‫المقتضب في اللغة للمبرد‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬

‫أنفس مؤلفات المبرد وأنضجها ثمرة‪ ،‬وأقدم ما وصلنا‬
‫من كتب النحو بعد كتاب سيبويه‪ .‬ألف المبرد كتابه هذا‬
‫قبل )الكامل( فلما ألف )الكامل( أحال إليه في كل‬
‫مرة تحدث فيها عن مسائل اللغة‪ .‬ويضم )‪(561‬‬
‫شاهدًا‪ ،‬منها في كتاب سيبويه )‪ (380‬شاهدًا‪ .‬ويؤخذ‬
‫عليه فيه حملُته الثيمة على أصحاب القراءات السبع‪،‬‬
‫جريا ً على منوال أستاذه المازني في آخر كتابه‪:‬‬
‫)التصريف)فنقل عنه المبرد هذا الباب وأثبته في‬
‫المقتضب‪ .‬فكان ذلك سبب خمول الكتاب‪.‬‬

‫الملف‬

‫الول‬

‫الجزء الول‬
‫بسم الله الرحمن الرحيم‬
‫تفسير وجوه العربية وإعراب السماء والفعال‬
‫فالكلم كله‪ :‬اسم‪ ،‬وفعل‪ ،‬وحرف جاء لمعنى‪ .‬ل يخلو‬
‫الكلم ‪ -‬عربّيا كان أو أعجمّيا من هذه الثلثة‪.‬‬
‫والمعرب‪ :‬السم المتم ّ‬
‫كن‪ ،‬والفعل المضارع‪ .‬وسنأتي‬
‫على تفسير ذلك كله إن شاء الله‪.‬‬
‫أما السماء فما كان واقعا ً على معنى‪ ،‬نحو‪ :‬رجل‪،‬‬
‫وفرس‪ ،‬وزيد‪ ،‬وعمرو‪ ،‬وما أشبه ذلك وتعتبر السماء‬
‫بواحدة‪ :‬كل ما دخل عليه حرف من حروف الجر فهو‬
‫اسم‪ ،‬وإن امتنع من ذلك فليس باسم‪.‬‬
‫وإعراب السماء على ثلثة أضرب‪ :‬على الرفع‪ ،‬والنصب‪،‬‬
‫والجر‪.‬‬
‫فأما رفع الواحد المعرب غير المعتل فالضم ؛ نحو قولك‪:‬‬
‫د‪ ،‬وعبد الله‪ ،‬وعمٌرو‪.‬‬
‫زي ٌ‬
‫ونصبه بالفتح‪ :‬نحو قولك‪ :‬زيدًا‪ ،‬وعمروًا‪ ،‬وعبد الله‪.‬‬
‫د‪ ،‬وعمرٍو‪ ،‬وعبد الله‪.‬‬
‫وجّره بالكسرة ؛ نحو قولك‪ :‬زي ٍ‬
‫فهذه الحركات تسمى بهذه السماء إذا كان الشيء‬
‫معربًا‪ ،‬فإن كان مبني ّا ً ل يزول من حركة إلى أخرى‪ ،‬نحو‪:‬‬
‫حيث‪ ،‬وقبل‪ ،‬وبعد ‪ -‬قيل له مضموم‪ .‬ولم يقل مرفوع ؛‬
‫لنه ل يزول عن الضم‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وأين و كيف يقال له مفتوح‪ ،‬ول يقال له منصوب‪ ،‬لنه ل‬
‫يزول عن الفتح‪.‬‬
‫ونحو‪ :‬هؤلء‪ ،‬وحذار‪ ،‬وأمس مكسوٌر‪ ،‬ول يقال له مجرور‪،‬‬
‫لنه ل يزول عن الكسر وكذلك من‪ ،‬وهل‪ ،‬وبل يقال له‬
‫موقوف‪ ،‬ول يقال له مجزوم‪ .‬لنه ل يزول عن الوقف‪.‬‬
‫وإذا ثّنيت الواحد ألحقته ألفًا‪ ،‬ونونا ً في الرفع‪.‬‬
‫أما اللف فإنها علمة الرفع‪ ،‬وأما النون فإنها بدل من‬
‫الحركة والتنوين اللذين كانا في الواحد‪ .‬فإن كان السم‬
‫مجرورا ً أو منصوبًا‪ ،‬فعلمته ياٌء مكان اللف وذلك قولك‪:‬‬
‫جاءني الرجلن‪ ،‬ورأيت‪ .‬الرجلين‪ ،‬ومررت بالرجلين‪.‬‬
‫يستوى النصب‪ ،‬والجر في ذلك‪ ،‬وتكسر النون من الثنين‬
‫لعلة سنذكرها مع ذكر استواء الجر‪ ،‬والنصب في موضعها‬
‫إن شاء الله‪.‬‬
‫فإن جمعت السم على حد ّ التثنية ألحقته في الرفع واوًا‪،‬‬
‫ونونًا‪.‬‬
‫أما الواو فعلمة الرفع‪ ،‬وأما النون فبد ٌ‬
‫ل من الحركة‬
‫والتنوين اللذين كانا في الواحد‪ .‬ويكون فيه في الجر‪،‬‬
‫والنصب ياء مكان الواو‪ .‬ويستوي الجر‪ ،‬والنصب في هذا‬
‫الجمع ؛ كما استويا في التثنية ؛ لن هذا الجمع على حد‬
‫التثنية‪ ،‬وهو الجمع الصحيح‪.‬‬
‫وإنما كان كذلك ؛ لنك إذا ذكرت الواحد‪ ،‬نحو قولك‪:‬‬
‫ديت بناءه كما كان‪ ،‬ثم زدت عليه ألفًا‪،‬‬
‫مسلم ثم ثّنيته أ ّ‬
‫نونًا‪ ،‬أو ياء ونونا ً فإذا جمعته على هذا الحد ّ أديت بناءه‬
‫أيضًا‪ ،‬ثم زدت عليه واوًا‪ ،‬ونونًا‪ ،‬أو ياء ونونًا‪ ،‬ولم تغّير بناء‬
‫ما كان عليه‪.‬‬
‫الواحد ع ّ‬
‫وليس هكذا سائر الجمع ؛ لنك تكسر الواحد عن بنائه‪،‬‬
‫نحو‪ .‬قولك‪ :‬درهم‪ ،‬ثم تقول‪ :‬دراهم‪ :‬تفتح الدال‪ ،‬وكانت‬
‫مكسورة‪ ،‬وتكسر الهاء وكانت مفتوحة‪ ،‬وتفصل بين الراء‬
‫والهاء بألف تدخلها‪ .‬وكذلك أكلب‪ ،‬وأفلس‪ ،‬وغلمان‪.‬‬
‫فلذلك قيل لكل جمع بغير الواو‪ ،‬والنون‪ :‬جمع تكسير‪.‬‬
‫ويكون إعرابه كإعراب الواحد ؛ لنه لم يأت على حد‬
‫التثنية‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ونون الجمع الذي على حد التثنية أبدا ً مفتوحة‪.‬‬
‫وإنما حركت نون الجمع‪ ،‬ونون الثنين‪ ،‬للتقاء الساكنين‪،‬‬
‫فحركت نون الجمع بالفتح لن الكسر‪ ،‬والضم ل يصلحان‬
‫فيها‪ .‬وذلك أنها تقع بعد واو مضموم ما قبلها‪ ،‬أو ياٍء‬
‫مات‬
‫مكسور ما قبلها‪ ،‬ول يستقيم توالي الكسرات وال ّ‬
‫ض ّ‬
‫مع الياء والواو‪ ،‬ففتحت‪.‬‬
‫وكسرت نون الثنين‪ ،‬للتقاء الساكنين على أصل ما يجب‬
‫فيهما إذا التقيا‪ .‬ولم تكن فيهما مثل هذه العّلة فتمتنع‪.‬‬
‫وإذا جمعت المؤنث على حد ّ التثنية فإن نظير قولك‪:‬‬
‫مسلمون في جمع مسلم أن تقول في مسلمة‪ :‬مسلمات‪،‬‬
‫فاعلم‪.‬‬
‫وإّنما حذفت التاء من مسلمة ؛ لنها علم التأنيث‪ ،‬واللف‬
‫والتاء في مسلمات علم التأنيث ومحال أن يدخل تأنيث‬
‫على تأنيث‪.‬‬
‫ت فاعلم‪ ،‬ونصبه وجّره‪:‬‬
‫فإذا أردت رفعه قلت‪ :‬مسلما ٌ‬
‫ت‪.‬‬
‫مسلما ٍ‬
‫يستوي الجر‪ ،‬والنصب ؛ كما استويا في مسلمين‪ ،‬لن هذا‬
‫في المؤنث نظير ذلك في المذكر‪.‬‬
‫وإنما استوى الجر والنصب في التثنية‪ ،‬والجمع ؛‬
‫لستوائهما في الكناية‪ .‬تقول‪ :‬مررت بك‪ ،‬ورأيتك‪.‬‬
‫واستواؤهما أنهما مفعولن ؛ لن معنى قولك‪ :‬مررت‬
‫بزيد‪ :‬أي فعلت هذا به‪ .‬فعلى هذا تجري التثنية‪ ،‬والجمع‬
‫في المذكر‪ ،‬والمؤنث من السماء‪.‬‬
‫فأما الفعال فإنا أخرنا ذكرها حتى نضعها في مواضعها‪.‬‬
‫بجميع تفسيرها إن شاء الله‪.‬‬
‫هذا باب الفاعل‬
‫د‪.‬‬
‫وهو رفع‪ .‬وذلك قولك‪ :‬قام عبد الله‪ ،‬وجلس زي ٌ‬
‫ة يحسن عليها‬
‫وإنما كان الفاعل رفعا ً لنه هو والفعل جمل ٌ‬
‫السكوت‪ ،‬وتجب بها الفائدة للمخاطب‪ .‬فالفاعل‪ ،‬والفعل‬
‫بمنزلة البتداء‪ ،‬والخبر إذا قلت‪ :‬قام زيد فهو بمنزلة‬
‫قولك‪ :‬القائم زيد‪.‬‬
‫والمفعول به نصب إذا ذكرت من فعل به‪ .‬وذلك لنه‬

‫‪3‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫تعدى إليه فعل الفاعل‪.‬‬
‫وإنما كان الفاعل رفعا ً والمفعول به نصبًا‪ ،‬ليعرف الفاعل‬
‫من المفعول به‪ ،‬مع العلة الذي ذكرت لك‪.‬‬
‫فإن قال قائل‪ :‬أنت إذا قلت‪ :‬قام زيد‪ ،‬فليس ههنا مفعول‬
‫يجب أن تفصل بينه وبين هذا الفاعل‪.‬‬
‫ما وجب أن يكون‬
‫فإن الجواب في ذلك أن يقال له‪ :‬ل ّ‬
‫الفاعل رفعا ً في الموضع الذي ل لبس فيه للعلة التي‬
‫ذكرنا ولما سنذكره من العَِلل في مواضعها فرأيته مع‬
‫ن المرفوع هو ذلك الفعل الذي عهدته‬
‫غيره علمت أ ّ‬
‫ن المفعول الذي لم تعهده مرفوعًا‪.‬‬
‫مرفوعا ً وحده وأ ّ‬
‫وكذلك إذا قلت‪ :‬لم يقم زيد‪ ،‬ولم ينطلق عبد الله‪،‬‬
‫وسيقوم أخوك‪.‬‬
‫فإن قال قائل‪ :‬إنما رفعت زيدا ً أول ُ لنه فاعل‪ ،‬فإذا قلت‪:‬‬
‫لم يقم فقد نفيت عنه الفعل فكيف رفعته ?‪.‬‬
‫قيل له‪ :‬إن النفي إّنما يكون على جهة ما كان موجبًا‪،‬‬
‫فإنما أعلمت السامع من الذي نفيت عنه أن يكون فاعل‪،‬‬
‫فكذلك إذا قلت‪ :‬لم يضرب عبد الله زيدا علم بهذا اللفظ‬
‫من ذكرنا أنه ليس بفاعل ومن ذكرنا أنه ليس بمفعول‪ ،‬أل‬
‫ترى أن القائل إذا قال‪ :‬زيد في الدار فأردت أن تنفي ما‬
‫قال أنك تقول‪ :‬ما زيد في الدار‪ :‬فترد ّ كلمه ثم تنفيه‪.‬‬
‫ومع هذا فإن قولك‪ :‬يضرب زيد يضرب هي الرافعة فإذا‬
‫قلت‪ :‬لم يضرب زيد ٌ فيضرب التي كانت رافعة لزيد قد‬
‫م إّنما عملت في يضرب ولم تعمل في‬
‫رددتها قبله‪ ،‬و ل ْ‬
‫زيد وإنما وجب العمل بالفعل‪ .‬فهذا كقولك‪ :‬سيضرب زيد‬
‫إذا أخبرت‪ ،‬وكاستفهامك إذا قلت‪ :‬أضرب زيد ? إّنما‬
‫استفهمت فجئت باللة التي من شأنها أن ترفع زيدا وإن‬
‫لم يكن وقع منه فِْعل‪.‬‬
‫ولكّنك إّنما سألت عنه هل يكون فاعل ? وأخبرت أنه‬
‫سيكون فاعل‪ .‬فللفاعل في كل هذا لفظ واحد يعرف به‬
‫حيث وقع‪ .‬وكذلك المفعول‪ ،‬والمجرور‪ ،‬وجميع الكلم في‬
‫حال إيجابه‪ ،‬ونفيه‪.‬‬

‫‪4‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وسنضع من الحجج المستقصاة في مواضعها أكثر من هذا‬
‫؛ لن هذا موضع اختصار وتوطئة لما بعده إن شاء الله‪.‬‬
‫هذا باب حروف العطف بمعانيها‬
‫فمنها الواو‪ .‬ومعناها‪ :‬إشراك الثاني فيما دخل فيه الّول ؛‬
‫وليس فيها دليل على أّيهما كان أوّل ً ؛ نحو قولك‪ :‬جاءني‬
‫زيد وعمرو‪ ،‬ومررت بالكوفة والبصرة‪ .‬فجائز أن تكون‬
‫البصرة أوّ ً‬
‫ل‪ ،‬كما قال الله عّز وج ّ‬
‫ل‪ " :‬واسجدي واركعي‬
‫مع الّراكعين " والسجود بعد الركوع‪.‬‬
‫ن المر‬
‫ن الثاني بعد الّول‪ ،‬وأ ّ‬
‫ومنها الفاء‪ .‬وهي توجب أ ّ‬
‫بينهما قريب ؛ نحو قولك‪ :‬رأيت زيدا‪ ،‬فعمرا‪ ،‬ودخلت مكة‬
‫فالمدينة‪.‬‬
‫م مثل الفاء ؛ إل ّ أّنها أشد ّ تراخيا‪ .‬تقول‪ :‬ضربت زيدا ثم‬
‫و ثُ ّ‬
‫عمروا‪ ،‬وأتيت البيت ثم المسجد‪.‬‬
‫ومنها أو‪ .‬وهي لحد المرين عند ش ّ‬
‫ك المتكلم‪ ،‬أو قصده‬
‫أحدهما‪ .‬وذلك‪ :‬قولك أتيت زيدا ً أو عمروا‪ ،‬وجاءني رجل‬
‫ة‪.‬‬
‫أو امرأ ٌ‬
‫هذا إذا ش ّ‬
‫ك‪ ،‬فأما إذا قصد فقوله‪ :‬كل السمك‪ ،‬أو اشرب‬
‫اللبن‪ :‬أي ل تجمع بينهما‪ ،‬ولكن اختر أّيهما شئت ?‪ .‬وكذلك‬
‫أعطني دينارًا‪ ،‬أو اكسني ثوبا‪.‬‬
‫وقد يكون لها موضع آخر‪ ،‬معناه‪ :‬الباحة‪ .‬وذلك قولك‪:‬‬
‫جالس الحسن‪ ،‬أو ابن سيرين‪ ،‬وائت المسجد أو السوق‪:‬‬
‫أي قد أذنت لك في مجالسة هذا الضرب من الناس‪ ،‬وفي‬
‫إتيان هذا الضرب من المواضع‪.‬‬
‫فإن نهيت عن هذا قلت‪ :‬ل تجالس زيدا أو عمرا‪ :‬أي ل‬
‫تجالس هذا الضرب من الناس‪ .‬وعلى هذا قول الله عز‬
‫وجل " ول تطع منهم آثما ٌ أو كفورا ً "‪.‬‬
‫ما بالخبر بمنزلة َأو‪ ،‬وبينهما فصل‪.‬‬
‫و إِ ّ‬
‫وذلك أنك إذا قلت‪ :‬جاءني زيد‪ ،‬أو عمرو‪ ،‬وقع الخبر في‬
‫زيد يقينا حّتى ذكرت أ َوْ فصار فيه وفي عمرو ش ّ‬
‫ما‬
‫ك ؛ و إِ ّ‬
‫ما عمرو‪:‬‬
‫ما زي ٌ‬
‫د‪ ،‬وإ ّ‬
‫تبتديء بها شاك ًّا‪ .‬وذلك قولك‪ :‬جاءني إ ّ‬
‫ما‬
‫أي‪ :‬أحدهما‪ .‬وكذلك وقوعها للتخيير ؛ تقول‪ :‬اضرب إ ّ‬
‫ما خالدا‪ .‬فالمر لم يش ّ‬
‫ك ولكّنه خّير المأمور ؛‬
‫عبد الله‪ ،‬وإ ّ‬

‫‪5‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫كما كان ذلك في أ َْو‪ .‬ونظيره قول الله عّز وج ّ‬
‫ل‪ " :‬إّنا‬
‫ما مّنا‬
‫هديناه ال ّ‬
‫ما كفورا " وكقوله‪ " :‬فإ ّ‬
‫ما شاكرا ً وإ ّ‬
‫سبيل إ ّ‬
‫ما فداء " ‪.‬‬
‫بعد وإ ّ‬
‫ما دخل فيه الّول‪.‬‬
‫ومنها ل‪ .‬وهي تقع لخراج الثاني م ّ‬
‫وذلك قولك‪ :‬ضربت زيدا‪ ،‬ل عمروا‪ ،‬ومررت برجل‪ ،‬ل‬
‫امرأة‪.‬‬
‫ومنها بل‪ .‬ومعناه‪ :‬الضراب عن الّول‪ ،‬والثبات للثاني ؛‬
‫نحو قولك‪ :‬ضربت زيدا‪ ،‬بل عمروا‪ ،‬وجاءني عبد الله‪ ،‬بل‬
‫أخوه‪ ،‬وما جاءني رجل‪ ،‬بل امرأة‪.‬‬
‫ن‪ .‬وهي للستدراك بعد النفي‪ .‬ول يجوز أن تدخل‬
‫ومنها لك ْ‬
‫مة ؛ نحو قولك‪:‬‬
‫صة تا ّ‬
‫صة إلى ق ّ‬
‫بعد واجب إل ّ لترك ق ّ‬
‫جاءني زيد لكن عبد الله لم يأت‪ ،‬وما جاءني زيد لكن‬
‫عمرو‪ ،‬وما مررت بأخيك لكن عدّوك‪ .‬ولو قلت‪ :‬مررت‬
‫بأخيك لكن عمرو لم يجز‪.‬‬
‫ومنها حّتى‪ .‬ولها باب على حياله ‪.‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م‪ .‬وهي في الستفهام نظيرة أوْ في الخبر‪ ،‬ونذكره‬
‫ومنها أ ْ‬
‫في باب الستفهام إن شاء الله‪.‬‬
‫فهذه الحروف ‪-‬حرف العطف ‪ -‬تدخل الثاني من العراب‬
‫فيما دخل فيه الّول‪.‬‬
‫هذا باب من مسائل الفاعل والمفعول‬
‫وتقول‪ :‬أعجبني ضرب الضارب زيدا عبد الله‪ .‬رفعت‬
‫الضرب‪ ،‬لنه فاعل بالعجاب‪ ،‬وأضفته إلى الضارب‪،‬‬
‫ونصبت زيدا ؛ لنه مفعول في صلة الضارب‪ ،‬ونصبت عبد‬
‫الله بالضرب الول‪ ،‬وفاعله الضارب المجرور‪ ،‬وتقديره‪:‬‬
‫ب زيدا عبد َ الله‪ .‬فهكذا تقدير‬
‫ب الضار ُ‬
‫أعجبني أن ضر َ‬
‫المصدر‪.‬‬
‫وتقول‪ :‬سّرني قيام أخيك‪ ،‬فقد أضفت القيام إلى الخ‬
‫وهو فاعل‪ ،‬وتقديره‪ :‬سرني أن قام أخوك‪.‬‬
‫ب‬
‫ب زيدٍ عمروا‪ ،‬وإن شئت قلت‪ :‬ضر ٌ‬
‫ضْر ٌ‬
‫وتقول‪ :‬أعجبني َ‬
‫زيدٍ عمرو إذا كان عمرو ضرب زيدا‪ ،‬تضيف المصدر إلى‬
‫المفعول كما أضفته إلى الفاعل‪ .‬وإن نونت‪ ،‬أو أدخلت‬
‫فيه ألفا ً ولما جرى ما بعده على أصله‪ ،‬فقلت‪ :‬أعجبني‬

‫‪6‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ب زيد ٌ عمروا‪ ،‬وإن شئت نصبت زيد ورفعت عمروا‪،‬‬
‫ضر ٌ‬
‫أيهما كان فاعل رفعته‪ ،‬تقدم أو تأخر‪.‬‬
‫ب زيد ُ عمروا‪ ،‬فمما جاء في القرآن‬
‫ضْر ُ‬
‫وتقول أعجبني ال َ‬
‫ة‬
‫م في يوم ذي مسغبةٍ يتيما ً ذا مقرب ٍ‬
‫ونا قوله‪ " :‬أو إطعا ٌ‬
‫من ّ‬
‫" وقال الشاعر فيما كان باللف واللم‪:‬‬
‫لحقت فلم أنكل عن‬
‫لقد علمت أولى‬
‫الضرب مسمعا‬
‫المغـيرة أنـنـي‬
‫مع‪ ،‬فلما أدخل اللف واللم امتنعت‬
‫أراد عن ضْرب ِ‬
‫م ْ‬
‫س َ‬
‫الضافة‪ ،‬فعمل عمل الفعل‪ .‬ومثله قوله‪:‬‬
‫بضاحي عذاةٍ أمره‬
‫ف ينتظرن‬
‫وهن وقو ٌ‬
‫وهو ضامز‬
‫قـضـاءه‬
‫أي ينتظرن أن يقضي أمره‪ ،‬فأضاف القضاء غلى ضميره‪.‬‬
‫ب الناس زيدا إذا كان مفعول‪،‬‬
‫ومثل ذلك‪ :‬عجبت من ضْر ِ‬
‫وترفعه إذا كان فاعل‪ ،‬على ما وصفت لك‪ .‬وتصير الناس‬
‫في موضع نصب‪ ،‬لنهم مفعولون‪.‬‬
‫د‪،‬‬
‫وتقول‪ :‬أعجبني دقّ الثوب القصار‪ ،‬وأكل الخبز زي ٌ‬
‫ومعاقبة اللص المير‪ .‬فهذا ل يصلح إل أن يكون الخير هو‬
‫الفاعل‪.‬‬
‫وتقول‪ :‬ما أعجب شيء شيئا إعجاب زيد ركوب الفرس‬
‫عمرو‪ ،‬فنصبت إعجابا ً بالمصدر‪ ،‬وأضفته إلى زيد‪،‬‬
‫فالتقدير‪ :‬ما أعجب شيء شيئا‪ ،‬كما أعجب زيدا أن ركب‬
‫الفرس عمرو‪ ،‬لنك أضفت الركوب إلى الفرس‪ ،‬والفرس‬
‫مفعول‪ ،‬لن عمروا ركبه‪ ،‬وزيد المفعول‪ ،‬لن الركوب‬
‫أعجبه‪.‬‬
‫وتقول‪ :‬سرني والمشبعه طعامك شتم غلمك زيدا‪،‬‬
‫بالنصب‪ ،‬والرفع في زيد على ما تقدره‪ ،‬من أن يكون‬
‫فاعل‪ ،‬أو مفعول‪.‬‬
‫وتقول‪ :‬أعجب إعطاء الدراهم خاك غلمك إّياك‪ ،‬نصيت‬
‫إياك بأعجب وجعلت غلمك هو الذي أعطى الدراهم‬
‫أخاك‪.‬‬
‫وتقول‪ :‬ضرب الضارب عمروا المكرم زيدا أحب أخواك‪،‬‬
‫نصبت الضرب الول بأحب‪ ،‬وجررت الضارب بالضافة‪،‬‬

‫‪7‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وعديته إلى عمرو‪ ،‬ونصبت المكرم بالضرب الول‪،‬‬
‫والضرب الول متعد ؛ فإن رأيت أل تعديه قلت‪ :‬ضرب‬
‫الضارب المكرم ٍ زيدا أحب أخواك‪ .‬وهذا كله في صلة‬
‫الضرب ؛ لنك أضفته إلى الضارب‪ ،‬وسائر الكلم إلى‬
‫قولك أحب متصل به‪.‬‬
‫وتقول‪ :‬سر الشارب المطعمه طعامك شرابك زيدا‪.‬‬
‫ف الشراب ينتصب ب الشارب‪ .‬والمطعم يرتفع بالفعل‬
‫الذي في الشارب‪ .‬ونصبت الطعام بالفعل الذي في‬
‫المطعم وكله اسم واحد‪.‬‬
‫وتقول‪ :‬ظننت الذي الضارب أخاه زيد ٌ عمروا‪ .‬فالذي في‬
‫موضع نصب بظننت‪ ،‬وعمروا مفعول ثان‪ .‬وقوله‪ :‬الضارب‬
‫أخاه زيد الضارب مبتدأ وزيد خبره‪ ،‬وهما جميعا في صلة‬
‫الذي‪ .‬وإنما اتصل بالذي للهاء التي في قولك أخاه ؛ لنها‬
‫ترجع إلى الذي‪.‬‬
‫ولو قلت‪ :‬قام الذي ضربت هند ٌ أباها لم يجز‪ ،‬لن الذي ل‬
‫يكون اسما ً إل بصلة‪ ،‬ول تكون صلته إل كلما مستغنيا‪،‬‬
‫نحو البتداء والخبر‪ ،‬والفعل والفاعل‪ ،‬والظرف مع ما فيه‪،‬‬
‫نحو في الدار زيد‪ ،‬ول تكون هذه الجملة صلة له إل وفيها‬
‫ما يرجع إليه من ذكره‪ .‬فلو قلت‪ :‬ضربني الذي أكرمت‬
‫هند أباها عنده‪ ،‬او في داره لصلح لما رددت إليه من‬
‫ذكره‪.‬‬
‫ونظير الذي ما‪ ،‬ومن‪ ،‬وأي‪ ،‬وأل التي في معنى الذين‬
‫وكل موصول مما لم نذكره فهذا مجراه ولو قلت‪ :‬ضرب‬
‫من أبوك منطلق زيدا لم يجز‪ ،‬فإن جعلت مكان الكاف‬
‫هاء وقلت‪ :‬أبوه صحت المسألة بالراجع من ذكره‪.‬‬
‫وكذلك بلغني ما صنغت‪ ،‬لن ههنا هاء محذوفة والمعنى‪:‬‬
‫ما صنعته‪.‬‬
‫وكذلك رأيت من ضربت‪ ،‬وأكرمت من أهنت‪ .‬في كل هذا‬
‫قد حذفت هاًء‪ .‬وإنما حذفتها ؛ لن أربعة أشياء صارت‬
‫اسما واحدا ؛ وهي‪ :‬الذي‪ ،‬والفعل‪ ،‬والفاعل‪ ،‬والمفعول‬
‫به‪ ،‬فخّففت منها‪ .‬وإن شئت جئت بها‪.‬‬
‫وإنما كانت الهاء أولى بالحذف ؛ لن الذي هو الموصول‬

‫‪8‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫الذي يقع عليه المعنى‪ ،‬والفعل هو الذي يوضحه‪ ،‬ولم يجز‬
‫حذف الفاعل ؛ لن الفعل ل يكون إل بفاعل‪ ،‬فحذفت‬
‫المفعول من اللفظ‪ ،‬لن الفعل قد يقع ول مفعول فيه‪،‬‬
‫نحو قام زيد‪ ،‬وتكلم عبد الله‪ ،‬وجلس خالد‪ .‬وإنما فعلت‬
‫هذا بالمفعول في الصلة‪ ،‬لنه كان متصل ً بما قبله‪،‬‬
‫فحذفته منه كما تحذف التنوين من قوله‪:‬‬
‫ول ذاكر الله إل قليل‬
‫وما أشبهه‪ ،‬ولو كان منفصل ً لم يجز حذفه ؛ لن الضمير‬
‫قد خرج من الفعل وصار في حيز الباء‪ .‬وكذلك‪ :‬الذي‬
‫ضربت أخاه زيد‪ ،‬ل يجوز حذف الهاء من الخ كما حذفت‬
‫الهاء من الول لما ذكرت لك‪.‬‬
‫وتقول‪ :‬سر دفعك إلى المعطى زيدا دينارا درهما القائم‬
‫في داره عمرو‪ .‬نصبت القائم بسر‪ ،‬ورفعت عمروا‬
‫بقيامه‪ .‬ولو قلت‪ :‬سّر د ُُفعك إلى زيد درهما ضربك عمروا‬
‫كان محال ؛ لن الضرب ليس مما يسر‪ .‬وكذلك لو قلت‪:‬‬
‫أعجب قيامك قعودك كان خطأ‪ .‬ولو قلت‪ :‬وافق قيامك‬
‫قعود زيد لصلح‪ .‬ومعناه أنهما قد اتفقا في وقت واحد‪ .‬فلو‬
‫أردت معنى الموافقة التي هي إعجاب لم يصلح إل في‬
‫الدميين‪.‬‬
‫وتقول‪ :‬اشتهى زيد شتما عمرو خالد‪ .‬كأنك قلت‪ :‬أن‬
‫يشتم عمرو خالدا‪.‬‬
‫وكذلك اللف واللم‪ ،‬فإن لم تنون‪ ،‬ولم تدخل ألفا ً ولمًا‪،‬‬
‫أضفت المصدر إلى السم الذي بعده‪ ،‬فاعل كان أو‬
‫مفعول‪ ،‬وجرى الذي بعده على الصل‪.‬‬
‫وقد فسرنا هذا فيما مضى في ذكرنا هذ الباب وتقول‪:‬‬
‫أعجبك ضرب زيد عمروا‪ ،‬إذا كان زيد فاعل‪ ،‬وضرب زيدٍ‬
‫عمرو إذا كان زيد مفعول‪ ،‬ونحوه وقال الشاعر‪:‬‬
‫قرع القواقيز أفـواه‬
‫أفنى تلدي وما‬
‫البـاريق‬
‫ب‬
‫جمعت من نش ٍ‬
‫التقدير‪ :‬أن قرعت القواقيز أفواه الباريق‪ ،‬وتنصب‬
‫الفواه إن جعلت القواقيز فاعل‪.‬‬
‫هذا باب نقول في مسائل طوال يمتحن بها المتعلمون‬

‫‪9‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ة درهما القائم في داره‬
‫طي َ‬
‫م المع ِ‬
‫الضار َ‬
‫م المكرِ َ‬
‫ب الشات َ‬
‫أخوك سوطا أكرم الكل طعامه غلمه زيد ٌ عمروا خالدٍ‬
‫بكرا عبد الله أخوك‪ ،‬نصبت الضارب بأكرم‪ ،‬وجعلت ما‬
‫بعد الضارب في صلته إلى قولك‪ :‬أكرم‪ .‬فصار اسما‬
‫واحدا‪ ،‬والفاعل هو الكل‪ ،‬وما بعده صلة له إلى ذكرك‬
‫السماء المفردة‪ .‬وهذه السماء المنصوبة بدل من‬
‫الضارب‪ ،‬والشاتم‪ ،‬والمكرم‪ .‬وخالدٍ المجرور بدل من‬
‫الهاء في غلمه والمرفوع بدل من أحد هؤلء الفاعلين‬
‫الذي ذكرتهم‪ .‬وتقديرها‪ :‬كأنك قلت‪ :‬أكرم الكل طعامه‬
‫غلمه الرجل الذي ضرب سوطا رجل شتم رجل أكرم‬
‫رجل أعطاه درهما رج ٌ‬
‫ل قام في داره أخوك‪.‬‬
‫ولو قلت‪ :‬أعجب ضرب زيدٍ غلمه خالدا ً عمرا ً بكرٍ لم‬
‫يجز‪ ،‬لقولك‪ :‬بكر وحده‪.‬‬
‫والمسألة ‪ -‬إذا حذفته منها ‪ -‬صحيحة‪ .‬وذلك لنك إذا قلت‪:‬‬
‫أعجب ضرب زيدٍ غلمه خالدا عمرا نصبت عمرا بأعجب‬
‫ونصبت خالدا فجعلته بدل من الغلم‪ ،‬فإن جئت ببكر‬
‫فجررته فإنما تجعله بدل ً من الهاء في غلمه والهاء هي‬
‫زيد‪ ،‬فقد أحلت حين جعلت زيدا بكرا‪ ،‬وفصلت بين الصلة‬
‫والموصول‪.‬‬
‫ولو قلت‪ :‬ظننت بناء الدار الساكنها المعجبه القائم عنده‬
‫الذاهب إليه أخواه معجبا بكرا كان جيدا‪ ،‬إذا جعلت معجبا‬
‫بكرا هو المفعول الثاني في ظننت‪ ،‬ولم تذكر الباني‪.‬‬
‫فإن ذكرت الباني جعلته اسما قبل المفعول الثاني‬
‫فرفعته‪ ،‬لن قولك الساكنها صفة للدار وما بعده داخل‬
‫في صلته‪ ،‬والصلة والموصول اسم واحد أل ترى أنك‬
‫تقول‪ :‬جاءني عبد الله‪ ،‬ورأيت زيدا‪ ،‬فإنما تذكر بعد جاءني‬
‫ورأيت اسما واحدا فاعل أو مفعول‪.‬‬
‫وتقول‪ :‬جاءني القائم إليه الشارب ماءه الساكن داره‬
‫الضارب أخاه زيد ٌ فالقائم إليه اسم واحد وهذا كله في‬
‫صلته‪.‬‬
‫وكذلك لو قلت‪ :‬جاءني الذي اللذان ضرباه القائمان إليك‬
‫كانت الذي جاءك واحدا‪ ،‬وهذا الكلم من صلته بمنزلة‬

‫‪10‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫قولك‪ :‬جاء الذي أبوه منطلق‪ ،‬وجاءني الذي أبوه غلمه‬
‫زيد ٌ إذا كان الغلم للب‪ ،‬فإنما الصلة موضحة عن‬
‫الموصول وفي هذه المسائل ما يدلك على جميع ما يرد‬
‫عليك في هذا الباب إن شاء الله‪.‬‬
‫وتقول‪ :‬ضربت زيدا أخا عمرو‪ ،‬فإن شئت جعلت أخا‬
‫عمرو صفة ؛ وإن شئت جعلته بدل‪.‬‬
‫وتقول‪ :‬ضربت أخاك زيدا‪ ،‬فل يكون زيد إل بدل‪ ،‬لنه اسم‬
‫علم‪ .‬وإنما الصفات تحلية الشيء ؛ نحو الظريف‪،‬‬
‫والطويل‪ ،‬وما أشبه ذلك مما أخذ من الفعل أو نسب‪ ،‬نحو‬
‫الفلني‪ ،‬والتميمي‪ ،‬والبكري‪ ،‬وما اعتوره شيء من هذين‬
‫المعنيين‪.‬‬
‫ة كان أو نكرةً مظهرا ً كان‬
‫والبدل يجوز في كل اسم معرف ً‬
‫أو مضمر إذا كان الول في المعنى أو كان بعضه‪.‬‬
‫فأما بدل المعرفة من المعرفة فكقولك‪ :‬مررت بأخيك‬
‫عبد الله‪.‬‬
‫ونظير بدل المعرفة من المعرفة نحو قول الله عز وجل‪:‬‬
‫" اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم "‪.‬‬
‫وبدل المعرفة من النكرة كقولك‪ :‬مررت برجل زيد‪ .‬كأنك‬
‫نحيت الرجل ووضعت زيدا مكانه‪ .‬فكأنك قلت‪ :‬مررت‬
‫بزيد‪ ،‬لن ذلك الرجل هو زيد في المعنى‪ :‬ونظير هذا قول‬
‫ط مستقيم صراط الله "‪.‬‬
‫الله " وإنك لتهدي إلى صرا ٍ‬
‫وبدل النكرة من المعرفة كقولك‪ :‬مررت بزيد رجل صالح‪،‬‬
‫وضعت الرجل في موضع زيد‪ ،‬لنه هو في المعنى‪ .‬ونظير‬
‫ة‬
‫هذا قول الله عز وجل‪ " :‬لنسفعنا بالناصية ناصيةٍ كاذب ٍ‬
‫"‪.‬‬
‫وأما بدل بعض الشيء منه للتبيين فنحو قولك‪ :‬ضربت‬
‫زيدا رأسه وجاءني قومك بعضهم أراد أن يبين الموضع‬
‫الذي وقع الضرب به منه‪ ،‬وأن يعلمك أن بعض القوم جاء‬
‫ل كلهم‪ .‬ومن ذلك قول الله عز وجل " ولله على الناس‬
‫حج البيت من استطاع إليه سبيل " لن فرض الحج إنما‬
‫وقع منهم على المستطيع‪.‬‬
‫وقد يجوز أن يبدل الشيء من الشيء إذا اشتمل عليه‬

‫‪11‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫معناه‪ ،‬لنه يقصد قصد الثاني‪ ،‬نحو قولك‪ :‬سلب زيد ٌ ثوبه‪،‬‬
‫لن معنى سلب‪ :‬أخذ ثوبه‪ ،‬فابدل منه لدخوله في المعنى‪.‬‬
‫ولو نصبت الثوب كان أجود إذا لم ترد البدل‪.‬‬
‫ومثل ذلك قول الله عز وجل " يسألونك عن الشهر‬
‫ل فيه "‪ ،‬لن المسألة وقعت عن القتال‪ .‬ومثل‬
‫الحرام قتا ٍ‬
‫ذلك قول العشى ينشد كما أصف لك‪:‬‬
‫ت ويسأم‬
‫ل‬
‫تقضي لبانا ٍ‬
‫لقد كان في حو ٍ‬
‫سـائم‬
‫ثواٍء ثويته‬
‫اراد‪ :‬لقد كان في ثواء حول‪ ،‬فأوقع الفعل على الحول‪،‬‬
‫وجعل ثواء بدل منه‪ ،‬كما أنه إذا قال‪ :‬ضربت زيدا رأسه‪،‬‬
‫إنما أراد‪ :‬ضربت رأس زيد‪ ،‬فأوقع الفعل وجعله بدل‪.‬‬
‫ت ويسأم‪.‬‬
‫ويروى‪ :‬تقضى لبانا ٌ‬
‫وللبدل موضع آخر وهو الذي يقال له‪ :‬بدل الغلط‪ .‬وذلك‬
‫قولك‪ .‬مررت برجل حماٍر‪ ،‬أراد أن يقول‪ :‬مررت بحمار‪،‬‬
‫فإما أن يكون غلط في قوله‪ :‬مررت برجل‪ ،‬فتدارك‪،‬‬
‫فوضع الذي جاء به وهو يزيده في موضعه‪ ،‬أو يكون كأنه‬
‫نسى‪ ،‬فذكر ‪.‬‬
‫فهذا البدل ل يكون مثله في قرآن ولشعر‪ ،‬ولكن إذا وقع‬
‫مثله في الكلم غلطا أو نسيانا‪ ،‬فهكذا إعرابه‪.‬‬
‫هذا باب ما كان لفظه مقلوبا ً‬
‫فحق ذلك أن يكون لفظه جاريا على ما قلب إليه‬
‫فمن ذلك قسى‪ ،‬وإنما وزنها ُفعول‪ ،‬وكان ينبغي أن‬
‫يكون ‪ ...‬قووس ؛ لن الواحد قوس وأدنى العدد فيه‬
‫أقواس والكثير قياس‪ ،‬كما تقول‪ :‬ثوب و أثواب و ثياب‪،‬‬
‫وسوط وأسواط وسياط‪ .‬و كذلك جميع هذا الباب الذي‬
‫موضع العين منه واو‪.‬‬
‫فأما قووس فجار على غير ما تجري عليه ذوات الواو ؛‬
‫نحو‪ :‬كعب وكعوب‪ ،‬وصقر وصقور‪ ،‬فكرهوا واوين بينهما‬
‫ضمة فقلبوا‪.‬‬
‫وكان حق فَْعل من غبر المعتل أن يكون أدنى العدد فيه‬
‫أ َفُْعل " ؛ كقولك‪ :‬كعب وأكعب‪ ،‬وكلب أكلب‪ ،‬وصقر‬
‫وأصقر‪ .‬فهذه العلة قلب إلى أ َفَْعال فقيل‪ :‬أبيات‪،‬‬

‫‪12‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وأثواب ‪.‬‬
‫إذ كان ذلك قد يكون في غير المعتل من فرخ وأفراخ‪.‬‬
‫وزند و أزناد‪ ،‬وجد وأجداد فإن احتاج إليه شاعر رده إلى‬
‫الصل كما قال‪:‬‬
‫لكل دهرٍ قد لبست أثوابا‬
‫فهذا نظير فُُعول في الواو‪.‬‬
‫ومن المقلوب قولهم أينق في جمع ناقة‪ .‬وكان أصل هذه‬
‫أنوق والعلة فيه كالعلة فيما وصفنا‪.‬‬
‫َ‬
‫فلو سميت بأنيق رجل لم تصرفه إل في نكرة ؛ لنه أفُْعل‬
‫على مثال أقتل‪.‬‬
‫ومن ذلك أ َ ْ‬
‫شَياُء في قول الخليل‪ :‬إنما هي عنده فَْعلُء‪.‬‬
‫وكان أصلها شيئاء يا فتى فكرهوا همزتين بينمها ألف‬
‫فقلبوا ؛ لنحو ما ذكرت لك من خطايا كراهة ألفين بينهما‬
‫همزة‪ ،‬بل كان هذا أبعد‪ ،‬فقلبوا فصارت اللم التي هي‬
‫همزة في أوله‪ ،‬فصار تقديره من الفعل‪ :‬ل َْفَعاء ولذلك لم‬
‫ينصرف‪ ،‬قال الله عز وجل‪ " :‬ل تسألوا عن أشياء إن‬
‫تبدلكم تسؤكم " ولو كان أ َْفعال ل تصرف كما ينصرف‬
‫أحياء وما أشبهه‪.‬‬
‫َ‬
‫وكان الخفش يقول‪ :‬أشياء أفِْعلُء يافتى‪ ،‬جمع عليها‬
‫محاء‪ ،‬وكلهما جمع لفِعيل ؛‬
‫ج ِ‬
‫فَْعل ؛ كما ُ‬
‫مع سمح على ُ‬
‫س َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫دقاُء‪،‬‬
‫ص ِ‬
‫كما تقول في نصيب‪ :‬أْنصباُء‪ :‬وفي صديق‪ :‬أح ْ‬
‫وفي كريم‪ :‬ك َُرماُء‪ ،‬وفي جليس‪ :‬جلساء‪ .‬فسمح وشيء‬
‫على مثال فَْعل فخرج إلى مثال َفعيل ‪.‬‬
‫قال المازني‪ :‬فقلت له‪ :‬كيف تصغرهن ? فقال‪ :‬أشياء‪.‬‬
‫م ترده إلى الواحد ? إنه أ َفِْعلُء فقد وجب‬
‫م لَ ْ‬
‫فسألته‪ :‬ل ِ َ‬
‫عليه فلم يأت بمقنع‪ .‬وهذا ترك قوله ؛ لنه إذا زعم‬
‫أنهأفعلء فقد وجب عليه أن يصغر الواحد ثم يجمعه‪،‬‬
‫فيقول في تصغير أشياء على مذهبه‪ُ :‬‬
‫شي َْيئات فاعلم‪،‬‬
‫ت ول يجب هذا على الخليل لنه إذا زعم أنه‬
‫تقدير‪ :‬فُعَْيل ُ‬
‫فَْعلُء فقد زعم أنه اسم واحد في معنى الجمع‪ ،‬بمنزلة‬
‫قوم‪ ،‬ونفر‪ ،‬فهذا إنما يجب عليه تصغيره في نفسه‪ .‬فقد‬
‫ثبت قول الخليل بحجة لزمة ‪.‬‬

‫‪13‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ومما يؤكد ذلك السماع‪ :‬قول الصمعي ‪ -‬فيما حدث به‬
‫علماؤنا ‪ :-‬أن أعرابيا ً سمع كلم خلف الحمر فقال‪ :‬يا‬
‫خَرج‬
‫م ْ‬
‫أحمر‪ ،‬إن عندك لشاوى فقلب الياء واوًا‪ ،‬وأخرجه ُ‬
‫صحراء وصحارى‪ ،‬فكل مقلوب فله لفظه ‪.‬‬
‫هذا باب اللفظ بالحروف‬
‫قال سيبويه‪ :‬خرج الخليل يوما ً على أصحابه فقال‪ :‬كيف‬
‫ب والدال من قد ْ وما أشبه ذلك من‬
‫تلفظون بالباء من ضر ْ‬
‫ميتم باسم‬
‫السواكن ? فقالوا‪ :‬با‪ ،‬دال‪ ،‬فقال‪ :‬إّنما س ّ‬
‫الحرف‪ ،‬ولم تلفظوا به‪ .‬فرجعوا في ذلك إليه فقال‪ :‬أرى‬
‫ب‪ ،‬ا ِد ْ‬
‫ إذا أردت اللفظ به ‪ :-‬أن أزيد ألف الوصل فأقول ا ِ ْ‬‫؛ لن العرب إذا أرادت البتداء بساكن زادت ألف الوصل‬
‫ب‪ُ ،‬اقت ْ‬
‫ل إذا لم يكن سبيل إلى أن تبتدي‬
‫فقالت‪ِ :‬اضر ْ‬
‫بساكن ‪.‬‬
‫حى ?‬
‫ض َ‬
‫ب والضاد من ُ‬
‫ضر َ‬
‫وقال‪ :‬كيف تلفظون بالباء من َ‬
‫فأجابوه كنحو جوابهم في الول فقال‪ :‬أرى ‪ -‬إذا لفظ‬
‫بالمتحرك ‪ -‬أن تزاد هاٌء لبيان الحركة كما قالوا‪ :‬ارمه "‬
‫ه وكذلك كل متحرك‪.‬‬
‫ه‪ُ ،‬‬
‫ض ْ‬
‫وما أدراك ماهيه " فأقول‪ :‬ب َ ْ‬
‫وبعد هذا ما ل يجوز في القياس غيره ‪.‬‬
‫فإن سميت بحرف من كلمة فإن في ذلك اختلفا ‪.‬‬
‫ضَرب فإن بعض النحويين كان يزيد‬
‫فإن سميت بالباء من َ‬
‫ٌ‬
‫ب فاعلم‪ .‬وهذا خطأ فاحش ؛‬
‫ألف الوصل فيقول‪ :‬هذا إ ٌ‬
‫وذلك أن ألف الوصل ل تدخل على شيٍء متحرك‪ ،‬ول‬
‫نصيب لها في الكلم ؛ إنما تدخل ليوصل بها إلى الساكن‬
‫الذي بعدها ؛ لنك ل تقدر أن تبتدئ بساكن‪ ،‬فإن كان قبلها‬
‫كلم سقطت ‪.‬‬
‫ب فاعلم فأرد موضع العين‬
‫وقال غيره‪ :‬أرى أن أقول‪ :‬ر ٌ‬
‫ب فقيل له‪ :‬أرأيت ما تثبت عينه ولمه‪ ،‬وفاؤه‬
‫من ضر َ‬
‫عدة‪،‬‬
‫محذوفة من غير المصادر التي فاؤها واو ؛ نحو‪ِ :‬‬
‫وِزنة ?‪.‬‬
‫فاعت ّ‬
‫ل بما قد وجد من غيرها وذلك قولهم‪ :‬ناس‬
‫المحذوف موضع الفاء ول نعلم غيره‪ .‬ويدلك على ذلك‬
‫التمام إذا قلت‪ :‬أناس‪ .‬فإنما هو ُفعال على وزن غراب‬

‫‪14‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫مشتق من أِنس‪ ،‬وإنسان فِْعلن وهذا واضح جدا ً ‪.‬‬
‫ب كما ترى فيحذف موضع العين كما‬
‫قال أبو الحسن‪ :‬ض ٌ‬
‫فعل في مذ ْ لن المحذوف في منذ موضع العين ‪.‬‬
‫ه إنما المحذوف التاء من أستاه قال الشاعر ‪:‬‬
‫وكذلك س ٌ‬
‫إ ُ‬
‫ن‬
‫اد ْعُ ُأحيحا ً باسمه ل‬
‫ن أحيحا ً هي ِ‬
‫صئ َْبا ُ‬
‫ِ ّ‬
‫ه‬
‫ه‬
‫ال ّ‬
‫تن َ‬
‫س ْ‬
‫سـ ْ‬
‫وقد قال أمير المؤمنين‪ :‬علي بن أبي طالب كرم الله‬
‫وجهه‪ " :‬العين وكاء السه " والقول الول لبي عثمان‬
‫ب فليرد‬
‫المازني‪ ،‬ثم رأى بعد ٌ إذا سمى بالباء من ضر َ‬
‫ب كما ترى‪ ،‬ول يحذف ؛ لنه إذا آثر‬
‫الكلم كله فيقول‪ :‬ضَر ٌ‬
‫أن يرد ّ رد ّ على غير علة ‪.‬‬
‫ولو سميت رجل ً ذو لقلت‪ :‬هذا ذّوا فاعلم ؛ لن أصله كان‬
‫فَعَ ً‬
‫ل‪ .‬يدلك على ذلك‪ :‬ذواتا‪ ،‬وقولك‪ :‬هما ذَوا مال ‪.‬‬
‫هذا باب ما يسمى به من الفعال المحذوفة والموقوفة‬
‫م فالحكاية‬
‫م أو إ ْ‬
‫م أق ْ‬
‫ن تق ْ‬
‫م أو لم َتق ْ‬
‫إذا سميت رجل ل ِت َُق ْ‬
‫لنه عامل ومعمول فيه إذا جئت بالعامل معه ‪.‬‬
‫َ‬
‫م أعربت فقلت‪:‬‬
‫م وليس معهما ل ْ‬
‫وإن سميته أِقم أو ت َُق ْ‬
‫َ‬
‫م فاعلم‪ ،‬وهذا تقوم فاعلم‪ ،‬ورأيت تقوم فاعلم ؛‬
‫هذا أقو َ‬
‫لنه ليس فيه فاعل‪ .‬ورددت الواو لنها حذفت في الفعل‬
‫للتقاء الساكنين فلما تحركت الميم رجعت ‪.‬‬
‫م على وزن فُْعل‪ ،‬وهذ‬
‫م أو بعْ قلت‪ :‬هذا قو ٌ‬
‫وإن سميته قُ ْ‬
‫ِبيعٌ على وزن ديك يافتى لن السماء ل تنجزم‪ .‬وإذا‬
‫تحركت أواخرها رد ّ ما حذف للتقاء الساكنين‪ .‬وإن سميته‬
‫َ‬
‫م قلت‪ :‬هذا أقيم قد جاء‪ .‬ل تصرفه للزيادة التي في‬
‫أقِ ْ‬
‫أوله ‪.‬‬
‫وإن سميته َرزيدا حكيته‪ .‬فإن حذفت زيدا وسميته بالِفْعل‬
‫وحده قلت‪ :‬هذا رأى مثل قفا‪ ،‬وعصا‪ ،‬ترد الهمزة وهي‬
‫عين الفعل وترد اللف‪ .‬لن السماء ل تنجزم ‪.‬‬
‫وهذه جمل تدل على أبوابها إن شاء الله ‪.‬‬
‫حدود التصريف ومعرفة أقسامه‬

‫‪15‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وما يقع فيه‪ ،‬من البدل‪ ،‬والزوائد‪ ،‬والحذف‪ ،‬ول بد من أن‬
‫يصدر بذكر شيء من البنية ؛ لتعرف الوزان‪ .‬وليعلم ما‬
‫يبنى من الكلم‪ ،‬وما يمتنع من ذلك ‪.‬‬
‫هذا باب ما يكون عليه الكلم بمعانيه‬
‫فأقل ما تكون عليه الكلمة حرف واحد‪ .‬ول يجوز لحرف‬
‫أن ينفصل بنفسه‪ .‬لنه مستحيل‪ .‬وذلك أنه ل يمكنك أن‬
‫تبتدئ إل بمتحرك‪ ،‬ول تقف إل على ساكن‪ .‬فلو قال لك‬
‫قائل‪ :‬الِفظ بحرف‪ ،‬لقد كان سألك أن تحيل ؛ لنك إذا‬
‫ابتدأت به ابتدْأت متحركًا‪ ،‬وإذا وقفت عليه وقفت ساكنًا‪،‬‬
‫فقد قال لك‪ :‬اجعل الحرف ساكنا ً متحركا ً في حال ‪.‬‬
‫ولكن سنذكر اللفظ بالحروف ساكنها ومتحركها في‬
‫موضعه‪ ،‬ليوصل إلى المتكلم به إن شاء الله فما كان‬
‫على حرف فل سبيل إلى التكلم به وحده‪.‬‬
‫فمما جاء على حرف مما هو اسم التاء في قمت إذا عنى‬
‫المتكلم نفسه‪ ،‬أو غيره من ذكر أو أنثى‪ ،‬إل أنها تقع له‬
‫ة ذكرا ً كان أو أنثى‪ ،‬ولغيره إذا كان ذكرا ً مفتوحة‪،‬‬
‫مضموم ً‬
‫وإن كانت أنثى مكسورة ‪.‬‬
‫والكاف من نحو‪ :‬ضربتك‪ ،‬ومررت بك‪ ،‬تنفتح للمذكر‪،‬‬
‫وتنكسر للمؤنث ‪.‬‬
‫والهاء في ضربته‪ ،‬ومررت به‪ ،‬ولها أحكام نبينها إن شاء‬
‫الله ‪.‬‬
‫وذلك أن أصل هذه الهاء أن تلحقها واو زائدة ؛ لن الهاء‬
‫خفية‪ .‬فتوصل بها الواو إذا وصلت‪ ،‬فإن وقفت لم تلحق‬
‫الواو لئل يكون الزائد كالصلي‪ .‬وذلك قولك‪ :‬رأيُتهو يا‬
‫فتى‪ ،‬ورأيَتهو يا فتى‪ ،‬فتلحق بعد المضموم والمفتوح ‪.‬‬
‫فإن كان قبلها كسرة جاز أن تتبعها واوا‪ ،‬أو ياء أيهما‬
‫شئت ‪.‬‬
‫أما الواو فعلى الصل الذي ذكرت لك‪ ،‬وأما الياء فلقرب‬
‫ة‬
‫الجوار‪ ،‬لن الضمة مستثقلة بعد الكسرة‪ ،‬والناس عام ً‬
‫للكسرة‪ ،‬والياء بعدها أكثر استعمال ً ‪.‬‬
‫ة فعلى المر الول فيها يقرأون "‬
‫فأما أهل الحجاز خاص ً‬
‫ض " لزموا الصل‪ .‬وهما في‬
‫فخسفنا ب ُِهو وبدارهو الر َ‬

‫‪16‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫القياس على ما وصفت لك‪.‬‬
‫فإن كانت هذه الهاء بعد واو‪ ،‬أو ياء ساكنتين‪ ،‬أو ألف‬
‫فالذي يختار حذف حرف اللين بعدها‪ :‬تقول‪ :‬عليه مال يا‬
‫فتى بكسر الهاء من أجل الياء التي قبلها كما فعلت ذلك‬
‫للكسرة‪.‬‬
‫ومن لزم اللغة الحجازية قال‪ :‬عليه ما ٌ‬
‫ل‪.‬‬
‫وتقول‪ :‬هذا أبوه فاعلم " فألقى موسى عصاه " ‪.‬‬
‫وإنما حذفت الياء‪ ،‬والواو‪ ،‬لن الهاء خفية‪ ،‬والحرف الذي‬
‫يلحقها ساكن‪ ،‬وقبلها حرف لين ساكن فكره الجمع بين‬
‫حرفي لين ساكنين ل يفصلهما إل حرف خفي ‪.‬‬
‫وإن شئت ألحقت الياء‪ .‬والواو على الصل‪ ،‬لن الهاء‬
‫حرف متحرك في الحقيقة‪ .‬وذلك قولك على قول العامة‪:‬‬
‫عليهى مال‪ ،‬وعلى قول أهل الحجاز‪ :‬عليهو مال " فألقى‬
‫عصاهو فإذا هي "‪ .‬وهذا أبوهو فاعلم ‪.‬‬
‫فإن كان قبل الهاء حرف ساكن من غير حروف المد‬
‫واللين فأنت مخير‪ :‬إن شئت أثبت‪ ،‬وإن شئت حذفت ‪.‬‬
‫أما الثبات فعلى ما وصفت لك‪ ،‬وأما الحذف‪ ،‬فلن الذي‬
‫قبل الهاء ساكن وبعدها ساكن وهي خفية‪ .‬فكرهوا أن‬
‫يجمعوا بينهما ؛ كما كرهوا الجمع بين الساكنين‪ .‬وذلك‬
‫ت " وإن شئت قلت " منهو‬
‫ت محكما ٌ‬
‫قولك‪ " :‬منه آيا ٌ‬
‫اآيات "‪ ،‬وعنهو أخذت‪ .‬فهذا جملة هذا ‪.‬‬
‫واعلم أن الشاعر إذا احتاج إلى الوزن وقبل الهاء جرف‬
‫متحرك‪ ،‬حذف الياء والواو اللتين‪ .‬بعد الهاء ؛ إذ لم يكونا‬
‫من أصل الكلمة‪ .‬فمن ذلك قوله ‪:‬‬
‫ني ُ‬
‫سَأجعَ ُ‬
‫ل عي ْن َْيهي‬
‫سمينا‬
‫فإ ْ‬
‫َ‬
‫ك غَث ًّا‪ ،‬أو َ‬
‫لنفسهِ مْقن ََعا‬
‫فإن ِّني‬
‫وقال آخر ‪:‬‬
‫ما حج ربه في الدنيا‬
‫أو معبر الظهر ينبي‬
‫ول اعتمرا‬
‫عن وليتـه‬
‫وقال آخر ‪:‬‬
‫من الريح فض ٌ‬
‫لل‬
‫وما له من مجد تلـيد‪،‬‬
‫الجنوب ول الصبا‬
‫ومـا لـهـو‬

‫‪17‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وأشد من هذا في الضرورة أن يحذف الحركة كما قال ‪:‬‬
‫ومطواي مشتاقان له‬
‫فظلت لدى البيت‬
‫أرقـان‬
‫العتيق أريغه‬
‫فأما ما كان من هذه الحروف التي جاءت لمعان‪ ،‬فهي‬
‫منفصلة بأنفسها مما بعدها وقبلها‪ ،‬إل أن الكلم بها‬
‫منفردة محا ٌ‬
‫ل‪ ،‬كما وصفت لك‪ .‬فإن منها‪ :‬كاف التشبيه‬
‫التي في قولك‪ :‬أنت كزيد‪ ،‬ومعناه‪ :‬مثل زيد ‪ ،‬واللم التي‬
‫تسمى لم الملك ؛ نحو هذا لعبد الله ولك‪ .‬تكون مكسورة‬
‫مع الظاهر‪ ،‬ومفتوحة مع المضمر‪ :‬لعلة قد ذكرت في‬
‫موضعها ‪.‬‬
‫وهي التي في قولك‪ :‬جئت لكرمك ؛ لن الفعل انتصب‬
‫بإضمار أن‪ ،‬و أن والفعل مصدر‪ .‬فقد صار المعنى جئت‬
‫لكرامك ‪.‬‬
‫ومنها الباء التي تكون لللصاق‪ ،‬والستعانة ‪.‬‬
‫فأما اللصاق فقولك مررت بزيد‪ ،‬وألممت بك‪ ،‬وأما‬
‫الستعانة فقولك‪ :‬كتبت بالقلم‪ ،‬وعمل النجار بالقدوم ‪.‬‬
‫ومنها واو القسم التي تكون بدل ً من الباء ؛ لنك إذا قلت‪:‬‬
‫بالله لفعلن فمعناه‪ :‬أحلف بالله‪ .‬فإذا قلت‪ :‬والله لفعلن‬
‫فذلك معناه ؛ لن مخرج الباء‪ ،‬والواو من الشفة ‪.‬‬
‫ومن ذلك الكاف التي تلحق آخر الكلم ل موضع لها‪ ،‬نحو‬
‫كاف ذاك‪ ،‬ورويدك و" أرأيتك هذا الذي كرمت علي " ‪.‬‬
‫وقولهم‪ :‬أبصرك زيدا ‪.‬‬
‫وهذه الحروف كثيرة إل أنا نذكر منها شيئا ً يدل على‬
‫سائرها ‪.‬‬
‫هذا من باب‬
‫ما جاء من الكلم على حرفين‬
‫ن وهي لمن يعقل تكون في الخبر‪،‬‬
‫فمن ذلك َ‬
‫م ْ‬
‫والستفهام‪ ،‬والمجازاة ‪.‬‬
‫ة‪ .‬فإذا كانت معرفة لزمتها‬
‫ة‪ ،‬ونكر ٌ‬
‫وتكون في الخبر معرف ً‬
‫الصلة‪ ،‬كما تلزم الذي ‪.‬‬
‫وإذا كانت نكرة لزمها النعت لبهامها ‪.‬‬
‫ن ضربك ? ومن‬
‫فأما كونها في الستفهام فكقولك‪َ :‬‬
‫م ْ‬

‫‪18‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫أخوك ? وأما المجازة فقولك‪ :‬من يأتني آته ‪.‬‬
‫وأما في الخبر فرأيت من عندك ‪.‬‬
‫وأما كونها نكرة ً فقولك‪ :‬مررت بمن صالح كما قال ‪:‬‬
‫رحن على بغضائه‬
‫ب من يبغض‬
‫يا ُر ّ‬
‫واغتدين‬
‫أذوادنـا‬
‫أل ترى أنها في جميع هذا واقعة على الدميين ‪.‬‬
‫ومنها ما وهي سؤال عن ذات غير الدميين‪ ،‬وعن صفات‬
‫الدميين ‪.‬‬
‫وتقع في جميع مواضع من‪ ،‬وإن كان معناها ما وصفت‬
‫لك‪.‬‬
‫وذلك قولك في الستفهام‪ :‬ما عندك ? فليس جواب هذا‬
‫أن تقول‪ :‬زيد‪ ،‬أو عمرو‪ ،‬وإنما جوابه أن تخبر بما شئت‬
‫من غير الدميين‪ ،‬إل أن تقول‪ :‬رجل فتخرجه إلى باب‬
‫الجناس‪.‬‬
‫ويكون سؤال ً عن جنس الدميين إذا دخل في الجناس‪ ،‬أو‬
‫تجعل الصفة في موضع الموصوف كما تقول‪ :‬مررت‬
‫بعاقل‪ .‬ومررت بحليم‪ ،‬فإن ما على هذه الشريطة ‪ -‬تقع‬
‫على الدميين لبهامها‪ .‬قال الله عز وجل " إل على‬
‫أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم "‪ .‬ف ما ههنا للدميين‪،‬‬
‫وكذلك تقول‪ :‬رأيت ما عندك بمعنى الذي ‪.‬‬
‫وتقول‪ :‬ما تصنع أصنع على المجازة‪ .‬وقد قيل في قوله‬
‫عز وجل‪ ،‬معناه‪ :‬أو ملك أيمانهم‪ ،‬وكذا قيل في قوله عز‬
‫وجل‪ " :‬والسماء وما بناها " أي وبنائها‪ ،‬وقالوا‪ :‬والذي‬
‫بناها ‪.‬‬
‫وأما وقوعها نكرةٌ فقوله‪:‬‬
‫ة كحل‬
‫ب ما تكره النفوس من المر له فرج ٌ‬
‫ُر ّ‬
‫العقال‬
‫واعلم أنه ل يكون اسم على حرفين إل وقد سقط منه‬
‫حرف ثالث‪ ،‬يبين لك ذاك التصغير والجمع ‪.‬‬
‫فالسماء على أصول ثلثة بغير زيادة‪ :‬على ثلثة‪ ،‬وأربعة‪،‬‬
‫وخمسة ‪.‬‬
‫والفعال على أصلين‪ :‬على ثلثة‪ ،‬وأربعة‪ ،‬ونذكر هذا في‬

‫‪19‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫موضعه ‪.‬‬
‫ومما جاء على حرفين من الحروف التي جاءت لمعنى‬
‫والسماء الداخلة على هذه الحروف قولهم قَد ْ ‪.‬‬
‫سب ؛ نحو قوله‪:‬‬
‫وهي تكون اسما إذا كانت في موضع َ‬
‫ح ْ‬
‫َ‬
‫د‪ ،‬ونحو قولك‪ :‬قدك من هذا‪ :‬أي حسبك ‪.‬‬
‫ن قَ ْ‬
‫كأ ْ‬
‫وتكون حرفا ً جاء لمعنى‪ .‬فإذا كانت كذلك فلها موضعان‬
‫من الكلم ‪ :‬أحدهما‪ :‬أن تكون لقوم يتوقعون الخبر ؛ نحو‬
‫قولك‪ :‬ها جاء زيد ? فيقول لك‪ :‬قد جاء ‪.‬‬
‫وتقول‪ :‬لما يأت فيقول لك‪ :‬قد أتى ‪.‬‬
‫وتكون في موضع ربما كقوله ‪:‬‬
‫كأن أثوابه مجت‬
‫قد أترك القرن‬
‫بفرصـاد‬
‫مصفرا ً أنامله‬
‫وقوله ‪:‬‬
‫ب في‬
‫وقد أقود أمام الخيل‬
‫يهدي لها نس ٌ‬
‫الحي معلوم‬
‫ة‬
‫سـلـهـب ً‬
‫ومنها هَ ْ‬
‫ل وهي للستفهام ؛ نحو قولك‪ :‬هل جاء زيد ?‬
‫وتكون بمنزلة قد في قوله عز وجل " هل أتى على‬
‫ن من الدهر " ؛ لنها تخرج عن حد الستفهام‪،‬‬
‫النسان حي ٌ‬
‫تدخل عليها حروف الستفهام ؛ نحو قولك‪ :‬أم هل‬
‫فعلت ? وإن احتاج الشاعر إلى أن يلزمها اللف فعَ َ‬
‫ل كما‬
‫قال ‪:‬‬
‫سائل فوارس يربوٍع أهل رأونا بسفح القف‬
‫ذي الكم‬
‫بشـدتـنـا‬
‫ن وأصلها ابتداء الغاية ؛ نحو سرت من مكة إلى‬
‫ومنها ِ‬
‫م ْ‬
‫المدينة‪ .‬وفي الكتاب‪ :‬من فلن إلى فلن فمعناه‪ :‬أن‬
‫ابتداءه من فلن‪ ،‬ومحله فلن ‪.‬‬
‫وكونها في التبعيض راجعٌ إلى هذا‪ .‬وذاك أنك تقول‪ :‬أخذت‬
‫مال زيد‪ ،‬فإذا أردت البعض قلت‪ :‬أخذت من ماله‪ ،‬فإنما‬
‫رجعت بها إلى ابتداء الغاية ‪.‬‬
‫وقولك‪ :‬زيد أفضل من عمرو إنما جعلت غاية تفضيله‬
‫عمرا‪ .‬فإذا عرفت فضل عمرو علمت أنه فوقه ‪.‬‬
‫وأما قولهم‪ .‬إنها تكون زائدة فلست أرى هذا كما قالوا‪.‬‬

‫‪20‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وذاك أن كل كلمة إذا وقعت وقع معها معنى فإنما حدثت‬
‫لذلك المعنى‪ ،‬وليست بزائدة‪ .‬فذلك قولهم‪ :‬ما جاءني من‬
‫أحد‪ ،‬وما رأيت من رجل‪ .‬فذكروا أنها زائدة‪ .‬وأن المعنى‪:‬‬
‫ما رأيت رج ً‬
‫ل‪ ،‬وما جاءني أحد‪ ،‬وليس كما قالوا وذلك ؛‬
‫لنها إذا لم تدخل جاز أن يقع النفي بواحد دون سائر‬
‫جنسه تقول‪ :‬ما جاءني رجل‪ ،‬وما جاءني عبد الله‪ .‬إنما‬
‫نفيت مجيء واحد ؛ وإذا قلت‪ :‬ما جاءني من رجل فقد‬
‫نفيت الجنس كله‪ ،‬أل ترى أنك لو قلت‪ :‬ما جاءني من عبد‬
‫الله لم يجز‪ ،‬لن عبد الله معرفة‪ ،‬فإنما موضعه موضع‬
‫واحد ‪.‬‬
‫ومنها قَ ْ‬
‫ط ومعناها حسب وهي اسم وقولك‪ :‬قطك في‬
‫معنى قولك‪ :‬حسبك ‪.‬‬
‫ومن هذه الحروف في معناها‪ :‬ما استوعاه الوعاء ؛ نحو‬
‫قولك‪ :‬الناس في مكان كذا‪ ،‬وفلن في الدار‪.‬‬
‫فأما قولهم‪ :‬فيه عيبان فمشتق من ذا‪ ،‬لنه جعله كوعاء‬
‫للعيبين‪ .‬والكلم يكون له أصل ثم يتسع فيه فيما شاكل‬
‫أصله‪ .‬فمن ذلك قولهم‪ :‬زيد على الجبل‪ .‬وتقول عليه‬
‫دين‪ ،‬فإنما أرادوا أن الدين قد ركبه وقد قهره‪.‬‬
‫وقد يكون اللفظ واحدا ويدل على اسم‪ ،‬وِفعل ؛ نحو‬
‫قولك‪ :‬زيد على الجبل يا فتى‪ ،‬وزيد عل الجبل‪ .‬فيكون عل‬
‫فِعْ َ‬
‫ل‪ ،‬ويكون حرفا خافضا‪ ،‬والمعنى قريب ‪.‬‬
‫ومن كلمهم اختلف اللفظين لختلف المعنين‪ ،‬واختلف‬
‫اللفظين والمعنى واحد‪ ،‬واتفاق اللفظين واختلف‬
‫المعنيين‪ ،‬فأما اختلف اللفظين لختلف المعنيين فهو‬
‫الباب‪ ،‬نحو قولك‪ :‬قام‪ ،‬وجلس‪ ،‬وذهب‪ ،‬وجاء‪ ،‬وجمل‪،‬‬
‫وجبل ‪.‬‬
‫وأما اختلف اللفظين والمعنى واحد ؛ فنحو جلس وقعد‪،‬‬
‫وقولك‪ :‬بٌر وحنطة‪ ،‬وذراع وساعد اتفاق اللفظين واختلف‬
‫المعنيين فقولك‪ .‬ضربت مثل‪ ،‬وضربت زيدا‪ ،‬وضربت في‬
‫الرض‪ ،‬إذا أبعدت‪.‬‬
‫وكذلك وجدت تكون من وجدان الظالة‪ ،‬وتكون في معنى‬
‫علمت ؛ كقولك وجدت زيدا كريما‪ ،‬وفي معنى الموجدة‪،‬‬

‫‪21‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫نحو وجدت على زيد‪.‬‬
‫فهذا عارض في الكتاب ثم نعود إلى الباب‪.‬‬
‫م وهي نفي للفعل الماضي‪ .‬ووقوعها على‬
‫ومنها ل َ ْ‬
‫المستقبل من أجل أنها عاملة‪ ،‬وعملها الجزم‪ ،‬ول جزم إل‬
‫لمعرب‪ .‬وذلك قولك‪ :‬قد فعل‪ ،‬فتقول مكذبا‪ :‬لم يفع ْ‬
‫ل؛‬
‫فإنما نفيت أن يكون فََعل فيما مضى‪.‬‬
‫والحروف تدخل على الفعال فتنقلها ؛ نحو قولك‪ :‬ذهب‬
‫ومضى فتخبر عما سلف‪ ،‬فإن اتصلت هذه الفعال‬
‫بحروف الجزاء نقلتها إلى ما لم يقع‪ ،‬نحو‪ :‬إن جئتني‬
‫أكرمتك‪ ،‬وإن أكرمتني أعطيتك فإنما معناه‪ :‬إن تكرمني‬
‫أعطك ‪.‬‬
‫ة‬
‫ن وإنما تقع على الفعال نافي ً‬
‫ومن هذه الحروف ل َ ْ‬
‫لقولك‪ :‬سيفعل‪ ،‬لنك إذا قلت‪ :‬هو يفعل جاز أن تخبر به‬
‫عن فِْعل في الحال‪ ،‬وعما لم يقع‪ ،‬نحو هو يصلي‪ ،‬أي هو‬
‫في حال صلة‪ ،‬وهو يصلي غدا‪ .‬فإذا قلت‪ :‬سيفعل‪ ،‬أو‬
‫سوف يفعل فقد أخلصت الفعل لما لم يقع‪ ،‬فإذا قلت‪ :‬لن‬
‫يفعل فهو نفي لقوله‪ :‬سيفعل ؛ كما أن قولك‪ :‬ما يفعل‬
‫نفي لقوله‪ :‬هو يفعل‪.‬‬
‫ومنها ل وموضعها من الكلم النفي‪ .‬فإذا وقعت على فِْعل‬
‫نفته مستقبل‪ .‬وذلك قولك‪ :‬ل يقوم زيد‪ ،‬وحق نفيها لما‬
‫وقع موجبا بالقسم‪ ،‬كقولك‪ :‬ليقومن زيد فتقول‪ :‬ليقوم يا‬
‫فتى‪ .‬كأنك قلت‪ :‬والله ليقومن فقال المجيب‪ :‬والله ل‬
‫يقوم وإذا وقعت على اسم نفته من موضعه ؛ كقولك‪:‬‬
‫لرجل في الدار‪ ،‬ول زيد ٌ في الدار ول عمرٌو‪ ،‬ويفرد لهذا‬
‫الباب يستقصى فيه إن شاء الله‪.‬‬
‫ولوقوعها زائدة ً في مثل قوله " لئل يعلم أهل الكتاب أن‬
‫ليقدرون على شيء " أي ليعلم كما قال الراجز‪:‬‬
‫لما رأين الشمط‬
‫وما ألوم البيض أل‬
‫القفندرا‬
‫تسخرا‬
‫ن لها‬
‫ن‪ :‬فمن ذلك َ‬
‫م ْ‬
‫ومن الحروف ما يستجمع منه معا ٍ‬
‫أربعة مواضع كما ذكرت لك‪.‬‬
‫ومن ذلك ما لها خمسة مواضع‪ :‬تكون جزاًء في قولك‪ :‬ما‬

‫‪22‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫تصنع أصنع‪.‬‬
‫وتكون استفهاما لقولك‪ :‬ما صنعت ?‬
‫وتكون بمنزلة الذي في قولك‪ :‬أرأيت ما عندنا ?‪ :‬إل أنها‬
‫في هذه المواضع اسم‪ ،‬ووقوعها على ذات غير الدميين‬
‫نحو قولك ‪ -‬إذا قال ماعندك ? فرس‪ ،‬أو حمار‪ ،‬أو مال‪ ،‬أو‬
‫بر‪ ،‬وليس جواب قوله‪ :‬ما عندك ? زيد‪ ،‬ول عمرو‪ .‬وقد‬
‫خبرتك بعمومها في قوله " إل على أزواجهم أو ما ملكت‬
‫أيمانهم " وأما وقوعها لصفات الدميين فكقولهم‪ :‬ما‬
‫زيد ? فيقول‪ :‬شريف‪ ،‬أو وضيع‪.‬‬
‫ولها موضعان تقع تقع فيهما وليست باسم‪ ،‬إنما هي فيهما‬
‫حرك‪ :‬فأحدهما‪ :‬النفي‪ ،‬نحو قولك‪ :‬ما زيد في الدار‪ ،‬وما‬
‫يقوم زيد‪.‬‬
‫والموضع الخر هي فيه زائدة مؤكدة ليخل طرحها‬
‫بالمعنى‪ ،‬كقول الله عز وجل " فبمارحمة " وكذلك " فبما‬
‫نقضهم ميثاقهم "‪.‬‬
‫ن أن الخفيفة لها‬
‫ومن الحروف التي يستجمع لها معا ٍ‬
‫أربعة مواضع‪ :‬فمن ذلك الموضع الذي تنصب فيه الفعل‪،‬‬
‫فمعناها‪ :‬أنها والفعل في معنى المصدر‪ .‬وذلك قولك‪:‬‬
‫يسرني أن تذهب غدا ً ومع الفعل الماضي لما فرط نحو‬
‫أن تقوم يا فتى‪ .‬معناه‪ :‬يسرني قيامك‪ ،‬وأريد أن تذهب يا‬
‫فتى‪ .‬إنما هو‪ :‬أريد ذهابك‪ .‬ول يقع في الحال‪ .‬إنما يقع مع‬
‫الفعل المستقبل لما بعد‪ ،‬نحو يسرني أن ذهبت‪ ،‬وأن‬
‫كلمت زيدا‪ ،‬لن معناه ما مضى‪.‬‬
‫وتكون مخففة من الثقيلة‪ ،‬نحو قولك علمت أن زيد ٌ خيٌر‬
‫من عمرو‪ ،‬ومعناه‪ :‬علمت أن زيدا خيٌر من عمرو‪.‬‬
‫ة‪ .‬وبين أن المخففة من الثقيلة أن‬
‫والفصل بين أن خفيف ً‬
‫ة أو متوقعة ؛ نحو‬
‫ة‪ ،‬إنما تقع مطلوب ً‬
‫الخفيفة ل تقع ثابت ً‬
‫أرجو أن تذهب‪ ،‬وأخاف أن تقوم‪ .‬فإذا وقعت مخففة من‬
‫ة على معنى الثقيلة ؛ نحو أعلم أن‬
‫الثقيلة وقعت ثابت ٌ‬
‫ستقوم‪ ،‬على معنى قولك‪ :‬أنك ستقوم‪ .‬ول يصلح‪ :‬أرجو‬
‫أنك ستقوم‪ ،‬لنه لم يستقر عنده‪ ،‬لن الثقيلة إنما تدخل‬
‫على ابتداٍء مستقر‪.‬‬

‫‪23‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫فأما ظننت فإن الثقيلة‪ ،‬والخفيفة يجوزان بعدها تقول‪:‬‬
‫طننت أنك منطلق‪ ،‬تخبر أن هذا قد استقر في ظنك ؛ كما‬
‫استقر الول في علمك‪.‬‬
‫ويجوز للتشكك أن تقع على الخفيفة‪ ،‬لنها ترجع إلى‬
‫معنى أرجو‪ :‬وأخاف‪ .‬ومن ذلك قول الله عز وجل " تظن‬
‫بأن يفعل بها فاقرةٌ "‪.:‬‬
‫وتقع أن في موضع أي الخفيفة للعبارة والتفسير كقوله‬
‫عز وجل‪ " :‬وانطلق المل منهم أن امشوا واصبروا على‬
‫آلهتكم "‪ .‬معناه أي امشوا‪ .‬ول تقع إل بعد كلم تام ؛ لنه‬
‫إنما يفسر بعد تمامه‪.‬‬
‫وتقع زائدةً توكيدا كقولك‪ :‬لما أن جاء ذهبت‪ .‬والله أن لو‬
‫فعلت لفعلت‪ .‬فإن حذفت لم تخلل بالمعنى‪ .‬فهذه أربعة‬
‫أوجه‪ :‬وكذلك المكسورة تقع على أربعة أوجه‪ :‬فمنهم‬
‫الجزاء ؛ نحو إن تأتني آتك‪.‬‬
‫ومنهم أن تكون في معنى ما‪ ،‬نحو إن زيد في الدار‪ :‬أي‬
‫ما زيد في الدار‪.‬‬
‫وقال الله عز وجل " إن الكافرون إل في غرور " وقال "‬
‫إن يقولون إل كذبا "‪.‬‬
‫وتكون مخففة من الثقيلة‪ .‬فإذا كانت كذلك لزمتها اللم‬
‫في خبرها لئل تلتبس بالنافية‪ .‬وذلك قولك‪ :‬إن زيد ٌ‬
‫ق‪.‬‬
‫لمنطل ٌ‬
‫وقال الله عز وجل " إن كل نفس لما عليها حاف ٌ‬
‫ظ "‪.‬‬
‫ٍ‬
‫فإن نصبت بها لم تحتج إلى اللم ؛ نحو إن زيدا منطلق ؛‬
‫لن النصب قد أبان‪ .‬وجاز النصب بها إذا كانت مخففة من‬
‫الثقيلة‪ ،‬وكانت الثقيلة إنما نصبت لشبهها بالفعل‪ ،‬فلما‬
‫حذف منها صار كفعل محذوف‪ ،‬فعمل الفعل واحد ٌ وإن‬
‫حذف منك كقولك‪ :‬لم يك زيد منطلقا وكقولك‪ :‬ع كلما‪.‬‬
‫وأما الذين رفعوا بها فقالوا‪ :‬إنما أشبهت الفعل باللفظ‪ ،‬ل‬
‫في المعنى‪ .‬فلما نقصت عن ذاك اللفظ الذي به أشبهت‬
‫الفعل رجع الكلم إلى أصله ؛ لن موضع إن البتداء ؛ أل‬
‫ترى أن قولك‪ :‬إن زيدا لمنطلق إنما هو زيد منطلق في‬
‫المعنى‪ .‬ولما بطل عملها عاد الكلم إلى البتداء‪،‬‬

‫‪24‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫فبالبتداء رفعته ل بإن ؛ وما بعده خبره‪ .‬وهذا القول الثاني‬
‫هو المختار‪.‬‬
‫وليس كذا كأن إذا خففت‪ ،‬لنك إذا قلت‪ :‬كأن تشبه‪ .‬فإذا‬
‫خففت فذلك المعنى تريد‪.‬‬
‫وقولك لكن في منزلة إن في تخفيفها وتثقيلها في النصب‬
‫و الرفع وما يختار فيهما ؛ لنها على البتداء داخلة‪.‬‬
‫ وتكون إن زائدة في قولك‪ :‬ما إن زيد منطلق فيمتنع ما‬‫بها من النصب الذي كان في قولك‪ :‬ما زيد منطلقا ‪ ..‬كما‬
‫يمتنع إن الثقيلة بها من النصب في قولك‪ :‬إنما زيد أخوك‪.‬‬
‫فمن ذلك قوله ‪:‬‬
‫ن‬
‫فما إن طبنا جب ٌ‬
‫منايانا ودولة آخرينـا‬
‫ولكن‬
‫فقد ذكرنا من الحروف والسماء التي تقع على حرفين ما‬
‫فيه دليل على تأويل ما كان مثله مما لم نذكره إن شاء‬
‫الله ‪.‬‬
‫ونذكر من اليات التي على ثلثة أحرف ما يدل على ما‬
‫بعده ‪.‬‬
‫عْند ومعناها الحضرة ؛ نحو قولك‪ :‬زيد عندك‪.‬‬
‫من ذلك ِ‬
‫عْلم‪ ،‬أو عنده مال‪ :‬أي له مال وإن‬
‫فإن قلت‪ :‬عند فلن ِ‬
‫لم يكن بحضرته‪ ،‬فإنما أصله هذا‪ ،‬وإن اتسع ؛ كما تقول‪:‬‬
‫ب‪ ،‬فهذا صحيح‪ .‬فإن قلت‪ :‬عليه ما ٌ‬
‫ل‪،‬‬
‫على زيد ثو ٌ‬
‫فتمثيل ؛ لنه قد ركبه ‪.‬‬
‫ن وهي اسم فمعناها عند‪ .‬يدلك‬
‫ومن هذه الحروف ل َد ُ ْ‬
‫على أنه اسم دخول اللت كقولك‪ :‬من لدنك ؛ كما تقول‪:‬‬
‫من عندك ‪.‬‬
‫ومنها أيان وأصله الثلثة وإن ‪ -‬زادت حروفه‪ .‬ومعناه‪:‬‬
‫متى‪ ،‬كقوله عز وجل " يسأل أيان يوم القيامة "‪.‬‬
‫فهذه الحروف تفتح لك ما كان من هذه اللت ‪.‬‬
‫هذا باب البنية ومعرفة حروف الزوائد‬
‫اعلم أن السماء التي ل زيادة فيها تكون على ثلثة‬
‫أجناس‪ :‬تكون على ثلثة أحرف‪ ،‬وعلى أربعة‪ ،‬وعلى‬
‫خمسة‪ ،‬ول زيادة في شيٍء من ذلك‪ .‬ونحن مفسروه‬

‫‪25‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫بأقسامه وأوزانه‪ ،‬وذاكرون ما يلحقه من الزوائد بعد‬
‫الفراغ من الصول‪ ،‬وكم مبلغ عدده من الزوائد ? فأما‬
‫الفعال فتكون على ضربين‪ :‬تكون على ثلثة أحرف‪،‬‬
‫وعلى أربعة أحرف بل زوائد‪ ،‬ثم تلحقها الزوائد‪ .‬وسنخبر‬
‫عن ذلك‪ ،‬وعن امتناعها أن تكون خمسة ؛ كما كانت‬
‫السماء‪ ،‬ونخبر عما وقع من السماء والفعال على‬
‫حرفين ما الذاهب منه ? ولم ذهب ? إن شاء الله ‪.‬‬
‫فأول البنية ما كان ‪ -‬من السماء على ثلثة أحرف‪،‬‬
‫والحرف الوسط منه‪ .‬ساكن‪.‬‬
‫ل يكون اسم غير محذوف على أقل من ذلك‪ .‬وذلك أنه‬
‫لبد لك من تحريك الول ؛ لنك ل تبتدئ بساكن‪ ،‬ويتحرك‬
‫الخر‪ ،‬لنه حرف العراب ‪.‬‬
‫ل‪ ،‬وهو يكون اسما ً ونعتا ً ‪.‬‬
‫فأول ذلك ما كان على فَعْ ٍ‬
‫فالسم نحو‪ :‬بكر‪ ،‬وكعب‪ ،‬والنعت قولك‪ :‬ضخم‪ ،‬وجزل ‪.‬‬
‫ج ْ‬
‫جل‪ ،‬والنعت‬
‫ذع‪ ،‬و ِ‬
‫ع ْ‬
‫ويكون على فِْعل فيهما‪ .‬فالسم‪ِ :‬‬
‫ضو ْ ‪.‬‬
‫ن ِْقض‪ ،‬ون ِ‬
‫ل فيهما‪ .‬فالسم خرج‪ ،‬وقفل‪ .‬والنعت مر‪،‬‬
‫ويكون على فُعْ ٍ‬
‫وحلو ‪.‬‬
‫ل فيهما‪ .‬فالسم جمل‪ ،‬وجبل‪ .‬والنعت‬
‫ويكون على فَعَ ٍ‬
‫بطل‪ ،‬وحسن ‪.‬‬
‫ل فيهما‪ .‬فالسم فخذ‪ ،‬وكتف‪ .‬والنعت‬
‫ويكون على فَعِ ٍ‬
‫فرح‪ ،‬وحذر ‪.‬‬
‫ل فيهما‪ .‬فالسم‪ :‬رجل‪ ،‬وعضد‪ ،‬والنعت‬
‫ويكون على فَعُ ٍ‬
‫حذر‪ ،‬وندس ‪.‬‬
‫ل فيهما‪ .‬فالسم نحو‪ :‬طنب‪ ،‬وعنق‪،‬‬
‫ويكون على فُعُ ٍ‬
‫والنعت جنب‪ ،‬وشلل ‪.‬‬
‫ل فيهما‪ .‬فالسم ضلع‪ ،‬وعنب‪ .‬والنعت‪،‬‬
‫ويكون على فِعَ ٍ‬
‫عدى‪ ،‬وقيم ‪.‬‬
‫ل في السم‪ .‬ولم يأت ثبتا إل في حرفين‪:‬‬
‫ويكون على فِعِ ٍ‬
‫وهما إبل‪ ،‬وإطل ‪.‬‬
‫ل اسمًا‪ ،‬ونعتًا‪ .‬فالسم صرد‪ ،‬ونغر‪ .‬والنعت‬
‫ويكون على فُعُ ٍ‬
‫حطم‪ ،‬ولبد‪ ،‬وكتع‪ ،‬وخضع قال ‪:‬‬

‫‪26‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ق حطم‬
‫قد لفها الليل بسوا ٍ‬
‫وقال الله عز وجل " أهلكت مال ً لبدا " ‪.‬‬
‫ول يكون في الكلم فعل في اسم‪ ،‬ول فِْعل ‪.‬‬
‫ول يكون في السماء شيٌء على فُِعل ‪ :‬فهذا جميع بناءات‬
‫الثلثة بغير زوائد ‪.‬‬
‫ونذكر الزوائد‪ ،‬والبدل‪ ،‬ثم نرجع إلى بناءات الربعة إن‬
‫شاء الله ‪.‬‬
‫هذا باب معرفة الزوائد ومواضيعها‬
‫وهي عشرة أحرف‪ :‬اللف‪ ،‬والياء‪ ،‬والواو‪ ،‬والهمزة‪ ،‬والتاء‪،‬‬
‫والنون‪ ،‬والسين‪ ،‬والهاء‪ ،‬واللم‪ ،‬والميم ‪.‬‬
‫فأما اللف فإنها ل تكون أصل ً في اسم ول فعل‪ ،‬إنما‬
‫تكون زائدة‪ ،‬أو بد ً‬
‫ل‪ .‬ول تكون أبدا ً إل ساكنة‪ .‬ول يكون ما‬
‫قبلها أبدا ً إل منها‪ :‬أي إل مفتوحا ً ؛ لن الفتحة من اللف‪،‬‬
‫والضمة من الواو‪ ،‬والكسرة من الياء ‪.‬‬
‫واللف ل تزاد أول ً ؛ لنها ل تكون إل ساكنة‪ ،‬ول يبتدأ‬
‫ة فما فوق ذلك ‪.‬‬
‫بساكن‪ ،‬ولكن تزاد ثاني ً‬
‫ة فقولك‪ :‬ضارب‪ ،‬وذاهب ؛ لنهما من‬
‫فأما زيادتها ثاني ً‬
‫ضرب‪ ،‬وذهب ‪.‬‬
‫ة في قولك‪ :‬ذهاب‪ ،‬وجمال ‪.‬‬
‫وتزاد ثالث ً‬
‫ة في قولك‪ :‬حبلى للتأنيث‪ ،‬واللحاق‪ ،‬وغير ذلك في‬
‫ورابع ً‬
‫مثل عطشان‪ ،‬وسكران ‪.‬‬
‫مل‪ .‬فإنما مذكر ما يدل على الموضع‪ ،‬ثم‬
‫فهذا موضع ُ‬
‫ج َ‬
‫نرجع نستقصى في بابه إن شاء الله ‪.‬‬
‫عفران ‪.‬‬
‫ى‪ ،‬وََز ْ‬
‫وتزاد خامس ً‬
‫ة في مثل َ‬
‫حب َْنط ً‬
‫ة في مثل قبعثرىً ‪.‬‬
‫وسادس ً‬
‫مع‪،‬‬
‫فأما الياء فتزاد أول ً فيكون الحرف على يْفَعل‪ ،‬نحو ي َْر َ‬
‫وي َْعملة‪ ،‬وفي مثل قولك يربوع‪ ،‬ويعسوب ‪.‬‬
‫در‪ ،‬وَب َي ْ َ‬
‫طر ‪.‬‬
‫وتزاد ثاني ً‬
‫جي ْ َ‬
‫ةفي مثل قولك‪َ :‬‬
‫عث َْير ‪.‬‬
‫سِعيد‪ ،‬و ِ‬
‫وثالث ً‬
‫ة في مثل َ‬
‫ة مثل قنديل‪ ،‬ودهليز‪ .‬وما بعد ذلك كاللف ‪.‬‬
‫ورابع ٌ‬
‫ة ؛ نحو قولك‪ :‬تميمي‪ ،‬وقيسي ‪.‬‬
‫وتزاد للنسب مضعف ً‬
‫وتزاد للضافة إلى نفسك ؛ نحو غلمي وصاحبي ‪.‬‬

‫‪27‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وتقع في النصب ؛ نحو ضربني‪ ،‬والضاربي ‪.‬‬
‫وتقع دليل ً على النصب‪ ،‬والخفض في التثنية‪ ،‬والجمع ؛‬
‫مْين ومسِلمين‬
‫محو مسل َ‬
‫وأما الواو فل تزاد أول كراهة أن تقع طرفا‪ ،‬فيلزمها البدل‬
‫ولكن تزاد ثانية في مثل حوقل‪ ،‬وكوثر‪.‬‬
‫وة‬
‫ة في مثل ضروب‪ ،‬وعجوز ورابع ً‬
‫وثالث ً‬
‫ة في مثل ت َْرقُ َ‬
‫ة في مثل قلنسوة ؛ كاللف والياء ‪.‬‬
‫وخامس ً‬
‫وتزاد دليل على رفع الجمع في مثل قولك‪ :‬مسلمون‪ .‬ولها‬
‫مواضع نذكرها في باب البدل إن شاء الله‪.‬‬
‫وأما الهمزة فموضع زيادتها أن تقع أول ؛ نحو أحمر‪،‬‬
‫وأحمد‪ ،‬وإصليت وإسكاف‪.‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫وكذلك في جمع التكسير ؛ نحو أفُْعل كأك ُْلب‪ ،‬وأفلس ؛‬
‫وأفعال كأعدال‪ ،‬وأجمال‪.‬‬
‫وفي الفعل في قولك‪ :‬أفعلت ؛ نحو أكرمت‪ ،‬وأحسنت‪.‬‬
‫وفي مصدره في قولك‪ :‬إكراما‪ ،‬وإحسانا‪ .‬فهذا موضعها‪.‬‬
‫وقد تقع في غير هذا الموضع فل تجعل زائدةً إل بثبت‪.‬‬
‫نحو قولك‪ :‬شمأل‪ ،‬وشأمل يدّلك على زيادتها قولك‪:‬‬
‫شملت الريح فهي تشمل شمول‪.‬‬
‫والميم بمنزلة الهمزة ؛ إل ّ أّنها من زوائد السماء‪ ،‬وليست‬
‫من زوائد الفعال ولكن موضعها كما ذكرت لك أّول‪.‬‬
‫مقْتول‪.‬‬
‫م ْ‬
‫ضروب‪ ،‬و َ‬
‫فمن ذلك مفعول‪ ،‬نحو‪َ :‬‬
‫وإذا جاوز الفعل ثلثة أحرف لحقت اسم الفاعل‬
‫مكَرم‪ ،‬ومنطلق‪ ،‬ومن َ‬
‫طلق به‪،‬‬
‫رم و ُ‬
‫والمفعول ؛ نحو‪ُ :‬‬
‫مك ِ‬
‫ومستخرج‪ ،‬ومستخَرج منه‪.‬‬
‫وتلحق في أوائل المصادر‪ ،‬والمواضع ؛ كقولك‪ :‬أدخلته‬
‫خلنا‪ .‬وكذلك مغًزى وملًهى‪ .‬فهذا موضع‬
‫مد ْ َ‬
‫مد ْ َ‬
‫خل‪ ،‬وهذا ُ‬
‫ُ‬
‫زيادتها‪.‬‬
‫فإن وقعت غير أول لم تزد إل بثبت ؛ نحو قولهم‪ُ :‬زْرُقم‪،‬‬
‫حم ؛ إّنما هو من الزرق‪ ،‬وفسحم منسوب إلى‬
‫س ُ‬
‫وفُ ْ‬
‫انفساح الصدر‪.‬‬
‫دليص‪،‬‬
‫وكذلك دلمص‪ :‬الميم زائدة‪ ،‬لنهم يقولون‪َ :‬‬
‫مل‪.‬‬
‫وِدلص‪ .‬فتقديرها‪ :‬فَُعا ِ‬

‫‪28‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ما النون فتلحق في أوائل الفعال إذا خّبر لتكلم عنه‬
‫وأ ّ‬
‫وعن غيره ؛ كقولك‪ :‬نحن نذهب‪.‬‬
‫دب‪.‬‬
‫أو تلحق ثاني ً‬
‫جن ْ ُ‬
‫جِنيق‪ ،‬وَ ُ‬
‫من ْ َ‬
‫ة مثل ؛ َ‬
‫ة في حبنطى ودلنظى‪.‬‬
‫وتلحق ثالث ً‬
‫ضي َْفن ؛ لن َرعْ َ‬
‫ة في َرعْ َ‬
‫شن من الرتعاش‪،‬‬
‫ورابع ً‬
‫شن‪ ،‬وَ َ‬
‫وضيفن إنما هو الجائى مع الضيف‪.‬‬
‫وتزاد مع اللف في غضبان‪ ،‬وسكران‪.‬‬
‫ومع الياءات‪ ،‬والواو‪ ،‬واللف‪ ،‬في التثنية‪ ،‬والجمع‪ ،‬في‬
‫رجل َْين‪ ،‬ومسِلمين‪ ،‬ومسلمون‪ .‬وكذلك اللف في رجلن‪.‬‬
‫د‪ ،‬ورأيت زيدًا‪.‬‬
‫وتزاد علم ً‬
‫ة للصرف في قولك‪ :‬هذا زي ٌ‬
‫ن زيدا ؛‬
‫وفي الفعل‪ ،‬مفردة‪ ،‬ومضاعف ً‬
‫ة‪ ،‬في قولك‪ :‬اضرب َ ْ‬
‫ن عمروا‪ .‬ففي هذا دليل‪.‬‬
‫أو اضرب َ ّ‬
‫ة للتأنيث في قائمة‪ ،‬وقاعدة‪ .‬وهذه‬
‫وأما التاء فتزداد علم ً‬
‫التاء تبدل منها الهاء في الوقف‪.‬‬
‫وتزاد مع اللف في جمع المؤنث في مسلمات‪ ،‬وذاهبات‪.‬‬
‫وتزاد وحدها في افتعل‪ ،‬ومفتعل ؛ نحو اقتدر‪ ،‬وافتقر‪.‬‬
‫ومع السين في مستفعل ؛ نحو مستضرب‪ ،‬ومستخرج‪.‬‬
‫وتزاد مع الواو في ملكوت‪ ،‬وعنكبوت‪ .‬ومع الياء في‬
‫عفريت‪.‬‬
‫وتزاد في أوائل الفعال يعنى بها المخاطب‪ ،‬مذ ّ‬
‫كرا كان أو‬
‫مؤنثا‪ ،‬والنثى الغائبة‪.‬‬
‫ت تقومين‪،‬‬
‫فأما المخاطب فنحو‪ :‬أنت تقوم‪ ،‬وتذهب‪ ،‬وأن ِ‬
‫وتذهبين‪.‬‬
‫والنثى الغائبة ؛ نحو‪ :‬جاريتك تقوم‪ ،‬وتذهب‪.‬‬
‫جع‬
‫وتقع زائدةَ في تفّعل‪ ،‬وتفاعل‪ .‬فأما تفّعل فنحو تش ّ‬
‫وتقّرأ‪.‬‬
‫وأما تفاعل‪ ،‬فنحو‪ :‬تغافل‪ ،‬وتعاقل‪.‬‬
‫وأما السين فل تلحق زائدة إل ّ في موضع واحد‪ ،‬وهو‬
‫استفعل‪ ،‬وما نصرف منه‪.‬‬
‫والهاء تزاد لبيان الحركة‪ ،‬ولخفاء اللف‪.‬‬
‫فأما بيان الحركة فنحو قولك‪ :‬ارمه " وما أدراك ما هيه "‬
‫و " فبهداهم اقتده "‪.‬‬

‫‪29‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وأما بعد اللف فقولك‪ :‬يا صاحباه‪ ،‬ويا حسرتاه‪.‬‬
‫فأما اللم فتزاد في ذلك‪ ،‬وأولئك‪ ،‬وفي عبدل تريد العبد‪.‬‬
‫هذا باب حروف البدل‬
‫وهي أحد عشر حرفًا‪ .‬منها ثمانية من حروف الزوائد التي‬
‫ذكرناها‪ ،‬وثلثة من غيرها وهذا البدل ليس ببدل الدغام‬
‫الذي تقلب فيه الحروف ما بعدها‪.‬‬
‫فمن حروف البدل حروف المد واللين المصوتة‪ .‬وهي‬
‫اللف‪ ،‬والواو‪ ،‬والياء‪.‬‬
‫فاللف تكون بدل ً من كل واحدة منهما ؛ كم وصفت لك‪.‬‬
‫وتكون بدل ً من التنوين المفتوح ما قبله في الوقف ؛ نحو‬
‫رأيت زيدا‪ ،‬ومن النون الخفيفة‪ ،‬لنها كالتنوين إذا انفتح ما‬
‫قبلها ؛ تقول اضربن زيدا فإذا وقفت قلت‪ :‬اضربا‪ .‬وفي‬
‫قوله‪ " :‬لنسفعن بالناصية " والوقف " لنسفعا "‪.‬‬
‫علة‪ ،‬في‬
‫عل‪ ،‬وفا ِ‬
‫والواو تكون بدل ً من اللف الزائدة في فا ِ‬
‫ضوارب‪.‬‬
‫ويرب‪ ،‬و َ‬
‫التصغير والجمع ؛ كقولك‪ُ :‬‬
‫ض َ‬
‫ومن الهمزة إذا انضم ما قبلها‪ ،‬وكانت ساكنة ؛ نحو جؤنة‬
‫ولؤم‪ ،‬ومن الهمزة المبدلة للتقاء الهمزتين في التصغير‬
‫ُ‬
‫دم‪ ،‬وَأواِدم ‪.‬‬
‫والجمع‪ .‬وذلك قولك في آدم‪ :‬أوَي ْ ِ‬
‫وتكون بدل ً من الياء إذا انضم إلى ما قبلها وكانت ساكنة ؛‬
‫سر ؛ لنها من أيقنت‪ ،‬وأيسرت‪،‬‬
‫مو ِ‬
‫موِقن‪ ،‬و ُ‬
‫نحو قولك‪ُ :‬‬
‫فإن تحركت‪ ،‬أو زالت الضمة رجعت إلى أصلها ؛ تقول‪:‬‬
‫سر‪.‬‬
‫ميا ِ‬
‫مَياِقن‪ ،‬و َ‬
‫َ‬
‫ولها في باب فتوى‪ ،‬وطوبى ما نذكره في موضعه إن شاء‬
‫الله‪.‬‬
‫والياء تكون بدل من الواو إذا انكسر ما قبلها وهي ساكنة‪.‬‬
‫وذلك قولك‪ :‬ميزان‪ ،‬وميعاد‪ ،‬وميقات ؛ لنه من وزنت‪،‬‬
‫ووعدت‪ ،‬ومن الوقت‪ .‬فإن زالت الكسرة‪ ،‬أو تحركت‬
‫واعيد‪،‬‬
‫واِزين‪ ،‬و َ‬
‫رجعت إلى أصلها‪ .‬وذلك قولك‪َ :‬‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫ومواقيت‪.‬‬
‫وتبدل من الواو إذا كانت رابعة فصاعدا ؛ نحو أغزيت‪،‬‬
‫واستغزبت‪ ،‬وغازيت‪.‬‬
‫وتبدل مكان أحد الحرفين إذا ضوعفا في مثل قولك‪:‬‬

‫‪30‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫دينار‪ ،‬وقيراط‪ .‬فإنما الصل تثقيل النون والراء ؛ أل ترى‬
‫أنهما إذا افترقا ظهرا‪ ،‬تقول‪ :‬دنانير وقراريط‪.‬‬
‫ضة‪،‬‬
‫وكذلك تقول‪ :‬أمللت‪ ،‬وأمليت‪ ،‬وتقضيت من الِق ّ‬
‫سّرْبت‪ .‬والصل تسررت‪ ،‬وتقضضت‪.‬‬
‫وت َ َ‬
‫وأما الهمزة فإنها تبدل مكان كل ياٍء‪ ،‬أو واو تقع طرفا بعد‬
‫سّقاٌء‪ ،‬وغّزاٌء‪.‬‬
‫ألف زائدة‪ ،‬وذلك قولك‪َ :‬‬
‫وتبدل مكان إحدى الواوين إذا التقيا في أول كلمة‪ ،‬وذلك‬
‫قولك في تصغير واصل‪ :‬أويصل‪.‬‬
‫عد‪ :‬أويعد‪.‬‬
‫وكذلك تصغير وا ِ‬
‫فإن انضمت الواو كنت في بدلها وتركه مخيرا‪ .‬وذلك‬
‫قولك في وجوه‪ :‬أجوه‪ .‬وإن شئت‪ :‬وجوه‪ ،‬وكذلك ورقة‪،‬‬
‫وأرقة‪ ،‬ومن ذلك قول الله عز وجل " وإذا الرسل أقتت "‬
‫إنما هو فعلت من الوقت‪.‬‬
‫والتاء تبدل من الواو والياء في مفتعل وما تصرف منه ؛‬
‫نحو متعد‪ ،‬ومتزن‪ ،‬ومتبس من اليبس‪ .‬فهذا موضعها فيها‪.‬‬
‫وتبدل من الواو خاصة في قولك‪ :‬تراث‪ ،‬إنما هو من‬
‫ورثت‪ ،‬وتجاه فعال من الوجه‪ .‬وكذلك تخمة‪ ،‬وتكأة فعلة‪.‬‬
‫وتيقور فيعول من الوقار‪.‬‬
‫مل وتوطئة لما بعده‪.‬‬
‫فهذا موضع ُ‬
‫ج َ‬
‫خَلة‪،‬‬
‫وأما الهاء فتبدل من التاء الداخلة للتأنيث ؛ نحو ن َ ْ‬
‫وتمرة‪ ،‬إنما الصل التاء والهاء بدل منها في الوقف‪.‬‬
‫والميم تبدل من النون إذا سكنت وكانت بعدها الباء‪ ،‬نحو‬
‫قولك‪ :‬عنبر‪ ،‬ومنبر‪ .‬وشنباء فاعلم‪.‬‬
‫والنون تكون بدل من ألف التأنيث في قولك‪ :‬غضبان‪،‬‬
‫وعطشان‪ ،‬إنما النون‪ ،‬واللف في موضع ألفى حمراء‬
‫يافتى‪ ،‬ولذلك لم تقل‪ ،‬غضبانة‪ ،‬ول سكرانة ؛ لن حرف‬
‫تأنيث ل يدخل على حرف تأنيث‪ .‬فكذلك ل تدخل على ما‬
‫تكون بدل منه‪.‬‬
‫ولهذه العلة قيل في النسب إلى صنعاء‪ ،‬وبهراء‪ :‬صنعاني‪،‬‬
‫وبهراني‪ .‬ونشرح هذا في باب ما ينصرف وما ل ينصرف‬
‫إن شاء الله‪.‬‬
‫فهذه ثمانية أحرف من حروف الزوائد‪.‬‬

‫‪31‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫فأما الثلثة التي تبدل وليست من حروف الزوائد ف‬
‫مفْتعل‪ ،‬وما‬
‫أحدها‪ :‬الطاء وهي تبدل مكان التاء في ُ‬
‫تصرف منه إذا كان قبلها حرف من حروف الطباق‪.‬‬
‫وحروف الطباق الصاد‪ ،‬والضاد‪ ،‬والطاء والظاء‪ .‬وذلك‬
‫صطبر‪ ،‬ومض ّ‬
‫طهد‪ ،‬ومظلم وهو مفتعل من‬
‫قولك‪ُ :‬‬
‫م ْ‬
‫الظلم‪.‬‬
‫وأما ما تصرفن منهن للدغام ففي بابه نذكر‪.‬‬
‫ومنهن الدال‪ .‬وهي تبدل مكان التاء في مفتعل‪ ،‬وما‬
‫تصرف منه إذا كان قبلها حرف مجهور من مخرجها‪ ،‬ومما‬
‫يدانيها من المخرج ؛ نحو الذال‪ ،‬والزاي‪ ،‬وذلك قولك في‬
‫مْفِتعل من الزين‪ :‬مزدان‪ ،‬ومن الذكر‪ :‬مدكر‪.‬‬
‫ُ‬
‫والحرف الثالث الجيم وهي تبدل إن شئت مكان الياء‬
‫المشددة في الوقف للبيان‪ ،‬لن الياء خفية‪ ،‬وذلك قولك‪:‬‬
‫ى‪.‬‬
‫َتمي ِ‬
‫ج في تيميى ؛ وعَل ِ ّ‬
‫م ّ‬
‫ج أي عل ّ‬
‫هذا باب معرفة بنات الربعة التي ل زيادة فيها‬
‫فمنها ما يكون على فَعَْلل‪ ،‬فيكون اسما وصفة‪ ،‬فالسم‬
‫نحو جعفر‪ ،‬ونهشل‪ .‬والنعت‪ ،‬مثل سلجم‪ ،‬وسلهب‪.‬‬
‫ويكون على فُعُْلل فيهما‪ .‬فالسم ؛ نحو البرثن‪ ،‬والترتم‪.‬‬
‫والصفة‪ ،‬نحو قولك رجل قلقل‪ ،‬وناقة كحكح‪.‬‬
‫ويكون على فِعِْلل فيهما‪ ،‬فالسم البربرج والخمخم‪.‬‬
‫والنعت اللطلط وهو قليل‪.‬‬
‫ويكون على فِعَْلل فيهما‪ .‬فالسم درهم‪ .‬والصفة هجرع‪.‬‬
‫ويكون علىِفعَ ّ‬
‫ل غير مضاعف في النعت خاصة‪ .‬وذلك‬
‫قولهم‪ :‬سبطر وقمطر‪.‬‬
‫واعلم أنه ل يكون اسم على أربعة أحرف كلها متحركة إل‬
‫وأصله في الكلم غير ذلك فيحذف‪ .‬وذلك قولهم‪ :‬عُل َِبط‬
‫علِبط‪.‬‬
‫ونحوه‪ ،‬وإنما أصله ُ‬
‫هداِبد‪ ،‬وذلك جميع بابه‪.‬‬
‫وكذلك هُد َِبد إنما أصله ُ‬
‫هذا باب معرفة بنات الخمسة من غير زيادة‬
‫وهي على أربعة أمثلة‪ :‬منها فَعَّلل‪ ،‬وهو يكون اسما ونعتا‪.‬‬
‫فالسم نحو‪ :‬السفرجل‪ .‬والصفة نحو شمردل‪.‬‬
‫ويكون على فُعَّلل فيهما‪.‬‬

‫‪32‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫فالسم‪ ،‬نحو الخزعبلة‪ .‬والصفة ؛ نحو الخبعثن‪،‬‬
‫والقذعملة‪.‬‬
‫ويكون على فِعْل َ ّ‬
‫ل غير مضاعف‪ ،‬فيكون اسما‪ ،‬ونعتا‪.‬‬
‫فالسم قرطعب‪ .‬والنعت جردحل‪ ،‬وحنزقر‪.‬‬
‫ويكون على فَعْل َِلل نعتا‪ .‬وذلك قولهم‪ :‬عجوز جحمرش‪،‬‬
‫وكلب نخورش‪.‬‬
‫هذا باب معرفة البنية وتقطيعها بالفاعيل‬
‫وكيف تعتبر بها في أصلها وزوائدها‬
‫ونبدأ بالسماء الصحيحة‪.‬‬
‫فإذا قيل لك‪ :‬ابن من ضرب مثل جعفر فقد قال لك‪ :‬زد‬
‫على هذه الحروف الثلثة حرفا‪ .‬فحق هذا أن تكرر اللم‪،‬‬
‫ب فاعلم‪ ،‬فيكون على وزن جعفر‪ ،‬وتكون قد‬
‫ضْري َ ٌ‬
‫فتقول‪َ :‬‬
‫وضعت الفاء والعين في موضعهما‪ ،‬وكررت اللم حتى‬
‫لحق بوزن فَعَْلل‪ ،‬أل ترى أنك تقول إذا قيل لك‪ :‬ابن من‬
‫ب فاعلم‪ ،‬لنه إنما قال لك‪ :‬كرر‬
‫ضّر َ‬
‫ضرب مثل قطع‪َ :‬‬
‫العين‪ ،‬فإنما زدت على العين عينا مثلها‪.‬‬
‫ولو قال لك‪ :‬ابن لي من ضرب مثل صمحمح لقلت‪:‬‬
‫ضربرب‪ ،‬لنه إنما قال لك‪ :‬كرر العين واللم‪ ،‬فأجبته على‬
‫شرطه‪.‬‬
‫ب‬
‫ضْرو ٌ‬
‫ولو قال لك‪ :‬ابن لي من ضرب مثل جدول لقلت‪َ :‬‬
‫فاعلم ؛ لنه لم يقل لك ألحقه بجعفر‪ ،‬إنما اشترط عليك‬
‫أن تلحقه بما فيه واو زائدة‪ ،‬فزدت له واوا بحذاء الراء‪.‬‬
‫وكذلك لو قال لك‪ :‬ابن لي من ضرب مثل كوثر لقلت‪:‬‬
‫ب فاعلم‪ ،‬فاحتذيت على المثال المطلوب منك‪.‬‬
‫ضوَْر ٌ‬
‫َ‬
‫ب‬
‫ولو قال‪ :‬ابن لي من ضرب مثل حيدر لقلت‪ :‬ضير ٌ‬
‫فاعلم‪.‬‬
‫ولو قال‪ :‬ابن لي من ضرب مثل سلقى لقلت‪ :‬ضربي‪،‬‬
‫وقلت لنفسك‪ :‬ضربيت مثل قولك‪ :‬سلقيت‪.‬‬
‫فهذا يجرى في الزوائد‪ ،‬والصول على ما وصفت لك‪.‬‬
‫ة لما بعده‪.‬‬
‫وإنما ذكرنا هذا الباب توطئ ً‬
‫تفسير‪ :‬يقال‪ :‬سلقه‪ :‬إذا ألقاه على قفاه‪ .‬وإذا ألقاه على‬

‫‪33‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وجهه قيل‪ :‬بطحه‪ .‬وإذا ألقاه على أحد جنبيه قيل‪ :‬قّتره‪،‬‬
‫وق ّ‬
‫طره‪ .‬وإذا ألقاه على رأسه قيل نكته‪.‬‬
‫هذا باب معرفة الفعال أصولها وزوائدها‬
‫فالفعل في الثلثة يقع على ثلثة أبنية إذا كان ماضيا‪:‬‬
‫يكون على فعَ َ‬
‫ل‪ ،‬فيشترك فيه المتعدى وغير المتعدى‪.‬‬
‫د‪ ،‬وجلس وقعد‪ .‬لما ل‬
‫وذلك نحو‪ :‬ضرب‪ ،‬وقتل فهذا متع ً‬
‫يتعدى‪.‬‬
‫ويكون على فَعِ َ‬
‫ل فيهما‪ .‬فما يتعدى فنحو‪ :‬شرب‪ ،‬ولقم ‪.‬‬
‫وأما ما ل يتعدى فنحو‪ :‬بطر‪ ،‬وخرق‪.‬‬
‫ة‪ ،‬إنما هو للحال التي‬
‫والفعل الثالث لما ل يتعدى خاص ً‬
‫ينتقل إليها الفاعل وذلك ما كان على فَعُ َ‬
‫ل نحو‪ :‬كُرم‪،‬‬
‫وظُرف‪ ،‬وشُرف‪.‬‬
‫فأما ما كان على فَعِ َ‬
‫ل فاللزم في مستقبله ي َْفَعل تقول‪:‬‬
‫شرب يشرب‪ ،‬وعلم يعلم‪.‬‬
‫وما كان على فَُعل فاللزم ي َْفعُ ُ‬
‫ل ؛ نحو كُرم يكُرم‪ ،‬وظُرف‬
‫ف‪.‬‬
‫يظُر ُ‬
‫وأما ما كان على فَعَ َ‬
‫ل فإنه يجىء على ي َْفِعل‪ ،‬و ي َْفُعل ؛‬
‫نحو‪ :‬يضرب‪ ،‬ويقتل‪.‬‬
‫وإن عرض فيه حرف من حروف الحلق جاز أن يقع على‬
‫فع َ َ‬
‫ل ي َْفَعل‪ .‬وذاك إذا كان الحرف من حروف الحلق عينا‬
‫أو لما‪.‬‬
‫فأما العين فنحو‪ :‬ذهب يذهب‪ ،‬وطحن يطحن‪ .‬وأما موضع‬
‫اللم فصنع يصنع وقرأ يقرأ‪.‬‬
‫وهذه الفعال التي على ثلثة أحرف تختلف مصادرها‬
‫لختلفها في أنفسها ؛ لن المصدر إنما يجرى على فِْعله‪.‬‬
‫فإذا خرجت الفعال من الثلثة لم يكن كل فِْعل منها إل‬
‫على طريقة واحدة‪ ،‬ولم تختلف مصادرها‪.‬‬
‫وذاك أن الفعل إذا خرج من الثلثة إنما يخرج لزائد‬
‫يلحقه‪ ،‬إل أن يكون من بنات الربعة‪ ،‬فيكون في الربعة‬
‫أصل ؛ كما كانت بناب الثلثة‪.‬‬
‫فأما بنات الثلثة فإن الهمزة تلحقها أول‪ ،‬فيكون الفعل‬
‫على أ َفَْعل ؛ نحو‪ :‬أخرج‪ ،‬وأكرم‪.‬‬

‫‪34‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ويكون المستقبل‪ ،‬نحو‪ :‬يخرج‪ ،‬ويكرم‪ ،‬وكان الصل أن‬
‫ل‪ ،‬فحذفت الهمزة ؛ لنه كان يلرمه إذا‬
‫يكون وزنه ي ُؤَفْ ِ‬
‫أخبر عن نفسه أن يجمع بين همزتين وذلك ممتنع‪.‬‬
‫فلما كانت زائدة وكانت تلزم ما ل يقع في الكلم مثله‬
‫حذفت‪ .‬وأتبعت حروف المضارع الهمزة ؛ كما جرين في‬
‫باب وعد مجرى الياء‪.‬‬
‫رم‬
‫ويكون المصدر على إفَْعال وذلك قولك‪ :‬أكرم ي ُك ْ ِ‬
‫سن إحسانا‪.‬‬
‫ح ِ‬
‫إكراما‪ ،‬وأحسن ي ُ ْ‬
‫ويكون على فاعَْلت فيكون مستقبله على وزن مستقبل‬
‫أ َفَْعلت قبل أن يحذف‪ .‬وذلك قولك‪ :‬قاتل يقاتل‪ ،‬وضارب‬
‫يضارب‪.‬‬
‫عل إذا كان داخل على فعَ َ‬
‫ل أن الفعل من اثنين‪،‬‬
‫ومعنى فا َ‬
‫أو أكثر وذلك ؛ لنك تقول‪ :‬ضريت‪ ،‬ثم تقول‪ :‬ضاربت‪.‬‬
‫فتخبر أنه قد كان إليك مثل ما كان منك وكذلك شاتمت‪.‬‬
‫فإن ل يكن فيه فعَ َ‬
‫ل فهو فِْعل من واحد‪ :‬نحو عاقبت‬
‫اللص‪ ،‬وطارقت نعلى‪.‬‬
‫مقاتلة‪،‬‬
‫والمصدر يكون على مفا َ‬
‫علة ؛ نحو‪ :‬قاتلت ُ‬
‫مشاتمة‪.‬‬
‫وشاتمت ُ‬
‫قتال‪ ،‬والضراب‪.‬‬
‫ويقع اسم الفعل على ِفعال‪ ،‬نحو ال ِ‬
‫واعلم أن الفعلين إذا اتفقا في المعنى جاز أن يحمل‬
‫مصدر أحدهما على الخر ؛ لن الفعل الذي ظهر في‬
‫معنى فعله الذي ينصبه‪ .‬وذلك نحو قولك‪ :‬أنا أدعك تركا ً‬
‫شديدًا‪ ،‬وقد تطويت انطواًء‪ ،‬لن تطويت في معنى‬
‫انطويت‪ .‬قال الله عز وجل‪ " :‬وتبتل إليه تبتبل " لن تبتل‬
‫وبتل بمعنى واحد‪ .‬وقال‪ " :‬والله أنبتكم من الرض نباتا ً "‬
‫ولو كان على أنبتكم لكان إنباتا‪ ،‬قال امرؤ القيس‪:‬‬
‫ة أي إذلل‬
‫ورضت فدلت صعب ً‬
‫ولو كان على ذلت لكان‪ :‬أي ذل‪ .‬لكن رضت في معنى‬
‫أذللت‪.‬‬
‫ويكون الفعل على فّعل فيكون مستقبله على ي َُفّعل ؛ لنه‬
‫في وزن فاعل‪ ،‬وأ َفَْعل‪ .‬فلذلك وجب أن يكون مستقبله‬
‫كمستقبلهما‪.‬‬

‫‪35‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫والمصدر على التْفِعيل‪ :‬نحو‪ :‬قطعت تقطيعا‪ ،‬وكسرت‬
‫تكسيرا ‪.‬‬
‫وهذه الفعال الفصل بين فاعلها ومفعولها كسرةٌ تلحق‬
‫الفاعل قبل آخر حروفه‪ ،‬وفتحة ذلك من الحرف من‬
‫مَقات َ ٌ‬
‫ل‪،‬‬
‫مقاِتل‪ ،‬و ُ‬
‫مكَرم‪ ،‬و ُ‬
‫رم و ُ‬
‫لفعول ؛ نحو قولك‪ُ :‬‬
‫مك ِ‬
‫مق ّ‬
‫مق ّ‬
‫طع‪.‬‬
‫طع و ُ‬
‫و ُ‬
‫وما كان من للصادر التي أوائلها الميم‪ ،‬أو أسماء المواضع‬
‫التي على ذلك الحد‪ ،‬أو الزمنة فعلى وزن المفعول ؛ لنها‬
‫مفعولت‪.‬‬
‫فالمصدر مفعول أحدثه الفاعل‪ ،‬والزمان والمكان مفعول‬
‫فيهما‪ ،‬وذلك قولك أنزلته منز ً‬
‫ل‪ .‬قال الله عز وجل‪" :‬‬
‫ليدخلنهم مدخل يرضونه " و " باسم الله مجراها ومرساها‬
‫"‪.‬‬
‫وتقول‪ :‬هذا مقاتلنا‪ :‬أي موضع قتالنا‪ ،‬كما قال‪:‬‬
‫أقاتل حتى ل أرى لي وأنجو إذا غم الجبان‬
‫من الكرب‬
‫مقـاتـل‬
‫وتقول‪ :‬سرحته مسرحا‪ ،‬أي تسريحا‪ .‬قال‪:‬‬
‫ألم تعلم مسرحي‬
‫فلعيا بهن‪ ،‬ول اجتلبا‬
‫القوفي‬
‫ل فيكون مستقبله على ي َْفِتع ُ‬
‫ويكون الفعل على اْفتعَ َ‬
‫ل‪.‬‬
‫مْفتِعل‪ .‬على ما وصفت‪.‬‬
‫والمصدر الفِْتعال‪ ،‬ويكون الفاعل ُ‬
‫ويكون على اْنفعَ َ‬
‫ل وهو في وزن اْفتَعل‪ .‬ويكون للمستقبل‬
‫ي َن َْفِعل على وزن يْفتِعل وهو بناٌء ل يتعدى الفاعل إلى‬
‫المفعول‪.‬‬
‫ومصدره الْنفِعال على وزن الفِْتعال‪.‬‬
‫مْنفِعل‪ .‬ول يقع فيه مفعول إل الظرفان‪ :‬الزمان‬
‫وفاعله ُ‬
‫والمكان‪ .‬تقول‪ :‬هذا يوم منطلق فيه ‪.‬‬
‫وي َْنفِعل يكون على ضربين‪ :‬فأحدهما‪ :‬أن يكون لما طلوع‬
‫الفاعل‪ ،‬وهو أن يرومه الفاعل فيبلغَ منه حاجته‪ .‬وذلك‬
‫قولك‪ :‬كسرته فانكسر‪ ،‬وقطعته فانقطع‪.‬‬
‫ويكون للفاعل بالزوائد فِْعل على الحقيقة ؛ نحو قولك‪:‬‬
‫انطلق عبد الله‪ ،‬وليس على فعَْلته‪.‬‬

‫‪36‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وفي هذا الوزن إل أن الدغام يدركه‪ ،‬لنك تزيد على اللم‬
‫مثلها‪ ،‬وذلك قولك‪ :‬احمر‪ ،‬واخضر‪.‬‬
‫وأصله احمرر‪.‬‬
‫يتبين ذلك لك إذا جعلت الفعل لنفسك‪ ،‬وقلت‪ :‬احمررت‪،‬‬
‫ل التضعيف يظهر إذا سكن آخره فيصير احمررت على‬
‫وزن انفعلت وافتعلت‪ ،‬والفاعل منه محمر وأصله محمرر‪،‬‬
‫وهو فِْعل ل يتعدى الفاعل ؛ لن أصل هذا الفعل إنما هو‬
‫لما يحدث في الفاعل‪ ،‬نحو احمر‪ ،‬واعور‪.‬‬
‫فان وقع ذلك للمكان أو الزمان قلت‪ :‬مكان محمر فيه‪،‬‬
‫ومعور فيه‪.‬‬
‫ويكون المصدر على مثال افِْعلل‪ ،‬نحو‪ :‬الحمرار‬
‫والصفرار فلذلك على زن ا ْ‬
‫لفت َِعال والْنفَعال‪.‬‬
‫ستْفعَْلت‪ ،‬نحو استخرجت‪،‬‬
‫ويكون الفعل على مثال ا ْ‬
‫واستكثرت‪.‬‬
‫ستْفِعل‪ ،‬نحجو‪ :‬يستخرج‪ ،‬ويستكثر‪.‬‬
‫ويكون مستقبله على ي َ ْ‬
‫ست ِْفَعال ؛ نحو‪ :‬استخراجا‪ ،‬واستكثارا‪.‬‬
‫ويكون المصدر ا ْ‬
‫والفاعل مستخرج‪ ،‬والمفعول مستخرج‪.‬‬
‫ويكون على مثال افْعَْنلْلت‪ ،‬وافْعَوْعَْلت‪ .‬إل أن افْعَن ْل ََلت‬
‫ملحقة فنحتاج إلى أن نعيد ذكرها في باب الربعة‪ .‬وذلك‬
‫عل‪ :‬اغدودن ‪.‬‬
‫س‪ ،‬وفي افْعَوْ َ‬
‫قولك‪ :‬اقْعَن ْ َ‬
‫س َ‬
‫ستْفعَْلت‪ .‬تقول من افْعَْنلْلت‪ :‬افْعِْنلل‪،‬‬
‫والمصدر كمصدر ا ْ‬
‫ومن افْعَوْعَْلت افِْعيَعال‪ .‬تقلب الواو ياًء ؛ لنكسار ما قبلها‪،‬‬
‫وسكونها‪.‬‬
‫ويكون على افْعَوّْلت ؛ نحو‪ :‬اعلوطت‪ ،‬تقول‪ :‬اعلوط‬
‫الرجل‪ ،‬إذا ركب دابته فضم بيديه على عنقها إذا خاف‬
‫السقوط‪.‬‬
‫والمصدر اعلواطا‪ .‬تصح الواو ؛ لنها مشددة‪ ،‬وكما صحت‬
‫الواو في الفعل صحت في المصدر‪.‬‬
‫ويكون على افَْعالْلت فيكون على هذا الوزن ؛ إل أن‬
‫الدغام يدركه‪ .‬والصل أن يكون على وزن استخرجت وما‬
‫ذكرنا بعدها‪ .‬وذلك قولك‪ :‬احماررت‪ ،‬واشهاببت‪ ،‬واحمار‬
‫الدبة واشهاب‪.‬‬

‫‪37‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫والمصدر افِْعيلل على وزن استخراج‪ ،‬وذلك قولك‪ :‬احمار‬
‫ميرارا‪ .‬وهذا الوزن أكثر ما يكون عليه السم حروفا‪،‬‬
‫اح ِ‬
‫ول يوجد اسم على سبعة أحرف إل في مصدر الثلثة‬
‫والربعة المزيدة‪.‬‬
‫ويكون الفعل على َتفعّ َ‬
‫ل فيكون على ضربين‪ :‬على‬
‫المطاوعة من فّعل فل يتعدى‪ ،‬نحو قولك‪ :‬قطعته فتقطع‪،‬‬
‫وكسرته فتكسر‪ ،‬فهذا للمطاوعة‪.‬‬
‫ويكون على الزيادة في فِْعل الفاعل ؛ نحو‪ :‬تقحمت عليه‬
‫وتقدمت إليه‪.‬‬
‫والصل إنما هو من قحمته فتقحم‪ ،‬وقدمته فتقدم‪.‬‬
‫والمصدر الت ََفّعل‪ ،‬نحو‪ :‬التقدم‪ ،‬والتقحم فإذا كان على‬
‫زيادة غير فَعّ َ‬
‫ل كان مثل تكلم ومثل ما يقول النحويون‪:‬‬
‫إنه يخرج من هيئة إلى هيئة‪ ،‬نحو‪ :‬تشجع‪ ،‬وتجمل‪ ،‬وتصنع‪.‬‬
‫عل كما كان ت ََفّعل ؛ لن هذه التاء إنما‬
‫ويكون على ت ََفا َ‬
‫لحقت فعل وفاعل في الصل‪ .‬فيكون على ضربين‪.‬‬
‫أحدهما‪ :‬المطاوعة‪ .‬وذلك نحو‪ :‬ناولته فتناول‪ ،‬وليس‬
‫كقولك‪ :‬كسرته فانكسر‪ ،‬لنك لم تخبر في قولك‪ :‬انكسر‬
‫بفعل منه على الحقيقة‪ ،‬وأنت إذا قلت‪ :‬قدمته فتقدم‪،‬‬
‫وناولته فتناول تخبر أنه قد فَعَ َ‬
‫ل على الحقيقة ما أردت‬
‫منه‪ .‬فإنما هذا كقولك‪ :‬أدخلته فدخل‪.‬‬
‫ويكون ضرب آخر‪ ،‬وهو أن يظهر لك من نفسه ما ليس‬
‫عنده وذلك ؛ نحو تعاقل‪ ،‬وتغابى‪ ،‬وتغافل كما قال‪:‬‬
‫إذا تخازرت وما بي من خزر‬
‫عل على وزن التفّعل‪.‬‬
‫والمصدر الت َّفا ُ‬
‫ففي ما ذكرنا دليل لى كل ما يرد عليك من هذه الفعال‬
‫إن شاء الله‪.‬‬
‫هذا باب معرفة ألفات القطع وألفات الوصل‬
‫وهن همزات في أوائل السماء‪ ،‬والفعال‪ ،‬والحروف‬
‫فما كان من ذلك أصليا ً فهمزته مقطوعة‪ ،‬لنها بمنزلة‬
‫سائر الحروف‪ ،‬وكذا إذا ألحقت بغير ما استثنيه لك‪ .‬وذلك‬
‫نحو قولك في الهمزة الصلية‪ :‬أب‪ ،‬وأخ‪ ،‬والزائدة‪ :‬أحمر‪،‬‬
‫وأصفر تقول‪ :‬رأيت أباك‪ ،‬وأخاك‪ ،‬وأحمر‪ ،‬وأصفر‪.‬‬

‫‪38‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وفي الفعال الهمزة الصلية ؛ نحو همزة أكل وأخذ‪.‬‬
‫والزائدة همزة أعطى‪ ،‬وأكرم‪ .‬تقول‪ :‬يا زيد أحسن‪ ،‬وأكرم‬
‫‪.‬‬
‫فأما الهمزة التي تسمى ألف الوصل فموضعها الِفْعل‪.‬‬
‫وتلحق من السماء أسماٌء بعينها مختلة‪ .‬والمصادر التي‬
‫أفعالها فيها ألف الوصل‪.‬‬
‫وإنما دخلت على هذه اللف لسكون ما بعدها‪ .‬لنك ل‬
‫تقدر على أن تبتدىء بساكن‪ ،‬فإذا وصلت إلى التكلم بما‬
‫بعدها سقطت‪.‬‬
‫وإنما تصل إلى ذلك بحركة تلقى عليه‪ ،‬أو يكون قبل‬
‫اللف كلم فيتصل به ما بعدها‪ .‬وتسقط اللف‪ ،‬لنها ل‬
‫أصل لها وإنما دخلت توصل إلى ما بعدها ؛ فإذا وصل إليه‬
‫فل معنى لها‪.‬‬
‫فعل أن تجد الياء في ي َْفَعل مفتوحة‪.‬‬
‫فآية دخولها في ال ِ‬
‫فمان كان كذلك فلحقته اللف فهي ألف الوصل وذلك‬
‫قولك‪ :‬يضرب‪ ،‬ويذهب‪ ،‬وينطلق‪ ،‬ويستخرج‪ .‬وذلك قولك‪:‬‬
‫يا زيد اضرب‪ ،‬ويا زيد انطلق‪ ،‬ويا زيد استخرج‪.‬‬
‫فإن انضمت الياء في ي َْفعل لم تكن اللف إل قطعا‪ .‬وذلك‬
‫نحو‪ :‬أحسن‪ ،‬وأكرم‪ ،‬وأعطى‪ ،‬لنك تقول‪ :‬يكرم‪ ،‬ويحسن‪،‬‬
‫ويعطى‪ .‬تكون اللف ثابتة ؛ كما تكون دال دحرج ؛ لن‬
‫حروف المضارعة تضم فيها كما تنضم مع الصول في‬
‫مثل قولك‪ :‬يدحرج ويرامى‪.‬‬
‫ة‪ ،‬فكذلك اللف في‬
‫فكل ما كان من الِفْعل ألفه مقطوع ٌ‬
‫مصدره‪ ،‬تقول‪ :‬يا زيد أكرم إكراما‪ ،‬وأحسن إحسانا‪.‬‬
‫وإذا كانت في الفعل موصولة فكذلك تكون مصدره‪.‬‬
‫تقول‪ :‬يا زيد استخرج استخراجا‪ ،‬وانطلق انطلقا‪.‬‬
‫ة‪ .‬تقول‪:‬‬
‫وهذه اللف الموصولة أصلها أن تبتديء مكسور ً‬
‫اعلم‪ ،‬انطلق‪.‬‬
‫ة‪.‬‬
‫فإن كان الثالث من ي َْفعل مضموما ابتدئت مضموم ً‬
‫وذلك لكراهيتهم الضم بعد الكسر ؛ حتى إنه ل يوجد في‬
‫الكلم إل أن يلحق الضم إعرابا‪ ،‬نحو قولك‪ :‬فخذ ٌ كما ترى‪.‬‬
‫ف مضموم ل حاجز‬
‫فكرهوا أن يلتقى حرف مكسور وحر ٌ‬

‫‪39‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ف ساكن‪ ،‬وذلك قولك في ركض يركض‪،‬‬
‫بينهما إل حر ٌ‬
‫وعدا يعدو‪ ،‬وقتل يقتل إذا استأنفت‪ :‬اركض برجلك‪ ،‬اعد‬
‫يافتى‪ ،‬اقتل‪.‬‬
‫وكذلك للمرأة‪ .‬تقول‪ :‬ا ُْقتُلي‪ ،‬لن العلة واحدة‪ ،‬تقولها لها‪:‬‬
‫اغزي اعدي ؛ لن الصل كان أن تثبت الواو قبل الياء‪،‬‬
‫ولكن الواو كانت في يعدو ساكنة‪ ،‬والياء التي لحقت‬
‫للتأنيث ساكنة‪ .‬فذهبت الواو للتقاء الساكنين‪ ،‬والصل أن‬
‫ة على أصل‬
‫تكون ثابتة‪ ،‬فاستؤنفت ألف الوصل مضموم ً‬
‫الحرف‪ ،‬لن يعدوا بمنزلة يقتل‪.‬‬
‫وكذلك تقول‪ :‬استضعفت زيد‪ .‬انطلق به‪ ،‬اقتدر عليه‪ .‬وقد‬
‫مضى تفسير هذا‪.‬‬
‫وأما وقوع ألفات الوصل للسماء فقولك‪ :‬ابن‪ ،‬واسم‪،‬‬
‫وامرؤ‪ ،‬كما ترى‪.‬‬
‫فأما ابن فإنه حرف منقوص مسكن الول فدخلت‬
‫لسكونه‪ ،‬وإنما حدث فيه هذا السكون لخروجه عن أصله‪،‬‬
‫وموضع تفسيره فيما نذكره من بنات الحرفين‪.‬‬
‫وكذلك اسم‪.‬‬
‫فإن صغرتهما أو غيرهما مما فيه ألف الوصل من السماء‬
‫ سقطت اللف‪ ،‬لنه يتحرك ما بعدها فيمكن البتداء به‪.‬‬‫وذلك قولك‪ :‬بنى‪ ،‬وسمى‪ ،‬تسقط اللف وترد ما ذهب‬
‫منهما‪.‬‬
‫وأما مرؤ فاعلم فإن الميم متى حركت سقطت اللف‪.‬‬
‫تقول هذا مرٌء فاعلم‪ ،‬وكما قال تعالى " يحول بين المرء‬
‫ىء فاعلم‪.‬‬
‫وقلبه "‪ ،‬وهذا مري ّ‬
‫ومن قال‪ :‬امرؤ قال في مؤنثه‪ :‬امرأة‪ ،‬ومن قال‪ :‬مرءٌ‬
‫قال في مؤنثه‪ :‬مرأة‪.‬‬
‫واعلم أنك إذا قلت امرؤ فاعلم ابتدأت اللف مكسورة‪،‬‬
‫وإن كان الثالث مضموما‪ ،‬وليس بمنزلة اركض‪ ،‬لن‬
‫الضمة في اركض لزمة‪ ،‬وليست في قولك امرؤ لزمة‬
‫لنك تقول في النصب رأيت امرأ‪ ،‬وفي الجر مررت‬
‫بامرىء فليست بلزمة‪.‬‬
‫وأما قولنا‪ :‬إذا تحرك الحرف الساكن‪ ،‬فبتحويل الحركة‬

‫‪40‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫عليه سقطت ألف الوصل‪.‬‬
‫ن حكمها‬
‫فمن ذلك أن تقول‪ :‬اسأل فإن خففت الهمزة فإ ّ‬
‫ إذا كان قبلها حرف ساكن ‪ -‬أن تحذف فتلقى على‬‫الساكن حركتها‪ ،‬فيصير بحركتها متحّركا‪ .‬وهذا نأنى على‬
‫تفسيره في باب الهمزة إن شاء الله‪ .‬وذلك قولك‪ :‬سل ؛‬
‫لنك لما قلت‪ :‬اسأل ‪ -‬حذفت الهمزة فصارت‪ :‬اسل‬
‫فسقطت ألف الوصل لتحرك السين‪ .‬قال الله عّز وجل "‬
‫سل بني إسرائيل "‪.‬‬
‫ومن ذلك ما كانت الياء والواو فيه عينا ؛ قال‪ ،‬وباع‪ ،‬لنك‬
‫تقول‪ :‬يقول‪ ،‬ويبيع فتحول حركة العين على الفاء‪.‬‬
‫فإذا أمرت قلت‪ :‬قل‪ ،‬وبع ؛ لنهما متحركتان‪.‬‬
‫ولو كانتا على الصل لقلت‪ :‬قول‪ ،‬وبيع على مثال قتل‪،‬‬
‫وضرب‪ .‬يقول‪ ،‬ويبيع على مثال يقتل‪ ،‬ويضرب‪ ،‬ولقلت‪:‬‬
‫أقول ؛ كما تقول‪ :‬اقتل‪ ،‬وقلت‪ :‬ابيع ؛ كما تقول‪ :‬اضرب‬
‫لسكون الحرف‪.‬‬
‫ومن ذلك ما كانت فاؤه واوا ووقع مضارعه على ي َْفِعل ؛‬
‫لنك تحذف الواو التي هي فاٌء‪ ،‬فتستأنف العين متحركة‪،‬‬
‫ن ؛ لنهما من وعد‪ ،‬ووزن‪ ،‬يعد‪ ،‬ويزن‬
‫فتقول‪ِ :‬‬
‫د‪ ،‬وزِ ْ‬
‫ع ْ‬
‫ففاؤهما واو تذهب في ي َْفِعل‪ .‬وإنما المر من الفعل‬
‫المستقبل‪ ،‬لنك إنما تأمره بما لم يقع‪ .‬وكل ما جاءك من‬
‫ذا فعلى هذا فقس إن شاء الله‪.‬‬
‫ومن ألفات الوصل اللف التي تلحق مع اللم للتعريف‬
‫وزعم الخليل أنها كلمة بمنزلة قد تنفصل بنفسها‪ .‬وأنها‬
‫في السماء بمنزلة سوف في الفعال‪ .‬لنك إذا قلت‪:‬‬
‫جاءني رجل فقد ذكرت منكورا‪ ،‬فإذا أدخلت للف واللم‬
‫صار معرفة معهودا‪.‬‬
‫وإذا قلت‪ :‬زيد يأكل فأنت مبهم على السامع‪ ،‬ل يدري أهو‬
‫في حال أكل أم يوقع ذلك فيما يستقبل ? فإذا قلت‪:‬‬
‫سيأكل‪ ،‬أو سوف يأكل فقد أبنت أنه لما يستقبل‪.‬‬
‫ولو احتاج شاعر إلى فصل اللف واللم لستقام ذلك‪.‬‬
‫وكان جائزا للضرورة‪ ،‬كما يجوز مثله في سوف‪ ،‬وقّلما‪،‬‬

‫‪41‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وقد‪ ،‬ونحوها من الحروف التي تكون أصل للفعال كما‬
‫قال حيث اضطر الشاعر‪:‬‬
‫وصا ٌ‬
‫ل على طول‬
‫صددت فأطولت‬
‫الصدود يدوم‬
‫الصدود وقلما‬
‫وإنما قلما للفعل‪ .‬وعلى هذا قال الشاعر حيث اضطر‪:‬‬
‫بالشحم إنا قد مللناه‬
‫دع ذا وعجل ذا‬
‫بجـل‬
‫وألحقنا بذل‬
‫ففصل اللف واللم على أّنه قد ردهما في البيت الثاني‪.‬‬
‫ن هذه اللف إذا اتصلت بالسم الذي‬
‫وقد شرحت لك أ ّ‬
‫فيه كلم قبله سقطت إذ كانت زائدة‪ ،‬لسكون ما بعدها‪.‬‬
‫تقول‪ :‬أستخرجت من زيد مال ? إذا كنت مستفهما ؛ لن‬
‫م‬
‫ألف الستفهام لما دخلت سقطت ألف الوصل‪ ،‬فمن ث ّ‬
‫ظهرت ألف الستفهام مفتوحة‪ .‬قال الله عز وجل " سواءٌ‬
‫عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم " فذهبت ألف‬
‫الوصل‪.‬‬
‫فإن لحقت ألف الستفهام ألف الوصل التي مع اللم لم‬
‫تحذف ؛ لنها مفتوحة‪ ،‬فلو حذفت لم يكن بين الستفهام‬
‫والخبر فصل‪ ،‬ولكنها تجعل مدة‪ .‬فتقول‪ :‬آلرجل قال‬
‫ذاك ? آلغلم ضربك ? وكذا حكم ك ّ‬
‫ل ألف وصل تقع‬
‫ة‪ .‬ول نعرفها مفتوحة إل التي مع اللم‪ ،‬وألف ايم‬
‫مفتوح ٌ‬
‫التي تقع في القسم ؛ فإنك إذا استفهمت عنها قلت‪ :‬آيم‬
‫الله لقد كان ذاك ? والعلة الفرق بين الخبر والستخبار‪.‬‬
‫هذا باب تفسير بنات الربعةمن السماء‬
‫والفعال بما يلحقها من الزوائد‬
‫فالسم من بنات الربعة يكون على مثال فُعُْلول‪ .‬وذلك ؛‬
‫نحو قولك‪ :‬عصفور‪ ،‬وزنبور فالواو وحدها زائدة‪.‬‬
‫ويكون على مثال فِعِْليل ؛ نحو دهليز‪ ،‬وقنديل‪.‬‬
‫ويكون على مثال فِْعلل ؛ نحو سرداح‪ ،‬وحملق‪.‬‬
‫ويكون على مثال ُفعاِلل‪ ،‬نحو عذافر‪ ،‬وعلبط‪.‬‬
‫وتلحق الفعال الزوائد‪ .‬فيكون على مثال ت ََفعْل َ َ‬
‫ل‪ .‬وذلك ؛‬
‫دى ؛ لنه في‬
‫نحو‪ :‬تدحرج‪ ،‬وتسرهف وهذا مثال ل يتع ّ‬

‫‪42‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫معنى النفعال وذلك قولك‪ :‬دحرجته فتدحرج‪ ،‬وسرهفته‬
‫فتسرهف‪.‬‬
‫ويكون بالزوائد على مثال افْعََلل وذلك‪ ،‬نحو احرنجم‪،‬‬
‫واخرنطم وألف هذا موصولة ؛ لنك إذا قلت‪ :‬يحرنجم‬
‫فتحت الياء‪.‬‬
‫وقد مضى تفسير هذا‪ .‬وفيما كتب لك دليل على المعرفة‬
‫بموضع الزوائد‪.‬‬
‫هذا باب ما كان فاؤه واوا ً من الثلثة‬
‫اعلم أن هذه الواو إذا كان الفعل على ي َْفِعل سقطت في‬
‫المضارع‪ .‬وذلك قولك‪ :‬وعد يعد‪ ،‬ووجد يجد‪ ،‬ووسم يسم‪.‬‬
‫وسقوطها ؛ لنها وقعت موقعا تمتنع فيه الواوات‪.‬‬
‫وذلك أنها بين ياء وكسرة وجعلت حروف المضارع الخر‬
‫توابع للياء ؛ لئل ّ يختلف الباب ولنه يلزم الحروف ما لزم‬
‫حرفا منها ؛ إذ كان مجازها واحدا‪.‬‬
‫وقد بينت لك أنه إذا اعتل الفعل اعتل المصدر إذا كان‬
‫فيه مثل ما يكون في الفعل‪.‬‬
‫ل ثبتت‬
‫فإن كان المصدر من هذا الفعل على مثال فَعْ ٍ‬
‫واوه ؛ لنه ل علة فيها‪ .‬وذلك قولك‪ :‬وعدته وعدا‪ ،‬ووصلته‬
‫وصل‪.‬‬
‫وإن بنيت المصدر على فِعَْلة لزمه حذف الواو ؛ وكان ذلك‬
‫للكسرة في الواو‪ ،‬وأنه مصدر فِْعل معتل محذوف‪.‬‬
‫ة‪ ،‬ووزنته زنة‪.‬‬
‫وذلك قولك‪ :‬وعدته عد ً‬
‫وكان الصل وعدة‪ ،‬ووزنة‪ ،‬ولكنك ألقيت حركة الواو على‬
‫العين ؛ لن العين كانت ساكنة‪ ،‬ول يبتدأ بحرف ساكن‪.‬‬
‫والهاء لزمة لهذا المصدر ؛ لنها عوض مما حذف ؛ أل‬
‫ترى أنك تقول‪ :‬أكرمته إكراما‪ ،‬وأحسنت إحسانا‪ .‬فإن‬
‫اعت ّ‬
‫ل المصدر لحقته الهاء عوضا لما ذهب منه‪ .‬وذلك‬
‫ح لقلت فيه‪:‬‬
‫ة‪ ،‬وأقمت إقام ً‬
‫قولك‪ :‬أردت إراد ً‬
‫ة‪ .‬ولو ص ّ‬
‫أقومت إقواما‪ ،‬ولم تحتج إلى الهاء‪ .‬وكذلك عدة‪ ،‬وزنة‪.‬‬
‫ولو بنيت اسما على فِعَْلة غير مصدر لم تحذف منه شيئا ً ؛‬
‫نحو قولك‪ :‬وجهة ؛ لنه ل يقع فيه فَعل ي َْفِعل‪ ،‬وإن كان‬
‫في معنى المصادر‪.‬‬

‫‪43‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وإنما اعتل المصدر للكسرة‪ ،‬واعتلل فعله‪ .‬فإن انفرد به‬
‫أحدهما لم يعتلل‪ ،‬أل ترى أنك تقول‪ :‬وعدته وعدا‪.‬‬
‫ومثل ذلك خوان‪ ،‬لم تنقلب واوه ياًء‪ ،‬لنه ليس بمصدر‪.‬‬
‫وكذلك الجوار ل يعت ّ‬
‫ح كما‬
‫ل‪ ،‬لنه مصدر جاورت ؛ فيص ّ‬
‫صح فعله‪.‬‬
‫وتقول‪ :‬قمت قياما‪ ،‬فيعتل المصدر لعتلل فعله‪،‬‬
‫ح المصدر ؛‬
‫والكسرة التي فيه‪ .‬واو قلت‪ :‬قلت قول لص ّ‬
‫لنه ل عّلة فيه‪ ،‬وهو بمنزلة وعدا من وعدت‪.‬‬
‫فإن كان الفعل على فِعَ َ‬
‫ل كان مضارعه صحيحا إذا كان‬
‫على ي َْفَعل وذلك قولك‪ :‬وجل يوجل‪ ،‬ووحل يوحل‪ ،‬ووجع‬
‫الرجل يوجع‪ ،‬لن الواو لم تقع بين ياٍء‪ ،‬وكسرة‪.‬‬
‫وثبات الواو بعد الياء إذا لم تكن كسرة غير منكر كقولك‪:‬‬
‫يوم‪ ،‬وما أشبهه‪ .‬وقد استنكر ذلك بعضهم‪ .‬وله وجه من‬
‫القياس‪ .‬فقالوا‪ :‬يبجل‪ ،‬وييحل‪ .‬وليس ذلك بجيد ؛ لن‬
‫القلب إنما يجب إذا سكن أول الحرفين‪ ،‬نحو‪ :‬سيد‪،‬‬
‫وميت‪ .‬وأصلهما سيود‪ ،‬وميوت ؛ لنه من ساد يسود‪،‬‬
‫ومات يموت‪ .‬وكذلك لّية‪ .‬إنما هي لوية‪ ،‬لنها من لويت‪.‬‬
‫وقال قوم‪ :‬نكسر أوائل المضارعة‪ ،‬لتنقلب الواو ياًء ؛ لن‬
‫الواو الساكنة إذا انكسر ما قبلها انقلبت ياًء‪ ،‬كما ذكرت‬
‫لك في ميزان‪ ،‬وميعاد‪ ،‬فقالوا‪ :‬نقول‪ :‬ييجل‪ ،‬وييحل‪.‬‬
‫ولو كسروا الحرف الثلثة‪ :‬الهمزة والتاء والنون‪ ،‬لكان‬
‫قياسا على قولك بالكسر في باب فَِعل كّله إذا قلت‪ :‬أنا‬
‫إعلم‪ ،‬وأنت تعلم‪ .‬ولكن لما كسروا الياء في ييجل علمنا‬
‫أن ذلك ؛ لتنقلب الواو ولول ذلك لم يكسروا الياء وهذا‬
‫قبيح لدخالهم الكسر في الياء‪.‬‬
‫وقال قوم ‪ -‬وهم أهل الحجاز ‪ :-‬نبدلها على ما قبلها‬
‫فنقول‪ :‬يا جل ويا حل‪ .‬وهم الذين يقولون‪ :‬موتعد‪،‬‬
‫وموتزن‪ ،‬ويا تعد ويا تزن‪.‬‬
‫وهذا قبيح ؛ لن الياء والواو إنما تبدلن إذا انفتح ما‬
‫قبلهما‪ ،‬وك ّ‬
‫ل واحدة منهما في موضع حركة ؛ نحو‪ :‬قال‪،‬‬
‫وباع‪ ،‬وغزا‪ ،‬ورمى‪.‬‬
‫فأما إذا سكنا وقبل ك ّ‬
‫ة فإنهما غير‬
‫ل واحدة منهما فتح ٌ‬

‫‪44‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫مغيرتين ؛ نحو قولك‪ :‬قول‪ ،‬وبيع‪ .‬وكذا إن سكن ما قبلهما‬
‫لم تغيرا ؛ كقولك‪ :‬رمى‪ ،‬وغزو‪.‬‬
‫وإنما القياس‪ ،‬والقول المختار يوجل‪ ،‬ويوحل‪ .‬وهذه‬
‫القاويل الثلثة جائزة على بعد‪.‬‬
‫هذا باب ما لحقته الزوائد من هذا الباب‬
‫مفت َْعل ما تصرف منه فإن‬
‫اعلم أنك إذا قلت‪ :‬افْت ََعل‪ ،‬و ُ‬
‫الواو من هذا الباب تقلب فيه تاًء‪ .‬وذلك الختيار‪ ،‬والقول‬
‫الصحيح‪.‬‬
‫وإنما فعلوا ذلك‪ ،‬لن التاء من حروف الزوائد والبدل‪.‬‬
‫وهي أقرب الزوائد من الفم إلى حروف الشفة ‪.‬‬
‫فإن قلت‪ :‬إن السين من حروف البدل فسنبين أن السين‬
‫ليست من حروف البدل‪ ،‬وإنما تلزم استفعل‪ ،‬وما تصرف‬
‫منه‪ .‬وقد مضى تفسير هذا‪.‬‬
‫وقد كانت التاء تبدل من الواو في غير هذا الباب في مثل‬
‫قولك‪ :‬أتلج وإنما هو من ولج‪.‬‬
‫وكذلك فلن تجاه فلن‪ ،‬وهو ُفعال من الوجه‪ ،‬والتراث من‬
‫ورثت‪ .‬والتخمة من الوخامة‪ .‬وهذا أكثر من أن يحصى‪.‬‬
‫فلما صرت إلى افتعل من الواو كرهوا ترك الواو على‬
‫لفظها‪ ،‬لما يلزمها من النقلب بالحركات قبلها‪ .‬وكانت‬
‫بعدها تاء لزمة‪ ،‬فقبلوها تاًء‪ ،‬وأدغموها في التاء التي‬
‫بعدها‪ .‬وذلك قولك‪ :‬اتعد‪ ،‬واتزن‪ ،‬ومتعد‪ ،‬ومتزن‪ ،‬ومتجل‬
‫من وجلت‪.‬‬
‫ة للواو فيما فاؤه واٌو‬
‫وكانت الياء من قبل الزوائد مخالف ً‬
‫وذلك قولك‪ :‬يبس ويئس إذا قلت‪ :‬ييبس وييئس وكذلك ما‬
‫كان فعَ َ‬
‫ل منه مفتوحا‪ ،‬نحو يعر الجدى ييعر‪ ،‬وينع يينع‪ ،‬لم‬
‫تحذف الياء لوقوعها بين الياء والكسرة‪ ،‬لنه ليس فيها ما‬
‫في الواو‪ .‬فلذلك ثبت‪ ،‬كما ثبتت ضاد يضرب‪ ،‬وعين‬
‫ي َْفَعل ‪.‬‬
‫فمن قال في يبس‪ ،‬ويئس‪ :‬ييبس‪ ،‬وييأس فهو على قياس‬
‫من قال‪ :‬يوجل‪.‬‬
‫وبعض ما يقول‪ :‬يا جل يقول‪ :‬ياءس ويابس‪ .‬وهذا ردىء‬
‫جدًا‪.‬‬

‫‪45‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫مْفت َِعل صارت الياء في البدل‬
‫فإذا صرت إلى باب ي َْفت َِعل‪ ،‬و ُ‬
‫كالواو تقول‪ :‬متبس‪ ،‬ومتئس ‪.‬‬
‫وإنما صارت كذلك‪ ،‬لن الياء إذا انضم ما قبلها صارت‬
‫واوا‪ ،‬لسكونها‪ ،‬فالتبست بالواو ولن الواو إذا انكسر ما‬
‫قبلها صارت ياًء‪ ،‬أل ترى أنك تقول‪ :‬موسر‪ ،‬وموقن‪.‬‬
‫فتقلب الياء واوا‪ ،‬كما فعلت ذلك بالواو في ميزان‪ .‬فقد‬
‫خرجنا في مْفَتعل إلى باب واحد فأما من يقول‪ :‬يا جل‬
‫فإنه يقول‪ :‬ياتئس‪ ،‬وياتزن‪ ،‬وموتئس‪ ،‬وموتزن‪.‬‬
‫فإذا أراد افتعل قال‪ :‬ايتزن الرجل‪ .‬ويقول‪ :‬ايتبس إذا‬
‫أرادوا افتعل من اليبس‪ .‬ويقيس هذا أجمع على ما‬
‫وصفت لك وهو قول أهل الحجاز‪ .‬ولصل والقياس ما‬
‫بدأنا به‪.‬‬
‫والضمة مستثقلة في الواو‪ ،‬لنها من مخرجها‪ ،‬وهما جميعا‬
‫من أقل المخارج حروفا‪ .‬ونبين هذا في بابه إن شاء الله ‪.‬‬
‫فمتى انضمت الواو من غير علة فهمزها جائز‪ .‬وذلك‬
‫قولك في وجوع‪ :‬أجوه‪ ،‬وفي وعد‪ :‬أعد‪.‬‬
‫ومن ذلك قوله" وإذا الرسل أقتت " إنما هي فُّعلت من‬
‫الوقت‪ ،‬وكان أصلها وقتت‪.‬‬
‫وأما قولنا‪ :‬إذا انضمت لغير علة‪ ،‬فإن العلة أن يحدث فيها‬
‫حادث إعراب وذلك قولك‪ :‬هذا غزوٌ وعدو‪.‬‬
‫ويكون للتقاء الساكنين كقولك‪ :‬اخشوا الرجل " لترون‬
‫الجحيم " " ول تنسوا الفضل بينكم "‪.‬‬
‫وإنما وجب في الول ما لم يجب في هذا‪ ،‬لن الضمة‬
‫هناك لزمة‪.‬‬
‫م فاعله‪.‬‬
‫تقول‪ :‬وُ ِ‬
‫ع َ‬
‫د‪ ،‬فل تزايلها الضمة ما كانت لما لم يس ّ‬
‫وفي قولك‪ :‬وجوه ل يكون على غير هذه البنية‪ .‬وكذلك‬
‫ك ّ‬
‫مته عل هذه البنية‪.‬‬
‫ل ما كانت ض ّ‬
‫فأما من ضم للعراب فإن ضمته لعلة‪ ،‬متى زالت تلك‬
‫العلة زالت الضمة‪ .‬تقول‪ :‬هذا غزٌو‪ .‬ورأيت غزوًا‪ ،‬ومررت‬
‫بغزو‪ ،‬فالضمة مفارقة‪.‬‬
‫وكذلك ما ضم للتقاء الساكنين ؛‪ :‬إنما ضمته إذا وقع إلى‬
‫جانب الواو ساكن‪ ،‬نحو اخشوا الرجل‪ .‬فإن وقع بعدها‬

‫‪46‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫متحّرك زالت الضمة ؛ نحو قولك‪ :‬اخشوا زيدا‪ ،‬واخشوا‬
‫عبد الله‪.‬‬
‫فإن انكسرت الواو أّول فهمزها جائز‪ .‬ول تهمزها مكسورةً‬
‫غير أول‪ ،‬لعلةٍ نذكرها إن شاء الله‪.‬‬
‫وذلك في قولك وسادة‪ :‬إسادة‪ ،‬وفي وشاح‪ :‬إشاح‪.‬‬
‫وإن التقت في أول الكلمة واوان ليست إحداهما للمد ّ لم‬
‫يكن بد ّ من همز الولى ؛ إذ كنت مخيرا في همز الواو إذا‬
‫انضمت‪.‬‬
‫َ‬
‫صل‪ .‬وكان أصلها‪:‬‬
‫وذلك قولك في تصغير واصل‪ :‬أوَي ْ َ‬
‫صل ؛ لن في واصل ؛ لن في واصل واوا‪ ،‬وألف فاعل‬
‫وُوَي ْ ِ‬
‫تبدل في التصغير واوا‪ .‬تقول في ضارب‪ :‬ضويرب‪.‬‬
‫وجمع التكسير بمنزلة التصغير‪ .‬وذلك قولك في جمع‬
‫ضاربة‪ :‬ضوارب‪ .‬فتقلب اللف واوا‪ ،‬فاجتمعت في واصل‬
‫واوان إذا صغرته‪ ،‬أو جمعت واصلة‪ ،‬تقول في جمعها‪:‬‬
‫أواصل‪.‬‬
‫وكذلك تصغير واقد‪.‬‬
‫عل لقلت‪ :‬أوعد‪ .‬وكان أصلها‬
‫ولو قيل لك‪ :‬ابن من وعد فَوْ َ‬
‫عل‪ ،‬فهمزت‬
‫ووعد ؛ لن واوا من الصل‪ ،‬وبعدها واو وفَوْ َ‬
‫الولى على ما وصفت لك‪.‬‬
‫دة فإن المدة اللف‪،‬‬
‫وأما قولنا‪ :‬إل ّ أن تكون الثانية م ّ‬
‫والياء المكسور ما قبلها‪ ،‬والواو المضموم ما قبلها‪.‬‬
‫فإذا التقت واو في أول الكلم إلى جانبها واو‪ ،‬والولى‬
‫مضمومة ‪ -‬فإن شئت همزة الولى لضمها‪ ،‬ول يكون ذلك‬
‫لزما ً ؛ لن الواو التي هي مدة ليست بلزمة‪ .‬وذلك إذا‬
‫ع َ‬
‫ل من قاولت ومن وعدت‬
‫أردت مثل قوول زيد‪ ،‬وهو ُفو ِ‬
‫تقول‪ :‬ووعد زيد‪ .‬وإن شئت همزت الواو لضمها‪ ،‬وليست‬
‫من أجل اجتماع الواوين ؛ لو كان لذلك لم يجز إل الهمز‪،‬‬
‫ولكن المدة بدل من ألف واعد‪ ،‬وليست بلزمة‪ ،‬إنما‬
‫م فاعله‪ .‬ومثل ذلك‬
‫انقلبت واوا لما أردت بناء ما لم يس ّ‬
‫قول الله عز وجل " ماووري عنهما من سوآتهما " ؛ واو‬
‫كان غير القرآن لكان همز الواحد جائزا‪.‬‬

‫‪47‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وأما الياء فل يلحقها من الهمز ما يلحق الواو لخروجها من‬
‫العلة وصحتها فيما تعتل فيه الواو من باب وعدت‪.‬‬
‫هذا باب الواو أو الياء منه في موضع العين من الفعل‬
‫فإذا كانت واحدة منهما عينا وهي ثانية فحكمها أن تنقلب‬
‫ألفا في قولك‪ :‬فعَ َ‬
‫ل‪ .‬وذلك نحو قولك‪ :‬قال‪ ،‬وباع‪.‬‬
‫وإنما انقلبت ؛ لنها في موضع حركة‪ ،‬وقد انفتح ما قبلها‪.‬‬
‫وقد تقدم قولنا في هذا‪.‬‬
‫ن يفعل منه‬
‫فإذا قلت‪ :‬ي َْفعل فما كان من بنات الواو فإ ّ‬
‫يكون على ي َْفُعل كما كان قتل يقتل‪ ،‬ول يقع على خلف‬
‫ذلك‪ .‬لتظهر الواو‪ .‬وذلك قولك‪ :‬قال يقول‪ ،‬وجال يجول‪،‬‬
‫وعاق يعوق‪.‬‬
‫وكان الصل يعوق‪ ،‬ويجول مثل يقتل‪ .‬ولكن لما سكنت‬
‫العين في فَعَ َ‬
‫ل سكنت في يْفُعل‪ ،‬لئل يختلف الِفْعلن‪ .‬أل‬
‫ترى أنك تقول‪ :‬دعي‪ ،‬فتقلب الواو ياًء لكسرة ما قبلها‪.‬‬
‫فإذا قلت‪ :‬يدعى كانت ألفها منقلبة من ياٍء‪ .‬ويدّلك على‬
‫ذلك قولك‪ :‬هما يدعيان‪ ،‬فإنما انقلبت في يدعيان إتباعا‬
‫لدعي‪ ،‬فكذلك ما ذكرت لك‪ .‬وتبين هذا موضعه بغير ما‬
‫ذكرنا من الحجج إن شاء الله‪.‬‬
‫وإذا قلت‪ :‬ي َْفعل في فَعَ َ‬
‫ل من الياء كان على ي َْفِعل كما‬
‫كان ضرب يضرب‪ .‬ولم يبن على غير ذلك لتسلم الياء‪.‬‬
‫وذلك قولك‪ :‬باع يبيع‪ ،‬وكال يكيل‪ ،‬فأسكنت الياء من‬
‫الصل من قولك‪ :‬يبيع‪ ،‬ويكيل‪.‬‬
‫فإذا قلت‪ :‬فعلت من الواو لزمك أن تلقى حركة العين‬
‫على الفاء‪ ،‬كما فعلت ذلك في ي َْفُعل‪ ،‬وتسقط حركة‬
‫الفاء‪ ،‬إل أنك تفعل ذلك بعد أن تنقلها من فَعَْلت إلى‬
‫فَعُْلت لتد ّ‬
‫ل الضمة على الواو ؛ لنك لو أقررتها على حالها‬
‫لستوت ذوات الواو وذوات الياء‪ .‬وذلك قولك‪ :‬قلت‪،‬‬
‫وجلت‪.‬‬
‫فإن قال قائل‪ :‬إنما قلت فَعُْلت في الصل وليست‬
‫منقلبة‪ .‬قيل له‪ :‬الدليل على أنها فََعلت قولك‪ :‬الحق قلته‪،‬‬
‫ولو كانت في الصل فَعُْلت لم يتعد إلى مفعول‪ .‬لن‬
‫فَُعلت إنما هو فعل الفاعل في نفسه ؛ أل ترى أنك ل‬

‫‪48‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫تقول‪ :‬كرمته‪ ،‬ول شرفته‪ ،‬ول في شيٍء من هذا الباب‬
‫بالتعدي‪.‬‬
‫وإذا قلت‪ :‬فَعَْلت من الياء نقلتها إلى فَعِْلت لتدل الكسرة‬
‫على الياء ؛ كما دّلت الضمة على الواو‪ .‬وذلك قولك‪:‬‬
‫بعت‪ ،‬وكلت‪.‬‬
‫فإن قال قائل‪ :‬ما تنكر من أن تكون فَِعلت في الصل ?‬
‫قيل‪ :‬لن مضارعها ي َْفِعل‪ .‬تقول‪ :‬باع يبيع‪ ،‬وكال يكيل‪.‬‬
‫ولو كانت فَعِ َ‬
‫ل لكان مضارعها ي َْفَعل ؛ نحو شرب يشرب‪،‬‬
‫وعلم يعلم‪.‬‬
‫وقد تدخل فَِعل على ذوات الياء والواو‪ ،‬وهما عينان‪ ،‬كما‬
‫دخلن عليهما وهما لمان في قولك‪ :‬لقي‪ ،‬وشقى‪ ،‬وغبي‪،‬‬
‫وذلك قولك‪ :‬خفت‪ ،‬وهبت‪ ،‬إنما فَِعلت في الصل‪ ،‬يدلك‬
‫على ذلك يخاف‪ ،‬ويهاب‪.‬‬
‫فإن قال قائل‪ :‬فلم ل نقلت خفت إلى فَعُْلت ؛ لنها من‬
‫الواو فتنقلها من فَِعل إلى فَُعل ? قيل‪ :‬إنما جاز في فََعل‬
‫التحويل ؛ لختلف مضارعه ؛ لن ما كان على فََعل وقع‬
‫مضارعه على ي َْفِعل‪ ،‬وي َْفُعل و ي َْفَعل إن كان فيه حرف من‬
‫حروف الحلق ؛ نحو‪ :‬صنع يصنع‪ ،‬وذهب يذهب‪.‬‬
‫وما كان من فَِعل في َْفَعل لزم له‪ .‬وقد ذكرت لك لزوم‬
‫حته ؛ أعني المضارع‬
‫ل بعضه بعضا في اعتلله وص ّ‬
‫الِفعْ ِ‬
‫والماضي‪.‬‬
‫هذا باب اسم الفاعل والمفعول من هذا الفعل‬
‫فإن بنيت فاعل من قلت‪ ،‬وبعت لزمك أن تهمز موضع‬
‫العين ؛ لنك تبنيه من فِْعل معت ّ‬
‫ل‪ ،‬فاعتل اسم الفاعل‬
‫لعتلله فِْعله‪ ،‬ولزم أن تكون علته قلب ك ّ‬
‫ل واحد من‬
‫الحرفين همزة‪ ،‬وذلك قولك‪ :‬قائل‪ ،‬وبائع ؛ وذاك أنه كان‬
‫عل قبل هذه المنقلبة ؛ فلما‬
‫قال‪ :‬وباع‪ ،‬فأدخلت ألف فا ِ‬
‫التقت ألفان ‪ -‬واللفان ل تكونان إل ّ ساكنتين لزمك‬
‫الحذف للتقاء الساكنين‪ ،‬أو التحريك‪ .‬فلو حذفت للتبس‬
‫الكلم‪ ،‬وذهب البناء‪ ،‬وصار السم على لفظ الفعل‪ ،‬تقول‬
‫فيهما‪ :‬قا ٌ‬
‫ل‪ :‬فحركت العين لن أصلها الحركة‪ ،‬واللف إذا‬
‫حركت صارت همزة‪ .‬وذلك قولك‪ :‬قائل‪ ،‬وبائع‪.‬‬

‫‪49‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫فإن قلت فما بالك تقول‪ :‬هو عاور غدا وجملك صايدا غدا‬
‫من الصيد ? قيل‪ :‬صح الفاعل لصحة فِْعله ؛ لنك تقول‬
‫عور‪ ،‬وصيد‪ ،‬وحول‪ ،‬وصيد البعير يصيد فتقول‪ :‬ما باله‬
‫يصح ول يكون كقال‪ ،‬وباع ? قيل‪ :‬لنه منقول مما لبد أن‬
‫يجري على الصل لسكون ما قبله‪ .‬وما بعده‪ .‬وذلك‬
‫قولك‪ :‬اعوّر‪ ،‬واحو ّ‬
‫ل ؛ فإنما عور‪ ،‬وحول منقول من هذا ؛‬
‫أل ترى أنك تقول‪ :‬اختار الرجل‪ ،‬وابتاع‪ ،‬ثم تقول‪ :‬اعتونوا‪،‬‬
‫وازدوجوا‪ ،‬فيصح ؛ لنه منقول من تعاونوا‪ ،‬وتزاوجوا ؛ لن‬
‫هذا ل يكون للواحد‪.‬‬
‫فإن بنيت مفعول من الياء أو الواو‪ ،‬قلت في ذوات الواو‪:‬‬
‫كلم مقو ٌ‬
‫ل‪ ،‬وخاتم مصوغ‬
‫وفي ذوات الياء‪ :‬ثوب مبيع‪ ،‬وطعام مكيل‪ ،‬وكان الصل‬
‫مكيول‪ ،‬ومقوول‪ ،‬ولكن لما كانت العين ساكنة كسكونها‬
‫في يقول‪ ،‬ولحقتها واو مفعول‪ ،‬حذفت إحدى الواوين‬
‫للتقاء الساكنين‪.‬‬
‫ومبيع لحقت الواو ياًء وهي ساكنة‪ ،‬فحذفت إحداهما ؛‬
‫للتقاء الساكنين‪.‬‬
‫فأما سيبويه‪ ،‬والخليل فإنهما يزعمان أن المحذوف واو‬
‫مفعول ؛ لنها زائدة‪ .‬والتي قبلها أصلّية‪ ،‬فكانت الزيادة‬
‫أولى بالحذف‪ .‬والدليل على هذا عندهما مبيع ؛ فلو كانت‬
‫الواو ثابتة والياء ذاهبة لقالوا‪ :‬مبوع‪.‬‬
‫وأما الخفش فكان يقول‪ :‬المحذوفة عين الفعل ؛ لنه إذا‬
‫التقى ساكنان حذف الول‪ ،‬أو حّرك للتقاء الساكنين‪.‬‬
‫فقيل للخفش‪ :‬فإن كان الول المحذوف فقل في مبيع‪:‬‬
‫مبوع ؛ لن الياء من مبيع ذهبت والباقية واو مفعول‪.‬‬
‫فقال‪ :‬قد علمنا أن الصل كان مبيوع‪ ،‬ثم طرحنا حركة‬
‫الياء على الباء التي قبلها ؛ كما فعلنا في يبيع‪ ،‬وكانت الياء‬
‫في مبيوع مضمومة‪ ،‬فانضمت الباء‪ ،‬وسكنت الباء‪ ،‬فأبدلنا‬
‫من الضمة كسرة لتثبت الياء‪ ،‬ثم حذفنا للتقاء الساكنين‪،‬‬
‫فصادفت الكسرة واو مفعول‪ ،‬فقلبتها ؛ كما تقلب‬
‫الكسرة واو ميزان‪ ،‬وميعاد‪ .‬وقوله‪ " :‬أبدلنا من الضمة‬
‫كسرة لتثبت الياء " إنما يريد كما فُِعل في بيض‪ ،‬لن بيضا‬

‫‪50‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫أصله فُْعل جميع فعل ً جمع أ َفَْعل الذي يكون نعتا ؛ كقولك‪:‬‬
‫أحمر وحمر‪ ،‬وأصفر‪ ،‬وصفر فكذا القياس في أبيض ولكن‬
‫مة كسرة‪.‬‬
‫أبدلوا من الض ّ‬
‫فقيل للخفش‪ :‬قد تركت قولك‪ ،‬لنه يزعم أنه َيفَعل ذلك‬
‫في الجمع‪ ،‬ول يفعله في الواحد‪ ،‬لعله نذكرها في باب‬
‫الجمع إن شاء الله‪ ،‬وكان يقول‪ :‬لو صغت فُْعل من البياض‬
‫تريد به واحدا لقلت‪ :‬بوض‪.‬‬
‫فأما سيبويه والخليل وغيرهما من النحويين البصريين‬
‫مْفُعة‪ ،‬ويجوز أن تكون‬
‫فيقولون‪ :‬معيشة يجوز أن تكون َ‬
‫مْفِعلة ولكن تقلب ضمتها كسرة حتى تصح الباء‪ ،‬كما‬
‫َ‬
‫قالوا في بيض‪.‬‬
‫وكذلك قولهم في ديك‪ ،‬وقيل يجوز أن يكون فِْعل‪ .‬ويجوز‬
‫أن يكون فُْعل‪ ،‬ل يفرقون في ذلك بين الواحد والجمع‪.‬‬
‫فإذا اضطر شاعر جاز له أن يرد مبيعا وجميع بابه إلى‬
‫الصل‪ ،‬فيقول‪ :‬مبيوع ؛ كما قال علقمة بن عبدة‪:‬‬
‫يوم الرذاذ عليه‬
‫ت‬
‫حتى تذكر بيضا ٍ‬
‫الدجن مغيوم‬
‫وهيجـه‬
‫وأنشد أبو عمرو بن العلء‪:‬‬
‫ة‬
‫ة مطيوب ٌ‬
‫وكأنها تفاح ٌ‬
‫وقال آخر‪:‬‬
‫نبئت قومك يزعمونك وإخال أنك سيد ٌ‬
‫مغـيون‬
‫سيدا‬
‫ة للضمة بين‬
‫فأما الواو فإن ذلك ل يجوز فيها‪ ،‬كراهي ٌ‬
‫الواوين ؛ وذلك أنه كان يلزمه أن يقول‪ :‬مقوول‪ ،‬فلهذا لم‬
‫يجز في الواو ما جاز في الياء‪.‬‬
‫هذا قول البصريين أجمعين‪ ،‬ولست أراه ممتنعا عند‬
‫الضرورة‪ ،‬إذ كان قد جاء في الكلم مثله‪ ،‬ولكنه يعتل‬
‫لعتلل الِفْعل‪ .‬والذي جاء في الكلم ليس على فِْعل‪ ،‬فإذا‬
‫اضطر الشاعر أجرى هذا على ذاك‪.‬‬
‫فمما جاء قولهم‪ :‬النوور‪ ،‬وقولهم‪ :‬سرت سوورا ونحوه‪،‬‬
‫قال أبو ذئيب‪:‬‬
‫كلون النؤور وهي‬
‫وغير ماء المرد فاها‬

‫‪51‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫أدماء سارها‬

‫فلـونـه‬
‫وقال العجاج‪:‬‬
‫ن عينيه من الغوور‬
‫كأ ّ‬
‫مْفعول من الواو لن فيه واوين وضمتين‪.‬‬
‫وهذا أثقل من َ‬
‫وإنما ثم واوان بينهما ضمة‪.‬‬
‫هذا باب ما لحقته الزوائد من هذه الفعال‬
‫اعلم أن أصل الفعل من الثلثة فَعَ َ‬
‫ل فمتى لحقته زائدة‬
‫فإنها تلحقه بعد اعتلله‪ ،‬أو صحته ‪.‬‬
‫فما كان معتل ً وقبل يائه أو واوه حرف متحرك‪ ،‬فقصته‬
‫قصة فَعَ َ‬
‫ل في النقلب‪ .‬وإن كان قبل كل واحد منهما‬
‫ساكن طرحت حركة حرف المعتل على الساكن الذي‬
‫قبلها لئل يلتقي ساكنان ؛ لنك إذا سلبت المعتل حركته‬
‫سكن‪ ،‬وأبدلته ؛ لن الزيادة إنما لحقته بعد أن ثبت فيه‬
‫حكم البدل ‪.‬‬
‫فمن ذلك أن تلحقه الهمزة في أوله فتقول‪ :‬أقام‪،‬‬
‫وأصاب‪ ،‬وأجاد‪ ،‬ونحو ذلك‪ .‬والصل أقوم‪ ،‬وأجود‪ ،‬كما أن‬
‫أصل قال قول‪ ،‬وأصل باع بيع‪ .‬فطرحت حركة الواو‪،‬‬
‫والياء على موضع الفاء من الفعل‪ ،‬وقلبت التي تطرح‬
‫حركتها إلى الحرف الذي حركتها منه‪ :‬إن كانت مفتوحة‬
‫قلبتها ألفًا‪ ،‬وإن كانت مضمومة قلبتها واوًا‪ ،‬وإن كانت‬
‫مكسورة قلبتها ياًء ‪.‬‬
‫وذلك قولك‪ :‬أقام للفتحة ‪.‬‬
‫وتقول في المضارع‪ :‬يقيم ؛ لن أصله يقوم‪ .‬فهذا مثل‬
‫يقول لن أصله يقول على وزن يقتل‪ .‬الياء والواو في ذلك‬
‫سواء ‪.‬‬
‫فإن بنيت منه مصدرا قلت‪ :‬إقامة‪ ،‬وإرادة‪ ،‬وإبانة‪ ،‬وكان‬
‫الصل إقوامة‪ ،‬وإبيانة‪ ،‬ولكنك فعلت بالمصدر ما فعلت‬
‫بالفعل‪ ،‬فطرحت حركة الواو أو الياء على ما قبلها‪.‬‬
‫فصارت ألفا ً ؛ لنها كانت مفتوحة‪ ،‬وإلى جانبها ألف‬
‫الفعال‪ .‬فحذفت إحدى اللفين للتقاء الساكنين ‪.‬‬
‫فأما سيبويه والخليل فيقولن‪ :‬المحذوفة الزائدة‪ .‬وأما‬
‫الخفش فيقول‪ :‬المحذوفة عين الفعل‪ ،‬على قياس ما‬

‫‪52‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫قال في مبيع‪ .‬كل الفريقين جارٍ على أصله ‪.‬‬
‫والهاء لزمة لهذا المصدر عوضا من حذف ما حذف منه‪:‬‬
‫لن المصدر على أ َْفعلت إ ِْفعال ؛ نحو قولك‪ :‬أكرمت‬
‫إكراما‪ ،‬وأحسنت إحسانا‪ .‬فكان الصل أقومت إقواما فلما‬
‫لزمه الحذف دخلت الهاء عوضا مما حذف ؛ إذن كلت‬
‫الهاء ل تمتنع منها المصادر‪ ،‬إذا أردت المرة الواحدة‪.‬‬
‫ويكون فيها على غير هذا المعنى والعوض ؛ كقولهم‪:‬‬
‫بطريق‪ ،‬وبطاريق‪ ،‬وزنديق وزناديق‪ ،‬فإن حذفت الياء‬
‫دخلت الهاء فقلت‪ :‬بطارقة وزنادقة ؛ لن الجمع مؤنث‪،‬‬
‫فأدخلت الهاء ؛ لنها تدخل فيما هو موضع لها ؛ أل ترك‬
‫تقول‪ :‬صيقل وصياقلة‪ ،‬وحمار وأحمرة‪.‬‬
‫ف من هذا الباب بغير هذه الزائدة فحاله‬
‫وكل ما لزمه حذ ٌ‬
‫في العوض كحال ما لحقته الزيادة التي ذكرناها‪.‬‬
‫وذلك قولهم‪ :‬استقام استقامة‪ ،‬واستطاع استطاعة ؛ لنه‬
‫كان في الصل استطوع استطواعا ؛ كما تقول‪ :‬استخرج‬
‫وضت‪.‬‬
‫استخراجا‪ .‬فلما حذفت للتقاء الساكنين ع ّ‬
‫فأما قولك‪ :‬انقاد انقيادا‪ ،‬واختار اختيارا‪ ،‬فإنه على تمامه ؛‬
‫ة في هذه المصادر‪،‬‬
‫لن الياء المنكسر ما قبلها منفتح ٌ‬
‫فإنما هن بمنزلة الياء في النصب في أواخر السماء‪،‬‬
‫والفعال إذا كان ما قبلها مكسورا ؛ نحو قولك‪ :‬رأيت‬
‫قاضيا يا فتى‪ ،‬ويريد أن يقضى فاعلم‪ ،‬ولكنها تتقلب في‬
‫النقياد‪ ،‬ونحوه من الواو‪ ،‬فيكون هذا اعتللها‪.‬‬
‫وذلك أن قولك‪ :‬قياد من انقياد مثل قيام الذي هو مصدر‬
‫قمت‪ ،‬فانقلب على جهة واحدة‪.‬‬
‫وفي هذه الجملة ما يدل على ما يرد عليك من هذا الباب‬
‫إن شاء الله‪.‬‬
‫عله‬
‫فإن بنيت شيئا من هذه الفعال بناء ما لم يسم فا ُ‬
‫فإنك تجريها مجرى الثلثة في القلب‪ ،‬وتسلم صدرها ؛‬
‫لنها في إلحاق الزوائد كالصحيح من الفعال وذلك قولك‬
‫فيما كان من أ َفَْعل‪ :‬قد أقيم عبد الله‪ .‬فتلقى حركة الواو‬
‫على ما قبلها‪ :‬لنها كانت قبل‪ :‬أقوم عبد الله ؛ مثل أخرج‪،‬‬
‫فحولت الحركة على القاف فانكسرت القاف وسكنت‬

‫‪53‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫الواو فانقلبت ياًء‪ ،‬لسكونها وكسرة ما قبلها‪ .‬والصل في‬
‫هذا ما ذكرت لك في باب َأفعل‪.‬‬
‫فإن قلت‪ :‬قد اختير‪ ،‬وانقيد ضممت ألف الوصل ؛ لن حق‬
‫هذا الكلم أن يكون افتعل‪ ،‬وانفعل‪ ،‬ولكّنك طرحت حركة‬
‫العين على ما قبلها كما فعلت في قيل‪ ،‬وبيع‪ ،‬لن تير من‬
‫اختير‪ ،‬و قيد من انقيد بمنزلة قيل‪ ،‬وبيع‪ .‬وقد مضى القول‬
‫في هذا‪.‬‬
‫ل ؛ نحو استطيع‪.‬‬
‫وكذلك ا ُ‬
‫ست ُْفعْ ِ‬
‫ومن كان قوله‪ :‬قد بوع‪ ،‬وُقول فعل ههنا كما فَعَ َ‬
‫ل ثم‪.‬‬
‫م ههنا‪ ،‬فالمجرى واحد‪.‬‬
‫ومن رأى الشمام أش ّ‬
‫هذا باب السماء المأخوذة من الفعال‬
‫اعلم أن كل اسم كان على مثال الفعل‪ ،‬وزيادته ليست‬
‫من زوائد الفعال‪ ،‬فإنه منقلب حرف اللين كما كان ذلك‬
‫في الفعال‪ ،‬إذ كان على وزنها وكانت زيادته في موضع‬
‫زيادتها‪.‬‬
‫والنحوّيون البصرّيون يرون هذا جاريا في كل ما كان على‬
‫هذا الوزن الذي أصفه لك‪.‬‬
‫ولست أراه كذلك‪ ،‬إل أن تكون هذه السماء مصادر‬
‫فتجري على أ َْفعالها‪.‬‬
‫أو تكون أسماًء لزمنة الفعل‪ ،‬أو لمكنته الدالة على‬
‫الِفْعل‪.‬‬
‫فأما ما صيغ منها اسما لغير ذلك فليس يلزمه العتدال ؛‬
‫لبعده من الِفْعل‪ .‬وسنأتي على شرح ذلك إن شاء الله‪.‬‬
‫مْفَعل ‪ -‬إذا أردت به مذهب الفعل من القول‬
‫تقول في َ‬
‫والبيع وما كان مثل واحد منهما ‪ :-‬مقال ومباع‪ ،‬لنه في‬
‫وزن أقال‪ ،‬وأباع‪ .‬فالميم في أّوله كالهمزة في أّول‬
‫الفعل‪ ،‬فلم تخف التباسا‪ ،‬لن الميم ل تكون من زوائد‬
‫الفعال‪.‬‬
‫مْفَعل قلت‪ :‬مقال‪ ،‬ومراد ؛ كما‬
‫فإن بنيت منه شيئا على ُ‬
‫كنت تقول‪ :‬يقال‪ ،‬ويراد‪.‬‬
‫فإن صغت اسما ل تريد به مكانا من الفعل‪ ،‬ول زمانا‬
‫مْفَعل من القول‪ :‬هذا مقول‪،‬‬
‫للفعل‪ ،‬ول مصدرا قلت في َ‬

‫‪54‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ومن البيع‪ :‬مبيع ؛ كما قالوا في السماء‪ :‬مزيد‪ .‬وقالوا‪ :‬إن‬
‫الفكاهة مقودةٌ إلى الذى‪.‬‬
‫وعلى هذا قالوا‪ :‬مريم‪ ،‬ولو كان مصدرا لقلت‪ :‬مراما‪،‬‬
‫وهذا مرامك إذا أردت الموضع الذي تروم فيه‪ ،‬وكذلك‬
‫الزمان‪.‬‬
‫وعلى هذا استخرت مستخارا في معنى الستخارة‬
‫وانقدت منقادا في معنى قولك‪ :‬انقيادا‪.‬‬
‫واعلم أن المصدر واسم المكان والزمان بزيادة الميم في‬
‫أوائلها يكون لفظها لفظ المفعول إذا جاوزت الثلثة من‬
‫الِفْعل‪ .‬وذلك ؛ لنها مفعولت‪ .‬وذلك نحو قوله‪ " :‬وقل‬
‫ربي أنزلني منزل مباركا " " وباسم الله مجراها ومرساها‬
‫"‪ ،‬وما أشبه ذلك‪.‬‬
‫فأما الفاعل منها فيجرى على وزن ي ُْفِعل‪ ،‬إل أن الميم في‬
‫أول اسمه مضمومة‪ ،‬ليفصل بين السم والفعل‪.‬‬
‫والمفعول يجرى على مثال ? ي ُْفَعل ؛ إل أن الميم في أوله‬
‫مضمومة لنه اسم ؛ والميم آية السماء فيما كان من‬
‫الفعال المتزيدة‪ ،‬وذلك قولك للفاعل‪ :‬مقيم‪ ،‬ومريد ؛ لن‬
‫فعله يقيم‪ ،‬ويريد‪.‬‬
‫والمفعول مقام‪ ،‬ومراد‪ ،‬على مثال يقام‪ ،‬ويراد‪.‬‬
‫فإن كانت هذه الميم في اسم ولم يكن بها على مثال‬
‫م‪.‬‬
‫الفعل فالسم تا ٌ‬
‫وذلك قولك‪ :‬رجل مقول‪ ،‬ومخيط‪ ،‬ومشوار‪ ،‬من الشارة‬
‫والهيئة‪ ،‬ومسوك‪ .‬فيتم ؛ لنه إنما اعتل السم لجرائه‬
‫على الفعل‪ ،‬فلما خرج عن ذلك كان على أصول السماء‪.‬‬
‫ولو بنيت مثل جعفر من قلت وبعت لقلت‪ :‬قولل وبيعع‪.‬‬
‫فإن قال قائل‪ :‬هذا مما تلزمه العّلة‪ ،‬لنه على مثال‬
‫دحرج‪ ،‬قيل له‪ :‬يمتنع هذا من العلة لشيئين‪ :‬أحدهما‪:‬‬
‫اللحاق بدحرج ؛ لن الملحق بالصلي يقع على مثاله‪.‬‬
‫والعلة الخرى‪ :‬أن الياء والواو‪ ،‬ل تقع واحدة منهما أصل‬
‫في ذوات الربعة‪ ،‬إل فيما كان مضاعفا ؛ نحو الوحوحة‪،‬‬
‫والوعوعة‪ ،‬وما كان مثله‪ .‬فلهذا امتنعنا من العلة في هذا‬
‫البناء ونبين هذا في موضعه بعد مقدمته إن شاء الله‪.‬‬

‫‪55‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫فإن كانت الياء والواو بعد حرف متحرك‪ ،‬لم تلق على ما‬
‫قبلها حركة واحدة منهما‪ ،‬لن قياس المتحرك الذي قبلهما‬
‫قياس قاف قال‪ ،‬وباء باع وذلك قولك‪ .‬اختار الرجل‪،‬‬
‫وانقاد وأصلهما اختير وانقود ؛ لن اختار انفعل من الخير‪،‬‬
‫وانقاد انفعل من القود فصارت أواخرها كقال‪ ،‬وباع‪ .‬فما‬
‫كان يلزم في ذاك فهو في هذا لزم فهذه جملة كافية‬
‫فيما يرد عليك من بابها إن شاء الله‪.‬‬
‫فإن كانت زوائد السماء كزوائد الفعال لم يكن في‬
‫َ‬
‫السماء إل التصحيح ؛ لئل ّ يلتبسا وذلك أنك لو بنيت أفَْعل‬
‫من القول والبيع اسما لقلت‪ :‬أقول‪ ،‬وأبيع يا فتى‪ ،‬كما‬
‫تقول‪ :‬زيد أقول الناس‪ ،‬وأبيعهم ؛ لئل ّ يلتبسا بمثل أخاف‪،‬‬
‫وأراد‪ ،‬وما أشبهه‪.‬‬
‫وعلى هذا تقول‪ :‬أقولة وأبيعة‪ ،‬لئل ّ يلتبس بقولك‪ :‬أبيع وما‬
‫أشبهه‪.‬‬
‫وكذلك أبيناء ؛ لن ألف التأنيث ل يعتد بها فالكلم بغير‬
‫اللف إنما هو افَْعل فهذا مما ل اختلف فيه بين النحويين‪.‬‬
‫فإن كانت الزائدة ل تبلغ به مثال الفعال‪ ،‬فإن السم عند‬
‫سيبويه‪ ،‬والخليل‪ ،‬وغيرهما من البصريين‪.‬‬
‫وكذلك إذا كان بينه وبين مثال الفعال فصل بحركة‪.‬‬
‫فيقولون‪ :‬لو بنينا مثل ت ِْفِعل من القول لقلنا‪ :‬تقيل‪ .‬وكان‬
‫أصله تقول‪ ،‬ولكنا ألقينا حركة الواو على ما قبلها‪،‬‬
‫فسكنت وقبلها كسرة فانقلبت ياًء‪.‬‬
‫فلو قلناه من البيع لقلنا‪ :‬تبيع‪.‬‬
‫وكذلك لو بنينا ت ُْفُعل منهما لقلنا‪ :‬تقول وتبوعٌ ؛ كما‬
‫يقولون فيما لحقته الميم‪ ،‬وليس بمشتقّ من الفعل‬
‫مصدرا ول مكانا‪.‬‬
‫وقالوا‪ :‬فعل هذا‪ :‬لن زيادته من زيادة الفعال‪ ،‬والحركة‬
‫قد رفعت اللبس‪.‬‬
‫ول أراه كما قالوا ؛ لنه ليس مبنيا على فِْعل فتلحقه عّلته‪،‬‬
‫ول هو على مثاله‪.‬‬
‫هذا باب ما كان على ثلثة أحرف مما عينه واو أو ياء‬

‫‪56‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ل وجب في عينه النقلب‪.‬‬
‫فما بنيته من ذلك على فَعَ ٍ‬
‫وذلك قولك‪ :‬دار‪ ،‬وباب‪ ،‬وساق‪ ،‬وما أشبهه‪.‬‬
‫وإنما انقلبت ؛ لنها متحركة وقبلها فتحة‪ ،‬فصارت في‬
‫السماء بمنزلة قال‪ ،‬وباع‪ ،‬في الفعال‪.‬‬
‫فإن قال قائل‪ :‬لم لم تجر على أصلها ليكون بينها وبين‬
‫الفعل فرق‪ ،‬كما فُِعل ذلك فيما لحقته الزوائد ? قيل له‪:‬‬
‫الفصل بينهما أن الفعال فيما لحقته الزوائد تلقى حركة‬
‫عينه على ما قبله‪ ،‬وتسكن ؛ وهذه لم تلق حركة عينها‬
‫على غيره‪ ،‬واحتيج إلى الفرق مع الزوائد ؛ لن ما لحقته‬
‫زائدة من السماء تبلغ به زنة الفعال لم ينصرف‪ ،‬فيلتبس‬
‫بالفعل ؛ لنه ل يدخله خفض‪ ،‬ول تنوين وما كان على ثلثة‬
‫فالتنوين‪ ،‬والخفض فصل بينه وبين الفعل‪ ،‬فقد أمن‬
‫اللبس‪.‬‬
‫وأصل انقلب الياء‪ ،‬والواو في فََعل واحد اسما كان أو‬
‫فِْعل‪ ،‬لن القالب لهما الفتحة قبلهما‪ ،‬وأنهما في موضع‬
‫حركة‪ .‬فهذا بمنزلة قفًا‪ ،‬وغزا‪.‬‬
‫والفعال في أ َفَْعل وما أشبهها تقلب‪ ،‬وتلقى الحركة على‬
‫ما قبلها‪ ،‬ول يكون ذلك في السماء لن أ َْفعل وما أشبهه‬
‫مما يسكن فاؤه إنما يبني على فََعل‪ ،‬فيعتل بعلته‬
‫والسماء مصوغة على غير تصرف‪ ،‬فإنما يلزمها صحة‬
‫الياء والواو‪.‬‬
‫وإذا سكنا فإن كان شيء من هذا على فَْعل صحت واوه‬
‫دم القول في هذا وذلك ؛ نحو‪:‬‬
‫وياءه‪ ،‬لسكونهما‪ ،‬وقد تق ّ‬
‫ول‪ ،‬وب َْيع‪.‬‬
‫قَ ْ‬
‫ونذكر سائر المثلة التي على ثلثة أحرف إن شاء الله‪.‬‬
‫وكذلك ما بنى على مثال ل يكون عليه الفعل ؛ نحو فَُعل‪.‬‬
‫ول ومن البيع‪ :‬ب َُيع‪ ،‬كما‬
‫فإنك تقول فيها من القول‪ :‬قُ َ‬
‫وم‪ ،‬ونحو ذلك‪ .‬وما كان على فَِعل ؛ نحو‬
‫قلت‪ُ :‬‬
‫ور‪ ،‬ون ُ َ‬
‫ص َ‬
‫ول‪.‬‬
‫ع‪ ،‬و ِ‬
‫بي َ‬
‫ح َ‬
‫وكذلك لو بنيت من واحد منهما مثل إ ِِبل لقلت من القول‪:‬‬
‫ول‪ ،‬ولم تقلب‪ ،‬ل ّّنها متحّركة ؛ ومن البيع‪ ،‬ب ِِيع‪.‬‬
‫قِ ِ‬
‫ن الياء تسلم فيه‪ ،‬نحو قولك‪:‬‬
‫فإن بنيت منهما مثل فُُعل فإ ّ‬

‫‪57‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫صُيد‪ ،‬ودجاجة ب َُيوض‪ ،‬ودجاج ب ُُيض‪.‬‬
‫صُيود‪ ،‬وقوم ُ‬
‫رجل َ‬
‫سل لما نذكره بعد هذا‬
‫سل‪ُ :‬ر ْ‬
‫ومن أسكن فقال في ُر ُ‬
‫ض ؛ لنه فُْعل‬
‫صُيد‪ِ :‬‬
‫صي ٌ‬
‫د‪ ،‬وفي ب ُُيض‪ :‬بي ٌ‬
‫الباب‪ .‬قال في ُ‬
‫فيلزم فيه ما يلزم في جمع أبيض‪.‬‬
‫ومن بناه من الواو فإنه يختار السكان ؛ كما قال في‬
‫ضد ؛ كراهة الضمة في الواو‬
‫ضد‪ :‬عَ ْ‬
‫سل‪ ،‬وفي عَ ُ‬
‫سل‪ُ :‬ر ْ‬
‫ُر ُ‬
‫على ما تقدم به قولنا‪ ،‬فيقول في فُُعل من القول‪ُ :‬قول ؛‬
‫ون‪.‬‬
‫ول‪ ،‬و ُ‬
‫خوان‪ُ :‬‬
‫كما تقول في جمع ِ‬
‫خ ُ‬
‫ون‪ ،‬والصل قُ ُ‬
‫خ ْ‬
‫فإن جئت به على الصل فأردت أن تبدل من الواو همزة‬
‫كان ذلك جائزا لنضمامها‪.‬‬
‫وقلما يبلغ به الصل‪ ،‬وهو جائز‪ ،‬ولكنه مجتنب‪ ،‬لثقله‪ ،‬ولن‬
‫الصحيح فيه يجوز فيه إسكان المضموم والمكسور في‬
‫جاج‪:‬‬
‫ما جاء على الصل قول الع ّ‬
‫مثل هذا الباب‪ .‬فم ّ‬
‫ف اللمعات سوّر‬
‫وفي الك ّ‬
‫وقال الخر‪:‬‬
‫ت تمنحه سوك‬
‫م الـلـثـا‬
‫أغّر الثنايا أح ّ‬
‫السحل‬
‫ل فإنه يعتل‪ ،‬فتنقلب‬
‫ل أو فَعُ ٍ‬
‫وأما ما كان من هذا على فَعِ ٍ‬
‫ف‪ ،‬وطا ٌ‬
‫واوه وياؤه ألفا‪ ،‬كما اعت ّ‬
‫ل ؛ لن المعتّلين في‬
‫ل خا ٌ‬
‫موضع حركة وقبل كل واحد منهما فتحة‪.‬‬
‫حَركة‪ ،‬وما كان نحو ذلك‬
‫صَيد وال َ‬
‫خوَن َ ُ‬
‫ة‪ ،‬وال َ‬
‫ود وال َ‬
‫فأما الَق َ‬
‫سر في‬
‫ل ؛ نحو رجل َ‬
‫ور‪ ،‬فإن هذا يف ّ‬
‫من باب فُعِ ٍ‬
‫ول‪ ،‬وعَ ِ‬
‫ح ِ‬
‫باب ما يبلغ به الصل إن شاء الله‪.‬‬
‫حو َ َ‬
‫صيد فإنما صحت‬
‫وأما العَوََر‪ ،‬وال َ‬
‫صَيد مصدر ال ْ‬
‫ل‪ ،‬وال ّ‬
‫لصحة افعالها‪ ،‬ليكون بينها وبين ما اعت ّ‬
‫ل فعله فصل‪ ،‬وكما‬
‫ول إّنما هي منقولة من‬
‫ور وح ِ‬
‫قلنا‪ :‬إن هذه الفعال من ع ِ‬
‫حو َ ّ‬
‫ة من مصادره‪.‬‬
‫ن مصادرها منقول ٌ‬
‫ل‪ ،‬نقول إ ّ‬
‫اعْوَّر وا ْ‬
‫هذا باب ما اعتلت عينه مما لمه همزة‬
‫وذلك نحو قولك‪ :‬جاء يجيء‪ ،‬وساء يسوء‪ ،‬وشاء يشاء‪.‬‬
‫فما كان من هذا على فَعِ َ‬
‫ل فهو بمنزلة خاف يخاف‪.‬‬
‫وما كان منه على فَعَ َ‬
‫ل ي َْفِعل فه بمنزلة باع يبيع ؛ وذلك‬
‫لن الهمزة ليست من حروف العلة فالواو والياء قبلها‬

‫‪58‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫بمنزلتهما قبل سائر الحروف‪ ،‬ولكنا أفردنا هذا الباب لنبّين‬
‫ل ونحوه‪ ،‬وما يدعى‬
‫ما يلحق الهمزة من القلب في فا ِ‬
‫ع ٍ‬
‫فيه من التقديم والتأخير‪ ،‬ونبّين اختلف النحويين في ذلك‬
‫إن شاء الله‪.‬‬
‫اعلم أنك إذا بنيت من شيٍء من هذه الفعال اسما على‬
‫عل اعت ّ‬
‫ل موضع العين منه‪ ،‬فهمز على ما وصفت لك‬
‫فا ِ‬
‫في قائل‪ ،‬وبائع‪ .‬فإذا همزت العين التقت هي واللم التي‬
‫هي همزة ٌ فلزم الهمزة التي هي لم القلب إلى الياء‪،‬‬
‫لكسرة ما قبلها‪ ،‬لنه ل يلتقي همزتان في كلمة إل لزم‬
‫الخرة منهم البدل والخراج من باب الهمز‪ .‬فنقول‪ :‬جاء‬
‫ي فقلب‪ ،‬لما ذكرت لك‪ ،‬وكذلك‬
‫كما ترى‪ ،‬وكان الصل جائ ٌ‬
‫شاٍء‪ ،‬وساٍء‪.‬‬
‫فهذا قول النحويين أجمعين إل الخليل بن أحمد‪ ،‬فإنه كان‬
‫يقول‪ :‬قد رأيتهم يفرون إلى القلب فيما كانت فيه همزة‬
‫واحدة‪ ،‬استثقال لها‪ ،‬فيقدمون لم الفعل‪ ،‬ويؤخرون الهلزة‬
‫التي هي عين فيما ل يهمز فيه غيرها‪ ،‬ليصير العين طرفا‬
‫فيكون ياًء‪ ،‬وذلك قوله‪:‬‬
‫لث به الشاء والعبرى‬
‫وقال‪:‬‬
‫ك سلحي في‬
‫فتعرفوني أننـي أنـا‬
‫شا ٍ‬
‫الحوادث معلم‬
‫ذاكـمـو‬
‫يريد شائك أي ذو شوكة‪.‬‬
‫ي‬
‫قال‪ :‬فلما التقت همزتان كان القلب لزما‪ ،‬فأقول‪ :‬جائ ٌ‬
‫ي يا فتى‪ ،‬فالهمزة التي تلي اللف إنما هي‬
‫فاعلم‪ ،‬وشائ ٌ‬
‫لم الفعل التي لم تزل همزة‪ ،‬والمتأخرة إنما هي عين‬
‫الفعل التي كانت تهمز للعتلل إذا كانت إلى جانب ألف‪،‬‬
‫ويمضى على هذا القياس في كل ما كان مثل هذا في‬
‫واحد أو جمع‪.‬‬
‫وكل القولين حسن جميل‪.‬‬
‫ل‬
‫هذا باب السماء الصحيحة والمعتلة على مثال فَعِ ٍ‬
‫ل‪ ،‬وما كان منها في ثاني حروفه كسرة‪ ،‬وما كان من‬
‫وفَعُ ٍ‬
‫الفعال كذلك ‪.‬‬

‫‪59‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫اعلم أنه يجوز إسكان الحرفين من المضموم‪ ،‬والمكسور‬
‫في الموضعين اللذين حددتهما استثقال للكسرة والضمة‪.‬‬
‫خذ‪:‬‬
‫مر‪ ،‬وفي فَ ِ‬
‫مر‪ُ :‬‬
‫ضد‪ :‬عضد‪ ،‬وفي ُ‬
‫وذلك قولك في عَ ُ‬
‫ح ْ‬
‫ح ُ‬
‫خذ‪.‬‬
‫فَ ْ‬
‫م‪.‬‬
‫م‪ ،‬وفي كُرم‪ :‬كْر َ‬
‫والفعل تقول في علم‪ :‬عَل َ َ‬
‫ل‪ ،‬ل‬
‫ول يجوز في مثل ذهب أن تسكن‪ ،‬ول في مثل جم ٍ‬
‫يسكن ذلك اسما ول فِْعل‪ ،‬لخفة الفتحة‪ ،‬وثقل الكسرة‬
‫والضمة‪ ،‬أل ترى أنك تقول‪ :‬هذا زيد‪ ،‬ومررت بزيد‪ ،‬وتبدل‬
‫في النصب من التنوين ألفا تقول‪ :‬زيدا‪ ،‬لن الفتحة ل‬
‫ض‬
‫ض فاعلم‪ ،‬ومررت بقا ٍ‬
‫علج فيها‪ ،‬ولذلك تقول‪ :‬هذا قا ٍ‬
‫يا فتى‪ ،‬ول تحرك الياء المكسور ما قبلها بضمة ول‬
‫كسرة‪ .‬وتقول‪ :‬رأيت قاضيا‪ ،‬وتفسير هذا في باب‬
‫مصطفون بما يزيده إيضاحا ‪.‬‬
‫هذا باب جمع السماء المعتلة عيناتها‬
‫وما يلحقها مما هو صحيح إذا زيدت فيه حروف اللين‬
‫ويجب التصدير في هذا الباب أن نبدا ً بذكر السماء‬
‫الصحيحة التي ل زوائد فيها وما يلحقها من الزوائد التي‬
‫تسمى الملحقة‪ ،‬والزوائد غير الملحقة‪ ،‬واجتماع الجمع‪،‬‬
‫والتصغير‪.‬‬
‫اعلم أن السماء إذا كانت على أربعة أحرف أصلية‪ ،‬أو‬
‫فيها حرف مزيد‪ ،‬فإن جمعها على مثال تصغيرها في‬
‫الصل‪ ،‬فإن خرج من ذلك شيٌء فلعلة موجبة‪.‬‬
‫إذا جمعت اسما على مثال جعفر‪ ،‬أو قمطر‪ ،‬أو جلجل‪،‬‬
‫فإن تصغيره جعيفر‪ ،‬وقميطر وجليجل ؛ لن العدد أربعة‪،‬‬
‫وتصغير الربعة على مثال واحد‪ ،‬اختلفت حركته‪ ،‬أو‬
‫اتفقت‪ ،‬زائدا كان أو أصليا‪.‬‬
‫فالصلية ما قدمنا‪ ،‬والزوائد في قولك رغيف‪ :‬رغيف وفي‬
‫عجوز‪ ،‬عجيز‪ ،‬وفي مثل ذلك جدول جديل‪ ،‬وإن شئت‬
‫قلت‪ :‬جديول‪ ،‬لنها متحركة‪ ،‬وإن كانت زائدة كما قلت في‬
‫أسود‪ :‬أسيد‪ .‬وأسيود‪ .‬والقلب أجود ‪ ،‬لن واو جدول‬
‫ملحقة‪ ،‬والملحق حكم الصلي ؛ أل ترى أنك تقول‪:‬‬
‫جداول‪ ،‬كما تقول‪ :‬أساود‪.‬‬

‫‪60‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وإن كانت الربعة مستوية في التصغير على اختلف‬
‫حركاتها‪ ،‬لن التصغير مثال يخرج إليه‪ ،‬كما أن الثلثة على‬
‫مثال واحد‪ ،‬وإن اختلفت حركاتها‪ ،‬أل ترى أنك تقول في‬
‫عمر‪ :‬عمير‪ ،‬وكذلك عمرو‪ ،‬وكذلك جمل‪ ،‬ومعى‪ ،‬وكل ما‬
‫كان من الثلثة‪.‬‬
‫وإن كان السم على خمسة أحرف أصلية‪ ،‬أو فيها زائدة‪،‬‬
‫فإن التصغير على ما كان في الربعة‪.‬‬
‫تقول في تصغير سفرجل‪ :‬سفيرج‪ ،‬وتحذف اللم الخيرة‬
‫وإن كانت من الصل‪ ،‬لن التصغير تناهى دونها‪.‬‬
‫وتقول في تصغير قلنسوة‪ :‬قليسية إن حذفت النون‪،‬‬
‫وقلينسة إن حذفت الواو‪ ،‬لن الزيادتين إذا استوتا كنت‬
‫في حذف إحداهما بالخيار أيها شئت‪.‬‬
‫فإن كانت إحداهما لللحاق أو لعلمة أقررتها وحذفت‬
‫الخرى‪ ،‬إل أنه يجوز لك العوض في الجمع والتصغير من‬
‫كل ما حذفت‪ ،‬وذلك أنك إذا صغرت اسما على خمسة‬
‫ورابعة أحد الحروف الثلثة المصوتة وهي الياء‪ ،‬والواو‪،‬‬
‫واللف‪ ،‬فإن جمعه وتصغيره غير محذوف فيهما شيء‪.‬‬
‫وذلك قولك في مثل دينار دنانير إذا جمعت‪ ،‬ودنينير إذا‬
‫صغرت‪ ،‬وفي قنديل ‪:‬قناديل وقنيديل‪ ،‬وفي سرحوب‪:‬‬
‫سراحيب‪ ،‬وسريحيب‪ ،‬وفي برذون‪ :‬براذين وبريذين‪ ،‬تقر‬
‫الباء ياًء‪ ،‬وتقلب الواو واللف إلى الباء‪ ،‬لن كل واحدة‬
‫منهما تقع ساكنة بعد كسرة‪.‬‬
‫والعوض أن تقول في تصغير سفرجل‪ :‬سفيريج إن شئت‬
‫وفي الجمع‪ :‬سفاريج‪ .‬فتجعل هذا الياء عوضا مما حذفت‪،‬‬
‫ودليل على أنك حذفت من السم شيئا‪ ،‬فهذا غير ممتنع‬
‫فعلى هذا تقول في قلنسوة فيمن حذف النون‪ ،‬قليسية‬
‫وقلسي‪ ،‬ومن حذف الواو قال‪ :‬قلينيسة وقلنيس‪.‬‬
‫فأما قولنا فيما كان على أربعة أحرف‪ :‬إن تصغيره من‬
‫باب جمعه‪ ،‬فإنما تأويل ذلك أنك إذا جمعت زدت حرف‬
‫اللين ثالثا‪ ،‬وكسرت ما بعده‪ ،‬فإن عوضت في التصغير‬
‫عوضت في الجمع‪ ،‬وإن تركته محذوفا في أحدهما فكذلك‬
‫هو في الخر‪ ،‬لنك إذا صغرت ألحقت حرف اللين ثالثا‪،‬‬

‫‪61‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وكسرت ما بعده‪.‬‬
‫والفصل بين التصغير والجمع‪ ،‬أن أول التصغير مضموم‪،‬‬
‫وأول الجمع مفتوح‪ ،‬وحرف لين الجمع ألف‪ ،‬وحرف لين‬
‫التصغير ياء‪.‬‬
‫فإن قلت‪ :‬فما بالك تقول في ضارب‪ :‬ضويرب‪ ،‬وأنت ل‬
‫تقول في جمعه‪ :‬ضوارب ? قيل له‪ :‬الصل أن يقال في‬
‫جمعه‪ :‬ضوارب‪ ،‬ولكنه اجتنب للبس بين المذكر والمؤنث‬
‫لنك تقول في جمع ضاربه‪ :‬ضوارب‪.‬‬
‫ل فإنما هو اسم مبني من الفعل‪ ،‬أو‬
‫وما كان من باب فاع ٍ‬
‫على جهة النسب‪ ،‬فأما ما كان من الفعل منه فهو الباب‪،‬‬
‫نحو‪ :‬ضارب‪ ،‬وقاتل‪ ،‬وشاتم‪.‬‬
‫وأما ما كان على جهة النسب فنحو فارس‪ ،‬ودارع‪ ،‬ونابل‪:‬‬
‫أي ذو فرس‪ ،‬وذو درع‪ ،‬وذو نبل‪ ،‬وليس فيه فََعل فهو‬
‫عل‪.‬‬
‫فا ِ‬
‫وما كان للمرأة فعلى هذا‪ ،‬نحو ضربت‪ ،‬وشتمت‪ ،‬وقتلت‪.‬‬
‫فلما كان جمع فاعلة فواعل اجتنبوا مثل ذلك في المذكر‪،‬‬
‫وعدلوا به عن هذا الباب‪ ،‬لكثرة أبنية المذكر في الجمع‪.‬‬
‫ولو احتاج إليه شاعر لرده إلى الصل فجمعه على‬
‫فواعل‪.‬‬
‫أل تراهم قالوا في جمع فارس‪ :‬فوارس‪ ،‬إذ كان مثل هذا‬
‫مطرحا من المؤنث‪ .‬وكذلك هالك في الهوالك لما أردت‬
‫الجنس كله‪ .‬قال الفرزدق حيث احتاج إليه‪:‬‬
‫وإذا الرجال رأوا يزيد خضع الرقاب نواكس‬
‫البصار‬
‫رأيتهـم‬
‫هذا باب جمع ما كان على أربعة أحرف‬
‫وثالثه واو‪ ،‬أو ياء‪ ،‬أو ألف‬
‫فما كان من ذلك أصل‪ ،‬أو ملحقا بالصلي‪ ،‬أو متحركا في‬
‫الواحد‪ ،‬فإنه يظهر في الجمع وذلك قولك ‪ -‬فيما كان أصل‬
‫وكان متحركا في الواحد ‪ " -‬أساود إذا جمعت أسود‪،‬‬
‫وأصايد إذا جمعت أصيد‪ ،‬وقد جعلت كل واحد منهما اسما‪.‬‬
‫وأما ما كان متحركا في الواحد وهو زائد فقولك في‬
‫جدول‪ :‬جداول‪ ،‬وفي قسور‪ :‬قساور‪ ،‬وفي عثير‪ :‬عثاير‪.‬‬

‫‪62‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وأما ما كان أصل وهو ساكن في الواحد فقولك في مقال‪:‬‬
‫مقاول‪ ،‬لنه من القول‪ ،‬وفي مباع‪ :‬مبايع‪ ،‬لنه من البيع‪.‬‬
‫وإن جمعت يزيد اسم رجل قلت‪ :‬يزايد‪ ،‬قال الفرزدق‪:‬‬
‫ر‬
‫م مقـاوم‬
‫وإني لقوا ٌ‬
‫جريٌر ول مولى جري ٍ‬
‫يقومها‬
‫لـم يكـن‬
‫فإن جمعت اسما على أربعة وثالثه حرف لين زائد ساكن‪،‬‬
‫فإنك تهمز ذلك الحرف في الجمع وذلك قولك في رسالة‪:‬‬
‫رسائل‪ ،‬وفي عجوز‪ :‬عجائز‪ ،‬وفي صحيفة‪ :‬صحائف‪.‬‬
‫وإنما فعلت ذلك‪ ،‬لن هذه الحرف ل أصل لها‪ ،‬فلما‬
‫وقعت إلى جانب ألف ولم تكن متحركة‪ ،‬ول دخلتها‬
‫الحركة في موضع أبدلت لما قبلها‪ ،‬ثم تحركت كما تحرك‬
‫للتقاء الساكنين‪ ،‬فلزمتها الهمزة‪ ،‬كما لزمت قضاًء‪ ،‬لما‬
‫سنبّينه في موضعه إن شاء الله‪.‬‬
‫فأما معيشة فل يجوز همز يائها‪ ،‬لنها في الصل متحركة‪،‬‬
‫فإنما ترد إلى ما كان لها‪ ،‬كما ذكرت لك في صدر الباب‪.‬‬
‫فأما قراءة من قرأ معائش فهمز فإنه غلط‪ ،‬وإنما هذه‬
‫القراءة منسوبة إلى نافع بن أبي نعيم‪ ،‬ولم يكن له علم‬
‫بالعربية‪ ،‬وله في القرآن حروف وقد وقف عليها‪.‬‬
‫وكذلك قول من قال في جمع مصيبة‪ :‬مصائب إنما هو‬
‫مْفِعلة‪ ،‬فعلى هذا‬
‫غلط‪ ،‬وإنما الجمع مصاوب‪ ،‬لن مصيبة ُ‬
‫يجري وما أشبهه‪.‬‬
‫هذا باب ما كانت عينه إحدى هذه الحرف اللينة‬
‫ولقيها حرف لين‬
‫وذلك نحو‪ :‬سّيد و‪ ،‬ومّيت‪ ،‬وهّين ‪ ،‬ولّين‪ ،‬لن هذا البناء إنما‬
‫هو فَي ِْعل من ياٍء أو واو‪.‬‬
‫فأما ذوات الواو منه فهّين‪ ،‬ومّيت‪ ،‬وسّيد‪ ،‬لنه من ساد‬
‫يسود‪ ،‬ومات يموت‪ ،‬وأما لّين فمن الياء‪.‬‬
‫والحكم فيهما واحد في بنائهما على باب فَي ِْعل‪ ،‬لنهما‬
‫مشتركان في العلة‪ ،‬فخرجا إلى باب بواحد خلفا ً على‬
‫الصحيح وذاك أنه ل يكون في الصحيح فَي ِْعل‪ ،‬إنما نظير‬
‫جي ْد َرٍ وزينب‪،‬‬
‫هذا البناء من الصحيح فَي َْعل نحو رجل َ‬
‫وخيفق‪.‬‬

‫‪63‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫فهذا البناء من المعتل نظيره ما ذكرت لك من الصحيح‪.‬‬
‫وقد يكون للمعتل البناء الذي له نظير من الصحيح على‬
‫غير لفظه‪ ،‬ويكون له البناء ل يقابله فيه الصحيح‪.‬‬
‫فمما كان من المعتل على خلف لفظه في الصحيح سوى‬
‫ل من الصحيح‪ :‬فَعََلة‪ ،‬نحو‬
‫ما ذكرت لك قولهم في فا ِ‬
‫ع ٍ‬
‫كاتب وكت ََبة‪ ،‬وحافظ وحَف َ‬
‫مة‪.‬‬
‫ظة‪ ،‬وعالم وعل َ َ‬
‫ونظير هذا من المعتل فُعََلة مضموم الول‪ ،‬وذلك قولك‬
‫ض‪ :‬قضاة‪ ،‬ورام ٍ ورماة وغازٍ وغزاة‪ ،‬وشارٍ وشراة‪.‬‬
‫في قا ٍ‬
‫ة دون الصحيح قولهم‪ :‬كان كينونة‪،‬‬
‫وما كان للمعتل خاص ً‬
‫وصار صيرورة‪ ،‬فأصل هذا إنما هو فَي َْعلولة‪ ،‬ول يكون‬
‫فَي ْعَُلول إل في ذوات الواو والياء‪ .‬فإن قال قائل‪ :‬إنما وزنه‬
‫فَعُْلول‪ ،‬لن اللفظ على ذلك‪ ،‬قيل له‪ :‬الدليل على أنه‬
‫ل وأنه على ما ذكرنا أنه ليس في الكلم‬
‫ليس ب ٍَفعُْلو ٍ‬
‫فَعُْلو ٌ‬
‫ل بفتح الفاء‪ ،‬وأنه لو كان على ما وصفتم لكان‬
‫اللفظ ك َوُْنوَنة‪ ،‬لنه من الواو‪ ،‬ولكنت تقول في قيدود‪،‬‬
‫قودود بالواو‪ ،‬لنه من القود ولكنه لما كان يجوز لك أن‬
‫مْيت‪ ،‬وفي هّين‪ :‬هَْين‪ ،‬وكذلك جميع بابه‪،‬‬
‫تقول في مّيت‪َ :‬‬
‫استثقال للتضعيف في حروف العّلة جعلت الحذف فيما‬
‫كثر عدده غالبًا‪ ،‬فقلت‪ :‬قيدود‪ ،‬وكينونة‪ ،‬وكان الصل‬
‫كينونة ؛ كما أن أصل سيد سيود‪ ،‬لنه فيِعل من ساد‬
‫يسود‪ ،‬فلزم فيه من الدغام والقلب ما لزم في سيد ؛‬
‫لن صدور هذه السماء كسيد‪ ،‬وإن كانت مفتوحة‪.‬‬
‫فإذا جمعت سّيدا‪ ،‬أو مّيتا‪ ،‬أو ما كان مثلهما‪ ،‬فإن النحويين‬
‫يرون همز المعتل الذي يقع بعد اللف وذلك قولك‪:‬‬
‫سيائد‪ ،‬وميائت‪ ،‬فإن قال قائل‪ :‬ما بالهم همزوا‪ ،‬وإنما هي‬
‫عين‪ ،‬وقد تقدم شرطهم في باب معيشة أنه ل يهمز‬
‫موضع العين‪ ،‬وإنما يهمز ما كان من هذا زائدا ? فإن‬
‫قولهم في هذا إنما هو للتقاء هذه الحروف المعتلة‪،‬‬
‫وقرب آخرها من الطرف‪ ،‬ولنهم جعلوا هذه اللف بين‬
‫واوين أو ياءين وواو‪ ،‬فالتقت ثلثة حرف كلها لينة‪ ،‬فكأنها‬
‫على لفظة واحدة وقربت من الطرف‪ ،‬وهو موضع ل يثبت‬
‫فيه واو ول ياء بعد ألف‪ ،‬وإنما تقلب كل واحدة منهما‬

‫‪64‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫همزة‪ ،‬ففعلوا هذا لما قبلها‪ ،‬ولقربها من الطرف‪ ،‬أل ترى‬
‫أن الواحدة منهما إذا كانت طرفا أبدلت وذلك‪ :‬قولك‬
‫غّزاء‪ ،‬وسّقاء‪ ،‬وإنما هما من غزوت‪ ،‬وسقيت‪ ،‬فكانتا ياًء‪،‬‬
‫أو واوا‪.‬‬
‫وكذلك جميع هذا الباب‪.‬‬
‫وقالوا‪ :‬إن وقع بينها وبين الطرف حرف صحيح لم تهمز‬
‫وذلك قولهم في طاووس‪ :‬طواويس‪ ،‬وفي بّياع‪ :‬يباييع‪ .‬ول‬
‫تكون إل ذلك‪ ،‬لبعدهما من الطرف‪ ،‬كما ل يكون في باب‬
‫قضاء وسقاٍء إل الهمز‪.‬‬
‫فهذا قول جميع النحويين فيما تباعد من الطرف‪.‬‬
‫وأما مذ ذكرنا من باب جمع سيد‪ ،‬وميت فإن أبا الحسن‬
‫الخفش كان ليهمز من هذا الباب إل ما كانت اللف فيه‬
‫بين واوين‪ ،‬نحو قولك في أّول ‪ -‬وزنه أفعل ففاؤه من‬
‫لفظ عينه ‪ :-‬أوائل‪.‬‬
‫واِئل‪.‬‬
‫وكذلك يقول في فَوْ َ‬
‫عل من قلت‪ ،‬وجلت‪َ :‬قوائل‪ ،‬وج َ‬
‫فيجعل علته في همز الواو‪ ،‬لقربها من الطرف نظيرا لما‬
‫ذكرناه أنه إذا التقت الواوان أول همزت الولى منهما‪.‬‬
‫مَز الخرى من هذا الباب واجبًا‪ .‬وإن كانت‬
‫فكان يجعل هَ ْ‬
‫اللف قد حالت لجتماع الواوين والقرب من الطرف ول‬
‫يرى مثل ذلك إذا اجتمعت ياءان‪ .‬أو ياء‪ ،‬وواو‪ ،‬ويقول‪ :‬لنه‬
‫لو التقت الياءان‪ ،‬أو الياء والواو لم يلزمني همز‪.‬‬
‫والنحويون أجمعون غيره ل يختلفون في إجراء الياء‪،‬‬
‫درنا‬
‫والواو‪ ،‬والياءين مجرى الواوين في هذا الباب‪ ،‬كما ص ّ‬
‫به في أّول الباب‪.‬‬
‫وعّلتهم في ذلك ما وصفنا من التقاء المتشابهة وذلك‪.‬‬
‫ي‪،‬‬
‫ي وغائ ّ‬
‫لنهم يجيزون في النسب إلى راية‪ ،‬وغاية‪ :‬رائ ّ‬
‫فيهمزون لجتماع الياءات إن شاءوا‪ ،‬ولهذا باب نذكره فيه‬
‫فلذلك ذكرنا أحد وجوهه ليستقصى في موضعه إن شاء‬
‫الله‪.‬‬
‫خرنا تفسير هذا‪ ،‬ليقع بابا على حياله مستقصى‪.‬‬
‫وإنما أ ّ‬
‫والقول البّين الواضح قول النحويين لقول أبي الحسن‬
‫الخفش‪ ،‬أل ترى أنه يلزمك من همز الياء إذا وقعت طرفا‬

‫‪65‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ما يلزمك من همز الواو إذا وقعت طرفا ً بعد اللف‪ ،‬وأن‬
‫الياء والواو تظهران إذا وقع العراب على غيرهما‪ ،‬نحو‬
‫سقاية‪ ،‬وشقاوة‪.‬‬
‫وليس هذا من باب ما يقع من همز الواو إذا لقيها واو أول‬
‫الكلمة ول مما يناسبه‪.‬‬
‫والدليل على ذلك أنهما جميعا إذا تباعدتا من الطرف لم‬
‫يكن همز‪ .‬وهذا يدل على أنه من أجل الواخر‪ ،‬ل من أجل‬
‫الوائل‪.‬‬
‫ولو بنيت مثل فَْيعال من كلت فقلت‪ :‬كّيال لقلت في‬
‫الجمع‪ :‬كياييل‪ ،‬فلم تهمز‪ ،‬كما تقول‪ :‬طواويس‪.‬‬
‫هذا باب الجمع على وزن فعل وفعال مما اعتلت عينه‬
‫اعلم أن ما كان من هذا من ذوات الواو فإن الجود فيه‬
‫أن تصح الواو وتظهر‪ ،‬وذلك قولك على قول من قال في‬
‫ول‪ .‬وكذلك‬
‫جمع شاهد‪ :‬شّهد في صائم‪ُ :‬‬
‫وم‪ ،‬وقائل قُ ّ‬
‫ص ّ‬
‫جميع هذا الباب‪.‬‬
‫وقد يجوز أن تقلب الواو ياًء وليس بالوجه‪ ،‬ولكن تشبيها‬
‫ىل‬
‫بما اعتلت لمه‪ .‬وذلك أنك تقول في جمع عا ٍ‬
‫ت‪ :‬عت ّ‬
‫يصلح غيره إذا كان جمعا‪.‬‬
‫فلما كان هذا الباب يقرب من الطرف جاز تشبيهه بهذا‬
‫صّيم‪ ،‬وقائل قُّيل‪.‬‬
‫الذي هو طرف فتقول في صائم‪ُ :‬‬
‫والوجه ما ذكرت لك أول‪ ،‬وإن هذا تشبيه ومجاز‪.‬‬
‫فإن بنيته على فُّعال ظهرت الواو‪ ،‬ولم يجز إل ّ ذلك‪،‬‬
‫وام‪ ،‬وقائل‬
‫لتباعدها من الطرف‪ ،‬وذلك قولك‪ :‬صائم وص ّ‬
‫وال‪.‬‬
‫وق ّ‬
‫وهذا كنحو ما ذكرت لك في الجمع الذي قبله في صحته‬
‫إذا تباعد من الطرف‪.‬‬
‫فأما ما كان من الياء فجارٍ في البابين جميعا ‪ -‬فُّعل ‪-‬‬
‫وفُّعال ‪ -‬على الصل‪.‬‬
‫ع‪ ،‬يكون إل ذلك‪.‬‬
‫ع‪ ،‬وب ُّيا ٌ‬
‫تقول‪ :‬قوم ب ُي ّ ٌ‬
‫وكذلك إن بنيت واحدا من الواو على فُّعل لم يجز القلب‪،‬‬
‫لن الوجه فيما اعتلت لمه فكانت واوا الثبات في الواحد‪،‬‬
‫وا‪ .‬قال الله عز وجل " وعتوا عتوّا ً‬
‫نحو قولك‪ :‬عتا يعتو عت ّ‬

‫‪66‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫كبيرا ً "‪.‬‬
‫فالواحد إذا كان الواو فيه عينا لزم لموضعه‪ ،‬وذلك قولك‪:‬‬
‫ول قُّلب‪ ،‬ل يكون إل ذلك‪.‬‬
‫ول‪ ،‬كما تقول‪ :‬رجل ُ‬
‫ح ّ‬
‫رجل قُ ّ‬
‫هذا باب ما كان من الجمع على فعله‬
‫اعلم أن كل ما كان من هذا الجمع من بنات الياء‪ ،‬والواو‬
‫اللتين هما عينان فإن الياء منه تجرى على أصلها‪ ،‬والواو‬
‫إن ظهرت في واحدة ظهرت في الجمع‪.‬‬
‫ور وث ِوََرة‪.‬‬
‫ود و ِ‬
‫عوََدة‪ ،‬وث َ ْ‬
‫فأما ما ظهرت فيه فقولك‪ :‬عَ ْ‬
‫وأما ما قبلت فيه في الواحد فقولك‪ِ :‬ديمه ودَِيم‪ ،‬وقامة‬
‫خرناها‪ ،‬لنذكرها في‬
‫م فأما قولهم‪ :‬ث ِي ََرة فله علة أ ّ‬
‫وِقي َ‬
‫موضعها إن شاء الله‪.‬‬
‫هذا باب جمع ما كان على فعل من ذوات الياء‬
‫والوا اللتين هما عينان‬
‫فأدنى العدد فيه أ َْفعال إذ كان يكون ذلك في غير المعتل‪،‬‬
‫نحو‪ :‬فرخ وأفراخ‪ ،‬وَزْند وأ َْزناد‪.‬‬
‫صوت وَأصوات‪،‬‬
‫فأما ما كان من الواو فنحو قولك‪َ :‬‬
‫حوض وَأحواض‪ ،‬ثوب وَأثواب وما كان من الياء ف َ‬
‫شْيخ‬
‫و َ‬
‫وَأشياخ‪ ،‬وبيت وَأبيات‪ ،‬وقَْيد وَأقياد‪.‬‬
‫فإذا جاوزت الثلثة إلى العشرة فقد خرجت من أدنى‬
‫العدد‪.‬‬
‫فما كان من الواو فبابه ِفعال‪ .‬وذلك قولك‪ :‬ثوب وثياب‪،‬‬
‫وحوض وحياض‪ ،‬وسط وسياط‪ ،‬تنقلب ابلواو فيه ياًء‪،‬‬
‫لكسرة ما قبلها‪ ،‬ولنها كانت في الواحد ساكنة‪.‬‬
‫فإن كانت في الواحد متحركة ظهرت في الجمع‪ ،‬نحو‬
‫طوال‪ ،‬وما كان مثله‪.‬‬
‫قولك‪ :‬طويل و ِ‬
‫أما ما كان من الياء فإنك تقول فيه إذا جاوزت أدنى العدد‬
‫فُُعول لن ُفعول‪ ،‬وِفعال يعتوران فْعل من الصحيح‪ ،‬وذلك‬
‫قولك‪ :‬ك َْعب و ُ‬
‫كعوب‪ ،‬وفلس وفلوس‪ ،‬ويكونان معا في‬
‫كعاب وكعوب‪ ،‬وِفراخ وُفروخ‪.‬‬
‫الشيء الواحد‪ ،‬نحو ِ‬
‫فعال كراهية الضمتين مع الواو خصت‬
‫دت الواو ب ِ‬
‫فلما استب ّ‬
‫الياء بُفعول لئل يلتبسا وذلك قولك‪ :‬شيخ وشيوخ‪ ،‬وبيت‬
‫وبيوت‪ ،‬وقَْيد وُقيود‪.‬‬

‫‪67‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫فإن قال قائل‪ :‬فلم لم يفصل بينهما في العدد القل ?‬
‫فإن الجواب في ذلك أنهما تظهران في أ َفَْعال‪ ،‬فتعلم‬
‫الواو من الياء‪ ،‬وذلك قولك‪ :‬أبيات‪ ،‬وأحواض‪ .‬فكل واحد‬
‫منهما بين من صاحبه‪ ،‬كما كان في بيت‪ ،‬وحوض‪.‬‬
‫ل‪ ،‬ونحوه على‬
‫وإن احتاج شاعر فجمع ما كان من باب فَعْ ٍ‬
‫َ‬
‫ل جاز ذلك‪ ،‬لن باب فَْعل كان في الصحة ل َفُْعل‪ ،‬نحو‪:‬‬
‫أفْعُ ٍ‬
‫ك َْلب وأ َك ُْلب‪ ،‬وك َْعب وأ َك ُْعب‪ ،‬وكذلك ما كان نظيرا لهذا إذا‬
‫اضطر ؛ كما قال‪:‬‬
‫ش قد لبست أثوبا‬
‫لكل عي ٍ‬
‫ومثل ذلك عين وأعين‪ ،‬وأعيان جيد على ما وصفت لك ؛‬
‫قال‪:‬‬
‫ص كأعيان الجراد‬
‫ي‬
‫دل ٌ‬
‫ولكنني أغدو عل ّ‬
‫المن ّ‬
‫ظم‬
‫ة‬
‫مـفـاض ٌ‬
‫ومثل أعين‪ ،‬وأثوب قوله‪:‬‬
‫أنعت أعيارا ً رعين‬
‫ن آيرا ً وكـمـرا‬
‫أنعتـهـ‬
‫ّ‬
‫الخنزرا‬
‫ومثل أعيان قوله‪:‬‬
‫ففي البطون وقد‬
‫يا أضبًعا أكلـت آيار‬
‫راحت قراقير‬
‫ة‬
‫أحـمـر ٍ‬
‫هذا باب ما يصح من ذوات الياء والواو‬
‫لسكون ما قبله وما بعده‬
‫وذلك نحو‪ :‬وقال‪ ،‬وبايع‪ ،‬لن قبل الياء والواو ألفا‪ ،‬فلو‬
‫قلبتها لصرت إلى علة بعد علة‪ .‬فل يجوز أن تغير حرف‬
‫اللين بطرح حركته على ما قبله‪ ،‬إذا كان الذي قبله من‬
‫حروف اللين ‪.‬‬
‫َ‬
‫ومن ذلك ما كان على فُّعل‪ ،‬وفُّعال‪ ،‬وفَّعال‪ ،‬وأفَْعال‪.‬‬
‫وال‪ ،‬وب َّياع‪.‬‬
‫وال‪ ،‬ورجل قَ ّ‬
‫ول‪ ،‬وقوم قُ ّ‬
‫وذلك قولك‪ :‬رجل قُ ّ‬
‫وكذلك أقياد‪ .‬وأحوال‪ .‬وكل ما سكن ما قبله من هذا‬
‫المنهاج ولم نذكره فهذا قياسه ‪.‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫عينة جمع عيان‪:‬‬
‫ونة‪ ،‬وأ ْ‬
‫وناء‪ ،‬وأ َْبنياء‪ ،‬وأ َ ْ‬
‫خ ِ‬
‫وأما قولهم‪ :‬أهْ ِ‬
‫وهي حديدة تكون في الفدان فإنما صححن لن أولهن‬
‫ححن‪ ،‬ليفصل بين السم والفعل ‪.‬‬
‫ص ّ‬
‫زيادة الفعل‪ ،‬ف ُ‬

‫‪68‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وقد مضى تفسير هذا ‪.‬‬
‫ومن هذا الباب ساير‪ ،‬وتساير القوم‪ ،‬وتقاولوا‪ ،‬وتبايعوا ‪.‬‬
‫كل يجري مجرى واحدًا‪ ،‬وكل ما لم نذكره فهذا مجراه إذا‬
‫كان على هذا ‪.‬‬
‫هذا باب ما اعتل منه موضع اللم‬
‫اعلم أن كل ما كان من هذا على فَعَ َ‬
‫ل فكان من الواو‬
‫فإن مجرى بابه ي َْفُعل‪ ،‬ل يجوز إل ذلك‪ ،‬لتسلم الواو ؛ كما‬
‫ذكرت لك في باب ما اعتلت عينه‪ .‬وذلك قولك‪ :‬غزا ي َغُْزو‪،‬‬
‫دو‪ ،‬ولها يلهو ‪.‬‬
‫وعدا ي َعْ ُ‬
‫فإن كان من الياء على ي َْفِعل ؛ لن تسلم الياء ؛ كما‬
‫ذكرت لك في باب العين‪ .‬وذلك نحو‪ :‬رمى يرمي‪ ،‬وقضى‬
‫يقضي‪ ،‬ومشى يمشي وتعتل اللم فتسكن في موضع‬
‫ض فاعلم ؛ لن الضمة‬
‫الرفع منهما‪ ،‬كما تقول‪ :‬هذا قا ٍ‬
‫والكسرة مستثقلتان في الحروف المعتلة ‪.‬‬
‫فأما في النصب فتحرك الياء‪ ،‬لما قد تقدمنا بذكره في‬
‫ي يا فتى‪ ،‬وأن تغزَو‬
‫الفتحة‪ .‬وذلك كقولك‪ :‬أريد أن ترم َ‬
‫فاعلم كما تقول‪ :‬رأيت قاضيًا‪ ،‬وغازيا ً ‪.‬‬
‫فإن لحق شيئا ً من هذه الفعال الجزم فآية جزمها حذف‬
‫الحرف الساكن ؛ لن الجزم حذف فإذا كان آخر الفعل‬
‫متحركا ً حذفت الحركة‪ ،‬وإذا كان ساكنا ً حذف الحرف‬
‫م‪ ،‬كما تفعل باللف إذا‬
‫الساكن‪ .‬تقول‪ :‬لم يغُز‪ ،‬ولم ير ِ‬
‫ش‪.‬‬
‫قلت‪ :‬لم يخ َ‬
‫واعلم أن فَعِ َ‬
‫ل يدخل عليهما وهما لمان ؛ كما دخل‬
‫ي من‬
‫ي الرجل‪ ،‬وغَب ِ َ‬
‫عليهما وهما عينان وذلك قولك‪ :‬شِق َ‬
‫ي يا فتى من الخشية ‪.‬‬
‫الشقوة‪ ،‬والغباوة‪ ،‬وخ ِ‬
‫ش َ‬
‫خ َ‬
‫ضى‪ .‬فإن أردت نصبه‬
‫فإذا قلت‪ :‬ي َْفعل لزمه ي َ ْ‬
‫شى‪ ،‬وي َْر َ‬
‫تركته مس ّ‬
‫كنا ً ؛ لمتناع اللف من الحركة ؛ كما تقول‪:‬‬
‫رأيت المثنى فل يحرك ‪.‬‬
‫وإن أردت الجزم حذفتها ؛ كما وصفت لك من حكم هذا‬
‫الفعل ‪.‬‬
‫هذا باب ما لحقته الزوائد من هذه الفعال‬

‫‪69‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫اعلم أن الزوائد تلحقها كما تلحق الصحيح فتقول‪ :‬أعطى‬
‫الرجل ومعناه‪ :‬ناول‪ .‬والصل عطا يعطو‪ ،‬إذا تناول ؛ كما‬
‫تقول‪ :‬غزا الرجل‪ ،‬وأغزيته‪ ،‬وجرى الفرس‪ ،‬وأجريته ‪.‬‬
‫ست َْفعَ َ‬
‫عل‪ ،‬وجميع أبنية‬
‫عل‪ ،‬وافْعَوْ َ‬
‫ل‪ ،‬وفا َ‬
‫ويكون على ا ْ‬
‫الفعل‪ ،‬إل أنك إذا زدت في الفعل فصارت ألفه رابعة‬
‫استوى البابان‪ :‬لخروج بنات الواو إلى الياء ؛ لنك إذا‬
‫قلت‪ :‬ي َْفعل فيما فيه الزيادة من هذا الباب انكسر ما قبل‬
‫الواو‪ ،‬فانقلبت ياًء ؛ كما تنقلب واو ميزان ؛ لسكونها‪،‬‬
‫ست َْغزى‬
‫وكسرة ما قبلها‪ ،‬وذلك قولك‪ :‬ي ُْغزى‪ ،‬وي ُعْ ِ‬
‫دي‪ ،‬وي َ ْ‬
‫ونحو ذلك ‪.‬‬
‫فعلى هذا يجرى أغزيت‪ ،‬واستغزيت ؛ كما أنك تقول‪:‬‬
‫ي‪ ،‬وغُزِيَ فتقلب الواو ياًء ‪.‬‬
‫دُ ِ‬
‫ع َ‬
‫عيان‪ ،‬وي ُغَْزيان ؛ لن الفعل إذا‬
‫وتقول في المضارع‪ :‬هما ي ُد ْ َ‬
‫لزم في أحد وجهيه شيء اتبعه الخر لئل يختلف‪ ،‬إذ كان‬
‫كل واحد منهما يبنى على صاحبه ‪.‬‬
‫جى‪ ،‬وت ََغاَزى يرجعان إلى الياء‬
‫فإن قال قائل‪ :‬ما بال ت ََر ّ‬
‫وليس واحد منهما يلحقه في المضارع كسرة‪ .‬لنك تقول‪:‬‬
‫جى‪ ،‬وت ََغاَزى ي َت ََغازى‪ ،‬فلم قلت‪ :‬ت ََعازينا‪،‬‬
‫جى ي َت ََر ّ‬
‫تر ّ‬
‫جينا ?‪.‬‬
‫وتر ّ‬
‫قيل‪ :‬لن التاء إنما زادت بعد أن انقلبت الواو ياء ‪.‬‬
‫جى‪ ،‬و َ‬
‫غاَزى ي َُغازى‪ ،‬ثم لحقت‬
‫جى ُيتر ّ‬
‫أل ترى أنك تقول‪ :‬ر ّ‬
‫التاء ‪.‬‬
‫والدليل على ذلك أن غازى ل يكون من واحد‪ ،‬ويتغازى‬
‫على ذلك ل يجوز أن تقول‪ :‬تغازى زيد حتى تقول‪:‬‬
‫وعمرو‪ ،‬وما أشبهه ‪.‬‬
‫هذا باب بناء السماء على هذه الفعال‬
‫المزيد فيها وغير المزيد فيها ؛ وذكر مصادرها‪ ،‬وأزمنتها‪،‬‬
‫ومواضعها‬
‫اعلم أن كل اسم بنيته من فِْعل من هذه الفعال التي هي‬
‫فَعَ َ‬
‫ل فبناء السم فاعل ؛ كما يجري في غيرها‪ .‬فتقول من‬
‫غزوت‪ :‬هذا غازٍ فاعلم ومن رميت‪ :‬هذا رام ٍ يا فتى ومن‬
‫ش فاعلم ‪.‬‬
‫خشيت‪ :‬هذا خا ٍ‬

‫‪70‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫واعتلله كاعتلل ِفعله إذا قلت‪ :‬هو يغزو‪ ،‬ويرمي‬
‫فأسكنتهما في موضع الرفع‪ ،‬وقلت‪ :‬لم يغُز‪ ،‬ولم يرم ِ‬
‫عل أنك تسكن‬
‫فحذفتهما في موضع الجزم‪ .‬والعلة في َفا ِ‬
‫الياء في موضع الرفع والخفض‪ ،‬فتقول‪ :‬هذا غاٍز‪ ،‬ومررت‬
‫بغاٍز‪ ،‬وكذلك حكم كل ياٍء انكسر ما قبلها وهي مخّففة ‪.‬‬
‫فأما في موضع النصب فتقول‪ :‬رأيت قاضيًا‪ ،‬وغازيا ً لخفة‬
‫ي‬
‫الفتحة ؛ كما كانت تقول في الفعل‪ :‬لن يغزو‪ ،‬ولن يرم َ‬
‫يا فتى‪ ،‬فتحرك أواخر الفعال بالفتح‪ ،‬لما قد تقدم تفسيره‬
‫‪.‬‬
‫وكلما زاد من هذه الفعال شيٌء فقياسه قياس غيره من‬
‫الفعل الصحيح‪ ،‬إل أنك تسكن آخره في الرفع والخفض‪،‬‬
‫كما كان اعتلل فعله‪ ،‬وتفتحه في النصب على ما وصفت‬
‫لك‪ .‬وذلك قولك ‪ -‬إذا بنيت من هذا الفعل شيئا ً على أ َفَْعل‬
‫‪ :‬أعطى وأغزى‪ ،‬وهن يعطي‪ ،‬ويغزي‪ ،‬ولن يعطي‪ ،‬ولن‬‫يغزي ‪.‬‬
‫طي‪ ،‬ولن يستعطي‪ ،‬ورأيت‬
‫ست َعْ ِ‬
‫وكذلك استعطى‪ ،‬وهو ي َ ْ‬
‫مستعطيًا‪ .‬فعلى هذا مجرى جميع هذه الفعال ‪.‬‬
‫هذا باب من بنى من هذه الفعال اسما ً‬
‫على فَِعيل‪ ،‬أو فَُعول‪ ،‬أو ِفعال‪ ،‬أو فَعَْلل‪ ،‬وما أشبه ذلك‬
‫اعلم أنك إذا قلت من رميت‪ :‬رميا ً فاعلم على مثال جعفر‬
‫ي فاعلم‪ .‬تلتقي في آخره‬
‫فأردت جمعه فإنك تقول‪ :‬رما ٍ‬
‫ياءان ُيذهب إحداهما التنوين ؛ للتقاء الساكنين ؛ كما أنك‬
‫ض فاعلم حذفت الياء للتقاء الساكنين ؛ لن‬
‫إذا قلت‪ :‬قا ٍ‬
‫الياء ساكنة‪ ،‬ويلحقها التنوين وهو ساكن ؛ فتذهب للتقاء‬
‫الساكنين ‪.‬‬
‫ي ؛ لنك إنما جئت بعد اللف‬
‫ي وإبل معا ٍ‬
‫وتقول‪ :‬بعيٌر مع ٍ‬
‫بحرف أصلي‪ .‬فإذا قلت من هذا شيئا ً أصله الحركة لم‬
‫يلزمك في الجمع همزه ‪.‬‬
‫وقد مضى تفسير هذا في باب الياء والواو اللتين هما‬
‫عينان ‪.‬‬
‫مَعاَيا فليس هذا لزمًا‪ ،‬ولكنه يجوز ذلك‪.‬‬
‫وأما قولهم‪ :‬إبل َ‬
‫ة‪ :‬أن تبدلها ألفا ً بأن تفتح‬
‫كل ما كان آخره ياًء قبلها كسر ٌ‬

‫‪71‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫مداَرى‪ ،‬وعذراُء وعَ َ‬
‫ذاَرى ‪.‬‬
‫ما قبلها‪ ،‬وذلك قولهم‪ِ :‬‬
‫م ْ‬
‫درى و َ‬
‫وكذلك كل ما كان مثله‪ .‬والصل مدارٍ وعذاٍر‪ ،‬ولكنه جاز‬
‫ذلك على ما وصفنا‪ ،‬لن الفتحة واللف‪ ،‬أخف من الكسرة‬
‫والياء‪ ،‬ولم تخف التباسا‪ ،‬لنه ل يكون شيٌء من الجمع‬
‫أصل بنائه فتح ما قبل آخره‪ ،‬ولذلك لم يجز في مثل رام ٍ‬
‫فاعلم أن تحمله على الفتح وتثبت مكان يائه ألفا ً ؛ لنه‬
‫ي‪ ،‬وغاَزى‪ ،‬فهذا جائز هناك‪ ،‬ممتنعٌ في‬
‫كان يلتبس برام َ‬
‫كل موضع دخله التباس ‪.‬‬
‫فإن بنيته بناء فَِعيلة‪ ،‬أو فَِعيل الذي يكون مؤنثًا‪ ،‬أو ما كان‬
‫جمعه كجمعها لزمك الهمز‪ ،‬والتغيير‪ ،‬من أجل الزيادة‪:‬‬
‫كما ذكرت لك في باب صحائف‪ ،‬وسفائن ‪.‬‬
‫وكذلك ِفعالة‪ ،‬وُفعالة‪ ،‬وفَُعول‪ ،‬وكل مؤنث على أربعة‬
‫أحرف ثالث حروفه حرف لين وما جمعته على جمعه ‪.‬‬
‫وذلك قولك إذا جمعت مثل رمية أو رماية‪ :‬رمايا‪ ،‬وقضية‬
‫قضايا وكان الصل‪ :‬هذا قضائي فاعلم‪ ،‬ورمائي فاعلم ؛‬
‫كقولك‪ :‬صحائف‪ ،‬فكرهوا الهمزة‪ ،‬والياء‪ ،‬والكسرة‪،‬‬
‫فألزموه بدل اللف‪ ،‬ولم يجز إل ذلك ؛ لنه قد كان يجوز‬
‫فيما ليست فيه هذه العلة‪ ،‬فلما لزمت العلة كان البدل‬
‫لزمًا‪ ،‬فلما أبدلت وقعت الهمزة بين ألفين‪ ،‬فأبدلوا منها‬
‫ياًء‪ ،‬لن مخرج الهمزة يقرب من مخرج اللف‪ ،‬فكان‬
‫كالتقاء ثلث ألفات‪ ،‬فلذلك قالوا‪ :‬مطايا‪ ،‬وركايا ‪.‬‬
‫ولو اضطر شاعر لرده إلى أصله ؛ كرد جميع الشياء إلى‬
‫أصولها للضرورة‪ .‬وسنبين ذلك بعد فراغنا من الباب إن‬
‫شاء الله ‪.‬‬
‫ي‪،‬‬
‫وتقول في فُعُْلول من رميت‪ ،‬وغزوت‪ :‬رميي‪ ،‬وغزو ّ‬
‫ي‪ .‬ل تهمز في التباعد من‬
‫ي‪ ،‬وغزاو ّ‬
‫وفي الجمع‪ :‬رماي ّ‬
‫الطرف خاصة فإن قلت فَِعيلة مما لمه مهموزة‪ ،‬أو ما‬
‫يلحقه في الجمع ما يلحق فَِعيلة ؛ نحو‪ُ :‬فعالة‪ ،‬وِفعالة‬
‫وفَُعولة اعتل اعتلل ما وصفت لك‪ .‬وذلك قولك‪ :‬خطيئة‪،‬‬
‫فإن جمعتها قلت‪ :‬خطايا ‪.‬‬
‫خ َ‬
‫طاِئيء فاعلم‪،‬‬
‫وكان أصلها أن تلتقي همزتان فتقول‪َ :‬‬
‫فأبملت إحدى الهمزتين ياء‪ ،‬لئل تلتقي همزتان‪ .‬فلما‬

‫‪72‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫اجتمعت همزة وياء‪ ،‬خرجت إلى باب مطية وما أشبهها‪.‬‬
‫واعلم أن كل ما ظهرت الواو في واحدة فإنها تظهر في‬
‫جمعه ‪.‬‬
‫ليس إن التي تظهر في الجمع تلك الواو‪ ،‬ولكنك تبدل من‬
‫همزته واوا ؛ لتدل على ظهور الواو في الواحد‪ ،‬إذ كان قد‬
‫يجوز أن تبدل الهمزة واوا في الباب الذي قبله‪ ،‬وإن كان‬
‫الختيار الياء‪ .‬وذلك في قولك في داوة‪ :‬أداوى‪ ،‬وهراوة‪:‬‬
‫هراوى ‪.‬‬
‫وقد قال قوم في جمع شهية‪ .‬شهاوى‪ .‬فهذا عندهم على‬
‫قياس من قال في مطية‪ :‬مطاوى‪ .‬وليس القول عندي ما‬
‫قالوا‪ ،‬ولكنه جمع شهوى‪ .‬وهو مذهب أكثر النحويين ‪.‬‬
‫وكان الخليل يرى في هذا الجمع الذي تلتقي فيه علتان‬
‫من باب مطايا‪ ،‬وأداوى‪ ،‬الذي تجتمع فيه همزة‪ ،‬وحرف‬
‫علة القلب ؛ كما كان يرى في باب جاء ذلك لزمًا‪ ،‬إذ كان‬
‫يكون في غيره اختيارا‪ .‬وكذلك هذا الباب‪ ،‬إذ كنت تقول‬
‫في شوائع‪ :‬شواٍع على القلب أن يكون هذا لزما ً فيما‬
‫اجتمعت فيه ياء‪ ،‬وهمزة ‪.‬‬
‫قال الشاعر ‪:‬‬
‫ضربت على ُ‬
‫ن‬
‫وكان أولها كعاب‬
‫شُز ٍ‬
‫فهن شواعي‬
‫ر‬
‫مـقـامـ ٍ‬
‫فكان يقول في جمع خطيئة‪ :‬خطائي‪ ،‬فاعلم ؛ لنها‬
‫الهمزة التي كانت في الواحدة ‪.‬‬
‫وإذا كانت الهمزة في الواحد لم يلزمها في الجمع تغيير ؛‬
‫لن الجمع لم يجلبها‪ ،‬أل ترى أنك لو جمعت جائية لم تقل‪:‬‬
‫إل جواٍء فاعلم‪ .‬لنك إنما ودت الهمزة التي كانت في‬
‫الواحدة وكذلك لو بنيت فَعَْلل من جاء يا فتى لقلت‪:‬‬
‫َ‬
‫ى‪.‬‬
‫َ‬
‫جي ْأى‪ ،‬وتقديرها جيع ً‬
‫فإن جمعت قلت‪ :‬جياٍء فاعلم ؛ لن الهمزة لم تعرض في‬
‫جمع‪ ،‬إنما كانت في الواحد كالفاء من جعفر‪ ،‬فقلت في‬
‫الجمع كما قلت‪ :‬جعاِفر ‪.‬‬
‫فهذا أصل هذا الباب‪ :‬إن التغيير إنما يلزم الجمع إذا كان‬
‫الهمزة مجتلبا ً فيه‪ ،‬ولم يثن في واحده ‪.‬‬

‫‪73‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وكان الخليل يجيز خطايا‪ ،‬وما أشبهه على قولهم في‬
‫مدرى‪ :‬مدارى‪ ،‬وفي صحراٍء‪ :‬صحارى ل على الصل‪،‬‬
‫ولكنه يراه المخفة أكثر‪ .‬أل ترى أنه إذ أثبت اللف أبدل‬
‫من الهمزة ياًء‪ ،‬كما يفعل ؛ لئل تقع همزة بين ألفين لشبه‬
‫الهمزة باللف ‪.‬‬
‫واعلم أن الشاعر إذا اضطر رد هذا الباب إلى أصله وإن‬
‫كان يرى القول لول‪ ،‬لنه يجوز له للضرورة أن يقول‪:‬‬
‫ردد في موضع رد‪ ،‬لنه الصل كما قال ‪:‬‬
‫ل‬
‫الحمد لله العلي الجل ِ‬
‫وكما قال ‪:‬‬
‫أني أجود لقوام ٍ وإن ضننوا‬
‫ويجوز له صرف ما ل ينصرف ؛ لن الصل في الشياء أن‬
‫تنصرف‪ .‬فإذا اضطر إلى الباء المكسور ما قبلها أن يعربها‬
‫في الرفع والخفض فعل ذلك ؛ لنه الصل ؛ كما قال ابن‬
‫الرقياتى ‪:‬‬
‫يصبحن إل لهن‬
‫ل بارك الله في‬
‫مطـلـب‬
‫الغواني هل‬
‫لن غواني فواعل‪ ،‬فجعل آخرها كآخر ضوارب ‪.‬‬
‫وقال الخر ‪:‬‬
‫لما رأتني خلفا‬
‫قد عجبت مني ومن‬
‫مقلولـيا‬
‫يعيليا‬
‫لنه لما بلغ بتصغير يعلى الصل صار عنده بمنزلة يعلم لو‬
‫سميت به رجل ً ؛ لنه إذا تم لم ينصرف‪ .‬فإنما انصرف‬
‫باب جوارٍ في الرفع والخفض‪ ،‬لنه أنقض من باب ضوارب‬
‫في هذين الموضعين ‪.‬‬
‫ض فاعلم‪ .‬لو سميت به امرأة لنصرف في‬
‫وكذلك قا ٍ‬
‫الرفع والخفض ؛ لن التنوين يدخل عوضا ً مما حذف منه ‪.‬‬
‫فأما في النصب فل يجرى ؛ لنه يتم فيصير بمنزلة غيره‬
‫مما ل علة فيه ‪.‬‬
‫فإن احتاج الشاعر إلى مثل جوارٍ فحقه ‪ -‬إذا حرك آخره‬
‫في الرفع والخفض ‪ -‬أل يجريه‪ ،‬ولكنه يقول‪ :‬مررت‬
‫بجواري كما قال الفرزدق ‪:‬‬

‫‪74‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ولكن عبد الله مولى‬
‫فلو كان عبد الله‬
‫موالـيا‬
‫مولى هجوته‬
‫فإنما أجراه للضرورة مجرى ما ل علة فيه ‪.‬‬
‫فإن احتاج إلى صرف ما ل ينصرف صرفه مع هذه‬
‫الحركة‪ ،‬فيصير بمنزلة غيره مما ل علة فيه ؛ كما قال ‪:‬‬
‫ش إليك قوادم‬
‫فلتأنينك قصائد ٌ‬
‫جي ٌ‬
‫الكوار‬
‫وليركبـن‬
‫أل ترى أنه في قوله‪ :‬مولى مواليا قد جعله بمنزلة‬
‫الصحيح ؛ كما قال جرير ‪:‬‬
‫ويوما ً ترى منهن ُ‬
‫غو ٌ‬
‫ل‬
‫فيوما ً يجارين الهوى‬
‫تغـوّ ُ‬
‫ل‬
‫ي‬
‫غير ماض ٍ‬
‫وقال الكميت ‪:‬‬
‫تأّزر طول ً وتلقى‬
‫خريع دوادي في‬
‫الزارا‬
‫ب‬
‫ملعـ ٍ‬
‫ويكفيك من هذا كله ما ذكرت لك‪ :‬من أن الشاعر إذا‬
‫اضطر رد الشياء إلى أصولها‪ .‬فأما قوله ‪:‬‬
‫سماء الله فوق سبع سمائيا‬
‫فإنه رد هذا إلى الصل من ثلثة أوجه ‪ :‬أحدهما‪ :‬أنه جمع‬
‫سماًء على فعائل‪ ،‬والذي يعرف من جمعها سماوات ‪.‬‬
‫والثاني‪ :‬أنه إذا جمع سماًء على فعائل فحقه أن يقول‪:‬‬
‫سمايا‪ ،‬لن الهمز يعرض في الجمع بدل ً من اللف الزائدة‬
‫في َفعال وترجع الواو التي هي همزة‪ ،‬في سماٍء‪ ،‬لن‬
‫سماًء إنما هو َفعال من سموت‪ .‬فتصير الواو ياًء لكسرة‬
‫ما قبلها‪ ،‬كما صارت واو غزوت ياًء في غاٍز‪ ،‬فتلقى همزة‪،‬‬
‫وياء‪ ،‬فيلزم التغيير كما ذكرت لك‪ ،‬فردها للضرورة إلى‬
‫سمائيا ثم فتح آخرها وكان حق الياء المنكسر ما قبلها أن‬
‫تسكن‪ ،‬فإذا لحقها التنوين حذفت للتقاء الساكنين‪ ،‬فحرك‬
‫آخرها بالفتح‪ ،‬كما يفعل بالصحيح الذي ل ينصرف ‪.‬‬
‫فهذه ثلثة أوجه‪ :‬جمعها على فعائل‪ ،‬وتركها ياًء‪ ،‬ومنعها‬
‫الصرف ‪.‬‬
‫وأما ما كان من هذا الباب كأول في بابه ِفعّلته في الهمز‬
‫كعلة أول‪ ،‬إل أن الهمز يلزم ذوات الياء‪ ،‬والواو‪ ،‬والتغيير ‪.‬‬

‫‪75‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫تقول في فَّعل من حييت‪ :‬حيا‪ .‬وكذلك فَعَْلل‪ :‬اللفظان‬
‫سواء ‪.‬‬
‫فأما فّعل فإنك ثقلت العين ‪ -‬وهي ياء ‪ -‬؛ كما ثقلت عين‬
‫ق ّ‬
‫طع‪ ،‬فانفتح ما قبل الياء التي هي لم وهي في موضع‬
‫حركة‪ ،‬فانقلبت ألفا ‪.‬‬
‫ة‪،‬‬
‫ول يكون اسم على مثال فَّعل إل أن تصوغه معرف ً‬
‫فتنقله من فّعل‪ .‬فأما قولهم بّقم فإنه اسم أعجمي‪ .‬فلو‬
‫سميت به رجل ً لم تصرفه في المعرفة ؛ لنه وقع من‬
‫كلم العرب على مثال ل تكون عليه السماء‪ ،‬فلم يكن‬
‫بأمثل حال ً من عربي لو بنيته على هذا المثال ‪.‬‬
‫ضم ‪ -‬للعنبر بن عمرو بن تميم ‪ -‬فإنما هو‬
‫فأما قولهم‪ :‬خ ّ‬
‫فعل منمقول‪ ،‬وهو غير منصرف في السم ‪.‬‬
‫وهذا شيء ليس من هذا الباب‪ ،‬ولكن لما ذكر وصفنا‬
‫حاله‪ .‬ثم نعود من القول إلى الباب‪ .‬وأما فَعْل َ ٌ‬
‫ل من حييت‬
‫فإن العين ساكنة‪ ،‬واللمان متحركان‪ ،‬فأدغمت العين في‬
‫اللم الولى‪ ،‬وأبدلت الثانية ألفا ‪.‬‬
‫فإن جمعت فعَْلل فتقدير جمعه‪ :‬فَعالل ؛ كما قلت في‬
‫قردذ‪ :‬قرادذ ‪.‬‬
‫عل ؛ كما تقول في‬
‫وإن جمعت فَّعل فتقدير جمعه َفعا ِ‬
‫سّلم‪ :‬سللم وأيهما جمعت يلزمه الهمز‪ .‬ليس من أجل أن‬
‫فيه زائدًا‪ ،‬ولكن للتقاء حرفين معتلين‪ ،‬اللف بينهما كما‬
‫ذكرت لك في أوائل ‪.‬‬
‫فتقول فيهما‪ :‬حيايا‪ .‬وكان الصل حيائي‪ ،‬فلزم ما لزم‬
‫مطية في قولك‪ :‬مطايا‪ .‬وكذلك لو قلت‪ :‬فعاعل من جئت‬
‫لقلت‪ :‬جيايا ‪.‬‬
‫وكان الصل جيائي‪ .‬فكنت تبدل الثانية ياًء‪ ،‬كما فعلت في‬
‫قولك‪ :‬هذا جاٍء فاعلم‪ ،‬ثم تذهب إلى باب مطايا ‪.‬‬
‫عل من شويت ولويت‪ ،‬قلت‪:‬‬
‫فإن قلت‪َ :‬فعاِلل‪ ،‬وَفعا ِ‬
‫شوايا‪ ،‬ولوايا فتظهر الواو ؛ لن العين واو ؛ كما أظهرت‬
‫مْفَعل من شويت أو‬
‫الباء في حييت‪ ،‬وجيت ‪ -‬فإن قلت‪َ :‬‬
‫م ْ‬
‫حيا ً ‪.‬‬
‫م ْ‬
‫ى‪ ،‬و َ‬
‫حييت‪ ،‬قلت‪َ :‬‬
‫شو ً‬
‫ي‪ .‬فلم تهمز‪ ،‬لنه لم‬
‫فإن جمعت قلت‪ :‬مشاٍو‪ ،‬ومحا ٍ‬

‫‪76‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫يعرض ما يهمز من أجله‪ ،‬وإنما وقع حرفا العلة الصليان‬
‫بعد اللف ‪.‬‬
‫فإن بنيت منه شيئا ً على مفاعيل‪ ،‬أو فعاليل أو ما أشبه‬
‫ذلك لم يصلح الهمز أيضًا‪ .‬وذلك قولك‪ :‬مشاوي وملوي ؛‬
‫لبعد حرف العلة من الطرف وقد تقدم تفسير هذا في‬
‫باب طواويس‪.‬‬
‫فإن كان مكان الواو ياء ففيه ثلثة أقاويل‪ :‬تقول في‬
‫فعاليل‪ ،‬أو مفاعيل من حييت‪ :‬حياوي‪ .‬أبدلت من الياء واوا ً‬
‫؛ كراهية اجتماع الياءات ؛ كما قلت في النسب إلى رحى‪:‬‬
‫رحوي ‪.‬‬
‫ويجوز أن تبدل من إحدى الياءات همزة‪ ،‬فتقول‪ :‬حيائي‬
‫فاعلم‪ .‬وهو الذي يختاره سيبويه‪ .‬وليست الهمزة بمنزلة‬
‫ما كنت تهمز قبل‪ ،‬فيلزمك التغيير من أجلها‪ ،‬لنكم فيه‬
‫مخير‪ ،‬وإنما هي بدل من الياء‪ ،‬وهي بمنزلة الياء لو ثبتت ‪.‬‬
‫ومن أجرى الشياء على أصولها فقال في النسب إلى‬
‫ي‪ ،‬ترك الياء هنا على حالها‪،‬‬
‫ي‪ ،‬وإلى أمية‪ :‬أمي ّ‬
‫رحى‪ :‬رحي ّ‬
‫ي‪.‬‬
‫فقال‪ :‬حياي ّ‬
‫وبهذه المنزلة‪ .‬والنسب إلى راية‪ ،‬وآية‪ ،‬وما كان مثلهما ‪.‬‬
‫ي‪،‬‬
‫يجوز إقرار الياء مع ياء النسب الثقيلة‪ ،‬فتقول‪ :‬راي ّ‬
‫ي‪ .‬وتبدل الهمزة إن شئت‪ .‬وتقلبها واًو‪ .‬وهي أجود‬
‫وآي ّ‬
‫القاويل عندي‪ .‬وسيبويه يختار الهمزة ‪.‬‬
‫فأما ما كان من الياء مثل شويت إذا قلت‪ :‬فعاعيل فل‬
‫يجوز إل شواويّ فاعلم ‪.‬‬
‫وذاك ؛ لن الواو من أصل الكلمة‪ ،‬وقد كان يفر إليها من‬
‫الياء التي هي أصل‪ ،‬فلما كانت ثابتة لم يجز أن يتعدى‬
‫إلى غيرها ‪.‬‬
‫وهذا الباب يرجع بعد ذكرنا شيئا ً من الهمز وأحكامه‪،‬‬
‫وشيئا ً من التصغير والنسب‪ ،‬مما يجري وما يمتنع من ذا‬
‫إن شاء الله‪.‬‬
‫هذا الباب‬
‫ذوات الياء التي عيناتها ولماتها ياءات‬

‫‪77‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وذلك نحو قولك‪ :‬عييت بالمر‪ ،‬وحييت‪.‬‬
‫فما كان من هذا الباب فإن موضع العين منه صحيح ؛ لن‬
‫اللم معتلة‪ ،‬فل تجمع على الحرف علتان‪ ،‬فيلزمه حذف‬
‫بعد حذف‪ ،‬واعتلل ‪.‬‬
‫فالعين من هذا الفعل يجري مجرى سائر الحروف‪ .‬تقول‪:‬‬
‫حييت‪ ،‬ويحيا ؛ كما تقول‪ :‬خشيت ويخشى‪.‬‬
‫وكذلك إن كان موضع العين واو‪ ،‬وموضع اللم ياء‪ ،‬فحكمه‬
‫حكم ما تقدم‪ ،‬وذلك نحو‪ :‬شويت‪ ،‬ولويت‪ ،‬يشوى‪ ،‬ويلوى‪،‬‬
‫كما تقول‪ :‬رميت‪ ،‬ويرمى ول تقلب الواو في شوى ألفا ؛‬
‫كما قلبتها في قال‪ ،‬ولكن يكون شويت بمنزلة رميت‪،‬‬
‫وحييت‪ ،‬بمنزلة خشيت ‪.‬‬
‫ى بغير همزة ؛ لن‬
‫وتقول‪ :‬هذا رجل شاو‪ ،‬ورجل لوٍ وحاو ٍ‬
‫العين لعلة فيها‪ .‬ول يلزم الخليل قلب هذا‪ ،‬لنه بمنزلة‬
‫غير المعتل‪.‬‬
‫وتقول في المفعول‪ :‬مكان محيى فيه‪ ،‬ومشوي فيه ؛ كما‬
‫تقول‪ :‬مرمى فيه‪ ،‬ومقضى فيه‪ .‬تجربة على هذا‪.‬‬
‫هذا الباب‬
‫ما كانت عينه ولمه واوين‬
‫اعلم أنه ليس من كلمهم أن تلتقي واوان إحداهما طرف‬
‫من غير علة‪ .‬فإن التقت عين ولم كلهما جاز ثباتها إن‬
‫ة واحدة‬
‫كانت العين ساكنة ؛ لنك ترفع لسانك عنهما رفع ً‬
‫للدغام‪ .‬وذلك قولف ٌقوة‪ ،‬وحوة‪ ،‬وصوة‪ ،‬وبكن قو‪ ،‬والحو‪،‬‬
‫ونحو ذلك‪.‬‬
‫فإن بنيت من شيٍء من هذا فعل لم يجز أن تبنيه على (‬
‫فَعَ َ‬
‫ل )‪ .‬فتلتقي فيه واوان‪ ،‬لنك لو أردت مثل غزوت أغزو‬
‫لقلت‪ :‬قووت أقوو‪ ،‬فجمعت بين واوين في آخر الكلمة‪،‬‬
‫وهذا مطرح من الكلم ؛ لما يلزم من الثقل والعتلل‪.‬‬
‫ت ؛ لتنقلب الواو الثانية ياءً‬
‫فإنما يقع الِفْعل منه على فَِعل ُ‬
‫في الماضي‪ ،‬وألفا ً في المستقبل‪ .‬وذلك قولك‪ :‬قوي‬
‫يقوى‪ ،‬وحوي يحوى‪ .‬فإذا قلت كذلك صرفت الواو الثانية‬
‫المنقلبة ياًء تصريف ما الياء من أصله‪ ،‬ما دمت في هذا‬
‫الموضع ‪.‬‬

‫‪78‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫فإن قال قائل‪ :‬ما بال الواوين لم تثبتا ثبات الياءين في‬
‫حييت‪ ،‬ونحوه ?‪ .‬فلن الواو مخالفة للياء في مواضعها ؛‬
‫ة إذا التقت الواوان أو ً‬
‫ل‪ ،‬ول يكون‬
‫أل تراها تهمز مضموم ً‬
‫ذلك في الياء ‪.‬‬
‫فإن أخرجت الواو التي تلقيها واو من هذا المثال حتى‬
‫يقعا منفصلتين ثبتتا للحائل بيتهما وذلك قولك ‪ -‬إن أردت‬
‫مثل احمار ‪ -‬احواوى الفرس‪ ،‬واحواوت الشاة‪ :‬فترجع‬
‫الواوان إلى أصولهما ؛ لنه ل مانع من ذلك ‪.‬‬
‫وإنما ندل في هذا الموضع على الصل ؛ لنه موضع جمل‪،‬‬
‫ونأتي على تفسيره في موضع التفسير والمسائل إن شاء‬
‫الله ‪.‬‬
‫اعلم أنه ل يكون فعل‪ ،‬ول اسم موضع فائه واو‪ ،‬ولمه‬
‫واو‪ .‬ل يكون في الفعال مثل وعوت وأما الياء فقد جاء‬
‫منها لخفتها‪ .‬وذلك قولك‪ :‬يديت إليه يدًا‪ .‬وهو مع ذلك‬
‫قليل ؛ لن باب سلس‪ ،‬وقلق أقل من باب رد‪ .‬فلذلك كثر‬
‫في الياء مثل حييت‪ ،‬وعييت‪ ،‬وقل فيما وصفت لك ‪.‬‬
‫هذا باب ما جاء على أن فعله على مثال حييت‬
‫وإن لم يستعمل‬
‫لنه لو كان فِْعل للزمته علة بعد علة‪ .‬فرفض ذلك من‬
‫الفعل ؛ لما يعتوره من العلل‪ .‬وذلك نحو‪ :‬غاية‪ ،‬وراية‪،‬‬
‫وثاية ‪.‬‬
‫فكان حق هذا أن يعتل منه موضع اللم‪ ،‬وتصحح العين‪،‬‬
‫كما ذكرت لك في باب حييت‪ ،‬فيكون فََعلة منه على مثال‬
‫حياة‪ ،‬ولكنه إنما بنى اسمًا‪ ،‬فلم يجر على مثل الفعل‪ .‬هذا‬
‫قول الخليل‪.‬‬
‫وزعم سيبويه عمرو بن عثمان أن غير الخليل ولم يسمهم‬
‫كان يقول‪ :‬هي فَعَْلة في الصل وكان حقها أن تكون أية‪.‬‬
‫ولكن لما التقت ياءان قلبوا إحداهما ألفا ً كراهية‬
‫التضعيف‪ .‬وجاز ذلك ؛ لنه اسم غير جارٍ على فِْعل ‪.‬‬
‫وقول الخليل أحب إلينا ‪.‬‬
‫ومما رفض منه الفعل لما يلحقه من العتلل أول‪ .‬وهو‬
‫أ َفَْعل‪ .‬يدلك على ذلك قولهم‪ :‬هو أول منه‪ ،‬كقولك‪ :‬هو‬

‫‪79‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫أفضل منه‪ ،‬وأفضل الناس‪ ،‬وأن مؤنثه الولى ؛ كما تقول‪:‬‬
‫الكبرى والصغرى‪ .‬ولكن كانت فاؤه من موضع عينه‪،‬‬
‫ومثل هذا ل يكون في الفعل ‪.‬‬
‫ومما ل يكون منه فِْعل يوم وآءة ؛ لما يلزم من العتلل‬
‫واعلم أن اللم إذا كانت من حروف اللين‪ ،‬والعين من‬
‫حروف اللين فإن العين تصحح‪ ،‬ول تعتل‪ ،‬وتعل اللم‪،‬‬
‫فتكون العين بمنزلة غير هذه الحروف ؛ لئل تجتمع على‬
‫الحرف علتان وقد مضى تفسير هذا في باب حيت‪ .‬وإنما‬
‫ذكرناها هاهنا لمجيء هذه السماء على ما ل يكون فع ً‬
‫ل‪،‬‬
‫ول اسما ً مأخوذا ً من فِْعل ‪.‬‬
‫فلو بنيت من حييت فَعََلة أو من قويت لقلت‪ :‬قواة ‪..‬‬
‫وحياة ؛ كما تقول من رميت‪ :‬رماة‪ .‬فتكون الياء أو الواو‬
‫التي هي عين بمنزلة غير المعتل ‪.‬‬
‫فأما قولهم‪ :‬شاٌء كما ترى فإن فيه اختلفا ً ‪ :‬يقول قوم‪:‬‬
‫الهمزة منقلبة من ياٍء‪ ،‬وأنها كانت في الصل شاي كما‬
‫ترى‪ ،‬فأعلت العين وهي واو من قولهم‪ :‬سويٌ وقلبت‬
‫الياء همزة ؛ لنها طرف وهي أبعد ألف‪ .‬فكان هذا بمنزلة‬
‫سقاٍء وغزاٍء‪ .‬فيقال لهم‪ :‬هل إذا أعلت العين صححت‬
‫اللم‪ ،‬ليكون كباب غاية‪ ،‬وآية ? أل ترى أنهم لما أعلوا‬
‫العين صححوا اللم ؛ لئل تجتمع علتان ؛ فقالوا‪ :‬آي‪ ،‬وراي‬
‫جمع راية‪ ،‬قال العجاج ‪:‬‬
‫وخطرت أيدي الكماة‪ ،‬رايٌ إذا أورده الطعن‬
‫صدر‬
‫وخطر‬
‫ونظير ذلك قولهم في جمع قائم‪ :‬قيام‪ ،‬وفي جمع ثوب‪:‬‬
‫ثياب‪ ،‬فلما جمعوا روي قالوا‪ :‬رواٌء فاعلم‪ ،‬فأظهروا الواو‬
‫التي هي عين لما اعتلت الياء‪ ،‬وهي في موضع اللم ‪.‬‬
‫ول اختلف في أنه ل يجتمع على الحرف علتان ‪.‬‬
‫وزعم أهل هذه المقالة في شاٍء يا فتى أنه واحد في‬
‫معنى الجمع ولو كان جمع شاة وعلى لفظها لم يكن إل‬
‫شياه‪ ،‬لن الذاهب من شاة الهاء‪ ،‬وهي في موضع اللم‬
‫يدلك على ذلك قولهم‪ :‬شويهة في التصغير ‪.‬‬
‫وزعم أن الهمزة منقلبة من حرف لين لقولهم‪ :‬شويٌ في‬

‫‪80‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫معنى الشاء وقساد قولهم ما شرحت لك ‪.‬‬
‫وأما غير هؤلء فزعم أن شاًء جمع شاة على اللفظ ؛ لن‬
‫شاة كانت في الصل شاهة‪ ،‬على قولك شويهة‪ ،‬والظاهر‬
‫هاء التأنيث‪ ،‬فكرهوا أن يكون لفظ الجمع كلفظ الواحد‪،‬‬
‫في الوقف‪ ،‬فأبدلوا من الهاء همزة فقالوا‪ :‬شاًء فاعلم‪،‬‬
‫لقرب المخرجين ؛ كما قالوا‪ :‬أرقت‪ ،‬وهرقت‪ ،‬وإياك‪،‬‬
‫وهياك‪ ،‬وكما قالوا‪ :‬ماء فاعلم‪ ،‬وإنما أصله الهاء‪ ،‬وتصغيره‬
‫مويه فاعلم وجمعه أمواه‪ ،‬ومياه ‪.‬‬
‫وذهب هؤلء إلى أن شوي مخفف الهمزة كما تقول في‬
‫النبي‪ ،‬والبرية‪ ،‬ويفسر هذا في باب الهمز مستقصى إن‬
‫شاء الله‪.‬‬
‫وهذا القول الثاني هو القياس ‪.‬‬
‫باب‬
‫الهمز‬
‫اعلم أن الهمزة حرف يتباعد مخرجه عن مخارج‬
‫الحروف‪ ،‬ول يشركه في مخرجه شيٌء‪ ،‬ول يدانيه إل الهاء‬
‫واللف‪ .‬ولهما علتان نشرحهما إن شاء الله ‪.‬‬
‫أما اللف فقد تقدم قولنا في أنها ل تكون أص ً‬
‫ل‪ ،‬وأنها ل‬
‫تكون إل بدل ً أو زائدة‪ .‬وإنما هي هواء في الحلق يسميها‬
‫النحويون الحرف الهاوي ‪.‬‬
‫والهاء خفية تقارب مخرج اللف‪ ،‬والهمزة تحتهما جميعًا‪.‬‬
‫أعني الهمزة المحققة فلتباعدها من الحروف‪ ،‬وثقل‬
‫مخرجها‪ ،‬وأنها نبرة في الصدر‪ ،‬جاز فيها التخفيف‪ ،‬ولم‬
‫يجز أن تجتمع همزتان في كلمة سوى ما نذكره فيالتقاء‬
‫العينين اللتين بنية الولى منهما السكون‪ ،‬ول يجوز‬
‫تحريكها في موضع البتة ‪.‬‬
‫فإذا كانت الهمزة مفتوحة وقبلها فتحة وأردت تحقيقها‬
‫قلت‪ :‬قرأ الرجال‪ ،‬وسأل عبد الله‪ .‬كذا حق كل همزة إذا‬
‫لم ترد التخفيف ‪.‬‬
‫فإن أردت التخفيف نحوت بها نحو اللف‪ ،‬لنها مفتوحة‪،‬‬
‫والفتحة من مخرج اللف‪ .‬فقلت‪ :‬قرأ يا فتى ‪.‬‬

‫‪81‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ة‪ ،‬إل أنك خففت النبرة ؛ لنك‬
‫والمخففة بوزنها محقق ً‬
‫نحوت بها نحو اللف‪ ،‬أل ترى أن قوله‪:‬‬
‫أان رأت رجل ً دعشى أضر به‬
‫في وزنها لو حققت فقلت‪ :‬أأن‪ .‬وتحقيقها إذا التقتا ردئ‬
‫جدًا‪ ،‬ولكني ذكرته ؛ لمثل لك ‪.‬‬
‫ة وهي مضمومة نحوت لها نحو الواو‪،‬‬
‫فإن كانت قبلها فتح ٌ‬
‫لن الضمة من الواو في محل الفتحة من اللف‪ .‬وذلك‬
‫قولك‪ :‬لؤم الرجل إذا حققت‪ ،‬فإذا خففت قلت‪ :‬لوم‬
‫الرجل الوزن واحد على ما ذكرت لك‪.‬‬
‫ح نحوت نحو الياء‪،‬‬
‫فإن كانت مكسورةٌ وما قبلها مفتو ٌ‬
‫وذلك يئس الرجل‪ .‬والمخففة ‪ -‬حيث وقعت ‪ -‬بوزنها‬
‫محققة‪ ،‬إل أن النبر بها أقل‪ ،‬لنك تزيحها عن مخرج‬
‫الهمزة المحققة‪.‬‬
‫فإن كانت مضمومة وقبلها فتح أو كسر‪ ،‬فهي على ما‬
‫وصفنا ينحى بها نحو الواو‪.‬‬
‫وكذلك المكسورة ينحى بها نحو الياء‪ ،‬مع كل حركة تقع‬
‫قبلها‪.‬‬
‫فأما المفتوحة فإنه إن كانت قبلها كسرة جعلت ياًء‬
‫خالصة‪ ،‬لنه ل يجوز أن ينحى بها نحو اللف‪ ،‬وما قبلها‬
‫مكسور‪ ،‬أو مضموم‪ ،‬لن اللف ل يكون ما قبلها إل‬
‫مفتوحا‪ .‬وذلك قولك في جمع مئرة من مأرت بين القوم‪:‬‬
‫أي أرشت بينهم‪ :‬مئر‪ .‬فإن خففت الهمزة قلت‪ :‬مير‪،‬‬
‫تخلصها ياًء‪ .‬ول يكون تخفيفها إل على ما وصفت لك للعلة‬
‫التي ذكرنا‪.‬‬
‫وإن كان ما قبلها مضموما وهي مفتوحة جعلت واوا‬
‫خالصة والعلة فيها العلة في المكسور ما قبلها إذا‬
‫انفتحت‪ .‬وذلك قولك في جمع جؤنة‪ :‬جؤن مهموز‪.‬‬
‫فإن خففت الهمزة أخلصتها واو‪ ،‬فقلت‪ :‬جون‪.‬‬
‫واعلم أن الهمزة إذا كانت ساكنة فإنه تقلب ‪ -‬إذا أردت‬
‫تخفيفها ‪ -‬على مقدار حركة‪ .‬ما قبلها وذلك قولك في‬
‫رأس‪ ،‬وجؤنة وذئب‪ - ،‬إذا أردت التخفيف ‪ :-‬راس‪ ،‬وجونة‪،‬‬
‫وذيب‪ ،‬لنه ل يمنكنك أن تنحو بها نحو حروف اللين‪ ،‬وأنت‬

‫‪82‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫تخرجها من مخرج الهمزة إل بحركة منها‪ ،‬فإذا كانت‬
‫ساكنة فإنما تقلبها على ما قبلها‪ .‬فتخلصها ياًء‪ ،‬أو واوا‪ ،‬أو‬
‫ألفا‪.‬‬
‫وكان الخفش يقول‪ :‬إذا انضمت الهمزة وقبلها كسرة‬
‫قلبتها ياًء‪ ،‬لنه ليس في الكلم واو قبلها كسرة‪ ،‬فكان‬
‫يقول في يستهزئون ‪ -‬إذا خففت الهمزة ‪ :-‬يستهزيون‪.‬‬
‫وليس على هذا القول أحد من النحويين‪ .‬وذلك‪ :‬لنهم لم‬
‫يجعلوها واوا خالصة ‪،‬إنما هي همزة مخففة‪ ،‬فيقولون‪:‬‬
‫يستهزيون‪ ،‬وقد تقدم قولنا في هذا‪.‬‬
‫واعلم أنه ليس من كلمهم أن تلتقى همزتان فتحققا‬
‫جميعًا‪ ،‬إذا كانوا يحققون الواحدة‪ .‬فهذا قول جميع‬
‫النحويين إل عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي‪ ،‬فإنه كان‬
‫يرى الجمع بين الهمزتين‪ ،‬وسأذكر احتجاجه وما يلزم على‬
‫قوله بعد ذكرنا قول العامة‪.‬‬
‫النحويون إذا اجتمعت همزتان في كلمتين كل واحدة‬
‫منهما في كلمة تخفف إحداهما فإن كانتا في كلمة واحدة‬
‫أبدوأ الثانية منهما‪ ،‬وأخرجوها من باب الهمزة‪.‬‬
‫أما ما كان في كلمة‪ ،‬فنحو قولهم‪ :‬آدم‪ ،‬جعلوا اثانية ألفا‬
‫خالصة‪ ،‬للفتحة قبلها‪.‬‬
‫وقالوا في جمعه‪ :‬أوادم‪ ،‬كما قالوا في جمع خالد‪ :‬خوالد‪،‬‬
‫عل من جئت‪،‬‬
‫فلم يرجعوا بها إلى الهمز‪ .‬وقالوا في فا ِ‬
‫ونحوه‪ :‬جاٍء كما ترى‪ ،‬فقلبوا الهمزة ياًء‪ ،‬لنها في موضع‬
‫اللم من الفعل‪ ،‬وموضع العين تلزمه الهمزة لعتلله ؛‬
‫عل من يقول‪ :‬قائل‪ .‬فلما التقت الهمزتان‬
‫كما قلت في فا ِ‬
‫في كلمة قلبوا الثانية منهما على ما وصفنا‪.‬‬
‫فإذا كانتا في كلمتين فإن أبا عمرو بن العلء كان يرى‬
‫تخفف الولى منهما وعلى ذلك قرأ في قوله عز وجل "‬
‫فقد جاء أشراطها " إل أن يبتدأ بها ضرروة كامتناع‬
‫الساكن‪.‬‬
‫وكان يحقق الولى إذا قرا " ألد وأنا عجوٌز " ويخفف‬
‫الثانية‪ ،‬ول يلزمها البدل‪ ،‬لن ألف الستفهام منفصلة‪،‬‬
‫وكان الخليل يرى تخفيف الثانية على كل حال‪ ،‬ويقول‪:‬‬

‫‪83‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫لن البدل ل يلزم إل الثانية‪ ،‬وذلك لن الولى يلفظ بها‪،‬‬
‫ول مانع لها‪ ،‬والثانية تمتنع من التحقيق من أجل الولى‬
‫التي قد ثبتت في اللفظ‪.‬‬
‫وقول الخليل أقيس‪ ،‬وأكثر النحويين عليه‪.‬‬
‫فأما ابن أبي إسحق فكان يرى أن يحقق في الهمزتين‪،‬‬
‫كما يراه في الواحدة‪ ،‬ويرى تخفيفها على ذلك‪ ،‬ويقول‪:‬‬
‫هما بمنزلة غيرهما من الحروف‪ ،‬فأنا أجريهما على‬
‫الصل‪ ،‬وأخفف إن شئت استخفافا‪ ،‬وإل فإن حكمهما‬
‫حكم الدالين‪ ،‬وما أشبههما‪ .‬وكان يقول في جمع خطيئة ‪-‬‬
‫إذا جاء به على الصل ‪ :-‬هذه خطائىء ويختار في الجمع‬
‫التخفيف‪ ،‬وأن يقول‪ :‬خطايا‪ ،‬ولكنه ل يرى التحقيق فاسدا‪.‬‬
‫واعلم أن الهمزة المتحركة إذا كان قبلها حرف ساكن‬
‫فأردت تخفيفها‪ ،‬فإن ذلك يلزم فيه أن تحذفها‪ ،‬وتلقى‬
‫حركتها على الساكن الذي قبلها‪ ،‬فيصير الساكن متحركا‬
‫بحركة الهمزة‪.‬‬
‫وإنما وجب ذلك ؛ لنك إذا خففت الهمزة جعلتها بين بين‪،‬‬
‫قد ضارعت بها الساكن‪ ،‬وإن كانت متحركة‪.‬‬
‫ووجه مضارعتها أنك ل تبتدئها بين بين ؛ كما ل تبتدىء‬
‫ساكنا‪ .‬وذلك قولك‪ :‬من ابوك‪ ،‬فتحرك النون‪ ،‬وتحذف‬
‫الهمزة‪ ،‬ومن اخوانك‪.‬‬
‫وتقرأ هذه الية إذا أردت التخفيف " الله الذي يخرج‬
‫الخب في السماوات " وقوله " سل بني إسرائيل "‪.‬‬
‫إنما كانت اسأل فلما خففت الهمزة طرحت حركتها على‬
‫السين‪ ،‬وأسقطتها‪ ،‬فتحركت السين‪ ،‬فسقطت ألف‬
‫الوصل‪ .‬ومن قال‪ :‬هذه مرأة كما ترى فأراد التخفيف‬
‫قال‪ :‬مرة فهذا حكمها بعد كل حرف من غير حروف‬
‫اللين‪.‬‬
‫فأما إذا كانت بعد ألف‪ ،‬أو واو‪ ،‬أو ياٍء فإن فيها أحكاما‪ :‬إذا‬
‫كانت الياء‪ ،‬و الواو مفتوحا ما قبلهما فهما كسائر‬
‫الحروف‪ .‬تقول في جيأل‪ :‬جيل‪.‬‬
‫وكذلك إذا كانت واحدة منهما اسما‪ ،‬أو دخلت لغير المد‬
‫واللين‪.‬‬

‫‪84‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫عل من سألت‪ :‬سوأل فإن أردت التخفيف‬
‫وتقول في فَوْ َ‬
‫قلت‪ :‬سول كما قلت في الياء‪.‬‬
‫وكذلك ما كنت فيه واحدة منهما اسما‪ ،‬وإن كان قبل الواو‬
‫ضمة‪ .‬أو قبل الياء كسرة‪ .‬تقول في اتبعوا أمره‪ :‬اتبعو‬
‫مره‪ ،‬وفي اتبعى أمره‪ :‬اتبعى مره‪ ،‬وفي اتبعوا إبلكم‪:‬‬
‫اتبعى بلكم‪.‬‬
‫ة كانت الهمزة‪ ،‬أم مضمومة‪ ،‬أم مكسورة‪.‬‬
‫ل تبالى أمفتوح ً‬
‫فإن كانت الياء قبلها كسرة وهي ساكنة زائدة لم تدخل‬
‫د‪ ،‬أو كانت واو قبلها ضمة على هذه الصفة لم يجز‬
‫إل ّ لم ّ‬
‫أن تطرح عليها حركة‪ ،‬لنه ليس مما يجوز تحريكه وذلك‬
‫نحو‪ :‬خطيئة‪ ،‬ومقروءة‪ ،‬فإن تخفيف الهمزة أن تقلبها‬
‫كالحرف الذي قبلها‪ ،‬فتقول في خطيئة‪ :‬خطّية‪ ،‬وفي‬
‫مقروءة‪ :‬مقرّوة‪.‬‬
‫وإنما فعلت ذلك ؛ لنك لو ألقيت حركة الهمزة على هذه‬
‫الياء وهذه الواو لحّركت شيئا ل يجوز أن يتحرك أبدا ؛‬
‫لنها للمد‪ ،‬فهو بمنزلة اللف‪ ،‬إل أن الدغام فيه جائز‪ ،‬لنه‬
‫مما يدغم‪ ،‬كما تقول‪ :‬عدو‪ ،‬ودلى‪ ،‬ومغزو‪ ،‬ومرمى‪ .‬وأما‬
‫اللف فإن الدغام فيها محال وهي تحتمل أن تكون‬
‫الهمزة بعدها ببن بين‪ ،‬كما‪.‬‬
‫احتملت الساكن المدغم في قولك‪ :‬دابة‪ ،‬وشابة ؛ لن‬
‫المدة قد صارت خلفا من الحركة‪ ،‬فساغ ذلك للقائل‪.‬‬
‫ولول المد لكان جمع الساكنين ممتنعا في اللفظ‪.‬‬
‫فتقول ‪ -‬إذا أردت اتبعا أمره فخّففت ‪ :-‬اتبعا امره‬
‫فتجعلها بين بين‪ .‬وكذلك مضى إبراهيم‪ ،‬وجزى أمه‪ ،‬لن‬
‫اللف ل تكون إل ساكنة‪ ،‬فلو طرحت عليها الحركة‬
‫لخرجت من صورتها‪ ،‬وصارت حرفا آخر‪.‬‬
‫وتقول في نبيء ‪ -‬إذا خففت الهمزة ‪ -‬نبي كما ترى‪ .‬هكذا‬
‫يجري فيما لم تكن حروف لّينة أصلية‪ ،‬أو كالصلية‪.‬‬
‫وهم في نبيء على ثلثة أضرب‪ :‬أما من خفف فقال نبي‬
‫وجعلها كخطية فإنه يقول‪ :‬نباء‪ ،‬فيردها إلى أصلها ؛ لنها‬
‫قد خرجت عن فعيل‪ ،‬كما قال‪:‬‬
‫بالحق كل هدى‬
‫يا خاتم النبآء إنـك‬

‫‪85‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫مـرسـ ٌ‬
‫السبيل هداكا‬
‫ل‬
‫ومن قال‪ :‬نبي فجعلها بدل لزما‪ ،‬كقولك‪ :‬عيد وأعياد‪،‬‬
‫وكقولك‪ :‬أحد في وحد فيقول أنبياء‪ ،‬كما يقول‪ :‬تقي‬
‫وأتقياء‪ ،‬وشقي وأشقياء‪ ،‬وغني وأغنياء‪.‬‬
‫وكذلك جمع فَِعيل الذي على هذا الوزن‪.‬‬
‫وكذلك يقول من أخذه من قولك‪ :‬نبا ينبو‪ ،‬أي مرتفع بالله‪،‬‬
‫فهذا من حروف العلة‪ ،‬فحّقه على ما وصفت لك‪.‬‬
‫وإن خففت الهمزة من قولك‪ :‬هو يجيئك‪ ،‬ويسوءك قلت‪:‬‬
‫يجيك‪ ،‬ويسوك‪ ،‬تحرك الياء والواو بحركة الهمزة‪ ،‬لنهما‬
‫أصل في الحروف‪ .‬فهذا يدلك على ما يرد عليك من هذا‬
‫الباب‪.‬‬
‫واعلم أنه من أبى قول ابن أبي إسحق في الجمع بين‬
‫الهمزتين فإنه إذا أراد تحقيقهما أدخل بينهما ألفا زائدة‪،‬‬
‫ليفصل بينهما‪ ،‬كاللف الداخلة بين نون جماعة النساء‪،‬‬
‫والنون الثقيلة إذا قلت‪ :‬اضربنان زيدا‪.‬‬
‫فتقول‪ " :‬آئذا كنا ترابا " وتقول‪ " :‬آأنت قلت للناس "‬
‫ومثل ذلك قول ذي الرمة‪:‬‬
‫فياظبية الوعساء بين وبين الّنقا آأنت أم أم‬
‫سالـم‬
‫ل‬
‫جلج ٍ‬
‫وإنما نذكر هاهنا من الهمزة ما يدخل في التصربف‪.‬‬
‫اعلم أن الهمزة التي للستفهام إذا دخلت على ألف وصل‬
‫سقطت ألف الوصل ؛ لنه ل أصل لها‪ ،‬وإنما أتي بها‬
‫لسكون ما بعدها‪ ،‬فإذا كان قبلها كلم وصل به إلى‬
‫الحرف الساكن سقطت اللف وقد تقدم القول في هذا‪،‬‬
‫إل اللف التي مع اللم فإنك تبدل منها مدة مع ألف‬
‫الستفهام‪ ،‬لنها مفتوحة‪ ،‬فأرادوا أل يلتبس الستفهام‬
‫بالخبر‪ .‬وذلك قولك ‪ -‬إذا استفهمت ‪ :-‬آبن زيد أنت ?‪" ،‬‬
‫آتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم البصار "‪.‬‬
‫وألف ايم التي للقسم‪ ،‬و ايمن بمنزلة ألف اللم‪ :‬لنها‬
‫مفتوحة وهي ألف وصل‪ .‬فالعلة واحدة‪.‬‬
‫وكل ما كان بعد هذا فما ذكرناه دال عليه‪.‬‬
‫فإذا التقت الهمزتان بما يوجبه البناء نحو بنائك من جئت‬

‫‪86‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫مثل فَعَْلل قلبت الثانية ألفا‪ ،‬لنفتاح ما قبلها‪ ،‬كما وصفت‬
‫لك في الهمزتين إذا التقتا‪ :‬من أنه واجب أن تقلب الثانية‬
‫منهما إلى الحرف الذي منه الحركة‪ ،‬وأنهما ل تلتقيان في‬
‫ى‪.‬‬
‫كلمة واحدة فيقرا جميعا‪ ،‬فتقول‪ :‬جيأى على وزن جيع ً‬
‫فإن قال قائل‪ :‬فما بالك تجمع بين الهمزتين في كلمة‬
‫واحدة إذا كانتا عينين في مثل فّعل وفَّعال‪ .‬وذلك قولك‪:‬‬
‫رجل سئال وقد سئل فلن‪ .‬ول تفعل مثل ذلك في مثل‬
‫جعفر‪ ،‬وقمطر ?‪.‬‬
‫فالجواب في هذا قد قدمنا بعضه‪ ،‬ونرده هاهنا ونتمه‪.‬‬
‫إنما التقت الهمزتان إذا كانت عينين فيما وصفنا‪ .‬لن‬
‫العين إذا ضوعفت فمحال أن تكون الثانية إل على لفظ‬
‫الولى‪ ،‬وبهذا علم أنهما عينان‪ .‬ولول ذلك لقيل‪ :‬عين‪،‬‬
‫ولم‪ ،‬ومع هذا أن العين الولى ل تكون في هذا البناء إل‬
‫ة واحدة للدغام‪.‬‬
‫ساكنة‪ ،‬وإنما ترفع لسانك عنهما رفع ً‬
‫فإن قال‪ :‬فأنت إذا قلت‪ :‬قمطر فاللم الولى ساكنة‪ ،‬فهل ّ‬
‫وجب فيها وفي التي بعدها ما وجب في العينين ? قيل‪:‬‬
‫من قبل أن اللم ل تلزمه أن تكون اللم التي بعدها على‬
‫لفظها‪ ،‬وإن جاز أن تقع ‪.‬‬
‫ولكن العين هذا فيها لزم‪ ،‬أل ترى أن قمطرا مختلفة‬
‫اللمين بمنزلة جعفر‪ ،‬ونحوه ‪.‬‬
‫ْ‬
‫فإذا قلت من قرأت مثل قمطر قلت‪ :‬قَِرأيٌ فاعلم‪،‬‬
‫تصحح الياء‪ ،‬لنه ل تلتقي همزتان ‪.‬‬
‫فإن قيل‪ :‬فلم قلبتها ياًء وليست قبلها كسرة ?‪.‬‬
‫فإنما ذلك‪ ،‬لنك إذا قلبتها إلى حروف اللين كانت كما‬
‫جرى أصله من حروف اللين‪ .‬فالياء‪ ،‬والواو إذا كانت‬
‫ة كانت أو زائدة‪ ،‬فإنما‬
‫ة فصاعدا‪ .‬أصلي ً‬
‫واحدة منهما رابع ً‬
‫هي بمنزلة ما أصله ياء ؛ أل ترى أن أغزيت‪ ،‬وغازيت على‬
‫لفظ‪ .‬راميت‪ ،‬وأحييت ‪.‬‬
‫وقد تقدم قولنا في هذا‪ .‬ونعيد مسائل الهمز مع غيرها‬
‫مما ذكرنا أصوله في موضع المسائل والتصريف إن شاء‬
‫الله ‪.‬‬
‫واعلم أن قوما ً من النحويين يرون بدل الهمزة من غير‬

‫‪87‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫علة جائزًا‪ ،‬فيجيزون قريت‪ ،‬واجتريت في معنى قرأت‪،‬‬
‫واجترأت ‪.‬‬
‫وهذا القول ل وجه له عند أحد ممن تصح معرفته‪ ،‬ول‬
‫رسم له عند العرب ‪.‬‬
‫ويجيز هؤلء حذف الهمزة لغير علة إل الستثقال ‪.‬‬
‫وهذا القول في الفساد كالقول الذي قبله ‪.‬‬
‫وهم يقولون في جمع بريء الذي هو براء على كريم‬
‫وكرماء‪ ،‬وبراء على كريم وكرام‪ .‬فهؤلء الذين وصفنا‬
‫يقولون براء فاعلم‪ ،‬فيحذفون الهمزة من برآء‪ ،‬ويقولون‪:‬‬
‫الهمزة حرف مستثقل‪ ،‬فنحذفه ؛ لن فيما أبقينا دليل على‬
‫ما ألقينا‪.‬‬
‫عل إذا قلت‪ :‬رجل شا ٌ‬
‫ك السلح‪.‬‬
‫ويشبهون هذا بفا ِ‬
‫وليس ذا في ذاك من شيٍء‪ ،‬لنه من قال‪ :‬شا ٌ‬
‫ك السلح‬
‫عل‪ ،‬وبعدها اللف التي في الفعل‬
‫فإنما أدخل ألف فا ِ‬
‫عل‪ ،‬للتقاء الساكنين‪.‬‬
‫المنقلبة وهي عين‪ ،‬فتحذف ألف فا ِ‬
‫وقد قال لهم بعض النحويين‪ :‬كيف تقولون في مضارع‬
‫قريت‪ ? .‬فقالوا‪ :‬أقرا ‪ -‬فقد تركوا قولهم من حيث لم‬
‫يشعروا ؛ لن من قلب الهمزة فأخلصها ياًء لزمه أن‬
‫يقول‪ :‬يقري‪ ،‬كما تقول‪ :‬رميت أرمى ؛ لن فَعل ي َْفَعل إنما‬
‫يكون في حروف الحلق‪.‬‬
‫ولو جاز أن تقلب الهمزة إلى حروف اللين لغير علة لجاز‬
‫أن تقلب الحروف المتقاربة المخارج في غير الدغام ؛‬
‫لنها تنقلب في الدغام ؛ كما تنقلب الهمزة لعلة‪ .‬فإن‬
‫فُِعل هذا لغير علة فليفعَ ْ‬
‫ل ذلك‪.‬‬
‫ولكن إذا اضطر الشاعر جاز أن يقلب الهمزة عند الوقف‬
‫على حركة ما قبلها‪ ،‬فيخلصها على الحرف الذي منه‬
‫حركة ما قبلها ؛ كما يجوز في الهمزة الساكنة من‬
‫التخفيف إن شئت‪ .‬فمن ذلك قول عبد الرحمن بن‬
‫حسان‪:‬‬
‫يشجج رأسه بالفهر‬
‫وكنت أذل من وتدٍ‬
‫واجي‬
‫بقـاٍع‬

‫‪88‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫إنما هو من وجأت‪.‬‬
‫وقال الفرزدق‪:‬‬
‫راحت بمسلمة البغال فارعى فزارة لهناك‬
‫المرتع‬
‫ة‬
‫عشـي ً‬
‫وقال حسان بن ثابت‪:‬‬
‫ضلت هذي ٌ‬
‫ل بما قالت‬
‫سالت هذيل رسول‬
‫ولم تصب‬
‫ة‬
‫الله فاحـش ً‬
‫فهذا إنما جاز للضطرار ؛ كما يجوز صرف مال ينصرف‪،‬‬
‫وحذف مال يحذف مثله في الكلم‪.‬‬
‫وقد يقال في معنى سألت‪ :‬سلت أسال مثل خفت أخاف‪،‬‬
‫وهما يتساولن‪ .‬كما يختلف اللفظان والمعنى الواحد‪ ،‬نحو‬
‫قولك‪ :‬نهض‪ ،‬ووثب‪ .‬فإنما هذا على ذلك ل على القلب‪.‬‬
‫ولو كان على القلب كان في غير سألت موجودا ؛ كما‬
‫كان فيها‪ .‬فهذا حق هذا‪.‬‬
‫هذا باب ما كان على فعلى مما موضع العين منه ياء‬
‫أما ما كان من ذلك اسما فإن ياءه تقلب واوا ؛ لضمة ما‬
‫قبلها‪ .‬وذلك نحو قولك‪ :‬الطوبى‪ ،‬والكوسى‪ .‬أخرجوه‬
‫بالزيادة من باب بيض ونحوه‪.‬‬
‫فإن كانت نعتا أبدلت من الضمة كسرة ؛ لتثبت الياء ؛ كما‬
‫فعلت في بيض‪ ،‬ليفصلوا بين السم والصفة‪ ،‬وذلك‬
‫ة ضيزى‪ ،‬ومشية حيكى‪ .‬يقال‪ :‬هو يحيك في‬
‫قولهم‪ :‬قسم ٌ‬
‫مشيته‪ ،‬إذا جاء يتبختر‪ .‬ويقال‪ :‬حاك الثوب‪ ،‬والشعر‬
‫يحوكه‪.‬‬
‫فإن قال قائل‪ :‬فما أنكرت أن يكون هذا فِعَْلى ? قيل له‪:‬‬
‫الدليل على أنه فُعَْلى مغير موضع الفاء أن فِْعلى ل تكون‬
‫نعتا‪ ،‬وإنما تكون اسما ؛ نحو معزى‪ ،‬ودفلى‪ ،‬وفُعَْلى يكون‬
‫نعتا كقولك‪ :‬امرأة حبلى‪ ،‬ونحوه‪.‬‬
‫فإن قال قائل‪ :‬من أين زعمت أن الطوبى‪ ،‬والكوسى‬
‫اسمان ? فمن قبل أن هذا البناء ل يكمل نعتا إل بقولك‪:‬‬
‫من كذا‪ .‬تقول‪ :‬هذا أفضل من زيد‪ ،‬وهذه أفضل من زيد‪،‬‬
‫فيكون أفعل للمؤنث والمذكر‪ ،‬والثنين والجمع‪ ،‬على لفظ‬
‫واحد‪.‬‬

‫‪89‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫فإذا قلت الفضل والفضلى‪ ،‬ثّنيت وجمعت ؛ كما فصلت‬
‫بين المؤنث والمذكر ولهذا باب يفرد مستقصى فيه‬
‫مسائله‪.‬‬
‫فلما ذكرت لك جرت مجرى السماء‪.‬‬
‫فإن كان هذا الباب من الواو‪ ،‬جرى على أصله اسما‬
‫ة‪.‬‬
‫وصف ً‬
‫فأما السم فنحو قولك‪ :‬القولى‪ ،‬والسودى تأنيث قولك‪:‬‬
‫هذا أسود منه‪ ،‬وأقول منه ؛ لن هذا إذا رد ّ إلى اللف‬
‫واللم خرج إلى باب الكبر والكبرى‪.‬‬
‫وإن كان نعتا لم يلزم أن يكسر ما قبل واوه‪ ،‬إنما لزم‬
‫الكسر في فُْعل مما كان من الياء‪ ،‬أل ترى أنك تقول في‬
‫جمع أسود‪ :‬سود‪ ،‬خلفا لبيض وبيض‪ .‬فكذلك تسلم الواو‬
‫من هذا اسما‪ ،‬وصفة‪.‬‬
‫هذا باب ما كان على فعلى وفعلى من ذوات الواو‬
‫والياء اللتين هما لمان‬
‫أما ما كان على فَعَْلى من ذوات الياء فإن ياءه تقلب واوا‬
‫إذا كان اسما‪ ،‬وتترك ياًء على هيئتها إذا كان نعتا‪.‬‬
‫فأما السم فالفتوى‪ ،‬والتقوى‪ ،‬والرعوى‪.‬‬
‫وأما النعت فنحو قولك‪ :‬صديا‪ ،‬وريا‪ ،‬وطيا‪.‬‬
‫ولو كانت ريا اسما لكانت رّوى‪ .‬وذلك‪ ،‬لنك كنت تقلب‬
‫اللم واوا‪ ،‬والعين واوا‪ ،‬لنها من رويت‪ .‬فتلقى الواوان‬
‫ول‪.‬‬
‫فيصير بمنزلة ق ّ‬
‫وأما ما كان من الواو فإنك ل تغيره اسما ول صفة‪.‬‬
‫تقول في السم‪ :‬دعوى‪ ،‬وعدوى‪.‬‬
‫والصفة مثل شهوى‪ .‬وإنما فعلت ذلك لن الصفة تجرى‬
‫هاهنا على أصلها ؛ كما جرت الصفة من الياء على أصلها‪.‬‬
‫وأما السم فل تقلب من الواو ؛ لن هذا باب قد غلبت‬
‫الواو على بابه‪ ،‬فإذا أصيبت الواو لم تغير‪ ،‬لن الياء تنقلب‬
‫إلى الواو‪.‬‬
‫وأما ما كان من هذا الباب على فُعَْلى فإن واوه تنقلب ياءً‬
‫إذا كان اسما ؛ كقولك‪ :‬الدنيا‪ ،‬والقصيا‪.‬‬
‫والنعت يجرى على أصله‪ ،‬ياًء كان أو واوا ؛ كما وصفت‬

‫‪90‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫لك فيما مضى من النعوت‪.‬‬
‫وذوات الياء ل تتغير هاهنا ؛ كما أن ذوات الواو ل تتغير في‬
‫فَ َْعى‪ .‬فعلى هذا يجري التصريف في هذه البواب‪.‬‬
‫وأما قولهم‪ :‬القصوى فهذا مما نذكره مع قولهم‪ :‬الخونة‪،‬‬
‫والحوكة‪.‬‬
‫و‪ :‬قد علمت ذاك بنات ألببه وحيوة‪ ،‬وضيون‪ .‬وغير ذلك‬
‫مما يبلغ له الصل إن شاء الله‪.‬‬
‫هذا باب المسائل في التصريف مما اعتل منه موضع‬
‫العين‬
‫ع َ‬
‫ل من سرت‪ :‬سوير‪.‬‬
‫تقول‪ :‬إذا بنيت فُوِ ِ‬
‫فإن قال قائل‪ :‬هل ادغمت الواو في الياء ؛ كما قلت في‬
‫لية وأصلها لوية ؛ لنها من لويت يده‪ ،‬ولن حكم الواو‬
‫والياء إذا التقتا والولى منهما ساكنة‪ ،‬أن تنقلب الواو إلى‬
‫الياء‪ ،‬وتدغم إحداهما في الخرى‪ ،‬فأما ما كان من هذا‬
‫ياؤه بعد واوه فنحو‪ :‬لويته‪ ،‬وشويته لّية‪ ،‬وشيا إنما كانا‬
‫ي فاعلم إنما هو‬
‫لوية‪ ،‬وشويا ؛ لن العين واو‪ ،‬وكذلك مرم ّ‬
‫مرموي ؛ لن اللم ياء وقبلها واو مفعول‪.‬‬
‫وأما ما كانت الياء منه قبل الواو‪ :‬فنحو سيد‪ ،‬وميت ؛ لنه‬
‫في الصل سيود‪ ،‬وميوت‪.‬‬
‫فإذا قال‪ :‬فلم لم يكن في سوير مثل هذا ? فالجواب في‬
‫ذلك أن واو سوير مدة‪ ،‬وما كان من هذه الحروف مد‬
‫فالدغام فيه محال‪ ،‬لنه يخرج من المد ؛ كما أن إدغام‬
‫اللف محال‪ .‬والدليل على أن هذه الواو مدة أنها منقلبة‬
‫من ألف‪ ،‬أل ترى أنها كانت ساير‪ ،‬فلما بنيت الفعل بناء ما‬
‫لم يسم فاعله قلت‪ :‬سوير فالواو غير لزمة‪.‬‬
‫ولو قلت مثل هذا من القول لقلت‪ :‬قوول‪ ،‬فلم تدغم‪.‬‬
‫والعلة في هذا‪ ،‬العلة فيما قبله ؛ لنها بدل من ألف قاول‪.‬‬
‫ونذكر قلب الواو في الدغام إلى الياء وإن كانت الياء‬
‫قبلها‪ ،‬ثم نعود إلى المسائل إن شاء الله ‪.‬‬
‫قد قلنا‪ :‬إذا التقيت الياء والواو وإحداهما ساكنة‪ ،‬وجب‬
‫الدغام‪ ،‬وقلبت الواو إلى الياء فيقال‪ :‬فهل قلبت الياء إلى‬
‫واو إذا كانت الواو بعدها ؛ كما أنك إذا التقى حرفان من‬

‫‪91‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غير المعتل فإنما تدغم الول في الثاني‪ ،‬وتقلب الول إلى‬
‫لفظ الثاني ؛ نحو قولك في وتد‪ :‬ود‪ ،‬وفي يفتعل من‬
‫الظلم‪ :‬يطلم‪ ،‬فتدغم الظاء إلى الطاء‪ .‬وكذلك ذهب‬
‫طلحة تريد‪ :‬ذهبت طلحة‪ ،‬تقلب التاء طاًء ‪.‬‬
‫ومثل ذلك أخت‪ ،‬تريد‪ :‬أخذت‪ ،‬فتدغم الذال في التاء‪.‬‬
‫وأنفت تريد‪ :‬أنفذت ? قيل‪ :‬الجواب في هذا‪ :‬أنه إذا التقى‬
‫الحرفان ولم يكن في الخر منهما علة مانعة تمنع من‬
‫إدغام الول فيه أدغم فيه ‪.‬‬
‫وإن كان الول أشد تمكنا ً من الذي بعده‪ ،‬وتقاربا تقارب‬
‫ما يجب إدغامه‪ ،‬لم يصلح إل قلب الثاني إلى الول ‪.‬‬
‫فمن ذلك حروف الصفير وهي السين‪ ،‬والصاد‪ ،‬والزاي‪.‬‬
‫فإنها ل تدغم فيما جاورها من الطاء‪ ،‬والتاء‪ ،‬والدال ‪.‬‬
‫ومجاورتهن إياها أنهن من طرف اللسان‪ ،‬وأصول الثنايا‬
‫العلى‪ ،‬وحروف الصفير من طرف اللسان‪ ،‬وأطراف‬
‫الثنايا‪ ،‬ولهن انسلل عند التقاء الثنايا‪ ،‬لما فيهن من‬
‫الصفير‪ ،‬وتجاورهن الظاء‪ ،‬والذال‪ ،‬والثاء من طرف‬
‫اللسان‪ ،‬وأطراف الثنايا‪ .‬إل أن هذه الحروف يلصق‬
‫اللسان لها بأطراف الثنايا‪ ،‬وهي حروف النفث وإذا‬
‫تفقدت ذلك وجدته ‪.‬‬
‫ومعنى النفث‪ :‬النفخ الخفي ‪.‬‬
‫فالصاد وأختاها لتمكنهن ل يدغمن في شيٍء من هؤلء‬
‫الستة‪ ،‬وتدغم الستة فيهن‪ .‬ونذكر هذا في موضعه إن‬
‫شاء الله ‪.‬‬
‫فإذا التقى حرفان أحدهما من هذه الستة‪ ،‬والخر من‬
‫حروف الصفير فأردت الدغام أدغمته على لفظ الحرف‬
‫من حروف الصفير ‪.‬‬
‫مْفت َِعل من صيرت ‪ -‬إذا أردت الدغام ‪ :-‬مصير‪،‬‬
‫تقول من ُ‬
‫وفي مستمع‪ :‬مسمع‪ ،‬وفي مزدان‪ ،‬ومزدجر ؛ مزان‪،‬‬
‫ومزجر ‪.‬‬
‫فكذلك الياء‪ ،‬والواو‪ .‬ويجب إدغامها على لفظ الياء‪ ،‬لن‬
‫الياء من موضع أكثر الحروف وأمكنها والواو مخرجها من‬
‫الشفة‪ ،‬ول يشركها في مخرجها إل الباء‪ ،‬والميم فأما‬

‫‪92‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫الميم فتخالفها ؛ لمخالطتها الخياشيم بما فيها من الغنة ؛‬
‫ولذلك تسمعها كالنون ‪.‬‬
‫ة لموضعها‪ ،‬مخالفة للواو ؛ لن الواو تهوي من‬
‫والباء لزم ٌ‬
‫الشفة للفم ؛ لما فيها من اللين حتى تتصل بأختيها‪:‬‬
‫اللف‪ ،‬والياء ‪.‬‬
‫ولغلبة الياء عليها مواضع نذكرها في باب الدغام ؛ لنه‬
‫يوضح لك ما قلنا مبينا ً ‪.‬‬
‫وليست الواو كالفاء ؛ لن الفاء ل تخلص للشفة‪ ،‬إنما‬
‫مخرجها من الشفة السفلى‪ ،‬وأطراف الثنايا العليا ‪.‬‬
‫فلذلك وجب ما وصفنا من الدغام ‪.‬‬
‫ول يجب الدغام إذا كانت إحداهما حرف مد ‪.‬‬
‫وآية ذلك أن تكون منقلبة من غيرها ؛ كما وصفت لك في‬
‫واو سوير ؛ لنها منقلبة من ألف ساير ‪.‬‬
‫وأما واو مغزو ومرمي‪ ،‬فليست واحدة منهما منقلبة من‬
‫مْفُعول غير منفصلة من الحروف‪ .‬ولو‬
‫شيٍء‪ ،‬إنما هي واو َ‬
‫ة لم تدغم وقبلها ضمة ؛ إل ترى أنك تقول‪:‬‬
‫كانت منفصل ً‬
‫ظلموا واقدا ً فل تدغم ؛ كما ل تدغم إذا قلت‪ :‬ظلمًا‪.‬‬
‫وكذلك أغزي ياسرا ً ل يلزمك الدغام‪ ،‬لكسرة ما قبل‬
‫الياء‪ ،‬وضمة ما قبل الواو ‪.‬‬
‫ولو كات قبل كل واحدة منهما فتحة لم يجز إل الدغام‬
‫في المثلين‪ ،‬ولم يمكنك إل ذلك ‪.‬‬
‫تقول‪ :‬رموا واقدًا‪ ،‬وأخشى ياسرا ً ‪.‬‬
‫فإن قلت‪ :‬فما بالك من أخشى واقدًا‪ ،‬ورموا ياسرا ً ل‬
‫تدغم‪ ،‬والول منهما ساكن وقد تقدم الشرط في الواو‬
‫والياء ? فإنما قلنا في المتصلين ‪.‬‬
‫فأما المنفصلن فليس ذلك حكمهما‪ ،‬لنك في المنفصلين‬
‫ إذا تقاربت الحروف ‪ -‬مخير‪.‬‬‫وأما في هذا الموضع فل يجوز الدغام ؛ لن الواو علمة‬
‫الجمع والياء علمة التأنيث‪ ،‬فلو أدغمت واحدة منهما على‬
‫خلف لذهب المعنى‪ ،‬وهذا يحكم لك في باب الدغام إن‬
‫شاء الله‪ .‬ورجع بنا القول إلى ما يتبع باب سوير‪.‬‬

‫‪93‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫قد تقدمنا في القول أن الواو الزائدة والياء‪ ، ،‬إذا كانا‬
‫مدتين لم تدغما‪ ،‬كما أن اللف لم تدغم‪ ،‬فإذا كانتا مدتين‬
‫صارتا كاللف‪.‬‬
‫وإنما استحال الدغام في اللف ؛ لنها لو كانت إلى جانبها‬
‫ألف ل يجوز أن تدغم فيها‪ ،‬لن اللف ل تكون إل ساكنة‬
‫ول يلتقى ساكنان‪.‬‬
‫وبعد فإن لفظها وهي أصلية ل تكون إل مدًا‪ ،‬وابلمد ل‬
‫يكون مدغما‪ ،‬واو رمت ذلك في اللف لتقلتها عن لفظها‪.‬‬
‫فتقول‪ :‬قد قوول زيد‪ ،‬وبويع ل غير ذلك‪.‬‬
‫وكذلك رؤيا إذ خففت الهمزة وأخلصتها واوا‪ ،‬لن الهزة‬
‫الساكنة إذا خففت انقلبت على حركة ما قبلها‪.‬‬
‫ولم يجز في هذا القول أن تدغمها‪ ،‬لنها مدة‪ ،‬ولن أصلها‬
‫غير الواو‪ ،‬فهي منقلبة كواو سوير‪.‬‬
‫وأما من قال‪ :‬ريا ورية فعلى غير هذا المذهب‪ ،‬ونذكره‬
‫في بابه إن شاء الله‪.‬‬
‫فهذا حكم الزوائد‪.‬‬
‫ولو قلت‪ :‬افْعَوْعَ َ‬
‫ل من القول لقلت‪ :‬اقوول‪ ،‬ومن البيع‪:‬‬
‫ابيع وكان أصلها‪ :‬ابيويع‪ ،‬فأدغمت الواو في الياء التي‬
‫يعدها ‪.‬‬
‫فإن بنيت الفعل من هذا بناء ما لم يسم فاعله قلت‪:‬‬
‫ابيويع‪ ،‬واقووول‪ ،‬ول يجوز الدغام‪ ،‬لن الواو الوسطى‬
‫مدة‪.‬‬
‫فأما عدو‪ ،‬وولى‪ ،‬فالدغام لزم‪ ،‬لن الواو والياء لم تنقلبا‬
‫من شيٍء‪.‬‬
‫وتقول في مثل احمار من الحوة‪ :‬احواوت‪ ،‬واحووى‬
‫الرجل‪ ،‬وإنما أصل احمار احمارر‪ ،‬فأدركه الدغام‪ .‬ويظهر‬
‫ذلك إذا سكنت الراء الخيرة تقول‪ :‬احماررت‪ ،‬ولم‬
‫يحمارر زيد‪.‬‬
‫فعلى هذا تقول‪ :‬احواويت‪ ،‬واحواوى زيد‪.‬‬
‫فإذا قلت‪ :‬يحواوى لم تدغم‪ ،‬لن الياء ساكنة‪ ،‬والواو‬
‫متحركة‪.‬‬
‫وإنما يجب الدغام في هذا سكن الول‪.‬‬

‫‪94‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫فإن بنيت الفعل بناء ما لم يسم فاعله قلت‪ :‬احووى في‬
‫هذا المكان‪ ،‬فل تدغم‪ ،‬لن الواو الوسطى منقلبة عن ألف‬
‫افعا ّ‬
‫ل‪.‬‬
‫فإن قلت‪ :‬فما بالك تقول في المصدر على مثل احميرار‪:‬‬
‫احوياء ? وأصلها احويواء‪ ،‬فتدغم هل تركت الياء مدة ?‬
‫فمن قيل أن المصدر اسم‪ ،‬فبناؤه على حالة واحدة‪،‬‬
‫والفعل ليس كذلك لتصرفه‪.‬‬
‫فالملحقة في هذا الباب‪ ،‬والزائدة لغير اللحاق سوتاء في‬
‫قول النحويين‪.‬‬
‫وكان الخليل يقول‪ :‬لو بنيت أ َفْعَْلت من اليوم في قول من‬
‫قال‪ :‬أجودت‪ ،‬وأطيبت لقلت‪ :‬أيمت وكان الصل‪ :‬أيومت‪،‬‬
‫ولكن انقلبت الواو للياء التي قبلها ؛ كما فعلت في سيد‪.‬‬
‫فإن بنيت الفعل بناء ما لم يسم فاعله‪ ،‬أو تكلمت‬
‫بمضارعه قلت في قول الخليل‪ :‬أووم ؛ لن الياء منقلبة‬
‫من واو‪ ،‬فلما بناها هذا البناء جعلها مدة‪ ،‬وإن كانت أصلية‪،‬‬
‫لنها منقلبة ؛ كما انقلبت واو سوير من ألف ساير‪ ،‬فقد‬
‫صارت نظيرتها في النقلب‪.‬‬
‫وتقول في موئس فيمن خفف الهمزة‪ :‬مويس‪ ،‬فتجعلها‬
‫مْفَعل من وألت‪ :‬ميال‪ ،‬فل‬
‫بين بين‪ ،‬وفي ميأل وهو ِ‬
‫تجعلها كالواو في خطيئة إذا قال‪ :‬خطية إذا خفف الهمزة‪.‬‬
‫والنحويون أجمعون على خلفه‪ ،‬لدخاله الصول على‬
‫منهاج الزوائد فيقولون‪ :‬ايم‪ ،‬لنها أصلية‪ ،‬فالدغام لزم لها‬
‫؛ لن المد ليس بأصل في الصول‪.‬‬
‫مْفَعل من وألت‪ :‬مول إذا خففوا الهمز‪،‬‬
‫ويقول في ِ‬
‫والصل ميئل‪ ،‬فطرحوا حركة الهمزة على الياء فلما‬
‫تحركت رجعت إلى أصلها‪ ،‬لنها من واو وألت‪ ،‬كما رجعت‬
‫واو ميزان إلى أصلها في قولك‪ :‬موازين‪.‬‬
‫ويقول النحويون في موئس إذا خففوا الهمزة‪ :‬ميس‪،‬‬
‫لنهم طرحوا حركتها على الواو‪ ،‬فسقطت الهمزة‪،‬‬
‫ورجعت الواو إلى الياء لما تحركت‪ ،‬لنه من يئست‪ .‬فهذا‬
‫قول النحويون وهو الصواب والقياس‪.‬‬
‫ولو بنيت من القول فَّعل أو من البيع لقلت‪ :‬قول‪ ،‬وبيع‪،‬‬

‫‪95‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫فإن بنيته بناء ما لم بسم فاعله‪ :‬قلت‪ :‬قول‪ ،‬وبيع‪ ،‬لنها‬
‫ليست منقلبة‪ ،‬إنما رددت العين مثقلة كما كانت‪.‬‬
‫وتقول في افْعَ ْ‬
‫ل من أويت إذا أمرت‪ :‬ايو يا رجل‪،‬‬
‫وللثنين‪ :‬ايويا‪ ،‬وللجمع‪ :‬ايووا‪ ،‬وللنساء ‪:‬ايوين ؛ كما تقول‬
‫من عويت‪.‬‬
‫فالياء مبدلة من الهمزة‪ ،‬ول يلزمك الدغام‪ ،‬لن اللف‬
‫ألف وصل‪ ،‬فليس البدل لزما للياء‪ ،‬لن أصها الهمز‪.‬‬
‫ولكنك لو قلت مثل إوزة من أويت لقلت‪ :‬إياة‪ ،‬فاعلم‪.‬‬
‫وكان أصلها إئواة‪ ،‬فلما التقت الهمزتان أبدلت الثانية ياء ؛‬
‫لكسرة ما قبلها ؛ كما ذكرت لك في جاٍء ونحوه‪ ،‬فصارت‬
‫ياء خالصة وبعدها واو‪ ،‬فقلبتها لها ؛ لن الياء ساكنة‪ ،‬ولم‬
‫تجعلها مدا‪ ،‬لنه اسم‪ ،‬وقد تقدم قولنا في هذا في باب‬
‫عدو‪ ،‬وولى‪ ،‬ونحوه‪.‬‬
‫ى‪ ،‬لنك إذا‬
‫ولو قلت من وأيت مثل عصفور لقلت‪ :‬وؤي ّ‬
‫قلت‪ :‬وأيت‪ ،‬فالواو في موضع الفاء‪ ،‬والهمزة في موضع‬
‫العين فلما قلت‪ :‬فعلول احتجت إلى تكرير اللم للبناء‪،‬‬
‫والواو الزائدة تقع بين اللمين ؛ كما تقع في مثال فُْعلول‬
‫ى‪.‬‬
‫فقلت‪ :‬وؤي ّ‬
‫والصل وؤيوى‪ ،‬فقلبت الواو ياء ؛ للياء التي بعدها‪،‬‬
‫وضممت الواو الولى لمثال فُْعلول‪ .‬وإنما لزمك الدغام‬
‫لنه اسم‪ ،‬ولول ذلك لكانت واو فُْعلول كواو سوير‪ ،‬ولكن‬
‫السماء ل تتصرف‪ .‬وقد مضى القول في هذا‪.‬‬
‫مْفْعول من رميت‪ ،‬فكان‬
‫أل ترى أن قولك‪ :‬مرمي إنما هو َ‬
‫حّقه أن يكون مرموى فأدغمت‪ .‬فكذلك آخر فُعُْلول‪.‬‬
‫مْفُعول من حييت لقلت‪ :‬هذا مكان محيى‬
‫ولو قلت مثل َ‬
‫فيه‪.‬‬
‫ي‪ ،‬وكان ‪ -‬الصل‬
‫وكان الصل‪ :‬محيوى‪ ،‬وكذلك مشو ّ‬
‫مشووى ؛ لن العين واو بعدها واو مفعول‪ ،‬وبعد واو‬
‫مفعول الياء التي هي لم الفعل‪.‬‬
‫ولو قلت مثل َفعاِليل من رميت لقلت‪ :‬رمايي فاعلم‪ .‬لم‬
‫تغير ؛ لتباعد اللف من الطرف‪ ،‬فأدغمت الياء الزائدة في‬
‫الياء التي هي لم‪.‬‬

‫‪96‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫فأما مثل طويل‪ ،‬وقويم‪ ،‬وما أشبه ذلك فل يلزمك‬
‫الدغام ؛ لتحرك الحرف الول من المعتلين‪ .‬ونبين هذا‬
‫بأكثر من هذا التبيين في باب مسائل التصريف إن شاء‬
‫الله‪.‬‬
‫هذا باب تصرف الفعل إذا اجتمعت فيه حروف العلة‬
‫إذا بنيت الماضي من حييت فقلت‪ :‬حيي يا فتى فأنت فيه‬
‫مخير‪ :‬إن شئت أدغمت‪ ،‬وإن شئت بينت‪.‬‬
‫ي في هذا الموضع‪ ،‬وقد حيي فيه‪.‬‬
‫تقول‪ :‬قد ح ّ‬
‫أما الدغام فيجب للزوم الفتحة آخر فَعَ َ‬
‫ل‪ ،‬وأنه قد صار‬
‫د‪ ،‬وكّر‪.‬‬
‫بالحركة بمنزلة غير المعتل ؛ نحو‪ :‬ر ّ‬
‫وأما ترك الدغام ؛ فلنها الياء التي تعتل في يحيى‪،‬‬
‫ويحيى‪ ،‬فل تلزمها حركة ؛ أل ترى أنك تقول‪ :‬هو يحيى‬
‫زيدا‪ ،‬ولم يحى‪ ،‬فتجعل محذوفة‪ ،‬كما تحذف الحركة‪.‬‬
‫وكذلك يحيا ونحوه ؛ وقد فسرت لك من اتصال الفعل‬
‫الماضي بالمضارع‪ ،‬وإجرائه عليه في باب أغزيت ونحوه‬
‫ما يغنى عن إعادته‪.‬‬
‫دوا‪،‬‬
‫د‪ ،‬ور ّ‬
‫ومن قال‪ :‬حي يا فتى قال للجميع‪ :‬حّيوا مثل‪ :‬ر ّ‬
‫لنه قد صار بمنزلة الصحيح‪.‬‬
‫ومن قال‪ :‬حيى فبين قال‪ :‬حيوا للجماعة‪ .‬وذلك ؛ لن الياء‬
‫إذا انكسر ما قبلها لم تدخلها الضمة‪ ،‬كما ل تقول‪ :‬هو‬
‫ي‪.‬‬
‫يقضي‪ ،‬يا فتى‪ ،‬ول هو قاض ٌ‬
‫وكان أصلها حييوا على وزن علموا‪ ،‬فس ّ‬
‫كنت والواو بعدها‬
‫ساكنة‪ ،‬فحذفت للتقاء الساكنين‪.‬‬
‫فمثل الدغام قراءة بعض الناس " ويحيا من حي عن بينة‬
‫" وهو أكثر وترك الدغام‪ " :‬من حيى عن بينة " وقد‬
‫قريء ‪ -‬بهما جميعا‪.‬‬
‫وكذلك قيل في الدغام‪:‬‬
‫عّيت ببيضتها الحمامه‬
‫عيوا بأمرهمو كـمـا‬
‫وقال في ترك الدغام‪:‬‬
‫حيوا بعد ما ماتوا من‬
‫وكنا حسبناهم فـوارس‬
‫الدهر أعصرا‬
‫س‬
‫كـهـمـ ٍ‬

‫‪97‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫فإذا قلت‪ :‬هو ي َْفَعل لم يجز الدغام البّتة‪ .‬وذلك قولك‪ :‬لن‬
‫يعيى زيد‪ ،‬ولن يحيى أحد ؛ لن الحركة ليست بلزمة‪،‬‬
‫وإنما تدخل للنصب‪ .‬وإنما يلزم الدغام بلزوم الحركة‪.‬‬
‫وكذلك قول الله عز وجل " أليس ذلك بقادرٍ على أن‬
‫يحيى الموتى " ؛ ل يجوز الدغام كما ذكرت لك‪.‬‬
‫فإذا قلت‪ :‬قد فُعِ َ‬
‫ل من حييت على قول من بّين قلت‪ :‬قد‬
‫ي في هذا‬
‫حيي في هذا المكان‪ .‬ومن أدغم قال‪ :‬قد ح ّ‬
‫المكان‪.‬‬
‫ي‪ ،‬فأبدل من الضمة كسسرة ؛ للياء‬
‫وإن شاء قال‪ :‬قد ح ّ‬
‫التي بعدها‪.‬‬
‫وكذلك ك ّ‬
‫ن‬
‫ل ما كان من هذا‪ ،‬اسما كان أو فِْعل‪ .‬تقول‪ :‬قر ٌ‬
‫ي ؛ والصل الضم‪.‬‬
‫ألوى وقرون لي‪ ،‬وإن شئت قلت‪ :‬ل ّ‬
‫َ‬
‫وإنما دخل الكسر من أجل الياء ؛ لن جمع ‪ -‬أفَْعل فُْعل‪،‬‬
‫إذا كان أ َْفعل نعتا ؛ نحو أحمر وحمر‪ ،‬ولكن الكسر في هذا‬
‫أكثر لخفته‪.‬‬
‫ي‪،‬‬
‫وكذلك ما كان على فُعول مما اعتلت لمه‪ ،‬وتقول‪ :‬ثد ّ‬
‫وعصي‪ ،‬وإن شئت قلت‪ :‬ثدي وعصي‪ ،‬والكسر أكثر ؛ لما‬
‫ذكرت لك والضم الصل ؛ لن البناء فُُعول‪.‬‬
‫فأما المفتوحة فل تبدل كسرة لخفة الفتحة ؛ نحو‪ :‬ولي‪،‬‬
‫وعدي‪ .‬وكذلك " لبا بألسنتهم "‪.‬‬
‫ع َ‬
‫ل من حييت لقلت في قول من لم يدغم‪:‬‬
‫فإذا ثنيت أ ُفْعُوْ ِ‬
‫قد احيوييا في هذا‪ ،‬وفي قول من أدغم‪ :‬أحيويا فيه‪.‬‬
‫فإن قلت‪ :‬فكيف اجتمعت الواو وهي ساكنة‪ ،‬والياء بعدها‬
‫ساكنة للدغام ? فقد تقدم قولنا في أن حرف المد يقع‬
‫بعده الساكن المدغم ؛ لن المدة عوض من الحركة‪ ،‬وأنك‬
‫تعتمد على الحرفين المدغم أحدهما في الخر اعتمادةً‬
‫واحدة ؛ نحو قولك‪ :‬دابة‪ ،‬وشاب ؛ وتمود الثوب‪ ،‬وهذا بريد‬
‫ود‪ ،‬ونحو ذلك‪.‬‬
‫ونحن ذاكرو ما تلتقى لمه‪ ،‬وعينه ‪ -‬على لفظ واحد بجميع‬
‫علله من الصحيح‪ ،‬ثم نرجع إلى المعتل إن شاء الله‪.‬‬
‫إذا قلت‪ :‬فَِعل أوفَعل مما عينه ولمه سواء فكان الحرفان‬
‫متحركين ؛ فإنه يلزمك أن تسكن المتحرك الول‪ ،‬فتدغمه‬

‫‪98‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫في الذي بعده ؛ لنها لفظ واحد‪ ،‬فل يقع في الكلم‬
‫التباين‪ .‬وذلك قولك‪ :‬رد‪ ،‬وفر‪ ،‬وعض‪ ،‬وردوا‪ ،‬وفروا ‪.‬‬
‫فإن سكن الثاني ظهر التضعيف‪ .‬وإنما يظهر لن الذي‬
‫بعده ساكن‪ ،‬فإن أسكنته جمعت بين ساكنين‪.‬‬
‫لذلك تقول‪ :‬رددت‪ ،‬وفررت‪ ،‬وتقول‪ :‬لم يرددن ولم يفررن‬
‫؛ لن ما قبل نون جماعة النساء ل يكون إل ساكنا ؛ لما‬
‫قد تقدم ذكره‪ .‬وكذلك ما قبل التاء إذا عني بها المتكلم‬
‫نفسه‪ ،‬أو مخاطبه‪.‬‬
‫وتقول‪ :‬ردا ل غير ؛ لن الثانية تتحرك‪.‬‬
‫فإذا أمرت الواحد فقلت‪ :‬افْعَ ْ‬
‫ل من هذه المضاعفة فأنت‬
‫مخير إن شئت قلت‪ :‬اردد ؛ كما تقول‪ :‬أقتل‪ .‬وتقول‪:‬‬
‫إعضض ؛ كما تقول‪ :‬إذهب‪ .‬وتقول‪ :‬إفرر ؛ كما تقول‪:‬‬
‫إضرب‪ .‬وهذا أجود القاويل‪.‬‬
‫وقد يجوز أن تقول‪ :‬فّر‪ ،‬رد‪ ،‬غض‪ .‬فإذا قلت ذلك فإنما‬
‫طرحت حركة العين على الفاء‪ ،‬فلما تحركت الفاء‬
‫سقطت ألف الوصل‪ ،‬وقد التقى في الوقف ساكنان‪ ،‬فإذا‬
‫وصلت فكان الحرف من باب ي َْفُعل فأنت في تحريكه‬
‫مخير‪ :‬يجوز فيه الوجوه الثلثة‪ :‬تقول‪ :‬غض يا فتى‪ ،‬وغض‪،‬‬
‫وغض‪.‬‬
‫أما الكسر فعلى أنه أصل في التقاء الساكنين‪.‬‬
‫وأما الضم فللتباع‪ .‬وأما الفتح فلنه أخف الحركات ؛ لنك‬
‫إنما تحرك الخر للتقاء الساكنين‪.‬‬
‫س جاز فيه الفتح من وجهين‪ :‬لخفته‪،‬‬
‫فإن كان من باب م ّ‬
‫والتباع‪ .‬وجاز الكسر لما ذكرت لك‪.‬‬
‫وإن كان من باب فّر جاز فيه الكسر من وجهين‪ :‬للتباع‪،‬‬
‫ولنه أصل التقاء الساكنين‪ .‬وجاز الفتح لخفته‪.‬‬
‫وإنما جاز في هذا ما لم يجز فيما قبله مما تحرك منه‬
‫الول‪ ،‬لن هذا أصله الحركة‪ ،‬وإنما سكن للجزم‪ ،‬وليس‬
‫السكون لزما له ؛ لنك لو ثنيته أو جمعته أو أنثته‪ ،‬للزمته‬
‫الحركة ؛ نحو‪ :‬ردا‪ ،‬وردوا‪ ،‬وردى‪.‬‬
‫وكذلك إن أدخلت فيه النون ‪ -‬الخفيفة‪ ،‬أو الثقيلة‪.‬‬
‫وما كان قبل التاء‪ ،‬والنون التي لجماعة المؤنث لم يكن‬

‫‪99‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫إل ساكنا ل تصل إليه الحركة‪ ،‬فلما كان كذلك كان تحريكه‬
‫دمنا في ذكره‪.‬‬
‫تحريك اعتلل‪ ،‬ولك يكن كما قد تق ّ‬
‫فان لقيه ساكن بعده اختير فيه الكسر‪.‬‬
‫ول أراه إذا حرك للذي بعده في التقدير يجوز فيه إل‬
‫الكسر‪.‬‬
‫فان قدر تحريكه لما قبله جازت فيه الوجوه كلها‪ ،‬على ما‬
‫دمنا بذكره‪ .‬وذلك قولك‪ :‬رد ّ الرجل‪ ،‬وغض الطرف‪ .‬وإن‬
‫تق ّ‬
‫درته لما قبله فقلت في المضموم بالوجه الثلثة‪،‬‬
‫شئت ق ّ‬
‫كما كان من قبل أن يدخل الساكن الذي بعده‪ .‬وقلت في‬
‫المفتوح بالفتح والكسر‪.‬‬
‫وكذلك المكسور‪ .‬وهذا البيت ينشد على الوجه الثلثة لما‬
‫ذكرنا وهو‪:‬‬
‫فل كعبا ً بلغت ول‬
‫فغض الطرف إنك‬
‫كلبـا‬
‫ر‬
‫من نمي ٍ‬
‫وكذلك الذي بعده وهو‪:‬‬
‫م المنازل بعد منزلة والعيش بعد أولـئك‬
‫ذ ّ‬
‫اليام‬
‫الّلوى‬
‫فَعلى ما ذكرت لك مجرى هذا الباب‪ .‬وقد تقدم قولنا في‬
‫ذوات الياء و الواو المضاعفة‪ ،‬ثم ذكرنا ذا‪ .‬ونعود إلى‬
‫استقصاء ما فيها إن شاء الله‪.‬‬
‫اعلم أنه ل يقع في الفعال ما تكون عينه ياء ولمه واوا‪،‬‬
‫ولكن تكون عينه واوا‪ ،‬ولمه ياء‪ ،‬وذلك نحو‪ :‬شويت‪،‬‬
‫ولويت‪ ،‬وطويت‪ .‬ويلحق به ما كانت عينه ولمه واوين‪،‬‬
‫لنه يبنى على فَِعلت‪ ،‬فيصير لمه بمنزلة ما أصله الياء‪،‬‬
‫نحو‪ :‬حويت‪ ،‬وقويت‪.‬‬
‫فأما قولهم‪ :‬حيوان في السم فقد قيل فيه قولن‪ :‬قال‬
‫الخليل‪ :‬الواو منقلبة من ياٍء‪ ،‬لنه اسم‪ ،‬فخروجه عن‬
‫الفعل كخروج آية‪ ،‬وبابها ‪.‬‬
‫وقال غيره‪ :‬اشتاق هذا من الواو لو كان فعل‪ ،‬ولكنه ل‬
‫يصلح لما تقدمنا بذكره‪.‬‬
‫ونظيره في هذا الباب على هذا القول جبيت الخراج‬
‫جباية‪ ،‬وجباوة‪ ،‬وليس من جباوة فِْعل‪.‬‬

‫‪100‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ومثل ذلك فاظ الميت فيظا ً وفوظا‪ ،‬وليس من فوظ‬
‫فِْعل‪.‬‬
‫ولذلك ظهر على الصل ليدل على أصله‪.‬‬
‫وقد تقدم قولنا في أنه ل تظهر واوان مجتمعين إذا كانت‬
‫إحداهما طرفا‪ ،‬ول يقع في الكلم ما موضع فائه واو‪،‬‬
‫ولمه واو‪ ،‬نحو وعوت‪ .‬ونحن ذاكرو ما يتصل به إن شاء‬
‫الله‪.‬‬
‫إذا بنيت من الغزو فَعَل َْلت قلت‪ :‬غزويت‪ .‬ولم يجز إل‬
‫ذلك ؛ لنها في المضارع يغزوي على ما ذكرنا من الباب‪.‬‬
‫ولو لم يكن ذلك لوجب أل تجتمع واوان ؛ أل ترى أنهم‬
‫يذهبون بَفعَْلت من الواو إلى فِِعلت في نحو قويت وحويت‬
‫؛ لئ ّ‬
‫ل يجتمع واوان‪.‬‬
‫فإذا كانت إحداهما غير طرف‪ ،‬أو كان ما قبلها ساكنا فهي‬
‫و‪ ،‬وقد قلنا في هذا‬
‫ثابتة‪ ،‬نحو قولك‪ :‬خيل حو‪ ،‬وبطن ق ّ‬
‫ولكن رددناه لما بعده‪.‬‬
‫عل من قلت فإن النحويين يقولون‪ :‬اقوّول‬
‫إذا بنيت افْعَْلو َ‬
‫فتجتمع ثلث واوات‪ ،‬ولم تكن واحدة منهن طرفا ينتقل‬
‫عليها العراب‪ ،‬إل أبا الحسن الخفس‪ ،‬فإنه كان يقول في‬
‫هذا المثال‪ :‬اقوّيل‪ :‬يقلب آخرهن ياء‪ ،‬ويدغم فيها التي‬
‫قبلها وعلته في ذلك اجتماع الواوات‪ .‬ويقول‪ :‬إنما تجرى‬
‫البنية على الصول‪ ،‬وليس في الصول ما هو هكذا‪.‬‬
‫مْفُعول من غزوت فهو مغزّو‪ .‬هذا المجتمع‬
‫فإن قلت َ‬
‫عليه‪ ،‬تصح الواو التي هي حرف العراب ؛ لسكون ما‬
‫قبلها‪.‬‬
‫وقد يجوز مغزي‪ .‬وذلك ؛ لنك قلبت الطرف‪ :‬كما فعلت‬
‫في الجمع‪ ،‬وليس بوجه‪ ،‬لن الذي يقلب إنما يذهب إلى‬
‫أن الساكن الذي قبلها غير حاجز‪.‬‬
‫ول تكون الواو في السماء طرفا وما قبلها متحرك‪ ،‬فلم‬
‫يعتد بما بينهما ؛ أل ترى أنك إذا جمعت دلو قلت‪ :‬هذه‬
‫أدل‪ ،‬وإنما هي أ َ‬
‫ْ‬
‫س‬
‫قلن‬
‫والجمع‪:‬‬
‫قلنسوة‬
‫في‬
‫وتقول‬
‫عل‪،‬‬
‫ف‬
‫ُ‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫و‪ ،‬ولكنك قلبت الواو لما كانت طرفا وكان ما‬
‫وحّقه قلنس ّ‬
‫قبلها متحّركا‪ .‬على ذلك قال الراجز‪:‬‬

‫‪101‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫أهل الرياط البيض‬
‫والقلنسي‬

‫ل مهل حتى تلحقي‬
‫بعنـس‬
‫وقال الخر‪:‬‬
‫حتى تفضي عرقي الدلى‬
‫و‪.‬‬
‫جمع عرقوة‪ .‬وكان حّقه عرق ٌ‬
‫فهكذا حكم كل واو طرف إذا تحرك ما قبلها فكان‬
‫مضموما ً أو مكسورًا‪.‬‬
‫وإن كان مفتوحا ً انقلبت ألفا ً ؛ كما ذكرت في غزا‪ ،‬وكذلك‬
‫رمى ؛ لن حكم الواو في هذا الموضع كحكم الياء‪.‬‬
‫لو رخمت كروانا فيمن قال‪ :‬يا حار لقلت‪ :‬يا كرا‪ ،‬أقبل‪.‬‬
‫وكان الصل ‪ -‬يا كرو‪ ،‬لكن تحرك ما قبلها وهي في موضع‬
‫حركة فانقلبت ألفًا‪.‬‬
‫ولم يكن ذلك في كروان ؛ لن اللف بعدها‪ ،‬فلو قلبتها‬
‫ألفا ً لجمعت بين ساكنين ؛ كما كان يلزمك في غزوا لم‬
‫تردها إلى الواو‪.‬‬
‫فالذين قالوا‪ :‬مغزيٌ إنما شّبهوه بهذا وعلى ذلك قالوا‪:‬‬
‫وة‪.‬‬
‫أرض مسنّية‪ ،‬وإنما الوجه مسن ّ‬
‫فإن كان هذا البناء جمعا ً فالقلب ل غير‪.‬‬
‫ي‪ .‬وإن كسرت‬
‫ي‪ ،‬وفي غاز غز ّ‬
‫تقول في جمع عات‪ :‬عت ّ‬
‫أوله على ما ذكرت لك قبل فقلت‪ :‬غزيّ ؛ كما تقول‪:‬‬
‫ي‪ ،‬فالكسر أكثر لخّفته‪ .‬والصل الضم ؛ لنه فُُعول‪.‬‬
‫عص ّ‬
‫وقولي في هذا الجمع أوجب ؛ لن باب النقلب إنما أصله‬
‫الجمع‪ ،‬فلذلك أجرينا سائر الجمع عليه‪.‬‬
‫وقد قلنا في صّيم ما يستغنى عن إعادته‪.‬‬
‫واعلم أن اللم إذا كانت ياء أو واوا‪ ،‬وقبلها ألف زائدة‬
‫وهي طرف أنها تنقلب همزة‪ .‬للفتحة واللف اللتين قبلها‪.‬‬
‫وذلك قولك‪ :‬هذا سقاء يا فتى‪ ،‬وغّزاء فاعلم‪.‬‬
‫فإذا لم يكن منتهى الكلمة لم تنقلب‪ .‬وذلك قولك‪:‬‬
‫شقاوة‪ ،‬وعباية‪.‬‬
‫فأما من قال‪ :‬عظاءة‪ ،‬وعباءة‪ ،‬فإنما بناه أول على‬
‫التذكير‪ ،‬ثم أدخل التأنيث بعد أن فرغ من البناء فأّنثه على‬
‫تذكيره‪.‬‬

‫‪102‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫فعلى هذا تقول‪ :‬صلءة‪ ،‬وامرأة سّقاءة‪ ،‬وح ّ‬
‫ذاءة‪.‬‬
‫ولو بنيتها على التأنيث على غير مذكر لقلت‪ :‬سّقاية‪،‬‬
‫وحذاوة فاعلم‪ ،‬كما تقول‪ :‬شقاوة‪ ،‬ونهاية‪.‬‬
‫وكذلك ما كانت آخره واو وليس بمنتهى الكلمة نحو قولك‬
‫في مثل فُعَُلة من غزوت إن بنيته على التذكير قلت‪ :‬غزية‬
‫؛ كما كنت تقول في المذكر‪ :‬هذا غزٍ فاعلم‪.‬‬
‫وإن بنيته على التأنيث الذي هو من غير تذكير قلت‪:‬‬
‫غزوة‪ ،‬كما قلت‪ :‬ترقوة‪ ،‬وقلنسوة ؛ لن العراب على‬
‫الهاء‪ ،‬ولم يثبت له مذ ّ‬
‫كر يقع تأنيثه عليه‪.‬‬
‫ميت رجل يغزو لقلت‪ :‬هذا يغزٍ ؛ كما‬
‫أل ترى أنك لو س ّ‬
‫ن‬
‫ترى ؛ كما قلت‪ ،‬في الِفْعل‪ :‬هو يدلو دلوه‪ ،‬وأنا أدلو ؛ ل ّ‬
‫هذا المثال للفْعل‪.‬‬
‫ل فاعلم‪ ،‬تقلب الواو ياء لما‬
‫وتقول في جمع دلو‪ :‬هذه أد ٍ‬
‫ذكرت لك ؛ لن السماء ل يكون آخر اسم منها واوا‬
‫متحركا ما قبلها‪ ،‬ويقع ذلك في حشو السم في مثل‪:‬‬
‫عنفوان‪ ،‬وأقحوان‪ ،‬وغير ذلك حيث وقع ثانيًا‪ ،‬أو ثالثًا‪ ،‬أو‬
‫رابعا ً بعد أل ّ يكون طرفًا‪.‬‬
‫ولو قلت فُعْل َُلة من رميت على التأنيث لقلت‪ :‬رميوة‪:‬‬
‫تقلب الياء واوا ؛ لنضمام ما قبلها‪.‬‬
‫ولو بنيتها على التذكير لقلت‪ :‬رميية‪ ،‬لنها تنقلب مذكرة‬
‫فأعللتها على ذلك‪ :‬وقد تقدم قولنا في أن الحرف إذا كان‬
‫على أربعة أحرف وآخره ياء أو واو‪ ،‬استوى اللفظان على‬
‫الياء ؛ لن الواو تنقلب رابعة فصاعدا إلى الياء لما ذكرنا‬
‫من العلة‪ ،‬وأعدنا ذلك لقولهم‪ :‬مذروان‪ ،‬وفلن ينفض‬
‫ة‪ ،‬ولكنه جاء‬
‫مذرويه‪ ،‬وإنما حق هذا الياء‪ ،‬لن اللف رابع ٌ‬
‫بالواو ؛ لنه ل يفرد له واحد‪ .‬فهو بمنزلة ما بنى على‬
‫التأنيث مما ل مذ ّ‬
‫كر له‪.‬‬
‫وعلى هذا لم يجز في النهاية ما جاز في عظاية من‬
‫قولك‪ :‬عظاءة ؛ لنك تقول في جميع هذا‪ :‬العظاء‪ .‬فهذا‬
‫يحكم لك ما يرد عليك من هذا الباب إن شاء الله‪.‬‬
‫أبواب الدغام‬
‫هذا باب مخارج الحروف وقسمة أعدادها‬

‫‪103‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫في مهموسها‪ ،‬ومجهورها‪ ،‬وشديدها‪ ،‬ورخوها‪ ،‬وما كان‬
‫منها مطبقًا‪ ،‬وما كان من حروف القلقلة‪ ،‬وما كان من‬
‫د‪ .‬واللين‪ ،‬وغير ذلك‪.‬‬
‫حروف الم ّ‬
‫اعلم أن الحروف العربية خمسة وثلثون حرفًا‪ ،‬منها‬
‫ثمانية وعشرون لها صور‪.‬‬
‫والحروف السبعة جارية على اللسن‪ ،‬مستد ّ‬
‫ل عليها في‬
‫الخط بالعلمات‪ .‬فأما في المشافهة فموجودة‪.‬‬
‫فمنها للحلق ثلثة مخارج‪ :‬فمن أقصى الحلق مخرج‬
‫الهمزة‪ .‬وهي أبعد الحروف‪ .‬ويليها في البعد مخرج الهاء‪.‬‬
‫واللف هاوية هناك‪ .‬والمخرج الثاني من الحلق مخرج‬
‫الحاء والعين‪.‬‬
‫والمخرج الثالث الذي هو أدنى حروف الحلق إلى الفم‬
‫مما يلي الحلق مخرج الخاء‪ ،‬والغين‪.‬‬
‫ثم أّول مخرج الفم مما يلي الحلق مخرج القاف‪.‬‬
‫ويتلو ذلك ‪ -‬مخرج الكاف وبعدها مخرج الشين‪ .‬ويليها‬
‫مخرج الجيم‪.‬‬
‫ويعارضها الضاد ومخرجها من الشدق‪ .‬فبعض الناس‬
‫تجري له في اليمن‪ ،‬وبعضهم تجري له في اليسر‪.‬‬
‫وتخرج اللم من حرف اللسان‪ ،‬معارضا لصول الثنايا‪،‬‬
‫والرباعيات‪ .‬وهو الحرف المنحرف المشارك لكثر‬
‫سره في موضعه بمعانيه إن شاء الله‪.‬‬
‫الحروف‪ .‬ونف ّ‬
‫وأقرب المخارج منه مخرج النون المتحركة‪ .‬ولذلك ل‬
‫يدغم فيها غير اللم‪.‬‬
‫فأما النون الساكنة فمخرجها من الخياشيم ؛ نحو نون‬
‫مْنك‪ ،‬وعْنك وتعتبر ذلك بأنك لو أمسكت بأنفك عند لفظك‬
‫بها لوجدتها مختّلة‪.‬‬
‫فأما النون المتحركة فأقرب الحروف منها اللم ؛ كما أن‬
‫أقرب الحروف من الياء الجيم‪ .‬فمحل اللم والنون‬
‫والراء‪ ،‬متقارب بعضه من بعض‪ ،‬وليس في التداني كما‬
‫أذكر لك‪.‬‬
‫فإذا ارتفعت عن مخرج النون نحو اللم فالراء بينهما ؛‬
‫على أنها إلى النون أقرب‪ .‬واللم تتصل بها بالنحراف‬

‫‪104‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫الذي فيها‪.‬‬
‫ثم من طرف اللسان وأصول الثنايا مصعدا إلى الحنك‬
‫مخرج الطاء‪ ،‬والتاء‪ ،‬والدال‪.‬‬
‫ومن طرف اللسان وملتقى حروف الثنايا حروف الصفير‪.‬‬
‫وهي حروف تنس ّ‬
‫ل انسلل وهي السين‪ ،‬والصاد‪ ،‬والزاي‪.‬‬
‫ومن طرف اللسان وأطراف الثنايا العليا مخرج الظاء‪،‬‬
‫والثاء‪ ،‬والذال‪.‬‬
‫ومن الشفة السفلى‪ ،‬وأطراف الثنايا العليا مخرج الفاء‪.‬‬
‫ومن الشفة مخرج الواو‪ ،‬والباء‪ ،‬والميم ؛ إل أن الواو‬
‫تهوى في الفم حتى تتصل بمخرج الطاء والضاد‪ ،‬وتتف ّ‬
‫شى‬
‫حتى تتصل بمخرج اللم‪ .‬فهذه التصالت تقّرب بعض‬
‫الحروف من بعض‪ ،‬وإن تراخت مخارجها‪.‬‬
‫والميم ترجع إلى الخياشيم بما فيها من الغّنة‪ .‬فلذلك‬
‫تسمعها كالنون ؛ لن النون المتحركة مشربة غّنة‪ ،‬و الغّنة‬
‫من الخياشيم‪.‬‬
‫ميتا باسم‬
‫والنون الخفيفة خالصة من الخياشيم‪ .‬وإنما س ّ‬
‫واحد ؛ لشتباه الصوتين‪ .‬وإل فإنهما ليسا من مخرج ؛ لما‬
‫ذكرت ذلك‪.‬‬
‫ ومن الحروف حروف تجري على النفس‪ ،‬وهي التي‬‫مى الرخوة‪.‬‬
‫تس ّ‬
‫ومنها حروف تمنع النفس‪ ،‬وهي التي تسمى الشديدة‪.‬‬
‫ددتها في اللسان جرى معها الصوت‪،‬‬
‫ومنها حروف إذا ر ّ‬
‫وهي المهموسة‪.‬‬
‫ددتها ارتدع الصوت فيها‪ ،‬وهي‬
‫ومنها حروف إذا ر ّ‬
‫المجهورة‪.‬‬
‫ومنها حروف تسمع في الوقف عندها نبرة بعدها ؛ وهي‬
‫حروف القلقلة ؛ وذلك لنها ضغطت مواضعها‪.‬‬
‫ومنها المطبقة‪ ،‬والمنفتحة‪ .‬ونحن ذاكرو جميع ذلك‬
‫بأوصافه إن شاء الله‪.‬‬
‫وأما الحروف الستة التي كملت هذه خمسة وثلثين حرفا‬
‫بعد ذكرنا‪ :‬الهمزة بين بين‪ ،‬فاللف الممالة‪ ،‬وألف التفخم‬
‫والحرف المعترض بين الشين والجيم‪ ،‬والحرف المعترض‬

‫‪105‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫بين الزاي‪ ،‬والصاد‪ ،‬والنون‪ ،‬الخفيفة‪ ،‬فهي خمسة وثلثون‬
‫حرفا‪.‬‬
‫ونفسر هذه التي ليست لها صور مع استقصائنا القول في‬
‫غيرها إن شاء الله‪.‬‬
‫فأما الحروف المهموسة فنبدأ بذكرها‪ ،‬وهي عشرة‬
‫أحرف‪ :‬الهاء‪ ،‬والحاء‪ ،‬والكاف‪ ،‬والصاد‪ ،‬والفاء‪ ،‬والسين‪،‬‬
‫والشين‪ ،‬والتاء‪ ،‬والثاء‪ ،‬وتعلم أنها مهموسة بأنك تردد‬
‫الحرف في اللسان بنفسه‪ ،‬أو بحرف اللين الذي معه‪ ،‬فل‬
‫يمنع النفس‪ ،‬ولو رمت ذلك في المجهورة لوجدته ممتعنا‪.‬‬
‫فأما الرخوة فهي التي يجري النفس فيها ما غير ترديد‪.‬‬
‫والشديدة على خلفها‪ .‬وذاك أنك إذا لفظت بها لم يّتسع‬
‫مخرج النفس معها‪.‬‬
‫فالرخوة كالسين‪ ،‬والشين‪ ،‬والزاي‪ ،‬والصاد‪ ،‬والضاد‪ ،‬وكل‬
‫ما وجدت فيه ما ذكرت لك والشديدة ؛ نحو الهمزة‪،‬‬
‫والقاف‪ ،‬والكاف‪ ،‬والتاء‪ ،‬ونذكر هذا في موضعه مستقصى‬
‫إن شاء الله‪.‬‬
‫وهذه الحروف التي تعترض بين الرخوة‪ ،‬والشديدة هي‬
‫شديدة في الصل وإنما يجري فيها النفس ؛ لستعانتها‬
‫بصوت ما جاورها من الرخوة ؛ كالعين التي يستعين‬
‫المتكّلم عند اللفظة بها بصوت الحاء‪ ،‬والتي يجري فيها‬
‫الصوت ؛ لنحرافها واتصالها بما قد تقدمنا في ذكره من‬
‫الحروف‪ ،‬وكالنون التي يستعين بصوت الخياشيم ؛ لما‬
‫فيها من الغنة‪ ،‬وكحروف المد واللين التي يجري فيها‬
‫الصوت للينها‪.‬‬
‫فهذه كلها رسمها الشدة‪ .‬فهذا ما ذكرت لك من‬
‫الستعانة‪.‬‬
‫ومنها الراء‪ .‬وهي شديدة‪ ،‬ولكنها حرف ترجيع‪ .‬فإنما‬
‫يجري فيها الصوت ؛ لما فيها من التكرير‪.‬‬
‫واعلم أن من الحروف حروفا محصورة في مواضعها‬
‫فتسمع عند الوقف على الحرف منها نبرة تتبعه وهي‬
‫حروف القلقلة‪ .‬وإذا تفّقدت ذلك وجدته‪.‬‬
‫فمنها القاف‪ ،‬والكاف‪ ،‬إل أنها دون القاف ؛ لن حصر‬

‫‪106‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫د‪ ،‬وإنما تظهر هذه النبرة في الوقف‪ ،‬فإن‬
‫القاف أش ّ‬
‫وصلت لم يكن‪ ،‬لنك أخرجت اللسان عنها إلى صوت‬
‫آخر‪ ،‬فحلت بينه وبين الستقرار‪ .‬وهذه المقلقلة بعضها‬
‫أشد ّ حصرا من بعض‪ ،‬كما ذكرت لك في القاف والكاف‪.‬‬
‫دمات في مواضع الصول لنجريها‬
‫دمنا هذه المق ّ‬
‫وإنما ق ّ‬
‫دم مّنا فيه غير رادين له‪.‬‬
‫في مسائل الدغام على ‪ -‬ما تق ّ‬
‫ثم نذكر الدغام على وجهه إن شاء الله‪.‬‬
‫هذا باب إدغام المثلين‬
‫ونذكر أول معنى الدغام‪ ،‬ومن أين وجب ?‪.‬‬
‫اعلم أن الحرفين إذا كان لفظهما واحد فسكن الول‬
‫منهما فهو مدغم في الثاني‪.‬‬
‫وتأويل قولنا مدغم أنه ل حركة تفصل بينهما‪ ،‬فإنما تعتمد‬
‫لهما باللسان اعتمادة واحدة‪ ،‬لن المخرج واحد‪ ،‬ول‬
‫فصل‪ .‬وذلك قولك‪ :‬ق ّ‬
‫سر‪ .‬وكذلك محمد‪ ،‬ومعّبد‪،‬‬
‫طع‪ ،‬وك ّ‬
‫ولم يذهب بكر‪ ،‬ولم يقم معك‪ .‬فهذا معنى الدغام‪.‬‬
‫فإذا التقى حرفان سواء في كلمة واحدة‪ ،‬الثاني منهما‬
‫متحرك ولم يكن الحرف ملحقا‪ .‬وقد جاوز الثلثة أو كان‬
‫منها على غير فََعل‪ ،‬أو ما ليس على مثال من أمثلة الفعل‬
‫وجب الدغام‪ ،‬متحّركا كان الول أو ساكنا‪ ،‬لن الساكن‬
‫على ما وصفت لك والمتحّرك إذا كان الحرف الذي بعده‬
‫متحّركا أسكن ؛ ليرفع اللسان عنهما رفعة واحدة ؛ إذ كان‬
‫ف‪ ،‬وكان غير ناقض معنى‪ ،‬ول ملتبس بلفظ‪ .‬هذا‬
‫ذلك أخ ّ‬
‫موضع جمل‪ .‬وسنذكر تفصيلها إن شاء الله‪.‬‬
‫هذا باب إدغام المثلين في الفعل وما اشتق منه وما يمتنع‬
‫عن ذلك اعلم أن اللفين ل يصلح ففيها الدغام‪ ،‬لن اللف‬
‫ل تكون إل ساكنة‪ ،‬ول يلتقي ساكنان‪ ،‬وقد قلنا في اللف‬
‫أول ما يغنى عن إعادته‪.‬‬
‫وكذلك الهمزتان ل يجوز فيهما الدغام في غير باب فَّعل‬
‫وفَّعال‪ ،‬لما ذكرت لك‪.‬‬
‫فإن التقتا وهما لمان‪ ،‬أوعين ولم مما لم نستثنه لم يجز‬
‫فيهما الدغام‪ ،‬لنه ل يجوز أن يحققا جميعا‪ .‬فإذا لم يجز‬
‫اجتماعهما‪ ،‬لن الثانية في قول الخليل وغيره في الكلمة‬

‫‪107‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ة في قول أبي‬
‫الولى مبدلة والولى في المنفصلين خاص ً‬
‫عمرو مخففة‪ ،‬فلم يلق الحرف ما يشبهه‪.‬‬
‫فأما من قال بقول ابن أبي إسحاق تحقيق الهمزتين فغ‪،‬‬
‫ه يدغم‪ ،‬لنهما بمنزلة غيرهما من الحروف‪.‬‬
‫فأمما ما يلتقى فيه حرفان الول منهما ساكن من غير ما‬
‫ذكرنا فالدغام فيه واجب‪ ،‬ل يقدر إل على ذلك‪ ،‬نحو‬
‫قولك‪ :‬قوة‪ ،‬وردة‪ ،‬وقر فاعلم‪.‬‬
‫وأما ما التقتا فيه والولى متحركة والثانية كذلك مما هو‬
‫فِْعل نحو قفولك‪ :‬رد يافتى‪ ،‬وفر فتقديره‪ :‬فََعل‪ ،‬وأصله‬
‫ردد‪ ،‬وفرر‪ ،‬ولكنك أدغمت ؛ لثقل الحرفين إذا فصلت‬
‫بينهما‪ ،‬لن اللسان يزايل الحرف إلى موضع الحركة‪ ،‬ثم‬
‫يعود إليه‪.‬‬
‫ومثل ذلك مس‪ ،‬وشم‪ ،‬وعض‪ ،‬وتقديرها‪ :‬فَعِ َ‬
‫ل‪ .‬يبين ذلك‬
‫قولك‪ :‬عضضت‪ ،‬وشممت‪ ،‬أشم‪ ،‬وأعض‪ ،‬كما تقول في‬
‫فَعَ َ‬
‫د‪ ،‬وأفّر‪.‬‬
‫ل رددت‪ ،‬وفررت‪ ،‬أر ّ‬
‫وكذلك فَعُ َ‬
‫ب‪ ،‬ولم يأت من فَُعل‬
‫ب الرجل من الل ّ‬
‫ل‪ :‬نحو‪ :‬ل ّ‬
‫غيره‪ ،‬لثقل الضمة مع التضعيف‪ .‬وذلك قولك‪ :‬لببت لبابة‬
‫فأنت لبيب‪ ،‬كما قالوا‪ :‬سفه سفاهة وهو سفيه‪.‬‬
‫وأكثرهم يقول‪ :‬لببت تلب وأنت لبيب‪ ،‬على وزن مرض‬
‫يمرض وهو مريض‪ ،‬استثقال للضمة كما وصفت لك‪.‬‬
‫فهذا ل اختلف فيه انه مدغم‪.‬‬
‫فإن كان من هذا شيٌء من السماء فكان على مثال‬
‫الِفْعل فحكمه حكم الفعل‪ ،‬إل ما استثنيته لك ‪.‬‬
‫ب‪ ،‬ورجل بّر‪ ، ،‬لنه من بررت‪،‬‬
‫ل‪ :‬رجل ط ّ‬
‫تقول في فَعِ ٍ‬
‫وطببت‪ ،‬فإنما تقديره‪ :‬فرقت فأنا فرق‪.‬‬
‫ف‪ ،‬وما ٌ‬
‫ل إذا‬
‫فاعتلل هذا كاعتلل قولك‪ :‬هذا رجل خا ٌ‬
‫أردت فَِعل‪ .‬وكذلك لو بنيت منه شيئا على فَُعل‪.‬‬
‫ل فإنه‬
‫فأما الذي استثنيته فإنه ما كان من هذا على فَعَ ٍ‬
‫صحيح‪.‬‬
‫جَلل‪ ،‬و َ‬
‫ضَرر‪ ،‬وكل ما كان مثله‪،‬‬
‫شَرر‪ ،‬و َ‬
‫وذلك نحو ذلك‪َ :‬‬
‫ححوا هذه السماء ؛ لخفة الفتحة‪ ،‬لنها كانت تصح‬
‫وإنما ص ّ‬
‫ونة‪،‬‬
‫ود‪ ،‬وال َ‬
‫صَيد‪ ،‬والخ َ‬
‫فيما ل يصح فَعَْلت منه ‪ ،.‬نحو‪ :‬الَق َ‬

‫‪108‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وكة‪.‬‬
‫وال َ‬
‫ح َ‬
‫فلما كانت فيما ل يكون فَعَْلت منه إل ّ صحيحا لزم أن‬
‫يصحح‪.‬‬
‫هذا قول الخليل‪ ،‬وسيبويه‪ ،‬وكل نحوي بصري علمناه‪.‬‬
‫ص‪ ،‬وقصص فليس قص مدغما‬
‫فأما قولهم في الصدر‪ :‬ق ّ‬
‫من قولك‪ :‬قصص ولكنهما لغتان تعتوران السم كثيرا‪.‬‬
‫ر‬
‫فيكون على فَْعل‪ ،‬وفَعَ ٍ‬
‫ل وذلك قولهم‪ :‬شْعر‪ ،‬وشَعر‪ ،‬ونهْ ٍ‬
‫خر‪.‬‬
‫خر وص َ‬
‫ونَهر‪ ،‬وص ْ‬
‫وحدثني أبو عثمان المازني عن الصمعي قال‪ :‬رأيت‬
‫أعربي ّا ً بالموضع الذي ذكره زهيٌر في قوله‪:‬‬
‫ى سلمى‬
‫ثم استمّروا‪ ،‬وقالوا‬
‫ماء مشرق ّ‬
‫فيد أوركك‬
‫ن مشربكم‬
‫إ ّ‬
‫فقلت‪ :‬أين ركك ? قال هذا‪ :‬رك فاعلم‪ .‬هذا بمنزلة ما‬
‫وصفنا‪ .‬فإن لم يكن شيٌء من هذا على مثال الِفْعل من‬
‫الثلثة فالظهار ليس غير وذلك قولك فيما كان على مثال‬
‫شَرر‪ ،‬ود َُرر‪ ،‬وقُ َ‬
‫فَُعل‪ُ :‬‬
‫ور‪.‬‬
‫ذذ‪ ،‬كما قلت في الواو‪ُ :‬‬
‫س ُ‬
‫سَرر‪،‬‬
‫دد‪ ،‬و ِ‬
‫دد‪ ،‬و ِ‬
‫ش َ‬
‫ل فكذلك تقول‪ :‬قِ َ‬
‫وما كان منه على فِعَ ٍ‬
‫دة‪.‬‬
‫م‪ ،‬و ِ‬
‫عو َ‬
‫كما كنت تقول في الثاء والواو‪ِ :‬ثورة‪ ،‬وب َِيع‪ ،‬وِقي َ‬
‫وكذلك فُعُ ٌ‬
‫د‪.‬‬
‫ض وسرٌر‪ ،‬كما كنتت تقول صي ٌ‬
‫ل فيه حض ٌ‬
‫و‪:‬‬
‫سوك السحل‬
‫ولو بنيت ‪ -‬منه شيئا على مثال فِِعل مثل إبل لصححته‪،‬‬
‫وكنت تقول‪ :‬ردد فاعلم‪ ،‬لنه إنما يعتل من هذا ما كان‬
‫فعل‪ ،‬أو على مثاله‪.‬‬
‫هذه ذوات الثلثة‪ .‬فإن زدت على الثلثة شيئا فالتقى فيه‬
‫حرفان على اللفظ ل تريد بهما اللحاق لم يكن إل مدغما‪،‬‬
‫اسما كان أو فعل‪.‬‬
‫وذلك قولك فيما كان فعل إذا كان على أ َفَْعل من‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫جد ّ في أمره‪.‬‬
‫د‪ ،‬وأ َ‬
‫د‪ ،‬وأعَ ّ‬
‫م ّ‬
‫المضعف‪ :‬أ َ‬
‫وكذلك إن كان اسما ؛ نحو رجل ألد‪ ،‬ورجل أغر‪ ،‬وهذا أبّر‬
‫من هذا‪ ،‬وكان الصل أبرر فأسكنت موضع العين‪ ،‬وألقيت‬
‫حركته على ما قبله‪ ،‬لن الذي قبله كان ساكنا‪ ،‬فلما‬

‫‪109‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ولت حركته‪ ،‬لئل يلتقي ساكنان‪ ،‬كما فعلت في‬
‫أسكنته ح ّ‬
‫الفعل المضاعف‪ ،‬وذوات الواو والياء في قولك‪ :‬أقام‪،‬‬
‫وأراد‪ ،‬وقد مضى تفسير هذا‪.‬‬
‫وما كان منه على َفاعَ َ‬
‫ل فكذلك ؛ نحو قولك‪ :‬عاد عبد الله‬
‫زيدا‪ ،‬وساره‪ ،‬وماد يافتى ؛ أل ترى أنك إذا عنيت به نفسك‬
‫ظهر التضعيف والوزن‪ ،‬فقلت‪ :‬عاددت زيدا‪ ،‬وماددته ؛ كما‬
‫كنت تقول فيما كان على أفَْعل‪ :‬أعددت ‪ -‬؛ وأصممت‬
‫زيدا‪ ،‬وأجررته رسنه‪.‬‬
‫فأما ما كان من هذا على فَعّ َ‬
‫ل فإنه ل تغيير فيه‪ .‬وذلك‬
‫قولك‪ :‬ردد عبد الله زيدا‪ ،‬وبدد معيزه‪ ،‬وذاك لنهم لو ألقوا‬
‫الحركة على ما قبلها‪ ،‬لم يخرجهم ذلك من إدغام واحد‬
‫وتضعيف آخر‪ ،‬فلما كانت العلة واحدة امتنع تحريك العين‬
‫التي ل تقع في الكلم قط إل ساكنة‪.‬‬
‫ل أدغمت‪ ،‬وكذلك افْت َعَ َ‬
‫وإن أردت بناء ان َْفعَ َ‬
‫ل ؛ نحو قولك‪:‬‬
‫د‪ ،‬وما كان مثلهما‪.‬‬
‫د‪ ،‬وارت ّ‬
‫اقن ّ‬
‫وكل ما كان من هذه الفعال فأسماؤها مدغمة مثلها ؛‬
‫د‪.‬‬
‫د‪ ،‬ومرت ّ‬
‫نحو قولك‪ :‬منق ّ‬
‫د‪ ،‬ومواّد‪ ،‬ومغاّر‪.‬‬
‫د‪ ،‬وما ّ‬
‫وكذلك را ّ‬
‫فإن قال قائل‪ :‬فهل ّ ألقوا على اللف حركة ما بعدها إذا‬
‫س ّ‬
‫عوض من‬
‫دة‪ ،‬فما فيها ِ‬
‫كنوه ? قيل‪ :‬؛ لن اللف م ّ‬
‫الحركة على ما تقدم به قولنا من احتمالها‪ ،‬واحتمال ما‬
‫كان مثلها الساكن المدغم ؛ لما فيها من المدة‪ ،‬وفيما‬
‫بعدها من العتماد‪ .‬ولو ألقيت عليها حركة لزمك أن تهمز‪،‬‬
‫لن اللف متى تحركت صارت همزة‪.‬‬
‫د‪،‬‬
‫ستْفَعل‪ :‬اسَترّد‪ ،‬واستع ّ‬
‫وتقول فيما كان من هذا على ا ْ‬
‫ضح لما‬
‫ومستعد ّ ؛ وفيما ذكرنا من هذه الفعال دليل مو ّ‬
‫لم نذكره ‪.‬‬
‫وما كان من الربعة فصاعدا على غير مثال الفعل‬
‫ق‪.‬‬
‫مد ُ ّ‬
‫فمدغم‪ ،‬إل ّ أن يكون ملحقًا‪ .‬وذلك نحو‪ُ :‬‬
‫معَد ّ فليس بمسكن من شيٍء‪ ،‬وإنما هو فََعل‬
‫ف أما مثل َ‬
‫في الصل‪ ،‬ويدلك على أن الميم أصل قولهم‪ :‬تمعددوا‪.‬‬
‫ي‪ ،‬وهَي َّبة‪ ،‬وال َ‬
‫شّرّبة‪.‬‬
‫وفي وزن معد ّ هَب َ ّ‬

‫‪110‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ولو كان فَعَْلل لم يجز فيه الدغام‪ ،‬لنه ملحق بجعفر وما‬
‫أشبهه‪.‬‬
‫دد‪ ،‬ونحوهما ‪.‬‬
‫مه ْ َ‬
‫ولذلك لم يدغم قَْرَدد‪ ،‬و َ‬
‫ن فُعُ ّ‬
‫فََفعَ ّ‬
‫ل‪،‬‬
‫ن ومن قعدد‪ ،‬إنما ُ‬
‫ل من فَعَْلل بمنزلة ُ‬
‫جب ُ ّ‬
‫جب ُ ّ‬
‫ل‬
‫جل ْ ُ‬
‫ولو كان فُعُْلل لم يدغم‪ ،‬لنه ملحق ب ُ‬
‫ج ٍ‬
‫مّر‪ ،‬إنما هو فِعِ ّ‬
‫ل في الصل‪ ،‬لنه لو كان فِعِْلل‬
‫وكذلك ط ِ ِ‬
‫خم‪.‬‬
‫م ِ‬
‫دد‪ ،‬لنه ملحق ب ِ ِ‬
‫م ِ‬
‫خ ْ‬
‫لم يدغم‪ ،‬نحو قولك‪ :‬رِ ْ‬
‫وكذلك الفعال ما كان منها ملحقا لم يدغم‪ ،‬نحو قولك‪:‬‬
‫س‪ ،‬لنه‬
‫ب يُ َ‬
‫جل ْب َ َ‬
‫َ‬
‫جْلبب‪ ،‬لنه ملحق بدحرج‪ .‬وكذلك اقْعَن ْ َ‬
‫س َ‬
‫م‪.‬‬
‫حَرن ْ َ‬
‫ملحق ‪ -‬بقولك‪ :‬ا ْ‬
‫ج َ‬
‫فالملحق يبلغ به الذي هو ملحق به‪.‬‬
‫وما كان على غير ذلك فقد أوضحته لك في الثلثة‪ ،‬وما‬
‫فوقها في العدة‪.‬‬
‫هذا باب الدغام في المثلين في النفصال إعلم أنه إذا‬
‫التقى حرفان من كلمتين وقبل الول منهما حرف‬
‫متحرك‪ ،‬فإن الدغام وتركه جائزان‪.‬‬
‫فإن أردت الدغام أسكنت الول‪ ،‬وإنما تفعل ذلك‬
‫ة واحدة‪ .‬كلما كثرت‬
‫استخفاف‪ ،‬لترفع لسانك رفع ً‬
‫الحركات في الكلمتين ازداد الدغام حسنا‪ .‬وذلك قولك‪:‬‬
‫جعلك وإن شئت قلت‪ :‬جعل لك‪ .‬وإنما كان ترك الدغام‬
‫جائزا في المنفصلين‪ ،‬ولم يجز فيما سواهما مما ذكرت‬
‫لك‪ ،‬لن الكلمة الثانية ل تلزم الولى‪.‬‬
‫وإنما وجب في المّتصلين للزوم الحرفين‪ ،‬وكذلك تقول‪:‬‬
‫دين " هذا‬
‫قَدِ محمد‪ ،‬وق ِ‬
‫دم محمد و " أرأيت الذي يكذ ّّبا ل ّ‬
‫على ما وصفت لك‪.‬‬
‫هذا باب الدغام في المقاربة وما يجوز منه وما يمتنع‬
‫ونبدأ بحروف الحلق‪ .‬أما الهمزة‪ ،‬واللف فقد قلنا فيهما‪.‬‬
‫حميدا تريد‪:‬‬
‫جب َ ّ‬
‫وأما الهاء فتدغم في الحاء‪ ،‬نحو قولك‪ :‬ا ْ‬
‫اجبه حميدا ؛ لنهما متقاربتان وليس بينهما إل أن الحاء‬
‫من وسط الحلق‪ ،‬والهاء من أوله‪ ،‬وهما مهموستان‬
‫رخوتان‪.‬‬
‫ول تدغم الحاء في الهاء ؛ لن الحاء اقرب إلى اللسان‪،‬‬

‫‪111‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ولن حروف الحلق ليست بأصل للدغام‪ ،‬لبعدها من‬
‫مخرج الحروف وقلتها‪ ،‬ولكن إن شئت قلبت الهاء حاء إذا‬
‫كانت بعد الحاء وأدغمت‪ ،‬ليكون الدغام فيما قرب من‬
‫َ‬
‫حي َْثما تريد‪ :‬أصلح هيثما‪ ،‬ف أما أن‬
‫صل ِ ّ‬
‫الفم‪ .‬وذلك قولك‪ :‬أ ْ‬
‫تدعها من غير أن تقبلها فل‪.‬‬
‫وكذلك العين ل تدغم في الهاء‪ ،‬ول تدغم الهاء فيها‪.‬‬
‫فأما ترك إدغامها في الهاء‪ ،‬فلقرب العين من الفم‪.‬‬
‫وأما ترك إدغام الهاء فيها ؛ فلمخالفتها إياها في الهمس‬
‫والرخاوة‪.‬‬
‫وقد تقدم قولنا في ذلك‪.‬‬
‫فإن قلبت العين حاء لقرب العين من الحاء جاز الدغام‪.‬‬
‫حم تريد‪ :‬معهم وهي كثيرة في كلم بني‬
‫وذلك قولك‪ :‬م ّ‬
‫تميم‪.‬‬
‫وكذلك العين والحاء إذا أدغمت واحدة منهما في الخرى‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ح‬
‫حا ِ‬
‫صل ِ ْ‬
‫صل ِ ّ‬
‫مرا تريد‪ :‬أ ْ‬
‫فقلبت العين حاء جاز‪ .‬تقول‪ :‬أ ْ‬
‫عامرا‪.‬‬
‫حاِتما‪ .‬تريد‪ :‬ادفع حاتما‪ .‬أدغمت العين في‬
‫وكذلك‪ :‬اد ْفَ ّ‬
‫الحاء‪ ،‬وهذا حسن‪.‬‬
‫فأما قلب العين إلى الحاء إذا كانت بعدها فهو جائز‪،‬‬
‫وليس في حسن هذا‪ ،‬لن حق الدغام أن يدغم الول في‬
‫الثاني‪ ،‬ويحول على لفظه‪.‬‬
‫والمخرج الثالث من الحلق مخرج الغين والخاء‪ .‬وإدغام‬
‫كل واحدة منهما في أختها جيد‪ ،‬وإدغام العين والحاء‬
‫فيهما يجوز في قول بعض الناس‪ .‬ولم يذكر ذلك سيبويه‪،‬‬
‫ف جائز في القياس‪ ،‬لن‬
‫ولكنه مستقيم في اللغة‪ ،‬معرو ٌ‬
‫الغين والخاء أدنى حروف الحلق إلى الفم‪.‬‬
‫فإذا كانت الهاء تدغم في الحاء‪ ،‬والهاء من المخرج الول‬
‫من الحلق‪ ،‬والحاء من الثاني‪ ،‬وليس حروف الحلق بأصل‬
‫للدغام‪ ،‬فالمخرج الثالث أحرى أن يدغم فيما كان معه‬
‫في الحلق‪ ،‬وهو متصل بحروف الفم‪ ،‬كما تدغم الباء في‬
‫الفاء‪ ،‬والباء من الشفة محضة‪ ،‬والفاء من الشفة السفلى‬
‫وأطراف الثنايا العليا‪.‬‬

‫‪112‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫تقول‪ :‬اذهّفى ذلك‪ .‬تريد‪ :‬اذهب في ذلك‪ ،‬واضر فَّرجا‬
‫تريد‪ :‬اضرب فََرجا‪ ،‬لقرب الفاء من حروف الفم‪.‬‬
‫دح َ‬
‫مد َ ّ‬
‫خَلفا‪ .‬تريد‪:‬‬
‫غالبا‪ ،‬وامد َ ّ‬
‫غاِلبا‪ .‬تريد‪ :‬ام َ‬
‫فكذلك تقول‪ :‬ا ْ‬
‫امدح خَلفا‪.‬‬
‫مّغاِلبا‪،‬‬
‫خَلفا‪ .‬تريد‪ :‬اسمع َ‬
‫م ّ‬
‫خَلفا‪ ،‬وا ْ‬
‫وكذلك العين نحو ا ْ‬
‫س َ‬
‫س َ‬
‫مع َ‬
‫غالبًا‪.‬‬
‫تريد‪ :‬اس َ‬
‫وسيبويه يأبى هذا التراخى بينهما‪ ،‬وأن الغين والخاء أقرب‬
‫إلى الفم في المخرج منهما إليه‪.‬‬
‫وأما ما ل اختلف فيه فإنك تدغم الغين في الخاء‪،‬‬
‫لشتراكهما في الرخاوة‪ ،‬وأنه ليس بينهما إل الهمس‬
‫خلفا‪ ،‬وهو‬
‫والجهر‪ ،‬فتقول في قولك‪ :‬اصبغ خلفا‪ :‬اصب ّ‬
‫أحسن من البيان ‪.‬‬
‫دمغْ خالدا‪ ،‬والبيان جائز حسن‪.‬‬
‫م ّ‬
‫خالدا تريد‪ :‬ا ْ‬
‫وكذلك اد َ‬
‫مك‪ .‬تريد‪ :‬اسلخ‬
‫وتدغم الخاء في الغين فنقول‪ :‬اسل َغّن َ َ‬
‫غنمك‪ .‬والبيان أحسن‪ ،‬لن الغين مهجورة‪ ،‬والتقاء‬
‫ف من التقاء المجهورين‪ ،‬وك ّ‬
‫ل جائز حسن‪.‬‬
‫المهموسين أخ ّ‬
‫ويحتج سيبويه بأنه قد يجوز لك أن تخفى النون معهما‪،‬‬
‫من ُْغل‪،‬‬
‫كما تفعل بها مع حروف الفم‪ .‬وذلك قولك‪ُ :‬‬
‫خل‪ ،‬لنهما إن قربتا من الفم فأصلهما الحلق‪.‬‬
‫من ْ ُ‬
‫و ُ‬
‫نذكر حروف الفم‪ .‬وهي حيز على حدة‪.‬‬
‫تدغم القاف في الكاف‪ .‬والقاف أدنى حروف الفم إلى‬
‫الحلق‪ ،‬والكاف تليها‪ .‬وذلك قولك‪ :‬الح ّ‬
‫كلدة‪ ،‬تريد‪ :‬الحق‬
‫كلدة‪ ،‬فتدغم لقرب المخرجين‪ .‬والدغام أحسن‪ ،‬لن‬
‫الكاف أدنى إلى سائر حروف الفم من القاف‪ ،‬وهي‬
‫مهموسة‪ ،‬والبيان حسن‪.‬‬
‫وتدغم الكاف فيها‪ .‬والبيان أحسن‪ ،‬لن القاف أدنى إلى‬
‫حروف الحلق‪ .‬وهو قولك ان ْهَّقطنا‪ ،‬تريد‪ :‬انهك قطنا‪.‬‬
‫والدغام حسن‪.‬‬
‫ثم نذكر الشين‪ ،‬وأختيها‪ :‬الجيم والياء‪.‬‬
‫اعلم أن الياء ل تدغم في الجيم ول في الشين‪ ،‬لنها‬
‫حرف لين‪ ،‬وحروف اللين تمتنع من الدغام لعلل‪ .‬منها‪.‬‬
‫أن اللف التي هي أمكن حروف اللين ل تدغم في شيٍء‪،‬‬

‫‪113‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ول يدغم فيها شيء‪ :‬لنها ل تكون إل ساكنة‪ ،‬وفي الياء‬
‫والواو الشبه بها‪ ،‬فيجب أن تمتنعا كامتناعها‪.‬‬
‫وبعد هذا‪ ،‬فإن حروف المد واللين ل يلئمها في القوافي‬
‫غيرها‪ ،‬أل ترى أنك تقول‪ :‬عمرو‪ ،‬وبكر وما أشبه ذلك في‬
‫القوافي‪ ،‬فتعادل الحروف بعضها بعضا‪.‬‬
‫ولو وقعت واو أو ياء بحذاء حرف من هذه الحروف نحو‪:‬‬
‫خْير‪ ،‬مع بكر ونصر لم يجز‪.‬‬
‫ور أو َ‬
‫َ‬
‫ج ْ‬
‫وكذلك تكون القافية على سعيد‪ ،‬وقعود‪ ،‬ولو وقع مكان‬
‫الياء والواو غيرهما لم يصلح‪.‬‬
‫فهذه علل لزمة‪.‬‬
‫داولينًا‪ ،‬فلو أدغمت الياء في‬
‫ومنها أن في الياء والواو م ّ‬
‫الشين أو الجيم‪ ،‬أو أدغمت الواو في الباء والميم‪ ،‬لذهب‬
‫ما كان فيهما من المد واللين‪.‬‬
‫وهي حروف بائنة من جميع الحروف‪ ،‬لنها ل يمد صوت‬
‫إل بها‪ ،‬والعراب منها‪ ،‬وتحذف ل لتقاء الساكنين في‬
‫المواضع التي تحرك فيها غيرها‪ ،‬نحو قولك‪ :‬هذا الغلم‪،‬‬
‫وأنت تغزو القوم‪ ،‬وترمى الغلم‪ .‬ولو كان غيرها من‬
‫السواكن لحّرك للتقاء الساكنين‪ ،‬نحو اضرب الغلم‪ ،‬وقل‬
‫الحق‪.‬‬
‫ول تدغم الشين ول الجيم فيها‪ ،‬لئل يدخل في حروف المد‬
‫ما ليس يمد‪ ،‬فالياء بائنة منهما للمد واللين الذي فيها‪،‬‬
‫فهي منهما بمنزلة حرف بعيد المخرج من مخرجهما‪ ،‬وإن‬
‫كانت من ذلك الموضع‪ ،‬كما أنها والواو بمنزلة ما تدانت‬
‫مخارجه وإن كانت بعيدة المخرج منها‪ .‬وذلك لما يجمعهما‬
‫من المد‪ ،‬واللين‪ ،‬والكثرة في الكلم‪ ،‬لنه ليس كلمة تخلو‬
‫ن‪.‬‬
‫ن حركاته ّ‬
‫منهما‪ ،‬ومن اللف‪ ،‬أو من بعضهن‪ ،‬وبعضه ّ‬
‫ن في‬
‫فحروف المد حي ٌّز على حدة‪ ،‬ال ترى أنك تذكره ّ‬
‫مواضع الحركات فيدللن من العراب ‪ -‬على ما تدل عليه‬
‫الحركات‪ ،‬نحو‪ :‬مسلمين‪ ،‬ومسلمون‪ ،‬ورجلين‪ ،‬ورجلن‪.‬‬
‫وكذلك‪ ،‬أخوك‪ ،‬وأخاك‪ ،‬وأخيك‪.‬‬
‫ن من بعض‪ ،‬وليس هكذا شيٌء من الحروف‪.‬‬
‫ويبدل بعضه ّ‬
‫تقول‪ :‬ميزان‪ ،‬وميعاد فتقلب الواو ياء‪ ،‬وتقول‪ :‬موسر‪،‬‬

‫‪114‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وموقن‪ ،‬فتقلب الياء واوا‪.‬‬
‫ورمى وغزا‪ ،‬إنما هي واو غزوت وياء رميت وكذلك ما‬
‫أشبه هذا‪.‬‬
‫والجيم تدغم في الشين لقرب المخرجين وذلك قولك‪:‬‬
‫أخرِ ّ‬
‫شبثا‪ ،‬تريد‪ :‬اخرج شبثا‪ .‬والدغام حسن‪ ،‬والبيان حسن‪.‬‬
‫ول تدغم الشين في الجيم البتة‪ ،‬لن الشين من حروف‬
‫التفشي‪ ،‬فلها استطالة من مخرجها‪ ،‬حتى تتصل بمخرج‬
‫الطاء‪ ،‬والدغام ل يبخس الحروف ول ينقصها‪.‬‬
‫افرش جبلة‪ ،‬تظهر وتخفى ول تدغم‪ ،‬والخفاء في وزن‬
‫المتحرك‪ ،‬أل أنه خفض صوت‪.‬‬
‫وإنما يحكمها المشافهة‪ ،‬نحو قولك‪ :‬أراك متعّقفا‪ ،‬إنما هو‬
‫كالختلس‪ :‬فهذه حالة الشين مع الجيم‪ .‬ولها أخوات نصل‬
‫ن‪ ،‬ول يدغمن في شيء‬
‫ن ما جاوره ّ‬
‫ذكرها بها‪ ،‬يدغم فيه ّ‬
‫من تلك الحروف‪ ،‬منها الضاد‪ ،‬والميم‪ ،‬والفاء‪ ،‬والراء‪.‬‬
‫تدغم الطاء وأختاها في الضاد‪ ،‬ول تدغم الضاد في شيٍء‬
‫منها‪ ،‬لنحرافها‪.‬‬
‫والباء والنون تدغمان في الميم‪ ،‬ول تدغم الميم في‬
‫واحدة منهما‪.‬‬
‫وتدغم الباء في الفاء‪ ،‬ول تدغم الفاء فيها‪.‬‬
‫وتدغم اللم‪ ،‬والنون في الراء‪ ،‬ول تدغم الراء في واحدة‬
‫منهما‪ ،‬لن فيها تكرارا‪.‬‬
‫فيذهب ذلك التكرير‪.‬‬
‫أل ترى أنك تقول في الوقف‪ :‬هذا عمرو‪ ،‬فينبو اللسان‬
‫نبوة ً ثم يعود إلى موضعه وإذا تفطنت لذلك وجدته بينا‪،‬‬
‫وإذا صرنا إلى موضع هذه الحروف ذكرنا العلة في ذلك‬
‫إن شاء الله‪.‬‬
‫ثم نذكر الحرف المنحرف‪ ،‬وهو أكثر في الكلم من غيره‪،‬‬
‫وله اتصال بأكثر الحروف وهو اللم‪.‬‬
‫ومخرجه من حرف اللسان متصل بما يحاذيه منت‬
‫الضحاك والثنايا والرباعيات‪.‬‬
‫وهو يدغم إذا كان للمعرفة في ثلثة عشر حرفا‪ ،‬ليجوز‬

‫‪115‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫في اللم معهن إل الدغام‪ .‬فمنها أحد عشر حرفا تجاور‬
‫اللم‪ ،‬وحرفان يتصلن بها‪.‬‬
‫وإنما كان ذلك لزما في لم المعرفة ؛ لعّلتين‪ :‬إحداهما‬
‫كثرة لم المعرفة‪ ،‬وأنه ل يعرى منكور منها إذا أردت‬
‫تعريفه‪ ،‬والخرى‪ :‬أن هذه اللم لزم لها السكون‪ ،‬فليست‬
‫بمنزلة ما يتحرك في بعض المواضع‪.‬‬
‫فإن كانت اللم غير لم المعرفة جاز إدغامها في جميع‬
‫ذلك‪ ،‬وكان في بعض أحسن منه في بعض‪ .‬ونحن ذاكروها‬
‫مستقصاة إن شاء الله‪.‬‬
‫فهذ الحروف منها أحد عشر حرفا مجاورة لللم وهي‪:‬‬
‫الراء‪ ،‬والنون‪ ،‬والطاء‪ ،‬وأختاها‪ :‬الدال‪ ،‬والتاء‪ ،‬والظاء‪،‬‬
‫وأختاها‪ :‬الذال‪ ،‬والثاء‪ ،‬والزاي‪ ،‬وأختاها‪ :‬الصاد‪ ،‬والسين‪.‬‬
‫والحرفان اللذان يبعدان من مخرجها ويتصلن بها في‬
‫التف ّ‬
‫شي الذي فيهما‪ :‬الشين‪ ،‬والضاد‪.‬‬
‫فأما الشين فتخرج من وسط اللسان من مخرج الميم‪،‬‬
‫والياء‪ ،‬ثم تتفشى حتى تتصل بمخرج الللم‪.‬‬
‫فلم المعرفة مدغمة في هذه الحروف ل يجوز إل ذلك‪،‬‬
‫لكثرتها ولزومها‪ ،‬نحو‪ :‬التمر‪ ،‬والرسول‪ ،‬والطرفاء‪،‬‬
‫والنمر‪ .‬فكل هذه الحروف في هذا سواء‪.‬‬
‫فإن كان الم لغير المعرفة جاز الدغام والظهار‪ ،‬والدغام‬
‫في بعض أحسن منه في بعض‪.‬‬
‫إذا قلت‪ :‬هل رأيت زيدا وجعل راشدا‪ ،‬جاز أن تس ّ‬
‫كن‬
‫فتقول‪ :‬جعّراشد‪ ،‬كما تسكن في المثلين‪ .‬والدغام ههنا‬
‫أحسن إذا كان الول ساكنا‪.‬‬
‫فإن كان منتحركا اعتدل البيان والدغام‪.‬‬
‫فإن قلت‪ :‬هل طرقك ?‪ ،‬أو هل دفعك ? أو هل تم لك ?‬
‫فالدغام حسن‪ ،‬والبان حسن‪.‬‬
‫وهو عندى أحسن‪ ،‬لتنراخي المخرجين‪.‬‬
‫وب الكّفار "‪.‬‬
‫وقرأ أبو عمرو " بتؤثرون " فأدغم وقرأ " هث ّ ّ‬
‫والدغام في الضاد‪ ،‬والشين أبعد‪ ،‬لما ذكرت لك من‬
‫تراخي مخارجهما‪ ،‬وهو جائز‪.‬‬
‫وهو في النون قبيح‪ ،‬نحو‪ :‬هّنرى‪ ،‬هّنحن‪ ،‬إذا أردت‪ :‬هل‬

‫‪116‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫نرى‪ ،‬وهل نحن‪ .‬وذلك لن النمون تدغم‪ :‬في خمسة‬
‫أحرف ليس منهن شيء يدغم فيها‪ ،‬واللم أحد تلك‬
‫الحروف‪.‬‬
‫فاستوحشوا من إدغامها فيها‪ ،‬إذ كانت النون ل يدغم فيها‬
‫غيرها‪ .‬وهو جائز على قبحه وإنما جاز‪ ،‬لقرب المخرجين‪.‬‬
‫فإن كانت الحروف غير هذه فتباعدت من مخرجها لم يجز‬
‫الدغام‪ ،‬نحو قولك‪ :‬الكرم‪ .‬القوم‪ .‬العين‪ .‬الهادى‪.‬‬
‫وكذلك حروف الشفة‪ ،‬وما اتصل بها‪ ،‬نحو‪ :‬الفرج‪ ،‬والمثل‪،‬‬
‫والبأس‪ ،‬والوعد‪ ،‬فهذا سبيل اللم‪.‬‬
‫وأما النون فإن لها مخرجين كما وصفت لك‪ :‬مخرج‬
‫الساكنة من الخياشيم محضا‪ .‬ل يشركها في ذلك الموضع‬
‫شيء بكماله‪.‬‬
‫ولكن النون المتحركة ومخرجها مما يلي مخرج الراء‬
‫واللم‪.‬‬
‫والميم مخرجها من الشفة تتناولن الخياشيم بما فيها من‬
‫الغنة‪.‬‬
‫وللنونات أحكام نذكرها‪ ،‬ثم نعود إلى سائر الحروف‪.‬‬
‫اعلم أن النون إذا وليها حرف من حروف الفم فإن‬
‫مخرجها معه من الخياشيم ل يصلح غير ذلك‪.‬‬
‫وذلك لنهم كرهوا أن يجاوروا بها مال يمكن أن يدغم معه‬
‫إذا وجدوا عن ذلك مندوحة‪ .‬وكان العلم بها أنها نون‬
‫كالعلم بها وهي من الفم‪ .‬وذلك قولك‪ :‬من قال‪ ،‬ومن جاء‬
‫? ول تقول‪ :‬من قال‪ ،‬ومن جاء ? فتبين‪ ،‬وكذلك من‬
‫سليمان ? " وي ٌ‬
‫ل يومئذ ٍ للمكذبين " ول تقول‪ :‬من سليمان‬
‫? ول " وي ٌ‬
‫ل يومئذٍ للمكذبين " فتبين‪.‬‬
‫فإن كان معها حرف من حروف الحلق أمن عليها القلب‪،‬‬
‫فكان مخرجها من الفم ل من الخياشيم لتباعد ما بينهما‪،‬‬
‫وذلك قولك‪ :‬من هو ? فتظهر مع الهاء وكذلك من‬
‫ي?‬
‫حاتم ?‪ ،‬ول تقول‪ :‬من حاتم ? فتخفى‪ ،‬وكذلك من عل ّ‬
‫وأجود القراءتين " أل يعلم من خلق " فتبين‪.‬‬
‫وإنما قلت‪ :‬أجود القراءتين‪ ،‬لن قوما يجيزون إخفاءها مع‬
‫الخاء والغين خاصة ؛ لنهما أقرب حروف الحلق إلى الفم‬

‫‪117‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫فيقولون‪ :‬منخل‪ ،‬ومنغل‪ .‬وهذا عندي ل يجوز‪.‬‬
‫ول يكون أبدا مع حروف الحلق إل الظهار‪.‬‬
‫فأما حجة سيبويه في أنها تخرج مع حروف الفم إلى‬
‫الخياشيم فإنما ذلك عنده لنها إن أدغمت مع ما تخفى‬
‫معه لم يستنكر ذلك‪ ،‬ول يصلح الدغام لتباعد المخارج‪.‬‬
‫فلما وجدوا عن ذلك مندوحة صاروا إليها‪.‬‬
‫وأنأ أرى تقويةٍ لهذا القول أن امتناعهم من تبيينها مع‬
‫حروف تتفرق في الفم‪ ،‬ويتباعد بعضها من بعض فكرهوا‬
‫أن يبينوها في حيز ما يدغم في نظيره‪.‬‬
‫أل ترى أنها تدغم في الميم في قولك‪ :‬ممثلك ?‪.‬‬
‫وتقلب مع الباء ميما إذا كانت ساكنة‪ ،‬وذلك عمبٌر‪،‬‬
‫وشمباء‪ ،‬وممبر‪ ،‬فهي في كل هذا ميم في اللفظ‪.‬‬
‫وتدغم في اللم والراء‪ ،‬نحو‪ :‬من رأيت ? ومن لك ? فهذا‬
‫مخرج آخر‪.‬‬
‫وتدغم في الواو‪ ،‬نحو من وّلى إذا قلت‪ :‬مولى‪ .‬فهذا‬
‫مخرج الميم والباء‪.‬‬
‫وتدغم في الياء‪ ،‬نحو‪ :‬من يريد ? ومن يقوم ?‬
‫فلما كانت تدغم في حروف بأعيانها من جميع المخارج‬
‫استنكر إظهارها مع ما جاور هذه الحروف وسنذكر بعقب‬
‫هذا من أين جاز إدغامها في هذ الحروف على تباعد‬
‫بعضها من بعض إن شاء الله ? أما إدغامها في اللم‬
‫والراء‪ ،‬فلن مخرجها بينهما‪ .‬تقول‪ :‬أشهد أن محمدا‬
‫رسول الله‪ ،‬وأحسّرأيك تريد‪ :‬أحسن رأيك‪ ،‬ومحمد لك‪.‬‬
‫وإدغامها فيهما على وجهين بغنة‪ ،‬وبغير غنة‪ .‬وإظهار الغنة‬
‫أحسن ؛ لئل تبطل‪ .‬وإن شئت أذهبت الغنة‪ ،‬كما تخلص ما‬
‫تدغمه في لفظ الحجرف الذي يدغم فيه‪.‬‬
‫وأما إدغامها في الميم وإن خرجت من الشفة فهي‬
‫تجاورها‪ ،‬لما في الميم من الغنة‪ ،‬وتشاركها في الخياشيم‪،‬‬
‫والنون تسمع كالميم‪ ،‬وكذلك الميم كالنون ‪ ،‬وتقعان في‬
‫القوافي المكفأة‪ ،‬فتكون إحدى القافيتين نونا‪ ،‬والخرى‬
‫ميما‪ ،‬فل يكون عيبا‪ ،‬كما قال‪:‬‬
‫المنطق اللين‬
‫ن البّر شيء‬
‫بني إ ّ‬

‫‪118‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫والطعيم‬

‫ن‬
‫هي ّ ٌ‬
‫وقال آخر‪:‬‬
‫بازل عملين حديث‬
‫ما تنقم الحرب‬
‫ن‬
‫العوان مني‬
‫سـ ّ‬
‫لمثل هذا ولدتني‬
‫أمـي‬
‫وقال الخر‪:‬‬
‫بين ال ّ‬
‫ن‬
‫يطعنها بخنجرٍ من‬
‫ذنابى في مكا ٍ‬
‫سخن‬
‫لـحـم‬
‫ول يصلح مثل هذا إل في حروف متقاربة المخارج‪ :‬لن‬
‫القوافي نسق واحد‪ ،‬فالمتقارب يلحق ما كان من لفظه و‬
‫وذلك قوله‪.‬‬
‫إني كبيٌر ل أطيق‬
‫إذا ركبت فاجعلني‬
‫العندا‬
‫وسطا‬
‫ول تدغم الميم فيها‪ ،‬لن الميم تنفرد بالشفة‪ ،‬وإنما‬
‫تشرب غنة من الخياشيم‪ ،‬فالميم داخلة عليها‪ ،‬وهي بائنة‬
‫من الميم‪.‬‬
‫والراء ل تدغم فيها ول شيء مما تدغم فيه يدغم فيها إل‬
‫اللم وذلك قبيح وقد ذكرته لك وأما قلبها ميما مع الباء‪،‬‬
‫فلن الكلم ل يقع في شيٍء منه ميم ساكنة قبل الباء‪،‬‬
‫فأمنوا اللبتاس وقلبوها ميما‪ ،‬لشبهها الميم في الغنة ؛‬
‫ليكون العمل من وجه واحد في تقريب الحرف إلى الباء‪.‬‬
‫وأما إدغامها في الواو فلعلل غير واحدة‪ :‬منها مضارعة‬
‫النون للياء والواو‪ ،‬لنها تزاد في موضع زيادتهما‪ ،‬فتزاد‬
‫ة ورابعة‪.‬‬
‫ثانية‪ ،‬وثالث ً‬
‫ة فنحو‪ :‬عنسل‪ ،‬وعنبس‪ ،‬لنه من العسول‪،‬‬
‫فأما زيادتها ثاني ً‬
‫والعبوس‪ ،‬وجندب‪ ،‬وعنظب وجميع ما كان على هذا‬
‫الوزن‪ ،‬وهذا موضع زيادة حروف اللين‪ ،‬نحو‪ :‬كوثر‪،‬‬
‫وبيطر‪ ،‬وتابل‪ ،‬وضارب‪ ،‬وما أشبه ذلك وتزاد ثالثة في‬
‫حبن ً‬
‫حنَفل‪ ،‬وهو موضع زيادة اللف في قائل‪،‬‬
‫ج َ‬
‫طى‪ ،‬و َ‬
‫عَثير‪،‬‬
‫وحبارى‪ ،‬والواو في جدول‪ ،‬وعجوز‪ ،‬والياء في ِ‬
‫وقضيب‪.‬‬

‫‪119‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وكذلك تزاد النون رابعة في َرع َ‬
‫ضيَفن‪ ،‬بحذاء الواو‬
‫شن‪ ،‬و َ‬
‫والياء واللف في مثل قولك‪ :‬سلقيت‪ ،‬وحبلى‪ ،‬وترقوة‬
‫وعرقوة‪ ،‬وذها اكثر من أن يحصى‪.‬‬
‫وتكون النون علمة إعراب في مثل قولك يفعلن‪.‬‬
‫والتنوين الذي يدخل السماء‪ ،‬والنون الثقيلة والخفيفة في‬
‫الفعال‪ ،‬وتبدل من اللف‪ ،‬وتبدل اللف منها‪ ،‬تقول‪ :‬رأيت‬
‫زيدا يا فتى فإذا وقفت قلت‪ :‬رأيت زيدا‪.‬‬
‫وأما بدلها من اللف فقولك في بهراء‪ :‬بهراني‪ ،‬وفي‬
‫صنعاء‪ :‬صنعاني‪.‬‬
‫وكذلك فَْعلن الي له فَْعلى إنما نونه بدل من اللف التي‬
‫هي آخر حمراء‪ ،‬وقد مضى تفسير هذا في الكتاب‪.‬‬
‫فهي تصرف معها في الزيادات والعلمات‪ .‬وقد أدغمت‬
‫فيما جاورها في المخرج‪ ،‬فأشبهنها ‪ -‬لفظا ً ومعنى‪.‬‬
‫وكذلك الياء في باب الزيادات والشبه‪.‬‬
‫ومع ذلك فإن النون تدغم في الراء‪ ،‬والياء على طريق‬
‫الراء‪ ،‬وإن يعد مخرجها منها‪.‬‬
‫وكذلك اللم على طريقها‪ ،‬أل ترى أن اللثغ بالراء يجعلها‬
‫ياًء‪ .‬وكذلك اللثغ باللم‪ ،‬لن هذه الحروف بعضها يقع على‬
‫ض ينحرف عن ذلك السنن‪ ،‬فأدغمت في‬
‫سنن بعض‪ ،‬وبع ٌ‬
‫الياء لذلك‪.‬‬
‫فإذا كانت في كلمة واحدة مع ياٍء‪ ،‬أو واو‪ ،‬أو ميم ظهرت‪،‬‬
‫لئل يلتبس بالمضاعف من غيره ؛ نحو‪ :‬كنية‪ ،‬وزنماء‪،‬‬
‫قنواء‪.‬‬
‫وزعم سيبويه أن النون إنما أدغمت في الواو‪ ،‬لن الواو‬
‫من موضع تعتل فيه النون‪ ،‬لن الواو والميم من الشفة‪،‬‬
‫ولذلك تقلب النون الساكنة مع الباء ميما‪ ،‬لتعتل مع الباء‬
‫كما اعتلت مع ما هو من مخرجها‪ ،‬ولم تدغمهما فيها‪ ،‬لنها‬
‫ل تجانسها‪ ،‬ولن الياء ل يدغم فيها ما هو من مخرجها‪،‬‬
‫لتصرف الميم والواو‪ ،‬وذلك قولك‪ :‬العنبر والشنباء يافتى‪،‬‬
‫وممن أنت ? وأمن اللتباس‪ ،‬لنه ليس في الكلم ميم‬
‫ساكنة قبل باٍء‪.‬‬

‫‪120‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وأدغم النون في الياء لن الياء والواو عنده بمنزلة ما‬
‫تقاربت مخارجه‪.‬‬
‫أل ترى أنهما إذا التقتا والولى ساكنة لزم الدغام‪ :‬نحو‪:‬‬
‫سيد‪ ،‬وأيام‪ ،‬ولويت يده ليا‪ ،‬وشويته شيا‪ .‬وهذا يبين بعد‬
‫فراغنا من أمر النون إن شاء الله‪.‬‬
‫النون تدغم في خمس أحرف‪ :‬الراء‪ ،‬واللم‪ ،‬والياء والواو‪،‬‬
‫والميم‪ .‬وتقلب مع الباء كما وصفت لك‪.‬‬
‫وزعم سيبويه أنها مع ما تدغم فيه مخرجها من الفم‪ ،‬ل‬
‫من الخياشيم‪ ،‬لنها لو كانت تدغم في حروف الفم وهي‬
‫من الخياشيم مع تباعد ما بينهما لجاز أن يدغم البعد في‬
‫البعد‪.‬‬
‫وهذا نقض الباب‪ ،‬والخروج من المعقول‪.‬‬
‫والقول عندي كما قال في جميع هذه الحروف إل حروف‬
‫الشفة‪ ،‬فإن النون لو كانت من مخرج الراء واللم‪ ،‬لبعدت‬
‫من الميم‪ ،‬ولكن مخرجها مع الميم من الخياشيم‪ ،‬لن‬
‫الميم تخرج من الشفة‪ ،‬وتصير إلى الخياشيم للغنة التي‬
‫فيها‪ ،‬فدغم فيها الميم لتلك المجاورة‪ .‬فهذه قصة النون ‪.‬‬
‫واعلم أن الياء و الواو بمنزلة ما تدانت مخارجه‪ .‬وذلك‬
‫لنها مشتركتان في المد و اللين‪ ،‬وأنهما يخرجان جميعا‬
‫منهما إذا تحركتا‪ ،‬وكان قبل كل واحد منهما فتحة‪.‬‬
‫والواو تخرج من الشفة‪ ،‬ثم تهوى في الفم حتى تنقطع‬
‫عند مخرج اللف‪.‬‬
‫والياء تخرج من وسط اللسان من مخرج الشين والجيم‬
‫حتى تنقطع عند مخرج اللف‪ ،‬فهما متجاورتان ‪.‬‬
‫فإذا التقتا في كلمة و الولى منهما ساكنة أدغمت‬
‫إحداهما في الخرى‪.‬‬
‫فما كانت الولى واوا‪ ،‬والثانية ياًء هو نحو قولك‪ :‬لويت‬
‫يده لية‪ ،‬وشويته شيًا‪ .‬وأصله لوية‪ ،‬وشويا‪.‬‬
‫وإن كانت الثانية واوا قلبتها ياًء ثم أدغمت الياء فيها‪ ،‬لن‬
‫الواو تقلب إلى الياء‪ ،‬ول تقلب الياء إليها‪ ،‬لن الواو من‬
‫الشفة‪ ،‬وليست من مجمع الحروف‪ .‬وإنما الدغام نقل‬
‫الثقل إلى الخف‪ ،‬والياء من موضع الحروف‪ .‬وذلك‬

‫‪121‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫قولك‪ :‬أيام في جمع يوم‪ ،‬وإنما الصل أيوام ‪ ،‬ومثله سيد‪،‬‬
‫وميت‪ ،‬وأصلهما سيود‪ ،‬وميوت‪.‬‬
‫وكذلك قيام‪ ،‬وقيوم‪ ،‬وإنما هو فَي َْعال‪ ،‬وفَي ُْعول‪.‬‬
‫واعلم أن مثل سيد‪ ،‬وميت يجوز فيه التخفيف فتقول‪:‬‬
‫سيد‪ ،‬وميت‪ ،‬لنه اجتمع تثقيل الياء والكسرة‪ ،‬فحذفوا‬
‫لذلك‪ ،‬وقالوا‪ :‬ميت‪ ،‬وهين‪ ،‬ولين‪ .‬وقد فسرنا حال فَي ْعَُلول‬
‫من هذا فيما تقدم‪ ،‬نحو‪ :‬كينونة‪ ،‬وقيدود‪ .‬وذكرنا ما يكون‬
‫بدل من اللف أو غيرها‪ ،‬فل يجوز إدغامه‪ ،‬نحو‪ :‬سوير‪،‬‬
‫وقوول‪.‬‬
‫وزعم الخليل أن يوم كأنه من يمت‪ ،‬وكذا يجب أن يكون‬
‫لو كان فِْعل‪ ،‬لن ذوات الواو إذا كانت فَعَْلت فهي منقولة‬
‫إلى فَعُْلت‪ ،‬مثل القول والحول‪ ،‬ولكن اجتمع فيها حرفا‬
‫علة‪ ،‬وكان يجب أن يقعا في يْفَعل ضمة مع ياء وواو‪،‬‬
‫وتكون الضمة في الياء‪ .‬وهذا كله مطرح من الكلم‪.‬‬
‫فلذلك لم يكن منها فِْعل‪ ،‬كما لم يكن في ويل‪ ،‬وويح‪،‬‬
‫وويس‪ ،‬وويب ومعناها المصادر‪ ،‬لما يجتمع فيها من العلة‪.‬‬
‫ول يكون فِْعل في مثل آءة‪ ،‬لنها حروف كلها معتلة‪ ،‬لن‬
‫اللف من حروف العلة‪ .‬وكذلك الهمزتان ومثل ذلك أول‪،‬‬
‫لن الفاء والعين واوان‪ ،‬ومعناه أفَْعل‪ ،‬أل ترى أنك تقول‪:‬‬
‫هو أول منه‪ ،‬والول‪ ،‬والولى ‪.‬‬
‫َ‬
‫قهذه أشياء لها مواقع من الفعل‪ .‬وكان يجب في أفَْعل أن‬
‫يكون أصله الِفْعل كقولك‪ :‬هو أفضل من زيد‪ ،‬إنما معناه‬
‫يحسن فوق حسن زيد‪ .‬فكذلك كان يجب في أول‪ ،‬لول ما‬
‫ذكرت لك ‪.‬‬
‫َ‬
‫وقال الخليل‪ :‬لو قلت أفْعَْلت من اليوم على قول من‬
‫قال‪ :‬أجودت‪ ،‬وأطييت لقلت‪ :‬أيمت‪ ،‬وهذا ل اختلف فيه‪،‬‬
‫لنه كان أيومت‪ ،‬فلزمك الدغام‪ ،‬لسكون الياء كما قلت‪:‬‬
‫أيام‪ .‬وقد مضى تفسيرها ‪.‬‬
‫وكان يقول ‪ -‬وهو الذي يخالفه فيه كثير من النحويين ‪ :-‬لو‬
‫قلت‪ :‬أ َفْعِ َ‬
‫ل من اليوم لقلت‪ :‬أووم‪ ،‬فقبلت الياء واوا‪،‬‬
‫لنضمام ما قبلها‪ ،‬كما تقول‪ :‬أوقن من أيقنت‪ ،‬ول تدغم‪،‬‬
‫لن الولى حرف لين‪ ،‬لنها منقلبة كا نقلب واو سوير‪،‬‬

‫‪122‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وإن كانت أصلية‪ .‬أل ترى إلى قولك‪ :‬أوقن‪ ،‬وبوطر من‬
‫البيطرة‪ ،‬لنا لما قلبنا ذلك جرى مجرى الزائد ‪.‬‬
‫وكان يرى الملحق والصلي إذا كان منقلبا كجروف اللين‪،‬‬
‫ل يفصل بين بعض ذلك وبعض ‪.‬‬
‫ُ‬
‫والنحويون أجمعون على خلفه يقولون في أفْعِ َ‬
‫ل من‬
‫اليوم‪ :‬أيم‪ ،‬لن العين تلزم الفاء كلزوم العينين إحداهما‬
‫في الخرى في قول‪ ،‬وبيع‪ ،‬ويصرفون هذا على هذا ‪.‬‬
‫فأما ظلموا واقدا‪ ،‬فل يلزم الخليل ؛ لن الواو قبلها ضمة‪،‬‬
‫وهي بمنزلة اللف في ظلما ؛ لنها تحل من الجمع محل‬
‫اللف من التثنية فيضارع سوير من ساير‪.‬‬
‫فإن قال قائل‪ :‬فأنت تطرح عليها حركة الهمزة إذا‬
‫خففت‪ ،‬فتقول‪ :‬ظلموا أخاك‪ .‬فإن كان حرف لين فل‬
‫ولها في النبيء‪،‬‬
‫ول عليها الحركة ؛ كما ل تح ّ‬
‫ينبغي أن تح ّ‬
‫وخطيئة‪ ،‬وبريئة‪.‬‬
‫قيل‪ :‬هذا ل يلزم ؛ لنها حرف لين في اللفظ‪ ،‬ودخلت‬
‫لمعنى‪ ،‬فليست كما ل تدخل إل للمد ؛ نحو ياٍء فَِعيل‪ ،‬وواو‬
‫فَُعول‪.‬‬
‫أل ترى أن هذه إذا كانت قبلها فتحة حّركت للتقاء‬
‫الساكنين ؛ نحو‪ :‬اخشوا الرجل و " لتبلون في أموالكم "‪.‬‬
‫وكذلك الياء في قولك‪ :‬اخشى الرجل‪ .‬فهذا هكذا‪.‬‬
‫ولو قال رجل‪ :‬هو يغزوباه للزمه مثل هذا و الواو لم‬
‫الفعل‪.‬‬
‫وتقول‪ :‬زيد يغزومه‪ .‬فتضم الواو ؛ لن الضمة في الحقيقة‬
‫للهمزة‪.‬‬
‫وكذلك هو يغزو خوانه‪ .‬فتكسر لهذه العلة‪ ،‬وهي لم‬
‫الفعل ولفظها لفظ اللين ؛ لسكونها وانضمام ما قبلها‪.‬‬
‫وكذلك ياء يقضى‪ .‬فإن دخل عليها ما ينصب نصبتهما‬
‫جميعا‪ .‬وأنت تقول‪ :‬هو يقضى ياسر ويغزو واقد‪ ،‬فل تدغم‬
‫؛ لما ذكرناه من لفظ اللين‪.‬‬
‫فإن كانت قبل كل واحدة منهما فتحة لم يكن إل الدغام ؛‬
‫نحو‪ :‬اخشوا واقدا‪ ،‬واخشى ياسرا ؛ لن لفظ اللين قد‬

‫‪123‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ذهب‪.‬‬
‫وفي هذا دليل على جميع هذا الباب‪.‬‬
‫هذا باب ما تقلب فيه السين صادا ً وتركها على لفظها‬
‫أجود‬
‫وذاك لنها الصل‪ ،‬وإنما تقلب للتقريب مما بعدها‪ ،‬فإذا‬
‫لقيها حرف من الحروف المستعلية قلبت معه ليكون‬
‫تناولهما من وجه واحد‪.‬‬
‫والحروف المستعلية‪ .‬الصاد‪ ،‬والضاد‪ ،‬والطاء‪ ،‬والظاء‪،‬‬
‫والخاء‪ ،‬والغين‪ ،‬والقاف‪.‬‬
‫وإنما قيل‪ :‬مستعلية ؛ لنها حروف استعلت إلى الحنك‬
‫العلى‪ .‬وهي الحروف التي تمنع المالة‪.‬‬
‫أل ترى أنك تقول‪ :‬عابد‪ ،‬وحابر‪ ،‬وسالم ول تقول‪ :‬قاسم‪،‬‬
‫ول صاعد‪ ،‬ول خازم وهذا مبين في باب المالة‪.‬‬
‫فإذا كانت السين مع حرف من هذه الحروف في كلمة‬
‫جاز قلبها صادا‪ ،‬وكلما قرب منها كان أوجب ‪.‬‬
‫ويجوز القلب على التراخي بينهما‪ .‬وكلما تراخى فترك‬
‫القلب أجود‪ .‬وذلك قولك‪ :‬سطر‪ ،‬وصطر‪ ،‬وسقر وصقر‪،‬‬
‫وسلخت‪ ،‬وصلخت‪ ،‬ومساليخ ومصاليخ‪.‬‬
‫فإن كان حرف من هذه الحروف قبل السين لم يجز قلبها‬
‫؛ نحو‪ :‬قست‪ ،‬وقسوت‪ ،‬وطست فاعلم ؛ لنهم إنما قلبوها‬
‫وهذه الحروف بعدها‪ ،‬لئل يكونوا في انحدار ثم يرتفعوا‪.‬‬
‫وإذا كانت قبلها فإنما ينحدر إليها انحدارا‪ .‬ووجب ذلك في‬
‫السين ؛ لنها والصاد من مخرج‪ ،‬وهما مهموستان جميعًا‪،‬‬
‫وكلهما من حروف الصفير‪.‬‬
‫ولم تكن الزاي ههنا ؛ لنها ليست بمستعلية‪.‬‬
‫ول تبدل الصاد من الزاي مع هذه الحروف ؛ لن الزاي‬
‫مجهورة‪ ،‬والصاد مهموسة فهي مخالفة لها‪.‬‬
‫ولم يكن ذلك في الظاء مع الثاء والذال‪ ،‬ول في الطاء مع‬
‫التاء والدال ؛ لن لحروف الصفير في السمع والتصريف‬
‫ن‪ .‬وقد تقدم قولنا في هذه الحروف‪.‬‬
‫ما ليس له ّ‬
‫هذا باب السماء التي وقعت على حرفين‬

‫‪124‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫اعلم أن السماء أصولها تكون على ثلثة أحرف بغير‬
‫زيادة‪ ،‬وعلى أربعة‪ ،‬وتكون على خمسة‪ .‬فما نقص من‬
‫السماء عن الفعال فمعلوم نقصه‪ ،‬ومذكورة عّلته إن‬
‫شاء الله‪.‬‬
‫فما كان من السماء على حرفين فنحو‪ :‬يد‪ ،‬ودم‪ ،‬وإست‪،‬‬
‫وابن‪ ،‬واسم‪ ،‬وأخ‪ ،‬وأب ومالم نذكر فحكمه حكم هذا‪.‬‬
‫وهذه السماء المحذوف منها ل يكون ما حذف إل حرف‬
‫لين‪ ،‬أو حرفا خفيا كحرف اللين ؛ نحو الهاء‪ ،‬والنون‪ .‬أو‬
‫يكون مضاعفا فيستثقل فيه التضعيف فيحذف‪.‬‬
‫فما لم يكن على هذا الشرط الذي ذكرناه لم يحذف منه‬
‫شيٌء ؛ لنه ل سبيل إلى حذفه‪.‬‬
‫فما ذهب منه الياء والوا فنحو‪ :‬ابن‪ ،‬واسم‪ ،‬وأخ‪ ،‬وأب‪،‬‬
‫ن في بعض القاويل‪.‬‬
‫وه ٍ‬
‫يدلك على ما ذهب من أب‪ ،‬وأخ التثنية‪ ،‬والجمع‪،‬‬
‫والتصغير‪ .‬تقول‪ :‬أخوان‪ ،‬وأبوان‪ ،‬وأخوك‪ ،‬وأبوك‪.‬‬
‫ي‪،‬‬
‫ي‪ ،‬وبن ّ‬
‫ي‪ ،‬وأخ ّ‬
‫وتقول‪ :‬آباٌء‪ ،‬وآخاٌء يا فتى‪ .‬وكذلك أب ّ‬
‫ي‪.‬‬
‫وسم ّ‬
‫أما أب‪ ،‬وأخ فلم يسكنوا أوائلها ؛ لئل تدخل ألف الوصل‬
‫وهي همزة على الهمزة التي في أوائلها فيصير إلى‬
‫ن‪.‬‬
‫اعتلل ثا ٍ‬
‫وأما ابن واسم واست‪ ،‬فبنيت على سكون أوائلها‪ ،‬فدخلها‬
‫ألف الوصل لسكون ما بعدها‪.‬‬
‫وألف الوصل ليست بأصل في السماء‪ ،‬وإنما حّقها‬
‫الفعال ؛ لتصرف الفعال‪ ،‬وأنها تقع مس ّ‬
‫كنة الوائل في‬
‫مواضع إسكان ضرورة ل محالة‪ .‬وهذه تذكر عند ذكرنا‬
‫الفعال إن شاء الله‪.‬‬
‫فأما السماء فل يلحقها ذلك‪ ،‬إل أن تكون منقوصة‪،‬‬
‫فتكون قد زالت عن أصل بنائها‪ ،‬فدخلها لذلك ما يدخل‬
‫الفعال ؛ لنها قد أشبهتها في النقص والنتقال‪.‬‬
‫فإن قلت‪ :‬امرؤ لم ينقص منه شيٌء‪ .‬فما بال ألف الوصل‬
‫لحقنه ?‬

‫‪125‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫فإنما ذاك ؛ لتغيره في اتباع ما قبل آخره من أجل الهمزة‬
‫التي يجوز تخفيفها‪.‬‬
‫والدليل على ذلك انتقاله من حال إلى حال أل نرى أنك‬
‫تقول‪ :‬هذا امرؤ فاعلم‪ ،‬وهذا مرٌء فاعلم‪ ،‬كما قال عّز‬
‫وجل " يحول بين المرء وقلبه "‪.‬‬
‫وتقول في مؤنثه‪ :‬امرأة‪ ،‬ومرأة‪ .‬فإنما لحقت ألف الوصل‬
‫هذا السم ؛ لهذا النتقال والتغير اللذين ذكرتهما لك‪.‬‬
‫فجميع ما جاءت فيه ألف الوصل من السماء‪ :‬ابن‪،‬‬
‫واسم‪ ،‬واست وامرؤ‪ ،‬ومؤنث ذلك على قياسه ؛ نحو‪:‬‬
‫ابنة‪ ،‬وامرأة‪ .‬وكذلك‪ ،‬اثنان واثنتان‪ ،‬وأيمن في القسم ؛‬
‫لنه اسم يقع بدل من الفعل في القسم‪.‬‬
‫تقول‪ :‬ايم الله‪ ،‬وايمن الله‪ ،‬فألفه موصولة كما قال‪" :‬‬
‫وقال فريقٌ ليمن الله ما ندري " وتحذف النون فتقول‪:‬‬
‫ليم الله ما كان ذلك‪ ،‬فيلحقه من التغيير مع لزومه موضعا‬
‫واحدا ما يلحق امرأ‪.‬‬
‫فل تكون ألف الوصل إل فيما ذكرت لك من السماء ؛ إل‬
‫اللف التي مع اللم للتعريف ؛ فإنها داخلة على حرف ل‬
‫يكون إل ساكنًا‪.‬‬
‫فأما المصادر التي َأفعاُلها موصولة اللفات فهي كأفعالها‪،‬‬
‫نحو‪ :‬انطلق‪ ،‬واستخراج‪ ،‬واقتدار‪.‬‬
‫فإن كانت أفعالها مقطوعة اللفات فهي كذلك ؛ نحو‪:‬‬
‫إكرام‪ ،‬وإحسان‪ .‬فهذا معنى ألفات الوصل‪.‬‬
‫وذكرنا ما ذهب منه الباء والواو‪.‬‬
‫ي‪ ،‬وأبناء‪،‬‬
‫ي‪ ،‬وسم ّ‬
‫فابن‪ ،‬واسم من ذلك ؛ لقولك‪ :‬بن ّ‬
‫وأسماء ؛ كما قلنا في الب‪ ،‬والخ‪.‬‬
‫فأما الذاهب من الب‪ ،‬والخ فقد بان لك أنهما واوان‪.‬‬
‫وقلنا كذلك في ابن‪.‬‬
‫فإن قال قائل‪ :‬فما الدليل عليه وليس براجٍع في تثنية ول‬
‫جمع ماد ّ‬
‫ل على أحدهما دون الخر ?‪.‬‬
‫قلنا‪ :‬نستدل بالنظائر‪.‬‬
‫أما ابن فإنك تقول في مؤنثه‪ :‬ابنة‪ ،‬وتقول‪ :‬بنت من حيث‬
‫قلت‪ :‬أخت‪ ،‬ومن حيث قلت‪ :‬هنت‪ .‬ولم نر هذه التاء تلحق‬

‫‪126‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫مؤنثا إل ومذكره محذوف الواو‪.‬‬
‫ن قال‪ :‬هنوات‪.‬‬
‫يدلك على ذلك أخوان‪ ،‬ومن رد ّ في ه ٍ‬
‫فأما السم فقد اختلف فيه‪ :‬فقال بعضهم‪ :‬هو فِْعل‪ :‬وقال‬
‫بعضهم‪ :‬هو فُْعل وأسماء تكون جمعا لهذا وهذا‪ .‬تقول في‬
‫جذع‪ :‬أجذاع ؛ كما تقول في قُْفل‪َ :‬أقفال‪.‬‬
‫ول يدرك صيغة السماء إل بالسمع‪ .‬فأكثرهم أنشد‪:‬‬
‫باسم الذي في كل سورةٍ سمه‬
‫فضم وجاء به على فُْعل‪ .‬وأنشد بعضهم‪ :‬سمه وهو أق ّ‬
‫ل‪،‬‬
‫وأنشد أبو زيد الوجهين جميعا‪ ،‬وأنشد‪:‬‬
‫لخير معد ّ كلها حيثما‬
‫فدع عنك ذكر اللهو‬
‫انـتـمـى‬
‫ة‬
‫واعمد لمدح ٍ‬
‫وأحسنها وجها وأعلنهـا‬
‫لعظمها قدرًا‪،‬‬
‫سـمـا‬
‫وأكرمـهـا أبـا‬
‫فأما ابن فتقديره‪ :‬فََعل‪ .‬وذلك أنك تقول في جمعه‪ :‬أبناءٌ ؛‬
‫كما تقول جمل وأجمال‪ ،‬وجبل وأجبال‪.‬‬
‫فإن قال قائل‪ :‬فلعّله فِْعل أو فُْعل‪ ،‬فإن جمعهما على‬
‫أ َْفعال‪ ،‬قيل له‪ :‬الدليل على ذلك أنك تقول‪ :‬بنون في‬
‫الجمع فتحّرك بالفتح‪.‬‬
‫ل ساكن‬
‫فإن قال قائل‪ :‬فما أنكرت أن يكون على فَعْ ِ‬
‫العين ? قيل‪ :‬لن الباب في جمع فَْعل أ َفُْعل ؛ نحو‪ :‬كلب‬
‫وأكلب‪ ،‬وكعب وأكعب‪ .‬فلو كان فعل لم يجمع إل على بابه‬
‫ليدل عليه‪ ،‬وإنما يخرج الشيء إلى غير بابه إذا أمنت‬
‫اللبس في مثل أزناد‪ ،‬وبابه‪.‬‬
‫َ‬
‫فهذا لو كان فَْعل لم يجز فيه أْفعال مثل أزناد ؛ لن أزنادا‬
‫ل لبس فيه‪ ،‬وهذا يلتبس‪ ،‬فكان يلزم الباب‪.‬‬
‫فأما دم فهو فََعل‪ .‬يدلك على ذلك أنك تقول‪ :‬دمي يدمى‬
‫م‪ .‬فهذا مثل فرق فرقا وهو فرق‪ ،‬ومحذر حذرا فهو‬
‫فهو د ٍ‬
‫حذر‪ .‬فدم إنما هو مصدر ؛ مثل البطر‪ ،‬والحذر‪.‬‬
‫ومما يدلك على أنه فََعل أن الشاعر لما اضطر فأخرجه‬
‫على أصله ورد ّ ما ذهب منه جاء به متحّركا‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫جرى الدميان بالخبر‬
‫ر‬
‫فلو أنا على حج ٍ‬
‫اليقين‬
‫ذبحـنـا‬

‫‪127‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫فإن قال قائل‪ :‬فإنك تجمعه على ِفعال ؛ كما تقول‪ :‬كلب‬
‫وكلب‪ ،‬وفِْعل وِفعال‪ ،‬فالجواب في ذلك أن ِفعال جمع‬
‫لَفَعل المتحرك العين ؛ كما يكون لَفْعل الساكن العين ؛‬
‫نحو قولك جمل وجمال وجبل وجبال‪ .‬فهذا غير خارج من‬
‫ذلك‪.‬‬
‫ما يد فتقديرها فَْعل ساكن العين ؛ لنك تقول‪ :‬أيد في‬
‫وأ ّ‬
‫الجمع وهذا جمع فَْعل‪.‬‬
‫ولو جاء شيٌء منه ل يعلم ما أصله من هذه المنقوصات‪،‬‬
‫لكان الحكم فيه أن يكون فْعل ساكن العين ؛ لن الحركة‬
‫زيادة‪ ،‬والزيادة ل تثبت‪.‬‬
‫فأما است ففَعل متحّركة العين‪ .‬يدّلك على ذلك أستاه‪.‬‬
‫فإن قال قائل‪ :‬فلعلها فِْعل أو فُْعل فإن الدليل على ماقلنا‬
‫ه فاعلم‪ ،‬فترد الهاء التي هي لم‪ ،‬وتحذف العين‪ ،‬وبفتح‬
‫س ٌ‬
‫السين‪ .‬كما قال الراجز‪:‬‬
‫ن أحيحا ً هي صئبان‬
‫ادع أحيحا ً باسمه ل‬
‫إ ّ‬
‫السه‬
‫تنسـه‬
‫وفي الحديث العين وكاء السه‪ .‬معناه‪ :‬أن النسان إذا كان‬
‫متنبها علم ما يخرج منه من الريح‪.‬‬
‫َ‬
‫فأما حر المرأة فتقديره‪ :‬فِْعل‪ ،‬وقولهم‪ :‬أفَْعال في جمعه‪،‬‬
‫بمنزلة جذع و أجذاع‪ ،‬ودليله بّين ؛ لن أوله مكسور‪.‬‬
‫واعلم أنه ما كان على حرفين ول يدري ما أصله الذي‬
‫حذف منه ?‪ ،‬فإن حكمه في التصغير والجمع أن تثبت فيه‬
‫الياء ؛ لن أكثر ما يحذف من هذا الياء و الواو‪ ،‬والياء‬
‫أغلب على الواو عليها‪ ،‬فإنما القياس على الكثر‪.‬‬
‫مينا رجل بإن التي للجزاء ثم صّغرناها لقلنا‪ :‬أني‪.‬‬
‫فلو س ّ‬
‫َ‬
‫ن التي تنصب الفعال‪.‬‬
‫وكذلك أ ْ‬
‫فإن سمينا إن المخففة قلنا‪ :‬أنين فاعلم‪.‬‬
‫لنا قد علمنا أن أصلها نون أخرى حذفت منها‪.‬‬
‫ب لقلنا‪ :‬ربيب ؛ لنا‬
‫مينا برب المخففة من ر ّ‬
‫وكذلك لو س ّ‬
‫قد علمنا ما حذف منه‪.‬‬
‫وكذلك بخ المخففة من بخ ترد فيها الخاء المحذوفة ؛ لن‬
‫‪ -‬الصل التثقيل ؛ كما قال‪:‬‬

‫‪128‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫بب ً‬
‫خ وعًز أقعسا‬
‫في حس ٍ‬
‫مينا رجل ذو لقلنا‪ :‬هذا ذوا قد جاء ؛ لنه ل يكون‬
‫واو س ّ‬
‫اسم على حرفين أحدهما حرف لين ؛ لن التنوين يذهبه‬
‫فيبقى على حرف‪ ،‬فإنما رددت ما ذهب‪ ،‬وأصله فَعل‪،‬‬
‫ط "‪.‬‬
‫ل خم ٍ‬
‫يدلك على ذلك " ذواتا أفنان " و " ذواتى أك ٍ‬
‫وإنما قلت‪ :‬هذا ذو مال فجئت به على حرفين ؛ لن‬
‫الضافة لزمة له‪ ،‬ومانعة من التنوين‪.‬‬
‫كما تقول‪ :‬هذا فو زيد‪ ،‬ورأيت فا زيد‪ ،‬فإذا أفردت قلت‪:‬‬
‫م فاعلم ؛ لن السم قد يكون على حرفين إذا لم‬
‫هذا ف ٌ‬
‫يكن أحدهما حرف لين كما تقدم‪ ،‬من نحو‪ :‬زيد‪ ،‬ودم‪ ،‬وما‬
‫أشبه ذلك‪.‬‬
‫و‬
‫فإذا سميت رجل ب هو فإن الصواب أن تقول‪ :‬هذا ه ٌ‬
‫كما ترى فتثقل‪.‬‬
‫وإن سميته ب في من قولك‪ :‬في الدار زيد‪ ،‬زدت عى‬
‫الياء ياًء وقلت‪ :‬هذا في فاعلم‪.‬‬
‫وإن سميته ل زدت على اللف ألفا ً ثم همزت‪ ،‬لنك تحرك‬
‫ثانية‪ ،‬واللف إذا حكت كانت همزة‪ .‬فتقول‪ :‬هذا ولٌء‬
‫فاعلم‪ .‬وإنما كان القياس أن تزيد على كل حرف من‬
‫حروف اللين ما هو مثله‪ ،‬لن هذه حروف ل دليل على‬
‫ثوالثها‪ ،‬ولم تكن اسما فيعلم ما سقط منها‪.‬‬
‫وهو وهي اسمان مضمران‪ .‬فمجرهما نجرى الحروف في‬
‫جميع محالهما وإن دل على الظاهر بما تقدم من ذكره‪،‬‬
‫فإنما جمعت ما ظهر في كل واحد منهما متبعا لمثله‪،‬‬
‫حتى يتم اسما ولم تجعل الشاهد غائبا‪.‬‬
‫وكذلك قالت العرب في لو جيث جعلته‪ .‬قال الشاعر‪:‬‬
‫ليت شعري واين مئى إن لستا وإن لوا‬
‫عـنـاء‬
‫ليت‬
‫فزاد على الواو واوا‪ ،‬لتحلق السماء‪ ،‬وقال الخر‪:‬‬
‫ألم على لو ولو كنت بأعقاب لو لم تفتنى‬
‫أوائله‬
‫عالما‬
‫وقال الخر‪:‬‬
‫حاولت لوا ً فقلت لها ‪ :‬إن لوا داك أعـيانـا‬

‫‪129‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وإن سميت رجل كي قلت‪ :‬هذا كي فاعلم‪.‬‬
‫وكذلك كل ما كان على حرفين ثانية ياٌء أو واوا‪ ،‬أو ألف ؛‬
‫أل ترى أم حروف التهجي موضوعة على الوقف ؛ نحو‪ ،‬با‪.‬‬
‫تا‪ .‬ثا‪ .‬وكذلك رأوها‪ ،‬إنما هي موقوفات غير منونات‪ ،‬لنهن‬
‫علمات‪ ،‬فهن على الوقف‪.‬‬
‫أل ترى أنك تقول‪ :‬ولو‪ .‬زاي‪ .‬صاد‪ ،‬فتسكن أواخرها‪ ،‬لنك‬
‫تريد الوقف‪ ،‬ولول الوقف لم يجمع بين سساكنين ؛ كما‬
‫تقول في الوقف‪ :‬هذا زيد‪ ،‬وهذا عمرو‪.‬‬
‫فإذا جعلتهن أسماًء قلت‪ :‬باٌء‪ ،‬وتاٌء فزدت على لك حرف‬
‫مثله على ما وصفت لك‪ .‬قال الرجل من العراب يذم‬
‫النحويين إذ سمع خصومتهم فيه‪:‬‬
‫إذا اجتمعوا على ألف‪،‬‬
‫ٍ وتاٍء‪ .‬هاج بينهم قـتـال‬
‫وباٍء‬
‫فأعربها على ما ذكرت لك حين جعلها اسما‪.‬‬
‫وحكاها أبو نجم إذ جدعلها في مواضعها فقال‪:‬‬
‫أقبلت من عند زي ‪ ...‬تخط رجلي بخ ‪ً ...‬‬
‫ط‬
‫مختلـف‬
‫ادٍ كالخرف‬
‫تكتبان في الطـريق‬
‫لم الـف‬
‫فإن كانت اسما فالعراب كما قال‪:‬‬
‫ف تلوح وميمها‬
‫كما بينت كا ٌ‬
‫فأعرب وأضاف‪ ،‬وكما قال‪:‬‬
‫كأن أخا اليهود يجد‬
‫بكاف في منازلها ولم‬
‫خطا‬
‫وفواتح السور كذلك على الوقف ؛ لنها حروف نهج‪ ،‬نحو‬
‫الم‪ ،‬المر‪ ،‬حم ‪ ،‬طس‪ .‬ولول أنها على الوقف لم يجتمع‬
‫ساكنان‪.‬‬
‫فإذا جعلت شيئا منها اسما أعربت‪ ،‬كما قال الكميت‪:‬‬
‫تأولها منا تقي‬
‫وجدنا لكم في آل‬
‫ومعـرب‬
‫ة‬
‫حاميم آي ً‬
‫فحرك‪ ،‬ولم يضرب للعجة‪ .‬وقال‪:‬‬

‫‪130‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫أو كتبا بين من‬
‫حاميمـا‬

‫قد علمت أبناء‬
‫إبراهيما‬

‫قال‪:‬‬
‫فهل تل حاميم قبل‬
‫يذكرني حاميم‬
‫التقـدم‬
‫والرمح شاجٌر‬
‫ف أما قراءة الحسن صاد والقرآن فإنه لم يجعلها حرفا‬
‫ولكنه فِْعل‪ ،‬إنما أراد‪ :‬صاد بالقرآن عملك‪ .‬وهذا تفسير‬
‫الحسن‪ ،‬أي عارض بقالقرآن عملك‪ ،‬من قولك‪ :‬صاديت‬
‫الرجل‪ :‬أي عارضته‪ :‬ومنه " فأنت له تصدى " أي تعارض‪.‬‬
‫وأما قولك‪ :‬هذا فوزيد ‪ -‬ثم تبدل فتقول‪ :‬فم فهذا بمنلزة‬
‫تثقيلك لو ثقلت‪ ،‬لنه إذا كان على حرفين ليس أحدهما‬
‫ل تكون السماء المنقوصة عليه‪،‬‬
‫حرف لين كان على مثا ٍ‬
‫وإنما أصله فوه فاعلم‪ ،‬وجمعه أفواه‪ ،‬كقولك‪ :‬ثوب‬
‫وأثواب‪ ،‬وحوض وأحواض‪ .‬على ذلك‪ :‬ما تفوهت بكلمة‪.‬‬
‫فإذا كان في الضافة لم تحتج إلى تغييره‪ ،‬لنك تأمن عليه‬
‫التوين‪ ،‬فتقول‪ :‬رأيت فازيد‪ ،‬ومررت بفي زيد‪ ،‬وهذا‬
‫فوزيد‪ ،‬كما تقول‪ :‬هذا ذو مال‪ ،‬ورأيت ذا مال ؛ لن أصل‬
‫هذه السماء الضافة‪ ،‬فإن أفردتها أخرجتها إلى باب‬
‫السماء‪.‬‬
‫وما ذكرت لك غيرها من نحو او وفي إنما تلحق بجمله‬
‫السماء المفردة‪ ،‬ثم تضاف إذا حدث ذلك فيها‪ ،‬كما‬
‫يضاف رجل‪ ،‬وغلم‪ ،‬وما أشبهه‪ .‬فهذا باب السماء‪ ،‬تقول‪:‬‬
‫د‪ ،‬ولو عبد الله‪.‬‬
‫هذا في زي ٍ‬
‫فإن قال قائل‪ :‬أجعل ذلك غير مثقل إذا سميت به مؤنثا‪،‬‬
‫لمنى عليه التنوين‪.‬‬
‫قيل‪ :‬لمؤنث قد يكون نكرة فتنون‪ ،‬كقولك‪ :‬هذه هند‬
‫أخرى‪ ،‬وتنون زيدا إذا سميت به امرأة في قول جماعة‬
‫من النحويين‪ ،‬فيستوى المؤنث والمذكر إذا لكم تكن فيها‬
‫هاء التأنيث‪ ،‬فل يكون فيه التنوين‪ ،‬نحو رجل سميته بقدم‪،‬‬
‫أودعد أوهند‪.‬‬
‫فليس هذا العتراض بشيٍء‪ .‬وليس من كلمهم أن يكون‬
‫السم على هيئة فإذا سمى به غير من هو له خرج إلى‬

‫‪131‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫هيئة أخرى‪ ،‬فكذلك المفرد ل ينتقل إذا أضفته‪.‬‬
‫فأما فو زيد‪ ،‬وذو مال‪ ،‬فإنما غيرا من الصل الذي هو‬
‫لهما‪ ،‬لنهما ألزوما الضافة فكان حرف إعرابهما متنقل‬
‫على غير ما عليه جملة السماٍء‪ ،‬إنما يكون ذلك في‬
‫أسماٍء بعينها معتلة ؛ نحو قولك‪ :‬أخوك‪ ،‬وأخاك‪ ،‬وأبوك‪،‬‬
‫وفوزيد‪ ،‬وحموك‪ ،‬وهنوك في بعض اللغات‪ ،‬لنها في‬
‫م‪ ،‬فهذه أسماٌء كان أصلها‬
‫ن‪ ،‬وح ٌ‬
‫الفراد أب‪ ،‬وأخ‪ ،‬وه ٌ‬
‫ة‪.‬‬
‫الضافة‪ ،‬لن رواجعها فيه خاص ً‬
‫فأما فوك فإنما حذفوا لمه لموضع الضافة‪ ،‬ثم أبدلوا‬
‫منها في الفراد الميم لقرب المخرجين‪ ،‬فقالوا‪ :‬فم كما‬
‫ترى‪ ،‬ل يكون في الفراد غيره‪ ،‬وقد لحن كثير من الناس‬
‫العجاج في قوله‪:‬‬
‫خالط من سلمى خياشيم وفا‬
‫وليس عندي بلحن‪ ،‬لنه حيث اضطر أتى به في قافية ل‬
‫يلحقه معها التنوين في مذهبه‪ .‬ومن كان يرى نتنوين‬
‫القوافي فيقول‪:‬‬
‫أقلى اللوم عاذل والعتابن‬
‫لم ينون هذا‪ ،‬لن ترك التنوين هو الكثر الغلب‪ ،‬لما في‬
‫هذا السم من العتلل‪.‬‬
‫واعلم أن ما جاء من السماء على حرفين قليل‪ ،‬لن‬
‫الثلثة أقل الصول‪ ،‬فيكرهون الحذف منها إل فيما آخره‬
‫حرف خفي أو حرف لين‪ ،‬فإنهم يستثقلون في ذلك‬
‫الحركات‪.‬‬
‫فأما مثل‪ :‬قل‪ ،‬وبع فإنما حذفت للتقاء الساكنين ما هو‬
‫في نيتك‪ ،‬وحذفت من عد‪ ،‬وزن الواوات التي ذهبت‪ ،‬لنها‬
‫وقعت في يعد ويزن‪ .‬ويعود جميع ذلك في تصرف الفعل‬
‫إذا قلت‪ :‬وعد‪ ،‬ووزن‪ ،‬وقال‪ ،‬وباع‪ ،‬ويقول‪ ،‬ويبيع‪.‬‬
‫وكذلك إذا قلت‪ :‬فه لزيد‪ ،‬وعه كلما‪ ،‬وشه ثوبا‪.‬‬
‫إنما لحقها ذلك لذهاب الواو من أولها التي تذهب في عد‪،‬‬
‫وذهاب الياء من آخرها التي تذهب في ارم‪ ،‬ول يلزم ذلك‬
‫في تصرف الفعل إذا قلت‪ :‬وعيت‪ ،‬ووليت‪ ،‬ووشيت‪.‬‬
‫فأما ما جاء على حرفين مما فيه هاء التأنيث فهو أكثر من‬

‫‪132‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ذا‪ ،‬نحو‪ :‬سنة‪ ،‬وشية‪ ،‬وعدة‪ ،‬وثبة‪ ،‬وقلة‪ ،‬ورية‪ ،‬وذاك ؛ لن‬
‫الهاء لما اتصلت به قوى فارع ما كان على ثلثة‪ ،‬وكان‬
‫بالهاء أثبت من ابن‪ ،‬واست‪ ،‬واثنين ؛ لن ألف الوصل‬
‫يحذفها الوصل‪ ،‬ويحذفها وتحرك ما بعدها‪ ،‬وذلك في‬
‫التصغير كبنى وتخفيف الهمز كقولك في اسأل‪ :‬سل‪،‬‬
‫وفي التشديد وهو قولك‪ :‬اردد‪ ،‬ثم تقول‪ :‬رد إن شئت‪.‬‬
‫فأما ردا أو ردوا فحذفها لزم للزوم الدغام‪.‬‬
‫وهاء التأنيث إنما تذهب في الترخيم‪ ،‬وفي النسب‪ ،‬لنه‬
‫عوض منها‪ .‬وقد يرد في النسب بعض ما يذهب منه الهاء‬
‫لعلة تلحق‪ .‬وإنما قصدنا أن نخبر أم ما فيه الهاء من ذوات‬
‫الحرفين أكثر مما ل هاء فيه‪.‬‬
‫وهذا شيٌء اتصل بالتصريف والدغام لما يقع في مثله‪،‬‬
‫وهو ما أذكره لك‪.‬‬
‫أعلم أن الحرفين المثلين إذا كانا ملتقيين في كلمة‪،‬‬
‫وكلهما متحرك‪ ،‬وقبل المتحرك الول ساكن‪ ،‬طرحت‬
‫حركة المتحرك الول على ذلك الساكن‪ ،‬وأغمت كنحو ما‬
‫ذكرت لك‪ .‬اقتتلوا‪ .‬فإذا التقيا وهما سواء أو متقاربان‪،‬‬
‫والول منهما أول الكلمة أدخلت ألف الوصل وأدغمت‬
‫وذلك‪ :‬اطير زيد إنما كانت تطير‪ ،‬فأسكنت التاء‪ ،‬فلم يجز‬
‫أن تبتدىء بساكن‪ ،‬فأدخلت ألف الوصل‪ ،‬ثم أدغمت التاء‬
‫في الطاء‪.‬‬
‫وكذلك اترس زيد إذا أردته تترس‪.‬‬
‫فدخول اللف هاهنا كسقوطها من اقتتتلوا إذا قلت‪ :‬قتلوا‪،‬‬
‫فالتحريك يسقطها‪ ،‬كما أن السكان يجلبها‪.‬‬
‫ومن ذلك قوله " وإذا قتلتم نفسا ً فادارأتم فيها " وإنما‬
‫كان تدارأتم فيها‪ ،‬فأدغمت التاء في الدال‪ ،‬فاحتجت إلى‬
‫ألف الوصل لستحالة البتداء بساكن‪ ،‬ومثله " قالوا‬
‫اطيرنا بك وبمن ومعك "‪.‬‬
‫فإن قلت‪ :‬تتكلمون‪ ،‬وتدعون‪ ،‬لم يجز الدغام وإدخال ألف‬
‫الوصل‪ ،‬لن ألف الوصل ل تدخل على الفعل المضارع‪،‬‬
‫لن الفعال إذا كانت على ما ي َْفَعل وما أشبهه فهي‬
‫عل وما أشبهه‪ ،‬فكما ل تكون‬
‫مضارعه للسماء‪ ،‬نحو فا ِ‬

‫‪133‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ألف الوصل في اسم الفاعل كذلك ل تكون فيما ضارعه‪.‬‬
‫إنما تكون في الفعال الماضية‪ ،‬نحو‪ :‬انطلق‪ ،‬واقتدر‬
‫واحمررت‪ ،‬واستخرج‪ ،‬واغدودن‪ ،‬واحرنجم‪ .‬أو في المر‪:‬‬
‫اضرب‪ ،‬اقتل‪ ،‬استخرج ؛ لنها تضارع أسماء الفاعلين‬
‫فتمتنع‪ ،‬فهذا موضعها من الكلم‪ ،‬فقد شرحت لك أمرها‬
‫في الفعال وتصرفها‪ ،‬وأمر وقوعها في السماء والعلة‬
‫في ذلك إذ كان بابها الفعال‪.‬‬
‫فإذا قلت في المنفصلين‪ :‬هذا اسم موسى لم يجز أن‬
‫تطرح حركة الميم على االسين‪ ،‬وتحذف ألف الوصل‪ ،‬كما‬
‫فعلت في الفعال‪ ،‬لن المنفصل بائن مما قبله‪ ،‬وإنما‬
‫الدغام على مقدار لزومه‪ .‬ولكنك تخفى إن شئت‪ ،‬وإن‬
‫شئت حققت‪ ،‬والمخفى بزنة المحقق‪ ،‬إل أنك تختلس‬
‫اختلسا كقولك‪ :‬أراك متعففًا‪ .‬فتختلس ول يجوز الدغام‪،‬‬
‫لن الذي قبل الفاء الوسطى ساكن‪.‬‬
‫وأما الملحقات من السماء فل إدغام فيها‪ ،‬لنها تنقص‬
‫عن مقادير ما ألحقت به‪ .‬وذلك قولك‪ :‬قردد‪ ،‬ومهدد وما‬
‫أشبهه‪ ،‬لنه ملحق بجعفر‪ ،‬وذكلك الجمع‪ ،‬نحو قولك‪:‬‬
‫قرادد‪ ،‬ومهادد‪ ،‬ليكون مثل جحعفر‪.‬‬
‫فإن لم يكن ملحقا لزم الدغام‪ ،‬نحو قولك‪ :‬رجل ألد‪،‬‬
‫وأصم ؛ لن أ َفْعَ َ‬
‫ل ليس بملحق بفعلل‪.‬‬
‫أل ترى أن مصادرهما مختلفة إذا كان فِْعلين تقول‪ :‬درحج‬
‫دحرجة‪ ،‬وأكرم إكراما‪.‬‬
‫وكذلك فَعّ َ‬
‫ل ليس بملحق بدحرج‪ ،‬لن مصدره التفعيل‪.‬‬
‫ولكن مثل جدول ملحقٌ بجعفر وكذلك كوثر‪.‬‬
‫وإن كنا فعلين فهما ملحقان بدحرج‪ .‬تقول‪ :‬حوقل يحوقل‬
‫حوقلة‪ ،‬وبيطر بيطرة وسهوك سهوكة‪ ،‬وذكلك سلقى‬
‫يسلقى سلقاة‪.‬‬
‫وفيما ذكرته لك ما يدال على ما يرد عليك منه إن شاء‬
‫الله‪.‬‬
‫هذا باب ما شبه من المضاعف بالمعتل محذوف في‬
‫موضع حذفه‬

‫‪134‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وذلك قولك في أحسست‪ :‬أحست‪ ،‬وفي مسست‪ :‬مست‪،‬‬
‫وتطرح حركته على ما قبله‪ ،‬وتحذفها‪ ،‬تشبيها بقولك‪:‬‬
‫أردت‪ ،‬وأقمت‪ ،‬وكلت‪ ،‬وبعت‪ ،‬كمنا استويا في باب رد‬
‫وقام في السكان‪.‬‬
‫واستويا في التصحيح في باب فَُعل وفَِعل تقول ك صو‬
‫ركما تقول‪ :‬درر‪ ،‬ويبيع كما تقول‪ :‬قدد‪.‬‬
‫وإنما تفعل هذا في الموضع الذي ل تصل إليه في الحركة‬
‫يوجه من الوجوه‪ ،‬وذلك في ِفعْلت وفَعِْلن‪.‬‬
‫فأما لم أحس وقولك‪ :‬احسس‪ ،‬وامسس ومس وحس فل‬
‫تحذف ؛ لن هذا تدخله الحركة إذا ثنيت‪ ،‬أو جمعت أو‬
‫أثنيت ؛ نحو‪ :‬أحسوا‪ ،‬وأحسا‪ ،‬وأحسى‪ .‬وكذلك مسى‬
‫ومسا‪.‬‬
‫وإنما جاز في ذلك الموضع لزوم السكون‪ ،‬وليس ذلك‬
‫بجيد ول حسن‪ ،‬وإنما هو تشبيه‪ .‬قال الشاعر‪:‬‬
‫أحسن به فهن إليه‬
‫خل أن العتاق من‬
‫شوس‬
‫المطايا‬
‫ومن قال‪ :‬مست ففتح الميم فإنما شببها بلست‪ ،‬لن‬
‫أصلها كان لس يلبس‪ ،‬وقد فسرنا امتناعها من ذاك ؛ لما‬
‫يلزمها في المضارع وغيره من تصرف الفعل‪.‬‬
‫فهذا الذي فتح الميم حذف لما ذكرت لك‪ ،‬وترك الميم‬
‫على أصلها للتغيير‪.‬‬
‫واعلم ان التضعيف مستثقل وأن رفع اللسان عنه مرة‬
‫واحدة ثم العودة إليه فليس كرفع اللسان عنه وعن‬
‫الحرف الذي مخرجه ول فصل بينهما فلذللك وجب وقوم‬
‫من العرب إذا وقع التضعيف أبدلوا والياء من الثاني لئل‬
‫يلتقى حرفان من جنس واحد‪ ،‬لن الكسرة بعض الياء‪،‬‬
‫ة فما فوقها حتى تصيرها‬
‫وأن الياء تغلب على الواو رابع ٌ‬
‫ياًء‪ ،‬ول يكون إل ذلك‪ .‬وقد مضى هذا‪.‬‬
‫وذلك قولهم في تقضضت‪ :‬تقضينت‪ ،‬وفي أملت‪ :‬أمليت‪.‬‬
‫وذكلك تسريت في تسررت والدليل على أن هذا إنما‬
‫أبدل لستثقال التضعيف قولك‪ :‬دينار‪ ،‬وقيراط‪ ،‬والصل‬

‫‪135‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫دناٌر وقراط‪ .‬فأبدلت الياء للكسرة‪ ،‬فلما فرقت بين‬
‫المضاعفين رجع الصل فقلت دنانير‪ ،‬وقراريط‪ ،‬وقريريط‪.‬‬
‫واعلم أن الشعراء إذا اضطروا إلى إسكان حرف مما هو‬
‫متحرك فلم يصلوا إلى ذلك أبدلوا منه الياء إذا كانت قبله‬
‫كسرة‪ ،‬لن الياء إذا كانت كذلك لم تحرك‪ ،‬فيسلم‬
‫العراب‪ ،‬ويصح الوزن‪ ،‬وذلك وقوله‪:‬‬
‫من الثعالى ووخٌز من‬
‫لها أشارير من لحم ٍ‬
‫أرانيها‬
‫تتممـره‬
‫لم يجز أن يذكر الباء في الثعالب‪ ،‬ويحركها فينكسر‬
‫الشعر‪ ،‬فأبدل الياء لما ذكرت لك‪ .‬ومثله‪:‬‬
‫ومنهل ليس له‬
‫ولضفادى جمه نقانق‬
‫حوازق‬
‫هذا باب ما يحذف استخفافا ً لن اللبس فيه مأمون‬
‫وذلك أن للشياء أصول‪ ،‬ثم يحذف منها ما يخرجها عن‬
‫أصولها‪.‬‬
‫فمن هذا المحذوف ما يبلغ الشيء أصله‪.‬‬
‫ومنه ما يحذف لن ما يبقى دال عليه وإن يكن ذلك أصله‪.‬‬
‫فأما ما يبلغ به أصله فإن كناية المجرور في الكلم ككناية‬
‫المنصوب‪ ،‬وذلك لن الصل الرفع‪ .‬وهو الذي ل يتم الكلم‬
‫إل به ؛ كالبتداء والخبر‪ ،‬والفعل والفاعل‪.‬‬
‫وأما المنصوب والمخفوض لما خرجا إليه عن هذا‬
‫المرفوع‪.‬‬
‫مين‪،‬‬
‫فلذلك اشتركا في التثنية والجمع‪ ،‬نحو‪ :‬مسل َ‬
‫مين‪ ،‬ومسلمات‪.‬‬
‫ومسل ِ‬
‫ولذلك كان ما ل ينصرف إذا كان مخفوضا فتح‪ ،‬وحمل‬
‫على ما هو نظير الخفض‪ ،‬نحو‪ :‬مررت بعثمان‪ ،‬وأحمر‬
‫يافتى‪.‬‬
‫وذلك قولك في الكناية‪ :‬ضربتك‪ ،‬ومررت بك‪ ،‬وضربته‪،‬‬
‫ومررت به وضربتهم‪ ،‬وعليهم واحد‪.‬‬
‫وتقول‪ :‬هذا غلمي‪ ،‬وهذا الضاربي فيستويان‪ ،‬فإذا قلت‪:‬‬
‫ضربني‪ ،‬زدت نونا على المخفوض‪ ،‬ليسلم الفعل‪ ،‬لن‬
‫الفعل ل يدخله جر ول كسر‪.‬‬

‫‪136‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫فإنما زدت هذه النون ليسلم‪ ،‬لن هذه الياء تكسر ما‬
‫وقعت عليه‪ .‬فإن قلت‪ :‬قد قلت‪ :‬الضاربي والياء منصوبة‪،‬‬
‫فإنما ذلك‪ ،‬لن الضارب اسم فلم يكره الكسر فيه‪.‬‬
‫والدليل على أن الياء منصوبة قولك‪ :‬الضارب زيدا ‪.‬‬
‫فإن قلت‪ :‬فقد يدخل الفعل الكسرة في قولك‪ :‬اضرب‬
‫الرجل‪ ،‬فإنما ذلك للتقاء الساكنين وليس بلزم‪ ،‬وإنما‬
‫ض في الفعل‪ ،‬إذا لم يكن من‬
‫كسروا ليعلموا أنه عار ٌ‬
‫إعرابه‪.‬‬
‫ونظير زيادة هذه النون في المنصوب قولهم في‬
‫المجرور‪ :‬منى‪ ،‬وعنى‪ ،‬وقدني‪.‬‬
‫زادوا النون‪ ،‬ليسلم ما قبلها على سكونه‪ ،‬كما سلم الفعل‬
‫على فتحه‪ ،‬فقد زيدت في المجرور كما زيدت في‬
‫المنصوب‪.‬‬
‫ولو كان آخر السم متصرفا بالحركة لم تزد‪ ،‬نحو قولك‬
‫‪:‬هذا هنى‪ ،‬ودمى‪.‬‬
‫فالذي ذكرنا مما يحذف قولك‪ :‬إنني‪ ،‬وكأنني‪ ،‬ولعلني‪ ،‬أن‬
‫هذه الحروف مشبهة للفعل مفتوحة الواخر‪ ،‬فزدت فيها‬
‫النون‪ ،‬كنما زدتها في الفعل لتسلم حركاتها‪.‬‬
‫ويجوز فيهن الحذف فتقول‪ :‬إني‪ ،‬وكأني‪ ،‬ولكني‪.‬‬
‫وإنما جاز‪ ،‬لن النون في إن و كأن ثقيلة‪ ،‬وهي مع ذلك‬
‫مشبهة بالفعل وليست بأفعال‪ ،‬فحذفت كراهية التضعيف‪،‬‬
‫وإن أثبت فلما وصفته‪.‬‬
‫فن قال قائل‪ ،‬فأنت تقول‪ :‬لعلى‪ ،‬وليس في لعل نون‪،‬‬
‫فإنما ذلك لن لعل مضعفة‪ :‬وهي أقرب الحروف من‬
‫النون‪ ،‬وتعاقبها‪ ،‬وتدغم كل واحدة منهما في صاحبتها‪ ،‬وقد‬
‫مضى القول في هذا‪.‬‬
‫فأما ليتني فل يجوز حذف النون منها إل ان يضطر شاعر‬
‫فيحذفها‪ ،‬لن الضرروة ترد الشياء إلى أصولها‪ ،‬والصل‬
‫الياء وحدها‪ ،‬وليست ليت بفعل إنما هي مشبهة‪ .‬فمن‬
‫ذلك قوله‪:‬‬
‫أخا ثقة ذا اختلف‬
‫تمنى مزيد ٌ زيدا‬
‫العوالي‬
‫فـلقـى‬

‫‪137‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫أصادفه ويهلك جل‬
‫كمنية جابرٍ إذ قال‬
‫مالي‬
‫ليتنـي‬
‫فهذا من المحذوف الذي يلغ به الصل‪.‬‬
‫ومما حذف استخفافا ً لم ما ظهر دليل عليه قولهم في‬
‫كل قبيلة تظهر فيها لم المعرفة‪ ،‬مثل بنى الحارث‪ ،‬وبني‬
‫الهجيم وبني العنبر‪ :‬هو بلعنبر‪ ،‬وبلجهم‪ ،‬فيحذفون النون‬
‫لقربها من اللم لنهم يكرهون التضعيف‪ .‬فإن كان مثل‬
‫بني النجار والنمر‪ ،‬والتيم لم يحذفوا‪ ،‬لئل يجمعوا عليه‬
‫علتين‪ :‬الدغام‪ ،‬والحذف‪.‬‬
‫ويقولون‪ :‬علماء بنو فلن‪ ،‬يريدون‪ :‬على الماء فيحذفون‬
‫لم على‪ ،‬كما قال‪:‬‬
‫وما سبق القيسي كن ولكن طفنت علماء‬
‫قلفة خالـد‬
‫ة‬
‫ضع ٌ‬
‫ف حيل ٍ‬
‫واعلم أن كل مدغم فيما بعده إذا كانا من كلمتين فإظهار‬
‫الول جائز‪ ،‬لنه غير لزم للثاني‪ ،‬إل أنه في بعض أحسن‬
‫منه في بعض على قدر تداني المخارج وبعدها ‪.‬‬
‫فإذا لقيت التاء دال أو طاء‪ ،‬كان الدغام أحسن‪ ،‬لن‬
‫مخرج الثلثة واحد‪ ،‬وإنما يفصل بينها أعراض فيها‪ .‬وذلك‬
‫قولك‪ :‬ذهبطلحة‪ ،‬الدغام أحسن‪ .‬وكذلك هد مداٌر زيدٍ‬
‫ومثل ذلك‪ :‬لم يعد تميم‪ ،‬ولم يعد طاهر‪.‬‬
‫فان قلت‪ :‬انقط داود كان الدغام بأن تطبق موضع الطاء‬
‫أحسن لن في الطاء إطباقا فيكرهون ذهابه‪ .‬تقول‪ :‬انقطا‬
‫ود‪.‬‬
‫ولو قلت‪ :‬انقداود كان حسنا‪ .‬ولكن الختيار ما ذكرت لك‪.‬‬
‫وإن لم تدغم فجائز ‪.‬‬
‫والظاء‪ ،‬والثاء‪ ،‬والذال هذا أمر بعضهن مع بعض في تبقية‬
‫الطباق وحذفه‪ ،‬وحسن الدغام وجواز التبيين‪.‬‬
‫وفيما ذكرت لك من قرب المخارج وبعدها كفاية‪.‬‬
‫فأما قراءة أبي عمرو "هثوب الكفار ما كانوا يفعلون "‬
‫فإن التبيين أحسن مما قرأ‪ ،‬لن الثاء ل تقرب من اللم‬
‫كقرب التاء وأختيها‪ .‬وكذلك التاء في قراءته " بتؤثرون‬
‫الحياة الدنيا "‪.‬‬

‫‪138‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وليست هذه اللم كلم المعرفة لزمة لكل اسم تريد‬
‫تعريفه‪ .‬فليس يجوز فيها مع هذه الحروف التي ذكرت لك‬
‫وهي ثلثة عشر حرفا إل إلدغام‪ .‬وقد ذكرناها بتفسيرها‪.‬‬
‫وإنما يلزم الدغام على قدر لزوم الحرف‪ ،‬أل ترى أنها إذا‬
‫كانت في كلمة واحدة لم يجز الظهار‪ :‬إل أن يضطر‬
‫الشاعر فيرد الشيء إلى أصله‪ ،‬نحو‪ :‬رد‪ ،‬وفر‪ ،‬ودابة‪،‬‬
‫وشابة‪ ،‬لن الباء الولى تلزم الثانية‪.‬‬
‫فأما قولهم‪ :‬أنما تكلمانني‪ ،‬وتكلماني‪ ،‬وقوله‪ " :‬أفغير الله‬
‫تأمروني " وفي القرآن‪ " :‬لم تؤذونني وقد تعلمون" فلن‬
‫الثانية منفصلة من الولى‪ ،‬لنها اسم المفعول‪ .‬تقول‪ :‬أنما‬
‫تظلمان زيدا‪ ،‬وأنتم تظلمون عمرا‪.‬‬
‫علة‪ ،‬وكذلك رد فَعَ َ‬
‫ل‪ .‬فهما لزمة إحداهما‬
‫وأما دابة فهي فا ِ‬
‫للخرى ل تنفصل منها‪ .‬فإذا اضطر شاعر جاز ردد‪ ،‬وضنن‬
‫كما قال ‪:‬‬
‫ل وأظلل‬
‫تشكو الوجى من أظ ٍ‬
‫وقال‪:‬‬
‫مهل أعادل قد جربت أني أجود لقوام وإن‬
‫ضننـوا‬
‫من خلقي‬
‫وقال‪:‬‬
‫الحمد الله العلي الجلل‬
‫واعلم أن ألف الوصل التي تكون مع اللم للتعريف‬
‫تخالف سائر ألفات الوصل‪ ،‬وإن كانت في الوصل مثلهن‪.‬‬
‫وذالك أنها مفتوحة ؛ لنها لم تلحق اسما ول فعل ؛ نحو‬
‫اضرب‪ ،‬واقتل‪ ،‬وابن‪ ،‬واسم‪ ،‬وإنما لحقت حرفا‪ ،‬فلذلك‬
‫فتحت وخولف بلفظها لمخالفة ما وقعت عليه السماء‬
‫والفعال‪.‬‬
‫فإذا كانت في درج الكلم سقطت كسقوط سائر ألفات‬
‫الوصل‪ .‬وذلك قولك‪ :‬لقيت القوم فتسقط‪ ،‬وتقول‪:‬‬
‫والقوم ذاهبون‪ ،‬وكذلك جميع ما صرفت فيه‪ ،‬إل أن‬
‫تلحقها ألف الستفهام فتجعلها مدة‪ ،‬ول تحذفها‪ ،‬فيلتبس‬
‫الخبر بالستفهام ؛ لنها مفتوحة‪ ،‬فلو حذفتها لستوى‬
‫اللفظان‪ .‬وذلك قولك في الستفهام‪ :‬آلرجل لقيك ?‬

‫‪139‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وقوله‪ " :‬آلله خيٌر أم ما يشركون "‪.‬‬
‫وكذلك ألف أيم ؛ لنها لزمت اسما ل يستعمل إل في‬
‫القسم‪ ،‬فهو مضارع للف اللم‪ :‬تقول‪ :‬آيم الله لقد كان‬
‫ذاك‪ ،‬آيمن الله لقد كان ذاك‪ .‬ولذلك قالوا‪ :‬يا ألله اغفر‬
‫لنا‪ ،‬لما كنت في اسم ل تفارقه وثبتت في الستفهام‬
‫فعلوا بها ذلك‪.‬‬
‫وكذلك‪ :‬أفألله لتفعلن‪ ،‬لما وصفت لك‪.‬‬
‫فإذا كنت مستأنفة وتحركت اللم بعدها بحركة الهمزة‬
‫فإن النحويين يختلفون فيها‪.‬‬
‫فيقول قوم‪ :‬ألحمر جاءني فيثبتونها وإن تحركت اللم‪ ،‬ول‬
‫يجعلونها مثل قولك‪ " :‬سل بني إسرائيل " ؛ لنها كانت‬
‫اسأل‪ ،‬فلما تحركت السين سقطت ألف الوصل‪.‬‬
‫فهؤلء يحتجون بثباتها في الستفهام‪ ،‬وأن ما بعدها ساكن‬
‫الصل‪ ،‬ل يكون إل على ذلك وهؤلء ليدغمون ما قبل‬
‫اللم في اللم مما قرب جواره منها ؛ لن حكم اللم‬
‫عندهم حكم السكون‪ .‬فلذلك ثبتت ألف الوصل‪.‬‬
‫ومنهم من يقول‪ :‬لحمر جاءني‪ ،‬فيحذف اللف لتحرك‬
‫اللم‪ .‬وعلى هذا قرأ أبو عمرو " وأنه أهلك عاد لولى "‪.‬‬
‫وكان الخفش يجيز‪ :‬اسل زيدا ؛ لن السين عنده ساكنة‬
‫لن الحركة للهمزة‪ .‬وهذا غلط شديد ؛ لن السين‬
‫متصرفة كسائر الحروف ؛ وألف الوصل ل أصل لها‪،‬‬
‫فمتى وجد السبيل إلى إسقاطها سقطت‪ ،‬واللم مبنية‬
‫على السكون ل موضع لها غيره‪ .‬فأمرها مختلف‪ .‬ولذلك‬
‫ة لسائر اللفات‪.‬‬
‫لحقتها ألف الوصل مفتوحة مخالف ً‬
‫تم الدغام قال أبو العباس‪ :‬كنا قدمنا في أول كتابنا وبعد‬
‫ذلك أشياء جرى ذكرها لما يشاكلها في مواضعها‪ ،‬ولم‬
‫يكن موضع تفسيرها‪ ،‬فوعدنا أن نفسرها إذا قضينا القول‬
‫فيما قصدنا له عند ذكرها‪.‬‬
‫فمن ذلك لم الخفض التي يسميها النحوييون لم الملك‬
‫فقلنا‪ :‬هي مكسورة مع السماء الظاهرة‪ ،‬ومفتوحة مع‬
‫السماء المضمرة ؛ لعلة نذكرها‪ .‬وهذا أوان ذكرها‪.‬‬

‫‪140‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫أصلها عندنا الفتح كما يقع مع المضمر ؛ نحو قولك‪ :‬المال‬
‫لك‪ ،‬والمال لنا‪ ،‬والدراهم لكم‪ ،‬ولهم‪ .‬وكذلك كل مضمر‪.‬‬
‫فإذا قلت‪ :‬المال لزيد كسرتها ؛ لئل تلتبس بلم البتداء‪،‬‬
‫ولم تكن الحركة فيها إعرابا فيسلمها على ما خيلت ‪.‬‬
‫وموضع اللتباس أنك لو قلت‪ :‬إن زيدا لهذا‪ ،‬وإن عمرا‬
‫لذاك‪ ،‬وأنت تريد لم الملك‪ ،‬لم يدر السامع أيهما أردت‪:‬‬
‫إن زيدا في ملك ذاك‪ ،‬أو إن زيدا ذاك ? فإذا كسرت‬
‫فقلت‪ :‬إن زيدا لذاك‪ ،‬علم أنه في ملكه‪ ،‬وإذا قلت‪ :‬إن‬
‫زيدا لذاك‪ ،‬علم أن زيدا ذاك‪.‬‬
‫وكذلك السماء المعربة إذا وقفت علها فقلت‪ :‬إن هذا‬
‫لزيد لم يدر أهو زيد أم هو له ? فإن قال قائل‪ :‬فلم ل‬
‫يكون ذلك في الباء ? قيل لن الباء ل يشركها مثلها‬
‫فتخاف لبسا ؛ فبنيتها أبدا الكسر مع الظاهر والمضمر‪.‬‬
‫تقول مررت بزيد‪ ،‬وبك‪ ،‬وبه‪ ،‬وبهم‪.‬‬
‫كما أن بنية الكاف الفتح إذا قلت‪ :‬لست كي ? فإنما‬
‫ذاك ؛ لن ياء الضافة تحول كل حركة إلى كسرة‪ .‬تقول‪:‬‬
‫هذا غلمي‪ ،‬وضربت غلمي‪ ،‬والمال لي‪.‬‬
‫فأما أمنك اللتباس في اللم مع المضمر ؛ فإنما ذاك لن‬
‫ضمير الرفع ل يلتبس بضمير الجر‪ .‬تقول‪ :‬إن هذا لك‪ ،‬وإن‬
‫هذا لنت‪ ،‬وإن هؤلء لنحن‪ .‬فلختلف اللفظين أمن‬
‫اللتباس‪.‬‬
‫قال‪ :‬وكنا ذكرنا في صدر هذا الكتاب أمر الفعال‪،‬‬
‫والسماء‪ ،‬ووعدنا أن نخبر لم كانت السماء على ثلثة‬
‫أنحاٍء ل زيادة فيها‪ :‬على ثلثة أحرف‪ ،‬وأربعة‪ ،‬وخمسة ?‬
‫وكانت الفعال على ضربين‪ :‬على ثلثة‪ ،‬وأربعة‪ .‬ولم يكن‬
‫في الفعال شيء على خمسة أحرف كلها أصلى‪ .‬فهذا‬
‫وقت تفسيره وموضعه‪.‬‬
‫للنحويين في هذا أقاويل يقارب بعضها بعضا‪.‬‬
‫يقولون‪ :‬السماء أمكن من الفعال ؛ فلذلك كان لها على‬
‫الفعال فضيلة تمكنها‪ ،‬وأن الفعال تبع لها ‪.‬‬
‫فقلنا في تفسير قول هؤلء‪ :‬الدليل على صحة ما قالوا‬
‫أن السماء الثلثية تكون على ضروب من البنية تلحقها‬

‫‪141‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫أبنية الفعال ؛ لن أبنية الفعال إنما‪ :‬هي فََعل‪ ،‬وفَِعل‪،‬‬
‫وفَُعل ومضارعاتها‪ :‬ي َْفعُ ْ‬
‫ل‪ ،‬وي َْفِعل‪ ،‬وي َْفَعل‪.‬‬
‫والسماء تكون على فََعل ؛ نحو‪ :‬جمل وجبل‪ ،‬وعلى‬
‫فَِعل ؛ نحو‪ :‬فخذ وكتف‪ ،‬وعلى فَُعل ؛ نحو‪ :‬رجل وعضد‪.‬‬
‫وتكون السماء مفردة بِفَعل ؛ نحو‪ :‬ضلع وعوض‪ ،‬وبُفُعل‬
‫نحو‪ :‬خضض‪ ،‬وعنق‪.‬‬
‫وتكون سواكن الوساط ؛ نحو‪ :‬فهد‪ ،‬وكلب‪ ،‬ونحو‪ :‬جذع‪،‬‬
‫وعدل‪ ،‬ونحو‪ :‬برد‪ ،‬وخرج‪.‬‬
‫ل‪.‬‬
‫ويكون في المتحركة‪ ،‬نحو‪ :‬إبل‪ ،‬وإط ٍ‬
‫فإذا صرت إلى الربعة لم تكن الفعال بغير زائدة إل على‬
‫فَعْل َ َ‬
‫ل ؛ نحو‪ :‬دحرج‪ ،‬وسرهف‪ ،‬وهملج‪ .‬فهذا نظيره في‬
‫السماء جعفر‪ ،‬وصندل‪ ،‬وفرقد‪.‬‬
‫وتكون في السماء على فِعَْلل ؛ نحو‪ :‬درهم‪ ،‬وهجرع‪.‬‬
‫وفُعُْلل نحو‪ :‬حبرج وترتم‪ ،‬وفِعِْلل نحو‪ :‬زبرج‪ ،‬وزئبر‪.‬‬
‫فلذلك كان في السماء مثل سفرجل‪ ،‬وجحمرش‪،‬‬
‫وجردحل‪ ،‬وقذعمل‪.‬‬
‫فزادت هذه البنية كما زادت ما ذكرت لك‪ .‬وإنما ذكرت‬
‫لك رسما وبقيت أشياء ؛ لنى إنما أردت بما بينت اليضاح‬
‫لهذا الصل الذي ذكرته‪.‬‬
‫وقال قوم‪ :‬الفعال تلزمها الزوائد‪ ،‬وتتصرف بها‪ ،‬فيلزمها‬
‫حروف المضارعة وغير ذلك من الزوائد ؛ كما لحق الربعة‬
‫التاء في تدحرج‪ ،‬وألف الوصل والنون‪ ،‬في احرنجم‪،‬‬
‫ونحوه‪ ،‬وتضعيف اللم في قولك‪ :‬اقشعر‪ ،‬واطمأن‪،‬‬
‫فكرهو أن يبلغوا بها الخمسة‪ ،‬فتلزمها الزوائد فتخرج عن‬
‫المقدار‪ ،‬وتصير إلى ما يستثقل‪ .‬والسماء ل يكره ذلك‬
‫فيها ؛ لن الزوائد غير لزمة لها‪ ،‬وإن كانت قد تدخل في‬
‫بعضها وليس في بمنزلة اللزم للمعاني‪.‬‬
‫أل ترى أن قولك‪ :‬اقتدر‪ ،‬واستخرج‪ ،‬وقاتل‪ ،‬واغدودن‪،‬‬
‫ن بالزوائد‪ ،‬لول‬
‫واعلوط قد خرجت هذه الفعال إلى معا ٍ‬
‫هذه الزوائد لم تعلم‪.‬‬
‫إذا قلت‪ :‬استخرج فمعناه‪ :‬أنه طلب أن يخرج إليه‪.‬‬
‫وإذا قلت‪ :‬فاعَ َ‬
‫ل وجب أن يكون الفعل من اثنين‪.‬‬

‫‪142‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وإذا قلت‪ :‬فَعّ َ‬
‫ل فقد كثرت الفعل‪.‬‬
‫والسماء ل يكون فيها شيء من هذا إل التي تبنى على‬
‫أفعالها ؛ نحو‪ :‬مستخرج‪ ،‬ومنطلق‪ ،‬فإنها بعد راجعة إلى‬
‫الفعال‪.‬‬
‫وقال قوم‪ :‬لما كانت السماء هي التي يخبر عنها‪ ،‬وإنما‬
‫الفعال آلة لها‪ ،‬جعلت لها على الفعال فضيلة تبين بها‬
‫حال تمكنها‪.‬‬
‫وكل القاويل حسن جميل‪ .‬وهذا الخير قول المازني ‪.‬‬
‫باب‬
‫مصطفين‬
‫قال أبو العباس‪ :‬وهذا أيضا مما لم يفسر‪.‬‬
‫إذا كان السم مقصورا فإنما تأويل قصره أن يكون آخره‬
‫ألفا‪ ،‬واللف ل تدخلها الحركات‪ ،‬و ل تكون أصل‪ ،‬وإنما هي‬
‫منقلبة من ياٍء أو واو‪ ،‬أو تكون زائدة ‪.‬‬
‫فأما المنقلبة ؛ فنحو ألف قفا‪ ،‬وإنما هي واو قفوت‪،‬‬
‫وحصى إنما هي منقلبة عن ياٍء ‪.‬‬
‫تقول إذا جمعت‪ :‬حصيات ؛ كما أنها في الفعل كذلك‪.‬‬
‫تقول‪ :‬رميت وغزوت‪ ،‬وتقول لغيرك‪ :‬رمى‪ ،‬وغزا‪.‬‬
‫والزائدة مثل ألف حبلى‪ ،‬لنه من الحبل‪ ،‬وذكلك معزى‪،‬‬
‫وحبنطى من قولك‪ :‬معز‪ ،‬وحبط بطنه‪.‬‬
‫فهذه اللف ل يدخلها إعراب‪ ،‬ولكمنها تنون إذا كان السم‬
‫منصرفا‪ ،‬ويترك تنوينها إذا كان مما ل ينصرف‪.‬‬
‫فإذا ثنيت اسما هي فيه والسم على ثلثة أحرف‪ ،‬أبدلت‬
‫منها كما كان أصلها‪ ،‬فتظهر الواو الياء‪ ،‬لنها في موضع‬
‫حركة‪ ،‬واللف ل تتحرك‪.‬‬
‫تقول في ثنية قفا‪ :‬قفوان‪ ،‬وفي تثنية رحى‪ :‬رحيان ؛ كما‬
‫كنت قائل في الفعل‪ :‬غزوا إذا ثنيت ؛ لنه من غزوت‪،‬‬
‫ورميا ؛ لنه من رميت‪.‬‬
‫وإذا كانت اللف رابعة فصاعدا رجعت إلى الياء على كل‬
‫حال‪ .‬تقول‪ :‬غزوت ثم تقول ‪:‬أغزيت‪ ،‬واستغريت ‪.‬‬
‫وكذلك السم‪ ،‬تقول في تثنية ملهى‪ ،‬ومستغزى‪ :‬ملهيان‪،‬‬
‫مستغريان ‪.‬‬

‫‪143‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫فأما الياءات فل يحتاج إلى تفسيرها ؛ لن الواو إليها‬
‫تصير‪ ،‬فيصير اللفظ بهما واحدا‪.‬‬
‫فإذا أردت الجمع على جهة التثنية ‪ -‬وذلك ل يكون إل لما‬
‫يعقل ‪ -‬تقول‪ :‬مسلمان‪.‬‬
‫ومسلمون‪ ،‬وصالحان ‪ ،-‬وصالحون ‪.‬‬
‫فعلى هذا تقول‪ :‬في جمع مصطفى مصطفون‪ .‬وكان‬
‫الصل على ما أعطيتك مصطفيون‪ ،‬وقبل أن تنقلب‪:‬‬
‫مصطفوون‪ ،‬ولكنها لما صارت ألفا‪ ،‬لم يجز أن ترد إلى‬
‫ضمة ول إلى كسرة لعلتين‪.‬‬
‫إحداهما‪ :‬استثقال الضمة والكسرة في الموضع الذي‬
‫تنقلب الواو والياء فيه ألفين للفتحة قبلهما‪.‬‬
‫والثانية‪ :‬أنه ل نظير له فيخرج عن حد السماء و الفعال‪.‬‬
‫فإن كان في موضع فتح ثبت ؛ لن الفتحة أخف‪ ،‬ولن له‬
‫نظيرا في السماء والفعال‪.‬‬
‫فأما في الفعال فإنك تقول للواحد‪ :‬غزا‪ ،‬وللثنين‪ :‬غزوا ؛‬
‫لثا بلتبس الواحد بالثنين‪ .‬وكذلك رمى‪ ،‬ورميا‪.‬‬
‫وأما في السماء فقولك‪ :‬النزوان‪ ،‬والغثيان ؛ لنك لو‬
‫حذفت ل لتبس بفعال من غير المعتل‪.‬‬
‫وقولنا‪ :‬الفتحة أخف‪ .‬قد بان لك أمرها‪.‬‬
‫تقول‪ :‬هذا زيد‪ ،‬ومررت بزيد‪ ،‬فل تعوض عن التنوين ؛ لن‬
‫قبله كسرة أو ضمة‪.‬‬
‫وتقول‪ :‬رأيت زيدا‪ ،‬فتبدل منه ألفا من أجل الفتحة‪.‬‬
‫وتقول‪ :‬رأيت قاضيا‪ ،‬وتسكن الياء في الخفض والرفع‪،‬‬
‫في الوقف والوصل‪ ،‬ثم تذهب‪ ،‬للتقاء الساكنين‪ ،‬وهو‬
‫التنوين الذي يلحقها وهن ساكنة‪.‬‬
‫وتقول في فخذ ‪ -‬إن شئت ‪ -‬فخذ ؛ وفي علم‪ :‬علم ‪.‬‬
‫وكذلك في عضد‪ ،‬ورجل‪ :‬عضد ورجل‪ .‬ول يجوز السكان‬
‫في جمل وما كان مثله‪.‬‬
‫فعلى هذا تقول‪ :‬هما مصطفيان‪ ،‬وهما الشقيان‪ ،‬وأعجبني‬
‫قفواهما‪ ،‬ورأيت قفويهما والمصطفيين‪.‬‬
‫فإذا كان الجمع لحقت الواو هذه اللف التي كانت في‬
‫معزى‪ ،‬ومصطفى والواو ساكنة‪.‬‬

‫‪144‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وكذلك هذه اللف فحذفت اللف للتقاء الساكنين‪ ،‬فبقيت‬
‫واو الجمع‪ ،‬أو ياء الجمع‪ ، ،‬وما قبل كل واحد مفتوح ؛ لنه‬
‫كان مفتوحا قبل اللف فحذفت اللف وبقى الشيء على‬
‫حاله‬
‫هذا باب المضمر المتصل‬
‫اعلم أن كل موضع تقدر فيه على المضمر متصل‬
‫فالمنفصل ل يقع فيه‪ :‬تقول‪ :‬قمت‪ ،‬ول يصلح‪ :‬قام أنا‪.‬‬
‫وكذلك ضربتك‪ ،‬ل يصلح‪ :‬ضربت إياك‪.‬‬
‫وكذلك‪ ،‬ظننتك قائما‪ ،‬ورأيتني‪ ،‬ول يصلح‪ :‬رأيت إياى‪.‬‬
‫فإن كان موضع ل يقع فيه المتصل وقع فيه المنفصل‪ .‬هذا‬
‫جملة هذا‪.‬‬
‫تقول‪ :‬أنت قمت‪ ،‬فتظهر أنت ؛ لن التاء التي تكون في‬
‫فعلت ل تقع ها هنا‪ .‬وتقول‪ :‬ما جاءك إل أنا‪ .‬وما جاءني إل‬
‫أنت‪ ،‬وما ضربت إل إياك ضربت ؛ لن الكاف التي في‬
‫ضريتك ل تقع ها هنا ح ل تقول كضربت‪ ،‬وكذلك جميع هذا‬
‫‪.‬‬
‫واعلم أن ضمير المرفوع التاء‪ .‬يقول المتكلم إذا عنى‬
‫نفسه ذكرا كان أو أثنى‪ :‬قمت‪ ،‬وذهبت‪.‬‬
‫وإن عنى غيره كانت التاء على حالها إل أنها مفتوحة‬
‫للذكر‪ ،‬ومكسورة للمؤنث‪ .‬تقول‪ :‬فعلت يا رجل‪ ،‬وفعلت‬
‫يا امرأة‪ .‬فإن ثنى المتكلم نفسه‪ ،‬أو جمعها بأن يكون معه‬
‫واحد أو أكثر قال‪ :‬فلعنا‪ ،‬ولم يجز فعل نحن ؛ لما ذكرت‬
‫لك‪.‬‬
‫وإن ثنى المخاطب قال‪ :‬فعلتما‪ ،‬ذكرين كنا أو أثنتين‪ .‬وقد‬
‫تقدم تفسير هذا‪ .‬ول يجوز‪ :‬فَعَ َ‬
‫ل أنتما‪.‬‬
‫فإن جمع فكان المخاطبون ذكورا قال‪ :‬فعلتم‪ ،‬ول يقول‪:‬‬
‫فعل أنتم وإذا كن إناثا قال‪ :‬فعلتن‪ ،‬ول يجوز فعل أنتن‪.‬‬
‫فإن خبر عن ذكر كانت علمته في النية‪ ،‬ود ّ‬
‫ل عليها ما‬
‫تقدم من ذكره فقال‪ :‬زيد قام‪ ،‬وزيد ذهب‪.‬‬
‫فإن ثنى ألحق اللف فقال‪ :‬أخواك قاما‪.‬‬
‫وإن جمع ألحق واوا مكان اللف وقال‪ :‬إخوتك قاموا‪ ،‬فإذا‬
‫كان للغائب مؤنثا فكذلك‪ .‬تقول في الواحد‪ :‬هند قامت‪.‬‬

‫‪145‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫التاء علمة التأنيث والضمير في النية‪ ،‬كما كان في‬
‫المذكر وإن ثنى ألحق اللف‪.‬‬
‫بك للمخاطب وتكسر الكاف للمؤنث‪.‬‬
‫وتقول في الغائب‪ :‬رأيته‪ ،‬ومررت به‪ .‬ورأيتها‪ ،‬ومررت بها‬
‫للمؤنث‪ ،‬ورأيتهما‪ ،‬ومررت بهما للمذكر والمؤنث‪،‬‬
‫ورأيتهم‪ ،‬ومررت بهم للمذكر‪ ،‬ورأيتهن‪ ،‬ومررت بهن‬
‫للمؤنث‪ ،‬ورأيتكن‪ ،‬ومررت بكن للمخاطبات‪ ،‬وللمذكر‬
‫رأيتكم‪ ،‬ومررت بكم‪.‬‬
‫وكذلك تقول‪ :‬هذا الضاربي‪ ،‬الياء في موضع نصب‪ .‬وهذا‬
‫الماربي‪ ،‬الياء في موضع خفض‪.‬‬
‫فأما قولك‪ :‬ضربني‪ ،‬وأكرمني فإنما السم الياء‪ ،‬وهذه‬
‫النون زائدة‪ .‬زادوها عمادا للفعل‪ ،‬لن الفعال ل يدخلها‬
‫كسر ول جر‪ .‬وهذه الياء تكسر ما قبلها‪.‬‬
‫تقول‪ :‬هذا غلمي‪ ،‬ورأيت غلمي‪ ،‬فتكسر الميم التي‬
‫موضعها مرفوع ومنصوب‪ ،‬فزيدت هذه النون‪ ،‬لتسلم‬
‫فتحة الفعل في الماضي‪ ،‬وإعرابه في إعرابه‪.‬‬
‫وذلك ضربني‪ ،‬ويضربني‪ ،‬كما تفعل في الخفض إذا أردت‬
‫سلمة ما قبل الباء‪.‬‬
‫ن ل تحرك نونهما‪ ،‬لنهما‬
‫تقول‪ :‬مني وعني‪ ،‬الن ِ‬
‫ن‪ ،‬و ع ْ‬
‫م ْ‬
‫حروف مبنية‪ ،‬وكذلك قطنى‪ ،‬وقدني وما كان كمثل ذلك‪.‬‬
‫وإنما زيدت النون‪ ،‬لنها تزاد في الواخر‪ ،‬كالتنوين الذي‬
‫يلحق السماء‪ ،‬والنون الخفية والثقيلة التي تلحق الفعال‪،‬‬
‫والنون التي تزاد مع اللف في فعلن‪ ،‬والنون حرف أغن‬
‫مضارع حروف المد والين ‪.‬‬
‫هذا باب الضمار الذي يلحق الواحد الغائب‬
‫وتفسير أصله‪ ،‬وأين يجوز أن يبدل من الواو التي تلحقها‬
‫الياء والعلة في ذلك ?‬
‫فالصل في هذا الضمير أن تتبع هاءه واو‪ .‬فالسم الهاء‬
‫وحدها‪ ،‬والواو تلحقها لخفاء الهاء‪ .‬فإذا وقفت وقفت‬
‫بالهاء وحدها‪ ،‬لئل يكون الزاز بمنزلة الحروف الصلية‪.‬‬
‫وذلك قولك‪ :‬رأيته‪ ،‬وأعطيته إذا وقفت‪.‬‬
‫فإذا وصلت قلت‪ :‬أعطيتهو يا رجل‪ ،‬وجاءني غلمهو‬

‫‪146‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫فاعلم‪ ،‬ورأيت غلمهو يا فتى‪ ،‬ومررت بغلمهو‪ ،‬ومررت‬
‫بهو‪ ،‬و " فخسفنا بهو وبدارهو الرض"‪ ،‬وعليهو مال‪ ،‬وهذه‬
‫عصاهو يافتى‪ ،‬وهذا أخوهو فاعلم‪.‬‬
‫هذا الصل في هذا كله ‪.‬‬
‫فإن كان قبل هذه الهاء ياٌء أو كسرة‪ ،‬كان الحسن أن‬
‫تبدل من ضمتها كسرة‪ ،‬لستثقالهم الضمة بعد الياء‪،‬‬
‫والكسرة‪ ،‬ومن الواو ياء‪.‬‬
‫وإن جئت بها على الصل كما بدأنا به فعربي جيد ‪.‬‬
‫فأما ما كانت قبلها كسرة فنحو‪ :‬مررت بهى يا فتى‪،‬‬
‫ونزلت في دارهى يا هذا‪ ،‬ونحو ذلك ‪ ،‬وأما ما كان بالياء‬
‫فإنما يصلح إذا كانت الياء ساكنة‪ ،‬نحو نزلت عليهى يا‬
‫فتى‪ ،‬وذهبت إليهى يا رجل‪.‬‬
‫وإن شئت حذفت التي بعد الهاء‪ ،‬لسكونها وسكون الياء‪،‬‬
‫لن الهاء التي بينهما حاجز ليس بحصين‪ .‬فتقول‪ :‬نزلت‬
‫عليه يا فتى‪ ،‬وذهبت إليه فاعلم‪.‬‬
‫وكذلك تفعل بما كان مثله نحو قوله عز وجل " فألقى‬
‫موسى عصاه "‪ ،‬لن هذا يشبه بالتقاء الساكنين‪ ،‬لخفاء‬
‫الهاء‪.‬‬
‫فإن كانت الياء متحركة لم يكن ذلك‪ ،‬لن الحركة حاجزة‬
‫بينهما‪ .‬تقول‪ :‬رأيت قاضيهو يا فتى‪ ،‬وكلمت غازيهو فاعلم‪.‬‬
‫فإن كانت هذه الهاء لمؤنث لزمتها اللف والفتحة‪ ،‬للفصل‬
‫بين المؤنث والمذكر‪ ،‬وجرى ذلك في الوقف مجراه في‬
‫الوصل‪ ،‬لخفة الفتحة واللف‪ ،‬كما أنك تقول‪ :‬رأيت زيدا‬
‫في النصب‪ ،‬وتقف في الرفع والخفض بغير واو ول ياٍء‪،‬‬
‫ذولك قولك‪ :‬رأيتها‪ ،‬وضربتها‪ ،‬وهذا غازيها‪ ،‬ورأيت قاضيها‪.‬‬
‫هذا باب ما يختار فيه حذف الواو والياء من هذه الهاءات‬
‫اعلم أنه إذا كان قبل هاء المذكر ياءٌ ساكنة‪ ،‬أو واو‬
‫ساكنة‪ ،‬أو ألف كان الذي يختار حذف الواو والياء بعدها‪.‬‬
‫وذلك ؛ لن قبلها حرف لين‪ ،‬وهي خفية‪ ،‬وبعدها حرف‬
‫لين‪ ،‬فكرهوا اجتماع حرفين ساكنين كلهما حرف لين‬
‫ليس بينهما إل حرف خفى‪ ،‬مخرجه مخرج اللف وهي‬
‫إحدى هذه الثلث‪.‬‬

‫‪147‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وذلك قوله " فألقى موسى عصاه " " وعليه ما حمل "‬
‫وفيه بصائر ورأيت قفاه يافتى‪.‬‬
‫وإن أتممت فعربى حسن‪ ،‬وهو الصل‪ ،‬وهو الختيار‪ ،‬لما‬
‫ذكرت لك‪ .‬فإن كا قبل الهاء حرف ساكن ليس من هذه‬
‫الحروف‪ ،‬فإن سيبويه والخليل يختاران التمام‪.‬‬
‫ت‬
‫ت محكما ٌ‬
‫والحذف عندى أحسن‪ .‬وذلك قوله " منه آيا ٌ‬
‫"‪ ،‬ومن لدنه يا فتى‪ ،‬في إل ‪....‬‬
‫وسيبويه‪ ،‬والخليل يختازان إتمام الواو‪ ،‬لما ذكرت لك‪،‬‬
‫فالتمام عندهما أجود‪ ،‬لنها قد خرجت من حروف اللين‬
‫تقول رأيت ‪ ...‬يا فتى‪.‬‬
‫واعلم أن الشعراء يضطرون فيحذفون هذه الياء والواو‪،‬‬
‫ويبقون الحركة‪ ،‬لنها ليست بأصل كما يحذفون سائر‬
‫الزوائد‪ .‬فمن ذلك قول الشاعر‪:‬‬
‫سأجعل عينيهي‬
‫فإن يك غثا ً أو سمينا‬
‫لنفسه مقنعا‬
‫فإننـي‬
‫وقال الخر‪:‬‬
‫وما له مـن مـجـدٍ قـديم من الريح ح ٌ‬
‫ظل‬
‫الجنوب‪ ،‬ول الصبا‬
‫ول لـه‬
‫وقال‪:‬‬
‫له زج ٌ‬
‫إذا طلب الوسيقة أو‬
‫ل كأنه صوت‬
‫زمير‬
‫حـاد‬
‫وهذا كثير في الشعر جدا‪.‬‬
‫وقد اضطر الشاعر أشد من هذه الضرورة‪ ،‬فحذف‬
‫الحركة مع الحرف‪ ،‬وكان ذلك جائزا؛ لنها زيادة‪ .‬وهو‬
‫قوله‪:‬‬
‫ومطواى مشتاقان له‬
‫فظلت لدى البيت‬
‫أرقـان‬
‫العتيق أريغه‬
‫هذا باب إضمار جمع المذكر‬
‫اعلم أن حد الضمار أن يكون كافا‪ ،‬وميما‪ ،‬وواوا إذا كان‬
‫المخاطبون مذكرين‪.‬‬
‫فتقول‪ :‬ضربتكمو ياقوم‪ ،‬ورأيتكمو المنطلقين‪.‬‬
‫وإنما كانت الواو لهذا لزمة‪ ،‬لن التثنية رأيتكما‪ ،‬وإذا‬

‫‪148‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫لزمت التثنية اللف لزمت الجمع الواو كقولك‪ :‬مسلمان‪،‬‬
‫ومسلمون‪.‬‬
‫ولكنك تحذف إن شئت هذه الواو استخفافا ‪ -‬فتقول‪:‬‬
‫رأيتكهم‪ ،‬زضربتكم‪.‬‬
‫وإنما كان ذلك‪ ،‬لن التثنية تلزمها اللف‪ ،‬فل يكون ها هنا‬
‫التباس‪.‬‬
‫فإن قال قائل‪ :‬فلم لم تحذف اللف من الثنين‪ ،‬وتبقى‬
‫الواو في الجمع ? قيل‪ :‬لما تقدم ذكره من خفة الفتحة‬
‫واللف‪.‬‬
‫أل ترى أنك تقول في المؤنث‪ :‬مررت بها‪ ،‬فل تقف إل‬
‫باللف‪ ،‬وفي وقف المذكر‪ :‬مررت به‪ ،‬ورأيته‪ ،‬بغير ياء ول‬
‫واو‪ ،‬كما وصفت لك في قولك‪ :‬مررت بزيد‪ ،‬ورأيت زيدا‪.‬‬
‫فإن قال قائل‪ :‬فما بالكم إذا قلتكم‪ :‬رأيتكم حذفتم الواو‪،‬‬
‫ولم تثبتوا الحركة ? قيل‪ :‬لن الضمة في الستثقال مع‬
‫هذا كالواو‪ ،‬وإنما بقيت الحركة في الواحد في قوله‪" :‬‬
‫ت " و " عليه ما حمل "‪ ،‬لن ما قبل‬
‫ت محكما ٌ‬
‫منه آيا ٌ‬
‫الهاء ساكن فلم يجوز إسكانها‪ ،‬فيلتقى ساكنان‪.‬‬
‫وإن خبرت عن جماعة مخاطبين أنهم فعلوا فحقه أن‬
‫يقال‪ :‬فعلتمو‪ ،‬وذهبتمو‪ ،‬كما يقال للثنين‪ :‬فعلتما‪.‬‬
‫وأما الكاف في ضربتكم فإنما جاءت‪ ،‬لنها ضمير‬
‫المتصوب والمخفوض ثم لحقها زيادة للجمع‪.‬‬
‫أل ترى أنك تقول ضربتك‪ ،‬وضربتكتما‪ ،‬وضربتكمو‪.‬‬
‫وتقول‪ :‬إذا كانوا فاعلين‪ ،‬ضربت‪ ،‬ضربتما‪ ،‬وضربتموه‪.‬‬
‫وتقول ضربتم بغير واو ولما أخبرتك في أول باب‪ ،‬فهذا‬
‫ذاك بعينه‪.‬‬
‫فإن كان المذكرون غيابا وضعت الهاء مكان الكاف إذا‬
‫كانوا منصوبين‪ ،‬أو مخفوضين‪.‬‬
‫تقول‪ :‬رأيتهمو يا فتى‪ ،‬ومررت بهمو فاعلم‪.‬‬
‫ويجوز الحذف‪ ،‬ويكون حسنا يختاره أكثر الناس‪ ،‬كما كان‬
‫في المخاطبين‪ ،‬إل أنه يجوز الهاء أن تكسر إذا كان قبلها‬
‫كسرة‪ ،‬أو ياء‪.‬‬
‫فتقول‪ :‬مررت بهمى‪ ،‬وتزلت عليهمى‪.‬‬

‫‪149‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ومن حذف قال‪ :‬مررت بهم‪ ،‬ونزلت عليهم‪.‬‬
‫وإنما جاز هذا في الهاء‪ ،‬لخفائها كما ذكرت لك في‬
‫الواحد‪ ،‬ومنهم من يكسر الهاء لخفائها ويدع ما بعدها‬
‫مضموما لنه ليس من الحروف الخفية‪ .‬فيقول‪ :‬مررت‬
‫بهمو‪ ،‬والتباع أحسن وهو أن يقول‪ :‬مررت بهمى‪ ،‬ونزلت‬
‫عليهمى‪.‬‬
‫وناس من بكر بن وائل يجرون الكاف مجرى الهاء‪ ،‬إذا‬
‫كانت مهموسة مثلها وكانت علمة إضمار كالهاء‪.‬‬
‫وذلك غلط منهم فاحش‪ ،‬لنها لم تشببها في الخفاء الذي‬
‫من أجله جاز ذلك في الهاء‪.‬‬
‫وإنما ينبغي أن يجرى الحرف مجرى غيره إذا أشبههه في‬
‫علته‪ ،‬فيقولون‪ :‬مررت بكم‪ ،‬وينشدون هذا البيت‪:‬‬
‫من الدهر ردوا فضل‬
‫وإن قال مولهم على‬
‫أحلمكم ردوا‬
‫ث‬
‫جـل حـاد ٍ‬
‫وهذا خطأ عند أهل النظر مردود‪.‬‬
‫واعلم أن المذكر الواحد ل تظهر له علمة في الفعل‪.‬‬
‫وذلك قولك‪ :‬زيد قام‪ ،‬وإنما ضميره في النية‪.‬‬
‫وإنما كان للمخاطب علمة الجهة حرف المخاطبة‪.‬‬
‫فإن ثنيت الغائب ألحقته ألفا فقلت‪ :‬فََعل‪ ،‬وإن جمعته‬
‫ألحقت واوا فقلت‪ :‬فَعَُلوا‪ ،‬لن اللف إذا لحقت في التثنية‬
‫لحقت الواو في الجمع‪.‬‬
‫فأما يفعلون وما كان مثله فإنا أخرنا ذكره حتى نذكره في‬
‫إعراب الفعال‪.‬‬
‫واعلم أن المؤنث يجرى فيما ذكرنا مجرى المذكر‪ ،‬إل أن‬
‫علمة المؤنث المخاطب أن يلحقه الكسرة‪ ،‬لن الكسرة‬
‫مما تؤنث‪.‬‬
‫وجمع المؤنث بالنون مكان الميم‪.‬‬
‫فكل موضع ل تكون علمة المذكر فيه واوا في الصل‬
‫فالنون للمؤنث قفيه مضاعفة‪ .‬ليكون الحرفان بإزاء‬
‫الحرفين‪.‬‬
‫وكل موضع علمة المذكر فيه الواو وحدها فنون المؤنث‬
‫فيه مفردة‪.‬‬

‫‪150‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وتقول فيما كان لمؤنث‪ :‬ضربتن وقلتن وقلت للمذكرين‪:‬‬
‫ضربتمو وقلتمو‪ ،‬في المفعول‪ :‬ضربتكن كما تقول‪:‬‬
‫ضربتكمو‪ ،‬وأكرمتكمو‪.‬‬
‫والموضع الذي تكون فيه مفردة ضربن كما تقول‬
‫للمذكرين‪ :‬ضربوا‪ ،‬وأكرموا فل تلحق إل واوا واحدة‪.‬‬
‫فإن قلت‪ :‬فما بال الواو ساكنة‪ ،‬ونون جمع المؤنث‬
‫متحركة ? قيل‪ :‬نون التأنيث أصلها السكون‪ ،‬ولكنها‬
‫حركمت ل لتقاء الساكنين‪ ،‬لن ما قبلها ل يكون إل ساكنا‪.‬‬
‫فإن قيل‪ :‬فلم فتحت ? فالجواب في ذلك أنه نون جمع‬
‫فحملت على نظيرها‪.‬‬
‫ومن قال‪ :‬قمتم‪ ،‬وضربتم لم يحذف إحدى النونين‪ ،‬لنها‬
‫إنما تحذف ها هنا استثقال للضمة‪ ،‬والواو‪ ،‬ولول ذلك لكان‬
‫الصل إثابتها‪ ،‬وإنما هي في المؤنث نون مدغمة‪ ،‬فإذا‬
‫ة واحدة ‪.‬‬
‫أدغمت الحرف في الحرف رفعت لسانك رفع ً‬
‫الجزء الثاني‬
‫بسم الله الرحمن الرحيم‬
‫هذا باب إعراب الفعال المضارعة‬
‫وكيف صار العراب فيها دون سائر الفعال?‬
‫اعلم أن الفعال إنما دخلها العراب لمضارعتها السماء‪،‬‬
‫ولول ذلك لم يجب أن يعرب منها شيء‪.‬‬
‫و ذلك أن السماء هي المعربة‪ .‬وما كان غير السماء‬
‫فمآله لها‪ ،‬وهي الفعال‪ ،‬و الحروف‪.‬‬
‫و إنما ضارع السماء من الفعال ما دخلت عليه زائدةٌ من‬
‫الزوائد الربع التي توجب الفعل غير ماض‪ ،‬ولكنه يصلح‬
‫لوقتين‪ :‬لما أنت فيه‪ ،‬ولما لم يقع‪.‬‬
‫و الزوائد‪ :‬اللف‪ .‬وهي علمة المتكلم‪ ،‬وحقها أن يقال‪:‬‬
‫همزة‪.‬‬
‫و الياء‪ :‬وهي علمة الغائب‪.‬‬
‫و التاء‪ :‬وهي علمة المخاطب‪ ،‬وعلمة النثى الغائبة‪.‬‬
‫و النون‪ ،‬وهي للمتكلم إذا كان معه غيره‪ .‬وذلك قولك‪:‬‬
‫أفعل أنا‪ ،‬وتفعل أنت أو هي‪ ،‬ونفعل نحن‪ ،‬ويفعل هو‪.‬‬
‫و إنما قيل لها مضارعة؛ لنها تقع مواقع السماء في‬

‫‪151‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫المعنى‪ .‬تقول‪ :‬زيد يقوم‪ ،‬وزيد قائم‪ ،‬فيكون المعنى فيهما‬
‫واحدًا؛ كما قال عز وجل‪" :‬و إن ربك ليحكم بينهم" أي‬
‫م‪.‬‬
‫لحاك ٌ‬
‫و تقول‪ :‬زيد يأكل‪ ،‬فيصلح أن يكون في حال أكل‪ ،‬وأن‬
‫يأكل فيما يستقبل؛ كما تقول‪ :‬زيد آك ٌ‬
‫ل‪ .‬أي في حال أكل‪،‬‬
‫وزيد آك ٌ‬
‫ل غدًا‪ .‬وتلحقها الزوائد لمعنى؛ كما تلحق السماء‬
‫اللف واللم للتعريف؛ وذلك قولك‪ :‬سيفعل‪ ،‬وسوف‬
‫يفعل‪ ،‬وتلحقها اللم في إن زيدا ً ليفعل في معنى لفاعل‪.‬‬
‫فالفعال ثلثة أصناف‪ :‬منها هذا المضارع الذي ذكرناه‪،‬‬
‫وفعل وما كان في معناه لما مضى‪ ،‬وقولك‪ :‬افعل في‬
‫المر‪ .‬وهذان الصنفان ل يقعان في معاني السماء‪ ،‬ول‬
‫تلحقهما الزوائد كما تلحق السماء‪.‬‬
‫فأما ما كان من ذلك على فعل قلت حروفه أو كثرت إذا‬
‫أحاط به معنى فعل‪ ،‬نحو‪ :‬ضرب‪ ،‬وعلم‪ ،‬وكرم‪ ،‬وحمد‪،‬‬
‫ودحرج‪ ،‬وانطلق‪ ،‬وقتدر‪ ،‬وكلم‪ ،‬واستخرج‪ ،‬واغدودن‪،‬‬
‫واعلوط‪ ،‬وقاتل‪ ،‬وتقاتل‪ ،‬وكل ما كان في هذا المعنى‪،‬‬
‫وكذلك إن بنيته بناء ما لم يسم فاعله‪ ،‬نحو‪ :‬ضرب‪،‬‬
‫ودحرج‪ ،‬واستخرج فهذا كله مبني على الفتح‪.‬‬
‫ي أن يسكن آخره‪ ،‬فحرك آخر هذا‬
‫و كان حق كل مبن ٍ‬
‫لمضارعته المعربة‪ ،‬وذلك أنه ينعت به كما ينعت بها‪.‬‬
‫تقول‪ :‬جاءني رجل ضربنا‪ ،‬كما تقول‪ :‬هذا رجل يضربنا‪،‬‬
‫وضاربنا‪.‬‬
‫و تقع موقع المضارعة في الجزاء في قولك‪ :‬إن فعلت‬
‫فعلت‪ ،‬فالمعنى‪ :‬إن تفعل أفعل‪ .‬فلم يسكنوها كما لم‬
‫يسكنوا من السماء ما ضارع المتمكن‪ ،‬ول ما جعل من‬
‫المتمكن في موضع بمنزلة غير المتمكن‪.‬‬
‫فالمضارع من السماء‪ :‬من عل يا فتى لم يسكنوا اللم‪،‬‬
‫لنه في النكرة من عل يا فتى‪.‬‬
‫و المتمكن الذي جعل في موضع بمنزلة غير المتمكن‬
‫قولهم‪ :‬ابدأ بهذا أول ويا حكم‪.‬‬
‫و أما الفعال التي تقع للمر فل تضارع المتمكن؛ لنها ل‬
‫تقع موقع المضارع‪ ،‬ول ينعت بها؛ فلذلك سكن آخرها‪.‬‬

‫‪152‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫فإن قال قائل‪ :‬هي معربة مجزومة؛ لن معناها المر؛ أل‬
‫ترى أن قولك‪ :‬اضرب بمنزلة قولك‪ :‬ليضرب زيد ٌ في‬
‫المر فقوله ذلك يبطل من وجوه‪ :‬منها قولك‪ :‬صه‪ ،‬ومه‪،‬‬
‫وقدك في موضع المر‪ ،‬وكذلك حذار‪ ،‬ونزال‪ ،‬ونحوهما‪،‬‬
‫فقد يقع الشيء في معنى الشيء وليس من جنسه‪.‬‬
‫و من الدليل على فساد قوله أن هذه الفعال المضارعة‬
‫في العراب كالسماء المتمكنة‪ .‬والسماء إذا دخلت عليها‬
‫العوامل لم تغير أبنيتها‪ ،‬إنما تحدث فيها العراب‪ .‬وكذلك‬
‫هذه الفعال تلحقها العوامل فتحدث لها العراب بالزوائد‬
‫التي لحقتها‪ ،‬وهي التاء‪ ،‬والهمزة‪ ،‬والنون‪ ،‬والياء اللواتي‬
‫في يفعل‪ ،‬وتفعل‪ ،‬ونفعل‪ ،‬وأفعل‪.‬‬
‫فإذا قلت افعل في المر لم تلحقها عام ً‬
‫ل؛ ولم تقررها‬
‫على لفظها؛ أل ترى أن الجوازم إذا لحقتها لم تغير اللفظ‬
‫نحو قولك‪ :‬لم يضرب زيد وإن تذهب أذهب‪ ،‬وكذلك‬
‫ليذهب زيد‪ ،‬ول يذهب عبد الله‪ ،‬فإنما يلحقها العامل‬
‫وحروف المضارعة فيها‪.‬‬
‫و أنت إذا قلت‪ :‬اذهب فليس فيها عامل‪ ،‬ول فيها شيءٌ‬
‫من حروف المضارعة‪.‬‬
‫فإن قال قائل‪ :‬الضمار يعمل فبها‪ .‬قيل‪ :‬هذا فاسد من‬
‫وجهين‪ :‬أحدهما‪ :‬أن الفعل ل يعمل فيه الضمار إل أن‬
‫يعوض من العامل‪.‬‬
‫و الثاني‪ :‬أنه لو كان ينجزم بجازم مضمر لكان حرف‬
‫المضارعة فيه الذي به يجب العراب‪ ،‬لن المضمر‬
‫كالظاهر‪.‬‬
‫أل ترى أنك لو أردت إضمار لم وكان هذا مما يجوز من‬
‫قولك‪ :‬لم يضرب‪ ،‬فحذفت لم‪ ،‬لبقيت يضرب على لفظها‬
‫ومعها لم‪.‬‬
‫فإن قال قائل‪ :‬فلم بناه على مقدار المضارعة؛ نحو‪:‬‬
‫اضرب‪ ،‬وانطلق فقد كسرت كما تقول‪ :‬يضرب وينطلق‪.‬‬
‫وكذلك اقتل كما تقول‪ :‬يقتل? قيل‪ :‬إنما لحقت هذه‬
‫البنية؛ لنه لما لم يقع‪ ،‬وكذلك صورة ما لم يقع‪ .‬فهذا‬
‫احتجاج مغن‪ ،‬وفيه ما هو أكثر من هذا‪.‬‬

‫‪153‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫هذا باب تجريد إعراب الفعال‬
‫اعلم أن هذه الفعال المضارعة ترتفع بوقوعها مواقع‬
‫ة‪.‬‬
‫ة أو مخفوض ً‬
‫ة كانت السماء أو منصوب ً‬
‫السماء‪ ،‬مرفوع ً‬
‫فوقوعها مواقع السماء هو الذي يرفعها‪ .‬ول تنتصب إذا‬
‫كانت السماء في موضع نصب‪ ،‬ول تنخفض على كل‬
‫حال‪ ،‬وإن كانت السماء في موضع خفض‪.‬‬
‫فلها الرفع؛ لن ما يعمل في السم ل يعمل في الفعل‪.‬‬
‫فهي مرفوعة لما ذكرت لك حتى يدخل عليها ما ينصبها‪،‬‬
‫أو يجزمها‪ .‬وتلك عوامل لها خاصة ول تدخل على‬
‫السماء‪ ،‬كما ل تدخل عوامل السماء عليها‪ .‬فك ّ‬
‫ل على‬
‫حياله‪.‬‬
‫فأما ما كان منها في موضع رفع فقولك‪ :‬يقوم زيد‪ .‬يقوم‬
‫في موضع المبتدأ‪ ،‬وكذلك‪ :‬زيد يقوم يقوم في موضع‬
‫الخبر‪ .‬وإن زيدا ً يقوم‪ .‬يقوم في موضع خبر إن‪.‬‬
‫و ما كان منها في موضع المنصوب‪ ،‬فنحو‪ :‬كان زيد يقوم‬
‫يا فتى‪ ،‬وظننت زيدا ً يقوم‪.‬‬
‫و ما كان في موضع المجرور فنحو‪ :‬مررت برجل يقوم‪،‬‬
‫ومررت برجل يقوم أبوه‪.‬‬
‫فإذا أدخلت على هذه الفعال السين أو سوف فقد منعتها‬
‫بها من كل عامل‪ .‬وسيأتيك هذا مبينا ً في هذا الباب إن‬
‫شاء الله‪.‬‬
‫هذا باب الحروف التي تنصب الفعال‬
‫فمن هذه الحروف أن‪ ،‬وهي والفعل بمنزلة مصدره‪ ،‬إل‬
‫أنه مصدر ل يقع في الحال‪ .‬إنما يكون لما يقع إن وقعت‬
‫ض‪.‬‬
‫على مضارع‪ ،‬ولما مضى إن وقعت على ما ٍ‬
‫فأما وقوعها على المضارع؛ فنحو‪ :‬يسرني أن تقوم‪.‬‬
‫المعنى‪ :‬يسرني قيامك؛ لن القيام لم يقع‪ .‬والماضي‪:‬‬
‫يسرني أن قمت‪ .‬فأن هي أمكن الحروف في نصب‬
‫الفعال‪ .‬وكان الخليل يقول‪ :‬ل ينتصب فع ٌ‬
‫ل البتة إل بأن‬
‫ة‪ .‬وليس القول كما قال لما نذكره إن‬
‫مضمرةً أو مظهر ً‬
‫شاء الله‪.‬‬
‫و من هذه الحروف لن وهي نفي قولك‪ :‬سيفعل‪ .‬تقول‪:‬‬

‫‪154‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫لن يقوم زيد‪ ،‬ولن يذهب عبد الله‪.‬‬
‫و ل تتصل بالقسم كما لم يتصل به سيفعل‪.‬‬
‫و من هذه الحروف كي‪ ،‬تقول‪ :‬جئت كي تكرمني‪ ،‬وكي‬
‫يسرك زيد‪.‬‬
‫و منها إذن‪ ،‬تقول‪ :‬إذن يضربك زيد‪ .‬فهذه تعمل في‬
‫الفعال عمل عوامل السماء في السماء إذا قلت‪:‬‬
‫ضربت زيدًا‪ ،‬وأشتم عمرًا‪.‬‬
‫و اعلم أن هاهنا حروفا ً تنتصب بعدها الفعال وليست‬
‫ة‪ .‬فالفعل منتصب بأن‬
‫الناصبة‪ ،‬وإنما أن بعدها مضمر ٌ‬
‫ة عليها‪.‬‬
‫ض منها‪ ،‬ودال ٌ‬
‫وهذه الحروف عو ٌ‬
‫فمن هذه الحروف الفاء‪ ،‬والواو‪ ،‬وأو‪ ،‬وحتى‪ ،‬واللم‬
‫المكسورة‪.‬‬
‫فأما اللم فلها موضعان‪ :‬أحدهما نفي‪ ،‬والخر إيجاب‪.‬‬
‫وذلك قوله‪ :‬جئتك لكرمك وقوله عز وجل‪" :‬ليغفر لك الله‬
‫ما تقدم من ذنبك وما تأخر"‪ .‬فهذا موضع اليجاب‪.‬‬
‫و موضع النفي‪ :‬ما كان زيد ليقوم‪ .‬وكذلك قوله تبارك‬
‫وتعالى‪" :‬ما كان الله ليذر المؤمنين" "و ما كان الله‬
‫ليعذبهم وأنت فيهم"‪.‬‬
‫ة‪ ،‬وذلك لن اللم من عوامل‬
‫ف أن بعد هذه اللم مضمر ٌ‬
‫السماء‪ ،‬وعوامل السماء ل تعمل في الفعال‪ .‬ف أن‬
‫ة‪ ،‬فإذا أضمرت أن نصبت بها الفعل ودخلت‬
‫بعدها مضمر ٌ‬
‫د‪ ،‬كما أنها والفعل‬
‫م واح ٌ‬
‫عليها اللم؛ لن أن والفعل اس ٌ‬
‫مصدٌر‪ .‬فالمعنى‪ :‬جئت لن أكرمك‪ ،‬أي‪ :‬جئت لكرامك‪.‬‬
‫كقولك‪ :‬جئت لزيد‪.‬‬
‫فإن قلت‪ :‬ما كنت لضربك فمعناه‪ :‬ما كنت لهذا الفعل‪.‬‬
‫و أما الفاء‪ .‬وأو ففيهما معان تفسر على حيالها بعد فراغنا‬
‫من هذا الباب إن شاء الله‪ .‬وكذا حتى‪ ،‬وإذن‪.‬‬
‫ة‪.‬‬
‫و كان الخليل يقول‪ :‬إن أن بعد إذن مضمر ٌ‬
‫و كذلك لن وإنما هي ل أن ولكنك حذفت اللف من ل‪.‬‬
‫والهمزة من أن وجعلتها حرفا ً واحدًا‪.‬‬
‫و ليس القول عندي كما قال؛ وذلك أنك تقول‪ :‬زيدا ً لن‬
‫أضرب؛ كما تقول‪ :‬زيدا ً سأضرب‪ .‬فلو كان هذا كما قال‬

‫‪155‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫الخليل لفسد هذا الكلم؛ لن زيدا ً كان ينتصب بما في‬
‫صلة أن‪ .‬ولكن لن حرف بمنزلة أن‪.‬‬
‫و أما كي ففيها قولن‪ :‬أما من أدخل اللم فقال‪ :‬لكي‬
‫تقوم يا فتى فهي عنده والفعل مصدر؛ كما كان ذلك في‬
‫أن‪.‬‬
‫و أما من لم يدخل عليها اللم فقال‪ :‬كيمه كما تقول‪ :‬لمه‬
‫ف أن عنده بعدها مضمرة؛ لنها من عوامل السماء‬
‫كاللم‪.‬‬
‫هذا باب إذن‬
‫اعلم أن إذن في عوامل الفعال كظننت في عوامل‬
‫السماء‪ ،‬لنها تعمل وتلغى كظننت؛ أل ترى أنك تقول‪:‬‬
‫م‪ .‬إذا أردت زيد ٌ قائم في‬
‫ظننت زيدا ً قائمًا؛ وزيد ٌ ظننت قائ ٌ‬
‫ظني‪ ،‬وكذلك إذن إذا اعتمد الكلم عليها نصب بها‪ .‬وإن‬
‫كانت بين كلمين أحدهما في الخر عام ٌ‬
‫ل ألغيت ول يجوز‬
‫أن تعمل في هذا الموضع‪ ،‬كما تعمل ظننت إذا قلت‪ :‬زيدا ً‬
‫ظننت قائمًا؛ لن عوامل الفعال ل يجوز فيها التقديم‬
‫والتأخير؛ لنها ل تصرف‪.‬‬
‫فأما الموضع الذي تكون فيه مبتدأة وذلك قولك إذا قال‬
‫لك قائل‪ :‬أنا أكرمك قلت‪ :‬إذن أجزيك‪ .‬وكذلك إن قال‪:‬‬
‫انطلق زيد قلت‪ :‬إذن ينطلق عمرو‪ ،‬ومثله قول الضبي‪:‬‬
‫إذن يرد وقيد العير‬
‫اردد حمارك ل تنتزع‬
‫مكروب‬
‫سويته‬
‫ة البتة قولك‪ :‬إن تأتني‬
‫و الموضع الذي ل تكون فيه عامل ً‬
‫إذن آتك؛ لنها داخلة بين عامل ومعمول فيه‪.‬‬
‫و كذلك أنا إذن أكرمك‪.‬‬
‫و كذلك إن كانت في القسم بين المقسم به والمقسم‬
‫عليه؛ نحو قولك‪ :‬والله إذن ل أكرمك‪ .‬لن الكلم معتمد ٌ‬
‫على القسم‪ .‬فإن قدمتها كان الكلم معتمدا ً عليها‪ .‬فكان‬
‫القسم لغوًا؛ نحو‪ :‬إذن والله أضربك؛ لنك تريد‪ :‬إذن‬
‫أضربك والله‪.‬‬
‫فالذي تلغيه ل يكون مقدمًا؛ إنما يكون في أضعاف الكلم؛‬
‫أل ترى أنك ل تقول‪ :‬ظننت زيد منطلق؛ لنك إذا قدمت‬

‫‪156‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫الظن فإنما تبني كلمك على الشك‪.‬‬
‫و إنما جاز أن تفصل بالقسم بين إذن وما عملت فيه من‬
‫بين سائر حروف الفعال لتصرفها‪ ،‬وأنها تستعمل وتلغى‪،‬‬
‫وتدخل للبتداء‪ ،‬ولذلك شبهت بظننت من عوامل السماء‪.‬‬
‫و اعلم أنها إذا وقعت بعد واو أو فاٍء‪ ،‬صلح العمال فيها‬
‫واللغاء‪ ،‬لما أذكره لك وذلك قولك‪ :‬إن تأتني آتك وإذن‬
‫أكرمك‪ .‬إن شئت رفعت‪،‬و إن شئت نصبت‪ .‬وإن شئت‬
‫جزمت‪.‬‬
‫أما الجزم فعلى العطف على آتك وإلغاء إذن‪ .‬والنصب‬
‫على إعمال إذن‪ .‬والرفع على قولك‪ :‬وأنا أكرمك‪ ،‬ثم‬
‫أدخلت إذن بين البتداء والفعل فلم تعمل شيئًا‪.‬‬
‫و هذه الية في مصحف ابن مسعود "و إذن ل يلبثوا‬
‫خلفك" الفعل فيها منصوب بإذن والتقدير والله أعلم‬
‫التصال بإذن‪ ،‬وإن رفع فعلى أن الثاني محمول على‬
‫الول كما قال الله عز وجل‪" :‬فإذا ل يؤتون الناس نقيرًا"‬
‫أي فهم إذن كذلك‪.‬‬
‫فالفاء والواو يصلح بعدهما هذا الضمار على ما وصفت‬
‫لك من التقدير‪ ،‬وأن تنقطع إذن بعدهما مما قبلهما‪ .‬ثم‬
‫يدخلن للعطف بعد أن عملت إذن‪ .‬ونظير ذلك قولك‪ :‬إن‬
‫تعطني أشكرك وإذن أدعو الله لك‪ .‬كأنه قال‪ :‬إذن أدعو‬
‫الله لك ثم عطف هذه الجملة على ما قبلها؛ لن الذي‬
‫ن‪.‬‬
‫قبلها كل ٌ‬
‫م مستغ ٍ‬
‫و قد يجوز أن تقول‪ :‬إذن أكرمك إذا أخبرت أنك في حال‬
‫إكرام‪ ،‬لنها إذا كانت للحال خرجت من حروف النصب؛‬
‫لن حروف النصب إنما معناهن ما لم يقع‪ .‬فهذه حال إذن‬
‫إلى أن نفرد بابا ً لمسائلها إن شاء الله‪.‬‬
‫هذا باب الفاء وما ينتصب بعدها‬
‫وما يكون معطوفا ً بها على ما قبله‬
‫ة في الفعل؛ كما تعطف في السماء‪.‬‬
‫اعلم أن الفاء عاطف ٌ‬
‫تقول‪ :‬أنت تأتيني فتكرمني‪ ،‬وأنا أزورك فأحسن إليك؛ كما‬
‫تقول‪ :‬أنا آتيك ثم أكرمك‪ ،‬وأنا أزورك وأحسن إليك‪ .‬هذا‬
‫إذا كان الثاني داخل ً فيما يدخل فيه الول‪ .‬كما تكون‬

‫‪157‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫السماء في قولك‪ :‬رأيت زيدا ً فعمرًا‪ ،‬وأتيت الكوفة‬
‫فالبصرة‪ .‬فإن خالف الول الثاني لم يجز أن يحمل عليه‬
‫فحمل الول على معناه فانتصب الثاني بإضمار أن‪ ،‬وذلك‬
‫قولك‪ :‬ما تأتيني فتكرمني‪ ،‬وما أزورك فتحدثني‪.‬‬
‫إن أراد‪ :‬ما أزورك‪ ،‬وما تحدثني كان الرفع ل غير؛ لن‬
‫الثاني معطوف على الول‪.‬‬
‫و إن أراد‪ :‬ما أزورك فكيف تحدثني? وما أزورك إل لم‬
‫تحدثني‪ ،‬على معنى‪ :‬كلما زرتك لم تحدثني كان النصب؛‬
‫لن الثاني على خلف الول‪ .‬وتمثيل نصبه أن يكون‬
‫ث منك‪ .‬فلما‬
‫المعنى‪ :‬ما تكون مني زيارة فيكون حدي ٌ‬
‫ذهبت بالول إلى السم أضمرت أن إذا كنت قد عطفت‬
‫اسما ً على اسم‪ ،‬لن أن وما عملت فيه اسم‪ ،‬فالمعنى‪:‬‬
‫لم تكن زيارة فإكرام‪ ،‬وكذلك كل ما كان غير واجب‪ .‬وهو‬
‫المر‪ ،‬والنهي‪ ،‬والستفهام‪.‬‬
‫فالمر‪ :‬ائتني فأكرمك‪ ،‬وزرني فأعطيك‪ ،‬كما قال الشاعر‪:‬‬
‫يا ناق سيري عنقا ً‬
‫إلى سليمان‬
‫فنستريحـا‬
‫فسيحا‬
‫و النهي مثل ل تأتني فأكرمك‪ ،‬كقوله عز وجل‪" :‬ل تفتروا‬
‫على الله كذبا ً فيسحتكم بعذاب" وكقوله عز وجل‪" :‬و ل‬
‫تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي"‪.‬‬
‫و الستفهام‪ :‬أتأتيني فأعطيك? لنه استفهم عن التيان‪،‬‬
‫ولم يستفهم عن العطاء‪.‬‬
‫و إنما يكون إضمار أن إذا خالف الول الثاني‪ .‬أو قلت‪ :‬ل‬
‫تقم فتضرب زيدا ً لجزمت إذا أردت‪ :‬ل تقم‪ ،‬ول تضرب‬
‫زيدًا‪ .‬فإذا أردت‪ :‬ل تقم فتضرب زيدًا‪ ،‬أي فإنك إن قمت‬
‫ضربته لم يكن إل النصب؛ لنك لم ترد ب تضرب النهي‪.‬‬
‫ب لزيد‪.‬‬
‫فصار المعنى‪ :‬ل يكن منك قيام فيكون منك ضر ٌ‬
‫و ذلك أتأتيني فأكرمك? المعنى‪ :‬أيكون هذا منك? فإنه‬
‫متى كان منك كان مني إكرام‪.‬‬
‫هذا باب مسائل هذا الباب‬
‫ً‬
‫و ما يكون فيه معطوفا ً أو مبتدأ مرفوعا ً‬
‫وما ل يجوز فيه إل النصب إل أن يضطر شاعر‬

‫‪158‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫تقول‪ :‬ما تأتيني فتحدثني‪ .‬فالنصب يشتمل على معنيين‬
‫يجمعهما أن الثاني مخالف للول‪.‬‬
‫فأحد المعنيين‪ :‬ما تأتيني إل لم تحدثني‪ :‬أي قد يكون منك‬
‫إتيان ولكن لست تحدثني‪.‬‬
‫و المعنى الثاني‪ :‬ل يكون منك إتيان ول حديث فاعتباره ما‬
‫تأتيني محدثًا‪ ،‬وكلما أتيتني لم تحدثني‪.‬‬
‫و الوجه الخر‪ :‬ما تأتيني فكيف تحدثني‪ ،‬أي لو أتيتني‬
‫لحدثتني‪.‬‬
‫و أما الرفع فعلى وجهين‪ :‬أحدهما‪ :‬ما تأتيني‪ ،‬وما تحدثني‪،‬‬
‫والخر شريك لول داخل معه في النفي‪.‬‬
‫و الوجه الثاني أن تقول‪:‬ما تأتيني فتحدثني أي ما تأتيني‬
‫وأنت تحدثني وتكرمني‪.‬‬
‫و كذلك ما تعطيني فأشكرك‪ ،‬أي‪ :‬ما تعطيني وأنا أشكرك‬
‫على حال‪ .‬ومثل ذلك في الجزم ألم أعطك فتشكرني?‬
‫جزم تشكرني بلم ودخل معا ً في الستفهام‪ .‬والرفع على‬
‫قولك‪ :‬فأنت تشكرني‪.‬‬
‫و لو قلت‪ :‬ما أنت بصاحبي فأكرمك لكان النصب على‬
‫قولك‪ :‬فكيف أكرمك? ولم يجز الرفع على الشركة‪ ،‬لن‬
‫الول اسم فل يشرك الفعل معه‪ .‬ولكن لو حملته على‬
‫فأنا أكرمك على حال ثم تعطف جملة على جملة لجاز‪.‬‬
‫وعلى هذا قوله‪:‬‬
‫و ل من تميم في‬
‫فما أنت من قيس‬
‫الرؤوس العاظم‬
‫فتنبـح دونـهـا‬
‫و لو رفع على أنت تنبح على حال جاز‪.‬‬
‫و أما قول الله عز وجل‪" :‬ل يقضى عليهم فيموتوا" فهو‬
‫على قولك‪ :‬ل تأتيني‪ ،‬فأعطيك‪ ،‬أي لو تأتيني لعطيتك‪.‬‬
‫وهو الذي ذكرناه في أحد الوجهين من قولك‪ :‬ما تأتيني‬
‫فتحدثني إذا أردت‪ :‬لو تأتيني لحدثتني‪.‬‬
‫و تقول‪ :‬كأنك ل تأتنا فتحدثنا إذا أردت الوجه في قولك‪:‬‬
‫محدثا ً وهو الذي ذكرناه في ما تأتيني فتحدثني‪ ،‬أي‪ :‬كلما‬
‫أتيتني ل تحدثني‪ ،‬فهو ما تأتيني محدثًا‪ .‬أي قد يكون منك‬
‫إتيان ول تحديث‪ ،‬كما قال‪:‬‬

‫‪159‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ى بالفناء‬
‫كأنك لم تذبح لهلك‬
‫فيصبح ملق ً‬
‫إهابها‬
‫نعجة‬
‫و أما قوله عز وجل‪" :‬فإنما يقول له كن فيكون"‪ .‬النصب‬
‫هاهنا محال؛ لنه لم يجعل فيكون جوابًا‪ .‬هذا خلف‬
‫المعنى؛ لنه ليس هاهنا شرط‪.‬إنما المعنى‪ :‬فإنه يقول له‪:‬‬
‫كن فيكون‪ ،‬وكن حكاية‪.‬‬
‫و أما قوله عز وجل‪" :‬أن نقول له كن فيكون" فالنصب‬
‫والرفع‪.‬‬
‫فأما النصب فعلى أن تقول‪ :‬فيكون يا فتى‪ ،‬والرفع على‬
‫هو يقول فيكون‪.‬‬
‫و أما قول الشاعر‪:‬‬
‫و يغضب منه صاحبي‬
‫و ما أنا للشيء الذي‬
‫بقؤول‬
‫ليس نافعي‬
‫فإن الرفع الوجه؛ لن يغضب في صلة الذي؛ لن معناه‬
‫الذي يغضب منه صاحبي‪.‬‬
‫وكان سيبويه يقدم النصب ويثنى بالرفع‪ .‬وليس القول عند‬
‫كما قال‪،‬لن المعنى الذي يصح عليه الكلم إنما يكون بأن‬
‫يقع يغضب في الصلة كما ذكرت لك‪.‬‬
‫ومن أجاز النصب فإنما يجعل يغضب معطوفا ً على‬
‫الشيء‪ ،‬وذلك جائز‪ ،‬ولكنه بعيد‪ .‬وإنما جاز لن الشيء‬
‫منعوت‪ ،‬فكان تقديره‪ :‬وما أنا للشيء الذي هذه حاله‪،‬‬
‫م محمول على معناه؛ لنه‬
‫ولن يغضب صاحبي وهو كل ٌ‬
‫ليس يقول الغضب إنما يقول ما يوجب الغضب‪ .‬ومثل هذا‬
‫يجوز‪.‬‬
‫تقول‪ :‬إنما جاء به طعام زيد‪ ،‬والمعنى إنما جئت من أجله‪.‬‬
‫وكذلك قولك‪ :‬إنما شفاء زيد السيف‪ ،‬وإنما تحيته الشتم‪،‬‬
‫أي هذا الذي قد أقامه مقام التحية ومقام الشفاء؛كما‬
‫قال‪:‬‬
‫ب‬
‫و خيل قد دلفت لها‬
‫تحية بينهم ضر ٌ‬
‫وجيع‬
‫بخيل‬
‫فهذا كلم مفهوم وتحقيق لفظه ما ذكرته لك‪.‬‬
‫و أما قول الله عز وجل‪" :‬ألم تر أن الله أنزل من السماء‬

‫‪160‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ة" فهذا هو الوجه؛ لنه ليس‬
‫ماء فتصبح الرض مخضر ً‬
‫بجواب؛ لن المعنى في قوله‪" :‬ألم تر" إنما هو‪ :‬انتبه‬
‫وانظر‪ .‬أنزل الله من السماء ماء فكان كذا وكذا‪.‬‬
‫و ليس كقولك‪ :‬ألم تأت زيدا ً فيكرمك؛ لن الكرام يقع‬
‫بالتيان‪ .‬وليس اخضرار الرض واقعا ً من أجل رؤيتك‪.‬‬
‫و كذلك قوله عز وجل‪" :‬و ما يعلمان من أحد حتى يقول‬
‫ة فل تكفر فيتعلمون" لنه لم يجعل سبب‬
‫إنما نحن فتن ٌ‬
‫تعليمهم قوله ل تكفر؛ كما تقول‪ :‬ل تأتني فأضربك؛ لنه‬
‫يقول‪ :‬إنك إن أتيتني ضربتك‪ .‬وقوله‪ :‬فل تكفر حكاية‬
‫عنهم‪ ،‬وقوله‪ :‬فيتعلمون ليس متصل ً به‪ .‬ولو كان كذلك‬
‫كان ل تكفر فتتعلم يا فتى‪ ،‬ولكن هو محمول على قوله‪:‬‬
‫"يعلمون الناس السحر" فيتعلمون منهم‪ .‬ل يصح المعنى‬
‫إل على هذا أو على القطع أي‪ :‬منهم يتعلمون‪.‬‬
‫و أما قول النابغة‪:‬‬
‫عليه من الوسمي‬
‫فل زال قبٌر بين‬
‫ح ووابـل‬
‫بصرى وجاسم‬
‫س ّ‬
‫سأتبعه من خير ما‬
‫فينبت حوذانا وعوفا‬
‫قال قـائل‬
‫مـنـورا‬
‫فإن الرفع الوجه‪ ،‬لنه ليس بجواب‪ .‬إنما هو فذاك ينبت‬
‫حوذانا‪.‬و لو جعله جوابا ً لقوله‪ :‬فل زال كان وجها ً جيدًا‪.‬‬
‫و تقول‪ :‬ل تمددها فتشققها على العطف‪ ،‬فإن أردت‬
‫الجواب قلت‪ :‬فتشقها على ما فسرت لك‪.‬‬
‫وتقول‪ :‬أين بيتك فأزورك? فإن أردت أن تجعله جوابا ً‬
‫نصبت‪ ،‬وإن أردت أن تجعل الزيارة واقعة على حال قلت‪:‬‬
‫أين بيتك فأنا أزورك على حال‪.‬‬
‫و تقول في الجزاء‪ :‬من يأتني فيكرمني أعطه‪ ،‬ل يكون إل‬
‫ذلك؛ لن الكلم معطوف على ما قبله‪.‬‬
‫فإن قلت‪ :‬من يأتني آته فأكرمه كان الجزم الوجه‪ ،‬والرفع‬
‫جائز على القطع على قولك‪ :‬فأنا أكرمه‪.‬‬
‫و يجوز النصب وإن كان قبيحًا؛ لن الول ليس بواجب إل‬
‫بوقوع غيره‪.‬‬
‫و قد قرئ هذا الحرف على ثلثة أضرب "يحاسبكم به الله‬

‫‪161‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫فيغفر لمن يشاء" بالجزم والرفع والنصب‪.‬‬
‫و ينشد هذا البيت رفعا ً ونصبًا؛ لن الجزم يكسر الشعر‬
‫وإن كان الوجه‪ ،‬وهو قوله‪:‬‬
‫و من يغترب عن قومه مصارع مظلوم مجّرا ً‬
‫ومسحـبـا‬
‫ل يزل يرى‬
‫و تدفن منه الصالحات يكن ما أساء النار في‬
‫رأس كبكبـا‬
‫وإن يسـىء‬
‫و الواو والفاء في هذا سواء‪.‬‬
‫فأما قوله‪:‬‬
‫فيذرك من أخرى‬
‫فقلت له‪ :‬قرب ول‬
‫القطاة فتزلق‬
‫تجهـدنـه‬
‫فإنما هو على العطف فدخل كله في النفي‪ .‬أراد‪ :‬ول‬
‫يدنك‪ ،‬ول تزلقن‪.‬‬
‫و تقول‪ :‬إل تأتني فتكرمني أقعد عنك‪.‬‬
‫فالجزم الوجه في فتكرمني‪ ،‬والنصب يجوز من أجل‬
‫النفي؛ لن معناه إل تأتني مكرمًا؛ كما قال‪ :‬ما تأتيني‬
‫فتحدثني‪ .‬أي ما تأتني محدثًا‪ .‬وعلى هذا ينشد هذا البيت‪:‬‬
‫فيثبتها في مستوى‬
‫و من ل يقدم رجله‬
‫الرض يزلق‬
‫ة‬
‫مـطـمـئن ٌ‬
‫و اعلم أن الشاعر إذا اضطر جاز له أن ينصب في‬
‫الواجب والنصب على إضمار أن‪ .‬يذهب بالول إلى السم‬
‫على المعنى فيقول‪ :‬أنت تأتيني فتكرمني‪ .‬تريد‪ :‬أنت‬
‫يكون منك إتيان فإكرام فهذا ل يجوز في الكلم‪ ،‬وإنما‬
‫يجوز في الشعر للضرورة؛ كما يجوز صرف ما ل ينصرف‪،‬‬
‫وتضعيف ما ل يضعف في الكلم‪ .‬قال‪:‬‬
‫و ألحق بالعراق‬
‫سأترك منزلي لبني‬
‫فأستريحا‬
‫تمـيم‬
‫و قال الشاعر‪:‬‬
‫ة ل ينزل الذل و يأوي إليها المستجير‬
‫لنا هضب ٌ‬
‫فيعصما‬
‫وسطها‬

‫‪162‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫هذا إنشاد بعضهم‪ ،‬وهو في الرداءة على ما ذكرت لك‪.‬‬
‫وأكثرهم ينشد‪ :‬ليعصما وهو الوجه الجيد‪.‬‬
‫هذا باب الواو‬
‫اعلم أن الواو في الخبر بمنزلة الفاء‪ ،‬وكذلك كل موضع‬
‫يعطف فيه ما بعدها على ما قبلها فيدخل فيما دخل فيه‪.‬‬
‫وذلك قولك‪ :‬أنت تأتيني وتكرمني‪ ،‬وأنا أزورك‪ ،‬وأعطيك‪،‬‬
‫ولم آتك وأكرمك‪ ،‬وهل يذهب زيد‪ ،‬ويجيء عمرو? إذا‬
‫استفهمت عنهما جميعًا‪ ،‬وكذلك‪ :‬أين يذهب عمرو‪،‬‬
‫وينطلق عبد الله? ول تضربن زيدًا‪ ،‬وتشتم عمرًا؛ لن‬
‫النهي عنهما جميعًا‪.‬‬
‫فإن جعلت الثاني جوابا ً فليس له في جميع الكلم إل‬
‫معنى واحد‪،‬و هو الجمع بين الشيئين‪ .‬وذلك قولك‪ :‬ل تأكل‬
‫السمك وتشرب اللبن‪ .‬أي ل يكون منك جمع بين هذين‪.‬‬
‫فإن نهاه عن كل واحد منهما على حال‪ :‬قال ل تأكل‬
‫السمك وتشرب اللبن؛ لنه أراد‪ :‬ل تأكل السمك على‬
‫حال ول تشرب اللبن على حال‪.‬‬
‫فتمثيله في الوجه الول ل يكن منك أك ٌ‬
‫ل للسمك‪ ،‬وأن‬
‫تشرب اللبن‪.‬‬
‫و على هذا القول ل يسعني شيٌء ويعجز عنك ل معنى‬
‫للرفع في يعجز‪ ،‬لنه ليس يخبر أن الشياء كلها ل تسعه‪،‬‬
‫وأن الشياء كلها ل تعجز عنه؛ كما قال‪:‬‬
‫ل تنه عن خلق وتأتي عاٌر عليك إذا فعلت‬
‫عظيم‬
‫مثلـه‬
‫أي ل يجتمع أن تنهي وتأتي مثله‪ .‬ولو جزم كان المعنى‬
‫فاسدًا‪.‬‬
‫و لو قلت بالفاء‪ :‬ل يسعني شيء فيعجز عنك كان جيدًا؛‬
‫لن معناه‪ :‬ل يسعني شيء إل لم يعجز عنك‪ ،‬ول يسعني‬
‫عاجزا ً عنك هذا تمثيل هذا؛ كما قلت لك في ما تأتيني‬
‫فتحدثني أي إل لم تحدثني‪ ،‬وما تأتيني محدثًا‪.‬‬
‫فمعنى الواو الجمع بين الشيئين‪ .‬ونصبها على إضمار أن؛‬
‫كما كان في الفاء‪ .‬وتنصب في كل موضع تنصب فيه‬
‫الفاء؛ أل ترى أن قولك‪ :‬زرني وأزورك‪ ،‬إنما هو لتكن منك‬

‫‪163‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫زيارة‪ ،‬وزيارة مني‪.‬‬
‫و لو أراد المر في الثاني لقال‪ :‬زرني ولزرك‪ .‬حتى يكون‬
‫المر جاريا ً عليهما‪.‬‬
‫و النحويون ينشدون هذا البيت على ضربين‪ ،‬وهو قول‬
‫الشاعر‪:‬‬
‫ت ويسأم‬
‫لقد كان في حول‬
‫تقضى لبانا ٌ‬
‫سـائم‬
‫ثواٍء ثويته‬
‫فيرفع يسأم لنه عطفه على فعل وهو تقضى فل يكون إل‬
‫رفعًا‪.‬‬
‫و من قال‪ :‬تقضى لبانات قال‪ :‬ويسأم سائم؛ لن تقضى‬
‫م‪ ،‬فلم يجز أن تعطف عليه فع ً‬
‫ل‪ .‬فأضمر أن ليجري‬
‫اس ٌ‬
‫المصدر على المصدر‪ ،‬فصار‪ :‬تقضى لبانات وأن يسأم‬
‫سائم‪ :‬أي وسآمة سائم‪ .‬وعلى هذا ينشد هذا البيت‪:‬‬
‫أحب إلي من لبس‬
‫للبس عباءة وتقر‬
‫الشفوف‬
‫عـينـي‬
‫أي‪ :‬وأن تقر عيني‪.‬‬
‫فأما قوله‪:‬‬
‫ألم أك جاركم ويكون و بينكم المودة‬
‫والخـاء‬
‫بيني‬
‫فإنه أراد‪ :‬ألم يجتمع كون هذا منكم‪ ،‬وكون هذا مني?! و‬
‫لو أراد الفراد فيهما لم يكن إل مجزومًا‪ .‬كأنه قال‪ :‬ألم‬
‫يكن بيني وبينكم‪.‬‬
‫و الية تقرأ على وجهين "و لما يعلم الله الذين جاهدوا‬
‫منكم ويعلم الصابرين" على ما ذكرت لك‪.‬‬
‫هذا باب أو‬
‫و هي تكون للعطف فتجري ما بعدها على ما قبلها؛ كما‬
‫كان ذلك في السم إذا قلت‪ :‬ضربت زيدا ً أو عمرًا‪.‬‬
‫و يكون مضمرا ً بعدها أن إذا كان المعنى‪ :‬إل أن يكون‪،‬‬
‫وحتى يكون‪ ،‬وذلك قولك‪ :‬أنت تضرب زيدًا‪ ،‬أو تكرم عمرا ً‬
‫على العطف‪ .‬وقال الله عز وجل‪" :‬ستدعون إلى قوم ٍ‬
‫س شديدٍ تقاتلونهم أو يسلمون" أي يكون هذا‪ ،‬أو‬
‫أولي بأ ٍ‬
‫يكون هذا‪.‬‬

‫‪164‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫فأما الموضع الذي تنصب فيه بإضمار أن فقولك‪ :‬للزمنك‬
‫أو تقضيني؛ أي؛ إل أن تقضيني‪ ،‬وحتى تقضيني‪.‬‬
‫و في مصحف أبي "تقاتلونهم أو يسلموا" على معنى إل‬
‫أن يسلموا‪ ،‬وحتى يسلموا‪.‬‬
‫و قال امرؤ القيس‪:‬‬
‫فقلت له‪ :‬ل تبك عينك نحاول ملكا ً أو نموت‬
‫فنعذرا‬
‫إنمـا‬
‫أي‪ :‬إل أن نموت‪.‬‬
‫و قال زياد ٌ العجم‪:‬‬
‫و كنت إذا غمزت قناة كسرت كعوبها أو‬
‫تستقيما‬
‫قوم ٍ‬
‫و يقال‪ :‬أتجلس أو تقوم يا فتى? كالمعنى‪ :‬أيكون منك‬
‫واحد ٌ من المرين‪.‬‬
‫و تقول‪ :‬هل تكلمنا أو تنبسط إلينا‪ .‬ل معنى للنصب هاهنا‪.‬‬
‫قال الله عز وجل‪" :‬هل يسمعونكم إذ تدعون‪ .‬أو‬
‫ينفعونكم أو يضرون" ‪.‬‬
‫فجملة هذا‪ :‬أن كل موضع تصلح فيه حتى‪ ،‬وإل أن‬
‫فالنصب فيه جائٌز جيد إذا أردت هذا المعنى‪ ،‬والعطف‬
‫على ما قبله مستعم ٌ‬
‫ل في كل موضع‪.‬‬
‫هذا باب أن‬
‫اعلم أن أن والفعل بمنزلة المصدر‪ .‬وهي تقع على‬
‫الفعال المضارعة فتنصبها‪ ،‬وهي صلتها‪ .‬ول تقع مع‬
‫الفعل حا ً‬
‫ل؛ لنها لما لم يقع في الحال‪ ،‬ولكن لما يستقبل‪.‬‬
‫فإن وقعت على الماضي؛ نحو‪ :‬سرني أن قمت‪ ،‬وساءني‬
‫ة‬
‫أن خرجت كان جيدًا‪ .‬قال الله عز وجل‪" :‬و امرأة مؤمن ً‬
‫أن وهبت نفسها للنبي" ‪:‬أي لن كان هذا فيما مضى‪.‬‬
‫فهذا كله ل يلحق الحال؛ لن الحال لما أنت فيه‪.‬‬
‫و اعلم أن هذه ل تلحق بعد كل فعل‪ ،‬إنما تلحق إذا كانت‬
‫لما لم يقع بعد ما يكون توقعا ً ل يقينًا؛ لن اليقين ثابت‪.‬‬
‫وذلك قولك‪ :‬أرجو أن تقوم يا فتى‪ ،‬وأخاف أن تذهب يا‬
‫ة"‪.‬‬
‫فتى‪ .‬كما قال‪ :‬عز وجل‪" :‬نخشى أن تصيبنا دائر ٌ‬
‫و لو قلت‪ :‬أعلم أن تقوم يا فتى لم يجز؛ لن هذا شيء‬

‫‪165‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ثابت في علمك‪،‬فهذا من مواضع أن الثقيلة؛ نحو‪ :‬أعلم‬
‫أنك تقوم يا فتى‪.‬‬
‫و تقول‪ :‬أظن أنك ستقوم؛ لنه شيٌء قد استقر في ظنك؛‬
‫كما استقر الخر في علمك‪ ،‬كما قال الله تبارك اسمه‪:‬‬
‫"الذين يظنون أنهم ملقو ربهم"‪.‬‬
‫فإن قيل‪ :‬إن يظنون هاهنا يوقنون‪ .‬فهكذا هو‪ ،‬ولكنها في‬
‫الثبات في الظن وفي إعمالها على الوجه الخر‪ .‬إل أنها‬
‫إذا أرد بها العلم لم تكن إل مثقلة‪ .‬فإن أريد بها الشك جاز‬
‫المران جميعًا‪ .‬والتثقيل في الشك أكثر استعما ً‬
‫ل؛ لثباته‬
‫في الظن كثبات الخرى في العلم‪.‬‬
‫فأما الوجه الذي يجوز فيه الخفيفة فإنه متوقع غير ثابت‬
‫ة"‪.‬‬
‫المعرفة‪ .‬قال الله عز وجل‪" :‬تظن أن يفعل بها فاقر ٌ‬
‫و أما "إن ظنا أن يقيما حدود الله" وقولهم‪ :‬معناه‪ :‬أيقنا‬
‫فإنما هو شيء متوقع‪ ،‬الغلب فيه ذا‪ ،‬إل أنه علم ثابت؛ أل‬
‫تراه قال‪" :‬فظنوا أنهم مواقعوها" لما كان أيقنوا‪.‬‬
‫و اعلم أن ل إذا دخلت على أن جاز أن تريد ب أن‬
‫الثقيلة‪ ،‬وأن تريد الخفيفة‪.‬‬
‫فإن أردت الثقيلة رفعت ما بعدها؛ لنه ل يحذف منها‬
‫التثقيل إل مع الضمار‪ .‬وهذا لك في باب إن وأن‪ .‬وإنما‬
‫تقع الخفيفة والثقيلة على ما قبلها من الفعال ول يجوز‬
‫الضمار إل أن تأتي بعوض‪.‬‬
‫و العوض‪ :‬ل‪ ،‬أو السين‪ ،‬أو سوف‪ ،‬أو نحو ذلك مما يلحق‬
‫الفعال‪.‬‬
‫فأما ل وحدها فإنه يجوز أن تريد ب أن التي قبلها‬
‫الخفيفة‪ ،‬وتنصب ما بعدها؛ لن ل ل تفصل بين العامل‬
‫والمعمول به‪ ،‬تقول‪ :‬مررت برجل ل قائم ول قاعد؛ كما‬
‫تقول‪ :‬مررت برجل قائم‪ ،‬وقاعد‪ .‬وذلك قولك‪ :‬أخاف أل‬
‫تذهب يا فتى‪ ،‬وأظن أل تقوم يا فتى؛ كما قال‪" :‬إل أن‬
‫يخافا أل يقيما حدود الله"‪.‬‬
‫و في ظننت وبابها تكون الخفيفة والثقيلة كما وصفت لك‪.‬‬
‫ة" وأن ل‬
‫قال الله عز وجل‪" :‬و حسبوا أن ل تكون فتن ٌ‬
‫يكون فالرفع على‪ :‬أنها ل تكون فتنة‪ .‬وكذلك "أفل يرون‬

‫‪166‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ل"‪ :‬أي أنه ل يرجع إليهم قو ً‬
‫أن ل يرجع إليهم قو ً‬
‫ل‪ .‬ل يرون‬
‫في معنى يعلمون‪ ،‬فهو واقع ثابت‪.‬‬
‫فأما السين وسوف‪ ،‬فل يكون قبلهما إل المثقلة‪ .‬تقول‪:‬‬
‫علمت أن سيقومون‪ ،‬وظننت أن سيذهبون‪ ،‬وأن سوف‬
‫تقومون؛ كما قال‪" :‬علم أن سيكون منكم مرضى"‪ .‬ول‬
‫يجوز أن تلغى من العمل والعمل كما وصفت لك‪.‬‬
‫و ل يجوز ذلك في السين وسوف؛ لنهما ل يلحقان على‬
‫معنى ل‪ ،‬فإنما الكلم بعد ل على قدر الفصل‪ .‬قال‪" :‬لئل‬
‫ة‪ ،‬ول‬
‫يعلم أهل الكتاب أن ل يقدرن"‪ .‬ف يعلم منصوب ٌ‬
‫يكون إل ذلك؛ لن ل زائدة‪ .‬وإنما هو لن يعلم‪ .‬وقوله‪:‬‬
‫"أن ل يقدرون" إنما هو‪ :‬أنهم ل يقدرون‪ .‬وهي في بعض‬
‫المصاحف "أنهم ل يقدرون"‪.‬‬
‫هذا باب الفعل بعد أن وانقطاع الخر من الول اعلم أنك‬
‫إذا أردت بالثاني ما أردت بالول من الجراء على الحرف‬
‫لم يكن إل منسوقا ً عليه‪ .‬تقول‪ :‬أريد أن تقوم فتضرب‬
‫زيدًا‪ ،‬وأريد أن تأتيني وتكرمني‪ ،‬وأريد أن تجلس ثم‬
‫تتحدث يا فتى‪.‬‬
‫فإذا كان الثاني خارجا ً عن معنى الول كان مقطوعا ً‬
‫مستأنفًا‪ ،‬وذلك قولك‪ :‬أريد أن تأتيني فتقعد عني? وأريد‬
‫أن تكرم زيدا ً فتهينه?! فالمعنى‪ :‬أنه لم يرد الهانة‪ .‬إنما‬
‫أراد الكرام‪ .‬فكأنه في التمثيل‪ :‬أريد أن تكرم زيدا ً فإذا‬
‫أنت تهينه‪ ،‬وأريد أن تأتيني فإذا أنت تقعد عني‪ ،‬كما قال‪:‬‬
‫و الشعر ل يضبطه من يظلمه‬
‫إذا ارتقى فـيه ل يعـلـمـه‬
‫زلت به إلى الحضيض قدمه‬
‫يريد أن يعربه فـيعـجـمـه‬
‫أي‪ :‬فإذا هو يعجمه‪ .‬أي‪ :‬فإذا هو هذه حاله‪ .‬فعلى هذا‬
‫يجري في هذا الباب‪.‬‬
‫و لو قال قائل‪ :‬أريد أن تأتيني وأنت تكرمني‪ ،‬أي‪ :‬أريد أن‬
‫تأتيني وهذه حالك لجاز‪.‬‬
‫و تقول‪ :‬أريد أن تتكلم بخير أو تسكت يا فتى‪ .‬فالنصب‬
‫على وجهين‪ :‬أحدهما‪ :‬أريد ذا أو ذا‪.‬‬

‫‪167‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫و الوجه الخر‪ :‬أن يكون حتى تسكت‪ ،‬كما تقول‪ :‬لجلسن‬
‫معك أو تنصرف يا فتى‪ .‬على قولك‪ :‬حتى تنصرف‪.‬‬
‫فأما قوله عز وجل‪ " :‬وما كان لبشرٍ أن يكلمه الله إل‬
‫وحيا ً أو من وراء حجاب أو يرسل رسو ً‬
‫ل" فإن النحويين‬
‫يزعمون أن الكلم ليس محمول ً على أن يكلمه الله‪ ،‬ولو‬
‫كان يرسل محمول ً على ذلك لبطل المعنى؛ لنه كان‬
‫يكون ما كان لبشر أن يكلمه الله أو يرسل‪ ،‬أي ما كان‬
‫لبشر أن يرسل الله إليه رسو ً‬
‫ل‪ .‬فهذا ل يكون‪ .‬ولكن‬
‫المعنى والله أعلم ما كان لبشر أن يكلمه الله إل وحيًا‪،‬‬
‫أي‪ :‬إل أن يوحي‪ ،‬أو يرسل‪ ،‬فهو محمول على قوله وحيًا‪،‬‬
‫أي‪ :‬إل وحيًا‪ ،‬أو إرسا ً‬
‫ل‪.‬‬
‫و أهل المدينة يقرؤون أو يرسل رسول ً يريدون‪ :‬أو هو‬
‫يرسل رسو ً‬
‫ل‪ ،‬أي فهذا كلمه إياهم على ما يؤديه الوحي‬
‫والرسول‪.‬‬
‫و أما قوله "لنبين لكم ونقر في الرحام"‪ .‬على ما قبله‪،‬‬
‫وتمثيله‪ :‬ونحن نقر في الرحام ما نشاء‪.‬‬
‫و أما قوله "و ل يأمركم أن تتخذوا الملئكة" فيقرأ رفعا ً‬
‫ونصبًا‪.‬‬
‫فأما النصب فعلى قوله "ما كان لبشر أن يؤتيه الله‬
‫الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس" أي ما كان له أن‬
‫يقول للناس ول أن يأمركم أن تتخذوا الملئكة‪.‬‬
‫و من قرأ يأمركم فإنما أراد‪ :‬ول يأمركم الله‪ ،‬وقطعه من‬
‫الول‪.‬‬
‫فالمعنيان جميعا ً جيدان يرجعان إلى شيٍء واحد إذا حصل‪.‬‬
‫و لو قال قائل‪ :‬أريد أن تأتيني ثم تحسن إلي‪ ،‬لكان معناه‪:‬‬
‫أريد إتيانك ثم قد استقر عندي أنك تحسن إلي‪ .‬أي فهذا‬
‫عندك معلوم عندي‪ .‬والتقدير في العربية‪ :‬أريد أن تأتيني‬
‫ثم أنت تحسن إلي‪.‬‬
‫و تقول‪ :‬أمرته أن يقوم يا فتى‪ .‬فالمعنى‪ :‬أمرته بأن يقوم‪،‬‬
‫إل أنك حذفت حرف الخفض‪ .‬وحذفه مع أن جيد‪.‬‬
‫و إذا كان المصدر على وجهه جاز الحذف‪ ،‬ولم يكن‬
‫م‪ .‬فقد صار الحرف‬
‫كحسنه مع أن؛ لنها وصلتها اس ٌ‬

‫‪168‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫والفعل والفاعل اسمًا‪ .‬وإن اتصل به شيٌء صار معه في‬
‫الصلة‪ .‬فإذا طال الكلم احتمل الحذف‪.‬‬
‫فأما المصدر غير أن فنحو‪ :‬أمرتك الخير يا فتى؛ كما قال‬
‫الشاعر‪:‬‬
‫فقد تركتك ذا مال‬
‫أمرتك الخير فافعل‬
‫واذا نشـب‬
‫ما أمرت به‬
‫فهذا يصلح على المجاز‪ .‬وأما أن فالحسن فيها الحذف؛‬
‫كما قال الله عز وجل‪" :‬و قضى ربك أن أل تعبدوا إل‬
‫إياه" ومعنى قضى هاهنا‪ :‬أمر‪.‬‬
‫و أما قوله‪" :‬و أمرت لن أكون" فإنما حمل الفعل على‬
‫المصدر‪ ،‬فالمعنى والله أعلم ‪ :‬أوقع إلي هذا المر لذا‪.‬‬
‫و هذه اللم تدخل على المفعول فل تغير معناه؛ لنها لم‬
‫إضافة‪ ،‬والفعل معها يجري مجرى مصدره كما يجري‬
‫المصدر مجراه في الرفع والنصب لما بعده؛ لن المصدر‬
‫اسم الفعل‪ .‬قال الله عز وجل‪" :‬إن كنتم للرؤيا تعبرون"‪.‬‬
‫و قال بعض المفسرين في قوله‪" :‬قل عسى أن يكون‬
‫ردف لكم" معناه‪ :‬ردفكم‪.‬‬
‫و تقول‪ :‬لزيدٍ ضربت‪ ،‬ولعمرو أكرمت إذا قدمت المفعول؛‬
‫لتشغل اللم ما وقعت عليه‪.‬فإن أخرته فالحسن أل‬
‫تدخلها‪،‬إل أن يكون المعنى ما قال المفسرون فيكون‬
‫حسنًا‪ ،‬وحذفه أحسن؛ لن جميع القرآن عليه‪.‬‬
‫هذا باب حتى‬
‫اعلم أن الفعل ينصب بعدها بإضمار أن؛ وذلك لن حتى‬
‫من عوامل السماء الخافضة لها‪ .‬تقول‪ :‬ضربت القوم‬
‫حتى زيد‪ ،‬ودخلت البلد حتى الكوفة‪ ،‬وأكلت السمكة حتى‬
‫رأسها؛ أي لم أبق منها شيئًا‪ .‬فعملها الخفض‪ .‬وتدخل‬
‫الثاني فيما دخل فيه الول من المعنى؛ لن معناها إذا‬
‫خفضت كمعناها إذا نسق بها؛ فلذلك خالفت إلى‪ .‬قال الله‬
‫م هي حتى مطلع الفجر"‪.‬‬
‫عز وجل‪" :‬سل ٌ‬
‫فإذا وقعت عوامل السماء على الفعال‪ ،‬لم يستقم‬
‫وصلها بها إل على إضمار أن؛ لن أن والفعل اسم مصدر‪،‬‬
‫فتكون واقعة على السماء‪ .‬وذلك قولك‪ :‬أنا أسير حتى‬

‫‪169‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫تمنعني‪ ،‬وأنا أقف حتى تطلع الشمس‪ .‬فإذا نصبت بها‬
‫على ما وصفت لك كان ذلك على أحد معنيين على كي‪،‬‬
‫وعلى إلى أن؛ لن حتى بمنزلة إلى‪.‬‬
‫فأما التي بمعنى إلى أن فقولك‪ :‬أنا أسير حتى تطلع‬
‫الشمس‪ ،‬وأنا أنام حتى يسمع الذان‪.‬‬
‫و أما الوجه الذي تكون فيه بمنزلة كي فقولك‪ :‬أطع الله‬
‫حتى يدخلك الجنة وأنا أكلم زيدا ً حتى يأمر لي بشيٍء‪.‬‬
‫م‬
‫فكل ما اعتوره واحد من هذين المعنيين‪ ،‬فالنصب له لز ٌ‬
‫على ما ذكرت لك‪.‬‬
‫و اعلم أن حتى يرتفع الفعل بعدها‪ .‬وهي حتى التي تقع‬
‫ة‪ .‬نحو‪ :‬ضربت القوم حتى زيدا ً ضربته‬
‫في السم ناسق ً‬
‫ومررت بالقوم حتى زيد ٍ مررت به‪ ،‬وجاءني القوم حتى‬
‫زيد ٌ جاءني‪ .‬وقد مضى تفسير هذا في باب السماء‪.‬‬
‫فالتي تنسق ثم تنسق هاهنا؛ كما كان ذلك في الواو‬
‫والفاء وثم‪ ،‬وجميع حروف العطف‪.‬‬
‫فالرفع يقع بعدها على وجهين يرجعان إلى وجه واحد وإن‬
‫اختلف موضعاهما‪ :‬و ذلك قولك‪ :‬سرت حتى أدخلها‪ ،‬أي‪:‬‬
‫كان مني سيٌر فدخول‪ .‬فأنت تخبر أنك في حال دخول‬
‫اتصل به سيرك؛ كما قال الشاعر‪:‬‬
‫ة فركوب‬
‫فإن المندى رحل ٌ‬
‫فليس في معنى هذا كي‪ ،‬ول إلى أن‪ ،‬إنما خبرت بأن هذا‬
‫كذا وقع منك‪.‬‬
‫و الوجه الخر‪ :‬أن يكون السبب متقدما ً غير متصل بما‬
‫تخبر عنه‪ ،‬ثم يكون مؤديا ً إلى هذا‪ ،‬كقولك‪ :‬مرض حتى ل‬
‫يرجونه‪ ،‬أي‪ :‬هو الن كذاك‪ ،‬فهو منقطع من الول‪،‬‬
‫ووجوده إنما هو في الحال كما ذكرت لك فيما قبله‪.‬‬
‫فذلك قولي‪ :‬يرجعان إلى شيٍء واحد‪ .‬ومثل ذلك مرض‬
‫حتى يمر به الطائر فيرحمه‪ .‬أي هو الن كذلك‪.‬‬
‫فمثل النصب قوله‪:‬‬
‫سريت بهم حتى تكل و حتى الجياد ما يقدن‬
‫بأرسان‬
‫مطيهـم‬

‫‪170‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫أي‪ :‬إلى أن‪ .‬ومثل الرفع تمام البيت‪ ،‬وهو‪ :‬حتى الجياد‪.‬‬
‫و نظير الرفع في السماء قوله‪:‬‬
‫كأن أباها نهش ٌ‬
‫ل أو‬
‫ب‬
‫فيا عجبا ً حتى كلي ٌ‬
‫مجاشع‬
‫تسبني‬
‫أي‪ :‬وحتى كليب هذه حالها؛ كما أن نظير النصب‪ :‬ضربت‬
‫القوم حتى زيد في السماء لن المعنى‪ :‬ضربت القوم‬
‫حتى انتهيت إلى هذا الموضع‪.‬‬
‫هذا باب مسائل حتى في البابين‪ :‬النصب‪ ،‬والرفع‬
‫تقول‪ :‬سرت حتى أدخلها‪ ،‬وتطلع الشمس‪ .‬إذا أردت‬
‫معنى إلى أن أدخلها‪.‬‬
‫فإن أردت وجه الرفع لم يجز في قولك‪ :‬حتى تطلع‬
‫الشمس‪ ،‬لن طلوع الشمس لم يؤده فعلك‪ .‬والصواب أن‬
‫تقول إذا أردت الرفع‪ :‬سرت حتى أدخلها‪ ،‬وحتى تطلع‬
‫الشمس؛ لن الدخول كان بعملك‪ ،‬وطلوع الشمس ل‬
‫يكون بعملك‪ .‬فالمعنى‪ :‬سرت حتى أنا في حال دخول‪،‬‬
‫وكان ذلك السير إلى أن تطلع الشمس‪.‬‬
‫و تقول‪ :‬سرت حتى تطلع الشمس وحتى أدخلها‪ ،‬وإن‬
‫شئت أدخلها‪.‬‬
‫و لو قلت‪ :‬ما سرت حتى أدخلها لم يجز؛ لنك لم تخبر‬
‫بشيٍء يكون معه الدخول‪.‬‬
‫فإن قلت‪ :‬أقول‪ :‬ما سرت حتى أدخلها‪ :‬أي ما سرت وأنا‬
‫الساعة أدخلها‪ .‬قيل‪ :‬ليس هذا معنى حتى‪ .‬إنما معناها أن‬
‫يتصل ما بعدها بما قبلها؛ كما تقول‪ :‬أكلت السمكة حتى‬
‫ة‬
‫رأسها‪ .‬فالرأس قد دخل في الكل؛ لن معناها عامل ً‬
‫ة واحد ٌ وإن اختلف اللفظان‪.‬‬
‫ومعناها عاطف ً‬
‫و أما قوله عز وجل‪" :‬و زلزلوا حتى يقول الرسول" فإنها‬
‫تقرأ بالنصب والرفع‪.‬‬
‫فالرفع على قوله فإذا الرسول في حال قوله‪.‬‬
‫و النصب على معنى إلى أن يقول الرسول‪.‬‬
‫و لو قلت‪ :‬كان سيري حتى أدخلها لم يجز إل النصب‪ ،‬لن‬
‫حتى في موضع خبر‪ .‬كأنك قلت‪ :‬كان سيري إلى هذا‬
‫الفعل‪.‬‬

‫‪171‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫و لو قلت‪ :‬كان سيري سيرا ً متعبا ً حتى أدخلها جاز الرفع‬
‫والنصب‪ ،‬لن الخبر قولك‪ :‬سيرا ً متعبًا‪.‬‬
‫و كذلك كان سيري أمس حتى أدخلها‪ .‬إن جعلت الخبر‬
‫حتى وما بعدها لم يكن إل النصب‪ ،‬وإن جعلت الخبر في‬
‫قولك‪ :‬أمس‪ ،‬كان النصب والرفع على ما وصفت لك‪.‬‬
‫هذا باب الحروف التي تجزم الفعال‬
‫و هي لم ولما‪ ،‬ول في النهي‪ ،‬واللم في المر‪ ،‬وحروف‬
‫المجازاة وما اتصل بها على معناها‪ .‬وذلك قولك‪ :‬لم يقم‬
‫عبد الله‪ ،‬ولم يذهب أخوك‪ ،‬ول تذهب يا زيد‪ ،‬ولما يقم‬
‫عبد الله‪ ،‬وليقم زيد‪.‬‬
‫و الدعاء يجري مجرى المر والنهي‪ .‬وإنما سمي هذا أمرا ً‬
‫ب للمعنى‪ ،‬فأما اللفظ الواحد‪ .‬وذلك‬
‫ونهيًا‪ ،‬وقيل للخر طل ٌ‬
‫قولك في الطلب‪ :‬اللهم اغفر لي‪ ،‬ول يقطع الله يد زيد‪.‬‬
‫وليغفر لخالد‪ .‬فإنما تقول‪ :‬سألت الله‪ .‬ول تقل‪ :‬أمرت‬
‫الله‪ .‬وكذلك لو قلت للخليفة‪ :‬انظر في أمري‪ ،‬أنصفني‬
‫لقلت‪ :‬سألته‪ ،‬ولم تقل‪ :‬أمرته‪.‬‬
‫ي غير مجزوم لما قد تقدم‬
‫فأما قولك‪ :‬اضرب واقتل فمبن ّ‬
‫من شرحنا له‪ ،‬ومن أنه ليس فيه حرف من حروف‬
‫المضارعة التي يجب بها العراب‪.‬‬
‫فاللم في المر للغائب ولكل من كان غير مخاطب‪ ،‬نحو‬
‫قول القائل‪ :‬قم ولقم معك‪ .‬فاللم جازمة لفعل المتكلم‪.‬‬
‫و لو كانت للمخاطب لكان جيدا ً على الصل‪ ،‬وإن كان في‬
‫ذلك أكثر‪،‬لستغنائهم بقولهم‪ :‬افعل عن لتفعل‪ .‬وروي أن‬
‫رسول الله قرأ‪" :‬فبذلك فلتفرحوا" بالتاء‪.‬‬
‫هذا باب المجازاة وحروفها‬
‫و هي تدخل للشرط‪ .‬ومعنى الشرط‪ :‬وقوع الشيء‬
‫لوقوع غيره‪.‬‬
‫فمن عواملها من الظروف‪ :‬أين‪ ،‬ومتى‪ ،‬وأنى‪ ،‬وحيثما‪.‬‬
‫و من السماء‪ :‬من‪ ،‬وما‪ ،‬وأي‪ ،‬ومهما‪.‬‬
‫و من الحروف التي جاءت لمعنى‪ :‬إن‪ ،‬وإذما‪.‬‬
‫و إنما اشتركت فيها الحروف والظروف والسماء‬
‫لشتمال هذا المعنى على جميعها‪.‬‬

‫‪172‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫فحرفها في الصل إن وهذه كلها دواخل عليها لجتماعها‪.‬‬
‫د‪ ،‬ثم تدخل عليه دواخل؛‬
‫ب فأصله شيٌء واح ٌ‬
‫و كل با ٍ‬
‫لجتماعها في المعنى‪ .‬وسنذكر إن كيف صارت أحق‬
‫بالجزاء? كما أن اللف أحق بالستفهام‪ ،‬وإل أحق‬
‫بالستثناء‪ ،‬والواو أحق بالعطف مفسرا ً إن شاء الله في‬
‫هذا الباب الذي نحن فيه‪.‬‬
‫فأما إن فقولك‪ :‬إن تأتني آتك‪ ،‬وجب التيان الثاني بالول‪،‬‬
‫وإن تكرمني أكرمك‪ ،‬وإن تطع الله يغفر لك‪ ،‬كقوله عز‬
‫وجل‪" :‬إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف" " وإن تتولوا‬
‫يستبدل قوما ً غيركم" "و إن تطيعوا الله ورسوله ل‬
‫يلتكم"‪.‬‬
‫و المجازاة ب إذما قولك‪ :‬إذما تأتني آتك؛ كما قال‬
‫الشاعر‪:‬‬
‫حقا ً عليك إذا اطمأن‬
‫إذ ما أنيت على‬
‫المجلـس‬
‫الرسول فقل له‬
‫و ل يكون الجزاء في إذ ول في حيث بغير ما؛ لنهما‬
‫ظرفان يضافان إلى الفعال‪ .‬وإذا زدت على كل واحد‬
‫منهما ما منعتا الضافة فعملتا‪ .‬وهذا في آخر الباب يشرح‬
‫بأكثر من هذا الشرح إن شاء الله‪.‬‬
‫و أما المجازاة ب من فقوله عز وجل‪" :‬و من يتق الله‬
‫يجعل له مخرجًا" وقوله‪" :‬فمن يؤمن بربه فل يخاف‬
‫بخسا ً ول رهقًا"‪.‬‬
‫و ب ما قوله‪" :‬ما يفتح الله للناس من رحمةٍ فل ممسك‬
‫لها"‪.‬‬
‫و ب أين قوله عز وجل‪" :‬أينما تكونوا يدرككم الموت"‪.‬‬
‫وقال الشاعر‪:‬‬
‫نصرف العيس نحوها‬
‫أين تضرب بنا العداة‬
‫للتلقي‬
‫تجـدنـا‬
‫و ب أنى قوله‪:‬‬
‫كل مركبيها تحت‬
‫فأصبحت أنى تأتها‬
‫رجليك شاجر‬
‫تلتبس بـهـا‬

‫‪173‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫و من حروف المجازاة مهما‪ .‬وإنما أخرنا ذكرها؛ لن‬
‫الخليل زعم أنها ما مكررة‪ ،‬وأبدلت من اللف الهاء‪ .‬وما‬
‫الثانية زائدة على ما الولى؛ كما تقول‪ :‬أين وأينما‪ ،‬ومتى‬
‫ومتى ما‪ ،‬وإن وإما‪ ،‬وكذلك حروف المجازاة إل ما كان‬
‫من حيثما وإذما‪ .‬فإن ما فيهما لزمة‪ .‬ل يكونان للمجازاة‬
‫إل بها‪ ،‬كما تقع رب على الفعال إل ب ما في قوله‪" :‬ربما‬
‫يود الذين كفروا"‪ ،‬ولو حذفت منها ما لم تقع إل على‬
‫السماء النكرات‪ ،‬نحو‪ :‬رب رجل يا فتى‪.‬‬
‫و المجازاة ب أي قوله‪" :‬أيا ما تدعوا فله السماء‬
‫الحسنى"‪.‬‬
‫و ب متى قول طرفة‪:‬‬
‫و إن كنت عنها غانيا ً‬
‫متى تأتني أصبحك‬
‫فاغن وازدد‬
‫ة‬
‫كـأسـا ً روي ً‬
‫و هذه الحروف كلها هذا مجازها‪.‬‬
‫ة؛ لنه يعربها‪ .‬ول‬
‫فأصل الجزاء أن تكون أفعاله مضارع ً‬
‫يعرب إل المضارع‪ .‬فإذا قلت‪ :‬إن تأتني آتك‪ .‬ف تأتني‬
‫مجزومة بإن‪ ،‬وآتك مجزومة بإن وتأتني ونظير ذلك من‬
‫السماء قولك‪ :‬زيد منطلق‪ .‬فزيد مرفوع بالبتداء‪ .‬والخبر‬
‫رفع بالبتداء والمبتدأ‪.‬‬
‫و ل تكون المجازاة إل بفعل؛ لن الجزاء إنما يقع بالفعل‪،‬‬
‫أو بالفاء لن معنى الفعل فيها‪.‬‬
‫فأما الفعل فقولك‪ :‬إن تأتني أكرمك‪ ،‬وإن تزرني أزرك‪.‬‬
‫و أما الفاء فقولك‪ :‬إن تأتني فأنا لك شاكر‪ ،‬وإن تقم فهو‬
‫خير لك‪.‬‬
‫و قد يجوز أن تقع الفعال الماضية في الجزاء على معنى‬
‫المستقبلة؛ لن الشرط ل يقع إل على فعل لم يقع‪.‬‬
‫فتكون مواضعها مجزومة‪ ،‬وإن لم يتبين فيها العراب؛ كما‬
‫أنك إذا قلت‪ :‬جاءني خمسة عشر رجل ً كان موضعه‬
‫موضع رفع وإن لم يتبين فيه البناء‪ .‬وكذلك جاءني من‬
‫عندك‪ ،‬ومررت بالذي في الدار؛ كل ذلك غير معرب في‬
‫اللفظ وموضعه موضع العراب‪.‬‬
‫و ذلك قولك‪ :‬إن أتيتني أكرمتك‪ ،‬وإن جئتني جئتك‪.‬‬

‫‪174‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫فإن قال قائل‪ :‬فكيف أزالت الحروف هذه الفعال عن‬
‫مواضعها وإنما هي لما مضى في الصل? قيل له‪:‬‬
‫الحروف تفعل ذلك لما تدخل له من المعاني؛ أل ترى أنك‬
‫تقول‪ :‬زيد يذهب يا فتى فيكون لغير الماضي‪ .‬فإن قلت‪:‬‬
‫لم يذهب زيد كان ب لم نفيا ً لما مضى‪ ،‬وصار معناه‪ :‬لم‬
‫يذهب زيد أمس‪ ،‬واستحال لم يذهب زيد غدّا‪.‬‬
‫و إنما قلنا‪ :‬إن إن أصل الجزاء؛ لنك تجازي بها في كل‬
‫ضرب منه‪ .‬تقول‪ :‬إن تأتني آتك‪ ،‬وإن تركب حمارا ً أركبه‪،‬‬
‫ثم تصرفها منه في كل شيء‪ .‬وليس هكذا سائرها‪.‬‬
‫وسنذكر ذلك أجمع‪.‬‬
‫تقول في من‪ :‬من يأتني آته‪ ،‬فل يكون ذلك إل لما يعقل‪.‬‬
‫فإن أردت بها غير ذلك لم يكن‪.‬‬
‫فإن قال قائل‪ :‬فقد قال الله عز وجل‪" :‬و الله خلق كل‬
‫دابةٍ من ماٍء فمنهم من يمشي على بطنه" فهذا لغير‬
‫الدميين‪ ،‬وكذلك "و منهم من يمشي على أربع"‪.‬‬
‫قيل‪ :‬إنما جاز هذا؛ لنه قد خلط مع الدميين غيرهم‬
‫بقوله‪" :‬والله خلق كل دابةٍ من ماٍء"‪ ،‬وإذا اختلط‬
‫المذكوران جرى على أحدهما ما هو للخر إذا كان في‬
‫مثل معناه‪ ،‬لن المتكلم يبين به ما في الخر وإن كان‬
‫لفظه مخالفًا‪ .‬فمن ذلك قول الشاعر‪:‬‬
‫ن وتمرٍ وإقط‬
‫شراب ألبا ٍ‬
‫فالتمر والقط ل يقال فيهما‪ :‬شربا‪ ،‬ولكن أدخلهما مع ما‬
‫يشرب فجرى اللفظ واحدًا‪ ،‬والمعنى أن ذلك يصير إلى‬
‫بطونهم‪ .‬ومثله‪:‬‬
‫متقلدا ً سيفا ً ورمحـا‬
‫يا ليت زوجك قد غدا‬
‫لن معنى المتقلد‪ :‬حامل‪ ،‬فلما خلط بينهما جرى عليهما‬
‫لف ٌ‬
‫ظ واحد‪ .‬وعلى هذا أنشدوا بيت الحطيئة‪:‬‬
‫و قلص عن برد‬
‫سقوا جارك العيمان‬
‫الشراب مشافره‬
‫لما جفـوتـه‬
‫عظام امرىٍء ما كان‬
‫سناما ً ومحضا ً أنبتا‬
‫يشبع طائره‬
‫اللحم فاكتسـت‬

‫‪175‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫و ليس هذا بشيء‪ .‬إنما الرواية‪ :‬قروا‪ .‬والدليل على ذلك‬
‫أنه بدأ بالسنام فل يقع إلى جانب سقوا‪.‬‬
‫و قال قوم‪ :‬بلى كان السنام يذاب في المحض فيشرب‪.‬‬
‫فإن كان كذاك فل حجة في البيت‪.‬‬
‫و ما تكون لغير الدميين؛ نحو ما تركب أركب‪ ،‬وما تصنع‬
‫أصنع‪ .‬فإن قلت‪ :‬ما يأتني آته تريد‪ :‬الناس لم يصلح‪.‬‬
‫فإن قيل‪ :‬فقد قال الله عز وجل‪" :‬و السماء وما بناها"‪.‬‬
‫ومعناه‪ :‬ومن بناها‪ ،‬وكذلك "إل على أزواجهم أو ما ملكت‬
‫أيمانهم"‪.‬‬
‫قيل‪ :‬قد قيل ذلك‪ .‬والوجه الذي عليه النحويون غيره‪ ،‬إنما‬
‫هو والسماء وبنائها‪ ،‬وإل على أزواجهم أو ملك أيمانهم‪.‬‬
‫فهي مصادر وإن دلت على غيرها ممن يملك‪ .‬كقولك‪ :‬هذا‬
‫ملك يمينك‪ ،‬وهذا الثوب نسج اليمن وهذا الدرهم ضرب‬
‫المير‪ .‬ولو كان على ما قالوا لكان على وضع النعت في‬
‫موضع المنعوت لن ما إنما تكون لذوات غير الدميين‪.‬‬
‫د‪ .‬فتقول‪:‬‬
‫ولصفات الدميين‪ .‬تقول‪ :‬من عندك? فيقول‪ :‬زي ٌ‬
‫د? فيقول‪ :‬جواد ٌ أو بخي ٌ‬
‫ل أو نحو ذلك‪ ،‬فإنما هو‬
‫ما زي ٌ‬
‫لسؤال عن نعت الدميين‪ .‬والسؤال عن كل ما يعقل ب‬
‫من كما قال عز وجل‪" :‬أأمنتم من في السماء أن يخسف‬
‫بكم الرض"‪ .‬ف من لله عز وجل؛ كما قال‪" :‬أمن يجيب‬
‫المضطر إذا دعاه" وهذا في القرآن أكثر‪ .‬وقال تبارك‬
‫اسمه‪" :‬و من عنده ل يستكبرون عن عبادته"‪ .‬يعني‬
‫الملئكة‪ .‬وكذلك في الجن في قوله‪" :‬فمن يؤمن بربه فل‬
‫يخاف بخسا ً ول رهقًا" فهذا قولي لك‪ :‬إنها لما يخاطب‬
‫ويعقل‪.‬‬
‫و من هذه الحروف متى ول تقع إل للزمان‪ ،‬نحو‪ :‬متى‬
‫تأتني آتك‪ ،‬ومتى خرج زيد? في الستفهام‪ .‬فجواب هذا‬
‫يوم الجمعة وما أشبهه‪.‬‬
‫و كذلك أين ل تكون إل للمكان‪ .‬وذلك كله مخطور‬
‫معروف في الجزاء والستفهام‪ .‬وحيث وقع حرف من‬
‫هذه الحروف‪.‬‬
‫فأما إن فإنها ليست باسم ول فعل‪ ،‬إنما هي حرف‪ ،‬تقع‬

‫‪176‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫على كل ما وصلته به ‪ ،‬زمانا ً كان أو مكانا ً أو آدميا ً أو غير‬
‫ذلك‪ .‬تقول‪ :‬إن يأتني زيد ٌ آته‪ .‬وإن يقم في مكان كذا وكذا‬
‫أقم فيه‪ ،‬وإن تأتني يوم الجمعة آتك فيه‪.‬‬
‫و كذلك اللف في الستفهام‪ .‬تدخل على كل ضرب منه‪،‬‬
‫وتتخطى ذلك إلى التقرير والتسوية‪ :‬فالتقرير‪ :‬قولك‪ :‬أما‬
‫ى‬
‫جئتني فأكرمتك‪ .‬وقوله عز وجل‪" :‬أليس في جهنم مثو ً‬
‫للمتكبرين"‪.‬‬
‫و التسوية‪ :‬ليت شعري أقام زيد أم قعد‪ .‬وقد علمت أزيد‬
‫في الدار أم عمرو‪.‬‬
‫فأما قولنا في إذ وحيث‪ :‬إن الجزاء ل يكون فيهما إل بما‬
‫وما ذكرنا من أنا سنفسره فهذا موضع تفسيره‪.‬‬
‫أما إذ فتنبىء عن زمان ماض‪ ،‬وأسماء الزمان تضاف إلى‬
‫الفعال فإذا أضيفت إليها كانت معها كالشيء الواحد‪،‬‬
‫ومتى جزمتها فصلت منها؛ أل ترى أنك تقول‪ :‬جئتك يوم‬
‫د‪ ،‬وهذا يوم يخرج زيد‪ ،‬و"هذا يوم ينفع الصادقين‬
‫خرج زي ٌ‬
‫صدقهم" فلما وصلتها ب ما جعلتهما شيئا ً واحدا ً فانفصلت‬
‫من الضافة فعملت‪.‬‬
‫م يفسره ما يضاف‬
‫و حيث اسم من أسماء المكان مبه ٌ‬
‫إليه‪ .‬فحيث في المكان كحين في الزمان فلما ضارعتها‬
‫أضيفت إلى الجمل‪ ،‬وهي البتداء والخبر‪ ،‬أو الفعل‬
‫والفاعل‪ .‬فلما وصلتها ب ما امتنعت من الضافة فصارت‬
‫ك إذ إذا وصلتها ب ما‪.‬‬
‫فأما سائر الحروف التي ذكرنا سواهما فأنت في زيادة ما‬
‫وتركها مخير‪ .‬تقول‪ :‬إن تأتني آتك‪ ،‬وإما تأتني آتك‪ ،‬وأين‬
‫تكن أكن‪ ،‬وأينما تكن أكن‪ ،‬وأيا ً تكرم يكرمك‪ ،‬و"أياما‬
‫تدعوا فله السماء الحسنى"‪.‬‬
‫ف ما تدخل على ضربين‪ :‬أحدهما‪ :‬أن تكون زائدة للتوكيد‬
‫فل يتغير الكلم بها عن عمل ول معنى‪ .‬فالتوكيد ما ذكرته‬
‫في هذه الحروف سوى حيثما وإذما‪ .‬واللزم‪ .‬ما وقع‬
‫فيهما‪ .‬ونظيرهما قولك‪ :‬إنما زيد أخوك‪ .‬منعت ما إن‬
‫عملها‪ ،‬وكذلك جئتك بعد ما عبد الله قائم‪ ،‬فهذا خلف‬
‫قولك‪ :‬بعد عبد الله‪ ،‬وكذلك‪:‬‬

‫‪177‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫أفنان رأسك كالثغام‬
‫ة أم الوليد‬
‫أعلق ً‬
‫المخلس‬
‫بـعـدمـا‬
‫ل‪ ،‬ول تقول‪ :‬رب يقوم زيد‪.‬‬
‫و كذلك رب‪ ،‬تقول‪ :‬رب رج ٍ‬
‫فإذا ألحقت ما هيأتها للفعال فقلت‪ :‬ربما يقوم زيد‪،‬‬
‫و"ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين"‪.‬‬
‫و كذلك قل تقول‪ :‬قل رج ٌ‬
‫ل يقول ذلك‪ ،‬فإن أدخلت ما‬
‫امتنعت من السماء وصارت للفعال‪ ،‬فقلت‪ :‬قلما يقوم‬
‫زيد‪ .‬ومثل هذا كثير‪.‬‬
‫فأما إذا فتحتاج إلى البتداء والجواب‪ .‬تقول‪ :‬إذا جاءني‬
‫زيد أكرمته‪ .‬وإذا يجيء زيد أعطيته‪.‬‬
‫و إنما منع إذا من أن يجازى بها؛ لنها مؤقتة وحروف‬
‫الجزاء مبهمة‪ ،‬أل ترى أنك إذا قلت‪ :‬إن تأتني آتك فأنت ل‬
‫تدري أيقع منه إتيان أم ل? وكذلك من أتاني أتيته‪ .‬إنما‬
‫معناه‪ :‬إن يأتني واحد من الناس آته‪.‬‬
‫فإذا قلت‪ :‬إذا أتيتني وجب أن يكون التيان معلومًا؛ أل‬
‫ترى إلى قول الله عز وجل‪" :‬إذا السماء انفطرت"‪ ،‬و"إذا‬
‫الشمس كورت" و"إذا السماء انشقت" أن هذا واقع ل‬
‫محالة‪.‬‬
‫و ل يجوز أن يكون في موضع هذا إن‪ ،‬لن الله عز وجل‬
‫يعلم‪ ،‬وإن إنما مخرجها الظن والتوقع فيما يخبر به‬
‫المخبر‪ .‬وليس هذا مثل قوله‪" :‬إن ينتهوا يغفر لهم ما قد‬
‫سلف" لن هذا راجع إليهم‪.‬‬
‫و تقول‪ :‬آتيك إذا احمر البسر‪ ،‬ولو قلت‪ :‬آتيك إن احمر‬
‫البسر كان محا ً‬
‫ل؛ لنه واقع ل محالة‪.‬‬
‫فإن اضطر الشاعر جاز أن يجازي بها لمضارعتها حروف‬
‫الجزاء؛ لنها داخلة على الفعل وجوابه‪ .‬ول بد للفعل الذي‬
‫يدخل عليه من جواب‪ .‬فمما جاء ضرورةً قوله‪:‬‬
‫ف والله نارا ً إذا ما خبت‬
‫ترفع لي خند ٌ‬
‫نيرانهم تقـد‬
‫يرفع لي‬
‫و قال الخر‪:‬‬
‫خطانا إلى أعدائنا‬
‫إذا قصرت أسيافنا‬
‫فنضـارب‬
‫كان وصلها‬

‫‪178‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫الجيد ما قال كعب بن زهير‪:‬‬
‫مغرب الشمس‬
‫و إذا ما تشاء تبعث‬
‫ناشطا ً مذعورا‬
‫مـنـهـا‬
‫و هذه إذا التي تحتاج إلى الجواب‪.‬‬
‫ول إذا موضع آخر وهي التي يقال لها‪ :‬حرف المفاجأة‪.‬‬
‫د‪ ،‬وبينا أسير فإذا السد‪ .‬فهذه‬
‫وذلك قولك‪ :‬خرجت فإذا زي ٌ‬
‫ل تكون ابتداء‪.‬و تكون جوابا ً للجزاء كالفاء‪ .‬قال الله عز‬
‫ة بما قدمت أيديهم إذا هم‬
‫وجل‪" :‬و إن تصبهم سيئ ٌ‬
‫يقنطون"‪ ،‬لن معناها‪ :‬قنطوا؛ كما أن قولك‪ :‬إن تأتني‬
‫فلك درهم إنما معناه‪ :‬أعطك درهمًا‪.‬‬
‫هذا باب مسائل المجازاة وما يجوز فيها وما يمتنع منها‬
‫تقول‪ :‬إن تأتني آتك‪ ،‬وإن تأتني فلك درهم‪ .‬هذا وجه‬
‫الجزاء وموضعه‪ .‬كما قال عز وجل "إن ينتهوا يغفر لهم ما‬
‫قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنة الولين"‪.‬‬
‫ة عليه؛ لنها تؤدي معناه؛ لنها‬
‫فالصل الفعل‪ ،‬والفاء داخل ٌ‬
‫ل تقع إل ومعنى الجزاء فيها موجود‪ ،‬يقول الرجل‪ :‬قد‬
‫أعطيتك درهمًا‪ ،‬فتقول‪ :‬فقد أعطيتك دينارًا‪ .‬أي من أجل‬
‫ذاك‪ .‬ويقول‪ :‬لم أغث أمس فتقول‪ :‬فقد أتاك الغوث‬
‫م‪ ،‬لن معناه‪ :‬إن تأتني‪.‬‬
‫اليوم‪ .‬ونقول‪ :‬إن أتيتني فلك دره ٌ‬
‫ولو قلت‪ :‬إن أتيتني آتك لصلح؛ كما قال الله عز وجل‪:‬‬
‫"من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم"‪ ،‬لن‬
‫معناه‪ :‬من يكن‪ .‬وكذلك لو قال‪ :‬من يأتني أتيته لجاز‪،‬‬
‫والول أحسن؛ لتباعد هذا عن حرف الجزاء‪ .‬وهو جائز؛‬
‫كما قال الشاعر‪:‬‬
‫كالشجا بين حلقه‬
‫من يكدني بسيىٍء‬
‫والوريد‬
‫كنت منه‬
‫و أعدل الكلم‪ :‬من أتاني أتيته‪ ،‬كما أن وجه الكلم‪ :‬من‬
‫يأتني آته‪.‬‬
‫و تقول‪ :‬من أتاني وتبسط إلي أكرمه؛ لن من أتاني في‬
‫موضع من يأتي‪ .‬ل تقع بعد الجزاء إل ومعناها الستقبال‪.‬‬
‫والحسن من أتاني وأكرمني أتيته‪ .‬كما أن الحسن‪ :‬من‬
‫يأتني ويكرمني آته‪ .‬فهذه أصو ٌ‬
‫ل‪ ،‬ثم نذكر بعدها العطف‬

‫‪179‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫منسقًا‪ ،‬ونكثر في ذلك من المسائل لنوضح أمره إن شاء‬
‫الله‪.‬‬
‫فإذا قلت‪ :‬من يأتني آته‪ .‬ف من هي لهذا الفعل؛ لنها‬
‫م آخر‪.‬‬
‫اسم فلم يدخل معها اس ٌ‬
‫و لو قلت‪ :‬إن يأتني آته على غير مذكور قبل كان محا ً‬
‫ل؛‬
‫لن الفعل ل فاعل فيه‪ ،‬لن إن إنما هي حرف جزاء‬
‫وليست باسم‪ .‬وكذلك جميع الحروف‪.‬‬
‫و تقول في الستفهام‪ :‬من جاءك وأيهم ضربك? وما‬
‫حبسك? لنها أسماء‪.‬‬
‫فإن قلت‪ :‬أحبسك? أو هل حبسك? لم يكن بد ٌ من ذكر‬
‫الفاعل؛ لن هذه حروف‪ .‬فليس في الفعال فاعلون‪.‬‬
‫ة إذا ذكرتها لم يكن‬
‫و كذلك الظروف التي ل تكون فاعل ً‬
‫بد ٌ من ذكر الفاعل معها‪ .‬ولو قلت‪ :‬أين يكن أكن‪ ،‬لم يكن‬
‫كلما ً حتى تقول‪ :‬أين يكن زيد ٌ أكن‪.‬‬
‫و كذلك في الستفهام إذا قلت‪ :‬أين يكون زيد? ومتى‬
‫يخرج زيد? تعني المذكور‪ .‬فعلى هذا يجري ما ذكرت لك‪.‬‬
‫و لو قلت‪ :‬من من يأتني آته‪ .‬إذا جعلت من الولى‬
‫استفهاما ً وجعلت الثانية جزاًء كان جيدًا‪ .‬فتكون الهاء في‬
‫آته ترجع إلى من التي هي استفهام‪ .‬وتقديرها‪ :‬أيهم من‬
‫ت هذا الذي أسأل‬
‫أتاني من الناس أتيته‪ ،‬أي‪ :‬من أتاني آ ٍ‬
‫عنه‪.‬‬
‫و نظيره‪ :‬هند من ضربني ضربتها‪ .‬أي إن ضربني أحد‬
‫ضربت هندا‪.‬‬
‫و تقول‪ :‬ما من يأتني آته؛ لن ما حرف نفي والحروف ل‬
‫يرجع إليها شيء ول إلى الفعال‪ ،‬إنما نفيت بهذا هذه‬
‫الجملة‪.‬‬
‫فإن جعلت ما اسما ً وجعلتها استفهاما ً أو جزاًء أو في‬
‫معنى الذي لم يكن بد ٌ من راجع إليها‪.‬‬
‫فأما الجزاء فقولك‪ :‬ما تركب أركب‪ .‬والحسن ما تركب‬
‫أركبه نصبت ما بتركب وأضمرت هاًء في تركب‪.‬‬
‫و لو قلت‪ :‬ما تركب أركب لجاز‪ .‬ول يكون ذلك إل على‬
‫إرادة الهاء؛ لنه معلق بما قبله‪ ،‬وذلك في المعنى موجود‪.‬‬

‫‪180‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫و في الستفهام ما حبسك? والمعنى ‪ :‬أي شيٍء حبسك?‬
‫و كذلك‪ :‬ما أكلته? أي‪ :‬أي شيٍء أكلته? فإن حذفت الهاء‬
‫نصبت ما لنها مفعول بها كقولك‪ :‬أيهم ضربت? كما‬
‫تقول‪ :‬زيدا ً ضربت‪.‬‬
‫و في موضع الذي قوله‪ :‬ما يسرني يسرك‪.‬‬
‫و تقول‪ :‬من يأتنا نأته مكرمين له‪ ،‬نصبت مكرمين على‬
‫الحال والعامل فيها نأته‪ .‬ولو أردت أن يكون الفعل الول‬
‫عامل ً في الحال لقلت‪ :‬من يأتنا مكرمين له نأته‪ .‬تريد من‬
‫من يأتنا في حال إكرامنا إياه نأته‪ .‬ولو أردت أن يكون‬
‫مكرمين عامل ً فيها نأته وقد قدمتها جاز؛ كما تقول‪:‬‬
‫مسرعا ً جاء زيد‪.‬‬
‫و نقول في مسائل طوال يمتحن بها المتعلمون "من يأته‬
‫من إن يأتنا نأته عامدين تأت يكرمك"‪.‬‬
‫إن رفعت يكرمك فالمسألة جيدة‪ .‬لن تقديرها‪ :‬من يأته‬
‫زيد يأت في حال إكرامه لك‪ .‬والجود أن تقول‪ :‬تأته‬
‫يكرمك‪ ،‬لتشغل الفعل بالمفعول إذ كان خبرًا‪ .‬والحذف‬
‫جائز وليس بجيد‪ .‬وقولك‪ :‬من إن يأتنا نأته اسم واحد‬
‫بمنزلة زيد‪.‬‬
‫و لو جزمت يكرمك على البدل لم يصلح إن أبدلته من‬
‫تأت؛ لن يكرمك لغيرك‪ .‬فإن جعلته بدل ً من شيء في‬
‫الصلة لم يصلح‪ ،‬لخروجه عنها‪ .‬ولكن لو قلت‪ :‬إن تأتني‬
‫أعطك أحسن إليك جاز وكان حسنًا؛ لن العطية إحسان‪.‬‬
‫فلذلك أبدلته منه‪ .‬ومثل ذلك قوله عز وجل‪" :‬ومن يفعل‬
‫ذلك يلق أثاما ً يضاعف له العذاب"؛ لن لقي الثام هو‬
‫تضعيف العذاب‪ .‬وكذلك قول الشاعر‪:‬‬
‫تجد حطبا ً جزل ً ونارا ً‬
‫متىتأتنا تلمم بنا في‬
‫تأججا‬
‫ديارنـا‬
‫لن التيان إلمام؛ كما قال‪:‬‬
‫تؤخذ كرها ً أو تجيء‬
‫إن على الله أن‬
‫طائعا‬
‫تـبـايعـا‬
‫لن قوله‪ :‬تؤخذ أو تجيء بتأويل المبايعة‪.‬‬
‫و لو قلت‪ :‬من يأتنا يسألنا نعطه على البدل لم يجز إل أن‬

‫‪181‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫يكون بدل الغلط‪.‬كأنك أردت‪ :‬من يسألنا نعطه فقلت‪ :‬من‬
‫يأتنا غالطا ً أو ناسيا ً ثم ذكرت فاستدركت فوضعت هذا‬
‫الفعل في موضع ذلك‪ .‬ونظيره من السماء مررت برجل‬
‫حمار‪.‬‬
‫و تقول‪ :‬من يأتني من إن يأته الذي هند ٌ أخته يأته أعطه‬
‫فالمعنى‪ :‬إن يأتني زيد أعطه‪ ،‬لن هذا الكلم كله في صلة‬
‫من‪.‬‬
‫و تقول‪ :‬أي القوم المنطلق آباؤهم إن يأتك الكاسيه ثوبا ً‬
‫تكرمه‪ .‬فتقدير المسألة‪ :‬أي القوم إن يأتك أبوه تكرمه‪،‬‬
‫وأي هنا استفهام‪.‬‬
‫و تقول‪ :‬أيهم يأته الشاتم أخاه المعطيه درهما ً ينطلق‬
‫إليه‪ .‬فمعناه‪ :‬أيهم يأته زيد ٌ ينطلق إليه‪ .‬فما ورد عليك من‬
‫المسائل فقسه على هذا إن شاء الله‪.‬‬
‫هذا باب ما يرتفع بين المجزومين وما يمتنع عن ذلك‬
‫تقول‪ :‬إن تأتنا تسألنا نعطك‪ .‬تريد‪ :‬إن تأتنا سائ ً‬
‫ل‪ ،‬كما‬
‫قال‪:‬‬
‫تجد خير نار عندها‬
‫متى تأته تعشو إلى‬
‫خير موقد‬
‫ضوء ناره‬
‫أراد‪ :‬متى تأته عاشيا ً إلى ضوء ناره تجد‪ .‬وقال الخر‪:‬‬
‫ومن ل يزل يستحمل و ل يغنها يوما ً من‬
‫الدهر يسأم‬
‫الناس نفسه‬
‫فقوله‪ :‬يستحمل الناس نفسه إنما هو خير يزال كأنه قال‪:‬‬
‫من ل يزل مستحم ً‬
‫ل‪ .‬ولو قلت‪ :‬من يأتنا ويسألنا نعطه‬
‫على هذا كان محا ً‬
‫ل‪ ،‬لنك ل تقول‪ :‬متى تأته وعاشيا ً ول‬
‫جاءني زيد وراكبًا‪ .‬ولكن إن أضمرت جاز فقلت‪ :‬إن تأتنا‬
‫وتسألنا نعطك‪ .‬تريد‪ :‬إن تأتنا وهذه حالك نعطك‪ .‬والوجه‬
‫الجيد إن تأتنا وتسألنا نعطك‪.‬‬
‫و تقول‪ :‬إن تأتنا ثم تسألنا نعطك‪ .‬لم يجز إل جزم تسألنا‪،‬‬
‫لن ثم من حروف العطف‪ .‬ول يستقيم الضمار هاهنا‬
‫بعدها‪ .‬ولو قلت‪ :‬إن تأتنا ثم تسألنا‪ ،‬تريد‪ :‬ثم أنت تسألنا‬
‫تريد الحال لم يصلح؛ لن ثم لما بعد؛ أل ترى أنك تقول‪:‬‬
‫لقيت زيدا ً وعمرو يتكلم أي‪ :‬لقيت زيدا ً وعمرو هذه حاله‪:‬‬

‫‪182‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ة قد‬
‫ة منكم وطائف ٌ‬
‫كما قال الله عز وجل‪" :‬يغشى طائف ً‬
‫ة في هذه الحالة‪ .‬ولو‬
‫أهمتهم أنفسهم"‪ .‬أي إذ طائف ٌ‬
‫وضعت ثم هاهنا لم يستقم‪.‬‬
‫و تقول‪ :‬من إن يأته زيد يكرمه يعطك في الدار‪ .‬ف من‬
‫في موضع الذي‪ ،‬وإن للجزاء ويكرمه حال معناها مكرما ً‬
‫له‪ .‬ويعطه جواب الجزاء‪ ،‬وفي الدار خبر من‪.‬‬
‫و لو قلت‪ :‬من يأتني آته أحسن إليه كان جيدًا‪ .‬يكون‬
‫أحسن إليه حال ً ويكون منقطعا ً من الول‪ .‬كأنك لما تم‬
‫الكلم قلت‪ :‬أنا أحسن إليه‪.‬‬
‫و تقول‪ :‬من يأتني آته‪ .‬وأكرمه‪ ،‬ومن يأتني آته فأكرمه‪،‬‬
‫ومن يأتني آته أكرمه‪ .‬وكذلك جميع حروف العطف التي‬
‫تقع هاهنا‪ ،‬وإن شئت قلت‪ :‬من يأتني آته وأكرمه‪ ،‬أي وأنا‬
‫أكرمه‪ ،‬وإن شئت على الحال‪ ،‬وإن شئت فصلته مما قبله‪،‬‬
‫وجعلتها جملة معطوفة معلقة بجملة‪.‬‬
‫و تقول في الفاء‪ :‬من يأتني آته فأكرمه على القطع من‬
‫الول وعطف جملة على جملة؛ وكذلك ثم‪.‬‬
‫و إنما جاز الضمار هاهنا‪ ،‬ولم يجز حيث كانا متوسطين‬
‫بين الجزاء وجوابه؛ لن الكلم قد تم فاحتمل الستئناف‪،‬‬
‫ول تكون الحال في ثم ول الفاء؛ لنهما ل تكونان إل بعد‪.‬‬
‫إل أن الفاء‪ ،‬والواو يجوز بعدهما النصب على إضمار أن؛‬
‫لن الجزاء غير واجب آخره إل بوجوب أوله‪ .‬وقد تقدم‬
‫ذكرنا لهذا في باب الفاء والواو‪.‬‬
‫و قد قرئ هذا الحرف على ثلثة أوجه‪" :‬يحاسبكم به الله‬
‫فيغفر لمن يشاء" بالجزم وهو أجودها‪ ،‬ويليه الرفع‪ ،‬ثم‬
‫النصب‪ .‬والمر فيه على ما ذكرت لك‪.‬‬
‫و لو قلت‪ :‬من ل يأتني فيكرمني آته كان النصب جيدا ً من‬
‫أجل النفي‪ .‬وصار كقولك‪ :‬ما تأتيني فتكرمني‪ :‬أي كلما‬
‫أتيتني لم تكرمني‪ .‬فموضعه لم تأتني مكرمًا‪ ،‬وهاهنا أعني‬
‫في الجزاء إلى ذا يرجع إذا قلت‪ :‬من ل يأتني فيكرمني‬
‫آته‪ ،‬لن معناه‪ :‬من ل يأتني مكرمًا‪.‬‬
‫و قال‪:‬‬
‫فيثبتها في مستوى‬
‫ومن ل يقدم رجله‬

‫‪183‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫الرض يزلق‬
‫ة‬
‫مـطـمـئن ً‬
‫كأنه قال‪ :‬من ل يقدم رجله مثبتًا‪.‬‬
‫هذا باب ما يجوز من تقديم جواب الجزاء عليه‬
‫وما ل يجوز إل في الشعر اضطرارا ً‬
‫أما ما يجوز في الكلم فنحو‪ :‬آتيك إن أتيتني‪ ،‬وأزورك إن‬
‫زرتني‪ .‬ويقول القائل‪ :‬أتعطيني درهمًا? فأقول‪ :‬إن جاء‬
‫م إن فعلت‪ .‬فإن قلت‪ :‬آتي من‬
‫زيد‪ .‬وتقول‪ :‬أنت ظال ٌ‬
‫أتاني‪ ،‬وأصنع ما تصنع لم يكن هاهنا جزاء؛ وذلك أن‬
‫حروف الجزاء ل يعمل فيها ما قبلها‪.‬‬
‫و لو قلت‪ :‬آتي من أتاني‪ ،‬للزمك أن يكون منصوبا ً بالفعل‬
‫الذي قبلها‪ .‬وهذا ل يكون؛ لن الجزاء منفصل كالستفهام‪،‬‬
‫ولو قلت‪ :‬آتيك متى أتيتني‪ ،‬أو أقوم أين قمت على أن‬
‫تجعل متى وأين ظرفين لما بعدهما كان جيدًا‪ ،‬وكانتا‬
‫منقطعتين من الفعل الول‪ ،‬إل أنك لما ذكرته سد مسد‬
‫جواب الجزاء‪ .‬فإن أردت أن يكونا ظرفين لما قبلهما‬
‫استحال؛ لن الجزاء ل يعمل فيه ما قبله؛ كما ل يعمل هو‬
‫فيما قبله؛ أل ترى أنك ل تقول‪ :‬زيدا ً إن تأت يكرمك‪ ،‬ول‬
‫زيدا ً متى تأت تحببه‪ .‬فإذا كان الفعل ماضيا ً بعد حرف‬
‫الجزاء جاز أن يتقدم الجواب؛ لن إن ل تعمل في لفظه‬
‫شيئًا‪ ،‬وإنما هو في موضع الجزاء‪ ،‬فكذلك جوابه يسد‬
‫مسد جواب الجزاء‪.‬‬
‫و يحسن في الكلم‪ :‬إن أتيتني لقومن‪ ،‬وإن لم تأتني‬
‫لغضبن‪.‬‬
‫فسيبويه يذهب إلى أنه على التقديم والتأخير‪ ،‬كأنه قال‪:‬‬
‫لغضبن إن لم تأتني ولقومن إن أتيتني‪.‬‬
‫و الذي قال ل يصلح عندي‪ ،‬لن الجواب في موضعه فل‬
‫د؛‬
‫يجب أن يقدر لغيره‪ ،‬أل ترى أنك تقول‪ :‬يضرب غلمه زي ٌ‬
‫لن زيد في المعنى مقدم؛ لن حق الفاعل أن يكون قبل‬
‫المفعول‪ .‬ولو قلت‪ :‬ضرب غلمه زيدا ً لم يجز‪ ،‬لن الفاعل‬
‫في موضعه فل يجوز أن يقدر لغيره‪.‬‬
‫و لكن القول عندي أن يكون الكلم إذا لم يجز في موضع‬
‫الجواب مبتدأ على معنى ما يقع بعد الفاء‪ ،‬فكأنك قدرته‬

‫‪184‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وأنت تريد الفاء؛ كما أنك تقول‪ :‬أعجبني الذي ضرب زيدًا‪،‬‬
‫فإن جعلت اللف واللم في موضع الذي كان صلتها على‬
‫معنى صلة الذي ل على لفظها‪.‬‬
‫تقول‪ :‬أعجبني الضارب زيدًا‪ ،‬لن اللف واللم للسماء‪،‬‬
‫فل يليان ضرب؛ لمتناع ما يكون للسماء من الفعال‪.‬‬
‫فمن ذلك قول زهير‪:‬‬
‫و إن أتاه خلـي ٌ‬
‫ب ما لي‬
‫ل يوم‬
‫يقول‪ :‬ل غائ ٌ‬
‫ول حرم‬
‫مـسـألة‬
‫فقوله‪ :‬يقول على إرادة الفاء على ما ذكرت لك‪.‬‬
‫و من ذلك قول الله عز وجل‪" :‬و أما إن كان من أصحاب‬
‫م لك من أصحاب اليمين" الفاء ل بد ٌ منها‬
‫اليمين‪ .‬فسل ٌ‬
‫في جواب أما‪ ،‬فقد صارت هاهنا جوابا ً لها‪ ،‬والفاء وما‬
‫بعدها يسدان مسد جواب إن‪.‬‬
‫و لو كان هذا في الكلم‪ :‬أما إن كان زيد عندك فله درهم‪،‬‬
‫لكان تقديره‪ :‬مهما يكن من شيٍء فلزيد درهم إن كان‬
‫عندك؛ لن أما فيها معنى الجزاء واقع ول بد من الفاء‪.‬‬
‫وتقديرها ما ذكرت لك‪.‬‬
‫أل ترى أنك تقول‪ :‬أما زيد فمنطلق‪" ،‬فأما اليتيم فل تقهر"‬
‫فالمعنى‪ :‬مهما يكن من شيٍء فل تقهر اليتيم‪.‬‬
‫و لو اضطر شاعر فحذف الفاء وهو يريدها لجاز؛ كما‬
‫قال‪:‬‬
‫و لكن سيرا ً في‬
‫أما القتال ل قـتـال‬
‫عراض المواكب‬
‫لـديكـمـو‬
‫و أما ما ل يجوز إل في الشعر فهو‪ :‬إن تأتني آتيك‪ ،‬وأنت‬
‫ظالم إن تأتني؛ لنها قد جزمت‪ ،‬ولن الجزاء في موضعه‪،‬‬
‫فل يجوز في قول البصريين في الكلم إل أن توقع‬
‫الجواب فعل ً مضارعا ً مجزوما ً أو فاء‪ ،‬إل في الشعر‪.‬‬
‫فأما إن تأتني أتيتك‪ ،‬فإن بعضهم قد يجيزه في غير‬
‫الشعر؛ كما أجازوا إن أتيتني آتك‪ .‬وقد مضى قولنا في‬
‫الفصل بينهما‪.‬‬
‫قال الشاعر على إرادة الفاء‪:‬‬
‫به أنت من بين‬
‫و إني متى أشرف‬

‫‪185‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫الجوانـب نـاظـر‬
‫على الجانب الذي‬
‫و هو عندي على إرادة الفاء‪ .‬والبصريون يقولون‪ :‬هو على‬
‫إرادة الفاء‪ ،‬ويصلح أن يكون على التقديم؛ أي‪ :‬وإني ناظر‬
‫متى أشرف‪.‬‬
‫و كذلك قول الشاعر‪:‬‬
‫إنك إن يصرع أخوك‬
‫س يا‬
‫يا أقرع بن حابـ ٍ‬
‫تصرع‬
‫أقـرع‬
‫و قال آخر‪:‬‬
‫ة من يأتها ل‬
‫فقلت‪ :‬تحمل فوق‬
‫مطبع ٌ‬
‫يضيرهـا‬
‫طوقك‪ ،‬إنها‬
‫يريد‪ :‬ل يضيرها من يأتها‪.‬‬
‫و أما قول عبد الرحمن بن حسان‪:‬‬
‫و الشر بالشر عند‬
‫من يفعل الحسنات‬
‫الله مثلن‬
‫الله يشكرها‬
‫فل اختلف بين النحويين في أنه على إرادة الفاء؛ لن‬
‫التقديم فيه ل يصلح‪.‬‬
‫هذا باب ما تحتمل حرف الجزاء من الفصل بينها وبين ما‬
‫عملت فيه أما إن إذا لم تجزم فالفصل بينها وبين ما‬
‫عملت فيه في الظاهر جائز بالسم‪ .‬وذلك قوله‪ :‬إن الله‬
‫أمكنني من فلن فعلت‪ ،‬وإن زيد ٌ أتاني أكرمته؛ كما قال‬
‫الشاعر‪:‬‬
‫عاود هراة وإن معمورها خربا‬
‫و إنما تفسير هذا‪ :‬أنك أضمرت الفعل بينها وبين السم‪،‬‬
‫فتقديره‪ :‬إن أمكنني الله من زيد‪ ،‬وإن خرب معمورها‪.‬‬
‫ولكنه أضمر هذا‪ ،‬وجاء بالفعل الظاهر تفسير ما أضمر‪،‬‬
‫ولو لم يضمر لم يجز؛ لن الجزاء ل يكون إل بالفعل‪ .‬وإنما‬
‫احتملت إن هذا في الكلم‪ ،‬لنها أصل الجزاء‪ ،‬كما تحتمل‬
‫اللف في الستفهام تقديم السم في نحو قولك‪ :‬أزيد ٌ‬
‫قام? لنها أصل الستفهام‪ .‬لو وقلت‪ :‬هل زيد قام? لم‬
‫يصلح إل في الشعر؛ لن السؤال إنما هو عن الفعل‪،‬‬
‫وكذلك متى زيد ٌ خرج? وأين زيد ٌ قام? وجميع حروف‬
‫الستفهام غير ألف الستفهام ل يصلح فيهن إذا اجتمع‬

‫‪186‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫اسم وفعل إل تقديم الفعل‪ ،‬إل أن يضطر الشاعر‪.‬‬
‫و الفعل في الجزاء أوجب؛ لن الجزاء ل يكون إل بالفعل‪،‬‬
‫والستفهام قد يكون عن السماء بل فعل‪ ،‬تقول‪ :‬أزيد ٌ‬
‫أخوك?? أزيد ٌ في الدار? ول يكون مثل هذا في الجزاء‬
‫وسائر حروف الجزاء سوى إن‪ .‬ل يجوز فيها هذا في‬
‫الكلم ول في إن إذا جزمت‪ .‬ل تقول‪ :‬من زيد ٌ يأته يكرمه‪،‬‬
‫ول إن زيد ٌ يأتني آته‪ ،‬ول أين زيد ٌ أتاني أتيته‪ ،‬ول من زيد ٌ‬
‫أتاه أكرمه‪ .‬فإن اضطر شاعر جاز فيهن الفصل‪ ،‬جزمن أو‬
‫لم يجزمن‪.‬‬
‫و جاز ذلك في حروف الجزاء دون سائر عوامل الفعال؛‬
‫لنه يقع بعدهن المستقبل والماضي‪ .‬ول يكون ذلك في‬
‫غيرهن من العوامل‪ .‬فلما تمكن هذا التمكن احتملن‬
‫الضمار والفصل‪.‬‬
‫فمما جاء في الشعر قوله‪:‬‬
‫أينما الريح تميلها تمل‬
‫ر‬
‫صعدةٌ نابت ٌ‬
‫ة في حائ ٍ‬
‫و قال الخر‪:‬‬
‫ومن ل نجره يمس‬
‫فمن نحن نؤمنه يبت‬
‫منا مفزعا‬
‫ن‬
‫وهو آم ٌ‬
‫و قال الخر‪:‬‬
‫فمتى واغ ٌ‬
‫ه وتعطف عليه كأس‬
‫ل ينبـهـم‬
‫الساقي‬
‫يحـيو‬
‫و اعلم أن المفعول إذا وقع في هذا الموضع وقد شغل‬
‫الفعل عنه انتصب بالفعل المضمر‪ ،‬لن الذي بعده تفسير‬
‫له؛ كما كان في الستفهام في قولك‪ :‬أزيدا ً ضربته‪،‬‬
‫"أبشرا ً منا واحدا ً نتبعه"‪ .‬وذلك قولك‪ :‬إن زيدا ً تره تكرمه‪،‬‬
‫ومن زيدا ً يأته يعطه‪ ،‬وإن زيدا ً لقيته أكرمته‪ ،‬وكذلك إذا‬
‫لنها ل تقع إل على فعل‪ .‬تقول‪ :‬إذا زيدا ً لقيته فأكرمه‪،‬‬
‫قال‪:‬‬
‫ل تجزعي إن منفسا ً‬
‫و إذا هلكت فعند ذلك‬
‫فاجزعي‬
‫أهلكـتـه‬
‫و قال الخر‪:‬‬
‫س بين‬
‫إذا ابن أبي موسى‬
‫فقام بفا ٍ‬

‫‪187‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وصليك جازر‬
‫بلل ً بلغته‬
‫و لو رفع هذا رافعٌ على غير الفعل لكان خطأ‪ ،‬لن هذه‬
‫الحروف ل تقع إل على الفعال‪ .‬ولكن رفعه يجوز على ما‬
‫ل ينقض المعنى‪ ،‬وهو أن يضمر بلغ‪ ،‬فيكون إذا بلغ ابن‬
‫أبي موسى‪ .‬وقوله‪ :‬بلغته إظهاٌر للفعل وتفسيٌر للفاعل‪.‬‬
‫س أهلكته على أن يكون‬
‫و كذلك‪ :‬ل تجزعي إن منف ٌ‬
‫المضمر هلك‪.‬‬
‫و كذلك هذه اليات كلها‪ ،‬وهي‪" :‬إذا السماء انشقت"‬
‫و"إذا الشمس كورت" وإنما المعنى والله أعلم إذا كورت‬
‫الشمس‪ ،‬وإذا انشقت السماء‪.‬‬
‫و الجواب في جميع هذا موجود‪ ،‬لن هذه ل تكون إل‬
‫بأجوبة‪ .‬فالجواب في قوله‪" :‬إذا الشمس كورت" "علمت‬
‫س ما أحضرت"‪ .‬والجواب في قوله‪" :‬إذا السماء‬
‫نف ٌ‬
‫س ما قدمت وأخرت"‪.‬‬
‫انفطرت" "علمت نف ٌ‬
‫فأما قوله‪" :‬إذا السماء انشقت‪ .‬وأذنت لربها وحقت" فقد‬
‫قيل فيه أقاويل‪:‬‬
‫فقوم يقولون‪" :‬فأما من أوتي كتابه بيمينه" هو الجواب‪،‬‬
‫لن الفاء وما بعدها جواب‪ ،‬كما تكون جوابا ً في الجزاء؛‬
‫لن إذا في معنى الجزاء‪ .‬وهو كقولك‪ :‬إذا جاء زيد فإن‬
‫كلمك فكلمه‪ .‬فهذا قول حسن جميل‪.‬‬
‫و قال قوم‪ :‬الخبر محذوف؛ لعلم المخاطب‪ .‬كقول القائل‬
‫عند تشديد المر‪ :‬إذا جاء زيد‪ ،‬أي إذا جاء زيد علمت؛‬
‫وكقوله‪ :‬إن عشت‪ ،‬ويكل ما بعد هذا إلى ما يعلمه‬
‫المخاطب‪ .‬كقول القائل‪ :‬لو رأيت فلنا ً وفي يده السيف‪.‬‬
‫و قال قوم آخرون‪ :‬الواو في مثل هذا تكون زائدة‪ .‬فقوله‪:‬‬
‫"إذا السماء انشقت‪ .‬وأذنت لربها وحقت" يجوز أن يكون‬
‫"إذا الرض مدت" والواو زائدة‪ .‬كقولك‪ :‬حين يقوم زيد ٌ‬
‫حين يأتي عمرو‪.‬‬
‫و قالوا أيضًا‪" :‬إذا السماء انشقت أذنت لربها وحقت"‪.‬‬
‫وهو أبعد القاويل‪ .‬أعني زيادة الواو‪.‬‬
‫و من قول هؤلء‪ :‬إن هذه الية على ذلك "فلما أسلما‬
‫وتله للجبين‪ .‬وناديناه" قالوا‪ :‬المعنى‪ :‬ناديناه أن يا‬

‫‪188‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ابراهيم‪ .‬قالوا‪ :‬ومثل ذلك في قوله‪" :‬حتى إذا جاءوها‬
‫وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها"‪ .‬المعنى عندهم‪ :‬حتى إذا‬
‫جاءوها فتحت أبوابها‪ ،‬كما كان في الية التي قبلها‪ .‬في‬
‫مواضع من القرآن كثيرة من هذا الضرب قولهم واحد‪،‬‬
‫وينشدون في ذلك‪:‬‬
‫حتى إذا امتلت‬
‫و رأيتم أبناءكم شـبـوا‬
‫بطونكـم‬
‫إن الغدور الفاحش‬
‫و قلبتم ظهر المجن‬
‫الخب‬
‫لنـا‬
‫قال‪ :‬وإنما هو‪ :‬قلبتم ظهر المجن‪.‬‬
‫و زيادة الواو غير جائزة عند البصريين‪ ،‬والله أعلم‬
‫بالتأويل‪ .‬فأما حذف الخبر فمعروف جيد من ذلك قوله "و‬
‫لو أن قرآنا ً سيرت به الجبال أو قطعت به الرض أو كلم‬
‫به الموتى بل لله المر جميعًا"‪.‬‬
‫قال الراجز‪:‬‬
‫لو قد حداهن أبو الجودي‬
‫برجزٍ مسحنفر الـروي‬
‫ت كنوى البرنـي‬
‫مستويا ٍ‬
‫لم يأت بخبر لعلم المخاطب‪ .‬ومثل هذا الكلم كثير ول‬
‫يجوز الحذف حتى يكون المحذوف معلوما ً بما يدل عليه‬
‫من متقدم خبر أو مشاهدة حال‪.‬‬
‫هذا باب الفعال التي تنجزم لدخول معنى الجزاء فيها‬
‫و تلك الفعال جواب ما كان أمرا ً أو نهيا ً أو استخبارًا‪،‬‬
‫وذلك قولك‪ :‬ائت زيدا ً يكرمك‪ ،‬ول تأت زيدا ً يكن خيرا ً لك‪،‬‬
‫وأين بيتك أزرك?‪.‬‬
‫و إنما انجزمت بمعنى الجزاء؛ لنك إذا قلت‪ :‬ائتني‬
‫أكرمك‪ ،‬فإنما المعنى‪ :‬ائتني فإن تأتني أكرمك؛ لن‬
‫الكرام إنما يجب بالتيان‪ .‬وكذلك‪ :‬ل تقم يكن خيرا ً لك؛‬
‫لن المعنى‪ :‬فإن لم تقم يكن خيرا ً لك‪ .‬وأين بيتك أزرك?‬
‫إنما معناه‪ :‬إن تعلمني أزرك‪.‬‬
‫و قال الله عز وجل‪" :‬يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على‬
‫تجارة تنجيكم من عذاب اليم" ثم ذكرها فقال‪" :‬تؤمنون‬

‫‪189‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫بالله" فلما انقضى ذكرها قال‪" :‬يغفر لكم"؛ لنه جواب‬
‫لهل‪.‬‬
‫و كذلك أعطني أكرمك‪ .‬وتقول‪ :‬ائتني أشكرك‪ ،‬والتفسير‬
‫واحد‪ .‬ولو قلت‪ :‬ل تعص الله يدخلك الجنة كان جيدًا؛ لنك‬
‫إنما أضمرت مثل ما أظهرت‪ .‬فكأنك قلت‪ :‬فإنك إن ل‬
‫تعصه يدخلك الجنة‪ ،‬واعتبره بالفعل الذي يظهر في‬
‫معناه؛ أل ترى أنك لو وضعت فعل ً بغير نهي في موضع ل‬
‫تعص الله لكان أطع الله‪.‬‬
‫و لو قلت‪ :‬ل تعص الله يدخلك النار كان محا ً‬
‫ل؛ لن معناه‪:‬‬
‫أطع الله‪ .‬وقولك‪ :‬أطع الله يدخلك النار محال‪.‬‬
‫و كذلك‪ :‬ل تدن من السد يأكلك ل يجوز؛ لنك إذا قلت‪ :‬ل‬
‫تدن فإنما تريد‪ :‬تباعد‪ ،‬ولو قلت‪ :‬تباعد من السد يأكلك‬
‫كان محا ً‬
‫ل؛ لن تباعده منه ل يوجب أكله إياه‪ .‬ولكن لو‬
‫رفعت كان جيدًا‪ .‬تريد فإنه مما يأكلك‪.‬‬
‫و أما قوله‪" :‬و قل لعبادي يقولوا التي هي أحسن" وما‬
‫أشبهه‪ ،‬فليس يقولوا جوابا ً لقل‪ .‬ولكن المعنى والله‬
‫أعلم ‪ :‬قل لعبادي‪ :‬قولوا يقولوا‪.‬‬
‫و كذلك "قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلة" وإنما هو‪:‬‬
‫قل لهم يفعلوا يفعلوا‪.‬‬
‫و تقول‪ :‬مره يحفرها‪ ،‬ومره يحفرها‪ .‬فالرفع على ثلثة‬
‫أوجه‪ ،‬والجزم على وجه واحد‪ ،‬وهو أجود من الرفع؛ لنه‬
‫على الجواب كأنه إن أمرته حفرها‪.‬‬
‫و أما الرفع فأحد وجوهه‪ :‬أن يكون يحفرها على قولك‪:‬‬
‫فإنه ممن يحفرها‪ ،‬كما كان ل تدن من السد يأكلك‪.‬‬
‫و يكون على الحال‪ ،‬كأنه قال‪ :‬مره في حال حفره‪ .‬فلو‬
‫كان اسما ً لكان مره حافرا ً لها‪.‬‬
‫و يكون على شيء هو قلي ٌ‬
‫ل في الكلم‪ ،‬وذلك أن تريد‪:‬‬
‫مره أن يحفرها‪ ،‬فتحذف أن وترفع الفعل؛ أن عامله ل‬
‫يضمر‪.‬‬
‫و بعض النحويين من غير البصريين يجيز النصب على‬
‫إضمار أن‪ .‬والبصريون يأبون ذلك إل أن يكون منها عوض؛‬

‫‪190‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫نحو‪ :‬الفاء والواو وما ذكرناه معهما‪ .‬ونظير هذا الوجه‬
‫قول طرفة‪:‬‬
‫و أن أشهد اللذات هل‬
‫أل أيهذا الزاجري‬
‫أنت مخلدي‬
‫أحضر الوغـى‬
‫و من رأى النصب هناك رأى نصب أحضر‪.‬‬
‫فأما قول الله عز وجل‪" :‬قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها‬
‫الجاهلون" فتقديره والله أعلم ‪ :‬قل أفغير الله أعبد فيما‬
‫تأمروني‪ .‬ف غير منصوب ب أعبد‪.‬‬
‫و قد يجوز وهو بعيد على قولك‪ :‬أل أيهذا الزاجري أحضر‬
‫الوغى‪ ،‬فكأن التقدير‪ :‬قل أفغير الله تأمروني أعبد‪.‬‬
‫فتنصب غير ب تأمروني‪ .‬وقد أجازه سيبويه على هذا‪،‬‬
‫وهذا قول آخر وهو حذف الباء‪ ،‬كما قال‪:‬‬
‫ل وذا‬
‫أمرتك الخير فافعل‬
‫فقد تركتك ذا ما ٍ‬
‫نـشـب‬
‫ما أمرت به‬
‫و أنا أكره هذا الوجه الثاني لبعده‪ .‬ول يجوز على هذا‬
‫القول أن ينصب غيرا ً بأعبد؛ لن أعبد على هذا في صلة‬
‫أن‪.‬‬
‫و أما قوله عز وجل‪" :‬ذرهم يأكلوا ويتمتعوا" فعلى‬
‫الجواب‪.‬‬
‫فإن قال قائل‪ :‬أفأمر الله بذلك ليخوضوا ويلعبوا? قيل‪:‬‬
‫مخرجه من الله عز وجل على الوعيد؛ كما قال عز وجل‪:‬‬
‫"اعملوا ما شئتم" "و من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"‪.‬‬
‫أما قوله‪" :‬ذرهم في خوضهم يلعبون" فإنه ليس بجواب‪،‬‬
‫ولكن المعنى‪ :‬ذرهم لعبين‪ ،‬أي ذرهم في حال لعبهم‪.‬‬
‫هذا باب ألفات الوصل والقطع‬
‫و هن همزات على الحقيقة‪ .‬فأما ألف القطع فهي التي‬
‫تكون في أول السم أصل ً أو زائدة كالصل‪ .‬يبنى عليها‬
‫السم بناء؛ كما يبنى على الميم الزائدة وغيرها من‬
‫حروف الزوائد‪ .‬فاستئنافها ووصلها بما قبلها سواء‪ ،‬وذلك‬
‫ب فاعلم‪ ،‬وهذا أ ٌ‬
‫خ يا فتى‪ .‬فهذه الصلية‪.‬‬
‫نحو‪ :‬هذا أ ٌ‬
‫وكذلك الهمزة في إبل‪ ،‬وفي أمر‪.‬‬
‫فأما الزائدة فنحو أحمر‪ ،‬وأصفر‪ ،‬وهذا أفضل من ذا؛ لنه‬

‫‪191‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫من الفضل والحمرة والصفرة‪.‬‬
‫و أما ألف الوصل فإنما هي همزة‪ .‬كان الكلم بعدها ل‬
‫يصلح ابتداؤه؛ لن أوله ساكن ول يقدر على ابتداء‬
‫الساكن‪ .‬فزيدت هذه الهمزة ليوصل بها إلى الكلم بما‬
‫بعدها‪ .‬فإن كان قبلها كلم سقطت؛ لن الذي قبلها معتمد‬
‫ن‪ ،‬فل وجه لدخولها‪.‬‬
‫للساكن مغ ٍ‬
‫و كذلك إن تحرك الحرف الذي بعدها لعله توجب ذلك‬
‫سقطت اللف للستغناء عنها بتحرك ما بعدها؛ لن ابتداءه‬
‫ممكن‪ ،‬فإنما تدخل في الكلم للضرورة إليها‪ .‬وسنذكر‬
‫موضعها من الفعال وما تدخله من السماء إن شاء الله‪.‬‬
‫هذا باب الفعال التي تدخلها ألف الوصل‬
‫والفعال الممتنعة من ذلك‬
‫ل كانت الياء وسائر‬
‫أما ما تدخله ألف الوصل فهو كل فع ٍ‬
‫حروف المضارعة تنفتح فيه إذا قلت يفعل‪ ،‬قلت حروفه‬
‫أو كثرت‪ ،‬إل أن يتحرك ما بعد الفاء فيستغنى عن اللف‬
‫كما ذكرت لك‪.‬‬
‫فمن تلك الفعال‪ :‬ضرب وعلم وكرم‪ ،‬وتقول إذا أمرت‪:‬‬
‫اضرب زيدًا‪ ،‬اعلم ذاك‪ ،‬اكرم يا زيد؛ لنك تقول‪ :‬يضرب‬
‫ويعلم ويكرم‪ ،‬فالياء من جميع هذا مفتوحة‪.‬‬
‫و تقول‪ :‬يا زيد اضرب عمرا ً فتسقط اللف؛ كما قال عز‬
‫وجل‪" :‬قل ادعوا الله"‪ ،‬وكما قال‪" :‬و اعلموا أنما غنمتم‬
‫من شيٍء" لن الواو لحقت فسقطت اللف‪.‬‬
‫و كذلك تقول‪ :‬انطلق يا زيد‪ ،‬وقد انطلقت يا زيد؛ لن‬
‫اللف موصولة؛ لنك تقول في المضارع‪ :‬ينطلق فتنفتح‬
‫الياء‪ ،‬وكذلك إذا قال‪ :‬استخرجت ما ً‬
‫ل‪ ،‬واستخرج إذا‬
‫ل لم نذكره تلحقه‬
‫أمرت؛ لنك تقول‪ :‬يستخرج‪ .‬وكل فع ٍ‬
‫هذه العلة فهذا مجراه‪.‬‬
‫فأما تفاعل يتفاعل‪ ،‬وتفعل يتفعل‪ :‬نحو‪ :‬تقاعس الرجل‪،‬‬
‫وتقدم الرجل فإن ألف الوصل ل تلحقه وإن كانت الياء‬
‫مفتوحة في يتقدم‪ ،‬وفي يتقاعس؛ لن الحرف الذي بعدها‬
‫متحرك وإنما تلحق اللف لسكون ما بعدها‪.‬‬
‫فإن كان يفعل مضموم الياء لك تكن اللف إل مقطوعة‪،‬‬

‫‪192‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫لنها تثبت كثبات الصل إذ كان ضم الياء من يفعل إنما‬
‫ف من الصل؛ وذلك ما كان على أفعل؛‬
‫يكون لما وليه حر ٌ‬
‫نحو‪ :‬أكرم‪ ،‬وأحسن‪ ،‬وأعطى؛ لنك تقول‪ :‬يكرم‪ ،‬ويحسن‪،‬‬
‫ويعطي‪ ،‬فتنضم الياء؛ كما تنضم في يدحرج ويهملج‪ .‬فإنما‬
‫تثبت اللف من أكرم؛ كما تثبت الدال من دحرج‪.‬‬
‫تقول‪ :‬يا زيد أكرم عمرًا‪ ،‬كما تقول‪ :‬دحرج‪ .‬قال الله عز‬
‫وجل‪" :‬فاستمعوا له وأنصتوا" وقال‪" :‬و أحسن كما أحسن‬
‫الله إليك" بالقطع‪.‬‬
‫و كان حق هذا أن يقال في المضارع‪ :‬يؤكرم مثل يدحرج‬
‫ويؤحسن‪ .‬ولكن اطرحت الهمزة لما أذكره لك في‬
‫موضعه إن شاء الله‪.‬‬
‫ة فلحقت اللف مصدره فهي‬
‫و كل فعل كانت ألفه موصول ً‬
‫ف مقطوعة فهي في‬
‫ألف وصل‪ ،‬وإن كان الفعل فيه أل ٌ‬
‫مصدره كذلك‪.‬‬
‫فأما الموصولت فنحو‪ :‬النطلق‪ ،‬والستخراج‪ ،‬والقتداء‪.‬‬
‫و أما المقطوعة فنحو‪ :‬الكرام‪ ،‬والحسان‪ ،‬والعطاء‪.‬‬
‫ة‪ ،‬إل أن يكون‬
‫و اعلم أن ألف الوصل تستأنف مكسور ً‬
‫ثالث الحروف مضموما ً في جميع الفعال والسماء‪.‬‬
‫فأما الفعل فقولك‪ :‬اذهب‪ .‬استخرج‪ .‬اقتدر‪ .‬وما لم نذكره‬
‫فهذه حالة‪.‬‬
‫و أما السماء فقولك‪ :‬ابن‪ ،‬اسم‪ ،‬انطلق‪ ،‬استخراج‬
‫اقتدار‪ ،‬امرؤ فاعلم‪.‬‬
‫ة‪،‬‬
‫فأما ما ثالثه مضموم فإن ألف الوصل تبتدأ فيه مضموم ً‬
‫م بعد كسر‪ .‬إل أن يكون‬
‫والعلة في ذلك أنه ل يوجد ض ٌ‬
‫ضم إعراب؛ نحو فخذ فاعلم‪.‬‬
‫ل ول غير اسم‪ .‬فلما كان الثالث‬
‫و ل يكون اسم على فع ٍ‬
‫ف ساكن لم‬
‫مضمومًا‪ ،‬ولم يكن بينه وبين اللف إل حر ٌ‬
‫ة‪ ،‬تقول‪ :‬استضعف زيد‪،‬‬
‫يكن حاجزًا‪ ،‬واستؤنفت مضموم ً‬
‫وانطلق بعبد الله‪ ،‬وكذلك في المر‪ .‬تقول‪ :‬ادخل‪ .‬اقعد‪.‬‬
‫اركض برجلك‪.‬‬
‫و للمرأة مثل ذلك‪ :‬اركضي‪ .‬ادخلي وتقول‪ :‬اغزي يا‬
‫امرأة؛ لن أصل الزاي الضم وأن يكون بعدها واٌو‪ .‬ولكن‬

‫‪193‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫الواو ذهبت للتقاء الساكنين‪ ،‬وأبدلت الضمة كسرة من‬
‫أجل الياء التي للتأنيث؛ أل ترى أنك تقول للرجل‪ :‬أنت‬
‫تضرب زيدًا‪ ،‬وللمرأة أنت تضربين‪ .‬فإنما تزيد الياء والنون‬
‫بعد انفصال الفعل لتمامه‪ .‬وتقول للرجل‪ :‬أنت تغزو‪،‬‬
‫وللمرأة أنت تغزين‪ ،‬فتذهب الواو للتقاء الساكنين على‬
‫ما ذكرت لك‪.‬‬
‫فأما اللف التي تلحق مع اللم للتعريف فمفتوحة؛ نحو‪:‬‬
‫الرجل‪ ،‬الغلم؛ لنها ليست باسم ول فعل‪ .‬وإنما هي‬
‫بمنزلة قد وإنما ألحقت لم التعريف لسكون اللم‪.‬‬
‫فخولف بحركتها لذلك‪.‬‬
‫و كذلك ألف ايمن التي تدخل للقسم مفتوحة لنه اسم‬
‫غير متمكن‪ ،‬وليس بواقع إل في القسم‪ ،‬فخولف به‪.‬‬
‫تقول‪ :‬ايمن الله لفعلن‪ ،‬ايمن الكعبة لفعلن‪.‬‬
‫ل سقوطها في الدراج‪ ،‬تقول‪:‬‬
‫و يدلك على أنها ألف وص ٍ‬
‫وايمن الله لفعلن؛ كما قال في أخرى‪:‬‬
‫فقال فريق القوم لما نعم وفريقٌ ليمن الله‬
‫ما ندري‬
‫نشدتهـم‬
‫و اعلم أن ألف الوصل إذا لحقتها ألف الستفهام سقطت؛‬
‫لنه قد صار في الكلم ما يستغنى به عنها‪ ،‬كما ذكرت لك‬
‫أنه إذا كان ما بعدها موصول ً بما قبلها سقطت؛ لنه قد‬
‫استغنى عنها إذ لم يكن لها معنى إل التوصل إلى الكلم‬
‫بما بعدها‪ .‬وذلك قولك‪ :‬أنطلقت يا رجل? بالفتح؛ لنها‬
‫ألف الستفهام‪ ،‬وكذلك أستخرجت شيئًا? فهي اللف التي‬
‫في قولك‪ :‬أضربت زيدًا? ومثل ذلك "أتخذناهم سخريا ً أم‬
‫زاغت عنهم البصار"‪.‬‬
‫إل ألف ايمن وألف الرجل فإنك إذا استفهمت مددت؛ لئل‬
‫يلتبس الستفهام بالخبر؛ لنهما مفتوحتان وألف الستفهام‬
‫ة‪ .‬تقول‪ :‬آلرجل قال ذاك? آلغلم جاءك? آيمن الله‬
‫مفتوح ٌ‬
‫لفعلن?‬
‫هذا باب دخول ألف الوصل في السماء غير المصادر‬
‫اعلم أنها تدخل في أسماء معلومة وتلك السماء اختلت‬
‫وأزيلت عن وجهها فسكنت أوائلها فدخلتها ألف الوصل‬

‫‪194‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫لذلك‪ .‬فإن اتصل بها شيء قبلها سقطت اللفات؛ لن‬
‫ألفات الوصل لحظ لها في الكلم أكثر من التوصل إلى‬
‫التكلم بما بعدها‪ .‬فإذا وصل إلى ذلك بغيرها فل وجه‬
‫لذكرها‪.‬‬
‫و لم يكن حق اللف أن تدخل على السماء‪ ،‬كما لم يكن‬
‫حق الفعال أن تعرب‪ ،‬ولكن أعرب منها ما ضارع‬
‫السماء‪ .‬وأدخلت هذه اللف على السماء التي اختلت‬
‫فنقصت عن تمكن غيرها من السماء‪.‬‬
‫فمن ذلك ابن وابنة؛ لنه اسم منقوص قد سقط منه‬
‫حرف‪ ،‬وذلك الحرف ياٌء أو واوٌ فتقول‪ :‬هذا ابن زيد‪ ،‬وهذه‬
‫ابنة زيد‪ ،‬فتسقط ألف الوصل‪ .‬وكذلك إن صغرت‬
‫سقطت؛ لن فاء الفعل تتحرك وتبتدأ‪ ،‬وتستغني عن ألف‬
‫الوصل‪ .‬تقول‪ :‬بني وبنية‪ ،‬وكذلك بنون؛ لما حركت الباء‬
‫سقطت اللف‪ .‬وبنات بمنزلتها‪.‬‬
‫و من هذه السماء‪ :‬اسم‪ .‬تقول‪ :‬بدأت باسم الله‪ .‬وإذا‬
‫صغرت قلت‪ :‬سمي‪.‬‬
‫و إثنان كذلك‪ .‬ولو كان يفرد لكان يجب أن يكون في‬
‫الواحد إثن‪ ،‬ولكنه ل يفرد في العدد فيبطل معناه‪.‬‬
‫و من العرب من يجعله اسما ً لليوم على غير معنى العدد‬
‫فيقول‪ :‬اليوم الثن كما يقول‪ :‬البن‪ ،‬واليوم الثني‪ .‬وليس‬
‫ذلك بالجيد؛ لن معنى التثنية أن الواحد كان عندهم الول‬
‫ثم بنوا الثنين والثلثاء والربعاء والخميس على ذلك؛ كما‬
‫تقول‪ :‬اليوم يومان من الشهر‪ ،‬أي تمام يومين‪.‬‬
‫ت إنما هي على ثلثة أحرف‪ ،‬فالسين موضع‬
‫من ذلك اس ٌ‬
‫الفاء‪ ،‬والتاء موضع العين‪ ،‬والهاء في موضع اللم‪ .‬وهي‬
‫الساقطة‪ ،‬يدلك على ذلك قولك في التصغير‪ :‬ستيهة وفي‬
‫الجمع‪ :‬أستاه فاعلم‪.‬‬
‫و منها امرؤ فاعلم‪ ،‬واعتلله اتباع عينه للمه‪ ،‬وهذا ل يوجد‬
‫في غير ما يعتل من السماء‪.‬‬
‫و من ذلك ابنم‪ .‬وإنما هو ابن والميم زائدة‪ ،‬فزادت في‬
‫هذا السم المعتل كما ذكرت لك‪ ،‬فاتبعت النون ما وقع‬

‫‪195‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫في موضع اللم؛ كما أتبعت العين اللم فيما ذكرت لك‪.‬‬
‫ومعناها بزيادة الميم وطرحها واحد‪ .‬قال المتلمس‪:‬‬
‫م غيرها إن أبى الله إل أن أكون‬
‫و هل لي ا ٌ‬
‫لها ابنما‬
‫تركتها‬
‫و قال الكميت بن زيد السدي‪:‬‬
‫و منا لقي ٌ‬
‫مؤرث نيران المكارم‬
‫ط وابنمـاه‬
‫ل المخبى‬
‫ب‬
‫وحـاجـ ٌ‬
‫أي وابناه‪ .‬فألف الوصل في هذه السماء على ما ذكرت‪.‬‬
‫و من ألفات الوصل اللف التي تلحق مع اللم للتعريف‪.‬‬
‫وإنما زيدت على اللم؛ لن اللم منفصلة مما بعدها‪،‬‬
‫فجعلت معها اسما ً واحدا ً بمنزلة قد؛ أل ترى أن المتذكر‬
‫يقول‪ :‬قد فيقف عليها إلى أن يذكر ما بعدها‪ ،‬فإن توهم‬
‫شيئا ً فيه ألف الوصل قال‪ :‬قدي يقدر قد انطلقت‪ .‬قد‬
‫استخرجت‪ ،‬ونحو ذلك‪.‬‬
‫و كذلك في اللف واللم تقول‪ :‬جاءني ال وربما قال‪ :‬إلى‬
‫يريد البن‪ ،‬النسان‪ ،‬على تخفيف الهمزة فيفصلها كما‬
‫يفصل البائن من الحروف‪ .‬قل الراجز‪:‬‬
‫دع ذا وقدم ذا وألحقنا بذل‬
‫فوقف عليها‪ ،‬ثم قال متذكرا ً لها ولحرف الخفض الذي‬
‫معها‪:‬‬
‫بالشحم إنا قد مللناه بجل‬
‫هذا باب مصادر الفعال إذا جاوزت الثلثة‬
‫صحيحها ومعتلها والحتجاج لذلك وذكر أبنيتها‬
‫أما ما كان من ذوات الربعة فإن الفعل منه يكون على‬
‫فعلل ماضيًا‪ ،‬ويكون مستقبله على يفعلل‪.‬‬
‫ة‪،‬‬
‫و مصدره على فعللة وفعلل؛ نحو‪ :‬دحرجته دحرج ً‬
‫وهملج الدابة هملجة وسرهفته سرهفة‪ ،‬وسرعفته‬
‫سرعفة‪ ،‬وزلزل الله بهم زلزلة‪.‬‬
‫و المضارع يدحرج ويسرهف ويهملج‪.‬‬
‫و الفعلل؛ نحو السرهاف والسرعاف والزلزال‪.‬‬
‫و المصدر اللزم هو الفعللة‪ .‬والهاء لزمة له لنها بد ٌ‬
‫ل من‬

‫‪196‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫اللف التي تلحق هذا الضرب من المصادر قبل أواخرها‬
‫نحو ما ذكرنا من السرهاف والزلزال‪ .‬قال العجاج‪:‬‬
‫سرهفته ما شئت من سرهاف‬
‫و ما كان من ذوات الثلثة المزيدة الواقعة على هذا‬
‫الوزن من الربعة فحكمه حكم هذه التي وصفناها إذا‬
‫كانت زيادته لللحاق‪ ،‬وذلك نحو‪ :‬حوقلت حوقلة‪ ،‬وبيطرت‬
‫بيطرة‪ ،‬وجهور بكلمه جهورة‪ .‬وكذلك‪ :‬شمللت شمللة‪،‬‬
‫وصعررت صعررة‪ ،‬وسلقيته سلقاة‪ ،‬يا فتى‪ ،‬وجعبيته‬
‫جعباة يا فتى‪.‬‬
‫و المضارع على مثال يدحرج؛ نحو‪ :‬يحعبي ويحوقل‬
‫ويشملل‪ ،‬وكذلك جميعها‪ .‬فأما مثل الزلزال والسرهاف‬
‫فالحيقال والسلقاء؛ كما قال‪:‬‬
‫يا قوم قد حوقلـت أو دنـوت‬
‫و بعض حيقال الرجال الموت‬
‫فإن كان الشيء من ذوات الثلثة على وزن ذوات الربعة‬
‫التي وصفنا من زوائد غير حروف اللحاق فإن المضارع‬
‫كمضارع ذوات الربعة؛ لن الوزن واحد‪ ،‬ول يكون المصدر‬
‫كمصادرها‪ ،‬لنه غير ملحق بها‪ ،‬وذلك ما كان على فعلت‬
‫وفاعلت وأفعلت فالوزن على وزن دحرجت‪ ،‬تقول‪ :‬قطع‬
‫يقطع‪ ،‬وكسر يكسر على مثال يدحرج‪ .‬فهذا فعلت‪.‬‬
‫و أما فاعلت فنحو‪ :‬قاتل يقاتل‪ ،‬وضارب يضارب‪.‬‬
‫و أما أفعلت فنحو‪ :‬أكرم يكرم‪ ،‬وأحسن يحسن‪ .‬وكان‬
‫الصل يؤكرم ويؤحسن حتى يكون على مثال يدحرج؛ لن‬
‫همزة أكرم مزيدة بحذاء دال دحرج‪ ،‬وحق المضارع أن‬
‫ينتظم ما في الماضي من الحروف‪ .‬ولكن حذفت هذه‬
‫الهمزة؛ لنها زائدة‪ ،‬وتلحقها الهمزة التي يعني بها المتكلم‬
‫نفسه‪ ،‬فتجتمع همزتان‪ ،‬فكرهوا ذلك‪ ،‬وحذفوها إذ كانت‬
‫ة للهمزة التي يعني‬
‫زائدة‪ ،‬وصارت حروف المضارعة تابع ً‬
‫بها نفسه؛ كما حذفت الواو التي في يعد لوقوعها بين ياٍء‬
‫وكسرة وصارت حروف المضارعة تابعة للياء‪.‬‬
‫و مع هذا فإنهم قد حذفوا الهمزة الصلية للتقاء الهمزتين‬
‫في قولك‪ :‬كل‪ ،‬وخذ‪ ،‬فرارا ً من اؤكل ومن اؤخذ‪ ،‬وأمنوا‬

‫‪197‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫اللتباس‪.‬‬
‫فإن اضطر شاعر فقال‪ :‬يؤكرم ويؤحسن جاز ذلك‪ ،‬كما‬
‫قال‪:‬‬
‫وصاليات ككما يؤثفين‬
‫و كما قال‪:‬‬
‫كرات غلم في كساٍء مؤرنب‬
‫و كما قال‪:‬‬
‫فإنه أه ٌ‬
‫ل لن يؤكرما‬
‫و قد يجيء في الباب الحرف والحرفان على أصولهما‬
‫وإن كان الستعمال على غير ذلك ليدل على أصل الباب‪.‬‬
‫فمن ذلك "استحوذ عليهم الشيطان"‪ ،‬وأغيلت المرأة‪.‬‬
‫المستعمل في هذا الغيال على ما يجده في كتاب‬
‫التصريف نحو‪ :‬استجاز وأقام واستقام‪.‬‬
‫و كذلك لححت عينه‪ .‬ونحو قولك‪:‬‬
‫قد علمت ذاك بنات ألببه‬
‫فمما جاء على أصله فيما الهمزة فيه قولهم‪ :‬اومر فهذا‬
‫كنحو ما وصفت لك في الكلم‪ .‬ولم يجز في الزائدة مثل‬
‫هذا في غير الشعر‪ ،‬لن الصلية أمكن‪ .‬فإذا كان إثباتها‬
‫ممتنعا ً فهو من الزيادة أبعد‪.‬‬
‫فالمصدر في أفعلت على مثال الزلزال‪ .‬ولم يكن فيه‬
‫مصدر جاء لزلزلة لنه نقص في المضارع فجعل هذا‬
‫عوضًا‪ ،‬وذلك نحو‪ :‬أكرمت إكرامًا‪ ،‬وأعطيته إعطاًء‪،‬‬
‫وأسلمت إسلما ً فهذا غير منكسر ول ممتنع في أفعلت‬
‫من الصحيح‪.‬‬
‫أما فاعلت فمصدره اللزم مفاعلة‪ .‬ما كان فيه لثنين أو‬
‫لواحد‪ ،‬وذلك نحو‪ :‬قاتلت مقاتلة‪ ،‬وشاتمت مشاتمة‪،‬‬
‫وضاربت مضاربة‪ ،‬فهذا على مثال دحرجت مدحرجة يا‬
‫فتى‪ .‬ولم يكن فيه شيٌء على مثال الدحرجة؛ لنه ليس‬
‫بملحق بفعللت‪ .‬ويجيء فيه الفعال؛ نحو‪ :‬قاتلته قتا ً‬
‫ل‪،‬‬
‫وراميته رماًء‪ .‬وكان الصل فيعا ً‬
‫ل؛ لن فاعلت على وزن‬
‫ة من فيعال‬
‫أفعلت وفعللت‪ ،‬والكرام‪ ،‬ولكن الياء محذوف ٌ‬
‫ب‪.‬‬
‫استخفافًا‪ ،‬وإن جاء بها جاٍء فمصي ٌ‬

‫‪198‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫و أما قولنا‪ :‬ما يكون لثنين فنحو‪ :‬شاتمت‪ ،‬وضاربت‪ .‬ل‬
‫يكون هذا من واحد‪ ،‬ولكن من اثنين فصاعدًا‪.‬‬
‫و أما ما يكون لواحد من هذا الباب فنحو‪ :‬عاقبت اللص‪،‬‬
‫وطارقت النعل‪ ،‬وعافاه الله‪ .‬ولهذا موضع مميز فيه إن‬
‫شاء الله‪.‬‬
‫و من هذا الوزن فعلت ومصدره التفعيل؛ لنه ليس‬
‫بملحق‪ ،‬فالتاء الزائدة عوض من تثقيل العين‪ ،‬والياء بد ٌ‬
‫ل‬
‫من اللف التي تلحق قبل أواخر المصادر‪ ،‬وذلك قولك‪:‬‬
‫قطعته تقطيعًا‪ ،‬وكسرته تكسيرًا‪ ،‬وشمرت تشميرًا‪.‬‬
‫وكان أصل هذا المصدر أن يكون فعال ً كما قلت‪ :‬أفعلت‪:‬‬
‫إفعال ً وزلزلت زلزال ً ولكنه غير لبيان أنه ليس بملحق‪.‬‬
‫و لو جاء به جاٍء على الصل لكان مصيبًا‪.‬كما قال الله عز‬
‫وجل‪" :‬و كذبوا بآياتنا كذابًا"‪ .‬فهذا على وزن واحد‪ .‬أعني‬
‫فعللت وفاعلت وأفعلت وفعلت‪ ،‬والملحقات بفعللت‪.‬‬
‫و يسكن أول الفعل من قبيل غير هذا فتلحقها ألف‬
‫الوصل وتكون على مثال انفعل وذلك نحو‪ :‬انطلق‪،‬‬
‫والمصدر على النفعال‪ .‬تقول‪ :‬انطلق انطلقًا‪ ،‬وانكسر‬
‫انكسارًا‪ ،‬وانفتح انفتاحًا‪ .‬ول تلحق النون زائدةً ثانية للف‬
‫الوصل إل هذا المثال‪.‬‬
‫و في وزنه ما كان على افتعل والفاء تسكن فتلحقها ألف‬
‫الوصل فيكون المصدر الفتعال وذلك نحو‪ :‬اقتدر اقتدارًا‪،‬‬
‫واقتحم اقتحامًا‪ ،‬واكتسب اكتسابًا‪.‬‬
‫و ل تلحق التاء شيئا ً من الفعال زائدةً بعد حرف أصلي إل‬
‫هذا المثال‪.‬‬
‫و يضاعف آخر الفعل ويسكن أوله فتلحقه ألف الوصل‬
‫ويكون على هذا الوزن‪ ،‬إل أن الدغام يدركه للتقاء‬
‫الحرفين من جنس واحد‪ ،‬وذلك نحو‪ :‬احمررت واسوددت‪،‬‬
‫واخضررت‪.‬‬
‫فإذا قلت‪ :‬احمر يا فتى وما أشبهه‪ ،‬لحقه الدغام‪ .‬فهذا‬
‫قبيل آخر‪.‬‬
‫و من الفعال ما يقع على مثال استفعلت‪ .‬وذلك أن‬
‫السين والتاء زائدتان‪ ،‬إل أن السين ساكنة تلحقها ألف‬

‫‪199‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫الوصل‪ ،‬وذلك نحو‪ :‬استخرجت‪ ،‬واستكرمت‪ ،‬واستعطيت‪.‬‬
‫فالمصدر من ذا استفعا ً‬
‫ل‪ .‬تقول‪ :‬استخرجت استخراجًا‪،‬‬
‫واستنطقت استنطاقًا‪.‬‬
‫و يكون على هذا الوزن إل أن آخره مضاعف فيدركه‬
‫الدغام‪ .‬وذلك المثال نحو‪ :‬احماررت‪ ،‬وابياضضت‪ .‬على‬
‫معنى احمررت‪ ،‬وابيضضت‪ .‬إل أن الصل افعاللت‪.‬‬
‫وافعللت محذوف منه‪ .‬والمصدر على وزن مصدر‬
‫استفعلت‪ ،‬وتقديره‪ :‬افعيلل وذلك‪ :‬اشهاب الفرس‬
‫اشهيبابًا‪ ،‬وادهام ادهيمامًا‪ ،‬وابياض ابيضاضًا‪.‬‬
‫و يكون على هذا الوزن ويسكن أوله فتلحقه ألف الوصل‪،‬‬
‫إل أن الواو فيه مضاعفة‪ .‬وذلك افعولت ومصدره افعوا ً‬
‫ل‪،‬‬
‫وذلك‪ :‬اجلوذ اجلواذًا‪ ،‬واعلوط اعلواطًا‪.‬‬
‫و من هذا الوزن ما زيدت فيه الواو بين العينين‪ ،‬فكان‬
‫على مثال افعوعل وذلك نحو‪ :‬اغدودن‪ ،‬واعشوشبت‬
‫الرض واخلولق للخير‪ .‬والمصدر افعيعال ً على وزن‬
‫استخراجا ً في السكون والحركة‪ ،‬وكذلك كل شيٍء وازن‬
‫شيئا ً فهو يجري مجراه‪ :‬في سكونه وحركته‪ ،‬في المضارع‬
‫والمصدر‪ ،‬إل ما ذكرت لك من مخالفة فعل وأفعل في‬
‫المصدر للربعة؛ لتفصل بين الملحق وغيره‪.‬‬
‫و يقع في الوزن افعنلل من الربعة والثلثة ملحقة‬
‫بالربعة فذلك نذكره بعد هذا الباب‪.‬‬
‫و قولنا‪ :‬إن الفعال إذا وقعت على وزن واحد بغير إلحاق‬
‫في الثلثة التي تلحقها الزوائد استوت مصادرها فيه بيان‬
‫كل ما يرد في هذا الباب‪.‬‬
‫و اعلم أن التاء تلحق فاعل‪ ،‬وفعل فيكون الفعل على‬
‫تفاعل وتفعل‪ ،‬كما تلحق فعلل الذي أصله الربعة‪ ،‬وذلك‬
‫نحو‪ :‬دحرج‪ ،‬إذا ذكرت المطاوعة قلت‪ :‬تدحرج فيكون‬
‫المصدر تدحرجًا‪ .‬فكذلك تقول‪ :‬تقطع تقطعًا‪ ،‬وتكسر‬
‫تكسرًا‪.‬‬
‫ل‪ ،‬وتناول تناو ً‬
‫و في فاعل تقول‪ :‬تغافل تغاف ً‬
‫ل؛ لنك تقول‪:‬‬
‫ناولته فتناول؛ كما تقول‪ :‬دحرجته فتدحرج‪ ،‬وكذلك كسرته‬
‫فتكسر‪.‬‬

‫‪200‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫هذا باب أفعال المطاوعة‬
‫من الفعال التي فيها الزوائد من الثلثة‪ ،‬والفعال التي ل‬
‫زوائد فيها منها‬
‫و أفعال المطاوعة أفعال ل تتعدى إلى مفعول؛ لنها إخباٌر‬
‫عما تريده من فاعلها‪.‬‬
‫فإذا كان الفعل بغير زيادة فمطاوعه يقع على انفعل‪ .‬وقد‬
‫يدخل عليه افتعل إل أن الباب انفعل؛ وذلك قولك‪ :‬كسرته‬
‫فانكسر‪ .‬فإن المعنى‪ :‬أني أردت كسره فبلغت منه‬
‫إرادتي‪ .‬وكذلك قطعته فانقطع‪ ،‬وشويت اللحم فانشوى‪،‬‬
‫ودفعته فاندفع‪.‬‬
‫وقد يقع اشتوى في معنى انشوى؛ لن افتعل وانفعل على‬
‫وزن‪.‬‬
‫فأما الجود في قولك‪ :‬اشتوى‪ ،‬فأن يكون متعديا ً على غير‬
‫معنى النفعال‪ .‬تقول اشتوى القوم‪ ،‬أي‪ :‬اتخذوا شواًء‪.‬‬
‫فتقول على هذا‪ :‬اشتوى القوم لحمًا‪.‬‬
‫و ل يكون انفعل من هذا ول من غيره إل غير متعدٍ إلى‬
‫مفعول‪.‬‬
‫و إن كان الفعل على أفعل فبابه أفعلته ففعل‪ .‬ويكون‬
‫د‪ .‬وذلك أخرجته فخرج؛ لنك كنت‬
‫فعل متعديا ً وغير متع ّ‬
‫تقول؛ خرج زيد‪ .‬فإذا فعل به ذلك غيره قلت‪ :‬أخرجه عبد‬
‫الله‪ ،‬أي‪ :‬جعله يخرج‪ .‬وكذلك‪ :‬أدخلته الدار فدخلها؛ أي‪:‬‬
‫جعلته يدخلها‪.‬‬
‫ة على فعل‪ .‬تقول‪ :‬عطا يعطو‪ :‬إذا‬
‫فإنما أفعلته داخل ٌ‬
‫تناول‪ ،‬وأعطيته أنا‪ :‬ناولته فالصل ذا‪ ،‬وما كان من سواه‬
‫فداخ ٌ‬
‫ل عليه‪ .‬تقول‪ :‬ألبسته فلبس‪ ،‬وأطعمته فطعم‪.‬‬
‫فأما طرحت البئر وطرحتها‪ ،‬وغاض الماء وغضته‪ ،‬وكسب‬
‫زيد درهما ً وكسبه فهو على هذا بحذف الزوائد‪ .‬وكذلك إن‬
‫كان من غير هذا اللفظ؛ نحو‪ :‬أعطيته فأخذه‪ ،‬إنما أخذ في‬
‫معنى عطا‪ :‬أي تناول‪.‬‬
‫فإن كان الفعل على فاعل مما يقع لواحد فالمفعول الذي‬
‫يقع فيه على أنه كان فاعل ً يكون على متفاعل‪ ،‬وفعله‬
‫على تفاعل‪.‬‬

‫‪201‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫تقول‪ :‬ناولته فتناول‪ ،‬وقاعسته فتقاعس‪ .‬هذا إنما يصلح‬
‫إذا كان فاعل للفاعل وحده؛ نحو‪ :‬عافاه الله‪ ،‬وناولت‬
‫زيدًا‪ .‬فأما إذا كان من اثنين فهو خارج من هذا‪ .‬وذلك نحو‬
‫شاتمت زيدًا‪ ،‬أي‪ :‬كان منه إلي مثل ما كان مني إليه‪،‬‬
‫وقاتلت زيدًا‪ ،‬وضاربت عمرًا‪.‬‬
‫فالغالب من ذا يقع على فعل يفعل من الصحيح‪ .‬تقول‪:‬‬
‫شاتمني فشتمته وحق لي أن أشتمه‪ ،‬وضاربني فضربته‬
‫فأنا أضربه‪ .‬ل يكون الفعل من هذا إل على مثال قتل‬
‫يقتل‪ ،‬وليس من باب ضرب يضرب ول علم يعلم‪.‬‬
‫فإن كان الفعل على مثال فعلت أو فاعلت فقد قلنا‪ :‬إنه‬
‫يكون على تفاعل وتفعل‪.‬‬
‫و استفعل يكون المطاوع فيه على مثاله قبل أن تلحقه‬
‫الزيادة إذا كان المطلوب من فعله وذلك‪ :‬استنطقته‬
‫فنطق‪ ،‬واستكتمه فكتم‪ ،‬واستخرجته فخرج‪.‬‬
‫فإن كان من غير فعله جاء على لفظ آخر‪ ،‬نحو‪ :‬استخبرته‬
‫فأخبر‪ ،‬لنك تريد‪ :‬سألته أن يخبرني وكان فعله أخبر‬
‫باللف الثانية‪ .‬فجاء على مقدار ما كان عليه‪ ،‬وكذلك‪:‬‬
‫استعلمته فأعلمني‪ ،‬فعلى هذا يجري ما ذكرناه من هذه‬
‫الفعال‪.‬‬
‫هذا باب ما كان من بنات الربعة‬
‫وألحق به من الثلثة فمثال بنات الربعة التي ل زيادة فيها‬
‫فعلل وذلك؛ نحو‪ :‬دحرج وهملج‪ ،‬وسرهف‪ .‬وقد مضى‬
‫قولنا في مصدره‪.‬‬
‫ة فيكون على فوعل؛ وذلك‬
‫و تلحق به الثلثة بالواو ثاني ً‬
‫نحو‪ :‬حوقل؛ كما تلحق اسمًا؛ نحو‪ :‬كوثر وجورب‪،‬‬
‫والمصدر كالمصدر‪.‬‬
‫ة فيكون على فعول؛ نحو‪ :‬جهور كلمه‬
‫و تلحق الواو ثالث ً‬
‫ة؛ كما يلحقه اسما ً وذلك قولك‪ :‬جدول‪ ،‬والمصدر‬
‫جهور ً‬
‫كالمصدر‪.‬‬
‫ة فيكون الفعل على فيعل؛ وذلك نحو‪:‬‬
‫و تلحقه الياء ثاني ً‬
‫بيطر‪ .‬كما يلحقه اسما ً إذا قلت‪ :‬رجل جيدر وصيرف‪.‬‬
‫والمصدر كالمصدر تقول‪ :‬بيطر بيطرة‪.‬‬

‫‪202‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ة؛ نحو‪ :‬سلقى وجعبى‪ .‬والمصدر‬
‫و تلحقه الياء رابع ً‬
‫كالمصدر‪.‬‬
‫و نظيره من السماء أرطى‪ ،‬وعلقى‪ .‬ويدلك على أن‬
‫اللف ليست للتأنيث أنك تقول في الواحدة‪ :‬أرطاة‬
‫وعلقاة‪ ،‬وهذا مبين في باب التصريف‪ .‬وإنما نذكر هاهنا‬
‫شيئا ً للباب الذي ذكرناه‪.‬‬
‫و كل ما كان ملحقا ً بشيٍء من الفعل فمصدره كمصدره‪.‬‬
‫و ليس في الفعال شيٌء على فعيل ولكن فعيل ملحق‬
‫بهجرع وذلك هريع وحيثل‪.‬‬
‫فالفعل من بنات الربعة بغير زيادة ل يكون إل على فعلل‬
‫ل؛ نحو‪ :‬جعفر‪ .‬وفعلل نحو‬
‫فالسماء تكون على فعل ٍ‬
‫الترتم‪ ،‬والجلجل‪ .‬ويكون على فعلل نحو‪ :‬زهلق‪ ،‬وخمخم‪.‬‬
‫و يكون على فعلل نحو‪ :‬هجرع‪ ،‬ودرهم؛ لتمكن السماء‬
‫وتقدمها الفعال‪.‬‬
‫و تكون السماء على فع ّ‬
‫ل؛ نحو‪ :‬قمطر‪ ،‬وسبطر‪.‬‬
‫فأما الفعال فتلحقها الزيادة‪ ،‬فيكون الفعل على تفعلل‪،‬‬
‫وهو الفعل الذي يقع على فعلل‪ ،‬وذلك؛ نحو‪ :‬تدحرج‬
‫وتسرهف؛ لن التقدير‪ :‬دحرجته فتدحرج‪ .‬والمصدر‬
‫التفعلل‪.‬‬
‫و مصدر تفعل التفعل كقولك‪ :‬تكسر تكسرًا‪.‬‬
‫و مصدر تفاعل إنما هو التفاعل؛ نحو‪ :‬تغافل تغاف ً‬
‫ل‪.‬‬
‫فاستوت مصادر هذه في السكون والحركة؛ كما استوت‬
‫أفعالها‪.‬‬
‫ة‪ ،‬وتسكن أوائلها‪ ،‬وتلحقها ألف‬
‫و تلحق النون الفعال ثالث ً‬
‫الوصل‪ ،‬فيكون على افعنلل وذلك نحو‪ :‬احرنجم‪،‬‬
‫واخرنطم‪.‬‬
‫و الملحق به من بنات الثلثة يكون على ضربين‪ :‬أحدهما‪:‬‬
‫أن تضاعف اللم فيكون الوزن افعنلل وإحدى اللمين‬
‫زائدة‪ ،‬وذلك نحو‪ :‬اقعنسس‪.‬‬
‫و الوجه الخر‪ :‬أن تزاد ياٌء بعد اللم فيكون افعنلى وذلك؛‬
‫نحو‪ :‬استلقى ول يكون اللحاق به من بنات الثلثة غير‬
‫احرنجم‪ ،‬لن النون إنما تقع بين حرفين من الصل فل‬

‫‪203‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫يكون فيما ألحق به إل كذلك‪.‬‬
‫و تلحق بنات الربعة الزيادة آخرًا‪ ،‬ويسكن أولها فتلحقها‬
‫ألف الوصل‪ ،‬فيكون بناء الفعل على افعللت وافعلل‪ ،‬إل‬
‫أن الدغام يدركه؛ وذلك نحو‪ :‬اقشعررت‪ ،‬واقشعر‪ .‬وكان‬
‫أصله اقشعرر‪ .‬فنظيره من الثلثة احماررت‪ ،‬واشهاببت‪،‬‬
‫واشهاب الفرس‪ .‬ومصدره كمصدره لن الوزن واحد‪.‬‬
‫و كذلك استفعلت الذي ل يكون إل من الثلثة‪ ،‬وذلك‬
‫قولك‪ :‬اشهاب الفرس اشهيبابًا؛ كما تقول استخرج‬
‫استخراجًا‪ ،‬واغدودن اغديدانًا‪ ،‬واعلوط اعلواطًا‪ .‬وقد‬
‫مضى قولنا في استواء المصادر في السكون والحركة إذا‬
‫استوت أفعالها‪.‬‬
‫و ل يكون الفعل من بنات الخمسة البتة‪ ،‬إنما يكون من‬
‫الثلثة والربعة‪ .‬ومثال الخمسة للسماء خاصة؛ لقوة‬
‫السماء وتمكنها‪.‬‬
‫و أكثر ما يبلغ العدد في السماء بالزيادة سبعة أحرف‪ ،‬ول‬
‫يكون ذلك إل في المصادر من الثلثة والربعة ‪ ،‬وهما‪:‬‬
‫اشهيباب واحرنجام‪ ،‬وما وقع على هذا الوزن من الثلثة‪.‬‬
‫فأما الخمسة فل تبلغ بالزيادة إل ستة أحرف؛ لنه ليس‬
‫منها فع ٌ‬
‫ل فيكون لها مصدر كهذه المصادر‪ ،‬ولكن تلحقها‬
‫الزوائد كما تلحق سائر السماء‪ ،‬وذلك نحو‪ :‬عضرفوط‪،‬‬
‫وعندليب‪ ،‬وقبعثرى‪ ،‬وهذا مبين في باب التصريف‪.‬‬
‫هذا باب ذوات الثلثة من الفعال بغير زيادة‬
‫فالفعال منها تكون على فعل يفعل لما كان متعديا ً وغير‬
‫د‪.‬‬
‫متع ّ‬
‫فأما المتعدي فنحو‪ :‬ضرب يضرب‪ ،‬وحبس يحبس‪ ،‬وشتم‬
‫يشتم‪.‬‬
‫و أما غير المتعدي فنحو‪ :‬جلس يجلس‪ ،‬وحرص يحرص‪،‬‬
‫وشهق يشهق‪.‬‬
‫و تكون على فعل يفعل فيكون للمتعدي وغيره‪.‬‬
‫فأما المتعدي فنحو‪ :‬قتل يقتل‪ ،‬وسجن يسجن‪ ،‬وعتل‬
‫يعتل‪.‬‬
‫و أما غير المتعدي فنحو‪ :‬قعد يقعد‪ ،‬ونظر ينظر من‬

‫‪204‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫العين‪ ،‬وعطس يعطس‪.‬‬
‫و تكون على فعل يفعل لما يتعدى ولما ل يتعدى‪.‬‬
‫فالمتعدى‪ :‬شرب يشرب‪ ،‬ولقم يلقم‪ ،‬وحذر يحذر‪.‬‬
‫و أما غير المتعدي فنحو‪ :‬بطر يبطر‪ ،‬وفقه يفقه‪ ،‬ولحح‬
‫يلحح‪ ،‬وشتر يشتر‪.‬‬
‫و يكون على فعل يفعل ول يكون إل لما ل يتعدى‪ .‬وذلك‬
‫نحو‪ :‬كرم يكرم‪ ،‬وشرف‪ ،‬وظرف‪ .‬فهذه أبنية الثلثة‪.‬‬
‫و اعلم أن حروف الحلق إذا وقعت من فعل المفتوح في‬
‫موضع العين أو اللم جاء فيه يفعل بالفتح؛ وذلك لن‬
‫حروف الحلق من حيز اللف‪ ،‬والفتحة منها‪.‬‬
‫و إن كان حرف الحلق في موضع العين من الفعل‬
‫انفتحت العين ليكون العمل من وجه واحد‪.‬‬
‫فأما ما كانت منه في موضع اللم فسنذكره بعد ذكرنا‬
‫حروف الحلق إن شاء الله‪.‬‬
‫و هذه الحروف الستة‪ :‬فأقصاها الهمزة والهاء‪ ،‬والمخرج‬
‫الثاني العين والحاء‪ ،‬وأدنى مخارج الحلق إلى الفم الغين‬
‫والخاء‪.‬‬
‫فما كان من ذلك في موضع اللم فنحو‪ :‬قرأ يقرأ‪ ،‬وبسأ‬
‫به يبسأ‪ ،‬وجبه يجبه‪ ،‬وصنع يصنع‪ ،‬ونطح ينطح‪ ،‬وسنح‬
‫يسنح‪ ،‬ومنح يمنح‪ ،‬وسلخ يسلخ‪ ،‬ونبغ ينبغ‪ ،‬ورقأ يرقأ‪.‬‬
‫و ما كان في موضع العين فنحو‪ :‬ذهب يذهب‪ ،‬وفعل‬
‫يفعل‪ ،‬ونحل ينحل‪ ،‬ونهش ينهش‪ ،‬وجأر يجأر‪.‬‬
‫و إن كان حرف الحلق في موضع الفاء لم يفتح له شيٌء؛‬
‫وذلك أن الفاء ل تكون إل ساكنة في يفعل‪ .‬وإنما تتحرك‬
‫في المعتل بحركة غيرها‪ ،‬نحو‪ :‬يقول ويبيع‪.‬‬
‫و اعلم أن الصل مستعم ٌ‬
‫ل فيما كانت حروف الحلق في‬
‫موضع عينه أو لمه؛ نحو‪ :‬زأر السد يزئر‪ ،‬ونأم ينئم؛لن‬
‫هذا هو الصل‪ ،‬والفتح عارض‪ .‬لما ذكرت لك هاهنا من‬
‫أجل مصادره ليجري الفعل عليها‪ .‬ونحن ذاكروها بعد ذكر‬
‫أسماء الفاعلين في هذه الفعال إن شاء الله‪.‬‬
‫هذا باب معرفة أسماء الفاعلين في هذه الفعال‬
‫وما يلحقها من الزيادة للمبالغة‬

‫‪205‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫اعلم أن السم من فعل على فاعل؛ نحو قولك‪ :‬ضرب‬
‫فهو ضارب‪ ،‬وشتم فهو شاتم وكذلك فعل نحو‪ :‬علم فهو‬
‫عالم‪ ،‬وشرب فهو شارب‪.‬‬
‫فإن أردت أن تكثر الفعل كان للتكثير أبنية‪ :‬فمن ذلك‬
‫فعال تقول‪ :‬رجل قتال‪ ،‬إذا كان يكثر القتل‪ .‬فأما قات ٌ‬
‫ل‬
‫فيكون للقليل والكثير؛ لنه الصل‪ .‬وعلى هذا تقول‪ :‬رجل‬
‫ب وشتام‪ ،‬كما قال‪:‬‬
‫ضرا ٌ‬
‫أخا الحرب لباسا ً إليها و ليس بولج الخوالف‬
‫أعقل‬
‫جللها‬
‫فهذا ينصب المفعول كما ينصبه فاع ٌ‬
‫ل؛ لنك إنما تريد به‬
‫ة؛ أل تراه يقول‪:‬‬
‫ما تريد بفاعل‪ ،‬إل أن هذا أكثر مبالغ ً‬
‫لباسا ً إليها جللها‪ .‬ومن كلم العرب‪ :‬أما العسل فأنت‬
‫شراب‪.‬‬
‫من هذه البنية فعول؛ نحو‪ :‬ضروب‪ ،‬وقتول‪ ،‬وركوب‪:‬‬
‫تقول‪ :‬هو ضروب زيدًا‪ ،‬إذا كان يضربه مرة بعد مرة‪ .‬كما‬
‫قال‪:‬‬
‫ب بنصل السيف إذا عدموا زادا ً فـإنـك‬
‫ضرو ٌ‬
‫عـاقـر‬
‫سوق سمانها‬
‫ب رؤوس الدارعين‪.‬‬
‫و من كلم العرب‪ :‬إنه ضرو ٌ‬
‫و من هذه البنية مفعال؛ نحو‪ :‬رجل مضراب‪ ،‬ورجل‬
‫مقتال‪ .‬ومن كلم العرب‪ :‬إنه لمنحار بوائكها‪.‬‬
‫فأما ما كان على فعيل نحو‪:‬رحيم وعليم‪ ،‬فقد أجاز‬
‫سيبويه النصب فيه‪ ،‬ول أراه جائزًا‪.‬‬
‫و ذلك أن فعيل إنما هو اسم الفاعل من الفعل الذي ل‬
‫يتعدى‪ .‬فما خرج إليه من غير ذلك الفعل فمضارع له‬
‫ملحق به‪.‬‬
‫و الفعل الذي هو لفعيل في الصل إنما هو ما كان على‬
‫فعل‪ :‬نحو‪ :‬كرم فهو كريم‪ ،‬وشرف فهو شريف‪ ،‬وظرف‬
‫فهو ظريف‪ .‬فما خرج إليه من باب علم وشهد ورحم فهو‬
‫ملحق به‪ .‬فإن قلت‪ :‬راحم وعالم وشاهد‪ ،‬فهذا اسم‬
‫الفاعل الذي يراد به الفعل‪ .‬واحتج سيبويه بقول الشاعر‪:‬‬
‫حتى شآها كلي ٌ‬
‫ل موهنا ً باتت طرابا ً وبات‬

‫‪206‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫عم ٌ‬
‫الليل لم ينم‬
‫ل‬
‫فجعل البيت موضوعا ً من فعيل وفعل بقوله‪ :‬عمل‪،‬‬
‫وكليل‪.‬‬
‫و ليس هذا بحجة في واحد منهما؛ لن موهنا ً ظرف وليس‬
‫بمفعول‪ ،‬والظرف إنما يعمل فيه معنى الفعل كعمل‬
‫د‪.‬‬
‫الفعل‪ ،‬كان الفعل متعديا ً أو غير متع ّ‬
‫و كذلك ما ذكر في فعل‪ .‬أكثر النحويين على رده‪ ،‬وفعي ٌ‬
‫ل‬
‫في قول النحويين بمنزلته‪ .‬فما كان على فعل فنحو‪:‬‬
‫فرق‪ ،‬وبطر‪ ،‬وحذر‪.‬‬
‫و الحجة في أن هذا ل يعمل أنه لما تنتقل إليه الهيئة‪.‬‬
‫تقول‪ :‬فلن حذر‪ .‬أي‪ :‬ذو حذر‪ ،‬وفلن بطٌر‪ ،‬كقولك‪ :‬ما‬
‫كان ذا بطر ولقد بطر‪ ،‬وما كان ذا حذر ولقد حذر‪ .‬فإنما‬
‫هو كقولك‪ :‬ما كان ذا شرف ولقد شرف‪ .‬وما كان ذا كرم‬
‫ولقد كرم‪.‬‬
‫ففع ٌ‬
‫ل مضارعة لفعيل‪ .‬وكذلك يقع فعل وفعيل في معنى‪،‬‬
‫كقولك‪ :‬رجل طب وطبيب‪ ،‬ومذل ومذيل‪ ،‬وهذا كثير جدًا‪.‬‬
‫و احتج سيبويه بهذا البيت‪:‬‬
‫ما ليس منجيه من‬
‫حذٌر أمورا ً ل تضير‪،‬‬
‫القدر‬
‫ن‬
‫وآم ٌ‬
‫و هذا بيت موضوع محدث‪ .‬وإنما القياس الحاكم على ما‬
‫يجيء من هذا الضرب وغيره‪.‬‬
‫فإن ذكرت فعول ً من غير فعل لم يجر مجرى الفعل‪،‬‬
‫وذلك نحو قولك‪ :‬هذا رسول‪ .‬وليس بمنزلة ضروب؛ لنك‬
‫تقول‪ :‬رجل ضارب وضروب لمن يكثر الضرب منه‪ .‬فإذا‬
‫قلت‪ :‬رسول لم ترد به معنى فعل‪ ،‬إنما تريد أن غيره‬
‫أرسله‪ .‬والفعل منه أرسل يرسل‪ .‬والمفعول مرسل‪.‬‬
‫و ليس رسو ٌ‬
‫ل مكثرا ً من مرسل؛ لن رسول ً قد يستقيم‬
‫أن يكون أرسل مرةً واحدة‪ ،‬فليس للمبالغة‪.‬‬
‫ب فمعناه كثرة الضرب‪.‬‬
‫و أما ضرو ٌ‬
‫ة على أفعالها في الفاعلين‬
‫فإن كانت السماء جاري ً‬
‫والمفعولين عملت عمل أفعالها‪ .‬ل اختلف في ذلك بين‬
‫أحد‪ .‬ونحن ذاكروها مع ما ذكرنا إن شاء الله‪.‬‬

‫‪207‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ب أعناق‬
‫و ذلك أنك إذا أردت التكثير من ذا قلت‪ :‬مضر ٌ‬
‫القوم؛ لن السم على ضرب مضرب‪ .‬وإنما ذكرنا النصب‬
‫في ضراب‪ ،‬لنه في معنى مضرب؛ أل ترى أنك ل تقول‬
‫ة‬
‫ب‪ ،‬ول لمن خاط خيط ً‬
‫ة واحد ً‬
‫لمن ضرب ضرب ً‬
‫ة‪ :‬ضرا ٌ‬
‫ب‪ ،‬ول خيو ٌ‬
‫ة‪ :‬خيا ٌ‬
‫ب من‬
‫واحد ً‬
‫ط فإنما مضر ٌ‬
‫ط‪ ،‬ول ضرو ٌ‬
‫ضربت‪ ،‬ومستخرج من استخرجت‪ ،‬ومنطلق من انطلقت‪.‬‬
‫فاسم الفاعل قلت حروفه أو كثرت بمنزلة الفعل‬
‫المضارع الذي معناه يفعل‪ .‬واسم المفعول جار على‬
‫ب‬
‫الفعل المضارع الذي معناه يفعل‪ .‬تقول‪ :‬زيد ٌ ضار ٌ‬
‫عمرًا؛ كما تقول‪ :‬زيد يضرب عمرًا‪ .‬وزيد مضروب سوطًا‪،‬‬
‫كما تقول‪ :‬زيد يضرب سوطًا‪.‬‬
‫فهذه جملة هذا الباب‪.‬‬
‫و اعلم أن المصادر تنصب الفعال التي هي منها‪ ،‬وقد‬
‫مضى قولنا في هذا وفي مصادر ما جاوز عدده الثلثة‪.‬‬
‫ونحن ذاكرو المصادر التي تجري على الفعال من ذوات‬
‫الثلثة على كثرتها واختلفها بعد فراغنا من هذا الباب إن‬
‫شاء الله‪.‬‬
‫ة؛ لن‬
‫اعلم أن المصادر تلحقها الميم في أولها زائد ً‬
‫المصدر مفعو ٌ‬
‫ل‪ .‬فإذا كان كذلك جرى مجرى المصدر‬
‫الذي ل ميم فيه في العمال وغيره‪ ،‬وذلك قولك‪ :‬ضربته‬
‫ى‪ ،‬وشتمته شتما ً‬
‫مضربًا‪ :‬أي ضربًا‪ ،‬وغزوته غزوا ً ومغز ً‬
‫ومشتمًا‪.‬‬
‫و تقول‪ :‬يا عمرو مشتما ً زيدًا‪.‬‬
‫فإن كان المصدر لفعل على أكثر من ثلثة كان على مثال‬
‫المفعول؛ لن المصدر مفعول‪ .‬وكذلك إن بنيت من الفعل‬
‫اسما ً لمكان أو زمان‪ ،‬كان كل واحد منهما على مثال‬
‫المفعول‪ .‬لن الزمان والمكان مفعول فيهما‪ .‬وذلك قولك‬
‫في المصادر‪ :‬أدخلته مدخ ً‬
‫ل‪ ،‬كما قال عز وجل‪" :‬أنزلني‬
‫منزل ً مباركًا" و"باسم الله مجريها ومرساها"‪.‬‬
‫و كذلك‪ :‬سرحته مسرحًا‪ ،‬وهذا مسرحنا؛ أي في موضع‬
‫تسريحنا‪ ،‬وهذا مقامنا؛ لنك تريد به المصدر والمكان من‬
‫أقمت‪ .‬وعلى ذلك قال الله عز وجل‪" :‬إنها ساءت مستقرا ً‬

‫‪208‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ومقامًا" لنها من أقمت‪ .‬وقال‪" :‬يا أهل يثرب ل مقام لنا"‬
‫لنها من قمت‪ .‬موضع قيام ومن قرأ ل مقام إنما يريد‪ :‬ل‬
‫إقامة‪.‬‬
‫قال الشاعر‪:‬‬
‫ألم تعلم مسرحي‬
‫فل عيا ً بهن ول اجتلبا‬
‫القوافي‬
‫أي تسريحي‪ .‬وقال الخر‪:‬‬
‫مغار بن همام ٍ على‬
‫و ما هي إل في إزار‬
‫حي خثعما‬
‫ة‬
‫وعلـق ٍ‬
‫أي وقت إغارة ابن همام‪.‬‬
‫و هذا أوضح من أن يكثر فيه الحتجاج؛ لن المصدر هو‬
‫المفعول الصحيح؛ أل ترى أنك إذا قلت‪ :‬ضربت زيدًا‪ ،‬أنك‬
‫لم تفعل زيدا ً وإنما فعلت الضرب‪ ،‬فأوصلته إلى زيد‪،‬‬
‫وأوقعته به‪ ،‬لنك إنما أوقعت به فعلك‪ .‬فأما قول الله عز‬
‫وجل‪" :‬و جعلنا النهار معاشًا" فمعناه‪ :‬عيشًا‪ ،‬ثم قال‪" :‬و‬
‫يسألونك عن المحيض" أي الحيض‪ .‬فكان أحد المصدرين‬
‫على مفعل والخر على مفعل‪.‬‬
‫م هي حتى مطلع الفجر"‪.‬‬
‫و قوله عز وجل‪" :‬سل ٌ‬
‫و مطلع الفجر وما أشبه هذا فله باب يذكر فيه إن شاء‬
‫الله‪.‬‬
‫هذا باب مصادر ذوات الثلثة على اختلفها‬
‫وتبيين الصل فيها‬
‫اعلم أن هذا الضرب من المصادر يجيء على أمثلة كثيرة‬
‫بزوائد وغير زوائد؛ وذلك أن مجازها مجاز السماء‪،‬‬
‫والسماء ل تقع بقياس‪.‬‬
‫و إنما استوت المصادر التي تجاوزت أفعالها ثلثة أحرف‬
‫فجرت على قياس واحد‪ ،‬لن الفعل منها ل يختلف‪.‬‬
‫ة أفعالها الماضية والمضارعة؛ فلذلك‬
‫والثلثة مختلف ٌ‬
‫اختلفت مصادرها‪ ،‬وجرت مجرى سائر السماء‪.‬‬
‫فمنها ما يجيء على فعل مفتوح الول ساكن الثاني وهو‬
‫الصل‪ ،‬وسنبين الصل إن شاء الله‪.‬‬
‫فما جاء منها على فعل فقولك‪ :‬ضربت ضربًا‪ ،‬وقتلت قت ً‬
‫ل‪،‬‬

‫‪209‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وشربت شربًا‪ ،‬ومكثت مكثًا‪ .‬فهذا قد جاء فيما كان على‬
‫فعل يفعل؛ نحو‪ :‬ضرب يضرب‪ ،‬وعلى فعل يفعل نحو‪:‬‬
‫قتل يقتل‪ ،‬وعلى فعل يفعل‪ ،‬نحو‪ :‬شرب يشرب ولقم‬
‫يلقم‪ ،‬وعلى فعل يفعل؛ نحو‪ :‬مكث يمكث‪.‬‬
‫ل بإسكان الثاني وكسر الول أو‬
‫ل وفع ٍ‬
‫و يقع على فع ٍ‬
‫ضمه‪.‬‬
‫فأما الكسر فنحو‪ :‬علم علمًا‪ ،‬وحلم حلمًا‪ ،‬وفقه فقهًا‪،‬‬
‫وكذلك فقه‪.‬‬
‫و أما ما كان مضموم الول فنحو‪ :‬الشغل تقول‪ :‬شغلته‬
‫شغ ً‬
‫ل‪ ،‬وشربته شربًا‪ ،‬وسقم الرجل سقمًا‪.‬‬
‫ل؛ نحو جلبته جلبًا‪ ،‬وطربت طربًا‪ ،‬وحلب‬
‫و يكون على فع ٍ‬
‫الرجل الشاة حلبًا‪.‬‬
‫ل؛ نحو‪ :‬سمن سمنًا‪ ،‬وعظم عظمًا‪ ،‬وكبر‬
‫و يكون على فع ٍ‬
‫كبرًا‪ ،‬وصغر صغرًا‪.‬‬
‫ل؛ نحو‪ :‬ضحك ضحكًا‪ ،‬وحلف حلفًا‪ ،‬وخنقه‬
‫و يكون على فع ٍ‬
‫خنقًا‪.‬‬
‫هذه المصادر بغير زيادة‪.‬‬
‫ل وفعال‪ ،‬نحو‪ :‬جلس‬
‫و تكون الزيادة فيكون على فعو ٍ‬
‫جلوسًا‪ ،‬وقعد قعودًا‪ ،‬ووقدت النار وقودًا‪ ،‬وشكرته شكورًا‪،‬‬
‫وكفرته كفورًا‪.‬‬
‫و الفعال‪ ،‬نحو‪ :‬قمت قيامًا‪ ،‬وصمت صيامًا‪ ،‬ولقيته لقاًء‪.‬‬
‫و يكون على فعال؛ نحو‪ :‬ذهبت ذهابًا‪ ،‬وخفيت خفاًء‪،‬‬
‫وشربت شرابًا‪ .‬يقول بعضهم‪ .‬هو مصدر‪ .‬وأما أكثر‬
‫النحويين فالشراب عنده المشروب‪ .‬وهذا ل خلف فيه‪.‬‬
‫وإنما تزعم طائفة أنه يكون للمصدر‪.‬‬
‫ل‪ ،‬وكمل كما ً‬
‫ل‪ ،‬وخبل خبا ً‬
‫و تقول‪ :‬جمل جما ً‬
‫ل‪.‬‬
‫ة‪ ،‬وضل‬
‫يكون على هذا الوزن بالهاء نحو‪ :‬سفه سفاه ً‬
‫ة‪.‬‬
‫ة‪ ،‬وسقم سقام ً‬
‫ة‪ ،‬وجهل جهال ً‬
‫ضلل ً‬
‫و يكون في المعتل منه بناٌء ل يوجد مثله في الصحيح‪.‬‬
‫وذلك أنك ل تجد مصدرا ً على فيعلولة إل في المعتل؛‬
‫وذلك شاخ شيخوخة‪ ،‬وصار صيرورة‪ ،‬وكان كينونة‪ .‬إنما‬
‫كان الصل كينونة‪ ،‬وصيرورة وشيخوخة‪ .‬وكان قبل‬

‫‪210‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ة‪ .‬ولكن لما كثر العدد ألزموه التخفيف‬
‫الدغام كيونون ً‬
‫كراهية للتضعيف‪.‬‬
‫و مثل ذلك قولهم في هين‪ :‬هين‪ ،‬وفي سيد‪ :‬سيد‪ ،‬وكذلك‬
‫ميت‪ ،‬وميت‪ ،‬ولين ولين‪.‬‬
‫و جميع ما كان على هذا الوزن‪ .‬فلما كان التخفيف في‬
‫العدد القل جائزا ً كان في العدد الكثر لزمًا‪.‬‬
‫و ل يوجد مصدر على فيعلولة في غير المعتل؛ لن من‬
‫كلمهم اختصاص المعتل بأبنية ل تكون في غيره‪ .‬والدليل‬
‫على أنه فيعلول أنه ل يكون اسم على فعلول بفتح أوله‪،‬‬
‫ولم يوجد ذلك إل في قولهم‪ :‬صعفوقٌ ويقال‪ :‬إنه اسم‬
‫أعجمي أعرب‪.‬‬
‫و من الدليل على ذلك أن كينونة لو كان فعلولة لكان‬
‫كونونة‪ ،‬لنه من الواو‪ ،‬فهذا واضح جدًا‪.‬‬
‫و الدليل على أن أصل المصادر في الثلثة فعل مسكن‬
‫الوسط مفتوح الول أنك إذا أردت رد جميع هذه المصادر‬
‫إلى المرة الواحدة فإنما ترجع إلى فعلة على أي بناء كان‬
‫بزيادة أو غير زيادة‪ .‬وذلك قولهم‪ :‬ذهبت ذهابا ً ثم تقول‪:‬‬
‫ة واحدة‪ .‬وتقول في القعود‪ :‬قعدت قعدة‬
‫ذهبت ذهب ً‬
‫واحدة‪ ،‬وحلفت حلفة واحدة‪ ،‬وحلبته حلبة واحدة‪ .‬ل يكون‬
‫في جميع ذلك إل هكذا‪.‬‬
‫و الفعل أقل الصول والفتحة أخف الحركات‪ .‬ول يثبت‬
‫في الكلم بعد هذا حرف زائد ول حركة إل بثبت وتصحيح‪.‬‬
‫و زعم سيبويه أن الكثر في الفعل الذي ل يتعدى إلى‬
‫المفعول أن يأتي على فعول وإن كان الفعل هو الصل‪.‬‬
‫فكأن الواو إنما زيدت وغير للفصل بين المتعدي وغيره؛‬
‫وذلك نحو‪ :‬جلست جلوسًا‪ ،‬ووقدت النار وقودًا‪ ،‬وإن كان‬
‫الصل ما ذكرنا‪ .‬وقد يجيء هذا فيما ل يتعدى أكثر‪.‬‬
‫و جاءت مصادر على فعول مفتوحة الوائل؛ وذلك قولك‪:‬‬
‫توضأت وضوًء حسنًا‪ ،‬وتطهرت طهورًا‪ ،‬وأولعت به ولوعًا‪،‬‬
‫ووقدت النار وقودًا‪ ،‬وإن عليه لقبو ً‬
‫ل‪ .‬على أن الضم في‬
‫الوقود أكثر إذا كان مصدرا ً وأحسن‪.‬‬
‫هذا باب ما كان من المعتل فيما جاوز فعله الثلثة‬

‫‪211‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫فلزمه الحذف لعتلله والتمام لسلمته‬
‫اعلم أن المعتل يقع على ضربين‪ :‬محذوفًا‪ ،‬ومتممًا‪.‬‬
‫فما لزمه الحذف لعلة تكون تلك العلة راجعة في مصدره‬
‫فمصدره معتل كاعتلله‪ .‬وما سلم من الحذف فعله كان‬
‫مصدره تامًا‪.‬‬
‫فمن ذلك ما يكون من الثلثة مما فاؤه واو‪ ،‬وذلك نحو‪:‬‬
‫وعد ووجد‪ .‬فإذا قلت‪ :‬يعد ويجد وقعت الواو بين ياٍء‬
‫وكسرة فحذفت لذلك‪ ،‬فكان يعد ويجد‪ .‬وكان الصل‪:‬‬
‫يوعد ويوجد‪ .‬ولو لم تكن الكسرة بعد الياء لصحت؛ كما‬
‫تصح في يوجل‪ ،‬أو أبدلت ولم تحذف‪ :‬كما تقول‪ :‬ييجل‬
‫وييحل‪ ،‬وياجل وياحل‪.‬‬
‫فإذا قلت‪ :‬وعدًا‪ ،‬ووزنا ً صح المصدر؛ لنه لم تلحقه علة‪.‬‬
‫فإن قلت‪ :‬عدة وزنة أعللت فحذفت؛ لن الكسرة في‬
‫الواو‪.‬‬
‫فالعلة في المصدر من جهتين‪ :‬إحداهما‪ :‬علة فعله‪،‬‬
‫والثانية‪ :‬وقوعها فيه؛ أل ترى أنها لو كانت علة الفعل‬
‫وحدها لصح المصدر كما ذكرت لك في الوعد والوزن‪.‬‬
‫و لو بنيت اسما ً على فعلة ل تريد به مصدرا ً لصحت الواو‬
‫وذلك مثل الوجهة‪ ،‬فكذلك كل مصدر من المعتل‪ .‬وهذا‬
‫الذي قدمت ما اعتلت فاؤه‪.‬‬
‫و الذي تعتل عينه من باب قال وباع هذا مجراه‪ ،‬تقول‪:‬‬
‫قمت قياما ً فإنما حذفت موضع العين من قمت؛ لجتماع‬
‫الساكنين‪ .‬ولم يلتق في المصدر ساكنان‪ ،‬ولكن يلزمك‬
‫ة‪ .‬فقد‬
‫لعتلل الفعل أن تقلب الواو ياًء‪ ،‬لن قبلها كسر ً‬
‫اجتمع فيها شيئان‪ :‬الكسرة قبلها‪ ،‬واعتلل الفعل‪ .‬فلذلك‬
‫قلت‪ :‬لذت لياذًا‪ ،‬ونمت نيامًا‪ ،‬وقمت قيامًا‪.‬‬
‫و لو كان المصدر ل قاومت لصح فقلت‪ :‬قاومته قواما‪،‬‬
‫ولوذته لواذًا‪.‬‬
‫و كان اسما ً غير مصدر نحو‪ :‬خوان‪.‬‬
‫فإن كان المصدر ل علة فيه صح على ما ذكرت لك‪ .‬وذلك‬
‫ل‪ ،‬وجلت جو ً‬
‫قولك‪ :‬قلت قو ً‬
‫ل‪ ،‬وكذلك بعت بيعًا‪ ،‬وكلت‬
‫كي ً‬
‫ل‪ .‬ل نقص في شيء من ذلك‪.‬‬

‫‪212‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫و كذلك إن اعتلت اللم فلحقت المصدر تلك العلة والفعل‬
‫بزيادة أو غير زيادة‪.‬‬
‫هذا باب المر والنهي‬
‫ل عليه‪.‬‬
‫فما كان منهما مجزوما ً فإنما جزمه بعامل مدخ ٍ‬
‫فاللزم له اللم‪ .‬وذلك قولك‪ :‬ليقم زيد‪ .‬ليذهب عبد الله‪.‬‬
‫وتقول‪ :‬زرني ولزرك‪ ،‬فتدخل اللم؛ لن المر لك‪.‬‬
‫ي غير مجزوم‬
‫فأما إذا كان المأمور مخاطبا ً ففعله مبن ّ‬
‫وذلك قولك‪ :‬اذهب‪ .‬وانطلق‪.‬‬
‫و قد كان قوم من النحويين يزعمون أن هذا مجزوم‪،‬‬
‫وذلك خطأ فاحش؛ وذلك لن العراب ل يدخل من‬
‫الفعال إل فيما كان مضارعا ً للسماء‪.‬‬
‫و الفعال المضارعة هي التي في أوائلها الزوائد الربع‪:‬‬
‫الياء‪ ،‬والتاء‪ ،‬والهمزة‪ ،‬والنون‪ .‬وذلك قولك‪ :‬أفعل أنا‪،‬‬
‫وتفعل أنت‪ ،‬ويفعل هو‪ ،‬ونفعل نحن‪ .‬فإنما تدخل عليها‬
‫العوامل وهي على هذا اللفظ‪.‬‬
‫و قولك‪ :‬اضرب‪ ،‬وقم ليس فيه شيء من حروف‬
‫المضارعة‪ ،‬ولو كانت فيه لم يجز جزمه إل بحرف يدخل‬
‫عليه فيجزمه‪ .‬فهذا بين جدًا‪.‬‬
‫و يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قرأ‬
‫"فبذلك فلتفرحوا" فهذا مجزوم جزمته اللم وجاءت هذه‬
‫القراءة على أصل المر‪ ،‬فإذا لم يكن المر للحاضر‬
‫المخاطب فل بد من إدخال اللم‪ ،‬تقول‪ :‬ليقم زيد‪ ،‬وتقول‪:‬‬
‫زر زيدا ً وليزرك‪ .‬إذا كان المر لهما؛ لن زيدا ً غائب‪ ،‬ول‬
‫يكون المر له إل بإدخال اللم‪.‬‬
‫و كذلك إن قلت‪ :‬ضرب زيد فأردت المر من هذا‪:‬‬
‫ليضرب زيد‪ ،‬لن المأمور ليس بمواجه‪.‬‬
‫و اعلم أن الدعاء بمنزلة المر والنهي في الجزم والحذف‬
‫ب للمعنى؛ لنك تأمر‬
‫عند المخاطبة‪ ،‬وإنما قيل‪ :‬دعاء وطل ٌ‬
‫من هو دونك‪ ،‬وتطلب إلى من أنت دونه‪ .‬وذلك قولك‪:‬‬
‫ليغفر الله لزيد وتقول‪ :‬اللهم اغفر لي؛ كما تقول‪ :‬اضرب‬
‫عمرًا‪.‬‬
‫فأما قولك‪ :‬غفر الله لزيد‪ ،‬ورحم الله زيدًا‪ ،‬ونحو ذلك فإن‬

‫‪213‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫لفظه لفظ الخبر ومعناه الطلب؛ وإنما كان كذلك ليعلم‬
‫السامع أنك ل تخبر عن الله عز وجل وإنما تسأله‪ .‬كما أن‬
‫قولك‪ :‬علم الله لقومن‪ .‬إنما لفظه لفظ رزق الله ومعناه‬
‫د‪.‬‬
‫القسم؛ لنك في قولك‪ :‬علم مستشه ٌ‬
‫و تقول‪ :‬يا زيد ليقم إليك عمرو‪ ،‬ويا زيد لتدع بني عمرو‪.‬‬
‫و النحويون يجيزون إضمار هذه اللم للشاعر إذا اضطر‪،‬‬
‫ويستشهدون على ذلك بقول متمم بن نويرة‪:‬‬
‫لك الويل حر الوجه أو‬
‫على مثل أصحاب‬
‫يبك من بكى‬
‫البعوضة فاخمشي‬
‫يريد‪ :‬أو ليبك من بكى‪ .‬وقول الخر‪:‬‬
‫محمد تفد نفسك كل إذا ما خفت من شيٍء‬
‫تبال‬
‫س‬
‫نفـ ٍ‬
‫فل أرى ذلك على ما قالوا؛ لن عوامل الفعال ل تضمر‪،‬‬
‫وأضعفها الجازمة؛ لن الجزم في الفعال نظير الخفض‬
‫في السماء‪ .‬ولكن بيت متمم حمل على المعنى؛ لنه إذا‬
‫قال‪ :‬فاخمشي فهو في موضع فلتخمشي‪ ،‬فعطف الثاني‬
‫على المعنى‪.‬‬
‫و أما هذا البيت الخير فليس بمعروف‪ ،‬على أنه في كتاب‬
‫سيبويه على ما ذكرت لك‪.‬‬
‫و تقول‪ :‬ليقم زيد‪ ،‬ويقعد خالد‪ ،‬وينطلق عبد الله؛ لنك‬
‫عطفت على اللم‪.‬‬
‫و لو قلت‪ :‬قم ويقعد زيد لم يجز الجزم في الكلم‪ .‬ولكن‬
‫لو اضطر شاعر فحمله على موضع الول لنه مما كان‬
‫حقه اللم كان على ما وصفت لك‪.‬‬
‫و اعلم أن هذه اللم مكسورةٌ إذا ابتدئت فإذا كان قبلها‬
‫فاء أو واو فهي على حالها في الكسر‪ .‬وقد يجوز إسكانها‪،‬‬
‫وهو أكثر على اللسن‪ .‬تقول‪ :‬قم وليقم زيد "فلتقم‬
‫ة"‪ .‬وإنما جاز ذلك؛‬
‫ة منهم معك" "ولتكن منكم أم ٌ‬
‫طائف ٌ‬
‫لن الواو والفاء ل ينفصلن‪ ،‬لنه ل يتكلم بحرف واحد‪.‬‬
‫فصارتا بمنزلة ما هو في الكلمة‪ ،‬فأسكنت اللم هربا ً من‬
‫الكسرة‪ .‬كقولك في علم‪ :‬علم‪ ،‬وفي فخذ‪ :‬فخذ‪.‬‬
‫و أما قراءة من قرأ ثم ليقطع فلينظر‪ .‬فإن السكان في‬

‫‪214‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ن؛ لن ثم منفصلة من‬
‫لم فلينظر جيد وفي لم ليقطع لح ٌ‬
‫الكلمة‪ .‬وقد قرأ بذلك يعقوب بن إسحاق الحضرمي‪.‬‬
‫فأما حرف النهي فهو ل‪ .‬وهو يقع على فعل الشاهد‬
‫والغائب‪ ،‬وذلك قولك‪ :‬ل يقم زيد‪ ،‬ول تقم يا رجل‪ ،‬ول‬
‫تقومي يا امرأة‪ .‬فالفعل بعده مجزوم به‪.‬‬
‫و تقول‪ :‬ل يقم زيد ول يقعد عبد الله‪ ،‬إن عطفت نهيا ً على‬
‫نهي‪ .‬وإن شئت قلت‪ :‬ل يقم زيد‪ ،‬ويقعد عبد الله‪ .‬وهو‬
‫بإعادتك ل أوضح؛ وذلك لنك إذا قلت‪ :‬ل يقم زيد‪ ،‬ول يقعد‬
‫عبد الله تبين لك أنك قد نهيت كل واحد منهما على حياله‪.‬‬
‫و إذا قلت‪ :‬ويقعد عبد الله بغير ل فهذا وجه‪.‬‬
‫و قد يجوز أن يقع عند السامع أنك أردت‪ :‬ل يجتمع هذان‪.‬‬
‫فإن قعد عبد الله‪ ،‬ولم يقم زيد لم يكن المأمور مخالفًا‪.‬‬
‫وكذلك إن لم يقم زيد‪ ،‬وقعد عبد الله‪.‬‬
‫ى‪ .‬تقول‪ :‬ما جاءني زيد‬
‫و ل المؤكدة تدخل في النفي لمعن ً‬
‫ول عمرو إذا أردت أنه لم يأتك واحد منهما‪ ،‬على انفراد‬
‫ول مع صاحبه؛ لنك لو قلت‪ :‬لم يأتني زيد وعمرو وقد‬
‫أتاك أحدهما لم تكن كاذبًا‪ .‬ف ل في قولك‪ :‬ل يقم زيد‪،‬‬
‫ول يقم عمرو يجوز أن تكون التي للنهي‪ ،‬وتكون المؤكدة‬
‫التي تقع لما ذكرت لك في كل نفي‪.‬‬
‫واعلم أن الطلب من النهي بمنزلته من المر‪ ،‬يجري على‬
‫لفظه كما جرى على لفظ المر؛ أل ترى أنك ل تقول‪:‬‬
‫نهيت من فوقي ولكن طلبت إليه‪ .‬وذلك قولك‪ :‬ل يقطع‬
‫الله يد فلن‪ ،‬ول يصنع الله لعمرو‪ .‬فالمخرج واحد‪،‬‬
‫والمعنى مختلف‪.‬‬
‫و اعلم أن جواب المر والنهي ينجزم بالمر والنهي؛ كما‬
‫ينجزم جواب الجزاء بالجزاء؛ وذلك لن جواب المر‬
‫والنهي يرجع إلى أن يكون جزاًء صحيحًا‪ .‬وذلك قولك‪:‬‬
‫ائتني أكرمك‪ ،‬لن المعنى‪ :‬فإنك إن تأتني أكرمك؛ أل ترى‬
‫أن الكرام إنما يستحق بالتيانو كذلك‪ :‬ل تأت زيدا ً يكن‬
‫خيرا ً لك؛ لن المعنى‪ :‬فإنك إل تأته يكن خيرا ً لك‪.‬‬
‫و لو قال على هذا‪ :‬ل تدن من السد يأكلك كان محا ً‬
‫ل؛‬
‫لنه إذا قال‪ :‬ل تدن فإنما هو‪ :‬تباعد‪ ،‬فتباعده منه ل يكون‬

‫‪215‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫سببا ً لكله إياه‪ .‬ولكن إن رفع جاز‪ ،‬فيكون المعنى‪ :‬ل تدن‬
‫من السد ثم قال‪ :‬إنه مما يأكلك‪.‬‬
‫وإنما انجزم جواب الستفهام؛ لنه يرجع من الجزاء إلى‬
‫ما يرجع إليه جواب المر والنهي وذلك قولك‪ :‬أين بيتك‬
‫أزرك? لن المعنى‪ :‬بإن أعرفه أزرك وكذلك هل تأتيني‬
‫أعطك‪ ،‬وأحسن إليك؛لن المعنى‪ :‬فإنك إن تفعل أفعل‪.‬‬
‫فأما قول الله عز وجل‪" :‬يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم‬
‫م" ثم قال‪" :‬تؤمنون‬
‫على تجارة تنجيكم من عذا ٍ‬
‫ب ألي ٍ‬
‫بالله ورسوله" فإن هذا ليس بجواب‪ ،‬ولكنه شرح ما دعوا‬
‫إليه‪ ،‬والجواب‪" :‬يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم"‪.‬‬
‫فإن قال قائل‪ :‬فهل كان الشرح أن تؤمنوا‪ ،‬لنه بدل من‬
‫تجارة? فالجواب في ذلك أن الفعل يكون دليل ً على‬
‫مصدره‪ ،‬فإذا ذكرت ما يدل على الشيء فهو كذكرك إياه؛‬
‫أل ترى أنهم يقولون‪ :‬من كذب كان شرًا‪ ،‬يريدون‪ :‬كان‬
‫الكذب وقال الله عز وجل‪" :‬و ل يحسبن الذين يبخلون‬
‫بما آتاهم الله من فضله هو خيرا ً لهم" لن المعنى‪ :‬البخل‬
‫هو خيرا ً لهم‪ ،‬فدل عليه بقوله يبخلون‪ .‬وقال الشاعر‪:‬‬
‫و أن أشهد اللذات هل‬
‫أل أيهذا الزاجري‬
‫أنت مخلدي‬
‫أحضر الوغـى‬
‫فالمعنى‪ :‬عن أن أحضر الوغى‪ ،‬كقولك‪ :‬عن حضور‬
‫الوغى‪ .‬فلما ذكر أحضر الوغى دل على الحضور‪ .‬وقد‬
‫نصبه قوم على إضمار أن وقدموا الرفع‪.‬‬
‫و سنذكر ذلك باستقصاء العلة فيه إن شاء الله‪.‬‬
‫فأما الرفع فلن الفعال ل تضمر عواملها‪ ،‬فإذا حذفت‬
‫رفع الفعل وكان دال ً على مصدره بمنزلة الية وهي "هل‬
‫أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم" ثم قال‪:‬‬
‫تؤمنون‪.‬‬
‫و كذلك لو قال قائل‪ :‬ماذا يصنع زيد? فقلت‪:‬يأكل أو‬
‫يصلي لغناك عن أن تقول‪:‬الكل أو الصلة‪ .‬أل ترى أن‬
‫الفعل إنما مفعوله اللزم له إنما هو المصدر‪ ،‬لن قولك‪:‬‬
‫قد قام زيد بمنزلة قولك‪ :‬قد كان منه قيام‪ ،‬والقيام هو‬
‫النوع الذي تعرفه وتفهمه ولو قلت‪ :‬ضرب زيد لعلمت أنه‬

‫‪216‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫قد فعل ضربا ً واصل ً إلى مضروب‪ ،‬إل أنك ل تعرف‬
‫المضروب بقوله‪ :‬ضرب وتعرف المصدر‪.‬‬
‫و أما الذين نصبوا فلم يأبوا الرفع‪ ،‬ولكنهم أجازوا معه‬
‫النصب؛ لن المعنى إنما حقه بأن‪ ،‬وقد أبان ذلك فيما‬
‫بعده بقوله‪ :‬وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي?‪ .‬فجعله‬
‫بمنزلة السماء التي يجيء بعضها محذوفا ً للدللة عليه‪.‬‬
‫وفي كتاب الله عز وجل‪" :‬يسأله من في السماوات‬
‫والرض" فالقول عندنا أن من مشتملة على الجميع؛ لنها‬
‫تقع للجميع على لفظ الواحد‪.‬‬
‫وقد ذهب هؤلء القوم إلى أن المعنى‪ :‬ومن في الرض‪.‬‬
‫وليس المعنى عندي كما قالوا وقالوا في بيت حسان‪:‬‬
‫ويمدحه وينصره‬
‫فمن يهجوا رسول‬
‫سـواء‬
‫الله منكم‬
‫إنما المعنى‪ :‬ومن يمدحه وينصره‪ .‬وليس المر عند أهل‬
‫ة‪ ،‬وجعل الفعل وصفا ً‬
‫النظر كذلك؛ ولكنه جعل من نكر ً‬
‫لها‪ ،‬ثم أقام في الثانية الوصف مقام الموصوف‪ .‬فكأنه‬
‫قال‪ :‬وواحد يمدحه وينصره‪ ،‬لن الوصف يقع في موضع‬
‫الموصوف‪ ،‬إذ كان دال ً عليه‪.‬‬
‫و على هذا قول الله عز وجل‪" :‬و إن من أهل الكتاب إل‬
‫ليؤمنن به"‪.‬‬
‫و قال الشاعر‪:‬‬
‫هل الدهر إل تـارتـان أموت وأخرى أبتغي‬
‫العيش أكدح‬
‫فـتـارةٌ‬
‫يريد‪ :‬وتارة أخرى‪ :‬و قال‪:‬‬
‫يقعقع خلف رجليه‬
‫كأنك من جمال بني‬
‫بشن‬
‫ش‬
‫أقي ٍ‬
‫يريد‪ :‬كأنك جمل‪ ،‬وكذلك قال‪ :‬يقعقع خلف رجليه‪.‬‬
‫و قال آخر‪:‬‬
‫تقربه مني وإن كان‬
‫و ما منهما إل يسر‬
‫ذا نفر‬
‫ة‬
‫بنسـب ٍ‬
‫يريد‪ :‬وما منهما أحد‪ :‬و قالوا في أشد من ذا‪:‬‬
‫ما لك عندي غير سهـم وغير كـبـداء شـديدة‬

‫‪217‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫الـوتـر‬

‫وحـجـر‬
‫جادت بكفي كان من‬
‫أرمى البشر‬
‫فهذا ما ذكرت لك من اختلفهم واختيار أحد القولين‪.‬‬
‫هذا باب ما وقع من الفعال للجنس على معناها‬
‫وتلك الفعال‪ :‬نعم‪ ،‬وبئس وما وقع في معناهما‬
‫اعلم أن نعم وبئس كان أصلهما نعم وبئس‪ ،‬إل أنه ما كان‬
‫ثانيه حرفا من حروف الحلق مما هو على فعل جازت فيه‬
‫أربعة أوجه اسما ً كان أو فع ً‬
‫ل‪ .‬وذلك قولك‪ :‬نعم وبئس‬
‫على التمام وفخذ‪ ،‬ويجوز أن تكسر الول لكسرة الثاني‬
‫فتقول‪ :‬نعم وبئس وفخذ‪.‬و يجوز السكان‪ ،‬كما تسكن‬
‫المضمومات والمكسورات إذ كن غير أول‪ .‬وقد تقدم‬
‫قولنا في ذلك‪ .‬فيقول من قولك فخذ‪ :‬فخذ‪ ،‬وعلم‪ :‬علم‬
‫ومن نعم‪ :‬نعم ومن قولك‪ :‬فخذ فخذ‪ ،‬ونعم وبئس‪.‬‬
‫و حروف الحلق ستة‪ :‬الهمزة والهاء وهما أقصاه‪ ،‬والعين‬
‫والحاء وهما من أوسطه‪ ،‬والغين والخاء وهما من أوله‬
‫مما يلي اللسان‪ .‬فكان أصل نعم وبئس ما ذكرت لك‪ .‬إل‬
‫أنهما الصل في المدح والذم‪ .‬فلما كثر استعمالهما ألزما‬
‫التخفيف‪ ،‬وجريا فيه وفي الكسرة كالمثل الذي يلزم‬
‫ة واحدة‪.‬‬
‫طريق ً‬
‫و قد يقول بعضهم نعم‪ .‬وكل ذلك جائٌز حسن إذا أثرت‬
‫استعماله‪ ،‬أعني الوجوه الربعة‪.‬‬
‫قال الشاعر‪:‬‬
‫ما أصاب الناس من‬
‫ففداٌء لـبـنـي قـيس‬
‫سوءٍ وضر‬
‫عـلـى‬
‫نعم الساعون في‬
‫ما أقـلـت قـدمـي‬
‫المر المبـر‬
‫أنـهــم‬
‫و أما ما ذكرت لك أنه يقع في معناهما مقاربا ً لهما فنحو‪:‬‬
‫فعل نحو‪ :‬لكرم زيد‪ ،‬ولظرف زيد‪ .‬وكذلك حبذا‪ .‬ونحن‬
‫ذاكرو كل باب من هذا على حياله إن شاء الله‪.‬‬
‫أما نعم وبئس فل يقعان إل على مضمر يفسره ما بعده‬
‫والتفسير لزم‪.‬‬

‫‪218‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫أو على معرفة باللف واللم على معنى الجنس‪ ،‬ثم يذكر‬
‫بعدها المحمود والمذموم‪.‬‬
‫ة باللف واللم فنحو قولك‪ :‬نعم الرجل‬
‫فأما ما كان معرف ً‬
‫د‪ ،‬وبئس الرجل عبد الله‪ ،‬ونعم الدار دارك‪ .‬وإن شئت‬
‫زي ٌ‬
‫قلت‪ :‬نعمت الدار‪ .‬لما أذكره لك إن شاء الله‪ ،‬وبئست‬
‫الدابة دابتك‪.‬‬
‫و أما قولك‪ :‬الرجل‪ ،‬والدابة‪ ،‬والدار‪ .‬فمرتفعات بنعم‬
‫وبئس؛ لنهما فعلن يرتفع بهما فاعلهما‪.‬‬
‫و أما قولك‪ :‬زيد‪ ،‬وما أشبهه فإن رفعه على ضربين‪:‬‬
‫أحدهما‪ :‬أنك لما قلت‪ :‬نعم الرجل فكأنه معناه محمود في‬
‫الرجال قلت‪ :‬زيد على التفسير كأنه قيل‪ :‬من هذا‬
‫المحمود? فقلت‪ :‬هو زيد‪.‬‬
‫و الوجه الخر‪ :‬أن تكون أردت بزيد التقديم فأخرته‪ ،‬وكان‬
‫موضعه أن تقول‪ :‬زيد نعم الرجل‪.‬‬
‫فإن زعم زاعم أن قولك‪ :‬نعم الرجل زيد إنما زيد بد ٌ‬
‫ل من‬
‫د‪،‬‬
‫الرجل مرتفع بما ارتفع به‪ ،‬كقولك‪ :‬مررت بأخيك زي ٍ‬
‫وجاءني الرجل عبد الله‪ .‬قيل له‪ :‬إن قولك‪ :‬جاءني الرجل‬
‫عبد الله‪ ،‬إنما تقديره إذا طرحت الرجل ‪ :‬جاءني عبد الله‪.‬‬
‫د؛ لنك تزعم أنه بنعم مرتفع‪ .‬وهذا محال؛‬
‫فقل‪ :‬نعم زي ٌ‬
‫لن الرجل ليس يقصد به إلى واحد بعينه؛ كما تقول‪:‬‬
‫جاءني الرجل‪ ،‬أي‪ :‬جاءني الرجل الذي تعرف‪ .‬وإنما هو‬
‫واحد من الرجال على غير معهود تريد به هذا الجنس‪.‬‬
‫ويؤول نعم الرجل في التقدير إلى أنك تريد معنى محمودا ً‬
‫في الرجال‪ ،‬ثم تعرف المخاطب من هذا المحمود?‪.‬‬
‫و إذا قلت‪ :‬بئس الرجل‪ ،‬فمعناه‪ :‬مذموم في الرجال‪ .‬ثم‬
‫تفسر من هذا المذموم? بقولك‪ :‬زيد‪.‬‬
‫فالرجل وما ذكرت لك مما فيه اللف واللم دا ّ‬
‫ل على‬
‫الجنس‪ ،‬والمذكور بعد هو المختص بالحمد والذم‪ .‬وهذا‬
‫هاهنا بمنزلة قولك‪ :‬فلن يفرق السد‪ ،‬إنما تريد هذا‬
‫الجنس‪ ،‬ولست تعني أسدا ً معهودا ً وكذلك‪ :‬فلن يحب‬
‫الدينار والدرهم‪ ،‬وأهلك الناس الدينار والدرهم‪ ،‬وأهلك‬
‫الناس الشاة والبعير‪ .‬وقال الله عز وجل‪" :‬و العصر إن‬

‫‪219‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫النسان لفي خسر" فهو واقع على الجنس؛ أل تراه يقول‪:‬‬
‫"إل الذين آمنوا وعملوا الصالحات" وقال‪" :‬إن النسان‬
‫خلق هلوعًا"‪ .‬وقال‪" :‬إل المصلين"‪.‬‬
‫و اعلم أن ما أضيف إلى اللف واللم بمنزلة اللف‬
‫واللم‪ ،‬وذلك قولك‪ :‬نعم أخو القوم أنت‪ ،‬وبئس صاحب‬
‫الرجل عبد الله‪.‬‬
‫و لو قلت‪ :‬نعم الذي في الدار أنت لم يجز‪ ،‬لن الذي‬
‫بصلته مقصود إليه بعينه‪ .‬فقد خرج من موضع السم الذي‬
‫ل يكون للجنس وتقول‪ :‬نعم القائم أنت‪ .‬ونعم الداخل‬
‫الدار أنت‪ .‬والدار بالنصب والخفض‪ ،‬والنصب أجود على‬
‫ما ذكرت لك‪ .‬لن تعريفك يقع كتعريف الغلم وإن كان‬
‫معناه الذي‪.‬‬
‫فإن قلت‪ :‬قد جاء "و الذي جاء بالصدق وصدق به"‬
‫فمعناه الجنس‪ .‬فإن الذي إذا كانت على هذا المذهب‬
‫صلحت بعد نعم وبئس‪ .‬وإنما يكره بعد هذا تلك‬
‫المخصوصة‪.‬‬
‫و كذلك لو قلت‪ :‬نعم القائم في الدار أنت‪ .‬وأنت تريد به‬
‫واحدا ً على معنى الذي المخصوصة لم يجز؛ لما ذكرت لك‬
‫من تعريف الجنس‪ .‬فهذا تفسير ما يقع عليه من المعارف‬
‫التي باللف واللم‪.‬‬
‫و أما وقوعها على المضمر الذي يفسره ما بعده فهو‬
‫ة‬
‫قوله‪ :‬نعم رجل ً أنت‪ ،‬وبئس في الدار رجل ً أنت‪ ،‬ونعم داب ً‬
‫دابتك‪ .‬فالمعنى في ذلك‪ :‬أن في نعم مضمرا ً يفسره ما‬
‫بعده وهو هذا المذكور المنصوب؛ لن المبهمة من العداد‬
‫وغيرها إنما يفسرها التبيين‪ .‬كقولك‪ :‬عندي عشرون رج ً‬
‫ل‪،‬‬
‫وهو خير منك عبدًا؛ لنك لما قلت‪ :‬عشرون أبهمت فلم‬
‫يدر على أي شيٍء هذا العدد وقع?‪ ،‬فقلت‪ :‬رجل ً ونحوه‪،‬‬
‫لتبين نوع هذا العدد‪ ،‬وهو خير منك عبدًا؛ لنك إذا قلت‪:‬‬
‫هو خير منك لم يدر فيم فضلته عليه?‪ ،‬فإذا قلت‪ :‬أبًا‪ ،‬أو‬
‫عبدًا‪ ،‬أو نحوه فإنما تفضله في ذلك النوع‪ .‬فكذلك نعم‪.‬‬
‫و الضافة نحو قولك‪ :‬هو أفضلهم عبدًا‪ ،‬وعلى التمرة‬
‫مثلها زبدًا‪ .‬فإن قال قائل‪ :‬فهل يكون المضمر مقدمًا?‪.‬‬

‫‪220‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫قيل‪ :‬يكون ذاك إذا كان التفسير له لزمًا‪ .‬فمن ذلك‬
‫ق‪ .‬وكان زيد ٌ خيٌر منك؛ لن‬
‫قولك‪ :‬إنه عبد الله منطل ٌ‬
‫ق‪ ،‬وكان‬
‫المعنى‪ :‬إن الحديث أو إن المر عبد الله منطل ٌ‬
‫الحديث زيد خير منك‪ ،‬ولهذا باب يفرد بتفسيره‪ .‬قال الله‬
‫عز وجل‪" :‬إنه من يأت ربه مجرمًا" أي‪ :‬إن الخبر‪.‬‬
‫و منها قولك في إعمال الول والثاني‪ :‬ضربوني‪ ،‬وضربت‬
‫إخوتك؛ لن الذي بعده من ذكره الخوة يفسره فكذلك‬
‫هذا‪ .‬قال الله عز وجل‪" :‬بئس للظالمين بد ً‬
‫ل" وقال‪" :‬نعم‬
‫العبد إنه أواب"‪ ،‬لنه ذكر قبل فكذلك جميع هذا‪.‬‬
‫و أما حبذا فإنما كانت في الصل‪ :‬حبذا الشيء؛ لن ذا‬
‫اسم مبهم يقع على كل شيٍء‪ .‬فإنما هو حب هذا‪ ،‬مثل‬
‫قولك‪ :‬كرم هذا‪ .‬ثم جعلت حب وذا اسما ً واحدًا‪ ،‬فصار‬
‫مبتدأ‪ ،‬ولزم طريقة واحدة على ما وصفت لك في نعم‬
‫فتقول‪ :‬حبذا عبد الله‪ ،‬وحبذا أمة الله‪.‬‬
‫و ل يجوز‪ :‬حبذه؛ لنهما جعل اسما ً واحدا ً في معنى المدح‪،‬‬
‫فانتقل عما كانا عليه قبل التسمية؛ كما يكون ذلك في‬
‫المثال؛ نحو‪ :‬أطري فإنك ناعلة ونحو الصيف ضيعت‬
‫اللبن؛ لن أصل المثل إنما كان لمرأة‪ ،‬فإنما يضرب لكل‬
‫واحد على ما جرى في الصل‪ .‬فإذا قلته للرجل فإنما‬
‫معناه‪ :‬أنت عندي بمنزلة التي قيل لها هذا‪.‬‬
‫فأما قولك‪ :‬نعمت وبئست إذا عنيت المؤنث؛ فلنهما‬
‫فعلن لم يخرجا من باب الفعال إلى التسمية؛ كما فعل‬
‫بحب وذا وكأنهما على منهاج الفعال‪.‬‬
‫و من قال‪ :‬نعم المرأة وما أشبهه فلنهما فعلن قد كثرا‪،‬‬
‫وصارا في المدح والذم أص ً‬
‫ل؛ والحذف موجود في كل ما‬
‫كثر استعمالهم إياه‪.‬‬
‫فأما ضرب جاريتك زيدًا‪ ،‬وجاء أمتك‪ ،‬وقام هند ٌ فغير جائز؛‬
‫ث حقيقي‪ .‬ولو كان من غير الحيوان‬
‫لن تأنيث هذا تأني ٌ‬
‫لصلح وكان جيدًا؛ نحو‪ :‬هدم دارك‪ ،‬وعمر بلدتك؛ لنه‬
‫تأنيث لفظ ل حقيقة تحته‪ ،‬كما قال عز وجل‪" :‬و أخذ‬
‫ة من‬
‫الذين ظلموا الصيحة" وقال‪" :‬فمن جاءه موعظ ٌ‬
‫ربه"‪ .‬وقال الشاعر‪:‬‬

‫‪221‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫لئيم مآثره قـعـدد‬

‫ف‬
‫لئيم يحك قفا مقر ٍ‬
‫و قال الخر‪:‬‬
‫ل مضطمرا ً طرتاه‬
‫بعيد الغزاة فـمـا إن‬
‫طليحا‬
‫يزا‬
‫و أما‪:‬‬
‫لقد ولد الخيطل أم سوٍء‬
‫فإنما جاز للضرورة في الشعر جوازا ً حسنًا‪ .‬ولو كان مثله‬
‫د‪ .‬وجوازه‬
‫في الكلم لكان عند النحويين جائزا ً على بع ٍ‬
‫للتفرقة بين السم والفعل بكلم‪ .‬فتقديرهم أن ذلك‬
‫الكلم صار عوضا ً عن علمة التأنيث؛ نحو‪ :‬حضر القاضي‬
‫ة‪ .‬والوجه ما ذكرت‬
‫ة‪ ،‬ونزل دارك ودار زيد جاري ٌ‬
‫اليوم امرأ ٌ‬
‫لك‪.‬‬
‫و من أولى الفعل مؤنثا ً حقيقيا ً لم يجز عندي حذف علمة‬
‫التأنيث فأما قوله‪:‬‬
‫ص كاعبان‬
‫فكان مجني دو ً‬
‫ن من ثلث شخو ٍ‬
‫ومعصر‬
‫كنت أتقي‬
‫فإنما أنث الشخوص على المعنى؛ لنه قصد إلى النساء‪،‬‬
‫وأبان ذلك بقوله‪ :‬كاعبان ومعصر‪.‬‬
‫و مثل ذلك‪:‬‬
‫و أنت بريٌء من‬
‫فإن كلبا ً هذه عشر‬
‫قبائلها العشر‬
‫ن‬
‫أبـطـ ٍ‬
‫و قال الله عز وجل‪" :‬من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها"‬
‫ت أمثالها‪.‬‬
‫والتقدير والله أعلم ‪ :‬فله عشر حسنا ٍ‬
‫فيقول على هذا‪ :‬هذه الدار نعمت البلد؛ لنك إنما عنيت‬
‫بالبلد دارًا‪ .‬وكذلك هذا البلد نعم الدار؛ لنك إنما قصدت‬
‫إلى البلد‪.‬‬
‫و اعلم أنه ل يجوز أن تقول‪ :‬قومك نعموا رجا ً‬
‫ل‪ ،‬كما‬
‫تقول‪ :‬قومك قاموا‪ .‬ول قومك بئسوا رجا ً‬
‫ل‪ ،‬ول أخواك‬
‫بئسا رجلين‪ ،‬كما تقول‪ :‬أخواك قاما؛ لن نعم وبئس إنما‬
‫تقعان مضمرا ً فيهما فاعلهما قبل الذكر يفسرهما ما‬
‫بعدهما من التمييز‪ .‬ولو كانا مما يضمر فيه لخرجا إلى‬
‫منهاج سائر الفعال‪ ،‬ولم يكن فيهما من المعاني ما‬

‫‪222‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫شرحناه في صدر الباب‪ .‬فإنما موضعهما أن يقعا على‬
‫مضمر يفسره ما بعده‪ ،‬أو على مرفوع باللف واللم‬
‫تعريف الجنس لما ذكرت لك‪.‬‬
‫و اعلم أنه ل يجوز أن تقول‪ :‬زيد ٌ نعم الرجل‪ ،‬والرجل غير‬
‫زيد؛ لن نعم الرجل خبر عن زيد‪ .‬وليس بمنزلة قولك‪:‬‬
‫زيد قام الرجل؛ لن نعم الرجل محمود في الرجال؛ كما‬
‫أنك إذا قلت‪ :‬زيد فاره العبد لم يكن الفاره من العبيد إل‬
‫ما كان له‪ ،‬لول ذلك لم يكن فارهٌ خبرا ً له‪.‬‬
‫د‪ ،‬وشرف عمرو فإنما‬
‫و اعلم أنه ما كان مثل كرم زي ٌ‬
‫معناه في المدح معنى ما تعجبت منه نحو‪ :‬ما أشرفه‪،‬‬
‫ونحو ذلك أشرف به‪ .‬وكذلك معنى نعم إذا أردت المدح‪،‬‬
‫ومعنى بئس إذا أردت الذم‪ .‬ومن ذلك قوله عز وجل‪:‬‬
‫"ساء مثل ً القوم"؛ كما تقول‪ :‬نعم رجل ً أخوك‪ ،‬وكرم رجل ً‬
‫عبد الله‪.‬‬
‫و اعلم أنك إذا قلت‪ :‬نعم الرجل رجل ً زيد‪ ،‬فقولك‪ :‬رجل ً‬
‫توكيد‪ :‬لنه مستغنى عنه بذكر الرجل أو ً‬
‫ل‪ .‬وإنما هذا‬
‫بمنزلة قولك‪ :‬عندي من الدراهم عشرون درهمًا‪ .‬إنما‬
‫ذكرت الدرهم توكيدًا‪ ،‬ولو لم تذكره لم تحتج إليه‪ .‬وعلى‬
‫هذا قول الشاعر‪:‬‬
‫فنعم الزاد زاد أبيك‬
‫تزود مثل زاد أبيك‬
‫زادا‬
‫فينـا‬
‫ل‪ ،‬وويحه رج ً‬
‫فأما قولك‪ :‬حسبك به رج ً‬
‫ل‪ ،‬وما أشبهه فإن‬
‫هذا ل يكون إل على مذكور قد تقدم‪ .‬وكذلك‪ :‬كفى به‬
‫فارسًا‪ ،‬وأبرحت فارسًا‪ .‬قال الشاعر‪:‬‬
‫و مرة يرميهم إذا مـا و يطعنهم شزرا ً‬
‫فأبرحت فارسا‬
‫تـبـددوا‬
‫على معنى التعجب‪ :‬فأما قولهم‪ :‬ما رأيت كاليوم رج ً‬
‫ل‪،‬‬
‫ل أراه اليوم رج ً‬
‫ل‪ ،‬أي‪ :‬ما رأيت‬
‫فالمعنى‪ :‬ما رأيت مثل رج ٍ‬
‫مثله في الرجال‪ .‬ولكنه‪ .‬حذف لكثرة استعمالهم له‪ ،‬وأن‬
‫فيه دلي ً‬
‫ل؛ كما قالوا‪ :‬ل عليك؛ أي‪ :‬ل بأس عليك‪ ،‬وكما‬
‫قالوا‪ :‬افعل هذا إما ل‪ ،‬أي‪ :‬إن كنت ل تفعل غيره‪ .‬فما‬
‫زائدة‪ ،‬والتقدير‪ :‬إن ل تفعل غير هذا فافعل هذا‪ .‬وكذلك‬

‫‪223‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫قولهم‪ :‬عندي درهم ليس غير وليس إل‪.‬‬
‫و أما قوله‪:‬‬
‫يا صاحبي دنا المسير ل كالعشية زائرا ً‬
‫ومزورا‬
‫فسيرا‬
‫ل كأنه قال‪ :‬ل أرى كالعشية أي كواحد‬
‫فعلى إضمار فع ٍ‬
‫أراه العشية؛ لن الزائر والمزور ليسا بالعشية فيكون‬
‫بمنزلة‪ :‬ل كزيد رج ً‬
‫ل‪.‬‬
‫هذا باب العدد وتفسير وجوههالعلة فيما وقع منه مختلفا ً‬
‫اعلم أنك إذا ثنيت الواحد لحقته زائدتان‪ :‬الولى منهما‪:‬‬
‫حرف اللين والمد‪ ،‬وهي اللف في الرفع‪ ،‬والياء في الجر‬
‫والنصب‪.‬‬
‫و الزائدة الثانية‪ :‬النون‪ ،‬وحركتها الكسر‪ ،‬وكان حقها أن‬
‫تكون ساكنة ولكنها حركت للتقاء الساكنين‪ ،‬وكسرت‬
‫على حقيقة ما يقع في الساكنين إذا التقيا‪ .‬وذلك قولك‪:‬‬
‫هما المسلمان‪ .‬ورأيت المسلمين‪.‬‬
‫فأما سيبويه فيزعم أن اللف حرف العراب‪ ،‬وكذلك الياء‬
‫في الخفض والنصب‪.‬‬
‫و كان الجرمي يزعم أن اللف حرف العراب؛ كما قال‬
‫سيبويه‪ ،‬وكان يزعم أن انقلبها هو العراب‪.‬‬
‫و كان غيرهما يزعم أن اللف والياء هما العراب‪ .‬فإذا‬
‫قيل له‪ :‬فأين حرف العراب? قال‪ :‬إنما يكون العراب‬
‫في الحرف إذا كان حركة‪ .‬فأما إذا كان حرفا ً قام بنفسه‪.‬‬
‫و القول الذي نختاره‪ ،‬ونزعم أنه ل يجوز غيره قول أبي‬
‫الحسن الخفش؛ وذلك أنه يزعم أن اللف إن كانت حرف‬
‫إعراب فينبغي أن يكون فيها إعراب هو غيرها؛ كما كان‬
‫في الدال من زيد‪ ،‬ونحوها‪ ،‬ولكنها دليل على العراب؛‬
‫لنه ل يكون حرف إعراب ول إعراب فيه‪ ،‬ول يكون‬
‫إعراب إل في حرف‪.‬‬
‫و يقال لبي عمر‪ :‬إذا زعمت أن اللف حرف إعراب‪ ،‬وأن‬
‫انقلبها هو العراب فقد لزمك في ذلك شيئان‪ :‬أحدهما‪:‬‬
‫أنك تزعم أن العراب معنى‪ ،‬وليس بلفظ‪ ،‬فهذا خلف ما‬
‫أعطيته في الواحد‪.‬‬

‫‪224‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫و الشيء الخر‪ :‬أنك تعلم أن أول أحوال السم الرفع‪.‬‬
‫فأول ما وقعت التثنية وقعت واللف فيها‪ ،‬فقد وجب أل‬
‫يكون فيها في موضع الرفع إعراب؛ لنه ل انقلب معها‪.‬‬
‫قولنا‪ :‬دليل على العراب‪ ،‬إنما هو أنك تعلم أن الموضع‬
‫موضع رفع إذا رأيت اللف‪ ،‬وموضع خفض ونصب إذا‬
‫رأيت الياء‪ ،‬وكذلك الجمع بالواو والنون إذا قلت‪:‬‬
‫مسلمون‪ ،‬ومسلمين‪ .‬وكذلك ما كان المفهم لموضعه‬
‫حرفا ً نحو قولك‪ :‬أخوك وأخاك وأخيك‪ ،‬وأبوك وأباك وأبيك‪،‬‬
‫وذو مال وذا مال‪ ،‬وذي مال‪ ،‬وجميع هذه التي يسميها‬
‫ة من مكانين‪ .‬ل يصلح في القياس إل ما‬
‫الكوفيون معرب ً‬
‫ذكرنا‪.‬‬
‫و الزائدة الثانية النون إنما هي بدل مما كان في الواحد‬
‫من الحركة والتنوين وقد مضى القول في هذا‪.‬‬
‫و اعلم أنك إذا ذكرت الواحد فقلت‪ :‬رجل أو فرس أو نحو‬
‫ذلك‪ ،‬فقد اجتمع لك فيه معرفة العدد ومعرفة النوع‪.‬‬
‫إذا ثنيت فقلت‪ :‬رجلن أو فرسان‪ ،‬فقد جمعت العدد‬
‫والنوع‪ .‬وإذا قلت‪ :‬ثلثة أفراس لم يجتمع لك في ثلثة‬
‫العدد والنوع‪ ،‬ولكنك ذكرت العدة ثم أضفتها إلى ما تريد‬
‫من النواع‪.‬‬
‫ل‪ ،‬واثنا رجال‪.‬‬
‫و كان قياس هذا أن تقول‪ :‬واحد رجا ٍ‬
‫ولكنك أمكنك أن تذكر الرجل باسمه فيجتمع لك فيه‬
‫المران‪ .‬ولما كانت التثنية التي هي لضرب واحد من‬
‫العدد أمكنك ذلك من لفظ الواحد فقلت‪ :‬رجلن‪،‬‬
‫وغلمان‪ ،‬ولم يحسن ذلك في الجمع‪ ،‬لنه غير مخطور‪،‬‬
‫ول موقوف على عدة‪ ،‬ول يفصل بعضه من بعض‪.‬‬
‫و لو أراد مريد في التثنية ما يريده في الجمع لجاز ذلك‬
‫في الشعر؛ لنه كان الصل‪ ،‬لن التثنية جمع‪ .‬وإنما معنى‬
‫قولك‪ :‬جمع‪ :‬أنه ضم شيٍء إلى شيٍء‪ .‬فمن ذلك قول‬
‫الشاعر‪:‬‬
‫ظرف جراب فيه ثنتا‬
‫كأن خصييه من‬
‫حنظل‬
‫الـتـدلـدل‬

‫‪225‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫فإذا جمعت الواحد فكان مذكرا ً ذكرت العدة‪ ،‬ثم أضفتها‬
‫ة لما أردت من‬
‫إلى الجمع؛ لتخبر أن هذه العدة مقتطع ٌ‬
‫الجنس الذي ذكرت‪.‬‬
‫فإن كان المذكر من ذوات الثلثة كانت له أبنية تدل على‬
‫ل؛ نحو‪ :‬أكلب‪،‬‬
‫أقل العدد‪ .‬فمن ذلك ما كان على أفع ٍ‬
‫وأفرخ‪ ،‬وأكبش‪ .‬وما كان على أفعال؛ نحو‪ :‬أجمال‪،‬‬
‫وأقتاب‪ ،‬وأمثال‪ .‬وما كان على أفعلة نحو‪ :‬أحمرة‪،‬‬
‫وأقفزة‪ ،‬وأجربة‪ .‬وما كان على فعلة نحو‪ :‬صبية‪ ،‬وغلمة‪،‬‬
‫وفتية‪.‬‬
‫و ما كان من المذكر مجموعا ً بالواو والنون‪ ،‬نحو‪:‬‬
‫مسلمون وصالحون‪ ،‬فهو أدنى العدد؛ لنه على منهاج‬
‫التثنية‪.‬‬
‫و نظير ذلك من المؤنث ما كان باللف والتاء؛ نحو‪:‬‬
‫مسلمات‪ ،‬وصالحات‪ ،‬وكريمات‪.‬‬
‫و ما كان بعد ما وصفنا فهو لكثر العدد‪ ،‬وسنفسر هذا‬
‫أجمع حتى يعلم على حقيقته إن شاء الله‪.‬‬
‫اعلم أنك إذا صغرت بناًء من العدد يقع في ذلك البناء‬
‫أدنى العدد فإنك ترده إلى أدنى العدد فتصغره‪ .‬وذلك أنك‬
‫إذا صغرت كلبا ً فقلت‪ :‬أكيلب؛ لنك إنما تخبر أن العدد‬
‫قليل‪ .‬فإنما ترده إلى ما هو للقليل‪.‬‬
‫فلو صغرت ما هو للعدد الكثر كنت قد أخبرت أنه قليل‬
‫كثيٌر في حال‪ .‬وهذا هو المحال ونذكر هذا في باب‬
‫التصغير‪ ،‬ولكنا ذكرنا منه هاهنا شيئا ً لما يجري في الباب‪.‬‬
‫فإذا أردت أن تجمع المذكر ألحقته اسما ً من العدة فيه‬
‫علمة التأنيث‪ .‬وذلك نحو‪ :‬ثلثة أثواب‪ ،‬وأربعة رجال‪.‬‬
‫فدخلت هذه الهاء على غير ما دخلت عليه في ضاربة‬
‫وقائمة‪ ،‬ولكن كدخولها في علمة‪ ،‬ونسابة‪ ،‬ورجل ربعة‪،‬‬
‫وغلم يفعة‪.‬‬
‫فإذا أوقعت العدة على مؤنث أوقعته بغير هاٍء فقلت‪:‬‬
‫ثلث نسوة‪ ،‬وأربع جوار‪ ،‬وخمس بغلت‪ .‬وكانت هذه‬
‫السماء مؤنثة بالبنية‪ ،‬كتأنيث عقرب‪ ،‬وعناق‪ ،‬وشمس‪،‬‬
‫وقدر‪.‬‬

‫‪226‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫و إن سميت رجل ً ب ثلث التي تقع على عدة المؤنث لم‬
‫تصرفه؛ لنه اسم مؤنث بمنزلة عناق‪.‬‬
‫و إن سميته ب ثلث من قولك‪ :‬ثلثة التي تقع على‬
‫المذكر صرفته‪.‬‬
‫فكذلك يجري العدد في المؤنث والمذكر بين الثلثة إلى‬
‫العشرة في المذكر‪ .‬وفيما بين الثلث إلى العشر في‬
‫المؤنث‪ .‬قال الله عز وجل‪" :‬سخرها عليهم سبع ليال‬
‫وثمانية أيام" وقال‪" :‬في أربعة أيام ٍ سواًء للسائلين"‬
‫وقال‪" :‬على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا ً‬
‫ٍ‬
‫فمن عندك"؛ لن الواحدة حجة‪ .‬وقال‪" :‬فصيام ثلثة أيام ٍ‬
‫ة"‪.‬‬
‫في الحج وسبعةٍ إذا رجعتم تلك عشرةٌ كامل ٌ‬
‫فإذا كان في الشيء ما يقع لدنى العدد أضفت هذه‬
‫ة‪ ،‬وثلثة‬
‫السماء إليه فقلت‪ :‬ثلثة أغلمة‪ ،‬وأربعة أحمر ٍ‬
‫س‪ ،‬وخمسة أعداٍد‪.‬‬
‫أفل ٍ‬
‫ب جاز ذلك‪ .‬على أنك‬
‫ر‪ ،‬وخمسة كل ٍ‬
‫فإن قلت‪ :‬ثلثة حمي ٍ‬
‫أردت‪ :‬ثلثة من الكلب‪ ،‬وخمسة من الحمير؛ كما قال الله‬
‫عز وجل‪" :‬يتربصن بأنفسهن ثلثة قروٍء"‪.‬‬
‫و قال الشاعر‪:‬‬
‫ن قانىء‬
‫ي على‬
‫خمس بنا ٍ‬
‫قد جعلت م ّ‬
‫الظفار‬
‫الظرار‬
‫يريد‪ :‬خمسا ً من البنان‪.‬‬
‫و اعلم أنه ما لم يكن فيه أدنى العدد فالعدد الذي يكون‬
‫للكثير جارٍ عليه ما يكون للقليل؛ كما أنه إذا كان مجموعا ً‬
‫على بعض أبنية العدد ولم يكن له جمع غيره دخل معه‬
‫ل وأرج ٌ‬
‫الكثير؛ وذلك نحو قولك‪ :‬يد وأيد‪ ،‬ورج ٌ‬
‫ل‪ .‬فهذا من‬
‫أبنية أدنى العدد ولم يكن له جمع غيره فالكثير من العدد‬
‫يلقب أيضا ً بهذا‪ .‬وكذلك ثلثة أرسان‪ .‬وتقول ذلك للكثير؛‬
‫لنه ل جمع له إل ذلك‪.‬‬
‫و أما ما يقع للكثير ول يجمع على أدنى العدد فنحو قولك‪:‬‬
‫شسوع ٌ فتقول‪ :‬ثلثة شسوٍع‪ ،‬فيشترك فيه القل والكثر‪.‬‬
‫فإذا جاوزت ذوات الثلثة استوى البناءان‪ .‬وذلك قولك‪:‬‬
‫عندي ثلثة دراهم‪ ،‬ورأيت ثلثة مساجد‪.‬‬

‫‪227‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫فإن حقرت الدراهم قلت‪ :‬دريهمات‪ .‬ترده في التحقير‬
‫إلى بناٍء يكون لدنى العدد وجمعت باللف والتاء؛ لن كل‬
‫جماعة من غير الدميين ترجع إلى التأنيث‪ .‬وهذا يبين لك‬
‫في باب الجمع إن شاء الله‪.‬‬
‫و تقول‪ :‬عندي ثلثة محمدين وخمسة جعفرين؛ لن هذا‬
‫مما يجمع بالواو والنون‪ .‬فإن قلت‪ :‬محامد وجعافر‪ ،‬على‬
‫أنك أردت ثلثة من الجعافر وثلثة من المحامد‪ ،‬كان جيدا ً‬
‫على ما فسرت لك‪.‬‬
‫فإذا خرجت عن العقد الول ضممت إليه اسما ً مما كان‬
‫في أصل العدد إلى أن تتسعه‪ .‬وذلك قولك‪ :‬عندي أحد‬
‫ل‪ ،‬وخمسة عشر رج ً‬
‫عشر رج ً‬
‫ل‪ .‬بنيت أحد مع عشر‪،‬‬
‫وغيرت اللفظ للبناء‪ ،‬وذلك أنك جعلتهما اسما ً واحدًا‪.‬‬
‫ة‪ ،‬فلما كان‬
‫ة وعشر ً‬
‫وكان الصل أحدا ً وعشرة‪ ،‬وخمس ً‬
‫أصل العدد أن يكون اسما ً واحدا ً يدل على جميع؛ نحو‪:‬‬
‫ثلثة‪ ،‬وأربعة‪ ،‬وخمسة بنوا هذين السمين فجعلوهما اسما ً‬
‫واحدًا‪ ،‬وألزموهما الفتح؛ لنه أخف الحركات؛ كما قالوا‪:‬‬
‫هو جاري بيت بيت‪ ،‬ولقيته كفة كفة يا فتى‪ ،‬والقوم فيها‬
‫شغر بغر‪.‬‬
‫فإن قال قائل‪ :‬فهل أعربوه؛ كما قالوا‪ :‬حضرموت‪،‬‬
‫وبعلبك‪ ،‬وما أشبههما? قيل إن حضرموت بنوا السمين‬
‫فجعل اسما ً واحدًا‪ ،‬كما فعلوا بما فيه هاء التأنيث‪ ،‬وجعلوا‬
‫ذلك علمًا‪ ،‬ولم يكن له حد ّ صرف عنه‪ ،‬والعدد الذي ذكرت‬
‫كان له حد صرف عنه كما ذكرت لك فلما عدل عن وجهه‬
‫عدل عن العراب‪.‬‬
‫و أما اثنا عشر فليست هذه سبيله؛ لنه مما فيه دليل‬
‫العراب تقول‪ :‬جاءني اثنا عشر‪ ،‬ورأيت اثني عشر‪ .‬فلما‬
‫كان إعرابه كإعراب رجلين ومسلمين لم يجز أن يجعل‬
‫مع غيره اسما ً واحدًا‪ .‬ول تجد ذلك في بناء حضرموت‪ ،‬ول‬
‫في شيٍء مما ذكرت لك من‪ :‬لقيته كفة كفة ونحوه‬
‫ولكنهم جعلوا عشرة بمنزلة النون من اثنين‪ ،‬إل أن لها‬
‫المعنى الذي أبانت عنه من العدد‪.‬‬
‫و لو سميت رجل ً اثني عشر ثم رخمته لقلت‪ :‬يا اثن أقبل‪،‬‬

‫‪228‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫تحذف اللف مع عشر؛ كما كنت فاعل ً بالنون لو كانت‬
‫مكان عشر‪.‬‬
‫فأما تغييرهم عشر عن قولك‪ :‬عشرة؛ فإنما ذلك لصرفها‬
‫عن وجهها‪ ،‬ولكنك أثبت الهاءات للمذكر؛ كما كنت مثبتها‬
‫في ثلثة وأربعة‪ ،‬فتقول‪ :‬ثلثة عشر رج ً‬
‫ل‪ ،‬وأربعة عشر‬
‫رج ً‬
‫ل‪ ،‬وخمسة عشر إنسانًا‪ ،‬ولم تثبت في عشر هاًء وهي‬
‫للمذكر؛ لنك قد أثبت الهاء في السم الول‪ ،‬وهما اسم‬
‫واحد‪ ،‬فل تدخل تأنيثا ً على تأنيث؛ كما ل تقول‪ :‬حمراءة ول‬
‫صفراءة‪.‬‬
‫فأما السم المنصوب الذي يبين به العدد فنحن ذاكروه‬
‫في موضعه مشروحا ً إن شاء الله‪.‬‬
‫فإذا أردت المؤنث أثبت الهاء في آخر السم؛ لن عشرا ً‬
‫مذكر في هذا الموضع‪ ،‬فأنثته لما قصدت إلى مؤنث‬
‫ة؛ لنك‬
‫ة‪ ،‬وخمس عشرة جاري ً‬
‫فقلت‪ :‬ثلث عشرة امرأ ً‬
‫بنيته بناًء على حدة؛ كما فعلت ذلك بالمذكر فسلمت‬
‫السماء الولى؛ كما سلمت أسماء المذكر وأثبت الهاء‬
‫في آخره‪ ،‬وبنيت العشرة على غير بنائها في قولك‪ :‬عشر‬
‫نسوة فقلت‪ :‬إحدى عشرة‪ ،‬واثنتا عشرة‪ ،‬وإن شئت قلت‪:‬‬
‫عشرة على غير منهاج عشرة‪ ،‬ولكنك أسكنت الشين؛ كما‬
‫تسكن فخذا ً فتقول‪ :‬فخذ‪ .‬وعلم فتقول‪ :‬علم‪.‬‬
‫و تنصب السم الذي تبين به العدد كما فعلت ذلك في‬
‫المذكر‪.‬‬
‫فإن قال قائل‪ :‬فما بالك قلت؛ إحدى عشرة‪ .‬وإحدى‬
‫مؤنثة وعشرة فيها هاء التأنيث وكذلك اثنتا عشرة‪.‬‬
‫فالجواب في ذلك أن تأنيث إحدى باللف‪ ،‬وليس بالتأنيث‬
‫الذي على جهة التذكير‪ ،‬نحو‪ :‬قائم وقائمة‪ ،‬وجميل‬
‫وجميلة‪ .‬فهما اسمان كانا بائنين‪ ،‬فوصل‪ ،‬ولكل واحد‬
‫منهما لفظ من التأنيث سوى لفظ الخر‪ ،‬ولو كان على‬
‫لفظه لم يجز‪ .‬فأما اثنان واثنتان‪ ،‬فإنما أنث اثنان على‬
‫اثنتين ولكنه تأنيث ل يفرد له واحد‪ .‬فالتاء فيه ثابتة‪ ،‬وإن‬
‫كان أصلها أن تكون مما وقفه بالهاء‪.‬‬

‫‪229‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫أل ترى أنهم قالوا‪ :‬مذروان؛ لنه ل يفرد له واحد‪ ،‬ولو كان‬
‫مما ينفرد له واحد لم يكن إل مذربان‪ .‬وكقوله‪ :‬عقلته‬
‫بثنايين ولو كان ينفرد منه الواحد لم يكن إل بثنائين‪.‬‬
‫فأما نصب السم الذي بعد خمسة عشر‪ ،‬وأحد عشر‪،‬‬
‫وبعد إحدى عشرة إلى تسع عشرة؛ فلنه عدد فيه نية‬
‫التنوين ولكنه ل ينصرف؛ كما تقول‪ :‬هؤلء ضوارب زيدا ً‬
‫غدًا‪ .‬إذا أردت التنوين ولم يجز أن يكون هذا مضافًا؛ لن‬
‫الضافة إنما تكون لما وقع فيه أقل العدد‪ ،‬وذلك ما بين‬
‫الثلثة إلى العشرة‪ .‬فإذا خرجت عن ذلك خرجت إلى ما‬
‫تحتاج إلى تبيين نوعه‪ .‬فإن كان منونا ً انتصب ما بعده من‬
‫ذكر النوع‪ ،‬وإن كان غير منون أضيف إلى الواحد المفرد‬
‫الذي يدل على النوع‪.‬‬
‫فإن قال قائل‪ :‬فهل كان هذا مما تجري عليه الضافة؛ كما‬
‫تقول‪ :‬مائة درهم‪ ،‬وألف درهم? قيل له‪ :‬لما كان هذا‬
‫اسمين ضم أحدهما إلى الخر‪ ،‬ولم يكن في السماء التي‬
‫هي من اسمين ضم أحدهما إلى الخر إضافة كان هذا‬
‫لحتياجه إلى النوع بمنزلة ما قد لفظ بتنوينه‪.‬‬
‫د‪ .‬إذا‬
‫فإن قال قائل‪ :‬فأنت قد تقول‪ :‬هذا حضرموت زي ٍ‬
‫سميت رجل ً حضرموت‪ ،‬ثم أضفته؛ كما تقول‪ :‬هذا زيد‬
‫عمرو‪.‬‬
‫ة‪ .‬وإنما يكون إذا نكرته‪ ،‬ثم‬
‫قيل‪ :‬إن إضافته ليست له لزم ً‬
‫عرفته بما تضيفه إليه‪.‬‬
‫م له التفسير‪ ،‬فكانت تكون‬
‫و خمسة عشر عدد مبهم لز ٌ‬
‫ة‪ ،‬فيكون كأن أصله ثلثة أسماء قد جعلت‬
‫الضافة لزم ً‬
‫اسما ً واحدًا؛ ومثل هذا ل يوجد‪.‬‬
‫فإن قال‪ :‬فهل جعل ما تبين به النوع جمعًا‪ ،‬فتقول‪ :‬خمسة‬
‫عشر رجا ً‬
‫ل‪ ،‬كما تقول‪ :‬زيد ٌ أفره الناس عبدًا‪ ،‬وأفره‬
‫الناس عبيدًا‪.‬‬
‫قيل‪ :‬الفصل بينهما أنك إذا قلت‪ :‬زيد أفره الناس عبدا ً‬
‫جاز أن تكون تعني عبدا ً واحدًا‪ ،‬وأن تكون تعني جماعة‪.‬‬
‫فإذا قلت‪ :‬عبيدا ً بينت الجماعة‪ ،‬وأنت إذا قلت‪ :‬خمسة‬
‫عشر ونحوه فقد بينت العدد فلم تحتج إلى النوع فجئت‬

‫‪230‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫بواحد منكور يدل على جنسه؛ لنك قد استغنيت عن ذكر‬
‫الجماعة‪.‬‬
‫فإذا ثنيت أدنى العقود اشتققت له من اسمه ما فيه دليل‬
‫على أنك قد خرجت عنه إلى تضعيفه والدليل على ذلك‬
‫ما يلحقه من الزيادة‪ ،‬وهي الواو والنون في الرفع‪ ،‬والياء‬
‫والنون في الخفض والنصب‪ ،‬ويجري مجرى مسلمين‪.‬‬
‫وذلك قولك‪ :‬عندي عشرون رج ً‬
‫ة‪،‬‬
‫ل‪ ،‬وعشرون جاري ً‬
‫فيستوي فيه المذكر والمؤنث؛ لنه مشتقٌ مبهم وليس‬
‫من العدد الذي هو أص ٌ‬
‫ل‪ .‬والصل ما بين الواحد إلى‬
‫العشرة‪ .‬فكل عدد فمن هذا مشتقٌ في لفظ أو معنى‪.‬‬
‫فأما قولهم عشرون ولم يفتحوا لعشر العين‪ ،‬فقد قيل‬
‫فيه أقاويل‪.‬‬
‫قال قوم‪ :‬إنما كسرت؛ ليدلوا على الكسرة التي في أول‬
‫اثنين؛ لنها تثنية عشرة وليست بجمع‪ ،‬وليس هذا القول‬
‫بشيٍء‪.‬‬
‫و لكن نقول في هذا‪ :‬إنه اسم قد صرف على وجوه‪:‬‬
‫فمنها أنك تقول في المذكر‪ :‬عشرة وللمؤنث‪ :‬عشر‬
‫بالسكان وليس على منهاج التذكير‪ ،‬ولو كان على منهاجه‬
‫لكان حذف الهاء لزما ً للمذكر وإثباتها لزما ً للمؤنث‬
‫كسائر السماء؛ نحو‪ :‬ظريف وظريفة‪ ،‬ومتكلم ومتكلمة‪،‬‬
‫وعلى هذا قالوا‪ :‬خمسة عشر فغيروه‪ ،‬وقالوا‪ :‬خمس‬
‫عشرة فبنوه على خلف بناء التذكير‪ .‬فلما كان هذا السم‬
‫مغيرًا‪ .‬في جميع حالته‪ ،‬ولم يكن في العشرين على‬
‫منهاج سائر العقود غيره كان دليل ً على مجيئه على غير‬
‫وجهه؛ أل ترى أنهم لما جمعوا منقوص المؤنث بالواو‬
‫والنون غيروا أوائله؛ ليكون التغيير دليل ً على خروجه من‬
‫بابه‪ .‬وذلك قولك‪ :‬سنة‪ .‬ثم تقول‪ :‬سنون‪ ،‬فتكسر السين‪،‬‬
‫وكذلك قلة وقلون‪.‬‬
‫و أما قولنا‪ :‬إنه على خلف العقود‪ ،‬فإنما هو لنك‬
‫اشتققت للثلثين من الثلثة؛ لنها ثلثة عقود‪ ،‬وكذلك‬
‫فعلت بالربعين والخمسين وما بعده إلى التسعين‪ ،‬فكان‬
‫الواجب إذ اشتققت للثلثين من الثلثة أن تنشق للعشرين‬

‫‪231‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫من الثنين‪.‬‬
‫فإن قال قائل‪ :‬فهل فعلوا ذلك? فالجواب‪ :‬أن الثنين مما‬
‫إعرابه في وسطه‪ ،‬فلو فعل به ما فعل بالثلثة حيث‬
‫صيرت إلى الثلثين لبطل معناه‪ ،‬وصير إلى الفراد ولم‬
‫يقع مفردا ً قط فالمتناع منه كالضرورة‪.‬‬
‫فإذا زدت على العشرين واحدا ً فما فوق إلى العقد الثاني‬
‫أو واحدة فما فوقها قلت في المذكر‪ :‬أحد ٌ وعشرون رج ً‬
‫ل‪،‬‬
‫ل‪ ،‬وواحد ٌ وعشرون؛ كما كنت قائل ً‬
‫واثنان وعشرون رج ً‬
‫قبل أن تصله بالعشرين‪.‬‬
‫فإن قال قائل‪ :‬فهل بني الحد مع العشرين وما بعد الحد‬
‫من العداد؛ كما فعل ذلك بخمسة عشر ونحوه فيجعلن‬
‫اسما ً واحدًا‪ ،‬كما كان ذلك في كل عدد قبله‪.‬‬
‫قيل له‪ :‬لم يكن لهذا نظيٌر فيما فرط من السماء‬
‫كحضرموت وبعلبك‪ ،‬ل تجد اسمين جعل اسما ً واحدا ً مما‬
‫أحدهما إعرابه كإعراب مسلمين وقد تقدم قولنا في هذا‬
‫حيث ذكرنا اثني عشر‪.‬‬
‫فإذا صرت إلى العقد الذي بعد العشرين كان حاله فيما‬
‫يجمع معه من العدد كحال عشرين وكذلك إعرابه‪ ،‬إل أن‬
‫اشتقاقه من الثلثة؛ لن التثليث أدنى العقود‪ .‬وكذلك لما‬
‫بعده إلى التسعين‪.‬‬
‫إذا صرت إلى العقد الذي بعدها كان له اسم خارج من‬
‫هذه السماء‪ ،‬لن محله محل الثلثين مما قبلها‪ ،‬والربعين‬
‫م لئل‬
‫مما قبلها‪ ،‬ونحو ذلك‪ .‬ولم يشتق له من العشرة اس ٌ‬
‫يلتبس بالعشرين‪ ،‬ولن العقد حقه أن يكون فيما فرط‬
‫ة‬
‫من العداد خارجا ً من اسم قبله‪ ،‬وأضفته لما بعده معرف ً‬
‫ة؛ كما كنت فاعل ً ذلك بالعقد الول‪ .‬وذلك‬
‫كان أو نكر ً‬
‫قولك‪ :‬مائة درهم ومائة الدرهم التي قد عرفت‪.‬‬
‫و لم يجز أن تقول‪ :‬عشرون الدرهم‪ ،‬لن درهما ً بعد‬
‫عشرين تمييز منفصل من العشرين‪ ،‬والمائة مضافة‪،‬‬
‫ة بما يضاف إليه‪.‬‬
‫والمضاف يكون معرف ً‬
‫فإذا أردت تعريف عشرين وما كان مثلها قلت‪ :‬العشرون‬
‫رج ً‬
‫ة؛ كما تقول‪ :‬الضاربون زيدًا؛ لن ما‬
‫ل‪ ،‬والثلثون جاري ً‬

‫‪232‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫بعد التنوين منفصل مما قبله‪.‬‬
‫و المائة اسم ليس التنوين له لزمًا؛ لن حال التنوين‬
‫ليست حال النون‪ ،‬لنك تقف على النون ول تقف على‬
‫التنوين؛ ولن النون تثبت مع اللف واللم ول يثبت التنوين‬
‫م‬
‫معهما‪ .‬تقول‪ :‬المسلمون والصالحون‪ ،‬ول تقول‪ :‬المسل ٌ‬
‫ح‪ ،‬فتقف على التنوين‪ .‬فكانت مائة في بابها كثلثة‬
‫والصال ٌ‬
‫في بابها‪ .‬إل أن الذي تضاف إليه مائة واحد ٌ في معنى‬
‫جمع‪ ،‬والذي يضاف إليه ثلثة وما أشبهها جمع‪ .‬تقول‪ :‬ثلثة‬
‫م‪ ،‬والفصل بينهما ما يقع في الثلثة إلى‬
‫دراهم‪ ،‬ومائة دره ٍ‬
‫العشرة من أدنى العدد‪ ،‬وأن المائة كالعشرين ونحوها‬
‫وإن كانت مضافة‪ .‬وكذلك صار لفظها للمذكر والمؤنث‬
‫ة‪ ،‬كما كان‬
‫على هيئة واحدة‪ .‬تقول‪ :‬مائة درهم ٍ ومائة جاري ٍ‬
‫ذلك في العشرين ونحوها‪ ،‬ولم يكن هذا في خمسة عشر‪،‬‬
‫وخمس عشرة؛ لنهما مجموعان مما كان واقعا ً لدنى‬
‫العدد‪.‬‬
‫فإن اضطر شاعر فنون‪ ،‬ونصب ما بعده لم يجز أن يقع إل‬
‫ة أثوابًا‪ .‬فمن‬
‫نكرة‪ ،‬لنه تمييز‪ ،‬كما أنه إذا اضطر قال‪ :‬ثلث ٌ‬
‫ذلك قول الشاعر‪:‬‬
‫إذا عاش الفتى مائتين فقد ذهب اللذاذة‬
‫عاما ً‬
‫والفتـاء‬
‫فإنما حسن هذا في المائتين وإن كان تثنية المائة؛ لنه‬
‫مما يلزمها النون‪ .‬فقد رجع في اللفظ إلى حال العشرين‬
‫وما أشبهها‪ .‬ولكن المعنى يوجب فيه الضافة‪.‬‬
‫فأما قولهم‪ :‬ثلثمائة وأربعمائة‪ ،‬واختيارهم إياه على‬
‫س على ما مضى؛ لن‬
‫مائتين ومئات فإنما ذلك قيا ٌ‬
‫ع‪ .‬فقياس هذا‬
‫الماضي من العدد هو الصل‪ ،‬وما بعده فر ٌ‬
‫قياس قولك‪ :‬عشرون درهمًا‪ ،‬وأحد وعشرون درهما ً إلى‬
‫قولك‪ :‬تسعة وعشرون درهمًا‪ .‬فالدرهم مفرد‪ ،‬لنك إذا‬
‫قلت‪ :‬ثلثون وما بعدها إلى تسعين ثم جاوزته صرت إلى‬
‫عقد ليس لفظه من لفظ ما قبله‪ .‬فكذلك تقول‪ :‬ثلثمائة‬
‫وأربعمائة؛ لنك إذا جاوزت تسعمائة صرت إلى عقد‬
‫يخالف لفظه لفظ ما قبله‪ ،‬وهو قولك‪ :‬ألف‪ ،‬ثم تقول‪:‬‬

‫‪233‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ثلثة آلف؛ لن العدد الذي بعده غير خارج منه‪.‬‬
‫تقول‪ :‬عشرة آلف؛ كما تقول‪ :‬عشرة أثواب‪ ،‬وأحد عشر‬
‫ألفًا؛ كما تقول‪ :‬أحد عشر ثوبا ً إلى العقد الخر‪ .‬فلو كنت‬
‫تقول‪ :‬عشر مئين‪ ،‬وإحدى عشر مائة لوجب جمعها في‬
‫التثليث وما بعده‪.‬‬
‫و إنما جاز أن تقول‪ :‬ثلث مئين وثلث مئات من أجل أنه‬
‫مضاف؛ فشبهته من جهة الضافة ل غير بقولهم‪ :‬ثلثة‬
‫ب وثلث جواٍر‪ .‬قال الشاعر‪:‬‬
‫أثوا ٍ‬
‫ردائي وجلت عن‬
‫ن للملوك‬
‫ثلث مئي ٍ‬
‫وجوه الهاتم‬
‫وفى بـهـا‬
‫و قال الخر‪:‬‬
‫و ها أنذا أرتجي مر‬
‫ثلث مئين قد مررن‬
‫أربع‬
‫كوامل‬
‫فأما قولك‪ :‬مائة درهم‪ ،‬ومائة جارية‪ ،‬وألف غلم‪ ،‬وألف‬
‫جارية فل يكون فيه غل هذا؛ لنه ليس بمنزلة ثلثة وما‬
‫بعدها إلى عشرة ول ثلث عشر؛ لن الثلث والثلثة على‬
‫مئين وقع‪ ،‬أو على ألوف‪ ،‬أو غير ذلك‪ .‬ففيهن أقل العدد‬
‫مما وقعن عليه‪.‬‬
‫و مجاز مائة وألف في أنه ل يكون لدنى العدد مجاز أحد‬
‫عشر درهما ً فما فوق‪.‬‬
‫فأما قوله عز وجل‪" :‬و لبثوا في كهفهم ثلث مائةٍ سنين"‬
‫فإنه على البدل لنه لما قال‪ :‬ثلثمائة ثم ذكر السنين‬
‫ليعلم ما ذلك العدد? و لو قال قائل‪ :‬أقاموا سنين يا فتى‪،‬‬
‫ثم قال‪ :‬مئين أو ثلثمائة لكان على البدل‪ ،‬ليبين‪ :‬كم‬
‫مقدار تلك السنين?‬
‫قد قرأ بعض القراء بالضافة فقال‪ :‬ثلث مائة سنين وهذا‬
‫خطأ في الكلم غير جائز‪ .‬وإنما يجوز مثله في الشعر‬
‫للضرورة‪ ،‬وجوازه في الشعر أنا نحمله على المعنى؛ لنه‬
‫في المعنى جماعة وقد جاز في الشعر أن تفرد وأنت تريد‬
‫الجماعة إذا كان في الكلم دليل على الجمع فمن ذلك‬
‫قوله‪:‬‬
‫ن‬
‫كلوا في نصف بطنكم فإن زمانكم زم ٌ‬

‫‪234‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫خمـيص‬

‫تعيشوا‬
‫و قال آخر‪:‬‬
‫م وقد‬
‫إن تقتلوا اليوم فقد‬
‫في حلقكم عظ ٌ‬
‫شجينا‬
‫سبـينـا‬
‫و ينشد‪ :‬شربنا‪.‬‬
‫و قال علقمة بن عبدة‪:‬‬
‫ض وأما جلدها‬
‫بها جيف الحسرى‬
‫فبي ٌ‬
‫فصـلـيب‬
‫فأما عظامها‬
‫و أما قوله عز وجل‪" :‬ختم الله على قلوبهم وعلى‬
‫سمعهم وعلى أبصارهم" فليس من هذا؛ لن السمع‬
‫مصدر‪ ،‬والمصدر يقع للواحد والجمع‪.‬‬
‫و كذلك قول الشاعر‪ ،‬وهو جرير‪:‬‬
‫قتلننا ثم لـم يحـيين‬
‫إن العيون التي في‬
‫قـتـلنـا‬
‫ض‬
‫طرفها مر ٌ‬
‫لن الطرف مصدر‪ .‬وأما قول الله عز وجل‪" :‬ثم يخرجكم‬
‫طف ً‬
‫ل" وقوله‪" :‬فإن طبن لكم عن شيٍء منه نفسًا" فإنه‬
‫أفرد هذا‪ ،‬لن مخرجهما مخرج التمييز؛ كما تقول‪ :‬زيد‬
‫أحسن الناس ثوبًا‪ ،‬وأفره الناس مركبًا‪ .‬وإنه ليحسن ثوبًا‪،‬‬
‫ة وعبدًا‪ .‬وقد قالوا في قول العباس بن مرداس‬
‫ويكثر أم ً‬
‫قولين وهو‪:‬‬
‫فقد برئت من الحن‬
‫فقلنا‪ :‬أسلموا إنـا‬
‫الصدور‬
‫أخـوكـم‬
‫فقال بعضهم‪ :‬أراد‪ :‬إنا إخوتكم‪ ،‬فوضع الواحد موضع‬
‫الجميع‪ ،‬كما قال‪ :‬في حلقكم أي في حلوقكم‪.‬‬
‫و قال آخرون‪ :‬لفظه لفظ الجمع من قولك‪ :‬أخ وأخون‪ ،‬ثم‬
‫تحذف النون وأضاف؛ كما تقول‪ :‬مسلموكم وصالحوكم‪.‬‬
‫وتقول على ذلك‪ :‬أب وأبون‪ ،‬وأخ وأخون؛ كما قال‬
‫الشاعر‪:‬‬
‫بكين وفديننا بالبينا‬
‫فلما تبين أصواتنـا‬
‫و قال الخر‪:‬‬
‫و كنت له كشر بني‬
‫وكان لنا فزارة عم‬

‫‪235‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫سـوٍء‬

‫الخينا‬

‫هذا باب إضافة العدد واختلف النحويين فيه‬
‫اعلم أن قوما ً يقولون‪ :‬أخذت الثلثة الدراهم يا فتى‪،‬‬
‫وأخذت الخمسة عشر الدرهم‪ .‬وبعضهم يقول‪ :‬أخذت‬
‫الخمسة العشر الدرهم‪ ،‬وأخذت العشرين الدرهم التي‬
‫تعرف‪ .‬وهذا كله خطأ فاحش‪.‬‬
‫و علة من يقول هذا العتلل بالرواية‪ ،‬ل أنه يصيب له في‬
‫قياس العربية نظيرًا‪.‬‬
‫و مما يبطل هذا القول أن الرواية عن العرب الفصحاء‬
‫م بعد أنه ل يضاف ما‬
‫خلفه‪ .‬فرواي ٌ‬
‫ة برواية‪ .‬والقياس حاك ٌ‬
‫فيه اللف واللم من غير السماء المشتقة من الفعال‪ .‬ل‬
‫ف‬
‫د؛ لن الغلم معر ٌ‬
‫يجوز أن تقول‪ :‬جاءني الغلم زي ٍ‬
‫بالضافة‪ .‬وكذلك ل تقول‪ :‬هذه الدار عبد الله‪ ،‬ول أخذت‬
‫د‪.‬‬
‫الثوب زي ٍ‬
‫و قد اجتمع النحويون على أن هذا ل يجوز‪ ،‬وإجماعهم‬
‫ة على من خالفه منهم‪ .‬فعلى هذا تقول‪ :‬هذه ثلثة‬
‫حج ٌ‬
‫ب‪ .‬فإن أردت التعريف‬
‫ب؛ كما تقول‪ :‬هذا صاحب ثو ٍ‬
‫أبوا ٍ‬
‫قلت‪ :‬هذه ثلثة الثواب‪ ،‬كما تقول‪ :‬هذا صاحب الثواب؛‬
‫لن المضاف إنما يعرفه ما يضاف إليه فيستحيل هذه‬
‫الثلثة الثواب؛ كما يستحيل هذا الصاحب الثواب‪ .‬وهذا‬
‫محال في كل وجه‪ ،‬أل ترى أن ذا الرمة لما أراد التعريف‬
‫قال‪:‬‬
‫هل الزمن اللئي‬
‫م‬
‫ي سل ٌ‬
‫أمنزلتي م ٍ‬
‫مضين رواجع‬
‫عـلـيكـمـا‬
‫و هل يرجع التسليم أو ثلث الثافي‬
‫والرسوم البـلقـع‬
‫يدفع البكـا‬
‫و قال الفرزدق‪:‬‬
‫و دنا فأدرك خمسة‬
‫ما زال مذ عقدت‬
‫الشبار‬
‫يداه إزاره‬
‫فهذا ل يجوز غيره‪.‬‬
‫و أما قولهم‪ :‬الخمسة العشر فيستحيل من غير هذا‬

‫‪236‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫الوجه‪ ،‬لن خمسة عشر بمنزلة حضرموت وبعلبك وقالي‬
‫قل وأيدي سبا‪ ،‬وما أشبه ذلك من السمين اللذين يجعلن‬
‫اسما ً واحدًا‪.‬‬
‫فإذا كان شيء من ذلك نكرة فإن تعريفه أن تجعل اللف‬
‫واللم في أوله‪ .‬لن الثاني قد صار في درج الكلم الول‪،‬‬
‫فهذا أقبح وأشنع‪.‬‬
‫و أما قولهم‪ :‬العشرون الدرهم فيستحيل من وجه ثالث‪،‬‬
‫وهو أن العدد قد أحكم وبين بقولك‪ :‬عشرون‪ .‬فإنما يحتاج‬
‫إلى أن يعلم النوع‪ ،‬فإنما درهم وما أشبهه للنوع‪ .‬فإن‬
‫كانت العشرون معلومة قلت‪ :‬أخذت العشرين درهمًا‪ ،‬أي‪:‬‬
‫التي قد عرفت‪ ،‬وليس الدرهم بواحد معلوم مقصودٍ إليه‪.‬‬
‫ولو كان كذلك كان ل معنى له بعد العشرين‪ .‬وكذلك كل‬
‫ل جاءني فله درهم‪ .‬إنما المعنى‪ :‬كل من جاءني من‬
‫رج ٍ‬
‫الرجال إذا كانوا واحدا ً واحدا ً فله درهم‪ ،‬أل تراك تقول‪:‬‬
‫كل اثنين جاءاني أكرمهما؛ لنك تريد‪ :‬الذين يجيئونك اثنين‬
‫اثنين‪ .‬فلو قلت‪ :‬كل الثنين أو كل الرجل على هذا‬
‫لستحال‪.‬‬
‫ن جدًا‪ .‬وينبغي لمن تبين فساد ما قاله أن‬
‫ففساد هذا بي ٌ‬
‫يرجع من قبل إلى حقيقة القياس‪ ،‬ول يمض على التقليد‪.‬‬
‫هذا باب ما يضاف من العداد المنونة‬
‫اعلم أنك إذا أضفت عددا ً حذفت منه النون والتنوين‪ ،‬أي‬
‫ذلك كان فيه‪ .‬فتقول‪ :‬هذه عشروك‪ ،‬وثلثوك‪ ،‬وأربعوك‪،‬‬
‫ورأيت ثلثيك‪ ،‬وأربعيك‪.‬‬
‫و هذه مائتك‪ ،‬وألفك‪.‬‬
‫ة وثلثوك إذا سميت بها رج ً‬
‫ل‪ .‬وإن كان‬
‫و تقول‪ :‬هذه ثلث ٌ‬
‫عددا ً في موضعه قلت‪ :‬هذه ثلثتك وثلثوك‪ ،‬كما تقول‪:‬‬
‫هذا غلمك وجاريتك‪ ،‬وكذا سبيل كل معطوف‪.‬‬
‫و تقول‪ :‬هذه ثلثة أثوابك‪ ،‬وهذه ثلثة أثواب القوم‪ ،‬ل‬
‫يكون إل ذلك‪ ،‬لن المضاف ينكر حتى يعرفه ما بعده أو‬
‫ينكره‪.‬‬
‫و كذلك تقول‪ :‬هذه مائة درهمك‪ ،‬وألف دينارك‪ ،‬وهذه‬
‫خمسة عشرك‪ .‬تقدر حذف ما فيه من التنوين في النية‪،‬‬

‫‪237‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫كما تقول‪ :‬هن حواج بيت الله إذا نويت التنوين‪ ،‬وهن‬
‫حواج بيت الله إذا نويت طرحه؛ لن فواعل ل ينصرف‪.‬‬
‫ب زيدا ً‬
‫فإنما يقع التنوين في النية‪ ،‬ويخرج مخرج هذا ضار ٌ‬
‫د‪ ،‬كما قال الشاعر‪:‬‬
‫وضارب زي ٍ‬
‫طوالع نجدا ً فاضت‬
‫ح غدت‬
‫إذا أم سربا ٍ‬
‫العين تدمع‬
‫في ظعائن‬
‫و قال آخر‪:‬‬
‫أجب الظهر ليس له‬
‫و نأخذ بعده بذناب‬
‫سنام‬
‫عـيش‬
‫و من لم يرد التنوين خفض في هذين البيتين وما‬
‫أشبههما‪.‬‬
‫و اعلم أن القياس وأكثر كلم العرب أن تقول‪ :‬هذه أربعة‬
‫عشرك‪ ،‬وخمسة عشرك فتدعه مفتوحا ً على قولك‪ :‬هذه‬
‫أربعة عشر‪ ،‬وخمسة عشر‪.‬‬
‫و قوم من العرب يقولون‪ :‬هذه أربعة عشرك‪ ،‬ومررت‬
‫ه من القياس‪ :‬وهو أن‬
‫بأربعة عشرك‪ .‬وهم قليل‪ ،‬وله وجي ٌ‬
‫ترده بالضافة إلى العراب‪ ،‬كما أنك تقول‪ :‬ذهب أمس‬
‫بما فيه‪ ،‬وذهب أمسك بما فيه‪ ،‬وتقول‪ :‬جئت من قبل يا‬
‫فتى‪ ،‬فإذا أضفت قلت‪ :‬من قبلك فهذا مذهبهم‪.‬‬
‫و إنما كان القياس المذهب الول؛ لن خمسة عشر نكرة‪.‬‬
‫وما لم ترده النكرة إلى أصله لم ترده الضافة‪.‬‬
‫أما أمس وقبل ونحوهما فمعارف‪ .‬ولو جعلتهن نكرات‬
‫لرجعن إلى العراب؛ كما رجعن إليه في الضافة واللف‬
‫واللم‪.‬‬
‫ل ومن بعد" على‬
‫و على هذا قرئ‪" :‬لله المر من قب ٍ‬
‫النكرة‪ ،‬على مثل قولك‪ :‬أول ً وآخرًا؛ أل ترى أنك تقول في‬
‫النداء‪ :‬يا زيد أقبل‪ .‬فإذا جعلته نكرة قلت‪ :‬يا رجل ً أقبل‪،‬‬
‫كما تقول‪ :‬يا عبد الله فترده النكرة إلى العراب؛ كما‬
‫ترده الضافة؛ أل تراك تقول‪ :‬جاءني الخمسة عشر رج ً‬
‫ل‪،‬‬
‫والخمس عشرة امرأة‪ .‬فلو كانت الضافة ترده إلى‬
‫العراب لرددته اللف واللم‪ .‬وإنما أجاز سيبويه الضم‬
‫د‪.‬‬
‫على بع ٍ‬

‫‪238‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫فأما قولك‪ :‬مررت بالقوم خمسة عشرهم‪ ،‬كما تقول‪:‬‬
‫مررت بالقوم خمستهم‪ .‬فغير جائز عندنا البتة؛ لن ما بعد‬
‫خمسة عشر إذا كان عددا ً لم يكن إل مفردًا؛ نحو‪ :‬خمسة‬
‫عشر رج ً‬
‫ل‪ ،‬ولم يكن إل نكرة‪ ،‬وليس بمنزلة خمسة وستة‬
‫وبابهما إلى العشر؛ وذلك أن الثلثة إلى العشرة مضاف‬
‫إلى المعرفة والنكرة‪ .‬وعلى هذا ل نقول‪ :‬أخذت عشرين‬
‫ة‬
‫درهما ً وثلثيه لن الذي تبين به النوع ل يكون معرف ً‬
‫ة‪.‬‬
‫مضمرةً ول مظهر ً‬
‫هذا باب‬
‫اشتقاقك للعدد اسم الفاعل‬
‫كقولك‬
‫هذا ثاني اثنين‪ ،‬وثالث ثلثة‪ ،‬ورابع أربعة‬
‫اعلم أنك إذا قلت‪ :‬هذا ثاني اثنين‪ ،‬فمعنى هذا‪ :‬أحد اثنين؛‬
‫كما قال الله عز وجل‪" :‬إذ أخرجه الذين كفروا ثاني‬
‫اثنين" وقال‪ :‬عز وجل‪" :‬لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث‬
‫ثلثة" على هذا‪ :‬فإن قلت‪ :‬هذا ثالث اثنين فعلى غير هذا‬
‫الوجه‪ .‬إنما معناه‪ :‬هذا الذي جاء إلى اثنين فثلثهما فمعناه‬
‫ة يا فتى‪ ،‬لن‬
‫الفعل‪ .‬وكذلك هذا رابع ثلثة‪ .‬ورابعٌ ثلث ٌ‬
‫معناه‪ :‬أنه ربعهم‪ ،‬وثلثهم‪ .‬وعلى هذا قوله عز وجل‪" :‬ما‬
‫يكون من نجوى ثلثة إل هو رابعهم ول خمسة إل هو‬
‫ة رابعهم‬
‫سادسهم"‪ .‬ومثله قوله عز وجل‪" :‬سيقولون ثلث ٌ‬
‫كلبهم"‪.‬‬
‫و تلك الولى ل يجوز أن تنصب بها؛ لن المعنى‪ :‬أحد ثلثة‬
‫وأحد أربعة‪.‬‬
‫فتقول على هذا القول‪ :‬هذا رابع أربعة إذا كان هو وثلث‬
‫نسوة؛ لنه قد دخل معهن فقلت‪ :‬أربعة بالتذكير؛ لنه إذا‬
‫اجتمع مذكر ومؤنث جعل الكلم على التذكير؛ لنه الصل‪.‬‬
‫و تقول على القول الخر‪ :‬هذا رابع ثلث يا فتى؛ لنه لم‬
‫يدخل معهن وإنما مثاله‪ :‬هذا ضارب ثلث‪ .‬فعلى هذا فأجر‬
‫هذا الباب‪.‬‬
‫فإذا جاوز العقد الول فإن القياس على المذهب الول‬
‫ة‪ ،‬أي‪ :‬أحد ثلثة وأحد أربعة‬
‫وهو‪ :‬هذا ثالث ثلثةٍ ورابع أربع ٍ‬

‫‪239‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫أن تقول‪ :‬هذا حادي عشر أحد عشر‪ ،‬وخامس عشر‬
‫خمسة عشر‪ .‬ولكن العرب تستثقل إضافته على التمام‬
‫لطوله فيقولون‪ :‬هذا حادي أحد عشر‪ ،‬وخامس خمسة‬
‫عشر‪ .‬فيرفعون الول بما يرفعه‪ .‬وينصبونه بما ينصبه‪،‬‬
‫ويخفضونه بما يخفضه؛ لنه معرب‪.‬‬
‫و إنما منعهم من بنائه أن ثلثة أسماٍء ل تجعل اسما ً واحدا ً‬
‫في غير الضافة‪ .‬وإنما شبه خمسة عشر بحضرموت‪،‬‬
‫وبني لما ذكرنا من إزالته عن موضعه‪.‬‬
‫فإن قلت‪ :‬هذا حادي عشر وخامس عشر‪ ،‬كما تقول‪ :‬هذا‬
‫خامس وسادس بنيته على الفتح؛ لنهما اسمان‪ .‬فحالهما‬
‫كحال خمسة عشر ونحوه‪ .‬فعلى هذا القياس يجري هذا‬
‫العدد‪.‬‬
‫ة‬
‫فإن قلت على قياس قول من قال‪ :‬هذا رابعٌ من ثلث ً‬
‫س‬
‫س أربع ً‬
‫ة‪ .‬فإن النحويين كانوا يقولون‪ :‬هذا خام ٌ‬
‫وخام ٌ‬
‫ة أربع عشرة‪ ،‬ويقيسون هذا‬
‫أربعة عشر‪ ،‬وهذه خامس ٌ‬
‫أجمع‪ ،‬ويقولون‪ :‬هذا رابعٌ ثلث عشرة‪ ،‬إذا كن نساًء‪،‬‬
‫س‬
‫فصرن به أربعة عشر‪ ،‬كما تقول‪ :‬هذا رابع ثلث‪،‬و خام ٌ‬
‫أربع‪ .‬فهذا قول النحويين المتقدمين‪ ،‬وكان أبو الحسن‬
‫ة‬
‫الخفش ل يراه صوابًا؛ وذلك لنك إذا قلت‪ :‬رابعٌ ثلث ً‬
‫فإنما تجريه مجرى ضارب ونحوه‪ ،‬لنك كنت تقول‪ :‬كانوا‬
‫ثلثة فربعهم‪ ،‬وكانوا خمسة فسدسهم‪ ،‬ول يجوز أن تبني‬
‫فاعل ً من خمسة وعشرة جميعًا؛ لن الصل‪ :‬خامس عشر‬
‫أربعة عشر‪.‬‬
‫و القياس عندي ما قال‪ ،‬وهو قول المازني‪.‬‬
‫فإذا بلغت العشرين فما بعدها لم تبن منه فاع ً‬
‫ل؛ لنه‬
‫يلتبس بما قبله؛ لنه يجيء على لفظ العشرين‪ ،‬والثلثون‬
‫على لفظ الثلثة‪ ،‬وهكذا إلى التسعين‪.‬‬
‫فإذا بلغت المائة قلت‪ :‬كانوا تسعة وتسعين فأمأيتهم‪ :‬إذا‬
‫جعلتهم مائة‪ .‬وكانوا تسعمائة فألفتهم‪ .‬إذا أردت‪ :‬فعلتهم‪،‬‬
‫وآلفتهم‪ .‬إذا أردت‪ :‬أفعلتهم‪ .‬كل ذلك يقال وجاء في‬
‫الحديث "أول حي آلف مع رسول الله صلى الله عليه‬

‫‪240‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وسلم جهينة‪ ،‬وقد آلفت معه بنو سليم بعد"‪.‬‬
‫قال بجير بن زهير‪:‬‬
‫و سبٍع من بني عثمان‬
‫ف من‬
‫صبحناهم بأل ٍ‬
‫وافي‬
‫سـلـيم ٍ‬
‫و بنو عثمان بن عمرو بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر‬
‫هم مزينة‪.‬‬
‫هذا باب ما يضاف إليه من العدة من الجناس‬
‫وما يمتنع من الضافة‬
‫اعلم أنه كل ما كان اسما ً غير نعت فإضافة العدد إليه‬
‫ق‪،‬‬
‫جيدة‪ .‬وذلك قولك‪ :‬عندي ثلثة أجما ٍ‬
‫ل‪ ،‬وأربع أين ٍ‬
‫س‪.‬‬
‫وخمسة دراهم‪ ،‬وثلثة أنف ٍ‬
‫فإن كان نعتا ً قبح ذلك فيه‪ ،‬إل أن يكون مضارعا ً للسم‪،‬‬
‫واقعا ً موقعه‪ .‬وذلك قولك‪ :‬عندي ثلثة قرشيين‪ ،‬وأربعة‬
‫ل‬
‫م‪ ،‬وخمسة ظرفاء هذا قبيح حتى تقول‪ :‬ثلثة رجا ٍ‬
‫كرا ٍ‬
‫ل كرام‪ ،‬ونحو ذلك‪ .‬فأما المضارع‬
‫قرشيين‪ .‬وثلثة رجا ٍ‬
‫للسماء فنحو‪ :‬جاءني ثلثة أمثالك‪ ،‬وأربعة أشباه زيد‪ .‬كما‬
‫قال الله عز وجل‪" :‬من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها"‬
‫وقد قرئ‪" :‬فله عشٌر أمثالها"‪ .‬فهذه القراءة المختارة عند‬
‫ة جميلة‪.‬‬
‫أهل اللغة‪ ،‬والتي بدأنا بها حسن ٌ‬
‫فإن كان الذي يقع عليه العدد اسما ً لجنس من غير‬
‫الدميين لم يلقه العدد إل بحرف الضافة‪ ،‬وكان مجازه‬
‫التأنيث‪ ،‬لن فعله وجمعه على ذلك‪ ،‬إذ كان معناه‬
‫الجماعة‪ ،‬أل ترى أنك تقول‪ :‬الجمال تسير‪ ،‬والجمال‬
‫يسرن؛ كما قال الله عز وجل عند ذكر الصنام‪" :‬رب‬
‫إنهن أضللن كثيرا ً من الناس"‪ .‬وعلى هذا يجمع؛ كما‬
‫تقول‪ :‬حمام وحمامات‪ ،‬وسرادق وسرادقات‪.‬‬
‫فأما الدميون فإن المذكر منهم يجري على جمعه التذكير‪،‬‬
‫لن فعله على ذلك‪ .‬تقول‪ :‬هم يضربون زيدًا‪ ،‬وينطلقون‪،‬‬
‫فلذلك تقول‪ :‬مسلمون ومنطلقون‪ ،‬ونحوه‪ ،‬وعلى هذا‬
‫تقول‪ :‬هم الرجال‪ ،‬ول يقع مثل هذا إل مل يعقل‪.‬‬
‫فإن قلت‪ :‬هي الرجال‪ .‬صلح على إرادتك هي جماعة‬
‫الرجال‪ ،‬كما تقول‪ :‬هي الجمال‪ .‬فأما هم فل يكون إل لما‬

‫‪241‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫يعقل‪.‬‬
‫فإذا أضفت إلى اسم جنس من غير الدميين قلت‪ :‬عندي‬
‫ث من‬
‫ث من الغنم‪ .‬وتقول‪ :‬عندي ثل ٌ‬
‫ث من البل‪ ،‬وثل ٌ‬
‫ثل ٌ‬
‫ث من الشاء ذكور‪ ،‬وكذلك ما أشبه هذا‪،‬‬
‫الغنم ذكور وثل ٌ‬
‫لنك إنما قلت‪ :‬ذكور بعد أن أجريت في اسمه التأنيث‪ .‬أل‬
‫ترى أنك إذا حقرت البل والغنم قلت‪ :‬أبيلة وغنيمة‪.‬‬
‫وتقول‪ :‬عندي ثلثة ذكور من الشاء‪ ،‬وثلثة ذكور من البل‬
‫لنك إنما قلت‪ :‬من البل‪ ،‬ومن الشاء‪ ،‬بعد أن جرى فيه‬
‫التذكير؛ كما تقول‪ :‬عندي ثلثة أشخص‪ ،‬ثم تقول‪ :‬من‬
‫النساء؛ لنك أجريت عليه التذكير أول ً على لفظه‪ ،‬ثم بينت‬
‫بعد ما تعني‪.‬‬
‫س‪.‬‬
‫و تقول‪ :‬عندي ثلثة أنفس‪ ،‬وإن شئت قلت‪ :‬ثلث أنف ٍ‬
‫أما التذكير فإذا عنيت بالنفس المذكر‪ .‬وعلى هذا تقول‪:‬‬
‫عندي نفس واحد‪ ،‬وإن أردت لفظها قلت‪ :‬عندي ثلث‬
‫س؛ لنها على اللفظ تصغر نفيسة‪ .‬وعلى هذا قوله عز‬
‫أنف ٍ‬
‫وجل‪" :‬يا أيتها النفس المطمئنة" وقال عز وجل‪" :‬أن‬
‫س يا حسرتا على ما فرطت"‪ ،‬وقرأ رسول الله‬
‫تقول نف ٌ‬
‫صلى الله عليه وسلم‪" :‬بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها‬
‫واستكبرت وكنت" على مخاطبة النفس‪ ،‬وقال‪" :‬كل‬
‫س ذائقة الموت"‪.‬‬
‫نف ٍ‬
‫س‪ ،‬لن الفرس يقع على‬
‫س وثلث أفرا ٍ‬
‫و تقول‪ :‬ثلثة أفرا ٍ‬
‫الذكر والنثى‪.‬‬
‫فأما قولك‪ :‬هذه عين القوم وأنت تعني الرجل بعينه‪،‬‬
‫فلنك وضعته موضع العين بعينها‪ ،‬فأقمته ذلك المقام‪ .‬ولو‬
‫سميت رجل ً عينا ً لقلت في تصغيره‪ :‬عيين‪ .‬فإنما هذا‬
‫بمنزلة قولك للمرأة‪ :‬ما أنت إل رجيل‪ ،‬وللرجل‪ :‬ما أنت‬
‫إل مريئة؛ لنك تقصد قصد الشيء بعينه‪ .‬فقس ما ورد‬
‫عليك من هذا تصب إن شاء الله‪.‬‬
‫فأما تسميتهم الرجل عيينة أذينة فإنما سموا بهما بعد أن‬
‫صغرتا في موضعهما‪ ،‬ولو سميت الرجل أذنًا‪ ،‬ثم صغرت‬
‫لقلت‪ :‬أذين فاعلم‪.‬‬
‫هذا باب الجمع لما يكون من الجناس على فعلة‬

‫‪242‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫اعلم أنه ما كان من ذلك اسما ً فإنك إذا جمعته باللف‬
‫والتاء حركت أوسطه‪ ،‬لتكون الحركة عوضا ً من الهاء‬
‫المحذوفة‪ ،‬وتكون فرقا ً بين السم والنعت؛ وذلك قولك‬
‫في طلحة‪ :‬طلحات‪ ،‬وفي جفنة‪ :‬جفنات‪ ،‬وفي صفحة‪:‬‬
‫صفحات‪ ،‬وكذلك جميع هذا الباب‪.‬‬
‫قال الشاعر‪:‬‬
‫و أسيافنا يقطرن من‬
‫لنا الجفنات الغر‬
‫نجـدةٍ دمـا‬
‫يلمعن في الضحى‬
‫و قال الخر‪:‬‬
‫نضر الله أعظما ً‬
‫بسجستان طلحة‬
‫الطلحات‬
‫دفنوهـا‬
‫فهذا إنما يكون في المفتوح على هذه الهيئة الواحدة‪ ،‬لن‬
‫الفتح أخف الحركات‪.‬‬
‫فإن كان السم على فعلة ففيه ثلثة أوجه‪ :‬إن شئت‬
‫قلت‪ :‬فعلت‪ ،‬وأتبعت الضمة الضمة؛ كما أتبعت الفتحة‬
‫الفتحة‪.‬‬
‫و إن شئت جمعته على فعلت‪ ،‬فأبدلت من الضمة الفتحة‬
‫لخفتها‪.‬‬
‫و إن شئت أسكنت فقلت‪ :‬فعلت؛ كما تقول في عضد‪:‬‬
‫عضد؛ وفي رسل‪ :‬رسل‪ .‬قال الله عز وجل‪" :‬و ل تتبعوا‬
‫خطوات الشيطان"‪ .‬وواحدها خطوة‪ .‬وقال الشاعر‪:‬‬
‫و لما رأونا بـاديا ً‬
‫ن ل نخلط‬
‫على موط ٍ‬
‫الجد بالهزل‬
‫ركـبـاتـنـا‬
‫ينشدون‪ :‬ركباتنا وركباتنا‪ .‬وهذه الية تقرأ على الوجه‬
‫الثلثة‪ .‬وذلك قوله‪" :‬في الظلمات‪ ،‬والظلمات‪،‬‬
‫والظلمات"‪.‬‬
‫و ما كان على فعلة ففيه ثلثة أوجه‪.‬‬
‫أحدها‪ :‬فعلت تتبع الكسرة الكسرة‪.‬‬
‫و إن شئت قلت‪ :‬فعلت‪ .‬فتبدل الفتحة من الكسرة‪ ،‬كما‬
‫أبدلتها من الضمة‪.‬‬
‫ل‪:‬‬
‫و إن شئت قلت‪ :‬فعلت‪ ،‬وأسكنت؛ كما قلت في إب ٍ‬
‫إبل‪ ،‬وفي فخذ‪ :‬فخذ؛ لستثقال الكسرة‪ ،‬وذلك قولك‬

‫‪243‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫سدرة وسدرات‪ ،‬وقربة وقربات‪ .‬فإن استثقلت قلت‪:‬‬
‫سدرات وقربات‪ ،‬وفي السكان‪ :‬سدرات‪ ،‬وقربات‪.‬‬
‫و أما النعوت فإنها ل تكون إل ساكنة‪ ،‬للفصل بين السم‬
‫والنعت؛ وذلك قولك‪ :‬ضخمة‪ ،‬وضخمات‪ ،‬وعبلة وعبلت‪،‬‬
‫وخدلة وخدلت‪.‬‬
‫و أما قولهم في بني أمية الصغر‪ :‬العبلت فإنما قصدوا‬
‫إلى عبلة وهو اسم‪.‬‬
‫و أما قولهم في جمع ربعة‪ :‬ربعات في قولهم‪ :‬امرأة‬
‫ربعة‪ ،‬ورجل ربعة فلنه يجري عندهم مجرى السم‪ .‬إذ‬
‫صار يقع للمؤنث والمذكر على لفظ واحد‪ .‬بمنزلة قولك‪:‬‬
‫فرس للذكر والنثى كذلك إنسان وبعير‪ ،‬يقع على المذكر‬
‫والمؤنث وإن كان في اللفظ مذكرًا‪ .‬كما أن ربعة في‬
‫اللفظ مؤنث وهو يقع على المذكر والمؤنث‪ .‬فبعير يقع‬
‫عليهما ومجازه في البل مجاز قولك‪ :‬إنسان‪ .‬وجمل‬
‫يجري مجرى رجل‪ .‬وناقة يجري مجرى امرأة‪.‬‬
‫و أنشدني الزيادي عن الصمعي لعرابي‪:‬‬
‫عرق الزجاجة واكف‬
‫ل تشتري لبن البعير‬
‫المعصار‬
‫وعنـدنـا‬
‫و أما قولهم‪ :‬شاة لجبة‪ ،‬وشاٌء لجبات فزعم سيبويه‪ .‬أنهم‬
‫يقولون‪ :‬لجبة ولجبة‪ ،‬وإنما قالوا‪ :‬لجبات على قولهم لجبة‪.‬‬
‫و قال قوم‪ :‬بل حرك‪ ،‬لنه ل يلتبس بالمذكر؛ لنه ل يكون‬
‫إل في الناث‪ .‬ولو أسكنه مسكن على أنه صفة كان‬
‫مصيبًا‪.‬‬
‫و قد جاء في السماء بالسكان في فعلة‪ .‬أنشدوا لذي‬
‫الرمة‪:‬‬
‫و رفضات الهوى في المفاصل‬
‫و هو جمع رفضة‪.‬‬
‫هذا باب ما جاء من هذا في ذوات الياء والواو‬
‫التي ياءتهن وواوتهن لمات‬
‫و ذلك قولك في رمية‪ :‬رميات‪ ،‬وفي غزوة‪ :‬غزوات‪ ،‬وفي‬
‫قشوة‪ :‬قشوات‪ ،‬كما تقول في فعلة؛ نحو‪ :‬حصاة وقتاة‪.‬‬
‫حصيات وقنوات؛ لنك لو حذفت للتقاء الساكنين للتبس‬

‫‪244‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫بفعال من غير المعتل‪ .‬فجرى هاهنا مجرى غزوا ً ورميًا؛‬
‫لنك لو ألحقت ألف غزا وألف رمى ألف التثنية للزمك‬
‫الحذف للتقاء الساكنين فالتبس الثنان بالواحد‪ ،‬فكنت‬
‫تقول للثنين‪ :‬غزا ورمى‪ .‬فلما كان هذا على ما ذكرت لك‬
‫لم يحذف‪.‬‬
‫فأما ما كانت الياء والواو منه في موضع العين فإن فيه‬
‫اختلفًا‪.‬‬
‫أما القيس والكثر في لغات جميع العرب فأن تقول في‬
‫ت‪ ،‬وفي لوزة‪ :‬لوزات‪.‬‬
‫بيضة‪ :‬بيضات‪ ،‬وفي جوزة‪ :‬جوزا ٍ‬
‫ة فيقولون‪ :‬جوزات‪ ،‬وبيضات‪،‬‬
‫و أما هذيل بن مدركة خاص ً‬
‫ولوزات على منهاج غير المعتل‪ ،‬ول يقلبون واحدةً منهما‬
‫ألفًا‪.‬‬
‫فيقال‪ :‬أليس حق الواو والياء إذا كانت كل واحدة منهما‬
‫في موضع حركة أن تقلب ألفا ً إذا كان ما قبلها مفتوحًا?‪.‬‬
‫فيقول من يحتج عنهم‪ :‬إنما حركت هذه الياء وهذه الواو‪،‬‬
‫لن الباب وقع اسما ً متحركا ً ألحق المعتل بالصحيح؛ لئل‬
‫يلتبس النعت بالمنعوت أجري هذا الباب في ترك القلب‬
‫مجرى خونة وحوكة‪ .‬لئل يلتبس بما أصله فعلة‪ ،‬نحو‪:‬‬
‫دارة‪ ،‬وقارة إذا قلت‪ :‬دارات‪ ،‬وقارات‪ .‬فصح هذا لن أصله‬
‫السكون؛ كما صح العور‪ ،‬والصيد‪ ،‬وعور‪ ،‬وصيد؛ لن أصل‬
‫الفعل افعل‪.‬‬
‫و اعلم أنه ما كان من هذا مضموم الول مما واوه أو ياؤه‬
‫لم أو مكسور الول فله أحكام نذكرها مفسرةً إن شاء‬
‫الله‪.‬‬
‫أما ما كان من الواو مضموم الول‪ :‬نحو‪ :‬غدوة ورشوة‬
‫فإنك تقول فيه‪ :‬رشوات‪ ،‬وغدوات‪ .‬ومن قال‪ :‬ظلمات‬
‫قال‪ :‬رشوات وغدوات‪ .‬ومن قال‪ :‬ظلمات قال‪ :‬رشوات‪،‬‬
‫وغدوات‪.‬‬
‫و من كان يقول‪ :‬رشوة فيكسر أوله ويقول‪ :‬غدوة فإنه ل‬
‫يجوز له أن يقول فيه ما قال في سدرات‪ ،‬وكسرات؛ لنه‬
‫يلزمه قلب الواو ياًء‪ ،‬فتلتبس بنات الواو ببنات الياء‪.‬‬
‫ولكنه يسكن إن شاء‪ ،‬ويفتح إن شاء‪ ،‬فيقول‪ :‬رشوات‪،‬‬

‫‪245‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ورشوات‪.‬‬
‫و كذلك عدوة وما أشبهها‪ .‬ومن قال‪ :‬مدية فإنه ل يجوز له‬
‫جمعها على منهاج قوله‪ :‬ظلمات؛ لنه يلزمه قلب الياء‬
‫واوًا‪ .‬ولكن يسكن إن شاء فيقول‪ :‬مديات‪ ،‬وإن شاء فتح‪.‬‬
‫فهذا العارض الذي يدخل في بنات الواو والياء‪.‬‬
‫و مجرى الباب وأصله ما ذكرت لك‪.‬‬
‫هذا باب الجمع لما كان على ثلثة أحرف‬
‫ل فإن بابه في أدنى‬
‫أما ما كان من غير المعتل على فع ٍ‬
‫العدد أن يجمع على أفعل؛ وذلك قولك‪ :‬كلب وأكلب‬
‫وفلس وأفلس‪ .‬فإن جاوزت إلى الكثير خرج إلى فعال‪ ،‬أو‬
‫فعول‪ :‬وذلك قولك‪ :‬كلب‪ ،‬وكعاب‪ ،‬وفراخ‪ ،‬وفروخ‪،‬‬
‫وفلوس‪ .‬فهذا هو الباب‪.‬‬
‫فأما ما جاء على أفعال فنحو‪ :‬فرد وأفراد‪ ،‬وفرخ وأفراخ؛‬
‫كما قال الشاعر‪:‬‬
‫خ بذي حمر الحواصل ل ماء‬
‫ماذا تقول لفرا ٍ‬
‫ول شجر‬
‫ح‬
‫طـلـ ٍ‬
‫و زند وأزناد؛ كما قال الشاعر‪:‬‬
‫و زندك أثقـب‬
‫وجدت إذا اصطلحوا‬
‫أزنـادهـا‬
‫خيرهم‬
‫ج عن بابه‪.‬‬
‫فمشبه بغيره‪ ،‬خار ٌ‬
‫و كذلك ما كان على فعلة؛ نحو‪ :‬فقع وفقعة‪ ،‬وجبٍء‬
‫وجبأة‪.‬‬
‫و كذلك ما كان على فعلن؛ نحو‪ :‬حجل وحجلن‪ ،‬ورأل‬
‫ورئلن‪.‬‬
‫و ما كان على فعلن؛ نحو‪ :‬ظهر وظهران‪ ،‬وبطن وبطنان‪.‬‬
‫و سنذكر لم جاز أن يجيء على هذه البنية الخارجة عن‬
‫الصل عند ذكرنا النعوت إن شاء الله? و ما كان على‬
‫ل فإن أدنى العدد فيه أفعال؛ نحو‪ :‬جذع وأجذاع‪ ،‬وعدل‬
‫فع ٍ‬
‫وأعدال‪ ،‬وبئر وأبآر‪.‬‬
‫فإذا جاوزت أدنى العدد فبابه فعول؛ نحو‪ :‬لص ولصوص‪،‬‬
‫وجذع وجذوع‪ ،‬وحمل وحمول‪ .‬وقد تجيء على فعال‪ ،‬لنها‬
‫أخت فعول؛ نحو‪ :‬بئار‪ ،‬وذئاب‪.‬‬

‫‪246‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫و أما ما يجيء على أفعل؛ نحو‪ :‬ذئب وأذؤب‪ ،‬فداخل على‬
‫ل‪ .‬وهو نظير ما جاء من فعل على أفعال‪.‬‬
‫باب فع ٍ‬
‫و كذلك ذؤبان‪ .‬إنما هو بمنزلة ظهران‪.‬‬
‫و قولك‪ :‬حسل وحسلة‪ .‬إنما هو بمنزلة فقعة‪ .‬كل ذلك‬
‫خارج عن بابه‪.‬‬
‫ل فأدنى العدد فيه أفعال‪ ،‬وذلك‬
‫و ما كان من هذا على فع ٍ‬
‫نحو‪ :‬قفل وأقفال‪ ،‬وجند وأجناد‪ ،‬وجحر وأجحار؛ كما قال‪:‬‬
‫إلى أجحارهن من‬
‫م حين تنكفت‬
‫كرا ٌ‬
‫الصقيع‬
‫الفاعـي‬
‫فإذا جاوزت أدنى العدد فبابه فعول‪ ،‬نحو‪ :‬جنود‪ ،‬وخروج‪.‬‬
‫و المضعف يجيء على فعال؛ لنهم يكرهون التضعيف‬
‫ف وقفاف‪ .‬وأما ما‬
‫ف وخفاف‪ ،‬وق ّ‬
‫والضم‪ ،‬وذلك قولك‪ :‬خ ّ‬
‫جاء منه مثل جحر وجحرة‪ ،‬وحب وحببة فبمنزلة فقعة في‬
‫بابه‪ ،‬وحسلة في بابه‪ .‬وسنذكر كل ما خرج من شيءٍ من‬
‫هذه البواب عن أصله إن شاء الله‪.‬‬
‫أما ما كان من فعل من بنات الياء والواو‪ ،‬فإنه إذا أريد‬
‫ة للضم في الواو والياء‬
‫أدنى العدد جمع على أفعال كراهي ً‬
‫لو قلت أفعل وذلك قولك‪ :‬ثوب وأثواب‪ ،‬وسوط وأسواط‬
‫والياء نحو‪ :‬بيت وأبيات‪ ،‬وشيخ وأشياخ‪ ،‬وقيد وأقياد‪.‬‬
‫فإذا جاوزت أدنى العدد كانت بنات الواو على فعال‬
‫ة ل فعول من أجل الضمة والواو؛ وذلك قولك‪:‬‬
‫كراهي ً‬
‫سوط وسياط وحوض وحياض‪ ،‬وثوب وثياب‪.‬‬
‫و كانت بنات الياء على فعول؛ لئل تلتبس إحداهما‬
‫بالخرى‪ ،‬وكانت الضمة مع الياء أخف؛ وذلك قولك‪ :‬بيت‬
‫وبيوت‪ ،‬وشيخ وشيوخ‪ ،‬وقيد وقيود‪.‬‬
‫فأما قولهم في عين‪ :‬أعين فإنه جاء على الصل مثل كلب‬
‫ن على الباب كما قال الشاعر‪:‬‬
‫وأكلب وأعيا ٌ‬
‫ص كأعيان الجراد‬
‫و لكنما أغدو علي‬
‫دل ٌ‬
‫المنظم‬
‫ة‬
‫مفـاض ٌ‬
‫و قال الخر‪:‬‬
‫حتى يملن بأجياد‬
‫فقد أروع قلوب‬
‫وأعـيان‬
‫الغانيات به‬

‫‪247‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫و إذا اضطر شاعر جاز أن يقول في جميع هذا أفعل لنه‬
‫الصل‪ ،‬كما قال الشاعر‪:‬‬
‫لكل عيش قد لبست أثوبا ً‬
‫ل فإن باب جمعه أفعا ٌ‬
‫ل؛‬
‫و ما كان من الصحيح على فع ٍ‬
‫نحو‪ :‬جمل وأجمال وقتب وأقتاب‪ ،‬وصنم وأصنام‪ ،‬وأسد‬
‫وآساد‪ ،‬قال الشاعر‪:‬‬
‫ل حين ل مناص‬
‫آساد غي ٍ‬
‫فهذا باب جمعه؛ وقد يجيء على فعول؛ نحو‪ :‬أسود‪،‬‬
‫وكذلك فعال؛ نحو‪ :‬جمال‪ ،‬ويجيء على فعلن؛ نحو‪ :‬خرب‬
‫وخربان؛ وعلى أفعل؛ نحو‪ :‬أجبل وأزمن‪ .‬قال الشاعر‪:‬‬
‫ل عن و باسم أوديةٍ عن ذكر‬
‫إني لكني بأجبا ٍ‬
‫واديها‬
‫اجبلها‬
‫و قال الخر‪:‬‬
‫هل الزمن اللئي‬
‫م‬
‫ي سـل ٌ‬
‫أمنزلتي م ّ‬
‫مضين‪ ،‬رواجع‬
‫عـلـيكـمـا‬
‫فيخرج إلى ضروب من الجمع منها فعلن كقولك‪ :‬حمل‬
‫وحملن‪ .‬وكذلك فعلن كقولك‪ :‬ورل وورلن‪.‬‬
‫فأما الباب والصل فما صدرنا به‪.‬‬
‫و كذلك فع ٌ‬
‫ل بابه أفعال‪ .‬لنه كفعل في الوزن وإن خالفه‬
‫في حركة الثاني؛ نحو‪ :‬كتف وأكتاف‪ ،‬وفخذ وأفخاذ وكبد‬
‫وأكباد‪.‬‬
‫و تخرج إلى فعول؛ نحو‪ :‬كبود‪ ،‬وكروش‪ .‬وهو أقل من‬
‫فعل فالصل ألزم‪.‬‬
‫و يكون كذلك فع ٌ‬
‫ل؛ نحو‪ :‬عضد وأعضاد‪ ،‬وعجز وأعجاز‪،‬‬
‫ويخرج إلى فعال؛ نحو رجل ورجال وسبع وسباع؛ كما‬
‫قالوا‪ :‬جمال‪ ،‬ونحوه‪.‬‬
‫و لم يقولوا‪ :‬أرجال‪ .‬لقولهم في أدنى العدد‪ :‬رجلة‪.‬‬
‫و من كلمهم الستغناء عن الشيء بالشيء حتى يكون‬
‫المستغنى عنه مسقطًا‪.‬‬
‫و لو احتاج شاعر لجاز أن يقول في رجل‪ :‬أرجال‪ ،‬وفي‬
‫سبع‪ :‬أسباع لنه الصل‪.‬‬
‫و قد يكون البناء في الصل للقل فيشركه فيه الكثر؛ كما‬

‫‪248‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫تقول‪ :‬أرسان‪ ،‬وأقتاب‪ .‬فل يكون جمع غيره‪.‬‬
‫و قد يكون البناء للكثر فيشركه للقل؛ كما تقول‪:‬‬
‫شسوع‪ ،‬وسباع‪ ،‬فيكون لكل العداد‪.‬‬
‫و إنما اختلف الجمع لنها أسماء‪ ،‬فيقع الختلف في جمعها‬
‫كالختلف في أفرادها‪ ،‬إل أنا ذكرنا الباب لندل على ما‬
‫ة واحدة والسبب في اختلف ما فارقها‪.‬‬
‫يلزم طريق ً‬
‫ل فيلزمه أفعال‪ ،‬لنه في الوزن بمنزلة ما‬
‫و يكون على فع ٍ‬
‫قبله وإن اختلفت الحركات؛ وذلك قوله‪ :‬ضلع وأضلع‪،‬‬
‫وعنب وأعناب‪ .‬وهذا قليل جدًا‪.‬‬
‫و قد خرج إلى فعول‪ ،‬كما قالوا‪ :‬أسود‪ ،‬ونمور؛ وذلك‬
‫قولك‪ :‬ضلع وضلوع‪.‬‬
‫و يكون على أفعل‪ ،‬كما جاء‪ :‬أزمن‪ ،‬وأجب ٌ‬
‫ل‪ ،‬وذلك قولك‪:‬‬
‫أضلع‪.‬‬
‫ل فإنه مما يلزمه أفعال‪ ،‬ول يكاد‬
‫فأما ما كان على فع ٍ‬
‫يجاوزها؛ وذلك قولك‪ :‬عنق وأعناق‪ ،‬وطنب وأطناب‪ ،‬وأذن‬
‫وآذان‪.‬‬
‫ع‬
‫و قد يجيء من البنية المتحركة والساكنة من الثلثة جم ٌ‬
‫على فعل‪ ،‬وذلك قولك‪ :‬فرس ورد‪ ،‬وخيل ورد‪ ،‬ورجل ثط‬
‫وقوم ثط وتقول‪ :‬سقف وسقف وإن شئت حركت؛ كما‬
‫قال الله عز وجل‪" :‬لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم‬
‫ن‬
‫سقفًا"‪ .‬وقالوا‪ :‬رهن ورهن وكان أبو عمرو يقرؤها "فره ٌ‬
‫ة" ويقول‪ :‬ل أعرف الرهان إل في الخيل‪ ،‬وقد قرأ‬
‫مقبوض ٌ‬
‫ة"‪ .‬ومن كلم العرب المأثور‪ :‬غلقت‬
‫ن مقبوض ٌ‬
‫غيره "فرها ٌ‬
‫الرهان بما فيها‪.‬‬
‫و قالوا‪ :‬أسد ونمر‪ ،‬قال الشاعر‪:‬‬
‫فيها عيائيل أسود ونمر‬
‫فأما فع ٌ‬
‫ل فلم يأت منه إل القليل‪ .‬قالوا‪ :‬إبل وآبال‪ ،‬وإطل‬
‫وآطال‪.‬‬
‫فهذا حكم المتحركة من الثلثة إل فعل فإن له نحوا ً آخر‬
‫لخروجه عن جميع المتحركات وأنه ما عدل عن فاعل‬
‫فإليه يعدل‪ ،‬فله نحو آخر‪.‬‬
‫فأما غير هذا من البنية‪ ،‬نحو‪ :‬فعل فإنه ليس في شيء‬

‫‪249‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫من الكلم‪ .‬وكذلك فعل ل يكون في السماء‪ ،‬إنما هو بناء‬
‫ص به الفعل الذي لم يسم فاعله نحو‪ :‬ضرب وقتل‪.‬‬
‫مخت ّ‬
‫إل أن تكون ساكن الوسط؛ نحو‪ :‬رد‪ ،‬وقيل‪ .‬فهو بمنزلة‬
‫كّر‪ ،‬وفيل‪ ،‬وما أشبه ذلك‪.‬‬
‫فأما فع ٌ‬
‫ل فإن جمعه اللزم له فعلن؛ وذلك قولك‪ :‬صرد‪،‬‬
‫وصردان‪ ،‬ونغر ونغران‪ ،‬وجعل وجعلن‪ .‬هذا بابه‪.‬‬
‫و قد جاء منه شيء على أفعال‪ .‬شبه بسائر المتحركات‬
‫من الثلثة‪ ،‬وذلك ربع وأرباع‪ ،‬وهبع وأهباع‪ .‬فهذا الذي‬
‫ذكرت لك من اختلف الجمع بعد لزوم الشيء لبابه إذ‬
‫كان مجازه مجاز السماء‪ ،‬وكانت السماء على ضروب‬
‫من البنية‪.‬‬
‫و أما ما كان من المعتل متحركًا‪ ،‬نحو‪ :‬باب‪ ،‬ودار‪ ،‬وقاع‪،‬‬
‫وتاج فإن أدنى العدد في ذلك أن تقول فيه‪ :‬أفعال نحو‪:‬‬
‫باب وأبواب‪ ،‬وتاج وأتواج‪ ،‬وجار وأجوار‪ ،‬وقاع وأقواع‪ .‬فأما‬
‫دار فإنهم استغنوا بقولهم‪ :‬أدور عن أن يقولوا‪ :‬أفعال‬
‫لنهما لدنى العدد‪ .‬والمؤنث يقع على هذا الوزن في‬
‫الجمع‪ ،‬أل تراهم قالوا‪ :‬ذراع وأذرع‪ ،‬وكراع وأكرع‪ ،‬وشمال‬
‫وأشمل‪ ،‬ولسان وألسن‪ .‬ومن ذكر اللسان قال‪ :‬ألسنة‪،‬‬
‫ومن أنثها قال‪ :‬ألسن وكذلك نار وأنور‪ ،‬قال الشاعر‪:‬‬
‫مصابيح شبت‬
‫فلما فقدت الصوت‬
‫بالعشـاء وأنـور‬
‫منهم وأطفئت‬
‫فإذا جاوزت أدنى العدد فإن بابه فعلن؛ وذلك قولك‪ :‬نار‬
‫ونيران‪ ،‬وقاع وقيعان‪ ،‬وتاج وتيجان‪ .‬فهذا الصل‪ ،‬وما دخل‬
‫بعد فعلى جهة التشبيه الذي وصفت لك‪.‬‬
‫و أما قولهم‪ :‬الفلك للواحد والفلك للجميع فإنه ليس من‬
‫قولهم‪ :‬شكاعى واحدة وشكاعى كثير‪ ،‬وبهمى واحدة‬
‫وبهمى كثير‪ .‬ولكنهم يجمعون ما كان على فعل كما‬
‫يجمعون ما كان على فعل لكثرة اشتراكهما أل تراهم‬
‫يقولون‪ :‬قلفة‪ ،‬وقلفة‪ ،‬وصلعة وصلعة‪ .‬ويلتقيان في أمور‬
‫كثيرة‪.‬‬
‫فمن قال‪ :‬في أسد‪ :‬آساد‪ ،‬قال في فلك‪ :‬أفلك؛ كما تقول‬
‫في قفل‪ :‬أقفال‪.‬‬

‫‪250‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫و من قال في أسد‪ :‬أسد‪ ،‬لزمه أن يقول في جمع فلك‪:‬‬
‫فلك‪ .‬ونظير هذا مما عدده أربعة أحرف قولك‪ :‬دلص‬
‫للواحد ودلص للجمع‪ ،‬وهجان للواحد وهجان للجمع وذاك‬
‫لنه إذا قال في جمع فعيل‪ :‬أفعلة قال في جمع فعال‬
‫أفعلة‪ ،‬نحو‪ :‬رغيف وأرغفة‪ ،‬وجريب وأجربة‪ .‬فيقول على‬
‫هذا‪ :‬مداد وأمدة‪ ،‬وزمام وأزمة‪ ،‬وعقال وأعقلة‪.‬‬
‫فإذا قال في فعيل‪ :‬فعال نحو‪ :‬كريم وكرام‪ ،‬وظريف‬
‫وظراف لزمه أن يقول في دلص‪ :‬دلص‪ ،‬وفي هجان‪،‬‬
‫هجان‪ ،‬إذا أراد الجمع‪ .‬ويدلك على أنه ليس كمثل شكاعى‬
‫واحدة وشكاعى جمع قولهم‪ :‬دلصان‪ ،‬وهجانان‪ .‬قال‬
‫الشاعر‪:‬‬
‫قلي ٌ‬
‫ل وما لومي أخي‬
‫ألم تعلما أن الملمة‬
‫من شماليا‬
‫نفـعـهـا‬
‫يريد‪ :‬من شمائلي‪ .‬فجمع فعال ً على فعال‪ .‬وقال الخر‪:‬‬
‫و أن ليس إهداء الخنا‬
‫أبى الشتم أني قد‬
‫من شماليا‬
‫أصابوا كريمتي‬
‫فهذا ما ذكرت لك من لواحق الجمع‪ .‬وإنما الباب ما‬
‫صدرنا به في جميع ذلك‪.‬‬
‫س‪ ،‬وبابها أل يكون بين‬
‫و اعلم أن هذه المخلوقات أجنا ٌ‬
‫واحدها وجمعها إل الهاء؛ وذلك قولك‪ :‬برة وبر‪ ،‬وشعيرة‬
‫ى‪ ،‬وكذلك سمكة وسمك‪ ،‬وبقرة وبقر‪،‬‬
‫شعير وحصاة وحص ً‬
‫وطلحة وطلح‪ ،‬وشجرة وشجر‪ ،‬ونخلة ونخل‪.‬‬
‫فإن كان مما يعمله الناس لم يجر هذا المجرى‪ ،‬ل يقع‬
‫مثل هذا في جفنة‪ ،‬وصحفة‪ ،‬وقصعة‪.‬‬
‫و قد يقولون في مثل سدرة وسدر‪ ،‬ودرة ودر‪ :‬سدر‬
‫ودرر‪ .‬فالباب ما ذكرت لك‪ .‬ولكن شبه للوزن بظلمة‬
‫وظلم‪ ،‬وكسرة وكسر‪ .‬قال الشاعر‪:‬‬
‫في نسوة كن قبلها‬
‫ة‬
‫كأنهـا درةٌ مـنـعـم ٌ‬
‫دررا‬
‫و كذلك تومة وتوم‪ ،‬وإن لم يكن مرئيا ً محدودا ً بالبصر‪،‬قال‬
‫الشاعر‪:‬‬
‫ة ويهب‬
‫و كنا كالحريق أصاب فيخبو ساع ً‬

‫‪251‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غابا ً‬
‫ساعا‬
‫و الربعة في هذا بمنزلة الثلثة‪ ،‬زوائد كانت أو بغير زوائد‪.‬‬
‫ة وجعثن‪ ،‬وخمخمة‬
‫تقول فيما كان بغير زوائد‪ :‬جعثن ٌ‬
‫وخمخم‪ ،‬وقلقلة وقلقل‪.‬‬
‫و في الزوائد؛ نحو‪ :‬شعيرة وشعير‪ ،‬وقبيلة وقبيل‪ ،‬وما‬
‫ذكرت لك من قليل هذا يدل على كثير‪.‬‬
‫هذا باب ما يجمع مما عدة حروفه أربعة‬
‫أما ما كان من ذلك على فعيل فإن أدنى العدد أفعلة‬
‫وذلك قولك‪ :‬قفيز وأقفزة‪ .‬وجريب وأجربة‪ ،‬ورغيف‬
‫وأرغفة‪ .‬فإذا جاوزت أدنى العدد فإنه يجيء على فعل‬
‫وعلى فعلن نحو‪ :‬قضيب وقضب‪ .‬ورغيف ورغف‪ ،‬وكثيب‬
‫وكثب ويقال أيضًا‪ :‬رغفان وكثبان وقضبان فهذا بابه‪.‬‬
‫و قد تكون السماء من هذا على أفعلء؛ نحو‪ :‬نصيب‬
‫وأنصباء‪ ،‬وصديق وأصدقاء؛ لنه يجري مجرى‬
‫السماء‪،‬وخميس وأخمساء‪.‬‬
‫فإن كان مضاعفا ً أو معتل ً فهو يجري على أفعلء أيضًا؛‬
‫كراهية أن تعتور الحركات حروف اللين‪ ،‬أو يذهب التشديد‬
‫فيها فيضاعف الحرف وإنما وقع الدغام تخفيفًا‪.‬‬
‫فالمضاعف نحو‪ :‬شديد وأشداء‪ ،‬وعزيز وأعزاء‪ ،‬وحديد‬
‫وأحداء‪ ،‬من قولك‪ :‬هذا رجل حديد‪.‬‬
‫و يكون الوصف في ذلك كالسم‪.‬‬
‫و أما ذوات الواو والياء فنحو‪ :‬نبي وأنبياء‪ ،‬وشقي‬
‫وأشقياء‪ ،‬وغني وأغنياء‪ ،‬وتقي وأتقياء‪.‬‬
‫و من قال‪ :‬نبىء فاعلم قال‪ :‬نبئاء؛ لن فعيل ً إذا كان نعتا ً‬
‫فمن أبواب جمعه فعلء؛ نحو‪ :‬كريم كرماء‪ ،‬وظريف‬
‫وظرفاء‪ ،‬وجليس وجلساء‪ .‬قال الشاعر‪:‬‬
‫بالحق كل هدى‬
‫يا خاتم النبئاء إنك‬
‫مـرسـ ٌ‬
‫السبيل هداكا‬
‫ل‬
‫و يكون من جمعه فعال‪ ،‬نحو‪ :‬كريم وكرام‪ ،‬وظريف‬
‫وظراف‪ ،‬وطويل وطوال‪.‬‬
‫فأما ما جمع في السماء على فعلن فنحو‪ :‬ظليم وظلمان‬
‫وقضيب وقضبان‪ .‬فليس من أصل الباب‪ .‬ولكنه على ما‬

‫‪252‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ذكرت لك وأخرجهم إلى ذلك أنه في معنى فعال‪ ،‬لنهما‬
‫يقعان لشيٍء واحد‪ .‬تقول‪ :‬طويل وطوال‪ ،‬وخفيف‬
‫وخفاف‪ ،‬وسريع وسراع‪ .‬قال الشاعر‪:‬‬
‫ة‬
‫أين دريد ٌ وهو ذو‬
‫تعدو به سلهب ٌ‬
‫سراعه‬
‫براعه‬
‫و ثوب رقيق ورقاق‪ ،‬وهذا أكثر من أن يحصى‪.‬‬
‫ل في أدنى العدد كجمع فعيل‪ .‬وكذلك كل ما‬
‫و جمع فعا ٍ‬
‫ن‪ .‬غراب وأغربة‪،‬‬
‫كان على أربعة أحرف وثالثه حرف لي ٍ‬
‫وذباب وأذبة‪ .‬فإذا أردت الكثير قلت‪ :‬غربان‪ ،‬وعقبان‪.‬‬
‫فأما غلم فيستغنى أن يقال فيه‪ :‬أغلمة بقولهم‪ :‬غلمة؛‬
‫لنهما لدنى العدد‪ ،‬ومجازهما واحد ٌ إل أنك حذفت الزيادة‪،‬‬
‫فإذا حقرت غلمة فالجود أن ترده إلى بنائه فتقول‪:‬‬
‫أغيلمة‪ ،‬وكذلك صبية‪ .‬ولو قلت‪ :‬صبية‪ ،‬وغليمة على اللفظ‬
‫كان جيدا ً حسنًا‪ .‬كما قال الشاعر‪:‬‬
‫ما إن عدا أكبرهم أن‬
‫ة على الدخان‬
‫صبي ٌ‬
‫زكا‬
‫رمكـا‬
‫يقال‪ :‬زك زكيكا‪ :‬إذا درج‪.‬‬
‫و قد قيل‪ :‬زقاق وزقاق‪ .‬ولكن باب جمع فعال في العدد‬
‫ل فعلن‪ :‬نحو‪ :‬ظليم‬
‫لكثير فعلن‪ ،‬كما أن باب جمع فعي ٍ‬
‫وظلمان‪ ،‬وقضيب وقضبان‪ ،‬فأدخل كل واحد منهما على‬
‫صاحبه‪ .‬فباب فعيل في السماء على ما وصفت لك‪.‬‬
‫و قد يجيء على فعل؛ كما ذكرت لك قضب‪ ،‬ورغف‪،‬‬
‫وكثب‪ .‬فأما قولهم‪ :‬جدد وسرر‪ ،‬في جمع جديد وسرير‬
‫فإن الصل والباب جدد‪ ،‬وسرر‪ .‬وإنما فتح لكراهة‬
‫التضعيف مع الضمة‪.‬‬
‫ل‪ ،‬وفعي ً‬
‫ل‪ ،‬وفعا ً‬
‫ل‪ ،‬وفعا ً‬
‫و اعلم أن فعا ً‬
‫ل‪ ،‬وفعول ً ترجع في‬
‫ة في‬
‫الجمع في أدنى العدد إلى شيٍء واحد‪ ،‬لنها مستوي ٌ‬
‫أنها من الثلثة‪ ،‬وأن ثالثها حرف لين‪ ،‬أل ترى أنك تقول‪:‬‬
‫قذال وأقذلة‪ ،‬وغزال‪ ،‬وأغزلة‪ .‬وتقول‪:‬غزلن؛ كما تقول‬
‫في غراب‪ :‬غربان وتقول‪ :‬قذل‪ ،‬كما تقول جرب‪ ،‬وكثب‪.‬‬
‫وتقول في عمود‪ :‬أعمدة‪ ،‬وعمد‪ ،‬وفي رسول‪ :‬رسل‪.‬‬
‫د‪ .‬فإن ترك منه شيء ما فللستغناء‬
‫فمجرى هذا كله واح ٌ‬

‫‪253‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫عنه بغيره‪ .‬فإن جاء منه شيء على غير المنهاج الذي‬
‫وصفت لك فعلى تسمية الجمع الذي ذكرنا‪.‬‬
‫فمن ذلك قولهم‪ :‬عمود وعمد‪ ،‬وأديم وأدم‪ ،‬وأفيق وأفق‪.‬‬
‫و اعلم أنه ما كان من الجمع على مثال فعل أو كان واحدا ً‬
‫فإن السكان جائز؛ كما جاز إسكان الحركة في عضد هربا ً‬
‫من الضمة؛ وذلك قولك‪ :‬رسل‪ ،‬ورغف‪ ،‬وما أشبه ذلك‪.‬‬
‫و اعلم أن قولهم‪ :‬فصيل وفصال‪ ،‬وقلوص وقلص إنما‬
‫جاء على وزن فعال‪ .‬وفعال إنما يكون جمع ما كان وصفًا؛‬
‫نحو‪ :‬كريم وكرام‪ ،‬وظريف وظراف‪ ،‬ونبيل ونبال؛ لن ذلك‬
‫في الصل كان نعتًا‪ ،‬وإن جرى مجرى السماء؛ لن‬
‫الفصيل هو حدث المفصول من أمه‪ ،‬والقلوص ما حدث‬
‫ولم يسنن‪.‬‬
‫و اعلم أن قولهم‪ :‬ظريف وظروف إنما جمع على حذف‬
‫س وأسود‪ ،‬وكذلك‬
‫الزائدة وهي الياء‪ ،‬فجاء على مثال فلو ٍ‬
‫فلو وأفلء‪ ،‬وعدو وأعداء‪ .‬إنما جاز على حذف الزيادة؛‬
‫كقولهم؛ عضد وأعضاد‪.‬‬
‫فهذا ما ذكرت لك من دخول الجمع بعضه على بعض‪.‬‬
‫هذا باب جمع ما لحقته الهمزة في أوله من الثلثة‬
‫م‪ .‬فهذه‬
‫و ذلك نحو‪ :‬أفك ٍ‬
‫ل وأيدٍع‪ ،‬وإصبٍع وإثمدٍ وأبل ٍ‬
‫السماء كلها تجمع على أفاعل؛ نحو‪ :‬أفاكل‪ ،‬وأصابع‪،‬‬
‫وأبالم‪.‬‬
‫و كذلك أفعل الذي ل يتم نعتا ً إل بقولك‪ :‬من كذا يجري‬
‫مجرى السماء‪ .‬تقول‪ :‬الصاغر والكابر‪.‬‬
‫ل مما يكون نعتا ً سميت به فإلى هذا يخرج‪.‬‬
‫و كل أفع ٍ‬
‫تقول‪ :‬الحامر‪ ،‬والحامس‪ ،‬وما كان من هذا للدميين لم‬
‫يمتنع من الواو والنون‪ ،‬كما قال الله عز وجل‪" :‬قالوا‬
‫أنؤمن لك واتبعك الرذلون" و"قل هل ننبئكم بالخسرين‬
‫أعما ً‬
‫ل" فهذا كله على هذا‪.‬‬
‫و مؤنث أفعل الذي يلزمه من يكون على فعلى؛ نحو‪:‬‬
‫الصغر والصغرى والكبر والكبرى‪ ،‬والمجد والمجدى‪.‬‬
‫و جمعه باللف والتاء‪ .‬تقول‪ :‬الصغريات‪ ،‬والكبريات‪،‬‬
‫وتكسره على فعل؛ لن اللف في آخره للتأنيث فتكسر‬

‫‪254‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫على فعل‪ .‬فتقول‪ :‬الصغرى والصغر‪ ،‬والكبرى والكبر‪ ،‬كما‬
‫تقول‪ :‬ظلمة وظلم‪ ،‬وغرفة وغرف‪.‬‬
‫فإن كان أفعل نعتا ً مكتفيا ً فإن جمعه على فعل ساكن‬
‫الوسط‪ .‬وذلك قولك‪ :‬أحمر وحمٌر‪ ،‬و أخضر وخضر‪،‬‬
‫وأبيض وبيض‪ ،‬فانكسرت الباء لتصح الياء؛ ولو كان من‬
‫و‪.‬‬
‫الواو لثبت على لفظه نحو‪ :‬أسود وسود‪ ،‬وأحوى وح ّ‬
‫و كذلك مؤنثه‪ .‬تقول‪ :‬حمراء وحمر‪ ،‬وصفراء وصفر‪.‬‬
‫فإن جعلت أحمر اسما ً جمعته بالواو والنون فقلت‪:‬‬
‫الحمرون‪ ،‬والصفرون‪ .‬وقلت في المؤنث‪ :‬حمروات‪،‬‬
‫وصفروات‪ ،‬وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم‪" :‬ليس‬
‫ة" لنه ذهب مذهب السم‪.‬‬
‫في الخضروات صدق ٌ‬
‫والخضروات في هذا الموضع‪ :‬ما أكل رطبًا‪ ،‬ولم يصلح أن‬
‫يدخر فيؤكل يابسًا‪.‬‬
‫و لو سميت رجل ً أحمر لم يجز في جمعه حمر؛ لن هذا‬
‫إنما يكون جمعا ً لما كان نعتًا‪ ،‬ولكن أحامر‪ .‬فهذا جملة هذا‬
‫الباب‪.‬‬
‫و ما كان من السماء على فاعل فكان نعتا ً فإن جمعه‬
‫فاعلون؛ لن مؤنثه تلحقه الهاء‪ ،‬فيكون جمعه فاعلت؛‬
‫وذلك قولك‪ :‬ضارب وضاربون‪ ،‬وقائم وقائمون‪ .‬والمؤنث‪:‬‬
‫قائمة وقائمات‪ ،‬وصائمة وصائمات‪ .‬فهكذا أمر هذا الباب‪.‬‬
‫فإن أردت أن تكسر المذكر فإن تكسيره يكون على فعل‪،‬‬
‫ل‪.‬‬
‫وعلى فعا ٍ‬
‫ل فنحو‪ :‬شاهد وشهد‪ ،‬وصائم وصوم‪ .‬وفعا ٌ‬
‫فأما فع ٌ‬
‫ل‪ :‬نحو‪:‬‬
‫ضارب وضراب‪ ،‬وكاتب وكتاب‪.‬‬
‫و ل يجوز أن يجمع على فواعل‪ ،‬وإن كان ذلك هو الصل؛‬
‫لن فاعلة تجمع على فواعل‪ .‬فكرهوا التباس البناءين؛‬
‫وذلك نحو‪ :‬ضاربة وضوارب‪ ،‬وجالسة وجوالس‪ ،‬وكذلك‬
‫جميع هذا الباب‪.‬‬
‫س وفوارس؛ لن هذا ل يكون من نعوت‬
‫و قد قالوا‪ :‬فار ٌ‬
‫النساء‪ .‬فأمنوا اللتباس فجاءوا به على الصل‪.‬‬
‫و قد قالوا‪ :‬هالك في الهوالك؛ لنه مثل مستعمل‪،‬‬
‫والمثال تجري على لفظ واحد‪ ،‬فلذلك وقع هذا على‬

‫‪255‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫أصله‪ :‬و إذا اضطر شاعر جاز أن يجمع فاعل ً على فواعل؛‬
‫لنه الصل‪.‬‬
‫قال الشاعر‪:‬‬
‫و إذا الرجال رأوا يزيد خضع الرقاب نواكس‬
‫البصار‬
‫رأيتهم‬
‫فأما قولهم‪ :‬عائذ ٌ وعوذ‪ ،‬وحائل وحول‪ ،‬وهالك وهلكى‪،‬‬
‫وشاعر وشعراء فمجموع على غير بابه‪.‬‬
‫فأما ما كان من هذا على فعل فإنه جاء على حذف‬
‫الزيادة كما تقول‪ :‬ورد وورد‪ ،‬وأسد وأسد‪.‬‬
‫و أما هلكى فإنما جاء على مثال فعيل الذي معناه معنى‬
‫المفعول؛ لن جمع ذلك يكون على فعلى؛ نحو‪ :‬جريح‬
‫وجرحى‪ ،‬وصريع وصرعى‪ ،‬وكذلك جميع هذا الباب‪ .‬فلما‬
‫كان هالك إنما هو بلٌء أصابه كان في مثل هذا المعنى‬
‫فجمع على فعلى‪ ،‬لن معناه معنى فعيل الذي هو مفعول‪.‬‬
‫وعلى هذا قالوا‪ :‬مريض ومرضى؛ لنه شيء أصابه‪ ،‬وأنت‬
‫ل تقول مرض ول ممروض‪.‬‬
‫فأما قولهم‪ :‬شاعر وشعراء فإنما جاء على المعنى؛ لنه‬
‫بمنزلة فعيل الذي هو في معنى الفاعل؛ نحو‪ :‬كريم‬
‫وكرماء‪ ،‬وظريف وظرفاء‪ ،‬وإنما يقال ذلك لمن قد‬
‫استكمل الظرف وعرف به‪ .‬فكذلك جميع هذا الباب‪ .‬فلما‬
‫كان شاعر ل يقع إل لمن هذه صناعته‪ ،‬وكان من ذوات‬
‫الربعة بالزيادة‪ ،‬وأصله الثلثة كان بمنزلة فعيل الذي‬
‫ذكرنا‪.‬‬
‫ف فاعل وفعيل من الثلثة وفي صنف من هذا زائدة وهي‬
‫حرف اللين‪ ،‬كما هي في الباب الذي هو مثله‪ .‬فلذلك‬
‫حمل أحدهما على الخر‪.‬‬
‫ل‪ :‬شريف وأشراف‪ ،‬ويتيم وأيتام على‬
‫و قد قالوا في فعي ٍ‬
‫حذف الزيادة‪ ،‬كما قالوا‪ :‬أقمار وأصنام‪.‬‬
‫ب فإن هذا ليس‬
‫و أما قولهم‪ :‬خادم وخدم‪ ،‬وغائب وغي ٌ‬
‫ل على صحة إنما هي أسماء للجمع‪ ،‬ولكنه في‬
‫يجمع فاع ٍ‬
‫بابه كقولك‪ :‬عمود وعمد‪ ،‬وأفيق وأفق‪ ،‬وإهاب وأهب‪.‬‬
‫و لو قالوا‪ :‬فعل لكان من أبواب جمع فاعل؛ كما أنك لو‬

‫‪256‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫قلت في فعيل وفعول وجميع بابهما‪ :‬فعل لكان الباب‪،‬‬
‫نحو‪ :‬كتاب وكتب‪ ،‬وإهاب وأهب‪ ،‬وعمود وعمد‪ ،‬وكذلك‬
‫كاتب وكتبة‪ ،‬وعالم وعلمة‪ ،‬وفاسق وفسقة‪.‬‬
‫فإن كان فاعل من ذوات الواو والياء التي هما لمان كان‬
‫ة لفعلة في الصحيح‪.‬‬
‫جمعه على فعلة؛ لن فيه معاقب ً‬
‫ض وقضاة‪ ،‬وغازٍ وغزاة‪ ،‬ورام ٍ ورماة‪.‬‬
‫وذلك قولك‪ :‬قا ٍ‬
‫و المعتل قد يختص بالنبأ الذي ل يكون في الصحيح مثله‪.‬‬
‫من ذلك أن المعتل يكون على مثل فيعل‪ ،‬ول يكون مثل‬
‫ذلك في الصحيح‪ ،‬وذلك نحو‪ :‬كينونة‪ ،‬وقيدودة‪ ،‬وصيرورة‪.‬‬
‫فهذا ما ذكرت لك من أن المعتل يختص بالبناء الذي ل‬
‫يكون مثله في الصحيح‪.‬‬
‫هذا باب‬
‫جمع السماء التي هي أعلم من الثلثة‬
‫اعلم أنك لو سميت رجل ً عمرا ً أو سعدا ً فإن أدنى العدد‬
‫فيه أعمر‪ ،‬وأسعد‪.‬‬
‫و تقول في الكثير‪:‬عمور‪ ،‬وسعود‪ ،‬كما كنت قائ ً‬
‫ل‪ :‬فلس‬
‫وأفلس وفلوس‪ ،‬وكعب وأكعب وكعوب‪ .‬قال الشاعر‪:‬‬
‫و عمرو الخير إذ ذكر‬
‫و شيد لـي زرارة‬
‫العمور‬
‫بـاذخـات‬
‫و قال آخر‪:‬‬
‫فلم أر سعدا ً مثل‬
‫رأيت سعودا ً من‬
‫سعد بن مالك‬
‫ة‬
‫ب كثير ٍ‬
‫شعو ٍ‬
‫فأما الجمع بالواو والنون فهو لكل اسم معروف ليس فيه‬
‫هاء التأنيث‪.‬‬
‫قال الشاعر‪:‬‬
‫أنا ابن سعدٍ أكرم السعدينا‬
‫فأما ما كان مثل هند فإن جمعه هندات‪ ،‬وهندات‪،‬‬
‫وهندات؛ كما قلت لك في مثل كسرة في هذه اللغات‪،‬‬
‫لن هند‪ ،‬اسم مؤنث فجمعتها بالتاء ولم تكن فيها هاء‪،‬‬
‫وكذلك قدر ولو سميت بها مؤنثُا‪ .‬فأردت تكسيره قلت‪:‬‬
‫أهناد‪ ،‬وهنود‪ :‬كما تقول‪ :‬جذع وأجذاع وجذوع‪ .‬وفي جمل‪:‬‬
‫أجمال وجمول‪ .‬قال الشاعر‪:‬‬

‫‪257‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫فشيبني الخوالد‬
‫أخالد ٌ قد علقتك بعد‬
‫والهنود‬
‫هندٍ‬
‫فإن سميتها جمل ً وحسنا ً قلت‪ :‬جملت وحسنات كما‬
‫تقول‪ :‬ظلمات وعرفات‪ .‬وتقول‪ :‬جملت وحسنات؛ كما‬
‫تقول‪ :‬ظلمات وغرفات‪.‬‬
‫فإن قيل في هند‪ :‬هند مثل كسر فكذلك جمل وحسن؛‬
‫مثل ظلم وغرف فجيد بالغ‪.‬‬
‫و لو سميت امرأة أو رجل ً قدما لقلت‪ :‬أقدام؛ كما تقول‪:‬‬
‫أصنام وأجمال؛ لن التكسير يجري في المذكر والمؤنث‬
‫مجرىً واحدًا‪.‬‬
‫فإن أردت الجمع المسلم‪ ،‬وعنيت مذكرا ً قلت‪ :‬قدمون‪:‬‬
‫كما تقول‪ :‬في حسن اسم رجل‪ :‬حسنون‪ .‬وعلى ما بينت‬
‫لك يجري الجمع في المسلم المؤنث فكل ما كان يقع‬
‫ق عليه إذا سميت‬
‫على شيٍء قبل التسمية فإن تكسيره با ٍ‬
‫به‪ .‬فأما الجمع المسلم فمنتقل بالتأنيث وللتذكير‪.‬‬
‫و لو سميت امرأة عبلة أو طلحة لقلت‪ :‬عبال وطلح‪ .‬ولم‬
‫يجز أن تقول في طلحة‪ :‬طلح؛ لن الجمع الذي ليس بينه‬
‫وبين واحده إل الهاء إنما يكون للنواع؛ كقولك‪ :‬تمرة‬
‫وتمر‪ ،‬وسدرة‪ ،‬وسدر‪ ،‬وشعيرة وشعير‪.‬‬
‫و لو سميت رجل ً بفخذ لقلت في التكسير‪ :‬أفخاذ؛ كما‬
‫كنت قائل ً قبل التسمية به‪ .‬فأما الجمع المسلم ففخذون‪.‬‬
‫فقس جميع ما يرد عليك بهذا تصب إن شاء الله‪.‬‬
‫ة أو نكرةً‬
‫ل غير نعت معرف ً‬
‫هذا باب ما كان اسما ً على فاع ٍ‬
‫اعلم أن ما كان من ذلك لدميين فغير ممتنع من الواو‬
‫والنون‪ .‬لو سميت رجل ً حاتما ً أو عاصما ً لقلت‪ :‬حاتمون‪،‬‬
‫وعاصمون‪ .‬وإن شئت قلت‪ :‬حواتم وعواصم؛ لنه ليس‬
‫بنعت فتريد أن تفصل بينه وبين مؤنثه‪ ،‬ولكنه اسم‪.‬‬
‫فحكمه حكم السماء التي على أربعة أحرف‪.‬‬
‫و إن كان لغير الدميين لم تلحقه الواو والنون‪ .‬ولكنك‬
‫تقول‪ :‬قوادم في قادم الناقة‪ ،‬وتقول‪ :‬سواعد في جمع‬
‫ساعد‪ .‬هكذا جميع هذا الباب‪.‬‬
‫فإن قال قائل‪ :‬فقد قال الله عز وجل في غير الدميين‪:‬‬

‫‪258‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫"إني رأيت أحد عشر كوكبا ً والشمس والقمر رأيتهم لي‬
‫ساجدين"‪.‬‬
‫فالجواب عن ذلك‪ :‬أنه لما أخبر عنها بالسجود وليس من‬
‫أفعالها وإنما هو من أفعال الدميين أجراها مجراهم؛ لن‬
‫الدميين إنما جمعوا بالواو والنون‪ ،‬لن أفعالهم على ذلك‪.‬‬
‫فإذا ذكر غيرهم بذلك الفعل صار في قياسهم؛أل ترى أنك‬
‫تقول‪ :‬القوم ينطلقون‪ ،‬ول تقول‪ :‬الجمال يسيرون‪.‬‬
‫و كذلك قوله عز وجل‪" :‬ك ّ‬
‫ك يسبحون"‪ .‬لما أخبر‬
‫ل في فل ٍ‬
‫عنها أنها تفعل وإنما حقيقتها أن يفعل بها فتجري كانت‬
‫كما ذكرت لك‪.‬‬
‫و من ذلك قوله‪" :‬بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا‬
‫ينطقون"‪ ،‬إنما ذلك لدعواهم أنها فعالة‪ ،‬وأنها تعبد‬
‫باستحقاق‪ ،‬وكذلك "لقد علمت ما هؤلء ينطقون" ومثله‪:‬‬
‫ة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم" لما جعلها‬
‫"قالت نمل ٌ‬
‫مخاطبة ومخاطبة‪ .‬وكل ما جاء من هذا فهذا قياسه‪ .‬قال‬
‫الشاعر‪:‬‬
‫ش دنوا‬
‫تمززتها والديك يدعو‬
‫إذا ما بنوا نع ٍ‬
‫فتصوبوا‬
‫صباحه‬
‫لما ذكرت من أنه جعل الفعل لهذه الكواكب‪ ،‬وعلى هذا‬
‫قال الشاعر‪:‬‬
‫ش ويرهنك‬
‫حتى يقيدك من بنـيه‬
‫نع ٌ‬
‫السماك الفرقدا‬
‫ة‬
‫رهـين ً‬
‫فقال‪:‬من بنيه لما خبر عنه بهذا الفعل‪.‬‬
‫هذا باب ما كان على أربعة أحرف أصلية أو فيها حرف‬
‫زائد‬
‫اعلم أن جميعها كلها يكون على مثال مفاعل في الوزن‪،‬‬
‫وإن اختلفت مواضعها وحركاتها تقول في جعفر‪ :‬جعافر‪،‬‬
‫وفي سلهب‪ :‬سلهب‪ ،‬وفي جدول‪ :‬جداول‪ ،‬وفي عجوز‪:‬‬
‫عجائز‪ ،‬وفي أسود إذا جعلته اسمًا‪ :‬أساود؛ كما قال‬
‫الشاعر‪:‬‬
‫ح‬
‫أسود شرىً لقت‬
‫تساقت على لو ٍ‬
‫دماء الساود‬
‫ة‬
‫أسود خفـي ٍ‬

‫‪259‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫و قالوا‪ :‬الباطح والبارق في جمع البطح والبرق‪ ،‬لنهما‬
‫وإن كانا نعتين قد أجريا مجرى السماء في معناها‪.‬‬
‫و كذلك الدهم إذا عنيت الحية فهو غير مصروف‪ .‬ولكنه‬
‫يجري مجرى السماء في معناه‪.‬‬
‫و كذلك الدهم إذا عنيت القيد‪ ،‬قال الشاعر‪:‬‬
‫لفطح المساحي أو‬
‫هو القين وابن القبن‬
‫لجدل الداهم‬
‫لقين مثلـه‬
‫و كذلك ما ذكرت لك في التصغير جاء على مثال واحد‬
‫أصليا ً كان أو زائدًا‪ ،‬اتفقت حركاته أو اختلفت‪ ،‬إل في‬
‫تصغير الترخيم فإنه يحذف منه الزوائد‪ ،‬ول تحذف‬
‫الصول‪ .‬وسنذكره لك في باب التصغير إن شاء الله‪.‬‬
‫هذا باب ما كان على خمسة أحرف كلهن أصل‬
‫اعلم أنك إذا أردت جمعه لم يكن لك بد ّ من حذف حرف‬
‫ليكون على مثال الجمع‪ .‬والحرف الذي تحذفه هو الحرف‬
‫الخير؛ وذلك لن الجمع يسلم حتى ينتهي إليه فل يكون له‬
‫موضع؛ وذلك قولك في سفرجل‪ :‬سفارج‪ ،‬وفي فرزدق‪:‬‬
‫فرازد‪ ،‬وفي شمردل‪ :‬شمارد وكذلك جميع هذا‪.‬‬
‫و قد يقال في فرزدق‪ :‬فرازق‪ ،‬وليس ذلك بالجيد؛ وذلك‬
‫لن الدال من مخرج التاء‪ .‬والتاء من حروف الزيادة‪ .‬فلما‬
‫كانت كذلك‪ ،‬وقربت من الطرف حذفوها‪ .‬فمن قال ذلك‬
‫لم يقل في جحمرش‪ :‬جحارش؛ لتباعد الميم من الطرف‪.‬‬
‫فهذا يجري مجرى الغلط‪ .‬والباب ما ذكرت لك أو ً‬
‫ل‪.‬‬
‫و اعلم أنهم يتنكبون‪ .‬جمع بنات الخمسة؛ لكراهيتهم أن‬
‫يحذفوا من الصول شيئًا‪ .‬فإذا قالوه قالوه على ما ذكرت‬
‫لك‪.‬‬
‫هذا باب ما عدته خمسة أحرف أو أكثر بزيادة تلحقه‬
‫فمن ذلك قولهم‪ :‬صحراء يا فتى‪ ،‬فإذا جمعت قلت‪:‬‬
‫صحاٍر؛ وكان الصل صحاري‪ .‬وإن شئت أن تقوله قلته‪،‬‬
‫وإن شئت أن تحذفه استخفافا ً فعلت‪ .‬وإنما جاز الثبات؛‬
‫ة فيما عدته خمسة أحرف ثبتت‬
‫لن اللف إذا وقعت رابع ً‬
‫في التصغير والتكسير‪ .‬وإنما تحذف إذا لم يوجد من‬
‫د‪ .‬فتقول في مفتاح‪ :‬مفاتيح‪ ،‬وفي سرداح‪:‬‬
‫الحذف ب ّ‬

‫‪260‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫سراديح‪ ،‬وفي جرموق‪ :‬جراميق‪ ،‬وفي قنديل‪ :‬قناديل‪ .‬فل‬
‫تحذف شيئًا‪.‬‬
‫هذا باب ما كانت عدته أربعة أحرف وفيه علمة التأنيث‬
‫أما ما كان من ذلك على فعلة فجماعه فعال إذا كان من‬
‫غير النواع التي ذكرنا وذلك قولك‪ :‬صحفة وصحاف‪.‬‬
‫وقصعة وقصاع‪ ،‬وجفنة وجفان‪.‬‬
‫و أما قولهم‪ :‬جفنة‪ ،‬وجفن‪ ،‬وضيعة وضيع فليس الباب‪،‬‬
‫إنما هي أسماء للجمع‪ .‬وإنما الكلم جفنات وجفان‪،‬‬
‫وصحفات وصحاف‪ ،‬وضيعات وضياع‪.‬‬
‫فإن كان على أربعة أحرف‪ ،‬والعلمة التي فيه ألف‬
‫التأنيث؛ نحو‪ :‬حبلى‪ ،‬وذفرى‪ ،‬ودنيا فإن جمعه أن تقول‬
‫ت‪ ،‬وفي ذفرى‪:‬‬
‫في حبلى‪ :‬حبليات‪ ،‬وفي دنيا‪ :‬دنييا ٌ‬
‫ذفريات‪ .‬وكذلك هذا الباب أجمع‪.‬‬
‫و أما ما كان منه مؤنثا ً من أفعل الذي تصف به‪ :‬نحو‪ :‬هذا‬
‫أفضل من زيد‪ ،‬وهذا أكبر من عمرو فإن تكسيره على‬
‫فعل‪ .‬تقول‪ :‬الدنيا والدنى‪ .‬والقصيا والقصى‪ .‬وكذلك إن‬
‫قلت‪ :‬القصوى‪ ،‬والكبرى والكبر‪ ،‬والصغرى والصغر‪.‬‬
‫و إن لم يكن مؤنثا ً لفعل فإنه يجمع على فعالى في وزن‬
‫فعالل‪ ،‬كما قلت في جعفر‪ :‬جعافر‪ ،‬وفي جندب‪ :‬جنادب‪.‬‬
‫وذلك قولك في حبلى‪ :‬حبالى‪.‬‬
‫و كذلك فعلى‪ .‬تقول في ذفرى‪ :‬ذفارى‪.‬‬
‫و كذلك فعلى‪ .‬تقول في أرطى‪ :‬أراطى‪.‬‬
‫هذا باب ما كان على خمسة أحرف وفيه زيادتانملحقتان أو غير ملحقتين‬

‫اعلم أنه ما كان كذلك مما استوت فيه زيادتان فإنك في‬
‫حذف ما تشاء منهما مخير إذا كانتا متساويتين‪ ،‬إما‬
‫ى‬
‫ى ودلنظ ً‬
‫ملحقتان وإما غير ملحقتين؛ وذلك قولك‪ :‬حبنط ً‬
‫ى‪.‬‬
‫وسرند ً‬
‫فالنون زائدة وكذلك اللف وهما ملحقتان بباب سفرجل‪.‬‬
‫ظ‪ .‬وسراٍد‪ .‬وإن شئت قلت‪:‬‬
‫ط‪ ،‬ودل ٍ‬
‫فإن شئت قلت‪ :‬حبا ٍ‬
‫حبانط‪ ،‬ودلئظ‪ ،‬وسراند‪ ،‬لن اللف في الزيادة كالنون‪.‬‬
‫وكذلك يكون هذا في التصغير‪.‬‬
‫و من ذلك قلنسوة؛ لن الواو والنون زائدتان وهي على‬

‫‪261‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫مثال قمحدوة‪ .‬فإن شئت قلت‪ :‬قلنس فحذفت الواو‪،‬‬
‫س فحذفت النون‪.‬‬
‫وإن شئت‪ :‬قلت‪ :‬قل ٍ‬
‫و كذلك فعلهما‪ ،‬يقال تقلنس وتقلسى‪ .‬والتصغير على هذا‬
‫جرى‪.‬‬
‫فأما جحنفل فليس فيه إل جحافل‪ .‬وكذلك قرنفل ل يجوز‬
‫فيه إل قرافل‪:‬؛ لنه ليس هاهنا زيادة إل النون‪.‬‬
‫و اعلم أن كل شيٍء حذفت منه فالعوض فيه جائز‪ .‬وهي‬
‫ياٌء تلحق قبل آخره‪ .‬وكذلك قولك في سفرجل سفاريج‪.‬‬
‫وإن شئت قلت في حبنطى‪ :‬حباطي إن حذفت النون‬
‫وعوضت‪ .‬وإن حذفت اللف وعوضت قلت‪ :‬حبانيط‪.‬‬
‫والتصغير على هذا يجري‪.‬‬
‫هذا باب ما تلحقه زائدتان إحداهما ملحقة والخرى غير‬
‫ملحقة‬
‫اعلم أنك تجري الملحق مجرى الصلي في الجمع‬
‫والتصغير‪ :‬وذلك أن الملحق إنما وضع بإزاء الصلي لتلحق‬
‫الثلثة بالربعة والربعة بالخمسة‪ .‬وذلك قولك في مثل‬
‫مسحنكك سحاكك‪ ،‬وفي مقعنسس‪ :‬قعاسس؛ لن الميم‬
‫والنون لم تزادا لتلحقا بناء ببناء‪.‬‬
‫و كان سيبويه يقول في مقنعسس‪ :‬مقاعس‪ .‬وهذا غلط‬
‫شديد؛ لنه يقول في محرنجم‪ :‬حراجم‪ .‬فالسين الثانية‬
‫في مقنعسس بحذاء الميم في محرنجم‪.‬‬
‫فإن قال قائل‪ :‬إنها زائدة‪ .‬قيل له‪ :‬فالميم زائدة أيضًا‪ ،‬إل‬
‫أن السين ملحقة بالصول وليست الميم كذلك‪ .‬إنما هي‬
‫الميم التي تلحق السماء من أفعالها‪ ،‬أل ترى أن من قال‬
‫في أسود‪ :‬أسيود قال في جدول‪ :‬جديول‪ ،‬فأجرى الملحق‬
‫مجرى الصلي‪.‬‬
‫هذا باب التصغير وشرح أبوابه ومذاهبه‬
‫زعم المازني عن الصمعي أنه قال قال الخليل بن أحمد‪:‬‬
‫وضعت التصغير على ثلثة أبنية‪ :‬على فلس‪ ،‬ودرهم‪،‬‬
‫ودينار‪.‬‬
‫و ذلك أن كل تصغير ل يخرج من مثال فليس‪ ،‬ودريهم‪،‬‬
‫ودنينير فإن كانت في آخره زائدة لم يعتد بها‪ ،‬وصغر على‬

‫‪262‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ة بعد الفراغ من‬
‫أحد هذه المثلة ثم جيء بالزوائد مسلم ً‬
‫هذا التصغير‪.‬‬
‫هذا باب ما كان من المذكر على ثلثة أحرف‬
‫اعلم أن تصغيره على مثال فعيل متحركا ً كان حرفه‬
‫الثاني أو ساكنًا‪ :‬وذلك قولك في فلس‪ :‬فليس‪ ،‬وفي‬
‫عمرو‪ :‬عمير‪ ،‬وكذلك تقول في عمر‪ ،‬وفي خدر‪ :‬خدير‪،‬‬
‫وفي رطب‪ :‬رطيب‪ ،‬وفي جمل‪ :‬جميل‪ .‬ل تبالي ما كانت‬
‫حركته?‪ ،‬لن التصغير يخرجه إلى بنائه‪ .‬وحكم التصغير‪:‬‬
‫أن يضم أوله‪ ،‬ويفتح الحرف الثاني‪ ،‬ويلحق بعده ياء‬
‫ة‪.‬‬
‫التصغير ثالث ً‬
‫فإن كان السم على أربعة أحرف انكسر الحرف الذي‬
‫بعد ياء التصغير‪ ،‬كما ينكسر في التكسير؛ لن التكسير‬
‫والتصغير من وادٍ واحد‪ .‬إل أن أول التصغير مضموم‪ ،‬وأول‬
‫الجمع مفتوح‪ ،‬وعلمة التصغير ياء ثالثة ساكنة‪ ،‬وعلمة‬
‫ف ثالثة‪ .‬وهما في تغيير السم عن بنائه سواء؛‬
‫الجمع أل ٌ‬
‫وذلك قولك في جعفر‪ :‬جعيفر وجعافر‪.‬‬
‫و اعلم أنه ل يكون اسم على حرفين إل وأصله الثلثة‪،‬‬
‫فإذا صغر فل بد من رد ما ذهب منه؛ لن التصغير ل يكون‬
‫ي؛ لن‬
‫في أقل من ثلثة أحرف؛ وذلك قولك في دم‪ :‬دم ّ‬
‫الذاهب منه ياء؛ يدلك على ذلك أنك إذا أخرجته إلى‬
‫الفعل قلت‪ :‬دميت‪ .‬كما تقول‪ :‬خشيت‪ .‬وتقول في الجمع‪:‬‬
‫ف بعد ألف زائدة‪ ،‬كما‬
‫دماٍء فاعلم فتهمز الياء؛ لنها طر ٌ‬
‫تقول‪ :‬رداء وسقاء‪.‬‬
‫فإذا فارقت اللف رجعت إلى أصلها فقلت‪ :‬أردية‪،‬‬
‫وأسقية‪ .‬ولما اضطر الشاعر رده إلى أصله فقال‪:‬‬
‫جرى الدميان بالخبر‬
‫فلو أنا على حجر‬
‫اليقين‬
‫ذبحـنـا‬
‫ي‪ ،‬لن أصله غدو‪ ،‬فكان‬
‫و تقول في تصغير غد‪ :‬غد ّ‬
‫تصغيره غديو يا فتى‪ .‬ولكن الواو إذا كانت قبلها ياء ساكنة‬
‫قلبت ياًء وأدغمت الياء فيها؛ كما تقول‪ :‬أيام‪ ،‬وأصلها‪:‬‬
‫أيوام لنها جمع يوم‪ .‬وكذلك سيد وميت‪ ،‬إنما هو سيود‬
‫وميوت؛ لنه من يسود ويموت‪ ،‬وكذلك قيام وقيوم‪ ،‬إنما‬

‫‪263‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫هو قيوام‪ ،‬وقيووم بواوين‪ .‬وهذا يحكم في باب التصريف‪.‬‬
‫و الدليل على أن الذاهب من غد الواو أنهم يقولون فيه‪:‬‬
‫غدو كما يقولون‪ :‬غد قال الشاعر‪:‬‬
‫إن مع اليوم أخاه‬
‫ل تقلواها وادلواها‬
‫دلوا ً‬
‫غدوا‬
‫و قال لبيد بن ربيعة‪:‬‬
‫و ما الناس إل كالديار بها يوم حلوها وغدوا‬
‫يلقع‬
‫وأهلها‬
‫و كل ما لم نذكره من هذا الباب فهو مجازه‪.‬‬
‫هذا باب ما كان من المؤنث على ثلثة أحرف‬
‫اعلم أنه ما كان من ذلك ل علمة فيه فإنك إذا صغرته‬
‫ألحقته هاء التأنيث التي هي في الوصل تاء‪.‬‬
‫و إن كان بهاء التأنيث ثلثة أحرف فقد ذهب منه حرف؛‬
‫لن الهاء ل يعتد بها‪ .‬فيلزمك في التصغير رد ذلك الحرف‪.‬‬
‫أما ما كان من ذلك ل هاء فيه فنحو قولك في دار‪ :‬دويرة‪،‬‬
‫وفي نعل‪ :‬نعيلة‪ ،‬وفي هند‪ :‬هنيدة‪ .‬ل يكون إل على ذلك‪.‬‬
‫فأما قولهم في الناب من البل‪ :‬نييب‪ .‬فإنما صغروه بغير‬
‫هاٍء لنها به سميت؛ كما تقول للمرأة‪ :‬ما أنت إل رجيل؛‬
‫لنك لست تقصد إلى تصغير الرجل‪.‬‬
‫و كذا قولهم في تصغير الحرب‪ :‬حريب إنما المقصود‬
‫المصدر من قولك‪ :‬حربته حربًا‪ .‬فلو سمينا امرأة حربا ً أو‬
‫نابًا‪ ،‬لم يجز في تصغيرها إل حريبة‪ .‬ونييبة‪.‬‬
‫و الفرس يقع للمذكر والنثى‪ .‬فإن قصدت إلى الذكر‬
‫قلت‪ :‬فريس‪ ،‬وإن قصدت إلى النثى قلت‪ :‬فريسة‪.‬‬
‫و أما ما جاء على ثلثة أحرف أحدها هاء التأنيث فنحو‪:‬‬
‫شاة تقول في تصغيرها‪ :‬شويهة فترد الهاء الساقطة‪.‬‬
‫و الدليل على أن الذاهب منه هاء قولك في الجمع‪ :‬شياهٌ‬
‫ة‪ :‬شفيهة؛ لن الذاهب كان‬
‫فاعلم‪ .‬وتقول في تحقير شف ٍ‬
‫هاء‪ .‬يدلك على ذلك قولك‪ :‬شافهت الرجل‪ ،‬وشفة وشفاةٌ‬
‫فاعلم‪.‬‬
‫ومن ذلك سنة فتقول في تصغيرها‪ :‬سنية وسنيهة‪ ،‬لنه‬
‫يجتذبها أصلن‪ :‬الواو‪ ،‬والهاء‪ .‬فمن قال‪ :‬سنوات‪ ،‬واكتريته‬

‫‪264‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫مساناة‪ ،‬وقرأ‪" :‬فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسن‬
‫وانظر" فوصل بغير هاء فهو على قول من أذهب الواو‪.‬‬
‫فهذا يقول سنية‪ .‬والصل سنوة‪ .‬ل يجوز غيره في قوله‪.‬‬
‫ة‪ ،‬فهذا‬
‫ومن قال‪" :‬لم يتسنه وانظر" وقال‪ :‬اكتريته مسانه ً‬
‫يزعم أن الذاهب الهاء‪ .‬ول يجوز على قوله إل سنيهة‪،‬‬
‫والصل عنده سنهة‪.‬‬
‫و كذلك ما لم يكن فيه من ذوات الحرفين هاء وكان مؤنثا ً‬
‫فأمره مثل ما ذكرت لك؛ لنك ترد الحرف الذاهب‪ ،‬ثم‬
‫تجريه مجرى هند‪ ،‬ودعد‪ ،‬وقدر‪ ،‬وشمس‪ ،‬لنه ما كان على‬
‫حرفين فل بد من رد الثالث فيه‪ .‬فإذا رد صار بمنزلة ما‬
‫كان على ثلثة أحرف مما لم ينقص منه شيء؛ وذلك‬
‫قولك في يد‪ :‬يدية؛ لن الذاهب كان ياًء‪ .‬يدلك على ذلك‬
‫قولهم‪ :‬يديت إليه يدًا‪ ،‬وكذلك أياد‪ ،‬وكل ما لم نذكره مما‬
‫كان على هذا المثال فهذا قياسه‪.‬‬
‫و اعلم أنك إذا سميت مذكرا ً بمؤنث ل علمة فيه أنك ل‬
‫تلحقه هاء التأنيث إذا صغرته؛ لنك قد نقلته إلى المذكر؛‬
‫وذلك قولك في رجل سميته هندا ً أو شمسا ً أو عينًا‪ :‬عيين‪،‬‬
‫وشميس‪ ،‬وهنيد‪.‬‬
‫فإن قيل‪ :‬فقد جاء في السماء مثل عيينة‪ ،‬وأذينة‪.‬‬
‫قيل‪ :‬إنما سمي بهما الرجلن بعد أن صغرتا وهما‬
‫مؤنثتان‪ .‬والدليل على ذلك أنك لم تسم الرجل عينا ً ول‬
‫أذنًا‪ ،‬ثم تأتي بهذا إذا صغرته‪ .‬إنما أول ما سميت به عيينة‬
‫وأذينة‪ .‬فهذا بين جدًا‪ .‬وكذلك إن سميت امرأة أو مؤنثا ً‬
‫غيرها باسم على ثلثة أحرف مما يكون للمذكر فل بد من‬
‫إلحاق الهاء إذا صغرتها‪ .‬وذلك أنك لو سميت امرأة حجرا ً‬
‫أو عمرا ً أو عمر‪ ،‬لم تقل في تصغيرها‪ :‬إل عميرة‪،‬‬
‫وحجيرة‪ .‬ل يكون إل ذلك؛ كما لم يكن في المذكر إل ما‬
‫وصفت لك إذا سميته بمؤنث‪.‬‬
‫هذا باب تصغير ما كان من المذكر على أربعة أحرف‬
‫اعلم أن تصغير ذلك على وزن واحد‪ ،‬كانت فيه زوائد أو‬
‫ة اختلفت حركاته أو اتفقت‪،‬‬
‫كانت الحروف كلها أصلي ً‬
‫كانت الزوائد ملحقة أو للمد واللين؛ وذلك قولك في‬

‫‪265‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫جعفر‪ :‬جعيفر‪ ،‬وفي قمطر‪ :‬قميطر‪ ،‬وفي درهم‪ :‬دريهم‪،‬‬
‫وفي علبط‪ :‬عليبط وفي جلجل‪ :‬جليجل‪ ،‬وفي زهلق‪:‬‬
‫زهيلق‪ ،‬وفي عجوز‪ :‬عجيز‪ ،‬وفي رغيف‪ :‬رغيف‪ ،‬وفي‬
‫كتاب‪ :‬كتيب‪.‬‬
‫ة في التكبير زائدةً‬
‫و اعلم أن ما كانت فيه الواو متحرك ً‬
‫ة أو أصلية فأنت في تصغيره بالخيار‪ :‬إن شئت‬
‫ملحق ً‬
‫أبدلت من الواو في التصغير ياًء للياء التي قبلها‪ ،‬وهو‬
‫أجود وأقيس‪.‬‬
‫و إن شئت أظهرت الواو؛ كما كانت في التكبير متحركة؛‬
‫وذلك قولك في أسود‪ :‬أسيد‪ ،‬وفي أحول‪ :‬أحيل‪ ،‬فهذا‬
‫الصلي‪ .‬والزائدة تقول في قسور‪ :‬قسير‪ ،‬وفي جدول‪:‬‬
‫جديل‪.‬‬
‫و إن شئت قلت فيه كله‪ :‬أسيود‪ ،‬وقسيور‪ ،‬وجديول‪ ،‬وإنما‬
‫استجازوا ذلك لما رأوا التصغير والجمع على منهاج واحد‬
‫وكان جمع هذا إنما يكون‪ :‬قساور‪ ،‬وجداول‪.‬‬
‫فأما الولون فعلموا أن الواو إنما تنقلب للياء التي قبلها‪،‬‬
‫وأن اللف ل يوجد فيها مثل ذلك‪ .‬والوزن واحد‪ .‬والقلب‬
‫لعلةٍ توجبه‪ .‬وك ّ‬
‫ل قد ذهب مذهبًا‪ ،‬إل أن القلب أقيس لما‬
‫ذكرت لك‪.‬‬
‫ة في التكبير لم يكن إل القلب؛‬
‫فإن كانت الواو ساكن ً‬
‫وذلك لن ما تحركت واوه الوجه فيه القلب‪ .‬ويجوز‬
‫الظهار لتحرك الواو‪ .‬فلما كانت المتحركة الوجه فيها‬
‫القلب لم يكن في الساكنة غيره؛ وذلك قولك في عجوز‪:‬‬
‫عجيز‪ ،‬وفي عمود‪ :‬عميد‪.‬‬
‫و اعلم أنه إذا كانت في ذوات الربعة زائدة يبلغ بها‬
‫الخمسة في العدد بإلحاق أو غير إلحاق فإن تلك الزائدة‬
‫ة أو ياًء أو ألفا ً‬
‫تحذف في التصغير‪ ،‬إل أن تكون واوا ً رابع ً‬
‫في ذلك الموضع فإنها ل تحذف‪ ،‬لنها تصير على مثال‬
‫دنينير‪.‬‬
‫فإن لم يكن ذلك فالحذف لزم؛ لنه يكون على مثال‬
‫دريهم‪ .‬وذلك قولك في سرادق‪ :‬سريدق؛ لن اللف‬
‫زائدة‪ ،‬وفي جحنفل جحيفل؛ لن النون زائدة‪ ،‬وكذلك ما‬

‫‪266‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫كان مثل ذلك‪.‬‬
‫و أما معاوية فمن بنات الثلثة وسنشرح لك أحكامها‬
‫لتقف عليها إن شاء الله‪.‬‬
‫اعلم أن ذوات الثلثة إذا لحقتها زائدتان مستويتان‪ ،‬فأنت‬
‫في الحذف بالخيار‪ ،‬أيهما شئت حذفت‪.‬‬
‫فإن كانت إحداهما ملحقة لم يجز حذفها‪ ،‬وحذفت‬
‫الخرى؛ لن الملحق كالصلي‪ .‬فإن كانتا ملحقتين فأنت‬
‫في حذف أيهما شئت مخير‪.‬‬
‫و إن كانتا غير ملحقتين وإحداهما للمعنى‪ ،‬حذفت التي‬
‫ليست للمعنى‪ ،‬وأبقيت التي المعنى من أجلها يعلم‪.‬‬
‫ط‬
‫فأما ما استوت فيه الزيادتان فقولك في حبنطى‪ :‬حبي ٍ‬
‫فاعلم‪ ،‬وإن شئت حبين ٌ‬
‫ط؛ وذلك؛ لنه من الثلثة‪ ،‬والنون‬
‫واللف فيه زائدتان ملحقتان بسفرجل‪ .‬فإن حذفت النون‬
‫ط‪ ،‬وإن حذفت اللف قلت‪ :‬حبين ٌ‬
‫ط‪ ،‬وإن عوضت‬
‫قلت‪ :‬حبي ٍ‬
‫ي فاعلم‪ ،‬وفيمن حذف‬
‫فيمن حذف النون قلت‪ :‬حبيط ّ‬
‫اللف حبيني ٌ‬
‫ط‪.‬‬
‫و كذلك جمعه‪ :‬تقول‪ :‬حبانط فاعلم‪ ،‬وإن عوضت قلت‪:‬‬
‫حبانيط‪.‬‬
‫ط وإن عوضت قلت‪ :‬حباطي‪،‬‬
‫فإن حذفت النون قلت‪ :‬حبا ٍ‬
‫فعلى هذا يجري‪.‬‬
‫و لو حقرت مثل مغتسل لقلت‪ :‬مغيس ٌ‬
‫ل‪ .‬وإن عوضت‬
‫قلت‪ :‬مغيسي ٌ‬
‫ل‪ .‬ل يكون إل ذلك؛ لن الميم والتاء زائدتان‪،‬‬
‫والميم للمعنى؛ أل ترى أنك لو قلت‪ :‬مغتسل كان مؤديا ً‬
‫للمعنى‪ .‬فالميم ل تحذف‪.‬‬
‫فإذا حقرت معاوية فيمن قال‪ :‬أسيد قلت‪ :‬معية‪ .‬وكان‬
‫الصل معيية‪ .‬ولكنهم إذا اجتمعت ثلث ياءات في بناء‬
‫التصغير حذفت الياء المعتلة لجتماع الياءات‪.‬‬
‫و من قال في أسود‪ :‬أسيود قال في تصغير معاوية‪:‬‬
‫معيوية؛ لنه يحذف اللف فيصير معيوية‪ ،‬ول تجتمع‬
‫الياءات فيلزمك الحذف‪.‬‬
‫فأما ما ذكرت لك مما يحذف لجتماع الياءات فقولك في‬
‫ي فاعلم؛ لنك حذفت ياء والصل‪:‬‬
‫تصغير عطاء‪ :‬عط ّ‬

‫‪267‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ي فصار تصغيره كتصغير ما كان على ثلثة أحرف‪.‬‬
‫عطي ٌ‬
‫ي فاعلم على قولك‪:‬‬
‫فعلى هذا تقول في تصغير أحوى‪ :‬أح ّ‬
‫أسيد‪ ،‬ومن قال‪ :‬أسيود قال‪ :‬أحيوٍ فاعلم‪.‬‬
‫ل‪ :‬عثي ّ‬
‫و تقول في تصغير عثو ّ‬
‫ل فاعلم؛ لن فيه زائدتين‪:‬‬
‫الواو وإحدى اللمين‪ .‬والواو أحق عندنا بالطرح؛ لنها من‬
‫الحروف التي تزاد‪ .‬واللم مضاعفة من الصول‪ .‬وهما‬
‫جميعا ً لللحاق بمثل جردحل‪.‬‬
‫و كان سيبويه يختار عثي ٌ‬
‫ل‪ ،‬وعثيول فيمن قال‪ :‬أسيود‪،‬‬
‫ويقول‪ :‬هي ملحقة‪ ،‬وهي أبعد من الطرف‪ .‬وقد يجوز ما‬
‫قال‪ .‬ولكن المختار ما ذكرنا‪ ،‬للعلة التي شرحنا‪.‬‬
‫و من عوض على قول سيبويه قال‪ :‬عثييل وعثيويل‪،‬‬
‫وعلى قولنا‪ :‬عثيليل فهذا وجه هذا‪.‬‬
‫و لو حقرت مثال مفتاح‪ ،‬وقنديل‪ ،‬وشملن لم تحذف‬
‫شيئًا‪ ،‬وكنت قائ ً‬
‫ل‪ :‬قنيديل‪ ،‬ومفيتيح‪ ،‬وشميليل؛ وذلك لنك‬
‫كنت قائل ً لو عوضت في مثل سفرجل‪ :‬سفيريج‪ .‬فأنت إذا‬
‫أتيت بها فيما لم تكن فيه أحرى أل تحذفها فيما هي فيه‬
‫أو ما تكون بدل ً منه‪ .‬وإنما تثبت في هذا الموضع‪ ،‬لنه‬
‫موضع تلزمه الكسرة‪ ،‬والياء إنما هي حرف لين‪ ،‬فدخلت‬
‫بدخول ما هو منها وهو الكسرة‪ ،‬وكذلك الجمع لذوات‬
‫الربعة إنما يجري مجرى تصغيره في كل شيٍء‪ ،‬فيجريان‬
‫فيه على قياس واحد فيما جاوز الثلثة‪.‬‬
‫هذا باب تحقير بنات الخمسة‬
‫اعلم أنك إذا صغرت شيئا ً على خمسة أحرف كلها أص ٌ‬
‫ل‬
‫فإنك ل تحذف من ذلك إل الحرف الخير؛ لنه يجري على‬
‫مثال التحقير‪ ،‬ثم ترتدع عنده‪ .‬فإنما حذفت الذي يخرج‬
‫من مثال التحقير؛ وذلك قولك في سفرجل‪ :‬سفيرج‪ ،‬وفي‬
‫شمردل‪ :‬شميرد‪ ،‬وفي جحمرش‪ :‬جحيمر‪ ،‬وفي جردحل‪:‬‬
‫جريدح‪ .‬وكذلك إن كانت في ذوات الخمسة زائدة حذفتها‪،‬‬
‫ثم حذفت الحرف الخير من الصول حتى يصير على هذا‬
‫المثال؛ وذلك قولك في عضرفوط‪ :‬عضيرف‪ ،‬وفي‬
‫عندليب‪ :‬عنيدل‪ ،‬وفي قبعثرى‪ :‬قبيعث‪ .‬والعوض في هذا‬
‫كله جائز؛ وذلك قولك‪ :‬قبيعيث‪ ،‬وعضيريف‪ .‬وكذلك كل ما‬

‫‪268‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫حذف منه‪ .‬فهذا قياس هذا الباب‪.‬‬
‫و من العرب من يقول في الفرزدق‪ :‬فريزق‪ .‬وليس ذلك‬
‫بالقياس‪ ،‬إنما هو شبيه بالغلط وذلك لن التاء من حروف‬
‫الزيادة‪ ،‬والدال من موضعها‪ .‬فلما كانت طرفًا‪ ،‬وكانت‬
‫أشبه ما في الحرف بحروف الزيادة حذفتها‪.‬‬
‫و من قال هذا قال في جمعه‪ :‬فرازق‪ .‬والجيد‪ :‬فرازد‬
‫وفريزد؛ لن ما كان من حروف الزيادة وما أشبهها إذا‬
‫وقع أصليا ً فهو بمنزلة غيره من الحروف‪.‬‬
‫و من قال‪ :‬فريزق لم يقل في جحمرش‪ :‬جحيرش‪ ،‬وإن‬
‫كانت الميم من حروف الزيادة لبعدها من الطرف‪ .‬ولكنه‬
‫يقول في مثل شمردل‪ :‬شميرد‪ .‬وإن كان هذا أبعد؛ لن‬
‫اللم من حروف الزيادة‪.‬‬
‫هذا باب تصغير السماء المبنية من أفعالها‬
‫اعلم أنك إذا حقرت مضروبا ً قلت‪ :‬مضيريب‪ .‬ل تحذف‬
‫منه شيئًا؛ لن الواو رابعة‪ .‬وقد تقدم القول في هذا وأنك‬
‫لست تحذف إل مضطرًا‪.‬‬
‫فإن حقرت مدحرجا ً أو مدحرجا ً قلت‪ :‬دحيرج؛ لن الميم‬
‫زائدة‪ ،‬وليس هاهنا من حروف الزيادة غيرها‪.‬‬
‫فإن حقرت مثل منطلق قلت‪ :‬مطيلق‪ .‬تحذف النون ول‬
‫تحذف الميم‪ ،‬وإن كانتا زائدتين‪ ،‬لن الميم للمعنى؛ أل‬
‫ترى أنك إذا جاوزت الثلثة أدخلت الميم على كل فاعل‬
‫ومفعول‪ ،‬وتدخل علة المفعول من الثلثة واسم الزمان‪،‬‬
‫والمكان‪ ،‬والمصدر‪ ،‬كقولك‪ :‬سرت مسيرًا‪ ،‬وأدخلته مدخل ً‬
‫كريمًا‪ ،‬وهذا مضرب زيد‪ ،‬ومدخل زيد‪.‬‬
‫فإن حقرت مثل مقتدر قلت‪ :‬مقيدر‪ .‬تحذف التاء من‬
‫مفتعل؛ كما حذفت النون من منفعل؛ لن العدة قد‬
‫خرجت على مثال التصغير‪ .‬فل بد من حذف الزيادة‪.‬‬
‫و العوض في جميع هذا جائز‪ ،‬لنك قد حذفت منه‪ .‬تقول‬
‫في منطلق إذا عوضت‪ :‬مطيليق‪ ،‬وفي مقتدر‪ :‬مقيدير‪.‬‬
‫فإن حقرت مثل مقاتل قلت‪ :‬مقيتل‪ ،‬تحذف اللف‪ ،‬وإن‬
‫عوضت قلت‪ :‬مقيتيل‪.‬‬
‫فإن حقرت مثل مستضرب قلت‪ :‬مضيرب‪ ،‬ومضيريب‪،‬‬

‫‪269‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫تحذف التاء والسين‪ ،‬ول تحذف الميم؛ لما ذكرت لك‪.‬‬
‫و كذلك ما كان من مفعوعل مثل مغدودن‪ .‬تحذف الواو‬
‫وإحدى الدالين‪ ،‬فتقول‪ :‬مغيدن‪ ،‬ومغيدين‪ .‬ول تحذف‬
‫الميم؛ لنها للمعنى‪.‬‬
‫و كل ما كان على شيٍء من البنية فهذا قياسه‪.‬‬
‫و تقول في مثل محمر‪ :‬محيمر‪ .‬تحذف إحدى الراءين‪.‬‬
‫و كذلك تقول في تصغير محمار‪ :‬محيمير‪ .‬تحذف إحدى‬
‫الراءين‪ ،‬ول تحذف اللف لنها رابعة‪ ،‬ولو حذفتها لم يكن‬
‫بد ّ من حذف إحدى الراءين ليكون على مثل التصغير‬
‫والجمع على ذلك‪ .‬تقول‪ :‬محامر في محمر‪ ،‬ومحامير في‬
‫محمار‪.‬‬
‫و تقول في مثل مقشعر‪ :‬قشيعر‪ ،‬وقشيعير إن عوضت‬
‫تحذف الميم وإحدى الراءين‪ ،‬لن الحرف يبقى على‬
‫أربعة‪ ،‬فلو حذفت غير الميم كنت حاذفا ً من الصل تاركا ً‬
‫الزيادة‪ ،‬فنخرج إلى مثال تصغير مدحرج‪.‬‬
‫ن‪ .‬تقول‪ :‬طميئن‪ ،‬وطميئين إن عوضت‪.‬‬
‫و كذلك مطمئ ّ‬
‫وتقول في مثال محرنجم حريجم‪ ،‬وحريجيم إن عوضت‪.‬‬
‫فتحذف الميم والنون لنهما زائدتان‪ ،‬ول تجد من ذلك بدًا؛‬
‫لنه يبقى على أربعة أحرف‪.‬‬
‫و كان سيبويه يقول في تصغير مقعنسس‪ :‬مقيعس‬
‫ومقيعيس‪ .‬وليس القياس عندي ما قال؛ لن السين في‬
‫مقعنسس ملحقة‪ ،‬والملحق كالصلي‪ .‬والميم غير ملحقة‪.‬‬
‫فالقياس‪ :‬قعيسس وقعيسيس‪ ،‬حتى يكون مثل حريجم‬
‫وحريجيم‪.‬‬
‫هذا باب‬
‫ما لحقته زائدتان‬
‫ة والخرى غير ملحقة‬
‫إحداهما ملحق ٌ‬
‫ن اعلم أنك إذا حقرت ثمانية‬
‫ن ويما ٍ‬
‫وذلك قولك‪ :‬ثما ٍ‬
‫وعلنية‪ ،‬فإن أقيس ذلك وأجوده أن تقول‪ :‬ثمينية‪،‬‬
‫ة في موقع‬
‫وعلينية؛ وذلك لن الياء فيهما ملحقة واقع ٌ‬
‫المتحرك‪ .‬واللف غير ملحقة ول يقع في موضعها إل‬
‫حرف مد‪ ،‬فإنما هي بمنزلة ألف عذافرة‪ ،‬والياء بمنزلة‬

‫‪270‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫الراء‪ .‬فلما‪ ،‬لم يجز في عذافرة إل عذيفرة‪ ،‬فكذلك يجب‬
‫فيما ذكرت لك‪.‬‬
‫و قد أجازوا ثمينة‪ ،‬وعلينة‪ ،‬واحتجوا بأنهما زائدتان‪ ،‬وقالوا‪:‬‬
‫الولى وإن لم تكن ملحقة فهي بعيدة من الطرف‪ .‬وهو‬
‫وجه رديٌء‪ .‬كما أن قلنسوة لما كانت في وزن قمحدوة‬
‫كانت النون بحذاء الصلي والواو بحذاء الواو الزائدة‪،‬‬
‫فكان قلينسة أقيس من قليسية‪ .‬فهذا مجرى هذا‪.‬‬
‫و اعلم أنه كل ما كانت فيه زائدتان إذا حذفت إحداهما‬
‫ثبتت الخرى‪ ،‬لم تحذف غيرها؛ وذلك نحو‪ :‬عيضمور‪،‬‬
‫وعيطموس‪ .‬تقول‪ :‬إذا حقرت‪ :‬عضيميز‪ ،‬وعطيميس؛ لنك‬
‫لو حذفت الواو لحتجت أن تحذف الياء ليكون على مثال‬
‫التصغير‪ .‬وأنت إذا حذفت الياء وحدها لم تحتج إلى حذف‬
‫ة‪ ،‬فيصير تحقيره مثل تحقير سرحوب‪،‬‬
‫الواو؛ لنها تقع رابع ً‬
‫وقنديل‪ .‬فكلما قل من الحذف لم يصلح غيره؛ أل ترى أنك‬
‫لو جمعت لم تقل إل عطاميس‪ ،‬وعضاميز‪ ،‬وسراحيب?‬
‫فعلى هذا فأجر هذا الباب‪.‬‬
‫هذا باب ما يحقر على مثال جمعه‬
‫على القياس ل على المستعمل‬
‫و ذلك قولك في تحقير دانق‪ :‬دوينق‪ ،‬وطابق‪ :‬وطويبق‪،‬‬
‫وخاتم‪ :‬وخويتم‪ .‬ول تلتفت إلى قولهم‪ :‬خواتيم‪ ،‬ودوانيق‪،‬‬
‫وطوابيق؛ لن الجمع على الحقيقة إنما هو دوانق‪،‬‬
‫وخواتم‪ ،‬وطوابق؛ كما تقول في تابل‪ :‬توابل‪ ،‬وفي فارس‪:‬‬
‫فوارس‪ .‬وعلى هذا قال الشاعر‪:‬‬
‫و تترك أموا ٌ‬
‫ل عليها الخواتم‬
‫فأما دوانيق فإن الياء زيدت للمد في تكسيره؛ كما تزاد‬
‫حروف المد في الواحد‪ .‬وكذلك طوابيق‪.‬‬
‫فأما خواتيم فإنه على قياس من قال‪ :‬خاتام؛ كما قال‬
‫الشاعر‪:‬‬
‫أخذت خاتامي بغير‬
‫أعز ذات المئزر‬
‫حق‬
‫المنشق‬

‫‪271‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫فإذا احتاج شاعر إلى زيادة حرف المد في هذا الضرب‬
‫من الجمع جاز له؛ للزوم الكسرة ذلك الموضع‪ .‬وإنما‬
‫الكسرة من الياء‪ .‬قال الشاعر‪:‬‬
‫نفي الدراهيم تنقاد‬
‫تنفي يداها الحصى‬
‫الـصـياريف‬
‫في كل هاجرة‬
‫ف مما آخره حرف تأنيث‬
‫هذا باب ما كان على أربعة أحر ٍ‬
‫اعلم أنه ما كان من ذلك فإن ثالثه يترك مفتوحًا؛ لئل‬
‫تنقلب ألف التأنيث‪ .‬وذلك قولك في حبلى‪ :‬حبيلى؛ لنه لو‬
‫قيل فيها كما قيل في جعفر‪ :‬جعيفر لصارت اللف ياء‬
‫فذهبت علمة التأنيث‪.‬‬
‫و كذلك تقول في دفلى‪ :‬دفيلى‪ ،‬وفي دنيا‪ :‬دنيا‪.‬‬
‫فإن كانت اللف زائدة لغير التأنيث انكسر ما قبلها‬
‫ى‬
‫ى‪ :‬أري ٍ‬
‫ط؛ لن أرط ً‬
‫وانقلبت ياًء‪ .‬وذلك قولك في أرط ً‬
‫ملحق بجعفر‪ ،‬وليست ألفه للتأنيث‪ .‬أل ترى أنك تقول في‬
‫الواحدة‪ :‬أرطاة? فلو كانت اللف للتأنيث لم تدخل عليها‬
‫هاء التأنيث؛ لنه ل يدخل تأنيث على تأنيث‪.‬‬
‫و تقول في معزى‪ :‬معيزٍ فاعلم‪ ،‬وهكذا كل ما كانت ألفه‬
‫للتأنيث‪.‬‬
‫فأما الهاء فإنها بمنزلة اسم ضم إلى اسم؛ أل ترى أنها‬
‫تدخل على المذكر‪ ،‬فل تغير بناءه?‪ .‬فإنما الباب فيها أن‬
‫يصغر السم من أي باب كان على ما يجب في مثله‪ ،‬ثم‬
‫تأتي بها؛ وذلك قولك في حمدة‪ :‬حميدة‪ ،‬وفي نخلة‪:‬‬
‫نخيلة‪ ،‬وفي قسورة‪ :‬قسيرة‪ .‬ومن قال في أسود‪ :‬أسيود‬
‫قال‪ :‬قسيورة‪ ،‬وفي هلباجة‪ :‬هليبيجة؛ لنك لو صغرت‬
‫هلباجا ً لقلت‪ :‬هليبيج فلم تحذف منه شيئًا‪.‬‬
‫فإنما يجري على الصدر ما يجري عليه‪ ،‬ثم تأتي بالهاء‪.‬‬
‫و تقول في تصغير سفرجلة‪ :‬سفيرجة؛ لنك كنت قائل ً في‬
‫سفرجل‪ :‬سفيرج‪ .‬فهذا حكم اللف والهاء‪.‬‬
‫فأما ما لحقته ألفان للتأنيث فإنك قائل فيه ما قلت في‬
‫الهاء‪ ،‬ل ما قلت في اللف المقصورة وسنبين ذلك إن‬
‫شاء الله‪.‬‬
‫تقول في حمراء‪ :‬حميراء يا فتى؛ لن الخر متحرك‪ ،‬فهو‬

‫‪272‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫كالهاء‪ .‬وتقول في خنفساء‪ :‬خنيفساء يا فتى؛ لنك كنت‬
‫تقول في خنفس‪ :‬خنيفس‪ .‬فإنما تسلم الصدر‪ ،‬ثم تأتي‬
‫باللفين‪ .‬وتقول في معيوراء‪ :‬معييراء‪ .‬تسلم الصدر على‬
‫ما ذكرت لك؛ لن اللفين يجريان مجرى الهاء‪.‬‬
‫فأما اللف المقصورة فإنها في السم كبعضه‪ .‬وقد ذكرتها‬
‫ة بحيث ل يحذف من التصغير شيٍء‪ .‬وسأذكرها‬
‫لك رابع ً‬
‫ة‪.‬‬
‫ة وسادس ً‬
‫خامس ً‬
‫اعلم أنك إذا صغرت شيئا ً فيه اللف المقصورة وهو على‬
‫خمسة أحرف بها أو أكثر ذلك فإنك تحذفها‪ ،‬كما تحذف‬
‫الحرف الخامس وما بعده من الصل والزوائد‪.‬‬
‫تقول في قرقرى‪ :‬قريقر لنك حقرت قرقرًا‪ ،‬فانتهى‬
‫التحقير‪ ،‬وهذه اللف زائدة‪ .‬ولم تكن لتكون بأقوى من لم‬
‫سفرجل وما أشبهها من الصول‪ ،‬ولم تكن متحركة‪،‬‬
‫فتصير كاسم ٍ ضم إلى اسم بمنزلة الهاء واللف‬
‫الممدودة‪ .‬فألف قرقرى للتأنيث وهي محذوفة لما ذكرت‬
‫لك‪.‬‬
‫ى وألفه ملحقة بسفرجل قلت‪:‬‬
‫فإن قلت في مثل حبرك ً‬
‫حبيرك لما ذكرت لك‪ .‬وإن عوضت قلت‪ :‬حبيريك‪،‬‬
‫وقريقير‪.‬‬
‫و إن كانت مع اللف زائدة غيرها حذفت أيتهما شئت؛‬
‫وذلك قولك في مثل حبارى‪ :‬حبيرى‪ ،‬وهو أقيس؛ لن‬
‫اللف الولى من حبارى زائدة لغير معنى إل للمد‪ .‬وألف‬
‫حبارى الخيرة للتأنيث‪ .‬فلن تبقى التي للمعنى أقيس‪.‬‬
‫و قد قالوا‪ :‬حبير‪ ،‬فحذفوا الخيرة؛ لنهما زائدتان‪ .‬وما‬
‫دون الطرف أقوى مما كان طرفًا‪.‬‬
‫و كان أبو عمرو بن العلء يقول في تصغيرها‪ :‬حبيرة‪،‬‬
‫فيحذفها‪ ،‬ويبدل منها هاء التأنيث؛ لتكون في السم علمة‬
‫ة‬
‫تأنيث‪ ،‬ويفعل ذلك بكل ما فيه ألف التأنيث خامس ً‬
‫فصاعدًا‪ .‬ويقول‪ :‬لم يجز إثباتها لنها ساكنة‪ .‬فإذا حذفتها‬
‫لم أخل السم من علمة تأنيث ثابتة‪.‬‬
‫و من قال في حبارى‪ :‬حبيرة قال في تحقير لغيزى‪:‬‬
‫لغيغيزة على مذهب أبي عمرو‪.‬‬

‫‪273‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫و قول جميع النحويين يثبتون الياء في لغيزى؛ لنهم لو‬
‫حذفوها لحتاجوا معها إلى حذف اللف‪ .‬وقد مضى تفسير‬
‫هذا‪.‬‬
‫و اعلم أن ياء لغيزى ليست بياء التحقير؛ لن ياء التحقير‬
‫ة؛ كما أن اللف في حبارى ل‬
‫ة‪ ،‬وهذه رابع ً‬
‫ل تكون إل ثالث ً‬
‫تكون للجمع؛ لن الجمع من هذا الحيز ل يكون إل مفتوح‬
‫ة في موضع ياء التصغير‪.‬‬
‫الول‪ ،‬ول تكون ألفه إل ثالث ً‬
‫و اعم أن سيبويه يقول في تحقير بروكاء‪ ،‬وبراكاء‪،‬‬
‫وخراسان‪ :‬بريكاء‪ ،‬وخريسان‪ ،‬فيحذف ألف خراسان‬
‫الولى‪ ،‬وواو بروكاء؛ كما يحذف ألف مبارك‪ .‬وليس هذا‬
‫بصواب ول قياس‪ .‬إنما القياس أل يحذف شيئًا؛ لنك لست‬
‫تجعل ألفي التأنيث‪ ،‬ول اللف والنون بمنزلة ما هو في‬
‫السم‪ .‬ونحن ذاكرون احتجاجه‪ ،‬والحتجاج عليه إن شاء‬
‫الله‪.‬‬
‫ة في موضع ألف‬
‫حجته أنه يقول‪ :‬إذا وقعت اللف ثالث ً‬
‫مبارك حذفت لكثرة العدد؛ وذلك أن اللف والنون ليستا‬
‫مما يجوز حذفه‪ ،‬وهما كهاء التأنيث في اللزوم‪ ،‬وليستا‬
‫بمنزلتهما في أنها كاسم ضم إلى اسم‪ .‬فتحقر الصدر‬
‫وتترك ما بعده ولكنهما بمنزلة‪ ،‬هو من السم‪.‬‬
‫فيقال له‪ :‬إن كانتا بمنزلة ما هو بالسم وجب عليك أل‬
‫تحقر ما هما فيه؛ إذا كان على ستة أحرف بهما‪.‬‬
‫و إن كانتا بمنزلة شيٍء ضم إلى الصدر وجب أن يحقر ما‬
‫قبلهما؛ كما تفعل ذلك بما قبل الهاء‪ ،‬ثم تأتي بهما؛ كما‬
‫تأتي بالسم الخير بعد الول في مثل حضرموت‬
‫ومعديكرب‪ .‬وكذلك حكم ألف التأنيث‪ ،‬وياء النسب كهاء‬
‫التأنيث‪ .‬أل ترى أنك تقول في زعفران‪ :‬زعيفران? فلو‬
‫كانت اللف والنون كاللم في سفرجل لكان هذا التحقير‬
‫محا ً‬
‫ل‪ ،‬ولكنك تقول في خنفساء‪ :‬خنيفساء‪ ،‬وفي مدائني‪:‬‬
‫مديئني‪ .‬فإنما حق هذا ما ذكرت لك؛ أل ترى أن ما قبل‬
‫ح‪،‬‬
‫اللف والنون في التحقير إذا لم يكن ملحق الجمع مفتو ٌ‬
‫وما قبل ألفي التأنيث ل يكون إل مفتوحًا؛ كما يكون ما‬
‫قبل الهاء‪ .‬فهذا بين جدًا‪.‬‬

‫‪274‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫و كان سيبويه يقول في تحقير جدارين إذا أردت التثنية‪:‬‬
‫جديران‪ ،‬فيحقر جدارًا‪ ،‬ثم يلحق اللف والنون‪.‬‬
‫فإذا سمي بهما رجل لم يقل‪ :‬إل جديران على ما ذكرت‬
‫لك وهذا نقض لجميع أصوله‪.‬‬
‫و يقول في تصغير دجاجتين اسم رجل‪ :‬دجيجتان‪ ،‬فل‬
‫يحذف من أجل هاء التأنيث‪ .‬ويقول‪ :‬دجاجة بمنزلة‬
‫درابجرد في أنه اسم ضم إلى اسم‪ ،‬ودجاجتان بمنزلة‬
‫درابجردين‪.‬‬
‫و القياس في هذا كله واحد‪.‬‬
‫هذا باب ما لحقته اللف والنون زائدتين‬
‫اعلم أنك إذا حقرت غضبان‪ ،‬وسكران‪ ،‬ونحوهما قلت‪:‬‬
‫غضيبان‪ ،‬وسكيران‪.‬‬
‫و كذلك إذا حقرت عثمان‪ ،‬أو عريان قلت‪ :‬عثيمان‪،‬‬
‫وعريان؛ لن حق اللف والنون أن يسلما على هيئتهما بعد‬
‫تحقير الصدر‪ ،‬إل أن يكون الجمع ملحقا ً بالصول‪ .‬فتفعل‬
‫ذلك بتصغير الواحد‪ ،‬فيجري الواحد في التصغير مجرى‬
‫الجمع‪.‬‬
‫فأما الملحق فمثل قولك‪:‬سرحان تقول في تصغيره‪:‬‬
‫سريحين‪ ،‬لنك تقول في الجمع‪ :‬سراحين‪ .‬وتقول في‬
‫سلطان‪ :‬سليطين‪ .‬كقولك في الجمع‪ :‬سلطين‪ ،‬وتقول‬
‫في ضبعان‪ :‬ضبيعين‪ .‬كقولك‪ :‬ضباعين‪ .‬وكذلك قربان‪.‬‬
‫و لو كنت تقول في عثمان‪ :‬عثامين في الجمع لقلت في‬
‫التصغير‪ :‬عثيمين؛ أل ترى أن فعلن الذي له فعلى؛ نحو‪:‬‬
‫عطشان‪ ،‬وسكران‪ ،‬وغضبان‪ ،‬وظمآن ل يكون في جمع‬
‫شيٍء منه فعالين؛ لنه ل يكون ملحقًا? فكذلك جميع هذا‬
‫الباب‪ .‬ما كان ملحق الجمع وجب في تصغير واحده‬
‫اللحاق‪ .‬وما كان غير ملحق الجمع لم يكن تصغيره إل‬
‫كتصغير فعلن الذي له فعلى‪.‬‬
‫هذا باب ما كانت في آخره ألفان زائدتان لغير التأنيث‬
‫وذلك نحو‪ :‬علباء‪ ،‬وحرباٍء‪ ،‬وزيزاٍء ونحوه اعلم أنك ل تقول‬
‫ي؛ لن اللفين ليستا‬
‫ي‪ ،‬وحريب ّ‬
‫في تحقيره‪ :‬إل عليب ّ‬
‫للتأنيث‪ .‬إنما هما ملحقتان بمثل سرداح‪ ،‬لنك ل تقول‬

‫‪275‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫فيه‪ :‬إل سريديح‪ ،‬كما ل تقول في شملل‪ :‬إل شميليل‪.‬‬
‫و كذلك قوباء فاعلم؛ لن من قال كذا إنما ألحقه بطوماٍر‪.‬‬
‫فل تقول في تصغيره‪ :‬إل قويبي؛ كما تقول في تصغير‬
‫طومار‪ :‬طويمير‪ .‬ول يجوز فيه إل التذكير والصرف لما‬
‫ذكرت لك‪ .‬ومن قال‪ :‬هي القوباء فأنث كان بمنزلة قولك‪:‬‬
‫عشراء‪ ،‬ورحضاء‪ .‬فل يكون تصغيرها على هذا إل قويباء‪.‬‬
‫ول ينصرف في معرفة ول نكرة‪ .‬وقد مضى القول في‬
‫ذلك في باب ما ل يجري وما ل يجري‪.‬‬
‫و كذلك غوغاء‪ .‬من ذكر صرف وهو عنده بمنزلة‬
‫القضقاض والخضخاض‪ .‬وكان حده أن يقول‪ :‬غوغاو‪.‬‬
‫ولكنك همزت الواو لوقوعها طرفا ً بعد ألف زائدة‪ .‬فمن‬
‫قال هذا قال في التصغير‪ :‬غويغي‪ ،‬وصرف‪ .‬ومن أنث‬
‫وجعلها كعوراء لم يصرف‪ ،‬وقال في التصغير‪ :‬غويغاء‬
‫فاعلم‪.‬‬
‫هذا باب ما كان على ثلثة أحرف‬
‫مما حذف منه حرف وجعل مكانه حرف‬
‫اعلم أن تصغير ما كان من ذلك بحذف ما زيد فيه ورد ما‬
‫ذهب منه‪.‬‬
‫فأما ما كان في أوله ألف الوصل من هذا الباب فإنها‬
‫تسقط منه لعلتين‪ :‬إحداهما‪ :‬لتحرك ما بعدها؛ لنها إنما‬
‫دخلت لسكونه‪.‬‬
‫العلة الخرى‪ :‬أنها زائدة على ما ذكرت لك في أصل‬
‫الباب‪.‬‬
‫و ذلك‪ :‬ابن‪ ،‬واسم‪ ،‬واست‪ ،‬واثنان‪ ،‬واثنتان‪ ،‬وابنة تأنيث‬
‫ابن‪ .‬تقول في تصغير ابن‪ :‬بني؛ لن الذاهب منه ياء أو‬
‫واو‪ ،‬يدلك على ذلك قولهم‪ :‬أبناء فاعلم‪ .‬وكذلك اسم‬
‫وأسماء‪ ،‬تقول في تصغيره‪ :‬سمي‪.‬‬
‫و اثنان بهذه المنزلة‪ :‬تقول في تصغيره‪ :‬ثنيان‪ ،‬لن اللف‬
‫والنون زائدتان للتثنية‪.‬‬
‫و تقول في تصغير ابنة‪ :‬بنية‪ .‬وفي تصغير است‪ :‬ستيهة؛‬
‫لن الذاهب منه هاء‪ .‬يدلك على ذلك قولهم‪ :‬أستاه فاعلم‪.‬‬
‫فهذا مجرى هذا؛ كما قال في سنة‪ :‬سنية‪ ،‬وسنيهة‪ .‬فسنية‬

‫‪276‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫فيمن قال‪ :‬سنوات‪ ،‬وسنيهة فيمن قال‪ :‬سنهات‪ .‬وقد‬
‫مضى تفسير هذا‪.‬‬
‫و أما ما لم تكن فيه ألف الوصل فنحو قولك‪ :‬أخت‪ .‬تقول‬
‫في تصغيرها‪ :‬أخيه‪ ،‬فتحذف التاء‪ ،‬وترد الواو التي كانت‬
‫في قولك‪ :‬أخوات‪ ،‬وإخوة‪ ،‬وأخوان‪.‬‬
‫و كذلك بنت‪ ،‬وهنت‪ .‬تقول‪ :‬هنية‪ ،‬وبنية؛ لن المحذوف من‬
‫ت قال الشاعر‪:‬‬
‫هذه الواو؛ لنه يقال‪ :‬هنوا ٌ‬
‫ت كلها‬
‫أرى ابن نزارٍ قد‬
‫على هنوا ٍ‬
‫متـتـابـع‬
‫جفاني وملني‬
‫ن‪ :‬هني‪.‬‬
‫و كذلك تقول في تصغير ه ٍ‬
‫ن‪:‬‬
‫و قد قال قوم‪ :‬المحذوف منه هاء‪ ،‬فقالوا في تصغير ه ٍ‬
‫هنية وفي تصغير هنة‪ :‬هنيهة‪ ،‬وهنية‪ .‬إل أن جملة هذا‬
‫الباب أنه ل يكون المحذوف من الثلثة إل حرف لين ياء أو‬
‫واو أو حرفا ً خفيا ً وهو الهاء أو يكون مضاعفًا‪ ،‬فتحذف منه‬
‫استثقا ً‬
‫ل؛ كما حذف هذا لخفائه‪.‬‬
‫هذا باب ما يصغر من الماكن وما يمتنع من التصغير منها‬
‫اعلم أن أسماء الماكن كسائر السماء خاصها وعامها‪.‬‬
‫تقول في دار‪ :‬دويرة‪ ،‬كما تقول في هند‪ :‬هنيدة‪ .‬وكذلك‬
‫مكان‪ .‬تقول فيه‪ :‬مكين‪ ،‬وفي بيت‪ :‬بييت وبييت‪.‬‬
‫فأما السماء المبهمة فنحو‪ :‬خلف‪ ،‬ودون‪ ،‬وفوق‪ .‬تقول‪:‬‬
‫خليف ذاك‪ ،‬ودوين ذاك‪ ،‬وفويق ذاك؛ لنك أردت أن تقرب‬
‫ما بينهما وتقلله‪.‬‬
‫فإن قلت‪ :‬هو عند زيد لم يجز أن تصغر عند؛ وذلك أنه قد‬
‫يكون خلفه بكثير وبقليل‪ ،‬وكذلك دونه‪ ،‬وفوقه‪ .‬فإذا‬
‫صغرتهما قللت المسافة بينهما‪ .‬وإذا قلت‪ :‬عندي فقد‬
‫بلغت إلى غاية التقريب‪ .‬فل معنى للتصغير‪.‬‬
‫و جملة باب الماكن التذكير إل ما خصه التأنيث منها نحو‬
‫قولك‪ :‬غرفة‪ .‬وعلية‪ .‬ومشرقة‪ ،‬ومشربة‪.‬‬
‫و كذلك تأنيث البناء نحو‪ :‬دار‪ ،‬إنما هي في بابها بمنزلة‬
‫نار‪ ،‬وقدر‪ ،‬وشمس‪ .‬وكذلك تقول في تصغيرها‪ :‬دويرة‬
‫وقد بينت لك في باب الظروف أن هذه المخصوصة ل‬
‫يتعدى الفعل إليها‪ ،‬لنه ل دليل فيه عليها‪ .‬فإنما يتصل بها؛‬

‫‪277‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫كما تتصل بسائر السماء‪ ،‬وذلك قولك‪ :‬قمت في دار زيد‪،‬‬
‫وذهبت إلى زيد‪ ،‬ووضعته في يد زيد‪ ،‬ورأيت أثرا ً في رجل‬
‫زيد‪ .‬ول يصلح أن تقول‪ :‬قمت دار زيد‪ ،‬ول قمت المسجد‬
‫ن مخصوص‪.‬‬
‫الجامع يا فتى؛ لن قمت ل يدل على مكا ٍ‬
‫وإنما يتعدى إلى ما يعتور السماء‪ .‬فل يخلو منه شيءٌ أو‬
‫من بعضه‪ .‬نحو قمت خلف زيد‪ ،‬وسرت أمام عبد الله‪،‬‬
‫وقمت مكانًا‪ .‬وقد مضى تفسير هذا في بابه‪.‬‬
‫فالظروف إنما هي هذه على الحقيقة‪ .‬فما جاء منها مؤنثا ً‬
‫بغير علمة‪ :‬قدام ووراء‪ ،‬وتصغيرهما‪ :‬قديديمة ووريئة‪.‬‬
‫فإن قلت‪ :‬فما لهاتين لحقت كل واحدة منهما الهاء‪،‬‬
‫وليستا من الثلثة? قيل‪ :‬لن الباب على التذكير‪ .‬فلو لم‬
‫يلحقوهما الهاء لم يكن على تأنيث واحد منهما دليل‪ .‬قال‬
‫القطامي‪:‬‬
‫أرى غفلت العيش‬
‫قديديمة التجريب‬
‫قبل التجارب‬
‫والحلم‪ ،‬إنـنـي‬
‫م قديديمة الجوزاء مسموم فكل ما ورد‬
‫و قال الخر‪ :‬يو ٌ‬
‫عليك من هذه الظروف ليست فيه علمة التأنيث فهو‬
‫على التذكير‪ .‬تقول في تصغير خلف‪ :‬خليف‪ ،‬وأمام‪ :‬أميم؛‬
‫كما تقول في قذال‪ :‬قذيل‪.‬‬
‫و كل شيء يجري مجرى عند فغير مصغر لما ذكرت لك‬
‫من امتناعه في المعنى‪ .‬فكذلك سوى وسواء يا فتى‪ ،‬إذا‬
‫أردت بهما معنى المكان؛ لن قولك‪ :‬عندي رجل سواك‪،‬‬
‫إنما هو‪ :‬عندي رجل مكانك يحل محلك‪ ،‬ويغني غناءك‪ .‬ل‬
‫يصغران لقلة تمكنهما‪.‬‬
‫فإن أردت بقولك سواء‪ :‬الوسط من قوله عز وجل‪:‬‬
‫"فرآه في سواء الجحيم" وكما قال الشاعر‪:‬‬
‫بعد المغيب في سواء‬
‫يا ويح أنصار النبي‬
‫الملحد‬
‫ورهطه‬
‫صغرته‪ ،‬فقلت‪ :‬سوي فاعلم‪ .‬تحذف الياء لجتماع الياءات‪.‬‬
‫وكذلك إن أردت بسواء معنى الستواء كقولك هذا درهم‬
‫سواء‪ ،‬أي تمام صغرته؛ كما يلزمك في كل متمكن‪.‬‬
‫فإن قال قائل‪ :‬ما معنى قولك‪ :‬لقلة تمكنها?‬

‫‪278‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫فإنما قلة تمكنها‪ :‬أنهما داخلتان في معنى غير‪ .‬تقول‪:‬‬
‫عندي رجل سوى زيد‪ ،‬أي‪ :‬غير زيد‪ .‬وغير ليس مما يصغر؛‬
‫لنك إذا قلت‪ :‬جاءني غيرك لم تخصص واحدا ً من الناس‪،‬‬
‫إنما زعمت أنه ليس به‪ ،‬وليس يجب فيمن كان غير‬
‫المذكور أن يكون حقيرًا‪.‬‬
‫و لو قلت‪ :‬عندي مثلك فحقرت المثل كان جيدًا؛ لنك إذا‬
‫حقرت الذي هو مثله زعمت أنه هو حقير؛ لنك حقرت‬
‫الخر من حيث زعمت أنه مثله‪.‬‬
‫ه؛ لن الشيء ل يشبه‬
‫و‪ ،‬وشبي ٍ‬
‫و كذلك تحقير شبه‪ ،‬ونح ٍ‬
‫الشيء في جميع حالته‪ ،‬وإنما يشبهه من حيث تشبهه به‪،‬‬
‫ول يكون إل على مقدمة‪ :‬تقول‪ :‬كان خالد القسري مثل‬
‫حاتم الطائي‪ .‬لم ترد الزمان والقدم‪ ،‬ولم ترد الجاهلية‬
‫والسلم‪ ،‬ولم ترد أن القبيلة تجتمع عليهما‪ ،‬ولكنك ذكرت‬
‫جود خالد‪ ،‬فقرنته بحاتم لما سبق له‪.‬‬
‫و كذلك لو قلت‪ :‬كان جرير كامرئ القيس بعد أن تذكر‬
‫الشعر والمرتبة فيه‪ ،‬فهذا دليل التشبيه‪ .‬فإن قلت‪ :‬هذا‬
‫مثيل هذا‪ ،‬وقد قدمت نحوا ً مما ذكرنا علم أنك حقرته من‬
‫حيث حقرت المشبه به‪ .‬فبالمعنى يصلح اللفظ ويفسد‪.‬‬
‫هذا باب تحقير الظروف من الزمنة‬
‫و الزمان خاصه وعامه يتصل به الفعل‪ .‬وذلك أن الفعل‬
‫إنما بني لما مضى من الزمان ولما لم يمض‪.‬‬
‫فإذا قلت‪ :‬ذهب علم أن هذا فيما مضى من الزمان‪.‬‬
‫و إذا قلت‪ :‬سيذهب علم أنه لما لم يأت من الزمان‪.‬‬
‫و إذا قلت‪ :‬هو يأكل جاز أن تعني ما هو فيه‪ ،‬وجاز أن تريد‬
‫هو يأكل غدًا‪.‬‬
‫و المكان ل يكون فيه مثل ذلك‪ .‬فالفعل ينقضي كالزمان‪،‬‬
‫لن الزمان مرور اليام والليالي‪ ،‬فالفعل على سننه‬
‫يمضي بمضيه‪ .‬وليست المكنة كذلك‪ ،‬إنما هي جثث ثابتة‪،‬‬
‫ض‪ ،‬كما تعرف‬
‫تفصل بينها بالعين‪ ،‬وتعرف بعضها من بع ٍ‬
‫زيدا ً من عمرو‪.‬‬
‫فكل متمكن من الزمان يصغر‪ .‬تقول‪ :‬يويم في تصغير‬
‫يوم‪ ،‬وعويم في تصغير عام‪ .‬وإنما صغرته بالواو دون‬

‫‪279‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫الياء؛ لن ألفه منقلبة من واو‪ .‬يدلك على ذلك أعوام‪،‬‬
‫وقولك‪ :‬عاومت النخلة‪ .‬وهذا يشرح في باب على حياله‬
‫بجميع علله إن شاء الله‪.‬‬
‫و كذلك كل ما كان مثله يرد في التصغير إلى أصله؛ تقول‬
‫في ليل‪ :‬لييل‪ ،‬فأما لييلية فلها علة نذكرها في بابها إن‬
‫شاء الله‪.‬‬
‫و تقول فيما كان علما ً في اليام كذلك‪ ،‬في تصغير سبت‪:‬‬
‫ت‪ ،‬وفي تصغير أحد‪ :‬أحيد‪ ،‬في الثنين‪ :‬ثنيان؛ لن‬
‫سبي ٌ‬
‫اللف ألف وصل فهي بمنزلة قولك في ابن‪ :‬بني‪ ،‬وفي‬
‫اسم‪ :‬سمي‪ ،‬وفي الثلثاء‪ :‬ثليثاء في قول سيبويه‪ ،‬وفي‬
‫قولنا‪ :‬ثليثاء؛ لنك إنما صغرت ثلثا ً فتسلم الصدر‪ ،‬ثم تأتي‬
‫بعده بألفي التأنيث‪ ،‬وفي الربعاء‪ :‬الريبعاء‪ ،‬وفي‬
‫الخميس‪ :‬الخميس‪ ،‬وفي الجمعة‪ :‬جميعة‪.‬‬
‫و كذلك الشهور‪ .‬تقول في المحرم‪ :‬محيرم‪ .‬تحذف إحدى‬
‫الراءين حتى تصير على مثال جعفر‪ .‬فإن عوضت قلت‪:‬‬
‫محيريم‪ ،‬وفي صفر‪ :‬صفير‪ ،‬وفي ربيع‪ :‬ربيع‪.‬‬
‫و في جمادى أنت مخير‪ :‬إن شئت قلت‪ :‬جميدى وهي‬
‫أجود‪ ،‬وإن شئت قلت‪ :‬جميد وتفسيره كتفسير حبارى‪،‬‬
‫وفي رجب‪ :‬رجيب‪ ،‬وفي شعبان‪ :‬شعيبان‪ .‬وكذلك‬
‫رمضان‪ :‬رميضان‪ ،‬وفي شوال‪ ،‬شويويل‪ ،‬لنه فعال مثل‬
‫حماد‪ ،‬وفي ذي القعدة‪ :‬ذوي القعدة؛ لن التصغير إنما يقع‬
‫على السم الول؛ أل ترى أنك لو صغرت غلم زيد لقلت‪:‬‬
‫غليم زيد? فكذلك هذا وما أشبهه‪.‬‬
‫و تقول في أسماء الوقات من الليل والنهار كذلك‪ .‬تقول‬
‫في تصغير ساعة‪ :‬سويعة‪ ،‬وفي غدوة‪ :‬غدية‪ ،‬وفي بكرة‬
‫بكيرة وفي ضحوة‪ :‬ضحية‪ :‬وفي ضحى ضحي‪ .‬وكذلك‬
‫تصغير الضحاء‪ ،‬لنك تحذف الياء‪ .‬فيصير مثل تصغير‬
‫ي‪ .‬وقد مضى‬
‫ضحى؛ كما تقول في تحقير عطاء عط ّ‬
‫القول في هذا‪.‬‬
‫و تقول في عشية‪ :‬عشية‪ .‬فأما قولهم‪ :‬عشيشية‪،‬‬
‫وعشيانات‪ .‬ومغيربان‪ .‬وأصيلل‪ ،‬وأصيلن‪ ،‬وأصيلنات‪،‬‬
‫ومغيربانات فنذكره في موضعه مع ذكرنا اللييلية‪،‬‬

‫‪280‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫والنيسيان وما أشبه ذلك مما يخالف تصغيره مكبرة إن‬
‫شاء الله‪.‬‬
‫و كل متمكن من أسماء الدهر فتصغيره كتصغير نظائره‬
‫من سائر السماء‪ .‬فعلى هذا فأجره؛ أل ترى أنهم قالوا‪:‬‬
‫ن‪ ،‬وأجروه مصغرا ً على تصغير مثله‪.‬‬
‫آتيك بعيدات بي ٍ‬
‫هذا باب تصغير ما كان من الجمع‬
‫اعلم أنك إذا صغرت جمعا ً على بناء من أبنية أدنى العدد‬
‫أقررت اللفظ على حاله‪ .‬فإن صغرته وهو بناء للكثير‬
‫رددته إلى أدنى العدد إن كان ذلك فيه‪ .‬فإن لم يكن فيه‬
‫أدنى العدد رددته إلى الواحد‪ ،‬وصغرته إن كان مذكرا ً‬
‫آدميا ً وجمعته بالواو والنون‪ .‬وإن كان من غيرهم أو مؤنثا ً‬
‫منهم فباللف والتاء‪ .‬وقد مضى تفسير هذا‪ .‬وإنما أعدناه‬
‫لما بعده‪.‬‬
‫اعلم أنك إذا سميت رجل ً بجماعة فإنك تصغر ذلك السم‬
‫كما تصغر الواحد‪ .‬تقول في رجل اسمه أكلب‪ :‬أكيلب‪،‬‬
‫وكذلك أحمرة تقول فيها‪ :‬أحيمرة‪ ،‬وفي غلمة‪ :‬أغيلمة‪ .‬ل‬
‫يكون إل كذلك‪.‬‬
‫فإن سميته بغلمان أو غربان أو قضبان أو رغفان كان‬
‫تصغيره كتصغير غلمان ونحوه‪ .‬تقول‪ :‬غليمان‪ ،‬وغريبان‪،‬‬
‫وقضيبان ول تقول‪ :‬غريبين‪ ،‬كما تقول في سرحان‪:‬‬
‫سريحين؛ لنك إنما قلت‪ :‬سريحين لقولك‪ :‬سراحين؛ لن‬
‫سرحانا ً واحد في الصل‪.‬‬
‫فإن قلت‪ :‬فأنا أقول‪ :‬مصير ومصران للجميع ثم أقول في‬
‫جمع الجمع‪ :‬مصارين‪ ،‬فكيف أصغر مصرانًا? فإن مصرانا ً‬
‫تصغيره ل يكون إل مصيرانًا‪ ،‬لنه إنما ألحقته اللف والنون‬
‫للجمع‪ ،‬فل تغير علمة الجمع؛ أل ترى أنه ما كان على‬
‫أفعال نحو‪ :‬أبيات‪ :‬وأجمال‪ ،‬وأقتاب لم تقل فيه إل‬
‫أجيمال‪ ،‬وأقيتاب‪ ،‬وأبيات‪ ،‬فإن كان جمعا ً لجمع قلت‪:‬‬
‫أبيات وأبابيت؛ كما تقول‪ :‬أظفار وأظافير ولكن العلة فيما‬
‫ذكرت لك‪.‬‬
‫ل من ذوات الياء والواو‬
‫هذا باب ما كان على فع ٍ‬
‫نحو باب وناب ودار وما أشبهه‬

‫‪281‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫اعلم أن هذا الجمع ينقلب ياؤه وواوه ألفًا‪ ،‬لنفتاح ما قبل‬
‫كل واحدة منهما؛ نحو‪ :‬دار‪ ،‬وغار‪ ،‬وباب‪ ،‬إل أن يجيء‬
‫حرف على أصله لعلة مذكورة في باب التصريف؛ نحو‪:‬‬
‫القود‪ ،‬والصيد‪ ،‬والخونة‪ ،‬والحوكة‪ .‬فأما مجرى الباب فعلى‬
‫ما ذكرت لك‪.‬‬
‫فإن صغرت شيئا ً من ذلك أظهرت فيه حرف الصل‪،‬‬
‫وذلك أن ياء التصغير تقع بعده ساكنة‪ ،‬فل يجوز أن‬
‫تسكنه‪ ،‬فتجمع بين ساكنين‪ .‬فإذا حركته عاد إلى أصله‪،‬‬
‫وذلك قولك في تحقير نار‪ :‬نويرة‪ ،‬وباب‪ :‬بويب‪ .‬يدلك على‬
‫أن الواو الصل قولك‪ :‬أنوار؛ لنها من النور‪ ،‬وقولك‪ :‬بوبت‬
‫له بابًا‪ .‬وكذلك غار‪ .‬تقول‪ :‬غوير؛ لنه من غار يغور‪.‬‬
‫ب‪ .‬فإن قلت‪ :‬نييب فإن ذلك يجوز‬
‫فأما ناب فتصغيره نيي ٌ‬
‫في كل ما كان ثانيه ياء في التصغير لنه من نيبت‪.‬‬
‫و كذلك غار‪ :‬تقول فيه‪ :‬غيير‪ ،‬وغيير؛ لنه من غيرت‬
‫ونيبت‪.‬‬
‫و تقول في تصغير تاج‪ :‬تويج؛ لنه من توجت‪ .‬وكل ما لم‬
‫أذكره لك فهذا مجراه‪ ،‬وكذلك سائر ما كان على ثلثة‬
‫أحرف‪ ،‬تقول في عين‪ :‬عيينة وعيينة‪ ،‬وفي شيٍء‪ :‬شييء‪،‬‬
‫وشيىء‪ ،‬وكذلك كل ما علم أصله من هذا الباب‪ ،‬فإن لم‬
‫يعلم أصله رد إلى واحده في التكبير أو إلى فعله فإن‬
‫دليله يظهر‪ ،‬فإن لم يكن مشتقا ً نظر هل تقع فيه المالة?‬
‫فإن كانت ألفه ممالة فهو من الياء‪ .‬وإن كانت منتصبة ل‬
‫يجوز فيها المالة فهو من الواو‪.‬‬
‫و اعلم أن كل حرف كان مكسورا ً أو مضموما ً بعده ياءٌ أو‬
‫واو فليس بدليل‪ ،‬لن الواو الساكنة تقلبها الكسرة ياًء‪،‬‬
‫والياء الساكنة تقلبها الضمة واوًا‪ .‬فمن ذلك قولك‪ :‬ميزان‬
‫وميعاد‪ ،‬وميقات‪ .‬تقول في تحقيره‪ :‬مويزين‪ ،‬ومويقيت‪،‬‬
‫ومويعيد؛ لنه من الوقت‪ ،‬والوعد والوزن‪ .‬فإنما قلبت‬
‫الواو الكسرة‪.‬‬
‫و ما كان منقلبا ً لعلة‪ ،‬ففارقته العلة فارقه ما أحدثته؛ أل‬
‫ترى أنك تقول في الجمع‪ :‬موازين‪ ،‬ومواعيد‪ ،‬ومواقيت؛‬
‫كما تقول‪ :‬وزنت‪ ،‬ووعدت‪ ،‬ووقت? و مثل ذلك في الياء‬

‫‪282‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫موسر‪ ،‬وموقن‪ .‬ل يكون في التحقير إل بالياء؛ لن الواو‬
‫إنما جاءت بها الضمة؛ لنها من أيقنت‪ ،‬وأيسرت‪ ،‬وكذلك‪:‬‬
‫مياسير‪ ،‬ومياقين‪ .‬فإن حقرت قلت‪ :‬مييسر‪ ،‬ومييقن‪،‬‬
‫تردها الحركة إلى أصلها‪.‬‬
‫و كذلك ريح‪ .‬لو حقرتها لقلت‪ :‬رويحة؛ لنها من روحت‪،‬‬
‫وإنما انقلبت الواو ياًء للكسرة قبلها‪ ،‬وأنها ساكنة‪ ،‬أل ترى‬
‫أنك تقول في الجمع‪ :‬أرواح‪ .‬وكذلك ثياب‪ ،‬وحياض تقول‬
‫في تصغيرهما‪ :‬أثياب‪ ،‬وأحياض؛ لنك تردها إلى أقل‬
‫العدد‪ .‬وإنما تنقلب الواو ياًء لياء التصغير قبلها‪ .‬ولول ياء‬
‫التصغير لظهرت لمفارقة الكسرة إياها‪ ،‬فكنت قائ ً‬
‫ل‪:‬‬
‫أثواب‪ ،‬وأحواض‪ ،‬وأسواط‪ .‬كما تقول‪ :‬ثوب‪.‬‬
‫و حوض‪ ،‬وسوط‪ .‬وكذلك ديمة تحقيرها دويمة؛ لنها من‬
‫دام يدوم‪ .‬فهذا وجه هذا‪.‬‬
‫ة في موضع العين‬
‫هذا باب ما كانت الواو فيه ثالث ً‬
‫اعلم أنها إذا كانت ظاهرةً في موضع العين فأنت فيها‬
‫بالخيار‪ :‬إن شئت قلبتها لياء التصغير التي تقع قبلها وهو‬
‫الوجه الجيد فقلت في أسود‪ :‬أسيد‪ ،‬وفي أحول‪ :‬أحيل‬
‫وفي مقود‪ :‬مقيد‪ .‬فهذا الصل‪.‬‬
‫و أما الملحق فنحو‪ :‬قسور وجدول‪ ،‬تقول فيهما‪ :‬قسير‪،‬‬
‫وجديل؛ وذلك أن الياء الساكنة إذا وقعت قبل الواو‬
‫المتحركة قلبت الواو لها ياء‪ ،‬ثم أدغمت فيها‪ .‬وقد مضى‬
‫تفسير هذا‪ .‬وذلك قولك‪ :‬ميت‪ ،‬وسيد‪ ،‬وهين‪ .‬إنما كن في‬
‫الصل‪ :‬ميوتًا‪ ،‬وسيودًا‪ ،‬وهيونًا؛ وكذلك قيام وقيوم‪ ،‬إنما هو‬
‫قيوام وقيووم‪ ،‬وكذلك أيام‪ ،‬وفيما ذكرنا دليل على ما يرد‬
‫منه‪ .‬فإن شئت قلت في هذا أجمع بإظهار الواو‪ ،‬أي في‬
‫باب أسود‪ ،‬وجدول‪ ،‬وقسور‪ ،‬فقلت‪ :‬أسيود‪ ،‬وجديول‪،‬‬
‫وقسيور‪ .‬وإنما جاز ذلك لن الواو ظاهرة حية‪ ،‬أي‬
‫متحركة‪ .‬وهي تظهر في التكسير في قولك‪ :‬جداول‪،‬‬
‫وقساور‪ .‬فشبهوا هذا التصغير به والوجه ما ذكرت لك‬
‫أو ً‬
‫ل‪.‬‬
‫فإن كانت الواو ساكنة‪ ،‬أو كانت مبدلة‪ ،‬لم تظهر في‬
‫التصغير‪ .‬فأما الساكنة فنحو واو عجوز‪ ،‬وعمود‪ .‬ل تقول‬

‫‪283‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫إل عجيز وعميد؛ لن الواو مدة‪ ،‬وليست بأصلية‪ ،‬ول‬
‫ملحقة‪ .‬أل ترى أنك لو جئت بالفعل من جدول‪ ،‬وقسور‬
‫لقلت‪ :‬قسورت‪ ،‬وجدولت‪ ،‬فكانت كالصل‪ .‬ولو قلت‪ :‬ذلك‬
‫في عجوز لم يجز؛ لنها ليست بملحقة‪.‬‬
‫و أما الصلية المنقلبة فهو مقام‪ ،‬ومقال‪ .‬ل تقول فيهما إل‬
‫مقيم‪ ،‬ومقيل؛ لنك كنت تختار في الظاهرة المتحركة‬
‫القلب للياء التي قبلها‪ .‬فلم يكن في الساكنة والمبدلة إل‬
‫ما ذكرت لك‪.‬‬
‫و اعلم أنه من قال في أسود‪ :‬أسيود قال في معاوية‪:‬‬
‫معيوية؛ لن الواو في موضع العين‪ .‬ومن قال‪ :‬أسيد على‬
‫اختيار الوجه الجيد قال‪ :‬معية فيحذف الياء التي حذفها‬
‫في تصغير عطاء ونحوه‪ ،‬لجتماع الياءات‪.‬‬
‫و من كانت أروى عنده أفعل قال في تصغيره‪ :‬أرية مثل‬
‫قولك‪ :‬أسيد‪ .‬ومن قال‪ :‬أسيود قال‪ :‬أريوية‪ .‬ومن كانت‬
‫عنده فعلى لم يقل في أروية‪ :‬إل أرية؛ لن الواو في‬
‫موضع اللم على هذا القول‪ ،‬وإليه كان يذهب الخفش‪،‬‬
‫والول قول سيبويه‪.‬‬
‫هذا باب ما كانت الواو منه في موضع اللم‬
‫اعلم أنها إذا كانت في موضع اللم فل سبيل إلى إقرارها‬
‫على لفظها؛ لنه كان يختار فيها القلب وهي في موضع‬
‫العين‪ .‬فلما صارت في الموضع الذي يعتل فيه ما يصح‬
‫في موضع العين لم يكن فيها إل القلب‪ .‬وذلك قولك في‬
‫غزو‪ :‬غزي‪ ،‬وفي جرو‪ :‬جري‪ ،‬وفي عروة عرية‪ ،‬وفي‬
‫تقوى‪ :‬تقيا‪ ،‬وفي عرواء‪ :‬عرياء يا فتى‪ .‬ل يكون إل ذلك‪.‬‬
‫و من قال في أروية‪ :‬إنها فعلية قال في أروى‪ :‬أريا‪ .‬ليس‬
‫غير؛ لن أروى عنده على هذا القول فعلى‪.‬‬
‫و من جعل أروى أفعل لم يقل إل أريّ فاعلم؛ فيحذف ياء‬
‫لجتماع الياءات‪ .‬ومن قال في أسود‪ :‬أسيود على المجاز‬
‫قال‪ :‬أريو فاعلم‪ .‬فهذا مجرى هذا الباب‪.‬‬
‫هذا باب ما يسمى به من الجماعة‬
‫اعلم أنك إذا سميت رجل ً بمساجد‪ ،‬ثم أردت تحقيره‬
‫قلت‪ :‬مسيجد‪ ،‬فحذفت اللف الزائدة؛ لنك ل تصغر شيئا ً‬

‫‪284‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫على خمسة أحرف‪ .‬فإن عوضت قلت‪ :‬مسيجيد‪.‬‬
‫فإن سميت بمفاتيح قلت‪ :‬مفيتيح‪ ،‬فتحذف الزائدة الثالثة‪،‬‬
‫وتقر الياء؛ لنها رابعة في السم‪.‬‬
‫فإن سميت قبائل أو رسائل قلت‪ :‬قبيئل‪ ،‬ورسيئل في‬
‫قول جميع النحويين إل يونس ابن حبيب‪ ،‬فإنه كان يقول‪:‬‬
‫قبيل‪ ،‬ورسيل‪ .‬وذلك رديء في القياس‪.‬‬
‫أما النحويون فأقروا الهمزة‪ ،‬وحذفوا اللف‪ ،‬لن الهمزة‬
‫متحركة واللف ساكنة‪ .‬والمتحرك حرف حي‪ ،‬وهو في‬
‫مواضع الملحقة بالصول؛ أل ترى أن الهمزة من قبائل‬
‫في موضع الفاء من عذافر‪ ،‬واللف ل تقع من هذا البناء‬
‫ة‪ .‬فكانت أحق بالحذف‪.‬‬
‫في موضعها إل زائد ً‬
‫و أما يونس فكان يقول‪ :‬لما كانتا زائدتين كانت التي هي‬
‫أقرب إلى الطرف أولى بالحذف وليس هذا القول بشيءٍ‬
‫لما ذكرت لك‪.‬‬
‫فأما تحقير هذا الضرب وهو الجمع فل يجوز فيه إل‬
‫قبيلت‪ ،‬ورسيلت؛ لنك إنما حقرت الواحد نحو‪ :‬قبيلة‬
‫ورسالة‪ ،‬ثم جمعته جمع أدنى العدد‪ .‬وقد مضى القول في‬
‫هذا‪.‬‬
‫هذا باب تحقير السماء المبهمة‬
‫ر‬
‫اعلم أن هذه السماء مخالف ٌ‬
‫ة لغيرها في معناها‪ ،‬وكثي ٍ‬
‫من لفظها‪ ،‬وقد تقدم قولنا فيها‪ .‬وإنما نذكر منه بعضا ً‬
‫استغناء بما مضى‪.‬‬
‫فمن مخالفتها في المعنى وقوعها على كل ما أومأت‬
‫إليه‪ ،‬وأما مخالفتها في اللفظ فأن يكون السم منها على‬
‫حرفين أحدهما حرف لين‪ :‬نحو‪ :‬ذا‪ ،‬وتا‪.‬‬
‫فإذا صغرت هذه السماء خولف بها جهة التصغير‪ ،‬فتركت‬
‫أوائلها على حالها‪ ،‬وألحقت ياء التصغير لنها علمة‪ ،‬فل‬
‫يعرى لمصغر منها‪ .‬ولو عري منها لم يكن على التصغير‬
‫ف في آخرها تدل على ما كانت تدل‬
‫دليل‪ .‬وألحقت أل ٌ‬
‫عليه الضمة في غير المبهمة؛ أل ترى أن كل اسم تصغره‬
‫من غير المبهمة تضم أوله؛ نحو‪ :‬فليس‪ ،‬ودريهم‪ ،‬ودنينير?‬
‫و ذلك قولك في تصغير ذا‪ :‬ذيا‪ ،‬فإن ألحقت التنبيه قلت‪:‬‬

‫‪285‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫هاذيا‪ .‬وفي تصغير ذاك‪ :‬ذياك‪ ،‬فإن ألحقت التنبيه فقلت‪:‬‬
‫هاذاك قلت‪ :‬هاذياك‪.‬‬
‫ة‪ ،‬وإنما حقها‬
‫فإن قال قائل‪ :‬ما بال ياء التصغير لحقت ثاني ً‬
‫ة‪ ،‬ولكنك حذفت ياء‬
‫ة? قيل‪ :‬إنما لحقت ثالث ً‬
‫أن تلحق ثالث ً‬
‫ة‪.‬‬
‫لجتماع الياءات‪ ،‬فصارت ياء التصغير ثاني ً‬
‫و كان الصل‪ :‬ذييا إذا قلت ذا‪ ،‬فاللف بدل من ياء‪ ،‬ول‬
‫يكون اسم على حرفين في الصل فقد ذهبت ياء أخرى‪.‬‬
‫فإن حقرت ذه أو ذي قلت‪ :‬تيا‪ .‬وإنما منعك أن تقول‪ :‬ذيا‬
‫كراهة التباس المذكر بالمؤنث‪ ،‬فقلت‪ :‬تيا؛ لنك تقول‪ :‬تا‬
‫في معنى ذه‪ ،‬وتي‪ .‬كما تقول‪ :‬ذي‪ .‬فصغرت تا لئل يقع‬
‫س‪ ،‬فاستغنيت به عن تصغير ذه أو ذي على لفظها‪ .‬قال‬
‫لب ٌ‬
‫الشاعر‪:‬‬
‫ة‬
‫و حبرتماني أنما‬
‫فكيف وهاتا هضب ٌ‬
‫وقـلـيب‬
‫الموت بالقرى‬
‫و يروى‪ :‬روضة وكثيب‪ ،‬أي وهذه‪ .‬وقال عمران بن حطان‪:‬‬
‫و ليست دارنا هاتا‬
‫و ليس لعيشنا هذا‬
‫بدار‬
‫مهاهٌ‬
‫فإن حقرت ذاك قلت‪ :‬ذياك‪ .‬فإن حقرت ذلك قلت‪:‬‬
‫ذيالك‪.‬‬
‫و إن حقرت أولئك قلت‪ :‬أوليائك‪.‬‬
‫و إن حقرت أولى المقصور قلت‪ :‬أوليا يا فتى‪.‬‬
‫و إن حقرت هؤلء الممدود قلت‪ :‬هاؤليائك‪.‬‬
‫و إن حقرت هؤلء المقصور قلت‪ :‬هاؤليا يا فتى‪.‬‬
‫و إنما زدت اللف قبل آخرها لئل يتحول الممدود عن‬
‫لفظه فقلبوا لذلك‪ .‬وكان حقيقتها هؤلييا؛ لن ألء في وزن‬
‫غراب‪ .‬وتحقير غراب غرنب‪ .‬وتحقير أولى لو كان غير‬
‫ي فاعلم‪ .‬فإن زدت اللف أولياء‪.‬‬
‫مبهم أول ّ‬
‫و تقول في تحقير الذي‪ :‬اللذيا‪ ،‬وفي تحقير التي‪ :‬التيا‪.‬‬
‫قال الشاعر‪:‬‬
‫س تردت‬
‫بعد اللتيا واللتيا والتي إذا علتها أنف ٌ‬
‫و لو حقرت اللتي لقلت في قول سيبويه‪ :‬اللتيات‪ .‬تصغر‬
‫التي‪ ،‬وتجمعها؛ كما تفعل بالجمع من غير المبهم الذي‬

‫‪286‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫يحقر واحده‪.‬‬
‫و كان الخفش يقول‪ :‬اللويا؛ لنه ليس جمع التي على‬
‫لفظها‪ ،‬فإنما هو اسم للجمع؛ كقولك‪ :‬قوم ونفٌر‪ ،‬وهذا هو‬
‫القياس‪.‬‬
‫و اعلم أنك إذا ثنيت أو جمعت شيئا ً من هذه السماء لم‬
‫تلحقه ألفا ً في آخره؛ من أجل الزيادة التي لحقته‪ ،‬وذلك‬
‫قولك في تصغير اللذان‪ :‬اللذيان‪ ،‬وفي الذين‪ :‬اللذيين‪.‬‬
‫ومن قال‪ :‬اللذون قال‪ :‬اللذيون‪.‬‬
‫و كان الخفش يقول‪ :‬اللذيين‪ .‬يذهب إلى أن الزيادة كانت‬
‫في الواحد‪ ،‬ثم ذهبت لما جاءت ياء الجمع للتقاء‬
‫الساكنين‪ ،‬فيجعله بمنزلة مصطفين‪ .‬وليس هذا القول‬
‫بمرضي؛ لن زيادة التثنية والجمع ملحقة‪.‬‬
‫و اعلم أن من وما‪ ،‬وأيا ل يحقرن؛ كما ل تحقر الحروف‬
‫التي دخلن عليها‪ .‬وكذلك كم‪ ،‬وكيف‪ ،‬وأين ل يحقرن لما‬
‫ذكرت لك‪ ،‬وكذلك متى‪ ،‬وهن كلهن أسماء‪.‬‬
‫وك ّ‬
‫ل ل يحقر؛ لنه عموم فليس للتحقير فيه معنى؛ لن‬
‫كل ّ إنما أكثر به‪ .‬وكذلك كل‪ .‬وكل ما كان من هذا النحو‬
‫مما لم نذكره فهذه سبيله‪ ،‬فأجره على هذا الباب‪.‬‬
‫هذا باب أسماء الجمع التي ليس لها واحد من لفظها‬
‫اعلم أن مجراها في التحقير مجرى الواحد؛ لنها وضعت‬
‫أسماء‪ ،‬كل اسم منها لجماعة‪ ،‬كما أنك إذا قلت‪ :‬جماعة‬
‫فإنما هو اسم مفرد وإن كان المسمى به جمعًا‪.‬‬
‫و كذلك لو سميت رجل ً بمسلمين لكان اسما ً مجموعا ً وإن‬
‫وقع على واحد‪ .‬كما قالوا‪ :‬كلب بن ربيعة‪ ،‬والضباب بن‬
‫كلب‪ ،‬وكذلك أنمار‪ ،‬وكذلك يحابر‪ :‬إنما هو جمع اليحبور‬
‫وهو طائر‪.‬‬
‫و تلك السماء‪ :‬نفر‪ ،‬وقوم‪ ،‬ورهط‪ ،‬وبشر‪ .‬تقول‪ :‬بشير‪،‬‬
‫وقويم‪ ،‬ورهيط‪.‬‬
‫فإن كان اسما ً لجمع غير الدميين لم يكن إل مؤنثًا؛ وقد‬
‫مضت العلة في ذلك‪ .‬وذلك قولك‪ :‬غنم‪ ،‬وإبل‪ .‬تقول‪:‬‬
‫غنيمة‪ ،‬وأبيلة‪ ،‬وكذلك نسوة‪ ،‬تقول‪ :‬نسية؛ لن نسوة من‬
‫امرأة بمنزلة نفر من رجل‪ .‬فعلى هذا فأجر هذا الباب‪.‬‬

‫‪287‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫هذا باب التصغير الذي يسميه النحويون‬
‫تصغير الترخيم‬
‫و هو أن تصغر السم على حذف الزوائد التي فيه‪ .‬فإن لم‬
‫تكن فيه زائدة صغرته بكماله؛ وذلك قولك في حارث‪:‬‬
‫حريث‪ ،‬وفي محمد‪ :‬حميد‪ ،‬وكذلك أحمد‪ ،‬وفي تصغير‬
‫سرحوب‪ .‬سريحب؛ لن الواو فيه زائدة‪ .‬وكذلك لو حقرت‬
‫عجوزا ً لقلت‪ :‬عجيزة؛ لنك إذا حذفت الواو بقيت على‬
‫ثلثة أحرف فسميت بها المؤنث‪ ،‬والمؤنث إذا كان اسما ً‬
‫علما ً على ثلثة أحرف لحقته الهاء في التصغير كما ذكرت‬
‫لك‪ .‬وذلك قولك في هند‪ :‬هنيدة‪ ،‬وفي شمس‪ :‬شميسة‪.‬‬
‫فإن لم تسم بعجوز‪ ،‬وتركتها نعتا ً قلت‪ :‬عجيز‪ .‬كما تقول‬
‫في خلق إذا نعت به المؤنث‪ :‬خليق‪.‬‬
‫تم التصغير‬
‫هذا باب الحروف التي تكون استفهاما ً وخبرا ً‬
‫وسنذكرها مفسرة ً في أبوابها إن شاء الله‬
‫ة ومفردةً في الستفهام‬
‫هذا باب أي مضاف ً‬
‫اعلم أن أي ّا ً تقع على شيء هي بعضه‪ ،‬ل تكون إل على‬
‫د? فقد‬
‫ذلك في الستفهام‪ .‬وذلك قولك‪ :‬أي إخوتك زي ٌ‬
‫علمت أن زيدا ً أحدها‪ ،‬ولم تدر أيهما هو‪ .‬وتقول‪ :‬أي زيدٍ‬
‫أحسن? فيكون الجواب‪ :‬رأسه أم رجله أم يده‪ ،‬وما أشبه‬
‫ذلك‪.‬‬
‫و اعلم أن كل ما وقعت عليه أي فتفسيره بألف‬
‫الستفهام وأم‪ ،‬ل تكون إل على ذلك؛ لنك إذا قلت‪ :‬أزيد‬
‫في الدار أم عمرو? فعبارته‪ :‬أيهما في الدار? ولو قلت‪:‬‬
‫د? لم يكن لي‬
‫د? أو‪ :‬ما زي ٌ‬
‫هل زيد منطلق? أو‪ :‬من زي ٌ‬
‫هاهنا مدخل؛ ف أيّ واقعة على كل جماعة مما كانت إذا‬
‫كانت أيّ بعضا ً لها‪.‬‬
‫و اعلم أن حروف الستفهام مختلفة المعاني‪ ،‬مستوية‬
‫في المسألة‪ .‬وسنذكر من مسائل أي ما يوضح لك جملته‬
‫إن شاء الله‪.‬‬
‫تقول‪ :‬أي أصحابك زيد ٌ ضربه?‪ ،‬فالتقدير‪ :‬أي أصحابك‬
‫واحد ضربه زيد?؛ لن قولك‪ :‬زيد ضربه في موضع النعت‪.‬‬

‫‪288‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وإن شئت كان قولك‪ :‬زيد ضربه خبرا ً لي‪ ،‬وهو أوضح‬
‫وأحسن في العربية‪.‬‬
‫و لو قلت‪ :‬أي الرجلين هند ٌ ضاربها أبوها‪ ،‬لم يكن كلمًا؛‬
‫لن أي ّا ً ابتداٌء ولم تأت له بخبر‪.‬‬
‫فإن قلت‪ :‬هند ضاربها أبوها في موضع خبره لم يجز؛ لن‬
‫الخبر إذا كان غير البتداء فل بد من راجع إليه‪.‬‬
‫و لو قلت‪ :‬أي من في الدار إن يأتيا نأته‪ ،‬كان جيد‪ .‬كأنك‬
‫قلت‪ :‬أي القوم إن يأتنا نأته؛ لن من تكون جمعا ً على‬
‫لفظ الواحد وكذلك الثنان‪ .‬قال الله عز وجل‪" :‬و منهم‬
‫من يستمع إليك" وقال‪" :‬و منهم من يستمعون إليك"‬
‫وقال‪" :‬و منهم من يؤمن به" فحمل على اللفظ‪ .‬وقال‪:‬‬
‫ن فله أجره عند ربه‬
‫"بلى من أسلم وجهه لله وهو محس ٌ‬
‫ف عليهم ول هم يحزنون" فحمل مرة على اللفظ‪،‬‬
‫ول خو ٌ‬
‫ومرة على المعنى‪ .‬وقال الشاعر‪ ،‬فحمل على المعنى‪:‬‬
‫تعش‪ ،‬فإن عاهدتني ل نكن مثل من يا ذئب‬
‫يصطحبان‬
‫تخونني‬
‫فهذا مجاز هذه الحروف‪.‬‬
‫فأما من فإنه ل يعنى بها في خبرٍ ول استفهام ول جزاٍء إل‬
‫س ول متاع‪،‬‬
‫ما يعقل‪ .‬ل تقول في جواب من عندك?‪ :‬فر ٌ‬
‫إنما تقول‪ :‬زيد ٌ أو هند‪ .‬قال الله عز وجل‪" :‬فمن كان‬
‫يرجو لقاء ربه" وقال عز وجل يعني الملئكة‪" :‬و من عنده‬
‫ل يستكبرون عن عبادته" وقال جل اسمه‪" :‬أأمنتم من‬
‫في السماء أن يخسف بكم الرض"‪.‬‬
‫فأما ما فتكون لذوات غير الدميين‪ ،‬ولنعوت الدميين‪ .‬إذا‬
‫س‪ ،‬أو بعيٌر‪ ،‬أو متاع أو نحو ذلك‪.‬‬
‫قال‪ :‬ما عندك? قلت‪ :‬فر ٌ‬
‫ول يكون جوابه زيد ٌ ول عمرو‪ .‬ولكن يجوز أن يقول‪ :‬ما‬
‫د? فتقول‪ :‬طوي ٌ‬
‫ل أو قصير أو عاقل أو جاهل‪.‬‬
‫زي ٌ‬
‫فإن جعلت الصفة في موضع الموصوف على العموم جاز‬
‫أن تقع على ما يعقل‪.‬‬
‫و من كلم العرب‪ :‬سبحان ما سبح الرعد بحمده‪،‬‬
‫وسبحان ما سخركن لنا‪.‬‬
‫و قال عز وجل‪" :‬و السماء وما بناها"‪ .‬فقال قوم‪ :‬معناه‪:‬‬

‫‪289‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ومن بناها‪ .‬وقال آخرون‪ :‬إنما هو‪ :‬والسماء وبنائها‪ .‬كما‬
‫تقول‪ :‬بلغني ما صنعت‪ ،‬أي صنيعك؛ لن ما إذا وصلت‬
‫بالفعل كانت مصدرًا‪.‬‬
‫و كذلك قوله عز وجل‪" :‬إل على أزواجهم أو ما ملكت‬
‫أيمانهم" قال قوم‪ :‬معناه‪ :‬أو ملك أيمانهم‪ .‬وقال آخرون‪:‬‬
‫بل هو‪ :‬أو من‪.‬‬
‫فأما أي والذي فعامتان‪ ،‬تقعان على كل شيٍء على ما‬
‫ة‪.‬‬
‫شرحته لك في أي خاص ً‬
‫هذا باب مسائل أي في الستفهام تقول‪ :‬أي من إن يأتنا‬
‫يأته عبد الله‪ .‬فالتقدير‪ :‬أي الذين إن يأتونا يأتهم عبد الله‪.‬‬
‫و لو قلت‪ :‬أي من إن يأت زيدا ً قائما ً يوم الجمعة أخوك‬
‫لم يجز؛ لنك لم تأت للجزاء بجواب‪ .‬ولكن لو قلت‪ :‬أي‬
‫من إن يأته من إن يأتنا نعطه يأت صاحبك كان الكلم‬
‫ة بالبتداء‪ .‬وتأويل هذا‪ :‬أي الذين‬
‫جيدًا‪ ،‬وكانت أي مرفوع ً‬
‫إن يأتهم من يأتنا نعطه يأت صاحبك‪ .‬فقولك‪ :‬يأت جواب‬
‫الجزاء الول‪ ،‬وصاحبك؛ خبر البتداء‪ .‬وتقدير هذا بل صلة‪:‬‬
‫أي الذين إن يأتهم زيد يأت صاحبك؛ لن من الثانية‬
‫وصلتها في موضع زيد‪.‬‬
‫و لو قلت‪ :‬أي من إن يأته من إن يأتك تأته تكرمه نأتي‬
‫كان إعراب أي النصب‪ ،‬وكان التقدير‪ :‬أيهم نأتي‪.‬‬
‫ة ومفردةً في الستغناء والحتياج إلى‬
‫و اعلم أن أيا مضاف ً‬
‫ة‬
‫الصلة سواء؛ لن المعنى واحد؛ كما أن زيدا ً وزيد منا ٍ‬
‫سواء في الحتياج والستغناء؛ لن المعنى التسمية والبانة‬
‫عن الشخوص‪.‬‬
‫و لو قلت‪ :‬أي الثلثة صاحباك كان جيدًا؛ لن المعنى‪ :‬أزيد‬
‫وعمرو? أم عمر وخالد‪ .‬أم زيد وخالد?‪.‬‬
‫و لو قلت‪ :‬أي الثلثة ضرباها كان فاسدًا‪ ،‬لنك إذا قلت‪:‬‬
‫ضربا ً لم يصلح أن يوصل فعلهما إل إلى واحد‪ ،‬وإل زدت‬
‫في العدد‪.‬‬
‫و لو قلت‪ :‬أي الثلثة ضربا عمرًا? وعمرو غير الثلثة لم‬
‫يكن في إجازته ش ّ‬
‫ك‪ .‬فإن كان عمرو أحد الثلثة لم يجز‪.‬‬
‫وذاك إن كنت تعرف عمرًا؛ لنه قد خرج من المسألة‪.‬‬

‫‪290‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫فإنما ينبغي أن تقول‪ :‬أي الرجلين? فإن كنت ل تعرف‬
‫عمرًا‪ ،‬إل أنك تعلم أنه من الثلثة فالقصة فيه كالقصة‬
‫فيما قبله؛ لنك إنما تسأل عن أحد اثنين‪ ،‬وتحتاج إلى أن‬
‫تعرف عمرًا‪.‬‬
‫و لو قلت‪ :‬أي الثلثة أحدهما عمرو? كان عند بعض‬
‫النحويين جائزًا‪ ،‬وليس يجوز عندي لما أشرحه لك؛ وذلك‬
‫أنك إذا قلت‪ :‬أي الرجال أحدهما عمرو‪ ،‬والرجال زيد ٌ‬
‫وعمرو وخالد فكأنك قلت‪ :‬أهذا وهذا? تعني زيدا ً وخالدًا‪،‬‬
‫أم هذا وهذا? تعني عمرا ً وخالدًا‪ .‬فليس في هذا بيان‬
‫د؛ لن قصتهما فيه‬
‫لتخليص خالدٍ إذا كان مع عمرو من زي ٍ‬
‫واحدة‪ ،‬ول فيه دليل على عمرو بعينه‪ .‬وليس معنى أي إل‬
‫التبيين‪ ،‬ول تبيين في هذا‪.‬‬
‫ب من التبيين؛ لنا نعلم‬
‫و من أجازه قال‪ :‬قد وقع فيه ضر ٌ‬
‫أن الثالث المخلف ليس بعمرو‪ .‬فيقال له‪ :‬أي إنما خبرها‬
‫هو المطلوب تفسيره‪ ،‬والذي بينت أنه ليس بعمرو ليس‬
‫منهما‪.‬‬
‫و تقول‪ :‬أي إخوانك زيد ٌ عمرو خالد ٌ يكلمه فيه عنده? كما‬
‫تقول‪ :‬أخوك زيد عمرو خالد يكلمه فيه عنده‪ ،‬لنه ابتداءٌ‬
‫بعد ابتداٍء‪.‬‬
‫و لو قلت‪ :‬أي الذين في الدار هند ٌ ضاربتهم? جاز أن تكون‬
‫اقتطعت بأي جماعة من جماعة والوجه ضاربته‪ .‬وليس‬
‫ه جيد‪ .‬قال الله عز‬
‫الحمل على المعنى ببعيد‪ ،‬بل هو وج ٌ‬
‫وجل‪" :‬و ك ّ‬
‫ل أتوه داخرين" وقال‪" :‬و كلهم آتيه يوم‬
‫القيامة فردًا" فهذا على اللفظ‪ ،‬والول على المعنى‪.‬‬
‫و لو قلت‪ :‬أي من في الدار يكرمك? كان جيدًا؛ لن‬
‫المعنى‪ :‬أي القوم يكرمك? و لو قلت‪ :‬أي من في الدار‬
‫يكرمك تكرمه‪ ،‬فإن شئت جعلت يكرمك الولى من‬
‫الصلة‪ ،‬فكان المعنى‪ :‬أي من يكرمك في الدار‪ ،‬فيكون‬
‫الكرام وقع لك في الدار‪ .‬وإن شئت كان في الصلة‪ ،‬وإن‬
‫شئت أخرجته من الصلة‪ ،‬وجعلته خبرًا‪ ،‬وجعلت تكرمه‬
‫حا ً‬
‫ل‪ .‬هذا في الرفع وإن شئت جزمتهما‪ ،‬وإن شئت جعلت‬
‫أي جزاء‪ ،‬وإن شئت رفعت الول‪ ،‬وجزمت الثاني‪ ،‬وجعلت‬

‫‪291‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫أيا ً استفهامًا‪ .‬فأما من في هذا الموضع فهي بمنزلة الذي‪،‬‬
‫وفي الدار صلتها‪ .‬فكأنك قلت‪ :‬أي القوم تكرمه يكرمك‬
‫إذا كان جزاًء‪ ،‬وتكرمه يكرمك إذا كانت استفهامًا‪.‬‬
‫و تقول‪ :‬أيا ً تضرب? وتقول‪ :‬أيّ تضربه?‪ ،‬كما تقول‪ :‬زيد ٌ‬
‫تضربه‪.‬‬
‫فإن قال قائل‪ :‬فما بال النصب ل يختار هاهنا كقولك‪:‬‬
‫أزيدا ً تضربه? لنه استفهام‪.‬‬
‫فإن الجواب في ذلك‪ :‬أن أيا ً هي السم‪ ،‬وهي حرف‬
‫الستفهام‪ ،‬فل يكون قبلها ضمير‪ .‬وذلك قولك‪ :‬أزيدا ً‬
‫ضربته‪ ،‬إنما أوقعت الضمير بعد ألف الستفهام‪ ،‬فنصبت‬
‫زيدًا‪.‬‬
‫و لكن لو اجتمع بعدها اسم وفعل كان المختار فيها تقديم‬
‫الفعل‪ .‬فإن قدمت السم كان على فعل مضمر‪ .‬وذلك‬
‫قولك‪ :‬أيهم أخاه تضربه‪ .‬ولو قلت‪ :‬أيهم يضرب أخاه كان‬
‫على قولك‪ :‬زيدا ً تضربه‪.‬‬
‫و لو قلت‪ :‬أيهم زيدا ً ضاربه إذا كان زيد مفعول ً كان‬
‫النصب في زيد الوجه إذا لم يكن ضارب في معنى‬
‫الماضي‪.‬‬
‫فإن رفعت على قول من قال‪ :‬أزيد ٌ أنت ضاربه قلت‪:‬‬
‫أيهم زيد ضاربه هو‪ .‬وإن شئت جعلته ضاربه خبرا ً لزيد‬
‫فكان هو إظهار الفاعل‪ ،‬لن الفعل جرى على غير صاحبه‪.‬‬
‫وإن شئت جعلت هو مقدما ً ومؤخرا ً على قولك‪ :‬هو ضاربه‬
‫أو ضاربه هو كان حسنا ً جمي ً‬
‫ل‪.‬‬
‫و تقول‪ :‬أيهم أمة الله المتكلم فيها هو‪ .‬ل يكون في أمة‬
‫الله إل الرفع‪ ،‬لن الفعل في الصلة‪ ،‬فل يجوز أن تضمر إل‬
‫على جهة ما ظهر‪.‬‬
‫و تقول‪ :‬أي يوم ٍ سار زيد ٌ إلى عمرو? كأنك قلت‪ :‬أيوم‬
‫الجمعة سار زيد إلى عمرو? فإن قلت‪ :‬أي يوم سار فيه‬
‫زيد إلى عمرو رفعت‪ ،‬إل في قول من قال‪ :‬يوم الجمعة‬
‫سرت فيه‪.‬‬
‫و تقول‪ :‬أي أصحابك من إن يأتنا من يضربه أخوه يكرمه؛‬
‫لنك جعلت الجزاء خبرا ً عن أي‪.‬‬

‫‪292‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ل؛ لنك إذا أضفت أيا ً‬
‫و لو قلت‪ :‬أي من يأتني آته كان محا ً‬
‫إلى من لم تكن من إل بمنزلة الذي‪ .‬فإن قلت‪ :‬أجعل أيا ً‬
‫استفهامًا‪ ،‬وأجعل من جزاًء فقد أحلت؛ لنك إذا أضفت‬
‫إلى الجزاء اسما ً دخله الجزاء؛ أل ترى أنك تقول‪ :‬غلم‬
‫من يأتك تأته‪ ،‬فيصير الجزاء للغلم صلة‪.‬‬
‫فإن قلت‪ :‬فأجعل أيا ً بمنزلة غلم‪ .‬قيل‪ :‬ل يكون كذلك إل‬
‫أن توصل؛ لنها إذا لم تكن جزاًء أو استفهاما ً لم تكن إل‬
‫موصولة‪.‬‬
‫فإن قلت‪ :‬أجعلها استفهامًا‪ .‬قيل‪ :‬قد أحلت؛ لنك قد‬
‫جعلتها جزاًء واستفهاما ً في حال‪ ،‬ومتى كانت في أحدهما‬
‫بطل الخر‪.‬‬
‫فإن قلت‪ :‬أرفع فأقول‪ :‬أي من يأتني آتيه? فذلك جيد؛‬
‫ة‪ ،‬وآتيه خبرًا‪ ،‬وأيا ً استفهامًا‪ .‬فكأنك‬
‫لنك جعلت يأتيني صل ً‬
‫قلت‪ :‬أي القوم آتيه‪ .‬ولو فصلت أيا من من لجاز فقلت‪:‬‬
‫أيّ من يأتيني آته؛ فكانت أي استفهامًا‪ ،‬ومن للجزاء‪.‬‬
‫و كذلك لو قلت‪ :‬من من يأتنا نكرمه? لكان جيدًا‪ .‬تجعل‬
‫الهاء في نكرمه راجعة إلى من الولى‪ ،‬فيكون التقدير‪:‬‬
‫من الرجل الذي من أتانا من الناس أتيناه? هذا باب‬
‫أي إذا كنت مستفهما ً مستثبتا ً‬
‫إذا قال لك رجل‪ :‬رأيت رجل ً قلت أيًا? وذلك أنك أردت أن‬
‫تحكي كلمه‪.‬‬
‫فإن قال‪ :‬جاءني رجل‪ .‬قلت‪ :‬أي? موقوفة‪ .‬فإن وصلت‬
‫قلت‪ :‬أي يا فتى? لنها مرفوعة كالذي استفهمت عنه‪.‬‬
‫فإن قال‪ :‬مررت برجل‪ .‬قلت في الوقف‪ :‬أي? موقوف‪.‬‬
‫كما تقول في المخفوض‪ :‬مررت بزيد‪ .‬فإن وصلت قلت‪:‬‬
‫ي? يا فتى? فإن قال‪ :‬جاءتني امرأة قلت‪ :‬أية? فإن‬
‫أ ّ‬
‫ة يا فتى? و كذلك النصب والخفض‪ .‬تنصب‬
‫وصلت قلت‪ :‬أي ٌ‬
‫ة لقوله‪ ،‬وتقف بل حركة‬
‫إذا نصب‪ ،‬وتخفض إذا خفض حكاي ً‬
‫ول تنوين‪.‬‬
‫فإن ثنى فقال‪ :‬جاءني رجلن قلت‪ :‬أيان?‪.‬‬
‫فإن قال‪ :‬رأيت رجلين أو مررت برجلين قلت‪ :‬أيين? على‬
‫حكاية كلمه‪.‬‬

‫‪293‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫و إن قال‪ :‬جاءتني امرأتان قلت‪ :‬أيتان?‪ .‬وفي النصب‬
‫والخفض‪ :‬أيتين? وتكسر النون في الوصل‪ ،‬لنها نون‬
‫الثنين‪.‬‬
‫فإن قال‪ :‬جاءني رجال قلت‪ :‬أيون?‪ .‬فإن وصلت فتحت‬
‫النون‪.‬‬
‫و إن قال‪ :‬مررت برجال أو رأيت رجال ً قلت أيين?‪.‬‬
‫و إن قال‪ :‬جاءني نساء قلت‪ :‬أيات?‪ .‬فإن وصلت قلت‪:‬‬
‫ت يا فتى? و إن قال‪ :‬مررت بنساٍء أو رأيت نساًء قلت‪:‬‬
‫أيا ٌ‬
‫ت يا فتى? إذا وصلت‪ ،‬فإن وقفت فبغير حركة ول‬
‫أيا ٍ‬
‫تنوين‪ .‬على ما وصفت لك‪.‬‬
‫و إن شئت قلت في جميع هذا‪ ،‬ذكرا ً كان أو أنثى‪ ،‬جمعا ً‬
‫ي‪ ،‬إذا‬
‫كان أو واحدًا‪ ،‬أيّ يا فتى إذا كان مرفوعًا‪ ،‬وأيًا‪ ،‬وأ ّ‬
‫كان منصوبا ً أو مخفوضًا؛ لن أيا ً يجوز أن تقع للجماعة‬
‫على لفظ واحد‪ ،‬وللمؤنث على لفظ المذكر‪ ،‬وكذلك‬
‫التثنية؛ لنها بمنزلة من وما؛ لنهما في جميع ما وقعتا‬
‫عليه على لفظ واحد‪.‬‬
‫و إنما جاز في أي التثنية والجمع دون أخواتها؛ لنها‬
‫تضاف‪ ،‬وتفرد‪ ،‬ويلحقها التنوين بدل ً من الضافة؛ فلذلك‬
‫خالفت أخواتها‪.‬‬
‫و إن شئت تركت الحكاية في جميع هذا‪ ،‬واستأنفت‪.‬‬
‫فرفعت على البتداء والخبر‪ ،‬فقلت‪ :‬أيّ يا فتى? لنك لو‬
‫أظهرت الخبر لم تكن أي إل مرفوعة؛ نحو قولك‪ :‬أي من‬
‫ذكرت‪ ،‬وأي هؤلء?‪.‬‬
‫هذا باب أي إذا كنت مستثبتا ً بها عن معرفة إذا قال رجل‪:‬‬
‫رأيت عبد الله‪ .‬فإن الستفهام أيّ عبد الله? ل يكون إل‬
‫ذلك؛ لن أيا ً ابتداء‪ ،‬وعبد الله خبره‪.‬‬
‫و لو قلت‪ :‬أيّ يا فتى لم يكن إل للنكرة؛ لنك جعلتها‬
‫شائعة‪ ،‬إذا لم تخصص بها اسمًا‪.‬‬
‫و لو قال قائل‪ :‬أيّ يا فتى? على أنه أراد أن عبد الله هذا‬
‫ممن ينكره فهو عنده شائع بمنزلة رجل لجاز‪ .‬وليس‬
‫بالوجه‪ .‬فأما من عبد الله ونحوه‪ ،‬فبابه ظاهر‪.‬‬
‫و إذا قلت‪ :‬رأيت أخويك فإن الوجه أن يقول‪ :‬أيّ أخواك?‬

‫‪294‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ن‪ .‬وهو‬
‫على اللفظ أو المعنى؛ والحمل على المعنى حس ٌ‬
‫الذي يختاره من بعد سيبويه أن يقول‪ :‬من أخواي? لنه قد‬
‫فهم القصة فعنها يجيب‪ ،‬وكذلك رأيت الرجل‪ ،‬ومررت‬
‫بالرجل‪.‬‬
‫فإن قال‪ :‬رأيت الرجلين أو أخويك فقلت‪ :‬أيان الرجلن‪،‬‬
‫وأيان أخواي? فهذا الذي يختاره النحويون‪.‬‬
‫و الفراد في أي الذي بدأنا به حسن؛ لما ذكرنا في الباب‬
‫الذي قبله‪.‬‬
‫و لو قلت‪ :‬رأيت الرجال‪ ،‬أو مررت بالرجال‪ ،‬أو جاءني‬
‫الرجال لقلت‪ :‬أيون الرجال? وأي الرجال? على ما‬
‫وصفت لك‪.‬‬
‫و اعلم أنه إذا ذكر شيء من غير الدميين وقعت عليه أي‬
‫كما تقع على الدميين؛ لنها عامة‪ ،‬وليست ك من‪.‬‬
‫و ذلك أنه لو قال‪ :‬ركبت حمارا ً لكان الجواب‪ :‬أيًا? أو قال‪:‬‬
‫مررت بحمار لقلت‪ :‬أيّ يا فتى?‪ .‬فإن وقفت قلت‪ :‬أي‪،‬‬
‫على ما شرحت لك‪.‬‬
‫و إن قال‪ :‬هذا الحمار قلت‪ :‬أيّ الحمار? كما كنت قائل ً‬
‫في الدميين‪.‬‬
‫هذا باب من إذا كنت مستفهما ً بها عن نكرة‬
‫إذا قال لك رجل‪ :‬رأيت رج ً‬
‫ل‪ ،‬فإن الجواب أن تقول‪ :‬منا?‪.‬‬
‫أو قال‪ :‬جاءني رجل‪ ،‬فإنك تقول‪ :‬منو?‪ .‬أو قال‪ :‬مررت‬
‫برجل‪ ،‬قلت‪ :‬مني? وليست هذه الواو والياء واللف‬
‫اللواحق في من إعرابًا‪ ،‬ولكنهن لحقن في الوقف‬
‫للحكاية‪ .‬فهن دليل‪ ،‬ولسن بإعراب‪.‬‬
‫فإن قال‪ :‬جاءني رجلن‪ ،‬قلت‪ :‬منان?‪ .‬وإن قال‪ :‬مررت‬
‫برجلين أو رأيت رجلين‪ ،‬قلت‪ :‬منين? وإن قال‪ :‬رأيت‬
‫امرأةً أو هذه امرأةٌ أو مررت بامرأةٍ قلت‪ :‬منه?‪.‬‬
‫فإن قال‪ :‬جاءتني امرأتان‪ .‬قلت‪ :‬منتان?‪ .‬تسكن النون‪،‬‬
‫كما كانت في من ساكنة‪ .‬وإنما حركتها فيما قبل من أجل‬
‫ما بعدها؛ لن هاء التأنيث ل تقع إل بعد حرف متحرك‪،‬‬
‫وكذلك حروف التثنية‪ ،‬أعني‪ :‬الياء‪ ،‬واللف لسكونهما‪.‬‬
‫فأما قولك‪ :‬منو‪ ،‬ومني فإنما حركت معها النون لعلتين‪.‬‬

‫‪295‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫إحداهما‪ :‬قولك في النصب‪ ،‬منا؛ لن اللف ل تقع إل بعد‬
‫مفتوح‪ .‬فلما حركت في النصب حركت في الخفض‬
‫والرفع؛ ليكون المجرى واحدًا‪.‬‬
‫و العلة الخرى‪ :‬أن الياء والواو خفيتان‪ .‬فإن جعلت قبل‬
‫كل واحدة منهما الحركة التي هي منها ظهرتا‪ ،‬وتبينتا‪.‬‬
‫فإن قال لك‪ :‬جاءني رجال قلت‪ :‬منون?‪.‬‬
‫و إن قال‪ :‬مررت برجال‪ ،‬أو رأيت رجال ً قلت‪ :‬منين?‪.‬‬
‫و إن قال‪ :‬رأيت نساًء‪ ،‬أو مررت بنساٍء‪ ،‬أو جاءتني نساء‬
‫قلت‪ :‬منات?‪.‬‬
‫فإن وصلت قلت في جميع هذا‪ :‬من يا فتى? لنها الصل‪،‬‬
‫وإنما ألحقت تلك الدلئل في الوقف‪ ،‬فصرن بمنزلة ما‬
‫يلحق في الوقف مما ل يثبت في الوصل‪.‬‬
‫فأما الوصل فليس فيه إل ما ذكرت لك? لن من في‬
‫النصب والرفع‪ ،‬والخفض‪ ،‬والمؤنث‪ ،‬والمذكر والتثنية‪،‬‬
‫ظ واحد‪ .‬تقول‪ :‬رأيت من في الدار‪،‬‬
‫والجمع على لف ٍ‬
‫وجاءني من في الدار‪ .‬وقد شرحنا العلة في ذلك‪.‬‬
‫فإن اضطر شاعر جاز أن يصل بالعلمة‪ .‬وليس ذلك‬
‫بحسن‪ .‬قال الشاعر‪:‬‬
‫فقالوا‪ :‬الجن‪ .‬قلت‪:‬‬
‫أتوا ناري فقلت‪:‬‬
‫عموا ظلما‬
‫منون أنـتـم?‬
‫و لو قال قائل إذا قيل له‪ :‬جاءني رجال منو? وإن قيل له‪:‬‬
‫رأيت رجال ً قال‪ :‬منا? أو مررت برجال فقال‪ :‬مني? يلحق‬
‫العلمة‪ ،‬ول يثنى? من ول يجمعها كان جائزًا‪ .‬والكثر ما‬
‫بدأنا به‪ .‬وقياس من فيها ما ذكرت لك ما تقدم شرحه من‬
‫أنها مفردة تقع للجميع وللثنين وغير ذلك‪ ،‬ول تظهر فيها‬
‫علمة‪.‬‬
‫هذا باب من إذا كنت مسترشدا ً بها عن إثبات معرفة إذا‬
‫قال لك رجل‪ :‬جاءني عبد الله فإن السؤال إذا كنت تعرف‬
‫جماعة كلهم عبد الله‪ :‬من عبد الله?‪.‬‬
‫و إذا قال‪ :‬رأيت عبد الله قلت‪ :‬من عبد الله? و إن قال‪:‬‬
‫مررت بعبد الله قلت‪ :‬من عبد الله? فهذا سبيل كل اسم‬
‫علم ٍ مستفهم عنه أن تحكيه كما قال المخبر‪.‬‬

‫‪296‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫و لو قلت‪ :‬في جميع هذا‪ :‬من عبد الله?‪ .‬كان حسنا ً جيدًا‪.‬‬
‫وإنما حكيت‪ ،‬ليعلم السامع أنك تسأله عن هذا الذي ذكر‬
‫بعينه‪ ،‬ولم تبتدئ السؤال عن آخر له مثل اسمه‪ .‬والدليل‬
‫على ذلك أنك لو قلت‪ :‬ومن أو فمن لم يكن ما بعدهما إل‬
‫رفعًا؛ لنك عطفت على كلمه‪ ،‬فاستغنيت عن الحكاية؛‬
‫لن العطف ل يكون مبتدًء‪.‬‬
‫فإن قال‪ :‬رأيت أخاك‪ ،‬أو مررت بأخيك كان الستفهام‪:‬‬
‫من أخوك‪ ،‬أو‪ :‬من أخي? ول تحكى؛ لن الحكاية إنما‬
‫ة‪ ،‬لما أذكره لك من أنها‬
‫تصلح في السماء العلم خاص ً‬
‫على غير منهاج سائر السماء‪.‬‬
‫و كذلك إن قال‪ :‬رأيت الرجل يا فتى فقلت‪ :‬من الرجل?‬
‫و كان يونس يجري الحكاية في جميع المعارف‪ .‬ويرى‬
‫بابها وباب العلم واحدًا‪.‬‬
‫و قد يجوز ما قال‪ ،‬وليس بالوجه‪ .‬وإنما هو على قول من‬
‫قيل له‪ :‬عندي تمرتان فقال‪ :‬دعني من تمرتان‪ .‬وقيل له‪:‬‬
‫رأيت قرشيا ً فقال‪ :‬ليس بقرشيًا‪.‬‬
‫فهذا جائز وليس هو على الباب‪ .‬إنما تحكى الجمل؛ نحو‪:‬‬
‫ق؛ لنه كلم قد عمل بعضه في بعض‪.‬‬
‫قلت‪ :‬زيد ٌ منطل ٌ‬
‫وكذلك قرأت‪ :‬الحمد لله رب العالمين‪ ،‬ورأيت على‬
‫خاتمه‪ :‬الله أكبر‪.‬‬
‫و ل يصلح أن تقول إذا قلت‪ :‬رأيت زيدًا‪ ،‬ولقيت أخاك‪?:‬‬
‫لن ذلك إنما هو سؤال شائع في النكرة‪.‬‬
‫و الكنى التي هي أعلم بمنزلة السماء‪ .‬فهذا جملة هذا‬
‫الباب‪.‬‬
‫و تثنية العلم وجمعها يردها إلى النكرة‪ ،‬فتعرف باللف‬
‫واللم‪ .‬فتصير بمنزلة رجل‪ ،‬والرجل؛ نحو‪ :‬رأيت زيدين‪،‬‬
‫ورأيت الزيدين إل ما كان مضافا ً إلى معرفة‪ ،‬فإن تعريفه‬
‫ق‪ ،‬وقد‬
‫بالضافة؛ فتعريفه باق؛ لن الذي أضيف إليه با ٍ‬
‫ذكرنا هذا في باب المعرفة والنكرة‪.‬‬
‫و لو قال رجل في جميع الجواب عن من رفعا ً تكلم به‬
‫المتكلم أو نصبا ً أو خفضا ً فقال المجيب‪ :‬من عبد الله?‬
‫على البتداء والخبر‪ ،‬كان جيدا ً بالغًا‪ ،‬وهو الذي يختاره‬

‫‪297‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫سيبويه‪ .‬كما كان ذلك في أي وهو قول بني تميم‪ ،‬وهو‬
‫أقيس‪.‬‬
‫هذا باب من إذا أردت أن يضاف لك الذي تسأل عنه اعلم‬
‫أن رجل ً لو قال‪ :‬رأيت زيدًا‪ ،‬فلم تدر أي الزيود هو? لكان‬
‫الجواب على كلمه أن تبتدئ فتقول‪ :‬القرشي أم الثقفي‬
‫أم الطويل أم القصير?‪.‬‬
‫و كذلك يرد عليك الجواب فيقول‪ :‬القصير يا فتى ونحو‬
‫ذلك‪ .‬لن الكلم يرجع إلى أوله‪ .‬أل ترى لو أن قائل ً قال‪:‬‬
‫كيف أصبحت‪ ،‬أو كيف كنت? لكان الجواب أن تقول‪:‬‬
‫صالحًا؛ لن كيف في موضع الخبر‪ .‬كأنه قال‪ :‬أصالحا ً‬
‫أصبحت أم طالحًا? فأجبته على مقدار ذلك‪.‬‬
‫ح ونحوه لجاز‪ ،‬تدع كلمه‪ ،‬وتبتدئ كأنك‬
‫و لو قلت‪ :‬صال ٌ‬
‫قلت‪ :‬أنا صالح‪ .‬وكذلك يجوز‪ :‬القرشي أم الثقفي? تركت‬
‫كلمه‪ ،‬وابتدأت فقلت‪ :‬أهذا الذي ذكرت زيد القرشي أم‬
‫زيد الثقفي‪.‬‬
‫و كذلك لو قال لك‪ :‬القرشي على هو لكان جائزا ً حسنًا‪،‬‬
‫لنه غير خارج من المعنى‪.‬‬
‫هذا باب الصفة التي تجعل وما قبلها بمنزلة شيء واحد‬
‫فيحذف التنوين من الموصوف‬
‫و ذلك قولك‪ :‬هذا زيد بن عبد الله‪ ،‬وهذا عمرو بن زيد‪.‬‬
‫والكنية كالسم‪ .‬تقول‪ :‬هذا أبو عمرو بن العلء يا فتى‪،‬‬
‫وهذا زيد بن أبي زيد‪ .‬فهذا الباب والوجه‪.‬‬
‫فأما أكثر النحويين فيذهبون إلى أن التنوين إنما حذف‬
‫للتقاء الساكنين‪ ،‬وكان في هذا لزمًا؛ لنهما بمنزلة شيٍء‬
‫واحد‪.‬‬
‫فإن كان في غير هذا الموضع فالمختار والوجه في‬
‫التنوين التحريك للتقاء الساكنين؛ لن الحذف إنما يكون‬
‫ة‪ .‬وإنما جاز في التنوين‬
‫في حروف المد واللين خاص ً‬
‫لمضارعته إياها‪ .‬وأنه يقع كثيرا ً بدل ً منها‪ ،‬وتزاد في‬
‫الموضع الذي تزاد فيه‪ .‬ل تنفك من ذلك‪ .‬فلما أشبهها‬
‫وجرى معها أجري مجراها معها في اضطرار الشاعر‬

‫‪298‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وفيما ذكرت من هذا السم والصفة‪.‬‬
‫فأما ما جاء من هذا في الشعر فقوله‪:‬‬
‫و رجال مكة مسنتون‬
‫عمرو الذي هشم‬
‫عجاف‬
‫الثريد لقومه‬
‫و قال الخر‪:‬‬
‫أخو الخمر ذو الشيبة‬
‫ج‬
‫حمـيد الـذي أمـــ ٌ‬
‫الصلع‬
‫داره‬
‫و ينشد بيت أبي السود‪:‬‬
‫ب و ل ذاكر الله إل قليل‬
‫فألفيته غير مستعتـ ٍ‬
‫على أنه حذف التنوين للتقاء الساكنين‪.‬‬
‫و قرأ بعض القراء "قل هو الله أحد الله الصمد" وأما‬
‫الوجه فإثبات التنوين وإنما هذا مجاز‪.‬‬
‫فمن ذهب إلى أن حذف التنوين للتقاء الساكنين قال‪:‬‬
‫هذه هند ٌ بنت عبد الله فيمن صرف هندًا؛ لنه لم يلتق‬
‫ساكنان فكان أبو عمرو بن العلء يذهب إلى أن الحذف‬
‫جائز‪ ،‬لنهما بمنزلة اسم واحد للتقاء الساكنين‪ ،‬ويحتج بما‬
‫ذكرته لك في النداء من قولهم‪ :‬يا زيد بن عبد الله‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫هذا هو بمنزلة قولك‪ :‬هذا امرؤ‪ ،‬ومررت بامرئ‪ ،‬ورأيت‬
‫امرأ‪ .‬تكون زيد بن عبد الله‪ ،‬ومررت بزيد بن عبد الله‪،‬‬
‫ورأيت بن عبد الله‪ .‬فيقول‪ :‬هذه هند بنت عبد الله فيمن‬
‫صرف هندًا‪.‬‬
‫و اعلم أن الشاعر إذا اضطر رده إلى حكم النعت‬
‫د‪،‬‬
‫والمنعوت فقال‪ :‬هذا زيد ٌ بن عبد الله؛ لنه وقف على زي ٍ‬
‫ثم نعته‪ .‬وهذا في الكلم عندنا جائز حسن‪ .‬فمن ذلك‬
‫قوله‪:‬‬
‫س ابن ثعلبه‬
‫جاري ٌ‬
‫ة من قي ٍ‬
‫فإن كان الثاني غير نعت لم يكن في الول إل التنوين‪.‬‬
‫تقول‪ :‬رأيت زيدا ً ابن عمرو؛ لنك وقفت على زيد‪ ،‬ثم‬
‫أبدلت منه ما بعده‪.‬‬
‫و لو قلت‪ :‬هذا زيد ٌ ابن أخيك لم يكن في زيد إل التنوين؛‬
‫لن قولك‪ :‬ابن أخيك ليس بعلم‪ ،‬ولنك إنما تحذف التنوين‬
‫من العلم إذا كان منسوبا ً إلى علم مثله‪ .‬وكذلك‪ :‬هذا‬

‫‪299‬‬

‫المقتضب في اللغة للمبرد‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫رج ٌ‬
‫ل نعرفه‪ ،‬وهذا زيد ٌ ابن زيدك؛ لنك جعلت‬
‫ل ابن رج ٍ‬
‫زيدا ً الثاني نكرة‪ ،‬ثم عرفته بالضافة‪.‬‬
‫و لو قلت‪ :‬هذا زيد ٌ بني عمرو لم يكن إل التنوين؛ لنه‬
‫ليس مما كثر‪ ،‬فحذف‪ ،‬ول التقى ساكنان‪.‬‬
‫و لو قلت‪ :‬هذا زيد ٌ ابن أبي عمرو‪ ،‬وأبو عمرو غير كنية‪،‬‬
‫ولكنك أردت أن أباه أبو آخر يقال له عمرو لم يكن في‬
‫زيد إل التنوين‪ ،‬إل في قول من قرأ "قل هو الله أحد الله‬
‫الصمد" وقد مضى تفسيره‪ .‬ومن قال بالبدل قال‪ :‬يا زيد‬
‫ابن عبد الله؛ لنه دعا زيدًا‪ ،‬ثم أبدل منه‪ .‬فهذا كقوله‪ :‬يا‬
‫زيد أخا عبد الله‪ .‬فعلى هذا يجري هذا الباب‪.‬‬
‫فأما القراءة فعلى ضربين‪ :‬قرأ قوم وقالت اليهود عزيٌر‬
‫ابن الله؛ لنه ابتداء وخبر‪ ،‬فل يكون في عزير إل التنوين‪.‬‬
‫و من قرأ عزير ابن الله فإنما أراد خبر ابتداء كأنهم قالوا‪:‬‬
‫هو عزير بن الله‪ ،‬ونحو هذا مما يضمر‪ .‬ويكون حذف‬
‫التنوين للتقاء الساكنين وهو يريد البتداء والخبر‪ .‬فيصير‬
‫كقولك‪ :‬زيد الذي في الدار‪ .‬فهذا وجه ضعيف جدًا؛ لن‬
‫حق التنوين أن يحرك للتقاء الساكنين إل أن يضطر‬
‫شاعر على ما ذكرت لك فيكون كقوله‪:‬‬
‫و رجال مكة مسنتون‬
‫عمرو العل هشم‬
‫عجاف‬
‫الثريد لقومه‬

‫نهاية الجزء الول ويليه الجزء الثاني ‪...‬‬
‫نسخ وترتيب وتنسيق مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ل تنسونا من دعوة صادقة في ظهر الغيب‬

‫‪300‬‬