‫نظرية النظم‬

‫وقراءة الشعر‬
‫عند عبد القاهر‬
‫الجرجاني‬
‫إعـــــداد‬

‫محمود توفيق محمد‬
‫سعد‬
‫أستاذ البلغة والنقد‬
‫ورئيس القسم في كلية اللغة العربية‬
‫جامعة الزهر‬
‫الشريف شبين الكوم‬

‫بسم الله الرحمن الرحيم‬
‫الحمد لله رب العاملين والصلة والسلم على سيدنا محمد‬
‫وعلى آله وصحبه أجمعين‬
‫أما بعد فإن هذا البحث قد نشرفي مجلة كلية اللغة العربية‬
‫جامعة الزهر الشريف – المنوفية – شبين الكوم العدد‬
‫الحالدي والعشرين ‪1423‬هـ‬
‫وقد أحببت أن أضعه بين يدي طلب العلم ‪،‬وأذنت لكل‬
‫مسلم أن يطبعه وينشره نشًرتا غير تجاري شريطة أن‬
‫يحافظ على الصل غير محرف ول مصحف ودونما زيادة أو‬
‫نقص أو تغيير إل ما وقع من خطأ في كتابة آية قرآنية أو‬
‫حديث نبيوي‬
‫ولكل مسلم أن يعلق بحاشيته بما يراه من العلم النافع‬
‫قا بادب أهل العلم ‪ ،‬فإن العلم رحم بين أهله ‪،‬ونحن‬
‫متخل ً‬
‫طلب العلم أولى الناس بالتراحم والتواد والتناصح في‬
‫رفق ومحبة والله ولي التوفيق‬
‫محمود توفيق محمد سعد أستاذ البلغة والنقد ورئيس‬
‫القسم في كلية اللغة العربية جامعة الزهر الشريف شبين‬
‫الكوم‬

‫ســــياق القــــول فــــي‬
‫النظرية‬
‫إذا ما كان المام عبد القاهر مســتفتحا ً كتــابه "دلئل‬
‫العجاز" ببيان فضل العلـم‪ ،‬ومنـزلة علم البيان من‬

‫هــذا الفضــل‪ ،‬وأنــه علــى الرغــم مــن رســوخ أصــله‬
‫وبسوق فرعه‪ ،‬لم يلق علم من الضيم ما لقي ذلــك‬
‫ن فــي هــذا العلــم دقــائق‬
‫العلــم‪ ،‬فــإنه قــد أبــان أ ّ‬
‫ف‬
‫وأسرارا ً طريق العلـم بها الرويــة والفكــر‪ ،‬ولطــائ َ‬
‫مستقاها العق ُ‬
‫ن ينفرد بها قــوم قــد‬
‫ل‪ ،‬وخصائ َ‬
‫ص معا ٍ‬
‫هدوا إليها‪ ،‬وأنها السبب في أن عرضت المزيــة فــي‬
‫ُ‬
‫الكلم‪.‬‬
‫وهو من بعد ذلك يبين فضل العلم بالشعر الذي هــو‬
‫ميدان التصوير‪ ،‬وفضل العلم بالنحو الذي هو أساس‬
‫م يدلف إلى بيان جــوهر البلغــة‪ ،‬فيقــرر أنــه‬
‫البناء‪ ،‬ث ّ‬
‫منذ خدم العلم نظر في كلم أهل العلم فــي معنــى‬
‫البلغة والفصاحة‪ ،‬فوجد كلمهم ضربين‪:‬‬
‫ج فيــه أصــحابه نهــج اليمــاء والرمــز‪ ،‬فهــو‬
‫الول‪ :‬ن َهَـ َ‬
‫ة إشارةٍ وإلحة‪.‬‬
‫يدلك على المعنى دلل َ‬
‫ج فيه أهله بيان الموطن دون دللــة علــى‬
‫والخر‪ :‬ن َهَ َ‬
‫))‬
‫الشيء نفسه؛ حثا ً على السعي إليه بنفســك‪ :‬ولــم‬
‫أزل منذ خدمت العلم‪ ،‬أنظر فيما قــاله العلمــاء فــي‬
‫معنى الفصاحة والبلغة والبيان والبراعة‪ ،‬وفي بيــان‬
‫المغــزى مــن هــذه العبــارات‪ ،‬وتفســير المــراد بهــا‪،‬‬
‫ض ذلــك كــالرمز واليمــاء والشــارة فــي‬
‫فـــأجد بع ـ َ‬
‫ن الخــبيء ليطلــب‪،‬‬
‫خفاء‪ ،‬وبع َ‬
‫ضه كالتنبيه علــى مكــا ِ‬
‫وموضِع الدفين ليبحث عنه‪ ،‬فيخرج‪ ،‬وكمــا يفتــح لــك‬
‫الطريق إلى المطلوب لتسلكه‪ ،‬وتوضع لك القاعــدة‬
‫لتبني عليها …(()‪ .(1‬فهم بين مشير يبعثك على إحالة‬
‫ل علـى مكـان الشـيء دون أن‬
‫التلميح تصـريحًا‪ ،‬ودا ٍ‬
‫يبينه لك تصريحا ً أو تلويحًا‪.‬‬
‫ثم بّين أنه قد انتهــى مــن النظــر فــي إشــارات مــن‬
‫شار و أومأ وألح‪ ،‬ومن النظر فيما د ّ‬
‫أ َ‬
‫ل على المكان‬
‫‪.‬الدلئل‪() 34 :‬‬

‫‪1‬‬

‫فبحـث فيـه‪ ،‬وانتهـى مـن ذلـك إلـى أمـر ذي شـأن؛‬
‫ن المعول عليــه فــي شــأن معنــى بلغــة‬
‫انتهى إلى أ ّ‬
‫ن ههنــا‪ :‬نظم ـا ً وترتيب ـا ً‬
‫الخطاب وفصاحته )أدبّيتــه( أ ّ‬
‫وتأليفا ً وتركيب ـًا‪ ،‬وأن ههنــا صــياغة وتصــويرا ً ونســجا ً‬
‫وتحبيرًا‪ .‬وانتهى إلى أن هــذه الخصــال الثمانيــة فــي‬
‫شأن الكلم سبيلها في شأن الصناعات‪ ،‬إل أنها فــي‬
‫الصناعات حقيقة‪ ،‬وفي الكلم مجاز‪ .‬فهي قائمة في‬
‫الصــناعات اليدويــة علــى ســبيل الحقيقــة الفعليــة‪،‬‬
‫ولكنها في الكلم على ســبيل المجــاز‪ ،‬وبرغـــم مــن‬
‫ن معيار المفاضلة بين هذه السمات الثمانيــة‬
‫ذلك فإ ّ‬
‫)‪(2‬‬
‫في الكلم هو هو عيارها في الصناعات ‪.‬‬
‫وأنت إذا ما نظرت في هذه الثمانية ترى أنهــا بــدأت‬
‫بالنظم وانتهت بالتحبير‪ ،‬وأن المام قد نســقها علــى‬
‫نحو لم يقع منه فــي أي مــوطن مــن كتــابه "دلئـــل‬
‫العجاز" ول غيره‪ ،‬وأنت إذا نظرت في نسقها رأيت‬
‫في توقيعها النغمي توازنًا؛ )نظــم وترتيــب(‪) ،‬تــأليف‬
‫وتركيب(‪)،‬صــياغة وتصــوير(‪) ،‬نســج وتحــبير(‪ .‬وهــذا‬
‫النســق تــرى فيــه تصــاعدا ً يشــير إلــى منــازل هــذه‬
‫السمـات من بلغة الخطاب‪ ،‬فمبــدأ بلغتـه‪ :‬النظـم‪،‬‬
‫ومنتهاها‪ :‬التحبير‪.‬‬
‫وهذه السمات الثمانيــة لبلغــة الكلم قســمان‪ ،‬كــل‬
‫قسم أربع سمات‪ ،‬وكل قسم ضربان‪:‬‬
‫القســم الول‪ :‬ســمات البنــاء‪ :‬النظــم والــترتيب‪،‬‬
‫والتــأليف والــتركيب‪ .‬فــالول والثــاني يمثلن درجــة‬
‫الجوار بين عناصر الكلم البليـــغ‪) :‬علقــة ظاهريــة(‪،‬‬
‫والثــالث والرابــع يمثلن درجــة الحــوار بيــن عناصــر‬
‫الكلم البليغ‪) :‬علقة باطنية( القسم الثاني‪ :‬ســمات‬
‫التصــوير‪ :‬الصــياغة والتصــوير‪ ،‬والنســج والتحــبير‪.‬‬
‫‪.‬انظر‪ :‬الدلئل‪() 35 :‬‬

‫‪2‬‬

‫فـــالول والثـــاني يمثلن درجـــة الســـبك )صـــناعة‬
‫المعـــادن( والرســم‪ ،‬والثــالث والرابــع يمثلن درجــة‬
‫الحبك )صناعة النسيج( والنقش‪.‬‬
‫البنـاء مبدؤه‪" :‬نظم"‪ ،‬ومنتهاه‪" :‬تركيب"‪ .‬والتصــوير‬
‫مبــدؤه‪" :‬صــياغة"‪ ،‬ومنتهــاه‪" :‬تحــبير"‪ .‬فالتناســق‬
‫التصــاعدي ظــاهر للعيــان فــي جمــع وتنفيــذ هــذه‬
‫السمات على هذا النحو فــي ذلــك الموضــع الفريــد‪،‬‬
‫الذي لم يتكرر مثله في أي موطن من كتبــه‪ .‬وهــذه‬
‫الســمات الثمانيــة جامعــة لمــا يعــرف بتمــام بلغــة‬
‫الخطاب‪ ،‬ولما به عمود بلغته‪ ،‬كما سيأتي‪.‬‬
‫ن هذا قائم في مقالة العلماء في‬
‫وهو إذ ْ يشير إلى أ ّ‬
‫بيان معنى البلغــة وجوهرهــا‪ ،‬وكــان حقــه أن يكــون‬
‫كافي ـًا‪ ،‬فــإنه يصــرح بــأنه قــد وجــده علــى خلف مــا‬
‫حسب‪ ،‬فما يزال كثير في حاجة حوجاء عظيمة إلــى‬
‫تفصيل وتبيين‪.‬‬
‫ن الجمال في تفسير الفصاحة غير كاف‬
‫وهو يؤكد أ ّ‬
‫في معرفتها‪ ،‬وغير مغن في العلــم بهــا الن‪ ،‬فشــأن‬
‫الفصاحة شأن الصناعات كلهــا‪ ،‬فكمــا أنــه ل يكفيــك‬
‫أن يقال لــك‪ :‬النســج هــو ترتيــب للغــزل علــى وجــه‬
‫م لطاقات البرسيم بعضها إلى بعض‬
‫مخصوص‪ ،‬وض ّ‬
‫ن ذلــك ل يوقفــك علــى حقيقــة‬
‫على طرق شتى‪ ،‬فإ ّ‬
‫النسج وطريقته‪ ،‬فالمر كمثله في شأن نظم الكلم‬
‫وبلغته)‪.(3‬‬
‫م قــرر المــام عبــد القــاهر ضــرورة المنهــج‬
‫ومــن ثـ ّ‬
‫التحليلي فــي شــأن العلــم بالبلغــة‪ ،‬فهــو مــن أكــثر‬
‫العلوم اقتضاء إلــى التفصــيل والتحليــل‪ ،‬فالبلغــة ل‬
‫يكفي ))أن تنصب لها قياس ـا ً مــا‪ ،‬وأن تصــفها وصــفا ً‬
‫ل‪ ،‬وتقول فيها قول ً مرس ً‬
‫مجم ً‬
‫ل‪ ،‬بل ل تكون معرفتها‬
‫‪.‬انظر‪ :‬الدلئل‪() 36 :‬‬

‫‪3‬‬

‫صــل‪ ،‬وتضــع اليــد‬
‫صــل القــول وتح ّ‬
‫في شيء حتى تف ّ‬
‫على الخصائص التي تعرض في نظم الكلم‪ ،‬وتعــدها‬
‫واحدة واحدة‪ ،‬وتسميها شيئا ً شيئًا‪ ،‬وتكــون معرفتــك‬
‫صن َِع الحاذق‪ ،‬الذي يعلم علم كل خيط مــن‬
‫معرفة ال ّ‬
‫البرسيم الذي في الديباج‪ ،‬وكل قطعــة مــن القطــع‬
‫المنجورة في الباب المق ّ‬
‫ج ـّر‬
‫ج ـّرة مــن ال ُ‬
‫طع‪ ،‬وكل آ ُ‬
‫الذي في البناء البديع((‪.‬‬
‫ويقول في موطن آخر‪)) :‬واعلم أنك ل تشفي العلــة‪،‬‬
‫ح ـد ّ العلــم‬
‫ول تنتهي إلى ثلـج اليقيــن‪ ،‬حــتى تتجــاوز َ‬
‫بالشيء مجمل ً إلى العلم به مفص ً‬
‫ل‪ ،‬وحتى ل يقنعــك‬
‫إل النظر فــي زوايــاه والتغلغـــل فــي مكــانه‪ ،‬وحــتى‬
‫تكون كمن تتبع الماء حتى عرف منبعه‪ ،‬وانتهى فــي‬
‫البحث عــن جــوهر العــود الــذي يصنـــع فيــه إلــى أن‬
‫يعرف منبته‪ ،‬ومجرى عروق الشجر الذي هــو فيــه((‪.‬‬
‫وتحقيــق ذلــك التفصــيل مقتــض صــبرا ً جميل ً علــى‬
‫الّتأمل‪ ،‬وإدمانا ً حميدا ً على التدبر‪ ،‬فإن المطمح نبيل‬
‫والمستشرف جميل‪.‬‬
‫وهــو إذ ْ قــرر فريضــة المنهــج التحليلــي فــي النظــر‬
‫ي‪ ،‬يقـــرر معـــه فريضـــة التأويـــل‬
‫البلغـــي والنقـــد ّ‬
‫الموضــوعي للســمات البيانيــة للخطــاب‪ ،‬ول يقنــع‬
‫بــالتعليلت والتوجيهــات النطباعيــة الذاتيــة الــتي‬
‫ل تتولــد مــن رؤيــة موضــوعية لمقومــات فصــاحة‬
‫الخطاب‪ .‬يقول‪)) :‬وجملة ما أردت أن أبينـه لـك‪ :‬أنـه‬
‫لبد لكــل كلم تستحســنه‪ ،‬ولفــظ تســتجيده مــن أن‬
‫يكون لستحسانك ذلك جهة معلومة وعلــة معقولــة‪،‬‬
‫وأن يكون لنا إلــى العبــارة عــن ذلــك ســبيل‪ ،‬وعلــى‬
‫صحة ما ادعيناه من ذلك دليل(((‪.‬‬
‫وهو في تقريره فريضة التأويل الموضــوعي والبانــة‬
‫عن العلل يعلم أنه ما كل واحد بالقادر علــى الوفــاء‬

‫بتمام ذلك‪ ،‬وهذا ل يدعـو إلى أن يترك النظــر كليـــة‬
‫لعدم الوفاء بالتمام‪)) :‬واعلم أنه ليـس إذا لــم تمكـن‬
‫معرفــة الكــل وجــب تــرك النظـــر فــي الكــل‪ ،‬وأن‬
‫تعرف العلة والسبب فيما يمكنك معرفــة ذلـك فيــه‪،‬‬
‫وإن ق ّ‬
‫ل‪ ،‬فتجعله شاهدا ً فيما لم تعــرف‪ ،‬أحــرى مــن‬
‫سد ّ بــاب المعرفــة علــى نفســك وتأخذهـــا عــن‬
‫أن ت ُ‬
‫((‬
‫الفهـم والتفهم وتعودها الكسل والهوينـا‬
‫موضوعية التأويل والتذوق تصاحبها ــ عنــد المــام ــ‬
‫قابليتها للبانة عن ثمارهــا إبانــة تهــدي إلــى مــواطن‬
‫الجمال وأسبابه‪.‬‬
‫كأني بالمام عبد القاهر ناظر بعين ناقدة إلى مقالة‬
‫"المدي" في "الموازنة"‪ ،‬ومقالة القاضي الجرجاني‬
‫في "الوساطة" في شأن مواقع الكلم في النفــس‪،‬‬
‫وأن مــن الحســن مــال تمكــن البانــة عــن أســبابه‬
‫ومعــالمه‪ .‬يقــول المــدي‪)) :‬أل تــرى أن ّــه قــد يكــون‬
‫فرسان سليمين من كل عيب‪ ،‬موجــود فيهمــا ســائر‬
‫علمــات العتــق والجــودة والنجابــة‪ ،‬ويكــون أحــدهما‬
‫أفضــل مــن الخــر بفــرق ل يعلمــه إل ّ أهــل الخــبرة‬
‫والدربة الطويلــة‪ ،‬وكــذلك الجاريتــان البارعتــان فــي‬
‫الجمال المتقاربتان في الوصف السليمتان مــن كــل‬
‫عيب‪ ،‬قـد يفـرق بينهمـا العـالم بـأمر الرقيـق‪ ،‬حـتى‬
‫يجعل بينهما فــي الثمــن فضـل ً كــبيرًا‪ ،‬فــإذا قيــل لــه‬
‫وللنخاس‪ :‬من أين فضــلت أنــت هــذه الجاريــة علــى‬
‫أختهـــا؟ ومــن أيـن فضــلت أنــت هــذا الفــرس علــى‬
‫صاحبه؟ لم يقدر على عبــارة توضــح الفــرق بينهمــا‪،‬‬
‫وإنما يعرفه كل واحــد بطبعــه وكــثرة دربتــه وطــول‬
‫ملبسته‪ .‬فكذلك الشعر قد يتقارب البيتــان الجيــدان‬
‫النــادران‪ ،‬فيعلــم أهــل العلــم لصــناعة الشــعر أيهمــا‬
‫أجود إن كان معناهما واحدا ً وأيهما أجود فــي معنــاه‬
‫إن كان معناه مختلفا ً((‪.‬‬

‫وكمثله يذهب القاضي إلــى أنــه قــد تكــون صــورتان‬
‫حسيتان استوفت إحداهما أوصاف الكمال‪ ،‬والخرى‬
‫مــن دونهــا فــي انتظــام المحاســن وهــي أحظــى‬
‫بالحلوة‪ ،‬وأعلق بالنفس‪)) ،‬ثــم ل تعلــم وإن قايســت‬
‫واعتبرت ونظرت وفكـرت لهـذه المزيـة سـببا ً ولمـا‬
‫خصــت بــه مقتضــيا ً … كــذلك الكلم ‪ ...‬تجــد منــه‬
‫المحكم الوثيق ‪ ...‬قد هُ ّ‬
‫ذب كل التهذيب ‪ ...‬ثــم تجــد‬
‫لفؤادك عنه نبوة((‪.‬‬
‫ن معــالم الحســن فــي البيــان‬
‫الذي هو أبين عنــدي أ ّ‬
‫درجات‪ :‬منها ما يبلغ شأنا ً ل تكاد اللسنة قادرة على‬
‫الفصاح عن سببه؛ لعلو قــدره وســمو شــرفه‪ ،‬فهــو‬
‫مما يتبينه القلب ول يجد اللسان قدرة على اليضاح‬
‫عن تلك الدرجة من الحســن والجمــال‪ ،‬أمــا مــادون‬
‫ذلك فإنها غير مستعصية على التعليل والتبيين معــًا‪.‬‬
‫وأنــت إذا مــا كشــفت أسبــــاب كــثير مــن درجـــات‬
‫الحســـن‪ ،‬وبقيــت منــه درجــة لشــرفها وســموها ل‬
‫يطــاق الفصــاح عنهــا‪ ،‬فليــس ذلــك مــن التــذوق‬
‫النطباعي في شيء‪.‬‬
‫والمام عبد القاهر نفسـه يقــع تحــت ســلطان هــذا‪،‬‬
‫فهو ل يعلل أحيانا ً ول يبين عن العلة‪ ،‬وأحيانــا ً يحيلنــا‬
‫على ما نجــد فــي أنفســنا مـن غيــر أن يضــع يــده أو‬
‫أيدينا على معـــالم الحســـن وأسبابـــه‪ ،‬وهــذا ظــاهر‬
‫لمن يتلو كتابيه "الدلئل" و"السرار"‪.‬‬
‫المهم أن المام عبد القاهر بنى منهجه في الوقوف‬
‫على ما به تمام بلغة الخطــاب وفصاحتــــه )أدبيتــه‪/‬‬
‫شعريته(‪ ،‬وما به عمـود تلـك البلغـة‪ ،‬علـى التحليـل‬
‫والتفصــيل‪ ،‬وعلــى التــذوق والتأويــل الموضــوعي‪،‬‬
‫والتحاشــي مــن النطبــاع الــذاتي غيــر القــائم علــى‬
‫معرفة موضوعية‪.‬‬

‫وإذا ما كان المام قد نسق ســمات بلغــة الخطــاب‬
‫وفصاحته‪ ،‬كما رآهــا فــي مقالــة العلمــاء فــي معنــى‬
‫البلغة والفصاحة نســقا ً جامع ـا ً بيــن مــا هــو محقــق‬
‫ده‪ ،‬ولم يرتض الوقــوف‬
‫مها وعمو َ‬
‫لبلغة الخطاب تما َ‬
‫عنــد البيــان الخفــي المجمــل‪ ،‬ودعــا إلــى التفصــيل‬
‫والتــبيين فــي المريــن مع ـًا؛ فــإنه قــد بــدأ بتفصــيل‬
‫مقومــات بلغــة الخطــاب‪ ،‬وتــبيين الطريــق إلــى‬
‫تحقيقها‪.‬‬
‫مقومات بلغة الخطاب وفصاحته‪:‬‬
‫يقــول المــام‪)) :‬ومــن المعلــوم أنــه ل معنــى لهــذه‬
‫العبــارات ]معنــى البلغــة والفصــاحة …[ وســائر‬
‫مــا يجــري مجراهــا ممــا يفــرد فيــه اللفــظ بــالنعت‬
‫والصــفة‪ ،‬وينســب فيــه الفضــل والمزيــة إليــه دون‬
‫المعنى)‪ ،(4‬غيُر وصف الكلم بحسن الدللة وتمامهــا‪،‬‬
‫)‪(5‬‬
‫جهــا فــي صـورة هــي‬
‫فيما له كــانت ِدللـ ً‬
‫ة ‪ ،‬ثــم تبر ِ‬
‫أبهى وأزين وآنق وأعجب‪ ،‬وأحقّ بأن تســتولي علــى‬
‫هوى النفس‪ ،‬وتنال الحظ الوفر مـن ميــل القلــوب‪،‬‬
‫وأولــى بــأن تطلــق لســان الحامــد‪ ،‬وتطيــل َر ْ‬
‫غــم‬
‫الحاسد(()‪.(6‬‬
‫فهــذه خصــال ثلث لتمــام بلغــة الخطــاب‪ ،‬هــي لــه‬
‫مقومات كلية‪ ،‬وهي كما تــرى متعلقــة بالدللــة‪ ،‬أي‪:‬‬
‫دللة الكلم على معناه‪ ،‬وليست متعلقة في المقــام‬
‫الول باللفاظ من حيث هــي‪ ،‬وبالمعــاني مــن حيــث‬
‫هي‪.‬‬
‫ثــم أتبــع المــام ذلــك البيــان لخصــال تمــام بلغــة‬
‫الخطاب ببيان الطريق إلى تحقيقها بقوله‪)) :‬ول جهة‬
‫ي المعنـى مـن‬
‫لستعمال هــذه الخصـال غيــر أن تـأت َ‬
‫ور )المواد الولية للصياغة )(‬
‫‪).‬يريد بالمعنى‪ :‬المعنى غير المص ّ‬
‫‪.‬أي‪ :‬وتمامها في ما له كانت اللفاظ ذات دللة ماجدة )(‬
‫‪6‬‬
‫‪.‬الدلئل‪() 43 :‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫الجهة التي هي أصح لتأديته‪ ،‬وتختاَر له اللفــظ الــذي‬
‫هو أخص به‪ ،‬وأكشــف عنــه‪ ،‬وأتــم لــه‪ ،‬وأحــرى بــأن‬
‫يكسبه نبل ً ويظهر فيه مزية(()‪.(7‬‬
‫فـــالطريق جـــامع بيـــن عنصـــري الكلم )الـــدال‪،‬‬
‫والمدلول(؛ فالمدلول‪ /‬المعنى له طريق يأتيه البليــغ‬
‫ن المــام يشــير‬
‫منه }وأتوا البيوت من أبوابها{‪ ،‬وكــأ ّ‬
‫إلى أن ثقافة البليغ بكثرة الرواية والتبصــر لطــرائق‬
‫الئمــة فــي البــداع إلــى معــانيهم‪ ،‬والوقــوف علــى‬
‫مــذاهبهم إلــى مراداتهــم هــو المهيــع الملحــب إلــى‬
‫الوصول إلى المعنى‪ ،‬الذي يــراد تصــويره وتوصــيله‪،‬‬
‫ولــول ســلوك تلــك المــذاهب المطرفــة مــن الئمــة‬
‫المبدعين‪ ،‬لما تحقق بين الديــب والمتلقــي تواصــل‬
‫ولما أمكن المتلقي أن يستدل بملفوظ الديب علــى‬
‫مكنونه‪.‬‬
‫والــدال‪ /‬اللفــظ ل بــد أن يتــم اختيــاره علــى أســس‬
‫خمسة‪:‬‬
‫ص بمعنــاه‪ ،‬فليــس هنالــك‬
‫• أن يكــون أخ ـ ّ‬
‫لفظ يقوم مقام لفــظ آخــر هــو بــه أخــص‪،‬‬
‫فالبيــان الدبــي ل يعــرف الــترادف‪ ،‬بـل ول‬
‫يعرف التواطؤ‪.‬‬
‫• وأن يكــون اللفــظ أكشــف عــن معنــاه‪،‬‬
‫بحيــث ل يســتبقي مــن خبيــات معنــاه مــال‬
‫يمكن للشعة أن تبلغه‪.‬‬
‫• وأن يكــون اللفــظ أتــم للمعنــى بحيــث‬
‫يحيــط بكــل دقــائقه ورقــائقه وشــوارده‬
‫وأوابده‪ ،‬فل يحتاج الديب إلى غيــر اللفـــظ‬
‫يتمم به معنــاه من عجز في اللفــظ الــذي‬
‫‪.‬الموضع السابق )(‬

‫‪7‬‬

‫اختار‪ ،‬ومــن ثــم فليــس كــل لفــظ بالقــدير‬
‫على اليفاء بحق المعنى المراد‪.‬‬
‫• وأن يكــون اللفــظ أحــرى بــأن يكســب‬
‫المعنــى نبل ً ل يكــون لــه إذا لــم يكــن هــو‬
‫المعبر عنه‪ ،‬والدال عليه‪ ،‬فكأن فــي بعــض‬
‫اللفاظ من العطاء الزائد للمعاني ما ليس‬
‫لبعضها‪ ،‬إما بجرسها أو صيغتها أو موقعها‪.‬‬
‫• وأن يكون اللفظ أحــرى بــأن ُيظهــر فــي‬
‫المعنى مزية خبيئة ل تظهر بغيره‪.‬‬
‫وكأن الساس الخامس )يظهر فيـه مزيـة( متجـاوب‬
‫مع الساس الثاني )وأكشف له(‪ ،‬والســاس الرابــع‪:‬‬
‫)أن يكسبه نب ً‬
‫ل( متجاوب مع الساس الثــالث )وأتــم‬
‫له()‪.(8‬‬
‫وهنــا يقــذف الســؤال‪ :‬أيّ العنصــرين منــاط بلغــة‬
‫الخطاب؟ لفظه أم معناه؟ وهــذا مــا كــان مطروحـا ً‬
‫عند بعض النقاد بقضية اللفــظ والمعنــى إلــى أيهمــا‬
‫تكون الف‬
‫قضية اللفظ والمعنى‪:‬‬
‫تعـد قضــية اللفـظ والمعنــى وأيهمـا منـاط الفضـيلة‬
‫والعلقة بينهما في البداع الدبي مــن أكــثر القضــايا‬
‫حضورا ً في نقدنا العربــي قــديما ً وحــديثًا‪ ،‬ولــم يلتــق‬
‫النقاد القــدمون والمحــدثون علــى نحــو واحــد فيهــا‬
‫على الرغم من احتدام الحوار حولها‪.‬‬
‫والعثور على الكلمة الولــى الــتي ألقيــت فــي تربــة‬
‫هذه القضية وأنبتت تلك الشــجرة المعمــرة عســيرا ً‬
‫أمره‪ ،‬فليس بملكي أن أحدد صاحب الكلمـة الولـى‬
‫فيها‪ ،‬ولكنك تجد مقالت لنقاد في عصور سابقة‪.‬‬
‫لمزيد من الوعي بتلك المقومات والطريق إلى تحقيقها راجع ما جاد به علينا )(‬
‫‪".‬شيخي أبو موسى في كتابه "مدخل إلى كتابي عبد القاهر‬

‫‪8‬‬

‫ولعلها ظهرت وأسفرت في أوائل عصر التدوين في‬
‫القرن الثاني الهجري حيث ترى العتابي‪ :‬كلثــوم بــن‬
‫عمــرو )ت‪208 :‬هـــ( يــذهب إلــى أن اللفــظ جســم‬
‫وروحه المعنى‪ ،‬وجاء مثل هذا عمــن يعــرف بــإخوان‬
‫الصــفا فــي رســائلهم )‪ (3/109‬ول نعــرف زمــان‬
‫ظهورهم‪ .‬وقد أخذ بما جاء عن العتابي جماعــة مــن‬
‫النقــاد‪ ،‬ورددوا عبــارته‪ ،‬علــى نحــو مــا نــراه عنــد‬
‫العســكري فــي "الصــناعتين"‪ ،‬وابــن رشــيق فــي‬
‫"العمدة"‪.‬‬
‫وإذا ما جئنا إلى علـم مـن أعلم هـذه القضـية‪ :‬أبـي‬
‫عثمان عمرو بن بحر الجاحظ )‪ 255 -159‬هـ( وكان‬
‫عصريّ العتــابي‪ ،‬ونقــل عنــه بعــض آرائه‪ ،‬فإننــا نجــد‬
‫الجاحظ يروي مشهدا ً رآه يوم الجمعة في المسجد‪،‬‬
‫رأى أبــا عمــرو الشــيباني الراويــة قــد ســمع قــول‬
‫الشاعر‪:‬‬
‫فإنمــا‬
‫ن المــوت مــوت البلــى‬
‫ل تحســب ّ‬
‫الموت سؤال الرجـال‬
‫أشـد ّ مــن‬
‫ن ذا‬
‫كلهــما موت ولكـ ّ‬
‫ذاك على كل حال‬
‫فاستجادهما أبو عمرو‪ ،‬وبلغ من اســتجادتهما ــ وهــو‬
‫ن كلف رجل ً حــتى أحضــر قرطاس ـا ً ودواة‬
‫الراوية ـ أ ْ‬
‫فكتبهما‪.‬‬
‫يقول الجاحظ معّلقا ً على صنيع أبي عمرو ومــا أثــار‬
‫ن‬
‫عنايته ورغبته في الحفــظ والتــذكر‪)) :‬وأنــا أزعــم أ ّ‬
‫صاحب هذين البيتين ل يقــول شــعرا ً أبــدًا‪ ،‬ولــول أن‬
‫أدخل في الحكومــة بعــض )الغيــب‪ /‬الفتــك‪ /‬العيــب(‬
‫لزعمت أن ابنه ل يقول الشعر أبدا ً(()‪.(9‬‬
‫‪.‬الحيوان‪() 3/130 :‬‬

‫‪9‬‬

‫))‬
‫ن أبنــاء‬
‫يأ ّ‬
‫وفي موطن آخر يقــول‪ :‬وربمــا خيــل إلـ ّ‬
‫أولئك الشعراء ل يستطيعون أبــدا ً أن يقولــوا شــعرا ً‬
‫جيدًا؛ لما كان أعراقهم من أولئك الباء(()‪.(10‬‬
‫ثــم ذهــب يقــول‪)) :‬وذهــب الشــيخ )أي‪ :‬أبــو عمــرو‬
‫الشيباني( إلــى استحســان المعــاني )أي‪ :‬الــتي فــي‬
‫هذين البيتين(‪ .‬والمعاني )أي‪ :‬التي من هذا القبيــل(‬
‫مطروحــة فــي الطريــق يعرفهــا العجمــي والعربــي‬
‫والقروي والبدوي‪ ،‬وإنمــا الشــأن فــي إقامــة الــوزن‬
‫وتخير اللفظ وسهولة المخرج وصــحة الطبــع وكــثرة‬
‫الماء وجودة الســبك‪ ،‬وإنمــا الشــعر صــياغة وضــرب‬
‫من النسج وجنس من التصوير((‪.‬‬
‫هــذا المشــهد بســياقه ـ ـ الــذي يجــب أل ّ يفهــم كلم‬
‫الجاحظ مقصــوما ً عنــه ــ يهــدي إلــى أن أبــا عثمــان‬
‫الجاحظ إنما أنكر على أبي عمرو استحســانه هــذين‬
‫البيــتين لمعناهمــا‪ ،‬ومعناهمــا وإن كــان فــي منطــق‬
‫الفضل صحيحا ً غير منقوض‪ ،‬لكنه ليس هو بــالمعنى‬
‫الذي أنت غير واجده إل في الشعر‪ ،‬هو معنــى قــائم‬
‫حاضــر فــي غيــر الشــعر‪ ،‬ليــس لــه خصوصــية بفــن‬
‫الشعر حتى يحفظ هذا الشعر ويقيد من أجله‪ ،‬فــإنه‬
‫إذا ما ضاع منك الشعر فلن يضيع منك ذلك المعنــى‬
‫الذي أنت مقيد الشعر من أجله‪ ،‬إنه معنــى مطــروح‬
‫في الطريق‪ ،‬بخلف ما أنت واجــده فــي مثــل قــول‬
‫عنترة‪:‬‬
‫غــردا ً كفعــل‬
‫وخل الــذباب بهــا‪ ،‬فليــس ببـــارح‬
‫الشـارب المترّنم‬
‫قدح المكــب علــى‬
‫هزجا ً يحك ذراعـــه بذراعه‬
‫الزناد الجذم‬

‫‪.‬البيان والتبيين‪() 4/24 :‬‬

‫‪10‬‬

‫فإنك إن لم تقيده لم تجــده فــي غيــره‪ ،‬فهــو معنــى‬
‫مختص بمثل هذا ل تجده في غير فن الشــعر‪ ،‬بــل ل‬
‫تجده إل في هذا الذي قاله عنترة‪.‬‬
‫فقول الجاحظ "إنما المعاني مطروحة في الطريق"‬
‫يحســـن أل ّ تحمـــل "اللم" فـــي "المعـــاني" علـــى‬
‫الستغراق فتشــمل كافــة المعــاني‪ ،‬فهــذه ل يقولهــا‬
‫طالب علم‪ ،‬بله الجاحظ‪ ،‬ولسيما أنه قــد جــاء علــى‬
‫لســانه مــا يــؤذن بعنــايته بــالمعنى الشــعري‪ ،‬أعنــي‬
‫المعنى الذي أنــت غيــر آخــذه إل مــن الشــعر‪ ،‬تــراه‬
‫ن المتكلم ل يكون بليغا ً حتى يعطي اللفــظ‬
‫يقول‪)) :‬إ ّ‬
‫حقه في البيان‪ ،‬ويحقق اللفــظ مــن المعنــى‪ ،‬ويضــع‬
‫جميعها مواضعها((‪.‬‬
‫ومــن أهــل العلــم مــن يــذهب إلــى أن المعــاني‬
‫المطروحة هي المعاني الكليــة أو الغــراض العامــة‪،‬‬
‫ومنهم مــن يــذهب إلــى أنهــا المعــاني الخاصــة غيــر‬
‫المصورة‪.‬‬
‫ونجــد عبــد القــاهر فــي معــرض نقضــه اســتدلل‬
‫اللفظيين بوصف أهل العلم اللفــظ بصــفات البلغــة‬
‫يقول‪ …)) :‬ولما أقروا هذا في نفوســهم حملــوا كلم‬
‫العلماء في كل ما نسبوا فيه الفضيلة إلى "اللفــظ"‬
‫على ظاهره‪ ،‬وأبــوا أن ينظــروا فــي الوصــاف الــتي‬
‫ة إلى "اللفــظ" مثــل قــولهم‪:‬‬
‫أتبعوها نسبتهم الفضيل َ‬
‫ب بـه موضـعه" …‬
‫"لفـظ متمكـن غيـر قلـق‪ ،‬ول نـا ٍ‬
‫فيعلمــوا أنهــم لــم يوجبــوا للفــظ مــا أوجبــوه مــن‬
‫الفضــيلة‪ ،‬وهــم يعنــون نطــق اللســان وأجــراس‬
‫الحــروف‪ ،‬ولكــن جعلـوا كالمواضــعة فيمــا بينهــم أن‬
‫يقولوا "اللفظ"‪ ،‬وهم يريدون الصــورة الــتي تحــدث‬
‫ة التي حدثت فيه‪ ،‬ويعنون الذي‬
‫في المعنى‪ ،‬والخاص َ‬
‫عنــاه الجــاحظ حيــث قــال‪" :‬وذهــب الشــيخ إلــى‬

‫استحســان المعــاني‪ ،‬والمعــاني مطروحــة وســط‬
‫الطريـــق‪ ،‬يعرفهـــا العربـــي والعجمـــي والحضـــري‬
‫ي‪ ،‬وإنما الشعر صياغة وضرب من التصــوير"‪.‬‬
‫والبدو ّ‬
‫ومــا يعنــونه إذا قــالوا‪" :‬إنــه يأخــذ الحــديث فيشـّنفه‬
‫عباءة‬
‫خَرَزة فيرده جوهرة‪ ،‬و َ‬
‫ويقّرطه‪ ،‬ويأخذ المعنى َ‬
‫ً (()‪(11‬‬
‫‪.‬‬
‫فيجعلــه ديباجــة‪ ،‬ويأخــذه عــاطل ً فيــرده حاليـا"‬
‫فهذا دال على أن المعنى المطروح هو غير مصــور‪،‬‬
‫فكل معنى ل يتولد من الصياغة والتصــوير الشــعري‬
‫هو معنى مطروح في الطريق تجده في غير الشعر‪.‬‬
‫الجاحظ ل يستهين بالمعاني من حيث هي‪ ،‬ولكنــه ل‬
‫يرى أن يستحسن الشعر لمعنى ليس خاصا ً به‪ ،‬أي‪:‬‬
‫معنى يمكن أن يكون في غيره‪ ،‬إّنه يج ّ‬
‫ل الشعر عن‬
‫أن يشارك غيره في العناية بما يقوم به غيــره‪ ،‬فــإذا‬
‫ما رأيت شعرا ً ل ُيستحسن إل لمعنــى‪ ،‬ورأيــت ذلــك‬
‫المعنــى يكــون فــي غيــر الشــعر فل قيمــة لــذلك‬
‫الستحســان‪ .‬فالستحسـان لشـعر مـن أجــل معنـاه‬
‫حمــه‪ ،‬فــذلك هــو الستحســان‬
‫الذي ل يتولد إل من ر ِ‬
‫الذي يعتد به وبمن صدر عنه‪.‬‬
‫القضية أن الجاحظ يــأبى علينــا أن نستحســن شــيئا ً‬
‫لمر ليس هو خاص به‪ ،‬فمناط استحسان كل شــيء‬
‫إنما مـا كـان بـه خاصـًا‪ ،‬أمـا مـا شـاركه فيـه غيـره‪،‬‬
‫ن من أجلــه فــذلك قبــح فــي الستحســان‪،‬‬
‫ح ِ‬
‫واست ُ ْ‬
‫س َ‬
‫وإن كان الذي استحسنته في ذلك الشــيء هــو فــي‬
‫نفسه حسنًا‪.‬‬
‫أيمكن لحد أن يصم الجاحظ بأنه يهمل المعنى وأنه‬
‫زعيـم مدرسـة اللفظييـن)‪ ،(12‬وهـو الـذي يـؤذن فينـا‬
‫بقوله‪)) :‬إذا كان المعنى شريفا ً واللفظ بليغــًا‪ ،‬وكــان‬
‫صــحيح الطبــع‪ ،‬بعيــدا ً مــن الســتكراه‪ ،‬ومنّزه ـا ً عــن‬
‫‪.‬دلئل العجاز‪() 482 :‬‬
‫‪.‬؟؟؟؟؟ انظر ص ‪ 8‬من الصل )(‬

‫‪11‬‬
‫‪12‬‬

‫الختلل‪ ،‬مصــونا ً عــن التكليــف‪ ،‬صــنع فــي القلــوب‬
‫صنيع الغيث في التربة الكريمة(()‪.(13‬‬
‫أل تسمعه وقد جعل من روافــد الستحســان شــرف‬
‫المعنى‪ ،‬وشرف المعنى يعني به بلوغ المعنى ذروته‬
‫في بابه‪ ،‬أي ليــس ممــا هــو فــي الــدرك الســفل أو‬
‫الذي على طرف التمام‪ ،‬وكل معنــى مــن المعــاني‪،‬‬
‫منه ما هو شريف عزيز ل ُينال من كل طامع‪ ،‬ومنــه‬
‫ن قريب‪ .‬فالشرف هنا هو علو منـــزلة فــي‬
‫ما هو دا ٍ‬
‫جنسه‪ ،‬وليس لنه من جنس ما مــن المعــاني‪ ،‬وهــو‬
‫شرف منـزلة ل شرف جنس ونوع‪ ،‬فالذين يحسبون‬
‫ن النقاد حين يقولون بالمعاني الشريفة يريدون بها‬
‫أ ّ‬
‫ما كان من معاني ذوي الحسب والمكانــة مــن أهــل‬
‫البيان العــالي‪ ،‬لــم يكــن حســبانهم مصــيبًا‪ .‬المعــاني‬
‫الشريفة هي ما قابل المعاني الدانية القريبــة‪ ،‬وهــي‬
‫في بـاب معـاني الشـعر‪ :‬المعــاني الجمهوريــة الــتي‬
‫تلمسها أنامل العامة والدهماء‪ ،‬وتعيث بها عقــولهم‪.‬‬
‫المعنى الذي تجــده فــي بيــتي عنــترة اللــذين ســبق‬
‫إيرادهما هو معنى جد شريف؛ لعلــو منزلتــه‪ ،‬وبعــده‬
‫عن أنامل العامة وعقولهم إبداعا ً وفقهًا‪.‬‬
‫واستمع في هذا ـ إن شئت ـ مقالة أبي تمام‪:‬‬
‫إليـــــ َ‬
‫ج ٌ‬
‫ل وحــادي‬
‫ت أبكـــــاَر‬
‫يليها سائقٌ ع َ ِ‬
‫ك ب َعَث ْـــــ ُ‬
‫المعــــــــــــــــــــــــاني‬
‫هـــــــواديَ للجمـــــــاجم‬
‫جوائَر عــن ذ ُن َــاَبى القــوم‬
‫والهــــــــــــــــــــــوادي‬
‫حيـــــــــــــــــــــــــــرى‬
‫مـــــن القـــــواِء فيهـــــا‬
‫ة‬
‫ســـر سالمــــ َ‬
‫شـــداد َ ال ْ‬
‫سنــــــــــــــــــــــــاد‬
‫ـــــــــــــــــــــــواحي‬
‫النـ‬
‫وال ّ‬
‫ن فِ ْ‬
‫يذ ّل ُّلها بذكر َ‬
‫س فــي‬
‫ر‬
‫إذا َ‬
‫ك قْر ُ‬
‫ت فت َ ْ‬
‫حَرن َـ ْ‬
‫س ـل َ ُ‬
‫كــ ٍ‬
‫القيـــــــــــــــــــــــــــاد‬
‫وفـــي نظـــم القــــوافي‬
‫ح‬
‫لها فــي الهــاجس الق ـد ْ ُ‬
‫مـــــــــــــــــــــــــاد‬
‫المعّلـــــــــــــــــــــــــى‬
‫والعِ َ‬
‫‪.‬البيان والتبيين‪() 1/83 :‬‬

‫‪13‬‬

‫واســمعه يشــدو بمدحــة أبــي الحســين محمــد بــن‬
‫الهيثم‪:‬‬
‫وإن كـــان لـــي طوعـــا ً‬
‫سأجهد حتى أبلغ الشعر‬
‫ولســــــــت بجاهــــــــد‬
‫شــــــــــــــــــــــــــأوه‬
‫عدوك فاعلم أننــي غيــر‬
‫دك عنــي‬
‫فإن أنا لم يحم ْ‬
‫ً‬
‫حامـــــــــــــــــــــــــــد‬
‫صــــــــــــــــــــــــاغرا‬
‫وتنقــاد فــي الفــاق مــن‬
‫بسياحة تنساق من غيــر‬
‫غيـــــــــــر قـــــــــــائد‬
‫ســــــــــــــــــــــــــائق‬
‫لهــــا موضــــحات فــــي‬
‫جلق تخطوهـــا الليـــالي‬
‫رؤوس الجلمـــــــــــــد‬
‫ن بـــــــــــــــــــــدت‬
‫وإ ْ‬
‫دت عزوبا ً مـن قلـوب‬
‫إذا شــــــردت ســــــلت‬
‫ور ّ‬
‫شـــــــــــــــــــــــــوارد‬
‫ســــــــخيمة شــــــــانئ‬
‫أقــارب دنيــا مــن رجــال‬
‫أفادت صديقا مــن عــدو‬
‫ــــــــــــــــــــــــــد‬
‫أباعـ‬
‫وغــــــــــــــــــــــادرت‬
‫إلى كل أفق وافــدا ً غيــر‬
‫مجنبة ما إن تــزال تــرى‬
‫وافـــــــــــــــــــــــــــد‬
‫لهــــــــــــــــــــــــــــــا‬
‫ومحلقــة لمــا تــرد أ ْ‬
‫فتصـــدر إل عـــن يميـــن‬
‫ذن‬
‫وشــــــــــــــــــــــــاهد‬
‫ســــــــــــــــــــــــــامع‬
‫ذلك هو المعنى الشريف الذي يشرف ـ يبعد ـــ عــن‬
‫ن تلمسه أيدي العامة‪ .‬واسمعه إن شئت قائ ً‬
‫ل‪:‬‬
‫أ ْ‬
‫في قدح نـــار المجد مثل‬
‫ســـل مخـــبرات الشـــعر‬
‫زنــــــــــــــــــــــــــــادي‬
‫عنــــــي هــــــل بلــــــت‬
‫قها إليــــه‬
‫ســـبقت ســـواب َ‬
‫لم أبق حلبــة منطـق إل‬
‫جيـــــــــــــــــــــــــــادي‬
‫وقـــــــــــــــــــــــــــــد‬
‫أبقــى مــن الطــواق فــي‬
‫أبقين في أعناق جـــودك‬
‫جـــــــــــــــــــــــــوهرا ً‬
‫الجيـــــــــــــــــــــــــــاد‬
‫وحديث "حبيب" عن شعره وصنعته جدير بأن يكــون‬
‫مناط دراسة تحليلية ناقدة‪ ،‬فهو في ظني مــن أبــدع‬
‫وأمتــع مــن تكلــم عــن شــعره وصــنعته‪ .‬وأظــن أن‬
‫الوقوف عليه أولى من الوقوف علــى مقالــة النقــاد‬
‫في شعره وحدها‪.‬‬
‫و "حبيب" ليــس وحــده الــذي عنــي بــذلك‪ ،‬فتلميــذه‬
‫"الوليد" معني بذلك‪ ،‬يقول البحتري‪:‬‬

‫ولم يدر مــا مقــدار حلــي‬
‫ب هذا الدهر لم يــر‬
‫أيذه ُ‬
‫ول عقــــــــــــــــــــــدي‬
‫موضــــــــــــــــــــــعي‬
‫يبيـــع ثمينــات المكـــارم‬
‫ويكد مثلــي وهـــو تاجـــر‬
‫والحمـــــــــــــــــــــــــد‬
‫ســــــــــــــــــــــــــؤدد‬
‫من قبلــي وأتعبــن‬
‫تعلقن‬
‫سوائر شعر جـــامع بــرد‬
‫َ‬
‫مـــــــــــن بعـــــــــــدي‬
‫الـعـــــــــــــــــــــــــــل‬
‫َ‬
‫لحكـامها تقدير داود فــي‬
‫يقــــدر فيهـــــا صـــــانع‬
‫الســــــــــــــــــــــــــرد‬
‫متعـمـــــــــــــــــــــــل‬
‫المهم أن المعنى الشريف الذي هو الرافــد المقــدم‬
‫للشعر البديع عند الجاحظ‪ ،‬هو ذلك المعنـى المتولـد‬
‫من الصياغة البعيدة عن أيــدي العامــة وعــن عقــول‬
‫الدهماء‪.‬‬
‫ولما كان هذا المعنى الشريف ل يكون إل مــن رحــم‬
‫الصياغة الشعرية نرى الجاحظ يقول‪)) :‬وإنما الشــأن‬
‫في إقامة الوزن‪ ،‬وتخيــر اللفــظ‪ ،‬وســهولة المخــرج‪،‬‬
‫وكــثرة المــاء‪ ،‬وفــي صــحة الطبــع‪ ،‬وجــودة الســبك‪،‬‬
‫فإنما الشعر صياغة وضرب من النســج وجنــس مــن‬
‫التصوير((‪.‬‬
‫جعل ما يحقق للشــعر استحســانه‪" :‬إقامــة الــوزن"‬
‫و"تخيـــر اللفـــظ"‪ ،‬وهـــل عبـــارة ذلـــك إل المعنـــى‬
‫وسياقه؟‪ .‬وهو الذي يقول‪ :‬شريف اللفاظ لشــريف‬
‫المعاني وســخيفها لســخيف المعــاني‪ ،‬وليســت تلــك‬
‫المعــاني شــريفة مــن أنهــا معــاني ذوي النســب‬
‫ن ل نسب لهــم ول‬
‫الشريف‪ ،‬وأن السخيفة معاني َ‬
‫م ْ‬
‫حسب‪ ،‬فهذه ل تقال من أحد ٍ ذي حجا‪.‬‬
‫وفي "سهولة المخرج" إشارة إلى أن تكون اللفاظ‬
‫سلسة غير متكلفة ول منتزعة من النفس انتزاعًا‪.‬‬
‫و"كثرة الماء" تشير إلى نضارة الشعر بحيث يكــون‬
‫دائما ً غضا ً طري ًّا‪ ،‬ل يــذبل علــى طــول العهــد فيظــل‬
‫عبق الشعر منه فواحًا‪ ،‬فبشار يصف شعره بقوله‪:‬‬

‫بقول إذا مــا‬

‫وشعر كنور الروض لءمت بينه‬
‫أحزن الشعر أسهل‬
‫ونجد لســيدنا النــبي صــلى اللــه عليــه وســلم يصــف‬
‫قراءة عبد الله بن مسعود رضــى اللــه عنــه القــرآن‬
‫ضــة طريــة‪ ،‬فالمــاء عنــوان الحيــاة ونضــارتها‬
‫بأنها غ ّ‬
‫وتجددها‪.‬‬
‫و"صحة الطبع" تشير فــي شــأن الشــاعر إلــى قــوة‬
‫الشاعرّية حتى يظل عطاؤه فتيـا ً ل يخبــو ول يخمــد‪،‬‬
‫سه وذوقه وشعوره بما ل يشعر بــه‬
‫وهذا يأتيه من ح ّ‬
‫كثير غيره‪ ،‬فصحة الطبع في شأن المبدع غيرها في‬
‫شأن المتلقي‪ ،‬هي في شأن المبدع قــوة الشــاعرّية‬
‫ونفاذ البصيرة فيما حوله دون تكلف وإسقاط‪ .‬وفــي‬
‫شــأن المتلقــي صــحة التــذوق وقــوة الحــس الدبــي‬
‫ونفــاذه فــي جــوهر النــص وفــي علقــات مكونــاته‬
‫الدبية‪.‬‬
‫و"جودة الســبك" تشــير إلــى متانــة النظــم وإحكــام‬
‫العلقات بيــن مكونــات أدبيــة النــص‪ ،‬وهــذه الجــودة‬
‫حاملــة معنــى "الجــود"‪ :‬كــثرة العطــاء واتســاعه‬
‫وامتداده‪ ،‬فالجيد ما ملك مقومات الجود بمــا يرجــى‬
‫منه‪ ،‬وسمحت به النفس‪" ،‬فالجيم و الــواو والــدال"‬
‫أصل دال على التسمح بالشيء وكثرة العطـاء‪ ،‬كمـا‬
‫يقــول ابــن فــارس فــي "معجــم مقــاييس اللغــة"‪،‬‬
‫والسبك الذي هو التناهي فــي إنهــاء الشــيء بحيــث‬
‫يصير كله شيئا ً واحدا ً ل تفاصل بين مكونــاته‪ ،‬فجــود‬
‫الســبك إنمــا يكــون بــالمعنى المتولــد منــه‪ :‬المعنــى‬
‫الشعري‪ .‬ولما كــثر اســتخدام كلمــة الجــود والجــواد‬
‫والجيد غفلت القلوب عن نبل معناها‪ ،‬ولم تعد تدرك‬
‫ن الجادة من الجود الذي هو سماح النفس بأفضل‬
‫أ ّ‬

‫العطايا فــي كــثرة واســتمرار‪ ،‬ومنــه ســميت الخيــل‬
‫جيادًا‪.‬‬
‫ممــا ســبق يتــبين لــك وجــه تعليــل الجــاحظ قصــر‬
‫العتــداد فــي الشــعر بهــذه الخصــال الســت الــذي‬
‫أشرت إلــى شــيء مــن معنــاه‪ ،‬قــائ ً‬
‫ل‪)) :‬إنمـا الشــعر‬
‫((‬
‫صياغة وضرب من النسج وجنس من التصوير ‪.‬‬
‫وهــذه الصــياغة والنســج والتصــوير ليســت عقيمــة‬
‫الرحم‪ ،‬بل هي الولــود الــودود‪ ،‬ونتاجهــا هــو المعنــى‬
‫الشعري الــذي غيــره مطــروح فــي الطريــق‪ ،‬فــأنت‬
‫تجــده فــي غيــر الشــعر‪ ،‬أمــا المعنــى المتولــد مــن‬
‫الصـياغة والنسـج والتصـوير فـذلك المعنـى الـذي ل‬
‫تجده إل في خزائن الشعر الممنعة الحصان‪.‬‬
‫فهذه الصــياغة والنسـج والتصـوير إنمــا هـي صـناعة‬
‫ـ أي فن ل علم ـ ـ أي‪ :‬فــي الشــعر خصوصــية الفــن‬
‫الفارقة له عن "العلم" الذي هــو نتــاج عمــل الفكــر‬
‫والعقل‪ ،‬الذي ل يعمل إل في المعاني المجردة‪ ،‬أمــا‬
‫"الفــن" الــذي روحــه وجــوهره وقــوامه هــو إشــراق‬
‫الفكرة مــن خلل الصــورة‪ ،‬فهــو نتــاج عمــل القلــب‬
‫ـــ الحســاس والطبــع ـــ‪ .‬فمــن الضــللة أن ُتطلــب‬
‫المعــاني العقليــة والحكــم مــن الشــعر الــذي هــو‬
‫"الفن"‪ ،‬فمن فعل كان كمثــل طـالب حقـائق العلـم‬
‫مــن الفــن‪ :‬ضــلل فــي المنهــج المســلوك‪ ،‬والمثابــة‬
‫المرجــوع إليهــا‪ ،‬اكتســابا ً للط ِّلبــة والحاجــة‪ .‬ومــن‬
‫ن‬
‫الضللة أيضا ً أن تستحسن شعرا ً لما فيه مــن معــا ٍ‬
‫عقليــة وحكــم ومعــارف أنــت واجــدها فــي مظانهــا‬
‫الرئيسة‪.‬‬
‫تلك هي حقيقة موقف الجاحظ من المعنى‪ ،‬إنه غيــر‬
‫مستهين به‪ ،‬ول يحقر طالبه ول صانعه‪ ،‬ولكنــه يــأبى‬
‫ن َتجعــل‬
‫عليك أن يطلب الشيء من غير معــدنه‪ ،‬وأ ْ‬

‫مناط الفضيلة لشيء أمرا ً هو ليس بــه مختــص‪ ،‬بــل‬
‫قيامه من غيره أولى وأعلى‪.‬‬
‫وهو أيضا ً ل يعلي شأن "الملفــوظ اللســاني" لــذاته‪،‬‬
‫بل يعنى بالصياغة والنسج والتصوير الفني في بــاب‬
‫"الشعر"؛ لن هذه هي معدن المعنى الشعري‪ ،‬وهو‬
‫ـ أي الشعري ــ نعــت تخصــيص وتقييــد‪ ،‬أي المعنــى‬
‫الــذي ل معــدن لــه إل الصــياغة والنســج والتصــوير‬
‫الشعري‪.‬‬
‫الجاحظ لم يكن متعرضا ً لعلقة اللفظ بــالمعنى مــن‬
‫حيث هما‪ ،‬ولكنــه متعــرض لعلقــة اللفــظ "الصــياغة‬
‫مــا القــول‬
‫الشــعرية" بــالمعنى "الشــعري خاصــة"‪ .‬أ ّ‬
‫بعلقـــة اللفــاظ بالمعــــاني فــي طــور الوضـــع‪ ،‬فل‬
‫أظن أن أحــدا ً ذا معرفــة وتعقــل يقــول بتفاصــل ول‬
‫بتفاضل‪.‬‬
‫ولو أنك عــدت فنظــرت فــي تعقيــب الجــاحظ علــى‬
‫صــاحب البيــتين اللــذين عنــي بتقييــدهما أبــو عمــرو‬
‫الشيباني لرأيت أّنه يؤكــد أن صــاحب هــذين البيــتين‬
‫مسلوب صحة الطبع‪ ،‬وليس لــه مــن جــوهر الشــعر‬
‫نصــيب‪ ،‬وإن كــان لــه مــن جــوهر العلــم والحكمــة‬
‫ومنطق العقــل المجــرد نصــيب‪ .‬هــو صــاحب معــان‬
‫مــى الشــعر‬
‫ج ِ‬
‫عقلية مطروحة فــي الطريــق‪ ،‬خــار َ‬
‫ح َ‬
‫المنيع‪ ،‬فقير معــدم مــن المعــاني الشــعرية الوليــدة‬
‫م فإنه لن يقول شعرا ً أبــدًا‪ ،‬ولــن‬
‫صنعة الفن‪ ،‬ومن ث َ ّ‬
‫يورث أبناءه شعرًا‪ ،‬ففاقد الشيء ل يورث أحدًا‪.‬‬
‫تلك هي حقيقة موقف أبــي عثمــان الجــاحظ‪ ،‬وهــي‬
‫تبين لك أني غير ذاهب إلــى مــا ذهــب إليــه إحســان‬
‫عباس في هــذا‪ ،‬يقــول أعـّزه اللــه تعــالى‪)) :‬كــل مــا‬
‫أراده الجــاحظ مــن هــذا القــول "إنمــا الشــأن …"‪:‬‬
‫ن المعـول فـي الشـعر‬
‫تأكيد نظرية فـي الشـكل‪ ،‬وأ ّ‬

‫إنما يقع على إقامة الوزن … وبهــذا التحيــز للشــكل‬
‫قّلل الجاحظ من قيمة المحتوى‪ ،‬وقــال قــولته الــتي‬
‫طال تردادها‪" :‬والمعاني مطروحة"(()‪.(14‬‬
‫ويعلل إحسان عباس اتجاه الجاحظ ـ ـ فــي زعمــه ـ ـ‬
‫إلى الشكل بأسباب منها‪:‬‬
‫عــدم متابعــة أســتاذه النظــام فــي القــول‬
‫•‬
‫بـ"الصرفة"‪ ،‬وأنه عامد إلى القول بــالنظم‪ ،‬ومــن‬
‫آمن بأن النظم حقيق برفــع البيــان إلــى مســتوى‬
‫العجاز‪ ،‬لم يعد قادرا ً على أن يتبنى نظرية تقديم‬
‫المعنى على اللفظ‪.‬‬
‫ن عصر الجــاحظ كــان يشــهد بــوادر حملــة‬
‫•‬
‫أ ّ‬
‫عنيفة يقوم بها النقاد لتبيان السرقة في المعــاني‬
‫بين الشعراء‪ ،‬ول نســتبعد أن يكــون الجــاحظ قــد‬
‫حاول الرد ّ على هذا التيار مرتين‪ :‬مرة بأل يشغل‬
‫نفسه بموضــوع الســرقات كمــا فعــل معاصــروه‪،‬‬
‫ن الفضلية للشكل؛ لن المعاني‬
‫ومرة بأن يقرر أ ّ‬
‫قدر مشترك بين الناس جميعًا‪.‬‬
‫سبب قــائم فــي طــبيعته‪ :‬كــان رجل ً خصــب‬
‫•‬
‫القريحــة‪ ،‬ول يعيبــه الموضــوع‪ ،‬ول يثقــل عليــه‬
‫ن‬
‫المحتوى أيا كان لونه؛ ولــذا فــإنه كــان يحــس أ ّ‬
‫المعنى موجـود في كـل مكان‪ ،‬ومـا على الديــب‬
‫إل أن يتنـاوله ويصوغه صياغة متفردة)‪.(15‬‬
‫في ضوء الذي بينته وبسطت فيـه القـول يتـبين لـك‬
‫ن إحسان عباس يتحدث عن المعاني غير الشعرية‪،‬‬
‫أ ّ‬
‫ول يتكلم عن موقف الجاحظ من المعنــى الشــعري‬
‫الذي هــو مســتولد مــن الصــياغة والنســج والتصــوير‬
‫الشعري‪.‬‬
‫‪.‬تاريخ النقد الدبي‪() 98 :‬‬
‫‪.‬السابق ‪() 99 – 98 :‬‬

‫‪14‬‬
‫‪15‬‬

‫وإذا كان الجاحظ ناقدا ً أدبيا ً ل يعتــد إل بهــذا المعنــى‬
‫الشعري الذي ل تجده إل في رحم الصياغة والنســج‬
‫والتصوير الشعري‪ ،‬فكيف ينقد موقفه مــن المعــاني‬
‫المطروحة في الطريق؟ ما علقة الناقد الدبي بغير‬
‫المعنى الشعري وما يتولد منه؟‪ .‬وإذا كــان الجــاحظ‬
‫قــد جعــل الشــأن فــي الصــياغة والنســج والتصــوير‬
‫الشعري‪ ،‬فذلك لنها هي الحاملة في رحمها المعنى‬
‫الشعري‪ ،‬هي عناية بالمعدن من عناية بالجوهر‪.‬‬
‫فقــول إحسـان عبـاس إن الجـاحظ قلـل مـن قيمـة‬
‫المحتوى غير دقيــق‪ ،‬لن محتــوى الشــعر الــذي هــو‬
‫شعر هو المعنى الشعري‪ ،‬ولن يســتطيع أحــد اتهــام‬
‫الجاحظ بذلك‪ ،‬لن عشــرات المقــالت فــي "البيــان‬
‫والتبيين" وغيرها صارخة في وجه المتهــم بالضــللة‪،‬‬
‫وفي مقدمتها مقالته في بيتي عنترة‪.‬‬
‫وتعليل إحسان عباس بأن قول الجاحظ بأن القــرآن‬
‫الكريم معجز بنظمه دفعا ً لمقالة النظام بالصــرفة‪،‬‬
‫وأن من يقل بأن النظم هو المحقق العجاز ل يقتدر‬
‫على أن يذهب إلى تقــديم المعنــى‪ ،‬إنمــا هــو تعليــل‬
‫غيــر دقيــق؛ لن النظــم الــذي هــو عمــود الصــياغة‬
‫والنسج والتصوير البياني هو الذي يتولد منه المعنــى‬
‫ن المعنــى‬
‫القرآنــي‪ ،‬ولــن يســتطيع أحــد أن يقــول إ ّ‬
‫القرآني مطــروح فــي الطريــق وإن الشــأن للنظــم‪،‬‬
‫أيقولها عاقل ؟ القــول بالعجــاز النظمــي حــال فــي‬
‫جوهره أن معاني القرآن معجزة‪ ،‬إذ هــي مســتولدة‬
‫من رحم النظم‪ .‬وإذا قيل إن الله عّز وجل لم يتحــد ّ‬
‫الثقلين بمعاني القرآن؛ لنه قال في ســورة "هــود"‪:‬‬
‫}بعشر سور مثله مفتريات{‪ ،‬وأهل العلم على أنهــا‬
‫سور ليست معانيها من معدن الحــق والهــدى الــذي‬
‫هو معــدن معـاني القـرآن‪ ،‬بـل مـن معـــدن معــاني‬
‫الشعر القائمة على التخيل والهيام في كل واد‪.‬‬

‫م ما هو غائم في هذا‪ :‬القرآن الكريم‬
‫إذا قيل‪ ،‬فإ ّ‬
‫ن ثَ ّ‬
‫في هذه المرحلة مــن مراحــل التــدرج فــي التحــدي‬
‫أخرج المماثلة في المعنــى مــن التحــدي‪ ،‬والمماثلــة‬
‫هنا في أمر معين هو أن تكــون معــاني حــق وهــدى‪.‬‬
‫ولكنه لم يقل إنها سور نظمها عقيم مــن أيّ معنــى‪،‬‬
‫وإل فمــاذا يكــون النظــم؟ أرأيــت بيانـا ً منظومـا ً هــو‬
‫الخلء من أيّ جنس مــن أجنــاس المعــاني ؟! د ُّلنــي‬
‫عليه! إل ّ أن يكون سمادير الثمالى‪ ،‬وهــل تــرى تلــك‬
‫السمادير نظمًا؟‪.‬‬
‫فالقرآن تحدى بأن يأتوا بعشر سور ذات نظم كنظم‬
‫القرآن‪ ،‬وإن لم يكن جنس المعاني الذي فــي رحــم‬
‫النظم المأتي به من معدن الحق والهدى‪ ،‬الــذي هــو‬
‫معــدن المعــاني الــتي فــي رحــم النظــم القرآنــي‪.‬‬
‫ن القــول بالعجــاز النظمــي للقــرآن يمنــع‬
‫فالقول بأ ّ‬
‫القائل به من تقديم المعنى على اللفظ قول مردود‬
‫على قــائله‪ ،‬وكــل يؤخــذ منــه ويــرد عليــه خل النــبي‬
‫صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫ن القــول بــأن الجــاحظ مقــدم‬
‫هــذا شــيء‪ ،‬وآخــر‪ :‬أ ّ‬
‫اللفظ على المعنى‪ ،‬أو المعنى أي ّا ً كان على اللفــظ‪،‬‬
‫هو في نفسه غير حقيــق‪ .‬الجــاحظ لــم يقــدم شــيئا ً‬
‫على شيء‪ ،‬هــو يقــدم الصــياغة الشــعرية ومــا تولــد‬
‫منها من معـان شـعرية فـي بـاب نقـد الشـعر علـى‬
‫المعاني العقلية غيــر الشــعرية‪ ،‬أي‪ :‬الــتي لــم تتولــد‬
‫من الصياغة‪ ،‬فهو إذن لم يقــدم شــيئا ً مــن مكونــات‬
‫الشــعر علــى شــيء آخــر مــن مكونــاته‪ .‬هــو يقــدم‬
‫مكونات الشعر‪ :‬صياغة فنية ومعنــى شــعريا ً متولــدا ً‬
‫منها على شيء ليس مــن مكونــات الشــعر‪ ،‬وليــس‬
‫مــن رحمــه ول جنســه‪ ،‬بــل هــو مــن رحــم العقــل‬
‫وجنسه‪.‬‬

‫وببيان ما في العلة الولى مــن كلم إحســان عبــاس‬
‫يتبين لــك مــا فــي العلــة الثانيــة والثالثــة عنــده مــن‬
‫ن المفاضــلة بيــن‬
‫مجانبة الصواب؛ لنهما بنيا علــى أ ّ‬
‫شكل خـواء مـن أي معنــى‪ ،‬وبيــن معنــى ليــس مــن‬
‫جنس الشعر ‪ .‬فالمعاني التي هي قدر مشترك بيــن‬
‫الناس جميعًا‪ ،‬ما شأنها بالشعر؟ وما شــأن الجــاحظ‬
‫الناقد وكل ناقد أدبي بها؟‬
‫المعنى الموجود في كل مكان ما شأن النقد الدبــي‬
‫به وما بال أهله يحملون على أنفســهم البحــث عنــه‬
‫في الشعر؟ والشعر صعب‪ ،‬طويل سلمه‪.‬‬
‫المر كما ترى غيــر دقيــق‪ ،‬ومــا بينتــه مــن قبــل هــو‬
‫القائم في موقف الجاحظ‪ ،‬المؤ ّ‬
‫ذن في الناس بالحج‬
‫إلى الشعر‪ ،‬إذا ما أردنا معنى شعريا ً ل يكون إل ّ من‬
‫رحم الشعر‪ ،‬وإل فمن حمل فوق نفسه‪ ،‬وأحرم من‬
‫ميقاته إلى حرم الشــعر‪ ،‬يبتغــي حصــى وحجــرا ً مــن‬
‫ن الحصى والحجر فــي كــل‬
‫بطحاء "منى" الشعر‪ ،‬فإ ّ‬
‫مكان‪ ،‬وليس بالمقصور على بطحاء "منى" القصيد‪.‬‬
‫‪----------------------‬‬‫إذا ما كان ذلك شأن المر في الخطاب النقدي عنــد‬
‫الجــاحظ‪ ،‬وهــو رائد مــن رّواد النقــد العربــي‪ ،‬فــإني‬
‫متجاوز حقبا ً مــن حيــاة تلــك القضــية‪ ،‬عاشــتها خلل‬
‫المنتصف الثــاني مــن القــرن الثــالث الهجــري حــتى‬
‫منتصف القرن الخامس الهجري‪ ،‬بتجاوز تلك الحقبة‬
‫إلى المام عبد القاهر لتقف علــى مــوقفه مــن تلــك‬
‫القضية‪.‬‬
‫ولج عبد القــاهر معــترك تلــك القضــية فــي الســياق‬
‫م مــن يتنــادى فــي طلب‬
‫المعرفي فــي عصــره‪ ،‬وث َـ ّ‬
‫العلم بأن بلغة الخطاب في لفظه‪ ،‬وعلى الشــاطئ‬
‫الغربي من يتنادى في طلب العلــم عنــده أن بلغــة‬

‫الخطاب في معناه‪ .‬فكان فريضة لزمــة علــى مثلــه‬
‫أل ّ يبيع ذوقه وعقله ليّ منهما‪ ،‬وأن تكون الموعظــة‬
‫النبوية‪)) :‬ل يكن أحدكم إمعة …(( قائمة بين عينيه‪،‬‬
‫بل مغروسة في فؤاده‪ ،‬ولسان حاله يقــول‪ :‬ســمعنا‬
‫وأطعنا‪.‬‬
‫من هنا ولج المام معترك القضية‪ :‬أيهما مرجع بلغة‬
‫الخطاب وأدبيته؟‪ .‬ومن قبل أن ألج في تبيان صــنيع‬
‫المام في ذلك المعترك أحب أن يتبين شيء‪:‬‬
‫ن الطائفة التي تقــول إن‬
‫أيمكن أن يحسب حاسب أ ّ‬
‫)‪(16‬‬
‫ة هـو لفظـه مـا تتلقـاه‬
‫مناط فضيلة الخطاب بلغ ً‬
‫منه الذان‪ ،‬وليس لما تتلقاه القلوب قيمــة فــي هــذا‬
‫الميدان؟‬
‫وأيمكن أيضـا ً أن يحسـب حاسـب أن الطائفـة الـتي‬
‫ة هــو معنــاه‬
‫تقــول إن منــاط فضــيلة الخطــاب بلغ ـ ً‬
‫ما تتلقاه منه القلوب‪ ،‬وليس لملفوظه وقرى الذان‬
‫قيمة في هذا؟‬
‫أيمكن أن يكون في طبقــة أهــل العلــم وطلبــه مــن‬
‫يمكن أن يقولها؟‬
‫إن يكن‪ ،‬فل أظــن أنــه أهــل لن يعتــد بقــوله‪ ،‬ول أن‬
‫يلقى لقول مثله با ً‬
‫ل!‬
‫ما المر إذن؟‬
‫ن من يقــول منــاط بلغــة الخطــاب‪ :‬صــياغته‬
‫المر أ ّ‬
‫ونسجه وتصــويره )لفظــه(‪ ،‬إنمــا يريــد أن هــذه هــي‬
‫التي يؤخذ من رحمهــا المعنــى الشــعري‪ ،‬الــذي هــو‬
‫ة كل باحث فــي الشــعر‪ .‬فلمــا كــان اللفــظ هــو‬
‫ط َِلب ُ‬
‫دن ذلك المعنى‪ ،‬قيــل إن بلغــة البيــان فــي ذلــك‬
‫مع ِ‬
‫اللفظ الذي فيــه ذلــك المعنــى‪ ،‬فهــم ينظــرون إلــى‬
‫ن كــانت العنايــة‬
‫المعــدن الــذي فيــه الجــوهر‪ ،‬وإ ْ‬
‫‪.‬أي‪ :‬الذي تتلقاه )(‬

‫‪16‬‬

‫بالجوهر‪ ،‬وما المعــدن فــي نفســه خــواء مــن جــوهر‬
‫بذي قدر‪.‬‬
‫ومن يقول مناط بلغة الخطاب‪ :‬معناه الشعري‪ ،‬أي‬
‫أنــه هــو الط َّلبــة ومنتهــى الغايــة ومطمــح البصــر‪،‬‬
‫فالجوهر أحق بأن يكون منــاط الوصــف ل المعــدن‪،‬‬
‫وإن كــان المعنــى الجــوهر لــن يوجــد إل فــي ذلــك‬
‫دن أبــدًا‪ .‬فل تفاصــل‪ ،‬وإن كــان الجــوهر هــو‬
‫المعــ ِ‬
‫القمين بالوصف‪.‬‬
‫الخلف ليس جوهريًا‪ ،‬ولسيما أنه لــن يكــون معنــى‬
‫شعري ألبتة إل من خلل الصياغة والنسيج والتصوير‬
‫الشعري‪ .‬ول يكون صياغة ونسج وتصوير خــواًء مــن‬
‫المعنى الشعري‪ .‬فمن وصف اللفظ‪ /‬الصــياغة لنهــا‬
‫المعدن ـ ويلزم لزوما ً ل ينفك وصف الجوهر ـ فكأنه‬
‫يرى أّنه من قبيــل إثبــات المعنــى‪ /‬الوصــف بطريــق‬
‫المجــاز وعلقتــه المحليــة‪ .‬ومــن وصــف المعنــى‬
‫الشعري لّنه الجوهر ـ ويلزمــه أيضـا ً لزومـا ً ل ينفــك‬
‫دن الذي ل يكون الجوهر إل فيه ـ فكــأنه‬
‫وصف المع ِ‬
‫يرى أنه من قبيــل إثبــات المعنــى‪ /‬الوصــف بالبلغــة‬
‫للصــياغة بطريــق المجــاز وعلقتــه الحاليــة‪ /‬اللزم‪،‬‬
‫فــالمعنى حــال فــي الصــياغة ولزم لهــا‪ ،‬والصــياغة‬
‫محل المعنى وملزومه‪.‬‬
‫ومن أراد أن يقول اللفــظ ول ســواه‪ ،‬أو المعنــى ول‬
‫ن‬
‫سواه‪ ،‬قاطعا ً النظــر عــن العنصــر الخــر‪ ،‬فــذلك إ ْ‬
‫كان‪ ،‬فل أخاله من أهل العلم الذين يؤخذ منهم أكثر‬
‫مما يرد عليهم‪ ،‬بل من الذين يــرد عليهــم أكــثر ممــا‬
‫ن كان من أهل العلم بنقد الشــعر‪ ،‬وإل‬
‫يؤخذ منهم‪ ،‬إ ْ‬
‫فهو ممن يرد عليه ول يؤخذ منه في هذا‪.‬‬
‫من بعد الذي أبنته ألج في تبيان موقـف المـام عبـد‬
‫القاهر الجرجاني في تلك القضية‪ .‬وما جاء مــن آراء‬

‫المــام يمكــن أن يصــنف صــفوفا ً ثلثــة‪ :‬آراء تــبين‬
‫حقيقة موقفه‪ ،‬وآراء يدل ظاهرهــا علــى أنــه ينســب‬
‫الفضل لللفاظ‪ ،‬وآراء يدل ظاهرها على أنــه ينســب‬
‫الفضل للمعاني‪.‬‬

‫بلغة الخطاب في تأليفه وما يخرج من تأليفه‪:‬‬
‫إذا مــا كــان "اللفــظ" هــو مــا يقــذفه اللســان مــن‬
‫الصوات المنظومـة الموضـوعة رمــزا ً علــى مـا هــو‬
‫قــائم بالصــدور‪ ،‬ومــا هــو قــائم بيــن العيــون مــن‬
‫المحسوســات الشــهودية‪ ،‬فهــذا اللفــظ فــي حــال‬
‫إفــراده ل شــأن للبليــغ بــه إل شــأن علــم بمــا وضــع‬
‫إزاءه‪ ،‬وجعل رمزا ً عليه‪ ،‬ودليل ً متعينا ً إليه‪ .‬يقرر هذا‬
‫ن ههنــا أص ـل ً أنــت تــرى‬
‫عبد القاهر بقــوله‪)) :‬اعلــم أ ّ‬
‫الناس فيه في صورة من يعــرف مــن جــانب وينكــر‬
‫ن اللفاظ المفردة التي هــي أوضــاع‬
‫من آخر‪ ،‬وهو أ ّ‬
‫اللغة‪ ،‬لم توضع لتعرف معانيهــا فــي أنفســها‪ ،‬ولكــن‬
‫لن يضــم بعضــها إلــى بعــض‪ ،‬فيعــرف فيمــا بينهمــا‬
‫فوائد‪ .‬وهذا علم شريف‪ ،‬وأصل عظيم(()‪.(17‬‬
‫فاللفاظ في وجودها اللغوي ل قيمة لها في نفســها‬
‫من حيث هي‪ ،‬ومــن ثــم ل تكــون منــاط فضــيلة‪ ،‬ول‬
‫تكون قابلة لستحسان أو استهجان‪ ،‬فكل لفــظ دال‬
‫على معنى‪ ،‬لــه مقــامه الــذي يحســن فيــه‪ ،‬ومقــامه‬
‫الذي يقبح فيه‪ ،‬وشأن اللفظ في عالم البيــان شــأن‬
‫المرء في عالم النسان‪ ،‬قيمته في سياقه وعلقــاته‬
‫الجتماعية بإخوانه‪ ،‬على قــوانين الشــريعة وأصــولها‬
‫ومناهجهــا الــتي نهجــت‪ ،‬فل تزيــغ عنهــا‪ ،‬وتحفــظ‬
‫الرسوم التي رسمت فل تخ ّ‬
‫ل بشــيء منهــا‪ .‬فالمــة‬
‫الســلمية هــي النــص‪ ،‬وعمــود جمالهــا وبلغتهــا هــو‬
‫الشريعة‪ ،‬ونحن مفرداتها‪ .‬والله ل ينظر إلــى صــورنا‬
‫وأجسامنا‪ ،‬ولكن إلى أعمالنــا وعلقاتنــا الجتماعيــة‪،‬‬
‫وأخــذنا بقــوانين ورســوم ومناهــج الشــريعة )نظــم‬
‫النــص(‪ ،‬الــتي هــي معــاني الــوحي‪ /‬النحــو‪ ،‬فالــدين‬
‫المعاملة كمــا تقضــي الموعظــة النبويــة‪ ،‬تعادلهــا أو‬
‫‪.‬دلئل العجاز‪ :‬ص ‪ 539‬ف ‪() 634‬‬

‫‪17‬‬

‫تنبثــق منهــا النظريــة الجرجانيــة‪ :‬البلغــة العلقــة‪.‬‬
‫فبلغــة كــل عنصــر مــن عناصــر البيــان فــي علقتــه‬
‫بجيرانه في إقامة النص‪ ،‬مثلما بلغة‪ /‬جمال المسلم‬
‫في علقته بإخوانه في إقامة المة المسلمة‪ /‬النص‪.‬‬
‫أساس بيان لسان العربية وجماله من أساس جمال‬
‫المة المسـلمة وعزهــا‪ .‬بلغـة الخطــاب فـي تـأليف‬
‫عناصره وما يثمره ذلك التأليف‪ ،‬وبلغة المة‪ /‬النص‬
‫وعّزها في علقــات أبنائهــا ومعــاملتهم علــى قــانون‬
‫شــريعتها‪ ،‬ومعــاني الــوحي‪ /‬النظــم‪ ،‬ومعــاني النحــو‬
‫التشريعي‪.‬‬
‫ذلك أساس بلغة الخطاب ولذا ل يم ّ‬
‫ل المــام عبــد‬
‫القاهر من ترديد ذلــك وتصــريف اللســان عنــه‪ ،‬لنــه‬
‫أصل عظيم‪ .‬يقول في مفتتح "دلئل العجـاز"‪)) :‬قـد‬
‫ن اللفــاظ مغلقــة علــى معانيهــا‪ ،‬حــتى يكــون‬
‫علم أ ّ‬
‫ن الغراض كامنة فيهــا‪،‬‬
‫العراب هو الذي يفتحها‪ ،‬وأ ّ‬
‫حتى يكـون هو المسـتخرج لهـا‪ ،‬وأنــه المعيــار الـذي‬
‫ل يتبين نقصان كلم ورجحانـــه حــتى يعــرض عليــه ‪،‬‬
‫والمقيــاس الــذي ل يعــرف صــحيح مــن ســقم حــتى‬
‫ســه‪ ،‬وإل مــن‬
‫يرجع إليه‪ ،‬ل ينكر ذلك إل من ينكــر ح ّ‬
‫غالط في الحقائق نفسه(()‪ .(18‬فالعراب عن العلئق‬
‫بين عناصر الخطاب هو مناط الفضيلة وهــو المعيــار‬
‫والمقياس الذي يتبين به الفضل‪.‬‬
‫ويقرر أن الكلمات قبل دخولها التــأليف)‪ (19‬ل يتصــور‬
‫أن يكون بين كلمــتين تفاضــل فــي الدللــة علــى مــا‬
‫وضعت كل كلمة بإزائه وما تعينت له وضــعًا‪)) :‬حــتى‬
‫تكون هذه أدل علــى معناهــا الــذي وضــعت لــه مــن‬
‫صاحبتها على ما هي موسومة بــه … وحــتى ُيتصــور‬
‫في السمين يوضــعان لشــيء واحــد‪ ،‬أن يكــون هـذا‬
‫‪.‬الدلئل‪ :‬ص ‪ ،28‬ف ‪() 23‬‬
‫‪.‬؟؟؟ انظر الصل ص ‪() 16‬‬

‫‪18‬‬
‫‪19‬‬

‫ن نبأ عنه‪ ،‬وأبين كشفا ً عن صورته من الخر ‪...‬‬
‫أحس َ‬
‫وهل يقع في وهم أن تتفاضــل الكلمتــان المفردتــان‬
‫من غير أن ينظر إلى مكان تقعان فيه مــن التــأليف‬
‫والنظم‪ ،‬بأكثر من أن تكون هذه مألوفــة مســتعملة‪،‬‬
‫وتلك غريبة وحشية‪ ،‬أو أن تكون حروف هــذه أخــف‬
‫وامتزاجها أحسن‪ ،‬ومما يكد اللسان أبعد؟ وهل تجــد‬
‫أحدا ً يقول‪ :‬هذه اللفظة فصيحة إل وهو يعتبر مكانها‬
‫من النظم‪ ،‬وحسن ملءمــة معناهــا لمعــاني جاراتهــا‬
‫وفضل مؤانستها لخواتها؟(()‪.(20‬‬
‫ويقــول فــي مفتــح "أســرار البلغــة"‪)) :‬ومــن الــبّين‬
‫ي أن التباين في هــذه الفضــيلة‪ ،‬والتباعــد عنهــا‬
‫الجل ّ‬
‫إلى ما ينافيها من الرذيلة ليس بمجرد اللفظ‪ .‬كيف؟‬
‫واللفــاظ ل تفيــد حــتى تؤلــف ضــربا خـــاصا ً مــن‬
‫التأليـف‪ ،‬ويعمد بها إلى وجهٍ دون وجهٍ مـن التركيب‬
‫والترتيب …(()‪.(21‬‬
‫فالتأليف الذي هــو إقامــة علئق اللفــة بيــن الكلــم‪،‬‬
‫وهــي علئق ليــس مناطهــا أصــوات الكلــم‪ ،‬فهــذه‬
‫وانّية روحانية بيــن‬
‫تشاكل ل تآلف‪ ،‬بل هي علقات ُ‬
‫ج ّ‬
‫الكلــم‪ ،‬أي‪ :‬علئق فــي معــاني نحوهــا‪ ،‬ل المعــاني‬
‫الوضعية لها‪)) :‬الرواح جنــود مجنــدة …(( الحــديث‪.‬‬
‫هذا التأليف بين معاني الكلم هو مناط الفضيلة؛ لنه‬
‫من هــذا التــأليف يكــون المعنــى البيــاني‪ ،‬ل المعنــى‬
‫الفرادي الوضعي للمفــردات‪ ،‬والمعنــى البيــاني هــو‬
‫الضالة المنشودة والبغية المرغوبة‪.‬‬
‫عبد القاهر يؤكـد أن مرجــع الفضـيلة والمزيـة ليـس‬
‫إلى اللفظ في شكله وصــوته‪ ،‬ول فــي مــا د ّ‬
‫ل عليــه‬
‫من معنى متعين وضعًا‪ ،‬ول في دللة ذلــك الملفـوظ‬
‫اللساني على ذلك المعنى القلبي‪ ،‬فكــل ذلــك ليــس‬
‫‪.‬الدلئل‪ :‬ص ‪ ،44‬ف ‪() 35‬‬
‫‪.‬الدلئل‪ :‬ص ‪،4‬ف ‪() 2‬‬

‫‪20‬‬
‫‪21‬‬

‫فيه مصــنعا ً ول اختيــارًا‪ ،‬وليــس للمتكلــم دخــل فيــه‪،‬‬
‫وكل ما ليس فيه مصنعا ً واختيارا ً ل تجد فيــه فضــيلة‬
‫ول تفاض ً‬
‫ل‪ .‬يقول‪)) :‬ل فضــيلة حــتى تــرى فــي المــر‬
‫مصنعًا‪ ،‬وحتى تجد إلى التخير سبي ً‬
‫ل‪ ،‬وحتى تكون قد‬
‫استدركت صوابا ً … فليــس د ََر ُ‬
‫ب دركـا ً فيمــا‬
‫ك صــوا ٍ‬
‫ب الوصــو ُ‬
‫نحن فيه‪ ،‬حتى ي َ ْ‬
‫ل‬
‫ش ـُر َ‬
‫ف موضــعه‪ ،‬ويصــع َ‬
‫إليه‪ ،‬وكذلك ل يكون ت َْر ُ‬
‫ك خطأ تركا ً حتى يحتاج فــي‬
‫التحفظ منه إلــى لطــف نظــر‪ ،‬وفضــل رويــة‪ ،‬وقــوة‬
‫ذهــن‪ ،‬وشــدة تيقــظ …(()‪ .(22‬د ّ‬
‫ل ذلــك كلــه علــى أن‬
‫مناط بلغة الخطاب وأدبيته إنما هو تأليف عناصــره‪،‬‬
‫ليتولــد مــن ذلــك التــأليف معنــى بيــاني‪ ،‬هــو الغايــة‬
‫والبغية‪.‬‬
‫ن المام ل يرجع بلغة الخطاب إلى‬
‫وإذا ما استبان أ ّ‬
‫اللفاظ من حيث هــي‪ ،‬ول إلــى المعــاني مــن حيــث‬
‫هي‪ ،‬وإنما إلى تأليف الكلم وعلقــات عناصــره ومــا‬
‫م مقالت متنــاثرة فــي كلمــه‪ ،‬قــد‬
‫يتولد منها‪ .‬فإ ّ‬
‫ن ثَ ّ‬
‫ُيحسب من ظاهرها أنــه يرجــع بلغــة الخطــاب إلــى‬
‫اللفظ وحــده‪ ،‬أو المعنــى وحــده‪ .‬وذلـك الحسـبان ل‬
‫يقع فيه المرء إل إذا أخذ بعض الكلم وتــرك بعضــه‪،‬‬
‫م علــم اليقيــن أن المــام‬
‫ومن أحاط بكلم المام َ‬
‫عل َ‬
‫حين يقول عن تعليق الجاحظ مثل ً على موقف أبــي‬
‫ن فضــل‬
‫عمــرو الشــيباني مــن البيــتين‪)) :‬فأع َْلمــك أ ّ‬
‫الشعر بلفظه ل بمعناه …(()‪ ،(23‬فإنه ينبغـي أل يفهـم‬
‫هذا مقطوعا ً عـن قــوله‪ …)) :‬وجــب أن نعلــم قطعـا ً‬
‫وضــرورة أنهـم وإن كـانوا قـد جعلــوا الفصـاحة فـي‬
‫ظاهر الستعمال من صفة اللفظ‪ ،‬فإنهم لم يجعلوها‬
‫وصفا ً له في نفســه‪ ،‬ومــن حيــث هــو صــدى ونطــق‬
‫لســان‪ ،‬ولكنهــم جعلوهــا عبــارة عــن مزيــة أفادهــا‬
‫‪.‬الدلئل‪ :‬ص ‪ ،98‬ف ‪() 86‬‬
‫‪.‬الدلئل‪ :‬ص ‪ ،256‬ف ‪() 258‬‬

‫‪22‬‬
‫‪23‬‬

‫المتكلم في المعنى؛ لنه إذا كان اتفاق ـا ً أنهــا عبــارة‬
‫عن مزية أفادها المتكلم‪ ،‬ولم نــره أفــاد فــي اللفــظ‬
‫شيئًا‪ ،‬لم يبق إل أن تكــون عبــارة عــن مزيــة أفادهــا‬
‫في المعنى‪ .‬وجملة المــر أنــا ل نــوجب "الفصــاحة"‬
‫للفظ مقطوعة مرفوعة من الكلم الــذي هــي فيــه‪،‬‬
‫ولكنــا نوجبهــا لهــا موصــولة بغيرهــا ومعلق ـا ً معناهــا‬
‫بمعنى ما يليها …(()‪.(24‬‬
‫وعن قوله)‪ (25‬في شأن القائلين بأن بلغة الكلم في‬
‫لفظه‪)) :‬وذلك أنهم لما جهلوا شأن الصورة‪ ،‬وضــعوا‬
‫لنفسهم أساسًا‪ ،‬وبنوا على قاعدة فقالوا‪ :‬إنه ليــس‬
‫إل المعنــى واللفــظ ول ثــالث‪ ،‬وإنــه إذا كــان كــذلك‬
‫ب ـ إذا كان لحد الكلمين فضيلة ل تكون للخــر‪،‬‬
‫ج َ‬
‫وَ َ‬
‫ض من صاحبه ـ ـ‬
‫ثم كان الغرض من أحدهما هو الغر َ‬
‫أن يكون مرجع تلك الفضيلة إلى اللفظ خاصــة‪ ،‬وأن‬
‫ل يكون لها مرجع إلــى المعنــى مــن حيــث إن ذلــك‪،‬‬
‫زعمــوا‪ ،‬يــؤدي إلــى التنــاقض‪ ،‬وأن يكــون معناهمــا‬
‫متغــايرا ً وغيــر متغــاير معــًا‪ .‬ولمــا أقــروا هــذا فــي‬
‫نفوسهم حملوا كلم العلماء في كل مــا نســبوا فيــه‬
‫ن ينظروا‬
‫الفضيلة إلى "اللفظ" على ظاهره‪ ،‬وأَبوا أ ْ‬
‫فــي الوصــاف الــتي أتبعوهــا نســبتهم الفضـيلة إلــى‬
‫اللفظ‪ ،‬مثل قولهم "لفظ متمكن …"‪ ،‬فيعلموا أنهــم‬
‫لم يوجبوا للفظ ما أوجبوه من الفضيلة وهم يعنــون‬
‫نطــق اللســان وأجــراس الحــروف‪ ،‬ولكــن جعلــوا‬
‫كالمواضــعة فيمــا بينهــم أن يقولــوا "اللفــظ" وهــم‬
‫يريدون الصورة التي تحدث فــي المعنــى‪ ،‬والخاصــة‬
‫التي حدثت فيه‪ ،‬ويعنون الــذي عنــاه الجــاحظ حيــث‬
‫قــال‪" :‬وذهــب الشــيخ إلــى استحســان المعــاني‪،‬‬
‫‪.‬الدلئل‪ :‬ص ‪ ،402‬ف ‪() 475-474‬‬
‫من أحاط بكلم المام علم … فإّنه ينبغي أل ُيفهم هذا مقطوعا ً )(‬
‫سياق الكلم‪ :‬و َ‬
‫‪ ...‬عن قوله ‪ ...‬وعن قوله‬

‫‪24‬‬
‫‪25‬‬

‫والمعاني مطروحة وسط الطريــق … وإنمـا الشــعر‬
‫صياغة وضرب من التصوير"‪ ،‬ومــا يعنــونه إذا قــالوا‪:‬‬
‫"إنه يأخذ الحديث فيشّنفه وُيقّرطــه‪ ،‬ويأخــذ المعنــى‬
‫خرزة فيرده جوهرة‪ ،‬وعباءة فيجعله ديباجة‪ ،‬ويأخذه‬
‫عاطل ً فيرده حاليًا"(()‪.(26‬‬
‫فهذا دال دللة بينة على أن اللفظ الــذي ترجــع إليــه‬
‫الفضيلة إنما هو صورة المعنى‪ ،‬وهي صورة ل تكون‬
‫من أصوات اللفاظ وأشكالها‪ ،‬ولكن أساسها معــاني‬
‫هذه اللفاظ والعلقات الروحية القائمة بين معانيها‪،‬‬
‫وهــي مــا يطلــق عليــه الصــياغة والنســج والتصــوير‪.‬‬
‫فاللفظ الفصــيح البليــغ عنــده هــو الصــياغة والنســج‬
‫والتصوير‪.‬‬
‫وكذلك إذا ما جــاء عنــه قــوله‪)) :‬قــد فرغنــا الن مــن‬
‫الكلم على جنس المزيــة‪ ،‬وأنهــا مــن حيــز المعــاني‬
‫دون اللفاظ‪ ،‬وأنها ليست لك حيث تسمع بأذنك‪ ،‬بل‬
‫حيث تنظر بقلبك …(()‪ .(27‬وقــوله‪)) :‬واعلــم أن الــداء‬
‫ي‪ ،‬والذي أعيى أمره في هذا البــاب‪ :‬غ َل َـ ُ‬
‫مــن‬
‫ط َ‬
‫الدو ّ‬
‫(()‪(28‬‬
‫قدم الشعر بمعناه‪ ،‬وأق ّ‬
‫‪.‬‬
‫ل الحتفــال باللفظ …‬
‫فهــذا ظــاهره التعــارض‪ ،‬ولكــن الشــيخ يريــد أول ً‬
‫بالمعنى الذي هو مناط الفضــيلة‪ :‬المعنــى المصــور‪،‬‬
‫الــذي هــو نتــاج الصــياغة والنســج والتصــوير‪ ،‬وهــو‬
‫المعنى غير المطروح في الطريق‪ .‬وهذا يسمع قويا ً‬
‫ن ههنا أصل ً … وهــو أن يعلــم‬
‫في قول المام‪ …)) :‬إ ّ‬
‫أن ســبيل المعــاني ســبيل أشــكال الحلــي‪ ،‬كالخــاتم‬
‫والشنف والسوار فكما أن من شــأن هــذه الشــكال‬
‫أن يكون الواحد منها غفل ً ســاذجا ً لــم يعمــل صــانعه‬
‫ن أتى بما يقع عليه اسم الخــاتم‪،‬‬
‫فيه شيئا ً أكثر من أ ْ‬
‫‪.‬الدلئل‪ :‬ص ‪ ،482‬ف ‪() 561‬‬
‫‪.‬الدلئل‪ :‬ص ‪ ،64‬ف ‪() 56‬‬
‫‪28‬‬
‫‪.‬الدلئل‪ :‬ص ‪ ،251‬ف ‪() 291‬‬
‫‪26‬‬
‫‪27‬‬

‫ن يكـون‬
‫ن كـان شـنفًا‪ ،‬وأ ْ‬
‫ن كان خاتمًا‪ ،‬والشــنف‪ ،‬إ ْ‬
‫إ ْ‬
‫مصنوعا ً بديعا ً قد أغــرب الصــانع فيــه‪ .‬كــذلك ســبيل‬
‫ن تــرى الواحــد منهــا غفل ً ســاذجا ً عامي ـا ً‬
‫المعــاني أ ْ‬
‫موجودا ً في كلم الناس كلهم‪ ،‬ثــم تــراه نفســه وقــد‬
‫عمد إليه البصير بشأن البلغة وإحــداث الصــور فــي‬
‫المعاني‪ ،‬فيصنع فيه ما يصــنع الصــنع الحــاذق‪ ،‬حــتى‬
‫يغــرب فــي الصــنعة ويــدق فــي العمــل ويبــدع فــي‬
‫الصياغة(()‪.(29‬‬
‫ن المعنى الذي ترجع إليه‬
‫فهذا من المام كاف في أ ّ‬
‫الفضيلة هو المعنى المصور المستولد مــن الصــياغة‬
‫والنسج والتصوير‪ ،‬وأن المعنى الولي غيــر المصــور‬
‫معنى مطروح فــي الطريــق ل تفاضــل فيــه‪ .‬ويؤكــد‬
‫ذلك الفصل الذي عقده للموازنة بين المعنى المتحد‬
‫واللفــظ المتعــدد‪ ،‬تجــده مقــّررا ً أن التفاضــل فــي‬
‫المعاني المصورة وفي الصياغة‪ ،‬وليس في المعاني‬
‫الوليــة غيــر المصــورة والغــراض الكليــة‪ ،‬ول فــي‬
‫اللفاظ التي لم تحدث فيها صياغة ونسج فني‪.‬‬
‫يقول المام‪)) :‬قد أردت أن أكتب جملــة مــن الشــعر‬
‫الذي أنت ترى الشـاعرين فيــه قــد قــال فــي معنــى‬
‫واحد ]أي غرض[ وهو ينقسم قسمين‪:‬‬
‫قسم أنت ترى أحد الشاعرين فيه قد أتــى بــالمعنى‬
‫غفل ً ساذجًا‪ ،‬وترى الخر قد أخرجه في صورة تروق‬
‫وتعجب‪.‬‬
‫وقسم أنت ترى كل واحد مــن الشــاعرين قــد صــنع‬
‫ور‪.‬‬
‫في المعنى وص ّ‬
‫وأبــدأ بالقســم الول الــذي يكـون المعنــى فــي أحــد‬
‫البيتين غفل وفي الخر مصورا ً مصنوعًا‪ ،‬ويكون ذلك‬
‫‪.‬الدلئل‪ :‬ص ‪ ،422‬ف ‪() 497‬‬

‫‪29‬‬

‫دي‬
‫صــر عــن متقــدم‪ ،‬وإمــا لن هُ ـ ِ‬
‫مــا ل ّ‬
‫إ ّ‬
‫ن متــأخرا ً ق ّ‬
‫(()‪(30‬‬
‫‪.‬‬
‫متأخر لشيء لم يهتد إليه المتقدم …‬
‫))‬
‫ومن بعد ذكر البيات لهــذا القســم يقــول‪ :‬ذ ِك ْـُر مــا‬
‫أنــت تــرى فيــه فــي كــل واحــد مــن البيــتين صــنعة‬
‫وتصويرا ً وأستاذية على الجملة(()‪ ،(31‬ويورد أبياتا ً عدة‬
‫لهذا القسم‪ .‬ثم يأتي في الموازنة بين بيــت للنابغــة‬
‫وآخر لبي نواس‪ ،‬فيحكي خبرا ً عن المرزباني‪ ،‬قائ ً‬
‫ل‪:‬‬
‫وحكى المرزباني‪ ،‬قال‪ :‬حدثني عمــرو الــوراق قــال‪:‬‬
‫رأيت أبا نواس ينشد قصيدته التي أولها‪:‬‬
‫ره"‬
‫ب عن ع ُ ُ‬
‫من َْتا ُ‬
‫"أيها ال ُ‬
‫ف ِ‬
‫فحسدته‪ ،‬فلما بلغ إلى قوله‪:‬‬
‫ة بال ّ‬
‫شْبع من جزره‬
‫تتأّيى الطيُر غدوته‬
‫ثق ً‬
‫فقلت له‪ :‬ما تركت للنابغة شيئا ً حيث يقول‪" :‬إذا مــا‬
‫غــدا بــالجيش"‪ ،‬البيــتين‪ ،‬فقــال‪ :‬اســكت‪ ،‬فلئن كــان‬
‫سبق‪ ،‬فما أسأت التباع‪.‬‬
‫ويعلق عبد القاهر على هذا الخبر قائ ً‬
‫ل‪)) :‬وهذا الكلم‬
‫من أبي نواس دليل بين فــي أن المعنــى ُينقــل مــن‬
‫صورة إلى صورة‪ ،‬ذلك لنه لو كان ل يكون قد صــنع‬
‫بــالمعنى شــيئًا‪ ،‬لكــان قــوله‪" :‬فمــا أســأت التبــاع"‬
‫محا ً‬
‫ن‬
‫مإ ّ‬
‫ل؛ لنه على كل حال لم يتبعه في اللفظ‪ ،‬ث ّ‬
‫المر ظاهر لمن نظر في أنه قــد نقــل المعنــى عــن‬
‫صورته التي هو عليها في شــعر النابغــة إلــى صــورة‬
‫ن هاهنا معنيين‪:‬‬
‫أخرى‪ ،‬وذلك أ ّ‬
‫أحدهما‪ :‬أصل‪ ،‬وهو علم الطير بأن الممدوح إذا غــزا‬
‫عدوا ً كان الظفر له‪ ،‬وكان هو الغالب‪.‬‬
‫والخر‪ :‬فرع‪ ،‬وهو طمع الطيــر فــي أن تتســع عليهــا‬
‫المطاعم من لحوم القتلى‪.‬‬
‫‪.‬الدلئل‪ :‬ص ‪ ،489‬ف ‪() 570‬‬
‫‪.‬الدلئل‪ :‬ص ‪ ،500‬ف ‪() 572‬‬

‫‪30‬‬
‫‪31‬‬

‫وقــد عمــد النابغــة إلــى الصــل … فــذكره صــريحًا‪،‬‬
‫وكشف عن وجهه‪ ،‬واعتمد في الفرع … على دللــة‬
‫الفحوى‪ ،‬وعكس أبو نواس القصة ]أي الطريق إلــى‬
‫المعنى[ فذكر الفــرع … صــريحًا‪ ،‬فقــال كمــا تــرى‪:‬‬
‫ول في الصــل … علــى‬
‫"ثقة بالشبع من جزره"‪ ،‬وع ّ‬
‫الفحوى‪ .‬ودللة الفحوى على علمها أن الظفر يكون‬
‫للممدوح‪ ،‬هي فــي أن قــال‪" :‬مــن جــزره"‪ ،‬وهــي ل‬
‫تثق بأن شبعها يكون من جزر الممدوح‪ ،‬حــتى تعلــم‬
‫أن الظفر يكون له‪ .‬أفيكون شيء أظهر من هذا في‬
‫النقل عن صورة إلى صورة؟(()‪.(32‬‬
‫ومــن بعــد فراغــه مــن إيــراد مــا تبــاينت فيــه صــور‬
‫المعاني يقول‪)) :‬فــانظر الن نظــر مــن نفــى الغفلــة‬
‫ن للمعنى في كل واحــد‬
‫عن نفسه‪ ،‬فإنك ترى ِ‬
‫عيانا ً أ ّ‬
‫من البيتين من جميع ذلك صورة وصفة غير صــورته‬
‫وصفته في البيت الخر‪ ،‬وأن العلماء لم يريدوا حيث‬
‫ن‬
‫قالوا‪" :‬إن المعنى في هذا هو المعنى في ذاك"‪ :‬أ ّ‬
‫الذي يعقل من هذا ل يخالف الــذي يعقــل مــن ذاك‪،‬‬
‫وأن المعنى عائد عليك في البيت الثاني على هيئتــه‬
‫وصفته التي كان عليها في البيت الول‪ ،‬وأن ل فرق‬
‫ول فصــل ول تبــاين بــوجه مــن الوجــوه‪ ،‬وأن حكــم‬
‫البيتين مثل ً حكم السمين قد وضعا في اللغة لشيء‬
‫د‪ ،‬كالليث والسد‪ ،‬ولكن قالوا ذلك علــى حســب‬
‫واح ٍ‬
‫ما يقوله العقلء في الشيئين يجمعهما جنــس واحــد‪،‬‬
‫م يفترقـــان بخـــواص ومزايـــا وصـــفات كالخــاتم‬
‫ثـــ ّ‬
‫والخــاتم‪ ،‬والشــنف وال ّ‬
‫شــنف‪ ،‬والســوار والســوار‪،‬‬
‫ي التي يجمعها جنــس واحــد‪ ،‬ثــم‬
‫وسائر أصناف الحل ّ‬
‫يكون بينهما الختلف الشــديد فــي الصــنعة والعمــل‬
‫…(()‪.(33‬‬
‫‪.‬الدلئل‪ :‬ص ‪ ،502‬ف ‪() 573‬‬
‫‪.‬الدلئل‪ :‬ص ‪ ،507‬ف ‪() 575‬‬

‫‪32‬‬
‫‪33‬‬

‫ن قولنا "الصورة" إنما هــو تمثيــل و قيــاس‬
‫))واعلم أ ّ‬
‫لما نعلمه بعقولنــا علــى الــذي نــراه بأبصــارنا‪ ،‬فلمــا‬
‫رأينــا البينونــة بيــن آحــاد الجنــاس تكــون مــن جهــة‬
‫الصــورة‪ ،‬فكــان تــبّين إنســان مــن إنســان‪ ،‬وفــرس‬
‫وفرس بخصوصية تكون في صورة هذا ل تكون فــي‬
‫صــورة ذاك‪ ،‬وكــذلك كــان المــر فــي المصــنوعات‪،‬‬
‫فكان تبين خاتم من خاتم‪ ،‬وسوار من ســوار بــذلك‪،‬‬
‫ثم وجدنا بين المعنى في أحد البيتين وبينه في الخر‬
‫بينونة في عقولنا وفرقًا‪ ،‬عّبرنا عن ذلك الفرق وتلك‬
‫البينونة بأن قلنا للمعنى في هذا صورة غيــر صــورته‬
‫في ذلك …(()‪.(34‬‬
‫ن منــاط بلغــة الخطــاب‬
‫فهذا دال دللة باهرة فــي أ ّ‬
‫في معناه المصور المســتولد مــن الصــياغة والنســج‬
‫والتصوير‪ .‬ويزداد المر جلء وتأطيدا ً بقول‪)) :‬ومعلوم‬
‫ل الكلم ســـبي ُ‬
‫ن ســـبي َ‬
‫ل التصـــوير والصـــياغة‪ ،‬وأن‬
‫أ ّ‬
‫ل المعنى الذي يعبر عنه سبي ُ‬
‫سبي َ‬
‫ل الشيء الذي يقع‬
‫التصوير والصوغ فيه‪ ،‬كالفضة والذهب ُيصــاغ ُ منهمــا‬
‫ن محال ً إذا أنــت أردت النظــر‬
‫خاتم أو سوار‪ ،‬فكما أ ّ‬
‫في صوغ الخاتم وفي جودة العمل ورداءته أن تنظر‬
‫إلى الفضة الحاملــة لتلــك الصــورة أو الــذهب الــذي‬
‫وقع فيه ذلك العمل وتلك الصــنعة‪ .‬كــذلك محــال إذا‬
‫أردت أن تعرف مكان الفضــل والمزيــة فــي الكلم‪،‬‬
‫أن تنظر في مجرد معناه‪ ،‬وكما أنا لـو فضـلنا خاتمـا ً‬
‫صــه‬
‫علــى خــاتم‪ ،‬بــأن تكــون فضــة هــذا أجــود‪ ،‬أو ف ّ‬
‫أنفس‪ ،‬لم يكن تفضيل ً له من حيث هو خــاتم‪ .‬كــذلك‬
‫ينبغي إذا فضلنا بيتا ً على بيت من أجل معنــاه‪ ،‬أن ل‬
‫يكون تفضــيل ً لــه مــن حيــث هــو شــعر وكلم‪ .‬وهــذا‬
‫قاطع‪ ،‬فاعرفه(()‪.(35‬‬
‫‪.‬الدلئل‪ :‬ص ‪ ،508‬ف ‪() 577‬‬
‫‪.‬الدلئل‪ :‬ص ‪ ،254‬ف ‪() 297‬‬

‫‪34‬‬
‫‪35‬‬

‫فلم يبق بعد هذا البيان القــاطع إل أن يخلــص المــر‬
‫في أن اللفاظ من حيث هي ليست مناط الفضــيلة‪،‬‬
‫وإنما هي مناط الفضيلة حيــن تســند إليهــا إذا كــانت‬
‫صياغة ونسجا ً وتصويرًا‪ .‬مــن رحمهــا يخــرج المعنــى‬
‫الشعري‪ /‬البياني‪ ،‬وأن المعاني من حيث هي ليســت‬
‫منــاط فضــيلة‪ ،‬بــل هــي مناطهــا حيــن تكــون معنــى‬
‫مصــورا ً مســتولدا ً مــن الصــياغة والنســج والتصــوير‬
‫الفني‪ ،‬فالمعاني ل تستحسن إل بمقدار ما فيها مــن‬
‫تصوير‪ .‬أما أنها حكمة وأدب خلقــي ومعرفــة عقليــة‬
‫غريبة نادرة‪ ،‬فذلك ل يقال‪ .‬وكذلك استحســان لفــظ‬
‫ل يكون إل بما كان له من أثر فــي تصــوير المعنــى‪،‬‬
‫وما كان عــاجزا ً أو ضــعيفا ً فــي هــذا فليــس لــه مــن‬
‫الفضل نصيب‪ .‬وقد أ ّ‬
‫كد المام هذا الصــل‪ ،‬وهــو‪ :‬أن‬
‫استحسان اللفاظ إنما يكون من أجل ما له من أثــر‬
‫في تصوير المعنى‪ ،‬تصويرا ً يفوق به ما جانســه مــن‬
‫المعاني‪ ،‬وق ـّرر فــي مفتتــح "أســرار البلغــة" ذلــك‪،‬‬
‫ن المثل العلى فــي استحســان اللفــاظ فيــه‬
‫وبين أ ّ‬
‫الجنــاس والســجع‪ ،‬وبيــن بيان ـا ً شــافيا ً أن ذلــك ومــا‬
‫ضارعه لـن يحـوز الفضـيلة إل بمـا لـه مـن أثـر فـي‬
‫َ‬
‫تصوير المعنى‪ .‬وكلمه في هذا ظــاهر ل يخفــى‪ .‬بـل‬
‫قد ذهب إلى أن تــرك الجنــاس والســجع فــي بعــض‬
‫المعاني والمقاصــد يوقــع عقوق ـا ً بــالمعنى‪ ،‬وإدخــال‬
‫الوحشــة عليــه‪ ،‬فيكــون قبــح الــترك حينــذاك كمثــل‬
‫تكلف التيان به حين ل يقتضيه المعنى)‪.(36‬‬
‫وإذا كان المام مقـّررا ً أن الفضــيلة ل تكــون إل فــي‬
‫المعنى المصور‪ ،‬ول تكون إل في الصياغة المستولد‬
‫منها ذلك المعنى‪ ،‬فهل معنى ذلك أنــه يجــرد اللفــظ‬
‫الذي هو عنصر الصياغة‪ ،‬فتكون كلمة "مرآة" كمثــل‬
‫‪.‬انظر‪ :‬أسرار البلغة‪ :‬ص ‪ ،14‬ف ‪() 12‬‬

‫‪36‬‬

‫سن تلــك‪،‬‬
‫كلمة "سجنجل" تحسن هذه في موضع ُ‬
‫ح ْ‬
‫حتى تحقق التأليف الخاص والتركيب والصياغة؟‬
‫واقع حـال موقـف المـام عبـد القـاهر مـن اللفـاظ‬
‫المفردة بين جلي‪ ،‬وصــريح ســافر فــي مــوطن مــن‬
‫الدلئل‪ ،‬وخفي دفين في آخر منه‪.‬‬
‫يقـول المـام‪)) :‬واعلــم أّنـا ل نـأبى أن تكــون مذاقـة‬
‫الحروف وسلمتها مما يثقل على اللسان داخل ً فيما‬
‫يوجب الفضيلة وأن تكــون ممــا يؤكــد أمــر العجــاز‪،‬‬
‫وإنمــا الــذي ننكــره وُنفي ّــل رأي مــن يــذهب إليــه أن‬
‫يجعلــه ]أي البيــان القرآنــي[ معجــزا ً بــه ]أي مــذاق‬
‫الحروف وسلمتها[ وحده‪ ،‬ويجعلــه الصــل والعمــدة‬
‫…(()‪.(37‬‬
‫وهذا الذي قاله المام جلـي قـويّ ل يتوقـف فيــه ذو‬
‫حجا‪ .‬وهو يقـرر فـي موضـع أسـبق أّنـه ل يمنـع ))أن‬
‫يكــون تلؤم الحــروف وجهــا ً مــن وجــوه الفضــيلة‪،‬‬
‫وداخل ً في عداد ما يفاضل بــه بيــن كلم وكلم علــى‬
‫الجملــة(()‪ .(38‬ولكنــه يمنــع أن نجعلــه العمــدة فــي‬
‫المفاضلة بين العبارتين ول تعــرج علــى غيــره‪ ،‬فــدل‬
‫هذا دللة بينــة علــى أن لختيــار اللفــظ المفــرد مــن‬
‫حيث صــوته وجرســه منـــزلة فــي الفضــيلة‪ ،‬ولكنهــا‬
‫ليست هي عمود الفضيلة وجرثومتها‪.‬‬
‫وأنت إذا ما عدت إلى مقالة لــه مــن قبــل هــذا فــي‬
‫تبيان خصال تمام بلغة الخطــاب‪ ،‬الــتي هــي حســن‬
‫دللــة الكلم وتمامهــا ثــم تبرجهــا فــي صــورة بهيــة‬
‫معجبــة‪ ،‬رأيتــه يجعــل طريــق تحقيــق هــذه الخصــال‬
‫جانب منه من اختيار اللفظ الذي هو أخص بــالمعنى‬
‫وأكشف عنه وأتم له وأحرى بأن يكســبه نبل ً ويظهــر‬
‫‪.‬الدلئل‪ :‬ص ‪ ،522‬ف ‪() 609‬‬
‫الدلئل‪ :‬ص ‪ ،59‬ف ‪ .50‬ناظ ِْره بفصل‪ :‬في الوجه الذي له يقع التفاضل في )(‬
‫فصاحة الكلم‪ ،‬ص ‪ 200‬من كتاب "المغنى في أبواب العدل والتوحيد" للقاضي‬
‫‪.‬عبد الجبار‪ ،‬ج ‪ ،16‬ت‪ :‬أمين الخولي‪ ،‬ط سنة ‪1380‬هـ‪ ،‬بمصر‬
‫‪37‬‬
‫‪38‬‬

‫فيــه مزّيــة‪ .‬ومــن العناصــر المحققــة للفــظ هــذه‬
‫الســمات الخمــس مــا يرجــع إلــى صــوته وجرســه‬
‫ومعناه الوضعي المتعيــن‪ ،‬فلــول تلــك الفــروق الــتي‬
‫بين "جلس" و"قعد"‪ ،‬وبين "قام" و"وقف" لما كــان‬
‫اللفظ أخص بالمعنى وأكشف …‬
‫وهذه العناصر القائمــة فــي اللفــظ‪ :‬جرســه ومعنــاه‬
‫الوضعي المتعين وصورته‪ ،‬ل تعمل وحدها ول تحقق‬
‫السمات الخمــس بمفردهــا بــل بمــا لهــا مــن علئق‬
‫التآلف بين بقية اللفاظ‪ .‬فكما أن الوجــوه والفــروق‬
‫الــتي تكــون فــي الكلم مــن معــاني نحــوه ليســت‬
‫المزية بواجبة لها في أنفسها‪ ،‬ومن حيث هــي علــى‬
‫الطلق‪ ،‬ولكــن تعــرض بســبب المعــاني والغــراض‬
‫التي يوضع لها الكلم ثم بحســب موقــع بعضــها مــن‬
‫بعض‪ ،‬واستعمال بعضها مع بعض‪ ،‬يكون المر كمثله‬
‫في شــأن اللفــظ المفــرد مــن حيــث صــوته ومعنــاه‬
‫الموضوع المتعين ليست مزيته بواجبة له من حيــث‬
‫هــو علــى الطلق‪ ،‬بــل بســبب مــوقعه والوجــوه‬
‫والفروق في العلقات‪ ،‬بالضافة إلى مــا ترجــع إليــه‬
‫مزايا الوجوه والفروق النظمية‪.‬‬
‫ومن ثم يكون لدينا مستويان بشأن اللفاظ‪:‬‬
‫الول‪ :‬فــي اختيــار اللفــاظ مــن قبــل‬
‫•‬
‫التأليف‪ .‬هذا الختيار يقع في مـا يكـون لهـا‬
‫من سمات صوتية ومعنوية متعينة )المعنى‬
‫الفــــرادي( كــــالفرق بيــــن "الخــــوف"‬
‫و"الخشية"‪ ،‬و"جلس" و"قعــد"‪ ،‬و"أعطــى"‬
‫و"آتى" … وهذا ل تكون مزيتــه إل بحســب‬
‫الموقع والعلقات‪.‬‬
‫والخر‪ :‬فــي اختيــار الوجـوه والفــروق‬
‫•‬
‫النظمية في معاني النحو التي هــي العلئق‬

‫بين معاني اللفاظ في حــال التــأليف‪ ،‬هــذا‬
‫الختيار يقع في ما يكون لها مــن علقــات‪،‬‬
‫ول تكون مزية إل بحسب المعنى والغــرض‬
‫الـذي يوضـع لـه الكلم‪ ،‬ثـم بحسـب موقـع‬
‫بعـــض الوجـــوه والفـــروق مـــن بعـــض‪،‬‬
‫واستعمال بعضها مع بعض‪.‬‬
‫فههنا معياران أو مرجعان للمزية‪:‬‬
‫مرجع لمزية في اختيــار المفــرد قبــل‬
‫•‬
‫التأليف‪ ،‬هو الموقــع والعلقــة‪ ،‬ففــي قــوله‬
‫تعــالى‪} :‬إنمــا يخشــى اللــه مــن عبــاده‬
‫العلماء{‪ ،‬اختيــار "يخشــى" علــى "يخــاف"‬
‫مرجعــه موقــع الفعــل وعلقــاته بعناصــر‬
‫الجملة‪.‬‬
‫مرجع لمزية فــي اختيــار وجــه نظمــى‬
‫•‬
‫في سياق التأليف هو الغرض الــذي يوضــع‬
‫له الكلم … ففي قوله‪} :‬وتوبوا إلــى اللــه‬
‫جميعا ً أّيه المؤمنون{ ]سورة النور[‪ ،‬اختيار‬
‫"توبوا إلى الله جميع ـًا" علــى قــوله "توبــوا‬
‫إلى الله توبة نصوحًا"‪ ،‬وتقديمه على النداء‬
‫ـ مرجعه الغرض والسياق الــذي نصــب لــه‬
‫الكلم‪ ،‬وموقع المر من النــداء واســتعماله‬
‫معـــه دون النهـــي مث ً‬
‫ل‪ ،‬وذلـــك فـــي حـــق‬
‫"المؤمنين"‪ ،‬واستعماله مع "أي ّــه" دون "يــا‬
‫أيها"‪ ،‬ومع "المؤمنين" دون "الذين آمنوا"‪.‬‬
‫هكذا يتضــح موقــف المــام مــن مرجــع المزيــة إلــى‬
‫ألفاظ الخطاب أم معانيه‪ .‬مثلما اتضح بيانه مقومات‬
‫تمــام بلغــة الخطــاب و أدبيتــه‪ ،‬ليبقــى أمامنــا بيــانه‬
‫عمــود بلغــة هــذا الخطــاب وإتمامهــا وكمالهــا فــي‬
‫النظم‪.‬‬

‫عمود بلغة الخطاب‪ :‬النظم‬
‫إذا مـا كـان قـد اكتفـى ببيـان مقومــات تمـام بلغـة‬
‫الخطاب الثلثة‪ ،‬والطريق إلى تحقيقهــا فــي مــوطن‬
‫واحد من كتابه "دلئل العجاز")‪ ،(39‬فإن المــر علــى‬
‫خلفه بشأن تفصــيل وتـبيين عمـود بلغـة الخطـاب‪،‬‬
‫فإنك واجده قد عمد إلى تكرير وتصريف البيان عنــه‬
‫في مواطن عديدة من "الــدلئل"‪ ،‬ممــا قــد يحســب‬
‫ن فــي المــر اضــطرابا ً فــي تــأليف الكتــاب‬
‫حاسب أ ّ‬
‫ونسقه‪ ،‬وأن كلمه عنه في مــوطن مغــن عــن بقيــة‬
‫كلمه في سائر المواطن الخرى‪.‬‬
‫جم ـ ُ‬
‫ن مــن منهــج‬
‫ل بــه الّري ـ ُ‬
‫ث ــ فــإ ّ‬
‫والمر في هذا أ ْ‬
‫البيان القرآني أنه يكثر من التصريف البياني للشيء‬
‫الرئيــس مــن أمــر الســلم‪ ،‬ويــذكره مصــرفا ً فــي‬
‫مواطن عديدة من القرآن الكريم كمثل ما تراه فــي‬
‫شأن "التوحيد" هو عظيم تصــريف البيــان عنــه‪ ،‬بــل‬
‫تكاد تراه حاضرا ً ـ تصريحا ً وتلويحا ً ـ في أغلب آيــات‬
‫الذكر الحكيم يدرك ذلك أهل الفراسة البيانيــة‪ ،‬ومــا‬
‫ذاك إل من عظيم شأن التوحيــد‪ ،‬فهــو عمــود الــدين‬
‫وأساسه‪ ،‬وبغيــره ل قيمــة لي شــيء وإن كــان فــي‬
‫نفسه جلي ً‬
‫ل‪.‬‬
‫كذلك النظم أو مناهج البناء في بلغــة الخطــاب قــد‬
‫أطبق العلماء على تعظيــم شــأنه كمــا يقــول المــام‬
‫عبد القاهر فبّتوا ))الحكم بأنه الذي ل تمــام دونــه‪،‬ول‬
‫قوام إل به‪ ،‬وأنه القطب الذي عليه المدار‪ ،‬والعمود‬
‫(( )‪(40‬‬
‫م نجد المام ل يكــف‬
‫الذي به الستقلل‬
‫‪ .‬ومن ث ّ‬
‫عن التذكير به وتصريف البيان عن مفهومه ومجالته‬
‫وأهميته في عمود بلغة الخطاب‪.‬‬
‫‪.‬انظر‪ :‬الدلئل‪ :‬ص ‪ ،43‬ف ‪() 35‬‬
‫‪.‬الدلئل‪ :‬ص ‪ ،80‬ف ‪() 74‬‬

‫‪39‬‬
‫‪40‬‬

‫وهو يفرق بين ضربين من النظم‪ :‬نظم الحروف في‬
‫الكلمة‪ ،‬ونظم الكلمــات فــي الكلم‪ .‬نظــم الحــروف‬
‫في الكلمة ضرب من تــوالي الحــروف فــي النطــق‪،‬‬
‫وليس ذلــك التــوالي فــي النطــق لــه علقــة بمعنــى‬
‫الكلمة الذي دل عليه نطقها دللة مباشرة ‪ .‬فواضــع‬
‫اللغة ـ عند المام ـ لــو قــال مكــان "ضــرب" الــدال‬
‫على حدث معين واقع من فاعل لــه قــوَله "ربــض"‪،‬‬
‫وجعله هذه الصورة من ترتيب الحروف فــي النطــق‬
‫دالة على عين ما دلت عليه "ضــرب" لمــا كــان فــي‬
‫ن وضــع‬
‫ذلك ما يؤدي إلى فساد‪ .‬وكأنه يذهب إلــى أ ّ‬
‫اللفاظ بصيغتها التي هــي عليهــا إزاء مــا تــدل عليــه‬
‫من المعاني ليــس وضــعا ً موضــوعيا ً مرتبطـا ً بعلقــة‬
‫حروف اللفظ بمعناه‪ ،‬فهــو وضــع عرفــي اعتبــاطي‪،‬‬
‫فالكلمــة رمــز دال علــى المرمــوز‪ ،‬وليــس بينهمــا‬
‫علقة‪.‬‬
‫وكأني به يرمي إلى الرد ّ على أبي الفتح عثمــان بــن‬
‫جني الذاهب إلى تعاقب اللفــاظ لتعــاقب المعــاني‪،‬‬
‫وأن هنالك علقة بين ترتيب أصوات حـروف الكلمــة‬
‫وترتيب أحــداث مــا تــدل عليــه‪ ،‬ومث ّــل لهــذا بالفعــل‬
‫"بحث" وعلقة البدء بحرف "الباء"‪ ،‬والتثنيــة بحــرف‬
‫"الحــاء"‪ ،‬والنتهــاء بحــرف "الثــاء" بــترتيب أحــداث‬
‫الفعل نفســه‪ ،‬وحركــة فــاعله‪ .‬فهــو يــرى أن هنالــك‬
‫توافقا ً بين ترتيب أصــوات حــروف الكلمــة‪ ،‬وترتيــب‬
‫ن الوضــع علــى هــذا النحــو ليــس‬
‫أحــداث الفعــل‪ ،‬وأ ّ‬
‫اعتباطيًا‪.‬‬
‫ليس هذا فحسب‪ ،‬إننا نجد أبــا فهــر‪ :‬محمــود شــاكر‬
‫يكتب مقالت في مجلة "المقتطــف" ســنة ‪1940‬م‬
‫تحت عنوان‪" :‬علم معاني أصوات الحروف‪ :‬سّر من‬
‫أســرار العربيــة ترجــو أن نصــل إلــى حقيقتــه فــي‬
‫السليقة العربية"‪ .‬يقرر في مفتتح هذه المقالت أنه‬

‫يرمي إلى ))تفســير ألفــاظ العربيــة بدللــة الحــروف‬
‫على معان أصلية ثابتة في طبيعة أصــحاب الســليقة‬
‫العربية الولى‪ ،‬الذين تلقينا عنهم بيــان هــذا اللســان‬
‫العربي المبين((‪ .‬وهو يفســر لــه مــراده مــن معــاني‬
‫أصوات الحروف بأنه‪)) :‬ما يستطيع أن يحتمله صوت‬
‫الحرف ـ ل الحرف نفســه ـ ـ مــن المعــاني النفســية‬
‫التي يمكن أن تنبض بها موجة اندفاعه مــن مخرجــه‬
‫مـــن الحلـــق أو اللهـــاة أو الحنـــك أو الشـــفتين أو‬
‫الخياشيم‪ ،‬وما يتصل بكل هــذه مــن مقومــات نعــت‬
‫الحــرف المنطــوق‪ ،‬وليســت المعــاني النفســية ــ أو‬
‫العواطف أو الحســاس ــ هــي كــل مــا يســتطيع أن‬
‫يحتمله صوت الحــرف‪ ،‬بــل هــو يســتطيع أن يحتمــل‬
‫أيضا ً صورا ً عقلية معبرة عن الطبيعة ومــا فيهــا مــن‬
‫المادة‪ ،‬وما يتصل بــذلك مــن أحــداثها أو حركاتهــا أو‬
‫أصواتها أو غير ذلك …(()‪.(41‬‬
‫ومعنــى هــذا أن امتــداد النظــر فــي معــاني أصــوات‬
‫الحــروف وربطهــا بمواقعهــا فــي الكلــم يعيــن علــى‬
‫الحساس بجماع المعاني النفسية والعقليــة للكلمــة‬
‫التي تشكلت من تلــك الحــروف‪ .‬وأن تقــديم حــرف‬
‫عن موضوعه يتبعه تقديم عنصر من عناصر المعاني‬
‫النفسية والعقلية لذلك الصوت المتقــدم‪ ،‬علـى نحـو‬
‫ما نراه من تقديم وتأخير فــي الفعــل )علــم‪ /‬عمــل(‬
‫مث ً‬
‫ل‪ .‬وفــي هــذا مــا يهــدي إلــى أن مواقــع أصــوات‬
‫الحروف هادية إلى مواقع عناصر المعــاني النفســية‬
‫والعقلية لجمـاع معنـى الكلمـة‪ .‬ذلـك مـا يؤخـذ مـن‬
‫شــيخ علمــاء العربيــة فــي عصــرنا‪ :‬أبــي فهــر عليــه‬
‫الرحمة والسكينة‪.‬‬
‫أما عبد القاهر فل يرى علقة بيــن الــدال والمــدلول‬
‫ن الكلمـات عنـده قـد‬
‫في نظم حـروف الكلمـة‪ ،‬إذ ْ إ ّ‬
‫‪.‬المقتطف‪ :‬مجلد ‪ ،96‬ج ‪ ،3‬ص ‪() 41‬‬

‫‪41‬‬

‫وضعت إزاء معانيها لغير ما حكمة ناظرة إلى منهــج‬
‫نظم حروف الكلمــة‪ ،‬لن القــول بــأن هنالــك علقــة‬
‫معنوية بين نظم حروف الكلمة ومعنى تلــك الكلمــة‬
‫دي إلى أن يكون بملــك الســامع أن يعــرف معنــى‬
‫يؤ ّ‬
‫الكلمة بالنظر في حروفها‪ ،‬وإن لم يسـبق لـه سـمع‬
‫وعلــم بمعناهــا الوضــعي مــن ســابق عليــه‪ ،‬والواقــع‬
‫ناطق بأن المرء ل يعرف معنى الكلمــة إل إذا ســبق‬
‫تعليمــه لهــا نطقـا ً ودللــة‪ ،‬ولــذلك تجــد الكلمــة فــي‬
‫اللســان الواحــد )العربيــة مث ً‬
‫ل( تــدل علــى المعنــى‬
‫وغيره‪ ،‬بل تدل على المعنى وضده كما يعــرف عنــد‬
‫علماء اللغة بالتضــاد‪ ،‬وهــو فــي العربيــة غيــر قليــل‪،‬‬
‫د‪ ،‬ويعينــه مــن‬
‫ن الكلم المــرا َ‬
‫يفصــل الســياقُ وقــرائ ُ‬
‫المعنيين المتضادين‪.‬‬
‫ولكن يبقى في القول باعتباطيــة الوضــع غصــة فــي‬
‫الحلق‪ ،‬ول سيما إذا قلنا إن اللغة توقيف في أصــلها‬
‫الول‪ ،‬وليس مواضعة )اصطلحية(‪ ،‬فالــذكر الحكيــم‬
‫صــريح فــي أن اللــه ع ـّز وج ـ ّ‬
‫ل هــو الــذي علــم آدم‬
‫ضع الحق جل جلله اللفــاظ أو‬
‫السماء كلها‪ .‬وهل و ْ‬
‫السماء ـ كما ذكر القرآن الكريم ـ إزاء معانيهــا هــو‬
‫وضع اعتباطي ليس من ورائه حكمة؟ أيمكن لنــا أن‬
‫نقول‪ ،‬أو أن نرتضي من أحد أن يقول؟!‬
‫أما نظم الكلمات في دائرة الكلم فإن المر ـ ـ عنــد‬
‫المــام ــ علــى خلف مــا عليــه نظــم الحــروف فــي‬
‫الكلمة‪ .‬أنــت فــي نظــم كلمــك مــن كلمــات‪ ،‬تــولي‬
‫الكلمــة الكلمــة فــي نطقــك وأدائك مقتفيــا ً آثــار‬
‫المعاني‪ ،‬وجاعل ً ترتيبها في لسانك على حذو ترتيبها‬
‫في جنانك)‪.(42‬‬

‫‪.‬انظر‪ :‬الدلئل‪ :‬ص ‪ ،49‬ف ‪() 40‬‬

‫‪42‬‬

‫هو نظم تابع نظما ً آخــر ســابقا ً عليــه‪ ،‬هــو المرجــوع‬
‫إليــه والمنظـور فيــه‪ ،‬هـو نظــم المعـاني فـي نفــس‬
‫المتكلم‪ ،‬فذلك هو الجدير بالعتبار عند المام‪.‬‬
‫وهــذا مــا ل يم ـ ّ‬
‫ل المــام عبــد القــاهر مــن تكــراره‬
‫وتصريف البيان عنه في مواطن عديدة‪ ،‬حتى يكــون‬
‫ذلك موطن العناية بالتأمل والمناقدة‪ ،‬التي ل تنتهــي‬
‫مــع النصــاف والموضــوعية إل إلــى التســليم بــه‬
‫وتقريره واتخاذه ركنا ً ركينًا‪ .‬ولذا تسمعه فــي فقــرة‬
‫تالية يؤ ّ‬
‫كد أنه ))ليس الغرض بنظم الكلــم أن تــوالت‬
‫ألفاظها في النطق‪ ،‬بل أن تناسقت دللتهــا وتلقــت‬
‫معانيها على الوجه الذي اقتضاه العقل(()‪.(43‬‬
‫والقتضاء العقلــي مجــاله فيمــا هــو موضــوع الفكــر‬
‫ن المتكلــم‬
‫والتأمل‪ ،‬وأنت ل تذهب وإن بالغت إلــى أ ّ‬
‫منفــق مكنــوز فكــره فــي اللفــاظ مــن حيــث هــي‬
‫أصوات تشقشق به اللسنة‪ ،‬بــل المــر علــى غيــره؛‬
‫مناط الفكر وموضوع التأمل هو المعاني القائمة في‬
‫نفــس المتكلــم‪ ،‬ومنــاط الفكــر هــو منــاط النظــم‬
‫والترتيب والتأليف والتركيب‪ ،‬فبناء الكلم في أصــله‬
‫ي‪ ،‬وليس بناء حسيا ً بّراني ّا ً منفص ً‬
‫ل‪.‬‬
‫بناء روحي ُ‬
‫جوان ّ‬
‫ن‬
‫ويكرر هذا عبد القاهر ويصرف بيانه عنه ليتقرر ))أ ّ‬
‫هذا النظم الذي يتواصفه البلغــاء‪ ،‬وتتفاضــل مراتــب‬
‫البلغــة مــن أجلــه صــنعة يســتعان عليهــا بــالفكر ل‬
‫محالــة‪ .‬وإذا كــانت ممــا يســتعان عليهــا بــالفكرة‬
‫ويستخرج بالروية‪ ،‬فينبغي أن ينظر في الفكر بمــاذا‬
‫تلبس؟ أبالمعــاني أم باللفــاظ؟ فــأي شــيء وجــدته‬
‫الذي تلبس به فكــرك مــن بيــن المعــاني واللفــاظ‪،‬‬
‫فهو الذي تحــدث فيــه صــنعتك‪ ،‬وتقــع فيــه صــياغتك‬
‫ونظمك وتصويره …(()‪.(44‬‬
‫‪.‬الدلئل‪ :‬ص ‪ ،41‬ف ‪() 49‬‬
‫‪.‬الدلئل‪ :‬ص ‪ ،41‬ف ‪() 44‬‬

‫‪43‬‬
‫‪44‬‬

‫ن مناط الصنعة هــو منــاط‬
‫فهو كما ترى ذاهب إلى أ ّ‬
‫الفكر والتأمل‪ ،‬وليس ذلك إل فيما كــان مــن جنســه‬
‫ممـــا يـــدرك بـــالقلوب والرواح‪ ،‬وهـــو المعـــاني ل‬
‫اللفاظ‪.‬‬
‫وما تــراه مــن ترتيــب فــي اللفــاظ ليــس هــو ثمــرة‬
‫التفكير فيها‪)) ،‬ولكنه شيء يقع بسبب الول ضرورة‬
‫]أي بسبب التفكير في المعاني وترتيبها في العقل[‪،‬‬
‫من حيث إن اللفاظ إذا كانت أوعية للمعاني‪ ،‬فإنهــا‬
‫ل محالــة تتبــع المعــاني فــي مواقعهــا‪ .‬فــإذا وجــب‬
‫دال‬
‫لمعنى أن يكون أول ً في النفس وجــب ل ِل ّ ْ‬
‫فــظ الـ ّ‬
‫عليــه أن يكــون مثلــه أول ً فــي النطــق(()‪ .(45‬فالــذي‬
‫يقتضي أن تكون هذه الكلمة هنا وتلك هناك إنما هو‬
‫م ))ل يتصـور أن‬
‫معنى الكلم والغـرض فيـه‪ ،‬ومـن ثـ ّ‬
‫يعرف للفظ موضعا ً من غير أن تعرف معناه‪ ،‬ول أن‬
‫ظ ترتيب ـا ً‬
‫تتــوخى فــي اللفــاظ مــن حيــث هــي ألفــا ٌ‬
‫ونظمًا‪.‬‬
‫وأنــك تتــوخى الــترتيب فــي المعــاني وتعمــل الفكــر‬
‫م لك ذلــك أتبعتهــا اللفــاظ وتقــوت بهــا‬
‫هناك‪ ،‬فإذا ت ّ‬
‫آثارها‪.‬‬
‫وأنك إذا فرغت من ترتيب المعاني في نفســك‪ ،‬لــم‬
‫تحتج إلى أن تستأنف فكرا ً في ترتيــب اللفــاظ‪ ،‬بــل‬
‫تجدها تترتب لك بحكم أنها خدم للمعاني وتابعة لهــا‬
‫ولحقة بها‪ ،‬وأن العلم بمواقع المعــاني فــي النفــس‬
‫علم بمواقع اللفاظ الدالة عليها في النطق(()‪.(46‬‬
‫ن النظم والــترتيب والتــأليف والــتركيب‬
‫ومعنى هذا أ ّ‬
‫ومــا شــاكل ذلــك ممــا هــو عمــود بلغــة الخطــاب‬
‫وفصاحته إنما هو نظم معان‪ ،‬فمناط بلغة الخطــاب‬
‫معانيه وليـس ألفـاظه‪ ،‬ومـا ألفـاظه مرتبـة ومركبـة‬
‫‪.‬الدلئل‪ :‬ص ‪ ،52‬ف ‪() 45‬‬
‫‪.‬الدلئل‪ :‬ص ‪ ،53‬ف ‪() 47‬‬

‫‪45‬‬
‫‪46‬‬

‫علــى هــدي ترتيــب المعــاني وتركيبهــا إل صــورة‬
‫انعكاس ما في النفس من نظم المعاني وتركيبها‪.‬‬
‫وإذا كان المام مؤكدا ً أنك إذا ما فرغت مــن ترتيــب‬
‫معانيك في نفسك لم تحتــج إلــى أن تســتأنف فكــرا ً‬
‫فــي ترتيــب ألفاظــك … فــإن مــا يعــرف بالتنقيــح‬
‫والتحكيك عند شعراء مدرسة "عبيد الشــعر" قــديما ً‬
‫وحديثا ً إنما هو تنقيــح فــي المعــاني ل فــي اللفــاظ‪،‬‬
‫واستبدال كلمة موضع أخــرى مــرده إلــى المعنــى ل‬
‫إلى ما يحدثه الستبدال من توقيــع صــوتي ل علقــة‬
‫ن الشاعر الفحل ل يوقــع عــدول ً فــي‬
‫له بالمعنى‪ ،‬وإ ّ‬
‫التوقيــع الصـوتي باسـتبدال كلمـة إل إذا كــان بـاعثه‬
‫معنويا ً ل صوتيا ً مجردًا‪.‬‬
‫ذلك مؤدى ما يذهب إليه المام‪ ،‬ولكــن الــذي يشــهد‬
‫به الواقع البداعي ل يسلم بذلك على عمومه‪ ،‬فــإن‬
‫ضربا ً من ترتيب الكلم واســتبدالها ذات ـا ً وموقع ـا ً قــد‬
‫يكون مرده إلى تحقيــق تنــاغم وتنــاغ ل يحــدث فــي‬
‫المعنى دغ ً‬
‫ل‪.‬‬
‫وأمر آخر‪ ،‬ظاهر كلم عبــد القــاهر أن المتكلــم فــي‬
‫حــال التفكيــر وإعــداد معــانيه وترتيبهــا ل يلقــي بــال ً‬
‫لللفاظ‪ ،‬وأنــه يحــدث فكــرا ً مجــردا ً فــي نفسـه مـن‬
‫اللفاظ‪ ،‬وهذا أمر ل يشهد به الواقع‪ ،‬فكل مف ّ‬
‫كر هو‬
‫مفكر باللغة‪ ،‬هــو متكلــم فــي نفســه بلغــة وألفــاظ؛‬
‫ولذلك حين يستغرق بعض المفكرين تجده قد غلبته‬
‫اللفاظ فجرت على لسانه‪ ،‬فيقال إنه يكلــم نفســه‪،‬‬
‫ن عل صــوت‬
‫والحق أنه يفكر كمثل كل من يفكــر وإ ْ‬
‫تفكيره‪.‬‬
‫وأمر ثالث يترتب على نهج عبد القاهر‪ :‬مؤدى كلمه‬
‫أن كل مبدع لبــد أن يكــون واعيـا ً مســيطرا ً قاصــدا ً‬
‫معّينا ً كل دقيقة في معــانيه الشــعرية فــي قصــيد أو‬

‫نثير‪ ،‬وأن ما هو قائم في بطنه من المعاني متطابق‬
‫معـه‪ ،‬ل يزيـد ول ينقـص مـا يؤخـذ مـن بيـانه‪ ،‬وأنـه‬
‫ليست شاردة ول واردة إل وهو بهــا جــد عليــم وجــد‬
‫قاصــد‪ ،‬وأن جهابــذة النقــد ل يقولــون إل مــا علمــه‬
‫الشاعر ووعاه وقصده‪ ،‬وكل ما يستخرجه النقاد من‬
‫النص إنما هو بعض ما قصده الشاعر ووعاه وعلمه‪،‬‬
‫ن الشاعر هو أعلم الناس بما في رحم نصه‪ ،‬وكل‬
‫وأ ّ‬
‫ن دونه بكـثير فـي فقـه‬
‫النقاد عالة على الشاعر‪ ،‬و ِ‬
‫م ْ‬
‫الشعر و تأويله‪.‬‬
‫وهذا إن صححه المــام ــ ول أخــاله فــاعل ً ــ يــدفعه‬
‫الواقع‪ ،‬فإن كثيرا ً من الشعراء ل يكادون يعون كثيرا ً‬
‫من دقائق الفكر ورقائق الشعور فيما أبدعوا‪ ،‬وأنهم‬
‫ما لم يكونوا أئمة في النقد مثلما هم في الشعر لن‬
‫يبلغوا في فقه الّنص وتأويله ما يبلغه جهابـذة النقـد‪.‬‬
‫أيظن أن أبا الطيــب المتنــبي أوعــى بمعــاني شــعره‬
‫من كل النقــاد فــي زمــانه ومــا جــاء مــن بعــده مــن‬
‫أزمان؟!‬
‫وهذا يصادمه مقالــة أبــي الطيــب فــي أبــي الفتــح ‪:‬‬
‫"ابن جني أعرف بشعري منــي"‪ ،‬ومقــالته‪" :‬عليكــم‬
‫بالشيخ العور‪ :‬ابــن جنــي‪ ،‬فســلوه‪ ،‬فــإنه بقــول مــا‬
‫أردت وما لم أرده"‪.‬‬
‫ول نكاد نعلم أن أحدا ً من أهل العلــم بالشــعر يقــول‬
‫إن كل شاعر أوعى بمعــاني شــعره وأبصــر بـدقائقه‬
‫ولطائفه من كافة جهابذة النقد في عصره والعصور‬
‫ح لكان أولى بكل شــاعر أن يحلــل‬
‫التالية له‪ .‬ولو ص ّ‬
‫شعره ليكفي الناس مؤونة الغوص على معانيه‪.‬‬
‫وجملة المر أن القول بأنه ل صــنعة إل فــي المعنــى‬
‫)المعنى الشعري(‪ ،‬وأن صــنعة الشــاعر فــي معــانيه‬
‫هي كل شيء‪ ،‬ول شأن له هو بالصنعة في ألفــاظه‪،‬‬

‫فإنها موكولة إلــى معــانيه‪ ،‬وأن المضــمون )المعنــى‬
‫الشعري( سلطان قاهر على الشكل )اللفاظ(‪ ،‬وأن‬
‫كل مضمون )معنى شــعري( هــو المصــطفي شــكله‬
‫)ألفاظه‪ :‬إفــرادا ً وتركيبـا ً وتصـويرا ً وتحــبيرًا(‪ ،‬القـول‬
‫ن فيــه مقــال ً‬
‫بكل ذلك ل يسلم به على عــواهنه‪ ،‬فــإ ّ‬
‫سعًا‪.‬‬
‫للمناقدة مت ِ‬
‫جلت القول فيه إلــى هــذا الموضــع علــى‬
‫وبقي أمر أ ّ‬
‫جلله من أنه ل يتعلق بأمر النظم عنده في باب نقد‬
‫الدب شعرا ً ونثرًا‪ ،‬ولكنه يتعلــق بــأمر النظــم عنــده‬
‫في باب أجل من بــاب نقــد الدب‪ ،‬إنــه بــاب إعجــاز‬
‫القرآن‪:‬‬
‫المــام عبــد القــاهر جاعــل النظــم نظــم معــان فــي‬
‫النفس وترتيب لها في العقــل‪ ،‬وأن ترتيــب اللفــاظ‬
‫ليس مجال الصنعة‪ ،‬فالنظم الــذي هــو عمــود بلغــة‬
‫الخطاب مجاله ومناطه المعاني القائمة في النفس‪.‬‬
‫وهو ل يفرق في هذا بيــن النظــم فــي بيــان القــرآن‬
‫الكريم والنظـم فـي البـداع الدبـي‪ ،‬ونحـن وإن لـم‬
‫نعارضــه بــالقول بالمعــاني النفســية فــي شــأن كلم‬
‫البشر لما يراه الواحد من نفســه حيــث يعــد معــانيه‬
‫في نفسه إعدادا ً ل ينفصل عن استخدام اللغة أيضًا‪،‬‬
‫فنحن إنما نفكر بالكلمات ول وجود للمعاني مجــردة‬
‫من اللفاظ في أي طور‪ ،‬سواء في وجودها النفسي‬
‫في داخــل الصــدر‪ ،‬أو فــي وجودهــا اللســاني‪ ،‬حيــث‬
‫تتلقاها الذان ســارية فــي اللفــاظ المركبــة ســريان‬
‫الروح في أعضاء الجسد‪ ،‬ل يعــرف لهــا فيهــا مكــان‬
‫متعين‪.‬‬
‫أما القول بهذا في نظم البيان القرآنــي‪ ،‬وأنــه نظــم‬
‫في المعاني النفسية أو ً‬
‫ل‪ ،‬فذلك مردود علــى المــام‬
‫عبــد القــاهر ردا ً ل يعــرف هــوادة ول تريثــًا‪ .‬القــول‬

‫بالمعنى النفسي في بيان الحــق عــز وجــل ل نسـلم‬
‫لحد به أبدًا‪ ،‬فهو فريــة وقــول علــى اللــه عــز وجــل‬
‫بغير علــم ول ســند مـن كتــاب وســنة‪ .‬ومثــل هــذا ل‬
‫ص‪ :‬القرآن‬
‫اجتهاد فيه‪ ،‬بل هو مما يتوقف فيه مع الن ّ‬
‫والسنة‪.‬‬
‫والــرأي القــويم الــذي ل غيــره‪ ،‬أن كلم اللــه تعــالى‬
‫حقيقي بحرف وصــوت ليــس كمثلــه كلم العــالمين‪،‬‬
‫وآيات القــرآن الكريــم قاطعــة بــأن كلم اللــه ليــس‬
‫كلما نفسيًا‪ ،‬كما تذهب بعــض الفــرق مــن أنــه كلم‬
‫نفسي ل لفظي‪ ،‬وأنه المعنى القائم بذاته‪ ،‬ليــس لــه‬
‫بعــض ول عــدد‪ ،‬وأنــه ليــس مــن جنــس الحــروف‬
‫والصوات‪ ،‬وما نسمعه من تلوة القرآن إنما سميت‬
‫عباراته كلم الله لدللتها عليــه‪ ،‬وهــى مخلوقــة‪ ،‬أمــا‬
‫النفسي فغير مخلوق …‬
‫كل ذلك غير قويم فليس هناك كلمان‪ :‬كلم نفســي‬
‫ن الول منــه‬
‫وكلم لفظــي بالنســبة للــه تعــالى‪ ،‬وأ ّ‬
‫قــديم غيــر مخلــوق والخــر مخلــوق‪ .‬بــل كلم اللــه‬
‫واحد‪ ،‬هو من صفات كماله‪ ،‬يتكلم به بحرف وصوت‬
‫كما يشاء وكيف شاء ومتى شــاء‪ ،‬ليــس كمثلــه كلم‬
‫أحد مــن العــالمين‪ .‬وهــو الــذي يقــول‪} :‬وكل ّــم اللــه‬
‫موسى تكليمًا{ ]النساء[‪ ،‬فهذا التأكيد دال دللة بينة‬
‫علــى أن تكليمــه حقيقــة بحــرف وصــوت‪ ،‬ســمعه‬
‫موسى ـ عليه السلم ـ بإسماع الحق إياه‪ ،‬فالمصدر‬
‫"تكليما" قرينة قاهرة على أنه كلم حقيقي مسموع‬
‫بحرف وصوت‪ ،‬وليس معنى نفسيا ً قائما ً بذاته‪.‬‬
‫فأســاس حقيقــة نظــم الكلم الــتي بنــى عليهــا عبــد‬
‫القاهر مذهبه ل تستقيم لــه فــي بيــان نظــم القــرآن‬
‫الكريم الذي هو أساس إعجازه عنده‪ ،‬وكان عليه أن‬
‫يفــرق بيــن حقيقــة النظــم فــي بيــان الخلئق وبيــان‬

‫النظم في بيان الوحي‪ .‬وكنت علــى أل أعــرض لهــذا‬
‫هنا‪ ،‬فإن مجــاله القــول فــي بلغــة القــرآن ونظمــه‪،‬‬
‫وليس مجــاله القــول فــي النظــم فــي بيــان البشــر‪،‬‬
‫حيث القول هنا معقــود لمنـــزلة نظريــة النظــم فــي‬
‫نقد النصوص البداعيــة‪ ،‬ولكنــي رغبــت البيــان وفــاء‬
‫بحـــق العلـــم وإعلء لـــه علـــى حـــق آداب البحـــث‬
‫والمناظرة‪.‬‬

‫مفهوم النظم عند المام عبد القاهر‪:‬‬
‫إذا ما كان المام عبد القاهر قد ذهب إلى أن منــاط‬
‫النظــم هــو منــاط الفكــر والتأمــل والصــنعة‪ ،‬وهــو‬
‫المعاني ل اللفاظ‪ ،‬وأن اللفاظ ما هي إل تابعة فــي‬
‫نظمها وترتيبها وتأليفها وتركيبها لمعانيها‪ ،‬وكان ذلــك‬
‫النظم الواقع أول ً في المعــاني المكنونــة المنســوقة‬
‫في الصدور‪ ،‬فإن المام يعمد إلى بيــان هــذا النظــم‬
‫وعياره الذي قد أجمع العلماء على أنه ))ل فضل مــع‬
‫عدمه‪ ،‬ول قدر للكلم إذا هو لم يستقم له‪ ،‬ولــو بلــغ‬
‫في غرابة معناه )أي أغراضه ومواده الولية( ما بلغ‪.‬‬
‫وبّتهم الحكم بأنه الذي ل تمام دونه‪ ،‬ول قوام إل به‪،‬‬
‫وأنه القطب الذي عليــه المــدار‪ ،‬والعمــود الــذي بــه‬
‫الستقلل(()‪.(47‬‬
‫وهذا يجعله جديرا ً بأن ُيعنى بكشف جوهره وحقيقته‬
‫وهوّيته‪ ،‬وأن يردد هذا ويكرر ويصرف البيان المصور‬
‫له‪ ،‬وذلك ما كان من المام عبــد القــاهر‪ .‬عمــد إلــى‬
‫تحرير مفهوم النظم وتقريره بــأنه ))ليــس النظــم إل‬
‫أن تضــع كلمــك الوضــع الــذي يقتضــيه علــم النحــو‪،‬‬
‫وتعمل على قوانينه وأصوله‪ ،‬وتعــرف منــاهجه الــتي‬
‫نهجت‪ ،‬فل تزيغ عنها‪ ،‬وتحفظ الرسوم التي رســمت‬
‫لك‪ ،‬فل تخل بشيء منها(()‪.(48‬‬
‫وتراه يصرف البيان عن ذلك المفهــوم فــي مــواطن‬
‫عديدة منهــا‪)) :‬النظــم هــو تــوخي معــاني النحــو فــي‬
‫((‬
‫معاني الكلم‪ ،‬وأن توخيها في متون اللفــاظ محــال‬
‫)‪ ،(49‬وقــوله‪)) :‬النظــم … عبــارة عــن تــوخي معــاني‬
‫النحو في معاني الكلم(()‪.(50‬‬
‫‪.‬الدلئل‪ :‬ص ‪ ،80‬ف ‪() 74‬‬
‫‪.‬الدلئل‪ :‬ص ‪ ،81‬ف ‪() 75‬‬
‫‪49‬‬
‫‪.‬الدلئل‪ :‬ص ‪ ،361‬ف ‪() 429‬‬
‫‪50‬‬
‫‪.‬الدلئل‪ :‬ص ‪ ،362‬ف ‪() 430‬‬
‫‪47‬‬
‫‪48‬‬

‫وقوله‪)) :‬فإذا بطل أن يكون الوصف الــذي أعجزهــم‬
‫من القرآن في شيء مما عددناه)‪ ،(51‬لم يبــق إل أن‬
‫يكــون فــي النظــم … وإذا ثبــت أنــه فــي "النظــم"‬
‫و"التأليف"‪ ،‬وكّنا قد علمنا أن ليــس "النظــم" شــيئا ً‬
‫خي معاني النحــو وأحكــامه فيمــا بيــن الكلــم‪،‬‬
‫غير تو ّ‬
‫دهر نجهــد أفكارنــا حــتى نعلــم للكلــم‬
‫وأّنا إن بقينا ال ّ‬
‫المفردة سلكا ً ينظمها‪ ،‬وجامعا ً يجمع شتاتها ويؤلفها‪،‬‬
‫ويجعل بعضها بسبب مــن بعــض غيــر تــوخي معــاني‬
‫النحو وأحكامه فيها‪ ،‬طلبنا ما كل محال دونه ـ ـ فقــد‬
‫بان وظهر أن المتعاطي القول في النظــم والزاعــم‬
‫أنه يحاول بيان المزية فيه‪ ،‬وهو ل يعرض فيما يعيده‬
‫ويبــديه للقــوانين والصــول الــتي قــدمنا ذكرهــا‪ ،‬ول‬
‫يسلك إليه المسالك التي نهجناهــا‪ :‬فــي عميــاء مــن‬
‫أمره … ذلك لنه إذا كان ل يكون "النظم" شيئا ً غير‬
‫توخي معاني النحو وأحكامه فيما يــبين الكلــم‪ ،‬كــان‬
‫من أعجب العجب أن يزعم زاعم أنه يطلب المزيــة‬
‫م ل يطلبها في معاني النحو وأحكامه‬
‫في "النظم"‪ ،‬ث ّ‬
‫(()‪(52‬‬
‫‪.‬‬
‫التي النظم عبارة عن توخيها فيما بين الكلم‬
‫وقوله‪)) :‬النظم ـ كما بّينــا ـ ـ إنمــا هــو تــوخي معــاني‬
‫النحو وأحكامه وفروقــه ووجــوهه‪ ،‬والعمــل بقــوانينه‬
‫وأصوله‪ ،‬وليست معاني النحو معاني ألفاظ فيتصــور‬
‫أن يكون لها تفسير(()‪.(53‬‬
‫))هذا وأمــر النظــم فــي أنــه ليــس شــيئا ً غيــر تــوخي‬
‫معاني النحو فيما بيـن الكلـم‪ ،‬وأنـك ترتـب المعـاني‬
‫أول ً في نفسك‪ ،‬ثم تحذو علــى ترتيبهــا اللفــاظ فــي‬
‫يريد ما عدده من الكلم المفردة ومعانيها‪ ،‬وترتيب الحركات والسكنات )(‬
‫‪.‬والمقاطع والفواصل‪ ،‬وغير ذلك‪ .‬ص‪ = 391-386 :‬ف ‪462-459‬‬
‫‪52‬‬
‫‪.‬الدلئل‪ :‬ص ‪ ،393-391‬ف ‪() 463‬‬
‫‪53‬‬
‫‪.‬الدلئل‪ :‬ص ‪ ،452‬ف ‪() 533‬‬
‫‪51‬‬

‫نطقك‪ ،‬وأنا لو فرضنا أن تخلو اللفاظ مــن المعــاني‬
‫لم يتصــور أن يجــب فيهــا نظــم وترتيــب‪ ،‬فــي غايــة‬
‫القوة والظهور(()‪.(54‬‬
‫وقوله‪)) :‬ما أظن بك أيهــا القــارئ لكتابنــا ــ إن كنــت‬
‫وفيته حقه من النظر وتدبرته حق التدبر ـ إل أنك قد‬
‫علمــت علمــًا‪ ،‬أبــى أن يكــون للشــك فيــه نصــيب‪،‬‬
‫ن ليــس "النظــم" شــيئا ً إل‬
‫وللتوقف نحوك مذهب‪ ،‬أ ْ‬
‫توخي معاني النحو وأحكامه ووجـوهه وفروقـه فيمــا‬
‫بين معاني الكلـم‪ ،‬وأنك قد تبينت أنه إذا ُرفع معاني‬
‫النحو وأحكامه مما بين الكلم حتى ل ُتراد فيهــا فــي‬
‫جملة ول تفصيل‪ ،‬خرجــت الكلــم المنطــوق ببعضــها‬
‫في إثر بعض فــي الــبيت مــن الشــعر والفصــل مــن‬
‫النــثر‪ ،‬عــن أن يكــون لكونهــا فــي مواضــعها الــتي‬
‫ض‪ ،‬وعـن أن يتصــور أن‬
‫وضعت فيهـا مـوجب ومقتـ ٍ‬
‫يقــال فــي كلمــة منهــا إنهــا مرتبطــة بصــاحبة لهــا‪،‬‬
‫ن تصــورك‬
‫ن ُ‬
‫ومتعلقة بها‪ ،‬وكائنة بسبب منها‪ ،‬وأ ّ‬
‫ح ْ‬
‫س َ‬
‫ت فيه قدمك …(()‪.(55‬‬
‫لذلك‪ ،‬قد ث َب ّ َ‬
‫ن لشــك ول مريــة فــي أن ليــس‬
‫))فــإذا ثبــت الن أ ْ‬
‫"النظم" شيئا ً غير توخي معاني النحو وأحكامه فيمــا‬
‫ن طــالب دليــل‬
‫بين معــاني الكلــم‪ ،‬ثبــت مــن ذلــك أ ّ‬
‫العجاز من نظم القرآن إذا هو لم يطلبه في معاني‬
‫النحــو وأحكــامه ووجــوهه وفروقــه‪ ،‬ولــم يعلــم أنــه‬
‫مَعانه‪ ،‬وموضعه ومكانه‪ ،‬وأّنه ل مستنبط لــه‬
‫مْعدُنه و َ‬
‫َ‬
‫سواها‪ ،‬وأن ل وجــه لطلبــه فيمــا عــداها غــاّر نفســه‬
‫بالكاذب من الطمع …(()‪.(56‬‬
‫كرر عبـد القـاهر وصـرف البيـان فـي شـأن مفهـوم‬
‫النظم عنده‪ ،‬حــتى تتقــرر حقيقتــه وأهميتــه‪ ،‬ويتــبين‬
‫‪.‬الدلئل‪ :‬ص ‪ ،454‬ف ‪() 538‬‬
‫‪.‬الدلئل‪ :‬ص ‪ ،525‬ف ‪() 613‬‬
‫‪56‬‬
‫‪.‬الدلئل‪ :‬ص ‪ ،526‬ف ‪() 614‬‬
‫‪54‬‬
‫‪55‬‬

‫مناطه ومعانه‪ ،‬فل يختلط في وهم أنــه كمثــل نظــم‬
‫الحروف في الكلمة‪ ،‬أو مجرد ضم كلمة إلـى أخـرى‬
‫كيف جاء‪ ،‬أو هو النظم المقابل للنثر‪ ،‬أو هــو النظــم‬
‫أي الطريقة التي اختص بها القرآن في تبـويب بيـانه‬
‫علــى غيــر مــا عهــدت العــرب مــن أجنــاس القــول‪:‬‬
‫القصــيدة والرســالة والخطبــة‪ ،‬ومــا يعــرف فــي‬
‫المصطلح النقدي العصــري بالجنـاس الدبيــة‪ ،‬علـى‬
‫نحو ما أشار إلى مثله الباقلني )ت ‪403‬هـ(‪ .‬من أن‬
‫القرآن جاء نظمه على غير المعهود من نظم الكلم‬
‫عنــد العــرب‪ ،‬الــتي هــي أعــاريض الشــعر‪ ،‬والنــثر‬
‫المــوزون غيــر المقفــى‪ ،‬والنــثر المســجع‪ ،‬والنــثر‬
‫المرسل …‬
‫صــرف حــتى يتــبين المــر‪ ،‬وأن‬
‫فعبــد القــاهر كــرر و ّ‬
‫النظم عنده غير الذي عند كثير‪ ،‬وأدرك أنه بالغ فــي‬
‫هذا‪ ،‬فإنه يشكو حال الناس في هذا على الرغم من‬
‫التكريــر والترديــد‪ .‬يقــول‪)) :‬واعلــم أنــه وإن كــانت‬
‫الصورة في الذي أعدنا وأْبدأنا فيه من أنــه ل معنــى‬
‫للنظم غير توخي معاني النحو فيما بيــن الكلــم‪ ،‬قــد‬
‫بلغت في الوضوح والظهور والنكشاف إلــى أقصــى‬
‫الغاية‪ ،‬وإلى أن تكون الزيادة عليه كــالتكليف لمــا ل‬
‫يحتاج إليه‪ ،‬فإن النفس تتنازع إلــى تتبــع كــل ضــرب‬
‫ســه عنــد‬
‫من الشـبهة‪ُ ،‬يـرى أنـه يعــرض للمســلم نف َ‬
‫اعتراض الشك(()‪.(57‬‬
‫ومن بعد ذلك البسط فــي تتبــع مواقــع بيــان المــام‬
‫ن بي حاجــة إلــى النظــر فــي‬
‫حقيقة النظم عنده‪ ،‬فإ ّ‬
‫ً ))‬
‫تفسيره مفهوم النظم الذي حّرره بقوله أول‪ :‬ليس‬
‫النظم إل أن تضع كلمك الوضع الــذي يقتضــيه علــم‬
‫النحو …(()‪ .(58‬يقّرر المام أن النظم هو عمــود نســج‬
‫‪.‬الدلئل‪ :‬ص ‪ ،370‬ف ‪() 442‬‬
‫‪.‬الدلئل‪ :‬ص ‪ ،81‬ف ‪() 75‬‬

‫‪57‬‬
‫‪58‬‬

‫مفــردات اللغــة كلم ـًا‪ .‬فوضــع الكلم الوضــع الــذي‬
‫يقتضيه علم النحو هـو إخـراج النسـيج الكلمـي مـن‬
‫مــواد اللغــة إخراجــا ً يقتضــيه نهــج ونحــو اليجــاد‬
‫الوظيفي للغة التي يرثها الخلف عن السلف‪.‬‬
‫والمتكلــم هــو الواضــع لصــورة النســيج الكلمــي‬
‫والمقيــم لبنــائه‪ ،‬ولــذلك تســمعه يقــول لــك‪" :‬تضــع‬
‫كلمك"‪ ،‬فأنت أيها المتكلم الواضع لكلمــك‪ ،‬وليــس‬
‫أجدادك‪ .‬أنت لم ترث عنهم صوت النسيج الكلمــي‪،‬‬
‫ن‬
‫أنــت ورثــت عنهــم مفــردات ذات أصــوات ومعــا ٍ‬
‫إفراديــة ل تتفاضــل‪ ،‬وهــى مطروحــة فــي مراقــدها‬
‫)المعاجم( متاعا ً مباحا ً لكــل نــاطق بلســان العربيــة‪،‬‬
‫وأنت ورثت عنهم النماط التركيبية المجردة التي ل‬
‫ترتبط بأي ضرب مـن ضــروب البيـان اللسـاني فـي‬
‫العربية إن شعرا ً وإن نــثرًا‪ .‬تلــك النمــاط التجريديــة‬
‫للتراكيب‪ ،‬التي يعلم المتكلمون الصول الكلية لبنية‬
‫الجملة الفعلية مث ً‬
‫ل‪ ،‬والمكانــات الــتي تحتملهــا تلــك‬
‫البنيــة‪ ،‬أّيــا ً كــانت معانيــك وأغراضــك ومقاصــدك‬
‫وســياقات القــول‪ .‬وهــي الــتي تعــرف بأصــول علــم‬
‫النحو‪ ،‬أي نحو العربية ونهجها فــي بنــاء الكلم‪ .‬أنــت‬
‫ترث هذين عن أجدادك ول فضــيلة لــك علــى غيــرك‬
‫في هـذا إل بمقـدار علمـك بهـا‪ ،‬ومـدى إحاطــة هـذا‬
‫العلم بكافة الصول والمكانــات الــتي تحتملهــا تلــك‬
‫النماط التجريدية للتراكيب‪ ،‬وكل هذا وإن بلغت فيه‬
‫المدى لن يــدخلك فــي عــداد البلغــاء‪ ،‬ول فــي عــداد‬
‫المتكلمين الذين يستمع إليهم‪ ،‬فقد يكون المرء هــو‬
‫المحيط الواعي لكثير من مفردات العربيــة‪ ،‬ولكــثير‬
‫أو لكل النماط التجريديــة للــتراكيب فــي علــم نحــو‬
‫العربية‪ ،‬والمكانات التي يحتملها كل تركيب‪ ،‬ثم هــو‬
‫برغــم مــن ذلــك عيــي ل يــبين‪ ،‬ول يشــار إليــه‪ ،‬ول‬
‫يستمع إليه في باب البيان‪.‬‬

‫يقول المام‪)) :‬واعلم أّنا لم نوجب المزيــة مــن أجــل‬
‫العلم بأنفس الفروق والوجــوه فنســتند إلــى اللغــة‪،‬‬
‫ولكنا أوجبناها للعلم بمواضعها‪ ،‬وما ينبغــي أن ُيصــنع‬
‫ن "الــواو" للجمــع‪،‬‬
‫فيهــا‪ ،‬فليــس الفضــل للعلــم بــأ ّ‬
‫م" لــه بشــرط‬
‫و"الفــاء" للتعقيــب بغيــر تــراخ‪ ،‬و"ث ـ ّ‬
‫ن" لكذا‪ ،‬و"إذا" لكذا‪ ،‬ولكــن لن يتــأتى‬
‫التراخي‪ ،‬و"إ ْ‬
‫ً‬
‫لــك إذا نظمــت شــعرا وألفــت رســالة أن تحســن‬
‫التخير‪ ،‬وأن تعرف لكل من ذلك موضعه(()‪.(59‬‬
‫فالمواضعة الموروثة القائمة في المفــردات )صــوتا ً‬
‫ومعنى( وفي النماط التجريديــة للــتراكيب ل بــد أن‬
‫تصاحبها مواضــعة ذاتيــة فــي المتكلــم‪ ،‬تتنــوع بتنــوع‬
‫المتكلمين وإمكاناتهم وأدواتهم وثقافاتهم وطباعهم‪،‬‬
‫وهــي مواضــعة ليســت حــرة طليقــة ل مرجــع لهــا‬
‫تنضبط به‪ ،‬بل هي مواضعة ذات حرية نــاظرة بعيــن‬
‫الرعاية أصول ً موروثة‪ ،‬هي مــا يعــرف بأصــول علــم‬
‫النحو‪ ،‬هي النماط التجريديــة للــتراكيب والمكانــات‬
‫التي تحتملها تلك النماط‪.‬‬
‫هــذه المواضــعة الذاتيــة هــي وضــع المتكلــم كلمــه‬
‫الوضع الذي يقتضيه علم النحو‪ ،‬وعلم النحو يقتضــي‬
‫أصول ً كلية لنماط تجريدية للــتراكيب ذات إمكانــات‬
‫احتمالية مصــحوبة بقــرائن مثاليــة أو مقاميــة هاديــة‬
‫ســواء الســبيل‪ ،‬لفهــم المــراد والمعنــى والغــرض‬
‫المنصــوب لــه الكلم‪ ،‬وفــاء بحــق الســامع فــي أن‬
‫تطرق لــه الســبل إلــى المعــاني والغــراض حــتى ل‬
‫يؤتى من سوء إفهام الناطق‪.‬‬
‫أنت ـ أيها المتكلم ـ تضع كلمك وليس أجدادك‪ ،‬لنه‬
‫كلمك أنت‪ ،‬لكنــك تبقــى معنيـا ً فــي وضــعك كلمــك‬
‫بصلة رحمه‪ ،‬بأن تضــعه الوضــع الــذي يقتضــيه علــم‬
‫‪.‬الدلئل‪ :‬ص ‪ ،249‬ف ‪() 287‬‬

‫‪59‬‬

‫النحو‪ ،‬الذي ورثته عن أسلفك‪ ،‬وكان فريضــة عليــك‬
‫استثمار ما ورثت‪.‬‬
‫إذا مــا كــانت المفــردات أصــواتا ً وصــورا ً ومعــاني‬
‫إفراديــة إنمــا هــي مواضــعة موروثــة‪ ،‬ل يتــأتى لنــا‬
‫النعتاق منها‪ ،‬وكــانت ــ أيض ـا ً ـ ـ النمــاط التجريديــة‬
‫للتراكيب موروثة‪ ،‬إذ هي أصول كلية تجريديــة لنحــو‬
‫ومســلك ومنهــج البانــة‪ ،‬ل ترتبــط بمعنــى معيــن ول‬
‫غرض محدد ول سياق مقيد‪ ،‬فل دخل للمتكلــم فيهــا‬
‫إذ هو يرثها‪ ،‬وكل ذلك ل يحيــل مفــردات اللغــة إلــى‬
‫كلم ينتســب إلــى صــاحبه ــ إذا كــان ذلــك فنحــن ل‬
‫نتمرد على اللفــاظ التجريديــة للــتراكيب الــتي هــي‬
‫الصــول الكليــة لعلــم النحــو مثلمــا ل نتمــرد علــى‬
‫مفردات اللغة‪ ،‬في صورتها الصوتية ومــا تــدل عليــه‬
‫من معــان إفراديــة دللــة إجماليــة‪ ،‬وكــذلك ل نتعب ّــد‬
‫بهذه النماط تعبدا ً حرفيـًا‪ ،‬بـل نسـتهدي بهـا‪ ،‬ونضـع‬
‫كلمنا على هدي ما تقضي به أصولها‪.‬‬
‫المتكلم بوضعه هــذا هــو صــاحب مواضــعة خاصــة ل‬
‫تكاد تتكرر مع غيره‪ ،‬بل ل تكرر مع نفسه‪ ،‬فهو دائم‬
‫المواضعة‪ ،‬وهي مواضعة تنبثق من رؤيتــه المعرفيــة‬
‫بخصائص المواضعة الولى الموروثة من جهة‪ ،‬ومــن‬
‫ملكتــه الذاتيــة فــي المتــداد والتجــاوز المنضــبط‬
‫المحســوب المثمــر خصوصــية البانــة عــن الــذات‬
‫القائلة‪.‬‬
‫م نسمع المام يقــول‪" :‬وتعمــل علــى قــوانينه‬
‫ومن ث ّ‬
‫وأصوله"‪ ،‬فهــو يجعــل مواضــعة المتكلــم عمل ً علــى‬
‫قوانين‪ :‬أي استعلء اهتداء وتمكن واستثمار‪ ،‬وليــس‬
‫استعلء تمرد وثورة‪ ،‬فهذه الكلمة "على" ذات دللة‬
‫غنيــة حميــدة‪ .‬وفــي مــوطن آخــر يقــول‪" :‬والعمــل‬

‫بقوانينه وأصوله")‪ ،(60‬فهــذه "البــاء" فــي "بقــوانينه"‬
‫دالــة علــى المصــاحبة والتمكــن‪ ،‬ففيهــا دعــوة إلــى‬
‫التمكن من تلــك القـوانين والصــول‪ ،‬تمكــن معرفــة‬
‫بالمناهــج والمســالك الــتي نهجــت وســلكت‪ ،‬يمنــح‬
‫صاحبه القتدار على استبصار الماد التي تمتد إليها‪،‬‬
‫والقتدار على أن يحذو على لحبها‪.‬‬
‫والمتكلــم فــي هــذه المواضــعة حــافظ الرســوم‬
‫دت‪ ،‬فل ُيخ ّ‬
‫ل بشــيء منهــا‪،‬‬
‫ح ّ‬
‫والحدود التي رسمت و ُ‬
‫ول يزيغ عنها ول يخرج‪ ،‬فإن في الخلل بهــذه قطــع‬
‫ســبيل التواصــل بينــه وبيــن الســامعين‪ ،‬ممــا يجعــل‬
‫دالــة‬
‫كلمه عقيما ً ل يثمر‪ .‬فالرســوم هــي المعــالم ال ّ‬
‫دالــة علــى‬
‫على منهاج المتكلم في تركيب رمــوزه ال ّ‬
‫مكنــون صــدره‪ ،‬وعلــى ضــوء هــذه المعــالم يحلــل‬
‫السامع ذلك التركيب لينفذ من تفكيكها إلــى مــا هــو‬
‫مكنون من المعــاني والمقاصــد‪ ،‬فــالمتكلم ذو منهــج‬
‫تركيبي والسامع ذو منهج تحليلــي تفكيكــي‪ ،‬وإذا لــم‬
‫يتواصل في اتحاد النحو تركيبا ً وتفكيك ـًا‪ ،‬فلــن يكــون‬
‫فعل المتكلم إل عقيمًا‪ ،‬ولن يجني السامع من فعلــه‬
‫م كان لبد أن يكـون هنالـك نهــج متفـق‬
‫شيئًا‪ .‬ومن ث ّ‬
‫كبـا ً والســامع مف ّ‬
‫عليه بين المتكلم مر ّ‬
‫ككـًا‪ ،‬فــإذا لــم‬
‫يكن لم يك تواصل ألبتة‪ .‬ولذا يبين الحــق ع ـّز وجــل‬
‫أنه مــا أرســل رســول ً إل بلســان قــومه ليــبين لهــم‪:‬‬
‫}ومــا أرســلنا مــن رســول إل بلســان قــومه ليــبين‬
‫لهم{‪ ،‬فانظر قوله "بلسان" وهي كلمة تحمل دللــة‬
‫علــى خصوصــية الداء‪ ،‬فاللســان أخــص مــن اللغــة‪،‬‬
‫ولذلك لما كان سيدنا محمد صلى اللـه عليـه وسـلم‬
‫ليس خاصـا ً بقريـش لــم يكـن لســانه محصـورا ً فـي‬
‫لسان قريش‪ ،‬بل كــان يكلــم كــل قبيلــة مــن قبــائل‬
‫العرب بلسانها‪ .‬فآدم عليه السلم علمه اللــه تعــالى‬
‫‪.‬انظر‪ :‬الدلئل‪ :‬ص ‪ ،452‬ف ‪() 533‬‬

‫‪60‬‬

‫السماء كلها‪} :‬وعل ّــم آدم الســماء كلهــا{‪ ،‬وســيدنا‬
‫محمد صلى الله عليه وسلم علمه الله تعالى ألسنة‬
‫العرب كلها‪ ،‬ولعل هذا داخل فـي قــول اللـه تعـالى‪:‬‬
‫}وعّلمك ما لم تكــن تعلــم وكــان فضــل اللــه عليــك‬
‫عظيمًا{‪.‬‬
‫المام عبد القاهر غير داع هنا المتكلم إلى الستكانة‬
‫إلى سلطان مواضعات نحو البناء اللغوي المــوروث‪،‬‬
‫فهذا السلطان هــو أشــبه بســلطان الشــيطان علــى‬
‫النســان‪ :‬وهــم يســتكين إليــه الطغــام مــن النــاس‬
‫اســتهواًء واســتخذا ً‬
‫ل‪} :‬ومــا كــان لــي عليكــم مــن‬
‫سلطان إل أن دعوتكم فاستجبتم لي{‪.‬‬
‫المام يدعو المتكلم إلى أن يعمل هــو علــى قــوانين‬
‫علم النحو وأصوله‪ ،‬وقــوانين كــل شــيء‪ :‬مقاييســه‪،‬‬
‫وكل مقيــاس مرهــون بطبيعــة وأحــوال وغايــات مــا‬
‫يقاس‪ ،‬مما يجعل المقايسة فــي نفســها ذات أنهــاج‬
‫متجاوبــة مــع مــا يقــاس وأحــواله‪ .‬والمقايســة فــي‬
‫نفسها تقديرا ً على مثال والمثلة تتشابه ول تتناسخ‪.‬‬
‫والعمل علــى أصــول علــم نحــو بنــاء الكلم ل يعنــى‬
‫ن لكل أصل فروعـا ً وأغصــانا ً وأفنانـا ً‬
‫الخلد إليها‪ ،‬فإ ّ‬
‫منبثقة منه‪ ،‬ولكنها ليست هي بل هــي منهــا‪ ،‬فلعلــم‬
‫النحــو أصــول وفــروع‪ ،‬والعمــل بالصــول فريضــة‬
‫م يتحقــق للمتكلــم‬
‫واستثمار الفــروع قربــة‪ ،‬ومــن ث ـ ّ‬
‫القتــــدار علــــى مواكبــــة مقتضــــيات المقامــــات‬
‫والمســافات الــتي تحيــط بــه وبمعــانيه وأغراضــه‬
‫ومقاصده‪.‬‬
‫وعبد القاهر يبين فــي مــوطن آخــر أن العمــل علــى‬
‫قوانين علم النحو وأصوله هــو تــوخي معــاني النحــو‬
‫فيما بين معاني الكلم)‪ ،(61‬ومعاني النحو ليست هــي‬
‫‪.‬انظر‪ :‬الدلئل‪ :‬ص ‪ ،361‬ف ‪() 429‬‬

‫‪61‬‬

‫علمات العراب رفعا ً للفاعل ونصبا ً للمفعول وجــرا ً‬
‫للمضاف إليــه‪ ،‬فــذلك ل مجــال فيــه للمفاضــلة بيــن‬
‫أحد‪ .‬فامرؤ القيــس فــي هــذا ل يفضــل أبــا العتاهيــة‬
‫مث ً‬
‫ل‪.‬‬
‫معاني النحو هي العلقات الروحية الــتي تقــوم بيــن‬
‫معــاني الكلمــات‪ ،‬علــى اختلف صــورها وامتــداد‬
‫ســياقاتها‪ ،‬بــدأ مــن ركنــي الجملــة "المســند إليــه‬
‫والمسند"‪ ،‬وانتهاء بسياق الفقــرة والمعقــد والنــص‪.‬‬
‫وهذه العلقات الروحية هي الوجوه التي يتصــور بهـا‬
‫المعنــى‪ ،‬والضــروب التأليفيــة بيــن معــاني الكلمــات‬
‫بكل ما تحمله كلمة )تأليف( من دللة على التعــالق‪،‬‬
‫وهذه العلقات ذات أنماط تركيبية ل تتناهى‪ ،‬يطلــق‬
‫عليها عبد القاهر الوجوه والفروق النحوية‪.‬‬
‫فـــالنظم تـــوخي العلقـــات الروحيـــة بيـــن معـــاني‬
‫الكلمــات‪ ،‬ومعــاني الكلمــات ل يــراد بهــا المعــاني‬
‫الفرادية الموضوعة إزاء الكلمة فحسب‪ ،‬بل معنــى‬
‫الكلمــة فــي وجودهــا البيــاني )الكلم( مــن رافــدين‪،‬‬
‫الول‪ :‬المعنى المعجمي الوضعي‪ ،‬والخر‪ :‬الوظيفــة‬
‫التركيبية من حيث هي فاعل أو مفعول أو غير ذلك‪.‬‬
‫قولنا‪" :‬زيد منطلق" مث ً‬
‫ل‪ ،‬المعنــى النحــوي فيــه هــو‬
‫العلقة التي بين معنى "زيد" من حيث هو علم على‬
‫شخص متعين معلوم للسامع ومــن حيــث هــو مــراد‬
‫الخبار عنه من قبل المتكلم بالنطلق وإسناده إليه‪،‬‬
‫وبين معنى "منطلق" من حيث هو اسم على حــدث‬
‫متعين معلوم للسامع أيضا ً مواضعة‪ ،‬ومن حيــث هــو‬
‫مــراد الخبــار بــه عــن زيــد ومســندا ً إليــه وتقريــرا ً‬
‫لوقوعه منه‪.‬‬
‫تتنــوع هــذه العلقــات الروحيــة بيــن معنــى "زيــد"‪،‬‬
‫ومعنى "منطلق" تنوعا ً ل يكــاد يحصــر‪ ،‬ولكنــه تنــوع‬

‫على أصول وقوانين كلية ل تخــرج عنهــا أي وجــه أو‬
‫فرق تركيــبي‪ .‬ولــذلك تجــد عبــد القــاهر يــذكر لهــذه‬
‫العلقة بين "زيــد" و"النطلق" ثمانيــة وجــوه‪" :‬زيــد‬
‫منطلق"‪ ،‬و"زيد ينطلق"‪ ،‬و"ينطلق زيد"‪ ،‬و"منطلــق‬
‫زيد"‪ ،‬و"زيد المنطلق"‪ ،‬و"المنطلق زيد"‪ ،‬و"زيد هــو‬
‫المنطلق"‪ ،‬و"زيــد هــو منطلــق"‪ .‬كــل هــذه النمــاط‬
‫التركيبية )الوجوه والفروق( منبثقة مــن أصــل قــائم‬
‫فيها جميعا ً هو إثبــات وقــوع فعــل هــو النطلق مــن‬
‫شــخص متعيــن هــو زيــد‪ .‬ويبقــى لكــل وجــه ونمــط‬
‫تركيبي خصوصية في الدللة علــى معنــى زائد علــى‬
‫ما هو قائم في جميع هذه النماط التركيبية‪.‬‬
‫هذا المعنى الزائد المتنوع بتنوع النمط التركيبي هــو‬
‫مناط المفاضلة‪ ،‬أما المعنــى الول الــذي هــو إثبــات‬
‫وقوع فعــل‪ ،‬هــو النطلق‪ ،‬مــن شــخص متعيــن‪ ،‬هــو‬
‫زيد‪ ،‬فذلك ل تفاضل فيه بيــن أحــد لنــه ثمــرة نمــط‬
‫تركيبي موروث‪ .‬والمتكلم يضع كلمه في صورة من‬
‫هــذه الصــور الثمانيــة علــى وفــق الصــل التركيــبي‬
‫المجرد الموروث )إسناد المســند إلــى المســند إليــه‬
‫في سياق الثبات(‪.‬‬
‫فانطلق زيد معنى يمكن للمتكلم إيراده فــي وجــوه‬
‫تصويرية عديدة‪ ،‬وجميعهــا ســواء مــن حيــث الصــحة‬
‫العرابيــة‪ ،‬ومــن حيــث الخــذ بــالنمط التجريــدي‬
‫الموروث‪ ،‬الذي دعامته السناد في حيز الثبات بيــن‬
‫م يقرر المام عبد‬
‫شيئين‪ :‬مسند إليه ومسند‪ .‬ومن ث ّ‬
‫القــاهر أن المتكلــم البليــغ ل يقيــم عبــارته علــى أي‬
‫نمط تجريدي بل ينظر في وجوه كل بــاب وفروقــه‪،‬‬
‫وهي وجوه تصويرية‪ .‬وبلغته في أن يعرف لكل من‬
‫هذه الوجوه موضوعه ويجيــء بــه فــي كلمــه حيــث‬
‫ينبغي له‪.‬‬

‫فبلغتــه ليســت فــي إســناد النطلق إلــى زيــد فــي‬
‫سياق الثبات على أي نحــو مــن النحــاء‪ ،‬بــل بلغتــه‬
‫في أن يتــوخى الــوجه التركيــبي المتــاح لنمــط ذلــك‬
‫السناد وفق ما ُيرمى إليه‪ ،‬وما يقتضيه المقام الذي‬
‫يبين فيه‪.‬‬
‫فحينـا ً تكـون بلغتـه فـي أن يقـول‪" :‬زيـد منطلـق"‪،‬‬
‫وحينا ً يكون قوله هنا غير بليغ‪ ،‬بــل البليــغ أن يقــول‪:‬‬
‫"زيــد ينطلــق"‪ ،‬و"زيــد هــو المنطلــق" … فلبــد أن‬
‫يعرف الفروق بين ك ّ‬
‫ل‪ ،‬ومدى ملءمة كــل وجــه لمــا‬
‫يرمي إليه وما يسوق كلمه على لحبه …‬
‫والمام عبد القاهر ل يقصر الوجــوه والفــروق علــى‬
‫وجوه إثبات المعنى لشيء في دائرة الجملة‪ ،‬بل هو‬
‫يجعلها شاملة أدق شيء من نحــو حــروف المعــاني‪:‬‬
‫))ينظر في الحــروف الــتي تشــترك فــي المعنــى ثــم‬
‫يتفرد لكل واحد منها بخصوصــية فــي ذلــك المعنــى‪،‬‬
‫فيضع كل ً من ذلك فــي خــاص معنــاه …(()‪ .(62‬ويمتــد‬
‫بهـا إلـى علئق الجمـل ومـا يكـون بينهـا مـن وصـل‬
‫وفصل‪ ،‬وهو باب يبدأ بعلقات الجمل النحوية ليمتــد‬
‫إلى ما هو حاوٍ عشرات الجمل النحويــة ممــا يعــرف‬
‫بالفقر والمعاقد والفصول‪ ،‬من نحــو مــا يعــرف عنــد‬
‫البلغيين بعطف القصة على القصة‪.‬‬
‫وغير ذلك كثير مما ذكر المام‪ ،‬إذ يقول‪)) :‬ويتصــرف‬
‫في التعريف والتنكير‪ ،‬والتقديم والتأخير‪ ،‬فــي الكلم‬
‫كلـــه )كـــذا(‪ ،‬وفـــي الحـــذف والتكـــرار والضـــمار‬
‫والظهار‪ ،‬فيصيب بكل مــن ذلــك مكــانه‪ ،‬ويســتعمله‬
‫على الصحة وعلــى مــا ينبغــي لــه(()‪ .(63‬قــوله‪" :‬فــي‬
‫الكلم كلــه" فســيحة المــدى‪ ،‬فــإذا كــان التعريــف‬
‫والتنكير مرهونا ً بدائرة الكلمة‪ ،‬فإن التقديم والتأخير‬
‫‪.‬الدلئل‪ :‬ص ‪ ،82‬ف ‪() 75‬‬
‫‪.‬الدلئل‪ :‬ص ‪ ،82‬ف ‪() 75‬‬

‫‪62‬‬
‫‪63‬‬

‫يبدأ بالكلمة‪ ،‬لكنه يشمل الفصل والمعقد من النص‪،‬‬
‫مد ّ الدرس النقدي لسلوب التقديم والتأخير في‬
‫ولو ُ‬
‫النص الدبي إلى مواقع معاقد الكلم تقديما ً وتأخيرا ً‬
‫لكان حميدًا‪ ،‬ولكان منبثقا ً مــن قضــية النظــم أيض ـًا‪.‬‬
‫ومثل هذا "الحذف" إن كان يبدأ بحــذف حــرف مــن‬
‫حروف المبــاني كمـا نـراه فــي حــذف نـون مضـارع‬
‫"كان" المجزوم‪ ،‬فهو حذف مما يرمى به إلى معنى‬
‫هو عنصر في بناء المعنى الكلي للصورة‪ ،‬فإنه يمتــد‬
‫إلى النظر في حذف فصول ومعاقد في بناء النــص‪.‬‬
‫وهذا تراه واضحا ً جدا ً في أسلوب الحذف في البيان‬
‫القرآني حيث تطوى أحداث كثيرة لو ذكــرت لكــانت‬
‫معقدًا‪ ،‬ومن نحو ما تراه من حذف لحداث جرت ما‬
‫بين قول الشاعر‪" :‬ولما قضينا من منى كل حاجة‪"..‬‬
‫وقوله‪" :‬أخذنا بأطراف الحاديث بيننــا"‪ ،‬فقــد طــوى‬
‫الشــاعر أحــداثا ً وقعــت فــي أزمــان ممتــدة وأمــاكن‬
‫متفاسحة‪ ،‬على المتلقي تصورها وأن تــذهب نفســه‬
‫في استحضارها وتخيلها كل مذهب‪ ،‬كما يقــول أهــل‬
‫العلم في مثل هذا‪.‬‬
‫وقوله‪" :‬فيصيب بكل من ذلك مكانه"‪ ،‬الصــواب هنــا‬
‫أن يصيب المتكلم بالنمط التصويري موضعه ويضعه‬
‫في حقه‪ ،‬وذلك ل يتحقق له إل إذا كان عليمــا بحــال‬
‫كل نمط تصويري‪ :‬ما يدل عليــه‪ ،‬ومــا يليــق بــه مــن‬
‫السياقات والمقامات والغراض والمقاصد‪.‬‬
‫وجملة المر أن المام يقرر أهمية النظم فــي بلغــة‬
‫الخطاب ويجملها فــي قــوله‪)) :‬فلســت بواجــد شــيئا ً‬
‫يرجع صوابه إن كان صوابا ً)‪ ،(64‬وخطؤه إن كان خطأ‬
‫ب مفعول؛ ))لنا ـ كما )(‬
‫ليس الصواب هنا صواب إعراب من حيث رفعُ فاعل ونص ُ‬
‫د‬
‫فنعت‬
‫العراب‪،‬‬
‫وزيغ‬
‫اللحن‬
‫يقول المام ـ لسنا في ذكر تقويم اللسان‪ ،‬والتحّرز من‬
‫ّ‬
‫ف َ‬
‫كر اللطيفة‪ ،‬ودقائق يوصل إليها‬
‫بمثل هذا الصواب‪ .‬وإنما نحن في أمور تدرك بال ِ‬
‫ب‬
‫بثاقب الفهم‪ ،‬فليس د ََرك صواب دركا فيما نحن فيه حتى يشُرف موضعه‪ ،‬ويصع َ‬
‫الوصول إليه‪ .‬وكذلك ل يكون ترك خطأ تركا ً حتى يحتاج في التحفظ منه إلى ُلطف‬

‫‪64‬‬

‫إلى النظــم يــدخل هــذا الســم‪ ،‬إل وهــو معنــى مــن‬
‫معاني النحو قد أصيب به موضعه ووضع فــي حقــه‪،‬‬
‫أو عومل بخلف هذه المعاملة‪ ،‬فأزيل عن موضــعه‪،‬‬
‫واستعمل في غير ما ينبغــي لــه‪ ،‬فل تــرى كلمـا ً قــد‬
‫وصف بصحة نظم أو فساده‪ ،‬أو وصف بمزية وفضل‬
‫فيه إل وأنت تجد مرجع تلــك الصــحة وذلــك الفســاد‬
‫وتلــك المزيــة وذلــك الفضــل إلــى معــاني النحــو‬
‫وأحكــامه‪ ،‬ووجــدته يــدخل فــي أصــل مــن أصــوله‪،‬‬
‫ويتصل بباب من أبوابه(()‪.(65‬‬

‫نظرٍ‪ ،‬وفضل روّية‪ ،‬وقوة ذهن‪ ،‬وشدة تيقظ‪ .‬وهذا باب ينبغي أن تراعيه وأن ُتعنى‬
‫ت كيف تصنع‪ ،‬فضممت إلى كل شكل‬
‫به‪ ،‬حتى إذا وازنت بين كلم وكلم د ََري ْ َ‬
‫شكله‪ ،‬وقابلته بما هو نظير له‪ ،‬وميزت ما الصنعة منه في لفظه‪ ،‬مما هي منه في‬
‫‪).‬نظمه(( )ص ‪ 98‬ف ‪86‬‬
‫‪65‬‬
‫‪.‬الدلئل‪ :‬ص ‪ ،82‬ف ‪() 76‬‬

‫مستويات النظم‪:‬‬
‫إذا ما كان شأن النظم فــي تحقيــق بلغــة الخطــاب‬
‫وأدبيتــه أنــه لــن تقــوم إل عليــه مـــن أنــه عمودهــا‬
‫قـق عنـد المـام أن‬
‫وقطبهــا)‪ ،(66‬فـإن الـذي هـو مح ّ‬
‫ذلك النظم ليس على درجة سواء في الكلم البليــغ‪،‬‬
‫فل يكون تفاوت بين الدباء في الوفاء بكامــل حقــه‪،‬‬
‫بل شأنه شأن كل شــيء‪ ،‬هــو علــى درجــات يفضــل‬
‫بعضها بعض ـًا‪ ،‬فــذلك مــن ســنة اللــه عــز وجــل فــي‬
‫خلقــه‪ ،‬والمــر كمثلــه فــي شــأن النظــم فــي بيــان‬
‫الخلق‪.‬‬
‫من النظم ما هو في الدرجــة الــدنيا مــن أن واضــعه‬
‫لم يحتــج ))إلــى فكــر ورويــة حــتى انتظــم‪ ،‬بــل تــرى‬
‫سبيله في ضم بعضه إلى بعض سبيل من عمد إلــى‬
‫لل فخرطها في سلك‪ ،‬ل يبتغي أكثر من أن يمنعهــا‬
‫التفرق‪ ،‬وكمن نضد أشياء بعضها على بعض‪ ،‬ل يريد‬
‫في نضده ذلك أن تجيء له منه هيئة أو صــورة‪ ،‬بــل‬
‫ليس إل أن تكون مجموعة في رأي العين‪ ،‬وذلك إذا‬
‫كان معناك معنى ل تحتاج أن تصنع فيه شيئا ً غير أن‬
‫تعطف لفظا ً على مثله‪ ،‬كقول الجاحظ‪" :‬جنبك اللــه‬
‫الشــبهة‪ ،‬وعصــمك مــن الحيــرة‪ ،‬وجعــل بينــك وبيــن‬
‫المعرفــة نســبًا‪ ،‬وبيــن الصــدق ســببًا‪ ،‬وحب ّــب إليــك‬
‫التثبــت‪ ،‬وزي ّــن فــي عينــك النصــاف‪ ،‬وأذاقــك حلوة‬
‫التقوى‪ ،‬وأشعر قلبك عّز الحــق‪ ،‬وأودع صــدرك بــرد‬
‫اليقيــن‪ ،‬وطــرد عنــك ذ ّ‬
‫ل اليــأس‪ ،‬وعّرفــك مــا فــي‬
‫(()‪(67‬‬
‫‪.‬‬
‫الباطل من الذلة‪ ،‬وما فــي الجهــل مــن القلــة"‬
‫))فما كان مــن هــذا وشــبهه‪ ،‬لــم يجــب بــه فضــل إذا‬
‫‪.‬انظر‪ :‬الدلئل‪ :‬ص ‪ ،80‬ف ‪() 74‬‬
‫‪.‬الدلئل‪ :‬ص ‪ ،96‬ف ‪() 85‬‬

‫‪66‬‬
‫‪67‬‬

‫وجــب‪ ،‬إل بمعنــاه أو بمتــون ألفــاظه‪ ،‬دون نظمــه‬
‫وتأليفه(()‪.(68‬‬
‫وأنت إذا ما نظرت فــي كلم الجــاحظ‪ ،‬لتقــف علــى‬
‫درجة ذلك النظم بنفسك‪ ،‬وقدر حكــم المــام عليــه‪،‬‬
‫ومناط ذلك الحكم الذي يعطي ظاهره تجريدا ً لكلم‬
‫الجاحظ من سمات البلغة‪ ،‬ونظرت فــي نظــم كــل‬
‫جملة على حيالها‪ ،‬فــإن التبصــر يــؤدي بــك أل تقبــل‬
‫مقالة المام‪ :‬أن ليس فيه نظم وتــأليف‪ ،‬فــإن نظــم‬
‫كــل جملــة علــى حيالهــا نظــم غيــر نــازل المنـــزلة‪،‬‬
‫فاختيار المفــردات ومواقعهــا وعلئق بعضــها ببعــض‬
‫لل‬
‫فــي بنــاء كــل جملــة علــى حيالهــا إنمــا هــو عــا ٍ‬
‫يستهان به انظر قــوله‪" :‬وهــل بينــك وبيــن المعرفــة‬
‫نسبًا‪ ،‬وبين الصدق سببا ً …" أترى في هــذا مــا يــدل‬
‫)‪(69‬‬
‫على دنو منزلته في باب النظم والبلغة؟‬
‫كلمات الجــاحظ كـل جملـة علـى حيالهــا‪ ،‬غيـر ذالـة‬
‫المنـزلة في باب النظم‪ ،‬فكيف قال عبد القــاهر مــا‬
‫قال؟ وما وجه حكمه هذا؟‪ .‬أما حكمه فقــد ســمعته‪،‬‬
‫وأما وجه ذلك الحكم فإنه ذاهب فيه إلــى أن هــذا ل‬
‫م شيء إلى شيء‪ ،‬وأنه ليــس فيــه‬
‫يعدو أن يكون ض ّ‬
‫فكر ورويــة‪ .‬ومنــاط تحقيــق الفضــل والمزيــة عنــده‬
‫ثلثة أشياء‪:‬‬
‫أولهـا‪ :‬أن يكون هنالك مصنع واعتمال واجتهاد وفكر‬
‫وروّية‪.‬‬
‫وثانيها‪ :‬أن يكون هنالك تخير بين البدائل‪.‬‬
‫وثالثهــا‪ :‬أن يكــون قــد اســتدركت بهــذا الفكــر وهــذا‬
‫الختيار صوابا ً ليس من بابة تقويم اللسان‪ ،‬والتحــرز‬
‫من اللحن وزيغ العراب‪ ،‬بل صــواب فيمــا شــأنه أن‬
‫ف َ‬
‫كر اللطيفة‪ ،‬ويوصل إليها بثاقب الفهم‪.‬‬
‫يدرك بال ِ‬
‫‪.‬الدلئل‪ :‬ص ‪ ،98‬ف ‪() 85‬‬
‫‪.‬قارنه بمقاله في كلم الجاحظ في أسرار البلغة‪ :‬ص ‪() 9‬‬

‫‪68‬‬
‫‪69‬‬

‫وأنت إذا مـا نظـرت فـي كلم الجـاحظ وجـدت كـل‬
‫جملة على حيالها في نظمها‪ ،‬على درجة غير نازلــة‪،‬‬
‫ولكن إذا ما نظــرت فيمــا بيــن هــذه الجملــة العاليــة‬
‫النظم فــي نفســها‪ ،‬ألفيــت أنــه ليــس هنالــك مصــنع‬
‫ول فكر ول روية ول اختيار ول استدراك صــواب لمــا‬
‫لطف ودق فيما يتعلق بعلئق الجمل بعضــها ببعــض‪.‬‬
‫تستطيع أن تقيم كل جملة في غير موقعها‪ ،‬تقــديما ً‬
‫وتأخيرًا‪ ،‬ولن يحدث في صورة المعنى الكلي شيء‪،‬‬
‫فكانت علقة الجمل مع بعضها ونظمها‪ ،‬أشبه بعلقة‬
‫حروف الكلمة في الجملة‪ ،‬ل تقوم على فكر ورويــة‬
‫واختيار واستدراك صواب‪.‬‬
‫فالنظم الذي يتحدث عنه عبــد القــاهر ليــس ميــدانه‬
‫ميدان النظم في نحو "زيد منطلق" و"ينطلق زيــد"‪،‬‬
‫النظم هنا متجــاوز نظــم الكلمـات فـي بنـاء الجملـة‬
‫الواحدة‪ ،‬إلـى نظــم الجمــل فـي بنـاء الفقـرة‪ ،‬ذلـك‬
‫النظم الذي تكون فيه الجملة بمنـزلة الكلمــة‪ .‬ذلــك‬
‫هو مناط الحكم على مثــل كلم الجــاحظ بــأنه نظــم‬
‫نازل المنـزلة‪ ،‬وتلــك مــن المــام فريــدة دالــة دللــة‬
‫باهرة على أن النظم حين يكون في نطــاق الجملــة‬
‫ينظر فيه إلى العلئق الروحيــة بيــن عناصــر الجملــة‬
‫)الكلمات(‪ ،‬وحين يكون في نطاق الفقرة ينظر فيــه‬
‫إلى العلئق بيــن الجمــل‪ ،‬ل العلئق بيــن المفــردات‬
‫في الجملة‪.‬‬
‫وتلك فريدة من المام يمكن أن نمد خيوط نســيجها‬
‫إلــى نظــم فقــرات النــص فــي نطــاقه‪ ،‬فننظــر إلــى‬
‫علقات الفقــر والمعاقــد فــي نطــاق النــص‪ ،‬ل إلــى‬
‫علقات الجمل فــي بيــان الفقــرة‪ ،‬ول إلــى علقــات‬
‫الكلمات في نطاق الجملة‪.‬‬

‫وتأسيسا ً على هذا يمكن القول بأن المام كما يــرى‬
‫أن نظم الحروف في بنــاء الكلمــة ليــس نظمـا ً فــي‬
‫صحبة نظم الكلمات في بناء الجملة‪ ،‬يــرى أن نظــم‬
‫الكلمات في بناء الجملة ليس نظما ً في صحبة نظم‬
‫الجمل في بنــاء الفقــرة والمعقــد‪ ،‬وهــذا الخيــر هــو‬
‫نازل في صحبة نظم الفقر والمعاقد في بناء الّنص‪.‬‬
‫ذلك ما يتأسس قياسا ً ومد ّا ً لخيوط النسيج المعرفي‬
‫لموقف المام في نظم الجاحظ السابق النظر فيه‪.‬‬
‫ويزيــد هــذا توكيــدا ً و تأطيــدا ً النظــر فــي المســتوى‬
‫العالي مـن النظـر عنـد عبـد القـاهر‪ ،‬يقـول المـام‪:‬‬
‫))واعلم أنه مما هو أصل في أن يدق النظر ويغمــض‬
‫المسلك في توخي المعـاني الــتي عرفــت‪ ،‬أن تتحـد‬
‫أجزاء الكلم ويدخل بعضها في بعض‪ ،‬ويشتد ارتباط‬
‫ن منها بأول‪ ،‬وأن تحتاج في الجملة إلى أن تضـعها‬
‫ثا ٍ‬
‫في النفس وضعا ً واحدًا‪ ،‬وأن يكون حالك فيهــا حــال‬
‫الباني يضع بيمينه ههنــا فــي حــال مــا يضــع بيســاره‬
‫هناك‪ .‬نعم‪ ،‬وفي حـال مـا يبصـر مكـان ثـالث ورابـع‬
‫يضعهما بعد الولين‪ .‬وليس لما شأنه أن يجيء علــى‬
‫هذا الوصـف حـد ّ يحصــره‪ ،‬وقــانون يحيـط بـه‪ ،‬فــإنه‬
‫يجيء على وجوه شتى وأنحاء مختلفة(()‪.(70‬‬
‫ط فــوق هــذا النظــم‪ ،‬ويــبين‬
‫فأنت تراه ينظر في منا ٍ‬
‫أنه اتحــاد أجــزاء الكلم‪ ،‬ويــدخل بعضــها فــي بعــض‪،‬‬
‫ويشتد ارتباط ثـان منهـا بـأول … ذلـك حـال مـا عل‬
‫نظمه وفاق حبكه ‪ :‬اتحــاد وتــداخل وارتبــاط أجــزاء‪،‬‬
‫ومثل هذا ل ينحصر في أجزاء الجملة‪ ،‬بل هو غــالب‬
‫فــي علئق الجمــل‪ .‬فــانظر قــوله‪" :‬أجــزاء الكلم"‪،‬‬
‫وأنه يشترط فيه اتحادهــا‪ ،‬ومنــاطه العلئق الروحيــة‬
‫بين معاني هذه الجمل‪ ،‬ودخــول بعضــها فــي بعــض‪،‬‬
‫ليــس الــتراكب والتعاظــل‪ ،‬بــل هــو التناســل‪ ،‬وهــو‬
‫‪.‬الدلئل‪ :‬ص ‪ ،93‬ف ‪() 83‬‬

‫‪70‬‬

‫تناسل معان‪ ،‬وذلــك الشــتداد الــدال علــى شــد كــل‬
‫جزء أخاه ارتباطًا‪ ،‬فالشد ل يعني مجرد التعلق‪ ،‬ولــو‬
‫لدنى مناسبة‪ ،‬كما نـراه فـي مثـل تعلـق المفـردات‬
‫ببعضها‪ ،‬ولسيما تعلـق العطــف بناســق‪ ،‬فـذلك مـن‬
‫قبيــل الربــط بعامــل مــن خــارج المتعلقيــن‪ ،‬وليــس‬
‫ارتباطًا‪ .‬والفرق بين الربط والتعلق من جهــة‪ ،‬وبيــن‬
‫الرتبــاط والعتلق مــن أخــرى‪ ،‬أن الوليــن‪ :‬الربــط‬
‫والتعلـــق يكـــون بناســـق خـــارجي‪ ،‬وأن الخريـــن‪:‬‬
‫الرتبــاط والعتلق يكــون بــأمر داخلــي مــن ذات‬
‫المــترابطين‪ :‬تــرى الول فــي مثــل مــا يعــرف عنــد‬
‫البلغين بـ"التوسط بين الكمالين"‪ ،‬وترى الخر فــي‬
‫ش ـب ِْهه"‪ ،‬أو‬
‫مثــل مــا يعــرف بـــ"كمــال التصــال" و" ِ‬
‫"التصال إلى الغاية"‪.‬‬
‫والمهم في هذا أن المام عبد القاهر يؤكد ما يــؤمن‬
‫به من أن النظــم العــالي يجعــل الكلم وإن تعــددت‬
‫أجزاؤه‪ ،‬كأنه لفظة واحدة‪ ،‬وأن المتكلم بهــذا مثلــه‪:‬‬
‫))‬
‫مَثل من يأخذ قطعا ً مــن الــذهب أو الفضــة فيــذيب‬
‫َ‬
‫بعضها في بعض حتى تصير قطعة واحدة(()‪.(71‬‬
‫ومن قبله قالها الجاحظ في شــأن أجــزاء الكلم ذي‬
‫النظم العالي‪ …)) :‬تراها سهلة لينة‪ ،‬ورطبة مواتيــة‪،‬‬
‫سلســلة النظــام‪ ،‬خفيفــة علــى اللســان‪ ،‬حــتى كــأن‬
‫الــبيت بأســره كلمــة واحــدة‪ ،‬وحــتى كــأن الكلمــة‬
‫بأسرها حرف واحــد(()‪).(72‬البيــان والتــبيين ‪-1/89‬ط‪/‬‬
‫السندوبي(‪.‬‬
‫وبمثلها يقول المرزوفي في عمود التلحــم وعيــاره‪:‬‬
‫))… فــذلك يوشــك أن تكــون القصــيدة منــه كــالبيت‬
‫والبيت كالكلمة …((‪.‬‬
‫‪.‬الدلئل‪ :‬ص ‪ ،413-412‬ف ‪ .487‬وانظر كذلك‪ :‬ص ‪ ،414‬ف ‪() 488‬‬
‫‪.‬البيان والتبيين‪ ،1/89 :‬ط‪/‬السندوبي )(‬

‫‪71‬‬
‫‪72‬‬

‫وحين ننظر فــي كلم الجــاحظ نجــد أنــه يجعــل مــن‬
‫ثمار تلحــم الجــزاء أن يجــري الكلم علــى اللســان‬
‫كمـــا يجـــري الـــدهان‪ ،‬وهـــذا دال علـــى أن العلئق‬
‫الحســية فــي الكلم‪ :‬علقــات اللفــاظ فــي أدائهــا‬
‫منبثقة من العلئق الروحية فيه‪ ،‬وأن تعالق المعــاني‬
‫وإفراغها إفراغ ـا ً واحــدا ً يثمــر جريــان اللفــاظ علــى‬
‫اللسان كما يجــري الــدهان‪ .‬وهــذا أيض ـا ً تجــده عنــد‬
‫المرزوقي حيــن يجعــل البــاب الخــامس مــن عمــود‬
‫الشعر‪" :‬التحام أجزاء النظم والتئامها على تخير من‬
‫لذيذ الوزن"‪ ،‬ويجعل عيار ذلك "الطبع واللسان"‪.‬‬
‫وهذا معدن ما يذهب إليه عبد القــاهر مــن أن علئق‬
‫اللفاظ ونظمها منبثق من علئق المعــاني ونظمهــا‪،‬‬
‫أي‪ :‬أن مضامين القول معدن شكله‪.‬‬
‫========================‬
‫==========‬
‫ومن تفاوت مســتويات النظــم عنــد عبــد القــاهر مــا‬
‫نراه فــي تفــاوت ظهــوره ومجــاله‪ ،‬فمنــه مــا يهجــم‬
‫عليك من أول ما يلقاك‪ ،‬ومنه ما تتسلســل قطــرات‬
‫الندى من مجمــوعه‪ ،‬فل تمتلــئ قــارورة الحســن إل‬
‫بآخر قطرة من آخر جملة‪ .‬يقول المام‪)) :‬واعلــم أن‬
‫ن‪،‬‬
‫من الكلم ما أنت ترى المزية في نظمــه والحس ـ َ‬
‫صْبغ تتلحق وينضم بعضها إلى بعــض‬
‫كالجزاء من ال ّ‬
‫حــتى تكــثر فــي العيــن‪ ،‬فــأنت لــذلك ل ت ُك ْب ِــر شــأن‬
‫س ـَعة‬
‫صــاحبه‪ ،‬ول تقضــي لــه بالحــذق والســتاذية و َ‬
‫من ّــة‪ ،‬حــتى تســتوفي القطعــة وتــأتي‬
‫الذ ّْرع وشدة ال ُ‬
‫على عدة أبيات‪ .‬وذلك ما كان من الشعر في طبقة‬
‫ما أنشدتك من أبيات البحتري(()‪ ،(73‬وهــو يشــير إلــى‬
‫أبيات‪" :‬بلونا ضرائب من قد نرى"‪.‬‬
‫‪.‬الدلئل‪ :‬ص ‪ ،88‬ف ‪() 81‬‬

‫‪73‬‬

‫واســتجماع الحســن مــن مجمــوع عناصــر القصــيدة‬
‫يوحي ظاهره فــي صــحبة استحضــار النظــم العــالي‬
‫الذي يتحد في الوضع ويدق فيه الصنع‪ ،‬فيوضــع فــي‬
‫النفس وضعا ً واحدًا‪ .‬ولكــن عبــد القــاهر يرمــي إلــى‬
‫شيء آخر‪ ،‬وهو أن أجزاء الكلم فـي نفسـها ليسـت‬
‫على المدرجة العليا من إحكام النظم‪ ،‬بحيــث يكــون‬
‫ما في بناء الجملة علــى حيالهــا مــن النظــم مــا هــو‬
‫ي الذي يزداد علوًا‪ ،‬بما يكون من تآخيها بالجمل‬
‫العل ّ‬
‫الخرى في نطاق الفقرة‪ ،‬فيكون حــال الجملــة فيــه‬
‫حال من يشرف باجتماعه مع قومه‪ ،‬فإذا أفرد عنهم‬
‫عري مما كان عليه من قبل‪ ،‬أو عري من كثير منه‪.‬‬
‫ول ريــب فــي أن مــن كــان اجتمــاعه مــع غيــره هــو‬
‫الخــالق كــل فضــله أو أصــله‪ ،‬ل يكــون هــو العلــى‪،‬‬
‫ي‪ ،‬ولسيما بيان الوحي‪:‬‬
‫وليس ذلك شأن البيان العل ّ‬
‫كتابا ً وسنة‪.‬‬
‫إنك إذا أفردت الجملة القرآنية عن سياقها لم تفقــد‬
‫كل بلغتها وإعجازها‪ ،‬ولكنك واجد فيها ما يكفيك بل‬
‫جمعــت إلــى شــقائقها فــي ســياقها‪،‬‬
‫يغنيك‪ ،‬فإذا مــا ُ‬
‫انتقلــت بــك مــن طــور الكفايــة والغنــاء إلــى طــور‬
‫الدهاش والبلس‪ ،‬وكلما امتد ّ السياق تكاثر العجاز‬
‫والدهــاش والبلس‪ .‬وهــذا هــو المســتوى الثــاني‬
‫العلى من النظم‪ ،‬الذي يقول فيه المام‪)) :‬ومنه مــا‬
‫جم عليك منه دفعة ويأتيــك منــه‬
‫أنت ترى الحسن يه ُ‬
‫ما يمل العين ضربة‪ ،‬حتى تعرف مــن الــبيت الواحــد‬
‫مكــان الرجــل مــن الفضــل‪ ،‬وموضــعه مــن الحــذق‪،‬‬
‫ن‬
‫مّنة وطول الباع‪ ،‬وحتى َتعلم‪ ،‬إ ْ‬
‫وتشهد له بفضل ال ُ‬
‫لم َتعلم القائ َ‬
‫ل‪ ،‬أنه من قيل شاعر فحل‪ ،‬وأنه خــرج‬
‫صَناٍع‪ ،‬وذلك ما إذا أنشدته وضــعت فيــه‬
‫من تحت يد َ‬
‫اليد على شيء فقلت‪ :‬هذا‪ ،‬هذا !! ومــا كــان كــذلك‬
‫فهو الشعر الشاعر‪ ،‬والكلم الفاخر‪ ،‬والنمط العــالي‬

‫الشريف‪ ،‬والذي ل تجده إل في شعر الفحول الب ُّزل‪،‬‬
‫ثم المطبوعين الذين ي ُل َْهمون القول إلهاما ً(()‪.(74‬‬
‫ن ذلــك غيــر كــثير فــي الشــعر‪ ،‬وأن‬
‫ويقــرر المــام أ ّ‬
‫ً ))‬
‫م إنــك تحتــاج‬
‫العثور عليه يستوجب تنقيبا ً وبحث ـا‪ :‬ث ـ ّ‬
‫إلى أن تستقري عدة قصائد‪ ،‬بل أن تفلي ديوانا ً من‬
‫الشــعر حــتى تجتمــع منــه عــدة أبيــات((‪ .‬والنظــرة‬
‫العجلى في كلم المــام تحســب أنــه فيــه إعلء لمــا‬
‫كان فيه الشعر قائما ً كل بيت من أبياته بنفسه‪ ،‬وأن‬
‫هذا يتعارض بل يتناقض مع مــا دعــا إليــه مــن اتحــاد‬
‫أجزاء الكلم وإفراغه إفراغا ً واحدًا‪ ،‬فيكون من اتحاد‬
‫ن صارت ألفاظه كأنها لفظة واحدة)‪.(75‬‬
‫معانيه أ ْ‬
‫وذلك الحسبان آت من أن صاحبه غفــل مــن الجهــة‬
‫التي ينظر إليها المام هنا‪ ،‬والجهة الــتي ينظــر إليهــا‬
‫المام هنالك‪ ،‬هنالك ينظر إلــى علئق معــاني النــص‬
‫وتآخيهــا واتحادهــا وشــدة ارتباطهــا فــي بنــاء الكلم‪.‬‬
‫وهنــا ينظــر إلــى مــا تكــون عليــه أجــزاء الكلم فــي‬
‫نفسها من الحسن والشرف‪ ،‬فهو يطلب مــن الكلم‬
‫العالي أن يكون في كل جزء من أجزائه بالغــا ً ذروة‬
‫الحسن في مجاله‪ ،‬فإذا أضيف كل جــزء وهــو علــى‬
‫ذلك الضرب من الشرف إلى شقائقه كان من ذلــك‬
‫التــآخي ضــرب آخــر أســمى مــن ضــروب الشــرف‪،‬‬
‫فكان الكلم جامعا ً شرفا ً علــى شــرف وفضـل ً علــى‬
‫فضل‪ .‬لكنــه ل يــدعو ألبتــة إلــى إعلء مــا ملــك فــي‬
‫نفســه شــرف وجــوده فريــدًا‪ ،‬وافتقــر إلــى شــرف‬
‫وجوده نظيما ً منضودًا‪ ،‬وشأن المسلم التقي أنه في‬
‫حال نفسه وعزلته ‪،‬إن ُقضي له بها‪ ،‬شريفا ً ل ُيدانى‬
‫ممن هو فــي مثــل عزلتــه‪ ،‬فــإن كــان منســوجا ً فــي‬
‫قومه كان ذا شرف متضــاعف لتكــاثر روافــده فيــه‪.‬‬
‫‪.‬الدلئل‪ :‬ص ‪ ،88‬ف ‪() 81‬‬
‫‪.‬الدلئل‪ :‬ص ‪ ،414‬ف ‪() 488‬‬

‫‪74‬‬
‫‪75‬‬

‫ولعل هــذا يصــور لنــا وجــه تفضــيل بعــض النقــاد أن‬
‫يكون كل بيت فــي القصــيدة مالكـا ً فــي نفســه مـن‬
‫مقومات الحسن مال يجعله عاري ـا ً منــه إذا مــا أفــرد‬
‫عن قومه ومجتمعه‪.‬‬
‫وحين تنظر فيما اصطفاه المام عبد القاهر نموذج ـا ً‬
‫لذلك النمط العالي والباب العظــم‪ ،‬والــذي ل تــرى‬
‫سلطان المزية يعظم في شــيء كعظمــه فيــه‪ ،‬كمــا‬
‫يقول)‪ ،(76‬فإنك تـراه يقـدم لنــا أنماطـا ً مـن أسـلوب‬
‫المزاوجــة والتشــبيه المركــب والتقســيم والجمــع‬
‫والمقابلة‪.‬‬
‫ن تــزاوج‬
‫في المزاوجة التي كشف عن مفهومهــا بــأ ْ‬
‫بيـن معنييـن فـي الشـرط والجـزاء معـًا‪ ،‬يـذكر بيتـا ً‬
‫للبحتري من قصيدة يمدح بها الفتح بن خاقان أولها‪:‬‬
‫جــرى‬
‫فر‬
‫مــتى لح بــرق أو بــدا طلــل َقـــ ْ‬
‫مسته ٌ‬
‫ل ل بـطئ ول نـْزُر‬
‫يقـــول فيهـــا‪ :‬علـــى أنهـــا مـــا عندهــــا لمواصــــل‬
‫ِوصا ٌ‬
‫ل‪ ،‬ول عنهــا لمصطِبر صبُر‬
‫ي الهـــوى‬
‫إذا مـــا نهـــى النـــاهي فلـــ ّ‬
‫ج بـــ َ‬
‫جُر‬
‫ج بها اله ْ‬
‫أصاخت إلى الواشي فل ّ‬
‫فقد زاوج بين معنيين في الشرط والجزاء‪ ،‬أي جعل‬
‫معنييــن وقعــا فــي الشــرط‪ ،‬وهمــا "نهــي النــاهي"‪،‬‬
‫و"إصاختها إلى الواشــي"‪ ،‬ورت ّــب علــى كــل معنــى‪:‬‬
‫اللجاج؛ لجــاج الهــوى بــه عنــد نهــي النــاهي‪ ،‬ولجــاج‬
‫الهجر بها عند إصاختها إلــى الواشــي‪ .‬ترت ّــب اللجــاج‬
‫بالفاء في ك ّ‬
‫ل على شرطين متقــابلين‪ ،‬ومــن العــادة‬
‫كما يقول أهل العلم أن يختلف ما يــترتب علــى كــل‬
‫لّنهما يختلفان‪ ،‬ولكن الشاعر راعى في الشرط مــا‬
‫راعاه في الجواب‪ ،‬وعطف على الشرط مــا عطفــه‬
‫‪.‬انظر‪ :‬الدلئل‪ :‬ص ‪ ،95‬ف ‪() 84‬‬

‫‪76‬‬

‫علــى الجــواب‪ ،‬ممــا يحقــق اتحــاد أجــزاء الكلم‪،‬‬
‫وتــداخل معــانيه‪ ،‬وتناســلها‪ ،‬وشــدة ارتبــاط بعضــها‬
‫ببعض‪ ،‬فإذا رتبت على أحدهما غيــر مــا رتبــت علــى‬
‫الخر لم يتحقق ذلك التزاوج‪.‬‬
‫ومن هذه المزاوجة قول البحتري أيضًا‪:‬‬
‫تــذكرت‬
‫إذا احــتربت يومــا ً ففاضــت دماؤهــا‬
‫القربى ففاضت دموعها‬
‫رّتــب فيضــانا ً علــى أمريــن مختلفيــن‪ :‬الحــتراب‬
‫والتــذكر‪ ،‬فــزاوج بيــن شــرط ومــا كــان جواب ـا ً لــه‪،‬‬
‫وجعلهما معدنا ً لشيء واحد على اختلفهمــا‪ :‬اختلف‬
‫الجواب عن الشرط‪ .‬ولو أنه قال‪" :‬إذا احتربت يوما ً‬
‫فتقطعت أرحامها‪ ،‬تذكرت القربى ففاضت دموعها"‬
‫لم يكن من المزاوجة؛ لنها لــم ترتــب فيضــانا ً علــى‬
‫شرط وجزائه)‪.(77‬‬
‫ده المــام عبــد القــاهر مــن هــذا‬
‫وإذا ما تأمل مــا ع ـ ّ‬
‫النمط العالي‪ ،‬رأيت العلئق بيــن جمــل ل مفــردات‪،‬‬
‫ورأيــت العلئق أساســها التناســل‪ ،‬وليــس أساســها‬
‫التقــارن والتجــاور‪ .‬وهــو فــي هــذا ل يفــرق بيــن مــا‬
‫يعرف بأساليب البديع وغيرها‪ ،‬فمن النظم العالي ما‬
‫هو حسن تقسيم وحسن مقابلــة ومزاوجــة … وكــل‬
‫ســنات‪ ،‬ولكــن العتــداد‬
‫هذا عند المتأخرين من المح ّ‬
‫عند المام بشدة ترابط أجزاء الكلم‪.‬‬
‫ومن قبل المام نرى أبا عثمان الجــاحظ يــؤذن فينــا‬
‫بقوله‪)) :‬وأجود الشعر ما رأيته متلحم الجزاء‪ ،‬سهل‬
‫المخارج‪ ،‬فتعلم بذلك أنه أفرغ إفراغا ً واحدًا‪ ،‬وسـبك‬
‫سبكا ً واحدًا‪ ،‬فهــو يجــري علــى اللســان كمــا يجــري‬
‫الدهان(()‪.(78‬‬
‫لمزيد من الفقه راجع‪ :‬مدخل إلى كتابي عبد القاهر‪ ،‬لشيخي أبي موسى‪() :‬‬
‫‪317-309.‬‬
‫‪78‬‬
‫‪.‬البيان والتبيين‪ ،1/89 :‬ط‪ /‬السندوبي )(‬
‫‪77‬‬

‫ولست بالمستغني هنا عن تدقيق النظر فــي مقالــة‬
‫الجاحظ‪ ،‬ومقالة المرزوقي في "عمود الشعر" فــي‬
‫الباب الخامس وعيــاره‪ ،‬ومــا قــاله ابــن رشــيق فــي‬
‫"العمدة")‪ ،(79‬وغير ذلك مما فاضت به أسفار النقاد‪.‬‬
‫ابــن رشــيق يستحســن الــبيت الـد ّّرة‪ ،‬وليـس الــبيت‬
‫العضو الذي يفقد قيمته تماما ً بأخذه وحده مفصــول ً‬
‫عن جســده‪ .‬الــبيت عنــده ذو خاصــتين‪ :‬الولــى مــن‬
‫شــبهه بالــدرة الثمينــة منضــودة فــي عقــد بــديع‪،‬‬
‫والخرى من شبهه بالعضو المتلحم مع بقية أعضــاء‬
‫الجسد‪.‬‬
‫ويؤيد ذلك أنه إنما استحسن افتقار البيت في قيمته‬
‫إلى بقية شــقائقه حيــن يكــون الشــعر قصصــيًا؛ لن‬
‫شأن القصص بناء بعضه على بعــض‪ ،‬بنــاء ل يتحقــق‬
‫لجزائه قيمة في نفسها خــارج نســقها‪ ،‬فهــو يقــول‪:‬‬
‫))فإن بناء اللفظ أجود هنالك من جهة السرد((‪ ،‬تأمل‬
‫قوله‪" :‬من جهة السرد" فإنه قول ماجد‪.‬‬
‫ويؤكد أن البيت في شعر العربي يحسن حين تكــون‬
‫له في نفسه قيمة‪ ،‬تتسامى حيــن يكــون فــي قــومه‬
‫وشــقائقه‪ ،‬مــا قــاله الشــاعر عمــر بــن لجــأ لبعــض‬
‫الشعراء‪" :‬أنا أشعر منك"‪ ،‬قال‪" :‬وبم ذلك؟" فقال‪:‬‬
‫"لني أقول البيت وأخاه‪ ،‬ولنــك تقــول الــبيت وابــن‬
‫عمــه")‪ .(80‬فــانظر قــوله‪" :‬أقــول الــبيت وأخــاه …‬
‫وتقول البيت وابن عمه" أتراه قد جــرد البيــات مــن‬
‫علئق النســب؟ إنــه حريــص علــى أن يبلــغ بهــا حــد‬
‫التآخي الذي هو أعلى التناسب‪ ،‬ولم يرتض ما دونها‬
‫مباشرة‪ :‬البيت وابن عمه‪ .‬ثم انظر‪ :‬أترى الخ فاقدا ً‬
‫قيمتــه فــي نفســه‪ ،‬وأنــه مســتجمع كــل فضــله مــن‬
‫علئقه؟‪ .‬تلك التي استحسنها ابن رشــيق؛ أن يكــون‬
‫‪.‬انظر‪ :‬العمدة‪ ،1/257 :‬باب النظم )(‬
‫‪.‬الشعر والشعراء لبن قتيبة‪ ،1/90 :‬ط سنة ‪1966‬م )(‬

‫‪79‬‬
‫‪80‬‬

‫البيت نفسه ذا قيمة‪ ،‬فإذا تآخى مع شقائقه كان لــه‬
‫القدح المعلى في الفضل والشرف‪.‬‬
‫ً ))‬
‫ن‬
‫صـــرح بـــذلك ابـــن أبـــي الصـــبع قـــائل‪ :‬إ ّ‬
‫وقـــد ّ‬
‫المستحسن من ذلك أن يكون كل بيت إذا أفرد قام‬
‫بنفسه‪ ،‬واستقل معنــاه بلفظــه‪ ،‬وإن ردفِــه مجــاوره‬
‫صــار بمنـــزلة الــبيت الواحــد‪ ،‬بحيــث يعتقــد الســامع‬
‫أنهمــا إذا انفصــل تج ـّزأ حســنهما‪ ،‬ونقــص كمالهمــا‪،‬‬
‫سم معناهما‪ ،‬وهما ليسا كـذلك‪ ،‬بـل حالهمـا فـي‬
‫وتق ّ‬
‫كمال الحسن وتمام المعنى مــع النفــراد والخــتراق‬
‫كحالهما مع اللتئام والجتماع(()‪.(81‬‬
‫ن ابن أبي الصبع قال فــي خاتمــة قــوله‪" :‬بــل‬
‫ولو أ ّ‬
‫حالهما في كمال الحسن وتمام المعنى مع النفــراد‬
‫والفتراق يسمو ويتكاثر مع اللتئام والجتمــاع"؛ لن‬
‫للتآخي والجتماع فضل ً ل يكون بغيرهما‪ ،‬وهو فضــل‬
‫ليس من فوقه فضل‪.‬‬
‫وهذا الذي قاله ابن أبي الصبع دافع مقالة "طبانــة"‬
‫من أن وحدة القصيدة عند النقاد العرب متمثلة فــي‬
‫البيت الواحد)‪ ،(82‬ففضـل الـبيت فـي نفسـه ل يعنـي‬
‫الستغناء عندهم بــه عــن فضــل تـآخيه وتلحمــه مــع‬
‫دة ارتباطه بسابقه ولحقه‪ ،‬كأن البيــات‬
‫شقائقه وش ّ‬
‫كلها أفرغـت إفراغـا ً واحــدًا‪ ،‬وصــارت القصــيدة مـن‬
‫شدة التحامها والتصاقها كالبيت الواحد‪ ،‬بل كالكلمــة‬
‫الواحدة‪.‬‬
‫ذلــك بـاب متســق ل يتـأتى أن ُيفــرغ مـن كـثير مـن‬
‫قضاياه في مثل تلك العجالة‪.‬‬
‫يقول ابن رشيق فــي بــاب "النظــم"‪)) :‬ومــن النــاس‬
‫من يستحسن الشعر مبنيـا ً بعضــه علــى بعــض‪ ،‬وأنــا‬
‫أستحسن أن يكون كل بيــت قائم ـا ً بنفســه ل يحتــاج‬
‫‪.‬تحرير التحبير‪ ،425 :‬ت‪ /‬حفني شرف‪ ،‬ط سنة ‪1383‬هـ )(‬
‫‪.‬التيارات المعاصرة في النقد الدبي‪ ،389 :‬سنة ‪1963‬م )(‬

‫‪81‬‬
‫‪82‬‬

‫إلى ما قبله ول إلى ما بعــده‪ ،‬ومــا ســوى ذلــك فهــو‬
‫عنـــدي تقصـــير‪ ،‬إل فـــي مواضـــع معروفـــة‪ ،‬مثـــل‬
‫الحكايات وما شاكلها؛ فإن بناء اللفــظ علــى اللفــظ‬
‫أجود هنالك من جهة السرد(()‪.(83‬‬
‫وقد عاب بعض أهل العلم بالنقد العربي مقالــة ابــن‬
‫رشــيق‪ ،‬مــن أنــه ))ل يستحســن ــ أي ابــن رشــيق ــ‬
‫التماس َ‬
‫ك في البيات‪ ،‬وتلقيها في اطراد الفكار‪ ،‬إل‬
‫إذا كــان ذلــك فــي موضــوع ذي عنصــر قصصــي‪،‬‬
‫فالعنصر القصصي باعتبـار أحـداثه وشخصـياته‪ ،‬مـن‬
‫م الفكار فيــه‪ ،‬ويبنــى الشــعر بعضــه‬
‫المكن أن تتضا ّ‬
‫على بعض؛ لن طبيعة القصة تعين على ذلك‪ ،‬أما ما‬
‫ليس فيه عنصر قصصــي‪ ،‬فهــو ل يستحســن ارتبــاط‬
‫بعضه ببعض‪ ،‬بل هو يفضل أن يكون كل بيــت قائمـا ً‬
‫بنفسه ل يحتاج إلى ما قبله ول إلى ما بعده(()‪.(84‬‬
‫كذلك فهم أستاذنا "أبو كريشة" مقالــة ابــن رشــيق‪،‬‬
‫ومــن ثــم اســتغربه قــائ ً‬
‫ل‪)) :‬وهــو استحســان غريــب‪،‬‬
‫ل أدري حينئذ ٍ كيــف تتجمــع البيــات مــع بعضــها فــي‬
‫قصيدة واحدة‪ ،‬وعلى أي أساس توجــد البيــات فــي‬
‫قصيدة ول توجد في أخرى؟ أما كان الولى والحالــة‬
‫هذه أن تفرد البيات‪ ،‬ويجعل كل بيت قصيدة قائمــة‬
‫برأسها‪ ،‬ونجعله نوعـا ً مــن القصــيدة بنــاء علــى هــذا‬
‫الستحسان؟ …(()‪ ،(85‬وهذا الذي ذهب إليــه أســتاذنا‬
‫فيه نظر‪.‬‬
‫الستحسان الذي ذهب إليه أناس لم يــوافقهم عليــه‬
‫ابن رشيق‪ ،‬هو ذلك الــذي يكــون فيــه الشــعر مبني ـا ً‬
‫بعض حسنه على بعض‪ ،‬بحيث ل يكون لبعضــه حيــن‬
‫ينظر إليه من الحسن مــا يكفــي ويغنــي‪ ،‬بــل تجــدك‬
‫‪.‬العمدة‪() 1/261 :‬‬

‫‪83‬‬

‫‪()84‬أصول النقد الدبي‪ ،‬للدكتور طه أبو كريشة‪.433 :‬‬
‫‪.‬الموضع السابق )(‬

‫‪85‬‬

‫خالي الوفاض‪ ،‬وليس في يدك شيء من الحسن ما‬
‫لم يفرغ من الشعر كله‪ .‬وهــذا عنــد المــدققين غيــر‬
‫مستحسن‪ ،‬بل العلى والجــدى أن يكــون كــل جــزء‬
‫من الكلم ذا فضل في نفسه‪ ،‬وذا عطاء من رحمه‪،‬‬
‫وذلــك الفضــل والعطــاء ينمــو ويتكــاثر حيــن تعتصــم‬
‫الجزاء ببعضــها وتتــآخى‪ ،‬وهــذا مــا تــراه عنــد بعــض‬
‫النقــدة‪ .‬قيــل لحمــاد الراويــة‪" :‬بــم تقــدم النابغــة؟"‬
‫فقال‪" :‬باكتفائك بالبيت الواحــد مــن شــعره‪ ،‬ل‪ ،‬بــل‬
‫بنصف بيت‪ ،‬ل‪ ،‬بل بربع بيت‪ ،‬مثل قوله‪:‬‬
‫وليـس وراء‬
‫ت فلم أترك لنفســك ريبــة‬
‫حلف ُ‬
‫الله للمرء مـذهب‬
‫كل نصــف يغنيــك عــن صــاحبه‪ ،‬وقــوله‪ :‬أي الرجــال‬
‫المهــذب؟ ربــع بيــت يغنيــك عــن غيــره" وقــد نقــل‬
‫أستاذنا هذا في موضع سابق)‪.(86‬‬
‫فحمـاد ل يـدعو إلـى أن يكـون كـل ربـع مـن الـبيت‬
‫مستقل ً مفصول ً عن بقية أربــاع الــبيت‪ ،‬فهــذه مــزق‬
‫ل يقول به من به أدنى معرفــة لحســن الشــعر‪ .‬هــو‬
‫يدعو إلى أن تكون أجزاء البيت كحبات "الــدر" فــي‬
‫العقد النضيد من جهة‪ ،‬وكالعضـو مــن بـدن النســان‬
‫رد كان له قيمة في نفسه‪،‬‬
‫من جهة أخرى‪ .‬هو إذا أف ِ‬
‫ُتضاف إليها قيمة تأتيه من نسقه مــع شــقائقه‪ ،‬وهــو‬
‫في الوقت نفسه تجرى فيه الروح الجاريــة الســارية‬
‫في بقية الجزاء‪ /‬العضاء‪.‬‬

‫‪.‬المرجع السابق‪() 419 :‬‬

‫‪86‬‬

‫أهميــة نظريــة النظــم فــي نقــد النــص‬
‫الدبي‪:‬‬
‫تأسيسا ً على الذي مضى بيانه من مقومات وخصـال‬
‫تمام بلغة الخطاب وأدبيتــه‪ ،‬والطريــق إلــى تحقيــق‬
‫تلك المقومات)‪ ،(87‬وبيان عمـود تلـك البلغـة‪ ،‬وبيـان‬
‫جـــوهره ومفهـــومه‪ ،‬وتعــــدد أنمــــاطه التركيبيـــة‬
‫والتصويرية‪ ،‬تعددا ً ل ينتهــي إلــى غايــة)‪ ،(88‬ثــم تبيــان‬
‫مرجع المزية والفضــيلة الدبيــة لي نمــط مــن تلــك‬
‫النماط‪ ،‬وأن هذا المرجع إنما هــو ذو عناصــر ثلثــة‪،‬‬
‫الول‪ :‬يتضــمن علقــة النمــط التركيــبي والتصــويري‬
‫والتحبيري بالمعنى والغرض الذي يوضــع لــه الكلم‪،‬‬
‫والثاني والثالث‪ ،‬على الترتيب‪ :‬يتضمن علقة البيــان‬
‫)اللفظ والمعنى(‪ ،‬وعلقة بعضهما ببعض في تحقيق‬
‫بلغة الخطاب وأدبيته)‪ ،(89‬وعلى تبيان تعدد وتفــاوت‬
‫مستويات النظم في مدارج الفضيلة)‪.(90‬‬
‫ن النظــم‬
‫تأسيسا ً على كل ذلك الذي مضى تبيانه فــإ ّ‬
‫لتتبين أهميته في نقد النص الدبي‪ ،‬أو بعبارة أخــرى‬
‫تتبين أهميته في النقـد الدبـي للنـص‪ .‬وحيـن أكـدت‬
‫وصف النقد بأنه الدبي أشير إلى أن النص يمكن أن‬
‫تتناوله صنوف من مناهج النقــد‪ ،‬ومنهــا منهــج النقــد‬
‫الدبي‪ ،‬أي المنهج الذي يعمد إلى تحليل وتأويــل مــا‬
‫به يكون النص كلــه فــي كافــة عناصــره ومســتوياته‬
‫أدبًا‪ ،‬فإذا ما تم الوفاء بحــق ذلــك التحليــل والتأويــل‬
‫لدبيــة النــص كــان البلــوغ إلــى وصــف منـــزله مــن‬
‫الجمال أو القبح‪ .‬وذلك البلوغ إلــى وصــف المنـــزلة‬
‫مرحلــة أرى أن العنايــة بمــا يســلم إليهــا أولــى مــن‬
‫‪.‬انظر‪ :‬الدلئل‪ ،43 :‬ف ‪() 35‬‬
‫‪.‬انظر‪ :‬الدلئل‪ :‬ص ‪ 81‬ف ‪ ،75‬ص ‪ 87‬ف ‪() 80‬‬
‫‪89‬‬
‫‪.‬انظر‪ :‬الدلئل‪ :‬ص ‪ 259‬ف ‪ ،301‬ص ‪ 422‬ف ‪() 497‬‬
‫‪90‬‬
‫‪.‬انظر‪ :‬الدلئل‪ :‬ص ‪ 93‬ف ‪ ،83‬ص ‪ 96‬ف ‪ ،85‬ص ‪ 88‬ف ‪() 81‬‬
‫‪87‬‬
‫‪88‬‬

‫سر وأّول فقد فتــح‬
‫العناية بتقريرها؛ لن من حّلل وف ّ‬
‫لك الطريق المعّبد المط ـّرق إلــى أن تقــف بنفســك‬
‫علــى الوصــف الحقيقــي لمنـــزلة ذلــك النــص مــن‬
‫الجمال أو القبح‪ ،‬فالنقــد الدبــي فــي أساســه تــبيين‬
‫وتحليــل وتأويــل‪ ،‬ومــا التقــدير جمــال ً وقبحـا ً إل لزم‬
‫ذلك التبيين والتحليل والتأويل‪ ،‬فالنقد الدبي إنما هو‬
‫عمل وصفي في المقام الول‪ ،‬معياري فيما بعده‪.‬‬
‫ولما كان النظم عمود بلغة الخطاب‪ ،‬وكان نقــد أي‬
‫نــص لبــد أن يعنــى بــذلك العمــود‪ ،‬فــإن المــام‬
‫عبد القاهر يقيم نقده النص نقدا ً أدبيًا‪ ،‬أي نقد ما بــه‬
‫يكون الخطــاب أدبـا ً علــى أمريــن أساســين أكــدهما‬
‫المام عبد القاهر‪:‬‬
‫الول‪ :‬المنهج التحليلــي الستقصــائي لكــل مكونــات‬
‫وعناصر الخطاب الدبي)‪.(91‬‬
‫والخــر‪ :‬موضــوعية التحليــل والتعليــل‪ ،‬والبانــة عــن‬
‫ذلك بلسان عربي مبين)‪.(92‬‬
‫))‬
‫م فهو مديد طويــل‪،‬‬
‫ومثل هذا النقد مسهب‪ ،‬ومن ث ّ‬
‫إذ يســـتطيع أن يهتـــم بالعلقـــات المتداخلـــة بيـــن‬
‫المعاني‪ ،‬ويتطرق إلــى أدق صــنوف تلــك العلقــات‪،‬‬
‫وأن ُيعنى بأصغر العناصر فــي المبنــى‪ ،‬وباليحــاءات‬
‫الجانبيــة‪ ،‬وبــالظلل الــتي قــد تم ـّر دون أن يلحظهــا‬
‫قــارئ عــارف بــالثر المنقــود تمــام المعرفــة‪ ،‬وهــي‬
‫ظلل ل يلمحها إل ذو تمرس لبيق بارع(()‪.(93‬‬
‫وتأسيســـا ً علـــى دعـــامتي التحليـــل الستقصـــائي‬
‫والتعليــل الموضــوعي‪ ،‬فــإن المجــال الرئيــس لهــذا‬
‫النقد عند المام إنما هو العلئق الروحية بين معــاني‬
‫‪.‬انظر‪ :‬الدلئل‪ :‬ص ‪ 37‬ف ‪() 29‬‬
‫‪.‬انظر‪ :‬الدلئل‪ :‬ص ‪ 41‬ف ‪() 33‬‬
‫‪93‬‬
‫مناهج النقد الدبي بين النظرية والتطبيق‪ ،‬ديفيد دينشس‪ ،‬ترجمة محمد يوسف )(‬
‫‪.‬نجم‪469 :‬‬
‫‪91‬‬
‫‪92‬‬

‫الكلم‪ ،‬والتي تتبعها ـ ضرورة عنده ـ العلئق الحسية‬
‫بيــن ألفــاظ الكلــم)‪ .(94‬وهــذا يــبين ويقــرر أن القيــم‬
‫الدبية للعلئق الحسية مرتبطة بل منبثقة من القيــم‬
‫الروحية لمعاني الكلم‪.‬‬
‫فالنقد الدبي للنص ينبغي أن يوفي العلئق الروحيـة‬
‫بين معانيه الجزئيــة والكليــة‪ ،‬والعلئق الحســية بيــن‬
‫ألفاظه وأنغامه حقهما‪ ،‬شريطة أن يكــون المنطلــق‬
‫الذي تنقد منه العلئق الحســية لللفــاظ هــو العلئق‬
‫الروحية لمعاني الكلم‪ .‬وكل ذلك مرهون ـ ـ أيض ـا ً ـ ـ‬
‫بنقد علئق هــذين الضــربين مــن العلقــات بــالمعنى‬
‫الكلي‪ ،‬والغرض المنصوب له الكلم)‪.(95‬‬
‫من هنا كان استثمار النظم في النقــد الدبــي للنــص‬
‫مقتضــيا ً إخضــاع كــل عنصــر وجــانب مــن عناصــر‬
‫وجوانب بناء النص الدبي للتحليل والتأويل وللتعليل‬
‫الموضــوعي‪ ،‬وربــط ذلــك كلــه بــالمعنى الكلــي‪،‬‬
‫والغرض العام المنصوب له الكلم‪.‬‬
‫ذلك تبيان معالم المشروع النقدي لعبد القــاهر فــي‬
‫طوره التصوري النظري له‪ ،‬وهو كما ترى يكاد يبلــغ‬
‫حد النظرية المكتملة عناصرها‪ ،‬لتبقى من بعـد ذلـك‬
‫الممارســة المعرفيــة والذوقيــة المسترشــدة بتلــك‬
‫النظرية‪ ،‬دون أن يكون هنالك إخضاع قسري لحركة‬
‫الممارســة الذوقيــة والتحليليــة فــي النقــد العملــي‬
‫للنص‪ ،‬بمعنى أن تكون الممارســة مــن قبيــل النقــد‬
‫التحليلي العملي‪ ،‬وليس مــن قبيــل النقــد التطــبيقي‬
‫المهموم برؤيــة صــورة التصــور النظــري فــي مــرآة‬
‫النص‪ ،‬كما نراه عند بعــض أهــل العلــم مــن ســعيهم‬
‫إلى رؤية النظرية البلغية أو النقديــة الــتي ارتضــاها‬
‫قائمة في صفحة النص الذي عمد إلى درسه‪.‬‬
‫‪.‬انظر‪ :‬السرار‪ :‬ص ‪ 5‬ف ‪() 19 ،17 ،12 ،11 ،7 ،6 ،5 ،4 ،3‬‬
‫‪.‬انظر‪ :‬الدلئل‪ :‬ص ‪ 87‬ف ‪() 80‬‬

‫‪94‬‬
‫‪95‬‬

‫والنقد التحليلي العملــي مهمـوم برؤيــة واقــع النــص‬
‫على ما هو عليه‪ ،‬سواء كان مقارب ـا ً نظريــة معرفيــة‬
‫وذوقية ما أو مفارق ـًا‪ .‬فالتصــور النظــري فــي النقــد‬
‫التحليلــي ل يعــدو أن يكــون أداة ووســيلة ينظــر بهــا‬
‫ص‪.‬‬
‫الواقع‪ ،‬وليس معيارا ً يحاكم به واقع الن ّ‬
‫وإذا مــا كن ّــا قــد رأينــا المــام عبــد القــاهر قــد منــح‬
‫التصور النظري كثيرا ً من حقه ووفــاه حسـابه‪ ،‬فإننــا‬
‫حين نتــابع الممارســة التذوقيــة التحليليــة للنصــوص‬
‫فإنه يحسن بنا أن ننظر إلى صنيعه من جانبيين‪:‬‬
‫الول‪ :‬مبلغ استثمار ذلك التصور النظري فــي رؤيــة‬
‫الواقع الدبي للنص وتحليله في مســتوياته التركيبيــة‬
‫علــى اختلف تفاســحها‪ ،‬بـدءا ً مـن الصــورة الجزئيـة‬
‫الماثلــة فــي الجملــة النحويــة‪ ،‬إلــى الصــورة الكليــة‬
‫الماثلة في الجملة البيانية التي قد تحوي عديدا ً مــن‬
‫الجمـــل النحويـــة المرتبطـــة بنواســـق لســـانية‪،‬‬
‫والمرتبطة بعلئق روحية منبثقة من داخلها هي‪.‬‬
‫والخر‪ :‬مدى المجال الــذي امتــدت إليــه الممارســة‬
‫التحليلية التذوقية‪ ،‬المستثمرة التصور النظــري فــي‬
‫رؤية الواقع الدبي علــى المسـاحة النسـيجية للنــص‬
‫الدبي‪.‬‬
‫وسأتناول ـ بإذن اللــه ــ قــراءة ممارســتين نقــديتين‬
‫لعبد القاهر لصورتين شعريتين‪:‬‬
‫الولــى‪ :‬اســتخدم المــام عبــد القــاهر فيهــا منهــج‬
‫القدمين فــي التنــبيه علــى مكــان الخــبيء لُيطلــب‪،‬‬
‫وموضع الدفين ليبحث عنه فُيخرج)‪.(96‬‬

‫‪.‬انظر‪ :‬الدلئل‪ :‬ص ‪ 34‬ف ‪ ،27‬ص ‪ 86-84‬ف ‪() 78‬‬

‫‪96‬‬

‫والخر‪ :‬مارس هو بنفسه طلب ذلك الدفين فــأخرج‬
‫بعضه)‪.(97‬‬
‫وإذا ما جئنا إلى تبيان مدى المجال الذي امتدت إليه‬
‫ن الــذي بلغنــا مــن‬
‫الممارسة التذوقية التحليليــة‪ ،‬فــإ ّ‬
‫ن‬
‫تراث المام عبد القاهر ليس فيــه مــا يــدل علــى أ ّ‬
‫ص أدبي‪ ،‬شــعرا ً أو نــثرًا‪ ،‬كــامل ً‬
‫المام قد عمد إلى ن ّ‬
‫فتناوله بالتذوق والتحليل‪.‬‬
‫ن المام قــد كــان منــه ذلــك عــن عجــز أو‬
‫ول أظن أ ّ‬
‫غفلة عن أهمية التدرج مــن المســتوى الجــزئي فــي‬
‫النقد إلى المستوى العلى‪ ،‬الذي يبلغ النسيج الكلي‬
‫ص‪ ،‬وذلك من أمرين‪:‬‬
‫للن ّ‬
‫الول‪ :‬ما أشرت إليــه قبــل فــي مبحــث "مســتويات‬
‫النظم عند المام"‪ ،‬وجعله النظم القائم فــي مجــال‬
‫بناء الجملة كل نظم فــي صــحبة النظــم القــائم بيــن‬
‫علقات الجمل في بناء الفقرة‪ ،‬على نحو ما سمعته‬
‫فــي نقــده كلمــات الجــاحظ‪" :‬جنبــك اللــه الشــبهة‬
‫…")‪.(98‬‬
‫والخر ‪ :‬أن بين أيدينا قول ً منــه فــي بــاب آخــر غيــر‬
‫ص الدبي البداعي‪ ،‬وهو باب بلغة‬
‫باب نقد بلغة الن ّ‬
‫البيان القرآني‪ ،‬يقرر فيه ما يؤكد وعي المام منـزلة‬
‫التحليل والتأويل المتصاعد من الصورة الجزئية إلــى‬
‫الصورة الكلية النصية‪ ،‬يقــول المــام‪ …)) :‬أعجزتهــم‬
‫مزايا ظهرت لهــم فــي نظمــه‪ ،‬وخصــائص صــادفوها‬
‫فــي ســياق لفظــه‪ ،‬وبــدائع راعتهــم مــن مبــادئ آيــه‬
‫ومقاطعها‪ ،‬ومجاري ألفاظها ومواقعها‪ ،‬وفي مضرب‬
‫كل مثل‪ ،‬ومساق كل خبر‪ ،‬وصورة كل عظة وتنــبيه‪،‬‬
‫وإعلم وتــذكير‪ ،‬وترغيــب وترهيــب‪ ،‬ومــع كــل حجــة‬
‫وبرهان‪ ،‬وصفة وتبيان‪ .‬وبهرهم أنهــم تــأملوه ســورة‬
‫‪.‬انظر‪ :‬السرار‪ :‬ص ‪ 23-21‬ف ‪ ،19‬والدلئل‪ :‬ص ‪ 76-74‬ف ‪() 70 ،67‬‬
‫‪.‬انظر‪ :‬السرار‪ :‬ص ‪ 110-180‬ف ‪() 102‬‬

‫‪97‬‬
‫‪98‬‬

‫شرا ً ع ُ ْ‬
‫سورة‪ ،‬وع ُ ْ‬
‫شــرا ً ‪ ،‬وآيــة آيــة‪ ،‬فلــم يجــدوا فــي‬
‫الجميع كلمة ينبو بها مكانها‪ ،‬ولفظة ينكــر شــأنها‪ ،‬أو‬
‫يرى أن غيرها أصلح هناك أو أشبه‪ ،‬أو أحرى وأخلق‪،‬‬
‫بــل وجــدوا اتســاقا ً بهــر العقــول‪ ،‬وأعجــز الجمهــور‪،‬‬
‫ونظاما ً والتئاما ً وإتقانا ً وإحكام ـا ً لــم يــدع فــي نفــس‬
‫بليغ منهم ولو ح ـ ّ‬
‫ك بيــافوخه الســماء موضــع طمــع‪،‬‬
‫دعي وتقول‪ ،‬وخــذيت‬
‫حتى خرست اللسن عن أن ت ّ‬
‫(()‪(99‬‬
‫‪.‬‬
‫القروم فلم تملك أن تصول‬
‫فانظر قوله‪" :‬تأملوه سورة سورة … وآية آية"‪ ،‬فيه‬
‫دللة على أن التأمل والتحليل ل يقف عنــد مســتوى‬
‫جــزئي معيــن‪ ،‬بــل هــو شــامل كافــة المســتويات‬
‫التركيبيــة‪ .‬وفيــه دللــة علــى أنــه ذاهــب إلــى قيمــة‬
‫التحليل النصي‪ ،‬وإن لم يدعم ذلــك اليقيــن النظــري‬
‫منه بأهمية ذلك بممارسة تحليلية لنص كامل‪ ،‬إل مــا‬
‫كان منه من إشارة إلــى مــوطن الخــبيء فــي نظــم‬
‫سورة الفاتحة‪ ،‬ومـا قـامت عليــه مـن علئق روحيـة‬
‫بين معاني كلمها)‪.(100‬‬
‫فهل كان خلو تراث المام مــن الممارســة التذوقيــة‬
‫ص كامل مرجعه قرب الجــل؟ لعــل‬
‫التحليلية لبناء ن ّ‬
‫استفراغ المام عبد القاهر كــثيرا ً مــن جهــده ووقتــه‬
‫دي لمقالت المخالفين ونقــدها ونقضــها ذو‬
‫في التص ّ‬
‫أثر بليغ في افتقاره إلى ما يحقق للتحليــل والتــذوق‬
‫الكلي للنص حقه‪ .‬وهذا واحد من الثار غير الحميدة‬
‫لشتغال الرواد والئمة بنقــض مقــولت المخــالفين‪،‬‬
‫من قبل الوفاء التام بحق إقامة بناء التصور النظري‬
‫للمــذهب إقامــة كاملــة‪ ،‬ثــم الوفــاء التــام بحــق‬
‫الممارسة التذوقية التحليلية لكافة مســتويات البنــاء‬
‫الدبي للنص‪ ،‬بــدءا ً مــن أصــغر عنصــر مـن عناصــره‬
‫‪.‬الدلئل‪ :‬ص ‪ 39‬ف ‪() 31‬‬
‫‪.‬انظر‪ :‬الدلئل‪ :‬ص ‪ 452‬ف ‪() 534‬‬

‫‪99‬‬

‫‪100‬‬

‫اللسانية والروحية‪ ،‬إلى أعلها وأبسطها مدى‪ :‬النص‬
‫كله‪.‬‬
‫لــو أن عبــد القــاهر تجاهــل الشــتغال بنقــد ونقــض‬
‫مقــالت الخريــن‪ ،‬وانصــرف إلــى تشــييد نظريتــه‬
‫تصويرا ً نظريًا‪ ،‬وتــدّبرا ً عملي ـا ً فــي كافــة مستويـــات‬
‫النظم‪ ،‬فإن بقي من العمر والجهد شيء صرفه في‬
‫النقد والنقض لمقالت المخالفين‪ ،‬فإن لم يبق فــإن‬
‫دى حقه الكفاية والغنية لمن كــان لــه قلــب أو‬
‫فيما أ ّ‬
‫ن يبصــر مــن خللــه عــوار‬
‫ألقى السمع وهو شهيد‪ ،‬أ ْ‬
‫مقالت المخالفين ومعاباتها‪.‬‬
‫ن علماءنا الماجد فــي غيــر بــاب نقــد النــص‬
‫المهم أ ّ‬
‫الدبي‪ ،‬في باب فقه البيان القرآني كانوا أسرع إلى‬
‫الخــذ بالتصــور النظــري لــدى المــام عبــد القــاهر‪،‬‬
‫واســــتثماره فــــي مجــــال عنــــايتهم ودراســــتهم‪،‬‬
‫ص فــي كافــة مســتويات‬
‫فاستثمرت نظرية نظم النـ ّ‬
‫النظــم والــترتيب والتــأليف والــتركيب النصــي فــي‬
‫القرآن الكريم‪ ،‬ولم يقتصر تــدبرهم وتحليلهــم علــى‬
‫بنـاء الجملــة النحويـة‪ ،‬بـل تجـاوز ذلــك بنـاَء الجملــة‬
‫البيانيــة ذات الجمــل النحويــة العديــدة‪ ،‬إلــى بنــاء‬
‫المعاقد المشكل بناء النــص‪ /‬الســورة القرآنيــة‪ ،‬بــل‬
‫امتد ليشــمل بنــاء الســياق البيــاني للقــرآن الكريــم‪،‬‬
‫القــائم علــى أســاس الحكــام ثــم التفصــيل فــي‬
‫مستوياته العديدة‪ ،‬التي أعلهــا أحكــام بيــان معــاني‬
‫الهدي القرآني في سورة أم الكتاب‪ ،‬وتفصــيله فــي‬
‫ســائر ســور القــرآن الكريــم كلــه‪ ،‬تفصــيل ً تتناســل‬
‫عناصره من رحم السورة الم‪.‬‬
‫وأنت ل تجد بيانا بشريا ً أو غير بشري قد عولج بناؤه‬
‫على هذا المنهاج التحليلي والتركيبي‪ ،‬كمثل ما أنــت‬
‫مبصــره فــي صــنيع علمــاء القــرآن الكريــم ببيــانه‬

‫الحكيــم‪ ،‬وهــم ل يعتمــدون فــي ذلــك علــى النظــر‬
‫الشكلي للبناء السوري وعلقات السور ببعضها‪ ،‬بــل‬
‫تجاوز العناية بعلئق فواتح السور بخــواتم مــا قبلهــا‪،‬‬
‫ن كــان ذلــك فــي نفســه جــد كريــم‪ ،‬وذا لطــائف‬
‫وإ ْ‬
‫إشارية ليس هنا مجال تجليتها ـ ـ تجــاوزوا ذلــك إلــى‬
‫فقـــه العلئق الروحيـــة بيـــن المقاصـــد والغـــراض‬
‫والمعاني الكلية بين الســور‪ ،‬بمــا يكشــفون بــه عــن‬
‫وجهين‪:‬‬
‫الول‪ :‬التصريف البيــاني لتلــك المقاصــد والغــراض‬
‫المنصوب لها الكلم‪.‬‬
‫داخلي للمعنــى‬
‫والخر‪ :‬تصــاعد المقاصــد‪ ،‬والنمــو الـ ّ‬
‫القرآني المكنونة جرثومته في سورة "أم الكتــاب"‪،‬‬
‫صــل فــي ســائر القــرآن تفصــيل ً تصــاعديا ً ل‬
‫والمف ّ‬
‫تراكميًا‪.‬‬
‫هــذا الستشــراف النبيــل الماجــد لســتثمار نظريــة‬
‫النظم فـي فقـه بلغـة البيـان القرآنـي مـن علمائنـا‬
‫الجاويد‪ ،‬ل نجد له عند القدمين مـن علمـاء البلغــة‬
‫ص‬
‫والنقد ما يضارع حركته وامتداده في دراســة النــ ّ‬
‫الدبي‪ ،‬شعرا ً ونثرًا‪ ،‬فضل ً عــن دراســة ديــوان شــعر‬
‫ن عنايتهم بما اختاروا أن يكون من أهل‬
‫شاعر‪ .‬ولو أ ّ‬
‫العلم به من البداع الدبي كــانت علــى هــدي وقــدر‬
‫عناية أقرانهم من علماء بيــان القــرآن الكريــم ــ لــو‬
‫أنهــم فعلــوا وســاروا بمنهــاجهم علــى هــدى خطــا‬
‫أقرانهم من علماء القرآن الكريم‪ ،‬لكانت ثمار النقد‬
‫الدبي عندنا أوفر عطــاء وأســمى منـــزلة ممــا هــي‬
‫عليه الن‪.‬‬
‫ن اســتثمار‬
‫ومــن اللفــت للنظــر والمــثير للعجــب أ ّ‬
‫نظرية النظم‪ ،‬والسترشاد بها فــي بــاب فقــه بلغــة‬
‫القــرآن الكريــم فــي أصــغر صــوره التركيبيــة إلــى‬

‫أعظمهــا‪" :‬الســياق القرآنــي كلــه" قــد بلــغ ذروتــه‬
‫وشــرفه فــي القــرن التاســع الهجــري فــي عصــر‬
‫المماليك‪ ،‬ذلــك العصــر الموســوم بعصــر النحطــاط‬
‫في البداع الدبــي‪ ،‬وبعصــر الموســوعات‪ ،‬والــتراكم‬
‫المعرفــي‪ ،‬والتناســخ الثقــافي‪ ،‬والعقــم الفكــري‪،‬‬
‫والفتتان بالزخرف‪ ،‬وغير ذلك مما تموج بــه كتابــات‬
‫النقــاد المحــدثين مــن وســم هــذا العصــر بميســم‬
‫التخلــف‪ .‬مــن العجيــب أن نقــاد الدب لــم ينتفعــوا‬
‫بمنهــاج أقرانهــم فــي عصــرهم مــن علمــاء البيــان‬
‫القرآني على نحو ما نراه عند برهان الدين البقــاعي‬
‫)ت ‪855‬هـ( مث ً‬
‫ل‪.‬‬
‫كان حريا ً بالنقد الدبي حينذاك أن يتجاوب مع حركة‬
‫التدبر البياني للقرآن الكريم‪ ،‬حتى وإن كان الغــالب‬
‫على نتاج إبداع أدباء ذلــك العصــر مــا ليــس حميــدًا‪،‬‬
‫ن من بين أيديهم نتاج عصور وقرون عديدة يمكن‬
‫فإ ّ‬
‫الممارسة التذوقية التحليلية الماجدة لشعره‪.‬‬
‫ماذا لو أن ناقدا ً استهدى بنظريـة التناسـب القرآنـي‬
‫الـــتي هـــي قائمـــة علـــى أســـاس نظريـــة النظـــم‬
‫الجرجانيــة‪ ،‬وعالــج تحليــل قصــائده مــن العصــور‬
‫الخوالي على هديها؟ لــو ذلــك كــان لكــانت الحركــة‬
‫النقديــة فــي ذلــك العصــر‪ ،‬إن لــم تتســام علــى مــا‬
‫يتشادق به نقدة عصرنا هذا بما استجدوه من فتــات‬
‫موائد العاجم‪ ،‬لما كان من دونه منـزلة على القل‪.‬‬
‫وإذا ما نظرت في واقع النقد الدبي في عصرنا هذا‬
‫ـ متجاهل ً تلك المذاهب العجمية الــتي نبــش نقادنــا‬
‫قبورها فأخرجوها لنقتات منها ـ فإنك ترى شيئا ً مــن‬
‫عناية الناقدين المستمسكين بعربيتهم لسانا وفكــرا ً‬
‫وتـــذوقا ً بالسترشـــاد والهتـــداء بنظريـــة النظـــم‬

‫الجرجانية فــي قــراءة النــص الدبــي قــراءة تذوقيــة‬
‫تحليلية‪.‬‬
‫تــرى ذلــك مثل ً فــي صــنيع أبــي فهــر محمــود شـاكر‬
‫لقصيدة "ابن أخت تأبط شرًا"‪:‬‬
‫ن بالشعب الذي دون سلع لقتيل ً دمه ما ُيط ّ‬
‫ل‬
‫إ ّ‬
‫في كتابه "نمــط صــعب ونمــط مخيــف"‪ ،‬فقــد كــان‬
‫صنيعه في التحليل اســتثمارا ً مجيــدا ً لصــول نظريــة‬
‫النظــم الجرجــاني فــي تحليــل النســيج الشــعري‬
‫للقصيدة كلها‪.‬‬
‫وتراه أيضا ً في صنيع شيخنا أبــي موســى فــي كتــابه‬
‫"قراءة في الدب القديم"‪ ،‬في طبعته الثانية‪ ،‬فإنــك‬
‫ن منهج الشــيخ فــي التحليــل والتــذوق قــائم‬
‫مبصر أ ّ‬
‫على أصول نظرية النظم الجرجانية‪ ،‬المتمثلــة فيمــا‬
‫ســبق أن بينــه مــن المقومــات الثلثــة لتمــام بلغــة‬
‫الخطــاب الدبــي)‪ ،(101‬وفــي أن المعنــى الشــعري‬
‫جرثومته من رحم الصياغة الشــعرية‪ ،‬الــتي عمودهــا‬
‫النظم‪ ،‬القــائم علــى تــوخي العلقــات الروحيــة بيــن‬
‫معاني الكلم‪ ،‬وأن هذه العلقات ذات وجوه وفــروق‬
‫وأنماط كثيرة‪ ،‬ليس لها غاية تقـف عنـدها‪ ،‬ونهايــة ل‬
‫تجــد لهــا زيــادة بعــدها‪ ،‬وأن فضــائل تلــك الوجــوه‬
‫ة إنما تأتيها من روافــد ثلثــة‪ :‬المعــاني‬
‫والنماط بلغ ً‬
‫والغراض التي يوضع لها الكلم‪ ،‬وموقع تلك الوجوه‬
‫بعضها من بعــض واســتعمال بعضــها مــع بعــض‪ ،‬وأن‬
‫مساحة النسيج النظمي ل تنحصر في نسيج الجملــة‬
‫النحوية ول البيانية‪ ،‬بل ذلك ممتــد إلــى نســيج نظــم‬
‫النص كله‪.‬‬
‫ذلك ما يقيم الشيخ قراءته على أساسه‪ ،‬مستصــحبا ً‬
‫مقالة المام في تعيين طريق تحقيق مقومات تمــام‬
‫‪.‬انظر‪ :‬الدلئل‪ :‬ص ‪ 43‬ف ‪() 35‬‬

‫‪101‬‬

‫بلغة الخطاب الدبــي‪ ،‬الــتي يقــول فيهــا‪)) :‬ول جهــة‬
‫لستعمال هــذه الخصـال غيـُر أن تـأتي المعنـى مـن‬
‫الجهة التي هي أصح لتأديته‪ ،‬وتختـار له اللفظ الــذي‬
‫ص به‪ ،‬وأكشــف عنــه‪ ،‬وأتــم لــه‪ ،‬وأحــرى بــأن‬
‫هو أخ ّ‬
‫(()‪(102‬‬
‫ُيكسبـه نب ً‬
‫‪ .‬وقــارئ صــنيع‬
‫ل‪ ،‬ويظهـر فيـه مزيــة‬
‫شيخنا أبــي موســى فــي هــذا الكتــاب‪" :‬قــراءة فــي‬
‫الدب القديم" يدرك أنه لم يسع إلى تطبيق نظريــة‬
‫النظم الجرجانيـة‪ ،‬بـل إلـى تحليـل النـص الشـعري‪،‬‬
‫مستهديا ً بأصول تلــك النظريــة‪ ،‬ولــذلك لــم يشــأ أن‬
‫يكبل حركة تذوقه وتحليلــه بجزئيــات تلــك النظريــة‪،‬‬
‫ولم يشأ أن تكون قراءته للنــص قــراءة استنســاخية‬
‫لنظريــة النظــم الجرجانيــة فيهــا‪ ،‬فيكــون صــنيُعه‬
‫ث بلسان تلك النظريــة‪ ،‬ولــم يشــأ أن تكــون‬
‫المتحد َ‬
‫قراءتـــه للنـــص قـــراءة تأويليـــة لنظريـــة النظـــم‬
‫الجرجانية‪ ،‬التي تسعى إلى تأويل ما قد يحسب أنــه‬
‫وجــه نقــص أو إغفــال لبعــض وجــوه النظــر النقــدي‬
‫للنص‪ ،‬فهو ل يقيم حاله جنــديا ً علــى ثغــر مــن ثغــور‬
‫النظريــة الجرجانيــة‪ ،‬ولكنــه يعمــد إلــى القــراءة‬
‫ص الدبــي مسترشــدًا‪ ،‬ل مكب ّ ً‬
‫ل‪،‬‬
‫التحليليــة لواقــع الن ـ ّ‬
‫بأصول النظرية الجرجانية‪ .‬واقرأ أول ً مقدمتي كتــابه‬
‫م تــابع القــراءة فــي ممارســته‬
‫الولــى والثانيــة‪ ،‬ثــ ّ‬
‫التحليلية تجد مصداق الذي ذكرت لك‪ ،‬بل تجده في‬
‫ممارســته التحليليــة أجلــى وأبهــر ممــا تجــده فــي‬
‫مقدمتيه‪.‬‬
‫وهذا ما يجعــل مــا يرمــي إليــه مــن قــراءة النظريــة‬
‫الجرجانية ممثلة للفكــر البلغــي العربــي فــي شــعر‬
‫العربية‪ ،‬فيرى تلك النظرية واقعا ً في نســيج البــداع‬
‫الشــعري‪ ،‬فالســاس عنــده تحليــل الشــعر وتــذوقه‪،‬‬
‫وليس شرح النظرية نفسها بــأي نهــج كــان الشــرح‪.‬‬
‫‪.‬الدلئل‪ :‬ص ‪ 43‬ف ‪() 35‬‬

‫‪102‬‬

‫التحليل والتذوق للنص الدبي هــو الســبيل المطــرق‬
‫إلى كشف كثير من دقــائق ولطــائف تلــك النظريــة‪،‬‬
‫وإلى البناء على ما جاءنا منها من القــدمين‪ ،‬وليــس‬
‫ص‬
‫من سبيل إلــى اســتكمال جوانبهــا إل بتحليــل النـ ّ‬
‫الشــعري‪ ،‬مسترشــدين بأصــولها ومنهجهــا‪ .‬وهنالــك‬
‫ممارسات نقدية انطلقت مــن أصــول تلــك النظريــة‬
‫في قراءة النص الشعري‪ ،‬علــى نحــو مــا نــراه عنــد‬
‫الــدكتور عبــده بــدوي فيمــا كــان ينشــره فــي مجلــة‬
‫"الشعر"‪ ،‬وفيما نشره في بعض كتبه‪ ،‬وما نراه فــي‬
‫محاولتين للدكتور عبده زايد من قراءة معلقة زهيــر‬
‫وقصيدة حريق ميت غمر لحـافظ إبراهيــم‪ ،‬وغيرهـم‬
‫غيــر قليــل‪ ،‬وكلهــا ممارســات تؤك ّــد أهميــة نظريــة‬
‫ص الدبي‪.‬‬
‫النظم في نقد الن ّ‬

‫من صــور نقــد عبــد القــاهر النــص فــي ضــوء‬
‫نظرية النظم‬
‫الذي يقــرأ "الــدلئل" يجــد المــام عبــد القــاهر فــي‬
‫مفتتحه يعرض لصنيع العلمــاء مــن ســلفه فــي بيــان‬
‫معنى الفصاحة والبلغة والبيان والبراعة‪ ،‬وفي بيــان‬
‫المغزى من هذه العبارات‪ ،‬وتفسير المراد بها‪ .‬وهــو‬
‫إنما ينظر في مقالتهم فــي هــذا؛ لن مقــالتهم هــذه‬
‫مقالــة فيمــا هــو الجــدير ب ِــأن يكــون منــاط النظــر‬
‫والقراءة التأملية التحليلية التأوليــة والتلقــي الماجــد‬
‫في البيان الدبي العالي‪.‬‬
‫نحن ل نقرأ في أي إبداع أدبي إل أدبيتــه أو شــعريته‬
‫الــتي يطلــق عليهــا أســلفنا‪" :‬الفصــاحة والبلغــة‬
‫والبراعــة والبيــان وكــل مــا شــاكل ذلــك"‪ ،‬فهــذه‬
‫الكلمــات الســلفية العربيــة هــي هــي أدبيــة النــص‬
‫وشعريته‪ ،‬كما يجري على اللسنة اليوم‪ ،‬وقـد أغـرم‬
‫الناس بهما‪ ،‬وأعرضوا عــن تلــك الكلمــات الســلفية‪،‬‬
‫إما ظنا ً منهم أنهما ليست هي التي تتقاذفهــا ألســنة‬
‫المحدثين من أدبية النص وشــعريته‪ ،‬وأن الجديــدتين‬
‫ماجدتان‪ ،‬وكما يقول المثل العربي‪" :‬في كــل شــجر‬
‫نار‪ ،‬واستمجد المــرخ والقفــار"‪ ،‬أي‪ :‬اســتكثر منهمــا‬
‫م كانتــا‬
‫كأنهما أخذا من النار ما هو حسبهما‪ ،‬ومــن ث ـ ّ‬
‫جديرتين عند أولئك بالرغبــة فيهمــا وجريانهمــا علــى‬
‫اللســان مــن تلــك الكلمــات الســلفية التليــدة‪ ،‬وإمــا‬
‫خوفا ً من أن يأتي زمان يؤخذ فيه الناطق بالكلمــات‬
‫الســلفية "البلغــة والفصــاحة …"‪ ،‬والراغــب عــن‬
‫الدبيــة والشــعرية بتهمــة الرهــاب اللغــوي‪ ،‬والــتي‬
‫ستصــنعها الطــواغيت‪ ،‬بأنهــا مــن رحــم الرهــاب‬
‫السياسي‪ ،‬فكان من الحيطة }خذوا حــذركم{‪} ،‬ول‬
‫تلقــوا بأيــديكم إلــى التهلكــة{‪ ،‬و))المــؤمن كيــس‬

‫ن يرغب عــن تلــك الســلفيات التليــدة إلــى‬
‫فطن(( أ ْ‬
‫هذه الغضة الطرية "الدبية‪ /‬الشعرية"‪.‬‬
‫قلــت إنــه لمــا كــانت كــل قــراءة وتلقــي = )وهمــا‬
‫كلمتان قرآنيتان ل أعجميتان‪ ،‬وما يكــون لــي أن أدع‬
‫قرآني مخافة شيء( = إنمــا هــي فــي بلغــة البيــان‬
‫وفصاحته‪ ،‬وأنــه ل يعنينــا مــن أمــر الكلم العــالي إل‬
‫فصاحته عن المعاني الدمية‪ ،‬الــتي ترتقــي بالقــارئ‬
‫مــن وجــوده النســاني اللئط بــالتراب إلــى حقيقتــه‬
‫الدميــة المستشــرفة إلــى الفــق القــدس‪ ،‬حيــث‬
‫القرب والرضوان‪ .‬نحن المسلمين ل نقرأ ول نتلقــى‬
‫الكلمــة الشــاعرة‪ ،‬قصــيدا ً أو نــثيرًا‪ ،‬متجرديــن مــن‬
‫إسلمنا وعروبتنا‪ ،‬أو متشاغلين عنهما‪ ،‬هما ـ عندي ـ‬
‫مزاج كــل قــراءة‪ ،‬بــل كــل حركــة‪ ،‬وإل كــان الفعــل‬
‫عقيمًا‪ ،‬بل ليته عقيما ً وكفى‪ ،‬إنه فعل لئيم أليم‪.‬‬
‫فمناط قراءة النــص هــي بلغتــه وفصــاحته وبراعتــه‬
‫وبيانه )أدبيته‪ /‬شعريته(‪ ،‬فمــا بيــان الســلف لحقيقــة‬
‫هذا المناط؟‬
‫يؤكد المام عبد القاهر أن ســلفنا كــان بيــانهم ذلــك‬
‫على ضربين‪:‬‬
‫ضـرب‪ :‬كالرمز واليماء والشارة في خفاء‪.‬‬
‫وضرب‪ :‬كالتنبيه على مكان الخبيء ليطلب‪ ،‬وموضع‬
‫الدفين ليبحث عنه فيخرج‪ ،‬وكما يفتــح لــك الطريــق‬
‫إلى المطلوب لتسلكه‪ ،‬وتوضــع لــك القاعــدة لتبنــي‬
‫عليها)‪.(103‬‬
‫حدد بصيرتك في قوله‪" :‬الخــبيء"‪" ،‬الــدفين"‪ .‬وهــو‬
‫يردد مثل هذا في موطن آخــر مــن الكتــاب‪ ،‬يقــول‪:‬‬
‫))الذي قاله العلماء والبلغاء في صفتها والخبار عنهــا‬
‫رموز ل يفهمها إل من هو في مثل حالهم‪ ،‬من ل ُ ْ‬
‫طف‬
‫‪.‬الدلئل‪ ،34 :‬ف ‪() 27‬‬

‫‪103‬‬

‫الطبع ومن هو مهيأ لفهم تلك الشارات‪ ،‬حــتى كــأن‬
‫تلــك الطبــاع اللطيفــة وتلــك القــرائح والذهــان قــد‬
‫تواضعت فيما بينها على ما ســبيُله ســبي ُ‬
‫ل الترجمــة‪،‬‬
‫يتواطأ عليها قوم فل تعدوهم‪ ،‬ول يعرفهــا مـن ليـس‬
‫منهم(()‪.(104‬‬
‫وفي موضع ثــالث يقــول‪)) :‬واعلــم أنــك ل تــرى فــي‬
‫الدنيا علما ً قد جرى المر فيه بديئا ً وأخيــرا ً علــى مــا‬
‫دئ‬
‫جرى عليه في "علم الفصاحة والبيــان"‪ .‬أمــا الب ـ ِ‬
‫فهو أنك ل ترى نوعا ً من أنواع العلوم إل وإذا تأملت‬
‫كلم الولين الذين عّلموا الناس‪ ،‬وجدت العبارة فيــه‬
‫ح أغلــب مــن التلويــح‪،‬‬
‫أكــثر مــن الشــارة‪ ،‬والتصــري َ‬
‫والمر في "علم الفصاحة " بالضد ّ من هذا‪ .‬فإنك إذا‬
‫قرأت ما قاله العلماء فيه وجــدت جلــه أوكلــه رمــزا ً‬
‫ووحيًا‪ ،‬وكناية وتعريضًا‪ ،‬وإيماء إلى الغرض من وجــه‬
‫ل يف ُ‬
‫طن له إل من غلغــل الفكــر وأدق النظــر‪ ،‬ومــن‬
‫يرجــع مــن طبعــه إلــى ألمعيــة يقــوى معهــا علــى‬
‫س ـل ً‬
‫الغامض‪ ،‬ويصل بهــا إلــى الخفــي‪ ،‬حــتى كــأن ب َ ْ‬
‫حراما ً أن تتجلى معانيهم سافرة الوجه ل نقاب لها‪،‬‬
‫وبادية الصفحة ل حجاب دونها‪ ،‬وحتى كــأن الفصــاح‬
‫بها حرام‪ ،‬وذكرها إل على ســبيل الكنايــة والتعريــض‬
‫ضوا‬
‫غير سائغ‪ .‬وأما الخير فهو أّنا لم نر العقلء قد ر ُ‬
‫ن يحفظوا كلم ـا ً‬
‫من أنفسهم في شيء من العلوم أ ْ‬
‫ً‬
‫ضهم بعضا‪ ،‬من غيــر‬
‫للولين ويتدارسوه‪ ،‬ويكّلم به بع ُ‬
‫ن يعرفوا له معنى‪ ،‬ويقفوا منه على غرض صــحيح‪،‬‬
‫أ ْ‬
‫ن ُيسألوا عنه‪ ،‬بيان لــه وتفســير‪ ،‬إل‬
‫ن عندهم‪ ،‬إ ْ‬
‫ويكو َ‬
‫"علــم الفصــاحة" فإّنــك تــرى طبقــات مــن النــاس‬
‫يتداولون فيما بينهم ألفاظـا ً للقــدماء وعبــارات‪ ،‬مـن‬

‫‪.‬السابق‪ ،250 :‬ف ‪() 289‬‬

‫‪104‬‬

‫ن يعرفــوا لهــا معنــى أصـ ً‬
‫ن‬
‫ل‪ ،‬أو يســتطيعوا‪ ،‬إ ْ‬
‫غيــر أ ْ‬
‫(()‪(105‬‬
‫‪.‬‬
‫ح‬
‫ُيسألوا عنها‪ ،‬أن يذكروا لها تفسيرا ً يص ّ‬
‫ل يكون ترديد من المــام فــي أمــر إل إذا كــان ذلــك‬
‫المر جلي ً‬
‫ل‪ .‬تراه فاعله فــي شــأن النظــم وهــو نهــج‬
‫إباني ذو نسب عريق بنحو القرآن الكريم‪.‬‬
‫قد يظن أن عبد القاهر عازف في مقالته تلــك علــى‬
‫أوتار الشكوى أو المعابة صنيعَ الئمــة مــن الســلف‪.‬‬
‫أرى صنيع عبد القاهر على غيــر التشــكي والمعابــة‪،‬‬
‫أراه راميا ً إلى بيان جوهر ما هم بسبيل البيان عنــه‪،‬‬
‫إنه ل يأنس بغير هذا‪ ،‬ول يليــق بــه إل ذلــك الضــرب‬
‫مـــن البيـــان‪ ،‬فهـــو ممـــا يئده الفصـــاح واليضـــاح‬
‫والسفار‪ ،‬فكل جليل ل تحيط به البصــار والبصــائر‪.‬‬
‫فمن كرمــه لــم يطــرح فــي الطريــق‪ ،‬فحقــه أن "ل‬
‫يفطن لــه إل مــن غلغــل الفكــر‪ ،‬وأدق النظــر‪ ،‬ومــن‬
‫يرجع من طبعة إلى ألمعية يقوى معها على الغامض‬
‫ويصل بها إلــى الخفــي"‪ ،‬كمــا يقــول المــام‪ .‬جــوهر‬
‫بلغة البيان العالي )أدبيته‪ /‬شعريته( التي هي منــاط‬
‫تلقيــه وقراءتــه وتــأمله وتــدبره ذات حرمــة علــى‬
‫الدهماء والغرباء‪ ،‬كحرمة الحرة النســيبة المســلمة‪،‬‬
‫سل حرام أن تتجلى سافرة ل نقاب لها‪ ،‬وبادية‬
‫هي ب ْ‬
‫الصــفحة ل حجــاب دونهــا‪ ،‬فمــن شــاء أن تســفر لــه‬
‫فليكن لتلك أه ً‬
‫ل‪ ،‬وليعقد لها عقدًا‪ ،‬وليقدم لها صداقا‬
‫شاهدا ً على صدق طلبته‪ ،‬وأهليتــه لحســن الجــواب‪.‬‬
‫فالســلف فــي صــنيعهم ذوو لقانيــة وفراســة عليمــة‬
‫بحق ما هو مناط القراءة والتلقي من البيان العالي‪،‬‬
‫فمن أراد أن يكون من أهلها فليملك ما يؤذن له بــه‬
‫طرق أبواب الفردوس‪ .‬ومن داوم الطرق ُأذن له‪.‬‬

‫‪.‬السابق‪ ،455 :‬ف ‪() 539‬‬

‫‪105‬‬

‫عبد القاهر غيــر معيــب صــنعة العلمــاء هنــا‪ ،‬ولــذلك‬
‫اتخذها فكانت منه في كتــابيه‪ ،‬ول ســيما "الــدلئل"‪.‬‬
‫تجده في قــراءة بعــض النصــوص يعمــد أحيان ـا ً إلــى‬
‫الرمــز والــوحي‪ ،‬وأحيان ـا ً ينبــه علــى مكــان الخــبيء‬
‫لتطلبه أنت بنفسك‪ ،‬وعلى مكان الدفين لتبحث عنه‬
‫وتخرجه بنفسك‪ ،‬ويفتح لك الطريــق إلــى المطلـوب‬
‫لتضرب فيه بقدمك ل بقدم غيرك‪.‬‬
‫وهذا الخير هو الغالب على أمــره‪ ،‬فهــو ل يحــب أن‬
‫يقرأ لك‪ ،‬وأن ينوب عنك فــي التأمــل والتــدبر‪ .‬كــأنه‬
‫يرى فــي هــذا حيفـا ً علــى النــص مــن جهــة‪ ،‬وغمــط‬
‫ص أن يخــادنه كــثير‬
‫القارئ الخر من أخرى‪ .‬حق النـ ّ‬
‫من القراء‪ ،‬فكل سعي إلى إغناء القراء عن مخادنته‬
‫حيف علــى ذلــك النــص‪ ،‬فكــل قــراءة‪ /‬مخادنــة مــن‬
‫القارئ تستثمر ضربا ً من العطاء المكتنـز في النص‪.‬‬
‫فكل قراءة ما جده للنص تجعله قديرا ً على التحدث‬
‫بالنعمة التي اكتنـزت فيه‪.‬‬
‫وحق القارئ الخر أن يمارس بنفسه ذوق ما يطعم‪،‬‬
‫ل أن يقرى ما لكتــه النواجــذ مــن قبلــه‪ .‬إكرامــه أن‬
‫تفتح له الطريق ليسلك‪ ،‬ل أن تحمله علــى ظهــرك‪،‬‬
‫أن تعلمه الصيد ل أن تصطاد له‪ ،‬كما تقول الحكمة‪.‬‬
‫ترى مثل هذا التنبيه على مكان الخبيء ليطلب فــي‬
‫ح بــن خاقــان"‪،‬‬
‫قراءة المام مع مدحة البحتريّ "الفت َ‬
‫التي يتغنى فيها بقوله‪:‬‬
‫ح‬
‫فمـــا إن َرأْينـــا َ ل َ‬
‫ن َقــد ْ‬
‫ونا َ‬
‫ضَرائب َ‬
‫م ْ‬
‫ب َل َ ْ‬
‫فت ْـــ ٍ‬
‫يبا‬
‫ض‬
‫َنــــــــــــــــــــــــرى‬
‫ـــــــــــــــــــــر َ‬
‫َ‬
‫ورأيا ً‬
‫تـ عزما ً وشيكا ً‬
‫هــو المــرء أبــدت لَــه‬
‫ــــــــــــــــــــا‬
‫الحادثـ‬
‫خُلقـــي‬
‫تن ّ‬
‫قـــل فـــي ُ‬
‫ســــــــــــــــــــــؤدد‬
‫فكالســـيف إن جئتـــه‬
‫صــــــــــــــــــــارخا ً‬

‫صــــــــــــــــــــــليبا‬
‫سماحا ً مرجى‪ ،‬وبأسا ً‬
‫مهيبـــــــــــــــــــــــا‬
‫و كـــالبحر إن جئتـــه‬
‫مســــــــــــــــــــتثيبا‬

‫ل يلج المام قاموس هذه الصورة من قبل أن يهيــئ‬
‫المتلقي لترك التشــاغل عنهــا‪ ،‬ومــن قبــل أن يبعــث‬
‫فيه الستشراف إلى مكنونها‪ .‬يثيرك لتقــف بنفســك‬
‫وتبحر وتغوص‪.‬‬
‫يقول‪)) :‬اعمد إلى ما تواصــفوه بالحســن‪ ،‬وتشــاهدوا‬
‫له بالفضل ثم جعلوه كذلك من أجل النظم خصوصا ً‬
‫دون غيره مما يستحسن له الشعر أو غير الشعر …‬
‫مْله((‪.‬‬
‫وتأ ّ‬
‫هو ينصفك من نفسه‪ ،‬ل يجعلك تعمــد إلــى مــا يــرى‬
‫هو ما يصفه بالحسن‪ ،‬وما يشهد هو له بالفضل‪ ،‬إنما‬
‫تعمد إلى ما كان من القدمين ذلك في شأنه‪ .‬وكأنه‬
‫ل يدعك تكافحه بأن هذه ليست بالحسنة والفاضلة‪،‬‬
‫يجعلك أمام ما احتكت به عقــول‪ ،‬ولمســته قلــوب‪،‬‬
‫ل‪ ،‬وسمت نب ً‬
‫وخبرته أذواق وأرواح‪ ،‬فزكت فض ً‬
‫ل‪.‬‬
‫ثم يصف لك ما أنت مقيم فيه إذا ما عمدت إلى مــا‬
‫ذكــر لــك‪ .‬يريــك أنــك تــرى نفســك بهــذه الصــورة‬
‫الشــعرية الــتي ســيذكرها قــد ارتــاحت واهــتزت‬
‫واستحسنت‪ ،‬أي أنــك وجــدت فيهــا مــا أقامتــك فــي‬
‫السياق الستحساني الذي أقامت فيــه مــن ســبقك‪،‬‬
‫فهي ما يزال سلطان سحر بيانها فتيًا‪.‬‬
‫وحين إذ يطالبك بــالعودة إلــى نفســك الــتي أثملتهــا‬
‫الريحية‪ :‬النشاط وطيـب النفـس ــ لتعلـم مصـدرها‬
‫وسببها‪ ،‬وما كانت عنده كــذلك‪ ،‬يقيمــك المــام عبــد‬
‫القاهر مع نفسك‪ ،‬يستخرج من حالك الذي ل تجهــل‬
‫وشأنك الذي لن تنكر وأمرك الذي لن تدفع‪ ،‬كل هذا‬
‫يفعله المام توطئة لما هو مـومئ إليــه مـن مكـامن‬
‫الحسن والفضيلة والسحر الخذ في أبيات البحتري‪.‬‬
‫من يفعل معك ذلك من قبل أن يشــير إلــى مــوطن‬

‫الخبيء من خفي الحسن لتطلــب‪ ،‬قــد أنصــفك مــن‬
‫نفسه وهيأك لتعطي النص حقه‪.‬‬
‫ثم يؤذن فيك أنك إذا ـ هكذا تحقيقا ً ـ رأيتها ـــ وهــي‬
‫رؤية علم ل تقليد قميء ـ قد راقتك وكثرت عنــدك‪،‬‬
‫ووجدت لها اهتزازا ً في نفســك‪ .‬فحــق هــذه البيــات‬
‫التي قرتك الريحية‪ ،‬وحذتك الطيب أن تعلم السبب‬
‫الذي به كانت المقرية الحاذيــة‪ ،‬وأن تستقصــي فــي‬
‫ن فعلــت فــي تلــك البيــات البحتريــة فــأي‬
‫النظر‪ .‬فإ ْ‬
‫))‬
‫ن ليــس إل أنـه‬
‫شيء علمت‪ :‬إنك تعلم ـ ضرورة ـ أ ْ‬
‫خــر‪ ،‬وعـّرف ونك ّــر‪ ،‬وحــذف وأضــمر‪ ،‬وأعــاد‬
‫قــدم وأ ّ‬
‫وكّرر‪ ،‬وتوخى على الجملة وجه ـا ً مــن الوجــوه الــتي‬
‫يقتضيها علم النحو‪ ،‬فأصاب في ذلك كله‪ ،‬ثـم ل ّ‬
‫ف‬
‫طـ َ‬
‫ْ‬
‫ى يوجب الفضيلة(()‪.(106‬‬
‫موضعَ صوابه‪ ،‬وأتى مأت َ ً‬
‫وهو إذ يثيرك ويقررك بالمعــدن الــذي نجــم منــه مــا‬
‫قراك الريحية‪ ،‬يعمد إلـى وضـع يـدك علـى مـواطن‬
‫الحسن من غيــر أن يخرجــه لــك؛ لتبحــث أنــت عنــه‬
‫فتخرجه‪ ،‬ويفتح لك الطريق؛ لتسلكه أنت‪ ،‬ويضع لك‬
‫القاعدة؛ لتبني أنت عليهــا‪ .‬فإنــك إن فعلــت إخراجـا ً‬
‫وسلوكا ً وبناء ذقت أعظم ممــا ذقــت قبــل‪ ،‬وفتحــت‬
‫مصاريع الريحيــة فــي نفســك علــى نحــو ليــس لــك‬
‫بمثله علم‪.‬‬
‫ن أول شيء يروقك منهــا قــوله‪:‬‬
‫يقّررك‪)) :‬أفل ترى أ ّ‬
‫"هو المرء أبدت له الحادثات"((‪ .‬وما بين لك ما فيه‪،‬‬
‫فــإن نظــرت‪ ،‬وجــدت التعريــف فــي كــل مــن "هــو‬
‫المرء"‪ ،‬وهــو تعريــف يتقــاذف إلــى قلبــك أن يكــون‬
‫على نحوه في قول الشاعرة الخنساء‪:‬‬
‫رأيت بكــاءك‬
‫إذا قبح البكـاء عـلى قـتـيـل‬
‫الحسن الجمـيل‬
‫‪.‬الدلئل‪ ،85 :‬ف ‪() 78‬‬

‫‪106‬‬

‫أو على نحو قول ابن الرومي‪:‬‬
‫هــــو الرجــــل المشــــروك فــــي جــــ ّ‬
‫ل مـالـــــه‬
‫مـ ْ‬
‫فـرد ُ‬
‫ولكنه بالمجد والحمد ُ‬
‫وهما نحوان مختلفان مثمران معنيين متفاوتين‪ .‬نحو‬
‫البيت الول‪ :‬إقرار البكاء عليــه فــي جنــس الحســن‬
‫غير المنكــور‪ ،‬فيكــون المعنــى أن "الفتــح" قــار فــي‬
‫المــروءة‪ ،‬قــرارا ً ل يلحقــه شــك مــن أحــد‪ .‬وليــس‬
‫المعنــى علــى تخصيصــه بــالمروءة‪ ،‬وجعــل مــا عنــد‬
‫الخرين منها عدمًا‪ ،‬بإزاء ما عنده منها‪ .‬ونحو الــبيت‬
‫ن من شــاء أن يعــرف المــروءة‪،‬‬
‫الثاني‪ :‬البانة عن أ ّ‬
‫صل معناها قائمة في أحد‪ ،‬فعليــه بـــ"الفتــح"‬
‫وأن يح ّ‬
‫فإنه هي‪ ،‬فحيث تصورت المروءة وجدته إياها‪.‬‬
‫م احتمال أن يكون على نحو قول العشى‪:‬‬
‫وث ّ‬
‫مـا مخاض ـا ً‬
‫هو الواهب المنة المصطفاة‬
‫إ ّ‬
‫وإما عشارا ً‬
‫إذا ما جعلت قوله "أبدت له الحادثات" قيدا ً للمسند‬
‫"المــرء"‪ ،‬أي المــرء المنعــوت بإبــداء الحادثــات لــه‬
‫عزما ً وشيكا ً ورأيا ً صليبًا‪ ،‬فيكون مــن ســبيل الفــراد‬
‫بذلك‪ ،‬وأنك ل تجده إل في الممدوح‪.‬‬
‫احتمالت قائمة يسبح فيها فكــرك‪ ،‬وفــي كــل متجــه‬
‫تلقيك محاسن وعطايــا‪ ،‬وإن كــان أقربهــا أن يكــون‬
‫على نحو "هو الرجل المشروك"‪.‬‬
‫ونعود لننظر ما فــي تعريــف المســند إليــه بالضــمير‬
‫"هو"‪ ،‬والنظر يقريك أن ذلك الوصف "المرء أبدت"‬
‫إنما هو من كنهـه وطبعــه وســجيته‪ ،‬وليــس مكتســبا ً‬
‫هويته وكينونته ل يتخلى عنــه‬
‫من بعد افتقار‪ .‬هو من ُ‬
‫ما بقيت فيه الحياة‪.‬‬
‫وفي إســناد البــداء إلــى الحادثــات إبلغ فــي تمكــن‬
‫الممــدوح مــن المعــالي‪ ،‬وأن الحادثــات الــتي تــذهل‬

‫العقل فل يعرف طريقه إلى الرأي الصــليب‪ ،‬وتثبــط‬
‫القلب فل ينبت العزم الوشيك‪ ،‬هي التي تكشف من‬
‫الممــدوح عزمــه الوشــيك ورأيــه الصــليب‪ ،‬فل تــرى‬
‫أحدا ً من قريب أو بعيد ل يبصر عزمه الوشيك ورأيه‬
‫الصليب‪.‬‬
‫وفي هذا منع توهم أنه بغير الحادثات ليــس ذا عــزم‬
‫وشـــيك ورأي صـــليب‪ ،‬مـــن أن إبـــداءهما مقـــرون‬
‫بالحادثات‪ ،‬فليــس لســناد البــداء للحادثــات مفهـوم‬
‫مخالفة‪ ،‬وذلك يؤكده النظر في قوله "أبدت"‪ ،‬وهــي‬
‫ل تبدي إل مـا كـان خفيـا ً عـن بعـض البعـدين‪ ،‬فقـد‬
‫يظن مـن ل علــم لـه بــه أنــه ليــس كــذلك‪ ،‬فــإذا مـا‬
‫وقعت حادثة لم يبق ذو علم إل وعلم ماله من عــزم‬
‫وشيك ورأي صليب‪.‬‬
‫ويبقــى قــوله "لــه"‪ ،‬وتقــديمه علــى المســند إليــه‬
‫"الحادثات"‪ ،‬وفيه من الدللة على مزيــد الختصــاص‬
‫بــذلك‪ ،‬وأن هــذا مــن الحادثــات ل يكــون إل لــه‪ ،‬أمــا‬
‫غيره فإن الحادثات تخفي ما كــان لهــم ظــاهرا ً مــن‬
‫العزم والرأي‪.‬‬
‫وفي تقديم العزم على الرأي دللة على أنه ل يفنــي‬
‫وقتا ً في الرأي من قبل العزم‪ ،‬فهما معـا ً مجموعــان‬
‫في لحظة ل يشغله الرأي عن العزم ول العــزم عــن‬
‫الرأي‪ ،‬ودللة على أن عزمه الوشيك القريــب ليــس‬
‫عن حمق وعصبية وتهور‪ ،‬كما تراه مــن شــأن بعــض‬
‫صْنو رأيه‬
‫المتهورين من الفتية ذوي القوة‪ .‬إن عزمه ِ‬
‫الصليب‪.‬‬
‫وقد يتراءى لك أن وصف العزم بالصــلبة آنــس مــن‬
‫وصفه بالقرب‪ ،‬لكنك إن دققت رأيت أن في وصــف‬
‫الرأي بالصلبة دللــة علــى أنــه ليســت فيــه مـا فــي‬
‫غيره إذا ما ُ‬
‫طرح عليه ممن يستشير رأي فيه شيء‬

‫من سلمة ودعة مال إليه واتخذه ذريعــة فتقــاعس‪.‬‬
‫ن رأيه صليب ل ينهنه منه ك ّ‬
‫ل الراء التي تدعو إلى‬
‫إ ّ‬
‫ي إلى المجد‪ .‬وفي وصف العــزم بــالقرب‬
‫غير المض ّ‬
‫دللة على أنه ليس بحاجة إلى من يوقد فيــه نارهــا‪،‬‬
‫ويذكي أوارها‪ ،‬بكلمات وأشعار‪ ،‬كما تراه عنــد بعــض‬
‫الخرين‪.‬‬
‫ويدلك المام على موطن ثان مــن مــواطن الحســن‬
‫يقول‪)) :‬ثم قوله‪" :‬تنقـ ّ‬
‫ل فــي خلقــي ســؤدد" بتنكيــر‬
‫"سؤدد"‪ ،‬وإضافة الخلقيــن إليــه((‪ .‬وإذا نظــرت أنــت‬
‫رأيت أن هذه الجملة الفعلية منسوقة علــى الجملــة‬
‫الفعلية "أبدت"‪ ،‬وسياق النظم‪" :‬هو المرء أبــدت …‬
‫قل …"‪ ،‬غير أنه ما نسقها بنسق نمطــي "حــرف‬
‫وتن ّ‬
‫من حروف العطــف"‪ ،‬فهــي فــي اعتلقهــا بســابقتها‬
‫غنية عن ناسق ينسقها‪ ،‬وكأنها في موقعها من الــتي‬
‫قبلها موقــع قــول اللــه تعــالى‪} :‬ل ريــب فيــه{ مــن‬
‫قوله‪} :‬ذلك الكتــاب{‪ ،‬بينهمــا مـا يســميه البلغيــون‬
‫"كمال اتصال"‪ .‬ليس لناســق لفظــي موقــع بينهمــا؛‬
‫لنه إن وقع يكـون مـوقعه عقيمـًا‪ ،‬إذ ل يضـيف إلـى‬
‫العتلق بينهما فتيل ً مما بينهما كمال اتصال‪.‬‬
‫فكأنه يرمي إلــى أن الممــدوح‪ ،‬الــذي المــروءة مــن‬
‫كنهــه وســجيته وطبعــه وهــي فيــه كاملــة قــارة فــي‬
‫الحــوادث‪ ،‬يتكشــف لــه فــي أعيــن العــالمين عزمــه‬
‫الوشيك ورأيه الصليب‪ ،‬وهو في كل حالة متنقل في‬
‫خلقي سؤدد ل يتخلى عنهما أبدًا‪ ،‬فذلك من مــألوف‬
‫عادته التي تظهر في الحوادث وغيرها‪ ،‬وهو تنقــل ل‬
‫يعرف التخلي عما ينتقل منه‪ ،‬ولذا لــم يقــل‪" :‬تنقــل‬
‫بين خلقي"‪ ،‬وإنما قال‪" :‬في"‪ ،‬فهو حيــث حــل قــائم‬
‫في الخلقين معًا‪.‬‬

‫وهو في تنكيره "السؤدد" دللة على عظمته وكماله‬
‫وأنه ل يحاط به فيعرف‪ ،‬إذ التعريــف تقييــد وتحديــد‪،‬‬
‫دد‪ ،‬هــو مــن التكــاثر‬
‫وذلك سؤدد أعّز مــن يقيــد ويحـ ّ‬
‫والتسامي فوق طاقات كل قيد وكل حد‪.‬‬
‫وفي إضافة "الخلقين" له دللة على أنهمــا ليــس إل‬
‫للسؤدد‪ ،‬وأنك ل تجدهما منتسبين إلى غير الســؤدد‪،‬‬
‫فهـــو دائم المامـــة فـــي أخلق المجـــد والســـيادة‬
‫والرفعة‪.‬‬
‫سر هــذين الخلقيــن اللــذين ينتقــل الممــدوح فــي‬
‫وف ّ‬
‫رياضهما‪ ،‬ول ينتقل ألبتة عنهما أو عن أحدهما بقوله‬
‫ى وبأسا ً مهيبـًا"‪ ،‬وفــي الســماح معنــى‬
‫"سماحا ً مر ّ‬
‫ج ً‬
‫فوق الذي في الجود‪ ،‬إذ هو جود بالنفيس عن نفس‬
‫كريمة رضية بما جادت به‪ ،‬محّبة لمفارقة ما جــادت‬
‫أكثر من محبة مصاحبتها لما أبقت‪.‬‬
‫جى دللــة علــى أن جــوده‬
‫وفي وصفه بأنه سامح مر ّ‬
‫الدافق من نفس سمحة هو مطمــع الرجــاء‪ ،‬ولــذلك‬
‫جى"‪ ،‬وبنــاه علــى اســم المفعــول‬
‫لم بقيد قوله "مر ّ‬
‫ذي الفعل المبني لغير الفاعل‪ ،‬دللة على أنــه رجــاء‬
‫ليس من فاعل متعين‪ ،‬بل كل من يكـون منـه رجــاء‬
‫هو ممــن يرجــو ذلــك الســماح‪ ،‬وفــي هــذا إبلغ فــي‬
‫النعت ما بعده‪.‬‬
‫ومثلــه قــوله "بأس ـا ً مهيب ـًا"‪ ،‬قابــل الســماح )الجــود‬
‫الــوافر الــدافق مــن نفــس ســمحة محبــة للعطــاء(‬
‫بالبأس الذي هو القوة في شــجاعة مؤلمــة‪ ،‬مــن أن‬
‫للبأس وجوها ً من المعنــى‪ :‬هــو القــوة والشــدة فــي‬
‫الحــرب‪ ،‬وهــو العــذاب‪ ،‬وهــو الشــجاعة‪ .‬وفــي هــذا‬
‫التقابل دللة على عظيم سؤدد الممــدوح‪ ،‬واقتــداره‬
‫على أن يمنح كل ً ما يستحق‪.‬‬

‫وفي نعت البأس بأنه مهيــب مــا فــي نعــت الســماح‬
‫بأنه مرجى من الدللة على عموم الهيبة من عمــوم‬
‫الناس وغيرهم‪ ،‬فكل من هو أهل لن تقع منه الهيبة‬
‫هو مهتاب بأسه‪ .‬وفي الهيبة معنى الجلل والخوف‪،‬‬
‫وقد يكون مع الهيبة محبة وتقدير‪ ،‬بل وقد تكون مــع‬
‫الهيبة تلذذ كل على موقعه منه‪.‬‬
‫وفــي تقــديم الســماح علــى البــأس دللــة علــى أن‬
‫القربين يرجون سماحته أكــثر وأقــرب ممــا يهــابون‬
‫ى‪ ،‬وكــل‬
‫بأسه‪ ،‬فهو لذي القربى يبدأ بسماحه المرج ّ‬
‫قومه ذوو قربه‪ ،‬وإن تباعدت أوطانهم‪ ،‬وكــل مســلم‬
‫عنده ذو قربى يرجو ســماحته‪ ،‬ومــن تحــدثه النفــس‬
‫المارة بسوء كان له مع السماحة بأس مهيب‪.‬‬
‫ثم يدلك المام على موطن آخر من مواطن القراءة‬
‫والتلقــي لتخــرج منــه خــبيء الــدر‪ ،‬ودفيــن الجــوهر‪،‬‬
‫يقول‪)) :‬ثم قــوله‪" :‬فكالســيف"‪ ،‬وعطفــه بالفــاء مــع‬
‫حذفه المبتدأ‪ ،‬لن المعنى ل محالــة‪ :‬فهــو كالســيف‪.‬‬
‫ثم تكريــره "الكــاف" فــي قــوله "وكــالبحر"‪ .‬ثــم أن‬
‫قرن إلى كل واحد من التشبيهين شرطا ً جوابه فيه‪.‬‬
‫ثم أن أخرج من كل واحد من الشـرطين حـال ً علـى‬
‫مثال ما أخرج من الخر‪ ،‬وذلك قوله "صارخًا" هنــاك‬
‫و"مستثيبًا" ههنا؟ ل تــرى حســنا ً تنســبه إلــى النظــم‬
‫ليس سببه ما عددت‪ ،‬أو ما هو في حكم ما عــددت‪،‬‬
‫فاعرف ذلك(()‪.(107‬‬
‫يشير المام إلى أن البحتري فّرع من نعت الممدوح‬
‫بأنه هو المرء الذي أبدت له الحادثات عزم ـا ً وشــيكا‬
‫جــى‬
‫ورأيا ً صليبًا‪ ،‬وتن ّ‬
‫قل في خلقي سؤدد ســماحا مر ّ‬
‫وبأسا ً مهيبًا‪ ،‬فّرع من ذلك تشبيهه بالسيف في حــال‬
‫استصراخه‪ ،‬وتشبيهه بالبحر في حال استثابته‪.‬‬
‫‪.‬انظر‪ :‬الدلئل‪ :‬ص ‪() 85‬‬

‫‪107‬‬

‫هذا التفريع فيه دللة على أن مشابهته الســيف فــي‬
‫حال استصراخ أحد به منبثقة من تنقلــه فــي البــأس‬
‫المهيب‪ .‬فهو لما كان ذا بأس يهابه كل من تقع منــه‬
‫المهابة والخوف‪ ،‬ولسيما البعدين‪ ،‬وكــان القربــون‬
‫دثت أحدا ً مــن‬
‫دائما ً في أمن جلله وسلطانه‪ ،‬فإن ح ّ‬
‫البعدين نفسه أن يرّوع ذا قرابة من الممدوح‪ ،‬وكل‬
‫مســلم ذو قرابــة }إنمــا المؤمنــون إخــوة{‪ ،‬فــإن‬
‫المسلم ذا القرابة مســتنجد بالممــدوح مستصــرخه‪،‬‬
‫فإذا الفتح سيف براق يفيض من نجدة دما‪ .‬ولذا لــم‬
‫يــأت بــأداة الشــرط "إذا" المفيــدة للتحقيــق‪ ،‬وأتــى‬
‫بأصـــل الشـــرط "إن" دللـــة علـــى أن استصـــراخ‬
‫القربين به استنجادا ً من البعدين ليس كثير الوقــوع‬
‫ســه المــارة ُ بالســوء‬
‫محققة‪ ،‬فقّلما تح ّ‬
‫دث البع ـد َ نف ُ‬
‫أن تمتــد يــده إلــى مســلم بمــا يكــره؛ لمــا لبــأس‬
‫الممدوح من توغل في نفوس البعدين‪.‬‬
‫ن اســتثابه أحــد‬
‫وفي تفريع مشابهة الممدوح البحر إ ْ‬
‫ً‬
‫جـى"‬
‫من ذوي قرابة السلم مـن قـوله "سـماحا مر ّ‬
‫دللة على أن فيــض جــوده ل يكــاد يحــوج أحــدا ً مــن‬
‫ذوي القربى أن يســتثيب‪ ،‬فهــو يعطــي مــن قبــل أن‬
‫ن حدثت أحدا ً نفسه أن يستثيب الممــدوح‪،‬‬
‫يسأل‪ ،‬فإ ْ‬
‫ل عن عوز وحاجة‪ ،‬ولكن تلذذا ً بالعطية‪ ،‬فإن الحبيب‬
‫ن كان في غير حاجة إليهــا‬
‫يتلذذ بعطية المحبوب‪ ،‬وإ ْ‬
‫هــي‪ ،‬ولكنــه فــي حاجــة إلــى دللتهــا علــى المحبــة‬
‫ن حــدث أن اســتثابه أحــد مــن ذوي‬
‫والــذكرى‪ ،‬فــإ ْ‬
‫ن البحر زاخــر بالعطايــا‪ ،‬يعطيــك ل علــى‬
‫القربى‪ ،‬فإ ّ‬
‫ً‬
‫قدر ما ترغب‪ ،‬بل على ما يرغب هو إغراق ـا بفضــل‪،‬‬
‫وشمول ً بنعمة‪.‬‬
‫وفي تقديم التشــبيه بالســيف علــى التشــبيه بــالبحر‬
‫جى على البأس المهيب‪،‬‬
‫مقابلة لتقديم السماح المر ّ‬
‫دالــة علــى أن مبــدأ أمــره ومنتهــاه الجــود والعطــاء‬

‫والكرم‪ ،‬ومن رحم هــذا الكــرم بــأس مهيــب ونجــده‬
‫حاضرة‪ ،‬وفوق هذا فيــه دللــة علــى أنــه ل مفاضــلة‬
‫دم‬
‫عنده بين الخلقين إل بما يقتضيه المقام‪ ،‬فحينا ً يق ّ‬
‫السماح وحينـا ً يقــدم البــأس‪ ،‬فكــل فــي مقــامه هــو‬
‫الجميل‪.‬‬
‫وفي تكرير "الكاف" دللة على أن كل تشبيه منبثق‬
‫مــن معــدنه‪ .‬تشــبيهه بالســيف منبثــق مــن البــأس‬
‫المهيـــب‪ ،‬وتشـــبيهه بـــالبحر منبثـــق مـــن الســـماح‬
‫المرجــى‪ ،‬مستصــحبا ً فــي نفســك أنــه ل ينتقــل عــن‬
‫واحد منها‪ ،‬بل هو منتقل فيهما‪ ،‬قــائم فيهمــا أبــدًا‪ ،‬ل‬
‫يتخّلى ول يتعّرى‪.‬‬
‫وفي إخراجه حال ً من كل شرط مــن بعــد أن أخــرج‬
‫شــرطا ً مــن كــل تشــبيه ضــرب مــن التناســل بيــن‬
‫المعــاني‪ ،‬إشــارة إلــى أن نعــوته وصــفاته يتناســل‬
‫بعضها من بعض‪ ،‬فنعوته ل تتعاند‪ ،‬بل هــي المتآخيــة‬
‫ذات الرحم الموصولة‪.‬‬
‫ي المتناغي مــع‬
‫ويزيد على هذا‪ :‬ذلك التواز ُ‬
‫ن اليقاع ّ‬
‫اليقاع النفسي المنفجر فــي نفــس المتلقــي لــذلك‬
‫الشعر من جهة‪ ،‬والذي هو ِقرى البحــتري لــك أنــت‪،‬‬
‫والمتناغي مع اليقــاع النفســي المنفجــر فــي نفــس‬
‫المتلقي سؤدد "الفتح" من جهة أخرى‪.‬‬
‫كل ذلك الذي يهطل عليه من التشبيه بناًء وتصــويرا ً‬
‫لم يشأ "البحتري" أن يبنيه على مســند إليــه حاضــر‬
‫في لسانه‪ ،‬فلم يقل لك "فهو كالســيف"‪ ،‬كمثــل مــا‬
‫قال "هو المرء"؛ ليدلك علــى أن هــذا إنمــا هــو مــن‬
‫رحم ما بناه على المسند في قوله "هو المرء"‪ .‬ولو‬
‫أنه أعاد المسند إليه لكانا جملتين‪ ،‬ولدل ذلــك علــى‬
‫أنه وإن كان بينهما سبب وقربــى فليســا مــن رحــم‪،‬‬
‫لكنه لما جعل كل ذلك مبنيا ً على مســند إليــه واحــد‬

‫د ّ‬
‫ل على أن كل الذي فاض عليــك مــن عطايــا قــوله‬
‫"المرء" وما بعده‪ ،‬إنما هو من رحم واحدة موصــولة‬
‫مبرورة‪ ،‬وتلك هي لقانة البداع‪.‬‬
‫دّلك المام على مواطن العطــاء‪ ،‬وإن لــم يســتخرج‬
‫لــك منهــا‪ ،‬ولكنــه منحــك فرصــة أن تســتخرج أنــت‬
‫بنفسك‪.‬‬
‫وإذا نظرت ألفيت المام متجاوزا ً البيت الول "بلونا‬
‫ضرائب …"‪ ،‬فهل هو ذاهب إلى أنه عاطل ممــا هــو‬
‫مشير إليه فيما تله مــن أبيــات؟ وهــو الــذي يقــول‪:‬‬
‫دم … ل تــرى‬
‫))فإنــك تعلــم أنــه ليــس إل أنــه قــ ّ‬
‫حسنًا…((‪ .‬لتنظر في البيت الول‪:‬‬
‫ح‬
‫فمــا إن َرأْين ـا َ ل َ‬
‫ن‬
‫ونا َ‬
‫ض ـَرائب َ‬
‫مــ ْ‬
‫ب َل َ ْ‬
‫فت ْـ ٍ‬
‫ضــــــــــــــــــــرَيبا‬
‫َقــــــــد ْ َنــــــــَرى‬
‫َ‬
‫أل ترى شــيئا ً مــن جنــس مــا دلنــا عليــه المــام فــي‬
‫البيات التالية له؟‬
‫أل ترى في إسناد الفعل إلــى "نــا"‪ ،‬ثــم فــي إيقــاعه‬
‫علــى "ضــرائب"‪ ،‬الــذي هــو جمــع ضــريبة‪ ،‬بمعنــى‬
‫الطبيعة وما جبل عليه‪ ،‬وفي إضافته إلــى الموصــول‬
‫"مــن"‪ ،‬وجعــل صــلته "قــد نــرى"‪ .‬وهــذه الفــاء فــي‬
‫"فمـــا"‪ ،‬وإقامـــة "إن" بيـــن أداة النفـــي ومـــدخلها‬
‫"الفعل‪ :‬رأينا"‪ ،‬وفي تقــديم المجــرور "لفتــح" علــى‬
‫متعلقــه "ضــريبًا"‪ ،‬وفــي رد ّ العجــز علــى الصــدر‬
‫"ضريبا" و"ضرائب"‪ ،‬فضل ً عما بينهما من جناس‪.‬‬
‫أليس في ذلك كلــه موطنـا ً للحســن يمكــن أن يــدل‬
‫)‪(108‬‬
‫م أل يذكرنا هذا الــبيت‬
‫المام عبد القاهر عليه‬
‫‪،‬ث ّ‬
‫ببيت للبحتري يقول فيه‪:‬‬

‫ي أن المام تجاوز البيت الول "تلونا" إلى الذي بعده؛ لن الول فيه )(‬
‫يخيل إل ّ‬
‫الحكم "فما إن رأينا"‪ ،‬وفيما بعده علة الحكم‪ ،‬فعمد إلى العلة يحللها لتصل من‬
‫‪.‬خلل ذلك إلى الحكم الذي كان في البيت الول‪ ،‬فتسلم به من نفسك‬
‫‪108‬‬

‫قد طلبنا فلم نجد لك في الســؤ ْ‬
‫مـث ْل ً‬
‫والمكـارم ِ‬
‫وقــد تنــاول المــام مــا فــي هــذا الــبيت الخيــر مــن‬
‫محاسن النظم في فصل حذف المفعول به)‪.(109‬‬
‫وأنــت إذا نظــرت فــي الــبيت الول الــذي يمــدح بــه‬
‫"الفتح" رأيت مـذهب الشـاعر مبنيـا ً علـى أنهـم قـد‬
‫عمدوا إلى اختبار طبائع من رأوا‪ ،‬ولم يقل لنا لمــاذا‬
‫فعلوا ذلك البلء بضرائب من رأوا‪ .‬وإنما فــّرع علــى‬
‫هذا البلء لهم أن انتهت بهم تلك إلى حقيقــة ل قبــل‬
‫لحد بردها‪ :‬انتفاء أن يكون للفتح مثل‪ .‬وكأنه يــومئ‬
‫إلى أنهم ما كــانوا يبحثــون لــه عــن مثيــل‪ ،‬بــل كــان‬
‫همهم العظــم ابتلء طبــائع مــن قــد رأوا‪ ،‬ومــا كــان‬
‫قصدهم إلى بحث عن مثيل لــه وضــريب‪ ،‬فمــا ذلــك‬
‫بالذي يقوم في صدورهم‪ .‬أنــت ل تبحــث عــن مثيــل‬
‫مظن ّــة أن يكــون لــه‬
‫لشخص إل إذا قام فــي وهمــك ِ‬
‫مثيل‪ ،‬وتلك المظنة أو الحسبان ل يقوم فــي وهمــك‬
‫إل إذا رأيت منه ما قد تتوهم معــه أنــه ممــن يمــاثله‬
‫آخر‪ .‬وذلك مال يمكــن أن يكـون مـن "الفتــح"‪ ،‬ولـن‬
‫يقوم في وهمك حسبان أنه له مثيل‪ ،‬لنك لن تلقــى‬
‫منه ما يغريــك بــذلك الحســبان‪ .‬إنــه بســؤدده مقيــم‬
‫حجــازا ً بينــك وبيــن ذلــك الحســبان‪ ،‬وهــو حجــاز مــا‬
‫يسطاع أن يظهره أحد‪ ،‬ول يستطيع له نقبًا‪.‬‬
‫فهو كما ترى ل يبين لنــا الغايــة مــن بلئهــم ضــرائب‬
‫مــن قــد يــرون‪ ،‬ول يــدلك علــى أن المبتغــى طلــب‬
‫الضريب لـ"الفتــح"‪ ،‬فلــو أنــه قــد فعــل لجــرى فــي‬
‫المدح شيئا ً أو شائبة مذمة‪ ،‬ومــا كــان لــه أن يفعلهـا‬
‫مع "الفتح"‪ .‬وهو هنا ينـزع مما نــزع منــه قــوله "قــد‬
‫دد‬
‫طلبنا فلم نجد …"‪ ،‬إل أنه في مدحــة "الفتــح" ج ـ ّ‬
‫جـــد‬
‫دد والم ْ‬
‫ُ‬

‫‪.‬انظر‪ :‬الدلئل‪ :‬ص ‪ 168‬ف ‪() 173‬‬

‫‪109‬‬

‫لنا منــاط البلء‪ :‬ضــرائب مــن قــد نــرى‪ .‬إنــه ليســبر‬
‫الغوار‪ ،‬يختبر الطبــائع‪ ،‬يمتحــن الســجايا‪ ،‬ل ينشــغل‬
‫بما هو عارض أو طارئ‪.‬‬
‫هنالــك طلــب وتتبــع واستقصــاء‪ ،‬وهنــا بلء واختبــار‪،‬‬
‫وتفرع على كل حقيقة ل تنقــض فردانيــة الممــدوح‪.‬‬
‫في مدحة "الفتــح" أطلــق المــر‪ ،‬ولــم يعيــن مجــال‬
‫فردانيته‪" ،‬فما إن رأينا لفتح ضريبا"‪ ،‬فــي أي شــيء‬
‫وأي مجال؟ لم يقل‪ ،‬دللة على أن المر ل يحاط به‬
‫تعّينًا‪ ،‬كل شيء ل ضريب له فيه‪ ،‬مما هو بسبيل مــا‬
‫مظّنة أنــه‬
‫يمدح به ويستثنى عليه‪ .‬فل تقولن إن فيه ِ‬
‫ل ضريب له أيضا في المكــر والخبــث والخيانــة ومــا‬
‫شــاكه ذلــك‪ .‬ل تقــولن؛ فــذلك غفلــة عــن الســياق‪،‬‬
‫وإقحام ل يفعله قارئ القصيد‪ ،‬فكل شيء إنما يفهم‬
‫في سياقه‪ ،‬وقد أكد عبد القاهر على مثــل هــذا فــي‬
‫محل آخر)‪ .(110‬فهو يرمــي إلــى أن ّــه "فمــا إن وجــدنا‬
‫لفتح ضريبا ً في المعالي والمكارم"‪.‬‬
‫وفي البيت الخــر قيــد‪ ،‬فقــال‪" :‬فلــم نجــد لــك فــي‬
‫السؤدد والمجد والمكارم مث ً‬
‫ل"‪ ،‬وهو تعبير تمثيــل‪ ،‬ل‬
‫تقييد تعيين‪ ،‬فيقال إن له مثل في غيــر مــا ذكــر مــن‬
‫أبواب المعــالي‪ .‬هــذه الــتي ذكرهــا )تمــثي ً‬
‫ل( هــي أم‬
‫المعالي‪ ،‬وما غيرها إل ولئدها‪ ،‬فلكل باب من أبواب‬
‫ن فــي العلــم أو‬
‫الفضل سؤدده ومجــده ومكــارمه‪ ،‬إ ْ‬
‫في العمل‪ ،‬وإن في الحسب وإن في النسب‪ ،‬هو له‬
‫من كل فضيلة سؤددها ومجدها ومكارمها‪.‬‬
‫يقول المام‪)) :‬واعلم أن قولنا في الخبر إذا أخر نحو‪" :‬ما زيد إل قائم"‪ ،‬أنك )(‬
‫اختصصت القيام من بين الوصاف التي يتوهم كون زيد عليها‪ ،‬ونفيت ما عدا القيام‬
‫عنه‪ ،‬فإنما نعني أنك نفيت عنه الوصاف التي تنافي القيام‪ ،‬نحو أن يكون جالسا ً أو‬
‫مضطجعا ً أو متكئا ً أو ما شاكل ذلك‪ ،‬ولم ترد أنك نفيت ما ليس من القيام بسبيل‪،‬‬
‫أوَ لسنا ننفي عنه بقولنا‪" :‬ما هو إل قائم" أن يكون أسود أو أبيض‪ ،‬كما أنا إذا قلنا‪:‬‬
‫"ما قائم ال زيد" لم نرد أنه ليس في الدنيا قائم سواه‪ ،‬وإنما نعني‪" :‬ما قائم حيث‬
‫‪.‬نحن" و"بحضرتنا" وما أشبه ذلك(( دلئل العجاز‪ :‬ص ‪ ،346‬ف ‪409‬‬
‫‪110‬‬

‫وإذا ما نظــرت فــي الــبيت الول "بلونــا …" ألفيــت‬
‫ن" بين "ما" و"رأينــا"‪ ،‬مكانــة تؤط ّــد النفــي‬
‫مكانة "إ ْ‬
‫ووقوعه على الرؤية‪ ،‬حتى ل يحسب حاسب أنه قــد‬
‫وقعت على وجهة ولــم يعتــد بهــا إبلغ ـًا‪ .‬فــدل علــى‬
‫كمــال النتفــاء بإقامــة "إن" مــن بعــد "مــا"‪ ،‬فهــذا‬
‫المتداد في "ما" الدال على بسطة النفي وامتداده‪،‬‬
‫وهذه السكون في "إن" الدالة على الجزم والقطــع‬
‫والتأكيد والتأطيد الذي قد تطّهر مــن أدنــى شــوائب‬
‫الشك والحسبان‪ ،‬د ّ‬
‫ل هذا كله علــى أن المــر ليــس‬
‫من ورائه ما يحسب أوغل حاسب في الحسبان أنــه‬
‫قد تقع رؤية مــن يكــون لفتــح ضــريبا ً فــي بــاب مــن‬
‫أبواب المعالي‪.‬‬
‫وفي قوله "من قــد نــرى" مــن دون قــوله "النــاس"‬
‫دللة على أن منطق العقل والفضــل قاضــيان علــى‬
‫أن اختبار ما يظن قيام الفضل فيه ل يكون لــه أه ـ ٌ‬
‫ل‬
‫ك ّ‬
‫ل الناس‪ ،‬بل من قد يراه أهل الحكمــة والفراســة‪،‬‬
‫ن يكون موطن فضل‪ ،‬أم‬
‫سواء قلنا من يرونه أهل ً ل ْ‬
‫قلنا من يرونه‪ ،‬أي تقع عليهم أعينهم‪ ،‬ومثلهم ل تقــع‬
‫هماء‪ ،‬فهــم يعصــمون أنفســهم عــن‬
‫عيونهم على الد ّ ْ‬
‫مخالطة الدهماء‪ ،‬ففي خلطهم ما ل يليق‪.‬‬
‫ولعل في إقامة "قد" بين "من" و"نرى" عدل ً لقامة‬
‫"إن" بيــن "مــا" و"رأينــا"‪ .‬فــي الشــطر الثــاني مــا‬
‫يقضي بأن "قد" هنا تحقيقية ل تقليلية‪ ،‬فهي ليســت‬
‫من بابة "قد ينجح المهمل"‪ ،‬بل هــي مــن بابــة قــول‬
‫الله تعالى‪} :‬قــد يعلــم اللــه الــذين يتســللون منكــم‬
‫لــواذا ً …{ ]النــور‪} ،[63 :‬قــد يعلــم اللــه المعــوقين‬
‫منكم والقائلين لخوانهم هلموا إلينا …{ ]الحزاب[‪،‬‬
‫ن "قد" في اليتين للتقليــل ـ ـ معــاذ‬
‫ولست بالقائل إ ّ‬
‫الله ـ ولكنهــا المحققــة المؤك ّــدة المؤط ّــدة‪ .‬كــذلكم‬

‫"قد" في "من قــد نــرى"‪ ،‬وهــي و"إن" فــي "مــا إن‬
‫رأينا" من بابة واحدة‪.‬‬
‫========================‬
‫=========‬
‫عبد القاهر كما ترى نبهنــا علــى مكــان الخــبيء فــي‬
‫هذه البيات لنطلبه وعلى موطن الدفين لنبحث عنه‬
‫فنخرجه‪ ،‬وفتح لنا الطريق إلــى المطلــوب لنســلكه‪،‬‬
‫ووضع لنا القاعدة لنبني عليها‪ ،‬وقد حاولنا‪.‬‬
‫وهذا النهج منه ليس هو الوحد المسلوك‪ ،‬ولكنه قــد‬
‫يطلب هــو الخــبيء‪ ،‬ويبحــث عــن الــدفين فيخرجــه‪،‬‬
‫ويسلك الطريق بقدمه‪ ،‬ويبنــي علــى القاعــدة‪ .‬أنــت‬
‫واجد ذلك من المام في مثل تلك الصورة الشــعرية‬
‫التي نسبت إلى غير شاعر واحد)‪ .(111‬مقول البيــات‬
‫كما هي في "السرار"‪:‬‬
‫منــى كـ ّ‬
‫سح بالركان من هــو‬
‫ل‬
‫ما قضينا مــن ِ‬
‫وم ّ‬
‫ول ّ‬
‫ح‬
‫ة‬
‫حاجـــــــــــــــــــــــــــــ ٍ‬
‫ماســـــــــــــــــــــــــ ُ‬
‫و ُ‬
‫ولم ينظر الغــادي الــذي‬
‫هــــم‬
‫دت علــــى د ُ ْ‬
‫شــــ ّ‬
‫ح‬
‫المهــــــــارى رحالنــــــــا‬
‫هــــــــــــــــــــــو رائ ُ‬
‫ي‬
‫أخــذنا بــأطراف الحــاديث‬
‫وسالت بأعناق المطــ ّ‬
‫ح‬
‫بيننـــــــــــــــــــــــــــــــا‬
‫الباطـــــــــــــــــــــــ ُ‬
‫تلك روايــة المــام عبــد القــاهر فــي "الســرار" غيــر‬
‫منسوبة لشاعر معين)‪ ،(112‬ولم يذكر فــي "الــدلئل"‬
‫إل الشطر الخير "وسالت بأعناق المطي الباطــح"‪،‬‬
‫فــي أربعــة مــواطن غيــر منســوبة أيض ـا ً)‪ .(113‬وفــي‬
‫مصادر أخرى جاءت البيات منسوبة لكثّير عزة‪ ،‬كما‬
‫في "معاهد التنصيص" للعباسي‪ ،‬وفي "زهر الداب"‬
‫راجع‪ :‬الشعر والشعراء لبن قتيبة‪ ،1/66 :‬وعيار الشعر لبن طباطبا‪ ،‬ت )(‬
‫المانع‪ ،136 :‬والصناعتين للعسكري‪ ،73 :‬والخصائص لبن جني‪ ،1/28 :‬وزهر‬
‫الداب لبي إسحاق الحصري‪ ،‬ت البجاوي‪ ،1/349 :‬وأمالي المرتضى‪ ،‬ت محمد‬
‫‪.‬أبو الفضل‪ ،1/457 :‬والوساطة للجرجاني‪ ،34 :‬ومعاهد التنصيص للعباسي‪134 :‬‬
‫‪112‬‬
‫‪.‬السرار‪ ،21 :‬ف ‪() 19‬‬
‫‪113‬‬
‫‪.‬الدلئل‪() 295 ،294 ،75 ،74 :‬‬
‫‪111‬‬

‫للقيرواني‪ .‬أو منسوبة لبن الط ّث ْرِّية )يزيد بن سلمة(‬
‫كمـــا فـــي "الوســـاطة" للقاضـــي الجرجـــاني‪ ،‬أو‬
‫للمض ـّرب حفيــد زهيــر كمــا فــي "أمــالي الشــريف‬
‫المرتضى"‪ .‬ورويت البيات على نسق آخر غير الذي‬
‫ذكر المام‪ ،‬وبأعداد أخرى‪ ،‬منها ما يسبقها ومنها مــا‬
‫دم أحــد‬
‫يتلوها‪ .‬ولست الن بصدد بيان هــذا‪ ،‬فقــد ق ـ ّ‬
‫شيوخ العلم مقال ً في هذا هو النافع المانع‪ ،‬فــانظره‬
‫تغنم)‪.(114‬‬
‫الذي يعنيني هنا هو أن المام عبد القــاهر فــي أوائل‬
‫كتابه "السرار"‪ ،‬وهو السابق تأليفا ً علــى "الرســالة‬
‫الشافية"‪ ،‬وعلى "دلئل العجاز" ـ فيما أذهب إليه ـ‬
‫قد تناول هذه الصورة الشــعرية بالتحليــل والتأويــل‪،‬‬
‫وهو يعرض بيان أن البصير بجــواهر الكلم إذا رأيتــه‬
‫يستحسن شــعرا ً أو يســتجيد نــثرًا‪ ،‬ثــم يجعــل الثنــاء‬
‫ئ عــن أحــوال ل‬
‫عليه من حيث اللفظ‪ ،‬فإنما هو منب ٌ‬
‫ترجــع إلــى أجــراس الحــروف‪ ،‬وإلــى ظــاهر الوضــع‬
‫اللغوي‪)) ،‬بل إلــى أمــر يقــع مــن المــرء فــي فــؤاده‪،‬‬
‫حه العقل مــن زنــاده(()‪ .(115‬وأبيــات هــذه‬
‫وفضل َيقتد ُ‬
‫))‬
‫الصورة الشعرية قد أثنوا عليها مــن جهــة اللفــاظ‪،‬‬
‫ووصفوها بالسلمة‪ ،‬ونسبوها إلى الدماثة ‪.(116)((...‬‬
‫وكأنه بذلك يشير إلى ما كان من ابن قتيبة‪ ،‬إذ قالها‬
‫في معرض وجدانه الشــعر أربعــة أضــرب‪ ،‬منــه‪ :‬مــا‬
‫حسن لفظه وحل‪ ،‬فإذا أنــت فتشــته )كــذا( لــم تجــد‬

‫ُتراجع مقالة عبد الرحمن القعود في مجلة جامعة المام العدد‪() ،13 :‬‬
‫‪11/1415‬هـ‪ .317_ 243 :‬ومن قبله تناولها شيخنا عبد الرحمن عثمان في كتابه‬
‫"مذاهـب النقد وقضاياه"‪ .‬ومن قبلهما معا ً تناولها شيخنا علي محمد حسن العماري‬
‫في رسالته "قضية اللفظ والمعنى" فكان السابق‪ ،‬وكان عبد الرحمن عثمان أكثر‬
‫‪.‬فقهًا‪ ،‬وكان القعود أكثر جمعا ً‬
‫‪115‬‬
‫‪.‬أسرار البلغة‪ :‬ص ‪() 6‬‬
‫‪116‬‬
‫‪.‬السرار‪ :‬ص ‪() 21‬‬
‫‪114‬‬

‫هناك فائدة في المعنـى‪ ،‬وجعـل منهـا هـذه الصـورة‬
‫الشعرية)‪.(117‬‬
‫وعلى دربه سار بعض الشيء جماعة كابن طباطبــا‪،‬‬
‫ن ما فيهــا مــن معنــى هــو مســتوفى‬
‫ن نص على أ ّ‬
‫وإ ْ‬
‫)‪(118‬‬
‫‪ ،‬وهــذه منــه حميــدة‪.‬‬
‫علــى قــدر مــراد الشــاعر‬
‫وكذلك قدامة حيــن أورد هــذه البيــات فــي معــرض‬
‫نعت اللفظ السمح السهل المخرج الذي عليه رونق‬
‫الفصاحة وإن خلــت تلــك البيــات مــن ســائر نعــوت‬
‫الشعر الخــرى)‪ .(119‬فهــو ل يــرى فيهــا غيــر ســماحة‬
‫اللفاظ وسهولة مخرجهــا ورونــق فصــاحتها وخلوهــا‬
‫من المتابعة‪ ،‬فكأنه يردد مقالة ابن قتيبة‪" :‬فإذا أنــت‬
‫فتشته لم تجد هناك فائدة في المعنى"‪ .‬وغير هــؤلء‬
‫الثلثة كثير يدخلون في إشارة المام عبد القاهر‪.‬‬
‫الذي يعنينا هنا نهــج عبـد القـاهر ونحــوه فــي قـراءة‬
‫هذه الصورة وتلقيها وتحليلها وتأويلها‪:‬‬
‫فاتحة القول يطلب المام منــك )ص ‪ (22‬أن تراجــع‬
‫ن تشــحذ بصــيرتك‪ ،‬وأن تحســن التأمــل‪،‬‬
‫فكرتــك‪ ،‬وأ ْ‬
‫وأن تــدع عنــك التجــوز فــي الــرأي‪ ،‬كــأنه يحرضــك‬
‫ن ما أنت مقدم عليه جد عظيم‪ ،‬وأنه أيضا‬
‫ويغريك بأ ّ‬
‫جد ضــنين بــدره علــى مــن ل يحســن الغــوص‪ ،‬وهــو‬
‫يطالبك بالتحرر من ربقة كل مــوروث‪ ،‬ويطالبــك أن‬
‫تقوم لهذه الصورة الشعرية حرا ً غيــر مكبــل بمقالــة‬
‫جاهلية‪} :‬حسبنا مـا وجــدنا عليــه آباءنــا{ ]المــائدة[‪،‬‬
‫}إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون{‬
‫]الزخرف[‪ .‬التحــرر مــن ربقــة فاســد المــوروث‪ ،‬إن‬
‫معتقدا ً وإن فكرا ً وإن ذوقًا‪ ،‬هو الســبيل القــوي إلــى‬
‫مراجعــة الفكــر‪ ،‬وشــحذ البصــيرة‪ ،‬وحســن التأمــل‪،‬‬
‫‪.‬الشعر والشعراء‪() 1/66 :‬‬
‫‪.‬عيار الشعر‪ ،‬ت المانع‪() 136 :‬‬
‫‪119‬‬
‫‪.‬نقد الشعر‪ ،‬ت خفاجي‪ ،‬سنة ‪() 77-74 :1400‬‬
‫‪117‬‬
‫‪118‬‬

‫فبغيرها يكون كل فعل عقيمًا‪ ،‬وبها تكون كل حركــة‬
‫الولود الودود‪.‬‬
‫كأنه يقولها لك‪ :‬ل تغّرنك مقالة أبي محمد عبــد اللــه‬
‫بن قتيبة )ت ‪ 276‬هـ(‪" :‬فــإذا أنــت فتشــته لــم تجــد‬
‫هناك فائدة في المعنى"‪ ،‬من أجل أنها مقالة محدث‬
‫سني ذي مكانة في باب علوم القرآن والسنة‪ ،‬فكل‬
‫يؤخذ منه ويرد عليه خل أبا القاسم صلى اللــه عليــه‬
‫وسلم‪ ،‬وك ّ‬
‫ل ل يتعبـد بقـوله مـن البشـر خل سـيدهم‬
‫المعصوم صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫وكأني بالمــام ذاهــب إلــى أهميــة أن يســبر القــارئ‬
‫المتلقــي أغــوار نفســه‪ ،‬وأن يفتــش فيهــا‪ ،‬ويختــبر‬
‫طاقات التلقــي عنــده واســتعدادها‪ ،‬وأن يقــف علــى‬
‫عوائق التلقي ما هو مزيل لهــا‪ ،‬حــتى يكــون الجــدير‬
‫بأن يكون الرض النقية الــتي شــربت المــاء فــأنبتت‬
‫الكل والعشب الكثير‪.‬‬
‫ن في الناس بالعتق من أســر‬
‫مفتاح مقالة المام أذا ٌ‬
‫فاســـد المـــوروث وســـلطانه‪ ،‬وبشـــحذ العـــزم‪،‬‬
‫والتحريض على الفعل‪ ،‬ويقولهــا لــك إنــك إن فعلــت‬
‫الربعة التي دللتك عليهــا فــانظر فــي هــذه الصــورة‬
‫الشعرية‪)) :‬هل تجد لستحســانهم وحمــدهم وثنــائهم‬
‫ومدحهم منصرفا ً إل إلــى اســتعارة وقعــت موقعهــا‪،‬‬
‫حسن ترتيب تكامل معــه البيــان‬
‫وأصابت غرضها‪ ،‬أو ُ‬
‫حتى وصل المعنى إلى القلب مع وصول اللفظ إلى‬
‫السمع‪ ،‬واستقر فــي الفهــم مــع وقــوع العبــارة فــي‬
‫الذن‪ ،‬وإل إلى سلمة الكلم من الحشو غير المفيد‪،‬‬
‫والفضــل الــذي هــو كالزيــادة فــي التحديــد‪ ،‬وشــيء‬
‫خـ َ‬
‫ي الــذي‬
‫دا َ‬
‫ل المعـاني المقصــودة مداخلـ َ‬
‫ة الطفيلـ ّ‬
‫ي الــذي ُيكــره حضــوُره‪،‬‬
‫ُيســتثقل مكــاُنه‪ ،‬والجنــب ّ‬
‫وسلمِته من التقصير الذي َيفتقر معـه السـامع إلــى‬

‫تطلب زيــادة بقيــت فــي نفــس المتكلــم‪ ،‬فلــم يــدل‬
‫عليها بلفظها الخــاص بهــا‪ ،‬واعتمــد دلي ـ َ‬
‫ل غيــر‬
‫ل حــا ِ‬
‫َ ((‬
‫صلح‬
‫صح‪ ،‬أو نياب َ‬
‫مف ِ‬
‫م ْ‬
‫ة مذكورِ ليس لتلك النيابة ب ُ‬
‫ُ‬
‫ست َ ْ‬
‫)‪(120‬‬
‫‪.‬‬
‫كــذلك يــدلك المــام علــى مــوطن الســحر ومعــدنه‬
‫م‪ .‬وهــو كمــا تـرى يشــير إلـى‬
‫لتبلغــه وتنقـب عنــه َثـ ّ‬
‫الستعارة أول ما يشير‪ ،‬على الرغم من أن موقعهــا‬
‫في الصورة آخرها‪ ،‬وحسن الترتيب‪ ،‬والســلمة مــن‬
‫الحشو المفسد‪ ،‬ومن التقصير في تمام الدللة‪ .‬تلك‬
‫هي مجمل معادن السحر في الصورة عنده‪.‬‬
‫م يبدأ الرحلة معك‪ ،‬ل يتركك تصل وحدك كما فعل‬
‫ث ّ‬
‫معك في أبيات البحتري المادحة "الفتح بن خاقان"‪،‬‬
‫إنه لك فــي هــذه الرحلــة يصــاحب‪ ،‬وكــأن جـوّ هــذه‬
‫ســه بســحره‪ ،‬فــأراد أن يأخــذ‬
‫الرحلة المصورة قد م ّ‬
‫بأطراف الحديث بينك وبينه‪ ،‬في رحلة التلقي‪ ،‬مثلما‬
‫فعل ركب الشاعر فــي رحلــة القفــول والوبــة إلــى‬
‫الحب ّــة‪ ،‬يقــول‪)) :‬أول مــا يتلقــاك مــن محاســن هــذا‬
‫الشعر أنه قال‪" :‬ولما قضينا مــن منــى كــل حاجــة"‪،‬‬
‫فعبر عــن قضــاء المناســك بأجمعهــا‪ ،‬والخــروج مــن‬
‫صــر معــه‬
‫فروضها وســننها مــن طريــق أمكنــه أن يق ّ‬
‫اللفظ‪ ،‬وهو طريق العموم(()‪.(1‬‬
‫ور لك المـام البيـات بالمضـّيف المقـري‪ ،‬وأنـت‬
‫يص ّ‬
‫الضيف المكّرم‪ ،‬فأول ما يتلقــاك مــن قِــرى البيــات‬
‫ذلك اليجــاز الخــذ بأعنــاق المعــاني‪ ،‬الجامعهــا فــي‬
‫قوله "كل حاجة"‪ ،‬وهــو لــم يقــل لــك "كــل شــيء"‪،‬‬
‫وإنما "كل حاجة"‪ ،‬إذ هي حاجات حاملة الحجيج إلى‬
‫تكّبد القدوم من بعيد إلى ذلك المكان المقدس)‪.(121‬‬
‫‪.‬السرار‪ :‬ص ‪() 22‬‬
‫يقف ابن جني عند قوله‪" :‬كل حاجة"‪ ،‬ويرى أن فيه‪)) :‬ما يفيد منه أهل النسيب )(‬
‫والرقة وذوو الهواء والمتعة مال يفيده غيرهم‪ ،‬ول يشاركهم فيه من ليس منهم‪ ،‬أل‬
‫ن من حوائج "منى" أشياء كثيرة‪ ،‬غير ما الظاهر عليه والمعتاد فيه سواها؛‬
‫ترى أ ّ‬

‫‪120‬‬
‫‪121‬‬

‫والمــام ل يلفتــك إلــى اصــطفاء "قضــى" مــن دون‬
‫"فرغنا"‪ ،‬ول إلى تقديم "مــن منــى" علــى المفعــول‬
‫"كل حاجــة"‪ ،‬ول إلــى مــا بيــن "مــن" و"منــى" مــن‬
‫التقارب النغمي‪ ،‬ول إلــى اختصــاص "منــى" بالــذكر‬
‫ن عذاب‪.‬‬
‫من دون غيرها‪ .‬ومن وراء ذلك معا ٍ‬
‫فقوله‪" :‬قضينا" إيحاء بقوة الوفــاء بحــق مــا قصــدوا‬
‫إليه وجاءوا من أجله‪ ،‬وأنه لم يك من وُ ْ‬
‫كدهم مجــرد‬
‫الفراغ‪ ،‬بل غايتهم الوفاء والحكام والتمــام والقيــام‬
‫بحق كل ما هم في حاجة إليه‪ ،‬فإن الوفــاء بكــل مــا‬
‫جاءوا من أجله نابع من داخلهم لنه حاجاتهم‪ ،‬وليس‬
‫تكليفـا ً ألقــي علــى عــواتقهم يريــدون الخلص منــه‪.‬‬
‫والفعل "قضى" جاء في القرآن مسندا ً إلــى الخلــق‬
‫ده منها‪} :‬فإذا قضــيتم مناســككم …{‬
‫في مواضع ع ّ‬
‫]البقــرة‪} ،[200 :‬فــإذا قضــيتم الصــلة{ ]النســاء[‪،‬‬
‫}إل حاجة في نفس يعقوب قضاها{ ]يوسف[‪} ،‬ثــم‬
‫ليقضوا تفثهم{ ]الحج[‪} ،‬فلما قضى موسى الجل{‬
‫]القصـــص[‪} ،‬فلمـــا قضـــى زيـــد منهـــا وطـــرًا{‬
‫]الحزاب[‪.‬‬
‫كــــل ذلــــك دال علــــى معنــــى الوفــــاء والتمــــام‬
‫والحكام)‪ ،(122‬وفي إيقاعه علــى "كــل حاجــة" دللــة‬
‫بالغة على أن ما قضوا لم يك تكليفًا‪ ،‬بمقدار مــا هــو‬
‫أمر ناشب بنفوسهم‪ ،‬هم فــي حاجــة إليــه‪ ،‬أي‪ :‬فــي‬
‫لن منها التلقي ومنها التشاكي ومنها التخلي‪ ،‬إلى غير ذلك مما هو تال له‪،‬‬
‫ومقصود الكون به((‪ .‬أعرض عبد القاهر عن هذا الذي ذكره ابن جني‪ ،‬وكأنه‬
‫وه عن السياق‪ ،‬وكأن فيه إسقاطا ً على حال الشاعر ل يأنس به‬
‫مستشعر نب ّ‬
‫السياق‪ ،‬وابن جني نفسه أدرك أن هذا وإن كان لدى آخرين‪ ،‬فإنه ليس من مراد‬
‫عرضه عليه بقوله في‬
‫الشاعر‪ ،‬ولذلك صانع عن هذا الموضع الذي أومأ إليه وعقد َ‬
‫آخر البيت "ومسح…" أي‪ :‬إنما كانت حوائجنا … من هذا النحو الذي هو مسح‬
‫‪.‬الركان‬
‫‪122‬‬
‫يقول أبو الحسين أحمد بن فارس‪)) :‬القاف والضاد والحرف المعتل أصل )(‬
‫صحيح يدل على إحكام أمر وإتقانه وإنفاذه لجهته((‪ .‬معجم مقاييس اللغة )ق‪ :‬ض‪:‬‬
‫‪).‬ي‬

‫اضطرار إليه‪ ،‬يرون أنفسهم ل قيام لها بغيــر إحكــام‬
‫أمره وإتقانه وإنفاذه لجهته)‪.(123‬‬
‫وفي تعليق قوله "من منى" بالفعل "قضــى" دللــة‬
‫على أن حوائجهم التي تمل جوانحهم‪ ،‬والــتي تعلقــوا‬
‫بها‪ ،‬ومن أجلها قصدوا‪ ،‬إنما هي تتــم بمــا مــن شــأنه‬
‫أن يتم في منى‪ ،‬من نحر هدي هو آية علــى التمــام‪،‬‬
‫ففي ذلك النحو إيماء إلى تمام القربــى‪ ،‬فض ـل ً عمــا‬
‫فيــه مـن رمــز الرجــم لكــل مـا هــو غيــر حميــد مــن‬
‫نفوسهم‪ ،‬فذلك النحر والرجم يحمل في نفوس أهل‬
‫الذوق معاني لطيفة‪ ،‬ل يستشعرها غيرهم‪.‬‬
‫وفي تقديم المتعّلق "من منى" على المفعول "كــل‬
‫حاجة" إشارة إلــى أهميــة مــا يقضــى منــه علــى مــا‬
‫يقضى‪ ،‬فــإن مــا يقضــى يفهــم مــن محلــه‪" :‬منــى"‪،‬‬
‫فالشــأن فيهــا أن يكــون المقضــي منهــا جــديرا ً بهــا‪،‬‬
‫م ْ‬
‫شَعرا ً من مشاعر الحج‪ ،‬ل يقضي الحــاج وقتـا ً فــي‬
‫َ‬
‫غيرها كمثل ما يقضيه فيها‪.‬‬
‫وإذا كــان ذلــك شــأن "منــى"‪ ،‬ومــا كــان مــن قضــاء‬
‫حاجتهم منها‪ ،‬فإن واحدة هــي عنــدهم جــد عظيمــة‪،‬‬
‫إنها التوديع‪ ،‬الذي آيته مســح أركــان الــبيت الحــرام‪.‬‬
‫))‬
‫ســح بالركــان مــن‬
‫م نبه بقــوله‪" :‬وم ّ‬
‫يقول المام‪ :‬ث ّ‬
‫هو ماسح" على طواف الوداع‪ ،‬الذي هو آخر المــر‪،‬‬
‫ودليل المسير الذي هو مقصودة من الشعر((‪.‬‬
‫الذي عنى به المـام هـو دللـة هـذه الشـطرة علـى‬
‫اقتراب المسير‪ ،‬الذي هو مطمع الشاعر من شعره‪،‬‬
‫فغــايته ليــس حــديثا ً عــن حــاله فــي تلــك المشــاعر‪،‬‬
‫بمقــدار مــا هــو رام إليــه بشــعره مــن وصــف حــاله‬
‫خلن والخــوان‪،‬‬
‫والركبان‪ ،‬في ذلــك المســير إلــى ال ُ‬
‫ويقول‪)) :‬الحاء والواو والجيم ) أصل واحد وهو الضطرار إلى الشيء السابق((‪() .‬‬
‫‪).‬معجم مقاييس اللغة )ح‪:‬و‪:‬ج‬
‫‪123‬‬

‫فحاله في تلك المشاعر‪ ،‬الحــديث عنــه تــوطئة إلــى‬
‫المقصود الرئيس من الشعر‪ ،‬ولعله لذلك جعل ذلك‬
‫كله في سياق الشرط‪ ،‬الــذي المرمــى إلــى جــوابه‪،‬‬
‫ذلك ما يشير إليه مقال المام‪.‬‬
‫ولعل المام يتجاوب في قراءة الصورة الشعرية مع‬
‫حال الشاعر فــي إبــداعها‪ ،‬فلــم يــوف هــذا المشــهد‬
‫حقه من القراءة‪ .‬وكان حقــه عليــه أن يــوفيه حقــه‪،‬‬
‫ولسيما أن صنيع ابن جني في قراءته قد يوحي بأن‬
‫في تصوير هذا المشهد ما يــوحي بــأن الشــاعر فــي‬
‫أمره هذا كان علــى درب مــا يعهــد عــن بعــض أهــل‬
‫الهوى في تلك المشاهد‪ ،‬مثل ما يروى من حال ابن‬
‫أبي ربيعة‪ .‬فأنت تسمع صدى ابن جني من قبل عبد‬
‫ن من "حــوائج منــى" أشــياء‬
‫القاهر يدّوي‪)) :‬أل ترى أ ّ‬
‫كثيرة غير ما الظاهر عليه والمعتــاد فيــه ســواه‪ ،‬لن‬
‫منها التلقي ومنها التشاكي ومنها التخلــي إلــى غيــر‬
‫ذلك مما هو تال له‪ ،‬ومعقود الكون به‪ ،‬وكــأنه صــانع‬
‫عن هذا الموضع الذي أومأ إليه‪ ،‬وعقد غرضــه عليــه‬
‫ســح بالركــان مــن هــو‬
‫بقــوله فــي آخــر الــبيت‪" :‬وم ّ‬
‫ماسح"‪ .‬أي‪ :‬إنما كانت حوائجنا التي قضيناها وآرابنــا‬
‫التي أنضيناها من هذا النحو‪ ،‬الذي هو مسح الركــان‬
‫وما هو لحق به وجار في القربــة مــن اللــه مجــراه‪،‬‬
‫أي لم يتعد هذا القدر المــذكور إلـى مـا يحتملـه أول‬
‫البيت من التعريض الجاري مجرى التصريح((‪.‬‬
‫عبد القاهر طوى النظر‪ ،‬ولم يذكر إل تنــبيه الشــاعر‬
‫على طواف الوداع‪ ،‬الذي هو دليل المسير‪ ،‬الذي هو‬
‫مقصوده من الشعر‪ .‬طــوى النظــر وأنــت تــرى مــن‬
‫سح"‪ ،‬وهذه "الباء" في‬
‫وراء التضعيف في الفعل "م ّ‬
‫"بالركان"‪ ،‬وفـي تعريـف المسـند إليـه بالموصـولية‬
‫"ومن هو ماسح"‪ ،‬وهذه الجملة السمية فـي الصـلة‬
‫ـ تـرى مـن وراء ذلـك معـان‪ ،‬هـي مـن بـاب النظـم‬

‫والتصوير‪ ،‬اللــذين همــا مصــراعا الفصــاحة والبلغــة‬
‫والبراعة والبيان )الدبية‪ /‬الشعرية( لهذا البيت‪.‬‬
‫أترى أن في التضعيف ما يفيــد أن المســح لــم يكــن‬
‫من حاجة الشاعر من البيت الحرام؟ أترى في هــذه‬
‫"البـــاء" معنـــى ل يـــدل علـــى التمكـــن والوفـــاء‬
‫ســح الركــان"‬
‫والستيعاب؟ أتــرى المعنــى فــي "وم ّ‬
‫سح بالركان"‪ ،‬أل يستحضر هذا قول اللــه‬
‫كمثل "وم ّ‬
‫تعـــالى }وامســـحوا برؤوســـكم{‪ ،‬أل تـــرى معنـــى‬
‫اللصاق وهــو المعنــى الرئيــس للبــاء والــذي ل تفــل‬
‫منها أبدا ً معنى حاضرا ً في "بالركان"؟ أل تــرى فــي‬
‫هذا الجمع "الركان" وما هو إل ركنان؟ أل ترى فــي‬
‫هذا إشارة إلى أنهم وهم يمسحون "بالركــان" إنمــا‬
‫هي الحبة هنا مثلما يفعلون بديار الحبة هناك الذين‬
‫هم على عزم المسير إليهم؟ أيمكن أن نبصر إشارة‬
‫إلى أن فعلهم هناك مع ديــار الحبــة هــو مــن جنــس‬
‫فعلهــم هنــا؟ همــا فعلن مــن معــدن واحــد‪ :‬معــدن‬
‫الطهر والفضيلة‪ ،‬ليس للشيطان في ك ّ‬
‫ل نصيب‪.‬‬
‫وفــي قــوله "مــن هــو ماســح" معنــى دال علــى أن‬
‫المسح إنما هو أظهر حاله وأمكنه وأرسخه وأجــدره‬
‫بأن يعرف به ويذكر‪ .‬وقد يحســب حاســب أن قــوله‬
‫هذا فيه إيماء بأن ذلك شأن بعضهم‪ ،‬والشاعر ليــس‬
‫سح"‪،‬‬
‫منهم "من هو ماسح"‪ ،‬ولكن التضعيف في "م ّ‬
‫وزيادة باء التمكين‪ ،‬وتقديم المجرور‪ ،‬وجعــل الصــلة‬
‫جملــة اســمية‪ ،‬كــل ذلــك دال عــن أن ذلــك الفعــل‬
‫مشهد عظيم في وعــي الشــاعر‪ ،‬ولــم يكــن القصــد‬
‫الرئيــس منـه مجـرد التنـبيه علـى اقـتراب المســير‪،‬‬
‫علقة بالغة‬
‫ن له ُ‬
‫الذي هو مقصود الشعر فحسب‪ ،‬فإ ّ‬
‫بقوله "قضينا كــل حاجــة" لبـد ّ مــن استحضــار هــذه‬
‫الجملة التي هي صدر الجملة الشرطية‪ ،‬والتي بنــى‬
‫سح …" عطفا ً على "قضينا"‪.‬‬
‫عليها "وم ّ‬

‫وإذا ما كان عبد القاهر قــد طــوى القــراءة والتلقــي‬
‫سح بالركان من هو ماســح" طي ّـا ً يــوحي‬
‫لجملة "وم ّ‬
‫بأن ذلك ليس هو مرمى القصد من الشاعر‪ ،‬فليكــن‬
‫شأنه كذلك في باب التلقي‪ ،‬فإنه ينهج النهــج نفســه‬
‫في قراءة البيت الثاني "و ُ‬
‫هم المهــارى‬
‫دت على د ُ ْ‬
‫ش ّ‬
‫))‬
‫رحالنا …"‪ ،‬فلم يشر إل إلى أنه‪ :‬وصل بذكر مســح‬
‫((‬
‫م الركــاب وركــوب الركبــان‬
‫الركان ما وليــه مــن ز ّ‬
‫)‪(124‬‬
‫م الركــاب‬
‫‪ .‬هكذا ل يرى فــي هــذا المشــهد إل ز ّ‬
‫وركوب الركبان …‬
‫إن تجاوزت صنيع المام عبد القــاهر‪ ،‬ونظــرت ذلــك‬
‫المشهد‪ ،‬رأيته ذا منـــزلة عاليــة فــي رســم الصــورة‬
‫النفســية والحســية للركبــان‪ .‬أل تــرى تلــك الحركــة‬
‫النشـطة مـن الولـدان والفتيـان يجتهـدون فـي شـد‬
‫دت" فــي غايــة‬
‫الرحال على دهم المهارى‪ .‬قوله "ش ّ‬
‫التصوير لتلك الحركة المنبثقة مــن العنايــة بفعلهــم‪،‬‬
‫ور لحال نشاطهم وأريحيتهم لمــا يقومــون‬
‫وذلك مص ّ‬
‫به‪ .‬وفي اختيار كلمة "دهم" دللــة علــى شــدة هــذه‬
‫البل‪ ،‬فالدهم من البل الشــديد الورقــة‪ ،‬وهــو لــون‬
‫يشبه لون الرماد‪ .‬والمهــارى جمــع مهريــة‪ ،‬منســوبة‬
‫مهْرِّية بن حيدان"‪ :‬حي من أحياء العرب‪،‬‬
‫ي" َ‬
‫إلى ح ّ‬
‫وهي ذات شهرة بسرعة السير‪ .‬فرحـالهم مشـدودة‬
‫على إبل شديدة‪ ،‬سريعة السير‪.‬‬
‫وفــي تقــديم "الجــار والمجــرور" علــى المعمــول‬
‫"رحالنــا" مــا يفيــد منــاط العنايــة‪ ،‬وهــو أن ركــابهم‬
‫دو‪.‬‬
‫شديدة سريعة العَ ْ‬
‫وفي قوله‪" :‬ولـم ينظـر الغـادي الـذي هـو رائح" مـا‬
‫يفيد انشغال الركب بحالهم‪ ،‬وما هم مقدمون عليــه‪،‬‬
‫وما هم متطلعون إليه من لقيا حبيب‪ ،‬وما يفيده من‬
‫‪.‬السرار‪ :‬ص ‪() 22‬‬

‫‪124‬‬

‫كثرة الركاب‪ ،‬وشدة النشاط‪ ،‬وكثرة الحركــة‪ ،‬وكــل‬
‫تلك الحداث والمشاهد جمعهــا الشــاعر فــي جملــة‬
‫الشرط‪ ،‬ورّتب عليهــا مــا د ّ‬
‫ل علــى اســتغراقهم فــي‬
‫المسير ونشاطهم فيه وتلــذذهم بهــم واستشــرافهم‬
‫إلى غايته‪ ،‬فقال‪" :‬أخذنا بأطراف"‪.‬‬
‫وعبد القاهر لم يقف عند الفعل "أخــذنا"‪ ،‬ومقــاربته‬
‫للفعل "قضينا"‪ ،‬ذاك في صدر جملة الشــرط‪ ،‬وهــذا‬
‫في جملة الجــواب‪ ،‬وهمــا مــن معــدن الدللــة علــى‬
‫العنايــة والهتمــام‪ ،‬ففــي الخــذ معنــى التنــاول فــي‬
‫عناية واهتمام‪ ،‬يقول أبو الحسين أحمد بــن فــارس‪:‬‬
‫))الهمزة والخاء والذال‪ :‬أصل واحد تتفرع منه فــروع‬
‫حــوُْز‬
‫مــا "أخــذ" فالصــل‪َ :‬‬
‫متقاربــة فــي المعنــى‪ ،‬أ ّ‬
‫جب ُْيه وجمُعه(()‪.(125‬‬
‫الشيء وَ َ‬
‫وقد جاء هذا الفعل "أخذ" فــي القــرآن الكريــم فــي‬
‫مواطن عديدة منهــا‪} :‬خــذوا مــا آتينــاكم بقــوة …{‬
‫]البقـــرة[‪} ،‬فأخـــذتكم الصاعقـــــة …{ ]البقـــرة[‪،‬‬
‫}فأخذهم الله بذنوبهم …{ ]آل عمران[‪} ،‬فأخذتهم‬
‫الرجفة فأصبحوا في ديــارهم جــاثمين{ ]العــراف[‪،‬‬
‫}ثم أخذتهم فكيف كان عقاب{ ]الرعد[‪} ،‬فأخــذناه‬
‫وجنــوده فنبــذناهم فــي اليــم …{ ]القصــص[‪} ،‬خــذ‬
‫الكتــاب بقــوة …{ ]مريــم[‪} ،‬فخــذها بقــوة …{‬
‫]العراف[‪} ،‬خذوه فغلــوه{ ]الحاقــة[‪} ،‬ومــا آتــاكم‬
‫الرسول فخذوه …{ ]الحشر[‪ ،‬وغير ذلك جــد كــثير‪،‬‬
‫وهو كما ترى دال على ما في هذا الفعل من القــوة‬
‫والتمكن والعناية والهتمام‪.‬‬
‫ة "الخــذ"‪ ،‬وكــان‬
‫ضد دلل ـ َ‬
‫وفي هذه "الباء" دلل ٌ‬
‫ة تعا ِ‬
‫بملكـــه أن يقـــول "أخـــذنا أطـــراف الحـــاديث"‪.‬‬
‫وعبد القاهر يشير إلى دللة كلمة "الطراف" قــائ ً‬
‫ل‪:‬‬
‫‪).‬معجم مقاييس اللغة )الهمزة‪ ،‬والخاء‪ ،‬والذال )(‬

‫‪125‬‬

‫))د ّ‬
‫ل بلفظة "الطراف" على الصفة التي يختص بهــا‬
‫الرفاق في السفر‪ ،‬من التصــرف فــي فنــون القــول‬
‫وشجون الحديث‪ ،‬أو مــا هــو عــادة المتظّرفيــن مــن‬
‫الشارة والتلويح والرمــز واليمــاء‪ ،‬وأنبــأ بــذلك عــن‬
‫طيب النفوس‪ ،‬وقوة النشاط‪ ،‬وفضل الغتباط‪ ،‬كمــا‬
‫ة الحبــاب‪ ،‬وكمــا يليــق‬
‫توجبه أ ُْلفــة الصــحاب وأ ََنسـ ُ‬
‫بحال من وفق لقضاء العبادة الشريفة‪ ،‬ورجا حســن‬
‫ســم روائح الحبــة والوطــان‪ ،‬واســتماع‬
‫اليــاب‪ ،‬وتن ّ‬
‫(()‪(126‬‬
‫‪.‬‬
‫التهاني والتحايا من الخلن والخوان‬
‫المام كما ترى ينفذ ببصيرته فــي كلمــة "أطــراف"‪،‬‬
‫ويــرى فيهــا المــرآة العاكســة لمــا يعتمــر فــي صــدر‬
‫الشاعر‪ ،‬ومــا يأخــذ بحــاله وحــال رفــاقه‪ .‬يــرى فيهــا‬
‫تصــويرا ً لحــال الرفــاق فــي ســفره الطويــل‪ ،‬الــذي‬
‫يستشــرفون بــه لقيــا الحبــة‪ ،‬تكــون نفوســهم ذات‬
‫بهجة‪ ،‬تقبل على المحادثة‪ ،‬وتتســع الحيــاة وأحــداثها‬
‫وأخبارها‪ ،‬على نحو يحملهم إلى أن يأخــذوا مـن كــل‬
‫حــدث وخــبر وحــال بطرفــه‪ ،‬فل يجهــزون عليــه ول‬
‫يســتوعبونه مــن كــثرة مــا يتــوارد علــى نفوســهم‬
‫المشرقة بذلك المسير‪.‬‬
‫ذلك شــأن الرفــاق فــي الســفر الرغيــب والمســعى‬
‫الحبيب‪ ،‬ول يفهم من هذا أن حديثهم ليس ذا اعتنــاء‬
‫به ونشاط فيه‪ ،‬فيتعارض مع ما يدل عليــه اصــطفاء‬
‫الفعل "أخــذ"‪ ،‬وزيــادة "البــاء" فــي "بــأطراف"‪ ،‬بــل‬
‫أخــذهم مــا يأخــذونه مــن تلــك الحــداث والخبــار‬
‫والحوال المتكاثرة عليهــم هــو أخــذ نشــاط واعتنــاء‬
‫منبثق في نشاط نفوسهم وأريحي ّــة صــدورهم بــذلك‬
‫المســعى‪ ،‬وأنــه ليــس تنقل ً فــي الحــديث مــن ســأم‬
‫وملل‪ ،‬ولذلك جاء بقوله "بيننا" الــدال علــى مجاذبــة‬
‫‪.‬السرار‪ :‬ص ‪() 22‬‬

‫‪126‬‬

‫الحديث‪ ،‬ورغبة كل واحد من الركبان المشاركة فيه‬
‫إرسال ً واستقبا ً‬
‫ل‪.‬‬
‫فهــذا المشــهد "أخــذنا بــأطراف الحــاديث بيننــا" ذو‬
‫دللة بالغة علــى مزيــد عنــايتهم ونشــاطهم وأريحيــة‬
‫نفوسهم وانشراح صدورهم‪ .‬وإذا قيل إن ذلك آتيهــم‬
‫من أنهم مقدمون على لقاء الحبة‪ ،‬فإن عبد القــاهر‬
‫كــان ذا فراســة بيانيــة عاليــة حيــن جعــل مبعــث‬
‫نشاطهم وطيب نفوسهم ثلثة أشياء‪ :‬ألفة الصحاب‬
‫وأ ََنســة الحبــاب‪ ،‬وقضــاء العبــادة الشــريفة ورجــاء‬
‫ســـم روائح الحبـــة والوطـــان‬
‫حســـن اليـــاب‪ ،‬وتن ّ‬
‫واستماع التهاني والتحايا من الخلن والخوان‪ ،‬هــذه‬
‫من المام بديعــة‪ .‬والثانيــة‪) :‬قضــاء العبــادة …( دال‬
‫ما قضينا … من هو ماســح"‪،‬‬
‫على الذي قلته في "ول ّ‬
‫ور مزي ـد َ عنــايتهم بالوفــاء بحــق تلــك‬
‫وأن هــذا مص ـ ّ‬
‫العبادة حقها‪.‬‬
‫وما ذكره المام من أن كلمة "الطراف" دالة علــى‬
‫"ما هو عادة المتظّرفين من الشــارة والتلويــح …"‪،‬‬
‫فتلك التي أخذها وأخرها من مقالة ابن جنــي‪ ،‬علــى‬
‫الرغم من أنه أعرض عن مقــالته فــي الــبيت الول‪.‬‬
‫يقول ابن جني في هــذا‪)) :‬وأمــا الــبيت الثــاني‪ ،‬فــإن‬
‫فيه‪" :‬أخذنا بأطراف الحاديث"‪ ،‬وفي هذا ما أذكــره‬
‫لتراه فتعجب ممــن عجــب منــه ووضــع مــن معنــاه‪،‬‬
‫وذلك أنه لو قال‪" :‬أخذنا فــي أحاديثنــا"‪ ،‬ونحــو ذلــك‬
‫لكان فيه معنى يكبره أهل النسيب‪ … ،‬وذلك أنه قد‬
‫شاع عنهم واتسع في محاورتهم علــو قــدر الحــديث‬
‫مــن الليفيــن‪ … ،‬فــإذا كــان قــدر الحــديث مرس ـل ً‬
‫عندهم هذا‪ ،‬على ما ترى‪ ،‬فكيف به إذا قيده بقــوله‪:‬‬
‫"بأطراف الحاديث"؟ وذلك أن في قــوله‪" :‬أطــراف‬
‫الحاديث" وحيا ً خفيًا‪ ،‬ورمزا ً حلوًا‪ ،‬أل ترى أنــه يريــد‬
‫بأطرافهــا مــا يتعاطـــاه المحب ّـــون‪ ،‬ويتفاوضــه ذوو‬

‫الصبابة المــتيمون مــن التعريــض والتلويــح واليحــاء‬
‫دون التصريح‪ ،‬وذلك أحلــى وأدمــث وأغــزل وأنســب‬
‫ً((‬
‫من أن يكون مشــافهة وكشــفًا‪ ،‬ومصــارحة وجهــرا‬
‫)‪.(127‬‬
‫إذا ما كان عبد القاهر قد استجمع بصــره فــي دللــة‬
‫"أطــراف"‪ ،‬ولــم يمنــح "أحــاديث" مــا تســتحق مــن‬
‫العناية‪ ،‬فإن ابن جني كان أكــثر عــدل ً ووفــاء؛ وقــف‬
‫عند قيمة كلمة "أحاديث"‪ ،‬في ســياق أهــل النســيب‬
‫أنه قد شاع واتسع في محاوراتهم علوّ قدر الحــديث‬
‫مــن الليفيــن‪ ،‬فكلمــة "حــديث" فــي لســان الحبــة‬
‫ومعجم بيانهم ذات دللة غير التي هي لها في معجم‬
‫بيان غيرهم‪ .‬يريد ابن جني أن يقول‪ :‬إن مجرد ذكــر‬
‫كلمة "أحــاديث" فــي هــذا الــبيت علــى افــتراض أن‬
‫الشاعر أوردها مرسلة غير مقيدة بكلمة "أطـراف"‪،‬‬
‫إنها وحدها تثير شجونًا‪ ،‬وتستدعي ذكريــات‪ ،‬وتحــرك‬
‫مشاعر‪ ،‬يكبرها العشاق‪ ،‬وتخفق لها قلوبهم‪.‬‬
‫كلمة "حديث" تمردت على جذرها اللغوي‪ ،‬وخرجت‬
‫ت فــي معجــم أهــل العشــق‬
‫علــى المعجــم ود َ َ‬
‫خَلــ ْ‬
‫والنســيب‪ ،‬فأصــبحت مصــطلحا ً مــن مصــطلحاتهم‬
‫الشعرية‪ ،‬يكبرونها‪ ،‬ويطعمــون حلوتهــا‪ ،‬لمــا تحملــه‬
‫مــن معــاني الوصــال والعتــاب والتشــاكي‪ ،‬وكــل مــا‬
‫يتبادله المحبان إذا التقيا)‪.(128‬‬
‫ثم يورد " ابن جني " أبياتا يدعم بها رؤيتــه‪ ،‬أل تــرى‬
‫ي‪:‬‬
‫إلى قول الهذل ّ‬
‫جنــى النحــل فــي‬
‫وإن حديثا ً منــك لــو تعلمينــه‬
‫ألبان عوذ ٍ مطافل‬
‫‪.‬الخصائص لبن جني‪() 1/220 :‬‬
‫لعل كلمة "حديث" هنا ما تزال تحمل شيئا ً من دللتها المعجمية‪ :‬الدللة على )(‬
‫التجدد‪ ،‬مما دنها دالة على كون الشيء لم يكن … والحديث من هذا لنه كلم‬
‫‪.‬يحدث منه الشيء بعد الشيء‪ ،‬كما يقول ابن فارس في معجم مقاييس اللغة‬
‫‪127‬‬
‫‪128‬‬

‫هكذا فسر ابن جني كلمة "أحاديث" في قــول كــثّير‬
‫… مفترضـــا ً فصـــل هـــذه الكلمـــة مـــن ســـابقتها‬
‫"أطراف" مرة‪ ،‬وناظرا ً إلى واقع العلقة بينهما مرة‬
‫أخرى‪ ،‬حين يقول‪" :‬فـإذا قـدر الحـديث ــ مرسـل ً ــ‬
‫عندهم هذا‪ ،‬على ما ترى‪ ،‬فكيف به إذا قيــده بقــوله‬
‫"بــأطراف الحــديث"؟ ‪ ."...‬كلمــة "أحــاديث" وفــق‬
‫استثمار ابن جني‪ ،‬لها ملمــح جمــالي ورامــز معنــوي‬
‫في الوقت نفسه)‪.(129‬‬
‫وفي جعل الشاعر الفعل "أخذنا بــأطراف الحــاديث‬
‫بيننا" جوابا ً لقوله "ولما قضينا"‪ ،‬وما نسق عليه مــن‬
‫أحــداث جســام‪ ،‬وهــو فعــل )أي الخــذ بــأطراف‬
‫الحاديث …( ل يكون في مفتتح المســير‪ ،‬بــل حيــن‬
‫تغيب بهم الركاب في جوف الطريـق المديـد ــ فـي‬
‫))‬
‫ي مســافات زمنيــة ومكانيــة؛ لن ذلــك‬
‫جعله هذا ط ّ‬
‫ل يكـون إل بعــد أن تغيــب مشـاهد الرض الحــرام((‪،‬‬
‫كما يقول شيخنا أبو موسى أعزه الله)‪.(130‬‬
‫ي ما يفيد أن ما كان بين شد ّ الرجــال‪،‬‬
‫وفي هذا الط ّ‬
‫والخذ بأطراف الحـاديث‪ ،‬قـد انقضـى مـن غيـر أن‬
‫تشعر النفس به من عظيم استشرافهم إلى غايتهم‪،‬‬
‫من "تسّنم روائح الحبة والوطان‪ ،‬واستماع التهاني‬
‫خ ّ‬
‫لن والخــوان"‪ ،‬وهــذا مــن فصــاحة‬
‫والتحايــا مــن ال ُ‬
‫المسكوت عنه‪ ،‬فإنك في مثل هــذا تــرى‪)) :‬الصــمت‬
‫عن الفادة أزيد للفادة‪ ،‬وتجدك أنطق مــا تكــون إذا‬
‫لم تنطق‪ ،‬وأتم ما تكون بيانا ً إذا لم تبن((‪ ،‬كما يقــول‬
‫عبد القاهر في فاتحة باب "القول في الحذف")‪.(131‬‬
‫وقراءة أدبية الضمار والطي للحداث فــي التصــوير‬
‫الشعري‪ ،‬تمنح المتلقي متعة عالية‪ ،‬إذ تجعلــه قائمـا ً‬
‫ينظر مقال عبد الرحمن العقود في مجلة جامعة المام‪ :‬العدد ‪ ،13‬سنة )(‬
‫‪ :1415.‬ص ‪270‬‬
‫‪130‬‬
‫‪.‬؟؟؟؟؟؟؟؟ هذا الهامش غير موجود في الصل )(‬
‫‪131‬‬
‫‪.‬دلئل العجاز‪ :‬ص ‪() 146‬‬
‫‪129‬‬

‫بعقله وذوقه في نسيج الصنعة الشعرية‪ ،‬وهذا يمنــح‬
‫الصورة الشعرية تجددها وتنوعهــا بتنــوع القــراء‪ ،‬فل‬
‫ضب‪.‬‬
‫تبلى الصورة ول تن ُ‬
‫وهــذا الــذي قــاله الشــاعر فــي "أخــذنا بــأطراف‬
‫الحــاديث بيننــا" كــان منــه تــوطئة لمقــدم اســتعارة‬
‫بديعة‪ ،‬م ّ‬
‫كن لها فلطت بالقلوب وتغلغلت‪ :‬تلك التي‬
‫في قوله‪" :‬سالت بأعنـاق المطــي الباطــح"‪ .‬يـومئ‬
‫عبــد القــاهر إلــى ذلــك قــائ ً‬
‫ل‪)) :‬ثــم زان ذلــك كلــه‬
‫صــل التشــبيه‪ ،‬وأفــاد‬
‫م ْ‬
‫ف ِ‬
‫باستعارة لطيفة طّبق فيهــا َ‬
‫كثيرا ً من الفوائد بلطف الوحي والتنبيه‪ ،‬فص ـّرح أول ً‬
‫بما أومأ إليه في الخذ بأطراف الحاديث‪ ،‬مــن أنهــم‬
‫تنازعوا أحاديثهم علــى ظهــور الرواحــل‪ ،‬وفــي حــال‬
‫التــوجه إلــى المنــازل‪ ،‬وأخــبر بع ـد ُ بســرعة الســير‪،‬‬
‫وو َ‬
‫طاءة الظ ّْهر‪ ،‬إذ جعل سلسة سـيرها بهـم كالمـاء‬
‫تسيل به الباطح‪ ،‬وكان في ذلك مــا يؤك ّــد مــا قبلــه‪،‬‬
‫طيئة وكــان ســيرها الســير‬
‫لن الظهــور إذا كــانت وَ ِ‬
‫السهل السريع‪ ،‬زاد ذلك فــي نشــاط الّر ْ‬
‫كبــان‪ ،‬ومــع‬
‫ازدياد النشاط يزداد الحديث طيبا ً(()‪.(132‬‬
‫فهو كما ترى يربط بين علقات الحــداث وتناســلها‪،‬‬
‫فـ"الخذ بأطراف الحاديث" إنما هو ثمرة مــن ثمــار‬
‫و َ‬
‫طاءة الظهر وسرعة السير‪ ،‬المدلول عليها بقــوله‪:‬‬
‫دم لـك مـا كـان‬
‫"سالت بأعناق المطي الباطح"‪ ،‬فق ّ‬
‫من حالهم في نشـاط نفوســهم وانشـراح صـدورهم‬
‫وأريحيــة أفئدتهــم‪ ،‬الباديــة فــي تنــازعهم أطــراف‬
‫الحديث‪ ،‬لتعلم منها أول ً أنمــا كــان ذلــك واردا ً عليهــا‬
‫مــن روافــد عــدة‪ ،‬منهــا نشــاط ســيرهم‪ ،‬فتأتيــك‬
‫الستعارة‪ ،‬وقد وطأ لها‪ ،‬ومّهد الطريــق إلــى قلبــك‪،‬‬
‫فتدخل عليه دخول أ ُن ْــس‪ .‬فهــذا ضــرب مــن تناســل‬
‫‪.‬السرار‪() 23 :‬‬

‫‪132‬‬

‫المعاني والصور الشــعرية يزيــد مــن إحكــام النســج‬
‫وشدة الحبك‪.‬‬
‫وعبـــد القـــاهر فـــي "دلئل العجـــاز" يقـــف عنـــد‬
‫الستعارة في "سالت" وقفة يــوفي بهــا بعــض حــق‬
‫الستعارة من القــراءة والتلقــي‪ ،‬ويجعــل الســتعارة‬
‫فــي قــوله "ســالت بأعنــاق المطــي الباطــح" مــن‬
‫صي النادر‪ ،‬الذي ل تجـده إل ّ فـي كلم الفحـول‪،‬‬
‫الخا ّ‬
‫ول يقوى عليه إل أفراد الرجال‪ ،‬كما يقول‪ .‬ويبين أن‬
‫الشــاعر ))أراد أنهــا ســارت ســيرا ً حثيث ـًا‪ ،‬فــي غايــة‬
‫السرعة‪ ،‬وكانت سرعة في لين وسلسة‪ ،‬حتى كأنها‬
‫كانت سيول ً وقعت في تلك الباطح فجرت بها(()‪.(133‬‬
‫ويشير إلى مناط الغرابة المعجبة الخذ بالنفس فــي‬
‫))‬
‫ي فــي‬
‫هذه الستعارة‪ ،‬فل يراه في أنه جعــل المطـ ّ‬
‫سرعة سيرها وسهولته كالماء يجــري فــي الباطــح‪،‬‬
‫فإن هذا َ‬
‫شَبه معروف ظاهر‪ ،‬ولكن الدقــة واللطــف‬
‫في خصوصية أفادها‪ ،‬بأن جعل "سال" فعل ً للباطح‪،‬‬
‫ن أدخل العناق في البين )أي بيــن‬
‫م عداه بالباء‪ ،‬بأ ْ‬
‫ث ّ‬
‫الكلم ونســجه(‪ ،‬فقــال‪" :‬بأعنــاق المطــي"‪ ،‬ولــم‬
‫ي"‪ ،‬ولــو قــال‪" :‬ســالت المطــي فــي‬
‫يقــل ‪:‬بــالمط ّ‬
‫(()‪(134‬‬
‫‪.‬‬
‫الباطح" لم يكن شيئا‬
‫كذلك يبين المام مناط البداع في هــذه الســتعارة‪،‬‬
‫وإخراجهــا مـن حي ّــز المبــذول المتــداول فــي ألســنة‬
‫الدهماء إلى خصوصيتها الشعرية الفريدة‪ ،‬التي هــي‬
‫أجدر بالنتساب إلى الشــاعر‪ .‬وإبصــار منــاط الجــدة‬
‫الشعرية فيما لكته اللسن‪ ،‬فُأخلق من كــثرة الــّرد‪،‬‬
‫إنما هو من نفاذ بصيرة القارئ المتلقي‪.‬‬
‫ويزيد المام الستعارة بجلء في إبداعها فيشير فــي‬
‫"السرار" إلى أنــه‪)) :‬قــال‪" :‬بأعنــاق المطــي"‪ ،‬ولــم‬
‫‪.‬الدلئل‪() 74 :‬‬
‫‪.‬السابق‪() 76-75 :‬‬

‫‪133‬‬
‫‪134‬‬

‫ن السرعة والبطء يظهران غالب ـا ً‬
‫ي"؛ ل ّ‬
‫يقـل "بالمط ّ‬
‫في أعناقها‪ ،‬وي َِبين أمُرهمــا مــن هواديهــا وصــدورها‪،‬‬
‫وسائُر أجزائها تستند إليها في الحركــة‪ ،‬وتتبعهــا فــي‬
‫الثقل والخفة‪ ،‬وتعّبر عن المــرح والنشــاط‪ ،‬إذا كــان‬
‫في أنفسها‪ ،‬بأفاعيل لها خاصة في العنــق والــرأس‪،‬‬
‫وتدل عليهما بشمائل مخصوصة في المقاديم(()‪.(135‬‬
‫ن الشـاعر فـي‬
‫كأنك بالمام عبد القاهر يومئ إلـى أ ّ‬
‫قوله "بأعناق المطــي" يشــير فيمــا يشــير إليــه مــن‬
‫المعاني المتكاثرة‪ ،‬ما كان من نصــيب هــذه المطــي‬
‫من الريحية والنشــاط والمــرح‪ .‬فــإذا مــا كــان ذلــك‬
‫ســم روائح‬
‫النس والستشراف إلى لقــاء الحبــة وتن ّ‬
‫الوطان قد جعلهم يأخذون بأطراف الحاديث بينهم‪،‬‬
‫بدل ً من أن يأخذوا بأطراف ـ بأرسان ـ تلك المطي‪،‬‬
‫ن مثله قد كان بـأنفس مطيهــم "دهــم المهـارى"‪،‬‬
‫فإ ّ‬
‫فأخــذ النشــاط منهــا كــل مأخــذ فســالت بأعناقهــا‬
‫الباطــح‪ .‬وفــي هــذا مــن التجــاوب الشــعوري بيــن‬
‫حد ُ بين الركب كله‪ ،‬وما ينشر‬
‫الركاب والركبان ما ُيو ّ‬
‫عليه عبق التواصل وجلل التراحم‪.‬‬

‫جزى الله مؤّلفه خيرا ً ‪ ،‬ول تنسوا مخرجه من صــالح‬
‫دعائكم‪.‬‬
‫م ‪14/10/1421‬هـ‬
‫‪21/9/1421‬هـ‪ ،‬ث ّ‬

‫‪.‬أسرار البلغة‪ :‬ص ‪() 23‬‬

‫‪135‬‬

‫مة‪:‬‬
‫مه َ َ‬
‫فاصلة الهَ ْ‬
‫كانت هذه الورقة راغبة في أن تلج قضايا ذات رحم‬
‫بنظرية النظم الجرجانية‪ .‬من تلك القضايا‪:‬‬
‫المعدن الذي تخلق فيه جوهرها وجرثومتهــا‪،‬‬
‫•‬
‫والطوار التي مرت بها ـ ولسيما عند أبــي علــي‬
‫الفارسي‪ ،‬والقاضي عبد الجبار ـ حتى كــانت فــي‬
‫فكر عبد القاهر ولسانه‪.‬‬
‫نظريــة النظــم وتعــدد المعــاني فــي النــص‬
‫•‬
‫الشعري‪.‬‬
‫نظرية النظم والغموض الدبي ومستوياته‪.‬‬
‫•‬
‫نظريـة النظـم والعـدول فـي مجـال البـداع‬
‫•‬
‫الشعري )الحرية واللتزام(‪.‬‬
‫نظرية النظم والسياق في نقد الشعر‪.‬‬
‫•‬
‫نظرية النظم وجدلّية الطبع والصنعة‪ :‬قراءة‬
‫•‬
‫في شعر الطائيين والمتنــبي مــن خلل اختيــارات‬
‫المام‪.‬‬
‫نظرية النظم والمصطلح النقدي‪.‬‬
‫•‬
‫نظرية النظم فيما بعد عبد القاهر‪.‬‬
‫•‬
‫أثـــر التصـــريف النظمـــي فـــي التصـــريف‬
‫•‬
‫المعنوي‪.‬‬
‫التفصيل النظري والتحليلي لمرجعيــة بلغــة‬
‫•‬
‫الفروق والوجوه النظمية التي عينها عبــد القــاهر‬
‫في ضوء تذوق النص الشعري‪ :‬قصــيدة "الربيــع"‬
‫عند الطائيين مث ً‬
‫ل‪ .‬أو صورة الواثــق أو الثغــري أو‬
‫ابن وداد بين الطائيين نموذجًا‪.‬‬
‫تلك عشــرة وعشــرات أخــرى يمكــن ــ بــل يجــب ــ‬
‫اقتحام حرمها‪ ،‬وتخطي شــطآن قاموســها المحيــط‪،‬‬

‫ولكن المر فوق الطوق الزمني والجهدي والفكري‪،‬‬
‫ولعل الله عز وجل يمنح من يشاء من فيض إحسانه‬
‫توفيقا ً واقتدارا ً وتسديدا ً واحتسابا ً ما يوفي به بعــض‬
‫الحق‪.‬‬
‫بقيت إشارة إلى أني ل أرغب في سعيين‪:‬‬
‫سعي مــن ســعى إلــى المقارنــة بيــن مــا جــاءت بــه‬
‫نظريــة النظــم الجرجانيــة‪ ،‬ومــا جــاءت بــه بعــض‬
‫نظريات النقد العجمي من بنيوية وتفكيكية‪ ...‬وغيــر‬
‫ذلك مما يمت به فرقة ممن ينقــدون الدب العربــي‬
‫بمنهاج أعجمي مبير‪.‬‬
‫وسعي من سعى إلى توهم خيــوط هيلينيــة أغريقيــة‬
‫فــي نســيج نظريــة النظــم الجرجانيــة‪ ،‬وإن كــانت ل‬
‫أقطع أن عبد القاهر لم يطلــع علــى مــا ترجــم إلــى‬
‫العربية من تلك المقالت‪ ،‬ول ما كان من مطارحات‬
‫في الخطاب النقدي بلسان فارسي‪ .‬وثــم فــرق جـد ّ‬
‫شاسع بين الطلع على ما تمــوج بــه الثقافــات مــن‬
‫حولك‪ ،‬فتلك فريضة لزبة على أهــل العلــم وطلبــه‪.‬‬
‫معابة وأي معابــة التشــاغل عــن الطلع عليهــا‪ ،‬بلــه‬
‫التغافل والتجاهل‪ ،‬وبين التأثر فــي البنــاء والتشــكيل‬
‫والتوجيه المعرفي والذوقي‪ .‬كان عبد القــاهر طلعــة‬
‫ولم يكن إمعة‪ ،‬وذلك شــأن كــل مســلم‪ .‬وكــان عبــد‬
‫القاهر مسلما ً عربي العقــل والقلــب واللســان‪ ،‬وإن‬
‫كان جرجــاني المولــد والرومــة‪ ،‬وليــس لنــا ـ ـ نحــن‬
‫طلب علمه ـ إل عقله وقلبه ولسانه‪ .‬أسبغ الله عــز‬
‫وجــل عليــه شــآبيب الرحمــوت‪ ،‬ورفــع ذكــره فــي‬
‫الــدارين فــي عبــاده الصــالحين‪ ،‬والحمــد للــه رب‬
‫العالمين‪.‬‬

‫وكتبه‬
‫محمــود توفيــق م‬
‫سعد‬
‫‪7/8/1421‬‬

‫مصادر الورقة ومراجعها‪:‬‬
‫‪ .1‬أسرار البلغة‪ ،‬عبد القاهر‪ ،‬ط‪ :‬شاكر‪.‬‬
‫‪ .2‬أصــول النقــد الدبــي‪ ،‬ط‪ :‬أبــو كريشــة‪ ،‬ط‪:‬‬
‫لونجمان‪.‬‬
‫‪ .3‬البيان والبيتين‪ ،‬الجاحظ‪.‬‬
‫‪ .4‬تاريخ النقد العربي‪ ،‬إحسان عباس‪.‬‬
‫‪ .5‬تحرير التحبير‪ ،‬لبن أبي الصبع‪ ،‬ت‪ :‬شرف‪.‬‬
‫‪ .6‬الحيوان‪ ،‬الجاحظ‪.‬‬
‫‪ .7‬الخصائص‪ ،‬لبن جني‪ ،‬ط‪ :‬النجار‪.‬‬
‫‪ .8‬دلئل العجاز‪ ،‬عبد القاهر‪ ،‬ط‪ :‬شاكر‪.‬‬
‫‪ .9‬الشعر والشعراء‪ ،‬لبن قتيبة‪.‬‬
‫‪ .10‬العمدة‪ ،‬لبن رشــيق‪ ،‬ط‪ :‬محــي الــدين عبــد‬
‫الحميد‪.‬‬
‫‪ .11‬مجلة جامعة المام‪ ،‬عــدد )‪ ،(13‬ـ ‪1415‬هـــ‪،‬‬
‫مقال عبد الرحمن العقود‪.‬‬
‫‪ .12‬مدخل إلى كتابي عبد القاهر‪ :‬د‪ .‬أبو موسى‪.‬‬
‫=====================‬

‫مكتبة البحث‪:‬‬
‫هذه من أهم المصادر والمراجع التي تجب الحاطة‬
‫بها في إتمام هذه الورقة النجية‪:‬‬
‫‪ .1‬أبــو هلل العســكري ومقاييســه النقديــة‪،‬‬
‫بدوي طبانة‪.‬‬
‫‪ .2‬أثر القرآن في تطور البلغــة العربيــة حــتى‬
‫نهاية القرن الخامس الهجري‪ ،‬كامــل الخــولي‪،‬‬
‫ط ‪1381‬هـ‪.‬‬
‫‪ .3‬أثر القرآن في تطــور النقــد الدبــي‪ ،‬زغلــول‬
‫سلم‪.‬‬
‫‪ .4‬أثر النحاة في البحــث البلغــي‪ ،‬عبــد القــادر‬
‫حسين‪.‬‬
‫‪ .5‬الســـلوب فـــي العجـــاز البلغـــي للقـــرآن‬
‫الكريم‪ ،‬محمد الكوار‪ ،‬بنغازي‪.‬‬
‫‪ .6‬بحوث ودراسات في الدب والنقد‪ ،‬عبد اللــه‬
‫عسيلن‪.‬‬
‫‪ .7‬بلغة أرسطو بين العرب واليونــان‪ ،‬إبراهيــم‬
‫سلمة‪.‬‬
‫‪ .8‬البلغة العربية في دور نشأتها‪ ،‬سيد نوفل‪.‬‬
‫‪ .9‬بلغة القرآن في آثــار القاضــي عبــد الجبــار‪،‬‬
‫عبد الفتاح لشين‪.‬‬
‫‪ .10‬البلغة القرآنية في تفسير الزمخشــري‪ ،‬د‪.‬‬
‫محمد أبو موسى‪.‬‬
‫‪ .11‬البيان العربي‪ ،‬بدوي طبانة‪.‬‬
‫‪ .12‬تــأثير الفكــر الــديني فــي البلغــة العربيــة‪،‬‬
‫مهدى صالح السامرائي‪.‬‬
‫‪ .13‬تاريخ النقد العربي )جزءان( الول حتى آخر‬
‫الرابــع الهجــري والخــر حــتى نهايــة العاشــر‪،‬‬
‫زغلول سلم‪.‬‬

‫‪ .14‬الــتراث النقــدي والبلغــي للمعتزلــة‪ ،‬وليــد‬
‫قصاب‪.‬‬
‫‪ .15‬تربية الذوق عند عبد القاهر‪ ،‬عرفه‪.‬‬
‫‪ .16‬التفكير البلغي عند العرب‪ :‬أسسه وتطــوره‬
‫إلى القرن السادس‪ ،‬حمادي حمود‪ ،‬تونس‪.‬‬
‫‪ .17‬التفكير النقــدي عنــد العــرب‪ ،‬عيســى علــي‬
‫العاكوب‪ ،‬دمشق‪.‬‬
‫‪ .18‬دراسة في البلغــة والشــعر‪ ،‬د‪ .‬محمــد أبــو‬
‫موسى‪.‬‬
‫‪ .19‬الصبغة الدبية لبلغة عبد القاهر‪ ،‬السيد عبد‬
‫الفتاح حجاب‪ ،‬مجلة أضــواء الشــريعة‪ ،‬جامعــة‬
‫المام‪ ،‬عدد )‪ ،(7‬سنة ‪1396‬هـ‪.‬‬
‫‪ .20‬الصــورة الدبيــة عنــد عبــد القــاهر‪ ،‬أحمــد‬
‫دهمان‪.‬‬
‫‪ .21‬فكرة النظم بين وجوه العجاز‪ ،‬فتحي أحمد‬
‫عامر‪.‬‬
‫‪ .22‬في الميزان الجديد‪ ،‬محمد مندور‪.‬‬
‫‪ .23‬قراءة في معنى المعنــى عنــد عبــد القــاهر‪،‬‬
‫عز الدين إسماعيل‪ ،‬فصول‪ ،‬مجلد ‪.‬‬
‫‪ .24‬قضايا النقــد الدبــي بيــن القــديم والحــديث‪،‬‬
‫محمد زكي العشماوي‪.‬‬
‫‪ .25‬قضــية اللفــظ والمعنــى وأثرهــا فــي تــدوين‬
‫البلغة العربية‪ ،‬علي العماري‪ ،‬مكتبة وهبه‪.‬‬
‫‪ .26‬اللفظ والمعنى بين اليــديولوجيا والتأســيس‬
‫المعرفــي للعلــم‪ ،‬طــارق النعمــان‪ ،‬دار ســينا‪،‬‬
‫مصر‪.‬‬
‫‪ .27‬معــالم المنهــج البلغــي عنــد عبــد القــاهر‪،‬‬
‫محمد بركات حمدي‪ ،‬عمان‪ /‬الردن‪.‬‬
‫‪ .28‬المغنى في أبواب التوحيد والعدل‪ ،‬القاضــي‬
‫عبد الجبار‪ ،‬ج ‪.16‬‬

‫‪ .29‬مفهوم النظم عند عبــد القــاهر‪ ،‬نصــر حامــد‬
‫أبو زيد‪ ،‬مجلــة فصــول‪ ،‬مجلــد )‪ ،(5‬عــدد )‪،(1‬‬
‫سنة ‪1984‬م‪.‬‬
‫‪ .30‬منهج عبد القاهر بيــن الموضــوعية والذاتيــة‪،‬‬
‫السيد عبــد الفتــاح حجــاب‪ ،‬مجلــة كليــة اللغــة‬
‫العربية‪ ،‬جامعة المام‪ ،‬الرياض‪.‬‬
‫‪ .31‬نظرية العلقات أو النظــم بيــن عبــد القــاهر‬
‫الجرجاني والنقد الغربي الحديث‪ ،‬محمــد نايــل‬
‫أحمد‪.‬‬
‫‪ .32‬نظرية اللغة في النقــد العربــي عبــد الحليــم‬
‫راضي‪ ،‬مكتبة الجاضي‪.‬‬
‫‪ .33‬نظرية المعنى في النقد العربــي‪ ،‬مصــطفى‬
‫ناصف‪.‬‬
‫‪ .34‬نظريــة النظــم عنــد عبــد القــاهر‪ ،‬الســيد‬
‫حجــاب‪ ،‬مجلــة اللغــة العربيــة‪ ،‬جامعــة المــام‪،‬‬
‫عدد )‪ ،(9‬سنة ‪.1399‬‬
‫‪ .35‬نظريــة عبــد القــاهر فــي النظــم‪ ،‬درويــش‬
‫الجندي‪.‬‬
‫‪ .36‬النظم في دلئل العجاز‪ ،‬مصــطفى ناصــف‪،‬‬
‫حوليــات كليــة الداب‪ ،‬جامعــة عيــن شــمس‪،‬‬
‫المجلد )‪ ،(3‬يناير ‪.1955‬‬
‫‪ .37‬النقد الدبي الحديث‪ ،‬محمد غنيمي هلل‪.‬‬
‫‪ .38‬النقد التحليلي عنــد عبــد القــاهر الجرجــاني‪،‬‬
‫أحمد الســيد الصــادي‪ ،‬الهيئة المصــرية العامــة‬
‫للكتاب‪.‬‬
‫‪ .39‬النقــد العربـي نحــو نظريـة ثانيـة‪ ،‬مصــطفى‬
‫ناصف‪ ،‬عالم المعرفة‪ ،‬عدد ‪1420 ،255‬هـ‪.‬‬
‫============‬
‫================‬

‫الفهرس‪:‬‬
‫نظرية النظم وقراءة الشعر‪1.....................................‬‬
‫عند عبد القاهر الجرجاني‪1.........................................‬‬
‫إعـــــداد ‪1............................................................‬‬
‫محمود توفيق محمد سعد‪1.......................................‬‬
‫أستاذ البلغة والنقد‪1................................................‬‬
‫ورئيس القسم في كلية اللغة العربية‪1..........................‬‬
‫جامعة الزهر‪1........................................................‬‬
‫الشريف شبين الكوم‪1..............................................‬‬
‫بسم الله الرحمن الرحيم‪2.........................................‬‬
‫سياق القول في النظرية ‪2....‬‬
‫بلغة الخطاب في تأليفه وما يخرج من تأليفه‪29........:‬‬
‫عمود بلغة الخطاب‪ :‬النظم‪43...............‬‬
‫مفهوم النظم عند المام عبد القاهر‪54....................... :‬‬
‫مستويات النظم‪68....................:‬‬
‫أهمية نظرية النظم في نقد النص الدبي‪82.. ..:‬‬
‫من صور نقد عبد القاهر النص في ضوء نظرية‬
‫النظم ‪94......................................................................‬‬
‫مة‪130......................:‬‬
‫مهَ َ‬
‫فاصلة الهَ ْ‬
‫مصادر الورقة ومراجعها‪133...............:‬‬
‫مكتبة البحث‪134.........................:‬‬

‫الفهرس‪137........................................................ :‬‬
‫والحمد لله رب العالمين ‪138...‬‬

‫والحمد لله رب العالمين‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful