إذا كنففت بمكففة‬
‫إذا لم أصل مع المام؟ فقال‪ :‬ركعتين‪ ،‬سنة أبي القاسم ‪.(2)e‬‬
‫وعن الشعبي‪ :‬أن ابن عمر – رضففي اللففه عنهمففا – كففان إذا صففلى‬
‫بمكة يصلي ركعتين‪ ،‬إل أن يجمعه إمام فيصلي بصلته)‪.(3‬‬
‫وعن نافع‪ :‬أن عبد اللففه بففن عمففر كففان يصففلي وراء الغمففام بمنففى‬
‫أربعًا‪ ،‬فإذا صّلى لنفسه صّلى ركعتين)‪.(4‬‬
‫فهففذه النصففوص تفيففد أن المسففافر إذا صففلى خلففف مقيففم لزمففه‬
‫التمام؛ لوجوب متابعة المام وترك الخلف لفه وإن اعتقفد المفأموم أن‬
‫القصر أفضل‪ ،‬لن فضيلة الجماعة آكد‪ ،‬يؤيد ذلك عمففوم قففوله ‪" :e‬إنمففا‬
‫جعل المام ليؤتم به فل تختلفوا عليه")‪.(5‬‬
‫لكن إذا دخففل المسففافر المسففجد وقففد صفّلى المففام ركعففتين مففن‬
‫الظهر – مثل ً – فهل تجزئه الركعتان الباقيتان باعتبار أنها صلته لو كففان‬
‫منفردا ً أم يلزمه التمام؟‬
‫الجواب‪ :‬يلزمه التمام؛ لما ورد عن أبي جلز – واسمه‪ :‬لحففق بففن‬
‫حميد – قال‪ :‬قلت لبن عمر‪ :‬المسافر يدرك ركعتين من صلة القففوم –‬
‫يعني‪ :‬المقيمين – أتجزئه الركعتان أو يصففلي بصففلتهم؟ قففال‪ :‬فضففحك‪،‬‬
‫وقال‪ :‬يصلي بصلتهم)‪.(6‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫‪162‬‬

‫)( رواه أحمد )‪ ،(1/216‬وقال في إرواء الغليل )‪ :(3/21‬سنده صحيح‪.‬‬
‫)( رواه مسلم )‪.(5/204‬‬
‫)( أخرجه ابن خزيمة )‪.(2/74‬‬
‫)( رواه مالك في الموطأ )‪ ،(1/149‬وهو في صحيح مسلم في آخر حديث إتمام عثمان – رضي‬
‫الله عنه – الصلة بمنى‪ ،‬وفيه بيان أن المراد بالمام‪ :‬عثمان – رضي الله عنه ‪-‬؛ لنه أتم الصلة‬
‫بمنى )‪.(5/210‬‬
‫)( تقدم تخريجه قريبا‪ً.‬‬
‫)( رواه البيهقي )‪ ،(3/157‬وقال في الرواء )‪ :(3/22‬سنده صحيح‪.‬‬

‫وعلى هذا فإذا أدرك المسافر مع المقيم ركعة فأكثر أتففم الصففلة؛‬
‫لنه أدرك الجماعة‪ ،‬واقتدى بمقيم في جزء من صلته‪ ،‬فلزمه التمام‪.‬‬
‫أمففا لففو صففلى مسففافر خلففف إمففام يصففلي التراويففح فهففل تجففزئه‬
‫الركعتان؟ هذا مبين على مسألة اقتداء المفترض بالمتنفل‪.‬‬
‫والظهر الجواز‪ ،‬لدخوله في عموم "إنما جعل المام ليؤتم به فال‬
‫تختلفوا عليففه"‪ ،‬وهففذا صففلى ركعففتين كإمفامه‪ ،‬فلففم يختلففف عليففه‪ ،‬وأمفا‬
‫الختلف المنهي عنه فهو الختلف في الفعال الظاهرة‪ ،‬بدليل تفسيره‬
‫‪ e‬بعد ذلك بالفعال الظاهرة‪ ،‬كما في بقية الحديث‪ ،‬والله اعلم)‪.(1‬‬
‫لكن إذا أدرك المسافر أقل من ركعة كأن يدرك إمامه في التشهد‬
‫فهل يتم أو يقصر؟ هذا مبني على الخلف فيما تدرك به الجماعة؛ فمن‬
‫قال‪ :‬تدرك بركعة‪ ،‬قال‪ :‬لففه أن يقصففر؛ لن الجماعففة فففاتته‪ ،‬فهففو كمففن‬
‫صلى منفردًا‪ .‬نص على ذلك المام أحمد – رحمه الله ‪ ،-‬وبه قال مالففك‬
‫وجماعة من السلف‪ :‬أن من أدرك أقل من ركعة فإنه يقصر‪ ،‬ومن قال‪:‬‬
‫تدرك الجماعة بإدراك التشهد قال‪ :‬يتم هذا المسافر صففلته؛ لنففه أدرك‬
‫الجماعة)‪.(2‬‬
‫والقول بأن الجماعة ل تدرك إل بإدراك ركعة هو المختار في هففذه‬
‫المسألة‪ - ،‬كما تقدم – وذلك لن المففأموم لففم يففدرك مففع المففام شففيئا ً‬
‫يحتسب له به؛ لن ما دون الركعة ل يعتد به في الصلة‪ ،‬لكونه يسففتقبل‬
‫جميع صلته منفردًا‪ ،‬والله أعلم)‪.(3‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪163‬‬

‫)( انظر مجموع فتاوى شيخ السلم )‪.(23/385‬‬
‫)( انظر مجموع الفتاوى )‪.(23/243‬‬
‫)( انظر المغني )‪ ،(3/145‬وشرح الزركشي على مختصر الخرقي )‪ ،(2/156‬ومجموع الفتاوى )‬
‫‪.(333 ،23/330‬‬

‫الحكم الثاني والعشرون‬
‫ل يحجز مكانا ً في المسجد‬
‫اعتاد بعض الناس حجز مكان في بعففض المسففاجد‪ ،‬خلففف المففام‪،‬‬
‫إما بفرش سجادة معينة‪ ،‬أو وضع عصا‪ ،‬ونحو ذلك‪ ،‬وصاحب المكان إما‬
‫في منفزله أو عمله‪ ،‬وهذه الظاهرة تكثر في المسجد الحرام ول سففيما‬
‫في رمضان‪ ،‬حيث اعتاد أناس فرش سجاجيد في المسففجد الحففرام‪ ،‬ول‬
‫سيما عند العمدة يلزمون الصلة فيها‪ ،‬ول يكتفون بأماكن أنفسهم‪ ،‬بل‬
‫يحجزون لولدهم وأقربففائهم وأصففدقائهم‪ ،‬ويبففذلون دريهمففات لفئة مففن‬
‫الناس يقومون بفرشها قبل مجيئهم‪ ،‬وطرد الناس عنها‪.‬‬
‫وهذا العمل مخالف لنصوص الشريعة وما عليه سففلف هففذه المففة‬
‫من وجوه‪:‬‬
‫الول‪ :‬أن المصففلي مففأمور بالتقففدم إلففى المسففجد والقففرب مففن‬
‫المام بنفسه‪ ،‬ل بعصاه ول بسجادته‪ ،‬وغالب من يصنع ذلك حريص على‬
‫الصف الول‪ ،‬لكن هذا الحرص أدى إلى مخالفة السنة‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬أن فيه مخالفة لمر الرسول ‪ e‬بإتمام الصف الول – كما‬
‫تقدم – وإتمامه مطلوب حفتى قبففل القامففة‪ ،‬بفدليل قفوله ‪" :e‬لفو يعلففم‬
‫الناس ما في النداء والصف الول ثففم لففم يجففدوا إل أن يسففتهموا عليففه‬
‫لستهموا")‪.(1‬‬
‫ومن فهم أنه يففدرك فضففل الصففف الول وفضففيلة التقففدم بتقففديم‬
‫عصاه‪ ،‬وأنه يحصل على ذلك ولفو جففاء متفأخرا ً فقفد أخطفأ ففي الفهففم‪،‬‬
‫وأساء التصرف‪ ،‬فإن الفضل ل يحصل بتقفدم السففجادة‪ ،‬ول العصفا‪ ،‬بفل‬
‫النسان نفسه‪ ،‬ول يبعد أن هذا الشخص يفوته من الجر ويحصل له من‬
‫الثم بقدر تأخره؛ لنففه منففع غيففره‪ ،‬وخففالف أمففر الشففرع‪ ،‬وكيففف يكففون‬
‫مأجورا ً بفعل ما نهففى عنففه الشففرع؟ ول يبعففد أن تكفون صففلة المتحجفر‬
‫ناقصة؛ لن المعاصي إذا لم تبطل العمال فإنها تنقصها‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬أن الناس فففي بيففوت اللففه سففواء‪ ،‬ل أحقيففة إل للمتقففدم‪،‬‬
‫والسبق إلففى المسففاجد يكففون بالبففدن ل بالعصففا‪ ،‬فمففن وضففع عصففاه أو‬
‫نحوها وتففأخر فقففد غصففب طائفففة مففن المسففجد‪ ،‬ومنففع السففابقين إلففى‬
‫‪1‬‬

‫‪164‬‬

‫)( تقدم تخريجه‪.‬‬

‫المسجد أن يصففلوا فيهفا‪ ،‬وأن يتمففوا الصفف الول فففالول‪ ،‬ول ريففب أن‬
‫السابق يستحق هذا المكان بسبقه‪ ،‬ولكن هذا المتحجر ظلمه حقه فهففو‬
‫عاص بذلك‪.‬‬
‫ومن تقدم ووجد الصف الول قد تحجره أحد فصلى في الصففوف‬
‫المتأخرة كان أفضل وأعظم أجرًا؛ لنففه مففا تقففدم بنفسففه إل وهففو يريففد‬
‫فضيلة السبق وأجر الصف الول‪ ،‬فمنففع ذلففك بغيففر حففق‪ ،‬فحصففل علففى‬
‫الفضل بنيته وقصده‪ ،‬وفات المتحجر الجر بسبب فعله‪.‬‬
‫يقول شيخ السلم ابن تيمية – رحمه الله ‪) :-‬ليس لحد أن يتحجر‬
‫من المسجد شيئًا‪ ،‬ل سجادة يفرشها قبل حضوره‪ ،‬ول بسففاطًا‪ ،‬ول غيففر‬
‫ذلك‪ ،‬وليس لغيره أن يصلي عليها بغير إذنه‪ ،‬لكن يرفعها ويصلي مكانها‬
‫في أصح قولي العلماء‪ ،‬والله أعلم(‪.‬‬
‫وقال أيضًا‪) :‬ليس لحد أن يتقدم ما يفرش له في المسجد ويتأخر‬
‫هو‪ ،‬وما فرش لففه لففم يكففن لففه حرمففة‪ ،‬بففل يففزال ويصففلي مكففانه علففى‬
‫الصحيح()‪.(1‬‬
‫الرابع‪ :‬أن الرسول ‪ e‬نهى أن يوطن الرجل المكان في المسففجد‬
‫كما يففوطن البعيففر)‪ ،(2‬قففال ابففن الثيففر‪) :‬معنففاه أن يففألف الرجففل مكانفا ً‬
‫معلوما ً من المسجد مخصوصا ً به‪ ،‬يصلي فيه‪ ،‬كالبعير ل يأوي من عطن‬
‫إل إلى مبرك دمث قد أوطنه واتخذه مناخًا()‪.(3‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪3‬‬

‫‪165‬‬

‫)( مجموع الفتاوى )‪ (22/123‬و )‪ ،(23/410‬وانظر الفتاوى السعدية )ص ‪.(184‬‬
‫)( الحديث أخرجه أحمد )‪ (24/292‬وأبو داود )‪ (862‬والنسائي )‪ ،(2/214‬وابن ماجه )‪،(1429‬‬
‫والحاكم )‪ (1/229‬من طريق جعفر بن عبد الله النصاري عن تميم بن محمود‪ ،‬عن عبد الرحمن‬
‫بن شبل‪ .‬به‪ .‬وقال الحاكم‪ :‬صحيح السناد‪ ،‬ووافقه الذهبي‪ ،‬مع أنه قال في الميزان )‪ (1/360‬في‬
‫ترجمة‪) :‬تميم بن محمود(‪" :‬قال البخاري‪ :‬في حديثه نظر‪ ،‬روى عنه عثمان بن عبد الرحمن‬
‫الطرائفي" والحق أنه مجهول‪ ،‬فإنه ما روى عنه إل جعفر النصاري – كما ذكر البخاري في تاريخه‬
‫الكبير )‪ (2/154‬وهو راوي الحديث السابق عنه‪ ،‬وقد ذكره العقيلي في "الضعفاء" )‪ (1/170‬وذكر‬
‫حديثه هذا‪ .‬ثم قال‪ :‬ول يتابع عليه‪ .‬أهف‪ .‬وذكره الدولبي‪ ،‬وابن الجارود في الضعفاء‪ .‬على ما ذكره‬
‫الحافظ ابن حجر‪ ،‬وأما قول الذهبي‪" :‬روى عنه عثمان‪ " . .‬فهو وهم منه – رحمه الله – فإن‬
‫الطرائفي هذا مات سنة اثنتين أو ثلث ومائتين كما ذكر الحافظ في تهذيبه )‪ (7/123‬فكيف يروي‬
‫عن تميم وهو من التابعين؟ وقد ذكره ابن حجر في الطبقة الرابعة من التابعين‪ .‬ومع هذا كله فقد‬
‫تابعه غيره عند أحمد في المسند )‪ (5/446‬فالحديث يكون حسنا ً كما قال اللباني – رحمه الله –‬
‫فانظر الصحيحة )‪ (3/156‬وانظر صحيح ابن خزيمة )‪.(2/208‬‬
‫)( النهاية في غريب الحديث )‪.(5/204‬‬

‫قال في كشاف القناع‪) :‬ويكره اتخاذ غير المام مكانا ً بالمسففجد ل‬
‫يصلي فرضه إل فيه؛ لنهيه ‪ e‬عن إبطال المكان كإبطال البعير‪ ،‬ول بأس‬
‫باتخاذ مكان ل يصلي إل فيه في النفل؛ للجمع بين الخبار()‪.(1‬‬
‫إن ملزمففة النسففان لمكففان خففاص فففي المسففجد قففد يفقففده لففذة‬
‫العبادة؛ لكثرة إلفه له وحرصه عليففه‪ ،‬كمففا أنففه قففد يففؤدي إلففى الشففهرة‬
‫والرياء والسمعة‪ ،‬وفيه الحرمان من تكثير مواضع العبادة التي تشهد له‬
‫يوم القيامة)‪.(2‬‬
‫وبعض الملزمين لمكان خاص يحقد على غيره إذا رآه في مكففانه‪،‬‬
‫وربما دعاه ذلك إلى إزاحة من سبقه إليه‪ ،‬أو التضجر منففه‪ ،‬ورحففم اللففه‬
‫إمام السنة أبا عبد الله أحمد بن حنبل الذي قففال عنففه المفروزي‪) :‬كففان‬
‫أبو عبد الله يقوم خلف المام‪ ،‬فجاء يوما ً وقد تجافى النففاس أن يصففلي‬
‫أحد في ذلك الموضع‪ ،‬فاعتزل وقام في طرف الصفف‪ ،‬وقفال‪ :‬نهفي أن‬
‫يتخذ الرجل مصله مثل مربض البعير()‪.(3‬‬
‫الخامس‪ :‬أن تقديم المفارش أو العصي يجعل صاحبها يتأخر عففن‬
‫الحضور اتكال ً على ذلك‪ ،‬وهذا مشاهد‪ ،‬فإذا حضر تخطي رقففاب النففاس‬
‫وآذاهم فجمع بين التخطي والتأخر‪.‬‬
‫السادس‪ :‬أن في التحجير ترفعا ً على الخرين‪ ،‬وإحساسا ً بالفارق‬
‫الذي قد يفضي بصاحبه إلى الغرور والكبر‪ ،‬دون أن يشففعر بففه صففاحبه‪،‬‬
‫وإنك لترى شيئا ً من ذلك بادي فا ً علففى وجففوه كففثير مففن المتحجريففن فففي‬
‫المسجد الحرام‪ ،‬وكيف يتخطون رقاب الناس على أمففاكنهم بل مبففالة‪،‬‬
‫ويمرون بينهم وبين سترتهم وهم يتنفلون‪ ،‬وهذا من الشهرة والرياء‪.‬‬
‫السابع‪ :‬أن هذا التحجر يحدث النفزاع ويسبب العداوة والشففحناء‬
‫في أفضل البقففاع‪ ،‬وهففي المسففاجد الففتي لففم تبففن إل لففذكر اللففه تعففالى‬
‫وعبادته‪ ،‬وكم رأينا وسمعنا نزاعا ً يقع في بيففت اللففه الحففرام حففول هففذه‬
‫الماكن المحجوزة‪ ،‬ول سيما مع من يقومون بذود الناس عنها!‬
‫الثامن‪ :‬أن هؤلء المتحجرين – ول سيما فففي المسفجد الحفرام –‬
‫إذا كان في الصف الذي أمامهم فرجة محاذية لحدهم لم يتقدم لسدها‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪166‬‬

‫)( كشاف القناع )‪.(1/494‬‬
‫)( شرح فتح القدير )‪ ،(1/422‬والدين الخالص للسبكي )‪.(3/203‬‬
‫)( بدائع الفوائد لبن القيم )‪ ،(3/82‬وانظر في هذا الموضوع مجموع الفتاوى )‪،193 ،2/189‬‬
‫‪(195‬؛ والفتاوى السعدية‪ ،‬للشيخ عبد الرحمن السعدي )ص ‪ (182‬وما بعدها‪.‬‬

‫خوفا ً على مكانه‪ ،‬بل منهم من ل يرص الصف‪ ،‬بل يطلب مففن غيففره أن‬
‫يقترب؛ لئل يزول عن مكانه‪ .‬وهذا مخففالف لنصففوص الشففريعة القاضففية‬
‫بسد الفرج والتراص في الصفوف‪.‬‬
‫أما من كففان فففي المسففجد ووضففع عصففاه أو سففجادته فففي مقففدم‬
‫الصف وصففلى أو قففرأ فففي مكففان آخففر؛ ليسففتند إلففى عمففود‪ ،‬أو ليراجففع‬
‫حفظه‪ ،‬ونحو هذا فل حرج عليه‪ ،‬بشففرط أل يتخطففى رقففاب النففاس‪ ،‬ول‬
‫يؤذيهم إذا جاء إلى مكانه‪ ،‬وإن كان الولى عدم مثل ذلك متى وجد عنه‬
‫مندوحة)‪.(1‬‬
‫ومن تقدم إلى المسجد وفففي نيتففه انتظففار الصففلة ثففم عففرض لففه‬
‫عارض من وضوء ونحوه فقام حرج عليه فففي وضففع عصففا ونحففوه حففتى‬
‫يرجع‪ ،‬وإذا رجع فهو أحق بمكانه؛ لحديث أبي هريرة – رضي الله عنه –‬
‫أن رسول الله ‪ e‬قال‪" :‬إذا قام أحدكم من مجلسففه ثففم رجففع إليففه فهففو‬
‫أحق به")‪.(2‬‬
‫قال النووي‪) :‬قال أصحابنا‪ :‬هذا في حق من جلس في موضع مففن‬
‫المسجد أو غيره لصلة مث ً‬
‫ل‪ ،‬ثم فارقه ليعففود إليففه‪ ،‬كففإرادة الوضففوء‪ ،‬أو‬
‫لشغل يسير ثم يعود‪ ،‬ل يبطل اختصاصففه بففه‪ ،‬ولففه أن يقيففم مففن خففالفه‬
‫وقعد فيه‪ ،‬وعلففى القاعففد أن يطيعففه‪ ،‬واختلففف‪ :‬هفل يجففب عليففه؟ علففى‬
‫وجهين‪ :‬أصحهما الوجوب(‪ ،‬قال‪) :‬ول فرق بين أن يقوم منه ويففترك لففه‬
‫فيه سجادة ونحوها أم ل‪ .‬والله اعلم()‪.(3‬‬
‫ومن سبق إلى مكان في المسجد فهو أحق بففه‪ ،‬فل يجففوز إقففامته‬
‫من موضعه الذي سبق له سواء كان شريفا ً أو وضيعًا‪ ،‬صغيرا ً أو كففبيرًا‪،‬‬
‫إل إذا حصل منفه أذى‪ ،‬كآكفل الثفوم وشفارب الفدخان‪ ،‬ففإنه يخفرج مفن‬
‫المسجد‪ ،‬كما تقدم أول الكتاب‪.‬‬
‫وقد ورد عن ابن عمر – رضي الله عنهما – عن النبي ‪ :e‬أنففه نهففى‬
‫أن يقففام الرجففل مففن مجلسففه ويجلففس فيففه آخففر‪ ،‬ولكففن تفسففحوا‬
‫وتوسعوا)‪.(4‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫‪167‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫انظر الفتاوى السعدية )ص ‪.(186‬‬
‫أخرجه مسلم رقم )‪ ،(2179‬وأبو داود رقم ‪.(04853‬‬
‫شرح النووي على صحيح مسلم )‪.(14/412‬‬
‫أخرجه البخاري رقم ‪،(05914‬ومسلم رقم )‪.(2177‬‬

‫وهذا الحففديث عففام فففي كففل المجففالس‪ ،‬ولكنففه خففاص بالمجففالس‬
‫المباحة وفي مقفدمتها المسفاجد‪ ،‬قفال ابفن أبفي جمفرة‪) :‬والنفاس ففي‬
‫المباح كلهم سواء‪ ،‬فمن سبق إلى شيء استحقه‪ ،‬ومففن اسففتحق شففيئا ً‬
‫فأخذه منه بغير حق فهو غصب‪ ،‬والغصب حرام()‪.(1‬‬
‫وينبغي للجالسين في المسجد وغيره أن يتوسعوا وينضففم بعضففهم‬
‫إلى بعض حتى يفضل من الجمع فجوة تسع الداخل‪ ،‬ول سيما في مثففل‬
‫المسجد الحرام والجوامع الكبيرة‪ ،‬حيث يكون حصول فجوات بواسففطة‬
‫انضمام بعض الجالسين إلى بعض‪ ،‬شففريطة أل يحصففل مضففايقة وعففدم‬
‫ارتياح في العبادة من صلة أو غيرها؛ لن هففؤلء المتقففدمين أولففى مففن‬
‫هذا المتأخر‪.‬‬
‫وأعلم أن ما ذكرنا في المر الرابع من النهي عن اتخاذ مكان فففي‬
‫المسجد ل يصلي الرجل إل فيه ل يشمل المنفزل؛ بدليل حففديث عتبففان‬
‫بففن مالففك النصففاري – رضففي اللففه عنففه – وفيففه‪ :‬أنففه قففال للرسففول ‪:e‬‬
‫فوددت أنك تأتي فتصلي من بيتي مكانًا‪ ،‬اتخففذه مصففلى‪ .‬فقففال رسففول‬
‫الله ‪" :e‬سأفعل" ‪ . . .‬الحديث)‪.(2‬‬
‫قال الحافظ في فففوائد الحففديث‪) :‬وفيففه أن النهففي عففن اسففتيطان‬
‫الرجل مكانا ً إنما هو في المسجد العام()‪.(3‬‬
‫فإن قيل‪ :‬ما الجواب عما ورد في حديث يزيد بن أبففي عبيففد قففال‪:‬‬
‫كنففت آتففي مففع سففملة بففن الكففوع فيصففلي عنففد السففطوانة الففتي عنففد‬
‫المصحف‪ ،‬فقلت‪ :‬يا أبا مسلم‪ ،‬أراك تتحرى عند هذه السففطوانة‪ ،‬قففال‪:‬‬
‫فإني رأيت رسول الله ‪ e‬يتحرى الصلة عندها)‪(4‬؟‬
‫فالجواب من ثلثة أوجه‪:‬‬
‫الول‪ :‬أن هذا محمول على النفل‪ ،‬وليففس فففي الفففرض‪ ،‬فيكففون‬
‫هذا الحديث مخصصا ً لعموم النهي‪ ،‬جمعا ً بيففن الدلففة – كمففا تقففدم فففي‬
‫النفل عن كشاف القناع – ولهذا كان سلمة – رضي اللففه عنففه – يصففلي‬
‫عندها النفل‪ ،‬كمففا فففي روايففة مسففلم‪) :‬أنففه – أي سففلمة – كفان يتحففرى‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫‪168‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫انظر بهجة النفوس لبن أبي جمرة )‪.(4/194‬‬
‫أخرجه البخاري رقم )‪ ،(415‬ومسلم رقم )‪.(33‬‬
‫فتح الباري )‪.(3/62‬‬
‫أخرجه البخاري رقم )‪ ،(502‬ومسلم رقم )‪.(509‬‬

‫موضع المصففحف يسففبح فيففه(‪ ،‬قففال النففووي‪) :‬المففراد بالتسففبيح‪ :‬صففلة‬
‫النافلة()‪.(1‬‬
‫الثاني‪ :‬أن الصففلة عنففد السففطوانة معناهففا‪ :‬أنففه اتخففذها سففترة‪،‬‬
‫وب البخففاري علففى هففذا الحففديث وقففال‪) :‬بففاب الصففلة علففى‬
‫ولهففذا ب ف ّ‬
‫السطوانة()‪.(2‬‬
‫الثالث‪ :‬أنه لففم يحجففز المكففان الففذي عنففدها‪ ،‬وإنمففا إذا رآه خاليفا ً‬
‫صلى عندها‪ ،‬وأما فعل سلمة فلعله أراد القتداء بالرسول ‪e‬؛ لنففه يففرى‬
‫أن هذا من الماكن الفاضلة؛ لكون الرسول ‪ e‬صلى فيه)‪ ،(3‬والله أعلم‪.‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪169‬‬

‫)( انظر شرح النووي على صحيح مسلم )‪ ،(4/472‬والقول المبين في أخطاء المصلين )ص ‪.(78‬‬
‫)( انظر فتح الباري )‪.(1/577‬‬
‫)( انظر شرح النووي )‪ ،(4/472‬وفي اقتضاء الصراط المستقيم لشيخ السلم ابن تيمية )‬
‫‪ ،(756 ،2/755‬كلم ما تع حول هذا الحديث‪.‬‬

