‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫غريب الحديث لبن قتيبة‬

‫غريب الحديث‬
‫لبن قتيبة‬
‫كتاب أنتهج فيه ابن قتيبة نهج أبو عبيد في كتابه فتتبع ما أغفله أبو عبيد من‬
‫ذلك‬
‫وألف فيه كتابًا لم يأل أن يبلغ به شأو المبرز السابق ‪.‬‬
‫ولم يودع ابن قتيبة في كتابه هذا شيئًا من الحاديث المودعة في كتاب أبي‬
‫عبيد إل ما دعت اليه الحاجة من زيادة شرح أو بيان فجاء مثل كتاب أبي عبيد‬
‫أو أكبر ‪.‬‬

‫بسم ال الرحمن الرحيم‬
‫الحمد ل وحده وبه نستعين وصلى ال على محمد وآله وسلم‪ .‬أخبرني‬
‫القاضي الجل أبو الطيب طاهر بن يحيى بن أبي الخير العمراني قراءة‬
‫عليه قال أخبرني أبى يحيى بن أبي الخير رحمه ال قراءة عليه غير مرة‬
‫قال أخبرني الشيخ المام زيد بن الحسن الفائشي قراءة عليه قال أخبرنا‬
‫إسماعيل بن المبلول قال أخبرنا محمد بن إسحاق قال أخبرنا الفقيه أبو‬
‫بكر محمد بن منصور الشهرزوري قال اخبرنا عبد ال بن أحمد القرضي‬
‫قال أخبرنا دعلج بن أحمد قال أخبرنا الشيخ المام أبو الحسن علي بن‬
‫عبد العزيز الشنهي قال قال أبو عبيد القاسم ابن سلم رحمه ال في‬
‫حديث النبي صلى ال عليه وسلم‪ :‬زويت لي الرض فأريت مشارقها‬
‫ومغاربها‪ ،‬وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬سمعت أبا‬
‫عبيدة معمر بن المثنى التيمي‪ -‬من تيم قريش مولئ لهم‪ -‬يقول‪ُ :‬زِوَي ْ‬
‫ت‬
‫ت‪ ،‬ويقال‪ :‬اْنَزَوى القوُم بعضهم إلي بعض‪ ،‬إذا َتداَنوا وتضاّموا‪،‬‬
‫جِمَع ْ‬
‫ُ‬
‫ت؛ قال أبو عبيد‪ :‬ومنه‬
‫جَتَمَع ْ‬
‫ت وا ْ‬
‫ض ْ‬
‫وانزوت الجلدة من النار‪ ،‬إذا اْنَقَب َ‬
‫الحديث الخر‪ :‬إن المسجد َلَيْنَزِوي من الُنخاَمة كما َتْنَزِوي الجلدة من‬
‫ت‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬ول يكاد يكون النزواء إل‬
‫ت وْاجَتَمَع َ‬
‫ض ْ‬
‫النار‪ ،‬إذا اْنَقَب َ‬
‫بانحراف مع تقبض‪.‬‬
‫قال العشى‪ :‬الطويل‬
‫َزَوى بين عينيه عل ّ‬
‫ى‬
‫ف دوني‬
‫َيُزيد يّغض الطر َ‬
‫جـُم‬
‫حـا ِ‬
‫الم َ‬
‫كأنمـا‬
‫ط من بين عينيك ما‬
‫س ْ‬
‫فل َيْنَب ِ‬
‫غـُم‬
‫ول تلقنـي إل وأنـُفـك را ِ‬
‫اْنَزَوى‬
‫وقال أبو عبيد‪ -‬في حديث النبي عليه السلم إن منبري هذا على ترعة‬
‫من ترع الجنة‪ .‬قال أبو عبيدة‪ :‬الترعة الروضة تكون على المكان‬
‫المرتفع خاصة‪ ،‬فإذا كانت في المكان المطمئن فهي روضة‪ ،‬قال أبو زياد‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫الكلبي‪ :‬أحسن ما تكون الروضة على المكان الذي فيه غلظ وارتفاع‪ ،‬أل‬
‫تسمع قول العشى‪ :‬البسيط‬
‫سِب ٌ‬
‫ل‬
‫خضرآء جاد عليها ُم ْ‬
‫ما روضٌة من رياض‬
‫طـ ُ‬
‫ل‬
‫َهـ ِ‬
‫شَبٌة‬
‫ن ُمْع ِ‬
‫حْز ِ‬
‫ال َ‬
‫قال فالحزن ما بين زبالة فما فوق ذلك مصعدا في بلد نجد وفيه ارتفاع‬
‫وغلظ‪ .‬وقال أبو عمرو الشيباني‪ :‬الترعة الدرجة‪ ،‬قال أبو عبيد‪ :‬وقال‬
‫غيره‪ :‬الترعة الباب‪ ،‬كأنه قال‪ :‬منبري هذا على باب من أبواب الجنة‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬إن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال‪ :‬إن منبري هذا‬
‫على ترعة من ترع الجنة‪ .‬فقال سهل بن سعد‪ :-‬أ تدرون ما الترعة? هي‬
‫الباب من أبواب الجنة‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬وهذا هو الوجه عندنا‪ .‬وقال أبو‬
‫عبيد‪ :‬إن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال‪ :‬إن قدمي على ترعة من‬
‫ترع الحوض‪ .‬وقال أبو عبيد‪ -‬في حديثه عليه السلم إنه قال‪ :‬إن خير‬
‫الناس رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل ال كلما سمع َهْيَعًة طار إليها؛‬
‫ش رجل ممسك بعنان فرسه‪ .‬قال أبو عبيدة‪ :‬الهيعة‬
‫ويروى‪ :‬من خير معا ِ‬
‫الصوت الذي تفزع منه وتخافه من عدو؛ قال‪ :‬وأصل هذا من الجزع‪،‬‬
‫ع وهائٌع ولئٌع إذا كان جبانا ضعيفا‪ ،‬وقد َها َ‬
‫ع‬
‫علٌ‬
‫يقال‪ :‬هذا رجل ها ٌ‬
‫َيِهْيُع ُهُيوعا وَهَيعانا؛ قال أبو عبيٍد وقال الطرماح بن حكيم‪ -‬الطائي‪:‬‬
‫الطويل‬
‫خْوَر اّلرجال‬
‫ت ُ‬
‫جَعَل ْ‬
‫إذا َ‬
‫أنا اُبن حماِة المجد من آل‬
‫َتِهْيُع‬
‫مال ٍ‬
‫ك‬
‫خّوار‪.‬‬
‫أي تجبن‪ ،‬والخور الضعاف‪ ،‬والواحد َ‬
‫غَنيمة حتى يأتيه‬
‫قال أبو عبيد‪ -‬وفي الحديث‪ :‬أو رجل في شعفة في ُ‬
‫الموت‪ .‬قوله‪ :‬في شعفة‪ ،‬يعني رأس الجبل‪ .‬وقال أبو عبيد‪ -‬في حديثه‬
‫خة ول في الُكسعة صدقة‪ .‬قال‬
‫عليه السلم‪ :‬ليس في الجبهة ول في الَن ّ‬
‫أبو عبيدة‪ :‬الجبهة الخيل‪ ،‬والكسعة الحمير‪ ،‬والنخة الرقيق‪ :‬قال الكسائي‬
‫خة‪ -‬برفع النون‪-‬‬
‫وغيره في الجبهة والكسعة مثله‪ ،‬وقال الكسائي‪ :‬هي الّن ّ‬
‫وفسرها هو وغيره في مجلسه‪ :‬البقر العوامل؛ قال الكسائي‪ :‬هذا كلم‬
‫أهل تلك الناحية كأنه يعني أهل الحجاز وما وراءها إلي اليمن‪ .‬وقال‬
‫خة أن يأخذ المصدق دينارا بعد فراغه من أخذ الصدقة‬
‫الفراء‪ :‬الّن ّ‬
‫وأنشدنا‪ :‬البسيط‬
‫عّمى الذي منع الديناَر‬
‫خة كلب وهو مشهود‬
‫دينار ن ّ‬
‫ضاحيًة‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬قال النبي صلى ال عليه وسلم‪ :‬أخرجوا صدقاتكم فان ال‬
‫قد أراحكم من الجبهة والسجة والبجة‪ .‬وفسرها أنها كانت آلهة يعبدونها‬
‫في الجاهلية‪ ،‬وهذا خلف ما جاء‪ -‬في الحديث الول‪ ،‬والتفسير في‬
‫الحديث وال أعلم أيهما المحفوظ من ذلك‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ -‬في حديثه عليه السلم‪ :‬إن رجل أتاه فقال‪ :‬يا رسول ال!‬
‫إني أبدع بي فاحملني‪.‬‬
‫قال أبى عبيدة‪ :‬يقال للرجل إذا كلت ناقته أو عطبت وبقى منقطعا به قد‬
‫أبدع به‪ ،‬وقال الكسائي مثله وزاد فيه ويقال‪ :‬أبدعت الركاب إذا كلت أو‬
‫عطبت‪ .‬وقال بعض العراب‪ :‬ل يكون البداع إل بظلع‪ .‬يقال‪ :‬أبدعت‬
‫به راحلته إذا ظلعت‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬وهذا ليس باخلف‪ ،‬وبعضه شبيه‬
‫ببعض‪.‬‬
‫وقال أبو عبدي‪ -‬في حديثه عليه السلم‪ :‬إن قريشا كانوا يقولون‪ :‬إن‬
‫محمدا صنبور‪.‬‬
‫قال أبو عبدية‪ :‬الصنبور‪ :‬النخلة تخرج من أصل النخلة الخرى لم‬
‫تغرس‪ .‬وقال الصمعي‪ :‬الصنبور‪ :‬النخلة تبقى منفردة ويدق أسفلها‪،‬‬
‫قال‪ :‬ولقى رجل من العرب فسأله عن نخلة فقال‪ :‬صنبر أسفله وعشش‬
‫أعله يعني دق أسفله وقل سعفه ويبس‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬فشبهوه بها يقولون‪ :‬إنه فرد ليس له ولد‪ ،‬ول أخ فإذا مات‬
‫انقطع ذكره‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬وقول الصمعي في الصنبور أعجب إلى من‬
‫قول أبى عبيدة لن النبي عليه السلم لم يكن أحد من أعدائه من مشركي‬
‫العرب ول غيرهم يطعن عليه في نسبه‪ ،‬ول اختلفوا في أنه أوسطهم نسبا‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬قال أوس ابن حجر يعيب قوما‪:‬‬
‫البسيط‬
‫غشْو المانة صنبور‬
‫ن ويقضي الناس‬
‫خَلفو َ‬
‫ُم َ‬
‫فصنبور‬
‫أْمَرُهُم‬
‫ويروى‪ :‬غش المانة‪ ،‬ويروى‪ :‬أهل الملمة‪ .‬قال أبو عبيدة‪ :‬في غشو‬
‫ثلثة أوجه‪ :‬غشو وغش وغشى ويروى‪ :‬غشى الملمة أي الملمة‬
‫تغشاهم‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬والصنبور أيضًا في غير هذا القصبة التي تكون‬
‫في الداوة من حديد أو رصاص يشرب منها‪ .‬وقال أبو عبيد في حديثه‬
‫عليه السلم‪ :‬إنه سأل رجل أراد الجهاد معه فقال له‪ :‬هل في أهلك من‬
‫كاهل? ويقال من كاهل‪ ،‬فقال‪ :‬نعم‪.‬‬
‫قال أبو عبيدة‪ :‬هو مأخوذ من الكهل‪ ،‬يقول‪ :‬هل فيهم من أسن وصار‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫كهل? قال أبو عبيدة‪ :‬يقال منه رجل كهل وامرأة كهلة‪.‬‬
‫وأنشدنا العذافر‪ :‬الرجز‬
‫صِبّيا‬
‫ُأماِرسث الكهلة وال ّ‬
‫ول أعود بعدهـا َكـِرّيا‬
‫وقال أبو عبيد في حديثه عليه السلم‪ :‬ما يحملكم على أن تتايعوا في‬
‫الكذب كما يتتايع الفراش في النار? قال أبو عبيدة‪ :‬التتايع التهافت في‬
‫الشر والمتايعة عليه‪ ،‬يقال للقوم‪ :‬قد تتايعوا في الشر‪ ،‬إذا تهافتوا فيه‬
‫وسارعوا إليه‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬ومنه قول الحسن بن علي رضي ال عنهما‪ :‬إن عليا أراد‬
‫أمرا فتتايعت عليه المور فلم يجد منزعا‪ -‬يعني في أمر الجمل‪.‬‬
‫ومنه الحديث المرفوع في الرجل يوجد مع المرأة‪ .‬قال أبو عبيد عن‬
‫ت ُثّم َلْيأُتوا ِبأْرَبَعِة‬
‫صنا ِ‬
‫ح َ‬
‫ن اْلُم ْ‬
‫ن َيْرُمْو َ‬
‫الحسن‪ :‬لما نزلت هذه الية (َواّلِذْي َ‬
‫ك ُهُم‬
‫شَهاَدًة أَبدًا َوأوِلئ َ‬
‫ل َتْقَبُلوا َلُهْم َ‬
‫جْلَدًة َو َ‬
‫ن َ‬
‫شَهَدآَء َفْاجِلُدْوُهْم َثَماِنْي َ‬
‫ُ‬
‫ن) قال سعد بن عبادة‪ :‬يا رسول ال! أ رأيت إن رأى رجل مع‬
‫سُقْو َ‬
‫اْلَفا ِ‬
‫امرأته رجل فقتله أتقتلونه به? وإن أخبر بما رأى جلد ثمانين‪ ،‬أفل‬
‫يضربه بالسيف? فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ :‬كفى بالسيف شا‬
‫أراد أن يقول‪ :‬ساهدا‪ ،‬فأمسك وقال‪ :‬لول أن يتتايع فيه الغيران‬
‫والسكران‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬يقول‪ :‬كره أن يجعل السيف شاهدا فيحتج به‬
‫الغيران والسكران فيقتوا‪ ،‬فأمسك عن ذلك‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬ويقال في‬
‫التتايع‪ :‬إنه اللجاجة‪ ،‬وهو يرجع إلي هذا المعنى‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬ولم أسمع‬
‫التتايع في الخير إنما سمعناه في الشر‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد في حديثه عليه السلم‪ :‬من أزلت إليه نعمة فليشكرها‪.‬‬
‫قال أبو عبيدة‪ :‬قوله أزلت إليه نعمة يعني أسديت إليه واصطنعت عنده‪،‬‬
‫يقال منه‪ :‬أزللت إلى فلن نعمة فأنا أزلها إزلل‪ .‬و قال أبو زيد‬
‫النصاري مثله؛ وأنشد أبو عبيد لكثير‪ :‬الطويل‬
‫شٍ‬
‫ن‬
‫ت َلُم ْ‬
‫صّد ْ‬
‫وإني وإن ُ‬
‫عليها بما كانت إلينـا أزلـ ِ‬
‫ت‬
‫ق‬
‫وصاد ٌ‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬ويروى "لدينا أزلت"‪ .‬قال‪ :‬وقد روى بعضهم‪ :‬من أزلت‬
‫إليه نعمة‪ ،‬وليس هذا بمحفوظ ول له وجه في الكلم‪ .‬وقال أبو عبيد في‬
‫حديثه عليه السلم‪ :‬إنه مر بقوم يربعون حجرا وفي بعض الحديث‪:‬‬
‫يتربعون فقالوا‪ :‬هذا حجر الشداء‪ ،‬فقال‪ :‬أل أخبركم بأشدكم? من ملك‬
‫نفسه عند الغضب‪.‬‬
‫قال أبو عبيدة‪ :‬الربع أن يشال الحجر باليد يفعل ذلك لتعرف به شدة‬
‫الرجل‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬يقال ذلك في الحجر خاصة‪ .‬قال أبو محمد الموي‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫أخو يحيى بن سعيد في الربع مثله‪.‬‬
‫جاَذون حجرا‪-‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬ومن هذا حديث أبن عباس أنه مر بقوم َيَت َ‬
‫ويروى‪ :‬يجذون حجرا‪-‬فقال‪ :‬عمال ال أقوى من هؤلء‪ .‬وكل هذا من‬
‫الرفع والشالة وهو مثل الربع‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬عن النبي صلى ال عليه وسلم أنه مر بقوم يتجاذون‬
‫مهراسا فقال‪ :‬أتحسون الشدة في حمل الحجارة! إنما الشدة أن يمتلئ‬
‫أحدكم غيظا ثم يغلبه‪ .‬وفال الموي‪ :‬المربعة أيضا العصا التي تحمل بها‬
‫الحمال حتى توضع على ظهور الدواب‪ .‬قال أبو عبيد وأنشدني الموي‪:‬‬
‫الرجز‬
‫طّبَعه‬
‫ق الناقة الْم َ‬
‫سُ‬
‫أين الشظاظان وأين الِمْرَبَعه وأين َو ُ‬
‫قوله‪ :‬الشظاظان‪ ،‬هما العودان اللذان يجعلن في عرى الجوالق‪،‬‬
‫والمطبعة المثقلة‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه نهى عن الصلة إذا تضيفت‬
‫الشمس للغروب‪.‬‬
‫ت‪،‬‬
‫ت يعني مالت للمغيب‪ ،‬يقال منه‪ :‬قد ضاَف ْ‬
‫ضّيَف ْ‬
‫قال أبو عبيدة‪ :‬قوله‪َ :‬ت َ‬
‫ضيف ضيفا‪ -‬إذا مالت‪ ،‬قال أبو عبيد‪ :‬ومنه سمي الضيف ضيفا‪،‬‬
‫فهي َت ِ‬
‫يقال منه‪ :‬ضفت فلنا‪ -‬إذا ملت إليه ونزلت به‪ ،‬وأضفته فأنا أضيفه‪ -‬إذا‬
‫أملته إليك وأنزلته عليك‪ ،‬ولذلك قيل‪ :‬هو مضاف إلى كذا وكذا‪ -‬أي هو‬
‫ممال إليه‪ ،‬قال إمرؤ القيس‪ :‬الطويل‬
‫ط ِ‬
‫ب‬
‫شّ‬
‫ى جديٍد م َ‬
‫ل حاٍر ّ‬
‫ظهوَرنـا إلى ك ّ‬
‫ضْفنا ُ‬
‫خْلناه َأ َ‬
‫فلّما َد َ‬
‫أي أسندنا ظهورنا إليه وأملناها‪ ،‬ومنه قيل للدعي‪ :‬مضاف‪ ،‬لنه مسند‬
‫إلى قوم ليس منهم‪ ،‬ويقال‪ :‬ضاف السهم يضيف‪ -‬إذا عدل عن الهدف‬
‫وهو من هذا‪.‬‬
‫وفيه لغة أخرى ليست في الحديث‪ :‬صاف السهم بمعنى ضاف‪ ،‬قال أبو‬
‫زيد الطائي يذكر المنية‪ :‬الخفيف‬
‫صْيبٌ أو صاف غير َبِعْيِد‬
‫ق َفُم ِ‬
‫شـ ٍ‬
‫ل يوٍم ترِميِه منها بِر ْ‬
‫كّ‬
‫صاف أي عدل فهذا بالصاد وأما الذي في الحديث فبالضاد‪ .‬قال أبو‬
‫عبيد‪ :‬الرشق الوجه من الرمي إذا رموا وجهًا بجميع سهامهم‪ ،‬قالوا‪:‬‬
‫رمينا ِرشقا‪.‬‬
‫والّرشق‪ :‬المصدر' يقال منه‪ -‬رشقت رشقا‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه نهى عن بيع الكالي بالكالي‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬هو النسيئة‪ -‬مهموز؛ قال أبو عبيد‪ :‬ومنه قولهم‪ :‬أنسأ ال‬
‫جله‪ ،‬وَنسأ ال في أجله‪ -‬بغير ألف‪.‬‬
‫فلَنا‪-‬أ ّ‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫قال وقال أبو عبيدة‪ :‬يقال من الكالي‪َ :‬تَكلت‪ -‬أي استنسأت نسيئة‪.‬‬
‫سيُء ِزَياَدٌة في‬
‫والنسيئة التأخير أيضا ومنه قوله تعالى (ِإّنَما الّن ِ‬
‫الُكْفِر) إنما هو تأخيرهم تحريم المحرم إلى صفر‪ .‬وقال الموي في الُكلة‬
‫مثله‪ ،‬قال الموي‪ :‬يقال‪ :‬بلغ ال بك آكل العمر‪ -‬يعني آخره وأبعده وهو‬
‫من التأخير‪ .‬قال الشاعر يذم رجل‪ :‬الرجز‬
‫ضماِر‬
‫وعينه كالكالى ال ِ‬
‫يعني بعينه حاضره وشاهده‪ ،‬يقول‪ :‬فالحاضر من عطيته كالضمار وهو‬
‫الغائب الذي ل يرتجى‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬وقوله‪ :‬النسيئة بالنسيئة‪ ،‬في وجوه كثيرة من البيع منها‪ :‬أن‬
‫سلم الرجل إلى الرجل مائة درهم إلى سنة في ُكّر طعام لُكّر فإذا انقضت‬
‫ُي ّ‬
‫ل الطعام عليه قال الذي عليه الطعام للدافع‪ :‬ليس عندي طعام‬
‫السنة وح ّ‬
‫لكن ِيُعني هذا الُكّر بمائتي درهم إلى شهر‪ ،‬فهذه نسيئة انتقلت إلى نسيئة‪،‬‬
‫وكل ما أشبه ذلك‪ .‬ولو كان قبض الطعام منه ثم باعه منه أو من غيره‬
‫بنسيئة لم يكن كالئا بكالي‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬ومن الضمار قول عمر بن عبد العزيز في كتابه إلى‬
‫ميمون بن مهران في الموال التي كانت في بيت المال من المظالم أن‬
‫ل ضمارا ‪ -‬يعني ل يرجى‪ .‬قال أبو‬
‫يردها ول يأخذ زكاتها‪ :‬فأنه كان ما ً‬
‫عبيد قال العشى‪ :‬المتقارب‬
‫حم‬
‫ِِمّنا الَر ِ‬
‫طُع ِ‬
‫ُد ُنجَفي وُتق َ‬
‫ك الِبـل‬
‫ضَمَرت َ‬
‫أرانا إذا أ ْ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم حين قال لعبد ال بن عمرو بن‬
‫عينا َ‬
‫ك‬
‫جَمت َ‬
‫العاص وذكر قيام الليل وصيام النهار‪ :‬إنك إذا فعلت ذلك َه َ‬
‫ت نفسك‪.‬‬
‫وَنِفَه ْ‬
‫ت‪ .‬ويقال للُمعيي‪ُ :‬مَنّفٌة‬
‫سك‪َ -‬أعيت وَكّل ْ‬
‫قال أبو عبيدة‪ :‬قوله‪َ :‬نِفَهت نَف ُ‬
‫وناِفُة‪ ،‬وجمع نافة ُنّفُة‪.‬‬
‫ت عيُنك‪ -‬غارت ودخلت‪ .‬قال أبو عبيد ومنه‪ :‬هجمت‬
‫جَم ْ‬
‫قال أبو عمرو‪َ:‬ه َ‬
‫ت‪ -‬إذا سقط عليهم‪.‬‬
‫على القوم‪ -‬أدخلت عليهم‪ ،‬وكذلك‪ :‬هجم عليهم البي ُ‬
‫قال أبو عمرو‪ :‬نفهت نفسك‪ -‬أي أعيت وكلت مثل قول أبي عبيدة‪ .‬وقال‬
‫رؤبة يذكر بلدا‪ :‬الرجز‬
‫حَراجيج المطايا الّنّفِه‬
‫بنا َ‬
‫ل كل ِميَلِه‬
‫ت غو َ‬
‫ط ُ‬
‫به َتَم َ‬
‫ويروى‪ :‬المهارى الّنّفِه‪ -‬يعني الُمْعيَية‪ .‬وواحدها نافه ونافهٌة‪ .‬وقوله‪ :‬كل‬
‫ميله يعني البلد التي توله الناس بها كالنسان الواله المتحير‪.‬‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫وقال أبو عبيد‪ :-‬في حديثه عليه السلم أن رجل سأله فقال‪ :‬يا رسول‬
‫ال!‬
‫ى البل‪ ،‬فقال‪ :‬ضالة المؤمن‪ -‬أو‪ :‬المسلم‪ -‬حرق النار‪.‬‬
‫ب َهَواِم َ‬
‫إنا ُنصي ُ‬
‫قال أبو عبيدة‪ :‬قوله‪ :‬الهوامى‪-‬المهملة التي ل راعى لها ول حافظ‪ ،‬يقال‬
‫ت تهمي هْمًيا‪ -‬إذا ذهبت في الرض‬
‫منه‪ :‬نافٌة هاميٌة وبعيٌر هاٍم‪ ،‬وقد َهَم ْ‬
‫على وجوهها لرعى أو غيره‪ ،‬وكذلك كل ذاهب وسائل من ماء أو مطر‪،‬‬
‫وأنشد لطرفة ويقال‪ :‬إنه لمرقش‪ :‬الكامل‬
‫صوبُ الربيع وديمٌة تهِم ْ‬
‫ى‬
‫فسقى ديارك غير مفسدها‬
‫يعني تسيل وتنصب‪ .‬وقال أبو عمرو مثله أو نحوه‪ ،‬وقال أبو زيد‬
‫ت عيُنه َتْهِمي هميا‪ -‬إذا سالت ودمعت وهو من ذلك أيضا‪.‬‬
‫والكسائي‪َ :‬هَم ْ‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬وليس هذا من الهائم‪ ،‬إنما يقال من الهائم‪ :‬هام يهيم وهي‬
‫إبل هوائم‪ ،‬وتلك التي في الحديث هوامي إل أن تجعله في المعنى مثله‪،‬‬
‫ب وّبض‪ -‬إذا سال الماء‬
‫جَبَذ‪ ،‬وض ّ‬
‫بوَ‬
‫جَذ َ‬
‫وأحسبه من المقلوب كما قالوا‪َ :‬‬
‫أو غيره‪ ،‬وأشباه ذلك‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه أتى بكتف ُمؤّربة فأكلها وصلى‬
‫ولم يتوضأ‪.‬‬
‫قال أبو عبيدة وأبو عمرو‪ :‬المؤربة هي الموفرة التي لم ينقص منها‬
‫شيء‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬يقال منه‪:‬أّربت الشيء تأريبا‪ -‬إذا وفرته‪ ،‬ول أراه أخذ إل‬
‫طعته إربًا إربًا‪ -‬أي عضوا عضوا‪ .‬قال‬
‫من الرب وهو العضو‪ ،‬يقال‪ :‬ق ّ‬
‫أبو زبيد في المؤرب‪ :‬الطويل‬
‫وأظلم بعضا أو جميعـا‬
‫ى فوق النصف ذو‬
‫طَ‬
‫وأع ِ‬
‫مـؤّربـا‬
‫الحق منهم‬
‫وقال الكميت بن زيد السدي‪ :‬الطويل‬
‫وكان لعبد القيس عضو‬
‫ن منها‬
‫ضَوْي ِ‬
‫ع ْ‬
‫ت ُ‬
‫شَل ْ‬
‫ل ْنَت َ‬
‫َو َ‬
‫ُمؤّرب‬
‫حاِبُر‬
‫ُي َ‬
‫أي تام لم ينقص منه شيء‪ .‬والشلو أيضا العضو‪.‬‬
‫ومنه حديث علي في الضحية‪ :‬ائتني بشلوها اليمن‪ .‬يقال‪ :‬عضو‬
‫وعضو‪-‬لغتان‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم‪ :‬ل عدوى ول هامة ول صفر ول‬
‫غول‪.‬‬
‫الصفر‪ :‬دواب البطن‪ .‬قال أبو عبيدة‪ :‬سمعت يونس يسأل رؤبة بن‬
‫العجاج عن الصفر‪ ،‬فقال‪ :‬هي حية تكون في البطن تصيب الماشية‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫والناس‪ ،‬وهي أعدى من الجرب عند العرب‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬فأبطل النبي‬
‫عليه السلم أنها تعدى‪ ،‬ويقال‪ :‬إنها تشتد على النسان إذا جاع وتؤذيه؛‬
‫قال أعشى باهلة يرثى رجل‪ :‬البسيط‬
‫سِوفه‬
‫شَر ُ‬
‫ول يّعض على ُ‬
‫ل يتأّرى لما في الِقدِر‬
‫صَفُر‬
‫ال َ‬
‫يرقـبـه‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬ويروى‪ :‬البسيط‬
‫سِوفه‬
‫شْر ُ‬
‫ل يشتكى الساق من أين ول ول يّعض على ُ‬
‫الصُفر‬
‫وصب‬
‫ويروى‪ :‬ول وصم‪ .‬وقال أبو عبيدة في الصفر أيضا‪ :‬إنه يقال‪ :‬هو‬
‫تأخيرهم المحرم إلي صفر في تحريمه‪.‬‬
‫قال‪ :‬وأما الهامة فإن العرب كانت تقول‪ :‬إن عظام الموتى تصير هامة‬
‫فتطير‪ ،‬وقال أبو عمرو في الصفر مثل قوله رؤبة‪ ،‬وقال في الهامة مثل‬
‫قول أبى عبيدة إل أنه قال‪ :‬كانوا يقولون‪ :‬يسمون ذلك الطائر الذي يرج‬
‫من هامة الميت إذا بلى الصدى‪ ،‬قال أبو عبيد‪ :‬وجمعه أصداء‪ ،‬وكل هذا‬
‫قد جاء في أشعارهم؛ قال أبو دؤاد البادي‪ :‬الخفيف‬
‫صَدى المقاِبِر هُاْم‬
‫ن عليهم َفَلُهْم في َ‬
‫ت والمنو ُ‬
‫ط المو ُ‬
‫سّل َ‬
‫ُ‬
‫فذكر الصدى والهام جميعا؛ وقال لبيد يرثى أخاه أربد‪ :‬الوافر‬
‫وما هم غير أصداء وهام‬
‫فليس الناس بعدك في نقير‬
‫وهذا كثير في أشعارهم فرد النبي صلى ال عليه وسلم ذلك‪ .‬وقال أبو‬
‫زيد في الصفر مثل قول أبى عبيدة الول‪ ،‬وقال أبو زيد‪ :‬هي الهامة‪-‬‬
‫مشددة الميم‪ ،‬يذهب إلي واحدة الهوام وهي دواب الرض‪ ،‬قال أبو عبيد‪:‬‬
‫ول أرى أبا زيد حفظ هذا وليس له معنى‪ .‬ولم يقل أحد منهم في الصفر‬
‫إنه من الشهور غير أبى عبيدة‪ ،‬والوجه فيه التفسير الول‪.‬‬
‫ن أولَدكن‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه قال للنساء‪ :‬ل ُتَعّذب َ‬
‫بالّدغر‪.‬‬
‫قال أبو عبيدة‪ :‬هو غمز الحلق‪ ،‬وذلك أن الصبي تأخذه العذرة وهو وجع‬
‫يهيج في الحلق من الدم‪ ،‬فإذا عولج منه صاحبه قيل‪ :‬عذرته فهو معذور؛‬
‫قال جرير بن الخطفى‪ :‬الكامل‬
‫غَمَز ابن مرة يا فرزدق‬
‫َ‬
‫غْمَز الطبيب َنَغاِنَغ المعذوِر‬
‫َ‬
‫كينها‬
‫والنغانغ لحمات تكون عند اللهوات‪ ،‬واحدها‪ :‬نغنغ؛ والدغر أن ترفع‬
‫المرأة ذلك الموضع بأصابعها‪ ،‬يقال‪ :‬دغرت أدغر دغرا‪ .‬قال أبو عبيد‪:‬‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫ويقال للنغانغ أيضا‪ :‬اللغانين‪ ،‬واحدها لغنون؛ واللغاديد واحدها‪ :‬لغدود‪،‬‬
‫ويقال‪ :‬لغد‪ ،‬فمن قال‪ :‬لغد للواحد قال للجميع‪ :‬ألغاد‪.‬‬
‫ومن الدغر حديث على رضى ال عنه‪ :‬ل قطع في الدغرة‪ ،‬ويروى‪:‬‬
‫الدغرة‪.‬‬
‫ويفسرها الفقهاء أنها الخلسة‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬وهي عندي من الدفع أيضا‬
‫وهي الدغرة‪ -‬بجزم الغين‪ ،‬وإنما هو توثب المختلس ودفعه نفسه على‬
‫المتاع ليختلسه‪ ،‬ويقال في مثل‪ :‬دغرى ل صفى‪ ،‬ودغرا ل صفا‪ ،‬يقال‪:‬‬
‫ادغروا عليهم ول تصافوهم‪ ،‬وهذا أيضا مثل قولهم‪ :‬عقري حلقي‪ ،‬وعقرًا‬
‫حلقًا‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم‪ :‬ل يترك في السلم مفرج‪.‬‬
‫قيل‪ :‬المفرج‪ :‬هو الرجل يكون في القوم من غيرهم فحق عليهم أن يعقلوا‬
‫عنه‪ .‬وروى أيضا‪ :‬مفرح‪ -‬بالحاء‪ .‬وروى أيضا عن النبي صلى ال عليه‬
‫وسلم‪ .‬وعلى المسلمين أل يتركوا مفدوحا في فداء أو عقل‪.‬‬
‫قال الصمعي‪ :‬المفرح‪ -‬بالحاء‪ :‬هو الذي قد أفرحه الدين يعني أثقله‪ ،‬قال‬
‫يقول‪ :‬يقضي عنه دينه من بيت المال ول يترك مدينا‪ ،‬وأنكر قولهم‪:‬‬
‫مفرج‪ -‬بالجيم‪ .‬وقال أبو عمرو‪ :‬المفرح هو المثقل بالدين أيضا‪ ،‬وأنشدنا‪:‬‬
‫الطويل‬
‫حتك‬
‫وتحِمل أخرى أفر ْ‬
‫ح ُتؤدي‬
‫إذا أنت لم َتْبَر ْ‬
‫الوداُئع‬
‫أمـانة‬
‫أفرحتك يعني أثقلتك‪ .‬وقال الكسائي في المفرح مثله أو نحوه‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬وسمعت محمد بن الحسن يقول‪ :‬هو يروى بالحاء والجيم‪،‬‬
‫فمن رواه بالحاء فأحسبه قال فيه مثل قول هؤلء‪ ،‬ومن قال‪ :‬مفرج‪-‬‬
‫بالجيم‪ -‬فانه القتيل يوجد في أرض فلة ل يكون عنده قرية فانه يؤدي من‬
‫بيت المال ول يبطل دمه‪ .‬وعن أبى عبيدة قال المفرج‪-‬بالجيم‪ -‬أن يسلم‬
‫الرجل ول يوالي أحدا‪ ،‬يقول‪ :‬فتكون جنايته على بيت المال لنه ل عاقلة‬
‫له فهو مفرج‪ ،‬وقال بعضهم‪ :‬هو الذي ل ديوان له‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم في الثوب المصلب أنه كان إذا رآه‬
‫في ثوب قضبه‪.‬‬
‫ب‪ :‬القطع‪ .‬ومنه‬
‫ض ُ‬
‫ب موضع التصليب‪ .‬والَق ْ‬
‫ض ْ‬
‫قال الصمعي‪ :‬يعنى َق َ‬
‫قيل‪ :‬اقتضبت الحديث غنما هو انتزعته واقتطعته‪ ،‬قال أبو عبيد‪ :‬وإياه‬
‫عني ذو الرمة في قوله يصف الثور‪ :‬البسيط‬
‫سّوٌم في سواد الليل‬
‫ُم َ‬
‫عْفـِرّية‬
‫كأنه كوكب في إثر ِ‬
‫ض ُ‬
‫ب‬
‫ُمْنَق ِ‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫أي منقطع من مكانه‪ .‬وقال القطامي يصف الثور أيضا‪ :‬الكامل‬
‫فغدا صبيحَة صوبها‬
‫ضب الغصانا‬
‫شِئَز القيام ُيَق ّ‬
‫َ‬
‫جسًا‬
‫ُمَتَو ّ‬
‫يعني يقطعها‪.‬‬
‫والمصلب والمنشا؛ وقيل‪ :‬هو الذي فيه مثال الصليب‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم حين قال لعائشة وسمعها تدعو‬
‫على سارق سرق لها شيئا فقال‪ :‬ل تسبخي عنه بدعائك عليه‪.‬‬
‫قال الصمعي‪ :‬قوله‪ :‬ل تسبخي‪ ،‬يقول‪ :‬ل تخففي عنه بدعائك عليه‪.‬‬
‫وهذا مثل الحديث الخر‪ :‬من دعا على من ظلمه فقد أنتصر؛ وكذلك كل‬
‫من خفف عنه شيء فقد سبخ عنه‪ .‬قال يقال‪ :‬اللهم سبخ عني الحمى‪ -‬أي‬
‫سلها وخففها‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬ولهذا قيل لقطع القطن إذا ندف‪ :‬سبائخ‪ ،‬ومنه‬
‫قول الخطل يصف القناص والكلب‪ :‬البسيط‬
‫ن َنْد ُ‬
‫ف‬
‫خ قط ٍ‬
‫يذرى سبائ َ‬
‫فأرسلوهن يذرين التراب‬
‫أوتاِر‬
‫كما‬
‫يعني ما يتساقط من القطن‪ .‬قال أبو زيد والكسائي‪ :‬يقال‪ :‬سبخ ال عنا‬
‫الذى‪ -‬يعني كشفه وخففه‪ .‬ويقال لريش الطائر الذي يسقط عنه‪ :‬سبيخ‪،‬‬
‫وذلك لنه ينسل فيسقط عنه‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم لن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى‬
‫يريه خير له من أن يمتلئ شعرا‪.‬‬
‫قال الصمعي‪ :‬قوله‪ :‬حتى يريه‪ ،‬قال‪ :‬هو من الورى على مثال الرمى‪،‬‬
‫يقال منه‪ :‬رجل موري‪ -‬غير مهموز‪ ،‬وهو أن يروى جوفه‪ ،‬وأنشد‪:‬‬
‫الرجز‬
‫قالت له َوْريًا إذا تنحنح‬
‫أي تدعوا عليه بالورى‪ .‬وأنشدنا الصمعي أيضا للعجاج يصف‬
‫الجراحات‪ :‬الزجز‬
‫سَبْر‬
‫جم توّرى من َ‬
‫ضْ‬
‫ب ُ‬
‫عن ُقُل ٍ‬
‫يقول‪ :‬إن سبرها إنسان أصابه منها الورى من شدتها‪ .‬والقلب‪ :‬البار‪،‬‬
‫واحدها قليب وهي البئر‪ ،‬شبه الجراحة بها‪ .‬وقال أبو عبيدة في الورى‬
‫مثله إل أنه قال‪ :‬هو أن يأكل القيح جوفه‪ .‬وأنشدنا غيره لعبد بني‬
‫الحسحاس يذكر النساء‪ :‬الطويل‬
‫عَلى أكباِدهن‬
‫وأحَمى َ‬
‫ل ما قد‬
‫ن ربى مث َ‬
‫وراُه ّ‬
‫المكاويا‬
‫َوَرْيَنِني‬

‫غريب الحديث لبن قتيبة‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫قال أبو عبيد‪ :‬وسمعت يزيد يحدث بحديث أن النبي صلى ال عليه وسلم‬
‫قال‪ :‬لن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريه خير له من أن يمتلئ شعرا‪.‬‬
‫يعني من الشعر الذي هجى به النبي صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬والذي عندي في هذا الحديث غير هذا القول‪ ،‬لن الذي‬
‫هجى به النبي صلى ال عليه وسلم لو كان شطر بيت لكان كفرا‪ ،‬فكأنه‬
‫إذا حمل وجه الحديث على امتلء القلب منه أنه قد رخص في القليل منه؛‬
‫ولكن وجهه عندي أن يمتلئ قلبه من الشعر حتى يقلب عليه فيشغله عن‬
‫القرآن وعن ذكر ال‪ ،‬فيكون الغالب عليه من أي الشعر كان‪ ،‬فإذا كان‬
‫القرآن والعلم الغالبين عليه فليس جوف هذا عندنا ممتلئا من الشعر‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أن السلم ليأرز إلي المدينة كما‬
‫تأرز الحية إلي جحرها‪.‬‬
‫قال الصمعي‪ :‬قوله يأرز ينضم إليها ويجتمع بعضه إلى بعض فيها‪،‬‬
‫وأنشدنا لرؤبة يذم رجل‪ :‬الرجز‬
‫ل اُرْوُز الْرِز‬
‫خا ٌ‬
‫فذلك َب ّ‬
‫يعني أنه ل ينبسط للمعروف ولكنه ينضم بعضه إلى بعض‪ .‬قال‬
‫الصمعي عن أبى السود الدؤلي‪ :‬إنه قال‪ :‬إن فلنا إذا سئل أرز وإذا‬
‫دعى اهتز‪ -‬أو قال‪ :‬انتهز‪ -‬شك أبو عبيد‪ ،‬قال‪ :‬يعني إذا سئل المعروف‬
‫تضام وإذا دعى إلى طعام أو غيره مما يناله اهتز لذلك‪ .‬قال زهير‪:‬‬
‫الوافر‬
‫لء‬
‫خُ‬
‫طاف في الَركِاب ول ِ‬
‫ِق َ‬
‫خـْنـَهـا‬
‫بآِرَزة الَفَقاَرِة لم َي ُ‬
‫والرزة الناقة الشديدة المجتمع بعض فقارها إلى بعض؛ والفقارة‪ :‬فقارة‬
‫الصلب‪ .‬وقال أبو عبيد‪ :‬سمعت الكسائي يقول‪ :‬الدؤلي‪ ،‬وقال ابن الكلبي‪:‬‬
‫الديلي‪ .‬وقول ابن الكلبي أعجب إلي‪ ،‬وهو الصواب عندنا‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم حين قال لبن مسعود‪ :‬أذنك على‬
‫أن ترفع الحجاب وتستمع سوادي حتى أنهاك‪.‬‬
‫قال الصمعي‪ :‬السواد السرار‪ ،‬يقال منه‪ :‬ساودته مساودة وسوادا إذا‬
‫ساررته‪ .‬ولم نعرفها برفع السين سوادا‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬ويجوز الرفع وهو‬
‫بمنزلة جوار وجوار‪ ،‬فالجوار المصدر والجوار السم‪ .‬وقال الحمر‪ :‬هو‬
‫من إدناه سوادك من سواده وهو الشخص‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬وهو من السرار‬
‫أيضا لن السرار ل يكون إل بادناء السواد من السواد؛ وأنشدنا الحمر‪:‬‬
‫الخفيف‬
‫زيرًا فـانـنـي غـــيُر زيِر‬
‫سواد والّدِد‬
‫من يكن في ال ّ‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫والعرام‬
‫قوله أبو عمرو‪ :‬وسئلت ابنة الخس‪ :‬لم زنيت وأنت سيدة نساء قومك?‬
‫قالت‪ :‬قرب الوساد وطول السواد‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬والدد‪ :‬اللهو واللعب‪.‬‬
‫ومنه حديث النبي صلى ال عليه وسلم‪ :‬ما أنا من دد ول الّدد مني‪.‬‬
‫قوله‪ :‬الدد‪ ،‬هو اللعب واللهو‪ .‬قال الحمر‪ :‬والدد ثلث لغات‪ :‬يقال‪ :‬هذا‬
‫دد على مثال يد ودم‪ ،‬وهذا ددا على مثال قفا وعصا‪ ،‬وهذا ددن على‬
‫مثال حزن؛ قال العشى‪ :‬الطويل‬
‫ضى اللبانَة من‬
‫ت كمن ق ّ‬
‫وكن َ‬
‫أّترحل من ليلى وَلـّمـا َتـَزّوِد‬
‫َدِد‬
‫وقال عدي بن زيد‪ :‬الرمل‬
‫إن همي في سمع وأذ ْ‬
‫ن‬
‫ل بـَدَد ْ‬
‫ن‬
‫ب َتَعلـ ْ‬
‫أيها القل ُ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم في أشراط الساعة‪ .‬قال الصمعي‪:‬‬
‫هي علماتها‪ ،‬قال‪ :‬ومنه الشتراط الذي يشترط الناس بعضهم على‬
‫بعض إنما هي علمات يجعلونها بينهم‪ ،‬ولذلك سميت الشرط لنهم جعلوا‬
‫لنفسهم علمة يعرفون بها‪ .‬وقال غيره في بيت أوس بن حجر وذكر‬
‫رجل تدلى من رأس جبل بحبل إلى نبعة ليقطعها ويتخذ منها قوسا‪:‬‬
‫الطويل‬
‫سه وهو‬
‫فأشرط فيها نف َ‬
‫وألقى بأسباب له وتـوّكـل‬
‫صُم‬
‫َمْع ِ‬
‫قال الصمعي‪ :‬هو من هذا يريد أنه جعل نفسه علما لذلك المر‪.‬‬
‫ويقال فيه قول آخر‪ :‬استهلك نفسه كقولك‪ :‬استقتل الرجل وأقتل‪ ،‬إذا‬
‫عرض نفسه للقتل‪ .‬قال الصمعي‪ :‬وأشرط فيها نفسه أي جعلها علمة‬
‫للموت‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه أتى على بئر َذّمٍة‪.‬‬
‫قال الصمعي‪ :‬الذمة القليلة الماء‪ ،‬يقال‪ :‬هذه بئر ذمة وجمعها ذمام‪ .‬قال‬
‫أبو عبيد‪ :‬قال ذو الرمة يصف عيون والبل أنها قد غارت من طول‬
‫السير‪ :‬الطويل‬
‫عُيوَنهـا ِذماُم الّركايا أنَكَزْتها المواُت ْ‬
‫ح‬
‫ت كأن ُ‬
‫حْمَرِيّا ٍ‬
‫على ِ‬
‫قوله‪ :‬أنكزتها‪ ،‬يعني أنفدت ماءها‪.‬‬
‫والمواتح‪ :‬المستقية‪.‬‬
‫وفي الحديث‪ :‬قال البراء بن عازب‪ :‬فنزلنا فيها ستة ماحة‪ .‬والماحة‬
‫واحدهم مائح وهو الذي إذا قل ماء الركية حتى ل يمكن ان يغترف منها‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫بالدلو نزل رجل فغرف بيديه فيجعله في الدلو فذلك مائح‪ ،‬قال ذو الرمة‪:‬‬
‫الطويل‬
‫س منه دائق القـوم‬
‫ح ُ‬
‫متى َي ْ‬
‫عرَم َ‬
‫ض‬
‫ف ماء َ‬
‫ومن جو ِ‬
‫يتـفـ ِ‬
‫ل‬
‫ل فوقه‬
‫الحو ِ‬
‫ويروى‪ :‬يحس منه مائح‪ .‬وقال آخر‪ :‬الرجز‬
‫إني رأيت الناس يحمدونكا‬
‫يا أيها الماُئح دلوى دوَنكـا‬
‫والمائح في أشياء سوى هذا‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أن رجل أتاه‪ ،‬فقال‪ :‬يا رسول ال!‬
‫إنا نركب أرماثا لنا في البحر فتحضر الصلة وليس معنا ماء إل‬
‫لشفاهنا‪ ،‬أفنتوضأ بماء البحر? فقال‪ :‬هو الطهور ماؤه والحل ميتته‪.‬‬
‫قال الصمعي‪ :‬الرماث خشب يضم بعضها إلي بعض ويشد ثم يركب‪،‬‬
‫يقال لواحدها‪ :‬رمث‪ ،‬وجمعه أرماث؛ والرمث في غير هذا أن يأكل البل‬
‫الرمث فتمرض عنه‪ .‬قال الكسائي‪ :‬يقال منه‪ :‬إبل َرِمئٌة ورمائي‪ ،‬ويقال‪:‬‬
‫ت عنه‪ .‬وأنشد أبو‬
‫ح فمرض ُ‬
‫ك والطل َ‬
‫ت لرا َ‬
‫إبل طلحي وأراكي‪ ،‬إذا أكل ِ‬
‫عبيد عن عمرو لبعض الهذلين ويقال‪ :‬إنه لبي صخر‪ :‬الطويل‬
‫على رمث في البحر ليس‬
‫حْبـي ُبـثـينة أنـنـا‬
‫ت ِمن ُ‬
‫َتَمّنْي ُ‬
‫لنا وفُر‬
‫شرم‪ ،‬وهو موضع في البحر‪ ،‬ويقال‪:‬‬
‫أي مال‪ :‬ويروى‪ :‬على رمث في ال ّ‬
‫إنه لجته‪.‬‬
‫طكم على الحوض‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬أنا فَر ُ‬
‫قال الصمعي‪ :‬الَفَرط والفاِرط‪ :‬المتقدم في شرب الماء‪ ،‬يقول‪ :‬أنا‬
‫متقدمكم إليه‪ ،‬يقال منه‪ :‬فرطت القوم وأنا أفرطهم‪ ،‬وذلك إذا تقدمتهم‬
‫لُيرتاَد لهم الماء‪ .‬ومن هذا قولهم في الدعاء في الصلة على الصبي‬
‫الميت‪ :‬اللهم اجعله لنا فرطا‪ ،‬أي أجرا متقدما نرد عليه‪ :‬وقال الشاعر‪:‬‬
‫الكامل‬
‫ن الُفْر ِ‬
‫س‬
‫طِ‬
‫أصواته كَترا ُ‬
‫جّثًما‬
‫طا ُ‬
‫غطا ً‬
‫طهم َ‬
‫فأثار فاِر ُ‬
‫طا وهو القطا؛ وجمع‬
‫غطا ً‬
‫يعني أنه لم يجد في الركبة ماء‪ ،‬إنما وجد َ‬
‫الفارط ُفّراط؛ وقال القطامي‪ :‬البسيط‬
‫فاستعجلونا وكانوامن‬
‫ط ِلـُوّراِد‬
‫جل ُفـّرا ٌ‬
‫كما تع ّ‬
‫صحابتنا‬
‫صحاب وصحابة؛ فإذا كسرت الصاد فل هاء فيه‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬يقال‪ِ :‬‬
‫ن)‬
‫طْو َ‬
‫يقال‪ :‬آْفَرطت الشيَء أي نسيته‪ .‬قال ال تبارك وتعالى‪َ( :‬وأّنُهم ُمفَر ُ‬
‫عَلْيَنا‬
‫ط َ‬
‫ف آن ّيْفُر َ‬
‫خا ُ‬
‫وفرط الرجل في القول قال ال تبارك وتعالى‪ِ( :‬إّنَنا َن َ‬

‫غريب الحديث لبن قتيبة‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫طَغى)‪.‬‬
‫ن ّي ْ‬
‫آْو آ ْ‬
‫سلن‬
‫غّ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه أعطى النساء اللواتي َ‬
‫شِعْرَنها إياه‪.‬‬
‫حْقَوه‪ ،‬فقال‪ :‬أ ْ‬
‫ابنته َ‬
‫ي‪.‬‬
‫حِق ٌ‬
‫حقو الزار‪ ،‬وجمعه ِ‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬قال الصمعي‪ :‬ال َ‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬ول أعلم الكسالى إل قد قال لي مثله أو نحوه‪.‬‬
‫حقو فان يكن‬
‫جفاء ال َ‬
‫ن في َ‬
‫ومن ذلك حديث عمر رضى ال عنه‪ :‬ل تْزهَد ّ‬
‫ما تحته جافيا فانه أستر له‪ ،‬وإن يكن ما تحته لطيفا فانه أخفى له‪.‬‬
‫حقو الزار يعني أن تجعله المرأة جافيا‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬أراد عمر بال َ‬
‫تضاعف عليه الثياب لتستر مؤخرها‪ .‬وقوله في الحديث الول‪ :‬أشعرنها‬
‫إياه‪ ،‬أي اجعلنه شعارها الذي يلي جسدها‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد في حديثه عليه السلم أن رجل أتاه فقال‪ :‬يا رسول ال!‬
‫ف وأحرق بطوننا التمر‪.‬‬
‫خُن ُ‬
‫عّنا ال ُ‬
‫ت َ‬
‫خّرَق ْ‬
‫َت َ‬
‫خِنيف‪ ،‬وهو جنس من الكّتان أردأ ما‬
‫ف واحدها َ‬
‫خُن ُ‬
‫قال الصمعي‪ :‬وال ُ‬
‫يكون منه؛ قال الشاعر يذكر طريفا‪ :‬الطويل‬
‫ق يدعو به‬
‫حِ‬
‫سْ‬
‫ف ال ّ‬
‫خِني ِ‬
‫عل كال َ‬
‫جـو ُ‬
‫ن‬
‫ض ُا ُ‬
‫حـيا ِ‬
‫عّفـى الـ ِ‬
‫له ُقُلب ُ‬
‫صَدى‬
‫ال ّ‬
‫ف الحياض‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬وقد خولف أبو معاوية الصمعي‪.‬‬
‫ويروي‪:‬ع ّ‬
‫ويروي‪:‬‬
‫ب عاِدّيٌة وصحو ُ‬
‫ن‬
‫له ُقُل ٌ‬
‫يعني الطريق‪ ،‬شبهه بالخنيف‪ ،‬أي عل طريقا كالخنيف‪.‬‬
‫ق من الثياب‪.‬‬
‫خَل ُ‬
‫ق‪ :‬ال َ‬
‫حُ‬
‫سْ‬
‫وال ّ‬
‫ق فليقل‪ :‬من‬
‫ت عليه دراَهُمه فليأت بها السو َ‬
‫ومنه قول عمر‪ :‬من َزاَف ْ‬
‫ب‪-‬أو كذا وكذا? ول يحالف الناس عليها أنها جياد‪.‬‬
‫ق ثو ٍ‬
‫حَ‬
‫سْ‬
‫يبيعني بها َ‬
‫وقال أبو زيد الطائي‪ :‬الخفيف‬
‫شبه أعناق طير ال ماء قد جيب فوقهن خني ُ‬
‫ف‬
‫ق ِ‬
‫وأباري ُ‬
‫جيب‪.‬‬
‫يعني الِفدام التي تفدم بها الباريق‪ .‬وقوله‪ :‬قد جيب‪ ،‬شبهه بال َ‬
‫ومن الفدام حديث بهز بن حكيم عن النبي عليه السلم أنه قال‪ :‬إنكم‬
‫عّوون يوم القيامة ُمَقّدمة أفواُهُكم بالِفدام‪.‬‬
‫مد ُ‬
‫يعني أنهم منعوا الكلم حتى تكلم أفخاذهم‪ ،‬فشبه ذلك بالفدام الذي يشد به‬
‫على الفم‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬وبعضهم يقول‪ :‬الَفدام‪ -‬بالفتح‪ ،‬ووجه الكلم‬
‫بالفدام‪ -‬بكسر الفاء‪ .‬وفي الحديث‪ :‬ثم إن أول ما ُيَبّين عن أحدكم لفخذه‬
‫ويده‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه دخل على عائشة أم المؤمنين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫سُتٌر‪.‬‬
‫سْهَوٌة عليها ِ‬
‫وفي البيت َ‬
‫سْهَوُة كالصّفة تكون بين يدي البيت‪ ،‬وقال غيره من أهل‬
‫قال الصمعي‪ :‬ال َ‬
‫ف والطاق يوضع فيه الشيء‪ ،‬قال أبو عبيد‪:‬‬
‫العلم‪ :‬السهوة شبيه بالّر ّ‬
‫وسمعت غير واحد من أهل اليمن يقولون‪ :‬السهوة عندنا بيت صغير‬
‫منحدر في الرض وسمكه مرتفع من الرض شبيه بالخزانة الصغيرة‬
‫يكون فيها المتاع‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬وقول أهل اليمن أشبه ما قيل في‬
‫سّدِة نحو قول الصمعي في السهوة‪.‬‬
‫السهوة‪ .‬وقال أبو عمرو في الُكّنِة وال ّ‬
‫ظّلُة تكون بباب الدار؛ قال الصمعي في الُكّنِة‪:‬هو الشيء‬
‫وقال هي ال ّ‬
‫يخرجه الرجل من حائطه كالجناح ‪ ،‬ونحوه قال أبو عبيد‪.‬‬
‫سَدد السلطان يقم ويقعد‪.‬‬
‫ش ُ‬
‫سّدة حديث أبي الدرداء‪ :‬من َيُغ َ‬
‫ومن ال ّ‬
‫ومنه حديث عروة بن المغيرة أنه كان يصلي في السدة ‪.‬‬
‫ظلل التي حوله يعني صلة الجمعة‬
‫يعني سدة المسجد الجامع‪ ،‬وهي ال ِ‬
‫مع المام‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬وإنما سمي إسماعيل السدى لنه كان تاجرا يبيع في سدة المسجد‬
‫الخمر‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬وبعضهم يجعل السدة الباب نفسه‪ .‬وقال أبو عبيد‪:‬‬
‫في حديثه عليه السلم أنه نهى عن حلوان الكاهن‪.‬‬
‫ل له على كهانته‪ ،‬تقول‬
‫جَع ُ‬
‫حلوان ما يعطاه الكاهن وُي ْ‬
‫قال الصمعي‪ :‬ال ُ‬
‫منه‪:‬‬
‫حَبْوَته بشيء؛ وأنشدنا الصمعي لوس‬
‫ت الرجل أحلوه حلوانا‪ ،‬إذا َ‬
‫حلو ُ‬
‫ل‪ :‬الطويل‬
‫بن حجر يذم رج ً‬
‫صّماَء َيْب ٍ‬
‫س‬
‫خرٍة َ‬
‫صَفا ص َ‬
‫ت الشعَر حي َ‬
‫ن‬
‫كأني حلو ُ‬
‫ِبلُلَها‬
‫حُتُه‬
‫َمَد ْ‬
‫ف ِمّني‬
‫ل المعرو َ‬
‫أل َتْقَب ُ‬
‫لُلـَهـا‬
‫ظَ‬
‫ك ِ‬
‫سَيًافًا علي َ‬
‫َمنولُة أ ْ‬
‫َتَعاَوَر ْ‬
‫ت‬
‫ويروى‪:‬‬
‫حُته‬
‫ت الشعَر يوَم مَد ْ‬
‫حَلْو ُ‬
‫كأني َ‬
‫فجعل الشعر حلوانا مثل العطاء‪ .‬ومنولة أم شمخ وعدي ابني فزارة‬
‫ن الرشوة؛ والِرشوة منها يقال‬
‫حْلَوا ُ‬
‫وأظن مازنا أيضا‪ .‬وقال أبو عبيد‪ :‬ال ُ‬
‫ت‪ .‬قال الشاعر‪ :‬الطويل‬
‫ت أي َرشو ُ‬
‫حلو ُ‬
‫منه‪َ :‬‬
‫ت قاِئُله‬
‫شْعرإذ ما َ‬
‫حل وناقًة ُيَبّلغ عني ال َ‬
‫ب أحُله َر َ‬
‫َفَمن راك ٌ‬
‫وقال غيره‪ :‬والحلوان أيضًا أن يأخذ الرجل من َمْهِر ابنته لنفسه‪ ،‬قال‪:‬‬
‫وهذا عار عند العرب‪ :‬قالت امرأة تمدح زوجها‪ :‬الرجز‬
‫ن من َبناِتنا‬
‫حلوا َ‬
‫خذ ال ُ‬
‫ل يأ ُ‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫جاِمُرهم الُلّوة‪ ،‬في أهل الجنة‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم‪ :‬وَم َ‬
‫طّراة والكافور يطرحه مع اللوة‪.‬‬
‫لُلّوِة غير ُم َ‬
‫جِمُر با َ‬
‫سَت ْ‬
‫وكان ابن عمر َي ْ‬
‫ثم يقول‪ :‬هكذا رأيت رسول ال صلى ال عليه وسلم يصنع‪.‬‬
‫قال الصمعي‪ :‬هو العود الذي يتبخر به؛ وأراها كلمة فارسية عربت‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬وفيها لغتان‪ :‬اللّوة واللوة بفتح اللف وضمها؛ ويقال‪:‬‬
‫اللوة خفيف‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه السلم في الحيات‪ :‬اقتلوا ذا الطفيتين والبتر‪.‬‬
‫طٌفى‪ .‬قال‪ :‬فاراه شبه‬
‫ل‪ ،‬وجمعه‪ُ :‬‬
‫صُة الُمْق ِ‬
‫خو َ‬
‫طْفَية ُ‬
‫قال الصمعي‪ :‬ال ّ‬
‫الخطين اللذين على ظهره بخوصتين من خوص المقل‪.‬‬
‫وأنشد لبي ذؤيب‪ :‬الطويل‬
‫ت في‬
‫عَف ْ‬
‫ى َقْد َ‬
‫طْف ِ‬
‫ع ُ‬
‫َوأقطا ِ‬
‫ى الّداِر ما إن‬
‫غْيَر ُنْؤ ِ‬
‫عَفا َ‬
‫َ‬
‫المعاِق ِ‬
‫ل‬
‫ُتـِبـْيُنـه‬
‫وقال غيره‪ :‬البتر القصير الذنب من الحيات‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم لبي بردة بن نيار في الجدعة التي‬
‫أمره أن يضحي بها‪ :‬ول تجزي عن أحد بعدك‪.‬‬
‫قال الصمعي‪ :‬وهو مأخوذ من قولك‪ :‬قد جزى عني هذا المر فهو‬
‫يجزي عني‪ ،‬ول همز فيه‪ ،‬ومعناه ل تقضي عن أحد بعدك‪ .‬يقول‪:‬‬
‫ي َنْف ٌ‬
‫س‬
‫جِز ْ‬
‫لتجزي ل تقضي؛ وقال ال تبارك وتعالى‪َ( :‬واَتُقْوا َيْوماً ل َت ْ‬
‫شْيَئا)‪.‬‬
‫س َ‬
‫ن َنَف ٍ‬
‫عْ‬
‫َ‬
‫ومنه حديث يروى عن عبيد بن عمير‪ :‬أن رجل كان يداين الناس وكان‬
‫له كاتب ومتجاز وكان يقول‪ :‬إذا رأيت الرجل معسرا فانظره‪ .‬فغفر ال‬
‫له‪.‬‬
‫والمتجازي المتقاضي‪ .‬قال الصمعي‪ :‬أهل المدينة يقولون‪ :‬أمرت فلنا‬
‫يتجازى ديني على فلن‪ ،‬أي يتقاضاه‪ .‬قال‪ :‬وأما قولهم‪ :‬اجزأني الشتئ‬
‫اجزاء‪ ،‬فمهموز ومعناه‪ :‬كفاني؛ وقال الطائي‪ :‬الوافر‬
‫ت الّربا ِ‬
‫ع‬
‫ت اّما ِ‬
‫وإن ُمّنْي ُ‬
‫جَدا ٍ‬
‫ع‬
‫غِدر في َ‬
‫لقد آَلْيت ا َ‬
‫جَزأ ِبالَكراع‬
‫وأن المرَء ُي ْ‬
‫ن الغدَر في القواِم عاٌر‬
‫لْ‬
‫وقوله‪ :‬يجزأ بالكراع‪ ،‬أي يكتفي به‪ .‬ومنه قول الناس‪ :‬اجتزأت بكذا وكذا‬
‫وتجزأت به‪ ،‬أي اكتفيت به وجداع السنة التي تجدع كل شيء أي تذهب‬
‫به‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم حين سئل عن الميتة‪ :‬متى تحل لنا‬
‫ل فشأنكم بها‪.‬‬
‫خَتُلفوا بها َبُق ً‬
‫حوا أو َتْغَتِبَقوا أو َت ْ‬
‫طُب ِ‬
‫صَ‬
‫الميتة? فقال‪ :‬ما لم َت ْ‬
‫قال الصمعي‪ :‬ل أعرف "تحتفئوا ولكني أراها "تختفوا بها" بالخاء‪ ،‬أي‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫تقتلعونه من الرض‪ .‬ويقال‪ :‬اختفيت الشيء‪ ،‬أخرجته‪ ،‬قال‪ :‬ومنه سمي‬
‫النباش المختفي لنه يستخرج الكفان‪ ،‬وكذلك‪ :‬خفيت الشيء‪ ،‬أخرجته؛‬
‫قال امرؤ القيس يصف حضر الفرس إنه أستخرج الفأر من جحرتهن كما‬
‫يستخرجهن المطر‪ :‬الطويل‬
‫ق من سحا ٍ‬
‫ب‬
‫ن ود ٌ‬
‫خَفاُه ّ‬
‫َ‬
‫ن كـأنـمـا‬
‫ن من أنفاِقِه ّ‬
‫خَفاُه ّ‬
‫َ‬
‫ّمَرّك ِ‬
‫ب‬
‫خِفْيَها"‬
‫عَة آِتَيٌة أَكاُد أ ْ‬
‫سا َ‬
‫ن ال ّ‬
‫وقال الكسائي‪ :‬كان سعيد بن جبير يقرأ (إ ّ‬
‫يعني أظهرها‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬وسألت عنها أبا عمرو فلم يعرف يحتفئوا‪،‬‬
‫وسألت أبا عبيدة فلم يعرفها؛ ثم بلغني بعد عنه أنه قال‪ :‬هو من الحفأ‪،‬‬
‫والحفأ مهموز مقصور‪ ،‬وهو أصل البردى البيض الرطب منه‪ ،‬وهو‬
‫يؤكل‪ ،‬فتأوله أبو عبدية في قوله‪ :‬تحتفئوا‪ ،‬يقول‪ :‬ما لم تقتلعوا هذا بعينه‬
‫فتأكلوه‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬وأخبرني الهيثم بن عدي أنه سأل عنها أعرابيا‪،‬‬
‫قال‪ :‬فلعلها تجتفئوا بالجيم‪ ،‬قال أبو عبيد‪ :‬يعني أن تقتلع الشيء ثم ترمي‬
‫به‪ .‬يقال‪ :‬جفأت الرجل إذا صرعته وضربت به الرض‪ -‬مهموز‪.‬‬
‫وبعضهم يرويه‪ :‬ما لم تحتفوا ‪-‬بتشديد الفاء‪ -‬فان يكن هذا محفوظا فهو‬
‫من احتففت الشيء كما تحف المرأة وجهها من الشعر‪.‬‬
‫صُبو ُ‬
‫ح‬
‫حوا أو َتْغَتِبُقوا‪ ،‬فانه يقول إنما لكم منها ال ّ‬
‫طِب ُ‬
‫صَ‬
‫وأما قوله‪ :‬ما لم َت ْ‬
‫ق وهو العشاء‪ ،‬يقول‪ :‬فليس لكم أن تجمعوهما من‬
‫وهو الغداء‪ ،‬أو الَغُبو ُ‬
‫الميتة‪.‬‬
‫من ذلك حديث سمرة أنه كتب لبنيه أنه يجزي من الضطرار أو‬
‫ق‪.‬‬
‫غُبو ٌ‬
‫صُبٌوح أو َ‬
‫ضاُروَرة َ‬
‫ال ّ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم حين قال للنصارية وهو يصف‬
‫ي بها‪ ،‬فقالت‬
‫طّهِر ْ‬
‫سَكًة َفَت َ‬
‫صًة مَّم ّ‬
‫خِذي ِفْر َ‬
‫لها الغتسال من المحيض‪ُ :‬‬
‫عائشة أم المؤمنين‪ :‬يعني تتبعي بها أثر الدم‪.‬‬
‫قال الصمعي‪ :‬الفرصة القطعة من الصوف أو القطن أو غيره‪ ،‬وإنما‬
‫أخذ من فرصت الشيء أي قطعه؛ ويقال للحديدة التي تقطع بها الفضة‪:‬‬
‫مفراص‪ ،‬لنها تقطع‪ .‬وأنشد الصمعي للعشى‪ :‬الطويل‬
‫جّ‬
‫ي‬
‫خَفا ِ‬
‫ص ال َ‬
‫ِلساناً َكِمْفرا ِ‬
‫ضُكْم‬
‫عن أعرا ِ‬
‫َوَأْدَفُع َ‬
‫حبا‬
‫ِمْل َ‬
‫عْيرُكْم‬
‫َوأ ِ‬
‫لحبت الشيء‪ :‬قطعته‪ ،‬والملحب‪ :‬كل شيء يقطع ويقشر‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم حين دخل عليه عمر رضي ال‬
‫عنه فقال‪ :‬يا رسول ال! لو أمرت بهذا البيت فسفر‪ ،‬وكان في بيت فيه‬
‫اهب وغيرها‪.‬‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫سَفْرت البيت وغيره‪ -‬إذا‬
‫سِفَر‪ ،‬يعني كنس‪ .‬يقال‪َ :‬‬
‫قال الصمعي‪ :‬قوله‪ُ :‬‬
‫سَفَرة‪ ،‬قال ومنه سمى ما‬
‫سِة‪ :‬الِم ْ‬
‫كنسته‪ -‬فأنا أسفره سفرا‪ .‬ويقال للِمْكَن َ‬
‫سِفره أي تكنسه؛ قال ذو الرمة‪:‬‬
‫سقط من الورق‪ :‬السفير‪ ،‬لن الريح َت ْ‬
‫البسيط‬
‫شُه ٌ‬
‫ب‬
‫جَراُثيِم ِفي َاْلَواِنِه ُ‬
‫ل اْل َ‬
‫حْو َ‬
‫جاِئُله َ‬
‫ل َ‬
‫حْو ِ‬
‫سِفْيِر اْل َ‬
‫ن َ‬
‫ل ّم ْ‬
‫حاِئ ٍ‬
‫َو َ‬
‫ويروى‪ :‬وجايل من سفير الحول جائله‪ -‬يعني الورق‪ ،‬وقد حال يحول‬
‫تغير لونه وابيض‪ ،‬والجائل‪ :‬ما جال بالريح وذهب وجاء‪ .‬والجراثيم‪ :‬كل‬
‫شيء مجتمع‪ ،‬والواحد جرثومة‪ .‬وقد تكون الجرثومة‪ -‬أصل الشيء‪.‬‬
‫ومنه الحديث المرفوع‪ :‬الزد جرثومة العرب فمن أضل نسبه فليأتهم‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬وقد روى في الهب حديث آخر أن عمر دخل على النبي‬
‫صلى ال عليه وسلم وفي البيت‪ :‬أهب عطنة وهي الجلود‪ ،‬واحدها‪:‬‬
‫طَنُة‪ :‬الُمْنِتَنُه الريح‪.‬‬
‫إهاب‪ ،‬والَع ِ‬
‫وجاء في حديث آخر أنه دخل عليه وعنده أفيق؛ والفيق‪ :‬الجلد الذي لم‬
‫يتم دباغه‪ ،‬وجمعه افق‪ ،‬يقال‪ :‬افيق وافق مثل عمود وعمد واديم وادم‬
‫وإهاب واهب؛ قال‪ :‬ولم يجد في الحروف فعيل ول فعول يجمع على‬
‫فعل إل هذه الحرف‪ ،‬إنما تجمع على فعل مثل صبور وصبر‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم‪ :‬كل صلة ليست فيها قراءة فهي‬
‫خداج‪.‬‬
‫قال الصمعي‪ :‬الخداج النقصان‪ ،‬مثل خداج الناقة إذا ولدت ولدا ناقص‬
‫جٌة؛‬
‫خِد َ‬
‫ج وهي ُم ْ‬
‫خِد ٌ‬
‫الخلق أو لغير تمام‪ .‬يقال‪ :‬أخدج الرجل صلته فهو ُم ْ‬
‫ج اليد‪ ،‬أي ناقصها‪ .‬ويقال‪ :‬خدجت الناقة‪،‬‬
‫خَد ُ‬
‫ومنه قيل لذي الُثَدّية‪ :‬إنه ُم ْ‬
‫إذا ألقت ولدها قبل أوان النتاج وإن كان تام الخلق‪ ،‬وأخدجت‪ ،‬إذا ألقته‬
‫ناقص الخلق وإن كان لتمام الحمل‪ .‬وإنما أدخلوا الهاء في ذي الثدية‬
‫وأصل الثدي ذكر لنه كأنه أراد لحمة من ثدي أو قطعة من ثدي فصغر‬
‫على هذا المعنى فأنث‪ .‬وبعضهم يرويه ذا اليدية بالياء‪ .‬قال أبو عبيد‬
‫ويقال‪ :‬ولد تمام وتمام‪ ،‬وقمر وتمام‪ ،‬وفي ليل تمام‪ ،‬ل يقال إل بالكسر‪:‬‬
‫ليل التمام‪.‬‬
‫ى منه َبْع ً‬
‫ل‬
‫سِق َ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم في صدقة النخل‪ :‬ما ُ‬
‫ففيه العشر‪.‬‬
‫قال الصمعي‪ :‬البعل ما شرب بعروقه من الرض من غير سقي سماء‬
‫ول غيرها؛ فإذا سقته السماء فهو عذي؛ ومن البعل قول النابغة في صفة‬
‫النخل والماء‪ :‬الطويل‬
‫سِتَقاء‬
‫ِبأْذَنا ِبَها َقْبل ا ْ‬
‫ت الماء ِبالَقا ِ‬
‫ع‬
‫ن الَواِرَدا ِ‬
‫ِم َ‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫حَناجـر‬
‫اْل َ‬
‫سَتِقي‬
‫َت ْ‬
‫فأخبر أنها تشرب بعروقها‪ .‬وأراد بالذناب العروق‪ .‬وقال عبد ال بن‬
‫رواحة‪ :‬الوافر‬
‫ل وإن عظم التاء‬
‫ول َبع ٍ‬
‫ل سق ٍ‬
‫ى‬
‫هنالك ل أبالي نخ َ‬
‫سْقى بالكسر الشرب‪ ،‬ويقال‪:‬‬
‫ى بالفتح الفعل وال ِ‬
‫سْق ُ‬
‫سْقى‪ ،‬فال ّ‬
‫سْقى و ِ‬
‫يقال‪َ :‬‬
‫سقيته سقيا‪ ،‬قال‪ :‬والتاء ما خرج من الرض من الثمر وغيره‪ ،‬يقال‪:‬‬
‫هي أرض كثيرة التاء‪ ،‬أي كثيرة الربع من الثمر وغيره‪.‬‬
‫قال‪ :‬وأما الغيل فهو ما جرى في النهار وهو الفتح أيضا‪.‬‬
‫قال‪ :‬والغلل الماء بين الشجر‪ .‬قال أبو عبيدة والكسالئي في البعل‪ :‬هو‬
‫العذى وما سقته السماء‪ ،‬قال أبو عمرو‪ :‬والِعْثري‪ :‬الِعْذى أيضا‪.‬‬
‫وقال بعضهم‪ :‬السيح الماء الجاري مثل الغيل‪ ،‬يسمى سيحا لنه يسيح في‬
‫الرض أي يجري؛ قال الراعي‪ :‬البسيط‬
‫من كرم دومة بين السيح‬
‫َواَرين جونًا ِرواء في‬
‫جذِر‬
‫وال ُ‬
‫أكّمـتـه‬
‫أراد أنهن وارين شعورهن ثم وصفها فشبهها بحمل الكرم‪.‬‬
‫ومنه الحديث أن النبي صلى ال عليه وسلم كتب إلي معاذ باليمن‪ :‬إن‬
‫فيما سقت السماء أو سقى غيل العشر‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬وأما ما جاء في السواني والنواضح أن ما سقى بها ففيه‬
‫نصف العشر‪.‬‬
‫فان السواني هي البل التي يستقى عليها من البار وهي النواضح‬
‫ضحًا‪،‬‬
‫ح َن ْ‬
‫ضُ‬
‫حت َتْن َ‬
‫ضَ‬
‫سُنّوا‪ ،‬وَن َ‬
‫ت السانيُة َتسُنو ُ‬
‫سَن ِ‬
‫بأعيانها‪ .‬يقال منه‪ :‬قد َ‬
‫إذا سقت‪ .‬قال زهير بن أبى سلمى‪ :‬البسيط‬
‫جّنًة‬
‫من النواضح َتسقى َ‬
‫غْرَبي ُمَقّتـَلَة‬
‫ي في َ‬
‫عْيَن ّ‬
‫كأن َ‬
‫سحقا‬
‫قوله‪ :‬في غربي‪ ،‬فالغرب التي تستقى بها البل وهي أعظم ما يكون من‬
‫الدلء وهو الذي فيه الحديث‪ :‬وما سقى منه بغرب ففيه نصف العشر‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم في قوم يخرجون من النار‪:‬‬
‫فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل‪.‬‬
‫قال الصمعي‪ :‬الحميل ما حمله السيل من كل شيء‪ ،‬وكل محمول فهو‬
‫حميل‪ ،‬كما يقال للمقتول‪ :‬قتيل‪.‬‬
‫ومنه قول عمر في الحميل‪ :‬ل يورث إل ببينة‪.‬‬
‫سمى حميل لنه يحمل من بلده صغيرا ولم يولد في السلم‪ .‬وإما الحبة‬
‫فكل نبت له حب فاسم الحب منه الحبة‪ .‬وقال الفراء‪ :‬الحبة‪ :‬بزور البقل‪.‬‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫وقال أبو عمرو‪ :‬الحبة نبت ينبت في الحشيش صغار؛ وقال الكسائي‪:‬‬
‫الحبة حب الرياحين‪ ،‬وواحدة الحب‪ :‬حبة‪.‬‬
‫قال‪ :‬وأما الحنطة ونحوها فهو الحب ل غير‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬وفي الحميل تفسير آخر هو أجود من هذا‪ ،‬يقال‪ :‬إنما سمي‬
‫الحميل الذي قال عمر حميل لنه محمول النسب‪ ،‬وهو أن يقول الرجل‪:‬‬
‫هذا أخي أو أبى أو ابني‪ ،‬فل يصدق عليه إل ببنية لنه يريد بذلك أن‬
‫يدفع ميراث موله الذي أعتقه‪ ،‬ولهذا قيل للدعى‪ :‬حميل؛ قال الكميت‬
‫يعاتب قضاعة في تحولهم إلى اليمن‪ :‬الوافر‬
‫ل?‬
‫حِمْي ِ‬
‫ل ضَّراَء منِزَلَة اْل َ‬
‫َو َ‬
‫لَم َنَزْلُتُم من غير َفْقـر‬
‫عَ‬
‫َ‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬والذي دار عليه المعنى من الحبة أنه كل شيء يصير من‬
‫الحب في الرض فينبت مما يبذر‪.‬‬
‫ضَباِئَر فيلقون‬
‫ضَباِئَر َ‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬وفي حديث آخر‪ :‬يخرجون من النار َ‬
‫على نهر يقال له نهر الحياة‪ .‬وقوله‪ :‬ضبائر‪ ،‬يعني جماعات‪ ،‬وهكذا‬
‫روى في الحديث وهو في الكلم أضابير أضابير‪ .‬قال الكسائي والحمر‪:‬‬
‫يقال‪ :‬هذه إضبارة‪ ،‬فليس جمعها إل أضابير‪ ،‬وكذلك إضمامة وجمعها‬
‫أضاميم‪.‬‬
‫ت الّثَعاِرْيُر‪.‬‬
‫ن كما َتْنُب ُ‬
‫وفي حديث آخر‪َ :‬يْنُبُتْو َ‬
‫يقال‪ :‬إن الثعارير هي هذه التي يقال لها الطراثيت‪.‬‬
‫وفي حديث آخر‪ :‬يخرجون من النار بعدما امتحشوا وصاروا فحما‪.‬‬
‫قوله‪ :‬امتحشوا احترقوا‪ ،‬وقد محشتهم النار مثله‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم‪ :‬ما زالت آكلة خيبر تعادني فهذا‬
‫أوان قطعت ابهري‪.‬‬
‫قال الصمعي‪ :‬هو من العداد وهو الشيء الذي يأتيك لوقت‪ .‬وقال أبو‬
‫زيد مثل ذلك أو نحوه‪ ،‬قال أبو عبيد‪ :‬وأصله من العدد لوقت معلوم مثل‬
‫الحمى الربع والغب‪ ،‬وكذلك السم الذي يقتل لوقت‪ .‬وكل شيء معلوم فانه‬
‫يعاد صاحبه ليام‪ ،‬وأصله العدد حتى يأتي وقته الذي يقتل فيه؛ ومنه قول‬
‫الشاعر‪ :‬الوافر‬
‫سِلْيُم ِمن اْلِعَداِد‬
‫كما َيْلَقى ال ّ‬
‫ل َلْيلـى‬
‫ن َتَذّكِر آ ِ‬
‫ُيلقي ِم ْ‬
‫يعني بالتسليم اللديغ‪ .‬قال الصمعي‪ :‬إنما اللديغ سليما لنهم تطيروا من‬
‫اللديغ فقلبوا المعنى‪ ،‬كما قالوا للحبشي‪ :‬أبو البيضاء‪ ،‬وكما قالوا للفلة‪:‬‬
‫مفازة‪ ،‬تطيروا إلي الفوز وهي َمْهَلكٌة وُمْهِلكٌَة؛ وذلك لنهم تطيروا إليه‪.‬‬
‫والبهر‪ :‬عرق مستبطن الصلب والقلب متصل به فإذا انقطع لم تكن معه‬
‫حياة‪ ،‬وأنشد الصمعي لبن مقبل‪ :‬البسيط‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫لِم َوَراَء اْلَغْيب‬
‫َلْدَم اْلُغ َ‬
‫حت َاْبَهـِره‬
‫ب َت ُ‬
‫وِللُفؤاِد َوجشي ٌ‬
‫جِر‬
‫حَ‬
‫باِْل َ‬
‫شبه وجيب قلبه بصوت حجر‪ ،‬واللدم‪ :‬الصوت‪ .‬وقال بعضهم‪ :‬إنما سمي‬
‫التدام النسأ من هذا‪ .‬ويقال البهر‪ :‬الوتين‪ ،‬وهو في الفخذ‪ :‬النسأ‪ ،‬وفي‬
‫الساق‪ :‬الصافن‪ ،‬وفي الحلق‪ :‬الوريد‪ ،‬وفي الذراع‪ :‬العجل‪ ،‬وفي العين‪:‬‬
‫الناظر‪ ،‬وهو نهر الجسد‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم للذي تخطى رقاب الناب يوم‬
‫ت‪ ،‬لما دخل رجل يوم الجمعة و رسول ال‬
‫ت وآَنْي َ‬
‫الجمعة‪ :‬رأيُتك آذْي َ‬
‫صلى ال عليه وسلم يخطب‪ ،‬فجعل يتخطى رقاب الناس حتى صلى مع‬
‫النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فلما فرغ من صلته قال له‪ :‬ما جمعت يا‬
‫فلن! فقال له‪ :‬يا رسول ال! أما رأيتني جمعت معك? فقال له‪ :‬رأيتك‬
‫ت‪.‬‬
‫ت وآَنْي َ‬
‫آَذْي َ‬
‫قال الصمعي‪ :‬قوله‪ :‬آنيت‪ ،‬أي أخرت المجيء وأبطأت‪ ،‬قال‪ :‬ومنه قول‬
‫الحطيئة‪ :‬الوافر‬
‫شْعَري فطال بي الناُء‬
‫أو ال ّ‬
‫سـَهـْي ٍ‬
‫ل‬
‫شاَء إلى ُ‬
‫ت اِلَع َ‬
‫وآَنْي ُ‬
‫ومنه قيل للمتمكث في المور‪ :‬متأن‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه نهى أن يقال بالرفاء والبنين‪.‬‬
‫قال الصمعي‪ :‬الرفاء يكون في معنيين‪ ،‬يكون من التفاق وحسن‬
‫الجتماع‪ ،‬قال‪ :‬ومنه أخذ رفؤ الثوب لنه يرفأ ويضم بعضه إلي بعض‬
‫ويلم بينهما‪ ،‬ويكون الرفاء من الهدو والسكون؛ وأنشدني لبي خراش‬
‫الهذلي‪ :‬الطويل‬
‫ت الُوجوَه ُهُم‬
‫فقلتُ َوَاْنَكْر ُ‬
‫خَوْيِلُد لم‬
‫َرَفْوِني وقالوا يا ُ‬
‫ُهُم‬
‫ُتَر ْ‬
‫ع‬
‫رفوني‪ ،‬يقول‪ :‬سكنوني‪ .‬وقال أبو زيد‪ :‬الرفاء الموافقة وهي المرافاة‪-‬‬
‫بغير همز؛ وأنشد‪ :‬الوافر‬
‫لَما‬
‫ي وَيْكَرُه أن ّي َ‬
‫ُيرافِْين ِ‬
‫ن رأيت أبـا ُرَوْيٍم‬
‫وَلّما أ ْ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه كان إذا مر بهدف مائل أو‬
‫صدف هائل أسرع المشي‪.‬‬
‫قال الصمعي‪ :‬الهدف كل شيء عظيم مرتفع‪ ،‬وقال غيره‪ :‬وبه شبه‬
‫الرجل العظيم فقيل له‪ :‬هدف‪ ،‬وأنشد‪ :‬الطويل‬
‫ضْفٌو من الّثّلِة‬
‫جَبه َ‬
‫عَ‬
‫َوأ ْ‬
‫صّو َ‬
‫ب‬
‫ل َ‬
‫ف الِمْعَزا ُ‬
‫إذا الَهَد ُ‬
‫طِ‬
‫ل‬
‫خ ْ‬
‫ال ُ‬
‫ّرأسه‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫ل‪:‬‬
‫طُ‬
‫خ ْ‬
‫ضْفُو من الضافي وهو الكثير‪ ،‬واْل َ‬
‫الّثّلُة‪ :‬جماعة الغنم‪ ،‬وال ّ‬
‫المسترخية الذان‪ ،‬وبها سمي الخطل‪.‬‬
‫حّتى ِإَذا‬
‫وقال غير الصمعي‪ :‬الصدف نحو من الهدف‪ ،‬قال ال تعالى ( َ‬
‫ن) يعني الجبلين‪.‬‬
‫صَدَفْي ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫ساَوى َبْي َ‬
‫َ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه نهى عن لحوم الجللة‪.‬‬
‫جّلَة‪،‬‬
‫قال الصمعي‪ :‬هي التي تأكل الجلة العذرة من البل‪ ،‬قال‪ :‬وهي ال ِ‬
‫وأصل الجلة‪ :‬البعر‪ ،‬وكنى بها عن العذرة‪ ،‬يقال منه‪ :‬خرج الماء‬
‫يجتللن‪ ،‬إذا يلتقطن البعر‪ .‬قال عمر بن لجأ‪ :‬الرجز‬
‫خّرِم‬
‫ل الماِء ال ُ‬
‫جَت ّ‬
‫يحسب ُم ْ‬
‫وقال الفرزدق يذكر امرأة‪ :‬الكامل‬
‫ح على‬
‫سرب َمَداِمُعها َتُنو ُ‬
‫لِ‬
‫ل‬
‫جـ َ‬
‫عَدًة علـى َ‬
‫ل قا ِ‬
‫ِبالّرمْ ِ‬
‫اْبِنَها‬
‫وقال أبو عبيد في حديثه عليه السلم في الغايط‪ :‬اتقوا الملعن وأعدوا‬
‫النبل‪.‬‬
‫قال الصمعي‪ :‬أراها بضم النون وبفتح الباء‪ ،‬قال ويقال‪ :‬نبلني أحجارا‬
‫للستنجاء‪ -‬أي أعطنيها‪ ،‬ونبلني عرقا‪ -‬أي أعطنيه‪ ،‬لم يعرف منه‬
‫الصمعي غير هذا‪ ،‬قال محمد بن الحسن يقول‪ :‬النبل حجارة الستنجاء‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬والمحدثون يقولون‪ :‬هي النبل‪ -‬بالفتح‪ ،‬ونراها سميت نبل‬
‫لصغرها‪ ،‬وهذا من الضداد في كلم العرب أن يقال للعظام نبل‬
‫وللصغار نبل‪ ،‬وقيل‪ :‬إن رجل من العرب توفي فورثه أخوه إبل فعيره‬
‫رجل بأنه قد فرح بموت أخيه لما ورثه فقال الرجل‪ :‬المنسرح‬
‫جً‬
‫ل‬
‫عِ‬
‫ت مثلها َ‬
‫جْزٌء َفلَقْي َ‬
‫َ‬
‫ي بها َكِذبـًا‬
‫ت أْزَنْتَن ِ‬
‫إن ُكْن َ‬
‫صاِئصاً ُنَب ً‬
‫ل‬
‫ش َ‬
‫ث َذْودًا َ‬
‫أْوَر َ‬
‫ح أن اْرَزأ الِكَراَم َوأن‬
‫اْفَر ُ‬
‫والشصائص‪ :‬التي ل ألبان لها‪ ،‬والنبل في هذا الموضع الصغار الجسام‪،‬‬
‫فنرى أنها سميت حجارة الستنجاء نبل لصغرها‪ ،‬وأما الملعن التغوط‬
‫بالطريق لنه يقال‪ :‬من فعل هذا لعنه ال‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم‪ :‬عائد المريض على مخارف الجنة‬
‫حتى يرجع‪.‬‬
‫قال الصمعي‪ :‬واحد المخارف مخرف وهو جني النخل‪ ،‬وإنما سمي‬
‫مخرفا لنه يخترف منه أي يجتني‪.‬‬
‫ضا‬
‫ل َقْر َ‬
‫ضا َ‬
‫ن َذا اّلِذي ُيْقِر ُ‬
‫ومنه حديث أبي طلحة حين نزلت (َم ْ‬
‫سنًا) قال‪ :‬إن لي مخرفا وقد جعلته صدقة‪ ،‬فقال النبي صلى ال عليه‬
‫حَ‬
‫َ‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫وسلم‪ :‬اجعله في فقراء قومك‪.‬‬
‫قال أبو عمرو في مخارف النخل مثله أو نحوه‪ ،‬قال ويقال منه‪ :‬أخرف‬
‫لنا‪ -‬أي أجن لنا‪.‬‬
‫قال الصمعي‪ :‬وأما قول غمر "تركتكم على مثل مخرفة العم"‪.‬‬
‫فليس من هذا‪ ،‬إنما أراد بالمخرفة الطريق الواسع البين‪ :‬قال أبو كبير‬
‫الهذلي‪ :‬الكامل‬
‫خَر ِ‬
‫ف‬
‫ي َفِريٍغ َم ْ‬
‫ن ِبِذ ْ‬
‫ب اْثـَره َنْهجًا أبا َ‬
‫سـ ُ‬
‫حَ‬
‫ل َت ْ‬
‫جْزتثه بِاَف ّ‬
‫َفَا َ‬
‫الفل‪ :‬السيف به فلول‪ ،‬وأثره الوشي الذي فيه‪ ،‬ونهج ونهج واحد والنهج‬
‫أجود‪ ،‬يقول‪ :‬جزت الطريق ومعي السيف‪ ،‬والفريغ‪ :‬الواسع‪ .‬واسم‬
‫الزنبيل الذي يجتني فيه النخل مخرف بالكسر‪ ،‬وأما المخرف بضم الميم‬
‫فالذي قد دخل في الخريف‪ ،‬ولهذا قيل للظبية‪ :‬مخرف‪ ،‬لنها ولدت في‬
‫الخريف‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه سار ليلة حتى إبهار الليل ثم‬
‫سار حتى تهور الليل‪.‬‬
‫قال الصمعي‪ :‬قوله "إبهار الليل" يعني انتصف الليل‪ ،‬وهو مأخوذ من‬
‫بهرة الشيء أي وسطه‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬ثم سار حتى تهور الليل‪ -‬يعني أدبر وأنهدم‪ ،‬كما يتهور البناء‬
‫ف َهار َفأْنَهاَر‬
‫جُر ٍ‬
‫شَفا ُ‬
‫ى َ‬
‫عل َ‬
‫وغيره ويسقط‪ ،‬وقال ومنه قول ال تعالى ( َ‬
‫ِبه)‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه قال للشفاء وهي امرأة‪ :‬علمي‬
‫حفصة رقية النملة‪.‬‬
‫قال الصمعي‪ :‬هي قروح تخرج في الجنب وغيره‪ ،‬وقال‪ :‬وإنما النملة‬
‫فهي النميمة‪ ،‬يقال‪ :‬رجل نمل‪ -‬إذا كان نماما‪ ،‬قال الراعي‪ :‬البسيط‬
‫قول العدو ول ذو النملة‬
‫لسنا بأخـوال الف يزيلـهـم‬
‫المحل‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه سئل عن الضبط‪.‬‬
‫قال الصمعي‪ :‬هو الذي يعمل بيديه جميعا‪ ،‬يعمل بيساره كما يعمل‬
‫بيمينه‪ ،‬قال أبو عمرو مثله‪ ،‬وقال أبو عبيد‪ :‬يقال من ذلك للمرأة‪:‬‬
‫ضبطاء‪ ،‬وكذلك كل عامل بيديه جميعا؛ قال معز بن أوس يصف الناقة‪:‬‬
‫الطويل‬
‫سَواَم‬
‫غَدا َيحوي ال ّ‬
‫ق َ‬
‫َفِنْي ٌ‬
‫خِدى‬
‫ضبطاء َت ْ‬
‫عَذاِفرة َ‬
‫ُ‬
‫حا‬
‫سواِر َ‬
‫ال ّ‬
‫َكـأّنـَهـا‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫سر‪،‬‬
‫سر أْي َ‬
‫عَ‬
‫سٌر‪ .‬والمحدثون يقولون‪ :‬أ ْ‬
‫سُر ُي َ‬
‫عَ‬
‫قال‪ :‬وهو الذي يقال له‪ :‬أ ْ‬
‫سٌر‪ .‬والصواب‪:‬‬
‫سَر َي َ‬
‫عَ‬
‫ويروي‪ :‬أن عمر رضي ال عنه كان كذلك أ ْ‬
‫سَر‪.‬‬
‫سَر َاْي َ‬
‫عَ‬
‫أْ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه قيل له لما نهى عن ضرب‬
‫النساء‪ :‬ذئر النساء على أزواجهن‪.‬‬
‫قال الصمعي‪ :‬يعني نفرن ونشزن واجتر أن؛ يقال‪ :‬امرأة ذائر‪ -‬ممدود‬
‫على مثال فاعل مثل الرجل‪ ،‬قال عبيد بن البرص‪ :‬الكامل‬
‫ضُبوا‬
‫ذئروا ِلَقْتَلى عامٍر وَتَغ ّ‬
‫ولقد أتانا عن تمـيٍم أنـهـم‬
‫يعني نفروا من ذلك وأنكروه‪ ،‬ويقال‪ :‬أنفوا‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حيدثه عليه السلم أنه يخرج من النار رجل قد ذهب‬
‫حْبُره وسشْبُره‪.‬‬
‫ِ‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬في الحديث اختلف وبعضهم ل يرفعه‪.‬‬
‫قال الصمعي‪ :‬قوله ذهب حبره وسبره هو الجمال والبهاء‪ ،‬يقال‪ :‬فلن‬
‫حسن الحبر والسبر‪ ،‬قال ابن أحمر وذكر زمانا قد مضى‪ :‬الوافر‬
‫ضْيَنـا‬
‫لق ِ‬
‫جا ٍ‬
‫ل وآ َ‬
‫عَما ٍ‬
‫لْ‬
‫ِ‬
‫ضْيَنا‬
‫حّتى اْقُت ِ‬
‫حْبَره َ‬
‫سَنا ِ‬
‫َلِب ْ‬
‫ويروى‪ :‬حتى اقتصينا يعني لبسنا جماله وهيئته‪ .‬وقال غيره‪ :‬حسن الحبر‬
‫ولسبر بالفتح جميعا‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬وهو عندي بالحبر أشبه لنه مصدر‬
‫من حبرته حرا أي حسنته‪.‬‬
‫قال الصمعي‪ :‬وكان يقال لطفيل الغنوي في الجاهلية‪ :‬المحبر لنه كان‬
‫حِبْيِر‪ ،‬وحسن الخط‬
‫يحسن الشعر‪ ،‬وقال‪ :‬وهو مأخوذ عندي من الّت ْ‬
‫والمنطق‪ .‬قال والحبار أثر الشيء‪ ،‬وأنشد في الحبار‪ :‬الرجز‬
‫سِقْيَها‬
‫حَباَر َمن ّي ْ‬
‫ل َتَرى َ‬
‫أَ‬
‫ق فيها‬
‫عّر ْ‬
‫ل َتْمل الّدْلَو َو َ‬
‫َ‬
‫قوله‪ :‬عرق فيها أي اجعل فيها ماء قليل‪ ،‬ومنه قيل‪ :‬طلء معرق‪ ،‬ويقال‪:‬‬
‫حَباِر‬
‫ن ال ُ‬
‫اعترق وعرق‪ .‬وأما الحبر من قول ال تعالى (ِم َ‬
‫حْبٌر وبعضهم يقول‪:‬‬
‫ن) فإن الفقهاء يختلفون فيه فبعضهم يقول‪َ :‬‬
‫والّرَهَبا ِ‬
‫حْبٌر‪ ،‬يقال للعالم ذلك‪ .‬قال وإنما قيل‪ :‬كعب‬
‫حْبٌر‪ .‬وقال الفراء‪ :‬إنما هو ِ‬
‫ِ‬
‫حْبِر الذي يكتب به‪ ،‬وذلك أنه كان صاحب كتب‪.‬‬
‫الحبر لمكان هذا ال ِ‬
‫حبر للرجل العالم‪.‬‬
‫حبر أو ال ِ‬
‫قال الصمعي‪ :‬ما أدرى هو ال َ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم حين قال لعمر رحمه ال‪َ :‬فَلْم أَر‬
‫عْبَقِريًا َيْفِري َفِرّيه‪.‬‬
‫َ‬
‫قال الصمعي‪ :‬سألت أبا عمرو بن العلء عن العبقري فقال يقال‪ :‬هذا‬
‫عبقري قوم‪ ،‬كقولك‪ :‬هذا سيد قوم وكبيرهم وقويهم ونحو هذا‪ .‬قال أبو‬
‫عبيد‪ :‬إنما أصله فيما يقال‪ :‬إنه نسب إلي عبقر‪ ،‬وهي أرض يسكنها الجن‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫فصار مثل لكل منسوب إلى شيء رفيع؛ قال زهير بن أبي سلمى‪:‬‬
‫الطويل‬
‫جديرون يومًا أن َينالوا‬
‫َ‬
‫عـْبـَقـِرّيٌة‬
‫جـّنٌة َ‬
‫ل عليها ِ‬
‫خْي ٍ‬
‫ِب َ‬
‫سَتْعُلوا‬
‫َفَي ْ‬
‫وقوله‪ :‬يفري فريه‪ ،‬كقولك‪ :‬يعمل عمله ويقول قوله‪ ،‬ونحو هذا؛ وأنشد‬
‫الحمر‪ :‬الرجز‬
‫جـِريًا‬
‫حـ ْ‬
‫سِوسًا ُمَدودًا َ‬
‫ُم َ‬
‫حَولـّيا‬
‫ل َ‬
‫طَعَمْتِني َدَق ً‬
‫قد أ ْ‬
‫ن به الَفِرّيا‬
‫ت َتفِري َ‬
‫قد كن ِ‬
‫ويقال في عبقر‪ :‬إنها أرض يعمل يفها البرود ولذلك نسب الوشى إليها؛‬
‫قال ذو الرمة يذكر ألوان الرياض‪ :‬البسيط‬
‫جِلي ٌ‬
‫ل‬
‫عْبَقَر َت ْ‬
‫ى َ‬
‫شِ‬
‫من َو ْ‬
‫ض الُق ّ‬
‫ف‬
‫ن ِرَيا َ‬
‫حتى َكَأ َ‬
‫جْيُد‬
‫وَتْن ِ‬
‫سها‬
‫أْلَب َ‬
‫ومن هذا قيل للبسط‪ :‬عبقرية‪ ،‬إنها نسيت إلى تلك البلد‪.‬‬
‫ومنه حديث عمر أنه كان يسجد على عبقري قيل له‪ :‬على بساط? قال‪:‬‬
‫نعم‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم‪ :‬وإن مما ينبت الربيع ما يقتل‬
‫حَبطا بالخاء معجمة‪.‬‬
‫حَبطا أو يلم‪ -‬ويروى‪ :‬يقتل َ‬
‫َ‬
‫قال الصمعي في الحبط‪ :‬هو أن تأكل الدابة فتكثر حتى ينتفخ لذلك بطنها‬
‫حَبطاً‪.‬‬
‫طت َتحَبط َ‬
‫حِب َ‬
‫وتمرض عنه‪ ،‬يقال عنه‪ ،‬يقال منه‪َ :‬‬
‫وقال أبو عبيد مثل ذلك أو نحوه‪ .‬وقال إنما سمي الحارث بن مازن بن‬
‫مالك بن عمرو بن تميم الحبط لنه كان في سفر فأصابه مثل هذا‪ ،‬وهو‬
‫أبو هؤلء الذين يسمون الحبطات من بني تميم فينسب إليه فلن الحبطي‪.‬‬
‫قال‪ :‬إذا نسبوا إلي الحبط حبطي وإلى سلمة سلمى وإلى شقرة شقري‪،‬‬
‫وذلك أنهم كرهوا كثرة الكسرات ففتحوا‪ .‬وأما الذي رواه يزيد‪ :‬يقتل‬
‫خبطا‪ -‬بالخاء‪ ،‬فليس بمحفوظ‪ ،‬إنما ذهب إلى التخبط وليس له وجه‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬وأما قوله‪ :‬أو يلم‪ ،‬فإنه يعني يقرب من ذلك‪ .‬ومنه الحديث‬
‫الخر في ذكر أهل الجنة قال‪ :‬فلو ل أنه شيء قضاه ال للم أن يذهب‬
‫بصره‪ .‬يعني لما يرى فيها‪ ،‬يقول‪ :‬لقرب أن يذهب بصره‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم في الحساء‪ :‬إنه َيرُتو فؤاد الحزين‬
‫ويسرو عن فؤاد السقيم‪.‬‬
‫قال الصمعي‪ :‬يعني بقوله‪ :‬يرتوا فؤاد الحزين‪ ،‬يشده ويقربه‪ ،‬قال أبو‬
‫عبيد‪ :‬ومنه قول لبيد يذكر كتيبة أو درعا‪ :‬الرمل‬
‫ُقْرد ماِنّيا وتركاً كالبصل‬
‫خَمًة َذفراَء ُترتى ِبالُعَرى‬
‫َف ْ‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫ى في أواسطها فيضم ذيلها‬
‫عر ً‬
‫قوله‪ :‬ترتى بالعرى‪ ،‬يعني الدروع أن لها ُ‬
‫إلى تلك العرى وتشد لتنشمر عن لبسها‪ ،‬فذلك الشد هو الّرْتُو‪ ،‬وهو‬
‫معنى قول زهير‪ :‬الكامل‬
‫جه‬
‫سُ‬
‫ى َتْن ِ‬
‫ضٍة كاّلّنْه ِ‬
‫وُمَفا َ‬
‫ضَلَها ِبُمَهّنـِد‬
‫َبيضاَء َكّفت َف ْ‬
‫صَبا‬
‫ال ّ‬
‫المفاضة‪ :‬الدرع الواسعة‪ ،‬والنهي‪ :‬الغدير‪ ،‬يعني أنه علق الدرع بعملق‬
‫في السيف‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬يسرو‪ ،‬يكشف عن فؤاده‪ .‬ولهذا قيل‪ :‬سريت الثوب عن الرجل‪،‬‬
‫إذا كشفته عنه وسروت؛ قال ابن هرمة‪ :‬الطويل‬
‫صبا المتخاي ُ‬
‫ل‬
‫سرى ثوَبه عنك ال ّ‬
‫سّرى‪.‬‬
‫سَرى و َ‬
‫ويقال‪َ :‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم‪ :‬تجئ البقرة وآل عمران يوم‬
‫القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان‪.‬‬
‫قال الصمعي‪ :‬الغياية كل شيء أظل النسان فوق رأسه مثل السحابة‬
‫والغبرة والظل ونحوه‪ .‬ويقال‪ :‬غايا القوم فوق رأس فلن بالسيف‪ ،‬كأنهم‬
‫أظلوه به‪ .‬وقال الكسائي وأبوه عمرو في الغياية مثله‪ ،‬ولم يذكرا قوله‪:‬‬
‫غايا بالسيف‪ .‬قال لبيد‪ :‬الرمل‬
‫غَياَيات‬
‫ض َ‬
‫َوعلى الر ِ‬
‫ت عـلـيه َقـاِفـ ً‬
‫ل‬
‫َفَتـَدّلـُي ُ‬
‫طَف ْ‬
‫ل‬
‫ال ّ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم حين قال لعمرو ابن العاص‪:‬‬
‫وازعب لك زعبة من المال‪ ،‬قال عمرو بن العاص‪ :‬أرسل إلي النبي‬
‫صلى ال عليه وسلم أن أجمع عليك سلحك وثيابك ثم ائتني‪ ،‬قال‪ :‬فأتيته‬
‫وهو يتوضأ‪ ،‬فقال‪ :‬يا عمرو! إني أرسلت إليك لبعثك في وجه يسلمك‬
‫ال ويغنمك وازعب لك زعبة من المال‪ ،‬قال فقلت‪ :‬يا رسول ال! ما‬
‫كانت هجرتي للمال‪ ،‬و ما كنت إل ل ولرسوله‪ .‬قال فقال‪ :‬نعما‪ -‬بكسر‬
‫النون‪ -‬بالمال الصالح للرجل الصالح‪.‬‬
‫قال الصمعي‪ :‬قوله‪ :‬أزعب لك زعبة من المال‪ ،‬أي أعطيك دفعة من‬
‫المال‪ ،‬قال‪ :‬والزعب هو الدفع‪ ،‬يقال‪ :‬جاءنا سيل يزعب زعبا‪ ،‬أي‬
‫يتدافع‪ .‬قال الصمعي‪ :‬ويقال‪ :‬جاءنا سيل يرعب الوادي‪ -‬بالراء‪ -‬أي‬
‫يمله‪ .‬وأما الذي في الحديث فبالزاي‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬وقول الصمعي‪:‬‬
‫يرعب الوادي‪ ،‬ليس من هذا‪ .‬وقال ساعدة بن جؤية الهذلي‪ :‬الكامل‬
‫ع ُ‬
‫ب‬
‫ب َيْر َ‬
‫ج َلَها َتَراِئ ُ‬
‫ِمّما َتُث ّ‬
‫ل َهِدّيٍة‬
‫ى وُك ّ‬
‫إني ورب ِمن ً‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫يعني دماء الهدى حين تنحر فتنثج دماؤها تدفع بعضها بعضا‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم إن رجل كان واقفا معه وهو‬
‫محرم فوقصت به ناقته في أخاقيق جرذان فمات‪ .‬عن ابن عباس أن‬
‫رجل كان واقفا مع النبي صلى ال عليه وسلم فوقصت دابته أو راحلته‬
‫وهو محرم‪ ،‬قال فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ :‬اغسلوه وكفنوه‬
‫ول تخمروا وجهه ورأسه فانه يبعث يوم القيامة ملبيا أو قال‪ :‬ملبدا‪.‬‬
‫ويروى‪ :‬فوقصت به ناقته في أخاقيق جرذان‪.‬‬
‫ق‪ ،‬وهي شقوق في‬
‫خُقو ٌ‬
‫ق‪ ،‬واحدها‪ُ :‬ل ْ‬
‫خاِقْي ُ‬
‫قال الصمعي‪ :‬إنما هي َل َ‬
‫الرض‪.‬‬
‫ص‪ ،‬إذا كان مائل‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬القص كسر العنق‪ ،‬ومنه قيل للرجل‪ :‬أْوَق ُ‬
‫العنق قصيرها‪.‬‬
‫ي رضي ال عنه‪ :‬في القارصة والقامصة والواقصة‬
‫ومن ذلك حديث عل ّ‬
‫بالدية أثلثا‪.‬‬
‫وتفسيره أن ثلثة جواركن يلعبن فركبت إحداهن صاحبتها فقرصت‬
‫الثالثُة المركوَبَة فقمصت فسقطت الراكبة فوقصت عنقها‪ ،‬فجعل عل ّ‬
‫ي‬
‫على القارصة ثلث الدية وعلى القامصة الثلث وأسقط الثلث‪ ،‬يقول‪ :‬لنه‬
‫حصة الراكبة لنها‬
‫ي‪ ،‬أي كسرته‪ ،‬قال ابن مقبل‬
‫أعانت على نفسها‪ .‬ومنه قولهم‪ :‬وقصت الش ْ‬
‫يذكر الناقة‪ :‬الكامل‬
‫صَر‬
‫ص اْلَمَقا ِ‬
‫َفَبَعْثُتَها تِق ُ‬
‫حَياُة الّناِر ِلْلُمَتَنـّوِر‬
‫ت َ‬
‫َكَرَب ْ‬
‫َبْعَدَما‬
‫صَرٌة‪ ،‬قال أبو زياد‪ :‬قوله‪:‬‬
‫قوله‪ :‬تقص‪ ،‬تكسر وتدق‪ .‬وواحد المقاصر َمْق َ‬
‫مقصرة‪ ،‬من قصر العشى‪ .‬وقال أبو عبيد‪ :‬هو عندي من اختلط الظلم‪.‬‬
‫ق‪.‬‬
‫حَل َ‬
‫ق أو َ‬
‫صَل َ‬
‫ن َ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم‪ :‬ليس ِمّنا َم ْ‬
‫صْلق‪ -‬بالصد‪ :‬هو الصوت الشديد‪ ،‬وقال غيره‪ :‬بالسين‪.‬‬
‫قال الصمعي‪ :‬ال ّ‬
‫حَداٍد)‪.‬‬
‫سَنٍة ِ‬
‫سَلُقْوكْم ِبأل ِ‬
‫ومنه قوله تبارك وتعالى ( َ‬
‫قال العشى يمدح قوما‪ :‬الخفيف‬
‫لق‬
‫سّ‬
‫ب ال ّ‬
‫ط ُ‬
‫جَدة فيهم والخا ِ‬
‫حة والّن ْ‬
‫سَما َ‬
‫ب وال ّ‬
‫ص ُ‬
‫خ ْ‬
‫فيهُم اْل ِ‬
‫لق وِمسلق‪ ،‬وهو من شدة الكلم‬
‫سّ‬
‫سلق‪ ،‬ويقال للخطيب‪َ :‬‬
‫ويروى‪ :‬الِم ْ‬
‫وكثرته‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم‪ :‬ل ِثَنى في الصدقة‪.‬‬
‫قال الصمعي‪ :‬هو مقصور بكسر الثاء‪ -‬يعني ل تؤخذ في السنة مرتين؛‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫وقال الكسائي في الِثَنى مثله‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬وقال في ذلك كعب بن زهير‬
‫أو معن بن أوس يذكر امرأته وكانت لَمْته في بكر نحره‪ ،‬فقال‪ :‬الطويل‬
‫طَعْتِني‬
‫ب َبْكِر َق ّ‬
‫جْن ِ‬
‫أفي َ‬
‫َلَعْمِري لقد كانت َملمُتماِثَنى‬
‫َملمًة‬
‫يقول‪ :‬ليس هذا بأول لومها قد فعلته قبل هذا‪ ،‬وهذا ثنى بعده‪ .‬وقال أبو‬
‫عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم إنه قال‪ :‬إنما هو جبريل وميكائيل كقولك‪:‬‬
‫عبد ال وعبد الرحمن‪.‬‬
‫قال الصمعي‪ :‬معنى إيل معنى الربوبية فأضيف جبر وميكا إليه‪ ،‬قال أبو‬
‫عمرو‪ :‬وجبر هو الرجل‪ ،‬قال أبو عبيد‪ :‬فكأن معناه عبد إيل ورجل إيل‪،‬‬
‫مضاف إليه‪ .‬فهذا تأويل قوله‪ :‬عبد ال وعبد الرحمن‪ .‬عن يحيى بن يعمر‬
‫أنه كان يقرأها‪ :‬جبر إل‪ ،‬ويقال‪ :‬جبر هو عبد وإل هو ال‪.‬‬
‫ل ِذّمًة)‪.‬‬
‫ن إل ّو َ‬
‫ن ِفي ُمْؤِم ٍ‬
‫ل َيْرُقُبْو َ‬
‫وعن مجاهد في قوله ( َ‬
‫قال الل ال‪ ،‬وعن الشعبي قال‪ :‬الل إما ال وإما كذا وكذا‪ ،‬أظنه قال‪:‬‬
‫العهد‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬ويروى عن ابن إسحاق أن وفد بني حنيفة لما قدموا على‬
‫أبي بكر بعد قتل مسيلمة ذكر لهم أبو بكر قراءة مسيلمة فقال‪ :‬إن هذا‬
‫الكلم لم يخرج من إل‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬كأنه يعني الربوية‪ .‬قال‪ :‬والل في غير هذين الموضعين‬
‫القرابة‪ ،‬وأنشد لحسان بن ثابت النصاري‪ :‬الوافر‬
‫ل الّنَعاِم‬
‫ب من َرأ ِ‬
‫سْق ِ‬
‫ل ال ّ‬
‫َكِا ّ‬
‫ك من قريش‬
‫ك إن إّل َ‬
‫َلَعْمُر َ‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬فالل ثلثة أشياء‪ :‬ال تعالى‪ ،‬والقرابة‪ ،‬والعهد‪ .‬وقال أبو‬
‫عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم إنه نهى أن َيضحي بشرقاء أو خرقاء مقابلة‬
‫أو مدابرة أو جدعاء‪.‬‬
‫قال الصمعي‪ :‬الشرقاء في الغنم المشقوقة الذن باثنين‪.‬‬
‫والخرقاء التي تكون في الذن ثقب مستدير‪.‬‬
‫والمقابلة أن يقطع من مقدم أذنها شيء ثم يترك معلقا ل يبين كأنه زنمة‪.‬‬
‫ويقال لمثل ذلك من البل‪ :‬المزنم‪ .‬قال ويسمى ذلك المعلق الرعل‪.‬‬
‫قال‪ :‬والمدابرة أن يفعل ذلك بمؤخر الذن من الشاة‪ .‬وقال غير‬
‫الصمعي‪ :‬وكذلك إن بان ذلك من الذن أيضا فهي مقابلة ومدابرة بعد‬
‫أن يكون قد قطع‪.‬‬
‫والجدعاء‪ :‬المجدوعة الذن‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬إذا توضأت َفاْنُثْر وإذا‬
‫ت َفأِوْتر‪.‬‬
‫جَمْر َ‬
‫سَت ْ‬
‫اْ‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫قال الصمعي‪ :‬فسر مالك قوله‪ :‬إذا استجمرت‪ -‬أنه الستنجاء‪ .‬قال‪ :‬ولم‬
‫أسمعه من غيره‪ .‬قال أبو عبيد قال محمد بن الحسن‪ :‬هو الستنجاء؛‬
‫وقال أبو زيد‪ :‬هو الستنجاء بالحجار‪ .‬وقال الكسائي وأبو عمرو‪ :‬هو‬
‫الستنجاء أيضا‪.‬‬
‫قال أبو عبيد قوله‪ :‬فانثر‪ -‬يعني ما يسقط من المنخرين عند الستنشاق‪،‬‬
‫وإنما أنه أمره أن يستنشق في وضوءه‪.‬‬
‫ن‪.‬‬
‫ضْيَئٌة َقِتْي ٌ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :-‬في حديثه عليه السلم في المرأة‪ :‬إنها َو ِ‬
‫قال الصمعي‪ :‬القتين القليلة الطعم‪ .‬يقال منه‪ :‬امرأة قتين بينه القتن‪ .‬وقال‬
‫أبو زيد‪ :‬وكذلك الرجل وقد قتن قتانة‪ .‬وقال أبو عبيد قال الشماخ يذكر‬
‫ناقة‪ :‬الوافر‬
‫ن َقْتـي ِ‬
‫ن‬
‫جٍ‬
‫حِ‬
‫ِبِدّرِتَها ِقَرى َ‬
‫ت َمَغاِبُنها وجاَدت‬
‫عِرَق ْ‬
‫وقد َ‬
‫يعني أنها عرقت فصار عرقها قرى للقراد‪ ،‬والجحن‪ :‬السيئ الغذاء‪،‬‬
‫والقتين‪ :‬القليل الطعم‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم حين بال عليه الحسن رضي‬
‫ال عنه فاخذ من حجره‪ ،‬فقال‪ :‬ل تزرموا ابني‪ ،‬ثم دعا بماء فصبه عليه‪.‬‬
‫قال الصمعي‪ :‬الزرام القطع‪ .‬يقال للرجل إذا قطع بوله‪ :‬قد أزرمت‬
‫بولك‪ ،‬وأزرمه غيره‪ :‬قطعه‪ ،‬وزرم البول نفسه‪ -‬إذا انقطع‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬قال عدي بن زيد أو سواد بن زيد بن عدي بن زيد‪:‬‬
‫الخفيف‬
‫ب َنزورا‬
‫َزِرَم الّدْمِع ل َيؤو ُ‬
‫جمـاٍم‬
‫أو كماء الَمْثموِد بعد ِ‬
‫والزرم‪ :‬القليل المنقطع‪ .‬والمثمود‪ :‬الذي قد ثمده الناس أي قد ذهبوا به‬
‫فلم يبق القليل‪ .‬والجمام‪ :‬الكثير‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬السنة عندنا أن يغسل بول الجارية ويصب على بول الغلم‬
‫الماء ما لم يطعم‪ .‬ويروى ذلك من ثلثة أوجه عن النبي عليه السلم‪ ،‬قال‬
‫الكميت يمدح قوما‪ :‬الخفيف وإذا الواهبون كانوا ِثمادا=َزِرمات النوال‬
‫حورًا وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه أتى بعرق من تمر‪.‬‬
‫كنتم ُب ُ‬
‫قال الصمعي‪ :‬أصل العرق السفيفة المنسوجة من الخوص قبل أن تجعل‬
‫منها زبيل‪ ،‬فسمى الزبيل عرقا لذلك؛ ويقال له‪ :‬العرقة أيضا‪ :‬وكذلك كل‬
‫شيء مصطف مثل الطير إذا اصطفت في السماء فهي عرقة‪ .‬قال غير‬
‫الصمعي‪ :‬وكذلك كل شيء مضفور فهو العرق‪ .‬قال وقال أبو كبير‬
‫الهذلي‪ :‬الكامل‬
‫وُنِمّر في الَعَرقات َمن لم‬
‫ح ِ‬
‫ف‬
‫ك في المزا ِ‬
‫َنْغُدو َفَنَتُر ُ‬
‫ُيْقَتـ ِ‬
‫ل‬
‫َمن َثو َ‬
‫ى‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫يعني نأسرهم فنشدهم في العرقات‪ ،‬وهي النسوع‪.‬‬
‫ي الَثرَثاُرْو َ‬
‫ن‬
‫ضُكْم إل ّ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أن أبغ َ‬
‫ن‪.‬‬
‫شّدُقْو َ‬
‫ن واْلُمَت َ‬
‫الْمُتَفَيِهُقْو َ‬
‫قال الصمعي‪ :‬أصل الفهق المتلء‪ ،‬فمعنى المتفيهق الذي يتوسع في‬
‫ق‪ ،‬قال العشى‪:‬‬
‫كلمه ويفهق به فمه‪ .‬ونحو ذلك يقال‪ :‬الَفَهق والَفْه ْ‬
‫الطويل‬
‫جاِبَيِة الشيخ العراقي تفهق‬
‫حّلق جفنٌة َك َ‬
‫تروح على آل الُم َ‬
‫يعني المتلء‪.‬‬
‫قال غيره‪ :‬الثرثار المكثار في الكلم؛ وقال الفراء مثل قول الصمعي أو‬
‫نحوه‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬وقد جاء تفسير الحديث فيه قالوا‪ :‬يا رسول ال! وما‬
‫المتفيهقون? قال‪ :‬المتكبرون‪ ،‬وقال أبو عبيد‪ :‬وهذا يؤول إلي المعنى‬
‫الذي فسره الصمعي وغيره‪ ،‬لن ذلك من المتكبر‪ .‬والثرثار‪ :‬المهذار‬
‫بالكلم وغيره؛ قال أبو النجم يصف الضرب والطعن بكثرة الدم‪ :‬الرجز‬
‫انجل ثرثارا َمَثّعا َمْثَعبـًا‬
‫غلبًا‬
‫طْعنًا ِذ ْ‬
‫ضْربًا َهَذاَذْيه و َ‬
‫َ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم في مكة‪ :‬لتزول حتى يزول‬
‫أخشباها‪.‬‬
‫قال الصمعي‪ :‬الرجز‬
‫شباَ‬
‫خَ‬
‫ل منها أ ْ‬
‫شْو ِ‬
‫ب فوق ال ّ‬
‫س َ‬
‫حِ‬
‫َت ْ‬
‫يعني البعير‪ ،‬شبه ارتفاعه فوق النوق بالجبل‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه دخل على عائشة تبرق أسارير‬
‫وجهه‪.‬‬
‫قال أبو عمرو‪ :‬هي الخطوط التي في الجهة مثل التكسر فيها‪ ،‬واحدها‬
‫سرر؛ وسر وجمعه أسرار وأسره‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬وكذلك الخطوط في كل‬
‫شيء‪ ،‬قال عنترة‪ :‬الكامل‬
‫شَما ِ‬
‫ل‬
‫ت ِبأْزَهَر ِفي ال َ‬
‫ُقِرَن ْ‬
‫سـّرٍة‬
‫تأِ‬
‫صْفـراَء ذا ِ‬
‫جٍة َ‬
‫جا َ‬
‫ِبُز َ‬
‫ُمَفّدِم‬
‫ثم أسارير جمع الجمع‪ .‬قال الصمعي في الخطوط التي في الكف هي‬
‫مثلها‪ ،‬ومنه قول العشى‪ :‬السريع‬
‫ت إن أوعدَتني‬
‫هل أن َ‬
‫ف وأسراِرهـا‬
‫ظْر إلى َك ً‬
‫فاْن ُ‬
‫ضاِئِر ْ‬
‫ي‬
‫يعني خطوط باطن الكف‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬قوله‪ :‬فانظر إلى كف‪ -‬يقول‪:‬‬
‫انظر في كفك هل تقدر على أن تضرني بمنزلة العراف الذي ينظر في‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫الكف يهزأ به‪ ،‬وجمع أسارير‪ .‬والذي يراد من الحديث أنه قوي أمر القافة‬
‫لقوله‪ :‬إن هذه القدام بعضها من بعض‪ .‬وقول عنترة‪ :‬بزجاجة‪ -‬يعني‬
‫أنها سرت في زجاجة صفراء ذات أسرة فيها خطوط ونقوش؛ وقوله‪:‬‬
‫قرنت بأزهر‪ -‬يعني البريق في شمال الساقي؛ والمفدم‪ :‬الذي قد فدم‬
‫بخرقة وكذلك كل مشدود الفم‪ ،‬ومنه الحديث الخر‪ :‬إنكم مدعوون يوم‬
‫القيامة أفواهكم بالفدام‪ -‬يعني أنهم منعوا من الكلم‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم عن زينب ابنة نبيط عن أمها‬
‫قالت‪ :‬كنت أنا وأختاي في حجز النبي صلى ال عليه وسلم فكان يحلينا‪،‬‬
‫قال ابن جعفر‪ :‬رعاثا من ذهب ولؤلؤ‪ -‬و قال صفوان‪ :‬يحلينا التبر‬
‫واللؤلؤ‪.‬‬
‫قال أبو عمرو‪ :‬واحد الرعاث رعثة ورعثة‪ ،‬وهو القرط‪ ،‬قال والرعث‬
‫أيضا في غير هذا‪ :‬العهن من الصوف‪ ،‬وأنشد للكميت يصف النعامة‪:‬‬
‫الوافر‬
‫مع التوشيح أو قطع الوذيل‬
‫عثهـا ِبـوْد ٍ‬
‫ع‬
‫ظرّ‬
‫ن اْلَقْي َ‬
‫كأ ّ‬
‫والواحدة‪ :‬رعثة ورعثة‪ ،‬عن أبي عمرو ويقال للمرأة إذا علقته عليها‪ :‬قد‬
‫ارتعثت‪ ،‬قال النابغة الذبياني‪ :‬الطويل‬
‫ومن يتعلق حيث علق‬
‫إذا ارتعشت خاف الجبان‬
‫يفـرق‬
‫رعاثها‬
‫يصف طول عنقها‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم في التحيات ل‪.‬‬
‫قال عبد ال‪ :‬كنا إذا صلينا خلف رسول ال صلى ال عليه وسلم قلنا‪:‬‬
‫السلم على ال‪ ،‬السلم على فلن السلم على فلن فقال لنا‪ :‬قولوا‪:‬‬
‫التحيات ل والصلوات والطيبات السلم عليك أيها النبي ورحمة ال‬
‫وبركاته‪ -‬إلى آخر التشهد‪ .‬فانكم إذا قلتم ذلك فقد سلمتم على كل عبد‬
‫صالح في السماوات والرض‪.‬‬
‫قال أبو عمرو‪ :‬والتحية الملك؛ قال عمرو بن معد يكرب‪ :‬الوافر‬
‫حّيِته بجندي‬
‫خ على َت ِ‬
‫ُأِنْي َ‬
‫ن حتى‬
‫سّيرُها إلى الّنْعما ِ‬
‫اَ‬
‫يعني على ملكه؛ وأنشد لزهير بن جناب الكلبي‪ :‬الكامل‬
‫قد ِنْلُته إل التحية‬
‫َوَلكّلَما نال الفتى‬
‫يعني الملك‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬والتحية في غير هذا الموضع السلم‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم حين رمى المشركين بالتراب‬
‫وقال‪ :‬شاهت الوجوه‪.‬‬
‫قال أبو عمرو‪ :‬يعني قبحت‪ .‬يقال منه‪ :‬شاه وجهه يشوه شوهًا وشوهة‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫فهو مشوه‪ ،‬ويقال منه‪ :‬رجل أشوه وامرأة شوهاء وجمعه شوه؛ ويقال‪:‬‬
‫شوهه ال‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أن رجل كان في بصره سوء فمر‬
‫ببئر عليها خصفة فوقع فيها‪ ،‬فضحك القوم في الصلة فأمر بعادة‬
‫الوضوء والصلة‪ .‬قال أبو عمرو‪ :‬والخصفة الجلة التي تعمل من‬
‫الخوص للتمر‪ ،‬وجمعها خصاف‪ .‬وقال أبو عبيد‪ :‬وقال الخطل يذكر‬
‫قبيلة من القبائل‪ :‬الطويل‬
‫ف وبالتمِر‬
‫خصا ِ‬
‫َتِبْيُع َبِنْيَها بال ِ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم حين تكلم الرجل خلفه في الصلة‪،‬‬
‫قال الرجل‪ :‬فأبى هو وأمي! ما كهرني ول شتمني‪.‬‬
‫قال معاوية بن الحكم‪ :‬صليت مع رسول ال صلى ال عليه وسلم فعطس‬
‫بعض القوم‪ ،‬فقلت‪ :‬يرحمك ال! فرماني القوم بأبصارهم وجعلوا‬
‫يضربون بأيديهم على أفخاذهم‪ ،‬فلما رأيتهم يصمتونني قلت‪ :‬واثكل أمياه!‬
‫ما لكم تصمتونني‪ ،‬لكني سكت‪ ،‬فلما قضى رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم صلته فبأبي هو وأمي! ما رأيت معلما قبله ول بعده كان أحسن‬
‫منه ل يصلح فيها شيء من كلم الناس‪ ،‬إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة‬
‫القرآن أو كالذي قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫قال أبو عمرو في قوله‪ :‬ول كهرني‪ ،‬الكهر النتهار؛ يقال منه‪ :‬كهرت‬
‫الرجل فأنا أكهره كهرا‪ .‬قال الكسائي في قراءة عبد ال بن مسعود (َفأّما‬
‫ل َتْكَهّره)‪.‬‬
‫اْلَيِتْيَم َف َ‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬والكهر في غير هذا ارتفاع النهار‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬ومنه‬
‫قول عدي بن زيد العبادي‪ :‬الرمل‬
‫معها أحقب ذو لحـم ِزَيم‬
‫ضحى‬
‫وإذا العاَنة في َكْهِر ال ّ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم‪ :‬من قتل نفسا معاهدة لم يرح‬
‫رائحة الجنة‪ .‬ويروي‪ :‬من قتل نفسا معاهدة بغير حلها حرم ال عليه‬
‫الجنة أن يجد ريحها‪.‬‬
‫قال أبو عمرو‪ :‬وهو من رحت الشيء فأنا أريحه‪ -‬إذا وجدت ريحه‪.‬‬
‫قال الكسائي‪ :‬لم ُيرح رائحة الجنة‪ .‬قال‪ :‬هو من أرحت الشيء فأنا‬
‫ت‪.‬قال أبو‬
‫ت هو أو من أِرح ُ‬
‫ح ُ‬
‫أريحه‪ .‬قال الصمعي‪ :‬ل أدري من ِر ْ‬
‫ح رائحة الجنة_ بالفتح‪،‬‬
‫عبيد‪ :‬وأنا أحسبها من غير هذا كله وأراه لم َيَر ْ‬
‫قال صخر الغي بن عبد ال‪ :‬المتقارب‬
‫شِفيَفا‬
‫سَبْنَتى يراح ال ّ‬
‫شيِ ال ّ‬
‫َكَم ْ‬
‫ت عـلـى َزْوَرٍة‬
‫وماٍء َوَرْد ُ‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫سَبْنَتى‪ :‬النمر‪ ،‬سمي‬
‫ويروى‪ :‬على رورة‪ .‬قوله‪ :‬زورة‪ ،‬من الزورار‪ ،‬وال ّ‬
‫ف‪ :‬الريح الباردة‪ .‬وقوله‪ :‬يراح‪-‬يجد الريح‪ ،‬فهذا يبين‬
‫شِفي ُ‬
‫بذلك لشدته؛ وال ّ‬
‫ح رائحة الجنة‪.‬‬
‫حت أراح‪ ،‬فيقال منه‪ :‬لم َيِر ُ‬
‫لك أنهه من ِر ْ‬
‫ل الخامِة من الزرع‬
‫ل المؤمن َمَث ُ‬
‫وقال أبو عبيد في حديثه عليه السلم َمَث ُ‬
‫جِدَيِة على‬
‫َتَمّيُلها الريح مرة هكذا ومرة هكذا ومثل المنافق مثل الرزة اْلُم ْ‬
‫جَعاُفها مرة‪.‬‬
‫الرض حتى يكون اْن ِ‬
‫قال أبو عمرو‪ :‬وهي الَرَزة ‪-‬مفتوحة الراء‪ ،‬من الشجر الرزن‪.‬‬
‫والنجعاف‪ :‬النقلع‪ ,‬ومنه قيل‪ :‬جعفت الرجل‪ -‬إذا صرعته فضربت به‬
‫الرض‪ .‬وقال أبو عبيدة‪ :‬هي الِرَزة مثل فاعلة‪ ،‬وهي الثابتة في الرض‬
‫وقد أرزت تأِرز اروزا‪.‬‬
‫جِدَيُة‪ :‬الثابتة في الرض أيضا‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬وفيها لغتان‪ :‬جذت‬
‫والُم ْ‬
‫تجذو وأجذت تجذي‪ .‬وقال في النجعاف مثل قول أبي عمرو أيضا‪ .‬وقال‬
‫أبو عبيد‪ :‬الرزة عندي غير ما قال أبو عمرو وأبو عبيدة‪ ،‬إنما هي‬
‫الرزة‪ -‬بتسكين الراء‪ ،‬وهو شجر معروف في بالشام وقد رأيته يقال له‬
‫الرز‪ ،‬واحدتها أرزة‪ ،‬وهو الذي يسمى بالعراق الصنوبر‪ .‬وإنما الصنوبر‬
‫ثمر الْرِز فسمي الشجر صنوبرا من أجل ثمره‪.‬‬
‫طرّماح‪ :‬الخفيف‬
‫ضُة الرطبة‪ :‬قال الشاعر ال ّ‬
‫والخامة‪ :‬الَغ ّ‬
‫صُدْه‬
‫حَت ِ‬
‫ت ُم ْ‬
‫ن يأ ِ‬
‫فمتى يإ ِ‬
‫إنما نحن مثل خامِة زر ِ‬
‫ع‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬والمعنى فيما نرى أنه شّبه المؤمن بالخامة التي تميلها‬
‫الريح لنه ُمَرّزأ في نفسه وأهله وماله وولده؛ وأما الكافر فمثل الرزة‬
‫التي ل تمّيلها الريح‪ ،‬والكافر ل يرزأ شيئا حتى يموت فأن رزى ل‬
‫يؤجر عليه؛ فشّبه موته بانجعاف تلك حتى يلقى ال بذنوبه جمة‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه قال للنساء‪ :‬إنكن إذا جُْعت ّ‬
‫ن‬
‫ن‪.‬‬
‫جْلُت ّ‬
‫خِ‬
‫ن َ‬
‫شِبْعُت ّ‬
‫ن وإذا َ‬
‫َدِقْعُت ّ‬
‫خضوع في طلب الحاجة والحرص عليها؛‬
‫قال أبو عمرو‪ :‬الّدَقُع ال ُ‬
‫ل والتواني عن طلب الرزق وقال غيره‪ :‬أخذ الدقع من‬
‫سُ‬
‫جل‪ :‬الَك َ‬
‫خَ‬
‫وال َ‬
‫الدقعاء وهو التراب‪ -‬يعني‪ :‬إنكن تلصقن بالرض من الخضوع‪.‬‬
‫جل مأخوذ من النسان يبقى ساكنا ل يتحرك ول يتكلم‪ ،‬ومنه قيل‬
‫خَ‬
‫وال َ‬
‫جل‪ -‬إذا بقى كذلك‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬قال الكميت‪ :‬المتقارب‬
‫خِ‬
‫للنسان‪ :‬قد َ‬
‫جُلْوا‬
‫خَ‬
‫ب ولم َي ْ‬
‫حُرو ِ‬
‫ِلَوقع اْل ُ‬
‫عْندَما َناَبـُهـْم‬
‫وَلْم َيْدَقُعوا ِ‬
‫سَتِكينوا عند الحروب ولم يخضعوا ولم يخجلوا‪ -‬أي لم يبقوا‬
‫يقول‪:‬لم َي ْ‬
‫جّدوا فيها وتأهبوا‪ .‬وقال‬
‫فيها باهتين كالنسان المتحير الدِهش‪ ،‬ولكنهم َ‬
‫غيره‪ :‬لم يسيطروا ويأشروا؛ وذلك معنى حديث النبي صلى ال عليه‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫طرتن‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬وأما حديث‬
‫ن وَب ِ‬
‫شرُت ّ‬
‫جلتن‪ -‬أي أ ِ‬
‫خِ‬
‫وسلم‪ :‬إذا شبعتن َ‬
‫شب‪ ،‬فليس من هذا ولكنه الكثير الثبات‬
‫ن مْع ِ‬
‫جل ُمِغ ّ‬
‫خِ‬
‫أن رجل مر بواد َ‬
‫الُمْلَتف‪.‬‬
‫خّوَلهم بالموعظة مخافة‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه كان َيَت َ‬
‫السآمة عليهم‪.‬‬
‫قال أبو عمرو‪ :‬يتخولهم أي يتعهدهم بها‪ :‬والخائل المتعهد للشيء والحافظ‬
‫له والقائم به‪ .‬قال الفراء‪ :‬والخائل الراعي للشيء والحافظ له‪ ،‬وقد خال‬
‫خْول‪ .‬وقال أبو عبيد‪ :‬وأهل الشام يسمون القائم بأمر الغنم‬
‫يخول َ‬
‫خولي‪ ،‬ولم يعرفها الصمعي وقال‪ :‬أظنها بالنون‬
‫والمتعهد لها‪ :‬ال َ‬
‫خّوُنُهْم‪ ،‬قال‪ :‬وهو التعهد أيضا؛ قال‪ :‬ومنه قول ذي الرمة‪ :‬البسيط‬
‫َيَت َ‬
‫خّوَنه‬
‫ع يناديه باسم الماء مبغوُم قوله‪َ :‬ت َ‬
‫خّوَنه=دا ٍ‬
‫ف إل ما َت َ‬
‫طْر َ‬
‫ش ال ّ‬
‫ل َيْنَع ُ‬
‫يعني تعهده‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬وأخبرني يحيي بن سعيد عن أبي عمرو بن العلء أنه كان‬
‫شطون فيها‬
‫حّولهم بالموعظة أي ينظر حالتهم التي َيْن َ‬
‫يقول‪ :‬إنما هو َيَت َ‬
‫ظهم فيها ول يكثر عليهم فيملوا‪.‬‬
‫للموعظة والذكر َفَيِع ُ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم إنه كان إذا مشى كأنه يمشي في‬
‫ب‪.‬‬
‫صَب ٍ‬
‫َ‬
‫ب‪ :‬قال‬
‫حَدر من الرض‪ ،‬وجمعه أصبا ٌ‬
‫ب ما اْن َ‬
‫صَب ُ‬
‫قال أبو عمرو‪ :‬ال ّ‬
‫رؤية‪ :‬الجز‬
‫صُعٍد وأصبا ْ‬
‫ب‬
‫ل َبَلٍد ِذي ُ‬
‫َب ْ‬
‫بل في معنى ُربّ‪.‬‬
‫جيُء كنُز أحدهم يوم القيامة‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم‪َ :‬ي ِ‬
‫شجاعًا أقرع‪.‬‬
‫ُ‬
‫قال أبو عمرو‪ :‬هو ههنا الذي ل شعر على رأسه‪ .‬وقال غير أبي عمرو‪:‬‬
‫الشجاع الحية‪ ،‬وإنما سمي شجاع أقرع لنه َيْقِري السم ويجمعه في رأسه‬
‫سّم‬
‫حتى يتمّعط منه شعره‪ ،‬قال الشاعر يصف حية ذكرا‪ :‬الطويل َقَرى ال ّ‬
‫سِع َماِرُدْه وفي حديث‬
‫ك الّل ُ‬
‫ل فاِت ُ‬
‫صّ‬
‫حتى اْنَماَز َفْروُة رأسه=عن العظم ِ‬
‫آخر شجاع له زبيبتان‪ .‬وهما النكتتان السوداوان فوق عينيه وهو أوحش‬
‫ما يكون من الحيات وأخبثه‪ ،‬ويقال في الزبيبتين‪ :‬إنهما الزبدتان اللتان‬
‫تكونان في الشدقين إذا غضب النسان أو أكثر الكلم حتى يزبد‪ .‬قال أبو‬
‫عبيد‪ :‬حدثني شيخ من أهل العلم عن أم غيلن بنت جرير ابن الخطفي‬
‫ت أبي حتى يزيب شدقاي؛ قال الراجز‪ :‬الرجز‬
‫أنها قالت‪ :‬ربما أنشد ُ‬
‫ج واّللْقلق‬
‫ضجا ُ‬
‫وَكُثَر ال ّ‬
‫ب الشدا ُ‬
‫ق‬
‫إني إذا ما َزّب َ‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫ق‬
‫جٌم َوّدا ُ‬
‫ن ِمْر َ‬
‫جنا ِ‬
‫ت ال َ‬
‫َثْب ُ‬
‫ن‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬وهذا‬
‫قال أبو عمرو‪ :‬واللقلق الصوت‪ ،‬وّداق‪ :‬دا ٍ‬
‫التفسير عندنا أجود من الول‪ .‬وأما قولهم‪ :‬ألف أقرع‪ -‬فهو التام‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم إنه مر بصدقة أن توضع في‬
‫الوفاض‪.‬‬
‫قال أبو عمرو‪ :‬الوفاض هم الِفَرق من الناس والخلط‪.‬‬
‫ضٌة‪ ،‬وهي مثل الكنانة ُيْلَقى‬
‫وقال الفراء‪ :‬هم الذين مع كل رجل منهم َوف َ‬
‫فيها طعامه‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬بلغني عن شريك‪ -‬وهو الذي روى هذا الحديث أنه قال‪:‬‬
‫هم أهل الصّفة‪.‬‬
‫صّفة إنما كانوا أخلطا من‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬وهذا كله عندنا واحد لن أهل ال ّ‬
‫ضٌة كما‬
‫الناس من قبائل شتى‪ ،‬وقد يمكن أن يكون مع كل واحد منهم َوْف َ‬
‫قال الفراء‪ .‬وقال بعضهم‪ :‬الوفاض‪ ،‬وهو عندنا خطأ في هذا الموضع إل‬
‫في الفرائض‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم حين ذكر الشهداء فقال‪ :‬ومنهم أن‬
‫جْمٍع‪.‬‬
‫تموت المرأة ِب ُ‬
‫قال أبو زيد‪ :‬يعني أن تموت وفي بطنها ولد‪ .‬وقال الكسائي مثل ذلك‪،‬‬
‫جْمٍع‪ ،‬لم يقله إل الكسائي‪ .‬وقال غيرهما‪ :‬وقد تكون‬
‫قال‪ :‬ويقال أيضا‪ِ :‬ب ِ‬
‫جْمٍع أن تموت ولم يمسها رجل لحديث آخر يروى عن النبي‬
‫التي تموت ِب ُ‬
‫ث دخلت الجنة‪.‬‬
‫طَم ْ‬
‫جمع لم ت ْ‬
‫صلى ال عليه وسلم مرفوعا‪ :‬أيما امرأة ِب ُ‬
‫س وهكذا هو في التفسير في قوله (‬
‫س ْ‬
‫ث لم ُيْم َ‬
‫طَم ْ‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬قوله‪:‬لم ُت ْ‬
‫ن) قال الشاعر يذكر ماء ورده‪:‬الطويل‬
‫جا ّ‬
‫ل َ‬
‫س َقْبَلُهْم َو َ‬
‫ن ِاْن ٌ‬
‫طِمْثُه ّ‬
‫َلْم ُي ْ‬
‫جْمٍع‬
‫صْعِر الُبَرى من بين ُ‬
‫ِب ُ‬
‫سَهْي ِ‬
‫ل‬
‫جَرى ُ‬
‫َوَرْدَناه في َم ْ‬
‫َوخاِد ِ‬
‫ج‬
‫َيَمـاِنـّيا‬
‫جْمع الناقة التي في بطنها ولد؛ والخادج‪ :‬التي ألقت ولدها‪.‬‬
‫فال ُ‬
‫ت عليه‬
‫عَرض ُ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم‪:‬ما أحد من الناس َ‬
‫السلم إل كانت عنده َكْبَوٌة غير أبي بكر فأنه لم َيَتَلْعَثْم‪.‬‬
‫ل‪ -‬إذا تمكث‬
‫قال أبو زيد‪ :‬يقول‪ :‬لم ينتظر ولم يتمكث‪ ،‬يقال‪َ :‬تَلْعَثَم اّلرج ُ‬
‫ن وتردد فيه‪.‬‬
‫في المر وَتأ ّ‬
‫وقوله‪ :‬كبوة‪ ،‬عن غير أبي زيد هي مثل الوقفة تكون عند الشيء يكرهه‬
‫ن فهو يكبو‪ -‬إذا لم‬
‫النسان أن يدعى إليه أو يراد منه‪ .‬ويقال‪ :‬قد َكبا الّز ُ‬
‫يخرج شيئا‪ ،‬والكبوة في غير هذا السقوط للوجه؛ قال أبو ذؤيب يصف‬
‫ي فسقط‪ :‬الكامل‬
‫ثورا ُرم َ‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫بالخبث إل أنه هو أبر ُ‬
‫ع‬
‫ق تاِرٌز‬
‫َفَكبا كما يكبو َفِنْي ٌ‬
‫ويروى‪ :‬أضلع‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه خطب الناس يوم النحر وهو‬
‫على ناقة مخضرمة‪.‬‬
‫قال أبو عبيد المخضرمة التي قد قطع طرف أذنها؛ ومنه يقال للمرأة‬
‫المخفوضة‪ :‬مخضرمة‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه كان يلطح أفخاذنا أغيلمة بني‬
‫عبد المطلب ليلة المزدلفة ويقول‪ :‬أَبْيِني! ل ترموا جمرة العقبة حتى‬
‫تطلع الشمس‪.‬‬
‫قال أبو عبيدة‪ :‬واللطح‪ :‬الضرب‪ ،‬يقال منه‪ :‬لطحت الرجل بالرض؛‬
‫وقال غير أبي عبيدة‪ :‬هو الضرب وليس بالشديد ببطن الكف ونحوه‪.‬‬
‫ي؛ قال الشاعر‪:‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬وقوله‪ُ :‬اَبْيني‪ .‬تصغير بني‪ ،‬يريد يا بن ّ‬
‫السريع‬
‫ترك أَبْيِنْيك إلى غير را ِ‬
‫ع‬
‫ك ل ساء فقد ساءني‬
‫إن َي ُ‬
‫طياً على باب‬
‫حَبْن ِ‬
‫سقط يظل ُم ْ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم في ال ِ‬
‫الجنة‪ .‬فيقال له‪ :‬ادخل‪ ،‬فيقول‪ :‬حتى يدخل أبواي‪.‬‬
‫ئ للشيء؛‬
‫طُ‬
‫سَتْب ِ‬
‫ب الُم ْ‬
‫ض ُ‬
‫طي‪-‬بغير همز‪ :‬هو الَمَتَغ َ‬
‫حَبْن ِ‬
‫قال أبو عبيدة‪ :‬الُم ْ‬
‫والمحبنطيء‪ -‬بالهمزة‪ :‬هو العظيم البطن المنتفخ‪ .‬قال ومنه قيل للعظيم‬
‫حَبْنطأ‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬وسالت عنه الصمعي فلم يقل فيه شيئا‪.‬‬
‫البطن‪ :‬ال َ‬
‫سقط لغتان‪ .‬وقال رجل لرسول ال صلى ال‬
‫سقط وال ِ‬
‫وقال الصمعي‪ :‬ال ُ‬
‫عليه وسلم‪ :‬مالي من ولدي? قال‪ :‬من قدمت منهم‪ ،‬قال‪ :‬فمن خلفت منهم‬
‫سْقطًا‬
‫لن أقدم ِ‬
‫ضر من ولده‪ .‬وقال قال حميد‪َ :‬‬
‫بعدي‪ ،‬قال‪ :‬لك منهم ما لُم َ‬
‫أحب إلي من أن أخلف بعدي‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬ل أدري كيف قال حميد‪:‬‬
‫سْقط ول أحد‬
‫سْقط و ُ‬
‫مائة مستلم كلهم قد حمل السلح‪ .‬وعن أبو عبيدة ِ‬
‫سْقط النار‪ .‬وزعم‬
‫يقول بالفتح غيره‪ ،‬وكذلك في اللوى والرمل وكذلك ِ‬
‫طيت واحبنطأت لغتان‪.‬‬
‫حَبْن ْ‬
‫الكسائي أن ا ْ‬
‫س حتى ُيْعِذروا من‬
‫ك النا ُ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم ل َيهِْل ُ‬
‫أنفسهم‪.‬‬
‫قال أبو عبيدة‪ :‬يقول‪ :‬حتى تكثر ذنوبهم وعيوبهم‪ ،‬وفيه لغتان‪ :‬يقال‪:‬‬
‫أعذر الرجل إعذارا‪-‬إذا صار ذا عيب وفساد‪ ،‬وكان بعضهم يقول‪ :‬عَذر‬
‫يعِذر‪ -‬بمعناه‪ ،‬ولم يعرفه الصمعي‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬ول أدري هذا أخذ إل‬
‫من العذر‪ ،‬بمعنى أن ُيعِذروا من أنفسهم فيستوجبوا العقوبة فيكون لمن‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫ك على ال إل هالك‪،‬‬
‫يعذبهم العذر في ذلك وهو كالحديث الخر‪ :‬لن َيْهِل َ‬
‫ومنه قول الخطل‪ :‬الطويل‬
‫عَذَرْتَنا في كلب وفي‬
‫فقد َ‬
‫ي ِنزاٍر‬
‫ب ابَن ْ‬
‫ك حر ُ‬
‫ن َت ُ‬
‫َفِا ْ‬
‫كع ِ‬
‫ب‬
‫تواضعت‬
‫عذرًا فيما صنعناه؛ ومنه قول الناس‪ :‬من‬
‫ويروي‪ :‬أعذرتنا‪ -‬أي جعلت لنا ُ‬
‫َيعِذرني من فلن‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬ومنه قوله‪ :‬الهزج‬
‫ن كانوا حية الرض‬
‫َ‬
‫عدَوا‬
‫ي من َ‬
‫حّ‬
‫عِذيَر ال َ‬
‫َ‬
‫ومنه‪ :‬الوافر‬
‫ك من مراِد‬
‫خِليِل َ‬
‫ك من َ‬
‫عِذيَر َ‬
‫َ‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬ويقال قي غير هذا الكلم لمن أعذرت في طلب الحاجة إذا‬
‫عّذْرت إذا لم تبالغ‪.‬‬
‫بالغت فيها‪ ،‬و َ‬
‫عَذرت الغلَم وأعذرته لغتان ومعناهما الختان‪ .‬وعذرته إذا كانت به‬
‫وَ‬
‫الُعْذرة وهي وجع في الحلق فغمزته‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه قال من الليل يصلي فحل شناق‬
‫القربة‪.‬‬
‫ق القربة هو الخيط والسير الذي ُتعّلق به القربُة على‬
‫شنا ُ‬
‫قال أبو عبيد‪ِ :‬‬
‫شناق خيط‬
‫الوتد؛ يقال منه‪ :‬أشنقتها إشنقتها‪ -‬إذا علقتها‪ .‬وقال غيره‪ :‬ال ّ‬
‫شَنقت‬
‫يشد به فم القربة‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬هذا أشبه القولين‪ .‬ويقال أيضا‪ :‬أ ْ‬
‫الناقة‪ ،‬وذلك إذا مدها راكبها بزمامها إليه كما ُيكبح الفرس‪ .‬وقال أبو‬
‫شْنَقا‪.‬‬
‫زيد‪ :‬شَنْقت الناقة‪ -‬بغير ألف‪ -‬أشَنقتها َ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه كان يقول‪ :‬اتقوا الناََر ولو بش ّ‬
‫ق‬
‫تمرة‪ ،‬ثم أعرض وأشاح‪.‬‬
‫قال أبو عبيدة‪ :‬قوله‪ :‬وأشاح‪-‬يعني حذر من الشيء وعدل عنه‪ ،‬وأنشدنا‪:‬‬
‫الرجز‬
‫شيا ِ‬
‫ح‬
‫حن منه أّيما ِ‬
‫شاَي ْ‬
‫قال‪ :‬ويقال في غير هذا‪ :‬قد أشاح‪ -‬إذا جدّ في قتال أو غيره‪ .‬قال أبو‬
‫عبيد‪ :‬قال أبو النجم في الجّد يذكر العير والتن‪ :‬الرجز‬
‫عياً ول ُمِريحاً‬
‫ل ُمْنِفشًا ِر ْ‬
‫شْيحًا‬
‫عيًا ُم ِ‬
‫ت را ِ‬
‫ُقّبا أطاع ْ‬
‫يقول أنه جاّد في طلبها وطردها‪ ،‬والُمْنِفش‪ :‬الذي يدعها ترعى ليل بغير‬
‫راع‪ .‬يقول‪ :‬فليس هذا الحمار كذلك ولكنه حافظ لها‪ ،‬قال عبيد بن‬
‫البرص‪ :‬المنسرح‬
‫خُبو ُ‬
‫ب‬
‫ل َ‬
‫حِبي َباِز ٌ‬
‫صا ِ‬
‫و َ‬
‫شْيحـًا‬
‫غْدَوًة ُم ِ‬
‫طْعُتُه ُ‬
‫َق َ‬
‫مشيحا يعني جادا‪ .‬وأنشد أبو عبيدة لبي ذؤيب‪ :‬الطويل‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫شي ُ‬
‫ح‬
‫ت قبل اليوم إنك ِ‬
‫ح َ‬
‫عُتُهْم وشاَي ْ‬
‫ت إلى ُأولُهم َفَوَز ْ‬
‫َبَدْر َ‬
‫يعني الجّد في القتال‪ ،‬قال أبو عبيد‪ :‬وقد يكون معنى حديث النبي صلى‬
‫ال عليه وسلم حين أعرض وأشاح أنه الحذر كأنه ينظر إلى النار حين‬
‫ذكرها فأعرض لذلك؛ ويكون أنه أراد الجد في كلمه‪ ،‬والول أشبه‬
‫بالمعنى‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه أتاه عمر وعنده ِقبص من‬
‫الناس‪.‬‬
‫قال أبو عبيدة‪ :‬هم العدد الكثير‪ .‬قال أبو عبيد قال الكميت في القبض‪:‬‬
‫الطويل‬
‫لكم ِقبصُه من بين‬
‫جدا ال المُزورا ِ‬
‫ن‬
‫لكم َمس ِ‬
‫أثرىوأقـَتـَرا‬
‫صى‬
‫ح َ‬
‫وال َ‬
‫يقال فعل ذلك فلن من بين أثرى وأقل‪ -‬أي من بين كل مثٍر ومقل‪ ،‬كأنه‬
‫ضة في غير هذا بأطراف‬
‫يقول من بين الناس‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬والَقْب َ‬
‫الصابع دون القبضة‪ ،‬والقبضة بالكف كلها‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬وكان الحسن‬
‫ل)‪ -‬بالصاد‪.‬‬
‫سو ِ‬
‫ن َاَثِر الّر ُ‬
‫صًة ّم ْ‬
‫ت َقْب َ‬
‫يقرؤها‪َ( :‬فَقَبص ُ‬
‫ن على قلبي حتى أستغفر‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه لُيغا ُ‬
‫ال كذا وكذا مرة‪ -‬قد سماه في الحديث‪.‬‬
‫سه‪ .‬وقال غير أبي عبيدة‪:‬‬
‫شى القلب ما ُيْلِب ُ‬
‫قال أبو عبيدة‪ :‬يعني أنه َيَتَغ ّ‬
‫سْهٌو‪ -‬إذا ضم السين شدد‪ ،‬وإذا فتح‬
‫سُهّو َو َ‬
‫كأنه يعني من السهو‪ ،‬يقال‪ُ :‬‬
‫ن عليه‪ .‬قال الصمعي‪:‬‬
‫غي َ‬
‫ي يغشاه حتى يلبسه فقد ِ‬
‫خفف‪ .‬وكذلك كل ش ْ‬
‫يقال‪ :‬غينت السماء غينا‪ ،‬قال‪ :‬وهو إطباق السماء الغيم؛ وأنشد هو أو‬
‫غيره‪ :‬الوافر‬
‫غْي ِ‬
‫ن‬
‫أصاب حمامُة في يوم َ‬
‫عـقـا ٍ‬
‫ب‬
‫كأني بين خاِفَيَتي ُ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم‪ :‬النصار َكِرشي وعيبتي ولول‬
‫الهجرة لكنت امرءا من النصار‪.‬‬
‫ش من الناس‪ -‬يعنى جماعة‪ .‬وقال‬
‫قال أبو زيد النصاري‪ :‬يقال له كِر ٌ‬
‫غيره‪ :‬فكأنه أراد جماعتي وصحابتي الذين أثق بهم وأعتمد عليهم‪ .‬وقال‬
‫ش منثورة‪.‬‬
‫الحمر‪ :‬يقال‪ :‬هم َكِر ٌ‬
‫وقال غير واحد‪ :‬قوله‪ :‬عيبتي‪ ،‬قال‪ :‬عيبة الرجل موضع سره والذين‬
‫يأتمنهم على أمره‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬ومنه الحديث الخر‪ :‬كانت خزاعة عيبة النبي صلى ال‬
‫عليه وسلم مؤمنهم وكافرهم‪ .‬وذلك لحلف كان بينهم في الجاهلية‪ .‬قال أبو‬
‫عبيد‪ :‬ول أرى عيبة الثياب إلمأخوذة من هذا لنه إنما يضع الرجل فيها‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫خير ثيابه وخير متاعه وأنفسه عنده‪ .‬ومنه حديث عمر رضى ال عنه‬
‫حين دخل على عائشة فقال‪ :‬أقد تبلغ من شأنك أن تؤذي النبي صلى ال‬
‫ك‪ ،‬فأتى‬
‫عليه وسلم? فقالت‪ :‬ما لي ولك يا ابن الخطاب! عليك ِبَعْيَبِت َ‬
‫حفصة رضى ال عنها‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم‪ :‬نحن الخرون السابقون يوم‬
‫ن قبلنا وأوتيناه من بعدهم‪.‬‬
‫القيامة َبْيَد أنهم أتوا الكتاب ِم ْ‬
‫قال الكسائي‪ :‬قوله‪َ :‬بْيَد‪ -‬يعني غير أنا أوتينا الكتاب من بعدهم‪ ،‬فمعنى‬
‫بيد معنى غير بعينها‪ .‬وقال الموي‪ :‬بيد‪-‬معناها على‪ ،‬وأنشدنا لرجل‬
‫يخاطب امرأة‪ :‬الرجز‬
‫ت لم ُتِرّنى‬
‫أخاف إن هلك ُ‬
‫ت ذاك َبْيَد أنـي‬
‫عْمدًا فعل ُ‬
‫َ‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬وفيه لغة أخرى َمْيد‪ -‬بالميم‪ ،‬والعرب تفعل هذا تدخل الميم‬
‫طت‪.‬‬
‫غَب َ‬
‫حمى وأ ْ‬
‫ت عليه ال ّ‬
‫ط ْ‬
‫غَم َ‬
‫على الباء والباَء على الميم‪ ،‬كقولك‪ :‬أ ْ‬
‫سّمَد رأسه وسّبد رأسه؛ وهذا كثير في الكلم‪.‬‬
‫وقوله‪َ :‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬وأخبرني بعض الشامين أن رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫ش ونشأت في بني سعد بن بكر؛‬
‫قال‪ :‬أنا أفصح العرب ِمْيَد أني من ُقَرْي ٍ‬
‫وفسره‪ :‬من أجل‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬وهذه القوال كلها بعضها قريب من بعض في المعنى‪،‬‬
‫مثل غير وعلى؛ وبعض المحدثين يحدثه‪ :‬بأيد أنا أعطيك الكتاب من‬
‫بعدهم‪ ،‬يذهب به إلى القوة وليس لها ههنا معنى نعرفه‪.‬‬
‫ش شقه‪.‬‬
‫ح َ‬
‫جِ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه سقط من فرس َف ُ‬
‫قال الكسائي في جحش‪ :‬هو أن يصيبه شيء فينسحج منه جلده‪ ،‬وهو‬
‫حش‪.‬‬
‫جُ‬
‫ش فهو َم ْ‬
‫ح ُ‬
‫جَ‬
‫ش َي ْ‬
‫ح َ‬
‫جِ‬
‫كالخدش أو أكبر من ذلك‪ .‬يقال منه‪ُ :‬‬
‫ن أهل‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم قال‪ :‬إن أهل الجنة َلَيَتراَءْو َ‬
‫ي في أفق السماء وإن أبو بكر وعمر منهم‬
‫ن كما ترون الكوكب الّدّر ّ‬
‫عّلّيي َ‬
‫ِ‬
‫وأْنَعًما‪.‬‬
‫قال الكسائي‪ :‬قوله‪ :‬وأنعما‪ -‬يعني زادا على ذلك‪ .‬قال ويقال من هذا‪ :‬قد‬
‫أحسنت إلي وأنعمت‪ -‬أي زدت على الحسان‪ ،‬وكذلك قولهم‪ :‬دققت‬
‫الدواء فأنعمت دقه‪ -‬أي بالغت في دقه وزدت‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬وقال ورقة‬
‫بن نوفل في زيد بن عمرو بن نفيل‪ :‬الطويل‬
‫تجنبت َتّنورًا من النار‬
‫ت وأنعمت ابن عمرو‬
‫رشد َ‬
‫حامـَيا‬
‫وإنما‬
‫ى كسرا وهمزا وأهل‬
‫ورشدت أيضا‪ .‬قال‪ :‬وقرأ أبو عمرو والكسائي‪ِ :‬دّر ّ‬
‫المدينة ضموا بغير همز‪ ،‬وأما قراءة حمزة فبالضم والهمز‪.‬‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫ط َ‬
‫ب‬
‫خَ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم حين قال للمغيرة ابن شعبة و َ‬
‫امرأة‪ :‬لو نظرت إليها فأنه أحرى أن يؤَدَم بينكما‪.‬‬
‫قال الكسائي‪ :‬قوله‪ :‬يؤدم بينكما‪ -‬يعني أن تكون بينكما المحبة والتفاق؛‬
‫يقال منه‪ :‬أدم ال بينهما‪ -‬على مثال فعل ال‪ -‬يأدمه أدما؛ وقال أبو‬
‫الجراح العقيلي مثله‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬ول أرى هذا إل من أدم الطعام لن‬
‫صلحه وطيبه إنما يكون بالدام وكذلك يقال‪ :‬طعام مأدوم‪.‬‬
‫قال‪ :‬وروى عن ابن سيرين في إطعام كفارة اليمين قال‪ :‬أكلة مأدومة‬
‫صّمة أراد أن يطلق امرأته فقالت‪ :‬أبا‬
‫صّدوا‪ .‬وروى أن دريد بن ال ِ‬
‫حتى َي ُ‬
‫ك مكتومي وأتيتك‬
‫فلن! أتطلقني? فو ال لقد أطعمتك مأدومي وأْبَثْثُت َ‬
‫صراٍر‪ ،‬فالباهل الناقة التي ليست بمصرورة فلبنها مباح‬
‫ل غير ذات ِ‬
‫باِه ً‬
‫حُتك مالي‪ .‬قال أبو عبيد‪:‬‬
‫لمن حلب؛ فجعلت هذا مثل لما لها تقول‪ :‬فأَب ْ‬
‫وفي الدم لغة أخرى يقال‪ :‬آدم ال بينهما يؤدمه إيداما فهو مؤدم بينهما؛‬
‫وقال الشاعر‪ :‬الرجز‬
‫ن إل ُمؤَدمًا‬
‫ض ل ُيْؤِدْم َ‬
‫والِبْي ُ‬
‫حّببًا موضعا لذلك‪.‬‬
‫ن إل ُم َ‬
‫حِبْب َ‬
‫أي ل ُي ْ‬
‫طّلع في بيت بغير إذن فقد‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه السلم أنه قال‪ِ :‬من ا ّ‬
‫دمر‪.‬‬
‫قال الكسائي‪ :‬قوله‪ :‬دمر‪ -‬يعني دخل‪ ،‬يقول‪ :‬لن الستئذان إنما هو من‬
‫البصر‪ .‬يقال منه‪ :‬قد دمرت على القوم أدمر عليهم بغير إذن‪ ،‬فان دخل‬
‫بإذن فليس بدمور‪.‬‬
‫ومثل هذا حديث حذيفة أنه أستأذن عليه رجل فقال‪ :‬أما عيناك فقد دخلتا‬
‫وأما إستك فلم تدخل‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم حين قال لبلل‪ :‬ما عملك? فأني ل‬
‫أراني أدخل الجنة فأسمع الخشفة فأنظر إل رأيتك‪.‬‬
‫شَفُة الصوت‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬أحسبه ليس بالشديد‪ .‬وقال‬
‫خْ‬
‫قال الكسائي‪ :‬ال َ‬
‫شَفًا‪ -‬إذا سمعت له صوتا أو حركة‪.‬‬
‫خْ‬
‫ف َ‬
‫ش ُ‬
‫خِ‬
‫ف َي ْ‬
‫ش َ‬
‫خَ‬
‫الكسائي‪ :‬يقال منه‪َ :‬‬
‫حَمًة من ُنعيم‪ .‬فلهذا سمي النحام والنحمة‬
‫وفي حديث آخر‪ :‬وسمعت َن ْ‬
‫كالتنحنح ونحوه‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪:‬في حديثه عليه السلم‪ :‬البذاذة من اليمان‪ .‬قال الكسائي‪:‬‬
‫ث الهيئة‪ ،‬يقال منه‪ :‬رجل باّذ الهيئة‪ -‬أي في‬
‫ل َر ّ‬
‫هو أن يكون الرجل ُمَتَقّه ً‬
‫هيئته بذاذة وبّذة‪.‬‬
‫ومنه الحديث الخر أن لرجل دخل المسجد والنبي صلى ال عليه وسلم‬
‫يخطب فأمره أن يصلي ركعتين ثم قال‪ :‬إن هذا دخل المسجد في هيئة بذة‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫فأمرته أن يصلي ركعتين وأنا أريد أن يفطن له رجل فيتصدق عليه‪.‬‬
‫ويروى أن أبا الدرداء ترك الغزو عامًا فأعطى رجل صّرة فيها دراهم‪،‬‬
‫فقال‪ :‬انطلق فإذا رأيت رجل يسير من القوم حجرة في هيئة بذاذة فادفعها‬
‫إليه‪ ،‬قال‪ :‬ففعل فرفع رأسه إلى السماء فقال‪ :‬لم تنس جديرا فاجعل جدير‬
‫‪ 1‬ل ينساك فقال‪ :‬فرجع إلى أبي الدرداء فأخبره فقال‪ :‬ولي النعمَة َرّبها‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أن رجل آتاه ال مال فلم َيْبَتِئْر‬
‫خيرا‪.‬‬
‫قال الكسائي‪ :‬قوله‪ :‬يبتئر خيرا‪-‬مثل يبتعر خيرا‪ ،‬يعني لم يقدم خيرا؛ قال‬
‫خَبأ كأنه لم يقدم‬
‫الصمعي نحوا من ذلك‪ .‬وقال الموي‪ :‬هو من الشيء ُي ْ‬
‫لنفسه خيرا خبأه لها؛ يقال منه‪َ :‬بَأرت الشيء وابتارته‪ -‬إذا خبأته‪ .‬وقال‬
‫الموي‪ :‬ومنه سميت الحفرة البؤرة‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬وفي البتئار لغتان‪:‬‬
‫يقال‪ :‬ابتأرت الشيء وائتبرت ابتئارا؛ قال القطامي‪ :‬الوافر‬
‫فليس لسائي الناس ائتباُر‬
‫شدًا قري ٌ‬
‫ش‬
‫فان لم تأَتِبر َر َ‬
‫يعني اصطناع الخير واتخاذه وتقديمه‪ .‬قال الصمعي‪ :‬البتيار بغير همز‬
‫هو من الختبار وفعلت منه برت الشيء أبوره َبْورًأ أي اختبرته‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه أمر أن تحفى الشوارب وتعفى‬
‫اللحى‪ .‬قال الكسائي‪ :‬قوله‪ :‬تعفى يعني ُتوّفر وتكّثر‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬يقال‬
‫ف‪ ،‬وقد عفوته وأعفيته‬
‫منه‪ :‬قد عفا الشعر وغيره إذا كثر يعفو فهو عا ٍ‬
‫عَفْوا) يعني كثروا‪،‬‬
‫حّتى َ‬
‫لغتان إذا فعلت ذلك به‪ ،‬قال ال تبارك وتعالى( َ‬
‫ويقال في غير هذا‪ :‬قد عفا الشيء إذا درس و انمحا؛ قال لبيد‪ :‬الكامل‬
‫جاُمَها‬
‫غْوُلها َفِر َ‬
‫ِبِمًنى َتأّبد َ‬
‫حّلَها َفُمَقاُمَها‬
‫ت الدياُر َم َ‬
‫عَف ِ‬
‫َ‬
‫وعفا أيضا إذا أتى الرجل الرجل يطلب منه حاجة فقد عفاه فهو يعفوه‬
‫ف‪ .‬ومنه الحديث المرفوع‪ :‬من أحيا أرضا َمْيَتًة فهي له وما‬
‫وهو عا ٍ‬
‫أصابت العافية منها فهو له صدقٌة‪ .‬فالعافية ههنا كل طالب رزقا من‬
‫إنسان أو دابة أو طائر أو غير ذلك؛ وجمع العافي عفاة‪ .‬وقال العشى‬
‫ل‪ :‬المتقارب‬
‫يمدح رج ً‬
‫صاَرى ِبَبْي ِ‬
‫ت‬
‫ف الّن َ‬
‫طو ِ‬
‫َك َ‬
‫ف الُعَفـاُة بـأبـوابـه‬
‫طْو ُ‬
‫َت ُ‬
‫اْلَوَث ْ‬
‫ن‬
‫ويروى‪ :‬تطيف‪ ،‬والمعتفي مثل العافي إنما هو مفتعل منه‪ .‬وقال أبو‬
‫عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه نهى أن يصلي الرجل وهو زناُء ممدود‬
‫مثل رباع‪ .‬قال الكسائي‪ :‬هو الحاقن بوله‪ ،‬يقال منه‪ :‬قد َزَنأ َبْوُله يزنأ‬
‫ُزُنْوءًا إذا احتقن‪ ،‬وأزنأ الرجل بوله إزناء إذا حقنه‪ ،‬قال أبو عبيد‪ :‬وهو‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫الّزناُء ممدود‪ ،‬و الصل منه‪ :‬الضيق وكل شيء ضيق فهو َزَناٌء؛ قال‬
‫الخطل يذكر حفرة القبر‪ :‬الكامل‬
‫غبراَء مظلمٍة من الحفاِر‬
‫ت إلى زناٍء ِقْعُرَها‬
‫وإذا ُقِذْف ُ‬
‫ق عليه‪ .‬وقال أبو‬
‫ضي ُ‬
‫فكأنه إنما سمى الحاقن زناء لن البول يجتمع َفُي َ‬
‫عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم في الرجلين اللذين اختصما إليه فقال‪ :‬من‬
‫ت له بشيء من حق أخيه فانما أقطع له قطعة من النار‪ ،‬فقال‬
‫قضي ُ‬
‫الرجلن كل واحد منهما‪ :‬يا رسول ال! حقي هذا لصاحبي‪ ،‬فقال‪ :‬ل‪،‬‬
‫ل كل واحد منكما صاحبه‪ .‬قال‬
‫حِل ْ‬
‫سَتِهما ثم لُي ْ‬
‫خَيا ثم ا ْ‬
‫ولكن اذهبا َفَتَو ّ‬
‫سَهَمُهْم فلن يسهمهم‬
‫الكسائي‪ :‬الستهام القتراع‪ ،‬يقال منه‪ :‬استهم القوم َف َ‬
‫سهما إذا قرعهم‪ .‬قال أبو الجراح العقيلي مثله في الستهام‪ .‬قال أبو‬
‫ن) وهو من‬
‫ضْي َ‬
‫ح ِ‬
‫ن اْلُمْد َ‬
‫ن ِم َ‬
‫ساَهَم َفَكا َ‬
‫عبيد‪ :‬ومنه قول ال عز وجل‪َ( :‬ف َ‬
‫هذا فيما يروى في التفسير‪ .‬وفي هذا الحديث من الفقه تقوية للقرعة في‬
‫الذي أعتق ستة مملوكين عند الموت ل مال له غيرهم فأقرع النبي صلى‬
‫ق أربعة؛ وذلك لن الستهام هو‬
‫ال عليه وسلم بينهم فأعتق اثنين وأَر ّ‬
‫ت له بشيء من حق أخيه‬
‫القتراع‪ .‬وفي هذا الحديث قوله أيضا‪ :‬من قضي ُ‬
‫فإنما أقطع له قطعة من النار‪ ،‬فهذا يبين لك أن حكم الحاكم ل ُيحل‬
‫حراما‪ .‬وهذا مثل حكمه في عبد بن زمعة حين قضى أنه أخوها لن‬
‫الولد للفراش ثم أمرها أن تحتجب منه‪ .‬وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه‬
‫سِبقكم به إذا ركعت‬
‫السلم‪ :‬ل تبادروني بالركوع والسجود فانه مهما أ ْ‬
‫تدركوني به إذا رفعت‪ ،‬ومهما أسبقكم إذا سجدت تدركوني به إذا رفعت‪،‬‬
‫إني قد بّدنت‪ .‬قال الموي‪ :‬قد بدنت يعني كبرت وأسننت يقال‪ :‬بدنت‬
‫الرجل تبدينا‪ -‬إذا أسن‪ ،‬وأنشد لكميت‪ :‬الرجز‬
‫والَهّم مما ُيذِهل القرينـا‬
‫ب والتبدينا‬
‫شْي َ‬
‫خلت ال ّ‬
‫وكنت ِ‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬ومما يحقق هذا المعنى الحديث الخر أنه كان يصلي‬
‫بعض صلته بالليل جالسا وذلك بعد ما حطمته السن‪ .‬وفي حديث آخر‪:‬‬
‫بعد ما حطمتموه‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬وأما قوله‪ :‬إني قد بُدنت‪ ،‬فليس لهذا‬
‫معنى إل كثرة اللحم وليست صفته فيما يروى عنه هكذا‪ ،‬إنما يقال في‬
‫نعته‪ :‬رجل بين الرجلين جسمه ولحمه‪ ،‬هكذا روى عن ابن عباس‪ .‬قال‬
‫أبو عبيد‪ :‬والول أشبه بالصواب في بدنت‪ -‬وال أعلم‪.‬‬
‫عِقْيٍم‪.‬‬
‫سَناَء َ‬
‫حْ‬
‫ن َ‬
‫خْيٌر ِم ْ‬
‫سْوآء َولْوٌد َ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم َ‬
‫قال الموي‪ :‬السوآء القبيحة‪ ،‬يقال للرجل من ذلك‪ :‬أسوأ‪ .‬وقال الصمعي‬
‫في السوآء مثله‪ .‬وكذلك كل كلمة أو َفْعلة قبيحة فهي سوآء‪ .‬قال أبو زبيد‬
‫في رجل من طييء نزل به رجل من بني شيبان فأضافه الطائي وأحسن‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫إليه وسقاه‪ ،‬فلما أسرع الشراب في الطائي افتخر ومد يده‪ ،‬فوثب عليه‬
‫الشيباني وقطع يده‪ ،‬فقال أبو زبيد‪ :‬الخفيف‬
‫شواِء‬
‫ب وِنْعَمٍة و ِ‬
‫في شرا ٍ‬
‫ضْيفًا أخوُكْم لخـينـا‬
‫ل َ‬
‫ظّ‬
‫َ‬
‫َيا َلَقْوِمي للسوأة السـوآء‬
‫حّق ْ‬
‫ت‬
‫حْرَمَة النديِم و َ‬
‫ب ُ‬
‫َلْم َيَه ْ‬
‫يخاطب بني شيبان‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم وذكر أهل الجنة فقال‪ :‬ل َيَتَغّوطون‬
‫ق يجري من أعراضهم مثل ريح الِمسك‪.‬‬
‫عَر ٌ‬
‫ول َيُبولون إنما هو َ‬
‫ق من الجسد‪،‬‬
‫عرض وهو كل موضع َيْعَر َ‬
‫قال الموي‪ :‬واحد العراض ِ‬
‫يقال منه‪ :‬فلن طيب الِعرض أي طّيب الرائحة‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬المعنى‬
‫ن وهي العراض‪،‬‬
‫في الِعرض ههنا أنه كل شيء من الجسد من المَغاِب ِ‬
‫وليس الِعرض في النسب من هذا في شيء‪.‬‬
‫حل‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه عن عسب الَف ْ‬
‫سب الكراء الذي يؤخذ على ضراب الفحل‪ ،‬يقال منه‪:‬‬
‫قال الموي‪ :‬الَع ْ‬
‫سبًا‪ -‬إذا أعطيته الكراَء على ذلك‪ .‬وقال غيره‪:‬‬
‫عْ‬
‫سبه َ‬
‫عِ‬
‫لأْ‬
‫ت الرج َ‬
‫سْب ُ‬
‫عَ‬
‫َ‬
‫سب هو الضراب نفسه لقول الشاعر وذكر قوما أسروا عبدا له فرماهم‬
‫الَع ْ‬
‫به‪ :‬الوافر‬
‫ب ُمَعاُر‬
‫س ٌ‬
‫عْ‬
‫حٍة َ‬
‫شّر َمِنْي َ‬
‫َو َ‬
‫سُبه َلَتَرْكُتـُمـْوه‬
‫عْ‬
‫فلول َ‬
‫ويروى‪ :‬أيٌر معار‪ ،‬ويروى‪ :‬هنة أيضا‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬والوجه عندي‪-‬ما‬
‫ضراب نفسه لدخل النهى‬
‫قال الموي‪ -‬أنه الِكراء‪ ،‬ولو كان المعنى على ال ِ‬
‫على كل من أنزى فحل وفي هذا انقطاع النسل‪ ،‬وأما قول الشاعر فقد‬
‫يجوز لن العرب تسمي الشيء باسم غيره إذا كان معه أو من سببه‪ ،‬كما‬
‫سَتَقى عليه فسميت المزادة‬
‫قال للمزادة‪ :‬راوية‪ ،‬وإنما الراوية البعير الذي ُي ْ‬
‫راوية به لنها‬
‫تكون عليه‪ ،‬وكذلك الغائط من النسان‪ .‬كان الكسائي يقول‪ :‬إنما سمي‬
‫الغائط غائطا لن أحدهم كان إذا أراد قضاء الحاجة قال‪ :‬حتى آتي الغائط‬
‫فأقضي حاجتي‪ ،‬وإيما أصل الغائط المطمئن من الرض‪ ،‬قال‪ :‬فكثر ذلك‬
‫في كلمهم حتى سمموا غائط النسان بذلك؛ وكذلك الَعِذرة إنما هي فناء‬
‫الدار‪ ،‬فسميت به لنه كان ُيلقي بأفنية الدور‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه أوصى أبا قتادة بالناء الذي‬
‫توضأ منه فقال‪ :‬اْزَدهر به‪ -‬أي احتفظ به ول تضّيعه وأنشد‪ :‬المتقارب‬
‫ل ِمنها‬
‫عّ‬
‫لسوارها َ‬
‫ُ‬
‫شـرا ِ‬
‫ع‬
‫ت َقيَنُة بال ِ‬
‫كما اْزَدَهَر ْ‬
‫حا‬
‫اصطبا َ‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫شرعة‪،‬‬
‫يقول‪ :‬كما احتفظت الَقْيَنُة بالشراع‪ ،‬وهي الوتار‪ ،‬والواحد؛ ِ‬
‫ع ثم الشراع جمع الجمع‪ .‬والسوار هو الواحد من‬
‫شْر ٌ‬
‫عوِ‬
‫شَر ٌ‬
‫وجمعه ِ‬
‫شرع عن الموي‪ .‬قال أبو‬
‫أساورة فارس وهم الفرسان؛ وليس تعبير ال ِ‬
‫عبيد‪ :‬وأظن قوله‪ :‬ازدهر كلمة ليست بعربية كأنها نبطية أو سريانية‬
‫فعّربت‪.‬‬
‫ت عليه الحمى‪.‬‬
‫ط ْ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم عند وفاته أنه َاغَب َ‬
‫قال الموي‪ :‬يعني لزمته وأقامت عليه‪ ،‬وقال الوافدي في هذا الحديث‪:‬‬
‫ط ْ‬
‫ت‬
‫غَب َ‬
‫طٌة‪ -‬بالميم في معنى الباء‪ .‬وقال الصمعي‪ :‬أ ْ‬
‫أصابته حمى ُمْغِم َ‬
‫طُرها وهو من هذا‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬وهما لغتان قد‬
‫علينا السماء إذا دام َم َ‬
‫سّبد الرجل رأسه وسّمده‪-‬‬
‫سمعناهما جميعا بالباء والميم‪ ،‬وهذا مثل قولك‪َ :‬‬
‫إذا استأصله‪ .‬وأشباه بذلك كثيرة‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه بعث سرية فنهى عن قتل‬
‫صفاء‪.‬‬
‫سفاء والُو َ‬
‫الُع َ‬
‫ف‪.‬‬
‫سْي ٌ‬
‫عِ‬
‫لجراء‪ ،‬والواحد منهم َ‬
‫سفاء ا ُ‬
‫قال أبو عمرو‪ :‬الُع َ‬
‫ومنه الحديث الخر‪ :‬إن رجلين اختصما إليه فقال أحدهما‪ :‬إن ابني كان‬
‫عسيفا على هذا وإنه زنى بامرأته‪ -‬يعني أنه كان أجيرا‪.‬‬
‫قال‪ :‬وأما السيف في غير هذا أيضا السريع الحزن والبكاء‪.‬‬
‫ومنه حديث عائشة حين أمر النبي صلى ال عليه وسلم أبا بكر أن يصلي‬
‫ف ومتى‬
‫سْي ٌ‬
‫بالناس في مرضه الذي مات فيه‪ ،‬فقالت‪ :‬إن أبا بكر رجل أ ِ‬
‫َيُقْم مقامك ل يقدر على القراءة‪.‬‬
‫ف على‬
‫ف فهو الغضبان والمَتَلّه ُ‬
‫س ُ‬
‫ف مثل السيف؛ وأما ال ِ‬
‫سو ُ‬
‫وال ُ‬
‫ضَبا َ‬
‫ن‬
‫غ ْ‬
‫ى قْوِمِه َ‬
‫سى إل َ‬
‫جَع ُمْو َ‬
‫الشيء‪ ،‬قال ال تبارك وتعالى‪َ( :‬وَلّما َر َ‬
‫سفًا) ويقال من هذا كله‪ :‬قد أسفت آسف أسفا‪.‬‬
‫أِ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم‪ :‬عليكم بالحجامة ل َيَتَبّيْغ بأحدكم‬
‫الُم فيقتَله‪.‬‬
‫قال الكسائي‪ :‬التبّيغ الهيج‪ ،‬وقال غيره‪ :‬أصله من البغي‪ ،‬قال‪ :‬يتبّيغ يريد‬
‫يتبّغى فقدم الياء وأخر الغين‪ ،‬وهذا كقولهم‪ :‬جبذ وجذب‪ ،‬وما أطيبه‬
‫وأيطبه؛ ومثله في الكلم كثير‪.‬‬
‫صوا بينكم في الصلة ل‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم ترا ّ‬
‫ف‪.‬‬
‫حَذ ٍ‬
‫خّلَلكم الشياطين كأنها بنات َ‬
‫َتَت َ‬
‫ل‪،‬‬
‫خَل ٌ‬
‫ضهم ببعض حتى ل يكون بينهم َ‬
‫ق بع ُ‬
‫صَ‬
‫ص أن َيْل َ‬
‫قال الكسائي‪ :‬الترا ّ‬
‫ص)‪.‬‬
‫صْو ٌ‬
‫ن ّمْر ُ‬
‫ومنه قول ال تبارك وتعالى (َكأّنُهْم ُبْنَيا ٌ‬
‫وقوله‪ :‬بنات حذف‪ -‬هي هذه الغنم الصغار الحجازية‪ ،‬واحدتها حََذَفٌة‪،‬‬
‫ويقال هي الَنَقد أيضا واحدتها َنَقَدٌة‪.‬‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫وقد جاء في تفسير الحذف في بعض الحديث عن النبي صلى ال عليه‬
‫حَذف‪ ،‬قيل‪:‬‬
‫وسلم أنه قال‪ :‬أقيموا صفوفكم ل يتخللكم الشياطين كأولد ال َ‬
‫جْرٌد صغار نكون‬
‫يا رسول ال! وما أولد الحَذف? قال‪ :‬ضأن سوٌد ُ‬
‫باليمن‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬وهو أحب التفسيرين إلي لن التفسير في نفس‬
‫الحديث‪.‬‬
‫طَعات له‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أن رجل أتاه وعليه ُمَق ّ‬
‫قال الكسائي‪ :‬المقطعات هي الثياب القصار‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬وكذلك غير‬
‫الثياب أيضا‪.‬‬
‫ومنه حديث ابن عباس رضي ال عنهما في وقت صلة الضحى قال‪ :‬إذا‬
‫ل‪ .‬وذلك لنها تكون ممتدة في أول النهار‪ ،‬فكلما ارتفعت‬
‫ظل ُ‬
‫ت ال ُ‬
‫طَع ِ‬
‫َتَق ّ‬
‫طعها‪.‬‬
‫ل فذلك َتَق ّ‬
‫ت الظل ُ‬
‫صَر ِ‬
‫الشمس َق ُ‬
‫ويروى أن جرير بن الخطفي كان بينه وبين العجاج اختلف في شيء‬
‫عّنه وقّلما تغني عنه مقطعاته‪ ،‬يعني‬
‫ت له ليلة لَد َ‬
‫سِهْر ُ‬
‫فقال‪ :‬أما وال! لئن َ‬
‫أبيات الرجز سماها مقطعات لقصرها‪.‬‬
‫ب عنها لسانها والِبكر‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم الَثّيب ُيَعّر ُ‬
‫سَتأَمُر في نفسها‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬هذا الحرف يروى في الحديث يعرب‬
‫ُت ْ‬
‫ت عن القوم‪-‬إذا‬
‫عّرْب َ‬
‫بالتخفيف‪ .‬وقال الفراء‪ :‬هو ُيَعّرب‪-‬بالتشديد؛ يقال‪َ :‬‬
‫ت لهم‪.‬‬
‫ج َ‬
‫جْ‬
‫حَت َ‬
‫ت عنهم وا ْ‬
‫تكلم َ‬
‫ل يقول‪ :‬ل إله إل‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬وكذلك الحديث الخر في الذي قتل رج ً‬
‫ال‪ ،‬فقال القاتل‪ :‬يا رسول ال! إنما قالها متعوذا‪ ،‬فقال عليه السلم‪ :‬فهل‬
‫شققت عن قلبه‪ ،‬فقال الرجل‪ :‬هل كان يبين لي ذلك شيئا‪ ،‬فقال النبي‬
‫ب عما في قلبه لسانه‪ .‬ومنه حديث‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ :‬فإنما كان ُيْعر ُ‬
‫روي عن ابن إبراهيم التيمي قال‪ :‬كانوا يستحبون أن يلقنوا الصبي حين‬
‫يعرب أن يقول‪ :‬ل إله إل ال‪ -‬سبع مرات‪ .‬وليس هذا من إعراب الكلم‬
‫في شيء إنما معناه أنه يبين لك القول ما في قلبه‪.‬‬
‫ق أعراض‬
‫وقد روي عن عمر أنه قال‪ :‬ما يمنعكم إذا رأيتم الرجل ُيخّر ُ‬
‫الناس أن ل ُتَعّرُبوا عليه‪ .‬وليس ذلك من هذا وقد كتبناه في موضعه‪،‬‬
‫حوا‬
‫صَلة إنما أراد ما يمنعكم أن تعربوا يعني أن تفسدوا وُتَقّب ُ‬
‫ومعنى ل ِ‬
‫فعاله‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم‪ :‬يؤتى بابن آدم يوم القيامة كأنه‬
‫ج من الّذل‪ .‬قال الفراء‪ :‬قوله‪ :‬بذج‪ -‬قال‪ :‬هو ولد الضأن وجمعه‬
‫َبَذ ٌ‬
‫ِبذجان‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬وهذا معروف عندهم؛ قال أبو عبيد‪ :‬قال الشاعر‪ :‬الرجز‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫ل عتودًا أو‬
‫وإن تجُْع تأك ْ‬
‫جاَرُتَنا من الَهَمـ ْ‬
‫ج‬
‫ت َ‬
‫قْد َهَلَك ْ‬
‫َبَذ ْ‬
‫ج‬
‫فالبذج من أولد الضأن‪ ،‬والَعُتود من أولد المعز وهو ما قد شب وقوي؛‬
‫ومن العتود حديث الرجل حين ذبح قبل الصلة فأمره النبي صلى ال‬
‫عُتود‪.‬‬
‫عليه وسلم أن ُيعيد فقال‪ :‬عندي َ‬
‫صَة‬
‫صَة والُمَتَنّم َ‬
‫ن الناِم َ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه َلَع َ‬
‫شَمة‪.‬‬
‫سَتْو ِ‬
‫شَمة والُم ْ‬
‫صلَة واْلَوا ِ‬
‫سَتْو ِ‬
‫صَلَة واْلُم ْ‬
‫شَرَة والوا ِ‬
‫شَرَة والُمْؤَت ِ‬
‫والوا ِ‬
‫قال الفراء‪ :‬النامصة التي تنتف الشعر من الوجه‪ ،‬ومنه قيل لْلِمنَقاش‪:‬‬
‫المنماص‪ ،‬لنه ينتف به؛ والمتنمصة التي تفعل ذلك بها‪.‬‬
‫عْته الماشية فأكلته ثم نبت منه بقدر ما‬
‫قال امرؤ القيس يصف نباتا قد َر َ‬
‫يمكن أخذه فقال‪ :‬الطويل‬
‫ل فهو َنِمْي ُ‬
‫ص‬
‫جّبَر َبْعَد الْك ِ‬
‫تَ‬
‫جّز‪.‬‬
‫يقول‪ :‬هو بقدر ما ينمص وهو أن ينتف منه َوُي َ‬
‫شُر أسنانها‪ ،‬وذلك أنها ُتَفّلجها َوُتحَّدُدها‬
‫وقال غير الفراء‪ :‬الواشرة التي َت ِ‬
‫شر‪ :‬تحدٌد وِرّقٌة في أطراف السنان؛ ومنه قيل‪:‬‬
‫شٌر؛ وال ُ‬
‫حتى يكون لها ُأ ُ‬
‫َثْغر ُمِؤشر؛ وإنما يكون ذلك في أسنان الحداث‪ ،‬تفعله المرأة الكبيرة‬
‫تتشبه بأولئك‪.‬‬
‫وأما الواصلة و المستوصلة فانه في الشعر وذلك أنها تصله بشعر آخر‪،‬‬
‫ومنه الحديث الخر عن النبي صلى ال عليه وسلم انه قال‪ :‬أيما امرأة‬
‫وصلت شعرها بشعر آخر كان ُزورا‪ .‬وقد رخصت الفقهاء في القرامل‬
‫فكل شيء وصل به الشعر ما لم يكن الوصل شعرا‪.‬‬
‫وأما قوله‪ :‬الواشمة و المستوشمة‪ -‬فان الوشم في اليد وذلك إن المرأة‬
‫سلة حتى تؤثر فيه ثم تحشوه‬
‫صَمها بإبرة أو مِ َ‬
‫كانت تغرز ظهر كفها وِمْع َ‬
‫بالكحل أو بالنؤور فيخضر‪ ،‬يفعل ذلك بدارات ونقوش يقال منه‪ :‬قد‬
‫شمًا فهي واشمة والخرى موشومة ومستوشمة‪.‬‬
‫شم َو ْ‬
‫وشمت َت ِ‬
‫ومنه حديث قيس بن حازم قال‪ :‬دخلت على أبي بكر فرأيت أسماء بنت‬
‫عميس موشومة اليدين‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬ول أرى هذا الفعل كان منها إل‬
‫في الجاهلية ثم بقي فلم يذهب‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬وإنما يراد من الحديث أنه‬
‫رأى كفها؛ وقال لبيد في الواشمة‪ :‬الكامل‬
‫س ّ‬
‫ف‬
‫جع واشمة ُأ ِ‬
‫أو َر ْ‬
‫شاُمَها‬
‫ن ِو َ‬
‫ض َفْوَقُه ّ‬
‫ف َتَعّر َ‬
‫ِكَف ٌ‬
‫َنُؤْوُرَها‬
‫وقال آخر‪ :‬الوافر‬
‫ش بالّنؤوِر‬
‫شَم الرواِه ُ‬
‫كما ُو ِ‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫قال‪ :‬وهذا في أشعاركم كثير ل يحصى‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم حين قال لعيينِة أو لغيره وطلب‬
‫القَود لولي له قتل‪ :‬أل الِغَير تريد? وقال بعضهم‪ :‬أل تقبل الِغَيَر? قال‬
‫الكسائي‪ :‬الغير الدية‪ ،‬وهو واحد مذكر وجمعه أغيار‪.‬‬
‫وقال غيره‪ :‬ول أعلمه إل أبا عمرو الغير جمع الديات والواحدة غيرة‬
‫عْذرة‪ :‬البسيط‬
‫قال بعض بني ُ‬
‫بني أميمة إن لم تقبلوا‬
‫ن ِبَأْيِدْيَنـا ُأُنـْوفـُكـْم‬
‫عّ‬
‫جَد َ‬
‫َلَن ْ‬
‫الِغَيرا‬
‫غَير القتل لنه كان‬
‫غَيرًا فيما ترى من ِ‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬وإنما سميت الدية ِ‬
‫غيرًا‪.‬‬
‫يجب الَقَود فغير الَقَود ديًة فسميت الدية ِ‬
‫ويبين ذلك حديث يروى عن عبد ال بن مسعود أنه قال لعمر في الرجل‬
‫الذي قتل امرأة ولها أولياء َفعفا بعضهم فأراد عمر أن َيِقْيَد لمن لم يعف‬
‫غّيرت بالدية كان في ذلك وفاء لهذا الذي لم‬
‫منهم‪ ،‬فقال له عبد ال‪ :‬لو َ‬
‫عْلمًا؛ قوله‪:‬‬
‫ى ِ‬
‫ف ُمِل َْ‬
‫عْفَوة‪ ،‬فقال عمر‪ُ :‬كَنْي ٌ‬
‫ف وكنت قد أتممت للعافي َ‬
‫َيْع ُ‬
‫كنيف‪ -‬هو تصغير الكنف وهو وعاء الداة التي يعمل بها فشبهه في العلم‬
‫حباب بن المنذر‪ :‬أنا‬
‫بذلك‪ ،‬وإنما صغره على وجه المدح له عندنا كقول ُ‬
‫صديقي‪-‬‬
‫جب منا ومنكم أمير‪ ،‬وقولهم‪ :‬فلن ُ‬
‫عَذْيُقها المر ّ‬
‫كوُ‬
‫حّك ُ‬
‫جَذْيُلها الُم َ‬
‫ُ‬
‫ص أصدقائي‪.‬‬
‫خ ّ‬
‫وهو يريد أ َ‬
‫حّنك أولد‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه كان ُي َ‬
‫النصار‪ .‬قال اليزيدي‪ :‬التحنيك أن يمضغ التمر ثم يدلكه بحنك الصبي‬
‫حُنك‬
‫حّنْكُته‪ -‬بتخفيف وتشديد‪ -‬فهو َم ْ‬
‫حَنْكُته و َ‬
‫داخل فمه‪ ،‬يقال منه‪َ :‬‬
‫حّنك‪.‬‬
‫وُم َ‬
‫سه ال مال‪ .‬قال‬
‫غَ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أن رجل َر َ‬
‫الموي‪ :‬رغسه‪ -‬أكثر له منه وبارك له فيه‪.‬‬
‫سه رغسا‪ -‬إذا كان ماله ناميا‬
‫غَ‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬يقال منه‪ :‬رغسه ال َيْر َ‬
‫كثيرا‪ ،‬وكذلك في الحب وغيره؛ وقال العجاج يمدح بعض الخلفاء‪ :‬الرجز‬
‫س في ِنصاب‬
‫غ ٍ‬
‫أماَم َر ْ‬
‫س بغـير َتـْعـ ِ‬
‫س‬
‫خِلْيَفًة سا َ‬
‫َ‬
‫غ ِ‬
‫س‬
‫َر ْ‬
‫والنصاب‪ :‬الصل‪.‬‬
‫عَمِة‪ .‬قال غير‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه نهى عن الُمَكا َ‬
‫واحد‪ :‬أما المكاعمة أن َيْلِثَم الرجل صاحبه؛ أخذه من ِكعام البعير وهو أن‬
‫يشد فمه إذا هاج‪ ،‬يقال منه‪َ :‬كَعْمَتُه أْكَعمه كعما فهو مكعوم؛ وكذلك كل‬
‫مشدود الفم فهو مكعوم؛ قال ذو الرمة يصف الفلة‪ :‬البسيط‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫خْو ِ‬
‫ف‬
‫طَها ِبال َ‬
‫خاِب ُ‬
‫َيْهَماَء َ‬
‫جْن ٍ‬
‫ب‬
‫جا ِمن َ‬
‫جا والّر َ‬
‫بين الّر َ‬
‫َمْكـُعـْوُم‬
‫صيٍة‬
‫وا ِ‬
‫يقول‪ :‬قد سّد الخوف فمه فمنعه من الكلم‪ ،‬فجعل النبي صلى ال عليه‬
‫وسلم الّلثام حين تلثمه بمنزلة ذلك الِكعام‪.‬‬
‫ل صاحبه في ثوب واحد‪ ،‬أخذه‬
‫وأما قوله‪ :‬المكامعة‪ -‬فهو أن يضاجع الرج ُ‬
‫من الَكميع والِكْمع وهو الضجيج‪ ،‬ومنه قيل لزوج المرأة‪ :‬هو كميعها؛‬
‫قال أوس بن حجر يذكر أْزَمًة في شدة البرد‪ :‬المنسرح‬
‫بات َكِمْيع الفتاِة ُمْلَتِفَعا‬
‫ل وإذ‬
‫ل الَبِلْي ُ‬
‫شْما ُ‬
‫ت ال ّ‬
‫وَهّب ِ‬
‫ث‪ :‬الطويل‬
‫وقال الَبِعْي ُ‬
‫أخو لطف دون الفراش‬
‫لما رأيت الهّم ضاف كـأنـه‬
‫كميُع‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم في الهط الُعرَنّيين الذين قدموا عليه‬
‫جَتَوْوها فقال‪ :‬لو خرجتم إلى إبلنا فأصبتم من أبوالها والبانها‪،‬‬
‫بالمدينة فا ْ‬
‫ففعلوا فصحوا فمالوا على الرعاء فقتلوهم واستاقوا البل وارتدوا عن‬
‫السلم فأرسل النبي عليه السلم في آثارهم فأتى بهم فقطع أيديهم‬
‫سَمل أعينهم وتركوا بالحرة حتى ماتوا‪.‬‬
‫وأرجلهم و َ‬
‫سْمل أن تْفَقأ العين بحديدة محماة أو بغير ذلك‪ ،‬يقول من ذلك‪:‬‬
‫قال‪ :‬ال ّ‬
‫ت عينه أسَملها سمل‪ ،‬وقد يكون السمل بالشوك‪.‬‬
‫سَمْل ُ‬
‫َ‬
‫قال أبو ذؤيب يرثى بنين له ماتوا‪ :‬البسيط‬
‫عور‬
‫ك فهو ُ‬
‫شُو ٍ‬
‫ت ِب َ‬
‫سِمِل ْ‬
‫ُ‬
‫حداَقـهـا‬
‫ن بعدُهُم كأن ِ‬
‫فالعي ُ‬
‫ٌَتْدمع‬
‫وقال الشماخ يصف أتانا ويذكر أن عينها قد غارت من شدة العطش‪:‬‬
‫البسيط‬
‫ت بالُهدى إنسا َ‬
‫ن‬
‫قد َوّكَل ْ‬
‫ظْمِء مسمو ُ‬
‫ل‬
‫كأنه من تمام ال ّ‬
‫ساِهَمٍة‬
‫ت البلد‬
‫قال ‪ :‬وقوله‪ :‬قدموا المدينة فاجتووها‪ ،‬قال أبو زيد‪ :‬يقال‪ :‬اجتوي ُ‬
‫إذا كرهتها وإن كانت موافقة لك في بدنك‪ ،‬ويقال‪ :‬استوَبْلُتها‪ -‬إذا لم‬
‫توافقك في بدنك وإن كنت محبا لها‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬وفي هذا الحديث من الفقه قول النبي عليه السلم‪ :‬لو‬
‫خرجتم إلى إبلنا فأصبتم من أبوالها وألبانها‪ ،‬فهذا رخصة في شرب بول‬
‫ما أكل لحمه‪ ،‬وهذا أصل هذا الباب؛ وكذلك ولو وقع في غير ماء لم‬
‫ينجس‪ .‬وأما قطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم فيروون‪ -‬وال أعلم‪ -‬أن‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫هذا كان في أول السلم قبل أن َتْنزل الحدود فنسخ أل ترى أن المرتد‬
‫ليس حده إل القتل‪ ،‬فأما السمل فأنه مثلة وقد نهى النبي عليه السلم عن‬
‫المثلة‪.‬‬
‫وعن ابن سيرين قال‪ :‬كان أمر العرنيين قبل أن تنزل الحدود؛ قال أبو‬
‫عبيد‪ :‬فنرى أن هذا هو الناسخ للول‪ -‬وال أعلم‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم‪ :‬في الجنين أن حمل بن مالك بن‬
‫النابغة قال له‪ :‬إني كنت بين جارتين لي فضربت إحداهما الخرى‬
‫ِبمسطح فألقت جنينا ميتا وماتت‪ ،‬فقضى رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫غّرة عبدا أو أمة‪.‬‬
‫بدية المقتولة على عاقلة القاتلة وجعل في الجنين ُ‬
‫سطح عود من أعواد الخباء والفسطاط ونحوه‪ .‬قال مالك بن‬
‫قال‪ :‬الِم ْ‬
‫عوف النضري‪ :‬الطويل‬
‫وما خير ضيطاٍر ُيَقّل ُ‬
‫ب‬
‫ض ضيطار وُفعالة‬
‫َتَعّر َ‬
‫حا‬
‫طَ‬
‫سَ‬
‫ِم ْ‬
‫دوننـا‬
‫والضيطار‪ :‬الضخم من الرجال‪ ،‬فيقول‪ :‬ليس معه سلح يقاتل به غير‬
‫سطح‪ ،‬وجمع الضيطار ضياطرة وضياطر‪ -‬قالها أبو عمرو‪.‬‬
‫الِم ْ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬وأما الُغّرة فانه عبد أو أمة؛ وقال في ذلك مهلهل‪ :‬الراجز‬
‫ل آل مره‬
‫ل القت َ‬
‫حتى ينا َ‬
‫غّرٌة‬
‫ب ُ‬
‫كل قتيل في كلي ٍ‬
‫يقول‪ :‬كلهم ليسوا بكفء لكليب إنما هم بمنزلة العبيد والماء إن قتلُتهم‬
‫حتى أقتل آل مرة فانهم الكفاء حينئذ‪.‬‬
‫وأما قوله‪ :‬كنت بين جارتين لي‪ -‬يريد امرأتيه‪ .‬وعن ابن سيرين قال‪:‬‬
‫كانوا يكرهون أن يقولوا‪ :‬ضّرة‪ ،‬ويقولون‪ :‬إنها ل تذهب من رزقها‬
‫بشيء‪ ،‬ويقولون‪ :‬جارة‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد في حديث آخر عن عمر‪ :‬إنه سأل عن إملص المرأة فقال‬
‫المغيرة بن شعبة‪ :‬قضى فيه رسول ال عليه وسلم بغرة‪ .‬فهو مثل هذا‪،‬‬
‫وإنما سماه إملصا لن المرأة تزلقه قبل وقت الولدة‪ ،‬وكذلك كل ما َزِل َ‬
‫ق‬
‫ص يمَلص َمَلصًا؛ وأنشدني الحمر‪ :‬الرجز‬
‫من اليد أو غيرها فقد َمِل َ‬
‫َفّر وأعطاني ِرشاًء َمِلصًا‬
‫يعني رطبا يزلق من اليد‪ ،‬فإذا فعلت أنت بذلك به قلت‪ :‬أملصته إملصا‪،‬‬
‫ذلك قوله‪ :‬إملص المرأة‪ -‬يعني أنها تزلقه‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم‪ :‬إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب‪،‬‬
‫ل‪.‬‬
‫صّ‬
‫فان كان مفطرا فليأكل‪ ،‬وإن كان صائما فلُي َ‬
‫قال‪ :‬قوله‪ :‬فليصل يعني يدعو له بالبركة والخير‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬كل داع‬
‫فهو مصل؛ وكذلك هذه الحاديث التي جاء فيها ذكر صلة الملئكة‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫صّلت عليه الملئكة عشرا‪ .‬وهذا في‬
‫ل عنده الطعام َ‬
‫كقوله‪ :‬الصائم إذا أِك َ‬
‫حديث كثير فهو عندي كله الدعاء؛ ومثله في الشعر في غير موضع؛ قال‬
‫العشى‪ :‬المتقارب‬
‫خـَتـْم‬
‫وأبرزها وعليها َ‬
‫ف َيُهوِدّيهـا‬
‫وصهباء طا َ‬
‫سْم‬
‫وصلى على َدّنها واْرَت َ‬
‫ح في َدّنـهـا‬
‫وقاَبَلها الري ُ‬
‫وقابلها الريح في دّنها أي استقبل بها الريح‪ ،‬يقول‪ :‬دعا لها بالسلمة‬
‫والبركة؛ يصف الخمر؛ وقال أيضا‪ :‬البسيط‬
‫ب أبي الوصا َ‬
‫ب‬
‫جّن ْ‬
‫ب َ‬
‫َيا َر ّ‬
‫ل ِبْنِتي وقد َقّرْب ُ‬
‫ت‬
‫تُقو ُ‬
‫والوجَعا‬
‫حـل‬
‫ُمـْرَتـ ِ‬
‫ب المرِء‬
‫جْن ِ‬
‫نومًا فان ِل َ‬
‫صلي ِ‬
‫ت‬
‫ل الذي َ‬
‫ك مث ُ‬
‫علي ِ‬
‫جَعـا‬
‫طِ‬
‫ضَ‬
‫ُم ْ‬
‫ضـي‬
‫غَتِم ِ‬
‫َفا ْ‬
‫يقول‪ :‬ليكن لك مثل الذي دعوت لي‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬وأما حديث ابن أبي أوفى أنه قال‪ :‬أعطاني أبي صدقة ماله‬
‫فأتيت بها رسول ال صلى ال عليه وسلم فقال‪ :‬اللهم صل على آل أبي‬
‫أوفى! فان هذه الصلة عندي الرحمة‪ ،‬ومنه قولهم‪ :‬اللهم صل على‬
‫ي يا أّيَها اّلِذْينَ آَمُنْوا‬
‫عَلى الّنِب ّ‬
‫ن َ‬
‫صّلْو َ‬
‫ل َوَملِئَكَتُه ُي َ‬
‫نا َ‬
‫محمد‪ ،‬ومنه قوله (إ ّ‬
‫صّلواََِلْيِه) فهو من ال رحمة ومن الملئكة دعاء؛ والصلة ثلثة أشياء‪:‬‬
‫ً‬
‫الدعاء‪ ،‬والرحمة‪ ،‬والصلة‪.‬‬
‫ب الرجل بيمينه‪.‬‬
‫طْي َ‬
‫سَت ِ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه نهى أن َي ْ‬
‫قال‪ :‬الستطابة الستنجاء‪ ،‬وإنما سمي استطابة من الطبيب‪ ،‬يقول‪ :‬يطيب‬
‫خَبث بالستنجاء‪ ،‬يقال منه‪ :‬قد استطاب الرجل فهو‬
‫جسده مما عليه من ال َ‬
‫ب‪ ،‬وأطاب نفسه فهو مطيب؛ قال العشى يذكر رجل‪ :‬الرجز‬
‫طْي ٌ‬
‫سَت ِ‬
‫ُم ْ‬
‫ف الخاِريء‬
‫جل َك ّ‬
‫ُيْع ِ‬
‫ظ على مطلـو ِ‬
‫ب‬
‫َيا َرخمًا َقا َ‬
‫المطي ِ‬
‫ب‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه بعث ابن مربع النصاري إلى‬
‫أهل عرفة فقال‪ :‬اْثُبُتوا على مشاعركم هذه‪ ،‬فأنكم على إرث من إرث‬
‫إبراهيم‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬الرث أصله من الميراث‪ ،‬إنما هو ورث فقلبت الواو ألفا‬
‫مكسورة لكسرة الواو‪ ،‬كما قالوا للوسادة‪ :‬إسادة‪ ،‬وللوشاح‪ :‬إشاح‬
‫ت) وأصلها من‬
‫ل ُأّقَت ْ‬
‫سُ‬
‫وللوكاف‪ :‬إكاف‪ ،‬وقال ال عز وجل (َوإَذا الّر ّ‬
‫الوقت‪ ،‬فجعلت الواو ألفا مضمومة لضمة الواو‪ ،‬كما كسرت في تلك‬
‫الشياء لكسرة الواو‪.‬‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫فكأن معنى الحديث أنكم على بقية من ورث إبراهيم وهو الرث؛ قال‬
‫الحطيئة‪ :‬الطويل‬
‫خْنه‬
‫ذوو إرث مجٍد لم َت ُ‬
‫ث فاّنـُهـم‬
‫عّز حدي ٍ‬
‫ك ذا ِ‬
‫ن َت ُ‬
‫َفِا ْ‬
‫زوافُره‬
‫يعني الصول وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم حين ذكر أيام‬
‫التشريق فقال‪ :‬إنها أيام أكل وشرب وِبعال‪.‬‬
‫ل أهَله‪ ,‬يقال للمرأة‪ :‬هي‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬البعال النكاح وملعبُة الرج ِ‬
‫ل ومباعلة‪ -‬إذا فعلت ذلك معه؛ قال الحطيئة يمدح‬
‫جها ِبعا ً‬
‫تباعل زو َ‬
‫رجل‪ :‬الطويل‬
‫ل أدجى لم تجد َمن‬
‫إذا الي ُ‬
‫ن ذات بع ِ‬
‫ل‬
‫وكم من حصا ٍ‬
‫ُتباعُلْه‬
‫تركَتها‬
‫شْرب‪ .‬قال‬
‫يقول إنك قد قتلت زوجها أو أسرته‪ .‬قال الكسائي‪ :‬أيام أكل و ِ‬
‫أبو عبيد‪ :‬وكان يروى عن رسول ال صلى ال عليه وسلم أنه بعث‬
‫شْرب‪ .‬وكذلك كان الكسائي‬
‫مناديًا فنادى في أيام التشريق‪ :‬إنها أيام ُاكل و َ‬
‫يقرؤها‪:‬‬
‫شرب‪.‬‬
‫ب اْلِهْيِم )‪ .‬والمحدثون يقولون‪ُ :‬أكل و ُ‬
‫شْر َ‬
‫ن َ‬
‫شاِرُبْو َ‬
‫( َف َ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم حين ذكر فضل إسباغ الوضوء في‬
‫السبرات‪.‬‬
‫قال أبو عبيدة‪ :‬السبرة شدة البرد وبها سمي الرجل سبرة‪ ،‬وجمعها‬
‫سبرات‪ .‬وقال الحطيئة يذكر إبله وكثرة شحومها‪ :‬الطويل‬
‫ع الماِء في‬
‫جْر َ‬
‫ن َ‬
‫يباِكر َ‬
‫غْل ٌ‬
‫ب‬
‫ل الهاِم ُ‬
‫عظاُم َمقي ِ‬
‫ِ‬
‫السبـرا ِ‬
‫ت‬
‫ِرقـاُبـهـا‬
‫جَه‬
‫ت أو ُ‬
‫إذا الناُر أبد ْ‬
‫ضي َ‬
‫ف‬
‫س ُيرِوى ِرسُلها َ‬
‫مهاري ُ‬
‫الخـفـرا ِ‬
‫ت‬
‫أهِلَها‬
‫يعني شدة الشتاء مع الجدرية‪ ،‬يقول‪ :‬فهذه البل ل تجرع من برد الماء‬
‫لسمنها واكتناز لحومها؛ وقد كان ذكر في هذه القصيدة قومه فنال منهم‬
‫ففيها يقول له عمر فيما يروى‪ :‬بئس الرجل أنت تهجو قومك وتمدح‬
‫إبلك‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه نهى عن القزع‪.‬‬
‫س الصبي ويترك منه مواضُع فيها‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬الَقَزع أن يحلق رأ ُ‬
‫طعا متفرقة فهو َقَزع‪ ،‬ومنه قيل‬
‫الشعر متفرقة‪ .‬وكذلك كل شيء يكون ِق َ‬
‫ِلقطع السحاب في السماء‪َ:‬قَزع‪.‬‬
‫وكذلك حديث علي رضي ال عنه حين ذكر فتنة تكون‪ :‬فإذا كان ذلك‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫ب الدين بذنبه فيجتمعون إليه كما يجتمع َقَزع الخريف‪ -‬يعني‬
‫ضرب يعسو َ‬
‫قطع السحاب؛ وأكثر ما يكون ذلك في زمن الخريف؛ قال ذو الرمة يذكر‬
‫ماء وبلدا ُمْقفرة ليس بها أنيس ول شيء إل القطا‪ :‬الوافر‬
‫ب القطا َهَمل‬
‫ص َ‬
‫ع َ‬
‫ترى ُ‬
‫جـهـاِم‬
‫ع ال َ‬
‫ن ِرعاَله قز ُ‬
‫كأ ّ‬
‫عليه‬
‫جهام‪ :‬السحاب الذي ل ماء فيه‪.‬‬
‫وال َ‬
‫وفال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم يقول ال تبارك وتعالى‪ :‬أعدد ُ‬
‫ت‬
‫لعبادي الصالحين ما ل عين رأت ول ُأذن سمعت ول خطر على قلب‬
‫بشر َبْله ما أطلعتم عليه‪.‬‬
‫قال الحمر وغيره‪ :‬قوله‪َ :‬بْلَه‪-‬معناه كيف ما أطلعتم عليه‪ ،‬قال أبو عبيد‪:‬‬
‫وكلهما معناه جائز؛ قال في ذلك كعب بن مالك النصاري يصف‬
‫السيوف‪ :‬الكامل‬
‫خَلـ ِ‬
‫ق‬
‫ف كأنها لم ُت ْ‬
‫َتذُر الجماجَم ضاحيًا هاماُتها َبْلَه الك ّ‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬والكف ينشد بالخفض والنصب‪ ،‬والنصب على معنى دع‬
‫الكف؛ وقال أبو زبيد الطائي‪ :‬البسيط‬
‫جْهَد مني َبْلَه ما‬
‫أعطيهم ال َ‬
‫ل الـوّد آوَنًة‬
‫ل أهـ ِ‬
‫حّمال أثقا ِ‬
‫أسُع‬
‫حداةُِبها=مشي النجيبه‬
‫غّنى ال ُ‬
‫ف إذا َ‬
‫شي الَقطو ُ‬
‫وقال أبن هرمة‪ :‬البسيط َتْم ِ‬
‫جبا وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه بعث سرية‪ -‬أو‬
‫جّلة الَن َ‬
‫َبْلَه اْل ِ‬
‫خين‪ -‬وروى‪ :‬على‬
‫سا ِ‬
‫جيشا‪ -‬فأمرهم أن يمسحوا على المشاِوِذ والت ّ‬
‫العصائب والتساخين‪.‬‬
‫حفاف‪.‬‬
‫قال ‪ :‬التساخين ال ِ‬
‫شَوذ؛ قال الوليد بن عقبة بن أبي معيط‪:‬‬
‫والمشاِوذ‪ :‬العمائم‪ ،‬واحدها ِم ْ‬
‫الطويل‬
‫ت ألرأس مني‬
‫إذا ما شدد ُ‬
‫ب ابـنَة وائل‬
‫ك مني تغلـ ُ‬
‫َفَغّي ِ‬
‫شَوٍذ‬
‫ِبم ْ‬
‫ي صدقات بني تغلب‪.‬‬
‫وكان ول َ‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬والعصائب هي العمائم أيضا؛ قال الفرزدق‪ :‬الطويل‬
‫جْدِبها‬
‫سَلبا من َ‬
‫لها َ‬
‫ب كأن الريح تطلب‬
‫وَرْك ٍ‬
‫بالعصائ ِ‬
‫ب‬
‫منُهُم‬
‫ي العمائم من شدتها فكأنها تسلبهم إياها‪.‬‬
‫يعني أن الريح تنفض ل ّ‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫سِرّيٍة غزت فأخفقت كان لها‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم‪ :‬أيما َ‬
‫أجرها مرتين‪.‬‬
‫قال الخفاق أن يغزو فل يغنم شيئا؛ قال عنترة يذكر فرسه‪ :‬الوافر‬
‫ويفجع ذا الضغائن بالري ِ‬
‫ب‬
‫فُيخفق مرة وُيفـيد أخـرى‬
‫يقول‪:‬إنه يغنم مرة ول يغنم أخرى؛ وكذلك كل طالب حاجة إذا لم يقضها‬
‫فقد أخفق ُيخِفق إخفاقا‪ ،‬وأصل ذلك في الغنيمة‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه قال‪ :‬من سأل وهو غني جاءت‬
‫خموشا أو كدوحا في وجهه‪ ،‬قيل‪ :‬وما‬
‫خدوشا أو ُ‬
‫مسألته يوم القيامة ُ‬
‫عْدلها من الذهب‪.‬‬
‫غناه? قال خمسون درهما أو َ‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬الخدوش في المعنى مثل الخموش أو نحو منها‪ ،‬يقال‪:‬‬
‫خمشت المرأة وجهها تخمشه خمشا وخموشا‪ ،‬قال لبيد يذكر نساء في مأتم‬
‫عمه أبي براء‪ :‬الرجز‬
‫في السلب السود وفي‬
‫يخمشن حر أوجـه صـحـاح‬
‫المساح‬
‫قوله‪ :‬وفي السلب‪ ،‬واحدها سلب‪ ،‬يريد السود التي تلبسها النساء في‬
‫المأتم‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬كدوحا‪ -‬يعني آثار الخدوش‪ ،‬وكل أثر من خدش أو عض أو نحوه‬
‫فهو كدح؛ ومنه قيل لحمار الوحش‪ :‬مكدح لن الحمر يعضضنه‪.‬‬
‫وفي هذا الحديث من الفقه أن الصدقة ل تحل لمن له خمسون درهما أو‬
‫نحوها من الذهب والفضة ل يعطى من زكاة ول غيرها من الصدقة‬
‫خاصة‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم‪ :‬من سأل وله أوقية فقد سأل الناس‬
‫إلحافا‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬الوقية أربعون درهما‪ :‬فهذان الحديثان أصل لمن تحل له‬
‫الصدقة ولمن ل تحل له الصدقة‪ .‬وعن الحسن قال‪ :‬يعطي من الزكاة من‬
‫له المسكن والخادم‪ ،‬وشك أبو عبيد في الفرس‪ ،‬وذلك إذا لم يكن به غنى‬
‫عنه‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم في ولي اليتيم أنه يأكل من ماله‬
‫غير متأثل مال‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬المتأثل الجامع‪ ،‬وكل شيء له أصل قديم أو جمع حتى‬
‫يصير له أصل فهو مؤثل ومتأثل؛ قال لبيد‪ :‬الكامل‬
‫ل مؤّث ِ‬
‫ل‬
‫تكِ‬
‫وله الُعلى وأِثْي ُ‬
‫ل الفـضـل‬
‫جَ‬
‫ل نافلُة ال َ‬
‫وقال امرؤ القيس‪ :‬الطويل‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫جَد اْلُمؤّث َ‬
‫ل‬
‫ك اْلَم ْ‬
‫َوَقْد ُيْدِر ُ‬
‫جـٍد ُمـَؤّثـل‬
‫سَعى ِلَم ْ‬
‫ولِكّنَما أ ْ‬
‫أمثال ِ‬
‫ي‬
‫وأثلة الشيء أصله؛ وأنشد العشى‪ :‬البسيط‬
‫ط ِ‬
‫ت‬
‫ت ضائَرها ما أ َ‬
‫س َ‬
‫َوَل ْ‬
‫ح ِ‬
‫ت‬
‫عن َن ْ‬
‫ألست ُمْنَتِهيًا َ‬
‫الب َ‬
‫ل‬
‫أْثَلِتـَنـا‬
‫ومن ذلك حديث عمر في أرضه بخيبر التي أمره رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم أن يحبس أصلها ويجعلها صدقة‪ ،‬ففعل واشترط فقال‪ :‬ولمن‬
‫وليها أن يأكل منها ويؤكل صديقا غير متأثل فيه‪ -‬ويروى‪ :‬غير متمول‪.‬‬
‫وفي هذا الحديث من الفقه أن الرجل إذا وقف وقفا فأحب أن يشترط‬
‫لنفسه أ لغيره فيه شرطا سوى الوجه الذي جعل الوقف فيه كان له ذلك‬
‫بالمعروف‪ .‬أل تراه يقول‪ :‬ويؤكل صديقا‪ ،‬فهذا ليس من الوقف في شيء‪،‬‬
‫ثم اشترط شرطا آخر فقال‪ :‬غير متأثل فيه‪ -‬أو غير متمول فيه‪ ،-‬فإنما‬
‫هو بالقصد والمعروف‪ ،‬وكذلك الشرط على ولي اليتيم‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أ رجل أوصى بنيه فقال‪ :‬إذا أنا‬
‫مت فأحرقوني بالنار حتى إذا صرت حمما فاسحقوني ثم ذروني في‬
‫الريح لعلي أضل ال‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬الحمم الفحم‪ ،‬واحدتها حممة‪ ،‬وبه سمى الرجل حممة؛ وقال‬
‫طرفة‪ :‬المديد‬
‫حَمُمْه‬
‫س ُ‬
‫أم َرَماٌد َداِر ٌ‬
‫ك الربُع أم ِقَدُمْه‬
‫شجا َ‬
‫أْ‬
‫قوله‪ :‬أضل ال‪ -‬أي أضل عنه فل يقدر على‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم‪ :‬ل فرعة ول عتيرة‪.‬‬
‫قال أبو عمرو‪ :‬هي الفرعة والفرع‪ -‬بنصب الراء‪ ،‬قال‪ :‬وهو أول ولد‬
‫تلده الناقة‪ ،‬وكانوا يذبحون ذلك للهتهم في الجاهلية فنهوا عنه؛ وقال‬
‫شّبَه الَهْيد ُ‬
‫ب‬
‫أوس بن حجر يذكر أزمة في سنة شديدة البرد‪ :‬المنسرح و ُ‬
‫ل َفَرعًا يعني أنه قد لبس جلد السقب من شدة‬
‫جّل ً‬
‫الَعَباُم من القوام سقبا ُم َ‬
‫البرد‪ .‬يقال‪ :‬قد أفرع القوم‪ -‬إذا فعلت إبلهم ذلك‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬وأما العتيرة فإنها الرجبية‪ ،‬وهي ذبيحة كانت تذبح في‬
‫رجب يتقرب بها أهل الجاهلية ثم جاء السلم فكان على ذلك حتى نسخ‬
‫بعد‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬ومنه الحديث عن النبي عليه السلم‪ :‬إن على كل مسلم في‬
‫كل عام أضحاة وعتيرة‪.‬‬
‫ت أعِتر عترا‪:‬‬
‫عَتْر ُ‬
‫قال‪ :‬والحديث الول فيما نرى ناسخ لهذا‪ ،‬يقال منه‪َ :‬‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫قال الحارث بن حلزة اليشكري يذكر قوما أخذوهم بذنب غيرهم فقال‪:‬‬
‫الخفيف عننا باطل وظلما كما تعتر عن حجرة الربيض الظباء قوله‪:‬‬
‫عننا‪ -‬يعني اعتراضا‪ ،‬و قوله‪ :‬كما تعتر‪ -‬يعني العتيرة في رجب‪ ،‬وذلك‬
‫أن العرب في الجاهلية كانوا إذا طلب أحدهم أمرًا نذر لئن ظفر به‬
‫ليذبحن من غنمه في رجب كذا وكذا‪ ،‬وهي العتائر‪ ،‬فإذا ظفر به فربما‬
‫ضن بغنمه وهي الربيض فيأخذ عددها ظباء فيذبحها في رجب مكان‬
‫الغنم فكانت تلك عتائره‪ ،‬فضرب هذا مثل يقول‪ :‬أخذتمونا بذنب غيرنا‬
‫كما أخذت الظباء مكان الغنم‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم‪ :‬يحشر الناس يوم القيامة عراة‬
‫حفاة بهما‪.‬‬
‫قال أبو عمرو‪ :‬البهم واحدها بهيم وهو الذي ل يخالط لونه لون سواه من‬
‫سواد كان أو غيره‪ ،‬قال أبو عبيد‪ :‬معناه عندي أنه أراد بقوله‪ :‬بهما‪-‬‬
‫يقول‪ :‬ليس فيهم شيء من العراض والعاهات التي تكون في الدنيا من‬
‫العمى والعرج والجذام والبرص وغير ذلك من صنوف المراض‬
‫والبلء‪ ،‬ولكنها أجسام مبهمة مصححة لخلود البد‪.‬‬
‫وفي بعض الحديث تفسيره قيل‪ :‬وما البهم? قال‪ :‬ليس معهم شيء‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬وهذا أيضا من هذا المعنى‪ ،‬يقول‪ :‬إنها أجساد ليخالطها‬
‫شيء من الدنيا‪ ،‬كما أن البهيم من اللوان ل يخالطه غيره‪ ،‬ول يقال في‬
‫البيض‪ :‬بهيم‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه كان إذا أراد سفرا ورى بغيره‪.‬‬
‫قال أبو عمرو‪ :‬التورية الستر‪ ،‬يقال منه‪ :‬وريت الخبر أوريه تورية‪ -‬إذا‬
‫سترته وأظهرت غيره؛ قال أبو عبيد‪ :‬ول أراه مأخوذا إل من وراء‬
‫النسان لنه إذا قال‪ :‬وريته‪ -‬فكأنه إنما جعله وراءه حيث ل يظهر‪.‬‬
‫ب) قال‪:‬‬
‫حق َيْعُقْو َ‬
‫سَ‬
‫ن ّوَراِء إ ْ‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬عن الشعبي في قوله (ِم ْ‬
‫الوراء ولد الولد‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم في صلح الحديبية حين صالح أهل‬
‫مكة وكتب بينه وبينهم كتابا فكتب فيه أن ل إغلل ول إسلل وأن بينهم‬
‫عيبة مكفوفة‪.‬‬
‫قال أبو عمرو‪ :‬السلل السرقة‪ ،‬يقال‪ :‬في بني فلن سلة‪ -‬إذا كانوا‬
‫يسرقون‪.‬‬
‫ل‪ -‬أي صاحب‬
‫سّ‬
‫ل ُم ِ‬
‫والغلل‪ :‬الخيانة؛ وكان أبو عبيدة يقول‪ :‬رجل ُمِغ ّ‬
‫سلة وخيانة‪.‬‬
‫ومنه قول شريح‪ :‬ليس على المستعير غير المغل ضمان ول على‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫المستودع غير المغل ضمان‪ -‬يعني الخائن‪ :‬وقال النمر بن تولب يعاتب‬
‫امرأته جمرة في شيء كرهه منها فقال‪ :‬الطويل‬
‫جزى ال عنا جمرَة ابنَة‬
‫جزاء ُمِغل بالمـانة كـاذ ِ‬
‫ب‬
‫فوف ٍ‬
‫ل‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬وأم قول النبي صلى ال عليه وسلم‪ :‬ثلث ل يغل عليهن‬
‫ل‪.‬‬
‫ل ول َيِغ ّ‬
‫قلب مؤمن‪ .‬فانه يروى‪ :‬ل ُيغِ ّ‬
‫ضغن‬
‫ل وهو الحقد وال ّ‬
‫فمن قال‪َ :‬يِغل‪ -‬بالفتح‪ -‬فانه يجعله من الِغ ّ‬
‫والشحناء؛ ومن قال‪ :‬يغل‪ -‬بضم الياء‪ -‬جعله من الخيانة من الغلل‪.‬‬
‫غلول‪ ،‬ول يراه‬
‫ل ُ‬
‫ل َيُغ ّ‬
‫غّ‬
‫وأما الغلول فانه من المغنم خاصة‪ ،‬يقال منه‪ :‬قد َ‬
‫ل‪ ،‬ومن‬
‫ل ُيِغ ّ‬
‫من الول ول الثاني؛ ومما يبين ذلك أنه يقال من الخيانة‪ :‬أغ ّ‬
‫ل‪ -‬بضم الغين؛ فهذه الوجوه مختلفة‪ ،‬قال ال‬
‫ل َيُغ ّ‬
‫غّ‬
‫الِغل‪ ،‬ومن الغلول‪َ :‬‬
‫ل) ولم نسمع أحدا قرأها بالكسر‪،‬‬
‫ن ّيُغ ّ‬
‫يأْ‬
‫ن ِلَنِب ّ‬
‫تبارك وتعالى (َوَما َكا َ‬
‫ل‪ ،‬فمن قرأها بهذا الوجه فانه يحتمل معنيين‪ :‬أن‬
‫وقرأها بعضهم‪ُ :‬يَغ ّ‬
‫ل يخان‪ -‬يعني أن يؤخذ من غنيمته‪ ،‬ويكون يغل ينسب إلى‬
‫يكون ُيَغ ّ‬
‫الغلول‪ .‬وقد قال بعض المحدثين‪ :‬قوله‪ :‬ل إغلل‪ -‬أراد ُلبس الدروع‪ ،‬ول‬
‫إسلل‪ -‬أراد سل السيوف؛ ول ادري ما هو ول أعرف له وجها‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه غليه السلم‪ :‬من نوقش الحساب عذب‪.‬‬
‫قال الماقسة الستقصاء في الحساب حتى ل يترك منه شيء ومنه قول‬
‫الناس‪ :‬انتقشت منه جميع حقي؛ وقال الحارث بن حلزة يعاتب يعاتب‬
‫قوما‪ :‬الخفيف‬
‫ح والبراُء‬
‫حا ُ‬
‫صَ‬
‫شُمه النا س وفيه ال ّ‬
‫جَ‬
‫ش َي ْ‬
‫شُتْم فالنق ُ‬
‫أو ُنِق ْ‬
‫يقول‪ :‬لو كانت بيننا وبينكم محاسبة ومناظرة عرفتم الصحة والبراءة؛ ول‬
‫أحسب نقش الشوكة من الرجل إل من هذا وهو استخراجهاٍ حتى ل يترك‬
‫منها شيء في الجسد قال الشاعر‪ :‬الكامل‬
‫ى بِرجلك رجل من قد‬
‫َفَتق ِ‬
‫جل غـيِر َ‬
‫ك‬
‫ن ِبِر ْ‬
‫شّ‬
‫ل َتْنُق َ‬
‫شاَكَها‬
‫شـوكًة‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬برجل غيرك يعني من رجل غيرك فجعل مكان من الباء‪،‬‬
‫يقول‪ :‬ل تخرجن شوكة من رجل غيرك فتجعلها في رجلك؛ وقوله‪:‬‬
‫شاكها‪ -‬يعني دخل في الشوك‪ ،‬تقول‪ :‬شكت الشوك فأنا أشاكه‪ -‬إذا دخلت‬
‫فيه‪ ،‬فان أردت أنه أصابك قلت‪ :‬شاكني الشوك فهو يشوكني شوكا؛ وإنما‬
‫سمي المنقاش لنه ينقش به أي يستخرج به الشوك‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أن الجفاء والقسوة في الفدادين‪.‬‬
‫قال أبو عمرو‪ :‬هي الفدادين‪ -‬مخففة‪ ،‬واحدها فدان‪ -‬مشددة‪ ،‬وهي البقرة‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫التي يحرث بها؛ يقول‪ :‬إن أهلها قسوة وجفاء لبعدهم من المصار‬
‫والناس‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬ول أرى أبا عمرو يحفظ هذا‪ ،‬وليس الفدادين من‬
‫هذا في شيء ول كانت العرب تعرفها‪ ،‬إنما هذه للروم وأهل الشام وإنما‬
‫افتتحت الشام بعد النبي صلى ال عليه وسلم ولكنهم الفدادون‪ -‬بالتشديد‪-‬‬
‫وهم الرجال‪ ،‬واحدهم فداد‪ .‬قال الصمعي‪ :‬هم الذين تعلو أصواتهم في‬
‫حروثهم وأموالهم ومواشيهم وما يعالجون منها‪ ،‬وكذلك قال الحمر‪ ،‬قال‬
‫ويقال منه‪ :‬فد الرجل يفد فديدا‪ -‬إذا أشتد صوته؛ وأنشدنا‪ :‬الرجز‬
‫ظْلمًا علينا لُهُم َفـِدْيُد‬
‫ُ‬
‫ت أخوالي بني يزيُد‬
‫أَنْبئ ُ‬
‫وكان أبو عبيدة يقول غير ذلك كله‪ ،‬قال‪ :‬الفدادون المكثرون من البل‬
‫الذين يملك أحدهم المائتين منها إلى اللف‪ ،‬يقال للرجل‪ :‬فداد‪ -‬إذا بلغ‬
‫ذلك وهم مع هذا جفاة أهل خيلء‪.‬‬
‫ومنه الحديث الذي يروى أن الرض إذا دفن فيها النسان قالت له‪ :‬ربما‬
‫ت على فّدادا ذا مال كثير وذا خيلء‪.‬‬
‫مشي َ‬
‫وقال أبو عبيد في حديث آخر عن النبي عليه السلم إنه قال‪ :‬إل من‬
‫أعطى في نجدتها ورسلها‪.‬‬
‫قال أبو عبيدة‪ :‬فنجدتها أن تكثر شحومها وتحسن حتى يمنع ذلك صاحبها‬
‫أن ينحرها نفاسة بها‪ ،‬فصار ذلك بمنزلة السلح لها تمتنع به من ربها‪،‬‬
‫فتلك نجدتها‪ ،‬وقد ذكرت ذلك العرب في أشعارها‪ ،‬قال النمر بن تولب‪:‬‬
‫الكامل‬
‫جّلِتها ول أبكاِرها‬
‫إبلي ِل ِ‬
‫حها‬
‫ى ِرما ُ‬
‫أياَم لم تأخذ إل ّ‬
‫فجعل شحومها و حسنها رماحا تمتنع به من أن تنحر‪ :‬و قال الفرزدق‬
‫يذكر أنه نحر إبله‪ :‬الطويل‬
‫ل بكاء‬
‫غشاشا و لم احِف ْ‬
‫ِ‬
‫ت سيقي من ذوات‬
‫َفَمّكْن ُ‬
‫رعاِئَيا‬
‫ِرَماحَها‬
‫غشاشا‪ -‬أي على عجلة‪ .‬وأما قوله‪ :‬رسلها‪ -‬فهو أن يعطيها و هو أن‬
‫يهون عليه لنه ليس فيها من الشحوم والحسن ما يبخل بها فهو يعطيها‬
‫رسل‪ ،‬كقولك‪ :‬جاء فلن على رسله وتكلم بكذا وكذا على رسله‪ -‬أي‬
‫مستهينا به‪ .‬فمعنى الحديث أنه أراد من أعطاها في هاتين الحالتين في‬
‫النجدة و الرسل‪ -‬أي على مشقة من النفس و على طيب منها‪ ،‬وهذا‬
‫كقولك‪ :‬في العسر و اليسر و المنشط و المكره‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬وقد ظن‬
‫بعض الناس أن الرسل ههنا اللبن‪ ،‬وقد علمنا أن الرسل اللبن ولكن ليس‬
‫هذا في موضعه ول معنى له أن يقول‪ :‬في نجدتها ولبنها‪ ،‬وليس هذا‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫جر‪ .‬قال‬
‫بشيء‪ .‬وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه نهى عن الَم ْ‬
‫جر أن يباع البعير أو غيره بما في بطن الناقة‪ ،‬يقال منه‪ :‬قد‬
‫أبو زيد‪ :‬الَم ْ‬
‫ت في البيع إمجارا‪ .‬وقال أبو عمرو‪ :‬و الغوي أن يباع البعير أو‬
‫جْر ُ‬
‫أْم َ‬
‫غيره بما يضرب هذا الفحل في عامه؛ وأنشدني للفرزدق يذكر قوما‪:‬‬
‫الكامل‬
‫سَوِتِهْم إذا ما‬
‫وُمُهْوُر ِن ْ‬
‫ل َهَبَنَقِع ِتْنـبـا ِ‬
‫ل‬
‫ىكّ‬
‫غَذِو ّ‬
‫َ‬
‫انكحوا‬
‫وقال غير أبي عمرو‪ :‬غدوى بالدال‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬و أما حديثه أنه نهى‬
‫عن بيع الملقيح و المضامين‪ .‬قال‪ :‬الملقيح ما في البطون وهي الجنة‪،‬‬
‫و الواحدة منها ملقوحة‪ .‬وأنشدني الحمر لمالك بن الريب‪ :‬الرجز‬
‫ن والمسـاِئ ِ‬
‫ل‬
‫خيرًا من التأنا ِ‬
‫طَرَد الَهـَواِمـ ِ‬
‫ل‬
‫إنا وجدنا َ‬
‫ب حائ ٍ‬
‫ل‬
‫ملقوحٍة في بطن نا ٍ‬
‫عَدَة العاِم وعـاٍم قـاِبـ ِ‬
‫ل‬
‫وِ‬
‫يقول‪ :‬هي ملقوحة فيما ُيظهر لي صاحبها وإنما أمها حائل فالملقوحة هي‬
‫الجنة التي في بطونها‪ .‬وأما المضامين فما في أصلب الفحول‪ ،‬وكانوا‬
‫يبيعون الجنين في بطن الناقة وما يضرب الفحل في عامه أو في أعوام‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬وأما حديثه أنه نهى عن حبل الحبلة‪ .‬فانه ولد ذلك الجنين‬
‫الذي في بطن الناقة‪.‬‬
‫قال ابن علية‪ :‬هو نتاج النتاج‪ .‬قال أبو عبيد‪ .‬والمعنى في هذا كله واحد‬
‫أنه غرر‪ ،‬فنهى النبي عليه السلم عن هذه البيوع لنها غرر‪ .‬وقال أبو‬
‫جَنة من ال‪ .‬قال أبو عبيد‪:‬‬
‫شْ‬
‫حم هي ِ‬
‫عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم في الّر ِ‬
‫يعني قرابة مشتبكة كاشتباك العروق‪ ،‬قال أبو عبيد‪ :‬و كأن قولهم‬
‫جون" منه إنما هو تمسك بعضه ببعض وهو من هذا‪.‬‬
‫شُ‬
‫"الحديث ذو ُ‬
‫شجنة كالُغصن‬
‫وأخبرني يزيد بن هارون عن حجاج بن أرطاة قال‪ :‬ال ّ‬
‫يكون من الشجرة أو كلمة نحوها‪.‬‬
‫شجنة بهذا‪.‬‬
‫شجنة؛ وإنما سمى الرجل ِ‬
‫شجنة و ُ‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬وفيه لغتان‪ِ :‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه نهى عن القعاء في الصلة‪.‬‬
‫قال أبو عبيدة‪ :‬القعاء جلوس الرجل على أليتيه ناصبًا فخذيه مثل إقعاء‬
‫الكلب والسبع‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬وأما تفسير أصحاب الحديث فانهم يجعلون القعاء أن يضع‬
‫عِق ُ‬
‫ب‬
‫أليته على عقبيه بين السجدتين‪ ،‬وهذا عندي هو الحديث الذي فيه‪َ :‬‬
‫الشيطان الذي جاء فيه النهي عن النبي صلى ال عليه و سلم أو عن عمر‬
‫عِقب الشيطان‪.‬‬
‫أنه نهى عن َ‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬و تفسير أبي عبيدة في القعاء أسبه بالمعنى لن الكلب إنما‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫يقعي كما قال‪ .‬وقد روي عن النبي صلى ال عليه وسلم أنه أكل مقعيًا‪،‬‬
‫فهذا يبين لك أن القعاء هو هذا وعليه تأويل كلم العرب‪.‬‬
‫وأما القرفصاء فهو أن يجلس الرجل كجلوس المحتبى ويكون احتباؤه‬
‫بيديه يضعها على ساقيه كما يحتبي بالثوب‪ ،‬تكون يداه مكان الثوب‪ ،‬وهذا‬
‫في غير صلة؛ ومما يبين لك أن عقب الشيطان هو أن يجلس الرجل‬
‫على عقبيه حديث يروى عن عمر قال‪ :‬ل تشدوا ثيابكم في الصلة ول‬
‫تخطوا نحو القبلة فإنها خطوة الشيطان وإذا سلمتم فانصرفوا ول تقدموا‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه كتب لوائل بن حجر الحضرمي‬
‫وقومه‪ :‬من محمد رسول ال إلى القيال العباهلة من أهل حضرموت‬
‫باقام الصلة وإيتاء الزكاة‪ ،‬على التيعة شاة والتيمة لصابحها‪ ،‬وفي‬
‫شغار‪ ،‬ومن أجبى فقد‬
‫شناق ول ِ‬
‫خلط ول ِوراط ول ِ‬
‫السيوب الخمس‪ ،‬ل ِ‬
‫أربى‪ ،‬وكل مسكر حرام‪.‬‬
‫قال أبو عبيدة وغيره من أهل العلم‪ :‬دخل كلم بعضهم في بعض في‬
‫القيال العباهلة‪ ،‬قال‪ :‬القيال ملوك باليمن دون الملك العظم‪ ،‬واحدهم‬
‫قيل‪ ،‬يكون ملكا على قومه ومخلفه ومحجره؛ والعباهلة الذين قد أقروا‬
‫على ملكهم ل يزالون عنه‪ ،‬وكذلك كل شيء أهملته فكان مهمل ل يمنع‬
‫مما يريد ول يضرب على يديه فهو معبهل؛ قال تأبط شرا‪ :‬الطويل‬
‫عِ‬
‫ل‬
‫سَتْر ِ‬
‫جدني مع اْلُم ْ‬
‫َت ِ‬
‫حّيا‬
‫ت َ‬
‫متى َتِبغني ما ُدْم ُ‬
‫المتعبه ِ‬
‫ل‬
‫سّلمًا‬
‫ُم َ‬
‫فالمسترعل‪ :‬الذي يخرج في الرعيل وهي الجماعة من الخيل وغيرها‪،‬‬
‫والمتعبهل‪ :‬الذي ل يمنع من شيء؛ وقال الراجز يذكر البل أنها قد‬
‫أرسلت على الماء ترده كيف شاءت فقال‪ :‬الرجز‬
‫عْبَهَلَها اْلُوّراُد‬
‫ل َ‬
‫عَباِه ٍ‬
‫َ‬
‫وقوله‪ :‬في التيعة شاة‪ ،‬فان التيعة الربعون من الغنم؛ والتيمة يقال‪ :‬إنها‬
‫الشاة الزائدة على الربعين حتى تبلغ الفريضة الخرى‪ ،‬ويقال‪ :‬إنها الشاة‬
‫تكون لصاحبها في منزلة يحتلبها وليست بسائمة وهي الغنم الربائب التي‬
‫يروى فيها عن إبراهيم أنه قال‪ :‬ليس في الربائي صدقة‪ .‬قال أبو عبيد‪:‬‬
‫وربما احتاج صاحبها إلى لحمها فيذبحها فيقال عند ذلك‪ :‬قد أتام الرجل‬
‫وأتامت المرأة‪ .‬قال الحطيئة يمدح آل لي‪ :‬الوافر‬
‫ضَمنون لها ِقَراَها‬
‫ولكن َي ْ‬
‫فما َتَتـام جـاَرُة آل ل ْ‬
‫ي‬
‫يقول‪ :‬ل تحتاج أن تذبح تيمتها‪.‬‬
‫وقال‪ :‬والسيوب الركاز‪ ،‬قال‪ :‬ول أراه أخذ إل من السيب وهي العطية‪،‬‬
‫يقول‪ :‬هو من سيب ال وعطائه‪.‬‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫خلط ول وراط‪ ،‬فانه يقال‪ :‬إن الخلط إذا كان بين‬
‫وأما قوله‪ :‬ل ِ‬
‫الخليطين عشرون ومائة شاة لحدهما ثمانون وللخر أربعون فإذا جاء‬
‫المصدق فأخذ منها شاتين رد صاحب الثمانين على صاحب الربعين ثلث‬
‫شاة‪ ،‬فيكون عليه شاة وثلث‪ ،‬وعلى الخر ثلثا شاة؛ وإن أخذ المصدق من‬
‫العشرين والمائة شاة واحدة رد صاحب الثمانين على صاحب الربعين‬
‫ثلث شاة‪ ،‬فيكون عليه ثلثا شاة‪ ،‬وعلى الخر ثلث شاة؛ فهذا قوله‪ :‬ل‬
‫خلط‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬والقول فيه عندي إنه ل تأخذ من العشرين والمائة‬
‫إذا كانت بين نفسين أو ثلثة إل شاة واحدة لنه إن أخذ شاتين ثم تراد‬
‫كان قد صار على صاحب الثمانين شاة وثلث‪ ،‬وهذا خلف سنة رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬لن رسول ال صلى ال عليه وسلم جعل في‬
‫عشرين ومائة إذا كانت ملكا لواحد شاة وهؤلء يأخذون من صاحب‬
‫الثمانين شاة وثلثا‪ ،‬وهذا في المشاع؛ والمقسوم عندي سواء إذا كانا‬
‫خلط‪ ،‬وهو في تفسير قوله في‬
‫خليطين أو كانوا خلطاء فهذا قوله‪ :‬ل ِ‬
‫الحديث الخر‪ :‬وما كان من خليطين فانهما يترادان بينهما بالسوية‪.‬‬
‫خلط ول ِوراط‪ ،‬كقوله‪ :‬ل‬
‫والوراط الخديعة والغش؛ ويقال‪ :‬إن قوله‪ :‬ل ِ‬
‫يجمع بين متفرق ول يفرق بين مجتمع‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬ل شناق‪ ،‬فان الشنق ما بين الفريضتين وهو ما زاد من البل على‬
‫الخمس إلى العشر‪ ،‬وما زاد على العشر إلى خمس عشرة؛ يقول‪ :‬ل‬
‫يؤخذ من ذلك شيء‪ ،‬زكذلك جميع الشناق؛ وقال الخطل يمدح رجل‪:‬‬
‫البسيط‬
‫حَم َ‬
‫ل‬
‫ت بـه إذا الِمئون أِمّرت فوقه َ‬
‫ق الِديا ِ‬
‫ق أشنا ُ‬
‫َقْرٌم ُتَعّل ُ‬
‫وقوله‪ :‬من أجبى فقد أربى‪ ،‬الجباء بيع الحرث قبل أن يبدو صلحه‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه دخل على عائشة وعلى الباب‬
‫قرام ستر‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬القرام الستر الرقيق فإذا خيط فصار كالبيت فهو كلة؛ وقال‬
‫لبيد يصف الهودج‪ :‬الكامل‬
‫ظّ‬
‫ل‬
‫ف ُي ِ‬
‫حُفْو ٍ‬
‫ل َم ْ‬
‫ِمن ك َ‬
‫زوجَ عليه ِكّلٌة َوِقراُمـَهـا‬
‫صّيْة‬
‫ع ِ‬
‫ِ‬
‫فالعصى‪ :‬عيدان الهودج‪ ،‬والزوج‪ :‬النمط‪ .‬ويقال للستر الرقيق‪ :‬الشف؛‬
‫وكذلك كل ثوب رقيق يستشف ما خلفه فهو شف‪.‬‬
‫ومنه حديث عمر‪ :‬ل تلبسوا نساءكم الكاتن‪ -‬أو قال‪ :‬القباطئ‪ -‬فانه إن ل‬
‫يشف فانه يصف؛ القول‪ :‬إن ملم تر ما خلفه فانه يصف حليتها لرقته‪.‬‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫ومنه حديث ابن عباس أنه رئى عليه ثوب سابري يستشف ما وراءه؛‬
‫وجمع الشف شفوف؛ وقال عدي بن زيد‪ :‬الخفيف‬
‫حَ‬
‫ن‬
‫ضْ‬
‫ف َيْن َ‬
‫شفو ُ‬
‫ن ال ّ‬
‫زاَنُه ّ‬
‫ق وحـريُر‬
‫ك وعيش موافـ ٌ‬
‫بالمس‬
‫ويروى‪ :‬مفانق‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه كان إذا سافر سفرا قال‪ :‬أللهم!‬
‫أنا نعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب والحور بعد الكور وسوء‬
‫المنظر في الهل والمال‪.‬‬
‫أم قوله‪ :‬من وعثاء السفر‪ ،‬قال‪ :‬الوعثاء شدة النصب والمشقة‪ ،‬وكذلك هو‬
‫في المآثم‪ .‬وقال الكميت يعاتب جذاما على انتقالهم بنسبهم من خزيمة بن‬
‫مدركة وكان يقال‪ :‬إنهم جذام بن أسدة بن خزيمة أخي أسد بن خزيمة‬
‫فانتقلوا إلى اليمن فيما أخبرني ابن الكلبي فقال الكميت‪ :‬الطويل‬
‫خَزيمة والرحام وعثاُء‬
‫َ‬
‫وابن ابنها ِمّنا ومنكم‬
‫حْوُبَها‬
‫ُ‬
‫وَبْعُلـهـا‬
‫يقول‪ :‬إن قطيعة الرحم مأثم شديد‪ ،‬وإنما أصل الوعثاء من الوعث وهو‬
‫عث المشي يشتد فيه على صاحبه‪ ،‬فصار مثل في‬
‫عث والو ِ‬
‫الدهس‪ ،‬والو َ‬
‫كل ما يشق على فاعله‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬وكآبة المنقلب‪ -‬يعني أن ينقلب من سفره إلى منزله بأمر يكتئب‬
‫منه‪ ،‬أصابه في سفره أو فيما يقدم عليه‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬الحور بعد الكون‪ -‬هكذا يروى بالنون‪ ،‬وسئل عاصم عن هذا‬
‫فقال‪ :‬ألم تسمع إلى قوله‪ :‬حار بعد ما كان? يقول‪ :‬إنه كان على حالة‬
‫جميلة فحار عن ذلك أي رجع؛ وهو في غير هذا الحديث الكور‪ -‬بالراء‪،‬‬
‫وزعم الهيثم أن الحجاج بن يوسف بعث فلنا قد سماه على جيش وأمره‬
‫عليهم إلى الخوارج ثم وجهه بعد ذلك إليهم تحت لواء غيره‪ ،‬فقال‬
‫الرجل‪ :‬هذا الحور بعد الكور‪ ،‬فقال له الحجاج‪ :‬وما قولك‪ :‬الحور بعد‬
‫الكور? قال‪ :‬النقصان بعد الزيادة‪ ،‬ومن قال هذا أخذه م كور العمامة‪،‬‬
‫يقول‪ :‬قد تغيرت حاله وانتقضت كما ينتقض كور العمامة بعد الشد‪ ،‬وكل‬
‫هذا قريب بعضه من بعض في المعنى‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه كان يصلي ولجوفه أزيز كأزيز‬
‫المرجل من البكاء‪.‬‬
‫قوله‪ :‬أزيز‪ -‬يعني غليان جوفه بالبكاء‪ .‬والصل في الزيز اللتهاب‬
‫ن َتُؤّزُرْهم اّزا) من‬
‫ى الكِفِرْي َ‬
‫عل َ‬
‫ن َ‬
‫طْي َ‬
‫شَيا ِ‬
‫سْلَنا ال ّ‬
‫والحركة‪ ،‬وكأن قوله (أّنا أْر َ‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫هذا‪ -‬أي تدفعهم وتسوقهم وهو من التحريك‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه رأى في إبل الصدقة ناقة‬
‫كوماء فسأل عنها فقال المصدق‪ :‬إني ارتجعتها بابل‪ ،‬فسكت؛ ويروى‪:‬‬
‫أخذتها بابل‪.‬‬
‫قال أبو عبيدة‪ :‬الرتجاع أن يقدم الرجل بابله المصر فيبيعها ثم يشتري‬
‫بثمنها مثلها أو غيرها‪ ،‬فتلك هي الرجعة التي ذكرها الكميت وهو يصف‬
‫الثافي فقال‪ :‬المنسرح‬
‫جَلـ ُ‬
‫ب‬
‫طفات على ال أورق ل رجعة ول َ‬
‫جلٌد ُمَع ّ‬
‫جْرٌد ِ‬
‫ُ‬
‫الوراق‪ :‬الرماد؛ وإن رد أثمان إبله إلى منزله من غير أن يشتري بها‬
‫شيئا فليس برجعة؛ وكذلك هي في الصدقة إذا وجبت على رب المال‬
‫أسنان من البل فأخذ المصدق مكانها أسنانا فوقها أو دونها فتلك التي أخذ‬
‫رجعة لنه ارتجعها من التي وجبت على ربها‪.‬‬
‫طاء‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم؛ أنه قال‪ :‬إذا مشت أمتي الُمطَْي َ‬
‫وخدمتهم فارس والروم كان بأسهم بينهم‪ .‬قال الصمعي وغيره‪:‬‬
‫المطيطاء التبختر ومد اليدين في المشي؛ والتمطي من ذلك لنه إذا تمطى‬
‫طى) أنه التبختر؛‬
‫ب إلى أْهِله َيَتَم َ‬
‫مد يديه؛ ويروى في تفسير قوله (ثم َذَه َ‬
‫ويقال للماء الخاثر في أسفل الحوض‪ :‬المطيطة‪ ،‬لنه يتمطط‪ -‬أي يتمدد‪،‬‬
‫وجمعه مطائط؛ قال حميد الرقط‪ :‬الرجز‬
‫طاِئ ِ‬
‫ط‬
‫ل اْلمَ َ‬
‫سَم َ‬
‫ط الّنَهال َ‬
‫خْب َ‬
‫َ‬
‫النهال‪ :‬العطاش‪ .‬ومن جعل التمطي من المطيطة فانه يذهب به مذهب‬
‫تبظنيت من الظن وتقضيت من التقضض‪ ،‬كقول العجاج‪ :‬الرجز‬
‫سْر‬
‫ضي اْلَباِزي إذا الباِزي ك َ‬
‫َتَق ّ‬
‫يريد تقضض البازي؛ وكذلك يقال‪ :‬التمطي يريد التمطط‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه نهى أن يبال في الماء الدائم ثم‬
‫يتوضأ منه‪.‬‬
‫قال الصمعي‪ :‬وبعضه عن أبي عبيدة‪ :‬الدائم هو الساكن‪ ،‬وقد دام الماء‬
‫يدوم وأدمته أنا إدامة إذا سكنته‪ ،‬وكل شيء سكنته فقد أدمته؛ وقال‬
‫الشاعر‪ :‬الطويل‬
‫غَ‬
‫ل‬
‫حْمُيها َ‬
‫تجيش علينا ِقْدُرهم َفُنِديمها وَنْفَثُؤها عنا إذا َ‬
‫قوله‪ :‬نديمها‪ :‬نسكنها‪ ،‬ونفثوها‪ :‬نكسرها بالماء وغيره‪ ،‬وهذا مثل ضربه‪-‬‬
‫أي إنا نطفئ شرم عنا‪ ،‬ويقال للطائر إذا صف جناحيه في الهواء‬
‫وسكنهما فلم يحركهما كطيران الحدا والرخم‪ :‬قد دوم الطائر تدويما‪ ،‬وهو‬
‫من هذا أيضا لنه إنما سمي بذلك لسكونه وتركه الخفقان بجناحيه‪.‬‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه نهى عن لبس القسى‪.‬‬
‫ى‪ :‬ثياب يؤتى بها من مصر فيها حرير؛ وكان أبو عبيدة يقول نحوا‬
‫سّ‬
‫الَق ِ‬
‫من ذلك ولم يعرفها الصمعي‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬أصحاب الحديث يقولون‪:‬‬
‫الِقسى‪ -‬بكسر القاف‪ ،‬قال أبو عبيد‪ :‬وأما أهل مصر فيقولون‪ :‬الَقسى‬
‫س‪ -‬وقد رأيتها‪.‬‬
‫ينسب إلى بلد يقال لها‪ :‬الَق ّ‬
‫خّز أو‬
‫قال أبو عبيد وقد قال الصمعي‪ :‬وأما الخمائص فإنها ثياب من َ‬
‫صوف‪ ،‬وهي معلمة وهي سود كانت من لباس‪ .‬قال‪ :‬والمساتق فراء‬
‫طوال الكمام‪ ،‬واحدتها مستقة‪ ،‬قال‪ :‬وأصلها بالفارسية مسته فعربت‪.‬‬
‫وعن أبي عبيدة‪ :‬وأما المروط فإنها أكسية من صوف أو خز كان يؤترز‬
‫بها‪ .‬قال الصمعي‪ :‬وأما المطارف فإنها أردية خز مربعة لها أعلم؛ فإذا‬
‫كانت مدورة على خلقة الطيلسان فهي التي كانت تسمى الخبية تلبسها‬
‫النساء‪ .‬قال الصمعي‪ :‬والقراقل قمص النساء‪ ،‬واحدها قرقل؛ وهو الذي‬
‫يسميه الناس قرقر‪ .‬وقال الكسائي‪ :‬والثياب الممشقة هي المصبوغة‬
‫صرة التي فيها شيء من صفرة‬
‫بالمشق‪ ،‬وهي المغرة‪ .‬قال‪ :‬والثياب الُمَم ّ‬
‫وليس بالكثير‪ .‬قال أبو زيد النصاري‪ :‬والسيراء برود يخالطها حرير؛‬
‫وقال غير هؤلء‪ :‬القهز ثياب بيض يخالطها حرير أيضا؛ قال ذو الرمة‬
‫يصف البزاة والصقور بالبياض فقال‪ :‬الطويل‬
‫من القهز والُقِوّهي بيض‬
‫صْقٍع كأن‬
‫من الّزرق أو ُ‬
‫الَمَقاِنِع‬
‫رؤوسها‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬وأما المياثر الحمر التي جاء فيها النهي فإنها كانت من‬
‫مراكب العاجم من ديباج أو حرير‪ .‬وأما الحلل فإنها برود اليمن من‬
‫مواضع مختلفة منها‪ ،‬والحلة إزار ورداء‪ ،‬ل تسمى حلة حتى تكون‬
‫ثوبين؛ ومما يبين ذلك حديث عمر أنه رأى رجل عليه حلة قد ائتزر‬
‫باحداها وارتدى بالخرى فهذان ثوبان؛ ومن ذلك حديث معاذ ابن عفراء‬
‫أن عمر بعث إليه بحلة فباعها واشترى بها خمس أرؤس من الرقيق‬
‫فأعتقهم ثم قال‪ :‬إن رجل آثر يلبسهما على عتق هؤلء لغبين الرأي‪،‬‬
‫فقال‪ :‬قشرتين‪ -‬يعني ثوبين‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه نهى عن المحاقلة والمزابنة‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬سمعت غير واحد ول اثنين من أهل العلم ذكر لك واحد‬
‫منهم طائفة من هذا التفسير قال‪ :‬المحاقلة بيع الزرع وهو في سنبلة‬
‫بالبر‪ ،‬في سنبلة بالبر‪ ،‬وهو مأخوذ من الحقل‪ ،‬والحقل هو الذي يسميه‬
‫حْقلة‪.‬‬
‫أهل العراق القراح‪ ،‬وهو في مثل يقال‪ :‬ل ينبت الَبْقلة إل ال َ‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫قال‪ :‬والمزابنة بيع التمر وهو في رؤوس النخل بالتمر‪ ،‬وإنما جاء النهي‬
‫في هذا لنه من الكيل وليس يجوز شيء من الكيل والوزن إذا كانا من‬
‫جنس واحد إل مثل بمثل ويدا بيد‪ ،‬وهذا مجهول ل يعلم أيهما أكثر‪.‬‬
‫قال‪ :‬ورخص في العرايا‪.‬‬
‫قال‪ :‬والعرايا واحدتها عرية‪ ،‬وهي النخلة يعريها صاحبها رجل محتاجا؛‬
‫والعراء أن يجعل له ثمرة عامها‪ .‬يقول‪ :‬فرخص لرب النخل أن يبتاع‬
‫من المعري ثمر تلك النخلة بتمر لموضع حاجته‪ .‬وقال بعضهم‪ :‬بل هو‬
‫الرجل يكون له نخلة وسط نخل كثير لرجل آخر‪ ،‬فيدخل رب النخلة إلى‬
‫نخلته فربما كان مع صاحب النخل الكثير أهلة في النخل فيؤذيه بدخوله‪،‬‬
‫فرخص لصاحب النخل الكثير أن يشتري ثمر تلك النخلة من صاحبها‬
‫قبل أن يجده بتمر لئل يتأذى به‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬والتفسير الول أجود‪ ،‬لن هذا ليس فيه إعراء‪ ،‬إنما هي‬
‫نخلة يملكها ربها فكيف تسمي عرية؛ ومما يبين ذلك قول شاعر النصار‬
‫يصف النخل‪ :‬الطويل‬
‫ولكن عرايا في السنين‬
‫جـِبـّيٍة‬
‫سْنـَهـاَء ول َر َ‬
‫ليست ِب َ‬
‫الجوائ ِ‬
‫ح‬
‫يقول‪ :‬أنا نعريها الناس‪.‬‬
‫ومنه الحديث الخر أنه كان يأمر الخراص أن يخففوا في الخرص‬
‫ويقول‪ :‬إن في المال العرية والوصية‪.‬‬
‫وحديثه أنه نهى عن المخابرة‪.‬‬
‫قال‪ :‬هي المزارعة بالنصف والثلث والربع وأقل من ذلك وأكثر‪ ،‬وهو‬
‫الخبر أيضا؛ الخبر الفعل‪ ،‬والخبير الرجل؛ وكان أبو عبيدة يقول‪ :‬بهذا‬
‫سمي الكار خبيرا لنه يخابر الرض‪ ،‬والمخابرة هي المؤاكرة‪ ،‬ولهذا‬
‫سمي الكار خبيرا لنه يؤاكر الرض‪.‬‬
‫وأما حديثه أنه نهى عن المخاضرة فإنها نهى عن أن يباع الثمار قبل أن‬
‫يبدو صلحها وهي خضر بعد‪ ،‬ويدخل في المخاضرة أيضا بعض بيع‬
‫الرطاب والبقول وأشباهها‪ ،‬ولهذا كره من كره بيع الرطاب أكثر من جزه‬
‫وأخذه‪.‬‬
‫وهذا مثل حديثه أنه نهى بيع التمر قبل أن يزهو؛ وزهوه أن يحمر أو‬
‫يصفر‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬وفي حديث آخر أنه نهى عن بيعه قبل أن يشقح‪ -‬ويقال‪:‬‬
‫يشقح؛ والتشقيح هو الزهو أيضا‪ :‬وهو معنى قوله‪ :‬حتى تأمن من العاهة‪،‬‬
‫والعاهة الفة تصيبه‪.‬‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫وأما حديثه الخر أنه نهى عن المنابذة والملمسة ففي كل واحد منهما‬
‫قولن؛ أم المنابذة فيقال‪ :‬إنها أن يقول الرجل لصاحبه‪ :‬انبذ إلى الثوب أو‬
‫غيره من المتاع أو أنبذه إليك وقد وجب البيع بكذا وكذا؛ ويقال‪ :‬إنما هو‬
‫أن يقول الرجل‪ :‬إذا نبذت الحصاة فقد وجب البيع‪ ،‬وهو معنى قوله‪ :‬إنه‬
‫نهى عن بيع الحصاة‪.‬‬
‫والملمسة أن يقول‪ :‬إذا لمست ثوبي أو لمست ثوبك فقد وجب البيع بكذا‬
‫وكذا‪ ،‬ويقال‪ :‬هو أن يلمس الرجل المتاع من وراء الثوب ول ينظر إليه‬
‫فيقع البيع على ذلك‪ ،‬وهذه بيوع كان أهل الجاهلية يبتاعون بها‪ ،‬فنهى‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم عنها لنها غرر كلها‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم خيُر ما تداَوْيُتم به اللدود والسعوط‬
‫ي‪.‬‬
‫شّ‬
‫والحجامة والَم ِ‬
‫قال الصمعي‪ :‬اللدود ما سقى النسان في أحد شقي الفم‪.‬‬
‫ومنه الحديث الخر أنه لد في مرضه وهو مغمى عليه‪ ،‬فلما أفاق قال‪ :‬ل‬
‫يبقى بالبيت أحد إل لد إل عمي العباس‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬فنرى‪ -‬وال أعلم‪ -‬أنه إنما فعل ذلك عقوبة لهم لنهم فعلوه‬
‫من غير أن يأمرهم به؛ قال الصمعي‪ :‬وإنما أخذ اللدود من لديدي‬
‫الوادي وهما جانباه‪ ،‬ومنه قيل للرجل‪ :‬هو َيَتَلّدد‪ -‬إذا التفت عن جانبيه‬
‫يمينا وشمال؛ ويقال‪ :‬لدتت الرجل ألده لدا‪ -‬إذا سقيته ذلك‪ ،‬وجمع اللدود‬
‫أِلّدة‪.‬‬
‫قال عمرو بن أحمر الباهلي‪ :‬الطويل‬
‫ت أفواَه اْلُعرو ِ‬
‫ق‬
‫وأْقَبْل ُ‬
‫عي واْلَتَدْد ُ‬
‫ت‬
‫شَكا َ‬
‫ت ال ّ‬
‫شِرْب ُ‬
‫َ‬
‫المكاِوَيا‬
‫أِلّدًة‬
‫فهذا هو اللدود‪ ،‬وأما الوجور فهو في وسط الفم‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم في صلح أهل نجران أنه ليس‬
‫عليهم ربية ول دم‪.‬‬
‫هكذا الحديث بتشديد الباء والياء‪ .‬قال الفراء‪ :‬إنما هي ربية‪ -‬مخففة‪ ،‬أراد‬
‫بها الربا‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬يعني أنه صالحهم على أن وضع عنهم الربا‬
‫الذي كان عليهم في الجاهلية والدماء التي كانت عليهم يطلبون بها‪ .‬قال‬
‫الفراء‪ :‬ومثل ربية من الربا حبية من الحتباء‪ ،‬سماع من العرب‪ -‬يعني‬
‫أنهم تكلموا بهما بالياء فقالوا‪ :‬ربية وحبية‪ ،‬ولم يقولوا‪ :‬حبوة وربوة‪،‬‬
‫وأصلهما الواو من الحبوة والربوة؛ قال‪ :‬والذي يراد من هذا الحديث أنه‬
‫أسقط عنهم كل دم كانوا يطلبون به وكل ربا كان عليهم إل رؤوس‬
‫س أْمَواِلُكْم ل‬
‫الموال فانهم يردونها‪ ،‬كما قال ال تعالى‪َ( :‬فَلُكْم ُرُؤ ُ‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫ن)‪.‬‬
‫ظَلُمْو َ‬
‫ل ُت ْ‬
‫ن َو َ‬
‫ظِلُمْو َ‬
‫َت ْ‬
‫وهذا مثل حديثه الخر‪ :‬أل! إن كل دم ومال ومأثرة كانت في الجاهلية‬
‫فإنها تحت قدمي هاتين إل سدانة البيت وسقاية الحاج‪ -‬يعني أنه أقرهما‬
‫على حالهما؛ والسدانة في كلم العرب‪ :‬الحجابة‪ ،‬والسادن‪ :‬الحاجب‪ ،‬وهم‬
‫السدنة‪ ،‬والسدنة الجماعة‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم‪ :‬أفضل الناس مؤمن مزهد‪.‬‬
‫قال الصمعي‪ -‬أو أبو عمرو‪ ،‬وأكثر ظني أنه الصمعي‪ :‬المزهد القليل‬
‫الشيء‪ ،‬وإنما سمي مزهدا لن ما عنده يزهد فيه من قلته‪ ،‬يقال منه‪ :‬قد‬
‫أزهد الرجل إزهادا‪ -‬إذا كان كذلك؛ قال العشى يصف قوما بحسن‬
‫مجاورتهم جارة لهم‪ :‬المتقارب‬
‫ولن يسلموها لزهادها‬
‫سّرها ِلِلْغَني‬
‫فلن يطلبوا ِ‬
‫سّرا) وقال‬
‫ن ِ‬
‫عُدْوُه َ‬
‫ن ل ُتَوا ِ‬
‫فالسر هو النكاح‪ ،‬قال ال تبارك وتعالى (ولِك ْ‬
‫امرؤ القيس بن حجر‪ :‬الطويل‬
‫ت وأن ل يحسن السر‬
‫كبر ُ‬
‫أل زعمت بسباسة اليوم‬
‫أمثال ْ‬
‫ي‬
‫أنـنـي‬
‫فأراد العشى أنهم ل يتزوجونها لغناها ول يتركونها لقلة مالها وهو‬
‫الزهاد‪.‬‬
‫سَقيتكم‬
‫خّمروا آِنَيتكم وأوُكو أ ِ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم‪َ :‬‬
‫صبيانكم فان للشياطين خطفة‬
‫وأجيفوا البواب وأطفئوا المصابيح واِكُفتوا ِ‬
‫وانتشار‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬يعني باليل‪ .‬قال الصمعي وأبو عمرو‪ :‬قوله‪ :‬خمروا‬
‫آنيتكم‪ ،‬التخمير التغطية؛ ومنه الحديث الخر أنه أتى بإناء من لبن فقال‪:‬‬
‫لو ل خمرته ولو بعود تعرضه عليه‪ .‬وقال الصمعي‪ :‬تعرضه‪ -‬بضم‬
‫الراء‪.‬‬
‫قال الصمعي وأبو عمرو‪ :‬وقوله‪ :‬وأوكوا أسقيتكم‪ ،‬اليكاء الشد واسم‬
‫الستر؛ والخيط الذي يشد به السقاء الوكاء؛ ومنه حديث اللقطة‪ :‬واحفظ‬
‫عفاصها ووكاءها فان جاء ربها فإدفعها إليه‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬واكفتوا صبيانكم‪ -‬يعني ضموهم إليكم واحبسوهم في البيوت؛ وكل‬
‫شيء ضممته إليك فقد كفته‪ ،‬ومنه قول زهير يصف الدرع وأن صاحبها‬
‫ضمها إليه فقال‪ :‬الكامل‬
‫سجه‬
‫ي َتُن ُ‬
‫ضٍة كالّنْه ِ‬
‫وُمفا َ‬
‫ضلها بُمَهّنـِد‬
‫ت َف ْ‬
‫بيضاء َكّف َ‬
‫صبا‬
‫ال ّ‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫جَع ِ‬
‫ل‬
‫يعني أنه عقلها بالسيف فضمها إليه‪ ،‬وقال ال تبارك وتعالى (َأَلْم َن ْ‬
‫حَياًء وَأْمَواتًا) يقال‪ :‬إنها تضمهم إليها ما داموا أحياء على‬
‫لْرض ِكَفاتا أ ْ‬
‫ْا َ‬
‫ظهرها‪ ،‬فإذا ماتوا ضمتهم إليها في بطنها؛ و روى عن بيان قال‪ :‬كنت‬
‫أمشي مع الشعبي بظهر الكوفة فالتفت إلى بيوت الكوفة فقال‪ :‬هذه كفات‬
‫الحياء‪ ،‬ثم التفت إلى المقبرة فقال‪ :‬وهذه كفات الموات‪ -‬يريد تأويل‬
‫حَياًء وأْمَواتًا)‪.‬‬
‫ض ِكَفاتًا أ ْ‬
‫لْر َ‬
‫لاَ‬
‫جَع ِ‬
‫قوله‪( -‬أَلْم َن ْ‬
‫حَمُة الِعشاء؛ والمحدثون‬
‫شَيكم حتى تذهب َف ْ‬
‫ضّموا َفَوا ِ‬
‫وفي حديث آخر‪ُ :‬‬
‫يقولون‪ :‬قحمة‪.‬‬
‫الفواشي‪ :‬كل شيء منتشر من المال مثل الغنم السائمة والبل وغيرها‪.‬‬
‫وقوله حتى تذهب فحمة العشاء‪ -‬يعني شدة سواد الليل وظلمته‪ ،‬وإنما‬
‫يكون ذلك في أوله حتى إذا سكن فوره َقّلت الظلمة‪ .‬وقال الفراء‪ :‬يقال‪:‬‬
‫حموا عن العشاء‪ -‬يقول‪ :‬ل تسيروا في أوله حين تفور الظلمة ولكن‬
‫ْأْف ِ‬
‫أْمَهلوا حتى تسكن ذلك وتعتدل الظلمة ثم سيروا؛ وقال لبيد‪ :‬الرمل‬
‫ل إذا طال‬
‫ط الّلي َ‬
‫ضِب ِ‬
‫وا ْ‬
‫جى بعد فوٍر واعـتـد ُ‬
‫ل‬
‫وَتَد ّ‬
‫سرى‬
‫ال ّ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم حين ذكر المظالم التي وقعت‬
‫فيها بنو إسرائيل والمعاصي فقال عليه السلم‪ :‬ل والذي نفسي بيده حتى‬
‫طُروه على الحق أطرا‪.‬‬
‫تأخذوا علي َيَدي الظالم وتأ ِ‬
‫طفوه عليه؛ وكل شيء عطفته‬
‫قال أبو عمرو وغيره‪ :‬تأطروه‪-‬يقول‪َ :‬تع ِ‬
‫على شيء فقد أطرته تأطره أطرا؛ قال طرفة يصف ناقة ويذكر‬
‫ضلوعها‪ :‬الطويل‬
‫ى تحت صلب‬
‫سّ‬
‫وأطر ِق ِ‬
‫ي ضالٍة يكنفانـهـا‬
‫س ْ‬
‫كأن ِكنا َ‬
‫مؤّيِد‬
‫شبه انحناء الضلع بما حني من طرفي القوس؛ وقال المغيرة بن حبناء‬
‫التميمي‪ :‬الطويل‬
‫س ُتْقِمصون من‬
‫وأنتم ُأنا ٌ‬
‫طَرا‬
‫إذا ما رقي أكتاَفكم وتأ ّ‬
‫الَقَنا‬
‫يقول‪ :‬إذا يثنى فيها‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم‪ :‬لي خمسة أسماء‪:‬أنا محمد وأحمد‪،‬‬
‫والماحي يمحو ال بي الكفَر‪ ،‬والحاشر أحشر الناس على َقَدمي‪ ،‬والعاقب‪.‬‬
‫قال يزيد‪ :‬سألت سفيان عن العاقب فقال‪ :‬آخر النبياء‪ :‬قال أبو عبيد‪:‬‬
‫عْقبا‬
‫ب َيْعُقب َ‬
‫عَق َ‬
‫وكذلك كل شيء خلف بعد شيء فهو عاقب له‪ ،‬وقد َ‬
‫عْقبه؛ ومنه‬
‫عِقبه‪ ،‬وكذلك آخر كل شيء َ‬
‫وعقوبا؛ ولهذا قيل لولد بعده‪ :‬هم َ‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫ب رمضان فقال‪ :‬إن الشهر‬
‫عقِ ِ‬
‫حديث عمر رضي ال عنه أنه سافر في َ‬
‫عقب‪ -‬إذا كان‬
‫قد تسعسع فلو صمنا بقيته‪ :‬قال الصمعي‪ :‬يقال‪ :‬فرس ذو َ‬
‫باقي الجري؛ وكذلك العاقبة من كل شيء آخره وهى عواقب‪ .‬قال أبو‬
‫غن ً‬
‫ى‬
‫عبيد‪ :‬ويروى عن أبي حازم أنه قال‪ :‬ليس لملول صديق ول لحسود ِ‬
‫والنظر في العواقب تلقيح للعقول‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه كان في سفر ففقدوا الماء‬
‫فأرسل النبي عليه السلم عليا وفلنا يبغيان الماء فإذا هما بأمرأة على‬
‫بعير لها بين مزادتين أو سطيحتين‪ ،‬فقال لها ‪ :‬انطلقي إلى النبي عليه‬
‫السلم‪ ،‬فقالت‪ :‬إلى هذا الذي يقال له الصابيء? قال‪ :‬هو الذي تعنين‪.‬‬
‫قال الصمعي وبغضه عن الكسائي وأبي عمرو وغيرهم‪ :‬وقوله‪ :‬بين‬
‫مزادتين‪ ،‬المزادة هي التي يسميها الناس الراوية‪ ،‬وإنما الراوية‪ :‬البعير‬
‫الذي يستقى عليه‪ ،‬وهذه المزادة؛ والسطحية نحوها أصغر منها هي من‬
‫شعيب نحو من المزادة‪.‬‬
‫جلدين والمزادة أكبر منها؛ وال ّ‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬وأما قولها‪ :‬الصابيء‪ ،‬فان الصابيء عند العرب الذي قد‬
‫خرج من دين إلى دين‪ ،‬يقول‪ :‬قد صبأت في الدين‪ -‬إذا خرجت منه‬
‫ودخلت في غيره؛ ولهذا كان المشركون يقولون للرجل إذا أسلم في زمان‬
‫النبي عليه السلم‪ :‬قد صبأ فلن؛ ول أظن الصابئين سموا إل من هذا‪،‬‬
‫لنهم فارقوا دين اليهود والنصارى وخرجوا منهما إلى دين ثالث‪ -‬وال‬
‫أعلم‪.‬‬
‫وفي هذا الحديث قال‪ :‬فكان المسلمون يغيرون على من حول هذه المرأة‬
‫صرم الذي هو فيه‪.‬‬
‫ول يصيبون ال ّ‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬قوله‪ :‬الصرم الذي هي فيه‪ -‬يعني الفرقة من الناس ليسوا‬
‫بالكثير‪ ،‬وجمعه أصرام؛ قال الطرماح‪ :‬السريع‬
‫عامًا وما ُيبكيك من عامها‬
‫ت بعد أصرامها‬
‫يا داُر أْقَو ْ‬
‫عطش‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه كان بالحديبية فأصابهم َ‬
‫قال‪َ :‬فجِهشنا إلى رسول ال عليه وسلم‪.‬‬
‫قال الصمعي‪ :‬الجْهش أن يفزع النسان إلى النسان‪ .‬وقال غيره‪ :‬هو‬
‫مع فزعة كأنه يريد البكاء كالصبي يفزع إلى أمه وأبيه وقد تهيأ للبكاء؛‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬وفيه لغة ُأخرى‪ :‬أجهشت إجهاشا فأنا مجهش؛ قال أبو زيد‬
‫والصمعي والموي وأبو عمرو‪ :‬ومن ذلك قول لبيد‪ :‬البسيط‬
‫شّكى إلى النف ُ‬
‫س‬
‫قالت َت َ‬
‫ك سبعا بعد سبعينـا‬
‫حَملُت ِ‬
‫وقد َ‬
‫مجهشًة‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫فان تزادى ثلثا تبلغي أمل=وفي الثلث وفاًء للثمانينا وقال أبو عبيد‪:‬‬
‫جر معاذ بن‬
‫حْ‬
‫في حديثه عليه السلم أن مسجده كان ِمربدا ليتيمين في َ‬
‫ف بنوا عفراء‪ -‬فاشتراه منهما معّوذ بن عفراء‬
‫عفراء‪ -‬معاٍذ ومعّوٍذ وعو ٍ‬
‫فجعله للمسلمين فبناه رسول ال صلى ال عليه وسلم مسجدا‪.‬‬
‫حبست به البل‪ ،‬ولهذا قيل‪ِ :‬مربد النعم‬
‫قال الصمعي‪ :‬المربد كل شيء ُ‬
‫الذي بالمدينة‪ .‬وبه سمي مربد البصرة‪ ،‬إنما كان موضع سوق البل‪،‬‬
‫حبست به البل‬
‫وكذلك كل ما كان من غير هذه المواضع أيضاً إنه إذا ُ‬
‫فهو ِمربد؛ وأنشدنا الصمعي‪ :‬الطويل‬
‫عصا ِمربٍد تغشى نحورا‬
‫جَعل ُ‬
‫ت‬
‫ي إل ما َ‬
‫صَ‬
‫عوا ِ‬
‫َ‬
‫عا‬
‫واذُر َ‬
‫وراءهـا‬
‫يعني بالمربد ههنا عصا جعلها معترضة على الباب تمنع البل من‬
‫الخروج‪ ،‬سلمها مربدا لهذا؛ والمربد أيضا مواضع التمر مثل الجرين‬
‫والَبْيَدر للحنطة؛ والمربد بلغة أهل الحجاز والجرين لهم أيضا‪ ،‬والندر‬
‫لهل الشام‪ .‬والبيدر لهل العراق‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه كان يستفتح بصعاليك‬
‫المهاجرين‪.‬‬
‫قال عبد الرحمن‪ :‬يعني بقوله‪ :‬يستفتح بصعاليك المهاجرين‪ ،‬أنه كان‬
‫يستفتح القتال بهم‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬كأنه يتيمن بهم؛ والصعاليك الفقراء‪.‬‬
‫حْوا َفَقْد‬
‫سَتْفِت ُ‬
‫ن َت ْ‬
‫والستفتاح هو الستنصار‪ ،‬ويروى في تفسير قوله (ِإ ْ‬
‫ح) يقول‪ :‬إن تستنصروا فقد جاءكم النصر‪.‬‬
‫جاَءُكُم اْلَفْت ُ‬
‫َ‬
‫ويروى أن امرأة من العرب كان بينها وبين زوجها خصومة فقالت‪ :‬بني‬
‫وبينك الفّتاح‪ -‬تعني الحاكم لنه ينصر المظلوم على الظالم‪.‬‬
‫شِكيَ إليه‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه كان في سفر َف ُ‬
‫غَمِري‪ ،‬فأتى به‪.‬‬
‫العطش‪ ،‬فقال أطلقوا لي ُ‬
‫قال الكسائي والحمر أو غيره‪ :‬الُغمر الَقْعب الصغير؛ وقال أعشى باهلة‬
‫يمدح رجل‪ :‬البسيط‬
‫شواء ويروى شربه‬
‫من ال َ‬
‫حـزة إن اَلـّم بـهـا‬
‫َتكفـيه ُ‬
‫الْغَمُر‬
‫يقال منه‪َ :‬تَغّمْرت‪ -‬إذا شربت شربا قليل‪ .‬وأما الغمر فالرجل الجاهل‬
‫بالمور والجمع منهما جميعا أغمار‪ .‬والِغمر‪ :‬الخيمة الشحناء تكون في‬
‫القلب؛ والُمَغّمر مثل الُغْمر‪ ،‬والُغْمر الماء الكثير؛ ومنه قيل للرجل‬
‫غْمٌر‪.‬‬
‫الجواد‪َ :‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أن النعمان بن ُمقّرن قدم على‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫النبي عليه السلم في أربعمائة راكب من مزينة‪ ،‬قال النبي عليه السلم‬
‫لعمر‪ُ :‬قْم فزوَدهم‪ ،‬فقلم عمر ففتح غرفة له فيها تمر كالبعير القرم‪ -‬هكذا‬
‫الحديث‪ .‬ويروى‪ :‬فإذا تمر مثل الفصيل الرابض فقال عمر‪ :‬يا رسول‬
‫ي‪ ،‬قال‪ :‬قم فزودهم‪.‬‬
‫ن بن ّ‬
‫ضَ‬
‫ع ما ُيَقّي ْ‬
‫صَو ً‬
‫ال! إنما هي أ ْ‬
‫قال أبو عمرو‪ :‬ول أعرف القرم ولكن أعرف الُمْقَرم‪ ،‬وهو البعير‬
‫الُمْكرم الذي ل يحمل عليه ول يذلل‪ ،‬ولكن يكون للفحلة‪ .‬قال‪ :‬وأما البعير‬
‫سَمة تكون فوق النف تسلخ منه جلدة‬
‫المقروم فهو الذي به ُقرمة‪ ،‬وهي ِ‬
‫ثم تجمع فوق أنفه فتلك الُقرمة؛ يقال منه‪َ :‬قَرمت البعير أقِرمه قرما‪ .‬قال‬
‫أبو عبيد‪ :‬وإنما سمي السيد الرئيس من الرجال الُمْقَرم لنه شبه بالُمْقَرم‬
‫من البل لعظم شأنه وكرمه عندهم؛ وقال أوس بن حجر‪ :‬الطويل‬
‫خّمط فينا ناب آخر ُمْقَرِم‬
‫َت َ‬
‫حّد نابـه‬
‫إذا ُمْقَرم منا ذرا َ‬
‫أراد‪ :‬إذا هلك سيد منا خلف مكانه آخر‪.‬‬
‫ظهم‪ ،‬والقيظ‪:‬‬
‫وأما قول عمر‪ :‬ما يقيظن بني فانه يعني أنه ل يكفيهم ِلَقْي ِ‬
‫ظني هذا الطعام وهذا‬
‫حَماّرة الصيف‪ ،‬يقول‪ :‬ما يصّيفهم‪ ،‬يقال‪َ :‬قّي ْ‬
‫هو َ‬
‫الثوب‪ -‬إذا كفاك لقيظك‪ ،‬وكان الكسائي ينشد هذا الرجز لبعض العراب‪:‬‬
‫الرجز‬
‫شّتى‬
‫ف ُم َ‬
‫صّي ٌ‬
‫ظ ُم َ‬
‫َمقَّي ٌ‬
‫ت فهذا َبّتى‬
‫ن يك ذا َب ّ‬
‫َم ْ‬
‫يقول‪ :‬يكفيني الَقْيظ والصيف والشتاء‪.‬‬
‫ضباعة‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم حين بعث إلي ُ‬
‫وَذَبحت شاة فطلب منها‪ ،‬فقالت‪ :‬ما بقي منها إل الرقبة‪ ،‬وإني لستحي أن‬
‫أبعث إلى رسول ال صلى ال عليه وسلم بالرقبة فبعث إليها أن أرسلي‬
‫بها فإنها هاِدية الشاة‪ ،‬وهي أبعد الشاة من الذى‪.‬‬
‫قال الصمعي وغير واحد‪ :‬الهادي من كل شيء أوله وما تقدم منه‪ ،‬ولهذا‬
‫قيل‪ :‬أقبلت هوادي الخيل‪ -‬إذا بدت أعناقها‪ ،‬لنها أول شيء يتقدمها من‬
‫أجسادها‪ ،‬وقد تكون الهوادي أول رعيل يطلع منها لنها المتقدمة‪ ،‬يقال‬
‫ت تِهدي‪ -‬إذا تقدمت‪ ،‬قال عبيد بن البرص يذكر الخيل‪:‬‬
‫منه‪ :‬قد َهَد ْ‬
‫الكامل‬
‫صّبحن الجفار‬
‫وغداَة َ‬
‫شّز ُ‬
‫ب‬
‫تهدي أوائلهن شعث ُ‬
‫عوابسا‬
‫عشاه ومشية بالعصا‪ :‬المتقارب‬
‫أي يتقدمهن؛ وقال العشى يذكر َ‬
‫صْدَر القناة أطاع الميَرا‬
‫إذا كان هادي الفتى في البل د َ‬
‫قد يكون انه إنما سمى العصا هاديا لنه ُيمسكها بيده فهي تهديه تتقدمه‪،‬‬
‫وقد يكون من الِهداية‪ -‬أي أنها تدله على الطريق‪ ،‬وكذلك الدليل يسمى‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫هاديا لنه يقدم القوم ويتبعونه‪ ،‬ويكون أن يهديهم للطريق‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أن قوما شكوا إليه سرعة‬
‫فناء طعامهم فقال النبي عليه السلم‪ :‬أَتِكيلون أم َتِهيلون? قالوا‪َ :‬نِهيل‪،‬‬
‫قال‪ :‬فِكيلوا ول َتهيلوا‪.‬‬
‫ل من رمل أو تراب وطعام‬
‫قوله‪ :‬ل تهيلوا‪ ،‬يقال لكل شيء أرسلَته إرسا ً‬
‫ل‪ -‬إذا أرسلَته فجرى‪ ،‬وهو طعام َمِهيل‪.‬‬
‫ونحوه‪ :‬قد ِهْلُته أهيله َهْي ً‬
‫ل)‪.‬‬
‫ل ِكِثْيبًا ّمِهْي ً‬
‫جَبا ُ‬
‫ت اْل ِ‬
‫وقال ال تبارك تعالى (َوكاَن ِ‬
‫ومنه حديث العلء بن الحضرمي رحمه ال أنه أوصاهم عند موته‪ -‬وكان‬
‫ب ول تحِفروا لي فأحبسكم‪.‬‬
‫ي هذا الكثي َ‬
‫مات في سفر فقال‪ِ :‬هيلوا عل ّ‬
‫فتأويل الحديث المرفوع أنهم كانوا ل يكيلون طعامهم ويصّبونه صّبا‬
‫فنهاهم عن ذلك‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم في الذي يشرب في إناء من فضة‪:‬‬
‫جر في بطنه نار جهنم‪.‬‬
‫جر ِ‬
‫إنما ُي َ‬
‫ت‪ ،‬ومنه قيل للبعير إذا صّوت‪ :‬هو يجرجر؛‬
‫قال أصل الجرجرة‪ :‬الصو ُ‬
‫قال الغلب العجلي يصف فحل يهدر‪ -‬ويقال‪ :‬إنه لدكين‪ :‬الرجز‬
‫جرٍة كالح ّ‬
‫ب‬
‫حْن َ‬
‫جَر في َ‬
‫جْر َ‬
‫َ‬
‫جَر بعد الَهـ ّ‬
‫ب‬
‫جْر َ‬
‫َوْهَو إذا َ‬
‫ب‪.‬‬
‫ل الُمْنَك ّ‬
‫جِ‬
‫وهامٍة كالِمر َ‬
‫فكان معنى الحديث في قوله يجرجر في بطنه‪ -‬يعي صوت وقوع الماء‬
‫في الجوف؛ وإنما يكون ذلك عند شدة الشرب؛ وقال الراعي يذكر شرب‬
‫البل وأنهم سقوها فقال الكامل‬
‫سمعون‬
‫ي َي ْ‬
‫صواِد َ‬
‫سَقوا َ‬
‫َف َ‬
‫صِلـْي ً‬
‫ل‬
‫للماء في أجوافهن َ‬
‫عشية‬
‫يعني صوت الجرع‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه نهى عن قتل شيء من الدواب‬
‫صْبرا‪.‬‬
‫َ‬
‫قال أبو زيد وأبو عمرو وغيرهما‪ :‬قوله‪ :‬صبرا‪ ،‬هو الطائر أو غيره من‬
‫صبر‬
‫حيا ثم ُيرمى حتى ُيقتل‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬وأصل ال ّ‬
‫ذوات الروح ُيصبر َ‬
‫س شيئا فقد صبره‪.‬‬
‫حَب َ‬
‫حْبس‪ ،‬وكل من َ‬
‫ال َ‬
‫ومنه حديث النبي عليه السلم في رجل أمسك رجل فقتله آخر قال‪ُ :‬اْقُتلوا‬
‫القاتل واصبروا الضابر‪.‬‬
‫قوله‪ :‬اصبروا الصابر‪ ،‬يعني ُاحِبسوا الذي حبسه للموت حتى يموت؛‬
‫سك‬
‫ومنه قيل للرجل الذي ُيقّدم فيضرب عنقه‪ُ :‬قِتل صبرا‪ -‬يعني أنه ُام ِ‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫حَبس رجل نفسه على شيء يريده قال‪ :‬صبر ُ‬
‫ت‬
‫على الموت‪ ،‬وكذلك لو َ‬
‫نفسي؛ قال عنترة يذكر حربا كان فيها‪ :‬الكامل‬
‫طّلُع‬
‫س الجبان َت َ‬
‫حّرًة ترسو إذا نف ُ‬
‫فصبرت عاِرَفًة لذلك ُ‬
‫يعني أنه حبس نفسه؛ قال أبو عبيد‪ :‬ومن هذا قولهم‪ :‬يمين الصبر‪ ،‬وهو‬
‫ف إنسان‬
‫أن يحبس السلطان الرجل على اليمين حتى يحلف بها‪ ،‬ولو حل َ‬
‫صْبرًا‪.‬‬
‫من غير إحلف ما قيل‪ :‬حلف َ‬
‫جّثمة التي نهى عنها فإنها المصبورة أيضا ولكنها ل تكون إل في‬
‫وأما اْلُم َ‬
‫الطير والرانب وأشباه ذلك‪ .‬مما يجثم‪ ،‬لن الطير يجثم في الرض‬
‫جّثمت‪ -‬أي‬
‫وغيرها إذا لزمته ولبدت عليه‪ ،‬فان حبسها إنسان قيل‪ :‬قد ُ‬
‫جّثمة‪ ،‬وهي المحبوسة‪ ،‬فإذا فعلت هي من غير فعل‬
‫ُفِعل ذلك بها‪ ،‬وهي ُم َ‬
‫جثوما فهي جاثمة‪.‬‬
‫جِثُم ُ‬
‫أحد قيل‪ :‬قد جثمت َت ْ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم‪ :‬ل ينفع ذا الجد منك الجد‪ ،‬قيل‪:‬‬
‫كتب معاوية إلى المغيرة أن أكتب إلي بشيء سمعته من رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم‪ ،‬فكتب إليه المغيرة أني سمعته يقول إذا انصرف من‬
‫الصلة‪ :‬ل إله أل ال وحده ل شريك له له الملك وله الحمد وهو على‬
‫كل شيء قدير‪ ،‬اللهم ل مانع لما أعطيت ول معطي لما منعت ول ينفع‬
‫ذا الجد منك الجد‪.‬‬
‫جد‪ -‬بفتح الجيم ل غير‪ ،‬وهو الِغني والحظ في الرزق‪،‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬ال َ‬
‫جّد‪ -‬إذا كان مرزوقا منه‪ ،‬فتأويل قوله‪ :‬ل‬
‫ومنه قيل‪ :‬لفلن في هذا المر َ‬
‫ينفع ذا الجد منك الجد‪ -‬أي ل ينفع ذا الغنى منك غناه‪ ،‬إنما ينفعه العمل‬
‫ن* ِإل َمنْ َأَتى‬
‫ل ّول َبُنْو َ‬
‫بطاعتك‪ ،‬وهذا كقوله تبارك وتعالى (ل َيْنَفُع َما ٌ‬
‫عْنَدَنا‬
‫ل َأْولُدُكْم ِباّلتي ُتَقّرُبُكْم ِ‬
‫سِلْيٍم*‪ )-‬وكقوله (َوما َأْمَواُلُكْم و َ‬
‫ب َ‬
‫ل ِبَقْل ٍ‬
‫ا ّ‬
‫صاِلحاً) ومثله كثير‪.‬‬
‫ل َ‬
‫عِم َ‬
‫ن َو َ‬
‫ن َم َ‬
‫ُزْلفى ِإل َم ْ‬
‫وكذلك حديثه الخر قال‪ :‬قمت على باب الجنة فإذا عامة من يدخلها‬
‫الفقراء‪ ،‬وإذا أصحاب الجد محبوسون‪ -‬يعني ذوي الحظ في الدنيا‬
‫والغنى‪.‬‬
‫جّد‬
‫وقد روي عن الحسن وعكرمة قي قوله تبارك وتعالى (َوَاّنه َتَعَالى َ‬
‫غناه‪ ،‬وقال الخر‪ :‬عظمته‪ .‬وعن ابن عباس‪ :‬لو‬
‫َرّبَنا) قال أحدهما‪ِ :‬‬
‫جّدث َرّبَنا) قال أبو‬
‫جّدا ما قالت‪َ( :‬تَعَالى َ‬
‫علمت الجن أن في النس َ‬
‫عبيد‪ :‬يذهب ابن عباس إلي أن الجد إنما هو الِغنى ولم يكن يرى أن أبا‬
‫الب جد إنما هو عنده أب‪ ،‬ويقال منه للرجل إذا كان له جد في الشيء‪:‬‬
‫رجل مجدود‪ ،‬ورجل محظوظ‪ -‬من الحظ‪ -‬قالهما أبو عمرو‪ .‬وقد زعم‬
‫جد‬
‫جد‪ -‬بكسر الجيم‪ ،‬وال ِ‬
‫جد منك ال ِ‬
‫بعض الناس أنه إنما هو‪ :‬ول ينفع ذا ال ِ‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫إنما هو الجتهاد بالعمل‪ ،‬وهذا التأويل خلف ما دعا ال عز وجل إليه‬
‫ل ُكُلْوا ِم َ‬
‫ن‬
‫سُ‬
‫المؤمنين ووصفهم به لنه قال في كتابه‪( :‬يا َأّيَها الّر ُ‬
‫جد والعمل الصالح‪ ،‬وقال (إ ّ‬
‫ن‬
‫صاِلحا‪ )-‬فقد أمرهم بال ِ‬
‫عَمُلْوا َ‬
‫ت َوا ْ‬
‫طّيَبا ِ‬
‫ال ّ‬
‫عَمل*) وقال (‬
‫ن َ‬
‫سَ‬
‫حَ‬
‫ن َا ْ‬
‫جَر َم ْ‬
‫ضيُع أ ْ‬
‫ت إّنا ل ُن ِ‬
‫صلح ِ‬
‫عِمُلوا ال ّ‬
‫ن آَمُنْوا َو َ‬
‫اّلَذْي َ‬
‫ن*) إلي آخر اليات‪،‬‬
‫شُعْو َ‬
‫خا ِ‬
‫صلوِتِهْم َ‬
‫ن ُهْم في َ‬
‫ن* اّلِذْي َ‬
‫ح اْلُمْؤِمَنْو َ‬
‫َقْد َاْفَل َ‬
‫ن) في آيات كثيرة‪ ،‬فكيف يحثهم على العمل‬
‫جَزاٍء ِبَما َكاُنْوا َيْعَمُلْو َ‬
‫وقال ( َ‬
‫وينعتهم به ويحمدهم عليه‪ ،‬ثم يقول‪ :‬إنه ل ينفعهم‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه سأل رجل فقال‪ :‬ما تدعو في‬
‫صلتك? فقال الرجل‪ :‬أدعو بكذا وكذا وأسأل ربي الجنة وأتعوذ به من‬
‫النار‪ ،‬فأما دندنتك ودندنة معاذ فل نحسنها‪ ،‬فقال النبي عليه السلم‪:‬‬
‫حولهما ُنَدْنِدن‪ ،‬وروي‪ :‬عنهما ندندن‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬الدندنة أن يتكلم الرجل بالكلم تسمع َنغمته ول تفهم عنه‬
‫لنه ُيخفيه‪ ،‬وإنما أراد أن هذا تسمعه منا إنما هو من أجل الجنة والنار؛‬
‫فهذة الّدْنَدَنَة‪.‬‬
‫والَهْيَنمة نحو من تلك وهي أخفى منها‪ .‬ومن ذلك حديث عمر الذي يروى‬
‫عنه في إسلمه أنه أتى منزل أخته فاطمة امرأة سعيد بن زيد وعندها‬
‫خباب وهو ُيَعّلمها سورة طه فاستمع على الباب‪ ،‬فلما دخل قال‪ :‬ما هذه‬
‫الهينمة التي سمعت‪ .‬يقال منه‪ :‬هينم الرجل ُيَهْيِنم هينمة وكذلك هتملت‬
‫هتملة‪ -‬بمعناها؛ وقال الكميت‪ :‬المتقارب‬
‫إذا ُهْم ِبَهْيَنَمٍة َهْتَمُلـوا‬
‫جَر والقاِئليه‬
‫ول أشَهُد الُه ْ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه كان إذا قام للتهجد يشوص فاه‬
‫بالسواك‪.‬‬
‫سل‪ ،‬وكل شيء غسلته فقد شصته تشوصه‬
‫شوص‪ ،‬الشوص الَغ ْ‬
‫قوله‪َ :‬ي ُ‬
‫شوصا‪.‬‬
‫والَمْوص الغسل أيضا مثل الشوص‪ ،‬يقال‪ :‬مصته أموصه َموصا؛ ومنه‬
‫صُتموه كما ُيماص الثوب ثم‬
‫قول عائشة في عثمان رضي ال عنهما‪ُ :‬م ْ‬
‫صَتموه‪ ،‬ما كانوا استعتبوه فأعتبهم‬
‫عدوتم عليه فقتلتموه‪ -‬تعني بقولها‪ُ :‬م ْ‬
‫فيه ثم فعلوا به ما فعلوا‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬فذلك الَمْوص‪ ،‬يقال‪ :‬خرج َنِقّيا‬
‫مما كان فيه‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه صلى فأوهم في صلته فقيل‪:‬‬
‫ت في صلتك‪ ،‬فقال‪ :‬وكيف ل أوِهُم وُرْفغ‬
‫يا رسول ال! كأنك أوَهْم َ‬
‫أحدكم بين ظفره وأنملته‪.‬‬
‫قال الصمعي‪ :‬جمع الُرفغ أرفاغ وهي الباط والمغابن من الجسد‪،‬‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫ويكون ذلك في البل والناس‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬ومعناه في هذا الحديث ما‬
‫بين النثيين وأصول الفخذين وهو من المغابن‪.‬‬
‫ن فقد وجب‬
‫ومما ُيبين ذلك حديث عمر رضي ال عنه‪ :‬إذا التقى الّرَفَغا ِ‬
‫الَغسل‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬أراد‪ :‬إذا التقى ذلك من الرجل والمرأة ول يكون ذلك إل‬
‫ن؛ فهذا يبين لك موضع الرفغ‪ .‬فمعنى الحديث المرفوع‬
‫ختاَنْي ِ‬
‫بعد التقاء ال ِ‬
‫خه‬
‫سُ‬
‫أنه أراد أن أحدكم يحك ذلك الموضع من جسده فَيْعَلق َدَرنه وو َ‬
‫ل الظفار وتر َ‬
‫ك‬
‫طو َ‬
‫بأصابعه بين الظفر والنملة‪ ،‬وإنما أنكر من ذلك ُ‬
‫صها‪ .‬يقول‪ :‬فلو ل أنكم ل تقصونها حتى يطول ما بقي الرفغ هنالك؛‬
‫َق ّ‬
‫هذا وجه الحديث‪ .‬ومما بين ذلك حديثه الخر واستبطأ الناس الوحي‬
‫فقال‪ :‬وكيف ل ُيحتبس الوحي وأنتم ل ُتَقّلمون أظفاركم ول تقصون‬
‫جَمكم‪.‬‬
‫شواِرَبكم ول تنقون برا ِ‬
‫قال الصمعي‪ :‬يقال‪ :‬أوَهَم الرجل في كلمه وفي كتابه يوهم إيهاما‪ -‬إذا‬
‫ما أسقط منه شيئا‪ ،‬ويقال‪َ :‬وِهم َيوَهم‪ -‬إذا غلط‪ ،‬ويقال‪َ :‬وَهم إلي الشيء‬
‫َيِهُم َوْهمًا‪ -‬إذا ذهب َوهُمه إليه‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬ل تمنعوا إماء ال مساجد‬
‫خُرجن إذا خرجن تفلت‪.‬‬
‫ال وَلَي ْ‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬قوله‪َ :‬تِفلت‪ ،‬الَتِفلة التي ليست بمثطيّنبة وهي المنتنة‬
‫الريح‪ ،‬يقال منه‪َ :‬تِفلة وِمْتفال؛ قال امرؤ القيس‪ :‬الطويل‬
‫إذا ما الضجيُع ابَتّزها من‬
‫َتميل عليه هونة غيَر متفـا ِ‬
‫ل‬
‫ثيابها‬
‫وقال الكميت‪ :‬الكامل‬
‫ليست بفاحشة ول ِمَتفا ِ‬
‫ل‬
‫حيّيٌة‬
‫ث َ‬
‫سُة الحدي ِ‬
‫فيهن آِن َ‬
‫ومما يبين ذلك حديثه الخر قال‪ :‬إذا شهدت إحداكن العشاء فل تمسن‬
‫طيبا‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم حين ذكر الخوارج فقال‪ :‬قوم‬
‫حِقر أحدكم صلَته عند صلِته وصوَمه عند صوِمه‬
‫يتفقهون في الدين َي ْ‬
‫َيْمُرقون من الدين كما َيْمُرق السهم من الرِمّية فأخذ سهمه فنظر في نصله‬
‫فلم ير شيئا ثم نظر في رصافه فلم ير شيئا ثم نظر في الُقَذِذ فتمارى أ‬
‫يرى شيئا أم ل‪.‬‬
‫قال الصمعي وغيره‪ :‬الرمية هي الطريدة التي يرميها الصائد‪ ،‬وهي كل‬
‫دابٍة َمْرِمّيِة‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬نظر في كذا وكذا فلم ير شيئا‪ -‬يعني أنه أْنَفَذ سهمه فيها حتى‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫خرج وندر فلم يعلق به من دمها شيء من سرعته؛ فنظر إلي النصل فلم‬
‫ير فيه دما ثم نظر في الّرصاف‪ ،‬وهي الَعَقب التي فوق الّرعظ‪ ،‬والّرعظ‬
‫مدخل النصل في السهم فلم ير دما؛ واحدة الرصاف َرصفة‪ .‬والُقَذذ ريش‬
‫السهم‪ ،‬كل واحدة منها ُقذة‪.‬‬
‫ومنه الحديث الخر‪ :‬هذه المة أشبه المم ببني إسرائيل تتبعون آثارهم‬
‫حذو الُقّذة بالُقّذة‪ -‬يعني كما ُتقّدر كل واحدة منهن على صاحبتها‪.‬‬
‫فتأويل الحديث المرفوع أن الخوارج يمرقون من الدين مروق ذلك السهم‬
‫من الرمية‪ -‬يعني إذا دخل فيها ثم خرج منها لم يعلق به منها شيء‪،‬‬
‫فكذلك دخول هؤلء في السلم ثم خروجهم منه لم يتمسكوا منه بشيء‪.‬‬
‫وفي حديث آخر‪ :‬قيل‪ :‬يا رسول ال! أَلُهْم آية أو علمة يعرفون بها?‬
‫قال‪ :‬نعم‪ ،‬التسبيد فيهم فاش‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬سألت أبا عبيدة عن التسبيد فقال‪ :‬هو ترك التدهن وغسل‬
‫الرأس‪ ،‬وقال غيره‪ :‬غنما هو الحلق واستئصال الشعر‪ ،‬قال أبو عبيد‪ :‬وقد‬
‫خ الَقطاة حين‬
‫يكون المران جميعا؛ قال النابغة في قصر الشعر يذكر فر َ‬
‫حِمّم ريشه‪ :‬البسيط‬
‫ُ‬
‫في حاجب العين من تسبيده‬
‫شدق لم َتْنُب ْ‬
‫ت‬
‫مْنهرت ال ّ‬
‫َزَب ُ‬
‫ب‬
‫َقواِدمـُه‬
‫ويروي‪:‬‬
‫في جانب العين من تسبيده‬
‫ب ُترويه‬
‫تسقي أزْيِغ َ‬
‫َزب ُ‬
‫ب‬
‫مجاجتـهـا‬
‫يعني بالتسبيد طلوع الزغب‪ ،‬وقد روي في الحديث ما ُيثبت قول أبي‬
‫سّبدًا رأسه فأتى الحجر فقبله ثم‬
‫عبيدة حديث ابن عباس أنه قدم مكة ُم َ‬
‫سجد عليه‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬فالتسبيد ههنا ترك التدهن والغسل وبعضهم‬
‫يقول‪ :‬التسميد‪ -‬بالميم ومعناهما واحد‪.‬‬
‫ظامة قوم فتوضأ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه أتى ِك َ‬
‫ومسح على قدميه‪.‬‬
‫الِكظامة‪ :‬السقاية‪ ،‬وقال أبو عبيد‪ :‬سألت عنها الصمعي وأهل العلم من‬
‫أهل الحجاز فقالوا‪ :‬هي آبار تحفر ويباعد ما بينها‪ ،‬ثم تخرق ما بين كل‬
‫بئرين بقناة تؤدي الماء من الولى إلى التي تليها حتى يجتمع الماء إلى‬
‫عَوز الماء ليبقى في كل بئر ما يحتاج إليه أهُلها‬
‫آخرتهن‪ ،‬وإنما ذلك من َ‬
‫ي الرض‪ ،‬ثم يخرج فضلها إلى التي تليها‪ .‬فهذا معروف‬
‫سْق ِ‬
‫للشرب و َ‬
‫عند أهل الحجاز‪.‬‬
‫ومنه حديث عبد ال بن عمر‪ :‬إذا رأيت مكة قد ُبِعجت ِكظائم وساوى‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫بناؤها رؤوس الجبال فاعلم أن المر قد أظلك فخذ حِذرك‪.‬‬
‫قال‪ :‬ويقال في الكظامة إنه الفقير وهو فم الَقناة‪ ،‬وجمعه ُفُقر‪ .‬وقال أبو‬
‫عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬ليست الهرة بنجس إنما هي من‬
‫الطوافين عليكم أو الطوافات قال‪ :‬وكان يصغي لها الناء‪.‬‬
‫قوله من الطوافين أو الطوافات عليكم إنما جعلها بمنزلة المماليك‪ ،‬أل‬
‫ن َمَلَك ْ‬
‫ت‬
‫سَتأِذْنُكُم اّلِذْي َ‬
‫ن آمَُنْوا ِلَي ْ‬
‫تسمع قول ال عز وجل‪َ( :‬يا َأّيَها اّلِذْي َ‬
‫طّواُفْو َ‬
‫ن‬
‫ن َ‬
‫ح َبْعَدُه ّ‬
‫جَنا ٌ‬
‫عَلْيِهْم ُ‬
‫عَلْيُكْم َول َ‬
‫س َ‬
‫َاْيَماُنُكْم) إلي قوله (َلْي َ‬
‫عَلْيِهْم ِوْلَدا ٌ‬
‫ن‬
‫ف َ‬
‫طْو ُ‬
‫عَلْيُكْم) وقال تعالى في موضع آخر (َي ُ‬
‫َ‬
‫ن) فهؤلء الخدم‪ ،‬فمعنى هذا الحديث أنه جعل الهرة كبعض‬
‫ّمخّلُدْو َ‬
‫المماليك؛ ومن هذا قول إبراهيم النخعي‪ :‬إنما الهرة كبعض أهل البيت‪،‬‬
‫ومثله قول ابن عباس‪ :‬إنما هي من متاع البيت‪ ،‬وأما حديث ابن عمر أنه‬
‫كان يكره سؤر الهرة فأنه ذهب إلي انه سُبع له ناب‪ ،‬وكذلك حديث أبي‬
‫هريرة‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه خرج يريد حاجة فاتبعه‬
‫خ‪.‬‬
‫ح عني فان كل بائلة ُتِفْي ُ‬
‫بعض أصحابه فقال‪َ :‬تَن ّ‬
‫حَدث‪ -‬يعني من خروج الريح خاصة‪ ،‬يقال‪ :‬قد‬
‫قال أبو زيد‪ :‬الفاخة ال َ‬
‫أفاخ الرجل ُيفيخ إفاخة‪ ،‬فإذا جعلت الفعل للصوت قلت‪ :‬قد فاخ يفوخ‪.‬‬
‫وأما الفوح‪ -‬بالحاء‪ ،‬فمن الريح تجدها ل من الصوت‪ .‬قال أبو عبيد‪:‬‬
‫وكراهيته علبه السلم أن يكون قربه أحد عند البول‪ ،‬مثل حديثه الخر‬
‫أنه كان إذا أتى الحاجة استبعد وتوارى؛ وروى عن أبي ذر أنه بال؛‬
‫ي لذة ِبيلي‪ ،‬كأنه استحي‬
‫رجل قريب منه فقال‪ :‬يل أبن أخي! قطعت عل ّ‬
‫من قرب من معه ‪ ،‬فمنعه ذلك من التنفس عند البول‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم في الستنجاء أنه كان يأمر بثلثة‬
‫أحجار وينهى عن الروث والرمة‪.‬‬
‫قال أبو عمرو وغيره‪ :‬أما الروث فروث الدراب‪.‬‬
‫وأما الرمة فهي العظام البالية‪ ،‬قال لبيد‪ :‬البسيط‬
‫والّنيب إن َتْعُر مني ِرّمًة‬
‫بعد الممات فاني كنت اّثـِئُر‬
‫خَلًقا‬
‫َ‬
‫قال أبو عبيدة‪ :‬أثئر وهو الخذ بالثأر يقول‪ :‬كنت أجعل لنفسي عنها ثأر‬
‫فل أطلب ثأر‪ -‬أي عندها‪ ،‬والّنيب‪ :‬البل المسان‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬والرميم‬
‫سي‬
‫ل ّوَن ِ‬
‫ب َلَنا َمَث ً‬
‫ضَر َ‬
‫في قول أبي عبيدة مثل الرمة‪ ،‬قال ال عز وجل (و َ‬
‫ي َرِمْيٌم)‪.‬‬
‫ظام َوِه َ‬
‫حي اْلِع َ‬
‫ن ّي ْ‬
‫ل َم ْ‬
‫خْلَقُه َقا َ‬
‫َ‬
‫يقال منه‪ :‬قد َرّم العظم فهو يِرم‪ ،‬ويروى أن أبي بن خلف لما نزلت هذه‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫ل إلى النبي عليه السلم فجعل يفّته ويقول‪ :‬أترى ال يا‬
‫الية أتى بعظم با ٍ‬
‫محمد يحيي هذا بعد ما قد َرّم? وفي حديث أخر أنه أن يستنجي برجيع‬
‫أو عظم‪.‬‬
‫فأما الرجيع فقد يكون الروث أو الَعِذرة جميعا‪ ،‬وإنما سمي رجيعا لنه‬
‫رجع عن حاله الولى بعد ما كان طعاما أو علفا إلى غير ذلك‪ ،‬وكذلك‬
‫كل شيء يكون من قول أو فعل يردد فهو رجيع‪ ،‬لن معناه مرجوع‪ -‬أي‬
‫مردود؛ وقد يكون الرجيع الحجر الذي قد استنجى به مرة ثم رجعه إليه‬
‫فاستنجى به‪ ،‬وقد روي عن مجاهد أنه كان يكره أن يستنجى بالحجر‬
‫الذي قد استنجى به مرة‪.‬‬
‫وفي غير هذا الحديث أنه أتى بروث في الستنجاء فقال‪ :‬إنها ِرْكس‪.‬‬
‫ست لبشيء وأركسته‪-‬لغتان‪ -‬إذا‬
‫وهو شبيه المعنى بالرجيع‪ ،‬يقال‪َ :‬رَك ْ‬
‫سبْوا) وتأويله فيما نرى أنه‬
‫سُهْم ِبَما َك َ‬
‫ل أْرَك َ‬
‫رددته‪ ،‬قال ال عز وجل (َوا ّ‬
‫ردهم إلى كفرهم‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه قال‪ :‬من يأت على إجار‪-‬‬
‫أو قال‪ :‬على سطح‪ -‬ليس عليه ما َيُرد قدميه فقد برثت منه الذمة ومن‬
‫ركب البحر إذا التج‪ -‬أو قال‪ :‬ارتج‪ ،‬قال أبو عبيد‪ :‬وأكثر ظني أنه التج‪-‬‬
‫باللم‪ -‬فقد برثت منه الذمة‪ -‬أو قال‪ :‬فل يلومن إل نفسه‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬الجار والسطح واحد‪.‬‬
‫ومن ذلك حديث ابن عمر قال‪ :‬ظهرت على إجار لحفصة رضي ال‬
‫عنها‪ -‬وقال بعضهم‪ :‬على سطح‪ -‬فرأيت رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫ل بيت المقدس مستدبر الكعبة‪.‬‬
‫جالسا على حاجته مستقب ً‬
‫جرة‪ ،‬وهو كلم أهل الشام وأهل‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬وجمع الجار أجاجير وأجا ِ‬
‫الحجاز‪.‬‬
‫خمرة‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه كان يسجد على ال ُ‬
‫خمرة شيء منسوج يعمل من سعف النخل ويرّمل‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬ال ُ‬
‫بالخيوط وهو صغير فدر ما يسجد عليه المصلي أو فويق ذلك‪ ،‬فان عظم‬
‫حتى يكفي الرجل لجسده كله في صلة أو مضجع أو أكثر من ذلك‬
‫خْمرة‪.‬‬
‫فحينئذ حصير وليس ب ُ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه نهى عن تطيين القبور‬
‫وتقصيصها‪.‬‬
‫صة‪ ،‬يقال‬
‫قوله‪ :‬التقصيص‪ ،‬هو التجصص‪ ،‬وذلك إن الجص يقال له‪ :‬الَق ّ‬
‫صت القبور والبيوت إذا جصصتها‪.‬‬
‫ص ْ‬
‫منه ق ّ‬
‫ن عن المحيض حتى ترين‬
‫سَل ّ‬
‫ومنه حديث عائشة حين قالت للنساء‪ :‬ل َتغَت ِ‬
‫صة البيضاء‪.‬‬
‫الَق ّ‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫خرقة التي تحتشي‬
‫طنة أو ال ِ‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬ومعناه أن تقول‪ :‬حتى تخرج الق ْ‬
‫صة ل تخالطها صفرة ول ترّية‪ ،‬وقد قيل‪ :‬إن الَقصة‬
‫بها المرأةكأنها َق ّ‬
‫شيء كالخيط البيض يخرج بعد انقطاع الدم كله‪ -‬وال اعلم‪ .‬وأما الترية‬
‫فالشيء الخفي اليسير‪ .‬وهو أقل من الصفرة والُكدرة‪ ،‬ول تكون الترية إل‬
‫حيض وليس ِبَترّية‪.‬‬
‫بعد الغتسال‪ ،‬فأما ما كان بعد في أيام الحيض فهو َ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم في المستحاضة أنه قال لها‪:‬‬
‫جا‪ ،‬قال‪َ :‬تَلجِّمي‬
‫جه َث ّ‬
‫احتشي كرسفا‪ ،‬قالت‪ :‬إنه أكثر من ذلك إني أُث ّ‬
‫وتحيضي في علم ال ستا أو سبعا ثم اغتسلي وصلي‪.‬‬
‫سفا‪ ،‬فان الكرسف الُقطن‪.‬‬
‫أما قوله‪ :‬احتشي ُكْر ٌ‬
‫جا‪ ،‬هو من الماء الثجاج وهو السائل‪.‬‬
‫جه َث ّ‬
‫وقولها‪ :‬أُث ّ‬
‫ج‪.‬‬
‫ومن الحديث المرفوع انه سئل عن بر الحج فقال‪ :‬هو الَعجِّوالّث ّ‬
‫فالعج‪ :‬رفع الصوت بالتلبية‪ ،‬والثج سيلن دماء الهدى‪.‬‬
‫شّدي لجاما‪ ،‬وهو سبيه بقوله‪ :‬استثفري؛‬
‫جمي‪ -‬يقول‪ُ :‬‬
‫وقوله‪َ :‬تَل ّ‬
‫والستثفار مأخوذ من شيئين‪ :‬يكون من َثَفر الدابة‪ ،‬إنه شبه هذا اللجام‬
‫بالثفر لنه يكون تحت ذنب الدابة؛ ويكون من الُثفر‪ ،‬والُثفر يكون أصله‬
‫للسباع‪ ،‬كما يقال للناقة‪ :‬حياؤها‪ ،‬وغنما هذه كلمة استعيرت كما استعارها‬
‫الخطل في قوله‪ :‬الطويل‬
‫َوفروَة َثْفِر الثورة‬
‫عَوَرْي ِ‬
‫ن‬
‫جَزى ال فيها ال ْ‬
‫َ‬
‫جـِم‬
‫المتضا ِ‬
‫َملَمًة‬
‫فقال‪َ :‬ثَفر البقرة‪ ،‬وغنما هي للسباع‪ ،‬فكذلك ترى "استثفري" أخذه من‬
‫هذا غنما هو كناية عن الفرج‪.‬‬
‫ضي‪ -‬يقول‪ :‬اقعدي أيام حيضك ودعي فيها الصلة والصيام‪،‬‬
‫حّي ِ‬
‫وقوله‪َ :‬ت َ‬
‫فهذا التحيض ثم اغتسلي وصلي؛ وقال في حديث آخر‪ :‬دعي الصلة أيام‬
‫أقرائك‪ ،‬فهذا قد فسر التحيض؛ وقوله‪ :‬أيام أقرائك‪ ،‬يبين لك أن القراء‬
‫إنما هي الحيض‪ ،‬وهذا مما اختلف فيه أهل العراق أهل الحجاز‪ ،‬فقال‬
‫ن َثلَثَة ُقُرْوٍء‪ )-‬إنما هي‬
‫سِه ّ‬
‫ن ِبَأْنُف ِ‬
‫صَ‬
‫أهل العراق‪ :‬إن ال عز وجل‪َ( :‬يَتَرّب ْ‬
‫الحيض‪ ،‬وقال أهل الحجاز‪ :‬إنما هي الطهار‪ ،‬فمن قال‪ :‬إنما هي‬
‫الحيض‪ ،‬فهذا الحديث حجة له لقول النبي عليه السلم‪ :‬دعي الصلة أيام‬
‫أقرائك؛ ومن زعم أنها الطهار فله حجة أيضا‪ ،‬يقال‪ :‬قد أقرأت المرأة‪-‬‬
‫إذا دنا حيضها‪ ،‬وأقرأت‪ -‬إذا دنا طهرها‪ ،‬زعم ذلك أبو عبيدة والصمعي‬
‫وغيرهما؛ وقد ذكر ذلك العشى في شعر مدح به رجل غزا غزوة فظفر‬
‫فيها وغنم فقال‪ :‬الطويل‬
‫لما ضاع فيها من ٌقروء‬
‫عّز وفي الحي ِرْفـَعًة‬
‫ُمَوّرَثًة ِ‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫نسائكا‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬فمعنى القروء ههنا الطهار لنه ضيع أطهارهن في‬
‫غزاته وأثرها عليهن وشغل بها عنهن؛ ومقله قول الخطل‪ :‬البسيط‬
‫دون النساء ولو باتت‬
‫شّدوا‬
‫قوٌم إذا حاربوا َ‬
‫بأطهاِر‬
‫َمآِزَرُهْم‬
‫جبار‬
‫جبار والبئر ُ‬
‫جماء ُ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬الَع ْ‬
‫جبار وفي الّركاز الخمس‪.‬‬
‫والمعدن ُ‬
‫جماء جبار‪ -‬يعني البهيمة‪ ،‬وإنما سميت عجماء لنها ل تتكلم؛‬
‫قوله‪ :‬الَع ْ‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬من ذكر ال تبارك وتعالى في السوق كان له من الجر‬
‫بعدد كل فصيح فيها وأعجم؛ فقال المبارك‪ :‬الفصيح النسان والعجم‬
‫البهيمة‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬وكذلك كل من ل يقدر على الكلم فهو أعجم‬
‫جم‪ ،‬ومن هذا الحديث؛ إذا كان أحدكم يصلي واستعجمت عليه‬
‫سَتْع ِ‬
‫وُم ْ‬
‫قراءته َفْلُيِتّم‪ -‬يعني إذا انقطعت فلم يقدر على القراءة من النعاس‪ .‬ومنه‬
‫قول الحسن‪ :‬صلة النهار عجماء‪ ،‬يقال‪ :‬ل ُتسمع فيها قراءٌة‪.‬‬
‫جرح العجماء هدرا إذا كانت منفلتة‬
‫جبار فهو الَهَدُر‪ ،‬وإنما جعل َ‬
‫وأما ال ُ‬
‫ليس لها قائد ول سائق ول راكب‪ ،‬فإذا كان معها واحد من هؤلء فهو‬
‫ضامن‪ ،‬لن الجناية حينئذ ليست للعجماء‪ ،‬إنما هي جناية صاحبها الذي‬
‫أوطأها الناس؛ وقد روي ذلك عن علي وعبد ال وشريح وغيرهم‪.‬‬
‫جبار‪ ،‬فأن معناه أن يكون الراكب يسير‬
‫جل ُ‬
‫وأما الحديث المرفوع‪ :‬الِر ْ‬
‫على دابته فتنفح الدابة برجلها في سيرها فذلك هدر أيضا وإن كان عليها‬
‫راكب‪ ،‬لن له أن يسير في الطريق وأنه ل يبصر ما خلفه‪ ،‬فان كان‬
‫واقفا عليها في طريق ل يملكه فما أصابت بيدها أو برجلها أو بغير ذلك‬
‫فهو ضامن على كل حال‪ ،‬وكذلك إذا أصابت بيدها وهي تسير فهو‬
‫ضامن أيضا‪ ،‬واليد والِرجل في الوقوف سواء هو ضامن له‪ .‬وأما قوله‪:‬‬
‫جبار‪ ،‬فان فيها غير قول‪ ،‬يقال‪ :‬إنها البئر يستأجر عليها صاحبها‬
‫البئر ُ‬
‫رجل يحفرها في ملكه فتنهار على الحافر فليس على صاحبها ضمان‪،‬‬
‫ويقال‪ :‬هي البئر تكون في ِملك الرجل فيسقط فيها إنسان أو دابة فل‬
‫ضمان عليه‪ ،‬لنها في ملكه‪ ،‬فهذا قول يقال‪ ،‬ول أحسب هذا وجه‬
‫ص البئر خاصة دون الحائط والبيت‬
‫الحديث‪ ،‬لنه لو أراد الِملك لما خ ّ‬
‫والدابة وكل شيء يكون في ِملك الرجل فل ضمان عليه‪ ،‬ولكنها عندي‬
‫البئر العاِدّية القديمة التي ل يعلم لها حافر ول مالك تكون في البوادي‬
‫فيقع فيها النسان أو الدابة فذلك هدر بمنزلة الرجل يوجد قتيل بفلة من‬
‫الرض ل يعلم له قاتل فليس فيه قسامة ول دية‪.‬‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫جبار‪ ،‬فإنها هذه المعادن التي تستخرج منها الذهب‬
‫وأما قوله‪ :‬والَمْعِدن ُ‬
‫والفضة فيجئ قوم يحفرونها بشيء مسمى لهم‪ ،‬فربما انهار المعدن عليهم‬
‫فقتلهم فيقول‪ :‬دماؤهم هدر‪ ،‬لنهم عملوا بأجرة؛ وهذا أصل لكل عامل‬
‫عمل عمل بكراء فعطب فيه أنه هدر ل ضمان على من استعمله إل أنهم‬
‫إذا كانوا جماعة ضمن بعضهم لبعض على قدر حصصهم من الدية‪ .‬قال‬
‫أبو عبيد‪ :‬من هذا لو أن رجلين هدما حائطا بأجر فسقط عليهما فقتل‬
‫أحدهما كان على عاقلة الذي لم يمت نصف الدية لورثة الميت ويسقط‬
‫عنه النصف لن الميت أعان على نفسه‪.‬‬
‫خمس‪ ،‬فأن أهل العراق وأهل الحجاز اختلفوا في‬
‫وأما قوله‪ :‬في الّركاز ال ُ‬
‫الركاز‪ ،‬فقال أهل العراق‪ :‬الركاز المعادن كلها‪ ،‬فما استخرج منها من‬
‫شيء فلمستخرجها أربعة أخماس مما أصاب ولبيت المال الخمس‪ ،‬قالوا‪:‬‬
‫ي يوجد مدفونا هو مثل المعدن على قياسه سواء‪،‬‬
‫وكذلك المال العاِد ّ‬
‫شّبه‬
‫ي الذي قد ملكه الناس ُم َ‬
‫وقالوا‪ :‬إنما أصل الركاز المعدن والمال العاِد ّ‬
‫بالمعدن؛ وقال أهل الحجاز‪ :‬إنما الركاز المال المدفون خاصة مما كنزه‬
‫بنو آدم قبل السلم‪ ،‬فأما المعادن فليست بركاز وإنما فيها مثل ما في‬
‫أموال المسلمين من الزكاة إذا بلغ ما أصاب مائتي درهم كان فيها خمسة‬
‫دراهم وما زاد فبحساب ذلك‪ ،‬وكذلك الذهب إذا بلغ عشرين مثقال كان‬
‫فيه نصف مثقال وما زاد فبحساب ذلك‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم في الهلل بالحج‪.‬‬
‫الصمعي وغيره‪:‬الهلل التلبية‪ ،‬وأصل الهلل َرْفُع الصوت‪ ،‬وكل‬
‫ل‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬وكذلك قول ال تعالى في الذبيحة (‬
‫رافع صوَته َفهو ُمِه ّ‬
‫ح لللهة‪ ،‬وذلك لن الذابح يسميها عند‬
‫ل) هو ماُذِب َ‬
‫ل ِبِه ِلَغَيِر ا ِ‬
‫وَما ُأِه ّ‬
‫الذبح‪ ،‬فذلك هو الهلل؛ وقال النابغة الذبياني يذكر ُدّرَة أخرجها‬
‫الغواص من البحر فقال‪ :‬الكامل‬
‫جد‬
‫سُ‬
‫ل وَي ْ‬
‫ج متى يرها ُيِه ّ‬
‫َبِهي ٌ‬
‫صـهـا‬
‫غّوا ُ‬
‫صَدِفّيٌة َ‬
‫أو ُدّرٌة َ‬
‫يعني بإهلله رفعة صوته بالدعاء والتحميد ل تبارك وتعالى إذا رآها‪.‬‬
‫وكذلك الحديث في استهلل الصبي أنه إذا ولد لم َيِرث ولم ُيوَرث حتى‬
‫يستهل صارخا‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬فالستهلل هو الهلل‪ ،‬وإنما يراد من هذا الحديث أنه‬
‫يستدل على حياته باستهلله ليعلم أنه سقط حيا‪ ،‬فإذا لم يصح ولم يسمع‬
‫رفع صوت‪،‬وكانت علمة أخرى يستدل بها على حياته من حركة يد أو‬
‫رجل أو طرفة بعين فهو مثل الستهلل‪ ،‬وقال ابن حمر‪ :‬السريع‬
‫ب المعتِمْر‬
‫كما ُيهل الراك ُ‬
‫ل بالفرَقِد ُرْكباُنـهـا‬
‫ُيِه ّ‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬قوله‪ :‬المعتمر‪ ،‬ههنا أراد به العمرة‪ ،‬وهو في غير هذا‬
‫المعّتم‪ ،‬ويقال ‪ :‬اعتم الرجل‪-‬إذا تعمم‪.‬‬
‫طَع في ثمر ول كثر‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬ل َق ْ‬
‫جّمار النخل في كلم النصار وهو الجذب‬
‫وقال أبو عبيد وغيره‪ :‬الَكَثر ُ‬
‫أيضا؛ وقال أبو عبيد‪ :‬وإما قوله‪ :‬في الثمر‪ ،‬فانه يعني به التمر المعلق‬
‫عذق معلق؛‬
‫في النخل الذي لم يجذذ ولم يحرز في الجرين؛ ول في ِ‬
‫والجرين هو الذي يسميه أهل العراق الَبْيَدر‪ ،‬ويسميه أهل الشام الْنَدر‪،‬‬
‫جوخان ويقال أيضا بالحجاز‪ :‬الِمْرَبد‪.‬‬
‫ويسمى بالبصرة ال َ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه خطب في حجته‪ -‬أو في‬
‫عام الفتح فقال‪ :‬أل! إن كل دم ومال ومأَثرة كانت بالجاهلية فهي تحت‬
‫سدانة الكعبة وسقاية الحج‪.‬‬
‫قدَمي هاتين‪ -‬منها دم ربيعة بن الحارث‪-‬إل ِ‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬وهو عبد ال بن الرحمن بن أبي حسين؛ قوله‪ :‬المأثرة‪ ،‬هي‬
‫المكرمة‪ .‬ويقال‪ :‬إنها سميت مأثرة لنها تؤثر ويأثرها قرن عن قرن‪ -‬أي‬
‫ت الحديث آُثرُه أثرا‪ ،‬ولهذا قيل‪ :‬حديث مأثور‬
‫يتحدث بها‪،‬كقولك‪ :‬أثر ُ‬
‫فمأُثره مفُعلة من هذا‪ -‬أي من أثرت‪ .‬قال‪ :‬سمعت الكسائي يقول‪ :‬العرب‬
‫جة‬
‫حّ‬
‫ت ُ‬
‫ج ُ‬
‫جْ‬
‫حَ‬
‫تقول في كل كلم‪ :‬فعلت فْعلة‪-‬بفتح الفاء إل في حرفين‪َ :‬‬
‫ورأيت ُرؤية‪.‬‬
‫سَدْنُته أسُدنه سدانة‬
‫وأما قوله‪ :‬سدانة البيت‪ ،‬فأنه يعني خدمته‪ ،‬يقال منه‪َ :‬‬
‫سدانة واللواء في‬
‫وهو رجل سادن من قوم سدنة وهم الخدم؛ وكانت ال ِ‬
‫سقاية والرفادة إلى هاشم بن عبد‬
‫الجاهلية في بني عبد الدار‪ ،‬وكانت ال ِ‬
‫مناف ثم صارت إلى عبد المطلب ثم إلى العباس وأقر ذلك رسول ال‬
‫حجابة‪.‬‬
‫سدانة هي ال ِ‬
‫عليه وسلم على حاله في السلم؛ وال ّ‬
‫وأما قوله‪ :‬دم ربيعة بن الحارث‪ ،‬فإن أبن الكلبي أخبرني أن ربيعة لم‬
‫يقتل وقد عاش بعد رسول ال صلى ال عليه وسلم دهرا إلى زمان عمر‬
‫ولكنه قتل ابن له صغير في الجاهلية فأهدر النبي صلى ال عليه وسلم‬
‫دمه فيما أهدر‪ ،‬قال‪ :‬وإنما قال‪ :‬دم ربيعة بن الحارث‪ ،‬لنه ولى الدم‬
‫فنسبه إليه‪.‬‬
‫وأما الرفادة فأنها شيء كانت قريش ترافد به في الجاهلية‪ ،‬فيخرج كل‬
‫إنسان منهم بقدر طاقته فيجمعون من ذلك مال عظيما أيام الموسم‪،‬‬
‫جَزر والطعام والزبيب للنبيذ‪ ،‬فل يزالون ُيطِعمون الناس‬
‫فيشترون به ال َ‬
‫حتى ينقضي الموسم‪ ،‬وكان أول من قام بذلك وسنة هاشم بن عبد مناف‪،‬‬
‫ويقال إنه إنما سمي هاشم لهذا لنه هشم الثريد واسمه عمرو وفيه يقول‬
‫الشاعر‪ :‬الكامل‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫شَِم الثريَد‬
‫عْمرو الُعل َه َ‬
‫َ‬
‫جا ُ‬
‫ف‬
‫عَ‬
‫سِنَتون ِ‬
‫ورجال مكة ُم ْ‬
‫لقومه‬
‫ثم قام بعده عبد المطلب ثم العباس فقام السلم وذلك في يد العباس وكان‬
‫في زمن النبي عليه السلم ثم لم تزل الخلفاء تفعل ذلك إلى اليوم‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬تحت قدمي هاتين‪ -‬يعني أني قد أهدرت ذلك كله‪ ،‬وهذا كلم‬
‫العرب يقول للرجل إذا جرى بينهما شر ثم أراد الصلح‪ :‬اجعل ذلك تحت‬
‫قدميك‪ -‬أي أبطله وارجع إلي الصلح‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم ان سعد بن عبادة أتاه برجل‬
‫جد على أَمة من إمائهم يخبث بها فقال النبي‬
‫خَدج سقيم ُو ِ‬
‫كان في الحي ُم ْ‬
‫خ فاضربوه بها ضربة‪.‬‬
‫شْمرا ٍ‬
‫ل فيه مائة ِ‬
‫عْثكا ً‬
‫خُذوا له ِ‬
‫عليه السلم‪ُ :‬‬
‫ق‪ ،‬ومنه قيل‬
‫خْل ِ‬
‫خَدج‪ :‬هو الناقص ال َ‬
‫قال الصمعي وغير واحد في الُم ْ‬
‫للمقتول بالنهروان في الخوارج‪ُ :‬مخَدج اليد‪.‬‬
‫عثكال‬
‫سك الِكباسة‪ ،‬وفيه لغتان‪ِ :‬‬
‫وأما الِعثكال فهو الذي يسميه النا ُ‬
‫ق‪ -‬بكسر العين‪.‬‬
‫عثكول؛ وأهل المدينة يسمونه الِعذ َ‬
‫وُ‬
‫وأما الَعْذق‪ -‬بالفتحة‪ -‬فالنخلة نفسها؛ قال امرؤ القيس يصف شعر امرأة‬
‫شبهه بالِعثكال‪ :‬الطويل‬
‫ن أسوُد‬
‫وفرع يزين المت َ‬
‫ت َكِقنو النخلة المتعثك ِ‬
‫ل‬
‫أثي ٍ‬
‫فاحٍم‬
‫والِقنو هو الِعثكال أيضا‪ ،‬وجمع الِقنو أقناء وِقنوان‪ .‬وفي هذا الحديث من‬
‫الفقه أنه عجل ضربه فلم يمنعه سقمه من إقامة الحد عليه‪ ،‬وفيه تخفيف‬
‫الضرب عنه‪ ،‬ول نرى ذلك إل لمكان مرضه‪ ،‬وفيه انه لم ينفعه من‬
‫الزنا‪.‬‬
‫حة ورق أو منح‬
‫ح ِمْن ِ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬من َمَن َ‬
‫لبنا كان له َكَعْدل رقبة أو نسمة‪.‬‬
‫قوله‪ :‬من منح منحة ورق أو منح لبنا‪ ،‬فان الِمنحة عند العرب على‬
‫معنين‪ :‬أحدهما أن يعطي الرجل صاحبه المال ِهبة أو صلة فيكون له‪،‬‬
‫وأما الِمنحة الخرى فان للعرب أربعة أسماء تضعها في موضع العارية‬
‫فينتفع بها المدفوعة إليه‪ ،‬والصل في هذا كله لربها يرجع إليه‪ ،‬وهي‬
‫حة والعرية والفقار والخبال‪ ،‬وكلها في الحديث إل الخبال؛ فأما‬
‫الَمِني َ‬
‫الِمْنحة فالرجل يمنح أخاه ناقة أو شاة فيحتلبها عاما أو أقل من ذلك أو‬
‫أكثر ثم يردها‪ ،‬وهذا تأويل الحديث‪.‬‬
‫وأما العرية فالرجل يعري الرجل تمر نخلة من نخيله فيكون له التمر‬
‫عامة ذلك‪ ،‬هذه العرّية التي رخص النبي عليه السلم في بيع ثمرها بتمر‬

‫غريب الحديث لبن قتيبة‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫قبل أن ُيصرم‪.‬‬
‫ل دابته فيركبها ما أحب في سفر أو‬
‫ل الرج َ‬
‫وأما الفقار فأن يعطي الرج ُ‬
‫حضر ثم يردها عليه؛ وهو الذي يروى فيه الحديث عن عبد ال أنه سئل‬
‫عن رجل استقرض من رجل دراهم ثم إن المستقرض أفقر الُمقِرض‬
‫ظهر دابته‪ ،‬قال عبد ال‪ :‬ما أصاب من ظهر دابته فهو ِربًا؛ فذلك يذهب‬
‫إلي أنه قرض جّر منفعة‪.‬‬
‫وأما الخبال فان الرجل منهم كان يعطي الرجل البعير أو الناقة ليركبها‬
‫جَتّز وبرها وينتفع بها ثم يردها‪ ،‬وإياه عنى زهير بن أبي سلمى وقال‬
‫فَي ْ‬
‫لقوم يمدحهم‪ :‬الطويل‬
‫وغن ُيسألوا ُيعطوا وإن‬
‫خَبلوا الما َ‬
‫ل‬
‫سَت ْ‬
‫هنالك إن ُي ْ‬
‫سروا ُيغلوا‬
‫َيْي ِ‬
‫ُيخـِبـلـوا‬
‫خبله إخبال‪ .‬وكان أبو عبيدة ينشده‪ :‬الطويل‬
‫يقال منه‪ :‬قد أخلبت الرجل ُا ِ‬
‫خِولوا‬
‫ل ُي ْ‬
‫خَولوا الما َ‬
‫سَت ْ‬
‫هنالك عن ُي ْ‬
‫خول‪.‬‬
‫من ال َ‬
‫وفي حديث آخر يروى من حديث عوف وغيره يرفع إلى النبي عليه‬
‫السلم‪ :‬من منح ِمْنحة وُكوفًا فله كذا وكذا‪.‬‬
‫ف البيت بالمطر‪،‬‬
‫فالَوكوف‪ :‬الكثيرة الغزيرة الّدّر‪ ،‬ومن هذا قيل‪َ :‬وَك َ‬
‫ت العين بالدمع؛ وفي قوله‪ِ :‬منحة َوُكوفًا‪ ،‬مما يبين لك انه لم‬
‫وكذلك َوَكَف ِ‬
‫يرد بالمنحة الشربة يسقيها الرجل صاحبه‪،‬غنما أراد بالمنحة الناقة أو‬
‫ل الرج َ‬
‫ل‬
‫الشاة يدفعها إليه ليحتلبها‪ .‬ومن الِمْنحة أيضا أن َيمنح الرج ُ‬
‫أرضه يزرعها‪.‬‬
‫ومن حديث النبي عليه السلم‪ :‬من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها‬
‫أخاه‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬وأكثر العرب تجعل الِمنحة العارّية خاصة ‪ ،‬ول‬
‫تجعل العرب الهبة ِمنحة‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬من أحيى أرضا ميتة فهي‬
‫ق‪.‬‬
‫ق ظالم ح ّ‬
‫له‪ ،‬وليس ِلْعر ٍ‬
‫قال الجمحي‪ :‬قال هشام‪ :‬الِعرق الظالم‪ ،‬أن يجئ الرجل إلى أرض قد‬
‫أحياها رجل قبله فيغرس فيها غرسا أو ُيحدث فيها حدثا ليستوجب به‬
‫الرض؛ هذا الكلم أو نحوه قال أبو عبيد فهذا التفسير في الحديث الول‬
‫وبما يحقق ذلك حديث آخر سمعت عباد بن العوام يحدثه مثل هذا الحديث‬
‫قال قال عروة‪ :‬فلقد أخبرني هذا الحديث أن رجل غرس في أرض رجل‬
‫من النصار نخل‪ ،‬فاختصما إلى رسول ال صلى ال عليه وسلم فقضى‬
‫للنصاري بأرضه وقضى على الخر أن ينزع نخله؛ قال‪ :‬فلقد رأيتها‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫عمّ‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬هذا الغارس‬
‫ُيضرب في أصولها بالُفؤوس وإنها لنخل ُ‬
‫في أرض غيره هو الِعْرق الظالم‪.‬‬
‫عّم‪ ،‬هي التامة في طولها والتفافها‪ ،‬واحدتها عميمة؛ ومنه قيل‬
‫خل ُ‬
‫وقوله‪َ:‬ن ْ‬
‫خلقها؛ قال لبيد يصف نخل‪ :‬الكامل‬
‫للمرأة‪ :‬عميمة إذا كانت كذلك في َ‬
‫عُم بينهـن كـروُم‬
‫عّم نوا ِ‬
‫ُ‬
‫ق ُيَمّتُعها الصفا وسرّيه‬
‫حٌ‬
‫سُ‬
‫ُ‬
‫حق‪ :‬الطوال‪ ،‬وقوله‪ :‬يمتعها‪ -‬يعني يطولها‪ ،‬وهو مأخوذ من الماتع‪،‬‬
‫سُ‬
‫فال ُ‬
‫ي النهر الصغير‪.‬‬
‫وهو الطويل من كل شيء؛ والصفا اسم نهر والسر ّ‬
‫وفي هذا الحديث من الحكم انه من اغتصب أرضا أو دارا فغرس فيها‬
‫وبنى وأنفق ثم جاء ربها فاستحقها يحكم حاكم أنه يقضي على الغاصب‬
‫بقلع ما أحدث فيها وإن اضر ذلك به‪ ،‬ول يقال للمستحق‪ :‬اغرم له القيمة‬
‫ع البناء على حاله؛ ولكن إنما له نقضه ل غير‪ ،‬إل أن يشاء المستحق‬
‫وَد ِ‬
‫ذلك فهذا الصل في حكم الغاصب‪.‬‬
‫وفي حديث آخر زيادة في هذا قال‪ :‬من أحيى أرضا ميتة فهي له‪ ،‬وما‬
‫أكلت العافية منها فهو له صدقة‪.‬‬
‫ف‪ ،‬وهو كل من جاءك يطلب فضل أو رزقا فهو‬
‫فالواحد من العافية عا ٍ‬
‫ف‪ ،‬وجمعه عفاة‪ ،‬وقد عفاك يعفوك عفوا؛ قال العشى يمدح‬
‫ف وعا ٍ‬
‫ُمعَت ٍ‬
‫رجل‪ :‬المتقارب‬
‫كطوف النصارى ببيت‬
‫تطوف الُعفـاُة بـأبـوابـه‬
‫الوث ْ‬
‫ن‬
‫وقد تكون العافية في هذا الحديث من الناس وغيرهم؛ وبيان ذلك في‬
‫حديث آخر حدثنيه أبو اليقظان وأنا في نخل لي فقال‪ :‬من غرسه? أ مسلم‬
‫أم كافر? قلت‪ :‬ل بل مسلم‪ ،‬قال‪ :‬ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع‬
‫سُبع إل كانت له صدقة‪.‬‬
‫زرعا فيأكل من إنسان أو دابة أو طائر أو َ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬إن روح القدس نفث في‬
‫رُوعي ان نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها‪ ،‬فاتقوا ال واجملوا في‬
‫الطلب‪.‬‬
‫ث في روعي‪ ،‬هو كالنفث بالفم‪ ،‬شبيه بالنفخ؛ فأما التفل فل يكون‬
‫قوله‪َ :‬نَف َ‬
‫إل ومعه شيء من الريق؛ ومن ذلك حديثه الخر انه كان إذا مرض يقرأ‬
‫على نفسه بالمعوذات وينفث وقال عنترة‪ :‬الوافر‬
‫وغن يفقد فحق له الُفقوُد‬
‫فان يبرأ فلم أنفث علـيه‬
‫وقوله‪ُ :‬روعي‪ ،‬معناه كقولك‪ :‬في خلدي ونفسي ونحو ذلك‪ ،‬فهذا بضم‬
‫الراء‪ .‬وأما الروع‪ -‬بالفتح فالفزع؛ وليس من هذا بشيء‪.‬‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫شراء الرزق في‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬تسعة أع ِ‬
‫التجارة‪ ،‬والرزق الباقي في السابياء‪.‬‬
‫قال هشيم‪ :‬يعني بالسابياء النتاج‪ ،‬قال الصمعي‪ :‬السابياء هو الماء الذي‬
‫يجري على رأس الولد إذا ولد‪ .‬وقال أبو زيد النصاري‪ :‬ذلك الماء هو‬
‫حَولء‪ -‬ممدود‪ .‬قال‪ :‬وأما الجلدة الرقيقة التي يكون فيها الولد فإنها‬
‫اُل ِ‬
‫سلى في البطن؛ يضرب في المر‬
‫سلى‪ ،‬ومنه قيل في المثل‪ :‬انقطع ال ّ‬
‫ال ّ‬
‫سخد كله الماء‬
‫حولء وال ُ‬
‫العظيم إذا نزل بهم‪ .‬قال الحمر‪ :‬السابياء واُل ِ‬
‫الذي يكون مع الولد‪ ،‬وهو ماء غليظ؛ ومنه قيل للرجل إذا أصبح ثقيل‬
‫خد‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬ومعنى هذا الحديث والذي نرجع ما‬
‫موّرّما‪ :‬إنه لُمس ّ‬
‫قال هشيم‪ :‬إنما أراد النتاج‪ ،‬ولكن الصل ما فسر هؤلء لنه عليه السلم‬
‫لم يسم النتاج السابياء؛ ومما يبين ذلك حديث عمر قال قال لي عمر‪ :‬ما‬
‫ظبيان? قال قلت‪ :‬عطائي ألفان‪ ،‬قال‪ :‬اتخذ من هذا الحرث‬
‫مالك يا َ‬
‫والسابياء قبل ان َتِلَيك غلمة من قريش ل َتُعّد العطاء معهم مال‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد في حديث النبي عليه السلم‪ :‬من َتَعّزى ِبَعزاء الجاهلية‬
‫عضوه بهن أبيه ول تكنوا؛ قال أبي بن كعب إنه سمع رجل ينادي‪ :‬يا‬
‫فأ ِ‬
‫ن‪ ،‬فقال له‪ :‬يل أبا المنذر ما‬
‫ض بهن أبيك ولم َيْك ِ‬
‫ض ْ‬
‫ع ُ‬
‫لفلن! فقال له‪ُ :‬ا ْ‬
‫كنت فحاشا‪ ،‬فقال‪ :‬إني سمعت النبي عليه السلم يقول‪ :‬من تعزى ِبَعزاء‬
‫ضوه بهن أبيه ول َتْكُنوا‪.‬‬
‫ع ّ‬
‫الجاهلية فأ ِ‬
‫قال الكسائي‪ :‬يعني أنتسب وانتمى‪ ،‬كقولهم‪ :‬يا َلفلن! وياَلَبني فلن!‬
‫عزاء الجاهلية‪ ،‬للدعوى للقبائل أن يقال‪ :‬يا َلتميم! ويا َلعامر‬
‫فقوله‪َ :‬‬
‫وأشباه ذلك‪ .‬ومنه حديث سمعته يروى عن بعض أهل العلم أن رجل قال‬
‫بالبصرة‪ :‬يا َلعامر! فجاء النابغة الجعدي بعصبة له فأخذته شرط أبي‬
‫موسى فضربه خمسين سوطا بإجابته عن دعوى الجاهلية؛ ويقال منه‪:‬‬
‫إعتزينا وتعزينا‪ ،‬قال عبيد بن البرص‪ :‬الكامل‬
‫ج المشرقي إذا اعتزينا‬
‫نعليهم تحت الـعـجـا‬
‫وقال الراعي‪ :‬الطويل‬
‫عوا يا َلكلب واعتزينا‬
‫َد َ‬
‫ت فرساُننا وِرجالهـم‬
‫فَلّما اْلَتَق ْ‬
‫لعاِمر‬
‫وقال بشر بن أبي خازم‪ :‬الكامل‬
‫شَعَرة النحور من‬
‫والخيل ُم ْ‬
‫س بالسيوف‬
‫نعلوا الفوار َ‬
‫الدم‬
‫وَنْعَتِزي‬
‫ويقال منه‪:‬عزوت الرجل إلى أبيه وأعزبته وعّزيته‪ -‬لغتان‪ -‬إذا نسبته‬
‫إليه‪.‬‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫قال حدثني يحيي بن سعيد عن ابن جريج أن عطاء حدثه بحديث قال‬
‫فقلت لعطاء‪ :‬أتعزيه إلى أحد؛ يعني أتسنده إليه وهو مثل النسبة‪ .‬وأما‬
‫عزاء‬
‫حديثه الخر قوله‪ :‬من لم يتعز ِبَعزاء السلم فليس منا؛ قال‪َ :‬‬
‫ن! وكذلك يروى عن عمر أنه قال‪ :‬سيكون‬
‫سِلِمْي َ‬
‫السلم أن يقول‪ :‬يا َلْلُم ْ‬
‫ل حتى يقولوا‪ :‬يا‬
‫ل القت َ‬
‫ف والقت َ‬
‫ف السي َ‬
‫للعرب دعوى قبائل‪ ،‬فإذا كان فالسي َ‬
‫َللمسلمين! فهذا عزاء السلم‪ .‬قال أبو عبيد‪:‬ويقال‪ :‬كنوت الرجل وكنيته‬
‫لغتان‪ ،‬قال‪ :‬سمعت من أبي زياد ينشد الكسائي‪ :‬الطويل‬
‫وإني لكنو عن َقُدوَر‬
‫وأعِرب أحيانا بها فأصاِر ُ‬
‫ح‬
‫بغيرها‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه كان إذا سجد جافى‬
‫عضديه عن جنبيه وفتخ أصابع رجليه‪.‬‬
‫قال يحيي‪ :‬الفتخ أن يصنع هكذا ونصب أصابعه ثم غمز موضع الفاصل‬
‫منها إلى باطن الراحة‪ -‬يعني أنه كان يفعل ذلك بأصابع رجليه في‬
‫السجود؛ قال الصمعي‪ :‬أصل الفتخ اللين؛ قال أبو عبيد‪:‬ويقال للبراجم إذا‬
‫كان فيها لين وعرض‪:‬إنها لُفتخ‪ ،‬ومنه قيل للُعقاب‪َ :‬فتخاء‪ ،‬لنها إذا‬
‫انحطت كسرت جناحيها وغمزتها وهذا ل يكون إل من اللين؛ قال امرؤ‬
‫القيس يذكر الفرس ويشبهها بالُعقاب‪ :‬الطويل‬
‫َدفوف من العقبان طأطأ ُ‬
‫ت‬
‫ن َلـْقـَوٍة‬
‫حـْي ِ‬
‫جـَنـا َ‬
‫خاء اْل َ‬
‫كأني ِبَفْت َ‬
‫شملِلي‬
‫ِ‬
‫وقال الخر‪ :‬البسيط‬
‫خاُء‬
‫كأنها كاسر في الجّو َفْت َ‬
‫وإنما سميت كاسرا لكسرها جناحيها إذا انحطت‪ .‬وفي الحديث من الفقه‬
‫أنه كان ينصب قدميه في السجود نصبا‪ ،‬ولو ل نصبه إياهما لم يكن هناك‬
‫فتخ فكانت الصابع منحنية‪ ،‬فهذا الذي يراد من الحديث‪ ،‬وهو مثل حديثه‬
‫الخر أنه أمر بوضع الكفين ونصب القدمين في الصلة‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم في حديث ذكر فيه نعت أهل‬
‫الجنة قال‪ :‬ويرفع أهل الجنة قال ‪ :‬ويرفع أهل الُغَرف إلى غرفهم في‬
‫درة بيضاء ليس فيها َقصم ول فصم‪.‬‬
‫صم‪ -‬بالقاف‪ -‬هو أن ينكسر الشيء فَيبين‪ ،‬يقال منه‪ :‬قصمت‬
‫قوله‪ :‬الَق ْ‬
‫الشيء أقصمه قصما‪ -‬إذا كسرته حتى ّيبين‪ ،‬ومنه قيل‪ :‬فلن أفصم‬
‫الثنية‪ -‬إذا كان مكسورا؛ ومنه الحديث الخر‪ :‬استغنوا عن الناس ولو عن‬
‫ِقصمه السواك‪ -‬يعني ما انكسر منه إذا استبك به‪.‬‬
‫وأمل الفصم‪ -‬بالفاء‪ -‬فهو أن ينصدع الشيء من غير أن يبين‪ ،‬يقال منه‪:‬‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫فصمت الشيء أفصمه فصما‪ -‬إذا فعلت ذلك به‪ ،‬فهو مفصوم؛ قال ذو‬
‫الرمة يذكر غزال شبهه بُدْملج فضة‪ :‬البسيط‬
‫في ملعب من جواري الحي‬
‫كأنـه ُدْمـُلـج مـن فـضٍة َنـَبـُه‬
‫مفصوُم‬
‫وإنما جعله مفصوما لتثنيه وانحنائه إذا نام‪ ،‬ولم يقل‪ :‬مقصوم‪ ،‬فيكون بائنا‬
‫صاَم َلَها)‪.‬‬
‫ل اْنِف َ‬
‫بائنتين؛ وقد قال ال عز وجل ( َ‬
‫وأما الوصم بالواو وليس هو في هذا الحديث فأنه العيب يكون بالنسان‬
‫وفي كل شيء‪ ،‬يقال‪ :‬ما في فلن وصمة إل كذا وكذا‪ -‬يعني العيب‪.‬‬
‫وأما التوصيم فأنه الفترة والكسل يكون في الجسد‪ ،‬ومنه الحديث‪ :‬إن‬
‫الرجل إذا قام يصلى من اليل أصبح طيب النفس‪ ،‬وإن نام حتى ُيصبح‬
‫صما؛ وقال لبيد‪ :‬الرمل‬
‫أصبح ثقيل ُمِو ّ‬
‫ص ما يأمر توصيُم‬
‫واع ِ‬
‫حـ ْ‬
‫ل‬
‫ت رحيل فاْرَتـ ِ‬
‫وإذا ُرْم َ‬
‫سْ‬
‫ل‬
‫الك ِ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬من فاتته صلة العصر‬
‫فكأنما ُوِتر أهله وماله‪.‬‬
‫قال الكسائي‪ :‬هو من الَوْتر‪ ،‬وذلك أن يجني الرجل على الرجل جناية‬
‫يقتل له قتيل أو يذهب بماله وأهله فيقال‪ :‬قد َوَتر فلن فلنا أهله وماَله؛‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬يقول‪ :‬فهذا ما قد فاته من صلة العصر بمنزلة الذي وتر‬
‫فذهب ماله وأهله‪ ،‬وقال غيره‪ :‬وتر أهله‪ -‬يقول‪ :‬نقص أهله وماله وبقى‬
‫عَماَلُكْم) يقول لن ينقصكم‪ ،‬يقال‪:‬‬
‫ن ّيِتَرُكْم َأ ْ‬
‫فردا‪ ،‬وذهب إلى قوله‪َ( :‬وَل ْ‬
‫َوَتْرُته حّقه‪ -‬إذا نقصته؛ قال أبو عبيد‪ :‬وأحد القولين قريب من الخر‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه جاء إلى البقيع ومعه‬
‫مخصرة فجلس ونكت بها في الرض‪ ،‬ثم رفع رأسه وقال‪ :‬ما من‬
‫منفوسة إل وقد كتب مكانها من الجنة أو النار‪ -‬ثم ذكر حديثا طويل في‬
‫القدر‪.‬‬
‫قوله‪ :‬ومعه مخصرة‪ ،‬فان المخصرة ما أختصر النسان بيده وأمسكه من‬
‫عّكازة أو ما أشبه ذلك؛ ومنه أن يمسك الرجل بيد‬
‫عَنزة أو ُ‬
‫عصا أو َ‬
‫صاحبه فيقال‪ :‬فلن مخاصر فلن‪.‬‬
‫ومنه حديث عبد ال بن عمرو أنه كان عنده رجل من قريش وكان‬
‫مخاصرة‪.‬‬
‫وأخبرني مسلمة بن سهل بشيخ من أهل العلم باسناد له ل أحفظه أن يزيد‬
‫بن معاوية قال لبيه معاوية‪ :‬أل ترى عبد الرحمن بن حسان يسب‬
‫بابنتك‪ ،‬فقال معاوية‪ :‬ما قال? فقال قال‪ :‬الخفيف‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫ت من‬
‫ّواص ِميز ْ‬
‫وْهي زهراُء مثل لؤلؤة الـغ‬
‫جوٍهرمكنو ِ‬
‫ن‬
‫فقال معاوية‪ :‬صدق‪ ،‬فقال يزيد‪ :‬وقال‪:‬‬
‫في سناء من المكارم دو ِ‬
‫ن‬
‫فإذا ما َنسبَتها لم تجـدهـا‬
‫فقال معاوية‪:‬صدق‪ ،‬فقال يزيد‪ :‬فأبين قوله‪:‬‬
‫راء تمشي في مرمٍر‬
‫ثم خاصرتها إلى الُقبة‬
‫مسنو ِ‬
‫ن‬
‫الخض‬
‫فقال معاوية‪ :‬كذب‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪:‬قوله‪ :‬خاصرتها‪ -‬أي أخذت بيدها‪ .‬قال الفراء‪ :‬يقال‪ :‬خرج‬
‫القوم متخاصرين‪ -‬إذا كان بعضهم آخذ بيد بعض‪ .‬وأما الحديث الذي‬
‫خصره‪.‬فذلك يروى في‬
‫يروى أنه نهى أن يصلي وهو واضع يده على َ‬
‫كراهيته حديث مرفوع؛ ويروى فيه الكراهة أيضا عن عائشة رضي ال‬
‫عنها وأبي هريرة‪ ،‬وهو في بعض الحديث أنه راحة أهل النار‪.‬‬
‫شُعر‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه كان ل يصلي في ُ‬
‫نسائه‪.‬‬
‫قوله‪ :‬الشعر واحدتها الشعار‪ ،‬وهو ما ولى جلد النسان من اللباس؛ وأما‬
‫الِدثار فهو فوق الشعار مما يستدفأ به‪ .‬وأما اللحاف فكلما تغطيت به فقد‬
‫التحقت به‪ ،‬يقال منه‪ :‬لحفت الرجل ألحفه لحفا‪ -‬إذا فعلت ذلك به؛ قال‬
‫طرفة بن العبد‪ :‬الرمل‬
‫ض ُهّدا َ‬
‫ب‬
‫ن الر َ‬
‫يلحفو َ‬
‫ك بـهـم‬
‫ق المس ُ‬
‫عِب َ‬
‫حوا َ‬
‫ثم را ُ‬
‫الرْز‬
‫وفي الحديث من الفقه أنه إنما كره الصلة في ثيابهن فيما نرى‪ -‬وال‬
‫اعلم‪ -‬مخافة أن يكون أصابها شئ من دم الحيض‪ ،‬ل أعرف للحديث‬
‫وجها غيره‪ ،‬فأما عرق الجنب والحيض فل نعلم أحدا كرهه‪ ،‬ولكنه‬
‫بمكان الدم كما كره الحسن الصلة في ثياب الصبيان وكره بعضهم‬
‫الصلة في ثياب اليهود والنصارى‪ ،‬وذلك لمخافة أن يكون أصابها شيء‬
‫من الَقذر لنهم ل يستنجون؛ وقد روى مع هذا الرخصة في الصلة وفي‬
‫ثياب النساء وسمعت يزيد يحدث أن رسول ال صلى ال عليه وسلم كان‬
‫يصلي في مروط نسائه‪ ،‬وكانت أكسية أثمانها خمسة دراهم أو ستة؛‬
‫والناس على هذا‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬لقد هممت أن ل أّتِهبَ إل‬
‫من ُقَرشى أو أنصارى أو ثقفي‪ .‬ل أعلمه إل من حديث ابن عيينة عن‬
‫عمرو عن طاؤس وعن عجلن عن المقتري يرفعان حديث النبي صلى‬

‫غريب الحديث لبن قتيبة‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ال عليه ‪.‬‬
‫قوله‪ :‬ل أتهب‪ ،‬يقول‪ :‬ل أقبل هبًة إل من هؤلء‪ :‬ومثال هذا من الفعل‬
‫افتعل‪ ،‬كقولك من العدة‪ :‬أتعد‪ ،‬ومن الصلة‪ :‬اتصل‪ ،‬ومن الزنة‪ :‬اتزن‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬ويقال‪ :‬إن النبي عليه السلم إنما قال هذه المقالة لن الذي‬
‫اقتضاه الثواب من أهل البادية فخص هؤلء بالتهاب منهم لنهم أهل‬
‫حاضرة َوُهم أعلم بمكارم الخلق؛ وبيان ذلك في حديث آخر أنه قال‪:‬‬
‫لقد هممت أن ل أقبل هبة‪ -‬أو قال‪ :‬هدية‪ -‬إل من قرشي أو أنصاري أو‬
‫ثقفي‪ -‬وفي بعض الحديث‪ :‬أو دوسي‪.‬‬
‫فهذا قد بين لك أنه أراد بقوله‪ :‬ل أتهب‪ -‬أي ل أقبل هبة‪ ،‬وفي هذا‬
‫الحديث أنه صلى ال عليه كان يقبل الهدية والهبة‪ ،‬وليس هذا بعده لحد‬
‫غلول؛ وبلغني ذلك عن أبي‬
‫من الخلفاء‪ ،‬لنه يروى عنه‪ :‬هدايا المراء َ‬
‫المليح الرقي عن عمر بن عبد العزيز أنه قال‪ :‬كانت لرسول ال صلى‬
‫شوة‪.‬‬
‫ال عليه وسلم هدية وللمراء بعده ِر ُ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه حرم ما بين لَبَتي المدينة‪.‬‬
‫سود‪،‬‬
‫سْتها حجارة ُ‬
‫حّرة وهي الرض التي قد ألَب َ‬
‫قال الصمعي‪ :‬اللبة ال َ‬
‫وجمع اللبة لبات ما بين الثلث إلى العشر‪ ،‬فإذا كّثرت فهي اللب‬
‫واللوب‪ -‬لغتان؛ قال بشر بن أبي خازم يذكر كتيبة‪ :‬الطويل‬
‫حّرة ليلى السهل منها‬
‫وَ‬
‫جـر‬
‫حـ ّ‬
‫ُمعاِليًة لَهـّم إل ُمـ َ‬
‫َفُلوَبها‬
‫يريد جمع لبة‪ ،‬ومثل هذا في الكلم قليل‪ ،‬ومنه‪:‬قارة وُقور‪ ،‬وساحة‬
‫سوح‪.‬‬
‫وُ‬
‫عير إلى‬
‫وفي حديث آخر أن رسول ال صلى عليه وسلم حرم ما بين َ‬
‫ثور‪.‬‬
‫وهما اسما جبلين بالمدينة‪ ،‬وقد كان بعض الرواة يحمل معنى بيت‬
‫حّلزة في قوله‪ :‬الخفيف‬
‫الحارث بن ِ‬
‫ن كل من ضرب‬
‫زعموا أ ّ‬
‫ْر َموال لـنـا وإنـا الـَولُء‬
‫الَعي‬
‫على هذا العير يذهب إلى كل من ضرب إليه وبلغه‪ ،‬وبعض الرواة يحمله‬
‫على أن العير الحمار؛ قال أبو عبيد‪ :‬وهذا حديث أهل العراق‪ .‬وأهل‬
‫المدينة ل يعرفون بالمدينة جبل يقال له ثور‪ ،‬وإنما ثور بمكة فيرى أن‬
‫حد‪.‬‬
‫الحديث إنما أصله‪ :‬ما بين عير إلى ُا َ‬
‫قال أبو عبيد‪:‬سألت عن أهل المدينة فلم يعرفوه‪ ،‬وهذا الحديث من رواية‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫أهل العراق ولم يعرف أهل المدينة ثورا‪ ،‬وقالوا‪ :‬إنما ثور بمكة‪ ،‬وأما‬
‫عير فبالمدينة معروف وفد رأيته‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه أتاه مالك بن مرارة‬
‫االلرهاوي فقال‪ :‬يا رسول ال! إني قد أوتيت من الجمال ما ترى ما‬
‫شراَكين فما فوقهما فهل ذلك من البغي? فقال‬
‫يسرني أن أحدا يفضلني ِب ِ‬
‫ط الناس‪.‬‬
‫غِم َ‬
‫سِفه الحق و َ‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ :‬إنما ذلك َمن َ‬
‫جَهل‪ ،‬وقال ال جل‬
‫سَفها و َ‬
‫أما قوله‪ :‬من سفه الحق‪ ،‬فأنه أن يرى الحق َ‬
‫سِفِه‬
‫ل َمنْ َ‬
‫سُه) وبعض المفسرين يقول في قوله‪ِ :‬ا ّ‬
‫ن سِفَه َنْف َ‬
‫ل َم ْ‬
‫ذكره (ِا ّ‬
‫سُه‪ :‬سّفهها‪.‬‬
‫َنْف َ‬
‫وأما قوله‪ :‬وغِمط الناس‪ ،‬فأنه الحتقار لهم والزدراء بهم؛ وما أشبه‬
‫ذلك‪ .‬وفيه لغة أخرى في هذا الحديث‪ :‬وغمص الناس‪ -‬بالصاد‪ ،‬وهو‬
‫بمعنى غمط‪.‬‬
‫ومنه حديث يروى عن عبد الملك بن عمير عن قبيضة بن جابر أنه‬
‫أصاب ظبيا وهو ُمحِرم فسأل عمرو فشاور عبد الرحمن ثم أمره أن يذبح‬
‫شاة‪ ،‬فقال قبيضة لصاحبه‪ :‬وال! ما علم أمير المؤمنين حتى سأل غيره‬
‫وأحسبني سأنحر ناقتي‪ ،‬فسمعه عمر فاقبل عليه ضربا بالدرة فقال‪:‬‬
‫أَتْغِمض الُفْتَيا وتقتل الصيد وأنت محرم? قال ال تبارك وتعالى (َيحُْكُم ِبِه‬
‫ل ّمْنُكْم) فأنا عمر وهذا عبد الرحمن‪.‬‬
‫عْد ٍ‬
‫َذَوا َ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في قوله‪ :‬أتغمض الفتيا‪ -‬يعني أتحتقرها وتطعن فيها?‬
‫ومنه يقال للرجل إذا كان مطعونا عليه في دينه‪ :‬إنه لمغموص عليه‪،‬‬
‫يقال‪ :‬غِمص وغِمط يغَمص ويغَمط وأنا أغَمص وأغَمط‪.‬‬
‫وفي هذا الحديث من الفقه أن عمر لم يحكم عليه حتى حكم معه غيره‬
‫ل ّمْنُكْم) فأنا عمر وهذا عبد الرحمن‪.‬‬
‫عْد ٍ‬
‫حُكُم ِبِه َذَوا َ‬
‫لقوله (َي ْ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬قوله‪ :‬أ تغمص الفتيا‪ -‬يعني أ تحتقرها وتطعن فيها? ومنه‬
‫يقال للرجل إذا كان مطعونا عليه في دينه‪ :‬إنه لمغموص عليه‪ ،‬يقال‪:‬‬
‫غِمص وغِمط يغَمص ويغَمط وأنا أغَمص وأغَمط‪.‬‬
‫وفي هذا الحديث من الفقه أن عمر لم يحكم عليه حتى حكم معه غيره‬
‫ل ّمْنُكْم)‪ .‬وفيه أنه جعل في الظبي شاة أو كبشا‬
‫عْد ٍ‬
‫حُكُم ِبه َذَوا َ‬
‫لقوله (َي ْ‬
‫ورآه ِنّده من النعم‪ .‬وفيه أنه لم يسأله‪ :‬أ قتله عمدا أو خطأ‪ ،‬ورآهما عنده‬
‫سواء في الحكم‪ ،‬وهذا غير قول من يقول‪ :‬إنما الجزاء في العمد‪ .‬وفيه‬
‫أنه لم يسأله‪ :‬هل أصاب صيدا قبله أم ل‪ ،‬ولكنه حكم عليه‪ ،‬فهذا يرّد قول‬
‫من قال‪ ،‬إنما يحكم عليه مرة واحدة فان عاد لم يحكم عليه‪ ،‬وقيل له‪:‬‬
‫اذهب فينتقم ال منك‪.‬‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه قال‪ :‬ل ُيْعدى شيء شيئا‪،‬‬
‫فقال أعرابي‪ :‬يا رسول ال! إن الّنقبة تكون بمشفر البعير أو بذَنبه في‬
‫جَرب كلها‪ ،‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ :‬فما‬
‫البل العظيمة فَت ْ‬
‫أجرب الول? قال الصمعي‪ :‬النقبة أول الجرب حين يبدو‪ ،‬ويقال للناقة‬
‫والبعير‪ :‬به نقبة‪ ،‬وجمعه ُنْقب‪.‬‬
‫وأخبرني ابن الكلبي أن دريد الصمة خطب الخنساء بنت عمرو بن‬
‫الشريد إلى أخويها صخر ومعاوية ابني عمرو بن الشريد فوافقاها وهي‬
‫تهنأ إبل لها فاستأمرها أخواها فيه فقالت‪ :‬أ تروني كنت تاركة بني عمي‬
‫جشم‪ ،‬فانصرف دريد وهو يقول‪:‬‬
‫كأنهم عوالي الرماح ومرتّثة شيخ بني ُ‬
‫الكامل‬
‫صهـ ِ‬
‫ب‬
‫ق ُ‬
‫كاليوم هانى أين ٍ‬
‫ت به‬
‫ت ول سمع ُ‬
‫ما إن رأي ُ‬
‫يضع الهناء مواضع النقب‬
‫سـُنـه‬
‫متبّذل تبدو مـحـا ِ‬
‫وفي الحديث أيضا أنه عليه السلم قال‪ :‬ل عدوى ول هامة ول صفر‪،‬‬
‫وقد فسرناه في موضع آخر‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه قال ‪ :‬ثلث من أمر‬
‫الجاهلية‪ :‬الطعن في النساب‪ ،‬والنياحة والنواء‪.‬‬
‫قال‪ :‬سمعت عدة من أهل العلم يقولون‪ :‬أما الطعن في النساب والنياحة‬
‫فمعروفان‪ ،‬وأما النواء فإنها ثمانية وعشرون نجما معروفة المطالع في‬
‫أزمنة السنة كلها‪ ،‬في الصيف والشتاء والربيع والخريف‪ ،‬يسقط منها في‬
‫كل ثلث عشرة ليلة نجم في المغرب مع طلوع الفجر‪ ،‬ويطلع آخر يقابله‬
‫في المشرق من ساعته‪ ،‬وكلهما معلوم مسّمى‪ ،‬وانقضاء هذه الثمانية‬
‫وعشرين كلها مع انقضاء السنة‪ ،‬ثم يرجع المر إلي النجم الول مع‬
‫استئناف السنة المقبلة‪ ،‬فكانت العرب في الجاهلية إذا سقط منها نجم‬
‫وطلع آخر قالوا‪ :‬ل بد من أن يكون عند ذلك مطر ورياح‪ ،‬فينسبون كل‬
‫طرنا بنوء‬
‫غيث يكون عند ذلك إلى النجم الذي يسقط حينئذ فيقولون‪ُ :‬م ِ‬
‫سماك‪ ،‬وما كان من هذه النجوم فعلى هذا؛ فهذه هي‬
‫الثريا والدبران وال ّ‬
‫النواء‪ ،‬واحدها نوء‪ .‬وإنما سمي نوءا لنه إذا سقط الساقط منها بالمغرب‬
‫ناء الطالع بالمشرق للطلوع‪ ،‬فهو ينوء نوءا‪ ،‬وذلك النهوض هو النوء‪،‬‬
‫فسمي النجم به‪ ،‬وكذلك كل ناهض يثقل وإبطاء فأنه ينوء عند نهوضه‪،‬‬
‫وقد يكون النوء السقوط‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬ولم أسمع أن النوء السقوط إل في‬
‫صَبِة) وقال ذو‬
‫حُه َلَتُنوُء ِبالُع ْ‬
‫ن َمَفاِت َ‬
‫هذا الموضع‪ .‬قال ال تعالى (مآ ِإ ّ‬
‫ظم‪ :‬الطويل‬
‫الرمة يذكر امرأة بالِع َ‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫وتمشي الهوينا من قريب‬
‫تنوء بأخراها َفليًا ِقـيامـهـا‬
‫فتبهُر‬
‫وقد ذكرت العرب النواء في أشعارها فأكثرت حتى جاء فيها النهي عن‬
‫النبي عليه السلم‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أن رجل كان يخدمه في سفر‬
‫ل? قال‪ :‬ل‪ ،‬ما هم‬
‫ن َكاَه َ‬
‫فقال له النبي صلى ال عليه ‪ :‬هل في أهلك َم ْ‬
‫إل صبية صغار‪ ،‬فقال‪ :‬ففيهم فجاهد‪.‬‬
‫ن كاهل‪ -‬يعني من أسن وهو من الكهل‪ ،‬يقال‪ :‬كاهل الرجل‬
‫قوله‪َ :‬م ْ‬
‫واكتهل‪ -‬إذا أسن‪ ،‬وكذلك يقال‪ :‬قد اكتهل النبات‪ -‬إذا تم طوله‪ ،‬وهو رجل‬
‫كهل وامرأة كهلة؛ قال الراجز‪ :‬الرجز‬
‫ُامارس الكهلة والصبّيا‬
‫ول أعود بعدها َكِرّبـا‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬إذا دخل شهر رمضان‬
‫صّفت الشياطين وفتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار‪.‬‬
‫ُ‬
‫قال الكسائي وغير واحد‪ :‬قوله‪ :‬صفدت‪ -‬يعني شدت بالغلل وأوِثَقت‪،‬‬
‫صَفدت الرجل فهو مصفود وصّفدته فهو ُمصّفد‪ ،‬فأما أصفدته‪-‬‬
‫يقال منه‪َ :‬‬
‫باللف‪ -‬إصفادا فهو أن تعطيه وتصله‪ ،‬والسم من العطية ومن الوثاق‬
‫صَفد؛ قال النابغة الذبياني في الصفد‪ -‬يريد العطية‪ :‬البسيط‬
‫جميعا ال ّ‬
‫ض أبيت اللعن‬
‫عّر ْ‬
‫فلم ُا َ‬
‫هذا الثناء فإن تسمع به‬
‫بالصفِد‬
‫حسنـا‬
‫يقول‪ :‬لم أمدحك لتعطيني‪ ،‬والجمع منهما جميعا أصفاد‪ ،‬قال ال عز‬
‫صَفاِد)‪ .‬وقال العشى في العطية أيضا‬
‫ل ْ‬
‫ن في ا َ‬
‫ن ُمقّرِنْي َ‬
‫خِرْي َ‬
‫وجل‪َ( :‬و آ َ‬
‫يمدح رجل‪ :‬الطويل‬
‫تضيفته يوما فأْكَرَم َمقعـدي وأصفدني على الزمانة قائدا‬
‫يقول‪ :‬وهب لي قائدا يقودني‪ ،‬والمصدر من العطية الصفاد‪ ،‬ومن الوثق‬
‫سع أو‬
‫صفاد‪-‬يكون من ِن ْ‬
‫الصفد‪ ،‬ويقال للشيء الذي يوثق به النسان‪ :‬ال ّ‬
‫ِقّد؛ وقال الشاعر ُيعّير لقيط بن زرارة بأسر أخيه معبد‪ :‬الكامل‬
‫هل مننت على أخيك معبد والعامري يقوده بصفاِد‬
‫وقال أبو عبيد‪:‬في حديث النبي عليه السلم أن ال تبارك وتعالى جعل‬
‫حسنات ابن آدم بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف‪ ،‬وقال ال عز وجل‪:‬‬
‫خُلف فم الصائم عند ال أطيب من ريح‬
‫إل الصوم لي وأنا أجزي به؛ ول ُ‬
‫المسك‪.‬‬
‫قوله‪ :‬الصوم لي وأنا أجزي به‪ ،‬وقد علمنا أن أعمال البر كلها ل تعالى‬
‫وهو َيجزي بها فنرى‪ -‬وال أعلم‪ -‬أنه إنما خص الصوم بأن يكون هو‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫الذي يتولى جزاءه لن الصوم ل يظهر من ابن آدم بلسان ول فعل فتكتبه‬
‫ظة‪ ،‬وإنما هو َنّية بالقلب وإمساك عن حركة المطعم والمشرب‬
‫حَف َ‬
‫ال َ‬
‫حب من التضعيف وليس على‬
‫والنكاح‪ ،‬يقول‪ :‬فأنا أَتَوّلى جزاءه على ما ُا ِ‬
‫كتاب ُكتب له‪ ،‬ومما يبين ذلك قوله عليه السلم‪ :‬ليس في الصوم رياء‪.‬‬
‫وذلك أن العمال كلها ل تكون إل بالحركات إل الصوم خاصة فإنما هو‬
‫بالنية التي قد خفيت على الناس‪ ،‬فإذا نواها فكيف يكون ههنا رياء? هذا‬
‫عندي‪ -‬وال أعلم‪ -‬وجه الحديث قال أبو عبيد‪ :‬بلغني عن سفيان بن عيينة‬
‫أنه فسر قوله‪ :‬كل عمل ابن آدم له إل الصوم فأنه لي وأنا أجزي به‪،‬‬
‫صبر‪ ،‬يصبر النسان عن المطعم والمشرب‬
‫قال‪ :‬لن الصوم هو ال َ‬
‫ب) يقول‪ :‬فثواب‬
‫حسا ٍ‬
‫جَرُهْم ِبَغْيِر ِ‬
‫ن َأ ْ‬
‫صاِبُرو َ‬
‫والنكاح‪ ،‬ثم قرأ (إّنَما ُيوّفى ال ّ‬
‫الصبر ليس له حساب يعلم من كثرته‪ ،‬ومما يقوي قول سفيان الذي يروى‬
‫ن) قال هو في التفسير‪:‬‬
‫حْو َ‬
‫ساِئ ُ‬
‫في التفسير قول ال تبارك وتعالى (ال ّ‬
‫الصائمون‪ ،‬يقول‪ :‬فإنما الصائم بمنزلة السائح ليس يتلذذ بشيء وأما قوله‬
‫خلوف فإنه تغير طعم الفم لتأخير الطعام‪ ،‬يقال منه‪ :‬خلف فمه يخُلف‬
‫في ال ُ‬
‫خلوفا‪ ،‬قال الكسائي والصمعي وغيرهما‪.‬‬
‫ُ‬
‫ومنه حديث علي رضي ال عنه حين سئل عن الُقبلة للصائم فقال وما‬
‫أربك إلى خلوف فيها‪.‬‬
‫والصوم أيضا في أشياء سوى هذا ‪ ،‬يقال للقائم الساكت‪ :‬صائم؛ قال‬
‫النابغة الذبياني‪ :‬البسيط‬
‫ل تعلك‬
‫تحت الَعجاج وخي ٌ‬
‫ل غير‬
‫ل صياٌم وخي ٌ‬
‫خي ٌ‬
‫جَما‬
‫الّل ُ‬
‫صـائمٍة‬
‫ويقال للنهار إذا اعتدل وقام قائم الظهيرة‪ :‬قد صام؛ قال امرؤ القيس‪:‬‬
‫الطويل‬
‫ل إذا صام النهار‬
‫َذمو ٍ‬
‫ل اْلَهّم عنك‬
‫سّ‬
‫ع ذا و َ‬
‫َفَد ْ‬
‫جَرا‬
‫وَه ّ‬
‫بحسرة‬
‫صْوَماً) ويروى‪ :‬صمتا‪.‬‬
‫حمن َ‬
‫ت ِللّر ْ‬
‫وقرأ أنس بن مالك (ِإّني َنَذْر ُ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه أمر بالثمد الُمَرّوح عند‬
‫النوم‪ ،‬وقال‪ :‬ليتقه الصائم‪.‬‬
‫قوله الُمَرّوح‪ -‬أراد المطيب بالمسك‪ ،‬فقال‪ :‬مروح‪ -‬بالواو‪ ،‬وإنما هو من‬
‫الريح‪ ،‬وذلك أن أصل الريح الواو‪ ،‬وإنما جاءت الواو ياء لكسرة الراء‬
‫قبلها‪ ،‬فإذا رجعوا إلى الفتح عادت الواو‪ ،‬أل ترى أنهم قالوا‪ :‬ترّوحت‬
‫بالمروحة‪ -‬بالواو‪ ،‬وجمعوا الريح فقالوا‪ :‬أرواح‪ ،‬لما انفتحت الواو?‬
‫وكذلك قولهم‪ :‬تروح الماء وغيره‪ -‬إذا تغيرت ريحه‪.‬‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫وفي هذا الحديث من الفقه أنه رخص في المسك أن يكتحل به ويتطيب‬
‫به؛ وفيه أنه كرهه للصائم‪ ،‬وإنما وجه الكراهة أنه ربما خلص إلى‬
‫الحلق‪ ،‬وقد جاء في الحديث الرخصة فيه وعليه الناس؛ وأنه ل بأس‬
‫بالكحل للصائم‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم لعلكم سُتدِركون أقواما‬
‫شَرق الموتى فصلوا الصلة للوقت الذي تعرفون ثم‬
‫يؤخرون الصلة إلى َ‬
‫صلوها معهم‪.‬‬
‫شَرق الموتى‪ ،‬فان ذلك في تفسيرين‪:‬‬
‫أما قوله‪ :‬يؤخرون الصلة إلى َ‬
‫أحدهما يروى عن الحسن بن محمد ابن الحنفية‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬سمعت‬
‫مروان الفزاري يحدثه عنه أنه سئل عن ذلك فقال‪ :‬أ لم تر إلى الشمس‬
‫إذا ارتفعت عن الحيطان وصارت بين القبور كأنها لجة? فذلك شرق‬
‫الموتى؛ قال أبو عبيد‪ :‬يعني أن طلوعها وشروقها إنما هو تلك الساعة‬
‫للموتى دون الحياء‪ ،‬يقول‪ :‬إذا ارتفعت عن الحيطان فظننت أنها قد‬
‫غابت فإذا خرجت إلى المقابر رأيتها هناك‪.‬‬
‫ص النسان بريقه وأن‬
‫وأما التفسير الخر فانه عن غيره قال‪ :‬هو أن يغ ّ‬
‫يشرق به عند الموت‪ ،‬فأراد أنهم كانوا يصلون الجمعة ولم يبق من النهار‬
‫إل بقدر ما بقي من نفس هذا الذي قد شرق بريقه‪.‬‬
‫وفي غير هذا الحديث زيادة ليست في هذا‪ ،‬عن النبي عليه السلم في‬
‫تأخير الصلة مثل ذلك إل أنه لم يذكر شرق الموتى؛ وزاد فيه‪ :‬فصلوا‬
‫حة‪.‬‬
‫سْب َ‬
‫في بيوتكم للوقت الذي تعرفون واجعلوا صلتكم معهم ُ‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬يعني بالسبحة النافلة‪ ،‬وبيان ذلك في حديث آخر أنه قال‪:‬‬
‫اجعلوها نافلة؛ وكذلك كل نافلة في الصلة فهي سبحة‪.‬‬
‫ومنه حديث ابن عمر أنه كان يصلي سبحته في مكانه الذي يصلي فيه‬
‫حْين َ*) يروى في‬
‫سّب ِ‬
‫ن اْلُم َ‬
‫ن ِم َ‬
‫ل َاّنه َكا َ‬
‫المكتوبة‪ .‬قال ال عز وجل (َفَلْو َ‬
‫التفسير‪ :‬من المصلين‪ .‬وفي هذا الحديث من الفقه أنه يرد قول من خرج‬
‫على السلطان ما دام يقيم الصلة‪ ،‬فلو رخص لهم في حال لكان في هذه‬
‫الحال إذا كانوا يصلون الصلة لغير وقتها فكيف إذا صلوها لوقتها? هذا‬
‫يرد قوله أشد الرد؛ وفي الحديث أيضا ما يبين اختلف الناس فيمن صلى‬
‫وحده ثم أعاد في جماعة‪ ،‬فقال بعضهم‪ :‬صلته هي الولى‪ ،‬وقال‬
‫بعضهم‪ :‬بل هي التي صلى في جماعة؛ فقد تبين لك في هذا الحديث أن‬
‫صلته المكتوبة هي الولى‪ ،‬وان التي بعدها نافلة وإن كانت في جماعة‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه كانت فيه دعابة‪ .‬قوله‪:‬‬
‫الدعابة‪ -‬يعني المزاح‪ ،‬وفيه ثلث لغات‪ :‬الُمزاحة‪ ،‬والُمزاح والَمزح؛‬
‫وفي حديث آخر يروى عنه عليه السلم انه قال‪ :‬إن لمزح وما أقول إل‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫حقا‪ ،‬وذلك فيما يروى مثل قوله‪ :‬اذهبوا بنا إلى فلن البصير نعوده‪-‬‬
‫لرجل مكفوف أراد البصير القلب؛ ومثل قوله للعجوز التي قالت‪ :‬ادع ال‬
‫جز‪ ،‬كأنه أراد قول ال جل‬
‫أن ُيدخلني الجنة‪ ،‬فقال‪ :‬إن الجنة ل تدخلها الع ُ‬
‫عُربًا َأْتَرابًا*) يقول‪ :‬فإذا‬
‫ن َأْبكارًا* ُ‬
‫جَعْلَناُه ّ‬
‫شاٍء* َف َ‬
‫ن إْن َ‬
‫شْأَناُه ّ‬
‫ثناؤه (إّنا َأْن َ‬
‫صارت إلى الجنة فليست بعجوز حينئذ؛ ومنه قوله لبن أبي طلحة وكان‬
‫له ُنَغر فمات فجعل يقول‪ :‬ما فعل الّنَغير يا أبا عمير!؛ هذا وما أشبهه من‬
‫المزاح وهو حق كله‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬وفي حديث النغير أنه قد أحل صيد‬
‫المدينة وقد حرمها‪ ،‬فكأنه إنما حرم الشجر أن تعضد ولم يحرم الطير كما‬
‫حرم طير مكة؛ قال أبو عبيد‪ :‬وقد يكون هذا الحديث أن يكون الطائر‬
‫إنما أدخل من خارج المدينة إلي المدينة فلم ينكره لهذا ول أرى هذا إل‬
‫وجه الحديث؛ ومما يبين ذلك أن الدعابة الِمزاح‪ ،‬قوله لجابر بن عبد ال‬
‫حين قال له‪ :‬أ ِبكرا تزوجت أم ثيبا? قال‪ :‬يل ثيبا‪ ،‬قال‪َ :‬فَهل بكرا‬
‫تداعبها وتداعبك? وبعضهم يقول‪ :‬تلعبها وتلعبك‪ .‬قال اليزيدي‪ :‬يقال‬
‫عب‪ ،‬وكان اليزيدي يقول‪:‬‬
‫عابة‪ ،‬وقال بعضهم‪َ:‬د ِ‬
‫من الدعابة‪ :‬هذا رجل َد ّ‬
‫إنما هو من الِمزاح وينكر ما سواها؛ قال أبو عبيد‪ :‬والِمزاح عندنا‬
‫مصدر مازحته ممازحة وِمزاحا‪ ،‬فأما مصدر "مزحت" فكما قال‬
‫أولئك‪ُ:‬مزاحا‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬إذا أقبل الليل من ههنا‬
‫وأدبر النهار وغربت الشمس فقد أفطر الصائم‪.‬‬
‫وفي هذا الحديث من الفقه أنه إن أكل أو لم يأكل فهو مفطر‪ ،‬هذا يرد‬
‫قول المواصلين؛ يقول‪ :‬ليس للمواصل فضل على الكل‪ ،‬لن الصيام ل‬
‫يكون بالليل فهو مفطر على كل حال أكل أو ترك‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬صوموا لرؤيته وأفطروا‬
‫لرؤيته فان حال بينكم وبينه سحاب أو ظلمة أو َهبوة فأكملوا العدة‪ ،‬ل‬
‫تستقبلوا الشهر استقبال‪ ،‬ول تصلوا رمضان بيوم من شهر شعبان‪.‬‬
‫قوله‪ :‬هبوة‪ -‬يعني الغبرة تحول دون رؤية الهلل‪ ،‬وكل غبرة هبوة‪،‬‬
‫ب؛ وكان الكسائي‬
‫ويقال لُدقاق التراب إذا ارتفع‪ :‬قد هبا يهبو هبوا فهو ها ٍ‬
‫ينشد هذه البيات‪ ،‬أنشدني أشياخ من بني تميم يروونه عن أشياخهم عن‬
‫هوبر الحارثي‪ :‬الطويل‬
‫نِء فيما بيننا ابن‬
‫شْ‬
‫على ال ّ‬
‫أل هل أتى التيم بن عبِد‬
‫تميِم‬
‫مناءٍة‬
‫علينا تميم من شظى‬
‫عنا النعمان يوم‬
‫صِر َ‬
‫ِبَم ْ‬
‫وصميم‬
‫تأَلبـت‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫تزود منا بين أذنـاه ضـربًة دعته إلى هابي التراب عقيم‬
‫قوله‪ :‬هابي التراب‪ -‬يعني ما ارتفع من التراب ودق؛ وقوله‪ :‬بين أذناه‪،‬‬
‫هي لغة بني الحارث بن كعب يقولون‪ :‬رأيت رجلن‪ .‬وقول النبي عليه‬
‫السلم‪ :‬ل تستقبلوا الشهر استقبال‪ ،‬يقول‪ :‬ل تقدموا رمضان بصيام قبله‬
‫وهو قوله‪ :‬ول تصلوا رمضان بيوم من شعبان‪ .‬وسمعت محمد بن‬
‫الحسن يقول في هذا‪ :‬إنما كره التقدم قبل رمضان إذا كان يراد به‬
‫رمضان‪ ،‬فأما إذا كان أراد به التطوع فل بأس به‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬وبيان‬
‫هذا في حديث مرفوع قال‪ :‬ل تقدموا رمضان بيوم ول يومين إل أن‬
‫يوافق ذلك صوما كان يصومه أحدكم‪ ،‬صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته‪،‬‬
‫غّم عليكم فصوموا ثلثين يوما ثم أفطروا‪.‬‬
‫فان ُ‬
‫غّم عليكم فعدوا ثلثين‪ ،‬فجعله‬
‫وفي هذا الحديث من الفقه أيضا قوله‪ :‬فان ُ‬
‫ل يجزيهم على غير رؤيته أقل من ثلثين؛ ففي هذا ما يبين لك انه ل‬
‫يجزى في شيء تسعة وعشرين إل يكون ذلك على الرؤية؛ وكذلك لو‬
‫كان على رجل صوم شهر في نذر أو كفارة فصامه مع الرؤية وأفطر‬
‫معها فكان الشهر تسعا وعشرين‪ ،‬أجزأه‪ ،‬وإن اعترض الشهر لم يجزه‬
‫أقل من ثلثين؛ فهذا وما أشبهه على ذا‪ ،‬وحديث أبي هريرة أصل لكل‬
‫شيء من هذا الباب‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬صلة القاعد على النصف‬
‫من صلة القائم‪ .‬قال‪ :‬كان النبي عليه السلم شريكي فكان خير شريك ل‬
‫يدارئ ول يماري؛ وفي حديث سفيان قال قال السائب للنبي عليه السلم‪:‬‬
‫ت خير شريك ل تدرائ ول تماري‪.‬‬
‫ت شريكي فكن َ‬
‫كن َ‬
‫قوله‪ :‬صلة القاعد على النصف من صلة القائم‪ ،‬إنما معناه‪ -‬وال أعلم‪-‬‬
‫على التطوع خاصة من غير علة من مرض ول سواه‪ ،‬ول تدخل‬
‫الفريضة في هذا الحديث‪ ،‬لن رجل لو صلى الفريضة قاعدا أو نائما‬
‫وهو ل يقدر إل على ذلك كانت صلته تامة مثل صلة القائم إن شاء ال‬
‫لنه من عذر‪ ،‬وإن صلها من غير عذر قاعدا أو نائما لم يجزه البتة‪،‬‬
‫وعليه العادة؛ وهذا وجه الحديث‪ .‬وأما قوله‪ :‬ل يدارئ ول يماري‪ ،‬فان‬
‫المدارأة ههنا مهموز من دارأت‪ ،‬وهي المشاغبة والمخالفة على صاحبك‪.‬‬
‫ج) يعني‬
‫خِر ٌ‬
‫ل ُم ْ‬
‫ومنها قول ال عز وجل (َوِإْذ َقَتْلُتْم َنْفسًا َفاّدرْءُتْم ِفْيَها َوا ُ‬
‫اختلفهم في القتيل‪.‬‬
‫ومن ذلك حديث إبراهيم أو الشعبي‪ -‬شك أبو عبيد‪ -‬في المختلعة إذا كان‬
‫الدرء من قبلها فل بأس أن يأخذ منها‪ .‬والمحدثون يقولون‪ :‬هو الدرو‪-‬‬
‫بغير همزة‪ ،‬وإنما هو الدرء من درأت‪ ،‬فإذا كان الدرء من قبلها فل بأس‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫أن يأخذ منها‪ ،‬وإن كان من قبله فل نأخذ‪ -‬يعني بالدرء النشوز‬
‫والعوجاج والختلف‪ ،‬وكل من دفعته عنك فقد درأته؛ وقال أبو زبيد‬
‫يرثي ابن أخيه‪ :‬الخفيف‬
‫ب المستضعف‬
‫شغ ُ‬
‫ال َ‬
‫كان عنـي يرد درأك بـعـَد‬
‫الِمّربِد‬
‫يعني دفعك‪.‬‬
‫وفي حديث آخر قال النبي عليه السلم‪ :‬كان ل يشاري ول يماري‪.‬‬
‫لجة‪ ،‬يقال للرجل‪ :‬قد استشرى‪ -‬إذا لج في الشيء وهو‬
‫فالمشاراة‪ :‬الم ّ‬
‫شبيه بالمدارأة‪.‬‬
‫وأما المداراة في حسن الخلق والمعاشرة مع الناس فليس من هذا‪ ،‬هذا‬
‫غير مهموز‪ ،‬وزعم الحمر أن مداراة الناس تهمز ول تهمز؛ قال أبو‬
‫ت‪.‬‬
‫عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬ل يدخل الجنة َقّتا ٌ‬
‫قال الكسائي وأبو زيد أو أحدهما‪ :‬قوله‪ :‬قتات‪ -‬يعني النمام‪ ،‬يقال منه‪:‬‬
‫ت الحاديث قتا‪ -‬أي َيِنِمّها نما‪.‬‬
‫فلن َيُق ّ‬
‫وقال الصمعي في الذي ينمي الحاديث‪ :‬هو مثل القتات إذا كان بّلغ هذا‬
‫عن هذا على وجه الفساد والنميمة‪ ،‬يقال منه‪ :‬نّميت=مشددة‪ ،‬تنمية‪-‬‬
‫مخففة‪ ،‬فأنا أنّميه‪ .‬وإن كان إنما يبّلغ الحديث على وجه الصلح وطلب‬
‫الخير‪ ،‬يقال منه‪َ :‬نَميت الحديث إلى فلن‪ .‬مخففة‪ -‬فأنا أنميه‪ .‬ليس‬
‫بالكاذب من أصلح بين الناس فقال خيرا ونمى خيرا‪ -‬يعني أبلغ ورفع‪،‬‬
‫وكل شيء رفعته فقد ّنميته؛ ومنه قول النابغة‪ :‬البسيط‬
‫واّنمِ الُقتود على عيراَنٍة‬
‫سّد عما ترى إذ ل‬
‫َفع َ‬
‫جـِد‬
‫ُا ُ‬
‫ارتجاع له‬
‫خضاب في اليد والشعر وإنما هو ارتفع وعل فهو‬
‫ولهذا قيل‪ :‬نمي ال ِ‬
‫ينمي‪ ،‬وزعم بعض الناس أن ينمو لغة‪ .‬وبلغني عن سفيان بن عيينة أنه‬
‫سنه ليرضيه بذلك لم‬
‫قال‪ :‬لو أن رجل اعتذر إلى رجل فحّرف الكلم وح ّ‬
‫يكن كاذب بتأويل الحديث‪ ،‬ليس بالكاذب من أصلح بين الناس فقال خيرا‬
‫ونمى خيرا‪ ،‬قال فإصلحه فيما بينه وبين صاحبه أفضل من إصلح ما‬
‫بين الناس‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه نهى عن كسب الَزّمارة‪.‬‬
‫قال الحجاج‪ :‬الزمارة الزانية‪ ،‬قال أبو عبيد‪ :‬فمعنى قوله هذا مثل قوله إنه‬
‫نهى عن مهر البغي‪ ،‬والتفسير في الحديث‪ ،‬ولم أسمع هذا الحرف إل‬
‫خذ‪ ،‬وقال بعضهم‪ :‬الَرّمازة‪ ،‬وهذا عندي‬
‫فيه‪ .‬ول أدري من أي شيء ُا ِ‬
‫خطأ قفي هذا الموضع؛ أما الرمازة في حديث آخر‪ ،‬وذلك أن معناها‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫مأخوذ من الرمز‪ ،‬وهي التي تؤمي بشفتيها أو بعينيها؛ فأي كسب لها‬
‫ههنا ينهي عنه‪ ،‬ول وجه للحديث إل ما قال الحجاج الزمارة‪،‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬وهذا عندنا أثبت ممن خالفه‪ ،‬إنما نهى رسول ال صلى ال‬
‫ل ُتْكِرُهْوا‬
‫عليه وسلم عن كسب الزانية‪ ،‬وبه نزل القرآن في قوله (َو َ‬
‫حياِة الّدْنَيا) فهذا‬
‫ض اْل َ‬
‫عَر َ‬
‫صَنا َلَتْبَتُغْوا َ‬
‫ح ّ‬
‫ن َت َ‬
‫ن َاَرْد َ‬
‫عَلى اْلِبَغآِء ِا ْ‬
‫َفَتَياِتُكْم َ‬
‫الَعَرض هو الكسب‪ ،‬وهو مهر البغي وهو الذي جاء فيه النهي وهو كسب‬
‫المة‪ ،‬كانوا ُيكرهون فتياتهم على البغاء ويأكلون كسبهن حتى أنزل ال‬
‫تبارك تعالى في ذلك النهي؛ حدثني يحي بن سعيد عن العمش عن أبي‬
‫سفيان عن جابر قال‪ :‬كانت أمة لعبد ال بن أبي وكان ُيكرهها على الزنى‬
‫صَنا َلَتْبَتُغْوا‬
‫ح ّ‬
‫ن َت َ‬
‫ن َاَرْد َ‬
‫عَلى اْلِبَغآِء ِا ْ‬
‫ل ُتْكِرُهْوا َفَتَياِتُكْم َ‬
‫فنزل قوله (َو َ‬
‫حْيٌم)‪.‬‬
‫غفْوٌر ّر ِ‬
‫ن َ‬
‫ن َبْعِد إْكَراِهِه ّ‬
‫ن ال ِم ْ‬
‫ن َفِا ّ‬
‫ن ُيْكِرْهُه ّ‬
‫حياِة الّدْنَيا َوَم ْ‬
‫ض اْل َ‬
‫عَر َ‬
‫َ‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬فالمغفرة لهن ل للموالي‪ ،‬قال وحدثني إسحاق الزرق عن‬
‫عوف عن الحسن في هذه الية قال‪ :‬لهن وال‪ ،‬لهن وال‪ ،‬لهن وال‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬ل ترفع عصاك عن أهلك‪.‬‬
‫قال الكسائي وغيره‪ :‬يقال‪ :‬إنه لم يرد العصا التي يضرب بها ول أمر‬
‫أحدا قط بذلك‪ ،‬ولكنه أراد الدب‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬وأصل العصا الجتماع‬
‫شّقوا عصا المسلمين‪ -‬أي فرقوا‬
‫والئتلف؛ ومنه قيل للخوارج‪ :‬قد َ‬
‫جماعتهم؛ وكذلك قول صلة بن أشيم لبي السليل‪ :‬إياك وقتيل العصا‪-‬‬
‫ق عصا المسلمين؛ ومنه قيل‬
‫شّ‬
‫يقول‪ :‬إياك أن تكون قاتل أو مقتول في َ‬
‫للرحل إذا أقال بالمكان واطمأن به واجتمع إليه أمره‪ :‬فد ألقى عصاه؛‬
‫وقال الشاعر‪ :‬الطويل‬
‫كما قرعينًا بالياب‬
‫فألقت عصاها واستقرت بها‬
‫المـسـافـُر‬
‫النوى‬
‫وكذلك يقال أيضا‪ :‬ألقى أرواقه‪ ،‬وألقى بوانيه‪ .‬فكان وجه الحديث أنه أراد‬
‫بقوله‪ :‬ل ترفع عصاك عن أهلك‪ -‬أي امنعهم من الفساد والختلف‬
‫وأّدبهم؛ وقد يقال للرجل إذا كان رفيقا حسن السياسة لما ولى‪ :‬إنه للّين‬
‫العصا؛ قال معن بن أوس المزني يذكر ماء وإبل‪ :‬الطويل‬
‫ع لّين‬
‫ب واد ٌ‬
‫شِري ٌ‬
‫عليه َ‬
‫جـُلـْه‬
‫جّماِته وُتسا ِ‬
‫يساجلها ُ‬
‫العصا‬
‫الجمات في موضع النصب‪ ،‬الرجل يساجل الرجل الماء والبل تساجله‬
‫في الشرب‪ ،‬والسجل الدلو فيها الماء‪ ،‬والذنوب مثله‪ ،‬وإنما ذكر ماء وإبل‬
‫ورجل يقوم عليها فقال هذا؛ ول يكون سجل ول َذنوبا حتى يكون فيها‬
‫ماء‪.‬‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫خبِز‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه لم يشَبع من لحم و ُ‬
‫ف‪.‬‬
‫ضَف ٍ‬
‫ف إل أن ابن كثير قال‪َ :‬‬
‫ظ ٍ‬
‫شَ‬
‫ف‪ -‬وبعضهم يقول‪َ :‬‬
‫ضَف ٍ‬
‫إل على َ‬
‫قال أبو زيد‪:‬يقال في الضفف والشظف جميعا إنهما الضيق والشدة‪-‬‬
‫يقول‪ :‬لم يشبع إل بضيق وقلة‪ ،‬وقال ابن الرقاع‪ :‬الكامل‬
‫ف الموِر شداَدها‬
‫ظ ِ‬
‫شَ‬
‫ت في َ‬
‫ت من المعيشِة َلّذًة=ولقي ُ‬
‫صْب ُ‬
‫ولقد أ َ‬
‫ويقال في الضفف قول أخر‪ ،‬قالوا‪ ،‬قالوا‪ :‬هو اجتماع الناس‪ ،‬يقول‪ :‬لم‬
‫ضُفوف‪،‬‬
‫يأكل وحده ولكن مع الناس‪ ،‬قال الصمعي‪ :‬يقال‪ :‬هذا ماء َم ْ‬
‫وهو الذي َكَثر عليه الناس؛ قال أبو عبيد قال الشاعر‪ :‬الرجز‬
‫سَتقي في الّنَز ِ‬
‫ح‬
‫ل َي ْ‬
‫جْو ِ‬
‫ف‬
‫ب ال ُ‬
‫ت الُغرو ِ‬
‫إل ُمدارا ُ‬
‫ضُفْو ِ‬
‫ف‬
‫اْلَم ْ‬
‫فالَنّزح‪ :‬الماء القليل؛ والُغروب‪ :‬الدلء التي تستقى بها على البل؛‬
‫شُفوٌه‪ -‬إذا‬
‫والجوف الِعظام الجواف؛قال الصمعي‪ :‬ويقال أيضا‪ :‬ماء َم ْ‬
‫كثر عليه الناس؛ وماء مثمود كذلك أيضا إذا كثروا عليه حتى ينفذوه إل‬
‫أقّلة‪ ،‬ومنه قيل‪ :‬رجل مثمود‪ -‬إذا أكثر النكاح حتى ينزف‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ُ :‬بّلوا أرحامكم ولو بالسلم‪.‬‬
‫ل‪-‬إذا وصلتها‬
‫لً‬
‫ل وِب َ‬
‫ت رحمي أبّلها َب ّ‬
‫وقال أبو عمرو وغيره‪ :‬يقال‪َ :‬بَلْل ُ‬
‫طفأ بالبرد‪ ،‬كما‪:‬‬
‫وَنّديتها بالصلة؛ وإنما شبهت قطيعة الرحم بالحرارة ُت ْ‬
‫صلة هي البرد‪ ،‬والحرارة هي‬
‫ت بها عطشه؛ يقال‪ :‬كان ال َ‬
‫سقيته شربة برد ُ‬
‫القطيعة؛ قال العشى‪ :‬الكامل‬
‫َوِوصال رحٍم قد برد َ‬
‫ت‬
‫ب ِنعمٍة َتّمْمـَتـهـا‬
‫َأّما لطاِل ِ‬
‫ِبلَلَها‬
‫صَلة وإن لم يكن بٌر غيره‪.‬‬
‫وفي هذا الحديث من العلم أنه جعل السلم ِ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬ل يدخل الجنة من ل يأمن‬
‫جارُه بوائَقه‪.‬‬
‫قال الكسائي وغيره‪ :‬بوائُقه غوائله وشره‪ ،‬ويقال للداهية و الَبِلّية تنزل‬
‫بالقوم‪ :‬قد أصابتهم بائقٌة‪.‬‬
‫ومنه الحديث الخر في الدعاء‪ :‬أعوذ بك من بوائق الدهر ومصيبات‬
‫الليالي واليام‪.‬‬
‫قال الكسائي‪ :‬باَقْتهم البائقة فهي َتُبوُقهم َبوَْقا‪ ،‬ومثله‪َ :‬فَقَرْتهم الفاِقرة‪،‬‬
‫صلّ‪ -‬إذا كان داهيا وُمنَكرا؛ إنما‬
‫صاّلة بمعناها‪ ،‬ويقال‪ :‬رجل ِ‬
‫صّلْتهم ال ّ‬
‫و َ‬
‫شبه الصل بالحية‪.‬‬
‫ُ‬
‫سّكة مأبورة‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬خير المال ِ‬
‫وَفَرس مأمورة‪ ،‬وبعضهم يقول‪ُ :‬مهرة مأمورة‪.‬‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫سّكة مأبورة‪ ،‬فيقال‪ :‬هي الطريقة المستوية المصطّفة من‬
‫وأما قوله‪ِ :‬‬
‫سَككًا لصطفاف الدور فيها كطرائق‬
‫النخل‪ ،‬ويقال‪ :‬إنما سميت الِزّقة ِ‬
‫النخل‪.‬‬
‫وأما المأبورة فهي التي قد ُلّقحت‪ ،‬قال أبو عبيد‪ :‬يقال‪ُ :‬لِقحت للواحدة‬
‫خفيفة ولّقحت للجميع بالتثقيل‪ -‬إذا كان جماعة شدّد وخفف؛ وإذا كان‬
‫ت النخل فأنا‬
‫واحدا لم يكن إل التخفيف؛ وأبرت‪ -‬بالتشديد‪ ،‬ويقال‪َ :‬أَبْر ُ‬
‫أبِرها ْأبرا وهي نخل مأبورة‪.‬‬
‫ومنه الحديث المرفوع‪ :‬من باع نخل قد ُأّبرت فثمرتها للبائع إل أن‬
‫يشترط المبتاع‪.‬‬
‫ويقال أيضا‪ :‬ائتبرت عيري‪ -‬إذا سألته أن يأُبر لك نخلك‪ ،‬وكذلك الزرع‪،‬‬
‫قال طرفة‪ :‬الرمل‬
‫ح الِبَر َزْرع المؤَتِبْر‬
‫ُيصِل ُ‬
‫ل الذي في مثله‬
‫ي الص ُ‬
‫َوِل َ‬
‫فالبر‪ :‬العامل‪ ،‬والمؤتبر‪:‬رب الزرع‪ ،‬والمأبور‪ :‬الزرع والنخل الذي قد‬
‫لقح‪.‬‬
‫فأما الفرس أو الُمهرة المأمورة‪ ،‬فإنها الكثيرة النتاج‪ ،‬وفيها لغتان‪ :‬أمرها‬
‫ال فهي مأمورة‪ ،‬وآمرها فهي مؤمرة؛ وقد قرأ بعضهم‪َ( :‬وِإَذَا َأَرْدَنا َأ ْ‬
‫ن‬
‫ك َقْرَيًة َاَمْرَنا ُمْتَرِفْيَها) غير ممدود‪ ،‬فقد يكون هذا من المر؛ يروى‬
‫ّنْهِل َ‬
‫عن الحسن أنه فسرها‪ :‬أمرناهم بالطاعة فعصوا‪ .‬وقد يكون "أَمْرنا"‬
‫بمعنى أكثرنا على قوله‪ :‬فرس مأمورة‪ ،‬ومن قرأها‪:‬آَمْرنا‪ ،‬فمدها فليس‬
‫معناها إل أكثرنا على قوله‪ :‬فرس مأمورة؛ ومن قرأهاَِاّمرنا‪ -‬مشددة‪،‬‬
‫سّلطنا؛ ويقال في الكلم قد أمر القوم يأمرون‪-‬‬
‫فهو من التسليط‪ ،‬يقول‪َ :‬‬
‫إذا كثروا‪ ،‬وهو من قوله‪ :‬فرس مأمورة‪ .‬وأهل الحجاز يؤنثون النخل‪،‬‬
‫وأهل الحديث ُيَذّكرون‪ ،‬وكذلك الشعير‪ ،‬فإذا قالوا‪ :‬نخيل‪ ،‬لم يختلفوا في‬
‫سدر وكلما كلن جمعه على لفظ الواحد مثل تمرة وتمر‬
‫التأنيث‪ ،‬والتمر وال ّ‬
‫ونخلة ونخل‪ ،‬وكلما جاءك من هذا فهو مثل الول‪.‬‬
‫بسم ال الرحمن الرحيم ‪ \//‬وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪:‬‬
‫ل ول تقلدوها الوتار‪.‬‬
‫َقّلدوا الخي َ‬
‫قال‪ :‬وبلغني عن النضر بن شميل أنه قال‪ :‬عرضت الخيل على عبيد ال‬
‫بن زياد فمرت به خيل بني مازن‪ ،‬فقال عبيد ال‪ :‬إن هذه لخيل‪ ،‬قال‪:‬‬
‫والحنف بن قيس جالس فقال‪ :‬إنها لخيل لو كانوا يضربونها على‬
‫الوتار‪ ،‬فقال فلن بن مشجعة المازني‪ -‬قال‪ :‬ل أعمله إل قال خبثمة‪،‬‬
‫وقال بعض الناس‪ :‬يقول هذا الذي رد على الحنف فلن بن الهلقم‪ -‬أما‬
‫يوم قتلوا إياك فقد ضربوها على الوتار؛ فلم يسمع للحنف سقطة‬

‫غريب الحديث لبن قتيبة‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫غيرها‪.‬‬
‫فمعنى الوتار ههنا‪ :‬الذخول‪ ،‬يقول‪ :‬ل يطلبون عليها الذخول التيوتروا‬
‫بها في الجاهلية‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬هذا معنى يذهب إليه بعض الناس أن‬
‫النبي صلى ال عليه وسلم أراد ل تطلبوا عليها الذخول‪ ،‬وغير هذا الوجه‬
‫أشبه عندي بالصواب‪ ،‬قال‪ :‬سمعت محمد بن الحسن يقول‪ :‬إنما معناها‬
‫أوتار القسي‪ ،‬وكانوا يقلدونها تلك فتختنق‪ ،‬يقال‪ :‬ل تقلدوها بها؛ ومما‬
‫يصدق ذلك حديث هشيم عن أبي بشر عن سلمان اليشكري عن جابر أن‬
‫النبي صلى ال عليه وسلم أمر أن تقطع الوتار من أعناق الخيل‪ .‬قال أبو‬
‫عبيد‪ :‬وبلغني عن مالك بن أنس أنه قال‪ :‬إنما كان يفعل ذلك بها مخافة‬
‫العين عليها‪ .‬قال‪ :‬حدثنيه عنه أبو المنذر الواسطي‪ :‬يعني أن الناس كانوا‬
‫يقلدونها لئل تصيبها العين فأمرهم النبي عليه السلم بقطعها يعلمهم أن‬
‫الوتار ل ترد من أمر ال شيئا‪ ،‬وهذا أشبه بما كره من التمائم‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬ل يخطب الرجل على‬
‫خطبة أخيه ول يبيع على بيعه‪ .‬قال‪ :‬أحسبه قال‪ :‬إل بأذنه‪.‬‬
‫قال‪ :‬كان أبو عبيدة وأبو زيد وغيرهما من أهل العلم يقولون‪ :‬إنما النهي‬
‫في قوله‪ :‬ل يبيع على بيع أخيه‪ ،‬إنما هو ل يشتر على شراء أخيه‪ ،‬فإنما‬
‫وقع النهي على المشتري ل على البائع‪ ،‬لن العرب تقول‪ :‬بعث الشيء‬
‫بمعنى اشتريته؛ قال أبو عبيد‪ :‬وليس للحديث عندي وجه إل هذا لن‬
‫البائع ل يكاد يدخل على البائع‪ ،‬وهذا في معاملة الناس قليل‪ ،‬وإنما‬
‫المعروف أن يعطي الرجل بسلعته شيئا فيجيء آخر فيزيد عليه؛ ومما‬
‫يبين ذلك ما تكلم الناس فيه من بيع من يزيد حتى خافوا كراهته‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫كانوا يتبايعون به في مغازيهم فقد علم أنه في بيع من يزيد‪ ،‬إنما يدخل‬
‫المشترون بعضهم على بعض‪ ،‬فهذا يبين لك أنهم طلبوا الرخصة فيه لن‬
‫الصل إنما هو على المشترين‪ .‬قال‪ :‬وحدثني علي بن عاصم عن أخضر‬
‫بن عجلن عن أبي بكر الحنفي عن أنس أن النبي عليه السلم‪ .‬باع قدح‬
‫رجل وحلسه فيمن يزيد‪ .‬فقال أبو عبيد‪ :‬فإنما المعنى ههنا أيضا‬
‫المشترين‪ .‬ومثله أنه نهى عن الخطبة كما نهى عن بيع فقد علمنا أن‬
‫الخاطب إنما هو طالب بمنزلة المشتري‪ ،‬فإنما وقع النهي على الطالبين‬
‫دون المطلوب إليهم؛ وقد جاء في أشعار العرب أن قالوا للمشتري‪ :‬بائع؛‬
‫قال‪ :‬أخبرني الصمعي أن جرير بن الخطفي كان ينشد لطرفة بن العبد‪:‬‬
‫الطويل‬
‫ن َلـْم‬
‫سيأِتْيك ِبالْنَباء َم ْ‬
‫غٌد َما غٌد أقرب اليوَم من‬
‫ُتـَزّوِد‬
‫غـٍد‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫ب َلُه َوْق َ‬
‫ت‬
‫ضِر ْ‬
‫َبَتاتًا َوّلْم َت ْ‬
‫ن لْم َتِبـْع‬
‫سيأِتَيك بالْنَباء َم ْ‬
‫عِد‬
‫َمْو ِ‬
‫َلـه‬
‫قوله‪ :‬لم تبع له بتاتا‪ -‬أي لم يشتر له؛ وقال الحطيئة‪ :‬الطويل‬
‫ت ِلُذبيان العلَء بمالكا‬
‫وِبع َ‬
‫ساَرٍة‬
‫خَ‬
‫ضُهْم ِب َ‬
‫ع َبنيِة َبْع ُ‬
‫وَبا َ‬
‫فقوله‪ :‬باع بنيه بعضهم بخسارة‪ ،‬وهو من البيع فهو يذمه به؛ وقوله‪ :‬بعت‬
‫لذبيان العلء بمالكا‪ .‬معناه اشتريت لقومك العلء‪ -‬أي الشرف بمالك‪.‬‬
‫قال‪ :‬وبلغني عن مالك بن أنس أنه قال‪ :‬إنه نهى أن من صاحبه وركن‬
‫ن يِرُكن‪ ،‬فأما قبل الرضى فل بأس أن يخطبها من شاء‪.‬‬
‫إليه‪ ،‬ويقال‪َ :‬رَك َ‬
‫طِفُكْم‪.‬‬
‫خّيُرْوا ِلُن َ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث عن النبي عليه السلم‪َ :‬ت َ‬
‫قوله‪ :‬تخيروا لنطفكم‪ -‬يقول‪ :‬ل تجعلوا نطفكم إل في طهارة إل أن تكون‬
‫الم‪ -‬يعني أم الولد لغير رشدة وأن تكون في نفسها ذلك‪.‬‬
‫ومنه حديث الخر أنه نهى أن يسترضع بلبن الفاجرة؛ ومما يحقق ذلك‬
‫حديث عمر بن الخطاب أن اللبن تشبه عليه؛ وقد روى ذلك عن عمر ابن‬
‫عبد العزيز أيضا‪ ،‬فإذا كان ذلك يتقي في الرضاع من غير قرابة ول‬
‫نسب فهو في القرابة أشد وأوكد‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬ل تعضية في ميراث إل إذا‬
‫حمل القسم‪.‬‬
‫قوله‪ :‬ل تعضية في ميراث‪ -‬يعني أن يموت الرجل ويدع شيئا إن قسم‬
‫بين ورثته إذا أراد بعضهم القسمة كان في ذلك ضرر عليه‪ -‬يقول‪ :‬فل‬
‫يقسم ذلك؛ والتعضية‪ :‬التفريق‪ ،‬وهو مأخوذ من العضاء‪ ،‬يقول‪ :‬عضيت‬
‫اللحم‪ -‬إذا فرقته‪ .‬ويروى عن ابن عباس رضي ال عنهما في قوله (َاّلِذْي َ‬
‫ن‬
‫ن)‪ :‬رجال آمنوا ببعضه وكفروا ببعضه‪ .‬وهذا من‬
‫ضْي َ‬
‫ع ِ‬
‫ن ِ‬
‫جَعُلوا الُقْرآ َ‬
‫َ‬
‫التعضية أيضا أنهم فرقوا‪ ،‬والشيء الذي ل يحتمل القسمة مثل الحبة من‬
‫الجوهر‪ ،‬وأنها إذا فرقت لم ينتفع بها‪ ،‬وكذلك الحمام يقسم وكذلك‬
‫الطيلسان من الثياب وما أشبه ذلك؛ وهذا باب جسيم من الحكم‪ ،‬ويدخل‬
‫فيه الحديث الخر‪ :‬ل ضرر ول ضرار في السلم‪ .‬فإن أراد بعض‬
‫الورثة قسم ذلك دون بعض لم يجب إليه ولكنه يباع ويقسم ثمنه‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم حين سأله أبو رزين العقيلي‪:‬‬
‫أين كان ربنا قبل أن يخلق السماوات والرض? فقال‪ :‬كان في عماء‬
‫تحته هواء وفوقه هواء‪.‬‬
‫قوله‪ :‬في عماء‪ ،‬في كلم العرب السحاب البيض؛ قال الصمعي‬
‫وغيره‪ :‬هو ممدود؛ وقال الحارث بن حلزة اليشكري‪ :‬الخفيف‬
‫صٍم َينجاب عنه العماُء‬
‫ى ِبَنا أع‬
‫ن َترِد ْ‬
‫ن الَمُنْو َ‬
‫وكأ ّ‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫يقول‪ :‬هو في ارتفاعه قد بلغ السحاب ينشق عنه‪ ،‬يقول‪ :‬نحن في عزنا‬
‫مثل العصم فالمنون إذا أرادتنا فكأنما تريد أعصم قال زهير يذكر ظباء‬
‫وبقرا‪ :‬الوافر‬
‫ش أْر َ‬
‫ى‬
‫ن ُبُرْوَقُه َوَيُر ّ‬
‫شْم َ‬
‫َي ِ‬
‫جِبها الَعَماُء‬
‫حَوا ِ‬
‫ب على َ‬
‫جُنْو ِ‬
‫َ‬
‫اْ‬
‫ل‬
‫وإنما تأولنا هذا الحديث على كلم العرب المعقول عنهم ول ندري كيف‬
‫كان ذلك العماء وما مبلغه وال أعلم؛ وأما العمى في البصر فإنه مقصور‬
‫وليس هو من معنى هذا الحديث في شيء‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬إن العرش على منكب‬
‫إسرافيل وإنه ليتواضع ل حتى يصير مثل الوصع‪.‬‬
‫يقال في الوصع‪ :‬إنه الصغير من أولد العصافير‪ ،‬ويقال‪ :‬هو طائر‬
‫صغير يشبه بالعصفور الصغير في صغر جسمه‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أن رجل حلب عنده ناقة‬
‫ي اللبن‪.‬‬
‫عَ‬
‫فقال له النبي عليه السلم‪َ :‬دعْ َدا ِ‬
‫قوله‪ :‬دع داعي اللبن‪ ،‬يقول‪ :‬أبق في الضرع قليل‪ ،‬ل تستوعبه كله في‬
‫الحلب‪ ،‬فإن الذي تبقيه فيه يدعو ما فوقه من اللبن فينزله‪ ،‬وإذا استنفض‬
‫كل ما في الضرع أبطأ عليه الدر بعد ذلك‪.‬‬
‫شوا ول َتَداَبُروا‪.‬‬
‫جُ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬ل َتَنا َ‬
‫قوله‪ :‬ل تناجشوا‪ ،‬هو في البيع أن يزيد الرجل في ثمن السلعة وهو ل‬
‫يريد شراءها ولكن ليسمعه غيره فيزيد على زيادته‪ .‬وهو الذي يروي فيه‬
‫عن عبد ال بن بي أوفى قال‪ :‬الناجش آكل ربا خائن‪.‬‬
‫وأما التدابر فالمصارمة والهجران‪ ،‬مأخوذ من أن يولي الرجل صاحبه‬
‫دبره ويعرض عنه بوجهه وهو القاطع؛ وقال حمرة بن مالك الصدائي‬
‫يعاتب قومه‪ :‬الطويل‬
‫حُكم أن‬
‫صى أُبوُكْم وْي َ‬
‫وأو َ‬
‫س بأن‬
‫أأوصى أبو َقْي ٍ‬
‫َتَدابُروا‬
‫صُلـوا‬
‫َتَتوا َ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه قال‪ :‬ل تماروا في القرآن‬
‫فأن مراء فيه كفر‪.‬‬
‫وجه الحديث عندنا ليس على الختلف في التأويل ولكنه عندنا على‬
‫الختلف في اللفظ على أن يقرأ الرجل القراءة على حرف فيقول له‬
‫الخر‪ :‬ليس هكذا ولكنه كذا على خلفه‪ ،‬وقد أنزلهما ال جميعا‪ ،‬يعلم ذلك‬
‫في حديث النبي عليه السلم أنه قال‪ :‬إن القرآن نزل على سبعة أحرف‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫كل حرف منها كاف شاف؛ ومنه حديث عبد ال بن مسعود‪ :‬إياكم‬
‫والختلف والتنطع فإنما هو كقول أحدكم هلم وتعال‪ .‬فإذا جحد هذان‬
‫ن‪ -‬أن‬
‫الرجلن كل واحد منهما ما قرأ صاحبه لم يؤمن‪ -‬أو قال‪َ :‬يْقَم َ‬
‫يكون ذلك قد أخرجه إلى الكفر لهذا المعنى‪ .‬ومنه حديث عمر فاه عمر‬
‫معاذ بن معاذ عن ابن عون عن أبي عمران الجوني عن عبد ال بن‬
‫خَتَلْفُتْم فقوُموا عنه‪.‬‬
‫ن َما اّتفْقُتْم فإذا ا ْ‬
‫الصامت عن عمر قال‪ِ :‬اْقَرُؤوا الُقْرآ َ‬
‫وفاه حجاج عن حماد بن زيد عن أبي عمران عن جندب بن عبد ال أنه‬
‫قال مثل ذلك‪ ،‬ومنه حديث أبي العالية فاه حدثنا ابن علية عن شعيب بن‬
‫الحبحاب عن أبي العالية الرياحي‪ :‬أنه كان إذا قرأ عنده إنسان لم يقل‪:‬‬
‫ليسه هكذا‪ ،‬ولكن يقول‪ :‬أما أنا فأقرأ هكذا‪ ،‬قال شعيب‪ :‬فذكرت ذلك‬
‫لبراهيم‪ ،‬فقال‪ :‬أرى صاحبك قد سمع أنه من كفر بحرف فقد كفر به‬
‫كله‪ .‬وقال أبو عبيد في حديث النبي عليه السلم إنه قال‪ :‬ما نزل من‬
‫ل حّد مطلع‪ .‬فقلت‪ :‬يا با‬
‫ف حّد وِلُك ّ‬
‫حْر ٍ‬
‫ل َ‬
‫القرآن آية إل ظهر وبطن وِلك ّ‬
‫سعيد! ما المطلع? قال‪ :‬يطلع قوم يعلمون به؛ قال أبو بعيد‪ :‬فأحسب قول‬
‫الحسن هذا إنما ذهب به إلى قول عبد ال بن مسعود فيه‪ ،‬حدثني حجاج‬
‫عن شعبه عن عمرو بن مرة عن عبد ال قال‪ :‬ما من حرف‪ -‬أو قال‪:‬‬
‫آية‪ -‬إل وقد عمل بها قوم سيعلمون بها‪ ،‬فان كان الحسن ذهب إلى هذا‬
‫فهو وجه‪ ،‬وإل كان المطلع في كلم العرب على غير هذا الوجه وقد‬
‫فسرناه في موضع آخر‪ ،‬وهو المأتي الذي يؤتى منه حتى يعلم على‬
‫القرآن من كل ذلك المأتى والمصعد‪.‬‬
‫وأما قوله‪ :‬لها ظهر وبطن‪ ،‬فأن الناس قد اختلفوا في تأويله‪ ،‬يروى عن‬
‫الحسن أنه سئل عن ذلك فقال‪ :‬أن العرب يقول‪ :‬قد قبلت أمري ظهر‬
‫البطن‪ .‬وقال غيره‪ :‬الظهر لفظ القرآن والبطن تأويله‪ .‬وفيه قول ثالث‬
‫وهو عندي أشبه القاويل بالصواب وذلك أن ال عز وجل قد قص عليك‬
‫من نبأ عاد وثمود وغيرهما من القرون الظالمة لنفسها‪ ،‬فأخبر بذنوبهم‬
‫وما عاقبهم بها‪ ،‬فهذا الظهر‪ ،‬إنما هو حديث حدثك به عن قوم فهو في‬
‫الظاهر خبر‪ ،‬وأما الباطن منه فكأنه صير ذلك الخبر عظة لك وتنبيها‬
‫وتحذيرا أن تفعل فعلهم فيحل بك ما حل بهم من عقوبته‪ ،‬أل ترى أنه لما‬
‫أخبرك عن قوم لوط وفعلهم وما أنزل بهم أن ذلك مما يبين ذلك أن من‬
‫صنع ذلك عوقب بمثل عقوبتهم؛ وهذا كرجل قال لك‪ :‬إن السلطان أتى‬
‫بقوم قتلوا فقتلهم‪ ،‬وآخرين سرقوا فقطعهم‪ ،‬وشربوا الخمر فجلدهم؛ فهذا‬
‫الظاهر إنما هو حديث حدثك به‪ ،‬والباطن أنه قد وعظك بذلك وأخبرك‬
‫أنه يفعل ذلك بمن أذنب تلك الذنوب‪ ،‬فهذا هو البطن على ما يقال‪ -‬وال‬

‫غريب الحديث لبن قتيبة‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫أعلم‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬إذا تمنى أحدكم فليكثر فإنما‬
‫يسأل ربه‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬فقد جاءت في هذا الحديث الرخصة في التمني عن النبي‬
‫ضَ‬
‫ل‬
‫ل َتَتَمّنْوا َما َف ّ‬
‫عليه السلم‪ ،‬وهي في التنزيل نهى‪ ،‬قال ال تعالى (َو َ‬
‫ض) ولكل وجه غير وجه صاحبه‪ ،‬فأما التمني‬
‫على َبْع ٍ‬
‫ضُكْم َ‬
‫ل ِبه َبْع َ‬
‫ا ُ‬
‫المنهى عنه فأن يتمنى الرجل مال غيره أن يكون ذلك له ويكون صاحبه‬
‫خارجا منه على وجه الحسد من هذا والبغي عليه؛ وقد روى في بعض‬
‫الحديث ما بين ذلك حدثني كثير بن هشام عن جعفر بن برقان عن‬
‫ميمون بن مهران قال‪ :‬مكتوب في الحكمة أو في ما أنزل على موسى‬
‫عليه السلم‪ :‬ل تتمن مال جارك ول امرأة جارك‪ .‬فهذا المكروه الذي‬
‫فسرنا؛ وأما المباح فأن يسأل الرجل ربه‪ ،‬فهذا أمنيته من أمر دنياه‬
‫وآخرته‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬فجعل التمني ههنا المسألة وهي المنية التي أذن‬
‫فيها‪ ،‬لن القائل إذا قال‪ :‬ليت ال يرزقني وكذا‪ ،‬فهو تمنى ذلك الشيء أن‬
‫ضِله)‪ .‬وهذا تأويل الحديث‬
‫ن َف ْ‬
‫ل ِم ْ‬
‫سَئُلوا ا َ‬
‫يكون له‪ ،‬أل تراه يقول (َوا ْ‬
‫الذي فيه الرخصة‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬إن عم الرجل صنو أبيه‪-‬‬
‫يعني أن أصلهما واحد‪ ،‬فأصل الصنو إنما هو النخل في قوله تعالى (‬
‫ن) الصنوان‪ :‬المجتمع‪ ،‬وغير الصنوان‪ :‬المفترق‪.‬‬
‫صْنَوا ٍ‬
‫غْيُر ِ‬
‫صْنَوُان ّو َ‬
‫ِ‬
‫وفي غير هذا الحديث‪ :‬هما النخلتان يخرجان من أصل واحد فشبه‬
‫صْنوان والِقْنو قنوان على لفظ اثنين‬
‫صنو ِ‬
‫الخوان بهما؛ والعرب تجمع ال ّ‬
‫بالرفع‪ ،‬وإنما يفترقان بالعراب لن نون الثنين محفوضة ونون الجمع‬
‫يلزمها العراب على كل وجه‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬الزبير ابن عمتي وحواري‬
‫من أمتي‪.‬‬
‫يقال‪ :‬إن أصل هذا وال أعلم إنما هو الحواريين أصحاب عيسى بان‬
‫مريم صلوات ال عليه وعلى نبينا‪ ،‬وإنما سموا حواريين لنهم كانوا‬
‫يغسلون الثياب أي يحورونها‪ ،‬وهو التبييض‪ .‬يقال‪ :‬حورت الشيء إذا‬
‫بيضته‪ ،‬ومنه قيل‪ :‬امرأة حوارية‪ -‬إذا كانت بيضاء؛ قال الشاعر‪ :‬الطويل‬
‫ب الَنواب ُ‬
‫ح‬
‫ل ُ‬
‫ل اْلِك َ‬
‫ل َتْبِكَنا إ ّ‬
‫غْيَرَنا َو َ‬
‫ن َ‬
‫حَواِرّيات َيْبِكْي َ‬
‫ل لل َ‬
‫َفُق ْ‬
‫كان أبو عبيدة يذهب بالحواريات إلى نساء المصار دون أهل البوادي‪،‬‬
‫وهذا عندي يرجع إلى ذلك المعنى لن عند هؤلء من البياض ما ليس‬
‫عند أولئك من البياض‪ ،‬فسماهن حواريات لهذا‪ ،‬فلما كان عيسى عليه‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫السلم نصره هؤلء الحواريون فكانوا شيعته وأنصاره دون الناس‪ ،‬فقيل‪:‬‬
‫فعل الحواريون كذا ونصره الحواريون بكذا‪ ،‬جرى هذا على السنة الناس‬
‫حتى صار لكل ناصر‪ ،‬فقيل‪ :‬حواري‪ -‬إذا كان مبالغا في نصرته تشبيها‬
‫بأولئك؛ هذا كما بلغنا وال أعلم‪ ،‬وهذا كما قلت لك‪ :‬إنهم يحولون اسم‬
‫الشيء إلى غيره إذا كان من شبيه‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬ل يموت لمؤمن ثلثة أولد‬
‫فتمسه النار إل تحلة القسم‪.‬‬
‫على‬
‫ن َ‬
‫ل َواِرُدَها َكا َ‬
‫ن ّمْنُكْم إ ّ‬
‫قوله‪ :‬تحلة القسم‪ -‬يعني قول ال تعالى (َوِإ ْ‬
‫ضّيا) فل يردها إل بقدر ما يبر ال به قسمه فيه؛ وفي هذا‬
‫حْتمًا ّمْق ِ‬
‫ك َ‬
‫َرّب َ‬
‫الحديث من العلم أصل للرجل يحلف‪ :‬ليفعلن كذا وكذا‪ ،‬فيفعل منه جزءا‬
‫دون ليبر في يمينه‪ ،‬كالرجل يحلف‪ :‬ليضربن مملوكه‪ ،‬فيضربه ضربا‬
‫دون شرب‪ ،‬فيكون قد بر في القليل كما يبر في الكثير؛ ومنه ما قص ال‬
‫تعالى بالضغث‪ ،‬ولم يكن أيوب عليه السلم نواه حين حلف‪ .‬وقال أبو‬
‫عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم إن أنخع السماء عند ال أن يتسمى‬
‫الرجل باسم ملك الملك‪ -‬وبعضهم يرويه‪ :‬إن أخنع السماء عند ال‪.‬‬
‫فمن رواه‪ :‬أنخع‪ ،‬أراد أقتل السماء وأهلكها له‪ ،‬والنخع هو القتل الشديد‪،‬‬
‫ومنه النخع في الذبيحة أن يجوز بالذبح إلى النخاع‪.‬‬
‫ومن روى‪ :‬أخنع‪ ،‬أراد أشد السماء ذل وأوضعها عند ال إذ يسمى بملك‬
‫الملك فوضعه ذلك عند ال‪ .‬وكان سفيان بن عيينة يفسر قوله‪ :‬ملك‬
‫الملك‪ ،‬قال‪ :‬هو مثل قولهم‪ :‬شاهان شاه‪ -‬أي أنه مالك الملوك؛ وقال‬
‫غير سفيان‪ :‬بل هو أن يتمسى الرجل بأسماء ال كقوله‪ :‬الرحمن والجبار‬
‫والعزيز‪ ،‬قال‪ :‬فال هو ملك الملك ل يجوز أن تسمى بهذا السم غيره؛‬
‫وكل القولين له وجه وال أعلم‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬إذا مر أحدكم بطربال مائل‬
‫فليسرع المشي‪.‬‬
‫قوله‪ :‬الطربال‪ ،‬كان أبو عبيدة يقول‪ :‬هذا شبيه بالمنظر من مناظر العجم‬
‫كهيئة الصومعة وأبناء المرتفع؛ قال جرير‪ :‬الكامل‬
‫ق‬
‫ب الُعُرو ِ‬
‫شد ُ‬
‫ي بها َ‬
‫أُلو ْ‬
‫طـْرَبـا ِ‬
‫ل‬
‫على ِ‬
‫َفَكأّنما َوَكَنت َ‬
‫شذب‬
‫ُم َ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه كان يقول في مرضه‪:‬‬
‫ص بها لسانه‪.‬‬
‫الصلة وما ملكت أيمانكم‪ ،‬فجعل يتكلم وما ُيِفْي ُ‬
‫ص بها لسانه‪ ،‬يقول‪ :‬وما يبين بها كلمه؛ يقال‪ :‬ما يفيص‬
‫قوله‪ :‬وما ُيِفْي ُ‬
‫فلن بكلمة‪ ،‬إذا لم يقدر على أن يتكلم بها ببيان‪ ،‬قالها الصمعي وغيره‪.‬‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫حْوا بالرض فإنها ِبُكم‬
‫سُ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪َ :‬تَم ّ‬
‫َبّرة‪.‬‬
‫قوله‪ :‬تمسحوا‪ -‬يعني للصلة عليها والسجود‪ -‬يعني أن تباشرها بنفسك‬
‫في الصلة من غير أن يكون بينك وبينه شيء يصلي عليه‪ .‬وإنما هذا‬
‫عندنا على وجه البر ليس على أن من ترك ذلك كان تاركا للسنة‪ ،‬وقد‬
‫روى عن النبي عليه السلم وغيره من أصحابه أنه كان يسجد على‬
‫خْمَرِة؛ فهذا هو الرخصة‪ ،‬وذلك على وجه الفضل‪.‬‬
‫ال ُ‬
‫وأما قوله‪ :‬فإنها بكم َبّرٌة‪ -‬يعني أنه منها خلقهم وفيها معاشهم وهي بعد‬
‫الموت كفاتهم‪ ،‬فهذا وأشباه له كثير من بر الرض بالناس‪ .‬وقد تأول‬
‫بعضهم قوله‪ :‬تمسحوا بالرض على التميم‪ ،‬وهو وجه حسن‪ .‬وقد روى‬
‫عن عبد ال بن مسعود أنه كره أن يسجد الرجل على شيء دون‬
‫الرض‪ ،‬ولكن الرخصة في هذا أكثر من الكراهة‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه كان يدعو في دعائه‬
‫حْوبتي‪.‬‬
‫ل َ‬
‫سْ‬
‫غِ‬
‫ب َتَقّبل َتوبتي وا ْ‬
‫يقول‪َ :‬ر ّ‬
‫حْوبًا‬
‫ي‪ -‬يعني المأثم‪ ،‬وهو من قول ال عز وجل (إّنُه َكَان ُ‬
‫حْوَبِت ْ‬
‫قوله‪َ :‬‬
‫َكِبْيرًا) وكل مأثم حوبة وحوبة؛ ومنه الحديث الخر أن رجل أتى إلى‬
‫حْوبة? فقال‪:‬‬
‫النبي عليه السلم فقال‪ :‬إني أتيتك لجاهد معك‪ ،‬فقال‪ :‬ألك َ‬
‫نعم‪ ،‬قال‪ :‬ففيها فجاهد‪ .‬يروى عن أشعث بن عبد الرحمن عن الحسن‬
‫يرفعه قوله‪ :‬حوبة‪ -‬يعني ما تأثم فيه إن ضيعته من حرمة‪ ،‬وبعض أهل‬
‫العلم يتأوله على الم خاصة‪ ،‬وهي عندي كل حرمة تضيع إن تركتها من‬
‫أم أو أخت أو غير ذلك‪ ،‬قال الصمعي‪ :‬بات بحيبة سوؤ‪ -‬إذا بات بسوء‬
‫حال وشدة؛ قال ويقال‪ :‬فلن يتحوب من كذا وكذا‪ -‬إذا كان يتغيظ منه‬
‫ويتوجع؛ قال الطفيل بن عوف الغنوي‪ :‬الطويل‬
‫ِمن الَغْيظ في أْكَباِدنا‬
‫غَداة‬
‫َفُذْوقوا كما ُذْقنا َ‬
‫حّوب‬
‫والّت َ‬
‫جـر‬
‫حّ‬
‫ُم َ‬
‫وقد يكون التحوب التعبد والتجنب للمأثم‪ ،‬ومنه الحديث الذي يروى عن‬
‫زيد بن عمرو بن نفيل أنه كان يخرج إلى هنالك للتحوب‪ ،‬وبعضهم‬
‫يرويه‪ :‬التحيب‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬كل مولود يولد على الفطرة‬
‫صَراِنه‪.‬‬
‫حتى يكون أبواه ُيَهّوداِنه أو ُيَن ّ‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬فسألت عن هذا الحديث فقال‪ :‬كان هذا في أول السلم قبل‬
‫أن تنزل الفرائض وقبل أن يؤمر المسلمون بالجهاد‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬كأنه‬
‫يذهب إلى أنه لو كان يولد على الفطرة ثم مات قبل أن ُيَهّوَده أبواه أو‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫صَراه ما ورثهما ول ورثاه لنه مسلم وهما كافران‪ ،‬وكذلك ما كان‬
‫ُيَن ّ‬
‫يجوز أن يسبي‪ ،‬يقول‪ :‬فلما نزلت الفرائض وجرت السنن بخلف ذلك‬
‫علم أنه يولد على دينهما‪ -‬هذا قول محمد بن الحسن؛ فأما عبد ال ابن‬
‫المبارك فانه سئل عن تأويل هذا الحديث فقال‪ :‬تأويله الحديث الخر أن‬
‫النبي عليه السلم سئل عن أطفال المشركين فقال‪ :‬ال أعلم بما كانوا‬
‫عاملين؛ يذهب إلى أنهم يولدون على ما يصيرون إليه من إسلم أو كفر‪،‬‬
‫فمن كان في علم ال أن يصير مسلمًا فانه يولد على الفطرة‪ ،‬ومن كان‬
‫في علمه أنه يموت كافرا ولد على ذلك؛ قال‪ :‬ومما يشبه هذا الحديث‬
‫حديثه الخر أنه قال‪ :‬يقول ال تعالى‪ :‬خلقت عبادي جميعا حنفاء‬
‫فاجتالتهم الشياطين عن دينهم وجعلت ما نحلت لهم من رزق فهو حلل‬
‫ل أ َرَاْيُتْهم ّمَا‬
‫فحرم عليهم الشيطان ما أحللت‪ .‬كأنه يريد قول ال تعالى (ُق ْ‬
‫عَلى ال‬
‫ن َلُكْم أْم َ‬
‫ل أِذ َ‬
‫لا ُ‬
‫ل ُق ْ‬
‫لً‬
‫حَ‬
‫ق ّو َ‬
‫ن ِرْز ٍ‬
‫ل َلُكْم ّم ْ‬
‫لا ُ‬
‫أْنَز َ‬
‫جَعْلُتْهم ِمْنُه‬
‫ن) ويروى في التفسير عن مجاهد في قوله (َف َ‬
‫َتْفَتُرْو َ‬
‫حَرامًا) أنها البحائر والسيب؛ فقال أبو عبيد‪ :‬يعني ما كانوا يحرمون من‬
‫َ‬
‫ل ِم ْ‬
‫ن‬
‫لا ُ‬
‫جَع َ‬
‫ظهورها وألبانها والنتفاع بها‪ ،‬وفيها نزلت هذه الية‪َ( :‬ما َ‬
‫حاٍم)‪.‬‬
‫ل َ‬
‫صْيَلٍة ّو َ‬
‫ل َو ِ‬
‫ساِئَبٍة ّو َ‬
‫ل َ‬
‫حْيَرٍة و َ‬
‫َب ِ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه قال ذات غداة‪ :‬إنه أتاني‬
‫الليلة آتيان فابتعثاني فانطلقت معهما فأتينا على رجل مضطجع وإذا رجل‬
‫قائم عليه بصخرة وإذا هو يهوي بالصخرة َفَيْثَلُغ بها رأسه َفَتَدْهَدى‬
‫الصخرة‪ ،‬قال‪ :‬ثم انطلقنا فأتينا على رجل مستلق وإذا رجل قائم عليه‬
‫بكلوب وإذا هو يأتي أحد شقي وجهه فيشر شر شدقه إلى قفاه‪ ،‬ثم انطلقنا‬
‫فأتينا على مثل بناء التنور فيه رجال ونساء يأتيهم لهب من أسفل فإذا‬
‫أتاهم ذلك ضوضوا‪ ،‬فانطلقنا فانتهينا إلى دوحة عظيمة فقال لي‪ :‬ارق‬
‫فيها فارتقينا فإذا نحن بمدينة مبنية بلبن من ذهب وفضة‪ ،‬فسما بصري‬
‫صعدا فإذا قصر مثل الربابة البيضاء‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬أما قوله‪ :‬رجل مضطجع ورجل يهوي بصخرة فيثلغ بها‬
‫رأسه‪ -‬يعن يشدخه‪ ،‬يقال‪ :‬ثلغت رأسه فأنا أثلغه ثلغا‪ -‬إذا شدخته‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬فيتدهدى الحجر‪ ،‬يقال‪ :‬يعني يتدحرج‪ ،‬يقال منه‪ :‬تدهدا الحجر‬
‫وغيره تدهديا‪ -‬إذا تدحرج‪ ،‬ودهيته أنا أدهديه دهداة ودهداء‪ -‬إذا دحرجته؛‬
‫قاله الكسائي‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬كلوب من حديد‪ ،‬هو الكلب‪ ،‬وهما لغتان‪ُ :‬كلب وَكّلوب‪ ،‬قال أبو‬
‫عبيد‪ :‬والفتح أجود في كلوب‪ ،‬والجمع منها كلليب‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬يشرشر شدقة إلى قفاه‪ -‬يعمي يشققه ويقطعه؛ وقال أبو زبيد‬
‫الطائي يصف السد‪ :‬الطويل‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫عظاٍم أو غري ٍ‬
‫ض‬
‫ُرفاتُ ِ‬
‫ل ُمِغبًا عنـده مـن‬
‫ظّ‬
‫َي َ‬
‫شِر‬
‫مشر َ‬
‫فـَراِئ ٍ‬
‫س‬
‫وقوله‪ :‬فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضوا‪ -‬يعني ضجوا وصاحوا‪ ،‬والمصدر‬
‫منه الضوضاة‪ -‬غير مهموز‪.‬‬
‫وأما الدوحة فالشجرة العظيمة من أي شجر كان‪.‬‬
‫وأما قوله‪ :‬مثل الربابة البيضاء‪ ،‬فإنها السحابة التي قد ركب بعضها‬
‫بعضا‪ ،‬وجمعها رباب‪ ،‬وبه سميت المرأة الرباب؛ قال الشاعر‪ :‬الطويل‬
‫ف الّذرى َداني الّرباب‬
‫س ّ‬
‫ت ِبها ُم ِ‬
‫حّل ْ‬
‫سَقي داَر ِهنٍد حيث َ‬
‫َ‬
‫خـْي ُ‬
‫ن‬
‫َث ِ‬
‫النوى‬
‫وأما الربابة‪ -‬بكسر الراء‪ ،‬فإنها شبيهة بالكنانة‪ ،‬يكون فيها السهام‪ ،‬قال‪:‬‬
‫وبعض الناس يقول‪ :‬الربابة خرقة أو جلدة تجعل فيها القداح شبه الوعاء‬
‫لها؛ قال أبو ذؤيب يصف الحمار والتن‪ :‬الكامل‬
‫سٌر يفيض على الِقداح‬
‫َي َ‬
‫وكـأنـهـن ِربـاَبٌة وكـأنـه‬
‫وَيصد ُ‬
‫ع‬
‫غْ‬
‫ل‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬إن هذا الدين متين فأو ِ‬
‫فيه برفق ول ُتبّغض إلى نفسك عبادة ال فان المنبت ل أرضا قطع ول‬
‫ظهرا أبقى‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪:‬قال الصمعي وغيره‪ :‬قوله‪ :‬فأوغل فيه برفق‪ ،‬اليغال‪:‬‬
‫السير الشديد والمعان فيه‪ ،‬يقال منه‪ :‬أوغلت أوغل إيغال؛ قال أبو عبيد‪:‬‬
‫قال العشى يذكر الناقة‪ :‬الخفيف‬
‫ح سـريعِة اليغـا ِ‬
‫ل‬
‫ِبَنـوا ٍ‬
‫خدًا‬
‫ب َو ْ‬
‫تقطع المعَز الُمَكِوك َ‬
‫فأما الوغل فانه الدخول في الشيء وإن لم يبعد فيه‪ ،‬وكل داخل فهو‬
‫غل‪ ،‬ولهذا قيل للداخل على‬
‫ل وَو ْ‬
‫غل ُوغو َ‬
‫واغل‪ ،‬يقال منه‪ :‬وغلت أ ِ‬
‫غل‪.‬‬
‫الشراب من غير أن يدعى‪ :‬واغل وَو ْ‬
‫وأما قوله‪ :‬فان المنبت ل أرضا قطع ول ظهرا أبقى‪ ،‬فانه الذي يغذ‬
‫السير ويتعب بل فتور حتى تعطب دابته فيبقى منبتا منقطعا به لم يقض‬
‫سفره وقد أعطب ظهره‪ ،‬فشبهه بالمجتهد في العبادة حتى يتحسر؛ ومن‬
‫هذا حديث سلمان رحمه ال‪ :‬وشر السير الحقحقة‪ ،‬وقد قاله مطرف بن‬
‫الشخير لبنه قال فاه بان علية عن إسحاق بن سويد قال‪ :‬تعبد عبد ال بن‬
‫مطرف فقال له مطرف‪ :‬يا عبد ال! العلم أفضل من العمل‪ ،‬والحسنة بين‬
‫السيئتين‪ ،‬وخير المور أوساطها وشر السير الحقحقة‪ .‬وأما قوله‪ :‬الحسنة‬
‫بين السيئتين‪ ،‬فأراد أن الغلو في العمل سيئة‪ ،‬والتقصير عنه سيئة‪،‬‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫والحسنة بينهما وهو القصد؛ كما جاء في الحديث الخر في فضل قارئ‬
‫القرآن‪ :‬غير الغالي فيه ول الجافي عنه؛ فالغلو فيه التعمق‪ ،‬والجفا عنه‬
‫جَع ْ‬
‫ل‬
‫ل َت ْ‬
‫التقصير‪ ،‬وكلهما سيئة؛ ومما يبين ذلك قوله ال عز وجل (َو َ‬
‫ط)‪ .‬وكذلك قوله (َلْم ُيسِْرُفْوا‬
‫سِ‬
‫ل الَب ْ‬
‫طَها ُك ّ‬
‫س ْ‬
‫ل َتْب ُ‬
‫كوَ‬
‫عُنِق َ‬
‫ك َمْغُلْوَلًة إلى ُ‬
‫َيَد َ‬
‫ك َقَوامًا)‪ .‬ومما شيبه هذا الحديث قول تميم‬
‫ن ذِل َ‬
‫ن َبْي َ‬
‫َوَلْم َيْقُتُرْوا َوَكا َ‬
‫الداري قال‪ :‬فاه عبد ال بن المبارك عن الجريري عن أبي العلء قال‬
‫قال تميم الداري‪ :‬خذ من دينك لنفسك ومن نفسك لديتك حتى يستقيم بك‬
‫المر على عبادة تطيقها‪ :‬وكان ابن علية يحدثه عن الجريري عن رجل‬
‫عن تميم ول يذكر أبا العلء‪.‬‬
‫ومثل ذلك حديث يروي عن بريدة السلمي عن النبي عليه السلم أنه‬
‫قال‪ :‬من يشاد هذا الدين يغلبه‪ ،‬قال‪ :‬فاه يزيد وإسماعيل جميعا عن عيينة‬
‫بن عبد الرحمن عن أبيه عن بريدة قال‪ :‬بينما أنا ماش في طريق إذا‬
‫برجل خلفي فالتفت فإذا رسول ال صلى ال عليه وسلم قال‪ :‬فأخذ بيدي‬
‫فانطلقنا فإذا نحن برجل يصلي الركود والسجود‪ ،‬قال فقال لي‪ :‬يا بريدة!‬
‫أتراه يرائي? ثم أرسل يده من يدي ثم جمع يديه جميعا وجعل يقول‪:‬‬
‫عليكم هديا قاصدا‪ ،‬إنه من يشاد هذا الدين يغلبه‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬يؤتي بالرجل يوم القيامة‬
‫فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى‪،‬‬
‫فيقال‪ :‬ما لك? فيقول‪ :‬إني كنت آمر بالمعروف ول آتيه وأنهى عن‬
‫المنكر وآيته‪.‬‬
‫قال أبو عبيد قال الصمعي وغيره‪ :‬القتاب المعاء‪ ،‬قال الكسائي‪:‬‬
‫واحدها قتب‪ ،‬وقال الصمعي‪ :‬واحدها قتبة‪ ،‬وبها سمي الرجل قتيبة‪ ،‬وهو‬
‫تصغيرها‪ .‬وقال أبو عبيدة‪ :‬القتب ما تحوى من البطن‪ -‬يعني استدار‪،‬‬
‫وهي الحوايا؛ قال‪ :‬وأما المعاء فإنها القصاب واحدها قصب‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬أما قوله‪ :‬فتندلق أقتاب بطنه‪ ،‬فان بطنه‪ ،‬فان الندلق‬
‫خروج الشيء من مكانه وكل شيء ندر خارجا فقد أندلق‪ ،‬ومنه قيل‬
‫للسيف‪ :‬قد اندلق من جفنه‪ -‬إذا شقه حتى يخرج منه‪ ،‬ويقال للخيل‪ :‬قد‬
‫اندلقت‪ -‬إذا خرجت فأسرعت السير؛ قال طرفه‪ :‬الرمل‬
‫ل الطير أسرابًا َتُمّر‬
‫كِرعا ِ‬
‫ق في غارٍة مسفـوحٍة‬
‫ُدُل ٌ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪:‬إنه أدهن بزيت غيِر ُمَقّتت‬
‫وهو محرم‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬قوله‪ :‬غير ُمَقّتت‪ -‬يعين غير مطيب‪ ،‬والمقتت هو المطيب‬
‫الذي فيه الرياحين‪ ،‬يطبخ بها الزيت حتى تطيب ويتعالج منه للريح‪.‬‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫فمعنى الحديث أنه ادهن بالزيت بحتا‪ ،‬ل يخالطه شيء؛ وفي الحديث من‬
‫الفقه أنه كره الريحان أن يشمه المحرم‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬أل! إن التتبين من ال‬
‫والعجلة من الشيطان فتبينوا‪.‬‬
‫قال الكسائي وغيره‪ :‬التبين مثل التثبت في المور والتأني فيها؛ وقد روى‬
‫لا ِ‬
‫ل‬
‫سِبْي ِ‬
‫ضَرْبُتْم ِفي َ‬
‫عن عبدة ال بن مسعود أنه كان يقرأ (ِإَذا َ‬
‫َفَتَبّيُنْوا) وبعضهم (َفَتَثّبُتْوا) والمعنى قريب بعضه من بعض‪.‬‬
‫وأما البيان فانه من الفهم وذكاء القلب مع اللسان اللسن؛ ومنه الحديث‬
‫المرفوع‪ :‬إن من البيان سحرا‪ ،‬وذلك أن قيس بن عاصم والزبرقان بن‬
‫بدر وعمرو بن الهتم قدموا على النبي عليه السلم فسأل النبي عليه‬
‫السلم عمرا عن الزبرقان فأثنى عليه خيرا‪ ،‬فلم يرض الزبرقان بذلك‬
‫فقال‪ :‬وال! يا رسول ال! إنه ليعلم أنى أفصل مما قال ولكنه حسدني‬
‫مكاني منك‪ ،‬فأثنى عليه عمرو شرا ثم قال‪ :‬وال يا رسول ال! ما كذبت‬
‫عليه في الولى ول في الخرة‪ ،‬ولكنه أرضاني فقلت بالرضا وأسخطني‬
‫فقلت بالسخط؛ فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ :‬إن من البيان سحرا‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬هو من حديث عباد بن عباد المهلبي عن محمد ابن الزبير‬
‫الحنظلي‪ ،‬قال وحدثني أبو عبد ال الفزاري عن مالك بن دينار قال‪ :‬ما‬
‫رأيت أحدا أبين من الحجاج إن كان ليرقى المنبر فيذكر إحسانه إلى أهل‬
‫العراق وصفحة عنهم وإساءتهم إليه حتى أقول في نفسي‪ :‬وال إني‬
‫لحسبه صادقا وإني لظنهم ظالمين له؛ فكان المعنى‪ -‬وال أعلم‪ -‬أنه يبلغ‬
‫ن بيانه أنه يمدح النسان فيصدق فيه حتى يصرف القلوب إلى قوله‪ ،‬ثم‬
‫يذمه فيصدق فيه حتى يصرف القلوب إلى قوله الخر‪ ،‬فكأنه قد سحر‬
‫السامعين بذلك‪ ،‬فهذا وجه قوله‪ :‬إن من البيان سحرا‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أن رجل أتاه فشكى إليه‬
‫الجوع فأتى النبي صلى ال عليه وسلم بشاة مصلية فأطعمه منها وقيل‪:‬‬
‫بقصعة من ثريد‪.‬‬
‫صَلْي ُ‬
‫ت‬
‫شِوّية؛ يقال منه‪َ :‬‬
‫صِلّية‪ -‬يعني الَم ْ‬
‫قال الكسائي وغير واحد‪ :‬قوله‪َ :‬م ْ‬
‫اللحم وغيره‪ -‬إذا شويته فأنا أصليه صليًا‪ ،‬مثال رميته أرميه رميًا‪ -‬إذا‬
‫فعلت كذا وأنت تريد أن تشويه‪ ،‬فان ألقيته فيها إلقاء كأنك تريد الحراق‬
‫صِلَيًة؛ قال ال عز‬
‫صّلْيِه َت ْ‬
‫صّلّيته أ َ‬
‫قلت‪ :‬أصليته إصلء‪ -‬باللف‪ ،‬وكذلك َ‬
‫صِلْيه َنارًا) وروى عن علي‬
‫ف َن ْ‬
‫سْو َ‬
‫ظْلمًا َف َ‬
‫عْدَوانًا ّو ُ‬
‫ك ُ‬
‫ل ذِل َ‬
‫ن ّيْفَع ْ‬
‫وجل (َوَم ْ‬
‫سِعْيرًا) وكان الكسائي يقرأ به فهذا ليس‬
‫صّلي َ‬
‫رحمه ال أنه كان يقرأ (َوُي َ‬
‫من الشيء إنما هو من إلقائك إياه فيها؛ وقال أبو زبيد‪ :‬المنسرح‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫صّلى المقروُر ِمن‬
‫كما َت َ‬
‫حـْرِبـهـم‬
‫حـّر َ‬
‫ت َ‬
‫صّلْي َ‬
‫فقد َت َ‬
‫َقَر ِ‬
‫س‬
‫يعني البرد؛ ويقال‪ :‬قد صليت بالمر فأنا أصلي به‪ -‬إذا قاسى حره‬
‫وشدته؛ ويقال في غير هذا المعنى‪ :‬صليت لفلن‪ -‬بالتخفيف‪ ،‬وذلك إذا‬
‫عملت له في أمر تريد أن تمحل به فيه وتوقعه في هكلة؛ والصل في‬
‫صالي‪ ،‬وهي شبيه بالشرك تنصب للطير وغيرها‪ .‬وقد روى في‬
‫هذا‪ :‬الَم َ‬
‫حديث من حديث أهل الشام‪ :‬إن للشيطان مصالي وفخوخا‪ -‬يعني ما‬
‫يصيد به الناس‪ ،‬وهو من هذا وليس من الول‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم في السنة في الرأس والجسد‬
‫قال‪ :‬قص الشارب والسواك والستنشاق والمضمضة وتقليم الظفار‬
‫ونتف البط والختان والستنجاء بالحجار والستحداد؛ وفي بعض‬
‫الحديث‪ :‬وانتقاص الماء‪.‬‬
‫فأما الستحداد فانه حلق العانة‪ ،‬ومن ذلك قول النبي عليه السلم حين قدم‬
‫من سفر فأراد الناس أن يطرقوا النساء ليل فقال‪ :‬أمهلوا حتى تمتشط‬
‫حّد الُمِغْيَبة‪ .‬وقال أبو عبيد‪ :‬في آخر هذا الحديث حرف ل‬
‫سَت ِ‬
‫شِعَثة وَت ْ‬
‫ال َ‬
‫س‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬كأنه ذهب إلى‬
‫س الَكي َ‬
‫أحفظه زاد فيه‪ :‬فإذا قدمتم فالَكي َ‬
‫طلب الولد والنكاح؛ ونرى أن أصل الستحداد‪ -‬وال أعلم‪ -‬إنما هو‬
‫الستفعال من الحديدة‪ -‬يعني الستحلق بها‪ ،‬وذلك أن القوم لم يكونوا‬
‫يعرفون النورة‪ .‬وأما إحداد المرأة على زوجها فمن غير هذا‪ ،‬إنما هو‬
‫ترك الزينة والخظاب؛ ونراه مأخوذا من المنع لنها قد منعت من ذلك‪،‬‬
‫ومنه قيل للرجل المحارف‪ :‬محدود‪ ،‬لنه ممنوع من الززق‪ ،‬ولهذا قيل‬
‫للبواب‪ :‬حداد‪ ،‬لنه يمنع الناس من الدخول؛ قال العشى‪ :‬المتقارب‬
‫حّدادَها‬
‫عنَد َ‬
‫إلى جونٍة ِ‬
‫ح ِدْيُكَنا‬
‫صْ‬
‫َفُقْمَنا َوَلّما َي ِ‬
‫والجونة خابية يعني صاحبها الذي يمنعها ويحفظها؛ وفي إحداد المرأة‬
‫لغتان‪ :‬يقال‪ :‬حدت زوجها تحد وتحد حدادا‪ ،‬وأحدت تحد إحدادا‪.‬‬
‫وأما قوله‪ :‬وانتقاص الماء‪ ،‬فانا نراه غسل الذكر بالماء‪ ،‬وذلك أنه إذا‬
‫غسل الذكر ارتد البول ولم ينزل‪ ،‬وإن لم يغسل نزل منه الشيء حتى‬
‫يستبرأ‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬ليس معنى الحديث أنه سمى البول ماء ولكنه أراد‬
‫انتقاص البول بالماء إذا اغتسل به‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أن قوما مروا بشجرة فأكلوا‬
‫منها فكأنما مرت بهم ريح فأخمدتهم فقال النبي عليه السلم‪ :‬قرسوا الماء‬
‫في الشنان وصبوه عليهم فيما بين الذانين‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬قوله‪ :‬قرسوا‪-‬‬
‫يعني َبّردوا‪ ،‬وفيه لغتان‪ :‬الَقَرس‪ -‬بفتح الراء‪ ،‬والقرس‪ -‬بجزمها؛ وقول‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫الناس‪ :‬قد قرس البرد‪ ،‬إنما هو من هذا بالسين ليس بالصاد‪ .‬وأما حديثه‬
‫الخر أن امرأة سألته عن دم المحيض في الثوب فقال النبي عليه السلم‪:‬‬
‫طٍع فهو‬
‫قرصية بالماء‪ ،‬فان هذا بالصاد‪ ،‬يقول‪ :‬قطعيه به‪ ،‬فكل ُمَق ّ‬
‫ُمَقّرص‪ ،‬ويقال للمرأة‪ :‬قد قرص العجين‪ -‬إذا قطعته ليبسطه‪.‬‬
‫وأما قوله‪ :‬في الشنان فإنها السقية والقرب الخلقان‪ ،‬يقال للسقاء‪ :‬شن‪،‬‬
‫والقربة‪ :‬شنة‪ ،‬وإنما ذكر الشنان دون الجدد لنها أشد تبريدا‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬بين الذانين‪ -‬يعني بين أذان الفجر والقامة‪ ،‬فسمى القامة أذانا‪،‬‬
‫وقد فسرنا هذا في غير هذا الموضع‪ .‬وفي هذا الحديث من الفقه أن هذا‬
‫الفعل شبيه بالنشرة فجاءت فيه الرخصة عن النبي عليه السلم في غير‬
‫إصابة العين‪ :‬فقال أبو عبيد‪ :‬وإنما كتبناه من أجل الحديث الخر لن فيه‬
‫من عين أو حمة‪ ،‬والحمة‪ :‬حمة العقرب والحية والزنبور؛ فهذا رخصة‬
‫في غير ذلك‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم؛ ماذا في المرين من الشفاء‬
‫الصبر والثفاء‪ -‬ممدود‪.‬‬
‫يقال‪ :‬إن الثفاء هو الحرف‪ ،‬والتفسير هو في هذا الحديث ولم أسمعه في‬
‫غير هذا الموضع وقد رويت أشياء في مثل هذا لم نسمعها في أشعارهم‬
‫ول في كلمهم إل أن التفسير في الحديث‪ ،‬منه قوله‪ :‬إنه نهى عن كسب‬
‫الزمارة‪ ،‬وتفسير الحديث الزانية‪ .‬ومنه حديث سالم بن عبد ال أنه أمر به‬
‫رجل معه صير فذاق منه ثم سأله‪ :‬كيف يبيعه‪ ،‬تفسيره في الحديث أنه‬
‫الصحناة؛ وكذلك حديثه الخر‪ :‬من أطلع من صير باب ففقئت عينه فهي‬
‫هدر‪ ،‬فتفسيره في الحديث أن الصير هو الشق في الباب‪ .‬ومن ذلك حديث‬
‫عمر رذي ال عنه حين سأل المفقود الذي كان الجن استهوته ما كان‬
‫شرابهم فقال‪ :‬الجدف‪ ،‬وتفسيره في الحديث أنه ما ل يغطى‪ ،‬ويقال‪ :‬إنه‬
‫نبات يكون باليمن‪ ،‬ل يحتاج الذي يأكله إلى أن يشرب عليه الماء؛ وفي‬
‫هذا أحدايث كثيرة‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه احتجم على رأسه بقرن‬
‫حين طب‪.‬‬
‫القرن ليس هو بالمنزل الذي يذكر‪ ،‬إنما هو شبيه المحجمة؛ قال أبو عبيد‪:‬‬
‫قوله‪ :‬طب‪ -‬يعني سحر‪ ،‬يقال منه‪ :‬رجل مطبوب‪ ،‬قال أبو عبيد‪ :‬ونرى‬
‫أنه إنما قيل له‪ :‬مطبوب‪ ،‬لنه كني بالطب عن السحر‪ ،‬كما كنوا عن‬
‫اللديغ فقالوا سليم‪ -‬تطيرا إلى السلمة من اللدغ‪ ،‬وكما كنوا عن الفلة‬
‫وهي المهلكة التي ل ماء فيها فقالوا‪ :‬مفازة‪ ،‬تطيرا من الهلك إلى الفوز؛‬
‫وأصل الطب‪ :‬الحذق بالشياء والمهارة بها‪ ،‬يقال‪ :‬رجل طب وطبيب‪ -‬إذا‬
‫كان كذلك‪،‬‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫إن ُتْغِد في دوني الِقَنا َ‬
‫ع‬
‫س المستلِئم‬
‫طب بأخذ الفاِر ِ‬
‫َ‬
‫فأنني‬
‫وقال علقمة بن عبدة‪ :‬الطويل‬
‫بصير بأدواء النساء طبي ُ‬
‫ب‬
‫فان تسألوني بالنساء فأنني‬
‫ل ِبه‬
‫سَئ ْ‬
‫قوله‪ :‬تسألوني بالنساء‪ ،‬يريد عن النساء؛ ومنه قوله (َف ْ‬
‫خِبْيرًا) وكذلك قوله الناس‪ :‬أتينا فلنا نسأل به‪ ،‬هو من هذا‪ .‬وقال أبو‬
‫َ‬
‫عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬الطيرة والعيافة والطرق من الجبت‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬قوله‪ :‬العيافه‪ -‬يعني زجر الطير‪ ،‬يقال منه‪ :‬عفت الطير‬
‫أعيفها عيافة؛ ويقال في غير هذا‪ :‬عافت الطير تعيف عيفا‪ -‬إذا كانت‬
‫تحوم على الماء‪ ،‬وعاف الطعام يعافه عيافا‪ ،‬وذلك إذا كرهه‪ .‬وأما قوله‬
‫في الطرق فانه الضرب بالحصى؛ ومنه قول لبيد‪ :‬الطويل‬
‫ت الطير ما ال‬
‫ول زاجرا ُ‬
‫لعمرك ما تدري الطوار ُ‬
‫ق‬
‫صاُنـع‬
‫بالحصى‬
‫وقال‪ :‬بعضهم يرويه‪ :‬الضوارب بالحصى‪ ،‬ومعناهما واحد‪ :‬وأصل‬
‫الطرق الضرب‪ ،‬ومنه شميت مطرقة الصائغ والحداد مطرقة لنه يطرق‬
‫بها أي يضرب بها‪ ،‬وكذلك عصا النجاد التي يضرب بها الصوف‪.‬‬
‫والطرق أيضا في غير هذا‪ :‬الماء الذي قد خوضته البل وبولت فيه‪ ،‬فهو‬
‫طرق ومطروق؛ ومنه حديث إبراهيم أنه قال‪ :‬الوضوء بالطرق أحب إلي‬
‫من التميم‪ .‬وأما الطروق فانه من الطارق الذي يطرق ليل‪ .‬وأما الطراق‬
‫فانه يكون من السكوت‪ ،‬ويكون أيضا استرخاء في جفون العين‪ ،‬يقال‬
‫منه‪ :‬رجل مطرق؛ وقال الشاعر في عمر بن الخطاب يرثيه‪ :‬الطويل‬
‫ق العي ِ‬
‫ن‬
‫ي أزر ِ‬
‫سَبْنَت ْ‬
‫ِبَكّفي َ‬
‫وما كنت أخشى أن تكون‬
‫ُمطر ِ‬
‫ق‬
‫وفاتـه‬
‫وأما التطارق فهو اتباع القوم بعضهم بعضا‪ ،‬يقال منه‪ :‬قد تطارق القوم‪-‬‬
‫إذا فعلوا ذلك‪ ،‬ومنه قيل للترسة‪ :‬المجان المطرقة‪ -‬يعني قد أطرقت‬
‫بالجلود والعصب أي ألبسته‪ ،‬وكذلك النعل المطرقة هي التي أضيفت إليها‬
‫ن‪.‬‬
‫جا ّ‬
‫ن وجمعه ِم َ‬
‫جان ِمج ّ‬
‫أخرى؛ واحد الِم َ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه نهى عن قيل وقال وكثرة‬
‫السؤال وإضاعة المال‪ ،‬ونهى عقوق المهات وأراد البنات ومنع وهات‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬يقال‪ :‬إن قوله‪ :‬إضاعة المال‪ ،‬أن يكون في وجهين‪ :‬أما‬
‫أحدهما وهو الصل‪ :‬فما أنفق في معاصي ال‪ ،‬وهو السرف الذي عابه‬
‫ال تبارك وتعالى ونهى عنه فيما أخبرني به ابن مهدي‪ :‬إن كل ما أنفق‬
‫في غير طاعة ال من قليل أو كثير فهو السرف‪ ،‬أو كثير فهو السرف‪،‬‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫والوجه الخر‪ :‬دفع المال إلى ربه وليس هو بموضوع‪ ،‬أل تراه قد خص‬
‫حتى إذا َبَلُغوا النَكا َ‬
‫ح‬
‫أموال اليتامى فقال تبارك وتعالى (واْبَتُلوا الْيَتَاَمى َ‬
‫شدًا َفاْدَفُعْوا ِإَلْيِهْم أْمَواَلُهمْ) قال أبو غبيد‪ :‬قوله‪ :‬فان‬
‫سُتْم ُمْنُهْم ُر ْ‬
‫ن أَن ْ‬
‫َفِا ْ‬
‫أنستم منهم رشدًا‪ ،‬قال‪ :‬العقل‪ ،‬وقال‪ :‬صلحا في دينه وحفظا لماله؛ قال‬
‫أبو عبيد‪ :‬وهذا هو الصل في الحجر على المفسد لماله‪ ،‬أل تراه قد أمر‬
‫سَفَهاَء‬
‫ل ُتْؤُتوا ال ّ‬
‫بمنع اليتيم? فهل يكون الحجر إل هكذا‪ ،‬ومنه قوله‪َ( :‬و ُ‬
‫ل َتأُْكُلْوا أْمَواَلُكْم َبْيَنُكْم‬
‫ل َلُكْم ِقَيامًا) وكذلك قوله (َو َ‬
‫لا ُ‬
‫جَع َ‬
‫أْمَواَلُكُم الِتي َ‬
‫حّكاِم)‪.‬‬
‫ى اْل ُ‬
‫ل َوُتْدُلْوا ِبَها إل َ‬
‫طِ‬
‫ِباْلَبا ِ‬
‫فهذا كله وأشباهه فيما نهى ال ورسوله عنه من إضاعة المال‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬وكثرة السؤال‪ ،‬فإنها مسألة الناس أموالهم‪ ،‬وقد يكون أيضا من‬
‫شَياَء إ ْ‬
‫ن‬
‫نأْ‬
‫عْ‬
‫سَئُلْوا َ‬
‫السؤال عن المور وكثرة البحث عنها‪ ،‬كما قال (ل َت ْ‬
‫سْوا)‪.‬‬
‫سُ‬
‫جّ‬
‫ل َت َ‬
‫سْؤُكْم) وكما قال (َو َ‬
‫ُتْبَدَلُكْم َت ُ‬
‫وأما قوله‪ :‬وأد البنات‪ ،‬فهو من الموؤودة‪ ،‬وذلك أن رجال الجاهلية كانوا‬
‫يفعلون ذلك ببناتهم في الجاهلية وكان أحدهم ربما ولدت له البنة فيدفنها‬
‫وهي حية حين تولد‪ ،‬ولهذا كانوا يسمون القبر صهرا‪ -‬أي إني قد زوجتها‬
‫منه؛ قال الشاعر‪ :‬الرجز‬
‫صْهٌر ضامن ِزّمْي ُ‬
‫ت‬
‫والقبر ِ‬
‫ت تـمـوت‬
‫سميتها إذ ُولـد ْ‬
‫سْبرو ُ‬
‫ت‬
‫يا ابنة شيخ ما له ُ‬
‫يقال‪ :‬أرض سبارت‪ ،‬والواحد سبروت‪ ،‬وهي التي ل شيء فيها‪ ،‬فهذا ما‬
‫في الحديث من الفقه‪.‬‬
‫وفي قوله‪ :‬نهى عن قيل وقال‪ -‬نحو وعربية‪ ،‬وذلك أنه جعل القال‬
‫مصدرا‪ ،‬أل تراه يقول‪ :‬عن قيل وقال? فكأنه قال‪ :‬عن قيل وقول؛ يقال‬
‫على هذا‪ :‬قلت قول وقيل وقال‪ ،‬قال أبو عبيد‪ :‬وسمعت الكسائي يقول في‬
‫ن)؛ فهو‬
‫ي ِفْيِه َيْمَتُرْو َ‬
‫ق اّلِذ ْ‬
‫حّ‬
‫ل اْل َ‬
‫ن َمْرَيَم َقا َ‬
‫سى اْب ُ‬
‫عْي َ‬
‫ك ِ‬
‫قراءة عبد ال (ذِل َ‬
‫من هذا كأنه قال قول الحق الذي فيه يمترون‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه نهى عن التبقر في الهل‬
‫والمال‪.‬‬
‫قال أبو عبيدة‪ :‬تفسيره في الحديث أن ابن مسعود رواه عن النبي عليه‬
‫السلم ثم قال‪ :‬فكيف بمال براذان ومال بكذا ومال بكذا‪ -‬يريد الكثرة‬
‫والسعة؛ قال الصمعي‪ :‬وهو من هذا‪ ،‬و أصل التبقر التوسع والتفتح‪،‬‬
‫ومنه قيل‪ :‬بقرت بطنه‪ -‬إنما هو شققته وفتحته‪ .‬قال أبو عبيد ومن هذا‬
‫حديث أبي موسى حين أقبلت الفتنة بعد مقتل عثمان رحمه ال‪ ،‬فقال‪ :‬إن‬
‫هذه الفتنة باقرة كداء البطن ل يدري أني يؤتى له؛ إنما أراد أنها مفسدة‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫للدين ومفرقة بين الناس ومشتتة أمورهم‪ .‬وكذلك معنى الحديث الول أنه‬
‫إنما أراد النهي عن تفريق الموال في البلد فيتفرق القلب لذلك‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬إن أفصل اليام عند ال يوم‬
‫النحر ثم يوم القر‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬قوله‪ :‬يوم القر‪ -‬يعني الغد من يوم النحر‪ ،‬وإنما سمي يوم‬
‫القر لن أهل الموسم يوم التروية وعرفه والنحر في تعب من الحج‪ ،‬فإذا‬
‫كان الغد من يوم النحر قروا يمنى فلهذا سمي يوم القر‪ ،‬وهو معروف من‬
‫أهل كلم الحجاز‪ ،‬قال أبو عبيد‪ :‬وسألت عنه أبا عبيدة وأبا عمرو فلم‬
‫يعرفاه ول الصمعي فيما أعلم‪ .‬وفي الحديث عن النبي صلى ال عليه‬
‫وسلم‪ :‬أتى ببدنات خمس أو ست فطفقن يزدلفن إليه بأيتهن يبدأ‪ ،‬فلما‬
‫وجبت لجنوبها قال عبد ال بن قرط‪ :‬فتكلم رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم بكلمة خفية لم أفهمها‪ -‬أو قال‪ :‬لم أفقهها‪ ،‬فسألت الذي يليه فقال‪:‬‬
‫قال‪ :‬من شاء فليقتطع‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬أما قوله‪ :‬يزدلفن إليه‪ ،‬فانه من‬
‫ن)‪ .‬وفي هذا الحديث من‬
‫خِرْي َ‬
‫التقدم‪ ،‬و قال ال عز وجل (َوَاْزدلْفَنا َثّم ْال َ‬
‫الفقه أنه رخص في النهبة إذا كانت باذن صاحبها وطيب نفسه‪ ،‬أل تسمع‬
‫إلى قوله‪ :‬من شاء فليقتطع? وفي هذا الحديث ما يبين لك أنه ل بأس‬
‫بنهبة السكر في العراس‪ ،‬وقد كرهه عدة من الفقهاء‪ ،‬وفي هذا الحديث‬
‫رخصة بينة‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه سئل عن بعير شرد‬
‫فرماه بعضهم بسهم حبسه ال به عليه‪ ،‬فقال النبي عليه السلم‪ :‬إن هذا‬
‫البهائم لها أوابد كأوابد الوحش فما غلبكم منها فاصنعوا به هكذا‪.‬‬
‫قال أبو عبيد وأبو عمرو وغيرهما‪ -‬دخل كلم بعضهم في بعض‪ ،‬قالوا‬
‫قوله‪ :‬أوابد كأوابد الوحش‪ -‬يعني بالوابد التي قد توحشت ونفرت من‬
‫النس؛ يقال منه‪ :‬أبدت وتأُبد وتأِبد ابودا وتأبدت تأبدا‪ ،‬ومنه قيل للدار‪-‬‬
‫إذا خل منها أهلها وخلقتهم الوحش بها‪ :‬تأبدت؛ قال لبيد‪ :‬الكامل‬
‫بمنى تأبد غولها فرجامها‬
‫عفت الديار محلها فمقامها‬
‫وفي الحديث أنه قيل‪ :‬يا رسول ال! إنا نلقي العدو غدا وليست لنا مدى‬
‫فبأي شيء نذبح? فقال‪ :‬أنهروا الدم بما شئتم إل الظفر والسن‪ ،‬أما السن‬
‫فعظم‪ ،‬وأما الظفر فمدى الحبش‪ .‬قال بعض الناس في هذا‪ :‬يعني السن‬
‫المركبة في فم النسان‪ ،‬والظفر المركب في إصبعه وليس بمنزوع‪ ،‬لنه‬
‫إذا ذبح بذلك فقد خنق؛ واحتج فيه بقول ابن عباس في الذي يذبح بظفره‬
‫فقال‪ :‬إنما قتلها خنقا؛ قال‪ :‬ومع هذا إنه ليس يمكن الذبح بالظفر والسن‬
‫المنزوعين لصغرهما‪ ،‬وقال بعض الناس‪ :‬ل بل المعنى في النهي واقع‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫على كل ذابح بسن أو ظفر منزوع منه أو غير منزوع‪ ،‬لن الحديث‬
‫مبهم‪ -‬وال أعلم‪ .‬وفي حديث آخر أن عدي ابن حاتم سأل النبي عليه‬
‫السلم فقال‪ :‬إنا نصيد الصيد فل نجد ما نذكي به إل الظرار وشقة‬
‫العصا‪ ،‬فقال‪ :‬آمر الدم بما شئت‪ .‬قال الصمعي‪ :‬الظرار واحدها ظرر‪،‬‬
‫وهو حجر محدد صلب‪ ،‬وجمعه ظرار وظران؛ قال لبيد يصف الناقة إنها‬
‫ناقة تنفي الحصى بخفها فقال‪ :‬البسيط‬
‫ظَرُر‬
‫جل الظران ناجـية إذا توقد في الديمومة ال ُ‬
‫بحسرة تن ُ‬
‫وقوله‪ :‬أمر الدم بما شئت‪ ،‬يقول‪ :‬سيله واستخرجه‪ ،‬ومنه قيل‪ :‬مريت‬
‫الناقة فأنا أمريها مريا‪ -‬إذا مسحت ضرعها لينزل اللبن‪ .‬ومنه حديث ابن‬
‫عباس رضي ال عنهما أنه سئل عن الذبيحة بالعود‪ ،‬فقال‪ :‬كل ما أفري‬
‫الوداج غير مثرد‪ .‬قوله‪ :‬أفري الوداج‪ -‬يعني شققها وأسال منها الدم‪،‬‬
‫جّلْة‪ -‬إذا شققتها وأخرجت ما‬
‫يقال‪ :‬أفريت الثوب‪ -‬باللف‪ -‬وأفريت ال ُ‬
‫فيها‪ ،‬فاذا قلت‪ :‬فريت‪ -‬بغير ألف‪ ،‬فان معناه أن تقدر الشيء وتعالجه‬
‫طع أو القربة ونحو ذلك؛ يقال‪ :‬فريت‬
‫وتصلحه مثل النعل تحذوها أو الِن َ‬
‫أفري فريا؛ ومنه قول زهير‪ :‬الكامل ولنت تفري ما خلقت وبعض القوم‬
‫يخلق ثم ل يفري وكذلك‪ :‬فريت الرض‪ -‬إذا سرتها وقطعتها؛ وأما‬
‫الول‪ :‬أفريت‪ -‬باللف‪ -‬إفراء‪ -‬فانه من التشقيق على وجه الفساد‪ .‬وقوله‪:‬‬
‫غير مثرد‪ ،‬قال أبو زياد الكلبي‪ :‬المثرد الذي يقتل بغير ذكاة‪ ،‬يقال‪ :‬قد‬
‫ثردت ذبيحتك‪ -‬إذا قتلتها من غير أن تفري الوداج وتسيل الدم؛ وأما‬
‫الحديث المرفوع في الذبيحة بالمروة فان المروة حجارة بيض‪ ،‬وهي التي‬
‫تقدح منها النار‪ ،‬قالها الصمعي وغيره‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه سمع عمر رضي ال‬
‫يحلف بأبيه فنهاه عن ذلك قال‪ :‬فما حلفت بها ذاكرا ول آثرا‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬أما قوله‪ :‬ذاكرا‪ ،‬فليس من الذكر بعد النسيان‪ ،‬إنما أراد‬
‫متكلما به كقولك‪ :‬ذكرت لفلن حديث كذا وكذا‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬ول آِثرًا‪ -‬يريد ول مخبرا عن غيري أنه حلف به؛ يقول‪ :‬ل‬
‫أقول‪ :‬إن فلنا قال وأبي ل أفعل كذا وكذا‪ ،‬ومن هذا قيل‪ :‬حديث مأثور‪-‬‬
‫أي يخبر به الناس بعضهم بعضا؛ يقال منه‪ :‬أثرت‪ -‬مقصورا‪ -‬الحديث‬
‫آثره فو مأثور وأنا آثر‪ -‬على مثال فاعل؛ قال العشى‪ :‬السريع‬
‫َبّين للسامع والِثِر‬
‫إن الذي فيه تماريتما‬
‫ومنه حديث ابن عمر حين سأل سلمة بن الزرق في الرخصة في البكاء‬
‫على الميت فقال له ابن عمر‪ :‬أنت سمعت هذا من أبي هريرة? قال‪ :‬نعم‪،‬‬
‫قال‪ :‬ويأثره عن رسول ال صلى ال عليه وسلم? قال‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪ :‬ال‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫ورسوله أعلم‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬ويقال‪ :‬إن المأثرة مفعلة من هذا‪ ،‬وهي‬
‫المكرمة من اثرت‪ ،‬وإنما أخذت من هذا‪ -‬أي إنها يأثرها قرن عن قرن‬
‫يتحدثون بها‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أن رجل قال له‪ :‬يا رسول‬
‫ال! إنا قوم نتساءل أموالنا‪ ،‬فقال‪ :‬يسأل الرجل في الجائحة والفتق فإذا‬
‫استغنى أو كرب استعف‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬أما قوله‪ :‬استغنى أو كرب‪ -‬يقول‪ :‬أو دنا من ذلك وقرب‬
‫منه‪ ،‬وكل دان قريب فهو كارب؛ قال الشاعر وهو لعبد قيس بن خفاف‬
‫البرجمي‪ :‬الكامل‬
‫فإذا دعيت إلى المكارم‬
‫ب يوِمـُه‬
‫ي إن أبـاك كـاَر ِ‬
‫اُبَن ّ‬
‫فاعج ِ‬
‫ل‬
‫وأما قوله‪ :‬في الجائحة‪ ،‬فإنها المصيبة تحل بالرجل في ماله فتجتاحه كله‪.‬‬
‫وأما الفتق فالحرب تكون بين الفريقين فيقع بينهم الدماء والجراحات‬
‫فيتحملها رجل ليصلح بذلك بينهم ويحقن دماءهم فيسأل فيها حتى يؤديها‬
‫إليهم؛ ومما إليهم؛ ومما يبين ذلك حديثه الخر‪ :‬قال أبو عبيد قال‪ :‬إن‬
‫المسألة ل تحل إل لثلثة‪ :‬رجل تحمل بحمالة من قوم ورجل أصابته‬
‫جائحة فاجتاحت ماله فيسأل حتى يصيب سدادا من عيش أو قواما من‬
‫عيش‪ ،‬ورجل أصابته فاقة حتى يشهد له ثلثة من ذوي الحجي من قومه‬
‫أن قد أصابته فاقة وأن قد حلت له المسألة؛ وما سوي ذلك من المسائل‬
‫سحت‪ .‬وأما قوله‪ :‬رجل تحمل بجمالة‪ ،‬ورجل أصابته جائحة‪ ،‬فعلى منا‬
‫فسرت لك؛ وأما الفاقة‪ :‬فالفقر‪ .‬وقوله‪ :‬سدادا من عيش‪ ،‬فهو بكسر‬
‫السين‪ ،‬وكل شيء سددت به خلل فهو سداد‪ ،‬ولهذا سمي سداد القارورة‪،‬‬
‫وهو صمامها لنه يسد رأسها‪ ،‬ومنه سداد الثغر‪ -‬إذا سد بالخيل والرجال؛‬
‫قال الشاعر‪ :‬الوافر‬
‫ي فتى‬
‫أضاعوني وأ ّ‬
‫ليوم كريهة وسداد ثـغـِر‬
‫أضاعوا‬
‫وأما السداد‪ -‬بالفتح‪ -‬فإنما معناه الصابة في المنطق‪ ،‬أن يكون الرجل‬
‫مسددا‪ ،‬يقال منه‪ :‬إنه لذو سداد في منطقة وتدبيره‪ ،‬وكذلك الرمي‪ ،‬فهذا ما‬
‫جاء في الحديث من العربية؛ وأما ما فيه من الفقه فانه أخبرك لمن تحل‬
‫له المسألة فحص هؤلء الصناف الثلثة ثم حظر المسالة على سائر‬
‫الخلق؛ وأما حديث ابن عمر أن المسألة ل تحل إل من فقر مدقع أو غرم‬
‫مفظع أو دم موجع؛ فان هذه الخلل الثلث هي تلك التي في حديث أيوب‬
‫عن هارون بن رئاب عن النبي عليه السلم بأعيانها إل أن اللفاظ‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫اختلفت فيهما فل أرى المسألة تحل في هذا الحديث أيضا إل لولئك‬
‫الثلثة بأعيانهم‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬إني كنت نهيتكم عن زيارة‬
‫القبور فزوروها ول تقولوا هجرا‪.‬‬
‫قال أبو عبيد قال الكسائي وبعضه عن الصمعي وغيرهما‪ :‬قال‪ :‬الهجر‬
‫الفحاش في المنطق والخنا ونحوه‪ ،‬يقال منه‪ :‬أهجر الرجل يهجر‬
‫إهجارا؛ فال الشماخ بن ضرار الثعلبي‪ :‬الطويل‬
‫عليها كلما جاَر فيه‬
‫جَدة العراق قال ابن‬
‫كما ِ‬
‫وأهجرا‬
‫ضرٍة‬
‫يروي‪ :‬العراق والعراض‪ ،‬ومنه حديث أبي سعيد الخدري أنه كان‬
‫يقول لبنيه‪ :‬إذا طفتم بالبيت فل تلغوا ول تهجروا ول تقاصوا أحدا ول‬
‫تكلموه‪ .‬هكذا قال هشيم‪ :‬تهجروا‪ ،‬قال أبو عبيد‪ :‬ووجه الكرم عندي‪:‬‬
‫تجروا في هذا الموضع لن الهجار كما أعلمتك من سوء المنطق وهو‬
‫الهجر‪ ،‬وأما الهجر في الكلم فانه الهذيان مثل الكلم المحموم والمبرسم‪،‬‬
‫يقال منه‪ :‬هجرت فأنا أهجر هجرا وهجرانا فأنا هاجر‪ ،‬والكلم مهجور؛‬
‫قال أبو عبيد عن إبراهيم النخعي ما يثبت هذا القول في قوله تعالى (إ ّ‬
‫ن‬
‫جْورًا) قال‪ :‬قالوا فيه غير الحق‪ ،‬ألم تر إلى‬
‫ن َمْه ُ‬
‫خُذْوا هَذا اْلُقْرآ َ‬
‫َقْوِمي اّت َ‬
‫المريض إذا هجر قال غير الحق? قال‪ :‬وحدثني حجاج عن ابن جريج‬
‫عن مجاهد نحوه‪ .‬وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم في إشعار‬
‫الهدى‪.‬‬
‫قال الصمعي‪ :‬هو أن يطعن في أسنمتها في أحد الجانبين بمبضع أو‬
‫نحوه بقدر ما يسيل الدم‪ ،‬وهو الذي كان أبو حنيفة زعم يكرهه‪ ،‬وسنة‬
‫النبي عليه السلم في ذلك أحق أن يتبع؛ قال الصمعي‪ :‬أصل الشعار‬
‫العلمة‪ ،‬يقول‪ :‬كان ذلك إنما يفعل بالهدى ليعلم أنه قد جعل هديا؛ وقال‬
‫أبو عبيد عن عائشة رضي ال عنها‪ :‬إنما تشعر البدنة ليعلم أنها بدنة‪.‬‬
‫قال الصمعي‪ :‬ول أرى مشاعر الحج إل من هذا لنها علمات له؛ قال‪:‬‬
‫وجاءت أم معبد الجهني إلى الحسن فقالت له‪ :‬إنك قد أشعرت ابني في‬
‫الناس‪ -‬أي إنك تركته كالعلمة فيهم‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬ومنه حديث النبي‬
‫عليه السلم‪ :‬إن جبريل عليه السلم قال‪ :‬مر أمتك أن يرفعوا أصواتهم‬
‫بالتلبية فإنها من شعار الحج؛ ومنه شعار العساكر إنما يسمون بتلك‬
‫السماء علمة لهم ليعرف الرجل بها رفقته‪ .‬ومنه حديث عمر حين رمى‬
‫رجل الجمرة فأصاب صلعته فاضباب الدم ونادى رجل رجل‪ :‬يا خليفة‬
‫فقال رجل من خثعم‪ :‬أشعر أمير المؤمنين دما‪ ،‬ونادى رجل يا خليفة!‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫ليقتلن أمير المؤمنين‪ .‬فتفاءل عليه بالقتل‪ -‬فرجع عمر أمير المؤمنين‬
‫فقتل‪ .‬وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه أمر بإخراج اليهود‬
‫والنصارى من جزيرة العرب‪.‬‬
‫قال قال أبو عبيدة‪ :‬جزيرة العرب ما بين حفر أبي موسى إلى أقصى‬
‫اليمن في الطول‪ ،‬وأما العرض فما بين رمل يبرين إلى منقطع السماوة؛‬
‫وقال الصمعي‪ :‬جزيرة العرب من أقصى عدن أبين إلى ريف العراق‬
‫في الطول‪ ،‬وأما العرض فمن جدة وما والها من ساحل البحر إلى‬
‫أطوار الشام‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬فأمر النبي صلى ال عليه بإخراجهم من هذا‬
‫كله؛ فيرون أن عمر إنما استجاز إخراج أهل نجران من اليمن‪ -‬وكانوا‬
‫نصارى‪ -‬إلى سواد العراق لهذا الحديث‪ ،‬وكذلك إجلؤه أهل خبير إلى‬
‫الشام وكانوا يهودا‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم فيمن خرج مجاهدا في سبيل‬
‫ال قال‪ :‬فان لسعته دابة أو أصابة كذا وكذا فهو شهيد‪ ،‬ومن مات حتف‬
‫أنفه‪ -‬قال الذي سمع هذا الحديث من النبي عليه السلم‪ :‬إنها لكلمة ما‬
‫سمعتها من احد من العرب قط قبل رسول ال عليه السلم‪ -‬فقد وقع أجره‬
‫على ال‪ ،‬ومن قتل قعصا فقد استوجب المآب‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬أما قوله‪ :‬حتف أنفه‪ ،‬فانه أن يموت موتا على فراشه من‬
‫غير قتل ول غرق ول سبع ول غيره؛ وقال‪ :‬كان يقول في السمك‪ :‬ما‬
‫مات حتف أنفه فل تأكله‪ -‬يعني الذي يموت منه في الماء‪ ،‬كأنه كره‬
‫الطافي؛ قال وقد رواه بعض أصحابنا عن ابن عيينة‪ :‬ما مات حتفا فيه‪-‬‬
‫يعني في الماء‪ ،‬ول أراه حفظ هذا عن ابن عيينة‪ ،‬وكلم العرب والقعص‬
‫أن يضرب الرجل بالسلح أو بغيره فيموت في مكانه قبل أن يريم‪ .‬فذلك‬
‫القعص؛ يقال‪ :‬أقعصته إقعاصا‪ ،‬وكذلك الصيد وكل شيء‪.‬‬
‫سَ‬
‫ن‬
‫حْ‬
‫عْنَدَنا َلُزَلفي َو ُ‬
‫ن َلّه ِ‬
‫وأما المآب فالمرجع‪ ،‬قال ال تبارك وتعالى (وِإ ّ‬
‫ب)‪.‬‬
‫َمآ ٍ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم إذا سافرتم في الخصب‬
‫فأعطوا الركب أسنتها‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬أما قوله‪ :‬الركب فإنها جمع الركاب‪ ،‬والركاب هي البل‬
‫التي يسار عليها‪ ،‬ثم تجمع الركاب فيقال‪ُ :‬رَكب‪.‬‬
‫وأما قوله‪ :‬أسنتها‪ ،‬فانه أراد السنان‪ ،‬يقال‪ :‬أمكنوها من الرعي؛ قال‪:‬‬
‫وهذا كحديثه الخر‪ :‬إذا سافرتم في الخصب فأعطوا البل حظها من‬
‫الكل‪ ،‬وإذا سافرتم في الجدوبة فاستنجوا‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬وقوله‪ :‬السنة‪،‬‬
‫ولم يقل‪ :‬السنان‪ ،‬وهكذا الحديث؛ ول نعرف السنة في الكلم إل أسنة‬
‫الرماح‪ ،‬فان كان هذا محفوظا فهو أراد جمع السن‪ ،‬فقال‪ :‬أسنان‪ ،‬ثم جمع‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫السنان فقال‪ :‬أسنة‪ ،‬فصار جمع الجمع؛ هذا وجه في العربية‪ .‬وقوله‪:‬‬
‫فاستنجوا‪ -‬يريد‪ :‬فانجوا‪ ،‬إنما هو استفعلوا من النجاء‪ ،‬وقال أبو عبيد‪ :‬في‬
‫حديث النبي عليه السلم في قتلى أحد‪ :‬زملوهم في دمائهم وثيابهم‪ .‬وهو‬
‫من حديث غير واحد‪.‬‬
‫قال أبو عبيدة‪ :‬أما قوله‪ :‬زملوهم‪ ،‬فانه يقول‪ :‬لفوهم في ثيابهم التي فيها‬
‫دماؤهم‪ ،‬وكذلك كل ملفوف في ثياب فهو مزمل؛ ومنه حديث النبي عليه‬
‫جْثُث ْ‬
‫ت‬
‫السلم في المغاري في أول يوم ما رأى جبريل عليه السلم قال‪ُ :‬ف ِ‬
‫ت‪ -‬قال الكسائي‪ -‬هما جميعا من الرعب‪،‬‬
‫جِئْث ُ‬
‫منه فرقا‪ .‬وبعضهم يقول‪ُ :‬‬
‫ث قال‪ :‬فأتى خديجة رضي ال عنها فقال‪:‬‬
‫جُثْو ٌ‬
‫ث وَم ْ‬
‫جُؤْو ٌ‬
‫يقال‪ :‬رجل َم ْ‬
‫زملوني‪.‬‬
‫فاذا فعل الرجل ذلك بنفسه قيل‪ :‬قد تزمل وقد تدثر‪ ،‬وهو متزمل‬
‫ومتدثر‪ ،‬فأدغم التاء وقال‪ :‬مزمل ومدثر‪ ،‬وبهذا نزل القرآن بالدغام؛‬
‫وكذلك ُمّدكر إنما هو ُمْذَتِكٌر فأدغمت التاء وحولت الذال دال‪ .‬قال أبو‬
‫عبيد‪ :‬وفي هذا الحديث من الفقه أن الشهيد إذا مات في المعركة لم يغسل‬
‫ولم تنزع عنه ثيابه‪ ،‬أل تسمع إلى قوله‪ :‬زملوهم بثيابهم ودمائهم? قال‪:‬‬
‫إل أني سمعت محمد بن الحسن يقول‪ :‬ينزع عنه الجلد والفرو‪ ،‬قال‪:‬‬
‫وأحسبه قال‪ :‬والسلح‪ ،‬قال‪ :‬ويترك سائر ثيابه عليه‪ ،‬هذا إذا مات في‬
‫المعركة‪ ،‬فان رفع وبه رمق غسل وصلى عليه؛ قال‪ :‬وأهل الحجاز ل‬
‫يرون الصلة على الشهيد إذا حمل من المعركة ميتا ول الغسل‪ ،‬وأهل‬
‫العراق يقولون‪ :‬ل يغسل ولكن يصلي عليه‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه أراد أن يصلي على‬
‫جَمٌر فما زال يصيح بها حتى توارت بآجام‬
‫جنازة فجاءت امرأة معها ُم ْ‬
‫المدينة‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬أما قوله بآجام المدينة‪ -‬يعني الحصون‪ ،‬وهذا كلم أهل‬
‫الحجاز‪ ،‬واحدها‪ :‬أجم؛ قال امرؤ القيس يصف شدة المطر‪:‬‬
‫جذع‬
‫وَتْيَماَء لم يترك بها ِ‬
‫جْنـَد ِ‬
‫ل‬
‫شْيدًا ِب َ‬
‫جما ول َم ِ‬
‫ول ُا ُ‬
‫نخلة‬
‫وزعم أبو عبيد أن المشيد المعمول بالشيد وهو الجص‪ ،‬وأما المشيد فهو‬
‫المطول‪ .‬وأهل الحجاز يسمون الجام أيضا الطام‪ ،‬وهو مثلها واحدها‪:‬‬
‫أظم‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬عليكم بالباءة‪ -‬ممدود‪ -‬فانه‬
‫أغض للبصر وأحصن للفرج‪ ،‬فمن لم يقدر فعليه بالصوم فانه له وجاء‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬قال أبو زيد وغيره في الوجاء‪ :‬يقال للفحل إذا رضت‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫أنثياه‪ :‬قد وجئ وجاء‪ -‬ممدود‪ -‬فهو موجوء وقد وجاته؛ فان نزعت‬
‫النثيان نزعا فهو خصي‪ -‬وقد خصيته خصاء؛ فان شدت النثياء شدا‬
‫حتى تندرا قيل‪ :‬عصبته عصبا فهو معصوب‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬قوله‪ :‬فانه‬
‫له وجاء‪ -‬يعني أنه يقطع النكاح لن الموجوء ل يضرب‪ .‬وقد قال أهل‬
‫العلم‪ :‬وجا‪ -‬بفتح الواو ومقصور‪ -‬يريد الحفا‪ ،‬والول أجود في المعنى‬
‫لن الحفا ل يكون إل بعد طول مشي أو عمل‪ ،‬والوجاء النقطاع من‬
‫الوصل‪.‬‬
‫قال‪ :‬ويروى في حديث آخر ما يشبهه‪ ،‬وقال أبو عبيد قال رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ :‬صوموا ووفروا أشعاركم فإنها مجفرة‪ -‬يقول‪:‬‬
‫مقطعة للنكاح ونقص الماء‪ ،‬تقول للبعير إذا أكثر الضراب حتى ينقطع‪:‬‬
‫قد جفر يجفر جفورا فهو جافر؛ وقال ذو الرمة يصف النجوم‪ :‬الطويل‬
‫ض الشو َ‬
‫ل‬
‫ن عار َ‬
‫ل قرُيع هجا ٍ‬
‫شعري سهي ٌ‬
‫وقد عارض ال ّ‬
‫جافُر‬
‫كأنـه‬
‫ويروى‪ :‬يتبع الشول‪ .‬وفي هذا الحديث من العربية قوله‪ :‬فعليه بالصوم‪،‬‬
‫فأغرى غائبا‪ ،‬ول تكاد العرب تغري إل الشاهد‪ ،‬يقولون‪ :‬عليك زيدا‬
‫ودونك عمرا وعندك‪ ،‬ول يقولون‪ :‬عليه زيدا‪ ،‬إل في هذا الحديث‪ ،‬فهذا‬
‫حجة لكل من أغرى غائبا‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه قال لسراقة ابن جعشم‪:‬‬
‫أل أدلك على أفضل الصدقة? ابنتك مردودة عليك ليس لها كاسب غيرك‪.‬‬
‫قال الصمعي‪ :‬المردودة المطلقة؛ قال أبو عبيد‪ :‬وإنما هذا كتابة عن‬
‫الطلق؛ وكذلك حديث الزبير رضي ال عنه‪ ،‬قال أبو عبيد‪ :‬إن الزبير‬
‫جعل دوره صدقة‪ ،‬قال‪ :‬وللمردودة من بناته أن تسكن غير مضرة ول‬
‫مضر بها‪ ،‬فان استغنت بزوج فل شيء لها‪ .‬وأما المرأة الراجع فإنها‬
‫التي مات عنها زوجها فرجعت إلى أهلها؛ وفي حديث الزبير من الفقه أن‬
‫الرجل يجعل الدار والرض وقفا على قوم ويشترط أن يزيد فيهم من‬
‫شاء وبنقص منهم من شاء فيجوز له ذلك‪ ،‬وإنما جاز هذا في الوقف‬
‫خاصة دون الصدقة‪ .‬الماضية لن حكمهما مختلف‪ ،‬أل ترى أن الوقف‬
‫قد يجوز أن ل يخرجه صاحبه من يده‪ ،‬وأن الصدقة ل تكون ماضية‬
‫حتى تخرج من يد صاحبها في قول بعضهم‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد في حديث النبي عليه السلم‪ :‬في الُعْمَري والَرقبي إنها لمن‬
‫عِمرها ولمن ارقبها ولورثتهما من بعدهما‪.‬‬
‫اْ‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬وتأويل العمري أن يقول الرجل للرجل‪ :‬هذه الدار لك‬
‫عمرك‪ -‬أو يقول‪ :‬هذه الدار لك عمري؛ وقال أبو عبيد عن عطاء في‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫تفسير العمري بمصل ذلك أو نحوه‪.‬‬
‫وأما الرقبي فهو أن يقول الرجل للرجل‪ :‬إن مت قبلي رجعت إلي وإن‬
‫مت قبلك فهي لك‪ .‬وقال أبو عبيد عن قتادة‪ :‬الرقبي أن يقول الرجل‬
‫للرجل كذا وكذا لفلن فان مات فهو لفلن‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬وأصل العمري عندنا إنما هو مأخوذ من العمر‪ ،‬أل تراه‬
‫يقول‪ :‬هو لك عمري أو عمرك? وأصل الرقبي من المراقبة فكان كل‬
‫واحد منهما إنما يرقب موت صاحبه‪ ،‬أل تراه يقول‪ :‬إن مت قبلي رجعت‬
‫إلي وإن مت قبلك فهي لك? فهذا ينبئك عن المراقبة‪ ،‬والذي كانوا‬
‫يريدون بهذا أن يكون الرجل يريد أن يتفضل على صاحبه بالشيء‬
‫فيستمتع منه ما دام حيا‪ ،‬فإذا مات الموهوب له لم يصل إلى ورثته منه‬
‫شيء‪ ،‬فجاءت سنة النبي عليه السلم بنقض ذلك إنه من ملك شيئا حياته‬
‫فهو لورثته من بعد موته‪ .‬وفيه أحاديث كثيرة أن رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم قضي بالعمري للوارث‪ .‬وقال صلى ال عليه وسلم‪ :‬العمري‬
‫جائزة لهلها‪ .‬وقال النبي صلى ال عليه وسلم‪ :‬ل رقبي فمن أرقب شيئا‬
‫فهو لورثة المرقب‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬وهذه الثار أصل لكل من وهب هبة‬
‫واشترط فيها شرطا باطل كالرجل يهب للرجل جارية على أن ل تباع‬
‫ول توهب أو على أن يتخذها سرية أو على أنه إن أراد بيعها فالواهب‬
‫أحق بها‪ -‬هذا وما أشبهه من الشروط‪ -‬فقبضها الموهوب له على ذلك‬
‫وعوض الواهب منها فالهبة جائزة ماضية والشرط في ذلك كله باطل‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬وكان مالك يقول‪ :‬إذا أعمر الرجل الرجل دارا فقال‪ :‬هي‬
‫لك عمرك‪ ،‬فإنها على شرطها‪ ،‬فإذا مات الموهوب له رجعت إلى الواهب‬
‫إل أن يقول‪ :‬هي لك ولعقبك من بعدك‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه سأل رجل‪ :‬هل صمتمن‬
‫سرار هذا الشهر شيئا? قال‪ :‬ل‪ ،‬قال‪ :‬فإذا أفطرت من رمضان فصم‬
‫يومين‪.‬‬
‫قال أبو عبيد قال الكسائي وغيره‪ :‬السرار آخر الشهر ليلة يستر الهلل‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬وربما استسر ليلة وربما لستر ليلتين إذا تم الشهر؛‬
‫وأنشدني الكسائي‪ :‬الرجز‬
‫صَبحنا عامرا في‬
‫نحن َ‬
‫طَرَفي نهاِرَها‬
‫جْردا تعادي َ‬
‫ُ‬
‫دارها‬
‫ل أو سرارَهـا‬
‫عشية الهل ِ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬وفيه لغة أخرى‪ :‬سرر الشهر‪ .‬وفي هذا الحديث من الفقه‬
‫أنه إنما سأله عن سرار شعبان فلما أخبره أنه لم يصمه أمره أن يقضي‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫بعد الفطر يومين‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬فوجه الحديث عندي وال أعلم إن هذا‬
‫كان نذر على ذلك الرجل في ذلك الوقت أو تطوع قد كان ألزمه نفسه‪،‬‬
‫فلما فاته أمره بقضائه‪ ،‬ل أعرف للحديث وجها غيره‪ ،‬وقال أيضا أنه لم‬
‫ير بأسا أن يصل رمضان بشعبان إذا كان ل يراد به رمضان‪ ،‬إنما يراد‬
‫به التطوع أو النذر يكون في ذلك الوقت؛ ومما يشبه هذا الحديث حديثه‬
‫الخر‪ :‬ل تقدموا رمضان بيوم ول يومين إل أن يوافق ذلك صوما كان‬
‫يصومه أحدكم‪ .‬فهذا معناه التطوع أيضا‪ ،‬فأما إذا كان يراد به رمضان‬
‫فل لنه خلف المام والناس‪ .‬وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه‬
‫السلم أنه أمر بامرأة مجح فسأل عنها فقالوا‪ :‬هذه امرأة لفلن‪ ،‬فقال‪ :‬أيلم‬
‫بها? فقالوا‪ :‬نعم‪ ،‬فقال‪ :‬لقد هممت أن ألعنه لعنا يدخل في قبره‪ ،‬كيف‬
‫يستخدمه وهو ل يحل له? أم كيف يورثه وهو ل يحل له‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬أما قوله‪ :‬مجح‪ .‬فإنها الحامل المقرب؛ وأما قوله‪ :‬كيف‬
‫يستخدمه أم كيف يورثه‪ ،‬فان وجه الحديث أن يكون الحمل قد ظهر بها‬
‫قبل أن تسبى‪ ،‬فيقول‪ :‬إن جاءت بولد وقد وطئها بعد ظهور الحمل لم‬
‫يحل له أن يجعله مملوكا‪ ،‬لنه ل يدري لعل الذي ظهر لم يكن حمل وأنه‬
‫حدث الحمل من وطئه‪ ،‬فان المرأة ربما ظهر بها الحمل ثم ل يكن شيئا‬
‫حتى يحدث بعد ذلك‪ ،‬فيقول‪ :‬ل يدري لعله ولده‪ ،‬وقوله‪ :‬أم كيف يورثه?‬
‫يقول‪ :‬ل يدري لعل الحمل قد كان بالصحة قبل السبي فكيف يورثه؛‬
‫وإنما نرى من هذا الحديث أنه نهى عن وطء الحوامل من السبي حتى‬
‫يضعن‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه سأل عاصم ابن عدي‬
‫النصاري عن ثابت بن الدحداح وتوفي‪ :‬هل تعلمون له نسبا فيكم? فقال‪:‬‬
‫ل‪ ،‬إنما هو أتى فينا‪ ،‬فقضى رسول ال عليه السلم بميراثه لبن أخته‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬قال الصمعي‪ :‬أما قوله‪ :‬أتى فينا؛ فان التى الرجل يكون‬
‫في القوم ليس منهم‪ ،‬ولهذا قيل للسيل الذي يأتي من بلد قد مطر فيه إلى‬
‫بلد لم يمطر فيه‪ :‬فذلك آتى؛ قال العجاج‪ :‬الرجز‬
‫ى َمّدٌة اِتى‬
‫ل آِت ّ‬
‫سْي ٌ‬
‫َ‬
‫يقال منه‪ :‬قد أتيت السيل فأنا أؤتيه‪ -‬إذا سهلت سبيله ليخرج من موضع‬
‫إلى موضع‪ ،‬وأضل هذا من الغربة‪ ،‬ولهذا قيل‪ :‬رجل أتاوى‪ -‬إذا كان‬
‫غريبا في غير بلده؛ ومنه حديث عثمان رضي ال عنه حين بعث إلى‬
‫عبد ال بن سلم رجلين فقال لهما‪ :‬قول‪ :‬إنا رجلن أتاويان‪ .‬وقد قال‬
‫بعض أصحاب الحديث في حديث ثابت بن الدحداح‪ :‬إن عاصم ابن عدي‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫قال‪ :‬إنما هو آت فينا ممدود‪ ،‬فجعله من التيان‪ ،‬وليس هذا بشيء‪،‬‬
‫والمحفوظ ما قلت لك‪ :‬أتى‪ -‬بتشديد الياء‪ .‬وهذا الحديث من الفقه أنه‬
‫أعطى الميراث ابن الخت لما لم يجد له وارثا فورث ابن أخته لنه من‬
‫ذوي الرحام‪ ،‬وفيه اكتفاء بمسألة رجل واحد عن نسبه لم يسأل غيره‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم وذكر فتنة تكون في أقطار‬
‫الرض كأنها صياصي بقر‪.‬‬
‫قوله‪ :‬صياصي بقر يعني قرونها‪ ،‬وإنما سميت صياصي لنها حصونها‬
‫التي تحصن بها من عدوها‪ .‬وكذلك كل من يحصن بحصن فهو له‬
‫ب ِم ْ‬
‫ن‬
‫ل اْلِكَتا ِ‬
‫ن أْه ِ‬
‫ظاَهُرْوُهْم ّم ْ‬
‫ن َ‬
‫ل اّلِذْي َ‬
‫صيصة؛ قال ال عز وجل (واْنَز َ‬
‫صْيِهْم)‪ .‬يقال في التفسير‪ :‬إنها حصونهم‪ ،‬وكذلك يقال لصبع الظائر‬
‫صَيا ِ‬
‫َ‬
‫الزائدة في باطن رجله‪ :‬صيصية‪ ،‬والصيصية في غير هذا‪ :‬شوكة‬
‫الحائك‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم حين قال لعوف بن مالك‪:‬‬
‫أمسك ستا تكون قبل الساعة‪ :‬أولهن موت نبيكم عليه السلم وكذا وكذا‪،‬‬
‫وموتان تكون في الناس كقعاص الغنم‪ ،‬وهدنة تكون بينكم وبين بني‬
‫الصفر‪ ،‬فيغدرون بكم فيسيرون إليهم في ثمانين غاية‪ ،‬تحت كل غاية اثنا‬
‫عشر ألفا‪ -‬وبعضهم يقول‪ :‬غابة‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬أما قوله‪ :‬موتان تكون في الناس فان الموتان هو الموت‪،‬‬
‫يقال‪ :‬وقع في المال موتان‪ -‬إذا وقع الموت في الماشية‪ -‬قالها الكسائي؛‬
‫وقال الفراء‪ :‬وأما الموتان من الرض فانه الذي لم يحيي بعد؛ ومنه‬
‫الحديث بموتان الرض ال ولرسوله فمن أحيي منها شيئا فهو له‪.‬‬
‫وأما القعاص فانه داء يأخذ الغنم ل يلبثها أن تموت‪ ،‬ومنه أخذ القعاص‬
‫في القتل‪ ،‬يقال‪ :‬رميت الصيد فأقعصته‪ -‬إذا مات مكانه‪ .‬وأما الهدنة‬
‫فالسكون والصلح‪.‬‬
‫وأما قوله‪ :‬في ثمانين غابة من قالها بالباء فانه يريد الجمة‪ ،‬شبه كثرة‬
‫الرماح بها‪ ،‬ومن قال‪ :‬غاية‪ ،‬فانه يريد الراية؛ قال لبيد وذكر ليلة‬
‫سمرها‪ :‬الكامل‬
‫وافيت إذ ُرفعت وعز‬
‫قد بت سامرها وغاية تاجـٍر‬
‫ُمدامَها‬
‫وقوله‪ :‬غاية تاجر‪ ،‬يقال‪ :‬إن صاحب الخمر كانت له راية يرفعها ليعرف‬
‫أنه بائع خمر‪ ،‬ويقال‪ :‬بل أراد بقوله‪ :‬غاية تاجر‪ ،‬أنها غاية متاعة في‬
‫الجودة‪ .‬وبعضهم يروي في الحديث‪ :‬في ثمانين غياية‪ ،‬وليس هذا‬
‫بمحفوظ ول موضع للغياية ههنا‪.‬‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه قال‪ :‬أنا برئ من كل‬
‫مسلم مع مشرك‪ ،‬قيل‪ :‬لم يا رسول ال? قال‪ :‬ل تراءى نارهما‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬أما قوله‪ :‬ل تراءى نارهما ففيه قولن‪ :‬أما أحدهما فيقول‪:‬‬
‫ل يحل لمسلم أن يسكن بلد المشركين فيكون منهم بقدر ما يرى كل‬
‫واحد منهم نار صاحبه‪ ،‬فيجعل الرؤية في هذا الحديث في النار ول رؤية‬
‫للنار‪ ،‬وإنما معناه أن تدنو هذه من هذه؛ وكان الكسائي يقول‪ :‬العرب‬
‫تقول‪ :‬داري تنظر إلى دار فلن ودورنا تناظر؛ ويقول‪ :‬إذا أخذت في‬
‫طريق كذا وكذا فنظر إليك الجبل فخذ عن يمينه أو عن يساره‪ ،‬هكذا كلم‬
‫عْونَ ِم ْ‬
‫ن‬
‫ن َتْد ُ‬
‫العرب‪ ،‬وقال قال ال عز وجل وذكر الصنام فقال (َواّلِذْي َ‬
‫عْوُهْم إلى اْلُهَدى‬
‫ن َتْد ُ‬
‫ن*وِإ ْ‬
‫صُرْو َ‬
‫سُهْم َيْن ُ‬
‫ل أْنُف َ‬
‫صَرُكْم َو َ‬
‫ن َن ْ‬
‫طْيُعْو َ‬
‫سَت ِ‬
‫ل َي ْ‬
‫ُدْوِنه َ‬
‫ن) فهذا وجه‪ .‬وأما الوجه‬
‫صُرْو َ‬
‫ك َوُهْم ل ُيْب ِ‬
‫ن إلْي َ‬
‫ظُرْو َ‬
‫سَمُعْوا َوَتَراُهْم َيْن َ‬
‫ل َي ْ‬
‫الخر فيقال‪ :‬إنه أراد بقوله‪ :‬ل تراءى نارهما يريد نار الحرب؛ قال ال‬
‫ب أطَفَأَها ال) فيقول‪ :‬نارهما‬
‫حْر ِ‬
‫تبارك وتعالى (ُكّلَمَا أْوَقُدْوا َنارًا َلْل َ‬
‫مختلفتان‪ ،‬هذه تدعو إلى ال تبارك وتعالى وهذه تدعو إلى الشيطان‪،‬‬
‫فكيف تتفقان? وكيف يساكن المسلم المشركين في بلدهم وهذه حال‬
‫هؤلء وهؤلء? ويقال‪ :‬إن أول هذا أن قوما من أهل مكة أسلموا وكانوا‬
‫مقيمين بها على إسلمهم قبل فتح مكة فقال النبي عليه السلم هذه المقالة‬
‫فيهم ثم صارت للعامة‪ .‬وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه‬
‫بعث مصدقا فقال‪ :‬ل تأخذ من حزرات أنفس الناس شيئا‪ ،‬خذ الشارف‬
‫والبكر وذا العيب‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬أما قوله‪ :‬من حزرات أنفس الناس‪ ،‬فان الحزرة خيار‬
‫المال؛ قال الشاعر‪ :‬الرجز‬
‫الحزرات حزرات النفس‬
‫فيقول‪ :‬ل تأخذ خيار أموالهم خذ الشارف‪ ،‬وهي المسنة الهرمة؛ والبكر‬
‫وهو الصغير من ذكور البل‪ ،‬فقال‪ :‬الشارف والبكر؛ وإنما السنة القائمة‬
‫في الناس أن يؤخذ في الصدقة إل ابنة مخاض أو أبنة لبون أو حقة أو‬
‫جذعة‪ ،‬ليس فيها سنة فوق هذه الربع ول دونها؛ وإنما وجه هذا الحديث‬
‫عندي‪ -‬وال أعلم‪ -‬أنه كان في أول السلم قبل أن يؤخذ الناس بالشرائع‪،‬‬
‫فلما قوي السلم واستحكم جرت الصدقة على مجاريها ووجوهها‪ .‬وأما‬
‫حديث عمر رضي ال عنه‪ :‬دع الربا والماخض والكولة فان الربا هي‬
‫القريبة العهد بالولدة‪ ،‬يقال‪ :‬هي في ربابها ما بينها وبين خمس عشرة‬
‫ليلة؛ قال وأنشدني الصمعي لبعض العراب‪ :‬الرجز‬
‫حنين أم البّو في ربابها‬
‫َ‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫وأما الماخض فهي التي قد أخذها المخاض لتصنع‪ .‬والكولة التي تسمن‬
‫للكل ليست بسائمة؛ والذي يروي في الحديث الكلية‪ ،‬وإنما الكلية‬
‫المأكولة؛ يقال‪ :‬هذه أكيلة السد والذئب‪ ،‬فأما هذه فإنها الكولة‪ .‬وأما قول‬
‫عمر‪ :‬احتسب عليهم بالغذاء‪ ،‬فإنها السخال الصغار‪ ،‬واحدها غذي؛‬
‫وأنشدني الصعمي قال أنشدني أبو عمرو بن العلء‪ :‬البسيط‬
‫ت من عاٍد ومن‬
‫لو أنني كن ُ‬
‫ي َبْهٍم ولقمانـا وذا جـد ِ‬
‫ن‬
‫غذ ّ‬
‫إرٍم‬
‫قال الصمعي‪ :‬وأخبرني خلف الحمر أنه سمع العرب تنشده‪ :‬غذي بهم‪-‬‬
‫بالتصغير‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬وأما الحديث الخر‪ :‬إن النبي عليه السلم بعث مصدقا‬
‫فأتى بشاة شافع فلم يأخذها وقال‪ :‬ائتني بمعتاط‪ .‬فان الشافع التي معها‬
‫ولدها‪ ،‬سميت شافعا لن ولدها شفعها وشفعته هي؛ يقال‪ :‬هي تشفعه وهو‬
‫يشفعها؛ والشفع‪ :‬الزوج‪ ،‬والوتر‪ :‬الفرد‪.‬‬
‫وأما المعتاط فالتي ضربها الفحل فلم تحمل‪ ،‬ويقال منه‪ :‬هي معتاط‬
‫وعائط وحائل‪ ،‬وجمع العائط عوط وجمع الحائل حول وحولل؛ قال أبو‬
‫عبيد‪ :‬وسمعت الكسائي يقول‪ :‬جمع العائط عوط وعوطط‪ ،‬وجمع الحائل‬
‫حولل وحول‪ ،‬وكان بعضهم يجعل حولل مصدرا ول يجعله جمعا‪،‬‬
‫وكذلك عوطط‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪:‬تنكح المرأة لميسمها ولمالها‬
‫ولحسها عليك بذات الدين تربت يداك‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬أما قوله‪ :‬لميسمها‪ ،‬فانه الحسن وهو الوسامة‪ ،‬ومنه يقال‪:‬‬
‫رجل وسيم وامرأة وسيمة‪.‬‬
‫وأما قوله‪ :‬تربت يداك‪ ،‬فان أصله أنه يقال للرجل إذا قل ماله‪ :‬قد ترب‪-‬‬
‫سِكْيناً َذا‬
‫أي افتقر حتى لصق بالتراب‪ .‬وقال ال عز وجل (أْو ِم ْ‬
‫َمْتَرَبٍة) فيرون‪ -‬وال أعلم‪ -‬أن النبي صلى ال عليه وسلم لم يتعمد الدعاء‬
‫عليه بالفقر‪ ،‬ولكن هذه كلمة جارية على ألسنة العرب يقولونها وهم ل‬
‫يريدون وقوع المر؛ وهذا كقوله لصفية ابنة حيي حين قيل له يوم النفر‪:‬‬
‫حْلقا ما أراها إل حابستنا‪ .‬فأصل هذا معناه‪:‬‬
‫عْقرا َ‬
‫إنها حائض‪ ،‬فقال‪َ :‬‬
‫عقرها ال وحلقها‪ ،‬وقوله‪ :‬عقرها ال‪ -‬بمعنى عقر جسدها‪ ،‬وحلقها‪-‬‬
‫بمعنى أصابها وجع في حلقها؛ هذا كما يقال‪ :‬قد رأس فلن فلنا‪ -‬إذا‬
‫ضرب رأسه‪ ،‬وصدره‪ -‬إذا أصاب صدره؛ وكذلك حلقه‪ -‬إذا أصاب حلقه‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬إنما هو عندي عقرا وحلقا؛ وأصحاب الحديث يقولون‪:‬‬
‫عقري حلقي‪ .‬قال بعض الناس‪ :‬بل أراد النبي صلى ال عليه وسلم‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫بقوله‪ :‬تربت يداك‪ -‬نزول المر به عقوبة لتعديه ذوات الدين إلى ذوات‬
‫الجمال والمال‪ ،‬واحتج بقوله عليه السلم‪ :‬اللهم إني أنا بشر فمن دعوت‬
‫عليه بدعوة فاجعل دعوتي عليه رحمه له‪ .‬والقول الول أعجب إلي‬
‫وأشبه بكلم العرب‪ ،‬أل تراهم يقولون‪ :‬ل أرض لك ول أم لك‪ -‬وهم‬
‫يعلمون أن له أرضا وأما? وزعم بعض العلماء أن قولهم‪ :‬ل أب لك‪-‬‬
‫مدح‪ ،‬ول أم لك‪ -‬ذم‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬وقد وجدنا قولهم‪ :‬ل أم لك قد وضع‬
‫موضع المدح؛ قال كعب بن سعد الغنوي يرثي أخاه‪ :‬الطويل‬
‫ل حين‬
‫وما ذا يؤدي اللي ُ‬
‫ت ُأمه ما يبعث الصب َ‬
‫ح‬
‫َهَو ْ‬
‫يؤو ُ‬
‫ب‬
‫غاديا‬
‫قال بعض الناس‪ :‬إن قوله‪ :‬تربت يداك‪ -‬يريد به استغنت يداك من الغنى‪،‬‬
‫وهذا خطأ ل يجوز في الكلم‪ ،‬إنما ذهب إلى المترب وهو الغني فغلط‪،‬‬
‫ولو أراد هذا التأويل لقال‪ :‬أتربت يداك‪ ،‬لنه يقال‪ :‬أترب الرجل‪ -‬إذا كثر‬
‫ماله فهو مترب‪ ،‬وإذا أرادوا الفقر قالوا‪ :‬ترب يترب‪ .‬وقال أبو عبيد‪ :‬في‬
‫حديث النبي عليه السلم أن امرأة توفي عنها زوجها فاشتكت عينها‬
‫فارادوا أن يداووها فسئل النبي عليه السلم عن ذلك فقال‪ :‬قد كانت‬
‫إحداكن تمكث في شر أحلسها في بيتها إلى الحول‪ ،‬فإذا كان الحول فمر‬
‫كلب رمته ببعرة ثم خرجت‪ ،‬أفل أربعة أشهر وعشرا? قال أبو عبيد‪ :‬أما‬
‫قوله‪ :‬فمر كلب رمته بعرة‪ -‬يعني أنها كانت في الجاهلية تعتد سنة على‬
‫زوجها ل تخرج من بيتها ثم تفعل ذلك في رأس الحول لترى الناس أن‬
‫إقامتها حول بعد زوجها أهون عليها من بعرة يرمي بها كلب؛ وقد ذكروا‬
‫هذه القامة حول في أشعارهم‪ ،‬قال لبيد يمدح قومه‪ :‬الكامل وُهُم ربيع‬
‫ت إذا تطاول عاُمها ونزل بذلك القرآن في أول‬
‫للُمجاور فيهم=والمرمل ِ‬
‫صّيَة‬
‫ن أْزَواجاً ّو ِ‬
‫ن ِمْنكُْم َوَيَذُرْو َ‬
‫ن ُيَتْوّفْو َ‬
‫السلم قوله تعالى‪َ( :‬واّلِذْي َ‬
‫ج) ثم نسخ ذلك بقوله عز وجل (‬
‫خَرا ٍ‬
‫غْيَر ِا ْ‬
‫ل َ‬
‫حْو ِ‬
‫جِهْم ّمَتاعًا إلى اْل َ‬
‫لْزَوا ِ‬
‫َ‬
‫شرًا) فقال النبي عليه السلم‪ :‬كيف ل‬
‫عْ‬
‫شُهٍر ّو َ‬
‫ن أْرَبَعَة ا ْ‬
‫سِه ّ‬
‫ن ِبًاْنُف ِ‬
‫صَ‬
‫َيَتَرّب ْ‬
‫تبصر إحداكن قدر هذا وقد كانت تصبر حول? وقال أبو عبيد‪ :‬في‬
‫حمش‬
‫خ َ‬
‫حديث النبي عليه السلم في الملعنة‪ :‬إن جاءت به أصيهب أَثْيب َ‬
‫جماليا خدلج الساقين‬
‫الساقين فهو لزوجها‪ ،‬وإن جاءت به أورق جعدا‪ُ ،‬‬
‫سابغ الليتين فهو للذي رميت به‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬أما قوله‪ :‬أصيهب‪ ،‬فهوتصغير أصهب‪.‬‬
‫والئيبج تصغير أثبج وهو الناتئ الثبج‪ ،‬والثبج‪ :‬ما بين الكاهل ووسط‬
‫الظهر‪ ،‬وهو من كل شيء وسطه وأعله‪.‬‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫والحمش الدقيق الساقين‪.‬‬
‫والورق‪ :‬الذي لونه بين السواد والغبرة‪ ،‬ومنه قيل للرماد‪ :‬أورق‬
‫وللحمامة ورقاء‪ ،‬وإنما وصفه بالدمة‪.‬‬
‫وأما الخدلج فالعظيم الساقين‪.‬‬
‫وأما قوله‪ :‬الجمالى‪ ،‬فانهم يروونها هكذا بفتح الجيم يذهبون إلى الجمال‪،‬‬
‫وليس هذا من الجمال في شيء‪ ،‬ولو أراد ذلك لقال‪ :‬جميل‪ ،‬ولكنه‬
‫جمالي‪-‬بضم الجيم‪ -‬يعنى أنه عظيم الخلق‪ ،‬شبه خلقه بخلق الجمل‪ ،‬ولهذا‬
‫ُ‬
‫قيل للناقة‪ :‬جمالية‪ ،‬لنها تشبه بالفحل من البل في عظم الخلق؛ قال‬
‫العشى يصف ناقة‪ :‬المتقارب‬
‫ت الهجيرَا‬
‫إذا كّذب الثما ُ‬
‫ي بـالـّرداف‬
‫جماليٍة َتغَتل ِ‬
‫ُ‬
‫يقول‪ :‬ل يصدقن في الهجير في سيرها في الهاجرة‪ .‬وفي هذا الحديث من‬
‫الفقه أنه لعن بين المرأة وزوجها وهي حامل‪ ،‬وقد كان بعض الفقهاء ل‬
‫يرى اللعان بالحمل حتى تضع فإن انتفى عنه حينئذ لعن يذهب ل يدرى‬
‫لعل ذلك ليس بحمل‪ ،‬يقول‪ :‬لعله مات من ريح‪ ،‬وهذا رأي أبي حنيفة؛‬
‫وأما حديث النبي عليه السلم فإنما لعن بينهما لنه قذفها قذفا بالزنا ولم‬
‫يذكر حمل‪ ،‬فلهذا وقع اللعان‪.‬‬
‫وقال أ؛وعبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬لقد هممت أن أنهى عن‬
‫الغيلة ثم ذكرت أن فارس والروم يفعلونه فل يضرهم‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬بلغني قال أبو عبيدة و اليزيدي وأظن الصمعي وغيرهم‪:‬‬
‫قوله‪ :‬الغيلة‪ -‬هو الغيل وذلك أن بجامع الرجل المرأة وهي مرضع‪ ،‬يقال‬
‫غيل والولد ُمغال وُمَغيل؛ وأنشدني الصمعي بيت‬
‫منه‪ :‬قد أغال الرجل وأ ُ‬
‫امرئ القيس‪ :‬الطويل‬
‫فألهيتها عن ذي تمائَم‬
‫حبلى قد طرقتو‬
‫ك ُ‬
‫فمثل ِ‬
‫ُمحـو ِ‬
‫ل‬
‫مرضع‬
‫ومنه الحديث الخر‪ :‬ل تقتلوا أولدكم سرا إنه ليدرك الفارس فيد عثره‪.‬‬
‫يقول‪ :‬يهدمه ويطحطحه بعد ما صار رجل قد ركب الخيل؛ وقال ذو‬
‫الرمة يصف المنازل أنها قد تهدمت وتغيرت فقال‪ :‬الرجز‬
‫عثُر‬
‫آِرّيها والمنتأي المد َ‬
‫يعني بالمنتأى النؤى‪ ،‬وهو الحفير يحفر حول الخباء للمطر‪ ،‬والمدعثر‪:‬‬
‫المهدوم‪ .‬والعرب تقول في الرجل تمدحه‪ :‬ما حملته أمه وضعا ول‬
‫أرضعته غيل‪ ،‬ول وضعته يتنا ول أبانته مئقا‪ ،‬قولهم‪ :‬ما حملته وضعا‪-‬‬
‫يريد ما حملته على حيض‪ ،‬وبعضهم يقول‪ :‬تضعا؛ وقولهم‪ :‬ول أرضعته‬
‫غيل‪ -‬يعني أن توطأ وهي مرضع؛ وقولهم ول وضعته يتنا‪ -‬يعني أن‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫يخرج رجله قبل يديه في الولدة‪ ،‬يقال منه‪ :‬قد أيتنت المرأة فهي موتن‬
‫ول ولد موتن؛ وقولهم‪ :‬ول أباتته مئقا‪ ،‬وبعضهم يقول‪ :‬ول أباتته على‬
‫مأقة‪ ،‬فأنه شدة البكاء‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬المسلمون نتكافأ دماؤهم‪،‬‬
‫ويسعى بذمتهم أدناهم‪ ،‬ويرد عليهم أقصاهم‪ ،‬وهم يد على من سواهم‪ ،‬ول‬
‫يقتل مسلم بكافر ول ذو عهد في عهده‪.‬‬
‫قال أبو عبيد أما قوله‪ :‬تتكافأ دماؤهم‪ ،‬فانه يريد‪ :‬نتساوى في القصاص‬
‫والديات‪ ،‬فليس لشريف على وضيع فضل في ذلك؛ ومن هذا قيل في‬
‫العقيقة عن الغلم‪ :‬شاتان مكافئتان‪ ،‬يقول‪ :‬متساويتان وأصحاب الحديث‬
‫يقولون‪ :‬مكافأتان‪ ،‬والصواب‪ :‬مكافئتان؛ وكل شيء ساوي شيئا حتى‬
‫يكون مثله فهو مكافئ له؛ والمكافأة بين الناس من هذا؛ يقال‪ :‬كافأت‬
‫الرجل‪ -‬أي فعلت به مثل ما فعل بي‪ .‬ومنه الكفؤ من الرجل للمرأة‪،‬‬
‫ن ّله ُكُفوًا‬
‫تقول‪ :‬إنه مثلها في سحبها‪ .‬قال ال تبارك و تعالى (َوَلم َيَك ْ‬
‫حٌده) يقول‪ :‬هو ُكُفؤ لها وَكِفئ بمعن واحد‪.‬‬
‫َا َ‬
‫وأما قوله‪ :‬يسعى بذمتهم أدناهم‪ ،‬فان الذمة المان‪ ،‬يقول‪ :‬إذا أعطى‬
‫الرجل منهم العدو أمانا جاز ذلك على جميع المسلمين‪ ،‬ليس لهم أن‬
‫يخفروه‪ ،‬كما أجاز عمر رضي ال عنه أمان عبد علي جميع أهل‬
‫العسكر؛ وكان أبو حنيفة ل يحيز أمان العبد إل بإذن موله‪ ،‬وأما حديث‬
‫عمر فليس فيه ذكر مولى؛ ومنه قول سلمان الفارسي رحمه ال تعالى‪:‬‬
‫ذمة المسلمين واحدة فالذمة هي المان‪ ،‬ولهذا سمي المعاهد ذميا لنه قد‬
‫أعطى المان على ماله وذمته للجزية التي تؤخذ منه‪ .‬وقال أبو عبيد‪ :‬لم‬
‫يكن لهل السواد عهد فلما أخذت منهم الجزية صار لهم عهد‪ -‬أو قال‪:‬‬
‫ذمة‪ -‬شك أبو عبيد‪.‬‬
‫وأما قوله‪ :‬يرد عليهم أقصاهم‪ ،‬فان هذا في الغزو إذا دخل العسكر أرض‬
‫الحرب فوجه المام منه السرايا‪ ،‬فما غنمت من شيء جعل لها ما سمي‬
‫لها ورد ما بقي على أهل العسكر‪ ،‬لنهم وإن لم يشهدوا الغنيمة ِرْدء‬
‫للسرايا‪.‬‬
‫وأما قوله‪ :‬وهم يد على من سواهم‪ ،‬فانه يقول‪ :‬إن المسلمين جميعا‬
‫كلمتهم ونصرتهم واحدة على جميع الملل المحاربة لهم يتعاونون على‬
‫ذلك ويتناصرون ول يخذل بعضهم بعضا‪.‬‬
‫وأما قوله‪ :‬ول يقتل مؤمن بكافر‪ ،‬فقد تكلم الناس في معني هذا قديما‪ ،‬قال‬
‫بعضهم‪ :‬ل يقتل مؤمن بكافر كان قتله في الجاهية‪ ،‬قال‪ :‬وقد قال فيه غير‬
‫هذا أيضا‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬وأما أنا فليس له عندي وجه ول معنى إل أنه ل‬
‫يقاد مؤمن بذمي وإن قتله عمدا‪ ،‬ولكن يكون عليه الدية كاملة في ماله؛‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫وأما رأي أبي حنيفة وجميع أصحابه فانهم يرون أن يقاد لحديث يروى‬
‫عن عبد الرحمن ابن البيلماني أن النبي عليه السلم أقاد معاهدا بمسلم‬
‫وقال‪ :‬أنا أحق منه وفي ذمته؛ وهذا حديث ليس بمسند ول يجعل مثله‬
‫إماما يسفك به دماء المسلمين‪ .‬وقال أبو عبيد ‪ :‬قلت لزفر‪ :‬إنكم تقولون‪:‬‬
‫إنا ندرأ الحدود بالشبهات وإنكم جئتم إلى اعظم الشبهات فأقدمتم عليها‪،‬‬
‫قال‪ :‬وما هو? قلت‪ :‬لمسلم يقتل بالكافر‪ ،‬قال‪ :‬فاشهد أنت على رجوعي‬
‫عن هذا؛ قال أبو عبيد‪ :‬وكذلك قول أهل الحجاز‪ :‬ل يقتل مسلم بكافر ول‬
‫يقودونه به‪.‬‬
‫وأما‪ -‬قوله‪ :‬ول ذو عهد في عهده‪ ،‬فان ذا العهد الرجل من أهل الحرب‬
‫يدخل إلينا بأمان فقتله محرم على المسلمين حتى يرجع إلى مأمنه؛ وأصل‬
‫حّتى‬
‫جْرُه َ‬
‫ك َفاَ ِ‬
‫جاَر َ‬
‫سَت َ‬
‫ناْ‬
‫شِرِكْي َ‬
‫ن اْلُم ْ‬
‫حٌد ّم َ‬
‫ن َا َ‬
‫هذا من قول ال تعالى (َوِإ ْ‬
‫ل ُثّم َاْبِلْغُه َمأَمَنه) فذلك قوله في عهده‪ -‬يعنى حتى يبلغ‬
‫لَم ا ِ‬
‫سَمَع َك َ‬
‫َي ْ‬
‫المأمن أو الوقت الذي توقته له ثم ل عهد له؛ وقال أبو عبيد‪ :‬إن رجل‬
‫من أهل الهند قدم عدن بأمان فقتله رجل بأخيه فكتب فيه إلى عمر بن‬
‫عبد العزيز فكتب أن يؤخذ منه خمسمائة دينار ويبعث بها إلى ورثة‬
‫المقتول وأمر بالقاتل أن يحبس‪ ،‬قال أبو عبيد‪ :‬وهكذا كان رأي عمر بن‬
‫عبد العزيز رحمه ال كان يرى دية المعاهد نصف دية المسلم فأنزل ذلك‬
‫الذي دخل بأمان منزلة الذمي المقيم مع المسلمين‪ ،‬ولم ير على قاتله قودا‬
‫ولكن عقوبة لقول النبي عليه السلم‪ :‬ل يقتل مسلم بكافر‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه نهى عن الرفاه‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬وأصل هذا من ورد البل‪ ،‬وذلك أنها إذا وردت كل يوم‬
‫متى شاءت قيل‪ :‬وردت رفها‪ ،‬قال ذلك الصمعي؛ ويقال‪ :‬قد أرفه القوم‬
‫إذا فعلت إبلهم ذلك‪ ،‬فهم ُمرِفهون‪ ،‬فشبه كثرة التدهن وإدامته به؛ وقال‬
‫لبيد يذكر نخل نابتة على الماء‪ :‬البسيط‬
‫ع في الماء‬
‫فكلها كاِر ٌ‬
‫عراكا غيَر‬
‫يشربن ِرفها ِ‬
‫مغتمـر‬
‫صادرٍة‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه كان جالسا القرفصاء‪.‬‬
‫قال أبو عبيدة‪ :‬قوله‪ :‬القرفصاء‪ -‬يعني أن يقعد الرجل قعدة المحتبي ثم‬
‫يحتبي بيديه يضعها على ساقيه‪ .‬وأما القعاء فهو الذي جاء فيه النهي عن‬
‫النبي عليه السلم أن يفعل في الصلة‪ ،‬فقد اختلف الناس فيه‪ ،‬فقال أبو‬
‫عبيدة‪ :‬وهو أن يلصق أليتيه بالرض وينصب ساقيه ويضع يديه‬
‫بالرض‪ .‬وأما تفسير الفقهاء فهو أن يضع أليتيه على عقبيه بين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫السجدتين شبيه بما يروى ت العبادلة‪ :‬عبد ال بن عباس وعبد ال بن‬
‫عمر وعبد ال بن الزبير رضي ال عنهم؛ قال أبو عبيد‪ :‬وقول أبى عبيدة‬
‫أشبه بكلم العرب وهو معروف عند العرب‪ ،‬وذلك بين في بعض‬
‫الحديث أنه نهى أن ُيقعى الرجل كما في ُيقِعى السبع‪ ،‬ويقال‪ :‬كما ُيقعى‬
‫الكلب‪ ،‬فليس القعاء في السباع إل كما قال أبو عبيدة قال أبو عبيد ‪ :‬وقد‬
‫روى عن النبي عليه السلم أنه أكل مرة ُمقعيا‪ ،‬فكيف يمكن أن يكون‬
‫فعل هذا وهو واضع أليتيه على عقبيه؛ وأما حديث الخر أنه نهى عن‬
‫عقب الشيطان في الصلة‪ ،‬فانه أن يضع الرجل أليتيه على عقبيه في‬
‫الصلة بين السجدتين‪ ،‬وهو الذي يجعله بعض الناس القعاء؛ وأما حديث‬
‫عبد ال بن مسعود أنه كره أن يسجد الرجل متوركا أو مضطجعا‪ .‬قال‬
‫أبو عبيد‪ :‬قوله‪ :‬متوركا‪ -‬يعنى أن يرفع وركيه إذا سجد حتى يفحش في‬
‫ذلك‪ ،‬وقوله‪ :‬مضطجعا‪ -‬يعنى أن يتضام ويلصق صدره بالرض ويدع‬
‫التجافى في سجوده ولكن يقول بين ذلك‪ ،‬ويقال‪ :‬التورك أن يلصق أليتيه‬
‫بعقبيه في السجود؛ وأما حديث ابن عمر رحمه ال انه كان ل يفرشح‬
‫رجليه في الصلة ول يلصقهما‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬قوله‪ :‬يفرشح رجليه‪،‬‬
‫فالفرشحة أن يفرج بين رجليه في الصلة ويباعد إحداهما من الخرى‪،‬‬
‫فيقول‪ :‬ل يفعل ذلك ول يلصق إحداهما بالخرى ولكن بين ذلك‪ ،‬وأما‬
‫افتراش السبع الذي جاء فيه النهي فهو أن يلصق الرجل ذراعيه بالرض‬
‫في السجود‪ ،‬وكذلك يفعل السباع‪ .‬وأما التفاج فانه تفريج ما بين الرجلين‪.‬‬
‫ومنه حديث النبي صلى ال عليه أنه كان إذا بال تفاج وفي بعض الحديث‬
‫قال الصحابة‪ :‬حتى نأوى له‪ .‬وأما الفشج فهو دون التفاخ‪ .‬ومنه حديث‬
‫العرابي الذي دخل المسجد في عهد النبي عليه السلم فلما كان في‬
‫ناحية منه فشج فبال‪ .‬وبعضهم يرويه‪ :‬فشج بالتثقيل مشددة الشين‪ .‬وقال‬
‫أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم حين أمر عامر بن وكان رأى‬
‫سهل بن حنيف يغتسل فعانه‪ ،‬فقال‪ :‬ما رأيت كاليوم ول جلد مخبأة فلبط‬
‫به حتى ما يعقل من شدة الوجع‪ ،‬فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫أتتهمون به أحدا قالوا‪ :‬نعم عامر في ربيعة‪ ،‬وأخبروه بقوله فأمر رسول‬
‫ال عليه السلم أن يغسل له ففعل‪ ،‬قال‪ :‬فراح مع الركب‪.‬‬
‫قال قال الزهري‪ :‬يؤتى الرجل العائن بقدح فيدخل كفه فيه فيتمضمض‬
‫ثم يمجه في القدح‪،‬ثم يدخل يده اليسرى فيصب على كفه اليمنى‪ ،‬ثم يدخل‬
‫يده اليمنى فيصب على كفه اليسرى‪ ،‬ثم يدخل يده اليسرى فيصب على‬
‫مرفقه اليمن‪ ،‬ثم يدخل يده اليمنى فيصب على مرفقه اليسر‪ ،‬ثم يدخل‬
‫يده اليسرى فيصب على قدمه اليمنى‪ ،‬ثم يدخل يده اليمنى فيصب على‬
‫قدمه اليسرى‪ ،‬ثم يدخل يده اليسرى فيصب على ركبته اليمنى‪ ،‬يدخل يده‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫اليمنى فيصب على ركبته اليسرى‪ ،‬ثم يغسل داخلة إزارة‪ ،‬ول يوضع‬
‫القدح بالرض‪ ،‬ثم يصب على رأس الرجل أصيب بالعين من خلفه صبة‬
‫واحدة‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬قوله‪ :‬فلبط به‪ ،‬يقول‪ :‬صرع‪ ،‬يقول‪ :‬لبط بالرجل‬
‫يلبط لبطا‪ -‬إذا سقط‪ .‬ومنه حديث النبي عليه السلم أنه خرج وقريش‬
‫ملبوط بهم‪ -‬يعنى أنهم سقوط بين يديه؛ قال‪ :‬وفي هذا لغة أخرى ليس‬
‫بالحديث يقال‪ :‬لبج بمعنى لبط سواء؛ وقوله‪ :‬فأمره رسول ال عليه‬
‫السلم أن يغسل له‪ ،‬فقد كان بعض الناس يغلط فيه أن الذي أصابته العين‬
‫هو الذي يغسل‪ .‬وإنما هو‪ -‬كما فسره الزهري‪ -‬يغسل العائن هذه‬
‫المواضع من جسده ثم يصبه المعين على نفسه أو يصب عليه‪ .‬قال أبو‬
‫عبيد‪ :‬ومما يبين ذلك حديث ابن أبى وقاص أنه ركب يوما فنظرت إليه‬
‫امرأة فقالت‪ :‬إن أميركم هذا ليعلم أنه أهضم الكشحين‪ ،‬فرجع إلى منزله‬
‫فسقط فبلغه ما قالت المرأة فأرسل إليها فغسلت له‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬وأما‬
‫قوله‪ :‬فيغسل داخلة إزاره‪ ،‬فقد اختلف الناس في معناه فكان بعضهم يذهب‬
‫وهمه إلى المذاكير‪ ،‬وبعضهم إلى الفخاذ والورك‪ ،‬قال أبو عبيد‪ :‬وليس‬
‫هو عندي من هذا في شيء‪ ،‬إنما أراد بداخلة إزاره طرف إزاره الداخل‬
‫الذي يلي جسده وهو يلي الجانب اليمن من الرجل‪ ،‬لن المؤتزر إنما‬
‫يبدأ إذا ائتزر بالجانب اليمن‪ ،‬فذلك الطرف يباشر جسده‪ ،‬فهو الذي‬
‫يغسل؛ قال‪ :‬ول أعلمه إل جاء مفسرا في بعض الحديث هكذا ‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬ل يغلق الرهن‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬قوله‪ :‬ل يغلق الرهن‪ ،‬قد جاء تفسيره عن غير واحد من‬
‫الفقهاء في رجل دفع إلى رجل رهنا وأخذ منه دراهم‪ ،‬فقال‪ :‬إن جئتك‬
‫بحقك إلى كذا وكذا وإل فالرهن لك بحقك‪ ،‬فقال‪ :‬ل يغلق الرهن‪ .‬قال أبو‬
‫عبيد‪ :‬فجعله جوابا لمسألته‪ ،‬وقد روى عن طاؤوس نحو هذا‪ .‬وقد ذهب‬
‫بمعنى هذا الحديث بعض الناس إلى تضييع الرهن‪ ،‬إذا ضاع الرهن عند‬
‫المرتهن فانه يرجع على صاحبه فيأخذ منه الدين‪ ،‬وليس يضره تضييع‬
‫الرهن‪ ،‬وهذا مذهب ليس عليه أهل العلم و ل يجوز في كلم العرب أن‬
‫يقال للرهن إذا ضاع‪ :‬قد غلق‪ ،‬إنما يقال‪ :‬قد غلق‪ -‬إذا استحقه المرتهن‪،‬‬
‫و كان هذا من فعل أهل الجاهلية فرده رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫وأبطله بقوله‪ :‬ل يغلق الرهن؛ وقد ذكر بعض الشعراء ذلك في شعره‪،‬‬
‫فقال زهير يذكر امرأة‪ :‬البسيط‬
‫يوم الَوداع فأمسى الرهن قد‬
‫وفارقتك برهن ل ِفـكـاك لـه‬
‫غلقا‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫يعني إنها ارتهنت قلبه فذهبت به‪ ،‬فأي تضييع ههنا‪ .‬وأما الحديث الخر‬
‫في الرهن‪ :‬له غنمه‪ ،‬وعليه غرمه‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬وهذا أيضا معناه معنى‬
‫الول ل يفترقان‪ ،‬يقول‪ :‬يرجع الرهن إلى ربه فيكون غنمه له ويرجع‬
‫رب الحق عليه بحقه فيكون غرمه عليه ويكون شرطهما الذي اشترطا‬
‫باطل‪ ،‬هذا كله معناه إذا كان الرهن قائما بعينه ولم يضع‪ ،‬فأما إذا ضاع‬
‫فحكه غير هذا‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه قال‪ :‬استحيوا من ال ثم‬
‫قال‪ :‬الستحياء من ال أن ل تنسوا المقابر والبلى‪ ،‬وأن ل تنسوا الجوف‬
‫ما وعي‪ ،‬وأن ل تنسوا الرأس وما احتوى‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬قوله‪ :‬ل تنسوا الجوف وما وعي والرأس‪ :‬ما احتوى‪ ،‬فيه‬
‫قولن‪ :‬يقال‪ :‬أراد بالجوف البطن والفرج ‪ ،‬كما قال في الحديث الخر‪:‬‬
‫إن أخوف ما أخاف عليكم الجوفان‪ ،‬وكالحديث الذي يروى عن جندب‪:‬‬
‫من استطاع منكم أل يجعل في بطنه إل حلل فان أول‬
‫ينتن من النسان بطنه؛ وقوله‪ :‬الرأس وما احتوى‪ ،‬يريد ما فيه سمع‬
‫والبصر واللسان أن ل يستعمل ذلك إل في حله‪ .‬وأما القول الخر‪.‬‬
‫يقول‪ :‬ل تنسوا الجوف وما وعي‪ -‬يعنى القلب وما وعي من معرفة ال‬
‫تعالى والعلم بحلله وحرامه ول يضيع ذلك؛ ويريد بالرأس وما احتوى‬
‫الدماغ‪ ،‬وإنما خص القلب والدماغ لنهما مجمع العقل ومسكنه؛ ومن ذلك‬
‫حديث النبي عليه السلم‪ :‬إن في الجسد لمضغة إذا صلحت صلح بها‬
‫سائر الجسد وإذا فسدت فسد بها سائر الجسد وهى القلب‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه نهى عن لبستين‪ :‬اشتمال‬
‫الصماء وأن يحتبى الرجل بثوب ليس بين السماء وبين فرجه شيء قال‬
‫أبو عبيد قال الصمعي‪ :‬اشتمال الصماء عند العرب أن يشتمل الرجل‬
‫بثوبه فيجلل به جسده كله ول يرفع منه جانبا فيخرج منه يده‪ .‬وقال أبو‬
‫عبيد‪ :‬وربما اضطجع فيه على هذه الحال‪ ،‬قال أبو عبيد‪ :‬كأنه يذهب إلى‬
‫أنه ل يدري لعله يصيبه شيء ‪-‬يريد الحتراس منه وأن يقيه بيديه فل‬
‫يقدر على ذلك لدخاله إياهما في ثيابه فهذا كلم العرب؛ وأما تفسير‬
‫الفقهاء فانهم يقولون‪ :‬هو أن يشتمل بثوب واحد ليس عليه غيره‪ ،‬ثم‬
‫يرفعه من أحد جانبيه فيضعه على منكبيه فيبدو منه فرجه‪ ،‬والفقهاء أعلم‬
‫بالتأويل في هذا‪ ،‬وذاك أصح معنى الكلم‪ -‬وال أعلم‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه قال‪ :‬من الختيال ما‬
‫يحب ال تعالى ومنه ما يبغض ال‪ ،‬فأما الحتيال الذي يبغض ال‬
‫فالختيال في الفخر والرياء‪ ،‬والختيال الذي يحب ال في قتال العدو‬
‫والصدقة؛ ل أعلمه إل من حديث ابن علية‪.‬‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬و أما قوله‪ :‬الختيال فإن أصله التجبر والتكبر والحتقار‬
‫بالناس‪ ،‬يقول‪ :‬فال يبغض ذلك في الفخر والرياء ويحبه في الحرب‬
‫والصدقة‪ ،‬والخيلء في الحرب أن يكون هذه الحال من التجبر والكبر‬
‫على العدو فيستهين بقتالهم وتقل هيبته لهم ويكون أجرأ له عليهم‪ ،‬ومما‬
‫يبين ذلك حديث أبي دجانة أن النبي عليه السلم رآه في بعض المغازي‬
‫وهو يختال في مشيته فقال‪ :‬إن هذه المشية يبغضها ال تعالى إل في هذا‬
‫الموضع؛ وأما الخيلء في الصدقة فأن تعلو نفسه وتشرف فل يستكثر‬
‫كثيرها ول يعطى منها شيئا إل وهو مستقل له‪ ،‬وهو مثل الحديث‬
‫المرفوع‪ :‬إن ال يحب معالي المور ‪ -‬أو قال‪ :‬معالي الخلق‪ ،‬شك أبو‬
‫عبيد‪ -‬ويبغض سفسافها‪ .‬فهذا تأويل الخبلء في الصدقة والحرب وإنما‬
‫هو فيما يراد ال به من العمل دون الرياء والسمعة‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ .‬إن أبيض بن حمال المأربى‬
‫أستقطعه الملح الذي بمأرب اليمن فاقطعه إياه‪ ،‬فلما ولى قال رجل‪ :‬يا‬
‫رسول ال! أتدرى ما أقطعته? إنما أقطعت له الماء العد‪ ،‬قال‪ :‬فرجعه‬
‫منه‪ .‬وقال أبو عبيد ‪ :‬وسأله أيضا ما ذا يحمي من الراك‪ ،‬قال‪ :‬ما لم‬
‫تنله أخفاف البل‪.‬‬
‫قال الصمعي وغيره ‪ :‬أما قوله‪ :‬الماء العد‪ ،‬فانه الدائم الذي ل انقطاع‬
‫له‪ ،‬قال ‪ :‬وهو مثل ماء العين وماء البئر‪،‬وجمع العد أعداد؛ قال ذو الرمة‬
‫جعت ماء عدا وذلك في الصيف إذا نشت مياه الغْدر فقال‪:‬‬
‫يذكر امرأة‪َ .‬تَن َ‬
‫الطويل‬
‫ل آجال من الِعين‬
‫خناطي َ‬
‫ت َمّية العداُد واستبدل ُ‬
‫ت‬
‫دع ْ‬
‫خّذ ِ‬
‫ل‬
‫ُ‬
‫بها‬
‫يعني منازلها التي تركتها فصارت بها العين‪ .‬وفي هذا الحديث من الفقه‬
‫أن النبي صلى ال عليه وسلم أقطع القطائع وقل ما يوجد هذا في حديث‬
‫مسند؛ و فيه أنه لما قيل له‪ :‬إنه ما ترك اقطاعه‪ ،‬كأنه يذهب به وعليه‬
‫السلم إلى أن الماء إذا لم يكن في ملك أحد أنه لبن السبيل وأن الناس‬
‫فيه جميعا شركاء‪ ،‬وفيه أنه حكم بشيء ثم رجع عنه‪ ،‬وهذا حجة للحاكم‬
‫إذا حكم حكما ثم تبين له أن الحق في غيره أن ينقض حكمه ذلك ويرجع‬
‫عنه؛ وفيه أيضا أنه نهى أن يحمى ما نالته أخفاف البل من الراك‪،‬‬
‫وذلك أنه مرعي لها فرآه مباحا ل بن السبيل وذلك لنه كل‪ -‬مهموز‬
‫مقصور‪-‬والناس شركاء في الماء والكل ما لم تنله أخفاف البل كان لمن‬
‫شاء أن يحميه حماه‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم حين أمر بماعز ابن مالك أن‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫ُيْرجم فلما ذهب به قال عليه السلم‪َ :‬يْعِمُد أحدهم إلى المرأة الُمِغيَبَة‬
‫ل ذلك إل جعلته نكال‪.‬‬
‫عها بالُكْثبة والشيء ل أوتى بأحٍد منهم َفَع َ‬
‫َفْيخَد ُ‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬وهو كذلك في غير اللبن أيضا‪ ،‬وكل ما جمعته من أو‬
‫ب؛ قال ذو الّرمة يذكر‬
‫غيره بعد أن يكون قليل فهو كثبة وجمعه ُكُث ٌ‬
‫أرطاة عند أبعار الصيران‪ :‬البسيط‬
‫صيران‬
‫ن ال ّ‬
‫َمْيلَء ِمن َمْعد ِ‬
‫ن على أْهداِفها ُكـُثـ ُ‬
‫ب‬
‫أبعاُرُه ّ‬
‫قاصية‬
‫ت الشيء أِكثبه َكْثبا‪ -‬إذا جمعته‪ ،‬فأنا كاثب؛ وقال أوس بن‬
‫ويقال منه‪َ :‬كَثب ُ‬
‫حجر‪ :‬المتقارب‬
‫مكان النبي من الكاِثـ ِ‬
‫ب‬
‫صى‬
‫ح َ‬
‫ق ال َ‬
‫ح َرْتمًا ُدقا ُ‬
‫صَب َ‬
‫ل ْ‬
‫ويقال‪ :‬إن النبي والكاثب موضعان‪ ،‬ويريد بالنبي ما نبا من الحصى إذا‬
‫ب‪ :‬الجامع لما نذر منه‪.‬‬
‫ق فَنَدر‪ ،‬والكاِث ُ‬
‫ُد َ‬
‫صُعدات إل‬
‫وقال أبو عبيد في حديث النبي عليه السلم إياكم والُقُعوَد بال ّ‬
‫حّقها‪.‬‬
‫من أدى َ‬
‫صُعدات‪ -‬يعني الطرق‪ ،‬وهي مأخوذة من الصعيد‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬قوله‪ :‬ال ُ‬
‫والصعيد‪ :‬التراب‪ ،‬وجمع الصعيد صعد ثم الصعدات جمع الجمع‪ ،‬كما‬
‫طُرقات‪ .‬قال ال تبارك و تعالى (َفَتَيّمُمْوا‬
‫طُرق ثم ُ‬
‫تقول‪ :‬طريق و ُ‬
‫طّيًبا) فالتيمم في التفسير والكلم‪ :‬التعمد للشيء ويقال منه‪ :‬أممت‬
‫صِعْيدًا َ‬
‫َ‬
‫الشيء أؤمه أما وتأممته وتيممته‪ ،‬ومعناه كله تعمدته وقصدت له؛ قال‬
‫العشى‪ :‬المتقارب‬
‫من الرض من َمْهَمٍه ذي‬
‫ت قـيسـًا وكـم دونـه‬
‫َتَيّمْمـ ُ‬
‫شر ْ‬
‫ن‬
‫طّيبًا) هذا في المعنى‪ -‬وال أعلم‪ -‬تعمدوا‬
‫صِعُيدًا َ‬
‫وقوله تعالى (َفَتَيّمُمْوا َ‬
‫جْوِهُكْم َوَاْيِدْيُكْم ّمْنُه) فكثر‬
‫حْوا ِبُو ُ‬
‫سُ‬
‫الصعيد‪ ،‬أل ترى بعد ذلك يقول (َفْاْم َ‬
‫هذا في الكلم حتى صار التيمم عند الناس هو التمسح في نفسه‪ ،‬وهذا‬
‫كثير جائز في الكلم أن يكون الشيء إذا طالت صحبته للشيء يسمى به‪،‬‬
‫كقولهم‪ :‬ذهب إلى الغائط‪ ،‬وإنما الغائط أصله المطمئن من الرض‪،‬‬
‫سب الفحل‪ ،‬وأصل العسب الكرى‬
‫عَ‬
‫وكالحديث الذي يروى أنه نهى عن َ‬
‫فصار الضراب عند الناس عسبا؛ ومثله في الكلم كثير‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه قال‪ :‬توضؤوا مما غيرت‬
‫النار ولو من ثور أِقط‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬قوله‪ :‬ثور أقط‪ ،‬فالثور‪ :‬القطعة من الِقط‪ ،‬وجمعه أثوار؛‬
‫ويروى أن عمرو بن معد يكرب قال‪ :‬تضيفت بنى فلن فأتوني بثور‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫وقوس وكعب‪ ،‬فأما قوله‪ :‬ثور‪ ،‬فهو الذي ذكرنا‪ ،‬فأما القوس فالشيء من‬
‫التمر يبقى في أسفل الجلة‪ ، ،‬وأما الكعب فالشيء المجموع من السمن‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬وأما حديث عبد ال بن عمر حين ذكر مواقيت الصلة‬
‫فقال‪ :‬صلة العشاء إذا سقط ثور الشفق‪ ،‬من هذا‪ ،‬ولكنه انتشار الشفق‬
‫وثورانه‪ ،‬يقال منه‪ :‬قد ثار يثور وثورانا‪ -‬إذا انتشر في الفق‪ ،‬فإذا غاب‬
‫ذلك حلت صلة العشاء؛ و قد اختلف الناس في الشفق فيروى عن عبادة‬
‫بن الصامت وشداد بن أوس وعبد ال بن عباس وأبن عمر أنهم قالوا‪:‬‬
‫هو الحمرة‪ ،‬وكان مالك بن انس وأبو يوسف يأخذان بهذا؛ وقال عمر بن‬
‫عبد العزيز‪ :‬هو البياض‪ ،‬وهو بقية من النهار‪ ،‬وكان أبو حنيفة يأخذ به‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم ‪ :‬ل غرار في صلة ول‬
‫تسليم‪.‬‬
‫قال‪ :‬الغرار هو النقصان‪ ،‬يقال للناقه إذا يبس لبنها‪ :‬هي ُمغاٌر؛ قال‬
‫الكسائي‪ :‬وفي لبنها غرار‪ .‬وقال أبو عبيد عن الوزاعي عن الزهري‬
‫قال‪ :‬كانوا ل يرون بغرار النوم بأسا ‪ -‬يعنى أنه ل ينقض الوضوء؛ قال‬
‫الفرزدق في مرئية للحجاج‪ :‬الكامل‬
‫غراُر‬
‫إن الرزية من ثقيف هالـك ترك العيون ونومهن ِ‬
‫أي قليل؛ فكأن معنى الحديث ل نقصان في صلة‪ -‬يعنى في ركوعها‬
‫وسجودها وطهورها؛ كقول سلمان الفارسي‪ :‬الصلة مكيال فمن َوّفي‬
‫وفي له‪ ،‬ومن طفف فقد علمتم ما قال ال تعالى في المطففين‪ ،‬والحديث‬
‫في مثل هذا كثير‪ ،‬فهذا الغرار في الصلة‪ ،‬و أما الغرار في التسليم فنراه‬
‫أن يقول‪ :‬السلم عليك‪ ،‬أو يرد‪ .‬فيقول‪ :‬و عليك‪ ،‬ول يقول‪ :‬وعليكم؛‬
‫والغرار أيضا في أشياء من الكلم أيضا سوى هذا‪ .‬يقال لحد الشفرة و‬
‫السيف وكل شيء له حد‪ :‬فحده عرار؛ أيضا‪ :‬المثال الذي يطبع عليه‬
‫نصال السهم ‪ -‬قالها الصمعي؛ والغرار أيضا أن يغر الطائر الفرخ‬
‫غرارا ‪ -‬يعني أن يزقه‪ .‬وقد روى عن بعض المحدثين هذا الحديث‪ :‬ل‬
‫إغرار في الصلة ‪ -‬بألف‪ ،‬ول أعرف هذا في الكلم وليس له عندي‬
‫وجه‪ ،‬ويقال‪ :‬ل غرار في صلة ول تسليم‪ -‬أي ل نقصان فيها ول تسليم‬
‫فيها‪ ،‬فمن قال هذا ذهب إلى أنه ل قليل من النوم في الصلة ول تسليم‬
‫في الصلة ‪ -‬أي إن المصلى ل يسلم ول يسلم عليه‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أن حكيم بن حزام قال‪:‬‬
‫بايعت رسول ال صلى ال عليه وسلم أن ل أخر إل قائما‪.‬‬
‫قال أبو عبيد ‪ :‬و قد أكثر الناس في معنى هذا الحديث وما له عندي وجه‬
‫إل أنه أراد بقوله‪ :‬ل أخز‪ ،‬ل أموت لنه إذا مات فقد خر وسقط‪.‬‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫وقوله‪ :‬إل قائما‪ ،‬إل ثابتا على السلم؛ وكل من ثبت على شيء وتمسك‬
‫ب أّمٌة َقاِئَمٌة‬
‫ل اْلِكت ِ‬
‫ن أْه ِ‬
‫سَواًء ّم ْ‬
‫سْوا َ‬
‫به فهو قائم عليه‪ ،‬قال ال تعالى (َلْي ُ‬
‫ن) الكتب المواظبة على الدين‬
‫جُدْو َ‬
‫سُ‬
‫ل َوُهْم َي ْ‬
‫ل أَناَء الّلْي ِ‬
‫تا ِ‬
‫ن آيا ِ‬
‫َيْتُلْو َ‬
‫ك َوِمْنُهْم‬
‫طاِر ّيَؤّدَه ِإَلْي َ‬
‫ن َتاَمْنُه ِبِقْن َ‬
‫ن ِأ ْ‬
‫ب َم ْ‬
‫ل الِكت ِ‬
‫ن أْه ِ‬
‫والقيام به‪ ،‬وقال (َوِم ْ‬
‫عَلْيِه َقاِئماً) وقال أبو عبيد‪:‬‬
‫ك ِإل َما ُدْمتَ َ‬
‫ن َتأَمْنُه ِبِدْيَناِر ل يؤده ِإلْي َ‬
‫ن ِأ ْ‬
‫ّم ْ‬
‫قوله‪ :‬إل ما دمت عليه قائما‪ ،‬قال‪ :‬هو مواكظا‪ ،‬ومنه قيل في الكلم‬
‫للخليفة‪ :‬هو القائم بالمر‪ ،‬وكذلك فلن قائم بكذا وكذا‪ -‬إذا كان حافظا له‬
‫متمسكا به‪ ،‬وفي بعض هذا الحديث أنه لما قال للنبي عليه السلم‪ :‬أبايعك‬
‫خّر إل قائما‪ ،‬فقال‪ :‬أما من ِقَبلنا فلن تخر إل قائما‪ -‬أي لسنا‬
‫على أن ل أ ِ‬
‫ندعوك ول نبايعك إل قائما‪ -‬أي على الحق‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم حين ذكر مكة فقال‪ :‬ل‬
‫يختلي خلها ول تحل لقطتها إل لمنشد‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬أما قوله‪ :‬ل تحل لقطتها إل لمنشد‪ ،‬فقال‪ :‬إنما معناه ل تحل‬
‫لقطتها كأنه يريد ألبتة فقيل له‪ :‬إل لمنشد‪ ،‬فقال‪ :‬إل لمنشد وهو يريد‬
‫المعنى الول؛ قال أبو عبيد‪ :‬ومذهب عبد الرحمن في هذا التفسير‬
‫كالرجل يقول‪ :‬وال! ل فعلت كذا وكذا‪ ،‬ثم يقول‪ :‬إن شاء ال‪ ،‬وهو ل‬
‫يريد الرجوع عن يمينه‪ ،‬ولكنه لقن شيئا فلقنه؛ فمعناه أنه ليس يحل‬
‫للملتقط منها إل إنشادها‪ ،‬فأما النتفاع بها فل‪ .‬وقال غيره‪ :‬ل يجعل‬
‫لقطتها‪ -‬إل لمنشد‪ -‬يعني طالبها الذي يطلبها وهو ربها فيقول‪ :‬ليست إل‬
‫تحل إل لربها‪ .‬فقال أبو عبيد‪ :‬هذا حسن في المعنى‪ ،‬ولكنه ل بجوز في‬
‫العربية أن يقال للطالب‪ :‬منشد‪ ،‬إنما المنشد هو المعرف‪ ،‬والطالب هو‬
‫الناشد‪ ،‬يقال منه‪ :‬نشدت الضالة أنشدها نشدانا إذا طلبتها فأنا ناشد‪ ،‬ومن‬
‫التعريف أنشدها إنشادا فأنا منشد؛ ومما يبين ذلك أن الناشد هو الطالب‪،‬‬
‫حديث النبي عليه السلم أنه سمع رجل ينشد ضالة في المسجد فقال‪ :‬أيها‬
‫الناشد! غيرك الواجد؛ معناه ل وجدت كأنه دعا عليه؛ وأما قول أبى دؤاد‬
‫اليادى وهو يصف الثور فقال‪ :‬الكامل ويصيح أحيانا كما استمع المضل‬
‫لصوت ناشد قال أبو عبيد‪ :‬قال الصمعي أخبرني عن أبى عمرو بن‬
‫العلء أنه كان يعجب من هذا‪ ،‬وأحسبه قال هو أو غيره‪ :‬إنه أراد بالناشد‬
‫أيضا رجل أرمل قد ضلت دابته فهو ينشدها أي يطلبها ليتعزى بذلك؛‬
‫وفي هذا الحديث قول ثالث‪ :‬إنه أراد بقوله‪ :‬إل لمنشد‪ -‬أراد به إن لم‬
‫ينشدها فل يحل له النتفاع بها‪ ،‬فإذا أنشدها فلم يجد طالبها حلت له؛ قال‬
‫أبو عببد‪ :‬ولو كان هذا هكذا لما كانت مكة مخصوصة بشيء دون البلد‪،‬‬
‫لن الرض كلها ل تحل لقطتها إل بعد النشاد إن حلت أيضا وفي الناس‬
‫من ل يستحلها‪ ،‬وليس للحديث عندي وجه إل ما قال عبد الرحمن أنه‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫ليس للواجد منها شيء إل النشاد أبدا وإل فل يحل له أن يمسها‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد في حديث النبي عليه السلم‪ :‬أقروا الطير على وكناتها‪،‬‬
‫وبعضهم يقول‪ :‬مكناتها‪.‬‬
‫قال أبو زياد الكلبي وأبو العرابي وغيرهما من العراب ومن قال‬
‫منهم‪ :‬ل نعرف للطير مكنات‪ ،‬وإنما هي الوكنات؛ قال امرؤ القيس‪:‬‬
‫الطويل‬
‫وقد أغتدى والطير في‬
‫بمنجرد قيد الوابد هـيكـل‬
‫وكناتها‬
‫وواحد الوكنات وسنة‪ ،‬وهي موضع عش الطائر‪ ،‬ويقال له أيضا‪ :‬وكر‪-‬‬
‫بالراء؛ فأما الوكن‪ -‬بالنون‪ ،‬فانه العود الذي يبيت عليه الطائر‪ .‬قالوا‪ :‬فأما‬
‫المكنات فإنما هو بيض الضباب‪ ،‬وواحدتها مكنة يقال منه‪ :‬قد مكنت‬
‫الضبة وأمكنت‪ ،‬فهي ضبة مكون‪ -‬إذا جمعت البيض؛ ومنه حديث أبي‬
‫وائل‪ :‬ضبة مكون أحب إلى من دجاجة سمينة وأما المحدث فقال‪ :‬سمين‪،‬‬
‫قال‪ :‬أما ما كان من نفسها في النعت فل يكون إل بالهاء‪ ،‬وما كان من‬
‫غير نعتها مثل خضيب ودهين ونحو ذلك فيكون بغير هاء‪ ،‬وجمع الَمِكَنة‬
‫مكن؛ قال أبو عبيد‪ :‬وهكذا روى الحديث وهو جائز في كلم العرب وإن‬
‫كان المكن للضباب أي يجعل للطير تشبيها بذلك الكلمة تستعار فتوضع‬
‫في غير موضعها‪ ،‬ومثله كثير في كلم العرب كقولهم‪ :‬مشافر الحبش‪،‬‬
‫وإنما المشافر للبل؛ وكقول زهير يصف السد‪ :‬الطويل‬
‫له لبد أظفاره لم تقّلم‬
‫وإنما هي الخالب؛ وكقول الخطل‪ :‬الطويل‬
‫جِم‬
‫وَفْرَوَة َثْفَر اّلثورِة الُمَتضا ِ‬
‫وإنما الثفر للسباع‪ .‬وقد يفسر هذا الحديث على غير هذا التفسير يقال‪:‬‬
‫أقروا الطير على مكناتها‪ ،‬يراد على أمكنتها؛ قال أبو عبيد‪ :‬إل أنا لم‬
‫أسمع في الكلم أن يقال للمكنة مكنة‪ ،‬ومعناه الطير التي يزجر بها‪،‬‬
‫يقول‪ :‬ل تزجروا الطير ول تلتفتوا إليها‪ ،‬أقروها على مواضعها التي‬
‫جعلها ال تعالى بها أي أنها ل تضر ول تنفع‪ ،‬ول تعدوا ذلك إلى غيره؛‬
‫و كلهما له وجه ومعنى‪ -‬وال أعلم‪ -‬إل إنا لم تسمع في الكلم المكنة‬
‫مكنة‪ .‬وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم ما آذن ال لشيء‪.‬‬
‫كأذنه لنبي يتغنى القرآن أن يجهر به‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬أما قوله‪ :‬كأذنه‪ -‬يعنى ما استمع ال لشيء كاستماعه لنبي‬
‫ت) قال‪:‬‬
‫حّق َ‬
‫ت ِلَرّبَها َو ُ‬
‫يتغنى بالقرآن؛ وعن مجاهد في قوله تعالى (َوأِذَن ْ‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫سمعت‪ -‬أو قال‪ :‬استمعت‪ -‬شك أبو عبيد‪ ،‬يقال‪ :‬أذنت للشيء آذن له‪-‬‬
‫أذنا‪ -‬إذا استمعته؛ وقال عدى بن زيد‪ :‬الرمل‬
‫إن همي في سماع وأذن‬
‫أيها القلب تعلـل بـددن‬
‫وقال أيضا‪ :‬الرمل‬
‫ي ُمشاِر‬
‫وحديث مثل ما ِذ ّ‬
‫خ لـه‬
‫سماع يأذن الشي ُ‬
‫في َ‬
‫ت) أي‬
‫حّق ْ‬
‫ت ِلَرّبَها َو ُ‬
‫يريد بقوله يأذن يستمع؛ ومنه قوله تعالى (أِذَن ْ‬
‫سمعت‪ .‬وبعضهم يرويه‪ :‬كأذنه لنبي يتغنى بالقرآن‪ -‬بكسر اللف‪ ،‬يذهب‬
‫به إلى الذن من الستئذان‪ ،‬وليس لهذا وجه عندي وكيف يكون إذنه له‬
‫وفي هذا أكثر من إذنه له وفي غيره والذي أذن له فيه من توحيده‬
‫وطاعته والبلغ عنه أكثر وأعظم من الذن في قراءة يجهر بها‪.‬‬
‫و قوله‪ :‬يتغنى بالقرآن‪ ،‬إنما مذهبه عندنا تخزين القراءة ؛ ومن ذلك‬
‫حديثه الخر عن عبد ال بن مغفل أنه رأى النبي عليه السلم‬
‫يقرأ سورة الفتح‪ ،‬فقال‪ :‬لول أن يجتمع الناس علينا لحكيت تلك القراءة‪،‬‬
‫وقد رجع؛ ومما يبين ذلك حديث يروى عن النبي عليه السلم أنه ذكر‬
‫أشراط الساعة فقال‪ :‬بيع الحكم‪ ،‬وقطيعة الرحم‪ ،‬والستخفاف بالدم‪،‬‬
‫وكثرة الشرط‪ ،‬وأن يتخذ القرآن مزامير‪ ،‬يقدمون أحدهم ليس بأقرئهم ول‬
‫أفضلهم إل ليغنيهم به غناء‪ .‬وعن طاؤوس أنه وقال‪ :‬أقرأ الناس للقرآن‬
‫أخشاهم ل تعالى؛ فهذا تأويل حديث النبي عليه السلم‪ :‬ما أذن ال لشيء‬
‫كأذنه لنبي يتغنى بالقرآن أن يجهر به‪ .‬وهو تأويل قوله‪ :‬زينوا القرآن‬
‫بأصواتكم‪ ،‬و عن شعبة قال‪ :‬أيوب أن أتحدث بهذا الحرف‪ :‬زينوا القرآن‬
‫بأصواتكم‪ :‬قال أبو عبيد‪ :‬وإنما كره أيوب ذلك مخافة أن يتأول على غير‬
‫وجهه‪ ،‬وأما حديث النبي عليه السلم‪ :‬ليس منا من لم يتغن بالقرآن‪ ،‬فليس‬
‫هو عندي من هذا‪ ،‬إنما هو من الستغناء‪ ،‬وقد فسرناه في موضع أخر ‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه كان إذا سجد جافي‬
‫عضديه حتى يرى من خلفه عفرة إبطيه‪.‬‬
‫قال أبو زيد والصمعي وأبو زياد أو من قال منهم‪ :‬العفرة البياض‪،‬‬
‫وليس بالبياض الناصع الشديد‪ ،‬ولكنه لون الرض‪ ،‬ومنه قيل للظباء‪:‬‬
‫غفر‪ -‬إذا كانت ألوانها كذلك‪ ،‬وإنما سميت بعفر الرض وهو وجهها‪ ،‬قال‬
‫الحمر‪ :‬يقال‪ :‬ما على عفر الرض مثله‪ -‬أي على وجها‪ ،‬وكذلك الشاة‬
‫العفراء‪ .‬يروى عن أبى هريرة أنه قال‪ :‬لدم عفراء في الضحية أحب‬
‫إلي من دم سوداوين‪ ،‬وبعضهم يرويه عنه‪ :‬لدم بيضاء أحب إلى من دم‬
‫سوداوين‪ ،‬فهذا تفسير ذلك؛ ويقال‪ :‬عفرت الرجل وغيره في التراب إذا‬
‫مرغته فيه‪ -‬تعفيرا؛ والتعفير في غير هذا أيضا‪ ،‬يقال للوحشية‪ :‬هي تعفر‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫ولدها؛ وذلك إذا أرادت فطامه قطعت عنه الرضاع يوما‪ ،‬أو يومين‪ ،‬فان‬
‫خافت أن يضره ذلك ردته إلى الرضاع أياما ثم أعادته لفطام‪ ،‬تفعل ذلك‬
‫مرات حتى يستمر عليه‪ ،‬فذلك التعفير‪ ،‬وهو معفر قال لبيد يذكره‪ :‬الكامل‬
‫ب ما ُيمن‬
‫س كواس ُ‬
‫غب ٌ‬
‫شـلـَوه‬
‫ِلمعفٍر َقْهٍد تـنـازع ِ‬
‫طعاُمها‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬من أدخل فرسا بين فرسين‬
‫فان كان يؤمن أن يسبق فل خير فيه‪ ،‬وإن كان ل يؤمن أن سبق فل بأس‬
‫به‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬سمعت محمد بن الحسن وغير واحد دخل تفسير بعضهم‬
‫في بعض قالوا‪ :‬هذا في رهان الخيل؛ والصل فيه أن يسبق الرجل‬
‫صاحبه بشيء مسمى على أنه إن سبق لم يكن له شيء‪ ،‬وإن سبقه‬
‫صاحبه أخذ الرهن‪ ،‬فهذا هو الحلل‪ ،‬لن الرهن إنما هو من أحدهما دون‬
‫الخر‪ ،‬فان جعل كل واحد منهما لصاحبه رهنا أيهما سبق أخذه‪ ،‬فهذا‬
‫القمار المنهي عنه؛ فان أرادا أن يدخل بينهما شيئا ليحل لكل واحد منهما‬
‫رهن صاحبه جعل بينهما فرسا ثالثا لرجل سواهما‪ ،‬وهو الذي ذكرناه في‬
‫أول الحديث‪ :‬من أدخل فرسا لي في فرسين‪ ،‬وهو الذي يسمى المحلل‬
‫ويسمى الدخيل؛ فيضع الرجلن الولن رهنين منهما ول يضع الثالث‬
‫شيئا‪ ،‬ثم يرسلون الفراس الثلثة‪ ،‬فان سبق أحد الولين أخذ رهنه ورهن‬
‫صاحبه وكان طيبا له‪ ،‬وإن سبق الدخيل ولم يسبق واحد من هذين أخذ‬
‫الرهنين جميعا‪ ،‬وإن يسبق هو لم يكن عليه شيء‪ ،‬فمعنى قوله‪ :‬إن كان‬
‫ل يؤمن أن يسبق فل بأس به‪ ،‬يقول‪ :‬إذا كان رابعا جوادا ل يأمنان أن‬
‫يسبقهما فيذهب بالرهنين فهذا طيب ل بأس به وإن كان بليدا بطيا قد أمنا‬
‫أن يسبقهما فهذا قمار لنها كأنهما لم يدخل بينهما شيئا أو كأنهما إنما‬
‫أدخل حمارا أو ما أشبه ذلك مما ل يسبق‪ .‬فهذا وجه الحديث‪ ،‬وهو‬
‫تفسير قول جابر بن زيد حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو قال قيل لجابر‬
‫بن زيد‪ :‬إن أصحاب محمد كانوا ل يرون بالدخيل بأسا‪ ،‬فقال‪ :‬كانوا‬
‫أعف من ذلك‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد في حديث النبي عليه السلم‪ :‬ل تسبوا الدهر فان ال هو‬
‫الدهر‪.‬‬
‫قوله‪ :‬فان ال هو الدهر وهذا ل ينبغي لحد من أهل السلم أن يجهل‬
‫وجهه‪ .‬وذلك أن أهل التعطيل يحتجون به على المسلمين؛‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬و قد رأيت بعض من يتهم بالزندقة و الدهرية‪ -‬يحتج بهذا‬
‫الحديث ويقول‪ :‬أل تراه يقول‪ :‬فان ال هو الدهر! فقلت‪ :‬وهل كان أحد‬
‫يسب ال في آباد الدهر? وقد قال العشى في الجاهلية الجهلء‪ :‬المنسرح‬
‫جَ‬
‫ل‬
‫حمد وولى الملمة الر ُ‬
‫استأثر ال بالوفـاء وبـال‬
‫وإنما تأويله عندي‪ -‬وال أعلم‪ -‬أن العرب كان شأنها أن تذم الدهر وتسبه‬
‫عند المصائب التي تنزل بهم من موت أو هرم أو تلف مال أو غير ذلك‬
‫فيقولون‪ :‬أصابتهم قوارع الدهر‪ ،‬وأبادهم الدهر‪ ،‬وأتى عليهم الدهر؛‬
‫فيجعلونه الذي يفعل ذلك فيذمونه عليه؛ و قد ذكروه في أشعارهم؛ قال‬
‫الشاعر يذكر قوما هلكوا‪ :‬الكامل‬
‫والدهر يرمينى ول أرمـي‬
‫فاستأثر الدهر الغداَة بـهـم‬
‫بسراتنا ووقرت في العظـم‬
‫يا دهر قد أكثرت فجعتـنـا‬
‫يا دهر ما أنصفت في الحكم‬
‫وسلبتنا ما لست تعـقـبـنـا‬
‫وقال عمرو بن قميئة‪ :‬الطويل‬
‫رمتي بنات الدهر من حيث ل فكيف بمن ُيرمـي ولـيس‬
‫بـراِم‬
‫أرى‬
‫ولكنما أرمـي بـغـير سـهـاِم‬
‫فلوأنهـا نـبـل إذًا لتـقـيتـهـا‬
‫على الراحتين مرة وعلى‬
‫أنوء ثلثا بـعـدهـن قـيامـي‬
‫العصـا‬
‫فأخبر أن الدهر فعل به ذلك نصف الهرم‪ .‬وقد أخبر ال تعالى بذلك عنهم‬
‫حَياُتَنا الُدْنَيا‬
‫ل َ‬
‫يإَ‬
‫في كتابه الكريم ثم كذبهم بقولهم فقال (َوَقاُلْوا َما ِه َ‬
‫ك ِم ْ‬
‫ن‬
‫ل الّدْهُر) قال ال عز وجل (وَما َلُهْم ِبذِل َ‬
‫حيا َوَما ُيْهِلُكَنا إ ّ‬
‫ت َوْن َ‬
‫َنُمْو ُ‬
‫ن) فقال النبي عليه السلم‪ :‬ل تسبوا الدهر‪ -‬على‬
‫ظّنْو َ‬
‫ل َي ُ‬
‫ن ُهْم ِإ ّ‬
‫عْلٍم إ ْ‬
‫ِ‬
‫تأويل ل تسبوا الذي يفعل بكم هذه الشياء و يصيبكم بهذه المصائب‪،‬‬
‫فأنكم إذا سببتم فاعلها فإنما يقع السب على ال تعالى لنه عز وجل هو‬
‫الفاعل لها ل الدهر‪ ،‬فهذا وجه الحديث إن شاء ال ل أعرف له وجها‬
‫غيره‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه دخل على عائشة رضي‬
‫ال عنها وعندها رجل فقالت‪ :‬إنه أخي من الرضاعة‪ ،‬فقال‪ :‬انظرن ما‬
‫إخوانكن فإنما الرضاعة من المجاعة‪.‬‬
‫قوله‪ :‬فإنما الرضاعة من المجاعة‪ ،‬يقول‪ :‬إن الذي إذا جاع كان طعامه‬
‫الذي يشبعه اللبن إنما هو الصبي الرضيع‪ ،‬فأما الذي يشبعه من جوعه‬
‫الطعام فان أرضعتموه فليس ذلك برضاع‪ ،‬فمعنى الحديث‪ :‬إنما الرضاع‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫ما كان بالحولين قبل الفطام‪ ،‬وهذا مثل حديث أبى هريرة وأم سلمة‬
‫رضى ال عنها‪ :‬إنما الرضاع ما كان في الثدي قبل الفطام‪ ،‬ومثلَه حديث‬
‫عمر بن الخطاب رض ال عنه‪ :‬إنما الرضاعة رضاعة الصغر‪ ،‬وكذلك‬
‫حديث عبد ال فيه وعامة الثار على هذا أن الرضاعة بعد الحولين ل‬
‫تحرم شيئا‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه رأى رجل يمشي بين‬
‫سْبتين! اخلع سبتيك‪.‬‬
‫القبور في نعلين فقال‪ :‬يا صاحب ال ّ‬
‫قوله في النعال‪ :‬السبتية‪ ،‬قال أبو عمرو‪ :‬هي المدبوغة بالقرظ‪ ،‬وقال‬
‫الصمعي‪ :‬هي المدبوغة؛ قال أبو عبيد‪ :‬و إنما ذكرت السبتية لن‬
‫أكثرهم في الجاهلية كان يلبسها غير مدبوغة إل أهل السعة منهم‬
‫والشرف لنهم كانوا ل يحسنون ول يلبسها إل أهل الجدة منهم كانوا‬
‫يشترونها من اليمن والطائف؛ ونحو هذا قال عنترة يمدح رجل‪ :‬الكامل‬
‫ت ليس‬
‫سب ِ‬
‫ل ال ِ‬
‫ُيحَذى ِنعا ُ‬
‫بطل كأن ثيابه في سـرحة‬
‫بتوأِم‬
‫وقد زعم بعض الناس أن النعال السبتية هي محلوقة الشعر‪ ،‬و المر‬
‫عندي كما قال الصمعي وأبو عمر‪ .‬أما أمر النبي عليه السلم إياه 'ن‬
‫يخلعهما فان بعض الناس يتأوله على الكراهة للمشي بين القبور في‬
‫النعلين‪ ،‬وهذا معنى يضيق على الناس‪ ،‬ولو كان لبس النعل مكروها‬
‫هناك لكان الخف مثله؛ قال أبو عبيد‪ :‬وأما أنا فأراه أمره بذلك لقذر رآه‬
‫في نعليه فكره أن يطأ بهما القبور كما كره أن يحدث الرجل بين القبور‪،‬‬
‫فهذا وجهه عندي‪ -‬وال أعلم‪.‬‬
‫ويقال‪ :‬إنما كرة ذلك لن أهل القبور يؤذيهم صوت النعال؛ فان كان هذا‬
‫وجه الحديث فالمر في خلعهما كان فيهما قذر أو لم يكن‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه للسلم‪ :‬نعم الدام الخل‪.‬‬
‫إنما سماه إداما لنه يصطبغ به وكل شيء يصطبغ به لزمه اسم الدام‪-‬‬
‫يعنى مثل الخل والزيت والمزي واللبن وما أشبهه‪ ،‬قال‪ :‬فان حلف حالف‬
‫أن ل يأكل إداما فأكل بعض ما يصطبغ به فهو حانث؛ وفي حديث أخر‬
‫أنه قال‪ :‬ما أقفر بيت‪ -‬أو قال‪ :‬طعام‪ -‬فيه خل و‪ -‬قال أبو زيد وغيره‪:‬‬
‫هو مأخوذ من القفار‪ ،‬وهو كل طعام يؤكل بل أدم؛ يقال‪ :‬أكلت اليوم‬
‫طعاما قفارا‪ -‬إذا أكله غير مأدوم‪ ،‬ول أرى أصله مأخوذا إل من القفر‬
‫من البلد‪ ،‬وهي التي ل شيء فيها‪.‬‬
‫وقال أبر عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬ل تجوز شهادة خائن ول‬
‫خائنة ول ذي غمر على أخيه ول ظنين في ولء ول قرابة ول القانع من‬

‫غريب الحديث لبن قتيبة‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫أهل البيت لهم‪.‬‬
‫قوله‪ :‬خائن ول خائنة‪ ،‬فالخيانة تدخل في أشياء كثيرة سوى الخيانة في‬
‫المال‪ ،‬منها أن يؤتمن على فرج فل يؤدى فيه المانة‪ ،‬وكذلك إن أستودع‬
‫سرا يكون إن أفشاه فيه عطب المستودع أو يشينه؛ ومما يبين ذلك أن‬
‫السر أمانة حديث يروى عن النبي عليه السلم‪ :‬إذا حدث الرجل بالحديث‬
‫ثم التفت فهو أمانة‪ ،‬فقد سماه رسول ال صلى ال عليه وسلم أمانة ولم‬
‫يستكتمه فكيف إذا استكتمه‪ ،‬ومنه قوله‪ :‬إنما تتجالسون بالمانة‪ ،‬الحديث‬
‫الخر‪ :‬من أشاع فاحشة فهو كمن أداها‪ ،‬فصار ههنا كفاعلها لشاعته‬
‫إياها هو‪ -‬ولم يستكتمها‪ ،‬وكذلك إن أؤتمن على حكم بين اثنين أو فوقهما‬
‫فلم يعدل‪ ،‬وكذلك إن غل من المغنم‪ ،‬فالغال في التفسير هو الخائن لنه‬
‫ل)‬
‫ن ُيَغ ّ‬
‫يأْ‬
‫ن ِلّنِب ٍ‬
‫يقال في قوله (َما َكا َ‬
‫قال‪ :‬يخان‪ ،‬فهذه الخصال كلها وما ضاهاها ل ينبغي أن يكون أصحابها‬
‫عدول في الشهادة على تأويل هذا الحديث‪.‬‬
‫و أما قوله‪ :‬ول ذي غمر على أخيه‪ ،‬فإن الغمر الشحناء والعداوة‪ ،‬وكذلك‬
‫الحنة؛ ومما يبين ذلك حديث عمر رضي ال عنه‪ :‬إنما قوم شهدوا على‬
‫رجل بحد ولم يكن ذلك بحضرة صاحب الحد فإنما شهدوا عن ضعن؛‬
‫وتأويل هذا الحديث على‪ -‬الحدود التي فما بين الناس وبين ال تعالى‬
‫كالزنا وشرب الخمر والسرقة‪ .‬قال أبو عبيد وسمعت محمد بن الحسن‬
‫يجعل في ذلك وقتال أحفظه‪ -‬يقول‪ :‬فان أقاموا الشهادة بعد ذلك بطلت‬
‫شهادتهم‪ ،‬فأما حقوق الناس فالشهادة فيها جائزة أبدا ل ترد وإن تقادمت‪.‬‬
‫فأما‪ ،‬الظنين في الولء و القرابة‪ ،‬فالذي يتهم بالدعاوة إلى غير أبيه‬
‫والمتولى غير مواليه؛ قال أبو عبيد‪ :‬و قد يكون أن يتهم في شهادته‬
‫لقريبه كالولد للوالد والولد للوالد ومن وراء ذلك؛ ومثله حديثه الخر أن‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم بعث مناديا حتى انتهى إلى البينة أنه‬
‫شهادة خصم ول ظنين واليمين على المدعي عليه‪ ،‬فمعنى الظنين ههنا‬
‫المتهم في دينه‪.‬‬
‫وأما قوله‪ :‬ول القائم مع أهل البيت لهم‪ ،‬فإنه الرجل يكون مع القوم في‬
‫حاشيتهم كالخادم لهم والتابع والجير ونحوه‪ ،‬وأصل القنوع‪ :‬الرجل يكون‬
‫مع الرجل يطلب فضله ويسأل معروفه‪ ،‬فيقول‪ :‬هذا إنما يطلب معاشه من‬
‫هؤلء فل يجوز شهادته لم‪ ،‬قال ال عز وجل (َفُكُلْوا ِمْنَها َوَاطِعُموا اُلَقاِنَع‬
‫َوالْمَعَتر) فالقانع في التفسير‪ :‬الذي يسأل‪ ،‬والمعتر‪ :‬الذي يتعرض ول‬
‫يسأل؛ ومنه قول الشماخ‪ :‬الطويل‬
‫مفاقره أعف من القنو ِ‬
‫ع‬
‫لمال المرء يصلحه فيغنى‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫يعني مسألة الناس‪ .‬وقال عدى بن زيد‪ :‬الطويل‬
‫ولم أحرم المضطر إذ جاء‬
‫وما خنت ذا عهد وأبت‬
‫قانعا‬
‫بعهـده‬
‫يعنى سائل‪ .‬ويقال من هذا‪ :‬قد قنع يقنع قنوعا وأما القانع‪ .‬الراضي بما‬
‫أعطاه ال عز وجل فليس من ذلك‪ ،‬يقال منه‪ :‬قنعت أقنع قناعة‪ ،‬فهذا‬
‫بكسر النون وذلك بفتحها وذلك من القنوع وهذا من القناعة‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم في خطبته‪ :‬إن الزمان قد‬
‫استدار كهيئته يوم خلق ال السماوات والرض‪ ،‬السنة اثنا عشر شهرا‬
‫منها أربعة حرم‪ :‬ثلثة متواليات ذو القعدة وذو الحجة ورجب مضر‬
‫الذي بين جمادى وشعبان‪.‬‬
‫قوله‪ :‬إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق ال السماوات والرض‪،‬‬
‫يقال‪ :‬إن بدء ذلك كان وال أعلم‪ -‬إن العرب كانت تحرم هذه الشهر‬
‫الربعة وكان هذا مما تمسكت به من ملة إبراهيم عليه السلم وعلى نبينا‬
‫فربما احتاجوا إلى تحليل المحرم للحرب تكون بينهم فيكرهون أن‬
‫يستحلوه ويكرهون تأخير حربهم فيؤخرون تحريم المحرم إلى صفر‬
‫فيحرمونه ويستحلون المحرم‪ ،‬وهذا هو النسيء الذي قال ال تعالى (إّنَما‬
‫حّرُمْوَنُه‬
‫عاماً ّوُي َ‬
‫حّلْوَنُه َ‬
‫ن َكَفُرْوا ُي ِ‬
‫ل ِبِه اّلِذْي َ‬
‫سيء ِزَياَدُة ِفي اْلُكْفِر ُيض ّ‬
‫الّن ِ‬
‫عامًا) إلى آخر الية‪ ،‬وكان ذلك في كنانة هم الذين كانوا ينسئون الشهور‬
‫َ‬
‫على العرب‪ ،‬والنسيء هو التأخير؛ ومنه قيل‪ :‬بعت الشيء نسيئة‪ ،‬فكانوا‬
‫يمكثون بذلك زمانا يحرمون صفر وهم يريدون به المحرم ويقولون‪ :‬هذا‬
‫وأحد الصفرين‪ ،‬قال أبو عبيد وقد تأول بعض الناس قول النبي عليه‬
‫السلم؛ ل صفر‪ ،‬على هذا؛ ثم يحتاجون أيضا إلى تأخير صفر إلى‬
‫الشهر الذي‪ .‬بعده كحاجتهم إلى تأخير المحرم فيؤخرون تحريمه إلى‬
‫ربيع ثم يمكثون بذلك ما شاء ال ثم يحتاجون إلى مثله ثم كذلك فكذلك‬
‫حتى يتدافع شهر بعد شهر حتى استدار التحريم على السنة كلها‪ ،‬فقام‬
‫السلم وقد رجع المحرم إلى موضعه الذي وضعه ال تبارك وتعالى به‪،‬‬
‫وذلك بعد دهر طويل؛‬
‫فذلك قوله عليه السلم ‪ :‬إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق ال‬
‫السماوات والرض‪ -‬يقول‪ :‬رجعت الشهر الحرم إلى مواضعها وبطل‬
‫النسيء وقد زعم بعض الناس أنهم كانوا يستحلون المحرم عاما فإذا كان‬
‫من قبل ردوه إلى تحريمه‪ :‬والتفسير الول أحب إلى لقول النبي عليه‬
‫السلم إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق ال السماوات والرض‪،‬‬
‫وليس في التفسير الخر استدارة‪ ،‬وعلى هذا التفسير الذي فسرناه قد‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫يكون قوله (يحلونه عاما ويحرمونه عاما) مصدقا لنهم إذا حرموا العام‬
‫المحرم وفي قابل صفر ثم احتاجوا بعد ذلك إلى تحليل صفر أيضا أحلوه‬
‫وحرموا الذي بعده‪ .‬فهذا تأويل قوله في هذا تفسير آخر يقال‪ :‬إنه في‬
‫ج) قال‪ :‬قد استقر‬
‫حّ‬
‫ل ِفي اْل َ‬
‫جَدا َ‬
‫ل ِ‬
‫الحج عن مجاهد في قوله تعالى (َو َ‬
‫الحج في ذي الحجة ل جدال فيه‪ ،‬وعن مجاهد قال‪ :‬كانت العرب في‬
‫الجاهلية يحجون عامين في ذي القعدة وعامين في الحجة فلما كانت السنة‬
‫التي حج أبو بكر فيها قبل حجة النبي صلى ال عليه وسلم كان الحج في‬
‫السنة الثانية في ذي القعدة‪ ،‬فلما كانت السنة التي حج فيها النبي عليه‬
‫السلم في العام المقبل عاد الحج إلى ذي الحجة‪ ،‬فذلك قوله‪ :‬إن الزمان‬
‫قد استدار كهيئته يوم خلق ال السماوات والرض يقول‪ :‬قد ثبت الحج‬
‫في ذي الحجة‪ .‬وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم لهل القتيل‬
‫أن ينحجزوا الدنى فالدنى وإن كانت امرأة‪.‬‬
‫وذلك أن يقتل القتيل وله ورثة رجال ونساء‪ -‬يقول‪ :‬فأيهم عفى عن دمه‬
‫من القرب فالقرب‪ ،‬من رجل أو امرأة فعفوه جاز لن قوله أن‬
‫ينحجزوا‪ -‬يعنى يكفوا عن القود‪ ،‬وكذلك كل من ترك شيئا وكف عنه‬
‫انحجز عنه ؛ وفي هذا الحديث تقوية لقول أهل العراق‪ ،‬إنهم يقولون‪ :‬كل‬
‫وارث أن يعفو عن الدم من رجل أو امرأة‪ ،‬فإذا عفى سقط القود عن‬
‫القاتل وأخذ سائر الورثة حصصهم من الدية‪ .‬وأما أهل الحجاز فيقولون‪:‬‬
‫إنما العفو والقود إلى الولياء خاصة‪ ،‬وليس للورثة الذين ليسوا بأولياء‬
‫جَعْلَنا ِلَولّيه‬
‫ظُلْومًا َفَقْد َ‬
‫ل َم ْ‬
‫ن ُقِت َ‬
‫من ذلك شيء‪ ،‬يتأولون قول ال تعالى (َوَم ْ‬
‫سْلطانا) وقال أبو عبيد‪ :‬وقول أهل العراق في هذا أعجب إلى في القتيل‪.‬‬
‫ُ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬اليمان يمان والحكمة‬
‫يمانية‪.‬‬
‫قوله‪ :‬اليمان يمان‪ ،‬وإنما بدأ اليمان من مكة‪ ،‬لنها مولد النبي عليه‬
‫السلم ومبعثه‪ ،‬ثم هاجر إلى المدينة‪ ،‬ففي ذلك قولن‪ :‬أما أحدهما فانه‬
‫يقال‪ :‬إن مكة من أرض تهامة‪ ،‬ويقال‪ :‬إن تهامة من أرض اليمن‪ ،‬ولهذا‬
‫سمي ما والى مكة من أرض اليمن واتصل بها التهائم‪ ،‬فكان مكة على‬
‫هذا التفسير يمانية‪ ،‬فقال‪ :‬اليمان يمان على هذا والوجه الخر أنه يروى‬
‫في الحديث إن النبي عليه السلم قال هذا الكلم وهو يومئذ بتبوك ناحية‬
‫الشام‪ ،‬ومكة والمدينة حينئذ بينه وبين اليمن‪ ،‬فأشار إلى ناحية اليمن وهو‬
‫يريد مكة والمدينة فقال‪ :‬اليمان يمان ‪ -‬أي هو من هذه الناحية‪ ،‬فهما‬
‫وإن لم يكونا من اليمن فقد يجوز أن ينسبا إليها إذا كانتا ومن ناحيتها‬
‫وهذا في كثير في كلمهم فاش‪ ،‬أل تراهم قالوا‪ :‬الركن اليماني? فنسب‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫إلى اليمن وهو بمكة لنه مما يليها؛ وأنشدني الصمعي للنابغة يذم يزيد‬
‫بن الصعق وهو رجل من قيس فقال‪ :‬الوافر‬
‫ولكن ل أمانة لليمان ِ‬
‫ي‬
‫وكنت أميَنه لو لم تخنه‬
‫وذلك كان مما يلي اليمن؛ وقال ابن مقبل‪ -‬وهو رجل من بني العجلن‬
‫من بنى عامر بن صعصعة‪ :‬البسيط‬
‫ل ِبَنا ركبًا يمانياً‬
‫ف الخيا ُ‬
‫طا َ‬
‫فنسب نفسه إلى اليمن لن الخيال طرقه وهو يسير ناحيتها‪ ،‬ولهذا قال‪:‬‬
‫سهيل اليماني‪ ،‬لنه يرى من ناحية اليمن‪ .‬قال أبو عبيد وأخبرني هشام‬
‫أبن الكلبي أن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف تزوج الثرياء بنت فلن‬
‫من بني أمية من العبلت وهى أمية الصغرى‪ ،‬فقال عمر بن أبى ربيعة‬
‫أنشدنيه عنه الصمعي‪ :‬الخفيف‬
‫عمرك ال كيف يلتقيا ِ‬
‫ن‬
‫سهيل‬
‫أيها المنكح الثريا ُ‬
‫وسهيل إذا استقل يما ِ‬
‫ن‬
‫هي شامية إذا ما استقّلت‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬فجعل لهما النجوم مثال لتفاق أسمائهما للنجوم‪ ،‬قال ثم‬
‫قال‪ :‬هي شامية‪-‬فعنى الثريا التي في السماء وسهيل يمان‪ ،‬وذلك أن الثريا‬
‫إذا ارتفعت اعترضت ناحية الشام مع الجوزاء حتى تغيب تلك قال‪:‬‬
‫وسهيل إذا استقل يماني لنه يعلو من ناحية اليمن‪ .‬فسمى تلك شامية وهذا‬
‫يمانيا‪ ،‬وليس منها شأم ول يمان‪ ،‬وإنما هما نجوم السماء‪ -‬ولكن تسب كل‬
‫واحد منهما إلى ناحيته‪ ،‬فعلى هذا تأويل قول النبي عليه السلم‪ :‬اليمان‬
‫يمان‪ .‬ويذهب كثير من الناس في هذا إلى النصار‪ ،‬يقول‪ :‬هم نصروا‬
‫اليمان وهم يمانية‪ ،‬فنسب اليمان إليهم على هذا المعنى‪ .‬وهو أحسن‬
‫الوجوه عندي؛ قال أبو عبيد‪ :‬ومما يبين ذلك أن النبي عليه السلم لما قدم‬
‫أهل اليمن قال‪ :‬أتاكم أهل اليمن هم ألين قلوبا وأرق أفئدة‪ ،‬اليمان يمان‬
‫والحكمة يمانية؛ وهم أنصار النبي عليه السلم؛ ومنه أيضا قول النبي‬
‫عليه السلم‪ :‬لول الهجرة لكنت امرأ من النصار‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬ل تسبوا أصحابي فان‬
‫أحدكم لو أنفق ما في الرض ما أدرك مد أحدهم ول نصيفه‪.‬‬
‫قوله‪ :‬مد أحدهم ول نصيفه‪ -‬بقول‪ :‬لو أنفق أحد ما في الرض ما بلغ‬
‫مثل مد يتصدق به أحدهم أو ينفقه ول مثل نصفه‪ ،‬والعرب تسمى‬
‫النصف النصيف‪ ،‬كما قالوا في العشر عشير وفي الخمس خميس وفي‬
‫السبع سبيع وفي الثمن ثمين ‪ -‬قالها أبو زبد والصمعي؛ وأنشدنا أبو‬
‫الجراح‪ :‬الطويل‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫فما صار لي في القسم إل‬
‫وألقيت سهمي بينهم حين‬
‫ثمينها‬
‫أوخشوا‬
‫واختلفوا في السبع والسدس والربع‪ ،‬فمنهم من يقول‪ :‬سبيع وسديس‬
‫وربيع‪ ،‬ومنهم من ل يقول ذلك‪ ،‬ولم أسمع أحدا منهم يقول في الثلث شيئا‬
‫من ذلك‪ .‬وقال الشاعر وفي النصيف يذكر امرأة‪ :‬الرجز‬
‫ول ُتميرات ول تـعـجـي ُ‬
‫ف‬
‫لم يغذهـا ُمـد ول نـصـيف‬
‫المحض و القارص‬
‫لكن غذاها اللبـن الـخـريف‬
‫والصري ُ‬
‫ف‬
‫أراد أنها منعمة في سعة لم تغذ بمد تمر ول نصيفه‪ ،‬ولكن بألبان اللقاح‪،‬‬
‫وقوله‪ :‬تعجيف‪ -‬يعنى أن تدع طعامها وهي تشتهيه لغيرها‪ ،‬وهذا ل يكون‬
‫إل من العوز والقلة‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬والنصيف في غير هذا الخمار‪ .‬ومنه‬
‫حديث النبي عليه السلم‪ -‬وذكر حور العين قال‪ :‬ولنصيف إحداهن على‬
‫رأسها خير من الدنيا وما فيها؛ قال النابغة‪ :‬الكامل‪.‬‬
‫سقط النصيف ولم ترد‬
‫فتناولته واتقـتـنـا بـالـيد‬
‫إسقاطه‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم في الرجل الذي عض يد‬
‫رجل فانتزع يده من فيه فسقطت ثناياه فخاصمه إلى النبي عليه السلم‬
‫فطلها‪.‬‬
‫قوله‪ :‬طلها‪ -‬يعنى أهدرها وأبطلها؛ قال الكسائي وأبو زيد قوله‪ :‬طلها‪-‬‬
‫يعشني أهدرها وأبطلها؛ قال أبو زيد‪ :‬يقال‪ :‬قد طل دمه وقد طله الحاكم‬
‫وهو دم مطول؛ قال‪ :‬ول يقال‪ :‬طل دمه‪ ،‬ل يكون الفعل للدم‪ ،‬وأجاز‬
‫الكسائي‪ :‬طل دمه‪ -‬أي هدره‪ ،‬وكان أبو عبيدة ويقول‪ :‬فيه ثلث لغات‪:‬‬
‫طل دمه‪ ،‬وطل دمه‪ ،‬وأطل دمه؛ قال أبو عبيد‪:‬‬
‫وفي هذا الحديث من الفقه أنه من ابتدأ رجل يضرب فأنفاه الخر بشيء‬
‫يريد به دفعه عن نفسه فعاد الضرب على البادي أنه هدر‪ ،‬لن الثاني إنما‬
‫أراد دفعه عن نفسه ولم يرد غيره؛ وهذا أصل لهذا الحكم‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه رخص للمحرم في قتل‬
‫العقرب والفأرة والغراب والحدأ والكلب العقور‪.‬‬
‫قوله‪ :‬والكاب العقور‪ ،‬بلغني عن سفيان بن عيينة‪ ،‬أراه قال‪ :‬كل سبع‬
‫يعقر‪ ،‬ولم يخص به الكلب؛ قال أبو عبيد‪ :‬وليس عندي مذهب إل ما قال‬
‫سفيان لما رخص الفقهاء فيه من قتل المحرم السبع العادي عليه‪ ،‬ومثل‬
‫قول الشعبي وإبراهيم‪ :‬من حل بك فاحلل به‪ ،‬يقول‪ :‬إن المحرم ل يقتل‬
‫فمن عرض لك فحل بك فكن أنت أيضا به حلل‪ ،‬فكأنهم إنما اتبعوا هذا‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫الحديث في الكلب العقور‪ ،‬ومع هذا أنه قد يجوز في الكلم أن يقال‬
‫للسبع‪ :‬كلب‪ ،‬أل ترى أنهم يروون في المغازي أن عتبة ابن أبي لهب‬
‫كان شديد الذى للنبي عليه السلم‪ ،‬فقال النبي عليه السلم‪ :‬اللهم سلط‬
‫عليه كلبا من كلبك! فخرج عتبة إلى الشام مع أصحاب له فنزل منزل‬
‫فطرقهم السد فتخطى إلى عتبة بن أبي لهب من بين أصابه حتى قتله‪،‬‬
‫فصار السد ههنا قد لزمه اسم الكلب‪ ،‬وهذا مما يثبت ذلك التأويل‪ ،‬ومن‬
‫ن) فهذا اسم مشتق من‬
‫ح ُمَكّلْبي َ‬
‫جَوار ِ‬
‫ن اْل َ‬
‫عّلْمُتْم ِم َ‬
‫ذلك قوله تعالى (َوَما َ‬
‫الكلب‪ ،‬ثم دخل فيه صيد‬
‫الفهد والصقر والبازي‪ ،‬فصارت كلها داخلة في هذا السم‪ ،‬فلهذا قيل لكل‬
‫جارح أو عاقر من السباع‪ :‬كلب عقور‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬ليس منا من لم يتغن‬
‫بالقرآن‪.‬‬
‫كان سفيان بن عيينة يقول‪ :‬معناه من لم يستغن به ول يذهب به إلى‬
‫الصوت؛ وليس للحديث عندي وجه غير هذا‪ ،‬لنه في حديث آخر كأنه‬
‫مفسر عن عبد ال بن َنهيك‪ -‬أو ابن أبي نهيك أنه دخل على سعد وعنده‬
‫ث‪ ،‬فقال قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ :‬ليس منا‬
‫ث ومثال َر ّ‬
‫متاع َر ّ‬
‫من لم يتغن بالقرآن‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬فذكره رثاثة المتاع والمثال عند هذا‬
‫الحديث يبينك انه إنما أراد الستغناء بالمال القليل‪ ،‬وليس الصوت من هذا‬
‫في شيء؛ يبين ذلك حديث عبد ال من قرأ سورة آل عمران فهو غني‪.‬‬
‫وعنه قال‪ :‬نعم‪ ،‬كنز الصعلوك سورة آل عمران يقوم بها من آخر الليل‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬فأرى الحاديث كلها إنما دلت على الستغناء‪ ،‬ومنه حديثه‬
‫الخر‪ :‬من قرأ القران فرأى أن أحدا أعطى أفضل مما أعطى فقد عظم‬
‫صغيرا وصغر عظيمًا‪.‬‬
‫ومعنى الحديث‪ :‬ل ينبغي لحامل القرآن أن يرى أحدا من أهل الرض‬
‫أغنى منه ولو ملك الدنيا برحبها‪ .‬ولو كان وجهه كما يتأوله بعض الناس‬
‫انه الترجيع بالقراءة وحسن الصوت لكانت العقوبة قد عظمت في ترك‬
‫ذلك أن يكون‪ :‬من لم يرجع صوته بالقرآن فليس من النبي عليه السلم‬
‫حين قال‪ :‬ليس منا من لم يتغن بالقرآن‪ ،‬وهذا ل وجه له‪ ،‬ومع هذا أنه‬
‫كلم جائز فاش في كلم العرب وأشعارهم أن يقولوا‪ :‬تغنيت تغنيا‬
‫وتغانيت تغانيا‪ -‬يعني استغنيت؛ قال العشى‪ :‬المتقارب‬
‫ل التغن‬
‫ف المناخ طوي َ‬
‫عفي َ‬
‫وكنت امرأ زمنا بالعراق‬
‫يريد الستغناء أو الغنى؛ وقال المغيرة بن حبناء التميمي يعاتب أخا له‪:‬‬
‫الطويل‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫ونحن إذا متنا أشد تغانيا‬
‫كلنا غني عن أخيه حياته‬
‫يريد أشد استغناء‪ ،‬هذا وجه الحديث‪ -‬وال أعلم‪ .‬وأما قوله‪ :‬ومثال رث‪،‬‬
‫فانه الفراش؛ قال الكميت‪ :‬الطويل‬
‫يرى ُبسرى الليل المثال‬
‫طوال الساعدين كـأنـمـا‬
‫بكل ُ‬
‫الممهدا‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬الكْمأة من المن وماؤها‬
‫شفاء للعين‪.‬‬
‫قوله‪ :‬الكمأة من المن‪ ،‬يقال ‪ -‬وال أعلم‪ -‬إنه إنما شبهها بالمن الذي كان‬
‫يسقط على بنى إسرائيل‪ ،‬لن ذلك كان ينزل عليهم عفوا بل علج منهم‪،‬‬
‫إنما كانوا يصبحون وهو بأفنيتهم فيتناولونه‪ ،‬وكذلك الكمأة ليس على أحد‬
‫منها مؤنة في بذر ول سقي ول غيره‪ ،‬وإنما هو شيء ينبته ال في‬
‫الرض حتى يصل إلى من يجتنيه‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬وماؤها شفاء للعين‪ ،‬يقال‪ :‬إنه ليس لمعناه أن يؤخذ ماؤها بحتا‬
‫فيقطر في العين‪ ،‬ولكنه يخلط ماؤها بالدوية التي تعالج بها العين‪ ،‬فعلى‬
‫هذا يوجه الحديث‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬لي الواجد يحل عقوبته‬
‫وعرضه‪.‬‬
‫قوله‪ :‬لي‪ ،‬هو المطل‪ ،‬يقال‪ :‬لويت دينه ألويه ليا وليانا؛ قال العشى‪:‬‬
‫الكامل‬
‫يلوينني َديني النهار‬
‫َديني إذا وقذ النعاس الرّقدا‬
‫وأقتضى‬
‫وقال ذو الرمة‪ :‬الطويل‬
‫وأحسن يا ذات الوشاح‬
‫ت مـلـية‬
‫تطيلين لّيانـي وأنـ ِ‬
‫التقاضيا‬
‫وقوله‪ :‬الواجد‪ -‬يعنى الغنس الذي يجد ما يقضي به دينه‪،‬؛ ومما يصدقه‬
‫حديث النبي عليه السلم مطل الغنى ظلم‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬يحل عقوبته وعرضه‪ ،‬فان أهل العلم يتأولون بالعقوبة‪ :‬الحبس في‬
‫السجن‪ ،‬وبالعرض‪ :‬أن يشد لسانه‪ .‬وقوله فيه نفسه‪ ،‬ول يذهبون في هذا‬
‫إلى أن يقول في حسبه شيئا‪ ،‬وكذلك وجه الحديث عندي؛ ومما يحقق ذلك‬
‫حديث النبي عليه السلم‪ :‬لصاحب الحق اليد واللسان‪ ،‬قال‪ :‬وسمعت‬
‫محمد بن الحسن يفسر اليد باللزوم واللسان بالتقاضي؛ قال أبو عبيد‪ :‬وفي‬
‫هذا الحديث باب من الحكم عظيم‪ ،‬قوله‪ :‬لي الواجد‪ ،‬فقال‪ :‬الواجد فاشترط‬
‫الوجد‪ ،‬ولم يقل‪ :‬لي الغريم‪ ،‬وذلك أنه قد يجوز أن يكون غريما وليس‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫بواجد‪ ،‬وإنما جعل العقوبة على الواجد خاصة‪ ،‬فهذا يبين لك أنه من لم‬
‫يكن واجدا فل سبيل للطالب عليه بحبس ول غيره حتى يجد ما يقضي‪،‬‬
‫وهذا مثل قوله الخر في الذي اشترى أثمارا فأصيبت فقال عليه السلم‬
‫للغرماء‪ :‬خذوا ما قدرتم عليه وليس لكم إل ذلك‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه سأل عن البتع فقال‪ :‬كل‬
‫شراب أسكر فهو حرام‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬قد جاءت في الشربة آثار كثيرة بأسماء مختلفة عن النبي‬
‫عليه السلم وأصحابه‪ ،‬وكل له تفسير‪ ،‬فأولها الخمر وهي ما غلى في‬
‫عصير العنب‪ ،‬فهذا مما ل اختلف في تحريمه بين المسلمين‪ ،‬إنما‬
‫الختلف في غيره؛ ومنها السكر وهو نقيع التمر الذي لم تمسه النار‪،‬‬
‫وفيه يروى عن عبد ال بن مسعود أنه قال‪ :‬السكر خمر؛ ومنها البتع‪-‬‬
‫وهو الذي جاء فيه الحديث عن النبي عليه السلم ‪ -‬وهو نبيذ العسل؛‬
‫ومنها الجعة وهو نبيذ الشعير؛ ومنها المزر وهو من الذرة‪ .‬وعن ابن‬
‫عمر أنه فسر هذه الشربة الربعة وزاد‪ :‬والخمر من العنب‪ ،‬والسكر من‬
‫التمر؛ قال أبو عبيد‪ :‬ومنها السكركة وقد روى فيه عن الشعري التفسير‬
‫فقال‪ :‬إنه من الذرة‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬ومن الشربة أيضا الفضيخ‪ ،‬وهو ما‬
‫افتضخ من البسر من غير أن تمسه النار‪ ،‬وفيه يروى عن ابن عمر‪:‬‬
‫ليس بالفضيخ ولكنه الفضوخ‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬وفيه يروى عن أنس أنه‬
‫قال‪ :‬نزل تحريم الخمر وما كانت غير فضيخكم‪ ،‬هذا الذي تسمونه‬
‫الفضيخ‪ .‬قال‪ :‬فان كان مع البسر تمر‪ ،‬فهو الذي يسمى الخليطين‪ ،‬وكذلك‬
‫صف‪ ،‬وهو أن يطبخ‬
‫إن كان زبيبا وتمرا فهو مثله؛ ومن الشربة الُمَن ّ‬
‫عصير العنب قبل أن يغلى حتى يذهب نصفه‪ ،‬وقد بلغني انه كان يسكر‬
‫فان كان يسكر فهو حرام ؛ وإن طبخ حتى يذهب ثلثاه ويبقى الثلث فهو‬
‫الطلء‪ ،‬وإنما سمي بذلك لنه شبه بطلء البل في ثخنه وسواده‪ ،‬وبعض‬
‫العرب يجعل الطلء الخمر بعينها‪ ،‬يروى أن عبيد بن البرص قال في‬
‫مثل له‪ :‬المتقارب‬
‫كما الذئب يكني أبا جعَدَة‬
‫ولكنها الخمر تكني الطل‬
‫وكذلك الباذق وقد يسمى به الخمر المطبوخ‪ ،‬وهو الذي يروى فيه‬
‫الحديث عن ابن عباس أنه سئل عن الباذق فقال‪ :‬سبق محمد صلى ال‬
‫عليه وسلم الباذق وما أسكر فهو حرام‪ ،‬وإنما قال ابن عباس ذلك لن‬
‫خُتج أيضا إنما هو أسم‬
‫الباذق كلمة فارسية عربت فلم نعرفها وكذلك الُب ْ‬
‫بالفارسية عرب‪ ،‬وهو الذي يروى فيه الرخصة عن إبراهيم أنه ُأهدى له‬
‫بختج‪ ،‬فكان نبيذه ويلقى فيه العكر‪ ،‬قال أبو عبيد‪ :‬وهو الذي يسميه الناس‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫اليوم الجمهوري‪ ،‬وهو إذا غلى وقد جعل فيه الماء فقد عاد إلى مثل حاله‬
‫الولى‪ ،‬ولو كان غلى وهو عصير لم يخالطه الماء لن السكر الذي كان‬
‫زائله أراه قد عاد إليه وإن الماء الذي خالطه ل يحل حراما؛ أل ترى أن‬
‫عمر رض ال عنه إنما أحل الطلء حين ذهب سكره وشره وحظ‬
‫شيطانه‪ ،‬وهكذا يروى عنه‪ ،‬فإذا عاوده ما كان فارقه فما أغنت عنه النار‬
‫والماء‪ ،‬وهل كان دخولهما ههنا إل فضل‪ .‬ومن الشربة نقيع الزبيب‪،‬‬
‫وهو الذي يروى فيه عن سعيد بن جبير وغيره‪ :‬هي الخمر اجتنبها؛ قال‬
‫أبو عبيد‪ :‬وهذا الجمهوري عندي شر منه‪ ،‬ولكنه مما أحدث الناس بعد‪،‬‬
‫ى وهو‬
‫وليس مما كان في دهر أولئك فيقولون فيه‪ .‬ومن الشربة الَمِقذ ّ‬
‫شراب من أشربة أهل الشام‪ ،‬وزعم الهيثم بن عدي أن عبد الملك بن‬
‫مروان كان يشربه‪ ،‬ولست أدرى من أي شيء يعمل‪ ،‬غير أنه يسكر‪.‬‬
‫ومنها شراب يقال له‪ :‬المزاء‪ -‬ممدود‪ ،‬وقد جاء في بعض الحديث ذكره‪،‬‬
‫وقالت فيه الشعراء؛ قال الخطل يعيب قوما‪ :‬البسيط‬
‫إذا جرى فيهم المزاء‬
‫بئس الصحاة وبئس الشرب‬
‫والسكـُر‬
‫شربهُم‬
‫وقد أخبرني محمد بن كثير أن لهل اليمن شرابا يقال له‪ :‬الصعف‪ ،‬وهو‬
‫أن يشدخ العنب ثم يلقى في الوعية حتى يغلى؛ فجهالهم ل يرونها خمرا‬
‫لمكان اسمها‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬وهذه الشربة المسماة كلها عندي كنهاية عن أسماء الخمر‪،‬‬
‫ول أحسبها إل داخلة في حديث النبي عليه السلم‪ :‬إن ناسا من أمتي‬
‫يشربون الخمر باسم يسمونها به‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬وقد بقيت أشربة سوى هذه المسماة ليست لها أسماء‪ ،‬منها‬
‫نبيذ الزبيب بالعسل‪ ،‬ونبيذ الحنطه‪ ،‬ونبيذ التين؛ وطبيخ الدبس وهو‬
‫عصير التمر؛ فهذه‬
‫كلها عندي لحقة بتلك المسماة في الكراهة وإن لم تكن سميت‪ ،‬لنها كلها‬
‫تعمل عمل واحدا في السكر‪ -‬وال اعلم بذلك؛ قال أبو عبيد‪ :‬ومما يبينه‬
‫قول عمر بن الخطاب‪ :‬الخمر ما خامر العقل‪ .‬وقيل في رجل صلى وفي‬
‫ثوبه من النبيذ المسكر قدر الدرهم أو أكثر‪ :‬إنه يعيد الصلة وقال أبو‬
‫عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم في الوعية التي نهى عنها النبي عليه‬
‫حْنَتم والّنِقير والُمَزّفت‪.‬‬
‫السلم من الُدّباء وال َ‬
‫وقد جاء تفسيرها كلها أو أكثرها في الحديث عن أبى بكرة قال‪:‬‬
‫أما الدباء فأنا معاشر ثقيف كنا بالطائف نأخذ الدباء فنخرط فيها عناقيد‬
‫العنب ثم ندفنها حتى تهدر ثم تموت‪.‬‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫وأما النقير فان أهل اليمامة كانوا ينقرون أصل النخلة ثم يشدخون فيه‬
‫الرطب والبسر ثم يدعونه حتى يهدر ثم يموت‪.‬‬
‫وأما الحنتم فجرار خضر كانت تحمل إلينا فيها الخمر‪ ،‬قال أبو عبيد‪ :‬أما‬
‫الحديث فجرار حمر‪ .‬وأما في كلم العرب فهي الخضر‪ ،‬وقد بجوز أن‬
‫يكون جمعا‪.‬‬
‫وأما المزفت فهذه الوعية التي فيها الزفت‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬فهذه الوعية التي جاء فيها النهي عن النبي عليه السلم‪،‬‬
‫وهي عند العرب على ما فسرها أبو بكرة‪ ،‬وإنما نهى عنها كلها لمعنى‬
‫واحد أن النبيذ يشتد فيها حتى يصير مسكرا‪ ،‬ثم رخص فيها فقال‪:‬‬
‫اجتنبوا كل مسكر‪ ،‬فاستوت الظروف كلها ورجع المعنى إلى المسكر‪،‬‬
‫فكل ما كان فيها وفي غيرها من الوعية بلغ ذلك فهو المنهى عنه‪ ،‬وما‬
‫لم يكن فيه منها ول من غيرها مسكر فل بأس به؛ ومما يبين ذلك قول‬
‫ابن عباس رضى ال عنهما‪ :‬كل حلل في كل ظرف حلل‪ ،‬وكل حرام‬
‫في كل ظرف حرام؛ وقول غيره‪ :‬ما أحل ظرف شيئا ول حرمه؛ ومن‬
‫ذلك قول أبى بكرة‪ :‬إن أخذت عسل فجعلته في وعاء خمر إن ذلك‬
‫ليحرمه أو أخذت خمرا لجعلتها في سقاء أ إن ذلك ليحلها? وقال أبو‬
‫عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه عطس عنده رجلن فشمت أحدهما‬
‫ولم يشمت الخر‪ ،‬فقيل له‪ :‬يا رسول ال! عطس عندك رجلن فشمت‬
‫أحدهما ولم يشمت الخر? فقال‪ :‬إن هذا حمد ال وإن هذا لم يحمد ال‪.‬‬
‫قوله‪ :‬شمت‪ -‬يعني دعا له‪ ،‬كقولك‪ :‬يرحمكم ال أو يهديكم ال ويصلح‬
‫بالكم؛ والتشميت‪ :‬هو الدعاء‪ ،‬وكل داع لحد بخير فهو مشمت له؛ ومنه‬
‫حديثه الخر أنه لما أدخل فاطمة عليها السلم على علي عليه السلم قال‬
‫لهما‪ :‬ل تحدثا شيئا حتى آتيكما‪ ،‬فأتاهما فدعا لهما وشمت عليهما ثم‬
‫خرج‪ .‬وفي هذا الحرف لغتان‪ :‬سّمت وشّمت‪ ،‬والشين أعلى في كلمهم‬
‫وأكثر‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬الصوم في الشتاء الغنيمة‬
‫الباردة‪.‬‬
‫قال الكسائي وغيره قوله‪ :‬الغنيمة الباردة‪ ،‬إنما وصفها بالبرد لن الغنيمة‬
‫إنما أصلها من أرض العدو ول تنال ذلك إل بمباشرة الحرب والصطلء‬
‫بجرها‪ ،‬يقول‪ :‬فهذه غنيمة ليس فيها لقاء حرب ول قتال‪ ،‬وقد يكون أن‬
‫يسمى باردة لن صوم الشتاء ليس كصوم الصيف الذي يقاسي فيه‬
‫العطش والجهد؛ وقد قيل في َمَثل "ول حارها من تولى قارها" يضرب‬
‫للرجل يكون في سعة وخصب ول ينيلك منه شيئا ثم يصير منه إلى أذى‬
‫ومكروه فيقال‪ :‬دعه حتى يلقى شره كما لقي خيره؛ فالقار هو المحمود‪،‬‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫وهو مثل الغنيمة الباردة‪ ،‬والحار هو المذموم المكروه‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه خرج في مرضه الذي‬
‫مات فيه يهادى بين اثنين حتى ادخل المسجد‪.‬‬
‫يعنى انه كان يعتمد عليهما من ضعفه وتمايله‪ ،‬وكذلك كل من فعل ذلك‬
‫بأحد فهو يهاديه؛ قال ذو الرمة يصف امرأة تمشى بين نساء يماشينها‪:‬‬
‫الطويل‬
‫كليلة حجم الكعب ريا‬
‫يهادين جماء المرافـق‬
‫المخلخ ِ‬
‫ل‬
‫عـثًة‬
‫َو ْ‬
‫فإذا فعلت المرأة ذلك فتمايلت في مشيتها من غير أن يماشيها أحد قيل‪:‬‬
‫هي تهادي‪ ،‬قاله الصمعي وغيره؛ ومن ذلك قول العشى‪ :‬المتقارب‬
‫تهادى كما قد رأيت البهيَرا‬
‫إذا ما تأّتي تـريد الـقـيام‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬اتقوا ال في النساء فأنهن‬
‫ن‪.‬‬
‫عندكم عوا ٍ‬
‫قوله‪ :‬عوان‪ ،‬واحدتها عانية‪ ،‬وهى السيرة؛ يقول‪ :‬إنما هن عندكم بمنزلة‬
‫السرى‪ ،‬ويقال للرجل من ذلك‪ :‬هوعان‪ ،‬وجمعه عناة‪ .‬ومنه حديث النبي‬
‫عليه السلم‪ :‬عودوا المريض‪ ،‬وأطعموا الجائع‪ ،‬وفكوا العاني ويعنى‬
‫السير‪ ،‬ول أظن هذا مأخوذا إل من الذل والخضوع‪ ،‬لنه يقال لكل من‬
‫جُوه‬
‫ت اْلُو ُ‬
‫عَن ِ‬
‫ذل واستكان‪ :‬قد عنا يعنو‪ .‬و قال ال تبارك و تعالى (َو َ‬
‫ي اْلَقّيوم) والسم من ذلك العنوة؛ قال القطامي يذكر امرأة‪ :‬الكامل‬
‫حّ‬
‫ِلْل َ‬
‫لك من مواعدها التي لم‬
‫ونأت بحاجتنا وُرّبـت‬
‫تصد ِ‬
‫ق‬
‫عـنـوة‬
‫ك وخضوعا لمواعدها ثم ل تصدق‪ .‬ومنه قيل‪ :‬أخذت‬
‫يقول‪ :‬استكانة ل َ‬
‫البلد عنوة‪ -‬أي هو بالقهر والذلل‪ .‬وقد يقال أيضا للسير‪ :‬الهدى‪ ،‬قال‬
‫المتلمس يذكر طرفة ومقتل عمرو بن هند إياه بعد أن كان سجنه‪ :‬الكامل‬
‫طريقة ب العبد كان هّديهم ضربوا صميَم قذاله بمهنِد‬
‫كُ‬
‫وأظن المرأة إنما سميت هديا لهذا المعنى لنها كالسيرة عند زوجها؛ قال‬
‫عنترة‪ :‬الوافر‬
‫أل يا دار عبلة بـالـطـوى كرجع الوشم في كف الهد ّ‬
‫ى‬
‫وقد يكون أن يكون سميت هديا لنها تهدى إلى زوجها‪ ،‬فهي هدى‪ -‬فعيل‬
‫في موضع مفعول‪ ،‬فقال‪ :‬هدى يريد مهدية؛ يقال منه‪ :‬هديت المرأة إلى‬
‫زوجها أهديها هداء‪ -‬بغير ألفت؛ قال زهير‪ :‬الوافر‬
‫فحق لكل محصنة هداُء‬
‫فان تكن النساء مخّبـات‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫بمعنى أن تهدى إلى زوجها‪ ،‬وليس هذا من الهدية في شيء‪ ،‬ل يقال من‬
‫الهدية‪ -‬إل أهديت‪ -‬باللف‪ -‬إهداء‪ ،‬ومن المرأة‪ :‬هديت؛ وقد زعم بعض‬
‫الناس أن في المرأة لغة أخرى أيضا‪ :‬أهديت‪ ،‬والولى أفشى في كلمهم‬
‫وأكثر‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه مر هو وأصاحبه وهم‬
‫محرمون بظبي حاقف في ظل شجرة‪ ،‬فقال‪ :‬يا فلن! قف ههنا حتى يمر‬
‫الناس ل يريبه أحد بشيء ‪.‬‬
‫قوله‪ :‬حاقف يعنى الذي قد انحنى وتثنى في نومه‪ ،‬ولهذا قيل للرمل إذا‬
‫حقف‪ ،‬وجمعه‪ :‬أحقاف؛ ويقال في قوله تعالى (ِإْذ َأْنَذَر َقْوَمه‬
‫كان منحنيا‪ِ :‬‬
‫ف) إنما سميت منازلهم بهذا لنها كانت بالرمال‪ .‬وأما في بعض‬
‫حَقا ِ‬
‫لْ‬
‫ِبا َ‬
‫التفسير في قوله‪ :‬بالحقاف‪ -‬قال‪ :‬بالرض؛ وأما المعروف في كلم‬
‫العرب فما أخبرتك؛ قال امرؤ القيس‪ :‬الطويل‬
‫حقاف‬
‫ت ذي ِ‬
‫بنا بطن خب ِ‬
‫فلما أجزنا ساحة الحي‬
‫عقنق ِ‬
‫ل‬
‫وانتحى‬
‫واحد الحقاف حقف‪ ،‬ومنه قيل للشيء إذا انحنى‪ :‬قد احقوقف؛ قال‬
‫العجاج‪ :‬الرجز‬
‫ل حتى احقوقنا‬
‫سماوة الهل ِ‬
‫مر الليالي زلفا فـزلـفـا‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه لم يصدق امرأة من نسائه‬
‫أكثر من اثنتي عشرة أوقية ونش‪.‬‬
‫الوقية أربعون‪ ،‬والنش عشرون‪ ،‬والنواة خمسة‪.‬‬
‫ومن النواة حديث عبد الرحمن بن عوف أن النبي عليه السلم رأى عليه‬
‫وضرا من صفرة فقال‪َ :‬مْهَيْم? قال‪ :‬تزوجت امرأة من النصار على نواة‬
‫من ذهب‪ ،‬قال‪ :‬أولم ولو بشاة‪.‬‬
‫قوله‪ :‬نواة‪ -‬يعنى خمسة دراهم‪ ،‬وقد كان بعض الناس يحمل معنى هذا‬
‫أنه أراد قدر نواة من ذهب كانت قيمتها خمسة دراهم‪ ،‬ولم يكن ثم ذهب‪،‬‬
‫إنما هي خمسة دراهم تسمى نواة كما تسمى الربعون أوقية وكما تسمى‬
‫العشرون نشآ‪.‬‬
‫وفي هذا الحديث من الفقه أنه يرد قول من قال‪ :‬ل يكون الصداق أقل من‬
‫عشرة دراهم‪ ،‬أل ترى أن النبي عليه السلم لم ينكر عليه ما صنع‪ .‬وفيه‬
‫من الفقه أيضا‪ :‬أنه لم ينكر عليه الصفرة لما ذكر التزويج‪ ،‬وهذا مثل‬
‫الحديث الخر أنهم كانوا يرخصون في ذلك للشاب أيام عرسه‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬مهيم‪ ،‬كأنها كلمة يمانية معناها‪ :‬ما أمرك أو ما هذا الذي أرى بك‬
‫صُدقة‪.‬‬
‫صْدقة و َ‬
‫صداق و َ‬
‫صداق و ِ‬
‫ونحو هذا من الكلم‪ .‬يقال‪َ :‬‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه كان إذا دخل الخلء قال‪:‬‬
‫اللهم إني أعوذ بك من الرجس‪ .‬النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم‪.‬‬
‫قوله‪ :‬الرجس النجس‪ ،‬زعم الفراء أنهم إذا بدأوا بالنجس ولم يذكروا‬
‫الرجس فتحوا النون والجيم‪ ،‬وإذا بدأوا بالرجس ثم أتبعوه النجس كسروا‬
‫النون‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬الخبيث المخبث‪ ،‬فالخبيث هو ذو الخبث في نفسَه؛ والخبث هو‬
‫الذي أصابه وأعوانه خبثاء‪ ،‬وهو مما قولهم‪ :‬فلن قبرى مقو‪ ،‬فالقوى في‬
‫بدنه‪ ،‬والمقوى أن يكون دابته قوية‪ -‬قال ذلك الحمر؛ وكذلك قولهم‪ :‬هو‬
‫ضعيف ُمضِعف‪ ،‬فالضعيف في بدنه‪ ،‬والمضعف في دابته؛ وعلى هذا‬
‫َ‬
‫الكلم العرب‪ .‬وقد يكون أيضا الخبث أن يخبث غيره‪ -‬أي يعلمه الخبث‬
‫ويفسده‪.‬‬
‫وأما الحديث الخر أنه كان إذا دخل الخلء قال‪ :‬اللهم إني أعوذ بك من‬
‫الخبث والخبائث‪ .‬قوله‪ :‬الخبث‪ -‬يعنى الشر؛ وأما الخبائث فإنها‬
‫الشياطين‪.‬‬
‫وأما الخبث‪ -‬بفتح الخاء والباء‪ -‬فما تنفى النار من رديء الفضة والحديد؛‬
‫ومنه الحديث المرفوع‪ :‬إن الحمى تنفى الذنوب كما ينفي الكير الخبث‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه بينما هو يمشي في‬
‫طريق إذ مال إلى دمث فبال فيه‪ ،‬وقال‪ :‬إذا بال أحدكم فليرتد لبوله‪.‬‬
‫قوله‪ :‬دمث‪ -‬يعنى المكان اللين والسهل‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬فليرتد لبوله‪ -‬يعنى أن يرتاد مكانا لينا منحدرا ليس بصلب‬
‫فينتضخ عليه أو مرتفعا فيرجع إليه‪.‬‬
‫وفي البول حديث آخر يقال‪ :‬إذا أراد أحد البول فليتمخر الريح‪.‬‬
‫يعني‪ :‬ينظر من أين مجراها فل يستقبلها ولكن يستدبرها كي ل ترد عليه‬
‫البول؛ وأما المخر فهو الجري؛ يقال‪ :‬مخرت السفينة تمخر مخرا‪ -‬إذا‬
‫ك َمَوِاخَر‬
‫جرت؛ كان الكسائي يقول ذلك‪ ،‬ومنه قوله تعالى (َوَتَرى اْلُفْل َ‬
‫ْفِيِه) يعني جواري‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه لما رأى الشمس قد وقبت‬
‫قال‪ :‬هذا حين حلها‪.‬‬
‫قوله‪ :‬حين حلها‪ -‬يعنى صلة المغرب‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬وقبت‪ -‬يعنى غابت ودخلت موضعها‪ ،‬وأصل الوقب الدخول؛‬
‫يقال‪ :‬وقب الشيء وقوبا ووقبا إذا دخل؛ ومنه قول ال تبارك وتعالى‪( :‬‬
‫ب) وهو في التفسير‪ :‬الليل إذا دخل‪.‬‬
‫ق ِإَذا َوَق َ‬
‫سٍ‬
‫غا ِ‬
‫شّر َ‬
‫ن َ‬
‫َوِم ْ‬
‫وفي حديث آخر أنه القمر عن عائشة قالت‪ :‬أخذ النبي صلى ال عليه‬
‫وسلم بيدي فأشار إلى القمر فقال‪ :‬تعوذي بال من هذا‪ ،‬فان هذا هو‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫الغاسق إذا وقب‪ .‬وقد يجوز أن يكون وصفه بذلك لنه يغيب‪ ،‬كما قال‬
‫في الشمس حين وقبت‪ -‬يعنى غابت‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم ألظوا بيا ذا الجلل‬
‫والكرام‪.‬‬
‫قوله‪ :‬ألظوا يعني ألزموا ذلك‪ .‬واللظاظ‪ :‬لزوم الشيء والمثابرة عليه؛‬
‫ظ إلظاظا‪ ،‬وفلن ملظ بفلن‪ -‬إذا كان ملزما له ل‬
‫يقال‪ :‬ألظظت به أِل ّ‬
‫يفارقه‪ -‬فهذا بالظاء وباللف في أوله؛ وأما لططت الشيء ألطه لطا‪،‬‬
‫فمعناه‪ :‬سترته وأخفيته؛ قال العشى‪ :‬الخفيف‬
‫ولقد ساءها البياض فلطت بحجاب من دوننا مصدوف‬
‫ويروى‪ :‬مصروف‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬وقد يكون اللط في الخبر أيضا أن‬
‫تكتمه وتظهرغيره‪ ،‬وهو من الستر أيضا؛ ومنه قول عباد بن عمرو‬
‫الذهلي‪ :‬الكامل‬
‫للط من دون السوام‬
‫وإذا أتاني سائل لم أعتـلـل‬
‫حجابي‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬إني قد نهيت عن القراءة‬
‫في الركوع والسجود‪ ،‬فأما الركوع فعظموا ال فيه‪ ،‬وأما السجود فاكثروا‬
‫فيه من الدعاء‪ ،‬فانه قمن أن يستجاب لكم‪.‬‬
‫قوله‪ :‬قمن‪ ،‬كقولك‪ :‬جدير وحرى أن يستجاب لم؛ يقال‪ :‬فلن قمن أن‬
‫ن‪ -‬أراد المصدر فلم ُيَثن ولم‬
‫يفعل ذلك‪ ،‬وقمن أن يفعل ذلك‪ ،‬فمن قال‪َ :‬قَم ْ‬
‫يجمع ولم يؤنث‪ ،‬يقال‪ :‬هما قمن أن يفعل ذلك‪ ،‬وهم قمن أن يفعلوا ذلك؛‬
‫وهن قمن أن يفعلن ذلك‪ .‬ومن قال‪ :‬قمن‪ ،‬أراد النعت فثنى وجمع فقال‪:‬‬
‫هما قمنان وهم َقِمنون‪ ،‬ويؤنث على هذا وبجمع‪ ،‬وفيه لغتان يقال‪ :‬هو‬
‫قمن أن يفعل وقمين أن يفعل ذلك؛ قال قيس بن الخطيم النصارى‪:‬‬
‫الطويل‬
‫ِبنث وتكثير والوشاة قمي ُ‬
‫ن‬
‫إذا جاوز الثنين سر فانه‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم في المغازي وذكر قوما من‬
‫أصحابه كانوا غزاة فقتلوا‪ ،‬فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ :‬يا ليتنى‬
‫غودرت مع أصحاب نحص الجبل‪.‬‬
‫والنحص‪ :‬أصل الجبل وسفحه‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬غودرت‪ -‬يعنى ليتني تركت معهم شهيدا مثلهم‪ .‬وكل متروك في‬
‫صِغْيَرًة‬
‫ل ُيَغاِدُر َ‬
‫ب َ‬
‫ل ِهَذا اْلِكتا ِ‬
‫مكان فقد غودر فيه‪ ،‬ومنه قوله تعالى (َما ِ‬
‫صاَها) أي ل يترك شيئا؛ وكذلك أغدرت الشيء تركته‪،‬‬
‫ح َ‬
‫ل َكِبْيَرًة إل أ ْ‬
‫ّو َ‬
‫إنما هو أفعلت من ذلك؛ قال الراجز‪ :‬الرجز‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫في هجمة يغدر منها‬
‫ض منك‬
‫ك والعار ُ‬
‫هل ل ِ‬
‫القابض‬
‫عائض‬
‫قال الصمعي‪ :‬القابض هو السائق السريع السوق‪ ،‬يقال‪ :‬قبض يقبض‬
‫قبضا‪ -‬إذا فعل ذلك؛ وقوله‪ :‬يغدر منها‪ -‬يقول‪ :‬ل يقدر على ضبطها كلها‬
‫من كثرتها ونشاطها حتى يغدر بعضها بتركه‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم في المبعث حين رأى جبريل‬
‫عليه السلم قال‪ :‬فجئثت منه فرقا‪ -‬ويقال‪ :‬جثثت‪ .‬قال الكسائي‪ :‬المجثوث‬
‫والمجؤوث جميعا المرعوب الفزع‪ ،‬قال‪ :‬وكذلك المزؤود‪ ،‬وقد جثث‬
‫جث وُزِيد‪ -‬قال فأتى خديجة رحمها ال فقال‪ :‬زملوني‪ ،‬قال‪ :‬فأتت‬
‫وُ‬
‫خديجة ابن عمها ورقة بن نوفل وكان نصرانيا وقد قرأ الكتب‪ ،‬فحدثته‬
‫بذلك وقالت‪ :‬إني أخاف أن يكون قد عرض له‪ ،‬فقال‪ :‬لئن كان ما تقولين‬
‫حقا إنه ليأتيه الناموس الذي كان يأتي موسى عليه السلم‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬والناموس هو صاحب سر الرجل الذي يطلعه على باطن‬
‫أمره ويخصه بما يستره عن غيره‪ .‬يقال منه‪ :‬نمس الرجل ينمس نمسا‪،‬‬
‫وقد نامسته منامسة‪ -‬إذا ساررته؛ قال الكميت‪ :‬الطويل‬
‫فأبلغ يزيَد إن عرض َ‬
‫ت‬
‫وعميهما والمستسر المنامسا‬
‫ومنذرا‬
‫فهذا من الناموس‪ .‬وفي حديث آخر في غير هذا المعنى‪ :‬القاموس‪ ،‬وذلك‬
‫قاموس البحر وهو وسطه‪ ،‬وذلك لانه ليس موضع أبعد غورا في البحر‬
‫منه ول الماء فيه أشد انقماسا منه في وسطه؛ وأصل القمس الغوص؛‬
‫وقال ذو الرمة يذكر مطرا عند سقوط الثريا‪ :‬الوافر‬
‫أصاب الرض منقمس‬
‫بساحية وأتبعـهـا طـلل‬
‫الثريا‬
‫أراد أن المطر كان عند سقوط الثريا وهو منقمسها‪ ،‬وإنما خص الثريا‬
‫لن العرب تقول‪ :‬ليس شيء من النواء أغزر من الثريا‪ ،‬فأبطل السلم‬
‫جميع ذلك؛ وقوله‪ :‬بساحية‪ -‬يعنى أن المطر يسحو الرض يقشرها‪ ،‬ومنه‬
‫قيل‪ :‬سحوت القرطاس‪ ،‬إنما هو قشرك إياه؛ والطلل جمع طل‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه سئل عن اللقطة فقال‪:‬‬
‫احفظ عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة‪ ،‬فان جاء صاحبها فادفعها إليه‪.‬‬
‫قيل‪ :‬فضالة الغنم? قال‪ :‬هي لك أو لخيك أو للذئب‪ .‬قيل ‪ :‬فضالة البل?‬
‫قال‪ :‬مالك ولها? معها حذاؤها وسقاؤها‪ ،‬ترد الماء وتأكل الشجر حتى‬
‫يلقاها ربها‪.‬‬
‫أما قوله‪ :‬احفظ عفاصعها ووكاءها‪ ،‬فان العفاص هو الوعاء الذي يكون‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫فيه النفقة‪ ،‬إن كان من جلد أو خرقة أو غير ذلك‪ ،‬ولهذا سمي الجلد الذي‬
‫صمام‪،‬‬
‫تلبسه رأس القارورة‪ :‬العفاص‪ ،‬لنه كالوعاء لها‪ ،‬وليس هذا بال ّ‬
‫إنما الصمام الذي يدخل في فم القارورة فيكون سدادا لها‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬ووكاءها‪ -‬يعنى الخيط الذي تشد به‪ ،‬يقال‪ :‬منه أوكيتها إيكاء‬
‫وعفصتها عفصا‪ -‬إذا شددت العفاص عليها‪ ،‬وإن أردت‪ .‬أنك فعلت لها‬
‫عفاصا قلت‪ :‬أعفصتها إعفاصا‪.‬‬
‫وإنما أمر الواجد لها أن يحفظ عفاصها ووكاءها ليكون ذلك علمة للقطة‪،‬‬
‫فان جاء من يتعرفها بتلك الصفة دفعت إليه‪ ،‬فهذه سنة من رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم في القطة خاصة‪ ،‬ل يشبهها شيء من الحكام أن‬
‫صاحبها يستحقها بل بينة ول يمين ليس إل بالمعرفة بصفتها‪ .‬وأما قوله‬
‫في ضالة الغنم‪ :‬هي لك أو لخيك أو للذئب‪ ،‬فان هذه رخصة منه في‬
‫لقطة الغنم‪ ،‬يقول‪ :‬إن لم تأخذها أنت أخذها إنسان غيرك أو أكلها الذئب‪،‬‬
‫فخذها‪ .‬قال أبو عبيد ‪ :‬ليس هذا عندنا فيما يوجد منها عند قرب المصار‬
‫ول القرى‪ ،‬إنما هذا إن توجد في البراري والمفاوز التي ليس قربها‬
‫أنيس‪ ،‬لن تلك التي توجد قرب القرى والمصار لعلها تكون لهلها؛‬
‫قال‪ :‬فهذا عندي أصل لكل شيء يخاف عليه الفساد مثل الطعام والفاكهة‬
‫مما إن ترك في الرض ولم يلتقط فسد أنه ل بأس بأخذه‪.‬‬
‫وأما قوله في ضالة البل‪ :‬مالك ولها? معها حذاؤها وسقاؤها‪ ،‬فانه لم‬
‫يغلظ في شيء من الضوال تغليظة فيها‪.‬‬
‫وبذلك أفتى عمر بن الخطاب ثابت بن الضحاك‪ ،‬وكان يقال‪ :‬وجد بعيرا‬
‫فسأل عمر‪ -‬فقال‪ :‬اذهب إلى الموضع الذي وجدته فيه فأرسله ‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬معها حذاؤها وسقاؤها‪ -‬يعن بالحذاء أخفافها‪ ،‬يقول‪ :‬إنها تقوى‬
‫على السير وقطع البلد‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬سقاؤها‪ -‬يعنى أنها تقوى على ورود المياه تشرب‪ ،‬والغنم ل يقوى‬
‫على ذلك‪ .‬وهذا الذي جاء في البل من التغليظ هو تأويل قوله في حديث‬
‫آخر‪ :‬ضالة المسلم حرق النار‪ ،‬لما قال له رجل‪ :،‬يا رسول ال! إنا‬
‫نصيب هوامي البل‪ ،‬فقال رسول ال صلي ال عليه وسلم‪ :‬ضالة المؤمن‬
‫حرق النار‪.‬‬
‫وهذا مثل حديثه الخر‪ :‬ل يأوى الضالة إل ضال‪.‬‬
‫وبعض الناس يحمل معنى هذين الحديثين على اللقطة ويقول‪ :‬وإن عرفها‬
‫فل تحل له أيضا‪ .‬وأما أنا فل أرى اللقطة من الضالة في شيء لن‬
‫الضالة ل يقع معناها إل على الحيوان خاصة التي هي تضل‪ .‬وأما اللقطة‬
‫فانه يقال فيها‪ :‬سقطت أو ضاعت‪ ،‬ول يقال‪ :‬ضلت؛ ومما يبين ذلك أن‬
‫عليه السلم رخص في أخذ اللقطة على أن يعرفها ولم يرخص في البل‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫على حال‪ .‬وكذلك البقر والخيل والبغال والحمير وكل ما كان منها يستقل‬
‫بنفسه فيذهب فهو داخل في حديث النبي عليه السلم‪ :‬ضالة المسلم حرق‬
‫النار‪ ،‬وفي قوله‪ :‬ل يأوى الضالة إل ضال‪.‬‬
‫وأما حديثه في اللقطة ما كان من طريق ميتاء فانه يعرفها سنة‪.‬‬
‫فالميتاء الطريق العامر المسلوك‪.‬‬
‫ومنه حديث عليه السلم حين توفي ابنه إبراهيم فبكى عليه وقال‪ :‬لول أنه‬
‫وعد حق وقول صدق وطريق ميتاء لحزنا عليك يا إبراهيم أشد من‬
‫حزننا‪.‬‬
‫فقوله‪ :‬طريق ميتاء‪ ،‬هو الطريق ويعنى بالطريق ههنا الموت‪ -‬أي إنه‬
‫طريق يسلكه الناس كلهم‪.‬‬
‫وبعضهم يقول‪ :‬طريق مأتي‪ .‬فمن قال ذلك أراد أنه يأتي عليه الناس‬
‫فيجعله من التيان وكلهما معناه جائز‪.‬‬
‫وأما قوله في الحديث الخر‪ :‬أشهد ذا عدل أو ذوي عدل ثم ل يكتم ول‬
‫يغيب فان جاء صاحبها فأدفعها إليه وإل فهو مال ال يؤتيه من يشاء‪.‬‬
‫فهذا من اللقطة خاصة دون الضوال من الحيوان‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬من سره أن يسكن بحبوحة‬
‫الجنة فليلزم الجماعة‪ ،‬فان الشيطان مع الواحد وهو من الثنين أبعد‪.‬‬
‫قوله‪ :‬بحبوحة الجنة‪ -‬يعني وسط الجنة‪ ،‬وبحبوحة كل شيء وسطه‬
‫وخياره؛ وقال جرير بن الخطفي‪ :‬البسيط‬
‫ينفون تغلب عن بحبوحة‬
‫قومي تميم هُم القوُم الذين‬
‫الدار‬
‫ُهُم‬
‫ومنه يقال‪ :‬قد تبحبحت في الدار‪ -‬إذا توسطتها وتمكنت منها‪ .‬وقال أبو‬
‫عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه ضحى بكبشين أملحين‪.‬‬
‫قال الكسائي وأبو زيد وغيرهما‪ :‬قوله‪ :‬أملحين‪ ،‬الملح الذي فيه بياض‬
‫وسواد ويكون البياض أكثر‪.‬‬
‫ومنه الحديث الخر‪ :‬إذا دخل أهل الجنِة الجنَة وأهل الناِر الناَر أتى‬
‫بالموت كأنه كبش أملح فيذبح على الصراط ويقال‪ :‬خلود ل موت‪.‬‬
‫وكذلك كل شعر وصوف ونحوه كان فيه بياض وسواد فهو أملح؛ قال‬
‫الراجز‪ :‬الرجز‬
‫حتى اكتسى الرأس قناعا‬
‫لكل دهر قد لبسـت أثـُوبـا‬
‫أشيبا‬
‫حـبـبـا‬
‫أملح ل لذا ول مـ ّ‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫ضحي بالعضب القرن والذن‪.‬‬
‫وحديثه الخر في الضاحي أنه نهى أن ُي ّ‬
‫قوله‪ :‬العضب‪ ،‬هو المكسور القرن‪ ،‬ويروى عن سعيد بن المسيب أنه‬
‫قال‪ :‬هو النصف فما فوقه‪ ،‬وبهذا كان يأخذ أبو يوسف في الضاحي‪.‬‬
‫وقال أبو زيد‪ :‬فان انكسر القرن الخارج هو أقصم‪ ،‬والنثى‪ :‬قصماء‪ :‬فإذا‬
‫انكسر الداخل فهو أعضب‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬وقد يكون العضب في الذن‬
‫أيضا‪ ،‬فأما المعروف ففي القرن؛ قال الخطل‪ :‬الكامل‬
‫تركت هوازن مثل قرن‬
‫إن السيوف غدوهـا‬
‫العض ِ‬
‫ب‬
‫ورواحـهـا‬
‫والنثى عضباء؛ وأما ناقة النبي عليه السلم التي كانت تسمى‪ :‬العضباء‪،‬‬
‫فليس من هذا‪ ،‬إنما ذلك اسم لها سميت به‪ .‬وأما القصواء‪ -‬ممدود‪ ،‬فإنها‬
‫المشقوقة الذن؛ وقال أبو زيد‪ :‬هي المقطوعة طرف الذن والذكر منها‬
‫صّو‪ -‬وهذا على غير قياس‪ -‬قاله الحمر‪ ،‬وكان القياس إن‬
‫صي وَمْق ُ‬
‫ُمق ّ‬
‫يقال أقصى مثل عشوى وأعشى‪.‬‬
‫وأما حديثه الخر الذي نهى عن العجفاء التي ل تنقى في الضاحي‪ ،‬فانه‬
‫يقول‪ :‬ليس بها نقى من هزالها‪ ،‬وهو المخ‪ .‬يقال منه‪ :‬ناقة منقية‪ -‬إذا‬
‫كانت ذات نقى؛ قال العشى‪ :‬الكامل‬
‫شَووا‬
‫حاموا على أضيافهم َف َ‬
‫من لحم منقية ومـن أكـبـاِد‬
‫لهم‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه لما أتاه ماعز بن مالك‬
‫فأقر عنده بالزنا رده مرتين ثم أمر برجمه فلما ذهبوا به قال‪ :‬يعمد‬
‫أحدهم إذا غزا الناس فينب كما ينب التيس يخدع إحداهن بالكثبة ل أوتي‬
‫بأحد فعل ذلك إل نكلت به‪ ،.‬وقيل‪ :‬رده أربع مرات‪.‬‬
‫والكثبة‪ :‬القليل من اللبن‪ ،‬قال أبو عبيد‪ :‬والُكثبة عندنا كل شيء مجتمع‬
‫وهو مع اجتماعه قليل من لبن كان أو طعام أو غيره‪ ،‬وجمع الكثبة‪:‬‬
‫ُكَثب؛ وقال ذو الرمة يذكر أرطاة عندها بعر الصيران فقال‪ :‬البسيط‬
‫ميلء من معدن الصيران‬
‫أبعارهن على أهدافها ُكـَثـ ُ‬
‫ب‬
‫قاصيًة‬
‫صوار أيضا‪.‬‬
‫صوار و ِ‬
‫فالصيران جمع جماعات البقر‪ ،‬واحدها ُ‬
‫والهداف جوانبها‪ ،‬واحدها هدف وهو المشرف من الرمل‪ ،‬والكثب جمع‬
‫كثبة؛ يقول‪ :‬على كل هدف كثبة من أبعارها‪ .‬وفي هذا الحديث من الفقه‬
‫أنه رده أربع مرات كما روى عن سعيد بن جبير وهو المحفوظ عندنا‬
‫عن النبي عليه السلم والمعمول به أنه ل يصدق على إقراره حتى يقر‬
‫أربع مرات ثم يقام عليه الحد‪.‬‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه قيل له‪ :‬إن صاحب لنا‬
‫أوجب‪ ،‬فقال‪ :‬مروه فليعتق رقبة‪.‬‬
‫قوله‪ :‬أوجب‪ -‬يعنى أنه ركب كبيرة أو خطيئة موجبة يستوجب بها النار‪،‬‬
‫يقال في ذلك للرجل‪ :‬قد أوجب؛ وكذلك الحسنة يعملها توجب له الجنة؛‬
‫فيقال لتلك الحسنة وتلك‪ ،‬السيئة‪ :‬موجبة‪.‬‬
‫ومنه حديثه في الدعاء‪ :‬اللهم إني أسألك موجبات رحمتك‪.‬‬
‫ومنه حديث إبراهيم‪ :‬كانوا يرون المشي إلى المسجد في الليلة المظلمة‬
‫ذات الريح والمطر أنها موجبة ‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬وهذا من أعجب ما يجئ في الكلم أن يقال للرجل‪ :‬قد‬
‫أوجب‪ ،‬وللحسنة والسيئة‪ :‬قد أوجبت؛ وهذا مثل قولهم‪ :‬قد تهّيبني الشيء‪،‬‬
‫وقد تهيبت الشيء‪ -‬بمعنى واحدا؛ وقال الشاعر وهو ابن مقبل‪ :‬البسيط‬
‫إذا تجاوبت الصداُء‬
‫وما تهيبني الَموماة أركبهـا‬
‫بالسحر‬
‫أراد‪ :‬وما أتهيبها‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ ،‬أن امرأة أتته فقالت‪ :‬إن‬
‫ابني هذا به جنون يصيبه عند الغداء والعشاء‪ ،‬قال‪ :‬فمسح رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم صدره ودعا له‪ ،‬فثع ثعة فخرج من جوفه جرو‬
‫أسود فسعى‪.‬‬
‫قوله‪ :‬فثع ثعة‪ -‬يعنى قاء قيثة‪ ،‬يقال للرجل‪ :‬قد ثع ثعا‪ ،‬وقد ثععت يا‬
‫رجل‪ -‬إذا قاء‪ .‬ويقال أيضا للقيء‪ :‬قد أتاع الرجل‪ -‬بالتاء غير مهموز‪-‬‬
‫إتاعة‪ -‬إذا قاء‪ ،‬فهو متيع‪ ،‬والقيء متاع؛ قال القطامي‪ -‬وذكر الجراحات‬
‫فقال‪ :‬الوافر‬
‫عَلقَا متاعا‬
‫تمج عروقها َ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم حين قدم عليه وفد هوازن‬
‫يكلمونه في سبى أوطاس أو حنين‪ ،‬فقال رجل من بنى سعد بن بكر‪:‬‬
‫شِمر أو للنعمان بن المنذر‪ ،‬ثم‬
‫يا محمد! إنا لو كنا ملحنا للحارث بن أبى َ‬
‫نزل منزلك هذا منا لحفظ ذلك لنا‪ ،‬وأنت خير المكفولين‪ ،‬فاحفظ ذلك‪ .‬قال‬
‫الصمعي‪ :‬قوله‪ :‬ملحنا‪ -‬يعنى أرضعنا‪ ،‬وإنما قال السعدي هذه المقالة‬
‫لن رسول ال عليه السلم كان مسترضعا فيهم‪ .‬قال الصمعي‪ :‬والملح‬
‫هو الرضاع‪ ،‬وأنشدنا لبى الطمحان‪ -‬وكانت له إبل يسقى قوما من ألبانها‬
‫ثم أنهم أغاروا عليها فأخذها‪ ،‬فقال‪ :‬الطويل‬
‫وما بسطت من جلد أشعث‬
‫حها في‬
‫إني لرجو ِمل َ‬
‫أغبرا‬
‫بطونـكـم‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫يقول‪ :‬أرجو أن تحفظوا ما شربتم من ألبانها وما بسطت من جلودكم بعد‬
‫أن كنتم مهازيل فسمنتم وانبسطت له جلودكم بعد تقبض؛ وأنشدنا لغيره‪:‬‬
‫المتقارب‬
‫د والملح ما ولدت خالدْه‬
‫جزى ال ربك رب العبا‬
‫يعنى بالملح الرضاع؛ والرضاعة في كلم العرب بالفتح ل اختلف فيها‪،‬‬
‫ضاع والِرضاع‪ -‬بالفتح والكسر‪.‬‬
‫وإذا لم يكن فيها الهاء قيل‪ :‬الر َ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬إذا وقع الذباب في الطعام‪-‬‬
‫وغير هذا الحديث‪ :‬في الشراب‪ -‬فامقلوه فان في أحد جناحيه سما وفي‬
‫الخر شفاء‪ ،‬وإنه يقدم السم ويؤخر الشفاء‪.‬‬
‫قوله‪ :‬امقلوه‪ -‬يقول‪ :‬اغمسوه في الطعام أو الشراب ليخرج الشفاء كما‬
‫أخرج الداء‪ ،‬والمقل‪ :‬هو الغمس‪ .‬يقال للرجلين‪ :‬هما يتماقلن‪ -‬إذا تغالطا‬
‫في الماء‪ .‬والمقل في غير هذا النظر‪ ،‬يقال‪ :‬ما مقلته عيني منذ اليوم‪.‬‬
‫والمقلة أيضا الحصاة التي يقدر بها الماء‪ ،‬وذلك إذا قل الماء فيشربونه‬
‫بالحصص‪ ،‬كأنه قال‪ :‬تلقى الحصاة في الناء ثم يصب عليها الماء حتى‬
‫يغمرها فيشربونه‪ ،‬فيكون ذلك حصة لكل إنسان‪ ،‬وذلك في المفاوز‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه كان إذا رأى مخيلة أقيل‬
‫وأدبر وتغير‪ ،‬قالت عائشة رضي ال عنها‪ :‬فذكرت ذلك له‪ ،‬فقال‪ :‬وما‬
‫سَتْقِب َ‬
‫ل‬
‫ضا ّم ْ‬
‫عاِر ْ‬
‫يدرينا? لعله كقوم ذكرهم ال تعالى (َفَلّما َرَاْوُه َ‬
‫ب َأِلْيٌم)‪.‬‬
‫عَذا ٌ‬
‫أْوَدِيِتِهْم) إلى قوله ( َ‬
‫قوله‪ :‬نحيلة‪ ،‬المخيلة‪ :‬السحابة‪ ،‬وجمعها مخايل‪ ،‬وقد يقال للسحاب أيضا‪:‬‬
‫الخال‪ ،‬فإذا أرادوا أن السماء قد تغيمت قالوا‪ :‬قد أخالت‪ ،‬فهي مخيلة‪-‬‬
‫بضم الميم‪ ،‬فإذا أرادوا السحابة نفسها قالوا‪ :‬هذه مخيلة‪ -‬بالفتح‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم إن رجل قال‪ :‬يا رسول ال‪:‬‬
‫إني أعمل العمل أسره فإذا أطلع عليه سرني‪ ،‬فقال‪ :‬لك أجران‪ :‬أجر‬
‫السر وأجر العلنية‪.‬‬
‫قال ابن مهدى‪ :‬وجهه أنه إنما يسر به إذا اطلع عليه ليستن به من بعده‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬يعنى أنه ليس يسر به ليزكي ويثنى عليه خير‪ ،‬وليس‬
‫للحديث عندي وجه إما قال عبد الرحمن لن الثار كلها تصدقه‪ .‬ومن‬
‫ذلك الحديث المرفوع‪ :‬من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل‬
‫بها‪ .‬أفلست ترى أن الجر الثاني إنما لحقه بأن عمل بسنته? ومما يوضح‬
‫ذلك حديث آخر أن رجل قام من الليل يصلي فرآه جار له فقام يصلي‬
‫فغفر للول‪ -‬يعني لن هذا استن به‪ .‬وقد حمل بعض الناس هذا الحديث‬
‫على أنه إنما يوجر الجر الثاني لنه يفرح بالتزكية‪ ،‬والمدح وهذا من‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫شر ما حمل عليه الحديث‪ ،‬أل ترى أن الحاديث كلها إنما جاءت‬
‫بالكراهة لن يزكي الرجل في وجهه? ومن ذلك حديث النبي عليه السلم‬
‫أنه سمع رجل يثنى على آخر فقال‪ :‬قطعت ظهره لو سمعها ما أفلح‪.‬‬
‫ومن ذلك قوله‪ :‬إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب‪ .‬ومنه‬
‫حديث عمر حين ُكِم وهو يثني عليه وهو جريح‪ ،‬فقال‪ :‬المغرور من‬
‫غررتموه‪ ،‬لو أن لي ما في الرض جميعا لفتديت به من هول المطلع‪.‬‬
‫وفي هذا من الحديث مال يحصى‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه قال‪ :‬استعيذوا بال من‬
‫طمع يهدى إلى طبع‪.‬‬
‫قوله‪ :‬إلى طبع‪ ،‬الطبع الدنس والعيب‪ ،‬وكل شين في دين أو دنيا فهو‬
‫طبع؛ يقال منه‪ :‬رجل طبع‪.‬‬
‫ومنه حديث عمر بن عبد العزيز‪ :‬ل يتزوج من الموالى في العرب إل‬
‫طر‪ ،‬ول يتزوج من العرب في الموالى إل الطمع الطبع؛ وقال‬
‫الشر الَب ِ‬
‫العشى يمدح هوذه بن علي الحنفي‪ :‬البسيط‬
‫صّواغها ل ترى عّيبا ول‬
‫صـلـهـا‬
‫له أكاليل بالياقوت ف ّ‬
‫طبعا‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه مر على أصحاب الّدركلة‬
‫فقال‪ :‬خذوا يا بني ارفدة حتى يعلم اليهود والنصارى أن في ديننا فسحة‪،‬‬
‫قال‪ :‬فبيناهم كذلك إذ جاء عمر فلما رأوه ابذعّروا‪.‬‬
‫قوله‪ :‬ابذعّروا‪ -‬يعنى تفرقوا وفروا‪ ،‬ويقال‪ :‬ابذعر القوم ابذعرارا‪ ،‬وقال‬
‫الخطل‪ :‬الطويل‬
‫عصابة سبى خاف أن‬
‫ِ‬
‫شلل وابذعّر ْ‬
‫ت‬
‫فطارت ِ‬
‫ُتتقسما‬
‫كأنها‬
‫والذي يراد من هذا الحديث الرخصة في النظر إلى اللهو‪ ،‬وليس في هذا‬
‫حجة للنظر إلى الملهي المنهى عنها من المزاهر والمزامير؛ إنما هذه‬
‫لعبة للعجم‪ .‬وقال أبو عبيد‪ :‬اللعبة الشيء الذي يلعب به الصبيان‪،‬‬
‫واللعبة‪ :‬اللون من اللعب‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه نهى عن ذبائح الجن‪.‬‬
‫قال‪ :‬وذبائح الجن أن يشترى الدار أو يستخرج العين وما أشبه ذلك فيذبح‬
‫لها ذبيحة للطيرة‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬وهذا التفسير في الحديث‪ ،‬ومعناه أنهم يتطيرون إلى هذا‬
‫الفعل مخافة أنهم إن لم يذبحوا ويطعموا أن يصيبهم فيها شيء من الجن‬
‫يؤذيم‪ ،‬فأبطل النبي عليه السلم ذلك ونهى عنه‪.‬‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬ل يوردن ذو عاهة على‬
‫صح‪.‬‬
‫ُم ّ‬
‫قوله‪ :‬ذو عاهة‪ -‬يعني الرجل يصيب إبله الجرب أو الداء‪ ،‬فقال‪ :‬ل‬
‫يوردنها على مصح‪ ،‬وهو الذي إبله وماشيته صحاح بريئة من العاهة‪.‬‬
‫وقد كان بعض الناس يحمل هذا الحديث علي أن النهي فيه للمخافة على‬
‫الصحيحة من ذوات العاهة أن تعديها‪ ،‬وهذا شر ما حمل الحديث عليه‬
‫لنه رخصة في التطير؛ وكيف ينهى النبي عليه السلم عن هذا التطير‬
‫وهو يقول‪ :‬الطيرة شرك? ويقول‪ :‬ل عدوى ول هامة‪ ،‬في آثار عنه‬
‫كثيرة‪ .‬قال ولكن وجهه عندي‪ -‬وال أعلم‪ -‬أنه خاف أن ينزل بهذه‬
‫الصحاح من أمر ال ما نزل بتلك فيضن المصح أن تلك أعدتها فيأثم في‬
‫ذلك؛ أل تراه يقول في حديث آخر وقال له أعرابي‪ :‬النقبة تكون بمشفر‬
‫البعير فتجرد له البل كلها‪ ،‬قال‪ :‬فما أعدي الول? فهذا مفسر لذلك‬
‫الحديث‪ .‬قال‪ :‬وقد بلغني عن مالك في حديث له رواه في هذا فقالوا‪ :‬وما‬
‫ذاك يا رسول ال? قال‪ :‬إنه أذى‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬ومعنى الذى عندي‬
‫المأثم أيضا لما ظن من العدوى‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث‪ ،‬النبي عليه السلم‪ :‬يأتي على الناس زمان‬
‫يكون أسعد الناس بالدنيا ُلَكع بن ُلَكع و خير الناس يومئذ مؤمن بين‬
‫كريمين‪ .‬وقوله‪ :‬بين كريمين‪ ،‬قد أكثر الناس فيه‪ ،‬فمن قائل يقول‪ :‬بين‬
‫الحج والجهاد‪ ،‬وقائل يقول‪ :‬بين فرسين يغزو عليهما‪ ،‬وأخر يقول‪ :‬بين‬
‫بعيرين يستقي علهما ويعتزل أمر الناس؛ وكل هذا له وجه حسن‪ .‬قال أبو‬
‫عبيد‪ :‬ولكنى لم أجد أول الحديث يدل على هذا‪ ،‬أل تراه يقول‪ :‬يكون‬
‫أسعد الناس بالدنيا لكع بن لكع? وهو عند العرب العبد أو اللئيم‪ .‬قال أبو‬
‫عبيد‪ :‬ولكن أرى وجه‪ :‬بين أبوين مؤمنين كريمين‪ ،‬فيكون قد اجتمع له‬
‫اليمان والكرم فيه وفي أبويه‪.‬‬
‫ومما يصدق هذا الحديث الخر أنه قال‪ :‬من أشراط الساعة أن يرى‬
‫رعاء الغنم رؤوس الناس‪ ،‬وان يرى العراة الجوع يتبارون في البنيان‪،‬‬
‫وأن تلد المرأة ربها أو ربتها‪.‬‬
‫قوله‪ :‬ربها أو ربتها يعنى الماء اللواتي يلدن لمواليهن وهم ذوو أحساب‬
‫فيكون ولدها كأبيه في الحسب وهو ابن أمة‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم ‪ :‬من سمع الناس بعلمه سمع‬
‫ال به سامع خلقه وحقره وصغره‪.‬‬
‫قال أبو زيد النصاري‪ :‬يقال‪ :‬سمعت بالرجل تسميعا‪ -‬إذا نددت به‬
‫وشهرته وفضحته‪ .‬ورواه بعضهم‪ :‬سمع ال به أسامع خلقه‪ .‬فان كان هذا‬
‫محفوظا فانه أراد جمع السمع أسمع‪ ،‬في جمع السمع أسامع‪ -‬يريد أن ال‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫تعالى يسمع أسامع الناس بهذا الرجل يوم القيامة‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬ومن‬
‫قال‪ :‬سامع خلقه جعله من نعت ال تبارك وتعالى‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬أسامع خلقه‪ -‬أجود وأحسن في المعنى‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم حين استأذن عليه أبو سفيان‬
‫جلُهمتين‪،‬‬
‫فحجبه ثم أذن له‪ ،‬فقال‪ :‬ما كدت تأذن لي حتى تأذن لحجارة‪ .‬ال ُ‬
‫فقال رسول ال عليه السلم ‪ :‬يا با سفيان! أنت كما قال القائل‪ :‬كل‬
‫الصيد في بطن الفرا‪ -‬أو قال‪ :‬في جوف الفرا‪ -‬شك أبو عبيد‪.‬‬
‫قال الصمعي‪ :‬الفرأ‪ -‬مقصور مهموز‪ ،‬قال‪ :‬وهو حمار الوحش‪ ،‬قال‪:‬‬
‫وجمع الفرأ فراء‪ -‬مهموز ممدود؛ وأنشدنا في نعت الحرب‪ :‬الطويل‬
‫وطعن كايزاغ المخاض‬
‫بضرب كآذان الفراء‬
‫تبورها‬
‫فضولـه‬
‫أراد أن الضرب بالسيف يقع في الجساد فيكشف عنها اللحم فيبقى متدليا‬
‫شط ويكشط‪ -‬لغتان‪ .‬وقوله‪ :‬كايزاغ المخاض‪-‬‬
‫شط يك ِ‬
‫كآذان الحر‪ ،‬يقال‪َ :‬ك َ‬
‫يعني قذف البل بأبوالها فهي توزغ به‪ ،‬و‪ -‬ذلك إذا كانت حوامل‪ ،‬شبه‬
‫الطعن به‪ .‬وقوله‪ :‬تبورها‪ ،‬تختبرها أنت‪.‬‬
‫وإنما مذهب هذا الحديث أنه أراد عليه السلم أن يتألفه بهذا الكلم وكان‬
‫من المؤلفة قلوبهم‪ ،‬فقال‪ :‬أنت في الناس كحمار الوحش في الصيد‪ -‬يعنى‬
‫أنها كلها دونه‪.‬‬
‫وقول أبي سفيان‪ :‬حجارة الجلهمتين‪ -‬أراد جانبي الوادي‪ ،‬والمعروف في‬
‫كلم العرب الجلهتان؛ قال الصمعي‪ :‬والجلهة ما استقبلك من حروف‬
‫الوادي‪ ،‬وجمعها‪ :‬جله؛ قال لبيد‪ :‬الكامل‬
‫ع الُيهقان و‬
‫َفَعل ُفرو َ‬
‫بالجلهتين ظباؤها ونعامهـا‬
‫أطفلت‬
‫وقال الشماخ‪ :‬الرجز‬
‫والليل بين قنـوين رابـ ُ‬
‫ض‬
‫كأنها وقـد بـدا عـوار ُ‬
‫ض‬
‫بجلهة الوادي قطا نواُهض‬
‫قال‪ :‬ولم أسمع بالجلهمة إل في هذا الحديث وما جاءت إل ولها أصل‪،‬‬
‫والمعروف في هذا جلهة والجمع جله‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أن رجل تفوت على أبيه في‬
‫ماله‪ ،‬فأتى النبي عليه السلم أو أبا بكر أو عمر فذكر ذلك له‪ ،‬فقال‪ :‬اردد‬
‫على ابنك ماله‪ ،‬فإنما هوسهم من كنانتك‪.‬‬
‫قوله‪ :‬تفوت‪ ،‬مأخوذ من الفوت‪ ،‬إنما هو تفعل منه‪ -‬كقولك من القول‪:‬‬
‫تقول ومن الحول‪ :‬تحول‪ -‬ومعناه أن البن فات أباه بمال نفسه فوهبه‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫وبذره؛ ومن ذلك قال‪ :‬اردد على ابنك فإنما هو سهم من كنانتك‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫ارتجعه من موضعه فرده إلى ابنك فانه ليس له أن يفتات عليك بماله‪.‬‬
‫ومنه حديث عبد الرحمن بن أبى بكر حين زوجت عائشة ابنته من المنذر‬
‫بن الزبيبر وهو غائب فأنكر ذلك وقال‪ :‬أمثلي يفتات عليه في بناته أي‬
‫يفات بهن‪ -‬وهو غير مهموز‪ ،‬وكذلك كل من أحدث دونك شيئا فقد فاتك‬
‫به؛ قال معن بن أوس يعاتب امرأته‪ :‬الوافر‬
‫وإنك بالملمة لن تفاتى‬
‫فان الصبح منتظر قريب‬
‫وفي هذا الحديث من الفقه أن الولد وماله من كسب الوالد‪.‬‬
‫ومما يصدقه الحديث الخر عن النبي عليه السلم أن أفضل ما أكل‬
‫لرجل من كسبه وأن ولده من كسبه‪ .‬وكان سفيان بن عيينة يحتج في ذلك‬
‫عَر ِ‬
‫ج‬
‫لْ‬
‫عَلى ا َ‬
‫ل َ‬
‫جوَ‬
‫حَر ٌ‬
‫عَمى َ‬
‫عَلى الَ ْ‬
‫س َ‬
‫بآيات من القران‪ :‬قوله تعالى‪َ( ،‬لْي َ‬
‫ن ُبُيِوتُكْم أْو‬
‫ن تأُكُلْوا ِم ْ‬
‫سُكْم أ ْ‬
‫عَلى أْنُف ِ‬
‫ج َول َ‬
‫حَر ٌ‬
‫ض َ‬
‫عَلى اَلَمِرْي ِ‬
‫ج ول َ‬
‫حَر ٌ‬
‫َ‬
‫ت أّمَهاِتُكْم)‪.‬‬
‫ت آَباِئُكْم أْو ُبُيْو ِ‬
‫ُبُيْو ِ‬
‫حتى ذكر القرابات كلها إل الولد فقال‪ :‬أل تراه إنما ذكر الولد? لنه لما‬
‫قال(أن تأكلوا من بيوتكم) فقد دخل فيه مال الولد‪ .‬قال سفيان‪ :‬ومنه قوله‬
‫حّرّرا) قال‪ :‬فهل يكون النذر إل فيما‬
‫طِني ُم َ‬
‫ك َما ِفي َب ْ‬
‫ت َل َ‬
‫تعالى (إّني َنَذْر ُ‬
‫يملك العبد‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬فهذا التأويل حجة لمن قال‪ :‬مال الولد لبيه‪ ،‬مع الحديث‬
‫الذي ذكرنا عن النبي عليه السلم‪ .‬وأما حجة من قال‪ :‬كل أحد أحق‬
‫بماله‪ ،‬فانه يحتج بالفرائض‪ ،‬يقول‪ :‬أل ترى لو أن رجل مات وله أب‬
‫وورثة لم يكن لبيه إل السدس? كما سماه ال ويكون سائر المال لورثته‪،‬‬
‫فلو كان أبوه يملك مال ابنه لحازه كله ولم يكن لورثة البن شيء من ولد‬
‫ول غيره‪ ،‬ومع هذا حديث يروى عن النبي عليه السلم‪ :‬كل أحد أحق‬
‫بماله من والده وولده والناس أجمعين ‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أن رجل أتاه فقال‪ :‬يا رسول‬
‫ال! إن أمي افُتِلَتت نفسها فماتت‪ ،‬ولم توصي أ فأتصدق عنها? قال‪ :‬نعم‪.‬‬
‫قوله‪ :‬افتلتت نفسها‪ -‬يعنى ماتت فجأة لم تمرض فتوصي ولكنها أخذت‬
‫ت‪ ،‬والسم منه‬
‫فلتة؛ وكذلك كل أمر فعل على غير تمكث وتلبث فقد افُتِل َ‬
‫الفتة‪.‬‬
‫ومنه قول عمر في بيعة أبى عمر‪ :‬إنها كانت فلتة‪ ،‬فوقي ال شرها‪.‬‬
‫إنما معناه‪ :‬البغتة‪ ،‬وإنما عوجل بها مبادرة لنتشار المر والشقاق‪ ،‬حتى‬
‫ل يطمع فيها من ليس لها بموضع‪ ،‬وكانت تلك الفلتة هي التي وقى ال‬
‫بها الشر المخوف وقد كتبناه في غير هذا الموضع‪.‬‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أن رجلين اختصما إليه في‬
‫مواريث وأشياء قد درست فقال النبي عليه السلم‪ :‬لعل بعضطم أن يكون‬
‫ألحن بحجته من بعض‪ ،‬فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فإنما أقطع له‬
‫قطعة من النار‪ ،‬فقال كل واحد من الرجلين‪ :‬يا رسول ال! حقي هذا‬
‫لصاحي‪ ،‬فقال‪ :‬ل‪ ،‬ولكن أذهبا فتوخيا ثم استهما ثم ليحلل كل واحد منكما‬
‫صاحبه‪.‬‬
‫قوله‪ :‬لعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض‪ -‬يعني أفطن لها وأجدل‪،‬‬
‫واللحن‪ :‬الفطنة‪ -‬بفتح الحاء‪.‬‬
‫ومنه قول عمر بن عبد العزيز‪ :‬عجبت لمن لحن الناس‪ ،‬كيف ل يعرف‬
‫جوامع الكلم‪.‬‬
‫يقال منه‪ :‬رجل لحن‪ -‬إذا كان فطنا؛ قال لبيد يذكر رجل كاتبا‪ :‬الكامل‬
‫سب َذِبلن وبا ِ‬
‫ن‬
‫عُ‬
‫قلما على ُ‬
‫حن ُيعيد بـكـفـه‬
‫متعود َل ِ‬
‫واللحن في أشياء سوى هذا‪ ،‬منه‪ :‬الخطأ في الكلم ‪-‬و هو يجزم الحاء‪،‬‬
‫يقال‪ :‬قد لحن الرجل لحنا؛ ومنه قول عمر بن الخطاب قال‪ :‬تعلموا اللحن‬
‫والفرائض والسبنن كما تعلمون القرآن‪.‬‬
‫ومن اللحن الترجع في القراءة باللحان؛ ومنه حديث أبى العالية‪ :‬كنت‬
‫أطوف مع ابن عباس وهو يعلمني لحن الكلم‪ ،‬وإنما سماه لحنا لنه إذا‬
‫بصره الصواب فقد بصره اللحن‪.‬‬
‫ل) فكان تأويله‪-‬‬
‫ن الَقْو ِ‬
‫حِ‬
‫ومن اللحن أيضا قوله تعالى (وَلَتْعِرَفّنُهْم ِفي َل ْ‬
‫وال أعلم‪ -‬في فحواه وفي معناه‪.‬‬
‫ومذهبه في هذا الحديث من الفقه قوله‪ :‬اذهبا فتوخيا‪ -‬يقول‪ :‬توخيا الحق‪،‬‬
‫فكأنه قد أمر الخصمين الن بالصلح‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬استهما‪ -‬أي اقترعا؛ فهذا حجة لمن قال بالُقرعة في الحكام‪ ،‬قال‬
‫ن ِم َ‬
‫ن‬
‫ساَهَم َفَكا َ‬
‫ال عز وجل في قصة يونس عليه السلم (َف َ‬
‫لَمُهْم أّيُهْم‬
‫ن َاْق َ‬
‫ن) وقال في قصة مريم عليها السلم (إْذ ُيْلُقْو َ‬
‫ضْي َ‬
‫ح ِ‬
‫اْلُمْد َ‬
‫ل َمْرَيَم) وكل هذا حجة في القرعة‪.‬‬
‫َيْكُف ُ‬
‫وفي الحديث من الفقه أيضا ل يحل للمقضي له حرام بأن قضى له‬
‫القاضي بذلك‪ ،‬أل تراه يقول‪ :‬من قضيت ذلك حكمه في ابن أمة زمعة‬
‫حين قضي به للفراش فجعله أخا سودة ابنة زمعه في القضاء ثم أمرها‬
‫أن تحتجب منه‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم ‪ :‬المرء أحق بصقبه‪ .‬قوله‪:‬‬
‫صَقبه يعني القرب‪.‬‬
‫أحق ب َ‬
‫ومنه حديث علي رحمه ال أنه كان إذا أتي بالقتل وقد وجد بين القريتين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫حمله على أصقب القريتين إليه‪ .‬قال ابن قيس الرقيات‪ :‬المنسرح كوفّية‬
‫ح محلتها=ل أمَم داُرها ول صق ُ‬
‫ب‬
‫ناز ٌ‬
‫قوله‪ :‬المم الموضع القاصد القريب‪ ،‬ومنه قيل للشيء إذا كان مقاربا‪ :‬هو‬
‫أمر مؤام؛ والصقب أقرب منه‪.‬‬
‫وإنما معنى الحديث في قوله‪ :‬المرء أحق بصقبه‪ ،‬أن الجار أحق بالشفعة‬
‫إذا كان جارا؛ ولم يسمع في الثار بحديث أثبت في الشفعة للجار من‬
‫هذا‪ ،‬وحديث آخر عن النبي عليه السلم أنه قضى بالجوار‪.‬‬
‫وسائر الحاديث أن الشفعة للشريك وهذان الحديثان حجة لمن قضى‬
‫للشريك بالشفعة‪ .‬وقد يجوز أن يقال ذلك للشريك في الدار أيضا‪ :‬جار‪،‬‬
‫وهو أصقب الجيران إليك‪ .‬ففيه حجة قال‪ :‬الشفعة للشريك دون الجار‪،‬‬
‫وحجة أيضا لمن قال‪ :‬الشفعة للجار‪ ،‬لن المعنى يحتملهما‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل‬
‫نجسا‪.‬‬
‫قوله‪ :‬قلتين‪ -‬يعنى من هذه الحباب العظام‪ ،‬واحدتها قلة‪ ،‬وهي معروفة‬
‫بالحجاز‪ ،‬قال‪ :‬وبعضهم يقول‪ :‬القلة العظيمة‪ ،‬وقد تكون بالشام‪ ،‬وجمعها‬
‫قلل‪ .‬وقال بعضهم‪ :‬إنها الجرار‪ ،‬وهو شبيه ببيت الخطل لن الحمار ل‬
‫يحمل حبين‪ ،‬فهذا تأويل قلتين؛ وقال حسان بن ثابت يرثى رجل‪ :‬الطويل‬
‫وقد كان ُيسقى في ِقلل‬
‫ضاره ورد‬
‫ح ّ‬
‫وأقفر من ُ‬
‫حْنتِم‬
‫وَ‬
‫أهلـه‬
‫وقال الخطل‪ :‬الكامل‬
‫يمشون حول مكدم قد‬
‫متنيه حمل حناتـم وِقـل ِ‬
‫ل‬
‫كدحت‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬فهذا تأويل القلتين‪ ،‬وهو يرد قول من قال في الماء‪ :‬إذا بلغ‬
‫ُكرا لم يحمل نجسا‪ ،‬وهو يروى عن ابن سيرين‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬وسمعت‬
‫أبا يوسف يفسر الكر ما ينجس من الماء مما ل ينجس قال‪ :‬هو أن يكون‬
‫الماء في حوض عظيم أو غدير أو ما أشبه ذلك فيبلغ من كثرته أنه إذا‬
‫حرك منه جانب لم يضطرب الجانب الخر‪ ،‬فهذا عنده ل يحمل نجسا‪،‬‬
‫فإذا بلغ اضطرابه إلى الجانب الخر‪ ،‬فهذا قد ينجس؛ ول أعلمني إل قد‬
‫سمعت محمد بن الحسن يقول مثله أو نحوه‪ ،‬فحسبتهما يذهبان من الُكر‬
‫إلى أن الماء يكر بعضه على بعض؛ فحدثت به الصمعي فأنكر أن يكون‬
‫هذا من كلم العرب أن يقال‪ :‬قد بلغ الماء كرا‪ -‬إذا كان يكر عليك‪،‬‬
‫وذهب الصمعي بالكر إلى المكيال الذي يكال به‪ ،‬كأنه يقول‪ :‬إذا كان‬
‫فيما يحزره ويقدره مثل ذلك‪ ،‬وهذا عندي وجه الحديث‪ -‬وال أعلم‪.‬‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬من كانت له إبل أو بقر أو‬
‫غنم لم يؤد زكاتها ُبطح لها يوم القيامة بقاع قرقر تطؤه بأخفافها وتنطحه‬
‫بقرونها كلما نفدت أخراها عادت عليه أولها‪.‬‬
‫قوله‪ :‬بقٍاع َقرَقٍر‪ ،‬قال الصمعي‪ :‬القاع المكان المستوى ليس فيه ارتفاع‬
‫ول انخفاض‪ ،‬قال أبو عبيد‪ :‬وهي القيعة؛ والقيعة‪ :‬الجماع أيضا‪ .‬قال ال‬
‫ب ِبِقْيعٍة)؛ ويقال القيعة جمع قاع‪.‬‬
‫سَرا ٍ‬
‫تبارك و تعالى (َك َ‬
‫والقرقر‪ :‬المستوى أيضا‪ ،‬يقال‪ :‬قاع َقرَقر وقَِرق وُقرُقوس أي مستو؛ قال‬
‫عبيد بن البرص يصف البل‪ :‬البسيط‬
‫تزجى مرابيعها في َقرَقر‬
‫حا حنـاجـرهـا‬
‫ُهدل مشاِفرها ُب ّ‬
‫ضاحي‬
‫المرابيع ما ولدت في أول النتاج في الربيع والقرقر‪ :‬المكان المستوى‬
‫والضاحي‪ :‬الظاهر البارز للشمس‪.‬‬
‫وقد روى في بعض الحديث‪ :‬بقاع َقِرق‪ ،‬وهو مثل الَقْرقر في المعنى‪.‬‬
‫وأشدنا الحمر في سير البل‪ :‬الرجز وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي‬
‫صّراة فهو بأحد‬
‫صروا البل والغنم فمن اشترى ُم َ‬
‫عليه السلم‪ :‬ل َت ُ‬
‫النظربن‪ ،‬إن شاء ردها ورد معها صاعا من تمر‪.‬‬
‫قوله‪ :‬مصّراة‪ -‬يعنى الناقة أو البقرة أو الشاة التي قد صرى اللبن في‬
‫حقن فيه وجمع أياما فلم تحلب أياما؛ وأصل التصرية‬
‫ضرعها‪ -‬يعنى ُ‬
‫حبس الماء وجمعه‪ ،‬يقال منه‪ :‬صريت الماء وصريته‪ ،‬قال الغلب‪:‬‬
‫الرجز‬
‫رأت غلما قد صرى في‬
‫شـّرتـه‬
‫ن ِ‬
‫ب عنفـوا ُ‬
‫ماء الشبا ِ‬
‫ِفْقرته‬
‫ويقال‪ :‬هذا ماء صرى‪ -‬مقصور؛ قال عبيد بن البرص‪ :‬البسيط‬
‫سبيله خـائف جـدي ُ‬
‫ب‬
‫يا رب ماء صرى وردته‬
‫ويقال منه‪ :‬سميت المصراة كأنها مياه اجتمعت؛ وكأن بعض الناس يتأول‬
‫من المصراة أنه من صرار البل‪ ،‬وليس هذا من ذلك في شيء‪ ،‬لو كان‬
‫صُرورة‪ ،‬وما جاز أن يقال ذلك في البقر والغم‪ ،‬لن‬
‫من ذاك لقال‪َ :‬م ْ‬
‫الصرار ل يكون إل للبل‪.‬‬
‫وفي حديث آخر أنه نهى عن بيع المحفلة وقال‪ :‬إنها خلبة‪.‬‬
‫فالمحفلة هي المصراة بعينها‪ .‬وعن ابن مسعود قال‪ :‬من اشترى محفلة‬
‫فردها فليرد معها صاعا‪ .‬وقال أبو عبيد‪ :‬وإنما سميت محفلة لن اللبن قد‬
‫حفل في ضرعها واجتمع‪ ،‬وكل شيء كثرته فقد حفلته‪ ،‬ومنه قيل‪ :‬قد‬
‫احتفل القوم‪ -‬إذا اجتمعوا وكثروا‪ ،‬ولهذا سمي محفل القوم‪ ،‬وجمع المحفل‬

‫غريب الحديث لبن قتيبة‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫محافل‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬ل خلبة‪ -‬يعني الخداع‪ ،‬يقال منه‪ :‬خلبته أخلبه خلبة‪ -‬إذا خدعته‪.‬‬
‫ومنه حديث النبي عليه السلم أن رجل كان في يخدع في البيع فقال له‬
‫رسول ال‪ -‬صلى ال عليه وسلم‪ :‬إذا بايعت فقل‪ :‬ل خلبة‪.‬‬
‫وفي حديث المصراة والمحفلة أصل لكل من باع سلعة وقد زينها بالباطل‬
‫أن البيع مردود إذا علم به المشترى‪ ،‬لنه غش وخداع‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬ويرد معها صاعا‪ ،‬كأنه إنما جعله قيمة لما نال المشترى من‬
‫اللبن‪ ،‬وكان أبو يوسف يقول‪ :‬إنما عليه القيمة‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه قال‪ :‬ما لي أراكم تدخلون‬
‫على ُقلحا? قوله‪ُ :‬قْلحا‪ ،‬الواحد منهم‪ :‬أقَلح‪ ،‬والمرأة َقلحاء‪ ،‬وجمعها قلح‬
‫والسم منه‪ :‬الَقَلح؛ قال العشى يذم قوما ويصفهم بالدرن وقلة التنظف‪:‬‬
‫الرمل‬
‫وفشا فيهم مع الّلؤم الَقَل ْ‬
‫ح‬
‫قد بني الّلْؤم عليهم بيتـه‬
‫وهي صفرة يكون في السنان ووسخ يركبها من طول ترك السواك‪.‬‬
‫ومعنى هذا الحديث أنه حثهم على السواك وقال‪ :‬تدخلون على غير‬
‫مستاكين حتى صار ذلك كالَقَلح في أسنانكم‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬ومنه حديثه‬
‫الخر أن الناس استبطأوا الوحي فقال رسول ال عليه السلم‪ :‬وكيف ل‬
‫يبطئ وأنتم ل تسوكون أفواهكم ول تقلمون أظفاركم ول تنقون براجمكم?‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أن رجل أتاه وهو يقاتل‬
‫العدو فسأله سيفا يقاتل به فقال له‪ :‬فلعلك إن أعطيتك أن تقوم في الكيول‪،‬‬
‫فقال‪ :‬ل‪ ،‬فأعطاه سيفا فجعل يقاتل به وهو يرتجز ويقول ‪ :‬الرجز إني‬
‫امرؤ عاهدني خليل=أن ل أقوم الدهر في الكيو ِ‬
‫ل‬
‫أضرب بسيف ال والرسول‬
‫فلم يزل يقاتل‪ .‬حتى قتل قوله الكيول‪ -‬يعني مؤخر الصفوف‪ ،‬وسمعته من‬
‫عدة من أهل العلم‪ ،‬ولم أسمع هذا الحرف إل في هذا الحديث‪ .‬وقال أبو‬
‫عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ ،‬أنه قال للنساء‪ :‬إنكن أكثر أهل النار‪،‬‬
‫وذلك لنكن تكثرن اللعن وتكفرن العشير‪.‬‬
‫قوله‪ :‬تكفرن العشير يعنى الزوج‪ ،‬سمي عشيرا لنه يعاشرها وتعاشره‪.‬‬
‫شْيُر) وكذلك حليلة‬
‫س اْلَع ِ‬
‫ى َوَلِبْئ َ‬
‫س اْلَمْول َ‬
‫وقال ال تبارك وتعالى (َلِبْئ َ‬
‫الرجل هي امرأته‪ ،‬وهو حليلها‪ ،‬سميا بذلك لن كل واحد منهما يحال‬
‫صاحبه‪ -‬يعني أنهما يحلن في منزل واحد‪ ،‬وكذلك كل من نازلك أو‬
‫جاورك فهو حليلك‪ ،‬وقال الشاعر‪ :‬الوافر‬
‫حليلَتـه إذا هـدأ الـنـيُام‬
‫ولست بأطلس الثوبين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫يصبى‬
‫في ههنا لم يرد بالحليلة امرأته‪ ،‬لنه ليس عليه بأس أن يصبى امرأته‪،‬‬
‫وإنما أراد جارته لنها تحاله في المنزل‪ .‬ويقال أيضا‪ :‬إنما سميت الزوجة‬
‫حليلة لن كل واحد يحل إزار صاحبه‪ .‬وكذلك الخليل سمي خليل‪ .‬لنه‬
‫يخال صاحبه‪ -‬من الخلة وهى الصداقة‪ ،‬يقال منه‪ :‬خاللت الرجل خلل‬
‫ومخالة؛ ومنه قول امرئ القيس‪:‬‬
‫ي الخلل ول قالي‬
‫ت ِبَمْقِل ّ‬
‫ولس ُ‬
‫يريد بالخلل المخالة‪ .‬ومنه الحديث عن النبي عليه السلم أنه قال‪ :‬إنما‬
‫المرء‪ :‬بخليله‪ -‬أو قال‪ :‬على دين خليله‪ -‬شك أبو عبيد‪ -‬فلينظر امرؤ من‬
‫يخال‪ .‬قال‪ :‬وكذلك القيد من المقاعدة‪ ،‬والشريب والكيل من المشاربة‬
‫والمواكلة‪ ،‬وعلى هذا كل هذا الباب‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم حين خرج هو وأبو بكر‬
‫مهاجرين إلى المدينة من مكة فمرا بسراقة بن مالك بن جعشم فقال‪:‬‬
‫هذان فر قريش‪ ،‬أل أرد قريش فرها? قوله‪ :‬فر قريش‪ -‬يريد الفاربن من‬
‫قريش‪ ،‬يقال منه‪ :‬رحل فر ورجلن فر ورجال فر‪ -‬ل يثنى ول يجمع‪.‬‬
‫قال أبو ذؤيب يصف صائد أرسل كلبا على ثور فحمل عليها الثور‬
‫ففرت منه فرماه الصائد ليشغله عن الكلب فقال‪ :‬الكامل‬
‫سٌهم فأنفذ طّرتيه المنز ُ‬
‫ع‬
‫فرمى لُيْنِقَذ فّرها فهوى له‬
‫يعنى السهم أنقذ طرتيه‪ ،‬وهما جانباه‪.‬‬
‫وفي حديث سراقة أنه طلبهما فرسخت قوائم دابته في الرض فسألهما أن‬
‫يخليا عنه فخرجت قوائمها ولها عثان‪.‬‬
‫قوله‪ :‬عثان أصلة الدخان وجمع العثان عوائن‪ ،‬وجمع الدخان دواخن‪،‬‬
‫فهذا جمع على غير قياس؛ ول نعلم في الكلم شيئا يشبههما‪ .‬وإنما أراد‬
‫بقوله‪ :‬ولها عثان الغبار‪ ،‬شبه الغبار غبار قوائمها بالدخان‪.‬‬
‫عَلْيُكُم‬
‫ب َ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم في قوله تعالى‪ُ( :‬كِت َ‬
‫لْنَثى) قال‪ :‬كان‬
‫لَنَثى با ُ‬
‫حر َواْلَعْبُد ِباْلَعْبِد وا ُ‬
‫حّر ِباُل ّ‬
‫ي اْلَقَتَلى اْل ُ‬
‫صفِ‬
‫صا ُ‬
‫اْلِق َ‬
‫بين حيين من العرب قتال وكان لحد الحيين طول على الخرين‪ ،‬وقالوا‪:‬‬
‫ل نرضى إل أن يقتل بالعبد منا الحر منم وبالمرأة الرجل‪ ،‬قال‪ :‬فأمرهم‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم أن يتباءوا‪ .‬مثل يتباعوا‪ ،‬وقيل‪ :‬يتباوأوا‪.‬‬
‫قال أبو عببد‪ :‬هو عندي يتباوأوا مثل يتقاولوا‪ .‬وفي حديث آخر أن النبي‬
‫عليه السلم قال‪ :‬الجراحات بواء‪ -‬يعني أنها متساوية في القصاص‪ ،‬وأنه‬
‫ل يقتص للمجروح إل من جارحه الجاني عليه بعينه‪ ،‬وأنه مع هذا ل‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫يؤخذ إل مثل جراحه سواء فذلك البواء؛ قالت ليلى الخيلية في مقتل توبة‬
‫بن الحمير‪ :‬الطويل‬
‫فتي ما قتلتم أل عوف بن‬
‫فان تكن القتلى بواء فـانـكـم‬
‫عامر‬
‫ويقال منه‪ :‬قد باء فلن بفلن‪ -‬إذا قتل به وهو يبوء به؛ وأشدنا الحمر‬
‫لرجل قتل قاتل أخيه فقال‪ :‬الطويل‬
‫ت ُقْنعانا لمن يطلب‬
‫وإن كن َ‬
‫فقلت له ُبؤ بامرئ لست‬
‫الدما‬
‫مثلـه‬
‫سبك ُمْقَنعا لكل من طلبك بثأره فلست‬
‫حَ‬
‫قال‪ :‬يقول‪ :‬أنت وإن كنت في َ‬
‫مثل أخي‪ .‬وإذا أقص السلطان أو غيره رجل من رجل فقال‪ :‬أبأت فلنا‬
‫بفلن؛ قال طفيل الغنوى‪ :‬الطويل‬
‫أبأنا ِبَقتلنا من القوم‬
‫وما ل يعد من أسيٍر مكلب‬
‫ضعَفهم‬
‫ِ‬
‫وزعم الصمعي أن المكلب هو المكبل من المقلوب؛ وقال غيره‪ :‬مكلب‬
‫مشدد بالكلب‪ ،‬وهو القْد‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه قال المتشبع بما ل يملك‬
‫كلبس ثوبي زور‪.‬‬
‫قوله‪ :‬المتشبع بما ل يملك‪ -‬يعنى المتزين بأكثر مما عنده يتكثر بذلك‬
‫ويتزين بالباطل‪ ،‬كالمرأة تكون للرجل ولها ضرة فتشبع بما تدعي من‬
‫الحظوة‪ -‬والحظوة لغتان‪ -‬عند زوجها بأكثر مما عنده لها‪ -‬زيد بذلك غيظ‬
‫صاحبتها وإدخال الذى عليها‪ ،‬وكذلك هذا في الرجال أيضا‪.‬‬
‫ي ُزْور‪ ،‬فانه عندنا الرجل يلبس الثياب تشبه ثياب‬
‫وأما قوله‪ :‬كلبس ثْوَب ْ‬
‫أهل الزهد في الدنيا‪ -‬يريد بذلك الناس ويظهر من التخشع والتقشف أكثر‬
‫مما في قلبه منه‪ ،‬فهذه ثياب الزور والرياء؛ وفيه وجه آخر إن شئت أن‬
‫يكون أراد بالثياب النفس والعرب تفعل ذلك كثيرا‪ ،‬يقال منه‪ :‬فلن نقي‬
‫الثياب‪ -‬إذا كان بريا من الدنس والثام‪ ،‬وفلن دنس الثياب‪ -‬إذا كان‬
‫مغموصا عليه في دينه؛ قال امرؤ القيس يمدح قوما‪ :‬الطويل‬
‫وأوجههم بيض المسافر‬
‫ثياب بنى عوف طهارى‬
‫غّران‬
‫نقـية‬
‫يريد بثيابهم أنفسهم لنها مبرأة من العيوب؛ وكذلك قول النابغة‪ :‬الطويل‬
‫يحيون بالريحان يوم‬
‫جزاُتهـم‬
‫حُ‬
‫رقاق النعال طّيب ُ‬
‫السباسب‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫يريد بالحجزات الفروج أنها عفيفة‪ .‬ونرى‪ -‬وال أعلم‪ -‬أن قول ال تبارك‬
‫طّهْر) من هذا؛ قال الشاعر يذم رجل‪ :‬الرجز‬
‫ك َف َ‬
‫وتعالى (َوِثَياَب َ‬
‫سِم‬
‫حجا في ثياب ُد ْ‬
‫أو ذم ّ‬
‫ن عامر بن جهم‬
‫ل ُهّم إ ّ‬
‫يعن أنه حج وهو متدنس بالذنوب‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه كان يشرب في بيت‬
‫سودة رض ال عنها شرابا فيه عسل كانت تجده له فتواصت اثنتان من‬
‫أزواجه‪ :‬عائشة وحفصة‪ -‬وفي حديث‪ :‬فتواصت ثنتان من أزواجه ولم‬
‫يسمهما‪ -‬إذا دخل عليهما أن تقول‪ :‬ما ريح المغافير? أكلت مغافير? قال‪:‬‬
‫فلما قالتا ذلك له ترك الشراب الذي كان يشربه‪.‬‬
‫قال الكسائي وأبو عمرو‪ :‬قوله‪ :‬المغافير‪ ،‬شىء شبيه بالصمغ يكون في‬
‫الرمث وشجر فيه حلوة‪ .‬قال أبو عمرو‪ :‬يقال منه‪ :‬قد أغفر الرمث إذا‬
‫ظهر ذلك فيه‪ .‬وقال الكسائي‪ :‬يقال‪ :‬خرج الناس يتمغفرون‪ -‬إذا خرجوا‬
‫يجتنونه من شجره‪ ،‬وواحد المغافير مغفور‪ .‬وقال الفراء‪ :‬فيه لغة أخرى‪:‬‬
‫جدف وكقولهم‪ُ :‬ثوم وُفوم‪،‬‬
‫المغاثير‪ -‬بالثاء‪ ،‬قال‪ :‬وهذا مثل قولهم‪ :‬جّدث و ّ‬
‫وما أشبهه في الكلم مما ندخل فيه الفاء على الماء والثاء على الفاء‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه كوى سعد ابن معاذ أو‬
‫ص ثم حسمه‪.‬‬
‫شَق ٍ‬
‫حله بِم ْ‬
‫أسعد بن زرارة في أك َ‬
‫قوله‪ :‬بمشقص‪ ،‬هونصل السهم إذا كان طويل وليس بالعريض‪ ،‬قال أبو‬
‫عبيد‪ :‬فإذا كان عريضا و ليس بالطويل فهو معبلة‪ ،‬وجمعه معابل‪ .‬ومنه‬
‫حديثه الخر أنه قصر من شعره عند المروة بمشقص‪ .‬ومنه حديث‬
‫عثمان رحمه ال حين دخل عليه فلن وهو محصور وفي يده مشقص‬
‫فكان من أمره الذي كان‪.‬‬
‫وأما قوله‪ :‬ثم حسمه‪ ،‬فالحسم أصله القطع‪ ،‬ومنه قيل‪ :‬حسمت هذا المر‬
‫عن فلن‪ -‬أي قطعته وإنما أراد بالحسم هنها أنه قطع الدم عنه‪ .‬ومنه‬
‫حديث النبي عليه السلم في اللص حين قطعه فقال‪ :‬اقطعوه ثم احسموه؛‬
‫قال‪ :‬يعنى اكووه لينقطع الدم‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬ولم أسمع بالحسم في قطع‬
‫السارق عن النبي عليه السلم إل في هذا الحديث‪ .‬وكذلك حديثه‪ :‬عليكم‬
‫بالصوم فانه محسمة للعرق‪ .‬ومذهبة للشر‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم في المخنث الذي كان يدخل‬
‫على أزواجه فقال لعبد ال بن أبى أمية أخي أم سلمة‪ :‬إن فتح ال علينا‬
‫الطائف غدا دللتك على ابنة غيلن فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان‪ ،‬فقال‬
‫رسول ال عليه السلم‪ :‬ل يدخل هذا عليكن‪.‬‬
‫فقوله‪ :‬تقبل بأربع‪ -‬يعنى أربع عكن في بطنها فهي تقبل بهن‪ ،‬وقوله‪:‬‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫تدبر بثمان‪ -‬يعنى أطراف هذه العكن الربع‪ ،‬وذلك لنها محيطة بالجنبين‬
‫حتى لحقت بالمتنين من مؤخرها من هذا الجانب أربعة أطراف ومن‬
‫الجانب الخر مثلها فهذه ثمان؛ وإنما أنث فقال‪ :‬بثمان‪ ،‬ولم يقل‪ :‬بثمانية‪،‬‬
‫وهي الطراف‪ ،‬واحد الطراف طرف وهو ذكر‪ ،‬لنه لم يقل‪ :‬ثمانية‬
‫أطراف‪ ،‬ولو جاء بلفظ الطراف لم يجد بدا من التذكير‪ ،‬وهو كقولهم‪:‬‬
‫هذا الثوب سبع في ثمان‪ ،‬والثمان يريد بها الشبار فلم يذكرها لما لم يأتي‬
‫بلفظ الشبار‪ ،‬والسبع إنما تقع على الذرع فلذلك أنث والذراع أنثى؛‬
‫وكذلك قولهم‪ :‬صمنا في الشهر خمسا‪ ،‬سمعت الكسائي وأبا الجراح‬
‫يقولنه؛ وقد علمنا أنه إنما يراد بالصوم اليام دون الليالي‪ ،‬فلو ذكر‬
‫اليام لم يجد بدا من التذكير‪ ،‬فيقول‪ :‬صمنا خمسة أيام كقوله تعالى (‬
‫سْوماً) فهذا ما في الحديث من‬
‫حُ‬
‫ل ّوَثَماَنِيَة َأّياِم ُ‬
‫سْبَع َلَيا ٍ‬
‫عَلْيِهْم َ‬
‫خَرَها َ‬
‫سّ‬
‫َ‬
‫العربية‪ .‬وفيه من الفقه دخوله كان على أزواج النبي عليه السلم فانه‬
‫وإن كان مخنثا فهو رجل يجب عليهن الستتار منه‪ ،‬وإنما وجهه عندنا‬
‫أنه كان عند النبي عليه السلم من غير أولى الربة من الرجال فلهذا كان‬
‫ترك النبي عليه السلم إياه أن يدخل على أزواجه‪ .‬فلما وصف الذي‬
‫وصف من المرأة علم أنه ليس من أولئك فانه أمر بإخراجه‪ ،‬أل تراه‬
‫يقول له‪ :‬أل أراك تعقل ها ههنا‪ .‬فعند ذلك نهى عن دخوله عليهن‪:‬‬
‫وكذلك يروى عن الشعبي أو سعيد بن جبير أنه قال في غير أولى الربة‬
‫من الرجال قال‪ :‬هو المعتوه‪ ،‬وهذا عندي أولى من قول مجاهد في قوله‪:‬‬
‫غير أولى الربة من الرجال‪ ،‬قال‪ :‬الذي ل إرب له في النساء‪ ،‬قال‬
‫مجاهد مثل فلن‪ ،‬قال أبو عبيد‪ :‬وحديث النبي عليه السلم خلف هذا ‪،‬‬
‫أل ترى أنه قد يكون ل إرب له في النساء وهو مع هذا يعقل أمرهن‬
‫ويعرف مساويهن من محاسنهن? والذي في حديث النبي عليه السلم أنه‬
‫كان عنده ل يعقل هذا‪ ،‬فلما رأه قد عقله أمر بإخراجه‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم حين ذكر الفتن فقال‪ .‬له‬
‫حذيفة‪ :‬أ بعد هذا الشر خير? فقال‪ :‬وهدنة على دخن وجماعة على أقذاء‪.‬‬
‫قوله‪ :‬هدنة على دخن‪ ،‬تفسيره في الحديث‪ :‬ل ترجع قلوب قوم على ما‬
‫كانت عليه؛ والهدنة‪ :‬السكون بعد الهيج‪ ،‬ومذهب الحديث على هذا‪.‬‬
‫وأصل الدخن أن يكون في لون الدابة أو الثوب أو غير ذلك كدورة إلى‬
‫سواد؛ قال المعطل الهذلي يصف السيف‪ :‬الكامل‬
‫خن وأثر أخل ُ‬
‫س‬
‫في متنه َد َ‬
‫َلين حسام ل ُيليق ضريبة‬
‫قوله‪ :‬دخن‪ -‬يعني الكدورة وهو السواد‪ -‬ول أحسب‪ .‬الدخن أخذ إل من‬
‫الدخان‪ ،‬وهو شبيه بلون الحديد‪ ،‬فوجهه أنه يقول‪ :‬تكون القلوب هكذا ل‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫يصفو بعضها لبعض ول ينصع حبها كما كانت‪ ،‬وإن لم تكن فيهم فتنَة‪.‬‬
‫وأما قوله‪ :‬جماعة على أقذاء‪ ،‬قال‪ :‬فان هذا مثل‪ ،‬يقول‪ :‬اجتماعهم على‬
‫فساد من القلوب‪ ،‬وهذا مشبه بأقذاء العين‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬الغيرة من اليمان والِمَذاء‬
‫من النفاق وبعضهم يقول‪ :‬المذال باللم‪ -‬ول أرى المحفوظ إل الول‪.‬‬
‫وتفسيره عند الفقهاء أن يدخل الرجل الرجال على أهله‪ ،‬وهذا هو الذي‬
‫يروى في حديث أخر أنه الذي يقال له‪ :‬الُقنذع‪ ،‬وهو الديوث‪ ،‬والقنَذع‬
‫بالفتح والضم‪ -‬وهو الديوث‪ ،‬ول أحسب هاتين الكلمتين إل بالسريانيه؛‬
‫فان كان الِمذاء هو المحفوظ فانه أخذ من المذى‪ -‬يعنى أن يجمع بين‬
‫الرجال وبين النساء ثم يخليهم يماذى بعضهم بعضا ِمذاء‪ ،‬ل أعرف‬
‫للحديث وجها غيره‪ ،‬وقد حكى عن بعض أهل العلم أنه قال يقال‪ :‬أمذيت‬
‫فرسى‪ -‬إذا أرسلته يرعى‪ ،‬ويقال‪ :‬مّذيته‪ ،‬فان كان من هذا فانه أيذهب به‬
‫إلى أنه يرسل الرجال على النساء وهو وجه‪.‬‬
‫وأما الِمذال‪ -‬باللم‪ ،‬فان أصله أن يمذل الرجل بسره‪ ،‬وقد يقال‪ :‬يمذل‪-‬‬
‫أيضا‪ -‬يعنى يقلق به حتى يظهر‪ ،‬وكذلك يقلق بمضجعه حتى يتحول عنه‬
‫إلى غيره وبماله حتى ينفقه؛ قال السود بن يعفر‪ :‬الكامل‬
‫ولقد أروح على التجاِر‬
‫ل بمالـي لـينـا أجـيادي‬
‫َمِذ ً‬
‫جل‬
‫مر ّ‬
‫يعني عنقه أنه لّين لشبابه‪ .‬يقول‪ :‬أجود بمالي ل أقدر على إمساكه؛ وقال‬
‫الراعي‪ :‬الكامل‬
‫ما بال دفك بالفراش مذيلل أَقًذى بعينك أم أردت رحيل‬
‫وقال سابق البربرى‪ :‬الوافر‬
‫إذا ما جاوز الثنين فاشى‬
‫فل تمذل بسر ك كل سر‬
‫فأراد بلحديث أنه اطلع الجال على سره فيما بينه وبين أهله‪ ،‬وأنه زال‬
‫لهم‪ ،‬عن فراشه عن قلقة به‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم حين سحر أنه جعل سحره‬
‫في جف طلعة ودفن تحت راعوفة البئر قوله‪ :‬جف طلعة‪ -‬يعنى طلع‬
‫النخل‪ ،‬وجفه وعاؤه الذي يكون فيه؛ والجف أيضا في غير هذا‪ ،‬يقال‪:‬‬
‫هو شيء من جلود كالناء‪ -‬يؤخذ فيه ماء السماء إذا جاء المطر يسع‬
‫نصف ِقربة أو نحوه؛ ومنه قول الراجز‪ :‬الرجز‬
‫شّفه‬
‫جّفا معها هر َ‬
‫تحمل ُ‬
‫كل عجوز رأسها كالُكّفْة‬
‫فالجف ههنا ما أعلمتك‪ ،‬و الهرشفة‪ :‬خرقة أو غيرها تحمل بها الماء ماء‬
‫شَفُة خرقة أو‬
‫السماء إذا كان قليل ثم تصب في الناء‪ ،‬وقال غيره‪ :‬الِهر َ‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫قطعة كساء أو نحوه ينشف بها الماء الرض ثم تعصر في الجفة‪ ،‬وذلك‬
‫في قلة الماء؛ وبعضهم يقول‪ :‬الِهرشفة من نعت العجوز وهي الكبيرة؛‬
‫والجف أيضا في غير هذين‪ :‬جماعة الناس؛ ومن ذلك قول النابغة‪:‬‬
‫الكامل‬
‫في جف تغلب واردى المراِر‬
‫يريد بجف تغلب‪ -‬جماعتهم‪ ،‬وكان أبو عبيدة يرويه‪ :‬في جف ثعلب‪ -‬يريد‬
‫ثعلبة بن سعد؛ والجفة مثل الجف الجماعة‪ .‬ومنه حديث عن ابن عباس‬
‫قال‪ :‬لنفل في غنيمة حتى تقسم جفة‪ -‬أي كلها ‪.‬‬
‫وأما قوله‪ :‬راعوفة البئر‪ ،‬فانها صخرة تترك في أسفل البئر إذا احتفرت‬
‫تكون ثابتة هناك‪ ،‬فإذا أرادوا تنقية البئر جلس المنفى عليها؛ ويقال‪ :‬بل‬
‫هو حجر ناتئ‪ .‬في بعض البئر يكون صلبا ل يمكنهم حفره فيترك على‬
‫حاله؛ ويقال‪ :‬هو حجر يكون على رأس البئر يقوم عليه المستقى‪ .‬وقد‬
‫روى بعض المحدثين هذا الحديث أنه جعل سحره في جب طلعة‪ ،‬ول‬
‫أعرف الجب إل البئر التي ليست بمطوية‪ ،‬وكذلك قال أبو عبيدة وهو‬
‫ب) ول أرى المحفوظ‬
‫ج ّ‬
‫غَياَبِة اْل ُ‬
‫ي َ‬
‫قول ال تبارك و تعالى في كتابه (ِف ْ‬
‫في الحديث إل الجف‪ -‬بالفاء؛ قال أبو عبيد يقال‪ :‬أرعوفة البئر وراعوفه‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬عجب ربكم من إلكم‪ -‬بكسر‬
‫اللف‪ -‬وقنوطكم وسرعة إجابته إياكم ورواه بعض المحدثين‪ :‬من أزلكم‪.‬‬
‫وأصل الزل‪ :‬الشدة‪ ،‬قال‪ :‬وأراه المحفوظ فكأنه أراد من شدة يأسكم‬
‫وقنوطكم‪.‬‬
‫فان كان المحفوظ قوله‪ :‬من إلكم‪ -‬بكسر اللف‪ -‬فإني أحسبها‪ :‬من ألكم‪-‬‬
‫بالفتح وهو أشبه بالمصأدر‪ ،‬يقال منه‪ :‬أل يؤل أل وألل وأليل‪ ،‬وهو أن‬
‫يرفع الرجل صوته بالدعاء ويجأر فيه؛ قال الكميت‪ .‬يمدح رجل‪ :‬البسيط‬
‫إذا دعت ألَليها الكاعب‬
‫فأنت ما أنت في غبراء‬
‫ضُ‬
‫ل‬
‫الُف ُ‬
‫مظلمة‬
‫قد يكون ألَليها أنه أراد اللل ثم ثناه كأنه يريد صوتا بعد صوت‪ ،‬وقد‬
‫يكون أُلَليها أن يريد حكاية أصوات النساء بالنبطية إذا صرخن؛ وقد يقال‬
‫لكل شيء محدد‪ :‬هو مؤلل؛ وقال طرفة يذكر أذني الناقة ويصف حدتهما‬
‫وانتصابهما‪ :‬الطويل‬
‫ي شاة بحوَمل ُمَفرِد‬
‫مؤللتان يعرف العتق فيهما كساِمَعَت ْ‬
‫والل أيضا في غير هذا الموضع‪ ،‬قال الصمعي‪ :‬يقال‪ :‬قد أل الرجل في‬
‫السير يؤل أل إذا أسرع في السير؛ وكذلك قد أل لونه يؤل أل‪ -‬إذا صفا‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫وبرق؛ وأظن قول أبى دواد اليادى من أحد هذين‪ ،‬وذلك أنه ذكر فرسا‬
‫أنثى صاد عليها الوحش‪ ،‬فقال‪ :‬الكامل‬
‫ن غوادي‬
‫صهـا من لمع رايتنا وُه ّ‬
‫ل فري ُ‬
‫ن بها يؤ ّ‬
‫فلهزُته ّ‬
‫يقول لما لمع الرائي إلينا بالوحش ركبت بالفرس في آئارهن‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أن المهاجرين قالوا‪ :‬يا‬
‫رسول ال إن النصار قد فضلونا أوونا وأنهم فعلوا بنا وفعلوا‪ ،‬فقال‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ :‬ألستم تعرقون ذلك لهم? قالوا‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪:‬‬
‫فان ذلك‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬ليس في الحديث غير هذا‪ .‬قوله‪ :‬فان ذلك‪ ،‬معناه وال أعلم‬
‫فان معرفتكم بصنيعهم وإحسانهم مكافأة منم لهم‪ .‬كحديثه الخر‪ :‬من‬
‫أزلت عليه نعمة فليكافئ بها فان لم يجد فليظهر ثناء حسنا‪ ،‬فقال النبي‬
‫عليه السلم‪ :‬فان ذاك يريد هذا المعنى؛ وهذا اختصار من كلم العرب‬
‫وهو من أفصح كلمهم اكتفى منه بالضمير‪ .‬لنه قد علم معناه‪ ،‬وما أراد‬
‫به القائل؛ وقد بلغنا عن سفيان الثورى قال‪ :‬جاء رجل إلى عمر بن عبد‬
‫العزيز قريش يكلمه في حاجة له فجعل يمت بقرابته‪ ،‬فقال عمر‪ :‬فان‬
‫ذاك‪ ،‬ثم ذكر له حاجته‪ ،‬فقال‪ :‬لعل ذاك لم يزد على أن قال‪ :‬فان ذاك‬
‫ولعل ذاك‪ -‬أي إن ذاك كما قلت‪ ،‬ولعل حاجتك أن تقضى؛ وقال ابن قيس‬
‫الرقيات‪ :‬الكامل‬
‫يلحينني وألومـهـّنـْه‬
‫ى عـواذلـي‬
‫بكرت عل ّ‬
‫ك وقد كبرت فقلت إّنْه‬
‫ويقلن شيب قـد عـل‬
‫أي إنه قد كان كما تقلن‪ .‬والختصار في كلم العرب كثر ل يحصى‪،‬‬
‫وهو عندنا أعرب الكلم وأفصحه؛ وأكثر ما وجدناه في القرآن من ذلك‬
‫ق) إنما معناه‪-‬‬
‫حَر َفأْنَفَل َ‬
‫صاك اْلَب ْ‬
‫ب ّبَع ّ‬
‫ضِر ْ‬
‫نأ ْ‬
‫سى إ ِ‬
‫حْيَنا إلى ُمْو َ‬
‫قوله‪َ( :‬فَأْو َ‬
‫وال أعلم‪ -‬فضربه فانفلق‪ ،‬ولم يقل‪ :‬ضربه؛ لنه حين قال‪ :‬أن اضرب‬
‫حّتى َيْبُلَغ‬
‫سُكْم َ‬
‫حِلُقْوا ُرُؤ َ‬
‫ل َت ْ‬
‫بعصاك‪ ،‬علم أنه قد ضربه؛ ومنه قوله‪( :‬وَ َ‬
‫سه َفِفْدَيٌة ّم ْ‬
‫ن‬
‫ن َرأ ِ‬
‫ى ّم ْ‬
‫ضًا أْو ِبه أذ ً‬
‫ن ِمْنُكْم ّمِري ْ‬
‫ن َكا َ‬
‫حّله َفَم ْ‬
‫ى َم ِ‬
‫اْلَهْد ُ‬
‫صَيام) ولم يقل‪ :‬فحلق ففدية من صيام‪ ،‬اختصر واكتفى منه بقوله‪ :‬ول‬
‫جاَءُكْم‬
‫ق َلّما َ‬
‫حَ‬
‫ن ِلْل َ‬
‫ل ُمْوسى أّتقْوُلْو َ‬
‫تحلقوا رءوسكم؛ وكذلك قوله‪َ( :‬قا َ‬
‫ن*) ولم يخبر عنهم في هذا الموضع أنهم‬
‫حُرْو َ‬
‫سا ِ‬
‫ح ال ّ‬
‫ل ُيفِل ُ‬
‫حٌر َهذا و َ‬
‫سْ‬
‫أِ‬
‫قالوا‪ :‬إنه سحر‪ ،‬ولكن لما قال تبارك وتعالى‪ :‬أسحر هذا‪ ،‬علم أنهم قد‬
‫ل َتَمّتْع‬
‫سِبيِله ُق ْ‬
‫ن َ‬
‫عْ‬
‫ل ل اْنَدادًا َليضل َ‬
‫جَع َ‬
‫قالوا‪ :‬إنه سحر؛ وكذلك قوله‪َ( :‬و َ‬
‫ت) يقال في التفسير‪:‬‬
‫ن ُهَو َقاِن ٌ‬
‫ب الّناِر* أْم َم ْ‬
‫حا ِ‬
‫صَ‬
‫نأ ْ‬
‫ك ِم ْ‬
‫ك َقلْيل إْن َ‬
‫ِبُكْفِر َ‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫معناه أهذا أفضل أم من هو قانت? فاكتفى بالمعرفة بالمعنى وهذا أكثر‬
‫من أن يحاط به؛ وأنشد للخطل‪ :‬الرجز‬
‫ومار سرجيس وموتا ناقعا‬
‫ب طالعـا‬
‫لما رأونا والصلي َ‬
‫غرابا واقـعـا‬
‫كأنما كانوا ُ‬
‫خلوا لنا راذان والمزارعـا‬
‫أراد فطار فترك الحرف الذي فيه المعنى لنه قد علم ما أراد‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه نهى أن يدبح الرجل في‬
‫الصلة كما يدبح الحمار‪.‬‬
‫قوله‪ :‬أن يدبح‪ ،‬هو أن يطأطئ رأسه في الركوع حتى يكون أخفض من‬
‫ظهره؛ وهذا كحديثه الخر أنه كان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم‬
‫يصوبه‪ -‬وبعضهم يرويه‪ :‬لم يصوب رأسه ولم يقنعه‪ ،‬يقول‪ :‬لم يرفعه‬
‫حتى يكون أعلى من جسده‪ ،‬ولكن يكون بين ذلك‪ .‬ومنه حديث إبراهيم‬
‫أنه كره أن يقنع الرجل رأسه في الركوع أو يصّوبه‪.‬‬
‫طْعي َ‬
‫ن‬
‫والقناع‪ :‬رفع الرأس وإشخاصه؛ قال ال تبارك وتعالى‪ُ( :‬مْه ِ‬
‫سْهِم) والذي يستحب من هذا أن يستوي ظهر الرجل ورأسه‬
‫ي ُرُءْو ِ‬
‫ُمْقِنِع ْ‬
‫في الركوع‪ ،‬كحديث النبي عليه السلم أنه كان إذا ركع لو صب على‬
‫ظهره ماء لستقر‪ :‬وقال العجاج‪ :‬الرجز‬
‫حوا‬
‫ولو رآني الشعراء َدّب ُ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم في لحوم الحمر الهلية أنه‬
‫نهى عنها ونادى مناديه بذلك‪ ،‬قال‪ :‬فأجفأوا القدور‬
‫هكذا يروى الحديث باللف‪ ،‬وهو في الكلم فجفأوا بغير ألف‪ ،‬ومعناه‬
‫انهم اكفأوها‪ -‬أي قلبوها‪ ،‬يقال منه‪ :‬جفأت الرجل وغيره إذا احتملته ثم‬
‫ضربت به الرض‪ .‬وكذلك الحديث الخر‪ :‬فأمر بالُقدور فكفئت‪،‬‬
‫وبعضهم يرويه‪ :‬فأكفئت‪ .‬واللغة المعروفة بغير ألف‪ ،‬يقال‪ :‬كفأت القدر‬
‫أكفأها كفأة‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬ل حمى إل في ثلث‪ :‬ثّلة‬
‫البئر وطول الفرس وحلقة القوم‪.‬‬
‫قوله‪ :‬ثّلة البئر‪ -‬يعنى أن يحتفر الرجل بئرا في موضع ليس بملك لحد‪،‬‬
‫فيكون له من حوالي البئر من الرض ما يكون ملقى لثلة البئر‪ ،‬وهو ما‬
‫يخرج من ترابها‪ ،‬ل يدخل فيه أحد عليه حريما للبئر؛ والثلة في غير هذا‬
‫أيضا جماعة الغنم وأصوافها‪ ،‬وكذلك الوبر أيضا‪ :‬ثلة‪.‬‬
‫ومنه حديث الحسن في اليتيم‪ :‬إذا كانت له ماشية أن للوصي أن يصيب‬
‫من ثلتها ورسلها‪.‬‬
‫قال فالثلة‪ :‬الصوف والِرسل‪ :‬اللبن‪ .‬والثلة في غير هذا‪ :‬الجماعة من‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫خْرِينَ)‪.‬‬
‫ن ال ِ‬
‫ن وُثَلٌة ّم َ‬
‫ن الَوِلْي َ‬
‫الناس‪ ،‬قال ال تبارك و تعالى‪ُ( ،‬ثَلٌة ِم َ‬
‫وأما قوله‪ :‬في طول الفرس‪ ،‬فانه أن يكون الرجل في العسكر فيربط‬
‫فرسه‪ ،‬فله من ذلك المكان مستدار لفرسه في طوله‪ ،‬ل يمنع من ذلك‪،‬‬
‫وله أن يحميه من الناس‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬حلقة القوم‪ -‬يعنى أن يجلس الرجل في وسط الحلقة فلهم أن‬
‫يحموها أن ل يجلس في وسطها أحد‪ .‬ومنه حديث حذيفة‪ :‬الجالس في‬
‫وسط الحلقة ملعون‪ .‬قال ويقال‪ :‬هو تخطى الحلقة‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه أتى بأبي قحافة وكان‬
‫رأسه ثغامة فأمرهم أن يغيروه‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬ثغامة‪ -‬يعنى نبتا أو شجرا يقال له‪ :‬الثغام وهو أبيض الثمر‬
‫والزهر‪ ،‬فشبه بياض الشيب به؛ وقال حسان بن ثابت‪ :‬الكامل‬
‫شمطا فأصبح كالثغامي‬
‫إما ترى رأسي تغـير لـونـه‬
‫حِ‬
‫ل‬
‫الُمم ِ‬
‫الممحل يعنى‪ ،‬الذي قد أصابه المحل‪ ،‬وهو الجدوبة وقال أبو عبيد‪ :‬في‬
‫حديث النبي عليه السلم في الشبرم ورآه عند أسماء ابنة عميس وهي‬
‫تريد أن تشربه فقال‪ :‬إنه حار جار وأمرها بالسنا وبعض الناس يرويه‪:‬‬
‫حار يار‪ ،‬وأكثر كلمهم بالياء‪.‬‬
‫قال الكسائي وغيره‪ :‬حار من الحرارة‪ ،‬ويار إتباع‪ ،‬كقولهم‪ :‬عطشان‬
‫نطشان‪ ،‬وجائع نائع‪ ،‬وحسن بسن‪ ،‬ومثله كثير في الكلم؛ وإنما سمي‬
‫إتباعا لن الكلمة الثانية إنما هي تابعة للولى على وجه التوكيد لها‪،‬‬
‫وليس يتكلم بها منفردة‪ ،‬فلهذا قيل‪ :‬إتباع‪.‬‬
‫وأما حديث آدم عليه السلم حين قتل ابنه فمكث مائة سنة ل يضحك ثم‬
‫قيل له‪ :‬حياك ال وبياك! فقال‪ :‬وما بياك? قيل‪ :‬أضحكك‪.‬‬
‫وقال بعض الناس في َبّياك‪ :‬إنما هو إتباع‪ .‬وهو عندي على ما جاء‬
‫تفسيره في الحديث أنه ليس باتباع‪ ،‬وذلك إن التباع ل يكاد يكون بالواو‪،‬‬
‫وهذا بالواو‪.‬‬
‫ومن ذلك قول العباس بن عبد المطلب في زمزم‪ :‬إني ل أحلها لمغتسل‬
‫وهي لشارب حل وبل‪.‬‬
‫ويقال أيضا‪ :‬إنه إتباع وليس هو عندي كذلك لمكان الواو؛ قال‪ :‬واخبرني‬
‫الصمعي عن المعتمر بن سليمان أنه قال‪ :‬بل هو مباح بلغة حمير‪ ،‬قال‬
‫أبو عبيد‪ :‬ويقال‪ :‬بل‪ ،‬شفاء من قولهم‪ :‬قد َبلَ الرجل من مرضه‪ -‬إذا برأ‬
‫وأبل‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬إن الدنيا حلوة خضرة فمن‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫أخذها بحقها بورك له فيها‪ -‬قال‪ :‬ويروى أن هذا المال حلو خضر فمن‬
‫أخذه‪.‬‬
‫ض طري‬
‫ض حسنة ‪ ،‬وكل شيء غ َ‬
‫قال أبو عبيد قوله‪ :‬خضرة‪ -‬يعنى غ َ‬
‫فهو خضر‪ ،‬وأصله من خضرة الشجر؛ ومنه قيل للرجل إذا مات شابا‬
‫ضر‪ .‬قال أبو عبيد وحدثني بعض أهل العلم أن شيخا كبيرا‬
‫خُت ِ‬
‫غضا‪ :‬قد ا ْ‬
‫من العرب كان قد أولع به شاب من شبانهم فكلما رآه قال‪ :‬اجززت يا أبا‬
‫فلن????! عبره‪ ،‬فيقول‪ :‬قد آن لك أن تجز يا أبا فلن يعني الموت‪.‬‬
‫فقال له الشيخ‪ :‬أي بني وتختضرون‪ -‬أي تموتون شبابا‪ .‬ومنه قيل‪ :‬خذ‬
‫هذا الشيء خضرا مضرا‪ ،‬فالخضر‪ :‬الغض الحسن‪ ،‬والمضر إتباع له‪.‬‬
‫ضرًا) يقال‪ :‬إنه الخضر‪ ،‬وهو من‬
‫خ ِ‬
‫خْرجَنا ِمْنُه َ‬
‫وقال ال عز وجل (َفَأ ْ‬
‫هذا؛ ويقال‪ :‬إنما سمي الخضر لنه كان إذا جلس في موضع اخضر ما‬
‫حوله‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه نهى عن اختناف السقية‪.‬‬
‫قال الصمعي وغيره‪ :‬الختناف أن يثني أفواهها ثم يشرب منها؛ وأصل‬
‫الختناث التكسر والتثنى‪.‬‬
‫ومنه حديث عائشة رض ال عنها حين ذكرت وفاة النبي عليه السلم أنها‬
‫قالت‪ :‬فانخنث في حجري وما شعرت به‪ ،‬يعنى حين قبض فانثنت عنقه‬
‫أو غيرها من جسده‪ .‬ويقال‪ :‬من هذا سمي المخنث لتكسره‪ ،‬وبه سيمت‬
‫المرأة خنث‪ .‬يقول‪ :‬إنها لينة تتثنى‪ .‬ومعنى الحديث في النهى عن اختناث‬
‫السقية يفسر على وجهين‪ :‬أحدهما أنه يخاف أن يكون فيه دابة وشرب‬
‫رجل من في سقاء فخرج منه حية‪.‬‬
‫والوجه الخر‪ :‬قال‪ :‬ينتنه ذلك‪ ،‬وعن النبي عليه السلم أنه نهى عن‬
‫اختناث السقية‪ ،‬وقال‪ :‬إنه ينتنه‪ .‬والذي دار عليه معنى الحديث أنه نهى‬
‫أن يشرب من أفواهها‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم في العقيقة عن الغلم شاتان‬
‫وعن الجارية شاة‪.‬‬
‫قوله‪ :‬العقيقة‪ " ،‬أصله الشعر الذي يكون على رأس الصبي حين يولد‪،‬‬
‫وإنما سميت الشاة التس تذبح عنه في تلك الحال عقيقة لنه يحلق عنه‬
‫ذلك الشعر عند الذبح‪ ،‬ولهذا قيل في الحديث‪ :‬اميطوا عنه الذى يعني؛‬
‫بالذى ذلك الشعر الذي يحلق عنه؛ وهذا مما قلت لك‪ :‬إنهم ربما سموا‬
‫الشيء باسم غيره إذا كان معه أومن سببه‪ ،‬فسميت الشاة عقيقة لعقيقة‬
‫الشعر‪ .‬وكذلك كل مولود من البهائم فان الشعر الذي يكون عليه حين‬
‫يولد عقيقة وعقة‪ .‬وقال زهير يذكر حمار الوحش‪ :‬الوافر أذلك أم أقب‬
‫عفاُء ويروى‪ِ :‬فراء‪ .‬أولست ترى أن‬
‫البطن جأب=عليه من عقيقته ِ‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫العقيقة ههنا إنما هي الشعر ل الشاة? وقال‪ :‬العقة في الناس والحمر‪ ،‬ولم‬
‫عقة؛ وقال ابن الرقاع العاملي في العقة يصف الحمار‬
‫أسمعه في غيرهما ِ‬
‫أيضا‪ :‬البسيط‬
‫واجتاب أخرى جديدا بعدما‬
‫عّقة عنه فأنـسـلـهـا‬
‫ت ِ‬
‫سَر ْ‬
‫حّ‬
‫َت َ‬
‫ابتقل‬
‫يريد أنه لما فطم من الرضاع وأكل البقل ألقى عقيقته واجتاب أخرى‪ -‬أي‬
‫لبسها وهكذا زعموا يكون‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه قال‪ :‬اجتمعت إحدى‬
‫عشرة امرأة فتعاهدن وتعاقدن أن ل يكتمن من أخبار أزواجهن شيئا‪.‬‬
‫ث على جبل وعر‪ ،‬ل سهل فيرتقى‪،‬‬
‫فقالت الولى‪ :‬زوجي لحم جمل غ ّ‬
‫ولسمين فينتقى‪ .‬ويروى‪ :‬فينتقل‪.‬‬
‫وقالت الثانية‪ :‬زوجي ل أبث خبره‪ ،‬إني أخاف أن ل أذره‪ ،‬إن أذكره‬
‫جَره‪.‬‬
‫جَرة وُب َ‬
‫عَ‬
‫أذكر ُ‬
‫شَنق إن أنطن أطلق‪ ،‬وإن أسكت اعلق‪.‬‬
‫قالت الثالثة‪ :‬زوجي الَع َ‬
‫قالت الرابعة‪ :‬زوجن كليل تهامة‪ ،‬ل حّر ول قّر ول مخافة ول سآمة‪.‬‬
‫قالت الخامسة‪ :‬زوجي إن أكل لف‪ ،‬وإن شرب اشتف‪ .،‬ول يونج الكف‬
‫ليعلم البث‪.‬‬
‫قالت السادسة‪ :‬زوجي عياياء‪ -‬أو غياياء‪ -‬هكذا يروى الحديث باشك‪-‬‬
‫ك‪ ،‬أو جمع كل ذلك‪.‬‬
‫ك أو َفّل ِ‬
‫طباقاء كل داء له داء شج ِ‬
‫قالت السابعة‪ :‬زوجي إن دخل فهد‪ ،‬وإن خرج أسد‪ ،‬ول يسأل عما عهد‪.‬‬
‫س أرنب‪ ،‬والريح ريح زرنب‪.‬‬
‫سم ّ‬
‫قالت الثامنة‪ :‬زوجي الم ّ‬
‫قالت التاسعة‪ :‬زوجي رفيع العماد‪ ،‬طويل النجاد‪ ،‬عظيم الرماد‪ ،‬قريب‬
‫البيت من الناد‪.‬‬
‫قالت العاشرة‪ :‬زوجي ما مالك وما مالك? مالك خير من ذلك له‪ .‬إبل‬
‫قليلت المسارح وكثيرات المبارك‪ ،‬إذا سمعن صوت المزهر أيقن أّنهن‬
‫هوالك‪.‬‬
‫قالت الحادية عشرة‪ :‬زوجي أبو زرع‪ ،‬وما أبو زرع? أناس من حلى‬
‫أذني‪ ،‬ومل من شحم عضدى‪ ،‬و بجحني فبجحت‪ ،‬وجدني في أهل غنيمة‬
‫بشق‪ ،‬فجعلني في أهل صهيل وأطيط‪ ،‬ودائس ومنق‪ ،‬وعنده أقول فل‬
‫أقبح‪ ،‬وأشرب فأتقمح ويروى‪ :‬فأتقنح‪ ،‬وأرقد فأتصبح؛ أم أبي زرع وما‬
‫أم أبى زرع? عكومها رداح‪ ،‬وبيتها فياح؛ ابن أبى زرع فما ابن أبي‬
‫زرع ? كمسل شطبة وتشبعه ذراع الجفرة؛ بنت أبى ذرع وما بنت أبى‬
‫زرع? طوع أبيها وطوع أمها وملء كسائها وغيظ‪ -‬جارتها؛ جارية أبى‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫زرع فما جارية أبى زرع? ل تبث حديثنا تبثيثا‪ ،‬ول تنقل ميرتنا تنقيثا‪،‬‬
‫ول تمل بيتنا تغشيشا‪ -‬ويروى‪ :‬تعشيشا‪ -‬خرج أبو زرع والوطاب‬
‫تمخض فلقى امرأة معها ولدان لها كالفهدين يلعبان من تحت خصرها‬
‫شريا‪ ،‬وأخذ‬
‫ب َ‬
‫سِرّيا‪،‬رِك َ‬
‫برمانتين‪ ،‬فطلقني ونكحها فنكحت بعده رجل َ‬
‫خطيا‪ ،‬وأراح على نعما ثريا؛ وقال‪ :‬كلي أم زرع وميرى أهلك فلو‬
‫جمعت كل شيء أعطانيه ما بلغ أصغر آنية أبى زرع‪ .‬قالت عائشة رض‬
‫ال عنها‪ :‬فقال لي رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ :‬كنت لك كأبي زرع‬
‫لم زرع‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬سمعت عدة من أهل العلم ل أحفظ عددهم‪ -‬يخبر كل واحد‬
‫منهم بتفسير‪ ،‬هذا الحديث‪ ،‬ويزيد بعضهم على بعض؛ قالوا‪ :‬أما قول‬
‫الولى‪ :‬لحم جمل غث تعني المهزول رأس جبل وعر‪ ،‬تصف قلة خيره‪،‬‬
‫وبعده مع القلة كالشيء في قلة الجبل الصعب ل ينال إل بالمشقة لقولها‪:‬‬
‫ل سهل فيرتقى ول سمين فينتقى‪ -‬تقول‪ :‬ليس له نقي وهو المخ؛ وقال‬
‫الكسائي‪ :‬فيه لغتان‪ ،‬يقال ‪َ :‬نَقوت العظم وَنَقيته إذا استخرجت النقي منه؛‬
‫قال الكسائي‪ :‬وكلهم يقول‪ :‬انتقيته‪ -‬إذا استخرجت النقي منه‪ ،‬ومنه قيل‬
‫للناقة السمية‪ :‬منقية؛ وقال العشى يمدح قوما‪ :‬الكامل‬
‫حاموا على أضيافهم فشووا‬
‫من لحم ُمنقية ومـن أكـبـاِد‬
‫لهم‬
‫ومن رواه‪ :،‬فينتقل‪ ،‬فانه أراد ليس بسمين فينتقله الناس إلى بيوتهم‬
‫فيأكلونه‪ -‬ولكنهم يزهدون فيه‪.‬‬
‫وأما قول الثانية‪ :‬زوجي ل أبث خبره‪ ،‬إني أخاف أن ل أذره إن أذكره‬
‫جر أن يتعقد العصب أو العروق حتى تراها ناتئة‬
‫جَره‪ ،‬فالُع َ‬
‫جَره وُب َ‬
‫عَ‬
‫أذكر ُ‬
‫جر نحوها إل أنها في البطن خاصة‪ ،‬واحدتها بجرة؛ ومنه‬
‫من الجسد‪ .‬والُب َ‬
‫قيل‪ :‬رجل أبجر‪ -‬إذا كان أعظم البطن‪ ،‬وامرأة بجراء‪ ،‬وجممها بجر؛‬
‫ويقال‪ :‬لفلن بحرة‪ ،‬ويقال‪ :‬رجل أبجر‪ -‬إذا كان ناتئ السرة عظيمها‪.‬‬
‫وأما قول الثالثة‪ :‬زوجي العشنق إن أنطق أطلق وإن اسكت أعلق‪،‬‬
‫فالعشنق‪ :‬الطويل‪ -‬قاله الصمعي‪ .‬تقول‪ :‬ليس عنده أكثر من طوله بل‬
‫نفع‪ ،‬فان ذكرت ما فيه من العيوب طلقني وإن سكت تركني معلقة ل أيما‬
‫ل َفَتَذُرْوَها‬
‫ل اْلَمْي ِ‬
‫ول ذات بعل‪ .‬ومنه قول ال تعالى (ول َتِمْيُلْوا ُك ّ‬
‫َكاْلُمَعّلَقِة)‪.‬‬
‫وقول الرابعة‪ :‬زوجي كليل تهامة ل حر ول قر ول مخافة ول سآمة‪-‬‬
‫تقول‪ :‬ليس عنده أذى ول مكروه‪ ،‬وإنما هذا مثل لن الحر والبرد كلهما‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫فيه أذى إذا اشتدا‪ .‬ول مخافة‪ -‬تقول‪ :‬ليست عنده غائلة ول شر أخافه‪.‬‬
‫ول سآمة‪ -‬تقول‪ :‬ل يسأمني فيمل ضحبتي‪.‬‬
‫وقول الخامسة‪ :‬زوجي إن أكل لف وإن شرب اشتف‪ ،‬فان اللف في‬
‫المطعم الكثار منه مع التخليط من صنوفه حتى ل يبقى منه شيئا‪،‬‬
‫والشتفاف في الشرب أن يستقصي ماء في الناء ول يسر فيه سؤرا‪،‬‬
‫وإنما أخذ من الشفافة‪ ،‬وهي البقية تبقى في الناء من الشراب‪ ،‬فإذا‬
‫شربها صاحبها قيل‪ :‬اشتفها وتشافها تشافا‪ -‬قال ذلك الصمعي‪ ،‬قال‪:‬‬
‫ويقال في مثل من المثال ليس الري عن التشاف يقول‪ :‬ليس من ل‬
‫يشتف ل يروى‪ ،‬وقد يكون الري دون ذلك؛ قال‪ :‬ويروى عن جرير بن‬
‫عبد ال البجلي‪ -‬أنه قال لبنيه‪ :‬يا بنى‪ ،‬إذا شربتم فأسئروا! هذا في‬
‫الحديث وقال‪ -‬في حديث آخر‪ :‬فانه أجمل‪ .‬قال أبو عبيد و قولها‪ :‬ل يولج‬
‫الكف ليعلم البث‪ ،‬قال‪ :‬فأحسبه كان بجسدها عيب أو داء تكتئب له‪ ،‬لن‬
‫البث هو الحزن‪ ،‬فكان ل يدخل يده في ثوبها ليمس ذلك العيب فيشق‬
‫عليها‪ ،‬تصفه بالكرم‪.‬‬
‫وأما قول السادسة‪ :‬زوجي غياباء‪ -‬أو عياياء طباقاء‪ ،‬فأما غياباء‪ -‬بالغين‬
‫معجمة‪ ،‬فل أعرفها وليست بشيء‪ ،‬وإنما هي عياياء بالعين‪ .‬والعياباء من‬
‫البل الذي ل يضرب ول يلقح‪ ،‬وكذلك هو من الرجال‪ ،‬قال أبو نصر‪:‬‬
‫يقال‪ :‬بعير عياياء‪ -‬إذا لم يحسن أن يضرب الناقة‪ ،‬وعياياء في الناس‬
‫الذي ل يتجه لشيء ول يتصرف في المور‪ ،‬فإذا كان حاذقا بالضراب‬
‫قيل‪ :‬بعير معيد‪ ،‬والطباقاء‪ :‬العي الحمق الفدم؛ ومنه قول جميل بن‬
‫معمر يذكر رجل‪ :‬الطويل‬
‫فلصا إلى أكوارها حين‬
‫طباقاء لم يشهد خصوما ولم‬
‫تعك ُ‬
‫ف‬
‫َيْقد‬
‫وقولها‪ :‬كل داء له داء‪ ،‬أي داء‪ -‬وكل شيء من أدواء للناس فهو فيه ومن‬
‫أدوائه ‪.‬‬
‫وقول السابعة‪ :‬زوجي إن دخل فهد وإن خرج أسد‪ ،‬فإنها تصفه بكثرة‬
‫النوم والغفلة في منزله على وجه المدح له‪ ،‬وذلك أن الفهد كثير النوم‪،‬‬
‫يقال‪ :‬أنوم من فهد ‪ ،‬والذي أرادت به أنه ليس يتفقد ما ذهب من ماله‪،‬‬
‫ول يلتفت إلى معائب البيت وما فيه فهو كأنه ساه عن ذلك‪ ،‬ومما يبينه‬
‫قولها‪ :‬ول يسال عما عهد‪ -‬تريد عما كان عندي قبل ذلك؛ وقولها وإن‬
‫خرج أسد‪ ،‬تصفه بالشجاعة‪ -‬تقول‪ :‬إذا خرج إلى الناس ومباشرة الحرب‬
‫ولقاء العدو أسد فيها‪ ،‬يقال‪ :‬قد أسد الرجل واستأسد بمعنى واحد‪.‬‬
‫وأما قول الثامنة‪ :‬زوجي المس مس أرنب‪ .‬والريح ريح زرنب‪ ،‬فإنها‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫تصفه بحسن الخلق ولين الجانب كمس الرنب‪ -‬إذا وضعت يدك على‬
‫ظهرها‪ .‬وقولها‪ :‬والريح ريح زرنب‪ ،‬فان فيه معنيين‪ :‬قد يكون أن تريد‬
‫طيب ريح جسده‪ ،‬ويكون أن تريد طيب الثناء في الناس والثناء والثنا‬
‫واحد‪ ،‬إل أن الثناء ممدود واثنا مقصور‪ ،‬وانتشاره فيهم كريح الزرنب‪،‬‬
‫وهو نوع من أنواع الطيب معروف‪.‬‬
‫وأما‪ -‬قول التاسعة‪ :‬زوجي رفيع العماد‪ ،‬فإنها تصفه بالشرف وسنا‬
‫الذكر‪ ،‬السناء في الشرف ممدود‪ ،‬والسنا مقصور مثل سنا البرق؛ وأصل‬
‫العماد‪ :‬عماد البيت‪ ،‬وجمعه‪ :‬عمد وأعماد ‪ ،‬وهي العيدان التي تعمد بها‬
‫البيوت؛ وإنما هذا مثل تعنى أن بيته رفيع في قومه وحسبه‪ .‬وأما قولها‪:‬‬
‫طويل النجاد‪ ،‬فانها تصفه بامتداد القامة‪ ،‬والنجاد حمائل السيف‪ ،‬فهو‬
‫يحتاج إلى قدر ذلك من طوله‪ ،‬وهذا مما يمدح به الشعراء؛ قال مروان‬
‫ابن أبى حفصة‪ :‬الكامل‬
‫قصرت حمائله عليه‬
‫ولقد تحفظ قينها فأطالـهـا‬
‫َفقّلصت‬
‫وأما قولها‪ :‬عظيم الرماد‪ ،‬فإنها تصفه بالجود وكثرة الضيافة من لحم‬
‫البل وغيره من اللحوم‪ ،‬فإذا فعل ذلك عظمت ناره وكثر وقودها‪ ،‬فيكون‬
‫الرماد في الكثرة على قدر ذلك‪ ،‬وهذا كثير في أشعارهم‪.‬‬
‫وقولها‪ :‬قريب البيت من الناد‪ -‬يعنى أنه ينزل بين ظهراني الناس ليعلموا‬
‫مكانه فينزل به الضياف ول يستبعد منهم ويتوارى فرارا من نزول‬
‫النوائب به والضياف‪ ،‬وهذا المعنى أراد زهير بقوله لرجل يمدحه‪:‬‬
‫الكامل‬
‫جفنة‬
‫من حيث توضع َ‬
‫سط البيوت لكي يكون‬
‫َي ِ‬
‫المسترفد‬
‫مظـنة‬
‫قوله‪ :‬يسط والبيوت‪ -‬يريد بتوسط البيوت لكي يكون مظنة‪ -‬يعنى معلما‪،‬‬
‫يقال‪ :‬فلن مظنة لهذا المر‪ -‬أي معلم له؛ ومنه قول النابغة‪ :‬الوافر‬
‫فان مظنة الجهل الشبا ُ‬
‫ب‬
‫ويروى السباب‪.‬‬
‫وقول العاشرة‪ :‬زوجي مالك وما مالك? مالك خير من ذلك له إبل قليلت‬
‫المسارح كثيرات المبارك‪ -‬تقول‪ :‬إنه ل يوجههن ليسرحن نهارا إل قليل‬
‫ولكنهن يبركن بفنائه فان نزل به ضيف لم تكن غائبة عنه ولكنها‬
‫بحضرته فيقريه من ألبانها ولحومها‪ .‬وقولها‪ :‬إذا سمعن صوت المزهر‬
‫أيقن أنهن هوالك‪ ،‬فالمزهر العود الذي يضرب به؛ قال العشى يمدح‬
‫رجل‪ :‬الخفيف‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫ك يؤتى بمزهر مندو ِ‬
‫ف‬
‫جالس حوله النداما فما ينف ّ‬
‫فأرادت المرأة أن زوجها قد عود إبله أنه إذا نزل به الضيفان أن ينحر‬
‫لهم ويسقيهم الشراب ويأتيهم بالمعازف‪ ،‬فإذا سمعت البل ذلك الصوت‬
‫علمن أنهن منحورات‪ ،‬فذلك قولها‪ :‬أيقن أنهن هوالك‪.‬‬
‫حِلي‬
‫وقول الحادية عشرة‪ :‬زوجي أبو زرع وما أبو زرع? أناس من ُ‬
‫اُذَني‪ -‬تريد حلني قرطة وشنوفا تنوس بأذني؛ والنوس‪ :‬الحركة من كل‬
‫شيء متدلى‪ ،‬يقال منه‪ :‬قد ناس ينوس نوسا وأناسه غيره إناسة‪.‬‬
‫قال وأخبرني ابن المكاب أن ذا نواس ملك اليمن‪ ،‬إنما‪ :‬سمي بهذا‬
‫ي‪ -‬لم‬
‫ضَد ّ‬
‫ع ُ‬
‫لضفيرتين كانتا تنوسان على عاتقيه‪ .‬وقولها‪ :‬مل من شحم َ‬
‫ترد العضد خاصة‪ ،‬إنما أرادت الجسد كله‪ ،‬تقول‪ :‬إنه أسمنني بإحسانه‬
‫إلي‪ ،‬فإذا سمنت العضد سمن سائر الجسد‪.‬‬
‫حت‪ -‬أي فرحنى ففرحت‪ ،‬وقد بجح الرجل يبجح‪ -‬إذا‬
‫جْ‬
‫جحني َفَب َ‬
‫وقولها‪َ :‬ب ّ‬
‫فرح؛ و قال الراعي‪ :‬الطويل‬
‫وما الفقر من أرض‬
‫إليك ولكنا بقـربـك نـبـجـ ُ‬
‫ح‬
‫العشيرة ساقنا‬
‫حت‪ ،‬ويروى‪ :‬بقرباك وبقربك‪ ،‬وهما القرابة‪.‬‬
‫جْ‬
‫حت وَب ِ‬
‫جْ‬
‫وفي هذا لغتان‪َ :‬ب َ‬
‫ق‪:‬‬
‫شّ‬
‫ق‪ ،‬و ِ‬
‫شّ‬
‫وقولها‪ :‬وجدني في أهل غنيمة بشق‪ ،‬والمحدثون يقولون‪ :‬ب ِ‬
‫موضع‪ -‬تعني أهلها كانوا أصحاب غنم‪ ،‬ليسوا بأصحاب خيل ول إبل‪.‬‬
‫قالت‪ :‬فجعلني في أهل صهيل وأطيط‪ -‬تعنى أنه ذهب بي إلى أهلة وهم‬
‫أهل خيل وإبل‪ ،‬لن الصهيل أصوات الخيل؛ والطيط‪ :‬أصوات البل؛ و‬
‫قال العشى في الطيط‪ :‬البسيط‬
‫طت‬
‫ولست ضائرها ما أ ّ‬
‫ح ِ‬
‫ت‬
‫ألست منتهيا عن َن ْ‬
‫الب ُ‬
‫ل‬
‫أثلتـنـا‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬الطيط ههنا الحنين‪ ،‬وقد يكون الطيط في غير البل‬
‫أيضا‪ ،‬ومنه حديث عتبة بن غزوان حين ذكر باب الجنة فقال‪ :‬ليأتين‬
‫عليه زمان وله أطيط‪ -‬يعنى الصوت بالزحام‪ .‬قولها‪ :‬دائس ومنق‪ ،‬فان‬
‫بعض الناس يتأوله دئاس الطعام‪ ،‬وأهل الشام يسمونه الدراس؛ يقولون‪:‬‬
‫قد درس الناس الطعام يدرسونه‪ ،‬وأهل العراق يقولون‪ :‬قد داسوا‬
‫يدوسون‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬ول أظن واحدة من هاتين الكلمتين من كلم‬
‫العرب؛ ول أدرى ما هو‪ ،‬فان كان كما قيل فإنها أرادت أنهم أصحاب‬
‫ق‪،‬‬
‫زرع وهذا أشبه بكلم العرب إن كان محفوظا‪ .‬وأما قول المحدثين‪ُ :‬مِن ّ‬
‫ق‪ ،‬فان كان هذا بالفتح فإنها أرادته‬
‫فل أدرى ما معناه؛ ولكنى أحسبه‪ :‬مَن ّ‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫ق له‪ .‬وقولها‪ :‬عنده أقول فل أقبح‬
‫من تنقية الطعام‪ -‬أي دائس للطعام و ُمَن ّ‬
‫وأشرب فأتقمح‪ ،‬تقول‪ :‬ل يقبح قولي بل يقبل منى‪ .‬وأما التقمح في‬
‫الشراب فانه مأخوذ من الناقة الُمقامح‪ .‬قال الصمعي‪ :‬وهي التي ترد‬
‫الحوض فل تشرب‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬فأحسب قولها‪ :‬فأتقمح‪ -‬أي أروى‬
‫حتى أدع الشرب من شدة‪ -‬الري‪ ،‬ول أراها قالت هذا إل من عزة الماء‬
‫عندهم؛ وكل رافع رأسه عندهم‪ :‬فهو مقامح وقامح وُمَقمح‪ ،‬وجمعه‪ :‬قماح‬
‫ومقمحون؛ قال بشر بن أبى خازم يذكر سفينة كان فيها‪ :‬الوافر‬
‫ونحن على جوانبها قـعـود َنّغض الطرف كالبل الِقماح‬
‫ن َفُهْم‬
‫فان فعل ذلك بإنسان فهو مقمح‪ ،‬وهو في التنزيل (إلى الْذَقا ِ‬
‫ن)‪ .‬وبعض الناس يروى هذا الحرف‪ :‬و أشرب فأتقّنح‪ -‬بالنون‪،‬‬
‫حْو َ‬
‫ّمْقَم ُ‬
‫ول أعرف هذا الحرف ول أرى المحفوظ إل بالميم‪ .‬فان كان هذا‬
‫محفوظا فانه يقال‪ :‬إن التقنح المتلء من الشرب والري منه‪ ،‬وهو في‬
‫التنزيل‪.‬‬
‫وقولها‪ :‬أم أبى زرع فما أم أبي زرع? عكومها رداح‪ ،‬فالعكوم الحمال‬
‫والعدال التي فيها الوعية من صنوف الطعمة والمتاع‪ ،‬واحدها عكم‪،‬‬
‫وقولها‪ :‬رداح‪ ،‬تقول‪ :‬هي عظام كثيرة الحشو‪ ،‬ومنه قيل للكتيبة إذا‬
‫عظمت‪ :‬رداح؛ قال لبيد‪ :‬الرجز‬
‫ومدره الكتيبة الردا ِ‬
‫ح‬
‫وأّبنا ُملعب الرماح‬
‫أمر ابنته بالبكاء على أبي براءعمه‪ ،‬والتأبين مدخ الميت ول يكون للحى‬
‫تأبين؛ ومن هذا قيل للمرأة‪ :‬رداح‪ -‬إذا كانت عظيمة الكفال‪.‬‬
‫وقولها‪ :‬ابن أبى زرع فما ابن أبى زرع? كمسل شطبة‪ ،‬فان الشطبة‬
‫أصلها ما شطب من جريد النخل‪ ،‬وهو سعفه‪ ،‬وذلك أنه إذا يشقق منه‬
‫قضبان دقاق تنسج منه الحصر‪ ،‬يقال منه للمرأة التي تفعل ذلك‪ :‬شاطبة‪،‬‬
‫وجمعها‪ :‬شواطب؛ قال قيس بن الخطيم النصاري‪ :‬الطويل‬
‫ن بأيدي‬
‫َتذّرع خرصا ٍ‬
‫صد الُمّران ُتْلقى‬
‫ترى ِق َ‬
‫الشواطب‬
‫كأنهـا‬
‫فأخبرت المرأة أنه مهفهف ضرب اللحم‪ ،‬شبهته بتلك الشطبة‪ ،‬وهذا مما‬
‫يمدح؛ الرجل‪ِ .‬قضبان وُقضبان‪ -‬والضم أكثر‪ .‬و قولها‪ :‬يكفيه ذراع‬
‫الجفرة‪ ،‬فان الجفرة النثى من أولد المعز؛ و الذكر جفر‪ .‬ومنه قول‬
‫عمر رض ال عنه في اليربوع يصيبه المحرم جفرة؛ والعوب تمدح‬
‫الرجل بقلة الطعم والشرب‪ ،‬أل تسمع قول أعشى بأهلة‪ :‬البسيط‬
‫من الشواء ويروى شربه‬
‫حزة ِفلـذ إن ألـم بـهـا‬
‫تكفيه ُ‬
‫الُغَمْر‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫ويروى‪ :‬تكفيه فلذة كبد‪.‬‬
‫وقولها‪ :‬جارية أبى زرع فما جارية أبى زرع ل تنث حديثنا تنثيثا‪،‬‬
‫وبعضهم يرويه‪ :‬ل تبث حديثنا تبثيثا‪ ،‬وأحدهما قريب المعنى من الخر‪-‬‬
‫أي ل تظهر سرنا‪ .‬وقولها‪ :‬ل تنقل ميرتنا تنقيثا‪ -‬يعنى الطعام ل تأخذه‬
‫فتذهب به‪ ،‬تصفها بالمانة؛ والتنقيث السراع في السير‪ ،‬قال الفراء‪:‬‬
‫يقال‪ :‬خرج فلن ينتقث‪ -‬إذا أسرع في سيره‪.‬‬
‫وقولها‪ :‬خرج أبو زرع و الوطاب تمخض‪ ،‬فالوطاب أسقية اللبن‪،‬‬
‫واحدها وطب‪ .‬قالت‪ :‬فلقي امرأة معها ولدان لها كالفهدين يلعبان من‬
‫تحت خصرها برمانتين‪ -‬تعنى أنها ذات كفل عظيم‪ ،‬فإذا استلقت نبأبها‬
‫الكفل من الرض حتى تصير تحتها فجوة تجري فيها الرمان؛ قال أبو‬
‫عبيد‪ :‬و بعض الناس يذهب بالرمانتين إلى أنهما الثديان‪ ،‬وليس هذا‬
‫موضعه قالت‪ :‬فطلقني و نكحها ونكحت بعده رجل سريا‪ -‬ركب شريا‪-‬‬
‫عْدِوْه يعنى أنه يلج ويمضي فيه بل فتور‬
‫يعنى الفرس أنه يستشري في َ‬
‫ول انكسار‪ ،‬ومن هذا قيل للرجل إذا لج في المر‪ :‬قد شرى فيه و‬
‫استشرى فيه‪.‬‬
‫وقولها‪ :‬أخذ خطيا‪ -‬تعني الرمح‪ ،‬سمي خطيا لنه يأتي من بلد‪ ،‬وهي‬
‫ناحية البحرين‪ ،‬يقال لها‪ :‬الخط‪ ،‬فتنسب الرماح إليها‪ ،‬وإنما أصل الرماح‬
‫من الهند‪ ،‬ولكنها تحمل إلى الخط في البحر‪ ،‬ثم تفرق منها في البلد‪.‬‬
‫وقولها‪ :‬نعما ثريا‪ -‬تعني البل‪ ،‬و الثرى‪ :‬الكثير من المال وغيره؛ وقال‬
‫الكسائي‪ :‬يقال‪ :‬قد ثرى بنو فلن بني فلن‪ -‬إذا كثروهم فكانوا أكثر‬
‫منهم‪.‬‬
‫بسم ال الرحمن الرحيم ‪ \//‬وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‬
‫ب لقاء ال أحب ال لقاءه ومن كره لقاء ال كره ال لقاءه‪.‬‬
‫أنه قال‪ :‬من أح ّ‬
‫وهذا الحديث يحمله أكثر الناس على كراهة الموت‪ ،‬ولو كان المر هكذا‬
‫لكان المر ضيقا شديدا‪ ،‬لنه بلغنا عن غير واحد من النبياء عليهم‬
‫السلم أنه كرهه حين نزل به‪ ،‬وكذلك كثير من الصالحين؛ وليس وجهه‬
‫عَلز الموت وشدته‪ ،‬هذا ل يكاد يخلو منه أحد‪،‬‬
‫عندي أن يكون يكره َ‬
‫ولكن المكروه من ذلك اليثار للدنيا والركون إليها؛ والكراهة أن يصير‬
‫إلى ال والى الدار الخرة‪ ،‬ويؤثر المقام في الدنيا‪.‬‬
‫ومما يبين ذلك أن ال جل ثناؤه قد عاب قوما في كتابه بحب الحياة الدنيا‬
‫ضْوا) الية‪ ،‬وقال تعالى (َوَلَتجَِدّنَهْم‬
‫ن ِلَقاَءَنا َوَر ُ‬
‫جْو َ‬
‫ن ل َيْر ُ‬
‫ن اّلِذْي َ‬
‫فقال (ِإ ّ‬
‫حُدُهْم َلْو ُيَعّمُر َأْل َ‬
‫ف‬
‫شَركُْوا َيَوّد َأ َ‬
‫ن َأ ْ‬
‫ن اّلِذْي َ‬
‫حيوٍة ّو ِم َ‬
‫على َ‬
‫س َ‬
‫ص الّنا ِ‬
‫حَر َ‬
‫َا ْ‬
‫ل َيَتَمّنْوَنُه َأَبَدًا ِبَما َقّدَمتْ َأْيِدْيِهْم) في آي كثير‪ ،‬فهذا‬
‫سَنٍة)‪ ،‬وقال تعالى (َو َ‬
‫َ‬
‫الدليل على أن الكراهة للقاء ال عز وجل ليس بكراهة الموت‪ ،‬وإنما هو‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫الكراهة للنقلة عن الدنيا إلى الخرة ومخافة العقوبة لما أقدمت أيديهم‪.‬‬
‫وقد جاء بيان ذلك في حديث عن رسول ال صلى ال عليه أنه قال‪ :‬من‬
‫أحب لقاء ال أحب ال لقاءه ومن كره لقاء ال كره ال لقاءه والموت دون‬
‫لقاء ال‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬أ فل ترى أن الموت غير اللقاء ل تعالى? وإنما‬
‫وقعت الكراهة على اللقاء دون الموت؛ وقد روي في حديث آخر أنه قيل‬
‫له‪ :‬كلنا نكره الموت‪ ،‬فقال‪ :‬إنه إذا كان ذلك كشف له‪ .‬وهو أشبه بذلك‬
‫المعنى أيضا‪.‬‬
‫ى بلبن إبل أوارك وهو‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه ُأِت َ‬
‫يعرفه فشرب منه‪ ،‬أتاه به العباس بن عبد المطلب رحمه ال تعالى‪.‬‬
‫قال الكسائي وغيره قوله‪ :‬الوارك هي البل المقيمة في الراك تأكله‪،‬‬
‫يقال منه‪ :‬قد أركت تأِرك وتأُرك ُاروكا‪ -‬إذا أقامت فيه تأكله‪ ،‬وهي إبل‬
‫آِركة على مثال فاعلة‪ ،‬وجمعها أوراك؛ قال الكسائي‪ :‬فان اشتكت بطونا‬
‫ي‪ ،‬وإن كان‬
‫عنه قيل‪ :‬هي إبل أراكي‪ ،‬فان كان ذلك من الرمث قيل‪َ :‬رماث َ‬
‫حي‪ .‬وفي هذا الحديث من الفقه أنهم إنما أرادوا أن‬
‫من الطلح قيل‪ :‬صل َ‬
‫يعرفوا أ صائم رسول ال صلى ال عليه وسلم بعرفة أم غير صائم‪ ،‬لن‬
‫الصوم هناك يكره لهل عرفة خاصة مخافة أن يضعفهم عن الدعاء‪.‬‬
‫ومما يبين ذلك حديث ابن عمر أنه سئل عن صوم يوم عرفة فقال‪:‬‬
‫حججت مع رسول ال صلى ال عليه وسلم فلم يصمه‪ ،‬ومع أبي بكر فلم‬
‫يصمه‪ ،‬ومع عمر فلم يصمه‪ ،‬ومع عثمان فلم يصمه‪ ،‬ول أنا أصومه ول‬
‫آمر بصيامه ول أنهي عنه‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه سئل‪ :‬أي الصوم أفضل‬
‫بعد شهر رمضان? فقال‪ :‬شهر ال محرم‪.‬‬
‫قوله‪ :‬شهر ال المحرم‪ ،‬أراه قد نسبه إلى ال تبارك وتعالى وقد علمنا أن‬
‫الشهور كلها ل تعالى ولكنه إنما ينسب إليه عز وجل كل شيء يعظم‬
‫عَلُمْوا َاّنَما‬
‫سفيان بن عيينة يقول‪ :‬إن قول ال تعالى‪َ( :‬وا ْ‬
‫ويشرف؛ وكان ُ‬
‫سْوِله ِمنْ َأْه ِ‬
‫ل‬
‫على َر ُ‬
‫ل َ‬
‫سُه) وقوله‪َ( :‬ما أفاَء ا ُ‬
‫خُم َ‬
‫ل ُ‬
‫ن ِ‬
‫يٍء َفَا ّ‬
‫ش ْ‬
‫ن َ‬
‫غِنْمُتْم ّم ْ‬
‫َ‬
‫ل)‪ .‬فنسب المغنم والفيء إلى نفسه‪ ،‬وذلك أنهما أشرف‬
‫سْو ِ‬
‫اْلٌقَرى َفِلّله َوِللّر ُ‬
‫الكسب‪ ،‬إنما هما بمجاهدة العدو؛ قال‪ :‬ولم يذكر ذلك عند الصدقة في‬
‫ل َوِلْلُفَقَراِء‪ ،‬لن‬
‫ن)‪ ،‬ولم يقل‪ِ :‬‬
‫ساِكْي ِ‬
‫ت ِلْلُفَقَراِء َواْلَم َ‬
‫صَدَقا ُ‬
‫قوله‪ِ( :‬إّنَما ال ّ‬
‫الصدقة أوساخ الناس‪ ،‬واكتسابها مكروه إل للمضطر إليها‪ .‬قال أبو عبيد‪:‬‬
‫وكذلك عندي قوله‪ :‬شهر ال المحرم‪ ،‬إنما هو على جهة التعظيم له‪،‬‬
‫وذلك أنه جعله حراما ل يحل فيه قتال ول سفك دم‪.‬‬
‫وفي بعض الحديث‪ :‬شهر ال الصْم‪ .‬ويقال‪ :‬إنما سماه الصم لنه حرمه‬
‫فل يسمع فيه قعقعة سلح ول حركة قتال‪ ،‬وقد حرّم غيره من الشهور‪،‬‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫وهو ذو القعدة وذو الحجة ورجب؛ ولم يذكر في هذا الحديث غير‬
‫ضله بذلك‬
‫المحّرم‪ ،‬وذلك فيما نرى‪ -‬وال أعلم‪ -‬لن فيه يوم عاشوراء ف ّ‬
‫على ذي القعدة ورجب‪ ،‬وأما ذو اّلحجة فنرى إنما ترك ذكره عند الصوم‬
‫لن فيه العيد وأيام التشريق‪.‬‬
‫وأما حديثه الخر في ذكر الشهر الحرم فقال‪ :‬ورجب مضر الذي بين‬
‫جمادى وشعبان‪.‬‬
‫فإنما سماه رجب مضر لن مضر كانت تعظمه وتحرمه‪ ،‬ولم يكن‬
‫يستحله أحد من العرب إل حّيان‪ :‬خثعم وطيئ‪ ،‬فنهما كانا يستحلن‬
‫سئون الشهور أيام الموسم يقولون‪ :‬حرمنا عليكم‬
‫الشهور؛ وكان الذين ُين ِ‬
‫حلين‪ ،‬فكانت العرب تستحل دماءهم‬
‫القتال في هذه الشهر إل دماء الم ّ‬
‫خاصة في هذه الشهور لذلك‪.‬‬
‫جداد الليل وعن‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه نهى عن َ‬
‫حصاد الليل‪.‬‬
‫َ‬
‫جَداد الصرام‪،‬‬
‫جداد الليل‪ -‬يعني أن ُتجّد النخل ليل‪ ،‬وال ِ‬
‫قوله‪ :‬نهى عن َ‬
‫يقال‪ :‬إنما نهى عن ذلك ليل لمكان المساكين أنهم كانوا يحضرونه‬
‫صاِده) فإذا فعل‬
‫ح َ‬
‫حَقُه َيْوَم َ‬
‫فيتصدق عليهم منه لقوله تبارك وتعالى (وآُتْوا َ‬
‫ذلك ليل فإنما هو فاّر من الصدقة‪ ،‬فنهى عنه لهذا؛ ويقال‪ :‬بل نهى عنه‬
‫لمكان الهوام أن ل تصيب الناس إذا حصدوا أو جدوا ليل‪ ،‬والقول الول‬
‫ى‪ -‬وال أعلم‪.‬‬
‫أعجب إل ّ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم الذي يحدثه عنه البراء بن‬
‫صُفونا‪،‬‬
‫عازب قال‪ :‬كنا إذا صلينا معه فرفع رأسه من الركوع قمنا خلفه ُ‬
‫فإذا سجد تبعناه‪.‬‬
‫قوله‪ :‬صفونا‪ -‬يفسر الصافن تفسيرين‪ ،‬فبعض الناس يقول‪ :‬كل صا ّ‬
‫ف‬
‫قدميه قائما فهو صافن؛ ومما يحقق ذلك حديث عكرمة انه كان يصّلي‬
‫وقد صفن بين قدميه واضعا إحدى يديه على الخرى‪ .‬والقول الخر‪ :‬إن‬
‫الصافن من الخيل الذي قد قلب أحد حوافره وقام على ثلث قوائم‪ ،‬ومما‬
‫ن) هكذا هي في قراءة ابن‬
‫صَواِف َ‬
‫عَلْيَها َ‬
‫ل َ‬
‫سَم ا ِ‬
‫يحقق ذلك قوله (َفاْذُكُروا ا ْ‬
‫عباس وفسرها معقولة إحدى يديها على ثلث قوائم؛ وفي قراءة ابن‬
‫مسعود‪ :‬صوافن‪ ،‬قال‪ :‬يعني قياما‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬وقد اجتمعت قراءة ابن‬
‫عباس وابن مسعود على صوافن‪ .‬قال وعن مجاهد قال‪ :‬من قرأها‪:‬‬
‫ف‪ -‬أراد بها قد صّفت يديها‪،‬‬
‫صوافن‪ -‬أراد معقولة؛ ومن قرأها‪ :‬صوا ّ‬
‫فكلهما له معنى‪ .‬وقد روي عن الحسن غير هاتين القراءتين قرأها‪:‬‬
‫صوافي وقال‪ :‬خالصة ل؛ قال أبو عبيد‪ :‬كأنه يذهب إلي جمع صافية‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم انه مّر هو وأصحابه على‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫ي يقال لهم بنو الملوح أو بنو المصطلق قد عبست في أبوالها من‬
‫إبل لح ّ‬
‫ك إلى َما‬
‫عْيَنْي َ‬
‫ن َ‬
‫ل َتُمّد ّ‬
‫السمن فتقّنع بثوبه ثم مر لقول ال عز وجل (َو َ‬
‫َمّتْعَنا ِبه أْزَواجا ّمْنُهْم) إلي آخر الية‪.‬‬
‫قوله‪ :‬عبست في أبوالها‪ -‬يعني أن تجف أبوالها وأبعارها على أفخاذها‪،‬‬
‫وذلك إنما يكون من كثرة الشحم‪ ،‬فذلك العبس؛ قال جرير يذكر امرأة أنها‬
‫كانت راعية‪ :‬الطويل‬
‫سكا من غير عاج ول‬
‫لها َم َ‬
‫جونا‬
‫ترى العَبس الحولى َ‬
‫ذْب ِ‬
‫ل‬
‫ِبكوعها‬
‫سك‪.‬‬
‫ويروى‪َ :‬م َ‬
‫سلمى من أحدكم‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬على كل ُ‬
‫صدقة ويجزئ من ذلك ركعتان يصليهما من الضحى‪.‬‬
‫سن البعير‪ ،‬ويقال‪:‬‬
‫سلَمى في الصل عظم يكون في ِفْر ِ‬
‫سلَمى‪ ،‬فال ُ‬
‫قوله‪ُ :‬‬
‫ن آخر ما يبقى فيه المخ من البعير إذا عجف في السلمى والعين‪ ،‬فإذا‬
‫إّ‬
‫ذهب منها لم يكن له بقية؛ قال الراجز‪ :‬الرجز‬
‫خ في سلمى أو‬
‫ما دام م ّ‬
‫ل مـا َأْنـَقـْي ْ‬
‫ن‬
‫عَم ً‬
‫ل يشتكين َ‬
‫عي ْ‬
‫ن‬
‫خ‪ .‬فكأن معنى الحديث أنه على كل‬
‫قوله‪ :‬ما أنقين‪ ،‬من الِنْقي وهو الم ّ‬
‫ن الركعتين تجزيان من تلك الصدقة‪.‬‬
‫عظم من عظام ابن آدم صدقة وأ ّ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم حين قيل له‪ :‬هذا عل ّ‬
‫ي‬
‫سدة‪ ،‬فأذن لهما فدخل فأغدف عليهما خميصة سوداء‪.‬‬
‫وفاطمة قائمين َبال ّ‬
‫قوله‪ :‬أغدق عليها‪ -‬يعني أرسل عليهما؛ ومنه قيل‪ :‬أغدقت المرأة قناعها‪-‬‬
‫إذا أرسلته على وجهها لتستره؛ قال عنترة‪ :‬الكامل‬
‫طب بأخذ الفارس المستلِئم‬
‫َ‬
‫إن ُتغِدفي دوني القناع فأنى‬
‫يعني كأنها ازدرته‪ ،‬فقال ما قال‪.‬‬
‫ن قلب المؤمن أشد اضطرابا من الَذَنب‬
‫وقد روى في حديث آخر‪ :‬إ ّ‬
‫يصيبه من العصفور حين يقذف به‪.‬‬
‫وبعض الناس يحمله على هذا المعنى‪ ،‬فان كان منه فهو أن تلقى عليه‬
‫الشبكة أو الحبالة فيصاد‪ ،‬كما يرسل الستر وغيره وليس هذا بشيء أشبه‬
‫منه بهذا‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم في ذكر المنافقين وما في‬
‫التنزيل من ذكرهم ومن ذكر الكفار‪.‬‬
‫فيقال‪ :‬إنما سمي المنافق لنه نافق كاليربوع‪ ،‬وإنما هو دخوله نافقاء‪،‬‬
‫يقال منه‪ :‬قد نفق فيه ونافق وهو جحره‪ ،‬وله جحر آخر يقال له‪:‬‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫صع فخرج من القاصعاء‪ ،‬وهو يدخل في النافقاء‬
‫القاصعاء‪ ،‬فإذا طلب ق ّ‬
‫ويخرج من القاصعاء‪ ،‬أو يدخل في القاصعاء ويخرج من النافقاء‪ ،‬فيقال‪:‬‬
‫هكذا يفعل المنافق يدخل في السلم‪.‬ثم يخرج منه من غير الوجه الذي‬
‫دخل فيه‪.‬‬
‫وأما الكافر فيقال‪ -‬وال أعلم‪ :‬إنما سمي كافرا لنه متكفر به كالمتكفر‬
‫بالسلح‪ ،‬وهو الذي قد البسه السلح حتى غطى كل شيء منه‪ ،‬وكذلك‬
‫غطى الكفر قلب الكافر‪ ،‬ولهذا قيل لليل كافر لنه ألبس كل شيء؛ قال‬
‫لبيد يذكر الشمس‪ :‬الكامل‬
‫ن عورات الثغور‬
‫وأج ّ‬
‫حتى إذا ألقت يدا في كـافـر‬
‫ظلُمها‬
‫وقال أيضا‪ :‬الكامل‬
‫في ليلة كفر النجوَم غماُمها‪.‬‬
‫ويقال‪ :‬الكافر سمي بذلك للجحود‪ ،‬كما يقال‪ :‬كافرني فلن حقي_ إذا‬
‫جحده حقه كفر‪ ،‬يقول‪ :‬غطاها السحاب‪.‬‬
‫وقد يقال في المنافق‪ :‬إنما سمي منافقا للنفق وهو السرب في الرض‪،‬‬
‫والتفسير الول أعجب إلي‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم في تلبية الحج‪ :‬لبيك اللهم‬
‫لبيك‪ ،‬لبيك ل شريك لك لبيك‪ ،‬إن الحمد والنعمة لك والملك ل شريك لك‪.‬‬
‫تفسير التلبية الستجابة‪ ،‬وكان الخليل بن أحمد رحمه ال يفسر أصل‬
‫التلبية أنها القامة بالمكان‪ ،‬يقال‪ :‬ألببت بالمكان‪ -‬إذا أقمت به‪ ،‬ولّببت‪-‬‬
‫لغتان؛ قال ثم قلبوا الباء الثانية إلى الياء استثقال كما قالوا‪ :‬تظنيت‪ ،‬فإنما‬
‫أصلها تظننت؛ وكما قال العجاج‪ :‬الرجز‬
‫تّقضى البازي إذا البازي كسْر‬
‫ضض‪ ،‬قال‪ :‬فقالوا على هذا لّببت وإنما أصلها ألببت أو‬
‫وإنما أصلها تق ّ‬
‫لّببت‪ ،‬فكأن قوله‪ :‬لبيك أي أنا عبدك أنا مقيم عندك إقامة بعد إقامة وإجابة‬
‫بعد إجابة‪ ،‬ثم ثنوه للتوكيد‪ ،‬هكذا يحكي هذا التفسير عن الخليل‪ ،‬ولم يبلغنا‬
‫عن أحد أنه فسره غيره إل من اتبعه فحكى عنه‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬اقتلوا شيوخ المشركين‬
‫واستحيوا شرخهم‪.‬‬
‫جَلد‬
‫ن أهل ال َ‬
‫يقال‪ :‬فيه قولن‪ :‬أحدهما أنه يريد بالشيوخ الرجال المسا ّ‬
‫منهم والقوة على القتال ول يريد الهرمي؛ ويبين ذلك حديث أبي بكر حين‬
‫أوصى يزيد بن أبي سفيان فقال‪ :‬ل تقتل شيخا كبيرا‪ .‬وقوله‪ :‬شرخهم‪-‬‬
‫يريد الشباب‪ .‬ومعناه في هذا القول الصغار الذين لم يدركوا‪ ،‬فصار تأويل‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫الحديث‪ :‬اقتلوا الرجال واستحيوا النساء‪ .‬وأما التفسير الخر فأنه يريد‬
‫سُبوا لم ينتفع بهم للخدمة‪ ،‬واستحيوا الشباب‪-‬‬
‫بالشيوخ الهرَمى الذين إن ُ‬
‫يعني أهل الجلد من الرجال الذين يصلحون للملك والخدمة‪ ،‬وقال حسان‬
‫في الشرخ‪ :‬الخفيف‬
‫إن شرخ الشباب والشعر‬
‫ص كان جنونـا‬
‫ود ما لم ُيعا َ‬
‫الس‬
‫وقوله‪ :‬استحيوا‪ ،‬إنما هو استفعلوا من الحياة‪ -‬أي دعوهم أحياء ل‬
‫ل آْبَنآَءُهْم‬
‫سُنَقّت ُ‬
‫تقتلوهم‪ ،‬ومنه قول ال عز وجل فيما يروى في التفسير ( َ‬
‫سآَءُهْم)‪.‬‬
‫ي ِن َ‬
‫حي ْ‬
‫سَت ْ‬
‫وَن ْ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أن رفقة جاءت وهم َيهِرفون‬
‫بصاحب لهم ويقولون‪ :‬يا رسول ال! ما رأينا مثل فلن‪ ،‬ما سرنا إل‬
‫كان في قراءة ول نزلنا إل كان في صلة‪.‬‬
‫قوله‪ :‬يهرفون به‪ ،‬يمدحونه ويطنبون في ذكره؛ يقال منه‪ :‬هرفت بالرجل‬
‫ف‪.‬‬
‫أهِرف َهَرفا‪ ،‬ويقال في مثل من المثال‪ :‬ل َتهِرف قبل أن َتعِر َ‬
‫شكال في الخيل‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه كره ال ّ‬
‫حجلة وواحدة مطلقة‪ .‬وإنما‬
‫قوله‪ :‬الشكال يعني أن تكون ثلث قوائم منه م ّ‬
‫أخذ هذا من الشكال الذي تشكل به الخيل‪ ،‬شبه به لن الشكال إنما يكون‬
‫حجلة‪ ،‬وليس يكون‬
‫في ثلث قوائم؛ أو أن تكون الثلث مطلقة وِرجل م ّ‬
‫الشكال إل في الرجل ول يكون في اليد‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه قال‪ :‬إني لكره أن أرى‬
‫الرجل ثائرا فريص رقبته قائما على ُمَرّبته يضربها‪.‬‬
‫قال الصمعي‪ :‬الفريصة هي اللحمة التي تكون بين الكتف والجنب التي‬
‫ل تزال ترعد من الدابة‪ ،‬وجمعها‪ :‬فرائص وفريص‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬وهذا‬
‫الذي قاله الصمعي هو المعروف في كلم العرب‪ ،‬ول أحسب الذي في‬
‫ب الرقبة وعروقها لنها هي التي‬
‫ص َ‬
‫ع َ‬
‫الحديث إل غير هذا كأنه إنما أراد َ‬
‫تثور في الغضب‪ -‬وال أعلم‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه قال‪ :‬المسلمون َهّينون‬
‫َلّينون كالجمل النف إن قيد انقاد وإن أنيخ على صخرة استناخ‪.‬‬
‫خطام‪ ،‬إن كان بخشاش أو برة أو‬
‫قوله‪ :‬النف‪-‬يعني الذي قد عقره ال ِ‬
‫خزامة في أنفه‪ ،‬فهو ليس يمتنع على قائده في شيء للوجع الذي به‪،‬‬
‫وكان الصل في هذا أن يقال‪ :‬مأنوف‪ ،‬لنه مفعول به كما يقال‪ :‬مصدور‬
‫للذي يشتكي صدره‪ ،‬ومبطون للذي به البطن‪ ،‬وكذلك مرؤس ومفخوذ‬
‫ومفؤود‪ ،‬وجميع ما في الجسد على هذا‪ ،‬ولكن هذا الحرف جاء شاذا‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫عنهم‪ .‬وقال بعضهم‪ :‬الجمل النف هو الذلول؛ ول أرى أصله إل من‬
‫هذا‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه خطبهم على راحلته وإنها‬
‫جّرتها‪.‬‬
‫لتقصع ب ِ‬
‫صع‪ :‬ضمك الشيء على الشيء حتى تقتله أو‬
‫جّرتها‪ ،‬الق ْ‬
‫قوله‪ :‬تقصع ب ِ‬
‫تهشمه؛ ومنه قصع القملة؛ ومنه قيل للغلم إذا كان بطيء الشباب‪:‬‬
‫قصيع‪ ،‬يقول‪ :‬إنه مرّدد الخلق بعضه إلى بعض فليس بطول‪ .‬وإنما قصع‬
‫جرة شدة المضغ وضم بعض السنان على بعض‪.‬‬
‫ال ِ‬
‫جّرة ما تجتّره البل فتخرجه من أجوافها لتمضغه ثم ترده في أكراشها‬
‫وال ِ‬
‫بعد الجرة‪ -‬أي بعد أن تجتّره‪.‬‬
‫وفي هذا الحديث من الفقه خطبته عليه السلم على ظهر الناقة وهذا‬
‫رخصة في الوقوف على الدواب إذا كان ذلك لحاجة إليه‪ .‬وعن مالك بن‬
‫أنس قال‪ :‬الوقوف على ظهر الدواب بعرفة سنة والقيام على القدام‬
‫رخصة‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬المؤمن يأكل في ِمعي واحد‬
‫والكافر يأكل في سبعة أمعاء‪.‬‬
‫قوله‪:‬المؤمن يأكل في سبعة أمعاء‪ ،‬نرى ذلك‪ -‬وال أعلم‪ -‬لتسمية المؤمن‬
‫عند طعامه فتكون فيه البركة وأن الكافر ل يفعل ذلك‪ ،‬ويرون أن وجه‬
‫الحديث‪ -‬وال أعلم‪ -‬أنه كان هذا الحديث خاصا لرحل بعينه كان يكثر‬
‫الكل قبل إسلمه ثم أسلم فنقص ذلك منه فذكر ذلك للنبي عليه السلم‬
‫فقال فيه هذه المقالة‪ ،‬قال أبو عبيد‪ :‬وأهل مصر يرون أن صاحب هذا‬
‫الحديث هو أبو بصرة الغفاري‪ ،‬ول نعلم للحديث وجها غير هذا لنك قد‬
‫ترى من المسلمين من يكثر أكله ومن الكفار من يقل ذلك منه ‪ ،‬وحديث‬
‫جه على هذا الوجه‪ .‬وقد روي عن‬
‫ف له‪ ،‬فلهذا و ّ‬
‫خْل َ‬
‫النبي عليه السلم‪ :‬ل ُ‬
‫عمر رضي ال عنه أنه كان يأكل الصاع من التمر‪ ،‬فأي المؤمنين كان‬
‫إيمانه كأيمان عمر‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أن عليا رضي ال عنه كان‬
‫إذا نعت النبي عليه السلم قال‪ :‬لم يكن بالطويل الممغط ول بالقصير‬
‫شرب أدعج العينين‪،‬‬
‫المترّدد‪ ،‬لم يكن بالمطّهم ول بالمكلثم‪ ،‬كان أبيض ُم ْ‬
‫أهدب الشفار‪ ،‬جليل المشاش والكتد‪ ،‬شْئن الكفين والقدمين‪ ،‬دقيق‬
‫المسربة‪ ،‬إذا مشى تقلع كأنما يمشي في صبب‪ ،‬وإذا التفت التفت معا ليس‬
‫بالسبط ول الجعد الِقطط‪ .‬وفي حديث آخر حدثناه إسماعيل بن جعفر قال‪:‬‬
‫شكلة‪.‬‬
‫كان أزهر ليس بالبيض المهق وفي حديث آخر‪ :‬كانت في عينيه ُ‬
‫وفي حديث آخر كان شبح الذراعين‪.‬‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬قال الكسائي والصمعي وأبو عمرو وغير واحد في هذا‬
‫طَول‪.‬‬
‫الحديث‪ :‬قوله‪ :‬ليس بالطويل الممّغط‪ ،‬يقول‪ :‬ليس بالبائن ال ِ‬
‫ول القصير المترّدد يعني الذي تردد خلقه بعضه على بعض‪ ،‬وهو‬
‫مجتمع ليس بسيط الخلق‪ ،‬يقول‪ :‬فليس هو كذلك ولكن ربعة بين الرجلين؛‬
‫وهذا صفته صلى ال عليه في حديث آخر أنه ضرب اللحم بين الرجلين‪.‬‬
‫طّهم التام كل شيء منه على‬
‫طّهم قال الصمعي‪ :‬الُم َ‬
‫وقوله‪ :‬ليس بالم َ‬
‫حدته فهو بارع الجمال‪.‬‬
‫وقال غير الصمعي‪ :‬المكلثم المدور الوجه؛ يقول‪ :‬فليس كذلك ولكنه‬
‫مسنون‪.‬‬
‫وقوله‪ُ :‬مشرب‪ -‬يعني الذي قد أشرب حمرة‪.‬‬
‫والدعج العين شديد سواد العين؛ قال الصمعي‪ :‬الدعجة هي السواد‪.‬‬
‫قال‪ :‬والجليل المشاش‪ ،‬العظيم رؤوس العظام مثل الركبتين والمرفقين‬
‫والمنكبين‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬الَكِتد‪ ،‬هو الكاهل‪ ،‬وما يليه من جسده‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬شئن الكفين والقدمين‪ -‬يعني أنهما تميلن إلى الغلظ‪.‬‬
‫وقوله إذا مشى تقّلع كأنما يمشي في صببن الصبب‪ :‬النحدار‪ ،‬وجمعه‪:‬‬
‫أصباب؛ قال رؤبة‪ :‬الرجز‬
‫صُعد وأصبا ْ‬
‫ب‬
‫بل َبَلٍد ذي ُ‬
‫بل في معنى رب‪.‬‬
‫طط‪ ،‬فالقطط‪ :‬الشديد الجعودة مثل أشعار‬
‫وقوله‪ :‬ليس بالسبط ول الجعد الَق ِ‬
‫جل‪.‬‬
‫الحبش‪ ،‬والسبط الذي ليس فيه تكسر‪ ،‬يقول‪ :‬فهو جعد َر ِ‬
‫وقوله‪:‬كان أزهر‪ ،‬الزهر‪ :‬البيض النيّر‪ ،‬البياض الذي ل يخالطه بياضه‬
‫حمرة‪ .‬وقوله‪ :‬ليس بالمهق الشديد البياض الذي ل يخالط بياضه شيء‬
‫جص أو نحوه‪ ،‬يقول‪ :‬فليس هو‬
‫من الحمرة وليس بنير‪ ،‬ولكن كلون ال ّ‬
‫كذلك‪.‬‬
‫شكلة كهيئة الحمرة تكون في بياض العين‪ :‬قال‬
‫شكلة‪ ،‬فال ُ‬
‫وقوله‪ :‬في عينيه ُ‬
‫الشاعر‪ :‬الطويل‬
‫شكل‬
‫عتاق الطير ُ‬
‫كذاك ِ‬
‫شكلة‬
‫ب فيها غير ُ‬
‫ول عي َ‬
‫عيونها‬
‫عينها‬
‫شكلة وهي حمرة في سواد العين؛ والُمْرهة‪ :‬البياض ل‬
‫شهلة غير ال ّْ‬
‫وال ّْ‬
‫يخالطه غيره‪ ،‬وإنما قيل للعين التي ليس فيها كحل‪ :‬مرهاء‪ ،‬ولهذا‬
‫المعنى‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬أهدب الشفار‪ -‬يعني طويل الشفار‪.‬‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫وقوله‪ :‬شبح الذراعين‪ -‬يعني عبل الذراعين عريضهما‪.‬‬
‫ق ما بين اللبة إلى السرة؛ قال الذهلي‪ :‬الكامل‬
‫والمسربة الشعر المستِد ّ‬
‫ت من نابي على‬
‫ض ُ‬
‫ض ْ‬
‫ع َ‬
‫وَ‬
‫الن لما ابـيض مـسـربـ ّ‬
‫ي‬
‫جْذِم‬
‫ِ‬
‫ن لـهـا هذا توّهم صاحب الـحـلـِم‬
‫ترجو العادي أن ألي َ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم حين أتاه عمر‪ ،‬فقال‪ :‬إنا‬
‫نسمع أحاديث من يهود تعجبنا‪ ،‬أ فترى أن نكتب بعضها? فقال‪:‬‬
‫أمتهّوكّون أنتم تهّوكت اليهود والنصارى? لقد جئتكم بها بيضاء نقية‪ ،‬لو‬
‫كان موسى حيا ما وسعه إل اتباعي‪.‬‬
‫وتفسير هذا الحرف في حديث آخر مرفوع قال ابن عون‪ :‬قلت للحسن‪:‬‬
‫ما متهّوكون? قال‪ :‬متحيرون‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬يقول‪ :‬أ متحيرون أنتم في‬
‫السلم ل تعرفون دينكم حتى تأخذوه من اليهود والنصارى? قال أبو‬
‫عبيد‪ :‬فمعناه أنه كره أخذ العلم من أهل الكتاب‪ .‬وأما قوله‪ :‬لقد جئتكم بها‬
‫بيضاء نقية‪ ،‬فانه أراد الملة الحنفية‪ ،‬فلذلك جاء التأنيث‪ ،‬كقول ال عز‬
‫ن اْلَقّيَمِة) إنما هي فيما يفسر الملة الحنيفية‪.‬‬
‫ك ِدْي ُ‬
‫وجل (َوذِل َ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه لما خرج إلى مكة عرض‬
‫له رجل فقال‪ :‬إن كنت تريد النساء البيض والنوق الدم فعليك ببني‬
‫مدلج‪ ،‬فقال‪ :‬إن ال منع من بني ُمدلج لصلتهم الرحم وطعنهم في ألباب‬
‫البل‪ .‬وبعضهم يرويه‪ :‬في َلّبات البل‪.‬‬
‫قوله‪:‬وطعنهم في ألباب البل‪ ،‬فقد يكون ألباب في معنيين‪ :‬أحدهما أن‬
‫يكون أراد جمع اللب‪ ،‬ولب كل شيء خالصه‪ ،‬كقولك‪ :‬لب الطعام ولب‬
‫النخلة وغير ذلك؛ يقول‪ :‬فإنما ينحرون خالص إبلهم وكرائمها‪ .‬والوجه‬
‫الخر أن يكون أراد جمع اللب‪ ،‬وهو موضع المنحر من كل شيء‪.‬‬
‫ونرى أن لبب الفرس إنما سمي به لهذا‪ ،‬ولهذا قيل‪ :‬لّببت فلنا‪ -‬إذا‬
‫جمعت ثيابه عند صدره ونحره ثم جررته‪ ،‬وإنما وصفهم أنهم أهل جود‬
‫بأموالهم وصلة لرحامهم‪ .‬والذي يراد من هذا الحديث أن الحسان‬
‫والصلة يدفعان السوء والمكروه‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬وإن كان المحفوظ هو‬
‫لبات‪ ،‬فان اللبة موضع النحر‪ ،‬ثم جمعها لبات‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬إن مما أدرك الناس من‬
‫كلم النبوة الولى إذا لم تستحي فاصنع ما شئت‪.‬‬
‫قال جرير‪ :‬معناه أن يريد الرجل أن يعمل الخير فيدعه حياء من الناس‬
‫كأنه يخاف مذهب الرياء‪ ،‬يقول‪ :‬فل يمنعك الحياء من المضي لما أردت؛‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬والذي ذهب إليه جرير معنى صحيح في مذهبه‪ ،‬وهو شبيه‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫بالحديث الخر‪ :‬إذا جاءك الشيطان وأنت تصلي فقال‪ :‬إنك تراءى‪،‬‬
‫فزادها طول‪ .‬وكذلك قول الحسن‪ :‬ما أحد أراد شيئا من الخير إل سار‬
‫في قلبه سورتان فإذا كانت الولى منهما ل فل تهيدنه الخرة؛ وفي هذا‬
‫أحاديث والمعنى فيه قائم‪ ،‬ولكن الحديث الول ليس يجئ سياقه ول لفظه‬
‫على هذا التفسير ول على هذا يحمله الناس‪ ،‬وإنما وجهه عندي أنه أراد‬
‫بقوله‪ :‬إذا لم تستحي فاصنع ما شئت‪ ،‬إنما هو من لم يستحي صنع ما‬
‫شاء على جهة الذم لترك الحياء‪ ،‬ولم يرد بقوله‪ :‬فاصنع ما شئت‪ -‬أن‬
‫يأمره بذلك أمرا‪ ،‬وهذا جائز في كلم العرب أن يقول‪ :‬افعل كذا وكذا!‬
‫وليس يأمره‪ ،‬ولكنه أمر بمعنى الخبر‪ ،‬أ لم تسمع حديث النبي عليه‬
‫ي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار? ليس وجهه أنه‬
‫السلم‪ :‬من كذب عل ّ‬
‫ي متعمدا تبوأ مقعده‬
‫أمره بذلك‪ ،‬هذا ما ل يكون‪ ،‬إنما معناه‪ :‬من كذب عل ّ‬
‫من النار أي كان له مقعد من النار‪ ،‬إنما هي لفظة أمر على معنى الخبر‬
‫وتأويل الجزاء؛ وإنما يراد من الحديث انه يحث على الحياء ويأمر به‬
‫ويعيب تركه‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم انه أتى بوشيقة يابسة من‬
‫لحم صيد فقال‪ :‬إني حرام‪.‬‬
‫قوله‪ :‬الوشيقة‪ ،‬اللحم يؤخذ فيغلي إغلءة ثم يحمل في السفار ول ينضج‬
‫سه النار؛ يقال منه‪ :‬قد‬
‫فيتهّرأ؛ وزعم بعضهم أنه بمنزلة القديد ل تم ّ‬
‫شقا واّتشقت اتشاقا؛ وقال الشاعر‪ :‬الطويل‬
‫شقه َو ْ‬
‫ت اللحم أ ِ‬
‫وشق ُ‬
‫فل تهد منها واّتشق‬
‫إذا عرضت منها كهاة‬
‫ج ِ‬
‫ب‬
‫جْب َ‬
‫وَت َ‬
‫سمينة‬
‫جبة‪ :‬الّزبيل من الجلود‪.‬‬
‫جب ُ‬
‫ال ُ‬
‫حّرم‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم في َلَبن الفحل أنه ُي َ‬
‫قال سمعت محمد بن الحسن وغيره من أهل العلم يفسرونه أنه الرجل‬
‫تكون له المرأة وهي ترضع بلبنه‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬وأما كلم العرب‬
‫فيقولون‪ :‬بلبانه‪ ،‬قالوا‪ :‬فكل من أرضعته بذلك اللبن فهو ولد زوجها‬
‫محّرمون عليه وعلى ولده من ولد تلك المرأة ومن ولد غيرها لنه أبوهم‬
‫جميعا‪ ،‬وبيان ذلك في حديث ابن عباس رضي ال عنهما أنه سئل عن‬
‫رجل كانت له امرأتان فأرضعت إحداهما جارية والخرى غلما أ يحل‬
‫للغلم أن يتزوج الجارية? فقال‪ :‬ل‪ ،‬اللقاح واحد‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬فهذا‬
‫تأويل لبن الفحل‪ .‬قال وكذلك حديث النبي عليه السلم قبل هذا فيه بيان‬
‫أيضا عن عائشة قالت‪ :‬استأذن عليها أبو القعيس بعد ما حجبت فأبت أن‬
‫تأذن له فقال‪ :‬أنا عّمك أرضعتك امرأة أخي‪ ،‬فأبت أن تأذن له حتى جاء‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫النبي عليه السلم فذكرت له ذلك‪ ،‬فقال‪ :‬هو عّمك فليلج عليك‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬ل تسأل المرأة طلق أختها‬
‫ب لها‪ ،‬ول تناجشوا ول يبيع‬
‫لتكتفئ ما في صحفتها فإنما لها ما ُكِت َ‬
‫بعضكم على بيع بعض‪.‬‬
‫قوله‪ :‬ل تسأل المرأة طلق أختها‪ -‬يعني بأختها ضّرتها‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬لتكتفئ ما في صحفتها‪ ،‬أصل الصحفة القصعة وجمعها صحاف‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬لتكتفئ‪ ،‬إنما هو مثل يقول‪ :‬ل تميل حظ تلك إلى نفسها ليصير‬
‫حظ أختها حظ أختها من زوجها كله لها؛ وإنما قوله‪ :‬لتكتفئ تفتعل من‬
‫كفأت القدر وغيرها‪ -‬إذا كببتها ففرغت ما فيها‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬ل تناجشوا‪ ،‬فان النجش أن يعطي الرجل صاحب السلعة بسلعته‬
‫أكثر من ثمنها وهو ل يريد شراءها‪ ،‬إنما يريد أن يسمعه غيره مما ل‬
‫ضر له بها فيزيد لزيادته؛ ومنه الحديث الذي يروى عن ابن أبي أوفى‪:‬‬
‫ي ّ‬
‫الناجش آكل ربا خائن‪ .‬وقوله‪ :‬ل يبع على بيع أخيه‪ ،‬قد فسرناه في غير‬
‫هذا الموضع‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه قضى أن الخراج‬
‫بالضمان‪.‬‬
‫معناه‪ -‬وال أعلم‪ -‬الرجل يشتري المملوك فيستغله ثم يجد به عيبا كان‬
‫عند البائع‪ ،‬يقضي أنه يرد العبد على البائع بالعيب ويرجع بالثمن فيأخذه‪،‬‬
‫وتكون له الغلة طيبة وهي الخراج؛ وإنما طابت له الغلة لنه كان ضامنا‬
‫للعبد‪ ،‬لو مات مات من مال المشتري‪ ،‬لنه في يده؛ و هذا مفسر في‬
‫حديث لشريح في رجل اشترى من رجل غلما فأصاب من غلته‪ ،‬ثم‬
‫وجد به داء كان عند البائع فخاصمه إلى شريح فقال‪ :‬رّد الداء بدائه ولك‬
‫الغّلة بالضمان‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬أ ل ترى أنه قد ألزمه بدائه أن يرّده هذا‬
‫ليعلم أنه لو مات كان من مال المشتري‪ ،‬فلهذا طابت له الغلة? قال‬
‫وحديث النبي عليه السلم هذا أصل لكل من ضمن شيئا أنه يطيب له‬
‫الفضل إذا كان ذلك على وجه المبايعة ل على الغصب‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬ليس على مسلم جزية‪.‬‬
‫قال معناه‪ :‬الذمي الذي يسلم وله أرض خراج فترفع عنه جزية رأسه‬
‫وتترك عليه أرضه يؤدي عنها الخراج‪ .‬ومن ذلك حديث عمر وعلي‬
‫رضى ال عنهما أن رجل من الشعوب أسلم وكانت تؤخذ منه الجزية‬
‫فأتى عمر فأخبره فكتب أن ل تؤخذ منه الجزية‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬الشعوب‬
‫ههنا العجم‪ ،‬وفي غير هذا الموضع اكثر من القبائل؛ والشعوب المنية‪.‬‬
‫وعن الزبير بن عدي قال‪ :‬أسلم دهقان على عهد علي رحمه ال فقال له‪:‬‬
‫إن قمت في أرضك رفعنا الجزية عن رأسك وأخذناها من أرضك‪ ،‬وإن‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫تحولت عنها فنحن أحق بها‪.‬‬
‫فهذا وجه حديث النبي عليه السلم في الجزية‪ ،‬وإنما احتاج الناس إلى‬
‫هذه الحاديث في زمن بني أمية‪ ،‬لنه يروى عنهم أن الرجل من أهل‬
‫الذمة من أهل السواد كان يسلم ول يسقطون عن رأسه ويأخذونها منه مع‬
‫الجزية من أرضه‪ ،‬وكان الحجاج يحتج فيه ويقول‪ :‬إنما هم ِقّننا وعبيدنا‪،‬‬
‫فإذا أسلم عبد الرجل فهل يسقط عنه السلم الضريبة? وكان خالد بن‬
‫عبد ال القسري يخطب به فيما يحكى عنه على المنبر؛ ولهذا استجاز من‬
‫استجاز من القراء الخروج عليهم مع ابن الشعث وعن يزيد بن أبي‬
‫حبيب قال‪ :‬أعظم ما أتت هذه المة بعد نبيها ثلث خصال‪ :‬مقتل عثمان‪،‬‬
‫وإحراق الكعبة‪ ،‬وأخذ الجزية من المسلمين‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬المكيال مكيال أهل المدينة‬
‫والميزان ميزان أهل مكة‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬وقد اختلف في هذا الحديث‪ ،‬فبعضهم يقول‪ :‬الميزان ميزان‬
‫أهل المدينة والمكيال ِمكيال أهل مكة‪.‬‬
‫يقال‪ :‬إن هذا الحديث أصل لكل شيء من الكيل والوزن‪ ،‬إنما يأتّم الناس‬
‫فيهما بأهل مكة وأهل المدينة وإن تغير ذلك في سائر المصار‪ ،‬أل ترى‬
‫أن أصل التمر بالمدينة كيل وقد صار وزنا في كثير من المصار وأن‬
‫سمن عندهم وْزن وهو كيل في كثير من المصار? فلو أسلم رجل تمرا‬
‫ال ّ‬
‫في حنطة لم يصلح لنه كيل في كيل‪ ،‬وكذلك السمن إذا أسلمه فيما يوزن‬
‫لم يصلح لنه وزن في وزن‪ ،‬والذي يعرف به أصل الكيل والوزن أن‬
‫كل ما لزمه اسم المختوم والقفيز والّمكوك والمد والصاع فهو كيل‪ ،‬وكل‬
‫ما لزمه اسم الرطال والواقي فهو وزن‪ ،‬أل تسمع حديث عمر رضي‬
‫ال عنه في الواقي حين قال في عام الرمادة وكان يأكل الخبز بالزيت‬
‫فقرقر بطنه فقال‪:‬‬
‫َقْرِقْر ما شئت! فل يزال هذا دأبك ما دام السمن يباع بالواقي‪ ،‬فهذا يبين‬
‫لك أن أصل السمن وزن إل أن يراد بالرطال المكاييل‪ ،‬فان المكيال‬
‫يسمى رطل‪ .‬وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم حين أهدى إليه‬
‫عياض بن حمار قبل أن يسلم فرده وقال‪ :‬إنا ل نقبل زبد المشركين‪.‬‬
‫زبد الشركين‪ِ :‬رْفُدهم‪ ،‬وهكذا هو عندنا في الكلم‪ ،‬يقال منه‪َ :‬زَبْدت‬
‫الرجل أزُبده َزَبدا‪ -‬إذا رقدته ووهبت له‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم في المزرعة أن أحدهم كان‬
‫يشترط ثلثة جداول والُقصارة وما سقى الربيع ونهى النبي عليه السلم‬
‫عن ذلك‪.‬‬
‫فوله‪ :‬يشترط ثلثة جداول‪ -‬يعني أنها كانت تشترط على المزارع أن‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫ب المال‪.‬‬
‫يزرعها خاصة لر ّ‬
‫وأما القصارة فانه ما بقى في السنبل من الحب بعد ما يداس و ُيْدَرس‪،‬‬
‫صري‪ .‬وكذلك يروى في حديث جابر بن عبد ال‬
‫وأهل الشام يسمونه الِق ْ‬
‫قال‪ :‬كنا نخابر على عهد رسول ال صلى ال عليه وسلم فنصيب من‬
‫صري ومن كذا وكذا‪ ،‬فقال النبي عليه السلم‪ :‬من كانت له أرض‬
‫الِق ْ‬
‫فليزرعها أو يمنحها أخاه‪.‬‬
‫وأما ما سقي الربيع فان الربيع النهر الصغير مثل الجدول والسرى‬
‫ونحوه‪ ،‬وجمعه أرِبعاء‪.‬‬
‫وإنما كانت هذه شروطا يشترطها رب المال لنفسه خاصة سوى الشرط‬
‫على الثلث والربع‪ ،‬فنرى أن نهي النبي عليه السلم عن المزرعة إنما‬
‫كان لهذه الشروط لنها مجهولة ل يدري أتسلم أو تعطب‪ ،‬فإذا كانت على‬
‫غير هذه الشروط بالثلث أو الربع أو النصف فهي طيبة إن شاء ال‬
‫تعالى‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬إن ال يحب الّنكل على‬
‫الّنكل‪ ،‬قيل‪ :‬وما الّنكل على الّنكل? قال‪ :‬الرجل المجّرب القوي المبديء‬
‫حرب‪ -‬الشك من أبي عبيد‪-‬‬
‫المعيد على الفرس القوي المجّرب‪ -‬أو الِم ْ‬
‫المبديء المعيد‪.‬‬
‫قوله‪ :‬النكل‪ ،‬قال الفراء‪ :‬يقال‪ :‬رجل َنَكل وِنْكل‪ ،‬ومعناه قريب من التفسير‬
‫شَبه‬
‫الذي في الحديث‪ ،‬قال‪ :‬ويقال أيضا‪ :‬رجل َبَدل وِبْدل وَمَثل وِمْثل و َ‬
‫شْبه‪ ،‬قال‪ :‬لم أسمع في َفَعل وِفْعل غير هذه الربعة الحرف‪.‬‬
‫وِ‬
‫والمبديء المعيد‪ :‬الذي قد أبدأ في غزوة وأعاد‪ -‬أي قد غزا مرة بعد مرة‬
‫وجرب المور أعاد فيها وأْبدأ‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أن رجل أتاه فقال‪ :‬يا رسول‬
‫ضبع فقال النبي عليه السلم‪ :‬غير ذلك أخوف عندي أن‬
‫ال! أكلتنا ال َ‬
‫تصب عليكم الدنيا صبا‪.‬‬
‫قوله‪ :‬الضبع‪ ،‬هي السنة المجدبة؛ ولها أسماء أيضا‪ ،‬وهي الزمة‬
‫واللزبة‪ ،‬ويقال لها أيضا‪ :‬كحل‪ ،‬إل أن الضبع باللف واللم ولم نسمع‬
‫سلَمُة‬
‫هذه الحرف الخرى إل بغير ألف ولم كأنها اسم موضوع؛ قال َ‬
‫ل يمَدح قوما‪ :‬البسيط‬
‫جْند ٍ‬
‫ن َ‬
‫بُ‬
‫مأوى الضياف ومأوى كل‬
‫قوم إذا صّرحت كحـل بـيوتـهـُم‬
‫ُقرضو ِ‬
‫ب‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫فالقرضوب في هذا البيت الفقير‪ ،‬والجمع قراضبة‪ ،‬ويقال في غير هذا‬
‫صعلوك‬
‫الموضع القراضبة اللصوص‪ ،‬واحدهم ِقرضاب‪ ،‬وُقرضوب و ُ‬
‫سروت واحد قال الشاعر في الضبع‪ :‬البسيط‬
‫وُ‬
‫ضُبُع‬
‫فان قومي لم تأكلهم ال َ‬
‫أبا خراشة أما أنت ذا َنَفـٍر‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬من سره أن يذهب عنه‬
‫كثير من‪ .‬وحر صدره فليصم شهر الصبر وثلثة أيام من كل شهر‪.‬‬
‫قال الكسائي والصمعي قوله‪ :‬وحر صدره‪ ،‬الوحر غشه وبلبله؛ ويقال‪:‬‬
‫إن أصل هذا دويبة يقال لها‪ :‬الوحرة‪ ،‬وجمعها وحر؛ شبهت العداوة‬
‫صْدُر فلن عليك‬
‫غَر َ‬
‫والغل بذلك‪ ،‬والوغر شبيه به أيضا‪ ،‬يقال منه‪ :‬قد َو ِ‬
‫سْمح ل‬
‫حرا‪ .‬قال الصمعي‪ :‬يقال‪ :‬رجل َ‬
‫حُر َو َ‬
‫حَر يو َ‬
‫غُر َوغرا‪ ،‬وَو ِ‬
‫َيْو َ‬
‫سمح ول ِوغر‪.‬‬
‫غر ل غير‪ ،‬ل يقال‪ِ :‬‬
‫غير ورجل و ْ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬من تعّلم القرآن ثم نسب لقي‬
‫ال تعالى وهو أجذم‪.‬‬
‫جَذما‪ -‬إذا‬
‫جِدَمت يُده َتجَذم َ‬
‫قوله‪:‬أجذم‪ ،‬هو المقطوع اليد‪ ،‬يقال منه‪ :‬قد َ‬
‫جْذما فأنا أجذمها‪.‬‬
‫انقطعت وذهبت‪ ،‬وإن قطعتها أنت قلت‪ :‬جذمُتها َ‬
‫ومن ذلك حديث علي بن أبى طالب رحمه ال‪ :‬من نكث بيعته لقي ال‬
‫يوم القيامة أجذم ليست له يد؛ فهذا تفسير‪ :‬الجذم؛ وقال المتلمس‪ :‬الطويل‬
‫ف له أخرى فأصبح‬
‫بك ّ‬
‫ل قاطع كفه‬
‫وهل كنت إل ِمث َ‬
‫أجذما‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم الذي تحدثه عنه َقيلة حين‬
‫خرجت قيلة إليه وكان عم بناتها أراد أن يأخذ بناتها منها‪ ،‬قال‪ :‬فلما‬
‫حديباء كانت قد أخذتها الَفرصة‬
‫خرجت بكت هنية منهن أصغرهن وهي ال ُ‬
‫سَبّيج لها من صوف فرحمتها فحملتها معها‪ ،‬فبيناهما ترتكان إذ‬
‫وعليها ُ‬
‫ك عاليا‪ ،‬قال‪:‬‬
‫تنّفجت الرانب‪ ،‬فقالت الحديباء‪ :‬الَفصّية وال ل يزال كعُب ِ‬
‫ظَبته طائفة من قرون رأسيه‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫فأدركني عّمهن بالسيف‪ ،‬فأصابت ُ‬
‫ي ابنة أخي يا َدفار! فألقيتها إليه‪ ،‬ثم انطلقت إلى أخت لي ناكح في‬
‫ألقى إل ّ‬
‫بني شيبان أبتغي الصحابة إلى رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فبينما أنا‬
‫عندها ليلة تحسب عني نائمة إذ دخل زوجها عليها من السامر‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ك لقد أصبت لقيلة صاحب صدق حريث ابن حسان الشيباني‪ ،‬فقالت‬
‫وأبي ِ‬
‫أختي‪ :‬الويل لي‪ ،‬ل تخبرها فتتبع أخا بكر ابن وائل بين سمع الرض‬
‫وبصرها ليس معها رجل من قومها‪ ،‬قالت‪ :‬فصحبته صاحب صدق حتى‬
‫قدمنا على رسول ال صلى ال عليه وسلم فصليت معه الغداة حتى إذا‬
‫طلعت الشمس دنوت فطنت إذا رأيت رجل ذا ُرواء أو ذا ِقشر طمح‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫بصري إليه فجاء رجل فقال‪ :‬السلم عليك يا رسول ال! فقال رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ :‬وعليك السلم‪ ،‬وهو قاعد القرفصاء‪ ،‬وعليه أسمال‬
‫شّو غير خوصتين من أعله‪ ،‬قالت‪ :‬فتقدم‬
‫سّيب نخلة َمْق ُ‬
‫عَ‬
‫ٌمَلّيَتين‪ ،‬ومعه ُ‬
‫صاحبي فبايعه على السلم‪ ،‬ثم قال‪ :‬يا رسول ال! اكتب لي بالدهناء‪،‬‬
‫خص بي وكانت وطني وداري فقلت‪:‬‬
‫شَ‬
‫فقال‪ :‬يا غلم اكتب له! قالت‪ :‬ف ُ‬
‫يا رسول ال! الدهناء مقيد الجمل ومرعى الغنم وهذه نساء بني تميم‬
‫وراء ذلك‪ ،‬فقال‪ :‬صدقت المسكينة‪ ،‬المسلم أخو المسلم يسعهما الماء‬
‫والشجر ويتعاونان على الَفّتان‪ -‬ويروى‪ :‬الُفّتان‪ -‬فقال رسول ال عليه‬
‫خطة وينتصر من وراء الحجزة? قال‬
‫السلم‪ :‬أ يلم ابن هذه أن يفصل ال ُ‬
‫أبو عبيد‪ :‬قولها‪ :‬قد أخذتها الَفرصة‪ ،‬وهي الريح التي تكون منها الحدب‪،‬‬
‫سة بالسين‪ ،‬وأما المسموع من العرب فبالصاد‪.‬‬
‫والعامة تقولها‪ :‬الُفر َ‬
‫سَبّيج لها‪ ،‬فانه ثوب يعمل من الصوف ل أحسبه‬
‫وأما قولها‪ :‬وعليها ُ‬
‫يكون إل أسود‪.‬‬
‫وقولها‪ :‬ترتكان تسرعان‪ -‬تعني أنهما ترتكان بعيرهما‪ -‬إذا أسرعا في‬
‫السير‪ ،‬يقال‪ :‬قد َرَتك البعير َترِتك َرَتكا وَرَتكانا وأرتْكته فأنا ُأرتكه‬
‫إرتاكا‪.‬‬
‫حديباء‪ :‬الَفصّية‪ ،‬فإنها تفاءلت بانتفاخ الرانب‪ ،‬والصل‬
‫وقولها‪ :‬قالت ال ُ‬
‫في الفصية الشيء تكون فيه ثم تخرج منه إلى غيره‪ ،‬ومنه قولهم‪:‬‬
‫صيت من كذا وكذا‪ -‬أي خرجت منه‪ ،‬فكأنها أرادت أنها كانت في ضيق‬
‫تف ّ‬
‫صت فخرجت إلى السعة‪ ،‬أل تسمع إلى قولها‪:‬‬
‫وشدة من قبل عم بناتها فتف ّ‬
‫وال ل يزال كعبك عاليا? وأما قولها‪ :‬فأدركني عّمهن بالسيف فأصابت‬
‫ظبون‪ ،‬وهو‬
‫ظبات و ِ‬
‫ظَبُته طائفة من قرون رأسيه‪ ،‬فّاظبته حده‪ ،‬وجمعه‪ُ :‬‬
‫ُ‬
‫ما يلي الطرف منه‪ ،‬ومثله ذبابه‪ ،‬قال الكميت‪ :‬الوافر‬
‫ظبينا‬
‫ب وال ّ‬
‫ح َ‬
‫حبا ِ‬
‫شفرات مّنا كناِر أبي ُ‬
‫يرى الراؤون بال ّ‬
‫ي ابنة أخي يا َدفاِر! فالدفار المنتنة‪ ،‬ومنه‬
‫وقول الرجل للمرأة‪ :‬ألقي إل ّ‬
‫قيل للمة‪ :‬يا دفار‪ .‬ومنه قول عمر رضي ال عنه‪ :‬يا دفراه! وزعم‬
‫الصمعي أن العرب تسمي الدنيا‪ :‬أم دفر‪.‬‬
‫وقولها‪ :‬تحسب عني نائمة‪ ،‬فإنها أرادت تحسب أني نائمة‪ ،‬وهذه لغة بني‬
‫تميم؛ قال ذو الرمة‪ :‬البسيط‬
‫ماء الصبابة من عينيك‬
‫خرقاَء‬
‫ت من َ‬
‫ن ترسم َ‬
‫عْ‬
‫أَ‬
‫مسجوُم‬
‫منزلًة‬
‫أراد أ أن‪ ،‬فجعل مكان الهمزة عينا‪.‬‬
‫وقول أخت قيلة‪ :‬ل تخبرها فتتبع أخا بكر بن وائل بين سمع الرض‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫وبصرها‪ ،‬قال بعضهم يقول‪ :‬بين طولها وعرضها‪ ،‬وهذا معنى تخرج‬
‫منه ولكن الكلم ل يوافقه‪ ،‬ول أدري ما الطول والَعرض من السمع‬
‫والبصر‪ ،‬ولكن وجهه عندي‪ -‬وال أعلم‪ -‬أنها أرادت أن الرجل يخلو بها‬
‫ليس معهما أحد يسمع كلمهما ول يبصرهما إل الرض القفر‪ ،‬فصارت‬
‫الرض خاصة كأنها هي التي تسمعها وتبصرها دون الشياء والناس‪،‬‬
‫وإنما هذا مثل ليس على أن الرض تسمع وتبصر؛ وقد روي عن النبي‬
‫حدا قال‪ :‬هذا جبل يحينا ونحبه‪،‬‬
‫عليه السلم أنه أقبل من سفر فلما رأى ُأ َ‬
‫ن ّيْنَق ّ‬
‫ض‬
‫جَدارًا ّيِرْيُد َأ ْ‬
‫والجبل ليست له محبة؛ ومنه قول ال تعالى ( ِ‬
‫َفَأَقاَمَه) والجدار ليست له إرادة‪ ،‬والعرب تكلم بكثير من هذا النحو؛ كان‬
‫الكسائي يحكي عنهم أنهم يقولون‪ :‬منزلي ينظر إلى منزل فلن‪ ،‬ودورنا‬
‫تناظر؛ ويقولون‪ :‬إذا أخذت في طريق كذا وكذا فنظر إليك الجبل فخذ‬
‫يمينا عنه‪ ،‬وإنما يراد بهذا كله قرب ذلك الشيء منه؛ ومنه حديث النبي‬
‫عليه السلم‪ :‬ل تراءى نارهما؛ ومثل هذا في الكلم كثير‪.‬‬
‫شر طمح بصري إليه‪،‬‬
‫وقول َقيَلة‪ :‬كنت إذا رأيت رجل ذا ُرواء أو ذا ِق ْ‬
‫شر‪ :‬اللباس‪.‬‬
‫والّرواء‪ :‬المنظر‪ .‬والِق ْ‬
‫وقولها‪ :‬نظرت فإذا رسول ال عليه السلم قاعد الُقرُفصاَء عليه أسمال‬
‫حَتبي إل أّنه ل يحتبي‬
‫جلسة الُم ْ‬
‫ن القرُفصاء ِ‬
‫ُمَليّتين ومعه نخلة َمْقشّو‪ ،‬فا ّ‬
‫بثوب ولكن يجعل يديه مكان الثوب‪.‬‬
‫سَمل الثوب‬
‫سَمل؛ ويقال‪ :‬قد َ‬
‫وأّما السمال فإنها الخلق‪ ،‬والواحد منها‪َ :‬‬
‫وأسَمل‪ -‬لغتان‪.‬‬
‫والعسّيب‪ :‬جريد النخل‪.‬‬
‫شرته‪ .‬ومنه‬
‫شوُر؛ قال الفراء يقال‪َ :‬قشَوت وجَهه‪ -‬أي َق َ‬
‫والمقشّو‪ :‬الَمْق ُ‬
‫ي‪ .‬وقولها‪ :‬فلما ذكرت‬
‫حديث معاوية أّنه دخل عليه وهو يأكل ِلَياء ُمَقش ّ‬
‫عجه‪ :‬قد شخ ِ‬
‫ص‬
‫شخص بي‪ ،‬يقال للرجل إذا أتاه أمر ُيقِلقه وُيز ِ‬
‫الدهناء ُ‬
‫خوص البصر‪ ،‬وإنما‬
‫شُ‬
‫به‪ ،‬ولهذا قيل للشيء الناتئ‪ :‬شاخص‪ ،‬ولهذا قيل‪ُ :‬‬
‫هو ارتفاعه؛ ومنه‪ :‬شخوص المسافر‪ ،‬إنما هو خروجه من مكانه وحركته‬
‫من موضعه‪.‬‬
‫وقول النبي عليه السلم‪ :‬ويتعاونان على الَفّتان فانه يقال أيضا‪ :‬الُفّتان‬
‫وهو واحد‪ ،‬ويروى‪ :‬الَفّتان والُفّتان؛ فمن قال‪ :‬الَفتان‪ ،‬فهو واحد‪ ،‬وهو‬
‫الشيطان؛ ومن قال‪ :‬الُفّتان‪ ،‬فهو جمع‪ ،‬وهو يريد الشياطين؛ واحدها فاتن‪،‬‬
‫ل‪َ( :‬فِإّنُكْم َوَما َتْعُبُدْونَ* َما‬
‫ل عن الحق‪ ،‬قال ال عّز وج ّ‬
‫والفاتن‪ :‬الُمض ّ‬
‫حْيمِ*) وسئل الحسن عن ذلك‬
‫جِ‬
‫ل اْل َ‬
‫صا ِ‬
‫ن ُهَو َ‬
‫ل َم ْ‬
‫ن* إ ّ‬
‫عَلْيِه ِبَفاِتِنْي َ‬
‫َأْنُتْم َ‬
‫ل الجحيم‪ ،‬قال‪ :‬إل من كتب‬
‫فقال‪ :‬ما أنتم عليه بمضّلين إل من هو صا ِ‬
‫صلى الجحيم‪.‬‬
‫عليه أن َي ْ‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫طة‪ -‬يعني إذا نزل به‬
‫خّ‬
‫وقوله صلى ال عليه‪ :‬أ ُيلم ابن هذه أن يَفصل ال ُ‬
‫أمر ُملَتبس مشكل ل ُيهتدى له أنه ل يعيا به ولكنه يفصله حتى يبرمه‬
‫ويخرج منه؛ وإنما وصفه بجودة الرأي‪.‬‬
‫جزة الرجال الذين يحجزون‬
‫حَ‬
‫ن ال َ‬
‫جزة‪ ،‬فا ّ‬
‫حَ‬
‫وقوله‪ :‬وينتصر من وراء ال َ‬
‫بين الناس ويمنعون بعضهم من بعض‪ ،‬يقول‪ :‬فهذا إن ظلم بظلمه فكان‬
‫لمظالمه من يمنعه من هذا‪ ،‬فان عند هذا من المنعة والعّز ما ينتصر من‬
‫ظالمه‪ ،‬وإن كان أولئك قد حجزوه عنه حتى يستوفي حقه‪ .‬وفي هذا‬
‫الحديث أن رسول ال عليه السلم حمده على دفع الظلم عن نفسه وترك‬
‫الستخذاء في ذلك‪ ،‬وفي التنزيل ما يصدق ذلك قال ال عز وجل (َواّلِذْي َ‬
‫ن‬
‫ن*) وعن إبراهيم في هذه الية قال‪ :‬كانوا‬
‫صُرْو َ‬
‫ي ُهْم َيْنَت ِ‬
‫صاَبُهُم اْلَبْغ ُ‬
‫إَذَا َأ َ‬
‫يكرهون أن يستذّلوا‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬ل ُتحَرم الملجة ول‬
‫الملجتان‪.‬‬
‫قال الكسائي وأبو الجراح وغيرهما قوله‪ :‬الملجة والملجتان يعني‬
‫صة أو مصتين‪ ،‬والمص هو الَمْلج؛ يقال منه‪ :‬ملج‬
‫المرأة ترضع الصبي َم ّ‬
‫ج يمُلج؛ ومن هذا قيل‪:‬‬
‫ج َيْمَلج وَمَل َ‬
‫الصبي أمه يملجها ملجا‪ ،‬يقال‪َ :‬مِل َ‬
‫صان وَمْلجان وَمكان وَمّقان‪.‬‬
‫رجل َم ّ‬
‫ص‪ -‬يعنون أنه يرضع الغنم من اللؤم ول يحلبها فيسمع‬
‫كل هذا من الم ّ‬
‫صوت الحلب‪ ،‬ولهذا قيل‪ :‬قد أملجت صبيها إملجا؛ فذلك قوله‪ :‬الملجة‬
‫والملجتان‪ ،‬ولهذا قيل‪ :‬لئيم راضع‪ .‬فإذا أردت ان تكون المرأة هي التي‬
‫صه هي‬
‫ترضع فتجعل الفعل لها قلت‪ :‬أملجت‪ ،‬والملجة هي أن تم ّ‬
‫لبنها‪.‬‬
‫وأما حديث المغيرة بن شعبة‪ :‬ل تحّرم الَعْيَفة‪ ،‬فأنا ل نرى هذا محفوظا‪،‬‬
‫و ل نعرف العيفَة في الرضاع‪ ،‬ولكن نراها الُعّفة‪ ،‬وهي بقية اللبن في‬
‫ك أكثر ما فيه‪ ،‬وقد يقال لها‪ :‬العفافة؛ قال العشى‬
‫ع بعد ما ُيمت ّ‬
‫ضر ْ‬
‫ال ّ‬
‫ظْبية وغزالها‪ :‬الخفيف‬
‫يصف َ‬
‫عفافة أو ُفوا ُ‬
‫ق‬
‫جوه إل ُ‬
‫وَتعادي عنه النهاَر فماتع‬
‫قال الصمعي‪ :‬العفافة ما في الضرع من اللبن قبل نزول الِدّرة‪ ،‬والغرار‬
‫آخرها‪.‬‬
‫ق فيه من اللبن شيئا‪،‬‬
‫ك الفصيل ما في ضرع أّمه‪ -‬إذا لم ُيب ِ‬
‫يقال‪ :‬قد امت ّ‬
‫ك يخرج جميع ما فيه‪ .‬وهذا الحديث ثبت عن النبي عليه السلم أنه‬
‫ويمت ّ‬
‫صة‬
‫قال‪ :‬ل تحّرم الملجة ول الملجتان‪ ،‬وفي حديث آخر‪ :‬ل تحّرم الم ّ‬
‫صتان‪ .‬والذي أجمع عليه أهل العلم من أهل الحجاز والعراق أن‬
‫ول الم ّ‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫حّرم‪ ،‬وحديث رسول ال صلى ال عليه وسلم إذا ثبت‬
‫صة الواحدة ُت َ‬
‫الم ّ‬
‫اولى بأن يعمل به ويّتبع‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم قال‪ :‬دخلت امرأة النار في‬
‫شاش الرض‪.‬‬
‫خَ‬
‫هرة ربطتها فلم تطعمها ولم تسقها ولم ترسلها فتأكل من َ‬
‫الخشاش‪ :‬الهوام ودواب الرض وما أشيهها‪ ،‬فهذا بفتح الخاء‪ .‬وأما‬
‫خشاش‪ -‬بالكسر فخشاش البعير وهو العود الذي يجعل في أنفه‪ .‬قال‬
‫ال ِ‬
‫خشاش ما كان في العظم منه‪ ،‬والِعران ما كان في اللحم‪،‬‬
‫الصمعي‪ :‬ال ِ‬
‫خزامة هي الحلقة التي‬
‫والُبَرة ما كان في المنخر‪ .‬قال أبو عبيدة‪ :‬وال ِ‬
‫صْفر فهي ُبِرة‪ ،‬وإن كانت من شعر‬
‫تجعل في أنف البعير فان كانت من ُ‬
‫خشاش؛ قال الكسائي‪:‬‬
‫خزامة؛ وقال أبو عبيدة‪ :‬وإن كانت عودا فهي ِ‬
‫فهي ِ‬
‫يقال من ذلك كله‪ :‬خزمت البعير وعرنته وخششته‪ ،‬وهو مخزوم‬
‫ومعرون ومخشوش‪ ،‬ويقال من البرة خاصة باللف‪ :‬أبريته فهو ُمبر ً‬
‫ى‬
‫وناقة ُمبراة‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬فصل ما بين الحلل‬
‫ف في النكاح‪.‬‬
‫والحرام الصوت والّد ّ‬
‫ف فهو هذا الذي يضرب به النساء‪ ،‬وقد زعم بعض الناس أن‬
‫أما الّد ّ‬
‫ف ل اختلف فيه بالفتح‪.‬‬
‫ف لغة؛ فأما الجنب فالُد ّ‬
‫الّد ّ‬
‫وقوله‪ :‬الصوت فان الناس يختلفون فيه‪ ،‬فبعض الناس يذهب به إلى‬
‫السماع وهذا خطأ في التأويل على رسول ال عليه السلم‪ ،‬وإنما معناه‬
‫عندنا إعلن النكاح واضطراب الصوت به والذكر في الناس‪ ،‬كما يقال‪:‬‬
‫فلن قد ذهب صوته في الناس؛ وكذلك قال عمر رضي ال عنه‪ :‬أعلنوا‬
‫صنوا هذه الفروج‪.‬‬
‫ح ّ‬
‫هذا النكاح و َ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬ل ُتوّله والدة عن ولدها‪،‬‬
‫ول توطأ حامل حتى تضع؛ ول حائل حتى تستبرئ بحيضة‪.‬‬
‫قوله‪ :‬ل توله والدة عن ولدها‪ ،‬فالتوليه أن يفرق بينهما في البيع‪ .‬وكل‬
‫أنثى فارقت ولدها فهي واله؛ قال العشى يذكر بقرة أكل السباع ولدها‪:‬‬
‫البسيط‬
‫ل عندها‬
‫ُكلّ دهاها وُك ّ‬
‫فأقبلت والها َثْكلى على‬
‫اجتمعا‬
‫جل‬
‫عَ‬
‫َ‬
‫ويروى‪ :‬على حزن‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬ل توطأ حائل حتى تستبرئ بحيضة‪ ،‬فالحائل التي قد وطئت فلم‬
‫تحمل‪ ،‬يقال‪ :‬حالت الناقة والمرأة وغير ذلك‪ -‬إذا كانت غير حامل‪ ،‬فهي‬
‫حولل‪ ،‬وهذا على غير قياس‪ .‬يقال‬
‫حّول و ُ‬
‫حيال‪ ،‬والجمع من ذلك‪ُ :‬‬
‫تحول ِ‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫حولل‪ -‬فزادوا لما كما‬
‫حيال و ُ‬
‫في الحولل‪ :‬إنه مصدر‪ ،‬يقال‪ :‬حالت ِ‬
‫عوطط‬
‫عوط و ُ‬
‫زادوا الدال في السودد‪ ،‬وإنما أصلها دال واحدة‪ ،‬وكذلك ُ‬
‫حولل في المعنى واحد‪ ،‬وكذلك الحرب إذا خمدت بعد وقود‬
‫حول و ُ‬
‫مثل ُ‬
‫حيال‪.‬‬
‫قيل‪ :‬حالت حيال؛ وإن هاجت بعد ذلك قيل‪ :‬قد لقحت عن ِ‬
‫وأما قوله‪ :‬ول حامل حتى تضع‪ ،‬فانه في السبي أن تسبى المرأة وهي‬
‫حامل فل يحل وطؤها حتى تضع ما في بطنها وكذلك في الشراء أيضا؛‬
‫وكذلك الحائل في الشرى والسبي جميعا‪ ،‬وكذلك في الهبة والصدقة وغير‬
‫ذلك‪.‬‬
‫ن أحدكم متاع أخيه‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬ل يأخُذ ّ‬
‫لعبا جاّدا‪.‬‬
‫قال‪:‬قوله‪ :‬لعبا جاّدا يعني أن يأخذ متاعه ل يريد سرقته إنما يريد إدخال‬
‫الغيظ عليه‪ ،‬يقول‪ :‬فهو لعب في مذهب السرقة جاّد في إدخال الذى‬
‫والروع عليه؛ وهذا مثل حديثه‪ :‬ل يحل لمسلم أن ُيرّوع مسلما؛ ومثل‬
‫حديثه‪ :‬إذا مّر أحدكم بالسهام فليمسك بنصالها؛ ومثل حديثه أنه مّر بقوم‬
‫يتعاطون سيفا فنهاهم عنه‪ .‬وكل هذا كراهة لروعة المسلم وإدخال الذى‬
‫عليه‪ ،‬وإن كان الخر ل يريد قتله ول جرحه‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه نهى أن يمنع نقع البئر‪.‬‬
‫يعني فضل الماء من موضعه الذي يخرج منه من العين أو من غير ذلك‬
‫من قبل أن يصير في إناء أو وعاء لحد‪ ،‬فإذا صار كذلك فصاحبه أحق‬
‫ضل الماء‬
‫به وهو مال من ناله؛ وأمل حديثه الخر انه قال‪ :‬من منع َف ْ‬
‫ل منعه ال فضله يوم القيامة؛ وتفسيره‪ :‬البئر تكون في بعض‬
‫ليمنع به الك ِ‬
‫البوادي قربها كل فربما سبق إليها بعض الناس فمنعوا من جاء بعدهم‪،‬‬
‫فإذا منعوهم الماء فقد منعوهم الكل‪ ،‬لنهم إذا أرعوها الكل ثم لم يرووها‬
‫من الماء قتلها العطش‪ ،‬فهذا تأويل قوله‪ :‬من منع فضل الماء ليمنع به‬
‫ل منعه ال فضله يوم القيامة؛ ومنه حديثه الخر‪ :‬قال حريم‬
‫فضل الك ِ‬
‫البئر أربعون ذراعا من حواليها لعطان البل والغنم‪ ،‬قال‪ :‬وابن السبيل‬
‫ل‪ .‬قال أبو عبيد‪:‬‬
‫أول شارب ل يمنع فضل الماء ليمنع به فضل الك ِ‬
‫ل ليست في ِملك أحد‪،‬‬
‫ومعناه هذه البئر التي وصفنا يكون في قرب الك ِ‬
‫فليس ينبغي أن ُيناخ فيها إبل ول يشغل بغنم ول غيره أربعين ذراعا في‬
‫كل حواليها إل للواردة قط قدر ما ترد وتعطن‪ ،‬فإذا انقطع ذلك فل حق‬
‫لها فيه ويكون ابن السبيل أحق به حتى يستقي‪ ،‬ثم الذي يأتي بعده فل‬
‫حق له فيها ويكون ابن السبيل أحق به حتى يستقي ثم الذي يأتي بعده‬
‫كذلك أيضا‪ ،‬فهذا قوله‪ :‬و ابن السبيل أول شارب؛ قال أبو عبيد‪ :‬وقد‬
‫يكون فضل الماء أيضا أن يستقي الرجل أرضه فيفضل بعد ذلك ما ل‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫يحتاج إليه فليس له أن يمنع فضل ذلك الماء‪ ،‬كذلك يروى عن عبد ال‬
‫بن عمر‪ .‬وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم في ذكر أسنان‬
‫البل وما جاء فيها في الصدقة وفي الدية وفي الضحية‪.‬‬
‫قال الصمعي وأبو زياد الكلبي وأبو زيد النصاري وغيرهم دخل كلم‬
‫بعضهم في كلم بعض‪ ،‬قالوا‪ :‬أول أسنان البل إذا وضعت الناقة فان‬
‫كان ذلك في أول النتاج فولدها ُرَبع والنثى ُرَبعة‪ ،‬وإن كان في آخره‬
‫فهو ُهَبع والنثى ُهَبعة؛ ومن الّربع حديث عمر رضي ال عنه حين سأله‬
‫حوار فل‬
‫رجل من الصدقة فأعطاه ُربعة يتبعها ظئراها‪ .‬وهو في هذا كله ُ‬
‫حوارا حول ثم يفصل‪ ،‬فإذا فصل عن أمه فهو فصيل‪ ،‬والفصال هو‬
‫يزال ُ‬
‫الفطام؛ ومنه الحديث‪ :‬ل رضاع بعد فصال‪ .‬فإذا استكمل الحول ودخل‬
‫في الثاني فهو ابن مخاض والنثى ابنة مخاض‪ ،‬وهي التي تؤخذ في‬
‫خمس وعشرين من البل صدقة عنها‪ ،‬وإنما سمي ابن مخاض لنه قد‬
‫فصل عن أمه ولحقت أمه بالمخاض وهي الحوامل‪ ،‬فهي من المخاض‬
‫ل‪ .‬فل يزال ابن مخاض السنة الثانية كلها فإذا استكملها‬
‫وأن لم تكن حام ً‬
‫ودخل في الثالثة فهو ابن لبون والنثى ابنة لبون‪ ،‬وهي التي تؤخذ في‬
‫الصدقة إذا جاوزت البل خمسة وثلثين‪ ،‬وإنما سمي أبن لبون لن أمه‬
‫كانت أرضعته السنة الولى ثم كانت من المخاض السنة الثانية ثم‬
‫وضعت في الثالثة فصار لها لبن فهي لبون وهو ابن لبون والنثى ابنة‬
‫لبون فل يزال كذلك السنة الثالثة كلها فإذا مضت الثالثة ودخلت الرابعة‬
‫حّقة‪ ،‬وهي التي تؤخذ في الصدقة إذا جاوزت‬
‫ق والنثى ِ‬
‫حّ‬
‫فهو حينئذ ِ‬
‫حّقا لنه قد استحق أن يحمل‬
‫البل خمس وأربعين‪ ،‬ويقال‪ :‬إنه إنما سمي ِ‬
‫حّقة؛ قال‬
‫حّقة‪ ،‬وكذلك النثى ِ‬
‫ق بين إل ِ‬
‫حّ‬
‫عليه ويركب‪ ،‬ويقال‪ :‬هو ِ‬
‫العشى‪ :‬المتقارب‬
‫سّ‬
‫ن‬
‫ن حتى السديس لها قد أ َ‬
‫ِبحّقتها ُرِبطت في اللجـي‬
‫جن من الورق وهو ان يدق حتى يتلّزج ويلَزق بعضه‬
‫واللجين ما يل ّ‬
‫ببعض‪ .‬فل يزال كذلك حتى يستكمل الربع ويدخل في السنة الخامسة‬
‫فهو حينئذ جذع والنثى جذعة‪ ،‬وهي التي تؤخذ في الصدقة إذا جاَوز ِ‬
‫ت‬
‫البل ستين‪ ،‬ثم ليس شيء في الصدقة سن من السنان من البل فوق‬
‫الجذعة فل يزال كذلك حتى تمضي الخامسة‪ ،‬فإذا مضت الخامسة‬
‫ي والنثى ثنية‪ ،‬وهو أدنى‬
‫ودخلت السنة السادسة وألقى ثنيته فهو حينئذ َثِن ّ‬
‫ما يجوز من أسنان البل في النحر‪ ،‬هذا من البل والبقر والمعز‪ ،‬ل‬
‫يجزئ منها في الضاحي إل الثني فصاعدًا‪ ،‬وإما الضأن خاصة فإنه‬
‫يجزئ منها الجذع لحديث النبي عليه السلم في ذلك‪ .‬وإما الديات فإنه‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫جذاع‪ .‬هذا في الخطأ؛‬
‫حقاق وال ِ‬
‫يدخل فيها بنات المخاض وبنات اللبون وال ِ‬
‫جذاع‪ .‬وما بين ثنية إلى بازل عامها كلها‬
‫حقاق و ِ‬
‫فإما في شبه العمد فإنها ِ‬
‫خِلَفة؛ والخلفة‪ :‬الحامل‪ ،‬وتفسير ذلك أن الرجل إذا قتل الرجل خطأ وهو‬
‫َ‬
‫أن يتعمد غيره فيصيبه فتكون الدية على العاقلة أرباعًا‪ :‬خمسة وعشرين‬
‫حقة‪،‬‬
‫بنت مخاض‪ ،‬وخمس وعشرين بنت لبون‪ ،‬وخمس وعشرين ِ‬
‫جَذعة؛ وبعض الفقهاء يجعلها أخماسا‪ :‬عشرين بنت‬
‫وخمس وعشرين َ‬
‫حقة‪،‬‬
‫مخاض‪ ،‬وعشرين بنت لبون‪ ،‬وعشرين أبن لبون ذكرا‪ ،‬وعشرين ِ‬
‫جَذعة‪ .‬فهذا الخطأ؛ وإما شبه العمد فأن يتعمد الرجل الرجل‬
‫وعشرين َ‬
‫بالشيء ل يقتل مثله فيموت منه ففيه الدية مغّلظة أثلثا‪ :‬ثلث وثلثون‬
‫حقة‪ ،‬وثلث وثلثون جذعة‪ ،‬وأربع وثلثون ما بين ثنية إلى بازل عامها‬
‫كلها خلف؛ والنثى ثنية‪ .‬ثم ل يزال الثني من البل ثنيا حتى تمضي‬
‫السادسة‪،‬فإذا مضت ودخل في السابعة فهو حينئذ رباع والنثى رباعية‪.‬‬
‫فل يزال كذلك حتى تمضي السابعة‪ ،‬فإذا مضت ودخل في الثامنة وألقى‬
‫سَدس‪ -‬لغتان‪ .‬وكذلك النثى‪،‬‬
‫سديس و َ‬
‫السن التي بعد الرباعية فهو حينئذ َ‬
‫لفظهما في هذا السن واحد‪ .‬فل يزال كذلك حتى تمضي الثامنة‪ ،‬فإذا‬
‫طر نابه وطلع فهو حينئذ باِزل‪،‬‬
‫مضت الثامنة ودخل في التاسعة وَف َ‬
‫وكذلك النثى بازل بلفظة‪ .‬فل يزال بازل حتى تمضي التاسعة فإذا‬
‫مضت ودخل في العاشرة فهو حينئذ مخِلف‪ .‬ثم ليس له أسم بعد الخلف‬
‫ولكن يقال له‪ :‬بازل عام وبازل عامين‪ ،‬ومخلف عام ومخلف عامين‪ -‬إلى‬
‫عْودة‪ .‬فإذا هرم فهو حقر‪.‬‬
‫عْود والنثى ِ‬
‫ما زاد على ذلك؛ فإذا ِكبر فهو َ‬
‫وإما النثى فهي الناب والشارف؛ ومنه الحديث في الصدقة‪ :‬خذ الشارف‬
‫والبكر‪ .‬وفي أسنان البل أشياء كثيرة وإنما كتبنا منها ما جاء في الحديث‬
‫خاصة‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم في الموضحة ما جاء عن‬
‫غيره في الشجاج‪.‬‬
‫قال الصمعي وغيره في الشجاج دخل كلم بعضهم في بعض أول‬
‫الشجاج الحارصة‪ ،‬وهي التي تحرص الجلد‪ -‬يعني التي تشقه؛ ومنه قيل‪:‬‬
‫صار الثور‪ -‬إذا شقه‪ ،‬وقد يقال لها الحرصة أيضا؛ قال أبو‬
‫حرص الَق ّ‬
‫عبيد‪ :‬وسمعت إسحاق الزرق يحّدث عن عوف قال شهدت فلنا قد سّماه‬
‫إسحاق‪ -‬يعني بعض قضاة أهل البصرة قضى في حرصتين بكذا وكذا‪.‬‬
‫ق اللحم تبضعه بعد الجلد‪ .‬ثم المتلحمة‪ ،‬وهي‬
‫ثم الباضعة وهي التي تش ّ‬
‫التي أخذت في اللحم ولم تبلغ السمحاق؛ والسمحاق جلدة رقيقة أو قشرة‬
‫بين اللحم والعظم‪ ،‬قال الصمعي‪ :‬وكل قشرة رقيقة أو جلدة رقيقة فهي‬
‫سمحاق‪ ،‬فإذا بلغت الشجة تلك القشرة الرقيقة حتى ل يبقى بين العظم‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫واللحم غيرها فتلك الشجة هي السمحاق؛ وقال الواقدي‪ :‬هي عندنا‬
‫الِمْلطا‪ -‬غير ممدود‪ ،‬وقال غيره‪ :‬هي الِمْلطاة؛ قال أبو عبيد‪ :‬وهي التي‬
‫شط‬
‫جاء فيها الحديث يقضي في الِمْلطا بدمها‪ .‬ثم الموضحة وهي التي َتك ِ‬
‫ضح العظم فتلك الموضحة‪،‬‬
‫ق عنها حتى يبدو َو َ‬
‫عنها ذلك القشر أو تش ّ‬
‫صة لنه ليس‬
‫شجاج قصاص إل في الموضحة خا ّ‬
‫وليس في شيء من ال ّ‬
‫منها شيء له حد معلوم ينتهي إليه سواها‪ ،‬وأما غيرها من الشجاج ففيها‬
‫ديتها‪ .‬ثم الهاشمة وهي التي تهشم العظم‪ .‬ثم الُمَنّقلة وهي التي تنقل منها‬
‫َفراش العظام‪ .‬ثم الّمة‪ ،‬وقد يقال لها‪ :‬المأمولة‪ ،‬وهي التي تبلغ أم‬
‫الرأس‪ -‬يعني الدماغ‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬يقال في قوله‪ :‬يقضى في الِمْلطا بدمها‪ ،‬يعني أنه إذا ش ّ‬
‫ج‬
‫جة ساعة شج ول يستأني بها؛ قال‪:‬‬
‫ج حكم عليه للمشجوج بمبلغ الش ّ‬
‫الشا ّ‬
‫وسائر الشجاج ُيستأني بها حتى ينظر إلى ما يصير أمرها ثم يحكم فيها‬
‫شجاج كلها والجراحات كلها أنه‬
‫حينئذ‪ ،‬قال أبو عبيد‪ :‬والمر عندنا في ال ّ‬
‫يستأني بها؛ وعن عمر بن عبد العزيز رحمه ال قال‪ :‬ما دون الموضحة‬
‫خدوش فيها صلح‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬ومن الشجاج أيضا عن غير هؤلء‬
‫الذين سمينا الدامية وهي التي ُتدمي من غير أن يسيل منها دم‪ ،‬ومنها‬
‫الدامغة وهي التي يسيل منها دم‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه كان إذا استفتح القراءة‬
‫في الصلة قال‪ :‬أعوذ بال من الشيطان الرجيم من همزه ونفثه وَنْفخه!‬
‫قيل‪ :‬يا رسول ال! ما همزه ونفثه ونفخه? قال‪ :‬أما همزه فالُموتة‪ ،‬وأما‬
‫نفثه فالشعر‪ ،‬وأما نفخه فالِكْبر‪.‬‬
‫فهذا تفسير من النبي عليه السلم‪ ،‬ولتفسيره عليه السلم‪.‬‬
‫تفسير أيضا فالموتة الجنون‪ ،‬وإنما سماه همزا لنه جعله من النخس‬
‫والغمز‪ ،‬وكل شيء دفعته فقد همزته‪.‬‬
‫وأما الشعر فانه إنما سماه نفثا لنه كالشيء ينفه النسان من فيه مثل‬
‫الرقية ونحوها‪ ،‬وليس معناه إل الشعر الذي كان المشركون يقولونه في‬
‫النبي عليه السلم وأصحابه‪ ،‬لنه قد رويت عنه رخصة في الشعر من‬
‫غير الشعر الذي قيل فيه وفي أصحابه‪.‬‬
‫وأما الكبر فإنما سمي نفخا لما يوسوس إليه الشيطان في نفسه فيعظمها‬
‫عنده ويحقر الناس في عينه حتى يدخله لذلك الكبر والتجبر والزهو‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه قال لعلي عليه السلم‪:‬‬
‫إن لك بيتا في الجنة وإنك لذو قرنيها‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬قد كان بعض أهل العلم يتأول هذا الحديث أنه ذو قرني‬
‫الجنة‪ -‬يريد طرفيها‪ ،‬وإنما يأول ذلك لذكره الجنة في أول الحديث‪ ،‬وأما‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫أنا فل أحسبه أراد ذلك‪ -‬وال أعلم‪ ،‬ولكنه أراد إنك ذو قرني هذه المة‪،‬‬
‫فأضمر المة وإن كان لم يذكرها‪ .‬وهذه سائر كثير في القرآن وفي كلم‬
‫خُذ‬
‫العرب وأشعارها أن يكنوا عن السم‪ ،‬من ذلك قول ال تعالى (َولْو ُيَؤا ِ‬
‫ن َداّبٍة) وفي موضع آخر (َما َتَر َ‬
‫ك‬
‫ظْهِرَها ِم ْ‬
‫عَلى َ‬
‫ك َ‬
‫سُبوا َما َتَر َ‬
‫ل بَما َك َ‬
‫ا ُ‬
‫ن َداّبٍة) فمعناه عند الناس الرض وهو لم يذكرها‪ ،‬وكذلك قوله‬
‫عَلْيَها ِم ْ‬
‫َ‬
‫حّتى َتَواَر ْ‬
‫ت‬
‫ي َ‬
‫ن ذِْكِر َرّب ْ‬
‫عْ‬
‫خْيِر َ‬
‫ب اْل ْ‬
‫ح ّ‬
‫ت ُ‬
‫ي أحَبْب ُ‬
‫تعالى (ِإّن ْ‬
‫ب*) يفسرون أنه أراد الشمس فأضمرها‪ ،‬وقد يقول القائل‪ :‬ما بها‬
‫جا ِ‬
‫حَ‬
‫ِباْل ِ‬
‫أعلم من فلن‪ -‬يعني القرية والمدنية والبلدة ونحو ذلك؛ وقال حاتم طيئ‪:‬‬
‫الطويل‬
‫ت يوما وضاق بها‬
‫ج ْ‬
‫ى ما ُيغنى الثراُء عن إذا حشر َ‬
‫أ ماِو ّ‬
‫الصدُر‬
‫الفـتـى‬
‫أراد النفس فأضمرها‪ .‬وإنما اخترت هذا التفسير على الول لحديث عن‬
‫سر له ولنا وذلك أنه ذكر ذا القرَنين فقال‪ :‬دعا‬
‫ي نفسه هو عندي مف ّ‬
‫عل ّ‬
‫قومه إلى عبادة ال فضربوه على قرنيه ضربتين وفيكم مثله‪ .‬فنرى أنه‬
‫أراد بقوله هذا نفسه‪ -‬يعني أني أدعو إلى الحق حتى أضرب على رأسي‬
‫ضربتين يكون فيها قتلي‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه كان يصلي من الليل فإذا مّر‬
‫بآية فيها ذكر الجنة سأل‪ ،‬وإذا مّر بآية فيها ذكر النار تعّوذ‪ ،‬وإذا مّربآية‬
‫فيها تنزيه ل سّبح‪.‬‬
‫قوله‪ :‬تنزيه‪ -‬يعني ما ينزه عنه تبارك وتعالى اسمه من أن يكون له‬
‫شريك أو ولد وما أشبه ذلك؛ ًول التنزيه البعد مما فيه الدناس والقرب‬
‫إلى ما فيه الطهارة والبراءة؛ ومنه قول عمر رضي ال عنه حين كتب‬
‫غِمقة وأن الجابية أرض‬
‫إلى أبي عبيدة رضي ال عنه‪ :‬إن الردن أرض َ‬
‫َنِزهة فاظهر بمن معك من المسلمين إليها‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬وإنما أراد‬
‫بالَغِمقة ذات الندا والوباء‪ ،‬وأراد بالنزهة البعد من ذلك؛ ثم كثر استعمال‬
‫ضر‪ ،‬ومعناه‬
‫خ َ‬
‫الناس النزهة في كلمهم حتى جعلوها في البساتين وال ُ‬
‫راجع إلى ذلك الصل‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أن العين وكاء السه‪ ،‬فإذا نام‬
‫أحدكم فليتوضأ‪ .‬وفي حديث آخر‪ :‬إذا نامت العينان استطلق الوكاُء‪.‬‬
‫قوله‪ :‬السه‪ ،‬يعني حلقة الّدبر؛ والِوكاء أصله هو الخيط أو السير الذي‬
‫شّد به رأس الِقربة؛ فجعل اليقظة للعين مثل الِوكاء للِقربة‪ ،‬يقول‪ :‬فإذا‬
‫ُي َ‬
‫نامت العين استرخي ذلك الوكاء فكان منه الحدث؛ وقال الشاعر في‬
‫السه‪ :‬الطويل‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫عَيتْ‬
‫سه السفلى إذا ُد ِ‬
‫وأنت ال ّ‬
‫غّثهـا وسـمـيُنـهـا‬
‫شَأْتك ُقَعين َ‬
‫َ‬
‫صُر‬
‫َن ْ‬
‫وقال آخر‪ :‬الرجز‬
‫سْه‬
‫ن فعيل هي صئبان ال ّ‬
‫إّ‬
‫ع ُفعيل باسمها ل تنسـه‬
‫ُاد ُ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬إن آخر من يدخل الجنة‬
‫ب مرة ويمشي مرة وتسفعه النار مرة‪،‬‬
‫لرجل يمشي على الصراط فينك ّ‬
‫فإذا جاوز الصراط ترفع له شجرة فيقول‪ :‬يا رب? أْدِنني من هذه الشجرة‬
‫أستظلِّبها‪ ،‬ثم ترفع له أخرى فيقول مثل ذلك‪ ،‬ثم يسأله الجنة‪ ،‬فيقول ال‬
‫جل ثناؤه‪ :‬ما َيصريك مني أي عبدي? أ يرضيك أن أعطيك الدنيا ومثلها‬
‫معها? قوله‪ :‬يصريك‪ ،‬يقطع مسألتك مني؛ وكل شيء قطعته ومنعته فقد‬
‫صريته؛ وقال الشاعر هو ذو الرمة‪ :‬الطويل‬
‫ن إن لم َيصِرِه ال‬
‫هواُه ّ‬
‫ن مشتاقا أصبن فـؤاده‬
‫عَ‬
‫فوّد ْ‬
‫قاتلْه‬
‫يقول‪ :‬إن لم يقطع ال هواه لهن ويمنعه ال من ذلك قتله‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬إن مصدقا أتاه بفصيل‬
‫مخلول في الصدقة فقال النبي عليه السلم‪ :‬انظروا إلى فلن أتانا بفصيل‬
‫مخلول‪ ،‬فبلغه فأتاه بناقة كوماء‪.‬‬
‫قوله‪ :‬مخلول‪ ،‬هو الهزيل الذي قد خل جسمه‪ ،‬وأظن أن أصل هذا أنهم‬
‫ربما خلوا لسان الفصيل لكيل يرضع من أمه متى ما شاء حتى يطلقوا‬
‫عنه الخلل فيرضع حينئذ ثم يفعلون به مثل ذلك أيضا فيصير مهزول‬
‫لهذا‪.‬‬
‫وأما الكوماء‪ ،‬فإنها الناقة العظيمة السنام‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم في الملعنة قال‪ :‬إن جاءت‬
‫ئ العين كذا وكذا فهو لهلل بن أمية‪.‬‬
‫ضَ‬
‫سبطا َق ِ‬
‫به َ‬
‫فالقضئ العين هو الفاسدها‪ .‬ومنه قوله‪ :‬فد قضئ الثوب ويقضأ‪ -‬مهموز‪،‬‬
‫شى‪ ،‬قال الحمر‪ :‬يقال للقربة إذا تشققت وبليت‪ :‬إنما‬
‫وذلك إذا تفّزر وتق ّ‬
‫قضئة؛ ويقال للثوب‪ :‬تقشى‪ -‬بالشين‪ -‬إذا تهافت‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم حين انكسفت الشمس على‬
‫عهده وذلك حين ارتفعت ِقيد ريحين أو ثلثة اسودت حتى آضت كأنها‬
‫تنّومة‪ -‬فذكر حديثا طويل في صلة النبي عليه السلم يومئذ وخطبته‪.‬‬
‫فالتّنومة من نبات الرض فيه سواد وفي ثمره‪ ،‬وهو مما يأكله الّنعام‪،‬‬
‫وجمعها‪ :‬تّنوم؛ ومنه قول زهير يذكر الظليم فقال‪ :‬الوافر‬
‫ي َتـّنـوٌم وآُه‬
‫سـ ّ‬
‫له بال ّ‬
‫صّلم الذنين أجنى‬
‫ك ُم ً‬
‫صّ‬
‫أ َ‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫جني‪ -‬أي صار له جني؛ ويروى‪ :‬أجأي وهو من الجْؤَوة في‬
‫وقوله‪ :‬أ ِ‬
‫ن من النبات‪.‬‬
‫سي الرض؛ والتّنوم والء‪ :‬ضربا ِ‬
‫لونه؛ وال ّ‬
‫وقوله‪ :‬آضت‪ -‬أي صارت؛ قال زهير يذكر أرضا قطعها فقال‪ :‬الطويل‬
‫ل آض كأنه سيوف تنحى تارة ثم تلتقي‬
‫ت إذا ما ال ُ‬
‫قطع ُ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم حين أتاه عدي أبن حاتم قبل‬
‫إسلمه فعرض عليه السلم فقال له عدي‪ :‬إني من دين‪ ،‬فقال له النبي‬
‫عليه السلم‪ :‬إنك تأكل الِمْرباع وهو ل يحل لك في دينك؛ وقال له النبي‬
‫سّية‪.‬‬
‫عليه السلم‪ :‬إنك من أهل دين يقال لهم الّركو ِ‬
‫فيروى تفسير الركوسية عن ابن سيرين أنه قال‪ :‬هو دين بين النصارى‬
‫والصابئين‪ .‬قوله‪ :‬من دين‪ -‬يريد من أهل دين‪.‬‬
‫ص به الرئيس في مغازيهم يأخذ‬
‫وأما قوله‪ :‬المرباع‪ ،‬فانه كل شيء يخ ّ‬
‫ربع الغنيمة خالصا له‪ .‬وكذلك يروى في حديث آخر عن عدي بن حاتم‬
‫أنه قال‪ :‬ربعت في الجاهلية وخمست في السلم؛ وقد كان للرئيس مع‬
‫شّماخ يمدح رجل‪ :‬الوافر‬
‫المرباع أشياء سوى هذا؛ قال ال َ‬
‫حكمك والّنشيطُة والُفضو ُ‬
‫ل‬
‫لك الِمرباع منها والصفايا و ُ‬
‫ي‪ ،‬وهو ما يصطفيه لنفسه‪ -‬أي‬
‫فالمرباع ما وصفنا؛ والصفايا واحدها صف ّ‬
‫يختار لنفسه من الغنيمة قبل القسم‪ ،‬وحكمه ما احتكم فيها من شيء كان‬
‫له؛ والنشيطة‪ :‬ما مروا به في غزواتهم على طريقهم سوى المغاّر الذي‬
‫قصدوا له؛ والفضول‪ :‬ما فضل عن القسم فلم يمكنهم ان يبعضوه صار له‬
‫أيضا؛ فكل هذه كانت لرؤساء الجيوش من الغنائم‪ .‬وفي الحديث‪ :‬إن‬
‫الناس كانوا علينا ألبا واحدا‪ .‬فاللب أن يكونوا مجتمعين على عداوتهم‪،‬‬
‫يقال‪ :‬بنو فلن ألب على بني فلن_ إذا كانوا يدا واحدة عليهم بالعداوة؛‬
‫ويقال‪ :‬تألب القوم؛ قال الشاعر‪ :‬البسيط‬
‫إل السيوف وأطراف القنا‬
‫ب علينا فيك ليس‬
‫والناس أل ٌ‬
‫وَزُر‬
‫لنـا‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه قال‪ :‬يخرج قوم من‬
‫سون والمدينة خير لهم لو كانوا‬
‫المدينة إلى اليمن والشام والعراق ُيِب ّ‬
‫يعلمون‪.‬‬
‫س وأكثر‬
‫س وِب ْ‬
‫س أو ِب ْ‬
‫ش َب ْ‬
‫سون‪ ،‬هو أن يقال في زجر الدابة‪َ :‬ب ْ‬
‫قوله‪ُ :‬يِب ّ‬
‫ت حمارا أو غيره‪،‬‬
‫سق َ‬
‫ما يقال بالفتح‪ ،‬وهو صوت الزجر للسوق‪ ،‬إذا ُ‬
‫ست وأبسست‪ ،‬فيكون على هذا‬
‫سْ‬
‫وهو من كلم أهل اليمن؛ وفيه لغتان‪َ:‬ب َ‬
‫سون‪.‬‬
‫سون وُيِب ّ‬
‫القياس َيُب ّ‬
‫طلمًة‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه مّر برجل يعالج ُ‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫عِرق وآذاه َوْهج النار‪ ،‬فقال النبي عليه السلم‪ :‬ل‬
‫لصحابه في سفر وقد َ‬
‫يصيبه حر جهنم أبدا‪.‬‬
‫قوله‪ :‬الطلمة‪ -‬يعني الخبزة‪ ،‬وهي التي تسميها الناس الَمّلة‪ ،‬وإنما الملة‬
‫ل فيها فهي الطلمة والخبزة والمليل‪ .‬وأكثر‬
‫اسم الحفرة نفسها؛ فأما التي ُيم َ‬
‫من يتكلم بهذه الكلمة أهل الشام والثغور وهي مبتذلة عندهم؛ والذي يراد‬
‫من هذا الحديث أنه حمد الرجل على أن خدم أصحابه في السفر‪ -‬يعني‬
‫أنه خبز لهم‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه قال في مرضه الذي مات‬
‫فيه‪ :‬أجلسوني في ِمخضب فاغسلوني‪.‬‬
‫جانة التي ُيغسل فيها الثياب ونحوها‪،‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬المخضب هو مثل ال ّ‬
‫وقد يقال له المركن أيضا‪ ،‬ومنه حديث حمنة بنت جحش أنها كانت‬
‫تجلس في ِمركن لختها وهي مستحاضة حتى تعلو صفرة الدم الماء‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه سئل عن الَفَزع فقال‪:‬‬
‫خُزّبا خير من أن‬
‫ق‪ ،‬وأن تتركه حتى يكون ابن مخاض أو ابن لبون ُز ْ‬
‫حّ‬
‫ِ‬
‫تكفأ إناءك وتوّله ناقتك وتذبحه يلصق لحمه بوبره‪.‬‬
‫قوله‪ :‬الفزع‪ ،‬هو أول شيء تنتجه الناقة‪ ،‬فكانوا يجعلونه ل‪ ،‬فقال النبي‬
‫ق ولكنهم كانوا يذبحونه حين يولد فكره ذلك‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫عليه السلم‪ :‬هو ح ّ‬
‫دعه حتى يكون ابن مخاض أو أبن لبون فيصير له طعم؛ قال أوس بن‬
‫جّلل ّفرعا‬
‫سْقبا ُم َ‬
‫ب العباُم من ال‪-‬أقوام َ‬
‫شّبه الهيد ُ‬
‫حجر‪ :‬المنسرحٍِو ُ‬
‫ب‪ :‬هو الذي قد غلظ جسمه واشتد لحمه‪.‬‬
‫خُر ّ‬
‫والّز ْ‬
‫وقوله‪ :‬خير من أن تكفأ إناءك‪ ،‬يقول‪ :‬إنك إذا ذبحته حين تضعه أمه‬
‫بقيت الم بل ولد ترضعه فانقطع لذلك لبنها‪ ،‬يقول‪ :‬فإذا فعلت ذلك فق‬
‫كفأت إناءك وهرقته‪ ،‬وإنما ذكر الناء ههنا لذهاب اللبن‪ ،‬ومن هذا‬
‫المعنى قول العشى يمدح رجل‪ :‬الخفيف‬
‫م وأسرى من معشر أقتا ِ‬
‫ل‬
‫ب َرْفد هرقته ذلك الـيو‬
‫ُر ّ‬
‫فالرفد‪ :‬هو الناء الضخم‪ ،‬فأراد بقوله‪ :‬هرقته ذلك اليوم‪ ،‬إنك استقت‬
‫البل فتركت أهلها ذاهبة ألبانهم فارغة آنيتهم منها‪.‬‬
‫وأما قوله‪ :‬توله ناقتك‪ ،‬فهو ذبحك ولدها‪ ،‬وكل أنثى فقدت ولدها فهي‬
‫واله؛ ومنه الحديث الخر في السبي أنه نهى أن توله والدة عن ولدها‪،‬‬
‫يقول‪ :‬ل يفرق بينهما في البيع‪ .‬وإنما جاء هذا النهي من النبي عليه‬
‫السلم في الفرع أنهم كانوا يذبحون ولد الناقة أول ما تضعه وهو بمنزلة‬
‫الغراء‪ ،‬أل تسمع قوله‪ :‬يختلط أو يلصق لحمه بوبره? ففيه ثلث خصال‬
‫من الكراهة‪ :‬إحداهن أنه ل ينتفع بلحمه‪ ،‬والثانية أنه إذا ذهب ولدها‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫ارتفع لبنها‪ ،‬والثالثة أنه يكون قد فجعها به فيكون آثما؛ فقال النبي عليه‬
‫السلم‪ :‬دعه حتى يكون ابن مخاض‪ ،‬وهو ابن سنة أو ابن لبون وهو ابن‬
‫سنتين‪ ،‬ثم اذبحه حينئذ فقد طاب لحمه واستمتعت بلبن أمه سنة ول يش ّ‬
‫ق‬
‫عليها مفارقته لنه قد استغنى عنها وكبر‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم حين قال لسعد يوم أحد‪ِ :‬ا‬
‫ْرم فداك أبي وأمي! قال سعد‪ :‬فرميت رجل بسهم فقتلته ثم ُرميت بذلك‬
‫السهم فأخذته أعرفه حتى فعلت ذلك وفعلوه ثلث مرات‪ ،‬فقلت‪ :‬هذا سهم‬
‫ي فجعلته في كنانتي وكان عنده حتى مات رحمه ال‪.‬‬
‫ُمبارك ُمَدم ّ‬
‫ي هو الذي يرمي‬
‫ويروى تفسير هذا الحرف في الحديث نفسه قال‪ :‬المَدم ّ‬
‫به الرجل العدو ثم يرميه العدو بذلك السهم بعينه‪ .‬ولم أسمع هذا التفسير‬
‫إل في هذا الحديث؛ وأما المدمي في الكلم هو من اللوان التي فيها‬
‫سواد وحمرة‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم قال اللهم اسقنا؛ فقام أبو لبابة‬
‫فقال‪ :‬يا رسول ال! إن التمر في المرابد‪ ،‬فقال رسول ال صلى ال عليه‬
‫عريانا يسّد ثعلب مربده بإزاره أو‬
‫وسلم‪ :‬اللهم اسقنا حتى يقوم أبو لبابة ُ‬
‫طرنا حتى قام أبو لبابة ونزع إزاره فجعل يسد ثعلب‬
‫بردائه‪ ،‬قال‪ :‬فُم ِ‬
‫مربده بإزاره‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬قوله‪ :‬المربد هو الذي يجعل فيه التمر عند الجذاذ قبل أن‬
‫يدخل إلى المدينة ويصير في الوعية‪.‬‬
‫وثعلبه هو جحره الذي يسيل منه ماء المطر‪ -‬أي أصاب التمر وهو‬
‫هناك‪.‬‬
‫الِمرْبد الذي يسميه أهل المدينة الجرين‪ ،‬وأهل الشام الندر‪ ،‬وأهل العراق‬
‫البيدر‪ ،‬وأهل البصرة الجوخان‪.‬‬
‫صرورة في السلم‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم‪ :‬ل َ‬
‫الصرورة في هذا الحديث هو التبتل وترك النكاح‪ ،‬يقول‪ :‬ليس ينبغي‬
‫لحد أن يقول‪ :‬ل أتزوج‪ ،‬يقول‪ :‬هذا ليس من أخلق المسلمين؛ وهو‬
‫مشهور في كلم العرب؛ قال النابغة الذبياني‪ :‬الكامل‬
‫لو أنها عرضت لشمط‬
‫عبد الله صرورة ُمَتَعـّبـِد‬
‫راهب‬
‫لرنا لبهجتها وحسن حديثـهـا ولخاله رشدا وإن لـم يرشـِد‬
‫شد‪ -‬يعني الراهب التارك للنكاح‪ ،‬يقول‪ :‬لو نظر إلى هذه المرأة‬
‫شد وير ُ‬
‫ير َ‬
‫حج قط‪ ،‬وقد‬
‫افتتن بها‪ .‬والذي تعرفه العامة من الصرورة أنه إذا لم ي ّ‬
‫علمنا أن ذلك إنما يسمى بهذا السم إل أنه ليس واحد منهما يدافع الخر‪،‬‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫والول أحسنهما وأعرفهما وأعربهما‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم في حريسة الجبل أنه ل قطع‬
‫فيها‪.‬‬
‫سر تفسيرين‪ :‬فبعضهم يجعلها السِرقة نفسها؛‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬فالحريسة ُتَف ّ‬
‫حَرسا‪ -‬إذا سرق‪ ،‬فيكون المعنى أنه ليس فيما‬
‫حَرست أحِرس َ‬
‫يقال‪َ :‬‬
‫ُيسرق من الماشية بالجبل قطع حتى يؤويها الُمراح‪ .‬والتفسير الخر أن‬
‫حرس في الجبل قطع‪،‬‬
‫يكون الحريسة هي المحروسة‪ ،‬فيقول‪ :‬ليس فيما ُي ْ‬
‫حِرس‪.‬‬
‫لنه ليس بموضع حرز وإن ُ‬
‫خضراء‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه قال‪ :‬إّياكم و َ‬
‫الدمن! قيل‪ :‬وما ذاك يا رسول ال? قال‪ :‬المرأة الحسناء في منبت‬
‫السوء‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬أراه أراد فساد النسب إذا خيف أن تكون لغير ِرشدة‪ ،‬وهذا‬
‫طفكم‪ .‬وإنما جعلها خضراء الدمن تشبيها‬
‫مثل حديثه الخر‪ :‬تخّيروا ِلُن َ‬
‫بالشجرة الناضرة في ِدمنة البعر‪ ،‬وأصل الدمن ما تدمنه البل والغنم من‬
‫أبعارها وأبوالها‪ ،‬فربما نبت فيه النبات الحسن‪ ،‬وأصله في ِدمنه‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫سن أنيق ومنبتها فاسد؛ قال زفر بن الحارث الكلبي‪ :‬الطويل‬
‫حَ‬
‫فمنظرها َ‬
‫حَزازات النفوس كما‬
‫فقد ينبت المرعى على ِدَمن وتبقى َ‬
‫هيا‬
‫الثرى‬
‫ل بالعداوة‪.‬‬
‫ضربه مثل للرجل يظهر مودته وقلبه َيُغ ّ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أن رجل قص عليه رؤيا‬
‫فقال‪ :‬فاستاء لها ثم قال‪:‬خلفة نبّوة؛ ثم يؤتي ال الملك من يشاء‪.‬‬
‫قوله‪ :‬استاء لها‪ ،‬إنما هو من المساءة أي أن الرؤيا ساءته فاستاء لها‪ ،‬إنما‬
‫هو افتعل منها‪ ،‬كما تقول من الهم‪ :‬اهتم لذلك‪ ،‬ومن الغم اغتم لذلك‬
‫وكذلك تقول من المساءة استاء لها‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬إنما نرى مساءته كانت لما ذكر مما يكون من الملك بعد‬
‫الخلفة‪ :‬قال أبو عبيد‪ :‬وبعضهم يرويه‪ :‬فستآلها‪ ،‬فمن رواه هذه الرواية‬
‫فمعناها التأّول‪ ،‬وإنما هو استفعل من ذلك‪ ،‬وهو وجه حسن غير مدفوع‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم في المختالت المتبّرجات‪ :‬ل‬
‫يدخل الجنة منهن إل مثل الغراب العصم‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬الغراب العصم هو البيض اليدين ولهذا قيل للُوعول‪:‬‬
‫صماء‪ ،‬والذكر أعصم‪ ،‬وإنما هو لبياض في أيديها‬
‫ع ْ‬
‫عصم‪ ،‬والنثى منهن َ‬
‫ُ‬
‫فوصف قلة من يدخل الجنة منهن؛ قال أبو عبيدة‪ :‬وهذا الوصف في‬
‫حمر؛ وأما هذا البيض البطن‬
‫الغربان عزيز ل يكاد يوجد‪ ،‬إنما أرجلها ُ‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫والظهر فإنما هو البقع‪ ،‬وذلك كثير وليس هو الذي ذكر في الحديث؛ قال‬
‫أبو عبيد‪ :‬فنرى أن مذهب الحديث أن من يدخل الجنة من النساء قليل‬
‫َكِقّلة الغربان العصم عند الغربان السود والٌبْقع‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه نهى أن تفرش الوليا‬
‫التي تفضي إلى ظهور الدواب‪.‬‬
‫عة‪ ،‬ونراه انه نهى عن ذلك‪ -‬وال أعلم‪ -‬لنها إذا افترشها‬
‫الولية‪ :‬البرَذ َ‬
‫الناس صار فيها دواب الجساد من القمل وغير ذلك‪ ،‬فإذا وضعت على‬
‫ظهر الدواب كان فيها أذى عليها وضرر‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم حين سأل عن سحائب مرت فقال‪:‬‬
‫جْون أم غير ذلك? ثم سأل‬
‫كيف ترون قواعدها وبواسقها ورحاها‪ ،‬أ َ‬
‫ق شّقا‪ ،‬فقال‬
‫ق شّقا? فقالوا‪ :‬يش ّ‬
‫على البرق فقال‪ :‬أ خفوا أم وميضا أم يش ّ‬
‫رسول ال عليه السلم‪ :‬جاءكم الحيا‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬القواعد هي أصولها المعترضة في آفاق السماء‪ ،‬وأحسبها‬
‫مشبهة بقواعد البيت وهي حيطانه‪ ،‬والواحدة منها‪ :‬قاعدة؛ قال ال تبارك‬
‫ت)‪.‬‬
‫ن اْلَبْي ِ‬
‫عَد ِم َ‬
‫وتعالى‪َ( :‬وِإْذ َيْرَفُع ِإْبَراِهْيُم اْلَقَوا ِ‬
‫وأما البواسق‪ ،‬ففروعها المستطيلة إلى وسط السماء وإلى الفق الخر‪،‬‬
‫ت ّلَها‬
‫سَقا ٍ‬
‫ل َبا ِ‬
‫خَ‬
‫وكذلك كل طويل فهو باسق؛ قال ال تبارك وتعالى (َوالّن ْ‬
‫ضْيٌد*)‪.‬‬
‫طْلٌع ّن ِ‬
‫َ‬
‫خفا‬
‫خْفُو هو العتراض من البرق في نواحي الغيم‪ ،‬وفيه لغتان‪ ،‬يقال‪َ :‬‬
‫وال َ‬
‫خْفيًا‪.‬‬
‫خفى َ‬
‫خْفوًا وَي ْ‬
‫خُفو َ‬
‫البرق َي ْ‬
‫ض أن يلمع قليل ثم يسكن وليس له اعتراض؛ قال امرؤ القيس‪:‬‬
‫والَوِمي ُ‬
‫الطويل‬
‫ح َترى َبْرقا ُاِري َ‬
‫ك‬
‫أ صا ِ‬
‫ي ّمَكـلـ ِ‬
‫ل‬
‫حِب ّ‬
‫ن في َ‬
‫كلمع الَيَدي ِ‬
‫وِميضَه‬
‫ق شقا‪ ،‬فاستطالته في الجو إلى وسط السماء من غير أن‬
‫وأما الذي يش ّ‬
‫يأخذ يمينا ول شمال‪.‬‬
‫وأما قوله‪ :‬أ جون أم غير ذلك‪ ،‬فان الجون هو السَوُد اليحمومي وجمعه‬
‫جْون‪.‬‬
‫ُ‬
‫وأما قوله‪ :‬كيف ترون رحاها‪ ،‬فان َرحاها استداَرة السحابة في السماء‪،‬‬
‫ولهذا قيل‪ :‬رحا الحرب‪ ،‬وهو الموضع الذي يستدار فيه لها‪.‬‬
‫ف الصاع لم‬
‫ط ّ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم‪ :‬كلكم بنو آدم َ‬
‫سّبة أن‬
‫َتْمَلئوه‪ ،‬ليس لحد على أحد فضل إل بالّتْقوى‪ ،‬ول تسابّوا فان ال ّ‬
‫يكون الرجل فاحشا بذّيا جبانا‪.‬‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫ف هو ان يقرب الناء من المتلء من غير أن يمتلئ‪،‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬الط ّ‬
‫ف في‬
‫ف المكيال وطفافه‪ -‬إذا كرب أن يمله‪ ،‬ومنه التطفي ُ‬
‫ط ّ‬
‫يقال‪ :‬هو َ‬
‫الكيل إنما هو نقصانه‪ -‬أي لم يمل إلى شفته إنما هو دون ذلك؛ وقال‬
‫ن‪ -‬إذا فعل ذلك به في الكيل‪.‬‬
‫طّفا ُ‬
‫الكسائي يقال منه‪ :‬إناء َ‬
‫وقال أبو عبيد في حديثه عليه السلم حين أتى عبد ال ابن رواحة أو‬
‫غيره من أصحابه يعوده فما تحوّز له عن فراشه‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬قوله‪ :‬تحوز‪ ،‬هو التنحي‪ ،‬وفيه لغتان‪ :‬التحّوز والتحيز‪ ،‬قال‬
‫حّيزًا ِإلى ِفَئٍة) فالتحّوز التفعل‪ ،‬والتحّيز التفيُعل؛‬
‫ال تبارك وتعالى (أْو ُمَت َ‬
‫قال القطامي يذكر عجوزا استضافها فجعلت تروغ عنه فقال‪ :‬الطويل‬
‫كما انحازت الفعى مخافة‬
‫تحّوز عني خشية أن‬
‫ضار ِ‬
‫ب‬
‫أضـيفـهـا‬
‫وإنما أراد من هذا الحديث أنه لم يقم ولم يتنح له عن صدر فراشه‪ ،‬لن‬
‫السنة أن الرجل أحق بصدر فراشه وصدر دابته‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم في قوله‪ :‬ما تعدون الرقوب‬
‫فيكم? قالوا‪ :‬الذي ل يبقى له ولد‪ ،‬فقال‪ :‬بل الرقوب الذي لم ُيقّدم من ولده‬
‫شيئا‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬وكذلك معناه في كلمهم؛ إنما هو على فقد الولد‪ :‬قال‬
‫الشاعر‪ :‬الطويل‬
‫فلم ير خلق قبلنا مثل أمنـا ول كأبينا عاش وهو َرقو ُ‬
‫ب‬
‫وقال صخر الغي‪ :‬الوافر‬
‫بواحدها إذا يغزو َتضي ُ‬
‫ف‬
‫ت َرقو ٍ‬
‫ب‬
‫فما إن وجُد ِمقل ٍ‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬فكان مذهبه عندهم على مصائب الدنيا‪ ،‬فجعلها النبي عليه‬
‫السلم على فقدهم في الخرة؛ وليس هذا بخلف ذاك في المعنى‪ ،‬ولكنه‬
‫ن المحروب من‬
‫تحويل الموضع إلى غيره‪ ،‬وهذا نحو الحديث الخر‪ :‬إ ّ‬
‫سِلب ماله ليس بمحروب‪ ،‬إنما هو‬
‫حِرب ديَنه؛ ليس هذا أن يكون من ُ‬
‫ُ‬
‫حَرب العظم أن يكون في الدين وإن‬
‫على تغليظ الشأن به‪ ،‬يقول‪ :‬إنما ال َ‬
‫حرَبا‪ ،‬ومنه قول أبي داود اليادي‪ :‬الخفيف‬
‫كان ذهاب المال قد يكون َ‬
‫فقد من قد ُرِزيته العداُم‬
‫عدما ولكن‬
‫ل أعّد القتار ُ‬
‫لم يرد أن احتياج المال ليس بعدم‪ ،‬ولكنه أراد أن هذا الفقد الخر أج ّ‬
‫ل‬
‫بل‬
‫منه؛ ومما يقوي مذهبه قوله في الرقوب قول ال تعالى (َلُهْم ُقُلْو ٌ‬
‫ن ِبَها) أل‬
‫سَمُعْو َ‬
‫ل َي ْ‬
‫ن ّ‬
‫ن ِبَها َوَلهُْم آَذا ٌ‬
‫صُرْو َ‬
‫ن ل ُيْب ِ‬
‫عُي ٌ‬
‫ن ِبَها َوَلُهْم أ ْ‬
‫َيْفَقُهْو َ‬
‫ن معناها‬
‫ترى أنهم قد يعقلون أمر الدنيا ويبصرون بها ويسمعون? إل أ ّ‬
‫في التفسير أمر الخرة‪.‬‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم في قوله للرجل الذي قال له‬
‫وهو يقسم الغنائم‪ :‬إنك لم تعدل في القسم منذ اليوم‪ ،‬فقال النبي عليه‬
‫السلم‪ :‬ويحك? فمن يعدل عليك بعدي? ثم قال صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫ضئ هذا قوم يقرؤون القرآن ل يجاوز تراقيهم‪ ،‬يمرقون‬
‫ضئ ِ‬
‫يخرج من ِ‬
‫من الدين كما يمرق السهم من الرمية‪.‬‬
‫ضئ هو أصل الشيء ومعدنه‪ ،‬قال الكميت‪ :‬المتقارب‬
‫ضئ ِ‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬ال ِ‬
‫نِء من‬
‫ضْ‬
‫رأيتك في ال ّ‬
‫ل الكابر فيه الصـغـارا‬
‫أح ّ‬
‫ضٍ‬
‫ئ‬
‫ضئ ِ‬
‫ِ‬
‫ضنءء‪:‬‬
‫نء وال ّ‬
‫ضْ‬
‫نء وال ِ‬
‫ضْ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬فيه لغة‪ -‬بالفتح والكسر ال ّ‬
‫النسل‪ ،‬وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم‪ :‬ملعون من غيّر ُتخوم‬
‫الرض‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬التخوم هي الحدود والمعالم‪ ،‬والمعنى في ذلك يقع في‬
‫موضعين‪ :‬الول منهما أن يكون ذلك في تغيير حدود الحرم التي حّدها‬
‫إبراهيم عليه السلم خليل الرحمن عز وجل والمعنى الخر أن يدخل‬
‫الرجل في ملك غيره من الرض فيحوز ظلما وعدوانا‪ .‬ومنه الحديث‬
‫الخر‪ :‬من سرق من الرض شبرا طّوقه ال يوم القيامة من سبع‬
‫أرضين‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬وأما قوله‪:‬التخوم‪ ،‬فان فيه قولين‪ ،‬فأما أصحاب العربية‬
‫فقالوا‪ :‬هي التخوم‪ -‬مفتوحة التاء‪ :‬ويجعلونها واحدة؛ وأما أهل الشام‬
‫فيقولون‪ :‬التخوم‪ -‬بضم التاء‪ .‬يجعلونها جمعا‪ ،‬والواحدة منها في قولهم‪:‬‬
‫خم؛ وقال الشاعر‪ :‬الخفيف‬
‫َت ْ‬
‫عّقال‬
‫ن ظلم التخوم ذو ُ‬
‫إّ‬
‫ي الّتخوم ل َتظِلموها‬
‫يا بن ّ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه رأى امرأة تطوف بالبيت عليها‬
‫ك أن يحليك ال مناجد من نار? قالت‪ :‬ل‪،‬‬
‫مناجد من ذهب فقال ‪ :‬أيسر ِ‬
‫قال‪ :‬فأّدي زكاتها‪.‬‬
‫حلي المكلل بالفصوص وأصله من النجود‪ ،‬وكل‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬أراه أراد ال َ‬
‫شيء زخرفته بشيء فق نجدته‪ .‬ومنه تنجيد البيوت بالثياب إنما هو‬
‫تزينها بها‪ ،‬ولهذا سمي عامل ذلك الشيء ّنجادا؛ قال ذو الرّمة يصف‬
‫الرياض يشّبهها بنجود البيت‪ :‬البسيط‬
‫من وشي عبقر تجليل‬
‫ن رياض الُق ّ‬
‫ف‬
‫حتى كأ ّ‬
‫وتنجيُد‬
‫ألبسها‬
‫وفي هذا الحديث من الفقه أنه لم يكره لها أن تطوف بالبيت وهي لبسة‬
‫الحلي‪ ،‬أل تراه لم ينهها عنه?‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه سمع رجل حين فتحت جزيرة‬
‫ل فقد وضعت الحرب‬
‫العرب‪ -‬أو قال‪ :‬فتحت مكة‪ -‬يقول‪ّ :‬أْبُهوا الخي َ‬
‫أوزارها؛ فقال رسول ال عليه السلم‪ :‬ل تزالون تقاتلون الكفار بقيتكم‬
‫الدجال‪.‬‬
‫ل إناء‬
‫طُلوها من الغزو‪ ،‬وك ّ‬
‫عّ‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬قوله َأبُهوا الخيل‪ ،‬يقول‪َ :‬‬
‫فرغته فقد أبهيَته‪ ،‬ومنه قيل للبيت الخالي‪ :‬باٍه‪ ،‬ولهذا قيل في أمثالهم‪ :‬إ ّ‬
‫ن‬
‫ى ُتبهى ول ُتبنى؛ وذلك أنها تصعد على الخبية فتخرقها حتى ل‬
‫الِمْعز َ‬
‫يقدر على سكناها‪ ،‬وهي مع هذا ل تكون الخيام من أشعارها إنما تكون‬
‫من الصوف والوبر‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم‪ :‬قابلوا النعال‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬يعني أن يعمل عليها الَقَبل‪ ،‬واحدها ِقبال‪ ،‬وهو مثل الّزمام‬
‫يكون في وسط الصابع الربع؛ ومنه حديثه‪ :‬إن نعله كان لها ِقبالن‪-‬‬
‫يعني هذا الذي وصفناه من الزمام‪ ،‬ويقال‪ :‬نعل مقاَبلة وُمقَبلة‪.‬‬
‫وقد فسر بعضهم قوله‪ :‬قابلوا النعال‪ ،‬أن يثني ُذؤابة الشراك فيعطف‬
‫رأسها إلى العقدة‪ .‬والول عندي هو التفسير‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم‪ :‬يحمل الناس على الصراط يوم‬
‫جَنبتا الصراط تقادع الَفراش في النار‪.‬‬
‫القيامة فتتقادع بهم َ‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬التقادع هو التهافت في الشر‪ ،‬ويقال للقوم إذا مات بعضهم‬
‫في إثر بعض‪ :‬فقد تقاعدوا‪ :‬فالمعنى أنهم يتهافتون في النار‪ -‬وال أعلم‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أن رجل من أهل اليمن قال له‪ :‬يا‬
‫رسول ال! إنا أهل قاٍه‪ ،‬فإذا كان قاه أحدنا دعا من يعينه فعملوا له‬
‫فأطعمهم وسقاهم من شراب يقال له الِمْزر‪ ،‬فقال‪ :‬أله نشْوة? قال‪ :‬نعم‪،‬‬
‫قال‪ :‬فل تشربوه‪.‬‬
‫قال‪ :‬القاه سرعة الجابة وحسن المعاونة‪ -‬يعني أن بعضهم كان يعاون‬
‫بعضا في أعمالهم‪ ،‬وأصله الطاعة؛ ومنه قول رؤبة بن العجاج ويقال إنها‬
‫لبي النجم‪ :‬الرجز‬
‫س علينا اللـه‬
‫تا ل لو ل النار أن نصلها أو يدعَو النا ُ‬
‫فأخطرت سعد على قناها‬
‫لما سمعنا لمـير قـاهـا‬
‫قال‪ :‬يريد الطاعة‪ .‬والنشوة‪ :‬السكر‪ .‬قال‪ :‬ومنه قول المخّبل‪ :‬الطويل‬
‫سْتيَقهوا‬
‫إلى ذي الّنهي وا َ‬
‫وسّدوا نحور القوم حتى‬
‫للُمحّلم‬
‫َتَنْهَنهوا‬
‫أي أطاعوه‪ ،‬إل أنه مقلوب‪ ،‬قّدم الياء وكانت القاف قبلها‪ ،‬وهذا كقولهم‪:‬‬
‫جبد وجذب‪.‬‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه سئل‪ :‬أي الناس افضل? فقال‪:‬‬
‫ب‪ ،‬قالوا‪ :‬هذا الصادق اللسان قد عرفناه فما‬
‫الصادق الِلسان المخموُم القل ِ‬
‫ل في ول حسد‪.‬‬
‫غّ‬
‫المخموم القلب? قال‪ :‬هو النقي الذي ل ِ‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬التفسير هو في الحديث‪ ،‬وكذلك هذا عند العرب‪ ،‬ولهذا‬
‫خمامة‪ ،‬وهي مثل الُقمامة‬
‫قيل‪ :‬خمعت البيت‪ -‬إذا كنسته؛ ومنه سميت ال ُ‬
‫والُكناسة‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أن امرأة أتته فقالت‪ :‬إني‬
‫ك‪،‬‬
‫ك غائب ِ‬
‫رأيت في المنام كأن جائز بيتي انكسر! فقال‪ :‬خير يرّد ال علي ِ‬
‫فرجع زوجها ثّم غاب‪ ،‬فرأت مثل ذلك فلم تجد النبي عليه السلم ووجدت‬
‫أبا بكر رضي ال عنه فأخبرته فقال‪ :‬يموت زوجك‪ ،‬فذكرت ذلك للنبي‬
‫عليه السلم‪ ،‬فقال‪ :‬هل قصصِتها على أحد? قالت‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪ :‬هو كما‬
‫ك‪.‬‬
‫قيل ل ٍ‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬الجائز في كلمهم الخشبة التي يوضع عليها أطراف‬
‫الخشب‪ ،‬وهي التي تسمى بالفارسية‪ :‬تير‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه كان يتعّوذ من اليَهمَين‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬يقال‪ :‬إنهما السيل والحريق؛ ويقال في أحدهما إنه الجمل‬
‫الصؤل الهائج‪ ،‬وإنما سمي أْيهما لنه ليس مما يستطاع دفعه ول ينطق‬
‫فيكّلم أو ُيستعَتب‪ ،‬ولهذا قيل للفلة التي ل يهتدي فيها الطريق‪َ :‬يْهماء؛‬
‫قال العشى‪ :‬المتقارب‬
‫سني صوتُ فّيادها الفياد اليوم الذكر‪.‬‬
‫ويهماَء بالليل غطشى الفل‪ِ-‬ة يؤِن ُ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه أمر بالتلحي ونهى عن‬
‫القتعاط‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬أصل هذا في لبس العمائم‪ ،‬وذلك أن العمامة يقال لها‬
‫المقعطة فإذا لئها المعّتم على الرأس ولم يجعلها تحت حنهه قيل‪:‬‬
‫حيا‪ ،‬وهو‬
‫حاها تل ّ‬
‫اقتعطها‪ ،‬فهو النهي عنه؛ فإذا أدارها تحت الحنك قيل‪ :‬تل ّ‬
‫عّمة الشيطان‪ -‬يعني الولى؛ قال‬
‫المأمور به‪ .‬وكان طاؤس يقول‪ :‬تلك ِ‬
‫الشاعر‪ :‬الطويل‬
‫إذا الناس هانوا أسوة‬
‫طهية مقعوط عليها العـمـائم‬
‫عمرت لها‬
‫شفعة في ِفناء ول‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه قضى أن ل ُ‬
‫ح ول َرهِو‪.‬‬
‫طريق ول َمْنَقِبة ول رك ٍ‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬قوله‪ :‬المنقبة هي الطريق الضيق يكون بين الدارين ل‬
‫يمكن أن يسلكه أحد‪.‬‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫والُركح‪ :‬ناحية البيت من ورائه‪ .‬ورّبما كان فضاء ل بناء فيه‪.‬‬
‫جْوَبة تكون في محّلة القوم يسيل فيها ماء المطر أو غيره؛‬
‫والّرهو‪ :‬ال َ‬
‫ومنه الحديث الخر أنه قال‪ :‬ل ُيباع نقُع البئر ول َرْهُو الماء‪ .‬فمعنى‬
‫ن من كان شريكا في هذه المواضع الخمسة وليس‬
‫شفعة أ ّ‬
‫الحديث في ال ّ‬
‫بشريك في الدار نفسها فإنه ل يستحق بشيء منها شفعة‪ ،‬وهذا قول أهل‬
‫المدينة أّنهم ل يقضون بالشفعة إل للشريك المخالط؛ فأما أهل العرا ِ‬
‫ق‬
‫فإنهم يرونها لكل جار ملصق وإن لم يكن شريكا‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم‪ :‬ل َتَمككوا على غرمائكم‪ -‬أو قال‪:‬‬
‫ل تتمككوا غرماءكم‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬التمكك الستقصاء واللحاح في القتضاء واستيفاء الح ّ‬
‫ق‬
‫ك الفصيل‬
‫حتى ل يدع منه شيئا؛ وأصل هذا في الرضاع‪ ،‬يقال منه‪ :‬امت ّ‬
‫لبن أّمه‪ -‬إذا استنفذ ما في الثدي فلم يبق منه شيئا‪ ،‬وكذلك تمَككها‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه لعن القاشرة والمقشورة‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬نراه أراد هذه الُغمرة التي تعالج بها النساء وجوههن حتى‬
‫ينسحق أعلى الجلد ويبدو ما تحته من البشرة؛ وهذا شبيه بما جاء في‬
‫النامصة و المتنمصة والواشمة والموتشمة وقد فسرناه في غير هذا‬
‫الموضع‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم حين قال لعدي بن حاتم عند‬
‫إسلمه‪ :‬أما َيُفّرك إل أن يقال‪ :‬ل إله إل ال؛ هكذا يقولها بعض المحّدثين‬
‫وليس إعرابها كذلك؛ إنما هي‪ :‬أما ُيِفّرك‪ -‬بضم الياء وكسر الفاء‪ ،‬وهو‬
‫من الفرار‪ ،‬يقال منه‪ :‬قد أفررت فلنا إفرارا‪ -‬إذا فعلت به فعل ُيِفّر منه‪.‬‬
‫شْبح الذراعين‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه كان َ‬
‫جّته‬
‫شَبحت العود‪ -‬إذا ن َ‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬الشبح العريض؛ ومنه قيل‪َ :‬‬
‫شَبح‪.‬‬
‫شبوح‪ ،‬وكل شخص فهو َ‬
‫وعرضته‪ ،‬فهو شبح وَم ْ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم حين قال لسعد أبن معاذ عند حكمه‬
‫ق سبعة َأرِقعة‪.‬‬
‫ت بحكم ال من فو ِ‬
‫في بني قريظة‪ :‬لقد حكم َ‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬واحدها َرِقيع‪ ،‬وهو اسم سماء الدنيا‪ ،‬وكذلك هو في غير‬
‫هذا‪ .‬الحديث‪ ،‬وأحسبه جعلها أرِقعة لن كل واحدة منها هي َرقيع للتي‬
‫تحتها مثل منزلة هذه التي تلينا منا‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه قال‪ :‬ل تقوم الساعة حتى‬
‫يظهر الفحش والبخل ويخون المين ويؤتمن الخائن وتهلك الوعول‬
‫وتظهر التحوت‪ ،‬قالوا‪ :‬يا رسول ال! وما الوعول وما الّتحوت? قال‪:‬‬
‫الوعول وجوه الناس وأشرافهم‪ ،‬والتحوت الذين كانوا تحت أقدام الناس ل‬
‫يعلم بهم‪.‬‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫طن‬
‫وقال أبو عبيد في حديث النبي عليه السلم أنه كتب لحارثة ابن َق َ‬
‫ومن بدومة الجندل من كْلب‪ :‬إن لنا الضاحية من البعل ولكم الضامنة من‬
‫النخل ل ُتجمع سارحتكم ول ُتَعّد فارَدُتكم ول ُيحظر عليكم النبات ول‬
‫عشر البتات‪.‬‬
‫يؤخذ عليكم ُ‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬قوله‪ :‬الضاحية‪ -‬يعني الظاهرة التي في البر من النخل‪.‬‬
‫والبعل‪ :‬الذي يشرب بعروقه من غير سقي‪.‬‬
‫ضمنها أمصارهم وقراهم من النخل‪.‬‬
‫والضامنة‪ :‬ما ت ّ‬
‫وقوله‪ :‬ل تجمع سارحتكم‪ ،‬يقول‪ :‬ل يجمع بين متفرق؛ ويقال فيه قول‬
‫آخر‪ :‬إنها ل تجمع إلى المصدق عند المياه‪ ،‬ولكن يتبعها حيث كانت‬
‫فيأخذ صدقتها‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬ول ُتعّد فاردتكم‪ ،‬يقول‪ :‬ل تظم الشاة المنفردة إلى الشاة فيحتسب‬
‫بها في الصدقة‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬ول يؤخذ منهم عشر البتات‪ -‬يعني المتاع‪ ،‬يقول‪ :‬ليس عليه زكاة‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه نهى عن قصع الرطبة‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬القصع هو أن تخرجها من قشرها؛ يقال‪ :‬قصعتها أقصُعها‬
‫قصعا‪.‬‬
‫شغار في‬
‫ب ول جنب ول ِ‬
‫جَل َ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم‪ :‬ل َ‬
‫السلم‪.‬‬
‫ل الرج َ‬
‫ل‬
‫سباق الخيل وهو أن يتبع الرج ُ‬
‫قال‪ :‬الجلب في شيئين‪ :‬يكون في ِ‬
‫فرسه فيركض خلفه ويزجره وُيجِلب عليه‪ ،‬ففي ذلك معونة للفرس على‬
‫الجري‪ ،‬فنهى عن ذلك‪ .‬والوجه الخر في الصدقة أن يقدم المصّدق‬
‫فينزل موضعا ثم يرسل إلى المياه فيجلب أغنام أهل تلك المياه عليه‬
‫فيصدقها هناك فنهى عن ذلك‪ ،‬ولكن يقدم عليهم فيصدقهم على مياههم‬
‫وبأفنيتهم‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬وأما الجنب فأن يجنب الرجل خلف فرسه الذي سابق عليه‬
‫عْريا ليس عليه أحد‪ ،‬فإذا بلغ قريبا من الغاية ركب فرسه العري‬
‫فرسا ُ‬
‫فسبق عليه‪ ،‬لنه أقل إعياء وكلل من الذي عليه الراكب‪.‬‬
‫شغار فالرجل يزّوج أخته أو ابنته على أن يزوجه الخر أيضا‬
‫وأما ال ِ‬
‫ابنته أو أخته ليس بينهما مهل غير هذا‪ ،‬وهي المشاغرة؛ وكان أهل‬
‫الجاهلية يفعلونه‪ ،‬يقول الرجل للرجل‪ :‬شاغرني‪ ،‬فيفعلن ذلك فنهي عنه‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديه عليه السلم‪ :‬من أشاد على مسلم عورة يشينه‬
‫بها بغير حق شانه ال بها في النار يوم القيامة‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬قوله‪ :‬أشاد‪ -‬يعني رفع ذكره ونوه به وشهره بالقبيح؛‬
‫وكذلك كل شيء رفعته فقد أشدته؛ ول أرى البنيان المشيد إل من هذا‪،‬‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫يقال‪ :‬أشدت البنيان‪ ،‬فهو ُمشاد‪ ،‬وشّيدته فهو ُمشّيد‪ -‬إذا رفعته وأطلته‪.‬‬
‫شْيٍد) فانه من‬
‫صٍر ّم ِ‬
‫طَلٍة ّوَق ْ‬
‫شيد فمن قوله تعالى ( ّوبْئٍر ّمَع ّ‬
‫وأما البناء الَم ِ‬
‫ص‪.‬‬
‫غير المشيد‪ .‬هذا هو الذي بنى بالشيد وهو الج ّ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه كان يعّوذ الحسن والحسين‬
‫عليهم السلم‪ :‬أعيذكما بكلمات ال التاّمة من كل شيطان وهاّمة ومن كل‬
‫عين لّمة‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬الهاّمة‪ -‬يعني الواحدة من هواّم الرض‪ ،‬وهي دوابها‬
‫المؤذية‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬لّمة‪ ،‬ولم يقل‪ :‬ملّمة‪ ،‬وأصلها من ألممت إلماما فأنا ُمِلّم‪ .‬يقال ذلك‬
‫للشيء تأتيه وُتِلّم به؛ وقد يكون هذا من غير وجه‪ ،‬منها أن ل تريد‬
‫طريق الفعل‪ ،‬ولكن تريد أنها ذات لًمم فتقول على هذا المعنى‪ :‬لمة كما‬
‫قال الشاعر‪ :‬الطويل‬
‫ِكليني ِلَهّم يا أميمَة ناصـب وليل أقاسيه بطيء الكواك ِ‬
‫ب‬
‫وإنما هو منصب فأراد به ذا نصب؛ ومنه قوله عز وجل (َوأْرسَْلَنا‬
‫ح) واحدتها لقح على معنى أنها ذات لقح‪ ،‬ولو كان هذا على‬
‫ح َلَواِق َ‬
‫الّرَيا َ‬
‫معنى الفعل لقال‪ :‬ملقح‪ ،‬لنها تلقح السحاب والشجر؛ وقد روي عن عمر‬
‫ل له إل رجمتها‪.‬‬
‫ل ول مح ّ‬
‫رضي ال عنه في بعض الحديث‪ :‬ل أوتي بحا ّ‬
‫ل إن كان محفوظا وهو من أحللت المرأة لزوجها وإنما الكلم‬
‫فقال‪ :‬حا ّ‬
‫ل‪.‬‬
‫أن يقال مح ّ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم‪ :‬من بني مسجدا ولو مثل َمْفحص‬
‫قطاة بني له بيت في الجنة‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬قوله‪ :‬مفحص قطاة‪ -‬يعني موضعها الذي تجثم فيه؛ وإنما‬
‫سمي مفحصا لنها ل َتجثم حتى تفحص عنه التراب وتصير إلى موضع‬
‫مطمئن مستٍو‪ ،‬ولهذا قيل‪ :‬فحصت عن المور‪ -‬إذا أكثرت المسألة عنها‬
‫والنظر فيها حتى تصير منها إلى أن تنكشف لك إلى ما تقنع به وتطمئن‬
‫إليه منها‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه النبي عليه السلم أنه َقَنت شهرا في صلة‬
‫الصبح بعد الركوع يدعو على ِرعل وَذكوان‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬قوله‪ :‬قنت شهرا هو ههنا القيام قبل الركوع أو بعده في‬
‫صلة الفجر يدعو؛ وأصل القنوت في أشياء‪ :‬فمنها القيام‪ ،‬وبهذا جاءت‬
‫الحاديث في قنوت الصلة‪ ،‬لنه إنما يدعو قائما‪ .‬ومن أبين ذلك الحديث‬
‫ي الصلة أفضل? قال‪ :‬طول القنوت‪-‬‬
‫الخر أن النبي عليه السلم سئل‪ :‬أ ّ‬
‫يريد طول القيام‪ .‬ومنه حديث ابن عمر أنه سئل عن القنوت فقال‪ :‬ما‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫جدًا‬
‫سا ِ‬
‫ل َ‬
‫ت اَناَء اَللْي ِ‬
‫ن ُهَو َقاِن ٌ‬
‫أعرف القنوت إل طول القيام ثم قرأ (آّم ْ‬
‫ّوَقائِمًا)‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬وقد يكون القنوت في حديث ابن عمر هذا الصلة‬
‫كلها‪ ،‬أل تراه يقول‪ :‬ساجدا وقائما? ومما يشهد على هذا الحديث عن‬
‫النبي عليه السلم قال‪َ :‬مَثل المجاهد في سبيل ال كمثل القانت الصائم‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬يريد بالقانت المصلي ولم يرد القيام دون الركوع والسجود‪.‬‬
‫وقد يكون القنوت أن يكون ممسكا عن الكلم في صلته‪ .‬ومنه حديث‬
‫زيد بن أرقم قال‪ :‬كنا نتكلم في الصلة يكلم أحدنا صاحبه إلى جنبه حتى‬
‫ن*) فأمرنا بالسكوت وُنهينا عن الكلم‪.‬‬
‫ل َقاِنتْي َ‬
‫نزلت هذه الية (َوُقْوُمْوا ِ‬
‫ل ّلُه‬
‫والقنوت أيضا الطاعة ل تعالى في قول عكرمة في قوله تعالى (ك ّ‬
‫ن*)‪ .‬قال الطاعة‪.‬‬
‫َقاِنُتْو َ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه قال‪ :‬الكّيس من دان نفسه‬
‫وعمل لما بعد الموت‪ ،‬والحمق من أتبع نفسه‪ ،‬هواها وتمنى على ال‪.‬‬
‫سه‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫قوله‪ :‬دان نفسه‪ ،‬الدين يدخل في أشياء‪ ،‬فقوله ههنا‪َ :‬دان نف َ‬
‫أذلها‪ -‬أي استعبدها‪ ،‬يقال‪ِ :‬دنت القوم أدينهم‪ -‬إذا فعلت ذلك بهم؛ قال‬
‫العشى يمدح رجل‪ :‬الخفيف‬
‫ب اذكر هوا‬
‫هو دان الِربا َ‬
‫ن دراكا بـغـزوة وصـيا ِ‬
‫ل‬
‫الدي‬
‫ثم دانت بعَد الربا ُ‬
‫ب‬
‫كعـذاب عـقـوبة القـوا ِ‬
‫ل‬
‫وكـانـت‬
‫ب‪ -‬أي ذلت له‬
‫فقال‪ :‬هو دان الرباب‪ -‬يعني أذلها‪ ،‬ثم قال‪ :‬دانت بعُد الربا ُ‬
‫وأطاعته؛ والدين ل تعالى من هذا إنما هو طاعته والتعبد له؛ والدين‬
‫حُرٌم َذِل َ‬
‫ك‬
‫أيضا الحساب‪ ،‬قال ال تبارك وتعالى في الشهور (ِمْنَها أْرَبَعٌة ُ‬
‫ن الَقّيُم) ولهذا قيل ليوم القيامة‪ :‬يوم الدين‪ ،‬إنما هو يوم الحساب؛ وأما‬
‫الّدْي ُ‬
‫قول القطامي‪ :‬الكامل‬
‫ل من فؤادك بعد‬
‫ت الَمقات َ‬
‫رم ِ‬
‫كانت نواُر تـديُنـك الديانـا‬
‫ما‬
‫فهذا من الذلل أيضا‪ .‬وقد يكون قوله‪ :‬من دان نفسه‪ -‬أي من حاسبها‬
‫من الحساب‪ .‬والدين أيضا الجزاء‪ ،‬من ذلك قولهم‪ :‬كما َتدين ُتدان‪ ،‬والدين‬
‫الحال‪ .‬قال لي أعرابي‪ :‬لو رأيتني على دين غير هذه‪ -‬أي حال غير هذه‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه قال‪َ :‬مثل المؤمن واليمان‬
‫خّيته وإن المؤمن يسهو ثم‬
‫خّيته يجول ثم يرجع إلى أ ِ‬
‫كمثل الفرس في أ ِ‬
‫يرجع إلى اليمان‪.‬‬
‫خّية العروة التي تشد بها الدابة وتكون‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬قوله‪ :‬في أخيته؛ ال ِ‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫سّلة مثنية في الرض‪.‬‬
‫في وتد أو َ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه دخلت عليه عجوز فسأل بها‬
‫حسن العهد‬
‫فأحفى السؤال وقال‪ :‬إنها كانت تأتينا في زمان خديجة وإن ُ‬
‫من اليمان‪.‬‬
‫حفاظ وِرعاية الحرمة‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬العهد في أشياء مختلفة‪ ،‬فمنها ال ِ‬
‫والحق‪ ،‬وهو هذا الذي في الحديث؛ ومنها الوصية‪ ،‬وهو أن يوصي‬
‫الرجل إلى غيره كقول سعد حين خاصم عبد بن زمعة في ابن أمته فقال‪:‬‬
‫ي فيه؛ وقال ال تبارك‬
‫ي فيه أخي‪ -‬أي أوصى إل ّ‬
‫ابن أخي عهد إل ّ‬
‫عَهْد إَلْيُكْم َيا َبِني لَدَم) يعني الوصية والمر؛ ومن العهد‬
‫وتعالى (أ َلْم أ ْ‬
‫ن*) وقال‪َ( :‬فأِتّموْا‬
‫ظالِمْي َ‬
‫عْهِدي ال ّ‬
‫ل َ‬
‫ل َيَنا ُ‬
‫أيضا المان‪ ،‬قال ال تعالى‪َ ( :‬‬
‫عْهَدُهْم إلى ُمّدِتِهْم)؛ ومن العهد أيضا اليمين يحلف بها الجل‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫إَلْيِهْم َ‬
‫ل على حال أو في مكان‪،‬‬
‫على عهد ال؛ ومن العهد أيضا ان تعهد الرج َ‬
‫فيقول‪ :‬عهدي به في مكان كذا وكذا وبحال كذا وكذا‪ ،‬وعهدي به يفعل‬
‫كذا وكذا؛ وأما قول الناس‪ :‬أخذت عليه عهد ال وميثاقه‪ ،‬فان العهد ههنا‬
‫اليمين‪ -‬وقد ذكرناه‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أن النواس بن سمعان سأله عن‬
‫ك في نفسك وكرهت أن‬
‫البر والثم‪ ،‬فقال‪ :‬البر حسن الخلق والثم ماح ّ‬
‫يطلع عليه الناس‪.‬‬
‫ك في نفسي الشيء‪-‬‬
‫ك في نفسكن يقال‪ :‬ما ح ّ‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬قوله‪ :‬ما ح ّ‬
‫إذا لم تكن منشرح الصدر به وكان في قلبك منه شيء‪ .‬ومنه حديثه‬
‫ك في صدرك وإن أفناك عنه الناس وأفنوك‪.‬‬
‫الخر‪ :‬الثم ما ح ّ‬
‫حّراز القلوب‪ -‬يعني ما حّز في نفسك وح ّ‬
‫ك‬
‫ومنه حديث عبد ال‪ :‬الثم َ‬
‫فاجتنبه فانه الثم‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه قال‪ :‬الحج المبرور ليس له‬
‫ج‪.‬‬
‫ج والث ّ‬
‫ثواب دون الجنة‪ ،‬قالوا‪ :‬يا رسول ال! وما بره? قال‪ :‬الع ّ‬
‫ج‪ -‬يعني رفع الصوت بالتلبية؛ ومنه الحديث‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬قوله‪ :‬الع ّ‬
‫الخر أن جبريل عليه السلم أتى النبي عليه السلم فقال‪ُ :‬مْر أصحابك‬
‫برفع الصوت بالتلبية فانه من شعار الحج‪ .‬يقال منه‪ :‬عجبت فأنا أع ّ‬
‫ج‬
‫عجيجا‪.‬‬
‫جا و َ‬
‫عّ‬
‫ج‪ -‬يعني نحر البل وغيرها‪ ،‬وأن يثجوا دماءها وهو السيلن؛‬
‫وقوله‪ :‬والث ّ‬
‫جاجًا)‪ .‬وكذلك‬
‫ت َماًء َث ّ‬
‫ن اْلُمْعصَِرا ِ‬
‫ومنه قول ال عز وجل (َوأْنَزْلَنا ِم َ‬
‫جا‪ -‬يعني سيلنه‬
‫جه ث ّ‬
‫حديثه الخر حين سألته المستحاضة فقالت إني أُث ّ‬
‫وكثرته‪.‬‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه كان يقول‪ :‬اللهم إني أسألك‬
‫غنى مولي‪.‬‬
‫غناي و ِ‬
‫ِ‬
‫غنى مولي‪ ،‬المولى عند كثير من الناس هو ابن‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬قوله‪ِ :‬‬
‫ي للنسان هو موله‪،‬‬
‫ل ول ّ‬
‫ي فك ّ‬
‫صة وليس هو كذلك‪ ،‬ولكنه الول ّ‬
‫العم خا ّ‬
‫مثل الب والخ وابن الخ والَعم وابن العم وما وراء ذلك من العصبة‬
‫ن َوَراِئي) ومما يبين لك‬
‫ي ِم ْ‬
‫ت اْلَمَواِل َ‬
‫خْف ُ‬
‫كّلهم؛ ومنه قوله تعالى‪َ( :‬وإّني ِ‬
‫ل َولي حديث النبي عليه السلم‪ :‬أّيما امرأة نكحت بغير أمر‬
‫ن المولى ك ّ‬
‫أّ‬
‫ل ( َيْوَم َ‬
‫ل‬
‫مولها فنكاحها باطل؛أراد بالمولى الَولي‪ .‬وقال الل ه عز وج ّ‬
‫شْيئًا)‪ .‬فنراه إنما عني ابن العم خاصة دون سائر‬
‫ن ّمْوَلى َ‬
‫عْ‬
‫ي َمْوَلى َ‬
‫ُيْغِن ْ‬
‫أهل بيته‪ .‬وقد يقال للحليف أيضا مولى؛ قال النابغة الجعدي‪ :‬الطويل‬
‫ف ل َموالي قرابٍة ولكن َفطينًا يسألون التاويا‬
‫حل ٍ‬
‫ي ِ‬
‫موال َ‬
‫والتاوي جمع إتاوة وهي الخراج‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم نهانا رسول ال صلى ال عليه‬
‫جْدنا َمرافقهم‬
‫وسلم عن أن نستقبل القبلة ببول أو غائط‪ ،‬فلما َقِدمنا الشام َو َ‬
‫قد اسُتقبل بها القبلة فكّنا ننحرف وَنستغفر ال‪.‬‬
‫ف‪ ،‬واحدها ِمْرَفق ويروى أيضا‪:‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬قوله‪ :‬مرافقهم‪ -‬يعني الُكُن َ‬
‫وجنا مراحيضهم قد اسُتْقِبل بها القبلة؛ فهي تلك أيضا واحدها مرحاض‪.‬‬
‫وهي المذاهب أيضا‪ ،‬واحدها مذهب‪ .‬ومنه الحديث الذي يرويه عنه‬
‫المغيرة بن شعبة أنه كان معه في سفره‪ ،‬قال‪ :‬فنزل فأبعد المذهب‪ .‬وكل‬
‫هذا كتابة عن موضع الغائط‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم الذي يرويه أبو أيوب قال‪ :‬ما‬
‫أدري ما أصنع بهذه الكرابيس‪ ،‬وقد نهى رسول ال عليه السلم أن‬
‫تستقبل القبلة ببول أو غائط‪.‬‬
‫فالكرابيس واحدها ِكرباس‪ ،‬وهو الكنيف الذي يكون مشرفا على سطح‬
‫بقناة إلى الرض‪ ،‬فإذا كان أسفل فليس بكرباس‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه كان ُيدِلع لسانه للحسن بن علي‬
‫حمرَة اللسان بهش إليه‪.‬‬
‫عليهما السلم فإذا رأى الصبي ُ‬
‫قوله‪ :‬بِهش إليه‪ ،‬يقال للنسان إذا نظر إلى الشيء فأعجبه فاشتهاه فتناوله‬
‫وأسرع إليه وفرح به‪ :‬فقد بهش إليه؛ وقال المغيرة بن حبنأ التميمي يمدح‬
‫رجل‪ :‬الطويل‬
‫سبقت الرجال الباهشين إلى‬
‫سـبـا ُ‬
‫ق‬
‫ِفعال ومجدا والِفعـال ِ‬
‫الندى‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديث النبي عليه السلم أنه قرأ عليه أبي فاتحة‬
‫الكتاب فقال‪ :‬والذي نفسي بيده! ما أنزل ال في التوراة ول في النجيل‬
‫ول في الزبور ول في الفرقان مثلها‪ ،‬إنها السبع من المثاني والقرآن‬
‫العظيم الذي أعطيت قال أبو عبيد‪ :‬وجدت المثاني على ما جاء في‬
‫الثار‪ ،‬وتأويل القرآن في ثلثة أوجه‪ :‬فهي في أحدها القرآن كله‪ ،‬منها‬
‫ي َتْقشَِعّر‬
‫شاِبهًا ّمَثاِن َ‬
‫ث ِكتبًا ّمَت َ‬
‫حِدْي ِ‬
‫ن اْل َ‬
‫سَ‬
‫حَ‬
‫لأْ‬
‫ل َنّز َ‬
‫قول ال عز وجل (َا ُ‬
‫ِمْنُه) فوقع المعنى على القرآن كله؛ قال أبو عبيد‪ :‬ويقال‪ :‬إنما سمى‬
‫المثاني لن القصص والنباء ُثّنيت فيه‪ ،‬ومنه هذا الحديث أيضا‪ .‬أل‬
‫تسمع إلى قوله‪ :‬إنها السبع من المثاني? يريد تأويل قوله تعالى‪َ( :‬وَلَقْد‬
‫ظْيَم*)‪ .‬والمعنى‪ -‬وال أعلم‪ -‬أنها‬
‫ن الَع ِ‬
‫ن الَمَثاِني َواْلَقَرآ َ‬
‫سْبَعا ّم َ‬
‫ك َ‬
‫آَتْيَنا َ‬
‫السبع اليات من القرآن‪ ،‬وهي في العدد ست‪ ،‬وقال النبي عليه السلم‪:‬‬
‫حْيم* فإنها تعد آية في فاتحة‬
‫ن الّر ِ‬
‫حم ِ‬
‫ل الّر ْ‬
‫سِم ا ِ‬
‫سبع‪ ،‬ويروى أن السابعة ِب ْ‬
‫الكتاب خاصة ل غير‪ ،‬يحقق ذلك حديث ابن عباس في قوله‪َ :‬وَلَقْد آَتْيَنا َ‬
‫ك‬
‫عّد‬
‫ي ابن عباس و َ‬
‫ن اْلَمَثاني‪ ،‬قال‪ :‬هي فاتحة الكتاب‪ .‬وقرأها عل ّ‬
‫سْبَعًا م َ‬
‫َ‬
‫فيها بسم ال الرحمن الرحيم‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬فهذا أجود الوجوه من المثاني‬
‫انه القرآن كله؛ وقال بعض الناس‪ :‬بل فاتحة الكتاب هي السبع المثاني‪،‬‬
‫واحّتج بأنها تثنى في الصلة في كل ركعة؛ وفي وجه آخر أن المثاني ما‬
‫صل من السور‪ ،‬ومنه حديث علقمة حين قدم‬
‫كان دون المئين وفوق الُمَف ّ‬
‫مكة فطاف بالبيت أسبوعا ثم صلى عند المقام ركعتين فقرأ فيهما بالسبع‬
‫طول‪ ،‬ثم طاف أسبوعا ثم صلى ركعتين قرأ فيهما بالمئين‪ ،‬ثم طاف‬
‫ال ّ‬
‫أسبوعا ثم صلى ركعتين قرأ فيهما بالمثاني‪ ،‬ثم طاف أسبوعا ثم صلى‬
‫ركعتين قرأ فيهما بالمفصل‪ .‬ومن ذلك حديث ابن عباس رضي ال عنهما‬
‫حين قال لعثمان‪ :‬ما حملكم على أن عمدتم إلى سورة براءة وهي من‬
‫المئين والى النفال وهي من المثاني فقرنتم بينهما ولم تجعلوا بينهما‬
‫سطر بسم ال الرحمن الرحيم‪ ،‬فجعلتموها في السبع الطوال‪ ،‬فقال عثمان‪:‬‬
‫إن رسول ال عليه السلم كان إذا أنزلت عليه السورة أو الية يقول‪:‬‬
‫اجعلوها في الموضع الذي يذكر فيه كذا وكذا‪ ،‬وتوفى رسول صلى ال‬
‫عليه وآله وسلم ولم يبن لنا‪ -‬أحسبه قال‪ :‬أين نضعها? وكانت قصتها‬
‫ت بينهما‪.‬‬
‫شبيهة بقصتها فلذلك قرن ُ‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬فالمثاني في هذين الحديثين تأويلهما فيما نقص عن المئين‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه قال‪ :‬بئسما لحدكم أن يقول‪:‬‬
‫نسيت آية كيت وكيت‪ ،‬ليس هو نسي ولكنه نسي‪ ،‬واستذكروا القرآن أشد‬
‫تفضيا من صدور الرجال من النعم من عقلها‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬يقال‪ :‬إن وجه هذا الحديث إنما هو على التارك لتلوة‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫القرآن الجافي عنه‪ ،‬ومما يبين ذلك قوله‪ :‬واستذكروا القرآن؛ وفي حديث‬
‫آخر‪ :‬تعهدوا القرآن! فليس يقال هذا إل للتارك؛ وكذلك حديث الضحاك‬
‫بن مزاحم‪ :‬ما من أحد تعلم القرآن ثم نسيه إل بذنب يحدثه‪ ،‬لن ال‬
‫ت أْيِدْيُكْم) وإن‬
‫سَب ْ‬
‫ن ّمصِْيَبٍة َفِبَما َك َ‬
‫صاَبُكْم ّم ْ‬
‫تبارك وتعالى يقول‪َ( :‬وَما َأ َ‬
‫نسيان القرآن من أعظم المصائب‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬إنما هذا على الترك‪ ،‬فأما الذي هو دائب في تلوته‬
‫حريص على حفظه إل النسيان يغلبه فليس من ذلك في شيء‪ .‬ومما يحقق‬
‫ذلك أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قد كان ينسى الشيء من القرآن‬
‫حتى يذكره‪ .‬ومن ذلك حديث عائشة أن النبي صلى ال عليه وسلم سمع‬
‫ت كن ُ‬
‫ت‬
‫قراءة رجل في المسجد فقال‪ :‬ما له رحمه ال! لقد أذكرني آيا ٍ‬
‫نسيُتها من سورة كذا وكذا‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أن رجل أتاه بضباب قد احترشها‬
‫ل هذه منها‪.‬‬
‫خت فل أدري لع َ‬
‫سَ‬
‫فقال‪ :‬إن أمة ُم ِ‬
‫ب فيدخل فيه عودا‬
‫جحر الض ّ‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬قوله‪ :‬احترشها‪ ،‬هو أن يأتي ُ‬
‫ب فيظن أن حية تريد أن تدخل عليه‬
‫أو شيئا فيحّركه حتى يسمع الض ّ‬
‫حَر‪ -‬والحّية زعموا أنها تدخل عليه الجحر‪ -‬فيستخرجه منه‪ ،‬قال‪:‬‬
‫جْ‬
‫ال ُ‬
‫ومنه قيل هذا المثل‪ :‬أظلم من الحسّية‪ -‬فإذا سمع تلك الحركة أخرج ذنبه‬
‫إليها ليضربها به‪ ،‬فربما قطعها باثنتين‪ ،‬فإذا رآه المحترش قد أخرج ذنبه‬
‫قبض عليه حتى يجتذبه؛ فهكذا يحترش الضباب فيما تقول العراب‪ .‬وفي‬
‫هذا الحديث من الفقه أنه لم يدع أكل الضب على التحريم له ولكن للتقّدر‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم في الضالة إذا كتمها قال‪ :‬فيها‬
‫جدت عنده فعليه مثلها‪ .‬قال أبو‬
‫قرينتها مثلها إن أّداها بعد ما كتمها أو ُو ِ‬
‫عبيد‪ :‬قوله‪ :‬فيها قرينتها مثلها‪ ،‬يقول‪ :‬إن وجد رجل ضالة وهي من‬
‫الحيوان خاصة‪ ،‬كأنه يعني البل والبقر والخيل والبغال والحمير‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫ل؛ وقال‪ :‬ضالة‬
‫فكان ينبغي له أن ل يؤوبها فانه ل يؤوى الضالة إل ضا ّ‬
‫المسلم حرق النار؛ فان لم ينشدها حتى توجد عنده أخذها صاحبها وأخذ‬
‫أيضا منه مثلها‪ ،‬وهذا عندي على وجه العقوبة والتأديب له‪ ،‬وهذا مثل‬
‫قوله في منع الصدقة‪ :‬إنا آخذوها وشطر إبله عزمة من عزمات ربنا؛‬
‫وهذا كما قضي عمر رضي ال عنه على حاطب وكان عبيده سرقوا ناقة‬
‫ي! وقال‬
‫لرجل من مزينة فنحروها‪ ،‬فأمر عمر بقطعهم ثم قال‪ :‬ردوهم عل ّ‬
‫لخاطب‪ :‬إني أراك تجيعهم‪ ،‬ثم قال للمزني‪ :‬كم كانت قيمة ناقتك? قال‪:‬‬
‫ت مني بأربعمائة درهم‪ ،‬فقال لحاطب‪ :‬اذهب فادفع إليه ثماني مائة‬
‫طِلَب ْ‬
‫ُ‬
‫درهم! فأضعف عليه القيمة عقوبًة له‪ ،‬ل أعرف للحديث وجها غير هذا؛‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬وليس الحكام اليوم على هذا‪ ،‬إنما يلزمونه القيمة‪.‬‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم حين ذكر أشراط الساعة فقال‪ :‬من‬
‫أشراطها كذا وكذا وأن ينطق الّرَوْيِبضة‪ ،‬قيل‪ :‬يا رسول ال! وما‬
‫الرويبضة? فقال‪ :‬الرجل التافه ينطق في أمر العامة‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬التافه‪-‬يعني الخسيس الخامل من الناس‪ ،‬وكذلك كل خسيس‬
‫فهو تافه؛ ومنه قول إبراهيم‪ :‬تجوز شهادة العبد في الشيء التافه؛ ومنه‬
‫ن‪ .‬وتأويل حديث النبي عليه‬
‫قول عبد ال في القرآن‪ :‬ل ينفعه ول يتشا ّ‬
‫السلم هذا مثل الحديث الخر‪ :‬ل تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس‬
‫لَمة‪ :‬يا َلكاع! ويروى‬
‫بالدنيا ُلَكع بن ُلَكع‪ ،‬وهو العبد والسفلة؛ ومنه قيل ل َ‬
‫عن عمر أنه كان إذا رأى أَمة متقّنعة ضربها بالدرة وقال‪ :‬يا لِكاع!‬
‫شّبهين بالحرائر? يقول‪ :‬اكشفي رأسك! وكذلك يقال للرجل‪ :‬يا خَُبث‪،‬‬
‫أَت َ‬
‫غداِر؛ ومن الغدر حديث المغيرة بن‬
‫غَدر و َ‬
‫خباث‪ ،‬وكذلك ُ‬
‫وللنثى‪ :‬يا َ‬
‫شعبة ورأى عروة بن مسعود عمه يكّلم النبي عليه السلم يتناول لحيته‬
‫سها‪ ،‬فقال! أمسك يدك عن لحية النبي عليه السلم قبل أن ل تصل‬
‫يم ّ‬
‫غَدر! وهل غسلت رأسك من غدارتك إل بالمس‪.‬‬
‫إليك! فقال عروة‪ :‬يا ُ‬
‫ومما يثبت حديث الرويضة الحديث الخر أنه قال‪ :‬من أشراط الساعة أن‬
‫ُيرى رعاء الشاة رؤوس الناس‪ ،‬وأن يرى العراة الجّوع يتبارون في‬
‫البناء‪ ،‬وأن تلد المرأة رّبها أو رّبتها‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه بعث مصّدقا فانتهى إلى رجل‬
‫من العرب له إبل فجعل يطلب في إبله فقال له‪ :‬ما تنظر? فقال‪ :‬بنت‬
‫مخاض أو بنت لبون‪ ،‬فقال‪ :‬إني لكره أن أعطي ال من مالي ما ل ظهر‬
‫فيركب ول لبن فيحلب فاخترها ناقة‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬قوله‪ :‬فاخترها ناقة‪ ،‬يقول‪ :‬فاختر منها ناقة! والعرب‬
‫تقول‪ :‬اخترت بني فلن رجل‪ -‬يريدون اخترت منهم رجل؛ قال ال عز‬
‫ل ّلِمْيَقاِتَنا) يقال‪ :‬هو في التفسير‪:‬‬
‫جً‬
‫ن َر ُ‬
‫سْبِعْي َ‬
‫خَتاَر ُمْوسى َقْوَمُه َ‬
‫وجل (َوا ْ‬
‫إنما هو اختار موسى من قومه سبعين رجل‪ ،‬وقال الراعي يمدح رجل‪:‬‬
‫البسيط‬
‫واعتل من كان ُيرجى عنده‬
‫اخترتك الناس إذ َرّث ْ‬
‫ت‬
‫سو ُ‬
‫ل‬
‫ال ّ‬
‫خلئُقـهـم‬
‫ويقال‪ :‬اخترتك من الناس‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه سئل عن البل فقال‪ :‬أعنان‬
‫الشياطين ل تقبل إل مولية ول تدبر إل مولية ول يأتي نفعها إل من‬
‫جانبها الشأم‪.‬‬
‫قوله‪ :‬أعنان الشياطين‪ -‬بلغني عن يونس ب حبيب البصري أنه قال‪:‬‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫أعنان كل شيء نواحيه‪ ،‬وأما الذي نحكيه نحن فأعناه الشيء نواحيه‪ -‬قاله‬
‫أبو عمرو وغيره من علمائنا‪ ،‬فان كانت العنان محفوظة فانه أراد أن‬
‫البل من نواحي الشياطين أنها على أخلقها وطبائعها‪ ،‬وهذا شبيه‬
‫بالحديث الخر أنها خلقت من الشياطين‪ .‬وفي حديث ثالث‪ :‬إن ذروة كل‬
‫بعير شيطانا‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬ل تقبل إل ُمَوّلية ول تدير إل ُمَوّلية‪ ،‬فهذا عندي كالمثل الذي يقال‬
‫فيها‪ :‬إنها إذا أقبلت أدبرت وإذا أدبرت‪ ،‬وذلك لكثرة آفاتها وسرعة فنائها‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬ل يأتي خيرها إل من جانبها الشأم‪ -‬يعني الشمال‪ ،‬ويقال لليد‬
‫الشمال‪ :‬الشؤمى؛ قال العشى‪ :‬الطويل‬
‫بأظمأ من فرع الذؤابة‬
‫وأنحنى على شؤَمى يديه‬
‫أسحمـا‬
‫فزادها‬
‫شَئَمِة*) يريد‬
‫ب اْلَم ْ‬
‫صحا ُ‬
‫شَئَمِة ما أ ْ‬
‫ب الَم ْ‬
‫صحا ُ‬
‫ومنه قوله عز وجل (َوَأ ْ‬
‫أصحاب الشمال‪ .‬ومعنى قوله‪ :‬ل يأتي نفعها إل من هناك‪ -‬يعني أنها ل‬
‫ُتحلب ول ُتركب إل من شمالها‪ ،‬وهو الجانب الذي يقال له‪ :‬الوحشي‪ ،‬في‬
‫قول الصمعي‪ ،‬لنه الشمال؛ قال‪ :‬واليمن هو النسي والنسي أيضا؛‬
‫وقال بعضهم‪ :‬ل‪ ،‬ولكن النسي هو الذي يأتيه الناس في الحتلب‬
‫والركوب‪ ،‬والوحشي هو اليمن‪ ،‬لن الدابة ل تؤتى من جانبها اليمن‪،‬‬
‫إنما تؤتى من اليسر‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬وهذا هو القول عندي؛ وقال زهير‬
‫يذكر بقرة أفزعتها الكلب فانصرفت فقال‪ :‬الطويل‬
‫ضِد‬
‫ي ُمَع ّ‬
‫فجالت على وحشّيها وكأنها مسربلة من رازق ّ‬
‫وقال ذو الرمة يصف ثورا في مثل تلك الحال‪ :‬البسيط‬
‫ن ل يأَتِلي المطلوب‬
‫حْب َ‬
‫َيْل َ‬
‫فانصاع جانبه الوحشي‬
‫والطل ُ‬
‫ب‬
‫وانكدرت‬
‫يعني بالطلب الكلب؛ فعلى هذا أشعارهم‪ ،‬وإنما هو الجانب الوحشي‬
‫اليمن لن الخائف اليمن إنما يفر من موضع المخافة إلى موضع المن‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه قال‪ :‬نزل القرآن على سبعة‬
‫عّلمتم‪.‬‬
‫ف‪ -‬وبعضهم يرويه‪ :‬فاقرأوا كما ُ‬
‫ف شا ٍ‬
‫أحرف كلها كا ٍ‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬قوله‪ :‬سبعة أحرف‪ -‬يعني سبع لغات من لغات العرب‪،‬‬
‫وليس معناه أن يكون في الحرف الواحد سبعة أوجه‪ ،‬هذا لم يسمع به قط‪،‬‬
‫ولكن يقول‪ :‬هذه اللغات السبع متفرقة في القرآن‪ ،‬فبعضه نزل بلغة‬
‫قريش‪ ،‬وبعضه بلغة هذيل‪ ،‬وبعضه بلغة هوازن‪ ،‬وبعضه بلغة أهل‬
‫اليمن‪ ،‬وكذلك سائر اللغات ومعانيها مع هذا كله واحد؛ ومما يبين ذلك‬
‫قول ابن مسعود‪:‬إني قد سمعت القراءة فوجدتهم متقاربين فأقرأوا كما‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫علمتم إنما هو كقول أحدكم‪ :‬هّلم وتعال؛ وكذلك قال ابن سيرين‪ :‬إنما هو‬
‫كقولك‪ :‬هّلم وتعال وأقبل‪ ،‬ثم فسره ابن سيرين فقال في قراءة ابن مسعود‬
‫حةً‬
‫صْي َ‬
‫ل َ‬
‫تإّ‬
‫ن َكاَن ْ‬
‫حَدًة)‪ .‬وفي قراءتنا (ِا ْ‬
‫ل َزْقَيًة وا ِ‬
‫تإّ‬
‫ن َكاَن ْ‬
‫(ِا ْ‬
‫حَدًة) والمعنى فيهما واحد‪ ،‬وعلى هذا سائر اللغات‪ .‬وقد روي في‬
‫ّوا ِ‬
‫حديث خلف هذا‪ .‬قال‪ :‬نزل القرآن على سبعة أحرف‪ :‬حلل وحرام‬
‫وأمر ونهي وخبر ما كان قبلكم وخبر ما هو كائن بعدكم وضرب‬
‫المثال‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬ولسنا ندري ما وجه هذا الحديث لنه شاّذ غير‬
‫مسند‪ ،‬والحاديث المسندة المثبتة ترده‪ .‬أل ترى أن في حديث عمر الذي‬
‫ذكرناه في أوله أنه قال‪ :‬سمعت هشام بن حكيم ابن حزام يقرأ سورة‬
‫الفرقان على غير ما أقرؤها‪ .‬وقد كان رسول ال صلى ال عليه أقرأنيها‪،‬‬
‫فأتيت به النبي عليه السلم فأخبرته فقال له‪ :‬اقرأ! فقرأ تلك القراءة فقال‪:‬‬
‫هكذا أنزلت‪ ،‬ثم قال‪ :‬إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرأوا ما‬
‫تيسر منه! وكذلك حديث أبي بن كعب هو مثل حديث عمر أو نحوه‪.‬‬
‫فهذا يبين لك الختلف إنما هو في اللفظ‪ .‬والمعنى واحد‪ ،‬ولم كان‬
‫الختلف في الحلل والحرام لما جاز أن يقال في شيء هو حرام‪ :‬هكذا‬
‫نزل‪ ،‬ثم يقول آخر في ذلك بعينه‪ :‬إنه حلل فيقول‪ :‬هكذا نزل‪ ،‬وكذلك‬
‫المر والنهي؛ وكذلك الخبار ل يجوز أن يقال في خبر فد مضى‪ :‬إنه‬
‫كان كذا وكذا فيقول‪ :‬هكذا نزل‪ ،‬ثم يقول الخر بخلف ذلك الخبر‬
‫فيقول‪ :‬هكذا نزل‪:‬وكذلك الخبر المستأنف كخبر يوم القيامة والجنة‬
‫والنار؛ ومن توهم أن في هذا شيئا من الختلف فقد زعم أن القرآن‬
‫يكذب بعضه بعضا ويتناقض‪ ،‬وليس يكون المعنى في السبعة الحرف إل‬
‫على اللغات ل غير بمعنى واحد‪ ،‬ل يختلف فيه في حلل ول خبر ول‬
‫غير ذلك‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬إل أنه في بعض الحديث‪ :‬نزل القرآن على‬
‫خمسة‪ ،‬وليس فيه ذكر أحرف‪ ،‬فهذا قول قد يحتمل المعنى الخر‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم‪ :‬إن من شر ما أعطي العبد‪ -‬أو‬
‫ح هالع وجبن خالع‪.‬‬
‫شّ‬
‫كلم هذا معناه‪ُ -‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬أما قوله‪ :‬الهالع فانه المحزن‪ ،‬وأصله من الجزع‪ ،‬قال أو‬
‫عبيدة‪ :‬والسم منه الُهلع‪ ،‬وهو أشد الجزع؛ وقد روي عن الحسن في‬
‫عًا*) قال‪ :‬بخيل بالخير؛ ويروى عن عكرمة‬
‫ق َهُلْو َ‬
‫خِل َ‬
‫ن ُ‬
‫سا َ‬
‫ن الْن َ‬
‫قوله (ِا ّ‬
‫في قوله‪ :‬هلوعا قال‪ :‬ضجورا؛ قال أبو عبيد‪ :‬وقد كون البخل والضجر‬
‫من الجزع‪ .‬والجبن الخالع‪ :‬الذي يخلع قلبه من شدته‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه سئل عن حريسة الجبل فقال‪:‬‬
‫جَلدات َنكال‪ ،‬فإذا آواها المراح ففيها القطع‪.‬‬
‫فيها غرم مثلها و َ‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬وإنما هذا في البل والبقر والغنم فإنها ربما أدركها الليل‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫حها فل قطع على سارقها‪ ،‬فإذا آواها‬
‫وهي في الجبل لم تصل إلى ُمرا ِ‬
‫الُمراح فكانت في حرز ولها حافظ فعلى سارقها القطع‪ .‬وفي هذا الحديث‬
‫من الفقه أنه حيث ذكر القطع لم يذكر غرم السارق‪.‬‬
‫جفال‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم حين ذكر الدجال فقال‪ٌ :‬‬
‫شعر‪ -‬في صفة ذكرها‪.‬‬
‫ال َ‬
‫جفال‪ -‬يعني الكثير الشعر؛ قال ذو الرمة يصف‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬قوله‪ :‬ال ُ‬
‫شعرا‪ :‬الوافر‬
‫جفال‬
‫سدرا ُ‬
‫ن ُمْن َ‬
‫على المتني ِ‬
‫سَبِكـّرا‬
‫وأسود كالساوِد ُم ْ‬
‫المسبكر‪ :‬المسترسل‪ ،‬وقد يكون أيضا‪ :‬المعتدل المستقيم‪ -‬في غير هذا‬
‫الموضع؛ والمنسدر‪ :‬المنتصب‪ ،‬وبعضهم يرويه‪ :‬منسدل‪ -‬من السدل‪،‬‬
‫حُبك‪ .‬يقال‪ :‬هي‬
‫وهما سواء‪ .‬وفي حديث آخر في الدجال‪ :‬رأسه ُ‬
‫ك)‪.‬‬
‫حُب ِ‬
‫ت اْل ُ‬
‫سَماِء ذا ِ‬
‫الطرائق‪ ،‬ومنه قوله تعالى ( َوال ّ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه قال‪ :‬ليس أحد يدخل الجنة‬
‫بعمله‪ ،‬قيل‪ :‬ول أنت يا رسول ال? قال‪ :‬ول أنا إل أن يتغّمدني ال‬
‫برحمته‪.‬‬
‫شيني؛ قال العجاج‪ :‬الرجز‬
‫قال الصمعي‪ :‬يتغمدني‪ ،‬يلبسني ويغ ّ‬
‫جونا ِمرَدسا‬
‫ُيَغّمد العداَء ُ‬
‫قال‪ :‬يعني أنه يلقى نفسه عليهم ويركبهم ويغشيهم نفسه ويقبل عليهم‪،‬‬
‫والمردس‪ :‬الحجر الذي يرمى به‪ ،‬يقال‪َ :‬رَدست أرِدس ردسا‪ -‬إذا رميت‬
‫به‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬ول أحسب قوله‪ :‬يتغمدني‪ ،‬إل مأخوذا من غمد السيف‪،‬‬
‫شيته به‪.‬‬
‫لنك إذا أغمدته فقد ألبسته إياه وغ ّ‬
‫خِنز الطعام‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم‪ :‬لو ل بنو إسرائيل ما َ‬
‫خِنز‪ -‬يعني أنتن؛‬
‫ول أنتن اللحم‪ ،‬كانوا يرفعون طعام يومهم لغدهم‪ .‬قوله‪َ :‬‬
‫خِنز يخَنز وخَزن يخَزن‪ -‬مقلوب‪ ،‬كقولهم‪ :‬جبذ وجذب؛‬
‫وفيه لغتان‪ :‬يقال‪َ :‬‬
‫قال طرفة‪ :‬الرمل‬
‫إنما يخزن لحم المدخْر‬
‫ثم ل يخزن فينا لحمها‬
‫صّ‬
‫ل‬
‫ل اللحم وأ َ‬
‫وفي نتن اللحم أيضا لغات في غير هذا الحديث‪ ،‬يقال‪ :‬ص ّ‬
‫خّم وأخّم وَثِنت وَنِثت‪ ،‬كل هذا إذا أروح وتغير‪.‬‬
‫وَ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم حين ذكر المدينة فقال‪ :‬من أحدث‬
‫فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة ال إلى يوم القيامة ل يقبل منه صرف‬
‫ول عدل‪.‬‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫قال ‪ :‬الصرف التوبة‪ ،‬والعدل الفدية؛ قال أبو عبيد‪ :‬وفي القرآن ما‬
‫خذ‬
‫ل ُيْؤ َ‬
‫ل ّ‬
‫عْد ٍ‬
‫ل َ‬
‫ل ُك ّ‬
‫ن َتْعِد ْ‬
‫يصدق هذا التفسير قوله تعالى‪َ( :‬وِا ْ‬
‫عة) فهذا من قول النبي‬
‫شَفا َ‬
‫ل َتْنَفُعَها َ‬
‫ل ّو َ‬
‫عْد ٌ‬
‫ل ِمْنَها َ‬
‫ل ُيْقَب ُ‬
‫ِمْنَها) وقوله‪َ ( :‬و َ‬
‫عليه السلم‪ :‬ل يقبل منه عدل‪ .‬وأما الصرف فل أدري قوله‪َ( :‬فَما‬
‫صرًا) من هذا أو ل؛ وبعض الناس يحمله على‬
‫ل َن ْ‬
‫صْرفًا ّو َ‬
‫ن َ‬
‫طْيُعو َ‬
‫سَت ِ‬
‫َت ْ‬
‫هذا؛ ويقال‪ :‬إن الصرف النافلة والعدل الفريضة‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬والتفسير‬
‫الول أشبه بالمعنى‪ .‬وقوله‪ :‬من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا‪ ،‬فان‬
‫الحدث كل حد ل تعالى يجب على صاحبه أن يقام عليه؛ وهذا شبيه‬
‫بحديث ابن عباس في الرجل يأتي حدا من حدود ال تعلى ثم يلجأ إلى‬
‫الحرام أنه قال‪ :‬ل يقام عليه الحد في الحرم‪ ،‬ولكنه ل يجالس ول يبايع‬
‫ول يكلم حتى يخرج منه ‪ ،‬فإذا خرج منه أقيم عليه الحد‪ ،‬فجعل النبي‬
‫عليه السلم حرمة المدينة كحرمة مكة في المأثم في صاحب الحد أن ل‬
‫يؤويه أحد حتى يخرج منها فيقام عليه‪ ،‬وليس حكمها في الحدود في الدنيا‬
‫سواء لن الحدود ل يقام بمكة إل لمن أصابها بمكة ولكنها في المأثم‬
‫سواء‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه كره عشر خلل منها تغيير‬
‫ي غير ُمحّرمه‪.‬‬
‫الشيب‪ -‬يعني نتفه وعزل الماء عن محّله وإفساد الصب ّ‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬أما تغيير الشيب‪ ،‬فان تفسيره في الحديث أنه نتفه‪ .‬وأما‬
‫عزل الماء عن محّله‪ ،‬فانه العزل عن النساء في النكاح‪.‬‬
‫ي أن يجامع الرجل‬
‫ي غير ُمحّرمه‪ ،‬فِان إفساد الصب ّ‬
‫وأما إفساد الصب ّ‬
‫امرأته وهي ترضع‪ ،‬وهو الَغيل والِغيلة‪ .‬ومنه حديث النبي عليه السلم‪:‬‬
‫ت أن أنهي عن الِغيلة‪ ،‬وقد ذكرناه في غير هذا الموضع‪ .‬وقوله‪:‬‬
‫لقد همم ُ‬
‫غير محّرمه‪ -‬يعني أنه كرهه ولم يبلغ به التحريم‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم‪ :‬ما من أمير عشرة إل وهو يجيء‬
‫يوم القيامة مغلولة يداه إلى عنقه حتى يكون عمله هو الذي يطلقه أو‬
‫يوتغه‪.‬‬
‫قوله‪ :‬يطلقه‪ -‬يعني ينجيه‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬يوتغه‪ -‬يعني يهلكه؛ يقال‪ :‬وِتَغ الرجل َيْوَتغ َوْتغا‪ -‬إذا هلك‪،‬‬
‫وأوتغه غيره‪ .‬ويكون أيضا أن يتغيه غيره في معنى يوتغه‪ .‬وبعضهم‬
‫يرويه بالقاف‪ ،‬فأما من رواه بالقاف‪ ،‬فانه ل وجه له عندنا ول نعرفه‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم قال‪ :‬على قافية رأس أحدكم ثلث‬
‫ضأ وصّلى انحّلت عقدة‪.‬‬
‫عَقد‪ .‬فإذا قام من الليل فتو ّ‬
‫ُ‬
‫ن معنى الحديث أن على قفا أحدكم‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬القافية هي القفا‪ ،‬فكأ ّ‬
‫ف من بيت الشعر قافية لنه‬
‫ثلث عقد للشيطان؛ وإنما قيل لخر حر ٍ‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫ت فهي قافية‪.‬‬
‫خلف البيت كله‪ ،‬وكل كلمة تقفو البي َ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه قيل له في المسجد‪ :‬يا رسول‬
‫ال! ِهْده‪ ،‬فقال‪ :‬بل عرش كعرش موسى عليه السلم‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬قوله‪ِ :‬هْده؛ كان سفيان بن عيينة يقول‪ :‬معناه أصلحه‪،‬‬
‫وتأويله كما قال‪ ،‬وأصله أن يراد به الصلح بعد الهدم‪ ،‬وكل شيء‬
‫حركته فقد ِهْدَته َتِهيده َهيدا‪ ،‬فكأن المعنى أنه يهدم ثم يستأنف بناؤه‬
‫ويصلح‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه قال‪ :‬من منحه المشركون‬
‫أرضا فل أرض له‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬وجهه عندنا‪ -‬وال أعلم‪ -‬أنه الذّمي يمنح المسلم أرضا‪،‬‬
‫خراجها على‬
‫والمنيحة العارية ليزرعها؛ قوله‪ :‬فل أرض له‪ -‬يعني أن َ‬
‫خراج عنه ِمْنحته المسلَم إياها ول يكون على‬
‫رّبها المشرك‪ ،‬ول ُيسقط ال َ‬
‫المسلم خراجها؛ وهذا مثل حديثه الخر‪ :‬ليس على المسلم جزية‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم حين ذكر ال تعالى فقال‪ :‬حجابه‬
‫سُبحات وجهه ما انتهى إليه بصره‪.‬‬
‫النور لو َكشَفه لحرقت ُ‬
‫يقال في السّبحة‪ :‬إنها جلل وجهه ونوره‪ .‬ومنه قيل‪ :‬سبحان ال‪ ،‬إنما هو‬
‫سُبحات وجهه لم نسمعه إل في‬
‫تعظيم ال وتنزيهه؛ وهذا الحرف قوله‪ُ :‬‬
‫هذا الحديث‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم‪ :‬إن أكبر الكبائر أن تقاتل أهل‬
‫صفقتك وتبدل سنتك وتفارق أمتك‪.‬‬
‫قال‪ :‬قتاله أهل صفقته أن يعطي الرجل عهده وميثاقه ثم يقاتله؛ وتبديل‬
‫سنته أن يراجع أعرابيا بعد هجرته‪ ،‬ومفارقته أمته أن يلحق بالمشركين‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬وهذا التفسير كله في الحديث‪ ،‬ول أدري أهو عن الحسن‬
‫أو غيره‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم‪ :‬ل تغاّر التحية‪.‬‬
‫فالِغرار النقصان‪ ،‬وأصله من غرار الناقة‪ ،‬وهو أن ينقص لبنها‪ ،‬يقال‪ :‬قد‬
‫غاّرت الناقة‪ ،‬فهي مغاّر فمعنى الحديث أنه ل ينقص السلم‪ ،‬ونقصانه أن‬
‫يقال‪ :‬السلم عليك‪ ،‬وإذا سلم عليك أن تقول‪ :‬وعليك‪ .‬والتمام أن تقول‪:‬‬
‫السلم عليكم‪ ،‬وإذا رددت أن تقول‪ :‬وعليكم؛ وإن كان الذي يسّلم عليه أو‬
‫يرّد عليه واحدا؛ وكان ابن عمر يرّد كما يسّلم عليه‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه قال في بعض أسفاره‪َ :‬تحّينوا‬
‫نوقكم‪.‬‬
‫قال أبو عمرو‪ :‬التحيين أن تحلبها مرة واحدة‪ ،‬يقال‪ :‬قد حّينها‪ -‬إذا جعل‬
‫لها ذلك الوقت؛ قال الَمخّبل‪ :‬الطويل‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫طب‬
‫ت أربى على الَو ْ‬
‫حّين ْ‬
‫وإن ُ‬
‫عياَلـك أفـُنـهـا‬
‫إذا ُافنت أروى ِ‬
‫حْيُنها‬
‫َ‬
‫شره‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم حين قال‪ :‬فلعل طّبا أصابه ثم ن ّ‬
‫س*‪.‬‬
‫ب الّنا ِ‬
‫عْوُذ ِبَر ّ‬
‫ل َأ ُ‬
‫ِبُق ْ‬
‫حر‬
‫سْ‬
‫ب اِلسحر‪ ،‬وإنما كني عن ال ِ‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬قال الصمعي‪ :‬الط ّ‬
‫ب‪ :‬الرجل الحاذق بالمور؛ قال‬
‫ب كما كني عن اللديغ بالسليم؛ والط ّ‬
‫ط ّ‬
‫بال َ‬
‫عنترة‪ :‬الكامل‬
‫ب بأخذ الفارس المستلئِم‬
‫ط ّ‬
‫َ‬
‫إن ُتغِدقي دوني الِقناع فإّنني‬
‫لمة الدرع‪.‬‬
‫والمستلئم الذي لبس لمته‪ ،‬وال ّ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه قال‪ُ :‬يحشر الناس يوم القيامة‬
‫عْفراء كُقرصة الّنِقيّ ليس فيها َمْعَلم لحد‪.‬‬
‫على أرض بيضاء َ‬
‫عْفراء‪ ،‬العفر‪ :‬البيض ليس بشديد البياض‪.‬‬
‫قوله‪َ :‬‬
‫والنقي‪ :‬الحّواري؛ والَمْعَلُم‪ :‬الثر؛ قال الشاعر‪ :‬المديد‬
‫من نقي فوقه ُاُدُمـْه‬
‫يطعم الناس إذا أمحلوا‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه أفاض وعليه السكينة وأوضع‬
‫سر‪.‬‬
‫في وادي ُمح ّ‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬اليضاح سير مثل الخبب‪ ،‬وهو من سير البل‪ ،‬يقال له‪:‬‬
‫اليضاع؛ وقال الشاعر‪ :‬الوافر‬
‫ي ناعي‬
‫فلم أوضع فقام عل ّ‬
‫إذا ُأعطيت راحلة ورحل‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم حين دفع من عرفات الَعَنق فإذا‬
‫وجد فجوة نص‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬النص التحريك حتى يستخرج من الدابة أقصى سيرها؛ قال‬
‫الشاعر‪ :‬الرجز‬
‫وتقطع الخرق بسير ّنص‬
‫طّية فقال رسول‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم‪ :‬إنه كسا امرأة ُقب ِ‬
‫ال صلى ال عليه وسلم‪ :‬مرها فلتتخذ تحتها غللة ل تصف حجم‬
‫عظامها‪.‬‬
‫يقول‪ :‬إذا لصق الثوب بالجسد أبدى عن خلقها‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه نهى عن التّلقي وعن ذبح ذوات‬
‫ي الغنم‪.‬‬
‫الّدر وعن ذبح ّقن ّ‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬ذوات الدر ذوات اللبن‪.‬‬
‫وقني الغنم التي تقتني للولد أو اللبن؛ ويقال‪ِ :‬قنوة وُقنوة‪ ،‬والمصدر منه‬
‫الُقنيان والِقنيان؛ قال الشاعر‪ :‬البسيط‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غريب الحديث لبن قتيبة‬
‫لكان للدهر صخر مال‬
‫ل كان‬
‫لو كان للدهر ما ٌ‬
‫ُقنياِنه‬
‫ُمْتِلَده‬
‫والتلقي أن يتلقى الرجل العراب تقدم بالسلعة ول تعرف بسعر السوق‬
‫فتبيعها رخيصة‪.‬‬
‫ي فقال‪:‬‬
‫ت له الك ّ‬
‫ي برجل ُنِع َ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه أِت َ‬
‫اكووه أو ارضفوه‪.‬‬
‫فالرضف‪ :‬الحجارة تسخن ثم يكمد بها‪.‬‬
‫ضه?‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم حين قال‪ :‬أل أنبئكم ما الَع ْ‬
‫قالوا‪ :‬بلى يا رسول ال! قال‪ :‬هي النميمة‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬وكذلك هي عندنا؛ قال الشاعر‪ :‬المتقارب‬
‫ت في عقد العاضه الُمعضِه‬
‫أعوذ بربي مـن الـنـافـئا‬
‫يقال‪ :‬العضهة والعضه والعاضه من العضيهة‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم حين قال‪ :‬من رأى مقتل حمزة?‬
‫فقال رجل أعزل‪ :‬أنا رأيته‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬العزل الذي ل سلح معه؛ قال الحوص‪ :‬الكامل‬
‫ن البريء بها ونام‬
‫أِم َ‬
‫وأرى المدينة حين كنت‬
‫العز ُ‬
‫ل‬
‫أميرها‬
‫ل‪.‬‬
‫جَ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه قال لزيد‪ :‬أنت مولنا َفحَ َ‬
‫جل أن يرفع ِرجل وَيقفَز على الخرى من الفرح‪ ،‬وقد‬
‫حْ‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬ال َ‬
‫يكون بالّرجلين معا إل أنه قفز وليس بمشي‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه أتى بهدّية في أديم مقروظ‪.‬‬
‫يعني بالمقروظ المدبوغ بالَقرظ‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم‪ :‬لعن ال من غير منا الرض‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬المنار الذي يضرب على الحدود فيما بين الجار والجار‪.‬‬
‫فتغييره أن يدخله في أرض جاره ليقتطع به من أرضه شيئا فيغيره‪.‬‬
‫ب الناس على مناخرهم‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم‪ :‬وهل يك ّ‬
‫في نار جهنم إل حصائد ألسنتهم‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬الحصائد ما قاله اللسان وقطع به على الناس‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه غضب غضبا شديدا حتى تخيل‬
‫إلى أن أنفه يتمزع‪.‬‬
‫قال أبد عبيد‪ :‬ليس يتمزع بشيء‪ ،‬ولكني أحسبه يترمع من شدة الغضب‪،‬‬
‫وهو أن تراه كأنه يرعد من شدة الغضب‪.‬‬
‫شا فقضى‬
‫ش نخل أو ح ّ‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬في حديثه عليه السلم أنه أتى حائ َ‬

‫غريب الحديث لبن قتيبة‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫حاجته‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬الحائش جماعة النخل وهو البستان؛ والح