‫ف‬

‫ص‬
‫تــ‬
‫ال‬
‫و ُ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬

‫المن ْ َ‬
‫صاِدر‬
‫وال َ‬
‫م َ‬
‫شأ َ‬
‫تأليف الستاذ‬

‫إحسان إلهي ظهير) رحمه الله (‬
‫‪1941‬م ـــ ‪ 1987‬م‬
‫شبكة الدفاع عن السنة‬
‫‪http://www.d-sunnah.net‬‬

‫سنة‬
‫إدارة ترجمان ال ّ‬
‫لهور – باكستان‬

‫‪2‬‬

‫إهـــداء ‪..‬‬
‫إلى شيخي الذي ل يرتضي أن ُيذكَر‬
‫مه َ‬
‫جُره يقاسمني‬
‫كيل يضيع أ ْ‬
‫ا ْ‬
‫س ُ‬
‫وَرائي في‬
‫مومي وآلمي ‪ ,‬ويق ُ‬
‫ه ُ‬
‫ف َ‬
‫وق َ‬
‫ة َ‬
‫ف‬
‫ف َ‬
‫ري ٍ‬
‫نواِئب الّزمان والح ّ‬
‫ق َ‬
‫ش ِ‬
‫وكريم ‪.‬‬
‫ه‬
‫م تُ ِ‬
‫عِني خْيــُله و ِ‬
‫إ ْ‬
‫سل ُ‬
‫ح ُ‬
‫ن لَ ْ‬
‫س َ‬
‫فمتى أ ُ‬
‫كرا ً ؟‬
‫قودُ إلى ال َ‬
‫عاِدي ع ْ‬
‫ه َ‬
‫ب إحتراما ً لشخصه ‪,‬‬
‫أهدي إليه َ‬
‫ذا الكتا َ‬
‫حب ّا ً لشماِئله ‪ ,‬وت ْ‬
‫قديرا ً لمواقفه‬
‫و ُ‬
‫و َ‬
‫فاءً لخلصه وإعتزازا ً به ‪.‬‬
‫و َ‬
‫َ‬
‫المؤلف‬

‫‪3‬‬

‫مقدمة ‪:‬‬
‫حمدًا ل على النعمة الظاهرة والباطنة كما يليق بجلله وجنابه ‪ ,‬وصلة وسلما على رسوله خير النبيين‬
‫وأشرف المرسلين ‪ ,‬ومن تمسك بسنته ‪ ,‬وعض عليها بالنواجذ ‪ ,‬واهتدى بهديه من أصحاب من أصحابه‬
‫وأهل بيته وأتباعه إلى يوم الدين ‪ .‬وبعد ‪:‬‬
‫فإنني قد إشتغلت بكتابي هذا منذ زمن غير قصير ‪ ,‬أقدم عليه تاره وأتأخر عنه أخرى ‪ ,‬مترددًا بين الحجام‬
‫والقدام ‪.‬‬
‫ولكننا لما رأينا احتياج الناس إلى معرفة هذه الفئة من الناس وأفكارها و آرائها ومعتقداتها ‪ ,‬وكونهم‬
‫مترددين متذبذبين في تقييمها ووضعها في مكانها اللئق الصحيح ‪ ,‬خرجنا من ترددنا وتذبذبنا خائفين من‬
‫وعيد ال وتهديده ‪:‬‬
‫‪2‬‬
‫‪1‬‬
‫} وإن فريقًا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون { ‪ .‬و } ول تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه {‬
‫وقوله ‪ } :‬لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون { ‪. 3‬‬
‫ويعلم ال أنه لم يكن هذا التحفظ للحفاظ على نفسي وعرضي ومالي لكونها مهددة من قبل الضالين‪ ,‬الغالين ‪,‬‬
‫والمبطلين المنتحلين ‪ ,‬الذين اكتشفنا أمرهم وكشفناه للناس واهتدينا إلى خباياهم وخفاياهم فأظهرناها أمام‬
‫الخرين ‪ ,‬وعرضنا صورتهم الحقيقية بإزالة نقاب التقية والتستر عن وجوههم ‪ ,‬وإماطة اللثام عن أسرارهم‬
‫وعقائدهم وتعاليمهم الصلية الحقيقية ‪ ,‬لن نفسي وجسمي ومالي وعرضي جعلتها فداء لوجه ربي وابتغاء‬
‫مرضاته ‪:‬‬
‫‪4‬‬
‫} إن صلتي ونسكي ومحياي ومماتي ل رب العالمين ل شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين { ‪.‬‬
‫فنفسي وعرضي ومالي فداء شريعته تعالى وسنة نبيه وصفيه ‪ ,‬خير البرية ‪:‬‬
‫فإن أبي ووالدتي وعرضي‬

‫لعرض محمد منكم وقاء‬

‫وكان ذلك مسلك أحبائه ورفاقه وتلمذته ‪ ,‬أصحابه الراشدين وآله الطاهرين والمتبعين لهم بإحسان ‪:‬‬
‫فدت نفسي وما ملكت يميني‬

‫فوارس صدقوا فيهم ظنوني‬

‫وإن التحفظ لم يكن حرصا على نفس وعرض ومال ‪ ,‬فإن لكل شيء قدرا ‪ ,‬وأن أجل ال لت } ولكل أمة أجل‬
‫فإذا جاء أجلهم ل يستأخرون ساعة ول يستقدمون { ‪ } 5‬وكان أمر ال قدرًا مقدورًا { ‪ 6‬و } كل نفس بما‬
‫كسبت رهينة { ‪. 7‬‬
‫كنت أظن أول المر أن بعض الغلة هم الذين أساءوا إلى التصوف والصوفية ‪ ,‬وأن الغلو والتطرف هو الذي‬
‫جلب عليهم الطعن وأوقعهم في التشابه مع التشيع والشيعة ‪ ,‬ولكنني وجدت كلما تعمقت في الموضوع ‪,‬‬
‫وتأملت في القوم ورسائلهم ‪ ,‬وتوغلت في جماعتهم وطرقهم ‪ ,‬وحققت في سيرهم وتراجمهم – أنه ل إعتدال‬
‫عندهم كالشيعة تماما ‪ ,‬فإن العتدال عندهم كالعنقاء في الطيور ‪ ,‬والشيعي ل يكون شيعيا إل حين يكون مغاليا‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫سورة البقرة ‪146‬‬
‫البقرة ‪. 283‬‬
‫آل عمران ‪. 71‬‬
‫النعام ‪. 163‬‬
‫العراف ‪. 34‬‬
‫الحزاب ‪. 38‬‬
‫المدثر ‪. 38‬‬

‫‪4‬‬

‫متطرفًا ‪ ,‬وكذلك الصوفي تماما ‪ ,‬فمن ل يعتقد إتصاف الخلق بأوصاف الخالق ‪ ,‬ل يمكن ان يكون صوفيا ووليا‬
‫من أولياء ال ‪.‬‬
‫ومن الطرائف أن ظني ذلك كان يجعلني ويحثني على أن أسمي مجموعة الكتابة عن المتصوفة ) التصوف‬
‫بين العتدال والتطرف ( ولكنني لما كتبت وجدت أن هذا السم ل يمكن أن يناسب تلك المجموعة من الناس‬
‫لعدم وجود العتدال مع محاولتي أن أجده لدافع عنهم وأجادل ‪ ,‬وأبرر بعض مواقفهم ‪ ,‬وأجد المعاذير للبعض‬
‫الخرى ‪ ,‬ولكني بعد قراءتي الطويلة العميقة العريضة لكتب الصوفية ومؤلفات التصوف ‪ ,‬وجدت نفسي ‪ ,‬إما‬
‫أن أجادل بغير علم ول هدى ول كتاب منير ‪ ,‬وأتبع كل شيطان مريد – ول جعلني ال منهم – وإما أن أقول‬
‫الحق ول أخاف في ال لومة لئم ‪ ,‬وأتقي ال وأكون مع الصادقين ‪ ,‬جعلني ال منهم ورزقني الستقامة‬
‫والثبات عليه ‪. ,‬‬
‫أما بعد ‪ :‬فهذا كتاب جديد نقدمه إلى القراء في موضوع جديد وقديم ‪ ,‬جديد حيث أنه يبحث عن التصوف‬
‫والصوفية ‪ ,‬وقديم لنه من نفس السلسلة التي كتبنا عنها وعاهدنا ال عز وجل أن نكتب ونتحدث عنها ‪,‬‬
‫ونتكلم فيها ‪ ,‬ونزنها بميزان الكتاب والسنة ‪ ,‬ونضعها في معيار النقد والتجزئة والتحليل ما دمنا أحياء‬
‫نستطيع الكتابة والخطابة ‪ ,‬وما دام في أنا ملنا قدرة في إمساك القلم ‪ ,‬وفي اللسان رمق للتفوه والتكلم ‪ ,‬لنؤيد‬
‫الحق وندعمه ‪ ,‬ونعلي كلمته ونرفع علمه ‪ ,‬ولنبطل الباطل ونرد عليه ‪ ,‬ولندحض شبهاته ونفند مزاعمه ‪.‬‬
‫وإننا كنا نقصد أول ما بدأنا في الكتابة عن التصوف أن نقدم دراستنا فيه بصورة كتاب متوسط الحجم ل يزيد‬
‫على ثلثمائة صفحة ‪ ,‬ويشتمل على تاريخ التصوف ‪ ,‬بدايته ‪ ,‬منشأه ومولده ‪ ,‬مصادره وتعاليمه ‪ ,‬عقائده‬
‫ونظامه ‪ ,‬سلسله وزعمائه وقادته ‪ ,‬ولكننا رأينا بعد المضي في الكتابة أن المر يتطلب أكثر من كتاب ‪,‬‬
‫وعلى القل كتابين ‪.‬‬
‫الول يشتمل على نشأة التصوف ومصادره ‪ ,‬وقّل من تطرق إليها بتفصيل ‪ ,‬وكل الكتاب الذين بحثوا التصوف‬
‫مروا عليها كعابر سبيل مع أن أهمية المصادر والمآخذ لطائفة وجماعة ل تقل عن أهمية تلك الجماعة‬
‫وأفكارها ‪ ,‬بل قد تزيد عليها بفارق كبير حيث إن المصادر والمآخذ كثيرا ما تحسم النزاع في معتقدات وعقائد‬
‫‪ ,‬وتجعل تلك المعتقدات والعقائد تابعة لتلك المصادر ‪.‬‬
‫وعلى هذا فقد فصلنا القول في ذلك ‪ ,‬في كتاب مستقل نضعه اليوم بين أيدي الباحثين والقراء راجين أن ينال‬
‫رضاهم ‪ ,‬ولعلنا سددنا بذلك ثغرة كانت في احتياج لن تسد ولو أنها تتطلب المزيد ‪ ,‬كما أننا نظن أننا في‬
‫بحثنا عن مصادر التصوف استطعنا أن نضع النقاط على الحروف ‪ ,‬وخاصة بمقارنة النصوص والعبارات عند‬
‫الخذ بالنصوص والعبارات عند المأخوذ عنه ‪ ,‬ومقارنة المقتبس بالمقتبس منه ‪ ,‬من الكتب المعتمدة‬
‫والمصادر الموثوق بها لدى الطراف المعنية كلها ‪ ,‬وخاصة في الباب الثالث عن التصوف والتشيع ‪.‬‬
‫سبقنا إلى هذا البحث من قبل بعض الباحثين الذين كتبوا في هذا الموضوع سيجد‬
‫ومع إعترافنا بأننا قد ُ‬
‫القارئ ويلحظ الباحث أننا أضفنا إليه أشياء واستدركنا عليهم أشياء كثيرة في مختصرنا هذا لم يتطرق واحد‬
‫منهم إليها ‪ ,‬مع المقارنة الواضحة ‪ ,‬والمشابهة الصريحة ‪ ,‬والموافقات الجليلة ‪ ,‬والنصوص الكثيرة من كل‬
‫الطرفين بدون تصنع وتكلف واستنتاج بعيد واستشهاد شارد غريب ‪ ,‬وأعرضنا عن الشياء التي كان يمكن‬
‫إيداعها وإيرادها في هذا المبحث ‪ ,‬ولكن بالكلفة والستنباط فاخترنا ما ل يسع أحد إنكاره ‪.‬‬
‫فنحن إستدركنا على السابقين مباحث هي أكثر أهمية وأكبر وزنا وأعظم شأنا مما اشتركنا في إيرادها ‪ ,‬ولم‬
‫يذكروها البتة ‪ ,‬من إشتراك الشيعة والصوفية في إجراء النبوة بعد محمد صلوات ال وسلمه عليه ‪ ,‬ونزول‬
‫الوحي ‪ ,‬وإتيان الملئكة ‪ ,‬وتكليم ال إياهم ‪ ,‬وعدم خلو الرض من شخص به ثبات الرض ووجودها ‪ ,‬وعدم‬
‫قبول العبادة بدونه ‪ ,‬وتفضيل الوصي على النبي و ونسخ الشريعة ‪ ,‬ورفع التكاليف ‪ ,‬وإباحة المحظورات‬
‫وإتيان المنكرات وغيرها من المواضيع الهامة العديدة ‪ ,‬فالحمد ل على ذلك ‪.‬‬

‫‪5‬‬

‫وكذلك يجد القارئ في الباب الثاني من هذا الكتاب عند بحثنا عن المسيحية باعتبارها أحد المصادر الهامة‬
‫للتصوف أننا قد انفردنا بإيراد نصوص مسيحية أصلية لمقارنتها بالنصوص الصوفية شهادة على الخذ‬
‫والمأخوذ عنه ‪.‬‬
‫وقد إخترنا في هذا المبحث مسلكا ذا أبعاد ثلثة ‪:‬‬
‫أول ‪ :‬ل نكتفي بإيراد النص الصوفي بل نورد معه النص الذي يشابهه من الديانات الخرى على خلف ما‬
‫تعوده الكّتاب الثقة منهم بأن القارئ والباحث يعرف ذلك ‪ ,‬فليس بضروري أن يكون القارئ متخصصا في هذا‬
‫الموضوع حتى يكون له إلمامة بنصوص تلك الديانات ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬أوردنا تأييدات من قبل الباحثين والكتاب من المسلمين والمستشرقين الذين إشتغلوا في دراسة‬
‫التصوف بإعتبارها شهادات خارجية بعد الشهادات الداخلية الناتجة من مقارنة النصوص نفسها ‪.‬‬
‫وثالثا ‪ :‬جمع النصوص من المتصوفة المتقدمين والمتأخرين المشهورين بالعتدال والموثوق لدى العامة ‪,‬‬
‫وكذلك نصوص الخرين من المتصوفة غير المعتدلين وغير الغلة أيضا ‪.‬‬
‫وحاولنا أن تكون هذه النصوص من الكتب المختلفة والمتفاوتة زمنا ومنهجا كي يكون الموضوع شامل‬
‫وكامل ‪ ,‬وافيا شافيا قدر الستطاعة ‪ ,‬وعلة لم يجتمع هذا العدد من النصوص في مختصر آخر مثل مختصرنا‬
‫هذا ‪.‬‬
‫فالحمد ل الذي بتوفيقه ومدده وتأييده تتم العمال وهو ولي الهداية والرشاد ‪.‬‬
‫ويجدر بنا أن نذكر ههنا أن الكتاب الثاني سيشمل على عقائد وتعاليم صوفية كما يشمل هذا الكتاب على أصلها‬
‫ومنشأها ومصادرها و وليس معنى هذا أن هذا الكتاب خال عن معتقداتهم ‪ ,‬بل ان أعظم قسط منه يشمل على‬
‫العقائد والمعتقدات وإننا لم نبحث عن مصادر التصوف ومآخذه تاريخيا وسردنا لذلك شهادات وتوثيقات ‪ ,‬بل‬
‫أوردنا فيما أوردنا عقائد القوم ‪ ,‬الخاصة بهم ‪ ,‬وتعاليمهم التي إمتازوا بها عن غيرهم ‪ ,‬ثم ذكرنا عمن أخذوا‬
‫هذه المعتقدات ‪ ,‬وأقتبسوا هذه التعاليم ‪ ,‬واحدة بعد واحدة على أنها شهادات داخلية ‪ ,‬فعلى ذلك هذا الكتاب مع‬
‫عنوانه ) المنشأ والمصادر ( لم يبحث في الحقيقة والصل إل العقائد والمعتقدات ‪ ,‬بهذا ل يكون هذا الكتاب‬
‫موضوعيا صرف ‪ ,‬بل يؤدي رسالته لبيان حقيقة هذه العصابة من الناس وكنهها ولرجاع المور إلى نصابها‬
‫‪ ,‬ووضع الشياء في محلها ومقاديرها ‪ ,‬وذلك هو العدل ‪.‬‬
‫والنقطة الخرى التي أشرنا إليها قبل قليل ‪ ,‬ونريد أن نركز عليها هي أننا ما بنينا حكمنا ‪ ,‬ول وضعنا‬
‫احتجاجنا واستدللنا إل على المتصوفة المشهورين المعروفين ‪ ,‬والموثوق بهم المعتدلين لدى الجميع ‪ ,‬وذلك‬
‫أيضا استشهادا ‪ ,‬ل استدلل ‪ ,‬كما يلحظ الباحث أننا لم نورد في كل هذا القسم من الحلج ‪ ,‬ول من طائفته‬
‫وجماعته رواية واحدة ‪ ,‬ل استدلل ول استشهادا ‪ ,‬كي ل يتهمنا متهم أننا اخترنا الغلة ورواياتهم للحكم على‬
‫التصوف ‪ ,‬لنه في رأينا كما قلنا آنفا ل إعتدال في التصوف ولدى المتصوفة ‪ ,‬اللهم إل الزهاد الوائل فإنهم‬
‫ليسوا منهم ‪ ,‬ول هؤلء من أولئك ‪.‬‬
‫فإن التصوف امر زائد وطارئ على الزهد ‪ ,‬وله كيانه وهيئته ‪ ,‬ونظامه وأصوله ‪ ,‬قواعده وأسسه ‪ ,‬كتبه‬
‫ومؤلفاته ورسائله ومصنفاته ‪ ,‬كما أن له رجال وسدنة وزعماء وأعيانا ‪.‬‬
‫فإن الزهد عبارة من ترجيح الخرة على الدنيا ‪ ,‬والتصوف اسم لترك الدنيا تماما ‪.‬‬
‫والزهد هو تجنب الحرام ‪ ,‬والقتصاد في الحلل ‪ ,‬والتمتع بنعم ال بالكفاف ‪ ,‬وإشراك الخرين في آلء ال‬
‫ونعمه وخدمة الهل والخوان والخلن ‪.‬‬

‫‪6‬‬

‫والتصوف تحريم الحلل ‪ ,‬وترك الطيبات ‪ ,‬والتهرب من الزواج ومعاشرة الهل والخوان ‪ ,‬وتعذيب النفس‬
‫بالتجوع والتعري والسهر ‪.‬‬
‫فالزهد منهج وسلوك مبني على الكتاب و السنة ‪ ,‬وليس التصوف كذلك ‪ ,‬لذلك إحتيج لبيانه إلى ) التعرف‬
‫لمذهب أهل التصوف ( و ) قواعد التصوف ( و ) الرسالة القشيرية ( و ) اللمع ( و) قوت القلوب ( و‬
‫) قواعد التصوف ( و ) عوارف المعارف ( وغيرها من الكتب ‪ ,‬وسيأتي تفصيل ذلك في الكتاب القادم إن شاء‬
‫ال ‪.‬‬
‫فعندما نكتب نكتب عن هذا المذهب أي مذهب التصوف ل عن الزهد ‪ ,‬لن الزهد كما ورد في حديث الترمذي‬
‫) ليس الزهد بتحريم الحلل ‪ ,‬ول إضاعة المال ولكن الزهد أن تكون بما في يد ال أوثق بما في يدك ‪ ,‬وأن‬
‫تكون في ثواب المصيبة إذا أصبت أرغب منك فيها لو أنها بقيت لك ( لن ال تعالى يقول ‪ } :‬لكيل تأسوا على‬
‫ما فاتكم ول تفرحوا بما آتاكم { ‪. 1‬‬
‫وهذا المر أي عدم وجود العتدال في التصوف ينطبق على التشيع ‪ ,‬وهذا هو القدر الخر المشترك بينهما‬
‫لننا في بحثنا الطويل في التشيع لم نجد طائفة يمكن أن توصف بالعتدال ‪ ,‬فالغلو والتطرف من لوازم مذهب‬
‫التشيع كما قاله الرجالي الشيعي المشهور ‪ ,‬المامقاني في تنقيحه ‪ ,‬فكذلك التصوف ل يعرف إل الغلو‬
‫والتطرف ‪.‬‬
‫فال أسأل أن يجعلنا أمة وسطا حقا ومن الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ‪ ,‬يتمسكون بكتاب ربهم وسنة‬
‫نبيهم ‪ ,‬ويعضون عليها بالنواجذ ‪ ,‬ويدافعون عن حرمات ال وحرمات رسوله ‪ ,‬وأعراض أصحاب محمد وأهل‬
‫بيته ‪ ,‬ويذبون عن المسلك القويم المستقيم ومنهج السلف الصالحين ‪ ,‬ويردون كيد الضالين المنحرفين ‪,‬‬
‫ومكر المبطلين المنتحلين ‪ ,‬ل يهابون جموعهم المتكاثرة ‪ ,‬وأحزابهم المتكالبة ‪ ,‬وفرقهم المعاضد بعضها‬
‫ن َف َ‬
‫ل‬
‫شَرَكاءُكْم ُثّم ِكيُدو ِ‬
‫عوْا ُ‬
‫بعضا ‪ ,‬ويقولون للغاضبين الناقمين الحاسدين ما قاله أصفياء ال وأخياره } ُقِل اْد ُ‬
‫ن ‪ 2{ 196‬وآخر دعوانا أن الحمد ل رب‬
‫حي َ‬
‫صالِ ِ‬
‫ب َوُهَو َيَتَوّلى ال ّ‬
‫ل اّلِذي َنّزَل اْلِكَتا َ‬
‫يا ّ‬
‫ن َوِلّيـ َ‬
‫ن ‪ِ 195‬إ ّ‬
‫ظُرو ِ‬
‫ُتن ِ‬
‫العالمين ‪.‬‬

‫إحسان إلهي ظهير‬
‫ابتسام كاتيج – شادمان – ل هور‬
‫فبراير ‪ 1986‬الموافق‬
‫جمادى الخرة ‪1406‬هـ‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫فتاوى شيخ السلم ج ‪ 10‬ص ‪ 641‬ط الرياض‬
‫العراف ‪196- 195‬‬

‫‪7‬‬

‫الباب الول‬

‫وَراته‬
‫ف نشأته ‪ ,‬ت َِاري ُ‬
‫و ُ‬
‫الت ّ َ‬
‫وت َطَ ّ‬
‫خه َ‬
‫ص ّ‬
‫الفصل الول‬
‫إن السلم دين البساطة ودين الفطرة التي فطر الناس عليها ‪ ,‬أنزله ال على قلب سيد الخلق لهداية البشر ‪.‬‬
‫ن ‪. 1 { 33‬‬
‫شِرُكو َ‬
‫ن ُكّلِه َوَلْو َكِرَه اْلُم ْ‬
‫عَلى الّدي ِ‬
‫ظِهَرُه َ‬
‫ق ِلُي ْ‬
‫ح ّ‬
‫ن اْل َ‬
‫سوَلُه ِباْلُهَدى َوِدي ِ‬
‫سَل َر ُ‬
‫} هَُو اّلِذي َأْر َ‬
‫وأمر سبحانه جل وعل أن يتمسك به ‪ ,‬ويقدمه إلى الناس ليعرفوه ويتمسكوا به بدورهم ‪.‬‬
‫وأنه عبارة عن القرار بوحدانية ال عز وجل ل شريك له ‪ ,‬والشهادة بأن محمدا عبده ورسوله صلوات ال‬
‫وسلمه عليه ‪ ,‬وإقامة الصلوات الخمس ‪ ,‬وإيتاء الزكاة بعد مرور عام على ملك النصاب ‪ ,‬وكذلك صوم شهر‬
‫رمضان من اثني عشر شهرا ‪ ,‬وحج البيت إن إستطاع إليه سبيل ‪ ,‬كما ورد في حديث جبريل عليه الصلة‬
‫والسلم أنه جاء يوما من اليام يسأل النبي صلى ال عليه وسلم السلم ‪ ,‬فقال ‪:‬‬
‫) السلم أن تشهد أن ل إله إل ال وأن محمد رسول ال ‪ ,‬وتقيم الصلة ‪ ,‬وتؤتي الزكاة ‪ ,‬وتصوم رمضان ‪,‬‬
‫وتحج البيت إن إستطعت إليه سبيل ( ‪. 2‬‬
‫أو كما ورد في حديث أعرابي جاء صلوات ال وسلمه عليه فقال له ‪ ) :‬دلني على عمل إذا عملته دخلت‬
‫الجنة( ‪.‬‬
‫قال ‪ ) :‬تعبد ال ول تشرك به شيئا ‪ ,‬وتقيم الصلة المكتوبة ‪ ,‬وتؤتي الزكاة المفروضة ‪ ,‬وتصوم رمضان ( ‪,‬‬
‫قال ‪ ) :‬والذي نفسي بيده ل أزيد على هذا شيئا ول أنقص منه ( ‪ ,‬فلما وّلى ‪ ,‬قال النبي صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ ) :‬من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا ( ‪. 3‬‬
‫أو بتعبير آخر أن السلم يعّبر عن التمسك بأوامر ال وأوامر رسوله صلى ال عليه وسلم ‪ ,‬واجتناب ما نهى‬
‫ال عنه ورسوله صلى ال عليه وسلم ‪,‬وقضاء حياة مثل ما قضاها رسول ال ‪ ,‬واختيار الطرق والسنن التي‬
‫اختارها أصحاب رسول ال صلوات ال وسلمه عليه كما أمر به الرب تبارك وتعالى في كلمه المحكم ‪:‬‬

‫َ‬
‫عل ّ ُ‬
‫سـو َ‬
‫ن ‪{ 132‬‬
‫}أ ِ‬
‫مو َ‬
‫م ت ُـْر َ‬
‫ل َلـ َ‬
‫طي ـ ُ‬
‫وال ـّر ُ‬
‫ح ُ‬
‫كـ ْ‬
‫عوا ْ الـّلـ َ‬
‫ه َ‬

‫‪4‬‬

‫عن ْه َ‬
‫َ‬
‫ن ‪{ 20‬‬
‫و}أ ِ‬
‫عو َ‬
‫م ُ‬
‫طي ُ‬
‫م تَ ْ‬
‫وَر ُ‬
‫س َ‬
‫وأنت ُ ْ‬
‫سول َ ُ‬
‫عوا ْ الل ّ َ‬
‫وا َ ُ َ‬
‫ول ّ ْ‬
‫ول َ ت َ َ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬

‫‪5‬‬

‫ع َ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫من ي ُ َ‬
‫ب ‪{ 13‬‬
‫ديدُ ال ْ ِ‬
‫شا ِ‬
‫ش ِ‬
‫فإ ِ ّ‬
‫وَر ُ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫سول َ ُ‬
‫ق الل ّ َ‬
‫و} َ‬
‫قا ِ‬
‫ه َ‬
‫ق ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه َ‬
‫دا‬
‫م َ‬
‫فأ ّ‬
‫خال ِ ً‬
‫ه َناَر َ‬
‫من ي ُ َ‬
‫م يَ ْ‬
‫ج َ‬
‫وَر ُ‬
‫هن ّ َ‬
‫ن لَ ُ‬
‫سول َ ُ‬
‫حاِدِد الل ّ َ‬
‫ه َ‬
‫موا ْ أن ّ ُ‬
‫عل َ ُ‬
‫و } أل َ ْ‬
‫ه َ‬
‫‪7‬‬
‫ها ذَل ِ َ‬
‫م ‪{ 63‬‬
‫ك ال ْ ِ‬
‫ِ‬
‫ع ِ‬
‫ي ال ْ َ‬
‫في َ‬
‫ظي ُ‬
‫خْز ُ‬
‫‪6‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫التوبة الية ‪33‬‬
‫رواه مسلم‬
‫متفق عليه‬
‫آل عمران ‪132‬‬
‫النفال ‪20‬‬
‫النفال ‪13‬‬
‫التوبة ‪63‬‬

‫‪8‬‬

‫ه َ‬
‫ل َ‬
‫سو ُ‬
‫خ ُ‬
‫هوا {‬
‫ف ُ‬
‫م َ‬
‫فانت َ ُ‬
‫ما ن َ َ‬
‫م الّر ُ‬
‫عن ْ ُ‬
‫هاك ُ ْ‬
‫و َ‬
‫ما آَتاك ُ ُ‬
‫و َ‬
‫ذوهُ َ‬
‫و} َ‬

‫‪8‬‬

‫فاَز َ‬
‫قدْ َ‬
‫ف َ‬
‫ه َ‬
‫ما ‪{ 71‬‬
‫وًزا َ‬
‫ع ِ‬
‫من ي ُطِ ْ‬
‫وَر ُ‬
‫ظي ً‬
‫سول َ ُ‬
‫ع الل ّ َ‬
‫و َ‬
‫ف ْ‬
‫ه َ‬
‫} َ‬

‫‪2‬‬

‫قدْ َ‬
‫و } لَ َ‬
‫م‬
‫كا َ‬
‫ن ل َك ُ ْ‬
‫خَر‬
‫م اْل ِ‬
‫و َ‬
‫الل ّ َ‬
‫وال ْي َ ْ‬
‫ه َ‬

‫ه‬
‫ِ‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫في َر ُ‬
‫سو ِ‬
‫ه ك َِثيًرا‬
‫وذَك ََر الل ّ َ‬
‫َ‬

‫ُ‬
‫من َ‬
‫جو‬
‫سن َ ٌ‬
‫كا َ‬
‫ن ي َْر ُ‬
‫وةٌ َ‬
‫ح َ‬
‫أ ْ‬
‫ة لّ َ‬
‫س َ‬
‫‪3‬‬
‫‪{ 21‬‬

‫َ‬
‫ما ُ‬
‫فأ ُن َب ّئ ُ ُ‬
‫م َ‬
‫سِبي َ‬
‫م‬
‫ج ُ‬
‫ن أَنا َ‬
‫وات ّب ِ ْ‬
‫ع َ‬
‫م ْ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫كم ب ِ َ‬
‫عك ُ ْ‬
‫ي َ‬
‫ي ثُ ّ‬
‫ل َ‬
‫مْر ِ‬
‫و} َ‬
‫م إ ِل َ ّ‬
‫ب إ ِل َ ّ‬
‫‪4‬‬
‫ن ‪. { 15‬‬
‫مُلو َ‬
‫تَ ْ‬
‫ع َ‬
‫وأوامر ال ورسوله ‪ ,‬وكذلك نواهي ال ونواهي رسوله موجودة محفوظة في الكتاب والسنة ‪ ,‬والكتاب‬
‫المنزل على سيد البشر وخاتم النبياء والرسل صلوات ال وسلمه عليه ‪ ,‬المعبر عنه بالذكر الحكيم والفرقان‬
‫الحميد والقرآن المجيد ‪ ,‬الذي جعله ال شفاء وهدى ورحمة للمؤمنين ‪ ,‬وسنة رسول ال المعبر عنها‬
‫بالحكمة في قوله جل وعل ‪ } :‬ويعلمكم الكتاب والحكمة { وبالحديث النبوي الشريف ‪ ,‬ما ثبت عنه وصح من‬
‫أقواله وأفعاله وتقريراته ‪ ,‬الكتاب والسنة اللذين ذكرهما الرسول صلى ال عليه وسلم في قوله حيث حّرض‬
‫أمته ‪ ,‬وحثهم على التمسك والتشبث بهما قائل ‪ ) :‬تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب ال‬
‫وسنة رسوله ( ‪. 5‬‬
‫ثم رّبى أصحابه وتلمذته في ظلهما وضوئهما تربية نموذجية لكي يكونوا قدوة لمن يأتي بعدهم إلى يوم‬
‫القيامة ‪ ,‬ومثل عليا لمن أراد أن يهتدي بهدي ال جل وعل وهدى رسوله صلى ال عليه وسلم ‪ .‬فكانوا‬
‫صورة حية لتعاليم الرب تبارك وتعالى وإرشادات رسوله صلى ال عليه وسلم متبعين مقتدين ‪ ,‬غير مبتدعين‬
‫محدثين ‪ ,‬متقدمين بين يدي ال ورسوله ‪ ,‬مبتغين مرضات ال ‪ ,‬ومقتفين آثار رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫مهتدين بهديه ‪ ,‬سالكين بمسلكه ‪ ,‬منتهجين منهجه ‪ ,‬غير باغين ول عادين ‪ ,‬ول مفرطين ول مفّرطين في‬
‫أمور دينهم ودنياهم ‪ } :‬أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده { ‪. 6‬‬
‫وكان خيار هؤلء كلهم ‪ -‬وكلهم خيار الخلق أجمعين – أصحاب بيعة الرضوان الذين بايعوا رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم على الموت وهم في الحديبية ‪ ,‬فأنزل ال لهم البشرى برضوانه وجعل يده فوق أيديهم ‪:‬‬

‫} لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة { ‪. 7‬‬
‫و } إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم {‬
‫‪.8‬‬

‫وفاقهم في المنزلة والشأن أهل بدر ‪ ,‬الذين اطلع ال عليهم فقال ‪ ) :‬اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة (‬
‫‪.9‬‬
‫وزاد على هؤلء فضل ومنقبة ومكانة من رفعهم ال بتبشيره إياهم بالجنة واحدا واحدا بالسم والمسمى‬
‫على لسان نبيهم الناطق بالوحي ‪ ,‬الذي ل ينطق عن الهوى إن هو أل وحي يوحى ‪ ,‬الصادق المصدوق‬
‫‪8‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬
‫‪9‬‬

‫الحشر ‪7‬‬
‫الحزاب ‪71‬‬
‫الحزاب ‪21‬‬
‫لقمان ‪15‬‬
‫رواه مالك في الموطأ‬
‫النعام ‪90‬‬
‫الفتح ‪18‬‬
‫الفتح ‪10‬‬
‫متفق عليه‬

‫‪9‬‬

‫صلوات ال وسلمه عليه ‪ ,‬العشرة المبشرة } لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي‬
‫الخرة ل تبديل لكلمات الله ‪ ,‬وذلك هو الفوز العظيم { ‪.‬‬
‫ولو أنه زادهم رفعة وعظمة من قال في حقهما سيدنا علي بن أبي طالب رضي ال عنه ‪ ) :‬خير الخلئق بعد‬
‫نبي ال أبو بكر ثم عمر ( ‪. 1‬‬
‫فمن أراد أن يرى السلم المتجسد في شخصهم ‪ ,‬وذواتهم ‪ ,‬وخلقهم ‪ ,‬وعاداتهم ‪ ,‬وأقوالهم ‪ ,‬وأفعالهم ‪,‬‬
‫فلينظر إلى هؤلء ‪ ,‬فإنهم كانوا ممثلي السلم الصحيح ‪ ,‬الكامل ‪ ,‬غير المشوب بشوائب البدع والمحدثات ‪,‬‬
‫والخرافات والضللات التي لحقت السلم بعد أدوار وأطوار ‪ ,‬فإنهم كانوا تلمذة المدرسة السلمية الولى‬
‫التي كان أستاذها والمعلم فيها سيد ولد آدم ‪ ,‬المحفوظ بحفظ ال ‪ ,‬والمعصوم بعصمة ال ‪ ,‬والمؤيد بوحي ال‬
‫‪ ,‬والهادي إلى الصراط المستقيم صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫ولجل ذلك حصر ال رضاه والدخول في الجنة لمتبعيهم بإحسان لكل من يأتي بعدهم ‪ } ,‬والذين اتبعوهم‬
‫بإحسان رضي ال عنهم ورضوا عنه { ‪. 2‬‬
‫فهم أولياء ال الذين ل خوف عليهم ول هم يحزنون لنهم هم الذين حبب إليهم اليمان وكَره إليهم الكفر‬
‫والفسوق والعصيان وأولئك هم الراشدون ‪.‬‬
‫وهم القدوة الحسنة والمحك والمعيار لمعرفة الحق من الباطل ‪ ,‬والهدى من الزيغ والضلل ‪.‬‬
‫فكل عمل يخالف عملهم وكل قول يعارض قولهم ‪ ,‬وكل طريق في الحياة يناهض طريقهم مردود مرفوض‬
‫مطرود ‪ ,‬لنهم شاهدوا من رسول ال ما لم يشاهده غيرهم ‪ ,‬وسمعوا من نبي ال ما لم يسمعه الخرون ‪,‬‬
‫ورباهم من لم يرب هؤلء ‪ ,‬وتتلمذوا على من لم يتتلمذ عليه أولئك ‪ ,‬فهم أشبه الناس في أقوالهم وأفعالهم ‪,‬‬
‫وأخلقهم وعاداتهم ‪ ,‬وعباداتهم ومعاملتهم ‪ ,‬ومعاشرتهم ومعاشهم برسول ال صلوات ال وسلمه عليه من‬
‫غيرهم ‪ ,‬فلذلك ُأمر المؤمنون باتباعهم ‪ ,‬وإلى ذلك أشار نبي الرحمة صلى ال عليه وسلم في قوله ) ما أنا‬
‫عليه وأصحابي ( حيث جعلهم معه على طريقة واحدة ومنهج واحد ‪ ,‬ولم ُيدخل في هذا الختصاص أحد‬
‫غيرهم ولم يخصهم بهذه المزية والفضيلة إل بأمر من ال وإيعازه حيث أنزل عليه في محكم كتابه أن يقول ‪:‬‬
‫} قل هذه سبيلي أدعو إلى ال على بصيرة أنا ومن اتبعني { ‪. 3‬‬
‫ولم يرد من قوله ) ومن اتبعني ( آنذاك إل صحابه ورفاقه ‪ ,‬تلمذته الراشدين و أوفيائه الصادقين ‪ ,‬الهادين‬
‫المهديين رضي ال عنهم أجمعين ‪.‬‬
‫ففي ضوء الكتاب والسنة ‪ ,‬وأسوة الرسول وسيرته ‪ ,‬وعمل أصحابه وحياتهم توضع وتوزن أعمال المسلمين‬
‫المتخلفين وأقوال من جاء بعدهم ‪ ,‬فما وجد لها سند ودليل يحكم عليها بالصحة والصواب ‪ ,‬قطع النظر عمن‬
‫صدرت عنه ‪ ,‬وممن وردت ‪.‬‬
‫وما لم يعاضدها الكتاب ولم تناصرها السنة ‪ ,‬ولم يوجد لها أثر في حياة الصحابة وأفعالهم يحكم عليها‬
‫بالفساد والبطلن ‪ ,‬سواء وردت من صغير أو كبير ‪ ,‬تقي أو شقي ‪ ,‬لن ) أحسن الكتاب كتاب ال ‪ ,‬وخير‬
‫‪4‬‬
‫المور أوسطها ‪ ,‬وشر المور محدثاتها ‪ ,‬وكل محدثة بدعة ‪ ,‬وكل بدعة ضللة ‪ ,‬وكل ضللة في النار ( ‪.‬‬
‫وقال عليه الصلة والسلم ‪ ) :‬من أحدث في أمرنا هذا ماليس منه فهو رد ( ‪. 5‬‬
‫وإن المسلمين لملزمون أن يؤمنوا بأن ال لم يترك خيرا لمة محمد صلى ال عليه وسلم إل وقد بينه لرسوله‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ ,‬ول شرا إل وقد نبهه عليه ‪ ,‬ثم رسول ال صلى ال عليه وسلم لم يكتم بيانه ‪ ,‬ولم‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫هذا الحديث رواه البخاري عن علي ‪ ,‬وأطرف من ذلك أن هذا الحديث ورد في كتب الشيعة أيضا – أنظر لذلك كتابنا الشيعة وأهل البيت ‪.‬‬
‫التوبة ‪10‬‬
‫يوسف ‪108‬‬
‫رواه أبو داوود‬
‫متفق عليه‬

‫‪10‬‬

‫صر في تبليغه إلى الناس ‪ ,‬فأخبر الخلق بكل ما أخبر عن ال عز وجل لصلحهم وفلحهم ‪ ,‬ولم يخ ّ‬
‫ص‬
‫يق ّ‬
‫‪1‬‬
‫ن{ ‪.‬‬
‫ضِني ٍ‬
‫ب ِب َ‬
‫عَلى اْلَغْي ِ‬
‫شخصا دون شخص } َوَما ُهَو َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ز َ‬
‫سو ُ‬
‫ل‬
‫ل ب َل ّ ْ‬
‫ها الّر ُ‬
‫وكان مأمورا من ال بأن يبلغ كل ما نزل إليه ‪ ,‬قال تعالى ‪َ } :‬يا أي ّ َ‬
‫غ َ‬
‫ما أن ِ‬

‫م َ‬
‫من ّرب ّ َ‬
‫إ ِل َي ْ َ‬
‫ل َ‬
‫م تَ ْ‬
‫ع ْ‬
‫ن‬
‫ما ب َل ّ ْ‬
‫ك ِ‬
‫ع ِ‬
‫ك ِ‬
‫ه يَ ْ‬
‫ف َ‬
‫غ َ‬
‫ر َ‬
‫م َ‬
‫ص ُ‬
‫والل ّ ُ‬
‫سال َت َ ُ‬
‫ف َ‬
‫وِإن ل ّ ْ‬
‫ه َ‬
‫ك َ‬
‫ت ِ‬
‫م ال ْ َ‬
‫دي ال ْ َ‬
‫ن {‪.2‬‬
‫كا ِ‬
‫ه ِ‬
‫س إِ ّ‬
‫و َ‬
‫ه ل َ يَ ْ‬
‫ري َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ق ْ‬
‫ف ِ‬
‫الّنا ِ‬

‫وكما أن المسلمين مطالبون أيضا أن يؤمنوا بأن الدين قد كمل في حياة رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ ,‬ولم‬
‫لَم ِديًنا { ‪. 3‬‬
‫سَ‬
‫ت َلُكُم اِل ْ‬
‫ضي ُ‬
‫عَلْيُكْم ِنْعَمِتي َوَر ِ‬
‫ت َلُكْم ِديَنُكْم َوَأْتَمْمتُ َ‬
‫يتوفه ال إل بعد إتمام السلم } اْلَيْوَم َأْكَمْل ُ‬
‫ومن يعتقد أن شيئا من الدين لو صغيرا بقي ولم ينزله ال على نبيه ‪ ,‬أو لم يبينه صلوات ال وسلمه عليه‬
‫فإنه ل يؤمن بكمال الدين على رسوله صلى ال عليه وسلم ‪ ,‬ول تمام السلم في حياته ‪ ,‬لنه بدون هذا‬
‫ينقص الدين ول يكمل ‪ ,‬وهذا معارض لقول ال عز وجل ‪ ,‬ومناف لختم نبوة محمد صلوات ال عليه وسلمه‬
‫عليه ‪.‬‬
‫ويتضح بذلك جليا أنه ل بد من العتقاد أن كل شيء ل يوجد في كتاب ال وسنة رسوله صلى ال عليه وسلم‬
‫فليس من الدين ‪ -‬وهو محدث وبدعة وضللة ‪ ,‬وهذا هو الصحيح الثابت عن ال وعن رسوله – أما اعتقاد‬
‫أنه من الدين وأن الدين لم يكمل بعج ‪ ,‬فهذا هو عين الكفر والضللة ‪ ,‬وقائله ليس من المؤمنين والمسلمين‬
‫حَيى‬
‫عن َبّيَنٍة َوَي ْ‬
‫ك َ‬
‫ن َهَل َ‬
‫ك َم ْ‬
‫بالتفاق ‪ ,‬فل بد من أحد المرين ‪ ,‬إما هذا أو ذلك ‪ ,‬ول يمكن الجمع بينهما } ّلَيْهِل َ‬
‫ل ِبَما َتْعَمُلو َ‬
‫ن‬
‫ن َوا ُّ‬
‫خَلَقُكْم َفِمنُكْم َكاِفٌر َوِمنُكم ّمْؤِم ٌ‬
‫عِليٌم { ‪ . 4‬و } ُهَو اّلِذي َ‬
‫سِميٌع َ‬
‫ل َل َ‬
‫نا ّ‬
‫عن َبّيَنٍة َوِإ ّ‬
‫ي َ‬
‫حّ‬
‫ن َ‬
‫َم ْ‬
‫‪5‬‬
‫صيٌر { ‪.‬‬
‫َب ِ‬
‫ومن هذا المنظور والرؤية نرى التصوف ‪ ,‬وننظر في الصوفية ‪ ,‬ونبحث في وقواعده وأصوله ونحقق أسسه‬
‫ومبادئه ‪ ,‬ومناهجه ومشاربه ‪ ,‬هل لها أصل في القرآن والسنة ‪ ,‬أو سند في خيار خلق ال أصحاب رسول ال‬
‫الذين هم أولياء ال الحقيقيون الولون من أمة محمد ‪ ,‬الذين ل خوف عليهم ولهم يحزنون ‪.‬‬
‫ن حَّقا ّلُهم ّمْغِفَرٌة‬
‫ك ُهُم اْلُمْؤِمُنو َ‬
‫صُروْا ُأوَلـِئ َ‬
‫ن آَووْا ّونَ َ‬
‫ل َواّلِذي َ‬
‫سِبيِل ا ّ‬
‫جاَهُدوْا ِفي َ‬
‫جُروْا َو َ‬
‫ن آَمُنوْا َوَها َ‬
‫} َواّلِذي َ‬
‫‪6‬‬
‫ق َكِريٌم {‬
‫َوِرْز ٌ‬

‫َ‬
‫م‬
‫دوا ْ ِ‬
‫جا َ‬
‫و َ‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫و } ال ّ ِ‬
‫ه ُ‬
‫و َ‬
‫ها َ‬
‫في َ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ب ِأ ْ‬
‫نآ َ‬
‫م َ‬
‫سِبي ِ‬
‫جُروا ْ َ‬
‫مُنوا ْ َ‬
‫وال ِ ِ‬
‫عند الل ّه ُ‬
‫ول َئ ِ َ‬
‫م ال ْ َ‬
‫وَأن ُ‬
‫ن ‪20‬‬
‫م أَ ْ‬
‫ج ً‬
‫ك ُ‬
‫ف ِ‬
‫فائ ُِزو َ‬
‫ة ِ َ‬
‫م دََر َ‬
‫ه ُ‬
‫عظ َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫وأ ْ‬
‫ِ َ‬
‫َ‬
‫س ِ‬
‫ّ‬
‫ي ُب َ ّ‬
‫م‬
‫م ِ‬
‫ها ن َ ِ‬
‫م ِ‬
‫شُر ُ‬
‫ر ْ‬
‫جّنا ٍ‬
‫م ٍ‬
‫و َ‬
‫هم ب َِر ْ‬
‫في َ‬
‫تل ُ‬
‫م َرب ّ ُ‬
‫قي ٌ‬
‫م ّ‬
‫عي ٌ‬
‫ه ْ‬
‫من ْ ُ‬
‫ة ّ‬
‫ح َ‬
‫ه ْ‬
‫ن َ‬
‫وا ٍ‬
‫ض َ‬
‫ه َ‬
‫و ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫‪7‬‬
‫م ‪{ 22‬‬
‫‪َ 21‬‬
‫جٌر َ‬
‫ه ِ‬
‫ن ِ‬
‫ع ِ‬
‫خال ِ ِ‬
‫دا إ ِ ّ‬
‫عندَهُ أ ْ‬
‫ها أب َ ً‬
‫في َ‬
‫دي َ‬
‫ظي ٌ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ُ‬
‫و} َ‬
‫ز َ‬
‫ل‬
‫و َ‬
‫عوا ْ الّنوَر ال ّ ِ‬
‫مُنوا ْ ب ِ ِ‬
‫فال ّ ِ‬
‫وات ّب َ ُ‬
‫ذي َ‬
‫ذ َ‬
‫نآ َ‬
‫ون َ َ‬
‫صُروهُ َ‬
‫عّزُروهُ َ‬
‫ه َ‬
‫ي أن ِ‬
‫مع ُ‬
‫وَلـئ ِ َ‬
‫م ْ‬
‫ن {‪.8‬‬
‫ك ُ‬
‫حو َ‬
‫فل ِ ُ‬
‫م ال ْ ُ‬
‫ه ُ‬
‫َ َ ُ‬
‫هأ ْ‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬

‫التكوير ‪24‬‬
‫المائدة ‪67‬‬
‫المائدة ‪3‬‬
‫النفال ‪42‬‬
‫التغابن ‪2‬‬
‫النفال ‪74‬‬
‫التوبة ‪22 , 21 ,20‬‬
‫العراف ‪157‬‬

‫‪11‬‬

‫فإن كان كذلك فعلى المؤمنين كافة القرار والتسليم ‪ ,‬والتمسك واللتزام ‪ ,‬وليس لهم الخيار في الترك أو‬
‫ضى الل ّه ورسول ُ َ‬
‫ما َ‬
‫ذا َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ة إِ َ‬
‫مًرا‬
‫ق َ‬
‫من َ ٍ‬
‫ؤ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫كا َ‬
‫ُ َ َ ُ‬
‫هأ ْ‬
‫ُ‬
‫وَل ُ‬
‫ن لِ ُ‬
‫و َ‬
‫ن َ‬
‫القبول ‪َ } ,‬‬
‫م ٍ‬

‫َ‬
‫َأن ي َ ُ‬
‫ف َ‬
‫ه َ‬
‫د‬
‫م ال ْ ِ‬
‫ر ِ‬
‫خي ََرةُ ِ‬
‫كو َ‬
‫ق ْ‬
‫من ي َ ْ‬
‫وَر ُ‬
‫ن لَ ُ‬
‫م ْ‬
‫سول َ ُ‬
‫ص الل ّ َ‬
‫و َ‬
‫ه ْ‬
‫نأ ْ‬
‫ه ُ‬
‫ه َ‬
‫م َ‬
‫م ِ‬
‫ع ِ‬
‫ض ّ‬
‫نا { ‪. 1‬‬
‫مِبي ً‬
‫ل َ‬
‫َ‬
‫ضَلًل ّ‬

‫م لَ‬
‫مو َ‬
‫وَرب ّ َ‬
‫وأيضا } َ‬
‫ك ل َ يُ ْ‬
‫ما َ‬
‫ك ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫ش َ‬
‫ى يُ َ‬
‫ن َ‬
‫جَر ب َي ْن َ ُ‬
‫م ثُ ّ‬
‫ه ْ‬
‫في َ‬
‫حك ّ ُ‬
‫فل َ َ‬
‫حت ّ َ‬
‫َ‬
‫‪2‬‬
‫ما َ‬
‫في أن ُ‬
‫ما { ‪.‬‬
‫دوا ْ ِ‬
‫ق َ‬
‫ف ِ‬
‫حَر ً‬
‫م َ‬
‫ج ُ‬
‫ضي ْ َ‬
‫موا ْ ت َ ْ‬
‫وي ُ َ‬
‫سِلي ً‬
‫سل ّ ُ‬
‫م ّ‬
‫جا ّ‬
‫ه ْ‬
‫يَ ِ‬
‫ت َ‬
‫س ِ‬
‫وشمل قول ال عز وجل في الية القرآنية الخرى أصحاب نبيه صلى ال عليه وسلم لكونهم قدوة متبعون بعد‬
‫ال ورسوله حيث قال ‪:‬‬
‫} ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم‬
‫وساءت مصيرًا {‪. 3‬‬
‫وما لم يكن كذلك فتركه واجب ‪ ,‬واللتفاف إليه حرام ‪ ,‬يقطع النظر عمن قاله وعمل به ‪.‬‬
‫وبمثل ذلك قال المام أبو إسحاق الشاطبي في إعتصامه ‪:‬‬

‫م‬
‫و َ‬
‫) والثاني ‪ :‬إن الشريعة جاءت كاملة ل تحتمل الزيادة ول النقصان ‪ ,‬لن ال تعالى قال فيها ‪ } :‬ال ْي َ ْ‬
‫أ َك ْمل ْت ل َك ُم دين َك ُم َ‬
‫م‬
‫ت َ‬
‫وَر ِ‬
‫ْ ِ‬
‫م نِ ْ‬
‫سل َ َ‬
‫ضي ُ‬
‫م ُ‬
‫َ ُ‬
‫م ال ِ ْ‬
‫ت ل َك ُ ُ‬
‫ع َ‬
‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫م ْ‬
‫وأت ْ َ‬
‫مِتي َ‬
‫ْ َ‬
‫ِديًنا { ‪.‬‬
‫وفي حديث العرباض بن سارية ‪ :‬وعظنا رسول ال صلى ال عليه وسلم موعظة ذرفت منها العين ووجلت‬
‫منها القلوب ‪ ,‬فقلنا ‪ :‬يا رسول ال ‪ ,‬إن هذه موعظة مودع فما تعهد إلينا ؟ قال ‪ ) :‬تركتكم على البيضاء ليلها‬
‫كنهارها ‪ ,‬ول يزيغ عنها إل هالك ‪ ,‬ومن يعش منكم فسيرى إختلفا كثيرا فعليكم بما عرفتم من سنتي و سنة‬
‫الخلفاء الراشدين من بعدي ( الحديث ‪.‬‬
‫وثبت أن النبي صلى ال عليه وسلم لم يمت حتى أتى ببيان جميع ما يحتاج إليه في أمر الدين والدنيا وهذا ل‬
‫مخالف عليه من أهل السنة ‪.‬‬
‫فإذا كان كذلك ‪ ,‬فالمبتدع إنما محصول قوله بلسان حاله أو مقاله ‪ :‬إن الشريعة لم تتم ‪ ,‬وأنه بقي منها أشياء‬
‫يجب أو يستحب استدراكها ‪ ,‬لنه لو كان معتقدا لكمالها وتمامها من كل وجه ‪ ,‬لم يبتدع ول استدرك عليها ‪.‬‬
‫وقائل هذا ضال عن الصراط المستقيم ‪.‬‬
‫قال ابن الماجشون ‪ :‬سمعت مالكا يقول ‪ :‬من ابتدع في السلم بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمد صلى ال‬
‫ت َلُكْم ِديَنُكْم { فما لم يكن يومئذ دينا ‪ ,‬فل يكون اليوم‬
‫عليه وسلم خان الرسالة ‪ ,‬لن ال يقول ‪ } :‬اْلَيْوَم َأْكَمْل ُ‬
‫دينا ‪.‬‬
‫ق له ‪ ,‬لن الشارع قد عين المطلب العبد طرقًا خاصة على وجوه‬
‫والثالث ‪ :‬إن المبتدع معاند للشرع ومشا ٌ‬
‫خاصة ‪ ,‬وقصر الخلق عليها بالمر والنهي والوعد والوعيد وأخبر أن الخير فيها ‪ ,‬وأن الشر في تعّديها –‬
‫إلى غير ذلك ‪ ,‬لن ال يعلم ونحن ل نعلم ‪ ,‬وأنه إنما أرسل الرسول صلى ال عليه وسلم رحمة للعالمين ‪.‬‬
‫فالمبتدع راٌد لهذا كله ‪ ,‬فإنه يزعم أن ثّم طرقا أخر ‪ ,‬ليس ما حصره الشارع بمحصور ‪ ,‬ول ماعينه بمتعين ‪,‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫الحزاب ‪36‬‬
‫النساء ‪65‬‬
‫النساء‬

‫‪12‬‬

‫كأن الشارع يعلم ‪ ,‬ونحن أيضا نعلم ‪ .‬بل ربما يفهم من استدراكه الطرق على الشارع ‪ ,‬أنه علم ما لم يعلمه‬
‫الشارع ‪.‬‬
‫وهذا إن كان مقصودا للمبتدع فهو كفر بالشريعة والشارع ‪ ,‬وإن كان غير مقصود ‪ ,‬فهو ضلل مبين ‪.‬‬
‫ي بن أرطاه يستشيره في‬
‫وإلى هذا المعنى أشار عمر بن عبد العبد العزيز رضي ال عنه‪ ,‬إذ كتب له عد ّ‬
‫بعض القدرية ‪ ,‬فكتب إليه ‪.‬‬
‫) أما بعد فإني أوصيك بتقوى ال والقتصاد في أمره واّتباع سنة نبيه صلى ال عليه وسلم ‪ ,‬وترك ما أحدث‬
‫المحدثون فيما قد جرت سنته وكفوا مؤنته ‪ ,‬فعليك بلزوم السنة ‪ ,‬فإن السنة إنما سّنها من قد عرف ما في‬
‫خلفها من الخطأ والزلل والحمق والتعمق ‪ ,‬فارض لنفسك بما رضي به القوم لنفسهم ‪ ,‬فإنهم على علم وقفوا‬
‫‪ ,‬وببصر نافذ ‪ ,‬قد كفوا وهم كانوا على كشف المور أقوى ‪ ,‬وبفضل كانوا فيه أحرى ‪ .‬فلئن قلتم ‪ :‬أمر حدث‬
‫بعدهم ‪ ,‬ما أحدثه بعدهم إل من اتبع غير سننهم ‪ ,‬ورغب بنفسه عنهم ‪ ,‬إنهم لهم السابقون ‪ ,‬فقد تكلموا منه‬
‫ما يكفي ‪ ,‬ووصفوا منه ما يشفي ‪ ,‬فما دونهم مقصر ‪ ,‬وما فوقهم محسر ‪ ,‬لقد قصر عنهم آخرون فقلوا وأنهم‬
‫بين ذلك لعلى هدى مستقيم ( ‪.‬‬
‫ثم ختم الكتاب بحكم مسئلته ‪.‬‬
‫فقوله ‪ ) :‬فإن السنة إنما سنها من قد عرف مافي خلفها ( فهو مقصود الستشهاد ‪.‬‬
‫والرابع ‪ :‬إن المبتدع قد نزل نفسه منزلة المضاهي للشارع ‪ ,‬لن الشارع وضع الشرائع وألزم الخلق الجري‬
‫على سنتها ‪ ,‬وصار هو المنفرد بذلك ‪ ,‬لنه حكم بين الخلق فيما كانوا فيه يختلفون ‪ .‬وإل فلو كان التشريع من‬
‫مدركات الخلق لم تنزل الشرائع ‪ ,‬ولم يبق الخلف بين الناس ‪ .‬ول احتيج إلى بعث الرسل عليهم السلم ‪.‬‬
‫هذا الذي ابتدع في دين ال قد صير نفسه نظيرا ومضاهيا ‪ ,‬حيث شرع مع الشارع ‪ ,‬وفتح للختلف بابًا ‪,‬‬
‫ورد قصد الشارع في النفراد بالتشريع وكفى بذلك ( ‪. 1‬‬
‫وبعد هذه التوطئة المختصرة والمهمة أيضا ننتقل إلى المقصود والمطلوب ‪ ,‬وهو معرفة التصوف والصوفية ‪,‬‬
‫وجعل الشرع حاكما عليهما ‪ ,‬وعرض آرائهما وأفكارهما عليه ‪ .‬وبال التوفيق ‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫العتصام للشاطبي ص ‪ 48‬إلى ‪ 51‬ط مطبعة السعادة مصر‬

‫‪13‬‬

‫الفصل الثاني‬

‫وا ْ‬
‫ص ُ‬
‫ه‬
‫شتقاق ِ‬
‫و ِ‬
‫ل الت ّ َ‬
‫أ ْ‬
‫ف َ‬
‫ص ّ‬
‫قبل أن بحث في التصوف ونشأته وتاريخه نريد أن نذكر أصل اشتقاقه‪ ,‬من أين اشتق ؟ وكيف كان اشتقاقه ؟‬
‫واختلف الباحثين فيه والصوفية أنفسهم أيضا ‪ ,‬ولقد سئل الشبلي ‪ :‬لم سميت بهذا السم ؟ ‪.‬‬
‫فقال ‪ ) :‬هذا السم الذي أطلق عليهم اختلف في أصله وفي مصدر اشتقاقه ( ‪.1‬‬
‫ول زالوا مختلفين فيه حتى اليوم ‪.‬‬
‫فلقد نقل الطوسي أبو نصر السراج‬

‫‪2‬‬

‫في كتابه الذي يعد أقدم مرجع صوفي ‪ ,‬عن صوفي أنه قال ‪:‬‬

‫) كان في الصل صفوي ‪ ,‬فاستثقل ذلك ‪ ,‬فقيل ‪ :‬صوفي – وبمثل ذلك نقل عن أبي الحسن الكناد ‪ :‬هو مأخوذ‬
‫من الصفاء ( ‪. 3‬‬
‫وينقل الكلباذي أبو بكر محمد الصوفي المشهور ‪ 4‬عن الصوفية أقوال عديدة في أصل هذه الكلمة‬
‫واشتقاقها ‪ ,‬فقال ‪:‬‬
‫قالت طائفة ‪ :‬إنما سميت الصوفية صوفية لصفاء أسرارها ‪ ,‬ونقاء آثارها ‪ .‬وقال بشر بن الحارث ‪ :‬الصوفي‬
‫من صفت ل معاملته ‪ ,‬فصفت له من ال عز وجل كرامته ‪.‬‬
‫وقال قوم ‪ :‬إنما سموا صوفية لنهم في الصف الول بين يدي ال عز وجل بارتفاع هممهم إليه ‪ ,‬وإقبالهم‬
‫عليه ‪ ,‬ووقوفهم بسائرهم بين يديه ‪.‬‬
‫وقال قوم ‪ :‬إنما سموا صوفية لقرب أوصافهم من أوصاف أهل الصفة ‪ ,‬الذين كانوا على عهد رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم ‪ .‬وقال قوم ‪ :‬إنما سموا صوفية للبسهم الصوف ‪.‬‬
‫وأما من نسبهم إلى الصفة والصوف فإنه عّبر عن ظاهر أحوالهم ‪ ,‬وذلك أنهم قوم قد تركوا الدنيا ‪ ,‬فخرجوا‬
‫عن الوطان ‪ ,‬وهجروا الخدان ‪ ,‬وساحوا في البلد ‪ ,‬وأجاعوا الكباد ‪ ,‬وأعروا الجساد ‪ ,‬لم يأخذوا من الدنيا‬
‫إل من الدنيا إل ما ل يجوز تركه ‪ ,‬من ستر عورة ‪ ,‬وسد جوعة ‪.‬‬
‫فلخروجهم عن الوطان سموا غرباء ‪ .‬ولكثرة أسفارهم سموا سياحين ‪.‬‬
‫ومن سياحتهم في البراري وإيوائهم إلى الكهوف عند الضرورات سماهم بعض أهل الديار ) شكفتية (‬
‫والشكفت بلغتهم ‪ :‬الغار والكهف ‪.‬‬
‫وأهل الشام سموهم ) جوعية ( لنهم إنما ينالون من الطعام قدر ما يقيم الصلب للضرورة ‪ ,‬كما قال النبي‬
‫صلى ال عليه وسلم ) بحسب ابن آدم أكلت يقمن صلبه ( ‪.‬‬
‫‪ ) 1‬أبحاث في التصوف ( للدكتور عبد الحليم محمود ‪ ,‬المدرجة في مجموعة مؤلفاته ص ‪ 55‬ط دار الكتاب اللبناني الطبعة الولى ‪ 1979‬م ‪ .‬هو أبو بكر‬
‫محمد الكلباذي الملقب بتاج السلم قيل في شأن كتابه ) التعرف ( ‪ :‬لول التعرف لما عرف التصوف ) مقدمة كتابه ( ‪.‬‬
‫‪ 2‬هو أبو النصر عبد ال بن علي السراج الطوسي الملقب بطاووس الفقراء ‪ ,‬توفي في رجب سنة ‪ 378‬هـ ‪.‬‬
‫‪ 3‬انظر ) كتاب اللمع ( ص ‪ 46‬بتحقيق الدكتور عبد الحليم محمود طه عبد الباقي سرور ط دار الكتب الحديثة بمصر ‪ 1960‬م ‪.‬‬
‫‪ 4‬هو أبو بكر محمد الكلباذي الملقب بتاج السلم قيل في شأن كتابه ) التعرف ( ‪ :‬لول التعرف لما عرف التصوف ) مقدمة كتابه ( ‪.‬‬

‫‪14‬‬

‫وقال السري السقطي ‪ ,‬ووصفهم فقال ‪ :‬أكلهم أكل المرضى ‪ ,‬ونومهم نوم الغرقى ‪ ,‬وكلمهم كلم الخرقى ‪.‬‬
‫ومن تخيلهم عن الملك سموا فقراء ‪.‬‬
‫قيل لبعضهم ‪ :‬من الصوفي ؟ قال ‪ :‬الذي ل َيملك و ل ُيملك ‪ .‬يعني ل يسترقه الطمع ‪.‬‬
‫وقال آخر ‪ :‬هو الذي ل يملك شيئا ‪ ,‬وإن ملكه بذله ‪.‬‬
‫ومن لبسهم وزّيهم سموا صوفية ‪ ,‬لنهم لم يلبسوا لحظوظ النفس ما لن مسه ‪ ,‬وحسن منظره ‪ ,‬وإنما لبسوا‬
‫لستر العورة ‪ ,‬فتجّزوا بالخشن من الشعر ‪ ,‬والغليظ من الصوف ‪.‬‬
‫ثم هذه كلها أحوال أهل الصفة ‪ ,‬الذين كانوا غرباء فقراء مهاجرين ‪ ,‬أخرجوا من ديارهم وأموالهم ‪ ,‬ووصفهم‬
‫أبو هريرة و فضالة بن عبيد فقال ‪ :‬يخرون من الجوع حتى تحسبهم العراب مجانين ‪ .‬وكان لباسهم الصوف‬
‫‪ ,‬حتى إن كان بعضهم يعرق فيه فيوجد منه رائحة الضأن إذا أصابه المطر ‪.‬‬
‫هذا وصف بعضهم لهم ‪ ,‬حتى قال عيينة بن حصن للنبي صلى ال عليه وسلم ‪ :‬إنه ليؤذيني هؤلء أما يؤذيك‬
‫ريحهم ؟ ‪.‬‬
‫ثم الصوف لباس النبياء ‪ ,‬وزي الولياء ‪.‬‬
‫وقال أبو موسى الشعري عن النبي صلى ال عليه وسلم ‪ ) :‬إنه مّر بالصخرة من الروحاء سبعون نبيا حفاة‬
‫عليهم العباء يؤمون البيت العتيق ( ‪.‬‬
‫وقال الحسن البصري ‪ :‬كان عيسى عليه السلم يلبس الشعر ‪ ,‬ويأكل من الشجرة ‪ ,‬ويبيت حيث أمسى ‪.‬‬
‫وقال أبو موسى ‪ :‬كان النبي صلى ال عليه وسلم يلبس الصوف ‪ ,‬ويركب الحمار ‪ ,‬ويأتي مدعاة الضعيف ‪.‬‬
‫وقال الحسن البصري ‪ :‬لقد أدركت سبعين بدريًا ما كان لباسهم إل الصوف ‪.‬‬
‫صفية وصوفية ‪.‬‬
‫فلما كانت هذه الطائفة بصفة أهل الصفة فيما ذكرنا ‪ ,‬ولبسهم وزيهم زي أهلها ‪ ,‬سموا ُ‬
‫ومن نسبهم إلى إلى الصفة والصف الول فإنه عبر عن أسرارهم وبواطنهم ‪ ,‬وذلك أن من ترك الدنيا وزهد‬
‫فيها وأعرض عنها ‪ ,‬صّفى ال سره ‪ ,‬ونور قلبه ‪.‬‬
‫قال النبي صلى ال عليه وسلم ‪ ) :‬إذا دخل النور في القلب انشرح وانفسح ( ‪ ,‬قيل ‪ :‬وما علمة ذلك يا رسول‬
‫ال ؟ قال ‪ ) :‬التجافي عن دار الغرور ‪ ,‬و النابة إلى دار الخلود ‪ ,‬والستعداد للموت قبل نزوله ( ‪.‬‬
‫فأخبر النبي صلى ال عليه وسلم أن من تجافى عن الدنيا نور ال قلبه ‪.‬‬
‫وقال حارثة حين سأله النبي صلى ال عليه وسلم ‪ :‬ما حقيقة إيمانك ؟ قال ‪ :‬عزفت بنفسي عن الدنيا ‪,‬‬
‫فأظمأت نهاري ‪ ,‬وأسهرت ليلي ‪ ,‬وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا ‪ ,‬وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون ‪,‬‬
‫وإلى أهل النار يتعادون ‪.‬‬
‫فأخبر أنه لما عزف عن الدنيا نور ال قلبه ‪ ,‬فكان ما غاب عنه بمنزلة ما يشاهده ‪ .‬وقال النبي صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ ) :‬من أحب أن ينظر إلى عبد نور ال قلبه فلينظر إلى حارثة ‪ ,‬فأخبر أنه منّور القلب ‪.‬‬
‫وسميت هذه الطائفة نورية لهذه الوصاف ‪.‬‬
‫ن{ ‪.‬‬
‫طّهِري َ‬
‫ب اْلُم ّ‬
‫ح ّ‬
‫ل ُي ِ‬
‫طّهُروْا َوا ّ‬
‫ن َأن َيَت َ‬
‫حّبو َ‬
‫جاٌل ُي ِ‬
‫وهذا أيضا من أوصاف أهل الصفة ‪ ,‬قال ال تعالى ‪ِ } :‬فيِه ِر َ‬
‫والتطهر بالظواهر عن النجاس ‪ ,‬وبالبواطن عن الهجاس ‪.‬‬

‫‪15‬‬

‫وقال ال تعالى ‪ } :‬رجال ل تلهيهم تجارة ول بيع عن ذكر ال { ‪ .‬ثم لصفاء أسرارهم تصدق فراستهم ‪.‬‬
‫قال أبو أمامة الباهلي رضي ال عنه عن النبي صلى ال عليه وسلم ‪ ) :‬اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور‬
‫ال ( ‪.‬‬
‫وقال أبو بكر الصديق رضي ال عنه ‪ :‬ألقى في روعي أن ذا بطن بنت خارجة ‪ ,‬فكان كما قال ‪.‬‬
‫وقال النبي صلى ال عليه وسلم ‪ ) :‬إن الحق لينطق على لسان عمر ( ‪.‬‬
‫وقال أبو أويس القرني لهرم بن حيان حين سلم عليه ‪ :‬وعليك السلم يا هرم بن حيان ‪ ,‬ولم يكن رآه قبل‬
‫ذلك ‪ ,‬ثم قال له ‪ :‬عرف روحي روحك ‪.‬‬
‫وقال أبو عبد ال النطاكي ‪ :‬إذا جالستم أهل الصدق فجالسوهم بالصدق فإنهم جواسيس القلوب يدخلون في‬
‫أسراركم ويخرجون من هممكم ‪.‬‬
‫ثم من كان بهذه الصفة من صفوة سره وطهارة قلبه ونور صدره فهو في الصف الول ‪ ,‬لن هذه أوصاف‬
‫السابقين ‪.‬‬
‫قال النبي صلى ال عليه وسلم ‪ ) :‬يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب ( ثم وصفهم وقال ‪ ) :‬الذين‬
‫ل يرقون و ل يسترقون ‪ ,‬ول يكوون ول يكتوون ‪ ,‬وعلى ربهم يتوكلون ( ‪.‬‬
‫فلصفاء أسرارهم ‪ ,‬وشرح صدورهم ‪ ,‬وضياء قلوبهم ‪ :‬صحت معارفهم بال ‪ ,‬فلم يرجعوا إلى السباب ثقة‬
‫بال عز وجل ‪ ,‬وتوكل عليه ‪ ,‬ورضا بقضائه ‪.‬‬
‫فقد إجتمعت هذه الوصاف كلها ‪ ,‬ومعاني هذه السماء كلها في أسامي القوم وألقابهم ‪ ,‬وصحت هذه العبارات‬
‫وقربت هذه المآخذ ‪.‬‬
‫وإن كانت هذه اللفاظ متغيرة في الظاهر ‪ ,‬فإن المعاني متفقة لنها إن أخذت من الصفاء والصفوة كانت‬
‫صوفية‪.‬‬
‫صفّية ‪ ,‬ويجوز أن يكون تقديم الواو على الفاء في لفظ‬
‫صفّية أو ُ‬
‫وإن أضيفت إلى الصف أو الصفة كانت َ‬
‫صفية إنما كانت من تداول اللسن ‪.‬‬
‫الصفية أو ال ّ‬
‫وإن جعل مأخذه من الصوف ‪ :‬استقام اللفظ ‪ ,‬وصحت العبارة من حيث اللغة ‪.‬‬
‫وجميع المعاني كلها من التخلي عن الدنيا وعزوف النفس عنها وترك الوطان ولزوم السفار ‪ ,‬ومنع النفوس‬
‫حظوظها ‪ ,‬وصفاء المعاملت ‪ ,‬وصفوة السرار ‪ ,‬وانشراح الصدور وصفة للسباق ‪.‬‬
‫وقال بندار بن الحسين ‪ :‬الصوفي من اختاره الحق لنفسه فصافاه ‪ ,‬وعن نفسه برأه ‪ ,‬ولم يرده إلى تعّمل‬
‫وتكلف بدعوى ‪.‬‬
‫وصوفي على زنة عوفي ‪ ,‬أي عافاه ال فعوفي وكوفي ‪ ,‬أي كافاه ال فكوفي ‪ ,‬وجوزي ‪ ,‬أي جازاه ال ‪ ,‬ففعل‬
‫ال به ظاهر في اسمه وال المتفرد به ( ‪. 1‬‬
‫هذا ما تخبط به الكلباذي من الخلط والغلط قطع النظر عن ضعف أكثر الروايات التي ساقها وسردها ‪.‬‬
‫ويكتب من الصوفية المتقدمين أبو العباس أحمد بن زروق ‪ 2‬في كتابه قواعد التصوف ‪ :‬وقد كثرت القوال في‬
‫اشتقاق التصوف ‪ ,‬وأمسى ذلك بالحقيقة خمسة ‪.‬‬
‫الول ‪ :‬قول من قال ‪ :‬من الصوفة ‪ ,‬لنه مع ال كالصوفة المطروحة ل تدبير له ‪.‬‬
‫الثاني ‪ :‬أنه من صوفة القفا ‪ ,‬للينها ‪ ,‬فالصوفي هّين لّين كهي ‪.‬‬
‫الثالث ‪ :‬أنه من الصفة ‪ ,‬إذ جعلته اتصاف بالمحاسن وترك الوصاف المذمومة ‪.‬‬
‫الرابع ‪ :‬أنه من الصفاء ‪ ,‬وصحح هذا القول حتى قال أبو الفتح البستي رحمه ال ‪:‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫) التعرف لمذهب التصوف ( للكلباذي ص ‪ 34 – 28‬تحقيق محمود أمين النواوي الطبعة الثالثة ‪ 1400‬هـ مكتبة الكليات الزهرية ‪ .‬القاهرة ‪.‬‬
‫هو أبو العباس أحمد بن محمد بن زروق ‪ :‬علم من أعلم الصوفية ‪ ,‬وإمام من أئمة أهل الحقيقة ) أنظر الصفحة الفوقانية لكتاب قواعد التصوف ( ‪.‬‬

‫‪16‬‬

‫تنازع النــــاس في الصوفي واختلفوا‬
‫ولست أمنح هذا الســـم غيــــر فتــى‬

‫وظنه البعض مشتقا من الصــــوف‬
‫صافي فصوفي حتى سمى الصوفي‬

‫الخامس ‪ :‬أنه منقول من الصفة لن صاحبه تابع لهلها فيما أثبت ال لهم من الوصف حيث قال تعالى ‪:‬‬
‫جَهُه { ‪ .‬وهذا هو الصل الذي يرجع إليه كل قول فيه (‪. 1‬‬
‫ن َو ْ‬
‫ي ُيِريُدو َ‬
‫شّ‬
‫ن َرّبُهم ِباْلَغَداِة َواْلَع ِ‬
‫عو َ‬
‫} َيْد ُ‬
‫وقال أبو نعيم الصبهاني المتوفى ‪430‬هـ في حليته ‪:‬‬
‫أبو نعيم الصبهاني المتوفى ‪430‬هـ في حليته ‪:‬‬
‫واشتقاقة من حيث الحقائق التي أوجبت اللغة فإنه تفعل من أحد أربعة أشياء ‪ ,‬من الصوفانة ‪ ,‬وهي بقلة‬
‫رعناء قصيرة ‪ ,‬أو من صوفة وهي قبيلة كانت في الدهر الول تجيز الحاج وتخدم الكعبة ‪ ,‬أو من صوفة‬
‫القفاء وهي الشعرات النابتة في متأخره ‪ ,‬أو من الصوف المعروف على ظهور الضأن ( ‪. 2‬‬
‫وقال مرجحا كونه مأخوذا من الصفاء ‪:‬‬
‫) اشتقاقه عند أهل الشارات والمنبئين عنه بالعبارات من الصفاء والوفاء ( ‪.‬‬
‫وذهب إلى هذا الرأي فريد الدين العطار المتوفى ‪ 586‬هـ تقريبا نقل عن بشر الحافي‬
‫‪3‬‬

‫‪.4‬‬

‫وكذلك الصوفي الهندي الملقب بكنج شكر المتوفى ‪ 669‬هـ ‪. 5‬‬
‫ولكن السهروردي الذي فصل القول في هذا يرى رأيا آخر ‪ ,‬وهو أنه مشتق من الصوف ولبسه ‪ ,‬فإليكم ما‬
‫قاله في كتاب ) عوارف المعارف ( في الباب السادس تحت عنوان ‪ :‬ذكر تسميتهم بهذا السم ‪:‬‬
‫) أخبرنا الشيخ أبو زرعة طاهر بن محمد بن طاهر ‪ ,‬وقال أخبرني والدي ‪ ,‬قال أخبرنا أبو علي الشافعي‬
‫بمكة حرسها ال تعالى ‪ ,‬قال أخبرنا أحمد بن إبراهيم ‪ ,‬قال أخبرنا أبو جعفر محمد بن إبراهيم ‪ ,‬قال ‪ :‬أخبرنا‬
‫أبو عبد ال المخزومي ‪ ,‬قال حدثنا سفيان عن مسلم عن أنس بن مالك ‪ ,‬قال ‪ :‬كان رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم يجيب دعوة العبد ويركب الحمار ويلبس الصوف ‪ ,‬فمن هذا الوجه ذهب قوم إلى أنهم سموا صوفية‬
‫نسبة لهم إلى ظاهر اللبسة ‪ ,‬لنهم اختاروا لبس الصوف لكونه أرفق ولكونه كان لباس النبياء عليهم‬
‫السلم ‪.‬‬
‫وروى عن رسول ال صلى ال عليه وسلم أنه قال ‪ ) :‬مر بالصخرة من الروحاء سبعون نبيا حفاة عليهم‬
‫العباء يؤمون البيت الحرام ( ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬إن عيسى عليه السلم كان يلبس الصوف والشعر ‪ ,‬ويأكل من الشجر ويبيت حيث أمسى ‪.‬‬
‫وقال الحسن البصري رضي ال عنه ‪ :‬لقد أدركت سبعين بدريا كان لباسهم الصوف ‪ ,‬ووصفهم أبو هريرة‬
‫وفضالة بن عبيد فقال ‪ :‬كانوا يخرون من الجوع حتى يحسبهم العراب مجانين ‪ ,‬وكان لباسهم الصوف حتى‬
‫إن بعضهم كان يعرق في ثوبه فيوجد منه رائحة الضأن إذا أصابه الغيث ‪ .‬وقال بعضهم ‪ :‬إنه ليؤذيني ريح‬
‫هؤلء ‪ ,‬أما يؤذيك ريحهم يا رسول ال صلى عليه وسلم بذلك ‪ ,‬فكان اختيارهم للبس الصوف لتركهم زينة‬
‫الدنيا ‪ ,‬وقناعتهم بسد الجوعة وستر العورة ‪ ,‬واستغراقهم في أمر الخرة ‪ ,‬فلم يتفرغوا لملذ النفوس‬
‫وراحاتها ‪ ,‬لشدة شغلهم بخدمة مولهم ‪ ,‬وانصراف هممهم إلى أمر الخرة ‪ ,‬وهذا الختيار يلئم ويناسب من‬
‫حيث الشتقاق ‪ ,‬لنه يقال ) تصوف ( إذا لبس الصوف ‪ ,‬كما يقال ) تقمص ( إذا لبس القميص ‪.‬‬

‫‪ ) 1‬قواعد التصوف ( لبن زروق الطبعة الثانية ص ‪ 293‬ط ‪ 1396‬هـ مكتبة الكليات الزهرية القاهرة ‪ ,‬أيضا ) لطائف المنن ( لبن عطاء ال‬
‫السكندري ط مطبعة حسان مصر ‪ ,‬أيضا ) الدر الثمين ‪ ,‬والمورد المعين ( لمحمد بن أحمد المالكي ج ‪ 2‬ص ‪ 169‬مصطفى البابي الحلبي ‪ 1954‬م ‪.‬‬
‫أيضا ) إيقاظ الهمم في شرح الحكم ( لحمد بن عجيبة الحسني ط مصطفى البابي الطبعة الثالثة ‪ 1982‬م ‪.‬‬
‫‪ ) 2‬حلية الولياء وطبقات الصفياء ( للصبهاني ج ‪ 1‬ص ‪ 17‬ط دار الكتاب العربي ببيروت الطبعة الثالثة ‪ 1400‬هـ ‪.‬‬
‫‪ 3‬نفس المصدر ‪.‬‬
‫‪ ) 4‬تذكرة الولياء( للعطار ص ‪ 68‬ط باكستان ‪.‬‬
‫‪ 5‬أنظر ) أسرار الولياء ( ص ‪ 129‬ط باكستان الطبعة الثالثة ‪ 1983‬م ‪.‬‬

‫‪17‬‬

‫ولما كان حالهم بين سير وطير لتقلبهم في الحوال وارتقائهم من عال إلى أعلى منه ‪ ,‬ل يفيدهم وصف ول‬
‫يحسبهم نعت ‪ ,‬وأبواب المزيد علمًا وحاًل عليهم مفتوحة ‪ ,‬وبواطنهم معدن الحقائق ومجمع العلوم ‪ ,‬فلما‬
‫تعذر تقيدهم لتنوع وجدانهم وتجنس مزيدهم ‪ ,‬نسبوا إلى ظاهر اللبسة ‪ .‬وكان ذلك أبين في الشارة إليهم ‪,‬‬
‫وأدعى إلى حصر وصفهم ‪ ,‬لن لبس الصوف كان غالبا على المتقدمين من سلفهم ‪ ,‬وأيضا لن حالهم حال‬
‫المقربين كما سبق ذكره ‪ ,‬ولما كان العتزاء إلى القرب وعظم الشارة إلى قرب ال تعالى أمر صعب يعز‬
‫كشفه والشارة إليه ‪ ..‬وقعت الشارة إلى زيهم سترا لحالهم وغيرة على عزيز مقامهم أن تكثر الشارة إليه‬
‫وتتداوله اللسنة ‪ ,‬فكان هذا أقرب إلى الدب ‪ ,‬والدب في الظاهر والباطن والقول والفعل عماد أهل الصوفية ‪.‬‬
‫وفيه معنى آخر ‪ :‬وهو أن نسبتهم إلى اللبسة تنبئ عن تقللهم من الدنيا وزهدهم فيما تدعو النفس إليه‬
‫بالهوى من الملبوس الناعم ‪ ,‬حتى إن المبتدئ المريد الذي يؤثر طريقهم ويحب الدخول في أمرهم يوطن‬
‫نفسه على التقشف والتقلل ‪ ,‬ويعلم أن المأكول أيضا من جنس الملبوس فيدخل في طريقهم على بصيرة ‪,‬‬
‫وهذا أمر مفهوم معلوم عند المبتدئ ‪ ,‬والشارة إلى شيء من حالهم في تسميتهم بهذا أنفع وأولى ‪ ,‬وأيضا‬
‫غير هذا المعنى مما يقال إنهم سموا صوفية لذلك يتضمن دعوى وإذا قيل سموا صوفية للبسهم الصوف كان‬
‫أبعد من الدعوى ‪ ,‬وكل ما كان أبعد من الدعوى كان أليق بحالهم ‪ ,‬وأيضا لن لبس الصوف حكم ظاهر على‬
‫الظاهر من أمرهم ‪ ,‬ونسبتهم من أمر آخر من حال أو مقام أمر باطن ‪ ,‬والحكم بالظاهر أوفق وأولى ‪ ,‬فالقول‬
‫بأنهم سموا صوفية للبسهم الصوف أليق وأقرب إلى التواضع ‪ ,‬ويقرب أن يقال ‪ :‬لما أثاروا الذبول والخمول‬
‫والتواضع والنكار والتخفي والتواري ‪ ,‬كانوا كالخرقة الملقاة والصوفية المرمية التي ل يرغب فيها ول يلتفت‬
‫إليها ‪ ,‬فيقال ) صوفي ( نسبة إلى الصوفة ‪ ,‬كما يقال ) كوفي ( نسبة إلى الكوفة ‪ ,‬وهذا ما ذكره بعض أهل‬
‫العلم ‪ ,‬والمعنى المقصود به قريب ويلئم الشتقاق ‪ ,‬ولم يزل لبس الصوف اختيار الصالحين والزهاد‬
‫والمنشقين والعباد ‪.‬‬
‫أخبرنا أبو زرعة طاهر عن أبيه ‪ ,‬قال أخبرنا عبد الرزاق بن عبد الكريم ‪ ,‬قال أخبرنا أبو الحسن محمد بن‬
‫محمد ‪ ,‬قال حدثنا أبو علي بن إسماعيل بن محمد ‪ ,‬قال حدثنا الحسن بن عرفة ‪ ,‬قال حدثنا خلف بن خليفة عن‬
‫حميد بن العرج عن عبد ال بن الحارث عن عبد ال بن مسعود رضي ال قال ‪ :‬قال رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ :‬يوم كلم ال تعالى موسى عليه السلم كان عليه جبة صوف وسراويل صوف وكمه من صوف‬
‫ونعله من جلد حمار غير مذكى ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬سموا صوفية لنهم في الصف الول بين يدي ال عز وجل بارتفاع هممهم وإقبالهم على ال تعالى‬
‫بقلوبهم ووقوفهم بسرائرهم بين يديه ‪ .‬وقيل ‪ :‬كان هذا السم في الصل صفوي ‪ ,‬فاستثقل ذلك وجعل‬
‫صوفيا ‪ .‬وقيل سموا صوفية نسبة إلى الصفة التي كانت لفقراء المهاجرين على عهد رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ ,‬الذين قال ال تعالى فيهم } للفقراء الذين أحصروا في سبيل ال ل يستطيعون ضربا في‬
‫الرض { الية ‪ ,‬وهذا وإن كان ل يستقيم من حيث الشتقاق اللغوي ولكنه صحيح من حيث المعنى ‪ ,‬لن‬
‫الصوفية يشاكل حالهم حال أولئك لكونهم مجتمعين متآلفين متصاحبين ل وفي ال ‪ ,‬كأصحاب الصفة ‪ ,‬وكانوا‬
‫نحوا من أربعمائة رجل لم تكن لهم مساكن بالمدينة ول عشائر ‪ ,‬جمعوا أنفسهم في المسجد كاجتماع الصوفية‬
‫قديما وحديثا في الزوايا والربط ‪ ,‬وكانوا ل يرجعون إلى زرع ول ضرع ول إلى تجارة ‪ ,‬كانوا يحتطبون‬
‫ويرضخون النوى بالنهار ‪ ,‬وبالليل يشتغلون بالعبادة وتعلم القرآن ) تلوته ( وكان رسول ال صلى اله عليه‬
‫وسلم يواسيهم ويحث الناس على مواساتهم ويجلس معهم ويأكل معهم ‪ ,‬وفيهم نزل قوله تعالى ‪َ } :‬وَل َتطُْرِد‬
‫ن َرّبُهم‬
‫عو َ‬
‫ن َيْد ُ‬
‫ك َمَع اّلِذي َ‬
‫سَ‬
‫صِبْر َنْف َ‬
‫جَهُه { وقوله تعالى ‪َ } :‬وا ْ‬
‫ن َو ْ‬
‫ي ُيِريُدو َ‬
‫شّ‬
‫ن َرّبُهم ِباْلَغَداِة َواْلَع ِ‬
‫عو َ‬
‫اّلِذينَ َيْد ُ‬
‫عَمى { وكان من أهل‬
‫جاءُه اَْل ْ‬
‫س َوَتَوّلى )‪َ(1‬أن َ‬
‫عَب َ‬
‫ي { ونزل في ابن مكتوم قوله تعالى ‪َ } :‬‬
‫شّ‬
‫ِباْلَغَداِة َواْلَع ِ‬
‫الصفة ‪ ,‬فعوقب النبي صلى ال عليه وسلم لجلة ‪ ,‬وكان رسول ال صلى ال عليه وسلم إذا صافحهم ل ينزع‬
‫يده من أيدهم ‪ ,‬وكان يفرقهم على أهل الجدة والسعة يبعث مع كل واحد ثلثة ومع الخر أربعة ‪ ,‬وكان سعد‬
‫بن معاذ يحمل إلى بيته منهم ثمانين يطعمهم ‪.‬‬

‫‪18‬‬

‫وقال أبو هريرة رضي ال عنه ‪ :‬لقد رأيت سبعين من أهل الصفة يصلون في ثوب واحد ‪ ,‬منهم من ليبلغ‬
‫ركبتيه ‪ ,‬فإذا ركع أحدهم قبض بيديه مخافة أن تبدو عورته ‪ .‬وقال بعض أهل الصفة ‪ :‬جئنا جماعة إلى رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم وقلنا يا رسول ال أحرق بطوننا التمر فسمع بذلك رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫فصعد المنبر ثم قال ‪ :‬ما بال أقوام يقولون أحرق بطوننا التمر ‪ ,‬أما علمتم أن هذا التمر هو طعام أهل المدينة‬
‫وقد واسونا به وواسيناكم مما واسونا به ‪ ,‬والذي نفس محمد بيده إن منذ شهرين لم يرتفع من بيت رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم دخان للخبز ‪ ,‬وليس لهم إل السودان الماء والتمر ‪.‬‬
‫أخبرنا الشيخ أبو الفتوح محمد بن عبد الباقي في كتابه ‪ ,‬قال ‪ :‬أخبرنا الشيخ أبو بكر بن زكريا الطريثيثي قال‬
‫أخبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي ‪ ,‬قال حدثنا محمد بن محمد ابن سعيد النماطي ‪ ,‬قال حدثنا الحسن بن‬
‫يحى بن سلم ‪ ,‬قال حدثنا محمد ابن علي الترمذي ‪ ,‬قال حدثني سعيد بن حاتم البلخي ‪ ,‬قال حدثنا سهل بن‬
‫أسلم عن خلد بن محمد عن أبي عبد الرحمن السكري عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس رضي ال‬
‫عنهم قال ‪ :‬وقف رسول ال صلى ال عليه وسلم يومًا على أهل الصفة فرأى فقرهم وجهدهم وطيب قلوبهم‬
‫فقال ) أبشروا يا أصحاب الصفة فمن بقي منكم على النعت الذي أنتم عليه اليوم راضيا بما هو فيه فإنه من‬
‫رفقائي يوم القيامة ( ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬كان منهم طائفة بخراسان يأوون إلى الكهوف والمغارات ول يسكنون القرى والمدى ‪ ,‬ويسمونهم في‬
‫خراسان شكفتية ‪ ) ,‬لن شكفت( اسم الغار ‪ ,‬ينسبونهم إلى المأوى والمستقر وأهل الشام يسمونهم جوعية ‪,‬‬
‫وال تعالى ذكر في القرآن طوائف الخير والصلح فسمى قوما أبرارا وآخرين مقربين ‪ ,‬ومنهم الصابرون‬
‫والصادقون ‪ ,‬والذاكرون ‪ ,‬والمحبون ‪ ,‬واسم الصوفي مشتمل على جميع المتفرق في هذه السماء المذكورة ‪,‬‬
‫وهذا السم لم يكن في زمن رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ ,‬وقيل كان في زمن التابعين ‪.‬‬
‫ونقل عن الحسن البصري رحمة الل عليه أنه قال ‪ :‬رأيت صوفيا في الطواف فأعطيته شيئا فلم يأخذه وقال‬
‫معي أربع دوانيق يكفيني ما معي ويشيد هذا ما روى عن سفيان أنه قال لول أبو هاشم الصوفي ما عرفت‬
‫دقيق الرياء ‪ .‬وهذا يدل على أن هذا السم كان يعرف قديما وقيل لم يعرف هذا السم إلى المائتين من الهجرة‬
‫العربية ( ‪. 1‬‬
‫فهل هناك تعارض وتناقض أكثر من ذلك ؟‪.‬‬
‫ورجح الرأي الخير أبو المفاخر يحيى الباخرزي ‪. 2‬‬
‫ونجم الدين كبرى‪ 3‬رجح كون كلمة التصوف مشتقة من الصوف ‪ ,‬وأضاف ) بأن أول من لبس الصوف آدم‬
‫وحواء ‪ ,‬لنهما أول ما نزل في الدنيا كانا عريانين ‪ ,‬فنزل جبريل بالخروف فأخذا منه الصوف ‪ ,‬فغزلت حواء‬
‫ونسجه آدم ولبساه ‪ ,‬وكذلك موسى عليه السلم لبس الصوف ‪ ,‬وأن يحيى وزكريا ونبينا محمدا صلى ال‬
‫عليه وسلم أيضا كانوا يلبسون الصوف ‪.‬‬
‫ونسبة الصوفي إلى الصوف ‪ ,‬وإذا ألبس الصوف طلب من نفسه حقه ‪ ,‬لن الصوف مركب من الحرف‬
‫الثلثة ‪ :‬الصاد ‪ ,‬والواو ‪ ,‬والفاء ‪ ,‬فيطلب من الصاد العبر والصلبة والصدق والصلة ‪ ,‬ويطلب من الواو‬
‫الوفاء والوجد ‪ ,‬وبالفاء الفرج والفرح ( ‪. 4‬‬
‫ومن الطرائف أن نجم الدين كبرى هذا زاد على الخرين حيث بين ألوان الصوف الذي يلبسه الصوفية على‬
‫اختلف أوصافهم وأحوالهم فقال ‪:‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫) عوارف المعارف ( للسهروردي عبد القاهر بن عبد ال ص ‪ 59‬إلى ‪ 63‬ط دار الكتاب العربي بيروت الطبعة الثانية ‪ 1403‬هـ ‪.‬‬
‫انظر لذلك كتاب ) أوراد الحباب وفصوص الداب ( لبي المفاخر يحيى الباخرزي المتوفى ‪ 736‬هـ ج ‪ 2‬ص ‪ 14‬باهتمام أفشار ط ز طهران ‪ 1966‬م‬

‫‪.‬‬
‫‪ 3‬هو أبو عبد ال أحمد بن عمر بن محمد بن عبد ال خوارزمي المشهور بنجم الدين كبرى الملقب بالطامة الكبرى المتوفى ‪ 618‬هـ وله مؤلفات كثيرة في‬
‫اللغة الفارسية واللغة العربية ‪.‬‬
‫‪ ) 4‬آداب الصوفية ( لنجم الدين كبرى ) فارسي ( ص ‪ 28‬ط كتاب فرشي زوار هجري قمري إيران ‪.‬‬

‫‪19‬‬

‫) إن الذي قهر نفسه وقتلها بسيف المجاهدة والمكابدة ‪ ,‬وجلس في مآتم النفس ‪ ,‬عليه أن يلبس الصوف‬
‫السود ‪ ,‬وإن كان تائبا عن المخالفات وغسل ملبوس عمره بصابون النابة والرياضة ‪ .‬ونقى صحيفة قلبه‬
‫عن ذكر الغير فعليه الصوف البيض ‪ ,‬وإن كان من الذين اجتازوا العالم السفلي ‪ ,‬ووصل العالم العلوي‬
‫بهمته فعليه أن يلبس الصوف الزرق ‪ ,‬لنه لون السماء ( ‪. 1‬‬
‫ويترشح أيضا من كلم أبي طالب المكي ‪ 2‬في قوته بأنه أيضا من الذين يرحجون اشتقاقه من الصوف ‪ ,‬حيث‬
‫يورد رواية مكذوبة على رسول ال صلى ال عليه وسلم أنه قال ‪:‬‬
‫‪3‬‬
‫) البسوا الصوف ‪ ,‬وشمروا ‪ ,‬وكلوا في أنصاف البطون تدخلوا في ملكوت السماء ( ‪.‬‬
‫ولكن القشيري أبا القاسم عبد الكريم ‪ 4‬رد على هذا الرأي وذاك ‪ ,‬حيث قال في رسالته ‪:‬‬
‫) فأما قول من قال ‪ :‬إنه من الصوف ‪ ,‬ولهذا يقال ‪ :‬تصّوف إذا لبس الصوف كما يقال ‪ :‬تقمص إذا لبس‬
‫القميص ‪ ,‬فذلك وجه ‪ .‬ولكن القوم لم يختصوا بلبس الصوف ‪.‬‬
‫ومن قال ‪ :‬أنهم منسوبون إلى صفة مسجد رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ ,‬فالنسبة إلى الصفة ل تجيء‬
‫على نحو الصوفي ‪.‬‬
‫ومن قال ‪ :‬أنه مشتق من الصفاء ‪ ,‬فاشتقاق الصوفي من الصفاء بعيد في مقتضى اللغة ‪.‬‬
‫ومن قال ‪ :‬أنه مشتق من الصف ‪ ,‬فكأنهم في الصف الول بقلوبهم فالمعنى صحيح ‪ ,‬ولكن اللغة ل تقتضي‬
‫هذه النسبة إلى الصف ( ‪. 5‬‬
‫وأما الصوفي الفارسي عبد الرحمن الجامي المتوفى ‪ 898‬هـ فلقد ذكر في نفحاته أنه مأخوذ من الستصفاء ‪,‬‬
‫مستدل بكلم الصوفي المشهور عبد ال بن خفيف أنه قال ‪ :‬الصوفي من استصفاه الحق لنفسه توددا ( ‪. 6‬‬
‫وقريبا من ذلك قال قبله صوفي فارسي آخر ‪ ,‬وهو عبد العزيز بن محمد النسفي ‪ :‬إن التصوف مأخوذ من‬
‫الصفوة ‪. 7‬‬
‫ولقد ذكر في أصل التصوف واشتقاقه أقوال أخرى ‪ ,‬منها ما ذكرها المام أبو الفرج عبد الرحمن بن‬
‫الجوزي ‪ ,‬والمام ابن تيمية ‪ ,‬عند ذكرهما التصوف والصوفية ‪ ,‬واللفظ الول ‪:‬‬
‫) قد ذهب قوم إلى أن التصوف منسوب إلى أهل الصفة ‪ .‬وإنما ذهبوا إلى هذا لنهم رأوا أهل الصفة على ما‬
‫ذكرنا من صفة صوفة في النقطاع إلى ال عز وجل وملزمة الفقر فإن أهل الصفة كانوا فقراء يقدمون على‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم ومالهم أهل ول مال فبنيت لهم صفة في مسجد رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم وقيل أهل الصفة ‪ .‬والحديث بإسناد عن الحسن ‪ .‬قال بنيت صفة لضعفاء المسلمين فجعل المسلمون‬
‫يوصلون إليها ما استطاعوا من خير ‪ .‬وكان رسول ال صلى ال عليه وسلم يأتيهم فيقول ‪ :‬السلم عليكم يا‬
‫أهل الصفة ‪ .‬فيقولون ‪ :‬وعليك السلم يا رسول ال ‪ .‬فيقول كيف أصبحتم ‪ .‬فيقولون بخير يا رسول ال ‪.‬‬
‫وبإسناد عن نعيم بن المجمر عن أبيه عن أبي ذر قال كنت من أهل الصفة وكنا إذا أمسينا حضرنا باب رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم ‪ ,‬فيأمر كل رجل فينصرف برجل فيبقى من بقى من أهل الصفة عشرة أو أقل فيؤثرنا‬
‫النبي صلى ال عليه وسلم بعشائه فنتعشى فإذا فرغنا قال رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ .‬ناموا في‬
‫المسجد ‪.‬‬
‫‪ 1‬نفس المصدر ‪.‬‬
‫‪ 2‬هو أبو طالب محمد بن أبي الحسن علي بن عباس المكي ‪ ,‬قيل فيه ‪ :‬هو شيخ الصوفية وأهل السنة ‪ ,‬المتبحر في التفسير وغيره من أهل العلم وله تفسير‬
‫كبير ‪ ,‬وكتابه ) قوت القلوب ( كتاب جليل ) الصفحة الولى من كتابه ( توفي سنة ‪ 386‬هـ ببغداد ‪.‬‬
‫‪ ) 3‬قوت القلوب ( لبي طالب المكي ج ‪ 2‬ص ‪ 167‬ط المطبعة الميمنية مصر ‪ 1310‬هـ ‪.‬‬
‫‪ 4‬هو أبو القاسم عبد الكريم القشيري النيسابوري الشافعي قيل فيه ‪ :‬هو المام مطلقا ‪ ,‬الفقيه ‪ ,‬المتكلم ‪ ,‬الصولي ‪ ,‬المفسر ‪ ,‬الديب ‪ ...‬لسان عصره ‪ ,‬وسر‬
‫ال في خلقه ‪ ,‬مدار الحقيقة ‪ ,‬وعين السعادة ‪ ,‬وقطب السيادة ‪ ,‬من جمع بين الشريعة والحقيقة ) مقدمة كتاب الرسالة القشيرية ص ‪ ,( 15‬وقال عنه أبو‬
‫الحسن الباخرزي ‪ :‬لو ارتبط إبليس في مجلسه لتاب ) دمية القصر ( ‪ ,‬توفي سنة ‪ 465‬هـ‪.‬‬
‫‪ 5‬الرسالة القشيرية لبي القاسم عبد الكريم القشيري ج ‪ 2‬ص ‪ 550‬ط مطبعة حسان القاهرة ‪. 1974‬‬
‫‪ 6‬نفحات النس ) الفارسي ( للجامي ص ‪ 12‬إيران ‪ 1337‬هجري شمسي ‪.‬‬
‫‪ 7‬كشف الحقائق لعبد العزيز النسفي بتحقيق وتعليق الدكتور أحمد مهدوي ص ‪ 120‬ط طهران ‪ 1359‬هجري قمري ‪.‬‬

‫‪20‬‬

‫قال المصنف ‪ :‬وهؤلء القوم إنما قعدوا في المسجد ضرورة ‪ .‬وإنما أكلوا الصدقة ضرورة ‪ .‬فلما فتح ال على‬
‫المسلمين استغنوا عن تلك الحال وخرجوا ‪ ,‬ونسبة الصوفي إلى أهل الصفة غلط لنه لو كان كذلك لقيل‬
‫صفي ‪ ,‬وقد ذهب إلى أنه من الصوفانة وهي بقلة رعناء قصيرة ‪ .‬فنسبوا إليها لجتزائهم بنبات الصحراء‬
‫وهذه أيضا غلط لنه لو نسبوا أليها لقيل صوفاني ‪ .‬وقال آخرون هو منسوب إلى صوفة القفا ‪ .‬وهي‬
‫الشهرات النابتة في مؤخرة كأن الصوفي عطف به إلى الحق وصرفه عن الخلق ( ‪. 1‬‬
‫وقيل ‪ :‬أن أصل التصوف منسوب إلى صوفة ‪ ,‬فيقول ابن الجوزي ‪:‬‬
‫قال أبو محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ ‪ :‬قال ‪ :‬سألت وليد بن القاسم ‪ :‬إلى أي شيء ينسب الصوفي ‪.‬‬
‫فقال ‪ :‬كان قوم في الجاهلية يقال لهم صوفة ‪ ,‬انقطعوا إلى ال عز وجل ‪ ,‬وقنطوا الكعبة ‪ ,‬فمن تشبه بهم فهم‬
‫الصوفية ‪ ,‬قال عبد الغني ‪ :‬فهؤلء المعروفون بصوفة ولد الغوث بن مر بن أخي تميم بن مر ( ‪. 2‬‬
‫وبمثل ذلك ذكره أهل اللغة والمعاجم ‪. 3‬‬
‫وهناك البعض الخرون من المتقدمين والحديثين أدلوا بدلوهم ‪ ,‬وأبدوا رأيهم في هذا ‪ ,‬فمن المتقدمين‬
‫البيروني أبو الريحان المتوفى سنة ‪ 440‬هـ ‪ ,‬الذي نسب التصوف إلى سوفيا اليونانية ‪ ,‬معناها الحكمة ‪ ,‬فلقد‬
‫لخص كلمه صادق نشأت نقل عن كتابه ) ذكر ما للهند من مقولة مقبولة أو مرذولة ( ‪ ,‬وهذا نصه ‪:‬‬
‫) إن قدماء اليونان أي الحكماء السبعة مثل سولن الثيني وطاليس المالطي كانوا يعتقدون قبل تهذيب‬
‫الفلسفة بعقيدة الهنود ‪ ,‬بأن الشياء إنما هي شيء واحد وكانوا يقولون ليس للنسان فضل على الجماد‬
‫والنبات إل بسبب القرب إلى العلة الولية في الرتبة ‪ ,‬وكان بعضهم يعتقد أن الوجود الحقيقي هو العلة الولى‬
‫نفسها لنها غنية بذاتها وما سواها محتاج في الوجود إلى الغير فوجودها في حكم الخيال والحق هو الواحد‬
‫الول فقط ‪ ,‬ويقول في أعقاب هذا التفصيل ‪ .‬وهذا رأي السوفية وهم الحكماء ‪ ,‬فإن ) سوف ( باليونانية‬
‫) الحكمة ( وبها سمي الفيلسوف ) بيل سوبا ( أي محب الحكمة ‪ ,‬ولما ذهب في السلم قوم إلى قريب من‬
‫رأيهم سموا باسمهم ‪ ,‬ولم يعرف بعضهم اللقب فنسبهم للتوكل إلى الصفة وأنهم أصحابها في عصر النبي‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ ,‬ثم صحف بعد ذلك فصير في صوف التيوس وعدل أبو الفتح البستي عن ذلك أحسن‬
‫عدول في قوله ‪:‬‬
‫تنازع الناس في الصوفي واختلوا‬
‫ولســـــت أنحل هذا السـم غير فتى‬

‫قـدما وظنوه مشتـــقا من الصوفي‬
‫صافي فصوفي حتى لقب الصوفي‬

‫وكذلك ذهبوا إلى أن الموجود شيء واحد وأن العلة الولى تتراءى فيه بصور مختلفة وتحل قوتها في أبعاضه‬
‫بأحوال متباينة توجب التغاير مع التحاد ‪ ,‬فكان فيهم من يقول أن المنصرف بكليته إلى العلة الولى متشبها‬
‫بها على غاية إمكانه يتحد بها عند ترك الوسائل وخلع العلئق والعوائق وهذه أراء يذهب إليها الصوفية‬
‫لتشابه الموضوع وكانوا في ألنفس والرواح أنها قائمة بذواتها قبل التجسد بالبدان معدودة مجندة تتعارف‬
‫وتتناكر ( ‪. 4‬‬

‫‪ 1‬تلبيس ابليس لبن الجوزي المتوفى ‪ 597‬ص ‪ 157‬دار القلم بيروت ‪ ,‬أيضا الصوفية والفقراء لشيخ السلم ابن تيمية ط دار الفتح القاهرة ‪ 1984‬م ‪,‬‬
‫أيضا تاريخ التصوف في السلم للدكتور قاسم غني ترجمة عربية صادق نشأت ص ‪ 61 , 60‬ط مكتبة النهضة المصرية ‪.‬‬
‫‪ 2‬تلبيس ابليس لبن الجوزي الباب العاشر ص ‪. 156‬‬
‫‪ 3‬انظر لسان العرب لبن منظور الفريقي ج ‪ 9‬ص ‪ 200‬ط دار صادر بيروت ‪ ,‬والقاموس المحيط للفيروز آبادي ج ‪ 3‬ص ‪ 169‬ط مصطفى البابي‬
‫الحلبي ‪ ,‬أيضا أساس البلغة للزمخشري ص ‪ 262‬ط احياء المعاجم العربية القاهرة ‪.‬‬
‫‪ 4‬الكتاب المذكور ص ‪ 16‬ط ليبزك نقل عن تاريخ التصوف في السلم ترجمة عربية لصادق نشأت ص ‪. 68 , 67‬‬

‫‪21‬‬
‫‪1‬‬

‫وبهذا القول قال فون هامر المستشرق اللماني ‪ ,‬وعبد العزيز إسلمبولي ‪ ,‬ومحمد لطفي جمعه من الحديثين‬
‫‪.‬‬
‫بسبب المشابهة الصوتية بين كلمة ) صوفي ( والكلمة اليونانية ) صوفيا ( ‪ ,‬وكذلك لوجه الشبه الموجود بين‬
‫كلمة ) تصوف ( ‪ ) ,‬تيوصوفيا ( ‪ ,‬وأن كلمتي صوفي وتصوف أخذتا من الكلمتين اليونانيتين ) سوفيا ( و‬
‫)وتيوسوفيا ( إل أن نولدكه أثبت خطأ هذا الزعم كما كما أيده في ذلك نيكلسون ‪ ,‬وما سينيون ‪ ,‬وبالضافة‬
‫إلى البراهين القوية الخرى التي أقامها نولدكه ‪ ,‬فإنه يدلل على أن ) س( اليونانية نقلت إلى العربية كما هي‬
‫سينا ‪ ,‬ل صادا كما أنه ل يوجد في اللغة الرامية كلمة تعد واسطة لنتقال سوفيا إلى الصوفي (‪. 2‬‬
‫ى الهجويري‬
‫فهذا هو الختلف الواقع في أصل لفظة التصوف واشتقاقها ‪ ,‬ولذلك اضطر الصوفي القديم عل ّ‬
‫المتوفى سنة ‪ 465‬هـ إلى أن يقول ‪:‬‬
‫) إن اشتقاق هذا السم ل يصح من مقتضى اللغة في أي معنى ‪ ,‬لن هذا السم أعظم من أن يكون له جنس‬
‫ليشتق منه ( ‪. 3‬‬
‫وبمثل ذلك قال القشيري في رسالته ‪:‬‬
‫) ليس يشهد لهذا السم من حيث العربية قياس ول اشتقاق ( ‪.‬‬
‫كما أنه مما لشك فيه أنه ل يصح ول يستقيم اشتقاقه من حيث اللغة إل من الصوف ‪ ,‬ولو أنه هو اختيار‬
‫الكثيرين من الصوفية وغيرهم كالطوسي ‪ ,‬وأبي طالب المكي ‪ ,‬والسهروردي وأبي المفاخر يحيى باخرزي ‪,‬‬
‫وابن تيمية ‪ ,‬وابن خلدون من المتقدمين ‪.‬‬
‫‪4‬‬

‫والستاذ مصطفى عبد الرزاق ‪ ,‬والدكتور زكي مبارك ‪ ,‬والدكتور عبد الحليم محمود ‪ ,‬والدكتور قاسم غني ‪,‬‬
‫ومن المستشرقين مرجليوس ‪ ,‬ونيكلسون ‪ ,‬وماسينيون ‪ ,‬ونولدكه وغيرهم من المتأخرين ‪ ,‬مع انكار ذلك من‬
‫أعلم الصوفية وأقطابها كما مر سابقا ‪.‬‬
‫ومن الطرائف أن الدكتور زكي مبارك استشهد القشيرية على رّد من جعل اشتقاق التصوف من الصفاء‬
‫بالقشيري ‪ ,‬واستند إلى قوله قائل ‪:‬‬
‫‪5‬‬
‫) وقد استبعد ذلك القشيري وهو من أقطاب الصوفية ( ‪.‬‬
‫مع أنه هو نفسه يورد بعد أسطر من هذا الستشهاد والستناد رأيه في الموضوع بأن التصوف مأخوذ من‬
‫الصوف ‪ ,‬مع أن القشيري رّد على هذا كما رّد على ذلك ‪.‬‬
‫وأطرف من ذلك أن السراج الطوسي من متقدمي الصوفية هو الخر من يرجح نسبة التصوف إلى الصوف‬
‫كما مر سابقا ‪ ,‬ولكنه نفسه يرد كلمه حيث يذكر عن يحيى بن معاذ الرازي أنه كان يلبس الصوف والخلقان‬
‫في ابتداء أمره ‪ ,‬ثم كان في آخر عمره يلبس الخز اللين ‪ ...‬وأن أبا حفص النيسابوري كان يلبس قميصا خزا‬
‫وثيابا فاخره ‪ ,‬ثم ذكر ‪ :‬وآداب الفقراء في اللباس أن يكونوا مع الوقت إذا وجدوا الصوف أو اللبدة أو المرقعة‬
‫لبسوا ‪ ,‬وإذا وجدوا غير ذلك لبسوا ( ‪. 6‬‬
‫هذا ومثل هذا كثير في كتب الخرين من الصوفية المتقدمين منهم والمتأخرين ‪ .‬ول بأس بنقل عبارات‬
‫مختصرة عن مصطفى عبد الرزاق حيث يقول ‪:‬‬
‫أما أصل هذا التعبير فالقاويل فيه كثيرة ‪:‬‬
‫‪ 1‬انظر التصوف السلمي في الدب والخلق لزكي مبارك ج ‪ 1‬ص ‪ 51‬ط دار الجيل لبنان ‪ ,‬أيضا أبحاث في التصوف للدكتور عبد الحليم محمود ص‬
‫‪. 153‬‬
‫‪ 2‬انظر تاريخ التصوف في السلم للدكتور قاسم غني ترجمة عربية ص ‪. 68 , 67‬‬
‫‪ 3‬كشف المحجوب للهجويري ترجمة عربية دكتورة أسعاد عبد الهادي قنديل ص ‪ 230‬ط دار النهضة العربية بيروت ‪ 1980‬م ‪.‬‬
‫‪ 4‬الرسالة القشيرية لعبد الكريم القشيري ج ‪ 2‬ص ‪ 550‬دار الكتب الحديثة القاهرة ‪.‬‬
‫‪ 5‬التصوف السلمي في الدب والخلق للدكتور زكي مبارك ج ‪ 1‬ص ‪. 51‬‬
‫‪6‬‬

‫انظر اللمع للطوسي ص ‪. 249‬‬

‫‪22‬‬

‫فمن مرجح أنه لفظ جامد غير مشتق كالقشيري ‪.‬‬
‫ومن قائل ‪ :‬أنه مشتق من الصفاء أو الصفو ‪.‬‬
‫ومن قائل ‪ :‬أن اللفظ مأخوذ من الصوف لن لباس الصوف كان يكثر في الزهاد ‪.‬‬
‫وقال قائلون ‪ :‬إن الصوفية نسبة إلى الصفة التي ينسب إليها كثير من الصحابة ‪ ....‬لكن النسبة إلى الصفة ل‬
‫تجيء على الصوفي ‪ ,‬بل على الصفي ‪.‬‬
‫وثم أقوال ضعيفة أخرى ‪ ,‬كالقول بأن الصوفي نسبة إلى الصف الول ‪ ,‬لنهم في الصف الول بقلوبهم من‬
‫حيث المحاضرة والمناجاة ‪.‬‬
‫وكالقول بأنهم منسوبون إلى صوفة القفا ‪.‬‬
‫أو منسوبون إلى صوفة بن مروان ‪.‬‬
‫وأرجح القوال وأقربها إلى العقل مذهب القائلين بأن الصوفي نسبة إلى الصوف ‪ ,‬وأن المتصوف مأخوذ منه‬
‫أيضا ‪ ,‬فيقال ‪ :‬تصوف إذا لبس الصوف ( ‪. 1‬‬
‫وأظن أن هذا الذي أوقع أحد الكتاب في التصوف في بحار الحيرة ‪ ,‬وجعله مضطرا إلى أن يردد بعد ملحظة‬
‫هذه الختلفات الكثيرة في أصل كلمة التصوف واشتقاقها ‪ ,‬ونقل أقوالهم فيه ‪.‬‬
‫) هذا معناه أن الصوفية يوصدون الباب حتى أمام من يسألهم عن معنى اسمهم ‪ ..‬وهذا دليل على أمر من‬
‫أمور ثلثة ‪ ,‬وأما أن التصوف سر ‪ ,‬وأما أنه أمر خلفي بحت ‪ ,‬وأما أنه متعدد الجوانب كالفن الغني ‪ ,‬وسوف‬
‫نترك للقارئ أن يجد الجواب بنفسه ( ‪. 2‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫التصوف لمصطفى عبد الرزاق ص ‪ 57‬إلى ‪ 62‬ط دار الكتاب اللبناني بيروت ‪.‬‬
‫بحار الحب عند الصوفية لحمد بهجت ص ‪ 32‬ط المختار السلمي القاهرة ‪.‬‬

‫‪23‬‬

‫الفصل الثالث‬

‫ف‬
‫ري ُ‬
‫و ِ‬
‫ت ْ‬
‫ف الت َ‬
‫ص ّ‬
‫ع ِ‬
‫ول يقل اختلف الصوفية في اختلف تعريف التصوف عن اختلفهم في أصله واشتقاقه ‪ ,‬بل ازدادوا تعارضا‬
‫وتناقضا فيه كثيرا ‪ ,‬ولقد ذكر صوفي فارسي قطب الدين أبو المظفر منصور بن أردشير السنجي المروزي‬
‫المتوفى سنة ‪ 491‬هـ أكثر من عشرين تعريفا ‪. 1‬‬
‫وكذلك السراج الطوسي ‪. 2‬‬
‫والكلباذي ‪. 3‬‬
‫والسهروردي ‪. 4‬‬
‫وابن عجيبة الحسني ‪. 5‬‬
‫وأما القشيري فلقد ذكر في رسالته أكثر من خمسين تعريفا من الصوفية المتقدمين ‪ . 6‬كما ذكر المستشرق‬
‫نيكلسون ثمانية وسبعين تعريفا ‪. 7‬‬
‫وليس معنى ذلك أن هذا العدد هو الخير في تعريف التصوف ‪ ,‬بل ذكر السراج في لمعة أن تعريفاته تتجاوز‬
‫مائة تعريف ‪. 8‬‬
‫وقال السهر وردي ‪ ) :‬وأقوال المشائخ في ماهية التصوف تزيد على ألف قول ( ‪. 9‬‬
‫وقال الحامدي ‪ ) :‬القوال المأثورة في التصوف قيل ‪ :‬أنها زهاء ألفين ( ‪. 10‬‬
‫ونختار من هذه التعريفات الكثيرة بعضها نموذجا للقراء والباحثين ‪ ,‬فينقل السراج الطوسي أن الجنيد سئل‬
‫عن التصوف ‪ ,‬فقال ‪ ) :‬أن تكون مع ال تعالى بل علقه ( ‪.‬‬
‫وقال سمنون في جواب سائل سأله ‪ :‬أن ل تملك شيئا ول يمكلك شيء ‪.‬‬
‫‪11‬‬
‫وقيل لبي الحسين أحمد بن محمد النوري ‪ :‬من الصوفي ؟ ‪ ,‬فقال ‪ :‬من سمع السماع وآثر بالسباب ‪.‬‬
‫وينقل القشيري عن الجنيد أنه قال ‪ ) :‬التصوف عقدة ل صلح فيها (‪.‬‬
‫وأيضا ‪ :‬هم أهل بيت واحد ل يدخل فيه غيرهم ‪.‬‬
‫وعن أبي حمزة البغدادي أنه قال ‪ :‬علمة الصوفي الصادق أن يفتقر بعد الغنى ‪ ,‬ويذل بعد العز ‪ ,‬ويخفى بعد‬
‫الشهرة ‪.‬‬
‫وعن الشبلي أنه قال ‪ :‬التصوف برقة محرقة ‪.‬‬
‫‪12‬‬
‫وعنه أنه قال ‪ :‬التصوف هو العصمة عن رؤية الكون ‪.‬‬

‫‪ 1‬انظر مناقب الصوفية فارسي ص ‪ 31‬وما بعد باهتمام محمد تقي دانش بيوه وايرج أفشارط ط طهران ‪ 1362‬هجري قمري ‪.‬‬
‫‪ 2‬انظر اللمع للطوسي ص ‪ 45‬وما بعد ‪.‬‬
‫‪ 3‬انظر التعرف لمذهب أهل التصوف ص ‪ 28‬وما بعد ‪.‬‬
‫‪ 4‬انظر عوارف المعارف ص ‪ 53‬وما بعد ‪.‬‬
‫‪ 5‬انظر إيقاظ الهمم ص ‪ 4‬وما بعد ‪.‬‬
‫‪ 6‬انظر الرسالة القشيرية ج ‪ 2‬ص ‪ 551‬وما بعد ‪.‬‬
‫‪ 7‬انظر التصوف السلمي وتاريخه ترجمة عربية للدكتور أبي العلء العفيفي ص ‪ 28‬وما بعد ط القاهرة ‪.‬‬
‫‪ 8‬كتاب اللمع للطوسي ص ‪. 47‬‬
‫‪ 9‬عوارف المعارف للسهروردي ص ‪ , 57‬أيضا نشر المحاسن الغالية لليافعي ج ‪ 2‬ص ‪. 343‬‬
‫‪ 10‬النسان والسلم لمحمد طاهر الحامدي نقل عن مقدمة التعرف لمذهب أهل التصوف ‪ ,‬لمحمود النواوي ص ‪. 11‬‬
‫‪ 11‬اللمع للطوسي ص ‪ 47‬وما بعد ‪.‬‬
‫‪ 12‬الرسالة القشيرية ج ‪ 2‬ص ‪ 550‬وما بعد ‪.‬‬

‫‪24‬‬

‫ونقل منصور بن أردشير عن الحسين بن منصور أنه قال في جواب من سأله عن الصوفي ‪ :‬هو وحداني‬
‫الذات ل يقبله أحد ‪ ,‬ول يقبل أحدا ( ‪.13‬‬
‫ونقل محمد بن إبراهيم النفزي الرندي عن أحد الصوفية ‪ ) :‬أن الصوفي من كان دمه هدرا ‪ ,‬وملكه مباحا (‬
‫‪ . 2‬وذكر السلمي عن أبي محمد المرتعش النيسابوري أنه سئل عن التصوف ‪ ,‬فقال الشكال والتلبيس‬
‫والكتمان ‪.‬‬
‫‪3‬‬
‫وذكر عن أبي الحسين النوري أنه قال ‪ ) :‬التصوف ترك كل حظ النفس ( ‪.‬‬
‫ونقل الكلباذي وعبد السلم السمر الفيتوري عن الجنيد أنه سئل عن التصوف ‪ ,‬فقال ‪ :‬تصفية القلب من‬
‫موافقة البرية ‪ ,‬ومفارقة الخلق الطبيعية ‪ ,‬وإخماد الصفات البشرية ‪ ,‬ومجانبة الدواعي النفسانية ‪ ,‬ومنازلة‬
‫الصفات الروحانية ‪ ,‬والتعلق بالعلوم الحقيقية ‪.‬‬
‫وذكر عن سهل بن عبد ال التستري أنه سأله رجل ‪ :‬من أصحب من طوائف الناس ؟‪.‬‬
‫فقال ‪ :‬عليك بالصوفية ‪ ,‬فإنهم ل يستكثرون ‪ ,‬ول يستنكرون شيئا ‪ ,‬ولكل فعل عندهم تأويل ‪ ,‬فهم يعذرونك‬
‫على كل حال ‪.‬‬
‫وعن يوسف بن الحسين أنه قال ‪:‬‬
‫سألت ذا النون ‪ :‬من أصحب ؟ فقال ‪ :‬من ل يملك ‪ ,‬ول ينكر عليك حال من أحوالك ‪ ,‬ول يتغير بتغيرك وإن‬
‫كان عظيما ‪ ,‬فانك أحوج ما تكون إليه أشد ما كنت تغيرا ( ‪. 4‬‬
‫وذكر الهجويري أن الصوفي هو الفاني عن نفسه ‪ ,‬والباقي بالحق قد تحرر من قبضة الطبائع ‪ ,‬واتصل‬
‫بحقيقة الحقائق ‪.‬‬
‫ونقل عن الجنيد أنه قال ‪ :‬التصوف نعت أقيم العبد فيه ‪ ,‬قيل ‪ :‬نعت للعبد أو نعت للحق ؟ ‪.‬‬
‫فقال نعت الحق حقيقة ‪ ,‬ونعت العبد رسما ‪.‬‬
‫وعن الشبلي أنه قال ‪ :‬التصوف شرك لنه صيانة القلب عن الغير ‪ ,‬ول غير ( ‪. 5‬‬
‫وذكر عبد الرحمن الجامي أن الصوفي هو الخارج عن النعوت والرسوم ‪ .‬ونقل عن أبي العباس النهاوندي‬
‫أنه قال ‪ :‬التصوف بدايته الفقر ( ‪. 6‬‬
‫وذكر العطار عن أبي الحسن الخرقاني أنه قال ‪ ) :‬أن التصوف عبارة عن الجسم الميت والقلب المعدوم‬
‫والروح المحرقة ‪.‬‬
‫وأنه قال ‪ :‬إن الخلق كله مخلوق ‪ ,‬والصوفي غير مخلوق ‪ ,‬لنه معدوم و‪ ,‬أو أن الصوفي من عالم المر ‪ ,‬ل‬
‫من عالم الخلق ( ‪. 7‬‬
‫ونقل العطار أيضا عن الجنيد أنه قال ‪:‬‬

‫‪ 13‬مناقب الصوفية لمنصور بن أردشير ص ‪. 33‬‬
‫‪ 2‬غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية للنفزي الرندي ج ‪ 1‬ص ‪ 203‬بتحقيق الدكتور عبد الحليم محمود والدكتور محمد بن الشريف ط دار الكتب‬
‫الحديثة القاهرة ‪1970‬م ‪.‬‬
‫‪ 3‬طبقات السلمي ص ‪. 38‬‬
‫‪ 4‬التعرف للكلباذي ص ‪ , 35 , 34‬أيضا الوصية الكبرى لعبد السلم السمر الفيتوري ص ‪ 37‬ط مكتبة النجاح طرابلس ليبيا الطبعة الولى ‪ 1396‬هـ ‪.‬‬
‫‪ 5‬انظر كشف المحجوب للهجويري ص ‪ 231‬وما بعد ‪.‬‬
‫‪ 6‬نفحات النس للجامي ) فارسي ( ص ‪. 12‬‬
‫‪ 7‬تذكرة الولياء للعطار ص ‪ 288‬وما بعد ط باكستان ‪ ,‬أيضا أحوال وأقوال شيخ أبي الحسن الخرقاني ) فارسي ( الطبعة الثالثة ‪ 1363‬هجري قمري‬
‫إيران ‪.‬‬

‫‪25‬‬

‫) الصوفي هو الذي سلم قلبه كقلب إبراهيم من حب الدنيا ‪ ,‬وصار بمنزلة الحامل لوامر ال ‪ ,‬وتسليمه تسليم‬
‫إسماعيل ‪ ,‬وحزنه حزن داوود ‪ ,‬وفقره فقر عيسى ‪ ,‬وصبره صبر أيوب ‪ ,‬وشوقه شوق موسى وقت‬
‫المناجاه ‪ ,‬وإخلصه إخلص محمد ( ‪. 1‬‬
‫وقال الصوفي الهندي فريد الدين الملقب بكنج شكر ‪ ) :‬إن التصوف أن ل يبقى في ملكك شيء ‪ ,‬ول يبقى‬
‫وجودك في مكان ‪.‬‬
‫وقال ‪ :‬إن أهل التصوف يقيمون صلواتهم على العرش يوميا ‪.‬‬
‫وقال ‪ :‬إن الصوفي من ل يخفى على قلبه شيء ( ‪. 2‬‬
‫فهذه هي تعريفات التصوف والصوفية لدى أعلم الصوفية وأقطابهم أنفسهم ‪ ,‬ونقلناهم من كتبهم ‪ ,‬تضاربت‬
‫فيها أراء القوم ‪ ,‬وتعارضت فيها أقوالهم ‪ ,‬ل جمع بينهما ول وفاق رغم ما ادعاه بعض المتأخرين ‪ ,‬وحاولوا‬
‫التوفيق ولكن دونه خرط القتاد ‪ ,‬لن كل تعريف مستقل عن التعريف الخر ‪ ,‬وحتى التعريفات العديدة التي‬
‫ي لكل من نظر فيها وقرأها‬
‫صدرت عن شخص واحد تباعد بعضها عن بعض كل البعد وهذا التباعد ظاهر جل ّ‬
‫تأمل وتدبر ‪ ,‬وتحقق وتعمق ‪.‬‬
‫ويجدر الشارة ههنا إلى أن تعريفات التصوف المتعددة التي ذكرناها واخترناها من تعريفات كثيرة جدا تنبئ‬
‫صراحة عن حقيقة إدعاء علقة التصوف بالسلم ‪ ,‬وكونه روحه وعصارته ‪. 3‬‬
‫المر الذي سوف يفصل الكلم فيه ‪ ,‬في البواب القادمة إن شاء ال تعالى ‪.‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫تذكرة الولياء لفريد الدين العطار ) أردو ( تحت ذكر الجنيد ص ‪ 192‬باكستان ‪.‬‬
‫أسرار الولياء ص ‪ 129 , 128‬ط باكستان ‪.‬‬
‫أنظر النسان والسلم لمحمد طاهر الحامدي ‪ ,‬ومقدمه التعرف لمحمود أمين النواوي ‪.‬‬

‫‪26‬‬

‫الفصل الرابع‬

‫هوره‬
‫و ِ‬
‫وظ ُ‬
‫ب َدْءُ الت ّ َ‬
‫ف َ‬
‫ص ّ‬
‫إن الناس اختلفوا في بدء ظهور هذه الكلمة واستعمالها كاختلفهم في أصله وتعريفه ‪ ,‬فذكر ابن تيمية وسبقه‬
‫ابن الجوزي وابن خلدون في هذا أن لفظ الصوفية لم يكن مشهورا في القرون الثلثة الولى ‪ ,‬وإنما اشتهر‬
‫التكلم به بعد ذلك ‪ ,‬وقد نقل التكلم به عن غير واحد من الئمة والشيوخ كالمام أحمد بن حنبل ‪ ,‬وأبي سليمان‬
‫الداراني وغيرهما ‪ ,‬وقد روى عن سفيان الثوري أنه تكلم به ‪ ,‬وبعضهم يذكر ذلك عن الحسن البصري ‪. 1‬‬
‫وقال السراج الطوسي في الباب الذي خصصه للرد على من قال ‪ :‬لم نسمع بذكر الصوفية في القديم وهو إسم‬
‫مستحدث ‪ :‬يقول في هذا الباب ‪:‬‬
‫) إن سأل سائل فقال ‪ :‬لم نسمع بذكر الصوفية في أصحاب رسول ال صلى ال عليه وسلم ورضي عنهم‬
‫أجمعين ‪ ,‬ول فيمن كان بعدهم ‪ ,‬ول نعرف إل العّباد والّزهاد والسّياحين والفقراء ‪ ,‬وما قيل لحد من أصحاب‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ :‬صوفي ‪ ,‬فنقول وبال التوفيق ‪.‬‬
‫الصحبة مع رسول ال صلى ال عليه وسلم لها حرمة ‪ ,‬وتخصيص من شمله ذلك ‪ ,‬فل يجوز أن يعلق عليه‬
‫اسم على أنه أشرف من الصحبة ‪ ,‬وذلك لشرف رسول ال صلى ال عليه وسلم وحرمته ‪ ,‬أل ترى أنهم أئمة‬
‫الزهاد والعباد والمتوكلين والفقراء والراضين والصابرين والمختبين ‪ ,‬وغير ذلك ‪ ,‬وما نالوا جميع ما نالوا إل‬
‫ببركة الصحبة مع رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ ,‬فلما نسبوا إلى الصحبة والتي هي أجل الحوال استحال‬
‫أن يفضلوا بفضيلة غير الصحبة التي هي أجل الحوال وبال التوفيق ‪.‬‬
‫وأما قول القائل ‪ :‬إنه اسم محدث أحدثه البغداديون ‪ ,‬فمحال ‪ ,‬لن في وقت الحسن البصري رحمه ال كان‬
‫يعرف هذا السم ‪ ,‬وكان الحسن قد أدرك جماعة من أصحاب رسول ال صلى ال عليه وسلم ورضي عنهم ‪,‬‬
‫وقد ُروي عنه أنه قال ‪ :‬رأيت صوفيا في الطواف فأعطيته شيئا فلم يأخذه وقال ‪ :‬معي أربعة دوانيق يكفيني‬
‫ما معي ‪.‬‬
‫وروي عن سفيان الثوري رحمه ال أنه قال ‪ :‬لول أبو هاشم الصوفي ما عرفت دقيق الرياء ‪ ,‬وقد ذكر الكتاب‬
‫جمع فيه أخبار مكة عن محمد بن إسحاق بن يسار ‪ ,‬وعن غيره يذكر فيه حديثًا ‪ :‬أنه قبل السلم قد‬
‫الذي ُ‬
‫خلت مكة في وقت من الوقات ‪ ,‬حتى كان ل يطوف بالبيت أحد ‪ ,‬وكان يجيء من بلد بعيد رجل صوفي‬
‫فيطوف بالبيت وينصرف ‪ ,‬فإن صح ذلك فإنه يدل على أنه قبل السلم كان يعرف هذا السم ‪ ,‬وكان ُينسب‬
‫إليه أهل الفضل والصلح ‪ ,‬وال أعلم ( ‪. 2‬‬
‫وبمثل ذلك قال السهروردي ‪ ) :‬وهذا السم لم يكن في زمن رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ ,‬وقيل ‪ :‬كان في‬
‫زمن التابعين – ثم نقل عن الحسن البصري وما نقلناه عن الطوسي أيضا – ثم قال ‪ :‬وقيل ‪ :‬لم يعرف هذا‬
‫السم إلى المائتين من الهجرة العربية ( ‪. 3‬‬
‫وصرح عبد الرحمن الجامي ‪:‬‬
‫) أن أبا هاشم الكوفي أول من دعى بالصوفي ‪ ,‬ولم يسم أحد قبله بهذا السم ‪ ,‬كما أن أول خانقاه بني‬
‫للصوفية هو ذلك الذي في رملة الشام ‪ ,‬والسبب في ذلك أن المير النصراني كان قد ذهب للقنص فشاهد‬
‫فشاهد شخصين من هذه الطائفة الصوفية سنح له لقاؤهما وقد احتضن أحدهما الخر وجلسا هناك ‪ ,‬وتناول‬
‫‪ 1‬الصوفية والفقراء لشيخ السلم بن تيمية ص ‪ 5‬ط القاهرة ‪ ,‬أيضا مقدمة ابن خلدون ص ‪ , 467‬تلبيس أبليس لبن الجوزي ص ‪ 157‬دار القلم بيروت‬
‫لبنان ‪.‬‬
‫‪ 2‬اللمع للطوسي ص ‪ , 43 , 42‬أيضا الفتوحات اللهية لبن عجيبة الحسنى ص ‪ 53‬ط عالم الفكر القاهرة ‪.‬‬
‫‪ 3‬عوارف المعارف للسهروردي ص ‪. 63‬‬

‫‪27‬‬

‫معا كل ما كان معهما من طعام ‪ ,‬ثم سارا لشأنهما ‪ ,‬فسّر المير النصراني من معاملتهما وأخلقهما ‪,‬‬
‫فاستدعى أحدهما ‪ ,‬وقال له ‪ :‬من هو ذاك ؟‬
‫قال ‪ :‬ل أعرفه ‪ ,‬قال ‪ :‬وما صلتك به ؟ ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬ل شيء ‪ .‬قال ‪ :‬فمن كان ؟ ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬ل أدري ‪ ,‬فقال المير ‪ :‬فما هذه اللفة التي كانت بينكما ؟ ‪.‬‬
‫فقال الدرويش ‪ :‬إن هذه طريقتنا ‪ ,‬قال ‪ :‬هل لكم من مكان تأوون إليه ؟ ‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫قال ‪ :‬ل ‪ ,‬قال ‪ :‬فإني أقيم لكما محل تأويان إليه ‪ ,‬فبنى لهما هذه الخانقاه في الرملة ( ‪.‬‬
‫وأما القشيري فقال ‪ :‬اشتهر هذا السم لهؤلء الكابر قبل المائتين من الهجرة ( ‪. 2‬‬
‫وأما الهجويري فلقد ذكر أن التصوف كان موجودا في زمن رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ ,‬وباسمه ‪,‬‬
‫واستدل بحديث موضوع مكذوب على رسول ال صلى ال عليه وسلم أنه قال ‪ ) :‬من سمع صوت أهل‬
‫التصوف فل يؤمن على دعائهم كتب عند ال من الغافلين ( ‪. 3‬‬
‫مع أنه نفسه كتب في نفس الباب في آخره شارحا كلم أبي الحسن البوشنجي ) التصوف اليوم اسم بل‬
‫حقيقة ‪ ,‬وقد كان من قبل حقيقة بل اسم ( فكتب تحته موضحا ‪:‬‬
‫) يعني أن هذا السم لم يكن موجودا وقت الصحابة والسلف ‪ ,‬وكان المعنى موجودا في كل منهم ‪ ,‬والن يوجد‬
‫السم ‪ ,‬ول يوجد المعنى ( ‪. 4‬‬
‫وأما المستشرقون الذين كتبوا عن التصوف ‪ ,‬ويعدون من موالي الصوفية وأنصارهم ‪ ,‬فمنهم نيكلسون فإنه‬
‫يرى مثل ما يراه الجامي أن لفظة التصوف أطلقت أول ما أطلقت على أبي هاشم الكوفي المتوفى سنة ‪ 150‬ه‬
‫‪.5‬‬
‫ولكن المستشرق الفرنسي المشهور ما سينيون يرى غير ذلك ‪ ,‬فيقول ‪:‬‬
‫ورد لفظ الصوفي لول مرة في التاريخ في النصف الثاني من القرن الثامن الميلدي إذ نعت به جابر بن‬
‫حيان ‪ ,‬وهو صاحب كيمياء شيعي من أهل الكوفة ‪ ,‬له في الزهد مذهب خاص ‪ ,‬وأبو هاشم الكوفي الصوفي‬
‫المشهور ‪.‬‬
‫أما صيغة الجمع ) الصوفية ( التي ظهرت عام ‪ 189‬هـ ) ‪ 814‬م ( في خبر فتنة قامت بالسكندرية فكانت‬
‫تدل قرابة ذلك العهد على مذهب من مذاهب التصوف السلمي يكاد يكون شيعيا نشأ في الكوفة ‪ ,‬وكان عبدك‬
‫الصوفي آخر أئمته ‪ ,‬وهو من القائلين بأن المامة بالرث والتعيين ‪ ,‬وكان ل يأكل اللحم ‪ ,‬وتوفى ببغداد‬
‫حوالي عام ‪ 210‬هـ ‪.‬‬
‫وإذن فكلمة صوفي كانت أول أمرها مقصورة على الكوفة ( ‪. 6‬‬
‫وقال أيضا ‪:‬‬

‫‪ 1‬نفحات النس للجامي الطبعة الفارسية ص ‪ 32 , 31‬ط إيران ‪.‬‬
‫‪ 2‬الرسالة القشيرية ج ‪ 1‬ص ‪ 53‬بتحقيق الدكتور عبد الحليم محمود ومحمود الشريف ‪ ,‬أيضا جمهرة الولياء للمنوفي الحسيني ج ‪ 1‬ص ‪ 269‬ط مؤسسة‬
‫الحلبي القاهرة ‪.‬‬
‫‪ 3‬كشف المحجوب للهجويري مؤسسة ترجمة عربية ص ‪. 227‬‬
‫‪ 4‬أيضا ص ‪. 239‬‬
‫‪ 5‬انظر في التصوف السلمي وتاريخه لنيكلسون ترجمة عربية لبي العلء العفيفي ص ‪ 3‬ط القاهرة ‪.‬‬
‫‪ 6‬دائرة المعارف السلمية أردو ج ‪ 6‬ص ‪ 419‬ط جامعة بنجاب باكستان ‪ ,‬أيضا دائرة المعارف السلمية الطبعة العربية مادة تصوف ج ‪ 5‬ص ‪. 266‬‬

‫‪28‬‬

‫صاحب عزلة بغدادي ‪ ,‬وهو أول من لقب بالصوفي ‪ ,‬وكان هذا اللفظ يومئذ يدل على بعض زهاد الشيعة‬
‫بالكوفة ‪ ,‬وعلى رهط من الثائرين بالسكندرية ‪ ,‬وقد يعّد من الزنادقة بسبب إمتناعه عن أكل اللحم ‪ ,‬ويريد‬
‫الستاذ أول من لقب بالصوفي في بغداد كما يؤخذ مما نقله عن الهمذاني ‪ ,‬ونصه ‪:‬‬
‫) ولم يكن السالكون لطرق ال في العصار السالفة والقرون الولى يعرفون باسم المتصوفة ‪ ,‬وإنما الصوفي‬
‫لفظ أشتهر في القرن الثالث ‪ ,‬وأول من سمي ببغداد بهذا السم عبدك الصوفي ‪ ,‬وهو من كبار المشائخ‬
‫وقدمائهم ‪ ,‬وكان قبل بشر بن الحارث الحافي والسري بن المفلس السقطي ( ‪. 1‬‬
‫والجدير بالذكر أن هؤلء الثلثة الذين يقال عنهم بأنهم أول من سّمو بهذا السم ‪ ,‬وتلقبوا بهذا اللقب‬
‫مطعونون في مذاهبهم وعقائدهم ‪ ,‬ورمى كل واحد منهم بالفسق والفجور وحتى الزندقة ‪ ,‬وخاصة جابر بن‬
‫حيان ‪ ,‬وعبدك كما سيأتي ذلك مفصل في محله من الكتاب إن شاء ال ‪.‬‬
‫وقد سبق كلم شيخ السلم ابن تيمية حيث قال ‪ ) :‬إن لفظ الصوفية لم يكن مشهورا في القرون الثلثة ‪,‬‬
‫وإنما اشتهر التكلم به بعد ذلك ( ‪. 2‬‬
‫وبمثل ذلك قال ابن خلدون ‪. 3‬‬
‫فخلصة الكلم أن الجميع متفقون على حداثة هذا السم ‪ ,‬وعدم وجوده في عهد رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم وأصحابه والسلف الصالحين ‪.‬‬
‫نعم‪ ,‬كان رسول ال صلى ال عليه وسلم أزهد خلق ال في الدنيا وزخارفها ‪ ,‬وأصحابه على سيرته‬
‫وطريقته ‪ ,‬يعّدون الدنيا وما فيها لهوا ولعبا ‪ ,‬زائلة فانية ‪ ,‬والموال والولد فتنة ابتلي المؤمنون بها ‪ ,‬فلم‬
‫يكونوا يجعلون أكبر همهم إل ابتغاء مرضاة ال ‪ ,‬يرجون لقاءه وثوابه ‪ ,‬ويخافون غضبه وعقابه ‪ ,‬آخذين من‬
‫الدنيا ما أباح ال لهم أخذه ‪ ,‬ومجتنبين عنها ما نهى ال عنه ‪ ,‬سالكين مسلك العتدال ‪ ,‬منتهجين منهج‬
‫المقتصد ‪ ,‬غير باغين ول عادين ‪ ,‬مفرطين ول متطرفين ‪ ,‬وعلى رأسهم بعد رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫الخلفاء الراشدون ‪ ,‬وبقية العشرة المبشرة ‪ ,‬ثم البدريون ‪ ,‬ثم أصحاب بيعة الرضوان ‪ ,‬ثم السابقون الولون‬
‫من المهاجرين والنصار ‪ ,‬ثم عامة الصحاب ‪ ,‬على ترتيب الفضلية كما مّر سابقا في الفصل الول من هذا‬
‫الباب ‪.‬‬
‫وتبعهم في ذلك التابعون لهم بإحسان ‪ ,‬واتباع التابعين ‪ ,‬أصحاب خير القرون ‪ ,‬المشهود لهم بالخير والفضيلة‬
‫‪ ,‬ولم يكن لهؤلء كلهم في غير رسول ال أسوة ول قدوة ‪ ,‬الذي قال فيه جل وعل ‪:‬‬

‫َ‬
‫جد َ َ‬
‫جد َ َ‬
‫جدْ َ‬
‫ضاّل َ‬
‫ما َ‬
‫عائ ًِل‬
‫ك َ‬
‫ك َ‬
‫و َ‬
‫ه َ‬
‫و َ‬
‫ف َ‬
‫ك ي َِتي ً‬
‫} أل َ ْ‬
‫م يَ ِ‬
‫و َ‬
‫دى ‪َ 7‬‬
‫و َ‬
‫وى ‪َ 6‬‬
‫فآ َ‬
‫فَل ت َن ْهر ‪َ 10‬‬
‫قهر ‪َ 9‬‬
‫غَنى ‪َ َ 8‬‬
‫فأ َ ْ‬
‫ل َ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫سائ ِ َ‬
‫ما‬
‫ما ال ّ‬
‫وأ ّ‬
‫وأ ّ‬
‫ما ال ْي َِتي َ‬
‫فأ ّ‬
‫َ‬
‫َ ْ‬
‫َ‬
‫فَل ت َ ْ َ ْ‬
‫ة َرب ّ َ‬
‫ك َ‬
‫ث ‪{ 11‬‬
‫حدّ ْ‬
‫م ِ‬
‫ف َ‬
‫ب ِن ِ ْ‬
‫ع َ‬
‫والذي إذا وجد طعاما فأكل وشكر ‪ ,‬وإذا لم يجد فرضي وصبر ‪ ,‬وأحب لبس الثياب البيض ‪ ,‬واكتسب جّبة‬
‫رومية ‪ ,‬ونهى عن التصدق بأكثر من ثلث المال ‪ ,‬وأمر بحفظ حقوق النفس والهل والولد ‪ ,‬ونهى عن تعذيب‬
‫النفس و اتعاب الجسد والبدن ‪ ,‬وحّرص متبعيه على طلب الحلل ‪ ,‬وطلب الحسنات في الدنيا والخرة ‪,‬‬
‫ومنع ال تعالى من التعنت والتطرف في ترك الدنيا وطيباتها في آيات كثيرة في القرآن الكريم ‪ ,‬سنوردها في‬
‫موضعها من الكلم إن شاء ال ‪.‬‬

‫‪ 1‬التصوف لماسينيون ومصطفى عبد الرزاق ص ‪ 56 , 55‬ط دار الكتاب اللبناني ‪ 1984‬م ‪ ,‬أيضا تاريخ التصوف في السلم للدكتور قاسم غني ترجمة‬
‫عربية لصادق نشأت ص ‪ 64‬ط مكتبة النهضة المصرية القاهرة ‪.‬‬
‫‪ 2‬انظر الصوفية والفقراء لشيخ السلم بن تيمية ص ‪. 5‬‬
‫‪ 3‬انظر مقدمة ابن خلدون ص ‪. 476‬‬

‫‪29‬‬

‫ثم خلف من بعدهم خلف فتطرفوا ‪ ,‬وذهبوا بعيدا في نعيم الدنيا وزخارفها ‪ ,‬وفتحت عليهم أبواب الترف‬
‫والرخاء ‪ ,‬ودّرت عليهم الرض والسماء ‪ ,‬وأقبلت عليهم الدنيا بكنوزها وخزائنها ‪ ,‬وفتحت عليهم الفاق‬
‫فانغمسوا في زخارفها وملذاتها ‪ ,‬وبخاصة العرب الفاتحون الغزاة ‪ ,‬والغالبون الظاهرون ‪ ,‬فحصل رّد الفعل ‪,‬‬
‫وفي نفوس المغلوبين المغزوين والمقهورين ‪ ,‬من الموالي والفرس والمفلسين وأصحاب النفوس الضعيفة‬
‫المتوانية خاصة ‪ ,‬فهربوا عن الحياة ومناضلتها ‪ ,‬وجّدها وكّدها ‪ ,‬ولجأوا إلى الخانقاوات والتكايا والزوايا‬
‫والرباطات ‪ ,‬فرارا من المبارزة والمناضلة ‪ ,‬وصبغوا هذا الفرار والنهزام ورّد الفعل صبغة دينية ‪ ,‬ولون‬
‫قداسة وطهارة ‪ ,‬وتنزه وقرابة ‪ ,‬كما كان هنالك أسباب ودوافع ومؤثرات أخرى ‪ ,‬وكذلك أيدي خفية دفعتهم‬
‫إلى تكوين فلسفة جديدة للحياة ‪ ,‬وطراز آخر من المشرب والمسلك ‪ ,‬وأسلوب جديد للعيش والمعاش ‪ ,‬فظهر‬
‫التصوف بصورة مذهب مخصوص ‪ ,‬وبطائفة مخصوصة اعتنقه قوم ‪ ,‬وسلكه أشخاص ساذجون بدون تفكير‬
‫كثير ‪ ,‬وتدبر عميق كمسلك الزهد ‪ ,‬ووسيلة التقرب إلى ال ‪ ,‬غير عارفين بالسس التي قام عليها هذا‬
‫المشرب ‪ ,‬والقواعد التي أسس عليها هذا المذهب ‪ ,‬بسذاجة فطرية ‪ ,‬وطيبة طبيعية ‪ ,‬كما تستر بقناعه ‪,‬‬
‫وتنقب بنقابه بعض آخرون لهدم السلم وكيانه ‪ ,‬وإدخال اليهودية والمسيحية في السلم ‪ ,‬وأفكارهما من‬
‫جانب ‪ ,‬والزرادشتية والمجوسية والشعوبية من جانب آخر ‪ ,‬وكذلك الهندوكية والبوذية والفلسفة اليونانية‬
‫الفلطونية من ناحية أخرى ‪ ,‬وتقويض أركان السلم وإلغاء تعاليم سيد الرسل صلى ال عليه وسلم ‪ ,‬ونسخ‬
‫السلم وإبطال شريعته بنعرة وحدة الوجود ‪ ,‬ووحدة الديان ‪ ,‬وإجراء النبوة ‪ ,‬وترجيح من يسمى بالولي‬
‫على أنبياء ال ورسله ‪ ,‬ومخالفة العلم ‪ ,‬والتفريق بين الشريعة والحقيقة ‪ ,‬وترويج الحكايات والباطيل‬
‫والساطير ‪ ,‬باسم الكرامات والخوارق وغير ذلك من الخلفات والترهات ‪.‬‬
‫فلم يظهر التصوف مذهبا ومشربا ‪ ,‬ولم يرج مصطلحاته الخاصة به ‪ ,‬وكتبه ‪ ,‬ومواجيده وأناشيده ‪ ,‬تعاليمه‬
‫وضوابطه ‪ ,‬أصوله وقواعده ‪ ,‬وفلسفته ‪ ,‬ورجاله وأصحابه إل في القرن الثالث من الهجرة وما بعده ‪.‬‬
‫وبذلك يقول ابن الجوزي في كتابه تلبيس إبليس ‪:‬‬
‫) كانت النسبة في زمن رسول ال صلى ال عليه وسلم إلى اليمان والسلم ‪ .‬فيقال ‪ :‬مسلم ومؤمن ‪ ,‬ثم‬
‫حدث اسم زاهد وعابد ‪ ,‬ثم نشأ أقوام تعلقوا بالزهد والتعبد ‪ ,‬فتخلوا عن الدنيا ‪ ,‬وانقطعوا إلى العبادة ‪,‬‬
‫واتخذوا في ذلك طريقة تفردوا بها ‪ ,‬وأخلقا تخلقوا بها ‪ ,‬ثم قال ‪ :‬وهذا السم ظهر للقوم قبل سنة مائتين ‪,‬‬
‫ولما أظهره أوائلهم تكلموا فيه ‪ ,‬وعبروا عن صفته بعبارات كثيرة ‪ ,‬وحاصلها أن التصوف عندهم رياضة‬
‫النفس ‪ ,‬ومجاهدة الطبع برّده عن الخلق الرذيلة ‪ ,‬وجعله على الخلق الجميلة من الزهد والحلم والصبر‬
‫والخلص والصدق إلى غير ذلك من الخصال الحسنة التي تكسب المدائح في الدنيا والثواب في الخرى ‪...‬‬
‫وعلى هذا كان أوائل القوم ‪ ,‬فلّبس عليهم إبليس في أشياء ‪ ,‬ثم لبس على بعدهم من تابعيهم فكلما مضى قرن‬
‫زاد طمعه في القرن التالي فزاد تلبيسه عليهم إلى أن تمكن من المتأخرين غاية التمكن ‪.‬‬
‫وكان أصل تلبيسه عليهم أنه صدهم عن العلم وأراهم أن المقصود العمل فلما أطفأ مصباح العلم عندهم‬
‫تخبطوا في الظلمات ‪ .‬فمنهم من أراه أن المقصود من ذلك ترك الدنيا في الجملة فرفضوا مايصلح أبدانهم ‪.‬‬
‫وشبهوا المال بالعقارب ‪ ,‬ونسوا أنه خلق للمصالح وبالغوا في الحمل على النفوس حتى أنه كان فيهم من ل‬
‫يضطجع وهؤلء كانت مقاصدهم حسنة غير أنهم على غير الجادة ‪ .‬وفيهم من كان لقلة علمه يعمل بما يقع‬
‫إليه من الحاديث الموضوعة وهو ل يدري ‪.‬‬
‫ثم جاء أقوام فتكلموا لهم في الجوع والفقر والوسواس والخطرات وصنفوا في ذلك مثل الحارث المحاسبي ‪.‬‬
‫وجاء آخرون فهذبوا مذهب التصوف وأفردوه بصفات ميزوه بها من الختصاص بالمرقعة والسماع والوجد‬
‫والرقص والتصفيق وتميزوا بزيادة النظافة والطهارة ‪ .‬ثم مازال المر ينمى والشياخ يضعون لهم أوضاعا‬
‫ويتكلمون بواقعاتهم ‪ .‬ويتفق بعدهم عن العلماء ل بل رؤيتهم ما هم فيه أوفى العلوم حتى سموه العلم الباطن‬
‫وجعلوا علم الشريعة العلم الظاهر ‪ .‬ومنهم من خرج به الجوع إلى الخيالت الفاسدة فادعى عشق الحق‬
‫والهيمان فيه فكأنهم تخايلوا شخصا مستحسن الصورة فهاموا به ‪ .‬وهؤلء بين الكفر والبدعة ثم تشعبت‬
‫بأقوام منهم الطرق ‪ .‬ففسدت عقائدهم ‪ .‬فمن هؤلء من قال بالحلول ومنهم من قال بالتحاد ‪ .‬وما زال إبليس‬
‫يخبطهم بفنون البدع حتى جعلوا لنفسهم سننا وجاء أبو عبد الرحمن السلمي فصنف لهم كتاب السنن وجمع‬

‫‪30‬‬

‫لهم حقائق التفسير فذكر عنهم فيه العجب في تفسيرهم القرآن بما يقع لهم من غير إسناد ذلك إلى أصل من‬
‫أصول العلم ‪ .‬وإنما حملوه على مذاهبهم ‪ .‬والعجب من ورعهم في الطعام وانبساطهم في القرآن ‪ .‬وقد أخبرنا‬
‫أبو منصور عبد الرحمن القزاز ‪ ,‬قال ‪ :‬أخبرنا أبو بكر الخطيب قال ‪ :‬قال لي محمد بن يوسف القطان‬
‫النيسابوري قال كان أبو عبد الرحمن السلمي غير ثقة ولم يكن سمع من الصم إل شيئا يسيرًا فلما مات‬
‫الحاكم أبو عبد ال بن البيع حدث عن الصم بتاريخ يحيى بن معين وبأشياء كثيرة سواه ‪ .‬وكان يضع‬
‫للصوفية الحاديث ‪.‬‬
‫وصنف لهم أبو نصر السراج كتابا سماه لمع الصوفية ذكر فيه من العتقاد القبيح والكلم المرذول ما سنذكر‬
‫منه جملة إن شاء ال تعالى ‪ .‬وصنف لهم أبو طالب المكي قوت القلوب فذكر فيه الحاديث الباطلة ومال‬
‫يستند فيه من أصل من صلوات اليام والليالي وغير ذلك من الموضوع وذكر فيه العتقاد الفاسد ‪ .‬وردد فيه‬
‫قول – قال بعض الكاشفين – وهذا كلم فارغ وذكر فيه عن بعض الصوفية إن ال عز وجل يتجلى في الدنيا‬
‫لوليائه ‪ .‬أخبرنا أبو منصور القزاز أخبرنا أبو بكر الخطيب قال ‪ :‬قال أبو طاهر محمد بن العلف ‪ ,‬قال ‪ :‬دخل‬
‫أبو طالب المكي إلى البصرة بعد وفاة أبي الحسين بن سالم فانتمى إلى مقالته وقدم بغداد فاجتمع الناس عليه‬
‫في مجلس الوعظ فخلط في كلمه فحفظ عنه أنه قال ‪ :‬ليس على المخلوق أضر من الخالق ‪ .‬فبدعة الناس‬
‫وهجروه فامتنع من الكلم على الناس بعد ذلك قال الخطيب ‪ :‬وصنف أبو طالب المكي كتابا سماه قوت القلوب‬
‫على لسان الصوفية وذكر فيه أشياء منكرة مستبشعة في الصفات ‪.‬‬
‫وجاء أبو نعيم الصبهاني فصنف لهم كتاب الحلية ‪ .‬وذكر في حدود التصوف أشياء منكرة قبيحة ولم يستح‬
‫أن يذكر في الصوفية أبابكر وعمر وعثمان وعليًا وسادات الصحابة رضي ال عنهم ‪ .‬فذكر عنهم فيه العجب‬
‫وذكر منهم شريحًا القاضي والحسن البصري وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل وكذلك ذكر السلمي في طبقات‬
‫الصوفية الفضيل وإبراهيم وإبراهيم بن أدهم ومعروفًا الكرخي وجعلهم من الصوفية بأن أشار إلى أنهم من‬
‫الزهاد ‪.‬‬
‫فالتصوف مذهب معروف يزيد على الزهد ويدل على الفرق بينهما ‪ .‬أن الزهد لم يذمه أحد وقد ذموا التصوف‬
‫على ما سيأتي ذكره وصنف لهم عبد الكريم بن هوازن القشيري كتاب الرسالة فذكر فيها العجائب من الكلم‬
‫في الفناء والبقاء ‪ ,‬والقبض ‪ ,‬والبسط ‪ ,‬والوقت ‪ ,‬والحال ‪ ,‬والوجد والوجود ‪ ,‬والجمع و والتفرقة ‪ ,‬والصحو‬
‫والسكر ‪ ,‬والذوق ‪ ,‬والشرب ‪ ,‬والمحو ‪ ,‬والثبات ‪ ,‬والتجلي ‪ ,‬والمحاضرة والمكاشفة ‪ ,‬واللوائح والطوالع ‪,‬‬
‫واللوامع ‪ ,‬والتكوين ‪ ,‬والتمكين والشريعة ‪ ,‬والحقيقة ‪ .‬إلى غير ذلك من التخليط الذي ليس بشيء وتفسيره‬
‫وأعجب منه ‪ ,‬وجاء محمد بن طاهر المقدسي فصنف لهم صفوة التصوف فذكر فيه أشياء يستحي العاقل من‬
‫ذكرها سنذكر منها ما يصلح ذكره في مواضعه إن شاء ال تعالى ‪.‬‬
‫وكان شيخنا أبو الفضل بن ناصر الحافظ يقول ‪ :‬كان ابن طاهر يذهب مذهب الباحة ‪ :‬قال وصنف كتابًا في‬
‫جواز النظر إلى المراد أورد فيه حكاية عن يحيى بن معين قال ‪ :‬رأيت جارية بمصر مليحة صلى ال عليها ‪.‬‬
‫فقيل له تصلي عليها فقال صلى ال عليها وعلى كل مليح ‪ .‬قال شيخنا ابن ناصر ‪ ,‬وليس ابن طاهر بمن يحتج‬
‫به ‪ ,‬وجاء أبو حامد الغزالي فصنف لهم كتاب الحياء على طريقة القوم ومله بالحاديث الباطلة وهو ل يعلم‬
‫بطلنها وتكلم في علم المكاشفة وخرج عن قانون الفقه ‪ ,‬وقال أن المراد بالكوكب والشمس والقمر اللواتي‬
‫رآهن إبراهيم صلوات ال عليه أنوار هي حجب ال عز وجل ولم يرد هذه المعروفات ‪ .‬وهذا من جنس كلم‬
‫الباطنية ‪ .‬وقال في كتابه المفصح بالحوال ‪ .‬إن الصوفية في يقظتهم يشاهدون الملئكة وأرواح النبياء‬
‫ويسمعون منهم أصواتا ويقتبسون منهم فوائد ثم يترقى الحال من مشاهدة الصورة إلى درجات يضيق عنها‬
‫نطاق النطق ( ‪. 1‬‬
‫فهكذا كّون هذا المذهب ‪ ,‬وصار مستقل بمبادئه وآرائه ‪ ,‬وله مصادره ومراجعه ‪ ,‬وتعاليمه ورسومه ‪.‬‬
‫وإلى هنا نأتي إلى آخر هذا الباب ‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫تلبيس إبليس لبن الجوزي ص ‪ 156‬إلى ‪ 160‬ط دار القلم بيروت لبنان ‪.‬‬

‫‪31‬‬

‫ب الثاني‬
‫الَبا ُ‬

‫مآ ِ‬
‫و ِ‬
‫خذُهُ‬
‫و َ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫ف َ‬
‫صاِدُر الّتص ّ‬
‫إن أمر التصوف كله مختلف فيه ‪ ,‬فكما أختلف في أصله واشتقاقه ‪ ,‬وحده وتعريفه ‪ ,‬بدئه وظهوره ‪ ,‬وفي أول‬
‫من تسمى به وتلقب به ‪ ,‬كذلك اختلف في منبعه ومأخذه ‪ ,‬ومصدره ومرجعه ‪ ,‬فتشعبت الراء وتنوعت‬
‫القوال ‪ ,‬وتعددت الفكار ‪ ,‬فقال قائل ‪ :‬إنه إسلمي بحت في أشكاله وصوره ‪ ,‬ومبادئه ومناهجه ‪ ,‬وأصوله‬
‫وقواعده ‪ ,‬وأغراضه ومقاصده ‪ ,‬حتى في ألفاظه وعباراته ‪ ,‬وفلسفته وتعاليمه ‪ ,‬ومواجيده وأناشيده ‪,‬‬
‫ومصطلحاته ومدلولته ‪ ,‬وهذا هو إدعاء الصوفية ومن والهم ‪ ,‬وناصرهم ‪ ,‬ودافع عنهم ‪.‬‬
‫وقال قوم ‪ :‬ل علقه له بالسلم إطلقا ‪ ,‬قريبة ول بعيدة في اليوم الذي نشأ فيه ‪ ,‬ولبعد ماتطور ‪ ,‬وهو‬
‫أجنبي عنه كاسمه ‪ ,‬فلذلك ل يفتش عن مصادره ومآخذه في القرآن والسنة وإرشاداتهما ‪ ,‬بل يبحث عنها في‬
‫الفكر الجنبي ‪ ,‬وهو رأي أكثر السلفيين ومن نهج منهجهم وسلك مسلكهم وكذلك الفقهاء والمتكلمين من أهل‬
‫السنة من المتقدمين ‪ ,‬والكثرية الساحقه من المستشرقين ‪ ,‬والكثير من الباحثين والمفكرين المتحررين من‬
‫الجمود وعصبية التقليد ‪ ,‬من المتأخرين ‪.‬‬
‫وقالت طائفة ‪ :‬إنه اسم للزهد المتطور بعد القرون المشهود لها بالخير كرّد فعل لزخرفة المدينة وزينتها التي‬
‫انفتحت أبوابها على المسلمين بعد الغزوات والفتوحات وانغماسهم في ترف الدنيا ونعيمها ‪ ,‬ثم حصلت فيه‬
‫التطورات ‪ ,‬ودخلت أفكار أجنبية والفلسفات غير السلمية وذهب إلى هذا الرأي ابن تيمية والشوكاني من‬
‫السلفيين وغيرهم من بعض أعلم أهل السنة ‪ ,‬حتى الصوفية أنفسهم وبعض المستشرقين ‪.‬‬
‫وقال الخرون ‪ :‬إن التصوف وليد الفكار المختلطة من السلم واليهودية والمسيحية ومن المانوية‬
‫والمجوسية والمزدكية ‪ ,‬وكذلك الهندوكية والبوذية ‪ ,‬وقبل كل ذلك من الفلسفة اليونانية وآراء الفلطونية‬
‫الحديثية ‪ ,‬وتمسك بهذا الرأي بعض الكّتاب في الصوفية من المسلمين وغير المسلمين ‪.‬‬
‫فهذه هي خلصة الختلف والراء المختلفة في أصل التصوف ومأخذه ‪ ,‬ننقاشها في هذا الباب ‪ ,‬وندعم رأينا‬
‫الذي نراه من بين هذه الراء المتعددة ‪ ,‬بالدلة والشواهد ‪ ,‬الخارجية منها والداخلية ‪ ,‬فنقول ‪ :‬إن أفضل‬
‫طريق للحكم على طائفة معينة وفئة خاصة من الناس هو الحكم المبني على آرائه وأفكاره التي نقلوها في‬
‫كتبهم المتعمدة والرسائل الموثوق بها لديهم بذكر النصوص والعبارات التي يبني عليها الحكم ‪ ,‬ويؤسس‬
‫عليها الرأي ول يعتمد على أقوال الخرين ونقول الناقلين ‪ ,‬اللهم إل للستشهاد على صحة استنباط الحكم‬
‫وإستنتاج النتيجة ‪.‬‬
‫وهذه الطريقة ولو أنها طريقة وعرة شائكة ‪ ,‬صعبة مستعصبة ‪ ,‬وقل من يختارها ويسلكها ‪ ,‬ولكنها هي‬
‫الطريقة الصحيحة المستقيمة التي يقتضيها العدل والنصاف ‪.‬‬
‫وعلى ذلك عندما نتعمق في تعاليم الصوفية الوائل والواخر ‪ ,‬وأقاويلهم المنقولة منهم ‪ ,‬والمأثورة في كتب‬
‫الصوفية ‪ ,‬القديمة والحديثة نفسها ‪ ,‬نرى بونا شاسعا بينهما وبين تعاليم القرآن والسنة ‪ ,‬وكذلك ل نرى‬
‫جذورها وبذورها في سيرة سيد الخلق محمد صلوات ال وسلمه عليه وأصحابه الكرام البررة خيار خلق ال‬
‫وصفوة الكون ‪ ,‬بل بعكس ذلك نراها مأخوذة مقتبسة من الرهبنة المسيحية ‪ ,‬والبرهمة الهندوكية ‪ ,‬وتنسك‬
‫اليهودية ‪ ,‬وزهد البوذية ‪ ,‬والفكر الشعوبي اليراني المجوسي عند الوائل ‪ ,‬والغنوصية اليونانية‬
‫والفلطونية الحديثة لدى الذين جاءوا من بعدهم ‪ ,‬وتدل على ذلك تعريفات القوم للتصوف ‪ ,‬التي نقلناها عن‬
‫كبارهم فيما سبق ‪. 1‬‬
‫‪1‬‬

‫انظر الفصل الثالث من الباب الول من هذا الكتاب ‪.‬‬

‫‪32‬‬

‫وكما تنطق وتشهد تعاليمهم التي هي بمثابة السس للتصوف ‪ ,‬والضوابط لمن يدخل في طريقتهم ‪.‬‬
‫فنبدأ أول بإبراهيم بن أدهم ‪ ,‬وهو من الطبقة الولى وأئمة التصوف الوائل ‪ ,‬وكثيرًا ما تبدأ كتب طبقات‬
‫الصوفية بذكره واسمه ‪ ,‬ول يخلوا كتاب من كتب التصوف وسيرته ‪.‬‬
‫ومما يذكر بيانا لشأنه الرفيع ومكانته السامية أنه كان من أبناء الملوك وملكا لبلخ ‪ ,‬وتزوج من امرأته جميلة‬
‫‪ ,‬وله ولد ‪ ,‬ولكنه ترك الملك والزوجة والولد ‪ ,‬وكل من كان يملكه ‪ ,‬للنداء الغيبي ‪ ,‬أو للقاء الخضر الذي‬
‫لقنه ذلك ‪ ,‬مثل ما ترك بوذا ملكه وزوجته ‪ ,‬وأبنه وملذ الدنيا وزخارفها طبقا بطبق ‪ ,‬وحذو القذة بالقذة ‪,‬‬
‫خلفا لتعاليم السلم وأسوة الرسول وسيرة الصحابة ‪ ,‬ول يوجد له أي مثال في الكتاب ول في السنة ‪ ,‬ول‬
‫جل الصوفية ذكره ‪ ,‬ولذلك يجعلونه قدوة يقتدى ‪ ,‬ومثال يحتذى ‪ ,‬ويفتخرون‬
‫من السلف الصالح ومع ذلك يب ّ‬
‫بذكره وأحواله ‪ ,‬مع أن أحواله تلك ليست إل ناطقة بالبوذية المنسوخة الممسوخة التي لم ينزل ال بها من‬
‫سلطان ‪.‬‬
‫فنود أن نورد تلك الحكاية الصوفية الباطلة ‪ ,‬من التصوف القديم الصيل ‪ ,‬ومن الصوفي الذي يعّد من العلم‬
‫والقطاب مقارنة بقصة بوذا ‪ ,‬المنقولة من الكتب البوذية ‪ ,‬ولبيان أنها تشتمل على ترهات وأكاذيب فاحشة‬
‫مكشوفة تنطق بكونها مختلفة موضوعة مكذوبة ‪ ,‬وننقل هذه القصة من تذكرة صوفية قديمة ) تذكرة الولياء‬
‫( لفريد اليدن العطار ‪ ,‬مقتبسين ترجمتها العربية من صادق نشأت ‪:‬‬
‫) إن إبراهيم بن أدهم كان ملكا لبلخ ‪ ,‬وتحت إمرته عالم ‪ ,‬وكانوا يحملون أربعين سيفا من الذهب وأربعين‬
‫عمودا من الذهب من أمامه ومن خلفه ‪ ,‬وكان نائما ذات ليلة على السرير ‪ ,‬فتحرك سقف البيت ليل ‪ ,‬كأنما‬
‫يمشي أحد على السطح ‪ ,‬فنادى ‪ :‬من هذا ‪ ..‬؟ فقال ‪ :‬صديق فقدت بعيرا أبحث عنه على هذا السقف ‪ ,‬فقال ‪:‬‬
‫أيها الجاهل ‪ ,‬أتبحث عن البعير فوق السطح ‪...‬؟ فقال له ‪ :‬وأنت أيها الغافل تطلب الوصول إلى ال في ثياب‬
‫حريرية وأنت نائم على سرير من ذهب ‪...‬؟ فوقعت الهيبة في نفسه من هذا الكلم ‪ ,‬واندلعت في قلبه نار ‪,‬‬
‫فلم يستطع النوم حتى الصباح ‪ ,‬وعندما أشرق الصبح ذهب إلى اليوان وجلس على السرير متحيرا مفكرا‬
‫حزينا ‪ ,‬ووقف أركان الدولة كل في مكانه واصطف الغلمان وأذنوا إذنا عاما ‪ ,‬فدخل رجل مهيب من الباب‬
‫بحيث لم يكن لي أحد من الخدم أو الحشم الجرأة على أن يقول له من أنت ‪ ,‬ولم ينبسوا ببنت شفه ‪ ,‬وتقدم‬
‫الرجل حتى واجه سرير إبراهيم ‪ ,‬فقال له ‪ :‬ماذا تريد ‪..‬؟ قال ‪ :‬أنزل في هذا الرباط ‪ ,‬قال ‪ :‬ليس هذا برباط ‪,‬‬
‫إنما هو قصري ‪ ,‬وإنك لمجنون ‪ ,‬فقال ‪ :‬لمن كان هذا القصر قبل هذا ؟ قال ‪ :‬كان لبي ‪ ,‬قال وقبل ذلك ‪ ,‬قال ‪:‬‬
‫كان ملكا لجدي ‪ ...‬وقبل ذلك ؟ قال ‪ :‬ملكا لفلن ‪ ,‬قال ‪ :‬أو ليس الرباط هو ما يحل به أحد و يغادره‬
‫الخر ‪ ..‬؟ قال هذا و اختفى ‪ ,‬وكان هو الخضر عليه السلم ‪ ,‬فازدادت حرقة روح إبراهيم ولوعته ‪ ,‬وازداد‬
‫ألمه حدة نتيجة لهذه الحال ‪ ,‬وازدادت هذه الحال من واحد إلى مائة ضعف ‪ ,‬إذ أنه رأى أنه قد اجتمع ما‬
‫شاهده نهارا مع ما وقع ليل ولم يعرف مما سمع ‪ ,‬ولم يعلم ماذا رأى اليوم ‪ ,‬فقال ‪ :‬أسرجوا الجواد لني‬
‫أريد الذهاب للصيد ‪ ,‬فقد حدث لي اليوم شيء لست أدري ما هو ‪ ,‬فيا إلهي إلى أين تنتهي هذه الحال ‪ ...‬؟‬
‫فأسرجوا له جوادا ‪ ,‬وتوجه للصيد ‪ ,‬فكان يتجول في البرية دهشا بحيث لم يعرف ماذا يفعل ‪ ,‬فأنفصل عن‬
‫جيشه وهو في تلك الحال من الدهش ‪ ,‬فسمع صوتا في الطريق يقول له ‪ :‬انتبه ‪ ,‬فانتبه ‪ ,‬ولم يصغ إليه ‪,‬‬
‫وذهب وجاءه هذا النداء للمرة ثانية ‪ ,‬فلم يعره سمعا للمرة الثالثة نفس ذلك النداء ‪ ,‬فأبعد نفسه عنه ‪ ,‬وسمع‬
‫للمرة الرابعة من يقول ‪ ) :‬انتبه قبل أن تنبه ( ففقد صوابه تماما وفجأة ظهرت غزالة فشغل نفسه بها ‪,‬‬
‫فأخذت الغزالة تخاطبه قائلة ‪ :‬إنهم بعثوني لصيدك ‪ ,‬وإنك لن تستطيع صيدي ‪ ,‬ألهذا خلقت ؟ أو بهذا أمرت ؟‬
‫إنك خلقت للذي للذي تعمله وليس لك عمل آخر ‪ ,‬فقال إبراهيم ‪ :‬ترى ما هذه الحال ‪....‬؟ وأشاح بوجهه عن‬
‫الغزالة ‪ ,‬فأرتفع نفس ذلك الصوت الذي قد سمعه من الغزالة من قربوس السرج ‪ ,‬فوقر في نفسه الخوف‬
‫والفزع وأزداد كشفا ‪ ,‬وحيث أن الحق تعالى أراد أن يتم المر ارتفع ذلك الصوت ثلث مرات أخر من حلقة‬
‫جيبه ‪ ,‬وبلغ ذلك الكشف هنا حد الكمال ‪ ,‬وأنفتح عليه الملكوت ونزل ‪ ,‬وحصل له اليقين ‪ ,‬فابتلت الملبس‬
‫والجواد من ماء عينيه ‪ ,‬وتاب توبة نصوحا ‪ ,‬وانتحى ناحية من الطريق ‪ ,‬فرأى راعيا يرتدي لبادا ‪ ,‬وقد‬
‫وضع قلنسوة من اللباد على رأسه ‪ ,‬وأمامه الغنام وأخذ منه اللباد ولبسه ووضع قلنسوة اللباد على رأسه‬
‫وطفق يسير راجل في الجبال والبراري هائما على وجهه ينوح من ذنوبه ‪ ,‬ثم غادر المكان إلى أن بلغ‬

‫‪33‬‬

‫نيسابور ‪ ,‬فأخذ يبحث عن زاوية خالية يتعبد فيها حتى وصل إلى ذلك الغار المعروف واعتكف فيه تسعة‬
‫أعوام ‪.‬‬
‫ومن ذا الذي يعلم ما كان يفعله هناك في الليل والنهار ‪ ,‬إنه ينبغي أن يكون رجل عظيما ذا مادة واسعة حتى‬
‫يستطيع القامة في مثل ذلك المكان ‪ ,‬وصعد إبراهيم يوم خميس إلى ظاهر الغار وجمع حزمة حطب واتجه في‬
‫الصباح إلى نيسابور حيث باعها ‪ ,‬وصلى الجمعة واشترى بثمن الحطب خبزا ‪ ,‬وأعطى نصفه لفقير وتناول‬
‫النصف الخر ‪ ,‬وأتخذ منه إفطاره وداوم صيامه حتى السبوع التالي ‪ ,‬وبعد أن وقف الناس على شأنه هرب‬
‫من الغار وتوجه إلى مكة ‪ ,‬وقيل أنه بقي أربعة عشر عاما يطوي البادية حيث كان يصلي ويتضرع طوال‬
‫الطريق حتى أشرف على مكة ‪ ,‬وروي أنه كان له طفل رضيع عند مغادرته بلخ ‪ ,‬ولما أيفع طلب من أمه‬
‫أباه ‪ ,‬فقصت له الم الحال قائلة ‪ :‬إن أباك قد تاه ‪ ,‬ونقل عنه أنه قال ‪ :‬عندما كنت أسير في البادية متوكل ‪,‬‬
‫ولم أتناول شيئا مدة ثلثة أيام جاءني إبليس وقال ‪ :‬أنت ملك ‪ ,‬وتركت هذه النعمة لتذهب جائعا إلى الحج ‪...‬؟‬
‫لقد كان بمقدورك الحج بعز وجلل حتى ل يصيبك كل هذا الذى ‪ ,‬قال ‪ :‬عندما سمعت هذا الكلم منه رفعت‬
‫صوتي وقلت ‪ :‬إلهي ‍!! سلطت العدو على الصديق حتى يحرقني فأغثني حتى أستطيع قطع هذه البادية بعونك‬
‫‪ ,‬فسمعت صوتا يقول ‪ :‬يا إبراهيم ‍! ألق ما في جيبك حتى تكشف ما هو في الغيب فمددت يدي إلى جيبي‬
‫‪1‬‬
‫فوجدت أربعة دوانيق فضية كانت قد بقيت منسية ‪ ,‬ولما رميتها جفل إبليس مني وظهرت قوة من الغيب ( ‪.‬‬
‫وورد ذكره وحكايته أيضا في ) طبقات الصوفية ( للسلمي‬
‫وفي ) حلية الولياء ( للصبهاني ‪. 3‬‬
‫وفي ) الرسالة ( للقشيري ‪. 4‬‬
‫وفي ) جمهرة الولياء ( للمنوفي الحسيني ‪. 5‬‬
‫وفي ) نفحات النس ( للجامي ‪. 6‬‬
‫وفي ) طبقات الولياء ( لبن الملقن المتوفى ‪ 804‬هـ ‪. 7‬‬
‫وفي ) الطبقات الكبرى ( للشعراني ‪. 8‬‬

‫‪2‬‬

‫‪.‬‬

‫فهذه هي قصة إبراهيم بن أدهم ‪ ,‬وفيها ما فيها من ترك الهل والزوج والولد بدون جريمة إرتكبوها ‪ ,‬وإثم‬
‫اقترفوه ‪ ,‬خلفا لوامر القرآن وإرشادات الرسول صلى ال عليه وسلم ‪ ,‬المشهورة المعروفة شبها ببوذا ‪,‬‬
‫وهاهي خلصة قصته ‪:‬‬
‫) وكانت قبيلة ساكياس تقطن في شمال بنارس ‪ ,‬وهي التي ولد فيها أواسط القرن السادس قبل الميلد ‪ ,‬وقد‬
‫مات في سنة ‪ 478‬قبل الميلد بعد أن عمر ثمانين عاما ‪ .‬وتزوج بوذا في سن التاسعة عشرة ابنة عمه ‪,‬‬
‫وكان في رغد وسعادة ‪ .‬وبينما كان يسير يوما إلى الصيد وهو في التاسعة والعشرين شاهد رجل قد بلغ من‬
‫كبر سنه منتهى الضعف والعجز ‪ ,‬ورأى في وقت آخر شخصا مبتلى بمرض استعصى علجه ويحتمل اللم‬
‫وبعد مدة أخرى تأثر واشمأز لرؤية منظرا كريها لجثة في حالة من الفساد ‪ ,‬وكان خادمه وصاحبه الوفي‬
‫المسمى ) جانا ( يذكره وينبهه في كل هذه الحالت ويقول له ‪ ) :‬هذا هو مصير حياة البشر ( وشاهد بوذا أحد‬
‫النساك يمر عليه وهو في منتهى الراحة والبهة والكرامة فسأل جانا ما حال هذا الرجل ‪ ..‬؟ فحكى له جانا‬
‫تفصيل عن أخلق الزهاد الذين أعرضوا عن كل شيء وعن أحوالهم ‪ ,‬وقال له ‪ :‬إن هؤلء الجماعة في سير‬
‫وأرتحال دائم وهم يعلمون الناس أثناء سياحتهم ورحلتهم تعاليم هامة بالقول والعمل ‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬

‫انظر ) تذكرة الولياء ( لفريد الدين العطار ص ‪ 53‬وما بعد ط باكستان ‪.‬‬
‫طبقات السلمي ص ‪ 12‬مطابع الشعب القاهرة ‪1380‬هـ ‪.‬‬
‫حلية الولياء للصبهاني ج ‪ 7‬ص ‪ 367‬وما بعد ط دار الكتاب العربي لبنان ‪.‬‬
‫الرسالة القشيرية ج ‪ 1‬ص ‪ 54‬وما بعد ط دار الكتب الحديثة – القاهرة بتحقيق الدكتور عبد الحليم محمود ‪.‬‬
‫جمهرة الولياء ج ‪ 2‬ص ‪ 125‬ط مؤسسة الحلبي ‪ -‬القاهرة ‪1967‬م ‪.‬‬
‫نفحات النس للجامي ص ‪ 41‬الطبعة الفارسية إيران ‪.‬‬
‫طبقات الولياء لبن ملقن ص ‪ 5‬نشر مكتبة الخانجي – القاهرة الطبعة الولى ‪ 1393‬هـ ‪.‬‬
‫الطبقات الكبرى للشعراني ج ‪ 1‬ص ‪. 69‬‬

‫‪34‬‬

‫والخلصة أنه برغم إختلف الروايات ل شك في أن ذهن هذا المير الشاب قد أخذ يضطرب تدريجيا وينفر من‬
‫الحياة وضوضائها ‪.‬‬
‫ووفد عليه رسول يوما في أثناء أزماعه العودة من النزهة وبشره بميلد ولد هو أول مولود له ‪ ,‬فقال بوذا‬
‫لنفسه في تلك الحالة النفسية المضطربه دون أن يشعر ‪ ) :‬ما هي ذي رابطة جديدة تربطني بالدنيا ( ‪.‬‬
‫والخلصة أنه عاد إلى المدينة بينما كان المطربون يلتفون حوله ‪ .‬فطرب ورقص في تلك الليلة أقاربه وذوو‬
‫رحمه فرحا بالمولود الجديد ‪ .‬لكن بوذا كان من المتعاض والضطراب بحيث لم يكترث بتلك الوضاع أبدا ‪.‬‬
‫وأخيرا نهض من فراشه في آخر الليل كمن التهمت النار داره وأوعز إلى جانا أن يحضر له الفرس ومد رأسه‬
‫في هذه الثناء إلى غرفة زوجته وولده الوحيد من غير أن يوقظهما وعلى العتبة أخذ على نفسه عهدا أل‬
‫يعود إلى داره ما لم يصبح ) بوذا ( أي ) حكيما مستنيرا ( وقال ‪:‬‬
‫) أذهب لعود إليكم معلما وهاديا ل زوجا ووالدا ( والخلصة أنه خرج مع جانا وهام في البراري ‪ ,‬وفي هذه‬
‫اللحظة ظهر في السماء ) مارا ( أي الوسواس الكبير ) إبليس أو النفس المارة ( ووعده بالملك والعز في‬
‫الدنيا بأسرها لكي يرجع عن عزمه لكنه لم يقع في شرك الوسوسة ‪ .‬فسار بوذا قليل في تلك الليلة على‬
‫شاطئ النهر ثم وهب لجانا جوهره وملبسه الفاخره وأعاده ومكث سبعة أيام بلياليها في غابة ثم التحق‬
‫إلتحق بخدمة برهمي يدعى ) الرا ( كان في تلك البقعة وأختار بعد ذلك صحبة برهمي آخر يسمى ) أودراكا (‬
‫وتعلم من هذين الرجلين حكمة وعلوم الهند كلها ‪ ,‬ولكن قلبه لم يستقر بعد فذهب إلى غابة كانت في أحد‬
‫الجبال ‪ ,‬وهناك صحب خمسة من التلميذ الذين كانوا يحيطون به ومارس التوبة والرياضات الشاقة ست‬
‫سنين حتى اشتهر في تلك الناحية ‪ ,‬فاعتزم لهذا أن يهجر ذلك المكان ولما قام ليذهب سقط على الرض لشدة‬
‫ضعفه وعجزه ‪ ,‬وغاب عن وعيه بحيث ظن تلميذه أنه فارق الحياة ‪ ,‬ولكنه عاد إلى رشده فترك الرياضات‬
‫الشاقة منذ ذلك الحين وأخذ يأكل طعامه بانتظام ‪ ,‬ولما رأى التلميذ الخمسة الذين كانوا في صحبته أنه مل‬
‫من الرياضة نفضوا أيديهم من إحترامه وتركوه وذهبوا بنارس ‪.‬‬
‫أما بوذا فإنه ترك ملذات الدنيا وثروتها والمقام فيها حتى ينال الضمير والطمأنينة عن طريق التعلم والفلسفة‬
‫وحكمة الخرين فلم يستطع أن ينال بتلك الرياضة والتوبة طمأنينة القلب التي كان يصبوا إليها والحاصل أنه‬
‫بقي حيران في أمره ذاهل وفي نفس ذلك اليوم الذي تفرق فيه عن تلمذته مكث بوذا تحت شجرة يتأمل‬
‫ويفكر في نفسه ‪ ,‬ماذا يعمل ‪ ...‬؟ وأي طريق يتبع ‪ ..‬؟ وهاجمته وساوس كثيرة وتاقت نفسه إلى الزوجة‬
‫والولد والجاه والثروة والترف والنعيم ‪ ,‬واستمر هذا الكفاح والجهاد مع النفس حتى غروب الشمس ‪ .‬ونتيجة‬
‫لهذا الكفاح اتصل ) بنير فانا ( وتأكد لديه أنه أصبح ) بوذا( أي أنه نال الشراق واستنار ‪ ,‬وحينئذ نال بوذا ما‬
‫كان يصبو إليه من الراحة والطمأنينة ‪ .‬لذلك عزم أن يمارس الرشاد ‪ .‬وأن يعرض رغبته على الخرين ‪,‬‬
‫وكان بوذا وقتئذ في الخامسة والثلثين من عمره فقصد في بادئ المر أستاذيه ) الرا ( و ) أودراكا ( ولكنه‬
‫علم بعد ‪ ,‬بأنهما قد توفيا ‪ ,‬فذهب إلى تلمذته الخمسة من بنارس وأرشدهم وجعلهم من أتباعه ‪ ,‬وآمن به‬
‫أبوه وأمه وزوجته كذلك ‪ ,‬ثم أمر زمرة من خواص مريديه أن يقوموا بإرشاد الناس ( ‪. 1‬‬
‫فهذه هي خلصة قصة بوذا ‪ ,‬وهي عين ما ذكره الصوفية عن إبراهيم بن أدهم ابن المير البلخي الذي طلق‬
‫ي الدراويش ‪ ,‬وبلغ درجة أكابر الصوفية برياضته الطويلة ‪ ,‬وتلك صورة طبق لصل لما كانوا‬
‫الدنيا وتزّيا بز ّ‬
‫‪2‬‬
‫قد سمعوه عن حياة بوذا ‪.‬‬
‫ثم عّلق عليه الدكتور قاسم غني الباحث اليراني بقوله ‪:‬‬
‫) وحدس ) جولدزيهر ( يمكن أن يكون صحيحا وهو من الحتمالت القريبة من الواقع ‪ ,‬وقد شوهدت لها‬
‫نظائر كثيرة – إلى أن قال ‪ : -‬وإذا ما قارن أحد بين قصة بوذا كما وردت في مدونات البوذيين بقصة‬
‫‪ 1‬انظر للت دستر الباب الحادي والعشرون فقرات ‪ , 131 , 127 , 126 , 125‬أيضا دائرة المعارف البريطانية نقل عن تاريخ التصوف في السلم‬
‫للدكتور قاسم غني ترجمة عربية ص ‪ 223‬وما بعد ‪ ,‬أيضا جستجودر تصوف إيران ) فارسي ( للدكتور عبد الحسين زرين كوب ص ‪ 7 , 6‬ط مؤسسة‬
‫انتشادات امير كبير طهران ‪ 1363‬هجري قمري ‪.‬‬
‫‪ 2‬نفس المصدر السابق أيضا ‪.‬‬

‫‪35‬‬

‫إبراهيم بن أدهم ذات الطابع السطوري ‪ ,‬الواردة في كتب تراجم العارفين مثل ) حلية الولياء ( للصفهاني ‪,‬‬
‫و ) تذكرة الولياء ( للشيخ العطار وجد شبها عجيبا بين تلك القصتين يستلف نظرة ( ‪. 1‬‬
‫هذا وهناك أقوال لبراهيم بن أدهم وغيره من كبار الصوفية وأقطابهم في الزواج والولد تخبر بجلء عن‬
‫مواردها ومنابعها ‪ ,‬فها هي تلك القوال من أهم كتب الصوفية ‪:‬‬
‫ينقل الطوسي والعطار عن إبراهيم بن أدهم أنه قال ‪:‬‬
‫‪2‬‬
‫) إذا تزوج الفقير فمثله مثل رجل قد ركب السفينة ‪ ,‬فإذا ولد له ولد قد غرق ( ‪.‬‬
‫ونقل السهروردي عنه أنه قال ‪ ) :‬من تعود أفخاذ النساء ل يفلح ( ‪.3‬‬
‫ونقل أبو طالب المكي ‪ -‬وهو من أعلم الصوفية البارزين وأئمتهم المتوفى سنة ‪ 386‬هـ – عن قطب من‬
‫أقطاب الصوفية الوائل عن أبي سليمان الداراني المتوفى سنة ‪ 215‬هـ ‪:‬‬
‫) من تزوج فقد ركن إلى الدنيا ( ‪. 4‬‬
‫ونقل السهروردي في ) عوارفه ( الذي هو أشهر كتاب في التصوف عن أبي سليمان الداراني أيضا أنه قال ‪:‬‬
‫) ما رأيت أحدا من أصحابنا تزوج فثبت على مرتبته ( ‪. 5‬‬
‫ونقل المكي عن سيد الطائفة الجنيد البغدادي أنه قال ‪ ) :‬أحب للمريد المبتدي أن ل يشغل قلبه بالتزوج ( ‪. 6‬‬
‫كما نقل عن بشر بن الحارث أنه قيل له ‪ ) :‬إن الناس يتكلمون فيك ‪ ,‬فقال ‪ :‬وما عسى يقولون ؟ قيل ‪:‬‬
‫يقولون ‪ :‬إنك تارك السنة يعنون النكاح ‪.‬‬
‫فقال ‪ :‬قل لهم ‪ :‬إني مشغول بالفرض عن السنة ‪ ,‬وقال مرة ‪ :‬ما يمنعني من ذلك إل آية في كتاب ال تعالى‬
‫قوله ‪ } :‬ولهن مثل الذي عليهن { ‪ ,‬و لعسى أن ل أقوم بذلك ‪ ,‬وكان يقول ‪ :‬لو كنت أعول دجاجة لخفت أن‬
‫أكون جلدًا على الجسر هذا ‪ .‬يقوله في سنة عشرين ومائتين والحلل والنساء أحمد عاقبة ‪ ,‬فكيف بوقتنا هذا‬
‫؟‬
‫‪7‬‬
‫فالفضل للمريد في مثل زماننا هذا ترك التزويج ( ‪.‬‬
‫ويقول السهروردي ‪:‬‬
‫) التزوج انحطاط من العزيمة إلى الرخص ‪ ,‬وجوع من الترمح إلى النقص ‪ ,‬وتقيدا بالولد والزواج ‪,‬‬
‫ودوران حول مظان العوجاج ‪ ,‬والتفاف إلى الدينا بعد الزهادة ‪ ,‬وانعطاف على الهوى بمقتضى الطبيعة‬
‫والعادة ( ‪. 8‬‬
‫ثم نقل حديثا مكذوبا على رسول ال صلى ال عليه وسلم أنه قال ‪:‬‬
‫) خيركم بعد المائتين رجل خفيف الحاذ ‪ ,‬قيل ‪ :‬يا رسول ال وما خفيف الحاذ ؟ ‪ .‬قال ‪ :‬الذي ل أهل له ول ولد‬
‫‪ .‬وقال بعض الفقراء ‪ -‬لما قيل له ‪ :‬تزوج ‪ : -‬أنا إلى أن أطلق نفسي أحوج مني إلى التزوج ( ‪. 9‬‬
‫وصوفي آخر محمد بن إبراهيم النفزي الرندي المتوفى سنة ‪ 792‬هـ ينقل عن صوفي قديم آخر ‪ ,‬وهو سهل‬
‫بن عبد ال التستري أنه قال ‪:‬‬
‫‪ 1‬انظر تاريخ التصوف في السلم للدكتور قاسم غني عربية ص ‪. 223‬‬
‫‪ 2‬كتاب اللمع للطوسي ص ‪ 265‬باب آداب المتأهلين ومن ولد بتحقيق الدكتور عبد الحليم محمود وطه عبد الباقي سرور ‪ ,‬وتذكرة الولياء للعطار ص ‪57‬‬
‫ط باكستان ‪.‬‬
‫‪ 3‬عوارف المعارف للسهروردي ص ‪ , 166‬أيضا غيث المواهب العلمية للنفزي الرندي ج ‪ 1‬ص ‪. 208‬‬
‫‪ 4‬قوت القلوب لبي طالب المكي ج ‪ 1‬ص ‪ 252‬ط دار صادر بيروت ‪ ,‬غيث المواهب العلية ج ‪ 1‬ص ‪. 208‬‬
‫‪ 5‬عوارف المعارف للسهروردي الباب الحادي والعشرون ص ‪ 165‬ط دار الكتاب العربي بيروت ‪ 1983‬م ‪.‬‬
‫‪ 6‬انظر قوت القلوب في معاملة المحبوب لبي طالب المكي ج ‪ 1‬ص ‪. 267‬‬
‫‪ 7‬قوت القلوب ج ‪ 2‬ص ‪ , 238‬أيضا عوارف المعارف ص ‪ , 165‬أيضا الطبقات الكبرى للشعراني ج ‪ 1‬ص ‪ 73‬ط دار العلم للجميع ‪ -‬القاهرة ‪1954‬‬
‫م‪.‬‬
‫‪ 8‬انظر عوارف المعارف ص ‪. 165 , 164‬‬
‫‪ 9‬نفس المصدر ص ‪. 165‬‬

‫‪36‬‬

‫) إياكم والستمتاع بالنساء ‪ ,‬والميل إليهن ‪ ,‬فإن النساء مبّعدات من الحكمة ‪ ,‬قريبات من الشيطان ‪ ,‬وهي‬
‫مصايده وحظه من بني آدم ‪ ,‬فمن عطف إليهن بكليته فقد عطف على حظ الشيطان ‪ ,‬ومن حاد عنهن يئس منه‬
‫ن ‪ ,‬فإذا رأيتم في وقتكم‬
‫‪ ,‬وما مال الشيطان إلى أحد كميله إلى من استرق بالنساء ‪ ,‬وإن الشر معهن حيث ك ّ‬
‫من قدركن إليهن فايأسوا منه ‪.‬‬
‫ي من دنياكم ثلث ‪ ,‬فذكر النساء ؟ ‪.‬‬
‫قيل له ‪ :‬فحديث النبي صلى ال عليه وسلم ‪ :‬حّبب إل ّ‬
‫فقال ‪ :‬النبي صلى ال عليه وسلم معصوم ‪ ,‬وقد بّلغكم ما كان فيه معهن ‪ ,‬هي عدّوة الرجل ظاهرا وباطنا ‪ ,‬إن‬
‫ظهرت له لمحبة أهلكته ‪ ,‬وإن أضمر تهاله ‪ ,‬وإن ال عز وجل جعلهن فتنة ‪ ,‬فنعوذ بال من فتنتهن ( ‪. 1‬‬
‫ونقل عن صوفي آخر حذيفة المرعشي المتوفى ‪ 207‬هـ أنه قال ‪:‬‬
‫) كان ينبغي للرجل لو خّير بين أن يضرب عنقه ‪ ,‬وبين أن يتزوج امرأة في الفتنة لختار ضرب العنق على‬
‫تزويج امرأة في الفتنة ( ‪. 2‬‬
‫ونقل ابن الملقن سراج الدين أبو حفص عمر علي المصري المتوفى ‪ 804‬هـ في كتابه عن أحد كبار الصوفية‬
‫‪:‬‬
‫‪3‬‬
‫) ما تزوج أحد من أصحابنا إل تغير ( ‪.‬‬
‫ونقل الشعراني عن رباح بن عمرو القيسي ‪ -‬من الصوفية الوائل ‪ -‬أنه قال ‪ :‬ل يبلغ الرجل إلى منازل‬
‫الصديقين حتى يترك زوجته كأنها أرملة ‪ ,‬وأولده كأنهم أيتام ‪ ,‬ويأوي إلى منازل الكلب ‪. 4‬‬
‫وكتب صوفي قديم آخر ‪ ,‬وهو أبو الحسن علي الهجويري المتوفى قريبا سنة ‪ 465‬هـ قصة غريبة في العزلة‬
‫والتجرد نقل عن إبراهيم الخواص أنه قال ‪:‬‬
‫) وصلت إلى قرية بقصد زيارة عظيم كان هنالك ‪ ,‬ولما ذهبت إلى داره رأيت بيتا نظيفا مثل معبد الولياء ‪,‬‬
‫وقد جعل في زاويتين من البيت محرابين ‪ ,‬وجلس في أحدهما شيخ ‪ ,‬وفي الخر عجوز نظيفة وضيئة ‪ ,‬وقد‬
‫ضعف كلهما من كثرة العبادة ‪ ,‬فأظهر السرور بقدومي ‪ ,‬وبقيت هنالك ثلثة أيام ‪ ,‬ولما أردت العودة سألت‬
‫الشيخ ‪ :‬من تكون لك تلك العفيفة ؟ قال ‪ :‬هي من ناحية ابنه عمي ‪ ,‬ومن ناحية أخرى زوجي ‪ ,‬فقلت ‪:‬‬
‫رأيتكما خلل هذه اليام الثلثة كالغربيين تماما في الصحبة ‪ ,‬قال ‪ :‬نعم ‪ ,‬منذ خمسة وستين عاما ونحن كذلك‬
‫فسألته عن سبب ذلك ‪ ,‬فقال ‪ :‬إعلم إننا كنا عاشقين لحدنا الخر في الصغر ‪ ,‬ولم يكن أبوها يعطيها لي لن‬
‫محبتنا صارت معروفة ‪ ,‬فتحملت ذلك حتى توفى أبوها ‪ ,‬وكان والدي عمها ‪ ,‬فزوجها لي ‪ ,‬فلما كانت الليلة‬
‫الولى من تلقينا قالت لي ‪ :‬أنت تعلم أية نعمة أنعمها ال علينا إذ أوصل كلمنا إلى الخر ‪ ,‬وأفرغ قلبينا من‬
‫القيود والفات السيئة ‪ ,‬فقلت ‪ :‬نعم ‪ ,‬قالت ‪ :‬فلنمنع أنفسنا الليلة عن هوى النفس ‪ ,‬وندس على مرادنا ‪,‬‬
‫ونعبد ال شكرًا على هذه النعمة ‪ ,‬فقلت ‪ :‬هذا صواب ‪ ,‬وقالت هذا نفسه في الليلة التالية ‪ .‬وقلت أنا في الليلة‬
‫الثالثة ‪ :‬لقد أدينا الشكر ليلتين من أجلك ‪ ,‬فلنقض ليلتين أيضا في العبادة من أجلي ‪ .‬وقد تمت الن خمسة‬
‫وستون عاما لم يمس أحدنا الخر ‪ ,‬ونحن نقضي كل العمر في شكر النعمة ( ‪. 5‬‬
‫وقال بعد نقلها ونقل أشياء أخرى ‪:‬‬
‫) وفي الجملة ‪ :‬إن أول فتنة قدرت على آدم في الجنة كان أصلها امرأة ‪ .‬وأول فتنة ظهرت في الدنيا ‪ -‬أي‬
‫فتنة هابيل وقابيل ‪ -‬كانت أيضا بسبب امرأة ‪ .‬وحين أراد ال تبارك وتعالى أن يعذب إثنين من الملئكة جعل‬
‫سبب ذلك امرأة ‪ .‬وهن جميعا إلى يومنا هذا سبب جميع الفتن الدينية والدنيوية ‪ ,‬لقوله عليه السلم ‪ ) :‬ما‬
‫‪ 1‬غيث المواهب العلية في شرح حكم العطائية لبي عبد ال محمد بن إبراهيم النفزي ج ‪ 1‬ص ‪ 209‬بتحقيق الدكتور عبد الحليم محمود والدكتور محمود‬
‫الشريف ط مطبعة السعادة القاهرة ‪.‬‬
‫‪ 2‬نفس المصدر ‪.‬‬
‫‪ 3‬طبقات الولياء لبن الملقن ص ‪ 36‬نشر مكتبة الخانجي القاهرة الطبعة الولى ‪ 1393‬هـ ‪.‬‬
‫‪ 4‬طبقات الشعراني ج ‪ 1‬ص ‪. 46‬‬
‫‪ 5‬كشف المحجوب للهجويري ص ‪. 611 , 610‬‬

‫‪37‬‬

‫تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء ( ‪ ,‬فإذا كانت فتنتهن بهذا القدر في الظاهر ‪ ,‬فكيف تكون في‬
‫الباطن ؟‬
‫وأنا علي بن عثمان الجلبي ‪ ,‬من بعد أن حفظني الحق تعالى من آفة الزواج أحد عشر عاما ‪ ,‬قدر أن وقعت‬
‫في الفتنة ‪ ,‬وصار ظاهري وباطني أسير الصفة التي كانوا عليها معي ‪ ,‬دون أن تكون هنالك رؤية ‪ ,‬وقد‬
‫استغرقت في ذلك عاما ‪ ,‬بحيث كان يفسد على ديني ‪ ,‬إلى أن بعث الحق تعالى بكمال فضله وتمام لطفه‬
‫ي بالخلص برحمته ‪ ,‬والحمد ل على جزيل نعمائه ‪.‬‬
‫ن عل ّ‬
‫عصمته لستقبال قلبي المسكين ‪ ,‬وم ّ‬
‫وفي الجملة فإن قاعدة هذا الطريق وضعت على التجريد ‪ ,‬وعندما جاء التزويج اختلف أمرهم ‪ ,‬ول يوجد أي‬
‫عساكر الشهوة إل ويمكن إخماد ناره بالجتهاد ‪ ,‬لن الفة التي تنشأ منك تكون آلة دفعها معك أيضا ‪ ,‬ول‬
‫يلزم الغير حتى تزول عنك تلك الصفة ‪.‬‬
‫وزوال الشهوة يكون بشيئين ‪ :‬واحد يدخل تحت دائرة التكلف ‪ ,‬وواحد يخرج عن دائرة الكسب والمجاهدة ‪,‬‬
‫فما يدخل في تكلف الدمي ومقدوره هو الجوع ‪ ,‬وأما ما يخرج من التكلف الهمم ‪ ,‬وتنشر المحبة سلطانها في‬
‫أجزاء الجسد ‪ ,‬وتعزل كل الحواس عن أوصافهم ‪ ,‬وتجذب كل العبد ‪ ,‬وتغني عنه الهزل ‪.‬‬
‫وإن الحمد بن حماد السرخسي ‪ ,‬الذي كان رفيقي في ما وراء النهر ‪ ,‬رجل محتشما ‪ ,‬قيل له ‪ :‬أبك حاجة إلى‬
‫التزويج ‪ ,‬قال ‪ :‬ل ‪ ,‬قالوا ‪ :‬لم ؟ قال ‪ :‬إنني في حالي إما أن أكون غائبا عن نفسي ‪ ,‬وإما أن أكون حاضرا‬
‫بنفسي ‪ .‬وحين أكون غائبا ل أفكر في الكونين ‪ ,‬وحين أكون حاضرا فإنني أجعل نفسي بحيث إذا وجدت رغيفا‬
‫تعتبر أنها وجدت ألفا من الحور ‪ .‬فانشغال القلب بكل ما تريده يكون عظيما ‪ ,‬فتنبه ( ‪. 1‬‬
‫وذكر السراج الطوسي أيضا قصة صوفي تزوج من امرأة فبقيت عنده ثلثين سنة وهي بكر ‪. 2‬‬
‫وذكر العطار عن عبد ال بن خفيف الصوفي المشهور أنه تزوج أربعمائة امرأة ولكنه لم يجامع واحدة منهن‬
‫‪.3‬‬
‫وهل لسائل أن يسأل ‪ :‬ما الغرض الذي كان من نكاحه إياهن ؟ ‪.‬‬
‫والشعراني أيضا عن صوفي آخر ياقوت العرشي أنه تزوج ابنة شيخه أبي العباس المرسي فمكثت عنده ثماني‬
‫عشرة سنة ل يقربها حياء من والدها ومنها ‪ ,‬وفارقها بالموت وهي بكر ‪. 4‬‬
‫ونقل عن الشعراني أيضا عن أحد المتقدمين من الصوفية مطرف بن عبد ال الشغير المتوفى سنة ‪ 207‬هـ‬
‫أنه قال ‪:‬‬
‫‪5‬‬
‫) من ترك النساء والطعام فلبد له من ظهور كرامة ( ‪.‬‬
‫ونقل أيضا في كتابه ) تنبيه المغتربين ( من أحد الصوفية أنه قال ‪:‬‬
‫من تزوج فقد أدخل الدنيا بيته ‪ ...‬فاحذروا من التزويج ‪. 6‬‬
‫وينقل ابن الجوزي عن أبي حامد الغزالي أنه قال ‪:‬‬
‫) ينبغي أن ل يشغل المريد نفسه بالتزويج ‪ ,‬فإنه يشغله عن السلوك ويأنس بالزوجة ‪ ,‬ومن أنس بغير ال‬
‫شغل عن ال تعالى ( ‪. 7‬‬
‫هذا ومثل هذا كثير ‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫كشف المحجوب الطبعة العربية ‪. 611 , 610‬‬
‫اللمع للسراج الطوسي ص ‪. 264‬‬
‫انظر تذكرة الولياء لفريد الدين العطار ص ‪ 241‬ط باكستان ‪.‬‬
‫الخلق المتبولية لعبد الوهاب الشعراني ج ‪ 3‬ص ‪ 179‬بتحقيق الدكتور منيع عبد الحليم محمود ط مطبعة دار التراث العربي – القاهرة ‪ 1974‬م ‪.‬‬
‫طبقات الشعراني ص ‪. 34‬‬
‫تنبيه المغتربين للشعراني ص ‪. 29‬‬
‫انظر تلبيس إبليس لبن الجوزي ص ‪. 286‬‬

‫‪38‬‬

‫ولقد بوب الصوفية في كتبهم أبوابا مستقلة في مدح العزوبة وذم التزويج ‪ ,‬وهذا المر ل يحتاج إلى بيان أنه‬
‫لم يأخذه المتصوفة إل من رهبان النصارى ونساك المسيحية الذين ألزموا أنفسهم التبتل ‪ ,‬خلفا لفطرة ال‬
‫التي فطر الناس عليها ‪.‬‬
‫تقليدا لهم واتباعا لسنتهم ‪ ,‬واقتداء لمسالكهم ومشاربهم ‪ ,‬مخالفبن أوامر ال وأوامر رسوله صلى ال عليه‬
‫وسلم الناسخ لجميع الشرائع والديان ‪ ,‬المبعوث بمكارم الخلق وفضائل العادات ‪ ,‬فال يأمر المؤمنين في‬
‫محكم كتابه بنكاح النساء مثنى وثلث ورباع وعند الخوف من عدم العدل بواحدة ‪ ,‬فيقول جل من قائل ‪:‬‬
‫ما َ‬
‫س ُ‬
‫ب لَ ُ‬
‫مى َ‬
‫م أ َل ّ ت ُ ْ‬
‫خ ْ‬
‫ساء‬
‫طوا ْ ِ‬
‫ن ِ‬
‫ق ِ‬
‫وإ ِ ْ‬
‫طا َ‬
‫فانك ِ ُ‬
‫ن الن ّ َ‬
‫م َ‬
‫كم ّ‬
‫حوا ْ َ‬
‫في ال ْي ََتا َ‬
‫فت ُ ْ‬
‫} َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫م ذَل ِ َ‬
‫دلوا َ‬
‫خ ْ‬
‫ع َ‬
‫ك‬
‫وث ُل َ َ‬
‫وُرَبا َ‬
‫وا ِ‬
‫ن ِ‬
‫ع ِ‬
‫فإ ِ ْ‬
‫م أل ّ ت َ ْ‬
‫ملك ْ‬
‫مان ُك ْ‬
‫ت أي ْ َ‬
‫ما َ‬
‫و َ‬
‫فت ُ ْ‬
‫َ‬
‫حدَةً أ ْ‬
‫ف َ‬
‫ث َ‬
‫مث َْنى َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫‪1‬‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫عولوا { ‪.‬‬
‫أدَْنى أل ّ ت َ ُ‬
‫وقال } َ‬
‫َ‬
‫م ِإن ي َ ُ‬
‫كوُنوا‬
‫ن ِ‬
‫صال ِ ِ‬
‫ن ِ‬
‫مى ِ‬
‫وأنك ِ ُ‬
‫م ْ‬
‫حي َ‬
‫مائ ِك ُ ْ‬
‫وإ ِ َ‬
‫عَباِدك ُ ْ‬
‫منك ُ ْ‬
‫حوا اْلَيا َ‬
‫وال ّ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫‪2‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ف َ‬
‫ُ‬
‫م{ ‪.‬‬
‫قَراء ي ُ ْ‬
‫ع َ‬
‫من ف ْ‬
‫وا ِ‬
‫ضل ِ ِ‬
‫ه ِ‬
‫س ٌ‬
‫عِلي ٌ‬
‫والل ُ‬
‫م الل ُ‬
‫ه ُ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫غن ِ ِ‬
‫وجعل الزواج سببا لحصول السكون والطمأنينة حيث قال عز وجل ‪:‬‬
‫فسك ُ َ‬
‫َ‬
‫} ومن آيات ِ َ‬
‫ل ب َي ْن َ ُ‬
‫ق لَ ُ‬
‫ع َ‬
‫كم‬
‫ن َ‬
‫َ ِ ْ َ ِ‬
‫هأ ْ‬
‫ج َ‬
‫و َ‬
‫وا ً‬
‫سك ُُنوا إ ِل َي ْ َ‬
‫جا ل ّت َ ْ‬
‫م ْ‬
‫ن أن ُ ِ ْ‬
‫كم ّ‬
‫خل َ َ‬
‫ها َ‬
‫م أْز َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫وم ٍ ي َت َ َ‬
‫تل َ‬
‫ن{‬
‫م ً‬
‫ن ِ‬
‫في ذَل ِك لَيا ٍ‬
‫فكُرو َ‬
‫ة إِ ّ‬
‫وَر ْ‬
‫ح َ‬
‫ّ‬
‫ق ْ‬
‫ودّةً َ‬
‫م َ‬
‫ورسوله صلوات ال وسلمه عليه يحذر المعرضين عنه في حديث طويل أورده البخاري ومسلم من حديث‬
‫أنس من حديث أنس رضي ال عنه أنه قال ‪:‬‬
‫) إن نفرًا من أصحاب رسول ال صلى ال عليه وسلم سألوا أزواج النبي عليه السلم عن عمله في السر‬
‫فأخبرهم فقال بعضهم ‪ :‬ل آكل اللحم ‪ ,‬وقال بعضهم ‪ :‬ل أتزوج النساء ‪ ,‬وقال بعضهم ‪ :‬ل أنام على فراش ‪,‬‬
‫وقال بعضهم ‪ :‬أصوم ول أفطر ‪ ,‬فحمد ال النبي عليه الصلة والسلم وأثنى عليه ‪ ,‬ثم قال ‪ :‬ما بال أقوام‬
‫قالوا كذا وكذا ‪ ,‬لكني أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء ‪ .‬فمن رغب عن سنتي فليس مني ( ‪. 3‬‬
‫وقال ‪ ) :‬تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم المم يوم القيامة ( ‪. 4‬‬
‫وقال عليه الصلة والسلم ‪ ) :‬حبب إلى من الدنيا الطيب والنساء ‪ ,‬وجعلت قرة عيني في الصلة ( ‪. 5‬‬
‫وعن أبي ذر رضي ال عنه عن رسول ال صلى ال عليه وسلم أنه قال ‪:‬‬
‫) وفي بضع أحدكم صدقة ‪ ,‬قالوا‪ :‬يأتي أحدنا شهوته ويكون فيها له أجر ؟ ‪ .‬قال ‪ :‬أفرأيتم لو وضعه في حرام‬
‫‪ ,‬هل عليه وزر ؟ قالوا ‪ :‬نعم ‪ .‬قال ‪ :‬فكذلك إذا وضعها في الحلل كان له أجر ( ‪. 6‬‬
‫وما أحسن ما قال إمام أهل السنة والجماعة أحمد بن حنبل رحمة ال عليه ‪:‬‬
‫) ليس العزوبة من أمر السلم في شيء ‪ ,‬النبي عليه الصلة والسلم تزوج أربع عشرة امرأة ومات عن‬
‫تسع ‪ ,‬ثم قال ‪ :‬لو كان بشر بن الحارث تزوج قد تم أمره كله ‪ ,‬لو ترك الناس النكاح لم يغزوا ولم يحجوا ولم‬
‫يكن كذا ‪ ,‬وقد كان النبي عليه الصلة والسلم يصبح وما عنده شيء ‪ ,‬وكان يختار النكاح ويحث عليه ‪,‬‬
‫وينهى عن التبتل ‪ ,‬فمن رغب عن عمل النبي عليه الصلة والسلم فهو على غير الحق ‪ .‬ويعقوب عليه‬
‫السلم في حزنه قد تزوج وولد له ‪ .‬والنبي عليه الصلة والسلم قال ‪ ) :‬حبب إلى النساء ( ( ‪. 7‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫سورة النساء الية ‪. 3‬‬
‫النور ‪. 32‬‬
‫متفق عليه واللفظ للبخاري ‪.‬‬
‫رواه أبو داوود والنسائي والبيهقي عن معقل بن يسار ‪.‬‬
‫رواه أحمد والنسائي ‪.‬‬
‫رواه مسلم ‪.‬‬
‫تلبيس إبليس لبن الجوزي ص ‪. 286 , 285‬‬

‫‪39‬‬

‫فهذه هي تعاليم شريعة السلم المستقاة من أصلين أساسيين لشرع ال الكتاب والسنة ‪.‬‬
‫وتلك هي أقوال الصوفية ‪ ,‬التي لم يأخذوها من هذا المورد العذب ‪ ,‬والمنهل الصافي ‪ ,‬بل أخذوها من الكهنة‬
‫والبوذية كما مر ذلك ‪ ,‬ونساك الجينية ‪ ,‬ورهبان المسيحية ‪ .‬وأمر أولئك في هذا الباب مشهور ومعروف ل‬
‫يحتاج إلى كثير من البيان ‪ ,‬ولكن لقامة البرهان ننقل بعض آيات من إنجيل ‪ ,‬فقال المسيح ‪:‬‬
‫) ويوجد خصيان خصوا أنفسهم لجل ملكوت السماوات ‪ ,‬من استطاع أن يقبل فليقبل ( ‪. 1‬‬
‫ويقول رسول المسيحيين في رسالته إلى أهل كورنتوس ‪:‬‬
‫) وأما من جهة المور التي كتبتم عنها فحسن للرجل أن ل يمس امرأة ( ‪.‬‬
‫‪2‬‬

‫وكذلك يقول ‪:‬‬
‫) أقول لغير المتزوجين والرامل ‪ :‬إنه حسن لهم إذا لبثوا كما أنا ( ‪.‬‬
‫ويقول ‪ ) :‬فأريد أن تكونوا بلهم ‪ .‬يهتم فيما للرب كيف يرضى الرب ‪ .‬وأما المتزوج فيهتم في ما للعالم كيف‬
‫يرضى امرأته ‪ .‬إن بين الزوجة والعذراء فرقا ‪ .‬غير المتزوجة تهتم في ما للرب لتكون مقدمة جدا وروحا ‪.‬‬
‫وأما المتزوجة فتهتم في ما للعالم كيف ترضى رجلها ‪.‬‬
‫هذا أقوله لخيركم ليس لكي ألقى عليكم وهقا ‪ ,‬بل لجل اللياقة والمثابرة للرب من دون ارتباك ‪ .‬ولكن إن كان‬
‫يظن أنه يعمل بدون لياقه نحو عذرائه إذا تجاوزت الوقت ‪ ,‬وهكذا لزم أن يصبر فليفعل ما يريد ‪ .‬إنه ل يخطئ‬
‫فيتزوجا ‪ .‬وأما من أقام راسخا في قلبه وليس له سلطان على إرادته ‪ ,‬وقد عزم على هذا في قلبه أن يحفظ‬
‫عذراء فحسنا يفعل ‪ .‬إذن من زوج فحسنا يفعل ‪ .‬ومن ل يزوج يفعل أحسن ( ‪. 4‬‬
‫‪3‬‬

‫هذا ومثل هذا كثير ‪.‬‬
‫ي من أولياء المسيحية‬
‫هذه هي تعاليم المسيحية ‪ ,‬المنقولة منهم تجاه الزواج ‪ ,‬ومن هذه التعاليم تأثر ول ّ‬
‫‪5‬‬
‫ب ذكره ‪.‬‬
‫اوريغن ) ‪ ( ORIGEN‬الذي يعدونه أحد القديسين ‪ ,‬العائش ما بين ‪ 185‬و ‪ , 254‬وج ّ‬
‫والجدير بالذكر أن أحد المتصوفة أتى بمثل هذا العمل ‪ ,‬وفعل فعلته فيه كما ذكر الشعراني أن عبد الرحمن‬
‫المجذوب ‪:‬‬
‫) كان رضي ال عنه من الولياء الكابر ‪ ,‬وكان سيدي على الخواص رضي ال عنه يقول ‪ :‬ما رأيت قط أحدا‬
‫من أرباب الحوال دخل مصر إل ونقص حاله إل الشيخ عبد الرحمن المجذوب ‪ ,‬وكان مقطوع الذكر قطعه‬
‫بنفسه أوائل جذبه ( ‪. 6‬‬
‫وصوفي هندي آخر أيضا فعل ذلك ‪. 7‬‬
‫وكتب هينس ) ‪ ) ( HANS‬أن المسيحيين القدامى كانوا يعدون ترك الزواج من المور الواجبة والمحببة‬
‫إلى ال ‪ ,‬والمقربة إلى ملكوته ( ‪. 8‬‬
‫ومن خصائص المسيحية وتعاليمها ترك الدنيا ‪ ,‬والتجرد عن المال ‪ ,‬والتجوع ‪ ,‬وتعري الجساد والعراض‬
‫عن زينة الحياة ‪ ,‬المباحة ‪ ,‬وتحريم الطيبات باسم النقطاع إلى الخرة ‪ ,‬ورهبانية ابتدعوها ‪ ,‬وتعذيب النفس‬
‫‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬

‫الية ‪ 12‬من إنجيل متى من العهد الجديد ‪.‬‬
‫رسالة بولس في رسالته إلى أهل كورنتوس من العهد الجديد الصحاح السابع الية ‪. 1‬‬
‫أيضا الية ‪. 8‬‬
‫الصحاح السابع الية ‪ 31‬إلى ‪. 39‬‬
‫‪. Oxford History Christian Church P 992 London , 1958‬‬
‫انظر طبقات الشعراني ج ‪ 2‬ص ‪. 142‬‬
‫انظر تذكرة أولياء بر صغير لميرزه محمد اختر الدهلوي ج ‪ 3‬ص ‪. 33‬‬
‫‪. Bookings of the Christian Churchs P. 135 London . 1955‬‬

‫‪40‬‬

‫فلقد ورد في الناجيل عن المسيح أنه قال ‪:‬‬
‫) ل تكنزوا كنوزا على الرض ‪ ,‬حيث يفسد السوس والصدأ ‪ ,‬وحيث ينقب السارقون ويسرقون ‪ .‬بل اكنزوا‬
‫لكم كنوزا في السماء حيث ل يفسد سوس ول صدأ ‪ ,‬وحيث ل ينقب سارقون ول يسرقون ‪ .‬لنه حيث يكون‬
‫كنزك هناك يكون قلبك أيضا ( ‪. 1‬‬
‫ونقل عنه أيضا أنه قال ‪:‬‬
‫) ل يقدر أحد أن يخدم سيدين ‪ .‬لنه إما أن يبغض الواحد ويجب الخر ‪ ,‬أو يلزم الواحد ويحتقر الخر ‪ .‬ل‬
‫تقدرون أن تخدموا ال والمال ‪ .‬لذلك أقول لكم ‪ :‬ل تهتموا لحياتكم بما تأكلون وبما تشربون ‪ .‬ول لجسامكم‬
‫بما تلبسون ‪ .‬أليست الحياة أفضل من الطعام ‪ ,‬والجسد أفضل من اللباس ‪ .‬أنظروا إلى طيور السماء أنها ل‬
‫تزرع ول تحصد ول تجمع إلى مخازن ‪ ,‬وأبوكم السماوي يقوتها ‪ .‬ألستم أنتم بالحري أفضل منها ومن منكم‬
‫إذا اهتم يقدر أن يزيد على قامته ذراعا واحدة ‪ ,‬ولماذا تهتمون باللباس ‪ ,‬تأملوا زنابق الحقل كيف تنمو ل‬
‫تتعب ول تغزل ‪ ,‬ولكن أقول لكم ‪ :‬إنه ول سليمان في كل مجده كان يلبس كواحدة منها ‪ ,‬فإن كان عشب الحقل‬
‫الذي يوجد اليوم ويطرح غدا في التنور يلبسه ال هكذا ‪ ,‬أفليس بالحري جدا يلبسكم أنتم قليلي اليمان ‪ ,‬فل‬
‫تهتموا قائلين ‪ :‬ماذا نأكل ‪ ,‬أو ماذا نلبس ‪ ,‬فإن هذه كلها تطلبها المم ‪.‬‬
‫لن أباكم السماوي يعلم أنكم تحتاجون إلى هذه كلها ‪ ,‬لكن اطلبوا أول ملكوت ال وبره ‪ ,‬وهذه كلها تزداد‬
‫لكم ‪.‬‬
‫‪2‬‬
‫فل تهتموا للغد ‪ ,‬لن الغد يهتم بما لنفسه ‪ .‬يكفي اليوم شره ( ‪.‬‬
‫وورد في هذا النجيل أيضا ) أن شابا تقدم إلى المسيح وقال له ‪ :‬أيها المعلم الصالح أي صلح أعمل به‬
‫لتكون لي الحياة البدية ؟ ‪.‬‬
‫فأجابه المسيح ببعض الجوبة ثم قال له ‪ :‬إن أردت أن تكون كامل فأذهب وبع أملكك ‪ ,‬وأعط الفقراء فيكون‬
‫لك كنز في السماء وتعال اتبعني ‪ .‬فلما سمع الشاب الكلمة مضى حزينا ‪ ,‬لنه كان ذا أموال كثيرة ‪.‬‬
‫فقال يسوع لتلميذه ‪ :‬الحق أقول لكم ‪ ,‬إنه يعسر أن يدخل غني إلى ملكوت السماوات ‪ ,‬وأقول لكم أيضا ‪ :‬إن‬
‫مرور جمل من ثقب إبره أيسر من أن يدخل غني إلى ملكوت ال ( ‪. 3‬‬
‫وقال أيضا ‪:‬‬
‫) وكل من ترك بيوتا أو اخوة أو أخوات أو أبا أو أما أو امرأة أو أولدًا أو حقول من أجل اسمي يأخذ مائة‬
‫ضعف ‪ ,‬ويرث الحياة البدية ( ‪.4‬‬
‫ونقل عنه أيضا أنه قال ‪:‬‬
‫) ل تكنزوا ذهبا ول فضة ول نحاسا في مناطقكم ‪ ,‬ول مزودا للطريق ‪ ,‬ول ثوبين ‪ ,‬ول أحذية ‪ ,‬ول عصا (‬
‫‪.5‬‬
‫وليس هذا فحسب ‪ ,‬بل نقل عنه لوقا في إنجيله أنه جاءه جموع كثيرة سائرين معه ‪ ,‬فالتفت إليهم وقال ‪:‬‬
‫) إن كان أحد يأتي إلي ول يبغض أباه وأمه وامرأته وأولده واخوته وإخوانه حتى نفسه أيضا فل يقدر أن‬
‫يكون لي تلميذا ( ‪. 6‬‬
‫وقال أيضا ‪:‬‬
‫) فكذلك كل واحد منكم ل يترك جميع أمواله ل يقدر أن يكون لي تلميذا ( ‪.‬‬
‫‪7‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫إنجيل متى الصحاح السادس ‪. 21 , 20 , 19‬‬
‫إنجيل متى الصحاح السادس الية ‪ 24‬إلى آخر الصحاح ‪.‬‬
‫الصحاح التاسع عشر الية ‪ 16‬إلى ‪. 24‬‬
‫أيضا الية ‪. 29‬‬
‫الصحاح العاشر الية ‪. 10 , 9‬‬
‫إنجيل لوقا الصحاح الرابع عشر الية ‪. 26‬‬
‫أيضا الية ‪. 33‬‬

‫‪41‬‬

‫وبمثل ذلك نقل متى في إنجيله ‪:‬‬
‫) لما رأى يسوع جموعا كثيرة حوله أمر بالذهاب إلى العبر ‪ ,‬فتقدم كاتب وقال له ‪ :‬يا معلم ‪ ,‬أتبعك أينما‬
‫تمضي ‪ .‬فقال له يسوع ‪ :‬للثعالب أوجرة ‪ ,‬ولطيور السماء أوكار ‪ .‬وأما ابن النسان فليس له أين يسند‬
‫رأسه ‪ .‬وقال له آخر من تلميذه ‪ :‬يا سيد ‪ ,‬ائذن لي أمضي أول وأدفن أبي ‪ .‬فقال له يسوع ‪ :‬اتبعني ‪ ,‬ودع‬
‫الموتى يدفنون موتاهم ( ‪. 1‬‬
‫هذا ومثل هذا كثير في الناجيل وأعمال الرسل وغيرها من الكتب المسيحية ‪ ,‬وعلى هذه التعاليم أسسوا نظام‬
‫الرهبنة ‪ ,‬أي التجرد عن علئق الدنيا ومتطلباتها وحاجاتها ‪.‬‬
‫وزادوا عليها تعذيب النفس ‪ ,‬وتحمل المشاق واللم ‪ ,‬تعمقا في التجرد ‪ ,‬ومغالة في تجنب الدنيا ‪ ,‬واحتقارا‬
‫لزخارفها ‪ ,‬كما أن هنالك أسبابا أخرى لختيار الرهبنة ‪ ,‬فقد ذكر علماء المسيحية الكثيرون وكتابها وباحثوها‬
‫‪.‬‬
‫وجمع هذه القاويل والمقولت ول ديورانت في موسوعته الكبرى ) قصة الحضارة ( ‪ ,‬فيقول ‪ ) :‬لما أن‬
‫أصبحت الكنيسة منظمة تحكم المليين من بني النسان ‪ ,‬ولم تعد كما كانت جماعة من المتعبدين الخاشعين ‪,‬‬
‫أخذت تنظر إلى النسان وما فيه من ضعف نظرة أكثر عطفا من نظرتها السابقة ‪ ,‬ول ترى ضيرًا من أن‬
‫يستمتع الناس بملذ الحياة الدنيا ‪ ,‬وأن تشاركهم أحيانا في هذا الستمتاع ‪ ,‬غير أن أقلية من المسيحيين كانت‬
‫ترى في النزول إلى هذا الدرك خيانة للمسيح ‪ ,‬واعتزمت أن تجد مكانها في السماء عن طرق الفقر ‪ ,‬والعفة ‪,‬‬
‫والصلة ‪ ,‬فاعتزلت العالم اعتزال تامًا ‪ .‬ولربما كان مبشرو أشوكا ‪ ) Ashoka‬حوالي ‪ 250‬ق م ( قد‬
‫جاءوا إليه بنظرية البوذية وقوانينها الخلقية ‪ ,‬ولربما كان النساك الذين وجدوا في العالم قبل المسيحية‬
‫أمثال سرابيس ‪ Serapis‬في مصر أو جماعات السنيين في بلد اليهود قد نقلوا إلى أنطونيوس وباخوم‬
‫المثل العليا للحياة الدينية الصارمة وأساليب هذه الحياة ‪ .‬وكان الكثيرون من الناس يرون في الرهبنة ملذًا‬
‫من الفوضى والحرب اللذين أعقبا غارات المتبربرين ‪ ,‬فلم يكن في الدير ول في الصومعة الصحراوية ضرائب‬
‫‪ ,‬أو خدمة عسكرية ‪ ,‬أو منازعات حربية ‪ ,‬أو كدح ممل ‪ .‬ولم يكن يطلب إلى الراهب ما يطلب إلى القسيس‬
‫من مراسم قبل رسامته ‪ ,‬وكان يوقن أنه سوف يحظى بالسعادة البدية بعد سنين قليلة من حياة السلم ‪.‬‬
‫ويكاد مناخ مصر أن يغري الناس بحياة الديرة ‪ ,‬ولهذا غصت بالبرهان النساك الفرادى والمتجمعين في‬
‫الديرة يعيشون في عزلة كما كان يعيش أنطونيوس ‪ ,‬أو جماعات كما كان يعيش باخوم في تابن‬
‫‪ Tabenne‬وأنشئت الديرة للرجال والنساء على طول ضفتي النيل ‪ ,‬وكان بعضها يحتوي نحو ثلثمئة من‬
‫الرهبان والراهبات ‪ .‬وكان أنطونيوس ) ‪ ( 356 – 251‬أشهر النساك الفرادى ‪ ,‬وقد أخذ ينتقل من عزلة‬
‫حتى استقر به المقام على جبل القلزم القريب من شاطئ البحر الحمر ‪ .‬وعرف مكانه المعجبون به فحذوا‬
‫حذوه في تعبده ونسكه ‪ ,‬وبنوا صوامعهم في أقرب مكان منه سمح لهم به ‪ ,‬حتى امتلت الصحراء قبل موته‬
‫بأبنائه الروحيين ‪ .‬وقلما كان يغتسل ‪ ,‬وطالت حياته حتى بلغ مائة وخمسًا من السنين ‪ ,‬ورفض دعوة وجهها‬
‫إليه قسطنطين ولكنه سافر إلى السكندرية في سن التسعين ليؤيد أثناسيوس ضد اتباع أريوس ‪ ,‬وكان يليه‬
‫في شهرته باخوم الذي أنشأ في عام ‪ 325‬تسعة أديرة للرجال وديرًا واحدًا للنساء ‪ .‬وكان سبعة آلف من‬
‫أتباعه الرهبان يجتمعون أحيانا ليحتفلوا بيوم من اليام المقدسة ‪ ,‬وكان أولئك الرهبان المجتمعون يعملون‬
‫ويصلون ‪ ,‬ويركبون القوارب في النيل من حين إلى حين ليذهبوا إلى السكندرية حيث يبيعون ما لديهم من‬
‫البضائع ويشترون حاجياتهم ويشتركون في المعارك الكنسية – السياسية ‪.‬‬
‫ونشأت بين النساك الفرادى منافسة قوية في بطولة النسك يتحدث عنها دوشين ‪Abbe Duchesne‬‬
‫بقوله إن مكاريوس السكندري ) لم يكن يسمع بعمل من أعمال الزهد إل حاول أن يأتي بأعظم منه ( ‪ ,‬فإذا‬
‫امتنع غيره من الرهبان عن أكل الطعام المطبوخ في الصوم الكبير امتنع هو عن أكله سبع سنين ‪ ,‬وإذا عاقب‬
‫بعضهم أنفسهم بالمتناع عن النوم شوهد مكاريوس وهو ) يبذل جهد المستميت لكي يظل مستيقظًا عشرين‬
‫ليلة متتابعة ( وحدث مرة في صوم كبير أن ظل واقفا طوال هذا الصوم ليل ونهارا ل يذوق الطعام إل مرة‬
‫واحدة في السبوع ‪ ,‬ولم يكن طعامه هذا أكثر من بعض أوراق الكرنب ‪ ,‬ولم ينقطع خلل هذه المدة عن‬
‫‪1‬‬

‫إنجيل مّتى الصحاح الثامن الية ‪ 18‬إلى ‪. 23‬‬

‫‪42‬‬

‫ممارسة صناعته التي اختص بها وهي صناعة السلل ‪ .‬ولبث ستة أشهر ينام في مستنقع ‪ ,‬ويعرض جسمه‬
‫العريان للذباب السام ‪ .‬ومن الرهبان من أوفوا على الغاية في أعمال العزلة ‪ ,‬من ذلك سرابيون ‪Serapion‬‬
‫الذي كان يعيش في كهف في قاع هاوية لم يجرؤ على النزول إليها إل عدد قليل من الحجاج ‪ .‬ولما وصل‬
‫جيروم وبول إلى صومعته هذه وجدوا فيها رجل ل يكاد يزيد جسمه على بضعة عظام وليس عليه إل خرقة‬
‫تستر حقويه ‪ ,‬ويغطي الشعر وجهه وكتفيه ‪ ,‬ول تكاد صومعته تتسع لفراشه المكون من لوح من الخشب‬
‫وبعض أوراق الشجر ‪ .‬ومع هذا فإن هذا الرجل قد عاش من قبل بين أشراف رومة ‪ ,‬ومن النساك من كانوا ل‬
‫يرقدون قط أثناء نومهم ومنهم من كان يداوم على ذلك أربعين عاما مثل بساريون ‪ Bessarion‬أو‬
‫خمسين عاما مثل باخوم ‪ .‬ومنهم من تخصصوا في الصمت وظلوا عددا كبيرا من السنين ل تنفرج شفاههم‬
‫عن كلمة واحدة ‪ .‬ومنهم من كانوا يحملون معهم أوزانا ثقال أينما ذهبوا ‪ .‬ومنهم من كانوا يشدون أعضاءهم‬
‫بأطواق أو قيود أو سلسل ‪ ,‬ومنهم من كانوا يفخرون بعدد السنين التي لم ينظروا فيها إلى وجه امرأة ‪.‬‬
‫وكان النساك المنفردون جميعهم تقريبا يعيشون على قدر قليل من الطعام ‪ .‬ومنهم من عمروا طويل ‪ .‬ويحدثنا‬
‫جيروم عن رهبان لم يطعموا شيئا غير التين وخبز الشعير ‪ ,‬ولما مرض مكاريوس جاءه بعضهم بعنب فلم‬
‫تطاوعه نفسه على التمتع بهذا الترف ‪ ,‬وبعث به إلى ناسك آخر ‪ ,‬وأرسله هذا إلى ثالث حتى طاف العنب‬
‫جميع الصحراء ) كما يؤكد لنا روفينس ( ‪ ,‬وعاد مرة أخرى كامل إلى مكاريوس ‪ .‬وكان الحجاج ‪ ,‬الذين‬
‫جاءوا من جميع أنحاء العالم المسيحي لشاهدوا رهبان الشرق ‪ ,‬يعزون إلى أولئك الرهبان معجزات ل تقل في‬
‫غرابتها عن معجزات المسيح ‪ ,‬فكانوا – كما يقولون ‪ -‬يشفون المراض ويطردون الشياطين باللمس أو‬
‫بالنطق بكلمة ‪ ,‬وكانوا يروضون الفاعي أو الساد بنظرة أو دعوة ‪ ,‬ويعبرون النيل على ظهور التماسيح ‪,‬‬
‫وقد أصبحت مخلفات النساك أثمن ما تملكه الكنائس المسيحية ‪ ,‬ول تزال مدخرة فيها حتى اليوم ‪.‬‬
‫وكان رئيس الدير يطلب إلى الرهبان أن يطيعوه طاعة عمياء ‪ ,‬ويمتحن الرهبان الجدد بأوامر مستحيلة التنفيذ‬
‫يلقيها عليهم ‪ ,‬وتقول إحدى القصص إن واحدًا من أولئك الرؤساء أمر راهبًا جديدًا أن يقفز في نار مضطرمة‬
‫فصدع الراهب الجديد بالمر ‪ ,‬فانشقت النار حتى خرج منها بسلم ‪ .‬وأمر راهب جديد آخر أن يغرس عصا‬
‫رئيسه في الرض ويسقيها حتى تخرج أزهرًا ‪ ,‬فلبث الراهب عدة سنين يذهب إلى نهر النيل على بعد ميلين‬
‫من الدير يحمل منه الماء ليصبه على العصا ‪ ,‬حتى رحمه ال في السنة الثالثة فأزهرت ‪ .‬ويقول جيروم إن‬
‫الرهبان كانوا يأمرون بالعمل ) لئل تضلهم الوهام الخطرة ( ‪ .‬فمنهم من كان يحرث الرض ‪ ,‬ومنهم من كان‬
‫يعني بالحدائق أو ينسج الحصر أو السلسل ‪ ,‬أو يصنع أحذية من الخشب ‪ ,‬أو ينسخ المخطوطات ‪ .‬وقد‬
‫حفظت لنا أقلمهم كثيرا من الكتب القديمة ‪ .‬على أن كثيرين من الرهبان المصريين كانوا أميين يحتقرون‬
‫العلوم الدنيوية ويرون أنها غرور وباطل ‪ .‬ومنهم من كان يرى أن النظافة ل تتفق مع اليمان ‪ ,‬وقد أبت‬
‫العذراء سلفيا أن تغسل أي جزء من جسدها عدا أصابعها ‪ ,‬وكان في أحد الديرة النسائية ‪ 130‬راهبة لم‬
‫تستحم واحدة منهن قط أو تغسل قدميها ‪ ,‬ولكن الرهبان أنسوا إلى الماء حّوالي آخر القرن الرابع ‪ ,‬وسخر‬
‫الب إسكندر من هذا النحطاط فأخذ يحن إلى تلك اليام التي لم يكن فيها الرهبان ) يغسلون وجوههم قط ( ‪.‬‬
‫وكان الشرق الدنى ينافس مصر في عدد رهبانها وراهباتها وعجائب فعالهم ‪ .‬فكانت أنطاكية وبيت المقدس‬
‫خليتين مليئتين بالصوامع والرهبان والراهبات ‪ ,‬وكانت صحراء سوريا غاصة بالنساك ‪ ,‬منهم من كان يشد‬
‫نفسه بالسلسل إلى صخرة ثابتة ل تتحرك كما يفعل فقراء الهنود ‪ ,‬ومنهم من كان يحتقر هذا النوع المستقر‬
‫من المساكن ‪ ,‬فيقضي حياته في الطواف فوق الجبال يطعم العشب البري ‪ .‬ويروي لنا المؤرخون أن سمعان‬
‫العمودي ‪Simeon Stylites ( 390‬؟ ‪ ( 459 -‬كان ل يذوق الطعام طوال الصوم الكبير الذي يدوم‬
‫أربعين يومًا ‪ .‬وقد أصر في عام من العوام أثناء هذا الصوم كله على أن يوضع في حظيرة وليس معه إل‬
‫القليل من الخبز والماء ‪ .‬وأخرج من بين الجدران في يوم عيد الفصح فوجد أنه لم يمس الخبز أو الماء ‪.‬‬
‫وبني سمعان لنفسه في عام ‪ 422‬عمودًا عند قلعة سمعان في شمالي سوريا وعاش فوقه ‪ .‬ثم رأى أن هذا‬
‫اعتدال في الحياة يجلله العار فأخذ يزيد من ارتفاع العمد التي يعيش فوقها حتى جعل مسكنه الدائم فوق عمود‬
‫يبلغ ارتفاعه ستين قدمًا ولم يكن محيطه في أعله يزيد على ثلثة أقدام ‪ ,‬وكان حول قمته سور يمنع القديس‬
‫من السقوط على الرض حين ينام ‪.‬‬

‫‪43‬‬

‫وعاش سمعان على هذه البقعة الصغيرة ثلثين عامًا متوالية معرضًا للمطر والشمس والبرد ‪ .‬وكان أتباعه‬
‫يصعدون إليه بالطعام وينقلون فضلته على سلم يصل إلى أعلى العمود ‪ ,‬وقد شد نفسه على هذا العمود بحبل‬
‫حز في جسمه ‪ ,‬فتعفن حوله ‪ ,‬ونتن وكثرت فيه الديدان ‪ ,‬فكان يلتقط الدود الذي يتساقط من جروحه ويعيده‬
‫إليها ويقول ‪ ) :‬كلي مما أعطاك ال !( ‪ .‬وكان يلقى من منبره العالي مواعظ على الجماهير التي تحضر‬
‫لمشاهدته ‪ ,‬وكثيرًا ما هدى المتبربرين ‪ ,‬وعالج المرضى ‪ ,‬واشترك في السياسة الكنسية ‪ ,‬وجعل المرابين‬
‫يستحون فينقصون فوائد ما يقرضون من المال إلى ستة في المائة بدل اثني عشر ‪ .‬وكانت تقواه سببًا في‬
‫إيجاد طريقة النسك فوق العمدة ‪ ,‬وهي الطريقة التي دامت اثني عشر قرنًا ‪ ,‬ول تزال باقية حتى اليوم‬
‫بصورة دنيوية خالصة ( ‪. 1‬‬
‫ومثل ذلك ذكر هرلبت في كتابه ‪. 2‬‬
‫ودي سي سيندرول ‪. 3‬‬
‫وستر زي غواسكي ‪. 4‬‬
‫وبروكوبيوس ‪. 5‬‬
‫وونكل مين ‪. 6‬‬
‫فجاء السلم فهذب هذه التعاليم ونقحها ‪ ,‬وحذف منها الغلو والتطرف ‪ ,‬ومنع الناس عن التشدد في الدين ‪,‬‬
‫وتعذيب النفس ‪ ,‬وعرفهم الحنيفية السمحة البيضاء ‪ ,‬النزيهة عن النغماس في الدنيا والجري وراء ملذاتها‬
‫وشهواتها ‪ ,‬كما راعى جانب الطبيعة والفطرة ‪ ,‬وأباح الطيبات من الرزق والحلل من المال ‪ ,‬والتمتع بالجائز‬
‫من الدنيا ‪ ,‬فوضع عن الناس إصرهم والغلل التي كانت عليهم ‪ ,‬وأمرهم بالقصد والعتدال بين التجرد‬
‫المحض والتزهد الصرف ‪ ,‬وبين السراف المطلق والتقتير الفاحش ‪ ,‬فقال جل وعل في كتابه الذي أنزله على‬
‫سيد البشر صلوات ال وسلمه عليه ‪:‬‬
‫ن ‪ُ 31‬قْل َمنْ‬
‫سِرِفي َ‬
‫ب اْلُم ْ‬
‫ح ّ‬
‫سِرُفوْا ِإّنُه َل ُي ِ‬
‫شَرُبوْا َوَل ُت ْ‬
‫جٍد وُكُلوْا َوا ْ‬
‫سِ‬
‫عنَد ُكّل َم ْ‬
‫خُذوْا ِزيَنَتُكْم ِ‬
‫} َيا َبِني آَدَم ُ‬
‫صًة َيْوَم‬
‫خاِل َ‬
‫حَياِة الّدْنَيا َ‬
‫ن آَمُنوْا ِفي اْل َ‬
‫ق ُقْل ِهي ِلّلِذي َ‬
‫ن الّرْز ِ‬
‫ت ِم َ‬
‫طّيَبا ِ‬
‫ج ِلِعَباِدِه َواْل ّ‬
‫خَر َ‬
‫ي َأ ْ‬
‫ل اّلِت َ‬
‫حَّرَم ِزيَنَة ا ّ‬
‫‪7‬‬
‫ن{‬
‫ت ِلَقْوٍم َيْعَلُمو َ‬
‫صُل الَيا ِ‬
‫ك ُنَف ّ‬
‫اْلِقَياَمِة َكَذِل َ‬
‫ك َوَل َتْبِغ‬
‫ل ِإَلْي َ‬
‫ن ا ُّ‬
‫سَ‬
‫ح َ‬
‫سن َكَما َأ ْ‬
‫ح ِ‬
‫ن الّدْنَيا َوَأ ْ‬
‫ك ِم َ‬
‫صيَب َ‬
‫س َن ِ‬
‫خَرَة َوَل َتن َ‬
‫لِ‬
‫ل الّداَر ا ْ‬
‫ك ا ُّ‬
‫وقال ‪َ } :‬واْبَتِغ ِفيَما آَتا َ‬
‫‪8‬‬
‫ن{‬
‫سِدي َ‬
‫ب اْلُمْف ِ‬
‫ح ّ‬
‫ل َل ُي ِ‬
‫ن ا َّ‬
‫ض ِإ ّ‬
‫ساَد ِفي اَْلْر ِ‬
‫اْلَف َ‬
‫‪9‬‬

‫جِميعًا {‬
‫ض َ‬
‫ق َلُكم ّما ِفي اَلْر ِ‬
‫خَل َ‬
‫وقال ‪ُ } :‬هَو اّلِذي َ‬
‫خرَ ِفيِه‬
‫ك َمَوا ِ‬
‫سوَنَها َوَتَرى اْلُفْل َ‬
‫حْلَيًة َتْلَب ُ‬
‫جوْا ِمْنُه ِ‬
‫خِر ُ‬
‫سَت ْ‬
‫طِرّيا َوَت ْ‬
‫حًما َ‬
‫حَر ِلَتْأُكُلوْا ِمْنُه َل ْ‬
‫خَر اْلَب ْ‬
‫سّ‬
‫وقال ‪َ } :‬وُهَو اّلِذي َ‬
‫‪10‬‬
‫ن{‬
‫شُكُرو َ‬
‫ضِلِه َوَلَعّلُكْم َت ْ‬
‫َوِلَتْبَتُغوْا ِمن َف ْ‬
‫ظْعِنُكْم َوَيْوَم ِإَقاَمِتُكْم‬
‫خّفوَنَها َيْوَم َ‬
‫سَت ِ‬
‫جُلوِد الَْنَعاِم ُبُيوًتا َت ْ‬
‫جَعَل َلُكم ّمن ُ‬
‫سَكًنا َو َ‬
‫جَعَل َلُكم ّمن ُبُيوِتُكْم َ‬
‫ل َ‬
‫وقال ‪َ } :‬وا ّ‬
‫جَعَل َلُكم ّم َ‬
‫ن‬
‫لًل َو َ‬
‫ظَ‬
‫ق ِ‬
‫خَل َ‬
‫جَعَل َلُكم ّمّما َ‬
‫ل َ‬
‫ن ‪َ 80‬وا ّ‬
‫حي ٍ‬
‫عا ِإَلى ِ‬
‫شَعاِرَها َأَثاًثا َوَمَتا ً‬
‫صَواِفَها َوَأْوَباِرَها َوَأ ْ‬
‫ن َأ ْ‬
‫َوِم ْ‬
‫ن ‪{ 81‬‬
‫سِلُمو َ‬
‫عَلْيُكْم َلَعّلُكمْ ُت ْ‬
‫ك ُيِتّم ِنْعَمَتُه َ‬
‫سُكْم َكَذِل َ‬
‫سَراِبيَل َتِقيُكم َبْأ َ‬
‫حّر َو َ‬
‫سَراِبيَل َتِقيُكُم اْل َ‬
‫جَعَل َلُكْم َ‬
‫جَباِل َأْكَناًنا َو َ‬
‫اْل ِ‬
‫‪11‬‬

‫‪ 1‬قصة الحضارة لول ديورانت ترجمة عربية لمحمد بدران ج ‪ 12‬ص ‪ 119‬إلى ‪ 123‬ط الدارة الثقافية في جامعة الدول العربية القاهرة ‪ 1964‬هـ ‪.‬‬
‫‪. The Story Of The Christian Church P8 89 , 1933 2‬‬
‫‪. A Short History Of Our Religion London , 1922 3‬‬
‫‪. Origin Christian Church Art , 4-6 Oxford , 1933 4‬‬
‫‪. Buildings , Loeb . Lib I ,10 5‬‬
‫‪. History Of Ancient Art , I , 350-1, Finlay , 195. 6‬‬
‫‪ 7‬العراف ‪. 32, 31‬‬
‫‪ 8‬القصص ‪. 77‬‬
‫‪ 9‬البقرة ‪. 29‬‬
‫‪ 10‬النحل ‪. 14‬‬
‫‪ 11‬النحل ‪. 81 , 80‬‬

‫‪44‬‬

‫حو َ‬
‫ن‬
‫سَر ُ‬
‫ن َت ْ‬
‫حي َ‬
‫ن َو ِ‬
‫حو َ‬
‫ن ُتِري ُ‬
‫حي َ‬
‫جَماٌل ِ‬
‫ن ‪َ 5‬وَلُكْم ِفيَها َ‬
‫فٌء َوَمَناِفُع َوِمْنَها َتْأُكُلو َ‬
‫خَلَقَها َلُكْم ِفيَها ِد ْ‬
‫وقال ‪َ } :‬واَلْنَعاَم َ‬
‫‪1‬‬
‫حيٌم ‪{ 7‬‬
‫ف ّر ِ‬
‫ن َرّبُكْم َلَرُؤو ٌ‬
‫س ِإ ّ‬
‫ق اَلنُف ِ‬
‫ش ّ‬
‫حِمُل َأْثَقاَلُكْم ِإَلى َبَلٍد ّلْم َتُكوُنوْا َباِلِغيِه ِإّل ِب ِ‬
‫‪ 6‬وََت ْ‬
‫ن{‬
‫حو َ‬
‫ل َكِثيًرا ّلعَّلُكْم ُتْفِل ُ‬
‫ل َواْذُكُروا ا َّ‬
‫ضِل ا ِّ‬
‫ض َواْبَتُغوا ِمن فَ ْ‬
‫شُروا ِفي اَْلْر ِ‬
‫لُة َفانَت ِ‬
‫صَ‬
‫ت ال ّ‬
‫ضَي ِ‬
‫وقال ‪َ } :‬فِإَذا ُق ِ‬

‫‪2‬‬

‫وجعل المال قوامًا للنسان حيث قال ‪:‬‬
‫ل َلُكْم ِقَيامًا {‬
‫جَعَل ا ّ‬
‫سَفَهاء َأْمَواَلُكُم اّلِتي َ‬
‫}َوَل ُتْؤُتوْا ال ّ‬

‫‪3‬‬

‫‪.‬‬

‫حّرَم الّرَبا { ‪. 4‬‬
‫ل اْلَبْيَع َو َ‬
‫حّل ا ّ‬
‫وقال ‪َ } :‬وَأ َ‬
‫‪5‬‬
‫ب { ‪.‬‬
‫سا ٍ‬
‫ح َ‬
‫شاء ِبَغْيِر ِ‬
‫ق َمن َي َ‬
‫ل َيْرُز ُ‬
‫و } َوا ّ‬
‫وأمر المؤمنين أن يتوجهوا إليه بطلب الدنيا وحسناتها مع الخرة وحسناتها قائلين ‪:‬‬
‫ب الّناِر { ‪. 6‬‬
‫عَذا َ‬
‫سَنًة َوِقَنا َ‬
‫ح َ‬
‫خَرِة َ‬
‫سَنًة َوِفي ال ِ‬
‫ح َ‬
‫} َرّبَنا آِتَنا ِفي الّدْنَيا َ‬
‫كما أمر من إجتمع عنده مال الدنيا ورزقها أن يخرج منها حقا للسائل والمحروم وزكاة وصدقة ‪ ,‬وأن يعمروا‬
‫مساجد ال ‪ ,‬وينفقوا على ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل فقال تعالى ‪:‬‬
‫‪7‬‬
‫حُروِم {‬
‫ساِئِل َواْلَم ْ‬
‫ق ّلل ّ‬
‫حّ‬
‫} َوِفي َأْمَواِلِهْم َ‬
‫‪8‬‬
‫صاِدِه { ‪.‬‬
‫ح َ‬
‫حّقُه َيْوَم َ‬
‫وقال ‪ُ } :‬كُلوْا ِمن َثَمِرِه ِإَذا َأْثَمَر َوآُتوْا َ‬
‫ل{‪.9‬‬
‫جَه ا ِّ‬
‫ن َو ْ‬
‫ن ُيِريُدو َ‬
‫خْيٌر لّّلِذي َ‬
‫ك َ‬
‫سِبيِل َذِل َ‬
‫ن ال ّ‬
‫ن َواْب َ‬
‫سِكي َ‬
‫حّقُه َواْلِم ْ‬
‫ت َذا اْلُقْرَبى َ‬
‫وقال ‪َ } :‬فآ ِ‬
‫ن ِلَرّبِه َكُفوًرا { ‪. 10‬‬
‫طا ُ‬
‫شْي َ‬
‫ن ال ّ‬
‫ن َوَكا َ‬
‫طي ِ‬
‫شَيا ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫خَوا َ‬
‫ن َكاُنوْا ِإ ْ‬
‫ن اْلُمَبّذِري َ‬
‫وقال مع ذلك ‪ِ } :‬إ ّ‬
‫‪11‬‬
‫ن{ ‪.‬‬
‫سِرِفي َ‬
‫ب اْلُم ْ‬
‫ح ّ‬
‫سِرُفوْا ِإّنُه َل ُي ِ‬
‫كما قال ‪َ } :‬وَل ُت ْ‬
‫فهذا ما قد ورد في كتاب ال ‪ ,‬وما أكثره في هذا المعنى ‪.‬‬
‫وأما سنة رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ ,‬الصل الثاني للشريعة السلمية فلم يرد فيها أن صاحبها صلى‬
‫ال عليه وسلم قال لمن أراده أن يتبعه ‪ :‬بع واتبعني ‪ ,‬بل قال لمن كان يريد أن يتصدق بأكثر ماله – وهو‬
‫سعد بن أبي وقاص – وكان مريضا في حجة الوداع فعاوده الرسول صلى ال عليه وسلم وكان عازما على‬
‫الصدقة بثلثي ماله ‪ ,‬وفي رواية أخرى ‪ :‬بماله كله ‪ ,‬فسأله الرسول صلى ال عليه وسلم عما ترك لولده –‬
‫وفي رواية أنه لم يكن له إل بنت ‪ , -‬فقال ‪ :‬الثلث ‪ ,‬والثلث كثير ‪ ,‬إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن‬
‫تدعهم عالة يتكففون الناس ‪. 12‬‬
‫وكذلك نهى كعب بن مالك عن التصدق بجميع ماله كما ورد في الصحيحين أن عبيد ال بن كعب بن مالك‬
‫قال ‪:‬‬
‫‪ 1‬النحل ‪ 5‬إلى ‪. 7‬‬
‫‪ 2‬الجمعة ‪. 10‬‬
‫‪ 3‬النساء ‪. 5‬‬
‫‪ 4‬البقرة ‪. 275‬‬
‫‪ 5‬البقرة ‪. 212‬‬
‫‪ 6‬البقرة ‪. 201‬‬
‫‪ 7‬الذاريات ‪. 19‬‬
‫‪ 8‬النعام ‪. 141‬‬
‫‪ 9‬الروم ‪. 38‬‬
‫‪ 10‬السراء ‪. 27‬‬
‫‪ 11‬النعام ‪. 141‬‬
‫‪ 12‬رواه البخاري ومسلم والنسائي وأبو داود وابن ماجه ‪.‬‬

‫‪45‬‬

‫) سمعت كعب بن مالك يحدث بحديث توبته ‪ ,‬قال فقلت ‪ :‬يا رسول ال ‪ ,‬إن من توبتي أن أنخلع من مالي‬
‫صدقة إلى ال عز وجل وإلى رسوله صلى ال عليه وسلم فقال ‪ :‬أمسك بعض مالك فهو خير لك ( ‪. 1‬‬
‫وعن عمرو بن العاص رضي ال عنه قال ‪:‬‬
‫) نعم المال الصالح للرجل الصالح ( ‪. 2‬‬
‫وعن ابن مسعود رضي ال عنه قال ‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫) ل حسد إل في اثنتين ‪ :‬رجل آتاه ال مال فسلطه على هلكته في الحق ‪ ,‬ورجل آتاه ال الحكمة فهو يقضي‬
‫بها ويعلمها ( ‪. 3‬‬
‫وفي الصحيحين أيضا عن أم سليم أنها قالت ‪ ) :‬يا رسول ال ‪ ,‬خادمك أنس ادع له – فدعا له رسول ال‬
‫عليه الصلة والسلم – وفيما دعا له أن يكثر ماله ‪ ,‬وإليك النص ‪ :‬اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيهما (‬
‫‪.4‬‬
‫وكان صلى ال عليه وسلم يردد كثيرا ‪ ) :‬ما نفعني مال كمال أبي بكر ( ‪. 5‬‬
‫ن الناس علي في ماله وصحبته أبو بكر ( ‪. 6‬‬
‫و ) إن من أم ّ‬
‫‪7‬‬
‫كما أمر أم هانئ باتخاذ الغنم حيث قال ‪ ) :‬اتخذي غنما ‪ ,‬فإن فيها بركة ( ‪.‬‬
‫وادخر رسول ال صلى ال عليه وسلم لهله قوت سنة كما ورد في الصحاح ‪ ,‬واللفظ لمسلم عن عمر أنه قال‬
‫‪:‬‬
‫) كانت أموال بني النضير مما أفاء ال على رسوله مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ول ركاب ‪ ,‬فكانت‬
‫للنبي صلى ال عليه وسلم خاصة ‪ ,‬فكان ينفق على أهله نفقة سنة ‪ ,‬وما بقي يجعله في الكراع والسلح عدة‬
‫في سبيل ال – وفي رواية – كان يحبس منه قوت أهله لسنة ( ‪. 8‬‬
‫وبين رسول ال صلى ال عليه وسلم أحكام الزكاة والصدقات والنفاق في سبيل ال ‪ ,‬ولم تكن هذه الحكام إل‬
‫لمن يملكه ‪ ,‬ولو لم يكن ما كان لبيانها غرض ول فائدة ‪.‬‬
‫فهذه هي تعاليم الكتاب والسنة ‪ ,‬وفي ضوء هذه نرى الصوفية والمتقدمين منهم بالخص والمتأخرين أيضا‬
‫بأيتهما يتمسكون ؟‬
‫لكي يتضح المر عن مرجع تصوفهم ومعول أمرهم ‪.‬‬
‫فذكر المحاسبي المتوفى ‪ 243‬ه عن صوفي قديم آخر إبراهيم بن أدهم أنه قال ‪:‬‬
‫‪9‬‬
‫إن كنت تحب أن تكون ل وليا ‪ ,‬وهو لك محبا فدع الدنيا والخرة ‪ ,‬ول ترغبن فيهما ‪.‬‬
‫ونقل السهر وردي والسراج الطوسي والقشيري عن السري السقطي المتوفى سنة ‪ 251‬هـ أنه قال ‪:‬‬
‫) ل يكن معك شيء تعطي منه أحد ( ‪. 10‬‬
‫وذكر القشيري عن واحد آخر من الصوفية الوائل داود الطائي المتوفى ‪ 165‬هـ أنه قال ‪ ) :‬صم عن الدنيا ‪,‬‬
‫واجعل فطرك الموت ‪ ,‬وفر من الناس كفرارك من السبع ( ‪. 11‬‬
‫‪ 1‬متفق عليه ‪.‬‬
‫‪ 2‬رواه أحمد وإسناده صحيح ‪.‬‬
‫‪ 3‬متفق عليه ‪.‬‬
‫‪ 4‬رواه البخاري ومسلم وغيرهما ‪.‬‬
‫‪ 5‬رواه أحمد وابن ماجه ‪.‬‬
‫‪ 6‬رواه مسلم في صحيحه ‪.‬‬
‫‪ 7‬رواه البيهقي وابن ماجه وإسناده صحيح ورجاله ثقات ‪.‬‬
‫‪ 8‬رواه مسلم وأبو داود والنسائي وغيرهم ‪ ,‬واللفظ لمسلم ‪.‬‬
‫‪ 9‬المحبة للمحاسبي نقل عن ملحق تاريخي في آخر كتاب ختم الولياء بتحقيق عثمان إسماعيل ط بيروت ‪.‬‬
‫‪ 10‬عوارف المعارف للسهروردي ص ‪ , 92‬اللمع للطوسي ص ‪ , 262‬الرسالة القشيرية ج ‪ 1‬ص ‪. 71‬‬
‫‪ 11‬الرسالة القشيرية لبي القاسم القشيري ج ‪ 1‬ص ‪. 84‬‬

‫‪46‬‬

‫وسيد الطائفة الجنيد البغدادي يقول ‪:‬‬
‫) أحب للمريد المبتدئ أن ل يشغل قلبه بالتكسب ‪ ,‬وإل تغير حاله ( ‪.‬‬
‫ويقول أيضا ‪:‬‬
‫‪2‬‬
‫) ما أخذنا التصوف عن القيل والقال ‪ ,‬لكن عن الجوع وترك الدنيا وقطع المألوفات والمستحسنات ( ‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫ويبين ابن عجيبة الحسني حالة أهل التصوف في كتابه ) إيقاظ الهمم ( ‪:‬‬
‫) وكان بعضهم إذا أصبح عنده شيء أصبح حزينا ‪ ,‬وإذا لم يصبح عنده سيء أصبح فرحا مسرورا ( ‪.‬‬
‫‪3‬‬

‫وقال أيضا ‪:‬‬
‫) الفقر أساس التصوف ‪ ,‬وبه قوامه ( ‪.‬‬
‫وروى مثل ذلك عن أبي محمد رويم المتوفى ‪ 303‬هـ أنه قال ‪:‬‬
‫) مبنى التصوف على الفقر ( ‪. 5‬‬
‫‪4‬‬

‫نعم ‪ ,‬الفقر الذي تعوذ منه سيد الخلئق المدعم بالوحي ‪ ,‬والمعصوم بعصمة ال وقال ‪ ) :‬اللهم إني أعوذ بك‬
‫من الفقر ( ‪. 6‬‬
‫فجعلوا ذلك الفقر أساس التصوف وقوامه ‪ ,‬وأقاموا بناءه عليه ‪.‬‬
‫ونقل الطوسي عن الجنيد أنه سئل عن الزهد فقال ‪:‬‬
‫) الزهد هو تخلي اليدي من الملك ( ‪. 7‬‬
‫وبمثل ذلك قال رويم بن أحمد الصوفي المتوفى ‪ 303‬هـ حينما سئل عن الزهد ما هو ؟ ‪ .‬فقال ‪ ) :‬هو ترك‬
‫حظوظ النفس من جميع ما في الدنيا (‪.8‬‬
‫وذكر الشعراني عن ابن عربي أنه قال ‪:‬‬
‫) من أراد فهم المعاني الغامضة من كلم ال عز وجل وكلم رسوله وأوليائه فليزهد في الدنيا حتى يصير‬
‫ينقبض خاطره من دخولها ‪ ,‬ويفرح لزوالها ( ‪. 9‬‬
‫وينقل أيضا عن إبراهيم المتبولي أنه قال ‪:‬‬
‫) كل فقير ل يحصل له جوع ول عري فهو من أبناء الدنيا (‬

‫‪10‬‬

‫‪.‬‬

‫وذكر الصوفي عماد الدين الموي في كتابه ) حياة القلوب ( أن رجل دخل على بعض الصوفية يتكلم في الزهد‬
‫وعنده قميص معلق وعليه آخر ‪ ,‬فقال ‪:‬‬
‫‪11‬‬
‫يا شيخ ‪ ,‬أما تستحي أن تتكلم في الزهد ولك قميصان ‪.‬‬
‫وزجر السري السقطي رجل كان يملك عشرة دراهم وقال ‪:‬‬
‫أنت تقعد مع الفقراء ومعك عشرة دراهم ‪. 12‬‬
‫‪ 1‬قوت القلوب لبي طالب المكي ج ‪ 1‬ص ‪ , 267‬أيضا غيث المواهب العلية للنفزي الرندي ص ‪. 208‬‬
‫‪ 2‬الرسالة القشيرية ج ‪ 1‬ص ‪. 117‬‬
‫‪ 3‬إيقاظ الهمم لبن عجيبة الحسني ص ‪ 213‬الطبعة الثالثة مصطفى البابي الحلبي ‪ 1402‬هـ ‪.‬‬
‫‪ 4‬أيضا ‪.‬‬
‫‪ 5‬اصطلحات الصوفية لكمال الدين عبد الرزاق القاشاني من صوفية القرن الثامن الهجري ص ‪ 76‬ط الهيئة المصرية العامة للكتاب مصر ‪.‬‬
‫‪ 6‬رواه النسائي ‪.‬‬
‫‪ 7‬اللمع للطوسي ص ‪ , 72‬أيضا مناقب الصوفية لقطب الدين المروزي ص ‪ 55‬ط طهران ‪ 1362‬هجري قمري ‪.‬‬
‫‪ 8‬اللمع للطوسي ص ‪. 72‬‬
‫‪ 9‬اليواقيت والجواهر للشعراني ج ‪ 1‬ص ‪ 26‬مصطفى البابي ‪ 1378‬هـ ‪.‬‬
‫‪ 10‬الخلق المتبولية للشعراني ج ‪ 2‬ص ‪ 94‬تحقيق منيع عبد الحليم محمود ط مطبعة حسان – القاهرة ‪.‬‬
‫‪ 11‬حياة القلوب في كيفية الوصول على إلى المحبوب لعماد الدين الموي ج ‪ 2‬ص ‪ 122‬على هامش قوت القلوب ‪.‬‬
‫‪ 12‬طبقات الولياء لبن الملقن المتوفى ‪ 804‬هـ نشر مكتبة الخانجي القاهرة ‪ 1393‬هـ ‪.‬‬

‫‪47‬‬

‫وذكر الكلباذي عن أحمد بن السمين أنه قال ‪:‬‬
‫كنت أمشي في طريق مكة ‪ ,‬فإذا أنا برجل يصيح ‪ :‬أغثني يا رجل ‪ ,‬ال ‪ ,‬ال ‪ .‬قلت مالك ‪ ,‬مالك ؟‬
‫خذ مني هذه الدراهم ‪ ,‬فإني ما أقدر أن أذكر ال وهي معي ‪ ,‬فأخذتها منه فصاح ‪ :‬لبيك اللهم لبيك ‪ ,‬وكانت‬
‫أربعة عشر درهما ‪. 1‬‬
‫وقال سهل بن عبد ال التستري ‪:‬‬
‫اجتمع الخير كله في هذه الربع خصال ‪ ,‬وبها صار البدال أبدال ‪ :‬أخماص البطون ‪ ,‬والصمت والخلوة ‪,‬‬
‫والسهر ‪. 2‬‬
‫وينقل الهجويري عن أبي بكر الشبلي أن واحدا من علماء الظاهر سأله على سبيل التجربة عن الزكاة قائل ‪:‬‬
‫) ما الذي يجب أن يعطى من الزكاة ؟ ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬حين يكون البخل موجودا ويحصل المال فيجب أن يعطى خمسة دراهم عن كل مائتي درهم ‪ ,‬ونصف‬
‫دينار عن كل عشرين دينارا ‪ ,‬هذا في مذهبك ‪.‬‬
‫‪3‬‬
‫أما في مذهبي فيجب أن ل تملك شيئا حتى تتخلص من مشغلة الزكاة ( ‪.‬‬
‫وقال الهجويري ‪:‬‬
‫) السكون إلى مألوفات الطبع يقطع صاحبها عن بلوغ درجات الحقائق ( ‪.‬‬
‫‪4‬‬

‫وينقلون عن الرفاعي أحمد بن أحمد بن أبي الحسين صاحب الطريقة الرفاعية أنه كان يقول ‪:‬‬
‫) أكره للفقراء دخول الحمام ‪ ,‬وأحب لجميع أصحابي الجوع والعري والفقر والذل والمسكنة ‪ ,‬وأفرح لهم إذا‬
‫نزل بهم ذلك ( ‪. 5‬‬
‫ونقل أبو المظفر أن أبا بكر الوراق قال ‪:‬‬
‫) الزهد مركب من الحروف الثلثة ‪ :‬الزاء ‪ ,‬والهاء ‪ ,‬والدال ‪ ,‬فالزاي ترك الزينة ‪ ,‬والهاء ترك الهوى ‪,‬‬
‫والدال ترك الدنيا ( ‪. 6‬‬
‫ونقل أبو طالب المكي عن سفيان أنه قال ‪ ) :‬الصائم إذا اهتم في أول النهار بعشائه كتب عليه خطيئة ‪ ,‬وكان‬
‫سهل ) التستري ( يقول ‪ :‬إن ذلك ينقص من صومه ( ‪. 7‬‬
‫ونقل عن حذيفة المرعشي أنه قال ‪:‬‬
‫) منذ أربعين سنة لم أملك إل قميصا واحدا ( ‪.‬‬
‫‪8‬‬

‫وذكر الكلباذي في تعرفة عن أبي الحسن محمد بن أحمد الفارسي أنه قال ‪ ) :‬من أركان التصوف ترك‬
‫الكتساب وتحريم الدخار ( ‪. 9‬‬
‫ونقل نجم الدين الكبري المتوفى ‪ 618‬هـ ‪ :‬التصوف هو نبذ الدنيا كلها ‪. 10‬‬
‫ويقول الهروي عبد ال النصاري المتوفي ‪ 481‬هـ ‪:‬‬
‫‪ 1‬التعرف لمذهب أهل التصوف للكلباذي ص ‪ 185‬ط القاهرة ‪ 1400‬هـ ‪.‬‬
‫‪ 2‬غيث المواهب العلية للنفزي الرندي المتوفى ‪ 792‬هـ ص ‪ 93 , 92‬ط القاهرة‪.‬‬
‫‪ 3‬كشف المحجوب للهجويري ص ‪. 558‬‬
‫‪ 4‬نفس المصدر ‪. 361‬‬
‫‪ 5‬النفحة العلية في أوراد الشاذلية لعبد القادر زكي ص ‪ 263‬ط مكتبة المثنى القاهرة ‪ ,‬أيضا النوار القدسية للشعراني ج ‪ 1‬ص ‪ 132‬ط دار إحياء التراث‬
‫العربي بغداد ‪ 1984‬م ‪.‬‬
‫‪ 6‬انظر مناقب الصوفية ) فارسي ( لبي المظفر المروزي ص ‪ 55‬باهتمام محمد تقي وايرج افشار ط إيران ‪.‬‬
‫‪ 7‬قوت القلوب لبي طالب المكي ج ‪ 2‬ص ‪. 9‬‬
‫‪ 8‬أيضا ص ‪. 21‬‬
‫‪ 9‬التعرف لمذهب أهل التصوف ص ‪ 108‬ط مكتبة الكليات الزهرية القاهرة ‪.‬‬
‫‪ 10‬فواتح الجمال وفواتح الجلل لنجم الدين الكبري ص ‪. 59‬‬

‫‪48‬‬

‫) الزهد أصله تعذيب الظاهر بترك الدنيا ( ‪. 11‬‬
‫وينقل ابن الملقن عن أستاذ الجنيد أنه قال ‪:‬‬
‫‪2‬‬
‫) علمة الفقير الصادق أن يفتقر بعد الغنى ‪ ,‬وينحط بعد الشهرة ( ‪.‬‬
‫وينقل السلمي عن سمنون المحب – وهو من أصحاب السري السقطي – أنه سئل عن الفقير الصادق فقال ‪:‬‬
‫) الذي يأنس بالعدم كما يأنس الجاهل بالغنى ‪ ,‬ويستوحش من الغنى كما يستوحش الجاهل من الفقر ( ‪. 3‬‬
‫وذكروا عن أبي يزيد البسطامي أنه سئل ‪ :‬بأي شيء نلت هذه المعرفة ؟ فقال ‪ ) :‬ببطن جائع وبدن عار ( ‪. 4‬‬
‫وأخيرا ذكر الكلباذي عن الصوفية فقال ‪:‬‬
‫) أنهم قوم تركوا الدنيا فخرجوا عن الوطان ‪ ,‬وهجروا الخدان ‪ ,‬وساحوا في البلد ‪ ,‬وأجاعوا الكباد ‪,‬‬
‫وأعروا الجساد ( ‪. 5‬‬
‫مع اعترافهم بأن هذه هي المسيحية كما نص على ذلك أبو طالب المكي حيث قال ‪:‬‬
‫) روينا عن عيسى عليه السلم أنه قال ‪ ) :‬أجيعوا أكبادكم ‪ ,‬وأعروا أجسادكم لعل قلوبكم ترى ال عز وجل (‬
‫‪.6‬‬
‫فالنصوص في هذا المعنى أكثر من أن تعد وتحصى ‪ ,‬وأن يسعها كتاب فهيهات هيهات أن يسعها باب أو جزء‬
‫من الباب ‪ ,‬وكل هذه النصوص تنطق صراحة عن مصدرها الصلي ومرجعها الحقيقي ‪ ,‬ول علقة لها بتعاليم‬
‫السلم وإرشاداته ‪ ,‬بل أنها مخالفة تماما لتلك ‪ ,‬ولكي يسهل على القراء والباحثين المقارنة ذكرنا ما ورد في‬
‫القرآن والسنة في هذا الخصوص ‪ ,‬كما أوردنا قبل ذلك توجيهات مسيحية وتعاليم رهبانية وعلى ذلك قال‬
‫‪ C.H. BECKER‬وآسين بلثيوس ‪ ,‬ونيكلسون بأن ترك الدنيا ‪ ,‬ومعنى التوكل جاء في التصوف من‬
‫المسيحية ‪.‬‬
‫ونص فون كريمر على أن الزهد الصوفي نشأ بتأثير من الزهد المسيحي ‪. 7‬‬
‫وقال جولد زيهر ‪:‬‬
‫‪8‬‬
‫) إن مدح الفقر وإيثاره على الغنى كان من العناصر النصرانية ( ‪.‬‬
‫وأقر بذلك الكاتب اليراني الكبير الدكتور قاسم غني في كتابه ) تاريخ التصوف في السلم ( ‪. 9‬‬

‫‪ 11‬منازل السائرين مع العلل والمقامات ص ‪ 296‬ط إيران ‪ 1361‬هجري قمري ‪.‬‬
‫‪ 2‬طبقات الولياء لبن الملقن المتوفى ‪ 804‬هـ ص ‪ 152‬ط مكتبة الخانجي القاهرة ‪ 1973‬م ‪.‬‬
‫‪ 3‬طبقات السلمي ص ‪. 47‬‬
‫‪ 4‬قوت القلوب ص ‪ , 168‬أيضا الرسالة للقشيري ص ‪. 88‬‬
‫‪ 5‬التعرف للكلباذي ص ‪. 29‬‬
‫‪ 6‬انظر قوت القلوب لبي طالب المكي ج ‪ 2‬ص ‪. 167‬‬
‫‪ 7‬انظر لذلك كتاب فون كريمر تاريخ الفكار الواردة في السم نقل عن مقدمة الكتاب في التصوف السلمي وتاريخه للكتور أبي العلء العفيفي صهـ ‪,‬‬
‫و ‪ .‬وأيضا الفكر العربي ومكانته في التاريخ للمستشرق أوليري ترجمة تمام حسان ص ‪ 195 , 194‬ط القاهرة ‪.‬‬
‫‪ 8‬انظر كتاب التصوف السلمي منهجا وسلوكا للدكتور عبد الرحمن عميره ص ‪ 33‬ط مكتبة الكليات الزهرية – القاهرة ‪ ,‬وكتاب مدخل إلى التصوف‬
‫السلمي للدكتور التفتازاني ص ‪. 28‬‬
‫‪ 9‬انظر ص ‪ 100‬ترجمة عربية ‪.‬‬

‫‪49‬‬

‫س‬
‫الّزاوي َ ُ‬
‫و المل ْب َ ُ‬
‫ة َ‬

‫وأما التزام الصوفية لبس الصوف لكونه شعارا وعلمة لهم فأيضا مأخوذ من رهبنة المسيحية لنه كان زيهم‬
‫الخاص بهم كما أقر بذلك الصوفي المشهور في طبقاته عن أبي العالية أنه كان ) يكره للرجل زي الرهبان من‬
‫الصوف ‪ ,‬ويقول ‪ :‬زينة المسلمين التجمل بلباسهم ( ‪ 1‬ز‬
‫ومثل ذلك نقل ابن عبد ربه في ) العقد الفريد ( عن حماد بن سلمة أنه قال لفرقد السنجي حينما رآه لبسا‬
‫الصوف ‪:‬‬
‫‪2‬‬
‫) دع عنك هذه النصرانية ( ‪.‬‬
‫وأورد ابن الجوزي مثل هذه الرواية بسنده حيث قال ‪:‬‬
‫) أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد ‪ ,‬حدثنا حمد بن أحمد الحداد ‪ ,‬حدثنا أبو نعيم الحافظ ‪ ,‬حدثنا أبو حامد‬
‫بن جبلة ‪ ,‬حدثنا حمد بن إسحاق ‪ ,‬حدثنا إسماعيل بن أبي الحارث ‪ ,‬حدثنا هارون بن معروف ‪ ,‬عن ضمرة ‪,‬‬
‫قال ‪:‬‬
‫سمعت رجل يقول ‪ :‬قدم حماد بن سلمة البصرة ‪ ,‬فجاءه فرقد السنجي وعليه ثوب صوف ‪ ,‬فقال له حماد ‪:‬‬
‫ضع عنك نصرانيتك هذه ‪ ,‬فلقد رأيتنا ننتظر إبراهيم – يعني النخعي – فيخرج علينا وعليه معصفرة ( ‪. 3‬‬
‫وأورد أيضا رواية أخرى مسندة بطريق البخاري رحمة ال عليه قال ‪:‬‬
‫أخبرنا محمد بن ناصر وعمر بن ظفر ‪ ,‬قال ‪ :‬حدثنا محمد بن الحسن الباقلوي ‪ ,‬حدثنا القاضي أبو العلء‬
‫الواسطي ‪ ,‬حدثنا أبو نصر أحمد بن محمد السازكي ‪ ,‬حدثنا أبو الخير أحمد بن حمد البزار ‪ ,‬حدثنا محمد بن‬
‫إسماعيل البخاري ‪ ,‬حدثنا علي بن حجر ‪ ,‬حدثنا صالح بن عمر الواسطي عن أبي خالد ‪ ,‬قال ‪:‬‬
‫جاء عبد الكريم أبو أمية إلى أبي العالية وعليه ثياب صوف ‪ ,‬فقال له أبو العالية ‪ ) :‬إنما هذه ثياب الرهبان ‪,‬‬
‫إن المسلمين إذا تزوروا تجملوا ( ‪. 4‬‬
‫ونقل الشعراني عن سهل التستري حكاية باطلة غريبة تدل على أن الصوف كان لباس أصحاب المسيح ‪ ,‬وهذا‬
‫هو نصها ‪ :‬أن سهل بن عبد ال التستري كان يقول ‪:‬‬
‫) اجتمعت بشخص من أصحاب المسيح عليه السلم في ديار قوم عاد فسلمت عليه ‪ ,‬فرد علي السلم ‪ ,‬فرأيت‬
‫عليه جبة من صوف فيها طراوة ‪ ,‬فقال لي ‪ :‬إن لها علي من أيام المسيح ‪ ,‬فتعجبت من ذلك ‪.‬‬
‫فقال ‪ :‬يا سهل إن البدان ل تخلق الثياب ‪ ,‬إنما يخلقها رائحة الذنوب ‪ ,‬ومطاعم السحت ‪ ,‬فقلت له ‪ :‬فكم لهذه‬
‫الجبة عليك ؟‬
‫‪5‬‬
‫فقال ‪ :‬لها سبعمائة سنة ( ‪.‬‬
‫وذكر السهر وردي أيضا أنه كان الصوف لباس عيسى عليه السلم فقال ‪:‬‬
‫) كان عيسى عليه السلم يلبس الصوف ‪ ,‬ويأكل من الشجرة ‪ ,‬ويبيت حيث أمسى ( ‪.‬‬
‫‪6‬‬

‫ومثل ذلك ذكر الكلباذي ‪. 7‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫طبقات الشعراني ج ‪ 1‬ص ‪. 35‬‬
‫العقد الفريد لبن عبد ربه ج ‪ 3‬ص ‪ 378‬ط القاهرة ‪ 1293‬هـ ‪.‬‬
‫تلبيس إبليس لبن الجوزي المتوفى ‪ 596‬هـ ص ‪ 219‬ط دار الوعي المربى بيروت ‪.‬‬
‫تلبيس إبليس لبن الجوزي ص ‪. 220 , 219‬‬
‫الطبقات الكبرى للشعراني ج ‪ 1‬ص ‪. 78‬‬
‫عوارف المعارف للسهر وردي ص ‪ 59‬باب في ذكر تسميتهم بهذا السم ط دار الكتاب العربي ‪.‬‬
‫التعرف لمذهب أهل التصوف لبي بكر محمد الكلباذي ص ‪. 31‬‬

‫‪50‬‬

‫) وعلى ذلك قال نولدكة ونيكلسون وماسينيون إن التصوف السلمي أخذ لبسة الصوف من الرهبان النصارى‬
‫(‪.‬‬
‫وزاد نيكلسون أشياء في مقالته العديدة التي نشرت في دوائر المعارف ‪ ,‬وجمعت بعضها باسم ) الدراسات‬
‫في التصوف السلمي وتاريخه ( منها ما قاله تحت عنوان ‪ :‬الزهد في السلم ‪:‬‬
‫) كان عرب الجاهلية على حظ قليل من التفكير الديني ‪ ,‬وكان تفكيرهم في هذه الناحية مضطربًا وغامضًا ‪.‬‬
‫وقد شغلهم انهماكهم في متع الحياة ومتاعبها عن التفكير في حياة أخروية ‪ ,‬ولم يخطر ببالهم أن يعدوا‬
‫أنفسهم لحياة روحية وراء حدود القبر ‪ .‬وقد غرست المسيحية – ل الكنيسة المسيحية ‪ ,‬بل المسيحية غير‬
‫التقليدية وغير المنظمة – بذور الزهد في بلد العرب قبل البعثة المحمدية ‪ ,‬وظل أثرها يعمل عمله في تطور‬
‫الزهد في المبراطورية السلمية في عصورها الولى ‪ .‬ونحن نعلم أن المسيحية كانت منتشرة قبل السلم‬
‫بين قبائل شمالي الجزيرة العربية ‪ ,‬وأن كثيرًا من العرب كانوا على شيء من العلم – مهما كان قليل وسطحيا‬
‫– بعقائد الديانة المسيحية وطقوسها ‪ .‬بل إن الشارات التي وردت في الشعر الجاهلي عن رهبان المسيحيين‬
‫لتدل على أن عرب البادية كانوا يجلون هؤلء الرهبان ويعظمونهم ‪ ,‬وكانوا يهتدون بأنوارهم المنبعثة من‬
‫صوامعهم في ظلم الليل وهم يسيرون في الصحراء فضرب هؤلء الرهبان وغيرهم من الزهاد الهائمين على‬
‫ل إلى‬
‫وجوههم ‪ ,‬مثل للعرب الوثنيين في الزهد ‪ ,‬وحركوا في نفوس بعضهم ‪ ,‬وهم المعروفون بالحنفاء ‪ ,‬مي ً‬
‫النفور من الوثان ورفض عبادتها ‪ .‬فدان هؤلء بعقيدة التوحيد ‪ ,‬واصطنع بعضهم الزهد ومجاهدة النفس ‪,‬‬
‫ولبسوا الصوف وحرموا على أنفسهم بعض أنواع الطعام ( ‪. 1‬‬
‫وقال أيضا ‪:‬‬
‫) كانت الثياب المصنوعة من خشن الصوف علمة على الزهد قبل السلم ‪ ,‬وفي هذا حاكى العرب رهبان‬
‫المسيحيين ‪ .‬وقد شاع استعمال هذا النوع من الثياب بين زهاد المسلمين الوائل ‪ ,‬ومنه اشتق اسم الصوفية‬
‫الذي استعمل قبل نهاية القرن الثاني الهجري ‪ .‬على أن اسما آخر أطلق على هؤلء الزهاد وإن كان أقل‬
‫شيوعا من اسم الصوفي وهو ) مسوحي ( نسبة إلى مسوح جمع مسح وهو اللباس من الشعر ‪.‬‬
‫وقد جرت العادة بأن يلبس الزهاد ‪ ,‬رجال كانوا أو نساء ‪ ,‬جبة مدرعة من الصوف وأن تلبس المرأة أحيانا‬
‫غطاء على الرأس من القماش نفسه ‪ ,‬وهذا الغطاء هو المعروف بالخمار ‪.‬‬
‫وقد استنكر سفيان الثوري المتوفى سنة ‪ 161‬هـ لبس الصوف ‪ ,‬وعده بدعة ‪ ,‬واستنكر كذلك غيره من‬
‫المسلمين لنهم اعتبروه رمزا للمسيحية وعلمة على الرياء ( ‪. 2‬‬
‫وقال أيضا تحت عنوان التصوف باحثا عن كلمة الصوفي نقل عن نولدكه ‪:‬‬
‫) إن المسلمين في القرنين الولين للسلم كانوا يلبسون الصوف ‪ ,‬وبخاصة من سلك منهم طريق الزهد ‪,‬‬
‫وأنهم كانوا يقولون ‪ :‬لبس فلن الصوف ‪ :‬بمعنى تزهد ورغب عن الدنيا ‪.‬‬
‫فلما انتقل الزهد إلى التصوف قالوا ‪ :‬لبس فلن الصوف بمعنى ‪ :‬أصبح صوفيا ‪ .‬وكذلك الحال في اللغة‬
‫الفارسية ‪ :‬فإن قولهم ) بشمينا بوش ( معناه ‪ :‬يلبس لباس الصوف ‪.‬‬
‫وقد أخذ زهاد المسلمين الوائل عادة لبس الصوف عن رهبان المسيحيين ونساكهم ‪ ,‬يدل على ذلك أن حماد‬
‫بن أبي سليمان قدم البصرة ‪ ,‬فجاءه فرقد السنجي وعليه ثياب صوف فقال له حماد ضع عنك نصرانيتك هذه ‪.‬‬
‫وقد أطلقوا على هذه الثياب ) زي الرهبان ( ‪ ,‬واستشهدوا بحديث معناه أن النبي صلى ال عليه وسلم قال ‪:‬‬
‫إن عيسى كان يلبس ثياب الصوف ( ‪. 3‬‬
‫وقال جولدزيهر ‪:‬‬
‫) وقد حاكى هؤلء الزهاد المسلمون وعبادهم نساك النصارى ورهبانهم ‪ ,‬فارتدوا الصوف الخشن ( ‪.‬‬
‫‪4‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫دراسات في التصوف السلمي وتاريخه لنيكلسون ترجمة أبي العلء العفيفي ص ‪. 43 , 42‬‬
‫نفس المصدر ص ‪. 48‬‬
‫نفس المصدر ص ‪. 68 , 67‬‬
‫المجلة السيوية الملكية ‪ 1891‬ص ‪ 153‬نقل عن نشأة الفلسفة الصوفية للدكتور عرفان عبد الحميد ص ‪ 111‬ط المكتب السلمي بيروت ‪ 1974‬م ‪.‬‬

‫‪51‬‬

‫هذا وبمثل هذا قال الدكتور قاسم غني ‪:‬‬
‫) إن ارتداء الملبس الصوفية أو التصوف الذي نشأ عنه كلمة الصوفية كما تقدم كان من عادات الرهبان‬
‫المسيحيين ‪ ,‬ثم صار فيما بعد شعارا للزهد عند الصوفية ‪ .‬والدلق الذي ورد ذكره في أشعار الصوفية وكتبهم‬
‫استعمل في معنى لباس الصوفية في كل مكان ‪ .‬أي الخرقة التي كانوا يرتدونها فوق جميع الملبس والظاهر‬
‫أنها كانت من صوف ‪ .‬والدلق إما أن يكون من قطعة واحدة أو مرقعا ‪ ,‬ويسمى بالدلق المرقع في هذه الحال ‪,‬‬
‫وإذا كان من ألوان مختلفة يسمى حينئذ ) الدلق الملمع ( والدلق عند صوفية السلم سواء كان لونه أزرق أو‬
‫كان أسود يسمى دائما ‪ ) :‬بالدلق الزرق ( وخرقة الرهبان التي كانت على ما يظهر بيضاء في بادئ المر‬
‫صارت بعد ذلك سوداء وزمرة ) السوكواران ( أي المفجوعون ‪ ,‬الذين يتكلم عنهم الفردوسي في الشاهنامة‬
‫ليسوا إل أساقفة المناظرة المسيحيين ممن لجأوا إلى إيران في القرن الثالث الميلدي وهم الذين كانوا‬
‫يلبسون ملبس الصوف الخشنة على أجسامهم كي يكون ذلك نوعا من التقشف والخششان ‪ ,‬فكان إصطلح )‬
‫صوفي ( و ) وصوفية ( الذي هو بالفارسية ) بشمينه بوش ( أي لبس الصوف وكان يطلق على رجال‬
‫المسيحيين ونسائهم ( ‪. 1‬‬
‫ول بأس من إيراد تعليقة ذكرت تحت هذه العبارة ‪:‬‬
‫) ويقول ياقوت في كتاب ) معجم البلدان ( في حواشي ) دير العذارى ( ‪ :‬وقال أبو الفرج ‪:‬ودير العذارى بسر‬
‫من رأى إلى الن موجود يسكنه الرواهب ‪ .‬وحدث الجاحظ في كتاب ) المعلمين ( قال ‪ :‬حدثني ابن الفرج‬
‫الثعلبي ‪ :‬أن فتيانا من بني ملص من ثعلبة أرادوا القطع على مال يمر بهم قرب دير العذارى فجاءهم من‬
‫أخبرهم أن السلطان قد علم بهم وأن الخيل قد أقبلت تريدهم ‪ ,‬فاستخفوا في دير العذارى ‪ ,‬فلما صاروا فيه‬
‫سمعوا وقع حوافر الخيل التي تطلبهم راجعة ‪ ,‬فأمنوا ثم قال بعضهم لبعض ‪ :‬ما لذي يمنعكم أن تأخذوا بالقس‬
‫فتشدوا وثاقه ثم يخلوا كل واحد منكم بهذه البكار ‪ ,‬فإذا طلع الفجر تفرقنا في البلد ‪ ,‬وكنا جماعة بعدد البكار‬
‫اللواتي كن أبكارا في حسابنا ‪ .‬ففعلنا ما اجتمعنا عليه ‪ ,‬فوجدناهن جميعا ثيبات قد فرغ منهن القس قبلنا ‪..‬‬
‫فقال بعضنا ‪:‬‬
‫ودير العذارى فضوح لهن‬
‫خلونا بعشــــرين صـوفية‬
‫إذا هن يرهزن رهز الظراف‬

‫وعند القسوس حديث عجيب‬
‫نــيك الرواهب أمر غريب‬
‫وباب المدينة فج رحيب‬

‫ويبدو من تعبير ) الصوفية ( في هذا الشعر أن المقصود منه الراهبات المسيحيات ( ‪. 2‬‬
‫ولذلك خالف علماء المة وفقهاؤها لبسه ‪.‬‬
‫فلقد نقل المام ابن تيمية عن أبي الشيخ الصبهاني عن إسناده أن ابن سيرين بلغه أن قوما يفضلون لباس‬
‫الصوف فقال ‪:‬‬
‫) إن قوما يتخيرون الصوف يقولون إنهم متشبهون بعيسى بن مريم ‪ ,‬وهدي نبينا أحب إلينا ‪ ,‬وكان النبي‬
‫صلى ال عليه وسلم يلبس القطن وغيره ( ‪. 3‬‬
‫كما نقل ابن الجوزي عن أحمد بن أبي الجواري أنه قال ‪ :‬قال لي سليمان بن أبي سليمان ‪ ) :‬أي شيء أرادوا‬
‫بلباس الصوف ؟‬
‫قلت ‪ :‬التواضع ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬ما يتكبر أحد إل إذا لبس الصوف ‪.‬‬
‫ونقل عن سفيان الثوري أنه قال لرجل عليه صوف ‪ :‬لباسك هذا بدعة ‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫تاريخ التصوف في السلم لقاسم غني ترجمة عربية لصادق نشأت ص ‪ 10201 , 10110‬ط مكتبة النهضة القاهرة ‪ 1970‬م ‪.‬‬
‫أيضا تعليقه رقم ‪ 2‬ص ‪. 102‬‬
‫الصوفية والفقراء لشيخ السلم ابن تيمية ص ‪ 7‬ط دار الفتح القاهرة ‪ 1984‬م ‪.‬‬

‫‪52‬‬

‫كما روى عن الحسن بن الربيع أنه قال ‪:‬‬
‫سمعت عبد ال بن المبارك يقول لرجل رأى عليه صوفا مشهورا ‪ :‬أكره هذا ‪ ,‬أكره هذا ‪.‬‬
‫وروي عن بشر بن الحارث أنه سئل عن لبس الصوف ‪.‬‬
‫فشق عليه ‪ ,‬وتبين الكراهة في وجهه ‪ ,‬ثم قال ‪ :‬لبس الخز والمعصفر أحب إلي من لبس الصوف في المصار‬
‫‪.‬‬
‫وروي عن أبي سليمان الداراني أنه قال لرجل لبس الصوف ‪ :‬إنك قد أظهرت آلة الزاهدين ‪ ,‬فماذا أورثك هذا‬
‫الصوف ‪.‬‬
‫كما رو يعن النضر بن شميل أنه قال لبعض الصوفية ‪:‬‬
‫تبيع جبتك الصوف ؟‬
‫‪1‬‬
‫فقال ‪ :‬إذا باع الصياد شبكته بأي شيء يصطاد ( ‪.‬‬
‫هذا ونقل عن غيره مثل هذا ‪.‬‬
‫هذا من ناحية الملبس ‪.‬‬
‫وأما اتخاذهم الخانقاوات والتكايا والزوايا ‪ ,‬وانعزالهم عن الدنيا فلم تكن إل مأخوذة من الرهبنة المسيحية‬
‫أيضا كما ذكرنا فيما مر نقل عن الجامي في نفحاته أن أول خانقاه بنيت هي التي بناها أمير مسيحي من‬
‫الرملة في الشام ‪. 2‬‬
‫وهي تشبه تماما أديرة الرهبان النصارى ذات السوار العالية البعيدة عن عالم الناس والعمران ‪ ,‬نتيجة‬
‫للهروب من عالم الترف المادي إلى عالم الترف الروحي ‪ ,‬ومن هذه الديرة تطورت كثير من الفكار اليجابية‬
‫‪ ,‬خرج بها رهبان لفتح حقول جديدة على مبادئ من الطهارة والفقر والخضوع ‪.‬‬
‫) أما الطهارة فكان معناها ليس تطهير الجسد بالصوم ‪ ,‬بل كانت تعني فوق ذلك قطع علقات محبة الب أو‬
‫الم أو البن أو الخت حتى يكون الراهب أقدر على خدمة البشر ‪ ,‬وتصبح المحبة هنا ديانة إنسانية شاملة ز‬
‫أما الفقر فكان يعني التحرر المطلق من قيود الشياء ‪ ,‬ورفض المصالح المادية من أجل خدمة النسان ‪ ,‬وكان‬
‫الخضوع يعني الستسلم الكامل لرادة ال للقيام بالواجبات ( ‪. 3‬‬
‫ولقد صرح الكتور قاسم غني أن المسيحية ‪ ) :‬استطاعت أن تعلم صوفية المسلمين آدابا وعادات كثيرة عن‬
‫طريق زمرة المتقشفين وفرق الرهبان المتجولين ‪ ,‬ول سيما الجماعات السورية المتجولة في كل مكان ممن‬
‫كانوا على الغلب من فرق النصارى النسطوريين ‪ ,‬في حين أن تأثير كنائس المسيحية في المسلمين كان في‬
‫نطاق محدود جدا ‪.‬‬
‫وأن الحياة في الصوامع والخانقاوات كانت أيضا مقتبسة من المسيحية إلى حد كبير ( ‪. 4‬‬
‫وبمثل ذلك قال نيلكسون ‪ ,‬المستشرق النجليزي الكبير الذي عرف باختصاصه في الدراسات عن التصوف ‪,‬‬
‫حيث يذكر تحت تطور الزهد في العصور الوسطى ‪:‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫انظر تلبيس إبليس لبن الجوزي ص ‪. 222 , 221‬‬
‫انظر نفحات النس للجامي ) فارسي ( ‪.‬‬
‫الفلسفة الصوفية في السلم للكتور عبد القادر محمود ص ‪ 39‬ط دار الفكر العربي القاهرة‪.‬‬
‫تاريخ التصوف في السلم للكتور قاسم غني ترجمة عربية ص ‪. 103‬‬

‫‪53‬‬

‫) لم يخرج الصوفية كثيرا على الحديث القائل ‪ :‬ل رهبانية في السلم إل بعد مضي عدة قرون – إلى أن يقول‬
‫ ‪ :‬وإننا ل نعلم إل القليل عن نظام الزهد الرهباني ونشأته في العصور السلمية الولى ‪ ,‬ويقال ‪ :‬أن أول‬‫خانقاه أسست لمتصوفة المسلمين كانت برملة في فلسطين قبل نهاية المائة الثامنة الميلدية على ما يظهر ‪,‬‬
‫وأن مؤسسها كان راهبا مسيحيا ‪ ...‬وقد الصوفية بعض الحاديث المدخولة على النبي ‪ ,‬التي تشير لباحة‬
‫العزوبة لجميع المسلمين بعد المائتين من الهجرة فقد ظهر نظام الرهبنة في السلم حوالي هذا التاريخ‬
‫تقريبا ‪ .‬نعم لم يعم الزهد في العالم السلمي ‪ ,‬ولم تظهر فيه الربط والزوايا المنظمة إل في عصر متأخر ‪,‬‬
‫لن القارئ للكتب التي ألفت في التصوف حتى منتصف القرن الخامس الهجري ‪ ,‬مثل قوت القلوب لبي طالب‬
‫المكي ‪ ,‬وحلية الولياء لبي نعيم ‪ ,‬والرسالة للقشيري ‪ ,‬قلما يجد فيها إشارة إلى هذا الربط والزوايا ‪ ,‬ومع‬
‫ذلك نجد أن كبار الصوفية من رجال القرنين الثالث والرابع قد اجتمع حولهم المريدون ليأخذوا عنهم الطريق‬
‫ويتأدبوا بآدابه ‪ .‬ومن الطبيعي أن هؤلء المريدين أقاموا في بيوت دينية من نوع ما ‪ ,‬كلما وجدوا إلى ذلك‬
‫سبيل ‪ .‬ويذكر المقريزي أن الخانقاوات وجدت في السلم في القرن الخامس الهجري المقابل للقرن الحادي‬
‫عشر الميلدي ‪ .‬وإذا سلمنا بقول المقريزي فعلى معنى أن خانقاوات الصوفية التي كان يجتمع فيها المريدون‬
‫تحت إشراف مشايخهم ‪ ,‬لم تكثر وتنتشر في بلد المملكة السلمية إل في هذا التاريخ ‪ ,‬وهذا يتفق مع ما‬
‫ورد في كتاب آثار البلد للقزويني حيث يقول إن أبا سعيد بن أبي الخير ) المتوفى ‪ 1049‬م ل حوالي ‪815‬‬
‫كما يقول دي ساسي خطأ – ول كما يقول دوزي وفون كريمر نقل عن دي ساسي ( يذكر عنه أنه مؤسس‬
‫نظام الرهبنة في التصوف السلمي وأول واضع لقواعده وقوانينه ‪ .‬وبعد ذلك بمائتي سنة – أي بين ‪, 450‬‬
‫‪ – 650‬زيد في نظام الرهبنة وانتشر هذا النظام على أيدي رجال الطرق ‪ ,‬كالعدوية والقادرية والرفاعية‬
‫وغير ذلك من الطرق التي توالى ظهورها سريعا ( ‪. 1‬‬
‫هذا بالنظر إلى أنه ل يوجد في تعاليم القرآن والسنة رسم ول أثر لهذه التكايا والزوايا والخانقاوات والربط ‪,‬‬
‫بل أمر المسلمين ببناء المسجد للعبادة كما أمروا بتعمير بيوتهم بقراءة القرآن فيها والعبادة ‪.‬‬
‫وأما بناء المكنة الخاصة للتعبد والذكر والوراد فليس إل تقليل لشأن المساجد ‪ ,‬وصرف الناس عنها ‪,‬‬
‫وإعطاء التكايا والزوايا والربط مكانتها وشأنها ‪ ,‬وفي هذا مخالفة لوامر ال وتعاليم رسوله صلوات ال‬
‫وسلمه عليه ‪ .‬وعلى ذلك قال ابن الجوزي ‪:‬‬
‫) أما بناء الربطة فإن قوما من المتعبدين الماضين اتخذوها للنفراد بالتعبد ‪ ,‬وهؤلء إذا صح قصدهم فهم‬
‫على الخطأ من ستة أوجه ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬أنهم ابتدعوا هذا البناء وإنما بنيان أهل السلم المساجد ‪.‬‬
‫والثاني ‪ :‬أنهم جعلوا للمساجد نظيرا يقلل جمعها ‪.‬‬
‫والثالث ‪ :‬أنهم أفاتوا أنفسهم نقل الخطى إلى المساجد ‪.‬‬
‫والرابع ‪ :‬أنهم تشبهوا بالنصارى بانفرادهم في الديرة ‪.‬‬
‫والخامس ‪ :‬أنهم تعزبوا وهم شباب وأكثرهم محتاج إلى النكاح ‪.‬‬
‫والسادس ‪ :‬أنهم جعلوا لنفسهم علما ينطق بأنهم زهاد فيوجب ذلك زيارتهم والتبرك بهم ‪ .‬وإن كان قصدهم‬
‫غير صحيح فإنهم قد بنوا دكاكين للكوبة ومناخا للبطالة وأعلما لظهار الزهد ‪.‬‬
‫وقد رأينا جمهور المتأخرين منهم مستريحين في الربطة من كد المعاش متشاغلين بالكل والشرب والغناء‬
‫والرقص يطلبون الدنيا من كل ظالم ول يتورعون من عطاء ماكس ‪ .‬وأكثر أربطتهم قد بناها الظلمة ‪ ,‬ووقفوا‬
‫عليها الموال الخبيثة ‪ .‬وقد لبس عليهم إبليس أن ما يصل إليكم رزقكم فاسقطوا عن أنفسكم كلفة الورع ‪.‬‬
‫فهمتهم دوران المطبخ والطعام والماء البارد ‪ .‬فأين جوع بشر ‪ ,‬وأين ورع سري ‪ ,‬وأين جد الجنيد ‪ .‬وهؤلء‬
‫أكثر زمانهم ينقضي في التفكه بالحديث أو زيارة أبناء الدنيا ‪ ,‬فإذا أفلح أحدهم أدخل رأسه في زرمانقته فغلبت‬
‫عليه السوداء ‪ ,‬فيقول ‪ :‬حدثنا قلبي عن ربي ‪ .‬ولقد بلغني أن رجل قرأ القرآن في رباط فمنعوه ‪ ,‬وأن قوما‬
‫قرأوا الحديث في رباط ‪ ,‬فقالوا لهم ‪ :‬ليس هذا موضعه ( ‪. 2‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫في التصوف السلمي وتاريخه لنييكلسون ترجمة عربية للدكتور أبي العلء العفيفي ص ‪. 58 , 57 , 56‬‬
‫تلبيس إبليس لبن الجوزي الباب العاشر ص ‪. 196 , 195‬‬

‫‪54‬‬

‫هذا وقد أورد ابن الجوزي حديثا بسنده إلى الرسول صلى ال عليه وسلم عن أبي عمامة أنه قال ‪:‬‬
‫خرجنا مع رسول ال صلى ال عليه وسلم في سرية من سراياه ‪ ,‬قال ‪ :‬فمر رجل بغار فيه شيء من ماء ‪,‬‬
‫قال ‪ :‬فحدث نفسه بأن يقيم في ذلك الغار فيقوته ما كان فيه ‪ ,‬وفيه شيء من ماء ‪ ,‬ويصيب ما حوله من البقل‬
‫‪ ,‬ويتخلى عن الدنيا ‪ .‬ثم قال ‪ :‬لو أني أتيت نبي ال صلى ال عليه وسلم فذكرت ذلك له ‪ ,‬فإن أذن لي فعلت ‪,‬‬
‫وإل لم افعل ‪ ,‬فأتاه فقال ‪ :‬يا نبي ال ‪ ,‬إني مررت بغار فيه ما يقوتني من الماء والبقل فحدثتني نفسي بأن‬
‫أقيم فيه وأتخلى من الدنيا ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬فقال نبي ال صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫) إني لم أبعث باليهودية ول بالنصرانية ولكنني بعثت بالحنيفية السمحة ‪ ,‬والذي نفس محمد بيده ‪ ,‬لغدوة أو‬
‫روحة في سبيل ال خير من الدنيا وما فيها ( ‪. 1‬‬
‫وأما استماعهم إلى نصائح الرهبان ودروسهم ومواعظهم ‪ ,‬وإنصاتهم لهم وتلمذهم عليهم ‪ ,‬وتمجيدهم إياهم ‪,‬‬
‫والثناء عليهم فمنقول عنهم بكثرة ‪ ,‬فإن إبراهيم بن أدهم – وهو من أوائل الصوفية – صرح بذلك حيث قال ‪:‬‬
‫) تعلمت المعرفة من راهب يقال له ‪ :‬سمعان ‪ ,‬دخلت عليه في صومعته فقلت له ‪ :‬يا سمعان ‪ ,‬منذ كم وأنت‬
‫في صومعتك هذه ؟ ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬منذ سبعين سنة ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬ما طعامك ؟‬
‫قال ‪ :‬يا حنيفي وما دعاك إلى هذا ؟‬
‫قلت ‪ :‬أحببت أن أعلم ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬في ليلة حمصة ‪ .‬قلت ‪ :‬فمن الذي يهيج من قلبك حتى تكفيك هذه الحمصة ؟‬
‫قال ‪ :‬ترى الذين بحذائك ؟ قلت ‪ :‬نعم ‪ ,‬قال إنهم يأتونني في كل سنة يوما واحدا فيزنون صومعتي ‪ ,‬ويطوفون‬
‫حولها ‪ ,‬يعظمونني بذلك ‪ ,‬وكلما تثاقلت نفسي عن العبادة ذكرتها تلك الساعة ‪ ,‬فأنا أحتمل جهد سنة لعّز‬
‫ساعة ‪ ,‬فاحتمل يا حنيفي جهد ساعة لعّز البد ‪ ,‬فوقر في قلبي المعرفة ‪ ,‬فقال ‪ :‬أزيدك ؟‬
‫ي ركوة فيها عشرون حمصة ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬نعم ‪ ,‬قال ‪ :‬أنزل عن الصومعة ‪ ,‬فنزلت فأدلى إل ّ‬
‫فقال لي ‪ :‬أدخل الدير فقد رأوا ما أدليت إليك ‪ ,‬فلما دخلت الدير اجتمعت النصارى ‪ ,‬فقالوا ‪ :‬يا حنيفي ‪ ,‬ما‬
‫الذي أدلى إليك الشيخ ؟‬
‫قلت ‪ :‬من قوته ‪ ,‬قالوا ‪ :‬وما تصنع به ؟ نحن أحق به ‪ .‬ساوم ‪ ,‬قلت ‪ :‬عشرين دينارا ‪ ,‬فأعطوني عشرين‬
‫دينارا ‪ ,‬فرجعت إلى الشيخ ‪ ,‬فقال ‪ :‬أخطأت لو ساومتهم عشرين ألفا لعطوك ‪ ,‬هذا عز من ليعبده ‪ ,‬فانظر‬
‫كيف تكون بعز من تعبده يا حنيفي ‪ ,‬أقبل على ربك ( ‪. 2‬‬
‫ونقل الهجويري عن صوفي قديم آخر ‪ ,‬وهو ‪ :‬إبراهيم الخواص أنه قال ‪:‬‬
‫) سمعت ذات مرة أن ببلد الروم راهبا مقيما بالدير منذ سبعين سنة بحكم الرهبانية ‪ ,‬فقلت ‪ :‬واعجبا ‍! شرط‬
‫الرهبانية أربعون سنة ‪ .‬بأي شرف أخلد هذا الرجل إلى الدير سبعين سنة ؟ وقصدته ‪ ,‬فلما اقتربت من ديره‬
‫فتح كوة وقال لي ‪ :‬يا إبراهيم ! عرفت لي أمر جئت ‪ .‬أنا لم أقم هنا رهبانية في هذه السبعين عاما ‪ ,‬بل لن‬
‫لي كلبا هائجا ‪ ,‬فأقمت هنا أحرسه وأكفي الخلق شره ‪ ,‬وإل فلست أنا هذا ) الذي تظن ( ‪ .‬فلما سمعت منه هذا‬
‫الكلم قلت ‪ :‬يا إلهي تعاليت ! أنت قادر على أن تهدي العبد طريق الصواب في عين الضللة ‪ ,‬وتكرمه‬
‫بالصراط المستقيم ‪ .‬فقال لي ‪ :‬يا إبراهيم ! إلم تطلب الناس ؟ إمض واطلب نفسك ‪ ,‬وإذا وجدتها فاحرسها ‪,‬‬
‫لن الهوى يرتدي ثوب اللهية كل يوم على ثلثمائة وستين لونا ‪ ,‬ويدعو العبد إلى الضللة ( ‪. 3‬‬
‫وذكر الشعراني أن بعض أسلف الصوفية حاولوا تقرير مذهب رهبان النصارى ‪ ,‬وكونهم على الحق‬
‫والصواب ‪ ,‬ومن قبل رسول ال الناطق بالوحي صلوات ال وسلمه عليه – كذبا وزورا ‪ ) : -‬أن قوله صلى‬
‫ال عليه وسلم ‪ :‬دعوا الرهبان وما انقطعوا إليه ‪ ,‬تقرير لهم على ما هم عليه من حيث عموم رسالته صلى‬
‫ال عليه وسلم كما قرر أهل الكتاب على سكنى دار السلم بالجزية ‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫أيضا ص ‪. 324‬‬
‫تلبيس إبليس لبن الجوزي الباب العاشر ص ‪. 171 , 170‬‬
‫كشف المحجوب للهجويري ترجمة عربية ص ‪ 439‬ط دار النهضة العربية بيروت ‪.‬‬

‫‪55‬‬

‫قالوا ‪ :‬وهي مسألة خفية جليلة في عموم رسالته صلى ال عليه وسلم ‪ .‬ل ينتبه لها إل الغواصون على‬
‫الدقائق ( ‪. 1‬‬
‫هذا ولقد ذكر في طبقاته عن صوفي آخر – وهو إبراهيم بن عصفير – الذي يقول عنه ‪ ) :‬كان كثير الكشف ‪,‬‬
‫وله وقائع مشهورة ‪ ,‬وظهرت له الكرامات وهو صغير ‪ ,‬وكان يأتي البلد وهو راكب الذئب أو الضبع ‪ ,‬وكان‬
‫يمشي على الماء ل يحتاج إلى مركب ‪ ,‬وكان بوله كاللبن الحليب أبيض ‪ ... ,‬وما ضبطت عليه كشفا أخرم فيه‬
‫‪ .‬يكتب عن هذا الصوفي الذي بلغ أقصى درجات الولية ‪:‬‬
‫) كان أكثر نومه في الكنيسة ‪ ,‬ويقول ‪ :‬النصارى ل يسرقون النعال في الكنيسة بخلف المسلمين ‪ ,‬وكان‬
‫رضي ال عنه يقول ‪ :‬أنا ما عندي من صوم حقيقة إل من ل يأكل لحم الضأن أيام الصوم كالنصارى ‪ ,‬وأما‬
‫المسلمون الذين يأكلون لحم الضأن والدجاج أيام الصوم فصومهم عندي باطل ( ‪. 2‬‬
‫وكذلك وجد مدح الرهبان النصارى في كتب صوفية كثيرة مثل ما ذكر الصبهاني في حليته عن عبد ال بن‬
‫الفرج أنه قال له رجل ‪:‬‬
‫) يا أبا محمد ‪ ,‬هؤلء الرهبان يتكلمون بالحكمة وهم أهل كفر وضللة ‪ ,‬فمم ذلك ؟‬
‫قال ‪ :‬ميراث الجوع ‪ ,‬متعت بك ( ‪. 3‬‬
‫وأيضا ذكر عن إبراهيم بن الجنيد أنه قال ‪:‬‬
‫وجدت هذه البيات على ظهر كتاب لمحمد بن الحسين البرجلني ‪:‬‬
‫وأخبار صدق عن نفـوس كوافر‬
‫) مواعظ رهبـان وذكــر فعالــهم‬
‫وإن كانت النباء عـن كل كـــافر‬
‫مواعظ تشـــفينا فنحن نحــوزها‬
‫وتـتركها ولهاء حـــول المقــابر‬
‫مواعظ بر تـورث النفس عــبرة‬
‫‪4‬‬
‫تهيج أحزانا من القـلب ثـــــائر ( ‪.‬‬
‫مواعظ أّنى تسأم النفس ذكـرها‬
‫ومثل ذلك ما نقله أبو طالب المكي عن عيسى عليه السلم أنه قال ‪:‬‬
‫) المحب ل يحب النصب ‪ .‬وروى عنه أنه مر على طائفة من العباد قد احترقوا من العبادة كأنهم الشنان‬
‫البالية ‪ ,‬فقال ‪ :‬ما أنتم ؟‬
‫فقالوا ‪ :‬نحن عباد ‪ .‬قال ‪ :‬لي شيء تعبدتم ؟‬
‫قالوا ‪ :‬خوفنا ال من النار فخفنا منها ‪ ,‬فقال ‪ :‬حق على ال أن يؤمنكم ما خفتم ‪.‬‬
‫ثم جاوزهم فمر بآخرين أشد عبادة منهم ‪ ,‬فقال ‪ :‬لي شيء تعبدتم ؟‬
‫قالوا ‪ :‬شوقنا ال إلى الجنان وما أعد فيها لوليائه ‪ ,‬فنحن نرجو ذلك ‪ ,‬فقال ‪ :‬حق على ال أن يعطيكم ما‬
‫رجوتم ‪.‬‬
‫ثم جاوزهم ‪ ,‬فمر بآخرين يتعبدون ‪ ,‬فقال ‪ :‬ما أنتم ؟‬
‫قالوا ‪ :‬نحن المحبون ل لم نعبده خوفا من نار ‪ ,‬ول شوقا إلى جنة ولكن حبا له وتعظيما لجلله ‪ ,‬فقال ‪ :‬أنتم‬
‫أولياء ال حقا ‪ ,‬معكم أمرت أن أقيم ‪ ,‬فأقام بين أظهرهم وفي لفظ آخر قال للولين ‪ :‬مخلوقا خفتم ‪ ,‬ومخلوقا‬
‫أحببتم ‪ .‬وقال لهؤلء ‪ :‬أنتم المقربون ( ‪. 5‬‬
‫) ويستخلص من هذا أن الصوفية المسلمين لم يجدوا حرجا في الستماع إلى مواعظ الرهبان وأخبار‬
‫رياضاتهم الروحية والستفادة منها ‪ ,‬رغم أنها صادرة عن نصارى ‪ ,‬ونحن نجد فعل كثيرا من أخبار رياضات‬
‫الرهبان وأقوالهم في ثنايا كتب الصوفية وطبقات الصوفية ( ‪. 6‬‬
‫وقبل هذا كتب الدكتور البدوي في هذا الكتاب الذي اقتبسنا منه السطر الخيرة ‪ ,‬والذي دافع فيه عن التصوف‬
‫دفاعا شديدا ‪ ,‬وحاول فيه محاولة فاشلة لثبات أصول التصوف ومصادره في السلم ‪ ,‬ومن تعاليمه ‪ ,‬كتب‬
‫فيه ‪:‬‬
‫‪ 1‬الجواهر والدرر للشعراني ص ‪ 237‬بهامش البريز للدباغ ط مصر ‪.‬‬
‫‪ 2‬الطبقات الكبرى للشعراني ج ‪ 2‬ص ‪. 140‬‬
‫‪ 3‬حلية الولياء للصبهاني ج ‪ 10‬ص ‪ 151‬الطبعة الثالثة دار الكتاب العربي بيروت لبنان ‪ 1980‬م ‪.‬‬
‫‪ 4‬أيضا ‪.‬‬
‫‪ 5‬قوت القلوب لبي طالب المكي ج ‪ 2‬ص ‪. 56‬‬
‫‪ 6‬تاريخ التصوف السلمي للدكتور عبد الرحمن بدوي ص ‪ 35‬ط وكالة المطبوعات بالكويت ‪ 1978‬م ‪.‬‬

‫‪56‬‬

‫) الختلط بين المسلمين والنصارى العرب في الحيرة والكوفة ودمشق ونجران وخصوصا في مضارب‬
‫القبائل العربية التي انتشرت فيها المسيحية قبل السلم وبعده ‪ :‬بنو تغلب ‪ ,‬قضاعة ‪ ,‬تنوخ ‪ ,‬وتتحدث بعض‬
‫الحبار عن أن بعض الصوفية المسلمين الوائل كانوا يستشيرون بعض الرهبان النصارى في أمور الدين ‪:‬‬
‫كما يروي عبد الواحد بن زيد ‪ ,‬والعتابي ‪ ,‬وأبي سليمان الداراني ( ‪. 1‬‬
‫وهذه هي الشياء التي جعلت نيلكسون النجليزي ‪ ,‬وفون كريمر اللماني ‪ ,‬وجولد زيهر النمساوي يضطرون‬
‫إلى أن يقولوا ‪ ,‬واللفظ للول ‪:‬‬
‫) ويجب أل ننسى في هذا المقام أثر المسيحية في الزهد السلمي في العصر المبكر فإن المر لم يقتصر على‬
‫اللباس وعهود الصمت وكثير من آداب طريق الزهد التي يمكن ردها إلى أصل مسيحي ‪ ,‬بل إننا نجد في أقدم‬
‫كتب تراجم الصوفية – إلى جانبي الحكايات العديدة التي تمثل الراهب المسيحي يلقي المواعظ في صومعته أو‬
‫عموده على زهاد المسلمين السائحين في الصحراء – أدلة قاطعة على أن مذاهب هؤلء الزهاد كانت إلى حد‬
‫كبير مستندة إلى تعاليم وتقاليد يهودية ومسيحية ‪ .‬ومن ذلك آيات كثيرة من التوراة والنجيل مذكورة بين‬
‫القوال المنسوبة إلى أولياء المسلمين ‪ ,‬وأن القصص النجيلية التي كان يقصها رهبان المسيحيين على‬
‫طريقتهم الخاصة كان يتلهف على قراءتها المسلمون ‪ :‬مثال ذلك المجموعة المعروفة باسم السرائيليات التي‬
‫يقال إن وهب بن منبه ) المتوفى سنة ‪ 628‬م ( قد جمعها ‪ ,‬وكتاب قصص النبياء الذي كتبه الثعالبي‬
‫) المتوفى سنة ‪ 1036‬م ( ‪ ,‬وهذا الخير ل يزال موجودًا ( ‪. 2‬‬
‫وأما قضية المصطلحات التي روجوها بين الناس ‪ ,‬واستعملوها فيما بينهم فل يشك أحد في كونها أجنبية في‬
‫السلم ولغة السلم العربية ‪ ,‬ومقتبسة مأخوذة من المسيحية بحروفها وألفاظها ‪ ,‬معانيها ومدلولتها مثل ‪:‬‬
‫) ناموس ‪ ,‬رحموت ‪ ,‬رهبوت ‪ ,‬ل هوت ‪ ,‬جبروت ‪ ,‬رباني ‪ ,‬روحاني ‪ ,‬نفساني ‪ ,‬جثماني ‪ ,‬شعشعاني ‪,‬‬
‫وجدانية ‪ ,‬فردانية ‪ ,‬رهبانية ‪ ,‬عبودية ‪ ,‬ربوبية ‪ , ,‬ألوهية ‪ ,‬كيفوية ( ‪. 3‬‬
‫والجدير بالذكر ‪ ,‬ومن الشياء اللفتة للنظار أن كل من حاول تبرئة التصوف عن كونه مأخوذا ومقتبسا من‬
‫الرهبنة المسيحية لم يسعه النكار عن كون المسيحية إحدى مصادر التصوف ‪ ,‬وأنه استفاد منها ‪ ,‬ولو أنهم‬
‫أصروا مع ذلك كونه إسلميا بحتا ‪ ,‬معارضين مع ما قالوه ‪ ,‬ومناقضين مع ما أثبتوه ‪ ,‬مقرين عليهم‬
‫بالتعارض الفكري ‪ ,‬والتضارب القولي ‪ ,‬وإنكار ما هو ثابت ل يمكن رده ول إنكاره ‪ ,‬فيقول واحد من هؤلء –‬
‫ول حظ الزحزحة الفكرية ‪ ,‬والتناقض الشديد ‪ ,‬والتعارض الغريب ‪ ,‬والعجز الظاهر عن الدفاع ‪ ,‬وضعف القوة‬
‫وقلة الحيلة ‪ ,‬مع النكار والقرار في وقت واحد ‪ ,‬لحظ واقرأ واستمع – فيقول أحد الكتاب ‪ -‬وهو دكتور في‬
‫العلوم – ردا على من يجعل النصرانية إحدى مصادر التصوف ‪:‬‬
‫) لم يقتصر الكلم في المصادر الصوفية على المصدر الفارسي أو الهندي بل ذهب فريق آخر من الباحثين إلى‬
‫أن ثمة عناصر أخرى روحية يمكن أن ترد أصولها إلى أصول نصرانية ‪.‬‬
‫ويؤيد هذا الفريق مذهبه بما كان يوجد من صلت بين العرب والنصارى سواء في الجاهلية أو في السلم ‪,‬‬
‫وبما يلحظ من أوجه الشبه الكثيرة بين حياة الزهاد والصوفية وتعاليمهم وفنونهم في الرياضة والخلوة‬
‫والتعبد ‪ .‬وبين ما يقابل هذا كله في حياة المسيح وأقواله وأحوال الرهبان والقسيسين وطرقهم في العبادة‬
‫واللباس ‪.‬‬
‫ومن الباحثين والمؤيدين ‪ :‬لهذا التجاه ) فون كريمر ‪ ,‬وجولدزيهر ‪ ,‬ونيكولسون وفلسنك وآسين‬
‫وبلسيوس ‪ ,‬وأندريه وأوليري ‪.‬‬

‫‪ 1‬أيضا ص ‪. 34 , 33‬‬
‫‪ 2‬في التصوف السلمي وتاريخه ص ‪ , 47‬أيضا تاريخ الفكار الواردة في السلم لفون كريمر ص ‪ , 52‬أيضا المجلة الملكية السيوية مقال جولد‬
‫زيهر ‪.‬‬
‫‪ 3‬تاريخ التصوف السلمي للبدوي ص ‪. 333‬‬

‫‪57‬‬

‫ويرى ‪ ) :‬فون كريمر ( ‪ :‬أن التصوف السلمي والقوال المأثورة عن الصوفية على أنهما ثمرات نمت‬
‫وترعرعت ونضجت في بلد العرب تحت تأثير جاهلي ‪ ,‬حيث كان كثير من العرب الجاهلين نصارى ‪ ,‬وكان‬
‫كثير من هؤلء النصارى قسيسين ورهبانًا ‪.‬‬
‫وجولد زيهر ‪ :‬يستند إلى ما تقرره النصرانية من إيثار الفقر والفقراء على الغنى والغنياء ‪ ,‬فيزعم أن ما‬
‫ورد في الحديث النبوي من هذا المعنى مستمد من النصرانية ‪ ,‬ويعني هذا أن يترتب عليه أن الفقر والتخشن‬
‫في الحياة إنما يرجع إلى أصل نصراني ‪ ,‬ويضيف عليه نيكولسون أيضًا ‪ .‬ما يصطنعه الصوفية من صمت‬
‫وذكر فيزعم أنه مأخوذ من النصرانية ‪.‬‬
‫هذا من حيث ‪ :‬أن التصوف زهد وطريقة في العبادة والرياضة واللباس ‪.‬‬
‫أما فيما يتعلق بها من حيث هي مذاهب تصور منازع أصحابها الفلسفية واتجاهاتهم الروحية والفلسفية معًا ‪:‬‬
‫فإن هناك طائفة من القصص والقوال التي تروي عن المسيح مما ورد في كتب الصوفية أنفسهم ‪ ,‬ويمكن أن‬
‫يؤخذ على أنه مصدر لبعض المذاهب الصوفية السلمية ‪....‬‬
‫على أننا ل ننكر ول أحد يستطيع أن ينكر ما يوجد من أوجه الشبه بين حياة الزهاد ولباسهم وبعض تعاليم‬
‫الصوفية وطرقهم في العبادة ومذاهبهم في الحب اللهي ‪ ,‬وبين حياة الرهبان ولباسهم ‪ ,‬وبعض ما اثر عن‬
‫المسيح وحوارييه من أقوال في المحبة وغيرها من شئون الحياة الروحية ‪.‬‬
‫فإننا ل نستطيع مع ذلك أن نجزم بأن مصدر التصوف والحياة الروحية في السلم إنما هو نصراني صرف ‪.‬‬
‫فصحيح أيضا أنه كان ممن مال إلى الرهبنة من العرب من يبني الديرة – فقد روى عن حنظلة الطائي أنه‬
‫فارق قومه وتنسك ‪ ,‬وبنى ديرًا بالقرب من شاطئ الفرات حيث ترهب فيه حتى مات ‪ ,‬وكذلك قيل عن قس بن‬
‫ساعدة كان يتقفر القفار ‪ ,‬ول تكنه دار ‪ ,‬يتحسس بعض الطعام ‪ ,‬ويأنس بالوحوش والهوام ‪.‬‬
‫وصحيح أنه يروي عن أمية بن أبي الصلت أنه ليس بالمنسوخ تعبدًا وأن لكل من قس وأمية نثرا وشعراً‬
‫وطبعًا بطابع ديني ‪ ,‬وأصطبغا بصبغة الزهد في الدنيا والنظر في الكون ‪ ,‬وصحيح بعد هذا كله ‪ ,‬وفوق هذا‬
‫كله ‪ ,‬أن القسس والرهبان كانوا ينبثون منا وهناك في أسواق العرب ويبشرون ويتحدثون عن العبث‬
‫والحساب والجنة والنار كما يدل على ذلك كثير من آيات القرآن الكريم التي تتحدث عنهم وتحكي أقوالهم‬
‫وتفند مذاهبهم ‪.‬‬
‫وتصور إلى أي حد كانت تعاليمهم بين العرب ‪ ,‬فهذا كله صحيح ل شبهة فيه ول غبار عليه ولكن الذي ليس‬
‫بصحيح هو أن نجعل منه أساسًا يبني عليه القول بأن وحدة مصدر التصوف السلمي ‪.‬‬
‫ولكن هناك تساءًل وهو لماذا يقصر الباحثون أنظارهم على حياة المسيح وأقواله والرهبان وأحوالهم حين‬
‫يحاولون ربط الصوفية بالمصادر النصرانية ولم ل يجوز أن يكون هذا التصوف أيضًا كان مسايرة لطبيعة‬
‫الحياة العربية الجاهلية ‪.‬‬
‫وقد كانت وقتئذ حياة خشنة ل حظ لها من ترف ‪ ,‬ول أثر فيها لنعومة بحيث يمكن أن يقال ‪ :‬إن حياة الزهاد‬
‫والصوفية في السلم إنما هي استمرار لهذه الحياة الخشنة البعيدة عن الزخرف والنعيم ‪ ,‬والتي كان يحياها‬
‫العرب الجاهليون بصفة عامة ‪ ,‬والتي تصطبغ عند بعضهم بصبغة الخلوة والنقطاع عن الناس ‪ ,‬إلى التفكر‬
‫والتقرب من اللهة يلتمسون عندهم الخير والحكمة ؟‬
‫بل وما الذي يمنع أيضًا من أن يكون مرجع الحياة الروحية السلمية هو مذهب الحياة التي كان يحياها قوم‬
‫في الجاهلية يعرفون ببني صوفة ‪ ,‬الذين انفردوا لخدمة ال عند بيته الحرام ؟‬

‫‪58‬‬

‫ومع هذا ل أحد ينكر ما للمسيحية والرهبان من تأثير بالغ في الحياة الجاهلية السابقة ‪.‬‬
‫وبالضافة إلى ما نلتقي به في ثنايا بعض النظريات الصوفية في الحب اللهي ببعض اللفاظ والعبارات‬
‫والعقائد التي هي من أصل نصراني مثل القول ‪ ) :‬باللهوت والناسوت ( أو ) حلول اللهوت في الناسوت (‬
‫أي حلول الله ) اللهوت ( في المسيح النسان ) الناسوت ( أو حلول الول في الثاني إذا بلغ هذا درجة معينة‬
‫من الصفاء الروحي ‪.‬‬
‫ومثل القول ) بالكلمة ( التي هي في النصرانية واسطة بين ال والخلق ‪ ,‬والتي اصطنعها بعض الصوفية في‬
‫التعبير عن نظرياتهم في الحقيقة المحمدية ‪ ,‬باعتبارها أول مخلوق خلقه ال ‪ ,‬أو ‪ :‬أول تعين للذات اللهية‬
‫فاضت منه بقية التعيينات الخرى من روحية ومادية ‪ ,‬ولم تظهر هذه العناصر النصرانية وأشباهها إل بعد أن‬
‫كان المسلمون قد اختلطوا بالنصارى وأخذوا يحاورونهم ويجادلونهم في العقائد ‪ ,‬فكان طبيعيا أن ينتشر بعض‬
‫هذه العقائد النصرانية ‪ ,‬وأن يعمل عمله في البيئة السلمية ‪ ,‬ويتردد صداه في أقاويل الصوفية ومذاهبهم في‬
‫الحب اللهي وفيما يتصل به ‪ ,‬من اتحاد بين الرب والعبد ‪ ,‬ومن حلول الرب في العبد ‪.‬‬
‫وهذا أمر طبعي ملزم لسنة الحياة وتطورها ‪ :‬إذ ل يمكن وقد تطور التصوف وقد استحال إلى علم له مناهجه‬
‫ومذاهبه ومنازعه الروحية المصطبغة بصبغة فلسفية ‪ ,‬أن يظل الصوفية بمعزل عن هذا الجو الذي امتل‬
‫بالفكار والعقائد النصرانية وما يدور حولها وجدل بين المسلمين والنصارى دون أن يكون له أثر فيما صدر‬
‫عنهم من أقوال ‪ ,‬وما ذهبوا إليه من مذاهب ‪ ,‬ل سيما إذا كانت هذه القوال والمذاهب تدور حول مسائل تتصل‬
‫من قريب أو بعيد بالعقائد ( ‪. 1‬‬
‫ويقول الدكتور التفتازاني بعد الرد على المستشرقين القائلين بأن كثيرا من أمور التصوف مأخوذة من‬
‫النصرانية ‪ ,‬يقول بعد الرد عليهم ‪:‬‬
‫) ومع هذا ل ننكر تأثر بعض الصوفية المتفلسفين بالمسيحية ‪ ,‬على نحو ما نجد عند الحلج الذي استخدم في‬
‫تصوفه اصطلحات مسيحية كالكلمة واللهوت والناسوت وما إليها ‪ ,‬ولكن هذا لم يظهر إل في وقت متأخر‬
‫) أواخر القرن الثالث الهجري ( بعد أن كان زهد الزهاد قد استقر في القرنين ‪ :‬الول والثاني الهجريين ‪,‬‬
‫واصبح دعامة لكل تصوف لحق ‪.‬‬
‫ولذلك فإن من النصاف العلمي القول بأن مذاهب الصوفية في العلم ‪ ,‬ورياضاتهم العلمية ‪ ,‬ترد إلى مصدر‬
‫إسلمي ‪ ,‬إل أنه بمرور الوقت وبحكم التقاء المم واحتكاك الحضارات ‪ ,‬تسرب إليها شيء من المؤثرات‬
‫المسيحية أو غير المسيحية ‪ ,‬فظن بعض المستشرقين خطأ أن الصوفية أخذوا أول ما أخذوا عن المسيحية (‬
‫‪. 2‬‬
‫فهذه هي خلصة الكلم في ذلك ‪ ,‬نكتفي بها ظانين بأنها كافية لجلء الموضوع ‪ ,‬وتنوير الطريق لمن أراد أن‬
‫يتقدم إليه ويسلك فيه ‪.‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫أضواء على التصوف للدكتور طلعت غنام ص ‪ 84‬إلى ‪ 88‬ط عالم الكتب القاهرة ‪.‬‬
‫مدخل إلى التصوف السلمي للدكتور أبي الوفاء الغنيمي التفتازاني ص ‪ 30 , 29‬ط دار الثقافة للنشر والتوزيع القاهرة ‪.‬‬

‫‪59‬‬

‫و‬
‫المذاه ُ‬
‫ب الهْنديــــــة َ‬
‫ال َ‬
‫فارســـــــّية‬

‫وأما كون التصوف وتعاليمه وفلسفته ‪ ,‬أوراده وأذكاره ‪ ,‬وطرق الوصول إلى المعرفة ‪ ,‬والمؤدية إلى الفناء ‪,‬‬
‫مأخوذة مستقاة من المذاهب الهندية والمانوية ‪ ,‬والزرادشتية أيضا فل ينكرها منكر ‪ ,‬ول يردها أحد ‪ ,‬ول‬
‫يشك فيها شاك ‪ ,‬بل إن كبار الكتاب عن التصوف والباحثين فيه من المستشرقين والمسلمين ‪ ,‬وحتى الصوفية‬
‫أقروا بذلك حيث لم يسعهم إل العتراف بهذه الحقيقة الظاهرة الجلية التي ل يمكن تجاهلها ول إغفالها البتة ‪.‬‬
‫فإن الستاذ أبا العلء العفيفي كتب في ثنايا بحثه عن المشتغلين من المستشرقين في الدراسة عن التصوف ‪:‬‬
‫) وأما ريتشورد هارتمان ‪ ,‬وماركس هورتين فنزعتهما واحدة ‪ :‬وهي أن التصوف يستمد أصوله من الفكر‬
‫الهندي ‪ ,‬وإن كان هورتين قد بذل من المجهود في إثبات هذه النظرية ما لم يبذله أي كاتب آخر ‪ .‬فقد كتب في‬
‫سنتي ‪ 1928 , 1927‬مقالتين حاول أن يثبت في إحداهما ‪ ,‬بعد تحليل تصوف الحلج والبسطامي والجنيد ‪,‬‬
‫أن التصوف السلمي في القرن الثالث الهجري كان مشبعا بالفكار الهندية ‪ ,‬وأن الثر الهندي أظهر ما‬
‫يكون في حالة الحلج ‪ .‬وفي المقالة الثانية يؤيد النظرية نفسها عن طريق بحث المصطلحات الصوفية‬
‫الفارسية بحثا فيلولوجيا ‪ ,‬وينتهي إلى أن التصوف السلمي هو بعينه مذهب الفيدانتا الهندية ‪.‬‬
‫ويستند هارتمان في إثبات نفس الدعوى إلى النظر في الصوفية أنفسهم وفي مراكز الثقافة القديمة التي كانت‬
‫منتشرة في بلدهم ‪ ,‬ل إلى المصطلحات الصوفية كما فعل هورتن ‪ .‬وقد نشر في مسألة أصل التصوف مقال‬
‫هاماً سنة ‪ 1916‬في مجلة ‪ Der Islam‬وخلصة بحثه أن التصوف السلمي مدين للفلسفة الهندية التي‬
‫وصلت إليه عن طريق مترا وماني من جهة ‪ ,‬وللقّبالة اليهودية والرهبنة المسيحية والغنوصية والفلطونية‬
‫الحديثة من جهة أخرى ‪ .‬وهو يرى أن الذي جمع هذه العناصر كلها ومزجها مزجا تاما في التصوف هو أبو‬
‫القاسم الجنيد البغدادي ) المتوفى سنة ‪ 297‬هـ ( ‪ ,‬فإليه يجب أن تتجه عناية الباحثين ‪ .‬أما حججه في تأييد‬
‫الصل الهندي فهي ‪:‬‬
‫أول ‪ :‬أن معظم أوائل الصوفية من أصل غير عربي كإبراهيم بن أدهم وشقيق البلخي وأبي يزيد البسطامي‬
‫ويحيى بن معاذ الرازي ‪.‬‬
‫ثانيا ‪:‬أن التصوف ظهر أول وأنتشر في خراسان ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬أن تركستان كانت قبل السلم مركز تلقي الديانات والثقافات الشرقية والغربية ‪ ,‬فلما دخل أهلها في‬
‫السلم صبغوه بصبغتهم الصوفية القديمة ‪ .‬وهذا كلم أشبه ما يكون بماذكره كل من ثولك وفون كريمر في‬
‫هذا الموضوع ‪.‬‬
‫رابعا ‪ :‬أن المسلمين أنفسهم يعترفون بوجود الثر الهندي ‪.‬‬
‫خامسا ‪ :‬أن الزهد السلمي الول هندي في نزعته وأساليبه ‪ .‬فالرضا فكرة هندية الصل ‪ ,‬واستعمال الزهاد‬
‫للمخلة في سياحتهم ‪ ,‬واستعمالهم للسبح ‪ ,‬عادتان هنديتان ( ‪. 1‬‬
‫ثم علق الستاذ عفيفي على كلم هورتمان بقوله ‪:‬‬
‫) ولكن المسألة أعقد من ذلك بكثير ‪ ,‬فقد تبين لي من البحث في تصوف مشايخ خراسان وتصوف مدرسة‬
‫نيسابور خاصة ‪ ,‬أنه وإن كانت له صبغة محلية إلى حد ما ‪ ,‬متأثر بتيارات غير محلية وصلت إليه من مراكز‬
‫التصوف الخرى في العراق والشام ‪ ,‬وأنه كانت لبعض الحركات غير الدينية – كحركة الفتوة التي كانت في‬
‫بدء أمرها اجتماعية بحتة – شأن كبير في تشكيل بعض تعاليم هؤلء الصوفية ( ‪. 2‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫مقدمة كتاب في التصوف السلمي وتاريخه ص ح ‪ ,‬ط‬
‫أيضا ‪.‬‬

‫‪60‬‬

‫ثم إن الستاذ عفيفي في مقاله هذا لم يذكر واحدا من المستشرقين الذين كتبوا عن التصوف إل وقد ذكروا‬
‫رأيا يشبه رأي هاتمان ‪ ,‬وهورتن ‪.‬‬
‫وقد سبق هؤلء المستشرقين والقائلين بهذا الرأي من الباحثين ‪ ,‬سبقهم جميعا البيروني ‪ ,‬حيث قارن بين‬
‫العقائد الهندية والعقائد الصوفية في كتابه المشهور ) تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو‬
‫مرذولة ( ‪.‬‬
‫وأوجه الشبه التي ذكرها البيروني بين العقائد الهندية والعقائد الصوفية هي تتلخص في أمور ثلثة ‪:‬‬
‫أول ‪ :‬الرواح ‪.‬‬
‫ثانيا‪ :‬في طريق الخلص ‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫ثالثا‪ :‬الغاء التمايز ومحو الشارة ‪.‬‬
‫هذا والقارئ لقوال الصوفية ‪ ,‬والعارف بأحوالهم ورياضاتهم ومجاهداتهم يلحظ بنفسه تشابها كبيرا بين‬
‫هؤلء وأولئك ‪ ,‬وخاصة في تعذيب النفس ‪ ,‬وتحمل المشاق ‪ ,‬والتجوع ‪ ,‬وحبس النفس ‪ ,‬وإماتة الشهوات ‪,‬‬
‫والهروب من الهل والولد ‪ ,‬والجلوس في الخلوات ‪ ,‬مراقبة صورة الشيخ ‪ ,‬طرق الذكر ‪ ,‬وكثير من العادات‬
‫والتقاليد والرسوم ‪ ,‬حيث ل يرى فيها إل مشابهة تامة بتلك المذاهب وأصحابها ‪ ,‬كمال يرى فيها أي أثر‬
‫للسلم وتعاليمه ‪ ,‬ول ثبوت من حاملي رايته ‪ ,‬ومتمسكي سبيله ‪ ,‬متبعي طريقه ‪.‬‬
‫ولوضع النقاط على الحروف ل نرضى مقولت الناس ‪ ,‬بل نورد شهادات داخلية ‪ ,‬واعترافات ذاتية ‪,‬‬
‫وعبارات ناطقة عن منابعها ومصادرها ‪.‬‬
‫فنبدأ بسيد الطائفة الذي قال فيه أبو العباس عطاء ‪:‬‬
‫) إمامنا في هذا العلم و مرجعنا المقتدى به ( ‪. 2‬‬
‫والذي قيل فيه ‪:‬‬
‫) إن الرجال من هذه الطائفة ثلثة ل رابع لهم ‪ :‬الجنيد ببغداد ‪ .‬وأبو عبد ال بالشام ‪ ,‬وأبو عثمان بنيسابور (‬
‫‪.3‬‬
‫ونقل نيكلسون عن الجامي أنه قال ‪:‬‬
‫) أن الجنيد أول من صاغ المعاني الصوفية ‪ ,‬وشرحها كتابة ‪ ,‬وأنه كان يعّلم التصوف في بيوت خاصة وفي‬
‫السراديب ( ‪. 4‬‬
‫ويكفي لبيان مقامه ومكانته عند القوم تلقيبهم إياه بسيد الطائفة ‪ ,‬فنبدأ به فيقول ‪:‬‬
‫) ما أخذنا التصوف عن القيل والقال ‪ ,‬لكن عن الجوع ‪ ,‬وترك الدنيا ‪ ,‬وقطع المألوفات والمستحسنات ( ‪.‬‬
‫‪5‬‬

‫وسئل أبو يزيد البسطامي ‪:‬‬
‫) بأي شيء وجدت هذه المعرفة ؟‬
‫فقال ‪ :‬ببطن جائع وبدن عار ( ‪. 6‬‬
‫ونقل الطوسي عن يحيى بن معاذ أنه قال ‪:‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫انظر لذلك كتاب تاريخ التصوف السلمي للدكتور قاسم غني ترجمة عربية لصادق نشأت ‪ ,‬وكتاب مدخل إلى التصوف السلمي للدكتور التفتازاني ‪.‬‬
‫نفحات النس للجامي الطبعة الفارسية ص ‪. 80‬‬
‫أيضا ‪.‬‬
‫في التصوف السلمي وتاريخه ص ‪. 20‬‬
‫الرسالة القشيرية ج ‪ 1‬ص ‪ 117‬بتحقيق عبد الحليم محمود ‪.‬‬
‫أيضا ص ‪ , 88‬قوت القلوب لبي طالب المكي ج ‪ 2‬ص ‪. 168‬‬

‫‪61‬‬

‫) لو علمت أن الجوع يباع في السوق ما كان ينبغي لطلب الخرة إذا دخلوا السوق أن يشتروا غيره ( ‪. 1‬‬
‫ونقل النفزي الرندي المتوفى ‪ 792‬هـ عن حاتم الصم أنه قال ‪:‬‬
‫) من دخل في مذهبنا هذا فليجعل في نفسه أربع خصال من الموت ‪ :‬موت أحمر ‪ ,‬وموت أسود ‪ ,‬وموت أبيض‬
‫‪ ,‬وموت أخضر ‪.‬‬
‫فالموت البيض الجوع ‪ ,‬والموت السود احتمال أذى الناس ‪ , ,‬والموت الحمر مخالفة النفس ‪ ,‬والموت‬
‫الخضر طرح الرقاع بعضها على بعض ( ‪. 2‬‬
‫والسلمي أيضا نقل عنه أنه قال ‪:‬‬
‫) ما من صباح إل والشيطان يقول لي ‪ :‬ما تأكل ؟ وما تلبس ؟ وأين تسكن ؟ ‪.‬‬
‫فأقول ‪ :‬آكل الموت ‪ ,‬وألبس الكفن ‪ ,‬وأسكن القبر ( ‪. 3‬‬
‫والشعراني نقل في طبقاته عن أبي محمد عبد ال الخراز أنه قال ‪ ) :‬الجوع طعام الزاهدين ( ‪. 4‬‬
‫ونقل الغزالي عن سهل بن عبد ال التستري أنه قال ‪:‬‬
‫) ما صار البدال إل بإخماص البطون ‪ ,‬والسهر ‪ ,‬والصمت ‪ ,‬والخلوة ( ‪.‬‬
‫‪6‬‬
‫ثم ‪ ,‬وروى الغزالي في إحيائه روايات كثيرة مكذوبة على النبي صلى ال عليه وسلم في فضل الجوع ‪.‬‬
‫‪5‬‬

‫ومما يجدر ذكره أن المحقق كتب في تعليقاته عن جميع تلك الروايات في فضل الجوع أنه لم يجد لها أصل ‪. 7‬‬
‫هذا ‪ ,‬ونقل عماد الدين الموي عن عيسى عليه السلم أنه قال ‪:‬‬
‫) طوبى للجياع العطاش فإنهم هم الذين يرون ال ( ‪. 8‬‬
‫وقال السهر وردي ‪:‬‬
‫) قد اتفق المشائخ على أن بناء أمرهم على أربعة أشياء ‪ :‬قلة الطعام ‪ ,‬وقلة المنام ‪ ,‬وقلة الكلم ‪ ,‬والعتزال‬
‫على الناس ( ‪. 9‬‬
‫ثم بّين طريق التدّرب على الجوع ‪ ,‬وهي تشبه تماما طريقة يوجا الهندية حذو القذة بالقذة ‪ ,‬وطبق النعل ‪,‬‬
‫فيقول ‪:‬‬
‫) وقد اتفق مشايخ الصوفية على أن بناء أمرهم على أربعة أشياء ‪ :‬قلة الطعام وقلة المنام وقلة الكلم‬
‫والعتزال عن الناس ‪ ,‬وقد جعل للجوع وقتان ‪ ,‬أحدهما ‪ :‬آخر الربع والعشرين ساعة فيكون من الرطل لكل‬
‫ساعتين أوقية بأكلة واحدة يجعلها بعد العشاء الخرة أو يقسمها أكلتين ‪ ,‬كما ذكرنا ‪ ,‬والوقت الخر ‪ :‬على‬
‫رأس اثنتين وسبعين ساعة ‪ ,‬فيكون الطي ليلتين والفطار في الليلة الثالثة ‪ ,‬ويكون لكل يوم ثلث رطل ‪ ,‬وبين‬
‫هذين الوقتين وقت وهو أن يفطر من كل ليلتين ليلة ‪ ,‬ويكون لكل يوم وليلة نصف رطل ‪ ,‬وهذا ينبغي أن‬
‫يفعله إذا لم ينتج عليه سآمة وضجرًا وقلة انشراح في الذكر والمعاملة ‪ ,‬فإذا وجد شيئا من ذلك فليفطر كل‬
‫ليلة ويأكل الرطل في الوقتين أو في الوقت الواحد ‪ ,‬فالنفس إذا أخذت بالفطار من كل ليلتين ليلة ‪ ,‬ثم ردت‬
‫إلى الفطار كل ليلة تقنع ‪ ,‬وإن سومحت بالفطار كل ليلة ل تقنع بالرطل وتطلب الدام والشهوات ‪ ,‬وقس على‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬
‫‪9‬‬

‫كتاب اللمع للطوسي ص ‪. 269‬‬
‫غيث المواهب العلية للنفزي الرندي ج ‪ 2‬ص ‪ 166‬بتحقيق عبد الحليم محمود ‪.‬‬
‫طبقات السلمي ص ‪ 23‬ط مطابع الشعب ‪ 1380‬هـ ‪.‬‬
‫طبقات الشعراني ج ‪ 1‬ص ‪. 7‬‬
‫إحياء علوم الدين للغزالي ج ‪ 3‬ص ‪ 79‬ط دار القلم بيروت الطبعة الولى ‪.‬‬
‫انظر ص ‪ 77‬وما بعد ‪.‬‬
‫أيضا ‪.‬‬
‫حياة القلوب لعماد الدين الموي بهامش قوت القلوب ج ‪ 2‬ص ‪. 9‬‬
‫عوارف المعارف للسهروردي ص ‪ 223‬ط دار الكتاب العربي الطبعة الثانية ‪ 1983‬م ‪.‬‬

‫‪62‬‬

‫هذا ‪ ,‬فهي إن أطمعت طمعت ‪ ,‬وإن أقنعت قنعت ‪ ,‬وقد كان بعضهم ينقص كل ليلة بقدر نشاف العود ‪ ,‬ومنهم‬
‫من كان ينقص كل ليلة ربع سبع الرغيف حتى يفنى الرغيف في شهر ‪ ,‬ومنهم من كان يؤخر الكل ول يعمل‬
‫في تقليل القوت ولكن يعمل في تأخيره بالتدريج حتى تندرج ليلة في ليلة ‪ ,‬وقد فعل ذلك طائفة حتى انتهى‬
‫طّيهم إلى سبعة أيام وعشرة أيام وخمسة عشر يوما إلى الربعين ‪.‬‬
‫وقد قيل لسهل بن عبد ال ‪ :‬هذا الذي يأكل في كل أربعين وأكثر أكله أين يذهب لهب الجوع عنه ؟‪.‬‬
‫قال ‪ :‬يطفئه النور ( ‪. 1‬‬
‫وكذلك التعري لم يأخذه الصوفية إل من البوذية والجينية ‪.‬‬
‫وجلّ تماثيل البوذا وصور رجال الديانات الهندوكية كلها ناطقة منبئة عمن أخذها القوم هذه القباحة‬
‫والوقاحة ‪ .‬حتى إن طائفة من طوائف الجينية تسمى ويجامبرة أي أصحاب الزي السماوي ‪ ,‬الذين لم يتخذوا‬
‫كساء لهم غير السماء ‪ ,‬وهم الذين يقولون ‪ ) :‬إن العرفاء الكاملين ل يقتاتون بشيء ‪ ,‬وإن من يملك شيئا من‬
‫متع الدنيا ولو كان ثوبا واحدا يستر به عورته ل ينجو ( ‪. 2‬‬
‫وإننا لنجد كثيرًا من الصوفية ‪ ,‬ويسمون المجاذيب ‪ ,‬يتجردون عن الثياب البتة ‪ ,‬ويمشون في السواق ‪,‬‬
‫ويجلسون في الخانقاوات كما خلقهم ال ‪.‬‬
‫ولقد ذكر أصحاب الطبقات الصوفية ‪ ,‬الكثيرين من هؤلء ‪ .‬ونورد ههنا واحدا ممن ذكرهم الشعراني ) قطب‬
‫زمانه وإمام عصره ( في طبقاته ‪ ,‬فيقول ‪:‬‬
‫) الشيخ إبراهيم العريان ‪ :‬كان رضي ال عنه إذا دخل بلدا سّلم على أهلها كبارا وصغارا بأسمائهم ‪ ,‬حتى‬
‫كأنه تربى بينهم ) يعني كان يعلم الغيب ( ‪ ,‬وكان رضي ال عنه يطلع المنبر ويخطب عريانا ( ‪. 3‬‬
‫وأما هجر الهل والولد ‪ ,‬والخروج إلى الغارات والجبال ‪ ,‬والجلوس في البراري والحفرات والسراديب ‪,‬‬
‫والمكوث مع الحيات والثعابين فليست منقولة إل من الديانات الهندية التي عرفت واشتهرت بمثل هذه‬
‫المور ‪.‬‬
‫فلقد أوردنا في أول المقال قصة إبراهيم بن أدهم الصوفي القديم ‪ ,‬وتركه للهل والولد ‪ ,‬مقارنة بقصة بوذا‬
‫وحياته ‪ ,‬وأنها مطابقة تماما لها ‪.‬‬
‫وهناك أقوال ونصوص كثيرة في هذا المعنى ‪ ,‬ذكرنا بعضا منها فيما مّر ‪ ,‬وسنذكر البعض الخر إن شاء ال‬
‫في الجزء الثاني من هذا الكتاب ‪.‬‬
‫وإننا ننقل ههنا بعض الراء والوقائع التي لها علقة مباشرة ووطيدة بالمذاهب والفلسفات الهندية ‪.‬‬
‫فمنها ترك المال والخروج منه‪ ,‬وحتى القوت الذي يحتاج إليه لبقاء الحياة‪ ,‬ثم التسول أمام الناس ‪,‬‬
‫والستجداء منهم ‪ .‬كما ذكر أبو طالب المكي عن أحد الصوفية أنه دفع إليه كيس فيه مئون دراهم في أول‬
‫النهار ففرقه كله ‪ ,‬ثم سأل قوتا في يده بعد عشاء الخرة ‪. 4‬‬
‫وأورد الطوسي مثله عن أبي حفص الحداد أنه كان أكثر من عشرين سنة يعمل كل يوم بدينار وينفقه على‬
‫الصوفية ‪ ,‬ثم يخرج بين العشائين فيتصدق من البواب ‪. 5‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫عوارف المعارف للسهر وردي ص ‪. 224 , 223‬‬
‫انظر فلسفة الهند القديمة لمحمد عبد السلم المبوري ص ‪ , 64‬كذلك أديان الهند الكبرى للشلبي ص ‪ 126‬ط القاهرة ‪ 1964‬م ‪.‬‬
‫انظر طبقات الشعراني ج ‪ 2‬ص ‪. 143‬‬
‫قوت القلوب لبي طالب المكي الفصل الحادي والربعون في فضل الفقر والفقراء ج ‪ 2‬ص ‪. 206‬‬
‫اللمع للطوسي‬

‫‪63‬‬

‫والمعروف أن التسول والستجداء والوقوف على أبواب الناس ‪ ,‬وحمل المخلة والكشكول من لوازم الديانة‬
‫البوذية ‪ ,‬ومن نصائح بوذا الثمانية المشهورة التي نصح بها دراويشه ورهبانه ‪ ,‬كما أنه ألزمهم سير البراري‬
‫‪ ,‬وقطع الصحاري ‪ ,‬أو المكوث في الخانقاوات ‪ ,‬والنشغال فيها بالذكر ‪.‬‬
‫ولقد أخذت الصوفية هذا النظام بكامله من البوذية ‪ ,‬وألزموا أنفسهم به ‪ ,‬كأنهم هم الذين نصحهم بوذا بذلك‬
‫فيقول الطوسي ‪:‬‬
‫‪1‬‬
‫) الكل بالسؤال أجمل من الكل بالتقوى ( ‪.‬‬
‫وقال ‪ ) :‬كان بعض الصوفية ببغداد ل يكاد يأكل شيئا إل ِبُذّل السؤال ( ‪. 2‬‬
‫ويروي الهجويري عن ذي النون المصري أنه قال ‪:‬‬
‫) كان لي رفيق موافق دعاه عز وجل إليه ‪ ,‬وأنتقل من محنة الدنيا إلى نعمة العقبى ‪ ,‬ورأيته في النوم فقلت‬
‫له ‪ :‬ما فعل ال بك ؟‪.‬‬
‫قال ‪ :‬غفر لي ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬بأي خصلة ؟‪.‬‬
‫قال ‪ :‬أوقفني وقال ‪ :‬يا عبدي ‪ ,‬لقد تحملت كثيرا من الّذل والمشقة من السفلة والبخلء ومددت إليهم يدك ‪,‬‬
‫وصبرت في ذلك ‪ ,‬وقد غفرت لك بذلك ( ‪. 3‬‬
‫ونقل السهروردي عن إبراهيم بن أدهم أنه كان معتكفا بجامع البصرة مدة ‪ ,‬وكان يفطر في كل ثلث ليال‬
‫ليل ‪ ,‬وليلة إفطاره يطلب من البواب ‪. 4‬‬
‫كما نقل عن أبي جعفر الحداد وكان أستاذ الجنيد أنه كان يخرج بين العشائين ‪ ,‬ويسال من باب أو بابين ‪. 5‬‬
‫وذكر عن النوري أنه كان يمّد يده ويسأل الناس ‪. 6‬‬
‫وذكر النفزي الرندي عن أبي سعيد الخراز أنه كان يمّد يده ويقول ‪ ) :‬ثّم شيء ل ( ‪. 7‬‬
‫وذكر الشعراني أشياء طريفة عن فقراء الزاوية التي بناها يوسف العجمي ‪ ,‬الذي قال عنه ‪ :‬هو أول من أحيا‬
‫طريقة الشيخ الجنيد بمصر بعد إندراسها ‪ ,‬يقول الشعراني عن هذا الصوفي وتلميذه ‪:‬‬
‫) كانت طريقة التجريد ‪ ,‬وأن يخرج كل يوم من الزاوية فقيرا يسأل الناس إلى آخر النهار فمهما أتى به يكون‬
‫قوت الفقراء ذلك النهار كائنا من كان ‪.‬‬
‫وكان الفقراء يأتي أحدهم بالحمار محمل خبزا وبصل وخيارا وفجل ولحما ‪ ,‬ويوم سيدي يوسف يأتي ببعض‬
‫كسيرات يابسة يأكلها فقير واحد ‪ ,‬فسألوه عن ذلك ‪ ,‬فقال ‪:‬‬
‫أنتم بشريتكم باقية ‪ ,‬وبينكم وبين الناس ارتباط فيعطونكم ‪ ,‬وأنا بشريتي فنيت حتى ل تكاد ترى فليس بيني‬
‫جار والسوقة وأبناء الدنيا كبير مجانسة ‪.‬‬
‫وبين الت ّ‬
‫وكان صورة سؤاله أن يقف على الحانوت أو الباب ويقول ‪ :‬ال ‪ ,‬ويمّدها حتى يغيب ‪ ,‬ويكاد يسقط على‬
‫الرض ‪ ,‬فيقول من ل يعرفه ‪ :‬هذا العجمي راح في الزقزية ‪.‬‬
‫وكان رضى ال عنه يغلق باب الزاوية طول النهار لحد إل للصلة ‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫اللمع للطوسي ص ‪. 255‬‬
‫أيضا ص ‪. 253‬‬
‫كشف المحجوب للهجويري ص ‪. 605‬‬
‫انظر عوارف المعارف للسهروردي ص ‪ , 150‬أيضا غيث المواهب العلية للنفزي الرندي ج ‪ 2‬ص ‪ , 66‬أيضا إيثاظ الهمم لبن عجيبة ص ‪. 333‬‬
‫انظر عوارف المعارف ص ‪ , 150‬أيضا غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية ج ‪ 2‬ص ‪. 65‬‬
‫عوارف المعارف ص ‪. 157‬‬
‫غيث المواهب العلية للنفزي الرندي ج ‪ 2‬ص ‪. 65‬‬

‫‪64‬‬

‫ق داق الباب يقول للنقيب ‪:‬‬
‫وكان إذا د ّ‬
‫اذهب فانظر من شقوق الباب ‪ ,‬فإن كان معه شيء من الفتوح للفقراء فافتح له ‪ ,‬وإل فهي زيارات فشارات (‬
‫‪.1‬‬
‫فلحظ ما فيه من الطرائف و الضحوكات ‪.‬‬
‫وابن عجيبة الحسني ذكر عن التجيبي ابن ليون أنه بين أصل السؤال ومسألة الزنبيل ‪ ,‬فيقول ‪:‬‬
‫) كيفيته ‪ :‬أن يتوضأ الرجل ويصلي ركعتين ‪ ,‬ويأخذ الزنبيل ) يعني وعاء ( بيده اليمنى ‪ ,‬ويخرج إلى السوق‬
‫ومعه رجل آخر يذكر ال ويذكر الناس ‪ ,‬والناس يعطونه في ذلك الزنبيل حتى يجمع ما تيسر من الطعام ‪,‬‬
‫ويعّبه بين الفقراء فيأكلون طعاما حلل بل تكلف ول كلفة ‪ ,‬هذا ما تيسر لنا في حكم السؤال ( ‪. 2‬‬
‫وأما من عاش في الصحارى ‪ ,‬وتجّول في البراري فكثيرون جدًا ‪ ,‬وقد نقل السهروردي عن بشر بن الحارث‬
‫أنه قال ‪:‬‬
‫‪3‬‬
‫) يا معشر القراء ‪ ,‬سيحوا تطيبوا ( ‪.‬‬
‫وقال ‪:‬‬
‫أو من جملة المقاصد في السفر ‪ :‬رؤية الثار والعبر ‪ ,‬وتسريح النظر في مسارح الفكر ‪ ,‬ومطالعة أجزاء‬
‫الرض والجبال ومواطئ أقدام الرجال ‪ ,‬واستماع التسبيح من ذوات الجمادات ‪ ,‬والفهم من لسان حال القطع‬
‫المتجاورات ‪ ,‬فقد تتجدد اليقظة بتجدد ومستودع العبر واليات ‪ ,‬وتتوفر بمطالعة المشاهد والمواقف الشواهد‬
‫ق { ‪.‬‬
‫ح ّ‬
‫ن َلُهْم َأّنُه اْل َ‬
‫حّتى َيَتَبّي َ‬
‫سِهْم َ‬
‫ق َوِفي َأنُف ِ‬
‫لَفا ِ‬
‫سُنِريِهْم آَياِتَنا ِفي ا ْ‬
‫والدللت ‪ .‬قال ال تعالى ‪َ } :‬‬
‫وقد كان السري يقول للصوفية ‪ :‬إذا خرج الشتاء ودخل آذار وأورقت الشجار طاب النتشار ‪.‬‬
‫ومن جملة المقاصد للسفر ‪ :‬إيثار الخمول وإطراح حظ القبول ( ‪. 4‬‬
‫وكان قسم منهم يسافر دوما ‪ ,‬ولذلك سمو بالسياحيين كما قال الكلباذي ‪:‬‬
‫) ولكثرة أسفار سّموا ‪ :‬سياحين ‪ ,‬ومن سياحتهم في البراري وإيوائهم إلى الكهوف عند الضرورات سماهم‬
‫بعض أهل الديار شكفتية ‪ .‬والشكفت بلغتهم الغار والكهف ( ‪. 5‬‬
‫وقد ذكر أصحاب الطبقات وكتب الصوفية أحوال الكثيرين منهم ‪.‬‬
‫فيذكر أحد الصوفية القدامى الهجويري عن أبي عثمان المغربي ‪:‬‬
‫) أنه في بداية حالة أعتزل عشرين سنة في البوادي بحيث لم يكن يسمع آدميا ‪ ,‬حتى ذابت بنيته من المشقة ‪,‬‬
‫سم الخياط ‪ ,‬وتحول عن صورة الدميين ‪ ,‬وجاءه المر بالصحب بعد عشرين عاما ‪ ,‬وقيل‬
‫وصارت عيناه ك ّ‬
‫له ‪ :‬أصحب الخلق ‪ .‬فقال لنفسه ‪ :‬فلبدأ بصحبة أهل ال ومجاوري بيته ‪ ,‬ليكون ذلك أكثر بركة ‪ ,‬فقصد‬
‫مكة ‪ ,‬وأطلع المشائخ على مجيئة بقلوبهم ‪ ,‬خرجوا لستقباله ‪ ,‬فوجدوه وقد تبدلت صورته ‪ ,‬وفي حال لم يكن‬
‫قد بقي عليه فيها شيء سوى رق الخلقة ( ‪. 6‬‬
‫وقال أبو طالب المكي ‪:‬‬
‫قد كان الخواص ل يقيم في بلد أكثر مت أربعين يوما ‪ ,‬ويرى أن ذلك عّلة في توكله ‪ ,‬فيعمل في إختبار نفسه‬
‫وكشف حاله ‪.‬‬
‫‪7‬‬
‫وحدثنا عن بعض الشيوخ قال ‪ ) :‬لبثت في البرية أحد عشر يوما لم أطعم شيئا ( ‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫طبقات الشعراني ج ‪ 2‬ص ‪. 67 , 66‬‬
‫ايقاظ الهمم لبن عجيبة الحسني ص ‪ 333‬ط مصطفى البابي الحلبي مصر الطبعة الثالثة ‪1402‬هـ ‪.‬‬
‫عوارف المعارف للسهروردي ص ‪. 125‬‬
‫المصدر السابق ص ‪. 122‬‬
‫التعرف لمذهب أهل التصوف للكلباذي ص ‪ 29‬الطبعة الثانية مكتبة الكليات الزهرية القاهرة ‪ 1400‬هـ ‪.‬‬
‫كشف المحجوب للهجويري ص ‪ , 416‬أيضا تذكرة الولياء لفريد الدين العطار ص ‪ 347‬ط باكستان ‪.‬‬
‫قوت القلوب لبي طالب المكي ج ‪ 2‬ص ‪. 207‬‬

‫‪65‬‬

‫كما يقول ‪ ) :‬خرجت طائفة البدال إلى الكهوف تخّليا من أبناء الدنيا ( ‪. 1‬‬
‫ونقل السهروردي عن إبراهيم الخواص أنه ما كان يقيم في بلد أكثر من أربعين يوما ‪ ,‬وكان يرى ‪ :‬إن أقام‬
‫أكثر من أربعين يوما يفسد عليه توكله ‪ ,‬فكان علم الناس ومعرفتهم إياه سببا ومعلوما ‪.‬‬
‫وحكى عنه أنه قال ‪ :‬مكثت في البادية أحد عشر يوما لم آكل ‪ ,‬وتطلعت نفسي أن آكل من حشيش البر ‪ ,‬فرأيت‬
‫الخضر مقبل نحوي فهربت منه ‪ ,‬ثم التفت فإذا هو رجع عني ‪ ,‬فقيل ‪ :‬لم هربت منه ؟ ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬تشوفت نفسي أن يغيثني ‪ ,‬فهؤلء الفرارون بدينهم ( ‪. 2‬‬
‫ونقل الشعراني عن عدي بن مسافر الموي الذي قال فيه ‪ :‬هو أحد أركان الطريقة وأعلى العلماء بها ‪ ,‬والذي‬
‫نقل فيه عن الشيخ عبد القادر أنه قال ‪:‬‬
‫لو كانت النبوة تنال بالمجاهدة لنالها عدي بن مسافر ‪ ,‬يقول عنه الشعراني ‪ :‬أنه أقام أول أمره زمانا في‬
‫المغارات والجبال والصحاري مجردا سائحا يأخذ نفسه بأنواع المجاهدات ‪ ,‬وكانت الحيات والهوام والسباع‬
‫تألفه فيها ‪. 3‬‬
‫وكذلك ينقل الشعراني عن شيخه أمين الدين أنه قال ‪:‬‬
‫) كان شخص من أرباب الحوال بناحية شان شلمون بالشرقية جالسا في البرية ‪ ,‬وقد حّلق على نفسه بزرب‬
‫شوك ‪ ,‬وعنده داخل هذه الحلقة الحيات والثعالب والثعابين والقطط والذئاب والخرفان والوز والدجاج ( ‪. 4‬‬
‫هذا ومثل هذا كثير في كتب الطبقات العربية والفارسية والردية ‪ ,‬وكتب اللغات الخرى التي ألفت تراجم‬
‫الصوفية ‪.‬‬
‫وأما الجلوس في الخانقاوات ‪ ,‬وملزمة الربط والتكايا والزوايا فهو من لوازم التصوف ‪ ,‬فإن الصوفية‬
‫خصصوا أبوابا مستقلة في كتبهم لبيان فضائل ملزمتها ‪ ,‬والمكوث فيها ‪ ,‬كما أنهم بّينوا فيها آداب الخلوة‬
‫والدخول إليها والمكوث فيها ‪.‬‬
‫كما قال السهروردي ‪ ) :‬إعلم أن تأسيس هذه الربط من زينة هذه الملة الهادية المهدية ‪ ,‬ولسكان الربط‬
‫أحوال تميزوا بها عن غيرهم من الطوائف ‪ ,‬وهم على هدى من ربهم ( ‪. 5‬‬
‫وذكر الصوفي المشهور الكمشخانوي في كتابه ) جامع الصول في الولياء ( آداب الخلوة ‪ ,‬فيقول ‪:‬‬
‫) للدخول في الخلوة آداب وشروط ‪ ,‬منها ‪:‬‬
‫أن يستأذن الشيخ في دخول الخلوة ‪.‬‬
‫‪.1‬‬
‫‪ .2‬أن يدخل الشيخ الخلوة ويصلي فيها ركعتين قبل دخول المريد ‪.‬‬
‫‪ .3‬أن يدخلها كما يدخل المسجد مقّدما رجله اليمنى ‪ ,‬مبسمل متعوذا ‪.‬‬
‫‪ .4‬أن تكون الخلوة مظلمة ل يدخلها شعاع الشمس ول ضوء النهار ‪.‬‬
‫‪ .5‬أن ل يستند إلى جدار الخلوة ‪.‬‬
‫‪ .6‬الصوم ‪.‬‬
‫‪ .7‬أن يعتقد في نفسه أنه إنما يدخل الخلوة لكي يستريح الناس من شره ‪.‬‬
‫‪ .8‬أن ل يتكلم مع أحد في الخلوة أو خارجها إل مع شيخه ‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫أيضا ج ‪ 2‬ص ‪. 152‬‬
‫عوارف المعارف للسهروردي ص ‪ , 126‬أيضا قوت القلوب لبي طالب المكي ج ‪ 2‬ص ‪ 207‬ط دار صادر بيروت ‪.‬‬
‫الطبقات الكبرى للشعراني ج ‪ 1‬ص ‪. 137 , 136‬‬
‫أيضا ج ‪ 2‬ص ‪. 122‬‬
‫عوراف المعارف للسهروردي ص ‪. 111‬‬

‫‪66‬‬

‫‪.9‬‬
‫أحد ‪.‬‬

‫ط رأسه ورقبته بشيء مطرقا إلى الرض غير ناظر إلى‬
‫إذا خرج إلى الصلة أو الوضوء فليغ ّ‬

‫‪ .10‬دوام تخيل صورة شيخه ‪ ,‬وهو الرابطة بينه وبين خالقه ‪ ...‬فإنه إذا هّم بمعصية يتمثل له‬
‫الشيخ فينزجر عن فعلها ‪ -‬إلى آخر الكلم (‪. 1‬‬
‫وأما التشابه بين الذكر الصوفي وذكر الطوائف الهندية فهو كما ذكر القشيري ‪:‬‬
‫) المبتدئ في الحوال يجب أن يسكن حواسه ول يتحرك أنفاسه ول يحرك بدنه ‪ ,‬ول يحرك جزء منه ول يردد‬
‫طرفه ول شيئا ‪ ,‬ويكون مراعيا لهمته ‪ ,‬ول يحرك البتة جزء من نفسه ول من بدنه ول من باطنه حتى تبدو‬
‫الحوال له بعد طول المراعاة ‪.‬‬
‫ثم يجب أل ينظر إليها ول إلى ما يبدو له البتة لئل يحجب عنها ‪ ,‬فل يزال في المزيد منها إن شاء ال‬
‫تعالى ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬وهذا الطريق الذي هو طريق ال تعالى ل بّد فيه من طول المجاهدة ومقاساة ما يحتمله السماع‬
‫والقلوب من الشدائد لو حّلت بها ‪ ...‬وكنت أحيانا في بدو المجاهدة وأحوال الذكر لو استتر مني في السماء‬
‫لكان الستر على أهون من أن أقوم للكل ‪ ,‬وأتحرك للوضوء والفرض لنه كان يعيب عني الذكر ( ‪. 2‬‬
‫وذكر الشعراني عن سيده البدوي أنه لزم الصمت ‪ ,‬وما كان يكلم الناس إل بالشارة ‪. 3‬‬
‫وملزمة الصمت من العادات البوذية كما يظهر من تماثيل بوذا ‪.‬‬
‫وكذلك ذكر الشعراني أيضا عن سيده عبد الرحمن المجذوب أنه كان ثلثة أشهر يتكلم ‪ ,‬ثلثة أشهر يسكت ‪. 4‬‬
‫وهناك عقيدة بوذية تسمى سمادهي ) ‪ ( SAMADHI‬وهذه آخر درجات الذاكر يفنى فيها ذاته في الذات‬
‫اللهي ‪. 5‬‬
‫يذكر نفس هذا الشيء صوفي مشهور بحرق الحضرمي في رسالته ) ترتيب السلوك ( ‪ ,‬فيقول ‪ :‬من لم يتيسر‬
‫له شيخ ‪ ,‬وأراد دخول الخلوة فليقدم الغتسال ‪ ,‬وغسل ثيابه ومصله ‪ ,‬ويهيئ أسبابه بحيث ل يحتاج إلى‬
‫الخروج ‪ ,‬ويرتب لحوائجه من قوت وغيره ‪ ...‬ثم ليلزم الجوع فيكون صائما مقتصرا على قدر معلوم من‬
‫الطعام والماء مقتصدا ل يزيد عليه أبدا ‪ ,‬وليلزم السهر فل ينام إل في وقت معلوم ‪ ,‬وليلزم الذكر فيقتصر‬
‫على ملزمة ذكر واحد ‪.‬‬
‫ينطق بذلك الذكر بعينه بحيث يظن من يسمعه أن معه في خلوته ألف ذاكر ل ‪ ,‬ثم يغلب عليه حال الذكر فل‬
‫ينظر في الوجود شيئا يقع عليه نظره إل معلنا بذلك الذكر بعينه بحيث لو كان عنده ألف شخص ‪ ,‬كل منهم‬
‫يذكر بذكر مخالف للخر لم يسمعهم ينتطقون إل بذكره الذي غلب عليه ‪ ,‬وحينئذ يبقى منتظرا لما يفتح ال به‬
‫على قلبه من رحمته وعلم غيبه ‪ ,‬وأول ما يظهر غالبا أنوار إلهية كأنها البرق الخاطف تلمع بسرعة ‪,‬‬
‫ويختفي وهي لذيذة جدا يحصل بوجودها الوجد ‪ ,‬وباختفائها الحنين إليها ‪ ,‬وبما غشيته أنوارها ‪.‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫انظر جامع الصول في الولياء لحمد الكمشخانوي النقشبندي ط المطبعة الوهبية الشام ‪ 1298‬هـ ‪.‬‬
‫رسالة ترتيب السلوك من الرسائل القشيرية ص ‪ 77 , 76‬ط المعهد المركزي للبحاث السلمية إسلم آباد باكستان ‪.‬‬
‫طبقات الشعراني ص ‪. 182‬‬
‫أيضا ج ‪ 2‬ص ‪. 141‬‬
‫‪. The Buddha And The Criste P. 84 By B.H Streeter London 1932‬‬

‫‪67‬‬

‫ثم يصير قلبه كالمرآة المجلوه فيكون مقابل للجناب القدس ‪ ,‬فيصير كل شيء كأنه مشاهد للحق سبحانه علما‬
‫وحال فانيا عن نفسه ‪ ,‬فضل عن خيرها ‪ ,‬فحينئذ يعبد ال كأنه يراه ويشهده ‪. 6‬‬
‫وأما الفناء في الشيخ فيذكر الشعراني في كتابه ) النوار القدسية ( ‪:‬‬
‫) اعمل أيها المريد على أن تتحد بشيخك ‪ ,‬فيكون ما عنده من المعارف عندك على حّد سواء ويكون تميزه‬
‫عليك إنما هو بالضافة ل غير ‪ ,‬قال ‪ :‬وقد قال لي الشيخ أبو الحسن الشاذلي يوما ‪ :‬يا أبا العباس ‪ ,‬ما‬
‫صحبتك إل لتكون أنت أنا وأنا أنت ( ‪. 2‬‬
‫وأما تعذيب النفس ‪ ,‬وحبس الدم ‪ ,‬والرياضات الشاقة فمنها ما ذكرناها أثناء الوقائع التي سردناها آنفا ‪.‬‬
‫ومن ذلك ما ذكره الشعراني في طبقاته عن البدوي انه ‪:‬‬
‫) كان طول نهاره وليله قائما شاخصا ببصره إلى السماء وقد انقلب سواد عينيه بجمرة تتوقد كالجمر ‪ .‬وكان‬
‫يمكث الربعين يوما وأكثر ل يأكل ول يشرب ول ينام ( ‪. 3‬‬
‫ويقول المنوفي ‪ ,‬وأبو الهدى الرفاعي أن مكوثه هذا امتّد إلى اثنتي عشرة سنة حيث يقولن ‪ ) :‬ومكث على‬
‫السطوح حوالي اثنتي عشرة سنة ( ‪. 4‬‬
‫ويذكر الطوسي والقشيري والعطار والهجويري والغزالي والشعراني وغيرهم‬
‫) أن الشبلي كان يكتحل بالملح ليعتاد السهر ول يأخذه النوم ‪ ,‬وأحيانا كان يحمي الميل فيكتحل به ( ‪.‬‬
‫‪5‬‬

‫وينقل القشيري في رسالته ) ترتيب السلوك ( ‪:‬‬
‫) كنت أريد أن ل أنام لئل أغيب عن الذكر لحظة ‪ ,‬فكنت أقعد على حجر ناتئ من جدران بيتنا من الحجر قدر‬
‫ما أضع عليه قدمي ‪ ,‬وتحتي واد ‪ ,‬وفوقي شاهق حتى ل يأخذني النوم (‪. 6‬‬
‫وكتب الدكتور عبد الحليم محمود شيخ الجامع الزهر سابقا ‪ ,‬وصوفي مشهور ‪ ,‬عن أحمد الدردير أنه ردد‬
‫الذكر ستة أشهر حتى أحرق الذكر جسمه ‪ ,‬وأذهب لحمه ودمه حتى صار مجرد الجلد على العظم ( ‪. 7‬‬
‫وذكر الدريني عبد العزيز الصوفي المتوفى ‪697‬هـ عن داود بن أبي هند أنه‬
‫) صام أربعين سنة لم يعد الناس عنه ول أهل بيته ‪ ,‬وكان يؤتى بالناء ناقصًا فيتمه بالدموع ( ‪.‬‬
‫‪8‬‬

‫ويذكر الطوسي عن أبي عبد ال الصبيحي أنه ‪:‬‬
‫) لم يخرج ثلثين سنة من بيت من تحت الرض ( ‪.‬‬
‫‪9‬‬

‫‪ 6‬ترتيب السلوك إلى ملك الملوك لجمال الدين محمد بن عمر بحرق الحضرمي ص ‪ 249 , 248‬ط جامعة بنجاب لهور باكستان ‪.‬‬
‫‪ 2‬النوار القدسية لعبد الوهاب الشعراني ج ‪ 2‬ص ‪ 21‬ط إحياء التراث العربي بغداد العراق ‪.‬‬
‫‪ 3‬الطبقات الكبرى للشعراني ج ‪ 1‬ص ‪ , 183‬النفحة العلية في أوراد الشاذلية لعبد القادر زكي ص ‪ 253‬ط القاهرة ‪.‬‬
‫‪ 4‬جمهرة الولياء للمنوفي الحسيني ج ‪ 2‬ص ‪ , 237‬أيضا قلدة الجواهر في ذكر الرفاعي وأتباعه الكابر لمحمد أبي الهدى الرفاعي ص ‪ 399‬الطبعة‬
‫الولى ‪ 1400‬هـ بيروت لبنان ‪.‬‬
‫‪ 5‬انظر اللمع للطوسي ص ‪ , 275‬الرسالة القشيرية ص ‪ , 160‬تذكرة الولياء للعطار ص ‪ , 305‬مكاشفة القلوب للغزالي ص ‪ , 30‬النوار القسية‬
‫للشعراني ص ‪ , 54‬الطبقات الكبرى للشعراني ج ‪ 1‬ص ‪. 103‬‬
‫‪ 6‬رسالة ترتيب السلوك من الرسائل القشيرية لعبد الكريم القشيرية المتوفى ‪ 465‬هـ ص ‪ 78‬ط باكستان ‪.‬‬
‫‪ 7‬سيدي أحمد الدردير للدكتور عبد الحليم محمود ص ‪ 76‬ط القاهرة ‪ 1974‬م ‪.‬‬
‫‪ 8‬طهارة القلوب لعبد العزيز الدريني ص ‪ 209‬وما بعد ط مصطفى البابي الحلبي ‪ 1971‬م‪.‬‬
‫‪ 9‬اللمع للطوسي ص ‪. 500‬‬

‫‪68‬‬

‫ويذكر فريد الدين العطار عن الصوفي المشهور أبي بكر الشبلي أنه ) كانت في يده قضيب يضرب به فخذه‬
‫وساقه حتى تبدد لحمه ‪ 1‬وتناثر ( ‪. 2‬‬
‫وحكى عبد العزيز الدباغ عن صوفي أنه ) رمى بنفسه في بداية مجاهدته من حلقة داره إلى أسفل تسعين مرة‬
‫( ‪.3‬‬
‫ويحكي عماد الدين الموي قصة صوفي هندي دمعت إحدى عينية ولم تبك الخرى ‪ ,‬فقال لعينه التي لم‬
‫تدمع ‪:‬‬
‫‪4‬‬
‫) لحرمنك النظر إلى الدنيا ‪ ,‬وغمض عينه ‪ ,‬فلم يفتح عينه أكثر من ستين سنة ( ‪.‬‬
‫وذكر عن صوفي هندي خضر سيوستاني القادري أنه ) كان يسكن في المقابر ‪ ,‬ول يلبس إل رداء واحدا ‪,‬‬
‫وكان يأكل العشب وأوراق الشجار ‪ ,‬كان له تنور يحميه ويتعبد فيه ‪ ,‬وكانت حيوانات البادية تجالسه وتأوي‬
‫صه لنفسه ( ‪. 5‬‬
‫إليه ‪ ,‬وكان يتعبد في فصل الصيف على حجر حاّر خ ّ‬
‫ويذكر الميرزه محمد أختر الدهلوي عن الصوفي فخر الدين رازي أنه ) كان يسكن ليل نهار في الغابات ( ‪. 6‬‬
‫وحكى عن صوفي هندي مشهور ميان أمير أنه ) كان يسكن الجبال بعيدا عن الناس ( ‪. 7‬‬
‫وهناك صوفي مشهور فريد الدين الملقب بكنج شكر فيحكي عنه أنه ) عّلق نفسه معكوسة في بئر ‪ ,‬ولم يزل‬
‫على هذه الحال أربعين سنة لم يأكل ولم يشرب شيئا ( ‪. 8‬‬
‫وصوفي هندي آخر أحمد عبد الحق ) حفر لنفسه قبرا ‪ ,‬واشتغل فيه بالعبادة ستة أشهر ( ‪. 9‬‬
‫وأما حبس الدم فيذكر القشيري ‪:‬‬
‫) المبتدئ في الحوال يجب أن يسكن حواسه ‪ ,‬ول يتحرك أنفاسه (‬

‫‪10‬‬

‫‪.‬‬

‫‪ 1‬كل ما ذكرناه حتى الن وأوردناها من عبارات وشواهد وشهادات ‪ ,‬لم نذكرها ولم نوردها إل عن التصوف المعتدل ‪ ,‬والصوفية المعتدلين ‪ ,‬أو المتصوفة‬
‫الذين أتفق على كونهم من هذه الطائفة قاصدين متعمدين ‪ ,‬وإل مانقل عن المتطرفين الغلة أو الذين اختلف في أمرهم فكثير مثل ما ذكر الغزالي عن الحلج‬
‫أنه قّيد نفسه من كعبه إلى ركبته بثلثة عشر قيدا ‪ ,‬وكان يصلي مع ذلك كل يوم وليلة ألف ركعة ) انظر مكاشفة القلوب للغزالي ص ‪ 30‬تحقيق عبد ال‬
‫أحمد أبو زينه ط القاهرة (‪.‬‬
‫وحكي عن الترمذي الملقب بالحكيم أنه قال ‪:‬‬
‫ى حب الخلوة في المنزل والخروج إلى الصحراء ‪,‬‬
‫ألهمت منع الشهوات ‪ ...‬حتى ربما أمنع نفسي الماء البارد ‪ ,‬وأتورع عن شرب ماء النهار ‪ ...‬ووقع عل ّ‬
‫فكنت أطوف في الخربات والنواويس ‪ ,‬واعتصمت بها ) انظر رسالة بدّو شأن أبي عبد ال للحكيم الترمذي من مجموعة ختم الولياء تحقيق عثمان إسماعيل‬
‫يحيى ص ‪ 15‬ط المطبعة الكاثوليكية بيروت ( ‪.‬‬
‫وذكر الشعراني عن ابن عربي ‪ :‬أنه كان رضي ال عنه أول من الموقعين عند بعض ملوك المغرب‪ ,‬ثم إنه طرقه طارق من ال عز وجل ‪ ,‬فخرج في‬
‫البراري على وجهه إلى أن نزل في قبر ‪ .‬فمكث فيه مدة ‪ .‬ثم خرج من القبر يتكّلم بهذه العلوم التي نقلت عنه ‪ ,‬ولم يزل سائحا في الرض يقيم في كل بلد‬
‫بحسب الذن ‪ ,‬ثم يرحل منها ) انظر اليواقيت والجواهر للشعراني ج ‪ 1‬ص ‪ 7 , 6‬ط مصطفى البابي الحلبي القاهرة ( ‪.‬‬
‫وأما ابن الفارض فيقول عنه ابنه ‪:‬‬
‫سمعت والدي ابن الفارض ‪ :‬كنت في أول تجريدي أستأذن أبي وأطلع إلى وادي المستضعفين بالجبل الثاني من المقطم وآوي فيه ‪ ,‬وأقيم في هذه السياحة ليل‬
‫ونهارا ) انظر جمهرة الولياء لمحمود أبي الفيض المنوفي الحسيني ج ‪ 2‬ص ‪ 246‬ط القاهرة ‪ 1387‬هـ ( ‪.‬‬
‫وعلى ذلك قال ابن عربي ‪ :‬إن التصوف طريق الشدة ‪ ,‬ليس للرخاء فيه مدخل ) المر المحكم المربوط لبن عربي الملحق بذخائر اعلق له أيضا ص ‪268‬‬
‫بتحقيق محمد عبد الرحمن الكروي ط القاهرة ( ‪.‬‬
‫‪ 2‬تذكرة الولياء لفريد الدين العطار ص ‪ 305‬ط باكستان ‪ ,‬أيضا طبقات الشعراني ج ‪ 1‬ص ‪. 88‬‬
‫‪ 3‬انظر البريز للدباغ ص ‪. 105‬‬
‫‪ 4‬حياة القلوب للموي ص ‪ 219‬بهامش قوت القلوب ‪.‬‬
‫‪ 5‬انظر تذكرة أولياء بر صغير لميرزه محمد أختر الدهلوي ج ‪ 3‬ص ‪ 31‬ط باكستان ‪.‬‬
‫‪ 6‬نفس المصدر ج ‪ 1‬ص ‪. 157‬‬
‫‪ 7‬تذكرة أولياء باك وهند للدكتور ظهور الحسن شارب ص ‪ 282‬ط باكستان ‪.‬‬
‫‪ 8‬تذكرة أولياء بر صغير لميرزه الدهلوي ج ‪ 1‬ص ‪ 96‬ط باكستان ‪.‬‬
‫‪ 9‬انظر تذكرة أولياء باك وهند للدكتور ظهور الحسن شارب ص ‪ 179‬ط باكستان ‪.‬‬
‫‪ 10‬انظر رسالة ترتيب السلوك من الرسائل القشيرية ص ‪ , 6‬ط باكستان ‪.‬‬

‫‪69‬‬

‫ويذكر الصوفي الهندي الدكتور ظهور حسن شارب أن الصوفي الهندي المشهور ميان مير ) كان يقضي الليل‬
‫كله في نفس واحدة ( ‪. 1‬‬
‫ويذكر عن صوفي آخر مل شاه أنه كان ) يقضي الليل كله في نفسين فقط ( ‪. 2‬‬
‫وهذا كله عمل بقول الصوفية ‪:‬‬
‫) مقام المريد المجاهدات والمكابدات ‪ ,‬وتحمل المشاق ‪ ,‬وتجرع المرارات ( ‪.‬‬
‫‪3‬‬

‫وأيضا بقولهم ‪ ) :‬إن الصوفية يلزمون أنفسهم بالغلظ والشق من أقوال العلماء ( ‪. 4‬‬
‫هذا ومثل هذه المور كثيرة جدا ‪ ,‬التي لم تؤخذ ولم تقتبس إل من الديانات الهندية ول وجود لها في تعاليم‬
‫السلم ‪ ,‬ولم تنقل إلى الصوفية إل منها ‪.‬‬
‫وقبل أن ننتقل إلى فكرة أخرى نريد أن نبين أمرا آخر ‪ ,‬وهو أن الصوفية بمختلف مشاربهم وطرقهم يتباهون‬
‫بحبهم للجميع ‪ ,‬وعدم العتراض على مذهب دون مذهب ومسلك دون مسلك ‪ .‬وإنهم ل يفّرقون بين ديانة‬
‫وديانة ‪ ,‬ول يمّيزون بين طائفة وطائفة وجماعة وجماعة ‪ ,‬بل يحترمون جميع الراء والمعتقدات‬
‫وأصحابها ‪ ,‬وقد نقلوا فيها أقوال عديدة ‪.‬‬
‫مع أنها ل أساس لها في شريعة السلم وتعاليمها ‪ ,‬حيث أن هذا المر أصل من أصول فلسفة اليوجا التي‬
‫ترى في كل الديانات وفي كل الفلسفات حقا ‪ ,‬ول يعترض على دين وفلسفة مهما اختلفوا وتباعدوا في‬
‫ي منها ‪. 5‬‬
‫المشرب والمسلك ‪ ,‬ويسع مذهبه لمعتقدات الجميع ‪ ,‬ويأبى أن يتقيد بقيود أ ّ‬
‫والجدير بالذكر أن هناك كتابا ترجم إلى اللغة العربية باسم ) فلسفة راجايوجا ( بطبع عبد الغني أحمد ‪,‬‬
‫وترجمة حسن حسين ‪ ,‬فيه فصل خاص لمقارنة هذه الفلسفة الهندية بالفلسفة الصوفية و كما أن الكتاب كله‬
‫يشتمل على الرياضات والمجاهدات وطرق الوراد والذكر ‪ ,‬التي نقلناها آنفا من المتصوفة الكبار وأقطاب هذه‬
‫الطائفة وأعلمها ‪.‬‬
‫وأما قضية وحدة الوجود والحلول والتحاد ‪ ,‬المقائد التي نادى بها الحلج وابن عربي وجلل الدين الرومي‬
‫وغيرهم ممن سلك مسلكهم ‪ ,‬ونهج منهجهم ‪ .‬فلم يشك أحد في كونها مأخوذة مقتبسة بتمامها من ) فيدانتا (‬
‫الهندية ‪.‬‬
‫ومن قرأ آراء شري شنكر أجاريا في فلسفة ) فدانتا ( عرف جيدا أنها عين ما قاله الحلوليون والتحاديون‬
‫صل القول فيه في شرح فلسفة وحدة الوجود أو فيدنتا هي‬
‫وأصحاب وحدة الوجود ‪ ,‬وأن ما بّينه شنكر ‪ ,‬وف ّ‬
‫التي توجد في كتب الوجوديون بكلياتها وجزئياتها ‪.‬‬
‫وأكثر من ذلك تعرض تعاليم شنكر أجاريا وتقرأ مكتوباته على من قرأ كتب ابن عربي ‪ ,‬وشارحه ابن الفارض‬
‫‪ ,‬ومفسره في العجم جلل الدين الرومي ‪ ,‬لم يستطع التفريق في مقولتهم ومكتوباتهم ‪ ,‬وحتى السلوب‬
‫والمنهج والتعبير وبيان الطرق الموصلة إلى حصول المعرفة والدراك ‪.‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫تذكرة أولياء باك وهند ص ‪. 286‬‬
‫أيضا ص ‪. 307‬‬
‫حياة القلوب لعماد الدين الموي ص ‪ 268‬بهامش قوت القلوب للمكي ‪.‬‬
‫أيضا ص ‪. 266‬‬
‫انظر فلسفة اليوجا تأليف يوجي راما شاركه ص ‪ 198‬نقل عن أديان الهند الكبرى للدكتور أحمد الشلبي ص ‪ 171‬ط ‪ 1964‬م ‪.‬‬

‫‪70‬‬

‫وبذلك اعترف صوفي كبير من شبه القارة الهندية الباكستانية ‪ ,‬وكاتب شهير في تعاليم التصوف وتاريخه أن‬
‫ي مثل الشعلة التي‬
‫مسلك وحدة الوجود بمعنى أنه ل موجود في الحقيقة إل ال ‪ ,‬وأن وجود الممكنات وهم ّ‬
‫تظهر بتحريكها سريعة دائرة وهمية ‪ ,‬يظنها الناظر دائرة حيث ل يكون لها وجود حقيقة ‪ ,‬بل حركة الشعلة‬
‫بسرعة هي التي أوهمت الناظر بوجودها ‪ ,‬فكذلك الكون والممكنات ‪ .‬فهذا مسلك شري شنكر أجاريا ‪ ,‬الذي‬
‫أسسه وأوضحه في شروحه لوينشد ‪ ,‬وأخذ منه هذه الفلسفة من المسلمين ) حضرة القداس إمام العرفاء‬
‫محي الدين ابن عربي ‪ ,‬والمعروف بالشيخ الكبر ( ‪.‬‬
‫كما أنه تأثر بفلسفة حكماء المغرب مثل اسنبوزا ‪ ,‬لئبنز ‪ ,‬فخته ‪ ,‬هيجل ‪ ,‬شوين هاور ‪ ,‬باذنكويت ‪ ,‬وبردليه ‪,‬‬
‫كما أن الشهوديين من المسلمين أخذوا فلسفة وحدة الشهود أيضا من العرفاء الهندوكيين ‪ .‬وهذا المسلك‬
‫مأخوذ من رام نوج أجاريا أحد شراح اوبنشاد الربعة المعروفين ‪. 1‬‬
‫فالديانات الهندية هي المصدر الخر للتصوف الذي راح بين المسلمين ‪ ,‬وأختاره طائفة من الناس الذين‬
‫أرادوا أن يكونوا عرفاء من بين المسلمين ‪ ,‬واختاروا نفس المناهج التي وضعها أصحاب الديانات الهندية‬
‫لحصول ) نروان ( أي المعرفة ‪ ,‬وجعلوا غورديسيا ) أي تعذيب النفس ( وجب وكيان دهيان ) أي الصمت‬
‫والتفكير والذكر ( وسيلة للوصول إليها ‪ ,‬وكان هذا ظاهرا جليا واضحا إلى حّد اضطر المراعون للتصوف ‪,‬‬
‫والمداهنون للصوفية ‪ ,‬والمدافعون عنهم أن يقّروا به على مل من الناس ‪:‬‬
‫) فالتصوف السلمي الحقيقي مبناه على الكتاب والسنة وعلى أحوال الرسول النبي العربي صلى ال عليه‬
‫وسلم وإن تعرجت مؤخرا تعاليم التصوف وتلونت بعض فروعه ألوانا عدة واتجهت تلك الفروع اتجاهات‬
‫مختلفة بسبب المذاهب الموروثة للداخلين المحدثين في السلم من هنود وفرس وإسرائليين ومسحيين ول‬
‫سيما في عصر الترجمة الذي شجع عليه المأمون ومن بعده من الخلفاء العباسيين فترجم المسلمون كتبًا‬
‫كثيرة من التصوف الهندي واليوناني والفارسي وطمعت بعض فروع التصوف السلمي الخالص بما دخل‬
‫عليها من النزعات الفلطونية الحديثة أو القديمة وبعض المذاهب الهندية والفارسية في التصوف كنظرية‬
‫الحلول والتحاد والتقمص والتناسخ وما إلى ذلك ) ولكل دين تصوفه وطبعا ( ‪.‬‬
‫ومع ذلك ظل التصوف السلمي الصميم والذي مصدرة الكتاب والسنة قائما على حاله في صدور رجاله وفي‬
‫الكتب السلمية كتواليف الحسن البصري والقشيري وأبي طالب المكي والسراج والغزالي ( ‪. 2‬‬
‫) وشذ عن ذلك أمثال الحلج الذي قال بالحلول والقائل ) أنا الحق وما في الجبة سوى ال ( ومحي الدين‬
‫القائل ) خضنا بحرًا وقف النبياء بسالحله ( وبرأه من فكره الحلول قوله بالسكر وغلبة الحال ‪ .‬وأكثر‬
‫الصوفية العاجم خلطوا بين الفلسفة الفارسية القديمة أو الهندية وما قبسوه عن اليونانية والفلطونية‬
‫الحديثة وبين تصوفهم الخاص ( ‪.‬‬
‫وقد تأثر أمثال ببراهمة الهند والغرس في أزيائهم وطقوسهم ‪ ,‬واعتنقوا من أفكارهم ( ‪. 3‬‬
‫ويقول صوفي متقدم لسان الدين بن الخطيب ‪:‬‬
‫) ومن الهنود الذي وضع لهم الحكمة المصلحية ‪ ,‬الشلم ‪ ,‬والمهندم ‪ ,‬والبرهمان ‪ ,‬والصولية ‪ ,‬والبردة ‪,‬‬
‫والزهاد ‪ ,‬والعباد ‪ ,‬ورجال الرماد ‪ ,‬وأصحاب الفطرة ‪ ,‬وهم يهجرون اللذات الطبيعية جملة ‪ ,‬ويكثرون الجوع‬
‫والرياضة ‪ ,‬عشاق فيما وّلوا وجوههم شطره ( ‪. 4‬‬

‫‪ 1‬انظر تاريخ تصوف ليوسف سليم جشتي ص ‪ 30‬وما بعد ط مجمع العلماء أوقاف لهور ‪ 1976‬م ‪.‬‬
‫‪ 2‬والباحث والقارئ يلحظ هذه المعالجة كثير اما تمسك بها الصوفية ومن دافع عنهم ‪ ,‬ولجل ذلك لم نورد النصوص والعبارات في هذا المبحث كله ‪ ,‬ولم‬
‫نبن الحكم على ما كتبه هؤلء ومن تبعهم في موقفهم ومسلكهم ومشربهم ‪ ,‬ولم نتعرض إلى أقوال الوجوديين والحلوليين والتحاديين مع تمسك القوم بكتبهم‬
‫ومقولتهم والمباهاة بعرفانهم وكرامتهم والمبالغة في تمجيدهم والثناء عليهم ‪.‬‬
‫‪ 3‬جمهرة الولياء لمحمود أبي الفيض المنوفي الحسيني ج ‪ 1‬ص ‪. 267 , 266‬‬
‫‪ 4‬روضة التعرف بالحب الشريف للسان الدين بن الخطيب ص ‪ 543‬بتحقيق عبد القادر أحمد عطا ط دار الفكر العربي ‪.‬‬

‫‪71‬‬

‫وقال الخر ما خلصته ‪:‬‬
‫) وشك أن ابن عربي في مدرسة وحدة الوجود وسوابق بذورها في مدرسة الحلج ولواحقها حتى عبد الكريم‬
‫الجيلي وما بعده قد تأثر بالمصدر الهندي الذي أنطق مذهب النبثاق الرواقي والفيوضات والصدور عند‬
‫الفلطونية ( ‪. 1‬‬
‫وقال ماسينيون ‪:‬‬
‫) ونجد من ناحية أخرى أن بحث المراحل التي أّدت إلى إدخال الذكر في طرق الصوفية المحدثين تدلنا على‬
‫تسرب بعض طرائف الهنود إلى التصوف السلمي ( ‪. 2‬‬
‫زبمثل ذلك قال أوليري المستشرق الخر ‪:‬‬
‫) وثمة شبيه هندي للفناء ‪ ,‬ولكن ليس في البوذية ‪ ,‬وإنما فيما تقول به الفيدانتا من وحدة الوجود ( ‪.‬‬
‫‪3‬‬

‫ونيلكسون كذلك ‪ ,‬فيقول في إحدى مقالته وهو يتكلم في الفناء الصوفي ‪:‬‬
‫) أما في شرق فارس حيث ظهرت فكرة الفناء لول مرة ظهورا واضحا ‪ ,‬فل بّد أنها كانت متأثرة إلى حد كبير‬
‫بأفكار هندية وفارسية ‪.‬‬
‫ويدل تعريف الصوفية للفناء من الناحية الخلقية بأنه محو الصفات الذميمة ‪ ,‬والتخلق بكل خلق حميد ‪,‬‬
‫ووصفهم لوسائل قمع الهوى والشهوات ‪ ,‬على وجود أثر للفلسفة البوذية فيهم مما ل يدع مجال للشك ‪ ,‬لن‬
‫تعريفهم هذا تمام التفاق مع تعريف النرفانا ‪.‬‬
‫أما الفناء في عرف أصحاب وحدة الوجود فربما كان أشد اتصال بفكرة الفيدانتا وما يماثلها من الفكار الهندية‬
‫‪ ...‬مثال ذلك أن أبا يزيد البسطامي كان من أهل خراسان ‪ ,‬وكان جده زرادشتيا وشيخه في التصوف كرديا ‪.‬‬
‫ويقال ‪ :‬أنه أخذ عقيدة الفناء الصوفي عن أبي علي السندي الذي عّلمه الطريقة الهندية التي يسمونها مراقبة‬
‫النفاس ‪ ,‬والتي وصفها هو بأنها عبادة العارف بال ‪.‬‬
‫وإنك لتلمح نزعة أبي يزيد إلى وحدة الوجود مائلة في القوال المعزوة إليه ‪.‬‬
‫مثال ذلك ك‬
‫ي ) يا من أنا أنت ( ‪.‬‬
‫خرجت من الحق إلى الحق حتى صاحوا مني ف ّ‬
‫إني أنا ال ل إله إل أنا فاعبدني ‪ :‬سبحاني ما أعظم شأني ‪.‬‬
‫للخلق أحوال ‪ ,‬ول حال للعارف ‪ ,‬لنه محيت رسومه ‪ ,‬وفنيت هويته بهوية غيره ‪ ,‬وغيبت آثاره بآثار غيره (‬
‫‪.4‬‬
‫وقد كرر هذا القول في مواضع كثيرة مختلفة في مقالته من التصوف والصوفية ‪.‬‬
‫وكتب الدكتور أبو العلء عفيفي البحاثة المصري الكبير معلقا على إحدى عباراته ‪ ,‬ومصدقا كلمه ‪ ,‬ما‬
‫نصه ‪:‬‬
‫) ل شك أن التصوف السلمي في ناحيته العلمية كان إلى حد ما على التصوف البوذي ‪ .‬يدل على ذلك ما ذكر‬
‫الجاحظ في كتاب الحيوان عن رهبان الزنادقة الذين كانوا يخرجون للسياحة أزواجا ‪ ,‬ول يقيمون في مكان‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫أضواء على التصوف للدكتور طلعت غنام ص ‪. 113‬‬
‫مقال ماسينيون عن التصوف ص ‪ 49‬ط دار الكتاب اللبناني بيروت ‪.‬‬
‫الفكر العربي ومكانته في طريق ترجمة عربية ص ‪ 200‬ط ‪ 1961‬م ‪.‬‬
‫في التصوف السلمي وتاريخه ترجمة الدكتور أبي العلء عفيفي ص ‪. 75‬‬

‫‪72‬‬

‫واحد أكثر من ليلتين ‪ .‬وكانوا يأخذون أنفسهم بتطهير القلب والعفة والصدق والفقر ‪ .‬ويذكر الجاحظ قصة‬
‫رجلين منهم دخل مدينة الهواز ( ‪. 1‬‬
‫ويقول جولد زيهر ‪:‬‬
‫) إن نظرية الصوفيين في فناء الشخصية هي التي تقرب وحدها من فكرة الجوهر الذاتي ) اتمان ( ‪ ,‬إذا لم‬
‫تكن تتفق معها تماما ‪ ,‬ويطلق الصوفيين على هذه الحالة لفظ الفناء أو المحور و الستهلك (‪. 2‬‬
‫وقال أحد الكّتاب ‪:‬‬
‫) أما زيهر فقد ذهب إلى أن الربط بين الفناء والنرفانا دعوى ل تحتاج إلى برهان ‪ ,‬معتمدا في ذلك على قول‬
‫لبي يزيد جاء فيه ‪:‬‬
‫صحبت أبا علي السندي فكنت ألّقنه ما يقيم به فرضا ‪ ,‬وكان يعلمني التوحيد والحقائق صرفا ‪.‬‬
‫فالنص – في نظره – ل يفهم منه سوى أن أبا يزيد كان يعّلم السندي الفروض الدينية ‪ ,‬باعتباره حديث عهد‬
‫بالسلم ‪ ,‬مقابل تلقيه عنه علم الحقيقة والفناء ‪ ,‬الذي لم يكن على علم به ( ‪. 3‬‬
‫ونريد أن نثبت ههنا أيضا نص ما ذكره الباحث اليراني المشهور الدكتور قاسم غني ‪ ,‬فيقول ‪:‬‬
‫) إذا كان رأي أولئك الذين يعتقدون أن التصوف وليد المعتقدات البوذية والهندية مبالغا فيه ‪ ,‬فينبغي أن يقال‬
‫في القل أن من جملة ما كان له تأثير في التصوف السلمي أفكار البوذية والهندية ونزعاتهما وعاداتهما ‪.‬‬
‫والسلم الذي خرج من حدود الجزيرة العربية بسرعة البرق بعد ظهوره بفترة قصيرة سرعان ما أخذ يتقدم‬
‫في كل ناحية ‪ ,‬ولم تطل المدة حتى بلغ تخوم الصين وفتحت بلد السند في عهد بني أمية ‪ ,‬وتوثقت علقات‬
‫تجارية واقتصادية بين المسلمين والشعوب والقبائل التي كانت تختلف من ناحية الفكر والحضارة والخلق‬
‫عن أقوام البلد الخرى ‪.‬‬
‫ومنذ القرن الثاني وما بعده وحين بدأ المسلمون بنقل كتب الشعوب الخرى واتسعت دائرة العلوم ‪ ,‬ترجم‬
‫مقدار من آثار البوذية والهندية مما يدخل في باب التصوف العملي أي الزهد وترك الدنيا ووصف العبادات‬
‫والتقاليد الهندية والبوذية في هذا الباب ‪ ,‬ناهيك بنقل كتب هندية وبوذية في القرن الثاني للهجرة والصلت‬
‫التجارية والقتصادية القائمة بين المسلمين والهنود في أوائل الخلفة العباسية وقد انتشرت طائفة من تاركي‬
‫الدنيا والسائحين من الهنود والمانويين في العراق وسائر البلد السلمية الخرى وكما كانوا يتحدثون في‬
‫القرن الول عن الرهبان والسائحين مع المسيحيين كذلك أخذوا يتحدثون في القرن الثاني عن رهبان وسياح‬
‫ممن لم يكونوا مسلمين ول نصارى وهم الذين سماهم الجاحظ ) رهبان الزنادقة ( واعتبرهم من زهاد‬
‫المانوية ‪.‬‬
‫قال الجاحظ ‪ ) :‬إن هؤلء سياح والسياحة بالنسبة لهم في حكم التوقف واعتزال الساطرة في الصوامع‬
‫والديرة ‪ ,‬وتلك الجماعة يسافرون دائما اثنين اثنين ويسيحون بحيث إذا رأى النسان واحدا منهم يتيقن أن‬
‫الثاني ليس ببعيد عنه إلى حد ما ‪ ,‬وسيظهر قريبا ‪ .‬ومن عاداتهم أنهم ل ينامون ليلتين في مكان واحد ‪,‬‬
‫ولهؤلء السياح خصال أربع ‪ :‬القدس والطهر والصدق والمسكنة ( ‪.‬‬
‫وهؤلء السياح تركوا بدورهم أثرا في صوفية المسلمين كما أثر فيهم أيضا السياح والمتجولون والمرتاضون‬
‫من البوذيين الذين أذاعوا قصة بوذا وقدموه مثال للزهد والعراض عن الدنيا ‪ ,‬بحيث أن المرتاضين كانوا‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫أيضا تعليقه رقم ‪ 2‬ص ‪. 24‬‬
‫العقيدة والشريعة في السلم لجولدزيهر ترجمة عربية ص ‪. 162‬‬
‫المعراج في الكتابات الصوفية للدكتور قاسم السامرائي ص ‪. 216‬‬

‫‪73‬‬

‫يعرفونه في كتاباتهم بالمثال الكامل للزهد ‪ .‬وهو المير القوي الشكيمة الذي رمى الدنيا ظهريا وحرر نفسه ‪.‬‬
‫أو يقولون أنه أسير جدير بالثناء خليق بالحترام متزييا بزي الفقراء ‪ .‬وهذا الموضوع أوجد قصصا ذات‬
‫صور مختلفة والنقطة الهامة التي يجب أل تنسى هي أن الديانة البوذية كانت قد انتشرت في شرق إيران أي‬
‫بلخ وبخارى وفي ما وراء النهر كذلك قبل السلم بأكثر من ألف سنة ‪ ,‬وكانت لها صوامع ومعابد مشهورة‬
‫وكانت معابد بلخ البوذية أكثر شهرة بنوع خاص ‪ ,‬وصارت بلخ ونواحيها من أهم المراكز الصوفية في‬
‫القرون السلمية الولى ‪ ,‬وكان صوفيو خراسان يعدون في الرعيل الول من الصوفية في الشجاعة الفكرية‬
‫والحرية الشخصية ‪ ,‬والعقيدة المعروفة ) بالفناء في ال ( المقتبسة من الفكار الهندية إلى حد ما والتي‬
‫انتشرت على الكثر بواسطة صوفية خراسان ‪ .‬مثل أبي يزيد البسطامي وأبي سعيد الخير ( ‪. 1‬‬
‫وقبل أن ننتقل إلى فكرة أخرى نريد أن نلفت النظار إلى أن معتنقي البوذية والجينية والديانات الهندية‬
‫الخرى كان لهم أن يترهبوا ‪ ,‬ويتجردوا عن الدنيا وما فيها ‪ ,‬ويختاروا العزلة والخلوة ‪ ,‬ويتيهوا في المفاوز‬
‫والخلوات ‪ ,‬ويعيشوا في المغارات والخانقاوات ‪ ,‬ويعذبوا أنفسهم ‪ ,‬ويأتوا بالمجاهدات والرياضات ‪ ,‬ويتحملوا‬
‫المشاق ‪ ,‬ويتعمقوا في المراقبات والمكاشفات وغير ذلك من المور ‪ ,‬لن قادتهم وزعماءهم ‪ ,‬هداتهم‬
‫ومرشديهم فعلوا مثل ذلك لحصول المعرفة ‪ ,‬واكتشاف الحق ‪ ,‬والوصول إلى طمأنينة الروح والقلب ‪,‬‬
‫والتصال بالخالق والتحاد به – حسب زعمهم – تشبها لهم واقتداء بهم ‪ ,‬وتمسكا بأسوتهم ‪ ,‬واقتفاء آثارهم‬
‫ومناهجهم ‪.‬‬
‫فعلى المتبعين أن يسلكوا جميع تلك المراحل التي سلكها سادتهم وكبراؤهم ‪ ,‬وأن يكابدوا في هذا السبيل تلك‬
‫اللم التي تكبدها أولئك ‪.‬‬
‫وكذلك النصارى ‪.‬‬
‫أول ‪ :‬لنه نقل عن مسيحهم ما يشجعهم على التبتل والعزلة ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬أن حواريي المسيح ‪ ,‬وقّديسي المسيحية الوائل تحملوا أنواعا من العذاب في سبيل التمسك بمذهبهم ‪,‬‬
‫فأوذوا وأجبروا على ترك المساكن والمواطن وعاشوا في الصحارى والمغارات فرارا بدينهم ‪ ,‬وحفاظا على‬
‫إيمانهم ‪ ,‬فحبس منهم وقّتل منهم كثيرون ‪ ,‬وعّذب الخرون ‪.‬‬
‫فتأسيا بهم وتقديرا لهم حرموا أنفسهم من ملذات الدنيا ونعيمها ‪ ,‬وألزموا عليهم العزبة والجوع والمشاق ‪,‬‬
‫وهجروا العيش بين الهل والولد ‪.‬‬
‫وأما المسلمون فل نبّيهم أمرهم بذلك ‪ ,‬ول أصحابه ورفاقه البرار خيرة خلق ال ‪ ,‬وأبرار هذه المة عملوا به‬
‫‪ ,‬ودينهم دين العتدال والدين الوسط ‪ ,‬الناسخ لجميع الشرائع السماوية منها والرضية ‪ ,‬اللهامية وغير‬
‫اللهامية ‪.‬‬
‫ن{‪.2‬‬
‫سِري َ‬
‫خا ِ‬
‫خَرِة ِمنَ اْل َ‬
‫لِم ِديًنا َفَلن ُيْقَبَل ِمْنُه َوُهَو ِفي ال ِ‬
‫سَ‬
‫غْيَر اِل ْ‬
‫} َوَمن َيْبَتِغ َ‬
‫والذي كمل قبل انتقال محمد صلى ال عليه وسلم إلى المل العلى ‪.‬‬
‫‪3‬‬

‫لَم ِديًنا {‬
‫سَ‬
‫ت َلُكُم اِل ْ‬
‫ضي ُ‬
‫عَلْيُكْم ِنْعَمِتي َوَر ِ‬
‫ت َ‬
‫ت َلُكْم ِديَنُكْم َوَأْتَمْم ُ‬
‫} اْلَيْوَم َأْكَمْل ُ‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫تاريخ التصوف في السلم ترجمة عربية لصادق نشأت ص ‪. 222 , 221‬‬
‫آل عمران الية ‪. 85‬‬
‫المائدة الية ‪. 3‬‬

‫‪74‬‬

‫وما لم يكن فيهما فهو ابتداع وإحداث فيه ‪ ,‬وليس منه ‪ ,‬ول له علقة به ‪.‬‬
‫ول ندري ممن أخذ متصوفة المسلمين ونساكهم من المسلمين هذا المنهج والمسلك الذي بنوا عليه تصوفهم‬
‫وزهدهم ‪ .‬اللهم إل ممن ذكرناهم من المسيحية ‪ ,‬وأصحاب الديانات الهندية ‪ ,‬وهذه أحوال معتدلي الصوفية‬
‫ومتقدميهم ‪.‬‬
‫وأما المتطرفون والمتأخرون فقد زادوا على هذين المصدرين مصدرا آخر استقوا منه فلسفتهم ومشربهم ‪,‬‬
‫وتشبثوا بآرائه ومقولته ‪ .‬وهو الفلطونية الحديثة ‪.‬‬

‫‪75‬‬

‫الفــ َ‬
‫ديثـة‬
‫لطـونّية الحــ ِ‬
‫ولقد ذكر جمع من الكّتاب والباحثين في التصوف ممن اشتغلوا بالتصوف من المسلمين وغير المسلمين ‪ .‬وقل‬
‫من شذ عنهم أن الفلطونية الحديثة هي أحد المصادر الساسية للتصوف ‪ ,‬بل إنها هي المصدر الول بالنسبة‬
‫للقائلين بوحدة الوجود والحلول بدءًا من أبي اليزيد البسطامي ‪ ,‬وسهل التستري ‪ ,‬والترمذي الملقب بالحكيم ‪,‬‬
‫ابن عطاء ال السكندري ‪ ,‬وابن سبعين ‪ ,‬وابن الفارض ‪ ,‬والحلج ‪ ,‬ولسان الدين بن الخطيب ‪ ,‬وابن عربي ‪,‬‬
‫والرومي ‪ ,‬والجيلي ‪ ,‬والعراقي ‪ ,‬والجامي ‪ ,‬والسهروردي المقتول ‪ ,‬وبايزيد النصاري وغيرهم ‪.‬‬
‫وأن هؤلء أخذوا نظرية الفيض والمحبة والمعرفة والشراق مع الراء الخرى التي تمسكوا بها عن‬
‫الفلطونية المحدثة ‪.‬‬
‫وعبارات الصوفية أنفسهم ناطقة بها وشاهدة عليها ولو أنهم اختلطت عليهم آراء الفلطونية الحديثة وآراء‬
‫أفلطون وأرسطو وغيرهم من حكماء اليونان الخرين ‪ ,‬حيث نسبوا ذلك إلى هذا ‪ ,‬وهذا إلى تلك ‪.‬‬
‫فيقول صوفي معاصر ‪:‬‬
‫وأما وحدة الوجود الحلولية التي تجعل من ال كائنا يحل في مخلوقاته أو التحادية بالمعنى المفهوم خطا تلك‬
‫التي تجعل من الكائن الفاني شخصية تتحد بالموجود الدائم الباقي المنزه عن سائر النسب والضافات والحياز‬
‫الزمانية والمكانية المحدثة أو يتحد به شيء منها فإنها مذهب هندي أو مسيحي وليس بإسلمي ول يعرفه‬
‫السلم ‪ ,‬استمده أهل الشذوذ في التصوف السلمي من الفلسفة البائدة ‪ ,‬وغذوا به مذهبهم الشاذ بفكر‬
‫أفلطونية وآراء بوذية وفارسية عن طريق الفارابي وابن سينا ‪ ,‬حاله أن المتتبع لحياة الحلج ومؤلفات‬
‫السهروردي وابن عربي يرى أنهم تأثروا بالمتفلسفة المسلمين الذين أخذوا عن الفلسفة الفلطونية الحديثة‬
‫والرسطو طاليسية ‪. 1‬‬
‫وكتب قبله بقليل ‪:‬‬
‫) فكان يعلن بعضهم أنه اطلع على الغيب وأن في مقدوره التيان بخوارق العادات ثم يذهب إلى ما هو أبعد من‬
‫هذا مثل قولة الحلج المشهورة ‪ :‬ما في الجبة غير ال – وغيره ‪ :‬أنا الحق وبمثل هذا وذاك ثار على الحلج‬
‫معاصروه ورموه بالسحر تارة والجنون أخرى وعذب عذابا أليما إلى أن مات في أوائل القرن الرابع ‪ ,‬وال‬
‫أعلم بحاله وكان من أمثال الحلج من بالغوا مبالغة قلت أم كثرت كشهاب الدين عمر السهروردي المقتول‬
‫رئيس جماعة الشراقيين ومحيي الدين بن عربي الندلسي ‪ .‬وابن سبعين الصقلي ‪ ,‬وهم من رجال القرنين‬
‫السادس والسابع وتابعهم جماعة من شعراء الفرس أمثال جلل الدين الرومي وفريد الدين العطار وكلهم‬
‫يرمي إلى أن يقيم التصوف السلمي على دعائم فلسفية أو فارسية وهندية أو يونانية ( ‪. 2‬‬
‫ويقول الدكتور عبد القادر محمود ‪:‬‬
‫) فإذا عدنا إلى تاريخ التصالت الولى نجد أن الثقافة اليونانية كانت هي الثقافة المسيطرة على العقول في‬
‫الشرق منذ عهد السكندر بالضافة إلى ثقافات الشرق نفسه ‪ ,‬حتى إذا أقبل المسلمون على حضارات غيرهم‬
‫سان ‪ ,‬والسريان في‬
‫من المم القديمة كان إقبالهم على الثقافة الهللينية بمعونة نساطرة الحيرة وبمعاقبة غ ّ‬
‫الشام وغيرها ‪ ,‬والصابئة من أتباع زرادشت ‪ ,‬واليهود والنصارى ‪ .‬لكن الذي نؤكده أن باب التصال المباشر‬
‫كان الفلوطينية المحدثة ولو أن المسلمين حسبوها لرسطو حين اعتقدوا خطأ أن كتاب الربوبية له ‪ ,‬وهو في‬
‫الواقع لفلوطين الذي عرفوا من ورائه أفلطون والثقافة اليونانية القديمة ‪.‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫جمهرة الولياء وأعلم أهل التصوف للمنوفي الحسيني ج ‪ 1‬ص ‪ 292‬ط القاهرة ‪.‬‬
‫أيضا ص ‪. 276‬‬

‫‪76‬‬

‫إننا نلحظ أن الستاذ نسلكسون يرى أن الثر كان في القرن السادس الهجري ‪ ,‬ويختلف معه ماسينيون ‪,‬‬
‫فيرى على وجه أصح أنه كان في القرن الرابع ‪ ,‬والواقع أنه في القرن الثالث ‪ ,‬بدليل أن الربوبية ظهرت‬
‫عربية في الوسط السلمي في القرن الثالث الهجري وكان لها أثرها المباشر في نظريات التصال الفارابية ‪,‬‬
‫صّديللي الغنوصي السرياني الذي كان‬
‫ونظريات البسطامي والحلج ‪ .‬فإذا اعتمدنا على جهد اصطفان بن ُ‬
‫أستاذًا في مجمع ) أريو باجوس ( الذي تخرج منه ديونيسيوس ‪ Dionysius‬الريوباجي ‪ ,‬والذي كان‬
‫معاصرا ليعقوب السروجي الديب السرياني المشهور ) ت ‪ 521‬م ( أقول – إذا عدنا إلى اصطفان بن‬
‫صّديللي ‪ ,‬وجهوده في النصف الثاني من القرن الخامس الميلدي وفي ) الّرها ( بالذات فإننا نجد من جهوده‬
‫ُ‬
‫الخطيرة أنه نقل بعد رحلته في مصر وغيرها مذاهب وحدة الوجود وعاد ونشرها في ) الّرها ( و كما اشتغل‬
‫بشرح النجيل ‪ ,‬وأنكر أبدية عذاب جهنم ‪ ,‬وأكد أن المذنبين سيعودون إلى الجنة بعد تطهير ‪ .‬وكان لهذا أثره‬
‫في سخط أهل الّرها فطردوه ورموه باللحاد ‪ ,‬فرحل إلى دير في بيت المقدس ‪ ,‬ووجد لرائه هناك أرضا‬
‫خصبة ‪ ,‬وجمع آراءه ‪ ,‬ونسبها إلى ديونيسيوس لشهرته ‪ .‬من هنا ل نجد غرابة مطلقًا في الدوائر الصوفية‬
‫في السلم انتشار مثل هذه القوال التي شاعت مع جهم بن صفوان ‪ ,‬ثن اندفعت في أفق الفكر السلمي ‪,‬‬
‫حيث شكلت مذاهب الفيض والشراق والمعرفة والجذب والحلول والتحاد ووحدة الشهود ووحدة الوجود ‪,‬‬
‫وكل مركبات ) الثيوصوفية ( بتأثير المشاج المختلطة مع الغنوص الشرقي القديم ‪ .‬فإذا نظرنا في مذاهب‬
‫الفيض الفلوطيني ‪ -‬نجد أن ال والعقل الول والنفس الكلية والمادة غير المصورة والنفوس الجزئية – كل‬
‫أولئك عبارة عن مراتب الوجود الفلوطينية ‪ ,‬وهذا ما نجده في مدرسة ابن عربي في الحقيقة المحمدية أول‬
‫فيض من الذات اللهية ‪ ,‬ثم بقية الفيوضات في جميع الموجودات ‪ ,‬وعند ابن الفارض في وحدة الشهودية‬
‫وفي مذهبه القطبية والحقيقة المحمدية ‪ ,‬وعند الشراقية السهروردية والشيرازية التي تجعل ال نور النوار‬
‫فياضًا بالنوار القاهرة وهي النفوس والعقول ‪ ,‬وبالجواهر الغاسقة الناشئة عن النوار ‪ ,‬وهي الجسام ‪ ,‬حتى‬
‫المصطلحات في المثل أو المعاني الزلية ‪ ,‬والحقيقة ‪ ,‬وحقيقة الحقائق ‪ ,‬والعلة والمعلول ‪ ,‬والوحدة والكثرة ‪,‬‬
‫وتحقق الذات في الموضوع وشيوع الموضوع في الذات ‪.‬‬
‫كل هذا يعود إلى أصوله الفلوطينية التي تعود هي الخرى إلى الغنوص الشرقي والغربي المؤول في‬
‫الفلسفات اليهودية والمسيحية اللهوتية ‪ .‬لقد أخذت النظريات الصوفية لدى الصوفية الفلسفة أو الفلسفة‬
‫الخلص لدى المشائية السلمية وجوهرها من الفلوطينية ‪ ,‬وخاصة في المعرفة الشراقية ‪ ,‬التي ُتلقى إلقاء‬
‫طّهرها وتحررها ‪ ,‬ويكفينا دليل التاسوع الخامس لفلوطين الذي يقول ‪ ) :‬النفس التي ل‬
‫في النفس عند َت َ‬
‫تضاء بضوئه تظل بغير رؤية ( ‪ ,‬فإذا أضيئت فإنها تحتوي على كل ما تنشده فترى السمى بالسمى – ترى‬
‫السمى الذي هو في الوقت نفسه وسيلة الرؤية لن ما يضيء النفس هو نفسه الذي تريد رؤيته ‪ ,‬كما أننا‬
‫نرى الشمس بضوء الشمس ‪ .‬لقد مارس أفلوطين ) ت ‪ 205‬م ( هذه التجربة ‪ ,‬وأعطى التجاه للفارابي وابن‬
‫سينا ‪ ,‬والحلج والسهروردي ‪ ,‬وابن عربي وابن الفارض ‪ ,‬وابن سبعين وبقية الركب المشائي أو الصوفي ‪.‬‬
‫ت في نفسي ‪ ,‬كنت حينئذ أحيا ‪,‬‬
‫يقول أفلوطين ) وقد حدث مرات عدة أن ارتفعت خارج جسدي بحيث دخل ُ‬
‫وأظفر باتحاد مع اللهي ( ‪ ) .‬يجب على أن أدخل في نفسي ‪ ,‬ومن هنا أستيقظ ‪ .‬وبهذه اليقظة أتحد بال ( ‪) .‬‬
‫ي أن أحجب عن نفسي النور الخارجي لكي أحيا وحدي في النور الباطن ( ( ‪. 1‬‬
‫يجب عل ّ‬
‫ويقر هذا المر الدكتور عبد الرحمن بدوي – ولو أنه يختلف مع الدكتور عبد القادر في طرق وصولها إلى‬
‫الصوفية – حيث أنه يقول تحت عنوان التأثير اليوناني في التصوف ‪:‬‬
‫) وأهم نص في هذا الباب هو كتاب ) أثولوجيا أرسطو طاليس ( وهو كما نعلم فصول ومقتطفات ‪ ,‬منتزعة‬
‫من التساعات الفلطونية ‪ ,‬وفيه نظريات الفيض والواحد التي ستلعب دورا خطيرا في التصوف السلمي ‪,‬‬
‫خصوصا عند السهروردي المقتول وابن عربي ‪ ,‬وفيه نظرية ) الكلمة ( أو اللوغوس ‪.‬‬
‫ول شك في تأثر الصوفية المسلمين ابتداء من القرن الخامس الهجري بما في ) أثولوجيا ( من آراء ‪ .‬وإنما‬
‫الخلف هنا هو في هل وصل تأثيره إلى التصوف السلمي مباشرة ‪ ,‬أو عن طريق كتب السماعيلية ‪ ,‬وكلها‬
‫حافلة بالتأثر به ‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫الفلسفة الصوفية في السلم للدكتور عبد القادر محمود ص ‪ 33 , 32 , 31‬ط دار الفكر العربي ‪.‬‬

‫‪77‬‬

‫ويتلوه في الهمية الكتب المنسوبة إلى هرمس ‪ ..‬وشخصية بارزة التأثير عند السهروردي المقتول ‪ ,‬وابن‬
‫عربي ‪ .‬الول خصوصا في فكرة الطباع التام ‪ ,‬التي تأثر بهل كل الشراقيين بعد السهروردي ‪ ,‬والطباع التام‬
‫هو ) النوس ( ‪ .‬ويسمى أيضا الروجانية و الطبيعة الكريمة ‪.‬‬
‫ويتصل به ما يرد من علم الصنعة سواء عند الصنوعيين ) الكيماويين ( وعند الصوفية المسلمين ‪.‬‬
‫ومن النصوص المهمة المنسوبة إلى هرمس ‪ :‬رسالة هرمس في معاذلة النفس ‪ ,‬التي نشرناها في كتابنا ‪:‬‬
‫الفلطونية المحدثة عند العرب ‪ ,‬فهي مناجيات للنفس وتحليل لها ‪ ,‬وتأنيب للنفس المارة ‪ ,‬ودعوة للنفس‬
‫من أجل التطهر والتقديس ‪.‬‬
‫ومن السهل أن نجد أصداء لها ومشابه في مناجيات الصوفية المسلمين ‪.‬‬
‫ثم إن هناك فصول منحولة لفلطون وسقراط وغيرهما من الفلسفة اليونانيين معظمها آداب وأقوال ‪....‬‬
‫وكلها تتشابه في بعض آرائها مع القوال المنسوبة إلى كبار الصوفية المسلمين في كتب طبقات الصوفية‬
‫المختلفة ) القشيري ‪ ,‬السلمي ‪ ,‬الشعراني ‪ ,‬الهروي ‪ ,‬العطار ‪ ,‬الجامي الخ الخ ( ‪. 1‬‬
‫ولقد أقر الدكتور أبو العلء العفيفي أيضا بتأثر ابن عربي ومن نهج منهجه في المور الكثيرة وفي نظرية‬
‫الفيض بأفلطونية المحدثة ‪. 2‬‬
‫وكتب الدكتور التفتازاني كلما يشبه هؤلء حيث قال ك‬
‫) ونحن ل ننكر الثر اليوناني على التصوف السلمي ‪ ,‬فقد وصلت الفلسفة اليونانية عامة ‪ ,‬والفلطونية‬
‫المحدثة خاصة ‪ ,‬إلى صوفية السلم عن طريق الترجمة والنقل ‪ ,‬أو الختلط مع رهبان النصارى في الرها‬
‫وحران ‪ .‬وقد خضع المسلمون لسلطان أرسطو ‪ ,‬وإن كانوا قد عرفوا فلسفة أرسطو على أنها فلسفة‬
‫إشراقية ‪ ,‬لن عبد المسيح بن ناعمة الحمصي حينما ترجم الكتاب المعروف بـ ) أثولوجيا أرسطو طاليس (‬
‫قدمه إلى المسلمين على أن لرسطو على حين أنه مقتطفات من تاسوعات أفلوطين ‪.‬‬
‫وليس من شك في أن فلسفة أفلوطين السكندري التي تعتبر أن المعرفة مدركة بالمشاهدة في حال الغيبة عن‬
‫النفس وعن العالم المحسوس ‪ ,‬كان لها أثرها في التصوف السلمي فيما نجده من كلم متفلسفي الصوفية‬
‫عن المعرفة ‪ .‬وكذلك ‪ ,‬كان لنظرية أفلوطين السكندري في الفيض وترتيب الموجودات عن الواحد أو الول ‪.‬‬
‫أثرها على الصوفية المتفلسفين من أصحاب الوحدة كالسهروردي المقتول ‪ ,‬ومحي الدين بن عربي ‪ ,‬وابن‬
‫الفارض ‪ ,‬وعبد الخالق بن سبعين ‪ ,‬وعبد الكريم الجيلي ‪ ,‬ومن نحا نحوهم ‪.‬‬
‫ونلحظ بعد ذلك أن أولئك المتفلسفة من الصوفية نتيجة اطلعهم على الفلسفة اليونانية قد اصطنعوا كثيرا من‬
‫مصطلحات هذه الفلسفة مثل ‪ :‬الكلمة – العقل الول ‪ -‬العقل الكلي – العلة والمعلول ز الكلي ‪ ....‬إلخ ( ‪. 3‬‬
‫وبمثل ذلك قال الدكتور محمد كمال جعفر ‪. 4‬‬
‫والدكتور مصطفى حلمي ‪. 5‬‬
‫والدكتور زكي مبارك ‪. 6‬‬
‫والدكتور محمد جلل شرف ‪. 7‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫انظر تاريخ التصوف السلمي للدكتور عبد الرحمن بدوي ص ‪. 42 , 41‬‬
‫انظر تعليقات أبي العلء العفيفي من فصوص الحكم لبن عربي الجزء الثاني ص ‪ 9‬ط دار الكتاب العربي بيروت ‪.‬‬
‫انظر مدخل إلى التصوف السلمي للدكتور أبي الوفا الغنيمي التفتازاني ص ‪. 34 , 33‬‬
‫انظر مقدمة كتاب المعارضة والرد لسهل بن عبد ال التستري ط دار النسان القاهرة ‪.‬‬
‫انظر القيم الروحية ص ‪ 58‬وما بعد ‪.‬‬
‫انظر التصوف السلمي في الدب والخلق ج ‪ 1‬ص ‪. 249‬‬
‫انظر دراسات في التصوف السلمي ص ‪. 346‬‬

‫‪78‬‬

‫والدكتور هلل إبراهيم هلل ‪. 1‬‬
‫وأما الدكتور قاسم غني الفارسي فكتب ‪:‬‬
‫) وأن طريق الوصول إلى المبدأ والحصول على التمتع البدي هو تطهير النفس السفلية عن طريق التجرد من‬
‫الشهوات الجسمانية والميول الحسية وممارسة الفضائل الربع ‪ ,‬وهي ‪ :‬العفة ‪ ,‬والعدل ‪ ,‬والشجاعة ‪,‬‬
‫والحكمة ‪ .‬هذه نماذج من آراء الفلسفة الفلطونية الحديثة التي وفق المسلمون بينها وبين الشرع‬
‫السلمي ‪ .‬ولهذا الغرض حذفوا منها أشياء وزادوا عليها أشياء وسموها ) حكمة الشراق ( ‪.‬‬
‫وقد أثر في التصوف والعرفان ذيوع آراء أفلطون وظهور الفلسفة الفلطونية الحديثة بين المسلمين أكثر‬
‫من أي شيء ‪ .‬وبعبارة أخرى ‪ ,‬أحرز التصوف الذي كان إلى ذلك الحين زهدا عمليا أساسا نظريا وعمليا ‪.‬‬
‫وإذا دققنا في آراء الفلطونية الحديثة وجدنا أن الصوفي الزاهد الذي غض الطرف عن الدنيا وما فيها بحكم‬
‫أنها فانية ‪ ,‬وتعلق خاطره بما هو خالد ‪ .‬يشعر بلذة الرضا في فلسفة أفلوطين ‪ .‬بل يحصل على منتهى غايته‬
‫في تلك الراء ‪ ,‬وموضوع وحدة الوجود في الفلسفة الفلطونية الحديثة جذب أنظار الصوفية أكثر من أي‬
‫شيء آخر لن الذين يؤمنون بهذه العقيدة يرون أن العالم كله مرآة لقدرة الحق تعالى وكل موجود بمثابة مرآة‬
‫تتجلى ذات ال فيها إل أن المرايا كلها ظاهرة ‪ ,‬والوجود المطلق والموجود الحقيقي هو ال ‪ .‬ينبغي على‬
‫النسان أن يسعى حتى يمزق الحجب ويجعل نفسه محل لتجلي جمال الحق الكامل ويبلغ السعادة البدية ‪.‬‬
‫على السالك أن يطير بجناح العشق نحو ال تعالى ويحرر نفسه من قيد وجوده الذي ليس إل مظهرا فحسب ‪.‬‬
‫وينمحي ويفنى في ذات ال أي الموجود الحقيقي ( ‪. 2‬‬
‫هذا وبمثل ذلك قال الخرون من الفرس الذين اشتهروا باشتغالهم في التصوف ‪ ,‬مثل الدكتور عبد الحسين‬
‫زرين كوب ‪. 3‬‬
‫والستاذ مهدي توحيدي بور ‪. 4‬‬
‫وقبلهم الردبيلي أحمد بن محمد ‪. 5‬‬
‫وغيرهم الكثيرون الكثيرون ‪.‬‬
‫وأما صوفية الهند وكتاب شبه القارة عن التصوف فأيضا أقروا بتلك الحقيقة الناصعة التي ل يمكن التهرب‬
‫والعراض عنها ‪.‬‬
‫فلقد قال البروفيسور يوسف سليم جشتي في كتابه الكبير عن التصوف ‪ ,‬بعد ما استعرض آراء الفلطونية‬
‫الحديثة ونظريتها مفصلة ‪ ,‬قال ‪:‬‬
‫) إن التصوف لم يقتبس ‪ ,‬ولم يؤخذ إل من المنابع الصافية والمصادر الطاهرة ‪ ,‬وعلى رأسها الفلطونية‬
‫المحدثة ‪ ,‬وتبني الشيخ الكبر محيي الدين بن عربي نفس الفكار التي نشرها أفلوطين السكندري ‪ ,‬المبنية‬
‫على الفكر الفلسفي والمشاهدة الذاتية ‪ ,‬والذي بين أن تزكيه النفس ل يمكن إل بالتبتل عن العلئق الدنيوية‬
‫والعالم المادي ‪ ,‬ولها مراتب ثلث ‪:‬‬
‫تصفية النفس ‪ ,‬وتجلية النفس ‪ ,‬وتحلية النفس ‪.‬‬
‫‪ 1‬انظر ولية ال والطريق إليها ‪ ,‬مقدمة ‪.‬‬
‫‪ 2‬انظر التصوف السلمي للدكتور قاسم غني ترجمة صادق نشأت ص ‪. 143 , 142‬‬
‫‪ 3‬انظر كتابه دنباله جستجودر تصوف إيران ص ‪ 267‬وما بعد ط طهران ‪ 1362‬هجري شمسي ‪.‬‬
‫‪ 4‬انظر مقدمة نفحات النس للجامي الطبعة الفارسية ص ‪ 83‬وما بعد ط إيران ‪. 1337‬‬
‫‪ 5‬انظر حديقة الشيعة ص ‪ 266‬ط طهران ‪.‬‬

‫‪79‬‬

‫ول يمكن الوصول إليها إل بالمراحل الثلث ‪:‬‬
‫أول ‪ :‬بالفن والداب ‪ ,‬والمراد منها طلب الحقيقة وجمالها ‪ .‬وأن هذين الشيئين أي ) ‪Truth and‬‬
‫‪ ( Beauty‬اسمان لشيء واحد في الحقيقة ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬بالعشق ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬بالحكمة ‪.‬‬
‫وأهم الشياء في فلسفة أن طريق تهذيب النفس وتكميل الروح ليس ببرهاني ول عقلي ‪ ,‬بل هو وجداني‬
‫وكشفي ‪ ,‬كما أن فلسفته في اللهيات تدور على وحدة الوجود ‪ ,‬وهذا عين ما كان يؤمن به الشيخ الكبر ابن‬
‫عربي وغيره ‪ ,‬كما أومن به أنا أيضا ( ‪. 1‬‬
‫وبمثل ذلك قال الخر ‪:‬‬
‫ول يبعد أن التصوف السلمي قد تأثر إلى حد كبير بالفلسفة اليونانية والتصوف الهندي والديان الخرى‬
‫المجاورة للعرب كالمسيحية في الشام واليهودية في اليمن والزرادشتية في العراق وبلد الفرس وغيرها إذ تم‬
‫الختلط بين العرب وبين معتنقي هذه الديانات في القرن الثاني والثالث الهجري ‪ ,‬وترجمت الفلسفة اليونانية‬
‫كما ترجمت الثقافات الخرى التي كانت موجودة عند أهل هذه البلد المفتوحة قبل دخولهم في الدين السلمي‬
‫‪.‬‬
‫لذلك رأى بعض العلماء أن التصوف السلمي هو إيجاد الفلسفة اليونانية ‪.‬‬
‫بينما قال البعض الخر ‪ :‬أنه نواة الدين المسيحي ‪ ,‬في حين أن فريقا من المحققين يميلون إلى التصوف‬
‫السلمي قد أخذته العرب من الهنود كما أخذت العرب الفلسفة من اليونان إذ كان التصوف شائعا رائجا بين‬
‫الهنود قبل السلم بقرون ‪ ,‬ولم يظهر عند العرب في صورة مذهب مستقل إل بعد فتح البلد الهندية‬
‫واختلطهم بأهل تلك البلد ( ‪. 2‬‬
‫فهذه هي عبارات ونصوص الباحثين من المسلمين الذين عرفوا بالبحث والكتابة عن التصوف والصوفية ‪,‬‬
‫والكثر منهم عرفوا بالولء للصوفية والدفاع عنهم وعن معتقداتهم ‪ ,‬والبعض منهم ُيَعّد من الصوفية ويحسب‬
‫على التصوف ‪.‬‬
‫هذا ولجل ذلك ذهب معظم المستشرقين إلى أن الفلطونية الحديثة من أهم مصادر التصوف ‪ ,‬وخاصة‬
‫للتصوف المتأخر من القرون الولى ‪ ,‬ولقد بحث المستشرق النجليزي نيكلسون هذا المر في مقالته عن‬
‫التصوف بمواضع عديدة ‪ ,‬فأرجع نشأته إلى عوامل خارجة عن السلم عملت عملها ابتداء من القرن الثالث‬
‫الهجري ‪ .‬وأهم هذه العوامل وأبرزها في نظره هو الفلطونية الحديثة المتأخرة التي كانت شائعة في مصر‬
‫والشام إلى عهد ذي النون المصري ومعروف الكرخي ‪ ,‬ولهذا يتخذ من ذي النون المصري محورا لبحثه في‬
‫هذه المقالة ‪ ,‬فيأتي بكثير من السانيد التاريخية عن حياة ذي النون ونشأته ‪ ,‬ويستدل بها على أن ذا النون‬
‫كان على علم بالحكمة اليونانية الشائعة في عصره ‪ .‬ويتتبع حركة الثقافة اليونانية المتأخرة وطرق وصولها‬
‫إلى المسلمين ‪.‬‬
‫وينتهي إلى أن التصوف في ناحيته النظرية مأخوذة من الفلطونية الحديثة موافقا في ذلك رأي ميركس الذي‬
‫شرح هذه النظرية في كتابه ) التاريخ العام للتصوف ومعالمه ( هيد لبرج سنة ‪ 1893‬م ‪. 3‬‬
‫ويقول نيكلسون ‪:‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫انظر تاريخ التصوف باللغة الردية ليوسف سليم جشتي ص ‪ 63‬وما بعد ط علماء اكيدمي وزارة الوقاف باكستان ‪ 1976‬م ‪.‬‬
‫مقدمة كتاب بايزيد النصاري للدكتور مير ولي خان الطبعة العربية ص ‪ 99‬ط مجمع البحوث السلمية باكستان ‪ 1396‬هـ ‪.‬‬
‫انظر مقدمة الكتور أبي العلء العفيفي لطائفة من الدراسات المجموعة باسم في التصوف السلمي وتاريخه ص ) س( ‪.‬‬

‫‪80‬‬

‫) ول حاجة بنا إلى الطناب في الكلم عن انتشار الثقافة الهلينية بين المسلمين في ذلك العصر ‪ ,‬فإن كل من‬
‫له إلمام بتاريخ العرب الدبي يعلم كيف طغت موجة العلوم اليونانية – وقد بلغت ذروتها آنئذ ‪ -‬على العراق‬
‫من مراكز ثلثة ‪ :‬من الديرة المسيحية في الشام ‪ ,‬ومن مدرسة جنديسابور الفارسية في خوزستان ‪ ,‬ومن‬
‫وثني حران أو الصابئة في الجزيرة ‪ .‬وقد نقل إلى العرب كتب ل حصر لعددها في الفلسفة والطب وسائر‬
‫العلوم اليونانية الخرى ‪ ,‬وعكف على دراستها المسلمون وأتخذوها أساسا قامت عليه اتجاهاتهم الجديدة في‬
‫البحث ‪ ,‬حتى لتكاد العلوم والفلسفة السلمية تكون مؤسسة على حكمة اليونان وحدها ‪.‬‬
‫وأبرز شخصية يونانية في الفلسفة السلمية هي أرسطو طاليس ل أفلطون ‪ ,‬ولكن العرب استمدوا أول‬
‫علمهم بفلسفة أرسطو طاليس من شراح الفلطونية الحديثة ‪ ,‬وكان المذهب الذي غلب عليهم هو مذهب‬
‫أفلوطين وفور فوريوس وأبرقلس ‪ .‬وليس كتاب ) أثولوجيا أرسطو طاليس ( الذي نقل إلى العربية حوالي‬
‫‪ 840‬م حسب تقدير دتريصي إل ملخصًا لمذهب الفلطونية الحديثة ‪ .‬ومعنى هذا أن الفكار الفلطونية‬
‫الحديثة قد انتشرت بين المسلمين انتشارا واسعًا ‪ ...‬ول داعي الن إلى السترسال في هذا الموضوع بأكثر‬
‫من هذا القدر ‪ ,‬ويكفي القول بأن المسلمين قد وجدوا المذهب الفلطوني الحديث أينما حلوا وفي أي مكان‬
‫اتصلوا فيه بالحضارة اليونانية ‪.‬‬
‫وقد كان لمصر والشام دائما الصدارة بين المم التي انتشرت فيها الحضارة اليونانية ‪ ,‬وهما البلدان اللذان‬
‫ظهر التصوف فيهما لول مرة بمعناه الدقيق وتطور كما أسلفنا ‪ .‬والرجل الذي اضطلع بأكبر قسط في تطور‬
‫هذا النوع من التصوف ‪ ,‬هو ذو النون المصري الذي وصف بأنه حكيم كيميائي ‪ ,‬أو بأنه – بعبارة أخرى –‬
‫أحد أولئك الذين نهلوا من منهل الثقافة اليونانية ‪ .‬فإذا أضفنا إلى هذا أن المعاني التي تكلم فيها ذو النون هي‬
‫_ في جوهرها – المعاني التي نجدها في كتابات يونانية مثل كتابات ديونيسيون ‪........‬‬
‫وليس عندي من شك في أن المذهب الغنوصي بعد ما أصابه من التغيير والتحوير على أيدي مفكري المسيحية‬
‫واليهودية ‪ ,‬وبعد امتزاجه بالنظريات اليونانية كان من المصادر الهامة التي أخذ عنها رجال التصوف‬
‫السلمي ‪ ,‬وأن بين التصوف والغنوصية مواضع اتفاق كثيرة هامة ‪ .‬ول شك عندي أيضًا في أن دراسة هذه‬
‫المسألة دراسة دقيقة وافية لما يأتي بأطيب الثمرات ‪ ,‬ولكنني على يقين من أننا إذا نظرنا إلى الظروف‬
‫التاريخية التي أحاطت بنشأة التصوف بمعناه الدقيق ‪ ,‬استحال علينا أن نرد أصله إلى عامل هندي أو فارسي ‪,‬‬
‫ولزم أن نعتبره وليدًا لتحاد الفكر اليوناني والديانات الشرقية ‪ :‬أو بمعنى أدق وليد اتحاد الفلسفة الفلطونية‬
‫الحديثة والديانة المسيحية والمذهب الغنوصي ( ‪ 1‬ز‬
‫ويقول في مقال آخر ‪:‬‬
‫) ومما يحملنا على الجزم بوجود أثر للفلسفة اليونانية في التصوف السلمي أن نظرية المعرفة فيه ظهرت‬
‫في غربي آسيا ومصر في بلد تأصلت فيها الثقافة اليونانية أحقابا طويلة ‪ ,‬وكان بعض المبرزين في الكلم‬
‫فيها من أصل غير عربي ( ‪. 2‬‬
‫وفي مقال آخر صرح بأن التصوف الفلسفي اللهي هو أثر من آثار النظر اليوناني ‪ ,‬ول يمكن النكار من‬
‫امتزاج الفكر اليوناني والدين السلمي في التصوف وخاصة الفلطونية المحدثة ‪. 3‬‬
‫وبمثل ذلك قال براون في كتابه ‪ 0‬تاريخ فارس الدبي ( ‪ ,‬والمستشرق الوليري في كتابه ) الفكر العربي‬
‫ومكانته في التاريخ ( ‪. 4‬‬
‫ومير كس في كتابه ‪. 5‬‬
‫‪ 1‬انظر في التصوف السلمي وتاريخه لنكلسون ترجمة عربية ص ‪ 14‬وما بعد ‪.‬‬
‫‪ 2‬أيضا ص ‪. 74 , 73‬‬
‫‪ 3‬صوفية السلم ص ‪. 15‬‬
‫‪ 4‬انظر ص ‪ , 196‬أيضا مدخل إلى التصوف للتفتازاني ص ‪. 33 , 32‬‬
‫‪ 5‬انظر كتابه التاريخ العام للتصوف ومعالمه ‪.‬‬

‫‪81‬‬

‫ويقول ماسينيون المستشرق الفرنساوي ‪:‬‬
‫) وتسربت الفلسفة اليونانية إلى العالم السلمي ‪ ,‬وأخذ يزداد باطراد منذ أيام الذرية القرامطة القدامى ‪,‬‬
‫والرازي الطبيب إلى عهد ابن سينا ‪ ,‬وكان من نتيجة ذلك أن استحدثت في القرن الرابع الهجري مصطلحات‬
‫ميتافيزيقة أدق من سابقتها يفهم منها أن الروح والنفوس جواهر غير مادية ‪ ,‬وأن ثمة معاني عامة وسلسلة‬
‫من العلل الثانية وغير ذلك ‪ ,‬وأن هذه المصطلحات اختلطت باللهيات المنحولة لرسطو ‪ ,‬وبمثل أفلطون ‪,‬‬
‫وفيوضات أفلوطين ‪ ,‬وقد كان لهذا كله أثر بالغ في تطور التصوف ( ‪. 1‬‬
‫فهذه هي آراء المستشرقين ‪ ,‬تشبه تماما آراء من ذكرناهم قبل ذلك من المسلمين ‪.‬‬
‫وهناك في كتب بعض الصوفية المتقدمين ما يدل على ارتباطهم بالفلسفة اليونانية وأخذهم عنها ‪ ,‬وتأثرهم بها‬
‫‪ ,‬حيث مجدوها وبالغوا في الثناء عليها ‪ ,‬وعلى من أوجدها وطرحها ونشرها بين الناس ‪ ,‬ولو حصل الخطأ‬
‫في نسبة بعض الراء والفكار إلى البعض دون البعض ‪ ,‬وإلى الواحد دون الخر كما مرت الشارات إلى ذلك‬
‫أثناء نقل العبارات السابقة عنهم ‪.‬‬
‫فيقول الجيلي في كتابه ) النسان الكامل في معرفة الواخر والوائل ( في الجزء الثاني منه ما يدل على حبه‬
‫العميق لموجدي الفلسفة اليونانية والربط الشديد لموجديها ‪ ,‬فيقول ‪:‬‬
‫) ولقد اجتمعت بأفلطون الذي يعدونه أهل الظاهر كافرا ‪ ,‬فرأيته وقد مل العالم الغيبي نورا وبهجة ‪ ,‬ورأيت‬
‫له مكانة لم أرها إل لحاد من الولياء ‪ ,‬فقلت له ‪ :‬من أنت ؟‬
‫قال ‪ :‬قطب الزمان وواحد الوان ‪ ,‬ولكم رأينا من عجائب وغرائب مثل هذا ليس من شرطها أن تفشي ‪ ,‬وقد‬
‫رمزنا لك في هذا الباب أسرارًا كثيرة ما كان يسعنا أن نتكلم فيها بغير هذا اللسان ‪ ,‬فألق القشر من الخطاب‬
‫وخذ اللب إن كنت من أولي اللباب ( ‪. 2‬‬
‫وفي مقام آخر من كتابه كتب أن أرسطو تلميذ أفلطون لزم خدمة الخضر واستفاد منه علوما جمة ‪ ,‬وكان من‬
‫تلمذته ‪. 3‬‬
‫وهذا غير ما ذكر من آرائه وآراء أفلطون وفلسفتهما ‪ ,‬والتعلق والتمسك بها ومصطلحاتها التي استعملها‬
‫واعتنقها وآمن بها ‪.‬‬
‫وبمثل ذلك كتب لسان الدين بن الخطيب في كتابه الصوفي الكبير ) روضة التعريف بالحب الشريف ( حيث‬
‫يلقب أفلطون كلما يذكره بمعلم الخير ‪ ,‬وأرسطو بحكيم متأله ‪ ,‬وسقراط وهرمس وغيرهم من أهل النوار ‪.‬‬
‫وحكى عن أرسطو ) خطأ ( أنه حصل له التحاد بالذات اللهية ‪ .‬فيقول نقل عن أرسطو أنه قال ‪:‬‬
‫) إني ربما خلوت بنفسي كثيرًا ‪ ,‬وجعلت بدني جانبا ‪ ,‬وصرت كأني مجردا بل بدن ‪ ,‬عري من الملبس‬
‫الطبيعية ‪ ,‬فأكون داخل في ذاتي ‪ ,‬خارجا من سائر الشياء ‪ .‬فأرى في ذاتي من الحسن والسناء ‪ ,‬والبهاء‬
‫والضياء والمحاسن العجيبة ‪ ,‬والمناظر النيقة ‪ ,‬ما أبقى له متعجبا متحيرًا باهتًا ‪ ,‬فأعلم أني جزء من أجزاء‬
‫العالم العلى الشريف ‪ .‬فلما أيقنت بذلك ‪ ,‬رقيت بذهني إلى العلة اللهية المحيطة بالكل ‪ ,‬فصرت كأني‬
‫موضوع متعلق بها ‪ .‬فأكون فوق العالم كله ‪ ,‬فأراني كأني واقف في ذلك الموقف الشريف المقدس اللهي‬
‫فأرى هنالك من النور والبهاء ‪ ,‬والبهجة والسناء ‪ ,‬ومل تقدر اللسن على صفته ‪ ,‬ول السماع على نعته ‪,‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫التصوف لماسينيون ص ‪. 39 , 38‬‬
‫النسان الكامل لعبد الكريم الجيلي ج ‪ 2‬ص ‪ 53 , 52‬الطبعة الرابعة ‪ 1981‬م ‪.‬‬
‫أيضا ج ‪ 2‬ص ‪. 117‬‬

‫‪82‬‬

‫ول الوهام أن تحيط به ‪ ,‬فإذا استغرقني ذلك النور والبهاء ‪ ,‬لم أطق على احتماله ‪ ,‬ول الصبر عليه فارتددت‬
‫عاجزًا عن النظر إليه ‪ ,‬وهبطت من العقل إلى الفكر والروية ‪ ,‬فإذا صرت في عالم الفكر والروية ‪ ,‬حجبت‬
‫الفكرة عني ذلك النور والبهاء ‪ ,‬وحالت بيني وبينه الوهام ‪ ,‬فأبقى متعجبًا كيف انحدرت من ذلك الموضع‬
‫الشاهق العالي اللهي ‪ ,‬وصرت سفل في موضع الفكر والضيقة ‪ ,‬بعد أن قويت نفسي على التخلف عن‬
‫بدنها ‪ ,‬والرجوع إلى ذاتها ‪ ,‬والترقي إلى العالم العقلي ‪ ,‬ثم العالم اللهي ‪ ,‬مع العقول فوق العوالم كلها ‪ ,‬حتى‬
‫صارت في موضع البهاء والنور والسناء مجتلية الذي هو علة كل نور وبهاء ‪ ,‬وسبب كل دواء وبقاء ‪.‬‬
‫ومن العجب ‪ .‬أني كنت رأيت نفسي ممتلئة نورًا ‪ ,‬وهي في البدن كهيئتها ‪ ,‬والبدن معها ‪ ,‬وهي خارجة عنه ‪,‬‬
‫على أني لما أطلت الفكرة ‪ ,‬ومحضت الروية ‪ ,‬وأجلت الرأي ‪ ,‬وصرت كالمتحير المبهوت ‪ ,‬تذكرت‬
‫الفلنطوس ‪ ,‬فإنه أمر بالطلب والبحث عن جوهر النفس الشريفة ‪ ,‬والحرص على الصعود إلى ذلك العالم‬
‫الشريف العلى ‪ .‬وقال ‪ :‬إنه من حرص على ذلك ‪ ,‬وارتقى إلى العالم العلى ‪ ,‬ولحق بالجواهر اللهية ‪,‬‬
‫والسباب الكلية ‪ ,‬يجزي أحسن الجزاء اضطرارا ‪ .‬فل ينبغي لحد أن يفتر عن الطلب والحرص ‪ ,‬والجد في‬
‫الرتقاء إلى ذلك العالم ‪ ,‬وإن تعب وكد ونصب ‪ ,‬فإن أمامه الراحة التي ل تعب بعدها ‪ ,‬في حياة دائمة ‪,‬‬
‫وعيشة راضية ‪ ,‬ولذات باقية ل يتناهى أمدها ‪ ,‬ول يقطع مددها ‪ ,‬مخلوقة للنسان كلها ‪ ,‬والنسان مخلوق‬
‫لها ‪ ,‬أليس عجزا أن تمر ساعة من عمره في غير ما خلق له من ذلك ؟ أليس من فرط في السعي لذلك ظالما‬
‫لنفسه ‪ ,‬ومهلكا ذاته ‪ ,‬وفاعل بجوهرته النفيسة ما لم يفعل به أعدى عدو له ‪ ,‬فيندم حين ل ينفعه الندم ( ‪. 1‬‬
‫ثم علق عليه بقوله ‪:‬‬
‫) وبيان هذه السعادة ‪ :‬من تعرض له ‪ ,‬فقد تعاطى ما ل يستقل به نفس ‪ ,‬ول تطمع فيه قوة ‪ ...‬وسبيل السعادة‬
‫عندهم الرياضة ‪ ,‬وعلج الخلق ‪ ,‬حتى يصير شيبها بالخير المحض وهو المبدأ ‪ ,‬وتلطيف السر ‪ ,‬وأن‬
‫يصرف عن النفس شواغل الجسم ‪ ,‬ويترقى في معارج المحبة والشوق إلى ذلك الكمال بالفكرة ‪ ,‬حتى تحس‬
‫النفس بانجذابها إلى عالمها ‪ ,‬وتفيض عليها عجائبه ‪ .‬وقد أخبر هؤلء اللهيون عن أنفسهم عن أنفسهم بما‬
‫ذكرناه آنفا ‪ ,‬من أنهم نزعوا جلبيب الجسمانية في هذا العالم ‪ ,‬وترقوا إلى العالم العلوي ‪ ,‬فأبصروا من نوره‬
‫ولذاته أمورًا مذهلة ‪ ,‬ثم عادوا إلى عالم الحس ‪ ,‬ورمزوا ذلك في كتبهم ‪ ,‬حسبما نقل سقراط الدنان ‪ ,‬ومعلم‬
‫الخير أفلطون وإمام المشائين أرسطو ( ‪. 2‬‬
‫وهذه العبارات منثورة مبعثرة في كتب القوم كثيرا ‪ ,‬ناطقة عن كنههم وحقيقة مشربهم الذي اختاروه منهجا‬
‫ومسلكا من التصوف والصوفية كشهادات داخلية واعترافات ذاتية ‪.‬‬
‫وعلى ذلك قال الصوفي المشهور عبد الوهاب الشعراني عن شيخه ‪:‬‬
‫) وكان سيدي أفضل الدين رحمه ال يقول ‪:‬‬
‫كثير من كلم الصوفية ل يتمشى ظاهره إل على قواعد المعتزلة والفلسفة فالعاقل ل يبادر إلى النكار بمجرد‬
‫عزو الكلم إليهم ‪ ,‬بل ينظر ويتأمل في أدلتهم التي استندوا إليها ‪ ,‬فما كل ما قاله الفلسفة والمعتزلة في‬
‫كتبهم يكون باطل ( ‪. 3‬‬
‫وبعد هذه الشهادات والعترافات ل نرى الحتياج إلى ذكر عبارات الصوفية ‪ ,‬ومقارنتها بآراء الفلسفة‬
‫والفلطونية المحدثة كي ل يطول بنا الحديث ولو أننا سوف نتكلم في هذا الخصوص ونضطر إلى سرد تلك‬
‫النصوص في محل آخر من الكتاب عند الحتياج والضرورة ‪.‬‬
‫فهذه هي مصادر التصوف ‪ ,‬التي استقى منها شجرته حتى نمت وازدهرت ‪ ,‬فأينعت وأثمرت ‪ ,‬ول يمكن رده‬
‫إلى مصدر واحد ) فإن أثر المسيحية والفلطونية الحديثة والفلسفة البوذية عامل ل سبيل لنا إلى إنكاره في‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫روضة التعريف للسان الدين بن الخطيب ص ‪. 561 , 560 , 559‬‬
‫أيضا ص ‪. 560‬‬
‫الطبقات الكبرى للشعراني ج ‪ 1‬ص ‪. 11‬‬

‫‪83‬‬

‫التصوف السلمي ‪ .‬وقد كانت هذه المذاهب والفلسفات متغلغلة في الوساط التي عاش فيها الصوفية ‪ ,‬فلم‬
‫يكن بّد من أن تترك طابعها في مذاهبهم ‪ ,‬ولدينا أدلة كافية توضح أثرها في التصوف ومكانتها منه ‪ ,‬ولو أن‬
‫المادة التي بين أيدينا ل تمكننا من تتبع أثرها بالتفصيل ‪ .‬وبالجملة يمكن القول بأن التصوف في القرن الثالث‬
‫– شأنه في ذلك شأن التصوف في عصر من عصوره – ظهر نتيجة لعوامل مختلفة أحدثت أثرها في‬
‫مجتمعه ‪ .‬أعني بهذه العوامل البحوث النظرية في معنى التوحيد السلمي ‪ ,‬والزهد والتصوف المسيحيين ‪,‬‬
‫ومذهب الغنوصية ‪ ,‬والفلسفة اليونانية والهندية ( ‪. 1‬‬
‫وكان هناك مصدر هام له تأثير قوي في تكوين التصوف وتشكيله ‪ ,‬وتحوير منهجه وتطويره ‪ ,‬وترويج‬
‫الفكار الجنبية البعيدة عن السلم وتعاليمه فيه ‪ ,‬غير هذه المصادر التي ذكرناها ‪ ,‬وهو ‪ :‬التشيع الذي وضع‬
‫نواته اليهود ‪ ,‬وساهمت في تنشئته وتنميته الديانات الفارسية ‪.‬‬
‫ولكن لما لهذا المصدر من أهمية كبيرة وتأثير كبير لتغيير وجهة التصوف ومجراه ‪ ,‬وتخليق أفكار غريبة‬
‫فوق الغرابة التي وجدت فيه من المصادر الخرى ربما تصطدم بنصوص صريحة للقرآن والسنة ل تحمل‬
‫التأويل وتقضي على تعاليمها ‪.‬‬
‫ولفارق آخر وهو أن مصادر التصوف الخرى أخذ منها التصوف أفكارها ‪ ,‬واقتبس منها آراءها دون أن‬
‫يكون لتلك المصادر قصد ورغبة ‪ ,‬وهدف وغرض ‪ ,‬ولتلقين المتصوفة تعاليمها وفلسفاتها ‪ ,‬ونشرها بينهم ‪,‬‬
‫ج نظرياته بين الصوفية عن قصد وعمد لتشويش المسلمين‬
‫س معتقداته ‪ ,‬ورو ّ‬
‫ث أفكاره ود ّ‬
‫غير أن التشيع ب ّ‬
‫في عقائدهم ومعتقداتهم وتبكيت أهل السنة عن العتراض على التشيع وزيغه وضلله ‪ ,‬وإلزامهم السكوت‬
‫بإبراز طائفة تنتمي إليهم ‪ ,‬وتحسب عليهم ‪ ,‬وتحمل نفس المعتقدات التي تشتمل عليها هي ‪ ,‬وهذا أمر خطير‬
‫في تاريخ الطوائف والفرق ‪ ,‬والملل والنحل ‪.‬‬
‫ولذلك نخصص لبيانه بابا مستقل ليكون الباحث والقارئ على إطلع كامل على ما يحتاجه هذا البحث ‪,‬‬
‫وتتطلبه هذه القضية ‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫نيكلسون ‪ :‬التصوف ‪ :‬دائرة معارف الدين والخلق ج ‪ 12‬ص ‪ 10‬وما بعد ‪ 1934‬م ‪ ,‬أيضا ) في التصوف السلمي وتاريخه ( ص ‪. 72‬‬

‫‪84‬‬

‫ب الثالث‬
‫الَبا ُ‬

‫التــ َ‬
‫وف‬
‫و الت ّ َ‬
‫ص ّ‬
‫شـّيع َ‬
‫إن التشيع أوجده اليهود ‪ ,‬وأسسوا أسسه ‪ ,‬وأصلوا أصوله ‪ ,‬وأرسو قواعده ‪ ,‬ووضعوا عقائده ومعتقداته ‪,‬‬
‫ي السلم ‪ ,‬واللبس ثوبه ولباسه ‪ ,‬تقية وخداعا ‪ ,‬الذي‬
‫ي بز ّ‬
‫بواسطة إبنهم البار عبد ال بن سبأ ‪ ,‬المتز ّ‬
‫أرسل إلى عاصمة الخلفة السلمية أيام الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان رضي ال عنه من قبل يهود‬
‫صنعاء اليمن لتقويض دعائم السلم ‪ ,‬وفناء دولته ‪ ,‬ومسخ شريعته السماوية البيضاء ‪ ,‬وهدم قوائمها‬
‫وأركانها ‪ ,‬وترويج عقائد اليهودية بين المسلمين ‪ ,‬وإيجاد الفرقة والختلف بينهم ‪ ,‬وإسعار نار الحقد‬
‫والبغضاء ‪ ,‬وفتح باب المطاعن والتلعن ‪ ,‬والسباب والشتائم ‪ ,‬بدل الخوة الصادقة والتواّد والتعاطف‬
‫والتراحم ‪:‬‬
‫) إن عبد ال بن سبأ كان يهوديا فأسلم ‪ ,‬ووالى عليا عليه السلم ‪ ,‬وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع‬
‫ي مثل ذلك ‪,‬‬
‫ي موسى بالغلو ‪ ,‬فقال في إسلمه بعد وفاة رسول ال صلى ال عليه وآله في عل ّ‬
‫بن نون وص ّ‬
‫ى ‪ ,‬وأظهر البراءة من أعدائه ‪ ,‬وكاشف مخالفيه ‪ ,‬وكفرهم ‪ .‬ومن‬
‫وكان أول من أشهر القول بفرض إمامة عل ّ‬
‫‪1‬‬
‫هنا قال من خالف الشيعة ‪ :‬إن التشيع والرفض مأخوذ من اليهودية ( ‪.‬‬
‫فاجتمع حوله وتحت لواء التشيع كثر من أبناء اليهودية البغيضة ‪ ,‬والفرس المهزومين ‪ ,‬والبابليين‬
‫المكسورين ‪ ,‬والموالي المقهورين ‪ ,‬والكارهين للعرب حكامهم ‪ ,‬والفاتحين بلدهم ‪ ,‬والخذين زمام أمورهم ‪,‬‬
‫بعد فشلهم في محاربة السلم وجيوشه المظفرة المنصورة وجها لوجه ‪ ,‬واندحار قوتهم ‪ ,‬وانكسار شوكتهم ‪,‬‬
‫فغّيروا أسلوبهم في مزاحمة السلم جهرا ‪ ,‬فتسّتروا بستار السلم ‪ ,‬ودخلوا في صفوفه ‪ ,‬واندمجوا في بيئته‬
‫‪ ,‬ورّوجوا بين المسلمين أفكارا يهودية ومجوسية ونصرانية ‪ ,‬وعقائد مدخولة مدسوسة ‪ ,‬نقمة على السلم‬
‫والمسلمين ‪ ,‬من حلول الله أو الجزء اللهي في الخلق ‪ ,‬وإجراء النبوة بعد خاتم النبيين صلوات ال وسلمه‬
‫عليه ‪ ,‬ونزول الوحي وإتيان الملئكة ‪ ,‬وحصول العصمة ‪ ,‬ووجود شخص في كل عصر وزمان به قيام‬
‫الرض وثباتها ‪ ,‬وعقيدة الوصاية والولية ‪ ,‬والخفاء والكتمان ‪ ,‬والتأويل ‪ ,‬و انقسام العلم إلى الظاهر‬
‫والباطن ‪ ,‬وتقسيم الناس إلى العامة والخاصة ‪ ,‬وتعطيل الشريعة ومسخها ‪ ,‬ومسخ تعاليمها ‪ ,‬ورفع التكليف‬
‫وغير ذلك من الخرافات والترهات مما ل علقة لها بالسلم ‪ ,‬قريبة ول بعيدة ‪ ,‬ولم يقصد من بّثها ودسها إل‬
‫ضرب السلم ومحوه من الوجود وتفريق كلمته ‪ ,‬وتشتيت قوته ‪ ,‬ودرء هيمنته ‪ ,‬وخرق هيبته ‪.‬‬
‫فكان هذا هو المقصود من تكوين التشيع وإنشائه ‪ ,‬فأدى التشيع في سبيل ذلك خدمات جليلة ‪ ,‬وكان أول‬
‫ضحيته سيدنا المام المظلوم عثمان بن عفان الخليفة الراشد الثالث وصهر رسول ال ‪ ,‬كما كان أول ثمرته‬
‫التفرق والتمزق ‪ ,‬والتشتت والتحزب في المة السلمية الواحدة ‪ ,‬المتفقة العقائد ‪ ,‬المتحدة الراء والفكار ‪,‬‬
‫فولدت الفرق ‪ ,‬ونشأت الطوائف العديدة وبرزت الراء الجديدة ‪ ,‬وراجت بين المسلمين مذاهب لم تكن‬
‫موجودة ول معروفة من قبل ‪ ,‬وكثير من المذاهب المنحرفة والعقائد الزائفة غّذيت من قبل التشيع ‪ ,‬ونّميت‬
‫عمت ‪ ,‬ولو أنه بعد حين صار هذا الزيغ والضلل من لوازم تلك النحلة ‪ ,‬وعلئم تلك‬
‫ورّبيت ‪ ,‬وأمّدت ود ّ‬
‫الطائفة ‪ ,‬حيث أنسى تقادم العهد المصدر الصلي ‪ ,‬والمنبع الحقيقي ‪ ,‬والموجد الول ‪ ,‬والمنشئ الصلي ‪,‬‬
‫وكان الهدف من هذا أن تعّم الفتنة ‪ ,‬ويكثر البلوى ‪ ,‬وتبعد أمة محمد صلى ال عليه وسلم من محمد عليه‬
‫الصلة والسلم وإرشاداته وتوجيهاته ‪ ,‬وعن الكتاب الذي أنزل على قلبه الطاهر ‪ ,‬وعن أحكامه وضوابطه ‪,‬‬
‫وأن تضعف كذلك ‪ ,‬ويضعف سلطانها ‪ ,‬وينكمش حكمها ‪ ,‬سلطتها و اختيارها ‪.‬‬

‫‪ 1‬رجال الكشي ص ‪ 101‬ط مؤسسة العلمي بكربلء ‪ -‬العراق ‪ .‬أيضا تنقيح المقال للمامقاني ج ‪ 2‬ص ‪ 184‬ط طهران ‪ ,‬أيضا فرق الشيعة للنوبختي‬
‫ص ‪ 44 , 43‬ط المطبعة الحيدرية بالنجف العراق ‪ 1379‬هـ ‪ ,‬كتاب المقالت والفرق لسعد بن عبد ال القمي ص ‪ 21‬ط طهران ‪1962‬م ‪ ,‬رجال‬
‫الطوسي ص ‪ 51‬ط نجف ‪ ,‬تحفة الحباب ص ‪ , 184‬ناسخ التواريخ ج ‪ 3‬ص ‪ 393‬ط إيران ‪ ,‬كتاب الرجال للحلي ص ‪ 469‬ط طهران ‪ 1383‬هـ ‪,‬‬
‫منهج المقال للسترابادي ص ‪ , 303‬شرح ابن أبي الحديد ج ‪ 2‬ص ‪ 309‬وغير ذلك من الكتب الشيعية الكثيرة ‪ ,‬ومثله في كتب السنة ‪.‬‬

‫‪85‬‬

‫فكان إحدى هذه الفرق والنحل والمشارب والمذاهب ‪ ,‬الصوفية والتصوف ‪ ,‬كما يظهر لمن درس كتب التاريخ‬
‫والعقائد والمسالك ‪ ,‬وتعمق في منشأ ومولد الطوائف والنحل أن كل فتنة ظهرت في تاريخ السلم ‪ ,‬وكل‬
‫ديانة طلعت من العدم إلى الوجود كان رأسها ومديرها ‪ ,‬أو منشئها ومدبرها واحد من الشيعة ‪.‬‬
‫وكذلك كان أمر الصوفية ‪ .‬فإن الثلثة الذين اشتهروا في التاريخ السلمي باسم الصوفي ولقبه بادئ ذي بدء‬
‫كان اثنان منهم من الشيعة أو متهمين بالتشيع ‪ ,‬كما أن هؤلء الثلثة كلهم كانوا من موطن الشيعة آنذاك ‪,‬‬
‫وهو الكوفة ‪.‬‬
‫فأبو هاشم الكوفي الذي فصلنا فيه القول فيما مر لم يرم بالتشيع ولكنه كان من الكوفة الشيعية ‪ ,‬ومتهما‬
‫بالزندقة والدهرية ‪. 1‬‬
‫أما جابر بن حيان فيذكره ماسينيون بقوله ‪:‬‬
‫) وورد لفظ الصوفي لقبا مفردا لول مرة في التاريخ في النصف الثاني من القرن الثامن الميلدي إذ نعت به‬
‫جابر بن حيان وهو صاحب كيمياء شيعي من أهل الكوفة ‪ ,‬له في الزهد مذهب خاص ( ‪. 2‬‬
‫وذكره نيكلسون بقوله ‪:‬‬
‫) جابر بن حيان الكيميائي المعروف كان يدعي جابر الصوفي ‪ ,‬وأنه تقلد كما تقلد ذو النون المصري علم‬
‫الباطن الذي يطلق عليه القفطي مذهب المتصوفين من أهل السلم ( ‪. 3‬‬
‫ويذكر المستشرق التشيكوسلوي بي كراؤس ‪ P. KRAUS‬وم بلسنر ‪ M. PLESSNER‬أن ) جابر‬
‫بن حيان كان من الشيعة الغلة ‪ ,‬ولعله كان من القرامطة أو السماعيلية ‪ ,‬وكان يرجح مثل النصيرية سلمان‬
‫على محمد ‪ ,‬كما كان يعتقد مثل الغلة والنصيرية عقيدة تناسخ الرواح (‪. 4‬‬
‫وهذان المستشرقان ينقلن عن جابر بن حيان نفسه أنه يقول ‪:‬‬
‫) إنه أخذ جميع علومه عن جعفر الصادق معدن الحكمة ‪ ,‬وأنه ليس إل الناقل المحض والمرتب ( ‪.‬‬
‫‪5‬‬

‫وبمثل ذلك قال هولميارد النجليزي الذي نشر عديدا من كتب جابر بن حيان ‪. 6‬‬
‫وأما الشيعة فيعدونه من أعيانهم ‪.‬‬
‫فلقد كتب السيد محسن المين الشيعي المشهور في ترجمته أكثر من ثلثين صفحة في كتابه ) أعيان الشيعة (‬
‫فيقول ‪:‬‬
‫) أبو عبد ال ‪ ,‬ويقال ‪ :‬أبو موسى جابر بن حيان بن عبد ال الطرطوسي الكوفي المعروف بالصوفي ‪ ....‬كان‬
‫حكيما رياضيا فيلسوفا عالما بالنجوم طبيبا منطقيا رصديا مؤلفا مكثرا في جميع هذه العلوم وغيرها ‪ :‬كالزهد‬
‫والمواعظ ‪ ,‬من أصحاب المام جعفر الصادق عليه السلم ‪ ,‬وأحد أبوابه ‪ ,‬ومن كبار الشيعة ‪ ,‬ومايأتي عند‬
‫تعداد مؤلفاته يدل على أنه كان من عجائب الدنيا ونوادر الدهر ‪ ,‬وأن عالما يؤلف ما يزيد على ‪ 3900‬كتاب‬
‫في علوم جهلها عقلية وفلسفية لهو حقا من عجائب الكون ‪ ,‬فبينا هو فيلسوف حكيم ومؤلف مكثر في الحيل‬
‫والنرنجيات والعزائم ومؤلف في الصنائع وآلت الحرب ‪ ,‬إذا هو زاهد واعظ مؤلف كتبا في الزهد والمواعظ (‬
‫‪.7‬‬
‫ثم نقل عن عديد من الشيعة أنهم ذكروا في كتبهم الرجالية ‪ ,‬وعّدوه من تلمذة جعفر بن الباقر ‪ ,‬ثم قال ‪:‬‬
‫‪ 1‬انظر طرائق الحقائق للحاج معصوم علي ج ‪ 1‬ص ‪. 101‬‬
‫‪ 2‬انظر دائرة المعارف السلمية أردو ج ‪ 6‬ص ‪ 419‬ط جامعة بنجاب باكستان الطبعة الولى ‪1962‬م ‪ ,‬كذلك التصوف لماسينيون ترجمة عربية ص ‪26‬‬
‫ط دار الكتاب اللبناني ‪1984‬م ‪.‬‬
‫‪ 3‬انظر كتاب في التصوف السلمي وتاريخه ترجمة الدكتور أبي العلء العفيفي ص ‪. 11‬‬
‫‪ 4‬انظر دائرة المعارف السلمية اردو ج ‪ 7‬ص ‪ 6‬مقال ) بي كراؤس ( و ) م بلنسر ( ‪.‬‬
‫‪ 5‬دائرة المعارف السلمية اردو ج ‪ 7‬ص ‪. 6‬‬
‫‪ 6‬انظر مقدمة كتاب الرحمة المنشور هولميارد ‪ ,‬وكتاب البيان وغيرهما ‪.‬‬
‫‪ 7‬أعيان الشيعة لمحسن المين الشيعي ج ‪ 15‬ص ‪ 88 , 87‬ط دار التعارف للمطبوعات بيروت ‪.‬‬

‫‪86‬‬

‫) يستفاد مما سلف أمور ‪ ,‬وهي ‪ :‬تشيعه ‪ ,‬وعلمه بصناعة الكيمياء ‪ ,‬وتصوفه ‪ ,‬وفلسفته ‪ ,‬وتلمذته على‬
‫الصادق عليه السلم ‪ ,‬واشتهاره عند أكابر العلماء ‪ ,‬واشتهار كتبه بينهم اشتهارا ل مزيد عليه ( ‪. 1‬‬
‫ثم كتب تحت عنوان ) أما تشيعه ( ‪:‬‬
‫) فيدل عليه عّد ابن طاوس له في منجمي الشيعة ‪ ,‬ورواية ابني بسطام عنه عن الصادق عليه السلم ‪,‬‬
‫وروايته خمسمائة رسالة للصادق عليه السلم كما ذكره اليافعي ‪ ,‬ونقل ابن النديم عن الشيعة أنه من كبارهم‬
‫وأحد البواب ‪ ,‬وأنه إنما كان يعني بسيده جعفر هو الصادق ‪ ,‬ل جعفر البرمكي ‪ ,‬ول ينافيه زعم الفلسفة أنه‬
‫منهم ‪ ,‬فإنه ل تنافي بين كونه فيلسوفا وشيعيا ‪ ,‬إذ المراد الفلسفة السلمية ‪ ,‬ل فلسفة الحكماء القدماء التي‬
‫قد تنافي الشريعة ‪ ,‬وقول ابن النديم ‪ :‬أن له كتبا في مذاهب الشيعة كما تقدم ذلك كله ( ‪. 2‬‬
‫ونقل أيضا عن الدكتور أحمد فؤاد الهواني أن ) والد جابر بن حيان قتل في خراسان لتهامه بالتشيع (‪. 3‬‬
‫ونضيف إلى ذلك أن الرجالي الشيعي المشهور الطهراني أيضا عده من رجال الشيعة حيث ذكر في موسوعته‬
‫كتابين له ‪ ) :‬كتاب الرحمة الصغير ‪ ,‬وكتاب الرحمة الكبير لجابر بن حيان الصوفي الطوسي الكوفي المتوفى‬
‫سنة مائتين من الهجرة ( ‪. 4‬‬
‫وأما من متقدمي الشيعة فيذكره ابن النديم بقوله ‪:‬‬
‫) وهو أبو عبد ال جابر بن حيان بن عبد ال الكوفي المعروف بالصوفي ‪ ,‬واختلف الناس في أمره ‪.‬‬
‫فقالت الشيعة ‪ :‬أنه كان من كبارهم وأحد البواب ‪ ,‬وزعموا أنه كان صاحب جعفر الصادق رضي ال عنه ‪,‬‬
‫وكان من أهل الكوفة ‪.‬‬
‫وزعم قوم من الفلسفة أنه كان منهم ‪ ,‬وله في المنطق والفلسفة مصنفات ‪.‬‬
‫وزعم أهل صناعة الذهب والفضة أن الرياسة انتهت إليه في عصره ‪ ,‬وأن أمره كان مكتوم ‪ .‬وزعموا أنه كان‬
‫يتنقل في البلدان ل يستقر به بلد خوفا من السلطان على نفسه ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬إنه كان في جملة البرامكة ومنقطعا إليها ‪ ,‬ومتحققا بجعفر بن يحيى ‪ .‬فمن زعم هذا قال ‪ :‬أنه عنى‬
‫بسيده جعفر هو البرمكي ‪.‬‬
‫‪5‬‬
‫وقالت الشيعة ‪ :‬إنما عنى جعفر الصادق ( ‪.‬‬
‫ثم أصدر رأيه في معتقداته بقوله ‪:‬‬
‫) ولهذا الرجل كتب في مذاهب الشيعة ( ‪.‬‬
‫‪6‬‬

‫ونقل عنه أنه )كان تلميذا لجعفر بن محمد الباقر ‪ ,‬أو عبده ( ‪. 7‬‬
‫ومما يدل على تشيعه وكونه من الحلوليين والمغالين في التشيع ما نقله في رسائله التي تنسب إليه أنه قال ‪:‬‬
‫) بعد ما سمعت كلم الصادق في الكيمياء والطلسم فخررت ساجدا ‪ ,‬فقال ) أي جعفر ( ‪ :‬لو كان سجودك لي‬
‫وحدك لكنت من الفائزين ‪ ,‬قد سجد لي آبائك الولون ‪ ,‬وسجودك لي سجودك لنفسك ( ‪. 8‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬

‫أيضا ص ‪. 102‬‬
‫أيضا ص ‪. 105‬‬
‫أعيان الشيعة ج ‪ 15‬ص ‪. 87‬‬
‫انظر الذريعة إلى تصانيف الشيعة ج ‪ 10‬ص ‪. 171‬‬
‫الفهرست لبن اندين ص ‪ 499 , 498‬ط دار المعرفة لبنان ‪.‬‬
‫أيضا ‪.‬‬
‫خلصة الثر للمحبي ج ‪ 1‬ص ‪ 213‬نقل عن الشيبي ‪.‬‬
‫مختار رسائل جابر بن حيان ص ‪. 78‬‬

‫‪87‬‬

‫وأما كونه تلميذا لجعفر فيقره الحاج خليفة في ) كشف الظنون ( ‪ ,‬وابن خلكان في وفياته ‪. 9‬‬
‫وغيرهمـــــا ‪.‬‬
‫ولقد فات الدكتور الشيبي عندما أنكر على جابر بن حيان التصوف حيث قال ‪:‬‬
‫) أن صلة جابر بالتصوف اسمية لنه لم يكن صاحب مجاهدة أو خوف ‪ ,‬أو نطاقا بأقوال زهدية ‪ ,‬وإنما نقل‬
‫عنه اشتغاله بالكيمياء ( ‪. 2‬‬
‫قد فاته ما ذكره ابن النديم في فهرسته نقل عن جابر بن حيان نفسه أنه قال ‪:‬‬
‫) ألفت كتبا في الزهد والمواعظ ( ‪. 3‬‬
‫وكذلك ما نقله هو نفسه عن ) أخبار الحكماء ( أن ) جابر بن حيان كان مشرفا على كثير من علوم الفلسفة‬
‫ومتقلدا للعلم المعروف بعلم الباطن ‪ ,‬وهو مذهب المتصوفين من أهل السلم ‪ ,‬كالحارث المحاسبي ‪ ,‬وسهل‬
‫بن عبد ال التستري ونظرائهم ( ‪. 4‬‬
‫وكذلك ما نقله فيليب حتى حيث قال ‪:‬‬
‫) أنه ادعى مذهبا خاصا في الزهد ( ‪.‬‬
‫‪5‬‬

‫فهذا هو أول الثلثة الذين لقبوا بالصوفية ‪ ,‬والذي توفي بين ‪ 160‬إلى ‪ 200‬هجرية على اختلف في القوال‬
‫‪.‬‬

‫‪9‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫انظر وفيات العيان لبن خلكان تحت ترجمة جعفر بن الباقر ‪.‬‬
‫انظر الصلة بين التصوف والتشيع ج ‪ 1‬ص ‪ 289‬ط دار الندلس بيروت الطبعة الثالثة ‪ 1982‬م ‪.‬‬
‫الفهرست لبن النديم ص ‪. 503‬‬
‫أخبار الحكماء للقفطي ص ‪. 111‬‬
‫تاريخ العرب للهتي ج ‪ 2‬ص ‪. 22‬‬

‫‪88‬‬

‫عْبـــــــــــــــــــــدك‬
‫َ‬

‫و أما الثاني فهو عبد ال الصوفي فأيضا ذكره كل من المستشرق ماسينيون والباحث اليراني الشيعي الدكتور‬
‫قاسم غني ‪ ,‬والشيعي العراقي دكتور مصطفى الشيبي وغيرهم ‪ ,‬شاهدين بأنه كان شيعيا مغاليا ‪.‬‬
‫فيقول ما سينيون ‪:‬‬
‫) أما صيغة الجمع ) الصوفية ( التي ظهرت عام ‪199‬هـ ) ‪ 814‬م ( في خبر فتنة قامت بالسكندرية فكانت‬
‫تدل – قرابة ذلك العهد فيما يراه المحاسبي والجاحظ – على مذهب من مذاهب التصوف السلمي يكون‬
‫شيعيا نشأ في الكوفة ‪ ,‬وكان عبدك الصوفي آخر أئمته ‪ ,‬وهو من القائلين بأن المامة بالتعيين ‪ ,‬وكان ل يأكل‬
‫اللحم ‪ ,‬وتوفي ببغداد حوالي عام ‪210‬هـ ) ‪ 825‬م( ‪.‬‬
‫وإذن فكلمة ) صوفي ( كانت أول أمرها مقصورة على الكوفة ( ‪. 1‬‬
‫وكتب دكتور ) قاسم غني ( عنه ‪:‬‬
‫) كان رجل معتزل الناس ‪ ,‬زاهدا ‪ ,‬وكان أول من لقب بلقب الصوفي – وأضاف الدكتور قاسم غني ‪ :‬وهذا‬
‫اللفظ كان يطلق في تلك اليام على بعض زهاد الشريعة من الكوفيين ‪ ,‬وقد أطلقت هذه الكلمة أيضا في سنة‬
‫‪199‬هـ على بعض الناس مثل ثوار السكندرية ‪ ,‬ولن عبدك كان ل يأكل اللحم ‪ ,‬عده بعض المعاصرين من‬
‫الزنادقة ‪ .‬وكذلك يقول ماسينيون ‪ :‬لم يكن السالكون في القرون الولى يعرفون باسم الصوفية ‪ ,‬وقد عرف‬
‫الصوفي في القرن الثالث ‪ ,‬وأول من اشتهر في بغداد بهذا السم هو عبدك الصوفي الذي كان من كبار‬
‫شيوخهم وأقطابهم ‪ ,‬وهو سابق على بشر بن الحارث الحافي المتوفى سنة مائتين وسبع وعشرين ‪ ,‬وأيضا‬
‫قبل السري السقطي المتوفى في سنة مائتين وخمس وعشرين ‪.‬‬
‫وبناء على ذلك نالت كلمة الصوفي شهرة في بادئ المر في الكوفة ‪ ,‬ثم أصبحت أهميتها كبيرة بعد نصف‬
‫قرن في بغداد ‪ ,‬وصار المقصود من كلمة الصوفية جماعة عرفاء العراق بازاء جماعة الملمتية الذين كانوا‬
‫من عرفاء خراسان ‪ ,‬وتجاوز الطلق حده منذ القرن الرابع وما بعده ‪ .‬وأصبح المقصود من إطلق كلمة‬
‫الصوفية ‪ ,‬جميع عرفاء المسلمين ‪ .‬وارتداء الصوف أي الجبة البيضاء الصوفية الذي كان حوالي أواخر‬
‫القرن الول من عادة الخوارج والمسيحيين ( ‪. 2‬‬
‫هذا ونقل الشيبي عن السمعاني أنه قال ‪:‬‬
‫) إن اسم عبدك هو عبد الكريم ‪ ,‬وأن حفيده محمد بن علي بن عبدك الشيعي كان مقدم الشيعة ( ‪.‬‬
‫ثم قال ‪:‬‬
‫) وهكذا يبدو عبدك جامعا لتجاهات عديدة مختلفة نابعة من التشيع ‪ ,‬الممتزجة بالزهد المتأثر بظروف الكوفة‬
‫التي انتقل منها كثير من سكانها إلى بغداد ‪ ,‬بعد أن صارت عاصمة للدولة الجديدة ‪ ,‬والمهم في شأن عبدك أنه‬
‫أول كوفي يطلق عليه اسم صوفي بعد انتقاله إلى بغداد ‪ ...‬وقد رأينا أن لبس الصوف قد نبع من بيئة الكوفة‬
‫التي عرفت بتمسكها بالتشيع ومعارضتها وحربها بالسيف أو بالقول أو بالقلب لمن نكل بالئمة العلويين ‪,‬‬
‫وذلك – إذا صح – يقطع بأن التصوف في أصوله الولى كان متصل بالتشيع ( ‪. 4‬‬
‫‪3‬‬

‫هذا ولقد ذكره أيضا من المتقدمين الملطي بقوله ‪:‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫دائرة المعارف السلمية أردو ج ‪ 6‬ص ‪ , 419‬أيضا التصوف لماسينيون ترجمة عربية ص ‪. 27‬‬
‫تاريخ التصوف في السلم للدكتور قاسم غني ترجمة عربية ص ‪. 65 , 64‬‬
‫النساب للسمعاني نقل عن الصلة بين التصوف والتشيع ص ‪. 293‬‬
‫الصلة بين التصوف والتشيع ج ‪ 1‬ص ‪. 293‬‬

‫‪89‬‬

‫) إن عبدك كان رأس فرقة من الزنادقة الذين زعموا أن الدنيا كلها حرام محرم ل يحل الخذ منها إل القوت‬
‫من حيث ذهب أئمة العدل ‪ ,‬ول تحل الدنيا إل بإمام عادل وإل فهي حرام ‪ ,‬ومعاملة أهلها حرام ‪ ,‬فحل لك أن‬
‫تأخذ القوت من الحرام من حيث كان ( ‪. 5‬‬
‫فهذا هو الرجل الثاني الذي لقب بلقب الصوفي بداية المر ‪.‬‬
‫وأما الثالث فلقد ذكرناه فيما مر ‪ ,‬وهو كوفي أيضا ‪ ,‬ولكنه من العجائب فهو وإن لم يكن متهما بالتشيع متهم‬
‫بالزندقة والدهرية كما ذكر الحاج معصوم علي ‪:‬‬
‫كان يلبس لباسا طويل من الصوف كفعل الرهبان ‪ ,‬ويرى أنه كان يقول بالحلول والتحاد مثل النصارى ‪ ,‬غير‬
‫أن النصارى أضافوا الحلول والتحاد إلى عيسى عليه السلم وأضافهما هو إلى نفسه ‪ ,‬وكان مترددا بين‬
‫هاتين الدعوتين ‪ ,‬ولم يعلم على أيهما استقر في النهاية – ونقل عن كتاب أصول الديانات أنه ‪ : -‬كان أمويا‬
‫وجبريا في الظاهر وباطنيا ودهريا في الباطن ‪ ,‬وكان مراده من وضع هذا المذهب أن يثير الضطراب في‬
‫السلم ( ‪. 2‬‬
‫ومن الغرائب أن شخصا آخر وهو ذو النون المصري الذي يقال عنه ‪ ) :‬أنه أول من عرف التوحيد بالمعنى‬
‫الصوفي ( ‪. 3‬‬
‫وهو ‪ ) :‬رأس هذه الطائفة ‪ ,‬فالكل قد أخذ عنه وأنتسب إليه ‪ ,‬وقد كان المشائخ قبله ولكنه أول من فسر‬
‫الرشادات الصوفية وتكلم في هذا الطريق ( ‪. 4‬‬
‫وأنه ‪ ) :‬هو أول من تكلم في بلده في ترتيب الحوال ومقامات أهل الولية ( ‪. 5‬‬
‫كما أثر عنه بأنه ) أول من وضع تعريفات للوجد والسماع ( ‪. 6‬‬
‫وعلى ذلك قال بحق ‪ ,‬الكاتب النجليزي المشهور عن الصوفية ‪:‬‬
‫) هو أحق رجال الصوفية على الطلق بأن يطلق عليه اسم واضع التصوف ‪ ,‬وقد اعترف له بالفضل في هذا‬
‫الميدان كّتاب التراجم المؤرخون من المسلمين ( ‪. 7‬‬
‫فهذا هو الشخص الخر من واضعي التصوف ‪ ,‬وكان أيضا متهما بالزندقة والشتغال بالسحر والطلسمات كما‬
‫نقل المام الذهبي عن يوسف بن أحمد البغدادي أنه قال ‪:‬‬
‫) كان أهل ناحيته يسمونه بالزنديق ( ‪. 8‬‬
‫ونقل أيضا عن السلمي أنه قال ‪:‬‬
‫) ذو النون أول من تكلم ببلدته في ترتيب الحوال ‪ ,‬ومقامات الولياء ‪ ,‬فأنكر عليه عبد ال بن عبد الحكم ‪,‬‬
‫وهجره علماء مصر ‪ .‬وشاع أنه أحدث علما لم يتكلم فيه السلف ‪ ,‬وهجروه حتى رموه بالزندقة ‪ .‬فقال أخوه ‪:‬‬
‫أنهم يقولون ‪ :‬إنك زنديق ‪ .‬فقال ‪:‬‬
‫ومالي سوى الطراق والصمت حيلة‬
‫‪5‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬
‫‪9‬‬

‫ووضعي كفى تحت خدي وتذكاري ( ‪. 9‬‬

‫التنبيه والرّد للملطي تحقيق محمد زاهد الكوثري ص ‪ , 1‬ط مصر ‪ 1360‬هـ ‪.‬‬
‫طرائق الحقائق للحاج معصوم على ج ‪ 1‬ص ‪. 101‬‬
‫انظر الرسالة القشيرية لبي القاسم عبد الكريم القشيري بتحقيق عبد الحليم محمود ط دار الكتب الحديثة – القاهرة ‪.‬‬
‫نفحات النس للجامي ص ‪ 33‬الطبعة الفارسية إيران ‪.‬‬
‫النجوم الزاهرة للتغري البردي التابكي ج ‪ 2‬ص ‪ 320‬ط وزارة الثقافة مصر ‪.‬‬
‫الرسالة القشيرية تحقيق عبد الحليم محمود ط القاهرة ‪.‬‬
‫في التصوف السلمي وتاريخه لينكسون ترجمة أبي العلء العفيفي ص ‪ 7‬ط القاهرة ‪.‬‬
‫انظر سير أعلم النبلء للذهبي ج ‪ 11‬ص ‪. 533‬‬
‫أيضا ص ‪. 534‬‬

‫‪90‬‬

‫وقال المام الذهبي ‪:‬‬
‫) وقل ما روى الحديث ول كان يتقنه ‪ ,‬وقال الدارقطني ‪ :‬روى عن مالك أحاديث فيها نظر ( ‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫والصوفي المشهور فريد الدين العطار يكتب في ترجمته أنه ) كان من الملمتية لنه أخفى تقواه بظهوره في‬
‫الناس بالستخفاف بأمور الشرع ‪ ,‬ولذلك عده المصريون زنديقا ‪ ,‬ولو أنهم اعترفوا له بالولية بعد موته (‬
‫‪.2‬‬
‫وقد ذكره ابن النديم من الملمين بعلم الكيمياء ‪ ,‬والعارفين به والكاتبين فيه ‪. 3‬‬
‫ويذكره القفطي بقوله ‪:‬‬
‫) ذو النون بن إبراهيم الخميمي المصري ‪ ,‬من طبقة جابر بن حيان في انتحال صناعة الكيمياء ‪ ,‬وتقلد علم‬
‫الباطن والشراف على كثير من علوم الفلسفة ‪ .‬وكان كثير الملزمة لبر با بلدة إخميم ‪ ,‬فإنها بيت من بيوت‬
‫الحكمة القديمة ‪ ,‬وفيها التصاوير العجيبة والمثالت الغريبة التي تزيد المؤمن إيمانا ‪ ,‬والكافر طغيانا ‪.‬‬
‫ويقال ‪ :‬أنه فتح عليه علم ما فيها بطريق الولية ‪ .‬وكانت له كرامات ( ‪. 4‬‬
‫وكذلك المسعودي يذكر أنه ) جمع معلوماته عن ذي النون من أهل إخميم عندما زار هذا البلد ‪ .‬وهو يروي‬
‫عنهم أن أبا الفيض ذا النون المصري الخميمي الزاهد كان حكيما سلك طريقا خاصا ‪ ,‬وأتخذ في الدين سيرة‬
‫خاصة ‪ ,‬وكان من المعنيين بحل رموز البرابي في إخميم ‪ ,‬كثير التطواف بها ‪ .‬وأنه وفق إلى حل كثير من‬
‫الصور والنقوش المرسومة عليها ‪ ,‬ثم يذكر المسعودي ترجمة لطائفة من هذه النقوش التي ادعى ذو النون‬
‫أنه قرأها وحلها ( ‪. 5‬‬
‫ثم وبعد ذكر هذه العبارات كتب نيكلسون ما خلصته ‪ ) :‬أن ذا النون كان كثير العكوف على دراسة النقوش‬
‫البصرية المكتوبة على المعابد وحل رموزها ‪ ,‬كما كانت مصر القديمة في نظر المسلمين مهد علوم الكيمياء‬
‫والسحر وعلوم السرار ‪ ,‬وكان هو من أصحاب الكيمياء والسحر مع أن السلم حرم السحر ‪ ,‬ولذلك ستره‬
‫بلباس الكرامات ‪ ,‬ومن هنا بدا تأثير السحر في التصوف ‪ ,‬ويؤيد ذلك استخدام ذي النون الدعية السحرية‬
‫واستعماله البخور لذلك كما ذكره القشيري في رسالته ( ‪. 6‬‬
‫فهذا هو الرجل الخر من الثلثة الول الذين يقال عنهم بأنهم أول من لقبوا بهذا اللقب ‪ ,‬ووصفوا بهذا‬
‫الوصف ‪ ,‬وعرفوا بهذا الرسم أو عّرفوا هذا الطريق إلى الناس بادئ ذي بدء ‪.‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫أيضا ص ‪. 533‬‬
‫تذكرة الولياء لفريد الدين العطار ص ‪ 69‬ط باكستان ‪ ,‬أيضا في التصوف السلمي وتاريخه لنيكلسون ص ‪. 9‬‬
‫انظر ابن النديم ص ‪. 504 , 503‬‬
‫إخبار العلماء بأخبار الحكماء ص ‪ 185‬المنقول من كتاب في التصوف السلمي وتاريخه لنيلكسون ص ‪. 9‬‬
‫انظر في التصوف السلمي وتاريخه نقل عن مروج الذهب ‪.‬‬
‫المصدر السابق ص ‪ 9‬وما بعد‪.‬‬

‫‪91‬‬

‫س ُ‬
‫وف‬
‫سل َ ِ‬
‫َ‬
‫ل الت ّ َ‬
‫ص ّ‬
‫ومن شواهد تأثر التصوف بالتشيع وعلمائها أن سلسل التصوف كلها ما عدا النادر القليل منها تنتهي إلى‬
‫علي بن أبي طالب رضي ال عنه دون سائر أصحاب رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ ,‬وفي طرق إسنادها إلى‬
‫علي أسماء أئمة الشيعة المعصومين حسب زعمهم من أولد علي رضي ال عنه دون غيرهم ‪ ,‬وأن رؤساء‬
‫هذه العصابة يذكر لهم اتصال وثيق ‪ ,‬وصلت وطيدة مع أئمة القوم كما يذكر في تراجمهم وسيرهم‬
‫وأحوالهم ‪ ,‬إضافة إلى ذلك أن الخرقة الصوفية ل يبدأ ذكرها أيضا إل من علي رضي ال عنه أيضا ‪.‬‬
‫فإن علي بن أبي طالب رضي ال عنه مع كونه من سادة أصحاب رسول ال صلى ال عليه وسلم وأشرافهم ‪,‬‬
‫ومن العشرة المبشرين بالجنة ‪ ,‬ورابع الربعة من الخلفاء الراشدين الذين خلفوا رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم بعد وفاته لقيادة هذه المة وتسيير أمورها ولكنه لم يكن أزهد من أبي بكر الصديق رضي ال عنه ‪ ,‬ول‬
‫من عمر الفاروق رضي ال عنه ) أبي بكر الصديق السابق بالتصديق الملقب بالعتيق ‪ ,‬المؤيد من ال‬
‫بالتوفيق ‪ ,‬صاحب النبي صلى ال عليه وسلم في الحضر والسفار ‪ ,‬ورفيقه الشفيق في جميع الطوار ‪,‬‬
‫وضجيعه بعد الموت في الروضة المحفوفة بالنوار ‪ ,‬المخصوص في الذكر الحكيم بمفخر فاق به كافة الخيار‬
‫‪ ,‬وعامة البرار ‪ ,‬وبقي له شرفه على كرور العصار ‪ ,‬ولم يسم إلى ذروته همم أولي اليدي والبصار ‪,‬‬
‫حيث يقول علم السرار ‪ :‬ثاني اثنين إذ هما في الغار ‪ ,‬إلى غير ذلك من اليات والثار ‪ ,‬ومشهور النصوص‬
‫الواردة فيه والخبار ‪ ,‬التي غدت كالشمس في النتشار ‪ ,‬وفضل كل من فاضل ‪ ,‬وفاق كل من جادل وناضل ‪,‬‬
‫ونزل فيه ‪ :‬ل يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل ‪ ,‬توحد الصديق ‪ ,‬في الحوال بالتحقيق ‪ ,‬واختار‬
‫الختيار من ال دعاه إلى الطريق ‪ ,‬فتجرد من الموال ‪ ,‬والغراض ‪ ,‬وانتصب في قيام التوحيد للتهدف‬
‫والغراض ‪ ,‬صار للمحن هدفا ‪ ,‬وللبلء غرضا ‪ ,‬وزهد فيما عزله جوهرا كان أو عرضا ( ‪. 1‬‬
‫) ومات ولم يترك دينارا ول درهما ( ‪. 2‬‬
‫) وكفن في ثوبين مستعملين قديمين ( ‪. 3‬‬
‫وقال في آخر لحظاته من الحياة موصيا أهله وورثته ‪:‬‬
‫) أما إّنا منذ ولينا أمر المسلمين لم نأكل لهم دينارا ول درهما ولكنا قد أكلنا من جريش طعامهم في بطوننا ‪,‬‬
‫ولبسنا من خشن ثيابهم على ظهورنا وليس عندنا من فيء المسلمين قليل ول كثير إل هذا العبد الحبشي ‪,‬‬
‫وهذا البعير الناضح ‪ ,‬وجرد هذه القطيفة ‪ ,‬فإذا مت فابعثي بهن إلى عمر وأبرئي منهن ‪ .‬ففعلت ‪.‬‬
‫فلما جاء الرسول بكى عمر حتى جعلت دموعه تسيل في الرض ويقول ‪ :‬رحم ال أبا بكر لقد أتعب من بعده (‬
‫‪.4‬‬
‫وعمر الفاروق رضي ال عنه ) ذو المقام الثابت المأنوق ‪ ,‬أعلن ال تعالى به دعوة الصادق المصدوق ‪,‬‬
‫وفرق به بين الفصل والهزل ‪ ,‬وأيد بما قواه به من لوامع الطول ‪ ,‬ومهد له من منائح الفضل شواهد‬
‫التوحيد ‪ ,‬وبدد به مواد التنديد ‪ ,‬فظهرت الدعوة ‪ ,‬ورسخت الكلمة ‪ ,‬فجمع ال تعالى بما منحه من الصولة ‪,‬‬
‫ما نشأت لهم من الدولة ‪ ,‬فعلت بالتوحيد أصواتهم بعد تخافت ‪ ,‬وتثبتوا في أحوالهم بعد تهافت ‪ ,‬غلب كيد‬
‫المشركين بما ألزم قلبه من حق اليقين ‪ ,‬ل يلتفت إلى كثرتهم وتواطيهم ‪ ,‬ول يكترث لممانعتهم وتعاطيهم ‪,‬‬
‫إتكال ‪ ,‬اتكال على من هو منشئهم وكافيهم ‪ ,‬واستنصارا بمن هو قاصمهم وشافيهم ‪ ,‬محتمل لما احتمل‬
‫الرسول ‪ ,‬ومصطبرا على المكاره لما يؤمل من الوصول ‪ ,‬ومفارقا لمن اختار التنعم والترفيه ‪ ,‬ومعانقا لما‬
‫كلف من التشمر والتوجيه ‪ ,‬المخصوص من بين الصحابة بالمعارضة للمبطلين ‪ ,‬والموافقة في الحكام لرب‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫حلية الولياء وطبقات الصفياء للصفهاني ص ‪ 29 , 28‬ط دار الكتاب العربي بيروت ‪.‬‬
‫طبقات بن سعد ج ‪ 3‬ص ‪. 195‬‬
‫أيضا ‪.‬‬
‫أيضا ص ‪. 196‬‬

‫‪92‬‬

‫العالمين ‪ ,‬السكينة تنطق على لسانه ‪ ,‬والحق يجري الحكمة عن بيانه ‪ ,‬كان للحق مائل ‪ ,‬وبالحق صائل ‪,‬‬
‫وللثقال حامل ‪ ,‬ولم يخف دون ال طائل ( ‪. 1‬‬
‫و) كان بين كتفيه أربع رقاع ‪ ,‬وإزاره مرقوع بأدم ‪ ,‬وخطب على المنبر وعليه إزار فيه اثني عشر رقعة ‪,‬‬
‫وأنفق في حجته ستة عشر دينارا ‪ ,‬وقال لبنه ‪ :‬قد أسرفنا ‪.‬‬
‫‪2‬‬
‫وكان ل يستظل بشيء غير أنه كان يلقى كساءه على الشجر ويستظل تحته ‪ ,‬وليس له خيمة ول فسطاط ( ‪.‬‬
‫وقال في وصيته التي وصى بها ابنه في آخر لحظة من عمره ‪ ,‬وقد استسلف مال من بيت مال المسلمين ‪:‬‬
‫) بع فيها أموال عمر ‪ ,‬فإن وفت وإل فسل بني عدي ‪ ,‬وإن وفت وإل فسل قريشا و ل تعدهم ( ‪. 3‬‬
‫وإلى ذلك أشار شيخ السلم ابن تيمية في منهاجه رّدا على الشيعة الذين قالوا ‪ :‬إن عليا كان أزهد أصحاب‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ ,‬فقال ‪:‬‬
‫) أزهد الناس بعد رسول ال الزهد الشرعي أبو بكر وعمر ‪ ,‬وذلك أن أبا بكر كان له مال يكسبه فأنفقه مله‬
‫في سبيل ال ‪ ...‬ولقد تل أبا بكر عمر في هذا الزهد ‪ ,‬وكان فوق علي في ذلك يعني في إعراضه عن المال‬
‫واللذات ‪.‬‬
‫وأما علي رضي ال عنه فتوسع في هذا المال من حله ‪ ,‬ومات عن أربع زوجات وتسعة عشر أم ولدًا سوى‬
‫الخدم ‪ ,‬وتوفي عن أربعة وعشرين ولدا من ذكر وأنثى ‪ ,‬وترك لهم من العقار والضياع ما كانوا به أغنياء‬
‫قومهم ومياسيرهم ‪ ,‬هذا أمر مشهور ل يقدر على إنكاره من له أقل علم بالخبار ‪ ...‬فصح بالبرهان‬
‫الضروري أن أبا بكر رضي ال عنه أزهد من جميع الصحابة رضي ال عنهم ‪ ,‬ثم عمر ( ‪. 4‬‬
‫هذا وكان في أصحاب رسول ال زهاد آخرون ولكن المتصوفة لم ينهوا سلسلة سندهم إل إلى علي بن أبي‬
‫طالب رضي ال عنه مثل الشيعة الذين يجعلونه أول إمام لهم ‪ .‬كما نقل الهجويري عن الجنيد أنه قال ‪:‬‬
‫) شيخنا في الصول والبلء على المرتضى ‪ ,‬أي أن علي بن أبي طالب هو إمام هذه الطريقة في العلم‬
‫والمعاملة ‪ ,‬فأهل الطريقة يطلقون على علم الطريقة اسم الصول ‪ ,‬ويسمون تحمل البلء فيها بالمعاملت (‬
‫‪.5‬‬
‫وهو الذي نقل عنه العطار أنه قال ‪:‬‬
‫) ولقد وهبه ال تعالى من العلم والحكمة والكرامة ‪ ,‬وماذا كنا نصنع لو لم ينطق المرتضى بهذا القول على‬
‫سبيل الكرامة ( ‪. 6‬‬
‫ويقول الطوسي أبو نصر السراج ‪:‬‬
‫) ولمير المؤمنين علي رضي ال عنه خصوصية من بين جميع أصحاب رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫بمعاني جليلة ‪ ,‬وإشارات لطيفة ‪ ,‬وألفاظ مفردة ‪ ,‬وعبارة وبيان للتوحيد والمعرفة واليمان والعلم ‪ ,‬وغير ذلك‬
‫‪ ,‬وخصال شريفة تعلق وتخلق به أهل الحقائق من الصوفية ( ‪. 7‬‬
‫) وأما علي بن أبي طالب كرم ال وجهه فذاك مدينة العلم ‪ ,‬وأول آخذ لبيعة الطريق – طريق الولياء – وأول‬
‫ملقن بالذكر والسر من الرسول صلى ال عليه وسلم ( ‪. 8‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬

‫حلية الولياء للصفهاني ج ‪ 1‬ص ‪. 38‬‬
‫البداية والنهاية لبن كثير ج ‪ 7‬ص ‪. 135 , 134‬‬
‫طبقات ابن سعد ج ‪ 3‬ص ‪. 358‬‬
‫منهاج السنة النبوية لشيخ السلم ابن تيمية ج ‪ 4‬ص ‪. 131 , 130 , 129‬‬
‫كشف المحجوب للهجويري ترجمة عربية للدكتورة اسعاد عبد الهادي ص ‪ 274‬ط بيروت ‪. 1980‬‬
‫انظر تذكرة الولياء لفريد الدين العطار ص ‪ 185‬ط باكستان ‪.‬‬
‫انظر كتاب اللمع للطوسي ص ‪. 179‬‬
‫جمهرة الولياء وأعلم أهل التصوف للمنوفي الحسيني ج ‪ 1‬ص ‪. 122‬‬

‫‪93‬‬

‫لن جبريل عليه السلم نزل إلى رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ ) :‬أول بالشريعة ‪ ,‬فلما تقررت ظواهر‬
‫الشريعة واستقرت نزل إليه بالحقيقة المقصودة والحكمة المرجوه من أعمال الشريعة وهي اليمان والحسان‬
‫فخص رسول ال صلى ال عليه وسلم بباطن الشريعة بعض أصحابه دون البعض ‪.‬‬
‫وكان أول من أظهر علم القوم وتكلم فيه سيدنا على كرم ال وجهه عن رسول ال صلى ال عليه وسلم ( ‪. 1‬‬
‫فإن عليا رضي ال عنه حسب كلم المتصوفة ‪ ) :‬من أصحاب العلم وممن يعلمون من ال ما لم يعلمه غيره (‬
‫‪.2‬‬
‫ول جبرائيل وميكائيل لن رسول ال صلى ال عليه وسلم ) لما لقن علي بن أبي طالب رضي ال عنه ‪ ,‬وخلع‬
‫عليه ذلك صار يقول ‪:‬‬
‫‪3‬‬
‫ى رسول ال صلى ال عليه وسلم ما ليس عند جبريل ول ميكائيل ( ‪.‬‬
‫عندي من العلم الذي أسّره إل ّ‬
‫وعلى ذلك نقل الطوسي عن الوجيهي أنه قال ‪:‬‬
‫سمعت أبا علي الروذباري يقول ‪ :‬سمعت جنيدا رحمه ال يقول ‪:‬‬
‫) رضوان ال على أمير المؤمنين علي ‪ ,‬رضي ال عنه ‪ ,‬لول أنه اشتغل بالحروب لفادنا من علمنا هذا‬
‫ص به الخضر عليه السلم ‪ ,‬قال‬
‫معاني كثيرة ‪ ,‬ذاك امرؤ أعطى علم الّلدني ‪ ,‬والعلم الّلدني هو العلم الذي خ ّ‬
‫تعالى ‪ } :‬وعلمناه من لدّنا علما { ( ‪. 4‬‬
‫ورسول ال صلى ال عليه وسلم جعله بمنزله هارون من موسى مع الفضل العظيم لبي بكر ) ولم يشرك‬
‫الحبيب الرسول المقرب الخليل في مقام الخّلة كما صلح أن يشرك معه في مقام الخوة عليا كرم ال وجهه‬
‫فقال ‪ :‬علي مني بمنزلة هارون من موسى ( ‪. 5‬‬
‫وكان له مقام ومنزلة عند الصوفية إلى أن نقل الشعراني عن أحد المتصوفين أنه قال ‪:‬‬
‫) إن علي بن أبي طالب رضي ال عنه رفع كما رفع عيسى عليه السلم ‪ ,‬وسينزل كما ينزل عيسى عليه‬
‫السلم – ثم يقول الشعراني ‪ :‬قلت ‪ :‬وبذلك قال سيدي على الخواص رضي ال عنه فسمعته يقول ‪:‬‬
‫إن نوحا عليه السلم أبقى من السفينة لوحا على اسم علي بن أبي طالب رضي ال عنه يرفع عليه إلى‬
‫السماء فلم يزل محفوظا في صيانة القدرة حتى رفع علي بن أبي طالب رضي ال عنه ( ‪. 6‬‬
‫فهذا هو علي بن أبي طالب رضي ال عنه ومكانته ‪ ,‬ومنزلته ‪ ,‬وشأنه ‪ ,‬وقد نقل باحث شيعي عن جلل الدين‬
‫الرومي الصوفي الفارسي المشهور أنه قال في أبياته ما تدّل على رؤيتهم إلى علي وعقيدتهم فيه ‪ ,‬فيقول ‪:‬‬
‫) مـــــنذ كـــــانت صـــــــــــــورة تركيب العـــالم‬
‫مـــــــنذ نقشـــــت الرض وكـــــان الزمــــــان‬
‫ذلك الفاتح الذي انتزع باب خيبر بحملة واحدة‬
‫كلــــــــما تأملت في الفــــــاق ونظــــــــــــرت‬
‫أيقــــــــــــــنت بأنـــــــــــه في المــــوجــودات‬
‫إن مـــن كــــــان هو الـــوجـــود ‪ ,‬ولـــــوله‬
‫لســـــــــرى العــدم في العالم الموجود ) إياه (‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫أيضا ص ‪. 159‬‬
‫الفتوحات المكية لبن عربي ج ‪ 1‬ص ‪. 260‬‬
‫درر الغواص للشعراني ص ‪ 73‬بهامش البريز للدباغ ط مصر ‪.‬‬
‫كتاب اللمع للطوسي ص ‪. 179‬‬
‫الفتوحات المكية لبن عربي ج ‪ 3‬ص ‪. 315‬‬
‫طبقات الشعراني ج ‪ 2‬ص ‪. 44‬‬

‫كان عليّ‬
‫كان عل ّ‬
‫ي‬
‫كان عل ّ‬
‫ي‬
‫كان عل ّ‬
‫ي‬
‫كان عل ّ‬
‫ي‬

‫‪94‬‬

‫إن ســـــر العالمـــــين الظاهر والبـــــاطن‬
‫الـــــذي بدا في شمـــــس تبريـــــــــــز‬

‫‪1‬‬

‫ي( ‪.‬‬
‫كان عل ّ‬

‫وهذا الغلو في علي بن أبي طالب رضي ال عنه عندما يقارن بالغلو الشيعي فيه ‪ ,‬ليس بأقّل منه في صورة‬
‫من الصور ‪.‬‬
‫وإليه تنتسب سلسل التصوف كلها كما قال محمد معصوم شيرازي الملقب بمعصوم علي شاه ‪:‬‬
‫) ولبد لكل سلسلة من سلسل التصوف من الزل إلى البد ‪ ,‬ومن آدم إلى انقراض الدنيا أن تكون متصلة‬
‫بسيد العالمين وأمير المؤمنين ( ‪. 2‬‬
‫لنه ) أزهد الصحابة عند المتصوفة ( ‪. 3‬‬
‫كما هو ) رأس الفتوة وقطبها ( ‪. 4‬‬
‫ي عند المتصوفة هو علي بن أبي طالب رضي ال عنه ‪ ,‬ومنه إنتقل الولية إلى غيره من الولياء كما‬
‫فأول ول ّ‬
‫أنه أول إمام عند الشيعة ‪ ,‬وتسلسلت منه فورثها غيره ‪ ,‬وكذلك الفتوة والقطبية ‪ ,‬وهو الذي ألبس خرقته‬
‫الحسن البصري ‪ ,‬وهذه الخرقة التي يلبسها المتصوفة خلفاءهم وورثتهم ‪. 5‬‬
‫ص على تشيع هذا ابن خلدون في مقدمته حيث يقول عند ذكر الصوفية ‪:‬‬
‫وين ّ‬
‫ي رضي ال عنه وهو‬
‫) إنهم لما أسندوا لباس خرقة التصوف ليجعلوه أصل لطريقتهم وتخّيلهم رفعوه إلى عل ّ‬
‫ص من بين الصحابة بتخليه ول طريقة في اللباس ول‬
‫ي رضي ال عنه لم يخت ّ‬
‫من هذا المعنى أيضا ‪ ,‬وإل فعل ّ‬
‫الحال ‪ ,‬بل كان أبو بكر وعمر رضي ال عنهما أزهد الناس بعد رسول ال صلى ال عليه وسلم وأكثرهم‬
‫ص أحد منهم في الدين بشيء يؤثر عنه في الخصوص ‪ ,‬بل كان الصحابة كلهم أسوة في‬
‫عبادة ‪ ,‬ولم يخت ّ‬
‫الدين والزهد والمجاهدة ‪ ,‬يشهد لذلك من كلم هؤلء المتصوفة في أمر الفاطمي وما شحنوا كتبهم في ذلك‬
‫مما ليس لسلف المتصوفة فيه كلم بنفي أو إثبات ‪ ,‬وإنما هو مأخوذ من كلم الشيعة والرافضة ومذاهبهم في‬
‫كتبهم وال يهدي إلى الحق ( ‪. 6‬‬
‫ي ‪ ,‬ورواية لبس الحسن البصري كلها باطل ‪ ,‬ل أصل له ‪,‬‬
‫وهذا إضافة إلى أن هذه الخرقة ونسبتها إلى عل ّ‬
‫لنه ) لم يثبت لقاء الحسن مع علي بن أبي طالب رضي ال عنه على القول الصحيح ‪ ,‬لن عليا رضي ال‬
‫عنه انتقل من المدينة إلى الكوفة والحسن صغيرا ( ‪. 7‬‬
‫وعلى كل فإن الصوفية ينهون سند لبس الخرقة إلى علي بن أبي طالب رضي ال عنه ‪ ,‬كما ينهون إليه‬
‫سلسلهم ‪.‬‬
‫ي بن أبي طالب وحده ‪ ,‬بل يقولون مثل ما يقوله الشيعة تماما ‪ ) :‬وثامن الفتيان بعد‬
‫ول يقتصرون على عل ّ‬
‫النبوة والرسالة علي بن أبي طالب كرم ال وجهه حيث أسلم صبيا ‪ ,‬وجاهد في سبيل ال مراهقا ‪ ,‬وبوأه ال‬
‫قطبانية الولياء رجل وكهل ‪.‬‬
‫وعنه أخذ الفتوة ابناه الحسن والحسين وهي أعلى مقامات الولية عد القطبانية التي هي منها والصديقة التي‬
‫هي كمالها ‪.‬‬
‫‪ 1‬غزليات شمس تبريزي ط طهران المنقول من كتاب الصلة بين التصوف والتشيع ص ‪. 85 , 84‬‬
‫‪ 2‬انظر طرائق الحقائق لمعصوم علي شاه ج ‪ 1‬ص ‪. 251‬‬
‫‪ 3‬انظر قوت القلوب لبي طالب المكي ج ‪ 1‬ص ‪. 267‬‬
‫‪ 4‬آئين جوانمردي مقدمة هنري كاربين ص ‪ , 8‬أيضا فتوت نامه لعبد الرزاق كاشاني ص ‪ 29‬ط طهران ‪ 1363‬شمسي ترجمة فارسية إحسان نراقي ‪,‬‬
‫أيضا طبقات الشعراني ج ‪ 2‬ص ‪ , 92‬أيضا جامع الصول في الولياء للكمشخانوي ص ‪. 7‬‬
‫‪ 5‬انظر عوارف المعارف للسهروردي ص ‪ , 98‬أيضا الرسالة القشيرية ج ‪ 2‬ص ‪ , 747‬أيضا فوائح الجمال لنجم الدين الكبرى ص ‪ , 282‬أيضا النوار‬
‫القدسية للشعراني ص ‪. 49‬‬
‫‪ 6‬مقدمة ابن خلدون ص ‪. 473‬‬
‫‪ 7‬انظر تهذيب التهذيب لبن حجر ‪ ,‬والتذكرة للذهبي ‪ ,‬الرسائل والمسائل لبن تيمية ‪ ,‬كذلك التصوف لماسينيون ‪.‬‬

‫‪95‬‬

‫ومن دلئل فتوة الحسن رضي ال عنه أن آثر الخلفة الباطنة على الخلفة الظاهرة ‪ ,‬وتنازل عن الظاهرة‬
‫حقنا لدماء المسلمين ‪.‬‬
‫ومن دلئل فتوة الحسين أن الشهيد العظم في سبيل ال وفي سبيل المانة ‪.‬‬
‫ي بابها ‪ ,‬وإن‬
‫ص ال تعالى بها عليا كرم ال وجهه أنه إذا كان الرسول مدينة العلم فعل ّ‬
‫ومن الخصائص التي خ ّ‬
‫كان للفروسية أو الولية فتيان فهو فتاهما الول ‪.‬‬
‫فعلي بن أبي طالب كرم ال وجهه أول فتيان هذه المة وفتى أوليائها ‪ ,‬وحسبه في ذلك أن أراد إفتداء الرسول‬
‫بنفسه ( ‪. 1‬‬
‫ويقول أيضا ‪:‬‬
‫) إن علي بن أبي طالب أخذ البيعة الخاصة بطريق ال عن رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ ,‬ولقن بها ابنه‬
‫الحسن ‪ ,‬ثم الحسين ( ‪. 2‬‬
‫وكان الصوفي المشهور أبو العباس المرسي تلميذ الشاذلي يقول ‪:‬‬
‫) طريقنا هذه ل تنسب للمشارقة ول للمغاربة ‪ ,‬بل واحد عن واحد إلى الحسن بن علي بن أبي طالب رضي‬
‫ال عنه ‪ ,‬وهو أول القطاب ( ‪. 3‬‬
‫وقالوا ‪:‬‬
‫) وكان من أوائل أهل طريق ال بعد الصحابة علي بن الحسين زين العابدين ‪ ,‬وابنه محمد بن علي الباقر ‪,‬‬
‫وابنه جعفر بن محمد الصادق ‪ ,‬وذلك بعد علي والحسن والحسين رضي ال عنهم جميعا (‪. 4‬‬
‫ويقول الكلباذي في الباب الثاني من تعرفة ‪:‬‬
‫) ممن نطق بعلومهم ‪ ,‬وعبر عن مواجيدهم ‪ ,‬ونشر مقاماتهم ‪ ,‬ووصف أحوالهم قول وفعل بعد الصحابة‬
‫رضوان ال عليهم ‪ :‬علي بن الحسين زين العابدين ‪ .‬وابنه محمد الباقر ‪ .‬وابنه جعفر بن محمد الصادق رضي‬
‫ال عنهم ( ‪. 5‬‬
‫فانظر الترتيب ‪ ,‬وهذا نفس ترتيب الشيعة لئمتهم ‪ ,‬حيث يعّدون المام الول والثاني والثالث عليه وابنه‬
‫الحسن والحسين ‪ ,‬والرابع والخامس و السادس ‪ :‬زين العابدين ‪ ,‬ومحمد الباقر ‪ ,‬وجعفر بن محمد الباقر ‪.‬‬
‫ثم المام السابع والثامن عندهم ‪ :‬موسى بن جعفر الملقب بالكاظم ‪ ,‬وعلي بن موسى الكاظم الملقب بالرضا ‪,‬‬
‫من الئمة الثني عشر ‪.‬‬
‫وهاهو الشعراني أيضا يعدهم أئمة ‪ ,‬واثني عشر أيضا ‪ ,‬عندما يذكر من بين الصوفية وأولياء ال موسى بن‬
‫جعفر ‪ ,‬فيقول ‪:‬‬
‫) ومنهم موسى الكاظم رضي ال عنه أحد الئمة الثني عشر ‪ ,‬وهو موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن‬
‫الحسين بن علي بن أبي طالب ‪ ...‬وكان يكّنى بالعبد الصالح لكثرة عبادته واجتهاده وقيامه بالليل ‪ ,‬وكان إذا‬
‫بلغه عن أحد يؤذيه يبعث إليه بالمال ( ‪. 6‬‬
‫وأما علي بن موسى الرضا فيقولون عنه ‪ ) :‬أن شيخ مشائخ الصوفية معروف الكرخي أسلم على يديه ( ‪. 7‬‬
‫‪ 1‬جمهرة الولياء لبي الفيض المنوفي ج ‪ 1‬ص ‪. 89‬‬
‫‪ 2‬أيضا ص ‪. 122 , 89‬‬
‫‪ 3‬طبقات الشعراني ج ‪ 2‬ص ‪. 14‬‬
‫‪ 4‬جمهرة الولياء ج ‪ 1‬ص ‪. 163‬‬
‫‪ 5‬التعرف لمذهب أهل التصوف للكلباذي ص ‪. 36‬‬
‫‪ 6‬طبقات الشعراني ج ‪ 1‬ص ‪. 37‬‬
‫‪ 7‬تذكرة العطار ص ‪ 150‬ط باكستان ‪.‬‬

‫‪96‬‬

‫ويكتب القشيري عنه ‪ ) :‬أبو محفوظ معروف بن فيروز الكرخي كان من المشائخ الكبار ‪ ,‬مجاب الدعوة ‪,‬‬
‫يستشفى بقبره ‪ ,‬يقول البغداديون ‪ :‬قبر معروف ترياق مجرب ‪ ,‬وهو من موالي علي بن موسى الرضا رضي‬
‫ال عنه ( ‪. 1‬‬
‫وزاد السلمي في طبقاته ‪ ,‬والجامي في نفحاته أنه كان من حجبه ‪ ,‬فيقول ‪:‬‬
‫) معروف بن فيروز ‪ ,‬ويقال ‪ :‬معروف بن علي ‪ ,‬ويلقب بالزاهد ‪ ,‬وهو من أجلة المشائخ وقدمائهم ‪,‬‬
‫والمعروفين بالورع والفتوة ‪ .‬كان أستاذ سري السقطي ‪ ,‬وصحب داؤد الطائي ‪.‬‬
‫وكان معروف أسلم على يد علي بن موسى الرضا ‪ ,‬وكان بعد إسلمه يحجبه ‪ ,‬فازدحم الشيعة يوما على باب‬
‫علي بن موسى ‪ ,‬فكسروا أضلع معروف ‪ ,‬فمات ‪ ,‬ودفن ببغداد ‪ ,‬وقبره ظاهر ‪ ,‬ويتبرك الناس بزيارته ( ‪. 2‬‬
‫والجدير بالذكر أن معروف الكرخي أستاذ السري السقطي ‪ ,‬وخال وأستاذ لسيد الطائفة جنيد البغدادي ‪,‬‬
‫ولذلك) يروي الجنيد عن السري السقطي ‪ ,‬وهو عن معروف الكرخي ‪ ,‬وهو عن علي بن موسى الرضا ‪ ,‬عن‬
‫أبيه موسى الكاظم ‪ ,‬عن أبيه محمد الباقر ‪ ,‬عن أبيه زين العابدين ‪ ,‬عن أبيه الحسين بن علي بن أبي طالب ‪,‬‬
‫عن علي بن أبي طالب ( ‪. 3‬‬
‫وكتب عنه شيخ الزهر السابق والصوفي المعاصر الدكتور عبد الحليم محمود عن الرضا ‪:‬‬
‫) له كرامات كثيرة ‪ :‬منها أنه قال لرجل صحيح سليم ‪ :‬استعد لما ل بّد منه ‪ ,‬فمات بعد ثلثة أيام ‪ ,‬وروى‬
‫الحاكم أن أبا حبيب قال ‪:‬‬
‫رأيت المصطفى عليه الصلة والسلم في النوم ‪ ,‬في المنزل الذي ينزله الحاج ببلدنا ‪ ,‬فوجدت عنده طبقا من‬
‫خوص فيه تمر ‪ ,‬فناولني ثماني عشرة تمرة ‪ ,‬وبعد عشرين يوما قدم علي الرضا من المدينة ونزل ذلك‬
‫المنزل ‪ ,‬وفزع الناس للسلم عليه ‪ ,‬ومضيت نحوه فإذا هو جالس بالموضع الذي رأيت المصطفى جالسا فيه ‪,‬‬
‫وبين يديه طبق فيه تمر صيحاني ‪ ,‬فناولني قبضة فإذا عدتها بعدد ما ناولني المصطفى ‪ ,‬فقلت ‪ :‬زدني ‪.‬‬
‫فقال ‪ :‬لو زادك رسول ال لزدناك ( ‪. 4‬‬
‫ومن الطرائف أن ذكر الثمانية هؤلء من أئمة الشيعة الثني عشر بالتسلسل الشيعي في كتب المتصوفة‬
‫الكثيرين مثل ما يذكرون عن الرفاعي أحمد الكبير أنه ) أخذ العهد والطريق من يد خاله شيخ الشيوخ صاحب‬
‫الفتح الصمداني سيدنا منصور البطائحي الرباني وهو لبسها من خاله سيدنا الشيخ أبي المنصور الطيب وهو‬
‫لبسها من ابن عمه الشيخ أبي سعيد يحيى البخاري النصاري وهو لبسها من الشيخ أبي الترمذي وهو لبسها‬
‫من الشيخ أبي القاسم السندوسي الكبير وهو لبسها من الشيخ أبي محمد دويم البغدادي وهو لبسها من خاله‬
‫الشيخ سري السقطي وهو لبسها من الشيخ معروف الكرخي وهو لبسها من إمام الزمان وحجة أهل العرفان‬
‫المام ابن المام علي الرضي وهو لبسها من أبيه نور حدقة العناية والمامة ونور حديقة الولية والكرامة‬
‫ملجأ الولياء العاظم أبي الحسن موسى الكاظم وهو لبسها من أبيه صاحب القدم السابق المام جعفر‬
‫الصادق وهو لبسها من أبيه صاحب السر الطاهر المام محمد الباقر وهو لبسها من أبيه كهف المحتاجين‬
‫وإمام الفراد أبي محمد المام زين العابدين علي السجاد وهو لبسها من أبيه أحد سبطي رسول ال شهيد‬
‫كربلء المام الحسين أبي عبد ال وهو لبسها من أبيه إمام الئمة ومجن هذه المة صاحب القدر العظيم‬
‫والشرف الجلي أمير المؤمنين المام أبي الحسن علي رضي ال عنه وعنهم أجمعين ( ‪. 5‬‬
‫وذكر الرفاعي نفسه بصورة أخرى ‪ ,‬ويقول ‪:‬‬
‫‪ 1‬الرسالة القشيرية ج ‪ 1‬ص ‪ 65‬بتحقيق الدكتور عبد الحليم محمود ومحمود بن الشريف ط القاهرة ‪ ,‬أيضا طبقات الشعراني ج ‪ 1‬ص ‪. 71‬‬
‫‪ 2‬طبقات الصوفية لبي عبد الرحمن السلمي ترتيب أحمد الشرباصي ط مطابع الشعب ‪ ,‬أيضا نفحات النس للجامي ص ‪ 39‬الطبعة الفارسية ‪.‬‬
‫‪ 3‬طبقات الولياء لبن الملقن المتوفى ‪ 804‬هـ ص ‪ 493‬ط مكتبة الخانجي القاهرة الطبعة الولى ‪ 1393‬هـ ‪.‬‬
‫‪ 4‬انظر الرسالة القشيرية لعبد الكريم القشيري تعليق رقم ‪ 3‬ص ‪ 65‬لعبد الحليم محمود ومحمود بن الشريف ‪.‬‬
‫‪ ) 5‬قلدة الجواهر في ذكر الرفاعي وأتباعه الكابر ( لمحمد أبي الهدى الرفاعي ص ‪ , 375‬أيضا ) المنهج الموصل إلى الطريق النهج ( لمصطفى الصاد‬
‫في مخطوط ورقة ‪. 32‬‬

‫‪97‬‬

‫) أكمل التوبة الفورية في مقام البضعية ‪ ,‬من حيث التحلي بحلوة الطينة الذاتيةالحمدية ‪ ,‬إنما هي توبة‬
‫السيدة البتول العذراء ‪ ,‬سيدتنا وقرة أعيننا فاطمة أم السبطين الزهراء سلم ال ورضوانه عليها ‪ ,‬وقام عنها‬
‫بنوبة الجزء الزهري بعلها المأمون المنوه على جللة قدره وعظيم مكانته بطالعه ) علي مني بمنزلة هارون‬
‫من موسى ( الحديث ‪ .‬فأدرع بدرع الخلفة البضعية متحكما في مشهد الخلفة المرية ‪ ,‬إصالة في مشهد‬
‫الخلفة البضعية وكالة حتى لقي ال ‪ ,‬فأدرع بمطرها النوراني السبطان السعيدان الشهيدان الحسن والحسين‬
‫سلم ال وتحياته عليهما ‪ ,‬ودارت هذه التوبة الجامعة المحمدية في السباط الطاهرين سبطًا بعد سبط إلى أن‬
‫صينت في مقام الكنزية المضمرة إلى ولي ال المهدي الخلق الصالح سلم ال عليه ‪ ,‬فتلقاها عنه من مقام‬
‫اللباس النواب الجامعون المحمدون ‪ ,‬فهم إلى عهدنا هذا من بني المام الحسين السبط شهيد كربلء عليه‬
‫وعليهم نوافح السلم والرضوان ( ‪. 1‬‬
‫ولذلك كتب محمد معصوم شيرازي ‪:‬‬
‫أن علي بن أبي طالب خاتم الولية المحمدية ‪ ,‬فكميل بن زياد النخعي ‪ ,‬والحسن البصري ‪ ,‬وأويس القرني‬
‫ي بن أبي طالب عليه السلم ‪.‬‬
‫أخذوا عن عل ّ‬
‫والشقيق البلخي أخذ عن الكاظم عليه السلم ‪.‬‬
‫والشيخ أبو زيد أخذ عن جعفر الصادق ‪.‬‬
‫والشيخ معروف أخذ عن الرضا ‪ ,‬والشيخ سري أخذ عنه ‪ ,‬والشيخ جنيد أخذ عن السري ‪,‬‬
‫وهو ومن الغرائب أن المتصوفة يعتقدون للحسن العسكري ابنا ‪ ,‬كالشيعة الثني عشرية ‪ ,‬مع إتفاق أهل‬
‫السنة والمؤرخين ‪ ,‬وشهادة الشيعة ونقيب الشراف وأخوه العسكري وأمه بأنه لم يولد له ولد ‪ ,‬وأثبت رواية‬
‫فيه وأقوم حجة ما رواه الكليني بنفسه ‪ ,‬والخرين من مؤرخي الشيعة وأعلمهم أن الحسن العسكري لما دفن‬
‫) أخذ السلطان والناس في طلب ولده ‪ ,‬وكثر التفتيش في المنازل والدور ‪ ,‬وتوقفوا عن قسمة ميراثه ‪ ,‬ولم‬
‫يزل الذين وكلوا بحفظ الجارية التي توهم عليها الحمل ملزمين حتى تبّين بطلن الحمل ‪ ,‬فلما بطل الحمل‬
‫قسم ميراثه بين أمه وأخيه جعفر ‪ ,‬وادعت أمه وصيته وثبت ذلك عند القاضي ( ‪. 2‬‬
‫وذكر هذا الخبر جميع مؤرخي الشيعة ومؤلفيهم ومحدثيهم من المفيد في الرشاد ‪. 3‬‬
‫والطبرسي في إعلم الورى ‪. 4‬‬
‫والربلي في كشف الغمة ‪. 5‬‬
‫والمل باقر المجلسي في جلء العيون ‪. 6‬‬
‫وصاحب الفصول في الفصول المهمة ‪. 7‬‬
‫والعباس القمي في منتهى المال ‪. 8‬‬
‫وقال النوبختي الشيعي المشهور في فرقه ‪:‬‬
‫‪9‬‬
‫) أن الحسن توفى ولم يوله أثر ‪ ,‬ولم يعرف له ولد ظاهر ‪ ,‬فاقتسم ميراثه أخوه جعفر وأمه ( ‪.‬‬
‫لكن المتصوفة يقولون أنه ولد للحسن العسكري ولد ‪ ,‬وهو الذي سيخرج مهديا ‪ ,‬كعقيدة الشيعة تماما بدون‬
‫أدنى تغيير ‪ ,‬فاسمع ماذا يقولون ‪:‬‬
‫) فهناك بترقب خروج المهدي عليه السلم ‪ ,‬وهو من أولد حسن العسكري ‪ ,‬ومولده عليه السلم ليلة‬
‫النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين وهو باق إلى أن يجتمع بعيسى بن مريم عليه السلم ‪,‬‬
‫فيكون عمره إلى وقتنا هذا ‪ ,‬وهو سنة ثمان وخمسين و تسعمائه سبعمائة سنة وست سنين ‪ .‬هكذا أخبرني‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬
‫‪9‬‬

‫المجالس الرفاعية لحمد الرفاعي ص ‪ 108‬ط مطبعة الرشاد بغداد ‪ 1971‬م ‪.‬‬
‫كتاب الحجة الكافي ص ‪ 505‬ط طهران ‪.‬‬
‫انظر ص ‪. 339‬‬
‫انظر ص ‪. 378 , 377‬‬
‫ج ‪ 3‬ص ‪. 199 , 198‬‬
‫تحت ذكر المهدي ‪.‬‬
‫أيضا ‪.‬‬
‫أيضا ‪.‬‬
‫فرق الشيعة للنوبختي ص ‪ 119 , 118‬ط كربلء العراق ‪.‬‬

‫‪98‬‬

‫الشيخ حسن العراقي المدفون فوق كوم الرئيس المطل على بركة الرطل بمصر المحروسة على المام المهدي‬
‫حين اجتمع به ‪.‬‬
‫ووافقه على ذلك شيخنا سيدي علي الخواص رحمهما ال تعالى ‪.‬‬
‫وعبارة الشيخ محيي الدين في الباب السادس والستين وثلثمائة من الفتوحات ك‬
‫وأعلموا أنه لبد من خروج المهدي عليه السلم لكن ل يخرج حتى تمتلئ الرض جورا وظلما فيملؤها قسطا‬
‫وعدل ولو لم يكن من الدنيا إل يوم واحد طّول ال تعالى ذلك اليوم حتى يلي ذلك الخليفة وهو من عترة رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم من ولد فاطمة رضي ال عنها جده الحسين بن علي بن أبي طالب ‪ ,‬ووالده حسن‬
‫العسكري بن المام النقي بالنون ابن محمد التقي بالتاء ابن المام على الرضا ابن المام موسى الكاظم ابن‬
‫المام جعفر الصادق ابن المام محمد الباقر ابن المام زين العابدين علي بن المام الحسين ابن المام علي بن‬
‫أبي طالب رضي ال عنه ( ‪. 1‬‬
‫وكذلك الرفاعيون ‪ ,‬حيث يعّدون الرفاعي المام الثالث عشر بعد الثاني عشر الموهوم الذي لم يولد ‪. 2‬‬
‫فهذه هي عقائد المتصوفة في علي بن أبي طالب رضي ال عنه ‪ ,‬وأئمة الشيعة من أولده ‪ ,‬فإليهم ينتسبون ‪,‬‬
‫وبمسلكهم يسلكون ‪ ,‬وبخرافاتهم يتمسكون ‪.‬‬
‫وهذا وحده كاف لبيان تأثر التشيع في التصوف ‪.‬‬
‫ونختم كلمنا في هذا على مقولة صوفي كبير وهو أبو الظفر ظهير الدين القادري حيث يقول ‪ :‬القطبية كانت‬
‫للئمة الثني عشر بطريق الستقلل ‪ ,‬ولمن بعدهم بطريق النيابة ‪. 3‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫انظر اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الكابر ج ‪ 2‬ص ‪. 143‬‬
‫انظر المجالس الرفاعية المقدمة للسيد خاشع الراوي الرفاعي ص ‪. 6‬‬
‫الفتح المبين لظهير الدين القادري ص ‪. 18‬‬

‫مل َئ ِ َ‬
‫ن ُُزو ُ‬
‫كة‬
‫ي وإت َْيان ال َ‬
‫ل ال ْ َ‬
‫وح ِ‬

‫‪99‬‬

‫وبعد هذا نرجع إلى أفكار الصوفية الخرى ومعتقداتهم الخاصة بهم ‪ ,‬لنرى التشيع المتستر الظاهر فيها ‪,‬‬
‫وتأثيره خفيا جليا ليرى الباحث والقارئ منهل التصوف ومنبعه ‪ ,‬مصدره ومأخذه ‪.‬‬
‫فإن الشيعة يرون بأن النبوة لم تختم على محمد صلوات ال وسلمه عليه ‪ ,‬حيث لم يكن وحده في زمانه الذي‬
‫كان ينزل عليه الوحي ‪ ,‬ويأتي إليه الملك ‪ ,‬ويكلمه ال من وراء حجاب ‪ ,‬بل كان هناك شخص آخر في زمانه‬
‫وبعده ‪ ,‬كان له تلك الوصاف كلها ‪ ,‬بل وأكثر منها ‪.‬‬
‫حيث أن رسول ال محمد صلوات ال وسلمه عليه لم يكن يكلمه ال إل وحيا ‪ ,‬أو من وراء حجاب ‪ ,‬أو‬
‫بإرسال رسول ‪ ,‬فيوحي بإذنه ما يشاء ‪.‬‬
‫وأما المام فكان ينزل عليه الوحي ‪ ,‬ويرسل إليه رسول ‪ ,‬ويكلمه ال ويناجيه بل حجاب ‪ ,‬وقد أعطى خصال‬
‫لم يسبقه إليها أحد ‪ ,‬ثم توارث هذه الوصاف من خلفه بعده إلى خاتم الئمة ‪.‬‬
‫ولقد ورد في كتب الشيعة الثني عشرية – ل في كتب السماعيلية ‪ 1‬والغلة ‪ - 2‬وفي أصحها عندهم ما ين ّ‬
‫ص‬
‫على ذلك مثل ما ذكر الكليني – وهو كالبخاري عند أهل السنة – في كافّيه ‪ 3‬عن جعفر الصادق – المام‬
‫المعصوم السادس لدى القوم – أنه قال ‪:‬‬
‫ي عليه السلم آخذ به وما نهى عنه انتهى عنه ‪ ,‬جرى له من الفضل مثل ما جرى لمحمد‬
‫) ما جاء به عل ّ‬
‫صلى ال عليه وآله وسلم ولمحمد صلى ال عليه وآله وسلم الفضل على جميع من خلق ال عز وجل ‪,‬‬
‫المتعّقب عليه في شيء من أحكامه كالمتعقب على ال وعلى رسوله والراد عليه في صغيرة أو كبيرة على حّد‬
‫الشرك بال ‪ ,‬كان أمير المؤمنين عليه السلم باب ال الذي ل يؤتى إل منه ‪ ,‬وسبيله الذي من سلك بغيره هلك‬
‫‪ ,‬وكذلك يجري لئمة الهدى واحدًا بعد واحد ‪ ,‬جعلهم ال أركان الرض أن تميد بأهلها وحجته البالغة على من‬
‫فوق الرض ومن تحت الثرى ‪ ,‬وكان أمير المؤمنين صلوات ال عليه كثيرًا ما يقول ‪ :‬أنا قسيم ال بين الجنة‬
‫والنار وأنا الفاروق الكبر وأنا صاحب العصا والميسم ولقد أقّرت لي جميع الملئكة والروح والرسل بمثل ما‬
‫ب وإن رسول ال‬
‫أقّروا به لمحمد صلى ال عليه وآله وسلم ولقد حملت على مثل حمولته وهي حمولة الر ّ‬
‫صلى ال عليه وآله وسلم يدعى فيكسى ‪ ,‬وادعى فأكسى ويستنطق واستنطق فأنطق على حد منطقه ‪ ,‬ولقد‬
‫أعطيت خصال ما سبقني إليها أحد قبلي علمت المنايا والبليا ‪ ,‬والنساب وفصل الخطاب ‪ ,‬فلم يفتني ما‬
‫سبقني ‪ ,‬ولم يعزب ما غاب عني ( ‪. 4‬‬
‫ونقل محمد بن حسن الصفار شيخ الكليني وأستاذه ‪ ,‬الذي يعّدونه من أصحاب إمامهم الحادي عشر – حسب‬
‫زعمهم – روايات كثيرة في صحيحه لثبات نزول الوحي على أئمتهم ‪ ,‬ونزول الملئكة عليهم تحت عناوين‬
‫كثيرة في أبواب شتى ‪ ,‬منها ما رواها عن حمران بن أعين أنه قال ‪:‬‬
‫) قلت لبي عبد ال ) جعفر ( عليه السلم ‪ :‬جعلت فداك ‪ ,‬بلغني أن ال تعالى قد ناجى عليا عليه السلم ؟‬
‫قال ‪ :‬أجل ‪ ,‬قد كان بينهما مناجاة بالطائف نزل بينهما جبريل ( ‪. 5‬‬
‫‪ 1‬حيث أن السماعيلية يرون النبوة مقتسمة بين محمد صلى ال عليه وسلم ‪ ,‬وعلي رضي ال عنه ‪ ,‬فكان رسول ال محمد ناطقا بينما كان علي بن أبي‬
‫طالب رضي ال عنه صامتا ‪ ,‬وهو الساس والصل ‪ .‬فانظر لتفصيل ذلك كتابنا ) السماعيلية تاريخ وعقائد ( ‪.‬‬
‫ي رض ال عنه ‪ ,‬وطائفة منهم ترى اللوهية المتجسدة في‬
‫‪ 2‬لنهم يعتقدون أن جبريل اشتبه عليه فنزل على محمد صلى ال عليه وسلم بدل أن ينزل على عل ّ‬
‫ي رضي ال عنه ‪ ,‬ل النبوة فحسب ‪.‬‬
‫عل ّ‬
‫‪ 3‬وهو أحد الصول الربعة الشيعية ‪ ,‬وصحاحهم ‪.‬‬
‫‪ 4‬الصول من الكافي ج ‪ 1‬ص ‪ 197 , 196‬ط إيران ‪.‬‬
‫‪ 5‬بصائر الدرجات للصفار الباب السادس عشر ص ‪ 430‬ط إيران ‪.‬‬

‫‪100‬‬

‫لما دعا رسول ال صلى ال عليه وآله عليا يوم خيبر ‪ ,‬فتفل في عينيه وقال له ‪ :‬إذا أنت فتحتها فقف بين‬
‫ي عليه السلم وأنا معه ‪ ,‬فلما أصبح افتتح خيبر‬
‫الناس ‪ ,‬فإن ال أمرني بذلك ‪ ,‬قال أبو رافع ‪ :‬فمضى عل ّ‬
‫ووقف بين الناس و أطال الوقوف ‪ ,‬فقال الناس ‪:‬‬
‫إن عليا عليه السلم يناجي ربه ‪ ,‬فلما مكث ساعة أمر بانتهاب المدينة التي فتحها ‪ ,‬قال أبو رافع ‪ :‬فأتيت‬
‫رسول ال صلى ال عليه وآله ‪ ,‬فقلت ‪ :‬إن عليا عليه السلم وقف بين الناس كما أمرته ‪ ,‬قال قوم منهم ‪:‬‬
‫) إن ال ناجاه ‪ ,‬فقال ‪ :‬نعم يا رافع ‪ ,‬إن ال ناجاه يوم الطائف ويوم عقبة ويوم حنين ‪ ,‬ويوم غسل رسول ال‬
‫(‪.1‬‬
‫ومثل هذه الروايات كثيرة ل تعّد ول تحصى ‪. 2‬‬
‫هذا من ناحية ‪ ,‬ومن ناحية أخرى يرى الشيعة أن أئمتهم أولئك أفضل من النبياء كما صرح بذلك الكليني أن‬
‫المامة فوق النبوة والرسالة والخلة حيث نقل رواية عن جعفر بن محمد الباقر أنه قال ‪:‬‬
‫) إن ال اتخذ إبراهيم عبدا قبل أن يتخذه نبيا ‪ ,‬وإن ال اتخذه نبيا قبل أن يتخذه رسول ‪ ,‬وإن ال اتخذه رسول‬
‫قبل أن يتخذه خليل ‪ ,‬وإن ال اتخذه خليل قبل أن يتخذه إماما ( ‪. 3‬‬
‫وروى أيضا عن يوسف التمار أنه سمع جعفر بن الباقر أنه قال ‪:‬‬
‫) ورب الكعبة ‪ ,‬ورب البنية –ثلث مرات – لو كنت بين موسى والخضر عليهما السلم لخبرتهما أني أعلم‬
‫منهما ‪ ,‬و لنبئتهما بما ليس في أيديهما لن موسى والخضر عليهما السلم أعطيا علم ما كان ‪ ,‬ولم يعطيا‬
‫علم ما يكون وما هو كائن حتى تقوم الساعة (‪. 4‬‬
‫وعنه أنه قال ‪:‬‬
‫) إني لعلم ما في السموات وما في الرض ‪ ,‬وأعلم ما في الجنة وما في النار ‪ ,‬وأعلم ما كان وما يكون ( ‪.‬‬
‫‪5‬‬

‫وقد بوب الحر العاملي صاحب موسوعة حديثية شيعية كبيرة بابا مستقل بعنوان ) الئمة الثني عشر أفضل‬
‫من سائر المخلوقات من النبياء والوصياء السابقين والملئكة وغيرهم ‪ ,‬وأن النبياء أفضل من الملئكة ( ‪.‬‬
‫ثم أورد تحته روايات عديدة ‪ ,‬منها ما رواها عن جعفر أنه قال ‪:‬‬
‫) إن ال خلق أولي العزم من الرسل ‪ ,‬وفضلهم بالعلم ‪ ,‬وأورثنا علمهم ‪ ,‬وفضلنا عليهم في علمهم ‪ ,‬وعلم‬
‫رسول ال ) ص ( ما لم يعلمهم ‪ ,‬وعلمنا علم الرسول وعلمهم ( ‪. 6‬‬
‫صه ‪:‬‬
‫وعلى ذلك قال الخميني زعيم شيعة إيران اليوم في كتابه ) ولية الفقيه ( ما ن ّ‬
‫) إن من ضروريات مذهبنا أنه ل ينال أحد المقامات المعنوية الروحية للئمة حتى ملك مقرب ول نبي مرسل ‪,‬‬
‫كما روي عندنا بأن الئمة كانوا أنوارا تحت ظل العرش قبل تكوين هذا العالم ‪ ....‬وأنهم قالوا ‪ :‬إن لنا مع ال‬
‫أحوال ل يسعها ملك مقرب ول نبي مرسل ‪ ,‬وهذه المعتقدات من السس والصول التي قام عليها مذهبنا (‪. 7‬‬

‫‪ 1‬أيضا ص ‪. 431‬‬
‫‪ 2‬وقد أشبعنا الكلم في هذا الخصوص في كتابنا ) الشيعة والسنة ( وقد صدرت له حتى اليوم أكثر من ثلثين طبعة و ) الشيعة وأهل البيت ( و ) الشيعة‬
‫والتشيع فرق وتاريخ ( وكذلك كتابنا الجديد بين الشيعة وأهل السنة ( ‪ ,‬ومن أراد الستزادة فليرجع إلى تلك ‪.‬‬
‫‪ 3‬كتاب الحجة من أصول الكافي ج ‪ 1‬ص ‪ 175‬ط إيران ‪ ,‬ومثله نقل عن أبيه أيضا ‪.‬‬
‫‪ 4‬الكافي في الصول ج ‪ 1‬ص ‪ 261‬ط إيران ‪.‬‬
‫‪ 5‬أيضا باب أن الئمة يعلمون علم ما كان ‪ ,‬وأنه ل يخفى عليه الشيء ج ‪ 1‬ص ‪ 261‬ط إيران ‪.‬‬
‫‪ 6‬الفصول المهمة في أصول الئمة للحر العاملي ص ‪ 152‬ط إيران ‪.‬‬
‫‪ 7‬وليت فقيه در خصوص حكومت إسلمي لنائب المام الخميني تحت باب وليت تكويني من الصل الفارسي ص ‪ 58‬ط طهران ‪.‬‬

‫‪101‬‬

‫فهذه هي عقائد الشيعة الثني عشرية في أئمتهم بأنه يأتي إليهم جبريل ‪ ,‬وينزل عليهم الوحي ‪ ,‬ويكلمهم ال‬
‫من وراء حجاب ‪ ,‬ويناجيهم من دون حجاب ‪ ,‬وأن النبوة لم تنقطع ولم تختم بمحمد صلوات ال وسلمه‬
‫عليه ‪ ,‬وأن الولية أعظم وأفضل من النبوة والرسالة ‪ ,‬وعلمهم بدون واسطة فصاروا يعلمون علم ما كان وما‬
‫يكون ‪ ,‬وفضلهم على الخلئق من النبياء والرسل ‪.‬‬
‫والنصوص والروايات في هذا الخصوص جاوزت المئات ‪ ,‬وعليها أسست وبنيت الديانة الشيعية نتيجة‬
‫مؤامرة يهودية للقضاء على السلم ودعوة خاتم النبيين الناطق بالوحي صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫هذا ‪ ,‬وبعد هذا عندما نرجع إلى آراء الصوفية ‪ ,‬وأفكارهم ‪ ,‬عقائدهم ومعتقداتهم ‪ ,‬كتبهم ورسائلهم ‪ ,‬رواياتهم‬
‫ومقولتهم ‪ ,‬تصريحاتهم وعباراتهم ‪ ,‬نجد معظم هذه الفكار وطابعها واضحا جليا ‪ ,‬بل إنها عين هذه الترهات‬
‫والخزعبلت ‪ ,‬مبثوثة منشورة في كتب الولين منهم والخرين ‪ .‬وهاهي النصوص ‪:‬‬
‫فيقول الصوفي الكبير عبد القادر الحلبي المعروف بابن قضيب البان ‪:‬‬
‫صت به الولياء ( ‪. 1‬‬
‫صت به النبياء ‪ ,‬خ ّ‬
‫) كل ما خ ّ‬
‫ب معهم ‪ ,‬وإخبارهم عن الغيب ‪,‬‬
‫وما هي اختصاصات النبياء غير الوحي ‪ ,‬ونزول الملئكة ‪ ,‬وكلم الر ّ‬
‫وكونهم معصومين عن الخطأ والزلل في تبليغ رسالت ال ‪ , 2‬التي يريد ابن البان إشراك غيرهم معهم من‬
‫الصوفية ؟‬
‫وهل لسائل أن يسأل ‪ :‬أو بعد مشاركة الغير يبقى الختصاص اختصاصا ؟‬
‫وقبل أن نتعمق في هذا نريد أن نضع النقاط على الحروف ‪ ,‬كي ل يتوهم المتوهم أننا نلزم القوم على ما ل‬
‫يتقولونه ويعتقدونه ‪ .‬فنثبت من كتبهم أنفسهم ‪ ,‬وبعباراتهم هم ما يبرهن قولنا ‪ ,‬فيقول الشيخ الكبر للصوفية‬
‫راّدا على الغزالي ‪:‬‬
‫ي كلهما ينزل عليه الملك‬
‫ي ‪ ,‬مع أن النبي والول ّ‬
‫إن الغزالي غلط في التفريق بين نزول الملك على النبي والول ّ‬
‫‪.3‬‬
‫وقد ذكر الشعراني أيضا بقوله ‪:‬‬
‫) فإن قلت ‪ :‬قد ذكر الغزالي في بعض كتبه ‪ :‬إن الفرق بين تنّزل الوحي على قلب النبياء وتنزله على قلوب‬
‫ي يلهم ول ينزل عليه ملك قط ‪ ,‬والنبي ل بد له في الوحي من نزول الملك به ‪,‬‬
‫الولياء نزول الملك ‪ ,‬فإن الول ّ‬
‫فهل هذا صحيح ؟‬
‫فالجواب كما قاله الشيخ في الباب الرابع والستين وثلثمائة ‪ :‬أن ذلك غلط ‪ ...‬قال الشيخ ‪ :‬وسبب غلط‬
‫ي عدم الذوق ‪ ,‬وظنهم أنهم قد علموا بسلوكهم جميع المقامات و‬
‫الغزالي وغيره في منع تنزل الملك على الول ّ‬
‫فلما ظنوا ذلك بأنفسهم ولم يروا ملك اللهام نزل عليهم أنكروه ‪ ,‬وقالوا ‪ :‬ذلك خاص بالنبياء ‪ ,‬فذوقهم‬
‫صحيح وحكمهم باطل ‪ ,‬مع أن هؤلء الذين منعوا قائلون بأن زيادة الثقة مقبولة ‪ ,‬وأهل ال كلهم ثقات ‪.‬‬
‫ي لقبلوا‬
‫قال ‪ :‬ولو أن أبا حامد وغيره اجتمعوا في زمانهم بكامل من أهل ال وأخبرهم بتنزل الملك على الول ّ‬
‫ذلك ولم ينكروه ‪.‬‬
‫‪4‬‬
‫قال ‪ :‬وقد نزل علينا ملك فلله الحمد ( ‪.‬‬
‫ول ندري كيف يرد على الغزالي وهو القائل ‪:‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫المواقف اللهية لبن قضيب البان المتوفى ‪1040‬هـ ص ‪ 160‬ملحق بكتاب النسان الكامل لعبد الرحمن البدوي ط وكالة المطبوعات الكويت ‪1976‬م ‪.‬‬
‫وسوف نفرد للعصمة كلما في محله إن شاء ال ‪.‬‬
‫البريز لعبد العزيز الدباغ ص ‪ 151‬ط مصر ‪.‬‬
‫اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الكابر للشعراني ج ‪ 2‬ص ‪ 85‬ط مصطفى البابي الحلبي القاهرة ‪.‬‬

‫‪102‬‬

‫) ومن أول الطريق تبتدئ المكاشفات والمشاهدات ‪ ,‬حتى أنهم في يقظتهم يشاهدون الملئكة ‪ ,‬وأرواح‬
‫النبياء ‪ ,‬ويسمعون منهم أصواتا ‪ ,‬ويقتبسون منهم فوائد ‪.‬‬
‫ثم يرتقي الحال من مشاهدة الصور والمثال إلى درجات يضيق عنها نطاق النطق (‬

‫‪1‬‬

‫‪.‬‬

‫هذا ويقول ابن عربي في كتابه ) الجواب المستقيم عما سأل عنه الترمذي الحكيم ( زيادة على نزول الملك‬
‫على الوليّ ‪:‬‬
‫) وليس المر كذلك ‪ ,‬فقد رآه الولياء في حال حديثه لهم ‪ ,‬فكل قال ما شاهد ‪ ...‬ومشهده صحيح ‪ ,‬وهذا كله‬
‫إذا كان الحديث من الملك والروح ( ‪. 2‬‬
‫ي ويراه وقت نزوله عليه ‪ ,‬وكلمه به ‪.‬‬
‫ي ينزل عليه الملك ويحدثه ويشاهده الول ّ‬
‫يعني أن الول ّ‬
‫وبمثل ذلك يقول صوفي قديم آخر نجم الدين الكبري المتوفى ‪ 618‬هـ أن الملئكة تنزل على الصوفية ‪. 3‬‬
‫و بمثل ذلك قال الدباغ ‪ ,‬وبعبارة أكثر وضوحا من هذه العبارات ‪:‬‬
‫ي من نزول الملك وعدمه فليس بصحيح ‪ ,‬لن المفتوح عليه سواء‬
‫) وأما ما ذكروه في الفرق بين النبي والول ّ‬
‫كان وليا أو نبيا ل بد له أن يشاهد الملئكة بذواتهم على ما هم عليه ‪ ,‬ويخاطبهم ويخاطبونه ‪ ,‬وكل من قال ‪:‬‬
‫ي ل يشاهد الملك و ل يكلمه فذاك دليل على أنه غير مفتوح عليه ( ‪. 4‬‬
‫إن الول ّ‬
‫ونقل النفزي الرندي عن بعض المشائخ أنه قال ‪:‬‬
‫ي فأسمع تسليمها ( ‪.‬‬
‫) إن الملئكة تزورني فآنس بها ‪ ,‬وتسلم عل ّ‬
‫‪5‬‬

‫وليس عامة الملئكة فحسب ‪ ,‬بل جبريل أيضا كما ينص على ذلك الشعراني ناقل عن الشيخ عبد الغفار‬
‫القوصي أنه قال في كتابه المسّمى بالوحيد ‪:‬‬
‫) أنّ الشيخ تاج الدين بن شعبان كان إذا سأله إنسان في حاجة يقول له ‪ :‬اصبر حتى يجيء جبريل ( ‪. 6‬‬
‫وبذلك يقول ابن عربي أن القطب ينزل على قلبه الروح المين حيث يذكر في كتابه ) مواقع النجوم ( ‪:‬‬
‫) وهذا المقام ) أي مقام القطب ( وهذه أسراره‬
‫وبدا هــلل التــــــــّم يســــــطع نــــــــــــــــوره‬
‫وتنـــــزل الـــــــروح الميــــــــــــــــن لقـــــلبه‬

‫رفع الحجاب وأشرقت أنواره‬
‫للناظرين وزال عنه أســـــراره‬
‫‪7‬‬
‫يوم العروبة وأنقضت أو طــاره ( ‪.‬‬

‫وينزل عليه بالمر والنهي كما نص على ذلك الدباغ بقوله ‪:‬‬
‫ي بالمر والنهي ( ‪. 8‬‬
‫) ينزل الملك على الول ّ‬
‫‪9‬‬
‫) وتصير قلوبهم مهبطا للوحي ( ‪.‬‬
‫‪ 1‬المنقذ من الضلل للغزالي ص ‪ 127‬المنشور في مجموعة مؤلفات الدكتور عبد الحليم محمود ط دار الكتاب اللبناني بيروت الطبعة الولى ‪ 1979‬م ‪.‬‬
‫أيضا المنقذ من الضلل ص ‪ 50‬بنجاب الباكستان ‪.‬‬
‫‪ 2‬الجواب المستقيم لبن عربي مخطوط ورقة ب ‪ 246‬المندرج في كتاب ختم الولياء للحكيم الترمذي ص ‪ 221‬ط المطبعة الكاثوليكية بيروت بتحقيق‬
‫عثمان إسماعيل يحيى ‪.‬‬
‫‪ 3‬انظر فوائح الجمال وفواتح الجلل لنجم الدين الكبري ص ‪. 10‬‬
‫‪ 4‬البريز للدباغ ص ‪. 151‬‬
‫‪ 5‬غيث المواهب العلية للنفزي الرندي ج ‪ 1‬ص ‪. 262‬‬
‫‪ 6‬الخلق المتبولية للشعراني بتحقيق الدكتور منيع عبد الحليم محمود ج ‪ 1‬ص ‪ 454‬ط مطبعة حسان القاهرة ‪.‬‬
‫‪ 7‬مواقع النجوم لبن عربي ص ‪ 102‬الطبعة الولى ‪ 1325‬هـ مطبعة السعادة مصر ‪.‬‬
‫‪ 8‬البريز للدباغ ‪. 151‬‬
‫‪ 9‬إبراهيم المتبولي ‪ :‬الخلق المتبولية للشعراني ص ‪. 100‬‬

‫‪103‬‬

‫ويسمعون كلم ال ) فإذا تحقق الصوفي بهذا الوصف صار وقته سرمدا ‪ ,‬وشهوده مؤبدا ‪ ,‬وسماعه متواليا‬
‫متجددا يسمع كلم ال تعالى ( ‪. 1‬‬
‫و ) يتلقاهم ملئكة ال مشرقين ‪ ,‬يحيونهم بتحايا الملكوت ‪ ,‬ويصبون عليهم ماء النبع من ينبوع البهاء ‪...‬‬
‫ي في‬
‫ويقومون في هياكل القربات ‪ ,‬يناجون مع أصحاب حجرات العزة ويسمعون صوتا كصوت رعد أو دو ّ‬
‫الدماغ ( ‪. 2‬‬
‫ويقول السهروردي المقتول سنة ‪ 587‬هـ هذا أيضا أن الولياء ‪ ,‬ويسميهم إخوان التجريد ) يتعلمون العلم‬
‫من روح القدس بل تعلم بشرى ‪ ,‬وتطيعهم مادة العالم العنصري ‪ ,‬وينذرون الكون ويخبرونه بالجزئيات‬
‫الواقعة في الماضي والمستقبل ( ‪. 3‬‬
‫ي‪:‬‬
‫ويكتب الحكيم الترمذي في قضية مكالمة ال مع الول ّ‬
‫) الولية لمن ولى ال حديثه على طريق أخرى فأوصله إليه ‪ ,‬فله الحديث ‪ ,‬وينفصل ذلك الحديث ذلك الحديث‬
‫من ال عز وجل على لسان الحق معه السكينة تتلقاه السكينة التي في قلب المحّدث ‪ ,‬فيقلبه ويسكن إليه ( ‪. 4‬‬
‫ونختم هذا على ما قاله ابن عربي في هذا الخصوص ‪:‬‬
‫ي أن العبد المحقق الصوفي إذا صفا وتحقق صار كعبة لجميع السرار اللهية من كل حضرة‬
‫) اعلم يا بن ّ‬
‫وموقف ‪ ,‬ويرد عليه في كل يوم جمعة ما دام في ذلك المقام ستمائة ألف سّر ملكوتي ‪ ,‬واحد منها إلهي ‪,‬‬
‫وخمسة أسرار ربانية ‪ ,‬ليس لها في حضرة الكون مدخل ( ‪. 5‬‬
‫ب ‪ ,‬ومناجاتهم به ‪,‬‬
‫وليس هذا فحسب ‪ ,‬بل يقولون بعروج المتصوفة إلى السماء ‪ ,‬ووقوفهم بين يدي الر ّ‬
‫وتكليمه إياهم ‪ ,‬فيحكي ابن البان عن نفسه ‪:‬‬
‫) أوقفني الحق على بساط السرار ‪ ...‬وارتقيت إلى السماء الولى ‪ . ..‬ثم ارتقينا إلى السماء الثانية ‪ ...‬ثم‬
‫انتهينا إلى السماء السابعة ‪ ...‬وفيها ملك على كرسي من نور ‪ ...‬وفي هذه السماء رضوان خازن الجنان ‪,‬‬
‫وأجمل الملئكة من جنده ‪ ,‬وفيها إسرافيل رئيس عالم الجبروت ‪ ,‬وهو الذي بشرني بالقرب والمنزلة الكريمة‬
‫عند ربي ‪ ,‬وبالسعادة في الخرة والشفاعة في أمة محمد ) ص( ‪ ,‬وفي هذه السماء رأينا إبراهيم الخليل‬
‫مسندا إلى البيت المعمور ‪ ...‬ثم انتهينا إلى سبعين حجابا آخر ‪ ...‬حتى انتهيت إلى آخر حجاب هناك ‪ ,‬وإذا‬
‫بكرسي من اللؤلؤ منصبة قوائمه من الجوهر والياقوت الحمر والزبرجد الخضر ‪ ,‬فأخذ آخذ بيدي وأجلسني‬
‫ى شيء ودخل جوفي من حيث ل أعلم ‪ ,‬فقال لي شيئا في قلبي ‪ .‬ها قد أكرمك مولك‬
‫عليه ‪ ,‬ثم نّزل عل ّ‬
‫ي ‪ .‬فكأني لم أر أشياء ولم يهلني شيء ‪.‬‬
‫س باطني بها سكن كل جارحة ف ّ‬
‫بالسكينة الربانية ‪ .‬فلما أح ّ‬
‫ي‪,‬‬
‫ت ‪ :‬يا حبيبي و مطلوبي ‪ ,‬السلم عليك ‪ ,‬فغمضت عين ّ‬
‫ثم نوديت من مكان قريب ‪ .‬وذلك من جهاتي الس ّ‬
‫ي ‪ ,‬ففتحت عين ّ‬
‫ي‬
‫وكنت أسمع بقلبي ذلك الصوت حتى أظنه من جوارحي لقربه مني ‪ ,‬ثم نوديت ‪ :‬انظر عل ّ‬
‫فصرت كلي أعينا ‪ ,‬وكأن في باطني ما أراه في ظاهري ‪ ,‬وصرت كأني برزخ بين كونين وقاب ‪ ,‬كما يرى‬
‫الرائي عند النظر في المرآة ما بخارجها ‪ .‬ثم سمعت بقارئ يقرأ قوله ‪ :‬آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه‬
‫والمؤمنون كل آمن بال وملئكته وكتبه ورسله ‪ ,‬ل نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك‬
‫ربنا وإليك المصير ‪.‬‬
‫‪ 1‬عوارف المعارف للسهروردي ص ‪. 27‬‬
‫‪ 2‬حكمة الشراق لشهاب الدين السهروردي ص ‪ 244 – 242‬نقل عن ختم الولياء للترمذي ص ‪ 466‬وما بعد ‪.‬‬
‫‪ 3‬اللمحات الشراق لشهاب الدين السهروردي المورد السادس ص ‪ 173 , 172‬المندرج في كتاب يشتمل على رسائله الثلثة باسم سه رسالة از شيخ‬
‫إشراق ط مركز تحقيقات فارسي إيران وباكستان ‪ 1984‬م ‪.‬‬
‫‪ 4‬ختم الولياء للحكيم الترمذي ص ‪ 346‬ط المطبعة الكاثوليكية بيروت ‪.‬‬
‫‪ 5‬مواقع النجوم ومطالع أهلة السرار لبن عربي ص ‪ 171‬ط مطبعة السعادة مصر ‪1325‬هـ ‪.‬‬

‫‪104‬‬

‫وإذا بذلك الحجاب قد رفع وأذن لي بالدخول ‪ .‬ولما دخلته رأيت النبياء صفوفا صفوفا ودونهم الملئكة ‪,‬‬
‫ورأيت أقربهم للحق أربعة أنبياء ‪ ,‬ورأيت أولياء أمة محمد أقرب الناس إلى محمد وهو أقرب الخلق إلى ال‬
‫تعالى وأقرب إليه أربعة أولياء ‪ ,‬فعرفت منهم السيد محيى الدين عبد القادر ‪ ,‬وهو الذي تلقاني إلى باب‬
‫ي‪,‬‬
‫الحجاب ‪ ,‬وأخذ بعضدي حتى دنوت من سيدنا محمد صلى ال عليه وآله ‪ ,‬فناولني يمينه فأخذته بكلتا يد ّ‬
‫فل زال يجذبني ويدنيني حتى ما بقي بيني وبين ربي أحد ‪ ,‬فلما حققت النظر في ربي ورأيته على صورة‬
‫النبي ‪ ,‬إل أنه كالثلج أشبه شيء أعرفه في الوجود من غير رداء ول ثياب ‪ .‬ولما وضعت شفتي على محل‬
‫منه لقبله أحسست ببرد الثلج سبحانه وتعالى ‪ ,‬فأردت أخر صعقا ‪ ,‬فمسكني سيدنا محمد صلى ال عليه‬
‫وآله ( ‪. 1‬‬
‫وأما ابن عربي فيجعل لعروجه محاكيا المعراج النبوي الشريف ويقول ‪:‬‬
‫) بينما أنا نائم وسر وجودي متهجد قائم جاءني رسول التوفيق ‪ ,‬ليهديني سواء الطريق ‪ ,‬ومعه براق‬
‫ى ‪ ,‬وشق صدري‬
‫ى ‪ ,‬وأخذ في نقضى وحل ّ‬
‫الخلص ‪ ,‬عليه لبد الفوز ولجام الخلص ‪ ,‬فكشف عن سقف محل ّ‬
‫بسكين السكينة ‪ ,‬وقيل لي ‪ :‬تأهب لرتقاء الرتبة المكينة ‪ ,‬وأخرج قلبي في منديل ‪ ,‬لمن من التبديل ‪ ,‬وألقى‬
‫في طست الرضا ‪ ,‬بموارد القضا ‪ ,‬ورمى منه حظ الشيطان ‪ ,‬وغسل بماء ‪ :‬إن عبادي ليس لك عليهم‬
‫سلطان ‪ ...‬ثم أتيت بالخمر واللبن ‪ ,‬فشربت ميراث تمام اللبن ‪ ,‬وتركت الخمر حذرا أن أكشف السر بالسكر ‪...‬‬
‫استفتح لي سماء الجسام فرأيت سر روحانية آدم عليه السلم ‪ ...‬فاستفتح الرسول الوضاح ‪ ,‬سماء‬
‫الرواح ‪ ...‬قال لي ‪ :‬مرحبا وأهل – إلى آخر الخرافات والمختلقات (‪. 2‬‬
‫ويقول أحد من المتقدمين من الصوفية نجم الدين كبري المقتول ‪ 618‬هـ ‪:‬‬
‫) أنه أيضا ممن عرج به إلى السماء ( ‪. 3‬‬
‫كما نقل عن أبي الحسن الخرقاني أنه قال ‪:‬‬
‫) صعدت ظهيرة إلى العرش لطوف به فطفت عليه ألف طوفة أو كما قال ‪ ,‬ورأيت حواليه قوما ساكنين‬
‫مطمئنين فتعجبوا من سرعة طوافي وما أعجبني طوافهم ‪ ,‬فقلت ‪ :‬من أنتم ‪ ,‬وما هذه البرودة في الطواف ؟‬
‫فقالوا ‪ :‬نحن ملئكة ‪ ,‬ونحن أنوار ‪ ,‬وهذا طبعنا ل نقدر أن نجاوزه ‪ ,‬فقالوا ‪ :‬ومن أنت وما هذه السرعة في‬
‫الطواف ؟‬
‫‪4‬‬
‫ي نور ‪ ,‬ونار هذه السرعة من نتائج نار الشوق ( ‪.‬‬
‫ي ‪ ,‬وف ّ‬
‫فقلت ‪ :‬بل أنا آدم ّ‬
‫ب تبارك وتعالى ‪. 5‬‬
‫والجيلي كذلك ذكر عروجه ومعراجه ‪ ,‬ورؤيته لسدرة المنتهى وتجليات الر ّ‬
‫وكذلك يذكر النفزي الرندي المتوفى ‪ 792‬هـ في تفسير قوله تعالى ‪ :‬وملكا كبيرا ‪:‬‬
‫) أنه يرسل ال تعالى الملك إلى وليه ‪ ,‬ويقول له ‪:‬‬
‫استأذن على عبدي ‪ ,‬فإن أذن لك فادخل ‪ ,‬وإل فارجع ‪ ,‬فيستأذن عليه من سبعين حجابا ‪ ,‬ثم يدخل عليه ومعه‬
‫كتاب من ال عز وجل عنوانه ‪:‬‬
‫ي الذي ل يموت ‪ ,‬فإذا فتح الكتاب وجد مكتوبا فيه عبدي ‪ ,‬اشتقت إليك فزرني‬
‫ي الذي ل يموت إلى الح ّ‬
‫من الح ّ‬
‫‪ ,‬فيقول ‪ :‬هل جئت بالبراق ؟‬
‫‪ 1‬المواقف اللهية لبن البان ص ‪ 164‬إلى ‪. 169‬‬
‫‪ 2‬انظر كتاب السراء لبن عربي ص ‪ 18‬من ) رسائل ابن عربي ( الطبعة الولى ص حيدر أباد دكن الهند ‪ 1367‬هـ ‪.‬‬
‫‪ 3‬انظر فوائح الجمال وفواتح الجلل لنجم الدين الكبري بتصحيح دكتور فريتزمائر أستاذ بجامعة بازيل بسويسرا مطبعة فرانتزشتاينز ويسبادن المانيا‬
‫‪1957‬م ‪.‬‬
‫‪ 4‬أيضا ص ‪. 13‬‬
‫‪ 5‬انظر النسان الكامل للجيلي الباب التاسع والربعون في سدرة المنتهى ج ‪ 2‬ص ‪. ‍13 , 12‬‬

‫‪105‬‬

‫فيقول ‪ :‬نعم ‪ ,‬فيركب البراق ‪ ,‬فيغلب الشوق على قلبه ‪ ,‬فيحمله شوقه ‪ ,‬ويبقى البراق إلى أن يصل إلى بساط‬
‫اللقاء ( ‪. 1‬‬
‫وهناك آخرون كثيرون ادعوا عروجهم إلى السماء ‪ ,‬ومعراجهم أو مكالمتهم الرب ‪ ,‬ومخاطبتهم إياه ‪ ,‬ومنهم‬
‫صالح بن بان النقا السوداني ‪. 2‬‬
‫ودفع ال بن محمد الكاهلي الهذلي السوداني ‪. 3‬‬
‫وفتح ال بوراس القيرواني ‪. 4‬‬
‫ومحمد بن قائد اللواني العراقي ‪. 5‬‬
‫وأبو العباس المرسي ‪. 6‬‬
‫ومثل هؤلء كثيرون ل يعدون ول يحصون ‪.‬‬
‫ويذكر الصوفي القديم المشهور عزيز الدين النسفي عن عروج المتصوفة إلى السماء ‪:‬‬
‫) إن بعض الصوفية يعرجون إلى السماء الولى ويطوفون حولها ‪ ,‬وبعضهم يتجاوزون من السماء الولى ‪...‬‬
‫وبعضهم يصلون إلى العرش إذا أمكن لهم ( ‪. 7‬‬
‫ب لهؤلء المتصوفة فللهمية ننقل عبارة الجيلي كاملة ‪,‬‬
‫هذا بالنسبة للعروج ‪ ,‬وأما من ناحية مكالمة الر ّ‬
‫ي الصفات ( ‪:‬‬
‫فيقول تحت عنوان ) تجل ّ‬
‫) ومن المكلمين من يذهب به الحق من عالم الجسام إلى عالم الرواح وهؤلء أعلى مراتب ‪ .‬فمنهم من‬
‫يخاطب في قلبه ‪ ,‬ومنهم من يصعد بروحه إلى سماء الدنيا ‪ ,‬ومنهم إلى الثانية والثالثة كل على حسب ما قسم‬
‫له ‪ ,‬ومنهم من يصعد به إلى سدرة المنتهى فيكلمه ال هناك ‪ ,‬وكل من المكلمين على قدر دخوله في الحقائق‬
‫تكون مخاطبات الحق له و لنه سبحانه وتعالى ل يضع الشياء إل في مواضعها ‪ .‬ومنهم من يضرب له عند‬
‫عند تكليمه إياه نور له سرادق من النوار ‪ .‬ومنهم من ينصب له منبرا من نور ‪ .‬ومنهم من يرى نورا في‬
‫باطنه فيسمع الخطاب من تلك الجهة النورية ‪ ,‬وقد يرى النور كثيرا وأكثر مستديرا ومتطاول ‪ .‬ومنهم من‬
‫ن أعلمه ال أنه هو المتكلم ‪ ,‬وهذا ل يحتاج فيه‬
‫يرى صورة روحانية تناجيه ‪ ,‬كّل ذلك ل يسمى خطابا ‪ ,‬إل إ ْ‬
‫إلى دليل ‪ ,‬بل هو على سبيل الوهلة فإن خاصية كلم ال ل تخفى ‪ ,‬وأن يعلم أن كل ما سمعه كلم ال فل‬
‫يحتاج هناك إلى دليل ول بيان ‪ ,‬بل بمجرد سماع الخطيب يعلم العبد أنه كلم ال ‪ ,‬وممن صعد به إلى سدرة‬
‫المنتهى من قيل له حبيبي إنيتك هي هويتي وأنت عين هو وما هو إل أنا ‪ ,‬حبيبي بساطتك تركيبي وكثرتك‬
‫واحديتي ‪ ,‬بل تركيبك بساطتي وجهلك درايتي ‪ ,‬أنا المراد بك أنا لك ل لي ‪ ,‬أنت المراد بي أنت لي ل لك ‪,‬‬
‫حبيبي أنت نقطة عليها دائرة الوجود فكنت أنت العابد فيها والمعبود ‪ ,‬أنت النور أنت الظهور أنت الحسن و‬
‫الزين كالعين للنسان والنسان للعين ‪:‬‬
‫ويا سلوة الحزان للكبد الحّرى‬
‫أيا روح روح الروح والية الكبرى‬
‫حديثك ما أحله عندي ومــا أمرا‬
‫ويا منتهى المـــــال يا غاية المنى‬
‫ويا عرفــان الغيب يا طلعة الغرا‬
‫ويا كعبة التحقيق يا قبلة الصـــــفا‬
‫تصرف لك الدنيا جميعا مع الخرى‬
‫أتيناك أخلفناك في مــــــــــلك ذاتنا‬
‫فكنت وكنا والحقيـــــــقة ل تدرى‬
‫فلولك ما كنا ولولي لم تــــــــكن‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫أيضا ص ‪. 66 , 65‬‬
‫انظر كتاب الطبقات لمحمد ضيف ال الجعلي الفضلي ص ‪ 105‬ط لبنان ‪.‬‬
‫أيضا ص ‪. 89‬‬
‫انظر الوصية الكبرى لعبد السلم الفيتوري ص ‪ 74‬ط طرابلس ليبيا ‪ 1976‬م ‪.‬‬
‫الجواب المستقيم لبن عربي ورقة أ ‪ ,‬ب المنقول من كتاب ختم الولياء للترمذي ص ‪. 224‬‬
‫انظر النفحة العلية في أوراد الشاذلية ص ‪. 230‬‬
‫انظر زبدة الحقائق لعزيز الدين نسفي ص ‪ 58‬تصحيح وتقديم حق وردي ناصري ط كتابخانة طهوري طهران ‪.‬‬

‫‪106‬‬

‫فإياك نـــــعني بالمـــــعزة والغنى‬

‫وإياك نعني بالفقيـــــــــر ول فقرا (‬

‫‪1‬‬

‫فلينظر الباحث ‪ ,‬وليتعمق و هل بقي هناك شيء خفي بعد هذا كله ؟‬
‫ولكننا لتوثيق ما هو موثق نورد نصوصا أخرى من أكابر القوم الخرين ‪ ,‬وأعاظمهم ‪.‬‬
‫منها ما نقل المتصوفة عن أبي يزيد البسطامي أنه كثيرا ما كان يقول للفقهاء ‪:‬‬
‫ي الذي ل يموت ( ‪. 2‬‬
‫) أخذتم علمكم ميتا عن ميت ‪ ,‬ونحن أخذنا علمنا عن الح ّ‬
‫وهو الذي يذكرون عنه أنه ذكر معراجه ومكالمته الرب – تعالى ال عما يقولون به علوا كبيرا – فيقول ‪:‬‬
‫) أدخلني في الفلك السفل ‪ ,‬فدّورني في الملكوت السفلي ‪ ,‬فأراني الرضين وما تحتها إلى الثرى ‪ ,‬ثم أدخلني‬
‫في الفلك العلوي فطّوف بي في السموات وأراني ما فيها من الجنان إلى العرش ‪.‬‬
‫ي رأيت حتى أهبه لك ‪ ,‬فقلت ‪:‬‬
‫ثم أوقفني بين يديه فقال لي ‪ :‬سلني أ ّ‬
‫‪3‬‬
‫يا سيدي ما رأيت شيئا استحسنته فأسألك إياه ‪ ,‬فقال ‪ :‬أنت عبدي حقا تعبدني لجلي صدقا لفعلن بك ( ‪.‬‬
‫ونقل الخرون الكثيرون عنه أيضا أنه قال ‪:‬‬
‫) رفعني مرة فأقامني بين يديه ‪ ,‬وقال لي ‪:‬‬
‫يا أبا يزيد ‪ ,‬إن خلقي يحبون أن يروك ‪.‬‬
‫فقلت ‪ :‬زّيني بوحدانيتك ‪ ,‬وألبسني أنانيتك ‪ ,‬وارفعني إلى أحديتك ‪ ,‬حتى إذا رآني خلقك قالوا ‪ :‬رأيناك ‪ ,‬فتكون‬
‫أنت ذاك ‪ ,‬ول أكون أنا هنا ( ‪. 4‬‬
‫ونقلوا مثل ذلك عن السري السقطي رواية عن الجنيد أنه قال ‪:‬‬
‫ت عند سري ليلة ‪ ,‬فقال لي ‪ :‬أنائم أنت ؟‬
‫ب ّ‬
‫فقلت ‪ :‬ل ‪.‬‬
‫فقال ‪ :‬أوقفني الحق بين يديه ‪ ,‬فقال ‪ :‬أتدري لم خلقت الخلق ؟‬
‫قلت ‪ :‬ل ‪ .‬قال ‪ :‬خلقتهم فاّدعوا محبتي ‪ ,‬فخلقت الدنيا ‪ ,‬فاشتغل بها من عشرة آلف تسعة آلف ‪ ,‬وبقي ألف ‪,‬‬
‫فخلقت الجنة فاشتغل بها تسعمائة ‪ ,‬وبقي مائة ‪ ,‬فسلطت عليهم شيئا من بلئي ‪ ,‬فاشتغل تسعون ‪ ,‬وبقي‬
‫عشرة ‪ ,‬فقلت لهم ‪ :‬ل الدنيا أردتم ‪ ,‬ول في الجنة رغبتم ‪ ,‬ول من البلء هربتم ‪ ,‬فماذا تريدون ؟‬
‫قالوا ‪ :‬إنك تعلم ما نريد ‪.‬‬
‫فقال ‪ :‬سأنزل عليكم من البلء ما ل تطيقه الجبال ‪ ,‬أفتثبتون ؟‬
‫قالوا ‪ :‬ألست أنت الفاعل ؟ قد رضينا بذلك ‪ .‬نحمد ذلك بك وفيك ولك ‪.‬‬
‫فقال ‪ :‬أنتم عبادي حقا ‪. 5‬‬
‫ورووا عن الجنيد أنه قال ‪:‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫النسان الكامل لعبد الكريم الجيلي ص ‪ 66 , 65‬الطبعة الرابعة مصطفى البابي الحلبي ‪ 1402‬هـ ‪.‬‬
‫الجواهر والدرر للشعراني بهامش البريز ص ‪ , 268‬أيضا ذخائر العلق لبن عربي ص ‪. 153‬‬
‫قوت القلوب لبي طالب المكي ج ‪ 2‬ص ‪ , 70‬كذلك محاسن المجالس لبن العريف ص ‪ , 77‬أيضا غيث المواهب العلية للنفزي الرندي ص ‪. 305‬‬
‫انظر كتاب اللمع للطوسي ص ‪. 461‬‬
‫روضة التعريف للسان الدين بن الخطيب ص ‪ 538 , 537‬ط دار الفكر العربي القاهرة ‪.‬‬

‫‪107‬‬

‫) لي ثلثون سنة أتكلم مع ال تعالى ( ‪. 1‬‬
‫وعن صوفي قديم آخر سهل بن عبد ال التستري أنه قال ‪:‬‬
‫) أنا منذ ثلثين سنة أكلم ال والناس يتوهمون أني أكلمهم ( ‪. 2‬‬
‫والشعراني نقل عن علي الخواص أنه قال ‪:‬‬
‫) قد سمعت سيدي إبراهيم المتبولي يقول كثيرا ‪:‬‬
‫‪3‬‬
‫لي ثلثون سنة وأنا مقيم في حضرة ال لم أخرج ‪ ,‬وجميع ما أتكلم به إنما أكلم به الحق سبحانه وتعالى ( ‪.‬‬
‫والرفاعية أيضا ل يريدون أن يقل شأن مرشدهم وهاديهم ‪ ,‬وتنحط مكانته في أعين مريديه ومقلديه ‪ ,‬فنقلوا‬
‫ب مناجاة ومخاطبات فنقلوا عن ابن جلل في جلء الصد وا نصه ‪:‬‬
‫عنه أنه كان كثيرا بينه وبين الر ّ‬
‫) نقل عن السيد إبراهيم العزب أنه قال ‪ :‬كنت جالسا في الغرفة مع السيد أحمد الرفاعي رضي ال تعالى‬
‫عنهما ‪ ,‬ورأسه على ركبتيه ‪ ,‬فرفع رأسه وضحك بأعلى صوته فضحكت أنا أيضا ثم ألححت عليه ليخبرني‬
‫عن سبب ضحكه ‪ ,‬فقال ‪:‬‬
‫أي إبراهيم ‪ ,‬ناداني العزيز سبحانه ‪ :‬أني أريد أن أخسف الرض ‪ ,‬وأرمي السماء على الرض ‪.‬‬
‫فلما سمعت هذا النداء تعجبت ‪ ,‬وقلت ‪ :‬إلهي ‪ ,‬من ذا الذي يعارضك في ملكك وإرادتك ؟‬
‫قال سيدي إبراهيم ‪ :‬فأخذته الرعدة ووقع على الرض وبقي في ذلك الحال زمانا طويل ( ‪. 4‬‬
‫وحينما رأى الشاذلية هذه المكانة العالية ‪ ,‬والمنزلة الرفيعة لمرشد الرفاعية ‪ ,‬الرفاعي ‪ ,‬لم يرضوا أن‬
‫يتخلفوا عنهم ‪ ,‬فقالوا ‪ :‬إن ما لشاذلينا لم تكن مخاطبات فحسب ‪ ,‬بل إن ال جل مجده هو الذي سماه بهذا‬
‫السم ‪ ,‬فيذكر المام الكبر السابق للزهر ‪ ,‬الدكتور عبد الحليم محمود نقل عن أبي الحسن الشاذلي كيفية‬
‫نزوله من جبل زغوان ‪ ,‬ومغادرته خلوته ‪ ,‬فيقول ‪:‬‬
‫) قيل لي ‪ :‬يا علي ‪ :‬اهبط إلى الناس ينتفعوا بك ‪.‬‬
‫ب أقلني من الناس فل طاقة لي بمخالطتهم ‪.‬‬
‫فقلت ‪ :‬يا ر ّ‬
‫فقيل لي ‪ :‬انزل فقد أصحبناك السلمة ‪ ,‬ودفعنا عنك الملمة ‪.‬‬
‫فقلت ‪ :‬تكلني إلى الناس آكل من دريهماتهم ‪.‬‬
‫فقيل لي ‪ :‬أنفق يا علي ‪ ,‬وأنا الملي ‪ ,‬إن شئت من الجيب ‪ ,‬وإن شئت من الغيب ‪.‬‬
‫ونزل الشاذلي رضي ال عنه من على الجبل ليغادر شاذلة ‪ ,‬ويستقبل مرحلة جديدة ‪ ,‬فقد انتهت المرحلة‬
‫الولى التي رسمها له شيخه ‪.‬‬
‫وقبل أن نغادر معه شاذلة إلى رحلته الجديدة نذكر ما حكاه رضي ال عنه فيما يتعلق بنسبته إلى شاذلة ‪,‬‬
‫قال ‪:‬‬
‫ب لم سميتني بالشاذلي ؟ ولست بشاذلي ؟‬
‫قلت ك يا ر ّ‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫طبقات الشعراني ص ‪. 200‬‬
‫التعرف لمذهب أهل التصوف بتحقيق محمود أمين النواوي ص ‪ 172‬ط القاهرة الطبعة الثانية ‪1980‬م ‪.‬‬
‫انظر الخلق المتبولية للشعراني ج ‪ 1‬ص ‪. 482‬‬
‫انظر قلدة الجواهر في ذكر الرفاعي وأتباعه الكابر للسيد محمد أبي الهدى الرفاعي ص ‪. 180‬‬

‫‪108‬‬

‫شاّذ لي ‪ .‬بتشديد الذال المعجمة يعني ‪ :‬المنفرد لخدمتي‬
‫فقيل لي ‪ :‬يا علي ‪ ,‬ما سميتك بالشاذلي وإنما أنت ال ّ‬
‫ومحبتي ( ‪. 1‬‬
‫ب تبارك وتعالى أيضا ‪. 2‬‬
‫هذا ولقد نقلوا مثل هذه المكالمات والمناجاة بين ذي النون المصري والر ّ‬
‫وقلما يوجد صوفي أو متصوف إل وقد اّدعى مثل هذه الدعوى ‪ ,‬وكتب التراجم وطبقات الصوفية مليئة بمثل‬
‫هذه الكاذيب والشناعات ‪ ,‬والجرأة على ال ‪ ,‬والنتقاص من شأن نبينا صلوات ال وسلمه عليه خاتم النبيين‬
‫وسيد المرسلين ‪ ,‬حيث ينسبون إلى أنفسهم ‪ ,‬أو إلى مرشديهم ومتصوفيهم ما لم يكن لبشر أن يحصل عليه ‪,‬‬
‫حتى سيد الخلئق وأفضل النبيين والمرسلين مثل ما أوردنا عنهم ‪ ,‬ومثل مارووا عن فتح ال بوراس‬
‫القيرواني أنه كان يقول ‪:‬‬
‫) أشهدني ال تعالى ما في السموات السبع وما في الكرسي وما في اللوح المحفوظ وجميع ما في الحجب ‪,‬‬
‫وفككت طلسم السموات السبع والفلك الثامن الذي فيه جميع الكواكب وجميع الفلك الثامن ‪ ,‬وهم بنات نعش‬
‫والجدي والقطب ‪ ,‬ووصلت إلى الفلك التاسع الذي يسمونه الطلس ‪ ,‬ورصدت جداوله وأنا عند ذلك طفل‬
‫صغير لم أبلغ الحلم ( ‪. 3‬‬
‫وكان يقول ‪:‬‬
‫) وفي الســــــماء الســـــــابعة شــــــاهدت ربي وكـــــــّلمته‬
‫وفوق العــــــرش والكرسي قـــــــــــد ناداني وخاطبته‬
‫وما في اللوح المحفوظ من الي والمر والنهي قد حفظته‬
‫وبيدي بــــــــــــــــاب الجنــــــــــان قد فتحتـــــه ودخلته‬
‫وما فــــــــــيه من الحـــــــــــور العين قد رأيته وحصـــــيته‬
‫ومــــن رآني ورأي مــــــــــــــن رآني وحضـــــر مجلسي‬
‫في جنة عدن وبــــــستانـــــها قد أســـــــكنتـــــــــــــــــــــه ( ‪. 4‬‬
‫ومثل ذلك ذكر الشعراني عن الدسوقي المتوفى ‪776‬هـ حيث قال ‪:‬‬
‫ي في الرض خلعته بيدي ‪ .‬ألبس منهم من شئت ‪ ,‬أنا في السماء شاهدت ربي ‪ ,‬وعلى الكرسي‬
‫) أنا كل ول ّ‬
‫‪5‬‬
‫خاطبته ‪ ,‬أنا بيدي أبواب النار أغلقتها ‪ ,‬وبيدي جنة الفردوس فتحتها ‪ .‬من زارني أسكنته جنة الفردوس ( ‪.‬‬
‫نعوذ بال من مثل هذه الخرافات ‪ ,‬ول يؤاخذنا ال على نقل ما اقترفته اليدي الثيمة واللسن الخبيثة ‪ ,‬ربنا ل‬
‫ن هي إل فتنتك تضّل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا و‬
‫تهلكنا بما فعل السفهاء منا إ ْ‬
‫ارحمنا وأنت خير الغافرين ‪.‬‬
‫صلوا قاعدة وحكما عاما ‪ ,‬وقالوا ‪:‬‬
‫ثم إن الصوفية أ ّ‬
‫‪6‬‬
‫ي متصل بال تعالى إل وهو يناجي ربه كما كان موسى عليه السلم يناجي ربه ( ‪.‬‬
‫) ما كان ول ّ‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫انظر كتاب الدكتور عبد الحليم محمود المدرسة الحديثة الشاذلية وإمامها أبو الحسن الشاذلي ص ‪ 35 , 34‬ط دار الكتب الحديثة القاهرة ‪.‬‬
‫انظر تذكرة الولياء للعطار ص ‪ 74‬ط باكستان ‪.‬‬
‫الوصية الكبرى لشيخ العروسية عبد السلم الفيتوري ص ‪ 75‬ط مكتبة النجاح طرابلس ليبيا ‪.‬‬
‫أيضا ‪.‬‬
‫انظر الطبقات الكبرى للشعراني ج ‪ 1‬ص ‪. 180‬‬
‫أيضا ج ‪ 1‬ص ‪. 180‬‬

‫‪109‬‬

‫) وإذا صفا قلب الفقير صار مهبط الوحي ( ‪. 1‬‬
‫والدباغ يقول ‪:‬‬
‫) وكلم الحق سبحانه يسمعه المفتوح عليه إذا رحمه ال عز وجل سماعا خارقا للعادة فيسمعه من غير حرفه‬
‫ول صوت ول إدراك لكيفية ‪ ,‬ول يختص بجهة دون جهة ‪ ,‬بل يسمعه من سائر الجهات ‪ ,‬بل ومن سائر‬
‫جواهر ذاته ‪ ,‬وكما ل يخص السماع له جهة دون أخرى ‪ ,‬كذلك ل يخص جارحة دون أخرى يعني أنه يسمعه‬
‫بجميع جواهره وسائر أجزاء ذاته فل جزء ول جوهر ول سنّ ول ضرس ول شعرة منه إل وهو يسمع به ‪,‬‬
‫حتى تكون ذاته بأسرها كأذن سامعة ‪ , ,‬ثم ذكر اختلف أهل الفتح في قدر السماع وبّينه بما ل يذكر ( ‪. 2‬‬
‫ب ‪ ,‬ومخاطبته إياهم جائز شرعا ونقل ‪ ,‬وهو‬
‫) وأن معراج الصوفية ‪ ,‬وخرقهم السموات ‪ ,‬ومكالمتهم الر ّ‬
‫المنقول عن الشاذلي ‪ ,‬وابن عطاء ال في ) لطائف المنن ( ‪ ,‬ومحمد السنوسي في كبراه ‪ ,‬والشيخ عبد الباقي‬
‫وغيرهم ( ‪. 3‬‬
‫وقد نقل الشعراني عن الشاذلي قوله ‪:‬‬
‫) ل إنكار على من قال ‪ :‬كّلمني ال كما كّلم موسى ( ‪.‬‬
‫‪4‬‬

‫وأما ابن عربي القائل دوما ‪ ) :‬حدثني قلبي عن ربي ‪ ,‬في كتبه ورسائله ‪ ,‬و ‪ :‬ما صنفت كتابا عن تدبير‬
‫واختيار إل بأمر من ال وإرشاده ( ‪. 5‬‬
‫ب عندما يبلغ الدرجة العليا ‪ ,‬ويتحقق في مقامه ‪ ,‬يقول ‪:‬‬
‫يقول في سماع الصوفي كلم الر ّ‬
‫) إنما يسمع الصوفي في هذا المقام ويمتثل ما يسمع – كما أنا ما زلت أسمع متحققا في مقامي من الحق (‬
‫‪.6‬‬
‫وأما إطلعهم على الغيب ‪ ,‬وإحاطتهم بعلم ما كان وما يكون ‪ ,‬وإخبارهم بكل ما ظهر وما بطن فكتب القوم‬
‫مليئة بهذه المختلقات ‪ ,‬بل يمكن لقارئ كتب الصوفية والباحث في تراجمهم وطبقاتهم أن يقول ‪ :‬إن شخصا ما‬
‫ينسب إلى هؤلء الناس ويعّد منهم إل أن يكون حامل لذلك العلم الذي هو من خاصة رب السموات والرض ‪,‬‬
‫حيث أخبر عن ذاته سبحانه تبارك وتعالى ‪:‬‬

‫م َ‬
‫في ال ْب َّر‬
‫ح ال ْ َ‬
‫ما ِ‬
‫ها إ ِل ّ ُ‬
‫و ِ‬
‫وي َ ْ‬
‫ب ل َ يَ ْ‬
‫فات ِ ُ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫عل َ ُ‬
‫عل َ ُ‬
‫عندَهُ َ‬
‫غي ْ ِ‬
‫و َ‬
‫ه َ‬
‫} َ‬
‫ق ُ‬
‫وَر َ‬
‫س ُ‬
‫ت‬
‫ة ِ‬
‫ما ِ‬
‫حب ّ ٍ‬
‫ق ٍ‬
‫ط ِ‬
‫ول َ َ‬
‫ة إ ِل ّ ي َ ْ‬
‫وال ْب َ ْ‬
‫م َ‬
‫ما ت َ ْ‬
‫في ظُل ُ َ‬
‫عل َ ُ‬
‫و َ‬
‫ها َ‬
‫من َ‬
‫ر َ‬
‫َ‬
‫ح ِ‬
‫َ‬
‫‪7‬‬
‫ْ‬
‫ن { ‪.‬‬
‫س إ ِل ّ ِ‬
‫ب ّ‬
‫في ك َِتا ٍ‬
‫ول َ َرط ٍ‬
‫ب َ‬
‫ض َ‬
‫مِبي ٍ‬
‫ول َ َياب ِ ٍ‬
‫الْر ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه َ‬
‫ه {‪.8‬‬
‫وإ ِل َي ْ ِ‬
‫وا ِ‬
‫ول ِل ّ ِ‬
‫ج ُ‬
‫ه ي ُْر َ‬
‫غي ْ ُ‬
‫ب ال ّ‬
‫مُر ك ُل ّ ُ‬
‫ع ال ْ‬
‫س َ‬
‫ض َ‬
‫ت َ‬
‫ما َ‬
‫وقال ‪َ } :‬‬
‫والْر ِ‬
‫ْ َ‬
‫م َ‬
‫م بِ َ‬
‫ت‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫ذا ِ‬
‫وا ِ‬
‫وقال ‪ } :‬إ ِ ّ‬
‫ب ال ّ‬
‫عِلي ٌ‬
‫ض إ ِن ّ ُ‬
‫س َ‬
‫عال ِ ُ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫غي ْ ِ‬
‫ت َ‬
‫ما َ‬
‫والْر ِ‬
‫‪9‬‬
‫ر{ ‪.‬‬
‫ص ُ‬
‫ال ّ‬
‫دو ِ‬
‫وأخبر عن نفسه بنفسه ‪:‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬
‫‪9‬‬

‫الخلق المتبولية للشعراني ج ‪ 1‬ص ‪ 100‬المنقول عن إبراهيم المتبولي ‪.‬‬
‫البريز للدباغ ص ‪. 156‬‬
‫كتاب الطبقات للجعلي الفضلي ص ‪. 107‬‬
‫مقولة الشاذلي المنقولة في طلقات الشعراني ج ‪ 2‬ص ‪. 69‬‬
‫انظر تنبيه المغترين للشعراني ص ‪. 136‬‬
‫انظر مواقع النجوم لبن عربي ص ‪ 164‬وما بعد الطبعة الولى ‪ 1325‬هـ مطبعة السعادة مصر ‪.‬‬
‫النعام ‪. 59‬‬
‫هود ‪ , 123‬كذلك النحل ‪. 77‬‬
‫فاطر ‪. 38‬‬

‫‪110‬‬

‫وال ّ‬
‫ل{‬
‫م ال ْ َ‬
‫} َ‬
‫هادَ ِ‬
‫مت َ َ‬
‫ش َ‬
‫ة ال ْك َِبيُر ال ْ ُ‬
‫عال ِ ُ‬
‫غي ْ ِ‬
‫عا ِ‬
‫ب َ‬

‫‪1‬‬

‫وال ّ‬
‫م {‪. 2‬‬
‫م ال ْ َ‬
‫و‪َ }:‬‬
‫ح ِ‬
‫هادَ ِ‬
‫زيُز ال ْ َ‬
‫ة ال ْ َ‬
‫ش َ‬
‫كي ُ‬
‫عال ِ ُ‬
‫غي ْ ِ‬
‫ب َ‬
‫ع ِ‬
‫ص في المسألة حيث أمر نبّيه صلى ال عليه وسلم أن يقول ‪:‬‬
‫والية التي هي ن ّ‬

‫ْ َ‬
‫} ُ‬
‫ه{‬
‫ض ال ْ َ‬
‫من ِ‬
‫وا ِ‬
‫غي ْ َ‬
‫قل ّل ي َ ْ‬
‫في ال ّ‬
‫ب إ ِّل الل ّ ُ‬
‫س َ‬
‫م َ‬
‫عل َ ُ‬
‫ت َ‬
‫ما َ‬
‫والْر ِ‬

‫‪3‬‬

‫‪.‬‬

‫كما أمر نبيه صلى ال عليه وسلم أن ينفي عن نفسه الغيب ‪:‬‬

‫قل ل ّ أ َ ُ‬
‫} ُ‬
‫قو ُ‬
‫ب{‬
‫م ال ْ َ‬
‫دي َ‬
‫ول أ َ ْ‬
‫م ِ‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫عن ِ‬
‫غي ْ َ‬
‫خَزآئ ِ ُ‬
‫عل َ ُ‬
‫ل ل َك ُ ْ‬
‫ه َ‬

‫‪4‬‬

‫‪.‬‬

‫ونقل عن مصطفاه عليه الصلة والسلم أنه قال ‪:‬‬

‫و ُ‬
‫ر{‬
‫ن ال ْ َ‬
‫م ال ْ َ‬
‫ت أَ ْ‬
‫ت ِ‬
‫غي ْ َ‬
‫ست َك ْث َْر ُ‬
‫كن ُ‬
‫ب لَ ْ‬
‫م َ‬
‫عل َ ُ‬
‫ول َ ْ‬
‫} َ‬
‫خي ْ ِ‬

‫‪5‬‬

‫‪.‬‬

‫وقال نبيه مخاطبا إياه ‪:‬‬

‫ك إن ّ َ َ‬
‫في ن َ ْ‬
‫في ن َ ْ‬
‫م‬
‫ت َ‬
‫سي و ل َ أ َ ْ‬
‫ما ِ‬
‫ما ِ‬
‫ف ِ‬
‫ف ِ‬
‫} تَ ْ‬
‫عل ّ ُ‬
‫ك أن َ‬
‫م َ‬
‫عل َ ُ‬
‫م َ‬
‫عل َ ُ‬
‫س َ ِ‬
‫ب{‪.6‬‬
‫ال ْ ُ‬
‫غُيو ِ‬
‫واليات في هذا المعنى كثيرة جدا ‪ ,‬والحاديث النبوية كذلك ‪.‬‬
‫ولكن القوم يقولون عكس ذلك متأثرين بالتشيع ‪ ,‬وآخذين أفكارهم ومعتقداتهم ‪ ,‬فيقول القشيري في بيان‬
‫درجات السلوك ‪:‬‬
‫) ثم في خلل هذه الحوال قبل وصوله إلى هذا المقام الذي هو نهاية كان يرى جملة الكون يضيء بنور كان‬
‫له حتى لم يخف من الكون عليه شيء وكان يرى جميع الكون من السماء والرض رؤية عيان ولكن بقلبه ‪,‬‬
‫وكان ل يرى في هذا الوقت بعين لنه شيء ولكن لم يكن هذه رؤية علم ‪ ,‬بل لو تحرك في الكون ذرة أو‬
‫نملة ( ‪.7‬‬
‫ونقل الكلباذي عن أبي عبد ال النطاكي أنه قال ‪:‬‬
‫) إذا جالستم أهل الصدق فجالسوهم بالصدق ‪ ,‬فإنهم جواسيس القلوب ‪ ,‬يدخلون في أسراركم ‪ ,‬ويخرجون من‬
‫هممكم ( ‪. 8‬‬
‫ويقول ابن عجيبة الحسني ‪:‬‬
‫سم الخلق قسمين وفرقهم فرقتين ‪ :‬قسم اختصهم بمحبته ‪ ,‬وجعلهم من أهل وليته ‪ ,‬ففتح‬
‫) إن الحق سبحانه ق ّ‬
‫‪9‬‬
‫لهم الباب ‪ ,‬وكشف لهم الحجاب ‪ ,‬فأشهدهم أسرار ذاته ‪ ,‬ولم يحجبهم عنه بآثار قدرته ( ‪.‬‬

‫‪ 1‬الرعد ‪. 9‬‬
‫‪ 2‬التغابن ‪. 18‬‬
‫‪ 3‬النمل ‪. 65‬‬
‫‪ 4‬النعام ‪ , 50‬ومثله في سورة هود الية ‪. 31‬‬
‫‪ 5‬العراف ‪. 188‬‬
‫‪ 6‬المائدة ‪. 116‬‬
‫‪ 7‬رسالة ترتيب السلوك للقشيري من مجموعة الرسائل القشيرية لعبد الكريم القشيري المتوفى ‪ 465‬ط المعهد المركزي للبحاث السلمية باكستان ‪1384‬‬
‫هـ ‪.‬‬
‫‪ 8‬التعرف للكلباذي ص ‪. 33‬‬
‫‪ 9‬إيقاظ الهمم لبن عجيبة الحسني ص ‪. 77‬‬

‫‪111‬‬

‫فإذا كشف الحجاب ‪ ,‬وفتح لهم الباب ) علم العوالم بأجمعها على ما هي عليه من تفاريعها من المبدأ إلى‬
‫المعاد وعلم كل شيء ‪ ,‬كيف كان ؟ وكيف هو كائن ؟ وكيف يكون ؟ وعلم ما لم يكن ‪ ,‬ولم ل يكون ما لم‬
‫يكن ؟ ولو كان ما لم يكن كيف كان يكون ؟ كل ذلك علمًا أصليا حكيما كشفيا ذوقيا من ذاته لسريانه في‬
‫ل كليا جزئيا مفصل في إجماله ‪ ...‬ومنهم من تجلى ال عليه بصفة السمع‬
‫المعلومات علما إجماليا تفصي ً‬
‫فيسمع نطق الجمادات والنباتات والحيوانات ‪ ,‬وكلم الملئكة واختلف اللغات ‪ ,‬وكان البعيد عنه كالقريب (‬
‫‪.1‬‬
‫وقال عماد الدين الموي ‪:‬‬
‫) إذا انكشفت الحجب عن القلب تجلى فيه شيء مما هو مستور في اللوح المحفوظ ‪ ,‬ولمع في القلب من وراء‬
‫ستر الغيب شيء من غرائب العلم ( ‪. 2‬‬
‫وأيضا ‪ ) :‬يشرف على الملكوت العظم ‪ ,‬ويرى عجائبه ‪ ,‬ويشاهد غرائبه ‪ ,‬مثل اللوح ‪ ,‬والقلم ‪ ,‬واليمين‬
‫الكاتبة ‪ ,‬وملئكة ال تعالى يطوفون ‪ ,‬حول العرش يسبحون بحمد ربهم ‪ ,‬وبالبيت المعمور ‪ ,‬ويسبحونه‬
‫ويقدسونه ‪ ,‬ويفهم كلم المخلوقين من الحيوانات والجمادات ‪ ,‬ثم يتخطى منها إلى معرفة الخالق للكل والمالك‬
‫للكل فتغشاهم النوار ‪ ,‬وتتجلى لقلوبهم الحقائق ( ‪. 3‬‬
‫ويقول الدباغ وهو يذكر بعض ما يشاهده المفتوح عليه وهو الولي عنده ‪ ,‬فيقول ‪:‬‬
‫) أما في المقام الول فإنه يكاشف فيه بأمور ‪ ,‬منها ‪ :‬أفعال العباد في خلواتهم ‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬مشاهدة الرضين السبع والسموات السبع ‪ ,‬ومنها مشاهدة النار التي في الرض الخامسة ‪ ,‬وغير‬
‫ذلك مما في الرض والسماء ‪ ...‬ومن الشياء التي يشاهدونها ‪ :‬اشتباك الرضين بعضها ببعض ‪ ,‬وكيف‬
‫تخرج من أرض إلى أرض أخرى ‪ ,‬وما تمتاز به أرض عن أرض أخرى ‪ ,‬والمخلوقات التي في كل أرض ‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬مشاهدة اشتباك الفلك بعضها ببعض ‪ ,‬ما نسبتها من السموات وكيف وضع النجوم التي فيها ‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬مشاهدة الشياطين وكيف توالدها ‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬مشاهدة الجن وأين يسكنون ؟‬
‫ومنها ‪ :‬مشاهدة سير الشمس والقمر والنجوم ‪ ...‬وأما ما يشاهده في المقام الثاني فإنه يكاشف بالنوار‬
‫الباقية كما كوشف في المقام الول بالمور الظلمانية الفانية ‪ ,‬فيشاهد في المقام الملئكة والحفظة والديوان‬
‫والولياء الذين يعمرونه ‪ ...‬وأما المقام الثالث فإنه يشاهد فيه أسرار القدر في تلك النوار المتقدمة ‪.‬‬
‫وأما المقام الرابع فإنه يشاهد فيه النور الذي ينبسط عليه الفعل ‪ ,‬وينحل فيه كانحلل السّم في الماء ‪ ,‬فالفعل‬
‫كالسم والنور كالماء ‪ ...‬وفي المقام الخامس يشاهد انعزال الفعل عن ذلك النور ‪ ,‬فيرى النور نورا ‪ ,‬والفعل‬
‫فعل ‪ ...‬والمفتوح عليه ل يغيب عليه ما في أرحام النثى فضل عن غيره ( ‪. 4‬‬
‫وكان الدباغ هذا يرى أيضا أن المتصوفة ل يعرفون الغيب فحسب ‪ ,‬بل يعرفون الغيوب الخمسة التي ذكرها‬
‫ال تعالى في محكم كتابه أنه ل يعلمها أحد غيره بقوله ‪:‬‬

‫وي ُن َّز ُ‬
‫غي ْ َ‬
‫ل ال ْ َ‬
‫سا َ‬
‫ما ِ‬
‫عندَهُ ِ‬
‫ه ِ‬
‫ع ِ‬
‫} إِ ّ‬
‫في اْل َْر َ‬
‫وي َ ْ‬
‫م ال ّ‬
‫م َ‬
‫عل َ ُ‬
‫عل ْ ُ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ث َ‬
‫ة َ‬
‫حام ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ب َ‬
‫ري ن َ ْ‬
‫ري ن َ ْ‬
‫ما َ‬
‫ت‬
‫ذا ت َك ْ ِ‬
‫غ ً‬
‫س ُ‬
‫مو ُ‬
‫ض تَ ُ‬
‫س ب ِأ ّ‬
‫و َ‬
‫س ّ‬
‫و َ‬
‫ف ٌ‬
‫ف ٌ‬
‫دا َ‬
‫َ‬
‫ما ت َدْ ِ‬
‫ما ت َدْ ِ‬
‫ي أْر ٍ‬
‫‪5‬‬
‫ّ‬
‫خِبيٌر {‬
‫م َ‬
‫ه َ‬
‫إِ ّ‬
‫عِلي ٌ‬
‫ن الل َ‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫النسان الكامل للجيلي ج ‪ 1‬ص ‪. 64 . 63‬‬
‫حياة القلوب في كيفية الوصول إلى الجنوب لعماد الدين الموي ص ‪ 261‬بهامش قوت القلوب لبي طالب ‪.‬‬
‫حياة القلوب ص ‪ 276 , 275‬بهامش قوت القلوب لبي طالب المكي ‪.‬‬
‫البريز للدباغ ص ‪ 151‬وما بعد ‪.‬‬
‫لقمان ‪. 34‬‬

‫‪112‬‬

‫ولكنه ابن المبارك ينقل عنه قائل ‪:‬‬
‫) قلت للشيخ ‪ ) :‬أي عبد العزيز الدباغ ( رضي ال عنه ‪ :‬إن علماء الظاهر من المحدثين وغيرهم اختلفوا في‬
‫م‬
‫عندَهُ ِ‬
‫ه ِ‬
‫النبي صلى ال عليه وسلم ‪ ,‬هل كان يعلم الخمس المذكورات في قوله ‪ } :‬إ ِ ّ‬
‫عل ْ ُ‬
‫ن الل ّ َ‬

‫ري ن َ ْ‬
‫وي ُن َّز ُ‬
‫ما َ‬
‫ذا‬
‫غي ْ َ‬
‫ل ال ْ َ‬
‫سا َ‬
‫ما ِ‬
‫ع ِ‬
‫في اْل َْر َ‬
‫وي َ ْ‬
‫ال ّ‬
‫س ّ‬
‫و َ‬
‫م َ‬
‫عل َ ُ‬
‫ف ٌ‬
‫حام ِ َ‬
‫ث َ‬
‫ة َ‬
‫ما ت َدْ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ب َ‬
‫ري ن َ ْ‬
‫خِبيٌر {‬
‫م َ‬
‫ه َ‬
‫ت َك ْ ِ‬
‫ت إِ ّ‬
‫غ ً‬
‫س ُ‬
‫مو ُ‬
‫عِلي ٌ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ض تَ ُ‬
‫س ب ِأ ّ‬
‫و َ‬
‫ف ٌ‬
‫دا َ‬
‫ما ت َدْ ِ‬
‫ي أْر ٍ‬

‫‪ ,‬فقال رضي ال عنه وعن سادتنا العلماء ‪:‬‬

‫كيف يخفى أمر الخمس عليه والواحد من أهل التصوف من أمته الشريفة ل يمكنه التصرف إل بمعرفة هذه‬
‫الخمس ( ‪. 1‬‬
‫والجدير بالذكر أن هذا هو القائل ‪:‬‬
‫) ما السموات والرضون السبع في نظر العبد المؤمن إل كحلقة ملقاة في فلة ( ‪.‬‬
‫‪2‬‬

‫وأيضا ‪ ) :‬إن الجنين إذا سقط من بطن أمه يراه العارف في تلك الحالة إلى آخر عمره ( ‪. 3‬‬
‫أما الرفاعي أحمد فنقلوا عنه أنه قال ‪:‬‬
‫) إن العبد ما يزال يرتقي من سماء إلى سماء حتى يصل إلى محل الغوث ‪ ,‬ثم ترتفع صفته إلى أن تصير صفة‬
‫من صفات الحق ‪ ,‬فيطلعه على غيبه حتى ل تنبت شجرة ‪ ,‬ول تحضر ورقة إل بنظره ‪ ,‬ويتكلم هناك عن ال‬
‫ب الدنيا وشهوتها صار كالبّلور ‪,‬‬
‫بكلم ل تسعه عقول الخلئق ‪ ...‬وكان يقول ‪ :‬إن القلب إذا انجلى من ح ّ‬
‫وأخبر صاحبه بما مضى وبما هو آت من أحوال الناس ( ‪. 4‬‬
‫ونقل ذلك الشعراني أيضا منه في طبقاته ‪. 5‬‬
‫ونقلوا عن الشبلي أنه قال ‪:‬‬
‫) لو دبت نملة سوداء على صخرة صماء في ليلة ظلماء ولم أشعر بها أو لم أعلم بها لقلت أنه ممكور بي ( ‪.‬‬
‫ي الصريح الواضح البّين ‪:‬‬
‫وهذا قول ال الجل ّ‬
‫‪6‬‬

‫م َ‬
‫ر‬
‫ح ال ْ َ‬
‫ما ِ‬
‫ها إ ِل ّ ُ‬
‫و ِ‬
‫وال ْب َ ْ‬
‫وي َ ْ‬
‫ب ل َ يَ ْ‬
‫فات ِ ُ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫عل َ ُ‬
‫عل َ ُ‬
‫عندَهُ َ‬
‫غي ْ ِ‬
‫في ال ْب َّر َ‬
‫و َ‬
‫ه َ‬
‫} َ‬
‫ح ِ‬
‫َ‬
‫ق ُ‬
‫ول َ‬
‫وَر َ‬
‫س ُ‬
‫ة ِ‬
‫ما ِ‬
‫حب ّ ٍ‬
‫ق ٍ‬
‫ط ِ‬
‫ول َ َ‬
‫ة إ ِل ّ ي َ ْ‬
‫م َ‬
‫ما ت َ ْ‬
‫في ظُل ُ َ‬
‫عل َ ُ‬
‫و َ‬
‫ض َ‬
‫ها َ‬
‫من َ‬
‫َ‬
‫ت الْر ِ‬
‫‪7‬‬
‫ْ‬
‫ن{‬
‫س إ ِل ّ ِ‬
‫ب ّ‬
‫في ك َِتا ٍ‬
‫َرط ٍ‬
‫ب َ‬
‫مِبي ٍ‬
‫ول َ َياب ِ ٍ‬
‫ومع أمر ال عز وجل لنبيه صلى ال عليه وسلم أن يقول ‪:‬‬

‫َ‬
‫َ‬
‫ما ي ُ ْ‬
‫ع ُ‬
‫ي{‬
‫م إِ ْ‬
‫ما ُيو َ‬
‫ن أت ّب ِ ُ‬
‫ف َ‬
‫ع إ ِّل َ‬
‫وَل ب ِك ُ ْ‬
‫ري َ‬
‫و َ‬
‫ل ِبي َ‬
‫} َ‬
‫حى إ ِل َ ّ‬
‫ما أدْ ِ‬
‫وقول ال عز وجل ‪:‬‬
‫َ‬
‫ما ُ‬
‫م َ‬
‫ها إ ِل َي ْ َ‬
‫} ت ِل ْ َ‬
‫ول َ َ‬
‫ك‬
‫ن َأنَباء ال ْ َ‬
‫ب ُنو ِ‬
‫ك ِ‬
‫ت تَ ْ‬
‫ها أن َ‬
‫كن َ‬
‫م َ‬
‫حي َ‬
‫م ْ‬
‫و ُ‬
‫عل َ ُ‬
‫ك َ‬
‫غي ْ ِ‬
‫ق ْ‬
‫ت َ‬
‫‪9‬‬
‫ذا َ‬
‫من َ‬
‫هـ َ‬
‫ن{‬
‫قب َ َ‬
‫مت ّ ِ‬
‫عا ِ‬
‫ل َ‬
‫ِ‬
‫صب ِْر إ ِ ّ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫قي َ‬
‫ة ل ِل ْ ُ‬
‫فا ْ‬
‫قب ْ ِ‬
‫‪8‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬
‫‪9‬‬

‫البريز ص ‪. 167‬‬
‫أيضا ص ‪. 242‬‬
‫أيضا ص ‪. 274‬‬
‫قلدة الجواهر في ذكر الرفاعي وأتباعه الكابر ص ‪. 148‬‬
‫انظر الطبقات الكبرى للشعراني ج ‪ 1‬ص ‪. 142‬‬
‫مجموع مخطوط بالفاتكان عربي رقم ‪ 1242‬ورقة ‪ 51‬ب ‪ , 52 -‬أيضا النسان الكامل للجيلي ج ‪ 1‬ص ‪. 122‬‬
‫النعام ‪. 59‬‬
‫الحقاف ‪. 9‬‬
‫هود ‪. 49‬‬

‫‪113‬‬

‫ولكن القوم عكس ذلك يقولون ما ألقى الشيطان إليهم من عقائد شيعية ‪ ,‬ومعتقدات يهودية ‪ ,‬وكان السحرة‬
‫والكهان ‪.‬‬
‫ولقد أّدب ال تبارك وتعالى نبيه ونجيه وصفيه سيد البشر قائد النبيين والمرسلين صلى ال عليه وسلم على‬
‫جوابه لمن سأله عن أصحاب الكهف وعددهم ‪ ,‬رجاء بأن ينزل عليه الوحي ‪ ,‬ويخبر ال عز وجل عنهم ‪,‬‬
‫والوحي كان ينزل ‪ ,‬وجبريل كان يأتي ‪ ,‬واتصاله كان قائما بالسماء فقال مرسله ومنزل الوحي عليه ‪:‬‬

‫ل ذَل ِ َ‬
‫ك َ‬
‫ء إ ِّني َ‬
‫وَل ت َ ُ‬
‫دا ) ‪ ( 23‬إ ِّل َأن ي َ َ‬
‫ع ٌ‬
‫ن لِ َ‬
‫ه‬
‫ي ٍ‬
‫فا ِ‬
‫غ ً‬
‫قول َ ّ‬
‫شاء الل ّ ُ‬
‫} َ‬
‫ش ْ‬
‫َ‬
‫واذْ ُ‬
‫كر ّرب ّ َ‬
‫ن َرّبي ِل َ ْ‬
‫و ُ‬
‫ق ْ‬
‫ك إِ َ‬
‫ن‬
‫ل َ‬
‫ب ِ‬
‫ه ِ‬
‫ذا ن َ ِ‬
‫قَر َ‬
‫سي َ‬
‫سى أن ي َ ْ‬
‫ع َ‬
‫م ْ‬
‫ت َ‬
‫َ‬
‫دي َ ِ‬
‫‪1‬‬
‫ذا َر َ‬
‫ه َ‬
‫دا { ‪.‬‬
‫َ‬
‫ش ً‬
‫قاُلوا ْ‬
‫وقبله أقرت الملئكة بقصور علمهم ‪ ,‬واعترافهم بعدم إحاطتهم بملكوت السماء يوم قالوا ‪َ }:‬‬
‫عل ّمت ََنا إن ّ َ َ‬
‫‪2‬‬
‫حان َ َ‬
‫م{‬
‫ك لَ ِ‬
‫ح ِ‬
‫م ال ْ َ‬
‫ت ال ْ َ‬
‫سب ْ َ‬
‫ك أن َ‬
‫ُ‬
‫كي ُ‬
‫عِلي ُ‬
‫ما َ ْ‬
‫م ل ََنا إ ِل ّ َ‬
‫عل ْ َ‬
‫ِ‬
‫فأقرهم ال عز وجل على القصور وعدم المعرفة بالغيب بقوله ‪:‬‬

‫قا َ َ‬
‫} َ‬
‫م‬
‫ل أل َ ْ‬
‫ما‬
‫دو َ‬
‫ت ُب ْ ُ‬
‫و َ‬
‫ن َ‬

‫َ‬
‫م َ‬
‫أَ ُ‬
‫ما‬
‫وأ َ ْ‬
‫م إ ِّني أ َ ْ‬
‫وا ِ‬
‫غي ْ َ‬
‫ب ال ّ‬
‫م َ‬
‫عل َ ُ‬
‫س َ‬
‫عل َ ُ‬
‫قل ل ّك ُ ْ‬
‫ض َ‬
‫ت َ‬
‫ما َ‬
‫والْر ِ‬
‫‪3‬‬
‫ُ‬
‫ن{‬
‫مو َ‬
‫م ت َك ْت ُ ُ‬
‫كنت ُ ْ‬

‫هذا وأما المنوفي الحسيني فينقل عن إبراهيم الدسوقي أنه كان يقول ‪:‬‬
‫) إن للولياء الطلع على ما هو مكتوب على أوراق الشجر والماء والهواء وما في البر والبحر وما هو‬
‫مكتوب على صفحة قبة خيمة السماء ‪ ,‬وما في جباه النس والجان مما يقع لهم في الدنيا والخرة ( ‪. 4‬‬
‫وأما الشاذلي فنقلوا عنه ‪:‬‬
‫ي المحيي وأكثر منه ‪ ,‬ول حد لكثره ‪ ,‬شاهد حياة كل شيء ومحييه ‪.‬‬
‫) من عبد ال باسمه الح ّ‬
‫ومن ذكر بهم جميعا صعدت روحه إلى المل العلى ‪ ,‬وصعدت روحه إلى العرش ‪ ,‬ليكتب عند ال من الكاملين‬
‫الصديقين ( ‪. 5‬‬
‫وقال أفضل الدين ‪:‬‬
‫) ل يعطى أحد القطبية حتى يعرف جميع عوالم هذه العروش والكراسي والسموات والرضين بأسمائهم‬
‫وأنسابهم وأعمارهم وأعمالهم ( ‪. 6‬‬
‫ونقل الشعراني عن إبراهيم المتبولي أنه قال ‪:‬‬
‫) يرتسم الوجود كله في قلب الفقير ) أي الصوفي ( فيراه من قلبه ‪ .‬وإيضاح ذلك أن القلب إذا انجلى صار‬
‫كالمرآة الكبيرة ‪ ,‬فإذا قابلها بالعالم العلوي والسفلي ارتسم كله فيها ( ‪. 7‬‬
‫وروى أيضا عن علي الخواص أنه قال ‪:‬‬
‫) ل يكمل إيمان عبد حتى يصير الغيب عنده كالشهادة في عدم الريب ( ‪.‬‬
‫‪8‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬

‫الكهف ‪. 24 , 23‬‬
‫البقرة ‪. 32‬‬
‫البقرة ‪. 33‬‬
‫جمهرة الولياء للمنوفي الحسيني ص ‪. 242‬‬
‫أبو الحسن الشاذلي للدكتور عبد الحليم محمود ص ‪. 614‬‬
‫الخلق المتبولية للشعراني ج ‪ 1‬ص ‪. 99‬‬
‫أيضا ج ‪ 3‬ص ‪. 145‬‬
‫طبقات الشعراني ج ‪ 1‬ص ‪. 156‬‬

‫‪114‬‬

‫ويقول محمد ضيف ال الجعلي السوداني ‪:‬‬
‫) كشف الولياء على قسمين ‪ :‬منهم من ينظر في اللوح فإنه ل يتغير ول يتبّدل كسيدي علي الخواص ‪.‬‬
‫ومنهم من ينظر في ألواح المحور والثبات ‪ ,‬وعدتها ثلثمائة وستون لوحا فإنها تتغير وتتبّدل ‪ ,‬فإذا أخبر‬
‫‪1‬‬
‫ي بكلم ولم يقع فل ينكر عليه بأن يقال ‪ :‬كذب ‪ ,‬بل يحمل على أنه نظر في ألواح المحور والثبات ( ‪.‬‬
‫الول ّ‬
‫فانظر هذه الخرافة المختلقة ما أشنعها وأقبح بها ‪.‬‬
‫وأما ابن عربي ومدرسته فقد تكلموا في مثل هذا كثيرا ‪ ,‬ول يخلو كتاب من كتبهم عن مثل هذه الخرافات‬
‫والموبقات ‪ ,‬فيقول ابن عربي ‪:‬‬
‫) فأما العلم اللدني ‪ ,‬فمتعلقه اللهيات وما يؤدي إلى تحصيلها من الرحمة الخاصة ‪ .‬وأما علم النور فظهر‬
‫سلطانه في المل العلى قبل وجود آدم بآلف السنين من أيام الرب ‪.‬‬
‫وأما علم الجمع والتفرقة فهو البحر المحيط ‪ ,‬الذي اللوح المحفوظ جزء منه ‪ ,‬ومنه يستفيد العقل الول ‪,‬‬
‫وجميع المل العلى منه يستمدون ‪ .‬وما ناله أحد من المم سوى أولياء هذه المة ‪ .‬وتتنوع تجلياته في‬
‫صدورهم على ستة آلف ومائتين ‪.‬‬
‫صل‬
‫صل جميع هذه النواع ‪ ,‬كأبي يزيد البسطامي ‪ ,‬وسهل بن عبد ال ‪ ,‬ومنهم من ح ّ‬
‫فمن الولياء من ح ّ‬
‫بعضها ( ‪. 2‬‬
‫ويقول في إحدى رسائله ‪:‬‬
‫) للرواح النسانية إذا صفت وزكت معارج في العالم العلوي المفارق وغير المفارق فينظر مناظر الروحانيات‬
‫المفارقة ‪ ,‬فترى مواقع نظرهم في أرواح الفلك ودورانها بها ‪ ,‬فينزل مع حكم الدوار وترسل طرفها في‬
‫رقائق التنزيلت حتى ترى مساقط نجومها في قلوب العباد ‪ ,‬فتعرف ما تحويه صدورهم وما تنطوي عليه‬
‫ضمائرهم ‪ ,‬وما تدل عليه حركاتهم ‪ ...‬وإذا توجهت السرار نحو قارئها بفناء وبقاء ‪ ,‬وجمع وفرق سقطت‬
‫عليها أنوار الحضرة اللهية من حيثها ‪ ,‬ل من حيث الذات ‪ ,‬فأشرقت أرض النفوس بين يديه فالتفت فعلم ما‬
‫أدركه بصره وأخبر بالغيب وبالسرائر وبما تكنه الضمائر وما يجري في الليل والنهار ( ‪. 3‬‬
‫ويقول ‪:‬‬
‫) من يكن الحق سمعه وبصره فكيف يخفى عليه شيء ( ‪.‬‬
‫‪4‬‬

‫وقال ‪:‬‬
‫ي إلى عالم الغيب فيشاهد اليمين ماسكة قلمها وهي تخطط في اللوح ( ‪.‬‬
‫) يرتقي الول ّ‬
‫‪5‬‬

‫و ‪ ) :‬من الصوفية من ل يزال عاكفا على اللوح ‪ ,‬ومنهم من يشهده تارة تارة ( ‪. 6‬‬
‫ونقل ابن عربي في كتابه عن الجنيد أنه قال ‪:‬‬
‫) العارف هو الذي ينطق عن سّرك وأنت ساكت ( ‪.‬‬
‫‪7‬‬

‫‪ 1‬كتاب الطبقات في خصوص الولياء والصالحين والعلماء والشعراء في السودان لمحمد ضيف ال الجعلي الفضلي المتوفى سنة ‪ 1224‬هـ المكتبة الثقافية‬
‫بيروت لبنان ‪.‬‬
‫‪ 2‬شرح المسائل الروحانية لبن عربي المنشور في كتاب ختم الولية للترمذي الملقب بالحكيم ص ‪ 143 , 142‬ط المطبعة الكاثوليكية بيروت ‪.‬‬
‫‪ 3‬كتاب التجليات لبن عربي ص ‪ 22‬من مجموعة رسائله ط حيدر أباد دكن الهند ‪ 1367‬هـ ‪.‬‬
‫‪ 4‬التدبيرات اللهية لبن عربي ص ‪ 118‬ط ليدن ‪ 1336‬هـ ‪.‬‬
‫‪ 5‬مواقع النجوم لبن عربي ص ‪. 82‬‬
‫‪ 6‬أيضا ‪. 148‬‬
‫‪ 7‬أيضا ‪. 149‬‬

‫‪115‬‬

‫ولقد بّين في إحدى كتبه طريق إطلع الصوفية على الغيب فقال ‪:‬‬
‫) الكشف والطلع على الغيب يكون بطريق التجلي ‪ ,‬إما بالتنزل أو بالعروج ( ‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫ويقول أيضا ‪:‬‬
‫) تتجلى صورة العقل في ذات الخليقة ‪ ,‬فتلوح له أسرار والعلم المنقوشة فيه ( ‪.‬‬
‫‪2‬‬

‫فهذه هي آراء ابن عربي وأقواله ‪ ,‬صريحة في معناها ‪ ,‬جلية في مغزاها ‪ ,‬واضحة في مرادها ‪ ,‬ل غموض‬
‫فيها ول تعقيد ‪ ,‬ول تحتاج إلى التبيين والتوضيح ‪.‬‬
‫وأما تلميذه محمد بن إسحاق القونوي المتوفى ‪ 673‬هـ فيقول ‪:‬‬
‫) إن الكمل ومن شاء ال من الفراد أهل الطلع على اللوح المحفوظ ‪ ,‬بل وعلى المقام القلمي ‪ ,‬بل وعلى‬
‫حضرة العلم اللهي ‪ ,‬فيشعرون بالمقدر كونه لشبق العلم بوقوعه ( ‪. 3‬‬
‫ويقول شهاب الدين السهروردي المقتول ‪:‬‬
‫) النبياء والفضلء المتألهون يتيسر لهم الطلع على المغيبات ‪ ,‬لن نفوسهم إما قوية بالفطرة أو تتقوى‬
‫بطرائقهم وعلومهم ‪ ,‬فينتقشون بالمغيبات ‪ ,‬لن نفوسهم كالمرايا المصقولة تتجلى فيها نقوش من الملكوت ‪.‬‬
‫فقد يسري شبح إلى الحس المشترك ‪ ,‬يخاطبهم ألّد مخاطبة وهو في أشرف صورة ‪ ,‬وربما يرون الغيب‬
‫بالحس المشترك مشاهدة ‪ ,‬وربما يسمعون صوت هاتف ‪ ,‬أو يقرؤن من مسطور ( ‪. 4‬‬
‫وقال لسان الدين بن الخطيب في روضته ‪:‬‬
‫) النفوس عند صفائها تتشبه بالمل العلى ‪ ,‬وتنتقش فيها أمثلة الكائنات المتعشقة فيه بنوع ما ‪ ,‬وتشاهد‬
‫المحجوبات ‪ ,‬وتؤثر في العوالم السفلية ( ‪. 5‬‬
‫وبمثل ذلك يقول داود بن محمود القيصري ‪:‬‬
‫) إذا خلص الرجل ‪ ,‬وصفا وقته ‪ ,‬وطاب عيشه باللتذاذ بما يجده في طريق المحبوب ‪ ,‬بصر باطنه ‪ ,‬فيظهر‬
‫له لوامع أنوار الغيب ‪ ,‬وينفتح له باب الملكوت ‪ ,‬ويلوح منه لوايح ( ‪. 6‬‬
‫والترمذي الملقب بالحكيم يقول ‪ ) :‬إن الولياء لهم علمات وعلوم ‪ ,‬وأما ما يعرفونه من العلوم فهي ) علم‬
‫البدء ‪ ,‬وعلم الميثاق ‪ ,‬وعلم المقادير ‪ ,‬وعلم الحروف ‪ ,‬فهذه أصول الحكمة ‪ ,‬وهي الحكمة العلمية ‪ ,‬وإنما‬
‫يظهر هذا العلم عن كبراء الولياء ويقبله من له حظ في الولية ( ‪. 7‬‬
‫ويقول الجيلي عبد الكريم ‪:‬‬
‫) كل واحد من الفراد والقطاب له التصرف في جميع الممكلة الوجودية ‪ ,‬ويعلم كل واحد منهم ما اختلج في‬
‫الليل والنهار فضل عن لغات الطيور ‪.‬‬
‫وقد قال الشبلي رحمه ال تعالى ‪ :‬لو دّبت نملة سوداء على صخرة صماء في ليلة ظلماء ولم أسمعها لقلت ‪:‬‬
‫أني مخدوع أو ممكور بي ‪.‬‬
‫‪ 1‬إنشاء الدوائر لبن عربي ص ‪ 35‬ط مطبعة بريل ليدن ‪ 1336‬هـ ‪.‬‬
‫‪ 2‬التدبيرات اللهية لبن عربي ص ‪ , 159‬ومثله في ص ‪. 171‬‬
‫‪ 3‬رسالة النصوص لمحمد بن إسحاق القونوي ص ‪ 41 , 40‬ط مشهد إيران ‪.‬‬
‫‪ 4‬اللواح العمادية للسهروردي ص ‪ 64‬المطبوع ضمن رسائله الثلثة باسم سه رسالة شي إشراق بتحقيق نجف قلي اليراني ط مركز تحقيقات فارسية‬
‫إيران باكستان ‪.‬‬
‫‪ 5‬روضة التعريف للسان اليدن ابن الخطيب ص ‪ 463‬بتحقيق عبد القادر أحمد عطاط دار الفكر العربي ‪.‬‬
‫‪ 6‬شرح مقدمة التائية الكبرى لداود القيصري مخطوط ص ‪ 104‬نقل عن كتاب ختم الولياء ص ‪. 496‬‬
‫‪ 7‬ختم الولية للحكيم الترمذي ص ‪. 362‬‬

‫‪116‬‬

‫ب إل بقوتي وأنا محركها ( ‪. 8‬‬
‫وقال غيره ‪ :‬ل أقول ‪ :‬ولم أشعر بها لنه ل يتهيأ لها أن تد ّ‬
‫هذا ومثل هذا أكثر من أن يسعه كتاب ‪ ,‬أو تشمله رسالة ‪ ,‬ولقد تأتي حكايات المتصوفة المتضمنة إخبارهم‬
‫بالغيب ‪ ,‬وإحاطتهم بجميع علوم الكون وأحواله ‪ ,‬وإطلعهم على ما كان وما يكون في محله وفي باب مستقل‬
‫إن شاء ال ‪.‬‬

‫‪8‬‬

‫النسان الكامل للجيلي ص ‪. 122‬‬

‫‪117‬‬

‫ي‬
‫الم َ‬
‫واة ب َي ْ َ‬
‫و ال َ‬
‫ي َ‬
‫سا َ‬
‫ول ّ‬
‫ن الن ّب ِ ّ‬
‫وأما تسوية الصوفية بين الولية والنبوة ‪ ,‬بل وتفضيلهم الولية على النبوة والرسالة ‪ ,‬والولياء على أنبياء‬
‫ال ورسله ‪ ,‬مثل الشيعة ‪ ,‬فتدل عليه عبارات القوم وتصريحاتهم ‪ ,‬فيقول لسان الدين ابن الخطيب ‪:‬‬
‫) الولية ‪ :‬أن يتولى ال الواصل على حضر قدسه ‪ ,‬بكثير مما تولى به النبي ‪ ,‬من حفظ وتوفيق ‪ ,‬وتمكين‬
‫واستخلف وتصريف ‪.‬‬
‫فالولي يساوي النبي في أمور ‪ ,‬منها ‪ :‬العلم من غير طريق العلم الكسبي ‪ ,‬والفعل بمجرد الهمة ‪ ,‬فيما لم تجر‬
‫به العادة أن يفعل إل بالجوارح والجسوم ‪ ,‬مما ل قدرة عليه لعالم الجسوم ‪.‬‬
‫كان الفضيل بن عياض ‪ ,‬على جبل من جبال منى ‪ ,‬فقال ‪ :‬لو أن وليا من أولياء ال أمر هذا الجبل أن يميد‬
‫لماد ‪ ,‬فتحرك الجبل ‪ ,‬فقال ‪ :‬اسكن ‪ .‬لم أردك بهذا ‪ ,‬فسكن الجبل ‪.‬‬
‫ويفعل بالهمة في عالم الخيال وفي الحس ‪ ,‬فإنه يسمع ويرى ‪ ,‬ما ل يرى ول يسمع وهو بين الناس ‪.‬‬
‫ويفارق الولي النبي في المخاطبة اللهية ‪ ,‬والمعارج ‪ ,‬فإنهما يجتمعان في الصول وهي المقامات ‪ ,‬إل أن‬
‫النبي يعرج بالنور الصلي ‪ ,‬والولي يعرج بما يفيض من ذلك النور الصلي ‪ ,‬وإن جمعهما مقام اختلفا‬
‫بالوحدة في كل مقام ‪ ,‬من فناء وبقاء ‪ ,‬وجمع وفرق ‪ .‬والولي يأخذ المواهب بواسطة روحانية نبيه ‪ ,‬ومن‬
‫مقامه يشهد ‪ ,‬إل ما كان من الولياء المحمديين ‪ ,‬فإنه لما كان نبيهم صلوات ال وسلمه عليه جامعا لمقامات‬
‫النبياء ) أورثهم ال مقامات النبياء ( وأوصل إليهم أنوارهم ‪ ,‬من نور نبيهم الوارث ‪ ,‬وبوساطته ‪ ,‬فإنه هو‬
‫الذي أعطى جميع النبياء والرسل مقاماتهم في عالم الرواح ‪.‬‬
‫ثم شاركت الولياء النبياء في الخذ عنه ‪ ,‬وإليه الشارة بقوله ) أولياء أمتي أنبياء من دونهم ( فقد يرث‬
‫ولي من الولياء آدم ‪ ,‬أو إدريس ‪ ,‬أو إسحاق ‪ ,‬أو إسماعيل ‪ ,‬أو يوسف ‪ ,‬أو موسى ‪ ,‬أو عيسى ‪ ,‬لكن ل‬
‫يتوصل إلى نوره ول حاله إل من محمد صلوات ال وعليهم وسلمه ‪ ,‬إل القطب وحده ‪ ,‬فإنه على قلب محمد‬
‫‪1‬‬
‫صلى ال عليه وسلم ) ولمثل هذا المقام الكريم فليعمل العاملون ( (‬
‫و ) أن الولياء لهم أربعة مقامات ‪ :‬الول مقام خلفة النبوة ‪ ,‬والثاني مقام خلفة الرسالة ‪ ,‬والثالث مقام‬
‫خلفة أولي العزم ‪ ,‬والرابع خلفة مقام أولي الصطفاء ‪.‬‬
‫فمقام خلفة النبوة للعلماء‪.‬‬
‫ومقام خلفة الرسالة للبدال‪.‬‬
‫ومقام خلفة أولي العزم للوتاد ‪.‬‬
‫ومقام خلفة الصطفاء للقطاب ‪.‬‬
‫فمن الولياء من يقوم في عالم مقام النبياء ‪ ,‬ومنهم من يقوم في عالم مقام الرسل ‪ ,‬ومنهم من يقوم في عالم‬
‫مقام أولي العزم ‪ ,‬ومنهم من يقوم في عالم مقام أولي الصطفاء ( ‪. 2‬‬
‫وعلى ذلك قالوا ‪:‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫روضة التعريف للسان الدين بن الخطيب ص ‪. 520 , 519‬‬
‫جامع الصول في الولياء للكمشخاوي ص ‪ 5‬ط المطبعة الوهيبية طرابلس ‪ 1398‬هـ ‪.‬‬

‫‪118‬‬

‫) الولية ظل النبوة ‪ ,‬والنبوة ظل اللهية ‪ ....‬فالنبياء عليهم السلم مصادر الحق ‪ ,‬والولياء مظاهر‬
‫الصدق ‪ ...‬والولياء خصوا بإشارات نبوية ‪ ,‬و إطلعات حقيقة ‪ ,‬وأرواح نورية ‪ ,‬وأسرار قدسية ‪ ,‬وأنفاس‬
‫روحانية ‪ ,‬ومشاهدات أزلية ( ‪. 3‬‬
‫وبمثل هذا قال الكمشخانوي في كتابه جامع أصول الولياء ‪. 2‬‬
‫وآخر قال بوضوح أكثر ‪:‬‬
‫ي( ‪.‬‬
‫) ما قيل في النبي يقال في الول ّ‬
‫‪3‬‬

‫وكذب على رسول ال صلى ال عليه وسلم أنه حكى عن ال عز وجل أنه قال ‪:‬‬
‫) أولئك كلمهم كلم النبياء ( ‪. 4‬‬

‫‪3‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫الفتح المبين فيما يتعلق بترياق المحبين لبي الظفر ظهير الدين القادري ص ‪ 52‬ط المطبعة الخيرية مصر الطبعة الولى ‪ 1306‬هـ ‪.‬‬
‫انظر ص ‪ 70‬ط المطبعة الوهيبية طرابلس الشام ‪ 1398‬هـ ‪.‬‬
‫الفتوحات اللهية لبن عجيبة الحسني ص ‪ 264‬ط عالم الفكر القاهرة ‪ 1983‬م ‪.‬‬
‫أيضا ص ‪. 116‬‬

‫تَ ْ‬
‫ضي ُ‬
‫ي‬
‫ي َ‬
‫ف ِ‬
‫ل ال َ‬
‫عَلى الن ّب ِ ّ‬
‫ول ّ‬

‫‪119‬‬

‫ولم يقتصر القوم على مثل هذه السخافات والباطيل ‪ ,‬بل زادوا في غلوائهم حيث فضلوا الولية على النبوة‬
‫والرسالة ‪ ,‬والولياء على النبياء والمرسلين ‪ ,‬فقالوا ‪:‬‬
‫) خضنا بحورا وقفت النبياء بسواحلها ( ‪. 1‬‬
‫و) معاشر النبياء ‪ ,‬أو تيتم اللقب ‪ ,‬وأوتينا ما لم تؤتوه ( ‪. 2‬‬
‫ونقلوا عن البسطامي أنه قال ‪:‬‬
‫) تال أن لوائي أعظم من لواء محمد صلى ال عليه وسلم ‪ ,‬لوائي من نور تحته الجان والجن والنس ‪ ,‬كلهم‬
‫من النبيين ( ‪. 3‬‬
‫وهذا ما صّرح به بعضهم ‪:‬‬
‫) مقـــــام النـــــبوة في بـــــــرزخ‬

‫‪4‬‬

‫ي( ‪.‬‬
‫فـــــويق الرســــــول ودون الول ّ‬

‫لن ) الولية ‪ :‬هي الفلك القصى ‪ ,‬من سبح فيه اطلع ‪ ,‬ومن اطلع علم ‪ ,‬ومن علم تحول في صورة ما علم ‪.‬‬
‫ي المجهول الذي ل يعرف ‪ ,‬والنكرة التي ل تتعّرف ‪ ,‬ل يتقيد بصورة ‪ ,‬ول تعرف له سريرة ‪ ,‬يلبس‬
‫فذلك الول ّ‬
‫لكل حالة لبوسها ‪ ,‬أما نعيمها وإّما بؤسها ‪.‬‬
‫يـــــــومًا يمـــــــان إذا لقيت ذا يـــمن‬

‫وإن لقيـــــــت معـــــــديا فعدنان‬

‫إمعة ‪ ,‬لما في فلكه من السعة ( ‪. 5‬‬
‫و ) إن الولية هي المحيطة العامة ‪ ,‬وهي الدائرة الكبرى ‪ ,‬فمن حكمها أن يتولى ال من شاء من عباده بنبوة‬
‫وهي من أحكام الولية ‪ ,‬وقد يتوله بالرسالة وهي من أحكام الولية أيضا ‪ .‬فكل رسول لبد أن يكون نبيا ‪,‬‬
‫ي لبد أن يكون وليا ‪ ,‬فكل رسول لبد أن يكون وليا ‪ .‬فالرسالة بخصوص مقام في الولية ‪ ,‬والرسالة‬
‫وكل نب ّ‬
‫في الملئكة دنيا و آخرة ‪ ,‬لنهم سفراء الحق لبعضهم ‪ ...‬والرسالة في البشر ل تكون إل في الدنيا ‪ ,‬وينقطع‬
‫حكمها في الخرة ‪ ,‬وكذلك تنقطع في الخرة بعد دخول الجنة والنار نبوة التشريع ‪ ,‬ل نبوة العامة ‪.‬‬
‫وأصل الرسالة في السماء اللهية ‪ .‬وحقيقة الرسالة إبلغ كلم من متكلم إلى سامع ‪ .‬فهي حال ل مقام ‪ ,‬ول‬
‫بقاء لها بعد انقضاء التبليغ ‪ ,‬وهي تتجدد ( ‪. 6‬‬
‫بخلف الولية فإنها ل تنقطع أبدا ‪ ,‬ول تحّد ‪ ,‬ل بالزمان ول بالمكان ‪ ,‬ولها النباء العام ) وال لم يتسّم بنبي‬
‫ي الحميد ‪,‬‬
‫ي ‪ ,‬واتصف بهذا السم ‪ ,‬فقال ‪ :‬ال ولي الذين آمنوا ‪ ,‬وقال ‪ :‬هو الول ّ‬
‫ول برسول ‪ ,‬وتسّمى بالول ّ‬
‫‪7‬‬
‫وهذا السم باق جار على عباد ال دنيا وآخرة ( ‪.‬‬
‫‪ 1‬البريز للدباغ ص ‪ 276‬نقل عن أبي يزيد البسطامي ‪ ,‬أيضا جمهرة الولياء للمنوفي ج ‪ 1‬ص ‪ , 266‬طبقات الشعراني ج ‪ 2‬ص ‪ , 16‬الفتوحات اللهية‬
‫لبن عجيبة ص ‪ , 261‬كذلك النسان الكامل للجيلي نقل عن أبي الغيث ج ‪ 1‬ص ‪. 124‬‬
‫‪ 2‬النسان الكامل للجيلي ج ‪ 1‬ص ‪ , 124‬كذلك الجواهر والدرر ص ‪ 286‬بهامش البريز ‪ ,‬الجواب المستقيم لبن عربي ص ‪ 247‬نقل عن الجيلي ‪.‬‬
‫‪ 3‬لطائف المنن والخلق للشعراني ج ‪ 1‬ص ‪ , 125‬أيضا شرح شطحيات ) فارسي ( روزبهان بقلي شيراري ص ‪ 132‬بتصحيح هنري كربين ط طهران‬
‫‪ 1981‬م ‪.‬‬
‫‪ 4‬انظر طبقات الشعراني ج ‪ 1‬ص ‪ 68‬ط دار العلم للجميع ‪.‬‬
‫‪ 5‬كتاب التجليات ص ‪ 20‬من رسائل ابن عربي ط الهند ‪.‬‬
‫‪ 6‬الفتوحات المكية لبن عربي ج ‪ 2‬ص ‪. 257 , 256‬‬
‫‪ 7‬فصوص الحكم لبن عربي بتعليقات الدكتور أبي العلء العفيفي ج ‪ 1‬ص ‪ 135‬ط دار الكتاب العربي بيروت ‪.‬‬

‫‪120‬‬

‫وأن الولي يعلم علمين ‪ :‬علم الشريعة ‪ ,‬وعلم الحقيقة ‪ ,‬أي الظاهر والباطن ‪ ,‬والتنزيل والتأويل ‪ ,‬حيث أن‬
‫الرسول من حيث هو رسول ليس له علم إل بالظاهر والتنزيل والشريعة ) فإذا رأيت النبي يتكلم بكلم خارج‬
‫ي عارف ‪ ,‬ولهذا مقامه من حيث هو عارف أتّم وأكمل من حيث هو رسول أو‬
‫عن التشريع فمن حيث هو ول ّ‬
‫ذو تشريع وشرع ( ‪. 1‬‬
‫وأن النبي والرسول يستمّد بالعلم والمعرفة من الملك الذي يبلغه الوحي اللهي بواسطته ‪ ,‬ول يمكنه الخذ من‬
‫ي يستمد المعرفة من حيث يأخذها الملك الذي يؤدي بدوره إلى النبياء والرسل ) فمرجع‬
‫ال مباشرة ‪ ,‬والول ّ‬
‫‪2‬‬
‫الرسول والنبي المشرع إلى الولية والعلم ( ‪.‬‬
‫فلذلك قال ابن عربي بصراحة ل تحتمل التأويل ‪:‬‬
‫) وما يراه أحد من النبياء والرسل إل من مشكاة الرسول الخاتم ‪ ,‬ول يراه أحد من الولياء إل من مشكاة‬
‫ي الخاتم ‪ ,‬حتى أن الرسل ل يرونه – متى رأوه – إل من مشكاة خاتم الولياء ‪ :‬فإن الرسالة والنبوة –‬
‫الول ّ‬
‫أعني نبوة التشريع ورسالته – تنقطعان ‪ ,‬والولية ل تنقطع أبدًا ‪ .‬فالمرسلون ‪ ,‬من كونهم أولياء ‪ ,‬ل يرون‬
‫ما ذكرناه إل من مشكاة خاتم الولياء ‪ ,‬فكيف من دونهم من الولياء ؟ وإن كان خاتم الولياء تابعا في الحكم‬
‫لما جاء به خاتم الرسل من التشريع ‪ ,‬فذلك ل يقدح في مقامه ول يناقض ما ذهبنا إليه ‪ ,‬فإنه من وجه يكون‬
‫أنزل كما أنه من وجه يكون أعلى ‪ ...‬لما مثل النبي صلى ال عليه وسلم النبوة بالحائط من اللّبن وقد َكُمَل‬
‫سوى موضع لِبَنة ‪ ,‬فكان صلى ال عليه وسلم تلك اللبنة ‪ .‬غير أنه صلى ال عليه وسلم ل يراها كما قال لِبَنة‬
‫واحدة ‪ .‬وأما خاتم الولياء فل بد له من هذه الرؤيا ‪ ,‬فيرى ما مثله به رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪,‬‬
‫ويرى في الحائط موضع لِبَنتين ‪ ,‬واللبن من ذهب وفضة ‪ .‬فيرى اللبنتين اللتين تنقص الحائط عنهما وتكمل‬
‫بهما ‪ ,‬لبنة ذهب ولبنة فضة ‪ ,‬فل بد أن يرى نفسه تنطبع في موضع تينك اللبنتين ‪ ,‬فيكون خاتم الولياء تينك‬
‫اللبنتين ‪ .‬فيكمل الحائط ‪ .‬والسبب الموجب لكونه رآها لبنتين أنه تابع لشرع خاتم الرسل في الظاهر وهو‬
‫موضع اللبنة الفضة ‪ ,‬وهو ظاهره وما يتبعه فيه من الحكام ‪ ,‬كما هو آخذ عن ال في السر ما هو موضع‬
‫اللبنة الذهبية في الباطن ‪ ,‬فإنه أخذ من المعدن الذي يأخذ من الملك الذي يوحى به إلى الرسول ‪ ..‬فإن فهمت‬
‫ما أشرت به فقد حصل لك العلم النافع بكل شيء ‪ .‬فكل نبي من لدن آدم إلى آخر نبي ما منهم أحد يأخذ إل من‬
‫مشكاة خاتم النبيين ‪ ,‬وإن تأخر وجود طينته ‪ ,‬فإنه بحقيقته موجود ‪ ,‬وهو قوله صلى ال عليه وسلم ‪ ) :‬كنت‬
‫ث ‪ ,‬وكذلك خاتم الولياء كان وليا‬
‫نبيًا وآدم بين الماء والطين ( ‪ .‬وغيره من النبياء ما كان نبيا إل حين ُبع َ‬
‫وآدم بين الماء والطين ‪ ,‬وغيره من الولياء ما كان وليًا إل بعد تحصيله شرائط الولية من الخلق اللهية‬
‫في التصاف بها من كون ال تعالى تسمى ) بالولي الحميد ( ‪ .‬خاتم الرسل من حيث وليته ‪ ,‬نسبته مع الخاتم‬
‫للولية نسبة النبياء والرسل معه ‪ ,‬فإنه الولي الرسول النبي ‪ .‬وخاتم الولياء الولي الوارث الخذ عن ألصل‬
‫المشاهد للمراتب ( ‪. 3‬‬
‫ول أدري كيف يدافع من يدافع عن ابن عربي بأنه ل يفضل الولي على النبي ‪ ,‬وبعد هذه التصريحات كلها ؟‬
‫حيث يجعل خاتم الولياء منبع العلوم ‪ ,‬ومصدر الفيض لجميع النبياء والرسل ‪ ,‬وأنهم ل يستمدون إل منه ‪ ,‬و‬
‫ل يستقون إل من ذلك المنهل والمورد ‪ ,‬ول يستضيئون إل من مشكاته ‪ ,‬وهذا الفيض الشيثي والعزيري نص‬
‫في القضية ‪.‬‬
‫ولذلك رّد شيخ السلم ابن تيمية في رسائله بشّدة عليه ‪ ,‬وعلى من نهج منهجه وسلك مسلكه ‪ ,‬في رسائله‬
‫وكتبه ‪ ,‬ونسب كلمه إلى الكفر الذي تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الرض وتخر الجبال هّدا ‪. 4‬‬
‫وقال شيخ السلم في فتاواه ‪:‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫ص حكمة قدرية في كلمة عزيرية ص ‪. 135‬‬
‫أيضا ف ّ‬
‫ص العزيري ‪.‬‬
‫أيضا الف ّ‬
‫ص حكمة نفثية في كلمة شيشية ص ‪. 64 , 63 , 62‬‬
‫فصوص الحكم لبن عربي ف ّ‬
‫انظر مجموعة الرسائل والمسائل لبن تيمية ج ‪ 4‬ص ‪ 57‬ط دار الكتب العلمية بيروت لبنان ‪.‬‬

‫‪121‬‬

‫) وكذا لفظ ) خاتم الولياء ( لفظ باطل ل أصل له ‪ ,‬وأول من ذكره محمد بن علي الحكيم الترمذي ‪ ,‬وقد‬
‫انتحله طائفة كل منهم يدعي أنه خاتم الولياء ‪ :‬كابن حمويه وابن عربي وبعض الشيوخ الضالين بدمشق‬
‫وغيرها ‪ ,‬وكل منهم يدعي أنه أفضل من النبي عليه السلم من بعض الوجوه ‪ ,‬إلى غير ذلك من الكفر‬
‫والبهتان ‪ ,‬وكل ذلك طمعًا في رياسة خاتم الولياء لما فاتتهم رياسة خاتم النبياء ‪ ,‬وقد غلطوا ‪ ,‬فإن خاتم‬
‫النبياء إنما كان أفضلهم للدلة الدالة على ذلك ‪ ,‬وليس كذلك خاتم الولياء ‪ .‬فإن أفضل أولياء هذه المة‬
‫السابقون الولون من المهاجرين والنصار ‪ ,‬وخير هذه المة بعد نبيها أبو بكر رضي ال عنه ‪ ,‬ثم عمر‬
‫رضي ال عنه و ثم عثمان رضي ال عنه ‪ ,‬ثم علي رضي ال عنه ‪ ,‬وخير قرونها القرن الذي بعث فيه النبي‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ ,‬ثم الذين يلونهم ‪ ,‬ثم الذين يلونهم ‪ ,‬وخاتم الولياء في الحقيقة آخر مؤمن تقي يكون‬
‫في الناس ‪ ,‬وليس ذلك بخير الولياء ‪ ,‬ول أفضلهم بل خيرهم وأفضلهم أبو بكر الصديق رضي ال عنه تعالى‬
‫عنه ‪ ,‬ثم عمر ‪ :‬اللذان ما طلعت شمس ول غربت على أحد بعد النبيين والمرسلين أفضل منهما ( ‪. 1‬‬
‫وقبل أن نورد نصوصا أخرى من القوم ممن خلف ابن عربي في مثل هذه المقولت وسبقوه نوّد أن نلفت‬
‫أنظار القراء والباحثين إلى أن خاتم الولياء الذي صعد وارتقى تلك المنزلة الكبرى ‪ ,‬وحاز ذلك المنصب‬
‫العظيم حتى ازداد على أنبياء ال ورسله ‪ ,‬لم يكن عند ابن عربي إل هو نفسه كما يقول في فتوحاته ‪:‬‬
‫) أنا ختــــــــم الولية دون شـك‬
‫لورثي الهاشمي مع المســـيح‬
‫كـــــــــما أني أــــبو بـكر عتيق‬
‫أجـــــــاهل كّل ذي جسـم وروح‬
‫بــــــأرواح مثــــقفة طــــــــوال‬
‫وتــــــــــــــرجمة بقرآن فصيح‬
‫أشــــــّد على كتــــيبة كل عــقل‬
‫تـنازعني على الوحي الصريح‬
‫لي الورع الذي يســمو اعتلء‬
‫على الحــــوال بالنبأ الصحيح‬
‫وســــاعدني عليه رجال صدق‬
‫من الورعين من أهــل الفتوح‬
‫يوالون الوجـــــــوب وكّل ندب‬
‫‪2‬‬
‫ويستثنون سلــــــــطنة المبيح ( ‪.‬‬
‫وهناك تصريحات أخرى منه ومن أتباعه ‪ ,‬نذكرها في ترجمته في باب مستقل في الجزء الثاني من هذا الكتاب‬
‫‪ ,‬تحت تراجم كبراء المتصوفين – إن شاء الرحمن ‪. -‬‬
‫وأما الحكيم الترمذي الذي منه أخذ ابن عربي تلك الفكرة في أخذ النبي العلم والمعرفة من الملك ‪ ,‬وأخذ الول ّ‬
‫ي‬
‫بدون واسطة ‪ ,‬فيقول في جواب سؤال ‪ :‬ما الفرق بين النبوة والولية ؟ ‪:‬‬
‫) الفرق بين النبوة والولية أن النبوة كلم ينفصل من ال وحيا ‪ ,‬ومعه روح من ال فيقضي الوحي ويختم‬
‫بالروح ‪ ...‬والولية لمن ولى ال حديثه على طريق أخرى ‪ ,‬فأوصله إليه فله الحديث ‪ ,‬وينفصل ذلك الحديث‬
‫من ال عز وجل ‪ ,‬على لسان الحق معه السكينة ‪ ,‬تتلقاه السكينة في قلب المحّدث ‪ ,‬فيقبله ويسكن إليه ( ‪. 3‬‬
‫ثم يذكر خاتم الولياء فيقول ‪:‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫فتاوى شيخ السلم ج ‪ 11‬ص ‪ 444‬جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن قاسم وابنه ‪.‬‬
‫الفتوحات المكية لبن عربي ج ‪ 4‬الباب الثالث والربعون ص ‪ 71‬بتحقيق عثمان إبراهيم يحيى مدكور ط الهيئة المصرية العامة للكتاب ‪ 1975‬م ‪.‬‬
‫كتاب ختم الولية الفصل العاشر علمات الولياء ص ‪. 347 , 346‬‬

‫‪122‬‬

‫) لما قبض ال عز وجل نبيه صلى ال عليه وسلم صّير في أمته أربعين صديقا بهم تقوم الرض ‪ ,‬وهم آل‬
‫بيته ‪ ,‬فكلما مات واحد منهم خلفه من يقوم مقامه ‪ ,‬حتى إذا انقرض عددهم وأتى وقت زوال الدنيا إبتعث ال‬
‫صه بخاتم الولية ‪ ,‬فيكون حجة ال يوم‬
‫وليا اصطفاه واجتباه ‪ ,‬وقّربه وأدناه ‪ ,‬وأعطاه ما أعطى الولياء ‪ ,‬وخ ّ‬
‫القيامة على سائر الولياء فيوجد عنده بذلك الختم صدق الولية على سبيل ما وجد عند محمد صلى ال عليه‬
‫وسلم من صدق النبوة فلم ينله العدو ‪ ,‬ول وجدت النفس إليه سبيل إلى الخذ بحظها من الولية ‪.‬‬
‫فإذا برز الولياء يوم القيامة و اقتضوا صدق الولية والعبودية وجد الوفاء عند هذا الذي ختم الولية تماما ‪,‬‬
‫فكان حجة ال عليهم وعلى سائر الموحدين من بعدهم ‪ ,‬وكان شفيعهم يوم القيامة ‪ ,‬فهو سيدهم ‪ ,‬ساد‬
‫الولياء ‪ ,‬كما ساد النبياء ‪ ,‬فينصب له مقام الشفاعة ‪ ,‬ويثني على ال تعالى ثناء ويحمده بمحامد يقّر الولياء‬
‫بفضله عليهم في العلم بال تعالى ‪.‬‬
‫فلم يزل هذا الولي مذكورا في البدء ‪ ,‬أول في الذكر ‪ ,‬وأول في العلم ‪ ,‬ثم هو الول في المشيئة ‪ ,‬ثم هو الول‬
‫في اللوح المحفوظ ‪ ,‬ثم الول في الميثاق ‪ ,‬ثم الول في المحشر ‪ ,‬ثم الول في الجوار ‪ ,‬ثم الول في الخطاب ‪,‬‬
‫ثم الول في الوفادة ‪ ,‬ثم الول في الشفاعة ‪ ,‬ثم الول في دخول الدار ‪ ,‬ثم الول في الزيارة ‪ ,‬فهو في كل‬
‫مكان أول الولياء ( ‪. 1‬‬
‫وقد سئل ‪ :‬أين مقامه ؟ فقال ‪:‬‬
‫) في أعلى منازل الولياء ‪ ,‬في ملك الفردانية ‪ ,‬وقد انفرد في وحدانيته ‪ ,‬ومناجاته كفاحا في مجالس الملك ‪,‬‬
‫وهداياه من خزائن السعي ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬وما خزائن السعي ؟‬
‫قال ‪ :‬إنما هي ثلث خزائن ‪ :‬المنن للولياء ‪ ,‬وخزائن السعي لهذا المام القائد ‪ ,‬وخزائن القرب للنبياء عليهم‬
‫السلم ‪ ,‬فهذا ) خاتم الولياء ( مقامه من خزائن المنن ‪ ,‬ومتناوله من خزائن القرب ‪ ,‬فهو في السعي أبدا ‪,‬‬
‫فمرتبته هنا ‪ ,‬ومتناوله من خزائن النبياء عليهم السلم ‪ ,‬قد انكشفت له الغطاء عن مقام النبياء ومراتبهم‬
‫وتحفهم ( ‪. 2‬‬
‫ويقول أيضا ‪:‬‬
‫) وقد يكون في الولياء من هو أرفع درجة ‪ ,‬وذاك عبد قد ولى ال استعماله ‪ ,‬فهو في قبضته يتقلب ‪ ,‬به‬
‫ينطق ‪ ,‬وبه يسمع ‪ ,‬وبه يبصر ‪ ,‬وبه يبطش ‪ ,‬وبه يعقل ‪ ,‬شهره في أرضه ‪ ,‬وجعله إمام خلقه و وصاحب‬
‫لواء الولياء ‪ ,‬وأمان أهل الرض ‪ ,‬ومنظر أهل السماء ‪ ,‬وريحانة الجنان ‪ ,‬وخاصة ال ‪ ,‬وموضع نظره ‪,‬‬
‫ومعدن سره ‪ ,‬وسوطه في أرضه ‪ ,‬يؤدب به خلقه ‪ ,‬ويحيي القلوب الميتة برؤيته ‪ ,‬ويرد الخلق إلى طريقه ‪,‬‬
‫وينعش به حقوقه ‪ ,‬مفتاح الهدى ‪ ,‬وسراج الرض ‪ ,‬وأمين صحيفة الولياء ‪ ,‬و قائدهم ‪ ,‬والقائم بالثناء على‬
‫ربه ‪ ,‬بين يدي رسول ال صلى ال عليه وسلم ! ‪ ,‬يباهي به الرسول في ذلك الموقف ‪ ,‬وينوه ال باسمه في‬
‫ذلك المقام ‪ ,‬ويقر عين رسول ال صلى ال عليه وسلم ! ‪ ,‬قد أخذ ال بقلبه أيام الدنيا ‪ ,‬ونحله حكمته العليا ‪,‬‬
‫وأهدى إليه توحيده ‪ ,‬ونزه طريقه عن رؤية النفس ‪ ,‬وظل الهوى ‪ ,‬وأئتمنه على صحيفة الولياء ‪ ,‬وعّرفه‬
‫مقاماتهم ‪ ,‬وأطلعه على منازلهم ‪ .‬فهو سيد النجباء ‪ ,‬وصالح الحكماء ‪ ,‬وشفاء الدواء ‪ ,‬وإمام الطباء ‪.‬‬
‫كلمه قيد القلوب ‪ ,‬ورؤيته شفاء النفوس ‪ ,‬وإقباله قهر الهواء ‪ ,‬وقربه طهر الدناس ‪ ,‬فهو ربيع يزهر نوره‬
‫أبدًا ‪ ,‬وخريف يجنى ثماره دأبا ‪ ,‬وكهف يلجأ إليه ‪ ,‬ومعدن يؤمل ما لديه ‪ ,‬وفصل بين الحق والباطل ‪ .‬وهو‬
‫الصديق والفاروق والولي والعارف والمحّدث ‪ .‬هو واحد ال في أرضه ( ‪. 3‬‬
‫وأما ما قاله المتأخرون فهو أظهر وأصرح ‪ ,‬فيقول داود القيصري ‪:‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫ختم الولية للترمذي الحكيم الفصل التاسع ص ‪. 345 , 344‬‬
‫أيضا ص ‪. 367‬‬
‫نوادر الصول للترمذي ص ‪ 158 , 157‬ط الستانا ‪.‬‬

‫‪123‬‬

‫) فالنبوة دائرة تامة مشتملة على دوائر متباينة متفاوتة في الحيطة ‪ ,‬وقد علمت أن الظاهر ل يأخذ التأييد‬
‫والقوة والتصرف والعلوم ‪ ,‬وجميع ما يفيض من الحق تعالى عليه إل بالباطن ‪ :‬وهو مقام الولية ‪ ,‬المأخوذ‬
‫ي بمعنى الحبيب أيضا منه ‪.‬‬
‫من الولي ‪ ,‬وهو القرب ‪ ,‬والول ّ‬
‫فباطن النبوة الولية ‪ ,‬وهي تنقسم بالعامة والخاصة ‪ .‬فلولى تشتمل على كل من آمن بال وعمل صالحا ‪,‬‬
‫ي الذين آمنوا { ‪.‬‬
‫على حسب مراتبهم كما قال ال تعالى ‪ } :‬ال ول ّ‬
‫والثانية تشتمل على الواصلين من السالكين فقط ‪ ,‬عند فنائهم فيه وبقائهم به في الولية الخاصة ‪ ,‬عبارة عن‬
‫ي هو الفاني فيه الباقي به ‪.‬‬
‫فناء العبد في الحق ‪ .‬فالول ّ‬
‫‪ ....‬وهذا الفناء موجب لن يتعين العبد بتعّينات حقانية وصفات ربانية مرة أخرى ‪ ,‬وهو البقاء بالحق ‪ ,‬فل‬
‫يرتفع التعين منه مطلقا ‪ ,‬وهذا المقام دايرة أتّم وأكبر من دايرة النبوة ‪ ,‬لذلك انختمت النبوة ‪ ,‬والولية دائمة ‪,‬‬
‫ي ‪ ,‬اسما من أسماء ال تعالى دون النبي ‪ ,‬ولما كانت الولية أكبر حيطة من النبوة وباطنا لها ‪,‬‬
‫وجعل الول ّ‬
‫شملت النبياء والولياء ‪ .‬فالنبياء هم أولياء فانون بالحق ‪ ,‬باقون به ‪ ,‬منبئون عن الغيب وأسراره ‪ ....‬ول‬
‫نهاية لكمال الولية ‪ ,‬فمراتب الولياء غير متناهية ( ‪. 1‬‬
‫هذا ومثل هذا كثير عنده ‪.‬‬
‫وهناك تلميذ آخر لبن عربي شيعي ‪ ,‬فقال مثل ما قاله القيصري ‪:‬‬
‫ي أن النبي والرسول لهما‬
‫) وفي الحقيقة ‪ :‬الولية هي باطن النبوة ‪ ,‬والفرق بين النبي والرسول والول ّ‬
‫التصرف في الخلق بحسب الظاهر والشريعة ‪ ,‬والولي له التصرف فيهم بحسب الباطن والحقيقة ومن هذا‬
‫قالوا ‪ :‬النبوة تنقطع ‪ ,‬والولية ل تنقطع أبدا ( ‪. 2‬‬
‫وقال النسفي عزيز الدين بن محمد المتوفى ‪ 671‬هـ في كتابه ) زبدة الحقائق ( ‪:‬‬
‫) إن طائفة من الصوفية ذهبت إلى تفضيل الولية على النبوة ‪ ,‬وقالوا ‪ :‬أن النبوة باطنها الولية ‪ ,‬وأما‬
‫الولية فباطنها عالم الله ( ‪. 3‬‬
‫هذا ما ذكره في كتابه ) زبدة الحقائق ( ‪ ,‬وبمثل ذلك ذكر في كتابه ) النسان الكامل(‪. 4‬‬
‫وأما ما قاله في كتابه ) كشف الحقائق ( فهو ‪:‬‬
‫) أيها العارف ‪ ,‬إن العارفين عند أهل الوحدة ثلثة طوائف ‪ :‬حكماء وأنبياء وأولياء ‪ ,‬فالحكيم من يكون عارفا‬
‫صها ‪ ,‬والولي من يكون عارفا بطبائع الشياء‬
‫بطبائع الشياء ‪ ,‬والنبي من يكون عارفا بطبائع الشياء وخوا ّ‬
‫ي في العلم والقدرة ‪ ,‬لن ال له تجلّيان ‪:‬‬
‫صها وحقائقها ‪ ,‬فظهر أنه ل يوجد في العالم أحد يضاهي الول ّ‬
‫وخوا ّ‬
‫تجلي عام ‪ ,‬تجلي خاص ‪.‬‬
‫ي ‪ ,‬وهذا هو معنى قول ال عز‬
‫فالتجلي العام عبارة عن أفراد الموجودات ‪ ,‬والتجلي الخاص عبارة عن الول ّ‬
‫‪5‬‬
‫ي وهو يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير وأن ال قد أحاط بكل شيء علما { ( ‪.‬‬
‫وجل ‪ } :‬فال هو الول ّ‬
‫ويقول في موضع آخر من كتابه ‪:‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫مقدمة شرح الفصوص للقيصري مخطوط ص ‪ 86‬وما بعد المنقول من كتاب ختم الولياء ص ‪. 491‬‬
‫كتاب نص النصوص لحيدر الملي مخطوط ص ‪ 91‬وما بعد ‪.‬‬
‫زبدة الحقائق للنسفي طبعة فارسية ص ‪ 59‬بتصحيح تعليق حق وردي ناصري ط إيران ‪1405‬هـ قمري ‪.‬‬
‫انظر ص ‪. 110‬‬
‫كشف الحقائق لعزيز الدين النسفي بتصحيح وتعليق دكتور أحمد مهدوي طبعة فارسية ص ‪ 59‬ط طهران ‪ 1359‬هجري قمري ‪.‬‬

‫‪124‬‬

‫) المعرفة تنقسم إلى ثلثة أقسام ‪ :‬الول معرفة طبيعة كل شيء ‪ ,‬وهذه رتبة الحكماء ‪ ,‬والثاني معرفة خاصية‬
‫كل شيء ‪ ,‬وهذه رتبة النبياء ‪ ,‬والثالث معرفة حقيقة كل شيء ‪ ,‬وهذه رتبة الولياء ‪ ,‬وأعلم أن أهل الوحدة‬
‫ي(‪.1‬‬
‫ي ‪ ,‬وليس كل نبي ول ّ‬
‫ي نب ّ‬
‫ي ‪ ,‬فإن كل نبي حكيم ‪ ,‬وكل ول ّ‬
‫ي على النب ّ‬
‫ضلوا النبي على الحكيم ‪ ,‬والول ّ‬
‫ف ّ‬
‫وأما الصوفي آخر سعد الدين حمويه فيقول في مثنوّيه ‪:‬‬
‫) واو الولية أقرب إلى الحضرة اللهية من نون النبوة ‪ ,‬فلجل هذا التقرب تعتبر الولية أفضل من النبوة ‪ ,‬ثم‬
‫يبّين ذلك في أبياته قائل ‪:‬‬
‫الحرف الول من كلمة الولية هو الـــواو‬
‫والواو في وســــطها ألف أيها المــــــريد‬
‫والحرف الول من كلمة النبوة هو النون‬
‫والنـــــــون في وســــــــطها حرف الواو‬
‫ي قــــــلب النبي وروحه‬
‫فإذن الــــــــــول ّ‬
‫‪2‬‬
‫ي هو ذات ال ونفـــسه ( ‪.‬‬
‫وروح الـــــــــول ّ‬
‫فهذه هي عقيدة المتصوفة في الولياء ‪ ,‬والولية ‪ ,‬عين تلك العقيدة الشيعية الشنيعة التي ذكرناها من قبل ‪,‬‬
‫وهي تتضمن تفضيل الولياء على أنبياء ال ورسله ‪ ,‬والبعض الخر كتموها عمل بالتقية التي لم يأخذوها‬
‫أيضا إل من الشيعة كما سنذكرها ‪.‬‬
‫ي عندهم فوق الرسول والنبي ‪ ,‬ودون ال قليل ‪ ,‬وأحيانا يحذفون هذا الفرق البسيط أيضا بينه وبين‬
‫فإن الول ّ‬
‫ال ‪ ,‬ويجعلونه ذات ال وعينه ‪ ,‬سواء اتحد به ‪ ,‬أو ذلك اتحد به ‪ ,‬وعلى ذلك قالوا ‪:‬‬
‫ي لعبد ( ‪. 3‬‬
‫) لو كشف عن حقيقة الول ّ‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫كشف الحقائق للنسفي طبعة فارسية ص ‪. 102‬‬
‫انظر جهل مجلس لعلء الدين سمناني بتصحيح عبد الرفيع حقيقت ص ‪. 46 , 45‬‬
‫غيث المواهب العلية للنفزي الرندي ج ‪ 1‬ص ‪ 235‬بتحقيق الدكتور عبد الحليم محمود ‪.‬‬

‫‪125‬‬

‫جــَراءُ الّنــُبوة‬
‫إ ْ‬
‫وبهذه المناسبة نريد أن نذكر ههنا عقيدة صوفية خبيثة أخرى ‪ ,‬أخذوها من بعض فرق الشيعة ‪ ,‬من الخطابية‬
‫ي حينا بعد حين‬
‫‪ ,‬والخرمية ‪ ,‬والمنصورية وغيرها بأن رسالة ال ل تنقطع أبدا ‪ ,‬وأن النبوة جارية ‪ ,‬ويأتي نب ّ‬
‫‪.1‬‬
‫وهم بدورهم أخذوها من اليهودية مثل العقائد الخرى كما ذكره ولهوزن ‪ ) :‬أن النبي الصادق واحد يعود‬
‫أبدا ( ‪. 2‬‬
‫ومعلوم أن هذه العقيدة لم تعتنقها فرق الشيعة إل للقضاء على السلم وهدم كيانه ‪ ,‬وفتح البواب على‬
‫الدجالين والكذابين لترويج نبواتهم الباطلة ودعاويهم الكاذبة ‪ ,‬وإخراج المسلمين عن حظيرة السلم ‪,‬‬
‫وإدخالهم في بؤرة الكفر والرتداد ‪ ,‬وإبعادهم عن محمد الصادق المصدوق المين عليه الصلة والسلم وعن‬
‫شريعته السماوية السمحاء ‪ ,‬ونشر الفتن والقلقل بينهم ‪ ,‬وفكّ جمعيتهم ‪ ,‬وتشتيت شملهم ‪ ,‬وتفريق كلمتهم ‪,‬‬
‫وتمزيق جماعتهم ‪ ,‬والقضاء على شأنهم وشوكتهم ‪ ,‬وسّد سيل النور كي ل يعّم المعمورة ‪ ,‬ويشمل الكون ‪,‬‬
‫ووضع العراقيل في طريقه ‪ ,‬مخالفين النصوص الصريحة المعارضة في كلم ال المحكم ‪ ,‬وحديث رسول ال‬
‫الثابت عنه عليه الصلة والسىلم مثل قوله جل وعل ‪:‬‬

‫َ َ‬
‫ما َ‬
‫سو َ‬
‫م‬
‫و َ‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫ول َ ِ‬
‫ح ٍ‬
‫كا َ‬
‫من ّر َ‬
‫مدٌ أَبا أ َ‬
‫م َ‬
‫كن ّر ُ‬
‫خات َ َ‬
‫جال ِك ُ ْ‬
‫د ّ‬
‫ح ّ‬
‫ن ُ‬
‫} ّ‬
‫ه َ‬
‫م َ‬
‫‪3‬‬
‫ن{ ‪.‬‬
‫الن ّب ِّيي َ‬

‫وقوله تبارك وتعالى ‪ } :‬ال ْيوم أ َك ْمل ْت ل َك ُم دين َك ُم َ‬
‫مِتي‬
‫ت َ‬
‫ْ ِ‬
‫م نِ ْ‬
‫م ُ‬
‫َ ُ‬
‫َ ْ َ‬
‫ع َ‬
‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫م ْ‬
‫وأت ْ َ‬
‫ْ َ‬
‫‪4‬‬
‫نا { ‪.‬‬
‫م ِدي ً‬
‫وَر ِ‬
‫سل َ َ‬
‫ضي ُ‬
‫م ال ِ ْ‬
‫ت ل َك ُ ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ف ً ّ‬
‫ك إ ِّل َ‬
‫سل َْنا َ‬
‫كا ّ‬
‫ن‬
‫ون َ ِ‬
‫س بَ ِ‬
‫ما أْر َ‬
‫ول َك ِ ّ‬
‫و َ‬
‫ذيًرا َ‬
‫شيًرا َ‬
‫وقوله جّل من قائل ‪َ } :‬‬
‫ة للّنا ِ‬
‫‪5‬‬
‫ن{ ‪.‬‬
‫أ َك ْث ََر الّنا‬
‫مو َ‬
‫س َل ي َ ْ‬
‫عل َ ُ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫وقوله ‪ُ } :‬‬
‫سو ُ‬
‫ق ْ‬
‫عا {‪. 6‬‬
‫ج ِ‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫مي ً‬
‫م َ‬
‫س إ ِّني َر ُ‬
‫ل َيا أي ّ َ‬
‫ه إ ِل َي ْك ُ ْ‬
‫ها الّنا ُ‬
‫‪7‬‬
‫‪.‬‬

‫ي بعدي (‬
‫وقول رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ ) :‬أنا خاتم النبيين ل نب ّ‬
‫وقوله عليه الصلة والسلم ‪ :‬إني آخر النبياء ومسجدي آخر المساجد ( ‪.‬‬
‫وقوله صلى ال عليه وسلم ‪ ) :‬مثلي ومثل النبياء كمثل قصر أحسن بنيانه ‪ ,‬ترك منه موضع لبنة ‪ ,‬فطاف به‬
‫النظار يتعجبون من حسن بنيانه إل موضع تلك اللبنة ‪ ,‬فكنت أنا سددت موضع اللبنة ‪ ,‬ختم بي البنيان ‪ ,‬ختم‬
‫بي الرسل ( ‪. 9‬‬
‫‪8‬‬

‫وغيرها من الحاديث الكثيرة الكثيرة في هذا المعنى ولكن القوم يقولون عكس ذلك ‪ ,‬معرضين عن كلم ال‬
‫وكلم رسوله صلى ال عليه وسلم ‪ ,‬متبعين غير سبيل المؤمنين ‪ ,‬فيقول شيخهم الكبر متفوها الكفر الصريح‬
‫‪:‬‬
‫‪ 1‬انظر لذلك فرق الشيعة للنوبختي ص ‪ 70‬وما بعد ‪ ,‬كذلك كتاب المقالت والفرق للشعري القمي الشيعي ص ‪ , 64 , 54 , 46‬وأنظر كذلك كتب السنة‬
‫من مقالت السلميين للشعري ‪ ,‬والفرق بين الفرق للبغدادي والملل والنحل للشهرستاني وغيرها ‪.‬‬
‫‪ 2‬انظر ) الحزاب المعارضة الدينية والسياسية في صدر السلم ( لولهوزن ص ‪ 249‬ترجمة عربية للبدوي ‪.‬‬
‫‪ 3‬الحزاب ‪. 40‬‬
‫‪ 4‬المائدة ‪. 3‬‬
‫‪ 5‬سبأ ‪. 28‬‬
‫‪ 6‬العراف ‪. 158‬‬
‫‪ 7‬أخرجه أبو داود والترمذي ‪.‬‬
‫‪ 8‬أخرجه مسلم ‪.‬‬
‫‪ 9‬متفق عليه ‪.‬‬

‫‪126‬‬

‫) ويجمع النبوة كلها أم الكتاب ‪ ,‬ومفتاحها ‪ :‬بسم ال الرحمن الرحيم ‪ .‬فالنبوة سارية إلى يوم القيامة في‬
‫الخلق ‪ .‬وإن كان التشريع قد انقطع ‪ ,‬فالتشريع جزء من أجزاء النبوة ‪ ,‬فإنه يستحيل أن ينقطع خبر ال‬
‫وأخباره من العالم ‪ ,‬إذ لو انقطع لم يبق للعالم غذاء يتغذى به في بقاء وجوده ‪ :‬قل لو كان البحر مدادا لكلمات‬
‫ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا ‪ : ,‬ولو أن ما في الرض من شجرة أقلم والبحر‬
‫يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات ال ‪ ,‬وقد أخبر ال أنه ما من شيء يريد إيجاده إل يقول له ‪ :‬كن ‪,‬‬
‫فهذه كلمات ال ل تنقطع ‪ ,‬وهي النداء العام لجميع الموجودات ‪ .‬فهذا جزء واحد من أجزاء النبوة ل ينفد ‪,‬‬
‫فأين أنت من باقي الجزاء التي لها ( ‪. 1‬‬
‫فهذه هي عقيدة القوم بلسان قّديسهم ‪ ,‬وفي فتوحاته التي يقولون فيها ‪ ,‬وفيه ‪:‬‬
‫فتــــوحات شيخي غادة مدنية‬
‫فل عجب لو تشتهيها نفوسنا‬
‫فلله ّدر الشـــيخ أكبر عصره‬

‫كستها نفيسات العـــلوم ملبسا‬
‫وأبحاثها أبدت إليــــــــنا نفائسا‬
‫بأنفـاسه ل زال يحيى المجالسا‬

‫وهذه العقيدة هي التي شجعت الكثيرين من المتنبئين والكذابين على ال أن يّدعو النبوة بعد محمد صلوات ال‬
‫وسلمه عليه ‪ ,‬مثل الغلم القادياني الذي استشهد على تنبئه بكلم ابن عربي هذا ‪ , 2‬وغيره من الدجاجلة‬
‫الخرين ‪ ,‬مع تصريح رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ ) :‬ل تقوم الساعة حتى يخرج ثلثون دجالون ‪ ,‬كلهم‬
‫يزعم أنه رسول ال ‪ ,‬وأنا خاتم النبيين ل نبي بعدي ( ‪. 3‬‬
‫ولكن ابن عربي يقول معاكسا لذلك في فتوحاته ‪:‬‬
‫) ويتضمن هذا الباب المسائل التي ل يعلمها إل الكابر من عباد ال ‪ ,‬الذين هم في زمانهم بمنزلة النبياء في‬
‫زمان النبوة ‪ ,‬وهي النبوة العامة ‪.‬‬
‫فإن النبوة التي انقطعت بوجود رسول ال صلى ال عليه وسلم إنما هي نبوة التشريع ل مقامها فل شرع‬
‫يكون ناسخا لشرعه صلى ال عليه وسلم ‪ ,‬ول يزيد في حكمه شرعا آخر ‪ ,‬وهذا معنى قوله صلى ال عليه‬
‫ي بعدي يكون على شرع يكون‬
‫وسلم ‪ :‬إن الرسالة والنبوة انقطعت ‪ ,‬فل رسول بعدي ول نبي ‪ ,‬أي ل نب ّ‬
‫مخالفا لشرعي ‪ ,‬بل إذا كان ‪ ,‬يكون تحت حكم شريعتي ‪ ...‬فهذا هو الذي انقطع وسّد بابه ‪ ,‬ل مقام النبوة (‬
‫‪.4‬‬
‫فهل يقول المتنبئون الدجالون الكذابون غير هذا ؟‬
‫فإنهم ل يلتقطون إل من موائد الصوفية وخوانها ‪ ,‬ول يستوحون إل من أمثال شيخهم الكبر ‪.‬‬
‫ويقول ابن عربي كذلك مجيبا على سؤال الترمذي الملقب بالحكيم ‪ :‬أين مقام النبياء من مقام الولياء ؟ يجيب‬
‫على هذا ويقول ‪:‬‬
‫) وإن كان سؤاله عن مقام النبياء من الولياء ‪ ,‬أي أنبياء الولياء – وهي النبوة التي قلنا أنها لم تنقطع ‪,‬‬
‫فإنها ليست نبوة الشرائع – وكذلك في السؤال عن مقام الرسل ‪ ,‬الذين هم أنبياء فلنقل في جوابه ‪ :‬أن أنبياء‬
‫الولياء ‪ ,‬مقامهم من الحضرات اللهية الفردانية ‪ ,‬والسم اللهي الذي تعبدهم ) هو ( الفرد ‪ ,‬وهم المسمون‬
‫الفراد ‪.‬‬

‫‪ 1‬الفتوحات المكية لبن عربي ج ‪ 2‬ص ‪. 90‬‬
‫‪ 2‬انظر جريدة الحكم القاديانية الصادرة ‪ 10‬ابريل ‪1930‬م المنقول من كتابنا ) القاديانية دراسات وتحليل ( ص ‪ 286‬الطبعة العشرون ط إدارة ترجمان‬
‫السنة باكستان ‪.‬‬
‫‪ 3‬رواه أبو داود والترمذي ‪.‬‬
‫‪ 4‬الفتوحات المكية لبن عربي ج ‪ 2‬ص ‪. 3‬‬

‫‪127‬‬

‫فهذا هو مقام نبوة الولية ‪ ,‬ل نبوة الشرائع ‪ .‬وأما مقام الرسل ‪ ,‬الذين هم أنبياء فهم الذين لهم خصائص على‬
‫ما تعبدوا به أتباعهم ‪ .‬كمحمد صلى ال عليه وسلم ‪ ,‬فيما قيل له ‪ ) :‬خالصة لك من دون المؤمنين ( في‬
‫النكاح بدون الهبة ‪ .‬فمن الرسل من لهم خصائص على أمتهم ومنهم من ل يختصه ال بشيء دون أمته ‪.‬‬
‫وكذلك الولياء ‪ :‬فيهم أنبياء ‪ ,‬أي خصوا بعلم ل يحصل إل لنبي ‪ ,‬من العلم اللهي ‪ .‬ويكون حكمهم من ال ‪,‬‬
‫فيما أخبرهم به ‪ ,‬حكم الملئكة ‪ .‬ولهذا قال )تعالى ( في نبي الشرائع ‪ ) :‬ما لم تحط به خبرا ( ‪ ,‬أي ما هو‬
‫ذوقك ‪ ,‬يا موسى ! مع كونه كليم ال ‪ .‬فخرق ) الخضر ( السفينة ‪ ,‬وقتل الغلم حكمًا ‪ ,‬وأقام الجدار ‪ -‬مكارم‬
‫خلق – عن حكم أمر اللهي ‪ ) ,‬هذا كله ( كخسف البلد على يدي جبريل ومن كان من الملئكة ‪ .‬ولهذا كان‬
‫الفراد من البشر بمنزلة المهيمن من الملئكة ‪ ,‬وأنبياؤهم منهم بمنزلة الرسل من النبياء ( ‪. 1‬‬
‫هذا ويقول الخرون مثل ما قاله ابن عربي ‪ ,‬فيقول الفرغاني ‪:‬‬
‫) أما الولية فهي التصرف في الخلق بالحق ‪ ,‬وليست في الحقيقة إل باطن النبوة ‪ ,‬لن النبوة ظاهرة النباء ‪,‬‬
‫وباطنها التصرف في النفوس بإجراء الحكام عليها ‪.‬‬
‫ي بعد محمد صلى ال عليه وسلم ‪ ,‬دائمة من حيث الولية‬
‫والنبوة مختومة من حيث النباء ‪ ,‬إذ ل نب ّ‬
‫والتصرف ( ‪. 2‬‬
‫وأما السهروردي المقتول فيقول ‪:‬‬
‫) إن اتفق في الوقت متوغل في التأله والبحث فله الرياسة ‪ ,‬وإن لم يتفق فالمتوغل في التأله المتوسط في‬
‫البحث ‪ .‬وإن لم يتفق فالحكيم المتوغل في التأله عديم البحث ‪ ,‬وهو خليفة ال ‪.‬‬
‫ول تخلو الرض من متوغل في التأله أبدا ( ‪. 3‬‬
‫فهذه هي عقيدة أخرى منافية للسلم ومخالفة له ‪ ,‬ومعارضة لسسه وقواعده ‪ ,‬مناقضة لشرعته وتعاليمه ‪,‬‬
‫متبطنة الكفر أشد الكفر ‪ ,‬ومتضمنة الرتداد كل الرتداد ‪ ,‬مأخوذة من الشيعة واليهودية ‪.‬‬
‫صل‬
‫ومعروف أنهم لم يخترعوا هذه العقيدة ولم يختلقوها ليوصلوا المتصوفة إلى مقام النبوة ومكانتها كما و ّ‬
‫الشيعة إليها أئمتهم ‪ ,‬فوصفوهم بجميع أوصاف النبوة ‪ ,‬واختصاصاتها ‪ ,‬ومن أهمها العصمة ‪.‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫الجواب المستقيم عما سأل عنه الترمذي الحكيم سؤال رقم ‪ 18‬ص ‪ 168 , 167‬من كتاب ختم الولياء ‪.‬‬
‫المقّدمات للفرغاني مخطوط آيا صوفيا رقم ‪ 1898‬نقل عن ختم الولياء للترمذي ص ‪ 487‬ط بيروت ‪.‬‬
‫مجموعة في الحكمة المشرقية للسهر وردي ص ‪. 24 , 23‬‬

‫‪128‬‬

‫مة‬
‫الــ ِ‬
‫صـ َ‬
‫ع ْ‬
‫فالعصمة في تبليغ رسالت ال ضرورية للنبياء والرسل كي ل يقع الخطأ والغلط في أداء أوامر ال‬
‫ونواهيه ‪ ,‬وأحكام ال وإرشاداته ‪ ,‬فيدعمون ويسددون بالوحي ونزول الملئكة عليهم ‪ ,‬فما ينطقون عن‬
‫الهوى ‪ ,‬ويجب اتباعهم في كل ما يقولونه ويأمرون به ‪ ,‬لسلمتهم من الخطأ ‪ ,‬والزلل بخلف غيرهم ‪ ,‬فإنه‬
‫يمكن عليهم الخطأ والنسيان ‪ ,‬والزلل والغلط ‪ ,‬فل يؤمن جانبهم من هذه المور كلها ‪.‬‬
‫ولكن الشيعة الذين جعلوا أئمتهم كالنبياء أو المشاركين في النبوة والمضاهين لها ‪ ,‬اختلقوا لهم هذه‬
‫المكانة ‪ ,‬وادعوا لهم هذه المنزلة ‪ ,‬فقالوا ‪:‬‬
‫) إن المام يجب أن يكون معصوما ( ‪. 1‬‬
‫وقال ابن بابويه القمي الملقب بالصدوق عند الشيعة ‪:‬‬
‫) اعتقادنا في النبياء والرسل والئمة والملئكة عليهم السلم أنهم معصومون مطهرون من كل دنس ‪ ,‬وأنهم‬
‫ل يذنبون ذنبا صغيرا ول كبيرا ‪ ,‬و ل يعصون ما أمرهم ‪ ,‬ويفعلون ما يؤمرون ‪ ,‬ومن نفى عنهم العصمة في‬
‫شيء من أحوالهم فقد جهلهم ‪ ,‬ومن جهلهم فهو كافر ‪.‬‬
‫واعتقادنا فيهم أنهم معصومون موصوفون بالكمال والتمام والعلم من أوائل أمورهم وأواخرها ‪ ,‬ل يوصفون‬
‫في شيء من أحوالهم بنقص ول عصيان ول جهل ( ‪. 2‬‬
‫ل باقر المجلسي ‪:‬‬
‫وقال خاتمة محدثي الشيعة م ّ‬
‫ي صلى ال عليه‬
‫) الشرط الثاني في المام أن يكون معصوما ‪ ,‬وإجماع المامية منعقد على أن المام مثل النب ّ‬
‫وآله معصوم من أول عمره إلى آخر عمره من جميع الذنوب الصغائر والكبائر والحاديث المتواترة على هذا‬
‫المضمون واردة ( ‪. 3‬‬
‫ي رضي ال عنه‬
‫ورووا في هذا الخصوص روايات مكذوبة على النبي صلى ال عليه وسلم ‪ ,‬وعلى عل ّ‬
‫وأولده ‪.‬‬
‫منها ما رواها ابن بابويه القمي عن عبد ال بن عباس رضي ال عنه أنه قال ‪ ) :‬سمعت رسول ال صلى ال‬
‫عليه وآله يقول ‪ :‬أنا وعلي والحسن والحسين وتسعة من ولد الحسين مطهرون معصومون ( ‪. 4‬‬
‫وروى المفيد في أماليه عن جعفر بن محمد أنه قال ‪:‬‬
‫) إن ال فرض وليتنا وأوجب مودتنا ‪,‬وال ‪ ,‬ما نقول بأهوائنا ‪ ,‬ول نعمل بآرائنا ‪ ,‬ول نقول إل ما قال ربنا‬
‫عز وجل ( ‪. 5‬‬
‫وقال ابن بابويه القمي في كتاب الخصال مفسرا قول ال عز وجل ‪ :‬ل ينال عهدي الظالمين ‪ ,‬يقول في تفسير‬
‫ص ال عز وجل عليه ( ‪. 6‬‬
‫‪ ) :‬فإذن ل يكون المام إل معصوما ‪ ,‬ول تعلم عصمته إل بن ّ‬
‫وبمثل ذلك قال المتصوفة في كبرائهم وأوليائهم ‪.‬‬
‫‪ 1‬منهاج الكرامة للحلي ص ‪ 71‬المنشور مع منهاج السنة النبوية لبن تيمية ط باكستان أيضا تلخيص الشافي للطوسي ج ‪ 1‬ص ‪ 181‬قم إيران ‪ ,‬كمال الدين‬
‫القمي ج ‪ 1‬ص ‪. 10‬‬
‫‪ 2‬اعتقادات الصدوق ص ‪. 108‬‬
‫‪ 3‬حق اليقين للمجلسي ص ‪. 39‬‬
‫‪ 4‬عيون أخبار الرضا لبن بابويه القمي ج ‪ 1‬ص ‪ 64‬ط طهران ‪.‬‬
‫‪ 5‬المالي للمفيد ص ‪ 60 , 59‬ط قم إيران ‪ 1403‬هـ ‪.‬‬
‫‪ 6‬كتاب الخصال لبن بابويه القمي باب الخمسة ج ‪ 1‬ص ‪ 310‬ط كتاب الخصال لبن بابويه القمي باب الخمسة ج ‪ 1‬ص ‪ 310‬ط إيران ‪.‬‬

‫‪129‬‬

‫وقبل أن نذكر النصوص في هذا الخصوص نورد ما قاله شيخ السلم ابن تيمية في هذا الباب عن الشيعة‬
‫ومن تبعهم في ذلك من المتصوفين ‪:‬‬
‫) وكذلك الرافضة موصوفون بالغلو عند المة فإن فيهم من اّدعى اللهية في علي وهؤلء شر من النصارى‬
‫وفيهم من ادعى النبوة فيه ومن أثبت نبيا بعد محمد فهو شبيه بأتباع مسيلمة الكذاب وأمثاله من المتنبئين إل‬
‫أن عليا رضي ال عنه بريء من هذه الدعوة بخلف من ادعى النبوة لنفسه كمسيلمة وأمثاله وهؤلء‬
‫المامية يدعون ثبوت إمامته بالنص وأنه كان معصوما هو وكثير من ذريته وأن القوم ظلموه وغصبوه‬
‫ودعوى العصمة تضاهي المشاركة في النبوة فإن المعصوم يجب إتباعه في كل ما يقول ل يجوز أن يخالف في‬
‫شيء وهذه خاصة النبياء ولهذا أمرنا أن نؤمن بما أنزل إليهم فقال تعالى } ُ‬
‫ه‬
‫مّنا ِبالل ّ ِ‬
‫قوُلوا ْ آ َ‬

‫عي َ‬
‫ز َ‬
‫ز َ‬
‫ق‬
‫ما ُأن‬
‫مآ ُأن‬
‫ما ِ‬
‫ل إ َِلى إ ِب َْرا ِ‬
‫س َ‬
‫وإ ِ ْ‬
‫وإ ِ ْ‬
‫ح َ‬
‫س َ‬
‫هي َ‬
‫و َ‬
‫و َ‬
‫ل َ‬
‫م َ‬
‫ل إ ِل َي َْنا َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫و ِ‬
‫سَبا ِ‬
‫ي الن ّب ِّيو َ‬
‫عقو َ‬
‫وي َ ْ‬
‫عي َ‬
‫مو َ‬
‫وال ْ‬
‫و َ‬
‫ي ُ‬
‫و َ‬
‫سى َ‬
‫سى َ‬
‫ط َ‬
‫ب َ‬
‫َ‬
‫ما أوت ِ َ‬
‫ما َأوت ِ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن { فأمرنا أن نقول‬
‫مو‬
‫ل‬
‫س‬
‫م‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ن‬
‫ح‬
‫ن‬
‫و‬
‫م‬
‫ه‬
‫ن‬
‫م‬
‫د‬
‫ح‬
‫أ‬
‫ن‬
‫ي‬
‫ب‬
‫ق‬
‫ر‬
‫ف‬
‫ن‬
‫ل‬
‫م‬
‫ه‬
‫ب‬
‫ر‬
‫من‬
‫ِ‬
‫ُ ّ ُ َ ْ َ َ ٍ ّ ْ ُ ْ َ َ ْ ُ ُ ُ ْ ِ ُ َ‬
‫ّ ّ ِ ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ز َ‬
‫سو ُ‬
‫ه‬
‫من ّرب ّ ِ‬
‫ه ِ‬
‫ل إ ِلي ْ ِ‬
‫ن الّر ُ‬
‫م َ‬
‫ل بِ َ‬
‫آمنا بما أوتى النبيون وقال تعالى } آ َ‬
‫ما أن ِ‬
‫ه ل َ نُ َ‬
‫م ْ‬
‫ن كُ ّ‬
‫ن‬
‫سل ِ ِ‬
‫وك ُت ُب ِ ِ‬
‫ملئ ِك َت ِ ِ‬
‫ن ِبالل ّ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫وُر ُ‬
‫فّرقُ ب َي ْ َ‬
‫م َ‬
‫و َ‬
‫لآ َ‬
‫وال ْ ُ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ر{‬
‫صي‬
‫م‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ك‬
‫ي‬
‫ل‬
‫إ‬
‫و‬
‫نا‬
‫ب‬
‫ر‬
‫ك‬
‫ن‬
‫را‬
‫ف‬
‫غ‬
‫نا‬
‫ع‬
‫ط‬
‫أ‬
‫و‬
‫نا‬
‫ع‬
‫م‬
‫س‬
‫ا‬
‫لو‬
‫قا‬
‫و‬
‫ه‬
‫ل‬
‫س‬
‫ر‬
‫من‬
‫د‬
‫ح‬
‫َ َ‬
‫ْ َ‬
‫َ ّ َ َ ِ ْ‬
‫أ َ ٍ ّ‬
‫َ ِ ُ‬
‫َ ِ ْ َ َ‬
‫ّ ُ ِ ِ َ‬
‫وقال تعالى } ولكن البر من آمن بالله واليوم الخر والملئكة والكتاب‬
‫والنبيين { فاليمان بما جاء به النبيون مما أمرنا أن نقوله ونؤمن به وهذا مما اتفق عليه المسلمون‬
‫أنه يجب اليمان بكل نبي ومن كفر بنبي واحد فهو كافر ومن سبه وجب قتله باتفاق العلماء وليس كذلك من‬
‫سوى النبياء سواء سموا أولياء أو أئمة أو حكماء أو علماء أو غير ذلك فمن جعل بعد الرسول معصوما‬
‫يجب اليمان بكل ما يقول فقد أعطاه معنى النبوة و إن لم يعطه لفظها ويقال لهذا ما الفرق بين هذا وبين‬
‫أنبياء بني إسرائيل الذين كانوا مأمورين باتباع شريعة التوراة وكثير من الغلة في المشايخ يعتقد أحدهم في‬
‫شيخه نحو ذلك ويقولون الشيخ محفوظ ويأمرون باتباع الشيخ في كل ما يفعل ل يخالف في شيء أصل وهذا‬
‫من جنس غلو الرافضة والنصارى والسماعيلية تدعي في أئمتها أنهم كانوا معصومين وأصحاب ابن تومرت‬
‫الذي ادعى أنه المهدي يقولون أنه معصوم ويقولون في خطبة الجمعة المام المعصوم والمهدي المعلوم‬
‫ويقال أنهم قتلوا بعض من أنكر أن يكون معصومًا ومعلوم أن كل هذه القوال مخالفة لدين السلم للكتاب‬
‫والسنة وإجماع سلف المة وأئمتها فإن ال تعالى يقول } أطيعوا الله وأطيعوا‬

‫دوه إلى‬
‫الرسول وأولي المر منكم فإن تنازعتم في شيء فر ّ‬
‫الله والرسول { الية فلم يأمرنا بالرد عند التنازع إل إلى ال والرسول فمن أثبت شخصا‬
‫معصوما غير الرسول أوجب رد ما تنازعوا فيه إليه لنه ل يقول عنده إل الحق كالرسول وهذا خلف القرآن‬
‫وأيضا فإن المعصوم تجب طاعته مطلقا بل قيد ومخالفه يستحق الوعيد والقرآن إنما أثبت هذا في حق‬
‫الرسول خاصة قال تعالى } ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم‬

‫اله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن‬
‫أولئك رفيقا { وقال } ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم‬
‫خالدين فيها أبدا { ‪ .‬فدل القرآن في غير موضع على أن من أطاع الرسول كان من أهل السعادة‬

‫ولم يشترط في ذلك طاعة معصوم آخر ومن عصى الرسول كان من أهل الوعيد وإن قدر أنه أطاع من ظن أنه‬
‫معصوم فالرسول صلى ال عليه وسلم هو الذي فرق ال به بين أهل الجنة وأهل النار وبين البرار والفجار‬
‫وبين الحق والباطل وبين الغي والرشاد والهدى والضلل وجعله القسيم الذي قسم به عباده إلى شقي وسعيد‬
‫فمن اتبعه فهو السعيد ومن خالفه فهو الشقي وليست هذه المرتبة لغيره ولهذا اتفق أهل العلم أهل الكتاب‬
‫والسنة على أن كل شخص سوى الرسول فإنه يؤخذ من قوله ويترك إل رسول ال صلى ال عليه وسلم فإنه‬

‫‪130‬‬

‫يجب تصديقه في كل ما أخبر وطاعته في كل ما أمر فإنه المعصوم الذي ل ينطق عن الهوى إن هو إل وحي‬
‫يوحى ( ‪. 1‬‬
‫وهو كما قال شيخ السلم أن الصوفية يعتقدون في أوليائهم ما يعتقد الشيعة في أئمتهم من تأليههم ‪ ,‬وجعلهم‬
‫أنبياء أو كالنبياء ‪ ,‬معصومين ‪ ,‬ولو أنهم كثيرا ما يتجنبون عن استعمال هذه اللفظة ‪ ,‬ويستبدلونها بالحفظ ‪,‬‬
‫ول يقصدون من ورائها إل العصمة التي يستعملها الشيعة توقيا وتحفظا من طعن الطاعنين واعتراض‬
‫المعترضين ‪ ,‬وسترا لتك الصلة الوثيقة التي تربطهم مع الشيعة ‪ ,‬لو أن بعض المتهورين منهم لم يراعوا هذا‬
‫الكتمان والخفاء ‪ ,‬وباحوا بهذا السر جهرا وعلنا ‪ ,‬عارفين بأن تقيتهم هذه ل تسمن ول تغني من جوع ‪ ,‬لن‬
‫المراد من كلتا اللفظتين واحد ‪ ,‬ل اختلف بينهما من حيث المدلول ‪ ,‬فقال قائلهم ‪:‬‬
‫) وأما صور تلقيات الموحدين الخطابية فهو أن تنبعث اللطفية النسانية مجردة عن الفكر طالبة ما ل تعلم منه‬
‫إل نسبة الوجود إليه بتقييدها به فإذا نزل هذا العقل بحضرة من الحضرات نزل إليه بحكم التدلي أو برز له أو‬
‫ظهر له اسم من السماء الحسنى بما فيه من السرار فيهبه بحسب تجريده وصحة قصده وعصمته في طريقه‬
‫فيرجع إلى عالم كونه عالما بما ألقي إليه من علم ربه بربه أو من علم ربه بضرب من كونه ثم ينزل نزول‬
‫آخر هكذا أبدا ) ما أدري ما يفعل بي ول بكم إن أتبع إل ما يوحى إلي ( وهو خير البشر وأكثرهم عقل‬
‫وأصحهم فكرة وروية فأين الفكر هنا هيهات تلف أصحاب الفكار والقائلون باكتساب النبوة والولية كيف لهم‬
‫ذلك والنبوة والولية مقامان وراء طور العقل ليس للعقل فيهما كسب بل هما اختصاصان من ال تعالى لمن‬
‫شاء ( ‪. 2‬‬
‫فاستعمل الشيخ الكبر للصوفية العصمة للنبياء والولياء ‪ ,‬وسّوى بينهما ‪ ,‬ولم ير الفرق في كونهما‬
‫مصطفين مختارين من قبل ال عز وجل ‪ ,‬ومزلتهما ومكانتهما ل تدركان بالعقل ‪ ,‬ومنصبهما ل يكتسب ‪.‬‬
‫وقال في مقام آخر ‪:‬‬
‫) إن من شرط المام الباطن ) يعني الولي ( أن يكون معصوما ‪ ,‬وليس الظاهر إن كان غيره مقام العصمة (‬
‫‪.‬‬

‫‪3‬‬

‫وبمثل ذلك قال أبو الحسن الشاذلي ‪:‬‬
‫) إن من خواص القطب إمداد ال له بالرحمة والعصمة والخلفة والنيابة ( ‪.‬‬
‫‪4‬‬

‫وروى صوفي قديم أبو عبد الرحمن السلمي في ) طبقات الصوفية( عن أبي بكر محمد الدينوري أنه سئل عن‬
‫علمة الصوفي ما هي ؟‬
‫‪5‬‬
‫فقال ‪ ) :‬أن يكون مشغول بكل ما هو أولى به من غيره ‪ ,‬ويكون معصوما عن المذمومات ( ‪.‬‬
‫سم المتصوفة على‬
‫ونقل الدكتور عبد الحليم محمود عن صوفي متقدم أبي بكر الواسطي المتوفى ‪320‬هـ أنه ق ّ‬
‫ثلثة أقسام ‪ ,‬فقال ‪:‬‬
‫ن ال عليهم بأنوار الهداية ‪ ,‬فهم معصومون من الكفر والشرك‬
‫) الناس على ثلث طبقات ‪ ,‬الطبقة الولى ‪ :‬م ّ‬
‫والنفاق ‪.‬‬
‫ن ال عليهم بأنوار العناية فهم معصومون من الصغائر والكبائر ‪.‬‬
‫والطبقة الثانية ‪ :‬م ّ‬
‫‪6‬‬
‫ن ال عليهم بالكفاية فهم معصومون عن الخواطر الفاسدة وحركات أهل الفضيلة ( ‪.‬‬
‫والطبقة الثالثة ‪ :‬م ّ‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫منهاج السنة النبوية لشيخ السلم ص ‪. 175 , 174‬‬
‫كتاب التراجم لبن عربي من مجموعة رسائله ص ‪. 4‬‬
‫الفتوحات المكية لبن عربي ج ‪ 3‬ص ‪. 183‬‬
‫كتاب القصد للشاذلي المنقول من كتاب ) الصلة بين التصوف والتشيع ( ج ‪ 1‬ص ‪. 417‬‬
‫طبقات الصوفية للسلمي ص ‪ 109‬ط مطابع الشعب القاهرة ‪ 1380‬هـ ‪.‬‬
‫انظر غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية للنفزي الرندي ج ‪ 1‬ص ‪ 160‬حاشية رقم ‪ 2‬لعبد الحليم محمود الطبعة الولى القاهرة ‪. 1970‬‬

‫‪131‬‬

‫ويزيل السهروردي عبد القاهر في عوارفه بعض الحجاب عن ذلك السّر الذي طالما أخفاه على تشّيعهم ‪,‬‬
‫ومصدر تصوفهم ‪ ,‬ومنبع أفكارهم ‪ ,‬فيقول ‪:‬‬
‫) الشيخ للمريدين أمين اللهام ‪ ,‬كما أن جبريل أمين الوحي ‪ ,‬فكما ل يخون جبريل في الوحي ‪ ,‬ل يخون‬
‫الشيخ في اللهام ‪ ,‬وكما أن رسول ال صلى ال عليه وسلم ل ينطق عن الهوى فالشيخ مقتد برسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم ظاهرا وباطنا ‪ ,‬ل يتكلم بهوى النفس ( ‪. 1‬‬
‫ب العالمين بروحه ‪,‬‬
‫لن الشيخ ) والعرف معدن علم ال ‪ ,‬مرضع أرواح الطالبين بنفسه ‪ ,‬صحف أسرار ر ّ‬
‫العارف وأن كان بدويا وحشيا فهو معدن العقل والعلم ( ‪. 2‬‬
‫وهم معصومون ) لنهم أطفال في حجر الحق ( ‪. 3‬‬
‫) كالب الشفيق ( ‪. 4‬‬
‫أو ) كولد اللبوة في حجرها ( ‪. 5‬‬
‫و ) أنهم قائمون بال ‪ ,‬قد تولى ال أمرهم ‪ ,‬فإذا ظهرت منهم طاعة ‪ ,‬لم يرجوا عليها ثوابا ‪ ,‬لنهم لم يرو‬
‫أنفسهم محل لها ‪ ,‬وإن ظهرت منهم زّلة فالدية على العاقلة ‪ ,‬لم يشاهدوا غيره في الشدة والرخاء ‪ ,‬قيامهم‬
‫بال ‪ ,‬ونظرهم إليه ‪ ,‬وخوفهم هيبته ‪ ,‬ورجاؤهم النس به ( ‪. 6‬‬
‫و ) أنهم ل يعرفون إبليس والشيطان ( ‪. 7‬‬
‫) وأما خلق ال أهون عليهم من إبليس ‪ ,‬ولول أن ال أمرهم أن يتعوذوا منه ما تعوذوا منه ( ‪. 8‬‬
‫ولربما استعملوا الحفظ على أوليائهم ومتصوفيهم ‪ ,‬بدل العصمة الشيعية لئمتهم ‪ ,‬لكن في نفس المعنى‬
‫والمقصود ‪ ,‬فقالوا ‪:‬‬
‫‪9‬‬
‫ي أن يكون محفوظا ‪ ,‬كما أن من شرط النبي أن يكون معصوما ( ‪.‬‬
‫) ومن شرط الول ّ‬
‫لن الحق يتولى تصريفه ) فيصّرفه في وظائفه وموافقاته ‪ ,‬فيكون محفوظا فيما ل عليه ‪ ,‬مأخوذا عما له‬
‫وعن جميع المخالفات ‪ ,‬فل يكون له إليها سبيل وهو العصمة ( ‪. 10‬‬
‫و ) أن تصير الشياء كلها له واحدة ‪ ,‬فتكون كل حركاته في موافقات الحق دون مخالفاته ( ‪. 11‬‬
‫و ) لطائف ال في عصمة أنبيائه وحفظ أوليائه أكثر من أن تقع تحت الحصاء والعّد ( ‪. 12‬‬
‫وبمثل ذلك قال القشيري ‪:‬‬
‫‪ 1‬عوارف المعارف للسهروردي ص ‪ 404‬ط دار الكتاب العربي بيروت ‪ 1983‬م ‪.‬‬
‫‪ 2‬مناقب العارفين للفلكي ج ‪ 1‬ص ‪ 286‬ملحوظة ‪ :‬أن الدكتور الشيبي أخطأ في فهم عبارة الفلكي نقل عن جلل الدين الرومي في منقبة الحلج حيث‬
‫ن مقولة رسول ال المتمثل المتجسد أمام الحلج – حسب زعم القوم – مقولة الحلج ‪ ,‬متضمنة معنى العصمة لذاته ) انظر كتاب الصلة بين التصوف‬
‫ظّ‬
‫والتشيع ج ‪ 1‬ص ‪ , ( 419‬وليس المر كذلك كما قلنا ‪.‬‬
‫‪ 3‬التعرف للكلباذي ص ‪. 110‬‬
‫‪ 4‬الخلق المتبولية للشعراني ج ‪ 3‬ص ‪. 261‬‬
‫‪ 5‬طبقات الشعراني ج ‪ 2‬ص ‪. 12‬‬
‫‪ 6‬روضة التعريف للسان الدين بن الخطيب ص ‪. 423‬‬
‫‪ 7‬غيث المواهب العلية للنفزي الرندي ج ‪ 2‬ص ‪ , 153‬أيضا جمهرة الولياء للمنوفي الحسيني ج ‪ 2‬ص ‪. 241‬‬
‫‪ 8‬غيث المواهب العلية ج ‪ 2‬ص ‪ 153‬نقل عن أبي سليمان الداراني ‪.‬‬
‫‪ 9‬الرسالة القشيرية ج ‪ 2‬ص ‪ , 521‬وروضة التعريف ص ‪ , 521‬مواقع النجوم لبن عربي ص ‪ , 80‬غيث المواهب للنفزي ص ‪ , 131‬جمهرة الولياء‬
‫ج ‪ 1‬ص ‪ , 97‬مشارق أنوار القلوب للدباغ ص ‪ , 103‬فوائح الجمال لنجم الدين الكبري ص ‪ 82‬وغيرها من الكتب الكثيرة ‪.‬‬
‫‪ 10‬التعرف للكلباذي ص ‪. 147‬‬
‫‪ 11‬أيضا ص ‪. 48‬‬
‫‪ 12‬أيضا ص ‪. 155‬‬

‫‪132‬‬

‫ي له معنيان ‪ :‬أحدهما ‪ :‬فعيل بمعنى مفعول ‪ ,‬وهو من يتولى ال سبحانه وتعالى أمره ‪ ,‬قال تعالى ك‬
‫) الول ّ‬
‫} وهو يتولى الصالحين { ‪ ,‬فل يكله إلى نفسه لحظة ‪ ,‬بل يتولى الحق سبحانه رعايته ‪.‬‬
‫والثاني ‪ :‬فعيل مبالغة من الفاعل ‪ ,‬وهو الذي يتولى عبادة ال وطاعته ‪ ,‬فعبادته تجري على التوالي ‪ ,‬من‬
‫غير أن يتخللها عصيان ‪.‬‬
‫ي وليا ‪ :‬يجب قيامه بحقوق ال تعالى على الستقصاء والستيفاء ‪,‬‬
‫وكل الوصفين واجب حتى يكون الول ّ‬
‫‪1‬‬
‫ودوام حفظ ال تعالى إياه في السراء والضراء ( ‪.‬‬
‫وقال أيضا ‪:‬‬
‫ي؟‬
‫) فإن قيل ‪ :‬ما معنى الول ّ‬
‫قيل ‪ :‬يحتمل أمرين ‪ :‬أحدهما أن يكون فعيل مبالغة من الفاعل ‪ ,‬كالعليم والقدير وغيره فيكون معناه ‪ :‬من‬
‫توالت طاعاته من غير تخلل معصية ‪.‬‬
‫ويجوز أن يكون فعيل بمعنى مفعول ‪ ,‬كقتيل بمعنى مقتول ‪ ,‬وجريح بمعنى مجروح ‪ ,‬وهو الذي يتولى الحق‬
‫سبحانه ‪ ,‬حفظه وحراسته على الدامة والتوالي ‪ ,‬فل يخلق له الخذلن الذي هو قدرة العصيان ‪ ,‬وإنما يديم‬
‫توفيقه الذي هو قدرة الطاعة ‪ ,‬قال ال تعالى ‪ } :‬وهو يتولى الصالحين { ( ‪. 2‬‬
‫ي ال ( ‪:‬‬
‫ي حق ال وول ّ‬
‫وبمثل ذلك قال الحكيم الترمذي تحت عنوان ) ول ّ‬
‫) فهؤلء كلهم أولياء حقوق ال ‪ ,‬وهم أولياء ال يصيرون إلى ال تعالى في مراتبهم ‪ ,‬فيحلون بها ويتنسمون‬
‫ق النفس ‪ ,‬قد لزموا المراتب ‪ ,‬فل يشتغلون بشيء‬
‫روح القرب ‪ ,‬ويعيشون في فسحة التوحيد والخروج عن ر ّ‬
‫إل بما أذن لهم فيه من العمال ‪ .‬فإذا صرفهم ال من المرتبة إلى عمل أبدانهم حرسهم ‪ ,‬فيمضون مع الحرس‬
‫في تلك العمال ‪ ,‬ثم ينقلبون إلى مراتبهم ‪ ,‬هذا دأبهم ( ‪. 3‬‬
‫وعلق ابن عجيبة على قول الشبلي ‪ ) :‬الصوفية أطفال في حجر الحق تعالى ( ‪ ,‬علق عليه بقوله ‪:‬‬
‫) يعني أنه يتولى حفظهم وتدبيرهم على ما فيه صلحهم ول يكلهم إلى أنفسهم ( ‪. 4‬‬
‫وظاهر أن من يكون هذا شأنه ل يكون إل معصوما محضا ‪ ,‬لذلك أن الصوفية حينما يستعملون الحفظ ‪ ,‬ل‬
‫يريدون من وراء ذلك إل العصمة ‪ ,‬ولذلك ذكر الهجويري كلتا اللفظتين في معنى واحد ‪ ,‬بصورة اللفاظ‬
‫المترادفة حيث حكى عن الجنيد أنه قال ك‬
‫) تمنيت وقتا ما أن أرى إبليس ‪ -‬عليه اللعنة – وذات يوم كنت واقفا بباب المسجد ‪ ,‬فإذا بشيخ يقبل من بعيد‬
‫متجها إلى ‪ ,‬فلما رأيته أحسست وحشة في قلبي ‪ ,‬فلما اقترب مني قلت ‪ :‬من أنت أيها الشيخ ‪ ,‬إذ ل طاقة‬
‫لعيني برؤية وجهك من الوحشة ‪ ,‬ل طاقة لقلبي بالتفكير فيك من الهيبة ؟ قال ‪ :‬أنا الذي تتمنى مشاهدتي ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬يا ملعون ! ما منعك أن تسجد لدم ؟ قال ‪ :‬يا جنيد كيف تصور أني أسجد لغيره ؟ قال الجنيد ‪ :‬فتحيرت‬
‫في كلمه ‪ ,‬فنوديت في سري أن ‪ ) :‬قل له ‪ :‬كذبت ‪ ,‬لو كنت خرجت عن أمره ونهيه ‪ .‬فسمع النداء من قلبي ‪,‬‬
‫فصاح وقال ‪ :‬أحرقتني بال ! وغاب ( ‪. 5‬‬
‫ثّم علق عليها بقوله ‪:‬‬
‫) وفي هذه الحكاية دليل على حفظه وعصمته ‪ ,‬لن ال سبحانه وتعالى يحفظ أولياءه في كل الحوال من كيد‬
‫الشيطان ( ‪. 6‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫الرسالة القشيرية ج ‪ 2‬ص ‪. 520‬‬
‫أيضا ج ‪ 2‬ص ‪. 665 , 664‬‬
‫كتاب ختم الولياء للترمذي ص ‪. 139‬‬
‫إيقاظ الهمم في شرح الحكم لبن عجيبة الحسني ص ‪ 168‬الطبعة الثالثة ‪ 1982‬القاهرة ‪.‬‬
‫كشف المحجوب للهجويري ص ‪ 342‬ترجمة عربية للدكتورة إسعاد عبد الهادي قنديل ط دار النهضة بيروت ‪ 1980‬م ‪.‬‬
‫أيضا ‪.‬‬

‫‪133‬‬

‫وتؤيد وتدعم أنهم يّدعون أولياءهم ومتصوفيهم معصومين ‪ ,‬مقولتهم في كتبهم أنه ل يجوز العتراض على‬
‫ي من أوليائهم أو على أحد من متصوفيهم ‪ ,‬لو كان عمله يعارض الشرع ‪ ,‬أو يظهر بصورة منكرة ‪,‬‬
‫ول ّ‬
‫فيقول الشعراني ‪:‬‬
‫‪1‬‬
‫) من دخل في صحبة شيخ ‪ ,‬ثم اعترض عليه بعد ذلك فقد نقض عهد الصحبة ( ‪.‬‬
‫ثم نقل حكايتان خبيثتين تدلن على عقيدة القوم في مشائخهم وكونهم معصومين ‪ ,‬فيقول ‪:‬‬
‫) كان أبو سهل الصعلوكي رحمه ال يقول ‪:‬‬
‫كان لبعض الشياخ مجلس يفسر فيه القرآن العظيم فأبدله بمجلس قوال ‪ ,‬فقال مريد بقلبه ‪ :‬كيف يبدل مجلس‬
‫القرآن بمجلس قوال ؟‬
‫فناداه الشيخ ‪ :‬يا فلن ‪ ,‬من قال لشيخه ‪ :‬لم ‪ ,‬لم يفلح ‪.‬‬
‫فقال المريد ‪ :‬التوبة ‪ ...‬وزار أبو تراب النخشبي وشقيق البلخي أبا يزيد البسطامي ‪ ,‬فلما قّدم خادمه السفرة‬
‫قل له ‪ :‬كل معنا يا فتى ‪ ,‬فقال ‪ :‬ل ‪ ,‬إني صائم ‪.‬‬
‫فقال له أبو تراب ‪ :‬كل ‪ ,‬ولك أجر صوم شهر ‪.‬‬
‫فقال ‪ :‬ل ‪ ,‬فقال له شقيق ‪ :‬كل ‪ ,‬ولك أجر صوم سنة ‪ ,‬فقال ‪ :‬ل ‪ ,‬فقال أبو يزيد ‪ :‬دعوا من سقط من عين‬
‫رعاية ال عز وجل ‪ ,‬فسرق ذلك الشاب بعد سنة ‪ ,‬فقطعت يده عقوبة له على سوء أدبه مع الشياخ ‪ ,‬ثم نقل‬
‫عن الشيخ برهان الدين أنه قال ‪:‬‬
‫‪2‬‬
‫من لم ير خطأ الشيخ أحسن من صوابه لم ينتفع به ( ‪.‬‬
‫وبمثل ذلك قال شيخ الزهر السابق نقل عن سيده أحمد الدردير أنه قال ‪:‬‬
‫) فالداب التي تطلب من المريد في حق شيخه أوجبها تعظيمه وتوقيره ظاهرا وباطنا ‪ ,‬وعدم العتراض عليه‬
‫ي شيء فعله ‪ ,‬ولو كان ظاهره أنه الحرام ‪ ,‬ويؤول ما انبهم عليه ‪ ,‬وتقديمه على غيره ‪ ,‬وعدم اللتجاء‬
‫في أ ّ‬
‫لغيره من الصالحين ‪ ,‬فل يزور وليا من أهل العصر ‪ ,‬ول صالحا إل بإذنه ‪ ,‬ول يحضر مجلس غيره إل بإذنه ‪,‬‬
‫ول يسمع من سواه حتى يتّم سقيه من ماء سّر شيخه ( ‪. 3‬‬
‫فهل هناك ضلل بعد هذا الضلل ‪ ,‬وتسفيه للعقول بعد هذا كله ؟‬
‫ومن رجل جعل شيخا لكبر جامعة إسلمية وأقدمها في العالم ؟‬

‫ة إ ِن ّ َ‬
‫دن َ‬
‫ز ْ‬
‫غ ُ‬
‫ك‬
‫م ً‬
‫و َ‬
‫عدَ إ ِذْ َ‬
‫ب ل ََنا ِ‬
‫ك َر ْ‬
‫من ل ّ ُ‬
‫ه ْ‬
‫قُلوب ََنا ب َ ْ‬
‫ح َ‬
‫هدَي ْت ََنا َ‬
‫َ} َرب َّنا ل َ ت ُ ِ‬
‫ب {‪.4‬‬
‫و ّ‬
‫ها ُ‬
‫أن َ‬
‫ت ال ْ َ‬
‫ولطرافة كلم الشيخ ننقل ههنا ما كتبه في آداب المريد ‪ ,‬فيقول ‪:‬‬
‫) ومن آداب المريد للشيخ ‪ :‬أن ل يكثر الكلم بحضرته ولو باسطه ‪ ,‬ول يجلس على سجادته ‪ ,‬ول يسبح‬
‫بسبحته ‪ ,‬ول يجلس في المكان المعّد له ‪ ,‬ول يلح عليه في أمر ‪ ,‬ول يسافر ‪ ,‬ول يتزوج ‪ ,‬ول يفعل فعل من‬
‫المور المهمة إل بإذنه ‪ ,‬ول يمسك يده للسلم مثل ويده مشغولة بشيء كقلم أو أكل أو شرب ‪ ,‬بل سلم‬
‫بلسانه ‪ ,‬وينتظر بعد ذلك ما يأمر به ‪ ,‬وأن ل يمشي أمامه ول يساويه في مشي إل بليل مظلم ليكون مشيه‬
‫أمامه صونا له من مصادفة ضرر ‪ ...‬وأن يرى كل بركة حصلت له من بركات الدنيا والخرة فببركته ‪ ...‬وأن‬
‫يصبر على جفوته وإعراضه عنه ‪ ,‬ول يقول ‪ :‬لم فعل بفلن كذا ولم يفعل بي كذا ‪ ,‬وإل لم يكن مسلما له قيادة‬
‫‪ :‬إذ من أعظم الشروط تسليم قيادة له ظاهرا وباطنا ‪ ...‬وأن يجعل كلمه على ظاهره فيمتثله إل القرينة‬
‫صارفة عن إردادة الظاهر ‪ ,‬فإذا قال له ‪ :‬اقرأ كذا ‪ ,‬أو صّل كذا ‪ ,‬أو صم كذا وجب عليه المبادرة ‪ ,‬وكذا إذا‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫انظر النوار القدسية في معرفة القواعد الصوفية للشعراني ج ‪ 1‬ص ‪. 174‬‬
‫النوار القدسية للشعراني ج ‪ 1‬ص ‪. 176 , 175‬‬
‫انظر كتاب سيدي أحمد الدردير للدكتور عبد الحليم محمود ص ‪ 119‬ط دار الكتب الحديثة القاهرة ‪.‬‬
‫آل عمران ‪. 8‬‬

‫‪134‬‬

‫قال له وهو صائم ‪ :‬أفطر وجب عليه الفطر ‪ ,‬أو قال ‪ :‬ل تصّل كذا إلى غير ذلك ‪ ...‬وأن ل يدخل عليه في‬
‫خلوة إل بإذنه ‪ ,‬وأن ل يرفع الستارة التي فيها الشيخ إل بإذنه وإل هلك كما وقع لكثير ( ‪. 1‬‬
‫فلنرجع إلى موضوعنا ونقول ‪ :‬إن القوم يجعلون متصوفيهم معصومين حيث ل يجيزون العتراض عليهم ‪,‬‬
‫ويقولون ‪:‬‬
‫‪2‬‬
‫) من قال لستاذه ‪ِ :‬لَم ل يفلح ( ‪.‬‬
‫‪3‬‬
‫لن ) الشيخ في أهله كالنبي في أمته ( ‪.‬‬
‫وعلى ذلك قال القشيري ‪:‬‬
‫) من شرط المريد أن ل يكون بقلبه اعتراض على شيخه ( ‪.‬‬
‫‪4‬‬

‫وهناك حكايات ومقولت كثيرة في هذا المعنى تنبئ وتدّل صراحة على أن عصمة المتصوفة وأوليائهم ‪ ,‬مثل‬
‫عصمة النبياء ‪ ,‬وبتعبير صحيح كعصمة أئمة الشيعة ‪ ,‬مثل الحكاية التي رواها ابن عجيبة في فتوحاته ‪ ,‬عن‬
‫بعض مشائخه قال ‪:‬‬
‫) رأيت يوما شخصا استحسنته فإذا لطمه وقعت على عيني ‪ ,‬فسالت على خدي ‪ ,‬فقلت ‪ :‬آه فقيل لي ‪ :‬لحظة‬
‫بلطمة ‪ ,‬لو زدت لزدناك ( ‪. 5‬‬
‫فمن كان هذا القائل يا ترى ؟‬
‫فانظر كيف يّدعون العصمة حتى من النظر إلى أحد بتلذذ ؟‬
‫وكذلك نقل أحد الرفاعيين عن الرفاعي أنه قال ‪:‬‬
‫) قال لي الشيخ يعقوب ‪ :‬رأيت الشيطان واقفا على باب داري فهممت بضربه ‪ ,‬فقال ‪ :‬أي يعقوب ‪ ,‬أنتم أهل‬
‫النصاف ‪ ,‬إن في بيتكم الحمر والصفر ) أي الذهب والفضة أو الدنانير والدراهم ( ‪ ,‬وهما لي كيف لم أجيء‬
‫إلى بيتكم ؟ ( ‪. 6‬‬
‫ي رأى الشيطان وهّم بضربه ‪ ,‬فالمعنى أن الصوفي ل يمكن أن يغوّيه الشيطان ‪ ,‬فإذن هو معصوم عن‬
‫صوف ّ‬
‫الوقوع في المعاصي والخطايا ‪ ,‬والزلت والسيئات ‪.‬‬
‫هذا ومثل هذا كثير ‪.‬‬
‫فهذه هي العقيدة الخرى التي أخذها الصوفية من الشيعة ‪ ,‬إن دلت على شيء دلت على روابط عتيقة بين‬
‫التصوف والتشيع ‪ ,‬وكون الول مأخوذا عن الثاني ‪.‬‬

‫‪ 1‬كتاب سيدي أحمد الدردير للدكتور هبد الحليم محمود ص ‪. 121 , 120 . 119‬‬
‫‪ 2‬انظر غيث المواهب العلية للنفزي الرندي ج ‪ 1‬ص ‪. 197‬‬
‫‪ 3‬انظر كشف المحجوب للهجويري ص ‪ , 252‬غيث المواهب ج ‪ 1‬ص ‪ , 197‬صوم القلب لعمار البدليسي مخطوط ورقة رقم ‪ 19‬المنقول من ملحق‬
‫كتاب فوائح الجمال لنجم الدين الكبري تعليقة رقم ‪ 22‬ط ألمانيا ‪ 1957‬م ‪ ,‬أيضا كتاب العروة للسمناني مخطوط المنقول من ختم الولياء ص ‪ , 489‬كذلك‬
‫الفتوحات اللهية لبن عجيبة الحسني ص ‪. 173‬‬
‫‪ 4‬الرسالة القشيرية ج ‪ 2‬ص ‪ , 736‬أيضا التدبيرات اللهية لبن عربي ص ‪ , 226‬جامع الصول للكمشخانوي ص ‪. 2‬‬
‫‪ 5‬الفتوحات اللهية ص ‪. 163‬‬
‫‪ 6‬انظر قلدة الجواهر لمحمد أبي الهدى الرفاعي ص ‪ 135‬ط دار الكتب العلمية ‪ .‬بيروت ‪.‬‬

‫ة‬
‫م ُ‬
‫َ‬
‫ج ِ‬
‫ض ِ‬
‫ح ّ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫عدَ ُ‬
‫م َ‬
‫خل ُ ّ‬
‫و الْر ِ‬

‫‪135‬‬

‫من العقائد الشيعية المعروفة ‪ ,‬الخاصة بهم أن الرض ل تخلو من الحجة ‪ ,‬وهو المام عندهم فلقد بوب‬
‫محدثوهم وفقاؤهم ومتكلموهم أبوابا مستقلة لبيان هذه العقيدة المختلقة المصطنعة ‪ ,‬وأوردوا فيها روايات‬
‫ي رضي ال عنه وأولده ‪ ,‬أئمة القوم حسب زعمهم ‪,‬‬
‫مكذوبة على رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ ,‬وعلى عل ّ‬
‫وآراء كبرائهم ‪ ,‬وعبارات قادتهم ‪.‬‬
‫فلقد أورد محدثهم الكبير الكليني ‪ -‬وهو بمنزلة البخاري عند المسلمين السنة – في كافيه الذي هو أحد‬
‫الصحاح الربعة الشيعية ‪ ,‬وبمنزلة صحيح البخاري عند أهل السنة روايات عديدة تحت عنوان ‪ :‬لو لم يبق‬
‫في الرض إل رجلن لكان أحدهما الحجة ‪ :‬ومنها ما رواها عن جعفر بن محمد الباقر أنه قال ‪:‬‬
‫) لو لم يكن في الرض إل اثنان لكان المام أحدهما ( ‪. 1‬‬
‫كما أورد روايات كثيرة في باب ‪ ) :‬أن الرض ل تخلو من حجة ( ‪ :‬منها ما رواها أيضا عن جعفر أنه سئل ‪:‬‬
‫) أتخلو الرض بغير إمام ؟‬
‫‪2‬‬
‫قال ‪ :‬لو بقيت الرض بغير إمام لساخت بأهلها ( ‪.‬‬
‫وبمثل ذلك روى ابن بابويه القمي المتوفى ‪381‬هـ أحد رجال الصحاح الربعة الشيعية ‪ ,‬في عيونه عن علي‬
‫بن موسى الرضا – المام الثامن المعصوم لدى القوم – أنه سئل ‪:‬‬
‫‪3‬‬
‫) أتخلو الرض من حجة ؟ فقال ‪ :‬لو خلت الرض طرفة عين من حجة لساخت بأهلها ( ‪.‬‬
‫وكذلك بّوب القمي بابا مستقل في كتابه ) كمال الدين وتمام النعمة ( العلة التي من أجلها يحتاج إلى إمام ‪:‬‬
‫وأورد فيه أكثر من عشرين رواية ‪ :‬منها ما رواها عن الباقر بن علي زين العابدين ‪:‬‬
‫) لو أن المام رفع من الرض ساعة لماجت بأهلها كما يموج البحر بأهله ( ‪. 4‬‬
‫وأورد المل باقر المجلسي في بحاره أكثر من مائة حديث عن أئمته في هذا المعنى ‪ ,‬منها ما رواها عن علي‬
‫بن الحسين أنه قال ‪:‬‬
‫) ولم تخل الرض منذ خلق ال آدم عليه السلم من حجة فيها ‪ ,‬ظاهر مشهور أو غائب مستور ‪ ,‬ول تخلو‬
‫إلى أن تقوم الساعة من حجة ل فيها ‪ ,‬ولول ذلك لم يعبد ال ( ‪. 5‬‬
‫وكتب القوم مليئة من مثل هذه الروايات والحاديث ‪ ,‬نكتفي على هذا القدر من البيان ‪.‬‬
‫ي تغيير وتبديل ‪ ,‬غير أنهم جعلوا الحجة ولّيا من أوليائهم ‪ ,‬أو‬
‫وإن الصوفية لخذوها منهم بكاملها بدون أ ّ‬
‫صوفيا من جماعتهم بدل المام لدى الشيعة ‪ ,‬فيقول أبو طالب المكي في قوته ‪ ,‬مستعمل حتى اللفاظ الشيعية‬
‫ومصطلحاتهم نقل عن علي رضي ال عنه أنه قال ‪:‬‬
‫) ل تخلو الرض من قائم ل تعالى بحجة ‪ ,‬إّما ظاهر مكشوف ‪ ,‬وإّما خائف مقهور لئل تبطل حجج ال تعالى‬
‫وبّيناته ( ‪. 6‬‬

‫‪ 1‬الصول من الكافي للكليني المتوفى ‪ 329‬هـ ج ‪ 1‬ص ‪ 180‬ط دار الكتب السلمية طهران الطبعة الثالثة ‪ 1388‬هـ ‪.‬‬
‫‪ 2‬أيضا كتاب الحجة ج ‪ 1‬ص ‪. 179‬‬
‫‪ 3‬عيون أخبار الرضا لبن بابوية القمي ج ‪ 1‬ص ‪ 272‬ط انتشارات جهان إيران ‪.‬‬
‫‪ 4‬كمال الدين وتمام النعمة لبن بابويه القمي الباب الحادي والعشرون ج ‪ 1‬ص ‪ 202‬ط دار الكتب السلمية طهران الطبعة الثانية ‪ 1395‬هجري قمري ‪.‬‬
‫‪ 5‬بحار النوار للمجلسي ج ‪ 23‬في مواضع شتى ‪.‬‬
‫‪ 6‬قوت القلوب في معاملة المحبوب لبي طالب المكي ج ‪ 1‬ص ‪. 134‬‬

‫‪136‬‬

‫ومثل ذلك أورد الطوسي السراج أبو نصر عنه ‪:‬‬
‫) ل تخلو الرض من قائم ل بحجة لئل تبطل آياته ‪ ,‬وتدحض حججه ( ‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫وبمثل ذلك قال الحكيم الترمذي ‪ ,‬وأحمد بن زّروق ‪:‬‬
‫) ل تخلو الدنيا في هذه المة من قائم بالحجة ( ‪. 2‬‬
‫وقال السلمي في مقدمة طبقاته ‪:‬‬
‫) واتبع ) ال ( النبياء عليهم السلم بالولياء ‪ ,‬يخلفونهم في سننهم ‪ ,‬ويحملون أمتهم على طريقتهم وسمتهم‬
‫‪ ,‬فلم يخل وقتا من الوقات من داع إليه بحق أو دال عليه ببيان وبرهان ‪ .‬وجعلهم طبقات في كل زمان ‪,‬‬
‫ي ‪ ...‬فعلم صلى ال عليه وسلم أن آخر أمته ل يخلو من أولياء وبدلء ‪ ,‬يبّينون لمته‬
‫ي يخلف الول ّ‬
‫فالول ّ‬
‫‪3‬‬
‫ظواهر شرائعه وبواطن حقائقه ( ‪.‬‬
‫وقال ابن عربي ‪:‬‬
‫) ل يخلو زمان عن كامل ( ‪.‬‬
‫‪4‬‬

‫وقال أحد أتباعه البارين علء الدولة السمناني ‪:‬‬
‫) ول بّد في كل حين من مرشد يرشد الخلق إلى الحق ‪ ,‬خلفة عن النبي المحق ‪ ,‬ولبّد للمرشد من التأييد‬
‫ي‪,‬‬
‫اللهي ‪ ,‬ليمكن له تسخير المسترشدين ‪ ,‬وإفادة المستفيدين ‪ ,‬وتعليم المتعلمين ‪ ...‬وهو العالم ‪ ,‬الول ّ‬
‫الشيخ ‪ .‬وإلى هذا أشار النبي عليه السلم حيث قال ‪ :‬الشيخ في قومه كالنبي في أمته ‪ ...‬ول يكون قطب‬
‫الرشاد في كل زمان من الزمان إل واحد يكون قلبه على قلب المصطفى صاحب الوراثة الكاملة ( ‪. 5‬‬
‫وقال صاحب الجمهرة ‪:‬‬
‫) قد صحت الروايات والنصوص المؤكدة الثابتة بالكتاب والسنة على أن الرض ل تخلو من قائم ل بحجة ‪,‬‬
‫ومن عارف بالحقيقة الكامنة خلف الظواهر ‪ ,‬ومن ممّيز بين اللباب والقشور ‪ ,‬وعابد ل على الوجه‬
‫الصحيح ‪ ,‬وسائر إلى ال على بصيرة صريحة ‪ ,‬وعقيدة وضاءة إلى أن تقوم الساعة ( ‪. 6‬‬
‫ونقل عن قطب الدين القسطلني في كتاب له في التصوف ‪:‬‬
‫) أن ال بحكمته ونعمته أقام في كل عصر من جعل له لسانا معبرا عن عوارف المعارف اللهية ‪ ,‬مخبرا عن‬
‫لطائف العواطف الربانية ‪ ,‬يصل ال به ما أنقطع من علوم النبياء ومعارف الولياء ( ‪. 7‬‬

‫وقال لسان الدين بن الخطيب ‪:‬‬
‫‪ 1‬كتاب اللمع للطوسي أبي نصر السراج بتحقيق عبد الحليم محمود وطه عبد الباقي سرور ص ‪ 458‬ط دار الكتب الحديثة مصر ‪1960‬م ‪ ,‬أيضا جمهرة‬
‫الولياء للمنوفي الحسيني ج ‪ 2‬ص ‪. 32‬‬
‫‪ 2‬كتاب ختم الولياء للترمذي الحكيم ص ‪ , 360‬قواعد التصوف لبن زروق ص ‪ 48‬ط القاهرة ‪ 1676‬م‪.‬‬
‫‪ 3‬كتاب طبقات الصوفية ‪ ,‬المقدمة للسلمي ص ‪. 7‬‬
‫‪ 4‬عقلة المستوفز لبن عربي ص ‪ 97‬ط ليدن ‪.‬‬
‫‪ 5‬كتاب العروة للسمناني مخطوط ورقة رقم ‪ 88‬ب المنقول من كتاب ختم الولياء ص ‪ 489‬ط بيروت ‪.‬‬
‫‪ 6‬جمهرة الولياء ج ‪ 1‬ص ‪. 7‬‬
‫‪ 7‬أيضا ج ‪ 1‬ص ‪. 94‬‬

‫‪137‬‬

‫) ول بّد عندهم أن يكون في العالم شخص واصل إليه في كل زمان ‪ ,‬وهو الخليفة المتلقي عن ال أسرار‬
‫ي ورسول أو باطنا فقطب ( ‪. 1‬‬
‫الموجودات ‪ ,‬أما ظاهرا فنب ّ‬
‫ي الخواص أنه قال ‪:‬‬
‫وقال الشعراني نقل عن عل ّ‬
‫) من نعم ال تعالى على عباده كونه تعالى ل يخلي الرض من قائم له بحجة في دينه ‪ ,‬رضية لوليته ‪,‬‬
‫وأختاره لمعاملته ‪ ,‬يبين به دللته ‪ ,‬يوضح به طرقاته ‪ ,‬فطوبى لمن كان كذلك في هذا الزمان ( ‪. 2‬‬
‫وهذا ما أشار إليه شيخ السلم ابن تيمية في فتاواه بعد ذكر كلم الصوفية في هذا الخصوص ‪:‬‬
‫) وهذا من جنس دعوى الرافضة أنه لبّد في كل زمان من إمام معصوم يكون حجة ال على المكلفين ‪ ,‬ل يتم‬
‫اليمان إل به ( ‪. 3‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫روضة التعريف للسان الدين بن الخطيب ص ‪. 580‬‬
‫الخلق المتبولية للشعراني ج ‪ 2‬ص ‪. 117 , 116‬‬
‫فتاوى شيخ السلم ابن تيمية ج ‪ 11‬ص ‪ 439‬ط ‪ 1398‬هـ ‪.‬‬

‫‪138‬‬

‫ر َ‬
‫ف ِ‬
‫م ْ‬
‫جو ُ‬
‫و ُ‬
‫ة ال َ‬
‫ب َ‬
‫ُ‬
‫ع ِ‬
‫مام ِ‬
‫وبمناسبة ما ذكرناه آنفا نريد أن نورد ههنا معتقدا شيعيا آخر مرتبطا بالعقيدة السالف ذكرها ‪ ,‬وهو أنه يجب‬
‫على الناس معرفة ذلك المام الذي ل تخلو الرض منه ‪ ,‬ومن مات ولم يعرف المام فقد مات ميتة جاهلية ‪,‬‬
‫أو ميتة كفر وضلل كما قال الشريف المرتضى الشيعي الملقب بعلم الهدى عند القوم ‪:‬‬
‫) إن المعرفة بهم ) يعني بالئمة ( كالمعرفة به تعالى ‪ ,‬فإنها إيمان وإسلم ‪ ,‬وأن الجهل والشك فيهم كالجهل‬
‫والشك فيه فإنه كفر ‪ ,‬وخروج من اليمان ‪ ,‬وهذه المنزلة ليست لحد من البشر إل لنبينا صلى ال عليه وآله‬
‫وسلم والئمة من بعده ‪ ,‬علي وأولده الطاهرين ‪ ...‬والذي يدل على أن معرفة إمامة من ذكرناه من الئمة‬
‫عليهم السلم من جملة اليمان ‪ ,‬وأن الخلل بها كفر ورجوع عن اليمان بإجماع المامية ( ‪. 1‬‬
‫وقال الطوسي الملقب بشيخ الطائفة ‪:‬‬
‫) دفع المامة كفر ‪ ,‬كما أن دفع النبوة كفر ‪ ,‬لن الجهل بهما على حّد واحد ‪ ,‬وقد روى عن النبي صلى ال‬
‫عليه وآله وسلم أنه قال ‪:‬‬
‫‪2‬‬
‫من مات وهو ل يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية ‪ ,‬وميتة الجاهلية ل تكون إل على كفر ( ‪.‬‬
‫ولقد أورد محدثو الشيعة روايات كثيرة في هذا المعنى في أبواب مستقلة بوبوها في مصنفاتهم ‪ ,‬مثل الكليني‬
‫في كافّيه ‪ ,‬وابن بابويه القمي في كتبه ‪ ,‬والطوسي في شافيه ‪ ,‬والبرقي في محاسنه ‪ ,‬والنعماني في غيبته ‪,‬‬
‫والحر العاملي في فصوله ‪ ,‬والمجلسي في بحاره ‪ ,‬والبحراني في برهانه ‪ ,‬وغيرهم في غيره ‪ ,‬حتى قال‬
‫محدثهم العاملي ‪:‬‬
‫‪3‬‬
‫) اليات والروايات من طريق العامة والخاصة ‪ ,‬والدلة في ذلك أكثر من أن تحصى ( ‪.‬‬
‫فهذا المعتقد من المبادئ الشيعية الساسية التي ُبنى عليها مذهب القوم ‪.‬‬
‫والمقصود منه أنه يجب على كل شخص أن يعتقد بعدم خلو الرض من إمام ‪ ,‬ثم يوجب على نفسه أن يعرفه ‪,‬‬
‫ويجعله قدوة له ‪ ,‬وهاديا ومرشدا ومطاعا ‪ ,‬فيأخذ منه معالم الدين ‪ ,‬ويهتدي بهديه ‪ ,‬ويسلك مسلكه ‪ ,‬وينهج‬
‫بمنهجه ‪ ,‬وبدونه وبدون إرشاده وتوجيهه يضّل الطريق ‪ ,‬ويهوي في المزالق والمهالك ‪ ,‬مزالق الكفر‬
‫ومهالك الجاهلية ‪.‬‬
‫هذا ما يعتقده الشيعة ‪ ,‬ولم يكن غريبا أن يؤمن بهذا المبدأ ‪ ,‬ويعتقد بهذا المعتقد مشائخ الصوفية ‪ ,‬وكبراء‬
‫التصوف ‪ ,‬لنهم وراءهم حذو القذة بالقذة ‪ ,‬فقالوا ‪ :‬من لم يكن له شيخ فإمامه الشيطان كما ذكر ذلك‬
‫المتصوفة عن أبي يزيد أنه قال ‪:‬‬
‫‪4‬‬
‫) من لم يكن له أستاذ فإمامه الشيطان ( ‪.‬‬
‫ويقول لسان الدين بن الخطيب ‪:‬‬
‫) يكون المرتاض يعتمد على شيخ و يلقي أزمته بيده ‪ ,‬ليهديه قبل أن تسبقه إليها يد الشيطان ‪.‬‬
‫كن المعـــزي ل المعــــزى بــــه‬

‫إن كــــــان ل بّد من الـــــــواحد‬

‫‪ 1‬الرسالة الباهرة في العترة الطاهرة – نقل عن مقدمة البرهان ص ‪. 20‬‬
‫‪ 2‬تلخيص الشافي للطوسي ج ‪ 4‬ص ‪. 132 , 131‬‬
‫‪ 3‬انظر الفصول المهمة في معرفة الئمة للحر العاملي المتوفى ‪ , 1104‬وباب وجوب معرفة المام ص ‪ 141‬ط مكتبة بصيرتي قم إيران ‪.‬‬
‫‪ 4‬انظر الرسالة القشيرية ج ‪ 2‬ص ‪ , 735‬عوارف المعارف للسهروردي ص ‪ , 96‬وكذلك جامع الصول في الولياء للكمشخانوي ص ‪ , 120‬الفتوحات‬
‫اللهية لبن عجيبة ص ‪ , 88‬أيضا كتاب قلدة الجواهر لمحمد الرفاعي ص ‪. 143‬‬

‫‪139‬‬

‫ومما ينقل ‪ :‬من لم يكن له شيخ كان الشيطان شيخه ( ‪. 5‬‬
‫وبمثل ذلك قال ابن عربي ‪:‬‬
‫) اعلم أن مقام الدعوة إلى ال ‪ ,‬وهو مقام النبوة والوراثة الكاملة ‪ ,‬والحاصل فيه يقال له النبي في زمان‬
‫النبوة ‪ ,‬ويقال له الشيخ الوارث والستاذ في حق العلماء بال من غير أن يكونوا أنبياء وهو الذي قالت فيه‬
‫السادة من أهل طريق ال ‪ ,‬من لم يكن له أستاذ فإن الشيطان أستاذه ( ‪. 2‬‬
‫وقال الشعراني ‪:‬‬
‫) اعلم يا أخي أن أحدا من السالكين لم يصل إلى حالة شريفة في الطريق أبدا إل بملقاة الشياخ ومعانقة‬
‫الدب معهم ‪ ,‬والكثار من خدمتهم ‪ ,‬ومن ادعى الطريق بل شيخ كان شيخه إبليس ‪ ...‬وقد كان المام أبو‬
‫القاسم الجنيد رحمه ال يقول ‪ :‬من سلك بغير شيخ ضّل وأضّل ( ‪. 3‬‬
‫وكتب في كتابه ) الخلق المتبولية ( نقل عن علي المرصفي أنه قال ‪:‬‬
‫) لو أن مريدا عبد ال تعالى كما بين السماء والرض بغير شيخه فعبادته كالهباء المنثور ‪ ...‬وسمعت سيدي‬
‫علي الخواص رجمة ال يقول ‪:‬‬
‫ب مع جهله بالداء والدواء ‪ ...‬وأن‬
‫) لو أن العبد قرأ ألف كتاب في العلم ول شيخ له فهو كمن حفظ كتب الط ّ‬
‫‪4‬‬
‫كل من لم يسلك الطريق على يد شيخ حكمه حكم من يعبد ال على حرف ( ‪.‬‬
‫وهذا مثل ما قاله الشيعة نقل عن أبي جعفر محمد الباقر أنه قال ‪:‬‬
‫) إنما يعرف ال عز وجل ويعبده من عرف ال وعرف إمامه مّنا أهل البيت ‪ ,‬ومن ل يعرف ال عز وجل ول‬
‫يعرف المام مّنا أهل البيت فإنما يعرف ويعبد غير ال هكذا وال ضلل ( ‪. 5‬‬
‫وعنه أنه قال ‪:‬‬
‫) كل من دان ال عز وجل بعبادة يجهد فيها نفسه ول إمام له من ال فسعيه غير مقبول (‬
‫وعلى ذلك يقول نيكلسون بعد نقل كلم أبي يزيد البسطامي ‪:‬‬
‫) من لم يكن له شيخ كان الشيطان شيخه ‪ ,‬يقول بعده ‪:‬‬
‫) هي فكرة يظهر أن لها صلة بالنظرية الشيعية ‪ ,‬الذي كان عبد ال بن سبأ أول من قال بها ( ‪. 6‬‬

‫‪ 5‬روضة التعريف للسان الدين بن الخطيب ص ‪ 469‬ط دار الفكر العربي ‪.‬‬
‫‪ 2‬المر المحكم المربوط فيما يلزم أهل طريق ال من الشروط لبن عربي ص ‪ 266 , 265‬المنشور مع ذخائر العلق له أيضا بتحقيق محمد عبد الرحمن‬
‫الكروي ط القاهرة ‪.‬‬
‫‪ 3‬النوار القدسية للشعراني ص ‪ 174 , 173‬ط دار إحياء التراث العربي بغداد العراق ‪.‬‬
‫‪ 4‬الخلق المتبولية للشعراني ج ‪ 1‬ص ‪. 130 , 129‬‬
‫‪ 5‬الكافي للكليني ج ‪ 1‬ص ‪. 181‬‬
‫‪ 6‬في التصوف السلمي وتاريخه لنيكلسون ترجمة عربية لبي العلء العفيفي ص ‪. 19‬‬

‫صــاَية‬
‫واْلو َ‬
‫اْلـول ََية َ‬

‫‪140‬‬

‫وتشابه آخر بين الصوفية والشيعة هو أن الصوفية أضفوا على أوليائهم عين تلك الوصاف والختيارات التي‬
‫أضفى الشيعة على أئمتهم وأوصيائهم ‪ ,‬فإن الشيعة يقولون ‪:‬‬
‫‪1‬‬
‫) أن الئمة ولة أمر ال ‪ ,‬وخزنة علم ال ‪ ,‬وعيبة وحي ال ( ‪.‬‬
‫ويروي أبو جعفر محمد بن الحسن الصفار المتوفى ‪290‬هـ شيخ الكليني ‪ ,‬في بصائره ‪ ,‬عن محمد الباقر بن‬
‫علي زين العابدين أنه يقول ‪:‬‬
‫جة ال ‪,‬‬
‫) نحن جنب ال ونحن صفوته ونحن خيرته ونحن مستودع مواريث النبياء ونحن أمناء ال ونحن ح ّ‬
‫ونحن أركان اليمان ‪ ,‬ونحن دعائم السلم ‪ ,‬ونحن من رحمة ال على خلقه ‪ ,‬ونحن الذين بنا يفتح ال وبنا‬
‫يختم ‪ ,‬ونحن أئمة الهدى ‪ ,‬ونحن مصابيح الدجى ‪ ,‬ونحن منار الهدى ‪ ,‬ونحن السابقون ‪ ,‬ونحن الخرون ‪,‬‬
‫ونحن العلم المرفوع للخلق ‪ ,‬من تمسك بنا لحق ‪ ,‬ومن تخلف عنا غرق ‪ ,‬ونحن قادة الغر المحجلين ‪ ,‬ونحن‬
‫خيرة ال ‪ ,‬ونحن الطريق ‪ ,‬وصراط ال المستقيم إلى ال ‪ ,‬ونحن من نعمة ال على خلقه ‪ ,‬ونحن المنهاج‬
‫ونحن معدن النبوة ‪ ,‬ونحن موضع الرسالة ‪ ,‬ونحن الذين إلينا مختلف الملئكة ‪ ,‬ونحن السراج لمن استضاء‬
‫بنا ‪ ,‬ونحن السبيل لمن اقتدى بنا ‪ ,‬ونحن الهداة إلى الجنة ‪ ,‬ونحن عز السلم ‪ ,‬ونحن السنام العظم ‪ ,‬ونحن‬
‫الذين بنا نزل الرحمة وبنا تسقون الغيث ‪ ,‬ونحن الذين بنا يصرف عنكم العذاب ‪ ,‬فمن عرفنا ونصرنا وعرف‬
‫حقنا وأخذ بأمرنا فهو منا وإلينا ( ‪. 2‬‬
‫وروى الكليني عنه أيضا أنه قال ‪:‬‬
‫) نحن خزان علم ال ‪ ,‬ونحن تراجمة وحي ال ‪ ,‬ونحن الحجة البالغة على من دون السماء ومن فوق الرض‬
‫(‪.3‬‬
‫ورووا عنه أيضا أنه قال ‪:‬‬
‫) نحن المثاني التي أعطاها ال النبي صلى ال عليه وآله ‪ ,‬ونحن وجه ال نتقلب في الرض بين أظهركم ‪,‬‬
‫عرفنا من عرفنا ‪ ,‬وجهلنا من جهلنا ‪ ,‬من عرفنا فإمامه اليقين ‪ ,‬ومن جهلنا فإمامه السعير ( ‪. 4‬‬
‫والروايات في هذا المعنى كثيرة جدا ‪ ,‬ومن أراد الستزادة فليرجع إلى كتبنا الربعة في هذا الموضوع ‪ ,‬أو‬
‫كتب الشيعة كبصائر الدرجات للصفار ‪ ,‬والكافي للكليني ‪ ,‬وبحار النوار للمجلسي ‪ ,‬والفصول المهمة للعاملي‬
‫‪ ,‬والبرهان للبحراني وغيرها من الكتب الشيعية الكثيرة ‪.‬‬
‫مع العلم بأن كتاب ال القرآن الكريم ‪ ,‬وكتب السنة النبوية المطهرة ‪ ,‬وتراجم أصحاب النبي صلى ال عليه‬
‫وسلم خالية عن مثل هذه الخرافات والهفوات ‪ ,‬والشركيات واليهوديات ‪.‬‬
‫ولكن الصوفية استقوا مبادئهم وأفكارهم ومعتقداتهم من التشيع والشيعة ‪ ,‬بدل الكتاب والسنة ‪ ,‬فقالوا في‬
‫أوليائهم ومتصوفيهم نفس ما قاله الشيعة في أئمتهم وأوصيائهم ‪ ,‬فانظر ما كتبه أعظم مؤرخ صوفي في‬
‫التاريخ القديم والحديث أبو نصر السراج الطوسي – حسب ما قاله طه عبد الباقي ‪ ,‬والدكتور عبد الحليم‬
‫محمود – ولحظ التوافق الكامل والتشابه التام بين ألفاظه وعبارته وبين عبارة الشيعة وألفاظهم فهو ينبئ‬
‫عن المصدر الصلي ‪ ,‬والمأخذ الحقيقي ‪ ,‬والمنبع الصيل ‪ ,‬فيكتب ‪:‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫الصول من الكافي للكليني ج ‪ 1‬ص ‪. 193‬‬
‫بصائر الدرجات الكبرى للصفار الجزء الثاني ص ‪ 83‬ط منشورات العلمي طهران ‪ 1404‬هجري قمري ‪.‬‬
‫الكافي للكليني كتاب الحجة ج ‪ 1‬ص ‪. 192‬‬
‫بحار النوار للمجلسي ج ‪ 2‬ص ‪. 114‬‬

‫‪141‬‬

‫) أن هذه العصابة أعني الصوفية هم أمناء ال عز وجل في أرضه ‪ ,‬وخزنة أسراره وعلمه وصفوته من خلقه‬
‫‪ ,‬فهم عباده المخلصون ‪ ,‬وأولياءه المتقون ‪ ,‬وأحباءه الصادقون الصالحون ‪ ,‬منهم الخيار والسابقون ‪,‬‬
‫والبرار و المقربون ‪ ,‬والبدلء والصديقون ‪ ,‬هم الذين أحيا ال بمعرفته قلوبهم ‪ ,‬وزّين بمعرفته جوارحهم ‪,‬‬
‫وألهج بذكره ألسنتهم ‪ ,‬وطهر بمراقبته أسرارهم ‪ ,‬سبق لهم منه الحسنى بحسن الرعاية ودوام العناية ‪,‬‬
‫فتوجهم بتاج الولية ‪ ,‬وألبسهم حلل الهداية ‪ ,‬وأقبل بقلوبهم عليه تعطفًا ‪ ,‬وجمعهم بين يديه تلطفًا ‪ ,‬فاستغنوا‬
‫به عما سواه ‪ , ,‬وآثروا على ما دونه ‪ ,‬وانقطعوا إليه ‪ ,‬وتوكلوا عليه ‪ ,‬وعكفوا ببابه ‪ ,‬ورضوا بقضائه ‪,‬‬
‫وصبروا على بلئه ‪ ,‬وفارقوا فيه الوطان ‪ ,‬وهجروا له الخوان ‪ ,‬وتركوا من أجله النساب ‪ ,‬وقطعوا فيه‬
‫العلئق ‪ ,‬وهربوا من الخلئق ‪ ,‬مستأنسين به مستوحشين مما سواه ‪ } :‬ذلك فضل ال يؤتيه من يشاء وال‬
‫ذو الفضل العظيم { الية ‪ } :‬فمنهم ظالم لنفسه { الية ‪ } :‬قل الحمد ل وسلم على عباده الذين اصطفى { (‬
‫‪. 1‬‬
‫ونقلوا عن ذي النون المصري أنه قال ‪:‬‬
‫) هم حجج ال تعالى على خلقه ‪ ,‬ألبسهم النور الساطع عن محّبته ‪ ,‬ورفع لهم أعلم الهداية إلى مواصلته ‪,‬‬
‫وأقامهم مقام البطال لرادته ‪ ,‬وأفرغ عليهم الصبر عن مخالفته ‪ ,‬وطهر أبدانهم بمراقبته ‪ ,‬وطيبهم بطيب أهل‬
‫مجاملته ‪ ,‬وكساهم حال من نسج موّدته ‪ ,‬ووضع على رؤوسهم تيجان مسرته ‪ ,‬ثم أودع القلوب من ذخائر‬
‫الغيوب ‪ ,‬فهي معلقة بمواصلته ‪ ,‬فهمومهم إليه ثائرة ‪ ,‬وأعينهم إليه بالغيب ناظرة ‪ ,‬قد أقامهم على باب النظر‬
‫من قربه ‪ ,‬وأجلسهم على كرسي أطباء أهل معرفته ( ‪. 2‬‬
‫وأيضا ‪ ) :‬هم خرس فصحاء ‪ ,‬وعمي بصراء ‪ ,‬عنهم تقصر الصفات ‪ ,‬وبهم تدفع النقمات ‪ ,‬وعليهم تنزل‬
‫البركات ‪ ,‬فهم أحلى الناس منقطعا ومذاقا ‪ ,‬وأوفى الناس عهدا وميثاقا ‪ ,‬سراج العباد ‪ ,‬ومنار البلد ‪,‬‬
‫ومصابيح الدجى ‪ ,‬معادن الرحمة ‪ ,‬ومنابع الحكمة ( ‪. 3‬‬
‫وقال ابن عجيبة ‪:‬‬
‫) هم باب ال العظم ‪ ,‬ويد ال الخذة بالداخلين إلى حضرة ال ‪ ,‬فمن مدحهم فقد مدح ال ‪ ,‬ومن ذّمهم فقد ذّم‬
‫ال ( ‪. 4‬‬
‫وقال ابن قضيب البان ‪:‬‬
‫) القطب فاروق الوقت ‪ ,‬وقاسم الفيض ‪ ,‬وإليه مفّوض أزّمة المور ‪ ,‬وقلب قطب خزانة أرواح النبياء ‪ ,‬وله‬
‫بكل وجه وجه ‪ ,‬وأرواح النبياء خزائن أسرار الحق ‪ ....‬الكون كله صورة القطب ‪ ...‬وهو الباب الذي ل‬
‫دخول ول خروج إل منه ‪ ...‬وفؤاد القطب شمعة نصبت لفراش أرواح العالم ‪ ,‬و نطقه شهد حقائق المعارف ‪,‬‬
‫الذي فيه شفاء أسرار المقربين ‪ ,‬وصلح مشاهد العارفين ‪ ,‬وغذاء أفئدة الواصلين ‪ ...‬نفس القطب صور‬
‫برزخ الشئون الصفاتية ‪ ,‬وعقله اسرافيله ‪ ,‬ومن نفسه قيام عمود السموات الروحية والرضين الجسمية ‪,‬‬
‫وإرادته المأثرة فيهما ‪ ,‬ومن إختياره همم أهل زمانه ‪ ...‬القطب الفرد الواحد في كل زمان الحقيقة المحمدية ‪,‬‬
‫ولكل زمان قطب منها ‪ ,‬وهو خطيب سر الولء بكلمة ‪ :‬بلى ( ‪. 5‬‬
‫هذا وأن ابن عربي قال بصراحة ووضوح بدون إبهام ول إيهام ‪:‬‬
‫) أنا القرآن والسبع المثاني‬
‫فــؤادي عند معلومي مقيم‬

‫وروح الروح ل روح الواني‬
‫يشاهده وعنـــــــــدكم لساني ( ‪.‬‬
‫‪6‬‬

‫‪ 1‬كتاب اللمع للطوسي مقدمة ص ‪. 19‬‬
‫‪ 2‬جمهرة الولياء للمنوفي الحسيني ج ‪ 1‬ص ‪. 102‬‬
‫‪ 3‬أيضا ص ‪. 103‬‬
‫‪ 4‬إيقاظ الهمم لبن عجيبة ص ‪. 272‬‬
‫‪ 5‬المواقف اللهية لبن قضيب البان ‪. 190‬‬
‫‪ 6‬الفتوحات المكية لبن عربي ج ‪ 1‬ص ‪ 70‬بتحقيق وتقديم دكتور عثمان يحيى ط الهيئة المصرية العامة للكتاب ‪ 1985‬م ‪.‬‬

‫‪142‬‬

‫ويعتقد الشيعة أن أئمتهم يعرفون جميع اللسن واللغات ‪ ,‬وحتى لغات الطيور والوحوش ‪.‬‬
‫فيذكر الصفار في بصائره العناوين الربعة لبيان علوم أئمته ‪:‬‬
‫) باب في الئمة عليهم السلم أنهم يعرفون اللسن كلها ( ‪.‬‬
‫) باب في الئمة أنهم يتكلمون اللسن كلها ( ‪.‬‬
‫) باب في الئمة أنهم يعرفون منطق الطير ( ‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫) باب في الئمة عليهم السلم أنهم يعرفون منطق البهائم ‪ ,‬ويعرفونهم ‪ ,‬ويجيبونهم إذا دعوهم ( ‪.‬‬
‫ثم يورد تحتها روايات كثيرة تنبئ وتدل على كل ما ذكره في العناوين ‪.‬‬
‫فمثل يروي عن جعفر بن الباقر أنه قال ‪:‬‬
‫) قال الحسن بن علي عليه السلم ‪ :‬إن ل مدينتين ‪ ,‬إحداهما بالمشرق ‪ ,‬والخرى بالمغرب ‪ ,‬عليهما سوران‬
‫من حديد ‪ ,‬وعلى كل مدينة ألف ألف مصراع من ذهب ‪ ,‬وفيها سبعون ألف ألف لغة يتكلم كل لغة بخلف لغة‬
‫صاحبه ‪ ,‬وأنا أعرف جميع اللغات وما فيهما وما بينهما وما عليهما حجة غيري والحسين أخي ( ‪. 2‬‬
‫ويروي عن محمد الباقر أنه قال ‪:‬‬
‫) علمنا منطق الطير ‪ ,‬وأوتينا من كل شيء ( ‪. 3‬‬
‫وغير ذلك من الروايات الكثيرة ‪ ,‬وأورد مثلها كل من الكليني في كافّيه ‪ ,‬والحّر العاملي في الفصول المهمة ‪.‬‬
‫ومثل ذلك ذكر المتصوفة في كتبهم عن أوليائهم ومشائخهم ‪ ,‬فيقول الشعراني في طبقاته عن إبراهيم‬
‫الدسوقي ‪:‬‬
‫‪4‬‬
‫) وكان رضي ال عنه يتكلم بالعجمي والسرياني والعبراني والزنجي ‪ ,‬وسائر لغات الطيور والوحوش ( ‪.‬‬
‫وقال عماد الدين الموي ‪ ) :‬العارفون يفهمون كلم المخلوقين من الحيوانات والجمادات ( ‪. 5‬‬
‫وكتب الشعراني في كتابه ) النوار المقدسية ( ‪:‬‬
‫) الولي يعطيه ال تعالى معرفة سائر اللسن الخاصة بالنس والجن ‪ ,‬فل يخفى عليه فهم كلم أحد منهم ( ‪. 6‬‬
‫وذكر القوم حكايات كثيرة عن متصوفيهم تشتمل على تكلمهم مع السباع والطيور وغيرها ‪ ,‬سنذكرها في‬
‫الجزء الثاني من هذا الكتاب في باب مستقل إن شاء ال ‪.‬‬
‫ولكن للطرافة نذكر حكاية واحدة ذكرها الشعراني في طبقاته الكبرى ‪ ,‬فيقول ‪:‬‬
‫ب الشجر في البادية ‪ ,‬وكانت‬
‫) أقام الشيخ أبو يعزي في بدايته خمس عشرة سنة في البر ‪ ,‬ل يأكل إل من ح ّ‬
‫السد تأوي إليه والطير يعكف عليه ‪.‬‬
‫‪ 1‬انظر بصائر الدرجات الكبرى للصفار الجزء التاسع ص ‪ 357‬وما بعد ‪ ,‬ومثل ذلك في الفصول المهمة في أصول الئمة للحر العاملي ص ‪ , 155‬كذلك‬
‫في ألصول من الكافي ج ‪ 1‬ص ‪. 227‬‬
‫‪ 2‬انظر بصائر الدرجات الجزء السابع ص ‪. 359‬‬
‫‪ 3‬أيضا ص ‪. 362‬‬
‫‪ 4‬طبقات الشعراني ج ‪ 1‬ص ‪. 166‬‬
‫‪ 5‬انظر حياة القلوب لعماد الدين الموي بهامش قوت القلوب لبي طالب المكي ج ‪ 2‬ص ‪. 275‬‬
‫‪ 6‬النوار المقدسية في معرفة القواعد الصوفية للشعراني ج ‪ 2‬ص ‪ 115‬ط دار إحياء التراث العربي بغداد – العراق ‪.‬‬

‫‪143‬‬

‫وكان إذا قال للسد ‪ :‬ل تسكني هنا ‪ ,‬تأخذ أشبالها وتخرج بأجمعها ‪.‬‬
‫قال الشيخ أبو مدين رضي ال عنه ‪ :‬زرته مرة في الصحراء وحوله السد والوحوش والطير ‪ ,‬تشاوره على‬
‫أحوالها ‪ ,‬وكان الوقت وقت غداء ‪ ,‬فكان يقول لذلك الوحش ‪ :‬اذهب إلى مكان كذا وكذا ‪ ,‬فهناك قوتك ‪ ,‬ويقول‬
‫للطير مثل ذلك فتنقاد لمره ‪.‬‬
‫ثم قال ‪ :‬يا شعيب ‪ ,‬إن هذه الوحوش والطيور أحبت جواري فتحملت ألم الجوع لجلي ‪ ,‬رضي ال عنه ( ‪. 1‬‬
‫فهذا هو التطابق الكلي بين الشيعة والصوفية في هذه القضية ‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫طبقات الشعراني ج ‪ 1‬ص ‪. 136‬‬

‫حُلو ُ‬
‫ل والّتناسخ‬
‫ال ْ ُ‬

‫‪144‬‬

‫وإن فرقا من الشيعة يعتقدون في أئمتهم بأنهم هم الذين ظهروا في مختلف الصور في الزمنة المتعددة ‪,‬‬
‫والمكنة المختلفة ‪ ,‬وهم الذين ظهروا في أيام آدم بصورة آدم ‪ ,‬وفي دور نوح بنوح ‪ ,‬وكذلك شيث وموسى‬
‫جوا نوحا ‪ ,‬وأغرقوا الخلق في عهد‬
‫وعيسى ومحمد صلوات ال عليهم في زمانهم ‪ ,‬وأن أئمتهم هم الذين ن ّ‬
‫نوح ‪ ,‬وخرقوا السفينة ‪ ,‬وقتلوا الغلم وغير ذلك ‪.‬‬
‫فهاهم يكذبون على علي رضي ال عنه أنه قال ‪:‬‬
‫) أنا ومحمد نور واحد من نور ال ‪ ...‬أنا صاحب الرجفة ‪ ,‬صاحب اليات ‪ ...‬أنا أهلكت القرون الولى ‪ ,‬وأنا‬
‫النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون ‪ ...‬أنا الكتاب ‪ ...‬أنا اللوح المحفوظ ‪ ...‬أنا القرآن الحكيم ‪ ...‬أنا محمد‬
‫جيت نوحا ‪ ...‬ونطقت على‬
‫ومحمد أنا ‪ ...‬إن ميتنا لم يمت ‪ ,‬وقتيلنا لم يقتل ‪ ,‬ول نلد ول نولد ‪ ...‬وأنا الذي ن ّ‬
‫لسان عيسى بن مريم في المهد ‪ ,‬فآدم وشيث ونوح وسام وإبراهيم وإسماعيل وموسى ويوشع وعيسى‬
‫وشمعون ومحمد وأنا كلنا واحد ‪ ...‬أنا أحيي وأميت ‪ ...‬وكذلك الئمة المحقون من ولدي ‪ ,‬لنا كلنا شيء واحد‬
‫يظهر في كل زمان ( ‪. 1‬‬
‫ورروا عنه أيضا أنه قال لسلمان ‪ ) :‬أنا أحيي الموتى ‪ ,‬وأعلم ما في السماوات والرض ‪ ,‬وأنا الكتاب‬
‫المبين ‪ ,‬يا سلمان ‪ ,‬محمد مقيم الحجة ‪ ,‬وأنا حجة الحق على الخلق ‪ ,‬وبذلك الروح عرج به إلى السماء ‪ ,‬أنا‬
‫حملت نوحا في السفينة ‪ ,‬أنا صاحب يونس في بطن الحوت ‪ ,‬وأنا الذي حاورت موسى في البحر ‪ ,‬وأهلكت‬
‫القرون الولى ‪ ,‬أعطيت علم النبياء والوصياء ‪ ,‬وفصل الخطاب ‪ ,‬وبي تمت نبوة محمد ‪ ,‬أنا أجريت النهار‬
‫والبحار ‪ ,‬وفجرت الرض عيونا ‪ ,‬أنا كاب الدنيا لوجهها ‪ ,‬أنا عذاب يوم الظلمة ‪ ,‬أنا الخضر معلم موسى ‪ ,‬أنا‬
‫معلم داود وسليمان ‪ ,‬أنا ذو القرنين ‪ ,‬أنا الذي دفعت سمكها بإذن ال عز وجل ‪ ,‬أنا دحوت أرضها ‪ ,‬أنا عذاب‬
‫يوم الظلمة ‪ ,‬أنا النادي من مكان بعيد ‪ ,‬أنا دابة الرض ‪ ,‬أنا كما يقول لي رسول ال ) ص ( ‪ :‬أنت يا علي ذو‬
‫قرنيها ‪ ,‬وكل طرفيها‪ ,‬ولك الخرة والولى ‪ ,‬يا سلمان إن ميتنا إذا مات لم يمت ‪ ,‬ومقتولنا لم يقتل ‪ ,‬وغائبنا‬
‫لم يغب ‪ ,‬ول نلد ول نولد في البطون ‪ ,‬ول يقاس بنا أحد من الناس ‪ ,‬أنا تكلمت على لسان عيسى في المهد ‪,‬‬
‫أنا نوح ‪ ,‬أنا إبراهيم ‪ ,‬أنا صاحب الناقة ‪ ,‬أنا صاحب الرجفة ‪ ,‬أنا صاحب الزلزلة ‪ ,‬أنا اللوح المحفوظ ‪ ,‬إليّ‬
‫إنتهى علم ما فيه ‪ ,‬أنا أنقلب في الصور كيف شاء ال ‪ ,‬من رآهم فقد رآني ‪ ,‬ومن رآني فقد رآهم ‪ ,‬ونحن في‬
‫الحقيقة نور ال الذي ل يزول ول يتغّير ( ‪. 2‬‬
‫ورووا عن جعفر بن الباقر أنه قال ‪:‬‬
‫) أنا من نور ال ‪ ,‬نطقت على لسان عيسى بن مريم في المهد ‪ ,‬فآدم وشيث ونوح وسام وإبراهيم وإسماعيل‬
‫وموسى ويوشع وعيسى وشمعون ومحمد كلنا واحد ‪ ,‬من رآنا فقد رآهم ‪ ...‬أنا أحيي وأميت وأخلق وأرزق‪,‬‬
‫وأبرئ الكمه والبرص ‪ ,‬وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم بإذن ربي ‪ ,‬وكذلك الئمة المحقون من‬
‫ولدي لنا كلنا شيء واحد ( ‪. 3‬‬
‫وذكروا عن راشد الدين بن سنان السوري الداعي السماعيلي أنه قال ‪:‬‬
‫) ظهرت بدرو نوح فغرقت الخلئق ‪ ...‬وظهرت في دور إبراهيم على ثلث مقالت ‪ ...‬خرقت السفينة ‪ ,‬وقتلت‬
‫الغلم ‪ ,‬وأقمت الجدار ‪ .. ,‬ثم ظهرت بالسيد المسيح ‪ ,‬فمسحت بيدي الكريمة عن أولدي الذنوب ‪ ,‬وكنت‬
‫بالظاهر شمعون – إلى آخر الهفوات والخرافات ( ‪. 4‬‬
‫‪ 1‬انظر زهر المعاني لدريس عماد الدين الباب السابع عشر ص ‪ 74‬وما بعد من ) المنتخب من بعض الكتب السماعيلية ( ليوانوف ط أجمل بريس‬
‫بومبي ‪.‬‬
‫‪ 2‬مشارق أنوار اليقين للحافظ رجب البرسي ص ‪ 161‬ط دار الندلس بيروت ‪ ,‬أيضا طرائق الحقائق للحاج معصوم شيرازي ج ‪ 1‬ص ‪ 78 , 77‬ط‬
‫طهران ‪ 1339‬هجري شمسي ‪.‬‬
‫‪ 3‬كتاب بيت الدعوة السلمية نسخة خطية ص ‪ 10‬نقل عن تاريخ الدعوة السماعيلية لمصطفى غالب السماعيلي ص ‪. 82 , 81‬‬
‫‪ 4‬أجزاء عن العقائد السماعيلية ‪ ,‬كتاب الداعي إبراهيم تقديم المستشرق الفرنساوي كويارد ط أمبيرين نيشنل بريس ‪ 1784‬م ‪.‬‬

‫‪145‬‬

‫فهذه الروايات تدل صراحة على إعتقاد القوم بالحلول والتناسخ ‪ ,‬وأن أئمتهم خلقوا من نور ال الذي لم يتغير‬
‫ولم يتبدل ‪ ,‬ولكن هذا النور كان يحل في أجسام مختلفة في أزمنة مختلفة ‪ ,‬وكان يلبس ألبسة متنوعة متفرقة‬
‫‪ ,‬فبذلك الجسد واللباس كان يسّمى بتلك السماء ‪ ,‬فتارة بآدم ‪ ,‬وتارة بنوح ‪ ,‬وتارة بإبراهيم ‪ ,‬وتارة بموسى ‪,‬‬
‫وتارة بعيسى ‪ ,‬وتارة بمحمد ‪ ,‬مع أن هذا النور كان بجوهره واحدا ‪.‬‬
‫فهذا عين ما قالته الصوفية حيث سّموا ذلك النور الزلي ‪ ,‬والجوهر الصلي الحقيقة المحمدية والصورة‬
‫المحمدية ‪ ,‬فهذه الحقيقة هي التي كانت تتجلى في أجسام مختلفة ‪ ,‬وتنادي بذلك السم ‪ ,‬فاختلف أسماؤها‬
‫حسب الزمان والجساد ‪ ,‬مع أنها كانت واحدة ‪ ,‬كما يقول الجيلي ‪:‬‬
‫) أعلم حفظك ال أن النسان الكامل هو القطب الذي تدور عليه أفلك الوجود من أوله إلى آخره ‪ ,‬وهو واحد‬
‫منذ كان الوجود إلى أبد البدين ‪ ,‬ثم له تنوع في ملبس ويظهر في كنائس ‪ ,‬فيسمى به باعتبار لباس ‪ ,‬ول‬
‫يسمى به باعتبار لباس آخر ‪ ,‬فاسمه الصلي الذي هو له محمد ‪ ,‬وكنيته أبو القاسم ‪ ,‬ووصفه عبد ال ‪ ,‬ولقبه‬
‫شمس الدين ‪ ,‬ثم له باعتبار ملبس أخرى أسام ‪ ,‬وله في كل زمان اسم ما يليق بلباسه في ذلك الزمان ‪ ,‬فقد‬
‫اجتمعت به صلى ال عليه وسلم وهو في صورة شيخي الشيخ شرف الدين إسماعيل الجبرتي ‪ ,‬ولست أعلم‬
‫أنه النبي صلى ال عليه وسلم ‪ ,‬وكنت أعلم أنه الشيخ ‪ ,‬وهذا من جملة مشاهد شاهدته فيها بزبيد سنة ست‬
‫وتسعين وسبعمائة ‪ ,‬وسر هذا المر تمكنه صلى ال عليه وسلم من التصور بكل صورة ‪ ,‬فالديب إذا رآه في‬
‫الصور المحمدية التي كان عليها في حياته فإنه يسميه باسمه ‪ ,‬وإذا رآه في صورة ما من الصور وعلم أنه‬
‫محمد ‪ ,‬فل يسميه إل باسم تلك الصورة ‪ ,‬ثم ل يوقع ذلك السم إل على الحقيقة المحمدية ‪ ,‬أل تراه صلى ال‬
‫عليه وسلم لما ظهر في صورة الشبلي رضي ال عنه قال الشبلي لتلميذه ‪ :‬أشهد أني رسول ال ‪ ,‬وكان‬
‫التلميذ صاحب كشف فعرفه ‪ ,‬فقال ‪ :‬أشهد أنك رسول ال ‪ ,‬وهذا أمر غير منكور ‪ ,‬وهو كما يرى النائم فلنا‬
‫في صورة فلن ‪ .‬وأقل مراتب الكشف أن يسوغ به في اليقظة ما يسوغ به في النوم ‪ ,‬لكن بين النوم والكشف‬
‫فرق ‪ ,‬وهو أن الصورة التي يرى فيها محمد صلى ال عليه وسلم في النوم ول يوقع اسمها في اليقظة على‬
‫الحقيقة المحمدية إلى حقيقة تلك الصورة في اليقظة ‪ ,‬بخلف الكشف فإنه إذا كشف لك عن الحقيقة أنها‬
‫متجلية في صورة من صور الدميين ‪ ,‬فيلزمك إيقاع اسم تلك الصورة على الحقيقة المحمدية ويجب عليك أن‬
‫تتأدب مع صاحب تلك الصورة تأدبك مع محمد صلى ال عليه وسلم ‪ ,‬لما أعطاك الكشف أن محمدا صلى ال‬
‫عليه وسلم متصور بتلك الصورة ‪ ,‬فل يجوز ذلك بعد شهود محمد صلى ال عليه وسلم فيها أن تعاملها بما‬
‫كنت تعاملها به من قبل ‪ ,‬ثم إياك أن تتوهم شيئا في قولي من مذهب التناسخ ‪ ,‬حاشا ل وحاشا رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم أن يكون ذلك مرادي ‪ ,‬بل إن رسول ال صلى ال عليه وسلم له من التمكين في التصور‬
‫بكل صورة يتجلى في هذه الصورة ‪ ,‬وقد جرت سنته صلى ال عليه وسلم أنه ل يزال يتصور في كل زمان‬
‫بصورة أكملهم ليعلي شأنهم ويقيم ميلنهم ‪ ,‬فهم خلفاؤه في الظاهر وهو في الباطن حقيقتهم ( ‪. 1‬‬
‫ص حكمة فردية في كلمة‬
‫ص السابع والعشرين ) ف ّ‬
‫وهذا ما قاله الدكتور أبو العلء العفيفي معلقا على الف ّ‬
‫محمدية ( من فصوص ابن عربي ‪ ,‬فقال ‪:‬‬
‫) شاع من أوائل عهد السلم القول بأزلية محمد عليه السلم ‪ ,‬أو بعبارة أدق بأزلية ) النور المحمدي ( ‪.‬‬
‫وهو قول ظهر بين الشيعة أوًل ولم يلبث أهل السنة أن أخذوا به ‪ ,‬واستند الكل في دعواهم إلى أحاديث يظهر‬
‫أن أكثرها موضوع ‪ .‬من ذلك أن النبي صلى ال عليه وسلم قال ‪ ) :‬أنا أول الناس في الخلق ( ومنها ‪ ) :‬أول‬
‫ما خلق ال نوري ( ‪ ,‬ومنها ‪ ) :‬كنت نبيا وآدم بين الماء والطين ( وغير ذلك من الحاديث التي استنتجوا‬
‫منها أنه كان لمحمد عليه السلم وجود قبل وجود الخلق ‪ ,‬وقبل وجوده الزماني في صورة النبي المرسل ‪,‬‬
‫وأن هذا الوجود قديم غير حادث ‪ ,‬وعبروا عنه بالنور المحمدي ‪ .‬وقد أفاضت الشيعة في وصف هذا النور‬
‫المحمدي ‪ ,‬فقالوا أنه ينتقل في الزمان من جيل إلى جيل ‪ ,‬وأنه هو الذي ظهر بصورة آدم ونوح وإبراهيم‬
‫وموسى وغيرهم من النبياء ‪ ,‬ثم ظهر أخيرا بصورة خاتم النبيين محمد عليه السلم ‪ .‬وبهذا أرجعو جميع‬
‫النبياء من آدم إلى محمد ‪ ,‬وكذلك ورثة محمد إلى أصل واحد ‪ .‬وهو قول نجد له صدى في الغنوصية‬
‫‪1‬‬

‫النسان الكامل للجيلي عبد الكريم ج ‪ 2‬ص ‪. 75 , 74‬‬

‫‪146‬‬

‫المسيحية ‪ .‬يقول الب كليمنت السكندري ‪ ) :‬ليس في الوجود إل نبي واحد وهو النسان الذي خلقه ال على‬
‫صورته ‪ ,‬والذي يحل فيه روح القدس ‪ ,‬والذي يظهر منذ الزل في كل مكان وزمان بصورة جديدة ( ‪.‬‬
‫نجد لكل هذا الكلم نظيرا في كتب ابن عربي فيما يسميه الكلمة المحمدية أو الحقيقة المحمدية أو النور‬
‫المحمدي ‪ .‬فهو ل يقصد بالكلمة المحمدية في هذا الفص محمدًا الرسول ‪ ,‬وإنما يقصد الحقيقة المحمدية التي‬
‫يعتبرها أكمل مجلى خلقي ظهر فيه الحق ‪ ,‬بل يعتبره النسان الكامل والخليفة الكامل بأخص معانيه ‪ .‬وإذا كان‬
‫كل واحد من الموجودات مجلى خاص لبعض السماء اللهية التي هي أرباب له ‪ ,‬فإن محمدا قد انفرد بانه‬
‫مجلى للسم الجامع لجميع تلك السماء ‪ ,‬وهو السم العظم الذي هو ) ال ( ‪ .‬ولهذا كانت له مرتبة الجمعية‬
‫المطلقة ‪ ,‬ومرتبة التعين الول والذي تعينت به الذات الحدية ‪ ,‬إذ ليس فوقه إل هذه الذات المنزهة في نفسها‬
‫عن كل تعين وكل صفة واسم ورسم ‪.‬‬
‫ولهذه الحقيقة المحمدية التي هي أول التعينات – وإن شئت فقل أول المخلوقات – وظائف أخرى ينسبها إليها‬
‫ابن عربي ‪ .‬فهي من ناحية صلتها بالعالم مبدأ خلق العالم ‪ ,‬إذ هي النور الذي خلقه ال قبل كل شيء وخلق‬
‫منه كل شيء ‪ .‬أو هي العقل اللهي الذي تجلى الحق فيه لنفسه في حالة الحدية المطلقة ‪ ,‬فكان هذا التجلي‬
‫بمثابة أول مرحلة من مراحل التنزل اللهي في صور الوجود ‪ .‬فلما انكشفت له حقيقة ذاته وكمالتها ‪ ,‬وما‬
‫فيها من أعيان الممكنات التي ل تحصى ‪ ,‬أحب إظهار كمالته في صور تكون له بمثابة المرايا التي يرى فيها‬
‫نفسه ‪ ,‬فكانت أعيان الممكنات الخارجية تلك المرايا ‪.‬‬
‫ومن ناحية صلة الحقيقة المحمدية بالنسان ‪ ,‬يعتبرها ابن عربي صورة كاملة للنسان الكامل الذي يجمع في‬
‫نفسه جميع حقائق الوجود ‪ ,‬ولذلك يسميها آدم الحقيقي ‪ ,‬والحقيقة النسانية ‪ .‬ويعدها من الناحية الصوفية‬
‫مصدر العلم الباطن ‪ ,‬ومنبعه ‪ ,‬وقطب القطاب ‪.‬‬
‫في هذا الوصف الجمالي لما يسميه ابن عربي ) الكلمة المحمدية ( ‪ ,‬أو الحقيقة المحمدية ‪ ,‬عناصر مختلفة‬
‫مستمدة من الفلسفة الفلطونية الحديثة ‪ ,‬والفلسفة المسيحية واليهودية ‪ ,‬مضافًا إلى ذلك بعض أفكار من‬
‫مذهب السماعيلية الباطنية والقرامطة ‪ .‬مزج جميع تلك العناصر على طريقته الخاصة ‪ ,‬فضيع بذلك معالم‬
‫الصول التي أخذ عنها ‪ ,‬وخرج على العالم بنظرية في طبيعة الحقيقة المحمدية ‪ ,‬ل تقل في خطرها وأهميتها‬
‫في تاريخ الديان عن النظريات التي وضعها المسيحيون في طبيعة المسيح ‪ ,‬أو النظريات اليهودية أو‬
‫الرواقية ‪ ,‬أو اليونانية التي تأثرت بها في النظرية المسيحية ( ‪. 1‬‬
‫وبمثل ذلك قال الفرغاني ‪:‬‬
‫) وكل نبي من آدم عليه السلم إلى محمد صلى ال عليه وسلم مظهر من مظاهر نبوة الروح العظم ‪ .‬فنبوته‬
‫ذاتية دائمة ‪ ,‬ونبوة المظاهر عرضية منصرمة ‪ ,‬إل نبوة محمد صلى ال عليه وسلم ‪ ,‬فإنها دائمة غير‬
‫منصرمة ‪ ,‬إذ حقيقته حقيقة الروح العظم ‪ ,‬وصورته صورة الحقيقة التي ظهر فيها بجميع أسمائها وصفاتها‬
‫‪ .‬وسائر النبياء مظاهرها ببعض السماء والصفات ‪ .‬تجلت في المظهر المحمدي بذاتها وجميع صفاتها ‪,‬‬
‫وختم به النبوة ‪ ,‬فكان الرسول صلى ال عليه وسلم سابقا على جميع النبياء من حيث الحقيقة ‪ ,‬متأخرا عنهم‬
‫من حيث الصورة ‪ ,‬كما قال ‪ :‬نحن الخرون السابقون ‪ ,‬وقال ‪ :‬كنت نبيا وآدم بين الماء والطين ‪ :‬وفي رواية‬
‫أخرى ‪ :‬بين الروح والجسد ‪ :‬أي ل روحا ول جسدا ( ‪. 2‬‬
‫ويدل أيضا على إعتقاد الصوفية بالتناسخ ما ذكره الدباغ في البريز بأن روح الولي تقدر على أن تخرج من‬
‫ذات الولي وتتصور بصورة غير صورته ‪. 3‬‬

‫‪ 1‬فصوص الحكم لبن عربي – قسم التعليقات الثاني ص ‪. 321 , 320 , 319‬‬
‫‪ 2‬المقدمات للفرغاني مخطوط ورقة ‪ 11‬إلى ‪ 14‬نقل عن كتاب ختم الولياء ص ‪ 486‬ط بيروت ‪.‬‬
‫‪ 3‬انظر البريز للدباغ ص ‪. 204‬‬

‫‪147‬‬

‫وأيضا ما ذكره الشعراني عن صوفي أنه ) ظهر لعدائه في هيئة أسد عظيم ( ‪. 1‬‬
‫وكذلك ذكر المنوفي في جمهرته صوفيا ) كان يظهر في مظهر السباع والفيلة ( ‪. 2‬‬
‫فالحاصل أن الصوفية اقتبسوا من الشيعة هذه الفكار ‪ ,‬وأخذوا منهم هذه العقائد الزائفة الزائغة الباطلة ‪,‬‬
‫وقالوا عن أوليائهم مثل ذلك ‪ ,‬بل زادوا عليهم في غلوائهم وغّيهم وضللهم ‪ ,‬حيث قالوا نقل عن إبراهيم‬
‫الدسوقي أنه قال عن نفسه في أبياته ‪:‬‬
‫) أنا ذلك القطب المبــــــارك أمـــــــره‬
‫أنا شمـس إشـــــــراق العقول ولم أفل‬
‫يروني في المــــــــرآة وهي صـــــدية‬
‫وبي قامت النبــــــــاء في كل أمــــــة‬
‫ول جـــــــــامع إل ولي فــــــــيه منبر‬
‫بذاتي تقـــوم الــــــــذات في كل ذروة‬
‫فليلى وهنـــــد والربــــــــاب وزينــب‬
‫عبارات أسماء بغـــــــــــير حقيـــــقة‬
‫نعم نشأتي في الحـــــــب من قبل آدم‬
‫أنا كنت في العلياء مع نور أحمـــــــد‬
‫أنا كــــنت في رؤيــا الذبيح فــــداءه‬
‫أنا كنت مع إدريــــــس لما أتى العل‬
‫أنا كنت مع عيسى على المهد ناطقا‬
‫أنا كنت مع نوح بما شهد الــــورى‬
‫أنا القطب شيخ الوقت في كل حـالة‬

‫فإن مدار الكل من حــول ذروتي‬
‫ول غبت إل عن قلوب عمـــــية‬
‫وليس يروني بالمرآة الصـــقيلة‬
‫بمختلف الراء والكــــــــل أمتي‬
‫وفي حضرة المختار فزت ببغيتي‬
‫أجـدد فيــها حلــــــة بعد حلـــــــة‬
‫وعلوى وســــلمى بعدها وبثــينة‬
‫وما لوحوا بـــالقصد إل لصورتي‬
‫وسرى في الكوان من قبل نشأتي‬
‫على الــدرة البيـــضاء في خلويتي‬
‫بلــــطف عنـــايات وعين حقيــــقة‬
‫وأسكن الفــــردوس أنعم بقـــــــعة‬
‫وأعـــــــــــطيت داودا حلوة نغمة‬
‫بحـارا وطـــــــوفانا على كف قدرة‬
‫‪3‬‬
‫أنا العبد إبراهيم شيــــــخ الطريقة ( ‪.‬‬

‫ورووا عن أحد المتصوفة البارزين أنه كان يقول ‪:‬‬
‫ي في الرض خلقته بيدي ‪ ,‬ألبس منهم من‬
‫ي في حملته ‪ ,‬أنا كل ول ّ‬
‫) أنا موسى الكليم في مناجاته ‪ ,‬أنا عل ّ‬
‫شئت ‪ ,‬أنا في السماء شاهدت ربي ‪ ,‬وعلى الكرسي خاطبته ‪ ,‬أنا بيدي أبواب النار إن أغلقتها أغلقها بيدي ‪,‬‬
‫وبيدي جنة الفردوس إن فتحتها أفتحها ‪ ,‬ومن زارني أدخلته جنة الفردوس ( ‪. 4‬‬
‫وقال فتح ال بوراس ‪:‬‬
‫) أنا كل ولي في الرض قد أوليتـــــــــــــــه‬
‫وأيوب من جميع المراض قد أشفيــــــــــــه‬
‫ب الغريق قد أظهرتـــه‬
‫وابنه يوسف من الج ّ‬
‫ونوح من بحر الطوفان أنا الذي أنجيتـــــــه‬
‫وبيدي باب الجنان قد فتحته ودخلتــــــــــــه‬
‫ومن رآني ورأى من رآني وحضر مجلسي‬

‫أنا كل حكيم من أهل السماء قد علمتــــــــه‬
‫وبصر يعقوب أنا الذي قد رددتـــــــــــــــــه‬
‫ويونس من بطن الحوت بالعراء قد نبذتـــه‬
‫ي وكّلمتــه‬
‫وفي السماء السابعة شاهدت رب ّ‬
‫وما فيه من الحور العين قد رأيته وحصيته‬
‫‪5‬‬
‫في جنة عدن وبستانها قد أسكنتـــــــــــــــه ( ‪.‬‬

‫وذكر فريد الدين العطار عن أبي يزيد البسطامي أنه سئل عن العرش والكرسي فقال ‪:‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫انظر طبقات الشعراني ج ‪ 2‬ص ‪. 3‬‬
‫انظر جمهرة الولياء للمنوفي الحسيني ج ‪ 2‬ص ‪. 264‬‬
‫طبقات الشعراني ج ‪ 1‬ص ‪. 181 , 180‬‬
‫طبقات الشعراني ج ‪ 1‬ص ‪ , 180‬أيضا النفحة العلية في أوراد الشاذلية جمع عبد القادر زكي ص ‪ 256‬ط مكتبة المتنبي القاهرة ‪.‬‬
‫الوصية الكبرى لعبد السلم الفيتوري ص ‪ 75 , 74‬ط طرابلس ليبيا ‪1396‬هـ ‪.‬‬

‫‪148‬‬

‫) أنا العرش والكرسي ‪ ,‬وقال ‪ :‬أنا إبراهيم ‪ ,‬وأنا موسى ‪ ,‬وأنا محمد ( ‪. 1‬‬
‫ي رضي ال عنه أنه قال ‪:‬‬
‫وهذا عين مارواه الشيعة أنفسهم عن عل ّ‬
‫) أنا اللوح ‪ ,‬وأنا القلم ‪ ,‬وأنا العرش ‪ ,‬و أنا الكرسي ‪ ,‬وأنا السماوات السبع ‪ ,‬وأنا السماء الحسنى ‪,‬‬
‫والكلمات العليا ( ‪. 2‬‬
‫والجدير بالذكر أن الصوفية ينقلون لبيان معتقداتهم نفس الروايات الموضوعة المكذوبة التي يرويها الشيعة‬
‫ي رضي ال عنه وأولده ‪.‬‬
‫عن عل ّ‬
‫فمثل يروي الشعراني ومحمد الرفاعي وغيرهما عنه رضي ال عنه أنه كان يقول في خطبته على رؤوس‬
‫الشهاد ‪:‬‬
‫) أنا نقطة بسم ال ‪ ,‬أنا جنب ال ‪ ,‬الذي فرطتم فيه ‪ ,‬أنا القلم وأنا اللوح المحفوظ ‪ ,‬وأنا العرش وأنا‬
‫الكرسي ‪ ,‬وأنا السماوات السبع والرضون ( ‪. 3‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫انظر تذكرة الولياء لفريد الدين العطار ص ‪ 99‬ط باكستان ‪.‬‬
‫مشارق أنوار اليقين لحافظ رجب البرسي ص ‪ 159‬ط دار الندلس بيروت الطبعة الحادية عشر ‪.‬‬
‫الجواهر والدرر للشعراني ج ‪ 2‬ص ‪ 311‬بهامش البريز للدباغ ط مصر ‪.‬‬

‫‪149‬‬

‫صوفّيـة‬
‫مَرات ِ ُ‬
‫َ‬
‫ب ال ّ‬
‫وأما مراتب الصوفية ‪ ,‬التي وضعوها لبيان طبقات المتصوفة ومكانتهم ‪ ,‬وقدرتهم واختيارهم على الخلق ‪,‬‬
‫وأعدادهم ‪ ,‬وهم حسب كلم لسان الدين بن الخطيب ‪:‬‬
‫ص ال في أرضه ‪ ,‬ورحمة ال في بلده على عباده ‪ :‬البدال ‪ ,‬والقطاب ‪ ,‬والوتاد ‪ ,‬والعرفاء ‪,‬‬
‫) خوا ّ‬
‫‪1‬‬
‫والنجباء ‪ ,‬والنقباء ‪ ,‬وسيدهم الغوث ( ‪.‬‬
‫ولدى الهجويري هم ‪ ) :‬أهل الحل والعقد ‪ ,‬وقادة حضرة الحق جل جلله ‪ ,‬فثلثمائة يدعون الخيار ‪,‬‬
‫وأربعون آخرون يسمون البدال ‪ ,‬وسبعة آخرون يقال لهم ‪ :‬البرار ‪ ,‬وأربعة يسمون الوتاد ‪ ,‬وثلثة آخرون‬
‫يقال لهم ‪ :‬النقباء ‪ ,‬وواحد يسمى القطب والغوث ‪.‬‬
‫‪2‬‬
‫وهؤلء جميعا يعرفون أحدهم الخر ‪ ,‬ويحتاجون في المور لذن بعضهم البعض ( ‪.‬‬
‫ومثل ذلك ذكرهم الجرجاني في تعريفاته ‪:‬‬
‫) القطب ‪ ,‬وهو الغوث ‪ :‬عبارة عن الواحد الذي هو موضع نظر ال من العالم في كل زمان ومكان ‪ ,‬وهو على‬
‫قلب إسرائيل عليه السلم ‪.‬‬
‫المامان ‪ :‬هما شخصان ‪ ,‬أحدهما عن يمين الغوث ونظره في الملكوت ‪ ,‬والخر عن يساره ‪ ,‬ونظره في الملك‬
‫‪ ,‬وهو أعلى من صاحبه ‪ ,‬وهو الذي يخلف الغوث ‪.‬‬
‫الوتاد ‪ :‬عبارة عن أربعة رجال منازلهم على منازل أربعة أركان من العالم ‪ :‬شرق وغرب وشمال وجنوب ‪,‬‬
‫مع كل واحد منهم مقام تلك الجهة ‪.‬‬
‫البدلء ‪ :‬هم سبعة ‪ ,‬ومن سافر من القوم من موضعه وترك جسدا على صورته حتى ل يعرف أحد أنه فقد ‪,‬‬
‫فذلك هو البدل ل غير ‪ ,‬وهم على قلب إبراهيم عليه السلم ‪.‬‬
‫النجباء ‪ :‬أربعون ‪ ,‬وهم المشغولون بحمل أثقال الخلق فل يترفون إل في حق الغير ‪.‬‬
‫النقباء ‪ :‬هم الذين استخرجوا خبايا النفوس ‪ ,‬وهم ثلثمائة ( ‪. 3‬‬
‫وهذا الترتيب مأخوذ عن ابن عربي في فتوحاته كما قال ‪:‬‬
‫) والمجمع عليه من أهل الطريق أنهم على ست طبقات أمهات ‪ :‬أقطاب ‪ ,‬وأئمة ‪ ,‬وأوتاد ‪ ,‬وأبدال ‪ ,‬ونقباء ‪,‬‬
‫ونجباء ( ‪. 4‬‬
‫ومثل ذلك ورد في ) الوصية الكبرى ( لشيخ العروسية عبد السلم الفيتوري ‪. 5‬‬
‫وفي ) جامع الصول في الولياء ( للكمشخانوي ‪. 6‬‬
‫وفي ) طبقات السلمي ( للسلمي ‪. 7‬‬
‫ول بأس في إيراد عبارة داود بن محمود القيصري ههنا ‪ ,‬لما فيها من زيادة توضيح لها المر ‪ ,‬فيقول ‪:‬‬
‫‪ 1‬انظر روضة التعريف ص ‪. 432‬‬
‫‪ 2‬كشف المحجوب للهجويري ترجمة عربية ص ‪. 448 , 447‬‬
‫‪ 3‬التعريفات للجرجاني ص ‪. 154‬‬
‫‪ 4‬الفتوحات المكية لبن عربي ج ‪ 2‬ص ‪. 40‬‬
‫‪ 5‬انظر ص ‪. 48‬‬
‫‪ 6‬انظر ص ‪. 107‬‬
‫‪ 7‬انظر ص ‪. 57‬‬

‫‪150‬‬

‫) ولهم مراتب ‪ .‬الولى مرتبة القطبية ‪ ,‬ول يكون فيها أبدًا إل واحد بعد واحد ‪ ,‬ويسمى غوثا ‪ ,‬لكونه مغيثاً‬
‫للخلق في أحوالهم ‪ .‬ثم مرتبة المامين ‪ ,‬وهما كالوزيرين للسلطان ‪ .‬أحدهما صاحب اليمين ‪ ,‬وهو المتصرف‬
‫بإذن القطب في عالم الملكوت والغيب ‪ ,‬وثانيهما صاحب اليسار ‪ ,‬وهو المتصرف في عالم الملك والشهادة ‪.‬‬
‫وعند إرتحال القطب إلى الخرة ‪ ,‬ل يقوم مقامه ‪ ,‬منهما و إل صاحب اليسار ‪ ,‬لكونه أكمل في السير من‬
‫صاحب اليمين ‪ :‬لنه ‪َ ,‬بْعُد ‪ ,‬ما نزل في السير من عالم الملكوت إلى عالم الملك ‪ ,‬وصاحب اليسار نزل إليه ‪,‬‬
‫وكملت دايرته في السير والوجود ‪ .‬ثم مرتبة الربعة ‪ ,‬كالربعة من الصحابة ‪ ,‬رصي اله عنهم أجمعين! ثم‬
‫مرتبة البدلء السبعة ‪ ,‬الحافظين للقاليم السبعة ‪ .‬وكل منهم قطب للقليم الخاص به ‪ .‬ثم مراتب الولياء‬
‫العشرة ‪ ,‬كالعشرة المبشرة ‪ .‬ثم مراتب الثني عشر ‪ ,‬الحاكمين على البروج الثني عشر ‪ ,‬وما يتعلق بها‬
‫ويلزمها من حوادث الكوان ‪ .‬ثم العشرين والربعين والتسعة والتسعين ‪ ,‬مظاهر السماء الحسنى ‪ ,‬إلى‬
‫الثلثمائة والستين ‪.‬‬
‫وهؤلء قايمون في العالم على سبيل البدل ‪ ,‬في كل زمان ‪ ,‬ول يزيد عددهم ول ينقص إلى يوم القيامة ‪.‬‬
‫وغيرهم من الولياء يزيدون وينقصون ‪ ,‬بحسب ظهور التجلي اللهي وخفائه ‪ .‬وبعدهم ‪ :‬مرتبة الزهاد‬
‫والعّباد والعلماء من المؤمنين ‪ ,‬الكائنين في كل زمان إلى يوم الدين ‪ .‬وجميع هؤلء المذكورين ‪ ,‬داخلون في‬
‫حكم القطب ‪.‬‬
‫والفراد الكّمل ‪ ,‬الذين تعادل مرتبتهم مرتبة القطب إل في الخلفة ‪ ,‬هم الخارجون من حكمه ‪ .‬فإنهم يأخذون‬
‫من ال ‪ ,‬سبحانه ‪ ,‬ما يأخذون من المعاني والسرار اللهية بخلف الداخلون في حكمه ‪ ,‬فإنهم ل يأخذون‬
‫شيئا إل منه ( ‪. 1‬‬
‫وقد ذكرهم المستشرق الفرنساوي ماسينيون بقوله ‪:‬‬
‫) ويزعم الصوفية أن العالم يدوم بقاؤه بفضل تدخل طبقة من الولياء المستورين عددهم محدود ‪ ,‬وكلما قبض‬
‫منهم واحد خلفه غيره ‪ ,‬ورجال الغيب هم ‪ :‬ثلثمائة من النقباء ‪ ,‬وأربعون من البدال ‪ ,‬وسبعة أمناء ‪ ,‬وأربعة‬
‫عمد ‪ ,‬ثم القطب ‪ ,‬وهو الغوث ( ‪. 2‬‬
‫فهذه المراتب والترتيب والعداد لم يأخذها المتصوفة إل من الشيعة أيضا ‪ ,‬وخاصة من الشيعة السماعيلية‬
‫والنصيرية كما ذكر شيخ السلم ابن تيمية في رسائله وفتاواه ‪:‬‬
‫) وأما السماء الدائرة على ألسنة كثير من النساك والعامة مثل الغوث الذي يكون بمكة ‪ ,‬والوتاد الربعة ‪,‬‬
‫والقطاب السبعة ‪ ,‬والبدال الربعين ‪ ,‬والنجباء الثلثمائة ‪ ,‬فهذه السماء ليست موجودة في كتاب ال ‪ ,‬ول‬
‫هي أيضا مأثورة عن النبي صلى ال عليه وسلم بإسناد صحيح ول ضعيف محتمل ‪ ,‬إل لفظ البدال فقد روي‬
‫فيهم حديث شامي منقطع السناد عن علي بن أبي طالب مرفوعا إلى النبي صلى ال عليه وسلم أنه قال ‪ :‬إن‬
‫فيهم – يعني أهل الشام – البدال أربعين رجل ‪ ,‬كلما مات رجل أبدله ال مكانه رجل ‪ :‬ول توجد هذه السماء‬
‫في كلم السلف كما هي على هذه الترتيب ‪ ....‬وهذا من جنس دعوى الرافضة أنه ل بد في كل زمان من إمام‬
‫معصوم يكون حجة ال على المكلفين ل يتم اليمان إل به ‪ ,‬ثم مع هذا يقولون ‪ :‬أنه كان صبيا دخل السرداب‬
‫من أكثر من أربعمائة وأربعين سنة ‪ ,‬ول يعرف له عين ول أثر ‪ ,‬ول يدرك له حس ول خبر ‪.‬‬
‫وهؤلء الذين يدعون هذه المراتب فيهم معناها للرافضة من بعض الوجود ‪ ,‬بل هذا الترتيب والعتداد يشبه‬
‫من بعض الوجوه ترتيب السماعيلية والنصيرية ونحوهم في السابق والتالي والناطق والساس والحّد وغير‬
‫ذلك من الترتيب الذي ما أنزل ال به من سلطان ( ‪. 3‬‬
‫وبذلك قال ابن خلدون في هذا الخصوص ‪ ,‬والمسائل الخرى التي ذكرناها بأن المتصوفة أخذوها من التشيع ‪,‬‬
‫فيقول ‪:‬‬
‫‪ 1‬شرح مقدمة التائية الكبرى للقيصري مخطوط ص ‪ 104‬نقل عن كتاب ختم الولياء للترمذي الحكيم ص ‪ 495‬ط بيروت ‪.‬‬
‫‪ 2‬التصوف لماسينيون ترجمة عربية ص ‪. 46 , 45‬‬
‫‪ 3‬انظر مجموعة الرسائل والمسائل للمام ابن تيمية ج ‪ 1‬ص ‪ 57‬و ‪ 60‬ط بيروت ‪ 1983‬م ‪ ,‬كذلك مجموعة فتاوى ابن تيمية ج ‪ 11‬ص ‪, 434 , 433‬‬
‫‪. 439‬‬

‫‪151‬‬

‫) إن هؤلء المتأخرين من المتصوفة المتكلمين في الكشف وفيما وراء الحس توغلوا في ذلك فذهب الكثير‬
‫منهم إلى الحلول والوحدة كما أشرنا إليه وملوا الصحف من مثل الهروي في كتاب المقامات له وغيره‬
‫وتبعهم ابن عربي وابن سبعين وتلميذهما ابن العفيف وابن الفارض والنجم السرائيلي في قصائدهم وكان‬
‫سلفهم مخالطين للسماعيلية المتأخرين من الرافضة الدائنين أيضا بالحلول و إلهية الئمة مذهبًا لم يعرف‬
‫لولهم فأشرب كل واحد من الفريقين مذهب الخر واختلط كلمهم وتشابهت عقائدهم وظهر في كلم‬
‫المتصوفة القول في القطب ومعناه رأس العارفين يزعمون أنه ل يمكن أن يساويه أحد في مقامه في المعرفة‬
‫حتى يقبضه ال ثم يورث مقامه لخر من أهل العرفان وقد أشار إلى ذلك ابن سينا في كتاب الشارات في‬
‫فضول التصوف منها فقال جل جناب الحق أن يكون شرعه لكل وارد أو يطلع عليه إل الواحد بعد الواحد وهذا‬
‫كلم ل تقوم عليه حجة عقلية ول دليل شرعي وإنما هو من أنواع الخطابة وهو بعينه ما تقوله الرافضة‬
‫ودانوا به ثم قالوا بترتيب وجود البدال بعد هذا القطب كما قاله الشيعة في النقباء ( ‪. 1‬‬
‫هذا وقد اقر بذلك أحمد أمين المصري ‪ ,‬فكتب ‪ ) :‬أن الصوفية اتصلت بالتشيع اتصاًل وثيقًا ‪ ,‬وأخذت فيما‬
‫أخذت عنه فكرة المهدي ‪ ,‬وصاغتها صياغة جديدة وسمته ) قطبا( ‪ ,‬وكونت مملكة من الرواح على نمط‬
‫مملكة الشباح ‪ ,‬وعلى رأس هذه المملكة الروحية القطب ‪ ,‬وهو نظير المام أو المهدي في التشيع ‪ ,‬والقطب‬
‫هو الذي ) يدبر المر في كل عصر ‪ ,‬وهو عماد السماء ‪ ,‬ولوله لوقعت على الرض ( ‪ ,‬ويلي القطب‬
‫النجباء ‪ ,‬قال ابن عربي في الفتوحات المكية ‪ ) :‬وهم اثنا عشر نقيبًا في كل زمان ‪ ,‬ل يزيدون ول ينقصون ‪,‬‬
‫على عدد بروج الفلك الثني عشر ‪ ,‬كل نقيب عالم بخاصية كل برج وبما أودع ال تعالى في مقامه من‬
‫السرار والتأثيرات ‪ ...‬وأعلم أن ال تعالى قد جعل بأيدي هؤلء النقباء علوم الشرائع المنزلة ‪ ,‬ولهم‬
‫استخراج خبايا النفوس وغوائلها ‪ ,‬ومعرفة مكرهات وخداعها ‪ ,‬وإبليس مكشوف عندهم ‪ ,‬يعرفون منه ما ل‬
‫يعرفه من نفسه ‪ ,‬وهم من العلم بحيث إذا رأى أحدهم وطأة شخص في الرض علم أنها وطأة سعيد أو شق ّ‬
‫ي‬
‫مثل العلماء بالثار والقيافة ( ‪. 2‬‬
‫وأما من أراد مقارنة هذه المراتب بالمراتب السماعيلية فليرجع إلى كتابنا ) السماعيلية القدامى تاريخ‬
‫وعقائد ( الباب السابع منه ) ماهية الدعوة السماعيلية ونظامها ( ‪.‬‬
‫ول بأس من إيراد عبارة عن القاضي السماعيلي النعمان بن محمد المغربي ‪ ,‬ذكر فيها أصحاب المراتب العليا‬
‫‪ ,‬فيقول ‪:‬‬
‫‪3‬‬
‫) والحدود السفلية هم ‪ :‬السس ‪ ,‬الئمة ‪ ,‬والحجج ‪ ,‬والنقباء ‪ ,‬والجنحة ( ‪.‬‬
‫ومثل ذلك ذكر الداعي السماعيلي حميد الدين الكرماني في كتابه راحة العقل ‪. 4‬‬
‫وإبراهيم بن الحسين الحامدي ‪. 5‬‬
‫فهذه هي العقيدة الشيعية الخرى التي تسربت إلى التصوف ‪ ,‬وتحكمت فيهم ‪ ,‬وسنوضح معاني هذه‬
‫المصطلحات مع القضايا الخرى في جزء مستقل من هذا الكتاب إن شاء ال ‪.‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫انظر مقدمة ابن خلدون الفصل الحادي عشر في علم التصوف ص ‪ 473‬ط القاهرة ‪.‬‬
‫ضحى السلم لحمد أمين ص ‪ 245‬ط القاهرة ‪ 1952‬م ‪.‬‬
‫انظر أساس التأويل للنعمان القاضي المغربي ص ‪ 71 , 70‬ط دار الثقافة بيروت ‪.‬‬
‫انظر ص ‪ 252‬وما بعد ‪.‬‬
‫انظر تحفة القلوب ورقة ‪ 144‬نسخة خطية في مكتبتي ‪.‬‬

‫‪152‬‬

‫التــقـــَيـــة‬
‫من أهم المبادئ الشيعية وأسسهم ومعتقداتهم الخفاء والكتمان ‪ ,‬وإظهار ما ل يعتقدونه في السر ‪ ,‬وإعلن ما‬
‫يبطنون خلفه ‪ ,‬وهذا من أخطر ما يؤمن به الشيعة ‪ ,‬ويميزهم من الطوائف المسلمة الخرى ‪ ,‬ويحول بينهم‬
‫وبين اللتقاء بهم ‪ ,‬لنه ل يعلم ظاهرهم من باطنهم ‪ ,‬وكذبهم من صدقهم ‪ ,‬كما قال السيد محب الدين‬
‫الخطيب ‪:‬‬
‫) وأول موانع التجاوب الصادق بالخلص بيننا وبينهم ما يسمونه التقية ‪ ,‬فإنها عقيدة دينية تبيح لهم‬
‫التظاهر لنا بغير ما يبطنون ‪ ,‬فينخدع سليم القلب منا بما يتظاهرون له به من رغبتهم في التفاهم والتقارب ‪,‬‬
‫وهم ل يريدون ذلك ول يرضون به ول يعملون له ( ‪. 1‬‬
‫وقال شيخ السلم ابن تيمية ‪:‬‬
‫) النفاق والزندقة في الرافضة أكثر منه في سائر الطوائف ‪ ,‬بل ل بد لكل منهم من شعبة نفاق ‪ ,‬فإن أساس‬
‫النفاق الذي بني عليه الكذب ‪ ,‬وأن يقول الرجل بلسانه ما ليس في قلبه كما أخبر ال تعالى عن المنافقين ‪:‬‬
‫أنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ‪.‬‬
‫والرافضة تجعل هذا من أصول دينها وتسميه التقية ‪ ,‬وتحكي هذا عن أئمة أهل البيت الذين برأهم ال عن ذلك‬
‫حتى يحكوا ذلك عن جعفر الصادق أنه قال ‪ :‬التقية ديني ودين آبائي ‪ ,‬وقد نّزه ال المؤمنين من أهل البيت‬
‫وغيرهم عن ذلك ‪ ,‬بل كانوا من أعظم الناس صدقا وتحقيقا لليمان ‪ ,‬وكان دينهم التقوى ‪ ,‬ل التقية ( ‪. 2‬‬
‫فهناك روايات كثيرة فوق الحصر ‪ ,‬التي أوردها الشيعة في كتبهم لعتناق هذه العقيدة من أئمتهم المعصومين‬
‫‪ ,‬ونحن أوردنا العديد منها في كتابنا الشيعة والسنة ‪ ,‬وخصصنا بابا مستقل لبيان هذا المبدأ وأهميته عند‬
‫القوم ‪ ,‬كما عقدنا فصل مستقل في كتابنا الجديد ) بين الشيعة وأهل السنة ( لهذا الموضوع ‪ ,‬فمن أراد‬
‫التعمق والتفصيل فليرجع إليهما ‪ ,‬ولكن نذكر هنا روايتين عن القوم ‪:‬‬
‫روى الكشي عن حسين بن معاذ بن مسلم النحوي ‪ ) :‬عن أبي عبد ال ) ع( قال ‪:‬‬
‫) قال لي ) أبو عبد ال ( ‪ :‬بلغني أنك تقعد في الجامع ‪ ,‬فتفتي الناس ؟ قال ‪ :‬قلت ‪ :‬نعم ‪ ,‬وقد أردت أن أسألك‬
‫عن ذلك قبل أن أخرج أني أقعد في الجامع ‪ ,‬فيجيء الرجل ‪ ,‬فيسألني عن الشيء فإذا عرفته بالخلف أخبرته‬
‫بما يقولون ‪ ...‬قال ) أي معاذ بن مسلم ( فقال لي ) أبو عبد ال ( ‪ :‬اصنع كذا ‪ ,‬فإني اصنع كذا ( ‪ 3‬ز‬
‫ورواية أخرى رواها الكليني عن جعفر أنه قال لصحابه معلى بن خنيس ‪ ) :‬يا معلى ‪ ,‬أكتم لمرنا ول تذعه ‪,‬‬
‫فإنه من كتم أمرنا ولم يذعه أعزه ال به في الدنيا ‪ ,‬وجعله نورا بين عينيه في الخرة ‪ ,‬يقوده في الجنة ‪.‬‬
‫ى ‪ ,‬من أذاع أمرنا ولم يكتمه أذله ال به في الدنيا ‪ ,‬ونزع النور من بين عينيه في الخرة ‪ ,‬وجعله‬
‫يا معل ّ‬
‫ظلمة تقوده إلى النار ‪.‬‬
‫يا معلى ‪ ,‬إن التقية من ديني ودين آبائي ‪ ,‬ول دين لمن ل تقية له ( ‪. 4‬‬
‫وعلى ذلك قال صدوقهم ابن بابويه القمي ‪:‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫الخطوط العريضة للسس التي قام عليها مذهب الشيعة الثني عشرية ص ‪ 8‬الطبعة السادسة ‪.‬‬
‫منهاج السنة النبوية لشيخ السلم ابن تيمية ج ‪ 1‬ص ‪ 159‬ط باكستان ‪.‬‬
‫رجال الكشي ص ‪ 218‬تحت ترجمة معاذ بن مسلم ط مؤسسة ال‘لمي كربلء العراق ‪.‬‬
‫الصول من الكافي للكليني ج ‪ 2‬ص ‪ 224 , 223‬ط إيران ‪.‬‬

‫‪153‬‬

‫) اعتقادنا في التقية أنها واجبة ‪ ,‬ل يجوز رفعها إلى أن يقوم القائم ‪ ,‬ومن تركها قبل خروجه فقد خرج عن‬
‫دين المامية ‪ ,‬وخالف ال ورسوله والئمة ( ‪. 5‬‬
‫وقال مفيدهم ‪:‬‬
‫) التقية كتمان الحق وستر العتقاد فيه ‪ ,‬ومكاتمة المخالفين ‪ ,‬وترك مظاهرتهم بما يعقب ضررا في الدين أو‬
‫الدنيا ‪ ,‬وفرض ذلك إذن علم بالضرورة أو قوي في الظن ( ‪. 2‬‬
‫فهذا هو معتقد الشيعة ومبدؤهم الذي اشتهروا به ‪ ,‬وعّيروا عليه ‪ ,‬وطعنوا فيه ‪.‬‬
‫ولكن المتصوفة أخذوه بكامله عنهم ‪ ,‬وزادوا عليهم حيث اتهموا رسول ال بتهمة بّرأ ال ساحته عنها‬
‫بقوله ‪ } :‬وما هو على الغيب بضنين { ‪. 3‬‬
‫واستندوا بحديث مكذوب على رسول ال صلى ال عليه وسلم مع علمهم بأنه هو القائل ‪ ) :‬من كذب عل ّ‬
‫ي‬
‫متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ( ‪. 4‬‬
‫فقالوا ‪:‬‬
‫) أمر ال نبينا محمدا صلى ال عليه وسلم بكتم أشياء مما ل يسعه غيره للحديث المروي عنه صلى ال عليه‬
‫ي في كتمه ‪ ,‬وعلم خّيرت في تبليغه ‪ ,‬وعلم‬
‫وسلم أنه قال ‪ :‬أوتيت ليلة أسري بي ثلثة علوم ‪ ,‬فعلم أخذ عل ّ‬
‫أمرت بتبليغه ‪.‬‬
‫فالعلم الذي أمر بتبليغه هو علم الشرائع ‪ ,‬والعلم الذي خّير في تبليغه هو علم الحقائق ‪ ,‬والعلم الذي أخذ عليه‬
‫في كتمه هو السرار اللهية ولقد أودع ال جميع ذلك في القرآن ‪ .‬فالذي أمر بتبليغه ظاهر ‪ .‬والذي خّير في‬
‫تبليغه باطن لقوله ) سنريهم آياتنا في الفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ( وقوله ) وما خلقنا‬
‫السموات والرض وما بينهما إل بالحق ( وقوله ) وسخر لكم ما في السموات وما في الرض جميعا منه (‬
‫وقوله ) ونفخت فيه من روحي ( فإن جميع ذلك له وجه يدّل على الحقائق ووجه يتعلق بالشرائع ‪ ,‬فهو‬
‫كالتخير ‪ ,‬فمن كان فهمه إلهيا فقد بلغ ذلك ‪ ,‬ومن لم يكن فهمه ذلك الفهم وكان مما لو فوجئ بالحقائق أنكرها‬
‫‪ ,‬فإنه ما بلغ إليه ذلك لئل يؤدي ذلك إلى ضللته وشقاوته ‪ .‬والعلم الذي أخذ عليه في كتمه فإنه مودع في‬
‫القرآن بطريق التأويل لغموض الكتم ‪ ,‬فل يعلم ذلك إل من أشرف على نفس العلم أول ‪ ,‬وبطريق الكشف‬
‫اللهي ‪ ,‬ثم سمع القرآن بعد ذلك ‪ ,‬فإنه يعلم المحّل الذي أودع ال فيه شيئا من العلم المأخوذ على النبي صلى‬
‫ال عليه وسلم في كتمه وإليه الشارة بقوله تعالى ) وما يعلم تأويله إل ال ( على قراءة من وقف هنا ‪,‬‬
‫فالذي يطلع تأويله في نفسه هو المسمى بال فافهم ( ‪. 5‬‬
‫ويقول أبو نصر السراج الطوسي ‪:‬‬
‫صه ال تعالى به من العلم ‪ ,‬لو وضعت على الجبال‬
‫) إن حقائق رسالة محمد صلى ال عليه وسلم وما خ ّ‬
‫لذابت إل أنه كان يظهرها لهم على مقاديرهم ( ‪. 6‬‬
‫أي لم يظهر النبي صلى ال عليه وسلم جميع العلوم التي كان قد خصه ال بها – حسب زعمهم – وذلك لجل‬
‫أن الناس لم يكونوا يقدرون على حملها ومعرفتها ‪.‬‬
‫وبمثل ذلك نقل الشعراني عن سيده محمد الحنفي أنه قال ‪:‬‬
‫‪5‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫العتقادات لبن بابويه القمي ص ‪. 44‬‬
‫شرح اعتقادات الصدوق فضل التقية ص ‪. 241‬‬
‫التكوير الية ‪. 24‬‬
‫رواه البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد وغيرهم ‪.‬‬
‫النسان الكامل لعبد الكريم الجيلي ج ‪ 1‬ص ‪ 117‬الطبعة الرابعة ‪ 1402‬هـ مصر ‪.‬‬
‫كتاب اللمع للطوسي ص ‪. 159‬‬

‫‪154‬‬

‫) وههنا كلم لو أبديناه لكم لخرجتم مجانين لكن نطويه عمن ليس من أهله ( ‪. 1‬‬
‫وهذا عين ما ذكره الشيعة عن جعفر بن الباقر أنه قال ‪:‬‬
‫) إن عندنا وال سرا من سّر ال ‪ ,‬وعلما من علم ال ‪ ,‬أمرنا ال بتبليغه ‪ ,‬فبّلغنا من ال عز وجل ما أمرنا‬
‫بتبليغه ‪ ,‬فلم نجد له موضعا ول أهل ول حمالة يحتملونه ( ‪. 2‬‬
‫ونسبوا إلى علي رضي ال عنه أنه قال ‪:‬‬
‫) إن أمرنا صعب مستصعب ل يحمله إل عبد امتحن ال قلبه لليمان ‪ ,‬ول يعي حديثنا إل صدور أمينة ‪,‬‬
‫وأحلم رزينة ( ‪. 3‬‬
‫أيضا ) ل يحتمله ملك مقرب ‪ ,‬ول نبي مرسل ‪ ,‬ول مؤمن أمتحن ال قلبه لليمان ( ‪. 4‬‬
‫هذا وأن الصوفية اتهموا أبا هريرة رضي ال عنه أنه قال ‪:‬‬
‫) حفظت من رسول ال صلى ال عليه وسلم جرابين من العلم ‪ :‬أما أحدهما فبثثته في الناس ‪ ,‬وأما الخر فلو‬
‫بثثته لقطع مني هذا البلعوم ( ‪. 5‬‬
‫ي بن الحسين زين العابدين أنه قال ‪:‬‬
‫كما كذبوا على عل ّ‬
‫لقيل لي ‪ :‬أنت ممن يعبد الوثـــنا‬
‫ب جوهر علم لو أبوح به‬
‫) يا ر ّ‬
‫يرون أقبح ما يأتـــونه حســــــنا‬
‫ولستحل رجال مسلمون دمي‬
‫‪6‬‬
‫كي ل يرى الحق ذو جهل فيفتننا ( ‪.‬‬
‫إني لكتم من علمي جـــواهره‬
‫وقال النفزي الرندي ‪:‬‬
‫) في قلوب الحرار قبور السرار ‪ ,‬والسر أمانة ال تعالى عند العبد ‪ ,‬فافشى بالتعبير عنه خيانة ‪ ,‬وال تعالى‬
‫ل يحب الخائنين ‪ ,‬وأيضا فإن المور المشهودة ل يستعمل فيها إل الشارة واليماء ‪ ,‬واستعمال العبارات فيها‬
‫إفصاح بها وإشهار لها ‪ ,‬وفي ذلك ابتذالها وإذاعتها ‪ ,‬ثم إن العبارة عنها ل تزيدها إل غموضا وانغلقا ‪ ,‬لن‬
‫المور الذوقية يستحيل إدراك حقائقها بالعبارات النطقية ‪ ,‬فيؤدي ذلك إلى النكار والقدح في علوم السادة‬
‫الخيار ‪.‬‬
‫‪7‬‬
‫قال أبو علي الروذباري رضي ال تعالى عنه ‪ :‬علمنا هذا إشارة ‪ ,‬فإذا صار عبارة خفي ( ‪.‬‬
‫وأما لسان الدين بن الخطيب فقال ‪:‬‬
‫) حملة علم النبوة هم الذين عناهم رسول ال صلى ال عليه وسلم بقوله ‪ :‬علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل ‪,‬‬
‫قالوا ‪ :‬وهذا العلم هو الذي ل يجوز كشفه ‪ ,‬ول إذاعته ول ادعاؤه ‪ ,‬ومن كشفه وأذاعه وجب قتله واستحل‬
‫دمه وينسبون في ذلك إلى خواص النبوة وخلفائها كثيرا كقوله ‪:‬‬
‫ب جوهر علم لو أبوح به‬
‫يا ر ّ‬
‫ولستحل رجال مسلمون دمي‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬

‫لقيل لي ‪ :‬أنت ممن يعبد الوثـــنا‬
‫يرون أقبح ما يأتـــونه حســــــنا ( ز‬

‫طبقات الشعراني ج ‪ 2‬ص ‪. 98‬‬
‫الصول من الكافي ج ‪ 1‬ص ‪ , 402‬أيضا بصائر الدرجات الكبرى للصفار ص ‪. 40‬‬
‫انظر نهج البلغة ‪.‬‬
‫الصول من الكافي ج ‪ 1‬ص ‪. 402‬‬
‫إيقاظ الهمم لبن عجيبة الحسني ص ‪ 145‬ط مصر ‪.‬‬
‫أيضا ‪.‬‬
‫غيث المواهب العلية للنفزي الرندي ج ‪ 1‬ص ‪. 214‬‬
‫روضة التعريف بالحب الشريف ص ‪. 432‬‬

‫‪8‬‬

‫‪155‬‬

‫وكان كبار المتصوفة يعملون بهذا المبدأ ‪ ,‬ولم يكونوا يظهرون للناس علومهم وأفكارهم كما روى الكلباذي‬
‫عن الجنيد أنه قال للشبلي ‪:‬‬
‫) نحن حّبرنا هذا العلم تحبيرا ‪ ,‬ثم خبأناه في السراديب ‪ ,‬فجئت أنت ‪ ,‬فأظهرته على رؤوس المل ‪.‬‬
‫فقال ‪ :‬أنا أقول وأنا أسمع ‪ ,‬فهل في الجارين غيري ( ‪. 1‬‬
‫ونقل الشعراني كذلك عن الجنيد أنه ) كان يستر كلم أهل الطريق عمن ليس منهم ‪ ,‬وكان يستتر بالفقه‬
‫والفتاء على مذهب أبي ثور ‪ ,‬وكان إذا تكلم في علوم القوم أغلق باب داره ‪ ,‬وجعل مفتاحه تحت وركه ( ‪.‬‬
‫‪2‬‬

‫وأيضا روى عن الشاذلي أنه كان يقول ‪:‬‬
‫) امتنعت عني الرؤيا لرسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ ,‬ثم رأيته ‪ ,‬فقلت ‪ :‬يا رسول ال ‪ ,‬ماذ نبي ؟ فقال ‪:‬‬
‫إنك لست بأهل لرؤيتنا لنك تطلع الناس على أسرارنا ( ‪. 3‬‬
‫والصوفية يكتمون آراءهم ومعتقداتهم عن غيرهم ‪ ,‬ويوصون مريديهم في كتبهم ومؤلفاتهم التي كتبت‬
‫للخاصة وخاصة الخاصة ‪ ,‬فالصوفي الشهير عبد السلم الفيتوري يكتب في كتابه ) الوصية الكبرى ( ‪:‬‬
‫) إخواني ‪ ,‬وسنذكر لكم كلما في المغيبات لكن يجب المساك عنها إل لهله الذين يكتمونه ‪ ,‬ول ينبغي‬
‫إظهاره للسفهاء الذين يلحقون به إلى المراء والجبابرة وأهل الدنيا ( ‪. 4‬‬
‫وهناك نص مهم جدا ذكره الشعراني يقطع في هذا الموضوع فيقول ‪:‬‬
‫وكان بعض العارفين يقول‬
‫) نحن قوم يحرم النظر في كتبنا على من لم يكن من أهل طريقتنا ‪ ,‬وكذلك ل يجوز لحد أن ينقل كلمنا إل‬
‫لمن يؤمن به ‪ ,‬فمن نقله إلى من ل يؤمن به دخل هو والمنقول إليه جهنم النكار ‪ ,‬وقد صرح بذلك أهل ال‬
‫تعالى على رؤوس الشهاد وقالوا ‪:‬‬
‫من باح بالسّر استحق القتل ( ‪. 5‬‬
‫وقد ذكر الدباغ حكايات كثيرة عن الذين لم يكتموا السّر فابتلهم ال ببليا عديدة ‪ ,‬من القتل والصلب والحرق‬
‫والعمى وغير ذلك ‪. 6‬‬
‫وكان منهم الحلج ‪ ,‬لنه لم يقتل إل لفشاء سّره ‪. 7‬‬
‫وكما يروون أن الخضر عبر على الحلج وهو مصلوب ‪ ,‬فقال له الحلج ‪:‬‬
‫) هذا جزاء أولياء ال ؟‬
‫‪8‬‬
‫ت( ‪.‬‬
‫فقال له الخضر ‪ :‬نحن كتمنا فسلمنا ‪ ,‬وأنت بحت فم ّ‬
‫وكما رووا عن أبي بكر الشبلي أنه قال ‪:‬‬
‫) كنت أنا والحسين بن منصور شيئا واحدا إل أنه أظهر وكتمت ( ‪.‬‬
‫‪9‬‬

‫‪ 1‬التعرف لمذهب أهل التصوف للكلباذي ص ‪ 172‬ط القاهرة ‪.‬‬
‫‪ 2‬اليواقيت والجواهر للشعراني ج ‪ 2‬ص ‪ 93‬ط مصطفى البابي الحلبي مصر ‪ 1378‬هـ ‪.‬‬
‫‪ 3‬انظر الطبقات للشعراني ج ‪ 2‬ص ‪. 75‬‬
‫‪ 4‬الوصية الكبرى لعبد السلم السمر الفيتوري ص ‪ " 105‬مكتبة النجاح طرابلس ليبيا الطبعة الولى ‪.‬‬
‫‪ 5‬اليواقيت والجواهر للشعراني ص ‪ 17‬ط مصطفى البابي الحلبي مصر ‪.‬‬
‫‪ 6‬انظر البريز للدباغ ص ‪. 12‬‬
‫‪ 7‬انظر تذكرة الولياء لفريد الدين العطار ص ‪ 252‬ط باكستان ‪.‬‬
‫‪ 8‬شرح حال الولياء لعز الدين المقدسي مخطوط ورقة ‪. 251‬‬
‫‪ 9‬أربعة نصوص ص ‪ 19‬بتحقيق ماسينيون ط باريس ‪.‬‬

‫‪156‬‬

‫وننقل أخيرا أن أحمد بن زروق ‪ ,‬وابن عجيبة ذكرا عن الجنيد أنه كان يجيب عن المسألة الواحدة بجوابين‬
‫مختلفين ‪ ,‬فكان يجيب هذا بخلف ما يجيب ذاك ‪. 1‬‬
‫هذا عين ما رواه الشيعة على محمد الباقر كما ذكر الكليني عن زرارة بن أعين أنه قال ‪:‬‬
‫) سألت أبا جعفر عن مسألة فأجابني ‪ ,‬ثم جاءه رجل فسأله عنها فأجابه بخلف ما أجابني ‪ .‬ثم جاء رجل آخر‬
‫فأجابه بخلف ما أجابني وأجاب صاحبي ‪ ,‬فلما خرج الرجلن قلت ‪ :‬يا ابن رسول ال ‪ ,‬رجلن من أهل‬
‫العراق من شيعتكم قدما يسألن فأجبت كل واحد منهما بغير ما أجبت به صاحبه ؟‬
‫فقال ‪ :‬يا زرارة ‪ ,‬إن هذا خير لنا وأبقى لنا ولكم ‪ ,‬ولو اجتمعتم على أمر واحد لصّدقكم الناس علينا ‪ ,‬ولكان‬
‫أقل لبقائنا وبقائكم ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬ثم قلت لبي عبد ال عليه السلم ‪ :‬شيعتكم لو حملتموهم على السنة أو على النار لمضوا وهم‬
‫يخرجون من عندكم مختلفين ‪ ,‬قال ‪ :‬فأجابني بمثل جواب أبيه ( ‪. 2‬‬
‫فهذا هو المبدأ الخطير الخر الذي أخذه المتصوفة من الشيعة ليكونوا حزبا سّريا يعمل في الخفاء لهدم مبادئ‬
‫السلم وتعاليمه ‪ ,‬ولتأسيس ديانة جديدة تعمل لتوهين القوى السلمية ونشاط المسلمين لنشر الكتاب والسنة‬
‫‪ ,‬والتقاعد عن الجهاد والغزوات ‪ ,‬وبناء المجتمع السلمي على أسس كتاب ال وسنة رسوله صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ ,‬وقد وضعناه أمام الباحثين والقراء مع المقارنة بين أفكار الخذين والذين أخذ عنهم ‪ ,‬معتمدين على‬
‫أوثق الكتب وأثبتها وأهمها لدى الطرفين ‪.‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫انظر قواعد التصوف لبن زروق ص ‪ . 11‬ط القاهرة ‪ ,‬أيضا إيقاظ الهمم لبن عجيبة ص ‪. 144‬‬
‫الصول من الكافي كتاب فضل العلم باب اختلف الحديث ج ‪ 1‬ص ‪ . 65‬ط طهران ‪.‬‬

‫ال ّ‬
‫ن‬
‫ظا ِ‬
‫والَبـاطِ ُ‬
‫هـُر َ‬

‫‪157‬‬

‫وأما الفكرة الخرى التي تسربت إلى التصوف من التشيع ‪ ,‬واعتنقها الصوفية بتمامها هي فكرة تقسيم‬
‫الشريعة إلى الظاهر والباطن ‪ ,‬والعام والخاص ‪.‬‬
‫ومنها تدّرجت وتطرقت إلى التأويل الباطني والتفسير المعنوي ‪ ,‬وتفريق المسلمين بين العامة والخاصة ‪ ,‬فإن‬
‫الشيعة بجميع فرقها ‪ ,‬وخاصة السماعيلية منهم يعتقدون أن لكل ظاهر باطنا ‪ ,‬وقد اختص بمعرفة الباطن‬
‫ي رضي ال عنه ‪ ,‬وأولده أي أئمتهم المعصومون حسب زعمهم ‪ ,‬فسّموا الموالين لهم بالخاصة ‪ ,‬وغير‬
‫عل ّ‬
‫المؤمنين بهذه الفكرة بالعامة ‪.‬‬
‫فلقد قالوا ‪:‬‬
‫) ل بّد لكل محسوس من ظاهر وباطن ‪ ,‬فظاهره ما تقع الحواسّ عليه ‪ ,‬وباطنه يحويه ويحيط العلم به بأنه‬
‫فيه ‪ ,‬وظاهره مشتمل عليه ( ‪. 1‬‬
‫وكذبوا على رسول ال صلى ال عليه وسلم أنه قال ‪:‬‬
‫ي آية إل ولها ظهر وبطن ‪ ,‬ولكل حرف حّد ‪ ,‬ولكل حّد مطلع ( ‪.‬‬
‫) ما نزلت عل ّ‬
‫‪2‬‬

‫ي حيث قالوا ‪:‬‬
‫ثم قسموا الظاهر والباطن بين النبي والوص ّ‬
‫) كانت الدعوة الظاهرة قسط الرسول صلوات ال وسلمه عليه ‪ ,‬والدعوة الباطنة قسط وصّيه الذي فاض منه‬
‫جزيل النعام ( ‪. 3‬‬
‫ثم قالوا ‪:‬‬
‫) إن الظاهر هو الشريعة ‪ ,‬والباطن هو الحقيقة ‪ ,‬وصاحب الشريعة هو الرسول محمد صلوات ال عليه ‪,‬‬
‫ي بن أبي طالب ( ‪. 4‬‬
‫ي عل ّ‬
‫وصاحب الحقيقة هو الوص ّ‬
‫هذا ولقد فصلنا القول في ذلك في كتابنا ) السماعيلية القدامى تاريخ وعقائد ( حيث بوبنا بابا مستقل لبيان‬
‫هذه العقيدة الخطرة للتلعب بنصوص القرآن والسنة فمن أراد الستزادة فليرجع إليه ‪.‬‬
‫وأن الشيعة الخرين كالشيعة الثني عشرية يقولون بهذا القول كما روى كلينيهم في كافّيه عن موسى الكاظم‬
‫– المام السابع عندهم – أنه قال ‪:‬‬
‫) إن القرآن له ظهر وبطن ( ‪. 5‬‬
‫وأيضا ما رواه ابن بابويه القمي عن علي بن أبي طالب رضي ال عنه في حديث طويل أنه قال ‪:‬‬
‫) إن رسول ال صلى ال عليه وآله علمني ألف باب من العلم يفتح كل باب ألف باب ‪ ,‬ولم يعلم ذلك أحد‬
‫غيري ( ‪. 6‬‬
‫ويقولون ‪ :‬أن هذه العلوم توارثها أئمتهم بعده ‪ ,‬فعلى ذلك يقول الكليني محّدث الشيعة في خطبه كتابه ‪:‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫كتاب أساس التأويل للنعمان القاضي ص ‪ . 28‬ط دار الثقافة بيروت ‪.‬‬
‫أعلم النبوة لبي حاتم الرازي تحقيق صلح الصادي ‪ .‬ط انجمن فلسفة إيران ‪ 1397‬هـ ‪.‬‬
‫كتب الذخيرة في الحقيقة للداعي السماعيلي علي بن الوليد المتوفى سنة ‪ 612‬هـ ص ‪ . 113‬ط دار الثقافة بيروت ‪.‬‬
‫انظر الفتخار للداعي أبي يعقوب السجستاني ص ‪ . 71‬ط لبنان ‪.‬‬
‫انظر كتاب الحجة من أصول الكافي للكليني ج ‪ 1‬ص ‪ . 374‬ط طهران ‪.‬‬
‫كتاب الخصال لبن بابويه القمي أبواب السبعين وما فوقه ص ‪ . 572‬ط مكتبة الصدوق ‪ 1389‬هجري قمري ‪.‬‬

‫‪158‬‬

‫) فأوضح ال بأئمة الهدى من أهل بيت نبينا صلى ال عليه وآله عن دينه ‪ ,‬وأبلج بهم عن سبيل مناهجه ‪,‬‬
‫جابا بينه وبين خلقه ‪ ,‬والباب‬
‫وفتح بهم عن باطن ينابيع علمه ‪ ,‬وجعلهم مسالك لمعرفته ‪ ,‬ومعالم لدينه ‪ ,‬وح ّ‬
‫المؤدي إلى معرفة حقه ‪ ,‬وأطلعهم على المكنون من غيب سره ‪.‬‬
‫كّلما مضى منهم إمام نصب لخلقه من عقبه إماما بّينا ‪ ,‬وهاديا نّيرا ‪ ,‬وإماما قّيما ‪ ,‬يهدون بالحق وبه‬
‫يعدلون ( ‪. 1‬‬
‫والجدير بالذكر أن التفريق بين الشريعة والحقيقة ‪ ,‬وبين الظاهر والباطن من خواص التشيع إل أنه ل توجد‬
‫طائفة شيعية إل وتؤمن بذلك ‪ ,‬وكتب الفرق والكلم شاهدة على هذا ‪ ,‬بل أنهم لم يختلفوا فيما بينهم في تعيين‬
‫المام إل بناء على هذا المبدأ ‪ ,‬حيث أنهم اختلفوا ‪ ) :‬إلى من أفضى المام الراحل أسرار العلوم واطلعه على‬
‫مناهج تطبيق الفاق على النفس ‪ ,‬وتقدير التنزيل على التأويل ‪ ,‬وتصوير الظاهر على الباطن ‪ ,‬لنهم كلهم‬
‫‪2‬‬
‫مؤمنون بأن لكل ظاهر باطنا ‪ ,‬ولكل شخص روحا ‪ ,‬ولكل تنزيل تأويل ‪ ,‬ولكل مثال حقيقة في هذا العالم ( ‪.‬‬
‫فحاصل ما قلناه أن تقسيم الشريعة والعلوم إلى الظاهر والباطن من أهم الميزات التي تتمّيز بها الشيعة بفرقها‬
‫عن الخرين من المسلمين ‪ ,‬وهم الذين تقّولوا بها متأثرين باليهودية التي استقوا منها أفكارهم ‪ ,‬بوساطة‬
‫عبد ال بن سبا اليهودي ‪ ,‬المؤسس الحقيقي الول لديانتهم ومذهبهم ‪.‬‬
‫ثم أخذ المتصوفة بدورهم أفكار الشيعة ومعتقداتهم ‪ ,‬فآمنوا بها واعتقدوها ‪ ,‬وجعلوها من الصول والقواعد‬
‫لعصابتهم ‪ ,‬فقالوا مثل ما قاله الشيعة والفرق الباطنية ‪:‬‬
‫) العلوم ثلثة ‪ :‬ظاهر ‪ ,‬وباطن ‪ ,‬وباطن الباطن ‪ ,‬كما أن النسان له ظاهر ‪ ,‬وباطن ‪ ,‬وباطن الباطن ‪.‬‬
‫فعلم الشريعة ظاهر ‪ ,‬وعلم الطريقة باطن ‪ ,‬وعلم الحقيقة باطن الباطن ( ‪. 3‬‬
‫وقال الطوسي أبو نصر السراج ‪:‬‬
‫) إن العلم ظاهر وباطن ‪ ...‬ول يستغني الظاهر عن الباطن ‪ ,‬ول الباطن عن الظاهر ‪ ,‬وقد قال ال عز وجل ‪:‬‬
‫ولو رّدوه إلى الرسول وإلى أولي المر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ‪ :‬فالمستنبط هو العلم الباطن ‪ ,‬وهو‬
‫علم أهل التصوف ‪ ,‬لن لهم مستنبطات من القرآن والحديث وغير ذلك ‪ ...‬فالعلم ظاهر وباطن ‪ ,‬والقرآن ظاهر‬
‫وباطن ‪ ,‬وحديث رسول ال صلى ال عليه وسلم ظاهر وباطن ‪ ,‬والسلم ظاهر وباطن ( ‪. 4‬‬
‫وذكر المتصوفة نفس تلك الرواية التي نقلها الشيعة والسماعيلية ‪ ,‬وهي ‪:‬‬
‫) لكل آية ظاهر وباطن ‪ ,‬وحّد ومطلع ( ‪. 5‬‬
‫ولم يكن التشابه والتوافق مع الشيعة ‪ ,‬والستفادة والقتباس منهم منحصرا في هذا فحسب ‪ ,‬بل كان هناك‬
‫تجانس وتداخل في أكثر من هذا ‪ ,‬حيث قالوا باختصاص علي رضي ال عنه دون الخرين بعلم الباطن ‪ ,‬فقال‬
‫قائلهم ‪:‬‬
‫) إن جبريل عليه السلم نزل على رسول ال صلى ال عليه وسلم أول بالشريعة ‪ ,‬فلما تقررت ظواهر‬
‫الشريعة واستقرت نزل إليه بالحقيقة المقصودة ‪ ,‬والحكمة المرجوة من أعمال الشريعة ‪ ,‬هي ‪ :‬اليمان‬
‫والحسان ‪ ,‬فخص رسول ال صلى ال عليه وسلم بباطن الشريعة بعض أصحابه دون البعض ‪.‬‬

‫‪ 1‬الصول من الكافي خطبة الكتاب ج ‪ 1‬ص ‪. 4‬‬
‫‪ 2‬انظر الملل والنحل للشهرستاني ج ‪ 1‬ص ‪ 201‬بهامش الفصل لبن حزم ‪.‬‬
‫‪ 3‬انظر الفتوحات اللهية لبن عجيبة ص ‪. 333‬‬
‫‪ 4‬كتاب اللمع للطوسي ص ‪. 44 , 43‬‬
‫‪ 5‬لطائف المنن لبن عطاء ال السكندري ص ‪ 248‬بتحقيق الدكتور عبد الحليم محمود ‪ .‬ط مطبعة حسان القاهرة ‪ 1974‬م ‪ ,‬أيضا عوارف المعارف‬
‫للسهروردي ص ‪ , 25‬أيضا روضة التعريف للسان الدين بن الخطيب ص ‪ , 431‬أيضا إيقاظ الهمم لبن عجيبة ص ‪ , 461‬ومثله في جمهرة الولياء‬
‫للمنوفي ج ‪ 1‬ص ‪ , 160‬تفسير ابن عربي ج ‪ 1‬ص ‪. 2‬‬

‫‪159‬‬

‫وكان أول من أظهر علم القوم وتكلم فيه سيدنا علي كرم ال وجهه عن رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ ...‬ثم‬
‫انتشر هذا الطريق انتشارا ل ينقطع حتى ينقطع عمر الدنيا ( ‪. 1‬‬
‫وأوردوا في كتبهم تلك الرواية الشيعية بعينها ‪ ,‬التي نحن ذكرناها منهم عن علي رضي ال عنه أنه قال ‪:‬‬
‫) علمني رسول ال صلى ال عليه وسلم سبعين بابا من العلم لم يعلم ذلك أحد غيري ( ‪. 2‬‬
‫وهناك روايات شيعية أخرى كثيرة أوردها المتصوفة في كتبهم ومؤلفاتهم ‪ ,‬مؤيدين لها ‪ ,‬مؤمنين بها ‪,‬‬
‫مستدلين منها ‪ ,‬مثل هذا الحديث الموضوع ‪ ) :‬أنا مدينة العلم وعلي بابها ( ‪. 3‬‬
‫ومنها ما رووه عن أبي سعيد الخدري رضي ال عنه كذبا عليه أنه قال ‪ ) :‬كنا نمشي مع النبي صلى ال عليه‬
‫وسلم فانقطع نعله ‪ ,‬فتناولها علي يصلحها ‪ ,‬ثم مشى ‪ ,‬فقال ‪:‬‬
‫‪4‬‬
‫) يا أيها الناس ‪ ,‬إن منكم من يقاتله علي على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله ( ‪.‬‬
‫ومثل ذلك ذكر عبد الرحمن الصفوري في كتابه ) نزهة المجالس ومنتخب النفائس ( ‪. 5‬‬
‫وقال ابن الفارض في تئيته ‪:‬‬
‫) وأوضح بالتأويل ما كان مشكل‬

‫‪6‬‬

‫ي بعلم ما ناله بالوصيـــــة ( ‪.‬‬
‫عل ّ‬

‫وهذا تشيع محض بدون شك ول شبهة ‪.‬‬

‫ن‬
‫ن‪َ 0‬‬
‫وكذلك ما قاله ابن عربي في تفسيره مفسرا قول ال عز وجل ‪َ } :‬‬
‫ساءُلو َ‬
‫م ي َت َ َ‬
‫ع ّ‬
‫ع ِ‬
‫ظيم ِ { ‪.‬‬
‫ع ِ‬
‫الن ّب َإ ِ ال ْ َ‬
‫) إنه القيامة الكبرى ‪ ,‬ولهذا قيل ‪ :‬إن أمير المؤمنين علي هو النبأ العظيم ‪ ,‬وهو فلك نوح أي الجمع‬
‫والتفصيل – باعتبار الحقيقة والشريعة – لكونه جامعا لهما ( ‪. 7‬‬
‫وعلى ذلك قال الهجويري ‪:‬‬
‫) علي بن أبي طالب رضي ال عنه هو ابن عم المصطفى ‪ ,‬وغريق بحر البلء ‪ ,‬وحريق نار الولء ‪ ,‬وقدرة‬
‫الولياء والصفياء أبو الحسن علي بن أبي طالب كرم ال وجهه ‪.‬‬
‫وله في هذه الطريقة شأن عظيم ‪ ,‬ودرجة رفيعة ‪ .‬وكان له حظ تام في دقة التعبير عن أصول الحقائق إلى حّد‬
‫أن قال الجنيد رحمه ال ‪ :‬شيخنا في الصول والبلء علي المرتضى رضي ال عنه ‪.‬‬
‫أي أن عليا رضي ال عنه هو إمام هذه الطريقة في العلم والمعاملة ‪ ,‬فأهل الطريقة يطلقون على علم الطريقة‬
‫اسم الصول ‪ ,‬ويسمون تحمل البلء فيها بالمعاملت ( ‪. 8‬‬
‫ي الروذباري أنه قال ‪:‬‬
‫والطوسي قال نقل عن أبي عل ّ‬

‫‪ 1‬جمهرة الولياء لبي الفيض المنوفي الحسيني ج ‪ 1‬ص ‪. 159‬‬
‫‪ 2‬انظر درر الغواص على فتاوى سيدي علي الخواص ص ‪ 73‬بهامش البريز للدباغ ‪ .‬ط مصر ‪.‬‬
‫‪ 3‬انظر مطالع المسرات لمحمد المهدي بن أحمد ‪ .‬ط مصطفى البابي الحلبي ‪1970‬م ‪.‬‬
‫‪ 4‬جمهرة الولياء لبن الفيض المنوفي الحسيني ج ‪ 2‬ص ‪. 28‬‬
‫‪ 5‬انظر ص ‪ . 209‬ط دار الكتب العلمية بيروت لبنان ‪.‬‬
‫‪ 6‬ديوان ابن الفارض ص ‪ . 81‬ط مكتبة القاهرة ‪ 1399‬هـ ‪.‬‬
‫‪ 7‬تفسير ابن عربي ج ‪ 2‬ص ‪. 184‬‬
‫‪ 8‬كشف المحجوب للهجويري ترجمة عربية ص ‪. 274 , 273‬‬

‫‪160‬‬

‫ي رضي ال عنه ‪ ,‬لول أنه اشتغل‬
‫) سمعت جنيدا رحمه ال يقول ‪ :‬رضوان ال على أمير المؤمنين عل ّ‬
‫بالحروب لفادنا من علمنا هذا معاني كثيرة ‪ ,‬ذاك امرؤ أعطى علم اللدّني ‪ ,‬والعلم اللدّني هو العلم الذي خص‬
‫به الخضر عليه السلم ‪ ,‬قال ال تعالى ‪ :‬وعلمناه من لدّنا علما ( ‪. 1‬‬
‫ثم نقل عن علي رضي ال عنه أشياء وقال بعده ‪:‬‬
‫) ولعلي رضي ال عنه أشباه في ذلك كثير من الحوال والخلق والفعال التي يتعلق بها أرباب القلوب وأهل‬
‫الشارات وأهل المواجيد من الصوفية ( ‪. 2‬‬
‫فهذه العبارات كلها لم تكن مقتبسة منقولة من التشيع و بل إنها شيعية وصرفة ‪.‬‬
‫وبعد هذا كله نريد أن نبّين توغل الصوفية في علم الباطن وعلقتهم به ‪ ,‬وسبب إلتجائهم إليه ‪ ,‬فنقول ‪:‬‬
‫) إن الصوفية يقولون ‪ :‬إن علم الباطن المسمى بعلم القلب وبعلم التصوف ‪ ,‬علم جليل شريف نفيس ‪ ,‬وهو‬
‫أجّل العلوم وأشرفها ‪ ,‬وهو الزبدة الممخوضة من الشريعة التي لم تبعث النبياء عليهم السلم إل لجلها ‪...‬‬
‫وهو علم طريق الخرة ‪ ,‬وهو العلم الذي درج عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم ‪ ,‬وهو‬
‫العلم الذي لم يبعث ال النبياء إل لجله ‪ .‬وقد سماه ال تعالى في كتابه فقها وعلما وضياء ونورا وهدى‬
‫صا وتصريحا وتلويحا وكتابة وإشارة وغير‬
‫ورشدا ‪ ,‬وهو مستخرج من القرآن والسنة ‪ ,‬ومدلول عليه منهما ن ّ‬
‫ذلك من أصناف الدللة ‪.‬‬
‫قال الغزالي ‪ :‬علم الباطن هو علم يقين المقربين ‪ ,‬وثمرته الفوز برضا ال تعالى ‪ ,‬ونيل سعادة البد ‪ ,‬وبه‬
‫تزكية النفس وتطهيرها ‪ ,‬وتنوير القلب وصفاؤه بحيث ينكشف بذلك النور أمور جليلة ‪ ,‬ويشهد أحوال‬
‫عجيبة ‪ ,‬ويعاين ما نمت عنه بصيرة ( ‪. 3‬‬
‫وقالوا ‪:‬‬
‫) هل ظاهر الشرع وعلم الباطــن‬
‫والعلم الظاهر هو علم العبودية‬

‫إل كجـــــسم فيه روح ســـــاكن‬
‫والعلم الباطن هو علم الربوبية ( ‪.‬‬
‫‪4‬‬

‫وقالوا ‪:‬‬
‫) ل تجعلوا أحدا من أهل الظاهر حجة على أهل الباطن ( ‪.‬‬
‫‪5‬‬

‫وخلصة هذا أن علم الباطن هو التصوف بعينه ‪ ,‬وهو ما أشار الكلباذي نقل عن عبد الواحد بن زيد أنه‬
‫قال ‪:‬‬
‫) سألت الحسن عن علم الباطن فقال ‪ :‬سألت حذيفة بن اليمان عن علم الباطن فقال ‪ :‬سألت رسول ال عن‬
‫علم الباطن فقال ‪ :‬سألت جبريل عن علم الباطن فقال ‪ :‬سألت ال عز وجل عن علم الباطن فقال هو سّر من‬
‫سّري ‪ ,‬أجعله في قلب عبدي ‪ ,‬ل يقف عليه أحد من خلقي ‪.‬‬
‫قال أبو الحسن بن أبي ذر قي كتابه منهاج الدين أنشدونا للشلبي ‪:‬‬
‫علم التصوف ل نفــــاذ لــه‬
‫فيه الفوائد للرباب يعرفها‬

‫ي ربــــــوبيّ‬
‫ي ســــــــماو ّ‬
‫علم سن ّ‬
‫أهل الجزالة والصنع الخصوصي ( ‪.‬‬
‫‪6‬‬

‫وبالغوا في مدحه حتى قالوا ‪:‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫كتاب اللمع للطوسي ص ‪ . 179‬ط دار الكتب الحديثة مصر ‪.‬‬
‫أيضا ص ‪. 182‬‬
‫حياة القلوب في كيفية الوصول إلى المحبب لعماد الدين الموي ج ‪ 1‬ص ‪ 261 , 259‬بهامش قوت القلوب لبي طالب المكي ‪ .‬ط دار صادر بيروت ‪.‬‬
‫الفتوحات اللهية لبن عجيبة ص ‪. 333‬‬
‫قواعد التصوف ‪.‬‬
‫التعرف لمذهب أهل التصوف للكلباذي ص ‪. 106 , 105‬‬

‫‪161‬‬

‫) سئل بعض العلماء عن علم الباطن ‪ :‬أي شيء هو ؟‬
‫فقال ‪ :‬سّر من سّر ال تعالى يقذفه في قلوب عباده لم يطلع عليه ملكا ول بشرا ( ‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫و ) علم الباطن سر من أسرار ال ( ‪. 2‬‬
‫وكذب الخر على رسول ال صلى ال عليه وسلم حيث نسب هذا الكلم إليه صلوات ال وسلمه عليه فقال ‪:‬‬
‫) علم الباطن سر من أسرار ال تعالى وحكمة من حكمته يقذفه في قلوب من يشاء من عباده ( ‪. 3‬‬
‫ولقد بين داود القيصري من هم أصحاب العلم الباطن ‪ ,‬وما هي قيمتهم ومنزلتهم مقابل أصحاب الظاهر ‪,‬‬
‫شارحا مبّينا الحديث الموضوع الذي ذكرنا فيما سبق ‪ ,‬فيقول ‪:‬‬
‫) ولما كان للكتاب ظهر وبطن وحد ومطلع ‪ ,‬كما قال عليه السلم ‪ ) :‬إن للقرآن ظهرًا وبطنًا وحدًا ومطلعًا ( ‪,‬‬
‫وقال عليه السلم ‪ ) :‬إن للقرآن بطنًا ولبطنه بطنًا ‪ ,‬إلى سبعة أبطن ( وفي رواية ) إلى سبعين بطنًا ( ‪,‬‬
‫وظهره ‪ :‬ما يفهم من ألفاظه ويسبق الذهن إليه ‪ .‬وبطنه ‪ :‬المفهومات اللزمة للنظر الول ‪ .‬وحّده ‪ :‬ما إليه‬
‫ينتهي غاية إدراك الفهوم والعقول ‪ ,‬ومطلعه ‪ :‬ما يدرك منه على سبيل الكشف والشهود ‪ ,‬من السرار اللهية‬
‫والشارات الربانية ‪ .‬والمفهوم الول ‪ ,‬الذي هو الظهر ‪ ,‬للعوام والخواص ‪ .‬والمفهومات اللزمة له ) هي (‬
‫للخواص ول مدخل فيها للعوام ‪ .‬والحّد للكاملين ‪ .‬والمطلع لخلصة أخص الخواص كأكابر الولياء ‪ .‬وكذلك‬
‫التقسيم في الحاديث القدسية والكلمات النبوية ‪ :‬فإن لكل من العوام والخواص وأخص الخواص فيها إنباءات‬
‫رحمانية وإشارات إلهية – من اجل هذا كله – كان للشريعة ظاهر وباطن ‪.‬‬
‫) ومراتب العلماء أيضا فيهما متكثرة ‪ .‬ففيهم فاضل ومفضول ‪ ,‬وعالم وأعلم ‪ ,‬والذي نسبته إلى نبيه أتم‬
‫وقربه من روحه أقوى ‪ ,‬كان علمه بظاهر شريعته وباطنها أكمل ‪ .‬والعالم بالظاهر والباطن منه أحق أن‬
‫يتبع ‪ ,‬لغاية قربه من نبيه ‪ ,‬وقوة علمه بربه ‪ ,‬وأحكامه ‪ ,‬وكشفه حقائق الشياء ‪ ,‬وشهوده إياها ‪ .‬ثم من هو‬
‫دونه في المرتبة إلى أن ينزل إلى مرتبة علماء الظاهر فقط ( ‪. 4‬‬
‫و ) هو العلم المخزون والعلم اللدني الذي اختزنه عنده ‪ ,‬فلم يؤته إل للمخصوصين من الولياء كما قال ال‬
‫تعالى في شأن الخضر عليه السلم ‪ :‬وعّلمناه من لدنا علما ‪ ...‬وقال بعضهم ‪ :‬هي أسرار ال تعالى يبديها ال‬
‫إلى أنبيائه وأوليائه وسادات النبلء من غير سماع ول دراسة ‪ ,‬وهي من السرار التي لم يطلع عليها أحد إل‬
‫الخواص ‪.‬‬
‫وقال أبو بكر الواسطي رضي ال عنه في قوله تعالى ‪ :‬والراسخون في العلم ‪ :‬وهو الذين رسخوا بأرواحهم‬
‫في غيب الغيب ‪ ,‬وفي سر السر ‪ ,‬فعرفهم ما عرفهم ‪ ,‬وخاضوا في بحر العلم بالفهم لطلب الزيادة ‪ ,‬فانكشف‬
‫لهم من مذخور الخزائن والمخزون تحت كل حرف وآية من الفهم وعجائب النظر بحارا ‪ ,‬فاستخرجوا الدرر‬
‫والجوهر ‪ ,‬ونطقوا بالحكمة ( ‪. 5‬‬
‫وقالوا ‪:‬‬
‫) أهل الظاهر هم ‪ :‬أهل الخبر واللسان ‪ ,‬وعلماء الباطن هم ‪ :‬أرباب القلوب والعيان ‪ ...‬وعلم الظاهر حكم ‪,‬‬
‫وعلم الباطن حاكم ‪ ,‬والحكم موقوف حتى يأتي الحاكم بحكم فيه ( ‪. 6‬‬
‫و ) أهل الظاهر هم أهل الشريعة ‪ ,‬وأهل الباطن هم أهل الحقيقة ( ‪. 7‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫قوت القلوب لبي طالب المكي ج ‪ 1‬ص ‪. 120‬‬
‫جامع الصول في الولياء للكمشخانوي ص ‪. 258‬‬
‫جمهرة الولياء للمنوفي الحسيني ج ‪ 1‬ص ‪. 88‬‬
‫مقدمة التائية الكبرى للقيصري مخطوط ص ‪ 208 , 207‬المنقول من ملحقات كتاب ختم الولياء ص ‪. 493‬‬
‫غيث المواهب العلية للنفزي الرندي ج ‪ 2‬ص ‪. 239 , 238‬‬
‫قوت القلوب لي طالب المكي ج ‪ 1‬ص ‪. 158‬‬
‫انظر جامع الصول في الولياء للكمشخانوي ص ‪. 258‬‬

‫‪162‬‬

‫وأما سبب التجاء المتصوفة إلى علم الباطن ‪ ,‬ومنه إلى التأويل هو أن الصوفية لم يجدوا في القرآن والسنة‬
‫ما يمكن أن يكون سندا لهم على منهجهم ومسلكهم ‪ ,‬ودليل على طرقهم التي اختاروها ‪ ,‬والمناهج التي‬
‫اخترعوها للوصول إلى ال ‪ ,‬والحصول على معرفته ورضائه ‪ ,‬فالتجأوا إلى علم الباطن والتأويل الباطني كما‬
‫قال نيكلسون ‪:‬‬
‫) ل يمكن أن يكون القرآن أساسا لي مذهب صوفي ‪ ,‬ومع ذلك استطاع الصوفية متبعين في ذلك الشيعة أن‬
‫يبرهنوا بطريقة التأويل نصوص الكتاب والسنة معنى باطنا ل يكشفه ال إل للخاصة من عباده الذين تشرق‬
‫هذه المعاني في قلوبهم في أوقات جدهم ‪ .‬ومن هنا نستطيع أن نتصور كيف سهل على الصوفية بعد سلموا‬
‫بهذا المبدأ أن يجدوا دليل من القرآن لكل قول من أقوالهم ونظرية من نظرياتهم أيا كانت ‪ ,‬وأن يقولوا إن‬
‫التصوف ليس في الحقيقة إل العلم الباطن الذي ورثه علي بن أبي طالب عن النبي ‪ .‬ويلزم من هذا المبدأ‬
‫أيضا ) مبدأ التأويل ( أن تأويل الصوفية لتعاليم السلم قد يأتي على أنحاء وأشكال ل حصر لعددها ‪ ,‬وربما‬
‫أدى إلى تناقض في العبادات والمسائل العلمية ‪ .‬وكل ذلك مفروض صدقه في النوع ل في الدرجة ‪ ,‬لن معاني‬
‫القرآن ل حصر لها ‪ ,‬وهي تنكشف لكل صوفي بحسب ما منحه ال من الستعداد الروحي ‪ .‬ولهذا لم تتألف من‬
‫الصوفية فرقة خاصة ‪ ,‬ول كان لهم مذهب محدود يصح أن نسميه مذهب التصوف ‪ .‬بل إن التعريفات العديدة‬
‫التي وضعت للفظ التصوف نفسه لتدل على تعدد وجوه النظر في فهم معناه ‪.‬‬
‫كذلك الحال في موقف الصوفية من الشريعة ‪ ,‬فإن هذا الموقف يختلف بحسب حال كل صوفي ‪ .‬ولذلك تجد‬
‫بعضهم قد قام بشعائر الدين بكل دقة بالرغم من أنهم كانوا يعتبرون أن صور العبادات ليس لها من القيمة ما‬
‫لعمال القلوب ‪ ,‬أو أنها ل قيمة لها البتة إل من حيث دللتها على الحقائق الروحية ‪ .‬فالحج مثل رمز للبعد‬
‫عن المعاصي ‪ ,‬والحرام خلع الشهوات والملذات مع خلع الثياب ‪ .‬وهذا السلوب من البحث أسلوب معروف‬
‫عند السماعيلية الباطنية ‪ ,‬والظاهر أن الصوفية أخذوه عنهم ‪.‬‬
‫وآخرون منهم قالوا برفع التكاليف الدينية سواء أكانوا من الصوفية الذين تحرروا من القيود الشرعية في‬
‫تفكيرهم وأعمالهم ‪ ,‬أم من الصوفية الصادقين في تصوفهم كالملمتية الذين دفعهم الخوف من مدح الناس إلى‬
‫الظهور فيهم بما يستجلب الملمة والذم ‪ ,‬أم من ) العارفين ( الذين لم يأبهوا بمظاهر الشرع ورسومه ول‬
‫بأخلق هذا العالم الزائل ‪ ....‬وقد سبق أن ذكرنا أن الصوفية اعتبروا أنفسهم خاصة أهل ال الذين منحهم ال‬
‫أسرار العلم الباطن المودع في القرآن والحديث ‪ ,‬وأنهم استعملوا في التعبير عن هذا العلم لغة الرمز‬
‫والشارات التي ل يقوى على فهمها غيرهم من المسلمين ( ‪. 1‬‬
‫وسبب آخر أنهم تقّولوا بكلمات كلها كفر وإلحاد ‪ ,‬ونقل عن الباطنية والتشيع والفرق الباطلة الخرى ‪ ,‬فلما‬
‫سمع العلماء هذه المقولت كفروهم بها ‪ ,‬ورموهم باللحاد والزندقة فلم يسعهم آنذاك إل القول بالظاهر‬
‫والباطن ‪ ,‬والهروب إلى التأويل ‪ ,‬وفي كتب التصوف أمثلة كثيرة مبعثرة في ذلك ‪.‬‬
‫فمثل الطوسي يذكر متصوفة كثيرين رموا بالزندقة واللحاد ‪ ,‬ولكنه يبّرء ساحتهم من هذه التهم بهذه المقولة‬
‫‪ ,‬فمثل يقول عن عبد ال الحسين بن مكي الصبيحي أنه ) تكلم بشيء من علم السماء والصفات وعلم‬
‫الحروف فكفره أبو عبد ال الزبيري ‪ ,‬وهّيج عليه العامة ‪ ,‬فقال ‪ :‬إن سهل بن عبد ال قال له ‪ :‬نحن فتحنا‬
‫للناس جراب الهلتيت فلم يصبروا علينا ‪ ,‬فلم كلمتهم أنت بما ل يعرفون ‪ ,‬فكان ذلك سبب خروجه من‬
‫البصرة ‪ ,‬ثم قال ‪ :‬وكان إذا تكلم بعلوم المعارف يدهش العالم ( ‪. 2‬‬
‫ومثل ذلك ذكر أبا سعيد أحمد بن عيسى الخراز فقال ‪:‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫في التصوف السلمي وتاريخه لنيكلسون ترجمة عربية لبي العلء العفيفي ص ‪. 77 , 76‬‬
‫انظر كتاب اللمع للطوسي ص ‪. 500‬‬

‫‪163‬‬

‫) أنكر عليه جماعة من العلماء ‪ ,‬ونسبوه إلى الكفر بألفاظ وجدوها في كتاب صّنفه وهو ‪ :‬كتاب السّر ‪ ,‬فلم‬
‫يفهموا معناه ‪ ,‬وهو قوله ‪ :‬عبد رجع إلى ال ‪ ,‬وتعلق بالذكر ‪ ,‬وذكر في قرب ال وطالع ما أذن له من التعظيم‬
‫ل ‪ ,‬ونسي نفسه وما سوى ال ‪ ,‬فلو قلت له ‪ :‬من أين أنت وأين تريد ؟ لم يكن جواب غير قول ) ال ( (‪. 3‬‬
‫هذا ‪ ,‬وذكر الخرين كذلك ‪ ,‬وقبل ذلك علّل سبب تكفير العلماء إياهم بقوله ‪:‬‬
‫) فمنهم قوم لم يفهموا معاني ما أشاروا إليه في كلمهم من غامض العلم وجليل الخطب ‪ ,‬ولم يكن لهم زاجر‬
‫من العقل ول واعظ من الدين أن يستبحثوا عن المعاني التي أشكلت عليهم ويسألوا ذلك عن أهلها ‪ ,‬وقاسوا‬
‫من ذلك بما علموا من العلوم المبثوثة بين عوام الناس حتى هلكوا ( ‪. 2‬‬
‫والمثلة في هذا الباب كثيرة ل تعّد ول تحصى ‪.‬‬
‫وأخيرا يحسن بنا أن نورد بعض المثلة للتأويلت الصوفية في القرآن والحديث النبوي الشريف لتمام الفائدة‬
‫وإكمال البحث ‪.‬‬
‫سر الية } يهب لمن يشاء إناثا {‬
‫فيذكر ابن عطاء ال السكندري في لطائفه نقل عن بعض مشائخه أنه ف ّ‬
‫الحسنات } ويهب لمن يشاء الذكور { العلوم ‪ } ,‬ويجعل من يشاء عقيما { ل علم ول حسنة ‪ ,‬كما مضى أيضا‬
‫من قول ال عز وجل ‪ } :‬إن ال يأمركم أن تذبحوا بقرة { ‪.‬‬
‫فقال الشيخ ‪ :‬بقرة كل إنسان نفسه ‪ ,‬وال يأمرك بذبحها ‪ ,‬وكما سيأتي إن شاء ال في تفسير الحاديث ‪ ,‬فذلك‬
‫ليس إحالة للظاهر عن ظاهره ‪ ,‬ولكن ظاهر الية مفهوم منه ما جلبت له الية ‪ ,‬ودلت عليه في عرف‬
‫اللسان ‪ ,‬وثّم أفهام باطنة تفهم عند الية والحديث ‪ ,‬لمن فتح ال على قلبه ( ‪. 3‬‬
‫وقال الجيلي مفسرا قول ال عز وجل ‪ } :‬هل أتى على النسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا { يقول في‬
‫تفسيره ‪:‬‬
‫) اتفقت العلماء على أن ) هل ( في هذا الموضوع بمعنى قد ‪ :‬يعني قد أتى النسان حين من الدهر ‪ ,‬والهر هو‬
‫ال ‪ ,‬والحين تجل من تجلياته ) لم يكن شيئا ( يعني أن النسان لم يكن شيئا ) مذكورا ( ‪ ,‬ول وجود له في‬
‫ذلك التجلي ‪ ,‬ل من حيث الوجود العيني ول من حيث العملي ‪ ,‬لنه لم يكن شيئا مذكورا ‪ ,‬فلم يكن معلوما ‪,‬‬
‫وهذا التجلي هو أزل الحق الذي لنفسه ( ‪. 4‬‬
‫ثم يؤّول الجيلي الصوم والصلة والزكاة والحج تأويل باطنيا محضا ‪ ,‬كالسماعيلية تماما ‪ ,‬فيقول ‪:‬‬
‫) وأما الصلة فإنها عبارة عن واحدية الحق تعالى ‪ ,‬وإقامتها إشارة إلى إقامة ناموس الواحدية بالتصاف‬
‫بسائر السماء والصفات ‪ ,‬فالطهر عبارة عن الطهارة من النقائص الكونية ‪ ...‬وقراءة الفاتحة إشارة إلى‬
‫وجود كماله في النسان لن النسان هو فاتحة الوجود ‪....‬‬
‫وأما الزكاة فعبارة عن التزكي بإيثار الحق على الخلق ‪ ...‬وأما كونه واحدا في كل أربعين في العين فلن‬
‫الوجود له أربعون مرتبة ‪ ,‬والمطلوب المرتبة اللهية ‪ ,‬فهي المرتبة العليا ‪ ,‬وهي واحدة من أربعين ‪...‬‬
‫وأما الصوم فإشارة إلى المتناع عن استعمال المقتضيات البشرية ليتصف بصفات الصمدية ‪ ,‬فعلى قدر ما‬
‫يمتنع ‪ :‬أي يصوم عن مقتضيات البشرية تظهر آثار الحق فيه ‪...‬‬

‫‪3‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫أيضا ص ‪. 499‬‬
‫أيضا ص ‪. 497‬‬
‫لطائف المنن لبن عطاء السكندري ص ‪ 248‬بتحقيق الدكتور عبد الحليم محمود شيخ الزهر السابق ‪.‬‬
‫النسان الكامل للجيلي ص ‪. 102 , 101‬‬

‫‪164‬‬

‫وأما الحج فإشارة إلى استمرار القصد في طلب ال تعالى ‪ ,‬والحرام إشارة إلى ترك شهود المخلوقات ‪ ...‬ثم‬
‫ترك حلق الرأس إشارة إلى ترك الرياسة البشرية ‪ ...‬ثم مكة عبارة عن المرتبة اللهية ‪ ,‬ثم الكعبة عبارة عن‬
‫الذات ‪ ,‬ثم الحجر السود عبارة عن اللطيفة النسانية ‪ 1 ( ....‬ز‬
‫وبمثل ذلك ذكر الكلباذي عن بعض مشائخه أنه قال ‪:‬‬
‫) معنى الصلة ‪ :‬التجريد عن العلئق ‪ ,‬والتفريد بالحقائق ‪ ,‬والعلئق ما سوى ال ‪ ,‬والحقائق ما ل ومن ال ‪.‬‬
‫وقال آخر ‪ :‬الصلة وصل ‪.‬‬
‫‪2‬‬
‫قال ‪ :‬سمعت فارسا يقول ‪ :‬معنى الصوم ‪ :‬الغيبة عن رؤية الخلق برؤية الحق عز وجل ( ‪.‬‬
‫والسهروردي المقتول يفسر قول ال عز وجل ‪:‬‬
‫) } يوقد من شجرة مباركة زيتونة ل شرقية { ‪ :‬أي ليست عقلية محضة ‪ ,‬ول غربية ‪ :‬أي ليست هيولنية‬
‫محضة ‪ ,‬وهي بعينها شجرة موسى التي سمع منها النداء ‪ ,‬في البقعة المباركة من الشجرة ‪ ,‬وقوله ‪ :‬ولو لم‬
‫ن بورك من‬
‫تمسسه نار ‪ :‬هذه النار هو الب المقدس – روح القدس – وهو النار التي جاءت في قوله ‪ } :‬أ ْ‬
‫في النار { أي المتصلين بها ( ‪. 3‬‬
‫وقال أيضا ‪:‬‬
‫ن استقر مكانه فسوف تراني { ‪ :‬لن‬
‫) ألم تر أن موسى لما طلب الرؤية ‪ ,‬قيل له ‪ } :‬ولكن انظر إلى الجبل فإ ْ‬
‫ي إلى معدن التخيل ‪ ,‬قهره ‪ .‬كما قال ال‬
‫هذا الجبل حائل دائم التحرك ‪ ,‬شاغل للنفس ‪ .‬فلما تعدى السانح القدس ّ‬
‫تعالى ‪ } :‬فلما تجّلى ربه للجبل جعله دكا وخّر موسى صعقا ( ‪ :‬انقطع سلطان البشرية بظهور نور الحقيقة ‪,‬‬
‫فاصطلمت النفس ‪ ,‬وفنيت عن مشاهدة الكثرة بنور القيومية ( ‪. 4‬‬
‫ل أسلوبه التأويلي والتفسيري ‪:‬‬
‫وأما ابن عربي الذي قال فيه الدكتور أبو العلء العفيفي محل ً‬
‫‪5‬‬
‫) إنه يحول القرآن بمنهجه الخطير في التأويل إلى قرآن جديد ( ‪.‬‬
‫وينقل الشيخ رشيد رضا المصري ‪ ,‬عن شيخه محمد عبده رأيه في تفسيره بقوله ‪ ) :‬وفيه من النزعات ما‬
‫يتبرء منه دين ال وكتابه العزيز ( ‪. 6‬‬
‫يقول ابن عربي هذا في تفسير قول ال عز وجل ‪:‬‬
‫} الم { ‪ :‬أشار بهذه الحروف إلى كل الوجود حيث هو كل ‪ ,‬لن ) أ( إشارة إلى ذات ال الذي هو أول‬
‫الوجود ‪ ...‬و ) ل ( إلى العقل الفعال المسمى جبريل ‪ ,‬وهو أوسط الوجود الذي يستفيض من المبدأ ‪ ,‬ويفيض‬
‫إلى المنتهى ‪ .‬و ) م ( إلى محمد الذي هو آخر الوجود تتّم به دائرته ‪ ,‬وتتصل بأولها ‪ ,‬ولهذا ختم ( ‪. 7‬‬
‫ويقول السلمي الذي قال فيه الذهبي ‪:‬‬
‫) أتى السلمي في حقائقه بمصائب وتأويلت باطنية نسأل ال العافية ( ‪.‬‬
‫‪8‬‬

‫يقول في تفسير آلم ‪:‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬

‫المصدر السابق ج ‪ 2‬ص ‪ 134‬وما بعد ملخصا ‪.‬‬
‫التعرف لمذهب أهل التصوف للكلباذي ص ‪. 120‬‬
‫اللواح العمادية لشهاب الدين السهروردي المقتول ص ‪ 72‬من مجموعة الرسائل الثلثة له ‪ .‬ط مركز تحقيقات فارسي إيران وباكستان ‪.‬‬
‫أيضا ص ‪. 74‬‬
‫ابن عربي في دراساتي للدكتور أبي العلء العفيفي الكتاب التذكاري ص ‪. 13‬‬
‫انظر تفسير الظلل ج ‪ 1‬ص ‪. 18‬‬
‫تفسير ابن عربي ج ‪ 1‬ص ‪. 5‬‬
‫تذكرة الحفاظ للذهبي ج ‪ 3‬ص ‪ . 249‬ط القاهرة ‪.‬‬

‫‪165‬‬

‫) اللف ألف الوحدانية ‪ ,‬واللم لم اللطف ‪ ,‬والميم ميم الملك ‪ ,‬معناه من وجدنا على الحقيقة بإسقاط العلئق‬
‫ق العبودية إلى الملك العلى ( ‪. 9‬‬
‫والغراض تلطف له في معناه فأخرجته من ر ّ‬
‫وأما القشيري ففسر آلم ‪:‬‬
‫) فاللف من اسم )ال( ‪ ,‬واللم يدل على )اللطيف( ‪ ,‬والميم يدل على اسمه ) المجيد ( و ) الملك ( ‪.‬‬
‫وقيل أقسم ال بهذه الحروف لشرفها لنها بسائط أسمائه وخطابه ‪.‬‬
‫وقيل إنها أسماء السور ‪.‬‬
‫وقيل اللف تدل على اسم ) ال ( واللم تدل على اسم ) جبريل ( والميم تدل على اسم ) محمد ( صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ ,‬فهذا الكتاب نزل من ال على لسان جبريل إلى محمد صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫واللف من بين سائر الحروف انفردت عن أشكالها بأنها ل تتصل بحرف في الخط وسائر الحروف يتصل بها‬
‫إل حروف يسيرة ‪ ,‬فيتنبه العبد عند تأمل هذه الصفة إلى احتياج الخلق بجملتهم إليه ‪ ,‬واستغنائه عن الجميع ‪.‬‬
‫ويقال يتذكر العبد المخلص من حال’ اللف تقدس الحق سبحانه وتعالى عن التخصص بالمكان ‪ ,‬فإن سائر‬
‫الحروف لها محل من الحلق أو الشفة أو اللسان إلى غيره من المدارج غير اللف فإنها هويته ‪ ,‬ل تضاف إلى‬
‫محل ‪.‬‬
‫ويقال الشارة منها إلى انفراد العبد ل سبحانه وتعالى فيكون كاللف ل يتصل بحرف ‪ ,‬ول يزول عن حالة‬
‫الستقامة والنتصاب بين يديه ‪.‬‬
‫ويقال بطالب العبد في سره عند مخاطبتة باللف بانفراد القلب إلى ال تعالى ‪ ,‬وعند مخاطبته باللم بلين جانبه‬
‫في ) مراعاة ( حقه ‪ ,‬وعند سماع الميم بموافقة أمره فيما يكلفه ‪.‬‬
‫ويقال اختص كل حرف بصيغة مخصوصة وانفردت اللف باستواء القامة ‪ ,‬والتميز عن التصال بشيء من‬
‫أضرابها من الحروف ‪ ,‬فجعل لها صدر الكتاب إشارة إلى أن من تجرد عن التصال بالمثال والشغال حظي‬
‫بالرتبة العليا ‪ ,‬وفاز بالدرجة القصوى ‪ ,‬وصلح للتخاطب بالحروف المنفردة التي هي غير مركبة ‪ ,‬على سنة‬
‫الحباب في ستر الحال ‪ ,‬وإخفاء المر الجنبي من القصة – قال شاعرهم ‪:‬‬
‫قلت لها قفي لنا قالت قاف‬

‫ل تحسبي أنا نسينا ل يخاف‬

‫ولم يقل وقفت سترًا على الرقيب ولم يقل ل أقف مراعاة لقلب الحبيب بل ) قالت قاف ( ( ‪. 2‬‬
‫ويكتب الجيلي تحت قول ال عز وجل ‪ } :‬آلم ذلك الكتاب ل ريب فيه هدى للمتقين ‪ ,‬الذين يؤمنون بالغيب { ‪:‬‬
‫) أشار بذلك إلى حقيقة ألف لم ميم ‪ ,‬وذلك من طريق الجمال إشارة إلى الذات والسماء والصفات ) ذلك‬
‫الكتاب ( والكتاب النسان الكامل ) فألف لم ميم بما أشار إليه هو حقيقة النسان ) ل ريب فيه هدى للمتقين (‬
‫الذين هم وقاية عن الحق ‪ ,‬والحق وقاية عنهم ‪ ,‬فإن دعوت الحق فقد كنيت به عنهم ‪ ,‬وإن دعوتهم فقد كنيت‬
‫بهم عنه ) الذين يؤمنون بالغيب ( الغيب هو ال لنه غيبهم آمنوا به أنه هويتهم وأنهم عينه ) ويقيمون‬
‫الصلة ( يعني يقيمون بناموس المرتبة اللهية في وجودهم بالتصاف بحقيقة السماء والصفات ) ومما‬
‫رزقناهم ينفقون ( يعني يتصرفون في الوجود من ثمرة ما أنتجته هذه الحدية اللهية في ذواتهم ( ‪. 3‬‬

‫‪9‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫تفسير السلمس ص ‪. 17‬‬
‫لطائف الشارات للقشيري ج ‪ 1‬ص ‪ 54 , 53‬بتحقيق دكتور إبراهيم بسيوني الطبعة الثانية الهيئة المصرية العامة للكتاب ‪. 1981‬‬
‫النسان الكامل للجيلي عبد الكريم ج ‪ 2‬ص ‪. 139 , 138‬‬

‫‪166‬‬

‫ونقل عبد الحليم محمود عن أبي الحسن الشاذلي تفسير قول ال عز وجل على لسان موسى عليه السلم ‪:‬‬
‫) ) هي عصاي ( معرفتي بك ‪ ,‬أعتمد عليها ‪.‬‬
‫) أهش بها على غنمي ( أولدي في التربية ‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫) ولي فيها مآرب أخرى ( من باب لي وقت مع رّبي ل تسعني فيه أرض ول سماء ( ‪.‬‬
‫وفسر ابن عجيبة الية القرآنية ‪:‬‬
‫) ) رب أدخلني ( في الشياء حقوقا كانت أو حظوظا ) مدخل صدق ( أي إدخال صدق ‪ ,‬بأن يكون ذلك الدخال‬
‫بك ‪ ,‬معتمدا فيه على حولك وقوتك ‪ ,‬متبرئا من حولي وقوتي ومن شهود نفسي ‪.‬‬
‫) وأخرجني ( منها ) مخرج صدق ( أي إخراج صدق ‪ ,‬بأن أكون مأذونا فيه بإذن خاص ‪ ,‬مصحوبا بالخشية‬
‫وسر الخلص ‪ ,‬وهذا معنى قوله ] ليكون نظري إلى حولك وقوتك إذا أدخلتني [ في الشياء ] وإنقيادي إليك‬
‫إذا أخرجتني [ منها ‪.‬‬
‫) وأجعل لي من لدنك ( أي من مستبطن أمورك بل واسطة ول سبب ) سلطانا ( أي برهانا قويا ‪ ,‬وليس ذلك‬
‫ي من حضرة قهار ل يصادمه شيء أل دمغه ‪ ,‬فيحق الحق ويزهق الباطل ‪ ,‬ويكون ذلك السلطان‬
‫إل وارد قو ّ‬
‫ي ‪ ,‬أي ينصرني على الغيبة عن الحس وعن شهود السوى حتى نبعد عنهما برؤية‬
‫ينصرني ول ينصر عل ّ‬
‫مولهما ول ينصر على الوهم والحس وشهود الغيرية ‪.‬‬
‫ثم بين ذلك فقال ‪ ] :‬ينصرني على شهود نفسي [ أي يقويني على الغيبة عنها فإذا انتصرت على شهودها‬
‫انهزم عني وذهب شهودها وبقي شهود ربها ‪ ,‬فالنصرة على الشيء هو غلبته حتى يضمحل وينقطع وكـأن‬
‫شهود النفس عدو يحاربك ويقطعك عن شهود ربك ‪ ,‬فإذا نصرك ال عليه ودفعته عنك ‪ ,‬فتتصل حينئذ بشهود‬
‫محبوبك ‪ ,‬وإذا فني شهود النفس فني حينئذ وجود الحس ‪ ,‬وهو معنى قوله ] ويفنيني عن دائرة حسي [ فإذا‬
‫فنيت دائرة الحس بقي متسع المعاني وقضاء الشهود ‪ ,‬وهذه هي الولدة الثانية ‪ ,‬فإن النسان بعد أن خرج‬
‫من بطن أمه وهي الولدة الولى بقي مسجونا بمحيطاته ‪ ,‬محصورا في هيكل ذاته ‪ ,‬قد التقمه الهوى ‪ ,‬وصار‬
‫في بطن الحس والوهم ‪ .‬وسجن الكوان المحيطة بجسمانيته ‪ ,‬فإذا فنيت دائرة حسه وخرج من بطن عوائده‬
‫وشهوات نفسه ‪ ,‬نقبت روحه الكون بأسره ‪ ,‬وخرجت إلى شهود مكونها فقد ولد مرة ثانية ‪ ,‬وهذه الولدة ل‬
‫يعقبها فناء ول موت ( ‪. 2‬‬
‫وقال الشعراني ناقل عن سيده علي الخواص في تفسيره قول ال عز وجل ‪:‬‬
‫) ) إن الذين قالوا ربنا ال ( كّمل النبياء ) ثم استقاموا ( محمد صلى ال عليه وسلم ) تتنزل عليهم‬
‫الملئكة ( عامة النبيين ) أن ل تخافوا ول تحزنوا ( كّمل العارفين ) وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون (‬
‫جميع المؤمنين فقد بّينت هذه الية مراتب الكّمل ‪ ,‬كما بّينت التي تليها صفاتهم وأحوالهم ‪ .‬وهذه الية من‬
‫الجوامع ‪.‬‬
‫‪3‬‬
‫قال ‪ :‬ولول خوف الهتك لستار الكّمل لظهرنا لك من هذه الية عجبا ( ‪.‬‬
‫والتأويلت كهذه ل عّد لها ول حصر ‪ ,‬والقوم أشبعوا الكلم في علم الباطن والتأويل الباطني ‪ ,‬وملؤا كتبهم به‬
‫‪ ,‬وهذه الفكرة لم تتدرج إليهم إل من التشيع والشيعة ‪ ,‬كالفكار الخرى ‪.‬‬
‫والشيعة بدورهم أخذوها من اليهودية ‪ .‬وهكذا أدخل الصوفية أنفسهم في الفرق الباطنية لن السماعيلية‬
‫والنصيرية والدروز وغيرها من الفرق الباطنية لم يسّموا بالباطنية إل لقولهم ‪ :‬إن لكل ظاهر باطنا ‪ ,‬حسب‬
‫اعتراف الشعراني نفسه ‪ ,‬حيث يقول ‪:‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫المدرسة الشاذلية الحديثة وإمامها أبو الحسن الشاذلي لعبد الحليم محمود ص ‪ . 403‬ط القاهرة ‪.‬‬
‫إيقاظ الهمم لبن عجيبة ص ‪ . 452 , 451‬ط القاهرة ‪.‬‬
‫درر الغواص للشعراني ص ‪ 50‬بهامش البريز للدباغ ‪ .‬ط مصر ‪.‬‬

‫‪167‬‬

‫) السماعيلية ‪ :‬وهم قوم يسمون بالباطنية لكونهم يقولون ‪ :‬لكل ظاهر باطن ( ‪. 1‬‬
‫وأما تسمية المتصوفة العلماء والفقهاء والمسلمين الخرين الذين ل يؤمنون بباطنيتهم ‪ ,‬بأهل الظاهر ‪, ,‬‬
‫والعامة ‪ , ,‬وأهل الرسوم ‪ ,‬والنكير عليهم فمنتشر في كتبهم ‪ ,‬كما يقول ابن عربي ‪ ) :‬ما خلق ال أشق ول‬
‫أشد من علماء الرسوم على أهل ال المختصين بخدمته ‪ ,‬العارفين به من طريق الوهب اللهي ‪ ,‬الذين منحهم‬
‫أسراره في خلقه ‪ ,‬وفهم معاني كتابه وإشارات خطابه ‪ ,‬فهم لهذه الطائفة مثل الفراعنة للرسل عليهم السلم (‬
‫‪.2‬‬
‫وقال لسان الدين بن الخطيب ‪:‬‬
‫) إن كل الخلق قعدوا على الرسوم ‪ ,‬وقعدت الصوفية على الحقائق ( ‪.‬‬
‫‪3‬‬

‫أي أن الصوفية هم أهل الحقائق ‪ ,‬وسائر الناس أهل الرسوم ‪.‬‬
‫ويقول الكمشخانوي ‪ ) :‬الذين اقتصروا على الشريعة فهم العامة ( ‪. 4‬‬
‫والترمذي الملقب بالحكيم يقول في كتابه ) ختم الولياء ( ‪:‬‬
‫) أكثر الشريعة جاءت على فهم العامة ( ‪. 5‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫انظر اليواقيت والجواهر للشعراني ج ‪ 2‬ص ‪. 128‬‬
‫الفتوحات المكية لبن عربي الباب الرابع والخمسون ‪.‬‬
‫روضة التعريف ص ‪. 370‬‬
‫انظر جامع الصول في الولياء للكمشخانوي ص ‪. 89‬‬
‫ختم الولياء للترمذي ص ‪ . 237‬ط المطبعة الكاثوليكية ‪ .‬بيروت ‪.‬‬

‫‪168‬‬

‫وَرفع الت ّ َ‬
‫سخ ال ّ‬
‫كاِليف‬
‫ع ِ‬
‫شري َ‬
‫نَ ْ‬
‫ة َ‬
‫ومن العقائد الشيعية الباطنية المعروفة ‪ :‬نسخ الشريعة ‪ ,‬ورفع التكاليف ‪.‬‬

‫أما نسخ شريعة محمد صلوات ال وسلمه عليه فيؤمن به جميع فرق الباطنية ولو أنهم يتظاهرون بإنكاره‬
‫كما ذكر الغزالي ‪. 1‬‬
‫وكما ورد في أدعية اليام السبعة للمام السماعيلي المعز لدين ال ‪. 2‬‬
‫وكما قال أبو يعقوب السجستاني ‪:‬‬
‫) أما القائم عليه السلم فإنه يرفع الشرائع ( ‪.‬‬
‫‪3‬‬

‫وأيضا في الكتب النصيرية والدرزية وغيرها من الفرق الباطنية الخرى ‪.‬‬
‫وأما رفع التكاليف فيقول الداعي السماعيلي طاهر بن إبراهيم الحارثي اليماني ‪:‬‬
‫‪4‬‬
‫) حجج الليل هم أهل الباطن المحض ‪ ,‬المرفوع عنهم في أدوار الستر التكاليف الظاهرة لعلو درجاتهم ( ‪.‬‬
‫وبمثل ذلك نقلوا عن جعفر بن محمد الباقر أنه قال ‪:‬‬
‫) من عرف الباطن فقد سقط عنه عمل الظاهر ‪ ....‬ورفعت عنه الغلل والصفاد وإقامة الظاهر ( ‪.‬‬
‫‪5‬‬

‫ويشاركهم في ذلك فرق الشيعة الخرى ‪ ,‬مثل المعمرية من الخطابية والجناحية والمنصورية وغيرها من‬
‫الفرق الشيعية الخرى ‪. 6‬‬
‫مؤولين قول ال عز وجل ‪ } :‬يريد الله أن يخفف عنكم { ‪ , 7‬وقوله جل وعل ‪} :‬‬

‫موا ْ إ ِ َ‬
‫ما‬
‫و َ‬
‫س َ‬
‫ما طَ ِ‬
‫ح ِ‬
‫حا ِ‬
‫ع ِ‬
‫عَلى ال ّ ِ‬
‫جَنا ٌ‬
‫ت ُ‬
‫صال ِ َ‬
‫ذي َ‬
‫ذا َ‬
‫ع ُ‬
‫في َ‬
‫نآ َ‬
‫مُلوا ْ ال ّ‬
‫ل َي ْ َ‬
‫مُنوا ْ َ‬
‫اتَّقوا ْ ّوآَمُنوا ْ {‪. 8‬‬

‫سالكين في ذلك منهج التأويل الباطني الخبيث ‪ ,‬فتركوا الواجبات ‪ ,‬وأباحوا المحرمات ‪ ,‬وأتوا المنكرات ‪.‬‬

‫والشيعة الثنا عشرية أيضا ‪ ,‬كاذبين على أئمتهم ‪ ,‬ومتهمين إياهم بمقولت هم منها براء ‪ .‬كما روى الكليني‬
‫في كافّيه عن جعفر بن محمد الباقر أنه قال لشيعته ‪:‬‬
‫) إن الرجل منكم لتمل صحيفته من غير عمل ( ‪. 9‬‬
‫بل ) كان مع النبيين في درجتهم يوم القيامة ( ‪. 10‬‬
‫وذكر ابن بابويه القمي أن علي بن موسى الرضا – المام الثامن المعصوم عند الشيعة – قال ‪:‬‬
‫) رفع القلم عن شيعتنا ‪ ,‬فقلت ‪ :‬يا سيدي ‪ ,‬كيف ذاك ؟‬
‫‪ 1‬انظر فضائح الباطنية ص ‪ . 46‬ط مؤسسة دار الكتب الثقافية الكويت ‪.‬‬
‫‪ 2‬انظر لذلك كتابنا السماعيلية القدامى تاريخ وعقائد الباب الخامس منه ‪ ,‬أيضا كتاب زهر المعاني للداعي السماعيلي إدريس من مجموعة المنتخب‬
‫ليوانوف ‪ .‬ط بومبي ‪ ,‬أيضا النوار اللطيفة للحارثس اليماني الباب الثاني من السرادق الثالث من الفصل الخامس ص ‪. 130‬‬
‫‪ 3‬كتاب النصرة للسجستاني عن كتاب الرياض للكرماني ص ‪ . 201‬ط دار الثقافة بيروت ‪.‬‬
‫‪ 4‬النوار اللطيفة الباب الثاني السرادق الثاني ص ‪. 102‬‬
‫‪ 5‬كتاب الهفت الشريف للمفضل الجعفي ص ‪ 42‬تحقيق مصطفى غالب السماعيلي ‪ .‬ط دار الندلس بيروت ‪.‬‬
‫‪ 6‬انظر لذلك فرق الشيعة للنوبختي ‪ ,‬وكتاب المقالت والفرق لسعد بن عبد ال القمي الشيعي ‪ ,‬وكتب السنة أيضا من مقالت السلميين للشعري ‪,‬‬
‫والتبصير في الدين للسفرائيني و والعتقادات للرازي وغيرها ‪.‬‬
‫‪ 7‬النساء الية ‪. 28‬‬
‫‪ 8‬المائدة الية ‪. 93‬‬
‫‪ 9‬انظر كتاب الروضة من الكافي للكليني ج ‪ 1‬ص ‪ . 78‬ط طهران ‪.‬‬
‫‪ 10‬مقدمة البرهان في تفسير القرآن لمفسر شيعي هاشم البحراني ص ‪ . 21‬ط طهران ‪.‬‬

‫‪169‬‬

‫قال ‪ :‬لنهم أخذ عليهم العهد بالتقية في دولة الباطل ‪ ,‬يأمن الناس ويخّوفون ‪ ,‬ويكفرون فينا ول نكفر فيهم ‪,‬‬
‫ويقتلون بنا ول نقتل بهم ‪ ,‬ما من أحد من شيعتنا ارتكب ذنبا أو خطأ إل ناله في ذلك غّم يمحص عنه ذنوبه ‪,‬‬
‫ولو أتى بذنوب عدد القطر والمطر ‪ ,‬وبعدد الحصى والرمل ‪ ,‬وبعدد الشوك والشجر ( ‪. 1‬‬
‫ويذكر مفسر شيعي آخر وهو علي بن إبراهيم القمي ‪ ,‬عن جعفر أنه قال ‪:‬‬
‫ي أمير المؤمنين عليه السلم ‪ ...‬ثم يدعى بالئمة ‪ ...‬ثم يدعى بالشيعة ‪,‬‬
‫) إذا كان يوم القيامة يدعى بعل ّ‬
‫‪2‬‬
‫فيقومون أمامهم ‪ ,‬ثم يدعى بفاطمة ونسائها من ذريتها وشيعتها ‪ ,‬فيدخلون الجنة بغير حساب ( ‪.‬‬
‫ومن أراد الستزادة فليرجع إلى كتابنا الشيعة وأهل البيت ‪. 3‬‬
‫وكذلك الشيعة والسنة ‪. 4‬‬
‫وأما المتصوفة فيقولون بكل هذا ‪ ,‬سالكين مسلك هؤلء الضالة النحرفين ‪:‬‬
‫) وفي النساك قوم يزعمون أن العبادة تبلغ بهم إلى درجة تزول فيها عنهم العبادات ‪ ,‬وتكون الشياء‬
‫المحظورات على غيرهم من الزنا وغيره مباحات لهم ( ‪. 5‬‬
‫وقالوا ‪:‬‬
‫) إذا وصلت إلى مقام اليقين سقطت عنك العبادة ‪ ,‬مؤولين قول ال عز وجل ‪ :‬وأعبد ربك حتى يأتيك اليقين (‬
‫‪.6‬‬
‫ولقد أقر صوفي قديم بوجود هؤلء المتصوفة ومن هم على منوالهم – وما أكثرهم – فقال ‪:‬‬
‫) وأرتحل عن القلوب حرمة الشريعة ‪ ,‬فعّدوا قلة المبالة بالدين أوثق ذريعة ‪ ,‬ورفضوا التمييز بين الحلل‬
‫والحرام ‪ ,‬ودانوا بترك الحترام ‪ ,‬وطرح الحتشام ‪ ,‬واستخفوا بأداء العبادات ‪ ,‬واستهانوا بالصوم والصلة ‪,‬‬
‫وركضوا في ميدان الغفلت ‪ ,‬وركنوا إلى إتباع الشهوات ‪ ,‬وقلة المبالة بتعاطي المحظورات ‪ ,‬والرتفاق بما‬
‫يأخذونه من السوقة والنسوان وأصحاب السلطان ‪.‬‬
‫ثم لم يرضوا بما تعاطوه من سوء هذه الفعال ‪ ,‬حتى أشاروا إلى أعلى الحقائق و الحوال ‪ ,‬وادعوا أنهم‬
‫ق الغلل ‪ ,‬وتحققوا بحقائق الوصال ‪ ,‬وانهم تجري عليهم أحكامه وهم محو ‪ ,‬وليس ل عليهم‬
‫تحرروا من ر ّ‬
‫فيما يؤثرونه أو يذرونه عتب ول لوم ‪ ,‬وأنهم كوشفوا بأسرار الحدية ‪ ,‬واختطفوا عنهم بالكلية ‪ ,‬وزالت‬
‫عنهم أحكام البشرية ‪ ,‬وبقوا بعد فنائهم عنهم بأنوار الصمدية ‪ ,‬والقائل عنهم غيرهم إذا نطقوا ‪ ,‬والنائب‬
‫عنهم سواهم فيما تصرفوا ‪ ,‬بل صرفوا ‪.‬‬
‫ولما طال البتلء فيما نحن فيه من الزمان بما لّوحت ببعضه من هذه القصة ‪ ,‬وكنت ل أبسط إلى هذه الغاية‬
‫لسان النكار ‪ ,‬غيرة على هذه الطريقة أن يذكر أهلها بسوء أو يجد مخالف لثلبهم مساغا ‪ ,‬إذ البلوى في هذه‬
‫الديار بالمخالفين لهذه الطريقة والمنكرين عليها شديدة ( ‪. 7‬‬
‫كما أقّر بإباحتهم للمحظورات ‪ ,‬الطوسي في كتابه ‪:‬‬

‫‪ 1‬عيون أخبار الرضا لبن بابويه القمي ج ‪ 2‬ص ‪. 236‬‬
‫‪ 2‬تفسير القمي ج ‪ 1‬ص ‪. 128‬‬
‫‪ 3‬انظر ص ‪ 230‬وما بعد الطبعة الثامنة ‪ .‬ط إدارة ترجمان السنة باكستان ‪.‬‬
‫‪ 4‬انظر ص ‪ 52 , 51‬الطبعة الجديدة ‪ ,‬الثلثون ‪ .‬ط إدارة ترجمان السنة لهور باكستان ‪.‬‬
‫‪ 5‬مقالت السلميين للشعري ص ‪ . 289‬ط هلموت ريتز الطبعة الثالثة فرانزستايز ‪ 1980‬م ‪.‬‬
‫‪ 6‬اتحاف السادة للزبيدي ج ‪ 8‬ص ‪ 278‬المنقول من كتاب نشأة الفلسفة الصوفية وتطورها للكتور عرفان عبد الحميد ص ‪ . 74‬ط المكتب السلمي بيروت‬
‫‪ 1974‬م‪.‬‬
‫‪ 7‬الرسالة القشيرية ج ‪ 1‬ص ‪ , 24 , 23 , 22‬بتحقيق الدكتور عبد الحليم محمود ‪.‬‬

‫‪170‬‬

‫) زعمت الفرقة الضالة ‪ ,‬في الحظر والباحة ‪ ,‬أن الشياء في الصل مباحة ‪ ,‬وإنما وقع الحظر للتعدي ‪,‬‬
‫فإذا لم يقع التعّدي تكون الشياء على أصلها من الباحة ‪ ,‬وتأولوا قول ال عز وجل ‪َ } :‬‬
‫فَأنب َت َْنا‬

‫ق ُ‬
‫و َ‬
‫و َ‬
‫ة‬
‫ون َ ْ‬
‫ه ً‬
‫حّبا ‪ِ 0‬‬
‫ِ‬
‫ق ْ‬
‫ح َ‬
‫خًل ‪َ 0‬‬
‫ها َ‬
‫فاك ِ َ‬
‫في َ‬
‫دائ ِ َ‬
‫غل ًْبا ‪َ 0‬‬
‫ضًبا ‪َ 0‬زي ُْتوًنا َ‬
‫عن ًَبا َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫م{‪.‬‬
‫مَتا ً‬
‫عا ِ‬
‫وِلن ْ َ‬
‫مك ْ‬
‫عا لك ْ‬
‫وأّبا ‪ّ 0‬‬
‫م َ‬
‫َ‬

‫فقالوا ‪ :‬هذا على الجملة غير مفصل ‪ ,‬فأّداهم ذلك بجهلهم ‪ ,‬إلى أن طمعت نفوسهم بأن المحظور الممنوع منه‬
‫المسلمون ‪ :‬مباح لهم ‪ ,‬إذا لم يتعّدوا في تناوله ‪.‬‬
‫وإنما غلطوا في ذلك بدقيقة خفيت عليهم ‪ ,‬من جهلهم بالصول ‪ ,‬وقلة حظهم من علم الشريعة ‪ ,‬ومتابعتهم‬
‫شهوات النفس في ذلك ‪ ...‬فظنت هذه الطائفة الضالة بالباحة ‪ ,‬لن ذلك كان منهم على حال ‪ ,‬جاز لهم ترك‬
‫الحدود ‪ ,‬أو أن يجاوزوا حد متابعة المر والنهي ‪ ,‬فوقعوا من جهلهم في التيه ‪ ,‬وتاهوا ‪ ,‬وطلبوا ما مالت إليه‬
‫نفوسهم ‪ :‬من اتباع الشهوات ‪ ,‬وتناول المحظورات ‪ ,‬تأويل ‪ ,‬وحيل ‪ ,‬وكذبا ‪ ,‬وتمويها ( ‪. 1‬‬
‫وذكرهم السهروردي بقوله ‪:‬‬
‫) فقوم من المفتونين سّموا أنفسهم ملمتية ‪ ,‬ولبسوا لبسة الصوفية ‪ ,‬لينتسبوا بها إلى الصوفية ‪ ,‬وما هم من‬
‫الصوفية بشيء ‪ ,‬بل هم في غرور وغلط ‪ ,‬يتسترون بلبسة الصوفية توقيتا تارة ‪ ,‬ودعوى أخرى ‪ ,‬وينتهجون‬
‫مناهج أهل الباحة ‪ ,‬ويزعمون أن ضمائرهم خلصت إلى ال تعالى ‪ ,‬ويقولون ‪ :‬هذا هو الظفر بالمراد ‪,‬‬
‫والرتسام بمراسم الشريعة رتبة العوام ‪ ,‬والقاصرين الفهام المنحصرين في مضيق القتداء تقليدا ‪ ,‬وهذا هو‬
‫عين اللحاد والزندقة والبعاد ‪ ,‬فكل حقيقة رّدتها الشريعة فهي زندقة ‪ ,‬وجهل هؤلء المغرورون أن الشريعة‬
‫حق العبودية ‪ ,‬والحقيقة هي حقيقة العبودية ‪ ,‬ومن صار من أهل الحقيقة تقيد بحقوق العبودية وصار مطالبا‬
‫بأمور وزيادات ل يطالب بها من لم يصل إلى ذلك ‪ ,‬ل أنه يخلع عن عنقه ربقة التكليف ‪ ,‬ويخامر باطنه الزيغ‬
‫والتحريف ‪ ....‬ومن جملة أولئك قوم يقولون بالحلول ويزعمون أن ال تعالى يحل فيهم ويحل في أجسام‬
‫يصطفيها ‪ ,‬ويسبق لفهامهم معنى من قول النصارى في اللهوت والناسوت ‪.‬‬
‫ومنهم من يستبيح النظر إلى المستحسنات إشارة إلى هذا الوهم ( ‪. 2‬‬
‫وهؤلء الذين ذكرهم ابن الجوزي بقوله ‪:‬‬
‫) أعلم أن أكثر الصوفية المتصوفة قد سدوا على أنفسهم باب النظر إلى النساء الجانب لبعدهم عن‬
‫مصاحبتهن وامتناعهم عن مخالطتهن ‪ ,‬واشتغلوا بالتعبد عن النكاح ‪ ,‬واتفقت صحبة الحداث لهم على وجه‬
‫الرادة وقصد الزهادة ‪ ,‬فأمالهم إبليس إليهم ‪ ,‬واعلم أن المتصوفة في صحبة الحداث على سبعة أقسام ‪:‬‬
‫القسم الول ‪ :‬أخبث القوم وهم أناس تشبهوا بالصوفية ويقولون بالحلول ‪.‬‬
‫أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد بن سليمان ‪ ,‬نا أبو علي الحسين بن محمد بن الفضل الكرماني ‪ ,‬نا سهل‬
‫بن علي الخشاب ‪ ,‬نا أبو نصر عبد ال بن السراج ‪ ,‬قال ‪ :‬بلغني أن جماعة من الحلولية زعموا أن الحق‬
‫تعالى اصطفى أجساما حل فيها بمعاني الربوبية ‪ .‬ومنهم من قال ‪ :‬هو حال في المستحسنات ‪ .‬وذكر أبو عبد‬
‫ال بن حامد من أصحابنا أن طائفة من الصوفية قالوا ‪ :‬أنهم يرون ال عز وجل في الدنيا ‪ ,‬وأجازوا أن يكون‬
‫في صفة الدمي ولم يأبوا كونه حال في الصورة الحسنة حتى استشهدوه في رؤيتهم الغلم السود ‪.‬‬
‫القسم الثاني ‪ :‬قوم يتشبهون بالصوفية في ملبسهم ويقصدون الفسق ‪.‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫كتاب اللمع للطوسي ص ‪. 539 , 538‬‬
‫عوارف المعارف للسهروردي ص ‪. 79 , 78‬‬

‫‪171‬‬

‫القسم الثالث ‪ :‬قوم يستبيحون النظر إلى المستحسن ‪ .‬وقد صنف أبو عبد الرحمن السلمي كتابا سماه ) سنن‬
‫الصوفية ( فقال في أواخر الكتاب ‪ :‬باب في جوامع رخصهم ‪ ,‬فذكر فيه الرقص والغناء والنظر إلى الوجه‬
‫الحسن ‪.‬‬
‫وذكر فيه ما روى عن النبي عليه السلم أنه قال ‪ :‬أطلبوا الخير عند حسان الوجوه ‪ .‬وأنه قال ‪ :‬ثلثة تجلو‬
‫البصر ‪ :‬النظر إلى خضرة ‪ ,‬والنظر إلى ماء ‪ ,‬والنظر إلى الوجه الحسن ( ‪. 1‬‬
‫ثم حكى حكايات كثيرة عن هؤلء المتصوفة ‪ ,‬تدل على فسقهم وفجورهم ‪.‬‬
‫ي ‪ ,‬ل فيك إقبال وإلتفات ‪,‬‬
‫ومما ذكرها أن صبيا أمرد حكى له ‪ ,‬قال ‪ :‬قال لي الصوفي وهو يجيبني ‪ :‬يا بن ّ‬
‫حيث جعل حاجتي إليك ‪.‬‬
‫وحكى أن جماعة من الصوفية دخلوا على أحمد الغزالي وعنده أمرد ‪ ,‬وهو خال به وبينهما ورد ‪ ,‬وهو ينظر‬
‫إلى الورد تارة ‪ ,‬وإلى المرد تارة ‪ ,‬فلما جلسوا قال بعضهم ‪ :‬لعلنا كدرنا ‪ ,‬فقال ‪ :‬أي وال ‪ ,‬فتصايح الجماعة‬
‫على سبيل التواجد ‪.‬‬
‫وحكى أبو الحسين بن يوسف أنه كتب إليه في رقعة ‪ :‬أنك تحب غلمك التركي ‪ ,‬فقرأ الرقعة ثم استدعى‬
‫الغلم فصعد إليه النظر فقبله بين عينية ‪ ,‬وقال ‪ :‬هذا جواب الرقعة ‪.‬‬
‫قال المصنف رحمه ال ‪ :‬قلت ‪ :‬إني لعجب من فعل هذا الرجل وإلقائه جلباب الحياء عن وجهه ‪ ,‬وإنما‬
‫أعجب من البهائم الحاضرين كيف سكتوا عن النكار عليه ‪ ,‬ولكن الشريعة بردت في قلوب كثير من الناس ‪.‬‬
‫‪2‬‬

‫ومن البيات التي يستمع إليها الصوفية ‪ ,‬ويرقصون عليها ‪ ,‬يغّنون بها أبيات ذكر طرفا منها في كتابه ‪:‬‬
‫) أتذكر وقتنا وقــــــــــد اجتمعنا‬
‫ودارت بيننا كـــــــأس الغاني‬
‫فلم تر فيهم إل نشـــــــــــــاوى‬
‫إذا لّبى أخو اللــــــــذات فيـــــه‬
‫ولم نملك سوى المهجات شيئا‬

‫على طيب السماع إلى الصباح‬
‫فأسكرت النـــــفوس بغير راح‬
‫سرور والسرور هنــــاك صاح‬
‫ي على الفلح‬
‫منادي الـــلهو ح ّ‬
‫‪3‬‬
‫أرقــــــنا للـــــــــــحاظ مـــلح ( ‪.‬‬

‫وأيضا قال يوسف بن الحسين ‪:‬‬
‫) كل ما رأيتموني أفعله فافعلوه إل صحبة الحداث فإنها أفتن الفتن ‪ ,‬ولقد عاهدت رّبي أكثر من مائة مرة أن‬
‫ل أصحب حدثا ‪ ,‬ففسخها على حسن الخدود ‪ ,‬وقوام القدود ‪ ,‬وغنج العيون ‪ ,‬وما سألني ال معهم عن مصيبة‬
‫‪ ,‬وأنشد صريح الغواني في معنى ذلك شعرا ‪:‬‬
‫إن ورد الخدود والحــــــدق النجـ‬
‫واعوجاج الصداغ في ظاهر الخد‬
‫تركتني بين الغواني صــــــــــريعا‬

‫ـــل وما فغى الثغور من أقحوان‬
‫وما في الصدور من رمـــــــــان‬
‫‪4‬‬
‫فلهذا أدعى صريع الغــــــــواني ( ‪.‬‬

‫فعن هؤلء قال شيخ السلم ابن تيمية ‪:‬‬
‫) فكل الرسل دعوا إلى عبادة ال وحده ل شريك له ‪ ,‬وإلى طاعتهم واليمان بالرسل هو الصل الثاني من‬
‫أصلي السلم ‪ ,‬فمن لم يؤمن بأن هذا رسول ال إلى جميع العالمين وأنه يجب على جميع الخلق متابعته ‪,‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫تلبيس إبليس لبن الجوزي ص ‪ . 296 , 295‬ط دار الوعي العربي بيروت لبنان ‪.‬‬
‫انظر ص ‪ 298‬من تلبيس إبليس لبن الجوزي ‪.‬‬
‫أيضا ص ‪. 299‬‬
‫أيضا ص ‪. 305‬‬

‫‪172‬‬

‫وأن الحلل ما أحله ‪ ,‬والحرام ما حرمه ‪ ,‬والدين ما شرعه فهو كافر مثل هؤلء المنافقين ‪ ,‬ونحوهم من يجوز‬
‫الخروج عن دينه وشريعته وطاعته ‪ ,‬إما عموما أو خصوصا ‪ ...‬ويعتقدون مع هذا أنهم من أولياء ال ‪ ,‬وأن‬
‫الخروج عن الشريعة المحمدية سائغ لهم ‪ ,‬وكل هذا ضلل وباطل ‪ ,‬وإن كان لصحابه زهد وعبادة ( ‪. 1‬‬
‫وقال الحافظ ابن حزم الظاهري ‪:‬‬
‫) اّدعت طائفة من الصوفية أن في أولياء ال تعالى من هو أفضل من جميع النبياء والرسل ‪ ,‬وقالوا ‪:‬‬
‫من بلغ الغاية القصوى من الولية سقطت عنه الشرائع كلها من الصلة والصيام والزكاة وغير ذلك ‪ ,‬وحلت‬
‫له المحرمات كلها من الزنا والخمر وغير ذلك ‪ ,‬واستباحوا بهذا نساء غيرهم ‪ ,‬وقالوا بأننا نرى ال ونكلمه ‪,‬‬
‫وكلما قذف في نفوسنا فهو حق ‪.‬‬
‫ورأيت لرجل منهم يعرف بان شمعون كلما نصه أن ل تعالى مائة اسم ‪ ,‬وأن الموفي مائة هو ستة وثلثون‬
‫حرفا ليس منها في حروف الهجاء شيء إل واحد فقط ‪ ,‬وبذلك الواحد يصل أهل المقامات إلى الحق ‪ .‬وقال‬
‫أيضا ‪ :‬أخبرني بعض من رسم لمجالسة الحق أنه مّد رجله يوما فنودي ‪ :‬ما هكذا مجالس الملوك ‪ ,‬فلم يمّد‬
‫رجله بعدها ‪ .‬يعني أنه كان مديما لمجالسة ال تعالى ( ‪. 2‬‬
‫ولذلك قال ابوعلي وفا ‪:‬‬
‫) وبعد الفنا بال كن كيف ما تشا‬

‫‪3‬‬

‫فعلمك ل جهل وفعلك ل وزر ( ‪.‬‬

‫ونقل الدكتور عبد الحليم محمود قاعدة عامة للصوفية بقوله ‪:‬‬
‫) اعرف ال وكن كيف شئت ( ‪. 4‬‬
‫هذا ولقد ورد في كتب الصوفية حكايات كثيرة ل تعّد ول تحصى ‪ ,‬تدل على إتيان المتصوفة المنكر ‪ ,‬وإباحتهم‬
‫المحظورات ‪ ,‬وتركهم الواجبات ‪ ,‬ومع ذلك عّدوهم من أو لياء ال وكبار المستجابين عند الرب تبارك وتعالى‬
‫عما يقوله الفاكون علوا كبيرا ‪ ,‬عن أن يختار الفسقة الفجرة أولياءه وأصفياءه ‪.‬‬
‫منهم من ذكره ) القطب الرباني والهيكل الصمداني العارف بال عبد الوهاب الشعراني ( في طبقاته ذكر أن‬
‫سيده علي وحيش ) كان رضي ال عنه من أعيان المجاذيب أرباب الحوال ‪ ,‬وكان يأتي مصر والمحلة‬
‫وغيرهما من البلد ‪ ,‬وله كرامات وخوارق ‪ ,‬وأجتمعت به يوما في خط ما بين القصرين ‪ ,‬فقال لي ‪ :‬وّديني‬
‫للزلباني فوّديته له ‪ ,‬فدعا لي وقال ‪ :‬ال يصبرك على ما بين يديك من البلوى ‪.‬‬
‫وأخبرني الشيخ محمد الطنيخي رحمه ال تعالى قال ‪ :‬كان الشيخ وحيش رضي ال عنه يقيم عندنا في المحلة‬
‫في خان بنات الخطا ‪ ,‬وكان كل من خرج يقول له ‪ :‬قف حتى أشفع فيك عند ال قبل أن تخرج ‪ ,‬فيشفع فيه ‪,‬‬
‫وكان يحبس بعضهم اليوم واليومين ول يمكنه أن يخرج حتى يجاب في شفاعته ‪ ,‬وقال يوما لبنات الخطا ‪:‬‬
‫أخرجوا فإن الخن رائح يطبق عليكم فما سمع منهن إل واحدة ‪ ,‬فخرجت ‪ ,‬ووقع على الباقي فمتن كلهن ‪.‬‬
‫وكان إذا رأى شيخ بلد وغيره ينزله من على الحمارة ويقول له ‪ :‬أمسك رأسها لي حتى أفعل فيها ‪ ,‬فإن أبى‬
‫شيخ البلد تسّمر في الرض ل يستطيع أن يمشي خطوة ‪ ,‬وإن سمع حصل له خجل عظيم والناس يمرون عليه‬
‫‪ ,‬وكان له أحوال غريبة ( ‪. 5‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫مجموعة الرسائل والمسائل لشيخ السلم ابن تيمية ص ‪. 45 , 44‬‬
‫الفصل في الملل والهواء والنحل للحافظ ابن حزم ج ‪ 4‬ص ‪. 226‬‬
‫كتاب سيدي أحمد الدردير للدكتور عبد الحليم محمود ص ‪ . 95‬ط دار الكتب الحديثة القاهرة ‪.‬‬
‫المدرسة الشاذلية الحديثة وإمامها أبو الحسن الشاذلي ص ‪ . 53‬ط القاهرة ‪.‬‬
‫طبقات الشعراني ج ‪ 2‬ص ‪. 151 , 150‬‬

‫‪173‬‬

‫وماذا نستطيع أن نقول بعد سرد هذه الرواية عن الشعراني ‪ ,‬ثم مدحه لمثل هذا الفاجر الخبيث ‪ ,‬وجعله من‬
‫أعيان المجاذيب ‪ ,‬وأرباب الحوال ‪ ,‬وصاحب الكرامات والخوارق ‪ ,‬ومستجاب الدعوات ‪ ,‬مأذونا بالشفاعة‬
‫عند ال ‪ ,‬وليس مأذونا فحسب بل شفيعا مقبول ‪ ,‬مبشرا بقبول شفاعته فيمن أراد أن يشفع فيهم ‪ ,‬وهل هناك‬
‫استهزاء بالشريعة ‪ ,‬وتعطيل لحدود ال ‪ ,‬وتلعب بأوامر ال ونواهيه ‪ ,‬زندقة وإلحاد ‪ ,‬وفسق وفجور أكبر‬
‫من هذا ؟‬
‫هذا ما ل يوجد له نظير حتى لدى الشيعة ‪ ,‬منبع كل فساد ‪ ,‬ومصدر كل رذيلة ‪.‬‬
‫ولكن التلميذ قد فاق أستاذه ‪ ,‬والمريد مرشده ‪ ,‬والمتعلم معلمه ‪.‬‬
‫وهناك آخر من كبار مشائخ القوم ‪ ,‬يسمونه قطب الواصلين عبد العزيز الدباغ ‪ ,‬يقول ‪:‬‬
‫) إن بعض المريدين قال لشيخه ‪ :‬يا سيدي دّلني على شيء يريحني مع ال عز وجل ‪.‬‬
‫فقال ‪ :‬له الشيخ ‪ :‬إن أردت ذلك فكن شبيها له في شيء من أوصافه عز وجل ‪ ,‬فإنك إن اتصفت بشيء منها‬
‫فإنه يسكنك يوم القيامة مع أوليائه في دار نعيمه ول يسكنك مع أعدائه في دار جحيمه ‪.‬‬
‫فقال المريد ‪ :‬وكيف لي بذلك يا سيدي وأوصافه تعالى ل تنحصر ‪.‬‬
‫فقال الشيخ ‪ :‬كن شبيهه في بعضها ‪ ,‬فقال ‪ :‬وما هو يا سيدي ؟‬
‫فقال ‪ :‬كن من الذين يقولون الحق ‪ ,‬فإن من أوصافه تعالى قول الحق ‪ ,‬فإن كنت من الذين يقولون الحق فإن‬
‫ال سيرحمك ‪ ,‬فعاهد الشيخ على أن يقول الحق ‪ ,‬وافترقا ‪.‬‬
‫وكان بجوار المريد بنت فدخل الشيطان بينهما حتى فجر بها وافتضها ‪ ,‬فلم تقدر البنت على الصبر مع أنها‬
‫هي التي طلبت منه الفعل ‪ ,‬لنها تعلم أن الفتضاض ل يخفى بعد ذلك ‪,‬فأعلمت أباها فرفعه إلى الحاكم ‪,‬‬
‫وقال ‪ :‬إن هذا فعل ببنتي كذا وكذا ‪.‬‬
‫فقال الحاكم للمريد ‪ :‬أتسمع ما يقول ؟‬
‫فقال ‪ :‬صدق ‪ ,‬قد فعلت ذلك ‪ ,‬كان مستحضرا للعهد الذي فارق الشيخ عليه ‪ ,‬فلم يقدر على الجحود والنكران ‪,‬‬
‫فلما سمع منه الحاكم ما سمع ‪ ,‬قال ‪ :‬هذا أحمق ‪ ,‬اذهبوا به إلى المارستان ‪ ,‬فإن العاقل ل يقّر على نفسه بما‬
‫يعود عليه بالضرر ‪ ,‬فدخل المارستان ‪ ,‬ثم جاء من رغب الحاكم ‪ ,‬وشفع فيه فسّرحوه ( ‪. 1‬‬
‫وأحد كبار القوم و ) شهيد التصوف المام الجل نجم الملة والدين قطب السلم والمسلمين ‪ ,‬برهان السنة ‪,‬‬
‫محيي الحق نجم الدين الكبري ( يخبر عن فسقه وفجوره بأسلوب صوفي ‪ :‬فيقول ‪:‬‬
‫) عشقت واحدا ببلد المغرب فسلطت عليه الهمة فأخذته وربطته ومنعته عن سواي ‪ ,‬إل أنه كان عليه‬
‫رقباء ‪ ,‬فسكت عن صريح المقال ‪ ,‬وجعل يكلمني بلسان الحال ‪ ,‬فأهمه وأكمله كذلك فيفهمه ‪ ,‬وانتهى المر‬
‫إلى أن صرت أنا هو ‪ ,‬وهو أنا ‪ ,‬ووقع العشق إلى محض صفاء الروح ‪ ,‬فجاءتني روحه سحرا تمّرغ وجهها‬
‫في التراب وتقول ‪ :‬أيها الشيخ المان ‪ ,‬المان ‪ ,‬قتلتني أدركني ‪ ,‬فقلت ‪ :‬ماذا تريد ؟‬
‫قالت ‪ :‬أريد أن تدعني حتى أقبل قدمك ‪ ,‬فأذنت لها ‪ ,‬ففعلت ورفعت وجهها ‪ ,‬فقبلتها حتى استراحت واطمأنت‬
‫إلى صدري ( ‪. 2‬‬
‫وما دمنا تطرقنا إلى هذا الموضوع فإننا نقول ‪ :‬إن جماعة من الصوفية ولو أنهم تظاهروا بالصلح والتقوى‬
‫لم يستطيعوا أن يخفوا ويكتموا عشقهم وفسقهم ‪ ,‬وشهدوا عليهم بعدم مبالة الشرع وأحكامه ‪ ,‬والتطرق إلى‬
‫المنكرات والمحظورات ‪.‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫البريز للدباغ ص ‪ . 43‬ط مصر ‪.‬‬
‫فوائح الجمال وفواتح الجلل لنجم الدين الكبري ص ‪ . 65 , 64‬ط المانيا ‪.‬‬

‫‪174‬‬

‫فهذا هو الشيخ الكبر للصوفية محيي الدين بن عربي يرفع الستار عن شخصه وكنهه ‪ ,‬مثلما شهد تلميذه‬
‫نجم الدين الكبري على نفسه ‪ ,‬فيقول شارحا لديوانه ) ترجمان الشواق ( الذي فضحه هو وعشقه ببنت أحد‬
‫مشائخ مكة ‪ ,‬وتشبيبه وغزله فيها ‪ ,‬وقد كثر الكلم والغمز واللمز فيه ) وأحدث هذا الشعر دويا وأقاويل حوله‬
‫مما جعل بدل الحبشي وإسماعيل بن سودقين يطلبان إليه شرح هذا الديوان ( ‪. 1‬‬
‫فأراد أن يغطي ما قاله فيها من الغزل الركيك المتندح عشقا وحبا وجذبا وشوقا إلى تلك الحسناء المكية بغطاء‬
‫صوفي بدهاء ومكر ‪ ,‬فما استطاع إل إظهار ما كان خافيا من قبل أكثر بكثير ‪.‬‬
‫فانظره ماذا يقول في مقدمة ذخائره ‪ ,‬والعبارة ناطقة بصوت رفيع ل بصوت خافت ‪ ,‬بما هو مكنون بين‬
‫جنباتها وتراكيبها ‪:‬‬
‫) فإني لما نزلت مكة سنة خمسمائة وثمان وتسعين ألفيت بها جماعة من الفضلء ‪ ,‬وعصابة من الكابر‬
‫والدباء والصلحاء بين رجال ونساء ‪ ,‬ولم أر فيهم مع فضلهم مشغول بنفسه ‪ ,‬مشغوفا فيما بين يومه وأمسه‬
‫‪ ,‬مثل الشيخ العالم المام ‪ ,‬بمقام إبراهيم عليه الصلة والسلم ‪ ,‬نزيل مكة البلد المين مكين الدين أبي شجاع‬
‫زاهر بن رستم بن أبي الرجاء الصفهاني رحمه ال ‪ ...‬وكان لهذا الشيخ رضي ال عنه بنت عذراء ‪ ,‬طفيلة‬
‫هيفاء ‪ ,‬تقيد النظر ‪ ,‬وتزين المحاضر ‪ ,‬وتحير المناظر ‪ ,‬تسمى بالنظام ‪ ,‬تلقب بعين الشمس وإليها من‬
‫العابدات العالمات السابحات الزاهدات شيخة الحرمين ‪ ,‬وتربية البلد المين العظم بلمين ‪ ,‬ساحرة الطرف ‪,‬‬
‫عراقية الظرف ‪ ,‬إن أسهبت أثعبت ‪ ,‬وإن أوجزت أعجزت ‪ ,‬وإن أفصحت أوضحت إن نطقت خرس قس بن‬
‫ساعدة ‪ ,‬وإن كرمت خنس معن بن زائدة ‪ ,‬وإن وفت قصر السموأل خطاه ‪ ,‬وأغرى ورأى بظهر الغرر‬
‫وامتطاه ‪ ,‬ولول النفوس الضعيفة السريعة المراض ‪ ,‬السيئة الغراض ‪ ,‬لخذت في شرح ما أودع ال تعالى‬
‫في خلقها من الحسن ‪ ,‬وفي خلقها الذي هو روضة المزن ‪ ,‬شمس بين العلماء ‪ ,‬بستان بين الدباء ‪ ,‬حقه‬
‫مختومة ‪ ,‬واسطة عقد منظومة ‪ ,‬يتيمة دهرها ‪ ,‬كريمة عصرها ‪ ,‬سابغة الكرم ‪ ,‬عالية الهمم ‪ ,‬سيدة والديها ‪,‬‬
‫شريفة ناديها ‪ ,‬مسكها جياد وبيتها من العين السواد ومن الصدر الفؤاد أشرقت بها تهامة ‪ ,‬وفتح الروض‬
‫لمجاورتها أكمامه ‪ ,‬فنعمت أعراف المعارف ‪ ,‬بما تحمله من الرقائق واللطائف ‪ ,‬علمها عملها ‪ ,‬عليها مسحة‬
‫ملك وهمة ملك ‪ ,‬فراعينا في صحبتها كريم ذاتها مع ما انضاف إلى ذلك من صحبة العمة والوالد ‪ ,‬فقلدناها‬
‫من نظمنا فيها بعض خاطر الشتياق ‪ ,‬من تلك الذخائر والعلق ‪ ,‬فأعربت عن نفس تواقة ‪ ,‬ونبهت على ما‬
‫عندنا من العلقة ‪ ,‬اهتماما بالمر القديم ‪ ,‬و إيثارا لمجلسها الكريم ‪ ,‬فكل اسم أذكره في هذا الجزء فمنها أكني‬
‫‪ ,‬وكل دار أندبها فدارها أعني ( ‪. 2‬‬
‫ولم تكن واحدة هذه التي علق بها قلب الشيخ ‪ ,‬وهام وراءها ‪ ,‬بل كانت هناك أخرى أيضا ‪ ,‬وفي بيت ال‬
‫الحرام وجنب الكعبة ‪ ,‬انظر ماذا يقول ‪:‬‬
‫)كنت أطوف ذات ليلة بالبيت فطاب وقتي ‪ ,‬وهّزني حال كنت أعرفه ‪ ,‬فخرجت من البلط من أجل الناس‬
‫وطفت على الرمل ‪ ,‬فحضرتني أبيات فأنشدتها أسمع بها نفسي ومن يليني – لو كان هناك أحد – وهي قوله ‪:‬‬
‫ليت شعري هل دروا‬
‫وفؤادي لـــــــو درى‬
‫أتراهم سلـــــــــــموا‬
‫حار أرباب الــــهوى‬

‫ي قلــــــــــب ملكوا‬
‫أ ّ‬
‫ي شــــــعب سلكوا‬
‫أ ّ‬
‫أم تــــــــراهم هلكوا‬
‫في الهوى وأرتكبوا‬

‫فلم أشعر إل بضربة بين كتفي بكف ألين من الخّز ‪ ,‬فالتفت فإذا بجارية من بنات الروم لم أر أحسن وجهًا ‪,‬‬
‫ول أعذب منطقًا ‪ ,‬ول أرق حاشية ‪ ,‬ول ألطف معنى ‪ ,‬ول أدق إشارة ‪ ,‬ول أظرف محاورة منها ‪ ,‬قد فاقت أهل‬
‫زمانها ظرفًا وأدبًا وجمال ومعرفة ‪ ,‬فقالت ‪ :‬ياسيدي كيف قلت ؟ فقلت ‪:‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫مقدمة ذخائر العلق لمحمد عبد الرحمن الكروي ص ) و ( ط مطبعة السعادة مصر ‪.‬‬
‫ذخائر العلق لبن عربي ص ‪ 1‬إلى ‪. 4‬‬

‫‪175‬‬

‫ي قلــــــــــب ملكوا‬
‫أ ّ‬
‫ليت شعري هل دروا‬
‫فقالت ‪ :‬عجبًا منك وأنت عارف زمانك تقول مثل هذا ! أليس كل مملوك معروف ؟ وهل يصح الملك إل بعد‬
‫المعرفة وتمني الشعور يؤذن بعدمها والطريق لسان صدق فكيف يجوز لمثلك أن يقول مثل هذا ؟ قل‬
‫ياسيدي ‪ :‬ماذا قلت بعده ؟ فقلت ‪:‬‬
‫ي شــــــعب سلكوا‬
‫أ ّ‬
‫وفؤادي لـــــــو درى‬
‫فقالت ‪ :‬ياسيدي الشعب الذي بين الشغاف والفؤاد هو المانع له من المعرفة ‪ ,‬فكيف يتمنى مثلك ما ل يمكن‬
‫الوصول إليه إل بعد المعرفة ‪ ,‬والطريق لسان صدق فكيف يجوز لمثلك أن يقول مثل هذا ياسيدي !؟ فماذا قلت‬
‫بعده ؟ فقلت ‪:‬‬
‫أم تــــــــراهم هلكوا‬
‫أتراهم سلـــــــــــموا‬
‫فقالت ‪ :‬أما هم فسلموا ‪ ,‬ولكن أسأل عنك فينبغي أن تسأل نفسك ‪ :‬هل سلمت أم هلكت ياسيدي ؟ فما قلت بعده‬
‫؟ فقلت ‪:‬‬
‫في الهوى وأرتكبوا‬
‫حار أرباب الــــهوى‬
‫فصاحت وقالت ‪ :‬ياعجبًا كيف يبقى للمشغوف فضلة يحاربها ‪ ,‬والهوى شأنه التعميم ‪ .‬يخدر الحواس ويذهب‬
‫العقول ويدهش الخواطر ويذهب بصاحبه في الذاهبين فأين الحيرة وما هنا باق فيحار والطريق لسان صدق‬
‫والتجوز من مثلك غير لئق ‪ .‬فقلت ‪ :‬يابنت الخالة ما أسمك ؟ قالت ‪ :‬قرة العين ‪ .‬فقلت ‪ :‬لي ‪ .‬ثم سلمت‬
‫وانصرفت ‪ .‬ثم إني عرفتها بعد ذلك وعاشرتها فرأيت عندها من لطائف المعارف الربع ما ل يصفه‬
‫واصف(‪. 1‬‬
‫ول أدري كيف يستسيغ المدافعون عن ابن عربي أن يبرئوه من هذه الشهادة التي شهد بها على نفسه ‪ ,‬وأن‬
‫يخلصوه من ذلك المأزق الذي أوقع نفسه بنفسه فيه ‪ ,‬وهل يبيح أحد هؤلء المدافعين عنه أن يذكره أحد –‬
‫ل سمح ال – هكذا بإسمه ‪ ,‬ثم يذكر كريمته ويتسبب فيها ويتغزل كما تغزل وتشبب شيخهم الكبر في كريمة‬
‫ذلك الشيخ المكي ‪ ,‬فكيف يرضون لغيرهم ما ل يرضون لنفسهم ؟‬
‫وما دمنا بدأنا بذكر العترافات نورد ههنا اعترافا آخر من أحد مشائخ القوم يدل على سيرتهم وعلى سريرتهم‬
‫أيضا ‪ ,‬وهو أن أحمد بن المبارك راوية عبد العزيز الدباغ يذكر أن كاتبه عبد ال بن علي وأخاه عبد الرحمن‬
‫صعدا يوما على سطح مدرسة العطارين ‪ ,‬ثم ماذا حدث ؟‬
‫إسمع عنهما ‪ ,‬ما يقولن ‪:‬‬
‫) فرأينا على سطوح الدور نسوة مجتمعات ومتفرقات ‪ ,‬فجعلنا ننظر إليهن ونتذاكر أمرهن فيما بيننا ‪ ,‬نضحك‬
‫أحيانا ‪ ,‬ثم وثب أحدنا مرة إلى الهواء من قوة ما غلب علينا من المزاح ‪.‬‬
‫فلما قدمنا دار الشيخ رضي ال عنه وجلسنا في الصقلبية المعروفة جعل رضي ال عنه يضحك ضحكا‬
‫ي ‪ .‬فذكرنا له‬
‫كثيرا ‪ .‬ويقول ‪ :‬ما أملح الشيخ الذي ل يكاشف ‪ ,‬ثم قال ‪ :‬أين كنتما ؟ أصدقاني ‪ ,‬ول تكذبا عل ّ‬
‫المر الذي كان ‪.‬‬
‫فجعل رضي ال عنه يذكر لنا أمر النسوة ومكانتهن في السطوح كأنه حاضر معنا ‪ ,‬وذكر لنا أيضا الوثبة‬
‫المتقدمة من غير أن نذكرها له ‪ ,‬فذكر لنا رضي ال عنه أنه كان حينئذ جالسا مع بعض من قصده للزيارة فلم‬
‫يشعروا به حتى تفرقع بالضحك ‪ ,‬وذلك حين شاهد تلك الوثبة فظن من حضر أنه كان يضحك عليه ( ‪. 2‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫ذخائر العلق لبن عربي ص ‪. 8 , 7‬‬
‫البريز لعبد العزيز الدباغ ص ‪. 27‬‬

‫‪176‬‬

‫هذا وإن هناك صوفيا كبيرا من شبه القارة الهندية الباكستانية ل زال مشهده قائما يزار ويقام عليه العرس‬
‫سنويا ‪ ,‬ولعله من أكبر العراس في باكستان ‪ ,‬وهو مشهد الصوفي المشهور بمادهو لعل حسين ‪.‬‬
‫وأن أصحاب السير والطبقات ذكروا في ترجمته أنه كان من أولياء ال ومستجاب الدعوات ‪ ,‬وما كان يطلب‬
‫ب إل لبى طلبه ‪ ,‬فكان حافظا للقرآن وعالما فقيها ‪ ,‬ويوما من اليام كان يدرس عند شيخه سعد‬
‫شيئا من الر ّ‬
‫ال تفسير مدارك التنزيل ‪ ,‬فلما بلغ إلى قوله عز وجل ‪ ) :‬إنما الحياة الدنيا لهو ولعب ( طرأ عليه الوجد ‪,‬‬
‫وبدأ يرقص ويقول ‪ :‬ما دام أن الحياة لهو ولعب فلماذا ل نلهو ونلعب ؟‬
‫فأخذ كتبه ورماها في البئر ‪ ,‬وحلق لحيته وشواربه ‪ ,‬وأخذ كأس الخمر ‪ ,‬وبدأ يرقص في الشوراع‬
‫والسواق ‪ ,‬كما بدا يرتاد بيوت المومسات ‪ ,‬ويقضي أوقاته فيها ‪ ,‬إلى أن وقع نظره على أمرد هندوكي‬
‫جميل ‪ ,‬فوله به وكلف ‪ ,‬وعشقه ‪ ,‬وما زال يطوف حول بيته ست عشرة سنة حتى أوقعه في حباله وفخه ‪,‬‬
‫وجعل إسمه جزء من اسمه ‪ ,‬فصار مادهو لعل الحسين ‪ ,‬بعد أن كان حسينا فقط ‪ ,‬وبعد وفاته صار مزاره‬
‫مهبط النوار ‪ ,‬ومحط البركات ‪ ,‬مثل ما كان هو في حياته ‪. 1‬‬
‫هذا من جانب ‪ ,‬ومن جانب آخر يذكر الشعراني صوفيا آخر صاحب كشف ‪ ,‬فيقول ‪:‬‬
‫) سيدي شريف رضي ال عنه ورحمه كان يأكل في نهار رمضان ‪ ,‬ويقول أنا معتوق ‪ ,‬أعتقني ربي ( ‪.‬‬
‫‪2‬‬

‫ومثل هذا يذكرون عن أبي يزيد البسطامي أنه ) أخرج من كّمه رغيفا ‪ ,‬وأخذ في أكله في المدينة ‪ ,‬وكان هذا‬
‫في شهر رمضان ( ‪. 3‬‬
‫وينقلون عن الشبلي أنه كان يقول ‪:‬‬
‫) يا ويله ‪ ,‬إن صليت جحت ‪ ,‬وإن لم أصّل كفرت ( ‪.‬‬
‫‪4‬‬

‫والقصص والحكايات مثل هذه كثيرة جدا ل تعّد ول تحصى ‪ ,‬تدل على رفع التكاليف وإسقاط الشريعة ‪ ,‬وقد‬
‫نورد بعضا منها في محله في الجزء الثاني من هذا الكتاب إن شاء ال ‪.‬‬
‫وهناك عقائد وآراء وأفكار أخرى عديدة ‪ ,‬فيها تشابه كامل وتوافق تام مع الشيعة ‪ ,‬تدل على أنها مأخوذة‬
‫مقتبسة منهم ‪ ,‬ولكننا نكتفي بهذا القدر منها ‪ ,‬لجلء الموضوع ووضوح المبحث ‪ ,‬بعد ما أثبتناها من كتب‬
‫الفريقين ‪ ,‬المعتمدة الموثوقة ‪ ,‬وبسرد ألفاظهم وعباراتهم ‪ ,‬ومع تأييد الشيعة ‪ ,‬وتوثيق السنة ‪ ,‬وشهادة‬
‫الخرين من اليهود والنصارى من المستشرقين ‪.‬‬
‫فإن الشيعي اليراني المعاصر قد صّرح في كتابه ‪:‬‬
‫) تذهب جماعة إلى أن التصوف ليس إل رد فعل أوجده الفتح العربي السلمي في نفوس العنصر الري‬
‫اليراني ‪ ,‬وخلصة قولهم أن اليرانيين بعدما غلبوا على أمرهم بسيوف العرب في مواقع القادسية وجلولء‬
‫وحلوان ونهاوند ‪ ,‬أدركوا أنهم فقدوا إستقللهم وأضاعوامجدهم ‪ ,‬ثم إنهم إعتنقوا الديانة السلمية ‪ ,‬ولكن‬
‫العرب الذين كان اليرانيون ينظرون إليهم منذ القدم بنظرة غير راضية لم يستطيعوا أن يغيروا رغم‬
‫إنتصاراتهم مجرى التفكير اليراني ‪ ,‬وأن يجعلوهم مشاركين لهم في أسلوب تفكيرهم وإتجاهاتهم وميولهم‬
‫وسليقتهم ومنطقهم وكذلك في آمالهم وأمانيهم وغاياتهم الروحية المثالية لن التباين الشكلي والمعنوي أي‬
‫الفروق العنصرية والختلف في أسلوب المعيشة والوضاع الجتماعية بين هاتين المتين كان شديدا للغاية ‪.‬‬
‫وبناء على ذلك بعدما إنتهت المعارك الحربية باندحار اليرانيين بأسلوب المساجلت الفكرية التي كان لها أثر‬
‫بالغ في التاريخ الدبي والمذهبي والجتماعي والسياسي للعرب والسلم ‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫انظر تذكرة أولياء الباكستان والهند للكتور ظهور الحسن شارب ج ‪ 2‬ص ‪ 259‬وما بعد ‪.‬‬
‫طبقات الشعراني ج ‪ 2‬ص ‪. 151‬‬
‫كشف المحجوب للهجويري ترجمة عربية ص ‪. 262‬‬
‫التعرف للكلباذي ص ‪. 163‬‬

‫‪177‬‬

‫ومن أهم تلك النعكاسات التي ترتبت على تلك النفعالت الفكرية التشيع أول والتصوف ثانيا ‪ .‬وينبغي أن‬
‫نضيف إلى هذه الملحظة أن الغرض من ذ كر النفعالت في هذا الباب ليس القول بأن اليرانيين أقدموا على‬
‫هذا العمل اختاروا أو تعمدوا وقد تأتت في أكثر الظروف بحكم النفعالت النفسية وبتأثير العواطف و‬
‫الحاسيس الخفية بصورة ثابتة كما يرى علماء النفس ‪ ,‬أي من غير أن يعرف الناس أنفسهم غالبا السبب‬
‫الحقيقي أو يستطيعوا تحليل أفكارهم وأحاسيسهم إنساقت أفكارهم إلى أمثال هذه النفعالت العكسية ( ‪. 1‬‬
‫وأما الشيعي العراقي فقد كتب كتابا مستقل لثبات تأثر التصوف بالتشيع ‪ ,‬واستفادة الصوفية من الشيعة ‪,‬‬
‫وأخذهم عنهم ‪ ,‬فيقول ‪:‬‬
‫) وينبغي أن نذكر الدور الذي قام به الفرس من إخالهم مثلهم الدينية في التشيع الغالي الول حين نصروا‬
‫المختار ‪ ,‬وعاضدوا حركة الغلو العجلية ‪ ,‬وانضموا إلى حركة أبي هاشم ‪ ,‬وانضافوا إلى الحركة السرية‬
‫العباسية التي ورثت حركة أبي هاشم ‪ ,‬حتى أدى بهم المر إلى تأليه أبي مسلم الخراساني ‪ ,‬كما فعلوا مع أئمة‬
‫الشيعة من العلويين ‪ .‬يضاف إلى ذلك أنهم نصروا حركة عبد ال بن معاوية في فارس أيضا ‪ ,‬وأسبغوا عليه‬
‫النور اللهي الذي سنجده في التصوف واضحا جليا ‪.‬‬
‫وهذا كله يعني أن الفرس قد بدأوا إضافة القداسة إلى البيت النبوي بإعتبارها أساسا موازيا لسسهم‬
‫السياسية والدينية السابقة من تأليههم الملوك ‪ ,‬وقولهم بالنور الذي ينتقل من ملك إلى آخر ‪ ,‬فثبتت الولية‬
‫ي بن أبي طالب على نحو مبالغ فيه ‪ ,‬وأنتقلت هذه الولية المقدسة مع زيادات وإضافات وحواش إلى‬
‫لعل ّ‬
‫‪2‬‬
‫الئمة من بعده حتى بلغ المر حّد التأليه ( ‪.‬‬
‫وأما السنة فلقد نقلنا فيما سبق رأي شيخ السلم ابن تيمية ‪ ,‬وابن خلدون وغيرهما في ذلك الخصوص ‪ ,‬كما‬
‫ذكرنا أيضا رأي المستشرق النجليزي المشهور المتعاطف مع التصوف والصوفية – وهو نيكلسون – وبمثل‬
‫ما قاله قال جولد زيهر ‪. 3‬‬
‫وأخيرا نختم كلمنا في هذا الخصوص على مقولة المستشرق براون ) ‪ ( BROWN‬المشهورة ‪:‬‬
‫) إن التشيع والتصوف كانا من السلحة التي حارب بها الفرس العرب ( ‪. 4‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫تاريخ التصوف في ألسلم للدكتور قاسم غني اليراني ترجمة عربية لصادق نشأت ص ‪ . 14‬ط مكتبة النهضة المصرية ‪ 1970‬م‪.‬‬
‫الصلة بين التصوف والتشيع للدكتور كامل مصطفى الشيبي ج ‪ 1‬ص ‪ . 372‬ط دار الندلس بيروت ‪.‬‬
‫انظر العقيدة والشريعة في السلم لجولد زيهر ص ‪ 139‬وما بعد ‪.‬‬
‫‪. Brown : A Literary History Of Persia Vol. 1 P 410‬‬

‫‪178‬‬

‫مصادر الكتاب ومراجعه‬
‫كتب الصوفية ‪:‬‬
‫•‬

‫البريز لعبد العزيز الدباغ ط مصر ‪.‬‬
‫أحاسن المجالس لبي إسحاق إبراهيم ‪ .‬ط المكتبة السلفية ‪ .‬مكة المكرمة ‪1390‬هـ ‪.‬‬
‫أحمد بن مخلوف الشبابي لعلي الشبابي ‪ .‬ط المكتبة الشبابية الجزائر ‪ 1979‬م ‪.‬‬
‫أحوال وآثار فريد الدين مسعود كنج شكر ) أردو( ط باكستان ‪.‬‬
‫أحوال وأقوال شيخ أبي الحسن الخرقاني ) فارسي ( الطبعة الثالثة ‪ 1363‬هـ قمري إيران ‪.‬‬
‫أحوال أبدال لمحمد عبد العزيز مزنكوي ) أردو ( ط باكستان ‪.‬‬
‫إحياء علوم الدين للغزالي ‪ .‬ط دار القلم ‪ .‬بيروت ‪.‬‬
‫الخلق المتبولية لعبد الوهاب الشعراني ‪ .‬ط مطبعة دار التراث العربي القاهرة ‪.‬‬
‫آداب الصوفية لنجم الدين كبرى ) فارسي ( ‪ .‬ط كتاب فروشي زّوار إيران ‪.‬‬
‫أستاذ السائرين الحارث بن أسد المحاسبي للدكتور عبد الحليم محمود ‪ .‬ط دار الكتب الحديثة ‪.‬‬

‫‪.1‬‬
‫‪.2‬‬
‫‪.3‬‬
‫‪.4‬‬
‫‪.5‬‬
‫‪.6‬‬
‫‪.7‬‬
‫‪.8‬‬
‫‪.9‬‬
‫القاهرة ‪.‬‬
‫‪.10‬‬
‫‪.11‬‬
‫‪.12‬‬
‫‪.13‬‬
‫‪.14‬‬
‫‪.15‬‬
‫‪.16‬‬

‫أسرار الولياء ملفوظات فريد الدين ‪ .‬ط باكستان ‪.‬‬
‫أسرار نامه ) فارسي ( لعطار نيشابوري ‪ .‬ط إيران ‪.‬‬
‫السرار لبن عربي ‪ .‬ط حيدر آباد دكن الهند ‪ 1367‬هـ ‪.‬‬
‫السم العظم للغزالي ‪ .‬ط مكتبة نصير ‪ .‬القاهرة ‪.‬‬
‫اصطلحات الصوفية لكمال الدين عبد الرزاق القاشاني ‪ .‬ط الهيئة المصرية العامة للكتاب بمصر ‪.‬‬
‫اللواح العمادية للسهروردي بتحقيق نجف قلي ط مركز تحقيقات فارسي إيران وباكستان ‪.‬‬
‫المر المحكم المربوط فيما يلزم أهل الطريق لبن عربي بتحقيق محمد عبد الرحمن الكردي ‪ .‬ط‬

‫القاهرة ‪.‬‬
‫النتصار لطريق الصوفية الخيار لزمزمي بن محمد ‪ .‬ط دار مرجان للطباعة ‪ .‬مصر ‪.‬‬
‫‪.17‬‬
‫النسان الكامل لعبد الكريم الجيلي الطبعة الرابعة ‪ 1981‬م ‪.‬‬
‫‪.18‬‬
‫إنشاء الدوائر لبن عربي ط مطبعة بريل ليدن ‪1336‬هـ ‪.‬‬
‫‪.19‬‬
‫أوراد الحباب وفصوص الداب لبي المفاخر يحيى الباخرزي ‪ .‬ط طهران ‪ 1966‬م‪.‬‬
‫‪.20‬‬
‫النوار القدسية في معرفة القواعد الصوفية لعبد الوهاب الشعراني ‪ .‬ط دار إحياء التراث العربي‬
‫‪.21‬‬
‫بغداد ‪ 1984‬م‪.‬‬
‫إيقاظ الهمم في شرح الحكم لبن عجيبة الحسني ‪ .‬ط مصطفى البابي الحلبي القاهرة ‪.‬‬
‫‪.22‬‬
‫أيها الولد للغزالي ‪ .‬ط دار العتصام القاهرة ‪.‬‬
‫‪.23‬‬
‫آئينه شاه ناصر أولياء لمحمد أنور بدخشاني ‪ .‬ط كراتشي باكستان ‪.‬‬
‫‪.24‬‬
‫بايزيد النصاري للدكتور مير ولي خان ‪ .‬ط مجمع البحوث السلمية باكستان ‪ 1396‬هـ ‪.‬‬
‫‪.25‬‬
‫البرهان المؤيد لحمد الرفاعي ‪ .‬ط القاهرة ‪.‬‬
‫‪.26‬‬
‫بيان الحكام في السجادة والخرقة والعلم لعلي بن ميمون المغربي مخطوط ‪.‬‬
‫‪.27‬‬
‫تأييد الحقيقة الجلية للسيوطي ‪.‬‬
‫‪.28‬‬
‫تاريخ مشائخ جشت ) أردو ( لخليق أحمد نظامي ‪ .‬ط باكستان ‪.‬‬
‫‪.29‬‬
‫التجليات لبن عربي ط دكن الهند ‪.‬‬
‫‪.30‬‬
‫التدبيرات اللهية لبن عربي ‪ .‬ط ليدن ‪ 1336‬هـ ‪.‬‬
‫‪.31‬‬
‫تذكرة الولياء ) أردو ( لفريد الدين العطار ‪ .‬ط باكستان ‪.‬‬
‫‪.32‬‬
‫تذكرة أولياء باك وهند ) أردو ( للدكتور ظهور الحسن شارب ‪ .‬ط باكستان ‪.‬‬
‫‪.33‬‬
‫تذكرة أولياء بر صغير ) أردو ( لميرزه محمد أختر الدهلوي ‪ .‬ط باكستان ‪.‬‬
‫‪.34‬‬
‫تذكرة أولياء كرام لصباح الدين عبد الرحمن ) أردو ( ‪ .‬ط باكستان ‪.‬‬
‫‪.35‬‬
‫تذكرة صوفياء بلوجستان ) أردو ( للدكتور إنعام الحق كوثر ‪ .‬ط باكستان ‪.‬‬
‫‪.36‬‬
‫تذكرة صوفياء بنجاب ) أردو ( لعجاز الحق قدوسي ‪ .‬ط باكستان ‪.‬‬
‫‪.37‬‬
‫تذكرة غوثية ) أردو ( لشاه كل حسن قادري ‪ .‬ط باكستان ‪.‬‬
‫‪.38‬‬
‫التراجم لبن عربي ط دكن الهند ‪.‬‬
‫‪.39‬‬
‫ترتيب السلوك للقشيري ‪ .‬ط المعهد المركزي للبحاث السلمية إسلم آباد باكستان ‪.‬‬
‫‪.40‬‬

‫‪179‬‬
‫ترتيب السلوك إلى ملك الملوك لجمال الدين محمد بن عمر بحرق الحضرمي ‪ .‬ط جامعة بنجاب‬
‫‪.41‬‬
‫لهور باكستان ‪.‬‬
‫ترصيع الجواهر المكية لعبد الغني الرافعي ‪ .‬ط المطبعة العامرية مصر ‪ 1301‬هـ ‪.‬‬
‫‪.42‬‬
‫تحقيق السفار الربعة لحسن نوري ‪ .‬ط شيراز إيران ‪.‬‬
‫‪.43‬‬
‫التصوف في السلم لعرجون محمد الصادق مكتبة الكليات الزهرية ‪ .‬القاهرة ‪ 1967‬م ‪.‬‬
‫‪.44‬‬
‫التصوف والمير عبدالقادر الحسني الجزائري لجواد المرابط ‪ .‬ط دار اليقظة دمشق ‪ 1966‬م ‪.‬‬
‫‪.45‬‬
‫التصوف السلمي والمام الشعراني لطه عبد الباقي سرور ‪ .‬ط دار نهضة مصر ‪.‬‬
‫‪.46‬‬
‫التصوف في تراث ابن تيمية للدكتور طبلوي محمد سعد ‪ .‬ط الهيئة المصرية العامة للكتاب ‪1984‬‬
‫‪.47‬‬
‫م‪.‬‬
‫التصوف السلمي الخالص للمنوفي ‪ .‬ط دار النهضة مصر ‪.‬‬
‫‪.48‬‬
‫تصوف إسلم ) أردو ( لعبد الماجد دريا آبادي ط باكستان ‪.‬‬
‫‪.49‬‬
‫التعرض لمذهب أهل التصوف لبي بكر محمد الكلباذي الطبعة الثالثة مكتبة الكليات الزهرية‬
‫‪.50‬‬
‫القاهرة ‪ 1400‬هـ ‪.‬‬
‫التعريفات للجرجاني مخطوط ‪.‬‬
‫‪.51‬‬
‫تفسير ابن عربي ‪ .‬ط انتشارات ناصر خسرو طهران ‪.‬‬
‫‪.52‬‬
‫تنبيه المغتربين لعبد الوهاب الشعراني ط مصر ‪.‬‬
‫‪.53‬‬
‫تنبيه الغافلين لبي الليث بن نصر محمد ط مصطفى البابي الحلبي القاهرة ‪ 1933‬م‪.‬‬
‫‪.54‬‬
‫ثلث رسائل لشهاب الدين السهر وردي ‪ .‬ط مركز تحقيقات فارسي إيران وباكستان ‪.‬‬
‫‪.55‬‬
‫جامع الصول في الولياء لحمد الكمشخانوي ‪ .‬ط المطبعة الوهيبية طرابلس الشام ‪ 1298‬هـ ‪.‬‬
‫‪.56‬‬
‫جامع كرامات الولياء لبن عربي ‪ .‬ط دار صادر بيروت ‪.‬‬
‫‪.57‬‬
‫جامي ) فارسي ( لعلي أصغر حكمت ‪ .‬ط انتشارات توس إيران ‪.‬‬
‫‪.58‬‬
‫جمهرة الولياء لبي الفيض المنوفي الحسيني ‪ .‬ط مؤسسة الحلبي القاهرة ‪.‬‬
‫‪.59‬‬
‫الجواب المستقيم لبن عربي مخطوط ‪.‬‬
‫‪.60‬‬
‫الجواهر والدرر للشعراني ‪ .‬ط مصر ‪.‬‬
‫‪.61‬‬
‫الجواهر اللماعة لعلي المرزوقي ‪ .‬ط مصطفى البابي الحلبي مصر ‪.‬‬
‫‪.62‬‬
‫جهل مجلس لعلء الدين سمناني بتصحيح عبد الرفيع حقيقت ) فارسي ( ‪.‬‬
‫‪.63‬‬
‫الحديقة الندية شرح الطريقة المحمدية ‪ .‬ط باكستان ‪.‬‬
‫‪.64‬‬
‫الحب اللهي في التصوف السلمي لمحمد مصطفى حلمي ‪ .‬ط القاهرة ‪1960‬م‪.‬‬
‫‪.65‬‬
‫حضرات القدس ) فارسي ( لبدر الدين سرهندي ‪ .‬ط لهور ‪ 1971‬م ‪.‬‬
‫‪.66‬‬
‫حقائق عن التصوف لعبد القادر عيسى الطبعة الرابعة ‪ .‬المطبعة الوطنية عمان ‪1401‬هـ ‪.‬‬
‫‪.67‬‬
‫حكمة الشراق لشهاب الدين السهروردي ‪.‬‬
‫‪.68‬‬
‫حلية الولياء وطبقات الصفياء لبي نعيم الصبهاني ‪ .‬ط دار الكتاب العربي بيروت ‪1980‬م‪.‬‬
‫‪.69‬‬
‫الحلج لطه عبد الباقي سرور ‪ .‬ط دار نهضة مصر القاهرة ‪.‬‬
‫‪.70‬‬
‫حياة القلوب في كيفية الوصول إلى المحجوب بهامش قوت القلوب ‪ .‬ط دار صادر بيروت ‪.‬‬
‫‪.71‬‬
‫الخبر الدال على وجود القطب والوتاد للسيوطي مخطوط ‪.‬‬
‫‪.72‬‬
‫ختم الولية للحكيم الترمذي ‪ .‬ط المطبعة الكاثوليكية بيروت ‪.‬‬
‫‪.73‬‬
‫خزينة الصفياء ) أردو( لمفتي غلم سرور ‪ .‬طبعة باكستان ‪.‬‬
‫‪.74‬‬
‫خزينة معرفت ) أردو ( للصوفي محمد إبراهيم قصوري ‪ .‬ط باكستان ‪.‬‬
‫‪.75‬‬
‫درر الغواص على فتاوى سيدي علي الخواص لعبد الوهاب الشعراني ‪ .‬بهامش البريز للدباغ ‪ .‬ط‬
‫‪.76‬‬
‫مصر ‪.‬‬
‫الدر المنظم في السم العظم للسيوطي ط مكتبة نصير القاهرة ‪.‬‬
‫‪.77‬‬
‫الدرر الثمين والمورد المعين لمحمد بن أحمد المالكي ‪ .‬ط مصطفى البابي الحلبي ‪ 1954‬م ‪.‬‬
‫‪.78‬‬
‫الدرر السنية في الطريقة التيجانية لمحمد سعد الرباطابي ‪ .‬مكتبة القاهرة ‪.‬‬
‫‪.79‬‬
‫دلئل الخيرات ‪ .‬ط مصطفى البابي الحلبي ‪ 1346‬هـ ‪.‬‬
‫‪.80‬‬
‫ديوان ابن عربي ‪ .‬ط مكتبة محمد ركابي الرشيدي القاهرة ‪.‬‬
‫‪.81‬‬
‫ديوان ابن فارض ‪ .‬ط مكتبة القاهرة ‪ 1399‬هـ ‪.‬‬
‫‪.82‬‬
‫ديوان البرعي ‪ .‬ط مصطفى البابي الحلبي القاهرة ‪.‬‬
‫‪.83‬‬
‫ديوان البوصيري لشرف الدين بوصيري ‪ .‬ط مصطفى البابي الحلبي مصر ‪.‬‬
‫‪.84‬‬
‫ديوان الحلج الطبعة الثانية بغداد ‪ 1404‬هـ ‪.‬‬
‫‪.85‬‬
‫ديوان منصور حلج ) فارسي ( ط انتشارات كتابخانه سنائي طهران ‪.‬‬
‫‪.86‬‬
‫ديوان فريد الدين عطار نيشابوري ) فارسي ( ط كتابخانه سنائي طهران ‪.‬‬
‫‪.87‬‬

‫‪180‬‬
‫ذخائر العلق لبن عربي ‪ .‬ط مكتبة الكليات الزهرية القاهرة ‪.‬‬
‫‪.88‬‬
‫راحة القلوب ملفوظات فريد الدين كنج شكر ) أردو( ط باكستان ‪.‬‬
‫‪.89‬‬
‫الرسالة القشيرية لعبد الكريم القشيري ‪ .‬ط دار الكتب الحديثة القاهرة ‪ 1974‬م ‪.‬‬
‫‪.90‬‬
‫رسالة النصوص لمحمد إسحاق القونوي ‪ .‬ط مشهد إيران ‪.‬‬
‫‪.91‬‬
‫الرستميات ) فارسي ( لبي سعيد محمد بن محمد الرستمي ‪ .‬ط مجمع البحوث السلمية إسلم آباد‬
‫‪.92‬‬
‫باكستان ‪.‬‬
‫روح السنة وروح النفوس المطمئنة لحمد بن إدريس ‪ .‬ط دار إحياء الكتب العربية مصر ‪.‬‬
‫‪.93‬‬
‫روضة التعريف بالحب الشريف للسان الدين بن الخطيب ‪ .‬ط دار الفكر العربي ‪.‬‬
‫‪.94‬‬
‫زبدة الحقائق لعزيز الدين النسفي تقديم حق وردي ناصري ‪ .‬ط كتابخانه طهوري طهران ‪.‬‬
‫‪.95‬‬
‫ساعة مع العارفين لسعيد العظمي ‪ .‬ط دار العتصام القاهرة ‪.‬‬
‫‪.96‬‬
‫سبيل الذكار والعتبار لعبد ال باعلوي الحداد بهامش النصائح الدينية للمؤلف المذكور ‪ .‬ط مطبعة‬
‫‪.97‬‬
‫إحياء الكتب العربية القاهرة ‪.‬‬
‫سبيل الجنة في التربية بالطريقة القادرية لمحمد ناصر ‪ .‬ط الهند ‪.‬‬
‫‪.98‬‬
‫سر سبر دكانه ) فارسي ( لمحمد علي ‪ .‬ط كتابخانه منوشري إيران ‪.‬‬
‫‪.99‬‬
‫سيدي أحمد الدردير للدكتور عبد الحليم محمود ‪ .‬ط دار الكتب الحديثة القاهرة ‪.‬‬
‫‪.100‬‬
‫السيد البدوي بين الحقيقة والخرافة للدكتور أحمد صبحي منصور الطبعة الولى مطبعة الدعوة السلمية‬
‫‪.101‬‬
‫مصر ‪.‬‬
‫السيد البدوي لحمد محمد حجاب ‪ .‬ط مؤسسة سعيد للطباعة مصر ‪.‬‬
‫‪.102‬‬
‫سير القطاب ) أردو ( لعبد الرحيم ‪ .‬ط باكستان ‪.‬‬
‫‪.103‬‬
‫سير الولياء لمحمد بن مبارك علوي ‪ .‬ط مؤسسة انتشارات إسلمي باكستان ‪.‬‬
‫‪.104‬‬
‫سير العارفين ) أردو ( لحامد بن فضل ال جمالي ‪ .‬ط لهور باكستان ‪.‬‬
‫‪.105‬‬
‫شجرة الكون لبن عربي ‪ .‬ط باكستان ‪1980‬م‪.‬‬
‫‪.106‬‬
‫شرح الحجب والستار لرزبهان أبي محمد ط حيدر آباد العند ‪ 1333‬هـ ‪.‬‬
‫‪.107‬‬
‫شرح الزيادة للجماعة الكبيرة لحمد بن زين الدين مطبع السادات إيران ‪.‬‬
‫‪.108‬‬
‫شرح المسائل الروحانية لبن عربي ضمن كتاب ختم الولية للحكيم الترمذي ‪ .‬ط المطبعة الكاثوليكية‬
‫‪.109‬‬
‫بيروت ‪.‬‬
‫شرح مقدمة التائية الكبرى لداود القيصري مخطوط ‪.‬‬
‫‪.110‬‬
‫شرح شطحيات ) فارسي ( لروزبهان بقلي شيرازي بتصحيح هنري كربين ‪ .‬ط طهران ‪.‬‬
‫‪.111‬‬
‫شرح الفصوص للقيصري مخطوط ‪.‬‬
‫‪.112‬‬
‫شرح حال الولياء لعز الدين المقدسي مخطوط ‪.‬‬
‫‪.113‬‬
‫الشريعة والحقيقة للدكتور حسن محمد شرقاوي ‪ .‬ط القاهرة ‪.‬‬
‫‪.114‬‬
‫شموس النوار لبن الحاج تلمساني ‪ .‬ط مصطفى البابي الحلبي القاهرة ‪.‬‬
‫‪.115‬‬
‫شهاب الدين السهروردي للدكتور إبراهيم مدكور ‪ .‬ط الهيئة المصرية العامة للكتاب ‪.‬‬
‫‪.116‬‬
‫صوم القلب لعمار البدليسي مخطوط ‪.‬‬
‫‪.117‬‬
‫الصلة الكبرى لبن عربي مخطوط ‪.‬‬
‫‪.118‬‬
‫الطبقات للسلمي ‪ .‬ط مطابع الشعب القاهرة ‪ 1380‬هـ ‪.‬‬
‫‪.119‬‬
‫طبقات الولياء لبن الملقن ‪ .‬ط مكتبة الخانجي القاهرة ‪ 1393‬هـ ‪.‬‬
‫‪.120‬‬
‫الطبقات الكبرى للشعراني ‪ .‬ط دار العلم للجميع ‪ ,‬و ط المطبعة العامرية العثمانية ‪ 1305‬هـ القاهرة ‪.‬‬
‫‪.121‬‬
‫الطبقات الصغرى للشعراني ‪ .‬ط مكتبة القاهرة الطبعة الولى ‪ 1390‬هـ ‪.‬‬
‫‪.122‬‬
‫الطبقات في خصوص الولياء والصالحين والعلماء والشعراء في السودان لمحمد ضيف ال الجعلي الفضلي ‪.‬‬
‫‪.123‬‬
‫ط المكتبة الثقافية بيروت ‪ .‬لبنان ‪.‬‬
‫الطريق إلى ال لبي سعيد الخراز ‪ .‬ط دار الكتب الحديثة مصر ‪.‬‬
‫‪.124‬‬
‫طريق النجاة ) فارسي ( لكريم خان كرماني مطبع السادات إيران ‪ 1396‬هـ ‪.‬‬
‫‪.125‬‬
‫طهارة القلوب لعبد العزيز الدريني ‪ .‬ط مصطفى البابي الحلبي القاهرة ‪.‬‬
‫‪.126‬‬
‫الطواسين للحلج ‪ .‬ط المعارف باكستان ‪.‬‬
‫‪.127‬‬
‫عبد ال النصاري الهروي للدكتور محمد سعيد عبد المجيد ‪ .‬ط دار الكتب الحديثة مصر ‪.‬‬
‫‪.128‬‬
‫عبد ال خويشكي قصوري ) أردو ( لمحمد إقبال مجددي ‪ .‬ط باكستان ‪.‬‬
‫‪.129‬‬
‫عبد الرحمن الثعالبي والتصوف لعبد الرزاق قسوم ‪ .‬ط الشركة الوطنية الجزائر ‪.‬‬
‫‪.130‬‬
‫العظة والعتبار في حياة السيد البدوي لحمد محمد الحجاب ‪ .‬ط القاهرة ‪.‬‬
‫‪.131‬‬
‫العروة للسمناني مخطوط ‪.‬‬
‫‪.132‬‬
‫عقلة المستوفز لبن عربي ‪ .‬ط مطبعة بريل ليدن ‪ 1336‬هـ ‪.‬‬
‫‪.133‬‬

‫‪181‬‬
‫عقيدة أهل المعاني في شرح قصيدة بدء المالي لبي الحسن محمد الدوسي ‪ .‬ط مكتبة ايشق تركيا ‪.‬‬
‫العقل وفهم القرآن للحارث بن أسد المحاسبي ‪ .‬ط دار الكندي الطبعة الثالثة ‪ 1402‬هـ ‪.‬‬
‫العلوم اللهية والسرار الربانية لبن عربي ‪ .‬ط مكتبة نصير القاهرة ‪.‬‬
‫عوارف المعارف لعبد القاهر السهروردي ‪ .‬ط دار الكتاب العربي بيروت ‪ 1403‬هـ ‪.‬‬
‫غزليات شمس تبريزي ) فارسي ( ط طهران ‪.‬‬
‫غيث المواهب العلية في شرح حكم العطائية للنفزي الرندي ‪ .‬ط دار الكتب الحديثة القاهرة ‪ 1970‬م ‪.‬‬
‫الفتح الرباني والفيض الرحماني لعبد القادر الجيلني ‪ .‬ط مصطفى البابي الحلبي القاهرة ‪.‬‬
‫الفتح المبين فيما يتعلق بترياق المحبين لبي الظفر القادري الطبعة الولى المطبعة الخيرية مصر ‪1306‬‬

‫‪.134‬‬
‫‪.135‬‬
‫‪.136‬‬
‫‪.137‬‬
‫‪.138‬‬
‫‪.139‬‬
‫‪.140‬‬
‫‪.141‬‬
‫هـ ‪.‬‬

‫الفتح الرباني لعبد العزيز نابلوسي ‪ .‬المطبعة الكاثوليكية بيروت ‪1960‬م ‪.‬‬
‫‪.142‬‬
‫الفتوحات اللهية لبن عجيبة الحسني ‪ .‬ط عالم الفكر القاهرة ‪.‬‬
‫‪.143‬‬
‫الفتوحات المحمدية لمبارك علي ز ط باكستان ‪ 1981‬م ‪.‬‬
‫‪.144‬‬
‫الفتوحات المكية لبن عربي ‪ .‬ط الهيئة المصرية العامة للكتاب ‪ 1405‬هـ ‪.‬‬
‫‪.145‬‬
‫فتوحات نامه لعبد الرزاق كاشاني ) فارسي ( ط طهران ‪.‬‬
‫‪.146‬‬
‫فرائد الللي من رسائل الغزالي بتحقيق محمد بخيت ط فرج ال ذكي الكردي مصر ‪ 1344‬هـ ‪.‬‬
‫‪.147‬‬
‫فرحة الناظرين لمحمد أسلم ) أردو ( ‪ .‬ط باكستان ‪.‬‬
‫‪.148‬‬
‫فصوص الحكم لبن عربي بتعليقات الدكتور أبي العلء العفيفي ‪ .‬ط دار الكتاب العربي بيروت ‪.‬‬
‫‪.149‬‬
‫فوائح الجمال وفواتح الجلل لنجم الدين كبري ‪.‬‬
‫‪.150‬‬
‫فوائد الفواد ملفوظات خواجه نظام الدين أولياء ) أردو ( ‪ .‬ط أوقاف ل هور باكستان ‪.‬‬
‫‪.151‬‬
‫الفوائد في الصلت والعوائد لشهاب الدين الشرجي اليمني ‪ .‬ط مصطفى البابي الحلبي مصر ‪ 1388‬هـ ‪.‬‬
‫‪.152‬‬
‫فوائد العز السنى في شرح أسماء ال الحسنى وخواصها لمحمد الشبراوي الشافعي بهامش الفوائد لشهاب‬
‫‪.153‬‬
‫الدين الشرجي ‪ .‬ط مصطفى البابي الحلبي ‪ .‬مصر ‪.‬‬
‫قرة العيون ومفّرح القلب المحزون لبي ليث السمرقندي ‪ .‬ط دار إحياء الكتب العربية مصر ‪.‬‬
‫‪.154‬‬
‫القصد للشاذلي مخطوط ‪.‬‬
‫‪.155‬‬
‫قلدة الجواهر في ذكر الرفاعي وأتباعه الكابر لمحمد أبي الهدى الرفاعي ‪ .‬ط بيروت ‪ 1400‬هـ ‪.‬‬
‫‪.156‬‬
‫قواعد التصوف لحمد بن زروق ‪ .‬ط مكتبة الكليات الزهرية القاهرة ‪ 1976‬م‪.‬‬
‫‪.157‬‬
‫قوانين حكم الشراق لبي المواهب الشاذلي ‪ .‬ط مكتبة الكليات الزهرية مصر ‪.‬‬
‫‪.158‬‬
‫قوت القلوب لبي طالب المكي ‪ .‬ط دار صادر بيروت ‪.‬‬
‫‪.159‬‬
‫كتاب الستبصار لهل الذكار لحمد محمود زين الدين الحسيني ‪ .‬ط مطبعة النوار القاهرة ‪.‬‬
‫‪.160‬‬
‫كتاب البرهان الزهر في مناقب الشيخ الكبر لمحمود رجب حامي ‪.‬‬
‫‪.161‬‬
‫كتاب المخاطبات لمحمد بن عبد الجبار النفزي ‪ .‬ط مطبعة دار الكتب المصرية القاهرة ‪.‬‬
‫‪.162‬‬
‫كتاب المواقف لمحمد بن عبد الجبار النفزي ‪ .‬ط مطبعة دار الكتب المصرية القاهرة ‪.‬‬
‫‪.163‬‬
‫كشف الحجاب لحمد بن الحاج العياشي ‪ .‬ط ‪1381‬هـ ‪1934‬م ‪.‬‬
‫‪.164‬‬
‫كشف الحقائق للنسفي بتصحيح الدكتور أحمد مهدي ) فارسي ( ط طهران ‪ 1359‬هـ ‪.‬‬
‫‪.165‬‬
‫كشف الغمة عن جميع الئمة للشعراني ‪.‬ط مصطفى البابي الحلبي القاهرة ‪.‬‬
‫‪.166‬‬
‫كشف المحجوب للهجويري ترجمة عربية ‪ .‬ط دار النهضة العربية بيروت ‪.‬‬
‫‪.167‬‬
‫كفاية التقياء ومنهاج الصفياء للكبري المكي الدمياطي ‪ .‬ط دار الكتب العربية الكبرى مصر ‪ 1325‬هـ ‪.‬‬
‫‪.168‬‬
‫كلزار أبرار لمحمد غوثي شطاري ) أردو ( ط باكستان ‪.‬‬
‫‪.169‬‬
‫كلزار صوفياء ) أردو ( لعالم فقري ‪ .‬ط باكستان ‪.‬‬
‫‪.170‬‬
‫كلمة الحق لعبد الرحمن ) أردو ( ‪ .‬ط لكنو الهند ‪1883‬م ‪.‬‬
‫‪.171‬‬
‫كليات وديوان شمس تبريزي ) فارسي ( لجلل الدين محمد بلخي ‪ .‬ط نشر طلوع إيران ‪.‬‬
‫‪.172‬‬
‫الكندي وآراؤه الفلسفية للدكتور عبد الرحمن شاه ولي ‪ .‬ط مجمع البحوث العلمية باكستان ‪.‬‬
‫‪.173‬‬
‫كنجية كوهر ) فارسي ( لمل أحمدي قاضي ‪ .‬ط مطبعة الحوادث إيران ‪.‬‬
‫‪.174‬‬
‫لطائف المنن والخلق لعبد الوهاب الشعراني ‪ .‬ط القاهرة ‪.‬‬
‫‪.175‬‬
‫لطائف المنن لبن عطاء ال السكندري ‪ .‬ط مطبعة حسان القاهرة ‪.‬‬
‫‪.176‬‬
‫اللطف الداني لعبد الوهاب محمد أمين ‪ .‬ط القاهرة ‪.‬‬
‫‪.177‬‬
‫اللمع لسراج الدين الطوسي ‪ .‬ط دار الكتب الحديثة مصر ‪.‬‬
‫‪.178‬‬
‫اللمحات لشهاب الدين السهروردي ‪ .‬ط مركز تحقيقات فارسي إيران وباكستان ‪ 1984‬م ‪.‬‬
‫‪.179‬‬
‫اللمعات لفخر الدين عراقي ) فارسي ( ط إيران ‪.‬‬
‫‪.180‬‬
‫لوائح لعبد الرحمن جامي ) فارسي ( ‪ .‬ط لهور باكستان ‪.‬‬
‫‪.181‬‬
‫المثنوي العربي النوري لسعيد النوري ‪ .‬ط مطبعة الزهراء بغداد ‪.‬‬
‫‪.182‬‬

‫‪182‬‬
‫المجالس الرفاعية لحمد الرفاعي ‪ .‬ط مطبعة الرشاد بغداد ‪.‬‬
‫‪.183‬‬
‫مجموع مخطوط بالفاتيكان عربي رقم ‪. 1242‬‬
‫‪.184‬‬
‫مجموعة في الحكمة المشرقية لشهاب الدين السهروردي ‪.‬‬
‫‪.185‬‬
‫المحبة والشوق للغزالي ‪ .‬ط مصطفى البابي الحلبي القاهرة ‪.‬‬
‫‪.186‬‬
‫محاسن المجالس لبن العريف ‪ .‬ط باريس ‪ 1933‬م‪.‬‬
‫‪.187‬‬
‫محمد سليمان تونسوي ) أردو( للدكتور محمد حسين للّهي ‪ .‬ط باكستان ‪.‬‬
‫‪.188‬‬
‫محيي الدين ابن عربي ) فارسي ( للدكتور محسن جهانغيري الطبعة الثانية طهران ‪.‬‬
‫‪.189‬‬
‫محيي الدين ابن عربي لطه عبد الباقي سرور ز ط القاهرة ‪.‬‬
‫‪.190‬‬
‫مختصر تذكرة القرطبي لعبد الوهاب الشعراني ‪ .‬ط دار إحياء الكتب العربية مصر ‪.‬‬
‫‪.191‬‬
‫المدرسة الحديثة الشاذلية وإمامها أبو الحسن الشاذلي للدكتور عبد الحليم محمود ‪ .‬ط دار الكتب الحديثة‬
‫‪.192‬‬
‫القاهرة ‪.‬‬
‫مدينة الولياء ) أردو ( لمحمد دين كليم قادري ‪ .‬ط باكستان ‪.‬‬
‫‪.193‬‬
‫مشتهى الخارف الجاني لمحمد الخضر الشنقيطي ‪.‬‬
‫‪.194‬‬
‫مصباح العلوم في معرفة الحي القيوم لحمد بن حسن الرصاص ‪ .‬ط دار العتصام القاهرة ‪.‬‬
‫‪.195‬‬
‫مطالع المسرات لمحمد المهدي بن أحمد ‪ .‬ط مصطفى البابي الحلبي مصر ‪.‬‬
‫‪.196‬‬
‫معارج المقربين لمحمد ماضي أبي العزائم ‪ .‬دار الثقافة العربية للطباعة مصر ‪.‬‬
‫‪.197‬‬
‫المعارضة والرد لسهل بن عبد ال التستري ‪ .‬ط دار النسان القاهرة ‪.‬‬
‫‪.198‬‬
‫المقدمات للفرغاني مخطوط ‪.‬‬
‫‪.199‬‬
‫مقصود المؤمنين لبايزيد النصاري ‪ .‬ط مجمع البحوث السلمية إسلم آباد باكستان ‪.‬‬
‫‪.200‬‬
‫مكاشفة القلوب للغزالي ‪ .‬ط الشعب القاهرة ‪.‬‬
‫‪.201‬‬
‫مناقب العارفين للفكاني ) فارسي ( ط دنياء كتاب الطبعة الثانية ‪ 1362‬هجري قمري ‪.‬‬
‫‪.202‬‬
‫مناقب الصوفية لقطب الدين المروزي ‪ .‬ط طهران ‪.‬‬
‫‪.203‬‬
‫مناقب الصوفية ) فارسي ( لبي المظفر المروزي باهتمام محمد تقي وايرج اخشار ‪ .‬ط طهران ‪.‬‬
‫‪.204‬‬
‫مناقب الصوفية ) فارسي ( لمنصور بن اردشير ط إيران ‪.‬‬
‫‪.205‬‬
‫مناقب العارفين لشمس الدين الفلكي ) فارسي ( ط دنياء كتاب إيران ‪.‬‬
‫‪.206‬‬
‫من أعلم التصوف السلمي لطه عبد الباقي سرور ‪ .‬ط دار نهضة مصر ‪.‬‬
‫‪.207‬‬
‫المنتخبات من مكتوبات المجدد ) فارسي ( ‪ .‬مكتبة ايشيق تركيا ‪.‬‬
‫‪.208‬‬
‫المنقذ من الضلل للغزالي ‪ .‬ط دار الكتاب اللبناني بيروت ‪.‬‬
‫‪.209‬‬
‫المنقذ من الضلل مجموعة مؤلفات عبد الحليم محمود ‪ .‬ط دار الكتاب اللبناني بيروت ‪.‬‬
‫‪.210‬‬
‫منازل السائرين مع العلل والمقامات لعبد ال النصاري الهروي ‪ ,‬ط إيران ‪.‬‬
‫‪.211‬‬
‫منبع أصول الحكمة لبي العباس أحمد بن علي بوني ‪ .‬ط مصطفى البابي الحلبي ‪.‬‬
‫‪.212‬‬
‫منح المنة لعبد الوهاب الشعراني ‪ .‬ط مكتبة عالم الفكر القاهرة ‪1399‬هـ ‪.‬‬
‫‪.213‬‬
‫منطق الطير لفريد الدين العطار ‪ .‬ط دار الندلس بيروت ‪.‬‬
‫‪.214‬‬
‫منهاج العابدين للغزالي ‪ .‬ط مصطفى البابي الحلبي مصر ‪.‬‬
‫‪.215‬‬
‫المنهج الموصل إلى الطريقة النهج لمصطفى الصادقي مخطوط ‪.‬‬
‫‪.216‬‬
‫المواقف اللهية لبن قضيب البان ضمن كتاب النسان الكامل للبدوي ‪ .‬ط الكويت ‪.‬‬
‫‪.217‬‬
‫مولنا رومي لبشير محمود أختر ) أردو( ط إدارة ثقافت إسلمية باكستان ‪.‬‬
‫‪.218‬‬
‫مواقع النجوم لبن عربي ‪ .‬ط مطبعة السعادة مصر ‪ 1325‬هـ ‪.‬‬
‫‪.219‬‬
‫مهرمنير لمهر علي شاه ) أردو( ط باكستان ‪.‬‬
‫‪.220‬‬
‫نزهة المجالس لعبد الرحمن الصفوري ‪ .‬ط مكتبة الشرق الجديد بغداد العراق ‪.‬‬
‫‪.221‬‬
‫نساء فاضلت لعبد البديع صفر ‪ .‬ط دار العتصام القاهرة ‪.‬‬
‫‪.222‬‬
‫نسيم النس لزين الدين بن رجب مخطوط ‪.‬‬
‫‪.223‬‬
‫نشاط التصوف السلمي لبراهيم بسيوني ‪ .‬ط دار المعارف القاهرة ‪ 1969‬م ‪.‬‬
‫‪.224‬‬
‫النصائح الدينية لعبد ال باعلوي الحداد ‪ .‬ط مطبعة دار إحياء الكتب العربية القاهرة ‪.‬‬
‫‪.225‬‬
‫نص النصوص لحيدر الملي مخطوط ‪.‬‬
‫‪.226‬‬
‫النفحة العلية في أوراد الشاذلية لعبد القادر زكي ‪ .‬ط مكتبة المثنى القاهرة ‪.‬‬
‫‪.227‬‬
‫نفحة الروح وتحفة الفتوح لمؤيد الدين جندي ‪ .‬ط طهران ‪ 1362‬هجري قمري ‪.‬‬
‫‪.228‬‬
‫نفحات النس ) فارسي ( لعبد الرحمن جامي ‪ .‬ط إيران ‪ 1337‬هـ ‪.‬‬
‫‪.229‬‬
‫نوادر الصول للحكيم الترمذي ط الستانا ‪.‬‬
‫‪.230‬‬
‫الوصية الكبرى لعبد السلم السمر الفيتوري ‪ .‬ط مكتبة النجاح طرابلس ليبيا ‪ 1976‬م ‪.‬‬
‫‪.231‬‬

‫‪183‬‬
‫اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الكابر لعبد الوهاب الشعراني ‪ .‬ط مصطفى البابي الحلبي القاهرة ‪1378‬‬

‫‪.232‬‬
‫هـ ‪.‬‬

‫كتب غير الصوفية من المسلمين ‪:‬‬
‫ابن سبعين وفلسفته الصوفية للدكتور أبي الوفاء الغنيمي التفتازاني ‪ .‬ط دار الكتاب اللبناني بيروت‬
‫‪.233‬‬
‫‪ 1973‬م ‪.‬‬
‫أبو نعيم وكتابه الحلية لمحمد لطفي الصباغ ‪ .‬ط دار العتصام القاهرة ‪.‬‬
‫‪.234‬‬
‫إتحاف السادة للزبيدي ‪ .‬ط المكتب السلمي بيروت ‪ 1974‬م ‪.‬‬
‫‪.235‬‬
‫أخبار الحكماء للقفطي ‪.‬‬
‫‪.236‬‬
‫أديان الهند الكبرى للشلبي ‪ .‬ط القاهرة ‪ 1964‬م ‪.‬‬
‫‪.237‬‬
‫أساس البلغة للزمخشري ‪ .‬ط إحياء المعاجم العربية القاهرة ‪.‬‬
‫‪.238‬‬
‫أضواء على التصوف للدكتور طلعت غنام ‪ .‬ط عالم الكتب القاهرة ‪.‬‬
‫‪.239‬‬
‫العتصام للشاطبي ‪ .‬ط مطبعة السعادة مصر ‪.‬‬
‫‪.240‬‬
‫النساب للسمعاني ‪ .‬ط محمد أمين دمج بيروت الطبعة الثانية ‪1400‬هـ ‪.‬‬
‫‪.241‬‬
‫النسان الكامل في السلم للدكتور عبد الرحمن بدوي ‪ .‬ط وكالة المطبوعات الكويت ‪.‬‬
‫‪.242‬‬
‫البداية والنهاية لبن كثير ‪ .‬ط بيروت ‪.‬‬
‫‪.243‬‬
‫بين التصوف والحياة لعبد الباري الندوي ‪ .‬ط دار الفتح دمشق ‪ 1963‬م ‪.‬‬
‫‪.244‬‬
‫بوارق السماع في إلحاد من يحل السماع ) أردو ( لمير عالم ‪ .‬ط مطبع منشي فخر الدين ‪ .‬ط‬
‫‪.245‬‬
‫باكستان ‪.‬‬
‫تاريخ التصوف السلمي للدكتور عبد الرحمن بدوي ‪ .‬ط وكالة المطبوعات الكويت ‪ 1978‬م ‪.‬‬
‫‪.246‬‬
‫تاريخ التصوف في السلم للدكتور قاسم غني ترجمة عربية لصادق نشأت ‪ .‬ط مكتبة النهضة‬
‫‪.247‬‬
‫المصرية القاهرة ‪.‬‬
‫تاريخ تصوف للدكتور محمد إقبال ) أردو( ط لهور باكستان ‪.‬‬
‫‪.248‬‬
‫التبصير في الدين للسفرائيني ‪ .‬ط القاهرة ‪.‬‬
‫‪.249‬‬
‫تذكرة الحفاظ للذهبي ‪ .‬ط القاهرة ‪.‬‬
‫‪.250‬‬
‫التراث اليوناني في الحضارة السلمية للدكتور عبد الرحمن بدوي ‪ .‬ط وكالة المطبوعات الكويت ‪.‬‬
‫‪.251‬‬
‫التصوف السلمي في الدب والخلق للدكتور عبد الرحمن بدوي ‪ .‬ط وكالة المطبوعات الكويت ‪.‬‬
‫‪.252‬‬
‫التصوف بين الحق والخلق لمحمد فهر شفقة ‪ .‬ط الدار السلفية الكويت ‪.‬‬
‫‪.253‬‬
‫التصوف بين الدين والفلسفة للدكتور إبراهيم هلل ‪ .‬ط دار النهضة العربية القاهرة ‪.‬‬
‫‪.254‬‬
‫التصوف في تهامة لمحمد بن أحمد العقيلي ‪ .‬ط دار البلد جدة ‪.‬‬
‫‪.255‬‬
‫التنبيه والرد للمطلي تحقيق محمد زاهد الكوثري ‪ .‬ط مصر ‪ 1360‬هـ ‪.‬‬
‫‪.256‬‬
‫تلبيس إبليس لبن الجوزي ط دار الوعي بيروت أيضا ‪ .‬ط دار القلم بيروت ‪.‬‬
‫‪.257‬‬
‫تهذيب التهذيب للحافظ ابن حجر العسقلني ‪ .‬ط بيروت ‪.‬‬
‫‪.258‬‬
‫جستجودر تصوف إيران ) فارسي ( للدكتور عبد المحسن زرين كوب ‪ .‬ط ؤسسة انتشارات امير‬
‫‪.259‬‬
‫كبير طهران ‪ 1363‬هـ ‪.‬‬
‫حادي الرواح لبن قيم الجوزية ‪ .‬ط دار القلم بيروت لبنان ‪.‬‬
‫‪.260‬‬
‫الخضر في الفكر الصوفي لعبد الرحمن عبد الخالق ‪ .‬ط الدار السلفية الكويت ‪.‬‬
‫‪.261‬‬
‫الخطوط العريضة للسس التي قام عليها مذهب الشيعة الثني عشرية للسيد محب الدين الخطيب ‪.‬‬
‫‪.262‬‬
‫خلصة الثر للمحبي ‪.‬‬
‫‪.263‬‬
‫دائرة المعارف السلمية ) أردو( ط جامعة بنجاب لهور باكستان ‪.‬‬
‫‪.264‬‬
‫دراسات في التصوف السلمي للدكتور محمد جلل شرف ‪ .‬ط دار النهضة العربية بيروت ‪1980‬‬
‫‪.265‬‬
‫م‪.‬‬
‫دنباله جستجودر تصوف ) فارسي ( للدكتور عبد الحسين زرين كوب ط إيران ‪.‬‬
‫‪.266‬‬
‫ذم ما عليه مدعو التصوف لبي محمد موفق الدين ‪ .‬ط المكتب السلمي بيروت ‪.‬‬
‫‪.267‬‬
‫روضة المحبين لبن قيم الجوزية ‪ .‬ط دار الكتب العلمية بيروت ‪.‬‬
‫‪.268‬‬
‫سير أعلم النبلء للمام الذهبي ‪ .‬ط بيروت ‪.‬‬
‫‪.269‬‬
‫الشيعة وأهل البيت للمؤلف ‪ .‬ط إدارة ترجمان السنة لهور باكستان ‪.‬‬
‫‪.270‬‬
‫الشيعة والسنة للمؤلف ‪ .‬ط إدارة ترجمان السنة لهور باكستان ‪.‬‬
‫‪.271‬‬
‫صحيح البخاري ‪.‬‬
‫‪.272‬‬
‫صحيح مسلم ‪.‬‬
‫‪.273‬‬

‫‪184‬‬
‫‪.274‬‬
‫‪.275‬‬
‫‪.276‬‬
‫‪.277‬‬
‫‪.278‬‬
‫‪.279‬‬
‫‪.280‬‬
‫‪.281‬‬
‫‪.282‬‬
‫‪.283‬‬
‫‪.284‬‬
‫‪.285‬‬
‫‪.286‬‬
‫‪.287‬‬
‫‪.288‬‬
‫‪.289‬‬
‫‪.290‬‬
‫‪.291‬‬
‫‪.292‬‬
‫‪.293‬‬
‫‪.294‬‬
‫‪.295‬‬
‫‪.296‬‬
‫‪.297‬‬
‫‪.298‬‬
‫‪.299‬‬
‫‪.300‬‬
‫‪.301‬‬
‫‪.302‬‬

‫الصوفية ‪ ,‬الوجه الخر للدكتور محمد جميل غازي ‪ .‬ط القاهرة ‪.‬‬
‫الصوفية والفقراء لشيخ السلم ابن تيمية ‪ .‬ط دار الفتح القاهرة ‪.‬‬
‫الصوفية في ضوء الكتاب والسنة لعبد المجيد محمد ‪ .‬ط القاهرة ‪.‬‬
‫الصوفية في نظر السلم لسميع عاطف الزين ‪ .‬ط دار الكتاب اللبناني بيروت ‪.‬‬
‫ضحى السلم لحمد أمين ‪ .‬ط القاهرة ‪ 1952‬م ‪.‬‬
‫الطبقات لبن سعد ‪ .‬ط بيروت ‪.‬‬
‫الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان لبن تيمية ‪ .‬ط إدارة ترجمان السنة لهور باكستان ‪.‬‬
‫الفصل في الملل والهواء والنحل للحافظ ابن حزم ‪ .‬ط بيروت ‪.‬‬
‫فضائح الباطنية للغزالي ‪ .‬ط مؤسسة دار الكتب الثقافية الكويت ‪.‬‬
‫فلسفة الهند القديمة لمحمد عبد السلم ط الهند الرامبوري ‪.‬‬
‫الفلسفة الصوفية في السلم للدكتور عبد القادر محمود ‪ .‬ط دار الفكر العربي القاهرة ‪.‬‬
‫القاديانية للمؤلف ط باكستان ‪.‬‬
‫القاموس المحيد للفيروز آبادي ‪ .‬ط مصطفى البابي الحلبي القاهرة ‪.‬‬
‫القول المنبي في تكفير ابن عربي للنحاوي مخطوط ‪.‬‬
‫لسان العرب لبن منظور الفريقي ‪ .‬ط دار صادر بيروت ‪.‬‬
‫مجموعة الرسائل والمسائل لبن تيمية ‪ .‬ط دار الكتب العلمية بيروت لبنان ‪.‬‬
‫مدخل إلى التصوف السلمي لبي الوفاء الغنيمي ط مصر ‪.‬‬
‫المسند للمام أحمد ‪.‬‬
‫المقدمة لبن خلدون ‪ .‬ط مطبعة مصطفى محمد مصر ‪.‬‬
‫الملمتية وأهل الفتوة والصوفية لبي العلء العفيفي ‪ .‬ط دار إحياء الكتب العربية مصر ‪.‬‬
‫منهاج السنة النبوية لسيخ السلم ابن تيمية ‪ .‬ط لهور باكستان ‪.‬‬
‫الملل والنحل للشهرستاني بهامش الفصل لبن حزم ‪ .‬ط بيروت ‪.‬‬
‫الموطأ للمام مالك ‪.‬‬
‫نشأة الفلسفة الصوفية للدكتور عرفان عبد الحميد ‪ .‬ط المكتب السلمي بيروت ‪ 1974‬م ‪.‬‬
‫النجوم الزاهرة للتغري البردي التابكي ‪ .‬ط وزارة الثقافة مصر ‪.‬‬
‫وفيات العيان لبن خلكان ‪ .‬ط بيروت ‪.‬‬
‫الوافي بالوفيات ‪.‬‬
‫ولية ال والطريق إليها للمام الشوكاني ‪ .‬ط القاهرة ‪.‬‬
‫هذه هي الصوفية لعبد الرحمن الوكيل ‪ .‬ط دار الكتب العلمية ‪.‬‬

‫كتب الشيعة والسماعيلية ‪:‬‬
‫‪.303‬‬
‫‪.304‬‬
‫‪.305‬‬
‫‪.306‬‬
‫‪.307‬‬
‫‪.308‬‬
‫‪.309‬‬
‫‪.310‬‬
‫‪.311‬‬
‫‪.312‬‬
‫‪.313‬‬
‫‪.314‬‬
‫‪.315‬‬
‫‪.316‬‬
‫‪.317‬‬
‫‪.318‬‬
‫‪.319‬‬
‫‪.320‬‬
‫‪.321‬‬

‫أجزاء من العقائد السماعيلية للداعي إبراهيم ‪ .‬ط امبرين نيشنل بريس ‪ 1784‬م ‪.‬‬
‫أربعة نصوص إسماعيلية للداعي السماعيلي المجهول بتحقيق ماسينيون ‪ .‬ط باريس ‪.‬‬
‫أساس التأويل للقاضي السماعيلي النعمان ‪ .‬ط دار الثقافة بيروت ‪.‬‬
‫الصول من الكافي للكليني ‪ .‬ط دار الكتب السلمية طهران ‪ 1388‬هجري قمري ‪.‬‬
‫أعلم النبوة لبي حاتم الرازي تحقيق صلح الصادي ‪ .‬ط إيران ‪ 1397‬هجري قمري ‪.‬‬
‫أعيان الشيعة لمحسن المين ‪ .‬ط دار التعارف للمطبوعات بيروت ‪.‬‬
‫إعتقادات الصدوق لبن بابويه القمي ‪ .‬ط إيران ‪.‬‬
‫الفتخار للداعي أبي يعقوب السجستاني ‪ .‬ط بيروت ‪.‬‬
‫المالي للمفيد ‪ .‬ط قم إيران ‪.‬‬
‫بحار النوار للمجلسي ‪ .‬ط إيران ‪.‬‬
‫البرهان في تفسير القرآن لهاشم البحراني ‪ .‬ط إيران ‪.‬‬
‫بصائر الدرجات الكبرى للصفار ‪ .‬ط منشورات العلمي طهران ‪ 1404‬هـ ‪.‬‬
‫بيت الدعوة السماعيلية مخطوط ‪.‬‬
‫بين التصوف والتشيع لهاشم معروف حسيني ‪ .‬ط دار القلم بيروت ‪.‬‬
‫تلخيص الشافي للطوسي ‪ .‬ط قم إيران ‪.‬‬
‫تنقيح المقال للمامقاني ‪ .‬ط طهران ‪.‬‬
‫حق اليقين ) فارسي ( للمجلسي ‪ .‬ط إيران ‪.‬‬
‫حديقة الشيعة ) فارسي ( لحمد بن محمد الردبيلي ‪ .‬ط طهران ‪.‬‬
‫الخصال لبن بابويه القمي ‪ .‬ط إيران ‪.‬‬

‫‪185‬‬
‫‪.322‬‬
‫‪.323‬‬
‫‪.324‬‬
‫‪.325‬‬
‫‪.326‬‬
‫‪.327‬‬
‫‪.328‬‬
‫‪.329‬‬
‫‪.330‬‬
‫‪.331‬‬
‫‪.332‬‬
‫‪.333‬‬
‫‪.334‬‬
‫‪.335‬‬
‫‪.336‬‬
‫‪.337‬‬
‫‪.338‬‬
‫‪.339‬‬
‫‪.340‬‬
‫‪.341‬‬
‫‪.342‬‬
‫‪.343‬‬

‫الذريعة إلى تصانيف الشيعة لقا بزرك الطهراني ‪ .‬ط إيران ‪.‬‬
‫الرجال للحلي ‪ .‬ط إيران ‪.‬‬
‫رجال الطوسي ‪ .‬ط نجف العراق ‪.‬‬
‫رجال الكشي ‪ .‬ط كربلء ‪.‬‬
‫الزهد للحسين بن سعيد الهوازي ‪ .‬ط إيران ‪.‬‬
‫شرح نهج البلغة لبن أبي الحديد ‪ .‬ط إيران ‪.‬‬
‫شرح إعتقادات الصدوق ‪ .‬ط إيران ‪.‬‬
‫الصلة بين التصوف والتشيع للدكتور كامل مصطفى الشيبي ‪ .‬ط بيروت ‪ 1982‬م ‪.‬‬
‫طرائق الحقائق للحاج معصوم علي شاه ‪ .‬ط إيران ‪.‬‬
‫عيون أخبار الرضا لبن بابويه القمي ‪ .‬ط طهران ‪.‬‬
‫فرق الشيعة للنوبختي ‪ .‬ط المطبعة الحيدرية نجف العراق ‪.‬‬
‫الفصول المهمة في معرفة الئمة للحر العاملي ‪ .‬ط مكتبة بصيرتي قم إيران ‪.‬‬
‫الفكر الشيعي والنزعات الصوفية للدكتور كامل مصطفى الشيبي ‪ .‬مكتبة النهضة بغداد ‪.‬‬
‫كمال الدين وتمام النعمة لبن بابويه القمي ‪ .‬ط دار الكتب السلمية طهران ‪ 1395‬هـ ‪.‬‬
‫مشارق أنوار اليقين للحافظ رجب البرسي ‪ .‬ط دار الندلس بيروت ‪.‬‬
‫المقالت والفرق لسعد بن عبد ال الشعري القمي ‪ .‬ط طهران ‪.‬‬
‫منهج المقال للستر آبادي ‪ .‬ط طهران ‪.‬‬
‫منهاج الكرامة للحلي ‪ .‬ط باكستان ‪.‬‬
‫النصرة للسجستاني ‪ .‬ط دار الثقافة بيروت ‪.‬‬
‫نهج البلغة المنسوب إلى علي بن أبي طالب رضي ال عنه بتحقيق صبحي صالح بيروت ‪.‬‬
‫الهفت الشريف للمفضل الجعفي تحقيق مصطفى غالب السماعيلي ‪ .‬ط بيروت ‪.‬‬
‫ثلث رسائل في الحكمة السلمية لمحمد كاظم عصار ‪ .‬ط المكتبة المرتضوية إيران ‪.‬‬

‫كتب غير المسلمين ‪:‬‬
‫النجيــــــل ‪.‬‬
‫‪.344‬‬
‫آئين جوانمردي ) فارسي ( لهنري كاربين ‪ .‬ط إيران ‪.‬‬
‫‪.345‬‬
‫ابن عربي حياته ومذهبه لسين بلثيوس ترجمة عربية دكتور عبد الرحمن بدوي ‪ .‬ط وكالة‬
‫‪.346‬‬
‫المطبوعات الكويت ‪.‬‬
‫التاريخ العام للتصوف ومعالمه لميركس ‪.‬‬
‫‪.347‬‬
‫تاريخ العرب لحتي ‪.‬‬
‫‪.348‬‬
‫التصوف السلمي وتاريخه لنيكلسون ترجمة عربية للدكتور أبي الوفاء العفيفي ‪ .‬ط القاهرة ‪.‬‬
‫‪.349‬‬
‫التصوف لماسينيون ‪ .‬ط دار الكتاب اللبناني بيروت ‪1984‬م‪.‬‬
‫‪.350‬‬
‫العقيدة والشريعة في السلم لجولدزيهر ‪.‬‬
‫‪.351‬‬
‫فلسفة اليوجاليوجي راما شاراكه ط القاهرة ‪.‬‬
‫‪.352‬‬
‫الفكر العربي وماكنته في التاريخ للمستشرق أوليري ترجمة تمام حسان ‪ .‬ط القاهرة ‪.‬‬
‫‪.353‬‬
‫قصة الحضارة لو ديورانت ترجمة عربية لمحمد بدران ‪ .‬ط القاهرة ‪ 1964‬م ‪.‬‬
‫‪.354‬‬
‫للت دستر كتاب بوذي مقدس ط الهند ‪.‬‬
‫‪.355‬‬
‫هذه هي الوجودية لبول فولكيبه ‪.‬‬
‫‪.356‬‬
‫الكتب باللغة النجليزية ‪:‬‬
‫‪Oxford history of Church , London 1953 .‬‬
‫‪The story of Christian Church 1933 .‬‬
‫‪A short history our Religion – London 1922 .‬‬
‫‪Origin Christian Church Art . Oxford .‬‬
‫‪Buildings L6 EB Lib .‬‬
‫‪History of an Cient Art , Finlay 195 .‬‬
‫‪The Buddah and the Cristle , by B . H Streeter London 1932 .‬‬
‫‪Brown A literary History of Persia .‬‬

‫‪1.‬‬
‫‪2.‬‬
‫‪3.‬‬
‫‪4.‬‬
‫‪5.‬‬
‫‪6.‬‬
‫‪7.‬‬
‫‪8.‬‬

‫‪186‬‬

‫فهرست الكتاب‬
‫إهــــــــــــــــــــــــــداء‬
‫المقدمة‬
‫الباب الول ‪ :‬التصوف نشأته ‪ ,‬تاريخه وتطوراته ‪.............................................................. :‬‬
‫الفصل الول ‪ :‬السلم عبارة عن الكتاب والسنة ‪......................................................‬‬
‫الفصل الثاني ‪ :‬أصل التصوف واشتقاقه ‪..............................................................‬‬
‫الفصل الثالث ‪ :‬تعريف التصوف ‪.......................................................................‬‬
‫الفصل الرابع ‪ :‬بدء التصوف وظهوره ‪................................................................‬‬
‫الباب الثاني ‪ :‬مصادر التصوف ومآخذه ‪........................................................................ :‬‬
‫الزواج ‪...................................................................................................‬‬
‫المسيحية ‪................................................................................................‬‬
‫ترك الدنيا ‪..............................................................................................‬‬
‫الزاوية والملبس ‪......................................................................................‬‬
‫مصطلحات الصوفية ‪...................................................................................‬‬
‫المذاهب الهندية والفارسية ‪..........................................................................‬‬
‫الفلطونية الحديثة ‪....................................................................................‬‬
‫الباب الثالث ‪ :‬التشيع والتصوف ‪............................................................................... :‬‬
‫جابر بن حيان ‪...........................................................................................‬‬
‫عبــــــــــــــدك ‪.........................................................................................‬‬
‫سلسل التصوف ‪.......................................................................................‬‬
‫نزول الوحي وإتيان الملئكة ‪..........................................................................‬‬
‫المساواة بين النبي والولي ‪...........................................................................‬‬
‫تفضيل الولي على النبي ‪..............................................................................‬‬
‫إجراء النبـــــوة ‪.......................................................................................‬‬
‫العصمــــــــــــــة ‪.......................................................................................‬‬
‫عدم خلو الرض من الحجة ‪..........................................................................‬‬
‫وجوب معرفة المام ‪..................................................................................‬‬
‫الولية والوصاية ‪.....................................................................................‬‬
‫الحلول والتناسخ ‪....................................................................................‬‬
‫مراتب الصوفية ‪........................................................................................‬‬
‫التقـــــــية ‪...........................................................................................‬‬
‫الظاهر والبــاطن ‪.....................................................................................‬‬
‫نسخ الشريعة ورفع التكاليف ‪........................................................................‬‬
‫مصادر الكتاب ومراجعه ‪..........................................................................................‬‬