‫الحكم الثالث والعشرون‬
‫ل يهجر المسجد الذي يليه‬
‫تقدم أول الكتاب أن من حكم مشففروعية صففلة الجماعففة حصففول‬
‫اللفة بين الجيران وأهل المحلة الواحدة‪ ،‬فيتعرف بعضهم علففى أحففوال‬
‫بعض‪ ،‬فيقومون بإغاثة الملهوف وعيادة المريض‪ ،‬وتفقد أحوال العففاجز‪،‬‬
‫كما يظهر في صلة الجماعة الجتماع والبعد عن التفرق والختلف‪ ،‬ثففم‬
‫التعففاون علففى الطاعففة‪ ،‬وهففذا وغيففره إنمففا يتففم إذا صففلى أهففل المحلففة‬
‫الواحدة في مسجد واحد‪،‬ومن هنا رغب السلم المسلم فففي أن يففؤدي‬
‫صلة الجماعة في المسجد الذي يليه‪ ،‬ول يتخطاه إلى غيره‪ ،‬إل لغففرض‬
‫شرعي مطلوب‪ .‬وقد ورد عن ابن عمر – رضي الله عنهما – قال‪ :‬قففال‬
‫رسول الله ‪" :e‬ليصل أحدكم في مسجده‪ ،‬ول يتتبع المساجد")‪.(1‬‬
‫إن تخطي النسان المسجد الذي بجواره إلى مسففجد آخففر يففترتب‬
‫عليه أمران محذوران في نظر السلم)‪:(2‬‬
‫الول‪ :‬هجر المسجد الذي يليه‪ ،‬فففإذا ذهففب هففذا‪ ،‬وذهففب هففذا أدى‬
‫ذلك إلى خلو المسففجد عففن جمففاعته‪ ،‬ل سففيما مففع قلتهففم‪ ،‬ول ريففب أن‬
‫عمارة المسجد‪ ،‬والتعاون على الطاعففة‪ ،‬وتنشففيط المتكاسففل كففل ذلففك‬
‫من المطالب العظيمة التي يتحقق بها قوله تعالى‪[ :‬وتعاونوا علففى الففبّر‬
‫والتقوى])‪.(3‬‬
‫الثاني‪ :‬إيحاش صدر المام‪ ،‬وإساءة الظن به‪ ،‬والوقوع في عرضففه‬
‫وذلك بالخوض في السباب التي جعلت هذا النسففان يتخطففى مسففجده‬
‫إلى مسجد آخر‪ ،‬وقد يفتعل أسبابا ً يبرر بها تصرفه‪ ،‬والمام منها بريففء‪،‬‬
‫وهذا أمر ملحظ‪ ،‬فإن الغالب أن من يتخطى مسجده إلى مسففجد آخففر‬
‫بصفة دائمة إنما هو لسبب بينه وبين المام‪ ،‬ل لغرض شرعي‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫‪3‬‬

‫‪170‬‬

‫)( أخرجه الطبراني في الكبير )‪ ،(12/370‬والوسط )‪ (83 ،6/82‬وصححه اللباني في "السلسلة‬
‫الصحيحة" )‪ (5/234‬و "صحيح الجامع" رقم )‪(5332‬‬
‫)( ذكرها ابن القيم في "إعلم الموقعين" )‪ (3/160‬بإيجاز في كلمه على سد الذرائع‪ ،‬وللشيخ‬
‫بكر أبو زيد كلم في هذه المسألة في كتابه )مرويات دعاء ختم القرآن( ص)‪.(80‬‬
‫)( سورة المائدة‪ :‬الية ‪.2‬‬

‫قال في المغني‪) :‬وإن كان في قصففد غيففره – أي غيففر مسففجده –‬
‫كسر قلب إمامه أو جماعته فجبر قلوبهم أولى‪ ،‬وإن لم يكن كذلك فهل‬
‫الفضل قصد البعد أو القرب؟ فيه روايتان‪:‬‬
‫إحففداهما‪ :‬قصفد البعففد‪ ،‬لتكففثر خطفاه ففي طلففب الثففواب‪ ،‬فتكففون‬
‫حسناته أكثر‪.‬‬
‫والثانية‪ :‬القرب؛ لن له جوارًا‪ ،‬فكان أحقّ بصففلته‪ ،‬كمففا أن الجففار‬
‫أحقّ بهدية جاره ومعروفه من البعيد ‪.(1)(. .‬‬
‫وظاهرة تخطي المسجد الذي يليه تكثر في شهر رمضان المبارك‬
‫عندما يتتبع الناس المساجد طلبا ً لحسن الصوت في صلة التراويففح‪ ،‬أو‬
‫صلة التهجد‪ ،‬وأدى ذلك إلى هجر مساجد أخرى وخلوها مففن المصففلين‪،‬‬
‫وفي ذلك تفريق الجماعة وإضعاف نشاطهم ورغبتهم‪ ،‬ثم إنففه انصففراف‬
‫من شاء الله من عباده عن الخشفوع ففي الصفلة وحضفور القلفب إلفى‬
‫التعلق بمتابعة الصوت الحسففن لففذات الصففوت‪ ،‬فففأدى ذلففك إلففى تكفّره‬
‫النفوس للصلة خلف إمففام ل يستحسففن صففوته)‪ ،(2‬ومففن النففاس مففن ل‬
‫يستقر على إمام معين فيظل ينتقل من مسجد إلى آخر طوال الشففهر‪،‬‬
‫وربما خرج من بعض المساجد قبل انصراف المام ونهاية التراويح؛ لنه‬
‫لم يعجبه صوته‪ ،‬فالله المستعان‪.‬‬
‫وقد ذكر ابن القيم في بدائع الفوائد عن محمد بن بحر قال‪ :‬رأيت‬
‫أبا عبد الله في شهر رمضان‪ ،‬وقد جاء فضل بن زياد القطان بأبي عبففد‬
‫الله التراويح‪ ،‬وكان حسن القففراءة‪ ،‬فففاجتمع المشففايخ وبعففض الجيففران‬
‫حتى امتل المسجد‪ ،‬فخرج أبو عبد الله‪ ،‬فصففعد درجففة المسففجد‪ ،‬فنظففر‬
‫على الجمع‪ ،‬فقففال‪ :‬مففا هففذا؟ تففدعون مسففاجدكم وتجيئون إلففى غيرهففا‪،‬‬
‫فصلى بهم ليالي‪ ،‬ثم صرفه كراهية لما فيه – يني مففن إخلء المسففاجد‪،‬‬
‫وعلى جار المسجد أن يصلي في مسجده)‪.(3‬‬
‫أما إذا وجد غرض صففحيح لتخطفي النسففان مسفجده إلفى مسفجد‬
‫آخر‪ ،‬مثففل أن يكففون إمففام مسففجده ل يتففم الصففلة)‪ ،(4‬أو يرتكففب بعففض‬
‫المخالفات‪ ،‬أو ضعيفا ً في القراءة ونحو ذلك فل بففأس إن شففاء اللففه‪ ،‬أو‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫‪171‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫المغني )‪.(3/9‬‬
‫انظر الرسالة القيمة المذكورة‪ :‬للشيخ بكر أبو زيد )ص ‪.(54‬‬
‫انظر بدائع الفوائد )‪.(4/149‬‬
‫انظر‪ :‬مجموع الفتاوى )‪.(23/342‬‬

‫كففان يفعففل ذلففك فففي بعففض الوقففات لحضففور درس أو محاضففرة فففي‬
‫المسجد البعد‪ ،‬أو لكون البعد يبادر في الصففلة والمففأموم محتففاج إلففى‬
‫ذلك فأرجو أن ل الحرج‪ ،‬والله أعلم‪.‬‬

‫‪172‬‬

‫الحكم الرابع والعشرون‬
‫في إيذاء المصلين والتشويش عليهم‬
‫المصلي يناجي ربه ويلهج بذكره ودعائه ويستحضر عظمته وهيبتففه‬
‫وجلله‪ ،‬ول يليق بمسلم أن يقطففع هففذه المناجففاة علففى أخيففه بالذيففة أو‬
‫التشويش‪ ،‬وقد قال النبي ‪" :e‬أل إن كلكم مناج ربه‪ ،‬فل يؤذين بعضففكم‬
‫بعضا ً ‪ "..‬ويأتي بتمامه إن شففاء اللففه‪ ،‬وقففد شففدد ّ السففلم فففي موضففوع‬
‫الذية‪ ،‬واعتبرها من موجبات اللعن‪ ،‬فقال النبي ‪" :e‬من آذى المسلمين‬
‫في طرقهم وجبت عليه لعنتهم")‪.(1‬‬
‫ول ريففب أن الذيففة فففي المسففاجد والتشففويش علففى المصففلين‬
‫والذاكرين أعظم من الذية في الطرق‪ ،‬وذلك منكففر عظيففم‪ ،‬ينففبئ عففن‬
‫تسففاهل فففي احففترام المسففاجد‪ ،‬ومراعففاة المتعبففدين‪ ،‬والمطلففوب مففن‬
‫المسلم الذي قصد بيتا ً من بيوت الله أن يكففون متحليفا ً بمكففارم الخلق‬
‫من السماحة والهدوء والمرحمة‪ ،‬ول يليق به أن يهدم مففن جففانب ويبففن‬
‫من جانب آخر‪.‬‬
‫وأنا أذكر بعض ما وقع فيه كثير من الناس مما يتعلففق بالتشففويش‬
‫على المصلين‪ ،‬لعل في ذكره وبيان حكمه علجا ً إن شاء الله‪ ،‬فإن مففن‬
‫صفات المؤمن أنه إذا ذ ّ‬
‫كر تذكر‪ ،‬ومن ذلك‪:‬‬
‫‪(1‬‬

‫تخطي الرقاب‪:‬‬

‫من التشويش على المصلين وأذيتهم قبففل إقامففة الصففلة‪ :‬تخطففي‬
‫رقابهم ورفع الرجل فوق رؤوسهم‪ ،‬مع استكمال الصفوف وخلوها من‬
‫الفرج‪ ،‬ول سففيما فففي يففوم الجمعففة‪ ،‬أو فففي المسففاجد الففتي يكففثر فيهففا‬
‫المصلون في غير الجمعة‪ .‬وقد نهى النبي ‪ e‬عن تخطي الرقففاب‪ ،‬فقففال‬
‫للذي رآه يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة‪" :‬اجلس فقد آذيت")‪.(2‬‬
‫وهذا الحديث من أقوى ما ورد في الزجر عن التخطي‪ ،‬كمففا قففاله‬
‫الحففافظ فففي الفتففح)‪ .(3‬وقففد وقففع التصففريح فففي حبففوط ثففواب الجمعففة‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪173‬‬

‫)( تقدم أول الكتاب‪.‬‬
‫)( تقدم الحديث في الكلم على تحية المسجد‪.‬‬
‫)( فتح الباري )‪.(2/392‬‬

‫للمتخطي في حديث ابن عمرو – رضي الله عنهما – مرفوعًا‪" :‬من لغففا‬
‫أو تخطى كانت له ظهرًا")‪.(1‬‬
‫قال ابن وهب – أحد رواته ‪ :-‬معنفاه‪ :‬أجفزأت عنفه الصففلة‪ ،‬وحففرم‬
‫فضيلة الجمعة)‪.(2‬‬
‫والحديث المذكور فيففه تقييففد النهففي عففن التخطففي بيففوم الجمعففة‪،‬‬
‫وظاهر ذلك أن النهي مختص به‪ .‬ويحتمل أن يكون التقييد بيوم الجمعففة‬
‫خرج مخرج الغالب؛ لختصاص يوم الجمعة بكففثرة النففاس بخلف سففائر‬
‫الصلوات‪ ،‬وعليه فل يختص النهي عن التخطي بيوم الجمعة‪ ،‬بففل يكففون‬
‫عاما ً لجميع الصففلوات‪ ،‬ويؤيففد ذلففك قففوله ‪" :e‬فقففد آذيففت" فعل ّففل أمففره‬
‫بالجلوس بالذية‪ ،‬وهي ل تختص بيوم الجمعة‪.‬‬
‫قال النووي‪) :‬ينهي الداخل إلى المسجد يففوم الجمعففة وغيففره عففن‬
‫تخطي رقاب الناس من غير ضرورة()‪.(3‬‬
‫وجاء في الختيارات لشيخ السلم ابن تيمية –رحمه الله ‪) :-‬ليفس‬
‫لحد أن يتخطى رقاب الناس ليدخل في الصف‪ ،‬إذا لم يكففن بيففن يففديه‬
‫فرجة ل يوم الجمعة ول غيره؛ لن هذا من الظلم والتعففدي لحففدود اللففه‬
‫تعالى()‪.(4‬‬
‫وهل تخطي الرقاب يوم الجمعة محرم أو مكروه؟ من أهل العلففم‬
‫من قال بالكراهة‪ ،‬وهذا هو المشهور في مذهب الحنابلة‪.‬‬
‫ومنهففم مففن قففال‪ :‬بففالتحريم‪ ،‬قففال النففووي‪ :‬إن المختففار تحريمففه‬
‫للحاديث الصحيحة‪ .‬أهف)‪ ،(5‬وهو اختيار شيخ السففلم ابففن تيميففة)‪ ،(6‬قففال‬
‫في النصاف‪) :‬والظاهر أن الذم إنمففا يتففوجه إلففى فعففل محففرم( أهف ف)‪.(7‬‬
‫وقال في بلوغ الماني‪) :‬وهو الذي أميل إليه وأختاره()‪.(8‬‬
‫فوا فففي آخففر‬
‫وإذا ترك المتقدمون إلى الصفوف الول فرجا ً أو ص ف ّ‬
‫المسجد وتركوا بين أيديهم صفففوفا ً خاليففة فل حرمففه لهففم؛ لتقصففيرهم‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬

‫‪174‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫يأتي بتمامه‪ ،‬ويذكر تخريجه في أحكام الجمعة إن شاء الله تعالى‪.‬‬
‫فتح الباري )‪.(2/414‬‬
‫المجموع شرح المهذب )‪ ،(4/546‬ونيل الوطار )‪.(3/287‬‬
‫الختيارات )ص ‪.(81‬‬
‫بلوغ الماني )‪.(6/74‬‬
‫النصاف )‪.(2/411‬‬
‫النصاف )‪.(2/411‬‬
‫بلوغ الماني )‪.(6/74‬‬

‫ولبد من تخطيهم لتكميل الصففف الول‪ ،‬أو لسففد فرجففة فففي الصفففوف‬
‫الول‪ ،‬ول يعد ذلك مففن الذى؛ لنهففم اسففقطوا حففق أنفسففهم بتففأخرهم‪،‬‬
‫وهذا هو الصحيح من مذهب المام أحمد‪ ،‬وقيده الشافعية بتخطي رجل‬
‫ص المالكيففة ذلففك بمففا قبففل‬
‫أو رجلين‪ ،‬وهو رواية عن المام أحمففد‪ ،‬وخ ف ّ‬
‫جلوس المام على المنبر‪ ،‬وأما بعده فل؛ لن تأخره عففن وقففت السففعي‬
‫قد أبطل حقه في التخطي إلى الفرجة‪ .‬ودليل ذلك حديث عبد الله بففن‬
‫بسر المتقدم‪" :‬فقد آذيت وآنيت" أي‪ :‬تأخرت‪ ،‬وهذا قريب مففن مففذهب‬
‫الحنفية)‪ ،(1‬والله أعلم‪.‬‬
‫مضايقة المصلين‪:‬‬
‫‪(2‬‬
‫ومن الذية‪ :‬مضايقة المصلين المتقدمين ومزاحمتهم في أمففاكنهم‬
‫بحيث يفقدون الراحة في صلتهم وقراءتهم‪ ،‬وهذا يكثر فيمن يأتون يوم‬
‫الجمعة متأخرين‪ ،‬فيجمعففون بيففن التخطففي والمضففايقة والتففأخر‪ .‬وتكففثر‬
‫المضايقة فففي الحرميففن الشفريفين‪ ،‬كمففا فففي الجمعففة‪ ،‬والعيففد‪ ،‬وشففهر‬
‫رمضان المبففارك‪ ،‬حففتى أن بعففض الففداخلين المتففأخرين يجلففس أمامففك‬
‫ويمنع بدنك راحته‪ ،‬ومنهم من يففدخل الصففف قسففرًا‪ ،‬بحيففث ل يسففتطيع‬
‫المصلي وضع يديه على صدره‪ ،‬ول أداء صلته براحة‪ ،‬وهذا من الجفففاء‪،‬‬
‫وعدم احترام المصلين المتقدمين‪ ،‬وهو من قلة الفقه في الدين‪.‬‬
‫إن المطلوب مففن المتقففدمين أن يتفسففحوا ويتوسففعوا للففداخل إن‬
‫أمكن ذلك؛ امتثال ً لقوله ‪" :e‬ولكن توسعوا" وتقدم بتمامه‪.‬‬
‫وهذا دليل التواضع المقتضي للمحبة‪ ،‬والنفوس جلبففت علففى حففب‬
‫من أحسن إليها‪ .‬وليس من خلق المسففلم أن يكففون جشففعا ً فيأخففذ مففن‬
‫المكنة ما يزيد عن حاجته‪ ،‬ويأنف أن يفسففح لغيففره‪ ،‬ويجمففع بيففن سففوء‬
‫القول وقبح الفعل‪.‬‬
‫والمطلوب من المتأخرين أن يحبوا لخوانهم ما يحبففون لنفسففهم‪.‬‬
‫وليفففرض كففل واحففد منهففم أن يكففون هففو المتقففدم وزاحمففه غيففره‪ .‬إن‬
‫السلم ل يريد المضايقة حيث ل يمكن التفسح‪ ،‬ومن تعاليم هففذا الففدين‬
‫الحنيف لبنائه أن يجلسوا حيث ينتهي بهففم المجلففس‪ ،‬وذلففك فيمففا رواه‬

‫‪1‬‬

‫‪175‬‬

‫)( المغني )‪ ،(3/231‬والنصاف )‪ ،(2411‬والمجموع )‪ ،(4/545‬والمنتقى للباجي )‪.(1/203‬‬

‫جابر بن سفمرة – رضفي اللفه عنفه – قفال‪ :‬كنفا إذا أتينفا رسفول اللفه ‪e‬‬
‫جلسنا حيث ننتهي)‪.(1‬‬
‫رفع الصوت بالقراءة‪:‬‬
‫‪(3‬‬
‫ومن التشويش على المصلين قبل القامففة‪ :‬رفففع الصففوت بقففراءة‬
‫القرآن بحيث يتأذى بجهففره القففارئ والمصففلي‪ ،‬وقففد نهففى النففبي ‪ e‬عففن‬
‫ذلك‪ ،‬فعن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – قففال‪ :‬اعتكففف رسففول‬
‫اللففه ‪ e‬فففي المسففجد فسففمعهم يجهففرون بففالقراءة‪ ،‬وهففو فففي قبففة لففه‪،‬‬
‫فكشف الستر‪ ،‬وقال‪" :‬أل إن كلكم مناج ربه فل يففؤذين بعضففكم بعض فًا‪،‬‬
‫ول يرفعن بعضكم على بعض بالقراءة" أو قال‪" :‬في الصلة")‪.(2‬‬
‫وعن البياضي )فروة بن عمرو( رضي الله عنه‪ :‬أن رسففول اللففه ‪e‬‬
‫خرج على الناس وهم يصلون وقد علت أصواتهم بففالقراءة‪ ،‬فقففال‪" :‬إن‬
‫المصلي يناجي ربه‪ ،‬فلينظر بما يناجيه به‪ ،‬ول يجهر بعضكم علففى بعففض‬
‫بالقرآن")‪.(3‬‬
‫فهذان الحديثان فيهما نهففي القففارئ والمصففلي عففن رفففع الصففوت‬
‫بالقراءة‪ ،‬لما في ذلك من أذية الخرين من قارئ أو مص ّ‬
‫ل أو ذاكر‪.‬‬
‫يقول شيخ السلم ابن تيمية – رحمه اللففه‪) :‬ليففس لحففد أن يجهففر‬
‫بالقراءة ل في الصلة ول في غيففر الصففلة إذا كففان فففي المسففجد وهففو‬
‫يؤذيهم بجهره()‪.(4‬‬
‫وقال في جواب له‪) :‬ومن فعل ما يشوش به علففى أهففل المسففجد‬
‫أو فعل ما يفضي إلى ذلك منع من ذلك‪ ،‬والله أعلم ()‪.(5‬‬
‫أما إذا كان القارئ ل يتأذى بجهره أحد فقد جاءت الحاديث بجففواز‬
‫الجهر؛ ل سيما إذا كففان القففارئ يففأمن علففى نفسففه مففن الريففاء وطلففب‬
‫الشهرة‪ ،‬ويتأكد الجهر إذا كان على سبيل التعليم‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫‪3‬‬

‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪176‬‬

‫)( أخرجه أبو داود )‪ ،(13/173‬والترمذي )‪ ،(7/512‬وقال‪ :‬هذا حديث حسن غريب‪ .‬وصححه‬
‫اللباني في صحيح أبي داود )‪.(3/916‬‬
‫)( أخرجه أحمد )‪ ،(3/94‬وأبو داود )‪ ،(4/213‬قال اللباني‪) :‬وهذا إسناد صحيح على شرط‬
‫الشيخين( انظر الصحيحة )‪.(4/134‬‬
‫)( رواه مالك في الموطأ )‪ .(1/80‬ويشهد له حديث أبي سعيد المذكور قبله‪ ،‬وانظر‪ :‬التمهيد )‬
‫‪.(23/315‬‬
‫)( مجموع الفتاوى )‪.(23/61‬‬
‫)( المصدر السابق )‪.(22/205‬‬

‫ول ريففب أن الجهففر أحيانففا ً فيففه إيقففاظ القلففب وتجديففد النشففاط‬
‫وانصراف السمع إلى القراءة وتعدى نفعها إلى السامعين)‪.(1‬‬
‫ويجوز رفع الصوت بالقرآن في الليل‪ ،‬بل ذلففك مستحسففن إذا لففم‬
‫يؤذ أحدًا‪ ،‬وأمن من الرياء‪ ،‬وعن عائشة – رضي الله عنها – أن النبي ‪:e‬‬
‫سمع رجل ً يقرأ في سورة بالليل‪ ،‬فقال‪" :‬يرحمه الله‪ ،‬لقفد أذكرنفي آيفة‬
‫كذا وكذا‪ ،‬كنت أنسيتها من سورة كذا وكذا")‪.(2‬‬
‫المرور بين يدي المصلي‪:‬‬
‫‪(4‬‬
‫إن المرور بين يدي المصففلي وسفترته حففرام؛ لنففه تشفويش عليفه‬
‫وإشغال لباله وهو يناجي ربه‪ ،‬وقد عّبر بعض العلماء بالكراهة‪ ،‬والمففراد‬
‫التحريم)‪ ،(3‬فإنه قد ثبت فيه النهي الكيد‪ ،‬والوعيد الشديد؛ فقففال النففبي‬
‫‪" :e‬لو يعلم المار بين يدي المصففلي مففاذا عليففه لكففان أن يقففف أربعيففن‬
‫خيرا ً له من أن يمر بين يديه"‪ ،‬قففال أبففو الّنضففر‪ :‬ل أدري أقففال‪ :‬أربعيففن‬
‫يوما ً أو شهرا ً أو سنة؟)‪.(4‬‬
‫والمراد بما بين يدي المصلي‪ :‬أن المصلي إن كان لففه سففترة فمففا‬
‫بينه وبين سففترته محففرم‪ ،‬ل يحففل لحففد أن يمففر منففه‪ ،‬وإن لففم يكففن لففه‬
‫سففترة؛ فففإن كففان للمصففلي سففجادة يصففلي عليهففا فففإن هففذه السففجادة‬
‫محترمة ل يحل لحد أن يمر بين يففدي المصففلي فيهففا‪ ،‬وإن لففم يكففن لففه‬
‫مصلى فإن المحرم ما بين قدمه وموضع سجوده فل يمر بينه وبين هذا‬
‫الموضع)‪.(5‬‬
‫ويكثر المرور بين يدي المصلي في المسجد الحرام حتى ولو كففان‬
‫المار له مندوحة عن المرور بين يدي أخيففه‪ ،‬ومفن النفاس مفن يتسفاهل‬
‫في المرور بين يدي المصلين الذين يقومون لقضاء ما فاتهم‪.‬‬
‫ويشرع للمصلي رد المار بين يديه سففواء صففلى إلففى سففترة أم ل‪،‬‬
‫على الظهر من قولي أهل العلم؛ لحديث أبي سففعيد الخففدري – رضففي‬
‫الله عنه – قال‪ :‬سفمعت رسفول اللفه ‪ e‬يقفول‪" :‬إذا صفلى أحففدكم إلففى‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪177‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫انظر التبيان للنووي )ص ‪.(71‬‬
‫أخرجه البخاري )‪ ،(9/84‬ومسلم رقم )‪ ،(788‬وانظر شرح النووي عليه )‪.(6/322‬‬
‫التمهيد )‪ ،(4/187‬فتح الباري )‬
‫أخرجه البخاري رقم )‪ ،(509‬ومسلم رقم )‪.(507‬‬
‫انظر‪ :‬فتح الباري )‪.(1/585‬‬

‫شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه‪ ،‬فإن أبففى‬
‫فليقاتله‪ ،‬فإنما هو شيطان")‪.(1‬‬
‫وعن ابن عمر – رضي الله عنهما – قال‪ :‬قال رسففول اللففه ‪" :e‬إذا‬
‫كان أحدكم يصلي فل يدع أحدا ً يمر بين يفديه‪ ،‬ففإن أبفى فليقفاتله؛ ففإن‬
‫معه القرين")‪ ،(2‬ففي حديث أبي سعيد تقييد دفع المار فلم يقيففد بوضففع‬
‫المصلي سترة‪ ،‬وكذا وورد في حديث أبي سعيد عند البخاري في روايففة‬
‫له)‪ ،(3‬لن التقييد بوضففع السففترة قيففد أغلففبي‪ ،‬ول تعففارض بيففن المطلففق‬
‫والمقيففد‪ ،‬فالمقيففد يبقففى علففى تقييففده‪ ،‬فيففدفع إن اتخففذ سففترة‪ ،‬ويبقففى‬
‫المطلق على إطلقه‪ ،‬فيرد ولففو لففم يتخففذ سففترة‪ ،‬لن المصففلي مففأمور‬
‫بالصلة إلى سترة‪ ،‬ومأمور بففدفع المففار سففواء امتثففل فوضففع سففترة أم‬
‫ل)‪.(4‬‬
‫والمففراد بالمقاتلففة‪ :‬الففدفع بعنففف وقهففر‪ ،‬ل جففواز القتففل؛ لن هففذا‬
‫اللفظ خرج مخرج التغليظ‪ ،‬والمبالغة في كراهة المرور)‪.(5‬‬
‫رفع الصوت بالكلم‪:‬‬
‫‪(5‬‬
‫ومن التشويش بعد القامفة مفا يقفوم بفه بعفض النفاس‪ ،‬ول سفيما‬
‫الشباب‪ ،‬في بعض المساجد من تبادل الحففاديث ورفففع الصففوت بففذلك‪،‬‬
‫فتفوتهم تكبيرة الحفرام مفع المفام‪ ،‬وكفذلك قفراءة الفاتحفة ففإذا ركفع‬
‫المام أسرعوا وآذوا المصلين بأصواتهم وحركتاهم‪ ،‬وهذا التصرف ينففبئ‬
‫عن تساهل بالصلة من جانب‪ ،‬وعدمك رعاية المصلين من جانب آخففر‪،‬‬
‫وإذا كان من يصلي نافلة مأمورا ً بقطعها – على أحد القوال كمففا تقففدم‬
‫– لجل أن يدرك الفريضة من أولها‪ ،‬مع أنه في عبادة‪ ،‬فكيف حففال مففن‬
‫يتأخر عن أول الفريضة من أولها‪ ،‬مع أنه فففي عبففادة‪ ،‬فكيففف حففال مففن‬
‫يتأخر عن أول الفريضة وشغله القيل والقال بل وأذية الخرين؟!‬
‫ثم ل أدري ما حكم هففذه الركعففة الففتي تففرك فيهففا هففذا المتسففاهل‬
‫قراءة الفاتحة مع إمكانه؟ تقدم الخلف في هذه المسألة‪ ،‬لكني أخشى‬
‫بطلن هذه الركعة الففتي لففم يقففرأ فيهففا هففذا المصففلي الفاتحففة تسففاهل ً‬
‫وتشاغ ً‬
‫ل‪ ،‬لن الخلف ينبغي أن يكون فيمن دخل المسجد فوجففد المففام‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪178‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫أخرجه البخاري رقم )‪ ،(509‬ومسلم )‪.(505‬‬
‫أخرجه مسلم )‪.(506‬‬
‫أخرجه البخاري )‪.(3274‬‬
‫انظر‪ :‬فتح الباري )‪ ،(1/582‬إتحاف الخوة ص)‪.(153‬‬
‫انظر‪ :‬التمهيد )‪ ،(4/189‬شرح السنة )‪.(2/456‬‬

‫في الركوع فركع معه‪ ،‬فهذا معذور بفوات محففل القففراءة وهففو القيففام‪،‬‬
‫أما هذا فلم يمتثل قول الرسول ‪" :e‬إنما جعل المام ليؤتم به‪ ،‬فإذا كبر‬
‫فكبروا " فهو لم يكبر مع إمامه‪ ،‬ولم يقففرأ دعففاء السففتفتاح‪ ،‬ولففم يقففرأ‬
‫الفاتحة مع إمكانه‪ ،‬فأي ركعة هذه؟ بل وأي صلة هذه؟‬
‫ومن المأمومين من اعتاد رفع الصوت في أثناء الصلة بالقراءة أو‬
‫الذكر أو الدعاء فيشوش على من بجففانبه ويخل ّففط عليففه‪ ،‬وإذا كففان هففذا‬
‫بصفة دائمة فهو خلف السنة‪ ،‬فإن السنة المخافتة باتفففاق المسففلمين‪،‬‬
‫ل سيما إذا كان الجهر فيه أذية‪.‬‬
‫لكن لو جهر المأمور أحيانا ً بشيء من الذكر فل بأس‪ ،‬فقد ثبت أن‬
‫من الصحابة المأمومين من جهر بدعاء حين افتتاح الصففلة‪ ،‬وعنففد رفففع‬
‫رأسه من الركوع ولم ينكر عليه النبي ‪ ،e‬فقد ورد عن رفاعة بففن رافففع‬
‫الزرقي قال‪ :‬كنا يوما ً نصلي وراء النبي ‪ ،e‬فلما رفع رأسففه مففن الركعففة‬
‫قال‪" :‬سمع الله لمن انصففرف قففال‪" :‬مففن المتكلففم"؟ قففال‪ :‬أنففا‪ ،‬قففال‪:‬‬
‫"رأيت بضعة وثلثين ملكا ً يبتدرونها أيهم يكتبها أول")‪.(1‬‬
‫قال في فتح الباري‪) :‬استدل به على جواز رفع الصوت بالذكر مففا‬
‫لم يشوش على من معه()‪(2‬أهف‪ .‬وهذا إذا لم يكن بصفة دائمة وإل حصل‬
‫التشويش قطعا ً)‪.(3‬‬
‫ومن التشويش أن يكبر المسبوق بصففوت مرتفففع إذا أراد الففدخول‬
‫في الصلة‪ ،‬وقد يكون المصلون مع المفام ففي السفجود‪ ،‬فففإذا سفمعوا‬
‫تكبير المسبوق ظنوه تكبير المام فرفعوا رؤوسهم قبل أن يرفع المام‬
‫من السجود)‪.(4‬‬
‫ومففن التشففويش علففى المصففلين – أيض فا ً – عففدم إغلق الوسففائل‬
‫الحديثة للتصال كجهاز الهاتف النقال‪ ،‬والنداء‪ ،‬فينبغي للمصلي إغلقهففا‬
‫قبل دخوله المسجد‪ ،‬لئل يشوش على نفسففه وعلففى غيففره مففن إخففوانه‬
‫المصلين‪.‬‬
‫وما تقدم مففن النهففي عففن الكلم فففي المسففجد ل يعنففي أن الكلم‬
‫يحرم فيه بل هو مباح – على الراجح من قولي أهل العلم – إذا خل مففن‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫‪179‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫أخرجه البخاري )‪.(2/284‬‬
‫فتح الباري )‪.(2/287‬‬
‫المصدر السابق‪.‬‬
‫المسجد في السلم )ص ‪.(83‬‬

‫المحففاذير السففابقة‪ ،‬وهففي التشففويش علففى المصففلين أو العففراض عففن‬
‫الصلة والتشاغل عنها‪ ،‬لكن ل بد من ملحظة أن المسففاجد لففم تبففن إل‬
‫لذكر الله تعالى والصلة‪ ،‬وما يتبففع ذلففك مففن تففدريس العلففم‪ ،‬وموعظففة‬
‫الناس‪ ،‬وقد ورد عن سماك بففن حففرب قففال‪ :‬قلففت لجففابر ابففن سففمرة‪:‬‬
‫أكنت تجالس رسول الله ‪e‬؟ قال‪ :‬نعم‪ ،‬كثيرا ً كان ل يقففوم مففن مصففله‪،‬‬
‫الذي يصلي فيففه الصففبح أو الغففداة حففتى تطلففع الشففمس‪ ،‬فففإذا طلعففت‬
‫الشمس قام‪ ،‬وكانوا يتحدثون‪،‬فيأخذون في أمففر الجاهليففة‪ ،‬فيضففحكون‪،‬‬
‫ويبتسم)‪.(1‬‬
‫قال القرطبي‪) :‬هذا الفعل منه ‪ e‬يدل على استحباب لزوم موضففع‬
‫صلة الصبح‪ ،‬للذكر والدعاء إلى طلوع الشمس؛ لن ذلك الففوقت وقففت‬
‫ل يصّلى فيه‪ ،‬وهو بعد صلة مشهودة‪ ،‬وأشغال اليوم بعد لم تأت‪ ،‬فيقففع‬
‫الذكر والدعاء على فراغ قلب وحضور فهم‪ ،‬فيرتجى فيه قبول الففدعاء‪،‬‬
‫وسماع الذكار ‪.(. .‬‬
‫ثم نقل عن بعفض العلمفاء كراهفة الحفديث ففي هفذا الفوقت‪ ،‬وأن‬
‫قوله "وكانوا يتحدثون ‪ ". .‬فصل آخر من سيرة أخرى في وقت آخر ‪. .‬‬
‫ثم قال‪) :‬وهذا فيه نظر‪ ،‬بل يمكن أن يقال‪ :‬إنهم في ذلك الوقت كففانوا‬
‫يتكلمون؛ لن الكلم فيه جففائز غيففر ممنففوع‪ ،‬إذ لففم يففرد فففي ذلففك منففع‪،‬‬
‫وغاية ما هنالك أن القبال في ذلك الوقت على ذكر اللفه تعفالى أفضفل‬
‫وأولفى‪ ،‬ول يلفزم مفن ذلفك أن يكفون الكلم مطلفوب الفترك ففي ذلفك‬
‫الوقت‪ .‬والله تعالى أعلم()‪.(2‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪180‬‬

‫)( أخرجه مسلم )‪.(670‬‬
‫)( انظر‪ :‬شرح القاضي عياض على صحيح مسلم )‪ ،(2/646‬والمفهم )‪ ،(2/295‬هذا وأما حديث‪:‬‬
‫"الكلم في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب" فل أصل له‪ .‬كما قال العراقي في‬
‫تخريج أحاديث "الحياء" )‪ (1/152‬وكذا قال غيره من أئمة الحديث‪.‬‬

‫الحكم الخامس والعشرون‬
‫في المسألة في المسجد‬
‫المسففاجد بيففوت اللففه تعففالى‪ ،‬بنيففت لففذكره ودعففائه وعبففادته‪ ،‬ل‬
‫للتكسب وجمع حطام الدنيا‪ ،‬ولففذا منففع الففبيع والشففراء‪ ،‬ونشففد الضففالة‪،‬‬
‫وسار الصناعات في المساجد؛ لهذا المعنى‪.‬‬
‫وبناء على ذلك فالمساجد ل تصلح مكانا ً للسؤال‪ ،‬وجمع المال‪ ،‬مع‬
‫ما في ذلك من إيذاء المصلين والذاكرين والتشويش عليهم‪.‬‬
‫وقد وردت النصوص بجواز إعطاء الفقير مففن غيففر مسففألة‪ ،‬وذلففك‬
‫بأن يعرف فقره وحاجته‪ ،‬فيعطى زكاة أو صدقة ونحففو ذلففك‪ ،‬أو تقسففم‬
‫أموال في المسجد‪ ،‬فيعطى مع الناس‪ ،‬فله أن يأخذ ما يأتيه‪.‬‬
‫ويدل لذلك ما ورد عن أنس – رضي الله عنه ‪ :-‬أن رسول اللففه ‪e‬‬
‫أتي بمال من البحرين‪ ،‬فقال‪" :‬أنثروه في المسجد" وكان أكثر مال أتي‬
‫به رسول الله ‪ ،e‬فخرج رسول الله ‪ e‬إلى الصلة ولم يلتفت إليه‪ ،‬فلمففا‬
‫قضى الصلة جاء فجلس إليه‪ ،‬فما كان يففرى أحففدا ً إل أعطففاه‪ ،‬إذ جففاءه‬
‫العباس‪ ،‬فقال‪ :‬يا رسول اللففه‪ ،‬أعطنففي‪ ،‬فففإني فففاديت نفسففي وفففاديت‬
‫عقي ً‬
‫ل‪ ،‬فقال له رسول الله ‪" :e‬خذ"‪ ،‬فحثا في ثوبه ثم ذهففب يقل ّففه فلففم‬
‫ي‪ ،‬قال‪" :‬ل"‪ ،‬قال‪:‬‬
‫يستطع‪ ،‬فقال‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬اؤمر بعضهم يرفعه إل ّ‬
‫ي‪ ،‬قال‪" :‬ل" فنثر منه ثم احتمله‪ ،‬فألقاه على كاهله‪ ،‬ثم‬
‫فارفعه أنت عل ّ‬
‫انطلق‪ ،‬فما زال رسول الله ‪ e‬يتبعه بصره حتى خفي علينففا‪ ،‬عجب فا ً مففن‬
‫م منها درهم)‪.(1‬‬
‫حرصه فما قام رسول الله ‪ e‬وث ّ‬
‫وقد بوب البخاري – رحمه الله – على هففذا الحففديث بقففوله‪) :‬بففاب‬
‫القسمة وتعليق القنو في المسجد(‪.‬‬
‫قال الحافظ ابن رجب – رحمه الله ‪) :-‬المقصففود بهففذا البففاب‪ :‬أن‬
‫المسجد يجففوز أن يوضففع فيففه أمففوال الفيففء وخمففس الغنيمففة وأمففوال‬
‫الصدقة ونحوها من أموال الله التي تقسم بين مستحقيها( وقال‪) :‬وفي‬
‫الحديث جوز قسم مال الفيء في المسجد ووضعه فيففه‪ ،‬وهففو مقصففود‬
‫البخاري بتخريج هذا الحديث فيه()‪.(2‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪181‬‬

‫)( أخرجه البخاري )‪ (1/516‬فتح‪.‬‬
‫)( فتح الباري لبن رجب )‪.(3/154‬‬

‫أما إذا سأل الفقيفر ففي المسفجد ففإن مفن أهفل العلفم مفن منفع‬
‫السؤال والعطاء مطلقًا‪ ،‬ولعل القائلين بففذلك نظففروا علففى العمومففات‬
‫الدالة على صيانة المسجد من كل مففا سففوى العبففادات‪ ،‬وأقففرب شففيء‬
‫تقاس المسألة عليه قياسا ً جليا ً نشففد الضففالة‪ ،‬والجففامع بينهمففا‪ :‬البحففث‬
‫والمطالبة بففأمر مففادي دنيففوي‪ ،‬والعلففة فففي المقيففس أظهففر؛ لن ناشففد‬
‫الضالة يبحث عن ماله دون شبهة‪ ،‬ومع ذلك أمر الشففارع بالففدعاء عليففه‬
‫بال ترد عليه‪ ،‬أما السائل فهو ل يطلب ماله‪ ،‬بل يطلب أموال الناس‪.‬‬
‫خص إذا كان السففائل مضففطرًا‪ ،‬ولففم يحصففل‬
‫ومن أهل العلم من ر ّ‬
‫بسؤاله في المسجد ضرر‪ ،‬مففن إيففذاء المصففلين والتشففويش عليهففم‪ ،‬أو‬
‫المرور أو المرور بين أيديهم ونحو ذلك)‪.(1‬‬
‫واستدلوا على ذلك بحديث عبد الرحمففن بففن أبفي بكففر قفال‪ :‬قففال‬
‫رسول الله ‪" :e‬هل منكم أحد أطعم اليوم مسكينا"؟!! فقففال أبففو بكففر‪:‬‬
‫دخلت المسجد فإذا أنففا بسففائل يسففأل‪ ،‬فوجففدت كسففرة خففبز بيففد عبففد‬
‫الرحمن فأخذتها منه‪ ،‬فدفعتها إليه)‪.(2‬‬
‫قالوا‪ :‬فهذا دليل على أن الصدقة على الفقير في المسجد ليسفت‬
‫مكروهة‪ ،‬وأن السؤال في المسجد جائز؛ لنه ‪ e‬أقّر أبا بكر – رضي الله‬
‫عنه – عليها‪ ،‬ولو كانت حراما ً لم يقّر عليها‪ ،‬بل كففان يمنففع السففائل مففن‬
‫العود إلى السؤال في المسجد)‪.(3‬‬
‫ولكن هذا الحديث ضعيف‪ ،‬وعلى هففذا فففالقول بففالمنع وجيففه جففدًا؛‬
‫تأكيدا ً لحرمة المسففجد‪ ،‬وردعفا ً لففذوي النفففوس الضففعيفة عففن اتخففاذهم‬
‫المسجد مكانا ً للتكسب‪ ،‬ول سيما في زماننا هذا؛ فإن الكففذب فففي هففذا‬
‫الزمان كثير‪ ،‬والحيل متعددة‪.‬‬
‫فففإن جلففس السففائل فففي زاويففة المسففجد‪ ،‬أو عنففد بففابه فل بففأس‬
‫بإعطائه‪ ،‬أما من يشوش على المصلين‪ ،‬ويقطع عليهم تلوتهم وذكرهم‪،‬‬
‫أو يمر بين أيديهم وهففم يصففلون‪ ،‬ويلففح عليهففم بإعطففائه فففالقول بمنعففه‬
‫وزجره وجيه جدًا‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪3‬‬

‫‪182‬‬

‫)( فتح الباري لبن رجب )‪ (3/157‬الحاوي )‪ (1/90‬أحكام المساجد في السلم ص)‪.(269‬‬
‫)( أخرجه أبو داود )‪ (1670‬والحاكم )‪ (1/412‬وعنه البيهقي )‪ (4/199‬وقال الحاكم‪ :‬صحيح على‬
‫شرط مسلم‪ .‬ووافقه الذهبي‪ .‬وقال النووي في "شرح المهذب" )‪ (1/176‬رواه أبو داود بإسناد‬
‫جيد وتعقبه اللباني في "الضعيفة" رقم )‪ (1458‬وحكم على الحديث بأنه منكر؛ لنه من رواية‬
‫مبارك بن فضالة‪ .‬وقد ضعفه أحمد والنسائي‪ ،‬وكان يدلس‪ ،‬وقد رواه بالعنعنة‪ .‬ثم هو ليس من‬
‫رجال مسلم‪ .‬والله أعلم‪.‬‬
‫)( انظر‪ :‬الحاوي )‪.(1/89‬‬

‫يقول شيخ السلم ابن تيمية – رحمه الله ‪) :-‬أصل السؤال محرم‬
‫في المسجد وخارج المسجد إل لضرورة‪ ،‬فإن كففان بففه ضففرورة وسففأل‬
‫في المسجد‪ ،‬ولم يؤذ أحدا ً بتخطيه رقاب النففاس ول غيففر تخطيففه‪ ،‬ولففم‬
‫يكذب فيما يرويه ويذكر من حاله‪ ،‬ولم يجهر جهرا ً يضر بالناس‪ ،‬مثل أن‬
‫يسال والخطيب يخطب أو وهم يسمعون علما ً يشففغلهم بففه ونحففو ذلففك‬
‫جاز‪ ،‬والله أعلم()‪.(1‬‬

‫الحكم السادس والعشرون‬
‫في الكل في المسجد‬
‫يباح الكل والشرب في المسففجد‪ ،‬إل مففا كففان لففه رائحففة كريهففة‬
‫كالثوم والبصل والكراث والفجففل؛ لن آكففل هففذه البقففول منهففي عففن‬
‫إتيان المسجد كما تقدم في أول الكتاب‪.‬‬
‫والكل في المسجد إما أن يكون معتكفا ً أو غير معتكف ‪. . .‬‬
‫فإن كان معتكفا ً فإنه يأكل ويشرب في المسففجد‪ ،‬وليففس لففه أن‬
‫يخرج من أجل الكل؛ لن خروجه ينافي العتكاف‪ ،‬قال المففام مالففك‬
‫– رحمه الله ‪) :-‬أكره للمعتكف أن يخرج من المسجد فيأكل بين يدي‬
‫الباب‪ ،،‬ولكن ليأكل في المسففجد‪ ،‬ول يخففرج مففن المسففجد إل لحاجففة‬
‫النسان لغائط أو بول()‪.(2‬‬
‫وأما غير المعتكف فكذلك يجوز له الكل في المسجد‪ ،‬ول داعي‬
‫لتقييد ذلك بالغريب دون غيره‪ ،‬فإن الدلة عامة‪ ،‬ومن ذلك‪:‬‬
‫ما ورد عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي – قال‪ :‬أكلنا مع‬
‫رسول الله ‪ e‬شواء في المسجد‪ ،‬فأقيمت الصلة‪ ،‬فأدخلنا أيففدينا فففي‬
‫الحصى‪ ،‬ثم قمنا نصلي‪ ،‬ولم نتوضأ)‪.(3‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪183‬‬

‫)( الفتاوى الكبرى )‪.(1/159‬‬
‫)( المدونة الكبرى )‪.(1/300‬‬
‫)( أخرجه أحمد )‪ ،(29/243‬والترمذي في "الشمائل" )‪ (166‬وابن ماجه من طرق عن ابن لهيعة‪،‬‬
‫وهو وإن كان ضعيفا ً لكنه من رواية قتيبة بن سعيد عنه‪ ،‬وروايته عنه صالحة‪ ،‬ثم هو قد توبع كما‬
‫في الحديث التي‪.‬‬

‫وعنه – أيضا ً – رضي الله عنه قال‪ :‬كنا نأكففل علففى عهففد رسففول‬
‫الله ‪ e‬في المسجد الخبفز واللحم)‪.(1‬‬
‫ويشهد لذلك أن أهل الصفة كانوا يسكنون فففي المسففجد‪ ،‬وهففذا‬
‫يدل ضمنا ً على أن الكل فيه جائز‪ .‬وكذا قصة ربط ثمامففة بففن أثففال –‬
‫رضي الله عنه – في المسجد‬

‫)‪(2‬‬

‫وكذا قصة سعد بن معاذ – رضي الله‬

‫عنه – عندما وضع له النبي ‪ e‬خيمة في المسجد يعوده من قريب بعفد‬
‫ما أصيب في غزوة الخندق)‪.(3‬‬
‫فهذا كله يدل على جواز الكففل فففي المسففجد‪ ،‬إذ لففم يشففتهر عنففد‬
‫الصحابة – رضي الله عنهم – منع الكل في المسجد‪ ،‬والصل أنه مباح‪،‬‬
‫فكيف إذا تأيد هذا الصل بأدلة قوية؟!)‪.(4‬‬
‫وينبغففي للكففل فففي المسففجد أن يضففع سفففرة ونحوهففا تقففع عليهففا‬
‫فضلت الكل‪ ،‬لئل تلوث المسجد‪ ،‬أو يتناثر شففيء مففن الطعففام فتتجمففع‬
‫عليه الهوام)‪ .(5‬والله أعلم‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪184‬‬

‫)( أخرجه ابن ماجه )‪ (300‬وابن حبان )‪ (1657‬من طريق عبد الله بن وهب عن عمرو بن‬
‫الحارث عن سليمان بن زياد عن عبد الله بن الحارث‪.‬‬
‫وحسنه البوصيري في الزوائد لنه من رواؤة يعقوب بن حميد وهو مختلف فيه‪ .‬لكنه لم ينفرد‬
‫بهن فقد رواه عنه ابن ماجه مقرونا ً مع حرملة بن يحيى‪ ،‬وحرملة ثقة‪ ،‬وعلى هذا فالسناد صحيح‪.‬‬
‫انظر‪" :‬تمام المنة" ص)‪.(296‬‬
‫)( أخرجه البخاري )‪ (4375‬ومسلم )‪ (1764‬في حديث طويل‪.‬‬
‫)( انظر‪ :‬صحيح البخاري )‪ 1/556‬فتح(‪.‬‬
‫)( انظر‪ :‬أحكام المساجد )‪.(3/158‬‬
‫)( انظر‪ :‬إعلم الساجد ص)‪.(329‬‬

‫الباب الثاني‬
‫في أحكام حضور الجمعة‬
‫•‬

‫تمهـيد‬

‫•‬

‫الفصـــل الول‪ :‬فـــي أحكـــام‬

‫الستعداد للجمعة‬
‫•‬

‫الفصــل الثــاني‪ :‬فــي أحكــام‬

‫حضور مسجد الجمعة‬

‫‪185‬‬

‫تمهـيد‬
‫في فضل يوم الجمعة‪ ،‬والتحذير من التهاون‬
‫بالصلة‬
‫يوم الجمعة من أفضل اليام عنففد اللففه تعففالى‪ ،‬ادخففره اللففه لهففذه‬
‫المة؛ لشرفها وكرمها علفى اللففه تعففالى‪ ،‬وفيففه مفن الفضفائل ولفه مففن‬
‫الخصائص ما جعل النبي ‪ e‬يعظمه ويخصه بعبادات ليست لغيره‪.‬‬
‫وقد ورد عن أبي هريففرة – رضففي اللففه عنففه – عففن النففبي ‪ e‬قففال‪:‬‬
‫"نحن الخرون ونحن السففابقون يففوم الجمعففة‪ ،‬بيففد أن كففل أمففة أوتيففت‬
‫الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم‪ ،‬ثم هذا اليوم الذي كتبه اللففه علينففا‬
‫)‪(1‬‬
‫هدانا الله له‪ ،‬فالناس لنا فيه تبع‪ ،‬اليهود غدًا‪ ،‬والنصارى بعد غد"‬
‫وعنه – أيضا ً رضي الله عنه – أن النبي ‪ e‬قال‪" :‬خيففر يففوم طلعففت‬
‫عليه الشمس يوم الجمعة‪ ،‬فيه خلق آدم‪ ،‬وفيه أدخل الجنة‪ ،‬وفيه أخرج‬
‫منها‪ ،‬ول تقوم الساعة إل في يوم الجمعة")‪.(2‬‬
‫وإذا كان الله تعالى فضلنا على سائر المففم بهففذا اليففوم الفضففيل‪،‬‬
‫ن بها علينففا‬
‫فعلينا أن نشكر الله تعالى على هذه النعمة العظيمة التي م ّ‬
‫زيادة في ثوابنا ورفعة لدرجاتنا‪ ،‬ومن شففكره أن نهتففم بهففذا اليففوم‪ ،‬وأن‬
‫نستغفر هذه النعمة‪ ،‬وذلك بأن نخص هذا اليوم بمزيد عناية‪ ،‬وأن نجاهد‬
‫أنفسنا بالطاعة‪ ،‬وأن نتأدب بالداب الواردة في نصوص الشريعة والففتي‬
‫جاء تقييد الثواب والمغفرة بالتحلي بها‪.‬‬
‫وإن من فضل الله على عباده كثرة طففرق الخيففرات وتنففوع سففبل‬
‫الطاعات؛ ليدوم نشاط المسلم‪ ،‬ويبقى ملزما ً لخدمة موله‪.‬‬
‫يقففول ابففن القيفم – رحمففه اللففه تعففالى – فففي ذكففر خصفائص يففوم‬
‫الجمعة‪) :‬الثالثفة والعشفرون‪ :‬أنفه اليفوم الفذي يسفتحب أن يتففّرغ فيفه‬
‫للعبادة‪ ،‬وله على سائر اليام مزية بأنواع من العبادات واجبة ومستحبة‪،‬‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫‪186‬‬

‫)( أخرجه البخاري رقم )‪ ،(836‬ومسلم رقم )‪ .(855‬ومعنى "بيد"‪ :‬غير‪ ،‬فهو منصوب على‬
‫الستثناء في هذا الموضع‪.‬‬
‫)( أخرجه مسلم رقم )‪.(854‬‬

‫فالله سبحانه جعل لهل كل ملة يومفا ً يتفرغففون فيففه للعبففادة ويتخلففون‬
‫فيه عن أشغال الدنيا‪ ،‬فيوم الجمعة يوم عبادة‪ ،‬وهففو فففي اليففام كشففهر‬
‫رمضان في الشهور‪ ،‬وساعة الجابة فيه كليلة القدر في رمضان‪ ،‬ولهففذا‬
‫من صح له يوم جمعته وسلم سففلمت لففه سففائر جمعتففه‪ ،‬ومففن صففح لففه‬
‫رمضان وسلم سلمت له سائر سنته‪ ،‬ومن صحت له حجته وسلمت لففه‬
‫صح له سائر عمففره‪ .‬فيففوم الجمعففة ميففزان السففبوع‪ ،‬ورمضففان ميففزان‬
‫العام‪ ،‬والجد ميزان العمر‪ ،‬وبالله التوفيق()‪.(1‬‬
‫إن الهتمام بالطاعة في هذا اليوم شأن الصالحين من سلف هففذه‬
‫المة‪ ،‬وأعني به الهتمففام الففذي يتحففول إلففى واقففع عملففي يرضففى عنففه‬
‫المسلم‪ .‬وأكثر الناس اليوم يرون أن يوم الجمعة يوم نوم وكسل‪ ،‬ومن‬
‫آثاره التأخر عن الحضور على الجمعة؛ لنه مسبوق بليلة سهر علففى مففا‬
‫حرم الله عند غالب الناس‪ .‬والله المستعان!‬
‫ولقد استقر في أذهان الناس عموما ً أن يوم الجمعففة أفضففل أيففام‬
‫السبوع‪ ،‬لكنهم ل يعملون بمقتضى علمهم‪ .‬إن علينا أن نتأسى بالنبي ‪e‬‬
‫الذي كان من هديه – كما يقول ابن القيم – تعظيم هذا اليوم وتشففريفه‬
‫وتخصيصه بعبادات يختص بها عن غيففره)‪ ،(2‬ومففن تعظيففم هففذا اليففوم أن‬
‫ن من آداب‪.‬‬
‫نعمل بما شرع لنا من أحكام‪ ،‬وأن نتأدب بما س ّ‬
‫وقد ورد النهففي الكيففد‪ ،‬والوعيففد الشففديد فففي التخلففف عففن صففلة‬
‫الجمعة والتهاون بحضورها‪.‬‬
‫فعن أبي هريرة وابن عمر – رضي الله عنهم – أنهما سمعا رسول‬
‫ن أقوام عن ودعهم الجمعففات‪ ،‬أو‬
‫الله ‪ e‬يقول على أعواد منبره‪" :‬لينتهي ّ‬
‫ن الله على قلوبهم‪ ،‬ثم ليكونن من الغافلين")‪.(3‬‬
‫ليختم ّ‬
‫وعففن ابففن مسففعود – رضففي اللففه عنففه ‪ :-‬أن النففبي ‪ e‬قففال لقففوم‬
‫يتخلفون عن الجمعففة‪" :‬لقففد هممففت أن آمففر رج ً‬
‫ل‪ ،‬يصففلي بالنففاس‪ ،‬ثففم‬
‫أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم")‪.(4‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫‪187‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫زاد المعاد )‪.(1/398‬‬
‫زاد المعاد )‪.(1/375‬‬
‫أخرجه مسلم )‪.(865‬‬
‫أخرجه مسلم )‪.(652‬‬

‫وعن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال‪ :‬من ترك الجمعففة ثلث‬
‫جمع متواليات فقد نبذ السلم وراء ظهره)‪.(1‬‬
‫والحاديث في هذا كثيرة)‪ ،(2‬وفيها دللة واضحة على عظيففم شففأن‬
‫صلة الجمعة‪ ،‬وأن من تركها أو تساهل بها فهو على خطففر عظيففم؛ إنففه‬
‫عد بالختم على قلبه‪ ،‬فل تغشاه رحمففة اللففه تعففالى‪ ،‬ول ألطففافه‪ ،‬فل‬
‫متو ّ‬
‫يزكيه ول يطهره‪ ،‬بل يبقى دنسًا‪ ،‬تغشاه ظلمات الذنوب والمعاصي‪.‬‬
‫فعلى من كان متساهل ً بهذه الفريضة العظيمة إما كسل ً أو خروجا ً‬
‫في نزهة أو صيد أو حضور مباراة أو نحو ذلك من الموانع التي ظهففرت‬
‫في هذا الزمان – أن يبادر بالتوبة النصوح‪ ،‬فيقلع ويندم ويعزم علففى أن‬
‫ل يعود‪ ،‬عسى الله أن يتوب عليه‪.‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪188‬‬

‫)( أخرجه أبو يعلى )‪ (3/156‬موقوفا ً بإسناد صحيح‪ ،‬كما قال المنذري في الترغيب )‪.(1/511‬‬
‫)( انظر‪ :‬الترغيب والترهيب للمنذري )‪.(1/508‬‬

‫الفصل الول‬
‫في أحكام الستعداد للجمعة‬
‫الحكم الول‬
‫غسل الجمعة‬
‫يتأكد في حق من أراد حضففور الجمعففة أن يغتسففل سففواء كففان بففه‬
‫رائحففة يحتففاج إلففى إزالتهففا أو ل‪ ،‬وعليففه أن يقصففد بففذلك الغسففل غسفل‬
‫الجمعة ل يقصد به النظافة أو التبفرد فحسب‪ ،‬لجل أن يؤجر على نيته‪.‬‬
‫وقد تعددت النصوص على بيان أهمية غسل الجمعة ومنفزلته فففي‬
‫نظر السلم‪ ،‬بل أكدت النصوص أهمية الغسففل فففي كففل أسففبوع مففرة‪،‬‬
‫ففي حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – أن النبي ‪ e‬قال‪" :‬حففق علففى‬
‫كففل مسففلم أن يغتسففل فففي كففل سففبعة أيففام يومفًا‪ ،‬يغسففل فيففه رأسففه‬
‫وجسده")‪.(1‬‬
‫وعن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – قال‪ :‬سففمعت رسففول‬
‫الله ‪ e‬يقول‪" :‬من جاء منكم الجمعة فليغتسل")‪.(2‬‬
‫وعن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – أن رسول الله ‪ e‬قال‪:‬‬
‫"غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم")‪.(3‬‬
‫وعن أبن عباس – رضي اللفه عنهمفا – قفال‪ :‬قفال رسفول اللفه ‪:e‬‬
‫"إن هذا يوم عيد جعله الله للمسلمين فمن جاء الجمعة فليغتسل ‪". . .‬‬
‫الحديث)‪.(4‬‬
‫فهذه النصوص تدل على أن المسلم مطففالب بالغسففل مففرة علففى‬
‫القل في كففل سففبعة أيففام؛ ليبقففى نظيففا ً نشففيطًا‪ ،‬ولففم يففترك السففلم‬
‫تنظيف الرأس وتنقيته للهواء والظففروف ول لنتظففار الجنابففة الففتي قففد‬
‫يطول أمرها ول سيما من ليففس لففه زوج‪ ،‬بففل أكففد ذلففك علففى المسففلم‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫‪189‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫رواه‬
‫رواه‬
‫رواه‬
‫رواه‬

‫البخاري رقم )‪ ،(856‬ومسلم رقم )‪.(849‬‬
‫البخاري رقم )‪ ،(854‬ومسلم رقم )‪.(844‬‬
‫البخاري رقم )‪ ،(855‬ومسلم رقم )‪.(846‬‬
‫ابن ماجه رقم )‪ (1098‬بإسناد حسن‪ ،‬وانظر الزوائد للبوصيري )‪.(1/208‬‬

‫وحثه على الكثففار منففه‪ ،‬وهففذا غسففل راتففب مسففنون للنظافففة فففي كففل‬
‫أسبوع وإن لم يشهد الجمعة)‪.(1‬‬
‫ول خلف في استحباب الغسل يوم الجمعة‪ ،‬كما أنففه ل خلف فففي‬
‫أن الصلة جائزة بدونه‪ ،‬وإنما الخلف في وجوبه‪ .‬قال شيخ السلم ابن‬
‫تيمية – رحمه الله ‪) :-‬ويستحب الغسل فففي ذلففك اليففوم‪ ،‬وعففن جماعففة‬
‫يجب‪ ،‬ودليل وجوبه أقوى من دليل وجوب الوتر‪ ،‬ومن الوضوء من مس‬
‫النساء ومن القهقهة ومن الرعففاف ومففن الحجامففة ومففن القيففء‪ ،‬ومففن‬
‫دليل وجوب الصلة على النبي ‪.(2)(e‬‬
‫وعند تأمل النصوص الواردة في غسل الجمعففة يلففوح لففك رجحففان‬
‫القول بالوجوب‪ ،‬وهو قول الظاهرية وجماعة من الصففحابة‪ ،‬وهففو روايففة‬
‫عن المام أحمد‪ ،‬وحكي عن مالك)‪ ،(3‬فقد ورد في بعض أنففه حففق علففى‬
‫كل مسلم‪ ،‬والوجوب يثبت بأقل من هذا)‪.(4‬‬
‫وأمففا تأويففل لفففظ‪) :‬واجففب وحففق( الففواردة فففي بعففض النصففوص‬
‫السففابقة بتأكيففد المشففروعية‪ ،‬وحمففل المففر علففى النففدب‪ ،‬جمع فا ً بيففن‬
‫الحاديث فهو مسلم ل تطمئن إليه النفس‪ ،‬ول يطلب الجمع بمثل هذا‪.‬‬
‫والحاديث القاضية بالغسل فيها حكم زائد على الحاديث المفيففدة‬
‫لستحبابه فل تعارض بينهما‪ ،‬والواجب الخذ بما تضمن الزيادة)‪.(5‬‬
‫وأوضح دليل القائلين بالسففتحباب – وهففم الجمهففور – حففديث أبففي‬
‫هريرة – رضي الله عنه – أن النبي ‪ e‬قال‪" :‬من توضأ فأحسن الوضففوء‪،‬‬
‫ثم أتى الجمعة‪ ،‬فاستمع‪ ،‬وأنصت غفر له ما بينففه وبيففن الجمعففة وزيففادة‬
‫ثلثة أيام‪ ،‬ومن مس الحصا فقد لغا")‪ ،(6‬قال الحافظ في التلخيص‪) :‬إنه‬
‫من أقوى ما استدل به على عدم فرضية الغسل يوم الجمعة()‪.(7‬‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫‪190‬‬

‫)( انظر كتاب )في الصلة صحة ووقاية( للدكتور‪ :‬فارس علوان )ص ‪ ،(31‬وانظر مجموع الفتاوى‬
‫)‪.(21/307‬‬
‫)( نسبه في كتاب )القول المبين( )ص ‪ (352‬إلى كتاب‪" :‬اقتضاء الصراط المستقيم" ولم أعثر‬
‫عليه فيه‪ ،‬وانظر زاد المعاد )‪.(1/386‬‬
‫)( انظر‪ :‬المغني )‪ ،(3/224‬المحلى )‪ ،(2/13‬معالم السنن )‪ ،(1/211‬فتح الباري )‪.(2/361‬‬
‫)( نيل الوطار )‪.(1/272‬‬
‫)( انظر تمام المنة )ص ‪.(120‬‬
‫)( رواه مسلم رقم )‪.(857‬‬
‫)( التلخيص الحبير )‪.(2/72‬‬

‫قال في فتح الباري‪) :‬وأجيب عنه‪ :‬بأنه ليس فيه نفي الغسل‪ ،‬وقد‬
‫ورد من وجه آ×ر في الصحيحين بلفظ "من اغتسل" فيحتمل أن يكففون‬
‫ذكر الوضوء لمن تقدم غسله على الذهاب فاحتاج إلى إعففادة الوضففوء(‬
‫)‪.(1‬‬
‫ومنها حففديث سففمرة قففال‪ :‬قففال رسففول اللففه ‪" :e‬مففن توضففأ يففوم‬
‫الجمعة فيها ونعمت‪ ،‬ومن اغتسل فالغسل أفضل")‪.(2‬‬
‫وهذا الحديث من روايففة الحسففن عففن سففمرة‪ ،‬وفففي سففماعه منففه‬
‫خلف بين أهل العلم‪ ،‬فل يقاوم الحاديث الصحيحة القاضية بالوجوب‪.‬‬
‫قال ابن حزم بعد أن ساق هذا الحديث وما في معناه‪) :‬لو صففحت‬
‫لم يكن فيه نص ول دليل على أن غسففل الجمعففة ليففس بففواجب‪ ،‬وإنمففا‬
‫فيها أن الوضوء نعم العمل وأن الغسل أفضل‪ ،‬وهذا ل شففك فيففه‪ ،‬وقففد‬
‫قال الله تعالى‪ :‬ولو آمن أهل الكتاب لكان خيففرا ً لهففم‪ ،(3)‬فهففل دل‬
‫هذا اللفظ على أن اليمان والتقوى ليس فرضًا؟! – حاشا لله مففن هففذا‬
‫– ثم لو كان في جميع هذه الحاديث نص على أن غسفل الجمعفة ليفس‬
‫فرضا ً لما كان في ذلك حجة؛ لن ذلك كان يكون موافقا ً لما كففان عليففه‬
‫المر قبل قوله عليه الصلة والسلم‪" :‬غسل يوم الجمعففة واجففب علففى‬
‫كل محتلم" و "على كل مسلم" وهذا القول منه عليه الصففلة والسففلم‬
‫حكم زائد ناسخ للحالة الولى بيقين ل شك فيه‪ ،‬ول يحففل تففرك الناسففخ‬
‫بيقين والخذ بالمنسوخ()‪.(4‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫‪191‬‬

‫)( فتح الباري )‪.(2/362‬‬
‫)( رواه أبو داود رقم )‪ ،(354‬والترمذي رقم )‪ (497‬وحسنه‪ ،‬ورواه أحمد )‪،16 ،15 ،11 ،5/8‬‬
‫‪ (22‬والنسائي )‪ ،(3/94‬ورواه ابن ماجه من حديث أنس )‪ .(1091‬قال الحافظ في الفتح )‬
‫‪) :(2/362‬ولهذا الحديث طرق أشهرها وأقواها‪ :‬رواية الحسن عن سمرة‪ ،‬أخرجها أصحاب السنن‬
‫الثلثة‪ ،‬وابن خزيمة وابن حبان وله علتان‪ :‬إحداهما‪ :‬أنه من عنعنة الحسن‪ ،‬والخرى‪ :‬أنه اختلف‬
‫عليه فيه ‪ .(. . .‬لكن من قال‪ :‬عن الحسن سمع من سمرة؛ صحح الحديث‪ ،‬وعلة الختلف في‬
‫وصله وإرساله منتفيه‪ ،‬فقد ورد وصله من طرق صحصحة‪ ،‬فقد ورد من طريق أبان بن يزيد عن‬
‫ل‪ .‬وورد من طريق سعيد الجحدري موصو ً‬
‫قتادة عن الحسن عن النبي ‪ e‬مرس ً‬
‫ل‪ ،‬وتابعه يزيد بن‬
‫زريع وهمام بن يحيى‪ ،‬وقد صحح الحديث مرفوعا ً الدارقطني وأبو حاتم الرازي وابن خزيمة وابن‬
‫حجر واللباني‪.‬‬
‫)( سورة آل عمران‪ :‬الية ‪.110‬‬
‫)( المحلى )‪.(2/14‬‬

‫وعلى ما تقدم فالظاهر – إن شاء الله – أن غسل الجمعة واجففب‪،‬‬
‫صر فيما وجب عليه‪ ،‬وصلته صففحيحة إذا كففان طففاهرًا‪،‬‬
‫فمن تركه فقد ق ّ‬
‫فإن الصففل فففي المففر أنففه للوجففوب‪ ،‬ول يصففرف عنففه علففى النففدب إل‬
‫بدليل‪ ،‬وقد ورد المر بالغسل صريحًا‪ ،‬ثم تأيد في معنى الوجوب بففورود‬
‫النص الصريح الصحيح بأن غسل الجمعة واجففب‪ .‬ومثففل هففذا الففذي هففو‬
‫قطعي الدللة والذي ل يحتمل التأويل ل يجوز أن يؤول لدلة أخرى‪ ،‬بل‬
‫تؤول الخرى إن كان في ظاهرها المعارضة له‪ ،‬والله أعلم)‪.(1‬‬
‫وقففد ورد فففي بعففض النصففوص أن الفضففل المرتففب علففى التبكيففر‬
‫للجمعة ل يحصل إل لمن اغتسل‪ ،‬وذلك كمففا فففي حففديث أبففي هريففرة –‬
‫رضي الله عنه – أن رسول الله ‪ e‬قال‪" :‬من اغتسل يوم الجمعة غسففل‬
‫الجنابة ثم راح في السففاعة الولففى فكأنمففا قففرب بففدنه ‪ ". . .‬الحففديث‪.‬‬
‫ويأتي قريبفا ً بتمففامه إن شففاء اللففه‪ .‬وعليففه يحمففل مففا أطلففق فففي بففاقي‬
‫الروايات من ترتب الفضل على التبكير من غير تقييد بالغسل)‪.(2‬‬
‫وقوله‪" :‬غسل الجنابة" أي‪ :‬غسل ً كغسل الجنابة في الكيفية ل في‬
‫الحكم على أحد القولين)‪.(3‬‬
‫وقد حكى ابن القيم – رحمه الله – في المسففألة قففول ً ثالث فًا‪ ،‬وهففو‬
‫التفصيل بين من له رائحة يحتففاج إلففى إزالتهففا‪ ،‬فيجففب عليففه‪ ،‬ومففن هففو‬
‫مستغن عنه‪ ،‬فيستحب له‪ ،‬ثم ذكفر أن القفوال الثلثفة لصفحاب أحمفد‪.‬‬
‫وقد أشار الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" على هففذا القففول‪ ،‬ونسففبه‬
‫صاحب "النصاف" إلى شيخ السلم ابن تيمية – رحم الله الجميع –)‪.(4‬‬
‫والفضففل أن يغتسففل للجمعففة عنففد مضففيه إليهففا؛ لنففه أبلففغ فففي‬
‫المقصففود‪ ،‬ول سففيما إذا خشففي أن يصففيبه فففي أثنففاء النهففار مففا يزيففل‬
‫تنظيفه)‪.(5‬‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪192‬‬

‫)( انظر فتح الباري )‪ (2/360‬وما بعدها‪ ،‬ونيل الوطار )‪ ،(1/272‬والرسالة للشافعي وتعليق أحمد‬
‫شاكر )ص ‪ (302‬وما بعدها وإحكام الحكام لبن دقيق العيد بحاشية الصنعاني )‪،(3/113‬‬
‫والختبارات )ص ‪.(17‬‬
‫)( فتح الباري )‪.(2/368‬‬
‫)( انظر فتح الباري )‪.(2/366‬‬
‫)( انظر‪ :‬زاد المعاد )‪ (1/377‬فتح الباري )‪ ،(2/363‬النصاف )‪ ،(1/247‬الختيارات ص)‪.(17‬‬
‫)( فتح الباري )‪.(2/358‬‬

‫إن الحرص على الغسل يوم الجمعة أكبر دليففل علففى تعظيففم هففذا‬
‫اليوم والهتمام بهذه العبادة العظيمة‪ ،‬وهذا الجمع الكثير‪ ،‬ومففن النففاس‬
‫من ل يقيم وزنا ً لذلك‪ ،‬فتراه يحضر المسجد بهيئة رثة‪ ،‬أو بثياب مهنتففه‪،‬‬
‫ويجمع إلى ذلك رائحة كريهة تنبعث مففن جسففده يففؤذي بهففا الحاضففرين‪.‬‬
‫فالله المستعان!‬
‫وليحذر المسفلم مفن أمفر محفرم وقفع فيفه الكفثيرون – ول سفيما‬
‫الشباب – في هذا اليوم المبارك؛ أل وهو حلق اللحيففة الففذي صففار يففوم‬
‫الجمعة ميعادا ً له‪ ،‬يعتبرون ذلك من تمام الغسل وتمام الزينة‪ ،‬ول ريففب‬
‫أن حلق اللحية معصية‪ ،‬لن الرسول ‪ e‬أمر بإعفائها‪ ،‬ونهففى عففن حلقهففا‪.‬‬
‫وحلقها في هففذا اليففوم أعظففم مففن حلقهففا فففي غيففره؛ لشففرف الففوقت‪،‬‬
‫فيكون في حلقها يوم الجمعة محذوران‪:‬‬
‫الول‪ :‬الحلق نفسه فإنه محرم شرعا ً في الجمعة وغيرها؛ لن هذا‬
‫من أحكام الشرع ل من العادات‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬التزين للجمعة بمعصية الله تعالى‪.‬‬
‫فعلى كل مسفلم أن يراقفب اللفه تعفالى‪ ،‬وأن يكفون زّيفه ولباسفه‬
‫موافقا ً لداب الشريعة وأحكامها‪ ،‬وأن يحذر كل الحذر من التشففبه بمففن‬
‫نهينا عن التشبه بهم؛ لن المتشبه بأعداء الله تعالى على خطر عظيففم‪.‬‬
‫والله الموفق‪.‬‬

‫‪193‬‬

‫الحكم الثاني‬
‫حسن اللباس‬
‫علففى قاصففد الجمعففة أن يهتففم بلباسففه ويتخيففر أحسففن مففا يجففد‪،‬‬
‫وتحسين الهيئة في الصلة عموما ً مطلففوب – كمففا تقففدم أول الكتففاب –‬
‫لكن أختص يوم الجمعة بمزيد عناية وردت عن الشارع‪.‬‬
‫فعن أبي أيوب – رضي اللففه عنففه – قففال‪ :‬سففمعت رسففول اللففه ‪e‬‬
‫س من طيب إن كان له‪ ،‬ولبس مففن‬
‫يقول‪" :‬من اغتسل يوم الجمعة وم ّ‬
‫أحسن ثيابه‪ ،‬ثم خرج وعليه السكينة حتى يأتي المسجد‪ ،‬ثم يركع ما بدا‬
‫له‪ ،‬ولم يؤذ أحدًا‪ ،‬ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يصلي كانت لففه كفففارة‬
‫لما بينهما")‪.(1‬‬
‫وعن عبد الله بن سلم – رضي الله عنه – أنه سمع النبي ‪ e‬يقففول‬
‫على المنبر يوم الجمعة‪" :‬ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعففة‬
‫سوى ثوبي مهنته")‪.(2‬‬
‫إن حسن اللباس يوم الجمعة ظاهرة بادية على كثير من النففاس –‬
‫ولله الحمد – وهذا دليل إحساس بقيمة الزينففة فففي هفذا اليفوم‪ ،‬لكففن ل‬
‫يزال أناس مقصرين في هذا الجانب‪ ،‬وأكثرهم ممن تقدمت بهم السن‪،‬‬
‫فهم يحضففرون إلففى المسففجد بثيففابهم المعتففادة وقففد يظهففر منهففا روائح‬
‫كريهة‪ ،‬فلعلهم يهتمون بلباسهم في هذا اليوم العظيم‪ ،‬فقد كان السلف‬
‫الصالح من هذه المة يتجملون يوم الجمعة)‪.(3‬‬
‫وعلى المسلم أن يحذر السبال‪ ،‬الذي وقع فيه كثيرون – ول سيما‬
‫الشباب – فإنه محرم‪ ،‬وفيه وعيد عظيم‪ ،‬وقد ثبت ذلك بنصوص كففثيرة‪،‬‬
‫بلغت مبلغ التواتر‪ ،‬ومن ذلك حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – قال‪:‬‬

‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫‪3‬‬

‫‪194‬‬

‫)( أخرجه أحمد )‪ ،(6/53‬والطبراني في الكبير )‪ (161 – 4/160‬وابن خزيمة )‪ ،(3/138‬وصححه‬
‫اللباني )صحيح الترغيب ‪.(1/360‬‬
‫)( أخرجه أبو داود رقم )‪ ،(1078‬وابن ماجه )‪ ،(1095‬وهو حديث صحيح له شاهد من حديث‬
‫عائشة – رضي الله عنها‪ .‬انظر‪ :‬الزائد للبوصيري )‪.(1/207‬‬
‫)( انظر فتح الباري )‪.(2/374‬‬

‫قال رسول الله ‪" :e‬ما أسفففل مففن الكعففبين مففن الزار ففففي النففار")‪،(1‬‬
‫وعنه – أيضا ً – رضي الله عنه – أن رسففول اللففه ‪ e‬قففال‪" :‬ل ينظففر اللففه‬
‫يوم القيامة إلى من جّر إزاره بطرًا")‪.(2‬‬
‫وعن ابن جريّ – جففابر بففن سففليم – أن النففبي ‪ e‬قففال لففه‪" :‬وإيففاك‬
‫والسبال‪ ،‬فإنه من المخيلة")‪.(3‬‬
‫ومن هذه الدلة وغيرها يؤخذ ما يلي‪:‬‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬أن السبال منهي عنه مطلقًا‪ ،‬وأما ما ورد من التقييد بالخيلء‬
‫ص به لمرين‪:‬‬
‫فل يفيد أن النهي مخت ّ‬
‫الول‪ :‬أن الحكم مختلف؛ فإن الوعيد في حال الخيلء يختلف عففن‬
‫الوعيد في غيففر الخيلء‪ ،‬وعليففه فل يحمففل المطلففق علففى المقيففد‪ ،‬فففإن‬
‫السبال للخيلء كبيرة‪ ،‬وإن كفان لغيففر الخيلء فهففو محفّرم‪ ،‬ويخشفى أن‬
‫يكون من الكبائر‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬أن السبال ذاته خيلء؛ لقوله ‪" :e‬وإياك والسبال‪ ،‬فإنه من‬
‫المخيلة"‪.‬‬
‫ثانيًا‪ :‬في السبال مفاسد ومخالفات عديدة؛ ففيففه مخالفففة السففنة‬
‫في اللباس‪ ،‬وارتكاب النهي‪ ،‬والخيلء والعجاب بففالنفس‪ ،‬وفيففه التشففبه‬
‫بالنسففاء‪ ،‬وفيففه السففراف بتعريففض الملبففوس للنجاسففة والقففذر ومسففح‬
‫مفواطئ القفدام‪ ،‬وقبفل هفذا كلفه التعفرض للوعيفد الشفديد ففي الفدنيا‬
‫والخرة)‪.(4‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫‪195‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫أخرجه البخاري )‪.(5787‬‬
‫أخرجه البخاري )‪ (578‬ومسلم )‪.(2087‬‬
‫أخرجه أبو داود )‪ (4084‬وأحمد )‪ (5/63‬والحاكم )‪ (4/186‬وصححه ووافقه الذهبي‪.‬‬
‫انظر‪ :‬رسالة حد ّ الثوب والزرة‪ ،‬تأليف‪ :‬بكر أبو زيد‪.‬‬

‫الحكم الثالث‬
‫السواك للجمعة‬
‫من تمففام الزينففة يففوم الجمعففة أن يهتففم المصففلي بالسففواك‪ ،‬وهففو‬
‫مطلوب من المصلي عند كل صلة‪ ،‬وإذا ثبت السواك في غير الجمعفة‪،‬‬
‫فهو في الجمعة مع المر باغتسال لها وإحسان الهيئة أولى)‪.(1‬‬
‫وقد ورد في سواك الجمعة نص خاص؛ فعن أبي سعيد الخففدري –‬
‫رضي الله عنه – أن رسول الله ‪ e‬قال‪" :‬غسل يففوم الجمعففة علففى كففل‬
‫محتلم‪ ،‬وسواك‪ ،‬ويمس من الطيب ما قدر عليه")‪.(2‬‬
‫وفي حديث ابن عبفاس المتقفدم ففي غسفل الجمعفة‪) :‬فمفن جفاء‬
‫الجمعة ليغتسل‪ ،‬وإن كان طيب فليمس منه‪ ،‬وعليكم بالسواك(‪.‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪196‬‬

‫)( فتح الباري )‪.(2/375‬‬
‫)( رواه مسلم برقم )‪ ،(7/846‬وانظر فتح الباري )‪.(2/364‬‬

‫الحكم الرابع‬
‫الطيب يوم الجمعة‬
‫إن الطيب من حسففن الهيئة وجمففال المظهففر‪ ،‬وطيففب الرائحففة أم‬
‫مرغوب فيه‪ ،‬وقد تقدم من الحاديث ما يفيد تأكيد استعمال الطيب يوم‬
‫الجمعففة مهمففا كففان قلي ً‬
‫ل‪ ،‬وقففد ورد – أيضفا ً فففي بعففض الحففاديث‪" :‬وأن‬
‫يمس طيبا ً إن وجد")‪.(1‬‬
‫فعلى المسففلم أن يسففتعد بففالطيب ليففوم الجمعففة‪ ،‬ليرتففاح النففاس‬
‫بجواره‪ ،‬ويظهر المسجد بالمظهر الطيب‪ ،‬ول يتم ذلك إل بامتثال جميففع‬
‫النففاس‪ ،‬قففال القرطففبي‪) :‬وآداب الجمعففة ثلث‪ :‬الطيففب‪ ،‬والسففواك‪،‬‬
‫واللباس الحسن‪ .‬ول خلف فيه لورود الثار بذلك)‪.(2‬‬
‫قال القاضي عياض‪) :‬قوله‪" :‬ويمس مففن الطيففب مففا قففدر عليففه"‪:‬‬
‫يحتمل لتكثيره‪ ،‬ويحتمل لتأكيده ممففا وجففده مففن طيففب‪ ،‬وبففدليل قففوله‪:‬‬
‫"ولو من طيب المرأة" يريد المكروه للرجال‪ ،‬وهو ما ظهر لونه‪ ،‬فأباحه‬
‫هنا؛ لعدم غيره‪ ،‬وللضرورة إليه‪ ،‬وهذا يدل على تأكيده(‪.‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪197‬‬

‫)( أخرجه البخاري )‪ (880‬ومسلم )‪.(7/846‬‬
‫)( بداية المجتهد )‪.(1/206‬‬
‫)( شرح القاضي عياض على صحيح مسلم )‪.(3/236‬‬

‫)‪(3‬‬

‫الحكم الخامس‬
‫المبادرة إلى حضور المسجد‬
‫وعلى المصلي أن يبادر إلى الحضور؛ للثواب العظيم المرتب على‬
‫ذلك فففي جميففع الصففلوات‪ ،‬وفففي الجمعففة فضففائل خاصففة حسففب الول‬
‫فالول‪ ،‬وقد د ّ‬
‫ل على ذلك مففا رواه أبففو هريففرة – رضففي اللففه عنففه – أن‬
‫النبي ‪ e‬قفال‪" :‬مففن اغتسففل يفوم الجمعففة ثففم راح فففي السفاعة الولفى‬
‫فكأنما قرب بدنه‪ ،‬ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقففرة ومففن‬
‫راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا ً أقرن‪ ،‬ومن راح فففي السففاعة‬
‫الرابعة فكأنما قفرب دجاجفة‪ ،‬ومفن راح ففي السفاعة الخامسفة فكأنمفا‬
‫قرب بيضة‪ ،‬فإذا خرج المام حضرت الملئكة يسففتمعون الففذكر"‪ ،‬وفففي‬
‫رواية لمسلم‪" :‬فففإذا جلففس المففام طففووا الصففحف‪ ،‬وجففاءوا يسففتمعون‬
‫الذكر")‪.(1‬‬
‫وأعلم أن المففراد بالسففاعة فففي هففذا الحففديث‪ :‬الزمففن‪ ،‬ل السففاعة‬
‫المعروفة‪ ،‬وفي هذا الحففديث خمففس سففاعات مففا بيففن طلففوع الشففمس‬
‫وخروج المففام‪ ،‬فيقسففم الزمففن صففيفا ً أو شففتاء علففى خمففس سففاعات‪،‬‬
‫ويعرف مقدار كل ساعة من هذه الساعات الخمس)‪.(2‬‬
‫والمراد بطي الصحف‪ :‬طي صففحف الفضففائل المتعلقففة بالمبففادرة‬
‫على الجمعففة‪ ،‬دون غيرهففا مففن سففماع الخطبففة وإدراك الصففلة والففذكر‬
‫والدعاء والخشوع ونحو ذلك فإنه يكتبه الحافظان قطعا ً)‪.(3‬‬
‫إن التأخر في الحضور لصلة الجمعففة ظففاهرة بينففة ففي كففثير مففن‬
‫المسففاجد‪ .‬ول أدري كيففف يرضفى المسففلم أن يفففوت علففى نفسفه هفذا‬
‫الفضل العظيم والثواب الجزيل بالكسل والقعود فففي بيتففه حففتى يففدخل‬
‫الخطيب أو يفوته بعففض الصففلة؟ إن مففن النففاس مففن ل يسففتيقظ يففوم‬
‫الجمعة إل متففأخرًا‪ ،‬ومنهففم مففن يشففتغل بففأمور دنيففاه مففن بيففع وشففراء‪،‬‬
‫فيتأخر في المجيء إلى منفزله‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪198‬‬

‫)( أخرجه البخاري رقم )‪ ،(841‬ومسلم رقم ‪.(0850‬‬
‫)( انظر فتح الباري )‪ ،(369– 2/268‬والمجموع المهذب )‪.(4/541‬‬
‫)( فتح الباري )‪.(2/367‬‬

‫وقد كان التبكير إلى الجمعة من هدي السلف الصالح؛ بقول أنففس‬
‫بن مالك – رضي الله عنه ‪) :-‬كنا نبكر إلى الجمعة ثم نقيل()‪.(1‬‬
‫وقد كان الواحد من السلف يغتم إذا تأخر ولم يتقدم؛ فهذا علقمففة‬
‫يقول‪ :‬رحت مع عبد الله بن مسعود يوم الجمعة ووجد ثلثة قد سبقوه‪.‬‬
‫فقال‪ :‬رابع أربعة‪ ،‬وما رابع أربعة من الله ببعيد؛ إني سمعت رسول الله‬
‫‪ e‬يقول‪" :‬إن الناس يجلسون من الله يففوم القيامففة علففى قففدر رواحهففم‬
‫إلى الجمعات‪ ،‬الول ثم الثففاني ثففم الثففالث ثففم الرابففع"‪ ،‬ثففم قففال‪ :‬رابففع‬
‫أربعة‪ :‬وما رابع أربعة من الله ببعيد)‪.(2‬‬
‫وعن سمرة – رضي الله عنه – قال‪ :‬قال رسول الله ‪" :e‬احضروا‬
‫الذكر‪ ،‬وادنوا من المففام‪ ،‬فففإن الرجففل ل يففزال يتباعففد حففتى يففؤخر فففي‬
‫الجنة‪ ،‬وإن دخلها")‪.(3‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪3‬‬

‫‪199‬‬

‫)( أخرجه البخاري رقم )‪.(898‬‬
‫)( أخرجه ابن ماجه رقم )‪ ،(1094‬والطبراني في الكبير )‪ (10/96‬وابن أبي عاصم في السنة‬
‫)‪ ،(1/275‬وقد حسنه المنذري في الترغيب والترهيب )‪ ،(1/503‬والبوصيري في مصباح‬
‫الزجاج )‪ .(1/364‬وضعفه اللباني في تمام المنة )ص ‪ ،(325‬وفي التعليق على السنة‪ ،‬ولعل‬
‫من حسنه نظر إلى شواهده‪ ،‬كما في الحديث الذي بعده‪ ،‬والله أعلم‪.‬‬
‫)( أخرجه أحمد )‪ (5/11‬وأبو داود )‪ (1108‬والحاكم )‪ (1/289‬والبهيقي )‪ (3/238‬وهو حديث‬
‫صحيح‪ .‬انظر‪ :‬الصحيحة )‪ (365‬قد تعقبه الشيخ عبد الله الدويش‪ .‬رحمه الله‪ .‬في )تنبيه القارئ(‬
‫له ص ‪200‬‬

‫الحكم السادس‬
‫المشي إلى الجمعة‬
‫يستحب أن يكون ذهابه إلى المسجد ماشيا ً إن أمكن؛ لن المشي‬
‫إلى الصلة أفضل من الركوب‪ ،‬كمففا تقففدم أول الكتففاب‪ ،‬وفففي الجمعففة‬
‫أدلة خاصة؛ فقد بوب البخاري ‪ -‬رحمه الله – في صحيحه فقال‪" :‬بففاب‬
‫المشي إلى الجمعة" ثم ساق بسنده إلى عباية بن رفاعة قال‪ :‬أدركنففي‬
‫أبو عبس وأنا أذهب إلى الجمعة‪ ،‬فقال‪ :‬سففمعت رسففول اللففه ‪ e‬يقففول‪:‬‬
‫"من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار"‪.‬‬
‫وأخرجه النسائي ولفظه‪ :‬حدثني يزيد بن أبي مريم – قال‪ :‬لحقني‬
‫عباية بن رافع وأنا ماش إلى الجمعة‪ .‬فقال‪ :‬أبشر! فإن خطاك هذه في‬
‫سبيل الله‪ .‬سمعت أبا عبس يقففول‪ :‬قففال رسففول اللففه ‪" :e‬مففن اغففبرت‬
‫قدماه في سبيل الله فهو حرام على النار")‪.(1‬‬
‫فالبخاري – رحمه الله – أورد هذا الحديث في بففاب )المشففي إلففى‬
‫الجمعة( لعموم "في سبيل اللففه"‪ ،‬فففدخلت فيففه الجمعففة‪ ،‬ولكففون راوي‬
‫الحديث استدل به على ذلك‪ .‬هذا هو الظاهر‪ ،‬والله أعلم)‪ .(2‬قال المففام‬
‫جاله إلى العيففدين والجمعففة(‬
‫أحمد – رحمه الله ‪) :-‬استحب أن يذهبوا ر ّ‬
‫)‪.(3‬‬
‫وعلى الساعي إلى الجمعة السففكينة والوقففار راجل ً كففان أو راكبفًا؛‬
‫لعموم الدلة في هذا الحكم؛ ولقوله ‪ e‬في حديث أبففي أيففوب المتقففدم‪:‬‬
‫"ثم خرج وعليه السكينة"‪.‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪200‬‬

‫)( رواه البخاري )‪ ،(2/390‬والنسائي )‪.(6/14‬‬
‫)( انظر فتح الباري )‪.(2/391‬‬
‫)( مسائل المام أحمد )رواية ابنه( رقم )‪.(472‬‬

‫الحكم السابع‬
‫في السفر يوم الجمعة‬
‫اعلم أن السفر يوم الجمعة قبل الصلة له حالتان‪:‬‬
‫الولى‪ :‬أن يكون قبل الزوال‪.‬‬
‫الثانية‪ :‬أن يكون بعد الزوال وقبل الصلة‪.‬‬
‫فأما السفر قبل الزوال صباحا ً أو ضحى فإنه يجوز – على الصففحيح مففن‬
‫قولي أهل العلم – وقد ورد عن عمر بن الخطاب – رضففي اللففه عنففه ‪:-‬‬
‫أنه أبصر رجل ً عليه هيئة السفر‪ ،‬فسمعه يقففول‪ :‬لففول أن اليففوم الجمعففة‬
‫لخرجت‪ ،‬فقال‪ :‬اخففرج فففإن الجمعففة ل تحبففس عففن سفففر‪ .‬وفففي لفففظ‪:‬‬
‫فاخرج ما لم يحن الرواح)‪.(1‬‬
‫وعن صالح بن كيسان قال‪ :‬إن أبا عبيففدة خففرج يففوم الجمعففة فففي‬
‫بعض أسفاره ولم ينتظر الجمع)‪.(2‬‬
‫وعن الحسن أنه قال‪) :‬ل بأس بالسفر يوم الجمعة مففا لففم يحضففر‬
‫وقت الصلة()‪.(3‬‬
‫فهذه الثار وغيرها تدل بمجموعها على جواز السفر يففوم الجمعففة‬
‫ما لم يدخل وقت الصلة‪ ،‬ولن النسان لم يؤمر بحضور الجمعة ما لففم‬
‫يدخل وقت الصلة‪ ،‬ولن النسان لم يؤمر بحضور الجمعففة قبففل النففداء‬
‫فلم يتعلق به طلب‪.‬‬
‫وقد ورد عن السلف آثار تدل على منففع السفففر يففوم الجمعففة بعففد‬
‫الفجر حتى يصلي الجمعة‪ ،‬وبها أخذ جمع من أهل العلم)‪.(4‬‬
‫أما السفر بعد الففزوال فيحففرم علففى مففن تلزمففه الجمعففة قبففل أن‬
‫يصليها‪ ،‬على قول الجمهور من أهل العلم؛ لنففه بعففد الففزوال يكففون قففد‬
‫دخل الوقت بالتفففاق‪ ،‬والغففالب أن المففام يحضففر بعففد الففزوال‪ ،‬فيكففون‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫‪201‬‬

‫)( أخرجه الشافعي في مسنده )‪ ،(1/154‬بدائع المنن‪ ،‬ومن طريقه البيهقي ‪ (03/187‬وأخرجه‬
‫عبد الرازق )‪ (3/250‬وابن أبي شيبة )‪ (2/105‬وإسناده جيد‪ .‬وقال اللباني‪ :‬سنده صحيح‪.‬‬
‫)( أخرجه عبدا لرازق )‪ (3/250‬وابن أبي شيبة )‪ (2/105‬قال اللباني‪ :‬إسناده جيد "الجوبة‬
‫النافعة" ص)‪.(65‬‬
‫)( أخرجه ابن أبي شيبة )‪ (2/105‬وإسناده صحيح‪.‬‬
‫)( انظر‪ :‬المغني )‪ ،(3/247‬فضائل الجمعة ص)‪.(319‬‬

‫بسفره قففد تعمففد تففرك الففواجب‪ ،‬ويسففتدل علففى ذلففك – أيضفا ً – بقففوله‬
‫تعالى‪ :‬يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلة مففن يففوم الجمعففة فاسففعوا‬
‫إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون‪.(1)‬‬
‫ووجه الدللة‪ :‬أن الله تعالى أمر بالسعي إلى الجمعة وترك الففبيع؛‬
‫لنه ذريعة على التشاغل عنها وعدم حضورها‪ ،‬فكذلك ينهى عن السفففر‬
‫إذا نودي للصلة‪ ،‬لنه مانع من حضورها‪ ،‬وتعليق الحكم بالنداء أولى من‬
‫تعليقه بالزوال)‪.(2‬‬
‫واعلم أنه لم يثبت عن النبي ‪ e‬في السفففر يففوم الجمعففة شففيء)‪،(3‬‬
‫وما ورد من ذلك فهو ضفعيف‪ ،‬فل يعفول عليفه‪ ،‬ومفن ذلفك مفا ورد مفن‬
‫دعاء الملئكة على من سافر يوم الجمعة بأن ل يصحب في سفففره‪ ،‬ول‬
‫تقضي له حاجة‪ ،‬كما في حديث أبففي هريففرة رضففي اللففه عنففه‪ ،‬وبمعنففاه‬
‫حديث ابن عمر – رضي الله عنهما)‪.(4‬‬
‫قال الشوكاني‪ ،‬بعد ذكر القففوال ففي حكفم السفففر يفوم الجمعففة‪:‬‬
‫)والظاهر جواز السفر قبل دخففول وقففت الجمعففة‪ ،‬وبعففد دخففوله‪ ،‬لعففدم‬
‫المانع من ذلك‪ ،‬وحديث أبي هريرة‪ ،‬وكذلك حديث ابن عمر ل يصففلحان‬
‫للحتجاج بهما على المنع‪ ،‬لمففا عرفففت مففن ضففعفهما ومعارضففة مففا هففو‬
‫أنهض منهما‪ ،‬ومخالفتهما لما هو الصل فل ينتقل عنه إل بناقففل صففحيح‪،‬‬
‫ولم يوجد‪.‬‬
‫وأما وقت صلة الجمعة فالظففاهر عففدم الجففواز لمففن وجففب عليففه‬
‫الحضور‪ ،‬إل أن يخشى حصول مضرة من تخلفه للجمعة‪ ،‬كالنقطاع عن‬
‫الرفقة التي ل يتمكن من السفر إل معهم‪ ،‬وما شابه ذلك مففن العففذار‪،‬‬
‫وقد أجاز الشارع التخلف عن الجمعففة لعففذر المطفر‪ ،‬فجفوازه لمفا كفان‬
‫أدخل في المشقة منه أولى()‪.(5‬‬
‫وعلى ما تقدم فينهى عن السفر وقت صلة الجمعة‪ ،‬إل إن خففاف‬
‫فوت رفقته‪ ،‬أو خاف إقلع الطائرة‪ ،‬ونحو ذلك مما يصلح عذرا ً مسقطا ً‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪202‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫سورة الجمعة‪ :‬الية ‪.9‬‬
‫انظر‪ :‬المغني )‪ (3/247‬الشرح الممتع )‪.(5/29‬‬
‫انظر‪ :‬أحاديث الجمعة ص)‪.(330‬‬
‫انظر‪ :‬السلسلة الضعيفة )‪.(254 – 1/253‬‬
‫نيل الوطار )‪.(3/261‬‬

‫للجمعة‪ ،‬وكذا لو أمكنه أن يصليها في طريقة‪ ،‬كما هو متحقق الن أكثر‬
‫من زمن مضى‪ .‬والله أعلم‪.‬‬

‫‪203‬‬

‫الفصل الثاني‬
‫في أحكام حضور مسجد الجمعة‬
‫الحكم الول‬
‫الحذر من تخطي الرقاب وأذية الخرين‬
‫عند تأمل النصوص الففواردة فففي فضففل الجمعففة نففرى فيهففا تعليففق‬
‫غفران ما بين الجمعتين من الذنوب على خصال متعددة‪ .‬منها‪:‬‬
‫عدم أذية الخرين‪ .‬ففي حديث أبي أيوب المتقدم‪" :‬ولم يؤذ أحدًا"‬
‫وفي حديث سلمان الفارسي – رضي اللففه عنففه – أن النففبي ‪ e‬قففال‪" :‬ل‬
‫يغتسل رجل يوم الجمعة‪ ،‬ويتطهر بما اسففتطاع مففن طهففر‪ ،‬ويففدهن مففن‬
‫دهنه‪ ،‬أو يمس من طيب بيتففه‪ ،‬ثففم يففروح إلففى المسففجد ول يفففرق بيففن‬
‫اثنين‪ ،‬ثم يصلي ما كتب له‪ ،‬ثم ينصت للمام إذا تكلم إل غفر له ما بيففن‬
‫الجمعة إلى الجمعة الخرى")‪.(1‬‬
‫قففال الشففوكاني‪) :‬وظففاهر الحففديث أن الففذنوب مففن الجمعففة إلففى‬
‫الجمعة مشروط بوجود جميع ما ذكر في الحديث من الغسل والتنظيف‬
‫والتطيب أو الدهن وترك التفرقة والتخطي والذية والتنقففل والنصففات‪،‬‬
‫وكذلك لبس أحسففن الثيففاب‪ ،‬كمففا وقففع فففي بعففض الروايففات‪ ،‬والمشففي‬
‫بالسكينة كما وقع في أخرى‪ ،‬وترك الكبائر كما في رواية أيضًا()‪.(2‬‬
‫وعليه فيتعين فففي حففق المصففلي يففوم الجمعففة أن يكففف أذاه عففن‬
‫الخرين‪ ،‬والذية تكون بأمور منها‪:‬‬
‫‪ (1‬التفرقة بين اثنين‪ :‬وذلك بالقعود بينهما‪ ،‬أو إخراج أحففدهما والقعففود‬
‫في مكانة)‪ ،(3‬بل عليففه أن يطلففب التوسففعة مففن الحاضففرين‪ .‬وعففن‬
‫جابر – رضي الله عنه – أن النبي ‪ e‬قففال‪" :‬ل يقيمففن أحففدكم أخففاه‬
‫يوم الجمعة‪ ،‬ثم ليخالف إلى مقعده‪ ،‬فيقعد فيففه‪ ،‬ولكففن – يقففول‪- :‬‬
‫افسحوا")‪.(4‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪204‬‬

‫)( رواه البخاري )‪.(2/370‬‬
‫)( نيل الوطار )‪.(3/268‬‬
‫)( فتح الباري )‪.(2/392‬‬

‫قال النووي‪) :‬وهذا النهي للتحريففم‪ ،‬فمففن سففبق إلففى موضففع‬
‫مباح في المسجد وغيره‪ ،‬يوم الجمعة أو غيرهففا‪ ،‬لصففلة أو غيرهففا‪،‬‬
‫فهو أحق به‪ ،‬ويحرم على غيره إقامته لهذا الحديث()‪.(1‬‬
‫‪ (2‬تخطي رقاب المصففلين‪ :‬فعلففى الففداخل للمسففجد يففوم الجمعففة أن‬
‫يحذر كفل الحففذر مففن تخطففي رقففاب النففاس‪ ،‬ومضففايقة الجالسففين‬
‫المتقدمين‪ ،‬فيجمع بين التأخر والتخطي والمضايقة‪ .‬ويكثر ذلك في‬
‫أفضل البقاع‪ :‬في المسففجد الحففرام يففوم الجمعففة‪ ،‬وهففذا مففن أذيففة‬
‫المصلين وقله الفقه في الدين‪ ،‬وقد وقع التصريح في حبوط ثواب‬
‫الجمعة للمتخطي فيما رواه عبد الله بن عمرو – رضي الففه عنهمففا‬
‫– مرفوعًا‪" :‬من لغا أو تخطى كانت لففه ظهففرًا"‪ .‬قففال ابففن وهففب –‬
‫أحد رواته ‪ :-‬معناه‪ :‬أجزأت عنه الصلة عنه الصففلة وحففرم فضففيلة‬
‫الجمعة)‪.(2‬‬
‫هذا وقد مضى الكلم على تخطي الرقففاب بأوسففع مففن هففذا‪،‬‬
‫وإنما أفردت الجمعففة بالففذكر؛ لكففثرة التخطففي فيهففا‪ ،‬ولففورود نففص‬
‫خاص في النهي عن أذية المصلين يوم الجمعة‪ ،‬وبالله التوفيق‪.‬‬
‫‪ (3‬اليذاء بالقول كالشتم أو الغيبة أو الستهزاء‬

‫)‪(3‬‬

‫ونحو ذلك‪ .‬فليحفظ‬

‫المصلي لسففانه‪ .‬ويلففزم الصفمت إذا سفاّبه أحففد أو تكلفم عليفه‪ ،‬ول‬
‫سيما عند مكان الجلوس‪ ،‬فيحاول أن يفسح له‪ ،‬ول يرد عليه‪ ،‬وقففد‬
‫رأينا من الداخلين للمساجد – ومنها‪ :‬المسجد الحرام – من يطلففق‬
‫لسانه ويبسطه بالسوء إلى المتقدمين‪ ،‬وخيرهم من حفظ لسففانه‪،‬‬
‫واشتغل بعبادة ربه‪ ،‬فأقبل على صلته وتلوته‪.‬‬

‫‪4‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪205‬‬

‫)( أخرجه مسلم برقم )‪ ،(2178‬وتقدم حديث ابن عمر – رضي الله عنهما – في الحكم الثاني‬
‫والعشرين‪.‬‬
‫)( شرح النووي على صحيح مسلم )‪.(14/410‬‬
‫)( انظر فتح الباري )‪ ،(2/414‬والحديث يأتي بتمامه إن شاء الله‪.‬‬
‫)( انظر القول المبين في أخطاء المصلين )ص ‪.(363‬‬

‫الحكم الثاني‬
‫القرب من المام‬
‫إذ بكر النسففان للمسففجد يففوم الجمعففة فينبغففي لففه أن يففدنو مففن‬
‫المام‪ ،‬ول يتأخر كما يفعله جمع من الناس‪ ،‬يحرمففون أنفسففهم فضففيلة‬
‫الدنو من المام والصففف الول‪ ،‬إمففا جهل ً منهففم أو رغبففة عففن الثففواب؛‬
‫فتراهم يجلسون وسط المسففجد‪ ،‬أو فففي مففؤخرته مففع خلففو الصفففوف‬
‫الول‪.‬‬
‫وقد تقدم الكلم علففى فضففل الصففف الول والقففرب مففن المففام‪،‬‬
‫وتقدم – أيضا ً – حففديث سففمرة – رضففي اللففه عنففه – "احضففروا الففذكر‪،‬‬
‫وادنوا من المام‪ ،‬فإن الرجفل ل يفزال الرجفل يتباعفد حفتى يفؤخر ففي‬
‫الجنة‪ ،‬وإن دخلهففا")‪ ،(1‬قففال الطيففبي‪" :‬أي‪ :‬ل يففزال الرجففل يتباعففد عففن‬
‫استماع الخطبة‪ ،‬وعن الصف الول الذي هو مقام المقربين حتى يؤخر‬
‫إلى آخر صف المتسلفين‪ ،‬وفيه توهين أمر المتأخرين‪ ،‬وتسفففيه رأيهففم‬
‫حيث وضعوا أنفسهم من أعالي المور إلى سفساسفها ‪.(2)" . . .‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪206‬‬

‫)( تقدم تخريجه في المبادرة إلى حضور الجمعة‪.‬‬
‫)( شرح الطيبي )‪.(3/219‬‬

‫الحكم الثالث‬
‫التنفل قبل دخول المام‬
‫إذا وصل إلى مكانه في الصف صففلى مففا كتففب لففه نفل ً غيففر مقيففد‬
‫بعدد‪ ،‬دل على ذلك حديث سلمان المتقدم قريبًا‪" :‬ثففم يصففلي مففا كتففب‬
‫له"‪ ،‬وفي حديث أبي أيوب الذي سبق ذكففره فففي الكلم علففى اللبففاس‪:‬‬
‫"ثم يركع ما بدا له"‪ .‬فدل ذلك على مسألتين‪:‬‬
‫الولى‪ :‬أن المستحب لمن دخل المسجد يوم الجمعة أن يصلي قبل أن‬
‫يجلس مففا شففاء حففتى يخففرج المففام‪ ،‬وهففذا نفففل مطلففق‪ ،‬وليففس بسففنة‬
‫للجمعة؛ لن الجمعة ليس لها سنة قبلية‪ ،‬يقول شيخ السلم ابففن تيميففة‬
‫– رحمه الله ‪) :-‬ولهذا كان جماهير الئمة متفقين علففى أنففه ليففس قبففل‬
‫الجمعة سنة مؤقتة بوقت‪ ،‬مقدرة بعدد؛ لن ذلك إنما يثبت بقول النففبي‬
‫‪ e‬أو فعله‪ ،‬وهو لم يسن في ذلك شيئا ً ل بقوله ول بفعله‪ ،‬وهففذا مففذهب‬
‫مالك ومذهب الشافعي وأكثر أصحابه‪ ،‬وهو المشهور في مذهب أحمد ‪.‬‬
‫‪.(1)(.‬‬
‫وما يفعله بعففض النففاس – ول سففيما فففي المسففجد الحففرام – مففن‬
‫صلته ركعتين أو أربع بعد الذن الول يوم الجمع مباشرة؛ معتقففدين أن‬
‫ذلك سنة للجمعة قبلها كما يصلون قبل الظهر‪ ،‬فهففذا ل أصففل لففه‪ ،‬كمففا‬
‫تقدم‪ ،‬ول دليل لهم في حففديث‪ :‬بيففن كففل أذانيففن صففلة")‪(2‬؛ لن المففراد‬
‫بالحديث‪ :‬الذان والقامة‪ .‬وعلى فرض أن المراد بذلك الذانان فل يصح‬
‫الستدلل به أيضًا؛ لنه لم يكففن فففي عهففد النففبي ‪ e‬يففوم الجمعففة سففوى‬
‫الذان الول والقامة فيعتذر فعل السنة؛ لنه كففان بيففن الذان والقامففة‬
‫الخطبة فل صلة بينهما)‪.(3‬‬
‫يقول ابن الحاج رحمه الله فففي كتفابه "المفدخل"‪) :‬وينهففى النففاس‬
‫عما أحدثوه من الركوع بعد الذان الول للجمعة؛ لنه مخالف لمففا كففان‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪207‬‬

‫)( مجموع الفتاوى )‪ ،(24/189‬وراجع الجوبة النافعة لللباني‪.‬‬
‫)( الحديث مضى تخريجه‪.‬‬
‫)( انظر الصحيحة لللباني رقم )‪.(232‬‬

‫عليه السلف الصالح رضففوان اللففه عليهففم؛ لنهففم كففانوا علففى قسففمين‪:‬‬
‫فمنهم من كان يركع حين دخوله المسجد‪ ،‬ول يزال كففذلك حففتى يصففعد‬
‫المام المنبر‪ ،‬فإذا جلس عليففه قطعففوا تنفلهففم‪ ،‬ومنهففم مففن كففان يركففع‬
‫ويجلس حتى يصففلي الجمعففة‪ ،‬ولففم يحففدثوا ركوعفا ً بعففد الذان الول ول‬
‫غيره‪ .‬فل المتنفل يعيب على الجالس ول الجالس يعيب علففى المتنقففل‪.‬‬
‫وهذا بخلف ما هم اليوم يفعلونه‪ ،‬فإنهم يجلسون حتى إذا أذن المففؤذن‬
‫قاموا للركوع ‪.(1)( . . .‬‬
‫المسألة الثانية‪ :‬أنه يصففلي فففي أي وقففت كففان؛ لنففه ‪ e‬قففال‪" :‬ثففم‬
‫يصلي ما كتب له ثم ينصت إذا تكلم المام"‪ .‬وظاهر هففذا جففواز الصففلة‬
‫يوم الجمعة قبل الزوال‪ ،‬وهذا من خصوصيات هففذا اليففوم أنففه مسففتثنى‬
‫من وقت النهي الذي هو قيام الشمس حتى تزول‪ ،‬كما بين ذلك العلمة‬
‫المحقق ابن القيم – رحمه الله – في "زاد المعاد" واحتج لذلك بحففديث‬
‫سلمان المذكور‪ ،‬وقال عقبه‪) :‬فندبه إلى الصلة ما كتب له‪ ،‬ولم يمنعففه‬
‫عنها إل في وقت خروج المام‪ .‬ولهذا قال غير واحد مففن السففلف منهففم‬
‫عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – وتبعه عليه المام أحمد بففن حنبفل‪:‬‬
‫خروج المففام يمنففع الصففلة‪ ،‬وخطبتففه تمنففع الكلم‪ ،‬فجعلففوا المففانع مففن‬
‫الصلة خروج المام ل انتصاف النهار ‪.(2)(. . .‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪208‬‬

‫)( المدخل لبن الحاج )‪ .(2/239‬وانظر‪ :‬مجموع الفتاوى )‪.(24/192‬‬
‫)( زاد المعاد )‪.(1/378‬‬

‫الحكم الرابع‬
‫الشتغال بالذكر وتلوة القرآن‬
‫فإذا صلى ما كتب لفه شفرع ففي تلوة كتفاب اللفه تعفالى إن كفان‬
‫يحسن ذلك‪ ،‬وقد ورد الترغيب في قراءة سففورة الكهففف يففوم الجمعففة‪،‬‬
‫فعن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – أن النبي ‪ e‬قففال‪" :‬مففن قففرأ‬
‫سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين")‪.(1‬‬
‫والمراد بيوم الجمعة‪ :‬ما بين طلوع الفجففر إلففى غففروب الشففمس‪،‬‬
‫فكل ذلك ظرف لقراءة هذه السورة‪ ،‬وليففس ذلففك خاصفا ً بففوقت صففلة‬
‫الجمعة‪ ،‬كما قد يفهمه بعض النففاس‪ ،‬فلففو قرأهففا صففباحا ً أو بعففد العصففر‬
‫حصل المقصود إن شاء الله‪ ،‬والله أعلم)‪.(2‬‬
‫وإذا كففان ل يحسففن القففراءة فعليففه أن يشففتغل بففذكر اللففه تعففالى‬
‫ودعائه‪ ،‬فإن كل ما يقال من الذكار في غيففر يففوم الجمعففة يقففال فيهففن‬
‫ويزداد استحباب كثر الذكر فيه على غيره؛ لشرف الوقت‪.‬‬
‫ويستحب الكثار مففن الففدعاء فففي جميففع يففوم الجمعففة مففن طلففوع‬
‫الفجر إلى غروب الشمس رجاء مصادفة سففاعة الجوبففة‪ .‬فقففد اختلففف‬
‫فيها على أقفوال كفثيرة‪ .‬وففي هفذه السفاعة ورد حفديث أبفي هريفرة –‬
‫رضي الله عنه – أن رسول الله ‪ e‬ذكر يوم الجمعة فقال‪" :‬فيه ساعة ل‬
‫يوافقها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله شففيئا ً إل أعطففاه إيففاه" وأشففار‬
‫بيده يقللها)‪.(3‬‬

‫‪1‬‬

‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪209‬‬

‫)( أخرجه البيهقي )‪ (3/249‬من طريق الحاكم من رواية نعيم بن حماد‪ ،‬وهو في المستدرك )‬
‫‪ ،(2/368‬وقال الحاكم‪ :‬صحيح السناد‪ .‬قال الذهبي‪) :‬قلت‪ :‬نعيم ذو مناكير( أهف‪ .‬لكنه لم يتفرد به‬
‫كما ذكر اللباني في الرواء )‪ (3/93‬نقل ً عن البيهقي‪ .‬قال الحافظ في تخريج الذكار‪) :‬حديث‬
‫حسن وهو أقوى ما ورد في سورة الكهف(‪ ،‬وقد أخرجه الدارمي في سننه )‪ (2/454‬موقوفا ً على‬
‫أبي سعيد ورجاله ثقات‪ .‬وذكره ابن كثير في تفسيره )‪ (5/131‬عن أبي سعيد – رضي الله عنه ‪،-‬‬
‫لكنه مرفوع حكمًا؛ لن مثله ل يقال بالرأي‪ ،‬فانظر التعليق على "زاد المعاد" )‪ ،(1/377‬وانظر‬
‫"الجوبة المرضية" للشيخ عبد الله بن يوسف الجديع )ص ‪ (17‬وما بعدها‪.‬‬
‫)( انظر مجموع الفتاوى )‪.(24/215‬‬
‫)( أخرجه البخاري برقم )‪ ،(893‬ومسلم برقم )‪ ،(852‬وانظر الذكار للنووي )ص ‪.(80‬‬

‫كما يستحب الكثار مففن الصففلة علففى النففبي ‪ e‬فففي يففوم الجمعففة‪،‬‬
‫وحاضر الصلة الذي ل يشتغل بالقراءة يحرص على ذلك‪ .‬وقد ورد عففن‬
‫أوس بن أوس – رضي الله عنه – أن رسول الله ‪ e‬قال‪" :‬إن من أفضل‬
‫ايامكم يففوم الجمعففة فيففه خلففق آدم‪ ،‬وفيففه قبففض‪ ،‬وفيففه النفخففة‪ ،‬وفيففه‬
‫ي من الصلة؛ فإن صلتكم معروضة علي" قالوا‪ :‬يا‬
‫الصعقة‪ ،‬فأكثروا عل ّ‬
‫رسول الله كيف تعرض عليك صلتنا وقد أرمت؟ ‪ -‬يقولون‪ :‬قد بليففت –‬
‫قال‪" :‬إن الله حرم على الرض أن تأكل أجساد النبياء")‪.(1‬‬
‫ومففن النففاس مففن إذا صففلى مففا كتففب لففه اسففتدعى النعففاس حففتى‬
‫والمام يخطب‪ ،‬وهذا قد حرم نفسه خيرا ً كثيرًا‪ ،‬وفوت فضففائل عديففدة‪،‬‬
‫فليحرص المسلم على دفع النعاس إمففا براحففة قبففل مجيئه للجمعففة‪ ،‬أو‬
‫بالقيام من مجلسه‪ .‬فقد ورد عن عبد الله بن عمر – رضي اللففه عنهمففا‬
‫– قال‪ :‬قال رسول الله ‪" :e‬إذا نعس أحدكم فففي مجلسففه يففوم الجمعففة‬
‫فليتحول إلى غيره")‪.(2‬‬
‫والحكمة في المر بالتحول أن الحركة تذهب النعاس‪ ،‬ويحتمل أن‬
‫الحكمة فيه انتقاله من المكان الففذي أصففابته فيففه الغفلففة بنففومه‪ ،‬واللففه‬
‫اعلم)‪.(3‬‬
‫وقد مضت كلمفات حفول هفذه الظفاهرة ففي الكلم علفى وظيففة‬
‫الجالس في المسجد قبل أحكام الجمعة‪ ،‬والحمد لله رب العالمين‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫)( رواه أبو داود رقم )‪ ،(1047‬وابن ماجه )‪ (1/345‬وغيرهما وهو حديث صحيح‪ .‬انظر )فضل‬

‫‪2‬‬

‫الصلة على الرسول ‪ (e‬للجهضمي بتحقيق اللباني )ص ‪.(37‬‬
‫)( مضى تخريجه‪.‬‬
‫)( انظر‪ :‬نيل الوطار )‪.(3/284‬‬

‫‪3‬‬

‫‪210‬‬

‫الحكم الخامس‬
‫النصات والستماع للخطبة‬
‫إذا شففرع المففام فففي الخطبففة أقبففل عليففه بففوجهه ول يسففتدبره أو‬
‫يستقبل غير جهته؛ لفعل الصففحابة – رضففي اللففه عنهففم ‪-‬؛ لن اسففتقبال‬
‫تهيؤ لسماع كلمه وسلوك الدب معه في استماع كلمه‪ ،‬فففإذا اسففتقبله‬
‫بففوجهه وأقبففل عليففه بجسففده ويقبلففه وحضففور ذهنففه‪ ،‬كففان أدعففى لفهففم‬
‫مففوعظته‪ ،‬ومففوافقته فيمففا شففرع لففه القيففام لجلففه)‪ .(1‬قففال الترمففذي‪:‬‬
‫)والعمففل علففى هففذا عنففد أهففل العلففم مففن أصففحاب النففبي ‪ e‬وغيرهففم؛‬
‫يستحبون استقبال المام إذا خطب()‪.(2‬‬
‫قففال ابففن القيففم‪) :‬وكففان ‪ e‬إذا خطففب قائمفا ً فففي الجمعففة اسففتدار‬
‫أصحابه إليه بوجوهم‪ ،‬وكان وجهه ‪ e‬قبلهم في وقت الخطبة(‬

‫)‪(3‬‬

‫ومن هنا يتبين أن ما يفعله بعض الناس من العتماد على جففدار أو‬
‫عمود مستدبرين القبلة ووجه الخطيب أن هذا خلف المطلوب‪ ،‬وانظففر‬
‫كيف أذن الشرع للخطيفب أن يسفتدير القبلفة ليفواجه المصفلين فكيفف‬
‫ينصرف بعض الناس ويستدير القبلة والخطيب؟!‬
‫فإذا أقبل على الخطيففب أنصففت لففه مسففتمعا ً مسففتفيدًا‪ .‬قففال ابففن‬
‫القيم‪) :‬النصات للخطبة إذا سمعها واجب فففي أصففح القففولين()‪ .(4‬وقففد‬
‫تقدم في حففديث سففلمان‪" :‬ثففم ينصففت إذا تكلففم المففام" وهففو يفيففد أن‬
‫النصات من الصفات التي رتبففت عليهففا مغفففرة مففا بينففه وبيففن الجمعففة‬
‫الخرى‪.‬‬
‫والمراد‪ :‬السكوت مطلقا ً عن القراءة والذكر والحديث مففع غيففره‪،‬‬
‫ول يلزم من تجويز تحية المسففجد حففال الخطبففة – كمففا تقففدم – تجففويز‬
‫الذكر مطلقًا؛ لن ذلك ثبت بدليل خاص)‪.(5‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪211‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫فتح الباري )‪.(2/402‬‬
‫جامع الترمذي )‪ – 3/28‬مع التحفة(‪.‬‬
‫زاد المعاد )‪.(1/430‬‬
‫زاد المعاد )‪.(1/377‬‬
‫انظر الجوبة النافعة )ص ‪.(59‬‬

‫إن المقصود من خطبة الجمعة وعظ الناس وتففذكيرهم‪ ،‬ول يتففم‬
‫ذلك وغيره من المقاصد إل بالنصات للخطيب والصغاء إليففه‪ ،‬والبعففد‬
‫عن العبث بيد أو لحية أو سففاعة أو سفبحة أو سفواك ونحففو ذلفك ممفا‬
‫يمنع القبال‪ ،‬ويشعر بالعراض وعدم الهتمام‪.‬‬
‫وعن أبي هريففرة – رضففي اللففه عنففه – عففن النففبي ‪ e‬قففال‪" :‬مففن‬
‫اغتسل ثم أتى الجمعة‪ ،‬فصلى ما قدر له‪ ،‬ثم أنصت حففتى يفففرغ مففن‬
‫خطبته ثم يصلي معه‪ ،‬غفر له ما بينففه وبيففن الجمعففة الخففرى وفضففل‬
‫ثلثة أيام")‪.(1‬‬
‫وعنه أيضا ً – رضي الله عنه – أن رسول الله ‪ e‬قال‪" :‬من توضففأ‬
‫فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بينه وبيففن‬
‫س الحصا فقد لغا")‪.(2‬‬
‫الجمعة وزيادة ثلثة أيام‪ ،‬ومن م ّ‬
‫وعن عبد الله بن عمرو – رضي اللففه عنهمففا – عففن النففبي ‪ e‬أنففه‬
‫س من طيب امرأته – إن كان لها –‬
‫قال‪" :‬من اغتسل يوم الجمعة وم ّ‬
‫ولبس من صففالح ثيففابه‪ ،‬ثففم لففم يتخففط رقففاب النففاس‪ ،‬ولففم يلففغ عنففد‬
‫الموعظة؛ كانت كفارة لمففا بينهمففا‪ ،‬ومففن لغففا وتخطففى رقففاب النففاس‬
‫كانت له ظهرًا")‪ .(3‬ومعنى )لم يلغ(‪ :‬لففم يتكلففم ولففم يشففتغل بغيففر مففا‬
‫ندب إليه‪.‬‬
‫قال النووي‪) :‬قوله‪" :‬من مس الحصا فقد لغا"‪ :‬فيففه النهففي عففن‬
‫س الحصا وغيره من أنواع العبث فففي حالففة الخطبففة‪ ،‬وفيففه إشففارة‬
‫م ّ‬
‫إلى إقبال القلب والجوارح على الخطبة‪ ،‬والمراد باللغو هنففا‪ :‬الباطففل‬
‫المذموم والمردود(‬

‫)‪(4‬‬

‫س كففاللغو؛ لنففه يشففغله عففن سففماع‬
‫وقال ابن الثير‪) :‬جعل الم ف ّ‬
‫الخطبة‪ ،‬كما يشغله الكلم()‪.(5‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪212‬‬

‫)( رواه مسلم رقم )‪.(26) (857‬‬
‫)( أخرجه مسلم )‪.(27) (857‬‬
‫)( رواه أبو داود رقم )‪ ،(347‬وابن خزيمة رقم )‪ .(1810‬قال اللباني‪ :‬سنده حسن‪ ،‬صحيح أبي‬
‫داود )‪.(1/71‬‬
‫)( شرح النووي على مسلم )‪.(6/396‬‬
‫)( انظر جامع الصول لبن الثير )‪.(9/429‬‬

‫وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن النففبي ‪ e‬قففال‪" :‬إذا قلففت‬
‫لصاحبك يوم الجمعة‪ :‬أنصت‪ ،‬والمام يخطب فقد لغوت")‪.(1‬‬
‫فففإذا كففان يفففوت علففى نفسففه فضففيلة الجمعففة بقففوله لصففحابه‪:‬‬
‫أنصت‪ .‬وهو أمر بالمعروف فما دون ذلك من باب أولى)‪.(2‬‬
‫ولهذا فالمختار أن المستمع للخطبة ل يففرد السففلم‪ ،‬ول يشففمت‬
‫العاطس؛ لن الستماع واجب بسنة رسول الله ‪ ،e‬قففال النففووي فففي‬
‫"شرح المهذب" في ذكر الوجففه عنففد الشففافعية فففي هففذه المسففألة‪:‬‬
‫)الصحيح المنصففوص عليففه تحريففم تشففميت العففاطس كففرد السففلم(‪.‬‬
‫ومثله في "روضة الطالبين")‪.(3‬‬
‫وفي "بدائع الفوائد" لبن القيم‪ :‬في "مسفائل الكوسفج لحمفد"‪:‬‬
‫قلت‪ :‬إذا عطس الرجل يففوم الجمعففة؟ قففال‪ :‬ل تشففمته‪ .‬أهفف)‪ .(4‬وفففي‬
‫مسائل المام أحمد لبي داود‪ :‬قال‪ :‬قلت لحمد‪ :‬يرد السففلم والمفام‬
‫يخطب؟ قال‪ :‬إذا كففان ليففس يسففمع الخطبففة‪ .‬يقففول اللففه عففز وجففل‪:‬‬
‫‪‬فاستمعوا لففه وأنصفتوا‪‬‬

‫)‪(5‬‬

‫فففإذا كففان يسففمع فل‪ ،‬قيفل لحمفد وأنففا‬

‫أسففمع‪ :‬رجففل يسففمع نغمففة المففام بالخطبففة ول يففدري مففا يقففول يففرد‬
‫السلم؟ قال‪ :‬ل‪ ،‬إذا سمع شيئا ً ‪ . . .‬قال أبو داود‪ :‬سففمعت رجل ً قففال‬
‫لحمففد‪ :‬أرى الرجففل يتكلففم والمففام يخطففب؟ قففال‪ :‬أشفر إليفه أو أوح‬
‫إليه)‪.(6‬‬
‫وإذا دخل المسجد والمام يخطب فإنه ل يسلم على الحاضرين؛‬
‫لنشغالهم عن الرد عليه باستماع الخطبة)‪.(7‬‬
‫ويستثني من النهي عن الكلم والمام يخطب ما إذا كلفم المفام‬
‫لمصلحة تتعلق بالخطبة‪ ،‬أو لحاجة تعني المسففلمين‪ ،‬أو كلمففة المففام‪،‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫‪213‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫رواه البخاري برقم )‪ ،(892‬ومسلم )‪.(851‬‬
‫شرح مسلم للنووي )‪.(6/387‬‬
‫انظر‪ :‬شرح المهذب )‪ ،(4/524‬وروضة الطالبين )‪ ،(2/29‬وانظر‪ :‬الم للشافعي )‪.(1/234‬‬
‫بدائع الفوائد )‪ ،(3/278‬وانظر‪ :‬المغني )‪.(3/198‬‬
‫سورة العراف‪ :‬الية ‪.204‬‬
‫مسائل المام أحمد لبي داود )ص ‪ ،(58‬وراجع‪ :‬بداية المجتهد )‪.(1/202‬‬
‫شرح المهذب )‪.(4/523‬‬

‫كأن ينّبه الخطيب يوم الجمعففة إذ جففاءه رجفل فقففال‪ :‬يففا رسففول اللففه‬
‫قحط المطر‪ ،‬فادع الله أن يسقينا‪ ،‬فدعا‪ ،‬فمطرنا‪ ،‬فما كدنا أن نصففل‬
‫على منازلنا‪ ،‬فما زلنا نمطر إلففى الجمعففة المقبلففة‪ ،‬قففال‪ :‬فقففام ذلففك‬
‫الرجل – أو غيره – فقال‪ :‬يا رسول اللففه ادع اللففه أن يصففرفه عنففا ‪. .‬‬
‫الحديث)‪.(1‬‬
‫قال ففي فتففح البففاري‪) :‬فيفه جفواز مكالمففة المففام ففي الخطبفة‬
‫للحاجة()‪ ،(2‬ومن الدلة – أيضا ً – حديث جابر – رضي الله عنه – قففال‪:‬‬
‫جاء رجل والنبي ‪ e‬يخطففب النففاس يففوم الجمعففة‪ ،‬فقففال‪" :‬أصففليت يففا‬
‫فلن؟" قال‪ :‬ل‪ ،‬قال‪" :‬قم فاركع")‪.(3‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪214‬‬

‫)( أخرجه البخاري )‪ (1015‬ومسلم )‪.(897‬‬
‫)( فتح الباري )‪ ،(2/506‬وانظر‪ :‬المغني )‪.(198 – 3/197‬‬
‫)( تقدم تخريجه عند الكلم على حكم تحية المسجد‪.‬‬

‫الحكم السادس‬
‫ل يرفع يديه عند الدعاء في الخطبة‬
‫أعلم أنه ل يشرع رفع اليدين حال دعاء المام في خطبة الجمعففة‪،‬‬
‫ل للخطب ول للسامعين‪ .‬وقد ورد عن عمارة بن رؤيبة أنه رأى بشر بن‬
‫مروان على المنبر رافعا ً يديه‪ .‬فقال‪ :‬قبح الله هاتين اليدين‪ ،‬لقففد رأيففت‬
‫رسففول اللففه ‪ e‬مففا يزيففد علففى أن يقففول بيففده هكففذا‪ .‬وأشففار بإصففبعه‬
‫المسبحة‪ ،‬وفي رواية‪ :‬يوم جمعة)‪.(1‬‬
‫قال النووي‪) :‬هذا فيه أن السنة أن ل يرفففع اليففدين فففي الخطبففة‪،‬‬
‫وهو قول مالك وأصحابنا وغيرهم‪ ،‬وحكففى القاضففي عففن بعففض السففلف‬
‫وبعض المالكية إباحته؛ لن النبي ‪ e‬رفع يففديه فففي خطبففة الجمعففة حيففن‬
‫استسقى‪ .‬وأجاب الولون بأن هذا الرفع كان لعارض()‪.(2‬‬
‫وقال الشوكاني‪) :‬والحففديث يففدل علففى كراهففة رفففع اليففدي علففى‬
‫المنبر حال الدعاء وأنه بدعة()‪.(3‬‬
‫وقال أبو شامة في ذكر بدع الجمعة‪) :‬وأما رفع أيديهم عند الدعاء‬
‫فبدعة قديمة( وتبعففه علففى ذلففك السففيوطي فففي كتففابه‪) :‬المففر بالتبففاع‬
‫والنهي عن البتداع()‪.(4‬‬
‫وجاء في الختبارات لبففن تيميففة‪) :‬ويكففره للمففام رفففع يففديه حففال‬
‫الدعاء في الخطبة‪ ،‬وهو أصح الوجهين لصحابنا؛ لن النففبي ‪ e‬إنمففا كففان‬
‫يشير بإصبعه إذا دعا‪ ،‬وأما في الستسقاء فرفع يديه لما استسقى على‬
‫المنبر(‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪215‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫)‪(5‬‬

‫رواه مسلم رقم )‪.(874‬‬
‫شرح مسلم للنووي )‪.(5/411‬‬
‫نيل الوطار )‪.(3/308‬‬
‫الباعث )ص ‪ ،(142‬والمر بالتباع )ص ‪.(247‬‬
‫الختيارات )ص ‪ ،(80‬وانظر فتح الباري )‪.(2/412‬‬

‫الحكم السابع‬
‫في تحية المسجد والمام بخطب‬
‫إذا دخل المسجد يوم الجمعففة والمففام يخطففب فففإنه يصففلي تحيففة‬
‫المسجد ركعتين خفيفتين ول يزيد عليهما؛ ليفرغ لسماع الخطبة‪ .‬وذلففك‬
‫لما ورد عن جابر بن عبد الله – رضي الله عنهمففا – أن النففبي ‪ e‬خطففب‬
‫فقال‪" :‬إذا جاء أحدكم يوم الجمعة وقففد خففرج المففام فليصففل ركعففتين"‬
‫وز فيهما")‪.(1‬‬
‫وفي رواية‪" :‬فيركع ركعتين وليتج ّ‬
‫فهذا دليل صريح على أن الداخل والمففام يخطففب ل يجلففس حففتى‬
‫يصلي ركعتين تحية المسجد‪ ،‬وهو حجة على من قال بعدم مشففروعيتها‬
‫حال الخطبة‪ ،‬وما أجابوا به عن هذا الحديث وأمثاله فهو غير ناهض‪ ،‬وما‬
‫أحسن قول المام النووي – رحمه الله – عن هذا الحفديث‪) .‬وهفذا نففص‬
‫صريح ل يتطرق إليه تأويل‪ ،‬ول أظن عالم فا ً يبلغففه هففذا اللفففظ ويعتقففده‬
‫صحيحا ً فيخالفه()‪.(2‬‬
‫كما أن حديث أبففي قتففادة‪" :‬إذا دخففل أحففدكم المسففجد فل يجلففس‬
‫حتى يصلي ركعتين" يتناول بعمومه وقت أداء التحية حال الخطبة‪.‬‬
‫وليست الركعتان سنة قبلية للجمعة‪ ،‬فإنه ل سنة للجمعففة قبلهففا –‬
‫كما تقدم – بل يصلي الداخل قبل صعود المففام نفل ً مطلق فا ً غيففر مقيففد‬
‫بعدد‪ .‬وإنما هما تحية المسجد)‪.(3‬‬
‫لكن لو دخل المسففجد والمففؤذن يففؤذن‪ ،‬فهففل يصففلي التحيففة حففال‬
‫الذان؛ ليفرغ لستماع الخطبة‪ ،‬أو يجيبه ثم يصلي بعد فراغه؟‬
‫الظاهر أنه يصلي تحية المسجد ول يتابع المؤذن في هففذه الحففال؛‬
‫لن استماع الخطبة آكد‪ .‬فإن إجابة المؤذن مستحبة عند الجمهور‪ ،‬كمففا‬
‫ذكره الحافظ ابن حجر – رحمه الله – في "فتح البففاري")‪ .(4‬وقففد حكففى‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫‪216‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫أخرجه البخاري رقم )‪ ،(1113 ،888‬ومسلم رقم )‪.(875‬‬
‫شرح مسلم )‪ ،(6/412‬وانظر شرح المهذب )‪.(552 – 4/551‬‬
‫انظر‪ :‬كتاب"الباعث على إنكار البدع والحوادث" لبي شامة )‪.(160 – 159‬‬
‫الفتح )‪.(2/93‬‬

‫الطحاوي – رحمففه اللففه – فففي "شففرح معففاني الثففار"‬

‫)‪(1‬‬

‫عففن قففوم مففن‬

‫السلف القول بالوجوب‪ ،‬وهو ظاهر من صففيغة المففر فففي قففوله ‪" :e‬إذا‬
‫سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول المؤذن")‪.(2‬‬
‫وقد ذكر العلماء أن هذا المففر صففرف عففن الوجففوب بمففا ورد عففن‬
‫أنس – رضي الله عنه – قال‪ :‬كان رسففول اللففه ‪ e‬يغيففر إذا طلففع الفجففر‬
‫وكان يستمع الذان فإن سمع مؤذنا ً أمسك وإل أغار‪ ،‬فسمع رجل ً يقول‪:‬‬
‫الله أكبر الله أكبر‪ .‬فقال رسول الله ‪" e‬على الفطرة"‪ .‬ثم قففال‪ :‬أشففهد‬
‫أن ل إله إل الله‪ .‬أشهد ل إله إل الله‪ ،‬فقال رسول الله ‪" :e‬خرجت مففن‬
‫النار" فإذا هو راعي معزى)‪.(3‬‬
‫لكن يحتمل أن الرسول ‪ e‬أجففاب المففؤذن فقففال مثففل مففا قففال‪ ،‬إذ‬
‫ليس في الحديث ما ينفي ذلك‪ ،‬ثم إن هذا فعل‪ ،‬والمففر السففابق قففول‪،‬‬
‫والفعل منه ‪ e‬ل يعارض القول الخاص بالمة)‪.(4‬‬
‫والظهر أن الصارف عن الوجوب قول ‪ e‬لمالك بن الحويرث ومن‬
‫معه‪" :‬إذا حضففرت الصففلة فيففؤذن لكففم أحففدكم‪ ،‬وليففؤمكم أكففبركم")‪،(5‬‬
‫ووجه الدللة‪ :‬أن المقام مقام تعليم‪ ،‬والحاجة داعيفة إلفى بيففان كفل مففا‬
‫يحتاجه هؤلء الذين وفدوا على النبي ‪ ،e‬وقد لبثوا عنففده عشففرين يومفًا‪،‬‬
‫وقد ل يكون عندهم علم بما قال النبي ‪ e‬فففي متابعففة الذان‪ ،‬فمففا تففرك‬
‫النبي ‪ e‬بيان ذلك مع دعاء الحاجة إليه علم أن المتابعة غير واجبة)‪.(6‬‬
‫وقد ورد في الموطأ عن ثعلبة بن أبي مالك القرظففي‪ :‬أنهففم كففانوا‬
‫في زمان عمر بن الخطاب يصلون يوم الجمعة حتى يخففرج عمففر‪ ،‬فففإذا‬
‫خرج عمر وجلس على المنبر وأذن المؤذن "قال ثعلبة" جلسنا نتحدث‪،‬‬
‫فإذا سكت المؤذنون وقام عمر يخطب أنصتنا فلم يتكلم منا أحد)‪.(7‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫‪217‬‬

‫)( شرح معاني الثار )‪.(1/146‬‬
‫)( نيل الوطار )‪ ،(2/59‬والحديث أخرجه البخاري )‪ ،(2/90‬ومسلم )‪.(4/327‬‬
‫)( أخرجه مسلم برقم )‪ ،(382‬وانظر شرح معاني الثار )‪.(1/146‬‬
‫)( انظر‪ :‬فتح الباري )‪ ،(2/93‬ونيل الوطار )‪.(2/59‬‬
‫)( أخرجه البخاري )‪ (631‬ومسلم )‪ (674‬وتقدم ذلك في الحكم الرابع عشر‪.‬‬
‫)( انظر‪ :‬الشرح الممتع )‪.(2/75‬‬
‫)( أخرجه مالك في الموطأ )‪ ،(1/103‬وصححه النووي في شرح المهذب )‪ ،(4/550‬وانظر‪ :‬تمام‬
‫المنة )ص ‪.(339‬‬

‫قال النووي في شرح المهذب على هففذا الثففر‪ :‬وفيففه جففواز الكلم‬
‫حال الذان)‪ .(1‬أهف‪.‬‬
‫وعلى ما تقدم فففإن صففح كففون المففر بإجابففة المففؤذن للسففتحباب‬
‫لصلحية ما تقدم لصففرف المففر عففن الوجففوب فففالحكم واضففح بالنسففبة‬
‫لمسألتنا وهي أنه يقدم تحية المسجد حال الذان؛ ليفففرغ لمففر واجففب‪،‬‬
‫وهو استماع الخطبة‪.‬‬
‫وإن قلنففا‪ :‬إن المففر للوجففوب فالظففاهر أن اسففتماع الخطبففة أكففد‪،‬‬
‫بدليل تحريففم الكلم حففال الخطبففة ووجففوب النصففات‪ ،‬ول يحففرم الكلم‬
‫حال الذان‪ ،‬ومما يؤيد ذلك أن الداخل مأمور بأن يتفرغ لسماع الخطبة‬
‫ما أمكنه ذلك ولو بتخفيففف تحيففة المسففجد؛ لقففوله ‪" :e‬فليركففع ركعففتين‬
‫وليتجوز فيهما"‪ .‬قال في نيل الوطار‪) :‬فيففه مشففروعية التخفيففف لتلففك‬
‫الصلة؛ ليتفرغ لسماع الخطبة(‪ .‬أهف)‪.(2‬‬
‫وقد رأيت ففي المغنفي لبفن قدامفة‪) :‬وإن دخفل المسفجد فسفمع‬
‫المؤذن استحب له انتظففاره ليفففرغ‪ ،‬ويقففول مثففل مففا يقففول جمعفا ً بيففن‬
‫الفضيلتين‪ ،‬وإن لم يقل كقوله وافتتح الصلة فل بأس‪ ،‬نص عليه أحمففد(‬
‫)‪.(3‬‬
‫والظاهر أن هذا فففي غيففر الجمعففة‪ ،‬وأمففا فففي الجمعففة فينبغففي أن‬
‫يصلي التحية لجل استماع الخطبة‪ ،‬والله أعلم‪.‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪218‬‬

‫)( شرح المهذب )‪.(4/550‬‬
‫)( نيل الوطار )‪.(3/293‬‬
‫)( المغني )‪.(2/89‬‬

‫الحكم الثامن‬
‫بم تدرك الجمعة؟‬
‫ل تدرك الجمعة إل بإدراك ركعة تامة وإن لم يدرك مففن الخطبففة‬
‫شيئًا‪ ،‬فمن دخل مع المام قبل أن يركع الركعففة الثانيففة أو أدرك معففه‬
‫الركوع فقد أدرك صلة الجمعة‪ ،‬فيأتي بركعة أخرى وتتم صلته‪ ،‬وهذا‬
‫قول الجمهور من أهل العلم‪ ،‬وهو الراجح فففي المسففألة‪ ،‬ودليففل ذلففك‬
‫حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – قال‪ :‬قال رسففول اللففه ‪" :e‬مففن‬
‫أدرك ركعة من الصلة فقد أدرك الصلة")‪.(1‬‬
‫وهذا نص عام يشمل جميع الصلوات‪ ،‬ومنها‪ :‬صلة الجمعة‪.‬‬
‫وقد بوب الترمذي – رحمه الله – على هذا الحففديث فففي جامعففة‬
‫بقوله‪) :‬باب ما جاء فيمن أدرك من الجمعة ركعة(‪ .‬ثم قال‪) :‬والعمففل‬
‫على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ‪ e‬وغيرهم‪ ،‬قالوا‪ :‬من‬
‫أدرك ركعة من الجمعة صلى إليها أخرى‪ ،‬ومن أدركهم جلوسففا ً صففلى‬
‫أربعًا‪ ،‬وبه يقول‪ :‬سفيان الثوري‪ ،‬وابففن المبففارك‪ ،‬والشففافعي‪ ،‬وأحمففد‬
‫وإسحاق()‪.(2‬‬
‫أما من أدرك مع المام أق ّ‬
‫ل من ركعة كففأن يففدركه بعففد أن رفففع‬
‫رأسه من ركوع الركعففة الثانيففة أو فففي السففجود أو فففي التشففهد فقففد‬
‫فاتته الجمعة‪ ،‬لمفهوم الحديث المتقففدم‪ ،‬فففإن مفهففومه أن مففن أدرك‬
‫أقل من ركعة لم يكن مدركا ً للصلة‪.‬‬
‫وعليه أن يصليها ظهرا ً أربع ركعات ولو كان قد دخل مففع المففام‬
‫بنية الجمعة‪ ،‬فإذا سلم المام نوى الظهر ثم صلها‪ ،‬وهففذا هففو القففول‬
‫الراجح – إن شاء الله – ول يسع الناس العمل بغيره؛ لن الظهر فرع‬
‫عن الجمعة‪ ،‬فإذا انتقل من الجمعة إلى الظهر فقد انتقففل مففن أصففل‬
‫إلى بدل‪ .‬وكلهما فرض الوقت)‪.(3‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪219‬‬

‫)( تقدم تخريجه‪.‬‬
‫)( جامع الترمذي )‪.(403 – 2/402‬‬
‫)( انظر‪ :‬المغني ‪ ،(190 – 03/189‬الشرح الممتع )‪.(62 – 5/61‬‬

‫ويستثنى من ذلك ما إذا صليت الجمعة قبففل الففزوال وأدرك مففع‬
‫المام أقل من ركعة فإنه ل يتمها جمعة؛ لنه لم يدرك منها ركعة‪ ،‬ول‬
‫يصليها ظهرًا؛ لنه لم يدخل وقت الظهر‪ ،‬فيتمها نفل ً فإذا دخففل وقففت‬
‫الظهر بالزوال صلى الظهر‪ .‬والله أعلم)‪.(1‬‬

‫‪1‬‬

‫‪220‬‬

‫)( انظر‪ :‬المغني )‪ ،(3/190‬الشرح الممتع )‪.(5/61‬‬

‫الحكم التاسع‬
‫الصلة بعد الجمعة‬
‫إذا صلى الجمعة صلى بعدها ركعتين أو أربعًا‪ ،‬نقله ابن قدامة عففن‬
‫المام أحمد‪ ،‬وفي رواية عنه‪ :‬أو ستا ً)‪ .(1‬وقد دل على ذلك مففا رواه أبففو‬
‫هريرة – رضي اللففه عنففه – أن رسففول اللففه ‪ e‬قففال‪" :‬إذا صففلى أحففدكم‬
‫الجمعة فليصل بعدها أربعًا")‪ ،(2‬وفي روايففة بيففان الصففارف للمففر‪ ،‬وأنففه‬
‫ليس للوجوب بل للستحباب؛ لقوله‪" :‬من كان منكم مصليًا")‪.(3‬‬
‫وعن نافع عن ابن عمر – رضي الله عنهما – قال‪ :‬كان رسول الله‬
‫‪ e‬يصلي بعد الجمعة ركعتين في بيته)‪.(4‬‬
‫وعنه – أيضا ً – قال‪ :‬كففان ابففن عمففر يطيففل الصففلة قبففل الجمعففة‪،‬‬
‫دث أن رسففول اللففه ‪ e‬كففان يفعففل‬
‫ويصلي بعدها ركعتين فففي بيتففه‪ ،‬ويحف ّ‬
‫ذلك)‪.(5‬‬
‫قال أبو شامة‪ :‬أراد بقوله‪) :‬أن رسول الله ‪ e‬كان يفعل ذلك(‪ :‬أنففه‬
‫كان يصلي الركعتين بعد الجمعة فففي بيتففه‪ ،‬ول يصففليهما فففي المسففجد‪،‬‬
‫وذلك هو المستحب)‪.(6‬‬
‫وقال في عفون المعبفود‪) :‬والحاصفل أن النفبي ‪ e‬أمفر المفة أمفرا ً‬
‫مختصا ً بهم بصلة أربع ركعففات بعففد الجمعففة‪ ،‬وأطلففق ذلففك ولففم يقيففده‬
‫بكونها في البيت‪ ،‬واقتصاره ‪ e‬على ركعتين كما في حديث ابففن عمففر ل‬
‫ينافي مشروعية الربع لعدم المعارضة بينهما)‪.(7‬‬
‫وأما الست ركعات فهي مروية عن طائفة من الصحابة منهم على‬
‫وابن عمر وأبو موسى رضي الله عنهم أجمعين؛ جمعا ً بين هذا وهذا)‪.(8‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫‪221‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫المغني )‪.(3/248‬‬
‫رواه مسلم رقم )‪.(881‬‬
‫شرح النووي على مسلم )‪.(6/418‬‬
‫رواه البخاري )‪ ،(2/425‬ومسلم )‪.(6/418‬‬
‫رواه أبو داود )‪ ،(3/477‬ونقل في نيل الوطار )‪ (3/318‬عن العراقي أنه قال‪ :‬إسناده صحيح‪.‬‬
‫الباعث على إنكار البدع الحوادث )ص ‪.(161‬‬
‫عون المعبود )‪.(3/481‬‬

‫وصلة هذه السنة في المنفففزل أفضففل‪ ،‬ولففو صففلها فففي المسففجد‬
‫جاز‪ ،‬ل فرق في ذلك بين الركعتين أو الربع)‪ ،(1‬ومما يدل علففى أفضففلية‬
‫الصلة في المنفزل قففوله ‪" :e‬أفضففل الصففلة صففلة المففرء فففي بيتففه إل‬
‫المكتوبة"‬

‫‪8‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪222‬‬

‫)‪(2‬‬

‫)( انظر )سنة الجمعة( لشيخ السلم ابن تيمية – رحمه الله – تحقيق‪ :‬سعد المزعل )ص ‪،(62‬‬
‫وانظر المغني )‪.(3/249‬‬
‫)( انظر تمام المنة )ص ‪.(343 – 341‬‬
‫)( تقدم تخريجه‪.‬‬

‫الحكم العاشر‬
‫إذا اجتمع العيد والجمعة‬
‫إذا اجتمع العيففد والجمعففة فففي يففوم واحففد سففقط وجففوب الجمعففة‬
‫وحضورها عمن صلى العيد‪ ،‬على الظهر من أقوال أهل العلم‪ ،‬ويصففلي‬
‫مكانها صلة الظهر‪ .‬ودليل ذلك حديث زيد بن أرقم – رضي الله عنففه –‬
‫أن معاوية بن أبي سفيان سأله‪ :‬هل شهدت مففع رسففول اللففه ‪ e‬عيففدين‬
‫اجتمعا في يوم واحد؟ قال‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪ :‬فكيف صنع؟ قال‪ :‬صلى العيد ثم‬
‫رخص في الجمعة‪ ،‬فقال‪" :‬من شاء أن يصلي فليص ّ‬
‫ل")‪.(1‬‬
‫وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – عن رسول الله ‪ e‬أنففه قففال‪" :‬‬
‫اجتمع فففي يففومكم هففذا عيففدان‪ ،‬فمففن شففاء‪ ،‬أجففزأه مففن الجمعففة‪ ،‬وإنففا‬
‫معون")‪.(2‬‬
‫مج ّ‬
‫وعن عثمان – رضي الله عنه ‪ :-‬أنه خطب في يففوم عيففد وجمعففة‪،‬‬
‫ب‬
‫ب من أهل العوالي أن ينتظر الجمعة فلينتظر‪ ،‬ومن أحف ّ‬
‫فقال‪ :‬من أح ّ‬
‫أن يرجع فقد أذنت له)‪.(3‬‬
‫فهذه أدلة صحيحة تفيففد التخييففر فففي حضففور إحففداهما‪ ،‬وأن صففلة‬
‫العيد تجزئ عن صلة الجمعة‪ ،‬فل يجففب حضففورها‪ .‬وتكففون هففذه الدلففة‬
‫مخصصة لعموم قوله تعالى‪ :‬يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصففلة مففن‬
‫يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع‪.(4)‬‬
‫وينبغي للمام أن يقيم الجمعة ليشهدها من شاء شهودها ومن لففم‬
‫يحضر العيد‪ ،‬وإن صلى النسان العيد والجمعة فهو أكمل‪ ،‬لينففال الجففر‪،‬‬
‫ويحظى بالفضيلة‪ ،‬والله أعلم‪.‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫‪223‬‬

‫)( أخرجه أبو داود )‪ (1070‬والنسائي )‪ (3/194‬وابن ماجه )‪ (1/415‬وهو حديث صحيح‪.‬‬
‫)( أخرجه أبو داود )‪ (1073‬وابن ماجه )‪ (1311‬قال في الزوائد )‪" :(1/237‬هذا إسناد صحيح‪،‬‬
‫رجاله ثقات"‪.‬‬
‫)( أخرجه البخاري )‪.(5572‬‬
‫)( سورة الجمعة‪ :‬الية ‪.9‬‬

‫الباب الثالث‬
‫في أحكام حضور المرأة‬
‫المسجد‬
‫وفيه ثلثة فصول‪:‬‬
‫•‬

‫الول‪ :‬فــي حكــم حضــور المــرأة‬

‫المسجد‬
‫•‬

‫الثــاني‪ :‬فــي شــروط حضــورها‬

‫المسجد‬
‫•‬

‫الثــالث‪ :‬فـي أهــم الحكـام الـتي‬

‫تنفرد بها المرأة عن الرجل في الصلة‬

‫‪224‬‬

‫الفصل الول‬
‫في حكم حضور المرأة المسجد‬
‫لقد أذن السلم للمرأة أن تخرج إلى المسجد وتصلي مع النففاس‪.‬‬
‫ومع هذا فقد حثها على أن تصلي فففي بيتهففا؛ لن أسففتر لهففا‪ ،‬ولئل تفتففن‬
‫غيرها‪.‬‬
‫فعن عبد الله بن عمر – رضي الله عنه – قال‪ :‬قال رسول الله ‪:e‬‬
‫"ل تمنعوا نساءكم المساجد‪ ،‬وبيوتهن خير لهن")‪.(1‬‬
‫وعففن أم حميففد السففاعدية – رضففي اللففه عنهففا ‪ :-‬أنهففا جففاءت إلففى‬
‫رسول الله ‪ e‬فقالت يا رسول الله‪ :‬إني أحب الصلة معك‪ ،‬فقففال‪" :‬قففد‬
‫علمت‪ ،‬وصلتك في بيتك خير لك من صلتك في حجرتك‪ ،‬وصلتك فففي‬
‫حجرتك خير من صلتك في دارك‪ ،‬وصلتك ففي دارك خيففر مففن صففلتك‬
‫في مسجد قومك‪ ،‬وصففلتك فففي مسففجد قومففك خيففر مففن صففلتك فففي‬
‫مسجد الجماعة")‪.(2‬‬
‫قق‬
‫قال في فتح الباري‪) :‬ووجه كون صلتك في الخفاء أفضل‪ :‬تح ّ‬
‫المن فيه من الفتنة‪ ،‬ويتأكففد ذلففك بعففد وجففود ممففا أحففدث النسففاء مففن‬
‫التبرج والزينة()‪.(3‬‬
‫وإذا كان ابن حجر – رحمه الله – قد قال هذا في زمانه في القرن‬
‫التاسع فكيف لو رأى هو وغيففره مففن أهففل العلففم مففا عليففه النسففاء فففي‬
‫زماننا من خروجهففن متبرجففات متطيبففات كاسففيات عاريففات‪ ،‬حففتى فففي‬
‫أفضل بقعة على وجه الرض‪ :‬في بيت الله الحرام‪.‬‬
‫ل ريففب أن مثففل هففؤلء يحففرم خروجهففن إلففى المسففاجد وغيففر‬
‫المساجد‪ ،‬ويجب على وليهن منعهن وعدم الذن لهن‪ ،‬ولكن أين الغيففرة‬
‫السلمية من أولياء أمورهن؟ إن أكثرهم ل يرفع طرفا ً ول يحرك لسانًا‪،‬‬
‫فإلى الله تعالى المشتكى!!‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪3‬‬

‫‪225‬‬

‫)( أخرجه )‪ ،(2/76‬وأبو داود )‪ (2/274‬وهو حديث صحيح بشواهده‪.‬‬
‫)( أخرجه أحمد )‪ (5/198‬الفتح‪ ،‬وابن خزيمة )‪ (3/95‬وإسناد أحمد حسن‪ ،‬قاله في فتح الباري )‬
‫‪ ،(2/350‬وله شواهد‪.‬‬
‫)( فتح الباري )‪.(2/350‬‬

‫وقال في بلوغ الماني‪) :‬يستفاد من هذا الحديث مشروعية تسففتر‬
‫المرأة في كل شيء حتى ففي صفلتها وعبفادة ربهفا‪ ،‬وكلمفا كفانت ففي‬
‫مكان أستر كان ثوابها أعظم وأوفر؛ لهفذا أرشفدها النفبي ‪ e‬إلفى أخففى‬
‫مكان في بيتها وأبعففده عفن النفاس‪ ،‬وهفو ‪ e‬ل يرشفد إل إلفى كففل خيفر‪،‬‬
‫فبادرت بالعمل بإرشاده‪ ،‬وأمرت ببناء مسجد لها في أبعد ناحية لها في‬
‫بيتها وأظلمها‪ ،‬ول زالت تعبد الله عز وجل حتى ماتت – رحمهففا اللففه ‪(-‬‬
‫)‪.(1‬‬
‫وعن عائشة – رضن الله عنها – قالت‪ :‬أعتم رسول الله ‪ e‬بالعتمة‬
‫حففتى نففاداه عمففر‪ :‬نففام النسففاء والصففبيان‪ ،‬فخففرج النففبي ‪ e‬فقففال‪" :‬مففا‬
‫ينتظرها أحد غيركم من أهل الرض" ول يصلى يففومئذ إل فففي المدينففة‪،‬‬
‫وكانوا يصلون العتمة فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل الول)‪.(2‬‬
‫فهففذا الحففديث دل علففى وجففود النسففاء فففي المسففجد وحضففورهن‬
‫الجماعة‪ .‬وليس هذا بواجب عليهن‪.‬‬
‫قال أبو محمد بن حزم‪) :‬وأما النسففاء فل خلف فففي أن شففهودهن‬
‫الجماعة ليس فرضًا‪ ،‬وقد صح في الثار كون نساء النبي ‪ e‬في حجرهن‬
‫ل يخرجن إلى المساجد()‪.(3‬‬
‫وإذا استأذنت المففرأة زوجهففا فففي الخففروج إلففى المسففجد ملتزمففة‬
‫بالشروط المعتبرة فإن يأذن لها؛ لن الرسول ‪ e‬أمر الزواج بذلك؛ فعن‬
‫عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – عن النبي ‪ e‬قال‪" :‬إذا اسففتأذنكم‬
‫نساؤكم بالليل إلى المسجد فأذنوا لهن")‪.(4‬‬
‫وعنه – أيضا ً – رضي الله عنففه أن رسففول اللففه ‪ e‬قففال‪" :‬ل تمنعففوا‬
‫إماء الله مساجد الله()‪.(5‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪226‬‬

‫)( بلوغ الماني )‪.(5/199‬‬
‫)( أخرجه البخاري رقم )‪ ،(826‬ومسلم رقم )‪ .(638‬و)أعتم( بمعنى دخل في العتمة‪ ،‬ومعناه‪:‬‬
‫آخر صلة العتمة‪ .‬والعتمة‪ :‬ثلث الليل الول بعد غيبوبة الشفق "عمة القاري" )‪.(4/214‬‬
‫)( المحلى )‪.(4/196‬‬
‫)( أخرجه البخاري رقم )‪ ،(827‬ومسلم رقم )‪.(442‬‬
‫)( أخرجه مسلم )‪ ،(442‬وأخرجه البخاري بأطول من هذا رقم )‪.(858‬‬

‫الفصل الثاني‬
‫في شروط حضور المرأة المسجد‬
‫ليس للمرأة أن تخرج إلى المسجد ول يحل لزوجها أن يأذن لها إل‬
‫بشففروط ذكرهففا العلمففاء‪ .‬بعضففها دل عليففه النففص‪ ،‬وبعضففها ملحففق‬
‫بالمنصوص؛ لمشاركته له في علته)‪ ،(1‬والشروط هي‪:‬‬
‫‪ (1‬أل تكون متطيبة‪ .‬لما ورد عن زينب الثقفية رضففي اللففه عنهففا‬
‫قالت‪ :‬قال لنا رسول الله ‪" :e‬إذا شهدت إحداكن المسجد فل‬
‫س طيبًا")‪ ،(2‬أي‪ :‬إذا أرادت حضور المسجد فل تتطيب؛ لن‬
‫تم ّ‬
‫الطيب من أسباب الفتنة وتحريك شهوة الرجففال‪ .‬ويلحففق بففه‬
‫الزينة كالثياب الفاخرة والحلي وصوت الخلخففال‪ ،‬ونحففو هففذا‪،‬‬
‫فلبد أن تكون المرأة عند خروجها إلى المسففجد علففى درجففة‬
‫تامة من التستر والبعد عن كل ما يثير الرجال‪.‬‬
‫‪ (2‬أن تغض بصرها كما أمرها ربها‪ ،‬فل تنظر إلى الرجل الجنبي‪.‬‬
‫قفففال اللفففه تعفففالى‪ :‬وقفففل للمؤمنفففات يغضضفففن مفففن‬
‫أبصارهن‪.(3)‬‬
‫قال ابن كثير – رحمه الله ‪) :-‬أي‪ :‬عما حرم عليهن مففن‬
‫النظر إلى غير أزواجهن‪ ،‬ولهذا ذهب كثير مففن العلمففاء علففى‬
‫أنه ل يجوز للمففرأة أن تنظففر إلففى الجففانب بشففهوة ول بغيففر‬
‫شهوة أصل ً ‪.(4)( . . .‬‬
‫وقففال النففووي – رحمففه اللففه ‪) :-‬الصففحيح الففذي عليففه‬
‫الجمهور من العلماء وأكثر الصففحابة أنففه يحففرم علففى المففرأة‬
‫النظر إلى الرجل الجنبي‪ ،‬كما يحرم عليه النظر إليها()‪.(5‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪227‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫انظر أضواء البيان )‪.(6/236‬‬
‫أخرجه مسلم رقم )‪.(443‬‬
‫سورة النور‪ :‬الية ‪.31‬‬
‫تفسير ابن كثير )‪.(6/46‬‬
‫شرح النووي على مسلم )‪.(10/353‬‬

‫ول ريب أن الفتنة مشتركة‪ ،‬فكما أن نظففر الرجففل إلففى‬
‫المرأة سبب الفتتان بها‪ ،‬كذلك نظرها إليه سبب للفتتان به‪.‬‬
‫‪ (3‬أل يكون في الطريق إلفى المسفجد مفا يخفاف منفه مفسفدة‪.‬‬
‫فإن كان الطريق غير آمن ويخشى عليها مففن الفسففاق حففرم‬
‫خروجها؛ لمظنة الفتنة وتحقق الفساد‪.‬‬
‫‪ (4‬أن تكون متحجبة الحجاب الشرعي بستر جميع بدنها بما فففي‬
‫ذلك الوجه والكففان والقفدمان‪ ،‬ول يحفل لمفرأة تفؤمن بفالله‬
‫واليففوم الخففر أن تخففرج إلففى المسففجد كاشفففة عففن وجههففا‬
‫وكفيها‪ ،‬تذهب لداء عبادة هي في بيتهففا أفضففل‪ ،‬ولكنهففا تبففوء‬
‫بإثم عظيم بما جنففت علففى نفسففها وعلففى غيرهففا مففن الفتنففة‬
‫وتحريك دواعي الشهوة‪.‬‬
‫‪ (5‬أل تختلط بالرجال ل في الطريق ول في المسفجد‪ ،‬ول تتقفدم‬
‫إلى صفوف الرجال ول إلى أماكن الرجال‪ ،‬بل تصلي خلفهففم‬
‫بعيدة عنهم‪.‬‬
‫وقد ورد عن أبي هريرة – رضففي اللففه عنففه – قففال‪ :‬قففال‬
‫رسول اللففه ‪" :e‬خيففر صفففوف الرجففال أولهففا وشففرها آخرهففا‪،‬‬
‫وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها")‪.(1‬‬
‫‪(6‬‬

‫أل ترفع صوتها في الصلة ل في القراءة ول في التأمين ول‬
‫في تنبيه المفام إذا سفها‪ ،‬بفل تكتففي ففي الخيفر بالتصففيق؛‬
‫لقوله ‪" :e‬التسبيح للرجال والتصفيق للنساء")‪.(2‬‬

‫‪ (7‬أن تنصرف قبل الرجال لئل تحصل لهن مزاحمة مففن الرجففال‬
‫في الطرقات أو على أبواب المساجد‪ .‬وقد ورد عن أم سلمة‬
‫– رضففي اللففه عنهففا ‪ :-‬أن النففبي ‪ e‬كففان إذا سففلم يمكففث فففي‬
‫مكانه يسيرًا‪.‬‬
‫قال ابن شهاب‪ :‬فنففرى – واللففه أعلففم – لكففي ينفففذ مففن‬
‫ينصرف من النساء قبل أن يدركهن الرجال)‪.(3‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪228‬‬

‫)( أخرجه مسلم رقم )‪.(440‬‬
‫)( أخرجه البخاري رقم )‪ ،(1145‬ومسلم رقم )‪.(422‬‬
‫)( أخرجه البخاري رقم )‪.(802‬‬

‫قففال الحففافظ ابففن حجففر‪) :‬وفففي الحفديث‪ :‬مراعفاة المفام أحفوال‬
‫المأمومين‪ ،‬والحتياط في اجتناب مففا قففد يفضففي إلففى المحففذور‪ ،‬وفيففه‬
‫اجتناب مواضع التهم‪ ،‬وكراهة مخالطففة الرجففال للنسففاء فففي الطرقففات‬
‫فضل ً عن البيوت ‪ . . .‬وفيه أن النساء كن يحضففرن فففي المسففجد ‪(. . .‬‬
‫)‪.(1‬‬
‫وقصارى القول أن المرأة مأمورة بالستر والبعد عن كل مففا يففثير‬
‫الرجال حال خروجها من منفزلها عموما ً وإلى المسجد خصوصًا‪.‬‬
‫وعلى المرأة المسففلمة أن تكففون وّقافففة عنففد حففدود اللففه تعففالى‪،‬‬
‫ولتعلم يقينا ً أن الذي أمرها بالصلة وأباح لها أن تخرج إلى المسجد هففو‬
‫الذي أمرها بالحجاب والحشمة والعفة والحياء‪ ،‬فكيف تطيعه فففي الول‬
‫وتعصيه في الثاني؟؟ كيف تكون مأجورة بفعل مففا نهففى عنففه الشففارع؟‬
‫كيف تؤدي مباحا ً وسيلته محرمة؟ إنه ل يبعففد أن تكففون صففلتها ناقصففة؛‬
‫لن المعاصي إذا لم تبطل العمال فإنها تنقصها‪.‬‬
‫وإن السى ليحرق القلب عندما ترى كثيرا ً من النساء فففي أفضففل‬
‫البقاع – بيت الله الحفرام – ومفا هفن عليفه مفن التفبرج وكشفف الفوجه‬
‫وإظهار المحاسن ذاهبات لداء عبادة عظيمة في أقدس بقعة على وجه‬
‫الرض‪ ،‬ثففم مزاحمتهففن للرجففال فففي المطففاف أو عنففد البففواب دخففول ً‬
‫وخروجًا‪ ،‬أضف على ذلك تقدم بعض النساء للصلة في ساحة المطاف‬
‫قريبا ً من الكعبة‪ .‬تظن أن ذلك أفضل‪ ،‬وأين الفضففلية والرجففال يمففرون‬
‫حولها والرسول ‪ e‬يقول في الحففديث المتقففدم‪" :‬وشففر صفففوف النسفاء‬
‫أولها"‪ ،‬أي‪ :‬لقربها من الرجال‪ .‬فكيف إذا ذهبت تزاحم الرجففال وتصففلي‬
‫في أماكنهم؟! فالله المستعان!!‬
‫وعلى المرأة أن تحذر من مزاحمة الرجال فففي البففواب ول سففيما‬
‫في الخروج‪ ،‬فإما أن تنتظر حتى تففذهب حطمففة النففاس‪ ،‬وإمففا أن تبففادر‬
‫بالخروج بعد سلم المام قبل أن يدركها الرجال‪ ،‬وإل فمن المعلففوم أن‬
‫المستحب للرجال أن يثبتوا بقدر ما يرون أن النساء قد انصرفن‪ .‬ولكن‬
‫أكثرهم ل يفقهون‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫‪229‬‬

‫)( فتح الباري )‪.(2/336‬‬

‫والولى تخصيص أبواب للنساء‪ ،‬بل هذا متعيففن؛ تأسففيا ً بمففا حصففل‬
‫في القرن الول‪ ،‬لما فيه من المصالح العظمية‪.‬‬

‫‪230‬‬

‫الفصل الثالث‬
‫في أهم الحكام التي تنفرد بها المرأة عن الرجل‬
‫في الصلة‬
‫أعلم أن الصل في الحكام الشرعية – ومنها الصلة – أن المففرأة‬
‫تشارك الرجل فيها‪ ،‬فما ثبت في حق الرجل ثبت في حق المرأة إل مففا‬
‫دل الدليل على استثنائه‪ .‬وقد جاء في أحكام الصلة مسففائل تنفففرد بهففا‬
‫المرأة‪ ،‬لوجود أدلة تفيد ذلك‪ ،‬وأهم هذه الحكام ما يلي‪:‬‬
‫‪(1‬‬

‫موقف المرأة خلف المام‪:‬‬

‫ل خلف بين أهل العلم أن السنة أن تقففف المففرأة خلففف الرجففل‪،‬‬
‫فإذا صلى رجل ومعه امرأة وقفت خلفه‪ ،‬وإن كان معه رجل آخر وقففف‬
‫الرجل عن يمينه والمرأة خلفهما‪ .‬وإن حضر رجال ونساء وقف الرجففال‬
‫خلف المام صفا ً واحدا ً أو صفوفًا‪ ،‬ثففم تقففف النسففاء بعففد الرجففال صفففا ً‬
‫واحدا ً أو صفوفا ً)‪.(1‬‬
‫وقد دل على ذلك حديث أنس – رضي الله عنه – قال‪ :‬صففليت أنففا‬
‫ويتيم في بيتنا خلف النبي ‪ e‬وأمي – أم سليم – خلفنا)‪.(2‬‬
‫وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال‪ :‬قال رسول الله ‪" :e‬خير‬
‫صفوف الرجال أولها وشرها آخرها‪ ،‬وخير صفوف النساء آخرها وشرها‬
‫أولها")‪.(3‬‬
‫فففدل الحففديث علففى أن خيففر الصفففوف للرجففال أولهففا‪ ،‬والنسففاء‬
‫بالعكس‪ ،‬وهذا يفيد أن النساء تكون خلف الرجال)‪.(4‬‬
‫وعلى المرأة إذا حضففرت المسففجد أن تتففأخر وتبتعففد عففن الرجففال‬
‫وعن صفوفهم‪ ،‬لئل يحصل الختلط إذ كثرت الصفوف‪ ،‬أو تسمع النساء‬
‫كلم الرجال وترى حركاتهم‪ ،‬فيتعلق القلب بهم‪ ،‬وتحصل الفتنة‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫‪231‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫انظر‪ :‬الحكام فيما يختلف فيه الرجال والنساء من الحكام )‪.(1/407‬‬
‫أخرجه البخاري )‪ (727‬ومسلم )‪.(658‬‬
‫تقدم تخريجه مسبقًا‪.‬‬
‫أحكام المامة ص)‪.(321‬‬

‫وقد ذكر العلماء أن المراد بالحديث السابق – حديث أبي هريرة –‬
‫رضي الله عنه‪ :-‬النساء اللتي يصلين مع الرجال في مكان واحففد‪ ،‬وأمففا‬
‫إذا صلين في مكان خاص بهن – كما يوجد في بعففض المسففاجد – فهففن‬
‫كالرجال‪ ،‬خير صفوفهن أولها وشرها آخرها)‪.(1‬‬
‫وقففد أفففاد هففذا الحففديث أن النسففاء يقفففن فففي الصففلة صفففوفا ً ل‬
‫منفردات‪ ،‬وعليهن أن يسوين صفوفهن‪ ،‬لعموم الدلة في المر بتسففوية‬
‫الصفوف‪ ،‬وسد ّ الفرج‪ ،‬وتكميل الصف الول فالول‪.‬‬
‫فإن وقفت المرأة منفردة خلف صف النساء بدون عففذر لففم تصففح‬
‫صلتها على الراجح من قولي أهل العلم‪ ،‬فيكففون حكمهففا حكففم الرجففل‬
‫المنفرد خلف صف الرجال؛ لن أحكام النساء مساوية لحكففام الرجففال‬
‫إل ما استثناه الدليل‪ ،‬وليس هنا دليل على استثناء وقوف المففرأة خلففف‬
‫صف النساء‪ ،‬وإنما الدليل على استثناء وقففوف المففرأة المنفففردة خلففف‬
‫صف الرجال – كما تقدم)‪.(2‬‬
‫وإذ صف الرجل أو الرجال خلف صف النساء – كما قد يوجففد فففي‬
‫المسجد الحرام أيام الحج أو في رمضان إذ كثر الناس – صحت الصلة‬
‫لوجود الضرورة في مثل ذلك‪ ،‬على الراجح من قولي أهل العلم)‪.(3‬‬
‫وينبغي للرجل أل يقف بجانب امرأة فففي الصففلة‪ ،‬بففل ينتقففل إلففى‬
‫مكان آخر؛ خشية الفتتان بها‪ ،‬ول تبطل صلة المففرأة ول صففلة الرجففل‬
‫إذا وقفت المرأة في صف الرجال – على الراجح من قولي أهففل العلففم‬
‫‪ ،‬وإذا أرادت امرأة أن تقف بجانبه طردها‪ ،‬أو أمرها أن تبتعد عنه)‪.(4‬‬‫‪(2‬‬

‫موقف إمامة النساء‪:‬‬

‫ن ففي مجمفع‬
‫لو دخلت نساء المسجد وقفد انقضفت الصففلة‪ ،‬أو كف ّ‬
‫خاص – كبيت أو مدرسة – جاز لهن أن يصلين جماعففة‪ ،‬وكففذا لففو كففانت‬
‫الصلة نافلة‪ ،‬إذا لم يتخذ ذلك عادة)‪.(5‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪232‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫انظر‪ :‬شرح النووي على مسلم )‪.(4/403‬‬
‫مجموع الفتاوى )‪ ،(23/396‬أحكام المامة ص)‪.(330‬‬
‫أحكام المامة ص)‪.(326‬‬
‫أحكام المامة ص)‪ ،(322‬فتاوى ابن عثيمين )‪.(13/43‬‬
‫انظر‪ :‬إعلم الموقعين )‪ ،(2/357‬الحكام )‪ (2/115‬الممتع )‪.(4/198‬‬

‫والسنة أن تقف إمامة النساء في وسط الصف ول تففبرز أمففامهن؛‬
‫لن ذلك أستر‪ ،‬والمرأة مطلوب منها الستر)‪.(1‬‬
‫وقد ورد عن أم ورقة بنت نوفل‪ :‬أن النبي ‪ e‬كان يزورها في بيتهففا‬
‫وجعل لها مؤذنا ً يؤذن لها‪ ،‬وأمرها أن تؤم أهل دارها)‪.(2‬‬
‫والمراد بف )أهل دارها(‪ :‬النساء‪ .‬وأما إمامة المرأة للرجففل فإنهففا ل‬
‫تجوز على الصحيح من أقوال أهل العلففم‪ ،‬لمففا فففي ذلففك مففن المفاسففد‬
‫العظيمة والله أعلم‪.‬‬
‫‪(3‬‬

‫مرور المرأة بين يدي المصلي‪:‬‬

‫تقدم أنه يحرم المففرور بيففن يففدي المصففلي وسففترته‪ ،‬أو بيففن يففديه‬
‫قريبا ً منه إذا لم يكن لففه سففترة‪ ،‬وهففو آثففم بالجمففاع‪ ،‬ول خلف فففي أن‬
‫مرور الرجل ل يقطع صلة المصلي)‪.(3‬‬

‫وأما المرأة إذا مرت بي يدي المصلي فعامة أهل العلم يقولففون‬
‫أنها ل تقطع الصلة لحديث عائشففة – رضفي اللفه عنهفا – أنهففا قفالت‪:‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪3‬‬

‫‪233‬‬

‫)( انظر‪ :‬مجموع فتاوى ابن تيمية )‪.(23/246‬‬
‫)( أخرجه أحمد )‪ (6/405‬وأبو داود )‪ (591‬وابن خزيمة )‪ (3/89‬والبيهقي )‪ (3/130‬والدارقطني )‬
‫‪ (1/403‬والحاكم )‪ (1/203‬وابن الجارود )‪ (333‬من طريق الوليد بن جميع عن ليلى بنت مالك‬
‫وعبد الرحمن بن خلد النصاري عن أم ورقة النصارية‪.‬‬
‫وهذا سند حسن كما قال اللباني في "الرواء" )‪ .(2/256‬وقد ذكره الحافظ في البلوغ )‪(424‬‬
‫ونقل تصحيحه عن ابن خزيمة‪ ،‬وأقره‪ ،‬مع أنه قال في التلخيص )‪" :(2/28‬وفي إسناده عبد‬
‫الرحمن بن خلد وفيه جهالة"‪ .‬وقال في تهذيب التهذيب )‪" (2/97‬وقد حسن الدارقطني حديث أم‬
‫ورقة في كتاب السنن وأشار أبو حاتم إلى جودته"‪.‬‬
‫وقد رجعت إلى سنن الدارقطني ولم أجد له كلما ً عليه‪ ،‬فالله أعلم‪.‬‬
‫وفي رجال السناد كلم‪ .‬فالوليد بن جميع قال عنه المنذري في مختصر السنن)‪" :(1/307‬فيه‬
‫مقال‪ :‬وقد أخرج له مسلم"أ هف‪.‬‬
‫والحق أنه حسن الحديث‪ .‬قال أحمد وأبو زرعة وأبو داود‪ :‬ل بأس به‪ ،‬ووثقه ابن معين والعجلي‬
‫وابن سعد‪ .‬ذكر ذلك في تهذيب التهذيب )‪ (11/122‬لكنه قد تفرد به عن شيخية‪ :‬جدته ليلى‪ ،‬وابن‬
‫خلد‪.‬‬
‫وليلى بنت مالك ل تعرف‪ ،‬كما قال الحافظ في التقريب‪.‬‬
‫وعبد الرحمن بن خلد قال في التقريب – أيضًا‪ :‬مجهول الحال‪ .‬وكذا قال ابن القطان‪ .‬وذكره ابن‬
‫حبان في الثقات )‪ ،(5/98‬وهو مقرون بليلى بنت مالك‪ ،‬فأحدهما يقوي رواية الخر‪ ،‬ل سيما‬
‫والذهبي يقول في "فصل النسوة المجهولت" كما في الميزان )‪" :(4/604‬ما علمت في النساء‬
‫من اتهمت ول من تركوها"‪.‬‬
‫وقد ورد في الباب آثار أخرى كلها فيها مقال‪ ،‬لكنها باجتماعها قد تقوى وتكون دليل ً على الجواز‬
‫في مثل هذه المسألة‪ ،‬والعلم عند الله تعالى‪.‬‬
‫)( انظر مراتب الجماع ص)‪.(35‬‬

‫كنت أنام بين يدي رسول الله ‪ e‬ورجلي في قبلته‪ ،‬فإذا سجد غمزني‬
‫فقبضت رجّلي‪ ،‬فإذا قام بسطتهما‪ .‬قالت‪ :‬والبيوت يففومئذ ليففس فيهففا‬
‫مصابيح)‪.(1‬‬
‫والقول الثاني‪ :‬أنها تقطع الصففلة‪ .‬وهففو قففول الحسففن البصففري‪،‬‬
‫وابن حزم ورواية عن المام أحمد‪ ،‬اختارها عدد من أصففحابه‪ .‬لحففديث‬
‫أبي ذر – رضي الله عنه – قال‪ :‬قال رسول اللففه ‪" :e‬إذا قففام أحففدكم‬
‫يصلي فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحففل‪ ،‬فففإذا لففم يكففن‬
‫بين يديه مثل آخرة الرحل فإنه يقطع صلته الحمار والمففرأة والكلففب‬
‫السود" قلت‪ :‬يا أبا ذر‪ ،‬ما بال الكلب السود من الكلففب الحمففر مففن‬
‫الكلب الصفر؟ قال‪ :‬يا ابن أخي سألت رسففول اللففه ‪ e‬كمففا سففألتني‪،‬‬
‫فقال‪" :‬الكلب السود شيطان")‪.(2‬‬
‫وهذا دليل صحيح ل مطعن فيه‪ ،‬ونص صريح ل لبفس ففي دللتفه‬
‫على أن مرور المرأة أمام المصلي يقطع صلته‪.‬‬

‫وأمفا حمفل هفذا الحفديث علفى أن المفراد بفالقطع‪ :‬القطفع عفن‬
‫الخشوع والذكر لشغل القلب بها واللتفات إليها؛ لنهففا تفسففد الصففلة‬
‫فهو ضعيف؛ لن شغل القلب ل يختففص بالثلثففة المففذكورة)‪ .(3‬ثففم إنففه‬
‫ورد حديث أبي ذر عند ابن خزيمة وابن حبان بلفظ‪" :‬تعاد الصلة من‬
‫ممر الحمار والمرأة والكلب السود")‪.(4‬‬
‫وأما ما ورد من أن الرسول ‪ e‬كان يصلي وأم المففؤمنين عائشففة‬
‫– رضي الله عنها – نائمة بين يديه فل دللة فيه على عدم القطع؛ لن‬
‫فساد الصلة مقرون بمرور المرأة أمام المصلي ل بالصلة إلى النائم‬
‫أو المضطجع أو الجالس)‪.(5‬‬

‫‪234‬‬

‫‪1‬‬

‫)( أخرجه البخاري )‪ (514 ،382‬ومسلم )‪.(512‬‬

‫‪2‬‬

‫)( أخرجه مسلم )‪.(510‬‬

‫‪3‬‬

‫)( الحكام )‪.(1/419‬‬

‫‪4‬‬

‫)( أخرجه ابن خزيمة )‪ (831‬وابن حبان )‪.(2391‬‬

‫‪5‬‬

‫)( انظر‪ :‬زاد المعاد )‪ (1/306‬الحكام )‪.(1/420‬‬

‫والمراد بالمرأة التي تقطع الصلة‪ :‬البالغة‪ .‬أما الصففغيرة الففتي لففم‬
‫تبلغ فل تقطع الصلة‬

‫)‪(1‬‬

‫لما ورد عن ابففن عبففاس – رضففي اللففه عنهمففا –‬

‫عن النبي ‪ e‬قال‪" :‬يقطع الصلة الكلب والمرأة الحائض")‪.(2‬‬
‫وهذه المسألة وإن كانت نففادرة الوقفوع ففي المسففاجد‪ ،‬لكنهففا قففد‬
‫توجد في المسجد الحرام‪ .‬فعلى المسلم أن يمنففع مففن مففرور النسففان‬
‫بين يديه‪ ،‬ول سيما المرأة فإنها تقطع الصلة‪ .‬وقففد أجففاز بعففض العلمففاء‬
‫المرور بيففن يففدي المصففلي فففي المسففجد الحففرام؛ لن النففاس يكففثرون‬
‫بمكة‪ ،‬لجل قضاء نسكهم ويزدحمون فيهففا‪ .‬وهففذا وإن كففان تعليل ً قوي فا ً‬
‫)‪(3‬‬

‫من حيث النظر‪ ،‬ولكنه معارض بعموم أدلة القطع‪ ،‬ول مخصص لهففا‬

‫–‬

‫كما تقدم – لكن الضرورة أحكام‪ .‬والله أعلم‪.‬‬
‫وإلى هنا تم ما أردنا كتابته في عصر يوم الثلثاء التاسع مففن شففهر‬
‫الله المحرم بدايففة العففام الرابففع عشففر بعففد الربففع مففائة وألففف‪ ،‬سففائل ً‬
‫المولى تعالى أن يجعله خالصا ً لوجهه‪ ،‬نافعا ً لعباده‪ ،‬وأصلي وأسلم على‬
‫خير خلقه وخاتم أنبيائه محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه‪.‬‬
‫وتففم الفففراغ منففه لعففداده للطبعففة الثانيففة فففي السففاعة العاشففرة‬
‫وأربعين دقيقة من ضحى يوم الخميس الموافق للعشرين من شهر ذي‬
‫الحجة خاتمة السنة الحادية والعشرين بعد الربع مائة واللف من هجرة‬
‫المصطفى محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسففلم‪.‬‬
‫والحمد لله على توفيقه‪.‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪3‬‬

‫‪235‬‬

‫)( انظر‪ :‬النصاف )‪ (2/107‬تصحيح الفروع )‪.(1/474‬‬
‫)( أخرجه أحمد )‪ ،(1/1347‬وأبو داود )‪ ،(703‬و)‪ ،(2/64‬وابن ماجه )‪ ،(949‬وصححه النووي في‬
‫"شرح المهذب" )‪.(3/212‬‬
‫)( انظر‪ :‬إتحاف الخوة ص)‪.(195‬‬

‫الفهـرس‬
‫الموضوع‬
‫الصفحة‬
‫مقدمة الطبعة الثانية‬
‫مقدمة‬
‫تمهيد‬
‫المطلب الول‪ :‬في تعريف المسجد وفضل بنائه‬
‫المطلب الثاني‪ :‬في وجوب صلة الجماعة‬

‫الباب الول‪ :‬في أحكام الخروج إلى المسجد‬
‫الفصل الول‪ :‬في أحكام الخروج إلى المسجد‬
‫الحكم الول‪ :‬الخروج في أحسن هيئة‬
‫الحكم الثاني‪ :‬المبادرة بالحضور إلى المسجد‬
‫فضائل المبادرة إلى المسجد‬
‫الحكم الثالث‪ :‬الدعاء عند الخروج إلى الصلة‬
‫الحكم الرابع‪ :‬الذهاب إلى المسجد ماشيا ً‬
‫الحكم الخامس‪ :‬المشي بسكينة ووقار‬
‫الحكم السادس‪ :‬ل يشبك بين أصابعه‬
‫الحكم السابع‪ :‬في حضور الصبيان المساجد‬
‫الحكم الثامن‪ :‬في دخول الجنب والحائض المسجد‬

‫‪236‬‬

‫رقم‬

‫الفصل الثاني‪ :‬أحكام حضور المسجد‬
‫الحكم الول‪ :‬تعاهد النعلين‬
‫الحكم الثاني‪ :‬تقديم اليمنى عند الدخول‬
‫الحكم الثالث‪ :‬الدعاء عند دخول المسجد‬
‫الحكم الرابع‪ :‬التقدم للصف الول‬
‫المكان الفاضل في المسجد النبوي‬
‫الحكم الخامس‪ :‬السلم على من في المسجد‬
‫الحكم السادس‪ :‬صلة تحية المسجد‬
‫الحكم السابع‪ :‬الصلة على سترة‬
‫السترة في المسجد الحرام‬
‫الحكم الثامن‪ :‬ل يخرج من المسجد بعد الذان‬
‫الحكم التاسع‪ :‬وظيفة الجالس في المسجد‬
‫الحكم العاشر‪ :‬تسوية الصفوف وإتمامها‬
‫الحكم الحادي عشر‪ :‬في صلة المنفرد خلف الصف‬
‫الحكم الثاني عشر‪ :‬الدخول مع المام على أي حال‬
‫الحكم الثالث عشر‪ :‬ما تدرك به الجماعة‬
‫الحكم الرابع عشر‪ :‬في صفة الصلة‬
‫الحكم الخامس عشر‪ :‬في الذكر بعد الصلة‬
‫الحكم السادس عشر‪ :‬في الفصل بين الفريضة والنافلة‬
‫الحكم السابع عشر‪ :‬من دخل المسجد وقد فاتته الصلة فوجد‬
‫من يصلي صّلى معه‬
‫الحكم الثامن عشر‪ :‬إقامففة جماعففة غيففر معتففادة لمففن فففاتتهم‬
‫الصلة‬
‫الحكم التاسع عشر‪ :‬من صّلى ثم دخل مسجدا ً صّلى معهم‬
‫الحكم العشرون‪ :‬اختلف نية المام والمأموم‬
‫الحكم الحادي والعشرون‪ :‬إذ صلى المسافر خلف المقيم أتم‬
‫الحكم الثاني والعشرون‪ :‬ل يحجز مكانا ً في المسجد‬
‫الحكم الثالث والعشرون‪ :‬ل يهجر المسجد الذي يليه‬

‫‪237‬‬

‫الحكـم الرابـع والعشـرون‪ :‬فففي إيففذاء المصففلين والتشففويش‬
‫عليهم‬
‫الحكم الخامس والعشرون‪ :‬في المسألة في المسجد‬
‫الحكم السادس والعشرون‪ :‬في الكل في المسجد‬

‫الباب الثاني‪ :‬في أحكام حضور الجمعة‬
‫تمهيــد فــي فضــل يــوم الجمعــة‪ ،‬والتحــذير مــن التهــاون‬
‫بالصلة‬
‫الفصل الول‪ :‬في أحكام الستعداد للجمعة‬
‫الحكم الول‪ :‬غسل الجمعة‬
‫الحكم الثاني‪ :‬حكم اللباس‬
‫الحكم الثالث‪ :‬السواك للجمعة‬
‫الحكم الرابع‪ :‬الطيب يوم الجمعة‬
‫الحكم الخامس‪ :‬المبادرة إلى حضور المسجد‬
‫الحكم السادس‪ :‬المشي إلى الجمعة‬
‫الحكم السابع‪ :‬في السفر يوم الجمعة‬
‫الفصل الثاني‪ :‬في أحكام حضور مسجد الجمعة‬
‫الحكم الول‪ :‬الحذر من تخطي الرقاب وأذية الخرين‬
‫الحكم الثاني‪ :‬القرب من المام‬
‫الحكم الثالث‪ :‬التنفل قبل دخول المام‬
‫الحكم الرابع‪ :‬الشتغال بالذكر وتلوة القرآن‬
‫الحكم الخامس‪ :‬النصات والستماع للخطبة‬
‫الحكم السادس‪ :‬ل يرفع يديه عند الدعاء في الخطبة‬
‫الحكم السابع‪ :‬في تحية المسجد والمام يخطب‬
‫الحكم الثامن‪ :‬بم تدرك الجمعة؟‬
‫الحكم التاسع‪ :‬الصلة بعد الجمعة‬
‫الحكم العاشر‪ :‬إذا اجتمع العيد والجمعة‬

‫الباب الثالث‪ :‬في أحكام حضور المرأة المسجد‬
‫الفصل الول‪ :‬في حكم حضور المرأة المسجد‬

‫‪238‬‬

‫الفصل الثاني‪ :‬في شروط حضور المرأة المسجد‬
‫الفصل الثالث‪ :‬في أهففم الحكففام الففتي تنفففرد بهففا المففرأة عففن‬
‫الرجل في الصلة‬
‫الفهرس‬

‫‪239‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful