‫الجواب الكافي‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫الجواب الكافي‬
‫ابن قيم الجوزية‬
‫بسم الله الرحمن الرحيم‬
‫سئل الشققيخ المققام العققالم العلمققة المتقققن الحققافظ الناقققد‬
‫شمس الدين أبو عبدالله محمد بن الشيخ الصققالح أبققي بكققر‬
‫عرف بابن القيم الجوزية رضي اللققه عنققه مققا تقققول السققادة‬
‫العلماء أئمة الدين رضى الله عنهم أجمعين في رجققل ابتلققى‬
‫ببلية وعلم أنها إن استمرت بقه أفسقدت دنيقاه وآخرتقه وققد‬
‫اجتهد في دفعها عن نفسه بكل طريققق فمققا يققزداد إل توقققدا‬
‫وشدة فما الحيلة في دفعها وما السلم إلققى كشققفها فرحققم‬
‫الله من أعان مبتلى والله في عون العبد ما كققان العبققد فققي‬
‫عون أخيه أفتونا مأجورين‬
‫فكتب الشيخ رضي الله عنقه تحقت السقؤال الجقواب الحمقد‬
‫لله أما بعد فقد ثبققت فققي صققحيح البخققاري مققن حققديث أبققي‬
‫هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما أنزل اللققه‬
‫داء إل أنزل له شفاء وفي صحيح مسلم من حديث جابر بققن‬
‫عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لكل داء‬
‫دواء فإذا أصيب دواء الداء برأ باذن الله وفققي مسققند المققام‬
‫أحمد من حديث أسامة بن شريك عن النبي صلى الله عليققه‬
‫وسلم قال إن الله لم ينزل داء إل أنزل له شقفاء علمقه مقن‬
‫علمه وجهله مقن جهلققه وفقي لفقظ إن اللققه لقم يضقع داء إل‬
‫وضع له شفاء أو دواء إل داء واحدا قالوا يا رسول الله ما هو‬
‫قال الهرم قال الترمذي هذا حققديث صققحيح وهققذا يعققم أدواء‬
‫القلب والروح والبدن وأدويتهققا وقققد جعققل النققبي صققلى اللققه‬
‫عليه وسلم الجهل داء وجعل دواءه سؤال العلماء فروى أبققو‬
‫داوود في سننه من حديث جابر ابن عبد الله قال خرجنا في‬
‫سفر فأصققاب رجل منققا حجققر فشققجه فققي رأسققه ثققم احتلققم‬
‫فسأله أصحابه فقال الشياطين تجدون لى رخصة في التيمم‬
‫قالوا ما نجد لك رخصة وأنت تقدر علىالماء فاغتسققل فمققات‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫فلما قدمنا على رسققول اللققه صققلى اللققه عليققه وسققلم أخققبر‬
‫بذلك فقال قتلوه قتلهققم اللققه إل سققألوا إذ لققم يعلمققوا فإنمققا‬
‫شققفاء العققي السققؤال إنمققا كققان يكفيققه أن يققتيمم ويعصققر أو‬
‫يعصب على جرحقه بخرققة ثقم يمسقح عليهقا ويغسقل سقائر‬
‫جسده فأخبر أن الجهل داء وأن شققفاءه السققؤال وقققد أخققبر‬
‫سبحانه عن القرآن أنه شفاء فققال اللقه تعقالى ولقو جعلنقاه‬
‫قرآنا أعجميا لقالوا لول فصلت آياته أعجمي وعربي قققل هققو‬
‫للذين آمنوا هققدي وشققفاء وقققال وننققزل مققن القققرآن مققا هققو‬
‫شفاء ورحمة للمؤمنين ومن ههنا لبيققان الجنققس ل للتبعيققض‬
‫فإن القرآن كله شفاء كما قال في الية الخققرى فهققو شققفاء‬
‫للقلققوب مققن داء الجهققل والشققك والريققب فلققم ينققزل اللققه‬
‫سبحانه من السماء شققفاء قققط أعققم ول أنفققع ول أعظققم ول‬
‫أشجع في إزالة الداء من القرآن وقققد ثبققت فققي الصققحيحين‬
‫من حديث أبي سققعيد قققال انطلققق نفققر مققن أصققحاب النققبي‬
‫صلى الله عليه وسلم في سفرة سافروها حققتى نزلققوا علققى‬
‫حي من أحياء العرب فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم فلققدغ‬
‫سيد ذلك الحي فسعوا له بكل شققيء ل ينفعققه شققيء فقققال‬
‫بعضهم لو أنيتم هؤلء الرهط الذين نزلوا لعله أن يكون عنققد‬
‫بعضققهم شققيء فققاتوهم فقققالوا أيهققا الرهققط إن سققيدنا لققدغ‬
‫وسعينا له بكل شققيء ل ينفعققه فهققل عنققد أحققد منكققم شققيء‬
‫فقال بعضهم نعم والله إني لرقى ولكققن واللققه استضققفناكم‬
‫فلم تضيفونا فما أنا براق حققتى تجعلققوا لنققا جعل فصققالحوهم‬
‫على قطيع من الغنم فانطلق يتفققل عليققه ويقققرأ الحمققد للققه‬
‫رب العالمين فكأنما نشط من عقال فانطلق يمشي ومقا بقه‬
‫قلبة فأوفوهم جعلهققم الققذي صققالحوهم عليققه فقققال بعضققهم‬
‫إقتسموا فقال الذي رقا ل نفعل حتى نأتي النبي صققلى اللققه‬
‫عليه وسلم فنذكر له القذي كقان فننظقر بمقا يأمرنقا فققدموا‬
‫على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له ذلك فقال‬
‫وما يدريك إنها رقية ثم قال قد أصبتم اقتسموا وأضربوا لققى‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫معكم سهما فقد أثر هذا الدواء فققي هققذا الققداء وأزالققه حققتى‬
‫كققأن لققم يكققن وهققو أسققهل دواء وأيسققره ولققو أحسققن العبققد‬
‫التداوي بالفاتحة لرأي لها تأثيرا عجيبققا فققي الشققفاء ومكثققت‬
‫بمكة مدة تعتريني أدواء ول أجد طبيبا ول دواء فكنققت أعالققج‬
‫نفسي بالفاتحة فأري لها تأثيرا عجيبا فكنت أصف ذلك لمققن‬
‫يشتكي ألما وكان كققثير منهققم يققبرأ سققريعا ولكققن ههنققا أمققر‬
‫ينبغققي التفطققن لققه وهققو أن الذكققار واليققات والدعيققة الققتي‬
‫يستشفى بها ويرقا بها هي فقي نفسققها نافعققة شقافية ولكققن‬
‫تسققتدعى قبققول المحققل وقققوة همققة الفاعققل وتققأثيره فمققتى‬
‫تخلققف الشققفاء كققان لضققعف تققأثير الفاعققل أو لعققدم قبققول‬
‫المنفعل أو لمانع قققوي فيققه يمنققع أن ينجققع فيققه الققدواء كمققا‬
‫يكون ذلك في الدوية والدواء الحسية فإن عدم تأثيرهققا قققد‬
‫يكون لعدم‬
‫قبول الطبيعة لذلك الدواء وقد يكون لمققانع قققوي يمنققع مققن‬
‫اقتضائه أثره فإن الطبيعة إذا أخذت الدواء لقبققول تققام كققان‬
‫انتفاع البدن به بحسب ذلك القبققول وكققذلك القلققب إذا أخققذ‬
‫الرقاء والتعاويذ بقبول تام وكان للراقى نفققس فعالققة وهمققة‬
‫مؤثرة في إزالة الداء وكذلك الدعاء فإنه من أقوى السققباب‬
‫في دفع المكروه وحصول المطلوب ولكققن قققد يتخلققف عنققه‬
‫أثره إما لضعفه في نفسه بأن يكون دعققاء ل يحبققه اللققه لمققا‬
‫فيه من العدوان وإما لضعف القلب وعدم إقبققاله علققى اللققه‬
‫وجمعيته عليه وقت الدعاء فيكون بمنزلة القوس الرخو جققدا‬
‫فإن السهم يخرج منه خروجا ضعيفا وإما لحصول المانع من‬
‫الجابة من أكل الحرام والظلم ورين الققذنوب علققى القلققوب‬
‫واستيلء الغفلة والسهو واللهو وغلبتها عليها كما فققي صققحيح‬
‫الحاكم من حديث أبققى هريققرة عققن النققبي صققلى اللققه عليققه‬
‫وسلم أدعو الله وأنتم موقنون بالجابة واعلموا أن الله دعاء‬
‫من قلب غافل له فهذا دواؤنا نافع مزيل للققداء ولكققن غفلققة‬
‫القلب عن الله تبطل قوته وكذلك أكقل الحقرام يبطقل ققوته‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫ويضعفها كما في صحيح مسلم من حقديث أبقي هريقرة ققال‬
‫قال رسول الله صلى الله عليققه وسققلم أيهققا النققاس إن اللققه‬
‫طيب ليقبققل إل طيبققا وإن اللققه أمققر المققؤمنين بمققا أمققر بققه‬
‫المرسلين فقال يا أيها الرسققل كلققوا مققن الطيبققات واعملققوا‬
‫صالحا إني بما تعملون عليم وقال يقا أيهققا القذين آمنقوا كلققوا‬
‫من طيبات مارزقناكم ثم ذكر الرجققل يطيققل السققفر أشققعث‬
‫أغققبر يمققد يققده الققى السققماء يققارب يققارب ومطعمققه حققرام‬
‫ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فققأنى يسققتجاب‬
‫لذلك وذكر عبد الله بن أحمد في كتققاب الزهققد لبيققه أصققاب‬
‫بني إسرائيل بلء فخرجوا مخرجا فأوحى الله عز وجققل الققى‬
‫نبيهم أن أخبرهم إنكم تخرجون الققى الصققعيد بابققدان نجسققة‬
‫وترفعون الي أكفا قد سفكتم بها الدماء وملتققم بهققا بيققوتكم‬
‫من الحرام الن حين اشتد غضبي عليكم ولققن تققزدادوا منققي‬
‫البعدا وقال ابو ذر يكفى من الدعاء البرأ مققا يكفققى الطعققام‬
‫من الملح‬
‫فصل‬
‫والدعاء من أنفع الدوية وهو عدو البل يدافعه ويعالجه ويمنققع‬
‫نزوله ويرفعه أو يخففه إذا نزل وهو سلح المؤمن كمققا روى‬
‫الحاكم في صحيحه من حديث علققى بققن أبققي طققالب رضققي‬
‫الله عنه وكرم الله وجهه قال قققال رسققول اللققه صققلى اللققه‬
‫عليققه وسققلم الققدعاء سققلح المققؤمن وعمققاد الققدين ونققور‬
‫السققموات والرض ولققه مققع البلء ثلث مقامققات أحققدها أن‬
‫يكون أقوي من البلء فيققدفعه الثققاني أن يكققون أضققعف مققن‬
‫البلء فيقوى عليه البلء فيصاب بققه العبققد ولكققن قققد يخففققه‬
‫وإن كان ضعيفا الثققالث أن يتقاومققا ويمنققع كققل واحققد منهمققا‬
‫صاحبه وقققد روي الحققاكم فققي صققحيحه مققن حققديث عائشققة‬
‫رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسققلم‬
‫ل يغنى حذر من قدر والدعاء ينفع مما نققزل وممققا لققم ينققزل‬
‫وإن البلء لينزل فيلقاه الققدعاء فيعتلجققان الققى يققوم القيامققة‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫وفيه أيضا من حديث ابن عمققر عققن النققبي صققلى اللققه عليققه‬
‫وسلم قال الدعاء ينفع بما نزل ومما ينزل فعليكم عباد اللققه‬
‫بالدعاء وفيه أيضا من حديث ثوبان ل يرد القدر ال الدعاء ول‬
‫يزيد فققي العمققر ال الققبر وإن الرجققل ليحققرم الققرزق بالققذنب‬
‫يصيبه‬
‫فصل‬
‫ومن أنفع الدوية اللحاح فى الدعاء وقد روى ابن ماجة فققي‬
‫سننه من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صققلى اللققه‬
‫عليه وسلم مققن لققم يسققئل اللققه يغضققب عليققه وفققي صققحيح‬
‫الحاكم من حديث أنس عققن النققبي صققلى اللققه عليققه وسققلم‬
‫لتعجققزوا فققى الققدعاء فققانه ليهلققك مققع الققدعاء أحققد وذكققر‬
‫الوزاعي عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنهققا‬
‫قالت قال رسول الله صلى الله عليققه وسققلم إن اللققه يحققب‬
‫الملحين فى الدعاء وفى كتاب الزهد للمام أحمد عن قتققادة‬
‫قال قال مورق ما وجققدت للمققؤمن مثل ال رجققل فققي البحققر‬
‫على خشبة فهو يدعو يا رب يققا رب لعققل اللققه عققز وجققل أن‬
‫ينجيه‬
‫فصل‬
‫ومن الفات التى تمنع ترتققب أثققر الققدعاء عليققه أن يسققتعجل‬
‫العبد ويستبطي الجابة فيستحسر ويدع القدعاء وهقو بمنزلقة‬
‫من بذر بذرا أو غرس غرسققا فجعققل يتعاهققده ويسقققيه فلمققا‬
‫استبطأ كماله وإدراكه تركه وأهمله وفى البخاري من حديث‬
‫أبققي هريققرة أن رسققول اللققه صققلى اللققه عليققه وسققلم قققال‬
‫يستجاب لحدكم ما لم يعجل يقول دعوت فلم يسققتجب لققي‬
‫وفي صحيح مسلم عنه ليزال يستجاب للعبد ما لم يدع بأثم‬
‫أو قطيعققة رحققم مققا لققم يسققتعجل قيققل يققا رسققول اللققه مققا‬
‫الستعجال قال يقول قد دعوت وقد دعوت فلم أر يسققتجاب‬
‫لى فيستحسر عند ذاك ويدع الدعاء وفققي مسققند أحمققد مققن‬
‫حديث أنس قال قققال رسققول اللققه صققلى اللققه عليققه وسققلم‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫ليزال العبد بخير ما لم يستعجل قالوا يققا رسققول اللققه كيققف‬
‫يستعجل قال يقول قد دعوت لربي فلم يستجب لى‬
‫فصل‬
‫واذا اجتمع مع الققدعاء حضققور القلققب وجمعيتققه بكليتققه علققى‬
‫المطلوب وصادف وقتا من أوقات الجابة الستة وهي الثلث‬
‫الخيقر مقن الليقل وعنقد الذان وبيقن الذان والقامقة وادبقار‬
‫الصلوات المكتوبات وعند صققعود المققام يققوم الجمعققة علققى‬
‫المنبر حتى تقضى الصلوة وآخر ساعة بعد العصققر مققن ذلققك‬
‫اليوم وصادف خشوعا في القلب وانكسارا بيققن يققدي الققرب‬
‫وذلله وتضقرعا ورققة واسقتقبل القداعي القبلقة وكقان علقى‬
‫طهارة ورفع يديه إلى الله تعالى وبدأ بحمد الله والثناء عليققه‬
‫ثم ثنى بالصلوة على محمد عبده صلى الله عليه وسققلم ثققم‬
‫قدم‬
‫بين يدي حاجته التوبة والستغفار ثققم دخققل علققى اللققه والققح‬
‫عليه في المسئلة وتملقه ودعققاه رغبققة ورهبققة وتوسققل اليققه‬
‫باسمائه وصفاته وتوحيده وقدم بين يدي دعققائه صققدقة فققان‬
‫هذا الدعاء ل يكاد يرد أبدا ول سيما ان صادف الدعيققة الققتي‬
‫أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنهققا مظنققة الجابققة أو أنهققا‬
‫متضمنة للسم العظم فمنها ما في السنن وفي صقحيح بققن‬
‫حبان من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيققه أن رسققول اللققه‬
‫صلى الله عليه وسققلم سققمع رجل يقققول اللهققم إنققي أسققالك‬
‫باني أشهد الله ل إله ال هو الحد الصمد الققذي لققم يلققد ولققم‬
‫يولد ولم يكن له كفوا أحد فقال لقد سأل الله بالسم الققذي‬
‫إذا سئل به أعطي وإذا دعى به أجاب وفي لفظ لقققد سققألت‬
‫الله باسمه العظم وفي السنن وصحيح بن حبققان أيضققا مققن‬
‫حديث أنس بن مالك أنه كان مع رسول الله صلى الله عليققه‬
‫وسلم جالسا ورجل يصلى ثم دعا فقققال اللهققم إنققي أسققالك‬
‫بأن لك الحمد ل إله ال انت المنان بققديع السققموات والرض‬
‫يا ذا الجلل والكرام يا حى يا قيوم فقققال النققبي صققلى اللققه‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫عليه وسلم لقد دعا الله باسققمه العظيققم الققذي إذا دعققى بققه‬
‫أجاب وإذا سئل به الحديثين أحمققد فققى مسققنده وفققى جققامع‬
‫الترمذي من حديث أسققماء بنققت يزيققد أن النققبي صققلى اللققه‬
‫عليه وسلم قال إسم الله العظم في هاتين اليققتين وإلهكققم‬
‫إله واحد ل إله إل هو الرحمن الرحيم وفاتحة آل عمران آلققم‬
‫الله ل إله إل هو الحي القيوم قال الترمذي هذا حديث حسن‬
‫صحيح وفى مسققند أحمققد وصققحيح الحققاكم مققن حققديث أبققي‬
‫هريرة وأنس بن مالك وربيعة بن عامر عنه صلى اللققه عليققه‬
‫وسققلم أنققه قققال أنطققوا بيققاذ الجلل والكققرام يعنققى تعلقققوا‬
‫والزموها وداوموا عليها وفي جامع الترمذي من حققديث أبققي‬
‫هريرة أن النبي صلى الله عليه وسققلم كققان إذا أهمققه المققر‬
‫رفع رأسه الى السماء وإذا اجتهد في الدعاء قال يققا حققى يققا‬
‫قيوم وفيه أيضا من حديث أنقس بقن مالقك ققال كقان النقبي‬
‫صلى الله عليققه وسققلم إذا كربققه أمققر ققال يققا حققى يققا قيققوم‬
‫برحمتك أستغيث وفى صحيح الحاكم من حققديث أبققي أمامققة‬
‫عن النبي صلى الله عليه وسلم قال اسم اللققه العظققم فققي‬
‫ثلث سور من القرآن البقرة وآل عمران وطه قققال القاسققم‬
‫فالتمستها فاذا هي آيققة الحققي القيققوم وفققي جققامع الترمققذي‬
‫وصحيح الحاكم من حديث سعد بققن أبققي وقققاص عققن النققبي‬
‫صلى الله عليه وسلم قال دعوة ذي النون اذ دعققا وهققو فققي‬
‫بطن الحوت ل إله ال انت سبحانك إني كنققت مققن الظققالمين‬
‫إنه لم يدع بها مسلم في شى قط ال استجاب اللققه لقه ققال‬
‫الترمذي حديث صحيح وفى صحيح الحاكم أيضققا مققن حققديث‬
‫سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم أل أخققبركم بشققىء إذا‬
‫نزل برجل منكم أمرمهم فدعا به يفققرج اللققه عنققه دعققاء ذي‬
‫النون وفي صحيحه أيضا عنه أنه سمع النبي صلى الله عليققه‬
‫وسلم وهو يقول أدلكم على اسم الله العظققم دعققاء يققونس‬
‫فقال رجل يا رسول الله كان ليونس خاصة فقققال أل تسققمع‬
‫قوله فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك نجيني ! المؤمنين‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫فأيما مسققلم دعققا بهققا فققي مرضققه اربعيققن مققرة فمققات فققي‬
‫مرضه ذلك أعطى أجر شقهيد وان بقرأ بقرأ مغفققور لققه وفقي‬
‫الصحيحين من حديث بن عباس أن رسققول اللققه صققلى اللققه‬
‫عليه وسلم كققان يقققول عنققد الكققرب ل إلققه ال اللققه العظيققم‬
‫الحليم ل إله ال الله رب العرش العظيققم ل إلققه ال اللققه رب‬
‫السققموات ورب الرض رب العققرش الكريققم وفققى مسققند‬
‫المام أحمد من حديث على بن أبي طالب طالب رضي الله‬
‫عنه قال علمني رسول الله صلى الله عليققه وسققلم اذا نققزل‬
‫بي كرب أن أقول ل إله ال الله الحليم الكريققم سققبحان اللققه‬
‫وتبارك الله رب العققرش العظيقم والحمقد للقه رب العققالمين‬
‫وفي مسنده ايضا من حديث عبد الله بن مسققعود قققال قققال‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أصاب أحد قققط هققم ول‬
‫حزن فقال اللهم إني عبدك بن عبدك بن أمتك ناصيتي بيدك‬
‫ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسألك اللهققم بكققل اسققم‬
‫هو لك سميت به نفسك أو علمته أحدا من خلقققك أو أنزلتققه‬
‫في كتابك أو استأثرت به فققي علققم الغيققب عنققدك أن تجعققل‬
‫القرآن العظيم ربيع قلبي ونور صدري وجلء حزنققي وذهققاب‬
‫همي ال أذهب الله همه وحزنه وأبدله مكانه فرحققا فقيققل يققا‬
‫رسول الله أل نتعلمها قال بل ينبغي لمن سمعها أن يتعلمهققا‬
‫وقققال ابققن مسققعود مققا كققرب نققبي مققن النبيققاء ال اسققتغاث‬
‫بالتسبيح وذكرا ابن أبي الدنيا في كتاب المجانين في الققدعاء‬
‫عن الحسن قال كان رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم من النصار يكني يشير مغلق وكان تاجرا يتجققر بمققال‬
‫له ولغيره يضرب به في الفاق وكان ناسكا ورعا فخرج مرة‬
‫فلقيه لص مقنع فقي السققلح فقققال لققه ضققع مققا معققك فققاني‬
‫قاتلك قال فما تريد الدمي فشأنك والمققال قققال أمققا المققال‬
‫فلى ولست أريد إل دمك قال أما إذا أبيت فذرني اصلى أربع‬
‫ركعات قال صلى ما بدا لققك فتوضققأ ثققم صققلى أربققع ركعققات‬
‫فكان من دعائه فى آخر سجدة أن قال يا ودود يققاذ العققرش‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫المجيد يا فعال لما تريد أسألك بعزك الذي ل يققرام وبملكققك‬
‫الذي ليضام وبنورك الذي مل أركان عرشك ان تكفيني شققر‬
‫هذا اللص يا مغيت اغثني يققا مغيققث اغثنققي يققا مغيققث اغثنققي‬
‫ثلث مرات فاذا هو بفارس أقبل بيده حربة قققد وضققعها بيققن‬
‫أذني فرسه فلما بصر بققه اللققص أقبققل نحققوه ثققم أقبققل اليققه‬
‫فقال قم فقال وأمي فقد أغققاثني اللققه بققك اليققوم فقققال أنققا‬
‫ملك من أهل السماء الرابعة دعوت فسمعت لبواب السماء‬
‫قعقعة ثم دعوت بدعائك الثاني فسمعت لهل السماء ضجة‬
‫ثم دعوت بدعائك الثالث فقيققل لققي دعققاء مكققروب فسققألت‬
‫الله ان يوليني قتله قال الحسققن فمققن توضققي وصققلى أربققع‬
‫ركعات ودعا بهذا الققدعاء اسققتجيب لققه مكروبققا كققان أو غيققر‬
‫مكروب‬
‫فصل‬
‫وكثيرا ما نجد أدعية دعا بها قوم فاستجيب لهققم فيكققون قققد‬
‫اقترن بالدعاء ضققرورة صققاحبه وإقبققاله علققى اللققه أو حسققنة‬
‫تقدمت منه جعل الله سبحانه إجابة دعوته شكرا لحسققنته أو‬
‫صادف الدعاء وقت إجابة ونحو ذلك فققاجيبت دعققوته فيظققن‬
‫الظان ان السر في لفظ ذلك الدعاء فيأخذه مجردا عن تلك‬
‫المور التي قارنته من ذلققك الققداعي وهققذا كمققا اذا اسققتعمل‬
‫رجل دواء نافعا في الققوقت الققذي ينبغققي علققى الققوجه الققذي‬
‫ينبغي فانتفع به فظن غيره ان استعمال هققذا الققدواء مجققردا‬
‫كاف في حصول المطلوب كان غالطا وهذا موضع يغلط فيه‬
‫كثير من الناس ومن هذا قد يتفق دعاؤه باضطرار عنققد قققبر‬
‫فيجاب فيظن الجاهققل ان السققر للقققبر ولققم يعلققم ان السققر‬
‫للضطرار وصدق اللجاء الى الله فاذا حصققل ذلققك فققي بيققت‬
‫من بيوت الله كان افضل وأحب الى الله‬
‫فصل‬
‫والدعية والتعوذات بمنزلة السلح والسلح بضققاربه ل بحققده‬
‫فقط فمتى كان السلح سلحا تاما ل آفة به والساعد سققاعد‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫قوي والمانع مفقود حصلت به النكاية في العدو ومتى تخلف‬
‫واحد من هذه الثلثة تخلف التأثير فإن كان الدعاء في نفسه‬
‫أو الداعى لم يجمع بين قلبه ولسانه في الققدعاء أو كققان ثققم‬
‫مانع من الجابة لم يحصل الثر‬
‫فصل‬
‫وههنا سؤال مشهور وهو ان المدعو به إن كان قققد قققدر لققم‬
‫يكن بد من وقوعه دعا به العبد أو لم يققدع وان لققم يكققن قققد‬
‫قدر لم يقع سواء سققأله العبققد أو لققم يسققأله فظنققت طائفققة‬
‫صحة هذا السؤال فتركت الدعاء وقالت ل فائدة فيه وهققؤلء‬
‫مع فققرط جهلهققم وضققللهم متناقضققون فققأن اطققرد مققذهبهم‬
‫لوجب تعطيل جميع لحدهم ان كان الشبع والققري قققد قققدرا‬
‫لك فل بد من وقوعها أكلت أو لققم تأكققل وإن لققم يقققدرا لققم‬
‫يقعا أكلت أو لققم تأكققل وإن كققان الولققد قققدر لققك فلبققد منققه‬
‫وطأت الزوجة والمة أو لم تطأها وإن لم يقققدر لققم يكققن فل‬
‫حاجة الىالتزويج والتسري وهلم جرا فهل يقال هذا عاقققل أو‬
‫آدمي بل الحيوان البهيم مفطور على مباشرة السباب الققتي‬
‫بها قوامه وحياته فالحيوانقات أعققل وأفهقم مقن هؤلءالقذين‬
‫هققم كالنعققام بققل هققم أضققل سققبيل وتكققايس بعضققهم وقققال‬
‫الشتغال بالدعاء من بققاب التعبققد المحققض يققثيب اللققه عليققه‬
‫الداعي من غير أن يكون له تأثير في المطلوب بوجه مققا ول‬
‫فرق عند هققذا الكيققس بيققن الققدعاء والمسققاك عنققه بققالقلب‬
‫واللسان في التأثير فقي حصقول المطلقوب وارتبقاط القدعاء‬
‫عندهم به كارتباط السكوت ول فققرق وقققالت طائفققة أخققري‬
‫أكيس من هؤلء بل الدعاء علمة مجردة نصبها الله سبحانه‬
‫أمارة على قضاء الحاجة فمتى وفق العبد للققدعاء كققان ذلققك‬
‫علمة له وأمققارة علققى أن حققاجته قققد قضققيت وهققذا كمققا إذا‬
‫رأيققت غيمققا أسقود بقاردا فقي زمقن الشقتاء فقان ذلقك دليقل‬
‫وعلمققة علققى أنققه يمطققر قققالوا وهكققذا حكققم الطاعققات مققع‬
‫الثواب والكفر والمعاصي مققع العقققاب هققي أمققارات محضققة‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫لوقوع الثواب والعقاب لنها أسباب له وهكذا عندهم الكسققر‬
‫مع النكسار والحرق مع الحراق والزهاق ومع القتققل ليققس‬
‫شيء من ذلك سببا ألبتة ول إرتباط بينه وبين ما يترتب عليه‬
‫ال أنققزل القققتران ل التققأثير السققببي وخققالفوا بققذلك الحققس‬
‫والعقل والشرع والفطرة وسائر طوائف العقلء بل أضحكوا‬
‫عليهم العقلء والصواب ان ههنققا قسققما ثالثققا غيققر مققا ذكققره‬
‫السائل وهو أن هذا المقدور قدر بأسباب ومن أسبابه الدعاء‬
‫فلم يقدر مجردا عن سببه ولكن قدر بسببه فمتى أتي العبققد‬
‫بالسبب وقع المقدور ومتى لم يأت بالسبب انتفققى المقققدور‬
‫وهذا كمقا ققدر الشقبع والقري بالكقل والشقرب وققدر الولقد‬
‫بققالوطيء وقققدر حصققول الققزرع بالبققذر وقققدر خققروج نفققس‬
‫الحيوان بذبحه وكققذلك قققدر دخققول الجنققة بالعمققال ودخققول‬
‫النققار بالعمققال وهققذا القسققم هققو الحققق وهققذا الققذي حرمققه‬
‫السائل ولم يوفق له وحينئذ فالدعاء من أقوى السباب فققاذا‬
‫قدر وقوع المدعو به بالدعاء لم يصح أن يقققال ل فققائدة فققي‬
‫الققدعاء كمققا ل يقققال ل فققائدة فققي الكققل والشققرب وجميققع‬
‫الحركات والعمال وليس شيء من السباب أنفع من الدعاء‬
‫ول أبلغ في حصول المطلوب ولما كان الصحابة رضققى اللققه‬
‫عنهم أعلم المة بالله ورسوله وأفقههم في دينه كانوا أقققوم‬
‫بهذا السبب وشروطه وآدابه من غيرهققم وكققان عمققر رضققى‬
‫الله عنه يستنصر به على عققدوه وكققان أعظققم جنققده وكققان‬
‫يقققول للصققحابه لسققتم تنصققرون بكققثرة وانمققا تنصققرون مققن‬
‫السماء وكان يقول اني ل أحمل هم الجابة ولكن هم الدعاء‬
‫فاذا ألهمت الدعاء معه فان الجابة معقه وأخقذ هقذا الشقاعر‬
‫فنظمه فقال‬
‫لو لم ترد نيل ما أرجوه وأطلبه * من جود كفيك ما علمتنى‬
‫الطلبا‬
‫فمن ألهم الدعاء فقد أريد به الجابة فان الله سبحانه يقققول‬
‫إدعوني أسققتجب لكققم وقققال وإذا سققألك عبققادي عنققى فققأني‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫قريب أجيب دعوة الداع أذا دعان وفى سنن ابققن مققاجه مققن‬
‫حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫من لم يسأل الله يغضب عليه وهذا يدل على أن رضققاه فققي‬
‫سؤاله وطاعته وإذا رضى الرب تبارك وتعالى فكل خير فققى‬
‫رضاه كما أن كل بلء ومصققيبة فققي غضققبه وقققد ذكققر المققام‬
‫أحمد في كتاب الزهد أثققرا أنققا اللققه ل إلققه إل أنققا إذا رضققيت‬
‫باركت وليس لبركققتي نققص وإذا غضققبت لعنققت ولعنققتى تبلققغ‬
‫السابع من الولد وقد دل العقققل والنقققل والفطققرة وتجققارب‬
‫المم على اختلف أجناسها ومللها ونحلهققا علققى أن التقققرب‬
‫الى رب العالمين وطلب مرضاته والبر والحسان الى خلقققه‬
‫من أعظم السققباب الجالبققة لكققل خيققر واضققدادها مققن أكققبر‬
‫السباب الجالبة لكل شر فما استجلبت نعم الله واستدفعت‬
‫نقمة الله بمثل طاعته والتقققرب اليققه والحسققان الققى خلقققه‬
‫وقد رتب الله سبحانه حصققول الخيققرات فققي الققدنيا والخققرة‬
‫وحصول السرور في الدنيا والخرة في كتققابه علققى العمققال‬
‫ترتيب الجزاء على الشرط والمعلول علققى العلققة والمسققبب‬
‫على السبب وهذا في القرآن يزيد علققى ألققف موضققع فتققارة‬
‫يرتب الحكم الخبري الكوني والمر الشققرعى علققى الوصققف‬
‫المناسب له كقوله تعالى فلما عتوا عما نهوا عنققه قلنققا لهققم‬
‫كونوا قردة خاسئين وقوله فلما آسفونا انتقمنا منهققم وقققوله‬
‫والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بمققا كسققبا وقققوله‬
‫ان المسلمين والمسلمات الققى قققوله والققذاكرين اللققه كققثيرا‬
‫والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما وهذا كثير جققدا‬
‫وتارة ترتبه عليه بصققيغة الشققرط والجققزاء كقققوله تعققالى ان‬
‫تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيآتكم ويغفر لكققم‬
‫وقوله وأن لو استقاموا على الطريقة لسقققيناهم مققاء غققدقا‬
‫وقوله فان تابوا وأقاموا الصلة وآتققوا الزكققاة فققاخوانكم فققي‬
‫الدين ونظائره وتارة يأتي بلم التعليل كقققوله ليتققدبروا آيققاته‬
‫وليتققذكر أولققوا اللبققاب وقققوله لتكونققوا شققهداء علققى النققاس‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫ويكون الرسول عليكققم شققهيدا وتققارة يققأتي بققاداة كققى الققتي‬
‫للتعليل كقوله كيل يكون دولة بين الغنياء منكم وتققارة يققأتي‬
‫بباء السببية كقوله تعالى ذلك بما قدمت أيققديكم وقققوله بمققا‬
‫كنتم تعملون وبما كنتققم تكسققبون وقققوله ذلققك بققأنهم كفققروا‬
‫بآياتنا وتارة يأتى بالمفعول لجلققه ظققاهرا أو محققذوفا كقققوله‬
‫فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما‬
‫فتذكر إحداهما الخرى وكقوله تعالى أن تقولوا إنققا كنققا عققن‬
‫هذا غافلين وقوله أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طققائفتين‬
‫من قبلنا أى كراهة أن تقولوا وتارة يأتي بفاء السببية كقققوله‬
‫فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسققواها وقققوله‬
‫فعصوا رسول ربهم فأخققذهم أخققذة رابيققة وقققوله فكققذبوهما‬
‫فكانوا من المهلكين ونظققائره وتققارة يققأتي بققاداة لمققا الدالققة‬
‫على الجزاء كقوله فلما آسفونا انتقمنا منهم ونظقائره وتقارة‬
‫يأتي بأن وما علمت فيققه كقققوله انهققم كققانوا يسققارعون فققي‬
‫الخيققرات وقققوله فققى ضققد هققؤلء إنهققم كققانوا قققوم سققوء‬
‫فأغرقناهم أجمعين وتارة يأتي بأداة لول الدالة علققى ارتبققاط‬
‫ما قبلها بما بعدها كقوله فلولانه كان مققن المسققبحين للبققث‬
‫وفققي بطنققه الققى يققوم يبعثققون وتققارة يققأتي بلققو الدالققة علققى‬
‫الشرط كقوله ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم‬
‫وبالجملققة فققالقرآن مققن أولققه الققى آخققره صققريح فققي ترتققب‬
‫الجققزاء بققالخير والشققر والحكققام الكونيققة والمريققة علققى‬
‫السققباب بققل ترتققب احكققام الققدنيا والخققرة ومصققالحهما‬
‫ومفاسدهما علققى السققباب والعمققال ومققن تفقققه فققي هققذه‬
‫المسئلة وتأملها حق التأمل انتفع بها غايققة النفققع ولققم يتكققل‬
‫على القدر جهل منه وعجزا وتفريطا وإضققاعة فيكققون تققوكله‬
‫عجزا وعجزه توكل بل الفقيققه كققل الفقيققه الققذي يققرد القققدر‬
‫بالقدر ويدفع القدر بالقدر ويعارض القدر بالقدر بل ل يمكققن‬
‫النسققان ان يعيققش ال بققذلك فققان الجققوع والعطققش والققبرد‬
‫وأنواع المخققاوف والمحققاذير هققي مققن القققدر والخلققق كلهققم‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫ساعون في دفققع هققذا القققدر بالقققدر وهكققذا مققن وفقققه اللققه‬
‫وألهمققه رشققده يققدفع قققدر العقوبققة الخرويققة بقققدر التوبققة‬
‫واليمان والعمال الصالحة فهذا وزن المخوف في الدنيا وما‬
‫يضاده فرب الدارين واحد وحكمتققه واحققدة ل ينققاقض بعضققها‬
‫بعضققا ول يبطققل بعضققها بعضققا فهققذه المسققألة مققن اشققرف‬
‫المسققائل لمققن عققرف قققدرها ورعاهققا حققق رعايتهققا واللققه‬
‫المستعان لكن يبقى عليه أمران بهمققا تتققم سققعادته وفلحققه‬
‫أحدهما أن يعرف تفاصيل أسققباب الشققر والخيققر ويكققون لققه‬
‫بصيرة في ذلك بما شهده في العالم ومققا جربققه فققي نفسققه‬
‫وغيره وما سمعه من أخبار المم قديما وحديثا ومن أنفع مققا‬
‫في ذلك تدبر القرآن فإنه كفيققل بققذلك علققى أكمققل الوجققوه‬
‫وفيه أسباب الخيققر والشققر جميعققا مفصققلة مبينققة ثقم السققنة‬
‫فإنها شقيقة القرآن وهي الوحي الثاني‬
‫ومققن صققرف إليهمققا عنققايته اكتفققى بهمققا مققن غيرهمققا وهمققا‬
‫يريانك الخير والشر وأسبابهما حتى كانققك تعققاين ذلققك عيانققا‬
‫وبعد ذلك فإذا تأملت أخبار المم وأيام الله في أهققل طققاعته‬
‫وأهقل معصقيته طقابق ذلقك مقا علمتقه مقن الققرآن والسقنة‬
‫ورأيته بتفاصيل ما أخبر الله به ووعد بققه وعلمققت مققن آيققاته‬
‫في الفاق ما يدلك على أن القققرآن حققق وأن الرسققول حققق‬
‫وأن الله ينجز وعده ل محالة فالتاريققخ تفصققيل لجزئيققات مققا‬
‫عرفنا الله ورسوله من السباب الكلية للخير والشر ‪.‬‬
‫الجواب الكافي ‪2‬‬
‫فصل‬
‫المر الثاني أن يحذر مغالطة نفسه على هذه السباب وهققذا‬
‫من أهم المور فان العبققد يعققرف أن المعصققية والغفلققة مققن‬
‫السباب المضرة له في دنياه وآخرته ول جققد ولكققن تغققالطه‬
‫نفسقه بالتكقال علقى عفقو اللقه ومغفرتقه تقارة وبالتشقويف‬
‫بالتوبققة والسققتغفار باللسققان تققارة وبفعققل المنققدوبات تققارة‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫وبققالعلم تققارة وبالحتجققاج بالقققدر تققارة وبالحتجققاج بالشققباه‬
‫والنظراء تارة وبالقتداء بالكابر تارة وكثير من النققاس يظققن‬
‫أنه لو فعل ما فعل ثم قال أستغفر الله زال أثر الذنب وراح‬
‫هذا بهذا وقال لى رجل من المنتسبين الى الفقه أنا أفعل ما‬
‫أفعل ثم أقول سبحان الله وبحمده مائة مرة وقد غفققر ذلققك‬
‫أجمعه كما علمني عن النبي صلى الله عليه وسلم أنققه قققال‬
‫من قال فققي يققوم سققبحان اللققه وبحمققده مققائة مققرة حطققت‬
‫خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر وقال لي آخر من أهل مكة‬
‫نحن أحدنا إذا فعل ما فعل ثم اغتسل وطاف بالبيت أسبوعا‬
‫قد محي عنه ذلك وقال لي آخر قد علمني عن النققبي صققلى‬
‫الله عليه وسلم أنه قال أذنب عبد ذنبا فقققال أي رب أصققبت‬
‫ذنبا فاغفر لي فغفر الله ذنبه ثم مكث ما شاء الله ثم أذنققب‬
‫ذنبا آخر فقال أي رب أصبت ذنبا فاغفر لققي فقققال اللققه عققز‬
‫وجل علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخقذ بقه ققد غفققرت‬
‫لعبدي فليصنع مققا شققاء وقققال أنققا ل أشققك أن لققي ربققا يغفققر‬
‫الذنب ويأخذ به وهذا الضرب من النقاس ققد تعلقق بنصقوص‬
‫من الرجاء واتكل عليها وتعلق بها بكلتا يديه واذا عوتب على‬
‫الخطايا والنهماك فيها سرد لك ما يحفظه مققن سققعة رحمققة‬
‫الله ومغرته ونصوص الرجاء وللجهال من هققذا الضققرب مققن‬
‫الناس في هذا الباب غققرائب وعجققائب كقققول بعضققهم وكققثر‬
‫مااستطعت من الخطايا اذا كققان القققدوم علققى كريققم وقققول‬
‫بعضهم التنزه من الذنوب جهل بسعة عفو الله وقققال الخققر‬
‫ترك الذنوب جراءة على مغفرة اللققه واستصققغارا لهققا وقققال‬
‫محمد بن حزم رأيت بعض هؤلء من يقول في دعققائه اللهققم‬
‫اني أعوذ بك من العصمة ومن هؤلء المغرورين مققن يتعلققق‬
‫بمسألة الجبروان العبد لفعل لققه البتققة ول إختيققار وإنمققا هققو‬
‫مجبور على فعل المعاصي ومن هؤلء مققن يغققتر بمسققألة ال‬
‫رجاء وأن اليمان هو مجرد التصققديق والعمققال ليسققت مققن‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫اليمان وأن ايمقان أفسقق النقاس كايمقان جبريقل وميكائيقل‬
‫ومن هؤلء من يغتر بمحبة الفقراء والمشايخ‬
‫والصققالحين وكققثرة الققتردد إلققي قبققورهم والتضققرع إليهققم‬
‫والستشفاع بهم والتوسققل الققى اللققه بهققم وسققؤاله بحقهققم‬
‫عليه وحرمتهم عنده ومنهم من يغتر بآبائه وأسلفه وأن لهققم‬
‫عند الله مكانة وصلحا فل يققدعون أن يخلصققوه كمققا يشققاهد‬
‫في حضرة الملوك فإن الملوك تهب لخواصهم ذنوب أبنائهم‬
‫وأقاربهم وإذا وقع أحققد منهققم فققي أمققر مفظققع خلصققه أبققوه‬
‫وجده بجاهه ومنزلته ومنهم من يغتر بان الله عز وجل غنققى‬
‫عن عذابه وعذابه ليزيد في ملكه شيئا ورحمتققه لققه لينقققص‬
‫من ملكه شققيئا فيقققول أنققا مضققطر إلققى رحمتققه وهققو أغنققي‬
‫الغنياء ولو أن فقيرا‬
‫مسكينا مضطرا الى شربة ماء عند من في داره شط يجري‬
‫لما منعه منها فالله أكرم وأوسققع فققالمغفرة لتنقصققه شققيئا‬
‫والعقوبة لتزيد في ملكه شيئا ومنهم من يغققتر بفهققم فاسققد‬
‫فهمه هو وأضرابه من نصوص القرآن والسققنة فققاتكلوا عليققه‬
‫كاتكققال بعضققهم علققى قققوله تعققالى ولسققوف يعطيققك ربققك‬
‫فترضى قال وهو ليرضى أن يكون في النققار أحققد مققن أمتققه‬
‫وهذا من أقبح الجهققل وأبيققن الكققذب عليققه فققانه يرضققى بمققا‬
‫يرضى به ربه عز وجل والله تعققالى يرضققيه تعققذيب الظلمققة‬
‫والفسقة والخونة والمصرين على الكبائر فحاشا رسققوله أن‬
‫يرضى بما ليرضى بققه ربققه تبققارك وتعققالى وكاتكققال بعضققهم‬
‫على قوله تعالى ان الله يغفر الذنوب جميعا وهذا أيضققا مققن‬
‫أقبح الجهقل فقان الشقرك داخقل فقي هقذه اليققة فقانه رأس‬
‫الذنوب وأساسها ول خلف أن هذه اليققة فققي حققق التققائبين‬
‫فانه يغفر ذنب كل تائب أي ذنب كققان ولققو كققانت اليققة فققي‬
‫حق غير التائبين لبطلت نصوص الوعيد كلها وأحاديث إخققراج‬
‫قققوم مققن الموحققدين مققن النققار بالشققفاعة وهققذا إنمققا أوتققي‬
‫صاحبه من قلة علمه وفهمه فانه سبحانه ههنا عمققم وأطلققق‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫فعلم أنه أراد التائبين وفي سورة النساء خصص وقيد فقققال‬
‫إن الله ليغفر أن يشرك به ويغفر مققا دون ذلققك لمققن يشققاء‬
‫فاخبر الله سبحانه أنه ليغفر الشرك وأخبر أنه يغفر ما دونه‬
‫ولو كان هذا في حق التائب لققم راحققم بيققن الشققرك وغيققره‬
‫وكاغترار بعض الجهال بقوله تعالى يا أيها النسققان مققا غققرك‬
‫بربك الكريم فيقول كرمه وقد يقول بعضهم انه لقن المغققتر‬
‫حجته وهذا جهل قبيح وانما غره بربه الغرور وهققو الشققيطان‬
‫ونفسققه المققارة بالسققؤ وجهلققه وهققواه وأنققي سققبحانه بلفققظ‬
‫الكريم وهو السيد العظيم المطاع الذي لينبغي الغققترار بققه‬
‫ول إهمال حقه فوضع هذا المغققتر الغققرور فققى غيققر موضققعه‬
‫واغتر بمن لينبغي الغترار به وكاغترار بعضهم بقققوله تعققالى‬
‫في النار ليصلها إل الشقى الذي كذب وتولى وقوله أعدت‬
‫للكافرين ولم يدر هذا المغتر ان قوله فأنققذرتكم نققارا تلظققى‬
‫هي النار مخصوصة من جملة دركات جهنم ولو كانت جميققع‬
‫جهنم فهو سبحانه لم عبققادي ليققدخلها بققل قققال ليصققلها ال‬
‫الشقى ول يوم من عققدم صققليها عققدم دخولهققا فققان الصققلى‬
‫أخص من الدخول ونفي الخص ل يستلزم نفى العم ثم هذا‬
‫المغتر لو تأمل الية التي بعدها لعلم أنه غير داخققل فيهققا فل‬
‫يكققون مضققمونا لققه ان يجنبهققا وأمققا قققوله فققي النققار أعققدت‬
‫للكافرين فقد قال في الجنة أعدت للمتقين ول ينافى إعققداد‬
‫النار للكققافرين أن تققدخلها الفسققاق والظلمققة ول ينافىإعققداد‬
‫الجنة للمتقين أن يدخلها من فى قلبه أدنققي مثقققال ذرة مققن‬
‫ايمان ولم يعمل خيرا قط وكأغترار بعضهم علققى صققوم يققوم‬
‫عاشوراء أو يققوم عرفققة حققتي يقققول بعضققهم يققوم عاشققوراء‬
‫يكفر ذنوب العام كلها ويبقى صققوم عرفققة زيققادة فققي الجققر‬
‫ولم يققدر هققذا المغققتران صققوم رمضققان والصققلوات الخمققس‬
‫أعظم وأجل من صيام يوم عرفة ويوم عاشققوراء وهققي إنمققا‬
‫تكفر ما بينهمققا اذا اجتنبققت الكبققائر فرمضققان والجمعققة الققى‬
‫الجمعققة ليقويققا علققى تكفيققر الصققغائر ال مققع انضققمام تققرك‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫الكبائر اليهققا فيقققوي مجمققوع المريققن علققى تكفيققر الصققغائر‬
‫فكيف يكفر صوم تطوع كل كققبيرة عملهققا العبققد وهققو مصققر‬
‫عليها غير تائب منها هققذا محققال علققى أنققه ليمتنققع أن يكققون‬
‫صوم يوم عرفة ويوم عاشوراء يكفر لجميع ذنوب العام على‬
‫عمومه ويكون من نصوص الوعققد الققتي لهققا شققروط وموانققع‬
‫ويكون إصراره على الكبائر مانعا من التكفير فققاذا لققم يصققر‬
‫على الكبائر تساعد الصوم وعدم الصرار وتعاونا على عموم‬
‫التكفير كمققا كققان رمضققان والصققلوات الخمققس مققع اجتنققاب‬
‫الكبقائر متسقاعدين متعقاونين علقى تكفيقر الصققغائر مققع أنققه‬
‫سبحانه قد قال إن تجتنبوا كبائر ما تنهققون عنققه نكفققر عنكققم‬
‫سققيئاتكم فعلققم أن جعققل الشققىء سققببا للتكفيققر ل يمنققع أن‬
‫يتساعد هققو وسققبب آخققر علققى التكفيققر ويكققون التكفيققر مققع‬
‫اجتماع السببين أقققوى وأتققم منققه مققع انفققراد أحققدهما وكلمققا‬
‫قققويت أسققباب التكفيققر كققان أقققوي وأتققم وأشققمل وكاتكققال‬
‫بعضهم على قوله صلى الله عليه وسلم حاكيققا عققن ربققه أنققا‬
‫عند حسن ظن عبدي بي فليظن بي ماشاء يعني ما كان في‬
‫ظنه فانا فاعله به ول ريب أن حسققن الظققن إنمققا يكققون مققع‬
‫الحسان فان المحسن حسققن الظققن بربققه أن يجققازيه علققى‬
‫إحسانه ول يخلف وعده ويقبل توبته وابمققا المسققىء المصققر‬
‫علققى الكبققائر والظلققم والمخالفققات فققان وحشققة المعاصققي‬
‫والظلم والحرام تمنعه من حسن الظققن بربققه وهققذا موجققود‬
‫فى الشاهد فان العبد البق المسي‬
‫الخارج عن طاعة سيده ل يحسن الظن به ول يجامع وحشققة‬
‫الساءة إحسان الظن ابدا فققان المسققيء مسققتوحش بقققدر‬
‫إساءته وأحسن الناس ظنا بربه أطوعهم له كما قال الحسن‬
‫البصري ان المؤمن أحسن الظن بربققه فاحسققن العمققل وان‬
‫الفاجر أساء الظن بربه فاساء العمققل فكيققف يكققون يحسققن‬
‫الظن بربه من هو شارد عنه حال مرتحل في ساخطه ! وما‬
‫يغضبه متعرض للعنتققه قققد هققان حقققه وأمققره عليققه فاضققاعه‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫وهان نهيه عليه فارتكبه وأصر عليه وكيف يحسققن الظققن بققه‬
‫من بقارزه بالمحاربققة وعقادى اوليققاءه ووالقى اعقداءه وجحقد‬
‫صفات كما له وأساء الظن بما وصف به نفسققه ووصققفته بققه‬
‫رسله وظن بجهله ان ظاهر ذلك ضلل وكفر وكيققف يحسققن‬
‫الظن ببه من يظن أنه ل يتكلم ول يأمر ول ينهققى ول يرضققى‬
‫ول يغضب وقد قال الله في حق من شك فققي تعلققق سققمعه‬
‫ببعض الجزئيات وهو السر مققن القققول وذلكققم ظنكققم الققذى‬
‫ظننتم بربكم أراداكم فاصققبحتم مققن الخاسققرين فهققؤلء لمققا‬
‫ظنوا أن الله سققبحانه ل يعلققم كققثيرا ممققا يعملققون كققان هققذا‬
‫اساءة لظنهم بربهم فارداهم ذلك الظن وهذا شأن كققل مققن‬
‫جحد صفات كما له ونعوت جلله ووصفه بما ل يليق به فققاذا‬
‫ظن هذا أنه يدخله الجنة كان هذا غرورا وخققداعا مققن نفسققه‬
‫وتسققويل مققن الشققيطان الحسققان ظققن بربققه فتأمققل هققذا‬
‫الموضوع وتأمل شدة الحاجة اليققه وكيققف يجتمققع فققي قلققب‬
‫العبد تيقنققه بققانه ملقققى اللققه وأن اللققه يسققمع ويققري مكققانه‬
‫ويعلم سره وعلنيته ول يخفقى عليققه خافيققة مققن أمققره وأنققه‬
‫موقوف بين يديه ومسئول عن كل ما عمققل وهققومقيم علققى‬
‫مساخطه مضيع لوامره معطل لحقوقه وهو مع هذا يحسققن‬
‫الظن به وهل هذا المن خدع النفققوس وغققرور المققاني وقققد‬
‫قال أبو أمامة بن سهل بن حليف دخلت أنا وعروة بن الزبير‬
‫على عائشة رضي الله عنهققا فقققالت لققو رأيتمققا رسققول اللققه‬
‫صلى الله عليه وسلم في مرض له وكانت عندي ستة دنانير‬
‫أو سققبعة فققأمرني رسققول اللققه صققلى اللققه عليققه وسققلم أن‬
‫أفرقها قالت فشغلني وجع رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫حتي عافاه الله ثم سألني عنها فقال ما فعلت أكنت فرقققت‬
‫الستة الدنانير فقلت ل والله لقد شغلني وجعك قققالت فققدعا‬
‫بها فوضعها في كفه فقال ما ظققن نققبى اللققه لققو لقققي اللققه‬
‫وهذه عنده وفي لفظ ما ظن محمد بربه لو لقى اللققه وهققذه‬
‫عنده فيا لله ما ظن أصحاب الكبائر والظلمة بققالله اذا لقققوه‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫ومظالم العباد عندهم فان كان ينفعهم قولهم حسققنا ظنوننققا‬
‫بك لم يعذب ظالم ول فاسق فليصنع العبد ما شاء وليرتكققب‬
‫كل ما نهاه الله عنه وليحسن ظنه بالله فققان النققار ل تمسققه‬
‫فسبحان الله ما يبلغ الغرور بالعبد وقد قققال ابراهيققم لقققومه‬
‫إفكا آلهة دون الله تريدون فما ظنكم بققرب العققالمين أي مققا‬
‫ظنكم أن يفعل بكم إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره ومن تأمققل‬
‫هذا الموضع حق التأمل علم أن حسن الظن بالله هو حسققن‬
‫العمل نفسه فان العبد إنما يحمله علققى حسققن العمققل ظنققه‬
‫بربه أن يجازيه على أعماله ويثيبه عليها ويتقلهققا منققه فالققذي‬
‫حمله على العمل حسن الظن فكلما حسن ظنه حسن عمله‬
‫وال فحسن الظن مع ابتققاع الهققوى عجققز كمققا فققي الترمققذي‬
‫والمسند من حديث شققداد ابققن أوس عققن النققبي صققلى اللققه‬
‫عليه‬
‫وسلم الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد المققوت والعققاجز‬
‫معن أتبع نفسه هواها وتمنققى علققى اللققه وبالجملققة فحسققن‬
‫الظن إنما يكون مققع انعقققاد أسققباب النجققاة وإمققا مققع انعقققاد‬
‫أسباب الهلك فل يتأتي احسققان الظققن فققان قيققل بققل يتققأتي‬
‫ذلك ويكون مستند حسن الظن سققعة مغفققرة اللققه ورحمتققه‬
‫وعفققوه وجققوده وان رحمتققه سققبقت غضققبه وانققه ل تنفعققه‬
‫العقوبة ول يضره العفققو قيققل المققر هكققذا واللققه فققوق ذلققك‬
‫وأجل وأكرم وأجود وأرحم ولكن إنمققا يضققع ذلققك فققي محلققه‬
‫اللئق به فانه سققبحانه موصققوف بالحكمققة والعققزة والنتقققام‬
‫وشدة البطش وعقوبة من يستحق العقوبة فلققو كققان معققول‬
‫حسن الظن على مجرد صفاته وأسققمائه لشققترك فققي ذلققك‬
‫البر والفاجروالمؤمن والكافر ووليه وعدوه فما ينفع المجرم‬
‫أسماؤه وصققفاته وقققد بققاء بسققخطه وغضققبه وتعققرض للعنتققه‬
‫واوقع في محارمه وانتهك حرماته بل حسن الظن ينفققع مققن‬
‫تاب وندم وأقلع وبدل السيئة بالحسنة واستقبل بقيققة عمققره‬
‫بالخير والطاعة ثققم أحسققن الظققن فهققذا حسققن ظققن والول‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫غرور والله المستعان ول تستبطل هذا الفصققل فققان الحاجققة‬
‫اليه شديدة لكل أحققد ففققرق بيققن حسققن الظققن بققالله وبيققن‬
‫الغققرة بققه قققال اللققه تعققالى ان الققذين آمنققوا والققذينهاجروا‬
‫وجاهدوا فققي سققبيل اللققه أولئك يرجققون رحمققة اللققه فجعققل‬
‫هؤلء أهل الرجا لالظالمين والفاسقين وقققال تعققالى ثققم إن‬
‫ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنققوا ثققم جاهققدوا وصققبروا إن‬
‫ربك من بعققدها لغفققور رحيققم فققاخبر سققبحانه أنققه بعققد هققذه‬
‫الشياء غفور رحيم لمن فعلها فالعالم يضع الرجققاء مواضققعه‬
‫والجاهل المغتر يضعه في غير مواضعه‬
‫فصل‬
‫وكثير من الجهال اعتمدوا علققى رحمققة اللققه وعفققوه وكرمققه‬
‫وضيعوا أمره ونهيه ونسوا أنه شديد العقاب وأنه ل يرد بأسه‬
‫عن القوم المجرمين ومققن اعتمققد علققى العفققو مققع الصققرار‬
‫على الذنب فهو كالمعاند رجاؤك لرحمققة مققن ل تطيعققه مققن‬
‫الخذلن والحمق وقال بعض العلمقاء مققن قطقع عضققوا منقك‬
‫في الدنيا بسرقة ثلثة دراهم ل تأمن أن تكققون عقققوبته فققي‬
‫الخرة على نحو هذا وقيل للحسن نراك طويل البكققاء فقققال‬
‫أخاف أن يطرحني في النار ول يبققالي وسققأل رجققل الحسققن‬
‫فقال يا يشير سعيد كيف نصنع بمجالسة أقوام يخوفونا حتى‬
‫تكاد قلوبنا تنقطع فقال واللققه لن تصققحب أقوامققا يخوفونققك‬
‫حتى تدرك أمنا خير لك من أن تصحب أقواما يؤمنونك حققتى‬
‫تلحقك المخاوف وقد ثبت في الصحيحين من حديث أسققامة‬
‫بن زيد قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقققول‬
‫يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق اقتاب بطنه‬
‫فيدور في النار كما برحاه فيطوف به أهل النار فيقولققون يققا‬
‫فلن ما أصابك ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكققر‬
‫فيقول كنت آمركم بالمعروف ول آتيققه وأنهققاكم عققن المنكققر‬
‫وآتيه وذكر المام أحمد من حديث أبي رافع قال مققر رسققول‬
‫الله صقلى اللقه عليقه وسقلم بقالبقيع فققال أف لقك أف لقك‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫فظننت أنه يريدني قال ل ولكن هققذا قققبر فلن بعثتققه سقاعيا‬
‫الى آل فلن فغل نمرة فدرع الن مثلها من نار وفي مسنده‬
‫أيضا من حديث أنس بن مالك ققال ققال رسقول اللقه صققلى‬
‫الله عليه وسلم مققررت ليلققة أسققري بققي علققى قققوم تقققرض‬
‫شفاههم بمقاريض من نار فقلت من هؤلء قالوا خطباء مققن‬
‫أمتك مققن أهققل الققدنيا كققانوا يققأمرون النققاس بققالبر وينسققون‬
‫أنفسهم أفل يعقلون وفيه أيضا من حقديثه ققال ققال رسققول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم لمققا عققرج بققي مققررت بقققوم لهققم‬
‫أظفار من نحاس يخمشون وجوههم‬
‫وصدورهم فقلققت مققن هققؤلء يققا جبريققل فقققال هققؤلء الققذين‬
‫يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم وفيققه أيضققا عنققه‬
‫قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقققول يققا‬
‫مقلب القلوب والبصار ثبت قلبي على دينك فقلنا يا رسققول‬
‫الله آمنا بققك وبمققا جئت بققه فهققل تخققاف علينققا قققال نعققم ان‬
‫القلوب بين أصبعين من أصابع الله يقلبهققا كيققف يشققاء وفيققه‬
‫أيضا عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قققال لجبريققل‬
‫مالي لم أر ميكائيل ضاحكا قط قققال مققا ضققحك منققذ خلقققت‬
‫النار وفي صحيح مسلم عنه قال قال رسول الله صلى اللققه‬
‫عليه وسلم‬
‫يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار فيصقبغ فقي النقار صقبغة‬
‫ثم يقال له يابن آدم الشياطين رأيقت خيقرا ققط الشقياطين‬
‫مربك نعيم قط فيقققول ل واللققه يققارب ويققؤتي باشققد النققاس‬
‫بؤسا في الدنيا من أهل الجنة فيصبح في الجنة له يققابن آدم‬
‫الشياطين رأيت بؤسققا قققط الشققياطين مققر بققك شققدة قققط‬
‫فيقول ل والله يارب ما مربي بؤس قط ول رأيت شقدة ققط‬
‫وفي المسند من حققديث الققبراء بققن عققاذب قققال خرجنققا مققع‬
‫رسول اللققه صققلى اللققه عليققه وسققلم فققي جنققازة رجققل مققن‬
‫النصار فانتهينا الى القبر ولما يلحد فجلس رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلموجلسنا حوله كأن علققى رؤسققنا الطيققر وفققي‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫يده عود ينكت بققه فقي الرض فرفققع رأسققه فقققال اسققتعيذوا‬
‫بالله من عذاب القبر مرتين أو ثلثا ثم قال ان العبد المققؤمن‬
‫اذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبققال مققن الخققرة نققزل اليققه‬
‫ملئكة من السماء بيض الوجوه كان وجوههم الشمس معهم‬
‫كفن من أكفان أهل الجنققة وحنققوط مققن حنققوط الجنققة حققتى‬
‫يجلسوا منه مد البصر ثم يجىققء ملققك المققوت حققتى يجلققس‬
‫عند رأسه فيقول أخرجي ايتها النفس المطمئنة أخرجي إلى‬
‫مغفرة من الله ورضوان فتخرج تسققيل كمققا تسققيل القطققرة‬
‫من السقاء فيأخذها فاذا أخذها لم يققدعوها فققي يققده طرفققة‬
‫عيققن حققتي يأخققذوها فيجعلوهققا فققي ذلققك الكفققن وفققي ذلققك‬
‫الحنوط ويخرج منها كأطيب نفخة مسققك وجققدت علققى وجققه‬
‫الرض فيصعدون بها فليمرون بها على مل مققن الملئكققة أل‬
‫قالوا ماهذه القروح الطيبققة فيقولققون فلن بققن فلن باحسققن‬
‫أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا حتى ينتهوا بهققا إلققى‬
‫السماء فيستفتحون لققه فيفتققح لققه فيشققيعه مققن كققل سققماء‬
‫مقربوها الى السماء التي تليها حتي ينتهققي بققه الققي السققماء‬
‫السابعة فيقول الله عز وجل أكتبوا كتاب عبققدي فققي علييققن‬
‫وأعيدوه الى الرض فاني منها خلقتهم وفيها أعيققدهم ومنهققا‬
‫أخرجهم تارة أخري قال فتعاد روحه فيأتيه ملكان فيجلسققانه‬
‫فيقولن له من ربك فيقول ربي الله عققز وجققل فيقققولن لققه‬
‫مادينك فيقول ديني السلم فيقولن له ما هذا الرجققل الققذي‬
‫بعث فيكم فيقول هققو محمققد رسققول اللققه فيقققولن لققه ومققا‬
‫علمك فيقول قرأت كتاب الله عز وجل فآمنت بققه وصققدقت‬
‫فينادي مناد من السققماء أن صققدق عبققدي فافرشققوا لققه مققن‬
‫الجنة والبسوه مققن الجنققة وأفتحققوا لققه بابققا الققى الجنققة قققال‬
‫فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح له في قبره مد بصققره قققال‬
‫ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثيققاب طيققب الريققح فيقققول‬
‫أبشر يسرك بالذي هذا يومققك الققذي كنققت توعققد فيقققول لققه‬
‫فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير فيقققول أنققا عملققك الصققالح‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫فيقول رب أققم السققاعة سقققط ثققم رب أقققم السققاعة حققتي‬
‫أرجع الي أهلي ومققالي قققال وإن العبققد الكققافر إذا كققان فققي‬
‫انقطاع من الدنيا وإقبال مققن الخققرة نققزل اليققه ملئكققة مققن‬
‫السماء سود الوجوه معهم المسوح فيجلسون منه مد البصر‬
‫ثم يجىء ملك الموت حتي يجلققس عنققد رأسققه فيقققول أيتهققا‬
‫النفس الخبيثة أخرجققي إلققى سققخط مققن اللققه وغضققب قققال‬
‫فتفرق في جسده فينتزعها كما ينتزع السققفود مققن الصققوف‬
‫المبتل فيأخذها فاذا أخذها لم يدعوها فققي يققده طرفققة عيققن‬
‫حققتى يجعلوهققا فققي تلققك المسققوح ويخققرج منهققا كققأنتن ريققح‬
‫جيفةوجدت على وجه الرض فيصققعدون بهققا فل يمققرون بهققا‬
‫على مل من الملئكة ال قالوا ما هذه الروح الخبيثة فيقولون‬
‫فلن بن فلن باقبح أسمائه التى كان يسقمى بهقا فقي القدنيا‬
‫فيستفتح فل يفتح له ثققم قققرأ رسققول اللققه صققلى اللققه عليققه‬
‫وسلم لتفتح لهم أبواب السماء وليدخلون الجنققة حققتي يلققج‬
‫الجمل في سم الخياط فيقول الله عز وجل أكتبوا كتابه فققي‬
‫سجين في الرض السفلى فتطرح روحه طرحا ثم قرأ ومققن‬
‫يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطيققر أو تهققوي‬
‫به الريح في مكان سققحيق فتعققاد روحققه فققي جسققده ويققأتيه‬
‫ملكان فيجلسانه فيقولن لققه مققن ربققك فيقققول هققاه هققاه ل‬
‫أدري فيقولن له ما دينك فيقول هاه هاه ل أدري فيقولن له‬
‫مققا هققذا الرجققل الققذي بعققث فيكققم فيقققول هققاه هققاه ل أدري‬
‫فينادي منا دمن السماء أن كذب عبدي فافرشوا له من النار‬
‫والبسوه من النار وافتحوا له بابا إلى النار فيققأتيه مققن حرهققا‬
‫وسمومها ويضيق عليه قبره حتي تختلف فيه اضققلعه ويققأتيه‬
‫رجل قبيح الرجل قبيح الثياب منتن الريح فيقول أبشر بالذي‬
‫يسوءك هذا يومك الذى كنققت توعققد فيقققول فوجهققك الققوجه‬
‫الذي يجيء بالشر فيقققول أنققا عملققك الخققبيث فيقققول رب ل‬
‫نقم الساعة وفي لفظ لحمد ايضا ثم يقبض له أعمي أصققم‬
‫أبكم في يده مرزبققة لقو ضقرب بهققا جبل كققان ترابقا فيضققربه‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫ضربة فيصير ترابا ثم يعيده الله عز وجل كمققا كققان فيضققربه‬
‫ضربة أخري فيصيح صيحة يسمعها كل شيء ال الثقلين قال‬
‫البراء ثم يفتح له باب الى النققار ويمهققد لققه مققن فققرش النققار‬
‫وفي المسند أيضا عنه قال بينما نحن مع رسققول اللققه صققلى‬
‫الله عليققه وسققلم إذا أبصققرا بجماعققة فقققال علققى مققا اجتمققع‬
‫هؤلءقيل على قبر يحفرونققه ففققزع رسققول اللققه صققلى اللققه‬
‫عليه وسلم فبدر بين يدي أصحابه مسققرعا حققتي انتهققي الققي‬
‫القبر فجثي على ركبتيه‬
‫فاستقبلته من بين يديه لنظر مايصنع فبكى حتي بققل الققثري‬
‫من دموعه ثم أقبل علينا فقال أي إخواني لمثل هققذا اليققوم‬
‫فاعدوا وفي المسند من حديث بريدة قال خرج الينا رسققول‬
‫الله صلى الله عليه وسققلم يومققا فنققادى ثلث مققرات يققا أيهققا‬
‫الناس أتدرون ما مثلى ومثلكققم فقققالوا اللققه ورسققوله أعلققم‬
‫فقال إنما مثلى ومثلكم مثل قوم خافوا عقدوا يقأتيهم فبعثقوا‬
‫رجل يتراءى لهققم فابصققر العققدو فاقبققل لينققذرهم وخشققى أن‬
‫يدركه العدو قبل أن ينذر قومه فاهوي بثوبه أيها الناس أتيتم‬
‫أيها الناس أتيتم ثلث مرات وفي صحيح مسلم من حديثجابر‬
‫قال قال رسول اللققه صققلى اللققه عليققه وسققلم كققل ماأسققكر‬
‫حرام وإن على الله عزوجل عقققدا لمققن شققرب المسققكر ان‬
‫يسقيه من طينة الخبال قيل وما طينة الخبال قال عرق أهل‬
‫النار أو عصارة أهل النار وفي المسند أيضا مقن حقديث أبقي‬
‫ذر قال ققال رسققول اللققه صقلى اللققه عليقه وسقلم إنقي أري‬
‫مالترون وأسمع مال تسقمعون أطققت السققماء وحققق لهققا أن‬
‫تئط ما فيها موضققع أربققع أصققابع ال وعليققه ملققك يسققبح اللققه‬
‫ساجدا لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليل ولبكيتققم كققثيرا ومققا‬
‫تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم الى الصعدات تجاورن‬
‫الى الله تعالى قال أبو ذر والله لققوددت أنققي شققجرة تعضققد‬
‫وفي المسند أيضا من حديث حذيفة قال كنا مع رسول اللققه‬
‫صلى الله عليه وسلم في جنازة فلما انتهينا الققي القققبر قعققد‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫على ساقيه فجعل يردد بصره فيه ثققم قققال يضققغط المققؤمن‬
‫فيققه ضققغطة تققزول منهققا حمققائله ويمل علققى الكققافر نققارا‬
‫والحمائل عروق النثيين وفي المسند أيضا من حققديث جققابر‬
‫قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسققلم الققى سققعد‬
‫بن معاذ حين توفى فلما صلى عليه رسققول اللققه صققلى اللققه‬
‫عليه وسلم ووضع في قبره وسوى عليققه سققبح رسققول اللققه‬
‫صلى الله عليه وسلم فسبحنا طويل ثم كبر‬
‫فكبرنا فقيل يا رسول الله لما سبحت ثقم كققبرت فقققال لقققد‬
‫تضايق على هذا العبد الصالح قبره حتى فرج الله عنققه وفققي‬
‫صحيح البخاري من حديث أبي سعيد قققال قققال رسققول اللققه‬
‫صلى الله عليه وسلم إذا وضعت الجنققازة واحتملهققا الرجققال‬
‫على أعناقهم فان كققانت صققالحة قققالت قققدموني وان كققانت‬
‫غير صالحة قالت ياويلها أين تذهبون بهققا يسققمع صققوتها كققل‬
‫شىء ال النسان ولققو سققمعها النسققان لصققعق وفققي مسققند‬
‫أحمد من حديث أبي أمامة قال قال رسول اللققه صققلى اللققه‬
‫عليه وسلم تدنوا الشمس يوم القيامة على قدر ميققل ويققزاد‬
‫في حرها كققذا وكققذا تغلققي منهققا الققرؤس كمققا تغلققي القققدور‬
‫يعرقون فيها على قدر خطاياهم منهققم مققن يبلققغ الققى كعبققة‬
‫ومنهم من يبلغ الى ساقيه ومنهم من يبلغ الى وسطه ومنهم‬
‫من يلجمه العرق وفيه عن ابن عباس عن النققبي صققلى اللققه‬
‫عليه وسلم قال كيف أنعم وصاحب القرن قققد التقققم القققرن‬
‫وحتى جبهته يسققمع مققتى يققؤمر فينفققخ فقققال أصققحابه كيققف‬
‫نقول قال قولوا حسبنا الله ونعققم الوكيققل علققى اللققه توكلنققا‬
‫وفي المسند أيضا عن ابن عمر يرفعه من تعظم فققي نفسققه‬
‫أو اختققال فققي مشققيته لقققى اللققه وهققو عليققه غضققبان وفققي‬
‫الصححين عنه قال قال رسول الله صققلى اللققه عليققه وسققلم‬
‫ان المصورين يعذبون يوم القيامة ويقال لهم احيوا ما خلقتم‬
‫وفيه أيضا عنه عن النبي صلى الله عليققه وسققلم إن أحققدكم‬
‫إذا مات عرض عليه مقعده من الغداة والعشى إن كان مققن‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهققل‬
‫هذا مقعدك حتي يبعثك الله عققز وجققل يققوم القيامققة وفيهمققا‬
‫أيضا عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا صار أهل الجنة‬
‫في الجنة وأهل النار في النار جيء بالموت حتي يوقف بيققن‬
‫الجنة والنار ثم يذبح ثم ينققادى منقاد يققا أهققل الجنققة خلقود ول‬
‫موت ويا أهل النار خلود ول موت فيزداد أهل الجنة‬
‫فرحا الي فرحهم ويزداد أهل النققار حزنققا الققي حزنهققم وفققي‬
‫المسند عنه قال من اشتري ثوبا بعشرة دراهم فيهققا درهققم‬
‫حرام الله له صلوة مادام عليه ثم أدخل أصبعيه في أذنيه ثم‬
‫قال صمتا إن لم أكن سمعت النبي صققلى اللققه عليققه وسققلم‬
‫يقول وفيه عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى اللققه عليقه‬
‫وسلم قال من ترك الصلة سكرا مرة واحققدة فكأنمققا كققانت‬
‫له الدنيا وما عليهققا فسققلبها ومققن تققرك الصققلوة سققكرا أربققع‬
‫مرات كان حقا على الله أن يسقققيه مققن طينققة الخبققال قيققل‬
‫وما طينة الخبال يارسول الله قال عصارة أهققل جهنققم وفيققه‬
‫أيضا عنه مرفوعا من شرب الخمر شربة لم تقبل لققه صققلوة‬
‫أربعين صباحا فان تاب تاب الله عليه فلأدري فققي الثالثققة أو‬
‫في الرابعة قال فان عاد كان حقا على اللققه أن يسقققيه مققن‬
‫روغة الخبال يوم القيامة وفي المسند أيضا مقن حقديث أبقي‬
‫موسى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من مققات‬
‫مدمنا للخمر سقاه الله من نهر الغوطة قيل وما نهر الغوطة‬
‫قال نهر يجري مققن فققروج المؤمنققات يققؤذي أهققل النققار ريققح‬
‫فروجهن وفيه أيضا عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم تعرض الناس يوم القيامة ثلث عرضات فاما عرضتان‬
‫فجدال ومعاذير وأما الثالثققة فعنققد ذلققك تطيققر الصققحف فققي‬
‫اليدي فأخذ بيمينه وآخققذ بشققماله وفققي المسققند أيضققا مققن‬
‫حديث بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قققال‬
‫إياكم ومحقرات الذنوب فانهن الرجل حققتي يهلكنققه وضققرب‬
‫لهن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل كمثل قققوم نزلققوا‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫أرض فلة فحضر صنيع القوم فجعل الرجققل ينطلققق فيجيققء‬
‫بالعود والرجل يجيء بالعود حتى جمعوا سوادا وأججققوا نققارا‬
‫وانضجوا ماقذفوا فيها وفي الصحيح من حققديث أبققي هريققرة‬
‫قال قال رسول الله صلى الله عليققه وسققلم يضققرب الجسققر‬
‫على جهنققم فققأكون أول مققن يجققوز ودعققوى الرسققول يققومئذ‬
‫اللهم سلم سققلم وحقافتيه كلليققب مثققل شقوك السقعدان ان‬
‫يختطققف النققاس باعمققالهم الفققات الموثققق بعملققه ومنهققم‬
‫المخدوش ثم ينجوا حتى اذا فرغ الله من القضاء بين العبققاد‬
‫وأراد ان يخرج من النار من أراد أن يرحم ممققن كققان يشققهد‬
‫أن ل إله إل الله أمر الملئكة أن يخرجوه فيعرفققونه بعلمققة‬
‫أثر السجود وحرم الله على النار ان تأكققل مققن ابققن آدم أثققر‬
‫السجود فيخرجونهم وقد امتحشققوا فيصققب عليهققم مققن مققاء‬
‫يقال له ماء الحيوة فينبتون نبات الحبة فققي حميققل المسققيل‬
‫وفي صحيح مسلم عنه قال سمعت رسقول اللقه صقلى اللقه‬
‫عليه وسلم يقول ان اول الناس يقضي فيه يوم القيامة ثلثة‬
‫رجل استشهد فاني به فعرفه نعمة فعرفها فقال ما عملققت‬
‫فيها قال قاتلت فيك حققتي قتلققت قققال كققذبت ولكققن قققاتلت‬
‫ليقال هو جريء فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتي‬
‫ألقى في النار ورجلي تعلم العلم وعلمه وقرأ القققرآن فققأتي‬
‫به فعرفه نعمه فعرفها فققال مققا علملققت فيهققا ققال تعلمققت‬
‫فيك العلم وعلمته وقرأت فيك الققرآن فققال كقذبت ولكنقك‬
‫تعلمت ليقال هو عالم فقققد قيققل وقققرأت القققرآن ليقققال هققو‬
‫قاريء فقد قيل ثم أمر به فسققخب علققى وجهققه حققتي ألقققي‬
‫في النار ورجل وسع الله عليققه رزقققه وأعطققاه مققن أصققناف‬
‫المال كله فأتي به فعرفه نعمه فعرفها فقال ما عملت فيهققا‬
‫فقال ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها ال أنفقت فيهققا‬
‫لك قال كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جواد فقد قيل ثم أمققر‬
‫به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار وفي لفظ فهققؤلء‬
‫أول خلق الله تسعر بهققم النققار يققوم القيامققة وسققمعت شققيخ‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫السلم يقول كما أن خيققر النققاس النبيققاء فشققر النققاس مققن‬
‫تشبه بهم من الكذابين وأدعي أنه منهم وليققس منهققم فخيققر‬
‫النققاس بعققدهم العلمققاء والشققهداء والصققديقون والمخلصققون‬
‫فشر الناس من تشبه بهم يوهم أنه منهم وليس منهققم وفققي‬
‫صحيح البخاري من حديث أبي هريرة عققن النققبي صققلى اللققه‬
‫عليه وسلم من كانت عنده لخيه مظلمة في مققال أو عققرض‬
‫فليأته فليستحلها منققه قبققل أن يؤخققذ وليققس عنققده دينققار ول‬
‫درهم فان كانت له حسنات أخذ مققن حسققناته فاعطيهققا هققذا‬
‫وال أخذ من سيئات هذا فطرحت عليققه ثققم طققرح فققي النققار‬
‫وفي الصحيح من حققديث أبققي هريققرة عنققه صققلى اللققه عليققه‬
‫وسلم من أخذ شبرا مققن الرض بغيققر حقققه خسققف بققه يققوم‬
‫القيامة الققى سققبع أرضققين وفققي الصققحيحين عنققه قققال قققال‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم ناركم هذه التي توققد بنقوا‬
‫آدم جزء واحد من سبعين جزأ من نار جهنققم قققالوا واللققه ان‬
‫كانت الكافية قال فانها قد فضلت عليها بتسعة وستين جققزأ‬
‫كلهن مثل حرها وفي المسند عن معاذ قال أوصققاني رسققول‬
‫الله صلى الله عليققه وسققلم فقققال لتشققرك بققالله شققيئا وان‬
‫قتلت أو حرقت ولتعقن والققديك وان أمققراك ان تخققرج مققن‬
‫مالك وأهلك ولتتركن صلوة مكتوبقة متعمقدا فقان مقن تقرك‬
‫صلوة مكتوبة متعمققدا فقققد بققرئت منققه ذمققة اللققه ولتشققرب‬
‫خمرا فانه رأس كل فاحشة وإياك والمعصققية فققان المعصققية‬
‫تحل سخط الله والحاديث في هققذا البققاب أضققعاف أضققعاف‬
‫ماذكرنا فل ينبغي لمن نصح نفسه أن يتعققامى عنهققا ويرسققل‬
‫نفسه في المعاصي ويتعلق بحسن الرجاء وحسن الظن قال‬
‫أبو الوفاء بن عقيل أحذر ول تغتر فانه قطققع اليققد فققي ثلثققة‬
‫دراهم وجلد الحد في مثل رأس البرة من الخمر وقد دخلت‬
‫المرأة النار في هرة واشققتعل الشققملة نققارا علققى مققن غلهققا‬
‫شهيدا وقال‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫المام أحمد ثنا معاوية ثنا العمش عن سليمان بققن مسققيرة‬
‫عن طارق بن شهاب يرفعه قال دخل رجل الجنة فققي ذبققاب‬
‫ودخل رجل النار في ذباب قالوا وكيف ذلققك يققا رسققول اللققه‬
‫قال مر رجلن على قوم لهم صنم ل يجوزه أحد حتي يقققرب‬
‫له شيئا فقال لحدهما قرب فقال ليققس عنققدي شققيء قققالوا‬
‫قرب ولو ذبابا فقرب ذبابا فخلقو سقبيله فقدخل النقار وققالوا‬
‫للخر قرب فقال ما كنققت أقققرب شققيئا دون اللققه عققز وجققل‬
‫فضربوا عنقه فدخل الجنققة وهققذه الكلمققة الواحققدةيتكلم بهققا‬
‫العبد يهوى بها فى النار أبعد مابين المشرق والمغرب وربمققا‬
‫اتكل بعض‬
‫المغترين على ما يرى مققن نعققم اللققه عليققه فققي الققدنيا وأنققه‬
‫يغتربه ويظن أن ذلققك مققن محبققة اللققه لققه وأنققه يعطيققه فققي‬
‫الخرة أفضل من ذلك فهذا من الغرور قال المام أحمققد ثنققا‬
‫يحي بن غيلن ثنققا رشققد بققن سققعد عققن حرملققة بققن عمققران‬
‫النحبيبي ! عن عقبة بن مسلم عن عقبة بن عامر عن النققبي‬
‫صلى الله عليه وسلم قققال إذا رأيققت اللققه عققز وجققل يعطققي‬
‫العبد من الدنياعلى معاصيه ما يحب فانما هققو اسققتدراج ثققم‬
‫تلى قوله عزوجل فلما نسوا ما ذكروا به فتحنققاعليهم أبققواب‬
‫كل شيء حتي إذا فرحوا بما أوتققوا أخققذناهم بغتققة فققاذا هققم‬
‫مبلسون وقال بعضالسلف إذا رأيت الله عز وجل يتابع عليك‬
‫نعمققة وأنققت معاصققيه فاحققذره فانمققا هققو اسققتدراج منققه‬
‫يستدرجك به وقد قال تعالى ولققول أن يكققون النققاس جهلتققم‬
‫واحدة لجعلنا لمن يكفر بققالرحمن لققبيوتهم سقققفا مققن فضققة‬
‫ومعارج عليها يظهرون ولبيوتهم أبوابا وسققررا عليهققا يتكققؤن‬
‫وزخرفا وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والخرة عند ربك‬
‫للمتقين وقد رد سبحانه على من يظن هذا الظن بقوله فاما‬
‫النسان إذا ما ابتله ربه فأكرمه ونعمه فيقققول ربققي أكرمققن‬
‫وأما إذا ما ابتله فقد عليه رزقققه فيقققول ربققي أهققانن كل أي‬
‫ليس كل من أنعمته ووسعت عليققه رزقققه أكققون قققد أكرمتققه‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫وليس كل من ابتليته وضيقت عليه رزقه أكون قد اهنتققه بققل‬
‫أبتلى هذا بالنعم وأكرم هذا بالبتلء وفي جامع الترمذي عنققه‬
‫صلى الله عليه وسلم إن الله يعطي الدنيا من يحب ومققن ل‬
‫يحب ول يعطي اليمان إل من يحب وقال بعض السققلف رب‬
‫مستدرج بنعم الله عليه وهو ل يعلم ورب مفتون بثناء الناس‬
‫عليه وهو ل يعلم ورب مغرور بستر الله عليه وهو ل يعلم‬
‫الجواب الكافي ‪3‬‬
‫فصل‬
‫ومما ينبغي أن يعلم أن من رجا شيئا رجاؤه ثلثة أمور أحدها‬
‫محبته ما يرجوه الثاني خوفه من فواته الثالث سعيه في‬
‫تحصيله بحسب المكان وأما رجاء ليقارنه شيء من ذلك‬
‫فهو من باب الماني والرجاء شيء والماني شيء آخر فكل‬
‫راج خائف والسائر على السلم اذا خاف أسرع السير‬
‫مخافة الفوات وفي جامع الترمذي من حديث أبي هريرة‬
‫قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من خاف أدلج‬
‫ومن المنزل أل إن سلعة الله غالبة أل إن سلعة الله الجنة‬
‫وهو سبحانه كما جعل الرجاء لهل العمال الصالحة فكذلك‬
‫جعل الخوف لهل العمال الصالحة فعلم ان الرجاء‬
‫والخوف النافع هو ما اقترن به العمل قال الله تعالى ان‬
‫الذين هم من خشية ربهم مشفقون والذين هم بآيات ربهم‬
‫يؤمنون والذين هم بربهم ل يشركون والذين يوتون ما أتوا‬
‫وقلوبهم وجلة إنهم إلى ربهم راجعون أولئك يسارعون في‬
‫الخيرات وهم لها سابقون وقد روى الترمذي في جامعه عن‬
‫عائشة رضى الله عنها قالت سألت رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم عن هذه الية فقلت أهم الذين يشربونالخمر‬
‫ويزنون ويسرفون فقال ل يا إبنة الصديق ولكنهم الذين‬
‫يصومون ويصلون ويتصدقون يخافون أن ل يتقبل منهم‬
‫أولئك يسارعون في الخيرات وقد روى من حديث أبى‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫هريرة أيضا والله سبحانه وصف أهل السعادة بالحسان مع‬
‫الخوف ووصف الشقياء بالساءة مع المن ومن تأمل‬
‫أحوال الصحابة رضى الله عنهم وجدهم في غاية العمل مع‬
‫غاية الخوف ونحن جمعنا بين التقصير بل التفريط والمن‬
‫فهذا الصديق يقول وددت اني شعرة في جنب عبد مؤمن‬
‫ذكره أحمد عنه وذكر عنه أيضا انه كان يمسك بلسانه‬
‫ويقول هذا الذي أوردني الموارد وكان يبكى كثيرا ويقول‬
‫أبكوا فان لم تبكوا فتباكوا وكان اذا قام الى الصلة‬
‫كأنه عود من خشية الله عز وجل واتي بطائر يقلبه ثم قال‬
‫ما صيد من صيد ول قطعت من شجرة ال بما ضيعت من‬
‫التسبيح ولما احتضر قال لعائشة يا بنية اني أصبت من مال‬
‫المسلمين هذه العبادة وهذه الحلب وهذا العبد فاسرعى به‬
‫إلى بن الخطاب وقال والله لوددت أني كنت هذه قولن‬
‫تؤكل وتعضد وقال قتادة بلغني ان يشير بكر قال ليتني‬
‫خضرة تأكلني الدواب وهذا عمر بن الخطاب قرأ سورة‬
‫الطور إلى قوله إن عذاب ربك لواقع فبكى وإشتد بكاؤه‬
‫حتي مرض وعادوه وقال لبنه وهو في الموت ويحك ضع‬
‫خدي على الرض عاد ! أن يرحمني ثم قال ويل أمي إن لم‬
‫يغفر الله لي ثلثا ثم قضى وكان يمر بالية في ورده‬
‫بالليل فتختفه فيبقى في البيت أياما ويعاد ويحسبونه مريضا‬
‫وكان فى وجهه رضى الله عنه خطان أسودان من البكاء‬
‫وقال له ابن عباس مصر الله بك المصار وفتح بك الفتوح‬
‫وفعل وفعل فقال وددت اني أنجو ل أجر ول وزر وهذا‬
‫عثمان بن عفان كان اذا وقف على القبر يبكى حتى تبل‬
‫لحيته وقال لو اننى بين الجنة والنار ل أدري الى أيتهما يؤمر‬
‫بي لخترت أن أكون رمادا قبل أن أعلم الى أيتهما أصير‬
‫وهذا على بن أبي طالب رضي الله عنه وبكاؤه وخوفه وكان‬
‫يشتد خوفه من أثنتين طول المل واتباع الهوي قال فاما‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫طول المل فينسي الخرة وأما إتباع الهوي فيصد عن الحق‬
‫أل وإن الدنيا قد ولت مدبرة والخرة مقبلة ولكل واحدة‬
‫منهما بنون فكونوا من أبناء الخرة ولتكونوا من أبناء الدنيا‬
‫فان اليوم عمل ولحساب وغدا حساب ول عمل وهذا أبو‬
‫الدرداء كان يقول إن أشد ما أخاف على نفسى يوم القيامة‬
‫أن يقال يا يشير الدرداء قد علمت فكيف عملت فيما علمت‬
‫وكان يقول لو تعلمون ما أنتم لقون بعد الموت لما أكلتم‬
‫طعاما على شهوة ول شربتم شرابا على شهوة ولدخلتم‬
‫بيتا تستظلون فيه ولخرجتم الى الصعدات تضربون صدوركم‬
‫وتبكون على أنفسكم ولوددت أني شجرة تعضد ثم تؤكل‬
‫وهذا عبد الله بن عباس كان أسفل عينيه مثل الشراك‬
‫البالي من الدموع وكان أبو ذر يقول ياليتني كنت شجرة‬
‫تعضد وودت أني لم أخلق وعرضت عليه النفقة فقال عندنا‬
‫عنز نحلبها وحمر ننقل عليها ومحرر يخدمنا وفضل عباءة‬
‫وإني أخاف الحساب فيها وقرأ تميم الداري ليلة سورة‬
‫الجاثية فلما أتي على هذه الية أم حسب الذين اجترحوا‬
‫السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات جعل‬
‫يرددها ويبكى حتي أصبح وقال أبو عبيدة بن الجراح وددت‬
‫أني كبش فذبحني أهلى وأكلوا لحمي وحسوا مرقى وهذا‬
‫باب يطول تتبعه قال البخاري في صحيحه باب خوف‬
‫المؤمن أن يحبط عمله وهو ل يشعر وقال ابراهيم التيمي ما‬
‫عرضت قولي على عملي الخشيت أن أكون مكذبا وقال بن‬
‫أبي مليكة ادركت ثلثين من اصحاب النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه ما منهم أحد يقول انه‬
‫على ايمان جبريل وميكائيل ويذكر عن الحسن ماخافه ال‬
‫مؤمن ول أمنه ال منافق وكان عمر بن الخطاب يقول‬
‫لحذيفة أنشدك الله الشياطين سمانى لك رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم يعني في المنافقين فيقول ل‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫ول أزكى بعدك احدا فسمعت شيخنا يقول مراده اني ل‬
‫أبرىء غيرك من النفاق بل المراد انى ل أفتح على هذا‬
‫الباب فكل من سألني الشياطين سمانى لك رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم فأزكيه قلت وقريب من هذا قول‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم للذي سأله ان يدعو له أن يكون‬
‫من السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب سبقك بها‬
‫عكاشة ولم يرد أن عكاشة أن وحده أحق بذلك ممن عداه‬
‫من الصحابة ولكن لو دعا لقام آخر وآخر وانفتح الباب وربما‬
‫قام من لم يستحق أن يكون منهم فكان المساك أولى‬
‫والله أعلم‬
‫فصل‬
‫فلنرجع الى ما كنا فيه مما ذكرنا من ذكر دواء الداء الذي إن‬
‫استمر أفسد دنيا العبد وآخرته فما ينبغي أن يعلم أن‬
‫الذنوب والمعاصى تضر ول شك أن ضررها فى القلوب‬
‫كضرر السموم على إختلف درجاتها في الضرر وهل فى‬
‫الدنيا والخرة شرور وداء السببه الذنوب والمعاصى فما‬
‫الذي أخرج البوين من الجنة دار اللذة والنعيم والبهجة‬
‫والسرور الى دار اللم والحزان والمصائب وما الذي أخرج‬
‫إبليس من ملكوت السماء وطرده ولعنه ومسخ ظاهره‬
‫وباطنه فجعلت صورته أقبح صورة وأشنعها وباطنه أقبح من‬
‫صورته وأشنع وبدل بالقرب بعدا وبالرحمة لعنة وبالجمال‬
‫قبحا وبالجنة نارا تلظى وباليمان كفرا وبموالت الولى‬
‫الحميد أعظم عداوة ومشاقة وبزجل التسبيح والتقديس‬
‫والتهليل زجل الكفر والشرك والكذب والزور والفحش‬
‫وبلباس اليمان لباس الكفر والفسوق والعصيان فهان على‬
‫الله غاية الهوان وسقط من عينه غاية السقوط وحل عليه‬
‫غضب الرب تعالى فاهواه ومقته أكبر المقت فأرداه فصار‬
‫قوادا لكل فاسق ومجرم رضي لنفسه بالقيادة بعد تلك‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫العبادة والسيادة فعياذا بك اللهم من مخالفة أمرك وإرتكاب‬
‫نهيك وماالذي أغرق‬
‫أهل الرض كلهم حتى عل الماء فوق رأس الجبال وما الذي‬
‫سلط الريح العقيم على قوم عاد حتى القتهم موتي على‬
‫وجه الرض كأنهم أعجاز نخل خاوية ودمرت مامر عليه من‬
‫ديارهم وحروثهم وزروعهم ودوابهم حتى صاروا عبرة للمم‬
‫الى يوم القيامة وما الذي أرسل على قوم ربي الصيحة حتي‬
‫قطعت قلوبهم في أجوافهم وماتوا عن آخرهم وماالذي رفع‬
‫قرى اللوطية حتي سمعت الملئكة نبيح كلبهم ثم قلبها‬
‫عليهم فجعل عاليها سافلها فاهلكم جميعا ثم أتبعهم حجارة‬
‫من سجيل السماء أمطرها عليهم فجمع عليهم من العقوبة‬
‫ما لم جهلتم غيرهم ولخوانهم أمثالها وما هي من الظالمين‬
‫ببعيد وما الذي قوم شعيب سحاب العذاب كالظلل فلما‬
‫صار فوق رؤسهم أمطر عليهم نارا تلظى وما الذى أغرق‬
‫والرذائل وقومه في البحر ثم نقلت أرواحهم إلى جهنم‬
‫فالجساد للغرق والرواح للحرق وما الذي خسف بقارون‬
‫وداره وماله وأهله وما الذي أهلك القرون من بعد نوح‬
‫بانواع العقوبات ودمرها تدميرا وما الذي أهلك قوم صاحب‬
‫يس بالصيحة حتي خمدوا عن آخرهم وما الذي بعث على‬
‫بنى إسرائيل قوما أولى بأس شديد فجاسوا خلل الديار‬
‫وقتلوا الرجال‬
‫وسبوا الذراري والنساء وأحرقوا الديار ونهبوا الموال ثم‬
‫بعثهم عليهم مرة ثانية فاهلكوا ما قدروا عليه وتبروا ما علو‬
‫تتبيرا وما لذي سلط عليهم بانواع العذاب والعقوبات مرة‬
‫بالقتل والسبي وخراب البلد ومرة بجور الملوك ومرة‬
‫بمسخهم قردة وخنازير وآخر ذلك أقسم الرب تبارك وتعالى‬
‫ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب‬
‫قال المام أحمد ثنا الوليد بن مسلم ثنا صفوان بن عمر‬
‫وحدثني عبد الرحمن‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫بن جبير بن نفير عن أبيه قال لما فتحت قبرس فرق بين‬
‫أهلها فبكى بعضهم الى بعض فرأيت يشيرالدرداء جالسا‬
‫وحده يبكى فقلت يا يشير الدرداء ما يبكيك في يوم أعز‬
‫الله فيه السلم وأهله فقال ويحك يا جبير ما أهون الخلق‬
‫على الله عز وجل إذا أضاعوا أمره بينما هي جهلتم قاهرة‬
‫ظاهرة لهم الملك تركوا أمر الله فصاروا الي ما ترى وقال‬
‫على بن الجعذنا شعبة عن عمرو ابن مرة قال سمعت ابا‬
‫البختري يقول اخبرني من سمع النبي صلى الله عليه وسلم‬
‫يقول لن يهلك الناس حتي يعذروا من أنفسهم وفي مسند‬
‫أحمد من حديث‬
‫أم سلمة قالت سمعت رسول صلى الله عليه وسلم يقول‬
‫اذا ظهرت المعاصي في أمتي عمهم الله بعذاب من عنده‬
‫فقلت يا رسول الله أما فيهم يومئذ أناس صالحون قال بلى‬
‫قلت كيف يصنع باؤلئك قال يصيبهم ما أصاب الناس ثم‬
‫يصيرون الى مغفرة من الله ورضوان وفي مراسيل الحسن‬
‫عن النبي صلى الله عليه وسلم لتزال هذه المه تحت يد‬
‫الله وفى كنفه ما لم يمال قراؤها امراءها وما لم يزك‬
‫صلحاؤها فجارها وما لم يهن خيارها شرارها فاذا هم فعلوا‬
‫ذلك رفع الله يده عنهم ثم سلط عليهم جبابرتهم‬
‫فيسومونهم سوء العذاب‬
‫ثم ضربهم الله بالفاقة والفقر وفي المسند من حديث ثوبان‬
‫قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الرجل‬
‫ليحرم الرزق بالذنب يصيبه وفيه أيضا عنه قال قال رسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم يوشك أن تداعي عليكم المم من‬
‫كل أفق كما تداعي الكلة على قصعتها قلنا يا رسول الله‬
‫أمن قلة بنا يومئذ قال أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء‬
‫السيل تنزع المهابة من قلوب عدوكم وتجعل في قلوبكم‬
‫الوهن قالوا وما الوهن قال حب الحياة وكراهة الموت وفى‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫المسند من حديث أنس قال قال رسول صلى الله عليه‬
‫وسلم لما عرج بي‬
‫مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوهم‬
‫وصدورهم فقلت من هؤلء يا جبريل فقال هؤلءالذين‬
‫يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم وفى جامع‬
‫الترمذي من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم يخرج في آخر الزمان قوم يختلون الدنيا‬
‫بالدين ويلبسون للناس مسوك الضأن من اللين ألسنتهم‬
‫أحلى من السكر وقلوبهم قلوب الذئاب يقول الله عز وجل‬
‫أبي تغترون وعلي تجترون في حلفت لبعثن على اؤلئك‬
‫فتنة تدع الحليم منهم حيرانا وذكر أبن أبي الدنيا من حديث‬
‫جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال قال على يأتي على‬
‫الناس زمان ل يبقى من السلم إل إسمه ول من القرآن إل‬
‫رسمه مساجدهم يومئذ عامرة وهي خراب من الهدى‬
‫علماؤهم أشر من تحت أديم السماء منهم خرجت الفتنة‬
‫وفيهم تعود وذكر من حديث سماك بن حرب عن عبد‬
‫الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه اذا ظهر الربا والزنا‬
‫في قربة أذن الله عز وجل بهلكها وفى مراسيل الحسن اذا‬
‫أظهر الناس العلم وضيعوا العمل وتحابوا باللسن وتباغضوا‬
‫بالقلوب وتقاطعوا بالرحارم لعنهم الله عز وجل عند ذلك‬
‫فاصمهم وأعمى أبصارهم وفي سنن ابن ماجة من حديث‬
‫عبدالله بن عمر بن الخطاب قال كنت عاشر عشرة رهط‬
‫من المهاجرين عند رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم فا قبل علينا رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم بوجهه فقال يا معشر المهاجرين خمس خصال‬
‫وأعوذ بالله أن تدركوهن ما ظهرت الفاحشة في قوم حتى‬
‫أعلنوا بها إل ابتلوا بالطواعين والوجاع التي لم تكن في‬
‫أسلفهم الذين مضوا ولنقص قوم المكيال والميزان إل‬
‫ابتلوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان وما منع قوم‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫زكاة اموالهم إل منعوا القطر من السماء فلول البهائم لم‬
‫يمطروا ول خفر قوم العهد إل سلط الله عليهم عدوهم من‬
‫غير فاخذوا بعض ما في ايديهم وما لم تعمل ائمتهم بما‬
‫انزل الله فى كتابه إل جعل الله بأسهم بينهم وفي المسند‬
‫والسنن من حديث عمرو بن مرة بن أبي الجعد عن أبى‬
‫عيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال قال رسول صلى‬
‫الله عليه وسلم ان من كان قبلكم كان إذا عمل العامل‬
‫فيهم الخطيئة جاءه الناهي تعذيرا فقال يا هذا اتق الله فاذا‬
‫كان من الغد جالسه وواكله وشاربه كانه لم يره على‬
‫خطيئة بالمس فلما رأي الله عز وجل ذلك منهم ضرب‬
‫بقلوب بعضهم على بعض ثم لعنهم على لسان نبيهم داود‬
‫وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون والذى نفس‬
‫محمد بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن‬
‫على يد السفيه ولتأطرنه على الحق اطرا او ليضربن الله‬
‫بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعنكم كما لعنهم وذكر ابن‬
‫أبي الدنيا عن إبراهيم بن عمرو الصنعاني قال أوحي الله‬
‫الى يوشع بن نون اني مهلك من قومك أربعين الفا من‬
‫خيارهم وستين الفا من شرارهم قال يارب هؤلء الشرار‬
‫فما بال الخيار قال إنهم لم يغضبوا لغضبي وكانوا يواكلونهم‬
‫ويشاربونهم وذكر أبو عمر بن عبد البر عن أبيعمران قال‬
‫بعث الله عز وجل ملكين الى قرية ان دمراها بمن فيها‬
‫فوجدا فيها رجل قائما يصلى فى مسجد فقال يا رب ان فيها‬
‫عبدك فلنا يصلي فقال الله عز وجل دمراها ودمراه معهم‬
‫فانه ما يتمعر وجهه في قط وذكر لحميدي عن سفيان بن‬
‫عيينة قال حدثني سفيان بن سعيد عن مسعر ان ملكا أمر‬
‫أن يخسف قرية فقال يا رب ان فها فلنا العابد فاوحي الله‬
‫اليه ان به فابدأ فانه لم يتمعر وجهه في ساعة قط وذكر‬
‫ابن أبي الدنيا عن وهب بن منبه قال لما أصاب داود‬
‫الخطيئة قال يا رب اغفر لي قال قد غفرت لك والزمت‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫عارها بني اسرائيل قال يارب كيف وأنت الحكم العدل‬
‫لتظلم احدا أنا أعمل الخطيئة وتلزم علوها غيرى فاوحي‬
‫الله اليه انك لما عملت الخطيئة لم يعجلوا عليك بالنكار‬
‫وذكر ابن أبي الدنيا عن أنس بن مالك أنه دخل على عائشة‬
‫هو رجل آخر فقال لها الرجل يا ام المؤمنين حدثينا عن‬
‫الزلزلة فقالت إذا استباحوا الزنا وشربوا الخمر وضربوا‬
‫المعازف غار الله عز وجل في سمائه فقال للرض تزلزلى‬
‫بهم فان تابوا ونزعوا وإل أهدمها عليهم قال يا أم المؤمنين‬
‫أعذابا لهم قالت بل موعظة ورحمة للمؤمنين ونكال وعذابا‬
‫وسخطا على الكافرين فقال أنس ما سمعت حديثا بعد‬
‫رسول صلى الله عليه وسلم أنا أشد فرحا مني بهذا الحديث‬
‫وذكر ابن أبي الدنيا حديثا مرسل ان الرض تزلزت على عهد‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضع يده عليها ثم قال‬
‫اسكني فانه لم يأن لك بعد ثم التفت الى أصحابه فقال إن‬
‫ربكم ليستعتبكم فاعتبره ثم تزلزلت بالناس على عهد عمر‬
‫بن الخطاب فقال يا أيها الناس ما كانت هذه الزلزلة ال عن‬
‫شيء أحدثتموه والذى نفسي بيده لن عادت ل أساكنكم‬
‫فيها ابدا وفي مناقب عمر لبن أبي الدنيا إن الرض تزلزلت‬
‫على عهد عمر فضرب يده عليها وقال مالك مالك أما انها لو‬
‫كانت القيامة حدثت أخبارها سمعت رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم يقول اذا كان يوم القيامة فليس فيها ذراع ول‬
‫شبر ال وهو ينطق وذكر المام احمد عن صفية قالت زلزلت‬
‫المدينة على عهد فقال ياليها الناس ما هذا اسرع ما أحدثتم‬
‫لن عادت ل تجدوني فيها وقال كعب انما زلزلت الرض اذا‬
‫عمل فيها بالمعاصي فترعدا فرقا من الرب عز وجل أن‬
‫يطلع عليها وكتب عمر بن عبد العزيز الى المصار أما بعد‬
‫فان هذا الرجف شيء يعاتب الله عزوجل به العباد وقد‬
‫كتبت إلى سائر المصار يخرجوا في يوم كذا وكذا في شهر‬
‫كذا وكذا فمن كان عنده شيء فليتصدق به فان الله عز‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫وجل قال قد افلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى وقولوا‬
‫كما قال آدم ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا‬
‫لتكونن من الخاسرين وقولوا كما قال نوح وإل تغفر لى‬
‫وترحمني أكن من الخاسرين وقولوا كما قال يونس ل إله إل‬
‫انت سبحانك إني كنت من الظالمين وقال المام أحمد‬
‫حدثنا اسود بن عامر ثنا ابو بكر عن لعمش عن عطاء بن‬
‫أبي رباح عن ابن عمر سمعت رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم يقولذا ظن الناس‬
‫بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة واتبعوا اذناب البقر وتركوا‬
‫الجهاد في سبيل الله أنزل الله بهم بلء فل يرفعه عنهم‬
‫حتي يراجعوا دينهم ورواه أبو داود بإسناد حسن وذكر ابن‬
‫أبى الدنيا من حديث ابن عمر قال لقد رأيتنا وما أحد أحق‬
‫بديناره ودرهمه من اخيه المسلم ولقد سمعت رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم يقول اذا ضن الناس بالدينار والدرهم‬
‫وتبايعوا بالعينة وتركوا الجهاد في سبيل الله وأخذوا اذناب‬
‫البقرة أنزل‬
‫الله عليهم من السماء بلء فل يرفعه عنهم حتى يراجعوا‬
‫دينهم وقال الحسن أن العينة والله ما هي ال عقوبة من‬
‫الله عز وجل على الناس ونظر بعض أنبياء بني إسرائيل الى‬
‫ما يصنع بهم بختنصر فقال بما كسبت أيدينا سلطت علينا‬
‫من ل يعرفك ول يرحمنا وقال بخت نصر لدانيال ما الذي‬
‫سلطني على قومك قال عظم خطيئتك وظلم قومي‬
‫أنفسهم وذكر ابن أبي الدنيا من حديث عمار بن ياسر‬
‫وحذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم إن الله عز وجل إذا‬
‫أياد بالعباد نقمة أمات الطفال وأعقم أرحام النساء فتنزل‬
‫النقمة وليس فيهم‬
‫مرحوم وذكر عن مالك بن دينار قال قرأت في الحكمة‬
‫يقول الله عز وجل أنا الله مالك الملوك قلوب الملوك بيدى‬
‫فمن أطاعني جعلتهم عليه رحمة ومن عصاني جعلتهم عليه‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫نقمة فل يشغلوا انفسكم بسب الملوك ولكن توبوا إلي‬
‫أعطنهم عليكم وفي مراسيل الحسن إذا أراد الله بقوم خيرا‬
‫جعل أمرهم الى حلمائهم وفيئهم عند سمحائهم واذا أراد‬
‫بقوم شرا جعل أمرهم الى سفائهم وفيئهم عند بخلئهم‬
‫وذكر المام أحمد وغيره عن قتادة قال يونس يا في السماء‬
‫ونحن في الرض فما علمة غضبك من رضاك قال إذا‬
‫استعملت عليكم خياركم فهو من علمة رضائي عليكم وإذا‬
‫استعملت عليكم شراركم فهو من علمة سخطي عليكم‬
‫وذكر ابن أبي الدنيا عن الفضيل بن عياض قال أوحى الله‬
‫الى بعض النبياء إذا عصاني من يعرفنى سلطت عليه من ل‬
‫يعرفني وذكر أيضا من حديث ابن عمر يرفعه والذى نفسي‬
‫بيده ل تقوم الساعة حتي يبعث الله أمراء كذبه ووزراء‬
‫فجرة وأعوانا خونة وعرفاء ظلمة وقراء فسقة سيماهم‬
‫سيما الرهبان وقلوبهم أنتن من الجيف أهواؤهم مختلفة‬
‫فيتيح الله لهم فتنة غبراء مظلمة فيتهاوكون فيها والذى‬
‫نفس محمد بيده لينقضن السلم عروة عروة حتي ل يقال‬
‫الله الله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن‬
‫الله عليكم أشراركم فيسومونكم سوء العذاب ثم يدعو‬
‫خياركم فل يستجاب لهم لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن‬
‫المنكر أو ليبعثن الله عليكم من ل يرحم صغيركم ول يوقر‬
‫كبيركم وفي معجم الطبراني وغيره من حديث سعيد بن‬
‫جبير عن بن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم ما طفف قوم كيل ول بخسوا ميزانا ال منعهم الله عز‬
‫وجل القطر وما ظهر في قوم الزنا إل ظهر فيهم الموت‬
‫وما ظهر في قوم الربا إل سلط الله عليهم الجنون ول ظهر‬
‫في قوم‬
‫القتل يقتل بعضهم بعضا إل سلط الله عليهم عدوهم ول‬
‫ظهر في قوم عمل قوم لوط إل ظهر فيهم الخسف وما‬
‫ترك قوم المر بالمعروف يشركوا عن المنكر اللم ترفع‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫أعمالهم ولم يسمع دعاؤهم ورواه ابن أبي الدنيا من حديث‬
‫ابراهيم بن الشعث عن عبد الرحمن بن زيد عن أبيه عن‬
‫سعيد به وفى المسند وغيره من حديث عروة عن عائشة‬
‫قالت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد حفزه النفس‬
‫فعرفت في وجهه أن قد حفزه شىء فما تكلم حتى توضأ‬
‫وخرج فلصقت بالحجرة فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه‬
‫ثم قال يا أيها الناس اتقوا ربكم إن الله عز وجل يقول لكم‬
‫مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوني فل‬
‫أجيبكم وتستنصروني فل أنصركم وتسألوني فل أعطيكم‬
‫وقال العمرى الزاهد أن من غفلتك عن نفسك وإعراضك‬
‫عن الله أن تري ما يسخط الله فتتجاوزه ول تأمر فيه ول‬
‫تنهى عنه خوفا ممن ل يملك لنفسه ضرا ول نفعا وقال من‬
‫ترك المر بالمعروف يشركوا عن المنكر مخافة من‬
‫المخلوقين نزعت منه الطاعة ولو أمر ولده أو بعض مواليه‬
‫لستخف بحفه وذكر المام أحمد في مسنده من حديث‬
‫قيس بن أبي حازم قال قال أبو بكر الصديق يايها الناس‬
‫أنكم تتلون هذه الية وأنكم تضعونها على غير مواضعها يا‬
‫أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم ل يضركم من ضل إذا‬
‫اهتديتم وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫يقول ان الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه وفي‬
‫لفظ إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله‬
‫بعقاب من عنده وذكر الوزاعى عن يحيى بن أبي كثير عن‬
‫أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله إذا أخفيت‬
‫الخطيئة فل تضر إل صاحبها وإذا ظهرت فلم تضر غير‬
‫العامة وذكر المام احمد عن عمر بن الخطاب يوشك القري‬
‫أن تخرب وهي عامرة قيل وكيف تخرب وهي عامرة قال‬
‫إذا عل فجارها على أبرارها وساد القبيلة نافقها وذكر‬
‫الوزاعي عن حسان بن أبي عطية أن النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم قال ستظهر حلل أمتى على يارها حتي يستخفى‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫المؤمن فيهم كما يستخفى المنافق فينا اليوم وذكر ابن أبي‬
‫الدنيا من حديث ابن عباس يرفعه قال ياتي زمان يذوب فيه‬
‫قلب المؤمن كما يذوب الملح فى الماء قيل بما ذاك يا‬
‫رسول الله قال بما يري من المنكر ل يستطيع تغييره وذكر‬
‫المام أحمد من حديث جرير أن النبي صلى الله عليه وسلم‬
‫قال ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصى هم أعز وأكثر ممن‬
‫يعمله فلم يغيروه ال عمهم الله بعقاب وفي صحيح البخاري‬
‫عن أسامة بن زيد قال سمعت رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم يقول يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى فى النار‬
‫فتندلق اقتابه في النار فيدور كما برحاه فيجتمع عليه أهل‬
‫النار فيقولون اي فلن ما شأنك ألست كنت تأمرنا‬
‫بالمعروف وتنهانا عن المنكر قال كنت آمركم بالمعروف ول‬
‫آنيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه وذكر المام أحمد عن مالك بن‬
‫دينار قال كان حبر من أحبار بني اسرائيل يغشي منزله‬
‫الرجال والنساء فيعظهم ويذكرهم‬
‫بأيام الله فرأى بعض بنيه يوما يغمز النساء فقال مهل يا بني‬
‫فسقط من سريره فانقطع نخاعه وأسقطت امرأته وقتل‬
‫بنوه فاوحي الله الى نبيهم أن أخبر فلنا الحبران ل أخرج‬
‫من صلبك صديقا أبدا ما كان غضبك لى إل أن قلت مهل يا‬
‫بني مهل يا بني وذكر المام أحمد من حديث عبد الله بن‬
‫مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إياكم‬
‫ومحقرات الذنوب فانهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه‬
‫وان رسول الله ضرب لهن مثل كمثل القوم نزلوا أرض فلة‬
‫فحضر صنيع القوم فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود‬
‫والرجل يجى بالعود حتي جمعوا سوادا وأججوا نارا وانضجوا‬
‫ما قذفوا فيها وفي صحيح البخاري عن عن أنس بن‬
‫مالك قال إنكم لتعملون أعمال هي أدق في أعينكم من‬
‫الشعر وإنا كنا لنعدها على زمن رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم من الموبقات وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عذبت إمرأة‬
‫في هرة سجنتها حتى ماتت فدخلت النار لهي أطعمتها ول‬
‫سقتها ول تركتها تأكل من خشاش الرض وفي الحلية لبي‬
‫نعيم عن حذيفة انه قيل له في يوم واحد تركت بنوا‬
‫إسرائيل دينهم قال ل ولكنهم كانوا إذا أمروا بشيء تركوه‬
‫وإذا نهوا عن شيء فعلوه حتي انسخلوا من دينهم كما‬
‫ينسلخ الرجل من‬
‫قميصه ومن ههنا قال بعض السلف المعاصي بريد الكفر‬
‫كما ان القبلة بريد الجماع والغناء بريد الزنا والنظر بريد‬
‫العشق والمرض بريد الموت وفي الحلية أيضا عن ابن‬
‫عباس أنه قال يا صاحب الذنب ل تأمن فتنة الذنب وسوء‬
‫عاقبة الذنب ولما تتبع الذنب أعظم من الذنب إذا علمت‬
‫فله حبا بك ممن على اليمين وعلى الشمال وأنت على‬
‫الذنب أعظم من الذنب وضحكك وأنت لم تدر ما لله صانع‬
‫بك أعظم من الذنب وفرحك بالذنب به أعظم من الذنب‬
‫وحزنك على الذنب إذا فاتك أعظم من الذنب وخوفك من‬
‫الريح إذا حركت ستر بابك وأنت على الذنب ول يضطرب‬
‫فؤادك من نظر الله إليك أعظم من الذنب ويحك الشياطين‬
‫تدري‬
‫ما كان ذنب ايوب عليه السلم فابتله بالبلء في جسده‬
‫استغاث به مسكين على ظالم يدرءه عنه فلم يغثه ولم ينه‬
‫الظالم عن ظلمه فابتله الله وقال المام أحمد حدثنا الوليد‬
‫قال سمعت الوزاعي يقول سمعت هلل بن سعد يقول ل‬
‫تنظر الى صغر الخطيئة ولكن أنظر إلى من عصيت وقال‬
‫الفضيل بن عياض بقدر ما يصغر الذنب عندك يعظم عند‬
‫الله وبقدر ما يعظم عندك يصغر عند الله وقيل أوحي الله‬
‫تعالى الى موسي يا موسى إن أول من مات من خلقي‬
‫إبليس وذلك لنه أول من عصاني وإنما أعد من عصاني من‬
‫الموات وفي المسند وجامع الترمذي من حديث عن أبي‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن‬
‫المؤمن إذا أذنب ذنبا نكت في قلبه نكتة سوداء فإذا تاب‬
‫ونزع واستغفر صقل قلبه وإن زاد زادت حتى تعلو قلبه‬
‫فذلك الران الذي ذكره الله عز وجل كل بل ران على‬
‫قلوبهم ما كانوا يكسبون قال الترمذي هذا حديث صحيح‬
‫وقال حذيفة إذا أذنب ذنبا العبد نكت في قلبه نكتة سوداء‬
‫حتى يصير قلبه كالشاة الرمداء وقال المام أحمد ثنا يعقوب‬
‫ثنا أبي عن ابن شهاب حدثني عبد الله بن عبيد الله بن عتبة‬
‫عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم قال أما بعد يا معشر قريش فانكم أهل لهذا المر ما‬
‫لم تعصوا الله فاذا عصيتموه بعث عليكم من يلحاكم كما‬
‫يلحي هذا القضيب لقضيب في يده ثم لحى قضيبه فاذا هو‬
‫أبيض يصلد وذكر المام أحمد عن وهب قال أن الرب عز‬
‫وجل قال في بعض ما يقول لبني إسرائيل انى إذا أطعت‬
‫رضيت وإذا رضيت باركت وليس لبركتى نهاية وإذا عصيت‬
‫غضبت وإذا غضبت لعنت ولعنتى تبلغ السابع من الولد وذكر‬
‫أيضا عن وكيع ثنا زكريا عن عامر قال كتبت عائشة الى‬
‫معاوية أما بعد فان العبد إذا عمل بمعصية الله عاد حامده‬
‫من الناس ذاما ذكر أبو نعيم بن أبي الجعد عن أبي الدرداء‬
‫قال ليحذر إمرأ أن تلعنه قلوب المؤمنين من حيث ل يشعر‬
‫ثم قال أتدري مم هذا قلت ل قال إن العبد ولو بمعاصي الله‬
‫فيلقى الله غضه في قلوب المؤمنين من حيث ل يشعر‬
‫وذكر عبد الله بن أحمد في كتاب الزهد لبيه عن محمد بن‬
‫سيرين انه لما ركبه الدين اغتم لذلك فقال إني ل أعرف هذا‬
‫الغم بذنب أصبته منذ أربعين سنة وهاهنا نكتة دقيقة يغلط‬
‫فيها الناس في أمر الذنب وهي إنهم ل يرون تأثيره في‬
‫الحال وقد يتأخر تأثيره فينسي ويظن العبد إنه ل يغير بعد‬
‫ذلك وإن المر كما قال القائل‬
‫اذا لم يغبر حائط في وقوعه * فليس له بعد الوقوع غبار‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫وسبحان الله ماذا أهلكت هذه النكتة من الخلق وكم أزالت‬
‫من نعمة وكم جلبت من نقمة وما أكثر المغترين بها من‬
‫العلماء والفضلء فضل عن الجهال ولم يعلم المغتر أن‬
‫الذنب ينقض ولو بعد حين كما ينقض السهم وكما ينقض‬
‫الجرح المندمل على الغش والدغل وقد ذكر المام أحمد‬
‫عن أبي الدرداء أعبدوا الله كانكم رونه وعدوا أنفسكم في‬
‫الموتى واعلموا أن قليل يكفيكم خير من كثير يلهيكم‬
‫واعلموا أن البر ل يبلى وان الثم ل ينسى ونظر بعض العباد‬
‫الى صبي فتأمل محاسنه فأتى في منامه وقيل له لتجدن‬
‫غبها بعد أربعين سنة هذا مع أن للذنب نقدا معجل ل يتأخر‬
‫عنه قال سليمان التميمي أن الرجل ليصيب الذنب في‬
‫السر فيصبح وعليه مذلته وقال يحيي بن معاذ الرازي عجبت‬
‫من ذي عقل يقول في دعائه اللهم ل تشمت بي العداء ثم‬
‫هو يشمت بنفسه كل عدو له قيل وكيف ذلك قال يعصي‬
‫الله فيشمت به في القيامة قال ذي النون من خان الله في‬
‫السر هتك ستره في العلنية‬
‫الجواب الكافي ‪4‬‬
‫فصل‬
‫وللمعاصققي مققن الثققار القبيحققة المذمومققة المضققرة بققالقلب‬
‫والبدن في الدنيا والخرة ما ليعلمققه ال اللققه فمنهققا حرمققان‬
‫العلققم فققان العلققم نققور يقققذفه اللققه فققي القلققب والمعصققية‬
‫تطفيء ذلك النور ولما جلس المام الشافعي بين يدي مالك‬
‫وقققرأ عليققه أعجبققه مققا رأى مققن وفققور فطنتققه وتوقققد ذكققائه‬
‫وكمال فهمه فقال إني أرى الله قد ألقى على قلبك نورا فل‬
‫تطفئه بظلمة المعصية وقال الشافعي‬
‫شكوت الى وكيع سوء حفظي * فارشدني الى تركالمعاصي‬
‫وقال اعلم بان العلم فضل * وفضل الله ليؤتاه عاصي‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫ومنها حرمان الققرزق وفققي المسققند ان العبققد ليحققرم الققرزق‬
‫بالذنب يصيبه وقد تقدم وكمققا أن تقققوى اللققه مجلبققة للققرزق‬
‫فترك التقوى مجلبة للفقر فما استجلب رزق الله بمثل ترك‬
‫المعاصي ومنها وجشية يجدها العاصي فققي قلبققه بينققه وبيققن‬
‫الله ليوازنها وليقارنها لذة اصل ولو اجتمعت له لذات الققدنيا‬
‫بأسرها لم تف بتلك الوحشة وهذا أمر ليحس به المققن فققي‬
‫قلبه حياة وما لجرح بميت ايلم فلو لم ترك الذنوب الحققذرا‬
‫من وقوع تلققك الوحشققة لكققان العاقققل حريققا بتركهققا وشققكى‬
‫رجل الى بعض العارفين وحشة يجدها فققي نفسققه فقققال لققه‬
‫اذا كنققت قققد أوحشققتك الققذنوب فققدعها إذا شققئت واسققتأنس‬
‫وليس على القلب أمر من وحشة الذنب علققى الققذنب فققالله‬
‫المستعان ومنها الوحشة التي تحصققل لققه بينققه وبيققن النققاس‬
‫ولسيما أهل الخير منهم فانه يجد وحشة بينه وبينهققم وكلمققا‬
‫قويت تلك الوحشة بعد منهم ومققن مجالسققتهم وحققرم بركققة‬
‫النتفاع بهم وقرب مققن حققزب الشققيطان بقققدر مققا بعققد مققن‬
‫حزب الرحمن وتقوى هذه الوحشة حتى تستحكم فتقققع بينققه‬
‫وبيققن إمرأتققه وولققده وأقققاربه وبينققه وبيققن نفسققه فققتراه‬
‫مستوحشا من نفسه وقال بعض السققلف إنققي لعصققي اللققه‬
‫فارى ذلك في خلق دابتي وإمرأتي ومنها تعسير اموره عليققه‬
‫فل يتوجه لمر ال يجده مغلقا دونه أو متعسرا عليه وهذا كما‬
‫إن من اتقىالله جعل له من أمره يسرا فمققن عطققل التقققوى‬
‫جعل الله له من أمره عسرا ويالله العجب كيققف يجققد العبققد‬
‫أبواب الخيققر والمصققالح مسققدودة عنققه متعسققرة عليققه وهققو‬
‫ليعلم من أيققن أتققى ومنهققا ظلمتققه يجققدها فققي قلبققه حقيقققة‬
‫يحس بها كما يحققس بظلمققة الليققل البهيققم إذا أدلهققم فتصققير‬
‫ظلمة المعصية لقلبه كالظلمة الحسية لبصققره فققان الطاعققة‬
‫نور والمعصققية ظلمققة وكلمققا قققويت الظلمققة ازدادت حيرتققه‬
‫حتى يقع في البدع والضللت والمور المهلكة وهققو ليشققعر‬
‫كاعمى أخرج فققي ظلمققة الليققل يمشققي وحققده وتقققوى هققذه‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫الظلمة حتى تظهر في العين ثم تقوىحتى تعلو الوجه وتصققير‬
‫سوادا في الوجه حتى يراه كل أحد قال عبد الله بققن عبققاس‬
‫ان للحسنة ضياء فققي الققوجه ونققورا فققي القلققب وسققعة فققي‬
‫الرزق وقوة في البدن ومحبة في قلوب الخلققق وإن للسققيئة‬
‫سوادا في الوجه وظلمة في القبر والقلب ووهنا فققي البققدن‬
‫ونقصققا فققي الققرزق وبغضققة فققي قلققوب الخلققق ومنهققا ان‬
‫المعاصي توهن القلب والبدن أما وهنها للقلققب فققامر ظققاهر‬
‫بل ليزال توهنه حتى تزيل حياته بالكليققة وأمققا وهنهققا للبققدن‬
‫فان المؤمن‬
‫قوته من قلبه وكلما قوى قلبه قوى بققدنه وأمققا الفققاجر فققانه‬
‫وإن كان قوى البدن فهو أضعف شيء عنققد الحاجققة فتخققونه‬
‫قوته عند أحوج ما يكون إلى نفسه فتأمل قوة أبدان فققارس‬
‫والروم كيف خانهم عند أحوج مققا كققانوا اليهققا وقهرهققم أهققل‬
‫اليمان بقوة أبدانهم وقلوبهم ومنها حرمان الطاعققة فلققو لققم‬
‫يكن للذنب عقوبة إل إنه يصد عن طاعة تكون بققدله ويقطققع‬
‫طريق طاعة أخرى فينقطع عليه طريق ثالثة ثم رابعة وهلققم‬
‫جرا فينقطع عليه بالذنب طاعات كثيرة كل واحدة منها خيققر‬
‫له من الدنيا ومققا عليهققا وهققذا كرجققل أكققل أكلققة أوجبققت لققه‬
‫مرضة‬
‫طويلة منعته مققن عققدة أكلت أطيققب منهققا واللققه المسققتعان‬
‫ومنها أن المعاصي تقصر العمروتمحق بركته ولبد فان الققبر‬
‫كما يزيد في العمر فالفجور ينقص وقققد اختلققف النققاس فققي‬
‫هذا الموضع فقالت طائفة نقصان عمققر العاصققي هققو ذهققاب‬
‫بركة عمره ومحقها عليه وهذا حق وهو بعض تأثير المعاصي‬
‫وقالت طائفة بل تنقصه حقيقة كما تنقص الرزق فجعل اللققه‬
‫سبحانه للبركة في الرزق أسبابا كثيرة تكثره وتزيده وللبركة‬
‫في العمر أسبابا تكثره وتزيققده قققالوا ول تمنققع زيققادة العمققر‬
‫بأسققباب كمققا ينقققص بأسققباب فققالرزاق والجققال والسققعادة‬
‫والشقاوة والصحة والمرض والغني والفقر وإن كانت بقضاء‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫الله عز وجل فهققو يقضققي مققا يشققاء بأسققباب جعلهققا موجبققة‬
‫لمسبباتها مقتضية لها وقالت طائفققة أخققرى تققأثير المعاصققي‬
‫في محق العمر إنما هو بأن تفوته حقيقة الحيققاة وهققي حيققاة‬
‫القلب ولهذا جعل الله سبحانه الكافر ميتا غير حي كما قققال‬
‫تعالى أموات غير أحياء فققالحيوة فققي الحقيقققة حيققوة القلققب‬
‫وعمر النسان مدة حياته فليس عمره ال أوقات حياته بققالله‬
‫فتلك ساعات عمره فالبر والتقوي والطاعققة تزيققد فققي هققذه‬
‫الوقات التي هي حقيقة عمره ول عمر له سققواها وبالجملققة‬
‫فالعبد‬
‫إذا أعرض عن اللققه واشققتغل بالمعاصققي ضققاعت عليققه أيققام‬
‫حياته الحقيقية الققتي يجققد غققب إضققاعتها يققوم يقققول يققاليتني‬
‫قدمت لحياتي فل يخلوا إما أن يكون له مع ذلققك تطلققع الققى‬
‫مصالحه الدنيوية والخروية أو ل فان لم يكقن لقه تطلقع القى‬
‫ذلك فقد ضاع عليه عمره كله وذهبت حياته بققاطل وإن كققان‬
‫لققه تطلققع الققى ذلققك طققالت عليققه السققلم بسققبب العققوائق‬
‫وتعسرت عليه أسباب الخير بحسب اشتغاله بأضدادها وذلك‬
‫نقصان حقيقي من عمققره وسققر المسققألة أن عمققر النسققان‬
‫مدة حياته ول حيققوة لققه إل باقبققاله علققى ربققه والتنعققم بحبققه‬
‫وذكره وإيثار مرضاته‬
‫فصل‬
‫ومنها ان المعاصي تزرع أمثالها وتولد بعضها بعضا حتى يعققز‬
‫على العبد مفارقتها والخروج منها كما قال بعض السلف أن‬
‫مققن عقوبققة السققيئة السققيئة بعققدها وأن مققن ثققواب الحسققنة‬
‫الحسنة بعدها فالعبد إذا عمل حسنة قالت أخرى الققى جنبهققا‬
‫أعملنققي أيضققا فققاذا عملهققا قققالت الثانيققة كققذلك وهلققم جققرا‬
‫فيتضاعف الربح وتزايدت الحسنات وكققذلك كققانت السققيئات‬
‫أيضا حتي تصير الطاعات والمعاصي هيئات راسخة وصققفات‬
‫لزمة وملكقات ثابتقة فلقو عطقل المحسقن الطاعقة لضقاقت‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫عليه نفسققه وضققاقت عليققه الرض بمققا رحبققت وأحسققن مققن‬
‫نفسه بأنه‬
‫كالحوت إذا فارق الماء حققتي يعاودهققا فتسققكن نفسققه وتقققر‬
‫عينه ولو عطل المجرم المعصية وأقبل على الطاعة لضاقت‬
‫عليه نفسه وضاق صدره وأعيت عليه مققذاهبه حققتي يعاودهققا‬
‫حتي أن كثيرا مققن الفسققاق ليواقققع المعصققية مققن غيققر لققذة‬
‫يجدها ول داعية اليها إل لمققا يجققد مققن اللققم بمفارقتهققا كمققا‬
‫صرح بذلك شيخ القوم الحسن بن هانيء حيث يقول‬
‫وكأس شربت على لذة * وأخرى تداويت منها بها‬
‫وقال الخر *‬
‫وكانت دوائى وهي دائي بعينه كما يتداوى شارب الخمر‬
‫بالخمر *‬
‫وليزال العبققد يعققاني الطاعققة ويألفهققا ويحبهققا ويؤثرهققا حققتى‬
‫يرسققل اللققه سققبحانه برحمتققه عليققه الملئكققة تققأزه اليهققا أزا‬
‫وتحرضه عليها وتزعجه عن فراشققه ومجلسققه اليهققا وليققزال‬
‫يققألف المعاصققي ويحبهققا ويؤثرهققا حققتي يرسققل اللققه اليققه‬
‫الشياطين فتأزه اليها أزا فققالول قققوي جنققد الطاعققة بالمققدد‬
‫فكانوا أكثر من أعوانه وهذا قوي جند المعصية بالمدد فكانوا‬
‫أعوانا عليه‬
‫فصل‬
‫ومنها وهو من أخوفهققا علققى العبققد أنهققا لضققعف القلققب عققن‬
‫إرادتققه فتقققوى إرادة المعصققية وتضققعف إرادة التوبققة شققيئا‬
‫فشيئا الى أن تنسلخ من قلبه إرادة التوبة بالكلية فلققو مققات‬
‫نصفه لما تاب الققى اللققه فيققأتي بالسققتغفار وتوبققة الكققذابين‬
‫باللسان لشققيء كققثير وقلبققه معقققود بالمعصققية مصققر عليهققا‬
‫عازم على مواقعتها متي أمكنققه وهققذا مققن أعظققم المققراض‬
‫وأقربها إلى الهلك‬
‫فصل‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫ومنها أنه ينسلخ من القلققب إسققتقباحها فتصققير لققه عققادة فل‬
‫يستقبح من نفسه رؤية الناس له ول كلمهققم فيققه وهققو عنققد‬
‫أرباب الفسققوق هققو غايققة التفكققه وتمققام اللققذة حققتي يفتخققر‬
‫أحدهم بالمعصية ويحدث بها من لم يعلم أنققه عملهققا فيقققول‬
‫ياقلن عملت كذا وكذا وهققذا الضققرب مققن النققاس ليعققافون‬
‫وتسد عليهم طريق التوبة وتغلق عنهققم أبوابهققا فققي الغققالب‬
‫كما قال النبي صققلى اللققه عليققه وسققلم كققل أمققتي معافققا إل‬
‫المجاهرين وإن مققن الجهققار أن يسققتر اللققه علققى العبققد ثققم‬
‫يصبح يفضح نفسه ويقول يا فلن عملت يوم كذا وكققذا وكققذا‬
‫فتهتك نفسه وقد بات يستره ربه ومنها أن كققل معصققية مققن‬
‫المعاصي فهي ميراث عن جهلتم من المم التي أهلكها اللققه‬
‫عز وجل فاللوطية ميراث عن قوم لوط وأخذ الحققق بققالزائد‬
‫ودفعه بالناقص ميراث عن قققوم شققعيب والعلققو فققي الرض‬
‫والفساد ميراث عن والرذائل وقوم والرذائل والتكبر والتجبر‬
‫ميراث عن قوم هود فالعاصي لبس ثياب بعققض هققذه المققم‬
‫وهم أعلمكم الله وقققد روى عبققد اللققه بققن أحمققد فققي كتققاب‬
‫الزهد لبيه عن مالك بن دينار قال أوحي الله الققى نققبي مققن‬
‫أنبياء بني إسرائيل أن قل لقومك ل تققدخلوا مققداخل أعققدائي‬
‫ول تلبسققوا ملبققس أعققدائي ول تركبققوا مراكققب أعققدائي ول‬
‫تطعموا مطاعم أعدائي فتكونوا أعدائي كماهم أعدائي وفي‬
‫مسند أحمد من حديث عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله‬
‫عليه وسلم قال بعثت بالسيف بين يققدي السققاعة حققتي يعبققد‬
‫الله وحده لشريك له وجعل رزقى تحت ظل رمحققى وجعققل‬
‫الذلة والصغار على من خالف أمري ومققن تشققبه بقققوم فهققو‬
‫منهم‬
‫فصل‬
‫ومنها أن المعصية سبب لهوان العبد على ربه وسقوطه مققن‬
‫عينه قال الحسن البصري هانوا عليه فصعوه ولو عزوا عليه‬
‫لعصمهم وإذا هان العبد على الله لققم يكرمققه أحققد كمققا قققال‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫الله تعقالى ومققن يهقن اللققه فمققاله مققن مكقرم وإن عظمهققم‬
‫الناس في الظاهر لحاجتهم اليهم أو خوفا مققن شققرهم فهققم‬
‫في قلوبهم أحقر شيء وأهونه ومنها أن العبد ليزال يرتكققب‬
‫الذنوب حتي يهون عليه ويصغر في قلبه وذلك علمققة الهلك‬
‫فان الذنب كلما صغر في عين العبد عظم عند الله وقد ذكر‬
‫البخاري في صحيحه عن ابن مسعود قققال إن المققؤمن يققري‬
‫ذنوبه كانها في أصل جبققل يخققاف أن يقققع عليققه وأن الفققاجر‬
‫يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه فقال به هكذا فطار‬
‫فصل‬
‫ومنها أن غيره مققن النققاس والققدواب يعققود عليققه شققؤم ذنبققه‬
‫فيحترق هو وغيره بشؤم الذنوب والظلم قال أبققو هريققرة إن‬
‫الحباري لتموت في وكرها من ظلم الظالم وقال مجاهققد إن‬
‫الهائم تلعن عصاة بنى آدم إذا أشتدت السنة وأمسك المطر‬
‫وتقول هذا بشؤم معصية ابن ادم وقال عكرمة دواب الرض‬
‫وهوامهققا حققتي الخنققافس والعقققارب يقولققون منعنققا القطققر‬
‫بذنوب بني آدم فل يكفيه عقاب ذنبه حتي يبققوء بلعنققه مققن ل‬
‫ذنب له‬
‫فصل‬
‫ومنها ان المعصية تورث الذل ول بد فان العققز كققل العزفققى‬
‫طاعة الله تعالى قال تعالى من كان يريد العزة فللققه العققزة‬
‫جميعا أي فليطلبها بطاعة الله فإنه ل يجققدها ال فققي طققاعته‬
‫وكققان مققن دعققاء بعققض السققلف اللهققم أعزانققي بطاعتققك ول‬
‫تذلني بمعصيتك قققال الحسققن البصققري انهققم وان طقطقققت‬
‫بهم البغال وهملجت بهم البراذين إن ذل المعصققية ل تفققارق‬
‫قلوبهم أبى اللقه الن أيقذل مقن عصقاه وققال عبقد اللقه بقن‬
‫المبارك‬
‫رأيت الذنوب تميت القلو ب وقد يورث الققذل إدمانهققا وتققرك‬
‫الذنوب وخير لنفسك عصيانها وهل أفسد‬
‫الدين ال الملوك واحبار سؤ ورهبانها‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫فصل‬
‫ومنها إن المعاصي تفسد العقل فان للعقققل نققورا والمعصققية‬
‫نطفيء نور العقل ولبدوادا طفىء نوره ضعف ونقص وقققال‬
‫بعض السلف ما عصي الله أحد حتي يغيب عقله وهذا طاهر‬
‫فانه لو حضر عقلققه لحجققزه عققن المعصققية وهققو فققي قبضققة‬
‫الققرب تعققالى أو نجهققر بققه هققو مطلققع عليققه وفققي داره علققى‬
‫بساطه وملئكته شهود عليققه نققاظرون اليققه وواعققظ القققرآن‬
‫نهاه ولفظ اليمان ينهاه وواعظ المققوت ينهققاه وواعققظ النققار‬
‫ينهاه والذي يفوته بامعصية من خير الققدنيا والخققرة أضققعاف‬
‫أضعاف ما يحصل له من السرور واللذة بها فهل يقدم علققى‬
‫الستهانة بذلك كله والستخفاف به ذو عقل سليم‬
‫فصل‬
‫ومنها أن الذنوب إذا تكاثرت طبع علققى قلققب صققاحبها فكققان‬
‫من الغافلين كما قال بعض السلف في قققوله تعققالى كل بققل‬
‫ران ! على قلوبهم مققا كققانوا يكسققبون قققال هققو الققذنب بعققد‬
‫الذنب وقال الحسن هو الذنب على الذنب حتى يعمي القلب‬
‫وقال غيره لما كققثرت ذنققوبهم ومعاصققيهم أحققاطت بقلققوبهم‬
‫وأصل هذا أن القلب يصدي مققن المعصققية فققاذا زادت غلققب‬
‫الصدي حتي يصيررانا ثم يغلب حتي يصير طبعا وقفل وختما‬
‫فيصير القلب فقي غشققاوة وغلف فقاذا حصققل لقه ذلقك بعقد‬
‫الهقدى والبصقيرة انتكقس فصقار أعله أسقفله فحينئذ يتقوله‬
‫عدوه ويسوقه حيث أراد‬
‫فصل‬
‫ومنها أن الذنوب تدخل العبد تحققت لعنققة رسققول صققلى اللققه‬
‫عليه وسلم فانه لعن على معاصققى والققتي غيرهققا اكققبر منهققا‬
‫فهققي اولققى بققدخول فاعلهققا تحققت اللعنققة فلعققن الواشققمة‬
‫والمستوشققمة والواصققلة والموصققولة والنامصققة والمتنمصققة‬
‫والواشققرة والمستوشققرة ولعققن آكققل الربققا ومققؤكله وكققاتبه‬
‫وشاهده ولعققن المحلققل والمحلققل لققه ولعققن السققارق ولعققن‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫شقققارب الخمقققر وسقققاقيها وعاصقققرها ومعتصقققرها وبائعهقققا‬
‫ومشتريها وآكل ثمنها وحاملها والمحمولة اليه ولعن من غيققر‬
‫منار الرض وهي إعلمها وحققددوها ولعققن مققن والققديه ولعققن‬
‫من إتخذ شيئا فيه الروح غرضا يرميه بسهم ولعن المخنققثين‬
‫من الرجال والمترجلت من النساء ولعن من ذبح بغيققر اللققه‬
‫ولعن من أحدث حدثا أو آوي محدثا ولعققن المصققورين ولعققن‬
‫من عمل عمل قوم لوط ولعن مققن سققب أبققاه وأمققه ولعققن‬
‫من كمه أعمي عن السلم ولعن من أتققى بهيمققة ولعققن مققن‬
‫رسم دابة في وجهها ولعن من ضار بمسلم أو مكر به ولعققن‬
‫زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج ولعن مققن‬
‫أفسد امرأة على زوجها أو مملوكا على سيده ولعن من أتى‬
‫امرأة في دبرها وأخبر أن من باتت مهققاجرة لفققراش زوجهققا‬
‫لعنتها الملئكة حتى تصبح ولعقن مقن انتسقب القى غيقر أبيقه‬
‫وأخبر أن من أشققار الققى أخيققه بحديققدة فققان الملئكققة تلعنققه‬
‫ولعن من سب الصحابة وقد لعن الله من أفسققد فققى الرض‬
‫وقطع رحمه وأذاه وأذى رسوله ولعن من كتم ما أنققزل اللققه‬
‫سبحانه من البينات والهدى ولعن الققذين يرمققون المحصققنات‬
‫الغافلت المؤمنات بالفاحشة ولعن من جعققل سققبيل الكققافر‬
‫اهدي من سبيل المسلم ولعن رسول اللققه صققلى اللققه عليققه‬
‫وسلم الرجل يلبس لبس المرأة والمرأة تلبس لبسة الرجققل‬
‫ولعققن الراشققي والمرتشققي والققرائش وهققو الواسققطة فققي‬
‫الرشوة ولعن على أشياء أخرغير هذه فلو لم يكن فى فعققل‬
‫ذلك ال رضققاء فققاعله بققان يكققون ممققن يعلنققه اللققه ورسققوله‬
‫وملئكته لكان في ذلك ما يدعو الى تركه‬
‫فصل‬
‫ومنها حرمان دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوة‬
‫الملئكة فان اللققه سققبحانه أمققر نققبيه أن يسققتغفر للمققؤمنين‬
‫والمؤمنات وقال تعالى الققذين يحملققون العققرش ومققن حققوله‬
‫يسبحون بحمد ربهم ويؤمنققون بققه ويسقتغفرون للقذين آمنقوا‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫ربنا وسعت كل شىء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا‬
‫سبيلك وقهم عذاب الجحيم ربنا وأدخلهقم جنقات عقدن القتي‬
‫وعدتهم ومن صققلح مققن آبققائهم وأزواجهققم وذريققاتهم العزيققز‬
‫الحكيم وقهم السيآت فهذا دعاء الملئكة للمققؤمنين التققابعين‬
‫المتبعين لكتابه وسنة رسوله الذين ل سبيل لهم غيرهمققا فل‬
‫يطمع غير هؤلء باجابة هقذه القدعوة اذا لقم يتصقف بصقفات‬
‫المدعو له بها‬
‫فصل‬
‫ومن عقوبات المعاصي مققا رواه البخققاري فققي صققحيحه مققن‬
‫حديث سمرة بققن جنققدب قققال كققان النققبي صققلى اللققه عليققه‬
‫وسلم مما يكثر أن يقول لصحابه الشياطين رأى أحد منكققم‬
‫البارحة رؤيا فيقص عليققه مققا شققاء اللققه أن يقققص وأنققه قققال‬
‫لناذات غداة أنه أتاني الليلة آتيان وأنهما أنبعثا لى وأنهما قال‬
‫لى إنطلق وإنى إنطلقت معهما وإنا أتينا على رجل مضطجع‬
‫وإذا آخر قائم عليه بصخرة وإذا هققو يهققوي بالصققخرة لرأسققه‬
‫فيثلع رأسه فيتدهده الحجر ها هنققا فيتبققع الحجققر فيأخققذه فل‬
‫يرجع اليه حتي يصح رأسه كما كان ثم يعود عليه فيفعققل بققه‬
‫مثل ما فعل فى المرة الولى قال قلت لهما سبحان الله ما‬
‫هذان قال لي إنطلق فانطلقا فاتينا على رجل مستلق لقفاه‬
‫وإذا آخر قائم عليه بكلوب من حديد وإذا هو يأتي أحد شقققى‬
‫وجهه فيشرشر شدقه الى قفققاه ومنخققره الققى قفققاه وعينققه‬
‫الى قفاه ثم يتحول الى الجانب الخر فيفعل به مثل ما فعل‬
‫بالجانب الول فما يفرغ مققن ذلققك الجققانب حققتى يصققح ذلققك‬
‫الجانب كما كان ثم يعود عليه فيفعل مثل ما فعل في المرة‬
‫الولى ققال قلقت سقبحان اللقه مقا هقذان فققال لقي إنطلقق‬
‫إنطلققق فانطلقنققا فاتينققا علققى مثققل التنققور وإذا فيققه لغققط‬
‫وأصوات قال فاطلعنا فيه فاذا فيه رجققال ونسققاء عققراة وإذا‬
‫هم يققأتيهم لهققب مققن أسققفل منهققم فققاذا أتققاهم ذلققك اللهققب‬
‫ضوضوا فقال قلت من هؤلء قال فقققال لققي إنطلققق إنطلققق‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫قال فانطلقنا فاتينا على نهر أحمر مثل الدم فققاذا فققي النهققر‬
‫رجل سابح يسبح وإذا على شط النهر رجققل قققد جمققع عنققده‬
‫حجارة كثيرة وإذا ذلك السابح يسبح ما يسبح ثققم يققأتي ذلققك‬
‫الذي قد جمع عنققده الحجققارة فيغفقر لقه فقاه فيلقمققه حجقرا‬
‫فينطلق فيسبح ثم يرجع اليه كما رجققع إليققه فيغفققر لققه فققاه‬
‫فالقمه حجرا قال قلت لهما ما هذان قال لي إنطلققق إنطلقق‬
‫فانطلقنا فاتينا على رجل كريه المرأى كاكره رأىء رجل مرا‬
‫وإذا هو عنده تاريخها ويسعى حولها قال قلققت لهمققا مققا هققذا‬
‫قال قال لي إنطلق إنطلق فانطلقنا على روضة مغيمققة فيهققا‬
‫من كل نور الربيع وإذا بين ظهراني الروضققة رجققل طويققل ل‬
‫أكاد أرى رأسه طول في السماء وإذا حول الرجل مققن أكققثر‬
‫ولدان رأيتهم قط قال قلت ما هذا وما هققؤلء قققال قققال لققي‬
‫إنطلق إنطلققق فانطلقنققا فاتينققا الققى دوحققة عظيمققة لققم أرى‬
‫دوحقة ققط أعظقم منهقا ول أحسقن ققال ققال لقي أرق فيهقا‬
‫فارتقينا فيها الى مدينققة مبنيققة بلبققن ذهققب ولبققن فضققة قققال‬
‫فاتينا باب المدينة فاستفتحنا ففتح لنا فدخلناها فتلقانا رجققال‬
‫شطر من خلقهم كاحسن رايء وشققطر منهققم كاقبققح رايققء‬
‫قال قققال لهققم إذهبققوا فقعققوا فققي ذلققك النهققر قققال وإذا نهققر‬
‫معترض يجري كان ماءه المحض في البياض فذهبوا فوقعققوا‬
‫فيه ثم رجعوا الينا وقد ذهب ذلك السوء عنهم قال قققال لققي‬
‫هذه جنة عدن وهذاك منزلك قال فسمي بصرى صققعدا فققاذا‬
‫قصر مثل الربابة البيضققاء ققال ققال لقى هقذاك منزلقك ققال‬
‫قلت لهما بارك الله فيكما فذراني فققادخله قققال أمققا الن فل‬
‫وأنت داخلة قال قلت لهما فإني رأيت منذ الليلققة عجبققا فمققا‬
‫هذا الذي رأيت قال قال لي أما انا سنخبرك أما الرجل الول‬
‫الذي أتيت عليه يثلع رأسه بالحجر فانه الرجل يأخققذ القققرآن‬
‫فيرفضه وينام عن الصققلوة المكتوبققة وأمققا الرجققل الققذيأتيت‬
‫عليه يشرشر شدقه الى قفاه ومنخره الى قفاه وعينققه الققى‬
‫قفاه فانه الرجل يغدو من بيته فيكققذب الكذبققة تبلققغ الفققاق‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫وأما الرجال والنساء العراة الذين هققم فققي مثققل بنققاء التنققور‬
‫فانهم الزناة والزواني وأما الرجل الذي أتيت عليه يسبح في‬
‫النهقر ويلقققم الحجققارة فقانه آكقل الربقا وأمققا الرجقل الكريقه‬
‫المنظر الذي عند النار يحثها ويسعى حولها فانه مالك خققازن‬
‫جهنم وأما الرجل الطويل الققذي فققي الروضققة فققانه ابراهيققم‬
‫وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة وفي‬
‫رواية البرقاني ولد على الفطرة فقققال بعققض المسققلمين يققا‬
‫رسول الله وأولد المشركين فقققال رسققول اللققه صققلى اللققه‬
‫عليه وسلم وأولد المشركين وأمققاالقوم الققذين كققانوا شققطر‬
‫منهققم حسققن وشققطر منهققم قبيققح فققانهم قققوم خلطققوا عمل‬
‫صالحا وآخر سيئا تجاوز الله عنهم‬
‫الجواب الكافي ‪5‬‬
‫فصل‬
‫ومن آثار الذنوب والمعاصققي إنهققا تحققدث فققي الرض أنواعققا‬
‫من الفساد فققي الميققاه والهققوى والققزرع والثمققار والمسققاكن‬
‫قال تعالى ظهر الفساد فققي الققبر والبحققر بمققا كسققبت أيققدى‬
‫الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون قال مجاهققد‬
‫اذا ولي الظالم سعى بالظلم والفساد فيحبس بققذلك القطققر‬
‫فيهلك الحرث والنسل واللقه ل يحقب الفسقاد ثقم ققرأ ظهقر‬
‫الفساد في الققبر والبحققر بمققا كسققبت أيققدي النققاس ليققذيقهم‬
‫بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون ثققم قققال أمققا واللققه مققا هققو‬
‫بحركم هذا ولكن كل قريققة علققى مققاء جققار فهققو بحققر وقققال‬
‫عكرمة ظهر الفساد في البر والبحققر أمققا إنققي ل أقققول لكققم‬
‫بحركم هذا ولكن كل قرية علققى مققاء وقققال قتققادة أمققا الققبر‬
‫فاهل العمققود وأمققا البحققر فاهققل القققرى والريققف قلققت وقققد‬
‫سمي الله تعالى المققاء العققذب بحققرا فقققال هققو الققذي مققرج‬
‫البحرين هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج وليققس‬
‫في العالم بحر حلو واقفا وإنما هققي النهققار الجاريققة والبحققر‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫المالح هو الساكن فتسمى القرى التي على الميققاه الجاريققة‬
‫باسم تلك المياه وقال ابن زيد ظهر الفساد في البر‬
‫والبحر قال الذنوب قلت أراد أن الذنب سبب الفسققاد الققذي‬
‫ظهققر وإن أراد أن الفسققاد الققذي ظهققر هققو الققذنوب نفسققها‬
‫فيكون قوله ليذيقهم بعض الذي عملوا لم العاقبققة والتعليققل‬
‫وعلى الول فققالمراد بالفسققاد والنقققص والشققر واللم الققتي‬
‫يحدثها الله فى الرض بمعاصي العباد فكققل مققا أحققدثوا ذنبققا‬
‫أحدث لهم عقوبة كما قال بعض السلف كل ما أحققدثتم ذنبققا‬
‫أحدث الله لكم من سلطانه عقوبة والظاهر واللققه أعلققم إن‬
‫الفساد المراد به الذنوب‬
‫وموجباتها ويدل عليه قوله تعالى ليذيقهم بعض الققذي عملققوا‬
‫فهذا حالنا وإنما إذاقنا الشيء اليسير من أعمالنا فلققو أذاقنققا‬
‫كل أعمالنا لما ترك على ظهرها من دابة ومن تأثير معاصققي‬
‫الله في الرض ما يحل بهققا مققن الخسققف والققزلزل ويمحققق‬
‫بركتها وقد مر رسققول اللققه ‪ a‬علققى ديققار ربققي فمنعهققم مققن‬
‫دخققول ديققارهم ال وهققم بققاكون ومققن شققرب ميققاههم ومققن‬
‫الستسقاء من أبيارهم حتى أمققر أن ل يعلققف العجيققن الققذي‬
‫عجن بمياههم لنواضح البل لتأثير شؤم المعصققية فققي المققاء‬
‫وكذلك شؤم تأثير الذنوب فى نقص الثمار وما تققرى بققه مققن‬
‫الفات وقد ذكر المام أحمد فى مسققنده فققى ضققمن حققديث‬
‫قال وجدت في خزائن بعض بنققي أميققة حنطققة الحبققة بقققدر‬
‫نواة التمرة وهي في صرة مكتوب عليها كان هذا ينبققت فققي‬
‫زمن من العدل وكثير من هذه الفققات أحققدثها اللققه سققبحانه‬
‫وتعالى بما أحدث العباد مققن الققذنوب وأخققبرني جماعققة مققن‬
‫شيوخ الصحراء انهم كانوا يعهدون الثمار أكبر ممققا هققي الن‬
‫وكثير من هذه الفات التي تصيبها لم يكونوا يعرفونهققا وإنمققا‬
‫حدثت من قرب وأما تأثير الذنوب في الصققور والخلققق فقققد‬
‫روي الترمذي في جامعه عن النبي صققلى اللققه عليققه وسققلم‬
‫انه قال خلق الله آدم وطوله في السماء سققتون ذراعققا ولققم‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫يزل الخلق ينقص حتى الن فاذا أراد اللققه أن يطهققر الرض‬
‫من الظلمة والخونة والفجرة ويخرج عبدا من عباده من أهل‬
‫بيت نققبيه صققلى اللققه عليققه وسققلم فيمل الرض قسققطا كمققا‬
‫ملئت جورا ويقتققل المسققيح اليهققود والنصققارى ويقيققم الققدين‬
‫الذي بعث الله به رسوله وتخققرج الرض بركاتهققا وتعققود كمققا‬
‫كقققانت حقققتى ان العصقققابة مقققن النقققاس ليقققأكلون الرمانقققة‬
‫ويستظلون بقحفها ويكون العنقود من العنب وقر بعير ولبققن‬
‫اللقحة الواحدة يكفي الفئام من الناس وهذا لن الرض لمققا‬
‫طهرت من المعاصي ظهرت فيها آثار البركة من الله تعققالى‬
‫التي محقتها الذنوب والكفر ولريب ان العقوبات التي أنزلها‬
‫الله في الرض بقية آثارها سارية في الرض تطلب ما يشاء‬
‫كلها من الذنوب التي هي آثار تلك الجرائم الققتي عققذبت بهققا‬
‫المم فهذه الثار في الرض من آثار العقوبات كمققا ان هققذه‬
‫المعاصي من آثار الجرائم فتناسب كلمة الله وحكمة الكوني‬
‫أول وآخرا وكان العظيققم مققن العقوبققة للعظيققم مققن الجنايققة‬
‫والخف للخف وهذا يحكم سبحانه بين خلقه في دار الققبرزخ‬
‫ودار الجزاء وتأمل مقارنة الشيطان ومحلققه وداره فققانه لمققا‬
‫قارن العبد واستولى عليه نزعت البركققة مققن عمققره وعملققه‬
‫وقوله ورزقه ولما أثرت طاعته في الرض ما‬
‫أثرت نزعت البركة من كل محل ظهرت فيه طاعته وكققذلك‬
‫مسكنه لما كققان الجحيققم لققم يكققن هنققاك شققيء مققن الققروح‬
‫والرحمة والبركة‬
‫فصل‬
‫ومن عقوباتها انها تطفقي مقن القلقب نقار الغيقرة القتي هقى‬
‫لحياته وصلحه كالحرارة الغريزيققة لحيققاة جميققع البققدن فققان‬
‫الغيرة حرارته وناره التي تخرج ما فيه من الخبث والصققفات‬
‫المذمومة كمال يخرج الكير خبث الذهب والفضققة والحققديث‬
‫وأشرف الناس وأعلهم قدر وهمققة أشققدهم نفسققه وخاصققته‬
‫وعموم الناس ولهذا كان النبي ‪ a‬أغيققر المققة واللققه سققبحانه‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫أشد غيرة منه كما ثبت في الصحيح عنه ‪ a‬انه قال أتعجبققون‬
‫من غيرة سعد لنا أغير منه واللققه أغيققر منققي وفققي الصققحيح‬
‫أيضا عنه انه قال ‪ a‬في خطبة الكسوف يا جهلتقم محمقد مقا‬
‫أحد أغير من الله أن يزني عبده أو ترني أمته وفقي الصقحيح‬
‫أيضا عنه أنه قال ل أحد أغير من اللققه مققن أجققل ذلققك حققرم‬
‫الفواحش ما ظهر منها وما بطن ول أحد أحب اليه العذر من‬
‫الله من أجل ذلك أرسل الرسل مبشققرين ومنققذرين ول أحققد‬
‫أحب اليه المدح من اللققه مققن أجققل ذلققك أثنققى علققى نفسققه‬
‫فجمع في هذا الحديث بين الغيرة التي أصلها كراهة القبققائح‬
‫وبنضها وبين محبة العذر الذي يوجب كمال العققدل والرحمققة‬
‫والحسان والله سبحانه مع شدة غيرته يحب إن يعتققذر اليققه‬
‫عبده ويقبل عذر من اعتذر اليه وانه ليؤاخققذ عبققده بارتكققاب‬
‫ما يغار من ارتكابه حتى يعذر اليهم ولجل ذلك أرسل رسققله‬
‫وأنزل كتبه إعذارا وإنذارا وهذا غاية المجد والحسان ونهايققة‬
‫الكمال فان كثيرا ممن تشتد غيرتققه مققن المخلققوقين تحملققه‬
‫شدة الغيرة على سرعة اليقاع والعقوبة من غير إعذار منققه‬
‫ومن غير قبول العذر ممن إعتذر اليه بققل ققد يكققون لققه فققى‬
‫نفس المر عذر ولتدعه شدة الغيرة عذره وكثير ممن تقبل‬
‫المعاذير يحملققه علققى قبولهققا قلققة الغيققرة حققتى يتوسققع فققي‬
‫طريق المعاذير ويرى عذرا مققا ليققس بعققذر حققتى يعققذر كققثير‬
‫منهققم بالعققذر وكققل منهمققا غيققر ممققدوح علققى الطلق وقققد‬
‫علمني عن النبي صققلى اللققه عليققه وسققلم انققه قققال أن مققن‬
‫الغيرة ما يحبها الله ومنها ما يبغضها الله فالتي يبغضققها اللققه‬
‫الغيرة من غير ريبققة وذكققر الحققديث وانمققا الممققدوح اقققتران‬
‫الغيرة بالعذر فيغار في محل الغيرة ويعذر في موضع العققذر‬
‫ومن كان هكذا فهر الممدوح حقا ولما جمع سققبحانه صققفات‬
‫الكمال كلها كان أحق بالمدح مققن كققل أحققد وليبلققغ أحققد إن‬
‫يمدحه كما ينبغي له بل هو كما مدح نفسه وأثنى على نفسه‬
‫فالغيور قد وافق ربققه سققبحانه فققي صققفة مققن صققفاته ومققن‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫وافق الله في صفه من صفاته قادته تلك الصفة اليه بزمامه‬
‫وأدخلته على ربققه وأدنتققه منققه وقربتققه مققن رحمتققه وصققيرته‬
‫محبوبا له فانه سبحانه رحيم يحب الرحماء كريم‬
‫يحب الكرماء عليم يحب العلماء قوى يحققب المققؤمن القققوي‬
‫وهو أحب اليه من المؤمن الضعيف حققتى يحققب أهققل الحيققاء‬
‫جميل يحب أهل الجمال وتر يحب أهل الوتر ولو لم يكن في‬
‫الذنوب والمعاصي ال انها توجب لصاحبها ضد هققذه الصققفات‬
‫وتمنعه من التصاف بها لكفي بها عقوبة فان الخطققر تنقلققب‬
‫وسوسة والوسوسة تصير إرادة والرادة تقوي فتصير عزيمة‬
‫ثم نصير فعل ثم تصير صفة لزمة وهيئة ثابتة راسخة وحينئذ‬
‫يتعذر الخققروج منهمققا كمققا يتعققذر عليققه الخققروج مققن صققفاته‬
‫القائمققة بققه والمقصققود انققه كلمققا اشققتدت ملبسققته للققذنوب‬
‫أخرجت من قلبه الغيرة علققى نفسققه وأهلققه وعمققوم النققاس‬
‫وقد تضعف في القلب جدا ل يستقبح بعد ذلك القبيققح ل مققن‬
‫نفسه ول من غيره واذا وصل الى هذا الحققد فقققد دخققل فققي‬
‫باب الهلك وكثير من هؤلء ل يقتصققر علققى عققدم السققتقباح‬
‫بل يحسن الفواحش والظلم لغيره ويزينققه لققه ويققدعوه اليققه‬
‫ويحثه عليه ويسعي له فى تحصيله ولهذا كان الديوث أخبققث‬
‫خلق الله والجنة عليققه حققرام وكققذلك محلققل الظلققم والبغققي‬
‫لغيره ومزينه لغيره فانظر ما الذي حملت عليققه قلققة الغيققرة‬
‫وهذا يدلك على أن أصل الدين الغيرة ومن ل غيرة له ل دين‬
‫له‬
‫فققالغيرة تحمققي القلققب فتحمققي لققه الجققوارح فتققدفع السققوء‬
‫والفواحش وعدم الغيرة تميققت القلققب فتمققوت الجققوارح فل‬
‫يبقى عندها دفع البتة ومثققل الغيققرة فققي القلققب مثققل القققوة‬
‫التي تققدفع المققرض وتقققاومه فققاذا ذهبققت القققوة وجققد الققداء‬
‫المحل قابل ولم يجد دافعا فتمكن فكان الهلك ومثلهققا مثققل‬
‫صياصي الجاموس التي تدفع بها عن نفسه وعن ولققده فققاذا‬
‫تكسرت طمع فيها عدوه‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫فصل‬
‫ومن عقوباتها ذهاب الحياء الذي هو مادة الحياة للقلب وهققو‬
‫أصل كل خير وذهاب كل خير بأجمعه وفققى الصققحيح عنققه ‪a‬‬
‫انه قال الحياء خير كله وقال ان ممققا أدرك النققاس مققن كلم‬
‫النبوة الولى اذا لققم تسققتح فاصققنع ماشققئت وفيققه تفسققيران‬
‫أحداهما انه على التهديد والوعيد والمعنى من لم يستح فانه‬
‫يصنع ما شاء من القبائح اذا لحامل علققى تركهققا الحيققاء فققاذا‬
‫لم يكققن هنققاك حيققاء نزعققه مققن القبققائح فققانه يواقعهققا وهققذا‬
‫تفسير أبي عبيدة والثاني ان الفعل اذا لم تستح فيه من الله‬
‫فافعله وانما الذى ينبغي تركه ما يستحي فيه من اللققه وهققذا‬
‫تفسير المام أحمد في رواية ابققن هققاني فعلققى الول يكققون‬
‫تهديدا كقوله إعملوا ما شئتم وعلى الثاني يكون إذنا وإباحققة‬
‫فان قيل فهل من سبيل الى حمله على المعنييققن قلققت لول‬
‫على قول من يحمل المشترك على جميققع لمققا بيققن الباحققة‬
‫والتهديد مققن المنافققات ولكققن اعتبققار أحققد المعنييققن يققوجب‬
‫إعتبار الخر والمقصود ان الذنوب تضقعف الحيقاء مقن العبقد‬
‫حتى ربما انسلخ منه بالكلية حتى ربما انه ليتأثر بعلم الناس‬
‫بسوء حاله ول باطلعهم عليه بل كثير منهم يخبر عققن حققاله‬
‫وقبح ما يفعله والحامل على ذلققك انسققلخه مققن الحيققاء وإذا‬
‫وصل العبد الى هذه الحالة لم يبققق فققي صققلحه مطمققع واذا‬
‫رأى بليس طلعة وجهه حياء وقال فديت من ليفلققح والحيققاء‬
‫مشتق من الحياة والغيث يسققمى حيققا بالقصققر لن بققه حيققاة‬
‫الرض والنبات والدواب وكذلك سققميت بالحيققاة حيققاة الققدنيا‬
‫والخرة فمن ل حياء فيه ميت في الققدنيا شقققى فققي الخققرة‬
‫وبيققن الققذنوب وبيققن قلققة الحيققاء وعققدم الغيققرة تلزم مققن‬
‫الطرفيققن وكققل منهمققا يسققتدعي الخققر ويطلبققه حثيثققا ومققن‬
‫استحي من الله عند معصيته استحى اللققه مققن عقققوبته يققوم‬
‫يلقاه ومن لم يستح من الله تعققالى مققن معصققيته لققم يسققتح‬
‫الله من عقوبته‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫فصل‬
‫ومن عقوباتها أنها تضعف في القلب تعظيم الرب جل جللققه‬
‫وتضعيف وقاره في قلب العبد ولبد شاء أم أبى ولققو تمكققن‬
‫وقار الله وعظمته في قلب العبققد لمققا تجققرء علققى معاصققيه‬
‫وربما اغتر المغتر وقال إنما يحملنى علققى المعاصققى حسققن‬
‫الرجاء وطمعي فى عفوه ل ضعف عظمته فققي قلققبي وهققذا‬
‫من مغالطة النفس فإن عظمة الله تعالى وجلله فققي قلققب‬
‫العبد وتعظيم حرمانه يحول بينققه وبيققن الققذنوب والمتجققرؤن‬
‫على معاصيه ما قدروه حق قدره وكيف يقدره حق قققدره أو‬
‫يعظمه أو يكبره أو يرجو وقاره ويجله من يهققون عليققه أمققره‬
‫ونهيه هذا من أمحل المحال وأبيققن الباطققل وكفققى بالعاصققى‬
‫عقوبة أن يضمحل من قلبه تعظيم الله جققل جللققه وتعظيققم‬
‫حرماته ويهون عليه حقه ومن بعض عقوبة هذا أن يرفع الله‬
‫عز وجل مهابته من قلوب الخلق ويهقون عليهقم ويسقتخفون‬
‫به كما هان عليه أمره واستخف به فعلى قدر محبة العبد لله‬
‫يحبه الناس وعلى قدر خوفه من اللققه يخققافه النققاس وعلققى‬
‫قدر تعظيمه الله وحرماته يعظم الناس حرماته وكيف ينهققك‬
‫عبد حرمات الله ويطمع أن ل ينهك النقاس حرمققاته أم كيققف‬
‫يهققون عليققه حققق اللققه وليهققونه اللققه علققى النققاس أم كيققف‬
‫يستخف بمعاصي الله ول‬
‫يستخف به الخلق وقد أشار سبحانه إلى هذا فى كتققابه عنققد‬
‫ذكر عقوبات الذنوب وأنه أركس أربابهققا بمققا كسققبوا وغطققي‬
‫على قلوبهم وطبققع عليهققا بققذنوبهم وأنققه نسققيهم كمققا نسققوه‬
‫وأهانهم كما أهانوا دينه وضيعهم كما ضيعوا أمره ولهذا قققال‬
‫تعالى في آية سجود المخلوقات له ومن يهن الله فماله مققن‬
‫مكرم فانهم لما هان عليهم السققجود لققه واسققتخفوا بققه ولققم‬
‫يفعلوه أهانهم فلم يكن لهم من مكرم بعققد إن أهققانهم ومققن‬
‫ذا يكرم من أهانه الله أو يهن من أكرم‬
‫فصل‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫ومن عقوباتها انها تستدعى نسيان الله لعبده وتركه وتخليتققه‬
‫بينه وبين نفسه وشيطانه وهنالك الهلك الذي ل يرجقي معققه‬
‫نجاة قال الله يا أيها الذين آمنوا أتقوا الله ولتنظر نفققس مققا‬
‫قدمت لغد واتقوا الله إن اللققه خققبير بمققا تعملققون ولتكونققوا‬
‫كالذين نسقوا اللققه فانسققاهم أنفسقهم اولئك هقم الفاسققون‬
‫فامر بتقققواه ونهققي أن يتشققبه عبققاده المؤمنققون بمققن نسققيه‬
‫بترك تقواه واخبر أنققه عققاقب مققن تققرك التقققوي بققان أنسققاه‬
‫نفسه أي أنساه مصالحها وما ينجيها من عققذابه ومققا يققوجب‬
‫له الحياة البدية وكمال لذتها وسرورها ونعيمها فانساه اللققه‬
‫ذلك كله جزاء لما نسيه من عظمتققه وخققوفه والقيققام بققأمره‬
‫فترى العاصى مهمل لمصالح نفسه مضيعا لها قد أغفل اللققه‬
‫قلبه عن ذكره واتبع هققواه وكققان أمققره فرطققا قققد انفرطققت‬
‫عليه مصالح دنيققاه وآخرتققه وقققد فققرط فققي سققعادته البديققة‬
‫واستبدل بها أدني ما يكون من لذة إنما هي سحابة صيف أو‬
‫خيال طيف أحلم نققوم أو كظققل زائل * إن اللققبيب بمثلهققا ل‬
‫يخقدع وأعظقم العقوبقات نسقيان العبقد لنفسقه وإهمقال لهقا‬
‫وإضاعته حظها ونصيبها من الله وبيعها ذلك بالضققن والهققوان‬
‫وأبخس الثمن فضيع من ل غني لققه عنققه ول عققوض لققه منققه‬
‫واستبدل به من عنه كل الغني أو منه كققل العققوض مققن كققل‬
‫شيء إذا ضققيعته عققوض * وليققس فققي اللققه أن ضققيعت مققن‬
‫عققوض فقالله سقبحانه يعقوض عققن كقل شقيء مققا سققواه ول‬
‫يعوض منه شيء ويغني عن كققل شققيء وليغنققي عنققه شققيء‬
‫ويمنع من كل شىء ول يمنع منه شىء ويجبير من كل شيء‬
‫ول يجير منه شى كيف يسققتغني العبققد عققن طاعققة مققن هققذا‬
‫شأنه طرفة عين وكيف ينسى ذكره ويضيع أمره حتي ينسبه‬
‫نفسه فيخسرها ويظلمها أعظم الظلم فمقا ظلققم العبقد ربقه‬
‫ولكن ظلم نفسه وما ظلمه ربه ولكن هو الذي ظلم نفسه‬
‫فصل‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫ومن عقوباتها أنها تخرج العبد من دائرة الحسان وتمنعه من‬
‫ثواب المحسنين فان الحسققان إذا باشققر القلققب منعققه عققن‬
‫المعاصققي فققان مققن عبققد اللققه كققانه يققراه لققم يكققن كققذلك‬
‫اللستيلء ذكره ومحبته وخوفه قلبه المجاشققعي يصققير كققانه‬
‫يشاهده وذلك سيحول بينه وبين إرادة المعاصققى فضققل عققن‬
‫مواقتها فققاذا خققرج مققن دائرة الحسققان فققاته صققحبه رفقتققه‬
‫الخاصة وعيشهم الهنيء ونعيمهم التام فان أراد الله به خيرا‬
‫أقره فى دائرة عموم المؤمنين فان عصاه بالمعاصى الققتى‬
‫تخرجه من دائرة اليمققان كمققا قققال النققبي صققلى اللققه عليققه‬
‫وسلم ليزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ول يشرب الخمر‬
‫حين يشربه وهو مؤمن ول يسرق السارق حين يسققرق وهققو‬
‫مققؤمن ول ينتهققب نهبققة ذات شققرف يرفققع اليققه النققاس فيهققا‬
‫أبصققارهم حيققن ينتهبهققا وهققو مققؤمن إيققاكم إيققاكم والتوبققة‬
‫معروضة بعد‬
‫فصل‬
‫ومن فاته رفقةالمؤمنين وخرج عن دائرة اليمان فاته حسن‬
‫دفاع الله عن المؤمنين فان الله يدافع عن الذين آمنوا وفاته‬
‫كل خير رتبه الله في كتابه على اليمان وهو نحو مائة خصلة‬
‫كل خصلة منها خير من الدنيا وما فيها فمنهققا الجققر العظيققم‬
‫وسوف يؤتي الله المؤمنين أجرا عظيما ومنهققا الققدفع عنهققم‬
‫شرور الدنيا والخرة إن الله يققدافع عققن الققذين آمنققوا ومنهققا‬
‫استغفار حملة العرش لهم الذين يحملون العرش ومن حوله‬
‫يسبحون بحمد ربهم ويؤمنققون بققه ويسقتغفرون للقذين امنقوا‬
‫ومنها موالت الله لهم وليذل من واله الله قال اللققه تعققالى‬
‫الله ولى الذين آمنوا ومنها أمققره ملئكتققه بتثققبيتهم إذ يققوحي‬
‫ربك الى الملئكة إني معكم فثبتوا الذين آمنوا ومنها إن لهم‬
‫الدرجات عند ربهم والمغفققرة والققرزق الكريققم ومنهققا العققزة‬
‫ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ومنها معية الله لهل اليمان‬
‫وإن الله لمع المؤمنين ومنها الرفعه في الدنيا والخرة يرفققع‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫الله الققذين آمنققوا منكققم والققذين أوتققوا العلققم درجققات ومنهققا‬
‫أعطققاهم كفليققن مققن رحمتققه وأعطققاهم نققورا يمشققون بققه‬
‫ومغفرة ذنوبهم ومنها الود الذي يجعله سبحانه لهم وهققو انققه‬
‫يحبهم يحبهم الى ملئكتققه وأنبيققائه وعبققاده الصققالحين ومنهققا‬
‫أمانهم من الخوف يوم يشتد الخوف فمن آمن وعمل صالحا‬
‫فل خوف عليهم ول هم يحزنققون ومنهققا انهققم المنعققم عليهققم‬
‫الذين أمرنا ان نسأله ان يهدينا الى صققراطهم فققي كققل يققوم‬
‫وليلة سبع عشرة مرة ومنها ان القققرآن انمققا هققو هققدى لهققم‬
‫وشفاء قل هو للذين آمنققوا هققدى وشققفاء والققذين ل يؤمنققون‬
‫في آذانهم وقر عليهقم عمقى أولئك ينقادون مقن مكقان بعيقد‬
‫والمقصود ان اليمان سبب جالب لكقل خيققر وكقل خيققر فقى‬
‫الدنيا والخققرة فسققببه اليمققان فكيققف يهققون علققى العبققد ان‬
‫يرتكب شققيئا يخرجققه مققن دائرة اليمققان ويحققول بينققه وبينققه‬
‫ولكن ل يخرج من دائرة عموم المسلمين فان الذنوب وأصر‬
‫عليها خيف عليه ان قلبه فيخرجه عن السققلم بالكليققة ومققن‬
‫هنا أشتد خوف السلف كما قال بعضهم أنتم تخافون الذنوب‬
‫وأنا أخاف الكفر‬
‫فصل‬
‫ومن عقوبتها أنها تضعف سير القلب الى الله والدار الخققرة‬
‫أو تعوقه وتوقفه وتعطفه عققن السققير فل تققدعه يخطققوا الققى‬
‫الله خطوة هذا إن لم تققرده عققن وجهتققه الققى ورائه فالققذنب‬
‫يحجب الواصل ويقطع السائر وينكس الطالب والقلققب انمققا‬
‫يسير الى الله بقوته فاذا مرض بالذنوب ضعفت تلققك القققوة‬
‫التي تسيره فان زالت بالكلية إنقطع عن الله إنقطاعققا يبعققد‬
‫تداركه والله المستعان فالذنب أما يميققت القلققب أو يمرضققه‬
‫مرضا مخوفا أو يضعف قوته ول بد حققتى ينتهققي ضققعفه الققى‬
‫الشياء الثمانيققة الققتي إسققتعاذ منهققا النققبي صققلى اللققه عليققه‬
‫وسلم وهي الهم والحزن والكسققل والعجققز والجبققن والبخققل‬
‫وضلع الدين وغلبققة الرجققل وكققل اثنيققن منهققا قرينققان فققالهم‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫والحزن قرينان فان المكققروه والققوارد علققى القلققب إن كققان‬
‫من أمر مستقبل يتوقعه احدث الهم وإن كان من أمر مققاض‬
‫قد وقع احدث الحزن والعجققز والكسققل قرينققان فققان تخلققف‬
‫العبد عققن أسققباب الخيققر والفلح ان كققان لعققدم قققدرته فهققو‬
‫العجز وإن كققان لعققدم إرادتققه فهققو الكسققل والجبققن والبخققل‬
‫قرينان فان عدم النفع منه إن كان ببدنه فهو الجبن وان كان‬
‫بماله فهققو البخققل وضققلع الققدين وقهققر الرجققال قرينققان فققان‬
‫إستيلء الغير عليه إن كان بحق فهو من ضلع الدين وإن كان‬
‫بباطل فهو من قهر الرجال والمقصود إن الذنوب من أقققوى‬
‫السباب الجالبة لهذه الثمانية كمققا إنهققا مققن أقققوى السققباب‬
‫الجالبققة لجهققد البلء ودرك الشقققاء وسققوء القضققاء وشققماتة‬
‫العداء ومن أقوى السباب الجالبققة لققزوال نعققم اللققه تعققالي‬
‫وتقدس وتحول عافيته وفجاءة نقمته وجميع سخطه‬
‫فصل‬
‫ومن عقوبات الذنوب إنها تزيل النعم وتحل النقم فما زالققت‬
‫عن العبد نعمة ال لسبب ذنب ول حلت به نقمة إل بذنب كما‬
‫بن أبي طالب رضي الله عنه ما نققزل بلء إل بققذنب ول رفققع‬
‫بلء إل بتوبة وقد قال تعقالى ومقا أصقابكم مقن مصقيبة فبمقا‬
‫كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير وقال تعالى ذلك بان الله لققم‬
‫يك مغيرا نعمة قققوم حققتى يغيققروا مققا بأنفسققهم فققأخبر اللققه‬
‫تعالى إنه ليغير نعمته التي أنعم بها على أحد حتى يكون هققو‬
‫الذي يغيققر مققا بنفسققه فيغيققر طاعققة اللققه بمعصققيته وشققكره‬
‫بكفره وأسباب رضاه باسققباب سققخطه فققاذا غيققر غيققر عليققه‬
‫جزاء وفاقا وما ربك بظلم للعبيد فأن غير المعصية بالطاعققة‬
‫غير الله عليه العقوبة بالعافيققة والققذل بققالعز قققال تعققالى إن‬
‫الله ل يغير ما بقوم حتى يغيققروا مققا بأنفسققهم وإذا أراد اللققه‬
‫بقوم سوء فل مرد له ومالهم من دونه مققن وال وفققي بعققض‬
‫الثار اللهية عن الرب تبارك وتعالى إنه قال وعزتي وجللي‬
‫ل يكون عبد من عبيدي على ما أحب ثم ينتقل عنققه إلققى مققا‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫أكره إل إنتقلت له مما يجب عبيدي القى مقا يكقره ول يكقون‬
‫عبد من عبيدي على ما أكره فينتقل عنققه الققى مققا أحققب ال‬
‫إنتقلت له مما يكره الى ما يحب وقد أحسن القائل إذا كنت‬
‫في نعمة فارعها * فان الذنوب تزيققل النعققم وخطهققا بطاعققة‬
‫رب العباد * فرب العبققاد سققريع النقققم وإيققاك والظلققم مهمققا‬
‫إستطعت * فظلم العبققاد شققديد الققوحم وسققافر بقلبققك بيققن‬
‫الورى * لتبصرى آثار من قد ظلم فتلك مسققاكنهم بعققدهم *‬
‫شهود عليهم ولتتهم وما كان شىء عليهم اضر * من الظلم‬
‫وهو الققذي قققد تصققم فكققم تركققوا مققن جنققان ومققن * قصققور‬
‫وأخرى عليهم اطم صلوا بالجحيم وفات النعم * وكان الققذي‬
‫نالهم كالحلم‬
‫فصل‬
‫ومن عقوباتها ما يلقيه الله سبحانه من الرعب والخوف فققي‬
‫قلب العاصي فل تراه ال خائفا مرعوبا فققان الطاعققة حصققن‬
‫الله العظم الذي من دخله كققان مققن المنيققن مققن عقوبققات‬
‫الدنيا والخرة ومن خرج عنه أحاطت به المخققاوف مققن كققل‬
‫جانب فمن أطاع الله إنقلبت المخاوف في حقققه أمانققا ومققن‬
‫عصاه إنقلبت مأمنه مخاوف فل تجد العاصي إل وقلبققه كققانه‬
‫بين جناحي طائران حركت الريح الباب قال جاء الطلب وان‬
‫سمع وقع قدم خققاف أن يكققون نققذيرا بققالعطب يحسققب كققل‬
‫صيحة عليه وكل مكروه قاصد اليه فمن خاف الله آمنققه مققن‬
‫كل شيء ومن لم يخف الله أخافه من كل شقيء بقدا قضقاء‬
‫الله بين الخلق مذ خلقوا * إن المخاوف والجرام فققي قققرن‬
‫ومن عقوباتها انها توقع الوحشة العظيمققة فقي القلققب فيجقد‬
‫المذنب نفسه مستوحشا قد وقعت الوحشة بينققه وبيققن ربققه‬
‫وبينه وبين الخلققق وبينققه وبيققن نفسققه وكلمققا كققثرت الققذنوب‬
‫اشتدت الوحشة وأمر العيش عيش المستوحشين الخققائفين‬
‫وأطيب العيش عيش المستأنسققين فلقو نظقر العاققل ووازن‬
‫بين لذة المعصية وما تولد فيه مققن الخققوف والوحشققة لعلققم‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫سوء حاله وعظيم غبنه اذ باع أنس الطاعة وأمنهققا وحلوتهققا‬
‫بوحشة المعصية وما‬
‫توجبه من الخوف اذا كنت قد أوحشتك الققذنوب * فققدعها اذا‬
‫شئت واستأنس وسر المسألة ان الطاعة توجب القرب مققن‬
‫الرب سقبحانه وكلمقا اشققتد الققرب ققوى النققس والمعصققية‬
‫توجب البعد من الرب وكلما زاد البعد قويت الوحشققة ولهققذا‬
‫يجد العبد وحشة بينه وبين عدوه للبعد الذي بينهما وإن كققان‬
‫ملبسا له قريبا منه ويجد أنسا قويا بينه وبين من يجققب وإن‬
‫كان بعيدا عنه والوحشة سببها الحجاب وكلما غلقظ الحجققاب‬
‫زادت الوحشققة فالغفلققة تققوجب الوحشققة واشققد واشققد منهققا‬
‫وحشة المعصية واشقد منهقا وحشقة الشقرك الكفقر ول تجقد‬
‫أحدا يلبس شيئا من ذلققك إل ويعلققوه مققن الوحشققة بحسققب‬
‫مالبسققه منققه فتعلققوا الوحشققة وجهققه وقلبققه فيسققتوحش‬
‫ويستوحش منه‬
‫فصل‬
‫وأعظم الخلق غزورا من اغتر بالققدنيا وعاجلهققا فأثرهققا علققى‬
‫الخرة ورضي بها من الخرة حتى يقققول بعققض هققؤلء الققدنيا‬
‫نقد والخر نسيئة والنقد أنفع من النسيئة ويقول بعضهم درة‬
‫منقودة ولدرة موعودة ويقول آخر منهم لذات الدنيا متيقنققة‬
‫ولذات الخرة مشكوك فيها ول أدع اليقين للشقك وهقذا مقن‬
‫أعظم تلبيس الشيطان وتسويله والبهائم العجققم أعقققل مققن‬
‫هؤلء فان البهيمة إذا خافت مضرة شيء لم تقدم عليه ولققو‬
‫ضربت وهؤلء يقدم أحدهم على مققا فيققه عطبققه وهققو ينظققر‬
‫اليه وهو بين مصدق ومكذب فهققذا الضققرب إن آمققن أحققدهم‬
‫بالله‬
‫ورسوله ولقائه والجزاء فهو من أعظققم النققاس حسققرة لنققه‬
‫أقدم على علم وإن لم يؤمن بالله ورسوله فا بعد لققه وقققول‬
‫هذا القائل النقققد خيققر مققن النسققيئة فجققوابه انققه اذا تسققاوي‬
‫النقد والنسيئة فالنقد خيققر وان تفاوتققا وكققانت النسققيئة أكققبر‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫وأفضل فهي خير فكيف والققدنيا كلهققا مققن أولهقا الققى آخرهقا‬
‫كنفققس واحققد مققن أنفققاس الخققرة كمققا فققي مسققند أحمققد‬
‫والترمذي من حديث المستورد بققن شقداد ققال ققال رسقول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم ما الدنيا في الخرة ال كما يققدخل‬
‫أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بم يرجع فايثار هذا النقد على‬
‫هذه النسيئة من أعظققم الغبققن وأقبققح الجهققل واذا كققان هققذا‬
‫نسبة الدنيا بمجموعها الى الخرة فما مقققدار عمققر النسققان‬
‫بالنسبة الى الخرة فأيما أولى بالعاقل إيثار العاجل في هذه‬
‫المدة اليسيرة وحرمققان الخيققر الققدائم فققي الخققرة أم تققرك‬
‫شيء حقير صغير منقطع عن قرب ليأخققذ مققال قيمققة لققه ول‬
‫حظر له ولنهاية لعدده ولغاية لمده وأما قول الخر ل أترك‬
‫متيقنا لمشكوك له إما أن تكققون علققى شققك مققن وعققد اللققه‬
‫ووعيده وصدق رسله أو تكون علىاليقين من ذلك فققان كنققت‬
‫على اليقيققن فمققا تركققت ال ذرة عاجلققة منقطعققة فانيققة عققن‬
‫قرب لنه متيقن لشققك فيققه ول انقطققاع لققه وان كنققت علققى‬
‫شك فتأمل آيات الققرب تعققالى الدالققة علققى وجققوده وقققدرته‬
‫ومشيئته ووحدانيته وصدق رسله فيما أخبروا به عنققه وتجققرد‬
‫وقمم لله ناظرا أو مناظرا حتي يتققبين لققك أن مققا جققاءت بققه‬
‫الرسل عن الله فهو الحق الذي لشققك فيققه وان خققالق هققذا‬
‫العالم هو رب السموات والرض يتعالى ويتقدس ويتنزه عن‬
‫خلف ما اخبرت به رسله عنه ومن نسبه الى غير ذلققك فقققد‬
‫شتمه وكذبه وأنكر ربوبيته وملكققه اذا مققن المحققال الممتنققع‬
‫عند كل ذي فطرة سليسة أن يكون الملققك الحققق عققاجزا أو‬
‫جاهل ل يعلم شيئا ول يسمع ول يبصر ول يتكلققم ول يققأمر ول‬
‫ينهي ول يثيب ول يعاقب ول يعز من يشاء ول يذل من يشققاء‬
‫ول يرسققل رسققله إلققى أطققراف مملكتققه ونواحيهققا ول يعتنققي‬
‫باحوال رعيته بل يتركهم سدي ويخليهم همل ولهذا يقدح في‬
‫ملك آحاد ملوك البشر وليليق به فكيف يجققوز نسققبه الملققك‬
‫الحق المبين اليققه واذا تأمققل النسققان حققاله مققن مبققدأ كققونه‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫نطفة الى حين كماله واستوائه تبين له ان من عني بققه هققذه‬
‫العناية ونقله الى هذه الحوال وصققرفه فققي هققذه الطققوار ل‬
‫يليق به أن يهمله ويتركه سققدى ل يققأمر ول ينهققاه ول يعرفققه‬
‫بحقوقه عليه ول يثيبه ول يعاقبه ولو تأمل العبقد حقق التأمقل‬
‫لكان كل ما يبصره وما ل يبصره التسققليم لققه علققى التوحيققد‬
‫والنبوة والمعاد وأن القرآن كلمه وقد ذكرنا وجقه السقتدلل‬
‫بققذلك فققي كتققاب إيمققان القققرآن عنققد قققوله فل أقسققم بمققا‬
‫تبصرون ومال تبصرون إنه لقول‬
‫رسول كريم وذكرنا طرفا من ذلك عند قوله وفققي أنفسققكم‬
‫أفل تبصرون وأن النسققان دليققل نفسققه علققى وجققود خققالقه‬
‫وتوحيده وصدق رسله وإثبققات صققفات كمققاله فقققد بققان بققان‬
‫المضيع مغرور على التقديرين تقدير تصديقه ويقينققه وتقققدير‬
‫تكذيبه وشكه فان قلت كيف يجتمع التصديق الجازم الققذى ل‬
‫شك فيققه بالمعققاد والجنققة والنققار ويتخلققف العمققل وهققل فققي‬
‫الطباع البشرية ان يعلم العبد انه مطلوب غدا الى بين يققدي‬
‫بعض الملوك ليعاقبه أشد عقوبة أو يكرمه أتم كرامة ويققبيت‬
‫ساهيا غافل ل يتذكر موقفه بين يدي الملك ول يستعد لققه ول‬
‫يأخذ له أهبة قيل هذا لعمر الله سؤال صحيح وارد على أكثر‬
‫هذا الخلق واجتماع هذين المرين من أعجققب الشققياء وهققذا‬
‫التخلف له عدة أسباب أحدها ضعف العلققم ونقصققان اليقيققن‬
‫ومققن ظققن أن العلققم ل يتفققاوت فقققوله مققن أفسققد القققوال‬
‫وأبطلها وقد سأل ابراهيم الخليل ربه أن يريه أحيققاء المققوتي‬
‫عيانا بعد علمه بقدرة الرب على ذلك ليزداد طمأنينة ويصققير‬
‫المعلوم غيبا شهادة وقد روى أحمد في مسنده عن النققبي ‪a‬‬
‫انه قال ليس الخبر كالمعاين فاذا اجتمققع الققى ضققعف العلققم‬
‫عدم استحضققاره أو غيبتققه عققن القلققب كققثيرا مققن أوقققاته أو‬
‫أكثرها لشتغاله بما يضاده وانضققم الققى ذلققك تقاضققي الطبققع‬
‫وغلبات الهوي واستيلء الشهوة وتسويل النفس وغرور‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫الشيطان واستبطاء الوعد وطول المل ورقدة الغفلة وحققب‬
‫العاجلة ورخص التأويل والف العوائد فهناك ل يمسك اليمان‬
‫في القلب ال الذي يمسك السموات والرض أن تزول وبهققذا‬
‫السبب يتفاوت الناس في اليمان والعمال حتى ينتهي الققى‬
‫أدني مثقال ذرة في القلب وجماع هذه السققباب يرجققع الققى‬
‫ضعف البصيرة والصبر ولهذا مدح اللققه سققبحانه أهققل الصققبر‬
‫واليقين وجعلهم أئمة في الدين فقال تعالى وجعلنققاهم أئمققة‬
‫يهدون بأمرنا لما‬
‫صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون‬
‫فصل‬
‫وقد تبين الفرق بين حسن الظن والغرور وان حسققن الظققن‬
‫ان حمل على العمل وحث عليققه وسققاعده وسققاق اليققه فهققو‬
‫صحيح وان دعا الى البطالققة والنهمققاك فققي المعاصققي فهققو‬
‫غرور وحسن الظن هقو الرجقاء فمقن كقان رجقاؤه جاذبقا لقه‬
‫على الطاعة زاجرا له عن المعصية فهققو رجققاء صققحيح ومققن‬
‫كانت بطالته رجاء ورجاؤه بطالة وتفريطا فهو المغققرور ولققو‬
‫أن رجل كانت لققه أرض يؤمققل أن يعققود عليققه مققن مغلهققا مققا‬
‫ينفعه فاهملها ولم يبذرها ولم يحرثها وأحسن ظنه بأنه يققأتى‬
‫من مغلها ما يأتي من غير حرث وبذر وسقي وتعاهققد الرض‬
‫لعده الناس من أسفه السفهاء وكذلك لو حسن ظنققه وقققوى‬
‫رجاءه بانه يجيئه ولد من غير جماع أو يصير أعلم أهل‬
‫زمانه من غير طلققب العلققم وحققرص تقام عليققه وأمثققال ذلقك‬
‫فكذلك من حسن ظنه وقققوى رجققاؤه فققي الفققوز بالققدرجات‬
‫العلي والنعيقم المقيقم مقن غيقر طاعقة ول تققرب القى اللقه‬
‫تعالى بأمتثال أوامره واجتنققاب نققواهيه وبققالله التوفيققق وقققد‬
‫قال الله تعالى أن الذين آمنوا والذين هققاجروا وجاهققدوا فققي‬
‫سققبيل اللققه أولئك يرجققون رحمققة اللققه فتأمققل كيققف جعققل‬
‫رجقققاءهم باتيقققانهم بهقققذه الطاعقققات وققققال المغقققترون ان‬
‫المفرطين المضيعين لحقوق الله المعطلين لوامره الباغين‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫على عباده المتجزئين على محارمه أولئك يرجون رحمة الله‬
‫وسر المسئلة ان‬
‫الرجاء وحسن الظن إنما يكققون مققع التيققان بالسققباب الققتي‬
‫اقتضتها ولكمل الله في شرعه وقدره وثوابه وكرامته فيأتي‬
‫العبد بها ثم يحسن ظنققه بربققه ويرجققوه أن ليكلققه إليهققا وأن‬
‫يجعلها موصلة الققى مققا ينفعققه ويصققرف مققا يعرضققها ويبطققل‬
‫أثرها‬
‫الجواب الكافي ‪6‬‬
‫فصل‬
‫ومن عقوباتها انها تصرف القلب عن صحته واسققتقامته الققى‬
‫مرضه وانحرافه فل يزال مريضا معلول ل ينتفع بالغذية التي‬
‫بها حياته وصلحه تأثير الذنوب في القلققوب كتققأثير المققراض‬
‫بل الذنوب أمراض القلوب ودائها ولدواء لهققا ال تركهققا وقققد‬
‫أجمع السائرون الققى اللققه أن القلققوب ل تعطققي مناهققا حققتى‬
‫تصل الى مولها ول تصل الققى مولهققا حققتى تكققون صققحيحة‬
‫سليمة ول تكون صحيحة سققليمة حققتى ينقلققب داؤهققا فتصقير‬
‫نفققس دوائهققا ول يصققح لهققا ذلققك ال بمخالفققة هواهققا وهواهققا‬
‫مرضها وشفاؤها مخالفته فان استحكم أو كققاد وكمققا أن مققن‬
‫نهى نفسه عن الهوى كانت الجنققة مققأواه كققذلك يكققون قلبققه‬
‫في هذه الدار في جنة عاجلة ليشبه نعيققم أهلهققا نعيققم البتققة‬
‫بل التفاوت الققذي بيققن النعيميققن كالتفققاوت الققذى بيققن نعيققم‬
‫الدنيا والخرة وهذا أمر ليصدق بققه ال مققن باشققر قلبققه هققذا‬
‫وهذا ول تحسقب ان ققوله تعقالى إن البقرار لفققي نعيققم وإن‬
‫الفجار لفي جحيم مقصور على نعيم الخرة وجحيمهققا فقققط‬
‫بل في دورهم الثلثة كذلك واني دار الدنيا ودار الققبرزخ ودار‬
‫القرار فهؤلء في نعيم‬
‫وهؤلء في جحيم وهل النعيم إل نعيم القلب وهل العذاب إل‬
‫عذاب القلب وأي عققذاب أشققد مققن الخققوف والهققم والحققزن‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫وضيق الصدر وإعراضه عن الله والدار الخققرة وتعلقققه بغيققر‬
‫الله وانقطاعه عن الله بكل واد منه شعبة وكل شققيء تعلققق‬
‫به وأحبه من دون الله فانه يسومه سققوء العققذاب فكققل مققن‬
‫أحب شيئا غير الله عذب به ثلث مرات في هذه الققدار فهققو‬
‫يعذب به قبل حصوله حتى يحصل فاذا حصل عذب بققه حققال‬
‫حصوله بالخوف من سلبه وفققواته والمتغيققص والتنكيققد عليققه‬
‫وأنواع المعارضات فاذا سلبه اشتد عققذابه عليققه فهققذه ثلثققة‬
‫أنواع من العذاب فققي هققذه الققدار وأمققا فققي الققبرزخ فعققذاب‬
‫يقارنه ألم الفراق الذي ليرجي عققوده وألققم فققوات مققا فققاته‬
‫من النعيم العظيم باشقتغاله بضقده وألقم الحجقاب عقن اللقه‬
‫وألققم الحسققرة الققتي تقطققع الكبققاد فققالهم والغققم والحسققرة‬
‫والحزن تعمل في نفوسهم نظير ما تعمققل الهققوام والديققدان‬
‫في أبدانهم بل عملها في النفوس دائم مسققتمر حققتى بردهققا‬
‫الله الى أجسادها فحينئذ ينتقل العذاب الققى نققوع هققو أدهققى‬
‫وأمر فأين هذا من نعيم من يرفص قلبه طربا‬
‫وفرحقا وأنسقا بربقه واشقتياقا اليقه وارتياحقا بحبقه وطمأنينقة‬
‫بذكره حتى يقول بعضققهم فققي حققال نزعققه واطربققاء ويقققول‬
‫الخر ان كان أهل الجنة في مثل هذا الحال انهم لفي عيققش‬
‫طيب ويقول الخر مساكين أهل الدنيا خرجوا منها وما ذاقوا‬
‫لذيذ العيش فيها وما ذاقوا أطيب مققا فيهققا ويقققول الخققر لققو‬
‫علم الملوك أبناءالملوك ما نحن فيه لخالدونا عليه بالسيوف‬
‫ويقول الخران في الدنيا جنة من لم يدخلها لققم يققدخل جنققة‬
‫الخرة فيامن باع‬
‫حظه الغالي بأبخس الثمن وغبن كقل الغبقن فقي هققذا العقققد‬
‫وهو يرى انه قد غبن اذا لققم يكققن لققك خققبرة بقيمققة السققلعة‬
‫فاسئل المقومين فياعجبققا مققن بضققاعة معققك اللققه مشققتريها‬
‫وثمنها جنة المأوي والسفير الذي جرى على يده عقد التبققايع‬
‫وضمن الثمن عن المشققتري هققو الرسققول صققلى اللققه عليققه‬
‫وسلم وقد بعتها بغاية الهوان اذا كان هذا فعل عبققد نفسققه *‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫فمن ذاله من بعققده ذلققك يكققرم ومققن يهققن اللققه فمققاله مققن‬
‫مكرم إن الله يفعل ما يشاء‬
‫فصل‬
‫ومن عقوباتها انها تعمي بصر القلققب وتطمققس نققوره وتسققد‬
‫طرق العلم وتحجب مواد الهداية وققد ققال مالقك للشققافعي‬
‫رحمهما الله تعالى لما اجتمع به ورأى تلك المخايل إني أرى‬
‫اللققه تعققالى قققد ألقققى علققى قلبققك نققورا فل تطفئه بظلمققه‬
‫المعصية وليزال هذا النور يضعف ويضمحل وظلم المعصية‬
‫يقوى حتى يصير القلب في مثل الليل البهيم فكم من مهلك‬
‫يسقط فيه وهو ل يبصر كأعمى خرج بالليل في طريققق ذات‬
‫مهالك ومعاطب فياعزة السلمة وياسرة العطققب ثققم تقققوى‬
‫تلك الظلمات وتفيض من القلب الى الجوارح فيغشى الوجه‬
‫منها سواد بحسققب قوتهققا وتزايققدها فققاذا كققانت عنققد المققوت‬
‫ظهرت في البرزخ فامتل القبر ظلمة كمققا قققال النققبي صققلى‬
‫الله عليه وسلم ان هذه القبور ممتلئة على أهلها ظلمققة وإن‬
‫الله ينورها بصلتي عليهم فاذا كان يوم المعاد وحشر العبققاد‬
‫وعلت الظلمة الوجوه علوا ظاهرا يراه كل أحققد حققتى يصققير‬
‫الوجه أسود مثل الجمعه فيالهققا مققن عقوبققة ل تققوازن لققذات‬
‫الققدنيا بأجمعهققا مققن أولهققا الققى آخرهققا فكيققف يقسققط العبققد‬
‫المنغص المنكد المتعب فققي زمققن انمققا هوسققاعة مققن حلققم‬
‫والله المستعان‬
‫فصل‬
‫ومن عقوباتها انها تصغر النفس وتقمعهققا وتدسققيها وتحقرهققا‬
‫حتى تصير أصغر كل شققيء وأحقققره كمققا ان الطاعققة تنمهققا‬
‫وتزكيها وتكبرها قال تعالى قد أفلح من زكاها وقد خاب مققن‬
‫دسققاها والمعنققى قققد أفلققح مققن كبرهققا وأعلهققا بطاعققة اللققه‬
‫وأظهرها وقد خسر مققن أخفاهققا وحقرهققا وصققغرها بمعصققية‬
‫اللققه وأصققل التدسققية الخفققاء منققه قققوله تعققالى يدسققه فققي‬
‫التراب فالعاصي يدس نفسققه فقي المعصققية ويخفققي مكانهققا‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫ويتوارى من الخلق من سوء ما يأتي به قد انقمع عند نفسققه‬
‫وانقمع عنققد اللققه وانقمققع عنققد الخلققق فالطاعققة والققبر تكققبر‬
‫النفققس وتعزهققا وتعليهققا حققتى تصققير أشققرف شققيء وأكققبره‬
‫وأزكاء وأعله ومع ذلك فهي أذل شيء وأحقره وأصغره للققه‬
‫تعالى وبهذا الذل حصل لها هذا العققز والشققرف والنمققو فمققا‬
‫صغر النفس مثل معصققية اللققه ومققا كبرهققا وشققرفها ورفعهققا‬
‫مثل طاعة الله‬
‫فصل‬
‫ومققن عقوباتهققا أن العاصققي دائمققا شققيطانه وسقجن شقهواته‬
‫وقيود هواه فهو أسير مسجون مقيد ول أسير أسوء حال من‬
‫أسير من أسققير أسققره أعققدى عققدوله ول سققجن أضققيق مققن‬
‫سجن الهوى ول قيد أصعب مققن قيققد الشققهوة فكيققف يسققير‬
‫الى الله والدار الخرة قلققب ماسققور مسققجون مقيققد وكيققف‬
‫يخطو خطوة واحدة وإذا تقيد القلب طرقته الفات مققن كققل‬
‫جانب بحسب قيوده ومثل القلب الطققائر كلمققا عل بعققد عققن‬
‫الفات وكلما نزل استوحشه الفات وفي الحديث الشققيطان‬
‫ذئب النسان وكما أن الشققاة الققتي ل حققافظ لهققا وهققي بيققن‬
‫الذئاب سريعة العطب فكذا العبققد إذا لققم يكققن عليققه حققافظ‬
‫من الله فذئبه مفترسه ول بد وإنما يكققون عليققه حققافظ مققن‬
‫الله بالتقوى فهي وقاية وجنة حصينة بينه وبين ذئبه كما هققي‬
‫وقاية بينه وبين عقوبات الدنيا والخققرة وكلمققا كققانت الشققاة‬
‫أقرب من الراعى كانت أسلم من الذئب وكلمققا بعققدت عققن‬
‫الراعي كانت أقرب الى الهلك فاحمي مققا تكققون الشققاة إذا‬
‫قربت من الراعى وإنما يأخذ الذئب القاصي من الغنم وهققي‬
‫أبعدهن من الراعي وأصل هذا كله إن القلب كلما كققان أبعققد‬
‫من الله كانت الفات اليه أسرع وكلما كان أقققرب مققن اللققه‬
‫بعدت عنه الفات والبعد من الله‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫مراتب بعضها أشد من بعققض فالغفلققة تبعققد العبققد عققن اللققه‬
‫وبعد المعصية أعظم من بعد الغفلة وبعد البدعة أعظققم مققن‬
‫بعد المعصية وبعد النفاق والشرك أعظم من ذلك كله‬
‫فصل‬
‫ومن عقوباتهققا سقققوط الجققاه والمنزلققة والكرامققة عنققد اللققه‬
‫وعند خلقه فان أكرم الخلق عند اللققه أتقققاهم وأقربهققم منققه‬
‫منزلة أطوعهم له وعلى قدر طاعققة العبققد تكققون لققه منزلققة‬
‫عنده فاذا عصاه وخالف امره سقط من عينه فاسقققطه مققن‬
‫قلوب عباده وإذا لم يبق لققه جققاه عنققد الخلققق وهققان عليهققم‬
‫حسب ذلك فعققاش بينهققم أسققوء عيققش خققال الققذكر سققاقط‬
‫القدر زرى الحال لحرمة له فل فرح له ولسرور فان خمول‬
‫الققذكر وسقققوط القققدر والجققاه معققه كققل غققم وهققم وحققزن‬
‫ولسرور معه ولفرح وأين هذا اللم من لققذة المعصققية لققول‬
‫سكر الشهوة ومن أعظم‬
‫نعم العبد أن يرفع له بين العالمين ذكره ويعلى قققدره ولهققذا‬
‫خص أنبياءه ورسله من ذلك بما ليس لغيرهم كما قال تعالى‬
‫وأذكر عبادنا ابراهيم وأسحاق ويعقوب أولى اليدي والبصققار‬
‫أنا أخلصنا هم بخالصققة ذكققر الققدار أي خصصققناهم بخصيصققة‬
‫وهو الذكر الجميل الذي يذكرون به في هذه الدار وهو لسان‬
‫الصدق الققذي سققأله ابراهيققم الخليققل عليققه الصققلة والسققلم‬
‫حيث قال واجعل لي لسان صدق في الخرين وقال سققبحانه‬
‫وتعالى عنه وعن نققبيه ووهبنقا لهققم مقن رحمتنققا وجعلنققا لهققم‬
‫لسان صدق عليا وقال لنبيه صلى اللققه عليققه وسققلم ورفعنققا‬
‫لك ذكرك فاتباع الرسل لهم نصيب من ذلك بحسب ميراثهم‬
‫مققن طققاعتهم ومتققابعتهم وكققل مققن خققالفهم فققانه مققن ذلققك‬
‫بحسب مخالفتهم ومعصيتهم‬
‫فصل‬
‫ومن عقوباتها انها تسققلب صققاحبها أسققماء المققدح والشققرف‬
‫وتكسوه أسماء الذم والصغار فتسققلبه اسققم المققؤمن والققبر‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫والمحسققن والمنقققي والمطيققع والمنيققب والققولى والققورع‬
‫والمصلح والعابد والخائف والواب والطيب والرضى ونحوهققا‬
‫وتكسققوه اسققم الفققاجر والعاصققى والمخققالف والمسققىء‬
‫والمفسد والخققبيث والمسققخوط والزانقي والسقارق والقاتقل‬
‫والكاذب والخائن واللوطي والغققادر وقققاطع الرحققم وأمثالهققا‬
‫فهذه أسماء الفسوق وبئس السم الفسوق بعد اليمان التي‬
‫توجب غضب الديان ودخول النيران وعيش الخققزى والهققوان‬
‫وتلك أسماء توجب رضاء الرحمققان ودخققول الجنققان وتققوجب‬
‫شرف المسمي بها على سائر أنققواع النسققان فلققو لققم يكققن‬
‫في عقوبققة المعصققية ال إسققتحقاق تلققك السققماء وموجباتهققا‬
‫لكان في العقل ناه عنها ولو لم يكققن فققي ثققواب الطاعققة ال‬
‫الفوز بتلك السماء وموجباتها لكان في العقل أمر بها ولكققن‬
‫ل مانع لما أعطي الله ول معطققى لمققا منققع ول مقققرب لمققن‬
‫باعد ول مبعد لمن قرب ومن يهن الله فماله من مكققرم وإن‬
‫الله يفعل ما يشاء‬
‫فصل‬
‫ومن عقوباتها إنها تؤثر بالخاصة في نقصققان العقققل فل تجققد‬
‫عاقلين أحدهما مطيققع للققه والخققر عققاص ال وعقققل المطيققع‬
‫منهما أو فر وأكمل وفكره أصح ورأيه أمققد والصققواب قرينققه‬
‫ولهذا تجد خطاب القرآن إنما هو مع أولي اللبققاب والعقققول‬
‫كقوله فققاتقون يققا أولققي اللبققاب وقققوله فققاتقوا اللققه يققاأولي‬
‫اللباب وقوله وما يذكر ال أولوا اللباب ونظققائر ذلققك كققثيرة‬
‫وكيف يكون عاقل وافر العقل من يعصي من هو في قبضققته‬
‫وفي داره وهو يعلم‬
‫إنه يراه ويشاهده فيعصيه وهو بعينه غير متوار عنه ويستعين‬
‫مساخطه ويستدعي كل وقت غضبه عليه ولعنته لققه وإبعققاده‬
‫من قربه وطرده عن بابه وإعراضه عنه وخذلنه له والتخليققه‬
‫بينه وبين نفسه وعدوه وسقققوطه مققن عينققه وحرمققانه وروح‬
‫رضاه وحيه وقرة العين بقربققه والفققوز بجققواره والنظققر الققى‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫وجهه في زمرة أوليائه الى أضعاف أضعاف ذلك من كرامققة‬
‫أهل الطاعة وأضعاف أضعاف ذلك من عقوبة أهل المعصققية‬
‫فاي عقل لمن آثر لذة ساعة أو يوم أو دهر ثم تنقضي كانهققا‬
‫حلم لم يكن على هذا النعيم المقيم والفوز العظيققم بققل هققو‬
‫سعادة الدنيا والخرة ولول العقل الذي تقوم عليه به الحجققة‬
‫لكان بمنزلة المجانين بل قد‬
‫يكون المجانين أحسن حال منه وأسلم عاقبة فهققذا مققن هققذا‬
‫الوجه وأمققا مققا تأثيرهققا فققي نقصققان العقققل العيشققي فلققول‬
‫الشققتراك فققي هققذا النقصققان لظهققر لمطيعنققا نقصققان عقققل‬
‫عاصينا ولكن الجائحة عامة والجنون فنون وياعجبا لو صحت‬
‫العقول لعلمت أن السقلم القذى يحصقل بقه اللقذة والفرحقة‬
‫والسرور وطيب العيش إنما هو في رضاء من النعم كله في‬
‫رضاه واللم والعذاب كله فققي سققخطه وغضققبه ففققي رضققاه‬
‫قرة العيققون وسققرور النفققوس وحيققاة القلققوب ولققذة الرواح‬
‫وطيب الحياة ولذة العيش وأطيب النعيققم ممققا لققو وزن منققه‬
‫مثقال ذرة بنعيم‬
‫الدنيا لم تف به بل إذا حصل للقلب من ذلك أيسر نصيب لم‬
‫يرض بالدنيا وما فيها عوضا منه ومع هذا فهققو يتنعققم بنصققيبه‬
‫من الدنيا أعظم مققن تنعققم المققترفين فيهققا وليشققوب تنعمققه‬
‫بذلك الحظ اليسير مققا يشققوب تنعققم المققترفين مققن الهمققوم‬
‫والغمققوم والحققزان والمعارضققات بققل قققد حصققل لققه علققى‬
‫النعيمين وهو ينتظر نعيمين آخرين أعظم منهما ومققا يحصققل‬
‫لققه فققى خلل ذلققك مققن اللم فققالمر كمققا قققال سققبحانه إن‬
‫تكونوا تألمون فانهم يألمون كما تققألمون وترجققون مققن اللققه‬
‫مال يرجون فل إله إل الله ما أنقص عقل من باع الدر بققالبعر‬
‫والمسك‬
‫بققالرجيع ومرافقققة الققذين أنعققم اللققه عليهققم مققن النققبيين‬
‫والصديقين والشهداء والصالحين بمرافقة الذين غضب اللققه‬
‫عليهم ولعنهم وأعدلهم جهنم وساءت مصيرا‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫فصل‬
‫ومن أعظم عقوباتها أنها توجب القطيعة بين العبد وبين ربققه‬
‫تبققارك وتعققالى وإذا وقعققت القطيعققة انقطعققت عنققه أسققباب‬
‫الخيققر واتصققلت بققه أسققباب الشققرفاي فلح وأي رجققاء وأي‬
‫عيش لمن انقطعت عنه أسباب الخير وقطققع مققا بينققه وبيققن‬
‫وليه وموله الذي ل غني له عنه طرفة عين ول بدل لققه منققه‬
‫ول عوض له عنه واتصلت به أسققباب الشققر ووصققل مققا بينققه‬
‫وبين أعلمكم عدوله فتوله عدوه وتخلي عنقه وليقه فل تعلقم‬
‫نفس ما فى هذا النقطاع والتصال مققن أنققواع اللم وأنققواع‬
‫العذاب قال بعض السلف رأيت العبد ملقى بين الله سبحانه‬
‫وبين‬
‫الشيطان فان أعرض الله عنه توله الشيطان وإن توله الله‬
‫لم يقدر عليه الشققيطان وقققد قققال تعققالى وإذ قلنققا للملئكققة‬
‫اسجدوا الدم فسجدوا إل إبليس كان من علمني ففسق عن‬
‫أمر ربه أفتتخذونه وذريته أوليققاء مققن دونققي وهققم لكققم عققدو‬
‫بئس للظالمين بدل يقول سققبحانه لعبققاده أنققا أكرمققت آبققاكم‬
‫ورفعت قدره وفضلته على غيره فققامرت ملئكققتي كلهققم أن‬
‫يسجدوا له تكريما وتشريفا فاطاعوني وابققي عققدوي وعققدوه‬
‫فعصى أمري وخرج عن طاعتي فكيف يحسن بكم بعققد هققذا‬
‫أن تتخذونه وذريته أولياء من دوني فتطيعققونه فققي معصققيتى‬
‫وتوالققونه فققي خلف مرضققاتى وهققم أعققدا عققدولكم فققواليتم‬
‫عدوي وقد أمرتكم بمعاداته ومن يبك أعلمكم الملك كان هو‬
‫وأعداؤه عنده سواء فان المحبة والطاعة لتتققم إل بمعققادات‬
‫أعلمكققم المطققاع ومققوالت أوليققائه وأمققا ان تققوالى أعلمكققم‬
‫الملك ثم تدعي انك موال له فهذا محال هذا لو لم يكن عدو‬
‫الملققك عققدوا لكققم فكيققف إذا كققان عققدوكم علققى الحقيقققة‬
‫والعدواة التي بينكم وبينه أعظم من العداوة التى بين الشاة‬
‫وبين الذئب فكيف يليق بالعاقل أن يوالى عدوه وعققدو وليققه‬
‫وموله الذي له سواه ونبه سبحانه على قبقح هقذه المققوالت‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫بقوله وهم لكققم عققدو وكمققا نبققه علققى قبحهققا بقققوله تعققالى‬
‫ففسق عن أمر ربه فتبين أن عداوته لربققه وعققداوته لنققا كققل‬
‫منهما سبب يدعو الى معاداته فمققا هققذه المققوالت ومققا هققذا‬
‫الستبدال بئس للظققالمين بققدل ويشققبه أن يكققون تحققت هققذا‬
‫الخطققاب نققوع مققن العقققاب نظيفققا عجيبققا وهققو انققي عققاديت‬
‫إبليس إذ لم يسجد لبيكم آدم مققع ملئكققتى فكققانت معققاداته‬
‫لجلكم ثم كان عاقبة هذه المعادات أن عقدتم بينكققم وبينققه‬
‫عقدا المصالحة‬
‫فصل‬
‫ومن عقوباتها انها تمحق بركققة العمققر وبركققة الققرزق وبركققة‬
‫العلم وبركة العمل وبركة الطاعة وبالجملة أنها تمحق بركققة‬
‫الدين والدنيا فلتجد أقل بركة في عمره ودينه ودنيققاه ممققن‬
‫عصي الله وما محت البركة مققن الرض إل بمعاصققى الخلققق‬
‫قال الله تعالي ولو أن اهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهققم‬
‫بركات من السققماء والرض وقققال تعققالى وأن لققو اسققتقاموا‬
‫على الطريقة لسقيناهم مققاء غققدقا لنفتنهققم فيققه وأن العبققد‬
‫ليحرم الرزق بالذنب يصققيبه وفققي الحققديث أن روح القققدس‬
‫نفث في روعي أنه لققن تمققوت نفققس حققتى تسققتكمل رزقهققا‬
‫فاتقوا الله واجملوا في الطلب فإنه ل ينققال مققا عنققد اللققه ال‬
‫بطاعته وإن الله جعقل القروح والفقرح فقي الرضقاء واليقيقن‬
‫وجعل الهم والحققزن فققي الشققك والسققخط وقققد تقققدم الثققر‬
‫الذي ذكره أحمد في كتاب الزهد أنا اللققه إذا رضققيت بققاركت‬
‫وليس لبركتي نص وإذا غضبت لعنققت ولعنقتي تقدرك السققابع‬
‫من الولد وليست سعة الرزق والعمل بكثرته ول طول العمر‬
‫بكثرة الشهور والعوام ولكققن سققعة الققرزق والعمققر بالبركققة‬
‫فيه وقد تقدم أن عمققر العبققد هققو مققدة حيققاته ولحيققاة لمققن‬
‫أعرض عن الله واشتغل بغيقره بقل فحيقاة البهقائم خيقر مقن‬
‫حياته فإن حياة النسان بحياة قلبه وروحه ولحيققاة لقلبققه إل‬
‫بمعرفققة فققاطره ومحبتققه وعبققادته وحققده أو النابققة اليققه‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫والطمانينة بذكره والنس بقربه ومن فقد هققذه الحيققاة فقققد‬
‫الخير كله ولو تعوض عنها بمققا تعققوض بققه الققدنيا بققل ليسققت‬
‫الدنيا بأجمعها عوضا عن هذه الحياة فمن كققل شققيء يفققوت‬
‫العبد عوض وإذا فاته الله لم يعوض عنه شققيء البتققة وكيققف‬
‫يعوض الفقير بالذات عن الغنى بالذات والعاجز بالققذات عققن‬
‫القادر بالذات والميت عن الحي الذي ل‬
‫يموت والمخلوق عن الخالق ومن ل وجققود لققه فل شققيء لققه‬
‫من ذاته البتة عمن غناء وحياته وكماله ووجوده ورحمته من‬
‫لوازم ذاته وكيف يعققوض مققن ل يملققك مثقققال ذرة عمققن لققه‬
‫ملك السموات والرض وإنما كانت معصية الله سققببا لمحققق‬
‫بركققة الققرزق والجققل لن الشققيطان موكققل بهققا وبأصققحابها‬
‫فسلطانه عليهم وحوالته علقى هقذا القديون وأهلقه وأصقحابه‬
‫وكل شيء يتصل به الشيطان ويقارنه فبركته ممحوقة ولهذا‬
‫شرع ذكققر إسققم اللققه تعققالى عنققد الكققل والشققرب واللبققس‬
‫والركوب والجماع لما في مقارنة إسم الله من البركة وذكققر‬
‫إسمه يطرد‬
‫الشيطان فتحصل البركة ول معارض لها وكل شيء ل يكققون‬
‫لله فبركته منزوعة فان الرب هو الذي يبارك وحده والبركة‬
‫كلها منه وكلما نسققب اليققه مبققارك فكلمققه مبققارك ورسققوله‬
‫مبقارك وعبقده المقؤمن النقافع لخلققه مبقارك وبيتقه الحقرام‬
‫مبارك وكنانته من أرضققه وهققى الشققام أرض البركققة وصققفها‬
‫بالبركة في ست آيات من كتابه فل مبققارك ال هققو وحققده ول‬
‫مبارك ال ما نسب اليه أعنى إلى محبته وألوهيته ورضاه وإل‬
‫فالكون كله منسوب إلى ربققوبيته وخلقققه وكلمققا باعققده مققن‬
‫نفسه من العيان والقوال والعمققال فل بركققة فيققه ول خيققر‬
‫فيه وكلما كان منه قريبا من ذلك ففيققه مققن ققدر قربققه منققه‬
‫وضد البركة اللعنققة فقأرض لعنهققا اللققه أو شقخ لعنققه اللققه أو‬
‫عمل لعنه الله أبعد شيء مققن الخيققر والبركققة وكلمققا اتصققل‬
‫بذلك وارتبط به وكان منه بسبيل فل بركة فيه البتة وقد لعن‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫عدوه إبليس وجعله أبعد خلقه منه فكققل مقا كققان مققن جهتقه‬
‫فله من لعنة الله بقققدر قربققه منققه وإتصققاله فمققن ههنققا كققان‬
‫للمعاصي أعظم تأثير في محق بركة العمققر والققرزق والعلققم‬
‫والعمل فكل وقت عصيت الله فيه أو مال عصى اللققه بققه أو‬
‫بدن أو جاه أو علم أو عمل فهو على صاحبه ليس له فليققس‬
‫له من عمره وماله وقوته وجاهه وعلمه وعمله ال مققا أطققاع‬
‫الله به ولهذا من الناس من يعيش في هذه الدار مققائة سققنة‬
‫أو نحوها ويكون عمره ليبلغ عشرين سنة أو نحوهققا كمققا أن‬
‫منهم من يملك القناطير المقنطرة من الذهب والفضققة فققي‬
‫الحقيقة ل يبلغ ألف درهم أو نحوها وهكذا الجاه والعلم وفي‬
‫الترمذي عنه صلى الله عليه وسلم الدنيا ملعونة ملعققون مققا‬
‫فيها إل ذكر الله عز وجل ومقا واله أو عقالم أو متعلقم وفقي‬
‫آثر آخر ملعونة ما فيها ال مققا كققان للققه هققذا هققو الققذي فيققه‬
‫البركة خاصة والله المستعان‬
‫فصل‬
‫ومن عقوباتها أنها تجعققل صققاحبها مققن السققفلة بعققد ان كققان‬
‫مهيئا لن يكون من العلية فان الله خلق خلقه قسمين عليققة‬
‫وسفلة وجعل عليين مستقر العلية وأسفل سققافلين مسققتقر‬
‫السفلة وجعل أهل طاعته العليين في الدنيا والخققرة وأهققل‬
‫معصيته السفلين في الدنيا والخرة كمققا جعققل أهققل طققاعته‬
‫أكرم خلقه عليه وأهل معصيته أهون خلفه عليه وجعل العزة‬
‫لهؤلء والذلة والصغار لهؤلء كما في مسند أحمد من حديث‬
‫عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليققه وسققلم أنققه قققال‬
‫جعلت الذلة والصغار على من خالف أمرى وكلما عمل العبد‬
‫معصية نزل الى أسفل درجة ول يزال في نزول حتي يكون‬
‫من السفلين وكلما عمل طاعة ارتفع بها درجة ول يزال في‬
‫ارتفاع حتى يكون من العلييققن وقققد يجمتققع للعبققد فققي أيققام‬
‫حياته الصعود من وجه والنزول من وجققه وأيهمققا كققان أغلققب‬
‫عليه كان من أهله فليس من صعد مائة درجققة ونققزل درجققة‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫واحدة كمن كان بالعكس ولكن يعققرض ههنققا للنفققوس غلققط‬
‫عظيققم وهققو أن العبققد قققد ينققزل نققزول بعيققدا أبعققد ممققا بيققن‬
‫المشققرق والمغققرب وممققا بيققن السققماء والرض ول يفيققء‬
‫بصعوده ألف درجة بهذا النزول الواحد كما فى الصحيح عققن‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن العبد ليتكلم بالكلمققة‬
‫الواحدة ول يلقى لها بال يهوى بهققا فققى النققار أبعققد ممققا بيققن‬
‫المشرق والمغرب فأي صققعود يققوازن هققذه النزلققة والنققزول‬
‫أمر لزم للنسان ولكن من الناس من يكون نزوله الى غفلة‬
‫فهذا متى استيقظ من عفلته عققاد الققى درجتققه أو الققى أرفققع‬
‫منها بحسب يقظته ومنهم من يكون نزوله الى مبققاح لينققوى‬
‫به الستعانة على الطاعة فهذا اذا رجع الى الطاعة قد يعققود‬
‫الي درجته وقد ل يصل اليها وقد يرتفقع عنهقا فقانه ققد يعقود‬
‫أعلي همة مما كان وقد يكون اضعف همققة وقققد تعققود همتققه‬
‫كما كانت ومنهم من يكون نزوله الي معصية إمققا صققغيرة أو‬
‫كبيرة فهذا يحتاج فى عوده الي درجته الي توبة نصوح وانابه‬
‫صادقة واختلف الناس الشياطين يعود بعد التوبة الى درجتققه‬
‫التي كان فيها بناء على أن التوبققة تمحققو أثققر الققذنب وتجعققل‬
‫وجوده كعدمه فكانه لم يكققن أول يعققود بنققاء علققى أن التوبققة‬
‫تأثيرها فى إسقققاط العقوبققة وأمققا الدرجققة الققتي فققاتته فققانه‬
‫ليصل اليها قققالوا وتقريققر ذلققك انققه كققان مسققتعدا باشققتغاله‬
‫بالطاعة في الزمن الذى عصققى فيققه لصققعود آخققر وارتفققاعه‬
‫بجملة أعماله السابقة بمنزلة كسب الرجققل كققل يققوم الققذي‬
‫يملكه وكلما تضاعف المال تضققاعف الربققح فقققد راح عليققه‬
‫في زمن المعصية ارتفاع وربح بجملة أعمققاله فققاذا اسققتأنف‬
‫العمل استأنف صعودا من نزول وكان قبل ذلك صققاعدا مققن‬
‫أسفل الى اعلى وبينهما بون عظيم قالوا ومثققل ذلققك رجلن‬
‫مرتقيان في سليمن ل نهاية لهما وهما سواء فنققزل أحققدهما‬
‫الى أسفل ولو درجة واحدة ثم اسققتأنف الصققعود فققإن الققذي‬
‫لققم ينققزل يعلققو عليققه ول بققد وحكققم شققيخ ابققن تيميققة بيققن‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫الطائفتين حكما مقبول فققال التحقيقق ان مقن التقائبين مققن‬
‫يعود الى أرفع مققن درجتققه ومنهققم مققن يعققود الققى مققن مثققل‬
‫درجته ومنهم من ل يصل الى درجته‬
‫ومنهم من يعود الى درجتقه قلقت وهقذا بحسقب ققدر التوبقة‬
‫وكما لها ومققا أحقدثت المعصققية للعبققد مققن الققذل والخضققوع‬
‫والنابة والحذر والخوف من الله والبكاء من خشية الله وقققد‬
‫تقوى على هذه المور حتى يعود التائب الى زرفع من درجته‬
‫ويصير بعققد التوبققة خيققرا منققه قبققل الخطيئة فهققذا قققد تكققون‬
‫الخطيئة في حقه رحمة فانها لهم عنققه داء العجققب وخلصققته‬
‫مققن ثقتققه بنفسققه وأعمققاله ووضققعت خققد ضققراعته وذلققه‬
‫وإنكسققاره علققى عتبققة بققاب سققيده ومققوله وعرفتققه قققدره‬
‫واشهدته فقره وضرورته الى حفظ سيده له وموله وعرفته‬
‫قدره واشتهدته فقره وضرورته الى حفظ سيده لققه ومققوله‬
‫يبك عفوه عنه ومغفرته له وأخرجت من قلبه صولة الطاعة‬
‫وكسرت أنفه من أن يشمخ بها أو يتكبر بها أو يرى نفسه بها‬
‫خيققرا مققن غيققره وأوقفتققه بيققن يققدي ربققه موقققف الخطققائين‬
‫المذنبين ناكس الرأس بين يدي ربه مستحيا خائفا منققه وجل‬
‫محتقرا لطقاعته مسققتعظما لمعصققيته عققرف نفسققه بققالنقص‬
‫والذم وربه متفرد بالكمال والحمد والوفي كما قيل‬
‫استأثر الله بالوفى وبالحمد * وولي الملمة الرجل‬
‫فصل‬
‫فاي نعمة وصلت من الله اليققه اسققتكثرها علققى نفسققه ورأى‬
‫نفسه دونها ولم يرها أهل لها وأي نقمة أو بلية وصققلت اليققه‬
‫رأي نفسه أهل لما هو أكبر منها ورأى موله قد أحسققن اليققه‬
‫إذ لم يعاقبه على قدر جرمققه ولشققطره ول أدنققي جققزء منققه‬
‫فان ما يستحقه من العقوبة لتحمله الجبال الراسيات فضققل‬
‫عن هذا العبد الضققعيف العققاجز فققان الققذنب وان صققغر فققان‬
‫مقابله العظيم الذى لشيء أعظم منه الكقبير القذي لشقيء‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫أكبر منه الجليل الذى ل أجققل منققه ول أجمققل المنعققم بجميققع‬
‫أنواع النعم دقيقها وجليلها من أقبح المور وافظعها‬
‫واشنعها فان مقابلة العظماء والجلء وسادات النققاس بمثققل‬
‫ذلك يستقبحه كل أحد مؤمن وكافر وأرذل الناس واسقطهم‬
‫مرؤة من قابلهم بالرذائل فكيققف بعظيققم السققموات والرض‬
‫وملك السموات والرض وإله أهققل السققموات والرض ولققول‬
‫أن رحمتققه سققبقت غضققبه ومغفرتققه سققبقب عقققوبته وال‬
‫لتزلزلت الرض بمن قابله بمال تليق مقابلته به ولققول حلمققه‬
‫ومغفرته لزالت السموات والرض مققن معاصققي العبققاد قققال‬
‫تعالى ان الله يمسك السموات والرض أن تققزول ولئن زالتققا‬
‫إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليمققا غفققورا فتأمققل‬
‫ختم ! هذه الية بأسمين من أسققمائه وهمققا الحليققم والغفققور‬
‫كيف تجد تحققت ذلققك انققه لققول حلمققه عققن الجنققاة ومغفرتققه‬
‫للعصاة لما استقرت السققموات والرض وقققد أخققبر سققبحانه‬
‫عن كفر بعض عباده أنه تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق‬
‫الرض وتخر الجبال هذا وقد أخرج الله سبحانه البققوين مققن‬
‫الجنققة بققذنب واحققد ارتكبققاه وخالفققا فيققه نهيققه ولعققن إبليققس‬
‫وطرده وأخرجه من ملكققوت السققموات بققذنب واحققد ارتكبققه‬
‫وخالف فيه أمره ونحن معاشرا الحمقاء كما قيل‬
‫نصل الذنوب الى الذنوب ونرتجى * درج الجنان لذي النعيم‬
‫الخالد‬
‫ملكوتها العلى بذنب‬
‫*‬
‫ولقد علمنا أخرج البوين من‬
‫واحد‬
‫والمقصود أن العبد قد يكون بعد التوبة خيرا ممققا كققان قبققل‬
‫الخطيئة وأرفققع درجققة وقققد تضققعف الخطيئة همتققه وتققوهن‬
‫عزمه وتمققرض قلبققه فل يقققوى ذو التوبققة علققى إعققادته الققى‬
‫الصققحة الولققى فل يعققود الققى درجتققه وقققد يققزول المققرض‬
‫المجاشعي تعود الصققحة كمققا كققانت ويعققود الققى مثققل عملققه‬
‫فيعود الى درجته هذا كله إذا كقان نزولققه القى معصققيته فقان‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫كان نزوله الى أمققر يقققدح فققي أصققل إيمققانه مثققل الشققكوك‬
‫والريققب والنفققاق فققذاك نققزول ل يرجققى لصققاحبه صققعود ال‬
‫بتجديد إسلمه من رأسه‬
‫فصل‬
‫ومن عقوباتها أنها تجتريء على العبققد مققا لققم يكققن يجققتريء‬
‫عليه من أصناف المخلوقات فتجتري عليه الشياطين بالذي‬
‫والغواء والوسوسة والتخويف والتعزيز وإنسانه ما مصققلحته‬
‫في ذكره ومضربه في نسيانه فتجترىء عليه الشياطين حتي‬
‫تؤزه الى معصية الله أزا وتجترىء عليه شياطين النس بمققا‬
‫تقققدر عليققه مققن الذى فققي غيبتققه وحضققوره وتجققترىء أهلققه‬
‫وخققدمه وأولده وجيرانققه حققتي الحيققوان البهيققم قققال بعققض‬
‫السلف اني لعصي الله فاعرف ذلك في خلق امري ودابتي‬
‫وكذلك تجترى عليه نفسققه فتأسققد عليققه وتصققعب عليققه فلققو‬
‫أرادها لخير لم تطاوعه ولم تنقققد لققه وتسققوقه الققى مققا فيققه‬
‫هلكه شاء أم أبققي وذلققك لن الطاعققة حصققن الققرب تبققارك‬
‫وتعالى الذى من دخله كان من المنيققن فققاذا فققارق الحصققن‬
‫اجترىء عليه قطاع السققلم وغيرهققم وعلققى حسققب اجققترائه‬
‫على معاصى الله يكون اجتراء هذه الفققات والنفققوس عليققه‬
‫وليس شيء يرد عنه فان ذكر الله وطاعته والصدقة وإرشاد‬
‫الجاهل والمر بالمعروف والنهى عن المنكر وقايققة تققرد عققن‬
‫العبد بمنزلة القوة التي ترد المققرض وتققاومه فقاذا سققطت‬
‫القوة غلب وارد المرض وكان الهلك ول بد للعبد من شققيء‬
‫يققرد عنققه فققان مققوجب السققيئات والحسققنات يتققدافع ويكققون‬
‫الحكم للغالب كما تقدم وكلمققا قققوى جققانب الحسققنات كققان‬
‫الرد أقوي كما تقدم فان الله يدافع عن الذين آمنوا واليمان‬
‫قول وعمل فيحسققب قققوة اليمققان تكققون قققوة الققدفع واللققه‬
‫المستعان‬
‫الجواب الكافي ‪7‬‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫فصل‬
‫ومن عقوباتها أنها تخون العبد أحوج ما يكون الى نفسه فأن‬
‫كل أحد محتاج الى معرفة ما ينفعه ومققا يضققره فققي معاشققه‬
‫ومعاده وأعلم الناس أعرفهم بذلك علققى التفصققيل وأقققواهم‬
‫وأكيسهم من قوى على نفسه وإرادته فاستعملها فيما ينفعه‬
‫وكفها عما يضره وفي ذلك تفاوت معققارف النققاس وهممهققم‬
‫ومنققازلهم فققاعرفهم مققن كققان عارفققا باسققباب السققعادة‬
‫والشقاوة وأرشدهم من آثر هذه على هذه كمققا ان أسققفههم‬
‫من عكس المر والمعاصي تخون العبقد أحقوج مقا كقان القى‬
‫نفسه في تحصيل هذا العلققم وإيثققار الحققظ الشققرف العققالي‬
‫الدائم على الحظ الخسيس الدني المنقطع فتحجبه الققذنوب‬
‫عن كمال هذا العلم ومن الشتغال بما هو أولى به وأنفع لققه‬
‫في الدارين فاذا وقع مكروه واحتاج الى التخلققص منققه خققانه‬
‫قلبه ونفسققه وجققوارحه وكققان بمنزلققة رجققل معققه سققيف قققد‬
‫غشيه الحرب ولزم قرابه المجاشققعي ل ينجققذب مققع صقاحبه‬
‫اذا جذبه فعرض له عققدو يريققد قتلققه فوضققع يققده علققى قققائم‬
‫سيفه واجتهد ليخرجه فلم يخرج معه فدهمه العدو وظفر بققه‬
‫كذلك القلب يصققدىء بالققذنوب ويصققير مثخنققا بققالمرض فققاذا‬
‫احتققاج العققدو لققم يجققد معققه منققه شققيئا والعبققد انمققا يحققارب‬
‫ويصاول ويقدم بقلبه والجوارح‬
‫تبع للقلب فاذا لم يكن عند ملكها قوة يدفع به فما الظن بها‬
‫عنققد عققدم ملكهققا وكققذلك النفققس فانهققا تخبققث بالشققهوات‬
‫والمعاصي وتضعف واني النفس المطمئنة وإن كانت المارة‬
‫تقوى وتتأسد وكلما قويت هققذه ضققعفت هققذه فبقققى الحكققم‬
‫والتصرف للمارة وربما ماتت نفسه المطمئنة موتا ليرجققي‬
‫معه حياة فهذا ميت في الدنيا ميت في البرزخ غير حي فققي‬
‫الخرة حياة ينتفع بها بل حيققاته حيققاة يققدرك بهققا اللققم فقققط‬
‫والمقصود أن العبد إذا وقع فققي شققدة أو كربققة أوبليققة خققانه‬
‫قلبه ولسانه وجوارحه عما هو أنفع شيء له فل ينجذب قلبققه‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫للتوكل على الله تعالى والنابة اليه والجمعية عليه والتضققرع‬
‫والتذلل والنكسار بين يديه ول يطققاوعه لسققانه لققذكره وان‬
‫ذكره بلسانه لم يجمع بين قلبققه ولسققانه فل ينحبققس القلققب‬
‫على اللسان المجاشعي يؤثر فيه الذكر ول ينحبققس اللسققان‬
‫المذكور بل إن ذكر أو دعا ذكر بقلب غافل له ساه ولو أراد‬
‫من جققوارحه أن تعينققه بطاعققة تققدفع عنققه لققم تنقققد لققه ولققم‬
‫تطاوعه وهذا كله أثر الذنوب والمعاصي كمن لققه جنققد يققدفع‬
‫عنه العداء فاهمل جنده‬
‫وضيعهم وأضعفهم وقطع أخبارهم ثم أراد منهم عنققد هجققوم‬
‫العدو عليه أن يستفرغوا وسعهم فققي الققدفع عنققه بغيققر قققوة‬
‫هذا وثم أمر أخوف من ذلك وأدهي وأمر وهو أن يخونه قلبه‬
‫ولسانه عند الحتضار والنتقال الى اللققه تعققالى فربمققا تعققذر‬
‫عليقققه النطقققق بالشقققهادة كمقققا شقققاهد النقققاس كقققثيرا مقققن‬
‫المحتضرين أصابهم ذلك حتى قيل لبعضهم قل ل إله إل الله‬
‫فقال آه آه ل أستطيع أن أقولها وقيل لخر قل ل إله إل الله‬
‫فقال شاه رخ غلبنك ثم قضى وقيل لخر قققل ل إلققه إل اللققه‬
‫فقال يارب قائلة يوما وقد تعبققت * أيققن السققلم الققى حمققام‬
‫منجاب‬
‫ثم قضى وقيل لخر قل ل إلققه إل اللققه فجعققل يهققذي بالغنققاء‬
‫ويقول تاتا ننتنتا فقال وماينفعني ما تقول ولم أدع معصية ال‬
‫ركبتها ثم قضى ولم يقلها وقيل لخر ذلققك فقققال ومققا يغنققي‬
‫عني وما أعلم اني صققليت للققه تعققالى صققلة ثققم قضققى ولققم‬
‫يقلها وقيل لخر ذلك فقال هو كافر بما تقول وقضي وقيققل‬
‫لخر ذلك فقال كلما أردت أن أقولهققا فلسققاني يمسققك عنهققا‬
‫وأخبرني من حضر بعض الشحاذين عنققد مققوته فجعققل يقققول‬
‫لله فليس لله فليس حق قضي وأخققبرني بعققض التجققار عققن‬
‫قرابة له انه احتضر وهو عنده فجعلوا يلقنقونه ل إلقه إل اللقه‬
‫وهو يقول هذه القطعة رخيصة هذا مشققتري جيققد هققذه كققذا‬
‫حتى قضي وسبحان اللققه كققم شققاهد النققاس مققن هققذا عققبرا‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫والذي يخفي عليهم من أحققوال المحتضققرين أعظققم وأعظققم‬
‫وإذا كان العبد في حال حضور ذهنه وقوته وكمال إدراكه قققد‬
‫تمكن منه الشيطان واستعمله بما يريده من المعاصققي وقققد‬
‫أغفل قلبقه عققن ذكقر اللققه تعقالى وعطققل لسققانه مققن ذكقره‬
‫وجوارحه عن طققاعته فكيققف الظققن بققه عنققد سقققوطه قققواه‬
‫واشققتغال قلبققه ونفسققه بمققا هققو فيققه مققن ألققم النققزع وجمققع‬
‫الشيطان له كل قوته وهمتققه وحشققد عليققه بجميققع مققا يقققدر‬
‫عليه لينال منه فرضته فان ذلك آخر العمل فاقوي مقا يكقون‬
‫عليه شيطانه ذلك الققوقت وأضققعف مققا يكققون هققو فققي تلققك‬
‫الحالة فمن تري ذلك فهناك يثبت الله الققذين آمنققوا بققالقول‬
‫الثابت في الحياة الدنيا وفققي الخققرة ويضققل اللققه الظققالمين‬
‫ويفعل الله ما يشاء فكيف يوفق لحسن الخاتمققة مققن أغفققل‬
‫الله سبحانه قلبه عن ذكققره واتبققع هققواه وكققان أمققره فرطققا‬
‫فبعيد من قلب بعيد من الله تعالى غافققل عنققه متعبققد لهققواه‬
‫مصير لشهواته ولسانه يابس من ذكره وجوارحه معطلة من‬
‫طاعته مشتغلة بمعصية الله أن يوفق لحسقن الخاتمقة ولققد‬
‫قطع خوف الخاتمة ظهور المتقين وكأن المسيئين الظالمين‬
‫قد أخذوا توقيعا باليمان أم لكم أيمان علينا بالغة الققي يققوم‬
‫القيامة ان لكم لما تحكمون سلهم أيهم بذلك زعيققم يققا آمنققا‬
‫مققن قبيققح الفعققل يصققنعه * الشققياطين أتققاك تواقيققع تملكققه‬
‫جمعت شيئين أمثا واتباع هققوى * هققذا وإحققداهما فققي المققرء‬
‫تهلكه والمحسنون على درب المخققاوف قققد * سققاروا وذلققك‬
‫درب لست تسلكه فرطت في الزرع وقت البذر من سققفه *‬
‫فكيف عنققد حصققاد النققاس تققدركه هققذا وأعجققب شققىء منققك‬
‫زهدك في * دار البقاء بعيش سوف تتركه من السفيه اذا أم‬
‫السمغبون * في البيع غبنا سوف تدركه‬
‫فصل‬
‫ومن عقوباتها أنها تعمي القلب فققان تعمققه أضققعفت بصققيرته‬
‫ول بد وقد تقدم بيان أنهققا تضققعفه ولبققد فققاذا عمققي القلققب‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫وضعف فانه من معرفة الهدى وقوته على تنفيذه في نفسققه‬
‫وفققي غيققره المجاشققعي تضققعف بصققيرته وقققوته فققان كمققال‬
‫النسان مداره في أصلين معرفة الحق مقن الباطقل وإيثقاره‬
‫عليه وما تفاوتت منققازل الخلققق عنققد اللقه تعققالى فقي القدنيا‬
‫والخرة ال بقدر تفققاوت منققازلهم فققي هققذين المريققن وهمققا‬
‫اللذان أثنقي اللقه بهمقا سقبحانه علقى أنبيقائه عليهقم الصقلة‬
‫والسققلم فققي قققوله تعققالى واذكققر عبادنققا ابراهيققم واسققحق‬
‫ويعققوب أولقى اليقدي والبصقار فاليقدي الققوة فقي تنفيقذ‬
‫الحق والبصار البصققائر فققي الققدين فوصققفهم بكمققال إدراك‬
‫الحق وكمال تنفيذه وانقسم النققاس فققي هققذا المقققام أربعققة‬
‫أقسام فهؤلء أشرف القسام من الخلق وأكرمهم على الله‬
‫تعالى القسم الثاني عكس هؤلء من ل بصيرة له في الققدين‬
‫ول قوة على تنفيذ الحق وهم أكثر هذا الخلق الققذين رؤيتهققم‬
‫قذي للعيون وحمي الرواح وسقققم القلققوب يضققيقون الققديار‬
‫ويغلون السققعار ويسققتفارد مققن صققحبتهم ال العققار والشققنار‬
‫القسم الثالث من لققه بصققيرة فققي الهققدى ومعرفققة بققه لكنققه‬
‫ضعيف ل قوة له علققى تنفيققذه ول الققدعوة اليققه وهققذا حققال‬
‫المؤمن الضعيف والمؤمن القوي خير واحققب الققى اللققه منققه‬
‫القسققم الرابققع مققن لققه قققوة وهمققة وعزيمققة لكنققه ضققعيف‬
‫البصيرة في الدين ل يكاد يميز بين أولياء الرحمن من أوليققاء‬
‫الرحمن الشيطان بل يحسب كل سققوداء تمققرة وكققل بيضققاء‬
‫شحمة يحسب الورم شحما والدواء النافع سققما وليققس فققي‬
‫هؤلء من يصلح للمامة فى الدين ول هو موضققعا لهققا سققوي‬
‫القسم الول قال الله تعقالى وجعلنقاهم أئمقة يهقدون بأمرنقا‬
‫لما صبروا وكققانوا بآياتنققا يوقنققون فققاخبر سققبحانه ان بالصققبر‬
‫واليقين نالوا المامة فى الدين وهؤلء هم الققذين اسققتثناهم‬
‫الله سبحانه من جملة الخاسرين وأقسققم بالعصققر الققذي هققو‬
‫زمن سعى الخاسرين والرائحيققن علققى ان عققداهم فهققو مققن‬
‫الخاسرين فقال تعققالى والعصققر إن النسققان لفققي خسققر إل‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫الققذين آمنققوا وعملققوا الصققالحات وتواصققوا بققالحق وتواصققوا‬
‫بالصبر فلم يكتف منهققم بمعرفققة الحققق والصققبر عليققه حققتي‬
‫يوصى بعضهم بعضا ويرشده اليه ويحثه عليه فققاذا كققان مققن‬
‫عدا هؤلء فهو من الخاسرين فمعلوم ان المعاصي والذنوب‬
‫تعمي بصيرة القلب فل يدرك الحق كما ينبغي وتضعف قوته‬
‫وعزيمتققه فل يصققبر عليققه بققل قققد تتققوارد علققى القلققب حققتي‬
‫ينعكس إدراكه كما ينعكس سيره فيدرك الباطل حقا والحق‬
‫باطل والمعروف منكرا والمنكر معروفا‬
‫فينتكس في سيره ويرجع عن سفره الى الله والدار الخققرة‬
‫الققى سققفره الققى مسققتقر النفققوس المبطلققة الققتي رضققيت‬
‫بالحياة الدنيا واطمأنت بها وغفلققت عققن اللققه وآيقاته وتركققت‬
‫الستعداد للقائه ولققو لققم يكققن فققي عقوبققة الققذنوب ال هققذه‬
‫وحققدها لكققانت كافيققة داعيققة الققى تركهققا والبعققد منهققا واللققه‬
‫المستعان وهذا كما ان الطاعة تنور القلب وتجلققوه وتصقققله‬
‫وتقققويه وتثبتققه حققتى يصققير كققالمرآة المجلققوة فققي جلئهققا‬
‫وصفائها فيتمليء نورا فاذا دني‬
‫الشيطان منه أصابه من نور ما يصيب مسققترق السققمع مققن‬
‫الشهب الثواقب فالشيطان راحم من هققذا القلققب أشققد مققن‬
‫فرق الققذئب مققن السققد حققتى ان صققاحبه ليصققرع الشققيطان‬
‫فيخر صريعا فيجتمع عليه الشياطين فيقول بعضهم لبعض ما‬
‫أصابه أنسي وبه نظرة من النس فيققا نظققرة مققن قلققب حققر‬
‫منور * يكاد لها الشيطان بالنور يحرق أفيستوي هققذا القلققب‬
‫وقلب مظلققم أرجققاؤه مختلفققة أهققواؤه قققد أتخققذه الشققيطان‬
‫وطنه وأعده مسكنه اذا تصبح بطلعته حياه وقال فققديت مققن‬
‫ل يفلح في دنياه ول في اخققراه انققا قرينققك فققي الققدنيا وفققي‬
‫الحشر بعدها * فانت قرين لى بكل مكان فان كنت فققي دار‬
‫الشقاء فانني * وأنت جميعا في شقا وهوان قال الله تعققالى‬
‫ومن يعش عن ذكر الرحمن الكراهة له شيطانا فهو له قرين‬
‫وأنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسققبون أنهققم مهتققدون حققتى‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫إذا جاءنا قال ياليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين‬
‫ولن ينفعكم اليوم إذا ظلمتققم أنكققم فققي العققذاب مشققتركون‬
‫فقاخبر سققبحانه ان مققن عشقي عققن ذكقره وهققو كتقابه القذي‬
‫رسول صلى الله عليه وسلم وبارك فيه فاعرض عنه وعمى‬
‫عنه وغشت بصيرته عن فمه وتدبره ومعرفة مراد اللققه منققه‬
‫قيض الله له شيطانا عقوبة له في إعراضققه عققن كتققابه فهققو‬
‫قرينه الذي ل يفارقه ل في القامة ول فققي المسققير ومققوله‬
‫وعشيره الذي هو‬
‫بئس المولى وبئس العشققير رضققيعي لبققان ثققدي أن تقلمققا *‬
‫بأسحم واج عوض ل يتفرق ثققم أخققبر سققبحانه ان الشققيطان‬
‫ليصد قرينه ووليه عن سبيله الموصل اليه يبك جنته ويحسب‬
‫هذا الضال المضل الصدود أنه على طريق هدي حتي اذا جاء‬
‫القرينان يوم القيامة يقول أحدهما للخر يققاليت بينققي وبينققك‬
‫بعد المشرقين فبئس القرين كنققت لققى فققي الققدنيا أضققللتني‬
‫عن الهدى يعد إذ جاءني وصددتنى عن الحق واغوايتني حتى‬
‫هلكت وبئس لى اليوم ولما كققان المصققاب إذا شققاركه غيققره‬
‫في مصيبة حصل بالتأسققي نققوع تخفيققف وتسققلية أخققبر اللققه‬
‫سبحانه أن هذا غير موجود وغير حاصل في حق المشتركين‬
‫في العذاب وأن القرين ل يجققد راحققة ول أدنققى فققرح بعققذاب‬
‫قرينه معه وإن كانت المصائب فققي الققدنيا إذا عمققت صققارت‬
‫مسلة كما قالت الخنساء‬
‫فى أخيها صخر‬
‫ولول كثرة الباكين حولى * على إخوانهم لقتلت نفسى‬
‫وما يبكون مثل أخى ولكن * أغري النفس عنه بانأسي‬
‫ال يا صخر ل أنساك حتى * أفارق عيشتي وورود رمسي‬
‫فمنع الله سبحانه هذا القدر من الراحة على أهل النار فقال‬
‫ولن ينفعكم اليوم اذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون‬
‫فصل‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫ومن عقوباتهققا إنهققا مققدد مققن النسققان يمققد بققه عققدوه عليققه‬
‫وحبش يقويه به على حربه وذلك أن الله سبحانه ابتلققى هققذا‬
‫النسان بعدو ل يفارقه طرفة عين صاحبه ينام ول ينققام عنققه‬
‫ويغفل ول يغفل عنه يراه هو وقبيله من حيققث ل يققراه يبققذل‬
‫جهده في معاداته بكل حال ل يدع أمر يكيده بققه يقققدر علققى‬
‫إيصققاله اليققه ال أوصققله ويسققتعين عليققه ببنققي جنسققه مققن‬
‫شياطين النس وغيرهم من شياطين علمني وقققد نصققب لققه‬
‫الحبائل وبغققي لققه الغققوائل ومققد حققوله الشققراك ونصققب لققه‬
‫الفخاخ والشباك وقال ل عوانه دونكم عدوكم وعدو أبيكققم ل‬
‫يفوتكم ول يكون حظه الجنة وحظكم النققار ونصققيبه الرحمققة‬
‫ونصيبكم اللعنة وقد علمتم إن ما وعليكم من الخزي واللعن‬
‫والبعاد من رحمة الله بسببه ومن أجلققه فابققذلوا جهققدكم أن‬
‫يكونوا شركاءنا في هذه البلية اذا قد فاتنققا شققركة صققالحيهم‬
‫في الجنة ولما علم سبحانه أن آدم وبنيه قد بلوا بهققذا العققدو‬
‫وسلطوا عليهم أمدهم بعساكر وجند يلقون بها وأمد عققدوهم‬
‫أيضا بجند وعساكر يلقاهم به وأقام سققوق الجهققاد فققي هققذه‬
‫الدار في مدة العمر التي هي بالضققافة الققى الخققرة كنفققس‬
‫واحد من أنفاسها واشترى من المققؤمنين أنفسقهم وأمققوالهم‬
‫بأن لهققم الجنققة يقققاتلون فققي سققبيل اللققه فيقتلققون ويقتلققون‬
‫وأخبر ان ذلك وعد مؤكد عليه في أشرف كتبه وهي التققوارة‬
‫والنجيل والقرآن ثم أخبر انه ل أوفى بعهده منه سبحانه ثققم‬
‫أمرهم أن يستبشروا بهذه الصققفة الققتي مققن أراد أن يعققرف‬
‫قدرها فلينظر الى المشتري من هو يبك الثمن المبذول فققي‬
‫هذه السلعة يبك من جرى علققى يققديه هققذا العقققد فققاي فققوز‬
‫أعظم من هذا وأي تجارة أربح منه ثم أكد سبحانه معهم هذا‬
‫المر بقوله ياأيها الذين آمنوا الشققياطين أدلكققم علققى تجققارة‬
‫تنجيكم من عذاب اليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون فققي‬
‫سققبيل اللققه بققأموالكم وأنفسققكم ذلكققم خيققر لكققم إن كنتققم‬
‫تعلمون يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنققات تجققري مققن تحتهققا‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫النهار ومساكن طيبة فققي جنققات عققدن ذلققك الفققوز العظيققم‬
‫وأخرى تحبونها نصر من اللققه وفتققح قريققب وبشققر المققؤمنين‬
‫ولم يسلط سبحانه هذا العدو على عبققده المققؤمن الققذي هققو‬
‫أحب المخلوقات اليه إل لن الجهاد أحققب شققيء اليققه وأهلققه‬
‫أرفع الخلق عنده درجات وأقربهم اليه وسيلة فعقد سبحانه‬
‫لواء هذا الحرب لخلصة مخلوقققاته وهققو القلققب الققذي محققل‬
‫معرفته ومحبته وعبوديته والخلص له والتوكل عليه والنابققة‬
‫اليققه فققوله أمققر هققذا الحققرب وأيققده بجنققد مققن الملئكققة ل‬
‫يفارقونه له معقبات من بين يده ومققن خلفققه يحفظققونه مققن‬
‫أمر الله يعقب بعضهم بعضا كلما جاء جند وذهققب جققاء بققدله‬
‫آخر يثبتونه ويأمرونه بالخير ويحضونه عليه ويعدونه بكرامققة‬
‫الله ويصبرونه ويقولون إنما هو صققبر سققاعة وقققد اسققترحت‬
‫راحققة البققد ثققم أيققده سققبحانه بجنققد آخققر مققن وحيققه وكلمققه‬
‫فارسل إليه رسوله صلى الله عليه وسلم وأنزل اليققه كتققابه‬
‫فازداد قوة إلى قوته ومددا الى مدده وعدة الى عدته وأمده‬
‫مع ذلك بالعقل وزيققرا لققه ومققدبرا وبالمعرفققة مشققيرة عليققه‬
‫ناصحة له وباليمان مثبتا له ومؤيدا وناصرا وبققاليقين كاشققفا‬
‫له عن حقيققة المقر حقتى كقأنه يعقاين مقا وعقد اللقه تعقالى‬
‫أوليققاءه وحزبققه علققى جهققاد أعققدائه فالعقققل يققدبر جيشققه‬
‫والمعرفة تصنع له أمور الحرب وأسققبابها ومواضققعها اللئفققة‬
‫بها واليمان يثبته ويقويه ويصبره واليقين يقققدم بققه ويحمققل‬
‫بققه الحملت الصققادقة ثققم مققد سققبحانه القققائم بهققذا الحققرب‬
‫بالقوى الظاهرة والباطنة فجعل العين طليعة والذن صاحب‬
‫خققبرة واللسققان ترجمققانه واليققدين والرجليققن أعققوانه وأقققام‬
‫ملئكته وحملة عرشه يسققتغفرون لققه ويسققئلون لققه أن يقيققه‬
‫السيئات ويدخله الجنات وتولى سبحانه الققدفع والققدفاع عنققه‬
‫بنفسه وقال هققؤلء حققزب اللققه وحققزب اللققه هققم المفلحققون‬
‫وهؤلء جنده وإن جندنا لهم الغالبون وعلم عباده كيفيققة هققذا‬
‫الحرب والجهاد فجمعها لهم في أربققع كلمققات فقققال يققا أيهققا‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫الققذين آمنققوا اصققبروا وصققابروا ورابطققوا واتقققوا اللققه لعلكققم‬
‫تفلحون ول نص هذا امر الجهققاد ال بهققذه المققور الربعققة فل‬
‫نص الصبر ال بمصققابره العققدو وهققو مقققاومته ومنققازلته فققاذا‬
‫صابر عدوه احتاج الى أمر آخر وهققي المرابطققة وهققي لققزوم‬
‫ثغر القلب وحراسته لئل يدخل منه العدو ولققزوم ثغققر العيققن‬
‫والذن واللسان والبطن واليققد والرجققل فهققذه الثغققور يققدخل‬
‫منه العدو فيجوس خلل الديار ويفسد ما قدر‬
‫عليه فالمرابطة لزوم هذه الثغور ول يخلى مكانهققا فيصققادف‬
‫العدو والثغر خاليا فيدخل منها فهؤلء أصققحاب رسققول اللققه‬
‫صلى الله عليه وسققلم خيقر الخلققق بعقد النققبيين والمرسقلين‬
‫صلى الله عليه وسلم أجمعين وأعظم حمايققة وحراسققة مققن‬
‫الشيطان الرجيم وقد خلوا المكان الذي أمققروا بلزومققه يققوم‬
‫أحد فققدخل منققه العققدو فكققان مققا كققان وإجمققاع هققذه الثلثققة‬
‫وعمودها الذي تقققوم بققه هققو تقققوى اللققه فل ينفققع الصققبر ول‬
‫المصابرة ول المرابطققة ال بققالتقوى ول تقققوم التقققوى سققاق‬
‫الصققبر فققانظر الن فيققك الققى التقققاء الجيشققين واصققطدام‬
‫العسكرين وكيف تداله مرة ويدال عليققك أخققري أقبققل ملققك‬
‫الكفرة بجنوده وعسققاكره فوجققد القلققب فققي حصققنه جالسققا‬
‫على كرسي مملكته أمره نافذ في أعوانه وجنده قد حصققنوا‬
‫به يقاتلون عنه ويدافعون عققن حققوزته فلققم يمكنهققم الهجققوم‬
‫عليه ال بمخامرة بعض أمرائه وجنده عليه فسأل عن أخققص‬
‫الجند به وأقربهققم منققه منزلققة فقيققل لققه هققي النفققس فقققال‬
‫لعوانه أدخلوا عليها من مرادها وانظروا موقققع محبتهققا ومققا‬
‫هو محبوبها فعدوها به ومنوها اياه وانقشوا صورة المحبققوب‬
‫فيها في يقظتها ومنامها فققاذا اطمققأنت اليققه وسققكنت عنققده‬
‫فاطرحوا عليها كلليب الشهوة وخطاطيفهققا ثققم جروهققا بهققا‬
‫اليكم فاذا خامرة على القلب وصارة معكم عليه ملكتم ثغققر‬
‫العين والذن واللسان والفم واليد والرجل فرابطوا على هذا‬
‫الثغور كل المرابطة فمتي دخلتم منها الى القلب فهققو قتيققل‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫أو أسير أو جريح مثخن بالجراحات ول تخلوا هققذه الثغققور ول‬
‫تمكنوا سققرية تققدخل منهققا الققى القلققب فتخرجكققم منهققا وان‬
‫غلبتم فاجتهدوا في إضعاف السرية ووهنها حتي لتصل الققى‬
‫القلب فان وصلت اليه وصلت ضعيفة ل تغني عنه شيئا فققاذا‬
‫استوليتم على هذه الثغور فامنعوا اثغر العين أن يكون نظره‬
‫إعتبققارا بققل أجعلققوا نظققره تفرحققا واستحسققانا وتلهيققا فققان‬
‫اسقققترق نظقققرة عقققبرة فافسقققدوهم عليقققه بنظقققر الغفلقققة‬
‫والستحسان والشهوة فانه أقرب اليه وأعلق بنفسه وأخققف‬
‫عليه ودونكم ثغققر العيققن فقان منقه تنقالون بغيتكقم فقاني مققا‬
‫أفسدت بني آدم بشيء مثل النظر فاني أبذر به فققي القلققب‬
‫بذر الشهوة ثم أسقيه بماء المنيققة ثققم ل أزال أعققده وامنيققة‬
‫حتى أقوى عزيمته وأقققوده بزمققام الشققهوة إلققى انخلع مققن‬
‫العصققمة فل تهملققوا أمققر هققذا الثغققر وأفسققدوه بحسققب‬
‫استطاعتكم وهققو نققوا عليققه أمققره وقولققوا لققه مقققدار نظققرة‬
‫تدعوك الى تسبيح الخالق والرازق البديع والتأمققل والتجمققل‬
‫صفته وحسن هققذه الصققورة الققتي إنمققا خلقققت ليسققتدل بهققا‬
‫الناظر عليه وما خلق الله لك العينين سققدي ومققا خلققق اللققه‬
‫هذه الصورة ليحجبها عن النظر وإن ظفر تم به قليققل العلققم‬
‫فاسد العقل فقولوا له هذه الصورة مظهر من مظاهر الحق‬
‫ومجلى من مجاليه فادعوه الى القول بالتحققاد فققإن فققالقول‬
‫بالحلول العام والخاص ول تقنعوا منه بدون ذلك فققانه يصققير‬
‫به من إخوان النصارى فمروه حينئذ بالعفة والصيانة والعبادة‬
‫والزهد في الدنيا واصقطادوا عليقه الجهقال فهقذا مقن أققرب‬
‫خلفائي وأكبر جندي بل أنا من جنده وأعوانه‬
‫فصل‬
‫ثم أمنعققوا ثغققر الذن أن يقدخل عليققه مايفسققد عليكقم المقر‬
‫فاجتهققدوا أن ل تققدخلوا منققه ال الباطققل فققانه خفيققف علققى‬
‫النفققس تسققتحليه وتسققتملحه وتخيققروا لققه أعققذاب اللفققاظ‬
‫وأسحرها لللبققاب أمزجققوه بمققا تهققوي النفققس مزجققا وألقققوا‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫الكلمة فان رأيتم منققه إصققغاء اليهققا فزيققدوه باخوانهققا فكلمققا‬
‫صادفهم صادقتم منققه استحسققان شققيء فققالهجوا لققه بققذكره‬
‫وإياكم أن يدخل من هذا الثغققر شققىء مققن كلم اللققه أو كلم‬
‫رسوله صلى الله عليه وسققلم أو كلم النصققحاء فققان غلبتققم‬
‫على ذلك ودخققل شققىء مققن ذلققك فحولققوا بينققه وبيققن فهمققه‬
‫وتدبره والتفكر فيه والعظة به و إما بادخال ضده عليققه وإمققا‬
‫بتهويل ذلك وتعظيمققه وإن هققذا أمققر قققد حيققل بيققن النفققوس‬
‫وبينه فل سبيل لها اليه وهو حمل ثقيققل عليهققا ل تسققتقل بققه‬
‫ونحو ذلك وإما بار خاصه على النفوس وأن الشتغال ينبغققي‬
‫أن يكققون بمققا هققو أعلققى عنققد النققاس وأعققز عليهققم وأغققرب‬
‫عندهم وزبونه أكثر وأما الحق فهو مهجور والقائل به معرض‬
‫نفسه للعققدوان ول ينبغققي والربققح بيققن النققاس أولققى باليثققار‬
‫ونحو ذلك فيدخلون الباطل عليه في كل قالب يقبلققه ويخققف‬
‫عليه ويخرجون له الحق في كقل ققالب يكرهقه ويثقققل عليققه‬
‫وإذا شئت أن تعرف ذلك فانظر الى إخوانهم مققن شققياطين‬
‫النس كيف يخرجون المر بققالمعروف يشققركوا عققن المنكققر‬
‫في قالب كثرة الفضول وتتبع عثرات النققاس والتعققرض مققن‬
‫البلء مققا ل يطيققق وإلفققاء الفتققن بيققن النققاس ونحققو ذلققك‬
‫ويخرجون إتباع السققنة ووصققف الققرب تعقالى بمقا وصققف بققه‬
‫نفسه ووصفه به رسوله صلى اللققه عليققه وسققلم فققي قققالب‬
‫التشبيه والتجسيم والتكليف ويسمون علققوا اللققه علققى خلقق‬
‫خلقققه واسققتوائه علققى عرشققه ومبققاينته لمخلوقققاته تحيققزا‬
‫ويسمون نزوله الى سماء الدنيا وقوله من يسققألني فققاعطيه‬
‫تحركا وانتقال ويسمون ما وصف به نفسه مققن اليققد والققوجه‬
‫أمضاء وجوارح ويسمون ما يقوم به من أفعاله حققوادث ومققا‬
‫يقوم من صفاته أعراضا ثم يتوصلون الى نفي ما وصققف بققه‬
‫نفسه بهققذه المققور ويوهمققون الغمققار وضققعفاء البصققائر أن‬
‫إثبات الصفات التي نطق بها كتاب الله وسنة رسوله صققلى‬
‫الله عليه وسلم تستلزم هذه المور ويخرجون هقذا التعطيقل‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫في قققالب التنزيققه والتعظيققم وأكققثر النققاس ضققعفاء العقققول‬
‫يقبلون الشققيء بلفققظ ويردونققه بعينققه بلفققظ آخققر قققال اللققه‬
‫تعالى وكذلك جعلنا لكل نققبي عققدوا شققياطين النققس والجققن‬
‫يوحي بعضهم الى بعض زخرف القول غرور فسققماه زخرفققا‬
‫وهو القول الباطل لن صققاحبه يزخرفققه ويزينققه مققا اسققتطاع‬
‫ويلقيه الى سمع المغرور فيغتر بققه والمقصققود أن الشققيطان‬
‫قد لزم ثغققر الذن أن يققدخل فيهققا مققا يضققر العبققد ويمنققع أن‬
‫يدخل اليها ما ينفعه وإن دخله بغير اختياره أفسد عليه‬
‫فصل‬
‫ثم يقول قوموا على ثغققر اللسققان فققانه الثغققر العظققم وهققو‬
‫قبالققة الملققك فققاجروا عليققه مققن الكلم مققا يضققره ول ينفعققه‬
‫وامنعققوه أن يجققري عليققه شققيء ممققا ينفعققه مققن ذكققر اللققه‬
‫واسققتغفاره وتلوة كتققابه ونصققيحته عبققاده او التكلققم بققالعلم‬
‫النافع ويكون لكم في هققذا الثغققر أثققر ان عظيمققان ل تبققالون‬
‫بايهما ظفرتم أحدهما التكلم بالباطل فانما المتكلم بالباطققل‬
‫أخ من إخوانكم ومن أكبر جندكم وأعوانكم الثققاني السققكوت‬
‫عن الحق فان الساكت عن الحققق أخ لكققم أخققرس كمققا أن‬
‫الول أخ لكم ناطق وربما كان الخ الثاني أنفع إخوانكم لكققم‬
‫أما سققمعتم قققول الناصققح المتكلققم بالباطققل شققيطان نققاطق‬
‫والساكت عن الحق شيطان أخققرس فالربققاط الربققاط علققى‬
‫هذا الثغققر أن يتكلققم بحققق أو يمسققك عققن باطققل وزينققوا لققه‬
‫التكلم بالباطل بكل طريق وخوفوه من التكلققم بققالحق بكققل‬
‫طريق واعلموا يا بني ان ثغر اللسان هو الذي أهلك منه بنققو‬
‫آدم وأكبهم منه على مناخرهم في النار فكققم لققي مققن قتبققل‬
‫وأسير وجريح أخذته من هذا الثغر وأوصيكم بوصية فاحفظوا‬
‫لينطق أحدكم على لسان أخيه من النققس بالكلمققة ويكققون‬
‫الخر علققى لسققان السققامع فيبنطققق باستحسققانها وتعظيمهققا‬
‫والتعجب منها ويطلب من أخيه إعادتهققا وكونققوا أعوانققا علققى‬
‫النس بكل طريق وأدخلوا عليهم من كل بقاب واقعقدوا لهققم‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫كل مرصد أما سمعتم قسمي الذي أقسمت به لربهققم حيققث‬
‫قلت فيما أغويتني لقعدن لهم صراصك المستقيم ثم لتينهم‬
‫من بين أيديهم ومققن خلفهققم وعققن أيمققانهم وعققن شققمائلهم‬
‫ولتجد أكثرهم شاكرين أما تروني قد قعدت لبن آدم بطرقه‬
‫كلها فل يفوتني من طريققق ال قعققدت لققه مققن طريققق غيققره‬
‫حتى أصبت منه حاجتي أو بعضها و قد حذرهم ذلك رسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم وقال لهققم إن الشققيطان قققد قعققد‬
‫لبن آدم بطرقه كلهققا قعققد لققه للشققافعية السققلم فقققال لققه‬
‫أتسققلم وتققذر دينققك وديققن آبققائك فخققالفه وأسققلم فقعققد لققه‬
‫للشافعية الهجرة فقال أتهاجر وتذر أرضك وسماءك فخققالفه‬
‫وهققاجر ثققم قعققد لققه للشققافعية الجهققاد فقققال أتجاهققد فتقتققل‬
‫ويقسم المال وتنكح الزوجة فخالفه وجاهققد فكهققذا فاقعققدوا‬
‫لهم بكل طريق الخير فاذا أراد أحدهم ان يتصدق فاقعدوا له‬
‫علققى طريقق الصققدقة فقولققوا لقه فقي نفسقه أتخققرج المقال‬
‫وتبقى مثل هذا السائل وتصير وهو سققواء أو مققا سققمعتم مققا‬
‫القيته علققى لسققان رجققل سققأله آخققر أن يتصققدق عليققه قققال‬
‫أموالنا اذا أعطيناكم وها صرنا مثلكم واقعققدوا لققه للشققافعية‬
‫الحج فقولوا له طريقه مخوفة مشقة يتعرض سققالكها لتلققف‬
‫النفس والمال وهكذا فاقعققدوا لققه علققى سققائر طققرق الخيققر‬
‫بالتنفير منها وذكر صعوبتها وآفاتها ثم أقعدوا على المعاصققي‬
‫فحسنوها في عين بني آدم وزينوها في قلوبهم واجعلوا أكبر‬
‫أعوانكم على ذلك النساء فمن أبوابهن فادخلوا عليهم فنعققم‬
‫العون هن لكم ثم الزموا ثغر اليدين والرجلين‬
‫فامنعوها ان تبطش بما يضققركم أو تمشققى فيققه وأعلمققوا إن‬
‫أكبر أعوانكم على لزوم هذه الثغور مصالحة النفس المارة‬
‫فاعينوها واستعينوا بها وأمدوها واستمدوا منها وكونققوا معهققا‬
‫على حرب النفس المطمئنة فاجتهدوا فققي كسققرها وابطققال‬
‫قواها ول سبيل الى ذلك ال بقطع موادها عنها فاذا إنقطعققت‬
‫موادها وقويت مواد النفس المققارة وطققاعت لكققم اعققوانكم‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫فاسقتنزلوا القلقب مقن حصقنه وأعزلقوه عقن مملكتقه وولقوا‬
‫مكانه النفس فانها ل تأمر ال بما تهوونه وتحبونه ول تحببكققم‬
‫بما تكرهونه البتة مع إنها ل تخالفكم في شيء تشيرون‬
‫به عليها بل إذا أشرتم عليها بشققيء بققادرت الققى فعلققه فققان‬
‫أحسستم من القلب منازعة الى مملكته وأردتققم المققن مققن‬
‫ذلك فاعقدوا بينه وبين النفس عقد النكاح فزينوها وجملوهققا‬
‫وأروها إياه في أحسن صققورة عققروس توجققد وقولققوا لققه ذق‬
‫حلوة طعم هذا الوصققال والتمتققع بهققذه العققروس كمققا ذقققت‬
‫طعم الحرب وباشرت مرارة الطعن والضرب ثققم وازن بيققن‬
‫لذة هذه المسألة ! ومرارة تلك المحاربة فققدع الحققرب تضققع‬
‫أوزارها فليست بيوم وينقضي وإنما هو حرب متصل بالموت‬
‫وقواك يضعف عققن الحققرب دائم واسققتعينوا يققا بنققي بجنققدين‬
‫عظيمين لن تغلبوا معهما أحدهما جند الغفلة فاغفلوا قلققوب‬
‫بني آدم عن الله تعالى والققدار الخققرة بكققل طريققق فليققس‬
‫لكم شيء أبلغ من تحصيل غرضكم من ذلك فققان القلققب إذا‬
‫غفل عن الله تعققالى تمكنتققم منققه ومققن أعققوانه الثققاني جنققد‬
‫الشهوة فزينوها في قلوبهم وحسققنوها فققي أعينهققم وصققولوا‬
‫عليهم بهذين العسكرين فليس لكم في بني آدم أبلققغ منهمققا‬
‫واستعينوا على الغفلقة بالشقهوات وعلقى الشقهوات بالغفلقة‬
‫وأقرنوا بين الغافلين ثم استعينوا بهما على الققذاكر وليغلققب‬
‫واحققد خمسققة فققان مققع الغققافلين شققيطانين صققاروا أربعققة‬
‫وشيطان الذاكر معهم واذا رأيتم جماعة ما يضركم من ذكققر‬
‫الله ومذاكرة أمققر ونهيققه ودينققه ولققم تقققدورا علققى تفريقهققم‬
‫فاستعينوا عليهم ببني جنسهم من النس البطالين فقربققوهم‬
‫منهم وشوشوا عليهم بهم وبالجملققة فاعققدوا للمققور أقرانهققا‬
‫وادخلوا على كل واحد من بني آدم من باب إرادتققه وشققهوته‬
‫فساعدوه وعليها وكونوا لققه أعوانققا علققى تحصققيلها وإذا كققان‬
‫الله قد أمرهم بالصبر أن يصبروا لكم ويصابرونكم ويرابطققوا‬
‫عليكم الثغور فاصبروا أنتم وصابروا ورابطوا عليهم بققالثغور‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫وانتهزوا فرصكم فيهم عنققد الشققهوة والغضققب فل تصققطادوا‬
‫بني آدم في أعظم من هققذين المققوطنين واعلمققوا أن منهققم‬
‫مققن يكققون سققلطان الشققهوة عليققه أغلققب وسققلطان غضققبه‬
‫ضعيف مقهققور فخققذوا عليققه طريققق الشققهوة ودعققوا طريققق‬
‫الغضب ومنهم مققن يكققون سققلطان الغضققب عليققه أغلققب فل‬
‫تخلوا طريق الشققهوة عليققه ول تعطلققوا ثغرهققا فققان مققن لققم‬
‫يملك نفسه عند الغضب فانه بالحري ل يملكها عنققد الشققهوة‬
‫فزوجوا بين غضبة وشهوته وأمزجوا أحققدهم بققالخر وادعققوه‬
‫إلققى الشققهوة مققن بققاب الغضققب يبققك الغضققب مققن طريققق‬
‫الشهوة واعلموا أنه ليس لكم في بنققي آدم سققلح أبلققغ مققن‬
‫هذين السلحين وإنمققا أخرجققت ابققويهم مققن الجنققة بالشققهوة‬
‫وإنمققا ألقيققت العققداوة بيققن أولدهققم بالغضققب فبققه قطعققت‬
‫أرحامهم وسفكت دمققاؤهم أحققدا انققي آدم أخققاه واعلمققوا إن‬
‫الغضب جمرة في قلب ابن آدم والشهوة نار تثور مققن قلبققه‬
‫وإنما تطفي النار بالماء والصلة والققذكر والتكققبير وإيققاكم أن‬
‫تمكنققوا ابققن آدم عنققد غضققبه وشققهوته مققن قربققان الوضققوء‬
‫والصلة فان ذلك يطفققي عنهققم نققار الغضققب والشققهوة وقققد‬
‫أمرهم نبيهم بذلك وقال إن الغضب جمرة في قلب ابققن آدم‬
‫أما رأيتم من إحمرار عينيه وانتفاخ أوداجه فمن أحس بققذلك‬
‫فليتوضأ وقال لهم إنما تطفي النار بالماء وقد أوصققاهم اللققه‬
‫أن يستعينوا عليكم بالصبر‬
‫والصلة فحولوا بينهم وبيققن ذلققك وانسققوهم إيققاه واسققتعينوا‬
‫عليهققم بالشققهوة والغضققب وأبلققغ أسققلحتكم فيهققم وأنكاهققا‬
‫الغفلة واتباع الهوى وأعظم أسلحتهم فيكم وأمنهم حصونهم‬
‫ذكر الله ومخالفققة الهققوى فققاذا رأيتققم الرجققل مخالفققا لهققواه‬
‫فققاهربوا مققن ظلمققه ول تققدنوا منققه والمقصققود ان الققذنوب‬
‫والمعاصي سلح ومدد يمد بهققا العبققد أعققداه ويعينهققم نفسققه‬
‫فيقاتلونه بسلحه والجاهل يكون معهم على نفسه وهذا غاية‬
‫الجهل قال ما يبلغ العداء مققن جاهققل مققا يبلققغ الجاهققل مققن‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫نفسه ومن العجائب أن العبد يسعي بنفسه في هوان نفسققه‬
‫وهو يزعم أنه لها مكرم ويجتهد فققي حرمانهققا مققن حظوظهققا‬
‫وإشرافها وهو يزعم أنه يسعى في حظها ويبققذل جهققده فققي‬
‫تحقيرها وتصغيرها وتدنيسها وهو يزعم أنه لها مكبر ومضققيع‬
‫لنفسه وهو يزعم أنققه يسققعي فققي صققلحها ويعليهققا ويرفعهققا‬
‫ويكبرها وكان بعض السلف يقققول فققي خطبتققه ألرب مهيققن‬
‫لنفسه وهو يزعم أنه لها مكرم ومذل لنفسه وهو يزعققم أنققه‬
‫لها معز ومصققغر لنفسققه وهققو يزعققم أنققه لهققا مكققبر ومضققيع‬
‫لنفسه وهو يزعم أنه مراع لحقها وكفي بالمرأ جهل أن يكون‬
‫مع عدوه على نفسه يبلغ منها بفعله مال يبلغققه عققدوه واللققه‬
‫المستعان‬
‫الجواب الكافي ‪8‬‬
‫فصل‬
‫ومن عقوباتها أنها تنسى العبد نفسه فاذا نسي نفسه أهملها‬
‫وأفسدها وأهلكهققا فققان قيققل كيققف ينسققي العبققد نفسققه وإذا‬
‫نسى نفسه فاى شيء يذكره وما يعنققي نسققيانه نفسققه قيققل‬
‫نعم ينسى نفسه أعظم نسيان قال تعالى ولتكونققوا كالققذين‬
‫نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون فلما نسققوا‬
‫ربهم سبحانه نسيهم وأنساهم أنفسهم كما قال تعالى نسققوا‬
‫الله فنسيهم فعاقب سبحانه من نسيه عقوبتين أحققدهما أنققه‬
‫سبحانه نسيه والثانية أنه أنساه نفسه ونسيانه سبحانه للعبد‬
‫إهماله وتركه وتخليه عنققه وإضققاعته ونسققيانه فققالهلك أدنققى‬
‫اليه من اليد للفم وأما إنساؤه نفسه فهو إنساؤه لحظوظهققا‬
‫العالية وأسباب سعادتها وفلحها وإصلحها وما يكملها بنسققيه‬
‫ذلك كلققه جميعققه فل يخطققر ببققاله ول يجعلققه علققى ذكققره ول‬
‫يصرف اليه همته فيرغب فيه فانه ل يمر بباله حققتي يقصققده‬
‫ويؤثره وأيضا فينسيه عيوب نفسه ونقصها وآفاتها فل يخطققر‬
‫بباله إزالتها واصققلحها وأيضققا فينسققيه أمققراض نفسققه وقلبققه‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫وآلمها فل يخطر بقلبه مداواتها ول السعى فققي إزالققة عللهققا‬
‫وأمراضها التي تققؤول بهققا الققى الفسققاد والهلك فهققو مريققض‬
‫مثخققن بققالمرض ومرضققه مققترام بققه إلققى التلققف ول يشققعر‬
‫بمرضه ول يخطققر ببققاله مققداواته وهققذا مققن أعظققم العقوبققة‬
‫للعامة والخاصة فاي عقوبققة أعظققم مققن عقوبققة مققن أهمققل‬
‫نفسققه وضققيعها ونسققي مصققالحها وداءهققا ودواءهققا وأسققباب‬
‫سعادتهما وصلحها وفلحها وحياتها البدية في النعيم المقيققم‬
‫ومن تأمل هذا الموضع تبين له أن أكثر هذا الخلق قققد نسققوا‬
‫أنفسهم حقيقة وضيعوها وأضقاعوا حظهقا مقن اللقه وباعوهقا‬
‫رخيصة بثمققن بخققس بيققع الغبققن وإنمققا يظهققر لهققم هققذا عنققد‬
‫الموت ويظهر كل الظهور يوم التغابن يوم يظهققر للعبققد أنققه‬
‫غبن في العقد الذي عقده لنفسققه فقي هقذه الققدار والتجقارة‬
‫التى أتجر فيها لمعاده فققان كققل أحققد يتجققر فققي هققذه الققدنيا‬
‫لخرته فالخاسرون الذين يعتقدون أنهم أهل الربح والكسققب‬
‫إشتروا الحياة الدنيا وحظهم فيها فققأذهبوا طيبققاتهم ولققذاتهم‬
‫بالخرة وحظهم فيها في حياتهم الدنيا وحظهم فيها ولققذاتهم‬
‫بققالخرة واسققتمتعوا بهققا ورضققوا بهققا واظمققأنوا اليهققا وكققان‬
‫سعيهم لتحصيلها فباعوا وأشتروا وأتجروا وباعوا آجل بعاجققل‬
‫ونسققيئة بنقققد وغائبققا بنققاجز وقققالوا هققذا هققو الزهققرة ويقققول‬
‫أحدهم خذ ما تراه ودع شيئا سمعت بققه فكيققف أبيققع حاضققرا‬
‫نقداشا هذا في هذه الدار بغائب نسققيئه فققي دار أخققري غيققر‬
‫هذه وينضم الى ذلققك ضققعف اليمققان وقققوة داعققي الشققهوة‬
‫ومحبة العاجلة والتشبه ببني الجنس فاكثر الخلققق فققي هققذه‬
‫التجققارة الخاسققرة الققتي قققال اللققه فققي أهلهققا أولئك الققذين‬
‫اشتروا الحياة الدنيا بالخرة فل يخفف عنهم العققذاب ول هقم‬
‫ينصرون وقال فيهم فما ربحت تجققارتهم ومققا كققانوا مهتققدين‬
‫فاذا كققان يققوم التغققابن ظهققر لهققم الغبققن فققي هققذه التجققارة‬
‫فتنقطع عليهم النفوس حسرات وأما الرابحون فققانهم بققاعوا‬
‫فانيا بباق وخسيسا بنفيس وحقيرا بعظيم وقققالوا مققا مقققدار‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫هذه الدنيا من أولهققا الققى آخرهققا حققتي نققبيع حظنققا مققن اللققه‬
‫تعالي والدار الخرة بها فكيف بما ينال العبققد منهققا فققي هققذا‬
‫الزمن القصير الذي هو في الحقيقة كغفوة حلم لنسققبة لققه‬
‫إلى الدار القرار البتقة ققال تعقالى ويقوم نحشقرهم كقأن لقم‬
‫يلبسققوا إل سققاعة مققن النهققار بتعققارفون بينهققم وقققال تعققالى‬
‫يسألونك عن السققاعة أيققان مرسققاها مققن ذكراهققا الققى ربققك‬
‫منتاها منذر من يخشاها كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إل غشققية‬
‫أو ضحاها وقال تعالى كأنهم يوم يرون ما يوعدون لققم يلبثققوا‬
‫إل ساعة من نهار وقال تعالى كم ليتم في الرض عدد سنين‬
‫قالوا لبثنا يوم أو بعض يققوم نضققر العققادين قققال إن لبثتققم إل‬
‫قليل لققو أنكققم كنتققم تعلمققون وقققال تعققالى ويققوم ينفققخ فققي‬
‫الصورونحشر المجرمين يومئذ زرقا يتخافتون بينهم أن لبثتم‬
‫إل عشرا نحن أعلم بمققا يقولققون إذا يقققول أمثلهققم وأبلققغ إن‬
‫لبثتم ال يوما فهذه حقيقة هذه الدنيا عند موافاة يوم القيامة‬
‫فلما علموا قلة لبثهم فيها وإن لهققم دار غيققر هققذه الققدار دار‬
‫الحيوان ودار البقاء رأوا من أعظم الغبن بيع دار البقاء بققدار‬
‫الفناء فاتجروا تجارة الكياس ولم يغتروا بتجارة السفهاء من‬
‫الناس فظهر لهم لتغابن ربح تجارتهم ومقدار ماشتروه وكل‬
‫أحد في هذه الدنيا بائع مشتر متجققر وكققل النققاس يغققد فبققايع‬
‫نفسققه فمعتقهققا أو موبقهققا إن اللققه اشققترى مققن المققؤمنين‬
‫أنفسهم وأموالهم بققأن لهققم الجنققة يقققاتلون فققي سققبيل اللققه‬
‫فيقتلققون ويقتلققون وعققدا عليققه حقققا فققي التققوراة والنجيققل‬
‫والقرآن ومن أوفى بعهده من الله‬
‫فاستبشروا بيعكم الذى بايعتم بققه وذلققك هققو الفققوز العظيققم‬
‫فهذا أول نقد من ثمن هذا التجارة فتاجروا أيهققا المفلسققون‬
‫ويامن ل هذا الثمن ههنا ثمن آخر فققان كنققت مققن أهققل هققذه‬
‫التجققارة فققأعط هققذا الثمققن التققائبون العابققدون والحامققدون‬
‫السائحون الراكعون الساجدون المرون بالمعروف والناهون‬
‫عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشققر المققؤمنين يققا أيهققا‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫الذين آمنوا الشياطين أدلكم على تجارة تنجيكم مققن عققذاب‬
‫أليم تؤمنون بالله ورسوله‬
‫وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكققم‬
‫إن كنتم تعلمون والمقصود أن الققذنوب تنسققى العبققد حظققه‬
‫من هذه التجارة الرابحة وتشققغله بالتجققارة الخاسققرة وكفققى‬
‫بذلك عقوبة والله المستعان‬
‫فصل‬
‫ومن عقوباتها انها تزيل النعم الحاضرة وتقطع النعم الواصلة‬
‫فتزيققل الحاصققل وتمنققع الواصققل فققان نعققم اللققه مققا حفققظ‬
‫موجودها بمثل طققاعته ول اسققتجلب مفقودهققا بمثققل طققاعته‬
‫فأن ماعند الله ل ينال ال بطاعته وقد جعل الله سبحانه لكل‬
‫شيء سببا وآفة تبطله فجعل أسباب نعمه الجالبة لها طاعته‬
‫وآفاتها المانعة منها معصيته فاذا أراد حفظ نعمته على عبده‬
‫ألهمه رعايتها بطاعته فيها وإذا أراد زوالهققا عنققه خققذله حققتى‬
‫عصاه بها ومن العجب علم العبد بذلك مشققاهدة فققي نفسققه‬
‫وغيره وسماعا لما غاب عنه من أخبار من أزيلققت نعققم اللققه‬
‫عنهم بمعاصيه وهو مقيم على معصية الله كأنه مستثني من‬
‫هذه الجملة أو مخصوص من هذا العموم وكأن هذا أمر جققار‬
‫على الناس ل عليه وواصل الى الخلق ل اليه فأى جهل أبلققغ‬
‫من هذا وأي ظلم للنفس فوق هذا فالحكم لله العلى الكبير‬
‫فصل‬
‫ومن عقوباتها أنها تباعققد عققن العبققد وليققه وأنصققح الخلققق لققه‬
‫وأنفعهم له ومن سعادته في قربه منه وهو الملققك الموكققل‬
‫به وتدنى منه عدوه وأغش الخلققق لققه وأعظمهققم ضققررا لققه‬
‫وهو الشيطان فققان العبققد إذا عصققى اللققه تباعققد منققه الملققك‬
‫بقدر تلققك المعصققية حققتي أنققه يتباعققد منققه بالكذبققة الواحققدة‬
‫مسافة بعيقدة وفقي بعقض الثقار إذا كقذب العبقد تباعقد منقه‬
‫الملك ميل من نتن ريحه فاذا كان هذا تباعد الملك منققه مققن‬
‫كذبة واحدة فماذا يكون قدر‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫تباعده منه مما هو أكبر من ذلك وأفحققش منققه وقققال بعققض‬
‫السققلف إذا ركققب الققذكر عجققت الرض إلققى اللققه وهربققت‬
‫الملئكة الى ربهققا وشققكت إليققه عظققم مققا رأت وقققال بعققض‬
‫السلف إذا أصبح ابن آدم ابتدره الملك والشيطان فققان ذكققر‬
‫الله وكبره وحمده وهلله طرد الملققك الشققيطان وتققوله وإن‬
‫افتتح بغير ذلك ذهب الملك عنققه وتققوله الشققيطان ول يققزال‬
‫الملك يقرب من العبد حتي يصير الحكم والطاعة والغلبة له‬
‫فتتوله الملئكة فى حياته وعند موته وعنقد مبعثقه ققال اللقه‬
‫تعالى إن الذين قالوا ربنققا اللققه ثققم اسققتقاموا تتنققزل عليهققم‬
‫الملئكة أن ل تخافوا ول تحزنوا وأبشققروا بالجنققة الققتي كنتققم‬
‫توعدون نحن أوليققاؤكم فققي الحيققاة الققدنيا وفققي الخققرة وإذا‬
‫توله الملك توله أنصح الخلق له وأنفعهم وأبرهققم لققه فثبتققه‬
‫وعلمه وقوي جنققانه وأيققده قققال تعققالى إذا يققوحي ربققك الققى‬
‫الملئكة إني معكققم فثبتققوا الققذين آمنققوا ويقققول الملققك عنققد‬
‫الموت ل تخف ول تحزن وأبشر بالذى يسرك ويثبتققه بققالقول‬
‫الثابت أحوج ما يكققون اليققه فققي الحيققاة الققدنيا وعنققد المققوت‬
‫وفي القبر عند المسألة فليققس أحققد أنفققع للعبققد مققن صققحبة‬
‫الملك له وهو وليقه فقي يقظتقه ومنقامه وحيقاته وعنقد مقوته‬
‫وفي قبره ومؤنسه في وحشته وصاحبه في خلققوته ومحققدثه‬
‫في سره ويحارب عنه عدوه ويدافع عنه ويعينه عليققه ويعققده‬
‫بالخير ويبشره به ويحثه على التصديق بالحق كمققا جققاء فققي‬
‫الثر الذى يروى مرفرعا وموقوفا للملك بقلب ابن آدم لمققة‬
‫وللشيطان لمة فلمققة الملققك أيعققاد بققالخير وتصققديق بالوعققد‬
‫ولمة الشيطان أيعاد بالشر وتكذيب بققالحق وإذا اشققتد قققرب‬
‫الملك من العبد‬
‫تكلم على لسانه وألقى على لسانه القول السديد وإذا أبعققد‬
‫منه وقرب الشيطان من العبد تكلم على لسانه قول الققزور‬
‫والفحش حتي يرى الرجل يتكلم على لسان الملققك والرجققل‬
‫يتكلم على لسان الشيطان وفي الحديث ان السكينة تنطققق‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫على لسان عمر رضى الله عنه وكان أحققدهم يسقمع الكلمققة‬
‫الصالحة من الرجل الصالح فيقول ما ألقاها على لسققانك ال‬
‫الملققك ويسققمع ضققدها فيقققول مققا ألقاهققا علققى لسققانك ال‬
‫الشيطان فالملك يلقى في القلب الحق ويلقيه على اللسان‬
‫والشيطان يلقي الباطققل فققي القلققب ويجريققه علققى اللسققان‬
‫فمن عقوبة المعاصى أنها تبعد من العبد وليه الققذي سققعادته‬
‫في قربه ومجاورته وموالته وتدني منه عققدوه الققذي شقققاءه‬
‫وهلكه وفساده في قربه وموالته حتى أن الملك لينافح عن‬
‫العبد ويرد عنه اذا سفه عليه السفيه وسبه كما اختصققم بيققن‬
‫يدي النبي صلى الله عليه وسلم رجلن فجعل أحدهما يسب‬
‫الخر وهو ساكت فتكلم فتكلم بكلمة يققرد بهققا علققى صققاحبه‬
‫فقام النبي صلى الله عليققه وسققلم فقققال يارسققول اللققه لمققا‬
‫رددت عليه بعض قوله قمت فقققال كققان الملققك ينافققح عنققك‬
‫فلما رددت عليه جاء الشيطان فلققم أكققن لجلقس وإذا دعققى‬
‫العبد المسلم في ظهر الغيب لخيه أمن الملك على دعققائه‬
‫فاذا أذنب العبد الموحد المتبع سبيله رسوله صلى الله عليققه‬
‫وسلم استغفر لقه جنلقة العقرش ومقن حقوله وإذا نقام العبقد‬
‫المققؤمن بققات فققي شققعاره ملققك فملققك المققؤمن يققرد عليققه‬
‫ويحارب ويدافع عنه ويعلمه ويثبته ويشققجعه فل يليققق بققه أن‬
‫ينسى جواره ويبالغ فى أذاه وطرده عنه وإبعاده فانه ضققيفه‬
‫وجاره وإذا كان إكرام الضيف مققن الدمييققن والحسققان إلققى‬
‫الجار من لزوم اليمان وموجباته فما الظن باكرام أكرم‬
‫الضياف وخير الجيران وأبرهم وإذا أذى العبد الملققك بققأنواع‬
‫المعاصى والظلم والفواحش دعا عليققه ربققه وقققال لجققزاك‬
‫الله خيرا كما يدعوا لققه إذا أكرمققه بالطاعققة والحسققان قققال‬
‫بعققض الصققحابة رضققي اللققه عنهققم إن معكققم مققن ليفققاركم‬
‫فاستحيوا منهم وأكرموهم والم ممن ليستحيي من الكريققم‬
‫العظيم القادر ول يكرمه ول يوقره وقد نبه سبحانه على هذا‬
‫المعني بقوله وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمققون مققا‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫تفعلون أى استحيوا من هؤلء الحافظين الكققرام وأكرمققوهم‬
‫وأجلوهم أن يروا منكم ما تستيحون أن يريكم عليه من هو‬
‫مثلكم والملئكة تتأذى مما يتأذى منه بنوا آدم واذا كققان ابققن‬
‫آدم يتأذى ممن يفجر ويعصي بين يقديه وان كقان ققد يعمقل‬
‫مثله عمله فما الظن بققاذى الملئكققة الكققرام الكققاتبين واللققه‬
‫المستعان‬
‫فصل‬
‫ومققن عقوباتهققا أنهققا تسققتجلب مققراد هلك العبققد فققى دنيققاه‬
‫وآخرته فان الذنوب هي أمققراض القلققوب مققتى اسققتحكمت‬
‫قتلت ول بد وكما أن البدن ل يكون صققحيحا ال بغققذاء يحفققظ‬
‫ققوته واسقتفراغ يسقتفرغ المقواد الفاسقدة والخلط الرديقة‬
‫التي متي غلبت عليه أفسدته جميعقه وحميقة يمتنقع بهقا مقن‬
‫تناول ما يؤذيه ويخشى ضرره فكذلك القلب ل تتم حيققاته ال‬
‫بغذاء من اليمان والعمال الصالحة تحفققظ قققوته واسققتفراغ‬
‫بالتوبة التصوح يستفرغ المواد الفاسدة والخلط الردية منققه‬
‫وحمية توجب له حفظ صحته ويجتنب ما يضادها وهي عبققارة‬
‫عن ترك استعمال ما يضاد الصحة والتقوى اسم يتناول هققذه‬
‫المور الثلثة فما فات منها فات من التقوى بقدره واذا تققبين‬
‫هققذا فالققذنوب مضققادة لهققذه المققور الثلثققة فانهققا يسققتجلب‬
‫المواد المؤذيققة وتسققتوجب التخليققط المضققاد للجميققع وتمنققع‬
‫الستفراغ بالتوبة النصوح فانظر الى بدن عليل قد تراكمققت‬
‫عليه الخلط ومواد المرض وهو ل يستفرغها ول يحتمى لهققا‬
‫كيف تكون صحته وبقاؤه ولقد أحسن القائل‬
‫جسمك بالحمية أحصنته * مخافة من ألم طاري‬
‫وكان أولى بك أن تحتمي * من المعاصي خشية الباري‬
‫فمن حفظ القوة بامتثال الوامر واستعمل الحمية باجتنققاب‬
‫النواهي واستفرغ التخليط بالتوبة النصوح لم يدع‬
‫للخير مطلبا ول من الشر مهربا وبالله المستعان‬
‫فصل‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫فإن لم ترعك هذه العقوبات ولم تجققد لهققا تققأثيرا فققي قلبققك‬
‫فاحضره العقوبات الشرعية التي شرعها الله ورسوله علققى‬
‫الجققرائم كمققا قطققع السققارق فققى ثلثققة دراهققم وقطققع اليققد‬
‫والرجققل علقى قطقع السقلم علقى معصقوم المققال والنفقس‬
‫وشق الجلد بالسوط على كلمة قذف بها المحصن أو قطققرة‬
‫خمققر يققدخلها جققوفه وقتققل بالحجققارة أشققنع قتلققة فققي إيلج‬
‫الحشفة في فرج حرام وخفف هققذه العقوبققة عمققن لققم تتققم‬
‫عليه نعمة الحصان بمققا أنققه جلققدة وينفققي سققنة عققن وطنققه‬
‫وبلده الى بلد الغربة وفققرق بيققن رأس العبققد وبققدنه اذا ذات‬
‫محرم أو ترك الصلة المفروضة أو تكلققم بكلمققة كفققر وأمققر‬
‫بنقل ! من وطىء ذكرا مثله وقتل المفعققول بققه وأمققر بقتققل‬
‫من أتي بهيمة وقتل البهيمة معه وغققرم علققى تحريققق بيققوت‬
‫المتخلفين عن الصلة في الجماعة وغير ذلك مققن العقوبققات‬
‫التي رتبها الله على الجرائم وجعلها حسب الدواعى الى تلك‬
‫الجرائم وحسب الوازع عنها فما كان الوازع عنها طبعيا ومققا‬
‫ليس في الطباع داعيا اليه إكتفاء بالتحريم مققع التعزيققز ولققن‬
‫يرتب عليه حدا كأكل الرجيع وشرب الدم وأكققل الميتققة ومققا‬
‫كان في الطبققاع داعيققا إليققه ترتققب عليققه مققن العقوبققة بقققدر‬
‫مفسدته وبقدر داع الطبع اليققه ولهققذا لمققا كققان داع الطبققاع‬
‫الى الزناء من أقوى الدواعي كانت من عقوبته العظمى من‬
‫أشنع القتلت وأعظمها وعقوبته السهلة على أنواع الجلد مع‬
‫زيادة التعقذيب ولمقا كقان اللواطقة فيهقا المقران كقان حقده‬
‫القتل بكل حققال ولمققا كققان داعققي السققرقة قويققا ومفسققدتها‬
‫كذلك قطع فيها اليد وتأمل حكمته فققي إفسققاد العضققو الققذى‬
‫باشربه الجناية كمققا أفسققد علققى قققاطع السققلم يققده ورجلققه‬
‫اللتين هما آلة قعطه ولم يفسققد علققى القققاذف لسققانه الققذي‬
‫جنابة إذ مفسدة قطعه تزيد على مفسدة الجنايققة وليبلغهققا‬
‫فاكتفى من ذلك بإيلم جميع بدنه بالجلد فان قيل فهل أفسد‬
‫على الزاني فرجه الذي باشربه المعصية قيل بوجققوه أحققدها‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫أن مفسدة ذلك مفسدة الجناية إذ فيه قطع النسل وتعرضققه‬
‫للهلك الثققاني أن الفققرج عضققو مسققتور ل يحصققل بقطعققه‬
‫المطلع الحد من الققردع والزجققر لمثققاله مققن الجنايققة بخلف‬
‫قطع اليد الثالث انه إذا قطع يده أبقى لققه يققد أخققرى تعققوض‬
‫عنها بخلف الفرج الرابققع ان لققذة الزنققا عمققت جميققع البققدن‬
‫فكان الحسن أن تعم العقوبة جميع البدن وذلققك أولققى مققن‬
‫نحصيصها ببضعة منققه فعقوبققات الزهققري جققاءت علققى أتققم‬
‫الوجققوه وأوفقهققا للعقققل وأقومهققا بالمصققلحة والمقصققود ان‬
‫الققذنوب إنمققا ترتققب عليهققا العقوبققات الشققرعية والقدريققة أو‬
‫يجمعها الله العبد وقد يرفها عمن تاب وأحسن‬
‫فصل‬
‫وعقوبققات الققذنوب نوعققان شققرعية وقدريققة فققاذا أقيمققت‬
‫الشرعية رفعت العقوبات القدرية أو خففتهقا ول يكقاد القرب‬
‫تعالى يجمع على عبده بين العقوبتين ال اذا لم يققف أحققدهما‬
‫يرفققع مققوجب الققذنب ولققم يكققن فققي زوال دائه واذا عطلققت‬
‫العقوبات الشرعية استحالت قدرية ! وربما كققانت أشققد مققن‬
‫الشرعية وربما كانت دونها ولكنها تعم والشرعية تخص فققان‬
‫الرب تبارك وتعالى ل يعاقب شرعا ال مققن باشققر الجنايققة أو‬
‫تسبب اليها وأما العقوبة القدرية فانها تقع عامة وخاصة فان‬
‫المعصية إذا خفيت لققم تضققر إل صققاحبها وإذا أعلنققت ضققرت‬
‫الخاصة والعامة وإذا رأي الناس المنكر فاشققتركوا فقي تققرك‬
‫إنكاره أوشققك أن يعمهققم اللققه تعققالى بعقققابه وقققد تقققدم أن‬
‫العقوبة الشرعية شرعها الله قدر مفسققدة الققذنب وتقاضققي‬
‫الطبع لها وجعلها سبحانه ثلثة أنققواع القتققل والقطققع والجلققد‬
‫وجعل القتل بازاء الكفر وما يليه ويقربه وهو الزناء واللواطة‬
‫فان هذا يفسد الديان وهذا يفسد النسان قال المقام أحمقد‬
‫رحمه الله ل أعلم بعد القتقل ذنبقا أعظقم مقن الزنقاء واحتقج‬
‫بحديث عبد الله بن مسعود أنه قال يا رسول الله أي الققذنب‬
‫أعظم قال أن تجعل لله ندا وهو خلقك قال قلت ثم أي قال‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك قال قلققت ثققم أي قققال‬
‫أن تزني بحلية جققارك فققأنزل تصققديقها فققي كتققابه والققذين ل‬
‫يدعون مع الله آلها آخر ول يقتلون النفس التي حرم اللققه ال‬
‫بالحق ول يزنون الية والنبي صلى الله عليه وسلم ذكققر كققل‬
‫نوع أغله ليطابق جوابه سؤال السأل فانه سئل عققن أعظققم‬
‫الذنب فأجابه بما تضمن ذكر أعظم أنواعهققا ومققا هققو أعظققم‬
‫كل نوع فأعظم أنواع الشرك أن يجعل العبد لله ندا وأعظققم‬
‫أنواع القتل أن يقتل ولققده خشققية أن يشققاركه فققي طعققامه‬
‫وشققرابه وأعظققم أنققواع الزنققاء أن يزنققي بحليلققة جققارة فققأن‬
‫مفسدة الزناء تتضاعف بتضاعف ما انتهكه من الحق فالزناء‬
‫بالمرأة التي لها زوج أعظم إثما وعقوبة من التي ل زوج لهققا‬
‫إذ فيه انتهاك حرمققة الققزوج وإفسققاد فراشققه وتعليققق نسققب‬
‫عليه لم يكن منه وغير ذلك من أنققواع أذاه فهققو أعظققم اثمققا‬
‫وجرما من الزناء بغير ذات البعل فققان كققان زوجهققا جققارا لققه‬
‫انضاف الى ذلك سوء الجوار وإذا أجققاره بققأعلى أنققواع الذى‬
‫وذلك من أعظم البوائق وقد ثبت عن النبي صلى اللققه عليققه‬
‫وسلم أنه قال ل يدخل الجنققة مققن ل يققأمن جققاره بققوائقه ول‬
‫بائقه أعظم من الزناء بامرأته فالزناء بمائة امرأة ل زوج لها‬
‫أيسر عند الله من الزناء بامرأة الجار فان كان الجار أخا لققه‬
‫أو قريبا من أقاربه إنضم الى ذلك قطيعة الرحققم فيتضققاعف‬
‫الثم فان كان الجار غائبققا فققي طاعققة اللققه كالصققلة وطلققب‬
‫العلم والجهاد وتضاعف الثم حتى ان الزاني بققامرأة الغققازي‬
‫في‬
‫سبيل الله يوقف له يوم القيامة ويقال خققذ مققن حسققناته مققا‬
‫شئت قال النبي صلى اللققه عليققه وسققلم فمققا ظنكققم أي مققا‬
‫ظنكم أنه يترك له من حسنات قد حكم في أن يأخذ منها مققا‬
‫شاء على شدة الحاجة إلى حسنة واحدة حيث ل يققترك الب‬
‫لبنه ول الصديق لصديقه حقا يجب عليه فان اتفق أن تكققون‬
‫المرأة رحما منه انضاف الى ذلك قطيعة رحمهققا فققان اتفققق‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫أن يكون الزاني محصنا كان الثم أعظم فان كان شيخا كان‬
‫أعظم إثما وهو أحد الثلثة الذين ل يكلمهم الله يوم القيامققة‬
‫ول يزكيهم ولهم عذاب أليم فان اقترن بققذلك أن يكققون فققى‬
‫شهر حرام أو بلد حققرام أو وقققت معظققم عنققد اللققه كأوقققات‬
‫الصققلة وأوقققات الجابققة تضققاعف الثققم وعلققى هققذا فققاعتبر‬
‫مفاسد الذنوب وتضاعف درجاتها فققى الثققم والعقوبققة واللققه‬
‫المستعان‬
‫فصل‬
‫وجعل سقبحانه القطقع بقإذاء افسقاد المقوال القذي ل يمكقن‬
‫الحتراز منه فإن السققارق ل يمكققن الحققتراز منققه لنققه يأخققذ‬
‫الموال في الختفاء وينقب الدور ويتسور مققن غيققر البققواب‬
‫فهو كالسنور والحية التي تدخل عليك من حيث ل تعلم فلققم‬
‫ترفع مفسدة سرقته إلى القتل ول تندفع بالجلد فأحسققن مققا‬
‫دفعت به مفسدته أبانة العضققو الققذي تسققلط الجنايققة وجعققل‬
‫الجلد بققأذاء إفسققاد العقققول وتمزيققق سققلم بالقققذف فققدارت‬
‫عقوباته سبحانه الشرعية على هذه النواع الثلثة كمققا دارت‬
‫ثلثة أنواع العتق وهققو أعلهققا والطعققام والصققيام ثققم جعققل‬
‫سبحانه الذنوب ثلثة أقسام قسما فيه الحد فهذا لققم يشققرع‬
‫فيه كفارة اكتفاء بالحد وقنبما لم يترتب عليه حد فشرع فيه‬
‫الكفققارة كققالوطء فققي نهققار رمضققان والققوطء فققي الحققرام‬
‫الظهار وقتل الخطأ والحنث فى اليمين وغير ذلك وقسما لم‬
‫يترتب عليه حد ول كفارة وهو نوعان أحدهما ما كان الققوازع‬
‫عنه طبيعيا كأكققل العققذرة وشققرب البققول والققدم والثققاني مققا‬
‫كانت مفسدته أدنى من مفسدة ما رتب عليه الحد كققالنظرة‬
‫والقبلة واللمس والمحادثة‬
‫وسرقة فلس ونحو ذلققك وشققرع الكفققارات فققي ثلثققة أنققواع‬
‫أحدها ما كان مباح الصققل ثقم عققرض تحريمققه فباشققره فققى‬
‫الحالة التي عرض فيها التحريم كالوطء فققي الحققرام واليققام‬
‫وطرده الوطء فى الحيض والنفاس بخلف الوطء فى الققدبر‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫ولهذا كان إلحاق بعض الفقهاء له بالوطء فى الحيض ل يصح‬
‫فإنه ليباح فى وقت دون وقت فهو بمنزلققة التلققوط وشققرب‬
‫المسكر النوع الثاني ما عقد لله من نذر أو ما الله من يمين‬
‫أو حرمه الله ثم أراد حله فشرع الله سبحانه حلققه بالكفققارة‬
‫وسماها تحلة وليست هذه الكفارة ماحية لهتك حرمة السققم‬
‫بالحنث كما ظنه بعض الفقهاء فققان لحنققث قققد يكققون واجبققا‬
‫وقد يكون مستحبا وقد يكون مباحققا وإنمققا الكفققارة حققل لمققا‬
‫عقده النوع الثالث ما ‪2‬تكون فيه جابرة لما فات الخطأ وإن‬
‫لم يكن هناك إثم الصيد الخطأ وإن لم يكققن هنققاك إثققم فققإن‬
‫ذلك من باب الجوابر والنوع الول من بققاب الزواجققر والنققوع‬
‫الوسققط مققن بققاب التحلققة لمققا منعققه العقققد ول يجتمققع الحققد‬
‫والتعزيز فى معصية بل إن كان فيها حد اكتفى به وأل اكتفى‬
‫بالتعزيز ول يجتمع الحد والكفارة فى معصية بل كل معصققية‬
‫فيها حد فل كفارة فيها وما فيه كفارة فل حد فيه وهل يجتمع‬
‫التعزيز والكفارة فى المعصية التي ل حد فيهققا وجهققان وهققذا‬
‫كالوطء فى الحرام والصيام ووطء الحائض إذا أوجبنققا فيققه‬
‫الكفققارة فقيققل يجققب فيققه التعزيققز لمققا انتهققك مققن الحرمققة‬
‫بركوب الجناية وقيل ل تعزيز في ذلك أكتفقاء بالكفقارة لنهقا‬
‫جابرة وماحية‬
‫فصل‬
‫وأمققا العقوبققات القدريققة فهققي نوعققان نققوع علققى القلققوب‬
‫والنفوس ونوع على البققدان والمققوال والققتي علققى القلققوب‬
‫نوعان أحدهما آلم وجودية يضرب بها القلققب والثققاني قطققع‬
‫المواد التي بها حياته وصلحه عنه وإذا قطعت عنه حصل لققه‬
‫اضدادها وعقوبة القلوب أشد العقوبققتين وهققى أصققل عقوبققة‬
‫البدان وهذه العقوبة تقوى وتتزايد حتى تسققري مققن القلققب‬
‫إلى البدن كما يسققري ألققم البققدن إلققى القلققب فققإذا فققارقت‬
‫النفس البدن صار الحكم متعلقا بها فظهققرت عقوبققة القلققب‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫حينئذ وصارت علنيققة ظققاهرة وهققي المسققماة بعققذاب القققبر‬
‫ونسبته إلى البزوخ كنسبة‬
‫عذاب البدان إلى هذه الدار‬
‫الجواب الكافي ‪9‬‬
‫فصل‬
‫والتي على البدان أيضا نوعان فى الققدنيا ونققوع فققي الخققرة‬
‫وشدتها ودوامهققا بحسققب مفاسققد مققارتب عليققه فققي الشققدة‬
‫والخفققة فليققس فققى الققدنيا والخققرة شققر أصققل إل الققذنوب‬
‫وعقوباتها فالشر أسققم لققذلك كلققه وأصققله مققن شققر النفققس‬
‫وسيئات العمال وهما الصلن اللذان كان النبي صققلى اللققه‬
‫عليه وسلم يستعيذ منها فى خطبته بقققوله ونعققوذ بققالله مققن‬
‫شرور أنفسققنا ومققن سققيئات أعمالنققا وسققيئات العمققال مققن‬
‫شرور النفس فعاد الشر كله إلى شققر النفققس فققإن سققيئات‬
‫العمال من فروعه وثمراته وقد اختلف فى معنى قوله ومن‬
‫سيئات أعمالنا الشياطين معناه السىء مققن أعمالنققا فيكققون‬
‫من باب إضافة النوع إلى جنسه أو يكون بمعنققى مققن وقيققل‬
‫معناه من عقوباتها التي تسوء فيكون التقدير ومققن عقوبققات‬
‫أعمالنا التي تسوءنا ويرجح هققذا القققول أن السققتعاذة تكققون‬
‫قد تضمنت جميع الشر فإن شرور النفس تستلزم العمققال‬
‫السيئة وهي تستلزم العقوبات السيئة فنبققه بشققرور النفققس‬
‫على ما تقضيه من قبح العمال واكتفى بققذكرها منققه أو هققي‬
‫أصله ثم ذكر غاية الشر ومنتهاه وهققو السققيئات الققتى تسققوء‬
‫العبققد مققن عملققه مققن العقوبققات واللم فتضققمنت هققذه‬
‫الستعاذة أصل الشر وفروعه وغققايته ومقتضققاه ومققن دعققاء‬
‫الملئكة للمؤمنين قولهم وقهم السيئات ومققن تققق السققيئات‬
‫يومئذ فقدر رحمته فهذا يتضمن طلققب وقققايتهم مققن سقيئات‬
‫العمال وعقوباتهققا الققتى تسققوء صققاحبها فقإنه سققبحانه مققتى‬
‫وقاهم عمل السيء وقاهم جزاء السيء وإن كان قوله ومن‬
‫تق السيئات يومئذ فقد رحمته أظهققر فققى عقوبققات العمققال‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫المطلوب وقايتهم يومئذ فققإن قيققل فقققد سققألوه سققبحانه أن‬
‫يقيهم عذاب الجحيم وهذا هو وقاية العقوبققات السققيئة فققدل‬
‫على أن المراد السيئة التى سققألوا وقايتهققا العمققال السققيئة‬
‫ويكون الذى سأله الملئكة نظير ما ستعاذ منققه النققبي صققلى‬
‫الله عليه وسلم ول يرد على هذا قوله يومئذ فقإن المطلقوب‬
‫وقل شرور سققيئات العمققال ذلققك اليققوم وهققى سققيئات فققى‬
‫نفسققها قيققل وقايققة السققيئات نوعققان أحققدهما وقايققة فعلهققا‬
‫بالتوفيق فل تصدر منققه والثققاني وقايققة جزائهققا بققالمغفرة فل‬
‫يعاقب عليها فتضمنت الية سققؤال المريققن والظققرف تقييققد‬
‫للجملة الشرطية ل بالجملة الطلبيققة وتأمققل مققا تضققمنه هققذا‬
‫الخققبر عققن الملئكققة مققن مققدحهم باليمققان والعمققل الصققالح‬
‫والحسان إلى المؤمنين بالستغفار لهم‬
‫وقدموا بيققن يققدي اسققتغفارهم وتوسققلهم إلققى اللققه سققبحانه‬
‫بسعة علمه وسعة رحمته فسعة علمه يتضمن علمه بذنوبهم‬
‫وأسبابها وضعفهم عن العصققمة واسققتيلء عققدوهم وأنفسققهم‬
‫وهواهم وطباعهم ومازين لهم من الدنيا وزينتها وعلمققه بهققم‬
‫إذا نشققأهم مققن الرض وإذا هققم أجنققة فققى بطققون أمهققاتهم‬
‫وعلمققه السققابق بققأنهم ل بققد أن يعصققوه وأنققه يحققب العفققو‬
‫والمغفرة وغير ذلك من سعة علمققه الققذي ل يحيققط بققه أحققد‬
‫سققواه وسققعة رحمتققه تتضققمن أنققه ل يهلققك عليققه أحققد مققن‬
‫المؤمنين به من أهل توحيده ومحبته فققإنه واسققه الرحمققة ل‬
‫يخرج عن دائرة رحمته إل الشقياء ول أشقى ممن لم تسعه‬
‫رحمته التي وسعت كل شققيء ثققم سققألوه أن يغفققر للتققائبين‬
‫القذين اتبعققوا سقبيله وهقو صققراطه الموصقل إليقه الققذى هقو‬
‫معرفته ومحبته وطققاعته فيمققا أمققر وتققرك مققا يكققره واتبعققوا‬
‫السبيل الذي يحبها ثم سألوه أن يقيهققم عققذاب الجحيققم وأن‬
‫يدخلهم والمؤمنين من أصولهم وفروعهققم وأزواجهققم جنققات‬
‫عدن الققتي وعققدهم بهققا وهققو سققبحانه وإن صققلى اللققه عليققه‬
‫وسلم كان ل يخلف الميعققاد فققإنه وعققدهم بهققا بأسققباب مققن‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫جملتها دعاء الملئكة لهم بأن يدخلهم إياها يدخلونها برحمتققه‬
‫القتي منهقا أن وفقهقم لعمالهقا وأققام ملئكتقه يقدعون لهقم‬
‫بدخلولها ثم أخبر سبحانه عن ملئكته أنهم قالوا عقيب هققذه‬
‫الدعوة العزيز الحكيم أي مصققدر ذلقك وسقببه وغقايته صقادر‬
‫عن كمال قققدرتك وكمققال علمققك فققإن العققزة كمققال القققدرة‬
‫والحكمققة كمققال العلققم وبهققاتين الصققفتين يقضققي سققبحانه‬
‫وتعالى ما يشاء ويأمر وينهى ويثيب ويعاقب فهاتان الصفتان‬
‫مصدر الخلق والمر والمقصود أن عقوبققات السققيئات تتنققوع‬
‫إلى عقوبات شرعية وعقوبات قدريقة وهقي إمقا فقي القلقب‬
‫وإما فقي البقدن وإمقا فيهمقا وعقوبقات فقي دار القبرزخ بعقد‬
‫الموت وعقوبات يوم عود الجسام في الدار الخرة فالققذنب‬
‫ل ولو من عقوبة البتة ولكن لجهل العبد ل يشعر بما هو فيققه‬
‫من العقوبة لنه بمنزلة السكران‬
‫والمخدر والنائم الذي ل يشعو بققاللم فققإذا اسققتيقظ وصققحي‬
‫أحسن بالمؤلم فترتب العقوبات علققى الققذنوب كققترتب النققار‬
‫والكسر على النكسار والغتراف على المققاء وفسققاد البققدن‬
‫على السققموم والمققراض للسققباب الجالبققة لهققا وققد تقققارن‬
‫المضرة للذنب وقد تتأخر عنه إما يسير وإما مدة كما يتققأخر‬
‫المرض عن سببه أن يقارنه وكثيرا ما يقع الغلققط للعبققد فققي‬
‫هذا المقام ويذنب الذنب فل يري أثققره عقيبققه ول يققدري أنققه‬
‫يعمل وعمله على التدريج شققيئا فشققيئا كمققا تعمققل السققموم‬
‫والشياءالضارة حذو القذة بالقققذة فققإن تققدارك العبققد نفسققه‬
‫بالدوية والستفراغ والحمية وإل فهو صققائر إلققى الهلك هققذا‬
‫إذا كان ذنبا واحدا لم يتداركه بما يزيققل أثققره فكيققف بالققذنب‬
‫على الذنب كل يوم وكل ساعة والله المستعان‬
‫فصل‬
‫فاستحضر بعض العقوبات الققتى رتبهققا اللققه سققبحانه وتعققالى‬
‫على الذنوب وجوز وصولها إليك واجعققل ذلققك داعيققا للنفققس‬
‫إلى هجرانها وأنا أسوق إليك منهققا طرفققا يكفققي العاقققل مققع‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫التصققديق ببعضققه فمنهققا الختققم علققى القلققوب والسققماع‬
‫والغشاوة على البصار والقفال على القلققوب وجعققل الكنققة‬
‫عليها والرين عليهققا والطبققع عليهققا وتقليققب الفئدة والبصققار‬
‫والحيلولة بين المققرأ وقلبققه واغفققال القلققب عققن ذكققر الققرب‬
‫وإنساء العبد نفسققه وتققرك إرادة اللققه تطهيققر القلققب وجعققل‬
‫الصدر ضيقا حرجا كأنما يصعد في السققماء وصققرف القلققوب‬
‫عن الحق وزيادتها مرضقا علقى مرضققها وإركاسققها وإنكاسققها‬
‫المجاشعي تقى ! سوسة كما ذكر المام أحمققد عققن حذيفققة‬
‫ابن اليمان رضي الله عنه أنه قال القلوب أربعة فقلب أجرد‬
‫فيه سراج يزهر فذلك قلب المؤمن وقلب أغلف فذلك قلققب‬
‫الكققافر وقلققب منكققوس فققذلك قلققب المنققافق وقلققب تمققده‬
‫مادتان مادة إيمان ومادة نفققاق وهققو لمققا غلققب عليققه منهمققا‬
‫ومنها التثبط عن الطاعة والبتعققاد عنهققا ومنهققا جعققل القلققب‬
‫أصم ل يسمع الحق أبكم ل ينطق بققه أعمققى ل يققراه فيصققير‬
‫النسبة بين القلب وبين الحق الققذى ل ينفعققه غيققره كالنسققبة‬
‫بين أذن الصققم والصققوات وعيققن العمققى واللققوان ولسققان‬
‫الخرس والكلم وبهذا يعلم أن الصم والبكم والعمى للقلققب‬
‫بالذات والحقيقة والجوارح بققالفرض والتبعيققة فإنهققا ل تعمققى‬
‫البصار ولكن تعمى القلوب التى فى الصدور وليققس المققراد‬
‫نفى العمى الحسي عن البصر كيققف وقققد قققال تعققالى ليققس‬
‫على العمى حرج وقال عبس وتولى أن جاءه العمى وإنمققا‬
‫المراد أن العمى التام على الحقيقققة عمققي القلققب حققتى أن‬
‫عمي البصر بالنسبة إليه كالعمى حققتى يصققح نفيققه بالنسققبة‬
‫الى كماله وقوته كما قال النبي صلى الله عليه وسققلم ليققس‬
‫الشديد بالصرعة ولكن الذي يملك نفسه عند الغضب وقققوله‬
‫صلى الله عليه وسلم ليس المسكين بققالطواف الققذى تققرده‬
‫اللقمة واللقمتان ولكن المسقكين القذى ل يسقئل النقاس ول‬
‫يفطن له فيتصدق عليققه ونظققائره كققثيرة والمقصققود أن مققن‬
‫عقوبققات المعاصققي جعققل القلققب أعمققى أصققم أبكققم ومنهققا‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫الخسف بالقلب كما يخسف بالمكققان ومققا فيققه فيخسققف بققه‬
‫إلى أسفل سافلين وصاحبه ل يشعر وعلمة الخسف بققه أنققه‬
‫ل يزال جوال حول السفليات والقاذورات والققراذائل كمققا أن‬
‫القلب الذى رفعه الله وقربه إليققه ل يققزال جققوال حققول الققبر‬
‫والخيققر ومعققالي المققور والعمققال والقققوال والخلق قققال‬
‫بعض السلف إن هذه القلوب جوالة فم ‪4‬نها ما يجققول حققول‬
‫العرش ومنهققا مققا يجققول حققول الحشققر ومنهققا مسققخ القلققب‬
‫فيمسخ كما تمسخ الصورة فيصير القلب على قلب الحيققوان‬
‫الذي شابهه في أخلقه وأعمققاله وطققبيعته فمققن القلققوب مققا‬
‫يمسخ على قلققب خنزيققر لشققدة شققبه صققاحبه بققه ومنهققا مققا‬
‫يمسخ على خلق كلب أو حمار أو حية أو عقققرب وغيققر ذلققك‬
‫وهذا تأويل سفيان بن عيينة فى قوله تعالى وما من دابة فى‬
‫الرض ول طائر يطير بجناحيه ال أمم أمثالكم قال منهم مققن‬
‫يكققون علققى أخلق السققباع العاديققة ومنهققم مققن يكققون علققى‬
‫أخلق الكلب وأخلق الخنققازير وأخلق الحميققر ومنهققم مققن‬
‫يتطوس في ثيابه لحما بتطوس الطاووس فى ريشه ومنهققم‬
‫من يكون بليد كالحمار ومنهم من يؤثر علققى نفسققه كالققديك‬
‫ومنهم من يألف ويؤلققف كالحمققام ومنهققم الحقققود كالجمققل‬
‫ومنهم الذى هو خير كله كالغنم ومنهم أشباه الققذئاب ومنهققم‬
‫أشباه الثعالب التى يروغ كروغانها وقد شبه الله تعالى أهققل‬
‫الجهل والغى بالحمر تارة وبالكلب تارة وبالنعام تارة وتقوي‬
‫هذه المشابهة باطنا حتي تظهر في الصورة الظاهرة ظهورا‬
‫خفيا يراه المتفرسون ويظهر فى العمال ظهققورا يققراه كققل‬
‫أحد ول يزال يقوي حققتي تعلققو الصققورة فنقلققب لققه الصققورة‬
‫بإذن اللققه وهققو المسققخ التققام فيقلققب اللققه سققبحانه وتعققالى‬
‫الصورة الظاهرة على صورة ذلك الحيوان كما فعققل بققاليهود‬
‫وأشققباههم ويفعققل بقققوم مققن هققذه المققة ويمسققخم قققردة‬
‫وخنازير فسبحان الله كم من قلب منكوس وصاحبه ل يشعر‬
‫وقلب ممسوخ وقلققب مخسققوف بققه وكققم مققن مفتققون بثنققاء‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫الناس عليه ومغرور بسققتر اللققه عليققه ومسققتدرج بنعققم اللققه‬
‫عليه وكل هذه عقوبققات وإهانققة ويظققن الجاهققل أنهققا كرامققة‬
‫ومنهققا مكققر اللققه بالمققاكر ومخققادعته للمخققادع واسققتهزاؤه‬
‫بالمستهزىء وإزاغته لقلققب الققزائغ عققن الحققق ومنهققا نكققس‬
‫القلب حتى يرى الباطل حقا والحق باطل والمعروف منكققرا‬
‫والمنكر معروفا ويفسد ويرى أنه يصلح ويصد عن سبيل الله‬
‫وهو يرى أنه يدعى إليها ويشتري الضللة بالهدى وهققو يققرى‬
‫أنه على الهدى ويتبع هواه وهو يزعم أنه مطيع لمققوله وكققل‬
‫هذا من عقوبات الذنوب القلققوب ومنهققا حجققاب القلققب عققن‬
‫الرب فى الدنيا والحجاب الكبر يوم القيامة كما قققال تعققالى‬
‫كل إنهم عققن ربهققم يققومئذ لمحجوبققون فمنعتهققم الققذنوب أن‬
‫يقطعوا المسافة بينهم وبين قلوبهم فيصققلوا اليهققا فيققروا مققا‬
‫يصلحها ويزكيها وما يفسدها ويشقيها وإن يقطعققوا المسققافة‬
‫بين قلققوبهم وبيققن ربهققم فتصققل القلققوب إليققه فتفققوز بقربققه‬
‫وكرامته وتقربه عينققا وتطيققب بققه نفسققا بققل كققانت الققذنوب‬
‫حجابا بينهم وبين قلوبهم وحجابا بينهم وبيققن ربهققم وخققالقهم‬
‫ومنها المعيشة الضنك في الدنيا وفي الققبرزخ والعققذاب فققى‬
‫الخرة قال تعالي ومن أعرض عققن ذكققرى فققإن لققه معيشققة‬
‫ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى وفسرت المعيشققة الضققنك‬
‫بعذاب القبر ول ريب أنه من المعيشة الضققنك واليققة تتنققاول‬
‫ما هققو أعققم منققه وإن كققانت نكققرة فققى سققياق الثبققات فققإن‬
‫عمومها من حيث المعنى فإنه سبحانه رتب المعيشة الضنك‬
‫علققى العققراض عققن ذكققره فققالمعرض عنققه لققه مققن ضققنك‬
‫المعيشة بحسب إعراضه وإن تنعم فى الدنيا بأصناف النعققم‬
‫ففي قلبه من الوحشة والذل والحسرات التي يقطع القلوب‬
‫والماني الباطلة والعذاب الحاضر ما فيققه وإنمققا تققواريه عنققد‬
‫سكرات الشققهوات والعشققق وحققب الققدنيا والرياسققة إن لققم‬
‫ينضم إلى ذلك سكر الخمر فسكرها هذه المور أعظققم مققن‬
‫سكر الخمر فإنه يفيق صاحبه ويصحوا وسققكر الهققوى وحققب‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫الققدنيا ل يصققحوا صققاحبه إل إذا سققكر فققي عسققكر المققوات‬
‫فالمعيشة الضنك لزمة لمن أعرض عن ذكر الله الذي أنزله‬
‫على رسوله صلى الله عليه وسققلم فققى دنيققاه وفققي الققبرزخ‬
‫ويوم معاده ول تقر العين ول يهدى القلب ول تطمئن النفس‬
‫إل بألهها ومعبودها الذى هققو حققق وكققل معبققود سققواه باطققل‬
‫فمن قرت عينه بالله قرت به كل عيققن ومققن لققم تقققر عينققه‬
‫بالله تقطعت الدنيا حسرات واللققه تعققالى إنمققا جعققل الحيققاة‬
‫الطيبة لمن آمن بالله وعمل صالحا كما قال تعالى من عمل‬
‫صققالحا مققن ذكققر أو أنققثى وهققو مققؤمن فلنحيينققه حيققاة طيبققة‬
‫ولنجزينهم أجرهققم بأحسققن مققا كققانوا يعملققون فضققمن لهققل‬
‫اليمققان والعمققل الصققالح الجققزاء فقى الققدنيا بالحيققاة الطيبققة‬
‫والحسني يوم القيامة فلهم أطيب الحياتين وهققم أحيققاء فققى‬
‫الدارين ونظير هققذا قققوله تعققالى وللققذين أحسققنوا فققى هققذه‬
‫الدنيا حسنة ولدار الخرة خيققر ولنعققم دار المتقيققن ونظيرهققا‬
‫قوله تعالى وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكققم متاعققا‬
‫حسنا إلى أجققل مسققمى ويققؤت كققل ذي فضققل فضققله ففققاز‬
‫المتقون المحسنون بنعيم الدنيا والخرة الحيققاة الطيبققة فققى‬
‫الققدارين فققإن طيققب النفققس وسققرور القلققب وفرحققه ولققذته‬
‫وابتهاجه وطمققأنينته وانشققراحه ونققوره وسققعته وعققافيته مققن‬
‫ترك الشهوات المحرمة والشبهات الباطلققة هققو الحقيقققة ول‬
‫نسبة لنعيم البدن إليه فقد قال بعض من ذاق هذه اللققذة لققو‬
‫علم الملوك وأبناء ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف وقال‬
‫آخر إنه يمر بالقلب أوقات أقول فيها إن أهل الجنة فى مثل‬
‫هذا إنهم لفى عيش طيب وقال الخر إن فى الدنيا جنة هققى‬
‫في الدنيا كالجنة في الخرة من لم يققدخلها لققم يققدخل جنققة‬
‫الخرة وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم الى هذه الجنة‬
‫بقوله إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا قالوا وما رياض الجنققة‬
‫قال حلق الذكر وقال ما بين بيتي ومنبري روضة مققن ريققاض‬
‫الجنققة ولتظققن أن قققوله تعققالى ان البققرار لفققي نعيققم وإن‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫الفجار لفي جحيم يختص بيققوم المعققاد فقققط بققل هققؤلء فققى‬
‫نعيم فى دورهم الثلثة وهؤلء فى جحيم فقى دورهقم الثلثقة‬
‫وأي لذة ونعيم فى الدنيا أطيب من بر‬
‫القلب وسلمة الصدر ومعرفة الرب تعققالى ومحبتقه والعمققل‬
‫علققى مققوافقته وهققل عيققش فققي الحقيقققة ال عيققش القلققب‬
‫السليم وقد أثنى الله تعالى على خليله عليه السلم بسققلمة‬
‫القلب فقال وإن من شيعته لبراهيم إذا جاء ربه بقلب سليم‬
‫وقال حاكيا عنه أنه قال يوم ل ينفع مال ول بنون إل من أتى‬
‫الله بقلب سليم والقلب السليم هو الذى سقلم مقن الشقرك‬
‫والغل والحقد والحسد والشح والكبر وحب الققدنيا والرياسققة‬
‫فسلم من كققل آفققة تبعققده مققن اللققه وسققلم مققن كققل شققبهة‬
‫تعارض خبره ومن كل شهوة تعققارض أمققره وسققلم مققن كققل‬
‫إرادة تزاحم مراده وسلم مققن كققل قققاطع يقطعققه عققن اللققه‬
‫فهذا القلب السليم فى جنة معجلة فى الدنيا وفى جنققة فققى‬
‫البرزخ وفى جنة يققوم المعققاد ول نققص لققه سققلمته ‪ 56‬حققتى‬
‫يسلم من خمسة أشققياء مققن شققرك ينققاقض التوحيققد وبدعققة‬
‫تخالف السنة وشهوة تخالف المر وغفلة تناقض الققذكر وهققو‬
‫يناقض التجريد والخلص يعم وهذه الخمسة حجب عن اللققه‬
‫وتحت كل واحد منها أنواع كثيرة تتضمن أفققراد الشققخاص ل‬
‫تحصر ولذلك اشتدت حاجة العبد بل ضرورته إلققى أن يسققأل‬
‫الله أن يهققديه الصققراط المسققتقيم فليققس العبققد أحققوج الققى‬
‫شيء منقه القى هقذه القدعوة وليقس شقيء أنفقع منهقا فقان‬
‫الصققراط المسققتقيم يتضققمن علومققا وإرادة وأعمققال وتروكققا‬
‫ظاهرة وباطنققة تجققري عليققه كققل وقققت فتفاصققيل الصققراط‬
‫المستقيم قد يعلمهققا العبققد وقققد ل يعلمهققا وقققد يكققون مققا ل‬
‫يعلمه أكثر مما يعلمه وما يعلمه قد يقدر عليققه وقققد ل يقققدر‬
‫عليه وهو من الصراط المسققتقيم وإن عجققز عنققه ومققا يقققدر‬
‫عليه قد تريده نفسه وقد ل تريده كسل وتهاونا أو لقيام مانع‬
‫وغير ذلك وما تريده قد يفعلققه وققد ل يفعلقه ومقا يفعلقه ققد‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫يقوم بشروط الخلص وقد ل يقوم وما يقققوم فيققه بشققروط‬
‫الخلص قد يقوم فيه بكمال المتابعة وقد ل يقوم ومقا يققوم‬
‫فيه بالمتابعة قد يثبت عليه وقد صرف قلبققه عنققه وهققذا كلققه‬
‫واقع سار في الخلق فمسققتقل ومسققتكثر وليققس فققى طبققاع‬
‫العبد الهداية إلى ذلك كله بل متي وكل إلى طباعه حيل بينه‬
‫وبين ذلك وهذا هو الركاس الذي أركس اللققه بققه المنققافقين‬
‫بذنوبهم فاعادهم إلى طباعهم وما خلقت عليه نفوسهم مققن‬
‫الجهل والظلم والرب تبارك وتعققالى علققى صققراط مسققتقيم‬
‫في قضائه وقدره وأمر ونهيه فيهدي من يشققاء الققى صققراط‬
‫مستقيم بفضله ورحمته وجعل الهداية حيث تصققلح ويصققرف‬
‫من يشاء عن صراط مستقيم بعدله وحكمتققه لعققدم صققلحية‬
‫المحل وذلك موجب صراط المسققتقيم الققذي هققو عليققه فهققو‬
‫علققى صققراط مسققتقيم ونصققب لعبققاده مققن أمققره مسققتقيما‬
‫دعاهم جميعا إليه حجة منه وعدل وهدى من يشاء منهم إلى‬
‫سلوكه نعمة منه وفضل ولم يخرج بهذا العدل وهققذا الفضققل‬
‫عن صراطه المستقيم الذي هو عليه فإذا كققان يققوم القيامققة‬
‫نصب لخلقه صراطا مستقيما يوصلهم إلى جنتققه ثققم صققرف‬
‫عنه من صرف عنققه فققى الققدنيا وأقققام مققن أقققام فققى الققدنيا‬
‫وجعل نو المؤمنين به وبرسوله وما جققاء بققه الققذي كققان فققى‬
‫قلققوبهم فققى الققدنيا نققورا ظققاهرا لهققم يسققعى بيققن أيققديهم‬
‫وبأيمانهم فى ظلمة الحشر وحفظ‬
‫عليهم نورهم حتى يقطعوه كما حفققظ عليهققم اليمققان حققتى‬
‫لقوه وأطفى نور المنافقين أحوج ما كانوا إليققه كمققا أطفققأه‬
‫من قلوبهم فى الدنيا وأقام أعمال العصاة بجنبققتي الصققراط‬
‫كلليققب وحسققكا تخطفهققم كمققا تخطفهققم فققى الققدنيا عققن‬
‫الستقامة عليه قدر سيرهم وسرعتهم إليه فى الدنيا ونصب‬
‫للمؤمنين حوضا يشربون منه بازاء شربهم مققن شققرعه فققى‬
‫الدنيا وحرم من الشرب منققه هنققاك مققن حققرم الشققرب مققن‬
‫شرعه ودينه ههنا فنظروا إلى الخرة كأنها رأى عيققن وتأمققل‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫ولكمل الله سبحانه فى الدارين تعلم حينئذ علما يقينا لشك‬
‫فيه أن الدنيا مزرعة الخرة وعنوانها وانموذجها وأن منققازل‬
‫الناس فيها من السعادة حسب منازلهم فى هققذه الققدار فققى‬
‫اليمان والعمل الصالح وضدها وبققالله التوفيققق فمققن أعظققم‬
‫عقوبات الذنوب الخروج عن الصراط فى الدنيا والخرة‬
‫فصل‬
‫ولما كانت الذنوب متفاوتققة فققى درجاتهققا ومفاسققدها تفققاوت‬
‫عقوباتها فى الدنيا والخرة بحسب تفاوتها ونحققن نققذكر فيهققا‬
‫بعون الله فصل وجيزا جامعا فتقول أصلها نوعان ترك مأمور‬
‫وفعل محضور وهما الذنبان اللذان ابتلى اللققه سققبحانه أبققوي‬
‫علمني والنس بهما وكلهما ينقسم باعتبار محله إلي ظققاهر‬
‫على الجوارح وباطنا فى القلوب وباعتبققار متعلقققة إلققى حققق‬
‫الله وحق خلقه وإن كان كل حق لخلقه فهققو متضققمن لحقققه‬
‫لكققن سققمى حقققا للخلققق لنققه يجققب بمطققالبتهم ويسقققط‬
‫باسقاطهم ثم هذه الذنوب تنقسم إلى أربعققة أقسققام ملكيققة‬
‫وشيطانية وسبعية وبهيمية ل تخققرج عققن ذلققك فققإن الققذنوب‬
‫الملكية أن من يتعاطا مققا ل يصققلح لققه مققن صققفات الربوبيققة‬
‫كالعظمققة والكبريققاء والجققبروت والقهققر والعلققو والظلققم‬
‫واستعباد الخلق ونحو ذلك ويققدخل فققى هققذا الشققرك بققالرب‬
‫تعالى وهو نوعان شرك به فى أسمائه وصققفاته وجعققل آلهققة‬
‫أخرى معه وشرك به فى معاملته وهذا الثققاني قققد ل يققوجب‬
‫دخول النار وإن أحبط العمل الذي أشرك فيه مع اللققه غيققره‬
‫وهذا القسم أعظم أنواع الذنوب ويدخل فيه القول على الله‬
‫بل علم فى خلقه وأمره فمن كان من أهل هذه الذنوب فقد‬
‫نازع الله سبحانه ربوبيته وملكيه وجعل له نققدا وهققذا أعظققم‬
‫الذنوب عند الله ول ينفع معه عمل‬
‫فصل‬
‫وأمققا الشققيطانية فالتشققبه بالشققيطان فققى الحسققد والبغققي‬
‫والغققش والغققل والخققذاع والمكققر والمققر بمعاصققي اللققه‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫وتحسينها والنهى عن طاعة الله وتهجينها والبتداع فققى دينققه‬
‫والدعوة إلى البدع والضلل وهذا النوع يلى النققوع الول فققى‬
‫المفسدة وإن كانت مفسدته دونه‬
‫فصل‬
‫وأمققا السققبعية فققذنوب العققدوان والغضققب وسققفك الققدماء‬
‫والتققوثب علققى الضققعفاء والعققاجزين ويتولققد منهققا أنققواع أذي‬
‫النوع النساني والجرأة على الظلم والعققدوان وأمققا الققذنوب‬
‫البهيمية فمثل الشرة قضاء شهوة البطن والفرج ومنها يتولد‬
‫الزنا والسرقة وأكل أموال اليتققامى والبخققل والشققح والجبققن‬
‫والهلع والجزع وغيققر ذلققك وهققذا القسققم أكققثر ذنققوب الخلققق‬
‫لعجزهم عن الذنوب السققبعية والملكيققة ومنققه يققدخلون إلققى‬
‫سائر القسام فهو يجرهم إليها‬
‫بزمام فيدخلون منه إلى الذنوب السبعية ثم إلي الشققيطانية‬
‫ثم منازعة الربوبية والشرك فى الوحدانية ومققن تأمققل هققذا‬
‫حققق التأمققل تققبين لققه ان الققذنوب دهليققز الشققرك والكفققر‬
‫ومنازعة الله ربوبية‬
‫فصل‬
‫وقد دل القرآن والسققنة وإجمققاع الصققحابة والتققابعين بعققدهم‬
‫والئمة على أن من الذنوب كبائر وصغائر قال الله تعالى إن‬
‫تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وقققال تعققالى‬
‫والققذين يجتنبققون كبققائر السققم والفققواحش إل اللمققم وفققى‬
‫الصققحيح عنققه صققلى اللققه عليققه وسققلم أنققه قققال الصققلوات‬
‫الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلي رمضان مكفرات‬
‫لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر وهذه العمال المكفرة لها ثلث‬
‫درجات أحدها أن تقصر عن تكفير الصغائر لضققعفها وضققعف‬
‫الخلص فيها والقيام بحقوقها بمنزلة الدواء للضققعيف الققذى‬
‫ينقص‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫عن مقاومة الداء كمية وكيفية الثانيققة أن تقققاوم الصققغائر ول‬
‫ترتقي إلى تكفير شققىء مققن الكبققائر الثالثققة أن تقققوى علققى‬
‫تكفير الصغائر وتبقى فيها قوة تكفر بها بعض الكبائر فتأمققل‬
‫هذا فإنه يزيل عنك إشكالت كثيرة وفى الصحيح عنققه صققلى‬
‫الله عليه وسلم أنه قال ال أنبئكم بأكبر الكبققائر قلنققا بلققى يققا‬
‫رسول فقال الشراك بالله وعقوق الوالدين وشققهادة الققزور‬
‫وروي فى الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم اجتنبققوا السققبع‬
‫الموبقات قيل‬
‫وما هن يا رسققول اللققه قققال الشققراك بققالله والسققحر وقتققل‬
‫النفس التي حرم الله ال بالحق وأكل مال اليتيم وأكل الربا‬
‫والتولى يوم الزحف وقذف المحصققنات الغققافلت المؤمنققات‬
‫وفى الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه سقئل أي القذنب‬
‫أكبر عند الله قال أن تجعل لله ندا وهققو خلفققك قيققل ثققم أى‬
‫قال أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك قيل ثم أي قال أن‬
‫تزنققي بحليلققة جققارك فققأنزل اللققه تعققالى تصققديقها والققذين ل‬
‫يدعون مع الله إلها آخر ول يقتلون النفس التى حرم اللققه إل‬
‫بالحق ول يزنون الية واختلف الناس فى الكبققائر الشققياطين‬
‫لها عدد يحصرها على قولين ثم الذين قالوا بحصرها اختلفوا‬
‫فى عددها فقال عبد الله بن مسعود هي أربعة وقال عبدالله‬
‫بن عمر هى سبعة وقال عبد الله بن عمرو ابن العققاص هققي‬
‫تسعة وقال غيره هي إحقدى عشقر وققال آخقر هقي سقبعون‬
‫وقال أبو طالب المكى جمعتها من أقوال الصققحابة فوجققدتها‬
‫أربعة فى القلب وهى الشرك بالله والصرار علققى المعصققية‬
‫والقنوط من رحمة الله والمققن مققن مكققر اللققه وأربعققة فققى‬
‫اللسققان وهققى شققهادة الققزور وقققذف المحصققنات واليميققن‬
‫الغموس والسحر وثلثة فى البطن شرب الخمر وأكققل مققال‬
‫اليتيم وأكل الربققا واثنتققان فققى الفققرج وهمققا الزنققا واللواطققة‬
‫واثنان فى اليدين وهما القتل والسرقة وواحدة فى الرجلين‬
‫وهى الفرار من الزحف وواحدة تتعلق بجميققع الجسققد وهققى‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫عقوق الوالدين والذين لم يحصروها بعدد منهم من قال كلما‬
‫نهى الله فى القرآن فهو كبيرة وما نهى عنه الرسققول صققلى‬
‫الله عليه وسلم فهو صغيرة وقالت طائفة ما اقققترن بققالنهى‬
‫عنه وعيد من لعن أو غضب أو عقوبة فهو كبيرة ومالم يقرن‬
‫به من ذلك شىء فهو صغيرة وقيل كلما رتب عليه حققد فققى‬
‫الدنيا أو وعيد فى الخرة فهو كبيرة وما لم يرتب عليه ل هذا‬
‫ول هذا فهو صغيرة وقيل كلما اتفقت الشرائع علقى تحريمقه‬
‫فهو من الكبائر وما كققان تحريمققه فققى شققريعة دون شققريعة‬
‫فهو صغيرة وقيل كلما لعن الله أو رسوله فاعله فهققو كققبيرة‬
‫وقيل كلما ذكر من أول سورة النساء إلققى قققوله أن تجتنبققوا‬
‫كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم والذين لم يقسموها‬
‫إلققى كبققائر وصققغائر قققالوا الققذنوب كلهققا بالنسققبة الققى اللققه‬
‫سبحانه معصيته ومخالفة أمره كبائر فانظر الققى مققن عصققى‬
‫أمره وانتهقك محقارمه تقوجب أن تكقون القذنوب كلهقا كبقائر‬
‫وهى مستوية فى هذه المفسدة قققالوا ويوضققح هققذا إن اللققه‬
‫سبحانه ل نضره الذنوب‬
‫ول يتأثر بها فل يكون بعضها بالنسبة اليه أكبر من بعض فلققم‬
‫يبق إل مجرد معصيته ومخالفته ول فرق فى ذلققك بيققن ذنققب‬
‫وذنب قققالوا ويققدل عليققه أن مفسققدة الققذنب تابعققة للجققراءة‬
‫والثواثب على حق الرب تبارك وتعالى ولهذا لو شرب رجققل‬
‫خمرا أو وطأ فرجا حراما وهو ل يعتقد تحريمه لكان قد جمع‬
‫بين الجهل وبين مفسدة ارتكاب الحرام ولو فعققل ذلققك مققن‬
‫يعتقد تحريمه لكان أتي باحد المفسدتين وهو الققذى يسققتحق‬
‫العقوبة دون الول أن مفسدة الذنب تابعة للجراءة والتققوثب‬
‫قالوا ويقدل علقى هققذا أن المعصقية تتضققمن السقتهانة بقأمر‬
‫المطاع ونهيه وإنتهققاك حرمتققه وهققذا ل فققرق فيققه بيققن ذنققب‬
‫وذنب قالوا فل ينظر العبد إلى كبر الذنب وصغره فى نفسققه‬
‫ولكن ينظر إلققى قققدر مققن عصققاه وعظمتققه وإنتهققاك حرمتققه‬
‫بالمعصية وهذا ل يقترن فيه الحال بين معصية ومعصية فققإن‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫ملكا عظيما مطاعا لو أمر أحد مملوكيه أن يذهب فققى مهققم‬
‫له إلى بلد بعيد وأمر آخر أن يذهب فى شغل له إلققى جققانب‬
‫الدار فعصياه وخالفا أمره لكانا فى مقته والسقوط من عينه‬
‫سواء قالوا ولهذا كانت معصية من ترك الحج من مكة وترك‬
‫الجمعة وهو جار المسققجد أقبققح عنققد اللققه مققن معصققية مققن‬
‫تركه من المكان البعيد هذا أكثر من هذا ولو كققان مققع رجققل‬
‫مائتا درهم فمنع زكاتها ومع آخر مائتا ألف درهم فمنع زكاتها‬
‫ل يستويا فى منع مققا وجققب علققى كققل واحققد منهمققا وليبعققد‬
‫استواؤهما فى العقوبققة إذا كققان كل منهمققا مصققر علققى منققع‬
‫قليل كان المال أو كثيرا‬
‫الجواب الكافي ‪10‬‬
‫فصل‬
‫وكشف الغطاء عن هذه المسألة أن يقال إن الله عز وجل‬
‫أرسل رسله وأنزل كتبه وخلق السموات والرض ليعرف‬
‫ويعبد ويوجد ويكون الدين كله له والطاعة كلها له والدعوة‬
‫له كما قال تعالي وما خلقت علمني والنس إل ليعبدون‬
‫وقال تعالى وماخلقنا السموات والرض وما بينهما إل بالحق‬
‫وقال تعالى الله الذي خلق سبع سموات ومن الرض مثلهن‬
‫يتنزل المر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن‬
‫الله قد أحاط بكل شيء علما وقال تعالى جعل الله الكعبة‬
‫البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدى والقلئد‬
‫ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما فى السموات والرض وأن الله‬
‫بكل شيء عليم فأخبر سبحانه أن القصد بالخلق والمر ان‬
‫يعرف باسمائه وصفاته ويعبد وحده ليشرك به وأن يقوم‬
‫الناس بالقسط وهو العدل الذي قامت به السموات والرض‬
‫كما قال تعالى لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم‬
‫الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط فأخبر سبحانه أنه‬
‫أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط وهو العدل‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫ومن أعظم القسط التوحيد بل هو رأس العدل وقوامه وأن‬
‫الشرك ظلم كما قال تعالى إن الشرك لظلم عظيم‬
‫فالشرك أظلم الظلم والتوحيد أعدل العدل فما كان أشد‬
‫منافاة لهذا المقصود فهو أكبر الكبائر وتفاوتها فى درجاتها‬
‫بحسب منافاتها له وما كان أشد موافقة لهذا المقصود فهو‬
‫أوجب الواجبات وأفرض الطاعات فتأمل هذا الصل حق‬
‫التأمل واعتبر به تفاصيله تعرف به أحكم الحاكمين وأعلم‬
‫العالمين فيما عباده وحرمه عليهم وتفاوت مراتب الطاعات‬
‫والمعاصي فلما كان الشرك بالله منافيا بالذات لهذا‬
‫المقصود كان أكبر الكبائر على الطلق وحرم الله الجنة‬
‫على كل يوم وأباح دمه وماله وأهله لهل التوحيد وأن‬
‫يتخذوهم عبيدا لهم لما تركوا القيام بعبوديته وأبى الله‬
‫سبحانه من يوم عمل فيه شفاعة أو يستجيب له فى الخرة‬
‫دعوة له عشرة فإن المشرك أجهل الجاهلين بالله حيث‬
‫جعل له من خلقه ندا وذلك غاية الجهل به كما أنه غاية‬
‫الظلم منه وإن كان المشرك لم يظلم ربه وإنما ظلم نفسه‬
‫ووقعت مسألة وهى أن المشرك إنما قصده تعظيم جناب‬
‫الرب تبارك وتعالى أو انه لعظمته ل ينبغي الدخول عليه إل‬
‫بالوسائط والشفعاء كحال الملوك فالمشرك لم يقصد‬
‫الستهانة بجناب الربوبية وإنما قصد تعظيمه وقال إنما أعبد‬
‫هذه الوسائط لتقربني إليه وتدخلني عليه فهو المقصود‬
‫وهذه وسائل وشفعاء فلم كان هذا القدر موجب لسخطه‬
‫وغضبه تبارك وتعالى ومخلدا فى النار وموجبا سفك دماء‬
‫أصحابه واستباحة حريمهم وأموالهم وترتب على هذا سؤال‬
‫آخر وهو أنه الشياطين يجوز أن يشرع‬
‫الله سبحانه لعباده التقرب إليه بالشفعاء والوسائط فيكون‬
‫تحريم هذا إنما استفيد من راحم أم ذلك قبيح في الفطر‬
‫والعقول يمتنع أن تأتي به شريعة بل جاءت بتقرير ما في‬
‫الفطر والعقول من قبحه الذي هو أقبح من كل قبيح وما‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫السبب في كونه ليغفره من دون سائر الذنوب كما قال‬
‫تعالى إن الله ل يغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن‬
‫يشاء فتأمل هذا السؤال واجمع قلبك جوابه ول تستهونه‬
‫فإن به يحصل الفرق بين المشركين والموحدين والعالمين‬
‫بالله والجاهلين وأهل الجنة وأهل النار فتقول وبالله التوفيق‬
‫والتأييد ومنه نستمد المعونة والتسديد فإنه من يهدى الله‬
‫فهو المهتد ومن يضلل فل هادى له ول مانع لما أعطى ول‬
‫معطى لما منع الشرك شركان شرك بتعلق بذات المعبود‬
‫وأسمائه وصفاته وأفعاله وشرك فى عبادته ومعاملته وإن‬
‫كان صاحبه يعتقد أنه سبحانه لشريك له فى ذاته ول فى‬
‫صفاته ول فى أفعاله والشرك الول نوعان أحدهما شرك‬
‫التعطيل وهو أقبح أنواع الشرك كشرك والرذائل إذ قال وما‬
‫رب العالمين وقال تعالى‬
‫مخبرا عنه أنه قال وقال والرذائل يا هامان ابن لي صرحا‬
‫لعلى أطلع الى اله موسى وإني لظنه كاذبا فالشرك‬
‫والتعطيل متلزمان فكل يوم معطل وكل معطل يوم لكن ل‬
‫يستلزم أصل التعطيل بل قد يكون المشرك مقرا بالخالق‬
‫سبحانه وصفاته ولكن عطل حق التوحيد وأصل الشرك‬
‫وقاعدته التي ترجع إليها هو التعطيل وهو ثلثة أقسام‬
‫تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه وتعطيل الصانع سبحانه‬
‫عن كماله المقدس بتعطيل أسمائه وصفاته وأفعاله وتعطيل‬
‫معاملته عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد ومن هذا‬
‫شرك طائفة أهل وحدة الوجود الذين يقولون ما ثم خالق‬
‫ومخلوق ويقولون ههنا شيئا بل الحق المنزه وهو عين‬
‫الخلق المشبه ومنه شرك الملحدة القائلين مال العالم‬
‫وأبديته وأنه لم يكن معدوما أصل بل لم يزل ول يزال‬
‫والحوادث باسرها مستندة عندهم إلى أسباب ووسائط‬
‫اقتضيت إيجادها ليسمونها العقول والنفوس ومن هذا شرك‬
‫من عظيم أسماء الرب تعالى وأوصافه وأفعاله من غلة‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫الجهمية والقرامطة فلم يثبتوا اسما ول صفة بل جعلوا‬
‫المخلوق أكمل منه إذا كمال الذات بأسمائها وصفاتها‬
‫فصل‬
‫النوع الثاني شرك من جعل معه إلها آخر ولم يعطل أسماءه‬
‫وربوبيته وصفاته كشرك النصارى الذي جعلوه ثلثة فجعلوا‬
‫المسيح إلها وأمه إلها ومن هذا شرك المجوس القائلين‬
‫بإسناد حوادث الخير إلي النور وحوادث الشر إلى الظلمة‬
‫ومن هذا شرك القدرية القائلين بان الحيوان هو الذى يخلق‬
‫أفعال نفسه وأنها تحدث بدون وسلموا الله وقدرته وإرادته‬
‫ولهذا كانوا من أشباه المجوس ومن هذا شرك الذي حاج‬
‫إبراهيم فى ربه إذا قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال‬
‫أنا أحي وأميت فهذا جعل نفسه ندا لله يحيي ويميت‬
‫بزعمه كما يحيي الله ويميت فالزمه ابراهيم عليه السلم‬
‫ورحمة الله وبركاته ان طرد قولك أن التيان بالشمس من‬
‫غير الجهة التي يأتي الله بها منها وليس هذا انتقال كما زعم‬
‫بعض أهل الجدل بل الزاما على طرد الدليل أن كان حقا‬
‫ومن هذا شرك كثير ممن يشرك بالكواكب العلويات‬
‫ويجعلها أربابا مدبرة لمر هذا العالم كما هو مذهب مشركى‬
‫الصائبة وغيرهم ومن هذا شرك عباد الشمس وعباد النار‬
‫وغيرهم ومن هؤلء من يزعم أن معبوده هو الله على‬
‫الحقيقة ومنهم من يزعم أنه أكبر اللهة ومنهم من يزعم أنه‬
‫إله من جملة‬
‫اللهة وأنه إذا خصه بعبادته والتبتل إليه والنقطاع إليه أقبل‬
‫عليه واعتني به ومنهم من يزعم أن معبودهم الدني يقربه‬
‫المعبود الذي هو فوقه به إلى من هو فوقه حتي تقربه تلك‬
‫اللهة إلى الله سبحانه فتارة تكثر الوسائط وتارة ثقل‬
‫فصل‬
‫وأما الشرك فى العبادة فهو أسهل من هذا الشرك وأخف‬
‫أمرا فانه يصدر ممن يعتقد أنه لإله إل الله وأنه ل يضر ول‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫ينفع ول يعطى ول يمنع إل الله وأنه ل إله غيره ول رب‬
‫سواه ولكن ل يخلص لله في معاملته وعبوديته بل يعمل‬
‫لحظ نفسه تارة وطلب الدنيا تارة ولطلب الرفعة والمنزلة‬
‫والجاه عند الخلق تارة من عمله وسعيه نصيب ولنفسه‬
‫وحظه وهوعه نصيب وللشيطان نصيب وللخلق نصيب هذا‬
‫حال أكثر الناس وهو الشرك الذي قال فيه النبي صلى الله‬
‫عليه وسلم فيما رواه ابن حبان فى صحيحه الشرك فى هذه‬
‫المة أخفى من دبيب النمل قالوا وكيف ننجوا منه يا رسول‬
‫الله قال اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم‬
‫وأستغفرك لما ل أعلم فالرياء كله شرك قال تعالى قل إنما‬
‫أنا بشر مثلكم يوحي إلى إنما إلهكم إله واحد فمن كان‬
‫يرجو لقاء ربه فاليعمل عمل صالحا ول يشرك بعبادة ربه‬
‫أحدا أي كما أنه إله واحد ل إله سواه فكذلك ينبغي أن تكون‬
‫العبادة له وحده فكما تفرد باللهية يحب أن يفرد بالعبودية‬
‫فالعمل الصالح هو الخالى من الرياء المقيد بالسنة وكان‬
‫من دعاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه اللهم اجعل عملى‬
‫كله صالحا واجعله لوجهك خالصا ول تجعل ل حد فيه شيئا‬
‫وهذا الشرك فى العبادة يبطل ثواب العمل وقد يعاقب عليه‬
‫إذا كان العمل واجبا فإنه ينزله منزلة من لم يعلمه فيعاقب‬
‫على ترك المر فان الله سبحانه إنما أمر بعبادته خالصة قال‬
‫تعالى وما أمروا ال ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء‬
‫فمن لم يخلص لله فى عبادته لم يفعل ما أمر‬
‫به بل الذي أتي به شيء غير المأمور به فل يصح منه ويقول‬
‫الله تعالى أنا أغني الشركاء عن الشرك فمن عمل عمل‬
‫أشراك معى فيه غيري فهو للذى أشرك به وأنا منه برئ‬
‫وهذا الشرك ينقسم إلي مغفور وغير مغفور وأكبر وأصغر‬
‫والنوع الول ينقسم إلى كبير وأكبر وليس شيء منه مغفور‬
‫فمنه الشرك بالله في المحبة والتعظيم بأن يحب مخلوقا‬
‫كما يحب الله فهذا من الشرك الذي ل يغفره الله وهو‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫الشرك الذى قال سبحانه فيه ومن الناس من يتخذ من دون‬
‫الله أندادا الية وقال أصحاب هذا الشرك للهتهم وقد‬
‫جمعتهم‬
‫الجحيم تالله إن كما لفى ضلل مبين إذ نسويكم برب‬
‫العالمين ومعلوم أنهم ما سووهم به سبحانه فى الخلق‬
‫والرزق والماتة والحياء والملك والقدرة وإنما سووهم به‬
‫فى الحب والتأله والخضوع لهم والتذلل وهذا غاية الجهل‬
‫والظلم فكيف يسوي من خلق من التراب برب الرباب‬
‫وكيف يسوي العبيد بما لك الرقاب وكيف يسوي الفقير‬
‫بالذات الضعيف بالذات العاجز بالذات المحتاج بالذات الذي‬
‫ليس له من ذاته ال العدم بالغنى بالذات القادر بالذات الذي‬
‫غناه وقدرته وملكه وجوده وإحسانه وعلمه ورحمته وكماله‬
‫المطلق التام من‬
‫لوازم ذاته فأي ظلم أقبح من هذا وأى حكم أشد جورا منه‬
‫حيث عدل من لعدل له يخلقه كما قال تعالى الحمد لله‬
‫الذى خلق السموات والرض وجعل الظلمات والنور ثم‬
‫الذين كفروا بربهم يعدلون فعدل المشرك من خلق‬
‫السموات والرض وجعل الظلمات والنور بمن ل يملك‬
‫لنفسه ول لغيره مثقال ذرة فى السموات ول فى الرض فيا‬
‫لك من عدل تضمن أكبر الظلم وأقبحه‬
‫فصل‬
‫ويتبع هذا الشرك به سبحانه فى القوال والفعال والرادات‬
‫والنيات فالشرك فى الفعال كالسجود لغيره والطواف بغير‬
‫بيته وحلق الرأس عبودية وخضوعا لغيره وتقبيل الحجار غير‬
‫الحجر السود الذى هو يمين الله فى الرض أو تقبيل القبور‬
‫واستلمها والسجود لها وقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم‬
‫من اتخذ قبور النبياء والصالحين مساجد يصلى لله فيها‬
‫فكيف بمن أتخذ القبور أوثانا يعبدها من دون الله وفى‬
‫الصحيحين‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫عنه أنه قال لعن الله اليهود والنصارى أتخذوا قبور أنبيائهم‬
‫مساجد وفى الصحيح عنه أن حلل الناس من تدركهم‬
‫الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور مساجد وفي‬
‫الصحيح أيضا عنه أن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور‬
‫مساجد أل فل تتخذوا القبور مساجد فأنى أنهاكم عن ذلك‬
‫وفى مسند المام أحمد رضى الله عنه وصحيح ابن حبان‬
‫عنه صلى الله عليه وسلم لعن الله زوارات القبور‬
‫والمتخذين عليها المساجد والسرج وقال اشتد غضب قوم‬
‫اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد وقال إن من كان قبلكم إذا‬
‫مات فيهم الرجل الصالح‬
‫بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصورة أولئك حلل‬
‫الخلق عند الله يوم القيامة فهذا حال من سجد لله فى‬
‫مسجد على قبر فكيف حال من سجد للقبر بنفسه وقد قال‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم اللهم ل تجعل قبري وثنا يعبد‬
‫وقد حمى النبي صلى الله عليه وسلم جانب التوحيد أعظم‬
‫حماية حتى نهى عن صلة التطوع لله سبحانه عند طلوع‬
‫الشمس وعند غروبها لئل يكون ذريعة الى التشبه بعباد‬
‫الشمس الذين يسجدون لها فى هاتين الحالتين وسد‬
‫الذريعة بأن منع الصلة بعد العصر والصبح لتصال هذين‬
‫الوقتين بالوقتين اللذين يسجد المشركون فيهما للشمس‬
‫وأما السجود لغير الله فقال لينبغي لحد أن يسجد لحد إل‬
‫لله ول ينبغي فى كلم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم‬
‫للذي هو في غاية المتناع شرعا كقوله تعالى وما ينبغي‬
‫للرحمن أن يتخذ ولدا وقوله وما علمنا الشعر وما ينبغي له‬
‫وقوله وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي له وقوله عن‬
‫الملئكة وما كان ينبغي لنا أن تتخذ من دونك من أولياء‬
‫فصل‬
‫ومن الشرك به سبحانه الشرك به فى اللفظ كالحلف بغيره‬
‫كما رواه أحمد وأبو داود عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫من حلف بغير الله فقد أشرك وصححه الحاكم وابن حبان‬
‫ومن ذلك قول القائل للمخلوق ما شاء الله وشئت كما ثبت‬
‫عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال له رجل ما شاء الله‬
‫وشئت قال أجعلتني لله ندا قل ما شاء الله وحده وهذا مع‬
‫أن الله قد أثبت للعبد وسلموا كقوله لمن شاء منكم أن‬
‫يستقيم فكيف من يقول أنا متوكل على الله وعليك وأنا فى‬
‫حسب الله وحسبك ومالى إل الله وأنت وهذا من الله ومنك‬
‫وهذا من بركات الله وبركاتك والله لى فى السماء وأنت‬
‫لي فى الرض ويقول والله وحياة فلن أو يقول نذرا لله‬
‫ولفلن وأنا تائب لله ولفلن أو أرجوا الله وفلنا ونحو ذلك‬
‫فوازن بين هذه اللفاظ وبين قول القائل ما شاء الله وشئت‬
‫ثم انظر أيهما أفحش يتبين لك أن قائلها أولى لجواب النبي‬
‫صلى الله عليه وسلم لقائل تلك الكلمة وأنه إذا كان قد‬
‫جعله ندا لله بها فهذا قد جعل من ل يداني رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم في شيء من الشياء بل لعله أن يكون من‬
‫أعدائه ندا لرب العالمين فالسجود والعبادة والتوكل والنابة‬
‫والتقوى والخشية والتحسب والتوبة والنذر والحلف‬
‫والتسبيح والتكبير والتهليل والتحميد والستغفار وحلق‬
‫الرأس خضوعا وتعبدا والطواف بالبيت والدعاء كل ذلك‬
‫محض حق الله ل يصلح ول ينبغي لسواه من ملك مقرب ول‬
‫نبي مرسل وفى مسند أحمد المام أن رجل أتى به إلى‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم قد أذنب ذنبا فلما وقف بين‬
‫يديه قال اللهم إني أتوب إليك ول أتوب إلى محمد فقال قد‬
‫عرف الحق لهله‬
‫فصل‬
‫وأما الشرك فى الرادات والنيات فذلك البحر الذى ل‬
‫ساحل له وقل من ينجو منه فمن أراد بعمله غير وجه الله‬
‫ونوى شيئا غير التقرب إليه وطلب الجزاء منه فقد أشرك‬
‫فى نيته وإرادته والخلص أن يخلص لله فى أفعاله وأقواله‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫وإرادته ونيته وهذه هى الحنيفية ملة ابراهيم التي أمر الله‬
‫بها عباده كلهم من أحد غيرها وهى حقيقة السلم كما قال‬
‫تعالى ومن يبتغ غير السلم دينا منه وهو فى الخرة من‬
‫الخاسرين وهى ملة ابراهيم عليه السلم التي من رغب‬
‫عنها فهو من أسفه السفهاء‬
‫فصل‬
‫وإذا عرفت هذه المقدمة انفتح لك باب الجواب عن السؤال‬
‫المذكور فنقول ومن الله وحده نستمد الصواب حقيقة‬
‫الشرك هو التشبه بالخالق والتشبيه للمخلوق به هذا هو‬
‫التشبيه فى الحقيقة ل اثبات صفات الكمال التي وصف الله‬
‫بها نفسه ووصفه بها رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫فعكس من نكس الله قلبه وأعمى عين بصيرته وأركسه‬
‫بلبسه المر وجعل التوحيد تشبيها والتشبيه تعظيما وطاعة‬
‫فالمشرك مشبه للمخلوق بالخالق في خصائص اللهية فإن‬
‫من خصائص اللهية التفرد بملك الضر والنفع والعطاء‬
‫والمنع وذلك يوجب تعليق الدعاء والخوف والرجاء والتوكل‬
‫به وحده فمن علق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق وجعل‬
‫من ل يملك لنفسه نفعا ول ضرا ول موتا ول حياة ول نشورا‬
‫أفضل من غيره تشبيها بمن له المر كله فازمة المور كلها‬
‫بيديه ومرجعها اليه فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ل مانع‬
‫لما أعطى ول معطى لما منع بل إذ فتح لعبده باب رحمته‬
‫لم يمسكها أحد وإن أمسكها عنه لم يرسلها إليه أحد فمن‬
‫أقبح التشبيه تشبيه هذا العاجز الفقير بالذات بالقادر الغني‬
‫بالذات ومن خصائص اللهية الكمال المطلق من جميع‬
‫الوجوه الذي ل نقص فيه بوجه من الوجوه وذلك يوجب أن‬
‫تكون العبادة كلها له وحده والتعظيم والجلل والخشية‬
‫والدعاء والرجاء والنابة والتوكل والستعانة وغاية الذل مع‬
‫غاية الحب كل ذلك يجب عقل وشرعا وفطرة أن يكون له‬
‫وحده ويمنع عقل وشرعا وفطرة أن يكون لغيره فمن جعل‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫شيئا من ذلك لغيره فقد شبه ذلك الغير بمن لشبيه له ولند‬
‫له وذلك أقبح التشبيه وأبطله ولشدة قبحه وتضمنه غاية‬
‫الظلم أخبر سبحانه عباده أنه ليغفره مع أنه‬
‫كتب على نفسه الرحمة ومن خصائص اللهية العبودية التي‬
‫قامت على ساقين ل قوام لها بدونهما غاية الحب مع غاية‬
‫الذل هذا تمام العبودية وتفاوت منازل الخلق فيها بحسب‬
‫تفاوتهم في هذين الصلين فمن أعطى حبه وذله وخضوعه‬
‫لغير الله فقد شبهه به في خالص حقه وهذا من المحال أن‬
‫تأتي به شريعة من الشرائع وقبحه مستقر في كل فطرة‬
‫وعقل ولكن غيرت الشياطين فطر أكثر الخلق وعقولهم‬
‫وأفسدتها عليهم واحتالتهم عنها ومضى على الفطرة الولى‬
‫من سبقت له من الله الحسنى فارسل اليهم رسله وأنزل‬
‫عليهم كتبه بما يوافق فطرهم وعقولهم فازدادوا بذلك نورا‬
‫على نور يهدي الله لنوره من يشاء اذا عرف هذا فمن‬
‫خصائص اللهية السجود فمن سجد لغيره فقد شبه المخلوق‬
‫به ومنها التوكل فمن توكل على غيره فقد شبهه به ومنها‬
‫التوبة فمن تاب لغيره فقد شبهه به ومنها الحلف باسمه‬
‫تعظيما وإجلل فمن حلف بغيره فقد شبهه به هذا فى جانب‬
‫التشبيه وأما فى جانب التشبه به فمن تعاظم وتكبر ودعا‬
‫الناس الى اطرائه فى المدح والتعظيم والخضوع والرجاء‬
‫وتعليق القلب به خوفا ورجاء والتجاء واستعانة فقد بالله‬
‫ونازعه فى ربوبيته‬
‫وإلهيته وهو حقيقه بأن يهنيه غاية الهوان ويذله غاية الذل‬
‫ويجعله تحت أقدام خلقه وفى الصحيح عنه صلى الله عليه‬
‫وسلم قال يقول الله عز وجل العظمة إزاري والكبرياء‬
‫ردائي فمن نازعني واحدا منهما عذبته وإذا كان المصور‬
‫الذي يصنع الصورة بيده من أشد الناس عذابا يوم القيامة‬
‫لتشبه بالله فى مجرد الصنعة فما الظن بالتشبه بالله فى‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫الربوبية واللهية كما قال النبي صلى الله عليه وسلم أشد‬
‫الناس عذابا يوم القيامة‬
‫المصورون يقال لهم أحيوا ما خلقتم وفى الصحيحين عنه‬
‫صلى الله عليه وسلم أنه قال قال الله عز وجل ومن أظلم‬
‫ممن ذهب يخلق خلقا كخلق فليخلقوا ذرة فليخلقوا شعيرة‬
‫فنبه بالذرة والشعيرة على ما هو أعظم منهما وأكبر‬
‫والمقصود أن هذا حال من تشبه به في صنعة صورة فكيف‬
‫حال من تشبه به فى خواص ربوبيته وإلهيته وكذلك من‬
‫تشبه به فى السم الذي ل ينبغي إل لله وحده كملك الملك‬
‫وحاكم الحكام ونحوه وقد ثبت في الصحيح عنه صلى الله‬
‫عليه وسلم أنه قال أن أخنع السماء عند الله رجل يسمى‬
‫بشاهان شاه ملك الملوك ول ملك ال الله وفي لفظ أغيظ‬
‫الله رجل يسمى بملك الملك فهذا مقت الله وغضبه على‬
‫من تشبه به فى السم الذى ل ينبغي الله فهو سبحانه ملك‬
‫الملوك وحده وهو حاكم الحكام وحده فهو الذى الحكام‬
‫كلهم ويقضي عليهم كلهم ل غيره‬
‫الجواب الكافي ‪11‬‬
‫فصل‬
‫إذا تبين هذا فههنا أصل عظيم يكشف سر المسققألة وهققو أن‬
‫أعظم الذنوب عند الله إسققاءة الظققن بققه فققان المسققيء بققه‬
‫الظن قد ظن به خلف كماله المقدس فظن بققه مققا ينققاقض‬
‫أسماؤه وصفاته ولهذا توعد اللققه سققبحانه الظققانين بققه ظققن‬
‫السوء بما لم يتوعد به غيرهم كما قققال تعققالى عليهققم دائرة‬
‫السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعققد لهققم جهنققم وسققاءت‬
‫مصيرا وقال تعالى لمن أنكر صفة من صفاته وذلكققم ظنكققم‬
‫الذي ظننتم بربكم أرداكم فاصبحتم من من الخاسرين وقال‬
‫تعالى عن خليله ابراهيم إنه قال لقققومه مققاذا تعبققدون أإفكققا‬
‫آلهة دون اللققه تريققدون فمققا ظنكققم بققرب العققالمين أي فمقا‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫ظنكم أي يجازيكم بققه إذا لقيتمققوة وقققد عبققدتم غيققره ومققاذا‬
‫ظننتم به حين عبدتم معه غيره ومققاظننتم باسققمائه وصققفاته‬
‫وربوبيته من النقص حتى أحوجكم ذلك إلى عبودية غيره فلو‬
‫ظننتم به ما هو أهله من أنه بكل شيء عليم وهققو علققى كققل‬
‫شيء قدير وأنه غني عن كل ما سواه وكل مققا سققواه فقيققر‬
‫إليه وأنه قائم بالقسط على خلقه وأنه المتفرد بتققدبير خلقققه‬
‫ل يشرك فيه غيره والعالم بتفاصققيل المققور فل يخفققي عليققه‬
‫خافية من خلقه والكققافي لهققم وحققده فل يحتققاج إلققى معيققن‬
‫والرحمن بذاته فل يحتاج في رحمته إلى من يستعطفه وهذا‬
‫بخلف الملوك وغيرهم من الرؤساء فققأنهم يحتققاج الققى مققن‬
‫يعرفهم أحوال الرعية وحققوائجهم إلققى مققن قضققاء حققوائجهم‬
‫يبققك مققن يسققترحمهم وإلققى مققن يسققتعطفهم بالشققفاعة‬
‫فاحتاجوا إلى الوسائط ضرورة لحاجتهم وضققعفهم وعجزهققم‬
‫وقصور علمهم فأما القادر علققى كققل شقيء الغنققي عققن كققل‬
‫شققىء الرحمققن الرحيققم الققذى وسققعت رحمتققه كققل شققىء‬
‫فادخال الوسائط بينه وبين خلقه نقص بحق ربققوبيته وإلهيتققه‬
‫وتوحيده وظن به ظن سوء وهذا يستحيل ان يشرعه لعبققاده‬
‫ويمتنع فى العقول والفطر وقبحه مستقر في السليمة فققوق‬
‫كل قبيح يوضع هذا أن العابققد معظققم لمعبققوده متققأله خاضققع‬
‫ذليل له ورب تعالى وحده هو الذى يسققتحق كمققال التعظيققم‬
‫والجلل والتأله والتققذلل والخضققوع وهققذا خققالص حقققه فمققن‬
‫أقبح الظلم أن يعطى حقه لغيره أو يشرك بينه وبينه فيه ول‬
‫سيما الذى جعل شريكه فى حقه هو عبده ومملوكه كما قال‬
‫تعققالى ضققرب لكققم مثل مققن أنفسققكم الشققياطين لكققم ممققا‬
‫ملكت أيمانكم مقن شقركاء فيمقا رزقنقاكم اليقة أي إذا كقان‬
‫أحدكم يأنف أن يكون مملوكه شققريك لققه فققى رزقققه فكيققف‬
‫تجعلون لى من عبيدي شركاء فيما أنا به متفرد وهقو اللهيقة‬
‫التى لتنبغي لغيري ول تصقح لسقوائي فمقن زعقم ذلقك فمقا‬
‫قدرني حق قدري ول عظمني حق عظمققتي ول أفردنققي بمققا‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫أنا متفرد به وحدي دون خلقى فما قدر الله بحق قققدره مققن‬
‫عبد معققه غيققره كمققا قققال تعققالى يققا أيهققا النققاس ضققرب مثل‬
‫فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقققوا ذبابققا‬
‫ولو اجتمعوا له إلى قوله لقوي عزيز فما قدر الله حق قدره‬
‫مقن عبقد معقه غيقره مقن خلقق أضقعف حيقوان وأصقغر وإن‬
‫يسلبهم الذباب شيئا مما عليه لم يقدروا على الستعاذة منه‬
‫قال تعالى وما قدروا الله حق قققدره والرض جميعققا قبضققته‬
‫يوم القيامة الية فما قدر من هذا شأنه وعظمته حققق قققدره‬
‫من أشرك معه فى عبادته من ليس له شىء من ذلققك البتققة‬
‫بل هو أعجز‬
‫شىء وأضعفه فما قدر القوي العزيز حق قققدره مققن أشققرك‬
‫معه الضعيف الذليل وكذلك ما قدره حق قدره من قققال أنققه‬
‫لم يرسل إلى خلقه رسول ول أنزل كتابا بل نسبه إلققى مققال‬
‫يليق به ول يحسن منه من إهمال خلقققه وتضققييعهم وتركهققم‬
‫سدي وخلقهم باطل عبثا وكذا ما قدره حق قققدره مققن نفققي‬
‫حقائق أسمائه الحسنى وصفاته العلى فنفى سققمعه وبصققره‬
‫وإرادته واختياره وعلوه فوق خلقه وكلمه وتكليمه لمن شاء‬
‫من خلقه بما يريد ونفى عموم قدرته وتعلقها بأفعققال عبققاده‬
‫مققن طققاعتهم ومعاصققيهم فأخرجهققا عققن قققدرته ومشققيئته‬
‫وجعلهم يخلقققون لنفسققهم مققا يشققاؤن بققدون مشققيئه الققرب‬
‫فيكون فى ملكه مال يشققاء ويشققاء مققال يكققون فتعققالى عققن‬
‫قوله اشباه المجوس علوا كبيرا وكذلك ما قدره حققق قققدره‬
‫من قال أ ! يعاقب عبده على مال يفعلققه عبققده ول لققه عليققه‬
‫قدرة ول تأثير له فيه البتة بل هو نفس فعل الرب جل جلله‬
‫فيعاقب عبده على فعله فهو سبحانه الققذي جققبر العبققد عليققه‬
‫وجبره على الفعل أعظم من أكراه المخلققوق للمخلققوق وإذا‬
‫كان من المستقر فققي الفطققر والعقققول إن السققيد لققو أكققره‬
‫عبده على فعل أو الجأه اليه ثم عققاقبه لكققان قبيحققا فأعققدل‬
‫العادلين وأحكم الحاكمين وأرحم الراحمين كيف يجبر العبققد‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫علققى فعققل ل يكققون للعبققد فيققه صققنع ول تققأثير ول هققو واقققع‬
‫بارادته ول فعله البتة ثم يعقاقب عليقه تعقالى اللقه عقن ذلقك‬
‫علققوا كققبيرا وقققول هققؤلء شققر مققن أشققباه قققول المجققوس‬
‫والطائفتان ما قدر الله حق قدره وكذلك ما قدره حق قققدره‬
‫من لم يصنه عن نتن ول حش ول مكان يرغب عن ذكره بققل‬
‫جعله فى كل مكان وصانه عن عرشه أن يكون مستويا عليه‬
‫إليققه تصققعد الكلققم الطيققب والعمققل الصققالح يرفعققه وتعققرج‬
‫الملئكة والروح وتنزل من عنده وتدبر المر من السماء إلى‬
‫الرض ثم تعرج إليه فصانه عن استوائه علققى سققرير الملققك‬
‫ثم جعله فى كل مكان يأنف النسان بل غيققره مققن الحيققوان‬
‫أن يكون فيه وما قد الله حق قدره من نفققى حقيقققة محبتققه‬
‫ورحمته ورأفته ورضاه وغضققبه ومقتققه ول مققن نفققي حقيقققة‬
‫حكمته التي هي الغابات المحمودة المقصودة بفعله ول مققن‬
‫نفى حقيقة فعله ولققم يجعققل لققه فعل اختياريققا يقققوم بققه بققل‬
‫أفعاله مفعققولت متفصققلة عنققه فنفققي حقيقققة مجيئه وإتيققانه‬
‫واستوائه علققى عرشققه وتكليمققه موسققى مققن جققانب الطققور‬
‫ومجيئه يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده بنفسه الى غير‬
‫ذلك من أفعاله وأوصاف كماله التي نفوها شدة أنهققم ينفيهققا‬
‫قد قدروه حق قدره وكذلك لم يقدره حق قدره من جعل له‬
‫صاحبة وولدا وجعلققه سققبحانه يحققل فققى جميققع مخلوقققاته أو‬
‫جعله عين هذا الوجود وكذلك لم يقدره حق قققدره مققن قققال‬
‫إنه رفع أعلمكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته‬
‫وأعلى ذكرهم وجعل الله فيهم الملك والخلفة والعزو وضققع‬
‫أولياء رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهققل بيتققه وأهققانهم‬
‫وأذلهم وضرب عليهم الذل أين ما ثقفوا وهققذا يتضققمن غايققة‬
‫القدح فى جناب الرب تعالي عن قول‬
‫الرافضة علققوا كققبيرا وهققذا القققول مشققتق مققن قققول اليهققود‬
‫والنصارى فى رب العالمين إنققه أرسققل ملكققا ظالمققا فادعققا‬
‫النبوة لنفسه وكذب على الله وأخذ زمانا طويل يكققذب علققى‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫الله كل وقققت ويقققول قققال كققذا وأمققر بكققذا ونهققى عققن كققذا‬
‫وينسخ شرائع أنبيائه ورسله ويستبيح دماء أتباعهم وأمققوالهم‬
‫وحريمهم ويقول اللققه أبققاح لققى ذلققك والققرب تعققالى يظهققره‬
‫ويؤيده ويعليه ويقربه ويجيققب دعققواته ويمكنققه ممققن يخققالفه‬
‫ويقيم الدلة على صدقه ول يعاديه أحد الظفققر بققه فيصققدقه‬
‫بقوله وفعله وتقريره وتحدث أدلة تصققديقه شققيئا بعققد شققىء‬
‫إلققى يققوم القيامققة ومعلققوم أن هققذا يتضققمن أعظققم القققدح‬
‫والطعن فى الرب سققبحانه وتعققالى وعلمققه وحكمتققه وحمتققه‬
‫وربوبيته تعالى الله عن قول الجاحدين علوا كبيرا فوازن بين‬
‫قول هؤلء وقول إخوانهم من الرافضة تجد القولين كما قال‬
‫الشاعر‬
‫رضيعى لبان ثدى أم تقاسما * باسحم داج عوض ل يتفرق‬
‫وكذلك لم يققدره حقق ققدره مقن ققال أنقه يجققوز أن يعققذب‬
‫أولياءه ومن لم يعصه طرفة عيققن ويققدخلهم دار النعيققم وأن‬
‫كل المرين بالنسبة إليه وإنما الخبر المحض جاء عنه بخلف‬
‫ذلققك فمعنققاه للخققبر ل للمخالفققة حكمتققه وعققدله وقققد أنكققر‬
‫سبحانه فى كتابه على من جوز عليه ذلك غاية النكار وجعل‬
‫الحكم به من أسوء الحكام وكذلك لم يقدره حق قدره مققن‬
‫زعم أنه ل يحيى الموتى ول يبعث من فققى القبققور ول يجمققع‬
‫الخلق ليوم يجققازى المحسققن فيققه باحسققانه والمسققيء فيققه‬
‫باساءته ويأخذ للمظلوم حقه من ظققالمه ويكققرم للمتحمليققن‬
‫المشققاق فققى هققذه الققدار مققن أجلققه وفققى مرضققاته بأفضققل‬
‫كرامته ويبين لخنقه الذى يختلفون فيه ويعلققم الققذين كفققروا‬
‫أنهم كانوا كاذبين وكذلك لم يقدره حق قدره من هققان عليققه‬
‫أمره فعصققاه ونهيققه فققارتكبه وحقققه فضققيعه وذكققره فققأهمله‬
‫وغفل قلبه عنه وكان هواه آثر عنده من طلب رضاه وطاعة‬
‫المخلوق أهم عنده من طاعققة اللققه فللققه الفضققلة مققن قلبققه‬
‫وعلمه وقوله وعملققه ومققاله وسققواه المقققدم فققى ذلققك لنققه‬
‫المهم عنده يستخف بنظر الله إليه واطلعه عليه وهققو فققى‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫قبضته وناصيته بيده ويعظم نظر المخلوق إليه وإطلعه عليه‬
‫بكل قلبه وجوارحه ويستخفى مققن النققاس ول يسققتخفى مققن‬
‫الله ويخشى الناس ول يخشى الله ويعامل الخلق بافضل ما‬
‫عنده وما يقدر عليه وإن عامل الله عققامله بققاهون مققا عنققده‬
‫وأحقره وان قام فى خدمة من يحبه مققن البشققر قققام بالجققد‬
‫والجتهاد وبذل النصيحة وقد افرغ له قلبه وجققوارحه وقققدمه‬
‫على كثير من مصالحه حتى إذا قام فى حققق ربققه إن سققاعد‬
‫القدر قام قياما ليرضاه مخلوق من مخلوق مثله وبذل له ما‬
‫يستحي أن يواجه به مخلوق مثله فهل قدر اللقه حقق ققدره‬
‫من هذا وصفه وهل قدره حق قققدره مققن شققارك بينققه وبيققن‬
‫عدوه فى محض حقه من الجلل والتعظيم والطاعقة والقذل‬
‫والخضوع والخوف والرجاء فلو جعققل لققه مققن أقققرب الخلققق‬
‫إليه شريكا فى ذلك لكان ذلك جراءة وتوثبا على محض حقه‬
‫واستهانة به وتشريكا بينه وبين غيره فيما ل ينبغي ول يصققلح‬
‫الله سققبحانه فكيققف وإنمققا أشققرك معققه أبغققض الخلققق إليققه‬
‫وأهونهم عليه وأمقتهم عنده وهققو الحقيقققة فققإنه ماعبققد مققن‬
‫دون الله إل الشيطان كما قال تعالى ألم أعهد إليكم يققا بنققي‬
‫آدم أن ل تعبدوا الشيطان إنه لكم عققدو مققبين وأن اعبققدوني‬
‫هذا صراط مستقيم ولما عبد المشققركون الملئكققة بزعمهققم‬
‫وقعت عبادتهم للشيطان وهم يظنون أنهم يعبققدون الملئكققة‬
‫كما قققال تعققالى ويققوم نحشققرهم جميعققا ثققم نقققول للملئكققة‬
‫أهؤلء إياكم كانوا يعبدون قققالوا ولينققا مققن دونهققم بققل كققانوا‬
‫يعبققدون علمنققي أكققثرهم بهققم مؤمنققون فالشققيطان يققدعو‬
‫المشققركين إلققى عبققادته ويققوهمهم أنققه ملققك كققذلك عبققاد‬
‫الشمس والقمر والكواكب يزعمون إنهم يعبققدون روحانيققات‬
‫هذه الكواكب وهي التى تخاطبهم‬
‫وتقضققي لهققم الحققوائج ولهققذا إذا طلعققت الشققمس قارنهققا‬
‫الشيطان فيسجد لها الكفار فيقع سجودهم له وكققذلك عنققد‬
‫غروبها وكذلك من عبد المسيح وأمه لم يعبققدهما وإنمققا عبققد‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫الشيطان فإنه يزعم أنه يعبد من أمققره بعبققادته وعبققادة أمققه‬
‫ورضيها لهم وأمرهم بها وهذا هو الشيطان الرجيم لعنة اللققه‬
‫عليه ل عبد الله ورسوله صلى اللققه عليققه وسققلم فيققدل هققذا‬
‫كله على قوله تعالي ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن ل تعبققدوا‬
‫الشيطان إنه لكم عدو مبين‬
‫وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم فما عبد أحد مققن بنققي آدم‬
‫غير الله كائنا من كان ال وقعت عبققادته للشققيطان فيسققتمع‬
‫العابد بالمعبود فى حصول إغراضه ويستمتع المعبود بالعابققد‬
‫فققى تعظيمققه لققه وإشققراكه مققع اللققه الققذي هققو غايققة رضققاه‬
‫الشيطان ولهذا قال تعالى ويوم نحشققرهم جميعققا يققا معشققر‬
‫علمني قد استكثرتم من النققس أي مققن إغققوائهم وإضققللهم‬
‫وقال أولياؤهم من النققس ربنققا اسققتمتع بعضققنا ببعققض وبعنققا‬
‫أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إل ما شاء‬
‫الله ان ربك حكيم عليم فهذه إشارة لطيفة إلى السر الققذى‬
‫لجله كان الشرك أكبر الكبائر عند اللققه وأنققه ل يغفققره بغيققر‬
‫التوبة منه وإنه يوجب الخلود فققى النققار وأنققه ليققس تحريمققه‬
‫وقبحه أنزل النهى عنققه بققل يسققتحيل علققى اللققه سققبحانه أن‬
‫يشرع لعباده إلها غيره كما يستحيل عليه ما يناقض أوصققاف‬
‫كمال ونعوت جلله وكيف يظققن بققالمنفرد بالربوبيققة واللهيققة‬
‫والعظمة والجلل أن يأذن فى مشاركته فى ذلقك أو يرضقي‬
‫به تعالى الله ذلك علوا كبيرا‬
‫فصل‬
‫فلما كان الشرك أكبر شيء منافاة للمر الذى خلق اللققه لققه‬
‫الخلق أمر لجله بالمر الذي كان من أكبر الكبققائر عنققد اللققه‬
‫وكذلك الكبر وتوابعه كما تقدم فإن الله سبحانه خلق الخلققق‬
‫وأنققزل الكتققاب لتكققون الطاعققة لققه وحققده والشققرك والكققبر‬
‫ينافيان ذلك ولذلك حرم الله الجنة على أهل الشرك والكققبر‬
‫وليدخلها من كان فى قلبه مثقال ذرة من كبر‬
‫فصل‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫ويلى ذلك فى كبر المفسدة القققول علققى اللققه بل علققم فققى‬
‫أسمائه وصفاته وأفعاله ووصفه بضققد مققا وصققف بققه نفسققه‬
‫ووصفه به رسوله صلى الله عليققه وسققلم فهققذا أشققد شققيء‬
‫منافاة ومناقضة لكمال من له الخلق والمر وقدح فى نفس‬
‫الربوبية وخصائص الرب فإن صدر ذلك عققن علققم فهققو عنققاد‬
‫أقبح من الشرك وأعظم إثما عند الله فققإن المشققرك المقققر‬
‫بصفات الرب خير من المعطل الجاحد لصفات كماله كما أن‬
‫أقر بالملك للملك ولم يجحد ملكه ول الصفات التى اسققتحق‬
‫بها الملك لكن جعل معه شريكا فى بعض المور تقربققا إليققه‬
‫خير ممن جحد صفات الملك وما يكون به الملققك ملكققا هققذا‬
‫أمققر مسققتقر فققى سققائر الفطققر والعقققول فققأين القققدح فققى‬
‫صفات الكمال والجحد لها مقن عبققادة واسقطة بيققن المعبقود‬
‫الحق وبين العابد يتقرب إليه بعبادة تلقك الواسقطة إعظامقا‬
‫له وإجلل فداء التعطيل هذا الققداء العضققال الققذى ل دواء لققه‬
‫ولهذا حكى الله عن إمام المعطلة والققرذائل أنققه أنكققر علققى‬
‫موسى ما أخبر به من أن ربه فوق السموات يققا هامققان ابققن‬
‫لي صرحا لعلى أبلغ السباب أسباب السققموات فققاطلع إلققى‬
‫إله موسققى وإنققي لظنققه كاذبققا واحتققج الشققيخ وأبققو الحسققن‬
‫الشعري فى كتبه على المعطلة بهذه الية وقد ذكرنا لفظققه‬
‫في غير هذا الكتاب وهققو كتققاب اجتمققاع الجيققوش السققلمية‬
‫على حرب المعطلققة والجهميققة فققي إثبققات العلققوم والقققول‬
‫على الله بل علم والشرك متلزمان ولمققا كققانت هققذه البققدع‬
‫المضلة جهل بصفات الله وتكذيبا بما أخبر به عن عن نفسققه‬
‫وأخبر به عنققه رسققوله صققلى اللققه عليققه وسققلم عنققادا وجهل‬
‫كانت من أكبر الكبائر إن قصرت عن الكفر وكانت أحب إلى‬
‫إبليس من كبار الذنوب كما قال بعض السلف البدعققة أحققب‬
‫إلي إبليس مققن المعصققية لن المعصققية يتققاب منهققا والبدعققة‬
‫ليتاب منها وقال إبليس لعنه الله أهلكت بني‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫آدم بالذنوب وأهلكوني بل إله إل الله والستغفار فلمققا رأيققت‬
‫ذلققك ثبتققت فيهققم الهققواء فهققم يققذنبون ول يتوبققون لنهققم‬
‫يحسبون أنهم يحسنون صنعا ومعلوم أن المذنب إنما ضققرره‬
‫على نفسه وأما المبتدع فضرره علققى النققوع وفتنققة المبتققدع‬
‫فى أصل الدين وفتنة المذنب فى لشهوة والمبتقدع ققد قعقد‬
‫للناس على صققراط اللققه المسققتقيم يصققدهم عنققه والمققذنب‬
‫ليققس كققذلك والمبتققدع قققادح فققى أوصققاف الققرب وكمققاله‬
‫والمذنب ليس كذلك والمبتدع أعلمكم لما جققاء بققه الرسققول‬
‫صلى الله عليه وسلم والعاصي ليس كذلك والمبتققدع يقطققع‬
‫على الناس طريققق الخققرة والعاصققي بطيققء السققير بسققبب‬
‫ذنوبه‬
‫فصل‬
‫ثم لما كان الظلم والعدوان منافيان للعقدل الققذي ققامت بققه‬
‫السموات والرض وأرسل الله سبحانه رسله صلى الله عليه‬
‫وسلم وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط كان أي الظلققم مققن‬
‫أكبر الكبقائر عنقد اللقه وكققانت درجتقه فقى العظمققة بحسقب‬
‫مفسدته فى نفسققه النسققان ولققده الطفققل الصققغير الققذي ل‬
‫ذنب له وقد جبل الله سبحانه القلوب علققى محبتققه ورحمتققه‬
‫وعطفها عليه وخص الوالدين من ذلك بمزيققة ظققاهرة وقتلققه‬
‫خشققية أن يشققاركه فققى مطعمققه ومشققربه ومققاله مققن أقبققح‬
‫الظلم وأشده وكذلك قتلققه أبققويه الققذين كانققا سققبب وجققوده‬
‫وكققذلك قتلققه ذات رحمققه وتتفققاوت درجققات القتققل بحسققب‬
‫قبحه وإستحقاق من قتله السعي فى إبقائه ونصققيحته ولهققذا‬
‫كان أشد الناس عذابا يققوم القيامققة نبيققا أو قتلققه نققبي ويليققه‬
‫إماما عادل أو عالما يأمر الناس بالقسط ويدعوهم إلققى اللققه‬
‫سبحانه وينصحهم فى دينهم وقد جعل اللققه سققبحانه النفققس‬
‫المؤمنة عمدا الخلود فى النار وغضب الجبار ولعنتققه وإعققداد‬
‫العذاب العظيم له هذا المؤمن عمدا ما لم يمنع منه مانع ول‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫خلف أن السلم الواقع بعد القتل طوعا واختيارا مققانع مققن‬
‫نفوذ زلك الجزاء وهل تمنع توبة المسلم منه بعد وقوعه فيه‬
‫قولن للسلف والخلف وهما روايتان عن أحمد والذين قققالوا‬
‫ل تمنع التوبة من نفوذه رأوا أنه حق لدمي لم يسققتوفه فققى‬
‫دار الدنيا وخرج منه بظلمته فل بد أن يسققتوفى لققه فققى دار‬
‫العدل قالو فما استوفاه الوارث فإنما استوفى محضن حقققه‬
‫الذى خيره الله بين استيفائه والعفو عنه ومققا ينفققع المقتققول‬
‫من استيفاء وارثه وأي استدراك لظلمته حصل باستيفاء‬
‫وارثه وهذا أصقح الققولين فقى المسقألة أن حقق المقتقول ل‬
‫يسقط باستيفاء الققوارث وهققى وجهققان لصققحاب الشققافعي‬
‫وأحمد وغيرهما ورأت طائفققة أنققه يسقققط بالتوبققة واسققتيفاء‬
‫الوارث فإن التوبة تهدم ما قبلها والذنب القذي قققد جنققاه ققد‬
‫أقيققم عليققه حققده قققالوا وإذا كققانت التوبققة تمحققو أثققر الكفققر‬
‫والسحر وهما أعظم اثما من القتل فكيققف تقصققر عققن محققو‬
‫أثر القتل وقد قبل اللققه توبققة الكفققار الققذين قتلققوا أوليققاءهم‬
‫وجعلهققم مققن خيققار عبققاده ودعققا الققذين أحرقققوا أوليققاءهم‬
‫وفتنوهم عن دينهم ودعاهم إلى التوبة وقال تعالي يا عبققادي‬
‫الققذين أنفسققهم ل تقنطققوا مققن رحمققة اللققه إن اللققه يغفققر‬
‫الذنوب جميعا وهذا فى حق التائب وهقى تتنقاول الكفققر فمقا‬
‫دونه قالوا وكيف يتوب العبد مققن الققذنب ويعققاقب عليققه بعققد‬
‫التوبة هذا معلوم انتفاؤه فى شرع للققه وجققزائه قققالوا وتوبققة‬
‫هذا المذنب تسليم نفسققه ول يمكققن تسققليمها إلقى المقتققول‬
‫فأقققام الزهققري وليققه مقققامه وجعققل تسققليم النفققس إليققه‬
‫كتسققليمها إلققى المقتققول بمنزلققة تسققليم المققال الققذي عليققه‬
‫لققوارثه فقانه يقققوم مقققام تسققليمه للمقوروث والتحقيقق فقى‬
‫المسققألة أن القتققل يتعلققق بققه ثلثققة حقققوق حققق للققه وحققق‬
‫للمظلوم المقتول وحق للولى فإذا سلم القاتل نفسه طوعققا‬
‫واختيارا إلى الولى ما فعققل وخوفققا مققن اللققه وتوبققة نصققوحا‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫يسقط حق الله بالتوبة وحق الققولى بالسققتيفاء أو الصققلح أو‬
‫العفو وبقى حق‬
‫المقتققول يعوضققه اللققه عنققه يققوم القيامققة عققن عبققده التققائب‬
‫المحسن ويصلح بينه وبينه فل يبطل حق هذا ول تبطققل توبققة‬
‫هذا وأما مسألة المال فقد اختلف فيها فقالت طائفة إذا أدي‬
‫ما عليه من المال إلى الققوارث فقققد بريققء مققن عهققدته فققى‬
‫الخرة كما بريء منها فى الدنيا وقالت طائفة بققل المطالبققة‬
‫لمن ظلمه بأخذه باقية عليه يوم القيامققة وهققو لققم يسققتدرك‬
‫ظلمته بأخذ وارثه له فأنه منعه مققن انتفققاعه بققه فققى طققول‬
‫حياته ومات ولم ينتفع به فهذا ظلم لم يستدركه وأنما ينتفع‬
‫به غيره بادراكه وبنوا أنه لو انتقل من واحد إلي واحد وتعققدد‬
‫الورثة كانت المطالبة للجميع لنه حق كان يجب عليققه دفعققه‬
‫إلي كل واحد منهم عند كونه هو الققوارث وهققذا قققول طائفققة‬
‫مققن أصققحاب مالقك وأحمقد وفصققل شقيخنا رحمققه اللققه بيقن‬
‫الطائفتين فقال إن تمكن الموروث مققن والمطالبققة بققه فلققم‬
‫يأخذه حتى مات صارت المطالبة به للوارث فى الخرة كمققا‬
‫هي له كذلك فى الدنيا وإن لم يتمكن مققن طلبقه وأخقذه بققل‬
‫حال بينه وبينه ظلما وعدوانا فقالطلب لقه فقى الخقرة وهقذا‬
‫التفصيل من أحسن ما يقال فإن المال إذا استهلكه الظققالم‬
‫على الموروث منه صار بمنزلة عبده الذي قتلققه قاتققل وداره‬
‫التى أحرقها غيره وطعامه وشرابه الذى أكلققه وشققربه غيققره‬
‫ومثل هذا إنمققا تلققف علققى المققوروث ل علققى الققوارث فحققق‬
‫المطالبة لمن تلققف علققى ملكققه فينبغققي أن يقققال فققإذا كققان‬
‫المال عقارا أو أرضا أو أعيانا قائمة باقيققة بعققد المققوت فهققي‬
‫ملك للوارث يجب على الغاصب دفعها إليه كل وقت وإذا لم‬
‫تدفع إليه استحق المطالبة بها عند الله تعققالى كمققا يسققتحق‬
‫المطالبة بها فى الدنيا وهققذا سققؤال قققوى ل مخلققص منققه إل‬
‫بان يقال المطالبة لهما جمعيا كما لققو غصققب مققا ل مشققتركا‬
‫بين جماعة استحق كل منهم المطالبققة بحقققه منققه وكمققا لققو‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫استولى على وقف مرتب على بطون فابطققل حققق البطققون‬
‫كلهم منه كانت المطالبققة يققوم القيامققة لجميعهققم ولققم يكققن‬
‫بعضهم أولى بها من بعض والله أعلم‬
‫فصل‬
‫ولما كانت مفسدة القتل هذه المفسدة قال الله تعققالي مققن‬
‫أجل ذلك كتبنا علققى بنققي سققرائيل أنققه نفسققا بغيققر نفققس أو‬
‫فسققاد فققى الرض النققاس جميعققا ومققن أحياهققا فكأنمققا أحيققا‬
‫الناس جمعيا وقققد أشققكل فهققم هققذا علققى كققثير مققن النققاس‬
‫وقالوا معلوم أن إثم قاتل مائة أعظم إثما عند الله مققن إثققم‬
‫قاتل نفس واحدة وإنما أتوا من ظنهم أن التشبيه فى مقدار‬
‫الثم والعقوبة والقول لم يدل على هذا ول يققوم مققن تشققبيه‬
‫الشىء بجميع أحكامه وقد قال تعالى كأنهم يوم يرونهققا لققم‬
‫يلبثوا إل عشية أو ضحاها وقال تعققالى كققانهم يققوم يققرون مققا‬
‫يوعدون لم يلبثوا إل ساعة من نهار وذلك ل يوجب أن لبثهققم‬
‫فى الدنيا إنما كان هذا المقققدار وقققد ققال النققبي صققلى اللققه‬
‫عليه وسلم من صلى العشاء فى جماعة فكأنمققا قققام نصققف‬
‫الليل ومن صلى الفجر فى جماعة فكأنما قام الليل كلققه أى‬
‫مع العشاء كما جاء فى لفظ آخر وأصرح من هذا قققوله مققن‬
‫صام رمضان وأتبعه ستا من شوال فكأنما صام الدهر وقوله‬
‫صلى الله عليه وسلم من قرأ قل هو اللققه أحققد فكأنمققا قققرأ‬
‫ثلث القرآن ومعلوم أن ثواب فاعققل هققذه الشققياء لققم يبلققغ‬
‫ثواب المشبه به فيكون قدرها سققواء ولققو كقان ققدر الثقواب‬
‫سواء لم يكن لمصلى الفجر والعشاء فى جماعققة فققى قيققام‬
‫الليل منفعه غير التعب والنصب وما أوتققي أحققد بعققد اليمققان‬
‫أفضل من الفهم عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم‬
‫وذلك فضل الله يوتيه من يشاء فان قيل ففي أي شيء وقع‬
‫التشبيه بين قاتل نفس واحدة وبين قاتل الناس جميعققا قيققل‬
‫فققي وجققوه متعققددة أحققدها أن كققل واحققد منهمققا عققاص للققه‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫ورسققوله صققلى اللققه عليققه وسققلم مخققالف لمققره متعققرض‬
‫لعقوبته وكل منهما قدباء بغضب من الله ولعنتققه واسققتحقاق‬
‫الخلود فققي نققار جهنققم وأعققدلهم عققذابا عظيمققا وإن تفققاوتت‬
‫درجات العذاب فليس إثققم نبيققا أو إمامققا عققادل يققأمر النققاس‬
‫بالقسط من ل مزية له من آحاد النققاس الثققاني أنهمققا سققواء‬
‫فى استحقاق ازهاق النفس الثالث أنهما سواء فققى الجققراءة‬
‫على سفك الدم الحرام فإن نفسا بغير إستحقاق بل لمجققرد‬
‫الفساد فى الرض فأنه يجترى كل من ظفر به وأمكنه قتلققه‬
‫فهو معاد للنوع النساني ومنها أنه يسمي قققاتل أو فاسقققا أو‬
‫ظالمققا أو واحققد كمققا يسققمي النققاس جميعققا ومنهققا أن اللققه‬
‫سبحانه جعل المؤمنين فققى تققواددهم وتراحمهققم وتعققاطفهم‬
‫وتواصلهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضققوا تققداعي لققه‬
‫سائر الجسد بالحمى والسهر فققإذا أتلققف القاتققل عضققوا مققن‬
‫ذلك الجسد فكأنما أتلف سققائر الجسققد وآلققم جميققع أعضققائه‬
‫فمن آذي مؤمنا واحققدا فقققد آذى جميققع المققؤمنين وفققى أذي‬
‫جميع المؤمنين أذى جميع الناس كلهم فإن اللققه إنمققا يققدافع‬
‫عن الناس بالمؤمنين الذين بينهم فإيذاء الخفير إيذاء المخفر‬
‫وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لتقتققل النفققس ظلمققا‬
‫بغير حق أل كان على ابن آدم الول كفل منها لنققه أول مققن‬
‫سققن القتققل ولققم يجىققء هققذا الوعيققد فققى أول زان ول أول‬
‫سارق ول أول شارب مسققكر وإن كققان أول المشققركين قققد‬
‫يكون أولى بذلك من أول قاتققل لنققه أول مققن سققن الشققرك‬
‫ولهققذا رأي النققبي صققلى اللققه عليققه وسققلم عمققرو بققن لحققى‬
‫الخزاعي يعذب أعظم العذاب فققى النققار لنققه أول مققن غيققر‬
‫دين إبراهيم عليه السلم وقد قال تعالى ولتكونوا أول كققافر‬
‫بققه أي فيفتققدي بكققم مققن بعققدكم فيكققون إثققم كفققره عليكققم‬
‫وكذلك حكم من سن سنة سيئة فاتبع‬
‫عليها وفى جامع الترمذي عن إبن عباس رضققي اللققه عنهمققا‬
‫عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يجىء المقتول بالقاتققل‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫يوم القيامة ناصيته ورأسه بيده واوداجه تشخب دما يقول يققا‬
‫رب سل هذا فيما قتلققى فققذكروا لبققن عبققاس التققوجه فتلققى‬
‫هذه الية ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالققدا فيهققا‬
‫ثم قال ما نسخت هذه الية ول بققدلت وأنققي لققه التوبققة قققال‬
‫الترمذي هذا حديث حسن وفى صحيح البخققاري عققن سققمرة‬
‫بن جندب قال أول ما ينتن من النسان بطنه فمققن اسققتطاع‬
‫منكم أن ل يأكل ال طيبا فليفعل ومققن اسققتطاع أن ل يحققول‬
‫بينه وبين الجنة مل كف مققن دم أهرقققه فليفعققل وفققى جققامع‬
‫الترمذي عن نققافع قققال نظققر عبققد اللققه بققن عمققر يومققا إلققى‬
‫الكعبة فقال ما أعظمك وأعظم حرمتك والمققؤمن عنققد اللققه‬
‫أعظم حرمققة منققك قققال الترمققذي هققذا حققديث حسققن وفققى‬
‫صحيح البخاري أيضا عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم ل يزال المؤمن فى فسخة من دينققه مققا لققم‬
‫يصب دما حراما وذكر البخاري أيضا عن ابن عمققر قققال مققن‬
‫ورطات المور التى ل مخرج لمققن أوقققع نفسققه فيهققا سققفك‬
‫الدم الحرام بغير حلة وفى الصحيحين عن أبي هريرة يرفعه‬
‫سباب المؤمن فسوق وقتاله كفققر وفيهمققا أيضققا عنققه صققلى‬
‫الله عليه وسلم ل ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقققاب‬
‫بعض وفى صحيح البخارى عنه صلى الله عليه وسلم معاهدا‬
‫لم يرح رائحة الجنة وإن ريحهققا يوجققد مسققيرة أربعيققن عامققا‬
‫هذه عقوبة قاتل عدو الله إذا كان معاهدا فققى عهققده وأمققانه‬
‫فكيف بعقوبة قاتل عبده المؤمن وإذا كانت إمرأة قد دخلققت‬
‫النار فى هرة حبستها حتى ماتت جوعا وعطشا فرآها النققبي‬
‫صلى الله عليه وسلم فى النار والهققرة تخدشققها فققى وجههققا‬
‫وصدرها فكيف عقوبة من حبس مؤمنا حتى مات بغير جققرم‬
‫وفى بعض السنن عنه صلى اللققه عليققه وسققلم لققزوال الققدنيا‬
‫الله مؤمن بغير حق‬
‫الجواب الكافي ‪12‬‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫فصل‬
‫ولما كانت مفسدة الزنا من أعظم المفاسد وهى منافية‬
‫لمصلحة نظام العالم فى حفظ النساب وحمايه الفروج‬
‫وصيانة الحرمات وتوقى ما يوقع أعظم العداوة والبغضاء‬
‫بين الناس من إفساد كل منهم إمرأة صاحبه وبنته وأخته‬
‫وأمه وفى ذلك خراب العالم كانت تلى مفسدة القتل فى‬
‫الكبر ولهذا قرنها الله سبحانه بها فى كتابه ورسوله صلى‬
‫الله عليه وسلم فى سننه كما تقدم قال المام أحمد ول‬
‫أعلم النفس شيئا أعظم من الزناء وقد أكد سبحانه حرمته‬
‫بقوله والذين ل يدعون مع الله إلها آخر ول يقتلون النفس‬
‫التي حرم الله إل بالحق ول يزنون الية فقرن الزناء‬
‫بالشرك وقتل النفس وجعل جزاء ذلك الخلود فى النار فى‬
‫العذاب المضاعف المهين ما لم يرفع العبد وجب ذلك‬
‫بالتوبة واليمان والعمل الصالح وقد قال تعالى ول تقربوا‬
‫الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيل فأخبر عن فحشه فى‬
‫نفسه وهو القبيح الذي قد تناها قبحه حتى استقر فحشه فى‬
‫العقول حتى عند كثير من راجعا كما ذكر البخاري فى‬
‫صحيحه عن عمرو بن ميمون الودي قال رأيت فى الجاهلية‬
‫قردا زنا بقردة فأجتمع القرود عليهما فرجموها حتى ماتا ثم‬
‫أخبر عن غايته بأنه ساء سبيل فأنه سبيل هلكة وبوارو افتقار‬
‫فى الدنيا وسبيل عذاب فى الخرة وخزي ونكال ولما كان‬
‫نكاح أزواج الباء من أقبحه خصه بمزيد ذم فقال أنه كان‬
‫فاحشة ومقتا وساء سبيل وعلق سبحانه فلح حفظ فرجه‬
‫منه فل سبيل له الى الفلح بدونه فقال قد أفلح المؤمنون‬
‫الذين هم فى صلتهم خاشعون إلى قوله فمن ابتغى وراء‬
‫ذلك فأولئك هم العادون وهذا يتضمن ثلثة أمور من لم‬
‫يحفظ فرجه يكن من المفلحين وأنه من الملومين ومن‬
‫العادين ففاته الفلح واستحق إسم العدوان ووقع فى اللوم‬
‫فمقاساة ألم الشهوة ومعاناتها أيشر من بعض ذلك ونظير‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫هذا أنه ذم النسان وأنه خلق هلوعا ل يصبر على شر ول‬
‫خير بل إذا مسه الخير منع وبخل وإذا مسه الشر جزع إل‬
‫من استثناه بعد ذلك من الناجين من خلقه فذكر منهم الذين‬
‫هم لفروجهم حافظون إل على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم‬
‫فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فاولئك هم العادون‬
‫وأمر الله تعالى نبيه أن يأمر المؤمنين بغض أبصارهم وحفظ‬
‫فروجهم وأن يعلمهم أنه مشاهد لعمالهم مطلع عليها يعلم‬
‫خائنة العين وما تخفي الصدور ولما كان مبدأ ذلك من قبل‬
‫البصر جعل المر بغضه مقدما على حفظ الفرج فإن اقتصر‬
‫مبدأها من النظر كما أن معظم النار مبدأها من مستصفر‬
‫الشرر ثم تكون نظرة ثم تكون خطرة ثم خطوة ثم خطيئة‬
‫ولهذا قيل من حفظ هذه الربعة أحرز دينه اللحظات‬
‫والخطرات واللفظات والخطوات فينبغى للعبد أن يكون‬
‫بواب نفسه على هذه البواب الربعة ويلزم الرباط على‬
‫ثغورها فمنها يدخل عليه العدو فيجوس خلل الديار ويتبر ما‬
‫علوا تتبيرا‬
‫فصل‬
‫وأكثر ما تدخل المعاصي على العبد من هذه البواب الربعة‬
‫فنذكر فى كل واحد منها فصل يليق به فأما اللحظات فهي‬
‫رائد الشهوة ورسولها وحفظها أصل حفظ الفرج فمن أطلق‬
‫نظره أورده موارد الهلك وقد قال النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم ياعلى لتتبع النظرة النظرة فإنما لك الولى وليست‬
‫لك الثانية وفى المسند عنه صلى الله عليه وسلم النظرة‬
‫سهم مسموم من سهام إبليس فمن غض بصره عن‬
‫محاسن إمرأة أو أمرد لله أورث فى قلبه حلوة العابدة إلى‬
‫يوم القيامة هذا معنى الحديث وقال غضوا أبصاركم‬
‫واحفظوا فروجكم‬
‫وقال إياكم والجلوس على السلم قالوا يا رسول الله‬
‫مجالسنا مالنا بد منها قال فإن كنتم ل بد فاعلين فأعطوا‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫السلم حقه قالوا وما حقه قال غض البصر وكف الذى ورد‬
‫السلم والنظر أصل عامة اقتصر التى تصيب النسان ان‬
‫فإن النظرة تولد خطرة ثم تولد الخطرة فكرة ثم تولد‬
‫الفكرة شهوة ثم تولد الشهوة إرادة ثم تقوى فتصبر عزيمة‬
‫جازمة فيقع الفعل ول بد ما لم يمنع منه مانع وفى هذا قيل‬
‫الصبر على غض البصر أيسر من ألم ما بعده ولهذا قال‬
‫الشاعر‬
‫كل اقتصر مبداها من النظر * ومعظم النار من مستصغر‬
‫الشرر‬
‫كم نظرة بلغت فى قلب صاحبها * كمبلغ السهم بين القوس‬
‫والوتر‬
‫والعبد ما دام ذا طرف يقلبه * فى أعين العين الخطر‬
‫يسر مقلته ماضر مهجته * ل مرحبا بسرور عاد بالضرر‬
‫ومن فاته أنه يورث الحسرات والزفرات والحرقات فيرى‬
‫العبد ما ليس قادرا عليه ول صابرا عنه وهذا من أعظم‬
‫العذاب أن ترى ما ل صبر لك عنه ول عن بعضه ول قدرة‬
‫لك عليه قال الشاعر‬
‫وكنت متى أرسلت طرفك رائدا * لقلبك يوما أتعبتك‬
‫المناظر‬
‫رأيت الذي قادر * عليه ول عن صابر‬
‫وهذا البيت يحتاج إلي شرح ومراده أنك تري ما ل تصبر عن‬
‫شيء منه ل تقدر عليه فان وله ل قادر عليه نفى لقدرته‬
‫على الكل الذى ل ينتفي إل بنفي القدرة عن كل واحد واحد‬
‫وكم من مرسل لحظاته فمن أقلعت إل وهو يتشحط بينهن‬
‫قتيل كما قيل يا ناظرا ما أقلعت لحظاته * حتى تشحط‬
‫بينهن قتيل ولى من أبيات مل السلمة فاغتدت لحظاته *‬
‫طلل يظن جميل ما زال يتبع أثره لحظاته * حتي تشحط‬
‫بينهن قتيل ومن عجب أن لحظة الناظر سهم ل يصل الى‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫المنظور إليه حتي يتبوء مكانا من قلب الناظر ولى من‬
‫قصيدة‬
‫ياراميا بسهام اللحظ مجتهدا القتيل بما ترمي فل تصب *‬
‫وباعت الطرف يرتاد الشفاء له * أحبس رسولك ل يأتيك‬
‫بالعطب وأعجب من ذلك أن النظرة تجرح القلب جرحا‬
‫فيتبعها جرح ثم ل يمنعه ألم الجراحة من استدعا تكرارها‬
‫ولى أيضا فى هذا المعنى مازلت تتبع نظرة في نظرة فى‬
‫نظرة * في أثر كل مليحة ومليح وتظن ذاك دواء جرحك‬
‫وهو في ال * تحقيق تجريح فذبحت طرفك باللحاظ وبالبكا‬
‫* فالقلب منك ذبيح أي ذبيح وقد قيل إن جنس اللحظات‬
‫أيسر من دوام الحسرات‬
‫فصل‬
‫وأما الخطوات فشأنها أصعب فأنها مبدأ الخير والشر ومنها‬
‫تتولد الرادات والهمم والعزائم فمن راعي خطراته ملك‬
‫زمام نفسه وقهر هواه ومن غلبته خطراته فهواه ونفسه له‬
‫أغلب ومن استهان بالخطرات قادته قهرا إلى الهلكات ول‬
‫تزال الخطرات تتردد على القلب حتى تصير مني باطلة‬
‫منحت بقيعة يحسبه الظمأن ماء حتى إذا جاءه لم يجده‬
‫شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب‬
‫وأحسن الناس همة أوضعهم نفسا من رضى من الحقائق‬
‫بالماني الكاذبة واستجلبها لنفسه وتحلى بها وهى لعمر الله‬
‫رؤس من أموال المفلسين ومتاجر الباطلين وهى قوة‬
‫النفس الفارغة التى قد قنعت من الوصل بزورة الخيال‬
‫ومن الحقائق بكواذب المال كما قال الشاعر أماني من‬
‫سعد الظما * سقننا بها ظماء بردا مني إن تكن حقا تكن‬
‫أحسن المني * وإل فقد عشنا بها زمنا رغدا وهي أضر شىء‬
‫على النسان وتتولد من العجز والكسل وتولد التفريط‬
‫والضاعة والحسرة والندامة والمتمني لما فاته مباشرة‬
‫الحقيقة يحسبه تحت صورتها فى قلبه انقها وضمها إليه‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫فقنع بوصال صورة وهمية خالية صورها فكره وذلك ل يجدي‬
‫عليه شيئا وإنما مثله مثللجائع والظمآن يصور فى وهمه‬
‫صورة الطعام والشراب وهو يأكل ويشرب الحصن به إلى‬
‫ذلك واستجلبه خساسة النفس ووضاعتها وإنما شرف‬
‫النفس وزكاتها وطهارتها وعلوها بأن تنفى عنها كل خطرة ل‬
‫حقيقة لها ول ترضى أن يخطرها بباله ويأنف لنفسه منها ثم‬
‫الخطرت بعد أقسام تدور على أربعة أصول خطرات‬
‫يستجلب بها العبد منافع دنياه وخطرات يستدفع بها مضار‬
‫دنياه وخطرات يسجلب بها مصالح آخرته وخطرات ستدفع‬
‫بها مضار آخرته فليحصر العبد خطراته وأفكاره وهمومه فى‬
‫هذه القسام الربعة فإذا انحصرت له فيها فما أمكن‬
‫اجتماعه منها لم يتركه لغيره وإذا تزاحمت عليه الخطرات‬
‫كتزاحم متعلقاتها قدم الهم فالهم الذي يحشى فوته وأخر‬
‫الذي ليس باهم ول يخاف فوته بقى قسمان آخران أحدهما‬
‫مهم ل يفوت والثاني غير مهم ولكنه يفوت ففي كل منهما‬
‫يدعو إلى تقديمه فهنا يقع التردد والحيرة فيه فإن قدم الهم‬
‫خشى فوات ما دونه وإن قدم ما دونه فإنه الشتغال به عن‬
‫المهم وذلك بأن يعرض له أمران ل يمكن الجمع بينهما ول‬
‫يحصل أحدهما إل بتفويت الخر فهو موضع إستعمال العقل‬
‫والفقه والمعرفة ومن ههنا ارتفع من ارتفع‬
‫وأنجح من أنجح وخاب من خاب فأكثر من ترى ممن يعظم‬
‫عقله ومعرفته يؤثر غير المهم الذي ل المهم الذي يفوت‬
‫ول تجد أحدا يسلم من ذلك ولكن مستقل ومستكثر‬
‫والتحيكم فى هذا الباب للقاعدة الكبرى التى يكون عليها‬
‫مدار راحم والقدر وإليها خلقت الخلق والمر وهى إيثار أكبر‬
‫المصلحتين وأعلهما وإن فاتت المصلحة التي هى دونها‬
‫والدخول فى أدنى المفسدتين لدفع ما هو أكبر منهما‬
‫فتفوت مصلحة لتحصل ما هو وأكبر منهما ويرتكب مفسدة‬
‫لدفع ما هو أعظم منها فخطرات العاقل وفكسره ل يتجاوز‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫ذلك وبذلك جاءت الشرائع ومصالح الدنيا والخرة ل تقوم إل‬
‫على ذلك وأعلى الفكر وأجلها وأنفعها ما كان لله والدار‬
‫الخرة فما كان لله فهو أنواع الول الفكرة فى آياته المنزلة‬
‫وتعقلها وفهمها وفهم مراده منها ولذلك أنزلها الله تعالى إل‬
‫لمجرد تلوتها بل التلوة وسيلة قال بعض السلف أنزل‬
‫القرآن ليعمل به فأتخذوا تلوته عمل الثاني الفكرة فى آياته‬
‫المشهودة والعتبار بها والستدلل بها على أسمائه وصفاته‬
‫وحكمته واحسانه وبره وجوده وقد حث الله سبحانه التفكر‬
‫فى آياته وتدبرها وتعقلها وذم الغافل عن ذلك الثالث‬
‫الفكرة فى الية وإحسانه وإنعامه على خلقه بأصناف النعم‬
‫وسعة مغفرته ورحمته وحلمه وهذه النواع الثلثة تستخرج‬
‫من القلب معرفة الله ومحبته وخوفه ورجاءه ودوام الفكرة‬
‫فى ذلك مع الذكر يصبغ القلب فى المعرفة والمحبة صبغة‬
‫تامة الرابع الفكرة فى عيوب النفس وآفاتها وفى عيوب‬
‫العمل وهذه الفكرة عظيمة النفع وهذا باب كل خير وتأثيرها‬
‫فى كسر النفس المارة بالسوء وحتى كسرت عاشت‬
‫النفس المطمئنة وانتعشت وصار الحكم لها فحى القلب‬
‫ودارت كلمته فى مملكته وبث أمراءه وجنوده فى مصالحه‬
‫الخامس الفكرة فى واجب الوقت ووظيفته وجمع الهم كله‬
‫عليه فالعارف ابن وقته فإن أضاعه ضاعت عليه مصالحه‬
‫كلها فجميع المصالح إنما تنشأ من الوقت فمتى أضاع‬
‫الوقت لم يستدركه أبدا قال الشافعي رضى الله عنه‬
‫صحبت الصوفية فلم أستفد منهم سوى حرفين أحدهما‬
‫قولهم الوقت سيف فإن لم تقطعه قطعك وذكر الكلمة‬
‫الخرى ونفسك إن أشغلتها بالحق وإل اشتغلتك بالباطل‬
‫فوقت النسان هو عمره فى الحقيقة وهو مادة حيا البدية‬
‫فى النعيم‬
‫المقيم ومادة المعيشة الضنك فى العذاب الليم وهو يمر‬
‫أسرع من مر السحاب فما كان من وقته لله وبالله فهو‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫حياته وعمره وغير ذلك ليس محسوبا من حياته وإن عاش‬
‫فيه عيش البهائم فإذا قطع وقته فى الغفلة والشهوة‬
‫والماني الباطلة وكان خير ما قطعه بالنوم والبطالة فموت‬
‫هذا خيرا له من حياته وإذا كان العبد وهو فى الصلة ليس‬
‫له من صلته إل ما عقل منها فليس له من عمره إل ما كان‬
‫فيه بالله وله وما عدا هذه القسام من الخطرات والفكر‬
‫فأما وساوس شيطانية وإما أماني باطلة وخدع كاذبة بمنزلة‬
‫خواطر المصابين فى عقولهم من السكارى والمحشوشين‬
‫والموسوسين ولسان حال هؤلء يقول عند انكشاف‬
‫الحقائق إن كان منزلتي فى الحب عندكم * ما قد لقيت‬
‫فقد ضيعت أيامى نفسى بها زمنا * واليوم أحسبها أضغاث‬
‫أحلم وأعلم أن ورود الخاطر ل يضر وإنما يضر استدعاؤه‬
‫ومحادثته فالخاطر كالمار على السلم فإن لم تستدعه‬
‫وتتركه مرو انصرف عنك وإن استدعيته سحرك بحديثه‬
‫وخدعه وغروره وهو أخف شىء على النفس الفارغة‬
‫بالباطلة وأثقل شىء على القلب والنفس الشريفة‬
‫السماوية المطمئنة وقد ركب الله سبحانه فى النسان‬
‫نفسين نفسا أمارة ونفسا مطمئنة وهما متعاديتان فكلما‬
‫هذه هذه وكلما التذت به هذه تألمت به الخري النفس‬
‫المارة أشق من العمل لله وايثار رضاه على هواها وليس‬
‫لها أنفع منه وكذا النفس المطمئنة أشق من العمل لغير‬
‫الله وأجابة داعي الهوي وليس عليها شيء أضر منه والملك‬
‫مع هذه عن يمين القلب والشيطان مع تلك عن ميسرة‬
‫القلب والحروب مستمرة ل تضع أوزارها إل أن تستوفى‬
‫أجلها من الدنيا والباطل كله يتخير مع الشيطان والمارة‬
‫والحق كله يتحيز مع الملك والمطمئنة والحرب دول وسجل‬
‫والنصر مع الصبر ومن‬
‫صبر وصابر ورابط واتقى الله فله العافية في الدنيا والخرة‬
‫وقد حكم الله تعالى حكما ل يبدل أبدا أن العاقبة للتقوي‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫والعاقبة للمتقين فالقلب لوح فارغ والخواطر نقوش تنقش‬
‫فيه فكيف يليق بالعاقل أن يكون نقوش لوحه ما بين كذب‬
‫وغرور وخدع وأماني باطلة وسراب ل حقيقة له فأي ولكمل‬
‫وعلم وهدي ينتقش مع هذه النقوش وإذا أراد أن ينتقش‬
‫ذلك فى لوح قلبه كان بمنزلة كتابة العلم النافع فى محل‬
‫مشغول بكتابة مال منفعة فيه فإن لم يفرغ القلب من‬
‫الخواطر الردية لم يستقر فيه الخواطر النافعة فإنها ل‬
‫تستقر إل فى محل فارغ كما قيل أتانى هواها قبل أن‬
‫أعرف الهوي * فصادف قلبا خايل فتمكنا ولهذا كثير من‬
‫أرباب السلوك بنوا سلوكهم على حفظ الخواطر وأن ل‬
‫يمكنوا خاطر يدخل قلوبهم حتى تصبر القلوب فارغة قابلة‬
‫للكشف وظهور حقائق العلويات فيها وهؤلء حفظوا شيئا‬
‫وغابت عنهم أشياء فإنهم أخلوا القلوب من أن يطرقها‬
‫خاطر فبقيت فارغة ل شىء فيها فصادفها الشيطان خالية‬
‫فبذر فيها الباطل فى قوالب وهمهم أنها أعلى الشياء‬
‫وأشرفها وعوضهم بها عن الخواطر التى هى مادة العلم‬
‫والهدي وإذا خلى القلب عن هذه‬
‫الخواطر جاء الشيطان فوجد المحل خاليا فشغله بما‬
‫يناسب حال صاحبه حيث لم يستطع أن شغله بالخواطر‬
‫السفلية فكيف بالعلوية فشغله بارادة التجريد والفراغ من‬
‫وانهم التى لصلح للعبد ول فلح إل بأن تكون هى قلبه وهى‬
‫إرادة مراد الله الديني المري الذى يحبه ويرضاه وشغل‬
‫القلب واهتمامه التفصيل به والقيام به وتنفيذه فى الخلق‬
‫والتطرق إلى ذلك والتوصل إليه بالدخول فى الخلق لتنفيذه‬
‫فيرطلهم الشيطان عن ذلك بأن دعاهم إلى تركه وتعطليه‬
‫من باب الزهد فى خواطر الدنيا وأسبابها وأوهمهم أن‬
‫كمالهم فى ذلك التجريد والفراغ وهيهات هيهات إنما الكمال‬
‫فى اجلء القلب والسر من الخواطر والرادات والفكر فى‬
‫تحصيل مراضى الرب تعالي من العبد ومن الناس والفكر‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫فى طرق ذلك التوصل إليه فأكمل الناس أكثرهم خواطر‬
‫وفكر وإرادات لذلك كما إن أنقص الناس أكثرهم خواطر‬
‫وفكرا وإرادات لحظوظه وهواه وأين كانت والله المستعان‬
‫وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه كانت تتزاحم عليه‬
‫الخواطر فى مرضات الرب تعالى فربما استعملها فى‬
‫صلته فكان يجهز جيشه وهو فى صلته فيكون قد جمع بين‬
‫الصلة والجهاد وهذا من باب تداخل العبادات فى العبادة‬
‫الواحدة وهو من باب عزيز شريف ل يدخل منه إل صادق‬
‫حاذق الطلب متضلع من العلم عالي الهمة المجاشعي‬
‫يدخل فى عبادة يظفر فيها بعبادات شتي وذلك فضل الله‬
‫يؤتيه من يشاء‬
‫فصل‬
‫وأما اللفظات فحفظها بأن ل يخرج لفظه ضائعة بل ل يتكلم‬
‫إل فيما يرجو فيه الربح والزيادة فى دينه فإذا أراد أن يتكلم‬
‫بالكلمة نظر الشياطين فيها ربح أو فائدة أم ل فان لم يكن‬
‫فيها ربح أمسك عنها وإن كان فيها ربح نظر الشياطين‬
‫تفوته بها كلمة هي زربح منها فل يضيعها بهذه وإذا أردت أن‬
‫تستدل على ما في القلوب فأستدل عليه بحركة اللسان‬
‫فأنه يطلعك على ما في القلب مصاحبه أم أبى قال يحيى‬
‫بن معاذ القلب كالقدور تغلى بما فيها وألسنتها مغارفها‬
‫فانظر الرجل حين يتكلم فرن لسانه يغترف لك به مما فى‬
‫قلبه حلو وحامض وعذب وأجاج وغير ذلك ويبين لك طعم‬
‫قلبه أغتراف لسانه أي كما تطعم بلسانك فتذوق مافي قلبه‬
‫من لسانه كما تذوق ما في القدر بلسانك وفى حديث أنس‬
‫المرفوع ل يسقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه وليستقيم‬
‫قلبه حتى يستقيم لسانه وسئل النبي صلى الله عليه وسلم‬
‫عن أكثر ما يدخل النار وفقال الفم والفرج وقال الترمذي‬
‫حديث حسن صحيح وقد سأل معاذ النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم عن العمل يدخله الجنة ويباعده من النار فأخبره‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫صلى الله عليه وسلم برأسه وعموده وذروة سنامه ثم قال‬
‫آل أخبركم بملك ذلك كله قال بلى يا رسول الله فأخذ‬
‫بلسان نفسه ثم قال كف عليك هذا فقال وإنا لمواخذون بما‬
‫نتكلم به فقال ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس فى النار‬
‫على وجوهم أو على مناخرهم الحصائد ألسنتهم قال‬
‫الترمذي حديث حسن صحيح ومن العجب أن النسان يهون‬
‫عليه التحفظ والحتراز من أكل الحرام والظلم والزنا‬
‫والسرقة وشرب الخمر ومن النظر المحرم وغيرذلك‬
‫ويصعب عليه التحفظ من حركة لسانه حتى يري الرجل‬
‫يشار إليه بالدين‬
‫والزهد والعبادة وهو يتكلم بالكلمة من سخط الله ل يلقى‬
‫لها بال يزال بالكلمة الواحدة بين المشرق والمغرب وكم‬
‫ترى من رجل متورع عن الفواحش والظلم ولسانه ثغري‬
‫فى أعراضه الحياء والموات ول يبالى مايقول وإذا أردت أن‬
‫تعرف ذلك فأنظر إلى ما رواه مسلم فى صحيحه من حديث‬
‫حندت بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم قال رجل والله ل يغفر الله لفلن فقال الله عزوجل‬
‫من ذا الذي يتالى على إني ل أغفر لفلن قد غفرت له‬
‫وأحبطت عملك فهذا العابد الذي قد عبد الله ما شاء أن‬
‫يعبده أحبطت‬
‫هذه الكلمة الواحدة عمله كله وفى حديث أبي هريرة نحو‬
‫ذلك ثم قال أبو هريرة تكلم بكلمة أو بقت دنياه وآخرته‬
‫وفى الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله‬
‫عليه وسلم أن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ل يلقى‬
‫لها بال يرفعه الله بها درجات وأن العبد ليتكلم بالكلمة من‬
‫سخط الله ل يلقى لها بال يهوي بها فى نار جهنم وعند‬
‫مسلم أن العبد ليتكلم بالكلمة مايتبين مافيها يهوي بها فى‬
‫النار أبعد مما بين‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫المغرب والمشرق وعند الترمذي عن النبى صلى الله عليه‬
‫وسلم من حديث بلل بن الحارث المزنى أن أحدكم ليتكلم‬
‫بالكلمة من رضوان الله مايظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب الله‬
‫له بها رضوانه إلى يوم يلقاه وإن أحدكم ليتكلم بالكلمة من‬
‫سخط الله مايظن أن تبلغ مابلغت فيكتب الله له بها سخطه‬
‫إلى يوم يلقاه فكان علقمة يقول كم من كلم قد منعنيه‬
‫حديث بلل بن الحارث وفى جامع الترمذي أيضا من حديث‬
‫أنس قال توفى رجل من الصحابة فقال رجل أبشر بالجنة‬
‫فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لتدري لعله تكلم‬
‫فيما‬
‫ليعنيه أو بخل بمال ينقصه قال حديث حسن وفى لفظ أن‬
‫غلما ما استشهد يوم أحد فوجد على بطنه صخرة مربوطة‬
‫من الجوع فمسحت أمه التراب عن وجهه وقالت هنيئا لك يا‬
‫بني الجنة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وما‬
‫يردرك لعله كان يتكلم فيما ل اليعنيه ويمنع مال يضروه في‬
‫الصحيحين من حديث أبى هريرة يرفعه من كان يؤمن بالله‬
‫واليوم الخر فليقل خيرا أو ليصمت وفي لفظ لمسلم من‬
‫كان يؤمن بالله واليوم الخر فرذا شهد أمر فليتكلم بخير أو‬
‫ليسكت وذكر الترمذي بإسناد صحيح عنه صلى الله عليه‬
‫وسلم من حسن إسلم المرأ تركه ما ل يعنيه وعن سفيان‬
‫بن عبد الله الثقفي قال قلت يا رسول الله قل لى فى‬
‫السلم قول ل أسأل عنه أحدا بعدك قال قل آمنت بالله ثم‬
‫استقم قال قلت يا رسول الله ما أخوف ما فأخذ بلسان‬
‫نفسه ثم قال هذا والحديث صحيح وعن أم حبيبة زوج النبي‬
‫صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‬
‫كل كلم ابن آدم عليه لله إل أمر بمعروف أو نهى عن‬
‫فاجتالتهم أو ذكر الله عز وجل قال الترمذي حديث حسن‬
‫وفى حديث آخر إذا أصبح العبد فإن العضاء كلها تكفر‬
‫اللسان تقول اتق الله فإنما نحن بك فإذا استقمت استقمنا‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫وإن أعوججت أوعوججنا وقد كان بعض السلف يحاسب‬
‫أحدهم نفسه فى قوله يوم حار ويوم بارد ولقد روى بعض‬
‫الكابر من أهل العلم فى النوم بعد موته فسئل عن حاله‬
‫فقال أنا موقوف على كلمة قلتها قلت ما احوج النالس إلى‬
‫غيث فقيل لى وما يدريك أنا أعلم بمصلحة عبادي وقال‬
‫بعض الصحابة لخادمه يوما هات لى السفرة نعبث بها ثم‬
‫قال استغفر الله ما أتكلم بكلمة إل وأنا أخطمها وأزمها إل‬
‫هذه الكلمة خرجت مني بغير خطام ول زمام أو كما قال‬
‫والسير حركات الجوارح حركة اللسان وهى أضرها على‬
‫العبد وأختلف السلف والخلف الشياطين يكتب جميع ما‬
‫يلفظ به أو الخير والشر فقط على قولين أظهرهما الول‬
‫وقال بعض السلف كل كلم بن آدم عليه لله إل ما كان من‬
‫ذكر الله وما واله وكان الصديق رضى الله عنه يمسك‬
‫بلسانه ويقول هذا أوردني الموارد والكلم أسيرك فإذا خرج‬
‫من فيك صرت أسيره والله عند لسان كل قائل وما يلفظ‬
‫من قول ال لديه رقيب عتيد وفى اللسان آفتان عظيمتان‬
‫إن خلص العبد من احدهما لم يخلص من الخرة آفة الكلم‬
‫وآفة السكوت وقد يكون كل منهما أعظم إثما من الخري‬
‫في وقتها فالساكت عن الحق شيطان أخرس عاص لله‬
‫مراء مداهن إذا لم نفسه والمتكلم بالباطل‬
‫شيطان ناطق عاص لله وأكثر الخلق منحرف فى كلمه‬
‫وسكوته فهم بين هذين النوعين وأهل الوسط وهم أهل‬
‫الصراط المستقيم كفوا ألسنتهم عن الباطل واطلقوها فيما‬
‫يعود عليهم نفعه فى الخرة فل يرى أحدهم أنه يتكلم بكلمة‬
‫تذهب عليه ضائعة بل منفعة فضل أن تضره فى آخرته وإن‬
‫العبد ليأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال فيجد لسانه‬
‫قد هدمها عليه كلها ويأتي بسيئات أمثال الجبال فيجد لسانه‬
‫قد هدمها من كثرة ذكر الله عز وجل وما اتصل به‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫الجواب الكافي ‪13‬‬
‫فصل‬
‫وأما الخطوات فحفظها بأن ل ينقل قدمه إل فيما يرجوا‬
‫ثوابه عند الله تعالى فإن لم يكن فى خطاه مزيد ثواب‬
‫فالقعود عنها خير له ويمكنه أن يستخرج من كل مباح يخطو‬
‫إليه قربة يتقرب بها وينويها لله فيقع خطاه قربة وتنقلب‬
‫عادته عبادة ومباحاته طاعات ولما كانت العثرة عثرتين‬
‫عثرة الرجل وعثرة اللسان جاءت دهما قرينة الخرى فى‬
‫قوله تعالى وعباد الرحمن الذين يمشون على الرض هونا‬
‫وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلما فوصفهم بالستقامة فى‬
‫لفظاتهم وخطواتهم كما جمع بين اللحظات والخطرات فى‬
‫قوله تعالى‬
‫يعلم خائنة العين وما تخفي الصدور‬
‫فصل‬
‫وهذا كله ذكرناه مقدمة بين يدي تحريم الفواحش ووجوب‬
‫حفظ الفرج وقد قال صلى الله عليه وسلم أكثر ما يدخل‬
‫الناس النار الفم والفرج وفى الصحيحين عنه صلى الله‬
‫عليه وسلم ل يحل دم امرء مسلم إل بإحدى ثلث الثيب‬
‫الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة‬
‫وهذا الحديث فى اقتران الزنا بالكفر وقتل النفس نظير‬
‫الية التى فى الفرقان ونظير حديث ابن مسعود دبدا رسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم بالكثر وقوعا ثم بالذى يليه فالزنا‬
‫أكثر وقوعا النفس وقتل النفس أكثر وقوعا من الردة نعوذ‬
‫بالله منها وأيضا فإنه انتقال من الكبر إلى ما هو أكبر منه‬
‫مفسدة ومفسدة الزنا مناقضة لصلح العالم فإن المرأة إذا‬
‫زنت أدخلت العار على أهلها وزوجها وأقاربها ونكست‬
‫رؤسهم بين الناس وإن حملت من الزنا فإن قتلت ولدها‬
‫جمعت بين الزنا والقتل وإن حملته الزوج أدخلت على أهلها‬
‫وأهله أجنبيا ليس منهم فورثهم وليس منهم ورآهم خلبهم‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫وانتسب إليهم وليس منهم إلى غير ذلك من مفاسد زناها‬
‫وأما زنا الرجل فإنه يوجد اختلط لنساب أيضا وإفساد‬
‫المرأة المصونة وتعريضها للتلف والفساد ففي هذه الكبيرة‬
‫خراب الدنيا والدين وإن عمرت القبور فى البرزخ والنار فى‬
‫الخرة فكم فى الزنا من استحلل محرمات وفوات حقوق‬
‫ووقوع مظالم ومن خاصيته أنه ! ! الفقر ويقصد ! ويكسر‬
‫صاحبه سواد الوجه وثوب المقت بين الناس ومن خاصيته‬
‫أيضا أنه يشتت القلب ويمرضه إن لم يمته ويجلب الهم‬
‫والحزن والخوف ويباعد صاحبه من الملك ويقربه من‬
‫لشيطان فليس بعد مفسدة القتل أعظم من مفسدته ولهذا‬
‫شرع فيه القتل على أشنع الوجوه وأفحشها وأصعبها العبد‬
‫أن إمرأته أو حرمته قتلت كان أسهل عليه من أن يبلغه أنها‬
‫زنت وقال سعيد بن عبادة رضي الله عنه لو رأيت رجل مع‬
‫إمرأتي لضربته بالسيف غير مصفح فبلغ ذلك رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم فقال تعجبون من غيرة سعد والله لنا‬
‫أغير منه والله أغير مني ومن أجل غيرة الله حرم الفواحش‬
‫ما ظهر منها وما بطن متفق عليه وفى الصحيحين أيضا عنه‬
‫صلى الله عليه وسلم إن الله يغار وإن المؤمن يغار غيرة‬
‫الله أن يأتي العبد ما حرم عليه وفى الصحيحين عنه صلى‬
‫الله عليه وسلم ل أحد أغير من الله ن أجل ذلك حرم‬
‫الفواحش ما ظهر منها وما بطن ول أحد أحب إليه العذر من‬
‫الله من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين نذرين ول أحد‬
‫أحب إليه المدح من الله من أجل ذلك أثني على نفسه وفى‬
‫الصحيحين فى خطبته صلى الله عليه وسلم فى صلة‬
‫الكسوف أنه قال يا جهلتم محمد والله إنه ل أحد أغير من‬
‫الله أن يزنى عبده أو تزني أمته يا جهلتم محمد والله لو‬
‫تعلمون ما أعلم لضحكتم قليل ولبكيتم كثيرا ثم رفع يديه‬
‫فقال اللهم الشياطين بلغت وفى ذكر هذه الكبيرة‬
‫بخصوصها عقيب صلة الكسوف سر بديع لمن تأمله وظهور‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫الزنا من أمارات خراب العالم وهو من أشراط الساعة كما‬
‫فى الصحيحين عن أنس بن مالك أنه قال لحدثكم حديثا‬
‫ليحدثكموه أحد بعدي سمعته من النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم يقول من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويظهر‬
‫الجهل ويشرب الخمر ويظهر الزنا ويقل الرجال وتكثر‬
‫النساء حتى يكون لخمسين إمرأة القيم الواحد وقد جرت‬
‫سنة الله سبحانه فى خلقه أنه عند ظهور الزنا يغضب الله‬
‫سبحانه وتعالى ويشتد غضبه فلبد أن يؤثر غضبه فى الرض‬
‫عقوبة قال عبد الله بن مسعود ما ظهر الربا والزنا فى قرية‬
‫ال أذن الله باهلكها ورأي بعض أحبار بنى إسرائيل إبنا له‬
‫يغامز إمراءة فقال مهل يابني فصرع الب عن سريره‬
‫فأنقطع نخاعه وأسقطت إمرأته وقيل له هكذا غضبك لى ل‬
‫يكون فى جنسك خير ابدا وخص سبحانه حد الزنا من بين‬
‫سائر الحدود بثلث خصائص أحدها القتل فيه بأشنع القتلت‬
‫وحيث خففه فجمع فيه بين العقوبة على البدن بالجلد وعلى‬
‫القلب بتغريبه عن وطنه سنة الثاني أنه نهى عباده أن‬
‫تأخذهم بالزناة رأفة فى دينه المجاشعي تمتعهم من إقامة‬
‫الحد عليهم فإنه سبحانه من رأفته بهم ورحمته بهم شرع‬
‫هذه العقوبة فهو أرحم بكم منكم هم ولم تمنعه رحمته من‬
‫أمره بهذه العقوبة فل يمنعكم أنتم ما يقوم بقلوبكم من‬
‫الرأفة من إقامة أمره وهذا وإن كان عاما فى سائر الحدود‬
‫ولكن ذكر فى حد الزنا خاصة لشدة الحاجة إلى ذكره فإن‬
‫الناس ل يجدون فى قلوبهم من الغلطة والقسوة على‬
‫الزاني ما يجدونه على السارق والقاذف وشارب الخمر‬
‫فقلوبهم ترحم الزاني أكثر مما ترحم ! من ارباب الجرائم‬
‫والوقائع والواقع مما بعد ذلك فنهوا أن تأخذهم هذه الرأفة‬
‫وتحملهم لى تعطيل حد الله عز وجل وسبب هذه الرحمة‬
‫أن هذا ذنب يقع من الشراف والوساط والراذل وفي‬
‫النفوس أقوى الدواعي إليه والمشارك فيه كثير وأكثر‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫أسبابه العشق والقلوب مجبولة على رحمة العاشق وكثير‬
‫من الناس يعد مساعدته طاعة وقرية وإن كانت الصورة‬
‫المعشوقة محرمة عليها ول يستنكر هذا المر فهو مستقر‬
‫عند من شاء الله من أشباه النعام ولقد حكى لنا من ذلك‬
‫شىء كثيرا كثرة عن ناقصي العقول والديان كالخدم‬
‫والنساء وأيضا فإن هذا ذنب غالب ما يقع مع التراضي من‬
‫الجانين فل يقع فيه من العدوان والظلم والغتصاب ما تنفر‬
‫النفوس منه وفيها شهوة غالبة له فتصور ذلك لنفسها فتقوم‬
‫بها رحمة تمنع إقامة الحد وهذا كله من ضعف اليمان‬
‫وكمال اليمان أن تقوم به قوة يقيم أمر الله ورحمة يرحم‬
‫بها المحدود فيكون موافقا لربه سبحانه فى أمره ورحمته‬
‫الثالث أنه سبحانه أمر أن يكون حدهما بمشهد من المؤمنين‬
‫فل يكون فى خلوة حيث ل يراهما أحد وذلك أبلغ فى‬
‫مصلحة الحد وحكمة الزجر وحد الزاني المحصن مشتق من‬
‫عقوبة الله تعالى لقوم لوط بالقذف بالحجارة وذلك‬
‫لشتراك الزنا واللواط فى الفحش وفى كل منهما فساد‬
‫يناقض ولكمل الله فى خلقه وأمره فإن فى اللواط‬
‫المفاسد ما يفوت الحصر والتعداد ولن يقتل المفعول به‬
‫خير له من أن يؤتي فإنه يفسد فسادا ل يرجى له بعده‬
‫صلح أبدا ويذهب خيره كله وتمص الرض ماء الحياء من‬
‫وجهه فل يستحي بعد ذلك ل من الله ول من خلقه وتعمل‬
‫فى قلبه وروحه نطفة الفاعل ما يعمل السم فى البدن وقد‬
‫أختلف الناس الشياطين يدخل الجنة مفعول به على قولين‬
‫سمعت شيخ السلم رحمه الله يحكيهما والذين قالوا ل‬
‫يدخل الجنة احتجوا بأمور منها أن النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم قال ل يدخل الجنة ولد زنا فإذا كان هذا حال ولد‬
‫الزنا مع أنه ل ذنب له فى ذلك ولكنه مظنة كل شر وخبث‬
‫وهو جدير أن ل يجيء منه خيرا أبدا لنه مخلوق من نطفة‬
‫خبيثة وإذا كان الجسد الذي تربى على الحرام النار أولى به‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫فكيف بالجسد المخلوق من النطفة الحرام قالوا والمفعول‬
‫به شر من ولد الزنا وأخزى وأخبث وأوسخ وهو جدير أن ل‬
‫يوفق ليخر وأن يحال بينه وبينه وكلما عمل خيرا قيض الله‬
‫ما يفسده عقوبة له وقل أن ترى من كان كذلك فى صغره‬
‫إل وهو فى كبره شر مما كان ول يوفق ول لعلم نافع ول‬
‫توبة نصوحا والتحقيق فى هذه المسألة أن يقال إن تاب‬
‫المبتلى بهذا البلء وأتاب ورزق توبة نصوحا وعمل صالحا‬
‫وكان فى كبره خيرا منه فى صغره وبدل سيئآته بحسنات‬
‫وغسل عار ذلك عنه بأنواع الطاعات والقربات وغض بصره‬
‫وحفظ فرجه عن المحرمات وصدق الله فى معاملته فهذا‬
‫مغفور له وهو من أهل الجنة فإن الله يغفر الذنوب جميعا‬
‫وإذا كانت التوبة تمحو كل ذنب حتى الشرك بالله وقتل‬
‫أنبيائه وأوليائه والسحرا والكفر وغير ذلك فل تقصر عن محو‬
‫هذا الذنب وقد استقرت ولكمل الله به عدل وفضل أن‬
‫التائب من الذنب كمن ل ذنب ه وقد ضمن الله سبحانه لمن‬
‫تاب من الشرك وقتل النفس والزنا أنه يبدل سيئاته حسنات‬
‫وهذا حكم عام لكل تائب من ذنب وقد قال تعالى قل يا‬
‫عبادى الذين اسرفوا على أنفسهم ل تقنطوا من رحمة الله‬
‫إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم فل يخرج‬
‫من هذا العموم ذنب واحد ولكن هذا فى حق التائبين خاصة‬
‫وأما مفعول به كان فى كبره شرا مما كان في صغره لم‬
‫يوفق لتوبة نصوحا ول ول استدرك ما فات ول أحيى ما مات‬
‫ول بدل السيئات بالحسنات فهذا بعيد أن يوفق عند الممات‬
‫لخاتمة يدخل الجنة عقوبة له‬
‫على عمله فإن الله سبحانه وتعالى يعاقب على السيئة‬
‫بسيئة أخرى وتتضاعف عقوبة السيئآت بعضها ببعض كما‬
‫يثيب على الحسنة بحسنة أخرى فتضاعف الحسنات وإذا‬
‫نظرت إلي حال كثير من المحتضرين وجدتهم يحال بينهم‬
‫وبين حسن الخاتمة عقوبة لهم على أعمال السيئة قال‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫الحافظ أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن الشبيلي رحمه‬
‫الله وأعلم أن لسوء الخاتمة أعاذنا الله منها أسباب ولها‬
‫طرق وأبواب أعظمها النكباب على الدنيا وطلبها والحرص‬
‫عليها والعراض عن الخرى والقدام معاصي الله عز وجل‬
‫وربما غلب على النسان ضرب من الخطيئة ونوع من‬
‫المعصية وجانب من العراض ونصيب من الجرأة القدام‬
‫فملك قلبه وسبي عقله وأطفأ نوره وأرسل عليه حجبه فلم‬
‫تنفع فيه تذكرة ول نجعت فيه موعظة فربما جاءه الموت‬
‫على ذلك فسمع النداء من مكان بعيد فلم يتبين له المراد‬
‫ول علم ما أراد وإن كرر عليه الداعي وأعاد قال ويروي أن‬
‫بعض رجال الناصر نزل به الموت فجعل ابنه يقول له قل ل‬
‫إله إل الله فقال الناصر مولي فأعاد عليه القول فقال مثل‬
‫ذلك أصابته غشية فلما أفاق قال الناصر مولي وكان هذا‬
‫دأبة كلما له قيل ل إله إل الله قال الناصر مولي ثم قال‬
‫لبنه يا فلن الناصر إنما يعرفك بسيفك والقتل القتل ثم‬
‫مات على ذلك قال عبد الحق رحمه الله وقيل لخر ممن‬
‫أعرفه قل ل إله إل الله فجعل يقول الدار الفلنية صلحوا‬
‫فيها كذا والبستان الفلني افعلوا فيه كذا وقال وفيما أذن‬
‫أبو طاهر السلعي أن أحدث به عنه أن رجل نزل به الموت‬
‫فقيل له قل ل إله إل الله فجعل يقول بالفارسية ده يازده‬
‫تفسيره عشر بإحدى عشر وقيل لخر قل ل إله إل الله‬
‫فجعل يقول أين السلم إلى حمام منجاب قال وهذا الكلم‬
‫له قصة وذلك أن رجل كان واقفا بازاء داره وكان بابها يشبه‬
‫باب هذا الحمام فمرت به جارية لها منظر فقالت أين‬
‫السلم إلى حمام منجاب فقال هذا حمام منجاب فدخلت‬
‫الدار ودخل وراءها فلما رأت نفسها فى داره وعلمت أنه قد‬
‫خدعها أظهرت له البشر والفرح بإحتماعها معه وقالت‬
‫خدعة منها له وتحيل لتتخلص مما أوقعها فيه وخوفا من فعل‬
‫لفاحشة يصلح أن يكون معنا ما يطيب به عيشنا وتقربه‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫عيوننا فقال لها الساعة آتيك بكل ما تريدين وتشتهين وخرج‬
‫وتركها فى الدار ولم يغلقها فأخذ ما يصلح ورجع فوجدها قد‬
‫خرجت وذهبت ولم تخنه فى شيء فهام الرجل وأكثر الذكر‬
‫لها وجعل يمشي فى الطرق والزقة ويقول يارب قائلة يوما‬
‫وقد تعبت * أين السلم إلي حمام منجاب فبينا يقول ذلك‬
‫وإذا بجاريته أجابته من طاق قرنان * الشياطين ل جعلت‬
‫سريعا بها حرزا على الدار أو قفل على الباب * فازداد‬
‫هيمانه واشتد هيجانه ولم يزل كذلك حتى كان هذا البيت‬
‫آخر كلمه من الدنيا‬
‫قال ويرى أن رجل عشق شخصا فاشتد كلفه به وتمكن حبه‬
‫من قلبه حتى وقع ألما به ولزم الفراش بسببه وتمنع ذلك‬
‫الشخص عليه واشتد نفاره عنه فلم تزل الوسائط يمشون‬
‫بينهما حتى وعده أن يعوده فأخبر بذلك البائس ففرح واشتد‬
‫سروره وانجلى غمه وجعل ينتظر للمعياد الذي ضربه له‬
‫فبينا هو كذلك إذ جاءه الساعي بينهما فقال أنه وصل معى‬
‫إلى بعض السلم ورجع فرغبت إليه وكلمته فقال أنه ذكرني‬
‫وبرح بي ول أدخل مداخل الريب ول أعرض نفسي لمواقع‬
‫ألهتم فعاودته فأبى وانصرف فلما سمع البائس ذلك أسقط‬
‫فى يده‬
‫أمرني إلى أشد مما كان به وبدت عليه علئم الموت فجعل‬
‫يقول فى تلك الحال أسلم ياراحة العليل * ويا شفاء‬
‫المدنف النحيل رضاك أشهى إلي فؤادى * من رحمة الخالق‬
‫الجليل فقلت له يافلن اتق الله قال قد كان فقمت عنه‬
‫فما جاوزت باب داره حتى سمعت صيحة الموت فعياذا بالله‬
‫من سوء العاقبة وشؤم الخاتمة ولقد بكى سفيان الثوري‬
‫ليلة إلى الصباح فلما أصبح قيل له أكل هذا خوفا من‬
‫الذنوب فأخذ تنبة من الرض وقال الذنوب أهون من هذه‬
‫وإنما أبكى خوفا من الخاتمة وهذا من أعظم الفقه أن‬
‫يخاف الرجل أن تخدعه‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫ذنوبه عند الموت فتحول بينه وبين الخاتمة الحسنى وقد‬
‫ذكر المام أحمد عن أبى الدرداء أنه لما اختصر جعل يغمى‬
‫عليه ثم يفيق ويقرأ ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا‬
‫به أول مرة ونذرهم فى طغيانهم يعمهون فمن هذا خاف‬
‫السلف من الذنوب أن تكون حجابا بينهم وبين الخاتمة‬
‫الحسني قال وأعلم أن سوء الخاتمة أعاذنا الله تعالى منها‬
‫ل تكون لمن استقام ظاهره وصلح باطنه ما سمع بهذا ول‬
‫علم به ولله الحمد وإنما تكون لمن فساد فى العقيدة أو‬
‫اصرار على الكبيرة وإقدام على العظائم فربما غلب ذلك‬
‫عليه حتي نزل به الموت قبل التوبة فيأخذه قبل إصلح‬
‫الطوية ويصطلم قبل النابة فيظفر به الشيطان عند تلك‬
‫الصدمة ويختطفه عند تلك الدهشة والعياذ بالله قال ويروي‬
‫أنه كان بمصر رجل يوم المسجد للذان والصلت فيه وعليه‬
‫بهاء الطاعة ونور العبادة فرقى يوما المنارة على عادته‬
‫للذان وكان تحت المنارة دارا لنصراني فاطلع فيها فرأي‬
‫إبنة صاحب الدار فافتتن بها فترك الذان ونزل إليها ودخل‬
‫الدار عليها فقالت له ما شأنك وما تريد قال اريدك قالت‬
‫لماذا قال قد سلبت لبي وأخذت بمجامع قلبي قالت ل‬
‫أجيبك إلى رية أبدا قال أتزوجك مسلم وأنا نصرانية وأبي ل‬
‫يزوجني منك قال اتنصر قالت إن فعلت أفعل فتنصر الرجل‬
‫ليتزوجها وأقام معهم فى الدار فلما كان فى آثناء ذلك اليوم‬
‫رقى إلى سطح كان فى الدار فسقط منه فمات فلم يظفر‬
‫بها وفاته دينه‬
‫فصل‬
‫ولما كانت مفسدة اللواط من أعظم المفاسد كانت عقوبتة‬
‫فى الدنيا والخرة من اعظم العقوبات وقد أختلف الناس‬
‫الشياطين هو أغلظ عقوبة من الزنا أو الزنا أغلظ عقوبة‬
‫منه أو عقوبتهما سواء على ثلثة أقوال فذهب أبو بكر‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫الصديق وعلى بن أبي طالب وخالد بن الوليد وعبد الله بن‬
‫الزبير وعبد الله بن عباس وخالد بن زيد وعبد الله بن معمر‬
‫والزهرى وربيعة بن أبي عبد الرحمن ومالك وإسحق بن‬
‫راهويه والمام أحمد فى أصح الروايتين عنه والشافعي فى‬
‫أحد قوليه إلى أن عقوبته أغلظ من عقوبة الزنا وعقوبته‬
‫القتل على كل حال محصنا كان أو غير محصن وذهب عطاء‬
‫بن أبي رباح والحسن البصري وسعيد بن المسيب وإبراهيم‬
‫النخعى وقتادة والوزاعى والشافعي فى ظاهر مذهبه‬
‫والمام أحمد فى الرواية الثانية عنه وأبو يوسف ومحمد إلى‬
‫عقوبته وعقوبة الزانى سواء وذهب الحاكم والمام أبو‬
‫حنيفة إلى أن عقوبته دون عقوبة الزانى وهى التعزير قالوا‬
‫لنه معصية من المعاصى لم يقدر الله ول رسوله صلى الله‬
‫عليه وسلم فيه حدا مقدرا فكان فيه التعزير كأكل الميتة‬
‫والدم ولحم الخنزير قالوا ولنه وطؤ في محل ل تشتهيه‬
‫الطبائع بل ركبها الله تعالى على النفرة منه حتى الحيوان‬
‫البهيم فلم يكن فيه حد وغيره قالو ولنه ل يسمى زانيا لغة‬
‫ول شرعا ول عرفا فل يدخل في النصوص من الدللة على‬
‫حد الزانيين قالوا ولنا رأينا قواعد الشريعة أن المعصية إذا‬
‫كان الوازع عنها طبعيا اكتفى بذلك الوازع عن الحد واذا كان‬
‫في الطبائع تقاضيها جعل فيها الحد بحسب اقتضاء الطبائع‬
‫لها ولهذا جعل الحد في الزنا والسرقة وشرب المسكر دون‬
‫أكل الميتة والدم ولحم الخنزير قالوا وطرد هذا لحد في‬
‫وطيء البهيمة ول الميتة وقد جبل الله تعالى الطبائع على‬
‫النفرة من وطيء الرجل الرجل أشد نفرة كم جبلها على‬
‫النفرة من استدعاء الرجل من يطؤه بخلف الزنا فان‬
‫الداعى فيه من الجانبين قالوا ولن أحد النوعين اذا استمتع‬
‫بشكله لم يجب عليه الحد كما لو تساحقت المرأتان‬
‫واستمتعت كل واحدة منهما بالخرى قال أصحاب القول‬
‫الول وهم جمهور المة وحكاه غير واحد إجماعا للصحابة‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫ليس في المعاصى مفسدة أعظم من مفسدة اللواط وهى‬
‫تلى مفسدة الكفر وربما كانت أعظم من مفسدة القتل كما‬
‫سنبينه ان شاء الله تعالى قالوا ولم يبتلي الله تعالى بهذه‬
‫الكبيرة قبل قوم لوط أحدا من العالمين وعاقبهم عقوبة لم‬
‫يعاقب بها جهلتم غيرهم وجمع عليهم أنواعا من العقوبات‬
‫من الهلك وقلب ديارهم عليهم والخسف بهم ورجمهم‬
‫بالحجارة من السماء وطمس أعينهم وعذبهم وجعل عذابهم‬
‫مستمرا فنكل بهم نكال لم ينكله بامة سواهم وذلك لعظم‬
‫مفسدة هذه الجريمة التى تكاد الرض تميد من جوانبها إذا‬
‫عملت عليها وتهرب الملئكة الى أقطار السموات والرض‬
‫اذا شهدوها خشية نزول العذاب على أهلها فيصيبهم معهم‬
‫وتعج الرض الى ربها تبارك وتعالى وتكاد الجبال تزول عن‬
‫أماكنها وقتل المفعول به خير له من وطئه فانه اذا وطأه‬
‫الرجل قتله قتل ل ترجي الحياة معه بخلف قتله فانه‬
‫مظلوم شهيد وربما ينتفع به في آخرته قالوا يشير على هذ‬
‫أن الله سبحانه جعل حد القاتل الى خيره الولي إن وإن‬
‫شاء عفى اللوطي حدا كما أجمع عليه أصحاب رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم ودلت عليه سنة رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم الصحيحة الصريحة التي ل معارض لها بل عليها‬
‫عمل أصحابه وخلفائه الراشدين رضي الله عنهم أجمعين‬
‫وقد ثبت عن خالد بن الوليد أنه وجد في بعض نواحي‬
‫العرب رجل ينكح كما تنكح المرأة فكتب الى أبي بكر‬
‫الصديق رضي الله عنه فاستشار أبو بكر الصديق الصحابة‬
‫رضي الله عنهم فكان على بن أبي طالب أشدهم قول فيه‬
‫فقال ما فعل هذ ال جهلتم من المم واحدة وقد علمتم ما‬
‫فعل الله بها أرى أن يحرق بالنار فكتب أبو بكر الى خالد‬
‫فحرقه وقال عبد الله بن عباس ان ينظر أعل ما في القرية‬
‫فيرمى اللوطى منها منكسا ثم يتبع بالحجارة وأخذ ابن‬
‫عباس هذا الحد من عقوبة الله للوطية قوم لوط وابن‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫عباس هو الذى روى عن النبي صلى الله عليه وسلم من‬
‫وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به‬
‫رواه أهل السنن‬
‫وصححه ابن حبان وغيره واحتج المام أحمد بهذا الحديث‬
‫واسناده على شرط البخارى قالوا وثبت عنه صلى الله عليه‬
‫وسلم أنه قال لعن الله من عمل عمل قوم لوط لعن الله‬
‫من عمل عمل قوم لوط لعن الله من عمل عمل قوم لوط‬
‫ولم تجىء عنه لعنة الزانى ثلث مرات في حديث واحد وقد‬
‫لعن جماعة من أهل الكبائر فلم يتجاوز بهم في اللعن مرة‬
‫واحدة وكرر لعن اللوطية فاكده ثلث مرات وأطبق أصحاب‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتله لم يختلف منهم‬
‫فيه رجلن وإنما اختلفت أقوالهم في صفة قتله فظن بعض‬
‫الناس ذلك اختلف منهم فى قتله فحكاها مسألة نزاع بين‬
‫الصحابه وهي بينهم مسألة النزاع قالوا ومن تأمل‬
‫قوله سبحانه ول تقربوا الزنا إنه كان فاحشة ومقتا وساء‬
‫سبيل وقوله فى اللواط أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من‬
‫أحد من العالمين تبين له تفاوت ما بينهما فانه سبحانه نكر‬
‫الفاحشة في الزنا أي هو فاحشة من الفواحش وعرفها في‬
‫اللواط وذلك يفيد أنه جامع لمعاني اسم الفاحشة كما تقول‬
‫زيد الرجل ونعم الرجل زيد أي أتون الخصلة التى استقر‬
‫فحشها عند كل أحد فهي لظهور فحشها وكماله غنية عن‬
‫ذكرها المجاشعي ل ينصرف السم الى غيرها وهذا نظير‬
‫قول والرذائل لموسى وفعلت فعلتك التي فعلت أى الفعلة‬
‫الشنعاء الظاهرة المعلومة لكل أحد ثم أكد سبحانه شأن‬
‫فحشها بانها لم يعملها احد من العالمين قبلهم فقال ما‬
‫سبقكم بها من احد من العالمين ثم زاد فى التأكيد بان‬
‫صرح بما تشمئز منه القلوب وتنبوا عنها السماع وتنفر منه‬
‫أشد النفور وهو إتيان الرجل رجل مثله ينكحه كما ينكح‬
‫النثي فقال أئنكم لتأتون الرجال ثم نبه على استغنائهم عن‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫ذلك وان الحامل لهم عليه ليس ال مجرد الشهوة ل الحاجة‬
‫التي لجلها مال الذكر الى النثي من قضاء الوطر ولذة‬
‫الستمتاع وحصول المودة والرحمة التي تنسي المرأه لها‬
‫أبويها وتذكر بعلها وحصول النسل الذى هو حفظ هذا النوع‬
‫الذي هو أشرف المخلوقات وتحصين المرأة وقضاء للوطر‬
‫وحصول علقة المصاهرة التي هي أخت النسب وقيام‬
‫الرجال على النساء وخروج أحب الخلق الى الله من‬
‫جماعهن لنبياء والولياء والمؤمنين ومكاثرة النبي صلى‬
‫الله عليه وسلم النبياء بامته الى غير ذلك من مصالح النكاح‬
‫والمفسدة التى في اللواط لقاوم ذلك كله وربي عليه بما ل‬
‫يمكن حصره وفساده ول يعلم تفصيله ال الله عز وجل ثم‬
‫أكد سبحانه قبح ذلك بان اللوطية عكسوا فطرة الله التي‬
‫فطر عليه الرجال وقلبوا الطبيعة التي ركبها الله في الذكور‬
‫وهي شهوة النساء دون الذكور فقلبوا المر وعكسوا‬
‫الفطرة والطبيعة فاتوا الرجال شهوة من دون النساء ولهذا‬
‫قلب الله سبحانه عليهم ديارهم فجعل عاليها سافلها وكذلك‬
‫قلبوهم ونكسوا في العذاب على رؤسهم ثم أكد سبحانه‬
‫قبح ذلك بان حكم عليهم بالسراف وهو مجاوزة الحد فقال‬
‫بل أنتم قوم مسرفون فتأمل الشياطين جاء ذلك أو قريبا‬
‫منه في الزنا وأكد سبحانه ذلك عليهم بقوله ونجيناه من‬
‫القرية التي كانت تعمل الخبائث ثم أكد سبحانه عليهم الذم‬
‫بوصفين في غاية القبح فقال إنهم كانوا قوم سوء فاسقين‬
‫وسماهم مفسدين في قول نبيهم فقال رب انصرني على‬
‫القوم المفسدين وسماهم ظالمين في قول الملئكة‬
‫لبراهيم‬
‫عليه السلم إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن أهلها كانوا‬
‫ظالمين فتأمل من عوقب بمثل هذه العقوبات ومن ذمه‬
‫الله بمثل هذه الذمات ولما جادل فيهم خليله إبراهيم‬
‫الملئكة وقد أخبروه باهلكهم فقيل له يا إبراهيم أعرض عن‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود وتأمل‬
‫خبث اللوطية وفرط تمردهم على الله حيث جاؤا نبيهم‬
‫لوطا لما سمعوا بانه قد طرقه أضياف هم من أحسن البشر‬
‫صورا فأقبل اللوطية اليهم هرعون فلما رآهم قال لهم يا‬
‫قوم هؤلء بناتي هن أطهر لكم ففدا أضيافه ببناته يزوجهم‬
‫بهم خوفا على نفسه وعلى أضيافه من العار الشديد فقال‬
‫يا قوم هؤلء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ول تخزون في‬
‫ضيفي أليس منكم رجل رشيد فردوا عليه ولكن رد جبار‬
‫عنيد لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد‬
‫فنفث نبي الله نفثه مصدور وخرجت من قلب مكروب عميد‬
‫فقال لو أن لي بكم قوة أو آوي الى ركن شديد فكشف له‬
‫رسل الله عن حقيقة الحال وأعلموه إنه ممن ليس يوصل‬
‫اليهم ول اليه بسببهم فل تخف منهم ول تعبأ بهم وهون‬
‫عليك فقالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا اليك ومبشروه‬
‫بما جاؤا به من الوعد له ولقومه من الوعيد المصيب فقالوا‬
‫فاسر بأهلك بقطع من الليل ول يلتفت منكم أحد إل امرأتك‬
‫إنه مصيبها ما أصابهم إن موعدهم الصبح أليس الصبح‬
‫بقريب فاستبطأ نبي الله عليه السلم موعو هلكهم وقال‬
‫أريد أعجل من هذا فقالت الملئكة أليس الصبح بقريب‬
‫فوالله ما كان بين إهلك أعلمكم الله ونجاة نبيه وأوليائه ال‬
‫ما بين السحر وطلوع الفجر وإذا بديارهم قد اقتلعت من‬
‫أصولها ورفعت نحو السماء حتى سمعت الملئكة‬
‫نباح الكلب ونهيق الحمير فبرز المرسوم الذي ل يرد من‬
‫عند الرب الجليل على يدي عبده ورسوله جبرائيل بان‬
‫يقلبها عليهم كما أخبر به فى محكم التنزيل فقال عز من‬
‫قائل فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها‬
‫حجارة من سجيل فجعلهم آية للعالمين وموعظة للمتقين‬
‫ونكال وسلفا لمن شاركهم فى أعمالهم من المجرمين‬
‫وجعل ديارهم للشافعية السالكين إن في ذلك ليات‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫للمتوسمين وإنها لبسبيل مقيم إن في ذلك لية للمؤمنين‬
‫أخذهم على غرة وهم نائمون وجاءهم بماسه وهم فى‬
‫سكرتهم يعمهون فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون تلك‬
‫اللذات آلما فأصبحوا بها يعذبون مآرب كانت في الحياة‬
‫لهلها * عذبا فصارت فى الممات عذابا ذهبت اللذا وأعقبت‬
‫الحسرات وانقضت الشهوات وأورثه الشقوات تمتعوا قليل‬
‫وعذبوا طويل رتعوا مرتعا وخيما فأعقبهم عذابا أليما‬
‫أسكرتهم خمرة تلك الشهوات فاستقاموا منها إل فى ديار‬
‫المعذبين وأرقدتهم تلك الغفلة فما استيقظوا منها إل وهم‬
‫فى منازل الهالكين فندموا والله أشد الندامة حين ل ينفع‬
‫الندم وبكوا على ما أسلفوه بدل الدموع بالدم فلو رأيت‬
‫العلى والسفل من هذه الطائفة والنار تخرج من منافذ‬
‫وجوههم وأبدانهم وهم بين اطباق الجحيم وهم يشربون بدل‬
‫لذيذ الشراب كؤوس الحميم ويقال لهم هم على وجوههم‬
‫يسحبون ذوقوا ما كنتم تكسبون إصلوها فاصبروا او ل‬
‫تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون ولقد قرب‬
‫الله سبحانه مسافة العذاب بين هذه المة وبين إخوانهم فى‬
‫العمل فقال مخوفا لهم بأعظم الوعيد وما هي من‬
‫الظالمين ببعيد فيا ناكح الذكرى ان تهنيكم البشرى * فيوم‬
‫معاد الناس إن لكم أجرا كلوا واشربوا وازنو ولوطوا واكثروا‬
‫* فان لكم زفا الى ناره الكبرى فاخوانكم قد مهدوا الدار‬
‫قبلكم * وقالوا الينا عجلوا لكم البشرى وها نحن أسلف‬
‫لكم فى انتظاركم * سيجمعنا الجبار في ناره الكبرى ول‬
‫تحسبوا أن الذين نكحتموا * يغيبون عنكم بل ترونهم جمرى‬
‫ويلعن كل منهم لخليله * ويشقى به المحزون في الكرة‬
‫الخرى يعذب كل منهم بشريكه * كما اشتركا في لذة‬
‫توجب الوزرى‬
‫الجواب الكافي ‪14‬‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫فصل‬
‫في الجوبة عما إحتج به من جعل عقوبة هذه الفاحشة دون‬
‫عقوبة الزنا اما قولهم إنها معصية لم يجعل الله فيه احدا‬
‫معينا فجوابه من وجوه أحدها إن المبلغ عن الله جعل حد‬
‫صاحبها القتل حتما وما شرعه رسوله صلى الله عليه وسلم‬
‫فانما بشرعه عن الله فان أردتم ان حدها غير معلوم‬
‫بالشرع فهو باطل وإن أردتم إنه غير ثابت بنص الكتاب لم‬
‫يوم من ذلك إنتفاء حكمه لثبوته بالسنة الثاني إن هذا‬
‫ينتقض عليكم بالرجم فانه إنما ثبت بالسنة فان قلتم بل‬
‫ثبت بقرآن نسخ لفظه وبقى حكمه قلنا فننتقض عليكم بحد‬
‫شارب الخمر الثالث أن نفى دليل معين ل يوم نفى مطلق‬
‫الدليل ول نفى أل فكيف وقد قدمنا أن الدليل الذي نفيتموه‬
‫غير مشتق وأما قولكم أنه وطء ل تشتهيه الطباع بل ركب‬
‫الله الطباع على النفرة منه فهو كوطء الميتة والبهيمة‬
‫فجوابه من وجوه أحدها أنه قياس فاسد العتبار مردود‬
‫بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجماع الصحابة كما‬
‫تقدم بيانه الثاني أن قياس وطء المرد الجميل الذي تربي‬
‫فتنته على كل فتنة على وطء أتان أو إمرأة ميتة من أفسد‬
‫القياس وهل تعدل ذلك أحد قط باتان أو بقرة أو ميتة أو‬
‫يسيء ذلك عقل عاشق قلبه أو استولى على فكره ونفسه‬
‫فليس في القياس أفسد من هذ الثالث أن هذا منتقض‬
‫بوطء الم والبنت والخت فان النفرة الطبيعية عنه كاملة‬
‫مع أن الحد فيه من أغلظ الحدود في أحد القولين وهو‬
‫القتل بكل حال محصنا كان أو غير محصن وهذه إحدي‬
‫الروايتين عن المام أحمد وهو قول إسحاق بن رهويه‬
‫وجماعة من أهل الحديث وقد روى ابو داود من حديث‬
‫البراء بن عازب قال لقيت عمى ومعه الراية فقلت له الى‬
‫أين تريد قال‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم الى رجل نكح امرأة‬
‫أبيه من بعده أن أضرب عنقه قال الترمذي هذ حديث‬
‫حسن قال الجوزجاني عم البراء اسمه الحارث بن عمرو‬
‫في سنن أبي داود وابن ماجه من حديث ابن عباس قال‬
‫قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من وقع على ذات‬
‫محرم فاقتلوه ورفع الى الحجاج رجل اغتصب أخته على‬
‫نفسها فقال أحبسوه واسألوا من ها هنا من أصحاب رسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم فسألوا عبد الله بن مطرف فقال‬
‫سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من تخطي‬
‫حرم المؤمنين فخطوا وسطه بالسيف وفيه دليل على القتل‬
‫بالتوسيط وهذا دليل مستقل في المسألة وهو أن من ل‬
‫يباح وطؤه بحال فحد واطئه القتل دليله من وقع على أمه‬
‫وابنته وكذلك يقال في وطء ذوات المحارم من وطء من ل‬
‫يباح وطؤه بحال كان حده القتل كاللوطي والتحقيق ان‬
‫يستدل على المسألتين بالنص والقياس يشهد لصحة كل‬
‫منهما وقد إتفق المسلمون على أن من زنا بذات محرم‬
‫فعليه الحد وإنما اختلفوا في صفة الحد الشياطين هو القتل‬
‫بكل حال أو حده حد الزاني على قولين فذهب الشافعي‬
‫ومالك وأحمد في إحدى روايتيه إن حده حد الزاني وذهب‬
‫أحمد وإسحق وجماعة من أهل الحديث الى أن حده القتل‬
‫بكل حال وكذلك إتفقوا كلهم على‬
‫أنه لو أصابها باسم النكاح عالما بالتحريم أنه يحد إل يشير‬
‫حنيفة وحده فانه رأي ذلك شبهة مسقطة للحد والمنازعون‬
‫يقولون اذا أصابها باسم النكاح فقد زاد الجريمة غلظا وشدة‬
‫فانه إرتكب محذورين عظيمين محذور العقد ومحذور الوطء‬
‫فكيف تخفف عنه العقوبة بضم محذور العقد الى محذور‬
‫الزنا وأما وطء الميتة ففيه قولن للفقهاء وهما في مذهب‬
‫أحمد وغيره أحدهما انه يجب به الحد وهو قول الوزاعي‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫فان فعله أعظم جرما وأكثر ذنبا لنه انضم الى هتك فاحشة‬
‫حرمة الميتة‬
‫فصل‬
‫وأما وطء البهيمة فللفقهاء فيه ثلثة أقوال أحدها أنه يؤدب‬
‫ول حد عليه وهذا قول مالك وأبي حنيفة والشافعي في أحد‬
‫قوليه وهو قول إسحق والقول الثاني أن حكمه حكم الزاني‬
‫يجلد إن كان بكرا ويرجم إن كان محصنا وهذا قول الحسن‬
‫والقول الثالث أن حكمه حكم اللوطي نص عليه أحمد‬
‫ويخرج على الروايتين في حده الشياطين هو القتل حتما أو‬
‫هو كالزاني والذين قالوا حده القتل احتجوا بما رواه أبو داود‬
‫من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم من‬
‫أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه قالوا ولنه وطء ل يباح‬
‫بحال فكان فيه القتل حدا للوطء ومن لم يرد عليه الحد‬
‫قالوا لم يصح فيه الحديث ولو علمني لقلنا به ولم يحل لنا‬
‫مخالفته قال اسمعيل بن سعيد الشالنجي سألت أحمد عن‬
‫الذي يأتي البهيمة فوقف عندها ولم يثبت حديث عمرو بن‬
‫أبي عمرو في ذلك أو قال الطحاوي الحديث ضعيف وأيضا‬
‫فرواية ابن عباس وقد أفتى بانه ل حد عليه قال أبو داود‬
‫وهذا يضعف الحديث ول ريب ان الزاجر الطبعي عن اتيان‬
‫البهيمة أقوى من الزاجر الطبعي عن التلوط وليس المران‬
‫في طباع الناس سواء فالحاق أحدهما بالخر من أفسد‬
‫القياس‬
‫فصل‬
‫وأما قياسكم وطء الرجل لمثله على سحاق المرأتين فمن‬
‫أفسد القياس إذل ايلج هناك وإنما نظير مباشرة الرجل‬
‫الرجل من غير إيلج على أنه قد جاء في بعض الحاديث‬
‫المرفوعة إذا أتت المرأة المرأة فهم زانيتان ولكن ل يجب‬
‫الحد بذلك لعدم اليلج وإن اطلق عليهما اسم الزنا العام‬
‫كزنا العين واليد والرجل والفم وإذا ثبت هذا فاجمع‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫المسلمون على أن حكم التلوط مع المملوك كحكمه مع‬
‫غيره ومن ظن أن تلوط النسان مع مملوكه جائز واحتج‬
‫على ذلك بقوله تعالى إل على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم‬
‫فانهم‬
‫غير ملومين وقاس ذلك على أمته المملوكة فهو كافر‬
‫يستتاب كما يستتاب المرتد فان تاب وضرب عنقه وتلوط‬
‫النسان بمملوكه كتلوطه بمملوك غيره في الثم والحكم‬
‫فصل‬
‫فان قيل مع هذ كله فهل من دواء لهذا الداء العضال ورقية‬
‫لهذا السحر القتال وما الحتيال لدفع هذا الخيال وهل من‬
‫طريق قاصد الى التوفيق وهل يمكن السكران بخمرة‬
‫الهوى أن يفيق وهل يملك العاشق قلبه والعشق قد وصل‬
‫الى سويدائه وهل للطبيب بعد ذلك حيلة في برئه من‬
‫سويداه لن لمه لئم التذ بملمه لذكره لمحبوبه وان عذله‬
‫عذل أغراه عذله وسار به في طريق مطلوبه ينادي عليه‬
‫شاهد حاله بلسان مقاله وقف الهوى بي فليس لي * متأخر‬
‫عنه ول متقدم وأهنتني فأهنت نفسي جاهدا * ما من يهون‬
‫عليك ممن يكرم أشهبت أعدائي فصرت أحبهم * إذ كان‬
‫حظي منك حظي منهم أجد الملمة في هواك لذيذة * حبا‬
‫لذكرك فليلمني اللوم ولعل هذا هو المقصود بالسؤال الول‬
‫الذي وقع عليه الستفتاء عليه والداء الذي طلب له الدواء‬
‫قيل نعم الجواب من أصله وما أنزل الله سبحانه من داء ال‬
‫وأنزل له دواء علمه من علمه وجهله والكلم في دواء هذا‬
‫الداء من طريقين أحدهما جسم مادته قبل حصولها والثاني‬
‫قلعها بعد نزولها وكلهما يسير على من يسره الله عليه‬
‫ومتعذر على من لم يعنه الله فان أزمة المور بيديه وأما‬
‫السلم المانع من حصول هذا الداء فامران أحدهما غض‬
‫البصر كما تقدم فان النظرة سهم مسموم من سهام إبليس‬
‫ومن أطلق لحظاته دامت حسراته وفي غض البصر عدة‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫منافع أحدها أنه إمتثال لمر الله الذي هو غاية سعادة العبد‬
‫في معاشه ومعاده وليس للعبد في دنياه وآخرته أنفع من‬
‫إمتثال أوامر ربه تبارك وتعالى وما سعد من سعد في الدنيا‬
‫والخرة إل بامتثال أوامره وما شقي من شقى في الدنيا‬
‫والخرة ال بتضييع أوامره الثاني أنه يمنع من وصول أثر‬
‫السم المسموم الذى لعل فيه هلكه الى قلبه الثالث أنه‬
‫يورث القلب أنسا بالله وجمعية على الله فان إطلق البصر‬
‫راحم القلب ويشتته ويبعده من الله وليس على العبد شيء‬
‫أضر من إطلق البصر فانه يوقع الوحشة بين العبد وبين ربه‬
‫الرابع أنه يقوي القلب ويفرحه كما أن إطلق البصر يضعفه‬
‫ويحزنه الخامس أنه يكسب القلب نورا كما أن إطلقه‬
‫يكسبه ظلمة ولهذا ذكر سبحانه آية النور عقيب المر بغض‬
‫البصر فقال قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا‬
‫فروجهم ثم قال أثر ذلك الله نور السموات والرض‬
‫مثل نوره كمشكاة فيها مصباح أي مثل نوره في قلب عبده‬
‫المؤمن الذي امتثل أوامره واجتنب نواهيه وإذا استنار‬
‫القلب أقبلت وفود الخيرات اليه من كل جانب كما أنه إذا‬
‫أظلم أقبلت سحائب البلء والشر عليه من كل مكان فما‬
‫شئت من بدعة وضللة واتباع هوى وإجتناب هدى وإعراض‬
‫عن أسباب السعادة وإشتغال بأسباب الشقاوة فان ذلك‬
‫انما يكشفه له النور الذي في القلب فاذ فقد ذلك النور بقى‬
‫صاحبه كالعمى الذي يجوس في حنادس الظلم السادس‬
‫أنه يورث الفراسة الصادقة التي يميز بها بين المحق‬
‫والمبطل والصادق‬
‫والكاذب وكان شاه بن شجل الكرماني يقول من عمر‬
‫ظاهره باتباع السنة وباطنه بدوام المراقبة وغض بصره عن‬
‫المحارم وكف نفسه عن الشهوات واعتاد أكل الحلل لم‬
‫تخط له فراسة وكان شجاع هذا ل تخطي له فراسة والله‬
‫سبحانه يجزي العبد على عمله بما هو من جنس عمله ومن‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫ترك شيئا عوضه الله خيرا منه فاذا غض بصره عن محارم‬
‫الله عوضه الله بان يطلق نور بصيرته عوضة عن حبسه‬
‫بصره لله ويفتح له باب العلم واليمان والمعرفة والفراسة‬
‫الصادقة المصيبة التي انما تنال ببصيرة القلب وضد هذا ما‬
‫وصف الله به اللوطية من العمه الذي هو ضد البصيرة فقال‬
‫تعالى لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون‬
‫فوصفهم بالسكرة التي هي فساد العقل وعمه الذي هو‬
‫فساد البصر فالتعلق بالصور يوجب فساد العقل وعمه‬
‫البصيرة يسكر القلب كما قال القائل سكران سكر هوى‬
‫وسكر مدامة * ومتى إفاقة من به سكران‬
‫وقال الخر * قالوا جننت بمن تهوى فقلت لهم العشق‬
‫أعظم مما بالمجانين * العشق ل يستفيق الدهر صاحبه *‬
‫وإنما يصرع المجنون في الحين السابع إنه يورث القلب ثباتا‬
‫وشجاعة وقوة ويجمع الله له بين سلطان البصيرة والحجة‬
‫وسلطان القدرة والقوة كما في الثر الذي يخالف هواه يفر‬
‫الشيطان من ظله ومثل هذا تجده في المتبع هواه من ذل‬
‫النفس ووضاعتها ومهانتها وخستها وحقارتها وما جعل الله‬
‫سبحانه فيمن عصاه كما قال الحسن إنهم وان طقطقت‬
‫بهم البغال وهملجت بهم البراذين فان المعصية ل تفارق‬
‫رقابهم‬
‫أبي الله إل أن يذل من عصاه وقد جعل الله سبحانه‬
‫العزقرين طاعته والذل قرين معصيته فقال تعالى ولله‬
‫العزة ولرسوله وللمؤمنين وقال تعالى ول تهنوا ول تحزنوا‬
‫وأنتم العلون إن كنتم مؤمنين واليمان قول وعمل ظاهر‬
‫وباطن وقال تعالى من كان يريد العزة فلله العزة جميعا‬
‫اليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه أي من كان‬
‫يريد العزة فيطلبها بطاعة الله وذكره من الكلم الطيب‬
‫والعمل الصالح وفي دعاء القنوت انه ل يذل من واليت ول‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫يعز من عاديت ومن أطاع الله فقد واله فيما أطاعه فيه‬
‫وله من العز‬
‫بحسب طاعته ومن عصاه فقد عاداه فيما عصاه فيه وله‬
‫من الذل بحسب معصيته الثامن أنه يسد على الشيطان‬
‫مدخله من القلب فانه يدخل مع النظرة وينفذ معها الى‬
‫القلب أسرع من نفوذ الهوى في المكان الخالي فيمثل له‬
‫صورة المنظور اليه ويزينها ويجعلها صنما يعكف عليه القلب‬
‫ثم يعده ويمنيه ويوقد على القلب نار الشهوة ويلقى عليه‬
‫حطب المعاصي التي لم يكن يتوصل اليها بدون تلك الصورة‬
‫فيصير القلب في اللهب فمن ذلك اللهب تلك النفاس التي‬
‫يجد فيها وهج النار وتلك الزفرات والحرقات فان القلب قد‬
‫أحاطت به النيران بكل جانب فهو في وسطها كالشاة في‬
‫وسط التنور لهذا كانت عقوبة أصحاب الشهوات بالصور‬
‫المحرمة أن جعل لهم في البرزخ تنور من نار وأودعت‬
‫أرواحهم فيه الى حشر أجسادهم كما أراها الله لنبيه صلى‬
‫الله عليه وسلم في المنام في الحديث المتفق على صحته‬
‫التاسع انه يفرغ القلب للفكرة في مصالحه والشتغال بها‬
‫وإطلق البصر يشتت عليه ذلك ويحول عليه بينه وبينها‬
‫فتنفرط عليه أموره ويقع في اتباع هواه وفي الغفلة عن‬
‫ذكر ربه قال تعالى ل تطع من أغفلتا قلبه عن ذكرنا واتبع‬
‫هواه وكان أمره فرطا‬
‫واطلق النظر يوجب هذه المور الثلثة بحبسه العاشر أن‬
‫بين العين والقلب منفذا أو طريقا يوجب اشتغال أحدهما‬
‫عن الخر وإن يصلح بصلحه ويفسد بفساده فاذا فسد‬
‫القلب فسد النظر واذا فسد النظر فسد القلب وكذلك في‬
‫جانب الصلح فاذا خربت العين وفسدت خرب القلب وفسد‬
‫وصار كالمزبلة التي هي محل النجاسات والقاذورات‬
‫والوساخ فل يصلح لسكني معرفة الله ومحبته والنابة اليه‬
‫والنس به والسرور بقربه فيه وإنما يسكن فيه اضداد ذلك‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫فهذه اشارة الى بعض فوائد غض البصر تطلعك على ما‬
‫ورائها‬
‫فصل‬
‫الثاني اشتغال القلب بما يصده عن ذلك ويحول بينه وبين‬
‫الوقوع فيه وهو إما خوف مقلق او حب مزعج فمتى خل‬
‫القلب من خوف ما فواته أضر عليه من حصول هذا‬
‫المحبوب أو خوف ما حصوله أضر عليه من فوات هذا‬
‫المحبوب أو محبته ما هو أنفع له وخير له من هذا المحبوب‬
‫لم يجد بدا وفواته أضر عليه من فوات هذا المحبوب لم يجد‬
‫بدا من عشق الصور وشرح هذا ان النفس ل تترك محبوبا‬
‫ال لمحبوب أعلى منه أو خشية مكروه حصوله أضر عليه‬
‫من فوات هذا المحبوب وهذ يحتاج صاحبه الى أمرين ان‬
‫فقدا أو حدا منهما لم ينتفع بنفسه أحدهما بصيرة صحيحة‬
‫راحم بها بين درجات المحبوب والمكروه فيؤثرا على‬
‫المحبوبين على أدناهما ويحتمل أدنى المكروهين لتخلص من‬
‫أعلهما وهذا خاصة العقل ول يعد عاقل من كان بضد ذلك‬
‫بل قد تكون البهائم أحسن حال منه الثاني قوة عزم وصبر‬
‫يتمكن بهما من هذا الفعل والترك فكثير ما يعرف الرجل‬
‫قدر التفاوت ولكن يأتي له ضعف نفسه وهمته وعزيمته‬
‫على إيثار النفع من خسته وحرصه ووضاعة نفسه وخسة‬
‫همته ومثل هذا ل ينتفع بنفسه ول ينتفع به غيره وقد منع‬
‫الله سبحانه إمامة الدين ال من أهل الصبر واليقين فقال‬
‫تعالى وبقوله يهتدي المهتدون وجعلنا منهم أئمة يهدون‬
‫بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون وهذا هو الذي ينتفع‬
‫بعلمه وينتفع به غيره من الناس وضد ذلك ل ينتفع بعلمه‬
‫ول ينتفع به غيره ومن الناس من ينتفع بعلمه في نفسه ول‬
‫ينتفع به غيره فالول يمشي في نوره ويمشي الناس في‬
‫نوره والثاني قد طفى نوره فهو يمشي في الظلمات ومن‬
‫تبعه والثالث يمشي في نوره وحده‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫فصل‬
‫اذا عرفت هذه المقدمة فل يمكن ان يجتمع في القلب حب‬
‫المحبوب العلى وعشق الصور أبدا بل هما ضدان ل‬
‫يجتمعان بل ل بد إن يخرج أحدهما صاحبه فمن كانت قوة‬
‫حبه كلها للمحبوب العلى الذي محبة ما سواه باطلة‬
‫وعذاب على صاحبها صرفه ذلك عن محبة ما سواه وان‬
‫أحبه لن يحبه ال لجله أو لكونه وسيلة له الى محبته أو‬
‫قاطعا له عما يضاد محبته وينقصها والمحبة الصادقة تقتضي‬
‫توحيد المحبوب وان ل يشرك بينه وبين غيره في محبته واذا‬
‫كان المحبوب من الخلق يأنف ويغار ان يشرك في محبته‬
‫غيره ويمقته لذلك ويبعده ول يحظيه بقربه ويعده كاذبا فى‬
‫دعوي محبته مع انه ليس أهل لصرف قوة المحبة‬
‫اليه فكيف بالحبيب العلى الذي ل تنبغي المحبة ال له وحده‬
‫وكل محبة لغيره فهي عذاب على صاحبها ووبال ولهذا ل‬
‫يغفر سبحانه أن يشرك به فى هذه المحبة ويغفر ما دون‬
‫ذلك لمن يشاء فمحبة الصور تفوت محبة ما هو أنفع للعبد‬
‫منها بل يفوت محبة ما ليس له صلح ول نعيم ول حيوة‬
‫نافعة ال بمحبته وحده فليختر إحدى المحبتين فانهما ل‬
‫يجتمعان في القلب ول يرتفعان منه بل من أعرض عن‬
‫محبة الله وذكره والشوق الى لقائه إبتله بمحبة غيره‬
‫فيعذب به في الدنيا وفي البرزخ وفي الخرة إما بمحبة‬
‫الوثان أو‬
‫محبته الصلبان أو بمحبة النيران أو بمحبة المردان أو بمحبة‬
‫النسوان أو بمحبة الثمان أو بمحبة العشراء والخلن أو‬
‫بمحبة ما هو دون ذلك مما هو في غاية الحقارة والهوان‬
‫فالنسان عبد محبوبه كائنا ما كان كما قيل القتيل بكل من‬
‫أحببته فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي * فمن لم يكن‬
‫إله مالكه وموله كان إله هواه قال تعالى أفرأيت من اتخذ‬
‫إله هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفل‬
‫تذكرون‬
‫فصل‬
‫وخاصية التعبد الحب مع الخضوع والذل للمحبوب فمن أحب‬
‫شيئا وخضع له فقد تعبد قلبه له بل التعبد آخر مراتب الحب‬
‫ويقال له التتيم أيضا فان أول مراتبه العلقة وسميت علقة‬
‫لتعلق الحب بالمحبوب قال الشاعر وعلقت ليلى وهي ذات‬
‫تمائم * ولم يبد للتراب من ثديها ضخم‬
‫وقال الخر‬
‫• أعلقة أم الوليد بعد ما أفنان رأسك كالبغام البيض *‬
‫• ثم بعدها الصبابة وسميت بذلك لنصباب القلب الى‬
‫المحبوب قال الشاعر يشكى المحبون الصبابة‬
‫ليتني تحملت ما يلقون من بينهم وحدي‬
‫فكانت لقلبي لذة الحب كلها * فلم يلقها قبلىمحب ول بعدي‬
‫ثم الغرام وهو لزوم الحب للقلب لزوما ل ينفك عنه ومنه‬
‫سمى الغريم غر بما لملزمته صاحبه ومنه قوله تعالى إن‬
‫عذابها كان غراما وقد أولع المتأخرون باستعمال هذا اللفظ‬
‫في الحب وقل أن تجده في أشعار العرب ثم العشق وهو‬
‫سفر إفراط المحبة ولهذا ل يوصف به الرب تبارك وتعالى‬
‫ول يطلق في حقه ثم الشوق وهو سفر القلب الى المحبوب‬
‫أحث السفر وقد جاء إطلقها في حق الرب تعالى كما في‬
‫مسند المام أحمد من حديث عمار بن ياسر إنه صل صلة‬
‫فاوجز فيه فقيل له في ذلك فقال أما إني دعوت فيها‬
‫بدعوات كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو بهن اللهم‬
‫إني أسئلك بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني اذا‬
‫كانت الحياة خيرا لى وتوفنى إذا كانت الوفاة خيرا لى اللهم‬
‫إني أسئلك خشيتك في الغيب والشهادة وأسئلك كلمة الحق‬
‫في الرضاء والغضب وأسئلك القصد في الفقر والغنى‬
‫وأسئلك نعيما ل ينفذ وأسئلك قرة عين ل تنقطع وأسئلك‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫الرضاء بعد القضاء وأسئلك برد العيش بعد الموت وأسئل‬
‫لذة النظر الى وجهك الكريم وأسئلك الشوق الى لقائك في‬
‫غير ضراء مضرة ول فتنة مضلة اللهم زينا بزينة اليمان‬
‫واجعلنا هداة‬
‫مهتدين وفي أثر آخر طال شوق البرار الى وجهك وأنا الى‬
‫لقائهم أشد شوقا وهذا هو المعنى الذي عبر عنه صلى الله‬
‫عليه وسلم بقوله من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه وقال‬
‫بعض أهل البصائر في قوله تعالى من كان يرجو لقاء الله‬
‫فان أجل الله لت لما علم سبحانه شدة شوق أوليائه الى‬
‫لقائه وان قلوبهم ل تهدي دون لقائه ضرب لهم أجل موعدا‬
‫للقائه تسكن نفوسهم به وأطيب العيش واللذة على‬
‫الطلق عيش المشتاقين‬
‫المستأنسين فحياتهم هي الحياة الطيبة في الحقيقة ول‬
‫حياة للعبد أطيب ول أنعم ول أهنأ منها فهى الحياة الطيبة‬
‫المذكورة في قوله تعالى من عمل صالحا من ذكر أو أنثي‬
‫وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة وليس المراد منها الحياة‬
‫المشتركة بين المؤمنين والكفار والبرار والفجار من طيب‬
‫المأكل والمشرب والملبس والمنكح بل ربما زاد أعلمكم‬
‫الله على أوليائه فى ذلك أضعافا مضاعفة وقد ضمن الله‬
‫سبحانه لكل من عمل صالحا أن يحييه حياة طيبة فهو‬
‫صادق الوعد الذي ل يخلف وعده وأي حياة أطيب من حياة‬
‫اجتمعت همومه كلها وصارت هى واحدة فى مرضات الله‬
‫ولم يستشعب قلبه بل أقبل على الله واجتمعت إرادته‬
‫وإنكاره التي كانت منقسمة بكل واد منها شعبة على الله‬
‫فصار ذكر محبوبه العلى وحبه والشوق الى لقائه والنس‬
‫بقربه وهو المتولى عليه وعليه تدور همومه وإرادته وتصوره‬
‫بل خطرات قلبه فان سكت سكت بالله وإن نطق نطق‬
‫بالله وإن سمع فبه يسمع وإن أبصر فبه يبصر وبه يبطش‬
‫وبه يمشى وبه يتحرك وبه يسكن وبه يحيى وبه يموت وبه‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫يبعث كما فى صحيح البخارى عنه صلى الله عليه وسلم‬
‫فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى أنه قال ما تقرب الى‬
‫عبدى بمثل أداء ما افترضت عليه ول يزال عبدي يتقرب الي‬
‫بالنوافل حتي أحبه فاذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به‬
‫وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي‬
‫يمشى بها فيى يسمع بي يبصرو بي يبطش وبي يمشى‬
‫ولئن سئلني لعطينه ولئن استعاذ بي لعيذنه وما ترددت‬
‫فى شيء أنا فاعله ترددي عن قبضى روح عبدي المؤمن‬
‫من يكره الموت وأكره مساءته ول بد له منه فتضمن هذا‬
‫الحديث الشريف اللهى الذي حرام على غليظ الطبع كثيف‬
‫القلب فهم معناه والمراد به حصر أسباب محبته فى أمرين‬
‫أداء فرائضه والتقرب اليه بالنوافل وأخبر سبحانه أن أداء‬
‫فرائضه أحب مما تقرب اليه المتقربون ثم بعدها النوافل‬
‫وأن المحب ل يزال يكثر من النوافل حتي يصير محبوبا لله‬
‫فاذا صار محبوبا لله أوجبت محبة الله له محبة منه أخرى‬
‫فوق المحبة الولى فشغلت هذه المحبة قلبه عن الفكرة‬
‫والهتمام بغير محبوبه وملكت عليه روحه ولم يبق فيه سعة‬
‫لغير محبوبه البتة فصار ذكر محبوبه وحبه مثله العلى مالكا‬
‫لزمام قلبه مستوليا على روحه إستيلء المحبوب على محبه‬
‫الصادق في محبته التي قد اجتمعت قوى حبه كلها له ول‬
‫ريب ان هذا المحب ان سمع سمع لمحبوبه وان أبصر أبصر‬
‫به وان بطش بطش به وان مشي مشي به فهو في قلبه‬
‫ومعه ومؤنسه وصاحبه فالباء ههنا باء المصاحبة وهى‬
‫مصاحبة ل نظير لها ول تدرك أنزل الخبار عنها والعلم بها‬
‫فالمسألة خالية ل علمية محضة واذا كان المخلوق يجد هذا‬
‫في محبة المخلوق التي لم يخلق لها ولم يفطر عليها كما‬
‫قال بعض المحبين خيالك في عيني وذكرك في فمي *‬
‫ومثواك في قلبي فأين تغيب وقال الخر * وتطلبهم عيني‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫وهم في سوادها ويشتاقهم قلبي وهم بين أضلعى * ومن‬
‫عجب‬
‫أني أحن اليهم * فأسئل عنهم من لقيت وهم معيوهذا‬
‫ألطف من قول الخر إن قلت غبت فقلبي ل يصدقني * فيه‬
‫مكان السر لم تغب أو قلت ما غبت قال الطرف ذا كذب *‬
‫فقد تحيرت بين الصدق والكذب فليس شيء أدني من‬
‫المحب لمحبوبه وربما تمكنت المحبة حتى يصير فى المحبة‬
‫أدنى اليه من نفسه المجاشعي ينسي‬
‫نفسه ول ينساه كما قيل أريد لنسي ذكره فكأنما * تمثل‬
‫لي ليلى بكل سبيل وقال الخر * يراد من القلب نسيانكم‬
‫وتأبي الطباع على الناقل * وخص في الحديث السمع‬
‫والبصر واليد والرجل بالذكر فان هذه اللت آلت الدراك‬
‫وآلت الفعل والسمع والبصر يوردان على القلب الرادة‬
‫والكراهة ويجلبان اليه الحب والبغض فتستعمل اليد والرجل‬
‫فاذا كان سمع العبد بالله وبصره به كان محفوظا في آلت‬
‫إدراكه فكان محفوظا في حبه وبغضه فحفظ في بطشه‬
‫ومشيه وتأمل كيف اكتفي بذكر السمع والبصر واليد والرجل‬
‫عن‬
‫اللسان فانه اذا كان ادرك السمع الذى يحصل باختياره تارة‬
‫وبغير أختياره تارة وكذلك البصر قد يقع بغير الختيار فجأة‬
‫وكذلك حركة اليد والرجل التي ل بد للعبد منها فكيف بحركة‬
‫اللسان التي ل يقع ال بقصد واختيار وقد يستغنى العبد عنها‬
‫ال حيث أمر بها وأيضا فانفعال اللسان عن القلب أتم من‬
‫انفعال سائر الجوارح فانه ترجمانه ورسوله وتأمل كيف‬
‫حقق تعالى كون العبد به عند سمعه وبصره الذى يبصر به‬
‫وبطشه ومشيه بقوله كنت سمعه الذي يسمع به وبصره‬
‫الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها‬
‫تحقيقا لكونه مع عبده وكون عبده فى إدراكاته بسمعه‬
‫وبصره وحركته بيديه ورجله وتأمل‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫كيف قال بي يسمع وبي يبصر وبي يبطش ولم عبادي فلي‬
‫يسمع ولى يبصر ولى يبطش وربما يظن‬
‫الظان ان اللم أولى بهذا الموضع إذ هي أدل على الغاية‬
‫ووقوع هذه المور لله وذلك أخص من وقوعها به وهذا من‬
‫الوهم والغلط إذ ليست الباء ههنا أنزل الستعانة فان‬
‫حركات البرار والفجار وإدراكاتهم انما هي بمعونة الله لهم‬
‫وان الباء ههنا للمصاحبة إنما يسمع ويبصر ويبطش ويمشى‬
‫وأنا صاحبه ومعه كقوله في الحديث الخر أنا مع عبدى ما‬
‫ذكرني وتحركت بى شفتاه وهذه المعية هي المعية الخاصة‬
‫المذكورة في قوله تعالى إن الله معنا وقول رسول النبى‬
‫صلى الله عليه وسلم ما ظنك باثنين الله ثالثهما وقوله‬
‫تعالى وإن الله لمع المحسنين وقوله إن الله مع الذين اتقوا‬
‫والذين هم محسنون وقوله واصبروا إن الله مع الصابرين‬
‫وقوله كل إن معي ربي سيهدين وقوله تعالى لموسى‬
‫وهارون ومعناه معكما أسمع وأرى فهذه الباء مفيدة بمعني‬
‫هذا المعية دون اللم ول يتأتى للعبد الخلص والصبر‬
‫والتوكل ونزوله في منازل العبودية ال بهذه الباء وهذه‬
‫المعية فمتى كان العبد بالله هانت عليه المشاق وانقلبت‬
‫المخاوف في حقه أمانا فبالله يهون كل صعب ويسهل كل‬
‫عسير ويقرب كل بعيد وبالله تزول الحزان والهموم‬
‫والغموم فل هم مع الله ول غم مع الله ول حزن مع الله‬
‫وحيث يفوت العبد معني هذه الباء فيصير قلبه حينئذ‬
‫كالحوت إذا فارق الماء يثب وينقلب حتي يعود اليه ولما‬
‫حصلت هذه الموافقة مع العبد لربه تعالى فى محابه حصلت‬
‫موافقة الرب لعبده فى حوائجه ومطالبه فقال ولئن سئلني‬
‫لعطينه ولئن استعاذ بى لعيذنه أى كما وافقني في مرادي‬
‫بامتثال أوامري والتقرب الى بمحابي فانا أوافقه في رغبته‬
‫ورهبته فيما يسئلني أن أفعل به ويستعيذني أن يناله مكروه‬
‫وحقق هذه الموافقة من الجانبين حتى اقتضى تردد الرب‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫سبحانه في اماته عبده ولته يكره الموت والرب تعالى‬
‫يكره ما يكره عبده ويكره مساءته فمن هذه الجهة تقتضى‬
‫انه ل يميته ولكن مصلحته في إماتته فانه ما لماته ال ليحييه‬
‫وما أمرضه ال ليصحه وما أفقره ال ليغنيه وما منعه ال‬
‫ليعطيه ولم يخرج من الجنة فى صلب أبيه ال ليعيده اليها‬
‫على أحسن الحوال ولم عبادي لبيه أخرج منها ال ليعيده‬
‫اليها فهذا هو الحبيب على الحقيقة ل سواه بل لو كان في‬
‫كل منبت شعر لعبد محبة تامة لله لكان بعض ما يستحقه‬
‫على عبده نقل فؤادك حيث شئت من الهوى * ما الحب ال‬
‫للحبيب لول كم منزل فى الرض يألفه الفتى * وحنينه أبدا‬
‫لول منزل‬
‫الجواب الكافي ‪15‬‬
‫فصل‬
‫ثم التتيمم وهو آخر مراتب الحب وهو تعبد المحقب لمحبقوبه‬
‫يقال تيمه الحب إذا عبده ومنه تيم الله أي عبد الله وحقيقققة‬
‫التعبد الذل والخضوع للمحبوب ومنه قولهم طريق معبققد أي‬
‫مذلل قد ذللته القدام فالعبد هو الذي ذلله الحب والخضققوع‬
‫لمحبققوبه ولهققذا كققانت أشققرف أحققوال العبققد ومقامققاته فققي‬
‫العبودية فل منزل له أشرف منها وقد ذكر الله سبحانه أكرم‬
‫الخلق عليه وأحبهم اليه وهو رسوله محمد صققلى اللققه عليققه‬
‫وسلم بالعبودية في أشرف مقاماته وهي مقام الققدعوة اليققه‬
‫ومقام التحدي بالنبوة ومقام السرى فقال سبحانه وانه لمققا‬
‫قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا وقققال وإن كنتققم‬
‫في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسققورة مققن مثلققه وقققال‬
‫سقبحان القذي أسقرى بعبقده ليل مقن المسقجد الحقرام القى‬
‫المسجد القصى وفققي حققديث الشققفاعة إذهبققوا الققى محمققد‬
‫صلى الله عليه وسلم عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه ومققا‬
‫تأخر فقال مقام الشفاعة بكمال عبوديته وكمال مغفرة الله‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫له والله سبحانه خلق الخلق لعباديته وحده ل شريك له التي‬
‫هي أكمل أنواع المحبة مع أكمل أنواع الخضوع والققذل وهققذا‬
‫هو حقيقة السلم وملة ابراهيقم الققتي مققن رغققب عنهقا فقققد‬
‫سفه نفسه قال تعالى ومن يرغب عن ملققة ابراهيققم ال مققن‬
‫سفه الية ولهذا كان أعظم الذنوب عند الله الشرك والله ل‬
‫يغفر أن يشرك بققه ويغفققر مققا دون ذلققك لمققن يشققاء واصققل‬
‫الشرك بالله ال شراك مع الله في المحبققة كمققا قققال تعققالى‬
‫ومن الناس من‬
‫يتخذ من دون الله أندادا يحبققونهم كحققب اللققه والققذين آمنققوا‬
‫أشد حبا لله وأخبر سبحانه إن من الناس من يشرك بققه مققن‬
‫دونه فيتخذ النداد من دونه يحبهم كحب الله وأخبر ان الذين‬
‫آمنوا أشد حبا للققه مققن أصققحاب النققداد لنققدادهم وقيققل بققل‬
‫المعني انهم أشققد حبققا للققه مققن أصققحاب النققداد فققانهم وان‬
‫أحبوا الله لكن لما أشركوا بينققه وبيققن انققدادهم فققي المحبققة‬
‫ضعفت محبتهم لله والموحدون لله لما خلصققت محبتهققم لققه‬
‫كانت أشد من محبة أولئك والعدل برب العققالمين والتسققوية‬
‫بينه وبين النداد هو في هذه المحبة ولما كان مراد الله مققن‬
‫خلقه هو خلوص هذه المحبة له أنكر على من اتخذ من دونه‬
‫وليا او شفيعا غاية النكار وجمع ذلك تارة وأقر واحدهما عن‬
‫الخر تققارة بالنكققار فقققال تعققالى إن ربكققم اللققه الققذى خلققق‬
‫السموات والرض في سققتة أيققام ثققم اسققتوى علققى العققرش‬
‫يدبر المر ما من شفيع ال مققن بعققد اذنققه وقققال تعققالى اللققه‬
‫الذي خلق السموات والرض وما بينهما فققي سققتة أيققام ثققم‬
‫استوى على العرش مالكم من دونه من ولققي ول شققفيع أفل‬
‫تتققذكرون وقققال تعققالى وأنققذر بققه الققذين الققذين يخققافون أن‬
‫يحشروا الى ربهم ليس لهم من دونه ولققي ول شققفيع لعلهققم‬
‫يتقون وقال فى الفرإد أم اتخذوا من دون اللققه شققفعاء قققل‬
‫أولو كانوا ل يملكون شيئا ول يعقلون قل لله الشفاعة جميعا‬
‫وقال تعالى من ورائهم جهنم ول يغني عنهم ما كسققبوا شققيئا‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫ول ماتخذوا من دون الله أولياء ولهم عذب عظيم فققاذا يبققك‬
‫العبد ربه وحده وأقام له وليا من شفعاء وعقد المققوالة بينققه‬
‫وبين عباده المؤمنين فصققاروا أوليققاءه فققي اللققه بخلف مققن‬
‫اتخققذ مخلوقققا أوليققاء مققن دون اللققه فهققذا لققون وذاك لققون‬
‫والشفاعة الشركية الباطلة لون والشفاعة الحق الثابتة التي‬
‫انما تنال بالتوحيد لون وهذا موضع فرقان بين أهققل التوحيققد‬
‫وأهل الشرك بالله والله يهدي من يشاء الى صراط مستقيم‬
‫والمقصققود ان حقيقققة العبوديققة وموجبققاته ل تخلققص مققع‬
‫الشراك بالله في المحبة بخلف المحبة لله فانها من لققوازم‬
‫العبودية وموجباتها فان محبة رسققول اللققه صققلى اللققه عليققه‬
‫وسلم بل تقديمه في الحب على النفس وعلى الباء والنباء‬
‫ليتم اليمان ال بها اذ محبته من محبة الله وكذلك كققل حققب‬
‫في الله ولله كما في الصحيحين عمه صلى الله عليه وسققلم‬
‫أنه قال ثلث من كن فيه وجد بهن حلوة اليمان وفقي لفقظ‬
‫في الصحيح ل يجد عبد طعم اليمان ال مققن كققان فققي قلبققه‬
‫ثلث خصال أن يكون الله ورسوله أحققب اليققه ممققا سققواهما‬
‫وان يحب المرأ ل يحبه ال الله وان يكره أن يرجع الى الكفر‬
‫بعد اذ أنقذه الله منققه كمققا يكققره أن يقققذف فققي النققار وفققي‬
‫الحديث الذي في السنن من أحب لله وأبغققض للققه وأعطققى‬
‫لله ومنع لله فقد استكمل اليمان وفي حديث آخر ما تحققاب‬
‫رجلن في الله ال كان أفضققلهما أشققدهما حبققا لصققاحبه فققان‬
‫هذه المحبه من لوازم محبة اللققه وموجباتهققا وكققل مققا كققانت‬
‫أقوى كان أصلها كذلك‬
‫فصل‬
‫وههنا أربعة أنواع من الحب يجب التفريق بينهما وإنمققا ضققل‬
‫من ضل بعدم التمييققز بينهمققا أحققدهما محبققة اللققه ول تكفققي‬
‫وحدها في النجققاة مققن اللققه مققن عققذابه والفققوز بثققوابه فققان‬
‫المشركين وعباد الصليب واليهود وغيرهم يحبون الله الثققاني‬
‫محبققة مققا يحققب اللققه وهققذه هققي الققتي تققدخله فققي السققلم‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫وتخرجه مققن الكفققر وأحققب النققاس الققى اللققه أقققومهم بهققذه‬
‫المحبة وأشدهم فيها الثالث الحب لله وفيه وهي مققن لققوازم‬
‫محبة ما يحب الله ول يستقيم محبة‬
‫ما يحب الله ال بالحب فيه وله الرابع المحبة مققع اللققه وهققى‬
‫المحبة الشركية وكل من أحب شيئا مققع اللققه ل للققه ول مققن‬
‫أجلققه ول فيققه فقققد اتخققذه نققدا مققن دون اللققه وهققذه محبققة‬
‫المشركين وبقى قسققم خققامس ليققس ممققا نحققن فيققه وهققى‬
‫المحبققة الطبيعيققة وهققي ميققل النسققان الققى مققا يلئم طبعققه‬
‫كمحبققة العطشققان للمققاء والجققائع للطعققام ومحبققة النققوم‬
‫والزوجة والولققد فتلققك ل تققذم مققال إن ألهققت عققن ذكققر اللققه‬
‫وشغلته عن محبته كما قال تعالى يا أيها الذين‬
‫آمنوا ل تلهكم أموالكم ول أولدكم عن ذكر الله وقال تعققالى‬
‫رجال ل تلهيهم تجارة ول بيع عن ذكر الله‬
‫فصل‬
‫ثم الخلة وهي تتضمن كمققال المحبققة ونهايتهققا المجاشققعي ل‬
‫يبقى فققي القلققب لمحبققه سققعة لغيققر محبققوبه وهققي منصققب‬
‫المشاركة بوجه وهذا المنصب خاصة للخليلين صققلوات اللققه‬
‫وسلمه عليهما إبراهيققم ومحمققد كمققا قققال صققلى اللققه عليققه‬
‫وسقلم إن اللقه إتحقذني خليل كمقا اتحقذ ابراهيقم خليل وفقي‬
‫الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم لو كنت متخققذا مققن أهققل‬
‫الرض خليل لاتخذت يشير بكقر خليل ولكقن صقاحبكم خليقل‬
‫الله وفي حديث آخر اني أبرىء الى كل خليل من خلته ولما‬
‫سأل ابراهيم عليه السلم الولد فققاعطيه فتعلققق حبققه بقلبققه‬
‫فاخذ منه شعبه غار الحبيب على خليلققه أن يكققون فققي قلبققه‬
‫موضع لغيره فامر بذبحه وكان المر في المنام ليكون تنفيققذ‬
‫المأمور به أعظم ابتلء وامتحانا ولم يكن المقصود ذبح الولد‬
‫ولكن المقصود ذبحه من قلبه ليخلص القلب للرب فلما بادر‬
‫الخليل عليه الصلت والسلم الى المتثال وقققدم محبققة اللققه‬
‫على محبة ولده حصققل المقصققود فرفققع الذبققح وفققدى بذبققح‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫عظيم فان الرب تعالى ما أمر بشيء ثم أبطلققه رأسققا بققل ل‬
‫بد أن يبقى بعضه أو بدله كما أبقى شريعة الفداء وكما أبقى‬
‫استحباب الصدقة عند المناجاة وكما أبقى الخمققس صققلوات‬
‫بعد رفع الخمسين وأبققى ثوابهقا وققال ل يبقدل الققول لقدى‬
‫خمس في الفعل وخمسون في الجر‬
‫فصل‬
‫وأما ما يظنه بعض الظانين ان المحبة أكمل مققن الخلققة وان‬
‫إبراهيم خليل الله ومحمد صققلىالله عليققه وسققلم حققبيب اللققه‬
‫فمن جهله فققان المحبققة عامققة والخلققة خاصققة والخلققة نهايققة‬
‫المحبققة وقققد أخققبر النققبي صققلى اللققه عليققه وسققلم ان اتخققذ‬
‫إبراهيم خليل ونفى أن يكون لققه خليققل غيققر وبققه مققع اخبققاره‬
‫لحبه لعائشة ولبيها ولعمر بن الخطاب وغيرهققم وأيضققا فققان‬
‫اللققه سققبحانه يحققب التققوابنين ويحققب الصققابرين ويحققب‬
‫المحسنين ويحب المتقين ويحققب المقسققطين وخلتققه خاصققة‬
‫بالخليلين عليهما الصلة والسلم والشاب التائب حقبيب اللقه‬
‫وإنما هذا عن قلة العلم والفهم عن الله ورسوله صلى اللققه‬
‫عليه وسلم‬
‫فصل‬
‫وقد تقققدم أن العبققد ل يققترك مققا يحققب ويهققواه إل لمققا يحبققه‬
‫ويهواه ولكن يترك أضعفهما محبة لقواهمققا محبققة كمققا انققه‬
‫يفعل ما يكره لحصول ما محبته أقوي عنققده مققن كراهققة مققا‬
‫يفعله والخلص من مكروه كراهته عنده أقوي من كراهة مققا‬
‫يفعله وتقدم ان خاصققية العقققل إيثققار علققى المحبققوبين علققى‬
‫أدناهمققا وأيسققر المكروهيققن علققى أقواهمققا وتقققدم ان هققذا‬
‫الكمال قوة الحب والبغض ولم نص له هققذا إل بققامرين قققوة‬
‫الدراك وشققجاعة القلققب فققان التخلققف عققن ذلققك والعمققل‬
‫بخلفه يكققون امققا بضققعف الدراك المجاشققعي إن لققم يققدرك‬
‫مراتب المحبوب والمكروه على مققا كققان عليققه إمققا لضققعف‬
‫في النفس وعجز في القلب ل يطاوعه اليثار ال صلح له مع‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫علمه بانه الصلح فاذا علمني إدراكه وقققويت نفسققه وتشققجع‬
‫القلب علققى إيثققار المحبققوب العلققى والمكققروه الدنققي فقققد‬
‫وافققق لسققباب السققعادة فمققن النققاس مققن يكققون سققلطان‬
‫شققهوته أقققوي مققن سققلطان عقلققه وإيمققانه فيقهققر الغلققب‬
‫الضعيف ومنهم من يكون سلطان إيمققانه وعقلققه أقققوى مققن‬
‫سلطان شهوته ورذا كان كثير من المرضققى يحميققه الطققبيب‬
‫عما يضره فتأبا عليه نفسه وشهوته إل تناوله ويقدم شققهوته‬
‫على عقله وتسميه الطباء عديم المرؤة‬
‫فهكذا اكثر مرضققى القلققب يققؤثرون مققا يزيققد مرضققهم لقققوة‬
‫شهوتهم له فاصل الشر من ضعف الدراك وضققعف النفققس‬
‫ودنائتها وأصل الخير من كمال الدراك وقوة النفس وشرفها‬
‫وشجاعتها فالحب والرادة أصققل كققل فعققل ومبققدأه والبغققض‬
‫والكراهة أصل كل ترك ومبدأه وهاتققان القوتققان فققي القلققب‬
‫أصل سعادته وشقاوته ووجققود العقققل الختيققارى ل يكققون إل‬
‫بوجود سببه من الحب والرادة وأما عدم الفعل فتارة يكققون‬
‫لعدم مقتضاه وسببه وتققارة يكققون بوجققود البغققض والكراهققة‬
‫المانع منه وهذا متعلق المر والنهى وهو يسمي الكققف وهققو‬
‫متعلق الثققواب والعقققاب وبهققذا يققزول الشققتباه فققي مسققألة‬
‫الترك الشياطين هققو أمققر وجققودي أو عققدمي والتحقيققق انققه‬
‫قسمان فالترك المضاف الى عدم السبب المقتضي عققدمي‬
‫والمضاف الى السبب المانع من الفعل وجودى‬
‫فصل‬
‫وكل واحد من الفعل والترك الختياريين فانما يؤثر الحي لما‬
‫فيه من الحصول والمنفعة التي يلتذ بحصققولها أو زوال اللققم‬
‫الذي يحصققل لققه الشققفاء بزوالققه ولهققذا يقققال شققفاء صققدره‬
‫وشفاء قلبه قال هي الشققفاء لققداء بهققا * وليققس منهققا الققداء‬
‫مبقذول وهقذا مطلقوب يقؤثره العاققل حقتي الحيقوان البهيقم‬
‫ولكن يغلط فيه أكثر الناس غلطا قبيحا فيقصد حصول اللذة‬
‫بما يعقب عليه أعظم اللم فيؤلم نفسه من حيث يظققن أنققه‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫يحصل لذتها ويشفى قلبه بما يعقب عليه غاية المرض وهققذا‬
‫شأن مققن قصققر نظققره علققى العاجققل ولققم يلحققظ العققواقب‬
‫وخاصة العقل النظر في العواقب فاعقل الناس من أثر لققذة‬
‫نفسه وراحتققه فققي الجلققة الدائمققة علققى العاجلققة المنقضققية‬
‫الزائلققة وأسققفه الخلققق مققن بققاع نعيققم البققد وطيققب الحيققاة‬
‫الدائمة واللذة العظمى التي ل تنغيص فيها ول نقص بوجه ما‬
‫بلذة منقضية مشوبة باللم والمخاوف وهي سققريعة الققزوال‬
‫وشيكة النقضاء قال بعض العلماء فكرت فققي سققعي العقلء‬
‫فرأيت سعيهم كلهم في مطلوب واحد وإن اختلفت طرقهققم‬
‫في تحصققيله رأيتهققم جميعهققم إنمققا يسققعون فققي دفققع الهققم‬
‫والغققم عققن نفوسققهم فهققذا فققي الكققل والشققرب وهققذا فققي‬
‫التجارة والكسب وهذا بالنكاح وهذا بسماع الغناء والصققوات‬
‫المطربة وهذا باللهو واللعب فقلت هققذا المطلققوب مطلققوب‬
‫العقلء ولكن الطرق كلها غير موصققلة اليققه بققل لعققل أكثرهققا‬
‫إنما يوصل الى ضده ولم أر في جميققع هققذه الطققرق طريقققا‬
‫موصل اليه بل لعل أكثرها إنما يققؤثر الققى القبققال علققى اللققه‬
‫وحده ومعالمته وحده وإيثققار مرضققاته علققى كقل شقيء فقان‬
‫سالك هذا السلم فققاته حظققه مققن الققدنيا فقققد ظفققر بققالحظ‬
‫العالى القذى ل فقوت معقه وإن حصقل للعبقد حصقل لقه كقل‬
‫شيء وإن فاته فاته كل شققيء وان ظفققر بحظققه مققن الققدنيا‬
‫ناله على أهني الوجوه فليس للعبد أنفع من هذا السققلم ول‬
‫أوصل منه الى لذته وبهجته وسعادته وبالله التوفيق‬
‫فصل‬
‫والمحبوب قسمان محبوب لنفسه ومحبوب لغيره ول بققد أن‬
‫ينتهي الى المحبوب لنفسه دفعا للتسلسل المحال وكققل مققا‬
‫سوى المحبوب الحق فهو محبوب لغيره وليس شققيء يحققب‬
‫لنفسه ال الله وحده وكل ما سواه مما يحب فانما محبته تبع‬
‫لمحبة الرب تبارك وتعالى كمحبققة ملئكتققه وانبيققائه وأوليققائه‬
‫فانها تبع لمحبته سبحانه وهي من لققوازم محبتققه فققان محبققة‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫المحبوب توجب محبة ما يحبه وهذا موضع يجب العتنققاء بققه‬
‫فانه محل فرقان بين المحبة النافعة لغيره والتي ل تنفع بل‬
‫قد تضر واعلم إنه ل يحبه لذاته ال من كماله من لوازم ذاته‬
‫وإلهيته وربوبيته وغناه من لوازم ذاته وما سواه فانما يبغققض‬
‫ويكره لمنافاته محابه ومضادته لها وبغضقه وكراهتقه بحسقب‬
‫قوة هذه المنافاة وضعفها فما كان أشد منافاة لمحققابه كققان‬
‫أشققد كراهققة مققن العيققان والوصققاف والفعققال والرادات‬
‫وغيرها فهذا ميزان عادل يوزن بقه موافققة القرب ومخقالفته‬
‫وموالته ومعاداته فاذا رأينققا شخصققا يحققب مققا يكرهققه الققرب‬
‫تعالى ويكره ما يحبه علمنا ان فيه من معاداته بحسققب ذلققك‬
‫واذا رأينا الشخص يحققب مقا يحبقه القرب ويكققره مققا يكرهقه‬
‫وكلما كان الشيء أحب الى الرب كان أحب اليه وأثره عنده‬
‫وكلما كان أبغض اليه كان أبغض اليه وأبعد منه علمنا ان فيه‬
‫من موالت الققرب بحسققب ذلققك فتمسققك بهققذا الصققل غايققة‬
‫التمسك فى نفسك وفي غيرك فالولية عبققارة عققن موافقققة‬
‫الولى الحميد في محابه ومساخطه ليسققت بكققثرة صققوم ول‬
‫صلة ول رياضة والمحبوب لغيره قسققمان أيضققا أحققدهما مققا‬
‫يلتققذ المحققب بققادراكه وحصققوله والثققاني مققا يتققألم بققه ولكققن‬
‫يحتمله لفضائه الققى المحبققوب كشققرب الققدواء الكريققه قققال‬
‫تعالى كتب عليكم القتال وهو كقره لكققم وعسقى أن تكرهققوا‬
‫شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله‬
‫يعلم وأنتم ل تعلمون فاخبر سققبحانه أن القتققال مكققروه لهققم‬
‫مققع إنهققم خيققر لهققم لفضققائه إلققى أعظققم محبققوب وأنفعققه‬
‫والنفوس تحب الراحققة والفراغققة والرفاهيققة وذلققك شققر لهققا‬
‫لفضائه إلى فوات هذا المحبوب فالعاققل ل ينظقر القى لقذة‬
‫المحبوب العاجل فيؤثرها وألم المكروه العاجل فيرغب عنققه‬
‫فان ذلك قد يكون شرا لققه بققل قققد يجلققب عليققه غايققة اللققم‬
‫وتفققوته أعظققم اللققذة بققل عقلء الققدنيا يتحملققون المشققاق‬
‫المكروهة لما يعقبهم مققن اللققذة بعققدها وإن كققانت منقطعققة‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫فالمور أربعة مكروه يوصل الى مكروه ومكروه يوصل الققى‬
‫محبوب ومحبوب يوصل الى محبققوب ومحبققوب يوصققل الققى‬
‫مكروه فققالمحبوب الموصققل الققى المحبققوب قققد اجتمققع فيققه‬
‫داعى الفعل من وجهين والمكروه الموصل الققى مكققروه قققد‬
‫اجتمع فيه داعي الققترك مققن وجهيققن بقققى قسققمان الخققران‬
‫يتجاوز بهما الداعيان وهما معترك البتلء والمتحان فالنفس‬
‫تققوثر أقربهمققا جققوارا منهمققا وهققو العاجققل والعقققل والعقققل‬
‫واليمان يؤثرا نفعهما وإبقائها والقلب بين الداعيين وهو الققى‬
‫هققذا مققرة يبققك هققذا مققرة وههنققا محققل البتلء شققرعا وقققدرا‬
‫فداعي العقل واليمان ينادي كل وقت حي علققى الفلح عنققد‬
‫الصباح يحمد القوم السري وفي الممات يحمد العبققد التقققى‬
‫فان اشتد ظلم ليل المحبة وتحكم سلطان الشهوة والرادة‬
‫يقول يا نفس اصبرى فما هى ال ساعة * ثم تنقضي ويذهب‬
‫هذا كله ويزول‬
‫فصل‬
‫وإذا كققان الحققب أصققل كققل عمققل مققن حققق وباطققل فأصققل‬
‫العمققال الدينيققة حققب اللققه ورسققوله كمققا إن أصققل القققوال‬
‫الدينية تصديق الله ورسوله وكل إرادة تمنع كمال حققب اللققه‬
‫ورسوله وتزاحم هذه المحبة وشبهه منع كمال التصديق فققي‬
‫معارضققة لصققل اليمققان أو مضققعفة لققه فققان قققويت حققتي‬
‫عارضت أصلى الحب والتصديق كانت كفرا وشركا أكبر وإن‬
‫لم تعارضه قدحت في كماله وأثرت فيققه ضققعفا وفتققورا فققي‬
‫العزيمة والطلب وهى تحجب الواصل وتقطع الطالب وتنكي‬
‫الراغب فل تصلح المولت إل بالمعادات كما قال تعققالى عققن‬
‫إمام الحنفاء المحبين انه قال لقومه أفرأيتم ما كنتم تعبدون‬
‫أنتم وآباؤكم القدمون فانهم عدو لققي إل رب العققالمين فلققم‬
‫تصققلح لخليققل اللققه هققذه المققوالت والخلققة إل بتحقيققق هققذه‬
‫المعادات فان ولية الله ل تصح إل بققالبراءة مققن كققل معبققود‬
‫سواه قال تعالى قد كققانت لكققم أسققوة حسققنة فققي إبراهيققم‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون مققن‬
‫دون الله كفرنا بكم وبدأ بيننا وبينكم العققداوة والبغضققاء أبققدا‬
‫حتي تؤمنوا بالله وحده وقققال تعققالى وإذ قققال إبراهيققم لبيققه‬
‫وقققومه ومعنققاه بققرآء ممققا تعبققدون إل الققذى فطرنققي فققانه‬
‫سيهدين وجعلها كلمققة باقيققة فققي عقبققه لعلهققم يرجعققون أي‬
‫جعل هذه الموالت لله والبراءة من كل معبود سققواه كلمتققه‬
‫باقية في عقبه يتوارثها النبياء وأتبققاعهم بعضققهم عققن بعققض‬
‫وهي كلمة ل إله إل الله وهي التي ورثها إمام الحنفاء لتباعه‬
‫الققي يققوم القيامققة وهققى الكلمققة الققتي قققامت بهققا الرض‬
‫والسققموات وفطققر اللققه عليهققا جميققع المخلوقققات وعليهققا‬
‫أسست الملة ونصبت القبلة وجققردت سققيوف الجهققاد وهققى‬
‫محض حق الله على جميع العباد وهى الكلمة‬
‫العاصمة للدم والمال والذرية في هققذه الققدار والمنجيققة مققن‬
‫عذاب القبر وعذاب النار وهى النشور الققذي ل تققدخل الجنققة‬
‫إل به والحبل الذي ل يصل الققى اللققه مققن لققم يتعلققق بسققببه‬
‫وهى كلمة السلم ومفتققاح دار السققلم وبهققا تنقسققم النققاس‬
‫الى شقى وسعيد ومقبول وطريققد وبهققا انفصققلت دار الكفققر‬
‫من دار السلم وتميزت دار النعيم من دار الشقققاء والهققوان‬
‫وهى العمود الحامل للفرض والسنة ومن كان آخققر كلمققه ل‬
‫إله إل الله دخل الجنة وروح هذه الكلمة وسرها إفراد الققرب‬
‫حبل ثناؤه وتقدست أسماؤه وتبارك اسققمه وتعققالى جققده ول‬
‫إله غيره بالمحبة والجلل والتعظيم والخوف والرجاء وتوابع‬
‫ذلك من التوكل والنابه والرغبة والرهبة فل يحب سققواه بققل‬
‫كان ما كان يحب غيره فانما هو تبعققا لمحبتققه وكققونه وسققيلة‬
‫الى زيادة محبته ول يخاف سواه ول يرجي سققواه ول يتوكققل‬
‫إل عليققه ول يرغققب إل اليققه ول يرهققب إل منققه ول يحلققف إل‬
‫باسمه ول ينذر إل له ول يتاب إل اليققه ول يطققاع إل أمققره ول‬
‫يحتسب إل به ول يستعان فققي الشققدائد إل بققه ول يلتجققي إل‬
‫اليه ول يسجد إل له ول يذبح إل له وباسمه يجتمققع ذلققك فققي‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫حرف واحد وهو أن ل يعبد بجميع أنواع العبققادة إل هققو فهققذا‬
‫هو تحقيق شهادة أن ل إله إل الله ولهذا حرم الله على النار‬
‫من شهد أن ل إله إل الله حقيقة الشهادة ومحققال أن يققدخل‬
‫النار من خطبته بحقيقققة هققذه الشققهادة وقققام بهققا كمققا قققال‬
‫تعالى والذين هم بشهاداتهم قائمون فيكققون قائمققا بشققهادته‬
‫في باطنه وظاهره وفي قلبققه وقققالبه فققان مققن النققاس مققن‬
‫تكون شهادته ميتة ومنهم من تكون نائمة اذا نبهققت انتبهققت‬
‫ومنهم من تكققون مضققطجعة ومنهققم مققن تكققون الققى القيققام‬
‫أقرب وهى في القلب بمنزلة الروح فققي البققدن فققروح ميتققة‬
‫وروح مريضققة الققى المققوت أقققرب وروح الققى الحيققاة أقققرب‬
‫وروح صحيحة قائمة بمصققالح البققدن وفققي الحققديث الصققحيح‬
‫عنه صلى الله عليه وسلم إني لعلم كلمة ل يقولها عبد عند‬
‫الموت ال وجدت روحققه لهققا روحققا فحيققاة هققذه الققروح بهققذه‬
‫الكلمة فيها فكما ان حياة البدن بوجود الققروح فيققه وكمققا ان‬
‫من مات على هذه الكلمة فهو في الجنققة يتقلققب فيهققا فمققن‬
‫عققاش علققى تحقيقهققا والقيققام بهققا فروحققه تتقلققب فققي جنققة‬
‫المأوى وعيشها أطيب عيش قال تعالى وأما من خاف مقققام‬
‫ربه ونهى النفس عن الهوى فان الجنقة هقي المقأوى فالجنقة‬
‫مققأواه يققوم اللقققاء وجنققة المعرفققة والمحبققة والنققس بققالله‬
‫والشوق الى لقائه والفرح به والرضى عنه وبه مققأوى روحققه‬
‫في هذه الدار فمن كانت هذه الجنة مققأواه ههنققا كققانت جنققة‬
‫الخلد مأواه يوم المعاد ومن حرم هذه الجنة فهو لتلك الجنقة‬
‫أشد حرمانا والبرار في نعين وان اشتد بهم العيش وضاقت‬
‫بهم الدنيا والفجار في جحيم وإن إتسعت عليهققم الققدنيا قققال‬
‫تعالى من عمل صالحا من ذكر أو أنثي وهو مققؤمن فلنحيينققه‬
‫حياة طيبة وطيب الحياة جنة الدنيا قال تعالى فمن يرد اللققه‬
‫أن يهديه يشققرح صققدره للسققلم ومققن يققرد أن يضققله يجعققل‬
‫صدره ضيقا حرجا فاي نعيققم أطيققب مققن شققرح الصققدر وأي‬
‫عذاب أضيق من ضيق الصدر وقال تعالى أل إن أوليققاء اللققه‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫ل خوف عليهم ول هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون لهققم‬
‫البشرى في الحيوة الدنيا وفي الخرة ل تبديل لكلمققات اللققه‬
‫ذلك هو الفققوز العظيققم فققالمؤمن المخلققص للققه مققن أطيققب‬
‫الناس عيشققا وأنعمهققم بققال وأشققرحهم صققدرا وأسققرهم قلبققا‬
‫وهذه جنة عاجلة قبل الجنة الجلة قال النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا قالوا وما رياض الجنة‬
‫وقال حلق الذكر ومن هذا قوله صققلى اللققه عليققه وسققلم مققا‬
‫بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة ومن هذا قوله وقققد‬
‫سئلوه عن وصاله في الصوم وقال اني لسقت كهيئتكقم انقى‬
‫أظل عند ربققي يطعمنققي ويسقققيني فققاخبر صققلى اللققه عليققه‬
‫وسققلم إن مققا يحصققل لققه مققن الغققذاء عنققد ربققه يقققوم مقققام‬
‫الطعام والشراب والحسي وإن ما يحصل لققه مقن ذلقك أمقر‬
‫مختصققا بققه ل يشققركه فيققه غيققره فققاذا أمسققك عققن الطعققام‬
‫والشراب فله عوض عنه يقوم مقققامه وينققوب منققابه ويغنققى‬
‫عنه كما قيل لها أحاديث من ذكراك تشغلها * عققن الشققراب‬
‫وتلهيها عن الزاد لها بوجهك نور يستضيء به * ومققن حققديثك‬
‫في أعقابها حادي إذا اشتكت من كلل السير أوعققدها * روح‬
‫اللقاء فتحي عند ميعادى وكققل مققا كققان وجققود الشققيء أنفققع‬
‫للعبد وهو اليه أحوج كققان تققألمه بفقققده أشققد وكققل مققا كققان‬
‫عدمه أنفع كان تألمه بوجققوده أشققد ول شققيء علققى الطلق‬
‫أنفع للعبد من إقباله على الله واشتغاله بذكره وتنعمه بحبققه‬
‫وإيثاره لمرضاته بل ل حياة له ول نعيققم ول سققرور ول بهجققة‬
‫ال بذلك فعدمه ءألم شيء له وأشد عذابا عليققه وإنمققا تغيققب‬
‫الققروح عققن شققهود هققذا اللققم والعققذاب لشققتغالها بغيققره‬
‫واستغراقها في ذلك الغير فتغيب به عن شهود مققا هققي فيققه‬
‫من ألم العقوبة بفققراق أحققب شققيء اليهققا وأنفعققه لهققا وهققذا‬
‫بمنزلة السكران المستغرق في سكره الققذي احققترقت داره‬
‫وأمواله وأهله وأولده وهو لسققتغراقه فققي السققكر ل يشققعر‬
‫بألم ذلك الفوات وحسرته حتى إذا صحى وكشف عنه غطاء‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫السكر وانتبه من رقدة الخمر فهو أعلققم بحققاله حينئذ وهكققذا‬
‫الحققال سققواء عنققد كشققف الغطققاء ومعاينققة طلئع الخققرة‬
‫والشراف على مفارقة الققدنيا والنتقققال منهققا الققى اللققه بققل‬
‫اللم والحسرة والعذاب هناك أشد باضعاف‬
‫أضعاف ذلك فان المصاب في الدنيا يرجو جققبر مصققيبته فققي‬
‫الدنيا بالعوض ويعلقم إنقه ققد أصقيب بشقيء زائل لبققاء لقه‬
‫فكيف بمن مصيبته بما ل عوض عنه ول بققدل منققه ول نسققبة‬
‫بينه وبين الدنيا جميعا فلو قضققي اللققه سققبحانه بققالموت مققن‬
‫هذه الحسرة واللم لكان العبد جديرا به وان الموت ل يعققود‬
‫أكبر أمنيته وأكققبر حسققراته هققذا لققو كققان اللققم علققى مجققرد‬
‫الفوات كيف وهناك عن العققذاب علققى الققروح والبققدن أمققور‬
‫أخرى وجودية مال يقدره قدره فتبارك من حمل هققذا الخلققق‬
‫الضعيف هذين اللمين العظيمين اللذين ل تحملهمققا الجبققال‬
‫الرواسي فاعرض على نفسك الن أعظم محبققوب لققك فققي‬
‫الدنيا المجاشعي ل تطيب لك الحياة ال معققه فاصققبحت وقققد‬
‫أخذ منك وحيل بينك وبينه أحققوج مققا كنققت اليققه كيققف يكققون‬
‫حالك هذا ومنه كل عوض فكيف بمن ل عوض عنه كما قيققل‬
‫من كل شيء اذا ضققيعته عققوض * ومققا مققن اللققه أن ضققيعته‬
‫عوض وفي الثققر اللهققى بققن آدم خلقتققك لعبققادتي فل تلعققب‬
‫وتكفلققت برزقققك فل تتعققب ابققن آدم أطلبنققي تجققدني فققان‬
‫وجدتني وجدت كل شيء وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب‬
‫اليك من كل شيء‬
‫الجواب الكافي ‪16‬‬
‫فصل‬
‫ولمققا كققانت المحبققة جنسققا تحتققه أنققواع متفاوتققة فققي القققدر‬
‫والوصف كان أغلب ما يذكر فيهققا فققي حققق اللققه تعققالى مققا‬
‫يختص به ويليق به من أنواعهققا ول يصققلح ال لققه وحققده مثققل‬
‫العبادة والنابة ونحوهما فققان العبققادة ل تصققلح ال لققه وحققده‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫وكذا النابة وقد ذكر المحبة باسققمها المطلققق كقققوله تعققالى‬
‫فسوف يأتي الله بققوم يحبهقم ويحبقونه وققوله تعقالى ومقن‬
‫الناس مققن يتخققذ مققن دون اللققه أنققدادا يحبققونهم كحققب اللققه‬
‫والذين آمنوا أشد حبا للققه وأعظققم أنققواع المحبققة المذمومققة‬
‫المحبققة مققع اللققه الققتي سقوى فيهققا المحققب بيقن محبققة اللقه‬
‫ومحبتققه للنققد الققذي إتخققذه مققن دون اللققه وأعظققم أنواعهققا‬
‫المحمودة محبة الله وحده وهذه المحبة هي أصققل السققعادة‬
‫ورأسققها الققتي ل ينجققو أحققد مققن العققذاب إل بهققا والمحبققة‬
‫المذمومة الشركية هي أصل الشقاوة ورأسها الققتي ل يبقققي‬
‫في العذاب ال أهلها فأهل المحبة الذين أحبققوا اللققه وعبققدوه‬
‫وحده ل شريك له ل يدخلون النققار مققن دخلهققا منهققم بققذنوبه‬
‫فققانه ل يبقىفيهققا منهققم أحققد مققدار القققرآن علققى المققر بتلققك‬
‫المحبة ولوازمها والنهى عن المحبة الخرى ولوازمها وضرب‬
‫المثال والمقاييس للنوعين وذكر قصققص النققوعين وتفصققيل‬
‫أعمال النققوعين وأوليققائهم ومعبققود كققل منهمققا واخبققاره عققن‬
‫فعله ولنوعين وعن حال النوعين في الدور الثلثققة دار الققدنيا‬
‫ودار البرزخ ودار القرار والقران باقي شأن النققوعين وأصققل‬
‫دعوة جميع الرسل من أولهم الى آخرهم انما هو عبادة اللققه‬
‫وحده ل شريك لققه المتضققمنة لكمققال حبققه وكمققال الخضققوع‬
‫والققذل لققه والجلل والتعظيققم ولققوازم ذلققك مققن الطاعققة‬
‫والتقوى وقد ثبت‬
‫في الصحيحين من حديث أنس عققن النققبي صققلى اللققه عليققه‬
‫وسلم أنه قال والذي نفسي بيده ليؤمن أحدكم حققتى أكققون‬
‫أحب اليه مققن ولققده ووالققده الكراهققة أجمعيققن وفققي صققحيح‬
‫البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال يققا رسققول‬
‫الله والله لنت أحب الي من كل شيء إل من نفسققي فقققال‬
‫ل يا عمر حتى أكون أحب اليك من نفسك فقال والذي بعثك‬
‫بالحق لنت أحب الي من نفسي فقال الن يا عمر فاذا كان‬
‫هذا شأن محبة عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم ووجوب‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫تقديمها على محبة النفس ووالققده وولققده الكراهققة أجمعيققن‬
‫فما الظن بمحبة مرسققله سققبحانه وتعققالى ووجققوب تقققديمها‬
‫على محبة ما سواه ومحبة الققرب تعققالى تختققص عققن محبققة‬
‫غيره في قدرها وصفتها وإفراده سبحانه بها فان الواجب لققه‬
‫من ذلك كله أن يكون الى العبد أحب اليه من ولده ووالققده‬
‫بل من سمعه وبصره ونفسه الققتي بيققن جنققبيه فيكققون إلهققه‬
‫الحق ومعبوده أحب اليه من ذلك كله والشيء قد يحب مققن‬
‫وجه دون وجه وقد يحب بغيره وليس شيء يحب لققذاته مققن‬
‫كل وجه إل الله وحده ول تصلح اللوهية إل له ولو كان فيهما‬
‫آلهة إل الله لفسدتا والتأله هو المحبة والطاعة والخضوع‬
‫فصل‬
‫وكل حركة في العالم العلوي والسفلى فأصلها المحبة فهققي‬
‫علتها الفاعلية والغائبة وذلك لن الحركات ثلثة أنواع حركققة‬
‫إختياريققة إراديققة وحركققة طبيعيققة وحركققة قسققرية فالحركققة‬
‫الطبيعية أصلها السكون وإنما يتحرك الجسققم اذا خققرج عققن‬
‫مستقره ومركزه الطبيعي فهو يتحرك للعققود اليققه وخروجققه‬
‫عن مركزه ومستقرة وإنما يتحرك بتحققرك القاسققر المحققرك‬
‫له فله حركة قسرية تتحرك بتحريك محركه وقاسره وحركة‬
‫طبيعية بذاتها تطلب بها العود الى مركققزه وكل حركققتيه تققابع‬
‫للمحققرك القاسققر فهققو أصققل الحركققتين وسققلموا الختياريققة‬
‫الراديققة هققي أصققل الحركققتين الخرتيققن وهققي تابعققة للرادة‬
‫والمحبققة فصققارت الحركققات الثلث تابعققة للمحبققة والرادة‬
‫يشير على انحصار الحركات في هذه الثلث أن المتحرك إن‬
‫كان له شعور الجزري فهي الرادية وان لققم يكققن لققه شققعور‬
‫بها فاما أن يكققون علققى وفققق طققبيعته الولققى فققالولى هققي‬
‫الطبيعيققة والثانيققة هققي القسققرية إذا فهمققت هققذا فمققا فققي‬
‫السموات والرض وما بينهما من حركققات الفلك والشققمس‬
‫والقمقققر والنجقققوم والريقققاح والسقققحاب والمطقققر والنبقققات‬
‫وحركققات الجنققة فققي بطققون أمهاتهققا فانمققا هققى بواسققطة‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫الملئكققة المققدبرات أمققرا والمقسققمات أمققرا كمققا دل علققى‬
‫نصوص القرآن والسنة في غيققر موضققع واليمققان بققذلك مققن‬
‫تمام اليمان بالملئكة فان الله وكل بالرحم ملئكة وبققالقطر‬
‫ملئكة وبالنبات ملئكة وبالرياج ملئكة وبالفلك والشققمس‬
‫والقمر والنجوم ووكل بكقل عبقد أربعقة مقن الملئكقة كتقبين‬
‫على يمينه وعلى شماله وحافظين من بين يديه ومققن خلفققه‬
‫ووكل ملئكة بقبض روحه وتجهيزها الى مستقرها من الجنققة‬
‫والنار وملئكة بمسألته وإمتحانه فقي ققبره وعقذابه هنقاك أو‬
‫نعيمه وملئكة تسوقه الى المحشر إذا قام من قبره وملئكة‬
‫بتعذيبه في النار أو نعيمه فققي الجنققة ووكققل بالجبققال ملئكققة‬
‫وبالسققحاب ملئكققة تسققوقه الققى حيققث أمققرت بققه وملئكققة‬
‫بققالقطرتنزله بققامر اللققه بقققدر معلققوم كمققا شقاء اللققه ووكققل‬
‫ملئكة بغرس الجنققة وعمققل آلتهققا وفرشققها وثيابهققا والقيققام‬
‫عليها وملئكة بالنار كذلك فاعظم جنققد اللققه الملئكققة ولفققظ‬
‫الملك يشعر بأنه رسقول منفقذ لمقر فليقس لهقم مقن المقر‬
‫شيء بل المر كله لله وهم يققدبرون المققر ويقسققمونه بققاذن‬
‫الله وأمره قال تعالي إخبارا عنهم وما نتنزل ال بامر ربك له‬
‫ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا وقال‬
‫تعالى وكم من ملك في السموات ل تغنققي شققفاعتهم شققيئا‬
‫ال من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى وأقسققم سققبحانه‬
‫بطوائف من الملئكة المنفذين لمره في الخليقققة كمققا قققال‬
‫تعالى والصافات صفا فالزاجرات زجرا فالعاليات ذكرا وقال‬
‫والمرسققلت عرفققا فالعاصققفات عصققفا والناشققرات نشققرا‬
‫فالفارقات فرقا فالملقيات ذكرا عققذرا أو نققذرا وقققال تعققالى‬
‫والنازعققات غرقققا والناشققطات نشققطا والسققابحات سققبحا‬
‫فالسابقات سبقا فالمدبرات أمرا وقد ذكرنا معني ذلك وسر‬
‫القسام في كتاب أقسام القرآن اذا عرف ذلك فجميققع تلققك‬
‫المحبات والحركات والرادات والفعقال هقي عبقاداتهم لققرب‬
‫الرض والسموات وجميع الحركات الطبيعية والقسرية تابعة‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫لهققا فلققول الحققب مققا دارت الفلك ول تحركققت الكققواكب‬
‫النيققرات ول هبققت الريققاح المسققخرات ول مققرت السققحاب‬
‫الحاملت ول تحركت الجنة فققي بطققون المهققات ول أنصققدع‬
‫عن الحب أنواع النبات ول اضطربت أمواج البحار الزاجققرات‬
‫ول تحركت المدبرات والمقسمات ول سبحت بحمد فاطرهققا‬
‫الرض والسموات وما فيها من أنققواع المخلوقققات فسققبحان‬
‫من تسبحه السموات والرض ومن فيهن وان مققن شققيء ال‬
‫يسبح بحمده ولكن ل تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا‬
‫فصل‬
‫إذا عرف ذلك فكل حي له إرادة ومحبة وعمل يحسققنه وكققل‬
‫متحرك فأصل حركته المحبة والرادة والصققلح للموجققودات‬
‫ال بان تكون حركاتها ومحبتها لفاطرها وباريهققا وحققده كمققا ل‬
‫وجود لها ال بأبداعه وحده ولهذا قققال تعققالى لققو كققان فيهمققا‬
‫آلهة إل الله لفسدتا فسبحان رب العرش عمققا يصققفون ولققم‬
‫عبادي سبحانه لما وجدتا ولكانتا معدومتين ول قال لعدمتا اذ‬
‫هو سبحانه قادر على أن يبقيهما علققى وجققه الفسققاد لكققن ل‬
‫يمكن أن تكون‬
‫على وجه الصلح والستقامة ال بان يكققون اللققه وحققده وهققو‬
‫معبود لهما ومعبود ما حوتاه وسكن فيهمققا فلققو كققان للعققالم‬
‫إلهان لفسد نظامه غاية الفساد فان كققل إلققه يطلققب مغالبققة‬
‫الخر والعلو عليه وتفرده دونه باللهية اذ الشرك نقققص فققي‬
‫كمال اللهية والله ل يرضى لنفسه أن يكون إلها ناقصا فقان‬
‫قهر أحدهما الخر كان هو اللقه وحقده والمقهقور ليققس بقاله‬
‫وان لم يقهر أحدهما الخر لزم عجز كل منهمققا ونقصققه ولققم‬
‫يكن تام اللهية‬
‫فيجب أن يكققون فوقهمققا إلققه قققاهر لهمققا حققاكم عليهمققا وإل‬
‫ذهب كل منهما بما خلق وطلب كل منهما العلو علققى الخققر‬
‫وفي ذلك فساد أمر السموات والرض ومن فيهمققا كمققا هققو‬
‫المعهود من فساد البلد اذا كان فيها ملكان متكافئان وفسققد‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫الزوجة اذا كان لها بعلن والشول اذا كان فيه فحلن واصققل‬
‫فساد العققالم انمققا هققو مققن فسققاد اختلف الملققوك والخلفققاء‬
‫ولهذا لم تطمع أعلمكم السلم فيهم في زمققن مققن الزمنققة‬
‫ال في زمن تعدد الملوك من المسلمينواختلفهم وانفراد كل‬
‫واحقد منهقم ببلد وطلقب بعضقهم العلقو علقى بعقض فصقلح‬
‫السققموات والرض واسققتقامتهما وإنتظققام أمققر المخلوقققات‬
‫على أتم نظام ومن أظهر الدلة على انه ل إله إل الله وحده‬
‫ل شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كققل‬
‫شيء قدير وان كل معبود من لدن عرشه الققى قققرار أرضققه‬
‫باطل إل وجهه العلى قال الله تعالى ما اتخذ اللققه مققن ولققد‬
‫وما كان معه مققن إلققه اذا لققذهب كققل إلققه بمققا خلققق ولعلققى‬
‫بعضهم على بعض سققبحانه اللققه عمققا يصققفون عققالم الغيققب‬
‫والشهادة فتعالى عما يشركون وقال تعققالى أم اتخققذوا آلهققة‬
‫من الرض هم ينشرون لو كان فيهمققا آلهققة ال اللققه لفسققدتا‬
‫فسبحان الله رب العرش عما يصفون ل يسققئل عمققا يفعققل‬
‫وهم يسئلون وقال تعالى قل لو كان معه آلهققة كمققا يقولققون‬
‫إذا لبتغوا الى ذي العرش سبيل قيل المعني لبتغققوا السققبيل‬
‫اليه بالمغالبة والقهر كمققا يفعققل الملققوك بعضققهم مققع بعققض‬
‫ويدل عليه قوله في الية الخري ولعلى بعضهم علققى بعققض‬
‫قال شيخنا والصحيح ان المعنى لبتغوا اليققه سققبيل بققالتقرب‬
‫اليه وطاعته فكيف تعبدونهم من دونه وهم لو كانوا آلهة كما‬
‫يقولون لكانوا عبيدا له قال ويدل على هذا وجوه منهققا قققوله‬
‫تعالى أولئك الذين يدعون يبتغققون الققى ربهققم الوسققيلة أيهققم‬
‫أقققرب ويرجققون رحمتققه ويخققافون عققذابه أي هققؤلء الققذين‬
‫يعبدونهم مققن دونققي هققم عبققادي كمققا أنتققم عبققادي ويرجققون‬
‫رحمتي ويخافون عذابي فلماذا تعبدونهم من دوني الثاني انه‬
‫سبحانه لم عبادي لبتغوا عليه سبيل قققال لبتغققوا اليققه سققبيل‬
‫وهذا اللفظ إنما يستعمل في القرب كقوله تعالى اتقوا اللققه‬
‫وابتغوا الوسيلة وأما في المغالبة فانما يستعمل بعلى كقوله‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫فان أطعنكم فل تبغوا عليهن سبيل الثالث إنهم لم يقولوا إن‬
‫آلهتهم تغالبه وتطلب العلو عليه وهو سبحانه قال قل لو كان‬
‫معه الهققة كمققا يقولققون وهققم انمققا كققانوا يقولققون ان آلهتهققم‬
‫تبتغي التقرب اليه وتقربهم زلفققى اليققه قققال تعققالى لققو كققان‬
‫المر كما تقولون لكانت تلك اللهة عبيدا لققه فلمققاذا تعبققدون‬
‫عبيده من دونه‬
‫فصل‬
‫والمحبة لها آثار وتوابع ولوازم وأحكام سواء كققانت محمققودة‬
‫أو مذمومقققة نافعقققة أو ضقققارةمن القققوجه والقققذوق والحلوة‬
‫والشوق والنس والتصال بالمحبوب والقرب منه والنفصال‬
‫عنه والبعد منققه والصققد والهجققران والفققرح والسققرور والبكققا‬
‫والحزن وغير ذلك من أحكامها ولوازمها والمحبققة المحمققودة‬
‫هي المحبة النافعة التي تجلب لصاحبها مققا ينفعققه فققي دنيققاه‬
‫وآخرته وهذه المحبة هي عنوان السققعادة وضققدها هققي الققتي‬
‫تجلققب لصققاحبها مققا يضققره فققي دنيققاه وآخرتققه وهققي عنققوان‬
‫الشقاوة ومعلوم ان الحى العاقققل ل يختققار محبققة مققا يضققره‬
‫ويشقيه وإنما يصدر ذلك عن جهله وظلمه فققان النفققس قققد‬
‫تهوي ما يضرها ول ينفعها وذلك ظلم من النسان لنفسه اما‬
‫ان تكون النفققس جاهلققة بحققال محبوبهققا بققان تهققوي الشققيء‬
‫وتحبه غير عالمة بما في محبته من المضرة وهققذا حققال مققن‬
‫اتبع هواه بغير علم واما عالمققة بمققا فققي محبتققه مققن الضققرر‬
‫لكن يؤثر هواها على علمها وقد تققتركب محبتهققا مققن أمريققن‬
‫من إعتقاد فاسد وهوي مذموم وهذا حال من اتبع الظن وما‬
‫تهوي النفس فل تقع المحبة الفاسدة ال من جهل أو اعتقققاد‬
‫فاسد وهو غالب أو ما تركب مققن ذلققك فاعققان بعضققه بعضققا‬
‫فتنفق شبهة يشتبه بها الحق بالباطل يزين له أمر المحبققوب‬
‫وشهوة تدعوه الى وصوله فيتساعد جيش الشبهة والشهوة‬
‫على جيش العقل واليمان والغلبققة لقواهمققا اذا عققرف هققذا‬
‫فتوابع كل نوع من أنواع المحبققة لققه حكققم متبققوعه فالمحبققة‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫النافعة المحمودة التي هي عنوان سعادة العبد وتوابعها كلققه‬
‫نافعة له حكمها حكم متبوعها فان بكي نفعه وإن حزن نفعققه‬
‫وإن فرح نفعه وإن انبسط نفعه وإن انقبض نفعه فهو يتقلب‬
‫في منازل المحبة وأحكامها في مزيققد وربققح وقققوة والمحبققة‬
‫والمضققرة المذمومققة توابعهققا وآثارهققا كلهققا ضققارة لصققاحبها‬
‫مبعدة له من ربه كيف ما تقلب في آثارها ونزل في منازلهققا‬
‫فهو في خسارة وبعد وهذا شأن كققل فعققل تولققد عققن طاعققة‬
‫ومعصية فكل ما تولد من الطاعه فهو زيادة لصققاحبه وقققرب‬
‫وكل ما تولد من المعصية فهققو خسققران لصققاحبه وبعققد قققال‬
‫تعالى ذلك بانهم ل يصيبهم ظمققأ ول نصققب ول مخمصققة فققي‬
‫سبيل الله ول يطؤن موطئا يغيظ الكفار ول ينالون من عققدو‬
‫نيل ال كتققب لهققم بققه إن اللققه ل يضققيع أجققر المحسققنين ول‬
‫ينفقون نفقة صغيرة ول كبيرة ول يقطعون واديا ال كتب لهم‬
‫ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون فأخبر الله سبحانه فققي‬
‫الية الولى أن المتولد عن طاعتهم وأفعالهم يكتقب لهقم بقه‬
‫وأخبر في الثانية أن أعمالهم الصالحة الققتي باشققروها تكتققب‬
‫لهم أنفسها والفرق بينهما ان الول ليققس مققن فعلهققم وإنمققا‬
‫تولد عنه فكتب لهم بققه والثققاني نفققس أفعققالهم فكتققب لهققم‬
‫فليتأمل قتيل المحبة هذا الفصل حق التأمل ليعلم ما له وما‬
‫عليه سيعلم يوم العرض أي بضاعة * أضاع وعنققد الققوزن مققا‬
‫كان حصل‬
‫فصل‬
‫وكما ان المحبة والرادة أصل كل فعل كما تقدم فهى أصققل‬
‫كل دين سواء كققان حقققا أم بققاطل فققان الققدين مققن العمققال‬
‫الباطنة والظاهرة والمحبة والرادة أصل ذلك كله والدين هو‬
‫الطاعة والعبادة والخلق فهو الطاعققة اللزمققة الدائمققة الققتي‬
‫صارت خلقا وعادة ولهذا فسر الخلق بالذين في قوله تعالى‬
‫وإنك لعلى خلق عظيم قال المام أحمد عن ابن عيينققة قققال‬
‫ابن عباس لعلي دين عظيم وسئلت عائشة عن خلققق النققبي‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫صلى الله عليه وسلم فقالت كان خلقه القققرآن والققدين فيققه‬
‫معنققى الذلل والقهققر فيققه معنققى الققذل والخضققوع والطاعققة‬
‫فلذلك يكون من العلى الى السفل كما يقال دنته فدان أي‬
‫قهرته فذل قال الشاعر هو أدنى الزمان أذكققر هققذا الققدين *‬
‫فاصبحوا بغرة وصيان ويكققون مققن الدنققى الققى العلققى كمققا‬
‫يقال دنت الله ودنت لله وفلن ل يدين الله دينا ول يدين الله‬
‫بدين فققدان اللققه أي أطققاع اللققه وأحبققه وخققافه ودان للققه أي‬
‫خشع له وخضققع وذل وانقققاد والققدين الباطققل ل بققد فيققه مققن‬
‫الخضوع والحب كالعبادة سواء بخلف الدين الظققاهر فققانه ل‬
‫يستلزم الحب وإن كان فيه‬
‫انقياد وذل في الظاهر وسمي الله تعققالى يققوم القيامققة يققوم‬
‫الدين لنه اليوم الذي يدين فيه الناس فيه باعمالهم إن خيققر‬
‫فخيققرا وإن شققرا فشققر وذلققك يتضققمن جزاؤهققم وحسققابهم‬
‫فلذلك فسروا بيوم الجزاء ويوم الحساب وقال تعققالى فلققول‬
‫إن كنتققم غيققر مققدينين يرجعونهققا إن كنتققم صققادقين أي هل‬
‫تردون الروح الى مكانها إن كنتم غير مققدبوبين ول مقهققورين‬
‫ول مجزييققن وهققذه اليققة تحتققاج الققى تفسققير فانهققا سققيقت‬
‫للحتجققاج عليهققم فققي إنكققارهم البعققث والحسققاب ول بققد أن‬
‫يكون الدليل مستلزم لمدلوله المجاشعي ينتقل الققذهن منققه‬
‫الى أل لمققا بينهمققا مققن التلزم فيكققون الملققزوم دليققل علققى‬
‫لزمققه ول يجققب العكققس ووجققه السققتدلل أنهققم إذا أنكققروا‬
‫البعث والجزاء فقققد كفققروا بربهققم وأنكققروا قققدرته وربققوبيته‬
‫وحكمته فامققا أن يقققروا بققان لهققم ربققا قققاهرا متصققرفا فيهققم‬
‫يميتهم إذا شقاء ويحييهقم إذا شقاء ويقأمرهم وينهققاهم ويقثيب‬
‫محسنهم ويعاقب مسيئهم وأما أن ل يقروا بققرب هققذا شققأنه‬
‫فان أقروا آمنوا بالبعث والنشققور والققدين المققري والجققزائي‬
‫وإن أنكروه وكفقروا بققه فقققد زعمقوا إنهققم غيققر مربقوبين ول‬
‫محكققوم عليققه ول لهققم رب يتصققرف فيهققم كمققا أراد فهل‬
‫يقدرون على دفع الموت عنهققم اذا جققاءهم وعلققى رد الققروح‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫الى مسققتقرها إذا بلغققت الحلقققوم وهققذا خطققاب للحاضققرين‬
‫وهم عند المحتضر وهم يعاينون موته أي فهل يققردون الققروح‬
‫الى مكانها إن كان لهم قدرة وتصرف ولسققتم بمربققوبين ول‬
‫مقهققورين لقققاهر ققادر يمضققي عليكققم أحكققامه وينفققذ فيكققم‬
‫أوامره وهذه غاية التعجيز لهم إذا تبين عجزهم عن رد نفس‬
‫واحدة الى مكانها ولو اجتمع على ذلك الثقلن فيالها من آيققة‬
‫دالقة علقى وحقدانيته وربقوبيته سقبحانه وتصقرفه فقي عبقاده‬
‫ونفققوذ أحكققامه فيهققم وجريانهققا عليهققم والققدين دينققان ديققن‬
‫شرعي أمري ودين حسابي جزائي وكلهما لله وحده فالدين‬
‫كله أمرا أو جزاء والمحبة أصل كل واحد من الدينين فان ما‬
‫شرعه وأمققر بققه يحبققه وبرضققاه ومققا نهققى عنققه فققانه يكرهققه‬
‫ويبغضه لمنافاته لما يحبه ويرضاه فهو يحب ضده فعققاد دينققه‬
‫المري كله الى محبته ورضاه ودين العبد لله به إذا كان عققن‬
‫محبة ورضي كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ذاق طعم‬
‫اليمان من رضي بققالله ربققا وبالسققلم دينققا وبمحمققد رسققول‬
‫وهذا الدين قائم بالمحبة وبسببها شرع ولجلها شققرع عليهققا‬
‫أسس وكذلك دينه الجزائي فانه يتضققمن مجققازات المحسققن‬
‫باحسانه والمسىء باساءته وكل من المرين محبققوب للققرب‬
‫فانهما عدله وفضله وكلهما من صفات كمققاله وهققو سققبحانه‬
‫يحب صفاته وأسمائه ويحب من يحبها وكل واحد من الدينين‬
‫فهو صراطه المسققتقيم الققذي هققو عليققه فهققو سققبحانه علققى‬
‫صراط مسققتقيم فققي أمققره ونهيققه وثققوابه وعقققابه كمققا قققال‬
‫تعالى إخبارا عن نبيه هود عليه السلم إنققه قققال لقققومه إنققي‬
‫أشققهد اللققه وأشققهدوا إنققي بريققء ممققا تشققركون مققن دونققه‬
‫فكيدوني جميعا ثم ل تنظققرون إنققي تققوكلت علققى اللققه ربققي‬
‫وربكم ما من دابة إل هو آخذ بناصيتها إن ربققي علققى صققراط‬
‫مستقيم ولما علم نبي الله أن ربه على صراط مستقيم فققي‬
‫خلقه وأمره وثوابه وعقققابه وقضققائه وقققدره ومنعققه وعطققائه‬
‫وعافيته وبلئه وتوفيقه وخذلنه ل يخرج في ذلك عن موجب‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫كماله المقدس الققذي تقتضققيه أسققماؤه وصققفاته مققن العققدل‬
‫والحكمة والرحمققة والحسققان والفضققل ووضققع الثققواب فققي‬
‫مواضعه والعقققوبه فققي موضققعها اللئق بهققا ووضققع التوفيققق‬
‫والخذلن والعطاء والمنققع والهدايققة والضققلل كققل ذلققك فققي‬
‫أماكنه ومحاله اللئقة به المجاشعي يستحق على ذلك كمال‬
‫الحمد والثناء أوجب له ذلققك العلققم والعرفققان إذ نققادى علققى‬
‫رؤس المل من قومه بجنان ثابت وقلب غير خائف بل متجرد‬
‫لله إني أشهد الله واشهدوا إنققي بريققء ممققا تشققركون مققن‬
‫دونه الية ثم أخبر عن عموم قدرته وقهققره بكققل مققا سققواه‬
‫وذل كل شيء لعظمته فقال ما من دابة إل هو آخذ بناصققيتها‬
‫فكيف أخاف من نققاحيته بيققد غيققره وهققو فققي قبضققته وتحققت‬
‫قهره وسلطانه دونه وهققل هققذا المققر إل مققن أجهققل الجهققل‬
‫وأقبح الظلم ثم أخبر أنه سبحانه على صراط مستقيم فكققل‬
‫ما يقضيه ويقدره فل يخاف العبد جوره ول ظلمققه فل أخققاف‬
‫ما دونه فإن ناصيته بيده ول أخاف جوره وظلمققه فققانه علققى‬
‫صراط مستقيم وهو سبحانه ماض في عبده حكمه عدل فيه‬
‫قضاؤه له الملك وله الحمد ل يخرج في تصققرفه فققي عبققاده‬
‫عن العدل والفضل إن أعطي وأكرم وهققدي ووفققق فبفضققله‬
‫ورحمته وإن منع وأهان وأضل وخذل وشقي فبعدله وحكمته‬
‫وهققو علققى صققراط مسققتقيم فققي هققذا وهققذا وفققي الحققديث‬
‫الصحيح ما أصاب عبققد قققط هققم ول حققزن فقققال اللهققم إنققي‬
‫عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيققدك مققاض فققي حكمققك‬
‫عدل في قضاؤك أسئلك اللهم بكل اسم هو لققك سققميت بققه‬
‫نفسققك أو أنزلتققه فققي كتابققك أو علمتققه أحققدا مققن خلقققك أو‬
‫استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القققرآن العظيققم‬
‫ربيع قلبي ونققور صققدري وجلء همققي وحزنققي وذهققاب همققي‬
‫وغمي إل أذهب اللققه همققه وغمققه وأبققدله فرجققا مكققانه وهققذ‬
‫يتناول حكققم الققرب الكققوني والمققري والقضققاء الققذي يكققون‬
‫باختيار العبد وبغيقر اختيققاره وكل الحكميققن مققاض فقي عبققده‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫وكل القضائين عدل فيه فهذا الحديث مشتق مققن هققذه اليققة‬
‫بينهما أقرب نسب وبالله التوفيق‬
‫فصل‬
‫ونختم الجواب بفصققل متعلققق بعشققق الصققور ومققا فيققه مققن‬
‫المفاسد العاجلة والجلة وإن كانت أضعاف مققا يققذكره ذاكققر‬
‫فققإنه يفسققد القلققب بالققذات وإذا فسققد فسققدت الرادات‬
‫والقوال والعمال وفسد ثغر التوحيققد كمققا تقققدم وسققنقرره‬
‫أيضا إن شاء الله تعالى والله سبحانه وتعالى إنما حكى هققذا‬
‫المرض عن طائفتين من الناس وهم اللوطية والنساء فأخبر‬
‫عن عشق امرأة العزيز ليوسف وما راودته وكادته به وأخققبر‬
‫عن الحال التي صار إليها يوسف بصققبره وعفتققه وتقققواه مققع‬
‫إن الذي ابتلي به أمر ل يصبر عليه إل من صققبره اللققه عليققه‬
‫فإن موافقة الفعل بحسب قوة الققداعي وزوال المققانع وكققان‬
‫الداعي ها هنا في غاية القوة وذلك لوجققوه أحققدها مققا ركققب‬
‫الله سبحانه في طبع الرجل من ميله الى المرأة كمققا يميققل‬
‫العطشان الى الماء والجائع الى الطعام حققتى إن كققثيرا مققن‬
‫الناس يصبر عن الطعام والشراب ول يصبر عن النساء وهذا‬
‫ل يذم اذا صادف حلل بل يحمد كما في كتاب الزهققد للمققام‬
‫أحمد من حديث يوسف بن عطية الصغار عققن ثققابت البنققاني‬
‫عن أنس عن النبي صقلى اللققه عليقه وسقلم حبقب القي مققن‬
‫دنياكم الطيب والنساء أصبر عن الطعام والشراب ول أصققبر‬
‫عنهققن الثققاني أن يوسققف عليققه السققلم كققان شققبا وشققهوة‬
‫الشباب وحدته أقققوى الثققالث أنققه كققان عزبققا ل زوجققة لهققول‬
‫سرية تكسر شدة الشهوة الرابع أنه كان في بلد غربة يتأتى‬
‫للغريب فيها من قضاء الوطر مققا ل يتقأتى لغيققره فقي وطنققه‬
‫وأهله ومعارفه الخامس أن المرأة كانت ذات منصب وجمال‬
‫المجاشققعي أن كققل واحققد مققن هققذين المريققن يققدعو الققى‬
‫موافقتها السادس أنها غير آبيققة ول ممتنعققة فققإن كققثيرا مققن‬
‫الناس يزيل رغبته في لمرأة إباؤهقا وامتناعهقا لمقا يجقد فقي‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫نفسه من ذل الخضوع والسؤال لها وكثير من النققاس يزيققده‬
‫الباء والمتناع زيادة حب كما قال الشاعر‬
‫وزادني كلفا في الحب إن منعت * أحب شيء الى النسان‬
‫ما منعا‬
‫فطباع الناس مختلفة في ذلك الفات من يتضاعف حبه عنققد‬
‫بذل المرأة ورغبتها وتضمحل عند إبائهققا وإمتناعهققا وأخققبرني‬
‫بعض القضاة أن إرادته وشهوته تضمحل عنققد إمتنققاع زوجتققه‬
‫أو سريته وإبائها المجاشعي ل يعاودها ومنهققم مققن يتضققاعف‬
‫حبه وإرادته بالمنع ويشتد شوقه بكل ما منع وتحصل له مققن‬
‫اللذة بالظفر نظير مققا يحصقل مقن لققذة بقالظفر بالضقد بعققد‬
‫إمتناعه ونفاره واللذة بإدراك المسألة بعد إستصعابها وشققدة‬
‫الحققرص علققى إدراكهققا السققابع أنهققا طلبققت وأرادت وبققذلت‬
‫الجهد فكفته مؤنة الطلب وذل الرغبققة اليهققا بققل كققانت هققي‬
‫الراغبة الذليلة وهققو العزيققز المرغققوب إليققه الثققامن إنققه فققي‬
‫دارهققا وتحققت سققلطانها وقهرهققا المجاشققعي يخشققى إن لققم‬
‫يطاوعها من اذا هاله فاجتمع داعققي الرغبققة والرهبققة التاسققع‬
‫إنه ل يخشى أن تنمي عليه هي ول أحد من جهتها فإنهققا هققي‬
‫الطالبة والرغبة وقد غلقت البققواب وغيبققت الرقبققاء العاشققر‬
‫أنققه كققان مملوكققا لهققا فققي الققدار المجاشققعي يققدخل ويخققرج‬
‫ويحضر معها عليه وكان المن سابقا على الطلققب وهققو مققن‬
‫أقوى الدواعي كما قيل لمرأة شريفة من أشراف العرب ما‬
‫حملك على الزنا قالت قققرب الوسققاد وملققول السققواد تعنققي‬
‫قرب وساد الرجل من وسادتي وطول السققواد بيننققا الحققادي‬
‫عشر أنها استعانت عليه بأئمة المكر والحتيال فققأرته إيققاهن‬
‫وشكت حالها إليهن لتستعين بهققن عليققه فاسققتعان هققو بققالله‬
‫عليهن فقال وإل تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكققن مققن‬
‫الجاهلين الثاني عشر أنها تواعققدته بالسققجن والصققغار وهققذا‬
‫أنواع إكراه إذ هو تهديد ممن يغلب على الظن وقوع ما هققدد‬
‫به فيجتمع داعي الشهوة وداعي السلمة من ضققيق السققجن‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫والصغار الثالث عشر أن الزوج لم يظهر منه الغيرة والنخوة‬
‫ما راحم به بينهما ويبعد كل منهما عن صاحبه بققل كققان غايققة‬
‫ما خاطبهما بققه أن قققال ليوسققف أعققرض عققن هققذا وللمققرأة‬
‫إسققتغفري لققذنبك إنققك كنققت مققن الخققاطئين وشققدة الغيققرة‬
‫للرجل من أقوى الموانع وهنا لم يظهر منه غيققرة ومققع هققذه‬
‫لدواعي كلها فآثر مرضات الله وخوفه وحمله حبه للققه علققى‬
‫أن اختار السجن على الزنا فقال رب السجن أحب إلي ممققا‬
‫يدعونني إليه وعلم أنه ل يطيق صرف ذلققك عققن نفسققه وان‬
‫ربه تعالى لم يعصمه ويصرف عنه كيدهن صبا إليهققن بطبعققه‬
‫وكان من الجاهلين وهققذا مققن كمققال معرفتققه بربققه وبنفسققه‬
‫وفي هذه القصة من العبر والفققوائد والحكققم مققا يزيققد علققى‬
‫ألف فائدة لعلنا إن وفقنا الله أن نفردها في مصنف مستقل‬
‫فصل‬
‫والطائفة الثانية الذين حكى الله عنهم العشق هم اللوطية‬
‫كما قال تعالى وجاء أهل المدينة يستبشرون قال إن هؤلء‬
‫ضيفي فل تفضحون واتقوا الله ول تخزون قالوا ألم ننهك‬
‫عن العالمين قال هؤلء بناتي إن كنتم فاعلين لعمرك إنهم‬
‫لفي سكرتهم يعمهون فهذه عشقة فحكاه سبحانه عن‬
‫طائفتين عشق كل منهما ما حرم عليه من الصور ولم يبال‬
‫بما في عشقه من الضرر وهذا داء أعي الطباء دواؤه وعز‬
‫عليهم شفاؤه وهو والله الداء العضال والسم القتال الذي ما‬
‫علق بقلب إل وعز على الورى إستنقاذه من إسارة ول‬
‫اشتعلت نار في مهجة إل وصعب على الخلق تخليصها من‬
‫ناره وهو أقسام وهو تارة يكون كفر لمن إتخذ معشوقه ندا‬
‫يحبه كما يحب الله فكيف إذا كانت محبته أعظم من محبة‬
‫الله في قلبه فهذا عشق ل يغفر لصاحبه فإنه من أعظم‬
‫الشرك والله ل يغفر أن يشرك به وإنما يغفر بالتوبة الماحية‬
‫ما دون ذلك وعلمة هذا العشق الشركي الكفرى أن يقدم‬
‫العاشق رضاء معشوقه على رضاء ربه وإذا تعارض عنده‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫حق معشوقه وحقه وحق ربه وطاعته قدم حق معشوقه‬
‫على حق ربه وآثر رضاه على رضاه وبذل لمعشوقه أنفس‬
‫ما يقدر عليه وبذل لربه إن بذل أردى ما عنده واستفرغ‬
‫وسعه في مرضات معشوقه وطاعته والتقرب إليه وجعل‬
‫لربه إن أطاعه الفضلة التي تفضل عن معشوقه من ساعاته‬
‫فتأمل حال أكثر عشاق الصور الشياطين تحدها مطابقة‬
‫لذلك ثم ضع حالهم في كفة وتوحيدهم في كفة وإيمانهم‬
‫في كفة ثم زن وزنا يرضي الله ورسوله ويطابق العدل‬
‫وربم صرح العاشق منهم بأن وصل معشوقه أحب إليه من‬
‫توحيد ربه كما قال العاشق الخبيث يترشفن من فمي‬
‫رشفات * هن أحلى فيه من التوحيد‬
‫وكما صرح الخبيث الخر بأن وصل معشوقه أشهى إليه مققن‬
‫رحمة ربه فعياذا بك اللهم من هذا الخذلن ومن هققذا الحققال‬
‫قال الشاعر‬
‫وصلك أشهى إلى فؤادي * من رحمة الخالق الجليل‬
‫ول ريققب أن هققذا العشققق مققن أعظققم الشققرك وكققثير مققن‬
‫العشاق يصرح بأنه لم يبق في قلبققه موضقع لغيققر معشققوقه‬
‫البتة بل قد ملك معشوقه عليه قلبه كله فصار عبققدا مخلصققا‬
‫من كل وجه لمعشوقه فقد رضققي هققذا مققن عبوديققة الخققالق‬
‫جل جللققه بعبوديققة المخلققوق مثلققه فققإن العبوديققة أي كمققال‬
‫الحب والخضوع وهذا قد استغرق قوة حبققه وخضققوعه وذلققه‬
‫لمعشوقه فقد أعطاه حقيقة العبودية ول نسبة بيققن مفسققدة‬
‫هذا المر العظيققم ومفسققدة الفاحشققة فققإن تلققك ذنققب كققبير‬
‫لفاعله حكمققه حكققم أمثققاله ومفسققدة هققذا العشققق مفسققدة‬
‫الشرك وكان بعض الشققيوخ مققن العققارفين يقققول لئن أبتلققى‬
‫بالفاحشققة مققع تلققك الصققورة أحققب إلققى مققن أن أبتلققى فيهققا‬
‫بعشق يتعبد لها قلبي ويشغله عن الله‬
‫الجواب الكافي ‪17‬‬
‫فصل‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫ودواء هذا الداء القتققال أن يعققرف إنمققا إبتلققى بققه مققن الققداء‬
‫المضاد للتوحيد أول ثم يأتي من العبادات الظاهرة والباطنققة‬
‫بم يشغل قلبه عن دوام الفكققر فيققه ويكققثر اللجققاء والتضققرع‬
‫الى الله سبحانه في صرف ذلك عنققه وأن يرجققع بقلبققه إليققه‬
‫وليس له دواء أنفع من الخلص لله وهو الدواء الققذي ذكققره‬
‫الله في كتابه حيث قال كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء‬
‫إنقه مقن عبادنقا المخلصقين وأخقبر سقبحانه أنقه صقرف عنقه‬
‫السوء من العشق والفحشاء من الفعل بإخلصه فإن القلققب‬
‫إذا خلص وأخلص عمله لله لم يتمكن منه عشق الصور فققإنه‬
‫إنما تمكققن مققن قلققب فققارغ كمققا قققال أتققاني هواهققا قبققل أن‬
‫أعرف الهوى * فصادف قلبا خاليا فتمكنا وليعلققم العاقققل أن‬
‫العقل والشرع قد يوجبان تحصيل المصالح وتكميلها وإعققدام‬
‫المفاسد وتقليلها فإذا عرض للعاقل أمر يرى فيققه المصققلحة‬
‫والمفسققدة وجققب عليققه أمققران أمققر علمققي وأمققر عملققي‬
‫فققالعلمي طلققب معرفققة الراجققح مققن طرفققي المصققلحة‬
‫والمفسدة فإذا تبين له الرجحان وجب عليه إتيان الصلح لققه‬
‫ومن المعلوم أنه ليس في عشققق الصققور مصققلحة دينيققة ول‬
‫دنيوية بل مفسدته الدينية والدنيوية أضعاف أضعاف ما يقدر‬
‫فيه من المصققلحة وذلققك مققن وجققوه أحققدها الشققتغال بققذكر‬
‫المخلوق وحبه عن حب الرب تعققالى وذكققره فل يجتمققع فققي‬
‫القلب هذا وهذا إل ويقهر أحدهما صققاحبه ويكققون السققلطان‬
‫والغلبة له الثاني عذاب قلبه بمعشوقه فإن مققن أحققب شققيئا‬
‫غير الله عذب به ول بد كما قيل فما في الرض أشقققى مققن‬
‫محب * وإن وجد الهوى حلو المذاق تراه باكيا في كققل حيققن‬
‫* مخافققة فرقققة أو لشققتياق فيبكققي إن نققاؤا شققوقا إليهققم *‬
‫ويبكي إن دنققو خققوف الفققراق فتسققخن عينققه عنققد الفققراق *‬
‫وتسخن عينه عند التلق والعشق وإن استلذ به صققاحبه فهققو‬
‫من أعظم عذاب القلب الثالث أن العاشققق قلبققه أسققير فققي‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫قبضة معشوقه يسومه الهوان ولكن لسكرة العشق ل يشعر‬
‫بمصابه فقلبه كالعصفورة‬
‫في كف الطفل يسومها حياض الردى والطفقل يلهققو ويلعققب‬
‫فيعيش العاشق عيش السير الموثق ويعيققش الخلققي عيققش‬
‫المسيب المطلق والعاشق كما قيل طليق برأي العيققن وهققو‬
‫أسير * عليل على قطب الهلك يدور وميت يرى في صققورة‬
‫الحي غاديا * وليس له حتى النشور نشور أخو غمرات ضققاع‬
‫فيهن قلبه * فليس له حتى الممات حضور الرابع أنه يشتغل‬
‫به عن مصالح دينه ودنياه فليس شيء أضيع لمصققالح الققدين‬
‫والدنيا من عشق الصور أما مصالح الدين فإنهقا منوطقة بلقم‬
‫شعث القلب وإقباله على اللققه وعشققق الصققور أعظققم شققيئا‬
‫تشعيثا وتشتيتا له وأما مصالح الدنيا فهي تابعة في الحقيقققة‬
‫لمصالح الدين فمن انفرطت عليه مصالح دينه وضاعت عليه‬
‫فمصالح دنياه أضيع وأضيع الخامس أن آفات الققدنيا والخققرة‬
‫أسرع إلى عشاق الصور من النار في يابس الحطب وسققبب‬
‫ذلك إن القلب كلما قرب من العشق قوى اتصاله به بعد من‬
‫الله فأبعد القلوب مققن اللققه قلققوب عشققاق الصققور وإذا بعققد‬
‫القلب من الله طرقته الفات من كل ناحيققة فققإن الشققيطان‬
‫يتوله من توله عدوه واستولى عليه لم يأله وبققال ولققم يققدع‬
‫أذى يمكنه إيصاله إليه إل أوصله فما الظن مققن قلققب تمكققن‬
‫منه عدوه وأحرص الخلق على عيبه وفساده وبعده من وليه‬
‫ومققن ل سققعادة لققه ول فلح ول سققرور إل بقربققه ول وليتققه‬
‫السادس أنه إذا تمكن من القلب واسققتحكم وقققوى سققلطانه‬
‫أفسققد الققذهن وأحققدث الوسققاوس وربمققا التحققق صققاحبه‬
‫بالمجققانين الققذين فسققدت عقققولهم فل ينتفعققون بققه وأخبققار‬
‫العشاق في ذلك موجودة فققي مواضققعها بققل بعضققها يشققاهد‬
‫بالعيان وأشرف ما في النسان عقله وبققه يتميققز عققن سققائر‬
‫راجعا فإذا عققدم عقلققه التحققق بالبهققائم بققل ربمققا كققان حققال‬
‫الحيققوان أصققلح مققن حققاله وهققل أذهققب عقققل مجنققون ليلققى‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫وأضرابه إل العشق وربما زاد جنونه علققى جنققون غيققره كمققا‬
‫قيل‬
‫قالوا جننت بمن تهوى فقلت لهم * العشق أعظم مما‬
‫بالمجانين‬
‫العشق ل يستفيق الدهر صاحبه * وإنما يصرع المجنون‬
‫بالحين‬
‫السابع أنه ربما أفسد الحواس أو نقصها إما فسادامعنويا أو‬
‫صققوريا أمققا الفسققاد المعنققوي فهققو تققابع لفسققاد القلققب فقإن‬
‫القلب إذا فسد فسدت العين والذن واللسققان فيققرى القبيققح‬
‫حسنا منققه ومققن معشققوقه كمققا فققي المسققند مرفوعققا حبققك‬
‫الشيء يعمي ويصم فهو يعمي عين القلب عن رؤية مساوي‬
‫المحبققوب وعيققوبه فل تققرى العيققن ذلققك ويصققم أذنققه عققن‬
‫الصغاء الى العذل فيه فل تسمع الذن ذلك والرغبات تسققتر‬
‫العيوب فإن الراغب في شيء ل يرى عيققوبه حققتى إذ زالققت‬
‫رغبته فيه أبصر عيققوبه فشققدت الرغبققة غشققاوة علققى العيققن‬
‫تمنع من رؤية الشيء على ما هو عليققه كمققا قيققل هويتققك إذ‬
‫عينى عليهققا غشققاوة * فلمققا انجلققت قطعققت نفسققي ألومهققا‬
‫والداخل في الشيء ل يققرى عيققوبه والخققارج منققه الققذي لققم‬
‫يدخل فيه ل يرى عيوبه ول يرى عيوبه إل من دخققل فيققه ثققم‬
‫خرج منه ولهذا كان الصحابة الذين دخلققوا فققي السققلم بعققد‬
‫الكفققر خيققر مققن الققذين ولققدوا فققي السققلم قققال عمققر بققن‬
‫الخطاب رضي اللقه عنقه إنمقا ينتققض عقرى السقلم عقروة‬
‫عروة إذا ولد في السلم من ل يعرف الجاهلية وأما فسققاده‬
‫للحواس ظاهرا فإنه يمققرض البققدن وينهكققه وربمققا أدى الققى‬
‫تلفه كما هو المعروف في أخبار من قتله العشققق وقققد رفققع‬
‫الى ابن عباس وهو بعرفة شاب قققد انتحققل حققتى عققاد جلققدا‬
‫على عظم فقال ما شأن كما تقدم هو الفراط فققي المحبققة‬
‫المجاشعي يستولي المعشوق على القلب من العاشق حققتى‬
‫ل ولو من تخيله وذكره والفكر فيه المجاشعي ل يغيققب عققن‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫خاطره وذهنه فعند ذلك تشتغل النفس بالخواطر النفسققانية‬
‫فتتعطل تلك القوى فيحدث بتعطيلها من الفات على البققدن‬
‫والققروح مققا يضققر دواؤه ويتعققذر أفعققاله وصققفاته ومقاصققده‬
‫ويختل جميع ذلك فتعجز البشر عن صققلحه كمققا قيققل الحققب‬
‫أول ما يكققون لجاجققة * يققأتى بهققا وتسققوقه القققدار حققتى إذا‬
‫خاض الفتى لجج الهوي * جاءت أمور ل تطاق كبار والعشقق‬
‫مباديه سهلة حلوة وأوسطه هم وشغل قلققب وسقققم وآخققره‬
‫عطب وقتل إن لم يتداركه عناية مققن اللققه كمققا قيققل وعققش‬
‫خاليا فالحب أوله عنققا * وأوسققطه سقققم وقققال آخققر * تولققع‬
‫بالعشق حتى عشق فلمققا اسققتقل بققه لققم يطققق * رأى لجققة‬
‫ظنها موجة * فلما تمكن منها غرق‬
‫والذنب له فهو الجققاني علققى نفسققه وقققد قعققد تحققت المثققل‬
‫السائر يداك أو كياوفوك نفخ‬
‫فصل‬
‫والعاشق له ثلث مقامات مقام ابتداء ومقام توسط ومقققام‬
‫انتهاء فأما مقام ابتدائه فالواجب عليه مدافعته بكل ما يقققدر‬
‫عليه إذا كان الوصول الى معشوقه متعذرا قدرا وشرعا فإن‬
‫عجز عن ذلك وأبى قلبه إل السفر الى محبققوبه وهققذا مقققام‬
‫التوسط والنتهاء فعليه كتمانه ذلك وأن ل يفشيه الى الخلق‬
‫ول يشمت بمحبوبه ول يهتكه بين الناس فيجمققع بيققن الظلققم‬
‫والشرك فإن الظلم في هذا الباب من أعظققم أنققواع الظلققم‬
‫وربما كان أعظم ضررا على المعشوق وأهله من ظلمه فإنه‬
‫يعرض المعشوق بهتكه فققي عشقققه الققى وقققوع النققاس فيققه‬
‫وانقسامهم الى مصدق ومكذب وأكثر الناس يصدق في هققذا‬
‫الباب بأدنى شبهة وإذا قيل فلن فعققل بفلن أو بفلنققه كققذبه‬
‫واحد وصدقه تسعمائة وتسعة وتسعين وخبر العاشق للهتققك‬
‫عن المتهتك عند الناس في هذا الباب يفيد القطع اليقين بل‬
‫إذا أخبرهم المفعول به عن نفسه كققذبا وافققتراء علققى غيققره‬
‫جزموا بصدقة جزما ل يحتمل النفيض بل لققو جمعهمققا مكانققا‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫واحدا إتفاقا جزموا أن ذلك عن وعد وإتفاق بينهما وجزمهققم‬
‫في هقذا البقاب علقى الظنقون والتخييقل والشقبهة والوهقام‬
‫والخبار الكاذبة كجزمهم بالحسققيات المشققاهدة وبقذلك وقققع‬
‫أهل لفك في الطيبة المطيبة حبيبة رسول اللققه صققلى اللققه‬
‫عليه وسلم المبرأة من فققوق سققبع سققموات بشققبهة مجيققء‬
‫صفوان بن المعطل بها وحده خلف العسكر حققتى هلققك مققن‬
‫هلك ولول أن تولى الله سبحانه براءتها والذب عنها وتكققذيب‬
‫قاذفها لكان أمرا آخر والمقصودان في إظهار المبتلى عشق‬
‫من ل يحل له التصال به من ظلمه وأذاه ما هو عدوان عليه‬
‫وعلى أهله وتعريض لتصديق كثير مققن النققاس ظنققونهم فيققه‬
‫فإن استعان عليه ممن يستميله إليه إما برغبة أو رهبة تعدى‬
‫الظلم وانتشر وصار ذلك الواسطة بين الراشققي والمرتشققي‬
‫وصار ذلك الواسطة ظالم وإذا كققان النققبي صققلى اللققه عليققه‬
‫وسققلم قققد لعققن الققرائش وهققو الواسققطة ديوثققا ظالمققا بيققن‬
‫الراشي أو المرتشققي ليصققال الرشقوة فمقا الظققن بالققديوث‬
‫الواسققطة بيققن العاشققق والمعشققوق فققي الوصققلة المحرمققة‬
‫فيتساعد العاشق على ظلم المعشوق وغيققره ممققن يتوقققف‬
‫حصول غرضهما على ظلمه في نفس ومققال أو عققرض فققإن‬
‫كثيرا ما يتوقف حصول المطلوب غرضه نفس يكققون حياتهققا‬
‫مانعة من غرضه وكم قتيل طل دمقه بهقذا السقبب مقن زوج‬
‫وسيد قريب وكم خبثت امرأة على بعلها وجارية وعبققد علققى‬
‫سيدهما وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم من فعل‬
‫ذلك وتبرأ منه وهو من أكبر الكبائر وإذا كان النبي صلى الله‬
‫عليه وسلم قد نهى أن يخطب الرجل على خطبة أخيققه وأن‬
‫يستام على سومه فكيققف بمققن يسققعى بقالتفريق بينققه وبيققن‬
‫امرأته وأمته حتى يتصل بهما وعشققاق الصققور ومسققاعدوهم‬
‫من الديثة ل يرون ذلك ذنبا فققإن فققي طلققب العاشققق وصققل‬
‫معشوقه ومشاركة الزوج والسيد ففققي ذلققك مققن إثققم ظلققم‬
‫الغير ما لعله ل يقصر عن إثم الفاحشة إن لم يربو عليهققا ول‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫يسقققط حققق الغيققر بالتوبققة مققن الفاحشققة فققإن التوبققة وإن‬
‫أسقطت حق الله فحق العبد باق له المطالبة به يوم القيامة‬
‫فإن من ظلم الوالد بإفساد ولده وفلذة كبده ومققن هققو أعققز‬
‫عليه من نفسه وظلم الققزوج بإفسققاد حققبيبته والجنايققة علققى‬
‫فراشه أعظم من ظلمه كله ولهققذا يققؤذيه ذلققك أعظققم ممققا‬
‫يؤذيه ول يعدل ذلك عنققده إل سققفك دمققه فيققا لققه مققن ظلققم‬
‫أعظم إثما من فعل الفاحشة فققإن كققل ذلققك حقققا لغققاز فققي‬
‫سبيل الله وقف له الجاني الفاعل يوم القيامة وقيل لققه خققذ‬
‫من حسناته ما شئت كما أخبر بذلك النققبي صققلى اللققه عليققه‬
‫وسلم ثم ققال صققلى اللققه عليققه وسققلم فمققا ظنكققم أي فمققا‬
‫تظنون تبقى له من حسناته فإن إنضاف الي ذلققك أن يكققون‬
‫المظلوم جققارا أو ذا رحققم محققرم تعققدد الظلققم وصققار ظلمققا‬
‫مؤكدا لقطيعة الرحم وأذي الجار ول يدخل الجنة قاطع رحم‬
‫ول من ل يأمن جاره‬
‫بوائقه فإن استعان العاشق على وصال معشققوقه بشققياطين‬
‫علمني إما بسحر أو استخدام أو نحو ذلك ضم الى الشققرك‬
‫والظلم كفر السحر فإن لم يفعله هو ورضي به كققان راضققيا‬
‫بالكفر غير كققاره لحصققول مقصققوده وهققذا ليققس ببعيققد مققن‬
‫الكفر والمقصود أن التعاون في هذا الباب تعاون على الثققم‬
‫والعدوان وأما ما يقترن بحصول غرض العاشققق مققن الظلققم‬
‫المنتشر المتعدي ل يخفى فقإنه إذا حصقل لقه مقصقوده مقن‬
‫المعشوق فللمعشوق أمققور أخققر يريققد مققن العاشققق إعققانته‬
‫عليها فل يجد من إعانته بققدا فيبقققى كققل منهمققا يعيققن الخققر‬
‫على الظلم والعدوان‬
‫فالمعشوق يعين العاشق على ظلم من اتصل بققه مققن أهلققه‬
‫وأقاربه وسيده وزوجه والعاشق يعين المعشوق علققى ظلققم‬
‫من يكون غرض المعشوق متوقفا علققى ظلمققه فكققل منهمققا‬
‫يعيققن الخققر علققى أغراضققه الققتي يكققون فيهققا ظلققم النققاس‬
‫فيحصل العدوان والظلم للناس بسبب اشتراكهما في القبققح‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫لتعاونهما بذلك على الظلم وكما جرت به العادة بين العشاق‬
‫والمعشوقين من إعانة العاشق لمعشوقه على ما فيه ظلققم‬
‫وعدوان وبغي حتى ربما يسعى له في منصب ل يليق بققه ول‬
‫يصلح لمثله في تحصيل مال مققن غيققر حلققه وفققي اسققتطالته‬
‫على غيره فإذا اختصم معشوقه وغيره أو تشاكيا لم يكققن إل‬
‫في جانب المعشوق ظالما كان أو مظلوما هذا الى ما ينضم‬
‫الى ذلك من ظلم العاشق للناس بالتحيل على أخذ أمققوالهم‬
‫والتوصل بهما الققى معشققوقه بسققرقة أو غصققب أو خيانققة أو‬
‫يمين كاذبة أو قطع طريق ونحو ذلك وربما أدى ذلك النفققس‬
‫التي حرم الله ليتوصل به الققى معشققوقه فكققل هققذه الفققات‬
‫وأضعافها وأضعاف أضعافها تنشققأ مققن عشققق الصققور وربمققا‬
‫حمله على الكفر الصريح وقد ننصر جماعققة ممققن نشققأ فققي‬
‫السلم بسبب العشق كما جرى لبعض المؤذنين حين أبصققر‬
‫وهو على سطح مسجد امرأة جميلة ففتن بهققا فنققزل ودخققل‬
‫عليها وسألها نفسققها فققالت هققي نصققرانية فقإن دخلقت فقي‬
‫ديني تزوجت بك ففعل فرقققي فققي ذلققك اليققوم علققى درجققة‬
‫عندهم فسقط منها فمققات ذكققر هققذا عبققد الحققق فققي كتققاب‬
‫العاقبة له وإذا أراد النصارى أن ينصققروا السققير أروه امققرأة‬
‫جميلة وأمروها أن تطمعه في نفسققها حققثى إذا تمكققن حبهققا‬
‫من قلبه بذلت له نفسها إن دخل في دينها فهنالك يثبت الله‬
‫الذين آمنوا بققالقول الثققابت فققي الحيققاة الققدنيا وفققي الخققرة‬
‫ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء وفققي العشققق مققن‬
‫ظلم كل واحد من العاشق والمعشوق لصاحبه لمعققاونته لققه‬
‫علققى الفاحشققة وظلمققه لنفسققه فكققل منهمققا ظققالم لنفسققه‬
‫وصاحبه وظلمهما متعد الى الغير كما تقدم وأعظم من ذلققك‬
‫ظلمهمققا بالشققرك فقققد تضققمن العشققق أنققواع الظلققم كلهققا‬
‫والمعشوق إذا ! لققم يتققق اللققه فققإنه يعققرض العاشققق للتلققف‬
‫وذلك ظلم منه بأن يطمعه في نفسه ويققتزين لققه ويسققتميله‬
‫بكل طريق حتى‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫يستخرج ونفعه ول يمكنه من نفسه لئل يزول غرضققه بقضققاء‬
‫وطره منه فهققو يسققومه سققوء العققذاب والعاشققق معشققوقه‬
‫ليشفي نفسققه منققه ول سققيما إذا جققاد بالوصققال لغيققره وكققم‬
‫للعشق من قتيل من الجانبين وكم قد زال من نعمققة وأفقققر‬
‫من غني وأسقط من مرتبة وشتت من شمل وكم أفسد من‬
‫أهل للرجل وولد فققإن المققرأة إذا رأت بعلهققا عاشقققا لغيرهققا‬
‫اتخذت هي معشوقا لنفسها فيصير الرجل مترددا بين خراب‬
‫بيته بالطلق وبين القيادة فمن الناس مققن يققؤثر هققذا ومنهققم‬
‫من يؤثر هذا فعلى العاقل أن يحكم على نفسققه سققد عشققق‬
‫الصور لئل يؤذيه ويؤديه ذلك الى الهلك يبك هققذه المفاسققد‬
‫وأكثرهققا أو بعضققها فمققن فعققل ذلققك فهققو المفققرط بنفسققه‬
‫والمغرر بها فإذا هلكت فهو الذي أهلكها فلول تكراره النظققر‬
‫الى وجه معشوقه وطمعه في وصاله لم يتمكن عشقققه مققن‬
‫قلبه فإن أول أسباب العشققق الستحسققان سققواء تولققد عققن‬
‫نظققر أو سققماع فققإن لققم يقققارنه طمققع فققي الوصققال وقققارنه‬
‫الياس من ذلك لم يحدث له العشق فإن إقققترن بققه الطمققع‬
‫فصرفه عن فكره ولم يشغل قلبه به لم يحدث له ذلك فققإن‬
‫أطاع مع ذلك الفكر في محاسن المعشوق وقارنه خوف مققا‬
‫هو أكبر عنده من لذة وصاله إمققا خققوف دينققي كخققوف النققار‬
‫وغضب الجبار واجتناب الوزار وغلب هذا الخوف علققى ذلققك‬
‫الطمع والفكر لم يحدث له‬
‫العشق فإن فاته هذا الخققوف وقققارنه خققوف دنيققوي كخققوف‬
‫إتلف نفسه وماله وذهاب جاهه وسقوط مرتبته عند الناس‬
‫وسقوطه من عين من يعز عليه وغلب هققذا الخققوف لققداعي‬
‫العشق دفعه وكذلك إذا خاف من فققوات محبققوب هققو أحققب‬
‫إليه وأنفع له من ذلققك المعشققوق وقققدم محبتققه علققى محبققة‬
‫المعشوق إندفع عنه العشق فانتفاه ذلك كله أو غلبت محبققة‬
‫المعشققوق لققذلك إنجققذب إليققه القلققب بالكليققة ومققالت إليققه‬
‫النفس كل الميل فإن قيل قد ذكرتم آفات العشق ومضققاره‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫ومفاسده فهل ذكرتم منافعه وفوائده التي مققن جملتهققا رقققة‬
‫الطبع وترويح النفس وخفتها وزوال تلفهققا ورياضققتها وحملهققا‬
‫على مكارم الخلق من الشققجاعة والكققرم والمققروءة ورقققة‬
‫الحاشية ولطف الجانب وقد قيل ليحيى بن معقاذ القرازي إن‬
‫إبنك قد عشق فلنة فقال الحمد لله الذي صيره الققى الطبققع‬
‫الدمي وقال بعضقهم العشقق داء أفئدة الكقرام وققال غيقره‬
‫العشق ل يصلح إل لققذي مققروءة طققاهرة وخليقققة ظققاهرة أو‬
‫لذي لسان فاضل وإحسان كامل أو لذي أدب بققارع وحسققب‬
‫ناصع وقال آخر العشققق حنققان الجبققان ويصققفي ذهققن الغققبي‬
‫ويسققخي كققف البخيققل ويققذل عققزة الملققوك ويسققكن نققوافر‬
‫الخلق وهو أنيس من ل أنيس له وجليس مققن ل جليققس لققه‬
‫وقال آخر العشق يزيل الثقال ويلطف الققروح ويصققفي كققدر‬
‫القلب ويوجب الرتياح لفعال الكرام كمققا قيققل سقيهلك فقي‬
‫الدنيا شفيق عليكم * إذا غاله من حادث الحققب غققائله كريققم‬
‫يميت السر حتى كأنه * إذا استفهموه عن حديثك جاهله يققود‬
‫بأن يمسي سقيما لعلها * إذا سقمعت عنقه بشقكوى تراسقله‬
‫ويهتز للمعروف في طلققب العلققى * لتحمققد يومققا عنققد ليلققى‬
‫شققمائله فالعشققق يحمققل علققى مكققارم الخلق وقققال بعققض‬
‫الحكمققاء العشققق يققروض النفققس ويهققذب الخلق إظهققاره‬
‫طبعي وإضققماره تكلفققي وقققال الخققر مققن لققم تبتهققج نفسققه‬
‫بالصوت الشجي والوجه البهي فهو فاسد المزاج يحتاج الققى‬
‫علج وأنشد في ذلك المعنى لم تعشق ولم تدر مققا الهققوى *‬
‫فما لك في طيب الحياة نصيب وقال الخر * لم تعشق ولققم‬
‫تدر ما الهوى فقم واعتلف تبنا فأنت حمار *وقققال الخققر لققم‬
‫تعشق ولم تدرى ما الهوى * فكن حجرا مققن يققابس الصققخر‬
‫جلمققدا وقققال بعققد العشققاق أولققي العفققة والصققيانة إذ عفققوا‬
‫تشرفوا وإذا عشقوا تظرفوا وقيل لبعققض العشققاق مققا كنققت‬
‫تصنع بمن تهوى بققه فقققال كنققت أمتققع طرفققي بققوجهه وأروح‬
‫قلبي بذكره وحديثه واستر منققه مققال أحققب كشققفه ول أصققير‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫بقبح الفعل الى ما ينقض عهده ثم أنشد أخلو به فأعف عنققه‬
‫تكرما * خوف الديانة لست من عشاقه كالماء في يد صققائم‬
‫يلتذ به * ظمأ فيصبر عن لذيذ مققذاقه وقققال أبققو اسققحق بققن‬
‫ابراهيم أرواح العشاق عطرة لطيفة وأبدانهم رقيقققة خفيفققة‬
‫نزهتهم الموانسة وكلمهم يحيقي مقوات القلقوب ويزيقد فقي‬
‫العقول ولول العشق والهققوى لبطققل نعيققم الققدنيا وققال آخققر‬
‫العشق للرواح بمنزلة الغققذاء للبققدان أن تركتققه ضققرك وإن‬
‫أكثرت منه قتلك وفي ذلك قيل خليلي إن الحب فيققه لققذاذة‬
‫* وفيه شقاء دائم وكروب على ذاك ما عيش يطيب بغيره *‬
‫ول عيش إل بالحبيب يطيب ول خير في الدنيا بغيققر صققبابة *‬
‫ول في نعيم ليس فيه حبيب وذكر الخرائطي عن أبي غسان‬
‫قال مر أبو بكر الصديق رضي الله عنققه بجاريققة وهققي تقققول‬
‫وهويته من قبل قطع تمائمي * متمايل مثل القضققيب النققاعم‬
‫فسألها أم مملوكة قالت بققل مملوكققة فقققال تهققوين فتلكققأت‬
‫فأقسم عليها فقالت وأنا التي لعب الهققوى بفؤادهققا * قتلققت‬
‫بحب محمد بن القاسم فاشتراها من مولها وبعث بهققا الققى‬
‫محمد بن القاسم بن جعفر بن أبي طالب فقال هؤلء واللققه‬
‫فتن الرجال وكم والله قد مات بهن كريم وعطب بهن سليم‬
‫وجاءت جارية عثمان بن عفان رضي الله عنه تستدعي على‬
‫رجل من النصار قال لها عثمان مققا قصققتك قققالت كلفققت يققا‬
‫أمير المؤمنين بإبن أخيه فما انفك أداعبه فقال له عثمان إما‬
‫أن تهبها الى إبققن أخيقك أو أعطيققك ثمنهققا مققن مققالي فقققال‬
‫أشهدك يا أمير المؤمنين إنها له ونحن ل ننكر فساد العشققق‬
‫الذي يتعلق به فعققل الفاحشققة بالمعشققوق وإنمققا الكلم فققي‬
‫العشق العفيف من الرجققل الظريققف الققذي يققأبى لققه إيمققانه‬
‫ودينه وعفته ومروءته أن يفسققد مققابينه وبيققن اللققه ومققا بينققه‬
‫وبين معشوقة بالحرام وهذا عشققق السققلف الكققرام والئمققة‬
‫العلم فهذا عبد الله بن عبد الله بن عتبة بقن مسققعود أحقد‬
‫الفقهاء السبعة عشق حتى اشتهر أمره عليه وعد ظالما من‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫لمه ومن شعره كتمت الهوى حتى أضر بك الكتققم * ولمققك‬
‫أقوام ولومهم ظلم فنققم عليققك الكاشققحون وقبلهققم * عليققك‬
‫الهوى قد نم ما ينفع الكتم فأصبحت كالنمري إذ مات حسرة‬
‫* على أثر هندا وكمن شفه سقم تجنبت إتيان الحققبيب تأثمققا‬
‫* إل أن هجران الحبيب هو الثم فذق هجرها قد كنت تزعققم‬
‫أنه * رشاد ألياء ربما كذب الزعم وهذا عمر بن عبد العزيز‬
‫وعشقه لجارية فاطمة بنت عبد الملققك بققن مققروان وإمرأتققه‬
‫مشهورة وكانت جارية بارعة الجمال وكان معجبققا بهققا وكققان‬
‫يطلبها من إمرأته ويحرص على أن تههققاله فتققأبى ولققم تققزل‬
‫الجارية في نفس عمر فلما استخلف أمرت فاطمة بالجارية‬
‫فاصلحت وكانت مثل فققي حسققنها وجمالهققا ثققم دخلققت علققى‬
‫عمر وقالت يا أمير المؤمنين إنك كنت معجبا بجقاريتي فلنقة‬
‫فسألتنيها أن أهبها لك فأبيت عليك والن فقد طققابت نفسققي‬
‫لك بها فلما قالت له ذلققك اسققتبان الفققرح فققي وجهققه وقققال‬
‫عجلي فلما دخلت بها عليققه ازداد بققه عجبققا وقققال لهققا ألقققي‬
‫ثيابك ففعلت ثم قال لهققا علققى رسققلك أخققبريني لمققن كنققت‬
‫ومن أيققن صققرت لفاطمققة فقققالت أغققرم الحجققاج عققامل لققه‬
‫بالكوفة مال وكنت في رفيقة ذلك قالت فأخذني وبعققث بققي‬
‫الى عبد الملك فوهبني لفاطمة قال ومقا فعقل ذلقك العامقل‬
‫قالت هلك قال وهل ترك ولققدا قققالت نعققم قققال فمققا حققالهم‬
‫قالت سيئة قال شدي عليك ثيابققك واذهققبي الققى مكانققك ثققم‬
‫كتب الى عققامله علققى العققراق أن إبعققث الققي فلن بققن فلن‬
‫على البريد فلمقا ققدم ققال لققه ارفقع الققي جميقع مققا أغرمققه‬
‫الحجققاج لبيققك فلققم يرفققع إليققه شقيئا إل دفعققه إليققه ثققم أمققر‬
‫بالجارية فدفعت إليه ثم قال له إياك وإياها فلعققل أبققاك قققد‬
‫وقع بها فقال الغلم هي لك يا أميقر المقؤمنين ققال ل حاجقة‬
‫لي بها قال فابتعها مني قال لست إذا ممن نهى نفسققه عققن‬
‫الهوى فلما عزم الفتى على النصراف قالت أين وجدك بققي‬
‫يققا أميققر المققؤمنين قققال علققى حققاله ولقققد زادنققي ولققم تققزل‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫الجارية في نفس عمر حتى مات رحمه الله وهذا أبو بكر بن‬
‫محمد بن داود الظاهري العالم المشهور في فنون العلم من‬
‫الفقه والحديث والتفسير والدب ولقه ققول فقي الفققه وهقو‬
‫من أكابر العلماء وعشقه مشهور قال نفطققويه دخلققت عليققه‬
‫في مرضه الذي مات فيه فقلت كيف نجققدك قققال حققب مققن‬
‫تعلم أورثني ما ترى فقلت وما يمنعك من السققتمتاع بققه مققع‬
‫القدرة عليه فقال الستمتاع على وجهين أحدهما‬
‫)التكملة في الجزء التالي(‬
‫الجواب الكافي ‪18‬‬
‫النظر المباح والخر اللذة المحظورة فأما النظر المباح فهققو‬
‫الذي أورثني ما ترى وأما اللذة المحظورة يمنعنققي منهققا مقا‬
‫حدثني أبي حدثنا سويد بن سعيد بن مسققهر عققن أبققي يحيققى‬
‫القتات عن مجاهد عن ابن عباس رضققي اللققه عنهمققا يرفعققه‬
‫من عشق وكتم وعف وصبر غفر الله لققه وأدخلققه الجنققة ثققم‬
‫أنشد انظر الى السحر يجري من لواحظه * وانظر الى دعج‬
‫في طرفه الساج وانظر الى شعرات فوق عارضققه * كققأنهن‬
‫نمال دب في عاج ثم أنشد * ما لهم أنكروا سوادا بحديه ول‬
‫ينكرون ورد الغصون * إن يك عيب خده بدو لشعر * فعيققب‬
‫العيون شققعر الجفققون فقلققت لققه نفيققت القيققاس فققي الفقققه‬
‫وأثبته في الشققعر فقققال غلبققة الوجققد وملكققة الققوجه النفققس‬
‫دعت إليه ثم مات من ليلته وبسققبب معشققوقه صققنف كتققاب‬
‫الزهرة ومن كلمه فيه من ييأس بمن يهقواه ولقم يمقت مقن‬
‫وقته سله وذلك أن أول روعات الناس تأتي القلب وهو غير‬
‫مستعد لها فأما الثانية تأتي القلقب وققد وطقأت لهقا الروعقة‬
‫والتقى هو وأبو العباس بن شريح في مجلس أبي بن عيسى‬
‫الوزير فتناظرا في مسألة من اليلء قال له ابققن بققأن تقققول‬
‫من دامت لحظاته كثرت حسراته أحققذق منققك بققالكلم علققى‬
‫الفقققه فقققال الن كققان ذلققك فققإني أقققول أنققزه فققي روض‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫المحاسن مقلتي * وأمنع نفسي أن تنال محرما وأحمل مققن‬
‫ثقل الهقوى مقا لققو أنقه * يصقب علققى الصقخر الصققم تهققدما‬
‫وينطققق طرفققي عققن مققترجم خققاطري * فلققول إختلس وده‬
‫لتكلما رأيت الهوى دعوى من الناس كلهم * فلست أرى ودا‬
‫صحيحا مسلما فقال له أبو العباس بن شريح بققم ولقو شققئت‬
‫لقلت * مطققاعمه كالشقهد فقي نغمقاته ققد بققت أمنعققه لذيقذ‬
‫سققناته * بصققبابه وبحسققنه وحققديثه * وأنققزه اللحظققات عققن‬
‫وجنققاته حققتى إذا مققا الصققبح راح عمققوده * ولققي بخققاتم ربققه‬
‫وبراته فقال أبو بكر يحفظ عليه الوزير ما أقر به حققتى يقيققم‬
‫شاهدين على أنه ولي بخاتم ربه وبراءتققه فقققال ابققن شققريح‬
‫يلزمنققي فققي هققذا مققا يلزمققك فققي قولققك أنققزه فققي روض‬
‫المحاسقن مقلقتي * وأمنقع نفسقي أن تنقال محرمقا فضقحك‬
‫الوزير فقال لقققد جمعتمققا لطفققا وظرفققا ذكققر ذلققك أبققو بكققر‬
‫الخطيب في تاريخه وجاءته يوما فتيا مضمونها يا إبن داود يا‬
‫فقيه العراق * إفتنا في فواتر الحداق الشققياطين عليهققا بمققا‬
‫أتت من جناح * أم حلل لها دم العشاق فكتب تحت البيققتين‬
‫بخطققه * عنققدي جققواب سققائل العشققاق فاسققمعه مققن قققرح‬
‫الحشا مشتاق * لمققا سققئلت عققن الهققوى هيجتنققي * وأرقققت‬
‫دمعا لم يكن مهراق إن كان معشققوقا يعققذب عاشقققا * كققان‬
‫المعذب أنعققم العشققاق قققال صققاحب كتققاب منققازل الحبققاب‬
‫شهاب الدين محمود بقن سقليمان بققن مهققدي صققاحب كتققاب‬
‫النشاء وقلت في جواب البيتين على قافيتهما مجيبا للسائل‬
‫قل لمن جاء سائل عن لحاظ * هن يلعبن في دم العشاق ما‬
‫على السققيف فققي العققدا مققن جنققاح * أن ثنققي الخققد عققن دم‬
‫مهراق وسيوف اللحاظ أولى بأن * تصققفح عمققا جنققت علققى‬
‫العشاق إنما كل شهيد * ولهذا يفني فنا وهو باق ونظير ذلك‬
‫فتوى وردت على الشققيخ أبققي الخطققاب محفققوظ بققن أحمققد‬
‫الكلوذاني شيخ الحنابلة في وقته رحمه الله قل للمققام أبققي‬
‫الخطاب مسألة * جاءت إليك وما أخال سواك لها ماذا علقى‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫رجققل رام الصققلة فمققذ * لحققت مخققاطرة ذات الجمققال لهققا‬
‫فأجابه تحت سؤاله * قل للديب الذي وافى بمسققألة سققرت‬
‫فؤادي لما أن أصخت لها * إن الذي فتنته عققن عبققادة ربققه *‬
‫فريدة ذات حسن فانثنى ولها إن تاب ثم قضا عنه عبادة ربه‬
‫* فرحمة لله تغشى من عصى ولها وقال عبد الله بن معمققر‬
‫القيسي حججت سنة ثم دخلت مسققجد المدينققة لزيققارة قققبر‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم فبينما أنا جققالس ذات ليلققة بيققن‬
‫القبر والمنبر إذا سمعت أنينا فأصققغيت إليققه فققإذا هققو يقققول‬
‫أشجاك نوح حمائم السدر * فأهجن منك بلبل الصدر أم عز‬
‫نومك ذكر غانية * أهدت إليك وساوس الفكر يا ليلققة طققالت‬
‫على دنف * يشكو السهاد وقلققة الصققبر أسققلمت مققن تهققوى‬
‫لحر جوى * متوقد كتوقد الجمر فالبدر يشهد ومعناه كلققف *‬
‫مغرم بحب شبيهة البدر ما كنت أحسبني أهيم بحبها * حققتى‬
‫بليت وكنت ل أدري ثم انقطع الصوت فلم أدر من أيققن جققاء‬
‫وإذا به قد عاد البكاء والنين ثم أنشد يقول أشجاك من ريققا‬
‫خيققال زائر * والليققل مسققود الققذوائب عققاكر واعتققاد مهجتققك‬
‫الهوى برشيشة * وأهتققاج مقلتققك الخيققال الققزائر نققاديت ريققا‬
‫والظلم كأنه * يم تلطم فيه موج زاخققر والبققدر يسققري فققي‬
‫السماء كأنه * ملك ترجل والنجوم عساكر وترى به الجققوزاء‬
‫ترقص في الدجى * رقص الحبيب عله سكر طققاهر يققا ليققل‬
‫طلت على * إل الصباح مساعد وموازر فأجققابني مققت حتققف‬
‫أنفك واعلمن * إن الهققوى لهققو الهققوان الحاضققر قققال وكنققت‬
‫ذهبت عند ابتدائه بالبيات فلم يتنبه إل وأنا عنده فرأيت شابا‬
‫مقتبل شبابه قد خرق الدمع في خده خرقين فسققلمت عليققه‬
‫فقال إجلس فقلت عبققد اللققه بققن معمققر القيسققي قققال ألققك‬
‫حاجة قلققت نعققم كنققت جالسققا فققي الروضققة فمققا راعنققي إل‬
‫صوتك فبنفسي أفديك فمقا القذي تجقده فققال أنقا عتبقة بقن‬
‫الحباب بن المنقذر بقن الجمقوح النصقاري غقدوت يومقا القى‬
‫مسجد الحزاب فصليت فيه ثم اعتزلت غير بعيد فإذا بنسوة‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫قد أقبلن يتهادين مثل القطا وإذا في وسطهن جاريققة بديعققة‬
‫الجمال كاملة الملحة وقالت يا عتبة ما تقول في وصل من‬
‫يطلب وصلك ثم تركتني وذهبققت فلققم أسققمع لهققا خققبرا ولققم‬
‫أقف لها على أثر فأنا حيران أنتقل من مكان القى مكقان ثققم‬
‫انصرع وأكب مغشققيا عليققه ثققم أفققاق كأنمققا أصققبغت وجنتققاه‬
‫بورس ثم أنشد يقول أراكم بقلققبي مققن بلد بعيققدة * فياهققل‬
‫تروني بالفؤاد على بعدي فؤادي وطرفققي ناسققفان عليكققم *‬
‫وعندكم روحي وذكركم عندي ولست ألذ العيش حتى أراكققم‬
‫* ولو كنت في الفردوس جنة الخلد فقلت يا إبققن أخققي تققب‬
‫الى ربك واستغفره من ذنبك فبين يديك هول المطلقع فقققال‬
‫ما أنا بسائل حتى يذوب العارضان فلم أزل معه حتى طلع‬
‫الصباح فقلت قققم بنققا الققى مسققجد الحققزاب فلعققل اللققه أن‬
‫يكشف كربتك فقال أرجوا ذلك إن شاء اللققه ببركققة طاعتققك‬
‫فذهبنا حتى أتينا مسجد الحزاب فسققمعته يقققول يققا للرجققال‬
‫ليوم الربعاء أما * ينفك يحدث لققي بعققد النهققار طربققا مققا إن‬
‫يزال غزال منه يقلقني * يأتي الققى مسققجد الحققزاب منتقبققا‬
‫يخبر الناس إن الجر همته * وما أنا طالبا للجر محتسققبا لققو‬
‫كققان يبغققي ثوابققا مققا أتققى صققلفا * مضققمخا بفققتيت المسققك‬
‫مختضبا ثم جلسنا حتى صلينا الظهر فإذا بالنسوة قققد أقبلققن‬
‫وليست الجارية فيهن فوقفن عليه وقلن له يا عتبة ما ظنققك‬
‫بطالبة وصلك وكاشفة بالك قال وما بالها قلققن أخققذها أبوهققا‬
‫وارتحل بها الى أرض السماوة فسئلتهن عققن الجاريققة فقلققن‬
‫هي ريا بنت الغطريف السلمي فرفع عتبة اليهن رأسه وقال‬
‫خليلي ريققا قققد أجققد بكورهققا * وسققارت إلققى أرض السققماوة‬
‫وغيرها خليلي إني قد غشققيت مققن البكققا * فهققل عنققد غيققري‬
‫مقلة أستعيرها فقلت له إني قد وردت بمال جزيققل أريققد بققه‬
‫أهل الستر وواللققه لبققذلنه أمامققك حققتى تبلققغ رضققاك وفققوق‬
‫الرضقاء فققم بنقا الققى مسققجد النصققار فقمنققا وسققرنا حقتى‬
‫أشرفنا على مل منهققم فسققلمت فأحسققنوا الققرد فقلققت أيهققا‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫المل ما تقولون في عتبة وأبيه قالوا من سادات العرب قلت‬
‫فإنه قد رمى بداهية من الهوى وما أريد منكم إل المسققاعدة‬
‫الى السماوة فقالوا سمعا وطاعة فركبنا وركب القققوم معنققا‬
‫حتى أشرفنا علققى منققازل بنققي سققليم فققأعلم الغطريققف بنققا‬
‫فخرج مبققادرا فاسققتقلبنا وقققال حييتققم بققالكرام فقلنققا وأنققت‬
‫فحياك الله إنا لك أضياف فقال نزلتم أكرم منققزل فنققادي يققا‬
‫معشر العبيد أنزلوا‬
‫القوم ففرشت النطاع والنمارق وذبحت الذبائح فقلنققا لسققنا‬
‫بذائقي طعامك حتى تقضي حاجتنا فقققال ومققا حققاجتكم قلنققا‬
‫نخطب عقليتك الكريمة لعتبة بن الحباب بن المنذر فقال إن‬
‫التي تخطبونها أمرها الى نفسها وأنا أدخل أخبرهققا ثققم دخققل‬
‫مغضبا على إبنته فقال يا أبت مالي أرى الغضب في وجهققك‬
‫فقال قققد ورد النصققار يخطبونققك منققي فقققال سققادات كققرام‬
‫إستغفر لهم الرسول صلى الله عليققه وسققلم فلمققن الخطبققة‬
‫منهم قال لعتبة قالت والله لقد‬
‫سمعت عن عتبة هذا إنه يفي بما وعد ويدرك إذا قصد فقال‬
‫أقسمت لزوجنك إياه أبدا ولقد نمى الي بعض حققديثك معققه‬
‫فقالت ما كان ذلك ولكن إذا أقسمت فإن النصققار ل يققردون‬
‫ردا قبيحا فأحسن لهققم الققرد فقققال بققأى شققيء قققالت اغلققظ‬
‫عليهم المهر فإنهم قوم يرجعون ول يحيبون فقال ما أحسققن‬
‫ما قلت فخرج مبادرا عليهم فقال إن فتات الحي قد أريد لها‬
‫مهر مثلها فمن القائم به فقال عبد الله بن معمر أنا فقل ما‬
‫شئت فقال ألف مثقال من ثوب من البراد وخمسة أكرسققة‬
‫من عنبر فقال عبد الله لك ذلك كله فهققل أحببققت قققال نعققم‬
‫قال عبد الله فأنفذت نفققرا مققن النصققار الققى المدينققة فققأتوا‬
‫بجميع ما طلب ثم صنعت الوليمة فاقمنا على ذلك أيامققا ثققم‬
‫قال خذوا فتاتكم وانصرفوا مصاحبين ثققم حملهققا فققي هققودج‬
‫وجهز بثلثين راحلة من المتاع والتحف فودعناه وسرنا حققتى‬
‫إذا بقي بيننا وبين المدينة مرحلة واحدة خرجققت علينققا خيققل‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫تريد الغارة أحسبها من سليم فحمل عليها عتبة فقتققل منهققم‬
‫رجقال وجنققدل منهققم آخريققن ثققم رجققع وبققه طعنققة تفققور دمققا‬
‫فسقط الى الرض وأتانا نجدة فطردت الخيل عنا وقد قضى‬
‫عتبة نحبه فقلنا واعتبتاه فسمعتنا الجارية فألقت نفسها عققن‬
‫البعير وجعلت تصيح بحرقة وأنشققدت تصققبرت ل إنققي ثققبرت‬
‫وإنما * أعلل نفسي أنها بك لحقة فلو أنصفت روحي لكانت‬
‫الى الردى * أمامك من دون البريققة سققابقة فمققا أحققد بعققدي‬
‫وبعدك منصف * خليل ول نفس لنفققس موافقققة ثققم شققهقت‬
‫وقضت نحبها فاحتفرنققا لهمققا قققبرا واحققدا ودفناهمققا فيققه ثققم‬
‫رجعت الى المدينة فأقمت سبع سنين ثم ذهبت الى الحجققاز‬
‫ووردت المدينة فقلققت واللققه لتيققن قققبر عتبققة أزوره فققأتيت‬
‫القبر فإذا عليققه شققجرة عليهققا عصققائب حمققر وصققفر فقلققت‬
‫لرباب المنزل ما يقال لهذه قولن قققالوا شققجرة العروسققين‬
‫ولو لم يكن في العشق مققن الرخصققة المخالفققة للتشققديد إل‬
‫الحديث الوارد بالحسن من السانيد وهققو حققديث سققويد بققن‬
‫سعيد بن مسهر عن أبي يحيى القتات عقن مجاهقد عقن ابقن‬
‫العباس يرفعه من عشق وعف وكتم فمات فهو شهيد ورواه‬
‫سويدأيضا عن ابن مسهر عن هشام بن عروة عن أبيققه عققن‬
‫عائشة مرفوعا ورواه الخطيققب عققن الزهققري فققي الم عققن‬
‫المعافا بن زكريا عن قطبة عن ابققن الفضققل عققن أحمققد بققن‬
‫مسققروق عنققه ورواه الزبيققر بققن بكققار عققن عبققد العزيققز‬
‫الماجشون عن عبد العزيز ابن عن ابن أبي نجيح عن مجاهد‬
‫عن ابققن عبققاس وهققذا سققيد الوليققن والخريققن ورسققول رب‬
‫العالمين صلى الله عليه وسلم نظر الى زينققب بنققت جحققش‬
‫رضي الله عنها فقال سبحان مقلب القلوب وكانت تحت زيد‬
‫بن حارثة موله فلما هم بطلقهققا قققال الشققياطين اتققق اللققه‬
‫وامسك عليك زوجك فلمققا طلقهققا زوجهققا اللققه سققبحانه مققن‬
‫رسوله صلى الله عليه وسلم من فوق سققبع سققموات فكققان‬
‫هو وليها وولي‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫تزويجها من رسول الله صلى اللققه عليققه وسققلم وعقققد عقققد‬
‫نكاحها فوق عرشه وأنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم‬
‫وإذ تقول للذي أنعم الله عليققه وأنعمققت عليققه أمسققك عليققك‬
‫زوجك واتق الله وتخفى في نفسك مققا اللققه مبققديه وتخشققى‬
‫الناس والله أحق أن تخشاه وهذا داود نبي الله عليه السققلم‬
‫لما كان تحته تسققعة وتسققعين امققرأة ثققم أحققب تلققك المققرأة‬
‫وتزوجها وأكمل بها المققأة قققال الزهققري أول حققب كققان فققي‬
‫السلم حب النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضققي اللققه‬
‫عنها وكان مسروق يسميها حبيبة رسول رب العالمين صققلى‬
‫الله عليه وسلم وقال‬
‫أبو القيس مولي عبد الله ابن عمرو وأرسلني عبققد اللققه بققن‬
‫عمرو الى أم سلمة أسأله اأكان رسول الله أهله وهو صققائم‬
‫فقالت ل فقال إن عائشة رضي الله عنها قققالت كققان النققبي‬
‫صلى الله عليه وسققلم يقبلهققا وهققو صققائم فقققالت أم سققلمة‬
‫رضققي اللققه عنهققا إن النققبي صققلى اللققه عليققه وسققلم إذا رأي‬
‫عائشة لم يتمالك نفسه عنها وذكققر سققعيد بققن إبراهيققم عققن‬
‫عامر بن سعيد عن أبيه قال كان إبراهيققم خليققل اللققه يققزوره‬
‫جبرائيل في كل يوم من الشام على الققبراق مققن شققغفه بققه‬
‫وقلة صبره عنه وذكر الخرائطي أن عبد الله بن عمر رضققي‬
‫الله عنهمققا اشققترى جاريققة روميققة فكققان يحبهققا حبققا شققديدا‬
‫فوقعت ذات يققوم عققن بغلققة لققه فجعققل يمسققح الققتراب عققن‬
‫وجهها ويفديها ويقبلها وكانت تكثر من أن تقول له يققا قققالون‬
‫تعني يا جيد ثم إنها هربت منه فوجد عليها وجدا شديدا فقال‬
‫قد كنت أحسبني قالون فانصرفت * فققاليوم أعلققم إنققي غيققر‬
‫قققالون قققال أبققو محمققد بققن حققزم وقققد أحققب مققن الخلفققاء‬
‫الراشققدين والئمققة المهتققدين كققثير وقققال رجققل لعمققر بققن‬
‫الخطققاب رضققي اللققه عنققه يققا أميققر المققؤمنين رأيققت امققرأة‬
‫فعشقتها فقال ذلك ما ل يملك فققالجواب وبققالله التوفيققق أن‬
‫الكلم في هذا الباب ل بد فيه من التمييز بين الواقع والجائز‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫والنافع والضار ول يستعجل عليققه بالققذم والنكققار ول بالمققدح‬
‫والقبول من حيث الجملة وإنما يتبين حكمقه وينكشقف أمقره‬
‫بذكر متعلقققه وإل فالعشققق مققن حيققث هققو ل يحمققد ول يققذم‬
‫ونحن نذكر النافع من الحب والضار والجققائز والحققرام أعلققم‬
‫أن أنفع المحبة على الطلق وأوجبهققا وأعلهققا وأجلهققا محبققة‬
‫من جبلة القولب على محبتققه وفطققرت الخليقققة علققى تققألهه‬
‫وبها قامت الرض والسموات وعليها فطر المخلوققات وهقي‬
‫سر شهادة أن ل إله إل الله فإن الله هو الذي تألهه القلققوب‬
‫بالمحبة والجلل والتعظيم والذل والخضوع وتعبده والعبققادة‬
‫ل تصققح اللققه وحققده والعبققادة هققى كمققال الحققب مققع كمققال‬
‫الخضوع والذل والشرك في هذه العبودية من أظلققم الظلققم‬
‫الققذي ل يغفققره اللققه واللققه سققبحانه يحققب لققذاته مققن سققائر‬
‫الوجوه ومققا سققواه فإنمققا يحققب تبعققا لمحبتققه وقققد دل علققى‬
‫وجوب محبته سبحانه جميع كتبه المنزلة ودعوة جميع رسققله‬
‫صلى الله عليققه وسققلم أجمعيققن وفطرتققه الققتي فطققر عليهققا‬
‫عباده وما ركب فيها من العقول وما أسبغ عليهم مققن النعققم‬
‫فإن القلوب مفطقورة مجبولقة علقى محبقة مقن أنعقم عليهقا‬
‫وأحسققن إليهققا فكيققف بمققن كققل الحسققان منققه ومققا بخلقققه‬
‫جميعهم من نعمه وحده ل شريك له كما قال تعالى وما بكم‬
‫من نعمة فمن الله الية وما تعرف به الى عباده من أسمائه‬
‫الحسنى وصفاته العليا ومققا دلققت عليققه آثققار مصققنوعاته مققن‬
‫كمققاله ونهايققة جللققه وعظمتققه والمحبققة لققه داعييققن الجلل‬
‫والجمال والرب تعققالى لققه الكمققال المطلققق مققن ذلققك فققإنه‬
‫جميل يحب الجمال بل الجمال كله له والجمال كله منققه فل‬
‫يستحق أن يحب لذاته من كل وجه سققواه قققال اللققه تعققالى‬
‫قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله وقال تعالى يققا‬
‫أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عقن دينقه فسقوف يقأتي اللقه‬
‫بقوم يحبهم ويحبونه الية والولية أصلها الحب فل موالت إل‬
‫بحب كما أن العداوة أصلها البغققض واللققه ولققي الققذين آمنققوا‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫وهم أولياؤه فهم يوالونه بمحبتهققم لققه وهققو يققواليهم بمحبتققه‬
‫لهم فالله يوالي عبده المؤمن بحسب محبته لققه ولهققذا أنكققر‬
‫سبحانه على من اتخذ من دونه أولياء بخلف من يبك أولياءه‬
‫فإنه لم يتخذهم من دونه بل موالته لهققم مققن تمققام مققوالته‬
‫وقد أنكر على من سوى بينه وبين غيره فققي المحبققة وأخققبر‬
‫أن من فعل ذلققك فقققد اتخققذ مققن دون اللققه أنققدادا يحبققونهم‬
‫كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله وأخبر عمققن سققوي بينققه‬
‫وبين النداد في المحبة أنهققم يقولققون فققي النققار لمعبققوديهم‬
‫تالله إن كن لفي ضلل مبين إذ نسويكم برب العالمين وبهذا‬
‫التوحيد في المحبة أرسل اللققه سققبحانه جميققع رسققله صققلى‬
‫الله عليه وسلم وأنزل جميع كتبه وأطبقت عليه دعوة جميققع‬
‫الرسل عليهم الصلة والسلم من أولهم الى آخرهم ولجلققه‬
‫خلقت السموات والرض والجنة والنققار فجعققل الجنققة لهلققه‬
‫والنار للمشركين به وفيه وقد أقسم النبي صققلى اللققه عليققه‬
‫وسلم أنه ل يؤمن عبد حتى يكون هققو أحققب إليققه مققن ولققده‬
‫ووالده الكراهة أجمعين فكيف بمحبة الرب جل جللققه وقققال‬
‫لعمر بن الخطاب رضي الله عنققه ل حققتى أكققون أحققب إليققك‬
‫من نفسك أي ل تؤمن حتى تصل محبتك لي إلى هذه الغايققة‬
‫فإذا كان النبي صلى الله عليه وسققلم أولققى بنققا مققن أنفسققنا‬
‫بالمحبة ولوازمها أفليس الرب جل جلله وتقدسققت أسققماؤه‬
‫وتبارك اسمه وتعالى جده ول إله غيره أولى بمحبته وعبققادته‬
‫من أنفسهم وكل ما منه الى عبده المؤمن يدعوه الى محبققة‬
‫مققا يحققب العبققد ويكرهققه فعطققاؤه ومنعققه ومعافققاته وابتلئه‬
‫وقبضه وبسطه وعدله وفضله وأمانته وإحياؤه ولطفققه وبققره‬
‫ورحمته وإحسانه وستره وعفوه وحلمه وصققبره علققى عبققده‬
‫وإجابته لدعائه وكشف كربه وإغاثة لهفته وتفريج كربتققه مققن‬
‫غير حاجة منه إليه بل مع غناه التام عنه مققن جميققع الوجققوه‬
‫كل ذلك داع للقلوب الى تألهه ومحبته بل تمكينه عبققده مققن‬
‫معصيته وإعانته عليه وستره حتى يقضي وطره منها وكلئتققه‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫وحراسققته لققه وهققو يقضققي وطققره مققن معصققيته وهققو يعينققه‬
‫ويستعين عليها بنعمه من أقوى الدواعي الى محبتققه فلققو أن‬
‫مخلوقا فعل بمخلوق أدنى شيء من ذلك لم يملك قلبه عققن‬
‫محبته فكيف ل يحب العبد بكل قلبققه وجققوارحه مققن يحسققن‬
‫إليه على الدوام بعدد النفاس مع رساءته فخيره إليك نققازل‬
‫وشرك إليه صاعد يتحبب إليه بنعمققه وهققو غنققي عنققه والعبققد‬
‫يتبغققض اليققه بالمعاصققي وهققو فقيققر إليققه فل إحسققانه وبققره‬
‫وإنعامه عليققه يصققده عققن معصققيته ول معصققية العبققد ولققومه‬
‫يقطع إحسان ربه عنه فألم اللؤم تخلف القلوب عققن محبققة‬
‫من هذا شأنه وتعلقها بمحبة سواه وأيضا فكل من تحبه مققن‬
‫الخلققق أو يحبققك إنمققا يريققدك لنفسققه وغرضققه منققك والققرب‬
‫سبحانه وتعالى يريققد لققك كمققا فققي الثققر اللهققي عبققدي كققل‬
‫يريدك لنفسققه وأنققا أريققدك لققك فكيققف ل يسققتحيي العبققد أن‬
‫يكون ربه له بهذه المنزلة وهقو معقرض عنقه مشقغول بحقب‬
‫غيره وقد اسققتغرق قلبققه محبققة مققا سققواه وأيضققا فكققل مققن‬
‫تعامله من الخلق ان لم يربح عليك لم يعاملك ول بققدله مققن‬
‫نوع من أنواع الربح والرب تعالى إنمققا يعاملققك عليققه أعظققم‬
‫الربح وأعله فالدرهم بعشرة أمثاله إلى سبعمائة ضعف الى‬
‫أضعاف كثيرة والسيئة بواحدة وهي أسرع شيء محوا وأيضا‬
‫فهو سبحانه خلقك لنفسه وكققل شققيء خلققق لققك فققي الققدنيا‬
‫والخرة فمن أولى منه باسققتفراغ الوسققع فققي محبتققه وبققذل‬
‫الجهد في مرضاته وأيضا فمطلبك بل مطققالب الخلققق كلهققم‬
‫جميعا لديه وهققو أجققود الجققودين وأكققرم الكرميققن ويعطققي‬
‫عبده قبل أن يسأله فوق ما يؤمله يشققكر علققى القليققل مققن‬
‫العمل وينميه ويغفر الكثير من الزلققل ويمحققوه ويسققأله مققن‬
‫في السموات والرض كل يوم هو في شأن ل يشققغله سققمع‬
‫عن سمع ول يغلطه كثرة المسائل ول يتبرم بالحاح الملحيققن‬
‫بل يجب الملحين في الدعاء ويجب أن يسئل ويغضب اذا لم‬
‫يسئل فيستحي من عبده حيث ل يستحي العبد منه ويسققتره‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫حيققث ل يسققتر نفسققه وبرحمققة حيققث ل يرحققم نفسققه دعققاه‬
‫بنعمته وإحسابه وناداه الى كرامتققه ورضققوانه فققأبي فأرسققل‬
‫صلى الله عليه وسلم في طلبه وبعث معهم اليققه عهققده ثققم‬
‫نققزل سققبحانه بنفسققه وقققال مققن يسققألني فققأعطيه مققن‬
‫يستغفرني فأغفر له أدعوك للوصل فتأبي أبعث رسققلي فققي‬
‫الطلب أنزل اليك بنفسي ألقققاك فققي النققوم وكيققف ل تحققب‬
‫القلوب من ل يأتي بالحسنات إل هو ول يققذهب بالسققيئات ال‬
‫هققو ول يجيققب الققدعوات ويقيققل العققثرات ويغفققر الخطيئات‬
‫ويسقتر العقورات ويكشقف الكربقات ويغيقث اللهفقات وينيقل‬
‫الطلبات سواه فهو أحق من ذكر وأحق من شكر وأحق مققن‬
‫حمد وأحق من عبد وأنصر من ابتغى وأرأف من ملك وأجققود‬
‫من سئل وأوسع من أعطي وأرحم من استرحم وأكققرم مققن‬
‫قصد وأعز من التجيققء اليققه وأكفقي مققن توكققل عليققه أرحققم‬
‫بعبده من الوالدة بولدها وأشد فرحا بتوبة عباده التائبين من‬
‫الفاقققد لراحلتققه الققتي عليهققا طعامهققا وشققرابه فققي الرض‬
‫المهلكة اذا يأس من الحياة فوجدها وهو الملك فل شريك له‬
‫والفرد فل ندله كل شيء هالك ال وجهه لققن يطققاع ال بققإذنه‬
‫ولن يعصي إل بعلمه يطققاع فيشققكر وبتققوفيقه ونعمتققه أطيققع‬
‫ويعصي فيغفر ويعف وحقه أضققيع فهققو أقققرب شققهيد وأدنققى‬
‫حفيظ وأوفى وفي بالعهققد وأعققدل قققائم بالقسققط حققال دون‬
‫النفوس وأخذ بالنواصي وكتب الثار ونسخ الجققال فققالقولب‬
‫لققه مفضققية والسققر عنققده علنيققة والعلنيققة والغيققوب لققديه‬
‫مكشوف وكل أحد اليه ملهققوف وعنققت الوجققوه لنققور وجهققه‬
‫وعجزة القلوب عن إدراك كنهه ودلت الفطققرة ةالدلققة كلهققا‬
‫علققى إمتنققاع مثلققه وشققبهه أشققرقت لنققور وجهققه الظلمققات‬
‫إسقققتنارت لقققه الرض والسقققموات وصقققلحت عليقققه جميقققع‬
‫المخلوقققات ل ينققام ول ينبغققي لققه أن ينققام يحفققظ القسققط‬
‫ويرفعه يرفع اليه عمل الليل قبل عمل النهققار وعمققل النهققار‬
‫قبل عمل الليل حجابه بققالنور لققو كشققفه ل حرقققت سققبحات‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫وجهه ما انتهى اليه بصره مققن خلقققه مققا اعتققاض بققاذل حبققه‬
‫لسواه من * عوض ولو ملك الوجود بأسره‬
‫الجواب الكافي ‪19‬‬
‫فصل‬
‫وههنا أمر عظيم يجب على اللبيب العتناء به وهو أن كمققال‬
‫اللققذة والسققرور والفققرح ونعيققم القلققب وإبتهققاج الققروح تققابع‬
‫لمرين أحدهما كمال المحبوب في نفسه وجماله وإنه أولققى‬
‫بايثار المحبة من كل مققا سققواه والمققر الثققاني كمققال محبتققه‬
‫واستفراغ الوسع في حبه وإيثار قربه والوصول اليه على كل‬
‫شيء وكل عاقل يعلم أن اللققذة بحصققول المحبققوب بحسققب‬
‫قوته ومحبته فكل ما كانت المحبة أقوى كققانت لققذة المحققب‬
‫أكمل فلذة من اشتد ظمؤه بادراك الماء الزلل ومققن اشققتد‬
‫جوعه باكل الطعام الشهى ونظائر ذلك على حسققب شققوقه‬
‫وشدة إرداته‬
‫ومحبتققه فققاذا عرفققت هققذا فاللققذة والسققرور والفققرح أمققر‬
‫مطلوب في نفسها فهي تذم اذا أعقبت ألققم أعظققم منهققا أو‬
‫منعققت لققذة خيققرا منهققا وأجققل فكيققف إذا أعقبققت أعظققم‬
‫الحسققرات وفققوتت أعظققم اللققذات والمسققرات وتحمققد إذا‬
‫أعانت على لذة عظيمققة دائمققة مسققتقرة ل تنغيققص فيهققا ول‬
‫نكد بوجه ما وهي لذة الخققرة ونعيمهققا وطيققب العيققش فيهققا‬
‫قققال تعققالى بققل تققؤثرون الحيققوة الققدنيا اليققة واللققه سققبحانه‬
‫وتعالى خلق الخلققق ليبتليهققم وينيققل مققن أطققاعه هققذه اللققذة‬
‫الدائمة في دار الخلد وأما الدنيا فمنقطعققة ولققذاتها ل تصققفو‬
‫أبدا ول تدوم بخلف الخرة فان‬
‫لذاتها دائمققة ونعيمهققا خققالص مققن كققل كققدر وألققم وفيهققا مققا‬
‫تشتهيه النفس وتلذ العين مع الخلود أبدا فل تعلم نفس مققا‬
‫أخفى لهم مققن قققرة أعيققن بققل فيهققا مققال عيققن رأت ول أذن‬
‫سمعت ول خطر على قلب بشر وهذا المعنققي الققذي قصققده‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫الناصح لقومه بقوله يا قوم اتبعون أهدكم سققبيل الرشققاد يققا‬
‫قوم انما هذه الحياة الدنيا متاع وان الخققرة هققي دار القققرار‬
‫فاخبرهم ان الدنيا متاع ليستمتع بها الققى غيرهققا وان الخققرة‬
‫هي المستقر واذا عرفت أن لذات الققدنيا متققاع وسققبيل الققى‬
‫لذات الخرة ولذلك خلقت الدنيا لذاتها فكل لذة أعانت على‬
‫لذة الخرة وأوصلت اليها لم يقذم تناولهقا بقل يحمقد لحسقب‬
‫ايصالها الى لذة الخرة اذا عرف فاعظم نعيم الخرة ولذاتها‬
‫النظر الى وجه الله جل جللققه وسققماع كلمققه والقققرب منققه‬
‫كما ثبت في الصحيح في حديث الرؤيققة فققوالله مققا أعطققاهم‬
‫شيئا أحب اليهم من النظر اليه وفي حديث اخر إنه اذا تجلى‬
‫لهم ورأوه نسوا ما هم فيه من النعيم وفي النسائي ومسققند‬
‫المام أحمد من حديث عمار بن ياسر رضققي اللققه عنققه عققن‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم‬
‫فققي دعققائه واسققئلك اللهققم لققذة النظققر الققى وجهققك الكريققم‬
‫والشوق الى لقائك وفي كتاب السنة العبققد اللققه بققن المققام‬
‫أحمد مرفوعا كأن الناس يوم القيمة لم يسمعوا القران مققن‬
‫الرحمن فاذا سمعوه من الرحمن فكققأنهم لققم يسققمعوا قبققل‬
‫ذلك فاذا عرف هذا فاعظم السباب التي تحصل هققذه اللققذة‬
‫هققو أعظققم لققذات الققدنيا علققى الطلق وهققي لققذة معرفتققه‬
‫سبحانه ولذة محبته فان ذلك هو لقذة القدنيا ونعيمهقا العقالي‬
‫ونسبة لذاتها الفانية اليه كتلفة في بحر فان‬
‫الروح والقلب والبدن انما خلق لذلك فاطيب مققا فققي الققدنيا‬
‫معرفته سبحانه ومحبته وألذ ما في الجنة رؤيته ومشققاهدته‬
‫فمحبته ومعرفته قققرة العيققون ولققذة الرواح وبهجققة القلققوب‬
‫ونعيم الدنيا وسرورها مقن اللقذة القاطعقة عقن ذلقك تتقلقب‬
‫آلما وعذابا ويبقى صاحبها في المعيشة الضنك فليس الحياة‬
‫الطيبة ال بالله وكان بعض المحبين تمر به أوقات فيقول إن‬
‫كان أهل الجنة في نعيققم مثققل هققذا إنهققم لفققي عيققش طيققب‬
‫وكان غيره يقول لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحققن فيققه‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫لجلدونا عليه بالسيوف وإذا كان صاحب المحبة الباطلة التي‬
‫هي عذاب على قلب المحب يقول في حققاله ومققا النققاس إل‬
‫العاشقون ذوو الهوي * فل خير فمن ل يحب ويعشق‬
‫ويقول آخر * أف للدنيا متى ما لم يكن صاحب الققدنيا محققب‬
‫أو حبيب * ويقول الخر ول خير في الققدنيا ول فققي نعيمهققا *‬
‫وأنت وحيد مفققرد غيققر عاشققق ويقققول الخققر * أسققكن الققى‬
‫سكن تلذ بحبه ونهقب الزمقان وأنققت منفقرد * ويققول الخقر‬
‫تشكي المحبون الصبابة ليتني * تحملت ما يتقون من بينهققم‬
‫وحدي فكانت لقلبي لذة الحب كلها * فلم يلقها قبلي محققب‬
‫ول بعققدي فيكققف بالمحبققة الققتي هققي حيققاة القلققوب وغققذاء‬
‫الرواح وليس للقلب لققذة ول نعيققم ول فلح ول حيققاة ال بهققا‬
‫وإذا فقدها القلب كان المه أعظم من ألققم العيققن إذا فقققدت‬
‫نورهقققا والذن إذا فققققدت سقققمعها والنقققف إذا فققققد سقققمه‬
‫واللسان إذا فقد نطقه بل فساد القلققب إذا خلقى مقن محبققة‬
‫فاطره وبارئه وإلهه الحق أعظم مققن فسققاد البققدن إذا خلققي‬
‫منه الروح وهذا المر ل يصدق به المن فيه حياة ومققا لجققرح‬
‫ميققت ايلم والمقصققود إن أعظققم لققذات الققدنيا هققي السققبب‬
‫الموصققل الققى أعظققم لققذة فققي الخققرة ولققذات الققدنيا أنققواع‬
‫فاعظمها وأكملها ما أوصل الى لذة الخققرة ويثققاب النسققان‬
‫على هذه اللذة أتم ثواب ولهذا كان المؤمن يثاب‬
‫على ما يقصد به وجه الله من أكلققه وشققربه ولبسققه ونكققاحه‬
‫وشققفاء غيققظ لقهققر عققدو اللققه وعققدوه فكيققف بلققذة ايمققانه‬
‫ومعرفته بالله ومحبته له وشوقه الى لقائه وطمعه في رؤية‬
‫وجهه الكريم في جنات النعيققم النققوع الثققاني لققذة تمنققع لققذة‬
‫الخرة وتعقب آلما أعظم منها كلذة الذين اتخققذوا مققن دون‬
‫الله أوثانا مودة بينهم في الحياة الققدنيا يحبققونهم كحققب اللققه‬
‫ويستمع بعضهم ببعض كما يقولون في الخرة اذا لقوا ربهققم‬
‫ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا آجلنا الققذي أجلققت لنققا اليققة‬
‫الى قوله يكسبون ولذة أصحاب الفققواحش والظلققم والبغققي‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫في الرض والعلو بغير الحق وهذه اللذات في الحقيقققة انمققا‬
‫هي استدراج من الله لهم ليذيقهم بها أعظم اللم ويحرمهم‬
‫بها أكمل اللذات بمنزلة من قدم لغيره طعام لذيققد مسققموم‬
‫يستدرجه به الى هلكه قال تعالى سنستدرجهم من حيققث ل‬
‫يعملون الية إلى قوله إن كيدي متين قال بعض السلف فققي‬
‫تفسيرها كل ما أحدثوا ذنبا أحدثنا لهم نعمة حتى‬
‫اذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون الية إلققى‬
‫قوله والحمد للققه رب العققالمين وقققال تعققالى لصققحاب هققذه‬
‫اللذة أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في‬
‫الخيققرات بلبققل ل يشققعرون وقققال فققي حقهققم فل تعجبققك‬
‫أموالهم ول أولدهم إنما يريققد اللققه ليعققذبهم بهققا فققي الحيققاة‬
‫الدنيا الية وهذه اللذة تنقلب آلما من أعظم اللم كما قيققل‬
‫يا رب كائنة فقي الحيقاة لهلهقا * عقذبا فصقارت فقي المعقاد‬
‫عذابا النوع الثالث لذة ل تعقب لذة في دار القققرار ول ألمققا‬
‫يمنع وصول لذة دار القققرار وإن منعققت كمالهققا وهققذه اللققذة‬
‫المباحة التي ل يستعان بهققا علققى لققذة الخققرة فهققذه زمانهققا‬
‫يسير وليس لتمتع النفس بها قدر ول بد أن يشتغل عمققا هققو‬
‫خير وأنفع منها وهذا القسم هو الذي عناه النققبي صققلى اللققه‬
‫عليه وسلم بقوله كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل‬
‫الرمية بقوسه وتققأديبه فرسققه وملعبتققه امرأتققه فققانهن مققن‬
‫الحق فما أعان على اللذة المطلوبة لذاتها فهو حق ومققا لققم‬
‫يعن عليها فهو باطل‬
‫فصل‬
‫فهذا الحب ول يققذم بققل هققو أحققد أنققواع الحققب وكققذلك حققب‬
‫رسققول اللققه صققلى اللققه عليققه وسققلم وإنمققا نعنققي بالمحبققة‬
‫الخاصققة وهققي الققتي تشققغل قلققب المحققب وفكققره وذكققره‬
‫لمحبوبه وال فكل مسلم في قلبه محبة الله ورسققوله صققلى‬
‫الله عليه وسلم ول يدخل السلم إل بهققا الكراهقة متفققاوتون‬
‫في درجات هذه المحبة تفاوت ل يحصيه إل الله فققبين محبققة‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫الخليلين صلى اللققه عليققه وسققلم ومحبققة غيرهمققا مققا بينهمققا‬
‫فهذه المحبة هي التي تلطف وتخفف اثقال‬
‫التكققاليف وتسققخي البخيققل وتشققجع الجبققان وتصققفي الققذهن‬
‫وتروض النفس وتطيب الحياة على الحقيقة ل محبققة الصققور‬
‫المحرمة وإذا بليت السرائر يوم اللقاء كانت سريرة صاحبها‬
‫من خيققر سققرائر العبققاد كمققا قيققل سققيبقى لكققم فققي مضققمر‬
‫القلققب والحشققا * سققريرة حققب يققوم تبلققى السققرائر وهققذه‬
‫المحبة هي التي تنور الققوجه وتشققرح الصققدر وتحيققي القلققب‬
‫وكذلك محبة كلم الله فانه مققن علمقة حقب اللقه وإذا أردت‬
‫أن تعلم ما عندك وعند غيرك مققن محبققة اللققه فققانظر محبققة‬
‫القرآن من قلبك وإلتذاذك سماعه أعظم من إلتذاذ أصققحاب‬
‫الملهي والغناء المطرب بسماعهم فإنه من المعلوم أن من‬
‫أحب حبيبا كان كلمه وحديثه احب شققيئا اليققه كمققا قيققل ان‬
‫كنت تزعم حبي فلم هجرت كتابي * أما تأملت مققا فيققه مققن‬
‫لذيذ خطققابي وقققال عثمققان ابققن عفققان رضققي اللققه عنققه لققو‬
‫طهرت قلوبنا لما شبعت من كلم الله وكيف يشققبع المحققب‬
‫من كلم من هو غاية مطلوبه وقققال النققبي صققلى اللققه عليققه‬
‫وسلم يوما لعبد الله بن مسعود رضي اللققه عنققه فقققال أقققرأ‬
‫عليك وعليك أنققزل فقققال إنققي أحققب أن أسققمعه مققن غيققري‬
‫فاستفتح فقرأ سورة النساء حتى قققوله فكيققف اذا جئنققا مققن‬
‫كل جهلتم بشهيد وجئنا بك علققى هققؤلء شققهيدا قققال حسققبك‬
‫الن فرفع رأسه فاذا عينا رسول الله صلى الله عليه وسققلم‬
‫تققذرفان مققن البكققاء وكققان الصققحابة اذا اجتمعققوا وفيهققم أبققو‬
‫موسققى يقولققون يققا يشققير موسققى إقققرأ علينققا فيقرأوهققم‬
‫يستمعون فلمحبي القرآن من الوجد والذوق واللذة والحلوة‬
‫والسرور أضعاف مققالمحبي السققماع الشققيطاني فققاذا رأيققت‬
‫الرجل ذوقه وشقدة وجقده وطربقه وشقوقه سقماعه البيقات‬
‫دون سماع اليات في سماع اللحان دون سماع القرآن وهو‬
‫كما قيل نقرأ عليك الختمة وأنت جامد كالحجر * وبيققت مققن‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫الشعر ينشد فتميل كالنشوان فهققذا مققن أقققوي الدلققة علققى‬
‫فققراغ قلبققه مققن محبققة اللققه وكلمققه وتعلقققه بمحبققة سققماع‬
‫الشيطان والمغرور يعتقد انققه علققى شقيء ففققي محبققة اللققه‬
‫وكلمه ورسوله صلى الله عليه وسققلم أضققعاف أضققعاف مققا‬
‫ذكر السققائل مققن فققوائد العشققق ومنققافعه بققل ل حققب علققى‬
‫الحقيقة أنفع منه وكل حب سوى ذلك باطل ان لم يعن عليه‬
‫ويسوق المحب اليه‬
‫فصل‬
‫وأما محبة النسوان فل لوم على المحققب فيهققا بققل هققي مققن‬
‫كماله وقد من الله سبحانه بها على عباده فقققال ومققن آيققاته‬
‫أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا اليها وجعققل بينكققم‬
‫مودة ورحمة الية فجعل المققرأة سققكنا للرجققل يسققكن اليققه‬
‫قلبققه وجعققل بينهمققا خققالص الحققب وهققو المققودة المقترنققة‬
‫بالرحمة وقد قال تعالى عقيب ذكره ما أحل لنا مققن النسققاء‬
‫وما حرم منهن يريد الله ليبين لكن ويهديكم سنن الذين مققن‬
‫قبلكم ويتوب عليكم والله حكيم الى‬
‫قوله خلق النسان ضعيفا وذكر سفيان الثوري فققي تفسققيره‬
‫عن ابن طاوس عن أبيه كان اذا نظر الى النساء لققم يصققبر‬
‫عنهن وفي الصحيح من حققديث جققابر عققن النققبي صققلى اللققه‬
‫عليه وسلم أنه رأى إمرأة فققأتى زينققب فقضققى حققاجته منهققا‬
‫وقال ان المرأة تقبل في صورة شققيطان وتققدبر فققي صققورة‬
‫الشيطان فاذا رأى أحدكم امرأة فققاعجبته فليققأت أهلققه فققان‬
‫ذلك يرد ما في نفسققه ففققي هققذا الحققديث عققدة فققوائد منهققا‬
‫الرشاد الى التسلي عن المطلوب بجنسه كما يقوم الطعققام‬
‫مكان الطعققام والثققوب مقققام الثققوب ومنهققا المققر بمققداوات‬
‫العجاب بالمرأة المورث لشهوتها بانفع الدويققة وهققو قضققاء‬
‫وطره من أهلققه وذلققك ينقققض شققهوته بهققا وهققذا كمققا أرشققد‬
‫المتحابين الى النكاح كما في سنن ابن ماجه مرفوعا لققم يققر‬
‫للمتحابين مثققل النكققاح ونكققاحه لمعشققوقه هققو دواء العشققق‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫الذي جعله الله داءه شرعا وقدرا وبه تققدواي نققبي اللققه داود‬
‫صلى الله عليه وسققلم ولققم يرتكققب نققبي اللققه محرمققا وانمققا‬
‫تزوج المققرأة وضققمها الققى نسققائه لمحبتققه لهققا وكققانت تققوبته‬
‫بحسب منزلته عند الله وعلو مرتبته ول يليق بنا المزيد على‬
‫هذا وأما قصة زينب بنت جحققش فزيققد كققان قققد عققزم علققى‬
‫طلقها ولم تققوافقه وكقان يستشقير رسقول اللقه صققلى اللقه‬
‫عليه وسلم في فراقها وهققو يققأمره بامسققاكها فعلققم رسققول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم انه سيفارقها ول بد فققاخفى فققي‬
‫نفسه ان يتزوجها اذا فارقهققا زيققد وخشققى مقالققة النققاس ان‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج زوجة ابنه فققانه كققان‬
‫قد تبني زيد قبل النبوة والرب تعالى يريققد أن يشققرع شققرعا‬
‫عاما فيه مصالح عباده فلما طلقها زيد وانقضققت عققدتها منققه‬
‫أرسله اليها يخطبها لنفسه فجاء زيد واستدبر البققاب بظهققره‬
‫وعظمت في صدره لما ذكره رسققول اللققه صققلى اللققه عليققه‬
‫وسلم فناداها من وراء البا يا زينب ان رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم يخطبك فقالت ما أنققا بصققانعة شققيئا حققتى أوامققر‬
‫ربي وقامت الى محرابها فصلت فتولى الله عز جققل نكاحهققا‬
‫من رسوله صلى الله عليه وسلم بنفسه وعقد النكاح له من‬
‫فوق عرشه وجاء الوحي بققذلك فلمققا قضققى زيققد منهققا وطققر‬
‫ازوجنا كها فقام رسول اللققه صققلى اللققه عليققه وسققلم لققوقته‬
‫فدخل عليها فكانت تفخر على نساء النققبي صققلى اللققه عليققه‬
‫وسلم بذلك وتقول أنتن زوجتكن أهليكققن وزوجنققي اللققه عققز‬
‫وجل من فوق سبع سموات فهقذه قصقة رسقول اللقه صققلى‬
‫الله عليه وسلم مع زينب ول ريب أن النبي صلى اللققه عليققه‬
‫وسلم حبب اليه النساء كما فققي الصققحيح مققن حققديث أنققس‬
‫ورواه النسائي في سننه والطبراني في الوسط عنققه صققلى‬
‫الله عليه وسلم قال حبب الي مققن دنيققاكم النسققاء والطيققب‬
‫وجعلت قرة عيني في الصلة هذا لفظ الحديث ل ما يرويققه‬
‫بعضهم حبب الي من دنياكم ثلث زاد المام أحمد في كتققاب‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫الزهد في هذا الحديث اصبر عن الطعام والشراب ول اصققبر‬
‫عنهن وقد حسده اعداء الله اليهود على ذلك وقالوا ما همققه‬
‫إل النكاح فرد الله سبحانه عن صلى الله عليه وسققلم ونافققح‬
‫عنه فقال ام يحسدون الناس على ما آتاهم اللققه مققن فضقله‬
‫الية وهذا خليل الله أمققام الحنفققاء كققان عنققده سققارة أجمققل‬
‫نسققاء العققالمين وأحققب هققاجر وتسققرى بهققا وهققذا داود عليققه‬
‫السلم كان عنده تسعة وتسعون امققراة فققاحب تلققك المققراة‬
‫وتزوجها فكمل المائة وهذا سليمان ابنه عليققه السققلم كققان‬
‫يطوف في الليلة على تسعين امراة وقد سققئل رسققول اللققه‬
‫صلى الله عليه وسلم عققن أحققب النققاس اليققه فقققال عائشققة‬
‫رضى الله عنها وقال عققن خديجققة إنققي رزقققت حبهققا فمحبققة‬
‫النساء من كمال النسان قققال ابققن عبققاس خيققر هققذه المققة‬
‫أكثرهم نساء وقد ذكر المام احمد ان عبد الله بن عمر وقققع‬
‫في سهمه يققوم حلققول جاريققة كققان عنقهققا ابريققق فضققة قققال‬
‫عبدالله فمققا صققبرت عنهققا ان قبلتهققا الكراهققة ينظققرون الققي‬
‫وبهذا احتج المام احمد على حواز الستمتاع بالمسققبية قبققل‬
‫الستبراء بغير الوطء بخلف المة المشتركة والفرق بينهمققا‬
‫انه ل يتوهم انفساخ الملققك فققي المسققبية بخلف المشققتركة‬
‫فقد ينفسخ فيها الملك فيكون مستمتعا بأمة غيره وقد شفع‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم لعاشق ان يواصله معشوقه بان‬
‫يتزوج به فأبت وذلك في قصة مغيث وبريرة فانه راه يمشي‬
‫خلفها بعد فراقها ودموعه تجري على خديه فقال لها رسققول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم لو راجعتيه فقالت اتأمرني قال ل‬
‫انما اشفع فقالت ل حاجة لققي بققه فقققال لعمققه يققا عبققاس ال‬
‫تعجب من حب مغيث بريرة ومن بغضها لققه عليققه حبهققا وان‬
‫كانت قد بانت منه فان هذا مال يملكه وكان النبي صلى الله‬
‫عليه وسلم يسققاوي بيققن نسققائه بالقسققم ويقققول اللهققم هققذا‬
‫قسمي فيما املك فل تلمني فيما ل املققك يعنققي فققي الحققب‬
‫وقد قال تعالى ولققن تسققتطيعوا ان تعققدلوا بيققن النسققاء ولققو‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫حرصتم يعني في الحب والجماع فل تميلققوا كققل الميققل ولققم‬
‫يققزل الخلفققاء الراشققدين الرحمققاء مققن النققاس يشققفعون‬
‫للعشاق الى معشوقهم الجائز وصلهن كمققا تقققدم مققن فعققل‬
‫ابي بكر وعثمقان أتقي بغلم مقن العقرب وجقد فقي دار ققوم‬
‫بالليل فقال له ما قصتك قال لست أصدقك تعلقققت فققي دار‬
‫الرباحي خريده * يذل لها من حسن منظرها البققدر لهققا فققي‬
‫بنات القروم حسقن ومنظقر * اذا افتخقرت بالحسقن عانقهقا‬
‫الفخر فلما طرقت الدار من حب مهجتي * اتيت وفيهققا مققن‬
‫يوقدها الجمر تبادرا اهل الققدار بققي ثققم صققيحوا * هققو اللققص‬
‫محوم له القتل والسر فلما بن ابي طققالب رضققى اللققه عنققه‬
‫قوله رق له وقال للمهلب بن رباح اسمح له بها فقال يا امير‬
‫المؤمنين سله من هو فقال النهققاس بققن عيبنققة فقققال خققذها‬
‫فهي لك واشتري معاوية جاريققة فققاعجب بهققا اعجابققا شققديدا‬
‫فسمعها يوما تنشقد أبياتققا منهققا وفقارقته كالفصققن يهقتز فقي‬
‫الثرى * طريرا وسيما بعد ماطر شاربه فسئلها فأخبرته انهققا‬
‫تحب سيدها فردها اليه وفي قلبققه منهققا وذكققر الزمخشققري‬
‫في ربيعه ان زبيدة قرات في طريق مكة على حائط اما في‬
‫عباد الله او في امائه * كريم يجلى الهم عن ذاهل العقل له‬
‫مقله اما الماء في قريحة * واما الحشا فالنار منه على رجل‬
‫فنذرت ان تحتال لقائلها ان عرفته حتى تجمع بينه وبين مققن‬
‫يحبه فبينما هي في المزدلفقة اذ سقمعت مققن ينشقد البيقتين‬
‫فطلبته فزعم انه قالهمققا فققي ابنققة عققم لققه نققذر اهلهققا ان ل‬
‫يزوجوها منه فوجهت الى الحي وما زالت تبققذل لهققم المققال‬
‫حتى زوجوها منه واذا المرأة اعشق منه لها فكانت تعده من‬
‫اعظم حسناتها فتقول ما انا بشيء اسر مني من جمعي بين‬
‫ذلك الفتي والفتاة وقال الخرائطي وكان لسققليمان بققن عبققد‬
‫الملك غلم وجارية يتحابان فكتب الغلم لها يوما ولقد رأيتك‬
‫في المنام كأنما * اسقيتني من ماء فيك البققارد وكققان كفققك‬
‫في يدي وكأننا * بتنا جميعا في فراش واحد فطفقققت نققومي‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫كلققه متراقققدا * لراك فققي نققومي ولسققت براقققد فاجققابته‬
‫الجاريققة * خيققرا رأيققت وكلمققا ابصققرته سققتناله منققي برغققم‬
‫الحاسد * اني لرجو ان تكققون معققانقي * وتققبيت منققي فققوق‬
‫ثدي ناهد واراك بين خلخلي ودمالجي * واراك فوق ترائبققي‬
‫ومحاشدي فبلغ ذلك سليمان فأنكحها الغلم واحسن حالهمققا‬
‫على فرط غيرته وقال جقامع ابقن مرجيقه سقألت سقعيد بقن‬
‫المسيب مفتي المدينة الشياطين مققن حققب درهمققا مققن وزر‬
‫فقال سعيد انما تلم على ما تستطيع من المر فقققال سققعيد‬
‫والله ما سألني احد عن هذا ولو سألني ما كنت اجيب ال به‬
‫فعشققق النسققاء ثلث اقسققام عشققق هقو قربققة وطاعققة وهققو‬
‫عشق الرجل امرأته وجاريته وهذا العشققق نققافع فققانه ادعققي‬
‫الى المقاصد التي شرع الله لها النكاح واكف للبصر والقلب‬
‫عن التطلع الى غير أهله ولهذا يحمد هذا العاشققق عنققد اللققه‬
‫وعند الناس وعشق هو مقت عند الله وبعد من رحمتققه وهققو‬
‫اضر شيء على العبد في دينه ودنيققاه وهققو عشققق المققردان‬
‫فما ابتلى به ال من سقط من عين الله وطرد عن بابه وأبعد‬
‫قلبه عنه وهو من اعظم الحجب القاطعة عن الله كمققا قققال‬
‫بعققض السققلف إذا سققط العبققد مققن عيققن اللققه ابتله بمحبققة‬
‫المردان وهذه المحبة هي الققتي جلبققت علققى قققوم لققوط مققا‬
‫جلبت وما اوتوا ل من هذا العشق قققال اللققه تعققالى لعمققرك‬
‫انهم لفي سكرتهم يعمهون ودواء هذا الداء الردى السققتعانة‬
‫بمقلب القلوب وصدق اللجأ اليه والشتغال بذكره والتعققوض‬
‫بحبه وقربه والتفكر باللم الققذي يعقبققه هققذا العشققق واللققذة‬
‫التي تفوته به فترتب عليققه فققوات اعظققم محبققوب وحصققول‬
‫اعظم مكروه فاذا قدمت نفسه على هذا وآثرته فليكبر على‬
‫نفسه تكبير الجنازة وليعلققم ان البلء قققد احقاط بققه والقسققم‬
‫الثالث من العشق العشق المباح الذي ل يملقك كعشققق مققن‬
‫صورت له امراة جميلة او رآها فجأة من غيققر تصققد فققاورثته‬
‫ذلك عشق لها ولم يحدث لققه ذلققك العشققق معصققية فهققذا ل‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫يملك ول يعاقب عليه والنفع له مدافعته والشققتغال بمققا هققو‬
‫انفع له منه والواجب على هذا ان يكتم ويعققف ويصققبر علققى‬
‫بلواه فيثيبه الله على ذلك ويعوضه علققى صققبرة للققه وعفتققه‬
‫وترك طاعته هواه وايثار مرضاة الله وما عنده‬
‫فصل‬
‫والعشاق ثلثققة أقسققام منهققم مققن يعشققق الجمققال المطلققق‬
‫ومنهم من يعشق الجمال المقيد سواء طمع بوصققاله او لققم‬
‫يطمع ومنهم من ل يعشق ال مققن طمققع لوصققاله وبيققن هققذه‬
‫النواع الثلثة تفقاوت فقي الققوة والضققعف فعاشقق الجمقال‬
‫المطلق بهيم قلبه في كققل واد ولققه فققي كققل صققورة جميلققه‬
‫مراد فيوما بحققزوى ويققوم بققالعقيق * وبالعققذيب يومققا ويومققا‬
‫بالخليصاء وتارة ينتحي بنجد ولودية ! شققعب العقيققق وطققورا‬
‫قصر اينما * فهذا عشقه أوسع ولكنه غير ثابت كققثير التنقققل‬
‫* يهيم بهذا ثم يعشق غيره * ويسلهم من وقته حيققن يصققبح‬
‫وعاشق الجمال المقيد اثبت على معشوقه وأدوم محبققة لققه‬
‫ومحبته اقوى من محبة الول لجتماعهما في واحققد ويقسققم‬
‫الولققى ولكققن يضققعفها عققدم الطمققع فققي الوصققال وعاشققق‬
‫الجمال الذي يطمع في وصاله اعقل العشاق واعرفهم وحبه‬
‫اقوى لن الطمع يمده ويقويه‬
‫فصل‬
‫وأما حديث مققن عشققق وعققف فهققذا ممققن يرويققه سققويد بققن‬
‫سعيد وقد انكره حفققاظ السققلم عليققه قققال ابققن عققدي فققي‬
‫كامله هذا الحديث احققد مققا انكققر علققى سققويد وكققذلك ذكققره‬
‫البيهقي وابن طاهر في الزخيققرة والتققذكرة وابققو الفققرج بققن‬
‫الجوزي وعده من الموضوعات وانكره ابو عبد اللققه الحققاكم‬
‫علققى تسققاهله وقققال أنققا اتعجققب منققه قلققت والصققواب فققي‬
‫الحديث انه من كلم ابن عبققاس رضققي اللققه عنهمققا موقوفققا‬
‫عليه النقائص سويد في رفعه قال ابقو محمقد بقن خلقف بقن‬
‫المرزبان حدثنا ابو بكر بققن الرزق عققن سققويد فعققاتبته علققى‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫ذلك فاسقط ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وكان بعد ذلك‬
‫يسأل عنه ول يرفعه ول بشبه هذا كلم النبققوة وامققا مققا رواه‬
‫الخطيب له عن الزهري حدثنا المعافا بن زكريا حدثنا قطبققة‬
‫بن الفضل حدثنا احمد بن محمققد بققن مسققروق حققدثنا سققويد‬
‫حدثنا ابن مسهر عن هشام بن عروة عققن ابيققه عققن عائشققة‬
‫مرفوعا فمن ابين الخطأ ول يحمل هذا عن هشققام عققن أبيققه‬
‫عن عائشة مثل هذا عنه من شم أدني رائحة من العلققم مققن‬
‫الحديث ونحن نشهد بققالله ان عائشققة مققا تكلمققت بهققذا عققن‬
‫رسول الله صلى اللققه عليققه وسققلم قققط ول حققدث بققه عنهققا‬
‫عققروة ول حققدث بققه عنققه هشققام قققط وامققا حققديث ابققن‬
‫الماجشون عن عبدالله بن ابي حازم عن ابن ابي نجيققح عققن‬
‫مجاهد عن ابن عباس مرفوعا فكققذب علققى بققن الماجشققون‬
‫فانه لم يحدث بهذا ولم يحدث به عنه الزبير بققن بكققار وانمققا‬
‫هذا من تركيب بعض الوضاعين ويا سبحان الله كيف يحتمققل‬
‫هذا السناد مثل هذا المتن فقبح اللققه الواضققعين وقققد ذكققره‬
‫ابو الفرج بن الجوزي من حديث محمد بن جعفققر بققن سققهل‬
‫حدثنا يعقوب بن عيسى عن ولد عبد الرحمن بن عققوف عققن‬
‫ابن ابي نجيح عن مجاهد مرفوعا وهذا غلط قبيح فان محمد‬
‫بن جعفققر هققذا هققو الخرائطققي ووفققاته سققنة سققبع وعشققرين‬
‫وثلث مائة فمحال ان يدرك شيخه يعقوب ابن ابققي نجيققح ل‬
‫سيما وقد رواه في كتاب العتلل عن يعقوب هذا عن الزبير‬
‫عن عبد الملك عن عبد العزيز عن ابن ابي نجيح والخرائطي‬
‫هذا مشهور بالضعف في الرواية ذكره ابو الفققرج فققي كتققاب‬
‫الضعفاء وكلم حفققاظ السققلم فققي انكققار هققذا الحققديث هققو‬
‫الميزان واليهققم يرجققع فققي هققذا الشققأن ومققا صققححه بققل ول‬
‫حسنه احد يعول في علم الحديث عليه ويرجع فققي الصققحيح‬
‫اليه ول من عادته التساهل والتسامح فانه لققم يصققف نفسققه‬
‫له ويكفي ان ابن طاهر الذي يتساهل في احققاديث التصققوف‬
‫ويروي منها الغث والسمين والمنجنقة والموقوذة قققد انكققره‬

‫الجواب الكافي‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ابن القيم رحمه الله‬

‫وحكم ببطلنه نعم ابن عباس غير مستنكر ذلك عنه وقد ذكر‬
‫ابو محمد بن حزم عنقه انققه سققئل عقن الميقت عشققا فقققال‬
‫قتيل الهوي ل عقل ول قود ورفع اليه بعرفات شاب قد صار‬
‫كققالفرخ فقققال مققا شققأنه فقققال العشققق فجعققل عامققة يققومه‬
‫يستعيذ من العشق فهذا تفسير من قققال مققن عشققق وعققف‬
‫وكتم ومات فهو شهيد ومما يوضح ذلك ان النبي صققلى اللققه‬
‫عليه وسلم عد الشققهداء فققي الصققحيح فققذكر المقتققول فققي‬
‫الجهاد والمبطون والحريق والنفساء يقتلهققا اولققدها والغريققق‬
‫وصاحب الهدم فلم يذكر منهم العاشق يقتله العشق وحسب‬
‫قتيل العشق ان يصح له هذا الثر عن ابن عباس رضى اللققه‬
‫عنهما على انققه ل يققدخل الجنققة حققتى يصققبر للققه ويعققف للققه‬
‫ويكتم لله وهذ ل يكون ال مققع قققدرته علققى معشققوقه وايثققار‬
‫محبة الله وخوفه ورضاه وهققذا احققق مققن دخققل تحققت قققوله‬
‫تعالى واما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فققان‬
‫الجنة هي المأوى وتحت قوله تعالى ولمققن خقاف مقققام ربققه‬
‫جنتان فنسققأل اللققه العظيققم رب العققرش الكريققم ان يجعلنققا‬
‫ممن آثر وابتغى حبه ورضاه على هققواه بققذلك قربققه ورضققاه‬
‫آمين يا رب العالمين صققلى اللققه عليققه وسققلم والققه وصققحبه‬
‫اجمعين آمين‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful