‫الكامل في اللغة والدب‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫الكامل في اللغة والدب‬
‫المبرد‬
‫كتاب يظهر موضوعه من عنوانه‪ ،‬فهو يبحث في علوم اللغة‬
‫وآدابها‪.‬‬
‫وهذا الكتاب هو أحد أصول علم الدب واركانه‪ ،‬وهو بمثابة ديوان‬
‫تخير فيه مصنفه نصوصا من أقوال العرب القدامى شعرا ونثرا‪،‬‬
‫وشرح هذه النصوص واستخرج ما فيها من فوائد ونكت تخص‬
‫اللغة والدب العربي‬
‫الجزء الول‬
‫باب‬
‫وصف رسول الله للنصار‬
‫قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للنصار في كلم جرى‪" :‬‬
‫إنكم لتكثرون عند الفزع‪ ،‬وتقلون عند الطمع "‪ .‬الفزع في كلم‬
‫العرب على وجهين‪ :‬أحدهما ما تستعمله العامة تريد به الذعر‪ ،‬و‬
‫الخر الستنجاد والستصراخ‪ ،‬من ذلك قول سلمة بن جندل ‪:‬‬
‫كنا إذا ما أتانا صـار ٌ‬
‫كان الصراخ له قرع‬
‫خ‬
‫الظنابيب‬
‫فـزعٌ‬
‫ث كانت إغاثته الجد في نصرته‪،‬يقال‪ :‬قرع‬
‫يقول‪ :‬إذا أتانا مستغي ٌ‬
‫لذلك المر ظنبوبه إذا جد فيه ولم يفتر‪ ،‬ويشتق من هذا المعنى‬
‫أن يقع "فزع" في معنى "أغاث" كما قال الكلحبة اليربوعي‪" :‬قال‬
‫أبو الحسن‪ :‬الكلحبة لقبه‪ ،‬واسمه هبيرة‪ ،‬وهو من بني عرين بن‬
‫يربوع‪ ،‬والنسب إليه عريني‪ ،‬وكثير من الناس يقول‪ :‬عرني ول‬
‫يدري‪ ،‬وعرينة من اليمن‪ :‬قال جرير يهجو عرين بن يربوع‪:‬‬
‫برئت إلى عرينة من‬
‫عرين من عرينة لـيس‬
‫عـرين‬
‫مـنـا‬
‫حللت الكثيب من‬
‫س ألجميها‬
‫فقلت لكأ ٍ‬
‫زرود لفزعا‬
‫فـإنـمـا‬
‫يقول‪ :‬لغيث‪ .‬وكأس‪ :‬اسم جارية‪ ،‬وإنما أمرها بإلجام فرسه‬
‫ليغيث‪ .‬والظنبوب‪ :‬مقدم الساق‪.‬‬
‫حديث "أل أخبركم بأحبكم إلي"‬
‫وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪" :‬أل أخبركم بأحبكم إلي‬
‫وأقربكم مني مجالس يوم القيامة أحاسنكم أخلقًا‪ ،‬الموطأون‬
‫‪1‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫أكنافًا‪،‬الذين يألفون و يؤلفون‪،‬أل أخبركم بأبغضكم إلي و أبعدكم‬
‫مني مجالس يوم القيامة" الثرثارون المتفيهقون"‪.‬‬
‫قوله صلى الله عليه وسلم" الموطأون أكنافا ً " مثل‪ ،‬وحقيقته أن‬
‫التوطئة هي التذليل و التمهيد‪ ،‬يقال‪ :‬دابة وطيء‪ ،‬يا فتى‪ ،‬وهو‬
‫الذي ل يحرك راكبه في مسيره‪ ،‬وفراش وطيء إذا كان وثيرا ً ل‬
‫يؤذي جنب النائم عليه‪ ،‬فأراد القائل بقوله‪" :‬موطأ" الكناف" أن‬
‫ناحيته يتمكن فيها صاحبها غير مؤذى‪ ،‬ول ناب به موضعه‪.‬‬
‫قال أبو العباس‪ :‬حدثني العباس بن الفرج الرياشي قال‪ :‬حدثني‬
‫الصمعي قال‪ :‬قيل لعرابي وهو المنتجع بن نبهان ما السميدع‬
‫فقال" السيد الموطأ الكناف‪.‬‬
‫وتأويل الكناف الجوانب‪ ،‬يقال‪ :‬في المثل‪ :‬فلن في كنف فلن‪،‬‬
‫كما فلن في ظل فلن‪ ،‬و في ذرى فلن‪ ،‬وفي ناحية فلن‪ ،‬وفي‬
‫حيز فلن‪.‬‬
‫وقوله صلى الله عليه و سلم‪" :‬الثرثارون" يعني الذين يكثرون‬
‫الكلم تكلفا ً و تجاوزًا‪ ،‬و خروجا ً عن الحق‪ .‬وأصل هذه اللفظة من‬
‫ة‪ .‬و كان يقال‬
‫ن ثرثار ٌ‬
‫العين الواسعة من عيون الماء‪ ،‬يقال‪ :‬عي ٌ‬
‫لنهرٍ بعينه‪ :‬الثرثار‪ ،‬وإنما سمي به لكثرة مائه‪ ،‬قال الخطل‪:‬‬
‫على جانب الثرثار‬
‫لعمري لقد لقت‬
‫راغية البكر‬
‫م و عامـٌر‬
‫سلي ٌ‬
‫قوله‪ " :‬راغية البكر " أراد أن بكر ثمود رغا فيهم فأهلكوا‪،‬فضربته‬
‫العرب مث ً‬
‫ل‪ ،‬و أكثرت فيه‪،‬قال علقمة بن عبدة الفحل‪:‬‬
‫بشكته لم يستـلـب و‬
‫رغا فوقهم سقب‬
‫سـلـيب‬
‫ض‬
‫السماء فداح ٌ‬
‫قال أبو الحسن‪ :‬الداحض‪ :‬الساقط والداحض أيضٌا‪ :‬الزا لق‪.‬‬
‫ة‪ ،‬فإنما معناها غزيرة‬
‫ن ثر ٌ‬
‫وكذلك إذا لم تضعف الثاء فقلت‪ :‬عي ٌ‬
‫واسعة‪ ،‬قال عنترة‪:‬‬
‫ة‬
‫جادت عليها كل عين‬
‫فتركن كل حديق ٍ‬
‫كالدرهم‬
‫ة‬
‫ثـر ٍ‬
‫قال أبو العباس‪ :‬وليست الثرة عند النحويين البصريين من لفظة‬
‫الثرثارة‪ ،‬ولكنها في معناها‪.‬‬
‫وقوله صلى الله عليه وسلم" المتفيهقون" إنما هو بمنزلة قوله‪:‬‬

‫‪2‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫"الثرثارون" توكيد له‪ ،‬ومتفيهق متفيعل‪ ،‬من قولهم‪ :‬فهق الغدير‬
‫يفهق إذا امتل ماٌء فلم يكن فيه موضع مزيد‪ ،‬كما قال العشى‪:‬‬
‫كجابية الشيخ العراقي‬
‫نفى الذم عن رهط‬
‫تفهـق‬
‫ة‬
‫المحلق جفن ٌ‬
‫كذا ينشده أهل البصرة‪ ،‬و تأويله عندهم أن العراقي إذا تمكن من‬
‫الماء مل جابيته لنه حضري فل يعرف مواقع الماء ول محاله‪.‬‬
‫قال أبو العباس‪ :‬وسمعت أعرابية تنشد قال أبو الحسن‪ :‬هي أم‬
‫الهيثم الكلبية من ولد المحلق‪ ،‬وهي راوية أهل الكوفة‪" :‬كجابية‬
‫السيح" تريد النهر الذي يجري على جانبية‪ ،‬فماؤها ل ينقطع‪ ،‬لن‬
‫النهر يمده‪.‬ومثل قول البصريين فيما ذكروا به "العراقي الشيخ "‬
‫قول الشاعر قال أبو الحسن‪ :‬هو ذو الرمة‪:‬‬
‫وخد كمرآة الغريبة‬
‫لها ذنب ضاف وذفرى‬
‫أسجـح‬
‫أسيلة‬
‫يقول‪ :‬إن الغريبة ل ناصح لها في وجهها‪ ،‬لبعدها عن أهلها‪ ،‬فمرآتها‬
‫أبدا ً مجلوة‪ ،‬لفرط حاجتها إليها‪.‬‬
‫وتصديق ما فسرناه من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه‬
‫يريد الصدق في المنطق والقصد‪،‬وترك ما ل يحتاج إليه‪ ،‬قوله‬
‫لجرير بن عبد الله البجلي‪ " :‬يا جرير‪ ،‬إذا قلت فأوجز‪،‬وإذا بلغت‬
‫حاجتك فل تتكلف"‪.‬‬
‫كلمة أبو بكر في مرضه‬
‫لعبد الرحمن بن عوف‬
‫قال أبو العباس‪ :‬ومما يؤثر من حكيم الخبار‪ ،‬وبارع الداب‪ ،‬ما‬
‫حدثنا به عن عبد الرحمن بن عوف وهو أنه قال‪ :‬دخلت يوما ً على‬
‫أبي بكر الصديق رحمة الله عليه في علته التي مات فيها‪ ،‬فقلت‬
‫له‪ :‬أراك بارئا ً يا خليفة رسول الله‪ ،‬فقال‪ :‬أما إني على ذلك لشديد‬
‫الوجع‪ ،‬ولما لقيت منكم يا معشر المهاجرين أشد علي من وجعي‪.‬‬
‫إني وليت أموركم خيركم في نفسي‪ ،‬فكلكم ورم أنفه أن يكون له‬
‫المر من دونه‪ ،‬والله لتتخذن نضائد الديباج‪ ،‬وستور الحرير‪،‬‬
‫ولتألمن النوم على الصوف الذربي كما يألم أحدكم النوم على‬
‫حسك السعدان‪ ،‬والذي نفسي بيده لن يقدم أحدكم فتضرب عنقه‬
‫في غير حد خير له من أن يخوض غمرات الدنيا‪.‬يا هادي الطريق‬
‫‪3‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫جرت‪ ،‬إنما هو والله الفجر‪ ،‬أو البحر‪ .‬فقلت‪ :‬خفض عليك يا خليفة‬
‫رسول الله‪ ،‬فإن هذا يهيضك إلى ما بك‪ ،‬فوالله ما زلت صالحا ً‬
‫مصلحًا‪ ،‬ل تأس على شيء فاتك من أمر الدنيا‪ ،‬ولقد تخليت بالمر‬
‫وحدك فما رأيت إلخيرًا‪.‬‬
‫قوله‪" :‬نضائد الديباج" واحدتها نضيدة‪ ،‬وهي الوسادة وما ينضد من‬
‫المتاع‪ ،‬قال الراجز‪:‬‬
‫حتى إذا ما علوا‬
‫وقربت خدامها‬
‫النضائدا‬
‫الـوسـائدا‬
‫سبحت ربي قائما و‬
‫قاعدا ً‬
‫وقد تسمي العرب جماعة ذلك النضد‪ ،‬والمعنى واحد‪ ،‬إنما هو ما‬
‫نضد في البيت من متاع‪ ،‬قال النابغة‪:‬‬
‫ورفعته إلى السجفين فالنضد‬
‫ويقال‪ :‬نضدت المتاع إذا ضممت بعضه إلى بعض‪،‬فهذا أصله‪ ،‬قال‬
‫الله تبارك وتعالى‪ ":‬لها طلعٌ نضيد" ق‪ ،10:‬وقال ‪ ":‬في سدر‬
‫مخضود وطلح منضود" الواقعة‪ ،29-28 :‬ويقال‪ :‬نضدت اللبن على‬
‫الميت‪.‬‬
‫وقوله‪":‬على الصوف الذربي" فهذا منسوب إلى اذربيجان‪ ،‬وكذلك‬
‫تقول العرب‪ ،‬قال الشماخ‪:‬‬
‫قرى أذربيجان‬
‫تذكرتها وهنا ً وقد حال‬
‫المسالح والجال‬
‫دونهـا‬
‫وقوله‪ ":‬على حسك السعدان "‪ ،‬فالسعدان نبت كثير الحسك تأكله‬
‫البل فتسمن عليه‪ ،‬ويغذوها غذاًء ليوجد في غيره‪ ،‬فمن أمثال‬
‫العرب‪ ":‬مرعى ول كالسعدان " تفضيل ً له‪ ،‬قال النابغة‪:‬‬
‫سعدان توضح في أو‬
‫الواهب المائة البكار‬
‫بارها اللبد‬
‫زينـهـا‬
‫ويروى في بعض الحديث" أنه يؤمر بالكافر يوم القيامة فيسحب‬
‫على حسك السعدان"‪ ،‬والله أعلم بذلك‪.‬‬
‫قال أبو الحسن‪ :‬السعدان‪ :‬نبت كثير الشوك‪ -‬كما ذكر أبو العباس‪-‬‬
‫ول ساق له‪ ،‬إنما هو منفرش على وجه الرض‪ ،‬حدثنا أبو العباس‬
‫أحمد بن يحيى الشيباني عن ابن العرابي‪ ،‬قال ‪ :‬قيل لرجل من‬
‫أهل البادية‪ -‬وخرج عنها ‪ :‬أترجع إلى البادية ? فقال‪ :‬أما ما دام‬
‫‪4‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫السعدان مستلقيا ً فل‪ .‬يريد أنه ل يرجع إلى البادية أبدًا‪ ،‬كما أن‬
‫السعدان ل يزول عن الستلقاء أبدًا‪.‬‬
‫وقال أبو علي البصير واسمه الفضل بن جعفر‪ ،‬وإن لم يكن بحجة‪،‬‬
‫ولكنه أجاد فذكرنا شعره هذا لجودته ل للحتجاج به يمدح عبيد الله‬
‫بن يحيى بن خاقان وآله فقال‪:‬‬
‫أنتـم وآل خـاقـان‬
‫يا وزراء السلطـان‬
‫في سالفات الزمان‬
‫كبعض مـا روينـا‬
‫مرعى ول كالسعدان‬
‫ماء ول كـصــدى‬
‫وهذه المثال ثلثة‪ ،‬منها قولهم‪ " :‬مرعى ول كالسعدان"‪،‬و" فتى‬
‫ول كمالك"‪،‬و"ماء ول كصدى"‪ ،‬تضرب هذه المثال للشيء الذي‬
‫فيه فضل وغيره أفضل منه‪ ،‬كقولهم‪":‬ما من طامة إل فوقها‬
‫طامة"‪ ،‬أي ما من داهية إل وفوقها داهية‪ ،‬ويقال ‪ :‬طما الماء وطم‬
‫إذا إرتفع وزاد‪.‬‬
‫ومالك الذي ذكروا هو مالك بن نويرة‪ ،‬أخو متمم بن نويرة‪.‬‬
‫" وصداء يمد‪ ،‬وبعضهم يقول‪ :‬صدى‪ ،‬فيضم أوله ويقصر‪ ،‬فأما أبو‬
‫العباس محمد بن يزيد‪ ،‬فإنه قال‪ :‬لم أسمع من أصحابنا إل صدءاء‬
‫يا فتى‪ ،‬وهو اسم لماء‪ ،‬معرفة‪ ،‬وهما همزتان بينهما ألف‪ ،‬واللف ل‬
‫تكون إل ساكنة‪ ،‬كأنك قلت‪ :‬صدعاع يا هذا‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬إنما هو والله الفجر أو البجر يقول‪ :‬انتظرت حتى يضيء‬
‫لك الفجر الطريق أبصرت قصدك‪ .‬وإن خبطت الظلماء‪ ،‬وركبت‬
‫العشواء هجما بك على المكروه‪ ،‬وضرب ذلك مثل ً لغمرات الدنيا‪،‬‬
‫وتحييرها أهلها‪.‬‬
‫وقوله‪ ":‬يهيضك " مأخوذ من قولهم‪ :‬هيض العظم إذا جبر ثم‬
‫أصابه شيء يعنته فآذاه فكسره ثانية‪ ،‬أو لم يكسره‪ ،‬وأكثر ما‬
‫يستعمل في كسره ثانية‪ ،‬ويقال‪:‬عظم مهيض‪ ،‬وجناح مهيض في‬
‫هذا المعنى‪ :‬ثم يشتق لغير ذلك‪ ،‬وأصله ما ذكرت لك‪ ،‬فمن ذلك‬
‫قول عمر بن عبد العزيز رحمه الله لما كسر يزيد بن المهلب‬
‫سجنه وهرب‪ ،‬فكتب إليه‪ :‬لو علمت أنك تبقى ما فعلت‪ ،‬ولكنك‬
‫مسموم‪ ،‬ولم أكن لضع يدي في يد إبن عاتكه‪ .‬فقال عمر‪ :‬اللهم‬
‫إنه قد هاضني فهضه‪ .‬فهذا معناه‪.‬‬
‫وقوله‪ ":‬فكلكم ورم أنفه"‪ ،‬يقول‪ :‬امتل من ذلك غضبًا‪ ،‬وذكر أنفه‬
‫‪5‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫دون السائر كما بقال‪ :‬فلن شامخ بأنفه‪ ،‬يريد رافع‪ ،‬وهذا يكون‬
‫من الغضب كما قال الشاعر‪:‬‬
‫ول يهاج إذا ما أنفه ورما‬
‫أي ليكلم عند الغضب‪ ،‬ويقال للمائل برأسه كبرا‪ :‬متشاوس‪،‬‬
‫وثاني عطفه‪ ،‬وثاني جيده‪ ،‬إنما هذا كله من الكبرياء‪ .‬قال الله عز‬
‫وجل ‪ ":‬ثاني عطفه‪ .‬ليضل عن سبيل الله" الحج ‪ : 9‬وقال‬
‫الشامخ‪:‬‬
‫يهدي إلي خناه ثاني‬
‫نبئت أن ربيعا ً أن‬
‫رعى إبل ً‬
‫الجيد‬
‫وقوله‪ ":‬أراك بارئا ً يا خليفة رسول الله" يكون من برئت من‬
‫المرض وبرأت‪ ،‬كلهما يقال‪ :‬فمن قال برئت يقول‪ :‬أبرأ يافتى ل‬
‫غير‪ ،‬ومن قال‪ :‬برأت قال في المضارع‪ :‬أبرأ وأبرؤ‪ ،‬يا فتى‪ ،‬مثل‬
‫فرغ ويفرغ‪ .‬والية تقرأ على وجهين‪ ":‬سنفرغ لكم أية الثقلن"‪،‬‬
‫الرحمن‪ ،31 :‬وسنفرغ‪ :‬والمصدر فيهما "البرء" يا فتى‬
‫عهد أبي بكر بالخلفة إلى عمر‬
‫ومما روي لنا عنه رضي الله عنه حيث عهد عند موته وهو‪ :‬بسم‬
‫الله الرحمن الرحيم‪ .‬هذا ما عهد به أبو بكر خليفة محمد رسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم‪ :‬عند آخر عهده بالدنيا‪ ،‬وأول عهده‬
‫بالخرة‪ ،‬في الحال التي يؤمن فيها الكافر‪ ،‬ويتقي فيها الفاجر‪ .‬إني‬
‫استعملت عليكم عمر بن الخطاب‪ ،‬فإن بر وعدل فذلك علمي به‪،‬‬
‫ورأيي فيه‪ ،‬وإن جار وبدل فل علم لي بالغيب‪ ،‬والخير أردت‪ ،‬ولكل‬
‫امرىء ما اكتسب‪"،‬وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون"‬
‫الشعراء‪. 227 :‬‬
‫نصب "أي" بقوله‪" :‬ينقلبون"‪ ،‬ول يكون نصبها ب" سيعلم" لن‬
‫حروف الستفهام إذا كانت أسماء امتنعت مما قبلها كما يمتنع ما‬
‫بعد اللف من أن يعمل فيه ما قبله‪،‬وذلك قولك‪ ":‬علمت زيدا ً‬
‫منطلقًا" فإن أدخلت اللف قلت‪" :‬علمت أزيد منطلق أم ل" فأي‬
‫بمنزلة زيد الواقع بعد اللف‪ ،‬أل ترى أن معناها‪ :‬أذا أم ذا‪ .‬وقال‬
‫الله عز وجل‪ ":‬لنعلم أى الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا " الكهف‪:‬‬
‫‪ 12‬لن معناها‪ :‬أهذا أم هذا? وقال تعالى ‪ ":‬فلينظر أيها أزكى‬
‫طعاما ً " الكهف‪ 19:‬على ما فسرت لك‪ ،‬وتقول‪ :‬أعلم أيهم ضرب‬
‫زيدًا‪ ،‬وأعلم أيهم ضرب زيد‪ ،‬تنصب أيا ب" ضرب" لن "زيدٌا"‬
‫‪6‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫فاعل‪،‬فإنما هذا لما بعده‪ ،‬وكذلك ما أضيف إلى اسم من هذه‬
‫السماء المستفهم بها‪ ،‬نحو‪ :‬قد علمت غلم أيهم في الدار‪ ،‬وقد‬
‫عرفت غلم من في الدار‪ ،‬وقد علمت غلم من ضربت‪ ،‬فتنصبه‬
‫ب"ضربت" فعلى هذا مجرى الباب‪.‬‬
‫أول خطبة خطبها عمر بن الخطاب‬
‫ومما يؤثر من هذه الداب و يقدم قول عمر بن الخطاب رضي‬
‫الله تعالى عنه في أول خطبة خطبها حدثنا العتبي قال‪ :‬لم أر أقل‬
‫منها في اللفظ‪ ،‬ول أكثر في المعنى حمد الله و أثنى عليه وأهله‪،‬‬
‫وصلى على نبيه محمد صلى الله عليه و سلم ثم قال‪ :‬أيها الناس‪،‬‬
‫إنه و الله ما فيكم أحد أقوى عندي من الضعيف حتى آخذ الحق‬
‫له‪،‬ول أضعف عندي من القوي حتى آخذ الحق منه‪.‬ثم نزل‪ .‬وإنما‬
‫حسن هذا القول مع ما يستحقه من قبل الختيار‪ ،‬بما عضده به‬
‫من الفعل المشاكل له‪" :‬قال أبو الحسن‪ :‬قد روينا هذه الخطبة‬
‫التي عزاها إلى عمر بن الخطاب عن أبي بكر رضي الله عنهما‪،‬‬
‫وهو الصحيح‪.‬‬
‫رسالة عمر في القضاء‬
‫إلى أبي موسى الشعري‬
‫قال أبو العباس‪ :‬ومن ذلك رسالته في القضاء إلى أبي موسى‬
‫الشعري وهي التي جمع فيها جمل الحكام‪ ،‬واختصرها بأجود‬
‫الكلم‪،‬و جعل الناس بعده يتخذونها إمامًا‪،‬ول يجد محق عنها معد ٌ‬
‫ل‪،‬‬
‫ول ظالم عن حدودها محيصٌا‪ ،‬وهي‪ :‬بسم الله الرحمن الرحيم‪ :‬من‬
‫عبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس‪.‬‬
‫سلم عليك‪ ،‬أما بعد‪ ،‬فإن القضاء فريضة محكمة‪ ،‬و سنة متبعة‪،‬‬
‫فافهم إذا أدلي إليك‪ ،‬فإنه ل ينفع تكلم بحق ل نفاذ له‪ .‬آس بين‬
‫الناس بوجهك‪ ،‬و عدلك‪ ،‬و مجلسك‪ ،‬حتى ل يطمع شريف في‬
‫حيفك‪ ،‬و ل ييأس ضعيف من عدلك‪ ،‬البينة على من ادعى‪ ،‬و‬
‫اليمين على من أنكر‪ ،‬والصلح جائز بين المسلمين‪ ،‬إل صلحا ٌ أحل‬
‫حرامٌا‪ ،‬أو حرم حل ٌ‬
‫ل‪ .‬ل يمنعنك قضاٌء قضيته اليوم فراجعت فيه‬
‫م‪ ،‬و‬
‫عقلك‪ ،‬وهديت فيه لرشدك‪ ،‬أن ترجع إلى الحق فإن الحق قدي ٌ‬
‫مراجعة الحق خير من التمادي في الباطل‪ .‬الفهم الفهم فيما‬
‫ة‪،‬ثم اعرف الشباه و‬
‫تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب ول سن ٍ‬
‫المثال‪،‬فقس المور عند ذلك‪ ،‬و اعمد إلى أقربها إلى الله‪ ،‬و‬
‫‪7‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫أشبهها بالحق‪ ،‬واجعل لمن ادعى حقا ً غائبا ً أو بينة أمدا ينتهي إليها‬
‫فإن أحضر بينته أخذت له بحقه وإل استحللت عليه القضية‪ ،‬فإنه‬
‫أنفى للشك‪ ،‬و أجلى للعمى‪ ،‬المسلمون عدو ٌ‬
‫ل بعضهم على بعض‬
‫إل مجلودا ً في حد‪ ،‬و مجربا ً عليه شهادة زور‪ ،‬أو ظنينا ً في ولء أو‬
‫نسب‪ ،‬فإن الله تولى منكم السرائر‪ ،‬و درأ بالبينات و اليمان‪.‬‬
‫وإياك و الغلق و الضجر‪ ،‬و التأذي بالخصوم والتنكر عند‬
‫الخصومات‪ ،‬فإن الحق في مواطن الحق ليعظم الله به الجر‪،‬‬
‫ويحسن به الذخر‪ ،‬فمن صحت نيته‪ ،‬وأقبل على نفسه كفاه الله‬
‫بينه وبين الناس‪ ،‬ومن تخلق للناس بما يعلم الله أنه ليس من‬
‫نفسه شانه الله‪ ،‬فما ظنك بثواب غير الله عز وجل في عاجل‬
‫رزقه و خزائن رحمته‪ ،‬و السلم‪.‬‬
‫قال أبو العباس‪ :‬قوله" آس بين الناس في وجهك وعدلك‬
‫ض‪،‬‬
‫ومجلسك"‪ ،‬يقول‪ :‬سو بينهم‪ ،‬وتقديره‪ :‬اجعل بعضهم أسوة بع ٍ‬
‫والتأسي من ذا أن يرى ذو البلء من به مثل بلئه فيكون قد ساواه‬
‫فيه‪ ،‬فيسكن ذلك من وجده‪ ،‬قالت الخنساء‪:‬‬
‫على إخوانهم لقتلت‬
‫فلول كثرة الباكين‬
‫نفسـي‬
‫حـولـي‬
‫أعزي النفس عنه‬
‫وما يبكون مثل أخي‬
‫بالتأسـي‬
‫ولكـن‬
‫وأذكره لكل غروب‬
‫يذكرني طلوع‬
‫الشمس صخرا ً‬
‫شمـس‬
‫تقول‪ :‬أذكره في أول النهار للغارة‪ ،‬وفي آخره للضيفان‪ .‬وتمثل‬
‫مصعب بن الزبير يوم قتل بهذا البيت‪:‬‬
‫تآسوا فسنوا للكرام‬
‫وإن اللى بالطف من‬
‫التـآسـيا‬
‫آل هاشم‬
‫وقوله"حتى ل يطمع شريف في حيفك" يقول‪ :‬في ميلك معه‬
‫لشرفه‪ .‬وقوله‪ " :‬فيما تلجلج في صدرك" يقول‪ :‬تردد‪،‬وأصل ذلك‬
‫المضغة والكلة يرددها الرجل في فيه فل تزال تتردد إلى أن‬
‫يسيغها أو يقذفها‪ ،‬والكلمة يرددها الرجل إلى أن يصلها بأخرى‪،‬‬
‫يقال للعيي‪ :‬لجلج‪ ،‬وقد يكون من الفة تعتري اللسان‪ ،‬قال زهير‪:‬‬
‫أصلت‪ ،‬فهي تحت‬
‫تلجلج مضغة فـيهـا‬
‫الكشح داء‬
‫ض‬
‫أنـي ٌ‬
‫‪8‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ض" أي لم تنضج‪ .‬ومن أمثال العرب‪ :‬الحق أبلج‬
‫وقوله‪ ":‬أني ٌ‬
‫والباطل لجلج‪،‬أي يتردد فيه صاحبه فل يصيب مخرجا‪ .‬وقوله‪ " :‬أو‬
‫ظنينا ٌ في ولٍء أو نسب‪ " ،‬فهو المتهم‪ ،‬وأصله "مظنون" وهي‬
‫ظننت التي تتعدى إلى مفعول واحد‪ ،‬تقول‪ :‬ظننت بزيد‪ ،‬وظننت‬
‫ً‬
‫زيدٌا‪ ،‬أي اتهمت‪ ،‬ومن ذلك قول الشاعر‪ ،‬أحسبه عبد الرحمن بن‬
‫حسان‪:‬‬
‫هجرت‪ ،‬ولكن الظنين‬
‫فل ويمين الله ما عن‬
‫ظنين‬
‫جنـاية‬
‫و في بعض المصاحف‪":‬وما على الغيب بظنين" التوير ‪ 34‬وإنما‬
‫قال عمر رضي الله عنه ذلك لما جاء عن النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم‪ ":‬ملعون ملعون من انتمى إلى غير أبيه‪ ،‬أو ادعى إلى غير‬
‫مواليه"‪ ،‬فلما كانت معه القامة على هذا لم يرى للشهادة‬
‫موضعًا‪.‬وقوله‪ ":‬ودرأ بالبينات و اليمان" إنما هو دفع‪ ،‬من ذلك‬
‫قول رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ ":‬إدرأوا الحدود‬
‫بالشبهات"‪،‬وقال الله عز وجل‪ ":‬قل فادرءواعن أنفسكم الموت‬
‫إن كنتم صادقين"آل عمران ‪ 168‬وقال‪":‬فادرء تم فيها" البقرة‬
‫‪ 72‬وأما قوله‪ :‬وإياك والغلق و الضجر"فإنه ضيق الصدر‪ ،‬وقلة‬
‫الصبر‪ ،‬يقال في سوء الخلق‪:‬رجل غلق‪ ،‬وأصل ذلك من قولهم‪:‬‬
‫غلق الرهن أي لم يوجد به تخلص و أغلقت الباب من هذا‪ ،‬قال‬
‫زهير‪:‬‬
‫يوم الوداع فأمسى‬
‫نل‬
‫وفارقتك بره ٍ‬
‫الرهن قد غلقا‬
‫فـكـاك لـه‬
‫وقوله‪ ":‬ومن تخلق للناس"‪ ،‬يقول‪ :‬أظهر للناس في خلقه خلف‬
‫نيته‪ .‬وقوله‪ " :‬تخلق "يريد أظهر مثل تجمل يريد أظهر جمال ً‬
‫وتصنع‪ ،‬وكذلك تجبر‪ ،‬إنما تأويله الظهار‪ ،‬أي أظهر جبرية‪ ،‬وإن‬
‫شئت جبروتًا‪،‬وإن شئت جبروتي " وإن شئت جبروة " ‪ .‬ومن كلم‬
‫العرب على هذا الوزن‪ :‬رهبوتى خير لك من رحموتى‪ ،‬أي" ترهب‬
‫خير لك من أن ترحم"‪ .‬قال أبو العباس وأنشدونا عن أبي زيد‪:‬‬
‫إن التخلق يأتي دونه‬
‫ياأيها المتحلي غير‬
‫الخـلـق‬
‫شـيمـتـه‬
‫إل أخو ثقة فأنظر‬
‫ول يؤاتيك في ما ناب‬
‫‪9‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫بمن تثـق‬

‫من حدث‬
‫قال‪ :‬وأنشدتني أم الهيثم الكلبية‪:‬‬
‫يدعه ويغلبه على‬
‫ومن يتخذ خيما ُ سوى‬
‫النفس خيمها‬
‫خيم نفسه‬
‫وقال ذو الصبع العدواني‪:‬‬
‫كل إمرىء راجع يوما ً‬
‫وإن تمتع أخلقًاإلـى‬
‫حـين‬
‫لشيمته‬
‫وأما قوله‪ ":‬ثواب"‪ ،‬فاشتاقه من ثاب يثوب إذا رجع‪ ،‬وتأويله ما‬
‫يثوب إليك من مكافأة الله وفضله‪.‬‬
‫كتاب عثمان إلى علي‬
‫بن أبي طالب حين أحيط به‬
‫وكتب عثمان بن عفان إلى علي رحمه الله حين أحيط به‪ :‬أما‬
‫بعد‪،‬فإنه قد جاوز الماء الزبى وبلغ الحزام الطبيين‪ ،‬وتجاوز المر‬
‫بي قدره‪ ،‬وطمع في من ل يد فع عن نفسه‪:‬‬
‫وإل فأدركني ولمـا‬
‫فإن كنت مأكول ً فكن‬
‫أمـزق‬
‫خير آكل‬
‫قوله‪ ":‬قد جاوز الماء الزبى" فالزبية مصيدة السد‪ ،‬ول تتخذ إل‬
‫في قلة أو رابية أو هضبة‪ ،‬قال الراجز‪:‬‬
‫كاللذ تزبى زبية فاصطيدا‬
‫وقال الطرماح‪:‬‬
‫كمبتغى الصيد أعلى‬
‫ياطييىء السهل‬
‫زبية السد‬
‫والجبال‪ ،‬موعدكم‬
‫وتقول العرب‪" :‬قد عل الماء الزبى"‪ ،‬و "قد بلغ السكين العظم "‬
‫و" بلغ الحزام الطبيين" و" قد انقطع السلى في ا لبطن"‪ .‬فالسلى‬
‫من المرأة والشاة ما يلتف فيه الولد في البطن‪ ،‬قال العجاج‪:‬‬
‫فقد عل الماء الزبى فل غير"‬
‫أي‪ :‬قد جل المر عن أن يغير و يصلح‪ .‬وقوله" وبلغ الحزام‬
‫الطبيين‪ ،‬فإن السباع و الخيل يقال لموضع الخلف منها‪ :‬أطباء يا‬
‫ف‪ ،‬هذا مكان‬
‫فتى‪ ،‬وأحدها طبي كما يقال في الظلف والخف‪ :‬خل ٌ‬
‫هذا فإذا بلغ الحزام الطبيين فقد انتهى في المكروه‪ ،‬و مثل هذا‬
‫من أمثالهم‪ " :‬التقت حلقتا البطان"‪ :‬ويقولون‪ ":‬التقت حلقتا‬
‫‪10‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫البطان و الحقب" ويقال‪ :‬حقب البعير إذا صار الحزام في الحقب‪،‬‬
‫قال الشاعر‪:‬‬
‫شددناه بتصدير‬
‫إذا ما حقب جال‬
‫وقال أوس بن حجر‪:‬‬
‫وام وطارت نفوسهم‬
‫وازدحمت حلقتا‬
‫جزعا‬
‫البطان بأق‬
‫وتمثله بالبيت يشاكل قول القائل‪:‬‬
‫فبعض منايا القوم‬
‫فإن أك مقتول ً فكن‬
‫أكرم من بعض‬
‫أنت قاتـلـي‬
‫عتاب عثمان علي بن أبي طالب‬
‫ويروى عن قنبر مولى علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال‪:‬‬
‫دخلت مع علي بن أبي طالب على عثمان بن عفان رضي الله‬
‫عنهما‪ ،‬فأحبا الخلوة‪ ،‬فأومأ إلي علي بالتنحي‪ ،‬فتنحيت غير بعيدٍ‬
‫فجعل عثمان يعاتب عليا وعلي مطرق‪ ،‬فأقبل عليه عثمان فقال‪:‬‬
‫ما بالك ل تقول‪ :‬فقال‪ :‬إن قلت لم أقل إل ما تكره‪ ،‬وليس لك‬
‫عندي إلما تحب‪.‬‬
‫تأويل ذلك‪ :‬إن قلت اعتددت عليك بمثل ما اعتددت به علي‬
‫فلذعك عتابي‪ ،‬و عقدي أل أفعل" وإن كنت عاتبا ً إل ما تحب‪.‬‬
‫خطبة علي بن أبي طالب حين‬
‫بلغه قتل عامله حسان بن حسان‬
‫وتحدث ابن عائشة في إسناد ذكره أن عليا ً رحمه الله انتهى إليه‬
‫أن خيل ً لمعاوية وردت النبار‪ ،‬فقتلوا عامل ً له يقال له‪ :‬حسان بن‬
‫حسان‪ ،‬فخرج مغضبا ً يجر ثوبة حتى انتهى إلى النخيلة‪ ،‬واتبعه‬
‫الناس‪ ،‬فرقي رباوة من الرض‪ ،‬فحمد الله وأثنى عليه‪ ،‬وصلى‬
‫على نبيه صلى الله عليه وسلم ثم قال‪:‬‬
‫أما بعد‪ ،‬فإن الجهاد باب من أبواب الجنة‪ ،‬فمن تركه رغبة عنه‬
‫ألبسه الله الذل‪ ،‬وسيما الخسف‪ ،‬وديث بالصغار‪ .‬وقد دعوتكم إلى‬
‫حرب هؤلء القوم ليل ً ونهارًا‪ ،‬وسرا ً وإعلنًا‪ ،‬وقلت لكم‪ :‬اغزوهم‬
‫من قبل أن يغزوكم‪ ،‬فو الذي نفسي بيده ما غزي قوم قط في‬
‫عقر دارهم إل ذلوا‪ .‬فتخاذلتم وتواكلتم‪ ،‬وثقل عليكم قولي‪،‬‬
‫واتخذتموه وراءكم ظهريًا‪ ،‬حتى شنت عليكم الغارات‪ .‬هذا‬
‫‪11‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫أخوغامد‪ ،‬قد وردت خيله النبار‪ ،‬وقتلوا حسان بن حسان‪ ،‬ورجال ً‬
‫منهمكثيرا ً ونساًء والذي نفسي بيده لقد بلغني أنه كان يدخل على‬
‫المرأة المسلمة والمعاهدة‪ ،‬فتنتزع أحجالهما ورعثهما ثم إنصرفوا‬
‫موفورين لم يكلم منهم أحد كلما‪ .‬فلو أن امرأ مسلما ً مات من‬
‫دون هذا أسفا ً ما كان عندي فيه ملومًا‪ ،‬بل كان عندي به جديرًا‪.‬‬
‫ياعجبا ً كل العجب " عجب يميت القلب‪ ،‬ويشغل الفهم‪ ،‬ويكثر‬
‫الحزان من تضافر هؤلء القوم على باطلهم‪ ،‬وفشلكم عن حقكم‪،‬‬
‫حتى أصبحتم غرضا ً ترمون ول ترمون‪ ،‬ويغار عليكم ول تغيرون‪،‬‬
‫ويعصى الله عز وجل فيكم وترضون‪ .‬إذا قلت لكم‪ :‬اغزوهم في‬
‫الشتاء قلتم‪ :‬هذا أوان قر وصر‪ ،‬ةإن قلت لكم‪ :‬إزوهم في الصيف‬
‫قلتم‪ :‬هذه حمارة القيظ‪ ،‬إنظرنا ينصرم الحر عنا‪ .‬فإذا كنتم من‬
‫الحر والبرد تفرون‪ ،‬فإنتم من السيف أفر‪ ،‬يا أشباه الرجال ول‬
‫رجال ول طغام الحلم‪ ،‬ويا عقول ربات الحجال‪ ،‬والله لقد‬
‫أفسدتم علي رأيي بالعصيان‪ ،‬ولقد ملتم جوفي غيظا‪ ،‬حتى قالت‬
‫قريش‪ :‬ابن أبي طالب رجل شجاع‪ ،‬ولكن لرأي له في الحرب‪.‬‬
‫لله درهم ومن ذا يكون أعلم بها مني‪ ،‬أو أشد لها مراسا ً فوالله‬
‫لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين‪ ،‬ولقد نيفت اليوم على‬
‫الستين‪ .‬ولكن ل رأي لمن ل يطاع يقولها ثلثا ً فقام إليه رجل ومعه‬
‫أخوه‪ ،‬فقال ‪ :‬ياأمير المؤمنين‪ ،‬أنا وأخي هذا كما قال الله عز‬
‫وجل‪ :‬رب إنى ل أملك إل نفسي وأخى المائدة‪ 25 :‬فمرنا بأمرك‪،‬‬
‫فوالله لننتهين إليه‪ ،‬ولو حال بيننا وبينه جمر الغضا‪ ،‬وشوك القتاد‪.‬‬
‫فدعا لهما بخير‪ ،‬ثم قال‪ :‬وأين تقعان مما أريد ثم نزل‪.‬‬
‫قال أبو العباس‪ :‬قوله‪ " :‬سيما الخسف"‪ ،‬قال‪ :‬هكذا حدثوناه‪،‬‬
‫وأظنه"سيم الخسف" يا هذا‪ ،‬من قول الله عز وجل‪ :‬يسومونكم‬
‫سوء العذاب " البقرة ‪ 49‬ومعنى قوله‪ :‬سيما الخسف تأويله‬
‫علمة‪ ،‬هذا أصل ذا‪ ،‬قال الله عز وجل‪ ":‬سيماهم في وجوههم من‬
‫أثر السجود " الفتح‪ ،29 :‬وقال عز وجل‪ ":‬يعرف المجرمون‬
‫بسيمهم" الرحمن‪ 41 :‬وقال أبو عبيدة في قوله عز وجل‪":‬‬
‫مسومين" آل عمران‪" 125 :‬قال‪ :‬معلمين واشتقاقه من السيما‬
‫التي ذكرنا‪ .‬ومن قال‪:‬مسؤمين " آل عمران ‪ ،125‬فإنما أراد‬
‫مرسلين‪ :‬من البل السائمة‪ :‬أي المرسلة في مراعيها‪ ،‬وإنما أخذ‬
‫هذا من التفسير‪ .‬قال المفسرون في قوله تعالى‪" :‬والخيل‬
‫‪12‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫المسومة"‪ ،‬آل عمران‪ 14 :‬القولين جميعًا‪ ،‬مع العلمة و الرسال‪،‬‬
‫وأما في قوله عز وجل‪ ":‬حجارة من سجيل منضود مسومة عند‬
‫ربك" هود‪ 83-82 :‬فلم يقولوا فيه إل قول ً واحدًا‪ ،‬قالوا‪ ":‬معلمة"‪،‬‬
‫وكان عليها أمثال الخواتيم‪ ،‬ومن قال‪ ":‬سيما" قصر‪ .‬ويقال في‬
‫هذا المعنى‪ :‬سيمياء‪ ،‬ممدود‪،‬قال الشاعر‪:‬‬
‫له سيمياء ل تشق‬
‫غلم رماه الله‬
‫بالحسن يافعـا ً‬
‫على البصر‬
‫وقوله رحمه الله‪ ":‬وقتلو حسان بن حسان"‪ ،‬من أخذ حسانا ً من‬
‫الحسن صرفه لن وزنه فعال فالنون منه في موضع الدال من‬
‫حماد‪ ،‬ومن أخذه من الحس لم يصرفه لنه حينئذ فعلن فل‬
‫ينصرف في المعرفة‪ ،‬وينصرف في النكرة‪ ،‬لنه ليست له" فعلى "‬
‫فهو بمنزلة سعدان وسرحان‪.‬‬
‫وقوله‪ ":‬ديث بالصغار"‪ ،‬تأويله‪ :‬ذلل‪ ،‬يقال للبعير إذا ذللته الرياضة‪:‬‬
‫بعير مديث‪ ،‬أي مذلل‪.‬‬
‫وقوله‪ ":‬في عقر دارهم"‪ ،‬أي في أصل دارهم‪ ،‬والعقر‪ :‬الصل‪،‬‬
‫ومن ثم قيل‪ :‬لفلن عقار‪ ،‬أي أصل مال‪ ،‬ويروى عنه صلى الله‬
‫عليه وسلم قال‪ :‬من باع دارا ً أو عقارا ً فلم يردد ثمنه في مثله‬
‫فذلك مال قمن أل يبارك له فيه"‪ .‬وقوله‪ :‬قمن يريد‪ :‬خليق‪ ،‬ويقال‬
‫أيضًا‪ :‬قمين وقمن‪.‬‬
‫قال أبو الحسن‪ :‬من قال‪ :‬قمن لم يثن ولم يجمع‪ ،‬ومن قال‪ :‬قمن‬
‫وقمين ثنى وجمع‪.‬‬
‫ويقال للرجل إذا إتخذ ضيعة‪ ،‬أو دارًا‪ :‬تأثل فلن‪ ،‬أي إتخذ أصل‬
‫مال‪.‬‬
‫وقوله‪ ":‬وتواكلتم"‪ :‬إنما هو مشتق من وكلت المر إليك ووكلته‬
‫إلي أنت أي ‪ :‬لم يتوله واحد منا دون صاحبه‪ ،‬ولكن أحال به كل‬
‫واحد منا على الخر‪ ،‬ومن ذالك قول الحطيئة‪:‬‬
‫أمون إذا واكلتـهـا ل‬
‫فليا قصرت الطرف‬
‫تـواكـل‬
‫ة‬
‫عنهم بجسر ٍ‬
‫وقوله‪ ":‬واتخذتموه ورائكم ظهريًا"‪ ،‬أي رميتم به وراء ظهوركم‪،‬‬
‫ر"‪،‬‬
‫أي لم تلتفتوا إليه‪ ،‬يقال في المثل‪ " :‬ل تجعل حاجتي منك بظه ٍ‬
‫‪13‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫أي ل تطرحها غير ناظر إليها‪.‬‬
‫وقوله‪ ":‬حتى شنت عليكم الغارات"‪ ،‬يقول‪ :‬صبت‪ ،‬يقال‪ :‬شننت‬
‫الماء على رأسه‪ ،‬أي صببته‪ ،‬وشننت الشراب في الناء أي صببته‪،‬‬
‫ومن كلم العرب‪ :‬فلما لقي فلن فلنا شنه السيف‪ ،‬أي صبه عليه‬
‫صبا‪.‬‬
‫وقوله ‪ ":‬هذا أخو غامد‪ ،‬فهو رجل مشهور من أصحاب معاوية‪ ،‬من‬
‫بني غامد بن نصر بن الزد بن الغوث‪ ،‬وفي هذه القبيلة يقول‬
‫القائل‪:‬‬
‫بما فضحت قومها‬
‫أل هل أتاها على نأيهـا‬
‫غامد‬
‫فردكم فـارس واحـد‬
‫تمنيتم مـائتـي فـارس‬
‫ل ضأنا لها حالب‬
‫فليت لنا بارتباط‬
‫قاعد‬
‫الخـيو‬
‫وقوله‪ ":‬فتنتزع أحجالهما"‪ ،‬يعنى الخلخيل‪ ،‬واحدها حجل‪ ،‬ومن هذا‬
‫قيل للدابة‪ :‬محجل‪ ،‬ويقال للقيد‪ :‬حجل‪ ،‬لنه يقع في ذلك الموضع‪،‬‬
‫قال جرير‪ ،‬يعير الفرزدق حين قيد فرسه‪ ،‬وأقسم أليحلها حتى‬
‫ة‬
‫يحفظ القرآن‪ ،‬فلما هاجى جرير البعيث هجا الفرزدق جريرا ً معون ً‬
‫للبعيث‪ ،‬وذبا عن عشيرته‪ ،‬فقال جرير‪:‬‬
‫فرغت إلى العبد‬
‫ولما اتقى القين‬
‫المقيد في الحجل‬
‫العراقي باسـتـه‬
‫معنى فرغت عمدت‪ ،‬قال الله عز و جل‪ ":‬سنفرغ لكم آية‬
‫الثقلن" الرحمن ‪ 31‬أي سنعمد ‪ .‬وقوله‪ ":‬ورعثهما" الواحدة‬
‫رعثة‪ ،‬و جمعها الجمع رعث و هي الشنوف‪.‬‬
‫وقوله‪ ":‬ثم انصرفوا موفورين" من الوفر‪ ،‬أي لم ينل أحد منهم‬
‫بأن يرزأ في بدن و ل مال‪ ،‬يقال موفور‪ ،‬و فلن ذو وفر‪:‬أي ذو‬
‫مال‪ ،‬ويكون موفورا ً في بدنه إذا ذكر ما أصيب به غيره في بدنه‪،‬‬
‫قال حاتم الطائي‪:‬‬
‫أراد المال أمسى له‬
‫وقد علم القوام لو‬
‫أن حاتما ً‬
‫وفر‬
‫ويروى‪":‬كان له وفر"‪.‬‬
‫وقوله‪ ":‬لم يكلم أحد منهم كلما ً "‪ .‬ويقول‪:‬لم يخدش أحد منهم‬
‫خدشًا‪ ،‬وكل جرح صغر أو كبر فهو كلم‪ ،‬قال جرير‪:‬‬
‫‪14‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫برد الخـيل دامـية‬
‫تواصلت القوام من‬
‫الـكـلـوم‬
‫تكرمها قريش‬
‫وقوله‪ ":‬مات من دون هذا أسفًا"‪ ،‬يقول‪:‬تحسرًا‪ ،‬فهذا موضع ذا‬
‫و"قد" يكون السف الغضب‪ ،‬قال الله عز وجل"فلما ءاسفونا‬
‫انتقمنا منهم" الزخرف ‪ 55‬والسيف يكون الجير ويكون السير‬
‫فقد قيل في بيت العشى‪:‬‬
‫يضم إلى كشحيه كفا ً‬
‫أرى رجل منهم أسيفا ً‬
‫مخضبا‬
‫كأنمـا‬
‫المشهور أنه من التأسف لقطع يده‪ ،‬وقيل‪ :‬بل هو أسير قد كبلت‬
‫يده‪،‬ويقال‪ :‬قد جرحها الغل‪ ،‬والقول الول هو المجتمع عليه‪ ،‬ويقال‬
‫في معنى أسيف عسيف أيضًا‪.‬‬
‫وقوله‪":‬من تضافر هؤلء القوم على باطلهم"‪ ،‬يقول‪ :‬من تعاونهم‬
‫و تظاهرهم‪.‬‬
‫وقوله‪":‬و فشلكم عن حقكم"‪،‬يقال‪ :‬فشل فلن عن كذا و"كذا" إذا‬
‫هابه فنكل عنه وامتنع من المضي فيه‪ .‬وقوله‪":‬قلتم هذا أوان فر و‬
‫صر"‪،‬فالصر شدة البرد قال الله " كمثل ريح فيها صر"‪.‬آل عمران‬
‫‪. 117‬‬
‫وقوله‪ :‬هذه حمارة القيظ"‪ ،‬فالقيظ الصيف‪ ،‬وحمارته ‪ :‬اشتداد‬
‫حره واحتدامه‪ ،‬وحمارة مما ل يعوز أن يحتج عليه ببيت شعر‪،‬‬
‫لن"كل" ما كان فيه من الحروف التقاء ساكنين ل يقع في وزن إل‬
‫في ضرب "منه" يقال له المتقارب‪"،‬فإنه جوز فيه على بعد التقاء‬
‫الساكنين "وهو قوله‪:‬‬
‫ص فرضا و حتما ً على‬
‫فذاك القصاص و كان‬
‫المسلمينا‬
‫الـتـقـا‬
‫ولو قال " وكان قصاص فرضا ً وحتمًا" كان أجود و أحسن‪ ،‬ولكن‬
‫قد أجازوا هذا في هذه العروض‪ ،‬ول نظير له في غيرها من‬
‫العاريض ‪ .‬وقوله " ويا طغام الحلم" فمجاز الطغام عند العرب‬
‫من ل عقل له‪ ،‬ول معرفة عنده‪،‬وكانوا يقولون‪ :‬طغام أهل الشأم‬
‫كما قال‪:‬‬
‫فما فضل اللبيب على الطغام‬

‫‪15‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وقوله‪ ":‬ويا عقول ربات الحجال" ينسبهم إلى ضعف النساء وهو‬
‫السائر في كلم العرب‪ .‬وقال الله تعالى يذكر البنات "أومن ينشؤا‬
‫الحلية وهو في الخصام غير مبين"‪ .‬الزخرف ‪0 18‬‬
‫باب‬
‫وقال أبو العباس ‪ :‬من كلم العرب الختصار المفهم‪ ،‬والطناب‬
‫المفخم وقد يقع اليماء إلى الشيء فيغني عند ذوي اللباب عن‬
‫كشفه‪ ،‬كما قيل‪ :‬لمحة دالة‪ .‬وقد يضطر الشاعر المفلق‪،‬‬
‫والخطيب المصقع‪ ،‬والكاتب البليغ‪ ،‬فيقع في كلم أحدهم المعنى‬
‫المستغلق‪ ،‬واللفظ المستكره‪ ،‬فإن انعطفت عليه جنبتا الكلم‬
‫غطتا على عواره‪ ،‬وسترتا من شينه‪ .‬وإن شاء قائل أن يقول‪ :‬بل‬
‫الكلم القبيح في الكلم الحسن أظهر‪ ،‬ومجاورته له أشهر‪ ،‬كان‬
‫ذلك له‪ ،‬ولكن يغتفر السيىء للحسن‪ ،‬والبعيد للقريب‪.‬‬
‫من ألفاظ العرب البينة القريبة المفهمة‬
‫فمن ألفاظ العرب البينة القربية المفهمة‪ ،‬الحسنة الوصف‪،‬‬
‫الجميلة الرصف قول الحطيئة‪:‬‬
‫إلى مالـه ل تـأتـه‬
‫وذاك فتى إن تأته إن‬
‫بـشـفـيع‬
‫ة‬
‫تأته في صنيع ٍ‬
‫وكذلك قول عنترة‪:‬‬
‫أغشى الوغى وأعف‬
‫يخبرك من شهد‬
‫عند المغنم‬
‫الوقيعة أنـنـي‬
‫وكما قال زهير‪:‬‬
‫وعند المقلين‬
‫على مكثريهم رزق‬
‫السماحة والبـذل‬
‫من يعتريهم‬
‫مما وقع من الكلم كاليماء‬
‫ومما وقع كاليماء قول الفرزدق‪:‬‬
‫وقضى عليك به‬
‫ضربت عليك‬
‫الكتاب المنزل‬
‫العنكبوت بنسجها‬
‫فتأويل هذا أن بيت جرير في العرب كالبيت الواهن الضعيف‪،‬‬
‫فقال ‪ :‬وقضى عليك به الكتاب المنزل‪ :‬يريد به قول الله تبارك‬
‫وتعالى" وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت"‪ 41 .‬ومن كلمه‬
‫المستحسن قوله لجرير‪:‬‬
‫أبا عن كليب أو أبا ً‬
‫فهل ضربة الرومي‬
‫‪16‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫مثل دارم‬
‫جاعلة لكم‬
‫ومن أقبح الضرورة‪ ،‬وأهجن اللفاظ‪ ،‬وأبعد المعاني قوله‪:‬‬
‫أبو أمه حي أبوه‬
‫وما مثله في الناس إل‬
‫مملكا ً‬
‫يقـاربـه‬
‫مدح بهذا الشعر إبراهيم بن هشام بن اسماعيل بن هشام بن‬
‫المغيرة بن عبد الله عمر بن عمر بن مخزوم‪،‬وهو خال هشام بن‬
‫عبد الملك‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫وما مثله في الناس إل مملكا ً‬
‫يعني بالمملك هشامًا‪ ،‬أبو أم ذلك المملك أبو هذا الممدوح‪ ،‬ولو‬
‫كان هذا الكلم على وجهه لكان قبيحًا‪ ،‬وكان يكون إذا وضع الكلم‬
‫في موضعه أن يقول‪ :‬وما مثله في الناس حي يقاربه إل مملك أبو‬
‫أم هذا المملك أبو هذا الممدوح‪ ،‬فدل على أنه خاله بهذا اللفظ‬
‫البعيد‪ ،‬وهجنه بما أوقع فيه من التقديم والتأخير‪ :‬حتى كأن هذا‬
‫الشعر لم يجتمع في صدر رجل واحد مع قوله حيث يقول‪:‬‬
‫وما كاد مني ودهم‬
‫تصرم مني ود بكر بن‬
‫يتصرم‬
‫ل‬
‫وائ ٍ‬
‫وقد يمل القطر ألناء‬
‫قوارص تأتيني‬
‫فيفعم‬
‫ويحتقرونها‬
‫وكأنه لم يقع ذلك الكلم لمن يقول‪:‬‬
‫ليل يصيح بجانبيه‬
‫والشيبينهض في‬
‫نـهـار‬
‫السواد كأنه‬
‫ذ‪.‬‬
‫ظ‪ ،‬وأقرب مأخ ٍ‬
‫فهذا أوضح معنى‪ ،‬وأعرب لف ٍ‬
‫وليس لقدم العهد يفضل القائل‪ ،‬ول لحدثان عهد يهتضم المصيب‪،‬‬
‫ولكن يعطى كل ما يستحق‪ ،‬أل ترى كيف يفضل قول عمارة على‬
‫قرب عهده‪:‬‬
‫نخيلة نفس كان نصحا ً‬
‫تبحثتم سخطي فغير‬
‫ٍ‬
‫ضميرها‬
‫بحـثـكـم‬
‫عريكتها أن يستمر‬
‫ولن يلبث التخشين‬
‫مـريرهـا‬
‫نفسا ً كـريمة‬
‫إذا لم تكدر كان صفوا ً‬
‫وما النفس إل نطفة‬
‫غديرها‬
‫ة‬
‫بـقـرار ٍ‬
‫‪17‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ب‪ ،‬وكذلك قوله إيضًا‪:‬‬
‫فهذا كلم واضح‪ ،‬وقول عذ ٌ‬
‫حياتي لكم مني ثنـاٌء‬
‫بني دارم إن يفن عمري‬
‫مـخـلـد‬
‫فقد مضى‬
‫وإن عدتم أثنيت‪،‬‬
‫بدأتم فأحسنتم فأثـنـيت‬
‫جـاهـدا ً‬
‫والعود أحـمـد‬
‫???????????????????????????????????????مما يفضل من‬
‫أقوال الشعراء‬
‫لتخلصه من التكلف‬
‫ومما يفضل لتخلصه من التكلف‪ ،‬وسلمته من التزيد‪ ،‬وبعده من‬
‫الستعانة قول أبي حية النميري‪:‬‬
‫عشية آرام الكنـاس‬
‫رمتني وستر الله بيني‬
‫رمـيم‬
‫و بينها‬
‫ولكن عهدي بالنضال‬
‫أل رب يوم لو رمتني‬
‫قـديم‬
‫رميتها‬
‫يقول‪ :‬رمتني بطرفها‪ ،‬وأصابتني بمحاسنها‪ ،‬ولو كنت شابا ً لرميت‬
‫كما رميت‪ ،‬وفتنت كما فتنت‪ ،‬ولكن قد تطاول عهدي بالشباب‪،‬‬
‫فهذا كلم واضح‪.‬‬
‫قا ل أبو الحسن‪ :‬أنشدنا أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب البيتين‬
‫عن عبد الله بن شبيب وروى‪:‬‬
‫??عشية أحجار الكناس رميم‬
‫وزاد فيه بيتاً‪:‬‬
‫ضمنت لكم أل يزال‬
‫رميم التي قالت‬
‫يهـيم‬
‫لجارات بيتها‬
‫الكناس و المكنس‪ :‬الموضع الذي تأوي إليه الظباء‪ ،‬وجمع الكناس‬
‫كنس وجمع المكنس مكانس‪ .‬ورميم‪ :‬اسم جارية‪ ،‬مأخوذ من‬
‫العظام الرميم‪ ،‬وهي البالية‪ ،‬وكذلك الرمة‪ ،‬والرمة‪ :‬القطعة البالية‬
‫من الحبل‪ ،‬وكل ما اشتق من هذا فإليه يرجع‪".‬‬
‫الستعانة في الكلم‬

‫‪18‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫قال أبو العباس‪ :‬وأما ما ذكرناه من الستعانة‪ ،‬فهو أن يدخل في‬
‫الكلم ما ل حاجة بالمستمع إليه ليصحح به نظما ً "او وزنًا" إن كان‬
‫في شعر‪ ،‬او ليتذكر به ما بعده إن كان في كلم منثور‪ ،‬كنحو ما‬
‫تسمعه في كثير من كلم العامة قولهم‪ :‬ألست تسمع أفهمت أين‬
‫أنت وأشبه هذا‪ ،‬وربما تشاغل العيي بفتل إصبعه ومس لحيته‪،‬‬
‫وغير ذلك من بدنه‪ ،‬وربما تنحنح‪ .‬وقد قال الشاعر يعيب بعض‬
‫الخطباء في شعر‪:‬‬
‫ن وفتل‬
‫ت‬
‫مليٌء ببهرٍ والتفا ٍ‬
‫ومسحةٍ عثنو ٍ‬
‫أصابٍع‬
‫ة‬
‫وسعـل ٍ‬
‫وقال رجل من الخوارج يصف خطيبا ً منهم بالجبن‪ ،‬وأنه مجيد ٌ لول‬
‫أن الرعب أذهله‪:‬‬
‫لما رأى وقع السل‬
‫نحنح زيد ٌ وسـعـل‬
‫?ويلمه إذا ارتجل=ثم أطال واحتفل ومما يشاكل هذا المعنى‬
‫ويجانس هذا المذهب ما كان من خالد بن عبد الله القسري‪ ،‬فإنه‬
‫كان متقدما ً في الخطابة ومتناهيا ً في البلغة‪ ،‬فخرج عليه المغيرة‬
‫بن سعيد بالكوفة في عشرين رج ً‬
‫ل‪ ،‬فعطعطوا به‪ ،‬فقال خالد‪" :‬‬
‫اطعموني ماًء " وهو على المنبر‪ ،‬فغير بذلك‪ ،‬فكتب به هشام إليه‬
‫في رسالة يوبخه فيها‪ ،‬سنذكرها في موضعها إن شاء الله‪ .‬وغيره‬
‫يحيى بن نوفل فقال‪:‬‬
‫لئيم الصل في عددٍ‬
‫ج ثـمـانـيةٍ وعـبـدٍ‬
‫لعل ٍ‬
‫يسـير‬
‫شرابًا‪ ،‬ثم بلت على‬
‫هتفت بكل صوتك‪:‬‬
‫السرير‬
‫أطعموني‬
‫فهذا عارض‪ .‬وقال آخر يعيره‪:‬‬
‫واستطعم الماء لما‬
‫ف‬
‫بل المنابر من خو ٍ‬
‫جد في الهرب‬
‫ل‬
‫ومن وهـ ٍ‬
‫وكان يولع بالتشديق‬
‫وألحن الناس كل‬
‫في الخطب‬
‫ة‬
‫النس قـاطـب ٌ‬
‫لعرابي من بني كلب‬
‫ومما يستحسن لفظه ويستغرب معناه‪ ،‬ويحمد اختصاره قول‬
‫أعرابي من بني كلب‪:‬‬
‫‪19‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫بحجرٍ إلى أهل الحمى‬
‫فمن يك لم يغرض‬
‫غرضان‬
‫فإني ونلقتـي‬
‫وأخفي الذي لول‬
‫تحن فتبدي ما بها من‬
‫السى لقضاني‬
‫صـبـابة‬
‫يريد‪ :‬لقضى علي‪ ،‬فأخرجه لفصاحة وعلمه بجوهر الكلم أحسن‬
‫مخرج‪ ،‬قال الله عز وجل‪ " :‬وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون"‬
‫المطففين ‪ 3‬والمعنى إذا كالوا لهم أو وزنوا لهم‪ ،‬أل ترى "أن"‬
‫أول الية " الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون" المطففين ‪:2‬‬
‫فهؤلء أخذوا منهم ثم أعطوهم‪ ،‬وقال الله عز وجل‪ " :‬واختار‬
‫موسى قومه سبعين رجل ً " اللعراف‪ 155 :‬أي من قومه‪ ،‬وقال‬
‫الشاعر‪:‬‬
‫فقد تركت ذا مال و ذا‬
‫أمرتك الخير فافعل ما‬
‫نشـب‬
‫امرت به‬
‫أي أمرتك بالخير‪ ،‬ومن ذلك قول الفرزدق‪:‬‬
‫وجودا ً إذا هب الرياح‬
‫ومنا الذي اختير‬
‫الزعازع‬
‫ة‬
‫الرجال سماح ً‬
‫أي من الرجال‪ .‬فهذا الكلم الفصيح‪.‬‬
‫وتقول العرب‪ :‬أقمت ثلثا ً ما أذوقهن طعاما ً ول شرابًا‪ ،‬أي ما أذوق‬
‫فيهن‪ ،‬وقال الشاعر‪:‬‬
‫ويوما ً شهدناه سليما ً‬
‫قليل ً سوى الطعن‬
‫وعـامـرا ً‬
‫النهال نوافذه‬
‫قال أبو الحسن‪ :‬قوله‪ ":‬لم يغرض"‪ ،‬أي لم يشتق‪ ،‬يقال‪ :‬غرضت‬
‫إلى لقائك‪ ،‬وحننت إلى لقائك‪ ،‬وعطشت إلى لقائك‪ ،‬وجعت إلى‬
‫لقائك أي إشتقت‪ ،‬أخبرنا بذلك أبو العباس أحمد بن يحيى عن ابن‬
‫العرابي‪ ،‬وأنشدنا عنه‪:‬‬
‫من ذا رسو ٌ‬
‫عني علية غير قـول‬
‫ح‬
‫ل ناص ٌ‬
‫الـكـاذب‬
‫غ‬
‫فـمـبـلـ ٌ‬
‫غرض المحب إلى‬
‫أني غرضت إلى‬
‫الحبيب الغائب‬
‫تناصف وجههـا‬
‫التناصف‪ :‬الحسن‪.‬‬
‫وأما قوله‪ ":‬لقضاني" فإنما يريد‪ :‬لقضى علي الموت‪ ،‬كما قال الله‬
‫‪20‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫عز وجل‪ ":‬فلما قضينا عليه الموت"سبأ ‪ ،14‬فالموت في النية‪،‬‬
‫وهو معلوم بمنزلة ما نطقت به‪ ،‬فلهذا ناسب قوله عز‬
‫وجل‪":‬واختار موسى قومه"‪ ،‬العراف ‪ 155‬وكذلك قوله‪":‬كالوهم"‬
‫فالشىء المكيل معلوم‪ ،‬فهو بمنزلة ما ذكر في اللفظ‪ ،‬ول يجوز‪:‬‬
‫مررت زيدا ً وأنت تريد‪ :‬مررت بزيد‪ ،‬لنه ل يعتدى إل بحرف جر‪،‬‬
‫وذلك أن فعل الفاعل في نفسه‪ ،‬وليس فيه د ليل على المفعول‬
‫نفسه‪ ،‬وليس هذا بمنزلة ما يتعدى إلى مفعولين‪ ،‬فيتعدى إلى‬
‫أحدهما بحرف جر‪ ،‬وإلى الخر بنفسه‪ ،‬لن قولك‪ :‬اخترت الرجال‬
‫زيدًا‪ ،‬قد علم بذكرك "زيدا ً " أن حرف الجر محذوف من الول‪.‬‬
‫فأما قول الشاعر وهو جرير وإنشاد أهل الكوفة له‪ ،‬وهو قوله‪:‬‬
‫كلمكم علي إذا ً‬
‫تمرون الديار ولم‬
‫حـرام‬
‫تعوجوا‬
‫ورواية بعضهم له‪ ":‬أتمضون الديار" فليس بشىء لما ذكرت لك‪ ،‬و‬
‫السماع الصحيح و القياس المطرد ل تعترض عليه الرواية الشاذة ‪.‬‬
‫أخبرنا أبو العباس محمد بن يزيد قال‪ :‬قرأت على عمارة بن عقيل‬
‫بن بلل بن جرير‪:‬‬
‫مررتم بالديار ولم تعوجوا "‬
‫ة‪.‬‬
‫فهذا يدلك على أن الرواية مغير ٌ‬
‫فأما قولهم‪ :‬أقمت ثلثا ً ما أذوقهن طعاما ً ول شرابًا‪ ،‬وقول الراجز‪:‬‬
‫قد صبحت صبحها‬
‫بكبد خالطهـا سـنـام‬
‫السلم‬
‫في ساعة يحبها‬
‫الطعام‬
‫يريد في ساعة يحب فيها الطعام‪ ،‬وكذلك الول‪ ،‬معناه‪ :‬ما أذوق‬
‫فيهن‪ ،‬فليس هذا عندي من‪.‬‬
‫باب قوله جل وعل" واخيار موسى قومه"‬
‫العراف‪ 155 :‬إل في الحذف فقط‪ ،‬وذلك أن ضمير الظرف‬
‫تجعله العرب مفعول ً على السعه‪ ،‬كقولهم‪ :‬يوم الجمعة سرته‪،‬‬
‫ومكانكم قمته‪ ،‬وشهر رمضان صمته‪ ،‬فهذا يشبه في السعة في‬
‫ن‪.‬‬
‫السعة بقوله‪ :‬زيد ضربته وما أشبه‪ ،‬فهذا بي ٌ‬
‫‪21‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫لعرابي من بني سعد وقد نزل به أضياف‬
‫قال أبو العباس‪ :‬ومما يستحسن و يستجاد قول أعرابي من بني‬
‫سعد بن زيد مناة تميم‪ ،‬وكان مملكًا‪ ،‬فنزل به أضياف‪ ،‬فقام إلى‬
‫الرحى فطحن لهم‪ ،‬فمرت به زوجته في نسوة‪ ،‬فقالت لهن‪ :‬أهذا‬
‫بعلي فأعلم بذلك فقال‪ ،‬قال أبو الحسن‪ :‬أخبرنا به عن أبي محلم‬
‫له يعني السعدي‪:‬‬
‫أبعلي هذا بالرحى‬
‫تقول وصكت صدرها‬
‫المتقاعـس‬
‫بيمينهـا‪:‬‬
‫بلئي إذا التفت علي‬
‫فقلت لها ل تعجبي‬
‫الفوارس‬
‫وتـبـينـي‬
‫وفيه سنان ذو غرارين‬
‫ألست أرد القرن‬
‫يابـس‬
‫يركب ردعـه‬
‫يهاب حماياه اللد‬
‫إذا هاب أقوام‬
‫المـداعـس‬
‫تجشمت هول ما‬
‫لضيفي‪ ،‬وإني إن‬
‫لعمر أبيك الخير إنـي‬
‫ركبت لفارس‬
‫لـخـادم‬
‫قوله‪":‬المتقاعس" إنما هو الذي يخرج صدره ويدخل ظهره‪،‬‬
‫ويقال‪:‬عزة قعساء‪ ،‬وإنما هذا مثل‪ ،‬أي ل تضع ظهرها إلى الرض‪.‬‬
‫وقوله‪ ":‬بالرحى" من صلة الذي‪ ،‬والصلة تمام الوصول‪ ،‬فلو قدمها‬
‫قبله لكان لحنا ً خطا ً فاحشًا‪ ،‬وكان كمن جعل آخر السم قبل أوله‪،‬‬
‫ولكنه جعل " المتقاعس" اسما ً على وجهه‪ ،‬وجعل قوله‪ ":‬بالرحى"‬
‫تبيينا ً بمنزلة"لك" التي تقع بعد " سقيًا"‪ ،‬وبمنزلة" بك" التي تقع‬
‫بعد قولك‪ ":‬مرحبًا" فإن قدمتها فذلك جيد بالغ‪ ،‬تقول‪ :‬بك مرحبا ً و‬
‫أه ً‬
‫ل‪ ،‬وتقول‪ :‬لك حمدًا‪ ،‬ولزيد سقيًا‪ ،‬فأما قول الله عز وجل‪ ":‬وأنا‬
‫على ذلكم من الشهدين" النبياء‪ 56 :‬وكذلك" وقاسمهما إنى لكما‬
‫لمن النصحين" العراف‪ 21 :‬فيكون تفسيره على وجهين‪ :‬أحدهما‬
‫أن يكون‪ :‬إنني ناصح لكما‪ ،‬وأنا شاهد على ذلكم‪ ،‬ثم جعل" من‬
‫الشاهدين" و" لمن الناصحين" تفسيرا ً لشاهد وناصح‪ ،‬ويكون على‬
‫ما فسرناه يراد به التبيين‪ ،‬فل يدخل في الصلة‪ ،‬أو يكون على‬
‫مذهب المازني‪.‬‬
‫قال أبو العباس‪ :‬وهو الذي أختار‪ ،‬على أن اللف واللم للتعريف ل‬
‫على معنى الذي‪ ،‬أل ترى أنك تقول‪ :‬نعم الفائم زيد‪ ،‬ول يجوز‪ :‬نعم‬
‫‪22‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫الذي قام زيد‪ ،‬وإنما هو بمنزلة قولك‪ :‬نعم الرجل زيد‪ ،‬وهذا الذي‬
‫شرحناه متصل في هذا الباب كله مطرد على القياس‪.‬‬
‫وقوله‪ " :‬ألست أرد القرن يركب ردعه" فإنما اشتقاقه من السهم‬
‫يقال‪ :‬ارتدع السهم إذا رجع متأخرًا‪ ،‬ويقال‪ :‬ركب البعير ردعه إذا‬
‫سقط‪ ،‬فدخل عنقه في جوفه‪ ،‬والكلم مشتق بعضه من بعض‪،‬‬
‫ومبين بعضه بعضًا‪ ،‬فيقال من هذا في المثل‪ :‬ذهب فلن في‬
‫حاجتي فارتدع عنها‪ ،‬أي رجع‪ ،‬وكذلك‪ :‬فلن ل يرتدع عن قبيح‪،‬‬
‫والصل ما ذكرت أو ً‬
‫ل‪.‬‬
‫ومثل هذا قولهم‪ :‬فلن على الدابة‪ ،‬وعلى الجبل‪ ،‬أي فوق كل‬
‫واحد منهما ثم تقول‪ :‬عليه دين تمثي ً‬
‫ل‪ ،‬وكذلك ركبه دين‪ ،‬وإنما يريد‬
‫أن الدين عله و قهره‪ ،‬وكذلك فلن على الكوفة إذا كان واليا ً‬
‫عليها‪ ،‬وكذلك‪ :‬عل فلن القوم‪ ،‬إذا علهم بأمره وقهرهم‪ ،‬أو جعل‬
‫هذا الموضوع‪.‬‬
‫وقوله‪ " :‬وفيه سنان ذو غرارين يابس" فالغرار هنا الحد‪ ،‬وللغرار‬
‫مواضع‪.‬‬
‫قال أبو العباس‪ :‬وحدثني الرياشي في إسناد له قال‪ :‬قال جبر بن‬
‫حبيب وذكر الراعي‪ :‬أخطأ العور قال‪ :‬ولم يعلم الحاكي عنه أن‬
‫الراعي كان أعور إلمن هذا الخبر في قوله‪:‬‬
‫كسران العير منه‬
‫فصادف سهمه أحجار‬
‫والغرارا‬
‫قف‬
‫وجبر بن حبيب هو المخطىء‪ ،‬لن الغرار ههنا هو الحد‪ ،‬وذهب جبر‬
‫إلى أنه المثال‪ ،‬وقد يكون المثال‪ ،‬وليس ذلك بمانعه من أن يحتمل‬
‫معاني‪ ،‬يقال‪ :‬بنوا بيوتهم على غرار واحد‪ ،‬أي على مثال واحد‪ ،‬كما‬
‫قال عمرو بن أحمر" الباهلي"‪:‬‬
‫هجان اللون قد‬
‫وضعن وكلهن على‬
‫وسقت جنينا‬
‫غـرار‬
‫و يقال‪ :‬لسوقنا درة وغرار‪ ،‬أي نفاق و كساد‪ ،‬فهذا معنى آخر‪،‬‬
‫وإنما تأويل الغرار في هذا المعنى الخير أنه شيء‪ ،‬ومن هذا‪ :‬غار‬
‫الطائر فرخه‪ ،‬لنه إنما يعطيه شيئا ً بعد شيء‪ ،‬وكذلك غارت الناقة‬
‫في الحلب‪ ،‬ويقال من هذا‪ :‬ما نمت إل غرار‪ ،‬قال الشاعر‪:‬‬
‫‪23‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫مثل حسو الطير ماء‬
‫ما أذوق النوم إل‬
‫غـرارا ً‬
‫الثماد‬
‫فكشف في هذا البيت معنى الغرار وأوضحه‪.‬‬
‫وقوله‪ " :‬يهاب حمياه اللد المداعس" فأصل الحميا إنما هي‬
‫صدمة الشيء‪ ،‬يقال‪ :‬فلن حامي الحميا‪ ،‬ويقال صدمته حميا ً‬
‫الكأس‪ ،‬يراد بذلك سورتها‪.‬‬
‫وقوله‪ ":‬اللد" فأصله الشديد الخصومة‪ ،‬يقال‪ :‬خصم ألد‪ ،‬أي ل‬
‫ينثني عن خصمه‪ .‬قال الله عز وجل‪ ":‬وتنذر به قوما ً لدًا" مريم‪:‬‬
‫‪ 97‬كما قال‪" :‬بل هم قوم خصمون"‪ ،‬الزخرف‪ ،58 :‬وقال مهلهل‪:‬‬
‫إن تحت الحجار حزما ً‬
‫وخصيما ً ألـد ذا‬
‫وجودا ً‬
‫مـعـلق‬
‫ويروي‪ ":‬مغلق" فمن روى ذلك فتأويله أنه يغلق الحجة‬
‫الخصم‪،‬ومن قال‪ "،‬ذا معلق"‪ ،‬فإنما يريد أنه إذا علق خصما ً لم‬
‫يتخلص منه‪ ،‬وجعل السعدي اللد الذي ل ينثني عن الحرب تشبيها ً‬
‫بذلك‪ ،‬و المداعس‪ :‬المطاعن‪ ،‬يقال‪ :‬دعسه بالرمح إذا طعنه‪ ،‬قال‬
‫عمير بن الحباب السلمي‪:‬‬
‫وبالقناة مازني‬
‫أنا عميٌر وأبو المغلس‬
‫مدعس‬
‫قال أبو الحسن‪ :‬تأويل قول السعدي‪" :‬أبلعي هذا بالرحى‬
‫المتقاعس" "بالرحى" تبيين ولم يوضحه‪ ،‬فإن تقدير ما كان من‬
‫هذا الضرب أنه إذا قال‪ " :‬أبعلي هذا بالرحى المتقاعس"‪ ،‬فإن‬
‫المتقاعس يدل على أن تقاعسا ً وقع‪،‬فكأنه قال‪ :‬وقع التقاعس‬
‫بالرحى‪ ،‬ولم يرد أن يعمل " المتقاعس " في قوله‪ ":‬بالرحى"‪،‬‬
‫لنه في صلة‪ ،‬والصلة من الموصول بمنزلة الدال من زيد أو الياء‪،‬‬
‫فكما ل يجوز أن يتقدم حروف السم بعضها على بعض‪ ،‬لم يجز أن‬
‫تتقدم الصلة على الموصول‪ ،‬فأما قول الله عز وجل‪ " :‬وقاسمهما‬
‫إنى لكما لمن النصحين"‪ ،‬العراف‪ ،21 :‬وكذلك‪ ":‬وأنا على ذلكم‬
‫من الشهدين" النبياء‪ ،56 :‬فإنه يكون على التبيين الذي قدمنا‬
‫ذكره وهو قول البصريين أجمعين‪ ،‬إل أن أبا عمر الجرمي أجاز أن‬
‫يجعل"لكما"‪،‬و " على ذلكم" معلقين بشيئين محذوفين دل‬
‫عليهما" من الناصحين"‪ ،‬و" من الشاهدين"‪ ،‬لن "من" مبعضة‪،‬‬
‫فكأنه قال والله أعلم‪ :‬وقاسمهما إني ناصح لكما من الناصحين‪،‬‬
‫‪24‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وأنا شاهد على ذلكم من الشاهدين‪.‬‬
‫وأما اختياره وذكره أنه قول المازني‪ ،‬وجعله اللف واللم للعهد‬
‫مثلهما في الرجل وما أشبهه‪ ،‬فإن هذا القول غير مرضي عندي‪،‬‬
‫لنك إذا قلت‪ :‬نعم القائم زيد ٌ فجعلت اللف واللم كاللف واللم‬
‫الداخلتين على ما يؤخذ من الفعل كالنسان و الفرس وما أشبهه‪،‬‬
‫فإنه إذا كان هكذا دخل في باب السماء الجامدة وهي التي لم‬
‫تؤخذ من أمثلة الفعل‪ ،‬وامتنع من أن يعمل مؤخرا ً إل على حيلة‬
‫ووجهٍ بعيد ٍ من التبيين الذي ذكرناه‪ .‬وإذا كان التأخير ل يعمل‬
‫بنفسه‪ ،‬فكيف يعمل إذا تقدم عليه الظرف وهذا مستحيل ل وجه‬
‫له‪.‬‬
‫وأما إنشاده‪:‬‬
‫ل أذوق النوم إل غرارا ً‬
‫فإن هذه أبيات أربعة أنشدناها عن الزيادي‪ ،‬وذكر أنه كان‬
‫يستحسنها وهي لعرابي قال‪:‬‬
‫ولجنبي نابـيا ً عـن‬
‫ما لعيني كحلت‬
‫وسـادي‬
‫بـالـسـهـاد‬
‫مثل حسو الطير ماء‬
‫ما أذوق الـنـوم إل‬
‫غـرارا ً‬
‫الثـمـاد‬
‫وهي تسعى جهدها‬
‫أبتغي إصلح سعدى‬
‫في فسادي‬
‫بجهـدي‬
‫ربما أفسد طول‬
‫فتتاركنا علـى غـير‬
‫الـتـمـادي‬
‫شـيٍء‬
‫وأما إنشاده‪:‬‬
‫وضعن وكلهن على غرارٍ‬
‫فإن البيت لعمرو بن أحمر بن العمرد الباهلي‬
‫لطيخم بن أبي الطمخاء السدي‬
‫يمدح قوما ً من الحيرة‬
‫قال أبو العباس‪ :‬ومن سهل الشعر وحسنه قول طخيم بن أبي‬
‫الطخماء السدي يمدح قوما ً من أهل الحيرة من بني امرىء‬
‫القيس بن زيد مناة بن تميم‪ ،‬ثم من رهط عدي بن زيد العبادي‪،‬‬
‫قال‪:‬‬
‫‪25‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫م‬
‫وبالقصر ظل دائ ٌ‬
‫وصديق‬

‫م‬
‫كأن لم يكن يو ٌ‬
‫ح‬
‫بزورة صال ٌ‬

‫شراب من البروقتـين‬
‫ولم أراد البطحاء يمزج‬
‫عـتـيق‬
‫مـاءهـا‬
‫إذا ما سرت فيه‬
‫معي كل فضفاض‬
‫المدام فـنـيق‬
‫القميص كأنه‬
‫له في العروق‬
‫بنو السمط و الحداء‪،‬‬
‫الصالحات عروق‬
‫كل سمـيدع‬
‫ويرتاح قلبي نحـوهـم‬
‫وإني وإن كانوا نصارى‬
‫ويتـوق‬
‫أحبـهـم‬
‫قال أبو العباس‪ :‬أنشدني هذا الشعر أبو محلم‪ ،‬ثم أنشدنيه رجل‬
‫نصراني يكنى أبا يحيى‪ ،‬شاعر من هؤلء القوم الذين مدحوا به‪،‬‬
‫وذكر أنه يذكر طخيمًا‪ ،‬وهو يتردد إليهم ويظل عندهم‪ .‬فال هذا‬
‫النصراني وهو رجل من بني الحداء قال‪ :‬أذكره وأنا صغير جدًا‪،‬‬
‫والسلطان يطلبه لقوله‪:‬‬
‫له في العروق الصالحات عروق‬
‫يقول‪ :‬أتقول هذا لقوم ٍ من النصارى وكان هذا النصراني قد قارب‬
‫مائة سنة فيما ذكر‪.‬‬
‫ل‪،‬‬
‫وقوله‪ ":‬معي كل فضفاض القميص" يريد أن قميصه ذو فضو ٍ‬
‫وإنما يقصد إلى ما فيه من الخيلء‪ ،‬كما قال زهير‪:‬‬
‫حميا ً الكأس فيهم‬
‫يجرون الذيول وقد‬
‫والغناء‬
‫تمشت‬
‫ويقال‪ :‬إن تأويل قول رسول الله حلى الله عليه وسلم‪ " :‬فضل‬
‫الزار في النار "إنما أراد معنى الخيلء‪ ،‬وقال الشاعر‪:‬‬
‫ول أرخي من المرح‬
‫ول ينسيني الحدثان‬
‫الزارا‬
‫عرضـي‬
‫وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم‪:‬أنه قال لبي تميمة‬
‫ب‪،‬‬
‫م عر ٌ‬
‫الهجيمي‪ ":‬إياك و المخيلة" فقال‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬نحن قو ً‬
‫فما المخيلة فقال صلى الله عليه وسلم " سبل الزار" والحديث‬
‫‪26‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫يعرض لما يجري في الحديث قبله‪ ،‬وإن لم يكن من بابه‪ ،‬ولكن‬
‫يذكر به‪.‬‬
‫قال أبو العباس‪ :‬روى لنا أن رجل ً من الصالحين كان عند إبراهيم‬
‫بن هشام‪ ،‬فأنشد إبراهيم قول الشاعر‪:‬‬
‫وإذا أجر إليكم سادرا ً‬
‫إذ أنت فينا لمن ينهاك‬
‫رسني‬
‫عاصية‬
‫فقام ذلك الرجل فرمى بشق ردائه‪ ،‬وأقبل يسحبه حتى خرج من‬
‫المجلس‪ ،‬ثم رجع على تلك الحال فجلس‪ ،‬فقال له إبراهيم بن‬
‫هشام‪ :‬ما بك فقال ‪ :‬إني كنت سمعت هذا الشعر فاستحسنته‪،‬‬
‫فآليت أل أسمعه إل جررت ردائي كما ترى‪ ،‬كما سحب هذا الرجل‬
‫رسنه‪.‬عأما الفنيق فإنه الفحل من البل‪ ،‬وإنما أراد خطراته بذنبه‬
‫من الخيلء‪ ،‬فشبه الرجل من هؤلء إذا انتشى بالفحل‪ ،‬وهو إذا‬
‫خطر ضرب بذنبه يمنة وشأمة‪،‬قال ذو الرمة‪:‬‬
‫تقوب عن غربان‬
‫وقربن بالزرق‬
‫أوراكها الخطر‬
‫الجمائل بعـدمـا‬
‫قول مخيس بن أرطاة العرجي‬
‫لرجل من بني حنيفة‬
‫ومن حسن الشعر ومايقرب مأخذة قول مخيس بن أرطاة‬
‫العرجى والعرج الحارث بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم‪،‬‬
‫لرجل من بني حنيفة يقال له يحيى‪ ،‬وكان يصير إلى امرأة في‬
‫قرية من قرى اليمامة يقال لها‪ :‬بقعاء‪ :‬قال أبو الحسن ‪ :‬أنشدته‬
‫عن الرياشي ‪" :‬نقعاء"‪ ،‬وسألت رجل ً من أهل اليمامة فصيحا ً من‬
‫بني حنيفة عن هذا‪ ،‬فقال ‪ :‬مانعرفة إل "نقعاء" ‪:‬‬
‫فقال‪ :‬غششتني‬
‫عرضت نصيحة مني‬
‫والنصح مر‬
‫ليحيى‬
‫ويحيى طاهر الثواب‬
‫وما بى أن أكون أعيب‬
‫بـر‬
‫يحيى‬
‫يقال عليه فى بقعـاء‬
‫ولكن قد أتانـي أن‬
‫شـر‬
‫يحـيى‬
‫يعاب عليك‪ ،‬أن‬
‫فقلت له‪ :‬تجنب كل‬
‫الحرحـر‬
‫شـىٍء‬
‫‪27‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫فهذا كلم ليس فية فضل عن معناه‪ ،‬وقوله ‪":‬إن الحرحر " انما‬
‫تأويلة أن الحر على الخلق التى عهدت فى الحرار‪ ،‬ومثل ذلك‪:‬‬
‫أنا أبو النجم وشعري شعري‬
‫أي شعري كما بلغك‪ ،‬وكما كنت تعهد‪ ،‬وكذلك قولهم‪ :‬الناس‬
‫الناس‪ ،‬أي الناس كما كنت تعهدهم‪.‬قال أبو الحسن ‪:‬ومنه قول‬
‫الله عز وجل ‪ ":‬فغشيهم من اليم ما غشيهم" طه ‪ 87‬وقوله‪:‬‬
‫فقلت له تجنب كل‬
‫يعـاب عــلـــيك‬
‫شىء‬
‫كقول عمرو بن العاص لمعاوية حين وصف عبد الملك بن مران‬
‫فقال ‪ :‬آخذ بثلث‪ ،‬تار ٌ‬
‫ك لثلث‪ ،‬آخذ بقلوب الرجال إذا حدث‪،‬‬
‫وبحسن الستماع إذا حدث‪ ،‬وبأيسرالمرين عليه إذا خولف‪،‬تارك‬
‫للمراء‪،‬تارك لمقاربة اللئيم‪،‬تارك لما يعتذر منه‪،‬كقوله ‪:‬‬
‫يعاب عليك أن الحر‬
‫تجـنـب كـل شــىٍء‬
‫حر‬
‫قول ابن ميادة لرياح بن عثمان المري‬
‫ومما يستحسن إنشاده من الشعر لصحة معناه‪،‬وجزالة‬
‫لفظه‪،‬وكثرة تردد ضربه من المعاني بين الناس‪،‬قول ابن ميادة‬
‫لرياح بن عثمان بن حيان المري‪،‬من مرة غطفان‪،‬يقوله في فتنة‬
‫محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن‪،‬وكان أشار عليه بأن يعتزل‬
‫القوم فلم يفعل فقتل‪،‬فقال ابن ميادة ‪:‬‬

‫وقوله‪:‬‬

‫ة من‬
‫فقلت ‪:‬هشيم ٌ‬
‫أهل نجد‬
‫على محبوكة الصلب‬
‫جرد‬
‫وما أغنيت شيئا غير‬
‫وجدي‬

‫أمرتك يا رياح بأمـر‬
‫حـزم ٍ‬
‫نهيتك عن رجال من‬
‫قـريش‬
‫ووجدا ً ما وجدت علـى‬
‫ح‬
‫ريا ٍ‬

‫" فقلت هشيمة من أهل نجد‬
‫تأويله ضعفة‪،‬وأصل الهشيم النبت إذا ولى وجف وتكسر‪ ،‬فذرته‬
‫الرياح يمينا ً وشمال ً قال الله عز وجل ‪ ":‬فأصبح هشيما ً تذروه‬
‫‪28‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫الريح" والنجد ‪:‬أعالي الرض وقوله‪" :‬على محبوكة الصلب جرد"‬
‫فالمحبوك الذي فيه طرائق‪ ،‬واحدها حبا ٌ‬
‫ك‪ ،‬والجماعة حبك‪ ،‬وكذلك‬
‫الطرائق التي عاى جناح الطائر ؛ من ذلك قول الله عز وجل‪":‬‬
‫والسماء ذات الحبك" قال أ بو الحسن‪ :‬ابن ميادة اسمه الرماح‪،‬‬
‫وأمه ميادة‪ ،‬وأبوه أبرد‪ ،‬وكان عاقا ً بأمه‪ ،‬ولها يقول‪:‬‬
‫اعرنزمي مياد للقوافي‬
‫وأصل العرنزام التجمع و التقبض‪ ،‬يقول‪ :‬استعدي لها وتهيئي‪.‬‬
‫وأنشدنا أبو العباس محمد بن يزيد له ‪:‬‬
‫قول المجد وهن‬
‫ونواعم قد قلنـا يوم‬
‫كـالـمـزاح‬
‫تـرحـلـي‬
‫طلعت??? علينا‬
‫ياليتنا مـن غـير أمـر‬
‫العيس بالرماح‬
‫فـادح‬
‫في أبيات له‪ ،‬يعني نفسه‪ .‬قال أبو الحسن‪ :‬وتمام البيات ‪:‬‬
‫بالخز فوق جـللة‬
‫بينا كذاك رأيتني‬
‫متعـصـبـا ً‬
‫سـرداح‬
‫بيضاء مثل غريضة‬
‫فيهن صفراء المعاصم‬
‫التـفـاح‬
‫طفـلة‬
‫ش ول‬
‫ريشن حين أردن أن‬
‫نبل ً بـل ري ٍ‬
‫بـقـداح‬
‫يرميننـي‬
‫مرضى مخالطها‬
‫ونظرن من خلل‬
‫السقم صحاح‬
‫الستور بأعين‬
‫نبذ من أقوال الحكماء‬
‫قال أبو العباس‪ :‬ثم نذكر من كلم الحكماء وأمثالهم وآدابهم‬
‫صدرًا‪ ،‬ونعود إلى المقطعات إن شاء الله‪ .‬يروى عن ابن عمر أنه‬
‫كان يقول‪ :‬إنا معشر قريش‪ ،‬كنا نعد الجود و الحلم السودد‪ ،‬ونعد‬
‫العفاف وإصلح المال المروءة‪.‬‬
‫قال الحنف بن قيس‪ :‬كثرة الضحك تذهب الهيبة‪ ،‬وكثرة المزح‬
‫تذهب المروءة‪ ،‬ومن لزم شيئا ً عرف به‪.‬‬
‫وقيل لعبد الملك بن مروان‪ :‬ما المروءة? فقال‪ :‬موالة الكفاء‪،‬‬
‫ومداجاة العداء‪.‬‬
‫وتأويل المداجاة المداراة؛ أي ل تظهر لهم ما عندك من العداوة‪،‬‬
‫‪29‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫وأصله من الدجى‪ ،‬وهو ما ألبسك الليل من ظلمته‪.‬‬
‫وقيل لمعاوية‪ :‬ما المروءة? فقال‪ :‬احتمال الجريرة‪ ،‬وإصلح أمر‬
‫العشيرة‪ .‬فقيل له‪ :‬وما النبل? فقال‪ :‬الحلم عند الغضب‪ ،‬والعفو‬
‫عند القدرة‪.‬‬
‫وكان أبو سفيان إذا نزل به جار قال له‪ :‬يا هذا‪ ،‬إنك قد اخترتني‬
‫جارًا‪ ،‬واخترت داري دارًا‪ ،‬فجناية يدك علي دونك‪ ،‬وإن جنت عليك‬
‫يد ٌ فاحتكم علي حكم الصبي على أهله‪.‬‬
‫وذلك أن الصبي قد يطلب ما ل يوجد إل بعيدًا‪ ،‬ويطلب ما ل يكون‬
‫البتة‪ ،‬قال الشاعر‪:‬‬
‫كثيٌر على ظهر‬
‫ول تحكما حكم الصبـي‬
‫الطريق مجاهله‬
‫فـإنـه‬
‫وروي أن معاوية بن سفيان لما نصب يزيد لولية العهد أقعده في‬
‫قبةٍ حمراء‪ ،‬فجعل الناس يسلمون على معاوية‪ ،‬ثم يميلون إلى‬
‫يزيد‪ ،‬حتى جاء رج ٌ‬
‫ل فعل ذلك‪ ،‬ثم رجع إلى معاوية‪ ،‬فقال‪ :‬يا أمير‬
‫المؤمنين‪ ،‬اعلم أنك لو لم تول هذا أمور المسلمين لضعتها‪-‬‬
‫س‪-‬فقال له معاوية‪ :‬ما بالك ل تقول يا أبا بحر! فقال‪:‬‬
‫والحنف جال ٌ‬
‫أخاف الله إن كذبت‪ ،‬وأخافكم إن صدقت‪ ،‬فقال‪ :‬جزاك الله عن‬
‫ف‪ ،‬فلما خرج الحنف لقيه الرجل‬
‫الطاعة خيرًا! وأمر له بألو ٍ‬
‫بالباب‪ ،‬فقال‪ :‬يا أبا بحر‪ ،‬إني لعلم أن شر من خلق الله هذا‬
‫وابنه‪ ،‬ولكنهم قد استوثقوا من هذه الموال بالبواب والقفال‪،‬‬
‫فلسنا نطمع باستخراجها إل بما سمعت‪ ،‬فقال الحنف‪ :‬يا هذا‬
‫أمسك عليك‪ ،‬فإن ذا الوجهين خليقٌ أل يكون عند الله وجيهًا‪.‬‬
‫ل يهجو بلل بن البعير المحاربي‬
‫لرج ٍ‬
‫وقال رج ٌ‬
‫ل يهجو بلل بن البعير المحاربي‪:‬‬
‫م ول فـي ذروة الـمـــجـــد‬
‫سنـا ٌ‬
‫لـون أبـنـاء الـبـعـــير ومـــا لـــه‬
‫غـــارب‬
‫وذاكم من سفاهة رأيهالهجوهالما‬
‫ي محارب‬
‫ونـفـسـي عـن هـذا الـمـقـام لــراغـــب‬
‫إلهي إنني بعشيرتي‬
‫لبي الطمحان القيني يفخر بقومه‬
‫وقال أبو الطمحان القيني‪:‬‬
‫وإني من القوم الـذين‬
‫إذا مات منهم سيد ٌ‬
‫‪30‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫قام صاحبـه‬
‫ب تأوي إليه‬
‫بدا كوك ٌ‬
‫كواكـبـه‬
‫دجى الليل حتى نظم‬
‫الجزع ثاقبه‬

‫هـم هـم‬
‫نجوم سماٍء كلما غار‬
‫كـوكـب‬
‫أضاءت لهم أحسابهم‬
‫ووجوههـم‬
‫وما زال منهم حيث‬
‫كانوا مسود ٌ‬
‫لياس بن الوليد يمدح قومه‬
‫وقال إياس بن الوليد يمدح قومه‪:‬‬
‫إني وجدك من قوم ٍ‬
‫إذا طلبـوا‬
‫ل تحسبوا هجم أبياتي‬
‫ة‬
‫علنـي ً‬
‫تبقى المعاير بعد‬
‫ة‬
‫القوم بـاقـي ً‬
‫ل يهجو‬
‫لرج ٍ‬
‫وقال آخر‪:‬‬
‫ليسوا لعمرو غير‬
‫ة‬
‫تأشيب نسب ٍ‬
‫إذا عيروا قالوا مقادير‬
‫قدرت‬
‫ل من بني نهشل‬
‫لرج ٍ‬
‫بن دارم ينأى بنفسه‬
‫وقال رج ٌ‬
‫ل من بني نهشل بن دارم‪:‬‬
‫إذا مولك كان عليك‬
‫عونـا ً‬
‫فل تخنـع إلـيه ول‬
‫تـرده‬
‫فما لشآفةٍ من غـير‬

‫‪31‬‬

‫تسير المنايا حيث‬
‫سارت كتائب‬
‫بعد النسيئة دينا ً‬
‫أحسنوا الطلبـا‬
‫ول استلب سلحي‬
‫ذاهبا ً لعبا‬
‫ويذهب المال فيما‬
‫كان قد ذهبا‬
‫ولكن عمرا ً غيبته‬
‫المقابـر‬
‫وما العار إل ما تجر‬
‫المقادر‬

‫أتاك القوم بالعجب‬
‫العجيب‬
‫ورام برأسه عرض‬
‫الجبوب‬
‫إل ولى صديقك من‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وقوله‪:‬‬

‫طبيب‬

‫ب‬
‫ذنـ ٍ‬

‫ورام برأسه عرض الجبوب‬
‫ل من بني‬
‫يريد الرض‪-‬وهو اسم من أسمائها‪-‬أنشدني التوزي لرج ٍ‬
‫مرة يرثي ابنه‪:‬‬
‫ثوى بين أحجارٍ ورهن‬
‫بني على عيني وقلبي‬
‫جبوب‬
‫مكانـه‬
‫ة‬
‫وقوله‪ :‬فما لشآفةٍ يقول‪ :‬لبغض‪ ،‬يقال‪ :‬شئفت الرحل أشأفه شآف ً‬
‫وشأفًا‪ ،‬وقد يقال في هذا المعنى شنفته‪ ،‬قال الراجز‪:‬‬
‫ومنعتني خيرها‬
‫لما رأتني أم عمرٍو‬
‫وشنفـت‬
‫صدفت‬
‫وقال آخر‪ :‬ولم تداو غلة القلب الشنف‬
‫لنبهان بن عكي في النسيب‬
‫وقال نبهان بن عكي العبشمي‪:‬‬
‫ذرا عقدات البرق‬
‫يقر بعيني أن أرى من‬
‫المـتـقـاود‬
‫مكـانـه‬
‫سليمى‪ ،‬وقد مل‬
‫وأن أرد الماء الذي‬
‫السرى كل واجد‬
‫شربـت بـه‬
‫وإن كان مخلوطا ً بسم‬
‫وألصق أحشائي ببـرد‬
‫السـاود‬
‫تـرابـه‬
‫قوله‪ " :‬ذرا عقدات" فالذروة من كل شيء أعله‪ ،‬فذروه السنام‬
‫أعله‪ ،‬وذروة المجد أرفعه وأسناه‪ ،‬ويقال‪ :‬فلن في ذروة قومه إذا‬
‫كان في الموضع الرفيع منهم‪ ،‬وأما قول لبيد‪:‬‬
‫دنس السؤق عن‬
‫ن يجلو بأطـراف‬
‫مدم ٌ‬
‫عضب أفل‬
‫الـذرا‬
‫فإنما يقول‪ :‬هذا رجل يعرقب البل لينحرها ثم يمسح ذرا أسنمتها‬
‫بسيفه‪ ،‬ليجلو ما عليه من دم السؤق‪.‬‬
‫وقوله‪ ":‬عضب" أي قاطع‪ ،‬ومن ذلك رجل عضب اللسان‪ ،‬وجعله‬
‫أفل لكثرة ما يقارع به الحروب‪ ،‬كما قال النابغة‪:‬‬
‫بهن فلول من قراع‬
‫ول عيب فيهم غير أن‬
‫الكتائب‬
‫سيوفهم‬
‫‪32‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وقوله‪ " :‬عقدات " فهو ما انعقد وصلب من الرمل‪ ،‬والواحدة‬
‫عقدة‪ ،‬وأعقاد أيضا ً وعقدات‪ ،‬قال ذو الرمة لهلل بن أحوز المازني‬
‫يمدحه‪:‬‬
‫رفع الطراف على‬
‫رفعت مجد تميم يا‬
‫العلياء بالعمد‬
‫هلل لـهـا‬
‫بقلة الحزن فالصمان‬
‫حتى نساء تمـيم‬
‫فالعـقـد‬
‫وهـي نـازحة‬
‫وقينك الموت بالباء و‬
‫لو يستطعن إذا‬
‫الـولـد‬
‫ضافتك مجحـفة‬
‫وقوله‪ ":‬البرق" فالبرق حجارة يخلطها رمل وطين‪ ،‬يقال لتلك‪:‬‬
‫برقة‪ ،‬وأبرق‪ ،‬وبرقاء‪ ،‬يا فتى كما يقال‪ :‬المعز والمعزاء‪ ،‬وهي‬
‫الرض الكثيرة الحصباء‪ ،‬ومثل ذلك البطح والبطحاء‪ ،‬وهو ما‬
‫انبطح من الرض‪ ،‬فمن قال‪ :‬أبرق فإنما أراد المكان‪ ،‬ومن قال ‪:‬‬
‫برقاء فإنما أراد البقعة وقوله‪ ":‬المتقاود" يريد المنقاد المستقيم‪،‬‬
‫ومن ذلك قولهم‪ :‬قدته أي جررته على استقامة‪ ،‬وكذلك طريق‬
‫منقاد‪ ،‬وفلن قائد الجيش‪ ،‬قال حاتم بن عبد الله الطائي يضرب‬
‫هذا مث ً‬
‫ل‪:‬‬
‫وإن اللئيم دائم‬
‫إن الكريم من تلفت‬
‫الطرف أقود‬
‫حولـه‬
‫وقوله ‪:‬‬
‫ولو كان مخلوطا ً بسم الساود‬
‫يريد جمع أسود سالخ‪ ،‬وجمعه على أساود‪ ،‬لنه يجري مجرى‬
‫السماء‪ ،‬وما كان من باب "أفعل" اسما فجمعه على أفاعل‪ ،‬نحو‬
‫أفكل وأفاكل‪ ،‬والكبر والكابر‪ ،‬وكذلك كل ما سميت به‬
‫رج ً‬
‫ل‪ ،‬تقول ‪:‬أحمد وأحامد وأسلم وأسالم‪ ،‬فإن كان نعتا ً فجمعه‬
‫"فعل" نحو أحمر وحمر وأصفر وصفر‪ ،‬ولكن أسود إذا عنيت به‬
‫الحية‪ ،‬وأدهم إذا عنيت به القيد‪ ،‬وأبطح إذا عنيت المكان المنبطح‪،‬‬
‫والبرق إذا عنيت المكان‪ ،‬مضارعة للسماء‪ ،‬لنها تدل على ذات‬
‫الشيء‪ ،‬وإذا كانت في الصل نعتا ً محضًا‪ ،‬تقول في جمعها‪:‬‬
‫الباطح والبارق والداهم والساود‪ ،‬فإن أردت نعتا ً محضا ً يتبع‬

‫‪33‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫المنعوت‪ ،‬قلت‪ :‬مررت بثياب سود‪ ،‬وبخيل دهم‪ ،‬وكل ما أشبه هذا‬
‫فهذا مجراه‪ ،‬قال جرير‪:‬‬
‫لفطح المساحي أو‬
‫هو القين وابن القين‬
‫لجدل الداهم‬
‫ل قين مثله‬
‫وقال الشهب بن رميلة ‪ :‬قال أبو الحسن ‪ :‬رميلة اسم أمة ‪:‬‬
‫تساقت على حرد‬
‫أسود شرى لقت‬
‫دماء الساود‬
‫أسود خفـية‬
‫قوله‪ ":‬على حرد" يقول‪ :‬على قصد‪ ،‬فأما الله عز وجل‪ " :‬وغدوا‬
‫على حرد ٍ قدرين" فإن فيه قولين‪ :‬أحدهما ما ذكرنا من القصد‪،‬‬
‫قال الشاعر ‪:‬‬
‫يحرد حرد الجنة‬
‫قد جاء سيل جاء من‬
‫المـغـلة‬
‫أمر الله‬
‫وقالوا‪ ":‬على حرد"‪ :‬أي على منع من حاردت السنة إذا منعت‬
‫قطرها‪ ،‬وحاردت الناقة إذا منعت درها قال أبو الحسن‪ :‬رواية أبي‬
‫العباس ‪ ":‬يقر بعيني " يريد يقر عيني‪ ،‬ثم أتى بالباء توكيدًا‪ ،‬وقال‬
‫لنا‪ :‬هكذا سمعته‪ ،‬ويقال‪ :‬أقر الله عينه يقرها‪ ،‬وقرت عينه تقر‪،‬‬
‫وقررت بالمكان أقر وقال الصمعي‪ :‬قرت عينه من القر وهو‬
‫البرد‪ ،‬أي جمدت فلم تدمع‪ ،‬وهو بحذاء سخنت عينه وأجود مما‬
‫روى عندي‪ ":‬يقر بعيني "‪ ،‬وهو الصل‪ ،‬والباء في موضعها غير‬
‫مؤكدة وقال أبو العباس‪ :‬الذي رويت‪ ":‬وقد مل السرى كل واحد‬
‫"‪ ،‬وهو المنفرد في السير المتوحد به‪ ،‬وروىغيره‪ " :‬كل واجد"‪ ،‬أي‬
‫عاشق وروي أيضا ً ‪ ":‬كل واخد "‪ ،‬وهو من الوخد والوخدان‪ ،‬وهو‬
‫السير الشديد والوخد المصدر‪ ،‬والوخدان السم‬
‫للقتال الكلبي يفخر بنفسه وقومه‬
‫وقال القتال الكلبي‪ ،‬واسمه عبيد بن مضرحي ‪:‬‬
‫إذا ترامى بنو الموان‬
‫أنا ابن أسماء أعمامي‬
‫بالـعـار‬
‫لها وأبـي‬
‫لواضح الخد يحمي‬
‫ل أرضع الدهر إل ثدي‬
‫حوزة الجار‬
‫ة‬
‫واضح ٍ‬
‫تحت العجاجة ضرب‬
‫من آل سفيان أو‬
‫غير عوار‬
‫ورقاء يمنعهـا‬
‫‪34‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫لمالك أو لحصـن أو‬
‫لـسـيار‬
‫ريح الماء إذا راحت‬
‫بـأزفـار‬

‫يا ليتني والمنى ليست‬
‫ة‬
‫بـنـافـع ٍ‬
‫طوال أنضية العناق‬
‫لم يجـدوا‬
‫قوله‬

‫إذا ترامى بنو الموان بالعار‬
‫ة"فعلة" متحركة العين‪ ،‬وليس شيء‬
‫ة‪ ،‬وأصل أم ٍ‬
‫فالموان‪ :‬جمع أم ٍ‬
‫من السماء على حرفين إل وقد سقط منه حرف يستدل عليه‬
‫بجمعه‪ ،‬أو بتثنيته‪ ،‬او بفعل إن كان مشتقا ً منه‪ ،‬لن أقل الصول‬
‫ثلثة أحرف‪ ،‬ول يلحق التصغير ما كان أقل منها‪ ،‬فأمة قد علمنا أن‬
‫الذاهب منها واو بقولهم‪" :‬إموان "‪ ،‬كما علمنا أن الذاهب من أب‬
‫ة " متحركة‬
‫وأخ الواو بقولهم أبوان وأخوان‪ ،‬وعلمنا أن أمة "فعل ٌ‬
‫بقولهم في الجميع‪ :‬آم‪ ،‬فوزن هذا أفعل‪ ،‬كما قالوا أكمة وآكم‪ ،‬ول‬
‫ة على أفعل‪ ،‬ثم قالوا إموان‪ ،‬كما قالوا في المذكر الذي‬
‫تكون فعل ٌ‬
‫هو منقوص مثله‪ :‬إخوان‪ ،‬واستوى المذكر والمؤنث‪ ،‬لن الهاء‬
‫زائدة كما استويا في "فعل" الساكن العين‪ ،‬تقول‪ :‬كلب وكلب‪،‬‬
‫ة وجفان‪،‬‬
‫وكعب كعاب‪ ،‬كما تقول في المؤنث‪ :‬طلحة وطلح‪ ،‬وجفن ٌ‬
‫وصفحة وصحاف‪ .‬ونظير ذلك من غير المعتل ورل و ورلن‪ ،‬وبرق‬
‫وبرقان وخرب وخربان‪ ،‬وهو ذكر الحبارى‪ ،‬والبرق الحمل‪ ،‬ومن‬
‫أنشد‪" :‬أموان " فقد غلط‪ ،‬لنه يحتج بقولهم‪ ،‬حمل حملن‪ ،‬وفلق‬
‫خ وإخوان‪،‬‬
‫وفلقان‪ ،‬وهذا إنما يحمل على ما كان معتل ً مثله‪ ،‬نحو أ ٍ‬
‫وقد روى أبو زيد‪ :‬أخوان‪ ،‬فإلى هذا ذهبوا‪ ،‬والقياس المطرد ل‬
‫تعترض عليه الرواية الضعيفة‪.‬‬
‫وقوله‪ " :‬ل أرضع الدهر " فهذا على لغته‪ ،‬لن قيسا ً تقول‪ :‬رضع‬
‫يرضع‪ ،‬وأهل الحجاز يقولون‪ :‬رضع يرضع‪ ،‬وينشدون بيت عبد الله‬
‫بن همام "السلولي" على وجهين‪ ،‬وهو‪:‬‬
‫ولكن حسن القول‬
‫إذا نصبوا للقول قالوا‬
‫خالفه الفعل‬
‫فإحسنوا‬
‫إفاويق حتى ما يدر لها‬
‫وذموا لنا الدنيا وهم‬
‫ثعـل‬
‫يرضعونها‬
‫وبعضم يقول "يرضعونها"‪.‬‬
‫وقوله‬
‫‪35‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫لأرضع الدهر إل ثدي واضحة‬
‫يقول إنما ترضعني أمي‪ ،‬وليست غير كريمة‪ ،‬كما قال الغشى ‪:‬‬
‫يشرب كأسا ً مـن‬
‫يا خير من يركب‬
‫بـخـل‬
‫المطي ول‬
‫يقول‪ :‬إنما تشرب بكفك‪ ،‬ولست ببخيل‪ ،‬ومثل هذا قول التميمي‬
‫لنجدة ابن عامر الحنفي الخارجي‪:‬‬
‫وعبادا يقـود‬
‫متى تلق الحريش‬
‫الـدارعـينـا‬
‫حريش سعد‬
‫ولم ترضع أمير‬
‫تبـين أن أمـك لـم‬
‫المؤمنـينـا‬
‫تـورك‬
‫وقوله‪":‬واضحة "أي خالصة في نسبها‪ ،‬وليست بأمة‪ ،‬وهذا توكيد‬
‫لبيته الول‪ ،‬وقد أنشد بعضهم‪ ":‬لواضح الجد" والمعنى قريب ‪.‬‬
‫وقوله‪":‬يحمي حوزة الجار "أي مايحوزه‪ ،‬يقال‪ :‬فلن مانع لحوزته‪،‬‬
‫أي لما صار في حيزه‪ ،‬ويروى عن علي بن أبي طالب رحمة الله‬
‫عليه أنه قال‪ :‬للزد أربع ليست لحي‪ ،‬بذل لما ملكت أيديهم‪ ،‬ومنع‬
‫لحوزتهم‪ ،‬وحي عمارة ليحتاجون إلى‪،‬غيرهم‪ ،‬وشجعان ليجبنون‬
‫ن‪ ،‬أو لسيار فهؤلء بيت فزازة‪ ،‬وبيوتات‬
‫وقوله‪ :‬لمال ٍ‬
‫ك‪ ،‬أو لحص ٍ‬
‫العرب في الجاهلية ثلثة‪ ،‬فبيت تميم بنو عبد الله بن دارم‪،‬‬
‫ومركزه‪ ،‬بنو زرارة‪ ،‬وبيت قيس بنو فزارة ومركزه بنو بدٍر‪ ،‬وبيت‬
‫بكر بن وائل بنو شيبان ومركزه ذي الجدين ‪.‬‬
‫وقوله‪ ":‬طوال أنضية العناق " فالنضي مركب النصل في النسخ‪،‬‬
‫وضربه مث ً‬
‫ل‪ ،‬وإنما أراد طوال العناق‪ ،‬كما قال العشى ‪:‬‬
‫يمشون في الدفئي‬
‫الواطئين على صدور‬
‫والبراد‬
‫نعالهم‬
‫يريد السودد والنعمة ولم يخصص الصدور‪ ،‬وإنما أراد النعال كلها‪،‬‬
‫وقال الشاعر‪:‬‬
‫وطول أنضية العناق‬
‫يشبهون ملوكا ً في‬
‫واللمـم‬
‫تجلـتـهـم‬
‫راحوا كأنهم مرضى‬
‫إذا بدا المسك يندى‬
‫من الكرم‬
‫في مفارقهم‬
‫‪36‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫قال أبو الحسن‪ :‬وغيره يروي‪ :‬يشبهون قريشا ً في تجلتهم‬
‫وقوله‪":‬بأزفار" فالزفر الحمل‪ ،‬ويضرب مثل ً للرجل‪ ،‬فيقال‪ ،‬إنه‬
‫لزفر‪ .‬أي حمال للثقال‪ ،‬ويقال‪ :‬أتى حمله فأزدفره‪ ،‬قال أبو قحامة‬
‫أعشى بأهلة ‪:‬‬
‫يأبى الظلمة منه‬
‫أخو رغائب يعطيها‬
‫النوافل الزفر‬
‫ويسألـهـا‬
‫وإنما يريده بعينه‪ ،‬كقولك‪ :‬لئن لقيت فلنا ً ليلقينك منه السد‪.‬‬
‫وقوله " النوفل "من قولهم‪ :‬إنه لذو فضل ونوافل‪.‬‬
‫لرجل من بني عبس‬
‫وكان عروة بن الورد قد شتمه‬
‫س يقوله لعروة بن الورد‪:‬‬
‫وقال رجل من بني عب ٍ‬
‫تعود على مالي‬
‫ل تشتمني يا ابن وردٍ‬
‫الحقوق العوائد‬
‫فـإنـنـي‬
‫خصاصة جسم‪ ،‬وهو‬
‫ومن يؤثر الحق‬
‫طيان ماجد‬
‫النؤوب تكن بـه‬
‫وأنت امرؤ عافي‬
‫وإني امرؤٌ عافي إنائي‬
‫إنائك واحـد‬
‫ة‬
‫شـرك ٌ‬
‫وأحسو قراح الماء‬
‫أقسم جسمي في‬
‫والماء بارد‬
‫ة‬
‫جسوم كـثـير ٍ‬
‫قوله ‪ ":‬النؤوب " يريد الذي ينوبه‪ ،‬وكل واو قراح لغير علةٍ فأنت‬
‫فيهمزها وتركها بالخيار‪ ،‬تقول في جمع داٍر‪ :‬أدؤر وإن شئت لم‬
‫تهمز‪ ،‬وكذلك النؤوب‪ ،‬والقؤول لنضمام الواو‪ ،‬فأما الواو الثانية‬
‫فإنها ساكنة قبلها ضمة‪ ،‬وهي مدة فل يعتد بها‪ ،‬ولو التقت واوان‬
‫في أول كلمةٍ وليست إحداهما مدة لم يكن بد من همز الولى‪،‬‬
‫د‪ :‬أويصل وأويقد‪ ،‬ل بد من ذلك‪ ،‬فأما‬
‫تقول في تصغير واصل وواق ٍ‬
‫وجوه فأما وجوه ٌ فإن شئت همزت فقلت‪ :‬أجوه وإن شئت لم‬
‫تهمز‪ ،‬قال الله عز وجل " وإذا الرسل أقتت" المرسلت والصل‬
‫وقتت‪ ،‬ولو كان في غير القرآن لجاز إظهار الواو إن شئت‪.‬‬
‫وقوله ‪ .‬عز وجل ‪ ":‬ما ورى عنهما" العراف الواو الثانية مدة فل‬
‫يعتد بها‪ ،‬ولو كان في غير القرآن لجاز الهمز لنضمام الواو‪.‬‬
‫وقولي ‪ ":‬إذا انضممت لغير علة"‪ ،‬فالعلة أن تكون ضمتها إعربٌا‪،‬‬
‫نحو هذا غزوٌ يا فتى‪ ،‬وذلو كما ترى‪ ،‬مما ل يجوز همزه‪ ،‬لن الضمة‬
‫‪37‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫للعراب فليست بلزمة‪ ،‬أو تنضم للتقاء الساكنين‪ ،‬فذلك أيضا ً غير‬
‫لزم‪ ،‬فل يجوز همزة ‪ :‬نحو اخشوا الرجل" لتبلون في أموالكم‬
‫وأنفسكم " آل عمران " ‪" 186‬ولترون الجحيم" التكاثر ‪ 6‬ومن‬
‫همز من هذا شيئا ً فقد أخطأ‪.‬‬
‫لرجل من بني تميم يهجو تعلة بن مسافر‬
‫وقال رجل من بني تميم‪:‬‬
‫ما دام يملكها علـي‬
‫ألبان إبل تعلة بن‬
‫حـرام‬
‫ر‬
‫مـسـافـ ٍ‬
‫ما دام يسلك في‬
‫وطعام عمران بن‬
‫البطون طعام‬
‫أوفى مثلها‬
‫زاد ٌ يمن عـلـيهـم‬
‫إن الذين يسوغ في‬
‫لـلـئام‬
‫إعناقـهـم‬
‫لعنا ً يشن علـيه مـن‬
‫لعن الله تعلة بن‬
‫قـدام‬
‫مـسـافـر‬
‫وهذا كلم فصيح جدا ً وقوله‪ ":‬يسوغ في أعناقهم" يريد حلوقهم‬
‫لن العنق يحيط بالحلق‪ ،‬ويشبه هذا التساع في الفصاحة ل في‬
‫المعنى قول القطامي‪:‬‬
‫منا عشية يجري بالدم‬
‫لم تر قوما ً هم شر‬
‫الوادي‬
‫لخوتهـم‬
‫ما كان خاط عليهم‬
‫نقريهم لهذميات نقـد‬
‫كل زراد‬
‫بـهـا‬
‫لن الخياطة تضم خرق القميص‪ ،‬والسرد يضم حلق الدرع‪ ،‬فضربه‬
‫مثل ً فجعله خياطة‪ ،‬قال أبو الحسن‪ :‬روى أبو العباس‪:‬‬
‫وطعام عمران بن أوفى مثلها‬
‫رد الهاء واللف على اللبان‪ ،‬وهذا ل نظر فيه‪ ،‬وروى أيضا ً مثله لن‬
‫اللبان تجري مجرى اللبن‪ ،‬فحمله على المعنى‪ .‬وقد يجوز أن‬
‫تجعل اللبان جمعا ً فتذكر لتذكير الجمع‪ .‬وروي أيضا ً‬
‫ما دام يسلك في الحلوق طعام‬
‫وروى الفراء في هذا الشعر‪:‬‬
‫إن الذين يسوغ في أحلقهم‬
‫‪38‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وإنما كان ينبغي أن يكون‪": :‬في أحلقهم " كقولك‪ :‬فلس وأفلس‪،‬‬
‫ل" بباب "فعل"‪ ،‬كما قالو‪ :‬زند‬
‫وما أشبهه ولكنه شبه باب "فع ٍ‬
‫وأزناد‪ ،‬وفرخ وافراخ‪ ،‬قال الحطيئة لعمر بن الخطاب رضي الله‬
‫عنه‪:‬‬
‫حمر الحواصل ل ماء‬
‫ماذا تقول لفراخ‬
‫ول شجر‬
‫بـذي مـرخ‬
‫ل في الجمع‪،‬‬
‫ففعلوا هذا تشبيها بباب "فعل" كما شبهوا فعل ً بفع ٍ‬
‫ل وأجب ٌ‬
‫فقالوا‪ :‬جب ٌ‬
‫ل‪ ،‬وزمن وأزمن‪ ،‬كما قال‪:‬‬
‫وباسم أودية حبا ً‬
‫إني لكني بأجبال عن‬
‫لـواديهـا‬
‫أجبلها‬
‫فأتي به على الصل‪ ،‬وتشبيها ً بغيره على ما أخبرتك‪ ،‬قال ذو‬
‫الرمة‪:‬‬
‫هل الزمن الئي‬
‫أمنزلتي مي سلم‬
‫مضين رواجع!‬
‫عـلـيكـمـا‬
‫والباب "أزمان" كما قال رؤبة‪:‬‬
‫ة‬
‫أزمان ل أدري وإن‬
‫ما فرق بين جمع ٍ‬
‫وسبت‬
‫سألت‬
‫وروى أبو العباس البيت الخير مقوى‪ ،‬وجعله نكرة‪ ،‬وهو قوله‪":‬‬
‫ل‪ ،‬وما أشبه‪،‬‬
‫ل‪ ،‬ومن بعد‪ ،‬ومنع ٍ‬
‫من قدام" كما تقول‪ :‬جئتك من قب ٍ‬
‫كما قرأ بعضهم‪ ":‬لله المر من قبل ومن بعد" الروم ‪ 4‬كما تقول‪:‬‬
‫أول ً وآخرًا‪ ،‬ورواه الفراء‪ ":‬من قدام" وجعله معرفة‪ ،‬وأجراه‬
‫مجرىالغايات‪ ،‬نحو‪ ":‬قبل وبعد" كما قال طرفة بن العبد‪:‬‬
‫فهي من تحت‬
‫ثم تفري اللحم من‬
‫مشيحات الحزم‬
‫تـعـدائهـا‬
‫وكما قيل عتي بن مالك العقيلي‪ ،‬أنشده الفراء أيضًا‪:‬‬
‫لقاؤك إل من وراء‬
‫إذا أنا أومن عليك ولم‬
‫وراء‬
‫يكن‬
‫فهذا الضرب مما وقع على غير جهة التعريف‪ ،‬وجهة التعريف أن‬
‫يكون معرفا ً بنفسه‪ ،‬كزيد وعمرو‪ ،‬أو يكون معرفا ً باللف واللم أو‬
‫بالضافة‪ ،‬فهذه جهة التعريف‪ ،‬وهذا الضرب إنما هو معرف‬
‫بالمعنى‪ ،‬فلذلك بني إذ خرج من الباب‪ ،‬ويروى ‪ ":‬لعنا ً يسن عليه"‬
‫‪39‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫بالسين‪ ،‬ويسن ويشن واحد‪ ،‬أي يصب إل أن بعضهم قال السن‬
‫الصب على وجهه واحدة‪ ،‬وقالوا ‪ :‬يقال ‪ :‬شننت عليه الماء‪،‬‬
‫وسننته‪ ،‬وسننت عليه الدرع ل غير‪ ،‬وقالوا‪ :‬سننت عليه الغارة ل‬
‫غير‪.‬‬
‫للقاطمي يفتخر‬
‫قال أبو العباس‪ :‬وقال القاطمي‪:‬‬
‫ة‬
‫فمن تكن الحضارة‬
‫فأي رجال بـادي ٍ‬
‫تـرانـا !‬
‫أعجبتـه‬
‫قنا ً سلبا وأفراسا ً‬
‫ومن ربط الجحاش‬
‫حـسـانـا‬
‫فإن فينـا‬
‫فأعوزهن كوز حيث‬
‫وكن إذا أغرن على‬
‫كـانـا‬
‫قـبـيل‬
‫وضبة إنه من حان‬
‫أغرن من الضباب‬
‫حـانـا‬
‫على حلل‬
‫إذا ما لم نـجـد إل‬
‫ر‬
‫وأحيانا ً على بـكـ ٍ‬
‫أخـانـا‬
‫أخـينـا‬
‫وقوله‪" :‬الحضارة" يريد المصار‪ ،‬وتقول العرب‪ :‬فلن باٍد‪ ،‬وفلن‬
‫حاضٌر‪ ،‬وفي الحديث‪ ":‬ول يبيعن حاضٌر لباٍد" وتأويل ذلك أن البادي‬
‫يقدم وقد عرف أسعار ما معه وما مقدار ربحه‪ ،‬فإذا جاءه الحاضر‬
‫عرفه سنة البلد فأغلى على الناس‪ .‬ومثل ذلك النهي عن تلقي‬
‫ض‪ .‬حي حلل‪،‬‬
‫الجلب‪ ،‬ومثله‪ :‬دعوا عباد الله يصب بعضهم من ع ٍ‬
‫إذا كانوا متجاورين مقيمين‪ ،‬وأنشد الصمعي‪:‬‬
‫أحب إليك أم حي‬
‫أقوم يبغون العير‬
‫تجـرا ً‬
‫حلل‬
‫باب‬
‫نبذ من أقوال الحكماء‬
‫قيل لمعاوية رحمة الله عليه‪ :‬ما النبل? فقال‪ :‬الحلم عند‬
‫الغضب‪،‬والعفو عند القدرة‪.‬ويروى عن رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم‪ ":‬أل أخبركم بشراركم ? ‪:‬من أكل وحده‪ ،‬ومنع رفده‪،‬‬
‫وضرب عبده‪ ،‬أل أخبركم بشر بين ذلكم? ‪ :‬من ل يقيل عثرة ول‬
‫يقبل معذرة ول يغفر ذنبا ً أل أخبركم بشر من ذلكم من يبغض‬
‫‪40‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫الناس ويبغضونه"‪ .‬ويروى عنه عليه السلم أنه قال ‪ ":‬المسلمون‬
‫تتكافأ دماؤهم‪ ،‬ويسعى بذمتهم أدناهم‪ ،‬وهم يد ً على من سواهم‪،‬‬
‫والمرء كثير بأخيه" قوله صلى الله عليه وسلم "تتكافأ دماؤهم"‪،‬‬
‫من قولك‪ :‬فلن كفء لفلن‪ ،‬أي عديله‪ ،‬وموضوع بحذائه‪ ،‬قال الله‬
‫عز وجل‪( :‬ولم يكن له كفوا ً أحد) الخلص ‪ 4‬ويقال‪ :‬فلن كفاء‬
‫فلن‪ ،‬وكفيء فلن‪ ،‬وكفء فلن‪.‬‬
‫ويروى أن الفرزق بلغه أن رجل ً من الحبطات بن عمرو بن تميم‬
‫خطب امرأة من بني دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد‬
‫مناة بن تميم‪ ،‬فقال الفرزدق‪:‬‬
‫وتنكح في أكفائها‬
‫بنو دارم أكفاؤهم آل‬
‫الحبطات‬
‫مسمٍع‬
‫فآل مسمع بيت بكر بن وائل في السلم‪ ،‬وهم ممن بني قيس بن‬
‫ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل‪،‬والحبطات هم‬
‫بنو الحارث بن عمرو بن تميم فقوله‪ ":‬أكفاؤهم" إنما هو جمع‬
‫كفء يافتى‪ ،‬فقال رجل من الحبطات يجيبه‪:‬‬
‫أما كان عباد كفيئا ً‬
‫بلى ولبيات بها‬
‫الحجرات‬
‫لـدارم‬
‫يعني بني هاشم من قول الله عز وجل ‪:‬إن الذ ين ينادونك من‬
‫وراء الحجرات وقال علي بن أبي طالب رحمه الله‪ :‬من لنت‬
‫كلمته‪ ،‬وجبت محبته وقال ‪ :‬قيمة كل امرىء ما يحسن وقال عمر‬
‫بن الخطاب رضي الله عنه‪ :‬ثلث يثبتن لك الود في صدر أخيك‪:‬‬
‫أن تبدأه بالسلم‪ ،‬وتوسع له في المجلس‪ ،‬وتدعوه بأحب السماء‬
‫إليه وقال‪ :‬كفى بالمرء غيا ً أن تكون فيه خلة من ثلث ‪:‬أن يعيب‬
‫شيئا ٌ ثم يأتي مثله‪،‬أو يبدو له من أخيه ما يخفى عليه من نفسه‪،‬أو‬
‫يؤدي جليسه فيما ل يعنيه ‪.‬‬
‫وقال عبد الله بن العباس لبعض اليمانية‪:‬لكم من السماء نجمها‪،‬‬
‫ومن الكعبة ركنها‪،‬ومن السيوف صميمها يعني سهيل من النجوم‪،‬‬
‫والركن اليماني‪ ،‬وصمصامة عمرو بن معديكرب ‪.‬ويروى أن عمر‬
‫بن الخطاب رحمه الله قال يوما ٌ ‪ :‬من أجود العرب فقيل له ‪:‬‬
‫حاتم‪،‬قال ‪ :‬فمن شاعرها قيل ‪ :‬امرؤ القيس بن حجر‪ ،‬قال ‪ :‬فمن‬
‫فارسها قيل ‪ :‬عمرو بن معديكرب‪ ،‬قال‪ :،‬فأي سيوفها أمضى‪،‬‬
‫قيل‪ :‬الصمصامة‪.‬وقال معاوية بن أبي سفيان رحمة الله للحنف‬
‫‪41‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫بن قيس و جارية بن قدامة ورجال من بني سعد معهما كلما ً‬
‫ت يقرب‬
‫أحفظهم‪ ،‬فردوا عليه جوابا ً مقذعًا‪ ،‬وبنت قرظة في بي ٍ‬
‫منه‪ ،‬فسمعت ذلك‪ ،‬فلما خرجوا قالت‪ :‬يا أمير المؤمنين‪ ،‬لقد‬
‫سمعت من هؤلء الجلف كلما ً تلقوك به فلم تنكر‪ ،‬فكدت أخرج‬
‫إليهم فأسطو بهم‪ .‬فقال لها معاوية‪ :‬إن مضركاهل العرب‪ ،‬وتميما ً‬
‫ً‬
‫د‪ .‬وكان معاوية‬
‫م‪ ،‬وهؤلء كاهل سع ٍ‬
‫كاهل مضر‪ ،‬وسعدا كاهل تمي ٍ‬
‫يقول‪ :‬إني ل أحمل السيف على من ل سيف معه‪ ،‬وإن لم تكن إل‬
‫ف جعلتها تحت قدمي‪ ،‬ودبر أذني‬
‫كلمة يشتفي بها مشت ٍ‬
‫باب‬
‫لرجل من بني سعد يرثي رجل ً‬
‫قال أبو العباس‪ :‬قال رجل ‪ -‬أحسبه من بني سعد ‪ -‬يرثي رج ً‬
‫ل‪:‬‬
‫ة‬
‫ومختضر المنافع‬
‫ل في معـاوز ٍ‬
‫نبي ٍ‬
‫طـوال‬
‫أريحـي‬
‫ل للذ ليل من‬
‫زعزةً في غير‬
‫ذلي ٍ‬
‫عزي ٍ‬
‫الموالـي‬
‫ش‬
‫فحـ ٍ‬
‫وتحت جمائه خشبات‬
‫جعلت وسـاده إحـدى‬
‫ضال‬
‫يديه‬
‫وحزنا ً دائما ً أخرى‬
‫ورثت سلحه‪ ،‬وورثت‬
‫ذودا ً‬
‫الليالي‬
‫قوله‪":‬أريحي" هو الذي يرتاح للمعروف‪،‬أي يخف له‪ ،‬ويقال‪ :‬أخذت‬
‫فلنا ً أريحية‪،‬أي خفة و حركة لفعل المعروف‪.‬و المعاوز‪ :‬الثياب‬
‫التي يتبذل فيها الرجل‪،‬وهي دون الثياب التي يتجمل بها‪،‬واحدها‬
‫معوز‪،‬قال الشماخ في نعت القوس‪:‬‬
‫حبيرا ً ولم تدرج عليها‬
‫إذا سقط النداء‬
‫المغـاوز‬
‫صينت و أشعرت‬
‫وقوله‪":‬في معاوزة "‪:‬فزاد الهاء ‪،.‬فإنما يفعل ذلك لتحقيق التأنيث‪،‬‬
‫ل صياقل‪،‬و صياقلة‪،‬‬
‫لن كل جمع مؤنث‪،‬كما تقول في جمع صيق ٍ‬
‫وكذلك جوارب وجواربة‪،‬إلأن أكثر العجمي يختص بالهاء‪ ،‬وهو في‬
‫الغربي جيد‪ ،‬وفي العجمي أكثر استعمال ً نحو الموازجة‪ ،‬فإن كان‬
‫الباب فيه إثبات الهاء وتركها جائز‪ ،.‬نحو المهالبة و الحامرة‪،‬‬
‫وقالوا‪ :‬السبابحة لنه قد اجتمع فيه النسب و العجمة‪.‬‬

‫‪42‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وقوله تحت جمائه يعني شخصه‪ ،‬والضال‪ :‬السدر البري وما كان‬
‫من السدر على النهار فليس بضال‪ ،‬ولكن يقال له ‪ :‬عبري‪ .‬قال‬
‫ذو الرمة‪ ":‬عبريا ً وضال ً "‪.‬‬
‫ورثت سلحه وورثت ذودا‬
‫يصف قرب نسبه منه‪ ،‬والذود‪ :‬القطعة من البل‪ ،‬وأكثر ما‬
‫يستعمل ذلك في الناث‪ ،‬ويجوز في السائر‪ ،‬ومنه قولهم‪ :‬الذود‬
‫إلى إبل‪ ،‬ثم قال ‪:‬‬
‫وحزنا ً دائما ً أخرى الليالي‬
‫ث ورثه من أحد أهله‪:‬‬
‫كما قال وغبط بميرا ٍ‬
‫يقول جزٌء ولم يقل جل ً‬
‫لإني‬
‫تزوجت ناعما ً جذل ً‬
‫إن كنت أزنتني بها كذبا ً‬
‫جزء فـلقـت مـثـلـهـا عـــجـــل‬
‫أورث ذودا ً شـصـائصـــا ً نـــبـــل‬
‫أغــبـــط أن أرزأ الـــكـــرام وأن‬
‫قوله ‪":‬ولم يقل جلل" أي صغيرًا‪ ،‬والجلل يكون للصغير‪ ،‬ويكون‬
‫للكبير‪ ،‬من ذلك قوله‪:‬‬
‫كل شيء ما خل الله جلل‬
‫أي صغير‪ ،‬وقال لبيد ٌ في الكبير‪:‬‬
‫ومن الرزاء رزٌء ذو‬
‫وأرى أربد قد‬
‫جلل‬
‫فـارقـنـي‬
‫وقوله‪ ":‬شصائصا ً "‪ ،‬يعني حقيرة دميمة‪ .‬وزعم التوزي أن النبل‬
‫من الضداد‪ ،‬يكون للجليل والحقير‪ ،‬واححتج بهذا البيت الذي‬
‫ذكرناه‪ ،‬قال ‪ :‬يريد ههنا الحقيرة‪.‬‬
‫وقوله‪ ":‬أزنتني"‪ ،‬أي قرفتني ونسبتني إليه‪ ،‬فلن يزن بكذا وكذا‪،‬‬
‫أي يسمى به‪ ،‬ةينسب إليه‪ ،‬قال امرؤ القيس بن حجر‪:‬‬
‫وأمنع عرسي أن يزن‬
‫كذبت‪ ،‬لقد أصبي على‬
‫بها الخالـي‬
‫المرء عرسه‬
‫وفي معنى قوله ‪":‬ورثت سلحه" قول الشاعر‪:‬‬
‫ورث المال ويبكي إن‬
‫يفرح الوارث بـالـمـال‬
‫غضب‬
‫إذا‬
‫ومثله قول الفزاري‪:‬‬
‫ياحبذا التراث لول الذلة‬
‫‪43‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫لجميل بن معمر في النسيب‬
‫ر‪:‬‬
‫وقال جميل بن معم ٍ‬
‫د‪ ،‬وممر العقـدتـين‬
‫ل‬
‫ي ٌ‬
‫ما صاءب من نائ ٍ‬
‫وثـيق‬
‫قذفت بـه‬
‫ونصل كنصل الزاعبي‬
‫له من خوافي النسر‬
‫فتـيق‬
‫حم نظائٌر‬
‫ن‪ ،‬وأيما عدها‬
‫على نبعةٍ زوراء‪ ،‬أيما‬
‫فمت ٌ‬
‫فـعـتـيق‬
‫خطامها‬
‫نوافذ لم تعلم لهـن‬
‫بأوشك قتل ً منك يوم‬
‫خـروق‬
‫رميتنـي‬
‫تكشف غماها وأنت‬
‫كأن لم نحارب يا بثين‬
‫صـديق‬
‫لو أنهـا‬
‫قوله "ما صائب " يريد قاصدًا‪ ،‬يقال‪ :‬صاب يصوب إذا قصد‪ ،‬ومن‬
‫ذلك قوله تعالى‪":‬أو كصيب من السماء" البقرة ‪ 19‬وقد قالوا‪:‬‬
‫النازل‪ ،‬والقصد أحكم كما قال بشر بن أبي خازم السدي‪:‬‬
‫ولم تعلم بأن السهم‬
‫تؤمل أن أؤوب لها‬
‫صابا‬
‫بغنم‬
‫وقوله‪ ":‬وممر العقدتين" يعني وترًا‪ ،‬والممر‪ :‬الشديد الفتل‪.‬‬
‫وقوله‪ ":‬من خوافي النسر حم نظائر" يريد ريش السهم‪ ،‬والحم‪:‬‬
‫السود‪ ،‬وذلك أخلصه وأجوده‪ ،‬وجعلها في مقادير‪ ،‬لنه أقصد‬
‫للسهم‪ ،‬وإذا كانت الريشات بطن الواحدة منها إلى ظهر الخرى‬
‫فهو الذي يختار وهو الذي يقال له اللؤام‪ ،‬وإنما أخذ من قولهم‪:‬‬
‫ملتئم‪ .‬وإن كان ظهر الواحدة إلى ظهر الخرى‪ ،‬وبطنها إلى بطن‬
‫الخرى فذلك مكروه‪ ،‬يقال له اللغاب‪.‬‬
‫وقوله ‪":‬كنصل الزاعبي"‪ ،‬شبه نصل السهم بنصل الرمح الزاعبي‪،‬‬
‫ب‪ ،‬كان يعمل‬
‫وهو منسوب إلى رجل من الخزرج‪ ،‬يقال له زاغ ٌ‬
‫السنة‪ ،‬هذا قول قوم‪ .‬وأما الصمعي فكان يقول‪:‬الزاغبي‪ :‬الذي‬
‫ض للينه وتثنيه‪ ،‬يقال مر‬
‫إذا هز فكأن كعوبه يجري بعضها في بع ٍ‬
‫يزعب بحمله إذا مر مرًاسه ً‬
‫ل‪.‬‬
‫وقوله‪ ":‬فتيق" يعني حادا ً رقيقًا‪ ،‬يقال‪ :‬فتيق الشفرتين‪ ،‬وتأويله أنه‬
‫يفتق ما عمد به له‪ .‬و" فعيل" يقع اسما ً للفاعل‪ ،‬ويقع للمفعول‪،‬‬
‫‪44‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫فأما الفاعل فمثل رحيم وعليم وحكيم وشهيد‪ ،‬وأما ما كان‬
‫للمفعول‪ ،‬فنحو جريح وقتيل وصريع‪.‬‬
‫وقوله‪":‬زوراء" يريد معوجة‪ ،‬وكلما كانت القوس أشد انعطافا ٌ كان‬
‫سهمها أمضى‪.‬‬
‫وقوله‪" :‬على نبعة"‪ ،‬يعني قوسا ً وأكرم القسي ما كان من النبغ‬
‫وقوله‪ ":‬أيما" إنما يريد " أما"‪ ،‬واستثقل التضعيف‪ ،‬فأبدل الياء من‬
‫إحدى الميمين‪،‬وينشد بيت ابن أبي ربيعة‪:‬‬
‫فيضحى‪ ،‬وأيما بالعشي‬
‫رأت رجل‪ ،‬أيما إذا‬
‫فيخـصـر‬
‫الشمس عارضت‬
‫وهذا يقع‪ ،‬وإنما بابه أن تكون قبل المضاعف كسرة فيما يكون‬
‫على فعال‪ ،‬فيكرهون التضعيف و الكسر‪ ،‬فيبدلون من المضعف‬
‫الول الياء للكسرة وذلك قولهم‪ :‬دينار وقيرا ٌ‬
‫ط وديوان ما أشبه‬
‫ذلك‪ ،‬فإن زالت الكسرة وانفصل أحد الحرفين من الخر رجع‬
‫التضعيف فقلت‪ :‬دنانير وقراريط ودواوين‪ ،‬وكذلك إن صغرت قلت‬
‫قريريط ودنينير‪.‬‬
‫وقوله‪":‬وأيما عودها فعتيق "‪ ،‬يصف كرم هذه القوس وعتقها‪،‬‬
‫ويحمد منها أن تترك ولحاؤها‬
‫عليها بعد القطع حتى تشرب ماءه‪ ،‬كما قال الشماخ ‪:‬‬
‫وينظر منها أيها هو‬
‫فمظعها حولين ماء‬
‫غامر‬
‫لحائها‬
‫مظعها‪ :‬شربها وقوله‪ ":‬بأوشك قتل منك "‪ ،‬يقول‪ :‬بأسرع‪ ،‬يقال‪:‬‬
‫أمر وشيك أي سريع‪ ،‬ويقال‪ :‬يوشك فلن أن يفعل كذا‪ ،‬أي يقارب‬
‫ذلك‪ ،‬ويوشك يفعل‪ ،‬كذا يطرح " أن " كل جيد قال ‪:‬‬
‫في بعض غراته‬
‫يوشك من فر من‬
‫يوافقـهـا‬
‫مـنـيتـه‬
‫للموت كأس فالمرء‬
‫من لم يمت عبطة‬
‫يمت هرما ٌ‬
‫ذائقهـا‬
‫قال أبو الحسن‪ :‬هذه أبيات أربعة وهي لرجل من الخوارج قتله‬
‫الحجاج‪:‬‬
‫عاشت قليل ٌ فالموت‬
‫ما رغبة النفس في‬
‫لحقها‬
‫الحياة وإن‬
‫‪45‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫كان براها بالمس‬
‫وأيقنت أنها تـعـود‬
‫خالقـهـا‬
‫كـمـا‬
‫قوله‪ ":‬عبطة"‪ ،‬أي شابٌا‪ ،‬يقال ‪ :‬اعتبط الرجل‪ ،‬إذا مات شابا ٌ من‬
‫ي وقوله‪:‬‬
‫غير مرض‪ ،‬وأصل العبيط الطري من كل ش ْ‬
‫نوافذ لم تعلم لهن خروق‬
‫معنى طريف‪ ،‬وقد أخذه أبو حية منه فكشفه في أبيات مختارة‪،‬‬
‫وهي‪:‬‬
‫على الحي جاني مثله‬
‫وإن دما ٌ لو تعـلـمـين‬
‫غير سـالـم‬
‫جـنـيتـه‬
‫إليه القنا بالراعـفـات‬
‫أما إنه لو كـان غـيرك‬
‫الـلـهـاذم‬
‫أرقـلـت‬
‫كغر الثنايا واضحـات‬
‫ولكن لعمر الله ما طل‬
‫الـمـلغـم‬
‫مـسـلـمـا‬
‫سقاط حصى المرجان‬
‫إذا هن ساقطن الـحـد‬
‫من سلك ناظم‬
‫يث كـأنـه‬
‫دما مائرا ٌ إل جوى فـي‬
‫رمين فأقصدن القلوب‬
‫الـحـيازم‬
‫فلـم نـجـد‬
‫قال أبو الحسن‪ :‬وأول هذه البيات المختارة أنشدناه غيره‪:‬‬
‫بلى وستور الله ذات‬
‫وخبرك الواشون أن‬
‫المحارم‬
‫لن أحبكم‬
‫شفاٌء لنا إل اجتراع‬
‫أصد وما الصد الذي‬
‫العلقم‬
‫تعلمينه‬
‫قال أبو العباس‪ :‬فهذا مأخوذ من ذلك‪.‬‬
‫وقوله ‪:‬‬
‫ولكن لعمر الله ما طل مسلما ً‬
‫م مطلول‪ ،‬إذا مضى هدرًا‪ ،‬كما قال‬
‫يقول‪ :‬ما طل دمه‪ ،‬يقال‪ :‬د ٌ‬
‫الراجز‪:‬‬
‫ل ودم ٍ مطلول‬
‫بغير عق ٍ‬
‫وحدثني التوزي قال‪ :‬قال يحيى بن يعمر لرجل نازعته امرأته‬
‫عنده‪ :‬آن طالبتك بثمن شكرها وشبرك أنشأت تطلها وتضهلها !‬
‫قوله‪ ":‬ثمن شكرها" فإنما يعني الرضاع‪ ،‬والشبر‪ :‬النكاح‪ ،‬والشكر‪:‬‬
‫‪46‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫الفرج‪.‬‬
‫وقوله‪ ":‬أنشأت تطلها" أي تسعى في بطلن حقها‪.‬‬
‫وقوله‪":‬تضهلها" أي تعطيها الشيء بعد الشيء‪ :‬يقال‪ :‬بئر ضهول‬
‫إذا كان ماؤها يخرج من جرابها شيئا ً بعد شيء‪ ،‬وجرابها جوانبها‪،‬‬
‫وإنما يغزر ماؤها إذا خرج من قرارتها فتعظم جمتها‪.‬‬
‫وقوله ‪ ":‬واضحات الملغم" يريد العوارض‪ ،‬قال الفرزدق‪:‬‬
‫علطا ً ول مخبوطة‬
‫سقتها خروق في‬
‫في الملغم‬
‫المسامع لم تكن‬
‫يقول ‪:‬علم أرباب الماء لمن هي فسقاها ما سمعوه من ذكر‬
‫ة‪.‬‬
‫اصحابها لعزهم ومنعتهم‪ ،‬ولم تحتج أن تكون بها سم ٌ‬
‫م في العنق‪ ،‬والخباط في الوجه‬
‫والعلط‪ :‬وس ٌ‬
‫باب‬
‫من أقوال الحكماء‬
‫قال أبو العباس قال بعض الحكماء‪ :‬من أدب ولده صغيرا ً سر به‬
‫كبيرا ً وكان يقال ‪ :‬من أدب ولده أرغم حاسده‪.‬‬
‫وقال رجل لعبد الملك بن مروان إني أريد آن أسر إليك شيئًا‪،‬‬
‫فقال عبد الملك لصحابه‪ :‬إذا شئتم‪ ،‬فنهضوا‪ ،‬فأراد الرجل الكلم‪،‬‬
‫فقال له غبد الملك قف‪ ،‬ل تمدحني‪ ،‬فآنا أعلم بنفسي منك‪ ،‬ول‬
‫ب ? ول تغتب عندي احدًا‪.‬فقال الرجل‪:‬‬
‫تكذبني‪ ،‬فإنه ل رأي لمكذو ٍ‬
‫يا أمير المؤمنين‪ ،‬أفتأذن لي في النصراف? قال له‪ :‬إذا شئت‪.‬‬
‫وقال بعض الحكماء‪ :‬ثلث ل غربة معهن‪ :‬مجانبة الريب‪ ،‬وحسن‬
‫الدب‪ ،‬وكف الذى‪.‬‬
‫وقال عمرو بن العاص لدهقان نهر تيرى‪ :‬بم ينبل الرجل عندكم ?‬
‫فقال ‪ :‬بترك الكذب‪ ،‬فإنه ل يشرف إل من يوثق بقوله‪ ،‬وبقيامه‬
‫بأمر أهله‪ ،‬فإنه ل ينبل من يحتاج أهله إلى غيره‪ ،‬وبمجانبة الريب‪،‬‬
‫فإنه ل يعز من ل يؤمن أل يصادف على سوأة‪ ،‬وبالقيام بحاجات‬
‫الناس‪ ،‬فإنه من رجي الفرج لديه كثت غاشيته‪.‬‬
‫وقال بزر جمهر‪ :‬من كثر أدبه كثر شرفه‪ ،‬وإن كان قبل وضيعًا‪،‬‬
‫وبعد صيته وإن كان حام ً‬
‫ل‪ ،‬وسادا ً وإن كلن غريبًا‪ ،‬وكثرت الحاجة‬
‫إليه وإن كان مقترًا‪.‬‬
‫ب في السفر‪ ،‬ومؤنس في‬
‫وكان يقال‪ :‬عليكم بالدب‪ ،‬فإنه صاح ٌ‬
‫الوحدة‪ ،‬وجمال في المحفل‪ ،‬وسبب إلى طلب الحاجة‪.‬‬
‫‪47‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه‪ :‬من أفضل ما أعطيته‬
‫العرب البيات‪ .‬يقدمها الرجل أمام حاجته‪ ،‬فيستعطف بها الكريم‪،‬‬
‫ويستنزل لها اللئيم‪.‬‬
‫وكان شعبة بن الحجاج‪ ،‬أو سماك بن حرب إذا كانت له إلى أمير‬
‫حاجة استنزله بأبيات يقولها فيه‪.‬‬
‫وقال بعض الملوك لبض وزرائه وأراد محنته‪ :‬ما خير ما يرزقه‬
‫العبد قال‪ :‬عقل يعيش به ‪.‬‬
‫قال‪ :‬فإن عدمه قال‪ :‬فأدب يتحلى به قال‪ :‬فإن عدمه قال‪ :‬فمال‬
‫يستره قال‪ :‬فإن عدمه قال ‪:‬فصاعقة تحرقه‪ ،‬فتريح منه العباد‬
‫والبلد‪.‬‬
‫وقيل لرجل من ملوك العجم ‪ :‬متى يكون العلم شرا ٌ من عدمه‬
‫قال ‪ :‬إذا كثر الدب‪ ،‬ونقصت القريحه وقال أزدشير‪ :‬من لم يكن‬
‫عقله أغلب خلل الخير عليه‪ ،‬كان حتفه في أغلب خلل الخير‬
‫عليه‪.‬‬
‫وقال محمد بن علي بن عبد الله بن العباس وذكر رجل ٌ من أهله‪:‬‬
‫إني لكره أن يكون لعلمه فضل على عقله‪ ،‬كما أكره أن يكون‬
‫للسانه على علمه ‪.‬‬
‫وقال محمد بن علي بن الحسين ‪ :‬جميع التعايش والتناصف‬
‫والتعاشر في ملء مكيال‪ ،‬ثلثاه فطنة‪ ،‬وثلث تغافل فلم يجعل لغير‬
‫الفطنة نصيبا ٌ من الخير‪ ،‬ول حظا ٌ في الصلح‪ ،‬لن النسان ل‬
‫يتغافل إل عن شىء قد عرفه وفطن به ‪.‬‬
‫باب‬
‫لرجل من بني عبد الله‬
‫بن غطفان‪ ،‬وكان قد جاور في طيىء‬
‫قال أبو العباس ‪ :‬قال رجل من بني الله بن غطفان وجاور في‬
‫طيىء وهو خائف‪:‬‬
‫ومن صاحب تلقاهم‬
‫جزى الله خيرا ٌ مـن‬
‫كل مجمع‬
‫عـشـيرة‬
‫ورائي بركن ذي‬
‫هم خلطوني بالنفوس‬
‫مناكب مدفع‬
‫ودافعـوا‬
‫نفدك‪ ،‬وإن تحبس‬
‫وقالوا تعلم أن مالـك‬
‫‪48‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫نزرك ونشفع‬

‫إيصـب‬
‫لرجل من بني سلمان يمدح طيئا ٌ‬
‫وقال رجل من بني سلمان بن سعد هذيم من قضاعة‪،‬وجاور في‬
‫طيىء‪:‬‬
‫له نعماء أو نسـب‬
‫كأن الجار في شمجى‬
‫قـريب‬
‫بن جرم‬
‫ويحمي سرحه أنف‬
‫يحاط ذمـاره ويذب‬
‫غضوب‬
‫عـنـه‬
‫رأيت الغوث يألفها‬
‫ألفت مساكن‬
‫الغـريب‬
‫الجبـلـين إنـي‬
‫لعبد بن العرندس الكلبي يصف قوما‬
‫قال أبو العباس ‪ :‬وأنشدني عبد الوهاب بن جنبة الغنوي لعبيد بن‬
‫العرندس الكلبي يصف قوما ٌ نزل بهم ‪:‬‬
‫سواس مكـرمة أبـنـاء‬
‫هينون لينـون أيسـار‬
‫أيسـار‬
‫ر‬
‫ذوو يسـ ٍ‬
‫وليمارون إن ماروا‬
‫لينطقون على العميان‬
‫بـإكـثـار‬
‫إن نطقـوا‬
‫مثل النجوم التي‬
‫من تلق منهم تقل‬
‫يسري بها الساري‬
‫لقيت سـيدهـم‬
‫قال أبو الحسن ‪ :‬حدثنا أبو العباس أحمد بن يحيى قال ‪ :‬حدثت‬
‫عن أبي الفضل العباس بن الفرج الرياشي قال ‪ :‬قصد رجل من‬
‫الشعراء ثلثة من غني‪ ،‬إخوة وكانوا مقلين‪ ،‬فامتدحهم‪،‬فجعلوا له‬
‫عليهم في كل سنة ذودا ٌ فكان يأتي فيأخذ الذود والشعر الذي‬
‫امتدحهم به قوله‪:‬‬
‫والحمتين‪ ،‬سقـاك الـلـه‬
‫يادار بـين كـلـيات‬
‫مـن دار‬
‫وأظـفــار‬
‫مع الذي مر مـن ريح‬
‫على تقادم ما قد مر مـن‬
‫وأمـطـار‬
‫عـصـر‬
‫والعهد منك قديم منـذ‬
‫عنا غنيت بذات الرمث‬
‫أعـصـار‬
‫من أجـلـى‬
‫ً‬
‫نو‬
‫وقـد نـرى بـك واليام‬
‫بيضا عقائل من عـي ٍ‬
‫‪49‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫أبـكـار‬
‫ول علمن لـهـا يومـا ً‬
‫بـأسـرار‬
‫قدما ً وأنت علـيهـا‬
‫عـاتـب زار‬
‫ل‬
‫يبكي على ذات خلخـا ٍ‬
‫وأسـاور‬
‫ل‬
‫ل وأنـفـا ٍ‬
‫أولو فضو ٍ‬
‫وأخـطـار‬
‫سواس مـكـرمةٍ أبـنـاء‬
‫أيسـار‬
‫ول يعـد نـثـا خـزي ول‬
‫عـار‬
‫ول يمارون إن مـاروا‬
‫بـإكـثـار‬
‫ب غير‬
‫كشفت أذمار حر ٍ‬
‫أغـمـار‬
‫فالجهد يكشف منهم‬
‫طيب أخـبـار‬
‫مثل النجوم التي يسري‬
‫بها الساري‬

‫جـامـعة‬
‫فيهن عثمة ل يمللن‬
‫عـشـرتـهـا‬
‫إذ يحسب الناس إن قد‬
‫نلت نائلـهـا‬
‫بل أيها الراكب المفني‬
‫شـبـيبـتـه‬
‫خبر ثناء بني عـمـرو‬
‫فـإنـهـم‬
‫هينون لـينـون أيسـار ذوو‬
‫كـرم‬
‫فيهم ومنهم يعد المـجـد‬
‫مـتـلـدا ً‬
‫ل يظعنون على العمياء‬
‫إن طغنـوا‬
‫وإن تلينتـم لنـوا وإن‬
‫شـهـمـوا‬
‫إن يسألون العرف يعطوه‬
‫وإن جهدوا‬
‫من تلق منهم تقل لقـيت‬
‫سـيدهـم‬
‫للمكعبر الضبي يمدح‬
‫بني مازن ويذم بني العنبر‬
‫قال أبو العباس‪ :‬وكان قوم نزلوا ببني العنبر بن عمرو بن تميم‪،‬‬
‫والقوم من بني ضبة‪ ،‬فأغير عليهم‪ ،‬فاستغاثوا جيرانهم فلم‬
‫يغيثوهم‪ ،‬وجعلوا يدافعونهم حتى خافوا فوتها‪ ،‬فاستغاثوا بني مازن‬
‫بن مالك بن عمرو بن تميم‪ ،‬فركبوا فردوها عليهم‪ ،‬فقال المكعبر‬
‫الضبي في ذلك‪:‬‬
‫فليس لدهرالطـالـبـين‬
‫أبلغ طريفا ً حيث شطت‬
‫فـنـاء‬
‫بها النوى‬
‫يلهى به المحروب وهو‬
‫كسالى إذا ل قيتهم غير‬
‫‪50‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫عـنـاء‬
‫منـطـق‬
‫كما في بطون‬
‫وإني لرجوكم على بطء‬
‫الحاملت رجـاء‬
‫سعيكـم‬
‫ولو شئت قال‬
‫أخبر من لقيت أن قـد‬
‫المخبرون أسـاؤوا‬
‫وفـيتـم‬
‫وهل كفلئي في‬
‫فهل سعيتم سعي أسـرة‬
‫الوفـاء سـواء‬
‫مـالـك‬
‫وإن كان قد شف‬
‫كأن دنابيرا ً على‬
‫الوجوه لـقـاء‬
‫قـسـمـاتـهـم‬
‫وبعض الرجال في‬
‫لهم أذرع بادٍ نواشر‬
‫الحروب غثاء‬
‫لـحـمـهـا‬
‫قوله‪":‬حيث شطت بها النوى"‪ ،‬معنى شطت‪ :‬تباعدت‪ ،‬ويقال‪:‬‬
‫أشط فلن في الحكم إذا عدل عنه متباعدًا‪ ،‬قال عز وجل ‪ ":‬ول‬
‫تشطط" ص‪.22 :‬‬
‫وقال الحوص‪:‬‬
‫ويزعمن أن أودى‬
‫أل يا لقومي قد‬
‫بحقي باطلي‬
‫أشطت عواذلي‬
‫ب غير‬
‫ويلحينني في اللهو أل‬
‫وللهو داٍع دائ ٌ‬
‫غـافـل‬
‫أحـبـه‬
‫ة قذف‪ ،‬أي رحلة بعيدة‪ ،‬قال‬
‫والنوى‪ :‬البعد‪ ،‬ويقال‪ :‬شطت بهم ني ٌ‬
‫الشاعر‪:‬‬
‫وصحصحان قذف كالترس‬
‫وليس بمأخوذ من " نأيت" في اللفظ‪ ،‬ولكنه مثله قي المعنى‬
‫وقوله‪:‬‬
‫فليس لدهر الطالبين فناء‬
‫يقول‪ :‬الطلب في إثر طلبته أبدًا‪ .‬ويروى أن رجل ً من قريش بعث‬
‫إلى رجل منهم وكان أخذ له غلمًا‪ :‬يل هذا‪ ،‬إن الرجل ينام على‬
‫الثكل ول ينام على الحرب‪ ،‬فإما رددته‪ ،‬وإما عرضت اسمك على‬
‫الله في كل يوم وليلة خمس مرات‪.‬‬
‫قال أبو الحسن‪ :‬الرجل الذي أخذ منه الغلم هو جعفر بن محمد‬
‫بن علي أبن الحسين‪ ،‬والخذ سليمان بن علي بن عبد الله بن‬
‫‪51‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫العباس‪.‬‬
‫ومن أمثال العرب‪" :‬ل ينام إل من اثأر" ‪ .‬ويقال لمن أدرك ثأرا ً‬
‫نبي ً‬
‫ل‪ :‬أصاب ثأرا ً منيمًا‪ ،‬وأنشد‪:‬‬
‫لعلك لست بالثأر‬
‫تقول لي ابنة البكري‬
‫المـنـيم‬
‫عمرو‬
‫وقوله‪:‬‬
‫كما في بطون‬
‫وإني لرجوكم على‬
‫الحاملت رجاء‬
‫بطء سعيكم‬
‫ف عليه‪ ،‬كما أن هذه الحوامل‬
‫ق ول موقو ٍ‬
‫يقول‪ :‬وهذا رجاٌءغير صاد ٍ‬
‫ل يعلم ما في بطونها وليس بميئوس منه‪ ،‬وإنما يتهكم بهم وهو‬
‫يعلم أن سعيهم غير كائن‪ ،‬أل تراه يقول‪:‬‬
‫ولو شئت قال‬
‫أخبر من لقيت أن قد‬
‫المخبرون أساؤوا‬
‫وفـيتـم‬
‫وقوله‬
‫كأن دنانيرا ً على قسماتهم‬
‫زعم أبو عبيدة أن القسمات مجاري الدموع‪ ،‬واحدتهاقسمة‪ ،‬وقال‬
‫الصمعي‪ :‬القسمات أعالي الوجه‪ ،‬ولم يبينه بأكثر من هذا‪ .‬وقول‬
‫م‪،‬‬
‫م‪ ،‬ورجل مقس ٌ‬
‫أبي عبيدة مشروح‪ ،‬ويقال من هذا ‪ :‬رجل قسي ٌ‬
‫م‪ ،‬قال الشاعر‪:‬‬
‫م ومقس ٌ‬
‫ه قسي ٌ‬
‫ووج ٌ‬
‫كأن ظبية تعطو إلى‬
‫ه‬
‫ويوما ً توافينا بوجـ ٍ‬
‫وراق السلم‬
‫مـقـسـم‬
‫قوله "تعطو"‪ ،‬أي تتناول‪ ،‬يقال‪ :‬عطا يعطو إذا تناول‪ ،‬وأعطيته أنا‪،‬‬
‫أي ناولته‪ ،‬قال امرؤ القيس‪:‬‬
‫أساريع ظبي أو‬
‫وتعطو برخص غير‬
‫مساويك إسحل‬
‫ن كأنه‬
‫شث ٍ‬
‫والسلم‪ :‬شجر بعينه كثير الشوك‪ ،‬فإذا أرادوا أن يحتطبوه شدوه‪،‬‬
‫ثم قطعوه‪ ،‬فمن ذلك قول الحجاج‪ :‬والله لحزمنكم حزم السلمة‪،‬‬
‫ولضربنكم ضرب غرائب البل‪.‬‬
‫قال‪ :‬وحدثني التوزي عن أبي زيد قال‪ :‬سمعت العرب تنشد هذا‬
‫البيت فتنصب" الظبية" وترفعها وتخفضها‪.‬‬
‫قال أبو العباس‪ :‬أما رفعها فعلى الضمير‪ ،‬وعلى هذا قوله‬
‫‪52‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫تعالى"علم أن سيكون منكم مرضى" المزمل ‪ 20‬وهذا الباب قد‬
‫شرحناه في الكتاب " المقتضب" في باب " إن وأن" بجميع علله‪،‬‬
‫ومن نصب فعلى غير ضمير‪ ،‬وأعملها مخففة عملها مثقلة‪ ،‬لنها‬
‫تعمل لشبهها بالفعل‪ ،‬فإذا خففت عملت عمل الفعل المحذوف‪،‬‬
‫كقولك‪ :‬ام يك زيد ٌ منطلقًا‪ ،‬فالفعل إذا حذف يعمل عمله تامًا‪،‬‬
‫فيصير التقدير‪ :‬كأن ظبية تعطو إلى وراق السلم هذه المرأة‪.‬‬
‫وحذف الخبر لما تقدم من ذكره‪ .‬ومن قال‪ ":‬كأن ظبية " جعل‬
‫"أن" زاءدة‪ ،‬وأعمل الكاف‪ :‬أراد‪ :‬كظبية‪ ،‬وزاد"أن" كما تزيدها في‬
‫قولك‪ :‬لما أن جاء زيد ٌ كلمته‪ ،‬ووالله أن لو جئتني لعطيك‪.‬‬
‫وقوله‪:‬‬
‫لهم أذرع بادٍ نواشر لحمها‬
‫فكل شيء كان على "فعال" من المؤنث فجمعه أفعل‪ ،‬وكذلك‬
‫ع‪ ،‬لنهما مؤنثتان‪ ،‬ومن أنث‬
‫فعال‪ ،‬تقول‪ :‬ذراع أذرع‪،‬كراع وأكر ٌ‬
‫ل وأشم ٌ‬
‫اللسان قال‪ :‬ألسن‪ ،‬ومن ذكره قال ألسنة‪ ،‬وشما ٌ‬
‫ل‪ ،‬كما‬
‫ة‬
‫قال الشاعر‪" :‬يأتي لها من أيمن وأشمل" فأما المذكر فعلى أفعل ٍ‬
‫في أدنى العدد وفعل في الكثير‪ ،‬يقال‪ :‬حماٌر وأحمرةٌ وحمر‪،‬‬
‫ش وأفرشة وفرش‪.‬والنواشر ما يظهر من العروق في ظهر‬
‫وفرا ٌ‬
‫الذراع مما يداني المعصم‪ ،‬وذلك الموضع يقال له أسلة الذراع‪،‬‬
‫قال زهير‪:‬‬
‫مراجع وشم ٍ في‬
‫وداٌر لها بالرقمتين‬
‫نواشر معصم‬
‫كـأنـهـا‬
‫وقوله ‪:‬‬
‫وبعض الرجال في الحروب غثاء‬
‫فالغثاء‪ :‬ما يبس من البقل حتى يصير حطامًا‪ ،‬وينتهي في اليبس‬
‫فيسود‪،‬فيقال له‪ :‬غثاء وهشيم ودندن وثن‪ ،‬على قدر اختلف‬
‫أجناسه‪ ،‬ويقال له‪ :‬الدرين‪ ،‬قال الله عز وجل‪ " :‬فجعله غثاء‬
‫أحوى" العلى"‪ 5‬وقال‪":‬فأصبح هشيما ً تذروه الريح" الكهف"‪،45‬‬
‫وقال الشاعر يصف سحابًا‪:‬‬
‫بكين بها حـتـى يعـيش‬
‫إذا ما هبطن الرض قد‬
‫هـشـيم‬
‫مات عودها‬
‫‪53‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وقال الراجز‬
‫ة من ثن‬
‫تكفي الفصيل أكل ٌ‬
‫وقد يقال للشيء الذي ل خير فيه‪ :‬هذا غثاء‪ ،‬أي قد صار كذلك‬
‫الذي وصفناه‪ ،‬ويضرب هذا مثل ً للكلم الذي ل وجه له‪.‬‬
‫لرجل تميمي في الرثاء‬
‫وقال رجل أحسبه تميميًا‪:‬‬
‫ولم أعط أعدائي‬
‫لو لم يفارقني عطية‬
‫الذي كنت أمنع‬
‫لـم أهـن‬
‫وهادٍ إذا ما أظلم‬
‫شجاعٌ إذا لقى‪ ،‬ورام ٍ‬
‫الليل مصـدع‬
‫إذا رمـى‬
‫ويشفى مني الدمع ما‬
‫سأبكيك حتى تنفد‬
‫أتـوجـع‬
‫العين ماءهـا‬
‫أحسن النشادين عندي‪ ":‬لم أهن"‪ ،‬يأخذه من وهن يهن‪ ،‬لنه إذا‬
‫قال‪" :‬لم أهن" فهو من الهوان‪ ،‬ومن قال‪ ":‬لم أهن" فإنما هو من‬
‫الضعف‪ ،‬وهو أشبه بقوله‪:‬‬
‫ولم أعط أعدائي الذي كنت أمنع‬
‫والخرغير بعيد‪ ،‬يقول‪ :‬لم أهن على أعدائي‪ ،‬وإذا قال " لم أهن"‬
‫فالصل‪" :‬لم أهن "‪ ،‬ولكن الواو إذا كانت في موضع الفاء من‬
‫الفعل‪ ،‬وكان ذلك الفعل على " يفعل"‪ ،‬قالوا محذوفة‪ ،‬وإنما‬
‫تحذف الواو لوقوعها بين ياء وكسرة‪ ،‬وتصير حروف المضارعة‬
‫الباقية تابعة للياء‪ ،‬لئل يختلف الباب‪ ،‬وهي التاء من قولك‪ ":‬تفعل"‬
‫إذا عنيت مخاطبا ً أو مؤنثا ً غائبًا‪ ،‬نحو‪ :‬تعد‪ ،‬وهي تعد‪ ،‬والهمزة إذا‬
‫عنيت نفسك‪ ،‬نحو‪ :‬أنا أعد‪ ،‬والنون إذا أخبرت عن نفسك و معك‬
‫غيرك‪ ،‬نحو‪ :‬نحن نعد‪.‬‬
‫فإن قال قائل‪ :‬إنما هذا لن الفعل المتعدي تحذف منه الواو‪ ،‬فإن‬
‫كان غير متعد ثبتت‪ ،‬فقد قال أقبح قول‪ ،‬لن التعدي أو غير التعدي‬
‫ل يحدث في أنفس الفعال شيئًا‪ ،‬ولو كان كما يقول لثبت الواو‬
‫في" وهن يهن"‪ ،‬لنك ل تقول‪ :‬وهنت زيدًا‪ ،‬وكذلك ورم يرم ووكف‬
‫البيت يكف‪ ،‬وونم الذباب ينم‪ ،‬وهذا أكثر من أن يحصى‪ .‬فإن لم‬
‫تكن بعد الواو كسرة لم تحذف‪ ،‬نحو وحل يوحل‪ ،‬ووجل يوجل‪،‬‬
‫ووجع الرجل يوجع وقد يجوز ييجع وياجع وييجع لما نذكره إذا جرى‬
‫إذا جرى ذكر هذه المفتوحة إن شاء الله‪ .‬فأما الحذف فل يكون‬
‫‪54‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫فيها‪.‬‬
‫فإن قال قائل‪ :‬فما بال يطأ ويسع حذفت منهما الواو‪ ،‬ومثلهما‬
‫ثبتت فيه الواو‪،‬فإنما ذلك لنه كان فعل يفعل مثل ولي يلي‪ ،‬وورم‬
‫يرم‪ ،‬ففتحته الهمزة والعين‪ ،‬والصل الكسر‪ ،‬فإنما حذفت الواو‬
‫مما يلزم في الصل‪ ،‬ألترى أنك تقول‪ :‬ولغ السبع يلغ‪ ،‬فهذا فعل‬
‫يفعل والصل يفعل‪ ،‬ولكن فتحته العين‪ ،‬لن حروف الحلق تفتح‬
‫ماكان على يفعل ويفعل‪ ،‬ولول ذلك لم تقع فعل يفعل وحروف‬
‫الحلق ستة‪ :‬الهمزة‪ ،‬والهاء والعين‪ ،‬والغين‪ ،‬والحاء‪ ،‬والخاء‪ ،‬وهن‪،‬‬
‫يفتحن إذا كن في موضع العين واللم‪ ،‬فأماالعين فنحو سأل يسأل‬
‫وذهب‪ ،‬وأما اللم فمثل قرأ يقرأ‪ ،‬وصنع يصنع‪ ،‬وسائر هذا الباب‬
‫على ماوصفت لك‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬وهادٍ إذا ماأظلم الليل مصدع فتأويل"مصدع" أي ماض في‬
‫المر‪ ،‬قال الله عز وجل‪" :‬فاصدع بما تؤمر"الحجر‪ 94:‬ويقال ‪:‬‬
‫أحزم الناس من إذا وضح له المر صدع به وقال أعرابي يمدح‬
‫سوار بن عبد الله القاضي‪ ،‬وسواٌر أحد بني العنبر بن عمرو بن‬
‫تميم ‪:‬‬
‫وأمضى إذا ما شك من‬
‫وأوقف عند المر ما لم‬
‫كان ما ضيا‬
‫يضـح لـه‬
‫فاستجمع في هذا المدح ركانة الحزم‪ ،‬وإمضاء العزم‪،‬ومثله قول‬
‫النابغة الجعدي ‪:‬‬
‫أبى لي البلء وإني‬
‫إذاما تبينت لـم أرتـب‬
‫امرؤٌ‬
‫ومن أمثال العرب السائرة الجيدة‪ ":‬رو تحزم " فإذا استوضحت‬
‫فاعزم"ومن أمثالهم‪ ":‬قد أحزم لو أعزم"‪ ،‬وإنما يكون هذا بعد‬
‫التوقف والتبين‪ ،‬فقد قال الشعبي‪ :‬أصاب متأمل أو كاد‪ ،‬وأخطأ‬
‫مستعجل أوكاد‪.‬‬
‫ومثل قوله‪" :‬ويشفي مني الدمع ما أتوجع" قول الفرزدق‪:‬‬
‫بكيت فنادتني هنيدة‪:‬‬
‫ألم تر أني يوم جو‬
‫ما ليا‬
‫سـويقة‬
‫به يشتفي من ظن أل‬
‫فقلت لها‪ :‬إن البكاء‬
‫تلقيا‬
‫ة‬
‫لراح ٌ‬
‫‪55‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫قال أبو الحسن ‪ :‬ويتلو هذ ين البيتين مما يستحسن‪:‬‬
‫ألم تسمعا بالبيضتين‬
‫قعيدكما الله اٌلذي‬
‫المنـاديا‬
‫أنتمـا لـه‬
‫فأسمعني‪ ،‬سقيا ٌ‬
‫حبيب دعا‪ ،‬والرمل‬
‫لذلك‪،‬داعـيا‬
‫بيني وبينه‬
‫يقال ‪ :‬قعيدك الله‪ ،‬وقعدك الله‪ ،‬ونشدك الله‪ ،‬أي سألتك بالله‪ ،‬كما‬
‫قال متمم بن نويرة‪ ،‬وهو من بني يربوع‪:‬‬
‫قعيدك أ ٌ‬
‫ولتنكئي قرح الفؤاد‬
‫لتسمعنـي‬
‫فييجعا‬
‫مـلمة‬
‫ويرى‪":‬فقعدك ألتسمعني"‪ ،‬والبيضتان‪ :‬موضع معروف‪.‬‬
‫قال أبو العباس‪ :‬وقال أبو بكر بن عياش‪:‬نزلت بي مصيبة‬
‫أوجعتني‪،‬فذكرت قول ذي الرمة‪:‬‬
‫من الوجد‪،‬أويشفي‬
‫لعل انحذار الدمع‬
‫نجي البلبل‬
‫ة‬
‫يعقب راح ً‬
‫فخلوت فبكيت فسلوت ‪.‬‬
‫لنضلة السلمي في يوم غول‬
‫ة‬
‫ل وكان حقيرًادميمًا‪،‬وكان ذا نجد ٍ‬
‫وقال نضلة السلمي في يوم غو ٍ‬
‫س‪:‬‬
‫وبأ ٍ‬
‫بنضلة‪ ،‬وهو موتور‬
‫ألم تسل الفـوارس‬
‫مـشـيح‬
‫ل‬
‫يوم غـو ٍ‬
‫وينفع أهله الرجل‬
‫رأوه فـازدروه وهـو‬
‫الـقـبـيح‬
‫حــر‬
‫كما عض الشبا‬
‫فشد عليهم بالسـيف‬
‫صـلـتـا ً‬
‫الفرس الجموح‬
‫قتيل ً منهـم ونـجـا‬
‫فأطلق غل صـاحـبـه‬
‫جـريح‬
‫وأردى‬
‫وتحت الرغوة اللبن‬
‫ولم يخشوا مصالته‬
‫الصـريح‬
‫عـلـيهـم‬
‫قوله‪ ":‬وهو موتور مشيح" فالمشيح الحامل الجاد‪ ،‬يقال‪ :‬أشاح‬
‫يشيح إذا حمل‪ ،‬وأنشدني التوزي قال‪ :‬أنشدني أبو زيد وهو لبي‬
‫العيال الهذلي‪:‬‬
‫‪56‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫يشد كأنه كلـب‬

‫مشيح فوق شيحان‬
‫قال‪ :‬شيحان اسم فرسه‪.‬‬
‫قال أبو الحسن ويروى‪ ":‬شيحان" بفتح الشين‪ ،‬وحقه على رواية‬
‫أبي زيد أل ينصرف لنه فعلن‪ ،‬فاللف والنون زائدتان‪ ،‬وهو‬
‫معرفة‪ ،‬فضارع عطشان وما جرى مجراه‪ ،‬وإنما اضطر فصرفه‪.‬‬
‫وعن أبي زيد أيضا ً يرويه‪":‬شيحان"‪ ،‬وهو الجاد‪ ،‬وهو صفة شائعة‪،‬‬
‫وليس كالول فالول معرفة مشتق عن النعت‪.‬‬
‫وقال ابن الطنابة‪ ،‬واسمه عمرو‪:‬‬
‫وضربي هامة البطل‬
‫وإجشامي على‬
‫المشيح‬
‫المكروه نفسي‬
‫ويقال في هذا المعنى‪ :‬رجل شيح‪ ،‬كما يقال‪ :‬ناقة نقض‪ ،‬إذا كانت‬
‫هزي ً‬
‫ل‪ ،‬قال أبو ذؤيب‪:‬‬
‫وشايحت قبل اليوم إنك شيح‬
‫وقوله‪ ":‬بالسيف صلتًا" يقول‪ :‬منتضى‪ ،‬ورجل صلت الجبين إذا كان‬
‫نقيه‪.‬‬
‫وقوله‪ ":‬كما عض الشبا" يريد حد اللجام‪ ،‬وشبا كل شيء حده‪.‬‬
‫وقوله‪ ":‬وأردى" أي أهلك‪ ،‬يقال‪ :‬ردي يردى إذا هلك‪ ،‬والردى‪:‬‬
‫الهلك‪ ،‬قال الله عز وجل‪ ":‬وما يغنى عنه ماله إذا تردى" الليل‪:‬‬
‫‪ ،11‬قيل فيه قولن‪ :‬أحدهما إذا تردى في النار‪ ،‬والخرإذا مات‪،‬‬
‫وهو" تفعل" من الردى‪ .‬وقوله‪:‬‬
‫ولم يخشوا مصالته عليهم‬
‫فهي" مفعلة" من صال يصول‪ ،‬ويقال‪ :‬صال البعير إذا عض‪ .‬وقيل‬
‫للمغيرة بن شعبة‪ :‬إن بوابك يإذن لصحابه قبل أصحابك‪ ،‬فقال‪:‬إن‬
‫المعرفة لتنفع عند الكلب العقور‪ ،‬والجمال الصؤول‪ ،‬فكيف بالرجل‬
‫الكريم وقوله‪:‬‬
‫وتحت الرغوة اللبن الصريح‬
‫يقول‪ :‬إذا رأيت الرغوة وهو ما يرغو كالجلد في أعلى اللبن لم تدر‬
‫ما تحتها‪ ،‬فربما صادفت اللبن الصريح إذا كشفتها‪ .‬أي أنهم رأوني‬
‫فازدروني لدمامتي‪ ،‬فلما كشفوا عني وجدوا غير ما رأوا‪.‬‬
‫والصريح‪ :‬المحض الخالص‪ ،‬من ذلك قولهم‪ :‬عربي صريح أي‬
‫خالص‪ ،‬ومولى صريح‪ .‬ومن أمثال العرب‪ ":‬إنه ليسر حسوا في‬
‫ارتغاء" ومعنى ذلك أنه يوهمك أنه يأخذ بفيه تلك الجلدة عن اللبن‬
‫‪57‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ليصلحه لك‪ ،‬يحسو من تحتها‪ ،‬يضرب هذا المثل لمن يريك أنه‬
‫يعينك‪ ،‬وإنما يجتر النفع إلى نفسه‪.‬‬
‫لعرابي من بني سعد خلف الدمامة‬
‫وقال أعرابي خبرت أنه من بني سعد وقد تمثل بهذا الشعر‬
‫الخنوت‪ ،‬وهو توبة بن مضرس‪ ،‬أحد بني مالك بن سعد بن زيد‬
‫مناة بن تميم‪ ،‬في خلف الدمامة‪:‬‬
‫نهال ً وأسباب المنايا‬
‫ولما التقى الصفان‬
‫نهالـهـا‬
‫واختلف القنا‬
‫وأن أشداء الرجال‬
‫تبين لـي أن الـقـمـاءة‬
‫طوالـهـا‬
‫ذلة‬
‫أسود الشرى إقدامها‬
‫دعوا‪ :‬يا لسعد وانتمينا‬
‫و نزالها‬
‫اطيىء‬
‫قوله‪ ":‬نها ً‬
‫ل" يريد أنها قد وردت الدم مرة ولم تثن‪ ،‬وذلك أن‬
‫الناهل الذي يشرب أول شربة‪ ،‬فإذا شرب ثانية فهو عال‪ ،‬يقال‪:‬‬
‫سقاه عل ً بعد نهل‪ ،‬وعلل ً بعد نهل و في المثل‪ ":‬سمته سوم عالة"‬
‫إذا عرضت عليه عرضا ً يستحيي من أن يقبل معه‪ ،‬والعالة ل حاجة‬
‫بها إلى الشرب‪ ،‬وإنما يعرض عليها تعزيزًا‪ .‬قال‪ ":‬وأسباب المنايا‬
‫نهالها"‪ ،‬أي أول ما يقع منها يكون سببا ً لما بعده‪ ،‬وأنشدني غير‬
‫واحد‪:‬‬
‫وأن أشداء الرجال طيالها‬
‫وليس هذا بالجيد‪ ،‬وإنما قلب الواو ياء لوقوعها بين كسرة وألف‬
‫كقولهم‪ :‬ثياب‪ ،‬وحياض‪ ،‬وسياط‪ ،‬والواحد ثوب‪ ،‬وحوض‪ ،‬وسوط‪:‬‬
‫وهذا جيد‪ ،‬لكون الواو في الواحد‪ ،‬فأما في مثل طوال‪ ،‬فإنما يجوز‬
‫على التشبيه بهذا‪ ،‬وليس بجيد لتحرك الواو في الواحد‪ .‬وأنشدني‬
‫مسعود بن بشرالمازني‪:‬‬
‫طيال ومن سيما‬
‫لهم أوجه بيض حسان‬
‫الملوك نجار‬
‫وأذرع‬
‫ومجاز هذا في النحو على ما وصفت لك‪.‬‬
‫العرب تمدح بالطول‬
‫والعرب تمدح بالطول‪ ،‬وتضع من القصر‪ ،‬فل يذكره منهم إلمحتج‬
‫عن نفسه‪،‬ول يمدح به غيره‪ ،‬قال عنترة‪:‬‬
‫‪58‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫يحذى نعال السبت‬
‫ن ثيابه في‬
‫بطل كأ ٌ‬
‫ليس بتوأم‬
‫سـرحة‬
‫يقول‪ :‬لم يشارك في الرحم‪ ،‬وقال جرير‪:‬‬
‫إلىالغر من أهل البطـاح‬
‫تعالوا ففاتونا ففي‬
‫الكـارم‬
‫الحكـم مـقـنـع‬
‫وأرضى الطوال البيض‬
‫فإني لرضى عبد شمس‬
‫من آل هاشم‬
‫وماقضـت‬
‫وقال حسان بن ثابت ‪:‬‬
‫لذي جسم يعد وذي‬
‫وقد كنا نـقـول إذا‬
‫بـيان‬
‫رأينـا‬
‫وجسما ً من بني عبد‬
‫كأنك أيها المعطى‬
‫المدان‬
‫بـيانـا‬
‫ي بن عبد الله العباس بن عبد المطلب كان إلى‬
‫ويقال إن عل ٌ‬
‫منكب عبد الله‪ ،‬وكان عبدالله إلى منكب العباس‪ ،‬وكان العباس‬
‫إلى منكب عبد المطلب‪.‬‬
‫ي بن عبد الله بالبيت‪ ،‬وهناك عجوز‬
‫وحدثني التوزيٌ قال ‪ :‬طاف عل ٌ‬
‫ي قد فرع الناس‪ ،‬كأنه راكب والناس مشاة‪ ،‬فقالت ‪:‬‬
‫قديمة‪،‬وعل ٌ‬
‫ي بن عبد الله بن العباس‪،‬‬
‫من هذا الذي فرع الناس فقيل ‪ :‬عل ٌ‬
‫فقالت ‪ :‬ل إله إلالله‪ ،‬إن الناس ليرذلون عهدي بالعباس يطوف‬
‫بهذا البيت كأنه فسطاط أبيض‪.‬‬
‫ي بن عبد الله‬
‫ي بن سليمان بن عل ٌ‬
‫ي بن القاسم بن عل ٌ‬
‫وحدثني عل ٌ‬
‫ي بن عبد الله في عظم‬
‫بن العباس قال ‪ :‬كان يقال ‪ :‬صار شبه عل ٌ‬
‫ي ابن أمير المؤمنين المهدي‬
‫الجسام في العليين يعني عل ٌ‬
‫ي‪.‬‬
‫المنسوب إلى أمه ريطة‪،‬علي بن سليمان بن عل ٌ‬
‫ويروى أن رسول الله صلى الله عليهم وسلم وهو السوة والقدوة‬
‫كان فوق الربعة ولم يكن بالطويل المشذب‪ ،‬وكان إذا مشى مع‬
‫الطوال طالهم ولم يختلف أهل الحكمة والنظر من العرب والعجم‬
‫أن الكمال في العتدال‪ ،‬ول يقال غير هذا عن حكيم وأبين ما فيه‬
‫ما اختاره الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫وقد يقال ‪ :‬الكيس في القصر وقد قيل في خبر قصير وكيده‬
‫ومكره ما سار به المثل‪ ،‬واستغنى عن العادة‪.‬‬
‫لعرابي يرد على مغنية عابته بالقصر‬
‫‪59‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وحدثني العباس بن الفرج الرياشي قال ‪ :‬حدثني أبو عثمان‬
‫ي يختلف إلى مغنية لل سليمان‪،‬‬
‫المازني قال ‪ :‬كان أعراب ٌ‬
‫فأشرفت إليه ذات مرة فأومأت إليه إيماء عائب له بالقصر‪ ،‬فأنشأ‬
‫يقول‪:‬‬
‫ة فأنت‬
‫ياجعفٌر يا جعفٌر يا‬
‫إن أك ربع ً‬
‫أقصر‬
‫جعفر‬
‫غرك سربال عليك‬
‫أو أك ذا شيب فأنت‬
‫أحمر‬
‫أكبر‬
‫وتحت ذاك سوأةٌ لو‬
‫ومقنع من الحرير‬
‫تذكر‬
‫أصفر‬
‫قال أبو الحسن ‪ :‬أنشدني أبو العباس محمد بن الحسن الوراق‬
‫الشعر الذي فيه قوله‪:‬‬
‫ولما التقى الصفان واختلف القنا‬
‫بتمامه‪ ،‬وهو شعر مختار لرجل من طيىء‪ ،‬ويدل على ذلك‬
‫ماتسمعه في الشعر‪،‬وهو قوله‪:‬‬
‫كتائب يردي المقرفين‬
‫ي‬
‫جمعنا لهم من ح ٌ‬
‫نكالـهـا‬
‫ك‬
‫غو ٍ‬
‫ث ومالـ ٍ‬
‫وقد جاوزت حيي‬
‫لهم عجز بالحزن‬
‫جديس رعالها‬
‫فالرمل فاللوى‬
‫تتاح لحبات القلوب‬
‫وتحت نحور الخيل‬
‫نـبـالـهـا‬
‫حرشف رجلة‬
‫بنو ناتق كانت كثيرا ً‬
‫أبى لهم أن يعرفوا‬
‫عـيالـهـا‬
‫الضيم أنـهـم‬
‫بحيث تناصى طلحها‬
‫فلما أتينا السفح من‬
‫وسيالـهـا‬
‫بطـن حـائل‬
‫كأسد الشرى إقدامها‬
‫دعوا لنزاروانتمـينـا‬
‫ونزالـهـا‬
‫لـطـيىء‬
‫ي‬
‫لسائلةٍ عنا حف ٌ‬
‫سـؤالـهـا‬
‫صدور القنا منهم‬

‫فلما التقينا بين‬
‫السيف فـيهـم‬
‫ولما عصينا بالرماح‬
‫‪60‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وعلت نهالها‬
‫تضلعـت‬
‫وسائل كانت قبل‬
‫ولما تدانوا بالسيوف‬
‫سلما ً حبالها‬
‫تقطعـت‬
‫قوادم مربوعاتها‬
‫فولوا وأطراف الرماح‬
‫وطوالـهـا‬
‫عليهم‬
‫الكتائب‪ :‬جمع كتيبة‪ ،‬سميت كتيبة لجتماعها وانضمام بعضها إلى‬
‫بعض‪ ،‬يقال‪ :‬تكتب القوم إذا تضاموا‪،‬ومنه أخذ الكتاب لنضمام‬
‫حروفه‪ ،‬ولذلك قالوا‪ ،‬بعلة مكتوبة إذا شد حياؤها وضم‪ .‬ويردي ‪:‬‬
‫يهلك‪ ،‬يقال ‪ :‬ردي الرجل إذا هلك‪ ،‬والردى ‪ :‬الهلك‪ ،‬والرداء‪:‬‬
‫الهلك‪ .‬والمقرفون‪ :‬الذين دخلوا في الفساد والعيث‪ ،‬وهو في‬
‫ف إذا كان هجينًا‪ ،‬ثم يشيع في‬
‫الصل الهجنة يقال‪ :‬فرس مقر ٌ‬
‫الفساد‪.‬‬
‫والعجز؛ مؤخر العسكر ههنا‪ ،‬وهو مستعار‪ .‬والحزن‪ :‬ما خشن من‬
‫الرض وغلظ‪ .‬واللوى‪ :‬مستدق الرملة حيث ينقطع‪ ،‬يقال ألويتم‬
‫فانزلوا‪ :‬أي صرتم إلى آخر الرملة‪،‬وهواللوى‪.‬وجديس‪ :‬قبيلة‬
‫معروفة‪ ،‬فلذلك لم يصرفها‪ .‬والرعال الجماعات المتفرقة‪ ،‬واحدها‬
‫ة‪.‬‬
‫رعل ٌ‬
‫والحرشف‪ :‬نبت يكثر في البادية‪ ،‬وإنما شبه النبل به في الكثرة‪،‬‬
‫والرجلة‪ :‬الرجالة‪ .‬وتتاح‪ :‬تقدر‪ ،‬يقال أتاح الله له كذا وكذا‪ ،‬أي قدر‬
‫ل‪.‬‬
‫له‪ ،‬والنبال جمع نب ٍ‬
‫ق‪.‬‬
‫والناتق‪ :‬الولود‪ ،‬فإذا أسرفت في ذلك وكثر ولدها جدا ً قيل منتا ٌ‬
‫والسفح‪ :‬أصل الجبل من الوادي‪ .‬وحائل‪ :‬موضع‪ .‬وتناصى‪ :‬تقابل‬
‫وتقرب حتى يعلق هذا بهذا‪ ،‬وهذا بهذا عند هبوب الريح‪ ،‬يقال ‪:‬‬
‫تناصى الرجلن نصاء وتناصيا ً إذا اقتتل فأخذ كل واحدٍ منهما بناصية‬
‫صاحبه‪ ،‬والطلح والسيال‪ :‬ضربان من الشجر معروفان‪.‬‬
‫وانتمى ونمى‪ :‬انتسب‪ .‬والشرى‪ :‬موضع كثير السباع‪ ،‬وإنما يريد‪:‬‬
‫كإقدام أسد الشرى وإقدامها‪ ،‬ثم حذف لعلم السامع‪.‬‬
‫وعصينا‪ :‬جعلنا الرماح كالعصي‪ .‬والعلل‪ :‬الشرب الثاني‪ ،‬والنهل‪:‬‬
‫الول يريد أنا أعدناها إلى الطعن مرة بعد أخرى‪.‬‬
‫وقوادم‪ :‬ذات إقدام‪ ،‬فجاء به على الصل‪ ،‬كما قال‪:‬‬
‫ل غاض‬
‫يخرجن من أجواز لي ٍ‬
‫‪61‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ض‪ ،‬فجاء به على الصل‪ ،‬وهو كثير‪.‬‬
‫أي مغ ٍ‬
‫ع‪ ،‬كأنه‬
‫والمربوعات‪ :‬المعتدلة التي لم تبلغ أن تكون رمحًا‪ ،‬وهو رف ٌ‬
‫قيل له‪ :‬ما هي? فقال‪ :‬هي مربوعاتها وطوالها‪ ،‬ولو خفض وجعله‬
‫بدل البعض من الكل لكان حسنًا‪ ،‬وكان يكون مقوى‪ ،‬ولكن هكذا‬
‫أنشدناه مرفوعا ً على التقدير الذي ذكرناه‪.‬‬
‫باب‬
‫صبرة بن شيمان عند معاوية‬
‫قال أبو العباس‪ :‬حدثت أن صبرة بن شيمان الحداني دخل على‬
‫معاوية‪،‬والوفود عنده‪ ،‬فتكلموا فأكثروا‪ ،‬فقام صبرة فقال‪ :‬يا أمير‬
‫ل‪ ،‬ونحن بأدنى فعالنا عند‬
‫ل‪ ،‬ولسنا بحي مقا ٍ‬
‫المؤمنين‪ ،‬إنا حي فعا ٍ‬
‫أحسن مقالهم‪ .‬فقال‪ :‬صدقت‪.‬‬
‫كلمة يزيد بن أبي سفيان حين أرتج عليه‬
‫وحدثت أن أبا بكر رضي الله عنه‪ ،‬ولى يزيد بن أبي سفيان ربعا ً‬
‫من أرباع الشام‪ ،‬فرقي المنبر فتكلم فأرتج عليه‪ ،‬فاستأنف فأرتج‬
‫عليه‪ ،‬فقطع الخطبة‪ ،‬فقال‪ :‬سيجعل الله بعد عسرٍ يسرًا‪ ،‬وبعد عي‬
‫ل‪.‬‬
‫ل أحوج منكم إلى أميرٍ قوا ٍ‬
‫بيانًا‪ ،‬وأنتم إلى أميرٍ فعا ٍ‬
‫فبلغ كلمه عمرو بن العاص‪ ،‬فقال‪ :‬هن مخرجاتي من الشام‬
‫استحسانا ً لكلمه‪.‬‬
‫جواب عامر بن قيس لعثمان بن عفان‬
‫س العنبري ورآه‬
‫وقال عثمان بن عفان رحمه الله لعامر بن عبد قي ٍ‬
‫ظاهر العرابية‪ :‬يا أعرابي‪ ،‬أين ربك ? فقال بالمرصاد! جواب علي‬
‫بن أبي طالب حين سئل ‪ :‬أين ربنا? وقال قائل لعلي بن أبي‬
‫طالب رحمه الله‪ :‬أين كان ربنا قبل أن يخلق السموات والرض?‬
‫ن‪ ،‬وكان الله ول مكان‪.‬‬
‫فقال علي‪ :‬أين‪ ،‬سؤال عن مكا ٍ‬
‫للحسن البصري في المواعظ‬
‫وحدثت أن راهبين دخل البصرة من ناحية الشام‪ ،‬فنظرا إلى‬
‫الحسن البصري‪ ،‬فقال أحدهما لصاحبه‪ :‬مل بنا إلى هذا الذي كأن‬
‫سمته سمت المسيح‪ ،‬فعدل إليه‪ ،‬فألفياه مفترشا ً بذقنه ظاهر‬
‫كفه‪ ،‬وهو يقول‪ :‬يا عجبا ً لقوم قد أمروا بالزاد‪ ،‬وأوذنوا بالرحيل‪،‬‬
‫وأقام أولهم على آخرهم! فليت شعري ما الذي ينتظرون? ونظر‬
‫الحسن إلى الناس في مصلى البصرة يضحكون ويلعبون في يوم‬
‫عيد‪ ،‬فقال الحسن‪ :‬إن الله جعل الصوم مضمارا ً لعباده ليستبقوا‬
‫‪62‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫إلى طاعته‪ ،‬فسبق أقوام ففازوا‪ ،‬وتخلف آخرون فخابو‪ ،‬ولعمري‬
‫ن بإحسانه‪ ،‬ومسيٌء بإساءته عن‬
‫لو كشف الغطاء لشغل محس ٌ‬
‫ر‪.‬‬
‫تجديد ثوب‪ ،‬أو ترطيل شع ٍ‬
‫قوله‪":‬ترطيل شعر" إنما تلبين الشعر بالدهن وما أشبهه‪ ،‬ويقال‬
‫ن وتوضيع‪ :‬رجل رط ٌ‬
‫ل‪ ،‬والذي يوزن به ويكال‬
‫للرجل إذا كان فيه لي ٌ‬
‫يقال له‪ :‬رط ٌ‬
‫ل‪ ،‬بكسر الراء‪.‬‬
‫وكان الحسن يقول‪ :‬اجعل الدنيا كالقنطرة تجوز عيها ول تعمرها‪.‬‬
‫قوله القنطرة يعني هذه المعقودة المعروفة عند الناس‪ ،‬والعرب‬
‫تسمي كل أزج قنطرة قال طرفة بن العبد‪:‬‬
‫لتكتنفا ً حتى تشاد‬
‫كقنطرة الرومي‬
‫بقرمـد‬
‫أقسم ربها‬
‫قوله"حتى تشاد" يقول‪ :‬تطلى‪ ،‬وكل شيء طليت به البناء من‬
‫ة‪ ،‬وقصر‬
‫جص أو جيار‪ ،‬وهو الكلس‪ ،‬فهو المشيد‪ ،‬يقال‪ :‬دار مشيد ٌ‬
‫ة" النساء ‪78‬‬
‫د‪ ،‬قال الله عز وجل‪ ":‬ولو كنتم في بروج مشيد ٍ‬
‫مشي ٌ‬
‫وقال الشماخ‪:‬‬
‫كحية الماء بين الطين‬
‫ل تحسبني وإن كنت‬
‫امرأ ً غمرا ً‬
‫والشـيد‬
‫وقال عدي بن زيد العبادي‪:‬‬
‫سا ً فللطير في ذراه‬
‫شاده مرمرا ً وجللـه‬
‫وكور‬
‫كـل‬
‫والمقرمد‪ :‬المطلي أيضًا‪ ،‬فمن ثم قال‪ ":‬حتى تشاد بقرمد" في‬
‫معنى حتى تطلى‪ ،‬ومن ذلك قول النابغة‪:‬‬
‫رابي المجسة بالعبير مقرمد‬
‫وقال الحسن‪ :‬تلقى أحدهم أبيض بضًا‪ ،‬يملخ في الباطل ملخًا‪،‬‬
‫ينفض مذرويه‪ ،‬ويضرب أصدريه‪ ،‬يقول‪ :‬هأنذا فاعرفوني‪ .‬قد‬
‫عرفناك‪ ،‬فمقتك الله‪ ،‬ومقتك الصالحون‪.‬‬
‫قوله‪ ":‬أبيض بضًا" فالبض الرقيق اللون‪ ،‬الذي يؤثر فيه كل شيء‪.‬‬
‫وفي الحديث أن معاوية قدم على عمر بن الخطاب رحمهما الله‬
‫من الشام وهو أبض الناس‪ ،‬فضرب عمر بيده على عضده‪ ،‬فأقلع‬
‫عن مثل الشراب‪ ،‬أو مثل الشراك‪ ،‬فقال ‪ :‬هذا والله لتشاغلك‬

‫‪63‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ت على بابك! وقال‬
‫بالحمامت‪ ،‬وذوو الحاجات تقطع أنفسهم حسرا ٍ‬
‫حميد بن ثورٍ الهللي‪:‬‬
‫على جلدها بضت‬
‫ة بيضاء لو دب‬
‫منعم ٌ‬
‫مـحـو ٌ‬
‫مدارجه دما‬
‫ل‬
‫وقوله‪ ":‬يملخ في الباطل ملخًا‪ ،‬يقول‪ :‬يمر مرا ً سريعًا‪ ،‬يقال‪ :‬بكرةٌ‬
‫ملو ٌ‬
‫خ إذا كانت سهلة المر‪.‬‬
‫وقوله‪":‬يضرب أصدريه وأزدريه"‪ ،‬فإنما يقال ذلك للفارغ‪ ،‬يقال‪:‬‬
‫د‪ ،‬ويقال‪:‬‬
‫جاء فلن يضرب أصدريه وأزدريه‪ ،‬ول يتكلم منه بواح ٍ‬
‫ن ينفض مذرويه‪ ،‬وهما ناحيتاه‪ ،‬وإنما يوصف بالخيلء‪ ،‬قال‬
‫فل ٌ‬
‫عنترة‪:‬‬
‫لتقتلني‪ ،‬فهأنـذا‬
‫أحولي تنفض استك‬
‫عـمـارا‬
‫مذرويها‬
‫ول واحد لهما‪ ،‬ولو أفردت لقلت في التثنية مذريان‪ ،‬لن ذوات‬
‫الواو إذا وقعت فيهن الواو رابعة رجعت إلى الياء‪ ،‬كما تقول في‬
‫ملهى‪ :‬ملهيان‪ ،‬وهو من لهوت‪ ،‬وفي مغزى‪ :‬مغزيان‪ ،‬وهو من‬
‫غزوت‪ ،‬وإنما فعلت ذلك لن فعله ترجع فيه الواو إلى الياء إذا‬
‫كانت رابعة فصاعدًا‪ ،‬نحو غزوت‪ ،‬فإذا أدخلت فيه اللف قلت‪:‬‬
‫أغزيت‪ ،‬وكذلك غازيت واستغزيت‪ ،‬وإنما وجب هذا لنقلبها في‬
‫المضارع‪ ،‬نحو يغزي‪ ،‬ويستغزي‪ ،‬ويغازي‪ ،‬وإنما انقلبت لنكسار ما‬
‫قبلها‪ .‬فإن قال قائل‪ :‬فما بال يترجى ويتغازى‪ ،‬يكونان بالياء‪ ،‬نحو‪:‬‬
‫هما يتغازيان ويترجيلن? فإنما ذلك لنهما في الصل‪ :‬رجى يرجي‪،‬‬
‫وغازى يغازي‪ ،‬ثم لحقت التاء بعد ثبات الياء‪ .‬والدليل على ذلك أن‬
‫التاء إنما تلحقه على معناه‪ ،‬فقولك‪ :‬مذروان ل واحد له لما‬
‫أعلمتك‪ ،‬وثبات الواو دلي ٌ‬
‫ل على أن أحدهما ل يفرد من الخر‪،‬‬
‫فلذلك جاء على أصله‪.‬‬
‫باب‬
‫ليزيد بن الصقيل‪ ،‬وكان يسرق البل ثم تاب‬
‫قال أبو العباس‪ :‬قال يزيد بن الصقيل العقيلي‪-‬وكان يسرق البل‪،‬‬
‫ثم تاب‪ ،‬وقتل في سبيل الله‪:‬‬
‫فقد تاب مما‬
‫أل قل لرباب‬
‫تعـلـمـون يزيد‬
‫المخائض‪ :‬أهملوا‬
‫تزود من أعمالهـا‬
‫وإن امرأ ً ينجو من‬
‫‪64‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫لـسـعـيد‬

‫النار بعد مـا‬
‫وفي هذا الشعر‪:‬‬
‫حميمك فاعلم أنها‬
‫إذا ما المنايا أخطأتك‬
‫ستـعـود‬
‫وصادفت‬
‫قوله"أل قل لرباب المخائض"‪ ،‬فإن الناقة إذا لقحت قيل لها‬
‫خلفة‪ ،‬وللجميع مخاض‪ ،‬وهذا جمع على غير واحده‪ ،‬إنما هو بمنزلة‬
‫ة‪:‬‬
‫امرأةٍ ونساء‪ ،‬ثم جمع الجمع فقال‪ :‬مخائض‪ ،‬كقولك في رسال ٍ‬
‫رسائل‪ ،‬وكما تقول في قوم أقوام‪ ،‬فتجمع السم الذي هو للجمع‪،‬‬
‫وكذلك أعراب وأعاريب‪ ،‬وأنعام وأناعيم‪.‬‬
‫وقوله‪" :‬أهملوا"‪ :‬أي اسرحوا إبلكم‪ ،‬والهمل ما كان غير محظور‪،‬‬
‫وهو السدى‪ ،‬ويروى في مثل قوله‪:‬‬
‫حميمك فاعلم أنها‬
‫إذا ما المنايا أخطأتك‬
‫ستـعـود‬
‫وصادفت‬
‫عن بعض الصالحين أنه كان يقول إذا مات له جار أو حميم‪ :‬أولى‬
‫لي! كدت والله أكون السواد المخترم‪.‬‬
‫باب‬
‫????????لبن حبناء التميمي‬
‫في مكارم الخلق‬
‫وقال ابن حبناء التميمي‪:‬‬
‫ل تزين لي=لوم العشيرة أو تدني من النار‬
‫??أعوذ بالله من حا ٍ‬
‫ول أكسر في ابن العم‬
‫ل أقرب البيت أحبو‬
‫أظفاري‬
‫من مؤخره‬
‫إن يحجب الله أبصارا ً‬
‫فقد يرى الله حال‬
‫المدلج الساري‬
‫أراقبـهـا‬
‫وقوله‪:‬‬
‫ل أقرب البيت أحبو من مؤخره‬
‫ة‪ .‬ومثل ذلك قوول الشاعر‪:‬‬
‫يقول‪ :‬ل آتيه لريب ٍ‬
‫كفعل العير غمره‬
‫ولست بصادرٍ من بيت‬
‫الـورود‬
‫جاري‬
‫يقول‪ :‬ل أخرج خروج الخائف‪ ،‬لنه إنما يقال‪ :‬تغمر الشارب إذا لم‬
‫يرو‪ ،‬ويقال للقدح الصغير‪ :‬الغمر من هذا‪ .‬وقوله‪:‬‬
‫‪65‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ول أكسر في ابن العم أظفاري‬
‫يقول‪ :‬ل أغتابه‪ ،‬وهذا مث ٌ‬
‫ل كما قال الحطيئة‪:‬‬
‫وجرحوه بأنياب‬
‫ملوا قراه وهرته‬
‫وأضراس‬
‫كلبهـم‬
‫وقوله‪:‬‬
‫فقد يرى الله حال المدلج الساري‬
‫فالمدلج‪ :‬الذي يسير من أول الليل‪ ،‬يقال‪ :‬أدلجت‪ ،‬أي سرت من‬
‫أول الليل‪ ،‬وأدلجت‪ :‬أي سرت في السحر‪ ،‬قال زهير‪:‬‬
‫بكرن بكورا ً و ادلجن بسحرةٍ‬
‫والسرى ل يكون إل سير الليل‪ ،‬قال الله عز وجل‪ ":‬فأسر‬
‫بأهلك"الحجر ‪ 56‬من قولك أسريت‪ ،‬وهي اللغة القرشية‪ ،‬وغيرهم‬
‫من العرب يقول سريت‪ ،‬وقد جاء هذه اللغة في القرآن‪ ،‬قال الله‬
‫عز وجل‪ ":‬واليل إذا يسر" الفجر ‪ 4‬فهذا من سرى‪ ،‬ولو كان من‬
‫"أسرى" لكان "يسري"‪ ،‬كما قال لبيد‪:‬‬
‫وما كان وقافا ً بغير‬
‫فبات وأسرى القوم‬
‫معصر‬
‫آخر ليلهم‬
‫والمعصر الملجأ‪ ،‬والسري إنما هو من قولك سرى‪ ،‬كقولك‪ :‬قضى‬
‫فهو قاض‪ ،‬ومن أسرى يقال للفاعل‪ :‬مسرٍ كما تقول‪ :‬أعطى فهو‬
‫ط‪ ،‬كما قال الخطل‪:‬‬
‫مع ٍ‬
‫صاح الدجاج وحانت‬
‫نازعتهم طيب الراح‬
‫وقعه الساري‬
‫الشمول وقـد‬
‫والدجاج ههنا‪ :‬الديوك‪ ،‬يريد وقت السحر‪ ،‬لنه يقال للديك‪ :‬هذا‬
‫دجاجة‪ ،‬فإن أردت النثى قلت‪ ،‬هذه‪ ،‬وكذلك هذا بقرة‪ ،‬وهذا بطة‪،‬‬
‫وهذا حمامة إذا أردت الذكر‪ ،‬ولهذا باب يذكر فيه إن شاء الله ‪.‬‬
‫قال جرير ‪:‬‬
‫صوت الدجاج وقرع‬
‫لما تذكرت بالديرين‬
‫باانواقيس‬
‫أرقـنـي‬
‫وقوله‪ "،:‬أرقني صوت الدجاج "‪ ،‬والرق ليكون في آخر الليل‬
‫وإنما يكون في جميعه‪.‬‬
‫وكذلك النواقيس ل تقرع أيضا ً إل في السحر فإنما أراد ‪ :‬أرقني‬
‫انتظاري هذا الوقت‪،‬لنه وعد فيه وعدا ً فهو منتظر له ‪.‬‬
‫‪66‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫قال أبو الحسن ‪ :‬أنشدنا أبو العباس أحمد بن يحيى البيات الرائية‬
‫المتقدمة بتمامها على ما أذكره لك عن أبي عبد الله بن العرابي‬
‫ٌ‪،‬وهي لحد ابني حبناء أحسبه صخرا ٌ وهما من بني تميم‪ ،‬وكان من‬
‫الزارقة قال ‪:‬‬
‫بشيب رأسي‪ ،‬وما‬
‫إني هزئت من أم الغمر‬
‫بالشيب من عار‬
‫إذ هزئت‬
‫ول سعـادتـه يومـا ٌ‬
‫ما شقوة المرء بالقتـار‬
‫بـاكـثـار‬
‫يقـتـره‬
‫والفوز فوز الذي ينجو‬
‫إن الشقي الذي في‬
‫من النـار‬
‫النار منـزلـه‬
‫لوم العشيرة أو يدني‬
‫أعوذ باللـه مـن أمـر‬
‫من الـعـار‬
‫يزين لـي‬
‫وسوف ينبئني الجبار‬
‫وخير د نيا ينـسـي شـر‬
‫أخـبـاري‬
‫آخـرة‬
‫ثم يتفقان بعد الرواية‪ ،‬وكان ربما أنشدنا ‪ ":‬إني هزأت من آم‬
‫الغمر"‪.‬‬
‫لعرابي من بني الحارث بن كعب‬
‫ي من بني الحارث بن كعب ‪:‬‬
‫قال أبو العباس ‪ :‬وقال أعراب ٌ‬
‫قديما ل بي الضيم‬
‫رئمت لسلمى بو ضيم‬
‫وابن أباة‬
‫وإنني‬
‫وما كنت وقافا ٌ على‬
‫فقد وقفتني بين شك‬
‫الشبهات‬
‫وشبـهة‬
‫عدمتك من بعل تطيل‬
‫فيا بعل سلمى كم‬
‫أذاتي‬
‫وكم بأذاتها‬
‫تقطع نفسي دونه‬
‫بنفسي حبيب حال‬
‫حسـرات‬
‫بابك دونـه‬
‫بما ليس بالمأمون من‬
‫ووالله لول أن تساء‬
‫فتكاتي‬
‫لرعـتـه‬
‫قوله‪ ":‬رئمت لسلمى بوضيم " فإنما هذا مثل‪ ،‬وأصله أن الناقة إذا‬
‫ألقت سقبها فخيف انقطاع لبنها أخذوا جلد حوار فحشوه تبنًا‪،‬‬
‫ولطخوه بشيء من سلها‪ ،‬ثم حشوا أنفها بخرقة‪ ،‬فتجد لذلك‬
‫‪67‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫كربا‪ ،‬ويقال للخرقة التي تجعل في أنفها‪ :‬الغمامه‪ ،‬ثم تسل تلك‬
‫الخرقة من أنفها فتجد روحًا‪ ،‬وترى ذلك البو تحتها‪ ،‬وهو جلد الحوار‬
‫المحشو فترأمه‪ ،‬فإن درت عليه قيل‪ :‬ناقة درور‪ ،‬وترأمه تشمه‪،‬‬
‫ويقال في هذا المعنى ‪:‬ناقة ظؤوٌر‪ ،‬فينتفع بلبنها‪ ،‬ويقال‪ :‬ناقة رائم‬
‫ورؤوم إذا كانت ترأم ولدها أو بوها‪ ،‬فإن رئمت ولم تدر عليه فتلك‬
‫العلوق‪ ،‬ول خير عندها‬
‫وأنشدونا عن أبي عمرو وكان يقرأ‪( :‬ثم كان عاقبة الذين أساؤوا‬
‫السوأى) الروم‪ ،10 :‬على "فعلى"‪:‬‬
‫أم كيف يجزونني‬
‫أنى جزوا عامرا ً سوءى‬
‫السوءى من الحسن‬
‫بفعـلـهـم‬
‫ف إذا ضـن‬
‫أم كيف ينفع ما تعطي‬
‫رئمان أن ٍ‬
‫بـالـلـبـن‬
‫العلـوق بـه‬
‫فقوله ‪ ":‬رئمت لسلمى بو ضيم "‪ :‬أي أقمت لها على الضيم‪،‬‬
‫ويقال ‪ :‬فلن رؤوم للضيم‪ ،‬إذا كان ذليل راضيا ً بالخسف‪.‬‬
‫لحد العراب‬
‫وقال أعرابي ‪ -‬أحسبه تميميا ً ‪:-‬‬
‫شديد بعوران الكلم‬
‫وداهيةٍ بها القـوم‬
‫أزومها‬
‫مـفـلـق‬
‫رميت بأخرى يستدير‬
‫أصخت لها حتى إذا ما‬
‫أميمها‬
‫وعيتها‬
‫تساقوا عقارا ٌ ليبل‬
‫ترى القوم منها‬
‫سليمهـا‬
‫مطرقين كأنما‬
‫ة أبغي لهل من‬
‫فلم تلقني فهًا‪ ،‬ولم‬
‫ملجلج ً‬
‫يقيمها‬
‫تلق حجتي‬
‫قوله ‪ ":‬وداهية "يعني حجة داهي بها القوم مفلقٌ ‪ :‬يريد‬
‫عجيبة‪،‬والفلق وجاء القوم بالفليق‪ ،‬وهذا مشهور كثير في الكلم‪،‬‬
‫ومنه قول خلف الحمر‪:‬‬
‫ة من الفلق‬
‫موت المام فلق ٌ‬
‫وأنشدني منشد ‪:‬‬
‫وغرد حاديها عملن بنا‬
‫ة‬
‫إذا عرضت دوي ٌ‬
‫‪68‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫فلقا‬

‫ة‬
‫مدلهـم ٌ‬
‫بفتح الفاء‪.‬‬
‫وقوله‪ ":‬شديد بعوران الكلم"‪ ،‬العوراء هي القبيحة‪ ،‬قال حاتم بن‬
‫عبد الله الطائي‪:‬‬
‫وذي أودٍ قومـتـه‬
‫وعوراء قد أعرضت‬
‫فـتـقـومـا‬
‫عنها فلم تضر‬
‫وأزومها‪ :‬إمساكها‪ ،‬يقال‪ :‬أزم به إذا عض به فأمسكه بين ثنيتيه‪.‬‬
‫د‪:‬فنظرت إلى‬
‫وفي الحديث أن أبا بكر رحمه الله قال في يوم أح ٍ‬
‫حلقةٍ من درع قد نشبت في جبين رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم‪ ،.‬فانكببت لنزعها فأقسم علي أبو عبيدة‪ ،‬فأزم بها أبو‬
‫عبيدة بثنيتيه‪ ،‬فجذبها جذبا ً رفيقًا‪ ،‬فانتزعها‪ ،‬وسقطت‪،‬ثم نظرت‬
‫إلى أخرى فأردتها فأقسم علي أبو عبيدة‪ ،‬ففعل فيها ما فعل في‬
‫الولى‪ ،‬وكان مشفقا ً من تحريكها لئل يؤذي بذلك رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم‪ ،‬فكان أبو عبيدة أهتم‪.‬‬
‫وقوله‪ ":‬فأزم بها "‪ ،‬يقال ‪ :‬أزم يأزم‪،‬وأزم يأزم‪.‬‬
‫وقوله‪ ":‬أصخت لها "‪:‬يقول استمعت لها‪،‬قال العبدي‪:‬‬
‫إصاخة الناشد للمنشد‬
‫يصيخ للنبأة أسماعـه‬
‫والصاخة ال ستماع والناشد‪ :‬الطالب‪ ،‬والمنشد‪ :‬المعرف‪ ،‬يقال‬
‫نشدت الضالة إذا طلبتها‪ ،‬وأنشدتها‪ :‬إذا عرفتها والنبأة‪ :‬الصوت‪،‬‬
‫قال ذو الرمة ‪:‬‬
‫وقد توجس ركزا ً‬
‫بنبأة الصوت ما في‬
‫سمعه كذب‬
‫س‬
‫مقفـٌر نـد ٌ‬
‫وقوله‪:‬حتى إذا ما وعيتها يقول‪:‬جمعتها في سمعي‪ ،‬يقال ‪ :‬وعيت‬
‫العلم‪،‬وأوعيت المتاع في الوعاء‪،‬قال الله عز وجل‪( :‬وجمع‬
‫فأوعى) المعارج‪ ،18 :‬وقال الشاعر ‪:‬‬
‫والشر أخبث ما‬
‫الخير يبقى وإن طال‬
‫أوعيت من زاد‬
‫الزمان به‬
‫وقوله‪:‬‬
‫رميت بأخرى يستدير أميمها‬

‫‪69‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫يريد يستدير‪ ،‬من الدوار‪،‬ويقال في هذا المعنى‪:‬يستديم‪،‬ومنه‬
‫سميت الدوامة‪ ،‬وفي الحديث‪":‬كره البول في الماء الدائم"‪ :‬لنه‬
‫كالمستدير في موضعه‪ ،.‬قال جرير‪:‬‬
‫علي فقد أصابهم‬
‫عوى الشعراء بعضهم‬
‫انـتـقـام‬
‫ض‬
‫لبع ٍ‬
‫رأوا أخرى تحرق‬
‫ة‬
‫إذا أرسلت صاعق ً‬
‫فاستداموا‬
‫علـيهـم‬
‫م ومأموم‪ ،‬كقولك‪ :‬قتي ٌ‬
‫ل‬
‫وقوله‪":‬أميمها" يريد بها‪ ،‬ويقال‪ :‬أمي ٌ‬
‫ومقتو ٌ‬
‫ل‪ ،‬ومجروح وجريح‪ ،‬ويقال‪ :،‬للشجة التي قد وصلت إلى أم‬
‫الدماغ وأم الدماغ جليدة ٌ رقيقة تحيط بالدماغ فإذا وصل إلى تلك‬
‫فالشجة آمة و مأمومة‪ ،‬قال الشاعر‪:‬‬
‫فاست الطبيب قذاها‬
‫يحج مأمومة في‬
‫كالمغاريد‬
‫ف‬
‫قعرها لج ٌ‬
‫المغاريد‪ :‬صغار الكمأة‪.‬‬
‫وقوله" في قعرها لجف" أي تقلع‪ ،‬يقال‪ :‬تلجفت البئر‪ ،‬إذا انقلع‬
‫طيها من أسفلها‪ ،‬ولجف القوم مكيالهم‪ ،‬إذا وسعوه من أسفله‪.‬‬
‫وقوله‪ ":‬تساقوا عقارا ً "يريد‪ :‬كأنهم سكارى لما نالهم من تلك‬
‫الحجة والعقار‪ :‬أسم من أسماء الخمر‪ ،‬وإنما سميت عقارا ً‬
‫لمعاقرتها الدن‪.‬‬
‫وقوله‪ ":‬ما يبل" يقال‪ :‬بل أبل من مرضه‪ ،‬وكذلك استبل‪.‬‬
‫والسليم الملسوع‪ ،‬وقيل له سليم على جهة التفاؤل‪ ،‬كما يقال‬
‫ة‪ ،‬وللغراب‪ :‬العور على الطيرة منه لصحة بصره‪.‬‬
‫للمهلكة مفاز ٌ‬
‫وقوله‪ " :‬فلم تلقني فهًا" يقول‪ :‬ضعيفًا‪ ،‬يقال‪ :‬فه فلن عن حجته‬
‫ة إذاكان عاجزًا‪.‬‬
‫إذا ضعف عنها‪ ،‬ويقال‪ :‬رجل مفه ٌ‬
‫وقوله " ملجلجة"‪ ،‬وهو أن يرددها في فيه‪ ،‬وقد مضى تفسيره‪.‬‬
‫لبي مخزوم النهشلي يفخر بقومه‬
‫وقال رجل يكنى أبا مخزوم‪ ،‬من بني نهشل بن دارم‪:‬‬
‫عنه‪ ،‬ول هو بالبنـاء‬
‫إنا بني نهشـل ل نـدعـي‬
‫يشـرينـا‬
‫ب‬
‫ل ٍ‬
‫ة يوما ً‬
‫تلق السوابق منا‬
‫إن تبتدر غاي ٌ‬
‫والمصـلـينـا‬
‫ة‬
‫لـمـكـرم ٍ‬
‫‪70‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫إل افتلينا غلمـا سـيدا ً‬
‫وليس يهلـك مـنـا سـيد ٌ‬
‫أبـدا ً‬
‫فـينـا‬
‫قيل الكماة‪ :‬أل أين‬
‫إني لمن معشرٍ أفنـى‬
‫المحامونـا?‬
‫أوائلـهـم‬
‫من فارس? خالهم إياه‬
‫لو كان في اللف منا‬
‫يعنـونـا‬
‫واحد ٌ فدعوا‪:‬‬
‫مع البكاة على من‬
‫ول تراهم وإن جلـت‬
‫مات يبكونـا‬
‫رزيتـهـم‬
‫ولو نسام بها في المن‬
‫إنا لنرخص يوم الروع‬
‫إغلـينـا‬
‫أنفسـنـا‬
‫حد الظباة وصلنـاهـا‬
‫إذا الكماة تنـحـوا أن‬
‫بـأيدينـا‬
‫ينـالـهـم‬
‫والجود والبذل في طبع‬
‫ض على مكثرينا نيل‬
‫فر ٌ‬
‫المقلينـا‬
‫بذلـهـم‬
‫ل فخر إل لنـا أم مـن‬
‫إني ومن كأبي يحيى‬
‫يوازينـا‬
‫وعتـرتـه‬
‫قوله‪" :‬إنا بني نهشل " يعني نهشل بن دارم بن مالك بن حنظلة‬
‫بن مالك بن زيد مناة بن تميم‪ ،‬ومن قال‪ ":‬إنا بنو نهشل"‪ ،‬فقد‬
‫خبرك‪ ،‬وجعل" بنو" خبر "إن"‪ ،‬ومن قال‪" :‬بتي"‪ ،‬إنما جعل الخبر‪:‬‬
‫إن تبتدر غاية يوما ً‬
‫تلق السوابق منا و‬
‫المصلينا‬
‫ة‬
‫لمكرم ٍ‬
‫ونصب"بني" على فعل مضمر للختصاص‪ ،‬وهذا أمدح‪ ،‬ومثله‪:‬‬
‫نحن بني ضبة أصحاب الجمل‬
‫أراد نحن أصحاب الجمل‪ ،‬ثم أبان من يختص بهذا‪ ،‬فقال‪ :‬أعني‬
‫بني ضبة وقرأ عيسى بن عمر‪" :‬وامراته حمالة الحطب" أراد‬
‫وامرأته"في جيدها حبل من مسد" المسد ‪ 5‬ثم عرفها بحمالة‬
‫الحطب‪ ،‬وقوله‪ ":‬والمقيمين الصلة " بعد قوله‪ ":‬لكن الراسخون‬
‫في العلم منهم والمؤمنون" إنما هو على هذا‪ ،‬وهو أبلغ في‬
‫التعريف‪ ،‬وسنشرحه على حقيقة الشرح في موضعه إنشاء الله‪:‬‬
‫وأكثر العرب ينشد‪:‬‬
‫إنا بني منقرٍ قوم ذوو‬
‫فينا سراة بني سعدٍ‬
‫‪71‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وناديها‬
‫حسب‬
‫قرأ بعض القراء‪ ":‬فتبارك الله أحسن الخالقين" المؤمنون ‪14‬‬
‫وقوله‪ ":‬يشرينا " يريد يبيعنا‪ ،‬يقال‪ :‬شراه يشريه إذا باعه‪ ،‬فهذه‬
‫المعروفة‪ ،‬قال الله عز وجل‪ ":‬وشروه بثمن بخس دراهم" يوسف‬
‫‪ 20‬وقال ابن مفرٍغ الحميري‪:‬‬
‫من الحوادث ما‬
‫شريت بردًا‪ ،‬ولول‬
‫فارقته أبدا‬
‫ماتكنفني‬
‫ويكون" شريت" في معنى أشتريت‪ ،‬وهو من الضداد وأنشدني‬
‫التوزي‪:‬‬
‫مواسيا ً أربعأ فيهن‬
‫اشروا لها خاتنا ً وابغوا‬
‫تـذكـير‬
‫لخنتتها‬
‫وقوله‪:‬‬
‫تلق السوابق منا والمصلينا‬
‫فالمصلي الذي في إثر السابق‪ ،‬وإنما سمي مصليا ً لنه مع صلوي‬
‫السابق‪ ،‬وهما عرقان في الردف‪ ،‬قال الشاعر‪:‬‬
‫كأن سنانه خرطوم‬
‫تركت الرمح يعمل‬
‫نـسـر‬
‫في صله‬
‫وقوله‪:‬‬
‫إل افتلينا غلم سيدا ً فينا‬
‫مأخوذ من قولهم‪:‬فلوت الفلو يا فتى‪ ،‬إذا أخذته عن أمه‪ ،‬قال‬
‫العشى‪:‬‬
‫ش فله عنها‪ ،‬فبئس‬
‫ملمع لعة الفؤاد إلى‬
‫الفالي‬
‫جـح‬
‫وأخذ هذا المعنى من قول أبي الطمحان القيني‪:‬‬
‫إذا مات منهم سيد ٌ قام صاحبه‬
‫وقوله‪:‬‬
‫من فارس? خالهم‬
‫لو كان في اللف منا‬
‫إياه يعنـونـا‬
‫واحد فدعوا‪:‬‬
‫مأخوذ من قول طرفة ‪:‬‬
‫عينت‪ ،‬فلم أكسل ولـم‬
‫إذا القوم قالوا‪ :‬من‬
‫أتـبـلـد‬
‫فتى? خلت أنني‬
‫‪72‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ومن قول متمم بن نويرة‪:‬‬
‫فما كلهم يدعى‪،‬‬
‫إذا القوم قالوا‪ :‬من‬
‫ولكنه الفتـى‬
‫ة‬
‫فتى لعظيم ٍ‬
‫وقوله؛ "حد الظباة"‪ ،‬فالظبة الحد بعينه‪ ،‬يقال‪ :‬أصابته ظبة‬
‫السيف‪ ،‬وظبة النصل‪ ،‬وجمعه ظبات وأراد بالظبة ههنا موضوع‬
‫المضرب من السيف وأخذ هذا المعنى من قول كعب بن مالك‪:‬‬
‫قدمًا‪ ،‬ونلحقها إذا لم‬
‫نصل السيوف إذا‬
‫تـلـحـق‬
‫قصرنا بخطونا‬
‫وقوله‪:‬‬
‫إنا لنرخص يوم الروع أنفسنا‬
‫أخذه من قول الهمداني وهو الجدع أبو مسروق بن الجدع‬
‫الفقيه ‪:‬‬
‫لهن غداة الروع غير‬
‫لقد علمت نسوان‬
‫خـذول‬
‫هدمان أننـي‬
‫له في سوى الهيجاء‬
‫وأبذل في الهيجاء‬
‫غير بذول‬
‫وجهي وإنني‬
‫ومن القتال الكلبي حيث يقول ‪:‬‬
‫وأخوالي الكرام بنو‬
‫أنا ابن الكرمين بني‬
‫كلب‬
‫قشير‬
‫وجوها ً ل تعرض‬
‫نعرض للطعان إذا‬
‫للسباب‬
‫التقينـا‬
‫باب‬
‫من كلم عمر بن عبد العزيز‬
‫ث من كن فيه فقد كمل‪:‬‬
‫قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله‪ :‬ثل ٌ‬
‫من لم يخرجه غضبه عن طاعة الله‪ ،‬ولم يستنزله رضاه إلى‬
‫معصية الله‪ ،‬وإذا قدر عفا وكف‪.‬‬
‫من كلم الحسن البصيري‬
‫قال الحسن‪ :‬نعم الله أكثر من أن تشكر إل ما أعان عليه‪ ،‬وذنوب‬
‫ابن آدم أكثر من أن يسلم منها إل ما عفا الله عنه‪.‬‬
‫كلم عمر بن ذر‬
‫حينما دخل على ابنه وهو يجود بنفسه‬
‫‪73‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وقال عمر بن ذر ودخل على ابنه وهو يجود بنفسه فقال ‪ :‬يا بني‪،‬‬
‫ة‬
‫إنه ما علينا من موتك غضاضة‪ ،‬ول بنا إلى أحد سوى الله حاج ٌ‬
‫فلما قضى وصلى عليه وواره وقف على قبره‪ ،‬فقال‪ :‬يا ذر‪ ،‬إنه قد‬
‫شغلنا الحزن لك عن الحزن عليك‪ ،‬لنا ل ندري ما قلت ول ما قيل‬
‫لك‪ ،‬اللهم إني قد وهبت له ما قصر فيه مما افترضت عليه من‬
‫حقي‪ ،‬فهب له ما قصر فيه من حقك‪ ،‬واجعل ثوابي عليه له‪،‬‬
‫وزدني من فضلك‪ ،‬إني إليك من الراغبين‪.‬‬
‫وسئل‪ :‬ما بلغ من بره بك فقال‪ :‬ما مشى معي بنهار قط إل‬
‫قدمني‪ ،‬ول بليل إل تقدمني‪ ،‬ول رقي سطحا ً وأنا تحته‪.‬‬
‫جواب أبي دلمة حينما سأله المنصور‬
‫عما أعده ليوم القيامة‬
‫وماتت بنت عم للمنصور‪ ،‬فحضر جنازتها‪ ،‬وجلس لدفنها‪ ،‬وأقبل أبو‬
‫دلمة الشاعر‪ ،‬فقال له المنصور‪ :‬ويحك ما أعددت لهذا اليوم?‬
‫فقال ‪ :‬يا أمير المؤمنين ابنة عمك هذه التي واريتها قبيل قال‪:‬‬
‫فضحك المنصور حتى استغرب‪.‬‬
‫الفرزدق في سجن مالك بن المنذر‬
‫ودخل لبطة بن الفرزدق على أبيه وهو محبوس في سجن مالك‬
‫بن المنذر ابن الجارود‪ ،‬ومالك عام ٌ‬
‫ل على البصرة لخالد بن عبد‬
‫الله القسري‪ ،‬فقال ‪ :‬يا أبت‪ ،‬هذا عمر بن يزيد السيدي‪ ،‬ضرب‬
‫ط فمات فشد على حمار‪ :‬فقال الفرزدق‪ :‬كأنك والله‬
‫آنفا ً ألف سو ٍ‬
‫يابني بمثل هذا الحديث قد تحدث به عن أبيك‪-‬والحسن إذ ذاك عند‬
‫محبوس له‪-‬فقال‪ :‬يا أبا فراس‪ :‬ما عندك إن كان ذلك? فقال‪:‬‬
‫والله يا أبا سعيد‪ ،‬الله أحب إلي من سمعي وبصري‪ ،‬ومن مالي‬
‫وولدي‪ ،‬ومن أهلي وعشيرتي‪ ،‬أفتراه يخذلني! فقال الحسن‪ :‬ل‪.‬‬
‫الفرزدق حين قتل عمر بن يزيد السيدي‬
‫وكان عمر بن يزيد السيدي شريفًا‪ ،‬حدثني التوزي عن أبي عبيدة‬
‫قال‪ :‬كان رجل أهل البصرة عمر بن يزيد السيدي‪ ،‬ورجل أهل‬
‫الشام عمر بن هبيرة الفزازي‪ ،‬ورجل أهل الكوفة بلل بن أبي‬
‫بردة بن أبي موسى الشعري‪ ،‬فقيل ذلك لعمر بن عبد العزيز‪:‬‬
‫ل فقال‪ ،‬بل ٌ‬
‫ل لما بلغه ذلك‪ ":‬رمتني‬
‫فقال أجل‪ ،‬لول خب في بل ٍ‬
‫بدائها وانسلت"‪ .‬وقتله مالك بن المنذر تعصبا ً فيما تذكره‬
‫المضرية‪ .‬فلما دخل بمالك على هشام أقبل على أصحابه‪،‬‬
‫‪74‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫فقال‪،‬أما رأيتم عمر بن يزيد‪ :‬أما إني ما تمنيت أن تكون أمي‬
‫ولدت رجل ً من العرب غير‪ .‬ثم قال لمالك‪ :‬قتلت والله خيرا ً منك‬
‫حسبًا‪ ،‬ونسبًا‪ ،‬وريشًا‪ ،‬وعقبًا! فقال‪ :‬وكيف يا أمير المؤمنين!‬
‫ألست ابن المنذر بن الجارود‪ ،‬وابن مالك بن مسمع! وكان جده أبا‬
‫أمه وجعل عمر و السياط تأخذه ينادي‪ :‬يا هشاماه! ففي ذلك‬
‫يقول الفرزدق‪:‬‬
‫ص من الكبر‬
‫ألم يك مقتل العبدي‬
‫أبا حف ٍ‬
‫ظلمـا ً‬
‫العظام‬
‫يقطع وهو يدعو‪ :‬يا‬
‫قتيل جماعةٍ في غير‬
‫هشام!‬
‫حـق‬
‫لقاء الحسن البصري‬
‫والفرزدق في جنازة‬
‫والتقى الحسن والفرزدق في جنازة‪ ،‬فقال الفرزدق للحسن‪:‬‬
‫أتدري ما يقول الناس يا أبا سعيد? قال‪ :‬وما يقولون? قال‪:‬‬
‫يقولون?‪ :‬اجتمع في هذه الجنازة خير الناس وشر الناس! فقال‬
‫الحسن‪ :‬كل‪ ،‬لست بخيرهم‪ ،‬ولست بشرهم‪ ،‬ولكن ما أعددت لهذا‬
‫اليوم? فقال‪:‬شهادة أن ل إله إل الله مذ ستون سنة‪ ،‬و خمس‬
‫نجائب ل يدركن‪ -‬يعني الصلوات الخمس‪ -‬فيزعم بعض التميمية أن‬
‫الفرزدق رئي في النوم‪ ،‬فقيل له‪ :‬ما صنع بك ربك? فقال‪ :‬غفر‬
‫لي‪ .‬فقيل له‪ :‬بأي شيء فقال‪ :‬بالكلمة التي نازعني فيها الحسن‪.‬‬
‫الفرزدق وأولد بني تميم‬
‫وحدثني العباس بن الفرج في إسناد ٍ له ذكره قال‪ :‬كان الفرزدق‬
‫يخرج من منزله فيرى بني تميم والمصاحف في حجورهم‪ ،‬فيسر‬
‫بذلك ويجذل به‪ ،‬ويقول‪ :‬إيه فدى لكم أبي وأمي! كذا والله كان‬
‫آباؤكم‪.‬‬
‫قال أبو الحسن‪ :‬إنما هو فداؤٌ لكم‪ ،‬لكنه قصر الممدود على هذه‬
‫الرواية‬
‫الفرزدق وأبو هريرة الدوسي‬
‫ونظر إليه أبو هريرة فقال له‪ :‬مهما فعلت فقنطك الناس فل‬
‫تقنط من رحمة الله‪ ،‬ثم نظر إلى قدميه فقال‪ :‬إني أرى لك‬
‫قدمين لطيفتين‪ ،‬فابتغ لهما موقعا ً صالحا ً يوم القيامة‪ .‬يقال‪ :‬قنط‬

‫‪75‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫يقنط‪،‬وقنط يقنط‪ ،‬وكلهما فصيح‪ ،‬فاقرأ بأيهما شئت‪ ،‬وكذلك نقم‬
‫ينقم‪ ،‬ونقم ينقم‪.‬‬
‫قول الفرزدق حينما تعلق‬
‫بأستار الكعبة‬
‫والفرزدق يقول في آخر عمره حين تعلق بأستار الكعبة‪ ،‬وعاهد‬
‫الله أل يكذب‪ ،‬ول يشتم مسلمًا‪:‬‬
‫لبين رتاج قـائمـا ً‬
‫ألم ترني عاهدت ربي‬
‫ٍ‬
‫ومـقـام‬
‫وإننـي‬
‫ول خارجا ً من في زور‬
‫على حلفة ل أشتم‬
‫الدهر مسلما ً‬
‫كلم‬
‫وفي هذا الشعر‪:‬‬
‫فلما انقضى عمري‬
‫أطعتك يا إبليس‬
‫وتم تمامي‬
‫ة‬
‫تسعين حـج ٌ‬
‫ق ليام المنون‬
‫رجعت إلى ربي‬
‫مل ٍ‬
‫حمـامـي‬
‫وأيقنت أننـي‬
‫قوله‪ ":‬لبين رتاج"‪ ،‬فالرتاج غلق الباب‪ ،‬ويقال‪ :‬باب مرتج‪ ،‬أي‬
‫ق‪ ،‬ويقال‪ :‬أرتج على فلن‪ ،‬أي أغلق عليه الكلم‪ ،‬وقول‬
‫مغل ٌ‬
‫العامة‪ ":‬أرتج عليه"‪ ،‬ليس بشيء‪ ،‬إل أن التوزي حدثني عن أبي‬
‫ة‪ ،‬أي في اختلط‪،‬‬
‫عبيدة‪ .‬قال يقال‪ :‬أرتج عليه‪ ،‬ومعناه وقع في رج ٍ‬
‫وهذا معنى بعيد جدًا‪.‬‬
‫وقوله‪ ":‬ول خارجًا" إنما وضع اسم الفاعل في موضع المصدر‪،‬‬
‫أراد‪ :‬ل أشتم الدهر مسلمًا‪ ،‬ول يخرج خروجا ً من في زور كلم‪،‬‬
‫لنه على ذا أقسم‪ ،‬والمصدر يقع في موضع اسم الفاعل‪ ،‬يقال‪:‬‬
‫ماٌء غور‪ ،‬أي غائر‪ ،‬كما قال الله عز وجل‪ ":‬إن أصبح ماؤكم‬
‫غورًا"الملك ‪ ،30‬ويقال‪ :‬رجل عد ٌ‬
‫ل‪ ،‬أي عادل‪ ،‬ويوم غم‪ ،‬أي غام‪،‬‬
‫وهذا كثير جدًا‪،‬فعلى هذا جاء المصدرعلى فاعل‪ ،‬كما جاء اسم‬
‫الفاعل على المصدر‪ ،‬يقال‪ :‬قم قائمًا‪ ،‬فيوضع في موضع قولك‪:‬‬
‫ف‪ ،‬منها‪ :‬فلج‬
‫قم قيامًا‪ ،‬وجاء من المصدر على لفظ "فاعل" حرو ٌ‬
‫فالجا‪ ،‬وعوفي عافية‪ ،‬وأحرف سوى ذلك يسيرة‪ .‬وجاءعلى‬
‫"مفعول"‪ ،‬نحو رجل ليس له معقول‪ ،‬وخذ ميسوره‪ ،‬ودع معسوره‪،‬‬
‫لدخول لمفعول على المصدر‪ ،‬يقال رجل رضًا‪ ،‬أي مرضي‪ ،‬وهذا‬
‫ة‪ ،‬أي‬
‫درهم ضرب المير‪ ،‬أي مضروب‪ ،‬وهذه دراهم وزن سبع ٍ‬
‫‪76‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫موزونة‪ ،‬وكان عيسى بن عمر يقول‪ :‬إنما قوله‪ ":‬ل أشتم" حال‪،‬‬
‫ج من في‬
‫فأراد‪ :‬عاهدت ربي في هذه الحال وأنا غير شاتم ٍ ول خار ٍ‬
‫زوركلم‪ ،‬ولم يذكر الذي عاهد عليه‪.‬‬
‫للفرزدق في أيام نسكه‬
‫وقال الفرزدق في أيام نسكه‪:‬‬
‫أشد من القبر إلتهابا ً‬
‫أخاف وراء القبر إن لم‬
‫وأضـيقـا‬
‫يعافنـي‬
‫عنيف‪ ،‬وسواق يسوق‬
‫إذا قادنـي يوم‬
‫الفرزدقـا‬
‫الـقـيامة قـائد ٌ‬
‫إلى النار مغلول‬
‫لقد خاب من أولدي‬
‫القلدة أزرقـا‬
‫آدم من مشى‬
‫يذوبون من حر‬
‫إذا شربوا فيها الحميم‬
‫الحميم تمـزقـا‬
‫رأيتـهـم‬
‫للفرزدق حين طلق النوار‬
‫وحدثني بعض أصحابنا عن الصمعي عن المعتمر بن سليمان عن‬
‫ل راوية الفرزدق‪ ،‬قال‪ :‬قال لي الفرزدق‬
‫أبي مخزوم عن أبي شفق ٍ‬
‫يومًا‪ :‬امض بنا إلى حلقة الحسن‪ ،‬فإني أريد أن أطلق النوار‪،‬‬
‫فقلت‪ :‬إني أخاف عليك أن تتبعها نفسك‪ ،‬ويشهد عليك الحسن‬
‫وأصحابه‪ ،‬فقال‪ :‬امض بنا فجئنا حتى وقفنا على الحسن‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫كيف أصبحت يا أبا سعيد? فقال‪ :‬بخير‪ ،‬كيف أصبحت يا أبا فراس?‬
‫قال‪ :‬تعلمن أن النوار مني طالق ثلثًا‪ ،‬فقال الحسن وأصحابه‪ :‬قد‬
‫سمعنا‪ ،‬قال‪ :‬فانطلقنا‪ ،‬قال‪ :‬فقال لي الفرزدق‪ :‬يا هذا‪ ،‬إن في‬
‫قلبي من النوار شيئًا‪ ،‬فقلت‪ :‬قد حذرتك‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ة‬
‫ندمت ندامة الكسعي‬
‫غدت مني مطلق ٌ‬
‫نـوار‬
‫لمـا‬
‫كآدم حين أخرجه‬
‫وكانت جنتي فخرجت‬
‫الضرار‬
‫منها‬
‫لكان علي للقدر‬
‫ولو أني ملكت يدي‬
‫الخـيار‬
‫ونفسي‬
‫قال الصمعي‪ :‬ما روى المعتمر هذا الشعر إل من أجل هذا البيت‪.‬‬
‫باب‬
‫‪77‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫نبذة في الخمريات‬
‫قال لقيط بن زراه‪:‬‬
‫أبو قابوس أبو عبد‬
‫شربت الخمر حتى‬
‫المـدان‬
‫خلت أني‬
‫رخي البال منطلق‬
‫أمشي في بني عدس‬
‫اللسـان‬
‫بن زيدٍ‬
‫وحدثني أبو عثمان المازني قال‪:‬أسر رجل يوم الحسين بن علي‬
‫رضي الله عنه فأتي به يزيد بن معاوية‪ ،‬فقال له‪:‬أليس أبوك‬
‫القائل‪:‬‬
‫ق‬
‫أرجل جمتي وأجـر‬
‫وتحمل شكتي أف ٌ‬
‫كمـيت‬
‫ذيلـي‬
‫م‬
‫أمشي في سراة بني‬
‫إذا ما سامني ضي ٌ‬
‫أبـيت‬
‫ف‬
‫غطي ٍ‬
‫قال‪ :‬بلى فأمر به فقتل‪ ،‬قال أبو العباس‪:‬ونمي إلي أن معاوية ولى‬
‫كثير بن شهاب المذحجي خراسان فاختان مال ً كثيرا ً ثم هرب‬
‫فاستتر عند هانىء بن عروة المرادي‪ ،‬فبلغ ذلك معاوية فنذر دم‬
‫هانىء فخرج هانىء فكان في جوار معاوية ثم حضر مجلسه‬
‫ومعاوية ل يعرفه‪ ،‬فلما نهض الناس ثبت مكانه‪ ،‬فسأله معاوية عن‬
‫أمره فقال‪:‬أنا هانىء بن عروة فقال‪:‬إن هذا اليوم ليس بيوم ٍ يقول‬
‫فيه أبوك أرجل جمتي الشعر له هانىء‪:‬أنا اليوم أعز مني ذلك‬
‫اليوم‪ ،‬قال له‪ :‬بم ذاك? قال‪:‬بالسلم يا أمير المؤمنين‪ ،‬قال له‪:‬‬
‫أين كثير بن شهاب? قال‪:‬عندي في عسكرك ياأمير المؤمنين‪،‬‬
‫فقال له معاوية‪ :‬انظر إلى ما اختانه فخذ منه بعضًا‪ ،‬و سوغه بعضا ً‬
‫‪.‬‬
‫??????????????????????????????????????????????‬
‫أقوال الشعراء في الخمر‬
‫وقال أعرابي‪:‬‬
‫لما خرجت أجر فضل‬
‫ولقد شربت الراح‬
‫المـئزر‬
‫حتى خلتنـي‬
‫يجبى له ما دون دارة‬
‫أبا قابوس أو عمر و‬
‫‪78‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫بن هند ماثل ً‬
‫وقال آخر‪:‬‬
‫ملوك لهم بر العراقين‬
‫شربنا من الداذي‬
‫والبحر‬
‫حتى كأنـنـا‬
‫تولى الغنى عنا‬
‫فلما انجلت شمس‬
‫وعاودنا الفقر‬
‫النهار رأيتنا‬
‫وقال آخر‪ ،‬وهو عبد الرحمن بن الحكم‪:‬‬
‫قظى العين قد نازعت‬
‫س ترى بين الناء‬
‫وكأ ٍ‬
‫أم أبان‬
‫وبينهـا‬
‫يميلن أحـيانـا ً‬
‫ترى شاربيها حين‬
‫ويعـتـدلن‬
‫يعترانـهـا‬
‫وبداء خودٍ حـين‬
‫فما ظن ذا الواشي‬
‫يلـتـقـيان‬
‫بأروع ماجدٍ‬
‫وقال آخر‪:‬‬
‫أخاها‪ ،‬ولم أرضع لها‬
‫دعتني أخاها أم عمرٍو‬
‫بلبـان‬
‫ولم أكن‬
‫من المر ما ل يفعل‬
‫دعتني أخاها بعدما‬
‫الخوان‬
‫كان بيننـا‬
‫وقال آخر‪:‬‬
‫ول نحن بالعداء‬
‫فبتنا فويق الحي ل‬
‫مختلطـان‬
‫نحن منهم‬
‫ة‬
‫وبات يقينا ً ساقط‬
‫من الليل بردى يمن ٍ‬
‫عطران‬
‫الطل والندى‬
‫إذا كان قلبانـا بـنـا‬
‫نعدي بذكر الله في‬
‫يردان‬
‫ذات بيننى‬
‫قال أبو الحسن‪ :‬وزادني فيه غير أبي العباس‪? :‬ونصدر عن رأي‬
‫العفاف و ربما=نقعنا غليل النفس بالرشفان وقال أبو‬
‫العباس‪":‬نعدي " أي نصرف الشر بذكر الله‪:‬يقال ‪:‬فعد عما ترى‪،‬‬
‫أي فانصرف عنه إلى غيره‪ ،‬ويقال‪:‬ل يعدونك هذا الحديث‪:‬أي ل‬
‫يتجاوزونك إلى غيرك‪.‬‬
‫قال أبو العباس‪ :‬وقال رجل من قريش‪:‬‬
‫قـيصـر‬

‫‪79‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫فل بد يوما ً لن يسىء‬
‫ويجهل‬
‫وأوضع للشراف منها‬
‫وأخمل‬
‫ويشربها حتى يخـر‬
‫مـجـدل‬
‫أم العيش فيها لم‬
‫يلقوه أشكل‬

‫من تقرع الكأس‬
‫اللئيمة سـنـه‬
‫ولم أر مطلوبا ً أخس‬
‫غـنـيمة‬
‫وأجدر أن تلقى كريما ً‬
‫يذمـهـا‬
‫فوالله ما أدري‪:‬أخبل‬
‫أصابـهـم‬
‫وقال الخر ‪:‬‬
‫ولم يخش ندماني أذاتي‬
‫إذا صدمتني الكأس أبدت‬
‫ول بخلـي‬
‫محاسنـي‬
‫وما شكل من آذى‬
‫ش عـلـيه‬
‫ولست بفاحـ ٍ‬
‫نداماه من شكلي‬
‫وإن أسـا‬
‫وقال آخر‪:‬‬
‫ثم قم صاغرٌافغير‬
‫كل هنيئٌاوما شربت‬
‫مـريئا ٌ‬
‫كـريم‬
‫إذا ماانتشى لعرس‬
‫لأحب النيديم يومض‬
‫النـديم‬
‫بالعين‬
‫اليماض‪ :‬تفتح البرق ولمحه ‪.‬يقال‪ :‬أومضت المرأة إذا ابتسمت‪،‬‬
‫وإنما ذلك تشبيه للمع ثناياها بتبسم البرق‪ ،‬فأراد أنه فتح عينه ثم‬
‫غمضها بغمز‪.‬‬
‫وقال حسان بن ثابت ‪:‬‬
‫يكون مزاجها عسل‬
‫ة من بـيت‬
‫كأن سبيئ ٌ‬
‫وماء‬
‫رأس‬
‫فهن لطيب الراح‬
‫إذا ما الشربات ذكرن‬
‫يوما ٌ‬
‫الفـداء‬
‫إذا ما كان مغث أو‬
‫نوليها الملمة إن‬
‫لحـاء‬
‫ألمـنـا‬
‫وأسدا ٌ ما ينهنهها‬
‫ونشربها فتتركنا‬
‫ملـوكـا ٌ‬
‫اللـقـاء‬

‫‪80‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫المغث‪:‬المماغثة باليد ‪ .‬واللحاء‪ :‬الملحاة باللسان‪ ،‬يقول ‪ :‬يعتذر‬
‫ة"‪،‬‬
‫المسىءبأن يقول ‪ :‬كنت سكران‪ ،‬فيعذر‪ .‬وقوله ‪ ":‬كأن سبيئ ٌ‬
‫يقال سبأتها‪ :‬إذا اشتريتها سباٌء‪ ،‬يعني الخمر‪ ،‬والسابيء‪:‬الخمار‬
‫وقوله‪ ":‬من بيت رأس "‪ ،‬يعني موضعٌا‪ :‬كما يقال حارث الجولن‪.‬‬
‫باب‬
‫نبذ من أقوال الحكماء‬
‫قال أبو العباس ‪ :‬قال الحنف بن قيس ‪ :‬أل أدلكم على المحمدة‬
‫بل مرزئة? الخلق السجيح‪ ،‬والكف عن القبيح ‪.‬ألأخبركم بأدوإ الداء‬
‫? الخلق الدنيء‪ ،‬واللسان البذيء‪.‬‬
‫وقال الحنف‪ :‬ثلث في ما أقولهن إل ليعتبر معتبر‪ :‬ما دخلت بين‬
‫اثنين حتى يدخلني بينهما‪ ،‬ول أتيت باب أحد من هؤلء ما لم أدع‪،‬‬
‫يعني السلطان ول حللت حبوتي إلى ما يقوم إليه الناس‪.‬‬
‫تكسر الحاء وتضمها إذا أردت السم‪ ،‬وتفتحها إذا أردت المصدر‪،‬‬
‫إنشدني عمارة بن عقيل لجرير‪:‬‬
‫قبحا ٌ لحبوتك التي لم‬
‫قتل الزبير‪ ،‬وأنت‬
‫تحلـل‬
‫ة‬
‫عاقد حبو ٍ‬
‫ويقال في جمع حبوة‪ :‬حبى وحبى‪ ،‬مقصوران‪.‬‬
‫وقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة‪ :‬ماأحسن الحسنات في آثار‬
‫السيئات وأقبح السيئات في آثار الحسنات‪ ،‬وأقبح من ذا وأحسن‬
‫من ذاك السيئات في آثارالسيئات‪ ،‬والحسنات في آثار‬
‫الحسنات‪.‬والعرب تلف الخبرين المختلفين‪ ،‬ثم ترمي بتفسير هما‬
‫جملة‪ ،‬ثقة بأن السامع يرد إلى كل خبره‪ .‬وقال الله عز وجل‪":‬‬
‫ومن رحمته جعل لكم اليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من‬
‫فضله" وقال رجل لسلم بن نوفل‪ :‬ما أرخص السؤدد فيكم فقال‬
‫سلم‪ :‬أما نحن فل نسود إل من بذل لنا ماله‪ ،‬وأوطأنا عرضه‪،‬‬
‫وامتهن في حاجتنا نفسه‪ .‬فقال الرجل‪ :‬إن السؤدد فيكم لغال‪.‬‬
‫ولسلم يقول القائل‪:‬‬
‫بل السيد المعروف‬
‫يسود أقوام ولـيسـوا‬
‫سلم بن نوفل‬
‫بـسـادة‬
‫وقال معاوية رحمه الله لعرابة بن أوس بن قيظي النصاري‪ :‬بم‬
‫سدت قومك? فقال ‪:‬لست بسيدهم‪،‬ولكني رجل منهم‪ ،‬فعزم عليه‬
‫‪81‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫فقال‪ :‬أعطيت في نائبهم وحلمت عن سفيههم‪ ،‬وشددت على يدي‬
‫حليمهم‪ ،‬فمن فعل منهم مثل فعلي فهو مثلي‪ ،‬ومن قصر عنه فأنا‬
‫أفضل منه‪ ،‬ومن تجاوزه فهو أفضل مني ‪.‬‬
‫مدح الشماخ لعرابة بن أوس‬
‫قال أبو العباس‪ :‬وكان سبب ارتفاع عرابة أنه قدم من سفر‪،‬‬
‫فجمعه الطريق والشماخ بن ضرار المري‪ ،‬فتحادثا‪ ،‬فقال عرابة‪:‬‬
‫ماالذي أقدمك المدينة قال‪ :‬قدمت لمتار منها‪ ،‬فمل له عرابة‬
‫رواحله برا وتمرًا‪ ،‬وأتحفه بغير ذلك‪،‬فقال الشماخ‪:‬‬
‫إلى الخيرات منقطع‬
‫رأيت عرابة الوسي‬
‫القرين‬
‫يسمـو‬
‫تلقاها عـرابة‬
‫إذا ما راية رفعت‬
‫بـالـيمـين‬
‫لمـجـد‬
‫عرابة‪ ،‬فاشرقي بدم‬
‫إذا بلغتني وحملت‬
‫الوتين‬
‫رحـلـي‬
‫إلى ربع الرهان ول‬
‫ومثل سراة قومك لم‬
‫الثمين‬
‫يجاروا‬
‫قوله‪":‬تلقاها عرابة باليمين"‪ ،‬قال أصحاب المعاني‪ :‬معناه‬
‫بالقوة‪،‬وقالوا مثل ذلك في قول الله عز وجل ‪ ":‬والسموات‬
‫مطويت بيمينه" وقد أحسن كل الحسان في قوله‪:‬‬
‫عرابة فاشرقي بدم‬
‫إذا بلغتني وحملت‬
‫الوتين‬
‫رحلي‬
‫يقول‪ :‬لست أحتاج إلى أن أرحل إلىغيره‪.‬‬
‫وقد عاب بعض الرواة قوله‪ ":‬فاشرقي بدم الوتين"‪ ،‬وقال كان‬
‫ينبغي أن ينظر لها مع استغنائه عنها‪ ،‬فقد قال رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم للنصارية المأسورة بمكة وقد نجت على ناقة‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬إني‬
‫نذرت إن نجوت عليها أن أنحرها‪ .‬فقال رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم‪ :‬لبئس ما جزيتها" وقال‪ " :‬لنذرفي معصية‪ ،‬ول نذر للنسان‬
‫في غير ملكه"‪.‬‬
‫ومما لم يعب في هذا المعنى قول عبد الله بن رواحة النصاري‬
‫لما أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد زيد وجعفرٍ على‬
‫جيش مؤتة‪:‬‬
‫‪82‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫مسيرة أربع بعد‬
‫إذا بلغتني وحملت‬
‫الحسـاء‬
‫رحلـي‬
‫ول أرجع إلى أهلي‬
‫فشأنك فانعمي‬
‫ورائي‬
‫وخـلك ذم‬
‫الحساء ‪ :‬جمع حسي‪ ،‬وهو موضع رمل تحته صلبة‪ ،‬فإذا مطرت‬
‫السماء على ذلك الرمل نزل الماء‪ ،‬فمنعته الصلبة أن يغيض‪،‬‬
‫ومنع الرمل السمائم أن تنشفه‪ ،‬فإذا بحث ذلك الرمل أصيب‬
‫الماء‪ ،‬يقال ‪ :‬حسي وأحساء وحساء‪ ،‬ممدودة‪.‬‬
‫وقوله ‪ ":‬ول أرجع إلى أهلي ورائي " مجزوم لنه دعاء‪،‬‬
‫فقوله ‪":‬ل" يعني الجازمة‪ ،‬ومعناه ‪:‬اللهم ل أرجع‪،‬كما تقول ‪ :‬زيد ل‬
‫تغفر له‪ ،‬فهذا الدعاء ينجزم بما ينجزم به المر والنهي‪ ،‬كما تقول ‪:‬‬
‫زيد ليقم‪ ،‬وزيد ل يبرح وقد اتبع ذو الرمة الشماخ في قوله‪:‬‬
‫فقام بفأس بين‬
‫إذا ابن أبي موسى‬
‫وصليك جازر‬
‫بلل بلغته‬
‫الوصل‪ :‬المفصل بما عليه من اللحم‪ ،‬يقال ‪ :‬قطع الله أوصاله‪،‬‬
‫ويقال ‪:‬وصل‪ ،‬وكسروجدل‪،‬في معنى واحد ‪.‬‬
‫باب‬
‫لرجل من رجاز بني تميم‬
‫في وقعة الجفرة‬
‫قال أبو العباس‪ :‬أنشدني الوزي لرجل من رجاز بني تميم في‬
‫وقعة الجفرة‪:‬‬
‫والحي من ربيعة‬
‫نحن ضربنا الزد‬
‫المراق‬
‫بالعراق‬
‫ت ول‬
‫بل مـعـونــا ٍ‬
‫أرزاق‬
‫لشدة الخـشـية و‬
‫الشـفـاق‬

‫وابن سهيل قالـئد‬
‫الـنـفـاق‬
‫إل بـقـايا كـرم‬
‫العــراق‬
‫ومن المخازي‬
‫والحديث الباقي‬
‫جمع عرق‪ ،‬يقال‪ :‬فلن كريم العرق ولئيم العرق‪ ،‬أي الصل‪.‬‬
‫‪83‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫أقوال في قلة النوم‬
‫وقال آخر يصف ابنه‪:‬‬
‫ة في رأسه من‬
‫أعرف منه قلة‬
‫وخف ٌ‬
‫راسي‬
‫النـعـاس‬
‫كيف ترين عنده‬
‫مراسي‬
‫يخاطب أم ابنه‪ .‬فقوله‪ " :‬أعرف منه قلة النعاس"‪ ،‬أي الذكاء‬
‫والحركة‪ .‬وكان عبد الملك بن مروان يقول لمؤدب ولده‪ :‬علمهم‬
‫العوم‪ ،‬وهذبهم بقلة النوم‪ .‬وكذا قال أبو كبيرٍ الهذلي‪:‬‬
‫سهدا ً إذل ما نام ليل‬
‫فأتت به حوش الجنلن‬
‫مبطنا ً‬
‫الهوجل‬
‫وقال آخر‪:‬‬
‫وأفضل أولد الرجال‬
‫فجاءت به حوش‬
‫الفؤاد مسهدا ً‬
‫المسهد‬
‫وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ ":‬إن عيني تنامان ول ينام‬
‫قلبي"‪.‬‬
‫لعروة بن الورد‬
‫وقال عروة بن الورد العبسي‪ ،‬وهو عروة الصعاليك‪:‬‬
‫مصافي المشاش آلفا ً‬
‫لحا الله صعلوكا ً إذا‬
‫كل مجزر‬
‫جن لـيلـه‬
‫يحت الحصى عن‬
‫ينام ثقيل ً ثم يصـبـح‬
‫قـاعـدا ً‬
‫جنبه المتعفر‬
‫فيضحي طليحا ً كالبعير‬
‫يعين نساء الحي ما‬
‫المحسر‬
‫يستـعـنـه‬
‫كضوء سراج القابس‬
‫ولكن صعلوكا ً صفيحة‬
‫المتنـور‬
‫وجهـه‬
‫بساحتهم زجر المنيح‬
‫مطل ً على أعدائه‬
‫المشهـر‬
‫يزجـرونـه‬
‫تشوف أهل الغائب‬
‫وإن بعدوا ل يأمنون‬
‫المتنـظـر‬
‫اقتـرابـه‬
‫حميدًا‪ ،‬وإن يستغن‬
‫فذلك إن يلق المنـية‬
‫‪84‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫يوما ً فأجدر‬
‫يلـقـهـا‬
‫قال أبو الحسن‪ :‬كذا أنشده‪" ،‬فذلك" لنه لم يرو أول الشعر‪،‬‬
‫والصواب كسر الكاف‪ ،‬لنه يخاطب امرأة‪ ،‬أل تراه قال‪:‬‬
‫ونامي‪ ،‬وإن لم تشتهي‬
‫أقلي علي اللـوم يا ابـنة‬
‫ذاك فاسهري‬
‫مـالـك‬
‫قوله‪ :‬يحث الحصى عن جنبه المتعفر يريد المتترب‪ ،‬والعفر والعفر‬
‫‪ :‬اسمان للتراب‪ ،‬من ذلك قولهم ‪ :‬عفرالله خده‪ ،‬ويقال للظبية ‪:‬‬
‫عفراء إذا كانت يضرب بياضها إلى حمرة‪ ،‬وكذلك الكثيب العفر‪.‬‬
‫وقوله ‪ ":‬كالبعير المحسر" هو المعيي‪: ،‬يقال‪ :‬جمل حسير‪ ،‬وناقة‬
‫حسير‪ ،‬قال الله عز وجل ‪":‬ينقلب إليك البصر خاسئا ٌ وهوحسير"‬
‫وقوله‪ :‬وإن بعدوا ليأمنون اقترابه على التقديم والتأخير‪ ،‬أراد‪:‬‬
‫ليأمنون اقترابه وإن بعدوا‪ ،‬وهذا حسن في العراب إذا كان الفعل‬
‫الول في المجازاة ماضيٌا‪ ،‬كما قال زهير‪:‬‬
‫يقول ‪:‬ل غائب مالي‬
‫وإن أتاه خلـيل يوم‬
‫ول حرم‬
‫مـسـألة‬
‫فإن كان الفل الول مجزوما ٌ لم يجز رفع الثاني إل ضرورة‪،‬‬
‫فسيبويه يذهب إلى أنه على التقديم والتأخير‪ ،‬وهو عندي على‬
‫إرادة الفاء‪،‬لعلة تلزمه في مذهبه‪ ،‬نذكرها في باب المجازاة إذا‬
‫جرى في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى‪ ،‬فمن ذلك قوله‪:‬‬
‫إنك إن يصرع أخوك‬
‫يا أقرع بن حابـس يا‬
‫تصرع‬
‫أقـرع‬
‫أراد سيبويه‪ :‬إنك تصرع إن يصرع أخوك‪ .‬وهو عندي على قوله‪ :‬إن‬
‫يصرع أخوك فأنت تصرع يا فتى‪ ،‬ونستقصي هذا في بابه إن شاء‬
‫الله تعالى‪.‬‬
‫وقوله‬
‫كيف ترين عنده مراسي‬
‫يقول للمرأة‪ :‬عززتك على شبهه‪ .‬ويقال‪ :‬أنجب الولد ولد الفارك‪.‬‬
‫وذلك لنها تبغض زوجها‪ .‬فيسبقها بمائه‪ .‬فيخرج الشبه إليه‪ .‬فيخرج‬
‫الولد مذكرًا‪ .‬وكان بعض الحكماء يقول‪ :‬إذا أردت أن تطلب ولد‬
‫المرأة فأغضبها‪ ،‬ثم قع عليها‪ .‬فإنك تسبقها بالماء‪ ،‬وكذلك ولد‬
‫الفزعة‪ ،‬كما قال‪ ،‬كما قال أبو كبير الهذلي‪:‬‬

‫‪85‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫حبك النطاق فشب‬
‫من حملن به وهن‬
‫غير مهبل‬
‫عـواقـد ٌ‬
‫كرهًا‪ ،‬وعقد نطاقها لم‬
‫حملت به في لـيلة‬
‫يحلل‬
‫ة‬
‫مـزؤود ٍ‬
‫مزؤودة‪ :‬ذات زؤٍد‪ ،‬وهو الفزع‪ ،‬فمن نصب " مزؤودة " أراد‬
‫المرأة‪ .‬ومن خفض فإنه أراد الليلة‪ ،‬وجعل الليلة ذات فزع‪ ،‬لنه‬
‫يفزع فيها‪ ،‬قال الله عز وجل "بل مكر اليل و النهار" سبأ ‪33‬‬
‫والمعنى‪ :‬بل مكركم في الليل والنهار‪ :‬وقال جرير‪:‬‬
‫ونمت‪ ،‬وما ليل‬
‫لقد لمتنا يا أم غيلن‬
‫المطي بنـائم‬
‫في السرى‬
‫وقال آخر‪:‬‬
‫فنام ليلي وتجلى همي‬
‫وهذا الرجز ضد ما قال الخر في ولده‪ ،‬فإنه أقر بأن امراته غلبته‬
‫على شبهه‪ ،‬وذلك قوله‪:‬‬
‫نمت و عرق الخال ل ينام‬
‫يقول‪ :‬عزتني أمه على الشبه‪ ،‬فذهبت به إلى أخواله‪ .‬وقال آخر‪:‬‬
‫لقد بعثت صاحبا ً من‬
‫العـجـم‬
‫كان أبوه غائبا ً حتـى‬
‫فـطـم‬
‫يقول‪ :‬لم يسق غي ً‬
‫ل‪ ،‬وقال رسول اله صلى الله عليه‬
‫وسلم‪":‬هممت أن أنهى أمتي عن الغيلة حتى علمت أن فارس و‬
‫الروم تفعل ذلك بأولدها‪،‬فل تضير أولدها " والغيلة‪ :‬أن ترضع‬
‫المرأة وهي حامل‪ ،‬أو ترضع وهي تغشى‪ .‬ويزعم أهل الطب من‬
‫العرب و العجم أن ذلك اللبن داٌء‪ .‬وقالت أم تأبط شرًا‪ :‬والله ما‬
‫حملته تضعا ً ووضعا ً أيضأ ً ول وضعته تينًا‪،‬ول سقيته غي ً‬
‫ل‪ ،‬ول أبته‬
‫ة‪.‬‬
‫مئقًا‪ .‬وقال الصمعي‪ :‬ول أبته على مأق ٍ‬
‫قولها‪ ":‬ما حملته تضعًا"‪ ،‬يقال إذا حملت المرأة عند مقتبل‬
‫الحيض‪ :‬حملته وضعا ً وتضعًا‪ ،‬وإذا خرجت رجل ً المولود من قبل‬
‫رأسه قيل‪ :‬وضعته يتنا ً قال الشاعر‪? :‬فجاءت به يتنا ً يجر‬
‫بين ذوي الحلم‬
‫والبيض اللملم‬

‫‪86‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫مشيمة=تسابق رجله هناك النامل ويقال للرجل إذا قلب الشيء‬
‫عن جهته‪ :‬جاء به يتنا ً قال عيسى بن عمر‪ :‬سألت ذا الرمة عن‬
‫مسألة‪ ،‬فقال لي‪ :‬أتعرف اليتن? قلت‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪ :‬فمسألتك هذه‬
‫يتن‪ .‬قال‪ :‬وكنت قد قلت الكلم‪ .‬والغيل ما فسرناه‪.‬‬
‫وأما قولها‪ :‬ول أبته مئقًا‪ ،‬تقول‪ :‬لن أبته مغيظًا‪ :‬وذلك أن الخرقاء‬
‫تبيت ولدها جائعا ً مغمومًا‪ ،‬لحاجته إلى الرضاع‪ ،‬ثم تحركه في‬
‫مهده حتى يغلبه الدوار فينومه‪ :‬والكيسة تشبعه وتغنيه في مهده‪،‬‬
‫فيسري ذلك الفرح في بدنه من الشبع كما سرى ذلك الغم‬
‫والجوع في بدن الخر‪.‬‬
‫ومن أمثال العرب‪ ":‬أنا تئق‪ ،‬وصاحبي مئق‪ ،‬فكيف نتفق? التئق‪:‬‬
‫المملوء غيظا ً وغضبًا‪ ،‬والمئق‪ :‬القليل ال حتمال‪ ،‬فل يقع التفاق‪.‬‬
‫باب‬
‫من كلم ابن عباس‬
‫قال أبو العباس‪ :‬قال ابن العباس رضي الله عنهما‪ :‬ل يزهدنك في‬
‫المعروف كفر من كفره‪ ،‬فإنه يشكرك عليه من لم تصطنعه إليه‪:‬‬
‫???من كلم عبد الله بن جعفر‬
‫وأنشد عبد الله بن جعفر قول الشاعر‪:‬‬
‫حتى تصيب بها طريق‬
‫إن الصنيعة ل تكون‬
‫المصنع‬
‫صـنـيعة‬
‫فقال‪ :‬هذا رجل يريد أن يبخل الناس‪ ،‬أمطر المعروف مطرًا‪ ،‬فإن‬
‫صادف موضعا ً فهو الذي قصدت له‪ ،‬وإل كنت أحق به‪.‬‬
‫قال أبو الحسن الخفش‪ :‬حدثنا المبرد في غير الكامل قال‪ :‬قال‬
‫الحسن والحسين رضوان الله عليهما لعبدالل بن جعفر‪ :‬إنك قد‬
‫أسرفت في بذل المال‪ ،‬قال ‪ :‬بأبي أنتما وأمي إن الله عودني أن‬
‫يفضل علي‪ ،‬وعودته أن أفضل على عباده‪ ،‬فأخاف ان أقطع العادة‬
‫فتقطع عني‪.‬‬
‫ليزيد بن المهلب‬
‫وقد مر بأعرابية عند خروجه من سجنه‪.‬‬
‫ومر يزيد بن المهلب بأعرابية في خروجه من سجن عمر بن عبد‬
‫العزيز يريد البصرة‪ ،‬فقرته عنزا ً فقلبها‪ ،‬وقال لبنه ????????‬
‫معاوية‪ :‬ما معك من النفقة ? فقال‪ :‬ثمانمائة دينار‪ ،‬قال ‪ :‬فادفعها‬
‫إليها‪ ،‬قال أبنه‪ :‬إنك تريد الرجال‪ ،‬ول يكون الرجال إل بالمال‪ ،‬وهذه‬
‫‪87‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫يرضيها اليسير‪ ،‬وهي بعد ل تعرفك فقال له‪ :‬إن كانت ترضى‬
‫باليسير‪ ،‬فأنا ل أرضى إل بالكثير‪ ،‬وإن كانت ل تعرفني‪ ،‬فأنا أعرف‬
‫نفسي ادفعها إليها‪.‬‬
‫حديث للصمعي‬
‫عن ضرار بن القعقاع‬
‫وزعم الصمعي أن حربا ٌ كانت بالبادية‪ ،‬ثم اتصلت بالبصرة فتفاقم‬
‫المر فيها‪ ،‬ثم مشي بين الناس بالصلح‪ ،‬فاجتمعوا في الجامع‪،‬قال‪:‬‬
‫فبعثت وأنا غلم إلى ضرار بن القعقاع من بني دارم‪ ،‬فاستأذنت‬
‫عليه‪ ،‬فأذن لي‪ ،‬فدخلت‪ ،‬فإذا به في شملة يخلط بزرا ٌ له حلوب‪،‬‬
‫فخبرته بمجتمع القوم‪ ،‬فأمهل حتى أكلت العنز‪ ،‬ثم غسل الصحفة‬
‫وصاح‪ :‬ياجارية غدينا‪ ،‬قال‪ :‬فأتته بزيت وتمر‪ ،‬قال‪ :‬فدعاني فقذرته‬
‫أن آكل معه‪ ،‬حتى إذا قضى من أكله حاجة‪ ،‬وثب إلى طين ملقى‬
‫في الدار‪ ،‬فغسل به يده‪ ،‬ثم صاح‪ :‬يا جارية‪ ،‬اسقيني الماء‪ ،‬فأتته‬
‫بماء‪ ،‬فشربه‪ ،‬ومسح فضله على وجهه‪ ،‬ثم قال ‪ :‬الحمد لله‪ ،‬ماء‬
‫الفرات‪ ،‬بتمر البصرة‪ ،‬بزيت الشام‪ ،‬متى نؤدي شكر هذه النعم ثم‬
‫قال‪ :‬يا جارية‪ ،‬علي بردائي‪ ،‬فأتته برداء عدني‪ ،‬فأرتدى به على‬
‫تلك الشملة‪.‬‬
‫قال الصمعي‪ :‬فتجافيت عنه استقباحا ً لزيه‪ ،‬فلما دخل المسجد‬
‫صلى ركعتين‪ ،‬ثم مشى إلى القوم‪ ،‬فلم تبق حبوة إل حلت إعظاما ً‬
‫له‪ ،‬ثم جلس‪ ،‬فتحمل جميع ما كان بين الحياء في ماله وانصرف‪.‬‬
‫???????????????بين زياد بن عمرو العتكي‬
‫و الحنف بن قيس التميمي‬
‫وحدثني ابو عثمان بكر بن محمد المازني عن أبي عبيدة قال‪ :‬لما‬
‫أتى زياد ابن عمرو المربد‪ ،‬في عقب قتل مسعود بن عمرو‬
‫العتكي‪ ،‬جعل في الميمنة بكر بن وائل‪ ،‬وفي الميسرة عبد القيس‬
‫وهم لكيز بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة وكان‬
‫زياد بن عمرو العتكي في القلب‪ ،‬فبلغ ذلك الحنف‪ ،‬فقال‪ :‬هذا‬
‫ث‪ ،‬شأنه الشهرة‪ ،‬وليس يبالي أين قذف‬
‫غلم حد ٌ‬
‫بنفسه ????????????!فندب أصحابه‪ ،‬فجاءه حارثة بن بدٍر‬
‫الغداني‪ ،‬وقد اجتمعت بنو تميم‪ ،‬فلما طلع قال‪ :‬قوموا إلى‬
‫سيدكم‪ ،‬ثم أجلسه فناظره‪ ،‬فجعلوا سعدا ً والرباب في القلب‪،‬‬
‫ق الطعان‪ ،‬المعروف بأخي كهمس‪ ،‬وهو‬
‫ورئيسهم عبس بن طل ٍ‬
‫‪88‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫أحد بني صريم بن يربوع‪ ،‬فجعل في القلب بحذاء الزد‪ ،‬وجعل‬
‫حارثة بن بدرٍ في حنظلة بحذاء بكر بن وائل‪ ،‬وجعلت عمرو بن‬
‫تميم بحذاء عبد القيس‪ ،‬فذاك يقول حارثة بن بدرٍ للحنف‪:‬‬
‫سيكفيك عبس ابن‬
‫مقارعة الزد بالمـربـد‬
‫كهمـس‬
‫لكيز بن أفصى وما‬
‫وتكفيك عمرو على‬
‫عددوا‬
‫رسلها‬
‫بضرب يشيب له‬
‫??وتكفيك بكرا ً إذا‬
‫المـرد‬
‫أقبلت‬
‫فلما تواقفوا بعث إليهم الحنف‪ :‬يا معشر الزد وربيعة من أهل‬
‫البصرة‪ ،‬أنتم والله أحب إلينا من تميم الكوفة‪ ،‬وأنتم جيراننا في‬
‫الدار‪ ،‬ويدنا على العدو‪ ،‬وأنتم بدأتمونا بالمس‪ ،‬ووطئتم حريمنا‪،‬‬
‫وحرقتم علينا فدفعنا عن أنفسنا ول حاجة لنا في الشر ما أصابنا‬
‫في الخير مسلكًا‪ ،‬فتيمموا بنا طريقة قاصدة‪.‬‬
‫ث إن شئت فانزل أنت‬
‫فوجه إليه زياد بن عمرو‪ :‬تخير خلة من ثل ٍ‬
‫وقومك على حكمنا‪ ،‬وإن شئت فخل لنا عن البصرة وارحل أنت‬
‫وقومك إلى حيث شئتم وإل فدوا قتلنا‪ ،‬و اهدروا دماءكم‪ ،‬وليود‬
‫مسعود ٌ دية المعشرة‪.‬‬
‫قال ابو العباس‪ ،‬وتاويل قوله ‪ :‬دية المشعرة" يريد أمر الملوك‬
‫في الجاهلية‪ ،‬وكان الرجل إذا قتلوهو من أهل بيت المملكة ودي‬
‫عشر ديات ‪.‬‬
‫فبعث إليه الحنف‪:‬سنختار‪ ،‬فانصرفوا في يومكم ‪ .‬فهز القوم‬
‫راياتهم وانصرفوا‪ ،‬فلما كان الغد بعث إليهم‪ :‬إنكم خيرتمونا خلل ً‬
‫ليس فيها خياٌر أما النزول على حكمكم فميف يكون والكلم يقطر‬
‫دمًا? وأما ترك ديارنا فهو أخو القتل‪ ،‬قال الله عز وجل‪ ":‬ولو كتبنا‬
‫عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو أخرجوا من ديركم ما فعلوه إل‬
‫ل"النساء ‪ ،66‬ولكن الثالثة إنما هي حم ٌ‬
‫قلي ٌ‬
‫ل على المال‪ ،‬فنحن‬
‫نبطل دماءنا‪ ،‬وندي قتلكم‪ ،‬وإنما مسعود ٌ رجل من المسلمين‪ ،‬وقد‬
‫أذهب الله أمر الجاهلية‪.‬‬
‫فاجتمع القوم على أن يقفوا أمر مسعود‪ ،‬ويغمد السيف‪ ،‬ويؤدي‬
‫سائر القتلى من الزد وربيعة‪ .‬فضمن ذلك الحنف‪ ،‬ودفع إياس بن‬

‫‪89‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫قتادة المجاشعي رهينة حتى يؤدى هذا المال‪ ،‬فرضي به القوم‪،‬‬
‫ففخر بذلك الفرزدق فقال‪:‬‬
‫لغاري معد يوم ضرب‬
‫ومنا الذي أعطـى‬
‫الجماجم‬
‫ة‬
‫يديه رهـين ً‬
‫ت بالسيف‬
‫عشية سال المربدان‬
‫عجاجة مو ٍ‬
‫الصوارم‬
‫كلهـمـا‬
‫هنالك لو تبغي كليبا ً‬
‫أذل من القردان تحت‬
‫المناسـم‬
‫وجدتـهـا‬
‫قال أبو الحسن وكان أبو العباس ربما رواه‪ :‬لغار معد ويقال‪ :‬إنما‬
‫تميما ً في الوقت مع باديتها وحلفائها من الساورة والزط‪،‬‬
‫والسبابجة وغيرهم كانوا زهاء سبعين ألفًا‪ ،‬ففي ذلك يقول جرير‪:‬‬
‫والزد إذ ندبوا لنا‬
‫سائل ذوي يمن‬
‫مسعـودا‬
‫ق‬
‫ورهط محر ٍ‬
‫متسربلين يلمعـا و‬
‫فأتاهم سبعون ألف‬
‫حـديدا‬
‫مـدجـج‬
‫قال الحنف بن قيس‪ :‬فكثرت علي الديات‪ ،‬فلم أجدها في حاضرة‬
‫تميم‪ ،‬فخرجت نحو يبرين‪ ،‬فسألت عن المقصودهناك‪ ،‬فأرشدت‬
‫ة‪ ،‬فإذا شي ٌ‬
‫ة‪ ،‬محتب بحبل‪،‬‬
‫س بفنائها‪ ،‬مؤترز بشمل ٍ‬
‫إلى قب ٍ‬
‫خ جال ٌ‬
‫فسلمت عليه‪ ،‬وانتسبت له فقال‪ :‬ما فعل رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم ? فقلت‪ :‬توفي صلوات الله عليه! قال ‪ :‬فما فعل عمر‬
‫بن الخطاب الذي كان يحفظ العرب و يحوطها? قلت له‪ :‬مات‬
‫رحمه الله تعالى ! قال فأي خيرٍ في حاضرتكم بعدها ! قال‬
‫فذكرت له الديات التي لزمتنا للزد وريعة‪ .‬قال‪ :‬فقال لي‪ :‬أقم‪،‬‬
‫فإذا راٍع قد أراح ألف بعير‪ ،‬فقال‪ :‬خذها‪ ،‬ثم أراح عليه آخر مثلها‪،‬‬
‫فقال‪ :‬خذها‪ ،‬فقلت‪ :‬ل أحتاج إليها‪ ،‬قال‪ :‬فانصرفت باللف عنه‪،‬‬
‫ووالله من هو إلى الساعة! ???قوله‪ ":‬المناسب" واحدها منسم‪،‬‬
‫وهو ظفر البعير في مقدم الخف‪ ،‬وهو من البغيرة كالسنبك من‬
‫الفرس وقوله‪:‬‬
‫عشية سال المربدان كلهما‬

‫‪90‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫يريد المربد وما يليه مما جرى مجراه‪ ،‬ةالعرب تفعل هذا في‬
‫الشيئين إذا جريا في باب واحد‪ ،‬قال الفرزدق‪:‬‬
‫لنا قمراها والنجوم‬
‫أخذنا بآفاق السماء‬
‫الطوالع‬
‫عليكـم‬
‫يريد الشمس والقمر‪ :‬لنهما قد اجتمعا في قولك‪ " ،‬النيران"‪،‬‬
‫وغلب السم المذكر‪ ،‬وإنما يؤثر في مثل هذا الخفة‪ ،‬وقالوا‪":‬‬
‫العمران" لبي بكر وعمر‪ ،‬فإن قال قائل‪:‬إنما هو عمر بن الخطاب‬
‫و عمر بن عبد العزيز‪ ،‬فلم يصب‪ ،‬لن أهل الجمل نادوا بعلي بن‬
‫أبي طالب رحمه الله عليه ‪ :‬أعطنا سنة العمرين‪ .‬فإن قال قائل‪:‬‬
‫فلم لم يقولوا‪ :‬أبوي بكر‪ ،‬وأبو بكر أفضلهما فلن عمر اسم مفرد‪،‬‬
‫وإنما طلبوا الخفة‪ .‬وأنشدني التوزي عن أبي عبيدة لجرير‪:‬‬
‫نجم يضيء ول شمس‬
‫وما لتغلب إن عدوا‬
‫ول قمر‬
‫مساعيهـم‬
‫والعمران أبو بكر ول‬
‫ما كان يرضى رسول‬
‫عمـر‬
‫الله فعلهم‬
‫هكذا أنشدنيه ‪ :‬وقال آخر ‪:‬‬
‫قدني من نصر الخبيبين قدي‬
‫يريد عبد الله و مصعبا ابني الزبير و إنما أبو خبيب عبد الله‪ ،‬وقرأ‬
‫م على إل ياسين" الصافات ‪ 130 :‬فجمعهم‬
‫بعض القراء‪ ":‬سل ٌ‬
‫على لفظ إلياس ومن ذا قول العرب‪ :‬المسامعة‪ ،‬والمهالبة‪،‬‬
‫والمناذرة‪ ،‬فجمعهم على اسم الب‪.‬‬
‫و المشعرة ‪ :‬اسم لقتلى الملوك خاصة‪ ،‬كانوا يكبرون أن يقولوا ‪:‬‬
‫قتل فلن‪ ،‬فيقولون أشعر فلن‪ ،‬من إشعار البدن ‪.‬‬
‫ويروى أن رجل ً قال‪ :‬حضرت الموقف مع عمر بن الخطاب رضي‬
‫الله عنه‪ ،‬فصاح به صائح‪ :‬يا خليفة رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم‪ .‬ثم قال‪ :‬يا أمير المؤمنين‪ .‬فقال رجل من خلفي‪ :‬دعاه‬
‫باسم رجل ميت‪ ،‬مات والله أمير المؤمنين‪ .‬فالتفت فإذا رجل من‬
‫بني لهب‪ ،‬وهم وهم من بني نصر بن الزد‪،‬وهم أزجر قوم‪ ،‬قال‬
‫كثير‪:‬‬
‫وقد صار زجر‬
‫سألت أخا ً لهب‬
‫العالمين إلى لهب‬
‫ليزجـر زجـرةً‬

‫‪91‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫قال‪ :‬فلما وقفنا لرمي الجمار إذا حصاةٌ قد صكت صلعة عمر‬
‫فأدمته‪ ،‬فقال قائل‪ :‬أشعر والله أمير المؤمنين‪ ،‬والله ل يقف هذا‬
‫الموقف أبدًا‪ .‬فالتقت فإذا بذلك اللهبي بعينه‪ ،‬فقتل عمر بن‬
‫الخطاب رضي الله عنه قبل الحول‪.‬‬
‫باب‬
‫لذي الرمة في الزجر‬
‫د‪ ،‬قال‪:‬‬
‫قال أبو العباس‪ :‬أنشدني رجل من أصحابنا من بني سع ٍ‬
‫أنشدني أعرابي في قصيدة ذي الرمة‪:‬‬
‫ول زال منهل ً بجرعائك‬
‫أل يا اسلمي يا دار‬
‫القطر‬
‫مي على البلى‬
‫بيتين لم تأت بهما الرواة‪ ،‬وهما‪:‬‬
‫من القضب لم ينبت لها‬
‫رأيت غرابا ً ساقطا ً فـوق‬
‫ورقٌ نضر‬
‫ة‬
‫قـضـب ٍ‬
‫لقضب النوى‪ ،‬هذي‬
‫ب‪،‬‬
‫فقلت‪ :‬غاربا ً لغترلـ ٍ‬
‫العيفة و الزجر‬
‫ة‬
‫وقـضـب ٌ‬
‫لجحدر العكلي‬
‫وقال آخر قال أبو الحسن‪ :‬هو جحدٌر العكلي‪ ،‬وكان لصًا‪:‬‬
‫بكاء حمامتين‬
‫وقدما ً هاجني فازددت‬
‫شوقا ً‬
‫تجـاوبـان‬
‫وقدما عن أبي الحسن‬
‫ب‬
‫تجاوبتا بلـحـن‬
‫على عودين من غر ٍ‬
‫وبـان‬
‫أعـجـمـي‬
‫ب‬
‫فكان البان أن بانت‬
‫وفي الغرب اغترا ٌ‬
‫غير دان‬
‫سلـيمـى‬
‫مما قيل في المال‬
‫وأنشدني أبو محلم ٍ من ولد طلبة بن قيس بن عاصم‪:‬‬
‫وكنت إذا خاصمت خصما ً‬
‫على الوجه حتى‬
‫خاصمتني الدراهم‬
‫كببـتـه‬
‫علي‪ ،‬وقالوا‪ :‬قم فـإنـك‬
‫فلما تنازعنا الخصـومة‬
‫ظـالـم‬
‫غـلـبـت‬

‫‪92‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وقرأت عن أبي الفضل العباس بن الفرج الرياشي‪ ،‬عن أبي زيد‬
‫النصاري‪:‬‬
‫ه للفتى‬
‫ولقد بغيت المال من‬
‫والمال وج ٌ‬
‫معـروض‬
‫مبغـاتـه‬
‫إن الفقير إلى الغني‬
‫طلب الغنى عن‬
‫بغـيض‬
‫صاحبي ليحبني‬
‫وقال آخر أنشدني التوزي عن أبي زيد‪:‬‬
‫إذا الكرى في عينيه‬
‫وصاحب نبهته‬
‫تمضمضا‬
‫لـينـهـضـا‬
‫يمسح بالكفين وجها ً‬
‫فقام عجلن ومـا‬
‫أبـيضـا‬
‫تـأرضـا‬
‫قوله‪":‬وما تأرضأ"‪:‬أي لم يلزم الرض‪.‬‬
‫لشبيب بن البرصاء يفخر بكرمة‬
‫وأنشدني التوزي عن أبي زيد النصاري قال أبو الحسن‪ :‬هو شبيب‬
‫بن البرصاء‪:‬‬
‫إلى الضيف قوام‬
‫لقد علمت أم‬
‫السنات خروج‬
‫الصبـيين أنـنـي‬
‫على ضرعها ذو‬
‫إذا المرغث العوجاء‬
‫تومتين لهوج‬
‫بات يعزها‬
‫وإني لغلي اللحم نـيا ً‬
‫لممن يهين اللحم وهو‬
‫نـضـيج‬
‫وإنـنـي‬
‫قوله‪":‬قوام السنات‪ ،‬يريد سريع النتباه‪ ،‬والسنة‪ :‬شدة النعاس‪،‬‬
‫م"‬
‫وليس بالنوم بعينه‪ ،‬قال الله عز وجل‪ ":‬ل تأخذه سن ٌ‬
‫ة ول نو ٌ‬
‫البقرة ‪: 255‬وقال ابن الرقاع العاملي‪:‬‬
‫فيه المشيب لزرت أم‬
‫لول الحياء وأن رأسي‬
‫القاسم‬
‫قد عسا‬
‫عينيه أحور من جآذر‬
‫وكأنها بين النساء‬
‫جاسم‬
‫أعـارهـا‬
‫ة‪ ،‬وليس‬
‫وسنان أقصده النعاس‬
‫في عينيه سن ٌ‬
‫بنـائم‬
‫فرنقت‬
‫‪93‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ومعنى "رنقت" تهيأت‪ ،‬يقال‪ :‬رنق النسر‪ :‬إذا مد جناحيه ليطير‪،‬‬
‫قال ذو الرمة‪:‬‬
‫على حد قوسينا كما رنق النسر‬
‫وقوله‪ ":‬المرغث"‪ :‬يعني التي ترضع وترغث ولدها‪ ،‬ويقال لها‬
‫ث‪ ،‬قال طرفة‪:‬‬
‫رغو ٌ‬
‫ليت لنا مكان الملك‬
‫رغوثا ً حول قبتنا تخـور‬
‫عمرو‬
‫وقوله‪ ":‬يعزها"‪ ،‬أي يغلبها‪ ،‬وقال الله عز وجل‪" :‬وعزني في‬
‫الخطاب" يقول‪ :‬غلبني في المخاطبة‪ ،‬وأصله من قوله‪ :‬كان أعز‬
‫مني فيها‪ .‬ومن أمثال العرب‪ ":‬من عز بز"‪ :‬وتأويله‪ :‬من غلب‬
‫استلب‪ .‬وقال زهيٌر‪ ":‬وعزته يداه وكاهله" يقول ‪ :‬كان ذلك أعز ما‬
‫فيه‪ ،‬ويقال‪ :‬لهج الفصيل فهو لهوج إذا لزم الضرع‪ ،‬ويقال‪ :‬رجل‬
‫ج‪ ،‬إذا لهجت فصاله‪ ،‬فيتخذ خل ً‬
‫ل‪ ،‬فيشده على الضرع‪ ،‬أو على‬
‫مله ٌ‬
‫أنف الفصيل‪ ،‬فإذا جاء ليرضع أوجعها بالخلل فضرحته عنها‬
‫برجلها‪ ،‬قال الشماخ يصف الحمار‪:‬‬
‫يرى بسفا البهمى‬
‫رعى بارض الوسمي‬
‫أخله ملهـج‬
‫حتى كأنما‬
‫البارض‪ :‬أول ما يبدو من النبت‪ ،‬والبهمى يشبه السنبل‪ ،‬يقول‪ :‬فهو‬
‫لما اعتاد هذا المرعى اللدان استخشن البهمى‪ .‬وسفاها‪ :‬شوكها‪.‬‬
‫فيقول‪ :‬كأنه مخلول عن البهمى‪ ،‬أي يراها كالخلة‪.‬‬
‫وقوله" ذو تومتين" فالتومة في الصل الحبة‪ ،‬ولكنها في هذا‬
‫الموضع التي تعلق في الذن‪ .‬وكالبيت الخير قوله‪:‬‬
‫ويرخص عندي لحمها‬
‫وإني لغلي لحمها‬
‫حين تذبح‬
‫ة‬
‫وهـي حـي ٌ‬
‫فتى تعتريه هزةٌ حـين‬
‫بذا فاند بيني‬
‫يمـدح‬
‫وامدحيني فإنـنـي‬
‫باب‬
‫لعمر بن عبد العزيز‬
‫حينما سئل ‪ :‬أي الجهاد أفضل?‬
‫قيل لعمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى‪ :‬أي الجهاد أفضل?‬
‫فقال‪ :‬جهادك هواك‪.‬‬
‫لرجل من الحكماء في مجاهدة النفس‬
‫‪94‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وقال رجل من الحكماء‪ :‬أعص النساء وهواك واصنع ما شئت‬
‫لمحمد بن علي بن الحسين في الزهد‬
‫وقال محمد بن علي بن الحسين بن أبي طالب رضي الله عنهم‪:‬‬
‫ما لك من عيشك إل لذة تزدلف بك إلى حمامك‪ ،‬وتقربك من‬
‫يومك‪ ،‬فأية أكلة ليس معها غصص أو شربة ليس معها شرق‬
‫فتأمل أمرك‪ ،‬فكأنك قد صرت الحبيب المفقود‪،‬والخيال‬
‫المخترم‪.‬أهل الدنيا أهل سفر ل يحلون عقد رحالهم إل في غيرها‪.‬‬
‫قوله‪ ":‬تزدلف بك إلى حمامك"‪ ،‬يقول‪ :‬تقربك‪ :‬ولذلك سميت‬
‫المزدلفة وقوله عز وجل ‪":‬وزلفا من اليل" إنما هي ساعات يقرب‬
‫بعضها من بعض‪ ،‬قال العجاج‪:‬‬
‫طي الليالي‪ :‬زلفا ٌ‬
‫ناج طواه لين مما‬
‫فزلـفـا‬
‫وجـفـا‬
‫سماوة الهلل حتى‬
‫احقوقفا‬
‫ناج ‪ :‬سريع‪ ،‬والين ‪ :‬العياء ‪.‬والوجيف‪ :‬ضرب من‬
‫السير‪.‬ونصب"طي الليالي" لنه مصدر من قوله‪ ":‬طواه الين"‪،‬‬
‫وليس بهذا الفعل‪ ،‬ولكن تقدير طواه الين طيا ٌ مثل طي الليالي‪،‬‬
‫كما تقول ‪ :‬زيد يشرب شرب البل‪ ،‬إنما التقديريشرب شربا ٌ مثل‬
‫البل‪ "،‬فمثل"نعت‪ ،‬ولكن إذا حذفت المضاف استغنى بأن الظاهر‬
‫يبينه‪ ،‬وقام أضيف إليه مقامه في العراب‪ ،‬من ذلك قول الله‬
‫تبارك تعالى ‪ ":‬وسئل القرية" نصب لنه كان ‪ ":‬واسأل أهل‬
‫القرية"‪ .‬وتقول ‪ :‬بنو فلن يطؤهم الطريق‪ ،‬تريد أهل الطريق‬
‫فحذفت"أهل" فرفعت "الطريق" لنه في موضع‪،‬فعلى هذا فقس‬
‫إن شاء الله ‪.‬وقوله " سماوة الهلل"إنما هو أعله‪،‬ونصب "سماوة‬
‫" ‪":‬بطي"‪ ،‬يريد طواه الين كما طوت الليالي سماوة الهلل ‪.‬‬
‫والشاهد على إنه يريد أعله قول طفيل‪:‬‬
‫وسائره من أتحمي‬
‫سماوته أسمال برد‬
‫مشرعب‬
‫ر‬
‫محـبـ ٍ‬
‫ويروى ‪":‬معصب"‪ ،‬وإنما سماوته من قولك‪ :‬سماء‪ .،‬فاعلم فإذا‬
‫وقع العراب على الهاء أظهرت ما تبنيه على التأنيث على أصله‪،‬‬
‫فإن كان من الياء أظهرت الياء‪ ،‬وإن كان من الواو أظهرت فيه‬
‫‪95‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫الواو‪ ،‬تقول شقاوة لنها الشقوة وتقول هذه إمرأة سقاية‪ :‬إذا‬
‫أردت البناء على غير تذكير‪ ،‬فإن بنيته على التذكير قلبت الياء‬
‫والواو همزتين‪ :‬لن العراب عليهما يقع‪ ،‬فقلت ‪ :‬سقاء وغزاء يا‬
‫فتى‪ ،‬فإن أنثت قلت‪ :‬سقاءة وغزاءة‪ ،‬والجود فيما كان له تذكير‬
‫الهمز‪،‬وفيما لم يكن له تذكير الظهار‪ ،‬وإنما السماء من الواو‪ ،‬لن‬
‫الصل سما يسمو إذا ارتفع‪ ،‬وسماء كل شيء سقفه‪.‬‬
‫وقوله‪ ":‬حتى احقوقفا" يريد اعوج‪ ،‬وإنما هو افعوعل من الحقف‪.‬‬
‫والحقف‪ :‬النقا من الرمل يعوج ويدق‪. ،‬قال الله عز وجل ‪ ":‬إذ‬
‫أنذر قومه بالحقاف"أي بموضع هو هكذا‪.‬‬
‫لعلي بن أبي طالب‬
‫في وصف الدنيا‬
‫وقال رجل لعلي بن أبي طالب رحمة الله عليه وهو في خطبته‪ :‬يا‬
‫أمير المؤمنين‪ ،‬صف لنا الدنيا‪ ،‬فقال‪ :‬ما أصف من دار أولها عناء‪،‬‬
‫وآخرها فناء‪ ،‬في حللها حساب‪ ،‬وفي حرامها عقاب‪ ،‬من صح فيها‬
‫أمن‪ ،‬ومن مرض فيها ندم‪ ،‬ومن استغنى فيها فتن‪ ،‬ومن افتقر فيها‬
‫حزن‪.‬‬
‫مقدم الربيع بن زياد الحارثي‬
‫على عمر بن الخطاب‬
‫قال الربيع بن زياد الحارثي‪ :‬كنت عامل ً لبي موسى الشعري على‬
‫البحرين‪ ،‬فكتب إليه عمر بن الخطاب رحمه الله يأمره بالقدوم‬
‫عليه هو وعماله‪ ،‬وأن يستخلفوا جميعا ً ‪ .‬قال‪ :‬فلما قدمنا أتيت يرفأ‬
‫فقلت‪ :‬يا يرفأ‪ ،‬مسترشد وابن سبيل‪ ،‬أي الهيئات أحب إلى أمير‬
‫المؤمنين أن يرى فيها عماله فإومأ إلي بالخشونة‪ ،‬فاتخذت خفين‬
‫مطارقين‪ ،‬ولبست جبة صوف‪ ،‬ولثت عمامتي على رأسي ‪.‬‬
‫ودخلنا على عمر رحمه الله فصفنا بين يديه فصعد فينا وصوب‪،‬‬
‫فلم تأخذ عينه أحدا ً غيري‪ ،‬فدعاني فقال‪ :‬من أنت قلت الربيع بن‬
‫زياد الحارثي‪ ،‬فقال‪ :‬وما تتولى من أعمالنا قلت ‪ :‬البحرين قال‪:‬‬
‫كم ترتزق قلت‪ :‬ألفا‪ ،‬قال‪ :‬كثير‪ ،‬فما تصنع به قلت‪ :‬أتقوت منه‬
‫شيئا‪ ،‬وأعود به على أقارب لي‪ .‬فما فضل عنهم فعلى فقراء‬
‫المسلمين‪ ،‬قال‪ :‬فل بأس‪ ،‬ارجع إلى موضعك‪ ،‬فرجعت إلى‬
‫موضعي من الصف‪ ،‬فصعد فينا وصوب‪ ،‬فلم تقع عينه إل علي‪،‬‬
‫فدعاني‪ ،‬فقال‪ :‬كم سناك‪ ،‬قلت‪ :‬خمس وأربعون سنة‪ ،‬قال‪ :‬الن‬
‫‪96‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫حين استحكمت ثم دعا بالطعام وأصحابي حديث عهدهم بلين‬
‫العيش‪ ،‬وقد تجوعت له فأتي بخبز وأكسار بعير‪ ،‬فيجعل أصحابي‬
‫يعافون ذلك‪ ،‬وجعلت آكل فأجيد‪ ،‬فجعلت أنظر إليه المؤمنين‪ ،‬إن‬
‫الناس يحتاجون إلى صلحك فلو عمدت إلى ألين من هذا‬
‫فزجرني‪ ،‬ثم قالك كيف قلت فقلت‪ :‬أقول‪ :‬ياأمير المؤمنين أن‬
‫تنظر إلى قوتك من الطحين‪ ،‬فيخبز لك قبل إرادتك إياه بيوم‪،‬‬
‫ويطبخ لك اللحم كذلك‪ ،‬فتؤتى بالخبز لينا‪ ،‬واللحم غريضًا‪ .‬فسكن‬
‫من غربه وقال‪ :‬أههنا غرت قلت‪ :‬نعم‪ ،‬فقال‪ :‬يا ربيع إنا لو نشاء‬
‫ملنا هذه الرحاب من صلئق‪ ،‬وسبائك‪ ،‬وصناب‪ ،‬ولكني رأيت الله‬
‫عز وجل نعى على قوم شهواتهم‪ ،‬فقال‪ ":‬أذهبتم طيبتكم في‬
‫حياتكم الدنيا" الحقاف‪ ،20 :‬ثم أمر أبا موسى بإقراري‪ ،‬وأن‬
‫يسدبدل بأصحابي‪.‬‬
‫قوله‪ ":‬فلثتها على رأسي " يقول‪ :‬أدرت بعضها على بغض على‬
‫غير استواء يقال‪ :‬رجل ألوث إذا كان شديدًا‪ ،‬وذلك من اللوث‪،‬‬
‫ورجل ألوث إذا كان أهوج‪ ،‬وهو مأخوذ من اللوثة‪ .‬وحدثني عبد‬
‫الصمد بن المعذل قال‪ :‬سئل الصمعي عن المجنون‪ ،‬المسمى‬
‫قيس بن معاذ‪ ،‬فثبته وقال‪ :‬لم يكن مجنونًا‪ ،‬ولكن كانت به لوثة‬
‫كلوثة أبي حية الشاعر‪ .‬وقيل للشعث بن قيس بن معديكرب‬
‫الكندي‪ :‬بم كنتم تعرفون السؤدد في الصبي منكم قال‪ :‬إذا كان‬
‫ملوث الزرة‪ ،‬طويل الغرلة‪ ،‬سائل الغرة‪ :‬كأن به لوثة‪ ،‬فلسنا‬
‫نشك في سؤدده‪.‬‬
‫وقله‪ ":‬تؤتى باللحم غريضا" يقول‪ :‬طريا‪ ،‬يقال‪ :‬لحم غريض‪،‬‬
‫وشواء غريض‪ ،‬يراد به الطراء الغساني‪:‬‬
‫ضربت ذراع بكري‬
‫إذا ما فاتني لـحـم‬
‫فاشتويت‬
‫غـريض‬
‫وقوله‪ ":‬صلئق" فمعناه ما عمل بالنار طبخا ً وشيا‪ ،‬يقال‪ :‬صلقت‬
‫الجنب إذا شويته‪ ،‬وصلقت اللحم إذا طبخته على وجهه‪.‬‬
‫وقوله‪ ":‬سبئك " يريد ما يسنك من الدقيق فيؤخذ خالصه يريد‬
‫الحوارى‪ ،‬وكانت العرب تسمي الرقاق السبائك‪ ،‬وأصله ما ذكرنا‪.‬‬
‫والصناب‪ :‬صباغ بتخذ من الخردل و الزبيب‪ ،‬ومن ذلك قيل للفرس‬
‫صنلبي إذا كان في ذلك اللون وكان جرير اشترى جارية من رجل‬

‫‪97‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫يقال له زيد من أهل اليمامة‪ ،‬ففركت جريرًا‪ ،‬وجعلت تحن إلى‬
‫زيد‪ ،‬فقال جرير‪:‬‬
‫ومن لي بالمرقق‬
‫والصنـاب‬
‫وما ضمي وليس معي‬
‫شبابي‬

‫تكلفـنـي مـعـيشة آل‬
‫زيد‬
‫وقالت‪ :‬ل تضم كـضـم‬
‫زيد‬
‫فقال الفرزدق يجيبه‪:‬‬
‫ويعوزك المرقق‬
‫فإن تفركك علـجة آل‬
‫والصناب‬
‫زيد‬
‫يعيش بما تعيش به‬
‫فقدما ً كان عيش أبيك‬
‫مـرا ً‬
‫الكلب‬
‫وأما قوله‪ ":‬أكسر بعير" فإن الكسر والجدل والوصل‪ :‬العظم‬
‫ينفصل بما عليه من اللحم‪.‬‬
‫و أما قوله‪ ":‬نعى على قوم" فمعناه أنه عابهم بها ووبخهم ‪ :‬قال‬
‫أبو عبيدة‪ :‬اجتمع العكاظيون على أن فرسان العرب ثلثة‪ ،‬ففارس‬
‫تميم عتيبة بن الحارث بن شهاب أحد بني ثعلبة بن يربوع بن‬
‫حنظلة‪ ،‬صياد الفوارس وسم الفرسان‪ .‬و فارس قيس عامر بن‬
‫الطفيل بن مالك بن جعفر بن كلب ‪ .‬و فارس ربيعة بسطام بن‬
‫قيس بن مسعود بن قيس بن خالد‪ ،‬أحد بني شيبان بن ثعلبة بن‬
‫عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل‪ ،‬قال ‪ :‬ثم اختلفوا فيهم‬
‫حتى نعوا عليهم سقطاتهم‪.‬‬
‫وأما قوله‪ " :‬أههنا غرت"‪ ،‬يقول‪ :‬ذهبت‪ ،‬يقال غار الرجل إذا أتى‬
‫الغور وناحيته مما انخفض من ال رض‪ ،‬وأنجد إذا أتى نجدا ً وناحيه‬
‫مما ارتفع في الرض‪ ،‬ول يقال " أغار " إنما يقال‪ :‬غار وأنجد‪،‬‬
‫وبيت العشى ينشد على هذا‪:‬‬
‫لعمري غار في البلد‬
‫نبي يرى ما ل ترون‬
‫وأنجدا‬
‫وذكـره‬
‫و قوله‪" :‬فسكن من غربه"‪ ،‬يقول‪ :‬من حده‪ ،‬وكذلك يقال في كل‬
‫شيء في السيف و السهم والرجل وغير ذلك‪.‬‬
‫وقوله‪ ":‬خفين مطارقين" تأويله‪ :‬مطبقين يقال ‪ :‬طارقت نعلي إذا‬

‫‪98‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫أطبقتها‪ .‬ومن قال‪" :‬طرقت" أو "أطرقت" فقد أخطأ‪ ،‬ويقال لكل‬
‫ما ضوعف‪ :‬فقد طورق‪ ،‬قال ذو الرمة‪:‬‬
‫ندى ليله في ريشة‬
‫طرق الخوافي واقع‬
‫يترقـرق‬
‫فوق ريعة‬
‫قوله‪" :‬ريعة" موضع ارتفاع‪ :‬قال الله عز وجل‪ " :‬أتبنون بكل ربع‬
‫إية تعبثون" الشعراء‪ ،128 :‬وهو جمع ريعة‪ ،‬وقال الشماخ‪:‬‬
‫إذا ما الغيث أخضل‬
‫تعن له بـمـذنـب كـل‬
‫كل ريع‬
‫واد‬
‫خطبة لعمر بن عبد العزيز‬
‫قال أبو العباس‪ :‬وحدثني العباس بن الفرج الرياشي عن الصمعي‬
‫قال ‪ :‬قال عدي بن الفضيل‪ :‬خرجت إلى أمير المؤمنين عمر بن‬
‫عبد العزيز إستحفره بئرا ً بالعذبة‪ ،‬فقال لي‪ :‬وأين العذبة قلت‪:‬‬
‫على ليلتين من البصرة‪ ،‬فتأسف أل يكون بمثل هذا الموضع ماء‬
‫فأحفرني‪ ،‬واشترط علي أن أول شارب ابن السبيل‪ ،‬قال فحضرته‬
‫في جمعة‪ ،‬وهو يخطب‪ ،‬فسمعه وهو يقول‪ :‬يا أيها الناس‪ ،‬إنكم‬
‫ميتون‪ ،‬ثم إنكم مبعوثون‪ ،‬ثم إنكم محاسبون‪ ،‬فلعمري لئن كنتم‬
‫صادقين لقد قصرتم‪ ،‬و لئن كنتم كاذبين لقد هلكتم‪ .‬أيها الناس إنه‬
‫من يقدر له رزق برأس جبل أو بحضيض أرض يأته‪ ،‬فاتقوا الله‬
‫وأجملوا في الطلب ‪.‬‬
‫قال‪ :‬فأقمت عنده شهرا ً ما بي إل استماع كلمه ‪.‬‬
‫قوله‪" :‬حضيض" يعني المستقر من الرض إذا انحدر عن الجبل‪،‬‬
‫ول يقال حضيض إل بحضرة جبل‪ ،‬يقال‪ :‬حضيض الجبل‪ ،‬ويطرح‬
‫الجبل فيستغنى عنه لن هذا ل يكون إل له‪،‬ومن ذلك قول امرىء‬
‫القيس ‪:‬‬
‫نظرت إليه قائما ً بالحضيض‬
‫نبذ من أقوال الحكماء‬
‫وقال علي بن أبي طالب رحمه الله‪ :‬يا ابن آدم‪ ،‬ل تحمل هم يومك‬
‫الذي لم يأت على يومك الذي أنت فيه‪ ،‬فإنه إن يعلم أنه من أجلك‬
‫يأت فيه رزقك‪ ،‬واعلم أنك ل تكسب من المال شيئا ً فوق قوتك إل‬
‫كنت خازنا ً لغيرك فيه‪.‬‬
‫ويروى للنابغة‪:‬‬
‫ولست بخابى ابدا ً‬
‫حذارغد‪،‬لكل غدٍ طعام‬
‫ْ‬
‫‪99‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫طعاما ً‬
‫ويروى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‪" :‬من كان آمنا ً‬
‫في سربه‪ ،‬معافى في بدنه‪ ،‬عنده قوت يومه‪ ،‬كان كمن حيزت له‬
‫الدنيا بحذافيرها "‪.‬‬
‫قوله صلى الله عليه وسلم‪ ":‬في سربه"يقول‪ :‬في مسلكه‪،‬يقال‪:‬‬
‫فلن واسع السرب وخلي السرب‪ ،‬يريد المسالك والمذاهب‪ ،‬وإنما‬
‫هو مثل مضروب للصدر والقلب‪،‬يقال‪ :‬خل سربه‪،‬أي طريقه حتى‬
‫يذهب حيث شاء‪ ،‬ويقال ذلك للبل لنها تنسرب في الطرقات‪،‬‬
‫ويقال‪ :‬سرب علي البل‪ ،‬أي أرسلها شيئا ً بعد شيىء فإذا قلت‪:‬‬
‫سرب‪ ،‬بكسر السين‪ ،‬فإنما هو قطيع من ظباء‪ ،‬أبو بقر‪ ،‬أو شاء أو‬
‫نساء‪ ،‬أو قطا‪ .‬قال امرؤ القيس ‪:‬‬
‫عذارى دوار قي الملء‬
‫فعن لنا سرب كأن‬
‫المذيل‬
‫نـعـاجـه‬
‫دوار‪ :‬نسك ينسكون عنده في الجاهلية ودوار ما استدار من‬
‫الرمل‪ ،‬ودوار سجن اليمامة‪ .‬قال بعض اللصوص‪:‬‬
‫كانت منازلنا التي كنا‬
‫شتى‪ ،‬فألف بيننـا دوار‬
‫بها‬
‫وقال عمر بن أبي ربيعة‪:‬‬
‫خرجنا علينا من زقاق‬
‫فلم ترعيني مثل‬
‫ابن واقف‬
‫سـرب رأيتـه‬
‫وكان الحسن يقول‪ :‬ليس العجب ممن عطب كيف عطب‪ ،‬إنما‬
‫العجب ممن نجا كيف نجا ‪.‬‬
‫وكان الحجاج بن يوسف يقول على المنبر‪ :‬أيها الناس‪ ،‬اقدعوا هذه‬
‫النفس‪ .‬فإنما أسأل شيء إذا أعطيت‪ ،‬وأمنع شيء إذا سئلت‪،‬‬
‫فرحم الله امرأ جعل لنفسه خطاما ً وزماما ً فقادها بخطامها إلى‬
‫طاعة الله‪ ،‬وعطفها بزمامها عن معصية الله‪ .‬فإني رأيت الصبر‬
‫عن محارم الله أيسر من الصبر على عذابه‪ .‬قوله‪ ":‬اقدعوا " يقال‬
‫قدعته عن كذا‪ :‬أي منعته عنه‪ ،‬ومنه قول الشماخ ‪:‬‬
‫مكان الرمح من أنف‬
‫إذا ما استافهن ضربن‬
‫القدوع‬
‫منـه‬

‫‪100‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫قوله‪":‬استافهن" يعني حمارا ً يستاف أتنا‪ ،‬يقول ‪:‬يرمحنه إذا‬
‫اشتمهن‪ ،‬والسوف‪:‬الشم‪.‬‬
‫وقوله‪:‬‬
‫مكان الرمح من أنف القدوع‬
‫يريد بالقدوع المقدوع‪ ،‬وهذا من الضداد‪ ،‬يقال طريق ركوب إذا‬
‫كان يركب‪ ،‬ورجل ركوب للدواب إذا كان يركبها‪ ،‬ويقال‪ :‬ناقة‬
‫رغوث إذا كانت ترضع‪ ،‬وحوار رغوث إذا كانت ترضع‪ ،‬ومثل هذا‬
‫كثير‪ ،‬يقال‪ :‬شاة حلوب إذا كانت تحلب‪ ،‬ورجل حلوب إذا كان‬
‫يحلب الشاة‪ ،‬والقدوع ههنا‪ :‬البعير الذي يقدع‪ ،‬وهو أن يريد الناقة‬
‫الكريمة وليكون كريمًا‪ ،‬فيضرب أنفه بالرمح حتى يرجع‪ ،‬يقال‪:‬‬
‫قدعته‪ ،‬وقدعت أنفه‪ ،‬ويروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫لما خطب خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي ذكر‬
‫لورقة بن نوفل فقال‪ :‬محمد بن عبد الله يخطب خديجة بنت‬
‫خويلد الفحل ل يقدع أنفه ‪.‬‬
‫وكان الحجاج يقول‪ :‬إن امرأ أتت عليه ساعة من عمره لم يذكر‬
‫فيه ربه‪،‬أو يستغفر من ذنبه‪،‬أو يفكر في معاده‪،‬لجدير أن تطول‬
‫حسرته يوم القيامة‪.‬‬
‫باب‬
‫لعمارة بن عقيل يحض‬
‫بني كعب وبني كلب على بني نمير‬
‫قال أبو الحسن‪ :‬أنشدني عمارة بن عقيل لنفسه يحض بني كعب‬
‫و بني كلب‪ ،‬ابني ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر‬
‫بن هوازن على بني نمير بن عامر بن صعصعة‪ ،‬وبينهم مطالبات‬
‫وترات‪ .‬وكانت بنو نمير أعداء عمارة‪ .‬فكان يحض عليهم‬
‫السلطان‪ ،‬ويغري بهم إخوتهم‪ ،‬و يحاربهم في عشيرته‪ ،‬فقال ‪:‬‬
‫لعض الحروب‪ .‬والعديد‬
‫رأينا كما يا ابني ربيعة‬
‫كـثـير‬
‫خرتـمـا‬
‫وكذبتما مـا كـان قـال‬
‫وصدقتما قول الفرزدق‬
‫جـرير‬
‫فيكـمـا‬
‫فكـل نـمـيري بـذاك‬
‫أصابت نمير منكم فوق‬
‫أمـير‬
‫قـدرهـا‬
‫فقد هدمـت مـدائن‬
‫فإن تفخروا بما مضى‬
‫‪101‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وقـصـور‬
‫مدائن منها كالـجـبـال‬
‫وسـور‬
‫وآل هرقل حـقـبة‪،‬‬
‫ونـضـير‬
‫لكم في مضرات‬
‫الحروب ضرير‬
‫حماكم و حتى ل يهـر‬
‫عـقـور‬
‫ثعالب يبحثن الحـصـى‬
‫وأبـور‬

‫من قديمكم‬
‫رمتها مجانيق العدو‬
‫فقـوضـت‬
‫وشيدها الملك‪ :‬كسرى‬
‫وهرمز‬
‫فإن تعمروا المجد‬
‫القديم فلـم يزل‬
‫خبطتم ليوث الشأم‬
‫حتى تنـاذرت‬
‫فكيف بأكناف الشريف‬
‫تصيبـكـم‬
‫قال أبو العباس‪ :‬قوله‪:‬‬
‫فقد هدمت مدائن وقصور‬
‫مثل‪ ،‬يريد ان مجدكم الذي بناه آباؤكم متى لم تعمروه بأفعالكم‬
‫خرب وذهب ‪ .‬وهذا كما قال عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن‬
‫جعفر بن أبي طالب ‪:‬‬
‫يوما ً على الحساب‬
‫لسنا وإن كرمـت‬
‫نتكـل‬
‫أوائلـنـا‬
‫تبني ن ونفعل مثل ما‬
‫نبني كما كانـت‬
‫فعلوا‬
‫أوائلـنـا‬
‫وكما قال الخر‪:‬‬
‫قصيدة قالها عمرو بن‬
‫ألهى بني جشم عن‬
‫كلثوم‬
‫كل مكرمة‬
‫يا للرجال لفخر غير‬
‫يفاخرون بها مذ كان‬
‫مسؤوم‬
‫أولـهـم‬
‫كساعد فله اليام‬
‫إن القديم إذا ما ضـاع‬
‫محـطـوم‬
‫آخـره‬
‫و كما قال عامر بن الطفيل ‪:‬‬
‫وفي السر منها و‬
‫إني وإن كنت ابن‬
‫الصريح المهذب‬
‫فارس عـامـر‬
‫إبى الله أن أسـمـو‬
‫فما سودتني عـامـر‬
‫‪102‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫بـأم ول أب‬
‫عـن وراثة‬
‫أذاها وأرمي من رماها‬
‫ولكنني أحمي حماهـا‪،‬‬
‫بمقـنـب‬
‫وأتـقـي‬
‫قال أبو الحسن‪ :‬أنشدني هذه البيات محمد بن الحسن المعروف‬
‫بابن الحرون ويكنى أبا عبد الله لعامر بن الطفيل العامري‪ .‬قال‬
‫أبو الحسن‪ :‬قال الصمعي‪ :‬وكان عامر بن الطفيل يلقب محبرا ً‬
‫لحسن شعره‪ ،‬وأولها‪:‬‬
‫أراك صحيحا ً كالسليم‬
‫تقول ابنة العمري ما‬
‫المعـذب‬
‫لك بعدمـا‬
‫من الثأر في حيي‬
‫فقلت لها ‪ :‬همي الذي‬
‫زبيد وأرحب‬
‫تعلمينـه‬
‫إن اغز زبيدا ً أغز قوما ً‬
‫مركبهم في الحي خير‬
‫مركب‬
‫أعـزة‬
‫شفاء‪ ،‬وخير الثأر‬
‫وإن أغز حيي خثعم‬
‫للمـتـأوب‬
‫فدماؤهـم‬
‫بأجرد طاو كالعسيب‬
‫فما أدراك الوتار مثل‬
‫المشـذب‬
‫محقـق‬
‫وزغف دلص كالغدير‬
‫وأسمر خطي وأبـيض‬
‫المثوب‬
‫بـاتـر‬
‫طلوب لثارات الجال‬
‫سلح امرىء قد يعلم‬
‫مطلـب‬
‫الناس أنه‬
‫ثم أتى بإنشاد أبي العباس على وجهه‪ ،‬إل أنه روى‪":‬من رماها‬
‫بمنكب" السليم‪ :‬الملدوغ‪ ،‬وقيل له‪ ":‬سليم" تفاؤل ً له بالسلمة‪،‬‬
‫وزبيد وأرحب‪ :‬حيان من اليمن‪ .‬والثأر‪ :‬ما يكون لك عند من أصاب‬
‫حميمك‪ ،‬من الترة‪ ،‬ومن قال " ثار" فقد أخطأ‪.‬‬
‫والمتأوب‪ :‬الذي يأتيك لطلب ثأره عندك‪ ،‬يقال‪ :‬آب يؤوب إذا رجع‪.‬‬
‫و التأويب في غير هذا ‪ :‬السير في النهار بل توقف‪.‬‬
‫والوتار والحقاد واحدهما وتر وحقد‪ .‬والجرد‪ :‬الفرس المتحسر‬
‫الشعر‪،‬والجرد الضامر أيضًا‪ .‬والعسيب‪ :‬السعفة‪ .‬والمشذب‪.‬‬
‫الطويل الذي أخذ ما عليه من العقد و السلء والخوص‪ ،‬ومنه قيل‬
‫‪103‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫للطويل المعرق‪ :‬مشذب‪.‬‬
‫وخطي‪ :‬رمح منسوب إلى الخط‪ ،‬وهي جزيرة بالبحرين‪ ،‬يقال إنها‬
‫تنبت عصا الرماح وقال الصمعي‪ :‬ليست بها رماح‪ ،‬ولكن سفينة‬
‫كانت وقعت إليها‪ ،‬فيها رماح‪ ،‬وأرفئت بها في بعض السنين‬
‫المتقدمة‪ ،‬فقيل لتلك الرماح‪ :‬الخطية‪ :‬ثم عم كل رمح هذا النسب‬
‫إلى اليوم‪ .‬والزغف‪ :‬الدرع الرقيقة النسج‪ ،‬والمثوب‪ :‬الذي تصفقه‬
‫الرياح فيذهب و يجيء‪ ،‬وهو من ثاب يثوب إذا رجع‪ .‬وإنما سمي‬
‫الغدير غديرا ً لن السيل غادره‪ ،‬أي تركه قال أبو العباس‪ :‬وقوله‪:‬‬
‫لكم في مضرات الحروب ضرير‬
‫يقال‪ :‬رجل ضرير إذا كان ذا مشقة على العدو‪ ،‬وقال مهلهل بن‬
‫ربيعة التغلبي ‪:‬‬
‫قتي ٌ‬
‫وهمام بن مرة ذو‬
‫ل ما قتيل المرء‬
‫ضرير‬
‫عمرو‬
‫وقوله‪ ":‬خبطتم ليوث الشام " يريد ما كان من نصر بن شبث‬
‫العقيلي‪ ،‬وهو عقيل بن كعب بن ربيعة‪ .‬وقوله‪ ":‬أبور" جمع وبر‪،‬‬
‫وإذا إنضمت الواو من غير علة فهمزها جائز‪ ،‬وقد ذكرنا ذلك قبل ‪.‬‬
‫???????لعمارة أيضا ً في الحث‬
‫على الخذ بالثأر‬
‫وقال عمارة أيضا ً لهم‪ ،‬أنشدنيه ‪:‬‬
‫ذوي العدد المضاعف‬
‫أللـلـه در الـحـي‬
‫والخيول‬
‫كـعـب‬
‫يورع عنهم سنن‬
‫م مـثـل‬
‫أما فيهم كري ٌ‬
‫الـفـحـول‬
‫نـصـر‬
‫كفعل أخي العزازة‬
‫تنوخـهـم نـمـير كـل‬
‫بالـذلـيل‬
‫يوم‬
‫يضيع القوم من قبل‬
‫وليسوا مثل عشرهـم‬
‫العـقـول‬
‫ولـكـن‬
‫وجعدة والحريش ذوو‬
‫فأين فوارس السلمات‬
‫الفضول!‬
‫منـهـم‬
‫إذا ما ضاق مطلع‬
‫وأين عبادة الخشنـاء‬
‫السـبـيل!‬
‫عـنـهـم‬
‫‪104‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫قوله‪:‬‬
‫أل لله در الحي كعب‬
‫يريد كعب بن ربيعة بن عامر صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوزان‬
‫بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلن بن مضر‪.‬‬
‫وقوله‪:‬‬
‫أما فيهم كريم مثل نصرٍ‬
‫يعني نصر بن شبث‪ ،‬أحد بني عقيل بن كعب بن ربيعة‪ .‬وقوله‪:‬‬
‫يورع عنهم سنن الفحول‬
‫هو مثل ضربه‪ ،‬فجعلهم لمساكهم عن الحرب بمنزلة النوق التي‬
‫يقرعها الفحل‪ .‬ويورع‪ :‬يكف ويمنع ويدفع‪ .‬والورع في الدين إنما‬
‫هو الكف عن أخذ الحرام‪ ،‬وجاء في الحديث ‪":‬ل تنظروا إلى‬
‫صومه‪ ،‬ول إلى صلته‪ ،‬ولكن انظروا إلى ورعه إذا أشفى"‪ ،‬ومعناه‬
‫إذا أشرف على الدينار والدرهم‪ .‬والسنن‪ :‬القصد‪ ،‬ثم أبان ذلك‬
‫بقوله‪:‬‬
‫تنوخهم نميٌر كل يوم‬
‫يقال‪ :‬سان الفحل الناقة فتنوخها‪ ،‬وذلك إذا ركبها من غير أن توطأ‬
‫له‪ ،‬ولكن يعترضها اعتراضًا‪ .‬وتقول العرب‪ :‬إن ذلك أكرم النتاج‪،‬‬
‫وذلك لن الولد يخرج صليبا ً مذكرًا‪ ،‬ويقال لذلك الحمل الذي يقع‬
‫ض‪ ،‬يقال‪ :‬حملته عراضًا‪،‬‬
‫من التنوخ و العتراض‪ :‬يعارة وعرا ٌ‬
‫وحملته يعارة يا فتى‪ ،‬قال الراعي‪:‬‬
‫عراضًا‪ ،‬ول يشربن إل‬
‫قلئص ل يلقحـن إل‬
‫غواليا‬
‫يعـارةً‬
‫وقال الطرماح‪:‬‬
‫ةٌ أمارات بالبول ماء‬
‫سوف تدنيك من‬
‫الكراض‬
‫لميس سبنـدا‬
‫نضجته عشرين يوما ً‬
‫حين نيلت يعارة في‬
‫عراض‬
‫ونـيلـت‬
‫قوله‪":‬سبنداة" فهي الجريئة الصدر‪ ،‬يقال للجريء الصدر‪ :‬سبندى‬
‫وسبنتى وأصل ذلك في النمر‪ .‬وزعم الصمعي أن الكراض حلق‬
‫الرحم‪ ،‬قال‪ :‬ولم أسمعه إل في هذا الشعر‪.‬‬
‫‪105‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وقوله‪ ":‬نضجته عشرين يومٌا"‪ ،‬إنما هو أن تزيد بعد الحول من‬
‫حيث حملت أيامٌا‪ ،‬نحو الذي عد‪ ،‬فل يخرج الولد إلمحكمٌا‪ ،‬قال‬
‫الحطيئة‪:‬‬
‫به الحول حتى زاد‬
‫لدماء منها كالسفينة‬
‫شهرا ٌ عديدها‬
‫نضـجـت‬
‫والعزازة‪ :‬العز‪ ،‬والمصادر تقع على " فعالة " للمبالغة‪ ،‬يقال عز‬
‫عزا وعزازة‪ ،‬كما يقال ‪ :‬الشراسة والصرامة‪ ،‬قال الله تعالى‪":‬‬
‫قال يقوم ليس بي سفاهة" وفي موضع آخر‪ " :‬ليس بي ضللة"‬
‫وقوله‪ ":‬فأين فوارس ا لسلمات "‪ ،‬يريد بني سلمة الخير‪ ،‬وبني‬
‫سلمة الشر ابني قشير بن كعب‪ ،‬وجمع لنه يريد الحي أجمع‪ ،‬كما‬
‫تقول‪ :‬المهالبة والمسامعة‪ ،‬فتجمعهم على اسم الب‪ ،‬على‬
‫المهلب ومسمع‪ ،‬وكذلك المناذرة‪ ،‬وقد مرت الحجة في هذا ‪.‬‬
‫وجعدة بن كعب والحريش بن كعب وبنو عبادة‪ ،‬من عقيل بن‬
‫كعب‪ .‬وقال‪ ":‬الخشناء" يريد القبيلة‪ ،‬وذكرها بالخشونة على‬
‫العداء‪.‬‬
‫سؤال معاوية بن أبي سفيان‬
‫دغفل بن حنظلة عن قبائل العرب‬
‫ويروى أن معاوية بن أبي سفيان رحمه الله قال لدغفل بن حنظلة‬
‫النسابة‪ :‬ما تقول في بني عامر بن صعصعة ? قال‪ :‬أعناق ظباء‪،‬‬
‫وأعجاز نساء‪ .‬قال‪ :‬فما تقول في تميم ?قال‪ :‬حجر أخشن‪ ،‬إن‬
‫صادمته آذاك‪ ،‬وإن تركته تركك‪ .‬قال‪ :‬فما تقول في اليمن?قال‪:‬‬
‫سيد وأنوك‪.‬‬
‫لعمارة بن عقيل حينما أمره‬
‫أبو سعد التميمي أن يضع يده‬
‫في يد أبي نصر الطائي‬
‫قال أبو العباس ‪ :‬وأنشدني عمارة لنفسه وسبب هذا الشعر الذي‬
‫نذكره أن رجل من بني تميم‪ ،‬يكنى أبا سعد‪ ،‬كان منقطعا ٌ إلى أبي‬
‫نصر بن حميد الطائي‪،‬ثم أحد بني نبهان‪ ،‬وكان أبو نصر واليا ً على‬
‫العرب‪ ،‬وكتب أبو سعد إلى عمارة يأمره أن يضع يده في يد أبي‬
‫نصر‪ ،‬فقال عمارة‪:‬‬
‫إلي‪ ،‬ومما أن تغـر‬
‫دعاني أبو سعدٍ وأهـدى‬
‫الـنـصـائح‬
‫ة‬
‫نـصـيح ٌ‬
‫‪106‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫دعا القاسطي حتفه‬
‫لجزر لحمي كلب نبهان‬
‫وهـو نـازح‬
‫كـالـذي‬
‫لنار علـيهـا مـوقـدان‬
‫أو البرمجي حـين أهـداه‬
‫وذابـح‬
‫حـينـه‬
‫بصيرا ً وإن ضاقت عليه‬
‫ورأي أبي سعدٍ وإن كان‬
‫حـازمـا ً‬
‫المسـارح‬
‫على قومه‪ ،‬والقول‬
‫أعار به ملعون نـبـهـان‬
‫ف وجـارح‬
‫سـيفـه‬
‫عا ٍ‬
‫على قومه للمرء ذي‬
‫ونصر الفتى في الحرب‬
‫الطعم فاضح‬
‫أعداء قومه‬
‫قوله‪ ":‬لجزر لحمي كلب نبهان" أي لكون جزرة له‪ ،‬والجزرة‪:‬‬
‫البدنة تنحر‪ ،‬يقال أجزرت فلنًا‪ ،‬وتركت فلنا ً جزرًا‪ ،‬قال عنترة‬
‫العبسي‪:‬‬
‫ر‬
‫إن تشتما عرضي فإن‬
‫جزر السباع وكل نس ٍ‬
‫قشعم‬
‫أباكما‬
‫وقوله‪:‬‬
‫(‪....‬كالذي دعا القاسطي حتفه وهو نازح)‬
‫د‪،‬‬
‫ط‪ ،‬خرج يبتغي قرطا ً من بع ٍ‬
‫فهذا الرجل من النمر بن قاس ٍ‬
‫فنهشته حية فمات‪ ،‬وهو أحد القارظين‪ .‬والقارظ الول من عنزة‪،‬‬
‫كان خرج مع ابن عم له في طلب القرظ‪ ،‬فقتله ابن عمه‪ ،‬لنه‬
‫كان يريد ابنته فمنعه منها‪ ،‬قال أبو خراش الهذلي‪:‬‬
‫وينشر في القتلى‬
‫وحتى يؤوب القارظان‬
‫كليب لوائل‬
‫كلهما‬
‫وقوله " كالذي دعا القاسطي حتفه" الهاء في حتفه ترجع على‬
‫الذي وتقديره كالسبب الذي دعا القاسطي حتفه‪.‬‬
‫وقوله‪ ":‬أبو البرمجي " فهذا الرجل من البراجم‪ ،‬وهم بنو مالك بن‬
‫حنظلة كان عمرو بن هند لما قتل بني دارم بأوراة‪ ،‬وكان سبب‬
‫ً‬
‫م‪ ،‬في‬
‫ذلك أن أخاه أسعد بن المنذر وكان مسترضعا في بني دار ٍ‬
‫حجر حاجب بن زرارة بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم‪-‬‬
‫انصرف ذات يوم من صيده وبه نبي ٌ‬
‫ذ‪ ،‬كما يعبث الملوك‪ ،‬فرماه‬

‫‪107‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫رجل من بني دارم بسهم فقتله‪ .‬ففي ذلك يقول القائل‪ ،‬وهو‬
‫ط الطائي لعمرو بن هند‪:‬‬
‫عمرو بن ملق ٍ‬
‫في القوم أوفى من‬
‫فاقـتــل زرارة ل أرى‬
‫زرارة‬
‫فغزاهم عمرو بن هند‪ ،‬فقتلهم يوم القصيبة ويوم أوارة‪ ،‬ففي ذلك‬
‫يقول العشى‪:‬‬
‫وتكون في الشرف‬
‫زي منقرا ً وبني زرارة‬
‫المو‬
‫يوم القصيبة و الوراة‬
‫أبنـاء قـوم ٍ قـتـلـوا‬
‫ثم أقسم عمرو بن هند ليحرقن منهم مائة‪ ،‬فبذلك سمي محرقًا‪،‬‬
‫فأخذ تسعة وتسعين رجل ً فقذهم في النار‪ ،‬ثم أراد أن يبر قسمه‬
‫بعجوز منهم لتكمل بها العدة‪ ،‬فلما أمر بها قالت العجوز‪ :‬أل فتى‬
‫يفدي هذه العجوز بنفسه ! ثم قالت‪ ":‬هيهات صارت الفتيان‬
‫حممًا"! ومر وافد البراجموهو الذي ذكرنا ‪ -‬فاشتم رائحة اللحم‪،‬‬
‫فظن أن الملك يتخذ طعامًا‪ ،‬فعرج إليه فأتي به إليه‪ ،‬فقال له‪ :‬من‬
‫أنت? فقال‪ :‬ابيت اللعن ? أنا وافد البراجم‪ ،‬فقال‪ ":‬إن الشقي‬
‫وافد البراجم"‪ .‬ثم أمر به فقذف في النار‪ ،‬ففي ذلك يقول جرير‬
‫يعير الفرزدق‪:‬‬
‫أم أين أسعد فيكم‬
‫أين الذين بنار عمرو‬
‫المسترضع!‬
‫حرقـوا‬
‫وقال أيضًا‪:‬‬
‫وأدرك عمارا ً شقي‬
‫وأخزاكم عمرو كما‬
‫البـراجـم‬
‫قال قد خزيتم‬
‫وقال الطرماح‪:‬‬
‫في جاحم النار إذ‬
‫ودارم قد قذفنا‬
‫ينزون بالخدد‬
‫ة‬
‫مـنـهـم مـائ ً‬
‫عمرو‪ ،‬ولول شحوم‬
‫ينزون بالمشتوى منها‬
‫القوم لم تقد‬
‫ويوقدهـا‬
‫ولذلك عيرت بنو تميم بحب الطعام‪ ،‬يعني لطمع البرجمي في‬
‫الكل‪ .‬قال يزيد بن عمرو بن الصعق أحد بني عمرو بن كلب ‪:‬‬
‫‪108‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫بآية ما يحبون الطعاما‬

‫أل أبلغ لديك بني تميم‬
‫وقال الخر‪:‬‬
‫فسرك أن يعيشك‬
‫ت من‬
‫إذا ما مات مي ٌ‬
‫فجىء بزاد‬
‫تـمـيم‬
‫أو الشيء الملفف في‬
‫بخبر أو بتمـر أو‬
‫البجاد‬
‫بـلـحـم‬
‫ليأكل رأس لقمان بـن‬
‫تراه ينقب البطـحـاء‬
‫حـول ً‬
‫عـاد‬
‫وقوله ‪ ":‬للمرء ذي الطعم" يعني الراجع إلى عقل‪ ،‬يقال ‪ :‬ليس‬
‫فلن بذي طعم‪ ،‬و فلن ليس بذي نزل‪ ،‬أي ليس بذي عقل ول‬
‫معرفة‪ ،‬وإنما يقال‪ :‬هذا طعام ليس له نزل إذا لم يكن ذا ريع‪،‬‬
‫ومن قال‪ ":‬نزل " في هذا المعنى فقد أخطأ‪.‬‬
‫لعرابي يهجو قوما ً من طيىء‬
‫وقال أعرابي يهجو قوما ً من طيىء‪:‬‬
‫جلوسا ً ليس بينهم‬
‫ولما أن رأيت بني‬
‫جلـيس‬
‫جـوين‬
‫لديهم إننـي رجـل‬
‫يئست من التي أقبلت‬
‫يؤوس‬
‫أبغي‬
‫تشابهت المناكب‬
‫إذا ما قـلـت ‪:‬أيهـم‬
‫والرؤوس‬
‫لي‬
‫قوله‪ ":‬جلوسا ً ليس بينهم جليس"‪ ،‬يقول ‪ :‬هؤلء قوم ل ينتجع‬
‫الناس معروفهم فليس فيهم غيرهم وهذا من أقبح الهجاء‪.‬‬
‫ومن أمثال العرب‪ ":‬سمنهم في أديمهم"‪ ،‬ومعناه في مأدومهم‪،‬‬
‫وقيل‪ :‬أديهم ومأدوم مثل قتيل و مقتول‪ ،‬وتقول الحكماء‪ :‬من كثر‬
‫خيره كثر زائره‪.‬‬
‫وقال المهلب بن أبي صفرة لبنيه‪ :‬يا بني‪ ،‬إذا غدا عليكم الرجل‬
‫وراح مسلمًا‪ ،‬فكفى بذلك تقاضيًا‪.‬‬
‫وقال آخر‪:‬‬
‫وحسبك بالتسليم مني‬
‫أروح لتسليم عليك‬
‫تقاضيا ً‬
‫وأغتـدي‬
‫عناء‪ ،‬وباليأس‬
‫كفى بطلب المرء ما‬
‫‪109‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫المصرح ناهيا ً‬
‫ل يناله‬
‫قال أبوالحسن‪ :‬وربما قال أبو العباس‪ " :‬مصرح" بكسر الراء ومن‬
‫أحسن المدح قول زهير‪:‬‬
‫والسائلون إلى أبوابه‬
‫قد جعل الطالبون‬
‫طـرقـا ً‬
‫الخير في هرم‬
‫وقال رؤبة‪:‬‬
‫إن الندى حيث ترى الضغاطا‬
‫وقال آخر‪:‬‬
‫والمشرب العذب كثير‬
‫يزدحم النـاس إلـى‬
‫الزحام‬
‫بـابـه‬
‫وقال أشجع في محمد بن منصور‪:‬‬
‫علمات من البـذل‬
‫على باب ابن منصور‬
‫ب نبل ً كثرة الهل‬
‫جماعات وحسب البا‬
‫وقوله‪:‬‬
‫تشابهت المناكب و الرؤوس‬
‫إنما ضربه مثل ً للخلق و الفعال‪ :‬أي ليس فيهم مفضل‪.‬‬
‫ويقال إن الضبط بن قريع بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة‬
‫بن تميم‪ ،‬آذته عشيرته من بني سعد‪ ،‬فخرج عنهم‪ ،‬فجعل ل يجاور‬
‫قوما ً إل آذوه فقال‪ ":‬أينما أذهب ألق سعدًا" أي أفر من الذى إلى‬
‫مثله‪.‬‬
‫باب‬
‫أقوال في المجالس و الجلساء قال أبو العباس‪ :‬قال أبو إدريس‬
‫الخولني‪ :‬المساجد مجالس الكرام‪ .‬وقيل للحنف بن قيس أحد‬
‫د‪ :‬أي المجالس‬
‫بني مرة بن عبيد بن الحارث بن كعب بن سع ٍ‬
‫أطيب? فقال ‪ :‬ما سافر فيه البصر‪ ،‬واتدع فيه البدن‪.‬‬
‫اتدع‪ :‬افتعل من التوديع‪ ،‬والصل" اوتدع" فقلبت الواو ياء لنكسار‬
‫ما قبلها‪ ،‬وهذا القول مذهب أهل الحجاز يقولون‪ :‬ايتزن ياتزن‪ ،‬وهو‬
‫ن‪ ،‬والجود أن تقلب ماكان أصله الواو والياء في باب‬
‫رجل موتوز ٌ‬
‫"افتعل" تاًء وتدغمها في التاء من "افتعل" فتقول‪ :‬اتدع يتدع‪ ،‬وهو‬
‫ع‪ ،‬ومتزن ومتعد من الوعد‪ ،‬ومتئس من اليأس‪ ،‬تكون الياء‬
‫متد ٌ‬
‫كاواو‪ ،‬لنها إن أظهرت انقلبت على حركة ما قبلها فصارت كاواو‪،‬‬
‫‪110‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫س‪،‬‬
‫وتكونان واوين عند الضمة‪ ،‬نحو موعدٍ وموتع ٍ‬
‫س ومؤتئ ٍ‬
‫د‪ ،‬ومؤن ٍ‬
‫وياءين للكسرة‪ ،‬والواو قد تقلب إلى تاء ول تاء بعدها‪ ،‬نحو تراث‬
‫ة‪ .‬وإنما ذلك كراهية الضمة في‬
‫من ورث‪ ،‬وتجاه من الوجه وتكأ ٍ‬
‫الواو‪ ،‬وأقرب حروف الزوائد والبدل منها التاء فقلبت إليها‪ ،‬وقد‬
‫تقلب للبدل في غير ضم‪ ،‬نحو‪:‬هذا أتقى من هذا‪ ،‬وضربته حتى‬
‫أتكأته‪ ،‬فلما كانت بعدها تاء افتعل كان الوجه القلب ليقع الدغام‪.‬‬
‫وقد فسرنا هذا على غاية الستقصاء في الكتاب "المقتضب"‪.‬‬
‫وقيل للمهلب بن أبي صفرة‪ :‬ما خير المجالس فقال؛‪ :‬ما بعد فيه‬
‫مدى الطرف‪ ،‬وكثرت فيه فائدة الجليس‪.‬‬
‫ويروى عن لقمان الحكيم أنه قال لبنه‪ :‬يا بني‪ ،‬إذا أتيت مجلس‬
‫قوم فارمهم بسهم السلم ثم اجلس فإن أفاضوا في ذكر الله‪:‬‬
‫فأجل سهمك مع سهامهم‪ ،‬وإن أفاضوا في غير فخلهم وانهض‬
‫وقوله‪ " :‬فارمهم بسهم السلم" يعني السلم‪ .‬وقوله‪ ":‬فأجل‬
‫سهمك مع سهامهم "‪ ،‬يعني أدخل معهم في أمرهم‪ ،‬فضربه مث ً‬
‫ل‪،‬‬
‫من دخول الرجل في قداح الميسر‪.‬‬
‫وقال وهب بن عبد مناف بن زهرة جد رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم لمه‪:‬‬
‫فاختر مجالسهم ولما‬
‫ة في‬
‫وإذا أتيت جماع ٌ‬
‫تقعـد‬
‫س‬
‫مجل ٍ‬
‫وإلى الذين يذكرونك‬
‫ودع الغواة الجاهلين‬
‫فاعمد‬
‫وجهلهم‬
‫ث‪ :‬أن أرميه بطرفي‬
‫وقال ابن عباس رحمه الله‪ :‬لجليسي علي ثل ٌ‬
‫إذا أقبل‪ ،‬وأوسع له إذا جلس وأصغي إليه إذا حدث‪.‬‬
‫وكان القعقاع بن شوٍر‪ ،‬أحد بني عمرو بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة‬
‫س‬
‫بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل إذا جالسه جلي ٌ‬
‫فعرفه بالقصد إليه جعل له نصيبا ً في ماله وأعانه على عدوه‪،‬‬
‫وشفع له في حاجته‪ ،‬وغدا إليه بعد المجالسة شاكرا ً له‪ ،‬حتى شهر‬
‫بذلك‪ .‬وفيه يقول القائل‪:‬‬
‫ول يشقى بقعقاع‬
‫وكنت جليس قعقاع‬
‫جـلـيس‬
‫بن شور‬
‫ق‬
‫ضحوك السن إن‬
‫وعند السوء مطرا ٌ‬
‫عبوس‬
‫أمروا بخير‬
‫‪111‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وحدثني التوزي أن رجل ً جالس قوما ً من بني مخزوم بن يقظة بن‬
‫مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن‬
‫كنانة‪ ،‬فأساؤوا عشرته‪ ،‬وسعوا به إلى معاوية‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫فلست جليس قعقاع‬
‫شقيت بكم وكنت لكم‬
‫جليسـا ً‬
‫بن شور‬
‫ة‬
‫ل‬
‫غزا بدرا ً بمجمـر ٍ‬
‫ومن جهل أبو جه ٍ‬
‫وتـور‬
‫أخوكـم‬
‫نسبه إلى التوضيع‪ ،‬كقول عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد‬
‫مناف لحكيم بن حزام لما بلغه قول أبي جهل بن هشام‪ :‬انتفخ‬
‫والله سحره ونحره‪ ،‬سيعلم مصطر استه من انتفخ سحره اليوم!‬
‫يزيد بن معاوية و النصار‬
‫وقال رجل من بني مخزوم للحوص بن محمد بن عبد الله بن‬
‫عاصم بن ثابت بن أبي الفلح النصاري ليؤذيه‪ :‬أتعرف الذي يقول‪:‬‬
‫واللؤم تحت عمائم‬
‫ش‬
‫ذهبت قري ٌ‬
‫النصار‬
‫بالمكارم كلها‬
‫فقال الحوص‪ :‬ل أدري‪ ،‬ولكني أعرف الذي يقول‪:‬‬
‫والله كناه أبـا جـهـل‬
‫الناس كنوه أبـا حـكـم‬
‫لؤم الفروع ودقة‬
‫أبقت رياسته لسـرتـه‬
‫الصل‬
‫وهذا الشعر لحسان بن ثابت‪ ،‬والبيت الذي أنشده المخزومي‬
‫للخطل‪ .‬وكان يزيد بن معاوية عتب على قوم من النصار‪ ،‬فأمر‬
‫ب‪ :‬أأهجو النصار!‬
‫كعب بن جعيل التغلبي بهجائهم‪ ،‬فقال له كع ٌ‬
‫أرادي أنت إلى الكفر بعد السلم! ولكني أدلك على غلم من‬
‫الحي نصراني‪ :‬كأن لسانه لسان ثورٍ يعني الخطل‪.‬‬
‫قال‪ :‬فلما قال هذا البيت دخل النعمان بن بشير بن سعدٍ النصاري‬
‫على معاوية‪ ،‬فحسر عمامته عن رأسه‪ ،‬ثم قال‪ :‬يا معاوية‪ ،‬أترى‬
‫لؤمًا! فقال‪ :‬ما أرى إل كرمًا‪ .‬فقال النعمان‪:‬‬
‫لحي الزد مسدول ً‬
‫معاوي إل تعطنا الحق‬
‫عليها العمائم‬
‫تعتـرف‬
‫فماذا الذي تجدي‬
‫أيشتمنا عبـد ال راقـم‬
‫عليك الراقم!‬
‫ة‬
‫ضـل ً‬
‫‪112‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫فدونك من ترضيه عنه‬
‫الدراهم‬

‫فما لي ثأر دون قطع‬
‫لسـانـه‬
‫نبذ من أقوال الحكماء‬
‫وكان الحنف بن قيس يقول‪ :‬ل تزال العرب عربا ً ما لبست‬
‫العمائم‪ ،‬وتقلدت السيوف‪ ،‬ولم تعدد الحلم ذ ً‬
‫ل‪ ،‬ول التواهب فيما‬
‫ة‪.‬‬
‫بينها ضع ٌ‬
‫وقالوا في تأويل قوله‪ ":‬ما لبست العمائم"‪ ،‬يقول‪ :‬ما حافظت‬
‫على زيها‪ .‬وقوله‪ ":‬وتقلدت السيوف" يريد المتناع من الضيم‪.‬‬
‫وقوله‪ ":‬ولم تعدد الحلم ذ ً‬
‫ل"‪ ،‬يقول‪ :‬ما عرفت موضع الحلم‪،‬‬
‫وتأويل ذلك‪ :‬أن الرجل إذا أغضى للسلطان أو أغضى عن الجواب‬
‫وهو مأسور لم يقل‪ :‬حلم‪ ،‬وإنما يقال حلم إذا ترك أن يقول‬
‫الشيء لصاحبه منتصرًا‪ ،‬ول يخاف عاقبة يكرهها‪ ،‬فهذا الحلم‬
‫المحض‪ ،‬فإذا لم يفعل ذلك‪ ،‬ورأى أن تركه الحلم ذل فهو خطأ‬
‫ة" نحو من هذا‪ ،‬وهو أن‬
‫ه‪ .‬وقوله‪ ":‬ولم تر التواهب بينها ضع ٌ‬
‫وسف ٌ‬
‫يهب الرجل من حقه ما ل يستكره عليه‪.‬‬
‫وكان يقال‪ :‬أحيوا المعروف بإماتته‪ ،‬وتأويل ذلك أن الرجل إذا اعتد‬
‫بمعروفه كدره‪ ،‬وقيل‪ :‬المنة تهدم الصنيعة‪.‬‬
‫وكان يقال‪ :‬كتمان المعروف من المنعم عليه كفٌر‪ ،‬وذكره من‬
‫المنعم تكديرله‪.‬‬
‫وقال قيس بن عاصم‪ :‬يا بني تميم‪ ،‬اصحبوا من يذكر إحسانكم‬
‫إليه‪ ،‬وينسى أياديه إليكم‪.‬‬
‫باب‬
‫لبعض الشعراء يودح‬
‫أسليم بن الحنف‬
‫قال أبو العباس‪ :‬قال عبد الملك بن مروان لسلم بن الحنف‬
‫السدي‪ :‬ما أحسن ما مدحت به? فستعفاه‪ ،‬فأبى أن يعفيه وهو‬
‫معه على سريره‪ ،‬فلما أبى إل أن يخبره‪ ،‬قال قول القائل‪:‬‬
‫بسيد أهل الشام تحبوا‬
‫أل أيها الركب المخبون‬
‫وترجـعـوا‬
‫هل لـكـم‬
‫وهاب الرجال حلقة‬
‫من النفر البيض الذين‬
‫الباب قعقعوا‬
‫إذا اعتـزوا‬
‫له حوك بـرديه أجـادوا‬
‫إذا النفر السود اليمانون‬
‫‪113‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وأوسـع‬
‫نمـنـمـوا‬
‫وفرق المدارى رأسه‬
‫جل المسك والحمام‬
‫فهو أنـزع‬
‫والبيض كالدمى‬
‫فقال له عبد الملك‪ :‬ما قال أخو الوس أحسن مما قيل لك قال‬
‫أبو الحسن‪ :‬هو أبو قيس بن السلت‬
‫أطعم نوما ً غير‬
‫قد حصت البيضة‬
‫تهـجـاع‬
‫رأسي فما‬
‫لكثير في المدح‬
‫وحدثت أن كثيرا ً كان يقول‪ :‬لوددت أني كنت سبقت السود أو‬
‫العبد السود إلى هذين البيتين يعني نصيبا ً في قوله‪:‬‬
‫أقرت لنجواهم لؤي‬
‫من النفر البيض الذين‬
‫بن غالب‬
‫إذا انتجوا‬
‫يحيون عباسين شوس‬
‫يحيون بسامين طـورًا‪،‬‬
‫الحواجب‬
‫وتـارةً‬
‫والمختار من الشعر الول قوله‪:‬‬
‫وهاب الرجال حلقة‬
‫من النفر البيض الذين‬
‫الباب قعقعوا‬
‫إذا اعتزوا‬
‫يخبر بجللتهم ومعرفتهم بأقدارهم‪ ،‬وثقتهم بأن مثلهم ل يرد‪ ،‬وقد‬
‫قال‪ :‬جرير للتيم خلف هذا‪ ،‬وهو قوله‪:‬‬
‫نتفت شواربهم على‬
‫قوم إذا اختضر‬
‫البـواب‬
‫الملوك وفودهم‬
‫نقد لشعر نصيب‬
‫وحدثت أن جريرا ً كان يقول‪ :‬وددت أن هذا البيت من شعر هذا‬
‫العبد كان لي بكذا وكذا بيتا ً من شعري يعني قول نصيب‪:‬‬
‫وقل إن تملينا فما‬
‫بزينب ألمم قبل أن‬
‫ملك القلـب‬
‫يرحل الركب‬
‫وأما قول نصيب‪:‬‬
‫أوكل بدعدٍ من يهيم‬
‫أهيم بدعدٍ ما حييت‬
‫بها بعدي‬
‫وإن أمت‬

‫‪114‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫فلم تجد الرواة ول من يفهم جواهر الكلم له مذهبًا‪ ،‬وقد ذكر عبد‬
‫الملك لجلسائه ذلك فكل عابه‪ ،‬فقال عبد الملك ‪ :‬فلو كان إليكم‬
‫كيف كنتم قائلين? فقال رجل منهم‪ :‬كنت أقول‪:‬‬
‫فوا حزنا من ذا يهيم‬
‫أهيم بدعدٍ ما حييت‬
‫بها بعدي!‬
‫وإن أمـت‬
‫فقال عبد الملك‪ :‬ما قلت والله أسوأ مما قاله‪ ،‬فقيل له‪ :‬فكيف‬
‫كنت قائل ً في ذلك يا أمير المؤمنين? فقال كنت أقول‪:‬‬
‫فل صلحت دعد ٌ لذي‬
‫أهيم بدعدٍ ما حييت‬
‫خلةٍ بعدي‬
‫فـإن أمـت‬
‫فقالوا‪ :‬أنت والله أشعر الثلثة يا أمير المؤمنين‪.‬‬
‫?الفرزدق ونصيب وما قاله‬
‫من الشعر عند سليمان بن عبد الملك‬
‫ب على الفرزدق في موقفه عند سليمان بن عبد‬
‫وقد فضل نصي ٌ‬
‫الملك‪ ،‬وذلك أنهما حضرا‪ ،‬فقال سليمان للفرزدق‪ :‬أنشدني وإنما‬
‫أراد أن ينشده مدحا ً له فأنشده‪:‬‬
‫لها ترةٌ من جذبها‬
‫وركب كأن الريح‬
‫بالعصـائب‬
‫تطلب عندهم‬
‫إلى شعب الكوار‬
‫سروا يخبطون الريح‬
‫ذات الحقائب‬
‫وهي تلفهم‬
‫وقد خصرت أيديهم‬
‫إذا آنسوا نارا ً يقولون‬
‫نار غالـب‬
‫لـيتـهـا‬
‫فأعرض عنه سليمان كالمغضب‪ ،‬فقال نصيب‪ :‬يا أمير المؤمنين‪،‬‬
‫أل أنشدك في رويها ما لعله ل يتضع عنها! فقال‪ :‬هات‪ ،‬فأنشده‪:‬‬
‫قفا ذات أوشال‬
‫أقول لركب صادرين‬
‫ومولك قارب‬
‫لقيتهـم‬
‫لمعروفه من أهل‬
‫قفوا خبروني عن‬
‫ودان طلب‬
‫سليمان إنني‬
‫ولو سكتوا أثنت عليك‬
‫فعاجوا فأثنوا بالذي‬
‫الحقائب‬
‫أنت أهلـه‬

‫‪115‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وهذا في باب المدح حسن ومتجاوٌز ومبتدع لم يسبق إليه‪ .‬على‬
‫أن الشاعر وهو أخو همدان قد قال في عصره في غير المدح‪:‬‬
‫يمرون بالدهنا خفافا ً‬
‫ويخرجن من دارين‬
‫بجر الحقائب‬
‫عـيابـهـم‬
‫فندل ً زريق المال ندل‬
‫على حين ألهى الناس‬
‫الثعالـب‬
‫جل أمورهم‬
‫وليس شعر نصيب هذا الذي ذكرناه في المدح بأجود من قول‬
‫الفرزدق في الفخر‪ ،‬وإنما يفاضل بين الشيئين إذا تناسبا‪.‬‬
‫وقد قال سليمان للفرزدق وهو يقول‪:‬‬
‫وشر الشعر ما قال‬
‫وخير الشعر أشرفه‬
‫رجال ً‬
‫العبيد‬
‫ثم نرجع إلى تفسير الشعر‪ .‬وقوله‪:‬‬
‫يمرون بالدهنا خفافا ً عيابهم‬
‫يعني قوما ً تجارًا‪ ،‬وقد قالو إنما ذكر لصوصًا‪ ،‬والول أثبت‪ ،‬وذلك‬
‫أن دارين سوقٌ من أسواق العرب‪.‬وقوله ‪ ":‬بجر الحقائب" يقول‪:‬‬
‫عظام‪ ،‬ويقال للرجل إذا اندلقت سرته فنتأت متقدمة‪ :‬رجل أبجر‪،‬‬
‫ة تقعان في الشييء‪،‬‬
‫ة وفَعل ٌ‬
‫ة‪ .‬وفعل ٌ‬
‫ويقال لها‪ :‬البجرة والبجر َ‬
‫ة‪ ،‬ومثل هذا كثير‪.‬‬
‫صلع ٌ‬
‫ة وَقلف ٌ‬
‫يقال ‪ :‬قلف ٌ‬
‫ة‪ ،‬وصلعة و َ‬
‫وقوله‪ ":‬على حين ألهى الناس" إن شئت خفضت"حين" وإن شئت‬
‫نصبت‪ ،‬أما الخفض فلنه مخفوض فلنه مخفوض‪ ،‬وهو اسم‬
‫منصرف‪ ،‬وأما الفتح فلضافتك إياه إلى شيء معرب‪ ،‬فبنيته على‬
‫الفتح‪ ،‬لن المضاف و المضاف إليه اسم واحد فبنيته من أجل‬
‫ذلك‪ ،‬ولو كان الذي أضفته إليه معربا ً لم يكن إل محفوضًا‪ ،‬وما كان‬
‫سوى ذلك فهو لحن‪ ،‬تقول" جئتك على حين زيد" و" جئتك في‬
‫حين إمرة عبد الملك"‪ ،‬وكذا قول النابغة‪:‬‬
‫وقلت‪ :‬ألما أصح و‬
‫على حين عاتبت‬
‫الشـيب وازع!‬
‫المشيب على الصبا‬
‫إن شئت فتحت‪ ،‬وإن شئت خفضت‪ ،‬لنه مضاف إلى فعل غير‬
‫متمكن‪ .‬وكذلك قولهم‪":‬يومئذ"‪ ،‬تقول‪ :‬عجبت من يوم عبد الله‪ ،‬ل‬
‫يكون غيره‪ ،‬فإذا أضفته إلى "إذ"‪ ،‬فإن شئت فتحت على ما ذكرت‬
‫لك في "حين"‪ ،‬وإن شئت خفضت‪ ،‬لما كان يستحقه اليوم من‬
‫التمكن قبل الضافة‪ .‬تقرأ إن شئت ‪ ":‬من عذاب يومئذ" المعارج‬
‫‪116‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫‪ ،11‬وإن شئت‪ ":‬من عذاب يومئذ" المعراج ‪ 11‬على ما وصفت‬
‫لك‪ ،‬ومن خفض بالضافة قال‪ :‬سير بزيدٍ يومئذ‪ ،‬فأعربته في‬
‫موضع الرفع‪ ،‬كما فعلت به في الخفض‪ ،‬ومن قال‪ ".‬من خزي‬
‫ذ‪ ،‬يكون على حالة واحدة لنه‬
‫يومئذ " فبناه قال‪ :‬سير بزيدٍ يومئ ٍ‬
‫مبني‪ ،‬كما تقول‪ :‬دفع إلى زيد خمسة عشر درهمًا‪ ،‬وكما قال عز‬
‫وجل‪ " :‬عليها تسعة عشر " المدثر ‪ 30‬وأما قوله‪:‬‬
‫فندل ً زريق المال ندل الثعالب‬
‫فزريق قبيلة‪ .‬وقوله" ند ً‬
‫ل" مصدر‪ ،‬يقول‪ ،‬اندلي ندل ً يا زريق‬
‫المال‪ ،‬والندل‪ :‬أن تجذبه جذبًا‪ ،‬يقال‪ :‬ندل الرجل الدلو ندل ً إذا كان‬
‫يجذبها مملوءة من البئر‪ ،‬فنصب "ندل ً " بفعل مضمر وهو "أندلي "‬
‫وهذا في المر‪ ،‬تقول‪ :‬ضربا ً زيدًا‪ ،‬وشتما عبد الله‪ ،‬لن المر ل‬
‫يكون إل بفعل‪ ،‬فكان الفعل فيه أقوى‪ ،‬فلذلك أضمرته‪ ،‬ودل‬
‫المصدر على الفعل المضمر‪ ،‬ولو كان خبرا ً لم يجز فيه الضمار‪،‬‬
‫لن الخبر يكون بالفعل وغيره‪ ،‬والمر ل يكون إل بالفعل‪ ،‬قال الله‬
‫عز وجل ‪ ":‬فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب " محمد ‪.4‬‬
‫فكان في موضع " اضربوا"‪ ،‬حتى ‪:‬كان القائل قال‪ :‬فاضربوا‪ ،‬أل‬
‫ترى أنه ذكر بعده محضا ً في قوله‪ " :‬حتى إذا أثخنتموهم فشدوا‬
‫الوثاق" محمد ‪ 4‬ولو نون منون في غير القرآن لنصب " الرقاب"‬
‫وكذلك كل موضع هو بالفعل أولى‪.‬‬
‫وقوله‪ " :‬ندل الثعالب" يريد سرعة الثعالب‪ ،‬يقال في المثل‪":‬‬
‫أكسب من ثعلب"‪ .‬وأما قول نصيب‪ :‬ولو سكتوا أثنت عليك‬
‫الحقائب فإنما يريد أنهم يرجعون مملوءة حقائبهم من رفده‪ ،‬فقد‬
‫أثنت عليه الحقائب من قبل أن يقولوا‪ .‬وأما قول العشى‪:‬‬
‫ثناء على أعجازهن‬
‫وإن عتاق العيس‬
‫معـلـق‬
‫سوف تزوركم‬
‫فإنما أراد المدح الذي يحيدين به‪ ،‬و الحادي من ورائها‪ ،‬كما الهادي‬
‫أمامها‪.‬‬
‫وأما قول أبي وجزة السعدي‪:‬‬
‫ما حملت حملها‬
‫راحت بستين وسًقا في‬
‫الدنى ول السددا‬
‫حقيبتـهـا‬
‫فإنما أراد ما يوجب ستين وسقا‪ ،‬ل أن الناقة حملت ستين وسقا ً‬
‫حديث أبي وجزة وأبي زيد السلمي‬
‫‪117‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وكان من حديث ذلك أن أبا وجزة السلمي‪ ،‬المعروف بالسعدي‬
‫لنززله فيهم‪،‬ومحالفته إياهم‪ ،‬كان شخص إلى المدينه يريد آل‬
‫الزبير‪ ،‬وشخص أبو زيد السلمي يريد إبراهيم بن هشام بن‬
‫إسماعيل بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وهو والي‬
‫المدينة فاصطحبا‪ ،‬فقال أبو وجزة‪ :‬هلم فلنشترك فيما نصيبه‪،‬‬
‫فقال أبو زيد السلمي‪ :‬كل‪،‬أمدح الملوك‪ ،‬وأنت تمدح السوق فلما‬
‫دخل المدينة صار أبو زيد إلى إبراهيم بن هشام فأنشده ‪:‬‬
‫ياابن هشام يا أخا الكرام‬
‫فقال إبراهيم‪ :‬وإنما أنا أخوهم‪ ،‬وكأني لست منهم ثم أمر به‬
‫فضرب بالسياط وامتدح أبو وجزة آل الزبير‪ ،‬فكتبوا إليه بستين‬
‫ة‪ ،‬فانصرفا‪ ،‬فقال‬
‫وسقا ٌ من تمر‪ ،‬وقالوا‪ :‬هي لك عندنا في كل سن ٍ‬
‫أبو زيد‪:‬‬
‫حديثا ٌ فلم تهمم بأن‬
‫مدحت عروقا ٌ للندى‬
‫تتـزعـزهـا‬
‫مصب الثـرى‬
‫وحلبت اليام والدهـر‬
‫نقائذ بؤس ذاقت الفقر‬
‫أضـرعـا‬
‫والـغـنـى‬
‫وقد كربت أعناقها أن‬
‫سقاها ذوو الرحام‬
‫سج ً‬
‫تقـطـعـا‬
‫لعلى الظما‬
‫على الرض أرواهم‬
‫بفضل سجال لو سقوا‬
‫جميعا ٌ وأشبعا‬
‫من مشى بها‬
‫من الري لما أوشكت‬
‫فضمت بأيديها على‬
‫أن تضلعـا‬
‫فضل مـائهـا‬
‫مقاساتها من قبله‬
‫وزهدها أن تفعل الخير‬
‫الفقـر جـوعـا‬
‫في الغنـى‬
‫وقال أبو وجزة‪:‬‬
‫آل الزبير ولم تعدل‬
‫راحت رواحا ٌ قلوصي‬
‫بهـم أحـدا‬
‫وهي حامدة‬
‫ما حملت حملها الدنى‬
‫راحت بستين وسقا ٌ في‬
‫ول السددا‬
‫حقيبتـهـا‬
‫ما إن رأريت قلوصا ٌ‬
‫ستين وسقا ٌ ول جابت‬
‫بـه بـلـدا‬
‫قبلها حملت‬
‫‪118‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫يقرون ضيفهم الملوية‬
‫ذاك القرى‪ ،‬لقرى قوم‬
‫الـجـددا‬
‫رأيتـهـم‬
‫أما قول أبي زيد لبراهيم‪" :‬مدحت عروقا ٌ للندى مصت‬
‫الثرى‪....‬حديثٌا‪ "??????..‬فإنما عنى أن إبراهيم وأخاه محمدا ً إنما‬
‫تطمعا بالعيش‪ ،‬ودخل في النعمة‪ ،‬وخرجا من حد السوق إلى حد‬
‫الملوك حديثًا‪ ،‬وذلك بهشام بن عبد الملك لنهما كانا خاليه‪ ،‬وإنما‬
‫ولهما عن خمول‪.‬‬
‫وقوله‪ ":‬فلم تهمهم بأن تتزعزعا"‪ ،‬فإنما هذا مثل‪ :‬يقال‪ :‬فلن‬
‫يهتزللندى‪ ،‬ويرتاح لفعل الخير كما قال متمم بن نويرة‪:‬‬
‫إذا لم تجد عند امرىء‬
‫تراه كنصل السيف يهتز‬
‫السوء مطمعا‬
‫لـلـنـدى‬
‫وتأويل ذلك أنه يتحرك سرور لفعل الخير‪.‬‬
‫لبي رباط في ابنه‬
‫قال أبو العباس‪ :‬وأنشدني التوزي لبي رباط‪ ،‬يقول لبنه‪:‬‬
‫وولى شبابي ليس في‬
‫رأيت رباطـا ً حـين تـم‬
‫بـره عـتـب‬
‫شـبـابـه‬
‫فأنت الحلل الحلو والبارد‬
‫إذا كـان أولد الـرجـال‬
‫الـعـذب‬
‫مــرارةً‬
‫شديد على العداء مركبـه‬
‫ق‬
‫لنا جـانـ ٌ‬
‫ب مـنـه أنـي ٌ‬
‫صـعـب‬
‫ب‬
‫وجـانـ ٌ‬
‫كما اهتز تحت البارح‬
‫وتأخـذه عـنـد الـمـكـارم‬
‫الغصن الرطب‬
‫هـزةٌ‬
‫أعرابي عند عمر بن هبيرة‬
‫قال ‪ :‬وحدثني علي بن عبد الله قال‪ :‬حدثني العتبي قال ‪ :‬أشرف‬
‫عمر بن هبيرة الفزاري من قصره يوما ٌ فإذا هو بأعرابي يرقص‬
‫جمله الل‪ ،‬فقال لحاجبه‪ :‬إن أرادني هذا فأوصله إلي‪ ،‬فلما دنا‬
‫العرابي سأله فقال‪ :‬قصدت المير‪ .‬فأدخله إليه‪ ،‬فلما مثل بين‬
‫يديه قال له عمر‪ :‬ما خطبك فقال العرابي ‪:‬‬
‫فما أطيق العيال إذ‬
‫أصلحك الله‪ ،‬قل مـا‬
‫كثـروا‬
‫بـيدي‬
‫فأرسلوني إليك‬
‫ألح دهر أنحى‬
‫‪119‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وانتظـروا‬
‫بكلـكـلـه‬
‫غيث سحاب إن خانهم‬
‫رجوك للدهر أن تكون‬
‫مطر‬
‫لهـم‬
‫قال ‪ :‬فأخذت عمر الريحية‪ ،‬فجعل يهتز في مجلسه‪ ،‬ثم قال ‪:‬‬
‫أرسلوك إلي وانتظروا إذا ً والله ل تجلس حتى ترجع إليهم غانمًا‪،‬‬
‫فأمر له بألف دينار ورده على بعيره‪.‬‬
‫قال أبو العباس ‪ :‬وحدثني أبو إسحاق القاضي إسماعيل بن‬
‫إسحاق أن الخبر لمعن بن زائدة‪ ،‬وصح ذلك عندي‪.‬‬
‫س‪،‬‬
‫وقوله‪ ":‬نقائذ بؤس" واحدتها نقيذة‪ .‬وتأويله أنهم أنقذوا من بؤ ٍ‬
‫س‪،‬‬
‫يقال للرجل و المرأة ذلك على لفظ واحد‪ ،‬تقول‪ :‬هذا نقيذة بؤ ٍ‬
‫ة لهله‪،‬‬
‫تقع الهاء للمبالغة‪ ،‬لن أصله كالمصادر‪ ،‬كقولك ‪ :‬زيد مكرم ٌ‬
‫وزيد كريمة قومه‪ ،‬أي يحل محل العقدة الكريمة‪ ،‬والخصلة‬
‫الكريمة‪.‬‬
‫وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكرم جرير بن‬
‫عبد الله البجلي لما ورد عليه‪ ،‬فبسط له رداءه‪ ،‬وعممه بيده‪ ،‬وقال‬
‫له‪ " :‬إذا أتاكم كريمة قوم فأكرموه"‪.‬‬
‫هكذا روى فصحاء أصحاب الحديث‪.‬‬
‫وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل وروده عليه‪":‬‬
‫يطلع عليكم من هذا الفج خير ذي يمن‪ ،‬عليه مسحة ملك"‪.‬‬
‫?????????????????????????????????????????????????‬
‫???????????????????????????لصخر بن عمرو بن الشريد‬
‫وقال صخر بن عمرو بن الشريد‪ ،‬يعني معاوية أخاه‪ ،‬وكان قتله‬
‫هاشم ودريد ابنا حرملة المريان من غطفان‪ ،‬فقيل لصخر‪ :‬اهجهم‪،‬‬
‫فقال‪ :‬ما بيني وبينهم أقذع من الهجاء‪ ،‬ولو لم أمسك عن هجاءهم‬
‫إل صونا ً لنفسي عن الخنا لفعلت ثم قال‪:‬‬
‫أل ل تلوميني كفى‬
‫وعاذلة هبت بليل‬
‫اللوم ما بيا‬
‫تـلـومـنـي‬
‫وما لي إذا أهجوهم‬
‫تقول‪ :‬أل تهجو‬
‫ثم ما لـيا‬
‫فوارس هاشـم‬
‫وأن ليس إهداء الخنا‬
‫أبى الشتم أني قد‬
‫من شماليا‬
‫أصابوا كريمتي‬
‫‪120‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وتقول العرب للرجل‪ :‬رواية ونسابة‪ ،‬فتزيد الهاء للمبالغة‪ ،‬وكذلك‬
‫علمة وقد تلزم الهاء في السم فتقع للمذكر و المؤنث على لفظ‬
‫واحد‪ ،‬نحو ربعةٍ ويفعةٍ وصرورةٍ ‪ .‬وهذا كثير ل تنزع الهاء منه‪ ،‬فأما‬
‫رواية و علمة ونسابة فحذف الهاء جائز فيه‪ ،‬ول يبلغ في المبالغة‬
‫ما تبلغه الهاء‪.‬‬
‫وقوله‪:‬‬
‫" وحلبت اليام والدهر أضرعا"‬
‫فإنه مث ٌ‬
‫ل‪ ،‬يقال للرجل المجرب للمور‪ :‬فلن قد حلب الدهر‬
‫أشطره أي قد قاسى الشدة والرخاء‪ ،‬وتصرف في الفقر والغنى‪،‬‬
‫كما قال القائل‪:‬‬
‫شتى‪ ،‬وقاسيت فيها اللين‬
‫قد عشت في الناس‬
‫والفظـعـا‬
‫ق‬
‫أطوارا ً على طر ٍ‬
‫ول تخشعت مـن لوائهـا‬
‫كل بلوت‪،‬فل النعماء‬
‫جـزعـا ً‬
‫تـبـطـرنـي‬
‫ول أضـيق بـه ذرعـا ً إذا‬
‫ل يمل الهول صدري قبل‬
‫وقـعـا‬
‫موقـعـه‬
‫ومعنى قوله‪":‬أشطره" فإنما يريد خلوفه‪ ،.‬يقال‪:‬حلبتها شطرا ً بعد‬
‫ف عدي ٌ‬
‫ل لصاحبه‪.‬‬
‫ر‪،.‬وأصل هذا من التنصف‪ ،‬لن كل خل ٍ‬
‫شط ٍ‬
‫وللشطر وجهان في كلم العرب‪ ،.‬فأحدهما النصف كما ذكرنا‪ ،‬من‬
‫ذلك قولهم‪ :‬شاطرتك مالي‪ ،‬والوجه الخر القصد‪ ،‬يقال‪ :‬خذ شطر‬
‫د‪ ،‬أي قصده‪ ،‬قال الله عز وجل‪ ":‬فول وجهك شطر المسجد‬
‫زي ٍ‬
‫الحرام" البقرة ‪ 144‬أي قصده‪ "،‬وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم‬
‫شطره"‪.‬البقرة ‪ 144‬قال أبو العباس‪ :‬وأنشدني التوزي عن أبي‬
‫عبيدة قول الشاعر‪:‬‬
‫فشطرها نظر العينين‬
‫إن العسير بها داٌء‬
‫محسور‬
‫مخامرهـا‬
‫يريد ناحيتها وقصدها‪ ،‬والعسير‪ :‬التي تعسر بذنبها إذا حملت‪ ،‬أي‬
‫تشيله وترفعه‪ ،‬ومنه سمي الذنب عوسرًا‪ ،‬أي تضرب بذنبها‪.‬‬
‫ومعنى ذلك أنه ظهر من جهدها وسوء حالها ما أطيل معه النظر‬
‫إليها حتى تحسر العينان‪ .‬والحسير‪ :‬المعيي‪ ،‬وفي القرآن‪ ":‬ينقلب‬
‫إليك البصر خاسئا ً وهو حسيٌر"الملك ‪. 4‬‬
‫وقوله‪:‬‬
‫‪121‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫" سقاها ذوو الرحام سجل ً على الظما "‬
‫فالسجل في الصل الدلو‪ ،‬وإنما ضربه مثل ً لما فاض عليها من‬
‫ندى أقاربها‪ ،‬يقال للدلو‪ -‬وهي مؤنثة‪ :‬سجل وذنوب‪ ،‬وهما مذكران‪،‬‬
‫والغرب مذكر وهو الدلو العظيمة‪ ،‬ويقال‪ :‬فلن يساجل فلنًا‪ ،‬أي‬
‫يخرج من الشرف مثل ما يخرج الخر‪ ،‬وأصل المساجلة أن‬
‫يستقي ساقيان‪ ،‬فيخرج كل واحدٍ منهما في سجله مثل ما يخرج‬
‫الخر‪،‬فأيهما نكل فقد غلب‪ ،‬فضربته العرب مثل للمفاخرة‬
‫والمساماة‪ .‬وبين ذلك الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب في‬
‫قوله‪:‬‬
‫يمل الدلو إلى عقد‬
‫من يساجلني يساجل‬
‫ماجدا ً‬
‫الكرب‬
‫ويقال‪ :‬إن الفرزدق مر بالفضل وهو يستقي‪ ،‬وينشد هذا‬
‫ة منه‬
‫الشعر‪،‬فسرا الفرزدق ثيابه عنده‪ ،‬ثم قال‪ :‬أنا أساجلك‪ -‬ثق ً‬
‫بنسبه‪ -‬فقيل له‪ :‬هذا الفضل بن عباس بن عتبة بن أبي لهب‪ .‬فرد‬
‫الفرزدق ثيابه عليه ثم قال‪ :‬ما يساجلك إل من عض بأير‬
‫أبيه ????????‪ .‬يقال‪ :‬سرا ثوبه ونضا ثوبه في معنى واحد‪ ،‬إذا‬
‫نزعه‪ ،‬ويقال‪ :‬سرى عليه الهم إذا أتى لي ً‬
‫ل‪ ،‬وأنشد‪:‬‬
‫" سرى همي وهم المرء يسري "‬
‫وسرى همه إذا ذهب عنه‪ .‬و المواضخة مثل المساجلة‪ ،‬قال‬
‫العجاج‪:‬‬
‫" تواضخ التقريب قلوا ً مخلجا ً "‬
‫أي تخرج من العدو ما يخرج‪ ،.‬قال الله عز وجل على مخرج كلم‬
‫العرب وأمثالهم " فإن للذين ظلموا ذنوبا ً مثل ذنوب أصحابهم‬
‫"الذاريات ‪ 59‬وأصل الذنوب الدلو كما ذكرت لك‪ .‬وقال علقمة بن‬
‫عبدة للحارث بن أبي شمر الغساني‪ ":‬قال أبو الحسن ‪ :‬غير أبي‬
‫العباس يقول شمٌر‪ ،‬وبعضهم يقول شمٌر " وكان أخوه أسيرا ً‬
‫عنده‪ ،‬وهو شأس بن عبدة أسره في وقعة عين أباغ‪ " .‬قال أبو‬
‫الحسن‪ :‬غيره يقول إباغ‪ ،‬بالكسر " في الواقعة التي كانت بينه‬
‫وبين المنذر بن ماء السماء‪ ،‬في كلمةٍ له مدحه فيها‪:‬‬
‫س من نداك‬
‫وفي كل حي قد‬
‫فحق لشأ ٍ‬
‫ذنـوب‬
‫ة‬
‫خبطت بنعم ٍ‬
‫‪122‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ة ‪.‬وقوله‪:‬‬
‫فقال الملك‪ :‬نعم وأذنب ٌ‬
‫" وقد كربت أعناقها أن تقطعا "‬
‫يقول‪ :‬سقيت هذا السجل وقد دنت أعناقها من أن تقطع عطشًا‪،‬‬
‫وكرب في معنى المقاربة‪ ،‬يقال‪:‬كاد يفعل ذلك‪ ،‬وجعل يفعل ذلك‪،‬‬
‫وكرب يفعل ذلك‪ ،‬أي دنا من ذلك‪ .‬ويقال‪ :‬جاء زيد والخيل كاربته‪،‬‬
‫أي قد دنت منه وقربت‪ .‬فأما أخذ يفعل‪ ،‬و جعل يفعل‪ ،‬فمعناهما‬
‫أنه قد صار يفعل‪ ،‬ول تقع بعد واحدة منهما‪":‬أن "إل أن يضطر‬
‫شاعٌر‪ ،‬قال الله عز وجل‪ ":‬إذا أخرج يده لم يكد يراها " النور ‪40‬‬
‫أي لم يقرب من رؤيتها‪ ،‬وإيضاحه‪ :‬لم يرها ولم يكد‪ ،‬وكذلك ‪":‬‬
‫ق‬
‫يكاد سنا برقه يذهب بالبصار"‪ ،‬وكذلك‪ ":‬كاد يزيغ قلوب فري ٍ‬
‫منهم" التوبة ‪ 117‬بغير" أن "‪ .‬ومن أمثال العرب‪ :‬كاد النعام‬
‫يطير‪ ،‬وكاد العروس يكون أميرًا‪ ،‬وكاد المنتعل يكون راكبا ً وقد‬
‫اضطر الشاعر فأدخل " أن" بعد " كاد"‪ ،‬كما أدخلها هذا بعد "‬
‫كرب" فقال‪:‬‬
‫" وقد كربت أعناقها أن تقطعها "‬
‫وقال رؤبة‪:‬‬
‫" قد كاد من طول البلى أن يمصحا "‬
‫فكاد بمنزلة كرب في العمال والمعنى‪ ،‬قال الشاعر‪:‬‬
‫سبقت إليك الموت‪،‬‬
‫أغثني غياثا ً يا سـلـيمـان‬
‫والموت كاربي‬
‫إنـنـي‬
‫ورهطي‪ ،‬وما عاداك‬
‫ر‬
‫خشية جورٍ من أمـي ٍ‬
‫مثل القارب‪.‬‬
‫ط‬
‫مـسـلـ ٍ‬
‫وقوله‪ ":‬لما أوشكت أن تضلعا "‪:‬يقول‪ :‬لما قاربت ذلك‪ ،‬والوشيك‬
‫القريب من الشيء والسريع إليه‪ ،‬يقال‪ :‬يوشك فلن أن يفعل كذا‬
‫وكذا‪ ،‬والماضي منه أوشك‪ ،‬ووقعت بأن وهو أجود‪ ،‬وبغير "أن" كما‬
‫كان ذلك في "لعل"‪ ،‬تقول‪ :‬لعل زيدا ً يقوم‪ ،‬فهذه الجيدة‪ ،‬قال الله‬
‫عز وجل‪( :‬لعل الساعة تكون قريبًا) الحزاب ‪ 63‬و(لعله يتذكر أو‬
‫يخشى) طه ‪ 44‬و(لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا) الطلق ‪ 1‬وقال‬
‫تميم بن نويرة‪:‬‬
‫عليك من الئي يدعنك‬
‫لعلك يوما ً أن تلـم‬
‫أجدعا‬
‫ة‬
‫مـلـم ٌ‬
‫‪123‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وعسى‪ ،‬الجود فيها أن تستعمل بأن‪ ،‬كقولك‪ :‬عسى زيد أن يقوم‪،‬‬
‫كما قال الله عز وجل‪" :‬فعسى الله أن يأتى بالفتح " المائدة ‪:52‬‬
‫وقال جل ثناؤه " عسى الله أن يتوب عليهم " التوبة ‪ 102‬ويجوز‬
‫طرح " أن " وليس بالوجه الجيد‪ ،‬قال هدبة‪:‬‬
‫ج‬
‫عسى الكر بالذي‬
‫يكون وراءه فر ٌ‬
‫قـريب‬
‫أمسيت فيه‬
‫وقال آخر‪:‬‬
‫بمنهمرٍ جون الرباب‬
‫عسى الله يغني عن‬
‫سـكـوب‬
‫بلد ابن قادٍر‬
‫وحروف المقاربة لها باب قد ذكرناها فيه على مقاييسها في‬
‫الكتاب المقتضب بغاية الستقصاء‪.‬وقوله‪ ":‬أن تضلعا"‪،‬معناه أن‬
‫تمتلئ‪ ،‬وأصله أن الطعام و الشراب يبلغان الضلع‬
‫فيكظانها‪،‬كذلك قال الصمعي في قولهم‪ :‬أكل حتى تضلع‪.‬‬
‫ة‬
‫وأما قول أبي وجزة‪ ":‬راحت بستين وسقًا" فالوسق خمسة أقفز ٍ‬
‫بملجم البصرة‪ ،‬وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم‪":‬‬
‫ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة " فما كان أقل من خمسة‬
‫وعشرين قفيزا ً بالقفيز الذي وصفنا‪ ،‬وهو نصف القفيز البغدادي‬
‫في أرض الصدقة فل صدقة فيه‪ ،‬وإنما أراد‪ :‬أنه أخذ الكتاب بهذه‬
‫الوسق‪ ،‬فلذلك قال‪:‬‬
‫ما إن رأيت قلوصا ً‬
‫ستين وسقا ً ول جابت‬
‫به بلـدا‬
‫قبلها حملت‬
‫وأما قوله‪:‬‬
‫يقرون ضيفهم الملوية الجددا‬
‫د‪ ،‬وكذلك باب " فعيل" الذي هو‬
‫فإنما أراد السياط‪ ،‬وجمع جديدٍ جد ٌ‬
‫ف‪،‬‬
‫ف ورغ ٍ‬
‫اسم‪ ،‬أو مضارع للسم‪ ،‬نحو قضيب وقضيب‪ ،‬ورغي ٍ‬
‫وكذلك سرير وسرٌر وجديد ٌ وجدٌد‪ ،‬لنه يجري مجرى السماء‪،‬‬
‫ة أن تبدل من‬
‫وجريٌر وجرٌر‪ ،‬فما كان من المضاعف جاز فيه خاص ً‬
‫ضمته فتحة لن التضعيف مستثق ٌ‬
‫ل‪ ،‬والفتحة أخف من الضمة‪،‬‬
‫فيجوز أن يمال إليها استخفافًا‪ ،‬فيقال‪ :‬جدد ٌ وسرٌر‪ ،‬ول يجوز هذا‬
‫ف‪ ،‬وقد قرأ بعض القراء‪ ":‬على‬
‫في مثل قضيب لنه ليس بمضاع ٍ‬
‫سررٍ موضونةٍ " الواقعة ‪ ،15‬ويقال للسوط‪ :‬الصبحي‪ ،‬ينسب إلى‬
‫‪124‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ذي أصبح الحميري‪ ،‬وكان أول من اتخذ هذه السياط التي يعاقب‬
‫بها السلطان‪ ،‬ويقال له‪ :‬العرفاص والقطيع‪ .‬وقال الشماخ‪:‬‬
‫تكاد تطير من رأي القطيع‬
‫ة شهرت سيفها=وقد زيد في‬
‫وقال الصلتان العبدي‪? :‬أرى أم ً‬
‫سوطها الصبحي وقال الراعي‪:‬‬
‫بالصبحية قائما‬
‫أخذوا العريف فقطعوا‬
‫ًمـغـلـول‬
‫حيزومه‬
‫وقال الراجز‪:‬‬
‫حتى تردى طرف العرفاص‬
‫وقوله‪ ":‬ول جابت به بلدا"‪ ،‬يقول‪ :‬ول قطعت به‪ ،‬يقال‪ :‬جبت البلد‪،‬‬
‫وقال الله عز وجل‪ " :‬وثمود الذين جابوا الصخر بالواد" الفجر ‪.9‬‬
‫ويقال‪ :‬رجل جواب جوا ٌ‬
‫ل‪ .‬وأنشدني علي بن عبد الله‪ ،‬قال‪:‬‬
‫أنشدني القحذمي‪:‬‬
‫خمسون بالمغدور‬
‫ما من أتت من دون‬
‫بالجـهـل‬
‫مـولـده‬
‫ترك الصبا ومشى‬
‫فإذا مضت خمسون‬
‫على رسل‬
‫ل‬
‫عن رج ٍ‬
‫وأمر مصعب بن الزبير رجل ً من بني أسد بن خزيمة بقتل مرة بن‬
‫محكان السعدي‪ ،‬فقال مرة في ذلك‪:‬‬
‫تميما ً إذا الحرب‬
‫بني أسد إن تقتلوني‬
‫العوان اشمعلت‬
‫تـحـاربـوا‬
‫ك على الدنيا إذا ما‬
‫ولست وإن كانت إلـي‬
‫ببا ٍ‬
‫تـولـت‬
‫ة‬
‫حـبـيب ً‬
‫ب قد كانت‬
‫قوله‪ ":‬إذا الحرب العوان" فهي التي تكون بعد حر ٍ‬
‫قبلها‪ ،‬وكذلك أصل العوان في المرأة إنما هي التي قد تزوجت‪ ،‬ثم‬
‫عاودت فخرجت عن حد البكر‪ ،‬وقول الله عز وجل في كتابه‬
‫ض ول بكر" البقرة ‪ 68‬هو تمام الكلم‪ ،‬ثم استأنف‬
‫العزيز‪ ":‬ل فار ٌ‬
‫فقال‪":‬عوان بين ذلك" البقرة ‪ 68‬والفارض ههنا‪ :‬المسنة‪ ،‬والبكر‬
‫ض أي واسعة‪ ،‬وفرض القوس موضع‬
‫الصغيرة‪ ،‬ويقال‪ :‬لهاةٌ فار ٌ‬
‫ض‪ ،‬والفرضة متطرقٌ إلى النهر‪ ،‬قال‬
‫معقد الوتر‪ ،‬وكل حز فر ٌ‬
‫الراجز‪:‬‬
‫‪125‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ج ولهاة فارض‬
‫لها زجا ٌ‬
‫وقوله" اشمعلت‪ ،‬إنما هو ثارت فأسرعت‪ ،‬قال الشماخ‪:‬‬
‫أروع في السفر وفي‬
‫رب ابن عم لسيلمى‬
‫الحي غزل‬
‫مشـمـعـل‬
‫طباخ ساعات الكرى‬
‫زاد الكسل‬
‫وقوله‪:‬‬
‫ك على‬
‫ولست وإن كانت إلي‬
‫ببا ٍ‬
‫الدنـيا‪........‬‬
‫ة‬
‫حبيب ٍ‬
‫ك على الدنيا وإن كانت إلي‬
‫إنما هو تفديم وتأخير‪ ،‬أراد‪ :‬ولست ببا ٍ‬
‫حبيبة‪ .‬ولول هذا التقدير لم يجز أن يضمر قبل الذكر‪ ،‬ومثله‪:‬‬
‫تلق السماحة منه‬
‫إن تلق يوما ً على‬
‫علته هرما ً‬
‫والندى خلقا‬
‫وكذلك قول حسان بن ثابت‪:‬‬
‫أو كان منتسبا ً في‬
‫قد ثكلت أمه من كنت‬
‫برثن السد‬
‫واحدة‬
‫ويقول‪ :‬من كنت واحده قد ثكلت أمه‪ ،‬وكذلك‪:‬‬
‫ج جمل‬
‫شر يوميها وأخزاه لها‬
‫ركبت هند ٌ بحد ٍ‬
‫يقول‪ :‬ركبت هند بحدج جمل في شر يوميها‪ ،‬وقال رجل من مزينة‪:‬‬
‫بها منزل ً إل جديب‬
‫خليلي بالبوباة عوجا‬
‫المقـيد‬
‫فل أرى‬
‫تهامة في حمامها‬
‫نذق برد نجدٍ بعد ما‬
‫المتوقـد‬
‫لعبت بنا‬
‫قوله‪ ":‬بالبوباة"‪ ،‬فهي المتسع من الرض‪ ،‬وبعضهم يقول‪ :‬هي‬
‫الموماة بعينها‪ ،‬قلبت الميم باء لنهما من ااشفة‪ ،‬ومثل ذلك كثير‪،‬‬
‫يقولون‪ :‬ما اسمك وبا اسمك? ويقولون‪ :‬ضربة لزم ولزب‪،‬‬
‫ويقولون‪ :‬هذا ظأمي وظأبي‪ ،‬يعنون السلف‪ ،‬قال أبو الحسن‪:‬‬
‫الجيد سلف‪ ،‬وما قال ليس بممتنع‪ ،‬ويقولون‪ :‬زكبة سوٍء وزكمة‬
‫سوٍء‪،‬أي ولد سوء ويقولون‪ :‬عجم الذنب وعجب الذنب‪ ،‬ويقولون‪:‬‬
‫رجل أخرم و أخرب‪ ،‬وهذا كثير‪ .‬وقال عمر بن أبي ربيعة‪:‬‬
‫والربع من أسماء‬
‫عوجا نحيي الطلل‬
‫‪126‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫والمنزل‬
‫المحول‬
‫تقادم العهد بـأن‬
‫بجانب البوباة لـم‬
‫يؤهـل‬
‫نـعـده‬
‫ب‪ ،‬وخصب‬
‫ب وجدي ٌ‬
‫وقوله‪ ":‬إل جديب المقيد"‪ ،‬يقال‪ :‬بلد جد ٌ‬
‫ب ومجدب‪،‬‬
‫ب‪ ،‬وجدي ٌ‬
‫ب ومخص ٌ‬
‫وخصيب‪ ،‬والصل في النعت خصي ٌ‬
‫ب وأنت تريد‬
‫والخصب والجدب إنما هما ما حل فيه‪ ،‬وقيل‪ :‬خصي ٌ‬
‫ب‪ ،‬كقولك‪ :‬عذاب أليم وأنت‬
‫ب وأنت تريد مجد ٌ‬
‫مخصب‪ ،‬وجدي ٌ‬
‫تريده مؤلم‪ ،‬قال ذو الرمة‪:‬‬
‫يصك وجوهها وهج‬
‫ونرفع من صدور‬
‫ألـيم‬
‫ت‬
‫شمردل ٍ‬
‫ع‪ ،‬قال عمرو بن معد يكرب‪:‬‬
‫ويقال‪ :‬رجل سميع‪ ،‬أي مسم ٌ‬
‫يؤرقني وأصحابي‬
‫أمن ريحانة الداعي‬
‫هجوع‬
‫السميع‬
‫وأما قوله‪ ":‬المقيد" فهو موضع التقييد‪ :‬وكل مصدر زيدت الميم‬
‫في أوله إذا جاوزت الفعل من ذوات الثلثة فهو على وزن‬
‫المفعول‪ ،‬وكذلك إذا أردت اسم الزمان واسم المكان‪ ،‬تقول‪:‬‬
‫أدخلت زيدا ً مدخل ً كريمًا‪ .‬وسرحته مسرحا ً حسنًا‪ ،‬واستخرجت‬
‫الشيء مستخرجًا‪ ،‬قال جرير‪:‬‬
‫ألم تعلم مسرحي‬
‫فل عيا ً بهن ول اجتلبا‬
‫القوافي‬
‫أي تسريحي‪ ،‬وقال عز وجل‪ ":‬وقل رب أنزلني منزل ً مباركا ً "‬
‫المؤمنون ‪ 29‬ويقال‪ :‬قمت مقامًا‪ ،‬واقمت مقاما ً وقال عز وجل‪":‬‬
‫إنها ساءت مستقرا ً ومقاما ً " الفرقان ‪ 66‬أي موضع‪ ،‬وقال‬
‫الشاعر‪:‬‬
‫مغار ابن همام على‬
‫وما هي إل في إزارة‬
‫حي خثعما‬
‫ة‬
‫و علـق ٍ‬
‫يريد زمن إغارة ابن همام‪.‬‬
‫وأما قوله‪ ":‬نذق برد نجدٍ "‪ ،‬فذاك لن نجدا ً مرتفعة وتهامة غوٌر‬
‫منخفض‪ ،‬فنجد ٌ باردة‪.‬‬
‫ويروى عن الصمعي أنه قال‪ :‬هجم علي شهر رمضان وأنا بمكة‪،‬‬
‫‪127‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫فخرجت إلى الطائف لصوم بها هربا ً من حر مكة فلقيني أعرابي‬
‫فقلت له‪ :‬أين تريد? فقال‪ :‬أريد هذا البلد المبارك لصوم هذا‬
‫الشهر المبارك فيه‪ .‬فقلت له‪ :‬أما تخاف الحر? فقال من الحر‬
‫أفر‪.‬‬
‫وهذا الكلم نظير كلم الربيع بن خثيم‪ ،‬فإن رجل ً قال له ‪ -‬وقد‬
‫ة حتى اصبح ‪ -‬أتعبت نفسك‪ ،‬فقال‪ :‬راحتها أطلب‪ :‬إن‬
‫صلى ليل ً‬
‫أفره العبيد أكيسهم‪.‬‬
‫ونظير هذا الكلم قول روح بن حاتم بن قبيصة بن المهلب ‪ -‬ونظر‬
‫إليه رجل واقفا ً بباب المنصور في الشمس ‪ -‬فقال‪ :‬قد طال‬
‫ح‪ :‬ليطول وقوفي في الظل‪.‬‬
‫وقوفك في الشمس! فقال رو ٌ‬
‫ومثله من الشعر قوله‪ :‬قال أبو الحسن‪ :‬هو عروة بن الورد‪:‬‬
‫ولم تدر أني للمقام‬
‫تقول سليمى لو‬
‫أطـوف‬
‫أقمت بأرضنا‬
‫سيدركه من بعدنا‬
‫لعل الذي خوفتنا من‬
‫المتخلـف‬
‫ورائنـا‬
‫ويروى ‪ ":‬لسرنا"‪ .‬وقال آخر‪:‬‬
‫وتسكب عيناي الدموع‬
‫سأطلب بعد الدار‬
‫لتجمدا‬
‫منكم لتقربوا‬
‫وهذا معنى كثير حسن جميل‪.‬‬
‫وقال حبيب بن أوس الطاءي‪:‬‬
‫أجد فكان داعية‬
‫أآلفة النجب كم‬
‫اجتمـاع‬
‫ق‬
‫افـتـرا ٍ‬
‫ف على ترح‬
‫وليست فرحة‬
‫لموقو ٍ‬
‫الوداع‬
‫الوبـات إل‬
‫وقال رجل ‪ -‬واعتل في غربةٍ فتذكر أهله‪:‬‬
‫ة في عظم‬
‫لو أن سلمى أبصرت‬
‫ودق ً‬
‫ساقـي ويدي‬
‫تخـددي‬
‫عضت من الوجد‬
‫وبعد أهلي وجـفـاء‬
‫بأطراف اليد‬
‫عـودي‬
‫قوله‪ ":‬أبصرت تخددي"‪ ،‬يريد ما حدث في جسمه من النحول‪،‬‬
‫وأصل الخد ما شققته في الرض‪ ،‬قال الشماخ‪:‬‬
‫‪128‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫بطامسة العلم‬
‫فقلت لهم خدوا له‬
‫خفاقة الل‬
‫برماحكم‬
‫ويقال للشيخ‪ :‬قد تخدد‪ ،‬يراد قد تشنج جلده‪ ،‬وقال الله عز وجل‪":‬‬
‫قتل أصحب الخدود" البروج‪ ،4 :‬وقيل في التفسير‪ :‬هؤلء قوم‬
‫خدوا أخاديد في الرض‪ ،‬وأشعلوا فيها نيرانا ً فحرقوا بها المؤمنين‪.‬‬
‫وقوله‪:‬‬
‫عضت من الوجد بأطراف اليد‬
‫فإن الحزين‪ ،‬والمغيظ‪ ،‬والنادم والمتأسف يعض أطراف أصابعه‬
‫جزعًا‪ ،‬قال الله عز وجل ‪ " :‬عضوا عليكم النامل من الغيظ " آل‬
‫عمران ‪.119‬‬
‫وفي مثل ما ذكرنا من تخدد لحم الشيخ‪ ،‬يقول القائل‪:‬‬
‫أفنى ثـلث عـمـائم‬
‫يا من لشيخ قد تخـدد‬
‫ألـوانـا‬
‫لـحـمـه‬
‫وأجد لونا ً بعـد ذاك‬
‫ة وسحـق‬
‫سوداء حالك ً‬
‫هـجـانـا‬
‫ف‬
‫مـفـو ٍ‬
‫ة‬
‫صحب الزمان على‬
‫فأراه منـه كـراه ً‬
‫وهـوانـا‬
‫اختلف فنونه‬
‫وحنون قائم صلبه‬
‫قصر الليالي خطـوة‬
‫فـتـحـانـى‬
‫فـتـدانـى‬
‫وكأنما يعـنـى بـذاك‬
‫والموت يأتي بعـد ذلـك‬
‫سـوانـا‬
‫كـلـه‬
‫وقوله‪:‬‬
‫أفنى ثلث عمائم ألوانا‬
‫يعني أن شعره كان أسود‪ ،‬ثم حدث فيه شيب مع السواد‪ ،‬فذلك‬
‫قوله‪ :‬مفوف‪ ،‬والتفويف‪ :‬التنقيش‪ ،‬وإنما أخذ من الفوف‪ ،‬وهي‬
‫النكتة البيضاء التي تحدث في أظفار الحداث‪ ،‬وسميت بذلك‬
‫ف‪ ،‬والسحق‪ :‬الخلق‪،‬‬
‫لشبهها بشجرة يقال لها الفوفة وجمعها فو ٌ‬
‫ب‪ .‬وقوله‪ :‬أجد أي‬
‫ب‪ ،‬وسمل ثو ٍ‬
‫ب‪ ،‬وجرد ثو ٍ‬
‫يقال‪ :‬عنده سحق ثو ٍ‬
‫أستجد لونًا‪ ،‬والهجان البيض‪ ،‬وهي العمامة الثالثة يعني حيث‬
‫شمله الشيب‪.‬‬
‫باب‬
‫‪129‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫من أمثال العرب‬
‫قال أبو العباس‪ :‬من أمثال العرب‪ :‬لم يذهب من مالك ما وعظك‪.‬‬
‫يقول‪ :‬إذا ذهب من مالك شيء‪ ،‬فحذرك أن يحل بك مثله‪ ،‬فتأديبه‬
‫ض من ذهابه‪.‬‬
‫إياك عو ٌ‬
‫ومن أمثالهم‪ :‬رب عجلةٍ تهب ريثا‪ .‬وتأويله أن الرجل يعمل العمل‬
‫فل يحكمه للستعجال به‪ ،‬فيحتاج إلى أن يعود فينقضه ثم يستأنف‪،‬‬
‫والريث البطاء‪ ،‬وراث عليه أمره إذا تأخر‪.‬‬
‫ومن أمثال العرب‪ :‬عش ول تغتر‪ .‬وأصل ذلك أن يمر صاحب البل‬
‫بالرض المكلئة فيقول‪ :‬أدع أن أعشي إبلي منها حتى أرد على‬
‫أخرى‪ ،‬ول يدري ما الذي يرد عليه‪.‬‬
‫وقريب منه قولهم‪ ":‬أن ترد الماء بماء أكيس"‪ .‬وتأويله أن يمر‬
‫الرجل بالماء فل يحمل منه أتكال ً على ماٍء آخر يصير إليه‪ ،‬فيقال‬
‫له‪ :‬أن تحمل معك ماء أحزم لك‪ ،‬فإن أصبت ماء آخر لم يضرك‬
‫فإن لم تحمل فخفقت من الماء عطبت‪.‬‬
‫ومن أمثالهم‪ ":‬قد أحزم لو أعزم "‪ ،‬يقول‪ :‬أعرف وجه الحزم فإن‬
‫م‪ ،‬وإن تركت الصواب وأنا أراه‬
‫عزمت فأمضيت الرأي فأنا حاز ٌ‬
‫وضيعت العزم لم ينفعني حزمي‪ ،‬ومثله قول النابغة الجعدي‪:‬‬
‫أبى لي البلء وإني‬
‫إذا ما تبينت لم أرتـب‬
‫امرؤٌ‬
‫وقال أعرابي يمدح سوار بن عبد الله‪:‬‬
‫وأمضى إذا ما شك من‬
‫وأوقف عند المر ما لم‬
‫كلم ماضيا‬
‫يضـح لـه‬
‫فالذي يحمد إمضاء ما تبين رشده‪ ،‬فأما القدام على الغرر وركوب‬
‫المر على الخطر فليس بمحمود عندي ذوي اللباب‪ ،‬وقد يتحسن‬
‫بمثله الفتاك‪ ،‬كما قال‪:‬‬
‫تراث كريم ل يخاف‬
‫عليكم بداري‬
‫العواقـبـا‬
‫فاهدموها فإنـهـا‬
‫وأعرض عن ذكر‬
‫إذا هم ألقى بين عينيه‬
‫العواقب جانبا‬
‫عـزمـه‬
‫ولم يرض إل قائم‬
‫ولم يستشر في رأيه‬
‫السيف صاحبا‬
‫غير نفسـه‬
‫‪130‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫فهذا شأن الفتاك‪ ،‬وقال الخر‪:‬‬
‫ألمت قليل ً أم كثيرا ً‬
‫غلم إذا ما هم بالفتك‬
‫عواذله‬
‫لم يبل‬
‫وقال آخر‪:‬‬
‫وما الحزم إل أن تهم‬
‫وما العجز إل أن‬
‫تشاور عاجزا ً‬
‫فتفعـل‬
‫فأما قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه‪ :‬من أكثر الفكرة في‬
‫العواقب لم يشجع‪ ،‬فتأويله أنه من فكر في ظفر قرنه به‪ ،‬وعلوه‬
‫عليه لم يقدم‪ ،‬وإنما كان الحزم عند علي رضي الله عنه أن يحظر‬
‫أمر الدين ثم ل يفكر في الموت‪ .‬وقد قيل له‪ :‬أتقتل أهل الشام‬
‫بالغداة‪ ،‬وتظهر بالعشي في إزار ورداٍء? فقال‪ :‬أبالموت أخوف?‬
‫والله ما أبالي أسقطت على الموت‪ ،‬أم سقط الموت علي‪.‬‬
‫ة‪ ،‬فإن دعيت إليها‬
‫وقال للحسن ابنه‪ :‬ل تبدأ بدعاٍء إلى مبارز ٍ‬
‫فأجب‪ ،‬فإن طالبها باٍغ‪ ،‬والباغي مصروع‪.‬‬
‫وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يلتف في كسائه‪ ،‬وينام‬
‫ناحية المسجد‪ ،‬فلما ورد المرزبان عليه جعلوا يسألون عنه‪ .‬فيقال‪:‬‬
‫مر ههنا آنفًا‪ ،‬فيصغر في القلب المرزبان إذ رآه كبعض السوق‪،‬‬
‫حتى انتهى إليه‪ ،‬وهو نائم في ناحية المسجد‪ ،‬فقال المرزبان‪ :‬هذا‬
‫والله الملك الهنيء‪ .‬يقول‪ :‬ل يحتاج إلى أحراس ول عدٍد‪ ،‬فلما‬
‫جلس عمر امتل قلب العلج منه هيبة لما رأى عنده من الجد‬
‫والجتهاد‪ ،‬وألبس من هيبة التقوى‪.‬‬
‫للكلبي وقد سأله خالد القسري عن السؤدد‬
‫وقال الكلبي‪ :‬قال لي خالد بن عبد الله بن يزيد بن أسد بن كرٍز‬
‫القسري‪ :‬ما تعدون السؤدد? فقلت‪ :‬أما في الجاهلية فالرياسة‪،‬‬
‫وأما في السلم فالولية‪ ،‬وخيٌر من ذا وذاك التقوى‪ ،‬فقال لي‪:‬‬
‫صدقت كان أبي يقول‪ :‬لم يدرك الول الشرف إل بالفعل‪ ،‬ول‬
‫يدركه الخر إل بما أدرك به الول‪ ،‬قال‪ :‬فقلت‪ :‬صدق أبوك‪ ،‬ساد‬
‫الحنف بحلمه‪ ،‬وساد مالك بن مسمع بمحبة العشيرة له‪،‬وساد‬
‫قتيبة بدهائه‪ ،‬وساد المهلب بجميع هذه الخلل‪ ،‬فقال لي‪ :‬صدقت‪،‬‬
‫كان أبي يقول‪ :‬خير الناس للناس خيرهم لنفسه‪ ،‬وذلك أنه إذا كان‬
‫كذلك اتقى على نفسه من السرق لئل يقطع‪ ،‬ومن القتل لئل يقاد‪،‬‬
‫ومن الزنى لئل يحد‪ ،‬فسلم الناس منه باتقائه على نفسه‪.‬‬
‫‪131‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫نبذ من أقوال الحكماء‬
‫قال أبو العباس‪ :‬وكان عبد الله بن يزيد أبو خالد من عقلء‬
‫الرجال‪ ،‬قال له عبد الملك يومًا‪ :‬ما مالك? فقال‪ :‬شيئان ل عيلة‬
‫علي معهما‪ ،‬الرضا من الله‪ ،‬والغنى عن الناس‪ .‬فلما نهض من بين‬
‫يديه قيل له‪ :‬هل خبرته بمقدار مالك? فقال‪ :‬لم يعد أن يكون قليل ً‬
‫فيحرقني‪ ،‬أو كثيرا ً فيحسدني وقال رسول الله صلى الله عليه‬
‫سلم‪ ":‬من سره أن يكون أعز الناس فليتق الله‪ ،‬ومن سره أن‬
‫يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يده‪،‬‬
‫ومن سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله"‪.‬‬
‫وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه‪ ":‬من سره الغنى بل مال‪،‬‬
‫والعز بل سلطان‪ ،‬والكثرة بل عشيرة‪ ،‬فليخرج من ذل معصية الله‬
‫إلى عز طاعته‪ ،‬فإنه واجد ذلك كله"‪.‬‬
‫وخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فحمد الله بما‬
‫هو أهله ثم أقبل على الناس‪ ،‬فقال‪ ":‬أيها الناس إن لكم معالم‬
‫فانتهوا إلى معالمكم‪ ،‬وإن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم‪ ،‬فإن العبد‬
‫ل قد مضى ل يدري ما الله فاعل فيه‪ ،‬وأج ٌ‬
‫بين مخافتين‪ :‬أج ٌ‬
‫ل باق‬
‫ل يدري ما الله قاض فيه‪ ،‬فليأخذ العبد من نفسه لنفسه‪ ،‬ومن‬
‫دنياه لخرته‪ ،‬ومن الشبيبة قبل الكبر‪ ،‬ومن الحياة إلى الممات‪ ،‬فو‬
‫الذي نفس محمد بيده‪ ،‬ما بعد الموت من مستعتب‪ ،‬ول بعد الدنيا‬
‫من دار إل الجنة أو النار"‪.‬‬
‫وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ ":‬أمرني ربي بتسع‪،‬‬
‫الخلص في السروالعلنية‪ ،‬والعدل في الغضب والرضا‪ ،‬والقصد‬
‫في الفقر والغنى‪ ،‬وأن أعفو عمن ظلمني‪ ،‬وأصل من قطعني‪،‬‬
‫وأعطي من حرمني‪ ،‬وأن يكون نطقي ذكرًا‪ ،‬وصمتي فكرًا‪،‬‬
‫ونظري عبرة"‪.‬‬
‫حدثت أنه التقى حكيمان‪ ،‬فقال أحدهما للخر ‪ :‬إني لحبك في‬
‫الله‪،‬فقال له الخر ‪ :‬لو علمت مني ماأعلمه من نفسي لبغضتني‬
‫في الله ‪ .‬فقال له صاحبه‪ :‬لو علمت من ما تعلمه من نفسك لكان‬
‫لي فيما أعلمه من نفسي شغل‪ .‬وكان مالك بن دينار يقول ‪:‬‬
‫جاهدوا أهوءاكم كما تجاهدون أعداءكم ‪.‬وكان يقول‪ :‬ما أشد فطام‬
‫الكبير‪.‬‬
‫‪132‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وقيل لعمر بن عبد العزيز‪ :‬أي الجهاد أفضل فقال‪ :‬جهادك هواك‪.‬‬
‫وكان الحسن يقول‪ :‬حادثوا هذه القلوب‪ ،‬فإنها سريعة الدثور ‪.‬‬
‫واقدعوا هذه النفس فإنها طلعة‪ ،‬وإنكم إل تقدعوها تنزع بكم إلى‬
‫شر غاية‪.‬‬
‫قوله‪ ":‬حادثوا" مثل‪ ،‬ومعناه‪ :‬اجلوا واشحذوا‪ ،‬تقول العرب‪ :‬حادث‬
‫فلن سيفه إذا جله وشحذه‪ ،‬وقال زيد الخيل‪:‬‬
‫كريه كلما دعـيت‬
‫وقد علمت سلمة أن‬
‫نـزال‬
‫سيفي‬
‫وأعجمه بهامات‬
‫أحادثه بصـقـل كـل‬
‫الرجـال‬
‫يوم‬
‫قوله‪ ":‬أعجمه بهامات الرجال"‪ :‬أي أعضه‪ ،‬يقال عجمه إذا عضه‬
‫والدثور الدروس يقال‪ :‬دثر الربع إذا مح ومعناه‪ :‬تعهدوها بالفكر‬
‫والذكر‪ .‬وقوله‪ ":‬فإنها طلعة"‪ ،‬يقول‪ :‬كثيرة التشوف والتنزي إلى‬
‫ما ليس لها ‪ .‬وأنشد الصمعي‪:‬‬
‫إل بما سر نفس‬
‫زل تمليت من مال ول‬
‫الحاسد الطلعه‬
‫عمـر‬
‫قال‪ :‬ويقال للجارية إذا كانت تبرز وجهها لتري حسنها ثم تخفيه‬
‫لتوهم الحياء‪ :‬خبأة طلعة‪.‬‬
‫وكان عمر بن عبد العزيز رحمه الله يقول‪ :‬أيها الناس إنما خلقتم‬
‫للبد‪ :‬ولكنكم تنقلون من دار إلى دار‪ .‬ويروي عن المسيح صلوات‬
‫الله عليه وسلمه أنه كان يقول‪ :‬إن احتجتم إلى الناس فكلوا‬
‫قصدا ً وامشوا جانبًا‪.‬‬
‫ولما احتضر قيس بن عاصم قال لبنيه‪ :‬يا بني‪ ،‬احفظوا عني ثلثًا‪،‬‬
‫فل أحد أنصح لكم مني‪ :‬إذا أنا مت فسودوا كباركم‪ ،‬ول تسودوا‬
‫صغاركم‪ ،‬فيحقر الناس كباركم‪ ،‬وتهنوا عليهم‪ .‬وعليكم بحفظ‬
‫المال فإنه منبهة للكريم‪ ،‬ويستغنى به عن اللئيم‪ ،‬وإياكم والمسألة‬
‫فإنها أخر كسب الرجل‪.‬‬
‫باب‬
‫لرجل من العراب يرثي رجل ً منهم قال أبو العباس‪ :‬أنشدت لرجل‬
‫من العراب يرثي رجل ً منهم‪:‬‬
‫ولكنه لم يعد أن طر‬
‫فلو كان شيخا ً قد‬
‫شـاربـه‬
‫لبسنا شبـابـه‬
‫‪133‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫يرى مقترا ً أو أنه ذل‬
‫جانـبـه‬

‫وقاك الردى من ود أن‬
‫ابن عمه‬
‫لحسان يوصي امرأته‬
‫وقال آخر لمرأته‪:‬‬
‫ظلوم العشيرة‬
‫فاما هلكت فل‬
‫حسادهـا‬
‫تنكحـي‬
‫لديه‪ ،‬ويبغض من‬
‫يرى مجده ثلب‬
‫سادها‬
‫أعراضها‬
‫لصخر بن حبناء يعاتب أخاه‬
‫وقال آخر ‪ :‬قال أبو الحسن‪ :‬هو ليزيد بن حبناء أو لصخر بن حبناء‪،‬‬
‫يقول لخيه‪:‬‬
‫لحى الله أكبانا زنادا ً‬
‫وأيسرنا عن عرض‬
‫والده ذبـا‬
‫وشـرنـا‬
‫رأيته لما نلت مال ً‬
‫زمان ترى في حد‬
‫أنيابه شغبا‬
‫ومـسـنـا‬
‫فأمسك‪ ،‬ول تجعل‬
‫جعلت لنا ذنبا ً لتـمـنـع‬
‫غناك لنا ذنبا ً‬
‫نـائل ً‬
‫قوله‪ ":‬أكبانا زنادًا"‪ ،‬الزناد التي تقدح بها النار‪ ،‬ويقال ‪ :‬أورى‬
‫القادح إذا خرجت له النار‪ ،‬وأكبى إذا أخفق منها ‪ :‬هذا أصله يضرب‬
‫للرجل الذي ينبعث الخير عن يديه‪ ،‬ويضرب الكباء للذي يمتنع‬
‫الخير على يديه‪ ،‬قال العشى‪:‬‬
‫ك صادف منهن مرخ‬
‫وزندك خير زناد‬
‫عفارا‬
‫الـمـلـو‬
‫صفاة بنبـع لوريت‬
‫ولو بت تقدح فـي‬
‫نـارا‬
‫ة‬
‫ظـلـم ٍ‬
‫و المرخ والعفار‪ :‬شجر تسرع فيه النار‪ ،‬ومن أمثالهم‪ ":‬في كل‬
‫شجر نار‪ ،‬واستمجد المرخ والعفار "‪ :‬واستمجد‪ :‬استكثر‪ ،‬يقال ‪:‬‬
‫أمجدته سبا وأمجدته ذما‪ ،‬إذا أكثرت من ذلك‪ ،‬ومن أمثالهم ‪ ":‬أرخ‬
‫يديك واسترخ‪ ،‬إن الزناد من مرخ"‪.‬‬
‫‪134‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ويقال ‪ :‬رجل ذو شغب إذا كان يشغب على خصمه‪ ،‬ضربه مثل ً‬
‫للزمان الذي يهر على أربابه‪ ،‬أي يمسهم بالفقر والجدب ‪.‬‬
‫لعبد الله بن معاوية يعاتب صديقه‬
‫وقال عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ‪:‬‬
‫رأيت فضيل ً كان شيئا ً‬
‫فكشفه التمحيص‬
‫ملـفـفـا ً‬
‫حتى بـدا لـيا‬
‫فإن عرضت أيقنت أن‬
‫أأنت أخي ما لم تـكـن‬
‫ل أخا ليا‬
‫حـاجة‬
‫بلوتك في الحاجات إل‬
‫فل زاد ما بيني وبينك‬
‫تـمـاديا‬
‫بـعـدمـا‬
‫ول بعض ما فيه إذا‬
‫فلست براء عيب ذي‬
‫كنت راضيا‬
‫الود كـلـه‬
‫ولكن عين السخط‬
‫فعين الرضا عن كل‬
‫تبدي المساويا‬
‫عيب كلـيلة‬
‫ونحن إذا متنا أشـد‬
‫كلنا غني عـن أخـيه‬
‫تـغـانـيا‬
‫حـياتـه‬
‫قوله ‪ ":‬كان شيئا ً ملففًا" يقول ‪ :‬كان أمرا ً مغطى‪ .‬والتمحيص‪:‬‬
‫الختبار‪ ،‬يقال أدخلت الذهب في النار فمحصته أي خرج عنه ما لم‬
‫يكن منه‪ ،‬وخلص الذهب‪ ،‬قال الله عز وجل‪ :‬وليمحص الله الذين‬
‫أمنوا ويمحق الكفرين" آل عمران ‪ 141 :‬ويقال ‪ :‬محص فلن من‬
‫ذنوبه‪.‬‬
‫وقوله‪ " :‬أأنت أخي ما لم تكن لي حاجة" تقرير وليس باستفهام‪،‬‬
‫ولكن معناه‪ :‬أني قد بلوتك تظهر الخاء فإذا بدت الحاجة لم أر من‬
‫إخائك شيئا ً وقال الله عز وجل ‪ ":‬ءأنت قلت للناس اتخذوني و‬
‫أمي إلهين من دون الله" المائدة ‪ 116‬إنما هو توبيخ وليس‬
‫باستفهام‪ .‬وهو رجل وعز العالم بأن عيسى لم يقله‪ .‬وقد ذكرنا‬
‫التقرير الواقع‪ ،‬بلفظ الستفهام في موضعه من الكتاب "‬
‫المقتضب " مستقصى‪ ،‬ونذكر منه جملة في هذا الكتاب إن شاء‬
‫الله تعالى‪.‬‬
‫لعلي بن أبي طالب في الشجاع‬

‫‪135‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وقال علي بن أبي طالب رحمه الله ‪ :‬ثلثة ليعرفون إل في‬
‫ثلث‪،‬ل يعرف الشجاع إل في الحرب‪ ،‬ول الحليم إل عند الغضب‪،‬‬
‫ول الصديق إل عند الحاجة ‪.‬‬
‫لعبد الله بن معاوية يمدح‬
‫وقال عبد الله بن معاوية أيضٌا‪:‬‬
‫من كنت في غيبه‬
‫أنى يكون أخا ٌ أو ذا‬
‫مستشعرا ٌ وجل‬
‫مـحـافـظة‬
‫سوءا ٌ وتسأل عما قال‬
‫إذا تغيب لم تبـرح‬
‫أو فـعـل‬
‫تـظـن بـه‬
‫لعبد الله بن الزبير السدي‬
‫يمدح عمرو بن عثمان بن عفان‬
‫وقال آخر ‪:‬‬
‫أيادي لـم تـمـنـن وإن‬
‫سأشكر عمرا ٌ ما‬
‫جـلـت‬
‫تراخت منـيتـي‬
‫ول مظهر الشكوى إذا‬
‫فتى غير محجوب‬
‫النعل زلت‬
‫الغنى عن صديقه‬
‫فكانت قذى عينيه حتى‬
‫رأى خلتي من حيث‬
‫تـجـلـت‬
‫يخفى مكانهـا‬
‫ما تمثل به علي بن أبي طالب‬
‫من الشعر حينما رأى طلحة في القتلى‬
‫وتمثل علي بن أبي طالب رضي الله عنه في طلحة بن عبيد الله‬
‫رحمه الله ‪:‬‬
‫إذا ما هو استغنى ويبعده‬
‫فتى كان يدنيه الغنى مـن‬
‫الـفـقـر‬
‫صـديقـه‬
‫به جفوة إن نـال مـال ً ول‬
‫فتى ل يعـد الـمـال ربـا‬
‫كـبـر‬
‫ولتـرى‬
‫إذا ثوب الداعي‪ ،‬وتشفى‬
‫فتى كان يعطي السيف‬
‫به الجـزر‬
‫في الروع حقه‬
‫على إثره يوما ً وإن نفس‬
‫وهون وجدي أنني سـوف‬
‫الـعـمـر‬
‫أغـتـدي‬

‫‪136‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫قال أبو الحسن‪ :‬بعضهم يقول هو للبيرد الرياحي‪ ،‬وبعد البيت‬
‫الثالث‪:‬‬
‫حميدا ً وأودى بعدك‬
‫فل يبعدنك الله‪ ،‬إما‬
‫المجد و الفخر‬
‫تـركـتـنـا‬
‫كلمة علي بن أبي طالب‬
‫في طلحة حينما رآه مقتول ً‬
‫قال أبو العباس‪ :‬وحدثني التوزي قال‪ :‬حدثني محمد بن عباد بن‬
‫حبيب بن المهلب ‪-‬أحسبه عن ابيه‪ -‬قال‪ :‬لما انقضى يوم الجمل‬
‫خرج علي بن أبي طالب رحه الله ذلك اليوم ومعه قنبٌر‪ ،‬وبيده‬
‫مشعلة من النار يتصفح القتلى حتى وقف على رجل ‪ -‬قال التوزي‬
‫فقلت‪ :‬أهو طلحة? قال نعم ‪ -‬فلما وقف عليه قال‪ :‬أعزز علي أبا‬
‫محمد أن اراك معفرا ً تحت نجوم السماء وفي بطون الودية!‬
‫شفيت نفسي وقتلت معشري إلى الله أشكو عجري وبجري! قوله‬
‫معفرا ً أي ملصق الوجه بالتراب‪ ،‬ويقال للتراب‪ :‬العفر والعفر‬
‫يقال‪ :‬ما مشى على عفر التراب مثل فلن‪.‬‬
‫وقوله‪ ":‬إلى الله أشكو عجري وبجري"‪ ،‬يقول‪ :‬ما أسر من أمري‪.‬‬
‫ن فلنا ً‬
‫قال الصمعي‪ :‬هو قول سائٌر‪ .‬في أمثال العرب‪ ":‬لقي فل ٌ‬
‫فأبثه عجره وبجره"‪.‬‬
‫مما قيل في الشباب والهرم‬
‫وقال النمر بن تولب ‪:‬‬
‫حوادث أيام تمـر و‬
‫تدارك ما قبل الشباب‬
‫أغـفـل‬
‫وبـعـده‬
‫فكيف يرى طول‬
‫يسرالفتى طول‬
‫السلمة يفعل‬
‫السلمة والبقـا‬
‫بنوء إذا رام القـيام‬
‫يرد الفتى اعـتـدال‬
‫ويحـمـل‬
‫ة‬
‫وصـح ٍ‬
‫قصر " البقاء" ضرورة‪ ،‬وللشاعر إذا اضطر أن يقصر المدود‪،‬‬
‫وليس له أن يمد المقصور‪ ،‬وذلك أن الممدود قبل آخره ألف‬
‫زائدة‪ ،‬فإذا احتاج حذفها لنها ألف زائدة‪ ،‬فإذا حذفها رد الشيء‬
‫إلى أصله‪ ،‬ولو مد المقصور لكان زائدا ً في الشيء ما ليس منه‪،‬‬
‫قال الشاعر وهو يزيد بن عمرو بن الصعق‪:‬‬
‫‪137‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫يشن عليكم بالفنا كل‬
‫فرغتم لتمرين‬
‫مربع‬
‫السياط وأنتم‬
‫فقصر "الفناء" وهو ممدود‪ .‬وقال الطرماح‪:‬‬
‫لمعفور الضرا ضرم‬
‫وأخرج أمه لسواس‬
‫الجنين‬
‫سلمـى‬
‫قوله‪ ":‬وأخرج"‪ ،‬يعني رمادًا‪ ،‬والخرج الذي في لونه سواد وبياض‪،‬‬
‫يقال‪ :‬نعامة خرجاء‪.‬‬
‫وقوله‪ ":‬لسواس سلمى"‪ ،‬فإن أجأ وسلمى جبل ً طيئ‪ ،‬وسواس‬
‫سلمى‪:‬الموضع الذي بحضرة سلمى‪ ،‬يقال‪ :‬هذا من سواس فلن‬
‫ومن توس فلن‪ :‬أي من طبعه‪ .‬وأمه‪ :‬يعني الشجرة التي هي‬
‫أصله‪.‬‬
‫ة‪،‬‬
‫وقوله "لمعفور الضرا"‪ :‬فالضراء‪ :‬ما واراك من شجرة خاص ً‬
‫والخمر ما واراك من شيء‪.‬‬
‫والمعفور‪ :‬يعني ما سقط من النار من الزند‪.‬‬
‫وقوله‪ ":‬ضرم الجنين" يقول مشتع ٌ‬
‫ل‪ ،‬والجنين‪ :‬ما لم يظهر بعد‪،‬‬
‫يقال للقبر جنن‪ ،‬والجنين‪ :‬الذي في بطن أمه‪ ،‬والمجن‪ :‬الترس‬
‫لنه يستر‪ ،‬والمجنون‪ :‬المغطى العقل‪ ،‬وسمي الجن جنا ً لختفائهم‪،‬‬
‫وتسمى الدروع الجنن لنها تستر من كان فيها‪ .‬وقصر " الضراء"‬
‫وهو ممدود‪ ،‬ومثل هذا كثير في الشعر جدًا‪.‬‬
‫ل‪ ،‬قال الله عز‬
‫وقوله‪ ":‬ينوء إذا رام القيام"‪ ،‬يقول‪ :‬ينهض في تثاق ٍ‬
‫وجل‪ ":‬ما إن مفاتحه للدرأ بالعصبة"القصص ‪ 76‬والمعنى أن‬
‫العصبة تنوء بالمفاتح‪ ،‬ولشرح هذا موضع آخر‪.‬‬
‫وقال آخر‪:‬‬
‫أنوء ثلثا ً بعدهن قيامي‬
‫ويروى عن رسول اله صلى الله عليه وسلم أنه قال "كفى‬
‫بالسلمة داًء"‪ .‬وقال حميد بن ثور الهللي ‪:‬‬
‫وحسبك داًء أن تصح‬
‫أرى بصري قد رابني‬
‫وتسلمـا‬
‫ة‬
‫بعد صح ٍ‬
‫إذا طلبا أن يدركا ما‬
‫ول يلبث العصـران‬
‫تـيمـمـا‬
‫ة‬
‫م ولـيل ٌ‬
‫يو ٌ‬
‫وقال أبو حية النميري‪:‬‬

‫‪138‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫لبسن البلى مما‬
‫لبسن الليالـيا‬
‫تقاضاه شيٌء ل يمل‬
‫التقاضيا‬

‫أل حي من أجل‬
‫الحبيب المغانيا‬
‫إذا ما تقاضى المرء‬
‫ة‬
‫م وليل ٌ‬
‫يو ٌ‬
‫وقال بعض شعراء الجاهلية‪:‬‬
‫فألنها الصباح و‬
‫كانت قناتي ل تلين‬
‫المـسـاء‬
‫لـغـامـر‬
‫ليصحني‪ ،‬فإذا‬
‫ودعوت ربي في‬
‫السلمة جاهدا ً‬
‫الـسـلمة داء‬
‫وقال عنترة بن شداد‪:‬‬
‫ولكن ما تقادم مـن‬
‫فما أوهى مراس‬
‫زمـانـي‬
‫الحرب ركني‬
‫ومن أمثال العرب إذا طال عمر الرجل أن يقولوا‪ ":‬لقد أكل الدهر‬
‫عليه وشرب"‪ ،‬إنما يريدون أنه أكل هو وشرب دهرا ً طوي ً‬
‫ل‪ ،‬قال‬
‫الجعدي‪:‬‬
‫أكل الدهر عليهم وشرب‬
‫والعرب تقول‪ :‬نهارك صائم‪ ،‬وليلك قائم‪ ،‬أي أنت قائم في هذا‬
‫وصائم في ذاك‪،‬كما قال الله عز وجل ‪ ":‬بل مكر الليل والنهار"‬
‫سبأ ‪ 33‬والمعنى والله أعلم‪ ،‬بل مكركم في الليل والنهار‪ ،‬وقال‬
‫جرير‪:‬‬
‫ونمت‪ ،‬وما ليل‬
‫لقد لمتنا يا أم غيلن‬
‫المطي بنـائم‬
‫في السرى‬
‫للفرزدق يرثي ابني مسمع‬
‫وقال الفرزدق‪:‬‬
‫وتنهى عن ابني مسمع‬
‫تبكي على المنتوف‬
‫من بكاهما!‬
‫ل‬
‫بكر بـن وائ ٍ‬
‫كرام المساعي قبل‬
‫غلمان شبا في‬
‫وصل لحاهما‬
‫الحروب وأدركـا‬
‫وابنا مسمع كان قتلهما معاوية بن يزيد بن الملهب مع عدي بن‬
‫أرطاة لما أتاه خبر قتل أبيه‪ ،‬وكان ابنا مسمع ممن خالف على‬
‫يزيد بن الملهب‪ .‬والمنتوف كان مولى لبني قيس بن ثعلبة بن‬
‫‪139‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫عكابة‪ .‬وابنا مسمع من بني قيس بن ثعلبة‪ ،‬وكان المنتوف‬
‫كالخليفة ليزيد بن الملهب‪ ،‬وفي ذلك يقول جرير‪:‬‬
‫فقتلتهم جنود الله‬
‫والزد قد جعلوا‬
‫وانتـتـفـوا‬
‫المنتوف قائدهم‬
‫وتمام شعر الفرزدق‪:‬‬
‫لكان على الناعي‬
‫ولو قتل من جذم بكر‬
‫شديدا ً بكاهما‬
‫بن وائل‬
‫ولو كان حيا ً مال ٌ‬
‫إذا أوقدا نارين يعلو‬
‫ك‬
‫سناهما‬
‫ك‬
‫وابن مال ٍ‬
‫السنا‪ :‬ضوء النار‪ ،‬وهو مقصور‪ ،‬قال الله عز وجل‪" :‬يكاد سنا برقة‬
‫يذهب بالبصار" النور ‪ 43‬والسناء من الشرف‪ ،‬ممدود‪ ،‬قال‬
‫حسان بن ثابت‪:‬‬
‫وأسناها إذا ذكر‬
‫وإنك خير عثمان بن‬
‫السنـاء‬
‫رو‬
‫عم ٍ‬
‫والبكاء يمد ويقصر‪ ،‬فمن مد فإنما جعله كسائر الصوات‪ ،‬وليكون‬
‫المصدر في معنى الصوت مضموم الول إل ممدودًا‪ ،‬لنه يكون‬
‫ل"‪ ،‬وقد جاء في‬
‫ل" وقلما يكون المصدر على "فع ٍ‬
‫على "فعا ٍ‬
‫حروف‪ :‬نحو‪ :‬الهدى والسرى وما أشبهه‪ ،‬وهو يسير‪ ،‬فأما الممدود‬
‫فنحو‪ :‬العواء‪ ،‬والدعاء‪ .‬والرغاء‪ ،‬والثغاء‪ ،‬فكذلك البكاء‪ ،‬ونظيره من‬
‫الصحيح الصراخ والنباح‪ ،‬ومن قصر فإنما جعل البكاء كالحزن‪ ،‬وقد‬
‫قال حسان‪ ،‬فقصر ومد‪:‬‬
‫وما يغنى البكاء ول‬
‫بكت عيني وحق لها‬
‫العويل‬
‫بكاها‬
‫لجرير يرثي ابنه سوادة‬
‫وقال جرير‪:‬‬
‫كيف العزاء وقد فارقت‬
‫ر‬
‫قالوا نصيبك من أج ٍ‬
‫أشبـالـي‬
‫فقلت لـهـم‬
‫بازٍ يصرصر فوق‬
‫هذا سوادة يجلو مقـلـتـي‬
‫المرقب العالي‬
‫لـحـم ٍ‬
‫وحين صرت كعظم‬
‫فارقته حين غض الدهر‬
‫‪140‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫الرمة البالـي‬
‫من بصري‬
‫قوله‪ ":‬يجلو مقلتي لحم "‪ ،‬شبه مقلتيه بمقلتي البازي‪ ،‬ويقال‪":‬‬
‫طائر لحم" من هذا‪ .‬وقوله‪ ":‬يصرصر" يعني يصوت‪ ،‬يقال‪:‬صرصر‬
‫البازي والصقر‪ ،‬وما كان من سباع الطير‪ ،‬ويقال‪ :‬صرصر‬
‫العصفور‪ :‬وأحسبه مستعارًا‪ .‬لن الصل فيه أن يستعمل في‬
‫الجوارح من الطير‪ ،‬قال جرير‪:‬‬
‫بازٍ يصرصر بالسهبى قطا ً جونا‬
‫وقال آخر‪:‬‬
‫كما صرصر العصفور في الرطب الثعد‬
‫وأنشدني عمارة‪ ":‬باز يصعصع" وهو أصح قال أبو الحسن‪":‬‬
‫يصعصع" وهو الصواب‪ ،‬ولكن هكذا وقع في كتابه‪ .‬ويصرصر‬
‫ليتعدى ‪ .‬قال أبو العباس‪ :‬وقوله‪ ":‬كعظم الرمة " فهي البالية‬
‫الذاهبة‪ ،‬والرميم‪ :‬مشتق من الرمة‪ ،‬وإنما هو فعي ٌ‬
‫ة‪ ،‬وليس‬
‫ل وفعل ٌ‬
‫بجمع له واحد‪.‬‬
‫ومما كفرت به الفقهاء الحجاج بن يوسف قوله‪ :‬والناس يطوفون‬
‫بقبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنبره وإن شئت قلت‪":‬‬
‫يطيفون "‪ ،‬قال أبو زيد‪ :‬تقول العرب‪ :‬طفت وأطفت به‪ ،‬ودرت‬
‫وأدرت به‪ ،‬ويقال‪ :‬حدق وأحدق‪ :‬قال الخطل‪:‬‬
‫بي المنية واستبطأت‬
‫ب‬
‫المنعمون بنو حر ٍ‬
‫أنصاري‬
‫وقد حدقت‬
‫ة‪.‬‬
‫إنما يطوفون بأعوادٍ ورم ٍ‬
‫ومن أمثال العرب‪ ":‬لول أن تضيع الفتيان الذمة‪ ،‬لخبرتها بما تجد‬
‫البل في الرمة "‪ ،.‬يقول‪ :‬لول أن تدع الحداث التمسك بالوفاء‪،‬‬
‫والرعاية للحرمة لعلمتها أن البل تتناول العظم البالي‪ ،‬وهو أقل‬
‫الشياء فتجد له لذة‪.‬‬
‫ومثل بيت جرير الخير قول أبي الشغب يرثي ابنه شغبًا‪:‬‬
‫عزا ً تزداد به في عزها‬
‫ب لو ان‬
‫قد كان شغ ٌ‬
‫مـضـر‬
‫الله عـمـره‬
‫دكا ً فلم يبق من‬
‫ليت الجبال تداعت‬
‫أحجارها حجـر‬
‫قبل مصرعـه‬
‫بئس الحليفان‪ :‬طول‬
‫فارقت شغبا ً وقد‬
‫‪141‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫الحزن والكبر‬
‫ر‬
‫قوست من كبـ ٍ‬
‫قوله‪ ":‬قوست " يقول‪ :‬انحنيت كالقوس‪ ،‬قال امرؤ القيس‪:‬‬
‫ول من رأيت الشيب‬
‫أراهن ليحببن من‬
‫فيه‪ ،‬وقوسا‬
‫قـل مـالـه‬
‫لسليمان بن قتة يرثي الحسين بن علي‬
‫وقال سليمان بن قتة يرثي الحسين بن علي بن أبي طالب عليهما‬
‫السلم‪:‬‬
‫فلم أرها كعهدها يوم‬
‫مررت على أبيات آل‬
‫حـلـت‬
‫محـمـدٍ‬
‫وإن أصبحت من أهلها‬
‫فل يبعد الله الـديار‬
‫قد تخلت‬
‫وأهـلـهـا‬
‫فقد عظمت تلك‬
‫وكانوا رجاًء ثم صـاروا‬
‫الرزايا وجلت‬
‫ة‬
‫رزي ً‬
‫أذل رقاب المسلمـين‬
‫وإن قتيل الطف من‬
‫فـذلـت‬
‫آل هـاشـم ٍ‬
‫سنجزيهم يوما ً بها‬
‫وعند غني قطرةٌ مـن‬
‫حيث حلـت‬
‫دمـائنـا‬
‫س إذا‬
‫إذا افتقرت قيس جبرنا‬
‫و تقتلنا قي ٌ‬
‫النعـل زلـت‬
‫فقيرهـا‬
‫وسليمان بن قتة رجل من بني تميم بن مرة بن كعب بن لؤي‪،‬‬
‫ً‬
‫وكان منقطعا إلى بني هاشم ٍ‬
‫للفرزدق يرثي ابنيه‬
‫وقال الفرزدق يرثي ابنيه‪:‬‬
‫رزية شبلي مخدرٍ في‬
‫بفي الشامتين الترب‬
‫الضراغم‬
‫أن كان مسني‬
‫ولو عاش أياما ً طوال‬
‫وما أحد ٌ كـان الـمـنـايا‬
‫بـسـالـم‬
‫وراءه‬
‫عليه المنايا من ثنايا‬
‫أرى كل حي ما تزال‬
‫المـخـارم‬
‫ة‬
‫طـلـيع ً‬
‫يذكرني ابني السماكـان‬

‫إذا ارتفعا فوق النجوم‬
‫‪142‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫مـوهـنـا ً‬
‫الـعـواتـم‬
‫وإخوانهم‪ ،‬فاقني حـياء‬
‫وقد رزىء القوام قبلـي‬
‫الـكـرائم‬
‫بـنـيهـم‬
‫وعمرو بن كلثوم شهـاب‬
‫ومات أبي والمنـذران‬
‫الراقـم‬
‫كـلهـمـا‬
‫وعمرو أبو عمرو‪ ،‬وقيس‬
‫وقد كان مات القرعان‬
‫بن عاصم‬
‫وحـاجـب‬
‫ومات أبو غسان شيخ‬
‫وقد مات بسطام بن قيس‬
‫الـلـهـازم‬
‫بن خـالـدٍ‬
‫عشية بانا رهط كـعـب‬
‫وقد مات خيراهم فلم‬
‫وحـاتـم‬
‫يهـلـكـاهـم‬
‫فلن يرجع الموتى حنين‬
‫فما ابناك إل من بني‬
‫الـمـآتـم‬
‫الناس فاصبري‬
‫قال‪:‬وأنشدني التوزي عن أبي زيد‪ ":‬خنين المآتم " بالخاء معجمة‬
‫ة‪ ،‬وهي‬
‫قوله‪ ":‬ما تزال طليعة " يريد طالع ً‬
‫ة‪ ،‬والثنايا جمع ثني ٍ‬
‫الطريق في الجبل‪ ،‬من ذلك‪:‬‬
‫متى أضع العمامة‬
‫أنا ابن جل وطلع‬
‫تعرفوني‬
‫الثـنـايا‬
‫م‪ ،‬وهو منقطع أنف الجبل‪ .‬وقوله‪ ":‬فوق‬
‫والمخارم‪ :‬جمع مخر ٍ‬
‫النجوم العواتم "‪ ،‬يعني المتأخرة‪ ،‬يقال‪ :‬فلن يأتينا ول يعتم‪ :‬أي‬
‫ليتأخر‪ ،‬وعتمة اسم للوقت‪ ،‬فلذلك سميت الصلة بذلك الوقت‪،‬‬
‫وكل صلة مضافة إلى وقتها‪ ،‬تقول‪ :‬صلة الغداة‪ ،‬وصلة الظهر‪،‬‬
‫وصلة العصر‪.‬وما قولك‪ :‬الصلة الولى‪ ،‬فالولى نعت لها إذا كانت‬
‫أول ما صلي‪ ،‬وقيل أول ما أظهر‪.‬‬
‫وقوله‪ ":‬فاقني حياء الكرائم " يقول‪ :‬فالزمي‪ ،‬وأصل القنية المال‬
‫ل‪ ،‬وقيل في قول‬
‫اللزم‪ ،‬يقال‪ :‬اقتنى فلن مال ً إذا اتخذ أصل ما ٍ‬
‫الله عز وجل‪ ":‬وأنه هو أغنى وأقنى"‪ ،‬النجم‪ . 48 :‬أي جعل لهم‬
‫أصل مال‪ ،‬وأنشد أبو عبيدة‪:‬‬
‫لكن للدهر صخر مال‬
‫لو كان للدهر عز‬
‫قنيان‬
‫يطمئن به‬

‫‪143‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫والكرائم‪ :‬جمع كريمة‪ ،‬والسم من " فعيلة" والنعت يجمعان على‬
‫" فعائل"‪ ،‬فالسم نحو‪ :‬صحيفة وصحائف‪ ،‬وسفينة وسفائن‪،‬‬
‫والنعت نحو‪ :‬عقيلة وعقائل‪ ،‬وكريمة وكرائم‪.‬‬
‫و قوله‪ ":‬ومات أبي " يريد التأسي بالشراف‪ .‬وأبوه غالب بن‬
‫صعصعة بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع‪ ،‬وكان‬
‫أبوه شريفًا‪ ،‬وأجداده إلى حيث إنتهوا‪ ،‬ولكل واحد منهم قصة‬
‫يطول الكتاب بذكرها‪ .‬والمنذران‪ :‬المنذر بن المنذر بن ماء السماء‬
‫اللخمي‪ ،‬يريد البن والب‪ ،‬وعمرو بن كلثوم التغلبي‪ ،‬قاتل عمرو‬
‫بن هند‪ ،‬وكان أحد أشراف العرب وفتاكهم وشعرائهم‪ .‬والراقم‪:‬‬
‫قبيلة من بني تغلب ابنة وائل‪ ،‬من بني جشم بن بكر‪ .‬وزعم أهل‬
‫العلم أنهم إنما سموا الراقم لن عيونهم شبهت بعيون الحيات‪،‬‬
‫والراقم‪ :‬واحدها أرقم‪ ،‬فكانوا معروفين بهذا‪ .‬قال الفرزدق يرد‬
‫على جرير في هجائه له وللخطل‪:‬‬
‫كلب عوى متهتم‬
‫إن الراقم لن ينال‬
‫السنان‬
‫قديمها‬
‫وجعله شهابا ً لهم لنوره وبهائه وضيائه‪ ،‬تقول العرب‪ :‬إنما فلن‬
‫نجم أهله وكذلك قالت الخنساء‪:‬‬
‫كأنه علم في رأسه نار‬
‫والقرعان‪ :‬القرع بن حابس‪ ،‬وابنه القرع من بني مجاشع بن‬
‫دارم‪ ،‬وكان القرع في صدر السلم سيد خندف‪ ،‬وكان محله فيها‬
‫محل عيينة بن حصن في قيس‪ .‬وحاجب بن زرارة بن عدس سيد‬
‫بني تميم في الجاهلية غير مدافع‪ .‬و عمرو أبو عمرو بن عدس‪،‬‬
‫وكان شريفًا‪ ،‬وكان ابنه عمرو شريفًا‪ ،‬قتل يوم جبلة‪ ،‬قتلته بنو‬
‫عامر بن صعصعة‪ ،‬وقتلوا لقيط بن زرارة وكان الذي ولي قتله‬
‫عمارة الوهاب العبسي‪ ،‬وينسب إلى بني عامر‪ ،‬لن بني عبس‬
‫كانوا فيهم مع قيس بن زهير‪ ،‬وعمارة هذا كان يقال له‪ ":‬دالق"‪،‬‬
‫وقتله شرحاف الضبي‪ ،‬ولذلك يقول الفرزدق‪:‬‬
‫عمارة عبس بعدما‬
‫وهن بشرحاف تداركن‬
‫دالـقـا ً‬
‫جنح العصر‬
‫وزعم أبو عبيدة أن فاطمة بنت الخرشب النمارية أريت في‬
‫منامها قائل ً يقول‪ :‬أعشرة هدرة أحب إليك أم ثلثة كعشرة هدرة‬
‫بالدال غير معجمة‪ ،‬قال أبو الحسن‪ :‬هم السقاط من الناس فلم‬
‫‪144‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫تقل شيئًا‪ ،‬فعادلها في الليلة الثانية فلم تقل شيئًا‪ ،‬ثم قصت ذلك‬
‫على زوجها فقال‪ :‬إن عاد لك الثالثة فقولي‪ :‬ثلثة كعشرة وزوجها‬
‫زياد بن عبد الله بن ناشب العبسي‪ ،‬فلما عاد لها قالت‪ :‬ثلثة‬
‫كعشرة‪ ،‬فولدتهم كلهم غاية‪ ،‬ولدت ربيع الحفاظ‪ ،‬وعمارة الوهاب‪،‬‬
‫وأنس الفوارس‪ ،‬وهي إحدى المنجبات من العرب‪.‬‬
‫وأسرو حاجبا ً ‪ .‬فذلك حيث يقول جرير يعير الفرزدق ويعلمه فخر‬
‫قيس عليه‪:‬‬
‫تحضض يا ابن القين قيسا ً‬
‫لقومك يوما ً مثـل يوم‬
‫الراقـم‬
‫ليجعلوا‬
‫كأنك لم تشهد لقـيطـا ً‬
‫وعمرو بن عمرو إذ‬
‫وحـاجـبـا ً‬
‫دعوا‪ :‬يال دارم‬
‫وشدات قيس يوم دير‬
‫ولم تشهد الجونين‬
‫الجـمـاجـم‬
‫والشعب ذا الصفـا‬
‫الجونان‪ :‬معاوية و حسان ابنا الجون الكنديان‪ ،‬أسرا في ذلك‬
‫اليوم‪ ،‬فقتل حسان‪ ،‬وفودي معاوية بسبب يطول ذكره‪ .‬والشعب‪:‬‬
‫شعب جبلة‪.‬‬
‫وقوله‪:‬‬
‫وشدات قيس يوم دير الجماجم‬
‫هذا في السلم‪ ،‬يعني وقعة الحجاج بن يوسف بن الحكم بن أبي‬
‫عقيل الثقفي بعبد الرحمن بن محمد بن الشعث بن قيس بن معد‬
‫يكرب الكندي بدير الجماجم‪.‬‬
‫وقوله‪:‬‬
‫وقد مات بسطام بن قيس بن خالد‬
‫يعني الشيباني‪ ،‬وهو فارس بكر بن وائل وابن سيدها‪ ،‬وقتل‬
‫بالحسن وهو جبل قتله عاصم بن خليفة الضبي‪ ،‬وكان عاصم بن‬
‫خليفة أسلم في أيام عثمان رحمه الله‪ ،‬فكان يقف ببابه فيستأذن‬
‫عليه‪ ،‬فيقول عاصم بن خليفة الضبي‪ :‬قاتل بسطام بن قيس‬
‫بالباب قال أبو الحسن‪ :‬الوجه عندي في " بسطام" أل ينصرف‬
‫لنه أعجمي وكان سبب قتله إياه أن بسطاما ً أغار على بني ضبة‪،‬‬
‫وكان معه حاز يحزو له قال أبو الحسن‪" :‬حاز" بالزاي أي زاجر‬
‫فقال له بسطام‪ :‬إني سمعت قائل ً يقول‪:‬‬

‫‪145‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫الدلو تأتي الغرب المزله‬
‫فقال الحازي‪ :‬فهل قلت‪:‬‬
‫ثم تعود بادنا ً مبتله‬
‫قال‪ :‬ما قلت فاكتسح إبلهم‪ ،‬فتنادوا واتبعوه‪ ،‬ونظرت أم عاصم‬
‫إليه‪ ،‬وهو يقع حديدة له أي يحدها‪ ،‬والميقعة‪ :‬المطرقة فقالت له‪:‬‬
‫ما تصنع بهذه وكان عاصم مضعوفا ً فقال لها‪ :‬أقتل بها بسطام بن‬
‫قيس‪ ،‬فنهرته‪ ،‬وقالت‪ :‬است أمك أضيق من ذلك فنظر إلى فرس‬
‫لعمه موثقةٍ إلى شجرة فاعروراها أي ركبها عريا ً ثم أقبل بها‬
‫كالريح‪ ،‬فنظر بسطام إلى الخيل قد لحقته‪ ،‬فجعل يطعن البل في‬
‫أعجازها‪ ،‬فصاحت به بنو ضبة‪ :‬يا بسطام‪ ،‬ما هذا السفه دعها‪ ،‬إما‬
‫لنا وإما لك‪ ،‬وانحط عليه عاصم‪ ،‬فطعنه فرمى به على اللءة وهي‬
‫شجرة ليست بعظيمة‪ ،‬وكان بسطام نصرانيًا‪ ،‬وكان مقتله بعد‬
‫مبعث النبي صلى الله عليه وسلم فأراد أخوه الرجوع إلى القوم‪،‬‬
‫فصاح به بسطام ‪ :‬أنا حنيف إن رجعت‪ ،‬ففي ذلك يقول ابن غنمة‬
‫الضبي وكان في بني شيبان‪:‬‬
‫كأن جبينه سيف‬
‫فخر على اللءه لم‬
‫صقيل‬
‫يوسد‬
‫ولما قتل بسطام لم يبق في بكر بن وائل بيت إل هجم أي هدم‪.‬‬
‫وقوله‪:‬‬
‫ومات أبو غسان شيخ اللهازم‬
‫يعني مالك بن مسمع بن شيبان بن شهاب‪ ،‬أحد بني قيس بن‬
‫ثعلبة‪ ،‬وإليه تنسب المسامعة‪ .‬وكان سيد بكر بن وائل في السلم‪،‬‬
‫وهو الذي قال لعبيد الله بن زياد بن ظبيان‪ ،‬أحد بني تيم اللت بن‬
‫ثعلبة وكان حين حدث أمر مسعود بن عمرو المعني من الزد فلم‬
‫يعلمه به‪ ،‬فقال له عبيد الله وهو أحد فتاك العرب‪ ،‬وهو قابل‬
‫مصعب بن الزبير‪ :‬أيكون مثل هذا الحدث ول تعلمني به لهممت‬
‫أن أضرم دارك عليك نارا ً فقال له مالك‪ :‬اسكت أبا مطر‪ ،‬فوالله‬
‫إن في كنانتي سهم أنا أوثق به مني بك‪ ،‬فقال له عبيد الله‪ :‬أو أنا‬
‫في كنانتك فوالله لو قمت فيها لطلتها‪ ،‬ولو قعدت فيها لخرقتها‪،‬‬
‫فقال له مالك وأعجبه ما سمع منه‪ :‬أكثر الله في العشيرة مثلك‬
‫قال‪ :‬لقد سألت ربك شططا ً وفي مالك بن مسمع يقال‪:‬‬
‫دعونا أبا غسان يوما ً‬
‫إذا ما خشينا من أمير‬
‫‪146‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ظلمة‬

‫فعسكرا ً‬

‫قوله‪ ":‬وقد مات خيراهم"‪ ،‬تثنية كقولك‪ :‬مات أحمراهم‪ ،‬ولم يخرج‬
‫مخرج النعت‪ ،‬أل ترى أنك تقول‪ :‬هذا أحمر القوم إذا أردت‪ :‬هذا‬
‫الحمر الذي للقوم‪ ،‬فإذا أردت الذي يفضلهم في باب الحمرة‬
‫قلت‪ :‬هذا أشدهم حمرة‪ ،‬ولم تقل‪ :‬هذا أحمرهم‪ ،‬وكذلك خيراهم‪،‬‬
‫وإنما أردت هذا خيرهم ثم ثنيت‪ ،‬أي هذا الخير الذي هو فيهم‪.‬‬
‫وقوله‪ ":‬عشية بانا"‪ ،‬مردود على قوله‪ ":‬خيراهم"‪.‬‬
‫وقوله‪ ":‬رهط كعب وحاتم"‪ ،‬إنما خفضت" رهطًا" لنه بدل من‬
‫"هم" التي أضفت إليها "الخيرين" والتقدير‪ :‬وقد مات خيرا ً رهط‬
‫كعب وحاتم‪ ،‬فلم يهلكاهم عشية بانا‪.‬‬
‫فأما كعب‪ ،‬فهو كعب بن مامة اليادي‪ ،‬وكان وكان أحد أجواد‬
‫العرب الذي آثر على نفسه‪،‬وكان مسافرا ً ورفيقه رجل من النمر‬
‫بن قاسط فقل عليهما الماء فتصافناه والتصافن‪ :‬أن يطرح في‬
‫الناء حجٌر ثم يصب فيه من الماء ما يغمره لئل يتغابنوا‪ :‬وكذلك‬
‫كل شيء وقف على كيله أو وزنه‪ ،‬والصل ما ذكرنا فجعل النمري‬
‫يشرب نصيبه‪ ،‬فإذا أخذ كعب نصيبه قال‪ :‬اسق أخاك النمري‪،‬‬
‫ب‪ ،‬ورفعت له أعلم الماء‪ ،‬فقيل له‪ :‬رد كعب‬
‫فيؤثره حتى جهد كع ٌ‬
‫ول ورود به‪ ،‬فمات عطشًا‪ ،‬ففي ذلك يقول أبو دؤاد اليادي‪:‬‬
‫رد كعب إنك وراد ٌ فمـا‬
‫ب‬
‫أوفى على الماء كع ٌ‬
‫وردا‬
‫ثم قيل له‬
‫فضرب به المثل‪ ،‬فقال جرير في كلمته التي مدح فيها عمر بن‬
‫عبد العزيز‪:‬‬
‫وتفرج عنهم الكرب‬
‫يعود الفضل منك على‬
‫الشـدادا‬
‫ش‬
‫قـري ٍ‬
‫ويعيي الناس وحشك‬
‫وقد أمنت وحشهـم‬
‫أن تصادا‬
‫ق‬
‫بـرفـ ٍ‬
‫وتكفي الممحل السنة‬
‫وتبني المجد يا عمر‬
‫الجمـادا‬
‫ابن ليلـى‬
‫وتدعوا الله مجتهدا ً‬
‫وتذكر في رعيتك‬
‫‪147‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫المـعـادا‬
‫بأجود منك يا عمر‬
‫الـجـوادا‬
‫رأيت المرء يلزم ما‬
‫استعـادا‬

‫لـيرضـى‬
‫وما كعب ابن مامة‬
‫وابن سعدى‬
‫تعود صالـح الخـلق‬
‫إنـي‬
‫هذا كعب ابن مامة الذي ذكرناه‪.‬‬
‫وأما ابن سعدى‪ ،‬فهو أوس بن حارثة بن لم الطائي‪ ،‬وكان سيدا ً‬
‫مقدمًا‪ ،‬فوفد هو وحاتم بن عبد الله الطائي على عمرو ابن هند‪،‬‬
‫وأبوه المنذر بن المنذر بن ماء السماء‪ ،‬فدعا أوسا ً فقال له‪ :‬أأنت‬
‫أفضل أم حاتم? فقال أبيت اللعن لو ملكني حاتم وولدي ولحمتي‬
‫ة‪ .‬ثم دعا حاتما ً فقال له‪ :‬أنت أفضل أم‬
‫لوهبنا في غداةٍ واحد ٍ‬
‫س‪ ،‬ولحد ولده أفضل‬
‫أو ٌ‬
‫س? فقال أبيت اللعن إنما ذكرت بأو ٍ‬
‫مني‪.‬‬
‫وكان النعمان بن المنذر دعا بحلة وعنده وفود العرب من كل حي‬
‫فقال‪ :‬احضروا في غد‪ ،‬فإني ملبس هذه الحلة أكرمكم‪ ،‬فحضر‬
‫القوم جميعا ً إل أوسًا‪ ،‬فقيل له‪ :‬لم تتخلف فقال إن كان المراد‬
‫غيري فأجمل الشياء أل أكون حاضرًا‪ ،‬وإن كنت أنا المراد‬
‫فسأطلب ويعرف مكاني‪.‬فلما جلس النعمان لم ير أوسًا‪ ،‬فقال‬
‫اذهبوا إلى أوس فقولوا له‪ :‬احضر آمنا ً مما خفت‪ ،‬فحضر فألبس‬
‫الحلة‪ ،‬فحسده قوم من أهله‪ ،‬فقالوا للحطيئة‪ :‬اهجه ولك ثلثمائة‬
‫ناقة‪ ،‬فقال الحطيئة‪ :‬كيف أهجو رجل ً في بيتي أثاثا ً ول مال ً إل من‬
‫عنده ثم قال‪:‬‬
‫من آل لم بظهر‬
‫كيف الهجاء وما تنفك‬
‫الغيب تأتيني‬
‫ة‬
‫صالح ٌ‬
‫فقال لهم بشر بن أبي خازم‪ ،‬أحد بني أسد بن خزيمة ‪ :‬أنا أهجو‬
‫لكم‪ ،‬فأخذ البل وفعل‪ ،‬فأغار أوس على البل فاكتسحتها‪ ،‬فجعل‬
‫ل يستجير حيا ً إل قال‪ :‬قد أجرتك إل من أوس‪ .‬وكان في هجائه‬
‫إياه قد ذكر أمه‪ ،‬فأتى به‪ ،‬فدخل أوس على أمه فقال‪ :‬قد أتينا‬
‫ببشرٍ الهاجي لك ولي‪ ،‬فما ترين فيه? فقالت له‪ :‬أو تطيعني فيه?‬
‫قال نعم‪ ،‬قالت‪ :‬أرى أن ترد عليه ماله‪ ،‬وتعفو عنه وتحبوه‪ ،‬وافعل‬
‫مثل ذلك‪ ،‬فإنه ل يغسل هجاءه إل مدحه‪.‬‬
‫فخرج إليه فقال‪ :‬إن أمي سعدى التي كنت تهجوها قد أمرت فيك‬
‫‪148‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫بكذا وكذا فقال‪ :‬ل جرم والله ل مدحت أحدا ً حتى أموت غيرك‪.‬‬
‫ففيه يقول‪:‬‬
‫ليقضي حاجتي فيمن‬
‫إلى أوس بن حـارثة‬
‫قضاهـا‬
‫بـن لم ٍ‬
‫ول لبس النعال ول‬
‫وما وطئ الثرى مثل‬
‫احتـذاهـا‬
‫ابن سعدى‬
‫م الذي ذكره الفرزدق‪ ،‬فهو حاتم بن عبد الله الطائي‪،‬‬
‫وأما حات ٌ‬
‫جواد العرب‪ ،‬وقد كان الفرزدق صافن رجل ً من بني العنبر بن‬
‫ت‪ ،‬فرامه العنبري وسلمه أن يؤثره‬
‫عمرو بن تميم إدواة في وق ٍ‬
‫وكان الفرزدق جوادا فلم تطب نفسه عن نفسه‪ ،‬فقال الفرزدق‪:‬‬
‫إلي غضون العنبري‬
‫فلما تصافنا الداوة‬
‫الجراضم‬
‫أجهـشـت‬
‫ليشرب ماء القوم بين‬
‫فجاء بجلمود له مـثـل‬
‫الصرائم‬
‫رأسـه‬
‫على جوده ضنت به‬
‫على ساعةٍ لو أن في‬
‫القوم حاتما ً‬
‫نفس حاتم‬
‫أما قوله‪ ":‬أجهشت" فهو التسرع‪ ،‬وما تراه في فحواه من مقاربة‬
‫الشيء‪ ،‬يقال‪ :‬أجهش بالبكاء‪ .‬والغضون‪ :‬التكسر قي الجلد‪،‬‬
‫والجراضم‪ :‬الحمر الممتلئ‪.‬‬
‫وقوله‪:‬‬
‫ليشرب ماء القوم بين الصرائم‬
‫ة‪ ،‬وهي الرملة التي تنقطع من معظم الرمل‪،‬‬
‫فهي جمع صريم ٍ‬
‫وقوله‪ " :‬صريمة " يريد مصرومة‪ ،‬والصرم‪ :‬القطع‪ ،‬وأتشد‬
‫الصمعي‪:‬‬
‫تجلى على صريمته‬
‫فبات يقول أصبح ليل‬
‫الظلم‬
‫حتى‬
‫يعني ثورًا‪ ،‬وصريمته‪ :‬رملته التي هو فيها‪ .‬وقال المفسرون في‬
‫قول الله عز وجل‪":‬فأصبحت كالصريم" القلم ‪ 20‬قولين‪ ،‬قال‬
‫قوم‪ :‬كالليل المظلم‪ ،‬وقال قوم‪ :‬كالنهار المضيء‪ ،‬أي بيضاء ل‬
‫شيء فيها‪ ،‬فهو من الضداد‪ .‬ويقال‪ :‬لك سواد الرض وبياضها‪ ،‬أي‬
‫‪149‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫عامرها وغامرها‪ ،‬فهذا ما يحتج به لصحاب القول الخير‪ ،‬ويحتج‬
‫لصحاب القول الول في السواد بقول الله تبارك وتعالى ‪":‬‬
‫فجعله غثاًء أحوى" العلى ‪ ،5‬وإنما سمي السواد سوادا ً لعمارته‪،‬‬
‫وكل خضرةٍ عند العرب سواد‪ ،‬ويروى‪:‬‬
‫على جوده ما جاد‬
‫على ساعةٍ لوأن في‬
‫القوم حاتما ً‬
‫بالماء حاتم‬
‫جعل "حاتما" تبينا ً للهاء في جوده‪ ،‬وهو الذي يسميه البصريون‬
‫البدل‪ ،‬أراد‪ :‬على جود حاتم ٍ‬
‫باب‬
‫نبذ من أقوال الحكماء‬
‫قال أبو العباس‪ :‬كان يقال‪ :‬إذا رغبت في المكارم فاجتنب‬
‫المحارم وكان يقال‪ :‬أنعم الناس عيشا ً من عاش غيره في عيشه‪.‬‬
‫وقيل في المثل السائر‪ :‬من كان في وطن فليوطن غيره وطنه‪،‬‬
‫ليرتع في وطن غيره في غربته‪.‬‬
‫قال ‪ :‬وأنتبه معاوية من رقدةٍ له‪ ،‬فأنبه عمرو بن العاص‪ ،‬فقال له‬
‫ن خرارة في أرض خوارة‪،‬‬
‫عمرو‪ :‬ما بقي من لذتك? قال ‪ :‬عي ٌ‬
‫ن نائمة‪ ،‬فما بقي من لذتك يا أبا عبد الله? قال ‪:‬‬
‫ن ساهرة لعي ٌ‬
‫وعي ٌ‬
‫أن أبيت معرسا ً بعقيلة من عقائل العرب‪ .‬ثم نبها وردان‪ ،‬فقال له‬
‫معاوية‪ :‬ما بقي من لذتك? فقال ‪ :‬الفضال على الخوان‪ ،‬فقال له‬
‫معاوية ‪ :‬اسكت‪ ،‬أنا أحق بها منك‪ ،‬قال‪ :‬قد أمكنك فافعل‪.‬‬
‫ويروى أن عمرا ً لما سئل قال‪ :‬أن أستتم بناء مدينتي بمصر‪ ،‬وأن‬
‫ن كان‬
‫وردان لما سئل قال‪ :‬أن ألقى كريما ً قادرا ً في عقب إحسا ٍ‬
‫مني إليه‪ ،‬وأن معاوية سئل عن الباقي من لذته فقال‪ :‬محادثة‬
‫الرجال ويروى عن عبد الملك أنه قال‪ :‬وقد سئل عن الباقي من‬
‫لذته فقال‪ :‬محادثة الخوان في الليالي القمر على الكثبان العفر‪.‬‬
‫وقال سليمان بن عبد الملك‪ :‬قد أكلنا الطيب‪ ،‬ولبسنا اللين‪ ،‬وركبنا‬
‫الفاره‪ ،‬وأمتطينا العذراء‪ ،‬فلم يبق من لذتي إل صديق أطرح بيني‬
‫وبينه مؤونة التحفظ‪.‬‬
‫وقال رجل لرجل من قريش‪ :‬إني والله ما أمل الحديث‪ ،‬قال‪:‬‬
‫أيمل العتيق? وقال المهلب بن أبي صفرة‪ :‬العيش كله في‬
‫الجليس الممتع‪.‬‬
‫وقال معاوية‪ :‬الدنيا بحذافيرها الخفض والدعة ‪.‬‬
‫‪150‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وقال يزيد بن المهلب‪ :‬ما يسرني أني كفيت أمر الدنيا كله‪ ،‬قيل‬
‫له‪ :‬ولم أيها المير? قال‪:‬أكره عادة العجز‪.‬‬
‫ويروى عن بعض الصالحين أنه قال‪ :‬لو أنزل الله كتابا ً أنه معذب‬
‫م رجل ً واحدا ً لرجوت أن‬
‫رجل ً واحدا ً لخفت أن أكونه‪ ،‬أو أنه راح ٌ‬
‫أكونه‪ ،‬أو أنه معذبي ل محال ما ازددت إل اجتهادا ً لئل أرجع على‬
‫نفسي بلئمة ‪.‬‬
‫أدب عمر بن عبد العزيز‬
‫ويروى أن عمر بن عبد العزيز كان يدخل إليه سالم مولى بني‬
‫مخزوم وقالوا‪ :‬بل زياد وكان عمر أراد شراءه وعتقه‪ ،‬فأعتقه‬
‫مواليه‪ ،‬وكان عمر يسميه‪ :‬أخي في الله‪ ،‬فكان إذا دخل وعمر في‬
‫صدر مجلسه تنحى عن الصدر‪ ،‬فيقال له في ذلك فيقول‪ :‬إذا دخل‬
‫عليك من ل ترى لك عليه فضل ً فل تأخذ عليه شرف المجلس‪،‬‬
‫وهم السراج ليلة بأن يخمد‪ ،‬فوثب إليه رجاء بن حيوة ليصلحه‪،‬‬
‫فأقسم عليه عمر فجلس‪ ،‬ثم قام عمر فأصلحه‪ .‬فقال له رجاء‪:‬‬
‫أتقوم يا أمير المؤمنين قال‪ :‬قمت وأنا عمر بن عبد العزيز‪،‬‬
‫ورجعت وأنا عمر بن عبد العزيز‪.‬وروي عن رسول الله صلى الله‬
‫عليه وآله وسلم أنه قال‪ ":‬ل ترفعوني فوق قدري فتقول في ما‬
‫قالت النصارى في المسيح‪ ،‬فإن الله اتخذني عبدا ً قبل أن يتخذني‬
‫رسول ً " ودخل مسلمة بن عبد الملك على عمر بن عبد العزيز في‬
‫مرضته التي مات فيها‪ ،‬فقال‪ :‬أل توصي يا أمير المؤمنين? قال ‪:‬‬
‫فيم أوصي? فوالله إن لي من مال‪ ،‬فقال‪ :‬هذه مائة ألف فمر فيها‬
‫بما أحببت‪ ،‬فقال‪ :‬أو تقبل? قال‪ :‬نعم‪،‬قال‪ .‬ترد على من أخذت منه‬
‫ظلمًا‪ .‬فبكى مسلمة ثم قال‪ :‬يرحمك الله لقد ألنت منا قلوبا ً‬
‫قاسية‪ ،‬وأبقيت لنا في الصالحين ذكرا ً ‪.‬‬
‫بر علي بن الحسين بأمه‬
‫وقيل لعلي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رحمهم الله‪ :‬إنك‬
‫ة‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫من أبر الناس بأمك ولسنا نراك تأكل مع أمك في صحف ٍ‬
‫أخاف أن تسبق يدي إلى ما قد سبقت عينها إليه فأكون قد‬
‫عققتها‪.‬‬
‫لعمر بن ذر في ابنه‬

‫‪151‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وقيل لعمر بن ذر حيث نظر إلى تعزيه عن إبنه كيف كان بره بك?‬
‫ل إل مشى‬
‫فقال‪ :‬ما مشيت بنهارٍ قط إل مشى خلفي‪ ،‬ول بلي ٍ‬
‫أمامي‪ ،‬ول رقي سطحا ً وأنا تحته‪.‬‬
‫لبي المخش في ولده‬
‫وقال أبو المخش‪ :‬كانت لي إبنة تجلس معي على المائدة‪ ،‬فتبرز‬
‫كفا ً كأنها طلعة‪ ،‬في ذراٍع كأنها جمارة‪ ،‬فل تقع عينها على أكلة‬
‫نفيسة إل خصتني بها‪ ،‬فزوجتها‪ ،‬وصار يجلس معي على المائدة‬
‫ن لي فيبرز كفا ً كأنها كرنافة‪ ،‬في ذراٍع كأنها كربة‪ ،‬فوالله إن‬
‫اب ٌ‬
‫تسبق عيني إلى لقمة طيبة إلسبقت يده إليها‪.‬‬
‫ن? فقال‪:‬‬
‫وقال الصمعي‪ :‬قيل لبي المخش‪ :‬أما كان لك اب ٌ‬
‫المخش‪ ،‬وما كان المخش? كان والله أشدق خرطمانيا ً إذا تكلم‬
‫سال لعابه‪ ،‬كأنما ينظر من قلتين‪ ،‬وكأن ترقوته بوان أو خالفة‪،‬‬
‫وكأن مشاش منكبيه كركرة جمل‪ ،‬فقأ الله عيني هاتين إن كنت‬
‫رأيت بهما أحسن منه قبله ول بعده‪.‬‬
‫قوله‪ ":‬بوان أو خالفة " فهما عمودان من عمد البيت‪ ،‬البوان في‬
‫مقدمه والخالفة في مؤخره ‪ .‬والكرنافة ‪ :‬طرف الكربة العريض‬
‫الذي يتصل بالنخلة كأنه كتف‪.‬‬
‫حدثني بهذا الحديث العباس بن الفرج الرياشي عن الصمعي‪،‬‬
‫وحدثني عمن حدثه قال‪ :‬مر بنا أعرابي ينشد إبنا ً له‪ ،‬فقلنا‪ :‬صفه‪،‬‬
‫فقال‪ :‬دنينير‪ ،‬قلنا لم نره‪ ،‬فلم نلبث أن جاء بجعل على عنقه‪،‬‬
‫فقلنا‪ :‬لو سألت عن هذا لرشدناك‪ ،‬ما زال منذ اليوم بين أيدينا‪.‬‬
‫وأنشد منشد‪ ،‬وأنشدني الرياشي أحد البيتين‪:‬‬
‫صحيرا ً وقرقف‬
‫نعم ضجيع الفتى إذا‬
‫الـصـرد‬
‫برد الليل‬
‫زينها الله في الفـؤاد‬
‫زين في عـين والـدٍ‬
‫ولـد‬
‫كـمـا‬
‫لم ثواب الهزانية تصف عقوق ابنها‬
‫وقالت أم ثواب الهزانية‪ ،‬من عنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار‪،‬‬
‫تعني ابنها‪:‬‬
‫أم الطعام ترى في‬
‫ربيته وهو مثل الفرخ‬
‫ريشه زغبا‬
‫أعظمه‬
‫‪152‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫أباره ونفى عن متنه‬
‫حتىإذا آض كالفحال‬
‫الكربـا‬
‫شـذبـه‬
‫أبعد ستين عندي‬
‫أنشا يخرق أثوابي‬
‫يبتغي الدبـا‬
‫ويضربنـي‬
‫وخط لحيته في وجهه‬
‫إني لبصر في ترجيل‬
‫عجبـا‬
‫لمـتـه‬
‫قالت له عرسه يوما ً‬
‫رفقا ً فإن لنا في أمنـا‬
‫أربـا‬
‫لتسمعني‪:‬‬
‫من الجحيم لزادت‬
‫ولو رأتني في ناٍر‬
‫فوقها حطبا‬
‫مسـعـرة‬
‫قوله‪ ":‬أباره "‪ ،‬فهو الذي يصلحه‪ ،‬يقال‪ :‬أبرت النخل وأبرته خفيفة‪،‬‬
‫إذا لقحته‪.‬‬
‫خبر مالك بن العجلن مع أبي جبيلة‬
‫ويرى أن مالك بن العجلن أو غيره من النصار كان يتحف أبا جبيلة‬
‫ة‪ ،‬فغاب يومًا‪ ،‬فقال‬
‫الملك حيث نزل بهم بتمرٍ من نخلةٍ لهمشريف ٍ‬
‫أبو جبيلة‪ :‬إن مالكا ً كان يقوت علينا جنى هذه النخلة فجدوها‪،‬‬
‫فجاء مالك وقد جدت فقال‪ :‬من سعى على عذق الملك فجده‪،‬‬
‫فأعلموه أن الملك أمر بذلك‪ ،‬فجاء حتى وقف عليه فقال‪:‬‬
‫وكان الثمار لمن قد‬
‫جددت جنى نخلتي‬
‫ظالما ً‬
‫أبر‬
‫فلما دخل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة أطرفوه بهذا‬
‫الحديث‪ ،‬فقال صلى الله عليه وسلم " الثمر لمن أبر‪ ،‬إل أن‬
‫يشترطه المشتري"‪.‬‬
‫والفحال فحال النخل‪ :‬ول يقال لشيء من الفحول فحال غيره‪.‬‬
‫وأنشدني المازني‪:‬‬
‫بطون الموالي يوم‬
‫ل كأن‬
‫يطفن بفحا ٍ‬
‫عيدٍ تغدت‬
‫ضـبـابـه‬
‫وضبابه‪ :‬طلعه‪ .‬وآض‪ :‬عاد ورجع‪.‬‬
‫وقولها‪ ":‬شذبه" تقول‪ :‬قطع عنه الكرب والعثاكيل وكل مشذب‬
‫مقطوع ويقال للرجل الطويل النحيف‪ :‬مشذب يشبه بالجذع‬
‫المحذوف عنه الكرب وأصل التشذيب القطع وقال الفرزدق‪:‬‬
‫‪153‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫رأس ابن عجلى‬
‫عضت سيوف تميم ٍ حين‬
‫فأضحى رأسه شذبا ً‬
‫أغضبـهـا‬
‫أراد‪ :‬عضت سيوف تميم رأس ابن عجلى حين أغضبها‪.‬‬
‫وابن عجلى ‪ :‬عبد الله بن خازم السلمي وأمه عجلى وكانت‬
‫سوداء وهو أحد غرباء العرب في السلم‪.‬‬
‫للمهلب وقد سئل من أشجع الناس?‬
‫وسئل المهلب من أشجع الناس فقال ‪ :‬عباد بن حصين‪ ،‬وعمر بن‬
‫عبيد الله بن معمر‪ ،‬والمغيرة بن المهلب فقيل‪ .‬فأين ابن الزبير‬
‫وابن خازم وعمير بن الحباب فقال ‪ :‬إنما سئلت عن النس ولم‬
‫أسأل عن الجن‪.‬‬
‫باب‬
‫من كلم عائشة‬
‫روى شعبة عن واقد بن محمد‪ ،‬عن أبي مليكة‪ ،‬عن القاسم بن‬
‫محمد قال‪ :‬قالت عائشة رضي الله عنها‪ :‬من أرضى الله بإسخاط‬
‫الناس كفاه الله ما بينه وبين الناس ومن أرضى الناس بإسخاط‬
‫الله وكله الله إلى الناس ومن أصلح سريرته أصلح الله علنيته‪.‬‬
‫بين الحسن بن زيد وا لي‬
‫المدينة وابن هرمة‬
‫ويروى أن الحسن بن زيد لما ولي المدينة قال لبن هرمة‪ :‬إني‬
‫لست كمن باع لك دينه رجاء مدحك أو خوف ذمك قد أفادني الله‬
‫بولدة نبيه الممادح‪ ،‬وجنبني المقابح وإن من حقه علي أل أغضي‬
‫على تقصير في حقه وأنا أقسم بالله‪ ،‬لئن أتيت بك سكران‬
‫لضربنك حدين‪ :‬حدا للخمر‪ ،‬وحدا للسكر وأزيدن‪ ،‬لموضع حرمتك‬
‫بي‪ .‬فليكن تركها لله تعن عليه ول تدعها للناس فتوكل إليهم‪.‬‬
‫فنهض ابن هرمة وهو يقول‪:‬‬
‫وأدبـنـي بـآداب‬
‫نهاني ابن الرسول‬
‫الـكـرام‬
‫عن المـدام‬
‫لخوف الله ل خـوف‬
‫وقال لي اصطبر عنها‬
‫النـام‬
‫ودعها‬
‫لها حب تمكن من‬
‫وكيف تصبري عنها‬
‫عظامـي‬
‫وحـبـي‬
‫وطيب النفس في‬
‫أرى طيب الحلل علي‬
‫‪154‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫خبثـا ً‬
‫من كلم مطرف بن عبد الله‬
‫بن الشخير الحرشي‬
‫وقال الحسن لمطرف بن عبد الله بن الشخير الحرشي‪ :‬يا‬
‫مطرف‪ ،‬عظ أصحابك فقال مطرف‪ :‬إني أخاف أن أقول ما ل‬
‫أفعل‪.‬‬
‫فقال الحسن ‪ :‬يرحمك الله وأينا يفعل ما يقول لود الشيطان أنه‬
‫ظفر بهذه منكم فلم يأمر أحد بمعروف‪ ،‬ولم ينه عن منكر‪.‬‬
‫وقال مطرف بن عبد الله لبنه‪ :‬يا عبد الله‪ ،‬العلم أفضل من‬
‫العمل‪ ،‬والحسنة بين السيئتين وشر السير الحقحقة‪.‬‬
‫قوله‪ ":‬الحسنة بين السيئتين"‪ ،.‬يقول‪ :‬الحق بين فعل المقصر‬
‫والغالي‪ .‬ومن كلمهم‪ :‬خير المور أوسطها‪.‬‬
‫قوله‪ ":‬وشر السير الحقحقة" وهو أن يستفرغ المسافر جهد‬
‫ظهره فيقطعه‪ ،‬فيهلك ظهره‪ ،‬ول يبلغ حاجته‪ .‬يقال‪ :‬حقحق السير‬
‫إذا فعل ذلك ‪ .‬وقال الراجز‪:‬‬
‫وأنبت فعل السائر المحقحق‬
‫وحدثت أن الحسن نفى سابق الحاج وقد أسرع‪ ،‬فجعل يومىء‬
‫إليه بإصبعه فعل الغازلة وهو يقول‪ ":‬خرقاء وجدت صوفًا"‪.‬‬
‫وهذا مثل من أمثال العرب يضربونه للرجل الحمق الذي يجد مال ً‬
‫كثيرا ً فيعيث فيه وشبيه بهذا المثل قوله‪ ":‬عبد وخلى في يديه"‪.‬‬
‫ويروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‪ ":‬إن هذا‬
‫الدين متين فأوغل فيه برفق‪ ،‬ول تبغض إلى نفسك عبادة ربك‪،‬‬
‫فإن المنبت ل أرضا قطع‪ ،‬ول ظهرا ً أبقى"‪.‬‬
‫قوله‪ ":‬متين"‪ ،‬المتين الشديد‪ ،‬قال الله عز وجل‪ ":‬وأنلى لهم إن‬
‫كيدى متين" العراف‪.183 :‬‬
‫وقوله‪ ":‬فأوغل فيه برفق"‪ ،‬يقول‪ :‬ادخل فيه‪ ،‬هذا أصل الوغول‪،‬‬
‫ويقال مشتقا ً من هذا الرجل الذي يأتي شراب القوم من غير أن‬
‫يدعى إليه‪ :‬واغل‪ ،‬ومعناه أنه وغل في القوم وليس منهم‪ ،‬قال‬
‫امرؤ القيس‪:‬‬
‫عن شربها في شغل‬
‫حلت لي الخمر وكنت‬
‫شاغل‬
‫امرأ‬
‫إثما ً من اللـه ول‬
‫فاليوم أسقى غير‬
‫خبث الحرام‬

‫‪155‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫واغـل‬
‫مستحقب‬
‫والمنبت‪ :‬مثل المحقحق‪ ،‬واشتقاقه من النقطاع‪ ،‬يقال‪ :‬انبت فلن‬
‫من فلن أي انقطع منه‪ ،‬وبت الله ما بينهم‪ ،‬أي قطع‪ ،‬قال محمد‬
‫بن نمير‪:‬‬
‫وقالوا لراعي الذود‪:‬‬
‫تواعد للبين الخـلـيط‬
‫موعدك السبت‬
‫لـينـبـتـوا‬
‫وموعدها في السبت لو‬
‫وفي النفس حاجات‬
‫قد دنا الوقت‬
‫إليهـم كـثـيرة‬
‫ويروى‪:‬‬
‫أل قرب الحي الجمال لينبتوا‬
‫وحدثت أن ابن السماك كان يقول‪ :‬إذا فعلت الحسنة فافرح بها‬
‫واستقللها فإنك إذا استقللتها زدت عليها‪ ،‬وإذا فرحت بها عدت‬
‫إليها‪.‬‬
‫س القرني أنه قال‪ :‬إن حقوق الله لم تترك عند‬
‫ويروى عن أوي ٍ‬
‫مسلم درهم ًٍا‪.‬‬
‫باب‬
‫يزيد بن هبيرة ينصح المنصور‬
‫ودخل يزيد بن عمر بن هبيرة على أمير المؤمنين المنصور فقال‪:‬‬
‫يا أمير المؤمنين‪ ،‬توسع توسعا ً قرشيًا‪ ،‬ول تضق ضيقا ً حجازيًا‪.‬‬
‫ويروى أنه دخل عليه يوما ً فقال له المنصور‪ :‬حدثنا‪ ،‬فقال ‪ :‬يا أمير‬
‫المؤمنين‪ ،‬إن سلطانكم حديث‪ ،‬وإمارتكم جديدة‪ ،‬فأذيقوا الناس‬
‫حلوة عدلها‪ ،‬وجنبوهم مرارة جورها‪ .‬فوالله ياأمير المؤمنين لقد‬
‫محضت لك النصيحة‪.‬‬
‫ثم نهض معه سبعمائة من قيس‪ ،‬فأتأره المنصور بصره‪ ،‬ثم قال‪:‬‬
‫ل يعز ملك يكون فيه مثل هذا‪ .‬قوله‪ ":‬محضت لك النصيحة"‬
‫يقول‪ :‬أخلصت لك‪ ،‬وأصل هذا من اللبن‪ ،‬والمحض منه‪ :‬الخالص‬
‫الذي ل يشوبه شيء‪ ،‬وأنشد الصمعي‪:‬‬
‫وقد كفيت صاحبي‬
‫امتحضا وسقياني‬
‫الميحا‬
‫ضيحـا‬
‫ويقال‪ :‬حسب محض‪.‬‬
‫وقوله‪ ":‬أتاره بصره" يقول‪ :‬أتبعه بصره‪ ،‬وحدد إليه النظر‪ ،‬وأنشد‬
‫الصمعي‪:‬‬
‫‪156‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫حتى اسمدر بطرف‬
‫العين إتآري‬

‫مازلت أرمقهم والل‬
‫يرفعـهـم‬
‫لسماء بن خارجة في كرم الخلق‬
‫ل‪ ،‬ول أرد سائ ً‬
‫ويروى عن أسماء بن خارجة أنه قال‪ :‬ل أشاتم رج ً‬
‫ل‪،‬‬
‫فإنما هو كريم أسد خلته‪ ،‬أو لئيم أشتري عرضي منه‪.‬‬
‫للحنف بن قيس‬
‫ويروى عن الحنف بن قيس أنه قال‪ :‬وما شاتمت رج ً‬
‫ل‪ ،‬ول زحمت‬
‫ركبتاي ركبتيه‪ ،‬وإذا لم أصل مجتدي حتى ينتح جبينه عرقا ً كما ينتح‬
‫الحميت‪ ،‬فو الله ما وصلته ‪.‬‬
‫قوله‪ ":‬مجتدي " يريد الذي يأتيه يطلب فضله‪ ،‬يقال‪ :‬اجتده‬
‫يجتديه‪ ،‬واعتفاه يعتفيه‪ ،‬واعتراه يعتريه‪ ،‬واعتره يعتره‪ ،‬وعراه‬
‫يعروه‪ :‬إذا قصده يتعرض لنائله‪ .‬وأصل ذلك مأخوذ من الجدا‬
‫مقصور‪ ،‬وهو المطر العام النافع‪ ،‬يقال‪ :‬أصابتنا مطرة كانت جدا ً‬
‫على الرض‪ ،‬فهذا السم‪ ،‬فإذا أردت المصدر‪ ،‬قلت‪ :‬فلن كثير‬
‫الجداء‪ ،‬ممدودة‪ ،‬كما تقول‪ :‬كثير الغناء عنك‪ ،‬ممدودة‪ ،‬هذا‬
‫المصدر‪ ،‬فإذا أردت السم الذي هو خلف الفقر قلت‪ :‬الغنى بكسر‬
‫أوله وقصرت‪ .‬قال خفاف بن ندبة يمدح أبا بكر الصديق رضي الله‬
‫عنه‪:‬‬
‫وكل شيء عمره‬
‫ليس لشيء غير تقوى‬
‫للـفـنـاء‬
‫جـداء‬
‫لم تشمل الرض‬
‫إن أبا بكر هـو الـغـيث‬
‫سحاب بماء‬
‫إذ‬
‫ذو طرةٍ حاف ول ذو‬
‫تالـلــه ل يدرك‬
‫حـذاء‬
‫أيامـــه‬
‫ض‬
‫من يسع كـي يدرك‬
‫يجتهد الشد بأر ٍ‬
‫فـضـاء‬
‫أيامـه‬
‫وهذا من طريف الشعر لنه ممدود فهو بالمد الذي فيه من‬
‫عروض السريع الولى‪ ،‬وبيته في العروض‪:‬‬
‫ؤون في شام ول في‬
‫أزمان سلمى ل يرى‬
‫عـراق‬
‫مثلها الرا‬

‫‪157‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ثم نرجع إلى تأويل قول الحنف‪.‬‬
‫قوله‪ ":‬حتى ينتح جبينه عرقًا‪ ،‬فهو مثل الرشح‪.‬‬
‫وحدثني أبو عثمان المازني في إسناد له ذكره قال‪ :‬قال رؤبة بن‬
‫العجاج‪ :‬خرجت مع أبي نريد سليمان بن عبد الملك‪ ،‬فلما صرنا‬
‫في الطريق أهدي لنا جنب من لحم عليه كرافىء الشحم‪،‬‬
‫وخريطة من كمأة‪ ،‬ووطب من لبن‪ ،‬فطبخنا هذا بهذا‪ ،‬فما زالت‬
‫ذفرياي تنتحان منه إلى أن رجعت‪.‬‬
‫وقوله ‪ ":‬الحميت"‪ ،‬فالحميت والزق‪ ،‬اسمان له‪ ،‬وإذا زفت أو كان‬
‫مربوبا ً الوطب‪ ،‬وإذا لم يكن مربوبا ً ول مزفتا ً فهو سقاء ونحي‪ ،‬و‬
‫الوطب يكون للبن والسمن‪ ،‬و السقاء يكون للبن والماء‪ .‬قالت‬
‫هند بنت عتبة لبي سفيان بن حرب لما رجع مسلما ً من عند النبي‬
‫صلى الله عليه وسلم إلى مكة في ليلة الفتح‪ ،‬فصاح‪ :‬يامعشر‬
‫قريش‪ ،‬أل إني قد أسلمت فأسلموا‪ ،‬فإن محمدا ً قد أتاكم بما ل‬
‫قبل لكم به فأخذت هند برأسه‪ ،‬وقالت ‪ :‬بئس طليعة القوم أنت‬
‫والله ما خدشت خدشًا‪ ،‬يا أهل مكة‪ ،‬عليكم الحميت الدسم‬
‫فاقتلوه‪.‬‬
‫وأما قول رؤبة‪ ":‬كرافىء الشحم"‪ ،‬يريد طبقات الشحم‪ .‬وأصل‬
‫ذلك في السحاب إذا ركب بعضه بعضًا‪ ،‬يقال له‪ :‬كرفئ‪ ،‬والجميع‬
‫كرافىء ‪.‬‬
‫قال أبو الحسن الخفش‪ :‬واحد الكرافىء كرفئة‪ ،‬وهاء التأنيث إذا‬
‫جمعت جمع التكسير حذفت لنها زائدة بمنزلة اسم ضم إلى اسم‬
‫وأحسب أن أبا العباس لم يسمع الواحد من هذا فقاسه‪ ،‬والعرب‬
‫تجترىء على حذف هاء التأنيث إذا احتاجت إلى ذلك‪ ،‬وليس هذا‬
‫موضع حاجة إذا كانت قد استعملت الواحدة بالهاء‪ ،‬ونظير هذا‬
‫قولهم‪ :‬ما في السماء كرفئة‪ ،‬وما في السماء قذعملة وقذعميلة‪،‬‬
‫وما في السماء طحربة وطحربة‪ ،‬وما في السماء قر طعبة‪ ،‬وما‬
‫في السماء كنهورة‪ ،‬وهي القطعة من السحاب العظيمة كالجبل‬
‫وما أشبه‪.‬‬
‫باب‬
‫لحسان بن ثابت يهجو مسافع‬
‫بن عياض التيمي‬

‫‪158‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫قال أبو العباس‪ :‬قال حسان بن ثابت يهجو مسافع بن عياض‬
‫التيمي‪ ،‬من تيم بن مرة بن كعب بن لؤي‪ ،‬رهط أبي بكر الصديق‬
‫رحمه الله‪:‬‬
‫أو عبد شمس أو اصحاب‬
‫لو كنت من هاشم أو من‬
‫اللوا الصيد‬
‫بنـي أسـدٍ‬
‫لله درك لم تـهـمـم‬
‫أو من بني نوفل أو رهط‬
‫بـتـهـديدي‬
‫ب‬
‫مطـلـ ٍ‬
‫لم تصبح اليوم نكسا ً ثانـي‬
‫أو في الذؤابة من قوم‬
‫الـجـيد‬
‫ب‬
‫ذوي حـسـ ٍ‬
‫أومن بني جمح البيض‬
‫أومن بني زهرة الخيار قد‬
‫المـنـاجـيد‬
‫علمـوا‬
‫أو من بني خلف الخضر‬
‫أو في السرارة من تيم‬
‫الجلعـيد‬
‫رضيت بهـم‬
‫قبل القذاف بقول‬
‫يا آل تيم ألينـهـى‬
‫كـالـجـلمـيد‬
‫سـفـيهـكـم‬
‫حتى يغيبني في الرمس‬
‫لول الرسول فإني لسـت‬
‫ملـحـودي‬
‫عـاصـية‬
‫وطلحة بن عبد الـلـه ذو‬
‫وصاحب الغار إني سوف‬
‫الـجـود‬
‫أحفظـك‬
‫يظل منها صحيح‬
‫لقد رميت بها شنعاء‬
‫القوم كالمودي‬
‫فـاضـحة‬
‫قوله‪ ":‬لو كنت من هاشم" يريد هاشم بن عبد مناف بن قصي بن‬
‫كلب بن مرة بن كعب لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر‬
‫بن كنانة‪ ،‬والنضر أبو قريش‪ ،‬ومن كان من بني كنانة لم يلده‬
‫النضر فليس بقرشي‪ .‬وبنو أسد بن عبد العزى بن قصي‪ .‬وعبد‬
‫شمس هو عبد شمس‪ ،‬بن عبد مناف بن قصي‪ .‬وأصحاب اللواء‬
‫بنو عبد الدار بن قصي‪ .‬واللواء ممدود إذا أردت به لواء المير‪،‬‬
‫ولكنه احتاج إليه فقصره‪ ،‬وقد بينا جواز ذلك‪ ،‬فأما اللوى من‬
‫الرمل فمقصور‪ ،‬قال امرؤ القيس ‪:‬‬
‫بسقط اللوى بين الدخول وحومل‬
‫‪159‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫كذا يرويه الصمعي‪ ،‬وهذه أصح الروايات‪.‬‬
‫وقوله‪ ":‬أو من بني نوفل" فهو نوفل بن عبد مناف بن قصي‪.‬‬
‫والمطلب الذي ذكره هو ابن عبد مناف بن قصي‪.‬‬
‫وقوله‪ ":‬لم تصبح اليوم نكسًا"‪ ،‬فالنكس الدنيء المقصر‪ .‬ويقول‬
‫بعضهم‪ :‬إن أصل ذلك في السهام‪ ،‬وذلك أن السهم إذا ارتدع أو‬
‫نالته أفة نكس في الكنانة ليعرف من غيره قال الحطيئة‪:‬‬
‫مجدا ً تليدا ً و نبل غير‬
‫قد ناضلوك فأبدوا من‬
‫أنكاس‬
‫كنانتهم‬
‫قوله‪ ":‬مجدا ً تليدًا"‪ ،‬قالوا‪ :‬نواصي الفرسان" الذين كان يمن‬
‫عليهم‪.‬‬
‫وقوله‪ ":‬ثاني الجيد" قد مر تفسيره في قول الله عز وجل‪ ":‬ثانى‬
‫عطفه ليضل عن سبيل الله" الحج‪ 9 :‬وقوله‪ ":‬أو من بني زهرة"‪،‬‬
‫فهو زهرة بن كلب بن مرة‪ .‬ويروى أن رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم قال‪ ":‬خلقت من خير حيين‪ :‬من هاشم وزهرة" وبنو جمح‬
‫بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي‪.‬‬
‫وقوله‪ ":‬الناجيد" مفاعيل‪ ،‬من النجدة‪ ،‬والواحدة منجاد‪ ،‬وإنما يقال‬
‫ذلك في تكثير الفعل‪ ،‬كما تقول‪ :‬رجل مطعان بالرمح‪ ،‬ومطعام‬
‫للطعام‪.‬‬
‫وقوله‪:‬‬
‫أو في السرارة من تيم رضيت بهم‬
‫يقول‪ :‬في الصميم منهم والموضع المرضي‪ ،‬وأصل ذلك في‬
‫التربة‪ ،‬تقول العرب‪ :‬إذا غرست فاغرس في سرارة الوادي‪،‬‬
‫ويقال‪ :‬فلن في سر قومه‪ ،‬والسرة مثل ذلك‪ ،‬قال القرشي‪:‬‬
‫كرم البطاح وخير‬
‫هل سألت عن الذين‬
‫سرة واد‬
‫تبطحوا‬
‫أن ينزلوا الولجات من‬
‫وعن الذين أبو فلم‬
‫أجياد‬
‫يستكرهوا‬
‫منها بخير مضارب‬
‫يخبرك أهل العلم أن‬
‫الوتاد‬
‫بيوتنـا‬
‫وقوله ‪ ":‬أو من بني خلف الخضر"‪ ،‬فإنه حذف التنوين للتقاء‬
‫الساكنين‪.‬‬
‫وليس بالوجه‪ ،‬وإنما يحذف من الحرف للتقاء الساكنين حروف‬
‫‪160‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫المد واللين‪ ،‬وهي اللف‪ ،‬والياء المكسور ما قبلها‪ ،‬والواو‬
‫المضموم ما قبلها‪ ،‬نحو قولك‪ :‬هذا قفا الرجل‪ ،‬وقاضي الرجل‪،‬‬
‫ويغزو القوم‪ ،‬فلما التنوين فجاز فيه هذا‪ .‬لنه نون في اللفظ‪،‬‬
‫والنون تدغم في الياء والواو‪ ،‬وتزاد كما تزاد حروف المد واللين‪،‬‬
‫ويبدل بعضها من بعض‪ ،‬فتقول‪ :‬رأيت زيدا ٌ فتبدل اللف من‬
‫التنوين‪ ،‬وتقول في النسب إلى صنعاء وبهراء صنعاني وبهراني‪،‬‬
‫فتبدل النون من ألف التأنيت‪ ،‬وهذه جملة وتفسيرها كثير‪ ،‬فلذلك‬
‫حذف‪ ،‬ومثل هذا من الشعر‪:‬‬
‫ورجال مكة مسنتون‬
‫عمرو الذي هشم‬
‫عجاف‬
‫الثريد لقومه‬
‫وقال آخر ‪:‬‬
‫أخو الخمر ذو الشيبة‬
‫ج‬
‫حمـيد الـذي أمـــ ٌ‬
‫الصلع‬
‫داره‬
‫وقرأ بعض القراء ‪ ":‬قل هو الله أحد الله الصمد " الخلص ‪2 -1‬‬
‫وسمعت عمارة بن عقيل يقرأ‪ ":‬ول الليل سابق النهار وك ٌ‬
‫ل في‬
‫فلك يسبحون " يس ‪ ،40‬فقلت‪ :‬ما تريد ? فقال ‪ ":‬سابقٌ النهار "‪.‬‬
‫وقوله‪ " :‬أواصحاب اللوا"‪ ،‬فإنما خفف الهمزة‪ ،‬وتخفف إذا كان‬
‫ن‪ ،‬فتطرح حركتها على الساكن وتحذف‪ ،‬كقولك‪ :‬من‬
‫قبلها ساك ٌ‬
‫أبوك ? وقوله عز وجل‪ " :‬الذي يخرج الخبء في السموات‬
‫والرض " النمل ‪ 25‬وخلف الذي ذكره من بني جمح بن عمرو بن‬
‫هصيص بن كعب بن لؤي ‪.‬‬
‫وقوله‪":‬الخضر الجلعيد " يقال فيه قولن‪ :‬أحدهما أنه يريد سواد‬
‫ب‪:‬‬
‫جلودهم‪ ،‬كما قال الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي له ٍ‬
‫أخضر الجلدة في بيت‬
‫وأنا الخضر من‬
‫العرب‬
‫يعرفـنـي‬
‫فهذا هو القول الول‪ .‬وقال آخرون ‪:‬شبههم في جودهم بالبحور‪.‬‬
‫د‪ ،‬وزاد الياء‬
‫وقوله‪ ":‬الجلعيد "‪ ،‬يريد الشداد الصلب‪ ،‬واحدهم جلع ٌ‬
‫للحاجة‪ ،‬وهذا جمعٌ يجيء كثيرًا‪ ،‬وذلك أنه موضع تلزمه الكسرة‪،‬‬
‫ق دوانيق‪ ،‬وفي‬
‫فتشبع فتصير ياًء‪ ،‬يقال في خاتم‪ :‬خواتيم‪ ،‬وفي دان ٍ‬
‫طابق طوابيق قال الفرزدق في مثل هذا الجمع ‪:‬‬
‫نفي الدراهيم تنقاد‬
‫تنفي يداها الحصى‬
‫الـصـياريف‬
‫ة‬
‫في كل هاجر ٍ‬
‫‪161‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وقوله‪ " :‬قبل القذاف" يريد المقاذفة‪ ،‬وهذه تكون من اثنين فما‬
‫فوقهما‪ ،‬نحو المقاتلة والمشاتمة‪ ،‬فباب " فاعلت" إنما هو للثنين‬
‫فصاعدًا‪ ،‬نحو قاتلت وضاربت‪ ،‬وقد تكون اللف زائدة في فاعلت‬
‫فتبنى للواحد‪ ،‬كما زيدت الهمزة أول ٌ في " أفعلت " فتكون للواحد‪،‬‬
‫نحو عاقبت اللص‪ ،‬وعافاه الله‪ ،‬وطارقت نعلي‪.‬‬
‫وقوله‪ ":‬وصاحب الغار "‪ ،‬يعني أبا بكر رحمه الله‪ ،‬لمصاحبته النبي‬
‫صلى الله عليه وسلم في الغار‪ ،‬وهذا مشهور ليحتاج إلى‬
‫تفسيره ‪.‬‬
‫وطلحة بن عبيد الله نسبه إلى الجود لنه كان من أجود قريش‪.‬‬
‫وحدثني التوزي قال‪ :‬كان يقال لطلحة بن عبيد الله‪ :‬طلحة‬
‫الطلحات‪ ،‬وطلحة الخير‪ ،‬وطلحة الجود‪ .‬وذكر التوزي عن‬
‫ة له بخمسة عشر ألف درهم‪ ،‬فقسمها في‬
‫الصمعي أنه باع ضيع ٌ‬
‫الطباق‪ .‬وفي بعض الحديث أنه منعه أن يخرج إلى المسجد أن له‬
‫بين ثوبين‪.‬‬
‫وحدثني العتبي في إسناد ذكره قال‪ :‬دعا طلحة بن عبيد الله أبا‬
‫بكر وعمر وعثمان رحمة الله عليهم‪ ،‬فأبطأ عنه الغلم بشيء‬
‫أراده‪ ،‬فقال طلحة‪ :‬يا غلم‪ ،‬فقال الغلم‪ :‬لبيك فقال طلحة‪ :‬ل‬
‫لبيك فقال أبو بكر‪ :‬ما يسرني أني قلتها وأن لي الدنيا وما فيها‪.‬‬
‫وقال عمر‪ :‬ما يسرني أني قلتها ولي نصف الدنيا‪ .‬قال عثمان‪ :‬ما‬
‫يسرني أني قلتها وأن لي حمر النعم قال‪ :‬وصمت عليها أبو محمد‪،‬‬
‫ة بخمسة عش ألف درهم‪ ،‬فتصدق‬
‫فلما خرجوا من عنده باع ضيع ً‬
‫بثمنها ‪.‬‬
‫وقوله ‪:‬‬
‫يظل منها صحيح القوم كالمودي‬
‫فالمودي في هذا الموضع الهالك‪ ،‬وللمودي موضع آخر يكون فيه‬
‫القوي الجاد‪ ،‬حدثني بذلك التوزي في كتاب الضداد‪ ،‬وأنشدني‪:‬‬
‫مودون السبيل السابل‬
‫لرجل من العرب يرثي‬
‫وقال رجل من العرب ‪:‬‬
‫على قبر أهبان سقته‬
‫خليلي عوجا بارك الله‬
‫الرواعد‬
‫فيكمـا‬
‫‪162‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وبين المزجى نفنف‬
‫فذاك الفتى كل الفتى‬
‫متباعـد‬
‫كان بينه‬
‫عييا ٌ ول عبئا ٌ على من‬
‫إذا نازع القوم‬
‫يقاعـد‬
‫الحاديث لم يكن‬
‫قوله‪ ":‬على قبر أهبان" فهذا اسم علم كزيد وعمرو‪ ،‬واشتقاقه‬
‫من وهب يهب‪ ،‬وهمز الواو لنضمامها‪ ،‬كقوله عز وجل‪ ":‬وإذا‬
‫الرسل أقتت " المرسلت ‪ 11‬فهو "فعلت"‪ ،‬من الوقت ‪ .‬وقد‬
‫مضى همز الواو إذا انضمت‪ .‬وهو لينصرف في المعرفة وينصرف‬
‫في النكرة‪ ،‬وكل شيء ينصرف فصرفه في الشعر جائز‪ ،‬لن أصله‬
‫كان الصرف‪ ،‬فلما احتيج إليه رد إلى أصله‪ ،‬فهذا قول البصريين‪.‬‬
‫وزعم قوم أن كل شيء لينصرف فصرفه في الشعر جائز‪ ،‬إل"‬
‫أفعل" الذي معه "منك"‪ ،‬نحو ‪ :‬أفضل منك‪ ،‬وأكرم منك ‪ .‬وزعم‬
‫الخليل وعليه أصحابه أن هذا إذا كانت معه "منك" بمنزلة "أحمر"‬
‫لنه إنما كمل أن يكون نعتا ٌ "منك"‪ ،‬وأحمر ل يحتاج إليها‪ ،‬مع‬
‫"منك" بمنزلة "أحمر" وحده‪ ،‬قال‪ :‬والدليل على أن "منك" ليست‬
‫بمانعته من الصرف أنه زال عن بناء "أفعل" انصرف‪ ،‬نحو قولك‪:‬‬
‫مررت بخير منك‪ ،‬وشر منك‪ ،‬فلو كانت "منك" هي المانعة لمنعت‬
‫هنا‪،‬فهذا قول بين جدا ٌ ‪.‬‬
‫وقوله ‪":‬المزجى"‪ ،‬فهو الضعيف‪ :‬يقال‪ :‬زجى فلن حاجتي ‪:‬أي‬
‫خف عليه تعجيلها‪ ،‬والمزجاة من البضائع ‪ :‬اليسيرة الخفيفة‬
‫ل‬
‫المحمل‪ .‬والنفنف وجمعها النفانف ‪:‬كل ما كان بين شيئين عا ٍ‬
‫ومنخفض‪ ،‬قال ذو الرمة‪:‬‬
‫في نفنف يتطوح"‪.‬‬
‫وقوله‪ ":‬ول عبئا ٌ على من يقاعد"‪ ،‬فالعبء‪ :‬الثقل‪ ،‬يقال حمل عبئا ٌ‬
‫ل‪ ،‬ووكده بقوله‪":‬ثقي ٌ‬
‫ثقي ٌ‬
‫ل"‪ ،‬ولو لم يقله لم يحتج إليه‬
‫لرجل يذكر ابنه‬
‫وقال آخر يذكر ابنه‪:‬‬
‫لعل اللـيالـي تـؤدي‬
‫أليا سمية شبـي‬
‫يزيدا‬
‫الـوقـودا‬
‫إذا ما المسارح كانت‬
‫فنفسي فداؤك مـن‬
‫جليدا‬
‫غـائب‬

‫‪163‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫فصار أبا ٌ لي وصرت‬
‫كفاني الذي كنت‬
‫الوليدا‬
‫أسعى لـه‬
‫قوله ‪":‬شبي"‪ ،‬يقال‪ :‬شببت النار والحرب إذا أوقدتهما‪ ،‬يقال‪ :‬شب‬
‫يشب شبٌا‪ ،‬قال العشى‪:‬‬
‫وبات على النار الندى‬
‫تشب لمقرورين‬
‫والمحلق‬
‫يصطليانـهـا‬
‫وقوله‪:‬‬
‫ذا ما المسارح كانت جليدا‬
‫فالمسارح الطرق التي يسرحون فيها‪ ،‬واحدها مسرح‪ ،‬والجليد يقع‬
‫من السماء‪ ،‬وهو ندى فيه جمود‪ ،‬فتبيض له الرض‪ ،‬وهو دون‬
‫الثلج‪ ،‬يقال له‪ :‬الجليد‪ ،‬والضريب‪ ،‬والسقيط‪ ،‬والصقيع‪.‬‬
‫وقالو في قوله‪:‬‬
‫رجل عقاب يوم دجن تضرب‬
‫أي يصيبها الضريب ‪.‬‬
‫وقوله‪":‬وصرت الوليد"‪،‬الوليد‪ :‬الصغير‪ ،‬وجمعه ولدان‪ ،‬وهو في‬
‫القرآن ‪ .‬ونظير وليد وولدان ظليم وظلمان‪ ،‬وقضيب وقضبان‪،‬‬
‫وباب "فعال فعلن"‪ ،‬نحو عقبان وذبان وغربان ‪ .‬وقولهم‪ ":‬أمر‬
‫لينادى وليده"‪ ،‬يقال فيه قولن يتقاربان‪ ،‬فأحدهما أنه ل يدعى له‬
‫الصغار‪ ،‬والوجه الخر لصحاب المعاني‪ ،‬يقولون‪ :‬ليس فيه وليد‬
‫فيدعى‪ ،‬ونظير ذلك قول النابغة الجعدي‪:‬‬
‫وضرب نواقيس لم‬
‫سبقت صياح‬
‫تضرب‬
‫فراريجـهـا‬
‫أي ليست ثم‪ ،‬ولكن هذا من أوقاتها ‪.‬وقالت أخت طرفة بن العبد‪:‬‬
‫عددنا له ستا ٌ‬
‫فلما توفاها استوى‬
‫سيدا ٌ ضخما‬
‫وعشـرين حـجة‬
‫على خير حال ل وليدا ٌ‬
‫فجعنا به لمـا رجـونـا‬
‫ول قمحا‬
‫إيابـه‬
‫الوليد‪ :‬ما ذكرنا‪ ،‬والقحم‪ :‬الرجل المتناهي سنا ٌ ويقال ذلك في‬
‫ة‪ :‬قحارية‪ ،‬في وزن‬
‫البعير قحم وقحر ومقلحم‪ ،‬ويقال للبعير خاص ٌ‬
‫قراسية‪ ،‬وأنشد الصمعي‪:‬‬
‫‪164‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫رأين قحما ٌ شاب‬
‫واقلحما‬
‫المسلهم‪:‬الضامر‪.‬‬
‫لرجل آخر يرثي ابنه‬
‫وقال آخر لبنه يرثيه‪:‬‬
‫وبت بما زودتني‬
‫ومن عجب أن بت‬
‫مـتـمـتـعـا‬
‫مستشعر الثرى‬
‫خلفك حتى ننطوي‬
‫ولو أنني أنصفتك الـود‬
‫في الثرى معا‬
‫لـم أبـت‬
‫ابراهيم بن عبد الله يرثي أخاه‬
‫وقال إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن حسن يرثي أخاه محمدٌا‪:‬‬
‫يفجع بمثلك في الدنيا‬
‫أبا المنازل يا عبر‬
‫فقد فجعـا‬
‫الفوارس مـن‬
‫أو آنس القلب من‬
‫الله يعلم أنـي لـو‬
‫خوف لهم فزعا‬
‫خـشـيتـهـم‬
‫حتى نعيش جميعا ٌ أو‬
‫لم يقتلوك ولم أسلم‬
‫نموت معـا‬
‫أخـي لـهـم‬
‫قوله ‪":‬يا عبر الفوارس‪ ،‬يصفه بالقوة منهم وعليهم‪ ،‬كما يقال ‪:‬‬
‫ناقة عبر الهواجر وعبر السرى وقوله‪:‬‬
‫أوآنس القلب من خوف لهم فزعا‬
‫يقول‪ :‬أحس‪ ،‬وأصل اليناس في العين‪ ،‬يقال آنست شخصٌا‪ ،‬أي‬
‫أبصرته من بعد وفي كتاب الله عز وجل ‪ ":‬ءانس من جانب الطور‬
‫نارٌا" القصص ‪29‬‬
‫لمتمم بن نويرة يرثي أخاه‬
‫وقال متمم بن نويرة ‪:‬‬
‫ت ثوى بين اللوى‬
‫وقالوا‪ :‬أتبكي كل قبـر‬
‫لمي ٍ‬
‫والدكادك‬
‫رأيتـه‬
‫ذروني فهذا كله قبر‬
‫فقلت لهم‪ :‬إن السى‬
‫مـالـك‬
‫يبعث البكا‬
‫السى ‪:‬الحزن وقد مر تفسيره‪.‬‬
‫لعلي بن عبد الله بن العباس يفخر‬
‫طال عليه الدهر‬
‫فاسلهما‬

‫‪165‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫قال علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب رحمة الله‬
‫ورضوانه عليه ‪:‬‬
‫وأخوالي الملوك بنو‬
‫أبي العباس قرم بني‬
‫وليعه‬
‫قصي‬
‫كتائب مسرف وبنو‬
‫هم منعوا دماري يوم‬
‫اللكيعة‬
‫جاءت‬
‫أراد بي التي ل عز‬
‫فحالت دونه أيدٍ‬
‫منـيعـه‬
‫فيهـا‬
‫ح‬
‫قوله‪ ":‬بنو وليعة"‪ ،‬فهم أخواله من كندة‪ ،‬وأمه زرعة بن مشر ٍ‬
‫ة‪.‬‬
‫الكندية ثم إحدى بني وليع ٍ‬
‫ف" يعني مسلم بن عقبة المري صاحب‬
‫وقوله‪ ":‬كتائب مسر ٍ‬
‫الحرة‪ ،‬وأهل الحجاز يسمونه مسرفا ً وكان أراد أهل المدينة جميعا ً‬
‫على أن يبايعوا يزيد بن معاوية على أن كل واحدٍ منهم عبد قن له‬
‫إل علي بن الحسين‪ ،‬فقال حصين بن نمير السكوني من كندة‪":‬‬
‫ول يبايع ابن أختنا علي بن عبد الله إل على ما يبايع عليه علي بن‬
‫الحسين‪ ،‬على أنه ابن عم أمير المؤمنين‪ ،‬وإل فالحرب بيننا‪،‬‬
‫فأعفي علي بن عبد الله‪ ،‬وقبل منه ما أراد‪ ،‬فقال هذا الشعر‬
‫لذلك‪.‬‬
‫وقوله‪ ":‬بنو اللكيعة"‪ ،‬فهي اللئيمة‪ ،‬ويقال في النداء للئيم‪ :‬يا لكع‪،‬‬
‫وللنثى‪ :‬يا لكاع‪ ،‬لنه موضع معرفة‪ ،‬كما يقال‪ :‬يا فسق ويا خبث‪،‬‬
‫فإن لم ترد أن تعدله عن جهته قلت للرجل‪ :‬يا ألكع‪ ،‬وللنثى يا‬
‫لكعاء‪ ،‬وهذا موضع ل تقع فيه النكرة‪ ،‬وقد جاء في الحديث والصل‬
‫ما ذكرت لك‪ ":‬ل تقوم الساعة حتى يلي أمر الناس لكع ابن لكع‬
‫"‪ ،‬فهذا كناية عن اللئيم ابن اللئيم‪ ،‬وهذا بمنزلة عمر ينصرف في‬
‫النكرة‪ ،‬ول ينصرف في المعرفة‪ .‬ولكاع يبنى على الكسر‪،‬‬
‫وسنشرح باب"فعال" للمؤنث على وجوهه الربعة عند أول ما‬
‫يجري من ذكره إن شاء الله‪ .‬وقد اضطر الحطيئة فذكر "لكاع"في‬
‫غير النداء‪ ،‬فقال يهجو امراته‪:‬‬
‫أطوف ما أطوف ثم‬
‫ت قعيدته لكـاع‬
‫إلى بي ٍ‬
‫آوي‬

‫‪166‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫قعيدة البيت‪ :‬ربة البيت‪ ،‬وإنما قيل قعيدة لقعودها وملزمتها‪،‬‬
‫ويقال للفرس قعدة من هذا‪ ،‬وهو الذي يرتبطه صاحبه فل يفارقه‪،‬‬
‫قال الجعفي ‪:‬‬
‫بادٍ جناجن صدرها‪،‬‬
‫لكن قعيدة بيتنـا‬
‫ولها غنى‬
‫مـجـفـوةٌ‬
‫ن‪.‬‬
‫الجناجن ‪ :‬ما يظهر عن الهزال من أطراف الصدر‪ ،‬واحداها جنج ٌ‬
‫لهشام أخي ذي الرمة‬
‫وقال هشام أخو ذي الرمة‪:‬‬
‫عزاًء وجفن العين‬
‫تعزيت عن أوفى‬
‫بالماء مترع‬
‫بغيلن بعـده‬
‫ولكن نكء القرح‬
‫ولم تنسني أوفى‬
‫بالقرح أوجع‬
‫المصيبات بعده‬
‫غيلن‪ :‬هو ذو الرمة‪ ،‬وكان هشام من عقلء الرجال‪ .‬حدثني‬
‫العباس بن الفرج في إسناده له يعزوه إلى رجل أراد سفرًا‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫قال لي هشام بن عقبة‪.‬‬
‫إن لكل رفقةٍ كلبا ً يشركهم في فضله الزاد‪ ،‬ويهر دونهم‪ ،‬فإن‬
‫قدرت أل تكون كلب الرفقة فافعل‪ ،‬وإياك وتأخير الصلة عن‬
‫وقتها‪ ،‬فإنك مصليها ل محالة‪ ،‬فصلها وهي تقبل منك‪.‬‬
‫لحسان بن ثابت النصاري‬
‫وقال حسان بن ثابت النصاري‪:‬‬
‫كأس لصبحت مثـري‬
‫تقول شعثاء لو‬
‫الـعـدد‬
‫صحوت عـن ال‬
‫بح وصوت المسامـر‬
‫أهوى حديث الندمان‬
‫الـغـرد‬
‫في قلق الص‬
‫يخشى نديمي إذا‬
‫ل أخدش الخدش‬
‫انتـشـيت يدي‬
‫بالجـلـيس ول‬
‫م لم يضامـوا كـلـبـدة‬
‫يأبى لي السيف و‬
‫السـد‬
‫اللسـان وقـو‬
‫لبيدة السد ‪ :‬ما يتطارق من شعره بين كتفيه‪ ،‬ويقال ‪ :‬أسد ٌ ذو‬
‫د‪.‬‬
‫لبدةٍ وذو لبي ٍ‬
‫‪167‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫لجرير في مرضه حين عادته قيس‬
‫ة‪ ،‬فعادته قيس‪،‬‬
‫ة شديد ً‬
‫وحدثني عمارة قال‪ :‬مرض جريٌر مرض ً‬
‫فقال‪:‬‬
‫وإن مرضت فهم‬
‫نفسي الفداء لقوم‬
‫أهلي وعوداي‬
‫زينوا حسبـي‬
‫ما أسلموني لليث‬
‫لو خفت ليثا ً أبا شبلـين‬
‫الغابة العادي‬
‫ذا لـبـدٍ‬
‫أو بالرحيل فقد‬
‫إن تجر طيٌر بأمرٍ فيه‬
‫أحسنتـم زادي‬
‫ة‬
‫عـافـي ٌ‬
‫لعبد الرحمن بن ثابت يهاجي‬
‫عبد الرحمن بن الحكم‬
‫م‪ ،‬وهو‬
‫وقال عبد الرحمن بن حسان بن ثابت بن المنذر بن حرا ٍ‬
‫يهاجي عبد الرحمن بن الحكم بن أبي العاصي بن أمية بن عبد‬
‫شمس ‪:‬‬
‫فهم منعوا وريدك من‬
‫فأما قولك‪ :‬الخلـفـاء‬
‫وداجي‬
‫مـنـا‬
‫هوى في مظلم‬
‫ولو ل هم لكنت‬
‫الغمرات داج‬
‫كحوت بحـر‬
‫بشجج راسه بالفهر‬
‫وكنت أذل من وتـد‬
‫واجـي‬
‫بـقـاع‬
‫فكتب معاوية إلى مروان أن يؤدنهما وكانا تقاذفا‪ ،‬فضرب عبد‬
‫الرحمن بن حسان ثمانين‪ ،‬وضرب أخاه عشرين‪ ،‬فقيل لعبد‬
‫الرحمن بن حسان‪ :‬قد أمكنك في مروان ما تريد‪ ،‬فأشد بذكره‪،‬‬
‫وارفعه إلى معاوية‪ ،‬فقال‪ :‬إذا ً والله ل أفعل‪ ،‬وقد حدني كما تحد‬
‫الرحل الحرار‪ ،‬وجعل أخاه كنصف عبد‪ .‬فأوجعه بهذا القول‪.‬‬
‫ويروى أن عبد الرحمن بن حسان لسعه زنبور فجاء أباه يبكي‪،‬‬
‫فقال له‪ :‬ما لك فقال‪ :‬لسعني طائر كأنه ملتف في بردي حبرة‪.‬‬
‫قال‪ :‬قلت والله الشعر ‪ :‬ويروى أن معلمه عاقب صبيانا ً على ذنب‬
‫وأراده بالعقوبة‪ ،‬فقال ‪:‬‬
‫في دار حسان أصطاد‬
‫الله يعلم أني كنت‬
‫مـنـتـبـذا ً‬
‫اليعاسيبا‬
‫‪168‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وأعرق قوم كانوا في الشعر آل حسان فإنهم كانوا يعتدون ستة‬
‫في نسق كلهم شاعر‪ ،‬وهم سعيد بن عبد الحمن بن حسان بن‬
‫ثابت بن المنذر بن حرام‪ ،‬وبعد هؤلء في الوقت آل أبي حفصة‪،‬‬
‫فإنهم أهل بيت كلهم شاعر‪ ،‬يتوارثونه كابرا ً عن كابر ‪.‬‬
‫ويروى أن ابنة لبن الرقاع وقف بباب أبيها قوم يسألون عنه‪،‬‬
‫فقالت‪ :‬ما تريدون فقالوا‪ :‬جئنا لنهاجيه فقالت وهي صبية‪.‬‬
‫على واحد ل زلتم‬
‫تجمعتم من كل أوب‬
‫قرن واحد‬
‫ووجهة‬
‫فهذه بلغت بطبعها على صغرها مبلغ العشى في قلب هذا‬
‫المعنى‪ ،‬حيث يقول لهوذة بن علي‬
‫ويعدو على حمع‬
‫يرى جمع ما دون‬
‫الثلثين واحدا‬
‫الثلثين قصرة‬
‫باب‬
‫نبذ من كلم الحكماء‬
‫قال أبو العباس‪ :‬قال عمر بن الخطاب رحمه الله‪ :‬علموا أولدكم‬
‫العوم والرماية‪ ،‬ومروهم فليثبوا على الخلل وثبًا‪ ،‬ورووهم ما يجمل‬
‫من الشعر‪ .‬وفي حديث آخر‪ :‬وخير الخلق للمرأة المغزل‪.‬‬
‫ويروى عن الشعبي أنه قال‪ :‬قال عبد الله بن العباس‪ :‬قال لي‬
‫أبي‪ :‬يا بني‪ ،‬إني أرى أمير المؤمنين قد اختصك دون من ترى من‬
‫المهاجرين والنصار‪ ،‬فاحفظ عني ثلثًا‪ :‬ل يجربن عليك كذبًا‪ ،‬ول‬
‫تغتب عنده مسلمًا‪ ،‬ول تفشين له سرًا‪ ،‬قال‪ :‬فقلت له‪ :‬يا أبه‪ ،‬كل‬
‫واحدةٍ منها خير من ألف‪ ،‬فقال كل واحدة منها خير من عشرة‬
‫آلف‪.‬‬
‫وحدثني العباس بن الفرج في إسناد ذكره قال‪ :‬نظرإلى عمرو بن‬
‫العاص على بغلةٍ قد شمط وجهها هرمًا‪ ،‬فقيل له‪ :‬أتركب هذه‬
‫وأنت على أكرم ناخرةٍ بمصر فقال‪ :‬ل ملل عندي لدابتي ما حملت‬
‫رجلي‪ ،‬ول لمرأتي ما أحسنت عشرتي‪ ،‬ول لصديقي ما حفظ‬
‫سري‪ ،‬إن الملل من كواذب الخلق‪.‬‬
‫قوله‪ ":‬على أكرم ناخرة" يريد الخيل‪ ،‬يقال للواحد ناخر‪ ،‬وقيل ‪:‬‬
‫ناخرة يراد جماعة‪ ،‬كما تقول‪ :‬رجل بغال وحمار‪ ،‬والجماعة البغالة‬

‫‪169‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫والحمارة‪ ،‬وكذلك تقول‪ :‬أتتني عصبة نبيلة‪ ،‬وقبيلة شريفة‪ ،‬والواحد‬
‫نبيل وشريف‪.‬‬
‫مشاورة معاوية عمرو بن العاص‬
‫في أمر عبد الله بن هاشم بن عتبة وشاور معاوية عمرا ً في أمر‬
‫عبد الله بن هاشم بن عتبة بن مالك بن أبي وقاص وكان هاشم بن‬
‫عتبة أحد فرسان علي رحمه الله فإتي بابنه معاوية‪ ،‬فشاور عمرا ً‬
‫فيه‪ ،‬فقال‪،‬أرى أن تقتله‪ ،‬فقال له معاوية‪ :‬إني لم أر في العفو إل‬
‫خيرًا‪ ،‬فمضى عمرو مغضبًا‪ ،‬وكتب إليه‪:‬‬
‫أمرتك أمرا ً حازما ً‬
‫وكان من التوفيق قتل‬
‫ابن هاشم‬
‫فعصيتنـي‬
‫أعان عليا ً يوم حز‬
‫أليس أبوه يا مـعـاوية‬
‫الغـلصـم‬
‫الـذي‬
‫بصفين أمثال البحور‬
‫فقتلنا حتى جرى مـن‬
‫الخضارم‬
‫دمـائنـا‬
‫ويوشك أن تلفى به‬
‫وهذا ابنه‪ ،‬والمرء‬
‫جـد نـادم‬
‫يشبه عيصه‬
‫فبعث معاوية بأبياته إلى عبد الله بن هاشم‪ ،‬فكتب إليه عبد الله‬
‫بن هاشم‪:‬‬
‫معاوية إن المرء عمرا ً‬
‫ضغينه خب غشهـا غـير‬
‫نـائم‬
‫أبـت لـه‬
‫يرى ما يرى عمرو‬
‫يرى لك قتلي يا ابن هند‬
‫ملوك العاجم‬
‫وإنـمـا‬
‫إذا كان منه بيعة‬
‫على أنهم ل يقتـلـون‬
‫لـلـمـسـالـم‬
‫أسـيرهـم‬
‫وإن تر قتلي تستحل‬
‫فإن تعف عني تعف عن‬
‫محـارمـي‬
‫ة‬
‫ذي قراب ٍ‬
‫فصفح عنه‪.‬‬
‫من كلم عمرو بن العاص لعائشة‬
‫وقال عمرو لعائشة رحمة الله عليهما ‪ :‬لوددت أنك كنت قتلت يوم‬
‫الجمل فقالت‪ :‬ولم ل أبا لك فقال ‪ :‬كنت تموتين بأجلك‪ ،‬وتدخلين‬
‫الجنة‪ ،‬ونجعلك أكبر التشنيع على علي‪.‬‬
‫‪170‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ما قاله عمرو بن العاص حين احتضر‬
‫وحدثني العباس بن الفرج الرياشي في إسنادٍ ذكره‪ ،‬آخره" ابن‬
‫عباس " قال ‪ :‬دخلت على عمرو بن العاص وقد احتضر‪ ،‬فدخل‬
‫عليه عبد الله بن عمرو فقال له‪ :‬يا عبد الله‪ ،‬خذ ذلك الصندوق‪،‬‬
‫فقال ‪ :‬ل حاجة لي فيه‪ ،‬قال إنه مملوء ما ً‬
‫ل‪ ،‬قال‪ :‬ل حاجة لي به‪،‬‬
‫فقال عمرو‪ :‬ليته مملوء بعرا ً قال‪ :‬فقلت‪ :‬يا أبا عبد الله‪ ،‬إنك كنت‬
‫تقول‪ :‬أشتهي أن أرى عاقل ً يموت حتى أسأله كيف يجد فكيف‬
‫تجدك قال‪ :‬أجد السماء كأنها مطبقة على الرض وأنا بينهما‪،‬‬
‫ة‪ ،‬ثم قال‪ :‬اللهم خذ مني حتى‬
‫وأراني كأنما أتنفس من خرت إبر ٍ‬
‫ترضى‪ .‬ثم رفع يديه فقالت‪ :‬اللهم أمرت فعصينا‪ ،‬ونهيت فركبنا فل‬
‫بريء فأعتذر‪ ،‬ول قوي فأنتصر‪ ،‬ولكن ل إله إل الله ثلثًا‪ ،‬ثم فاظ‪.‬‬
‫وقد روينا هذا الخبر من غير ناحية الرياشي بأتم من هذا‪ ،‬ولكن‬
‫اقتصرنا على هذا لثقة إسناده‪.‬‬
‫ة‪ ،‬يقال للدليل‪ :‬خريت‪.‬‬
‫قوله‪ ":‬من خرت إبرة"‪ ،‬يعني من ثقب إبر ٍ‬
‫وزعم الصمعي أنه أريد به أنه يهتدي لمثل خرت البرة‪.‬‬
‫وقوله‪ ":‬فاظ" أي مات‪ ،‬يقال ‪ :‬فاظ‪ ،‬وفاد‪ ،‬وفطس‪ ،‬وفاز‪ ،‬وفوز‪،‬‬
‫كل ذلك في معنى الموت‪ ،‬ول يقال ‪ :‬بالضاد إل للناء‪ ،‬قال رؤية‪:‬‬
‫ل يدفنون منهم من فاظا‬
‫وقال ابن جريج‪ ":‬أما رأيت الميت حين فوظه"‪.‬‬
‫ومن قال ذلك للنفس قال‪ :‬فاضت نفسه‪ ،‬يشببها بالناء‪.‬‬
‫وحدثني أبو عثمان المازني أحسبه عن أبي زيد قال‪ :‬كل العرب‬
‫يقولون‪ :‬فاضت نفسه إل بني ضبة فإنهم يقولون‪ :‬فاظت نفسه‪،‬‬
‫وإنما الكلم الصحيح فاظ بالظاء إذا مات‪.‬‬
‫وفي الحديث أن امرأة سلم بن أبي الحقيق قالت‪ :‬فاظ‪ ،‬وإله‬
‫يهود‪.‬‬
‫نبذ من أقوال الحكماء‬
‫وحدثني مسعود بن بشر قال‪ :‬قال زياد‪ :‬المرة تذهب الحفيظة‪،‬‬
‫وقد كانت من قوم إلي هنات جعلتها تحت قدمي‪ ،‬ودبر أذني‪ ،‬فلو‬
‫بلغني أن أحدكم قد أخذه السل من بغضي ما هتكت له سترا ً ول‬
‫كشفت له قناعا ً حتى يبدي لي عن صفحته‪ ،‬فإذا فعل لم أناظره‪.‬‬
‫وسمع زياد رجل ً يسب الزمان فقال‪ :‬لو كان يدري ما الزمان‬
‫لضربت عنقه‪ ،‬إن الزمان هو السلطان‪.‬‬
‫‪171‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وفي عهد أزدشير‪ :‬وقد قال الولون منا‪ :‬عدل السلطان أنفع‬
‫للرعية من خصب الزمان‪.‬‬
‫وقال المهلب بن أبي صفرة لبنيه‪ :‬إذا وليتم فلينوا للمحسن‪،‬‬
‫واشتدوا على المريب‪ ،‬فإن الناس للسلطان أهيب منهم للقرآن‪.‬‬
‫وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه‪ :‬إن الله ليزع بالسلطان ما ل‬
‫يزع بالقرآن‪.‬‬
‫قوله‪ ":‬يزع" أي يكف‪ ،‬يقال ‪ :‬وزع يزع إذا كف‪ ،‬وكان أصله" يزع"‬
‫مثل يعد فذهبت الواو لوقوعها بين ياء وكره واتبعت حروف‬
‫المضارع الياء لئل يختلف الباب‪ ،‬وهي الهمزة‪ ،‬والنون‪ ،‬والتاء‪،‬‬
‫والياء نحو أعد ونعد‪ ،‬وتعد‪ ،‬ويعد‪ ،‬ولكن انفتحت في " يزع" من‬
‫أجل العين لن حروف الحلق إذا كن في موضع عين الفعل أو لمه‬
‫فتحن في الفعل الذي ماضيه" فعل "‪ ،‬وإن وقعت الواو مما هي‬
‫فيه فاء في " يفعل " المفتوحة العين في الصل صح الفعل‪ ،‬نحو‪:‬‬
‫وحل يوحل‪ ،‬ووجل يوجل‪ ،‬ويجوز في هذه المفتوحة ياحل وياجل‬
‫وييحل وييجل‪ ،‬وكل هذا كراهية للواو بعد الياء‪ ،‬تقول‪ :‬وزعته‪:‬‬
‫كففته‪ ،‬وأوزعته‪ :‬حملته على ركوب الشيء وهيأته له‪ ،‬وهو من‬
‫الله عز وجل توفيق‪ ،‬ويقال‪ :‬أوزعك الله شكره‪ ،‬أي وفقك له‪.‬‬
‫وقال الحسن مرة‪ :‬ما حاجة هؤلء السلطين إلى الشرط فلما‬
‫ولي القضاء كثر عليه الناس‪ ،‬فقال‪ :‬ل بد للسلطين من وزعة‪.‬‬
‫خبة الحجاج في أهل العراق‬
‫وخطب الحجاج بن يوسف ذات يوم‪ ،‬يوم جمعة‪ ،‬فلما توسط كلمه‬
‫سمع تكبيرا ً عاليا ً من ناحية السوق‪ ،‬فقطع خطبة التي كان فيها‪،‬‬
‫ثم قال‪ :‬يا أهل العراق‪ ،‬ويا أهل الشقاق‪ ،‬ويا أهل النفاق‪ ،‬وسيئي‬
‫الخلق‪ ،‬يا بني اللكيعة‪ ،‬وعبيد العصا‪ ،‬وأولد الماء‪ ،‬إني لسمع‬
‫تكبيرا ً ما يراد الله به‪ ،‬إنما يراد به الشيطان‪ ،‬وإن مثلي ومثلكم‬
‫قول ابن براقة الهمداني‪:‬‬
‫فهل أتا في ذا يال‬
‫وكنت إذا قوم رموني‬
‫همدان ظالم‬
‫رميتهـم‬
‫وأنفا ً حميا ً تجتنبك‬
‫متى تجمع القلب‬
‫الذكي وصارما ً‬
‫المـظـالـم‬

‫‪172‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫قوله‪ ":‬يا أهل الشقاق"‪ ،‬فالمشقة المعاداة‪ ،‬وأصله أن يركب ما‬
‫يشق عليه‪ ،‬ويركب منه مثل ذلك‪ .‬والنفاق أن يسر خلف ما يبدي‪،‬‬
‫هذا أصله‪ ،‬وإنما أخذ من النافقاء‪ ،‬وهو أحد أبواب ‪ :‬جحر اليربوع‪،‬‬
‫وذلك أنه أخفاها فإنما يظهر من غيره‪ ،‬ولجحره أربعة أبواب‪:‬‬
‫النافقاء والراهطاء والداماء والسابياء‪ ،‬وكلها ممدودة‪ ،‬ويقال‬
‫للسابياء‪ :‬القاصعاء‪ ،‬وإنما قيل له السابياء لنه ل ينفذه فيبقي بينه‬
‫وبين إنفاذه هنة من الرض رقيقة‪ ،‬وأخذ من سابياء الولد‪ ،‬وهي‬
‫الجلدة الرقيقة التي يخرج فيها الولد من بطن أمه‪ .‬قال الخطل‬
‫يضرب ذلك مثل ً ليربوع بن حنظلة لنه سمي باليربوع‪:‬‬
‫تنفق أو تموت بها‬
‫تسد القاصعاء عليك‬
‫هزال ً‬
‫حتى‬
‫والعرب تزعم أنه ليس من ضب إل وفي جحره عقرب‪ ،‬فهو ل‬
‫يأكل ولد العقرب‪ ،‬وهي ل تضربهفهي مسألمة له‪ ،‬وهو مسالم لها‪،‬‬
‫وأنشد‪:‬‬
‫أعد له عند الذنـابة‬
‫وأخدع من ضب إذا‬
‫خاف حارشا ً‬
‫عـقـربـا‬
‫وقوله‪ ":‬بنو اللكيعة" يريد اللئيمة‪ ،‬وقد مر تفسير هذا في موضعه‪،‬‬
‫قال ابن قيس الرقيات يذكر قتل بن الزبير‪:‬‬
‫كين والمصيبة‬
‫إن الـرزية يوم مــس‬
‫والفجيعة‬
‫لم يعده أهل الوقـيعـه‬
‫بأبن الـحـواري الـذي‬
‫ق‪ ،‬وأمكنت منه‬
‫غدرت به مضر العـرا‬
‫ربيعـه‬
‫ع وكنت سامعة‬
‫فأصبحت وترك يا‬
‫مطيعة‬
‫ربـي‬
‫بالطف يوم الطف‬
‫يا لهف لو كـانـت لـه‬
‫شيعه‬
‫أهل العراق بنو‬
‫أولم يخـونـوا عـهـده‬
‫اللكيعه‬
‫ضب ل يعرج‬
‫لو جدتـمـوه حـين يغ‬
‫بالمضيعه‬
‫‪173‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وقوله‪ ":‬عبيد العصا " يريد أنهم ل ينقادون إل بالذلل‪ ،‬كما قال‬
‫ابن مفرغ الحميري ‪:‬‬
‫والحر تكيفه الملمه‬
‫العبد يقرع بالعصـا‬
‫وقال جرير يهجو التيم‪:‬‬
‫عبيد العصا لم يرج‬
‫أل إنما تيم لعـمـرو‬
‫عتقا ً قطينها‬
‫ومـالـك‬
‫من كلم بن الشعث‬
‫حين ظهور الحجاج عليه‬
‫وخطب الناس عبد الرحمن بن محمد بن الشعث بالمربد عند‬
‫ظهور أمر الحجاج عليه فقال‪ :‬أيها الناس‪ ،‬إنه لم يبق من عدوكم‬
‫إل كما يبقى من ذنب الوزغة تضرب به يمينا ً وشمال ً فل تلبث أن‬
‫تموت‪ .‬فسمعه رجل من بني قشير بن كعب بن عامر بن صعصعة‬
‫فقال‪ :‬قبح الله هذا‪ :‬يأمر أصحابه بقلة الحتراس من عدوهم‬
‫ويعدهم الغرور‪.‬‬
‫كلم عرار بن شأس لعبد الملك‬
‫حينما حمل إليه رأس ابن الشعث‬
‫وروت الرواة أن الحجاج لما أخذ رأس ابن الشعث وجه به إلى‬
‫عبد الملك بن مروان مع عرار بن عمرو بن شأس السدي وكان‬
‫أسود دميما ً فلما ورد به عليه جعل عبد الملك ل يسأل عن شيئ‬
‫من أمر الوقعة إل أنبأه به عرار‪ ،‬في أصح لفظ‪ ،‬وأشبع قول‪،‬‬
‫وأجزاء اختصار‪ ،‬فشفاه من الخبر‪ ،‬ومل أذنه صوابا ً وعبد الملك ل‬
‫يعرفه‪ ،‬وقد اقتحمته عينه حيث رآه فقال متمث ً‬
‫ل‪:‬‬
‫لعمري عرارا ً بالهوان‬
‫أرادت عرارا ً بالهوان‬
‫فقد ظلـم‬
‫ومـن يرد‬
‫فإني أحب الجون ذا‬
‫وإن عرارا ً إن يكن‬
‫المنكب العمم‬
‫غير واضـح‬
‫فقال له عرار‪ :‬أتعرفني با أمير المؤمنين قال‪ :‬ل‪ ،‬قال‪ :‬فأنا والله‬
‫عرار فزاده في سروره‪ ،‬وأضعف له الجائزة‪.‬‬
‫كتاب صاحب اليمن إلى عبد الملك‬
‫في وقت محاربته ابن الشعث‬
‫وكتب صاحب اليمن إلى عبد الملك وقت محاربته ابن الشعث‪:‬‬
‫إني قد وجهت إلى أمير المؤمنين بجارية اشتريها بمال عظيم لم‬
‫‪174‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ير مثلها قط‪ ،‬فلما دخل بها عليه رأى وجها ً جميل ً وخلقا ً نبيل ً فألقى‬
‫إليها قضيبا ً كان في يده فنكست لتأخذه فرأى منها جسما ً بهره‪،‬‬
‫فلما هم بها أعلمه الذن أن رسول الحجاج بالباب‪ ،‬فأذن له‪ ،‬ونحى‬
‫الجارية‪ ،‬فأعطاه كتابا ً من عبد الرحمن‪ ،‬فيه سطور أربعة‪:‬‬
‫حربا ً تزيل بين الجيرة‬
‫سائل مجاور جرم‪:‬‬
‫الخلـط‬
‫هل جنيت لها‬
‫جم الصواهل بين‬
‫وهل سموت بجرار له‬
‫الجم والفرط‬
‫لـجـب‬
‫في ساحة الدار‬
‫وهل تركت نساء‬
‫يستوقدن بالغبط‬
‫الحي ضاحـيه‬
‫وتحتها ‪:‬‬
‫شجر العرى وعراعر‬
‫قتل الملوك وسار‬
‫القوام‬
‫تحـت لئه‬
‫قال‪ :‬فكتب إليه عبد الملك كتابًا‪ ،‬وجعل في طيه جوابا ً لبن‬
‫الشعث‪:‬‬
‫حفاظا ً وينوي من‬
‫ما بال من أسعى‬
‫سفاهته كسري‬
‫لجبر عظمـه‬
‫ستحملهم مني على‬
‫أظن خطوب الدهر‬
‫مركب وعر‬
‫بيني وبينهـم‬
‫ولو لم باتت الطير ل‬
‫وإني إياهم كمن نبـه‬
‫تـسـري‬
‫الـقـطـا‬
‫فما أنا بالواني ول‬
‫أناة وحملما ً وانتظر‬
‫بـهـم غـدا ً‬
‫الضرع الغمر‬
‫وينشد‪ ":‬بالفاني" ‪ .‬ثم بات يقلب كف الجارية ويقول‪ :‬ما أفدت‬
‫فائدة أحب إلي منك‪ ،‬فتقول‪ :‬فما بالك ياأمير المؤمنين وما يمنعك‬
‫قال‪ :‬يمنعني ما قال الخطل لني إن خرجت منه كنت ألم العرب‪:‬‬
‫دون النساء ولو باتت‬
‫قوم إذا حاربوا شدوا‬
‫بأظهار‬
‫مآزرهم‬
‫فما إليك سبيل أو يحكم الله بيني وبين عدو الرحمن‪ ،‬ابن الشعث‪،‬‬
‫فلم يقربها حتى قتل عبد الرحمن ‪.‬‬
‫قوله‪":‬فرأى منها جسما ً بهره"‪ ،‬يقال‪ :‬بهر الليل إذا سد الفق‬
‫‪175‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫بظلمته‪ ،‬وبهر القمر إذا مل الرض ببهائه‪ ،‬ومن ثم قيل‪ :‬القمر‬
‫الباهر‪ ،‬أنشدني المازني لرجل من بني الحارث بن كعب‪:‬‬
‫زرنا هلل ً بجحفل‬
‫والقمر الباهر السماء‬
‫لجـب‬
‫لـقـد‬
‫قدم‪ ،‬وأخر‪ ،‬وأرحبي‪،‬‬
‫تسمع زجر الكماة‬
‫وهبي‬
‫بينـهـم‪:‬‬
‫ن وشيظم‬
‫من كل هداءةٍ كعالـية‬
‫مح أمو ٍ‬
‫سـلـب‬
‫الـر‬
‫وقال طفيل الغنوي يصف كيف تزجر الخيل‪ ،‬فجمعه في بيت‬
‫واحد‪:‬‬
‫وها‪ ،‬وهل ً واضرح وقادعها هبي قال‬
‫ـيل اقــدمـــي و اقـــدم وأخ‬
‫أبو الحسن‪ :‬وأج‪.‬‬
‫خـــري‬
‫ومن زجر الخيل أيضًا‪ ":‬هقب وهقط"‪ ،‬وأنشدني المازني‪:‬‬
‫علمت أن فارسا ً‬
‫لما سمعت زجرهم‬
‫منحط‬
‫هقط‬
‫وقوله‪ ":‬بين الجم والفرط" هما موضعان بأعيانهما‪.‬‬
‫وقوله‪ " :‬في ساحة الدار يستوقدن بالغبط" يقال فيه قولن‬
‫متقاربان‪ :‬أحدهما أنهن قد يئسن من الرحيل فجعلن مراكبهن‬
‫حطبًا‪ ،‬هذا قول الصمعي‪ .‬وقال غيره‪ :‬بل قد منعهن الخوف من‬
‫الحتطاب‪ ،‬والغبيط من مراكب النساء‪ :‬وكذلك الحدج قال امرؤ‬
‫القيس ‪:‬‬
‫عقرت بعيري يا امرأ‬
‫تقول وقد مال الغبيط‬
‫القيس فانزل‬
‫بنـا مـعـًا‪:‬‬
‫فأعلمك أن الغبيط لها‪ ،‬والمحامل إنما أول من اتخذها الحجاج‪،‬‬
‫ففي ذلك يقول الراجز‪:‬‬
‫أول عبدٍ عمل‬
‫أخزاه ربي عاجل ً وآجل ً‬
‫المحامـل‬
‫وقوله‪ ":‬شجر العرا" فالعرا ‪ :‬نبت إن ضم العين‪ ،‬والعراء ممدودا ً‬
‫وجه الرض‪ ،‬قال الله عز وجل‪ ":‬لنبذ بالعراء وهو مذوم" القلم ‪:‬‬
‫‪ . 49‬وقال الهذلي ‪:‬‬
‫ونبذت بالبلد العراء‬
‫رفعت رجل ً ل أخاف‬
‫‪176‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫عثارها‬

‫ثـيابـي‬

‫وهذا التفسير والنشاد عن أبي عبيدة‪.‬‬
‫وقوله‪ " :‬دون النساء ولو باتت بأطهار" معناه أنه يجتنبها‪ ،‬في‬
‫طهرها‪ ،‬وهو الوقت الذي يستقيم له غشيانها فيه‪ ،‬وأهل الحجاز‬
‫يرون" القراء" الطهر‪ ،‬وأهل العراق يرونه الحيض‪ ،‬وأهل المدينة‬
‫يجعلون عدد النساء الطهار‪ ،‬ويحتجون بقول العشى‪:‬‬
‫تشد لقصاها عزيم‬
‫وفي كل أنت جاشـم‬
‫عـزائكـا‬
‫غـزوة‬
‫مؤرثه ما ً‬
‫لما ضاع فيها من‬
‫ل‪ ،‬وفي‬
‫قروء نسائكا‬
‫الحي رفعة‬
‫وقوله‪ ":‬ولو باتت بأطهار "‪ ،‬ف "لو" أصلها في الكلم أن تدل على‬
‫وقوع الشيء لوقوع غيره‪ ،‬تقول‪ :‬لو جئتني لعطيك‪ ،‬ولو كان زيد‬
‫هناك لضربته‪ ،‬ثم يتسع فتصير في معنى" إن" الواقعة للجزاء‬
‫تقول‪ :‬أنت ل تكرمني ولو أكرمتك‪ ،‬تريد"وإن" قال الله عز وجل‪":‬‬
‫وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين" يوسف‪ ،107 :‬فأما قوله عز‬
‫وجل‪ ":‬فلن يقبل من أحدهم ملء الرض ذهبا ً ولو افتدى به" آل‬
‫عمران‪ 91 :‬فإن تأويله عند أهل اللغة ‪ :‬ل يقبل أن يتبرأ به وهو‬
‫مقيم على الكفر‪ ،‬ول يقبل إن افتدى به‪ ،‬ف"لو" في معنى "إن"‬
‫وإنما منع "لو" أن تكون من حروف المجازاة فتجزم كما تجزم‬
‫"إن" أن حروف المجازاة إنما تقع لما لم يقع‪ ،‬ويصير الماضي معها‬
‫في معنى المستقبل تقول‪ :‬إن جئتني أعطيتك‪ ،‬وإن قعدت عني‬
‫زرتك‪ ،‬فهذا لم يقع‪،.‬وإن كان لفظ الماضي لما أحدثته فيه" إن "‬
‫وكذلك متى أتيتني أتيتك‪،.‬و "لو" تقع في معنى الماضي‪ ،‬تقول‪ :‬لو‬
‫جئتني أمس لصادفتني‪ ،‬ولو ركبت إلي أمس للفيتني‪ ،‬فلذلك‬
‫خرجت من حروف الجزاء‪،‬فإذا أدخلت معها "ل" صار معناها أن‬
‫الفعل يمتنع لوجود غيره‪ ،‬فهذا خلف ذلك المعنى‪ ،‬ول تقع إل على‬
‫السماء‪ ،‬ويقع الخبر محذوفا ً لنه ل يقع فيها السم إل وخبره‬
‫مدلول عليه‪ ،‬فاستغني عن ذكره‪ ،‬لذلك تقول‪ :‬لول عبد الله‬
‫لضربتك‪ ،‬والمعنى في هذا المكان‪ :‬من قرابتك‪ ،‬أوصداقتك‪ ،‬أو نحو‬
‫ذلك‪ ،‬فهذا معناها في هذا الوضع‪ ،‬ولها موضع آخر تكون فيه على‬
‫غير هذا المعنى‪ ،‬وهي " لول " التي تقع في معنى " هل "‬
‫‪177‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫للتحضيض‪ ،‬ومن ذلك قوله‪":‬لول إذا سمعتوه ظن المؤمنون‬
‫والمؤمنات بأنفسهم خيرا ً "‪،‬النور ‪ 12‬أي هل‪ ،‬وقال الله عز وجل‪":‬‬
‫لول ينهاهم الربانيون والحبار عن قولهم الثم "‪.‬المائدة ‪ 63‬فهذه‬
‫ل يليها إل الفعل‪ ،.‬لنها للمر والتحضيض‪ ،‬مظهرا ً أو مضمرًا‪،.‬كما‬
‫قال‪:‬‬
‫بني ضوطري لول‬
‫تعدون عقر النيب‬
‫الكمي المقنعا‬
‫أفضل مجدكـم‬
‫أي هل تعدون الكمي المقنعا‪"،‬ولول " الولى ل يليها إل السم على‬
‫ما ذكرت لك‪،.‬ول بد في جوابها من اللم أو معنى اللم‪ ،.‬تقول‪:‬‬
‫لول زيد ٌ فعلت‪ ،‬والمعنى لفعلت‪ ،‬وزعم سيبويه أن "زيدا ً " من‬
‫ث معلقٌ بحديث " لول "‪ ،‬وتأويله‬
‫حديث " لول " واللم والفعل حدي ٌ‬
‫أنه للشرط الذي وجب من أجلها وامتنع لحال السم بعدها‪ ،‬و " لو‬
‫" ل يليها إل الفعل مضمرا ً أو مظهرًا‪ ،.‬لنها تشارك حروف الجزاء‬
‫في ابتداء الفعل وجوابه‪ ،‬تقول‪ :‬لو جئتني لعطيتك‪ ،.‬فهذا ظهور‬
‫الفعل‪ ،‬وإضماره‪ ،‬قوله عز وجل‪ ":‬قل لو أنتم تملكون خزآئن‬
‫رحمة ربي "‪.‬السراء ‪ 100‬والمعنى والله أعلم‪ :‬لو تملكون أنتم‪،.‬‬
‫فهذا الذي رفع " أنتم " ولما أضمر ظهر بعده ما يفسره‪ ،‬ومثل‬
‫ذلك‪" :‬لو ذات سوارٍ لطمتني " أراد لو لطمتني ذات سواٍر‪ ،‬ومثله‪:‬‬
‫جعلت لهم فوق‬
‫ولو غير أخوالي أرادوا‬
‫العرانين ميسما ً‬
‫نقيصتي‬
‫وكذلك قول جرير‪:‬‬
‫أدى الجوار إلى بني‬
‫لو غيركم علق الزبير‬
‫العوام‬
‫بحبله‬
‫فنصب بفعل مضمر يفسره ما بعده‪ ،‬لنها للفعل‪ ،‬وهو في التمثيل‪:‬‬
‫لو علق الزبير غيركم‪ ،‬وكذلك كل شيء للفعل نحو‪ :‬الستفهام‪،‬‬
‫والمر‪ ،‬والنهي‪ ،‬وحروف الفعل نحو‪ " :‬إذ وسوف " وهذا مشروح‬
‫في الكتاب " المقتضب " على حقيقة الشرح‪ .‬وأما قوله‪" :‬‬
‫وعراعر القوام " فمعناها رؤوس القوام‪ ،.‬الواحد عرعرة‪،‬‬
‫وعرعرة كل شيٍء أعله‪ ،‬من ذلك كتاب يزيد بن المهلب إلى‬
‫الحجاج بن يوسف‪ " :‬وإن العدو نزلوا بعرعرة الجبل‪ ،‬ونزلنا‬
‫بالحضيض "‪ ،‬فقال الحجاج‪ :‬ليس هذا من كلم يزيد‪ ،‬فمن هناك?‬
‫قيل‪ :‬يحيى بن يعمر‪ ،‬فكتب إلى يزيد أن يشخصه إليه‪.‬‬
‫‪178‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫الحجاج و يحيى بن يعمر‬
‫وزعم التوزي قال‪ :‬قال الحجاج ليحيى بن يعمر‪ :‬أتسمعني ألحن?‬
‫قال‪ :‬المير أفصح من ذلك! قال‪:‬فأعاد عليه القول وأقسم‪ .‬فقال‬
‫نعم‪ ،.‬تجعل " أن " مكان " إن "‪ ،‬فقال له‪ :‬ارحل عني ول‬
‫ة في‬
‫تجاورني‪ .‬قال أبو العباس‪ :‬هذا على أن يزيد لم تؤخذ عليه زل ٌ‬
‫ة‪ ،‬فإنه قال على المنبر ‪ -‬وذكر عبد الحميد بن عبد‬
‫لفظ إل واحد ٌ‬
‫الرحمن بن زيد بن الخطاب ‪ -‬فقال‪ " :‬هذه الضبعة العرجاء "‪،‬‬
‫فاعتدت عليه لحنًا‪ ،‬لن النثى إنما يقال لها الضبع‪ ،‬ويقال للذكر‬
‫الضبعان‪ ،‬فإذا جمع قيل ضبعان‪،‬وونما جمع على التأنيث دون‬
‫التذكير‪ ،‬والباب على خلف ذلك‪ ،‬لن التأنيث ل زيادة فيه‪ ،‬وفي‬
‫التذكير زيادة اللف والنون‪ ،‬فثني على الصل‪ ،‬وأصل التأنيث أن‬
‫يكون زائدا ً على بناء التذكير‪ ،‬أنه منه يخرج‪ ،‬مثل قائم وقائمة‬
‫وكريم وكريمة‪ ،‬فمن حيث قلت للنثى والذكر في التثنية كريمان‬
‫على حذف الزيادة قلت‪ :‬ضبعان‪ ،‬وتقول‪ :‬له ابنان إذا أردت‪ :‬له ابن‬
‫وابنة‪ ،‬ول تقول‪ :‬في الدار رجلن إذا أردت رجل ً وامرأة‪ ،‬إل على‬
‫ة‪ ،.‬فقد جاء ذلك‪ ،‬قال الشاعر‪:‬‬
‫قول من قال للنثى رجل ٌ‬
‫كل جارٍ ظل مغتبطـا ً‬
‫غير جيراني بني جبله‬
‫لم يبالو حرمة الرجله‬
‫خرقوا جيب فتاتـهـم‬
‫ول يقال للناقة والجمل جملن‪ ،‬ول الثوران للثور والبقرة‪ ،‬لختلف‬
‫السمين‪ ،‬إنما يكون ذلك فيما ذكرنا إل في قول من قال للنثى‪:‬‬
‫ة‪ ،‬قال الشاعر‪:‬‬
‫ثور ٌ‬
‫وعبدة ثفر الثورة‬
‫جزى الله العورين‬
‫المتضاجم‬
‫ة‬
‫مـلم ً‬
‫قال أبو الحسن‪ :‬المتضاجم‪ :‬المتسع‬
‫باب‬
‫للراعي في النسيب‬
‫قال أبو العباس‪ :‬قال الراعي‪:‬‬
‫وحاجةٍ غير مزجاةٍ من‬
‫ل غـير‬
‫ل ورسو ٍ‬
‫ومرس ٍ‬
‫الـحـاج‬
‫مـتـهـم ٍ‬
‫وظن أني عليه غير‬
‫طاوعته بعد ما طال‬
‫مـنـعـاج‬
‫النجي بـنـا‬

‫‪179‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ما زال يفتح أبوابا ً‬
‫ويغـلـقـهـا‬
‫ج دونـه‬
‫حتى أضاء سرا ٌ‬
‫بـقـٌر‬
‫ة حتـى‬
‫يا نعمها ليل ً‬
‫تـخـونـهـا‬
‫لما دعا الدعوة الولى‬
‫فأسمعنـي‬

‫دوني‪ ،‬وأفتح بابا ً بـعـد‬
‫إرتـاج‬
‫ن‬
‫حمر النامل عي ٌ‬
‫طرفها سـاج‬
‫داٍع دعا في فروع‬
‫الصبح شحاج!‬
‫أخذت بردي‬
‫واستمررت أدراجي‬

‫قوله‪:‬‬
‫وحاجة غير مزجاة من الحاج‬
‫المزجاة‪ :‬اليسيرة الخفيفة المحمل‪ ،‬قال الله عز وجل‪ ":‬وجئنا‬
‫ة‬
‫ة‪ ،‬وتقديره فعل ٌ‬
‫ببضاعةٍ مزجاةٍ "يوسف ‪ ،88‬والحاج‪ :‬جمع حاج ٍ‬
‫ة وهام‪ ،‬وساعة وساع‪ ،‬قال القطامي‪:‬‬
‫وفعل‪ ،‬كما تقول‪ :‬هام ٌ‬
‫ة ويشب‬
‫وكنا كالحريق أصاب‬
‫فيخبو ساع ً‬
‫غابا ً‬
‫ساعا‬
‫ة‬
‫فإذا أراد أدنى العدد قلت‪ :‬ساعات‪ ،‬فأما قولهم‪ :‬في جمع حاج ٍ‬
‫حوائج فليس من كلم العرب على كثرته على ألسنة المولدين‪ ،‬ول‬
‫قياس له‪ ،‬ويقال‪ :‬في قلبي منك حوجاء‪ ،‬أي حاجة‪ ،‬ولو جمع‪ ،‬على‬
‫ج يا فتى‪ ،‬وأصله حواجي يا فتى‪ ،‬ولكن مثل‬
‫هذا لكان الجمع حوا ٍ‬
‫هذا يخفف‪ ،‬كما تقول في صحراء ‪ :‬صحار يا فتى‪ ،‬وأصله صحاري‪.‬‬
‫وقوله‪:‬‬
‫طاوعته بعدما طال النجي بنا‬
‫يريد المناجاة‪ ،‬فأخرجه على لفظ " فعيل "‪،.‬ونظيره من المصادر‬
‫الصهيل‪ ،‬والنهيق‪ ،‬الشحيج‪ ،‬ويقال‪ :‬شب الفرس شبيبًا‪ ،‬ولذلك كان‬
‫" النجي " يقع على الواحد والجماعة نعتًا‪ ،‬كما تقول‪ :‬امرأة عد ٌ‬
‫ل‬
‫ل وقوم عد ٌ‬
‫ورجل عد ٌ‬
‫ل‪ :‬لنه مصدر قال الله عز وجل‪ " :‬وقربناه‬
‫نجيا ً "‪ ،‬مريم ‪ 52‬أي مناجيًا‪ ،‬وقال للجماعة‪ " :‬فلما استيئسوا منه‬
‫خلصوا نجيا ً "‪ ،‬يوسف ‪ 80‬أي متناجين‪.‬‬
‫وقوله‪ " :‬منعاج "‪ :‬أي منعطف‪ ،‬يقال‪ :‬عجت عليه أي عرجت عليه‪،‬‬
‫وعجت إليه أعيج‪ ،‬أي عولت عليه‪ .‬وقوله " بعد إرتاج " أي بعد‬
‫إغلق‪ ،‬يقال‪ :‬أرتجت الباب إرتاجًا‪ ،‬أي أغلقته إغلقًا‪ ،‬ويقال‪ :‬لغلق‬
‫‪180‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫الباب الرتاج‪ ،‬ويقال للرجل إذا امتنع عليه الكلم أرتج عليه‪.‬‬
‫وقوله‪:‬‬
‫حتى أضاء سراج دونه بقٌر‬
‫يعني نساء‪ ،‬والعرب تكني عن المرأة بالبقرة والنعجة‪ ،‬قال الله عز‬
‫ة " ص ‪ 23‬وقال‬
‫وجل‪ ":‬إن هذآ أخى له تسعٌ وتسعون نعج ً‬
‫العشى‪:‬‬
‫فأصبت حبة قلبها‬
‫فرميت غفلة عينه عن‬
‫وطحالها‬
‫شاته‬
‫ن "‪ ،‬إنما هو جمع عيناء‪ ،‬وهي الواسعة العين‪،‬‬
‫وقوله‪ " :‬عي ٌ‬
‫وتقديره‪":‬فعل "‪ ،‬ولكن كسرت العين لتصح الياء‪ ،‬ونحو ذلك بيضاء‬
‫وبيض‪ ،‬وتقديره حمراء وحمر‪ ،‬ولو كان من ذوات الواو لكان‬
‫مضموما ً على أصل الباب‪ ،‬لنه ل إخلل فيه‪ ،‬تقول‪ :‬سوداء وسود‪،‬‬
‫وعور‪ .‬وقوله‪ ":‬طرفها ساج " ولم يقل‪ " :‬أطرافها " لن تقديرها‬
‫تقدير المصدر‪ ،‬من طرفت طرفًا‪ ،‬قال الله عز وجل‪ ":‬ختم الله‬
‫على قلوبهم وعلى سمعهم "‪ ،‬البقرة ‪ 7‬لن السمع في الصل‬
‫مصدر‪ .‬قال جرير‪:‬‬
‫قتلننا ثم لـم يحـيين‬
‫إن العيون التي في‬
‫قـتـلنـا‬
‫ض‬
‫طرفها مر ٌ‬
‫وقوله‪ ":‬ساج " أي ساكن‪ ،‬قال الله عز وجل‪ ":‬والضحى والليل إذا‬
‫سجى " الضحى ‪ 2 - 1‬وقال جرير‪:‬‬
‫يقتلن من خلل‬
‫ولقد رمينك يوم رحن‬
‫الستور سواج‬
‫ن‬
‫بأعي ٍ‬
‫وقال الراجز‪:‬‬
‫وطرقٌ مثل ملء‬
‫يا حبذا القمراء والليل‬
‫النسـاج‬
‫الساج‬
‫وقوله‪ ":‬حتى تخونها "‪ :‬يريد تنقصها‪ ،‬يقال‪ :‬تخونني السفر‪ ،‬أي‬
‫تنقصني‪ ،‬والداعي‪ :‬المؤذن‪.‬‬
‫وقوله‪ ":‬شحاج "‪ ،‬إنما هو استعارة في شدة الصوت‪ ،‬وأصله‬
‫ض لبعض‪ ،‬قال العجاج ينعت حمارًا‪:‬‬
‫للبغل‪ ،‬والعرب تستعير من بع ٍ‬
‫عودا ً دوين اللهوات‬
‫كأن في فيه إذا ما‬
‫‪181‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫مولجا‬

‫شحجـا‬
‫وقال جرير‪:‬‬
‫بنوى الحبة دائم‬
‫إن الغراب بما كرهت‬
‫التشحـاج‬
‫ع‬
‫لمول ٌ‬
‫وقوله‪ ":‬واتمررت أدراجي " أي فرجعت من حيث جئت‪ ،‬تقول‬
‫العرب‪ :‬رجع فلن أدراجه‪ ،‬ورجع في حافرته‪ ،‬ورجع عوده على‬
‫بدئه‪ ،‬وإن شئت رفعت فقلت‪ :‬رجع عوده على بدئه‪ ،‬أما الرفع‬
‫فعلى قولك‪ :‬رجع وعوده على بدئه‪ ،‬أي وهذه الحاله‪ ،‬والنصب على‬
‫وجهين‪ :‬أحدهما أن يكون مفعول ً كقولك‪ :‬رد عوده على بدئه‪،.‬‬
‫والوجه الخر أن يكون حال ً في قول سيبويه‪ ،‬لن معناه رجع ناقضا ً‬
‫مجيئه‪ ،‬ووضع هذا في موضعه‪ ،.‬كما تقول‪ :‬كلمته فاه إلي في‪ ،‬أي‬
‫د‪ ،‬أي نقدًا‪ ،‬ويجوز أن تقول‪ :‬فوه إلى في‪:‬‬
‫مشافه ً‬
‫ة‪ ،‬وبايعته يدا ً بي ٍ‬
‫أي وهذه حاله‪ ،‬ومن نصب فمعناه في هذه الحال‪ .‬قال أبو‬
‫العباس‪ :‬فأما " بايعته يدا ً بيدٍ " فل يكون فيه إل النصب‪ ،‬لنك‬
‫لست تريد بايعته ويد ٌ بيد ٍ كما كنت تريد في الول‪ ،‬وإنما تريد النقد‪،‬‬
‫ول تبالي‪ :‬أقريبا ً كان أم بعيدًا‪.‬‬
‫لعرابي يشكو حبيبته‬
‫ؤقال أعرابي ‪:‬‬
‫بحبي! أراح الله قلبك‬
‫شكوت فقالت كـل هـذا‬
‫مـن حـبـي‬
‫تـبـرمـا‬
‫صبرت‪ ،‬وما هذا بفعل‬
‫فلما كتمت الحـب قـال‪:‬‬
‫شجي القلـب‬
‫لـشـدمـا‬
‫رضاها‪ ،‬فتعتد التباعد‬
‫وأدنو فتقصيني فـأبـعـد‬
‫طـالـبـا ً‬
‫مـن ذنـبـي‬
‫وتجزع من بعدي‪ ،‬وتنفر‬
‫فشكواي تؤذيها وصبـري‬
‫من قربـي‬
‫يسـوءهـا‬
‫أشيروا بها واستوجبوا‬
‫فيا قوم من حيلة‬
‫الشكر من ربي‬
‫تـعـرفـونـهـا?‬
‫قوله‪ ":‬كل هذا تبرمًا"‪ ،‬مردود على كلمه‪ ،‬كأنها تقول له‪ :‬أشكوتني‬
‫كل هذا تبرما ولو رفع رافع" كل" لكان جيدًا‪ ،‬يكون " كل هذا "‬
‫ابتداء وتبرم خبره‪.‬‬
‫‪182‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وشجي مخفف‪ ،‬من شددها فقد أخطأ‪ ،‬والمثل‪ " :‬ويل للشجي من‬
‫الخلي"‪ ،‬الياء في الشجي مخففة‪ ،‬وفي " الخلي " مثقلة‪ ،‬وقياسه‬
‫أنك إذا قلت‪ :‬فعل يفعل فع ً‬
‫ل‪ ،‬فالسم منه على فعل‪ ،‬فرق يفرق‬
‫فرقا ً فهو فرق‪ ،‬وحذر يحذر حذرا ً فهو حذٌر‪ ،‬وبطر يبطر بطرا ً فهو‬
‫ج يا فتى‪ ،‬كما تقول‪:‬‬
‫بطٌر فعلى هذا شجي يشجى شجى فهو ش ٍ‬
‫هوي يهوى فهو هوٍ يا فتى‪.‬‬
‫وقوله ‪:‬‬
‫فيا قوم هل من حيلة تعرفونها‬
‫ض‪ ،‬لنه نعت للحيلة وليس بجواب‪ ،‬ولو كان‬
‫موضع "تعرفونها" خف ٌ‬
‫ههنا شرط يوجب جوابا ً ل نجزم‪ ،‬تقول ‪ :‬ائتني بدابة أركبها‪ ،‬أي‬
‫بدابةٍ مركوبة‪ ،‬فإذا أردت معنى‪ :‬فإنك إن أتيتني بدابة ركبتها قلت‪":‬‬
‫أركبها"‪ ،‬لنه جواب المر‪ ،‬كما أن الول جواب الستفهام‪ ،‬وفي‬
‫القرآن‪ ":‬خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها" التوبة‬
‫‪ ،103‬أي مطهرة لهم‪ ،‬وكذلك‪ ":‬أنزل علينا ماءدة من السماء‬
‫تكون لنا عيدا ً " المائدة ‪ 114‬أي كائنة لنا عيدًا‪ ،‬وفي الجواب‪":‬‬
‫فذرهم يخوضوا ويلعبوا" الزخرف ‪ ،83‬أي إن تركوا خاضوا ولعبوا‪،‬‬
‫وأما قوله عز وجل‪ ":‬ثم ذرهم في خوضهم يلعبون" النعام ‪91‬‬
‫فإنما هو فذرهم في هذه الحال لنهم كانوا يلعبون‪ ،‬وكذلك‪ " :‬ول‬
‫تمنن تستكثر" المدثر ‪ ،6‬إنما هو "ل تمنن" مستنكثرا ً فمعنى هذا‪:‬‬
‫هل معروفة عندكم ?‪.‬‬
‫لعرابي في الملح‬
‫وقال أعرابي أنشدنيه أبو العالية‪:‬‬
‫يحل من التقبيل في‬
‫ألتسأل ذا العـلـم‬
‫رمضان?‬
‫مـاالـذي‬
‫ة‬
‫فقال لي المكي ‪ :‬أما‬
‫فسبع‪ ،‬وأما خل ٍ‬
‫فثـمـانـي‬
‫ة‬
‫لـزوج ٍ‬
‫ة" يريد ذات خلة‪ ،‬ويكون سماها المصدر‪ ،‬كما قالت‬
‫قوله‪ ":‬خل ٍ‬
‫الخنساء ‪:‬‬
‫فإنما هي إقبال وإدبار‬
‫يجوز أن تكون نعتتها بالصدر لكثرته منها‪ ،‬ويجوز أن تكون أرادت‬
‫ذات إقبال وإدبار‪ ،‬فحذفت المضاف وأقامت المضاف إليه مقامه‪،‬‬
‫‪183‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫كما قال عز وجل‪ ":‬ولكن البر من ءامن بالله" البقرة ‪177‬فجائز‬
‫أن يكون المعنى بر من آمن بالله‪ ،‬وجائز أن يكون ذا البر من آمن‬
‫بالله‪ ،‬والمعنى يؤول إلى شيء واحد‪ :‬وفي هذا الشعر عيب‪ ،‬وهو‬
‫الذي يسميه النحويون العطف على عاملين‪ ،‬وذلك أنه عطف‬
‫ة" على اللم الخافضة لزوجة‪ ،‬وعطف " ثمانيا" على "سبع"‪،‬‬
‫"خل ٌ‬
‫ويلزم من قال هذا أن يقول ‪ :‬مر عبد الله بزيد وعمرو وخالد‪،‬‬
‫ففيه هذا القبح‪ ،‬وقد قرأ بعض القراء وليس بجائز عندنا‪ ":‬واختلف‬
‫اليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به بعد‬
‫موتها" الجاثية ‪ 5‬وبث فيها من كل دابة" وتصريف الريح آيات"‬
‫الجاثية ‪ 5‬فجعل "آيات " في موضع نصب وخفضها لتاء الجميع‬
‫فحملها على "إن" وعطفها بالواو‪ ،‬وعطف "اختلفا" على "في" ول‬
‫أرى ذا في القرآن جائزا ٌ لنه ليس بموضع ضرورة‪ ،‬وأنشد سيبويه‬
‫لعدي بن زيد العبادي‪:‬‬
‫أكل امرىء تحسبين‬
‫ونار توقد باللـيل نـارا‬
‫امرأ‬
‫فعطف على " امرئ " وعلى المنصوب الول ‪.‬‬
‫" قال أبو الحسن‪ :‬وفيه عيب آخر أن " أما " ليست من العطف‬
‫في شيء‪ ،‬وقد أجرى" خلة " بعدها مجراها بعد حروف العطف‬
‫حمل ً على المعنى‪ ،‬فكأنه قال‪ :‬لزوجةٍ كذا ولخلة كذا " وقوله‪ ":‬أما‬
‫لزوجة " فهذه مفتوحة‪ ،‬وهي التي تحتاج إلى خبر‪ ،‬ومعناها‪ :‬إذا‬
‫ق‪ .‬وكذلك‪":‬‬
‫قلت‪ :‬أما زيد ٌ فمنطلقٌ مهما يكن من شيء فزيد ٌ منطل ٌ‬
‫فأما اليتيم فل تقهر" الضحى ‪ 9 :‬إنما هي‪ :‬مهما يكن من شيء فل‬
‫تقهر اليتيم‪ ،‬وتكسر إذا كانت في معنى " أو " ويلزمها التكرير‪،‬‬
‫تقول‪ :‬ضربت إما زيدا ً وإما عمرًا‪ ،‬فمعناه ضربت زيدا ً أو عمرًا‪،‬‬
‫وكذلك‪ " :‬إما شاكرا ً وإما كفورا ً " النسان ‪ ،3‬وكذلك‪ ":‬إما العذاب‬
‫وإما الساعة " مريم ‪ ،75‬و " إما تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا ً "‬
‫الكهف ‪ ،86‬وإنما كررتها لنك إذا قلت‪ :‬ضربت زيدا ً أو عمرًا‪ ،‬أو‬
‫قلت‪ :‬اضرب زيدا ً أو عمرا ً فقد ابتدأت بذكر الول‪ ،‬وليس عند‬
‫السامع أنك تريد غير الول‪ ،‬ثم جئت بالشك‪ ،‬أو التخيير‪ ،‬وإذا قلت‪:‬‬
‫ضربت إما زيدا ً وإما عمرًا‪ ،‬فقد وضعت كلمك بالبتداء على‬
‫التخيير أو على الشك‪ ،‬وإذا قلت‪ :‬ضربت إما زيدا ً وإما عمرًا‪،‬‬
‫فالولى وقعت لبنية الكلم عليها‪ ،‬والثانية للعطف‪ ،‬لنك تعدل بين‬
‫‪184‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫الثاني والول‪ ،‬فإنما تكسر في هذا الموضع‪.‬‬
‫وزعم سيبويه أنها إن ضمت إليها "ما" فإن اضطر شاعر‬
‫فحذف"ما" جاز له ذلك لنه الصل‪ ،‬وأنشد في مصداق ذلك‪:‬‬
‫فإن جزعا ً وإن إجمال‬
‫لقد كذبتك نفسك‬
‫صبر‬
‫فاكذبنـهـا‬
‫ويجوز في غير هذا الموضع أن تقع "إما" مكسورة‪ ،‬ولكن "ما"‬
‫لتكون لزمة‪ ،‬ولكن تكون زائدة في "إن" التي هي للجزاء‪ .‬كما‬
‫تزداد في سائرالكلم نحو‪ :‬أين تكن أكن‪ ،‬وأينما تكن أكن‪ ،‬وكذلك‬
‫متى تأتني آتك‪ ،‬ومتى ما تأتني آتك‪،‬فتقول‪ :‬إن تأتني آتك‪ ،‬وإما‬
‫تأتني آتك‪ ،‬تدغم النون في الميم لجتماعهما في الغنة‪ ،‬وسنذكر‬
‫الدغام في موضع نفرده به إن شاء الله‪ ،‬كما قال امرؤالقيس‪:‬‬
‫من الليل إل أن أكب‬
‫فإما ترينـي لأغـمـض‬
‫فأنـعـسـا‬
‫ة‬
‫سـاع ٌ‬
‫وطاعنت عنه الخيل‬
‫فيارب رب مكروب‬
‫حتى تنفسـا‬
‫كررت وراءه‬
‫وفي القرآن‪" :‬فإماترين من البشر أحدا" مريم ‪ 26‬وقال‪ ":‬وإما‬
‫تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها" السراء ‪ 28‬فأنت في‬
‫زيادة "ما" بالخيار في جميع حروف الجزاء‪ ،‬إل في حرفين‪،‬فإن‬
‫"ما" لبد منها لعلة نذكرها إذا أفردنا بابا ٌ للجزاء إن شاء الله‪،‬‬
‫والحرفان‪ :‬حيثما تكن أكن‪،‬كما قال الشاعر‪:‬‬
‫نجاحا ٌ في غابر‬
‫حيثما تستقم يقدرلك‬
‫الزمان‬
‫اللـه‬
‫والحرف الثاني "إذاما" كما قال العباس بن نرداس‪:‬‬
‫حقا ٌ عليك إذا اطمأن‬
‫إذ ما أتيت على‬
‫المجلـس‬
‫الرسول فقل له‬
‫ليكون الجزاء في "حيث" و"إذ" إل بما‪.‬‬
‫قال أبو العباس‪ :‬وأنشدني أبو العالية‪:‬‬
‫ونظرة مشتاق الفؤاد‬
‫سل المفتي المكي‬
‫جـنـاح‬
‫هل في تزاور‬

‫‪185‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫تلصق أكباد بهـن‬
‫جـراح‬

‫فقال ‪:‬معاذ الله أن‬
‫يذهب التقى‬
‫وأنشد لبعض المحدثين‪:‬‬
‫ولم يرد الحرام بنا‬
‫تلصقنا وليس بنا‬
‫اللصوق‬
‫فسـوق‬
‫توقد في الضلوع بنا‬
‫ولكن التباعد طال‬
‫حريق‬
‫حـتـى‬
‫تعانقنا كما اعتنق‬
‫فلما أن أتيح لنا‬
‫الصديق‬
‫التـلقـي‬
‫مشوق ضمه كلف‬
‫وهل حرجا ٌ تراه أو‬
‫حراما ٌ‬
‫مشوق‬
‫وأنشدني غيره‪:‬‬
‫قلتك ول أن قل منك‬
‫وماهجرتك النفس‬
‫نصيبها‬
‫يامي أنهـا‬
‫بقول إذا ما جئت‪ :‬هذا‬
‫ولكنهم يا أملح الناس‬
‫حبيبها‬
‫أولعـوا‬
‫أنها في موضع نصب‪ ،‬وكان التقدير"لنها"‪ ،‬فلما حذفت اللم وصل‬
‫الفعل‪ ،‬فعمل‪ ،‬تقول‪ :‬جئتك أنك تحب الخير‪ ،‬فمعناه لنك‪ ،‬وكذلك‬
‫أتيتك أن تأمر لي بشيء‪ ،‬أي لن وتقديره في النصب أن ‪":‬أن"‬
‫الثقيلة واسمها وخبرها مصدر‪ ،‬تقول بلغني أنك منطلق‪ ،‬أي‬
‫انطلقك‪ ،‬فإذا قلت‪ :‬جئتك أنك تريد الخير‪ ،‬فمعناها إرادتك الخير‪:‬‬
‫أي مجيئي لنك تريد الخير إرادة يافتى‪ ،‬كما قال اشاعر‪:‬‬
‫وأعرض عن شتم‬
‫وأغفر عوراء الكريم‬
‫اللئيم تكرما‬
‫ادخـاره‬
‫قوله‪:‬‬
‫وأغفرعوراء الكريم ادخاره‬
‫أي أدخره ادخارٌا‪ ،‬وأضافه إليه‪ ،‬كما ثقول‪ :‬ادخارا ٌ له‪ ،‬وكذلك‬
‫قوله‪":‬تكرمٌا" إنما أراد للتكرم فأخرجه مخرج أتكرم تكرما ٌ ‪.‬‬
‫قال أبو العباس ‪ :‬وأنشدني أبو العالية‪:‬‬
‫حتى دفعت إلى ربـيبة‬
‫مازلت أبغي الحي أتبع‬
‫هـودج‬
‫ظلـهـم‬
‫‪186‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫لنبهن الحي إن لـم‬
‫تـخـرج‬
‫فعلمت أن يمينها لـم‬
‫تـخـرج‬
‫شرب النزيف ببرد‬
‫ماء الحشرج‬

‫قالت‪ :‬وعيش أبي‬
‫وأكبر إخوتـي‬
‫فخرجت خفية قولها‪،‬‬
‫فتبسمـت‬
‫فلثمت فاها آخذا ٌ‬
‫بـقـرونـهـا‬
‫وزاد فيها الجاحظ عمرو بن بحر‪:‬‬
‫بمخضب الطراف غير‬
‫وتناولت رأسي لتعرف‬
‫مشنج‬
‫مسـه‬
‫تقول العرب‪ :‬هودج‪ ،‬وبنو سعد زيد مناة ومن وليهم يقولون فودج‪.‬‬
‫وقوله‪:‬‬
‫فعلمت أن يمينها لم تحرج‬
‫يقول‪ :‬لم تضق عليها‪ ،‬يقال‪ :‬حرج يحرج إذا دخل في مضيق‬
‫والحرجة‪ :‬الشجر الملتف المتضايق ما بينه‪ ،‬قال الله عز وجل‪":‬‬
‫فل يكن في صدرك حرج منه " العراف ‪ 2‬وقال تعالى‪ ":‬يجعل‬
‫صدره ضيقا ٌ حرجا " النعام ‪ 125‬وقرىء" حرجٌا"‪ ،‬فمن قال‪":‬‬
‫حرجا ٌ " أراد التوكيد للضيق‪ ،‬كأنه قال‪ :‬ضيق شديد الضيق‪ .‬ومن‬
‫قال‪":‬حرجٌا" جعله مصدرٌا‪ ،‬مثل قولك‪ :‬ضيق ضيقٌا‪ .‬وقوله ‪":‬ببرد‬
‫ماء الحشرج " فهو الماء الجاري على الحجارة‪.‬‬
‫لقيس بن معاذ في النسيب‬
‫وقال قيس بن معاذٍ أحد بني عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن‬
‫صعصعة وهو المجنون و حدثني عبد الصمد بن المعذل قال‪:‬‬
‫سمعت الصمعي يثبته ويقول‪ :‬لم يكن مجنونٌا‪ ،‬إنما كانت به لوثة‬
‫كلوثة أبي حية‪:‬‬
‫ببطن منى ترمي جمار‬
‫ولم أر ليلى بعد موقـف‬
‫المحصب‬
‫ة‬
‫سـاع ٍ‬
‫من البرد أطراف‬
‫ويبدي الحصا منها إذا‬
‫البنان المخضب‬
‫قذفـت بـه‬
‫مع الصبح في أعقاب‬
‫فأصبحت من ليلى‬
‫نجم مغرب‬
‫الغداة كناظـر‬
‫صدى أينما تذهب به‬
‫أل إنمـا غـادرت يا أم‬
‫‪187‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫الريح يذهب‬
‫مـالـك‬
‫هذا البيت من أعجب ما قيل في النحافة‪.‬‬
‫ومما يستطرف في هذا الباب قول عمر بن أبي ربيعة‪:‬‬
‫فيضحى وأما بالعشي‬
‫رأت رجل ٌ أما إذا‬
‫فيخـصـر‬
‫الشمس عارضت‬
‫ث‬
‫أخا سفر جواب أرض‬
‫به فلوات فهو أشـعـ ٌ‬
‫أغـبـر‬
‫تـقـاذفـت‬
‫سوى ما نفى عنه‬
‫قليل ٌ على ظهر المطـية‬
‫الرداء المحبـر‬
‫ظـلـه‬
‫ومن هذا الباب قول القائل‪:‬‬
‫بقية ما أبقين نـصـل ٌ‬
‫فأصبحت في أقصى‬
‫يمـانـيا‬
‫البيوت يعدنني‬
‫بقية بدل من الياء في يعدنني بدل الشتمال‬
‫وواحدةٌ حتى كملن‬
‫تجمعن من شتى‪،‬‬
‫ثمـانـيا‬
‫ع‬
‫ثل ٌ‬
‫ث وأرب ٌ‬
‫أل إنما بعض العـوائد‬
‫يعدن مريضا ٌ هن‬
‫دائيا‬
‫هيجن ما به‬
‫وفي هذا الباب أشياء كثيرة تأتي في موضعها إن شاء الله تعالى‪،‬‬
‫ومن الفراط فيه قوله‪:‬‬
‫بعود ثمام ما تأود‬
‫فلو أن ما أبقيت مني‬
‫عودهـا‬
‫ق‬
‫معل ٌ‬
‫الثمام‪ :‬نبت ضعيف‪ ،‬واحدته ثمامة‪ ،‬وهذا متجاوز كقول القائل‪:‬‬
‫ويمنعها من أن تطير زمامها‬
‫وأحسن الشعر ما قارب فيه القائل إذا شبه‪ ،‬وأحسن منه ما أصاب‬
‫به الحقيقة‪ ،‬ونبه فيه بفطنته على ما يخفى عن غيره‪ ،‬وساقه‬
‫ف قوي واختصار قريب‪.‬‬
‫برص ٍ‬
‫وقال قيس بن معاذ‪:‬‬
‫أحدث عنك النفس في‬
‫وأخرج من بين‬
‫السر خاليا‬
‫الجلوس لعلنـي‬
‫لعل خيال ٌ منك يلقـى‬
‫وإني لستغشي وما‬
‫‪188‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫خـيالـيا‬

‫بي نـعـسة‬
‫وفي هذا الشعر‪:‬‬
‫رويد الهوى حتى تغب‬
‫أشوقا ٌ ولما تمض لي‬
‫لياليا‬
‫ة‬
‫غير ليل ٍ‬
‫هذا من أحسن الكلم واوضحه معنى‪.‬‬
‫ويستحسن لذي الرمة قوله في مثل هذا المعنى‪:‬‬
‫به أتغنى باسمها غير‬
‫أحب المكان القفر‬
‫معـجـم‬
‫من أجل أنني‬
‫لبعض القرشيين‬
‫وأنشد ابن عائشة لبعض القرشيين‪:‬‬
‫وهم على غرض‬
‫وقفوا ثلث منى‬
‫هنالك ما هم‬
‫ة‬
‫بمنزل غبط ٍ‬
‫لو قد أجد تفرقٌ لم‬
‫متجاورين بـغـير دار‬
‫ينـدمـوا‬
‫ة‬
‫إقـام ٍ‬
‫والركن يعرفهن لو‬
‫ولهن بالبيت العـتـيق‬
‫يتـكـلـم‬
‫ة‬
‫لـبـان ٌ‬
‫حيا الحطيم وجوههن‬
‫لو كان حيا ٌ قبلهن‬
‫ظـعـائنـا ٌ‬
‫وزمـزم‬
‫بيض بأفنية المقـام‬
‫وكأنهن وقد صدرن‬
‫لواغـبـا ٌ‬
‫مـركـم‬
‫اللغب المعيي‪ ،‬قال الله عز وجل‪" :‬وما مسنا من لغوب" ق ‪38‬‬
‫والمركم‪ :‬الذي بعضه على بعض‪ ،‬والمرأة تشبه ببيضة النعامة كما‬
‫تشبه بالدرة‪ ،‬قال الله عز وجل‪ ":‬كأنهن بيض مكنون" والمكنون‪:‬‬
‫المصون‪ ،‬والمكن‪ :‬المستور‪ ،‬يقال ‪ :‬أكننت السر‪ ،‬قال الله عز‬
‫وجل‪ ":‬أو أكننتم في أنفسكم " البقرة ‪ 235‬وقال أبو دهبل‪ ،‬وأكثر‬
‫الناس يرويه لعبد الرحمن بن حسان‪:‬‬
‫ص ميزت من جوهر‬
‫وهي زهراء مثل لؤلؤة‬
‫مكنون‬
‫الغوا‬
‫وقال ابن الرقيات ‪:‬‬
‫ق‬
‫ح لونها كـبـيضة‬
‫واض ٌ‬
‫ي لها في النساء خل ٌ‬
‫عميم‬
‫أدح‬
‫‪189‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫العميم‪ :‬التام‪ ،‬والدحي‪ :‬موضع بيض النعامة خاصة‪ ،‬وشعر عبد‬
‫الرحمن هذا شعر مأثور مشهور عنه‪.‬‬
‫لعبد الرحمن بن الشعث‬
‫في بنت معاوية‬
‫وروى بعض الرواة أن أبا دهبل الجمحي كان تقيا ٌ وكان جمي ٌ‬
‫ل‪،‬‬
‫فقفل من الغزو ذات مرة‪ ،‬فمر بدمشق‪ ،‬فدعته امرأةٌ إلى أن يقرأ‬
‫لها كتابٌا‪ ،‬وقالت‪ :‬إن صاحبته في هذا القصر‪ ،‬وهي تحب أن تسمع‬
‫ما فيه‪ ،‬فلما دخلت به برزت له امرأةٌ جميلة‪ ،‬وقالت له‪ :‬إنما‬
‫احتلت لك بالكتاب حتى أدخلتك‪ .‬فقال لها‪ :‬أما الحرام فل سبيل‬
‫إليه‪ ،‬فقالت‪ :‬فلست تراد حرامٌا‪ ،‬فتزوجته‪ ،‬وأقام عندها دهرا ٌ حتى‬
‫نعي بالمدينة‪ ،‬ففي ذلك يقول وقد استأذنها ليلم بأهله ثم يعود‪،‬‬
‫فجاء وقد اقتسم ميراثه‪ ،‬فلما هم بالعود إليها نعيت له‪ ،‬فهذا ما‬
‫روي من هذا الوجه والذي كأنه إجماع أنه لعبد الرحمن بن حسان‪،‬‬
‫وهو في بيت معاوية‪:‬‬
‫صاح حيا اللـه أهـل ٌ‬
‫عند أصل القناة من‬
‫ودارا ٌ‬
‫جـيرون‬
‫ب وإن كنت خارجا ٌ‬
‫هن يساري إذا دخلت‬
‫فيمينـي‬
‫من البا‬
‫ظن أهلي مرجمات‬
‫فبتلك ارتهنت بالشأم‬
‫الظنون‬
‫حـتـى‬
‫ص ميزت من جوهر‬
‫وهي زهراء مثل لؤلؤة‬
‫مكنون‬
‫الغوا‬
‫في سناٍء من المكـارم‬
‫إذا ما نسبتها لـم‬
‫دون‬
‫تـجـدهـا‬
‫ر‬
‫ثم خاصرتها إلى القبة‬
‫راء تمشي في مرم ٍ‬
‫مسنون‬
‫الخضر‬
‫د صلًء لها على‬
‫تجعل المسك‬
‫الكـانـون‬
‫واليلنجوج والن‬
‫عند برد الشتاء في‬
‫ل‬
‫قب ٌ‬
‫ة من مراج ٍ‬
‫قيطـون‬
‫ضربـتـهـا‬

‫‪190‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫المسنون‪ :‬المصبوب على استواء‪ .‬والمراجل‪ :‬ثياب من ثياب‬
‫اليمن‪ ،‬قال العجاج‪:‬‬
‫بشيةٍ كشية الممرجل‬
‫والقيطون‪ :‬البيت في جوف بيت‪.‬‬
‫وقال آخر‪:‬‬
‫ب من‬
‫وأبصرت سعدى بين‬
‫وأثواب عص ٍ‬
‫مهلهلة اليمن‬
‫ل‬
‫ثوبي مراج ٍ‬
‫ويروى أن يزيد بن معاوية قال لمعاوية‪ :‬أما سمعت قول عبد‬
‫الرحمن بن حسان في ابنتك? قال‪ :‬وما الذي قال? قال ‪ :‬قال‪:‬‬
‫ص ميزت من جوهر‬
‫وهي زهراء مثل لؤلؤة‬
‫مكنون‬
‫الغوا‬
‫قال معاوية‪ :‬صدق‪ ،‬فقال يزيد‪ :‬وقال‪:‬‬
‫في سناٍء من المكارم‬
‫وإذا ما نسبتها لم‬
‫دون‬
‫تجـدهـا‬
‫قال‪ :‬صدق‪ ،‬فقال إنه قال‪:‬‬
‫راء تمشي في مرمر‬
‫ثم حاصرتها إلى القبة‬
‫مسنون‬
‫الخضر‬
‫قال معاوية‪ :‬كذب‪.‬‬
‫باب‬
‫عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب عند رسول الله‬
‫قال أبو العباس‪ :‬حدثني مسعود بن بشر‪ ،‬قال‪ :‬حدثني محمد بن‬
‫ب‪ ،‬قال‪ :‬أتى عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب رسول الله‬
‫حر ٍ‬
‫ة وأقعده إلى جانبه‪ ،‬ثم قال‪ ":‬إنه‬
‫صلى الله عليه وسلم فكساه حل ً‬
‫ابن أمي‪ ،‬وكان أبوه يرحمني "‪.‬‬
‫لرجل من بني ضبة يخاطب بني تميم‬
‫قال‪ :‬وأنشدني مسعود قال‪ :‬أنشدني طاهر بن علي بن سليمان‬
‫قال‪ :‬أنشدني منصور بن المهدي لرجل من بني ضبة بن أد‪ ،‬يقوله‬
‫لبني تميم بن مر بن أد‪:‬‬
‫ل تحرمن نصيحة‬
‫أبني تميم إنني أنا‬
‫العمام‬
‫عمـكـم‬
‫سبب الفناء قطيعة‬
‫إني أرى سبب الفناء‬
‫‪191‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫الرحام‬
‫أحسابكم برواجح‬
‫الحـلم‬

‫وإنما‬
‫فتداركوا بأبي وأمي‬
‫أنتـم‬
‫خطبة عبد الله بن الزبير‬
‫حين ورد عليه خبر قتل أخيه مصعب‬
‫ويروى أنه أتى عبد الله بن الزبير" خبر " قتل مصعب بن الزبير‬
‫خطب الناس‪ ،‬فحمد الله وأثنى عليه‪ ،‬ثم قال ‪ :‬إنه أتانا خبر قتل‬
‫المصعب فسررنا به‪ ،‬واكتأبنا له‪ ،‬فأما السرور فلما قدر له من‬
‫ة يجدها الحميم‬
‫الشهادة‪ .‬وحيز له من الثواب‪ ،‬وأما الكآبة فلوع ٌ‬
‫عند فراق حميمه‪ ،‬وإنا لله ما نموت حبجا ً كميتة آل أبي العاص‪،‬‬
‫إنما نموت قتل ً بالرماح‪ ،‬وقعصا ً تحت ظلل السيوف‪ ،‬فإن يهلك‬
‫المصعب فإن في آل الزبير منه خلفًا‪.‬‬
‫قوله‪ ":‬حبجا ً "‪ ،‬يقال‪ :‬حبج بطنه‪ ،‬إذا انفتخ‪ ،‬وكذلك حبط بطنه‪.‬‬
‫المقعص‪:‬المقتول‪ .‬واللوعة‪ :‬الحرقة‪ ،‬يقال‪ :‬لع يلع لوعة يا فتى‬
‫فهو لئع‪ ،‬ويقال‪ :‬لع يافتى‪ ،‬على القلب‪ ،‬وأنشد أبوزيد‪:‬‬
‫ول جزٍع من الحدثان‬
‫ول فرٍح بخـيرٍ إن أتـاه‬
‫لع‬
‫من كلم زياد‬
‫قال‪ :‬وحدثني مسعود في إسنادٍ ذكره قال‪ :‬قال زياد لحاجبه‪ :‬يا‬
‫عجلن‪ ،‬إني وليتك هذا الباب‪ ،‬وعزلتك عن أربعة‪ .‬عزلتك عن هذا‬
‫المنادي إذا دعا للصلة فل سبيل لك عليه‪ ،‬وعن طارق الليل فشٌر‬
‫ما جاء به‪ ،‬ولو جاء بخير ما كنت من حاجته‪ ،‬وعن رسول صاحب‬
‫الثغر فإن إبطاء ساعةٍ يفسد تدبير سنة‪ ،‬وعن هذا الطباخ إذا فرغ‬
‫من طعامه‪.‬‬
‫قال ‪ :‬وحدثني مسعود قال‪ :‬قال زياد‪ :‬يعجبني من الرجل إذا سيم‬
‫خطة الضيم أن يقول‪ ":‬ل" بملء فيه‪ ،‬وإذا أتى نادي قوم ٍ علم أين‬
‫ينبغي لمثله أن يجلس فجلس‪ ،‬وإذا ركب دابة حملها ما تحب ولم‬
‫يبعثها إلى ما تكره‪.‬‬
‫بلغة جعفر بن يحيى‬
‫وكتب إلى جعفر بن يحيى‪ :‬إن صاحب الطريق قد اشتط فيما‬
‫يطلب من الموال‪ ،‬فوقع جعفر‪ :‬هذا رجل منقطع عن السلطان‪،‬‬
‫وبين ذؤبان العرب بحيث العدد والعدة‪ ،‬والقلوب القاسية‪ ،‬والنوف‬
‫‪192‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫الحمية‪ ،‬فليمدد من المال بما يستصلح به من معه ليدفع به عدوه‪،‬‬
‫فإن نفقات الحروب يستظهر لها‪ .‬ول يستظهر عليها‪.‬‬
‫ورفع قوم إليه شكية عاملهم‪ .‬فوقع في قصتهم‪ :‬يا هذا‪ ،‬قد كثر‬
‫شاكوك‪ "،‬وقل حامدوك "‪ ،‬فإما عدلت‪ ،‬وإما اعتزلت‪ .‬وزعم‬
‫الجاحظ قال‪ :‬قال ثمامة بن أشرس النميري‪ :‬ما رأيت رجل ً أبلغ‬
‫من جعفر بن يحيى و المأمون‪ .‬وقال مويس بن عمران‪ :‬ما رأيت‬
‫رجل ً أبلغ من يحيى بن خالد‪ ،‬وأيوب بن جعفر‪.‬‬
‫وقال جعفر بن يحيى لكتابه‪ :‬إن قدرتم أن تكون كتبكم كلها‬
‫ت فافعلوا‪.‬‬
‫توقيعا ٍ‬
‫نبذ من القوال الحكيمة‬
‫وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ " :‬لو تكاشفتم ما‬
‫تدافنتم"‪ ،‬يقول‪ :‬لو علم بعضكم سريرة بعض لستثقل تشييعه‬
‫ودفنه‪.‬‬
‫وقال عليه السلم‪" ،:‬اجتنبوا القعود على الطرقات‪ ،‬إلأن تضمنوا‬
‫أربعٌا‪ :‬رد السلم وغض البصار‪ ،‬وإرشاد الضال‪ .‬وعون الضعيف"‪.‬‬
‫وقالت هند بنت عتنة ‪:‬إنما النساء أغلل‪ ،‬فليختر الرجل غل ٌ ليده‬
‫وذكرت هند بنت المهلب بن أبي صفرة النساء فقالت‪ :‬ما زين‬
‫بشيء كأدب بارع‪ ،‬تحته لب ظاهر‪.‬‬
‫وقالت هند بنت المهلب بن أبي صفرة ‪:‬إذا رأيتم النعم مستدرة‬
‫فبادروا بالشكر قبل حلول الزوال‪.‬‬
‫وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ ":‬افصلوا بين حديثكم‬
‫بالستغفار"‪.‬‬
‫وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله‪ :‬قيدوا النعم بالشكر‪ ،‬وقيدوا‬
‫العلم بالكتاب ‪.‬‬
‫وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه‪ :‬العجب لمن يهلك‬
‫والنجاة معه‪ ،‬فقيل‪ :‬كيف يا أمير المؤمنين? قال‪ :‬الستغفار‪.‬‬
‫وقال الخليل بن أحمد‪ :‬يعني الخليل‪ :‬كن على مدارسة ما في‬
‫قلبك أحرص منك على حفظ ما في كتبك ‪.‬‬
‫وقال ابن أحمد يعني الخليل‪ :‬اجعل ما في كتبك رأس مال‪ ،‬وما‬
‫في صدرك للنفقة وقيل لنصر بن سيار‪ :‬إن فلنا ٌ ل يكتب‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫تلك الزمانة الخفية‪.‬‬

‫‪193‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وقال نصر بن سيار لول أن عمر بن هبيرة كان بدويا ٌ ما ضبط‬
‫عمال العراق وهو ل يكتب ‪.‬‬
‫وفادى رسول الله صلى الله عليه وسلم من رأى فداءه من أسرى‬
‫بدٍر‪ ،‬فمن لم يكن له فداٌء أمره أن يعلم عشرة من المسلمين‬
‫الكتابة‪ ،‬ففشت الكتابة بالمدينة‪.‬‬
‫ومن أمثال العرب‪ :‬خير العلم ما حوضر به‪ ،‬يعني‪ :‬ما حفظ وكان‬
‫للمذاكرة‪.‬‬
‫وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‪ ":‬لتزال أمتي صالحا ٌ‬
‫أمرها ما لم تر الفيء مغنمًا‪ ،‬والصدقة مغرما ً "‪.‬‬
‫وقال علي بن أبي طالب عليه السلم‪ ":‬يأتي على الناس زمان ل‬
‫يقرب فيه إل الماحل‪ ،‬ول يظرف فيه إل الفاجر‪ ،‬ول يضعف فيه إل‬
‫المنصف‪ ،‬يتخذون الفيء مغنمًا‪ ،‬والصدقة مغرمًا‪ ،‬وصلة الرحم منًا‪،‬‬
‫ة على الناس‪ ،‬فعند ذلك يكون سلطان النساء‪،‬‬
‫والعبادة استطال ً‬
‫ومشاورة الماء‪ ،‬وإمارة الصبيان "‪.‬‬
‫نبذ من أخبار الحجاج‬
‫ويروى عن محمد بن المنتشر بن الجدع الهمداني‪ ،‬قال‪ :‬دفع إلي‬
‫الحجاج أزاد مرد بن الهربذ‪ ،‬وأمرني أن أستخرج منه وأغلظ عليه‪،‬‬
‫فلما انطلقت به قال لي‪ :‬يا محمد‪ ،‬إن لك شرفا ً ودينًا‪ ،‬وإني‬
‫لأعطي على القسر شيئًا‪ ،‬فاستأدني وارفق بي‪ ،‬قال‪ :‬ففعلت‪،‬‬
‫فأدى إلي في أسبوع خمسمائة ألف‪ ،‬قال‪ :‬فبلغ ذلك الحجاج‬
‫فأغضبه‪ ،‬وانتزعه من يدي‪ ،‬ودفعه إلى رجل كان يتولى له العذاب‪،‬‬
‫فدق يديه ورجليه‪ ،‬ولم يعطهم شيئًا‪.‬‬
‫ح بي‪:‬‬
‫قال محمد بن المنتشر‪ :‬فإني لمر يوما ً في السوق إذا صائ ٌ‬
‫يا محمد‪ ،‬فالتفت فإذا به معرضا ً على حماٍر‪ ،‬مدقوق اليدين‬
‫والرجلين‪ ،‬فخفت الحجاج إن أتيته‪ ،‬وتذممت منه‪ ،‬فملت إليه‪ ،‬فقال‬
‫لي‪ :‬إنك وليت مني ماولي هؤلء فأحسنت‪ ،‬وإنهم صنعوا بي ما‬
‫ترى ولم أعطهم شيئًا‪ ،‬وههنا خمسمائة ألف عند فلن‪ ،‬فخذها فهي‬
‫لك‪ ،‬قال‪ :‬فقلت‪ :‬ما كنت لخذ منك على معروفي أجرًا‪ ،‬ول لرزأك‬
‫على هذه الحال شيئًا‪ ،‬قال‪ :‬فأما إذا أبيت فاسمع أحدثك‪ :‬حدثني‬
‫بعض أهل دينك عن نبيك " صلى الله عليه وسلم " كثيرًا‪ ،‬قال‪ :‬إذا‬
‫رضي الله عن قوم أمطرهم المطر في وقته‪ ،‬وجعل المال في‬
‫سمحائهم‪ ،‬واستعمل عليهم خيارهم‪ ،‬وإذا سخط عليهم استعمل‬
‫‪194‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫عليهم شرارهم‪ ،‬وجعل المال عند بخلئهم‪ ،‬وأمطرهم المطر في‬
‫غير حينه‪ .‬قال‪ :‬فانصرفت فما وضعت ثوبي حتى أتاني رسول‬
‫الحجاج‪ ،‬فأمرني بالمسير إليه‪ ،‬فالفيته جالسا ً على فرشه والسيف‬
‫ى في يده‪ ،‬فقال لي‪ :‬ادن‪ ،‬فدنوت شيئًا‪ ،‬ثم قال‪ :‬ادن‪،‬‬
‫منتض ً‬
‫فدنوت شيئًا‪ ،‬ثم صاح الثالثة‪ :‬ادن ل أبا لك! فقلت‪ :‬ما بي إلى‬
‫الدنو من حاجة‪ ،‬وفي يد المير ما أرى‪ .‬فأضحك الله سنه‪ ،‬وأغمد‬
‫سيفه عني‪ ،‬فقال لي‪ :‬اجلس‪ ،‬ما كان من حديث الخبيث? فقلت‬
‫له‪ :‬أيها المير‪ ،‬والله ما غششتك منذ استنصحتني‪ ،‬ول كذ بتك منذ‬
‫استخبرتني‪ ،‬ول خنتك منذ ائتمنتني‪ .‬ثم حدثته الحديث‪ ،‬فلما صرت‬
‫إلى ذكر الرجل الذي المال عنده أعرض عني بوجهه‪ ،‬وأومأ إلي‬
‫بيده‪ ،‬وقال‪ :‬ل تسمه‪ ،‬ثم قال‪ :‬إن للخبيث نفسًا‪ ،‬وقد سمع‬
‫الحاديث‪.‬‬
‫ويقال‪ :‬كان الحجاج إذا استغرب ضحكا ً والى بين الستغفار‪ ،‬وكان‬
‫إذا صعد المنبر تلفع بمطرفه ثم تكلم رويدا ً فل يكاد يسمع‪ ،‬ثم‬
‫يتزيد في الكلم‪ ،‬حتى يخرج يده من مطرفه ويزجر الزجرة فيفزع‬
‫بها أقصى من في المسجد وكان يطعم في كل يوم ألف مائدة‪،‬‬
‫ة‪ ،‬ويطاف به‬
‫ب من شواٍء وسمكة طري ٌ‬
‫على كل مائدة ثريد ٌ وجن ٌ‬
‫في محفةٍ على تلك الموائد ليتفقد أمور الناس‪ ،‬وعلى كل مائدة‬
‫عشرة‪ ،‬ثم يقول‪ :‬يا أهل الشأم‪ ،‬اكسروا الخبز لئل يعاد عليكم‪.‬‬
‫وكان له ساقيان‪ ،‬أحدهما يسقي الماء والعسل‪ ،‬والخر يسقي‬
‫اللبن‪ .‬ويروى أ ن ليلى الخيلية قدمت عليه فأنشدته‪:‬‬
‫إذا ورد الحجاج أرضا ً‬
‫تتبع أقصى دائها‬
‫فشـفـاهـا‬
‫ة‬
‫مريض ً‬
‫م إذا هز القناة‬
‫شفاها من الداء‬
‫غل ٌ‬
‫ثـنـاهـا‬
‫العقام الذي بها‬
‫م‪ ،‬ثم قال لها‪ :‬أي نسائي‬
‫فقال لها‪:‬ل تقولي‪ :‬غلم‪ ،‬قولي‪ :‬هما ٌ‬
‫أحب إليك أن أنزلك عندها الليلة?قالت‪ :‬ومن نساؤك أيها المير?‬
‫قال أم الجلس بنت سعيد بن العاصي الموية‪ ،‬وهند بنت أسماء‬
‫بن خارجة الفزارية‪ ،‬وهند بنت الملهب بن أبي صفرة العتكية‪،‬‬
‫فقالت‪ :‬القيسية أحب إلي‪ .‬فلما كان الغد دخلت عليه فقال‪ :‬يا‬
‫غلم أعطها خمسمائة‪ ،‬فقالت‪:‬أيها المير‪ ،‬اجعلها أدما ً فقال قائل‪:‬‬
‫‪195‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫إنما لك بشاء‪ ،‬قالت‪ :‬المير أكرم من ذلك‪ ،‬فجعلها إبل ً إناثا ً‬
‫استحياء‪ ،‬وإنما كان أمر لها بشاٍء أو ً‬
‫ل‪ .‬والدم‪ :‬البيض من البل‬
‫وهي أكرمها‪.‬ويروى عن بعض الفقهاء قال‪ :‬دعاني الحجاج فسألني‬
‫م وجد ٌ وأخت‪ ،‬فقال لي‪:‬ما قال فيها‬
‫عن الفريضة المخمسة وهي أ ٌ‬
‫الصديق رحمه الله?قلت‪ ،‬أعطى الم الثلث والجد ما بقي لنه كان‬
‫يراه أبًا‪ ،‬قال‪:‬فما قال فيها أمير المؤمنين? يعني عثمان رحمه الله‬
‫قلت‪ :‬جعل المال بينهم أثلثًا‪،‬قال‪:‬فما قال فيها ابن مسعود? قال‪:‬‬
‫قلت أعطى الخت النصف‪ ،‬والم ثلث ما بقي والجد الثلثين?لنه‬
‫كان ل يفضل أما على جد‪ .‬قال‪:‬فما قال فيهازيد بن ثابت?قال‪:‬‬
‫قلت أعطى الم الثلث‪ ،‬وجعل ما بقي بين الخت والجد‪ ،.‬للذكر‬
‫مثل حظ النثيين‪ ،‬لنه كان يجعل الجد كأحد الخوة إلى الثلثة‪،‬‬
‫ب? قال‪ :‬قلت أعطى‬
‫قال‪:‬فزم بأنفه ثم قال‪ :‬فما قال فيها أبو ترا ٍ‬
‫الم الثلث والخت النصف والجد السدس‪ ،‬قال‪ :‬فأطرف ساعة ثم‬
‫رفع رأسه فقال‪ :‬فإنه المرء يرغب عن قوله‪ .‬وجلس الحجاج يأكل‬
‫ومعه جماعة على المائدة منهم محمد بن عمير بن عطارد بن‬
‫حاجب بن زرارة‪ ،‬وحجار بن أبجر بن بجير العجلي‪ ،‬فأقبل في‬
‫ط من الطعام على محمد بن عمير بن عطاردٍ فقال‪ :‬يا محمد‪،‬‬
‫وس ٍ‬
‫أيدعوك قتيبة بن مسلم إلى نصرتي يوم رستقباذ فتقول‪ :‬هذا أمر‬
‫لناقة لي فيه ول جمل ل جعل الله لك فيه ناقة ول‬
‫جمل ٌ ?????????????????????????????????????????????‬
‫?????????????????????????????????????????????????‬
‫??????????????! ياحرسي‪ ،‬خذ بيده وجرد سيفك فاضرب‬
‫عنقه‪ ،‬فنظر إلي حجاربن أبجر وهو يبتسم‪ ،‬فدخلته العصبية‪ ،‬وكان‬
‫مكان حجارٍ من ربيعة كمكان محمد بن عمير من مضر‪ ،‬وأتى‬
‫الخباز بفرنيةٍ فقال‪ :‬اجعلها مما يلي محمدا ً فإن اللبن يعجبه‪ ،‬يا‬
‫حرسي‪ ،‬شم سيفك وانصرف‪.‬‬
‫وكان محمد ٌ شريفًا‪ ،‬وله يقول الشاعر‪:‬‬
‫إن الجواد محمد ٌ بن‬
‫علم القبائل من معد‬
‫عطارد‬
‫وغيرها‬
‫وذكرت بنو دارم يوما ً بحضرة عبد الملك‪ ،‬فقالوا‪ :‬قوم لهم الحظ‪،‬‬
‫فقال عبد الملك‪ :‬أتقولون ذلك وقد مضى منهم لقيط بن زرارة ول‬
‫عقب له‪ ،‬ومضى القعقاع بن معبد بن زرارة ول عقب له‪ ،‬ومضى‬
‫‪196‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫محمد بن عمير بن عطارد ول عقب له‪ ،‬والله لتنسى العرب هؤلء‬
‫الثلثة أبدًا‪.‬‬
‫قوله‪ ":‬شم سيفك "‪ ،‬يقول‪ :‬اغمده‪ ،‬ويقال‪ :‬شمت السيف‪ :‬إذا‬
‫سللته‪ ،‬وهو من الضداد‪ ،‬ويقال‪ :‬شمت البرق إذا نظرت من أي‬
‫ناحية يأتي‪.‬‬
‫قال العشى‪:‬‬
‫شيموا‪ ،‬وكيف يشيم الشارب‬
‫فقلت للشرب في درنى‬
‫الشارب الثمل!‬
‫وقـد ثـمـلـوا‪:‬‬
‫وقال الفرزدق‪:‬‬
‫ولم تكثر القتلى بها‬
‫ل لم‬
‫بأيدي رجا ٍ‬
‫حين سلت‬
‫يشيموا سيوفهم‬
‫وهذا البيت طريف عند أصحاب المعاني‪ ،‬وتأويل لم يشيموا‪ :‬لم‬
‫يغمدوا ولم تكثر القتلى‪ ،‬أي لم يغمدوا سيوفهم إل وقد كثرت‬
‫القتلى " بها " حين سلت‪.‬‬
‫علي بن جبلة والحسن بن سهل‬
‫وحدثني الحسن بن رجاء قال‪ :‬قدم علينا علي بن جبلة إلى عسكر‬
‫الحسن بن سهل والمأمون هناك بانيا ً على خديجة بنت الحسن بن‬
‫سهل المعروفة ببوران‪ ،‬فقال الحسن‪ :‬ونحن إذا ذاك نجري على‬
‫ح‪ ،‬وكان الحسن بن سهل يسهر مع المأمون‪،‬‬
‫نيف وسبعين ألف مل ٍ‬
‫يتصبح فيجلس الحسن للناس إلى وقت انتباهه‪ ،‬فلما ورد علي‬
‫قلت‪ :‬قد ترى شغل المير‪ ،‬قال‪ :‬إذن ل أضيع معك‪ .‬قلت‪ :‬أجل‪.‬‬
‫فدخلت على الحسن بن سهل في وقت ظهوره فأعلمته مكانه‪،‬‬
‫فقال‪ :‬ألترى ما نحن فيه? قلت‪ :‬لست بمشغول عن المر له‪،‬‬
‫فقال‪ :‬يعطى عشرة آلف درهم ٍ إلى أن نتفرغ له‪ ،‬فأعلمت ذلك‬
‫علي بن جبلة‪ ،‬فقال في كلمة له‪:‬‬
‫ة كافأت مدحي‬
‫أعطيتني يا ولي الحق‬
‫عطي ً‬
‫مبتـدئا ً‬
‫ولم ترني‬
‫كأنما كنت بالجدوى‬
‫ما شمت برقك حتى‬
‫تبادرنـي‬
‫نلت ريقه‬
‫باب‬
‫للمفضل بن الملهب‬
‫بن أبي صفرة في الشجاعة والنجدة‬
‫‪197‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫قال أبو العباس‪ :‬قال المفضل بن المهلب بن أبي صفرة‪:‬‬
‫على كل ماضي‬
‫هل الجود إل أن تجود‬
‫الشفرتين قضيب‬
‫س‬
‫بـأنـفـ ٍ‬
‫ويعد يزيد والـحـرون‬
‫ش بعد قتل‬
‫وما خير عي ٍ‬
‫حـبـيب‬
‫مـحـمـدٍ‬
‫فليس لمجدٍ صالـح‬
‫ومن هو أطراف القنا‬
‫بـكـسـوب‬
‫خشية الردى‬
‫لرهطك ما حـنـت روائم‬
‫وما هي إل رقدة تورث‬
‫نـيب‬
‫الـعـل‬
‫وقوله ؛‬
‫ومن هر أطراف القنا خشية الردى‬
‫يقول‪ :‬من كره‪ ،‬قال عنترة بن شداد ‪:‬‬
‫نفارقهم حتى يهروا‬
‫خلفت لهم والخيل‬
‫تردى بنا معا ً‬
‫العوالـيا‬
‫هرير الكلب يتقين‬
‫عوالي زرقا ً من رماح‬
‫الفاعـيا‬
‫ة‬
‫ردين ٍ‬
‫والردى‪ :‬الهلك‪ ،‬وأكثر ما يستعمل في الموت‪ .‬يقال‪ :‬ردي يردى‬
‫دى‪ ،‬قال الله عز وجل‪ " :‬وما يغنى عنه ماله إذا تردى " الليل‬
‫ر ً‬
‫‪ ،11‬وهو " تفعل " من الردى في أحد التفسيرين‪ ،‬وقيل‪ :‬إذا تردى‬
‫في النار‪ ،‬أي إذا سقط فيها‪.‬‬
‫وقوله‪" :‬الحرون" فإن حبيب بن المهلب كان ربما انهزم عنه‬
‫أصحابه فل يريم مكانه‪ ،‬فكان يلقب الحرون ‪.‬‬
‫وقوله‪:‬‬
‫وما هي إل رقدة تورث العل‬
‫فهذا مأخوذ من قول أخيه يزيد بن المهلب‪ ،‬وذلك أنه قال في يوم‬
‫العقر وهو اليوم الذي قتل فيه ‪ :‬قاتل الله ابن الشعث ما كان‬
‫عليه لو غمض عينيه ساعة للموت‪ ،‬ولم يكن قتل نفسه وذلك أن‬
‫ابن الشعث قام في الليل وهو في سطح‪ ،‬للبول‪ ،‬فزعموا أنه ردى‬
‫نفسه‪ ،‬وغير أهل هذا القول يقولون‪ :‬بل سقط منه بسنة النوم ‪.‬‬
‫وقوله‪ ":‬تورث العل لرهطك " فالمعنى تورث العل رهطك‪ ،‬وهذه‬
‫اللم تزاد في المفعول على معنى زيادتها في الضافة‪ ،‬تقول‪ :‬هذا‬
‫‪198‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫د‪ ،‬لنها ل تغير معنى الضافة إذا قلت‪:‬‬
‫ب لزي ٍ‬
‫ب زيدًا‪ ،‬وهذا ضار ٌ‬
‫ضار ٌ‬
‫هذا ضارب زيدٍ وضارب له‪.‬‬
‫وفي القرآن‪ ":‬وأمرت لن أكون أول المسلمين " الزمر ‪.12‬‬
‫وكذلك " إن كنتم للرءيا تعبرون " يوسف ‪ 43‬ويقول النحويون في‬
‫قوله تعالى‪ ":‬قل عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون‬
‫" النمل ‪ 72‬إنما هو " ردفكم " والنيب ‪ :‬جمع ناب‪ ،‬وهي المسنة‬
‫من البل‪ ،‬وتقديرها "فعل" ساكنة‪ ،‬وأبدلت من الضمة كسرة‬
‫ر‪،‬‬
‫لتصح الياء‪ ،‬كما قلت في أبيض‪ :‬بي ٌ‬
‫ض‪ ،‬وإنما هو مثل أحمر وحم ٍ‬
‫ب‪ ،‬فتقدير ناب ونيب إذا جاء على"فعل"‬
‫وكذلك أشيب وشي ٌ‬
‫ن ووثن‪ ،‬وناب تقديرها " فع ٌ‬
‫ل"‬
‫و"فعل" تقدير أسد وأس ٍ‬
‫د‪ ،‬ووث ٍ‬
‫وإنما انقلبت الباء ألفا ً فسكنت‪ ،‬وإنما تنقلب إذا كانت في موضع‬
‫حركة‪ .‬والروائم قد مضى تفسيرها ‪.‬‬
‫شيخ من العراب وامرأته‬
‫وأنشدني الزيادي قال ‪:‬أنشدني أبو زيد‪ ،‬نظر شي ٌ‬
‫خ من العراب‬
‫إلى امرأته تتصنع وهي عجوز فقال‪:‬‬
‫وقد لحب الجنبان‬
‫عجوز ترجي أن تـكـون‬
‫واحدودب الضهر‬
‫ة‬
‫فـتـي ٌ‬
‫وهل يصلح العطار ما‬
‫تدس إلى العطار سلـعة‬
‫أفسد الدهر‬
‫بـيتـهـا‬
‫قال أبو الحسن‪ :‬وزادني غير أبي العباس في شعر هذا العرابي‪:‬‬
‫وكحل بعينيها وأثوابها‬
‫ب‬
‫وماغرني إل خضا ٌ‬
‫الصفر‬
‫بكفهـا‬
‫فكان محاقا ً كله ذلك‬
‫وجاؤوا بها قبل‬
‫الشهـر‬
‫ة‬
‫المحاق بلـيل ٍ‬
‫قال‪ :‬فقالت له امرأته‪:‬‬
‫ب‬
‫ألم تر أن الناب‬
‫ويترك ثلب‪ ،‬ل ضرا ٌ‬
‫ول ظهر‬
‫ة‬
‫تحلـب عـلـب ٌ‬
‫ف‪ ،‬فاجتمع‬
‫قال‪ :‬ثم استغاثت بالنساء‪ .‬وطلب الرجال فإذا هم خلو ٌ‬
‫النساء عليه فضربنه‪.‬‬
‫ب‬
‫قوله‪ ":‬قد لحب الجنبان"‪،‬يقول‪ :‬قل لحمهما‪ ،‬يقال ‪:‬بعير ملحو ٌ‬
‫وقد لحب مثل عرق‪.‬‬
‫وقوله‪:‬‬
‫‪199‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫تدس إلى العطار سلعة بيتها‬
‫ض فالعرب تقول‬
‫يريد السويق والدقيق وما أشبه ذلك‪ ،‬وكل عر ٍ‬
‫له‪ :‬سلعة‪ ،‬أنشدني عمارة بن عقيل شعرا ٌ يمدح به خالد بن يزيد‬
‫بن مزيد الشيباني ويذم تميم ابن خزيمة بن حازم النهشلي‪:‬‬
‫زيارتـه? إنـي إذا ٌ‬
‫أأترك إن قلـت دراهـم‬
‫لـلـــئيم‬
‫خـالـدٍ‬
‫ويعتل نقد المـرء وهـو‬
‫وقد يسلع المرء اللئيم‬
‫كـريم‬
‫اصطناعـه‬
‫فتى واس ٌ‬
‫إلى ابني نزاٍر‪ ،‬في‬
‫ط في ابني‬
‫الخطوب عميم‬
‫ب‬
‫نزاٍر‪ ،‬مجبـ ٌ‬
‫وكان لبكرٍ في الـثـراء‬
‫فليت ببرديه لـنـا كـان‬
‫تـمـيم‬
‫خـالـد ٌ‬
‫أغر‪ ،‬وفي بـكـرٍ أغـم‬
‫ق‬
‫فيصبح فينا سابـ ٌ‬
‫مـتـمـهـ ٌ‬
‫بـهـيم‬
‫ل‬
‫قوله ‪:‬‬
‫وقد يسلع المرء اللئيم اصطناعه‬
‫أي يكثر سلعته ل صطناعه‪.‬‬
‫وقوله‪ ":‬أغم بهيم"‪ ،‬فالغم كثرة شعر الوجه والقفا‪ ،‬قال هذبة بن‬
‫خشرم ٍ العذري‪:‬‬
‫أغم القفا والوجه‬
‫فل تنكحي إن فرق‬
‫ليس بأنزعا‬
‫الدهر بيننا‬
‫والعرب تكره الغمم‪ .‬والبهيم‪ :‬الذي ل يخلط لونه غيره من أي لون‬
‫كان ‪.‬‬
‫وقولها‪:‬‬
‫ألم تر أن الناب تحلب علبة‬
‫تقول فيها منفعة على حال‪ ،‬والعلبة‪ :‬إناء لهم من جلود يحلبون‬
‫فيه‪ ،‬من ذلك قوله‪:‬‬
‫لم تتلفع بفضل‬
‫د‪ ،‬ولم تغد بالعلـب‬
‫دع ٌ‬
‫مئزرها‬

‫‪200‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ومن أمثال العرب‪ ":‬قد تحلب الضجور العلبة"‪ ،‬يضربون ذلك‬
‫للرجل البخيل الذي ل يزال ينال منه الشيء القليل‪ ،‬والضجور‪:‬‬
‫الناقة السيئة الخلق‪ ،‬إنما تحلب حين تطلع عليها الشمس فتطيب‬
‫نفسها‪ ،‬والثلب‪ :‬الذي قد انتهى في السن من البل ‪.‬‬
‫من أقوالهم في الفقر و الغنى‬
‫وقال آخر ‪:‬‬
‫ولم أرى مثل المال‬
‫لم أر مثل الفقر‬
‫أرفع للـرذل‬
‫أوضع للفـتـى‬
‫ولم أر ذل ً مثل نأي‬
‫ولم أر عزا ً لمرئ‬
‫عن الصـل‬
‫ة‬
‫كـعـشـير ٍ‬
‫إذا عاش بين الناس‬
‫ولم أر من عدم أضر‬
‫من عدم العقل‬
‫ئ‬
‫على امر ٍ‬
‫وقال آخر ‪:‬‬
‫عليه‪ ،‬وإن عالوا به كل‬
‫لعمري‪ ،‬لقوم المرء خـير‬
‫مـركـب‬
‫ة‬
‫بـقـي ٍ‬
‫جزيل ولم يخبرك مثـل‬
‫من الجانب القصى وإن‬
‫مـجـرب‬
‫كان ذا غنى‬
‫على ما حوت أيدي‬
‫وإن خبرتك النـفـس أنـك‬
‫الرجال فكـذب‬
‫قـادٌر‬
‫إذا كنت في قوم عدا ً‬
‫فكل ما علفت من‬
‫ٍ‬
‫ث وطـيب‬
‫لست منـهـم‬
‫خبـي ٍ‬
‫العدا‪ :‬الغرباء في هذا الموضع‪ ،‬ويقال للعداء عدًا‪ ،‬والعداة العداء‬
‫ل غير‪.‬‬
‫وقال أعرابي من باهلو‪:‬‬
‫غنى المال يوما ً أو‬
‫سأعمل نص العيس‬
‫غنى الحدثان‬
‫حتى يكفنـي‬
‫على المرء ذي العلياء‬
‫فللموت خيٌر من حياة‬
‫مس هوان‬
‫يرى لـهـا‬
‫وإن لم يقل قالـوا‬
‫متى يتكلم يلغ حـكـم‬
‫عـديم بـيان‬
‫مـقـالـه‬
‫ق‬
‫كأن الغنى في أهله‬
‫ن نـاطـ ٌ‬
‫بغير لسا ٍ‬
‫‪201‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫بـلـسـان‬

‫بورك الغنـى‬
‫من أخبار حارثة بن بدر الغداني‬
‫ونظير هذا الشعر ما حدثنا به في أمر حارثة بن بدرٍ الغداني‪ ،‬فإنا‬
‫حدثنا عن حارثة بن بدر‪ ،‬وكان رجل بني تميم في وقته‪ .‬وكان قد‬
‫غلب على زياٍد‪ ،‬وكان الشراب قد غلب عليه‪ ،‬فقيل لزياٍد‪ :‬إن هذا‬
‫قد غلب عليك وهو مستهتٌر بالشراب‪ ،‬فقال زياد‪ :‬كيف لي بأطراح‬
‫ل هو يسايرني منذ دخلت العراق‪ ،‬لم يصكك ركابي ركباه‪ ،‬ول‬
‫رج ٍ‬
‫تقدمني فنظرت إلى قفاه‪ ،‬ول تأخر عني فلويت عنقي إليه‪ ،‬ول‬
‫أخذ علي الشمس في شتاٍء قط‪ ،‬ول الروح في صيف قط‪ ،‬ول‬
‫سألته عن علم إل ظننت أنه لم يحسن غيره‪ .‬فلما مات زياد ٌ جفاه‬
‫عبيد الله‪ ،‬فقال له حارثة‪ :‬أيها المير‪ ،‬ما هذا الجفاء مع معرفتك‬
‫بالحال عند أبي المغيرة فقال له عبيد الله‪ :‬إن أبا المغيرة كان قد‬
‫ث‪ ،‬وإنما أنسب إلى من‬
‫برع بروعا ً ل يلحقه معه عيب‪ ،‬وأنا حد ٌ‬
‫يغلب علي‪ ،‬وأنت رجل تديم الشراب‪ ،‬فمتى قربتك فظهرت رائحة‬
‫الشراب منك لم آمن أن يظن بي‪ ،‬فدع النبيذ وكن أول داخل علي‬
‫وآخر خارج عني‪ ،‬فقال له حارثة‪ :‬أنا ل أدعه لمن يملك ضري‬
‫ونفعي‪ ،‬أفأدعه للحال عندك قال ‪ :‬فاختر من عملي ما شئت‪ ،‬قال‪:‬‬
‫ة‪ ،‬وسرق فإن بها شرابا ً وصف‬
‫توليني رامهرمز‪ ،‬فإنها أرض عذا ٌ‬
‫لي‪ .‬فوله إياهما‪ ،‬فلما خرج شيعه الناس‪ ،‬فقال أنس بن أبي‬
‫أنيس‪:‬‬
‫فكن جرذا ً فيها تخون‬
‫أحار بن بدرٍ قد ولـيت‬
‫وتسـرق‬
‫إمـارةً‬
‫ول تحقرن يا حار شيئا ً‬
‫فحظك من ملك‬
‫العراقين سرق‬
‫وجدتـه‬
‫لسانا ً به المرء الهيوبة‬
‫وباه تميما ً بالغنى إن‬
‫ينطـق‬
‫للـغـنـى‬
‫يقمل بما يهوى وإما‬
‫فإن جميع الناس‪ ،‬إما‬
‫مصـدق‬
‫ب‬
‫مـكـذ ٌ‬
‫ولو قيل‪ :‬هاتوا حققوا‬
‫يقولون أقوال ً ول‬
‫لم يحققوا‬
‫يعلمـونـهـا‬

‫‪202‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ورثى حارثة بن بدرٍ زيادا ً وكان زياد مات بالكوفة‪ ،‬ودفن بالثوية‬
‫فقال‪:‬‬
‫عند الثوية يسفي‬
‫صلى الله على قـبـر‬
‫فوقـه الـمـور‬
‫وطـهـره‬
‫فثم كل التقى والبـر‬
‫ش نعـش‬
‫زفت إليه قري ٌ‬
‫مـقـبـور‬
‫سـيدهـا‬
‫وإن من غرت الدنيا‬
‫أبا المغيرة والـدنـيا‬
‫لـمـغـرور‬
‫ة‬
‫مـفـجـع ٌ‬
‫وكان عندك للنكـراء‬
‫وقد كان عندك‬
‫تـنـكـير‬
‫ة‬
‫بالمعروف معـرف ٌ‬
‫إن كان بيتك أضحى‬
‫وكنت تغشي وتعطي‬
‫وهو مهجور‬
‫ة‬
‫المال من سع ٍ‬
‫كأنما نفخت فيها‬
‫الناس بعدك قد خفت‬
‫العاصير‬
‫حلومهم‬
‫ب إذا جلس لم‬
‫ونطير هذا قول مهلهل يرثي أخاه كليبًا‪ ،‬وكان كلي ٌ‬
‫يرفع بحضرته صوت‪ ،‬ولم يستب بفنائه اثنان‪:‬‬
‫واستب بعدك يا كليب‬
‫ذهب الخيار من‬
‫المجلـس‬
‫المعاشر كلهـم‬
‫لو كنت حاضر أمرهم‬
‫وتقاولوا في أمر كل‬
‫لم ينسبوا‬
‫عـظـيمة‬
‫قول حارثة‪ ":‬الثوية"‪ ،‬فهي بناحية الكوفة‪ ،‬ومن قال الثوية‪ :‬فهو‬
‫ة طرفا ً في التصغير‬
‫تصغير الثوية‪ ،‬وكل ياء أخرى فوقعت معتل ً‬
‫فوليتها ياء التصغير فهي محذوفة‪ ،‬وذلك قولك في عطاٍء‪ :‬عطي‪،‬‬
‫ي‪ ،‬كما تقول في سحاب‪ :‬سحيب‪ ،‬ولكنها تحذف‬
‫وكان الصل عطي ٌ‬
‫لعتللها‪ ،‬واجتماعياءين معها‪ ،‬وتقول في تصغير أحوى‪ :‬أحي‪ ،‬في‬
‫قول من قال في أسود‪ :‬أسيد‪ ،‬وهو الوجه الجيد‪ ،‬لن الياء الساكنة‬
‫إذا كانت بعدها واو متحركة قلبتها ياء‪ ،‬كقولك‪ :‬أيام‪ ،‬والصل"‬
‫د‪ ،‬ومن قال في تصغير أسود‪:‬‬
‫أيوام"‪ ،‬وكذلك سيد‪ ،‬والصل سيو ٌ‬
‫أسيود ٌ فهو جائز‪ ،‬وليس كالول قال في تصغير أحوى أحيو يا فتى‪،‬‬
‫فتثبت الياء‪ ،‬لنه ليس فيها ما يمنعها نم اجتماع الياءات‪ ،‬ومن قال‬
‫‪203‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫أسود‪ ،‬فإنما أظهر الواو‪ ،‬لنها كانت في التكبير متحركة‪ ،‬ول تقول‬
‫في عجوز إل عجيزةٌ لنها ساكنة‪ ،‬وإنما يجوز هذا على بعدٍ إذا كانت‬
‫الواو في موضع العين من الفعل‪ ،‬أو ملحقة بالعين‪ ،‬نحو واو‬
‫جدول‪ ،‬وإنما استجازوا إظهارها في التصغير للتشبيه بالجمع‪،‬لن ما‬
‫جاوز الثلثة فتصغيرهعلى مثال جمعه‪ ،‬أل تراهم يقولون في‬
‫الجمع‪ :‬أساود وجداول‪ .‬فهذا على التشبيه بهذا‪ .‬فإن كانت الواو‬
‫في موضع اللم كانت منقلبة على كل حال‪ ،‬تقول في غزوة‪:‬‬
‫ة‪ ،‬فهذا شرح صالح في الموضوع‪ ،‬وهو‬
‫ة‪ ،‬وفي عروة ‪ :‬عري ٌ‬
‫غزي ٌ‬
‫مستقصى في الكتاب المقتضب‪.‬‬
‫وقوله‪ ":‬يسفي فوقه المور"‪ ،‬فمعناه أن الريح تسفيه‪ ،‬وجعل‬
‫الفعل للمور وهو التراب‪ ،‬وتقول‪ :‬سقاك الله الغيث‪ ،‬ثم يجوز أن‬
‫تجعل الفعل للغيث‪ ،‬فتقول‪ :‬سقاك الغيث يا فتى‪ ،‬وقال علقمة بن‬
‫عبدة‪:‬‬
‫تروح به جنح العشي‬
‫ن ذو حبي‬
‫سقاك يما ٍ‬
‫جنوب‬
‫ض‬
‫وعار ٌ‬
‫وقوله ‪:‬‬
‫زفت إليه قريش نعش سيدها‬
‫يقال‪ :‬زففت السرير‪ ،‬وزففت العروس‪ .‬وحدثني أبو عثمان‬
‫المازني قال‪ :‬حدثني الزيادي قال ‪ :‬سمعت قوما ً من العرب‬
‫ة‪.‬‬
‫يقولون‪ :‬أزففت العروس‪ ،‬وهي لغ ٌ‬
‫وقوله‪":‬نعش سيدها" يريد موضعه من النسب‪ ،‬لنه نسبه إلى أبي‬
‫سفيان‪ .‬وكان رئيس قريش من قبل مبعث النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم‪ ،‬وله يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ ":‬كل الصيد‬
‫في بطن الفرا"‪ .‬وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يفرش‬
‫فراشا ً في بيته في وقت خلفته فل يجلس عليه إل العباس بن عبد‬
‫المطلب وأبو سفيان بن حرب‪ ،‬ويقول‪ :‬هذا عم رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم‪ ،‬وهذا شيخ قريش‪ .‬وكان حرب بن أمية رئيس‬
‫قريش يوم الفجار‪ ،‬فكان آل حرب إذا ركبوا في قومهم من بني‬
‫أمية قدموا في المواكب‪ ،‬وأخليت لهم صدور المجالس‪ ،‬إل رهط‬
‫عثمان رضي الله عنه‪ ،‬فإن التقديم لهم في السلم بعثمان‪ .‬وكان‬
‫أبو سفيان صاحب العير يوم بدٍر‪ ،‬وصاحب الجيش يوم أحد وفي‬
‫يوم الخندق‪ ،‬وإليه كانت تنظر قريش في يوم فتح مكة‪ ،‬وجعل له‬
‫‪204‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه من دخل في داره فهو آمن‬
‫قي حديث مشهور‪.‬‬
‫وقوله ‪:‬‬
‫كأنما نفخت فيها العاصير‬
‫هذا مثل‪ ،‬وإنما يراد خفة الحلوم‪ .‬والعصار فيما ذكر أبو عبيدة‪:‬‬
‫ريح تهب بشدة فيما بين السماء والرض‪ .‬ومن أمثال العرب ‪ ":‬إن‬
‫كنت ريحا ً فقد لقيت إعصارًا"‪ ،‬يضرب للرجل يكون جلدا ً فيصادف‬
‫من هو أجلد منه‪ ،‬قال لله عز وجل ‪ ":‬فأصابها إعصاٌر فيه ناٌر‬
‫فاحترقت" البقرة ‪ 266‬وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم‪":‬‬
‫كل الصيد في بطن الفرا" يعني الحمار الوحشي‪ ،‬وذلك أن أجل‬
‫شيئ يصيده الصائد الحمار الوحشي‪ ،‬فإذا ظفر به‪ ،‬فكأنه قد ظفر‬
‫بجملة الصيد‪ ،‬والعرب تختلف فيه‪ ،‬فبعضهم يهمزه فيقول‪ :‬هذا‬
‫فرأ‪ ،‬كما ترى‪ ،‬وهو الكثر‪ ،‬وبعضهم ل يهمزه‪ ،‬ومن أمثالهم " أنكحنا‬
‫الفرا‪ ،‬فسنرى" أي زوجنا من ل خير فيه فسنعلم كيف العاقبة‪،‬‬
‫ل وجما ٌ‬
‫وجمعه في القولين جميعًا" فراٌء" كما ترى‪ ،‬ونظيره‪ :‬جم ٌ‬
‫ل‪،‬‬
‫ل وجبا ٌ‬
‫وجب ٌ‬
‫ل قال الشاعر ‪:‬‬
‫ن كإيزاع‬
‫بضرب كآذان الفراء‬
‫وطع ٍ‬
‫المخاض تبورها‬
‫فضولـه‬
‫اليزاع‪ :‬دفع الناقة ببولها‪ ،‬يقال ‪ :‬أوزعت به إيزاعًا‪ ،‬وأزغلت به‬
‫إزغا ً‬
‫ة‪ ،‬وللجميع‬
‫ل‪ ،‬وذلك حين تلقح‪ ،‬فعند ذلك يقال لها‪ :‬خلف ٌ‬
‫المخاض‪ ،‬وقد مر هذا‪ .‬والبور‪ :‬أن تعرض على الفحل ليعلم‬
‫أهي حامل أم حائل ?‬
‫لضابئ البرمجي وهو في السجن‬
‫وقال ضابئ بن الحارث البرمجي ‪:‬‬
‫فإني وقـيارا ً بـهـا‬
‫ومن يك أمسى‬
‫لـغـريب‬
‫بالمدينة رحـلـه‬
‫نجاحا ً ول عن ريثـهـن‬
‫وما عاجلت الطير‬
‫يخـيب‬
‫تدني من الفتى‬
‫وللقلب من‬
‫ورب أمور ل تضـيرك‬
‫مخاشتهـن وجـييب‬
‫ضـيرةً‬
‫‪205‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫على نائبات الدهر‬
‫حين تـنـوب‬

‫ول خير فيمن ل يوطن‬
‫نـفـسـه‬
‫وقوله ‪:‬‬
‫فإني وقيارا ً بها لغريب‬
‫أراد‪ :‬فإني لغريب بها وقيارٌا‪ ،‬ولو رفع لكان جيدٌا‪ ،‬تقول‪ :‬إن زيدا ٌ‬
‫منطلقٌ وعمرا ٌ وعمرو‪ ،‬فمن قال‪":‬عمرٌا" فإنما رده على زيد‪،‬‬
‫ومن قال‪ ":‬عمرو" فله وجهان من العراب‪ :‬أحدهما جيد‪،‬‬
‫والخر جائز‪ ،‬فأما الجيد فأن تحمل عمرا ٌ على الموضع‪ ،‬لنك إذا‬
‫قلت‪ :‬إن زيدا ٌ منطلق فمعناه زيد منطلق فرددته على الموضع‪،‬‬
‫ة‪ ،‬لن المعنى لست‬
‫ومثل هذا لست بقائم ول قاعدًا‪ ،‬والباء زائد ٌ‬
‫قائما ٌ ول قاعدٌا‪ ،‬ويقرأ على وجهين‪":‬أن الله برىٌء من‬
‫المشركين ورسوله" التوبة ‪" 3‬ورسوله" التوبة ‪ 3‬والوجه الخر‬
‫لن يكون معطوفا ٌ على المضمر في الخبر‪ ،‬فإن قلت إن زيدا ٌ‬
‫منطلق هو وعمرو حسن العطف لن المضمر المرفوع إنما‬
‫يحسن العطف عليه إذا أكدته‪ ،‬كما قال الله تعالى ‪ ":‬فاذهب‬
‫أنت وربك فقاتل" المائدة ‪ 24‬و" اسكن أنت وزجك الجنة"‬
‫البقرة ‪ 35‬إنما قبح العطف عليه بغير تأكيد لنه ل يخلو من أن‬
‫يكون مستكنا في الفعل بغير علمة‪ ،‬أو في السم الذي يجري‬
‫مجرى الفعل‪ ،‬نحو إن زيدا ً ذهب وإن زيدا ٌ ذاهب فل علمة له‪،‬‬
‫أو تكون له علمة يتغير لها الفعل عما كان نحو ضربت‪ ،‬سكنت‬
‫الباء التي هي لم الفعل من أجل الضمير لن الفعل والفاعل‬
‫لينفك أحدهما عن صاحبه فهما كالشيء الواحد‪ ،‬ولكن‬
‫المنصوب يجوز العطف عليه‪ ،‬ويحسن بل تأكيد‪ ،‬لنه ل يغير‬
‫الفعل إذ كان الفعل قد يقع ول مفعول فيه‪ ،‬نحو ضربتك وزيدًا‪،‬‬
‫فأما قول الله عز وجل‪ " :‬لو شاء الله ما أشركنا ول ءاباؤنا"‬
‫النعام ‪ 148‬فإنما يحسن بغير توكيد لن "ل" صارت عوضًا‪،‬‬
‫والشاعرإذا احتاج أجراه بل توكيد ل حتمال الشعر ما ل يحسن‬
‫في الكلم‪ .‬وقال عمر بن أبي ربيعة ‪:‬‬
‫كنعاج المل تعفسن‬
‫قلت إذا أقبلت وزهٌر‬
‫رمل‬
‫تهادى‬
‫وقال جرير ‪:‬‬

‫‪206‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ب لـه‬
‫ورجا الخيطل من‬
‫ما لم يكن وأ ٌ‬
‫لـينـال‬
‫سفاهة رأيه‬
‫فهذا كثير‪ .‬فأما النعت إذا قلت إن زيدا ً يقوم العاقل فأنت مخير‬
‫إن شئت قلت العاقل فجعلته نعتا ً لزيد‪ ،‬أو نصبته على المدح‬
‫وهو بإظمار أعني‪ ،‬وإن شئت رفعت على أن تبدله من المضمر‬
‫في الفعل‪ ،‬وإن شئت كان على قطع وابتدٍء‪ ،‬كأنك قلت إن زيدا ً‬
‫قام‪ ،‬فقيل من هو فقلت‪ :‬العاقل‪ ،‬كما قال الله عز وجل‪":‬قل‬
‫أفأنبئكم بشرٍ من ذلكم النار" الحج ‪ ،72 :‬أي هو النار والية‬
‫تقرأ على وجهين على ما فسرنا‪ ":‬قل إن ربي يقذف بالحق‬
‫علم الغيوب" سبأ‪ 48 :‬و" علم الغيوب" سبأ ‪.48 :‬‬
‫وقوله‪:‬‬
‫نجاحا ً ‪..........................‬‬
‫وما عاجلت الطير تدني‬
‫‪.........‬‬
‫من الـفـتـى‬
‫ة فليس ذلك بمبعدٍ خيرا ً عنه‪،‬‬
‫يقول‪ :‬إذا لم تعجل له طير سانح ٌ‬
‫ول إذا أبطأت خاب‪ ،‬فعاجلها ل يأتيه بخير‪ ،‬وآجلها ل يدفعه عنه‪،‬‬
‫إنما له ما قدر له‪ ،‬والعرب تزجر على السانح وتتبرك به‪ ،‬وتكره‬
‫البارح وتتشاءم به‪ ،‬والسانح‪ :‬ما أراك مياسره فأمكن الصائد‪،‬‬
‫والبارح‪ :‬ما أراك ميامنه فلم يمكن الصائد‪ ،‬إل أن ينحرف له‪،‬‬
‫وقد قال الشاعر‪:‬‬
‫إل كواذب مما يخبر‬
‫ل يعلم المرء ليل ً ما‬
‫الفـال‬
‫يصبحه‬
‫مضللون‪ ،‬ودون‬
‫والفال والزجر‬
‫الغيب أقفال‬
‫والكهان كلهم‬
‫وقوله‪:‬‬
‫وللقلب من‬
‫ورب أمورٍ ل تضيرك‬
‫مخشلتهم وجيب‬
‫ضيرةً‬
‫ة‪ ،‬ول ضرر عليه‪ ،‬وضره‬
‫فإن العرب تقول‪ :‬ضارة يضيرة ضير ً‬
‫يضره‪ ،‬ول ضرر عليه ول ضر عليه‪ ،‬ويقال أصابه ضر بمعنى‪،‬‬
‫والضر مصدر‪ ،‬والضر اسم‪ ،‬وقد يكون الضر من المرض‪،‬‬
‫والضر عامًا‪ ،‬وهذا معنى حسن‪ ،‬وقد قال أحد المحدثين‪ ،‬وهو‬
‫إسماعيل بن القاسم أبو العتاهية‪:‬‬
‫‪207‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫وينجو بإذن الله من‬
‫وقد يهلك النسان من‬
‫حيث بحذر‬
‫باب أمنه‬
‫وقال الله عز وجل‪ ":‬فعسى أن تكرهوا شيئا ً ويجعل الله فيه خيرا ً‬
‫كثيرًا" النساء ‪.19 :‬‬
‫وقال رجل لمعاوية‪ :‬والله لقد بايعتك وأنا كاره‪ ،‬فقال معاوية‪ :‬قد‬
‫جعل الله في الكره خيرا ً كثيرا ً ‪.‬‬
‫وقوله ‪:‬‬
‫على نائبات الدهر‬
‫ول خير فيمن ل يوطن‬
‫حين تنوب‬
‫نفسه‬
‫نظيره قول كثير ‪:‬‬
‫إذا وطنت يوما ً لها‬
‫أقول لها يا عز كل‬
‫النفس ذلت‬
‫ة‬
‫مـصـيب ٍ‬
‫وكان عبد الملك بن مروان يقول‪ :‬لو كان قال هذا البيت في صفة‬
‫الحرب لكان أشعر الناس ‪.‬‬
‫ع‪ ،‬فقيل‬
‫وحكي عن بعض الصالحين أن ابنا ً له مات فلم ير به جز ٌ‬
‫له في ذلك‪ ،‬فقال ‪ :‬هذا أمر كنا نتوقعه‪ ،‬فلما وقع لم ننكره‪.‬‬
‫باب‬
‫جرير بن عبد الله البجلي عند معاوية‬
‫قال أبو العباس‪ :‬وجه علي بن أبي طالب رضي الله عنه جرير بن‬
‫عبد الله البجلي إلى معاوية رحمه الله يأخذه بالبيعة له‪ ،‬فقال له‪:‬‬
‫إن حولي من ترى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫من المهاجرين والنصار‪ ،‬ولكني اخترتك لقول رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم فيك‪" :‬خير ذي يمن"‪ ،‬إيت معاوية فخذه بالبيعة‪،‬‬
‫فقال جرير‪ :‬والله ياأمير المؤمنين ما أدخرك من نصرتي شيئًا‪ ،‬وما‬
‫أطمع لك في معاوية‪ ،‬فقال علي رضي الله عنه‪ :‬إنما قصدي حجة‬
‫أقيمها عليه‪ ،‬فلما إتاه جرير دافعه معاوية‪ ،‬فقال له جريٌر‪ :‬إن‬
‫المنافق ل يصلي حتى ل يجد من الصلة بدًا‪ ،‬ول أحسبك تبايع حتى‬
‫ل تجد من البيعة بدا ً فقال له معاوية‪ :‬إنها ليست بخدعة الصبي‬
‫عن اللبن إنه أمر له ما بعده‪ ،‬فأبلعني ريقي‪ .‬فناظر عمرًا‪ ،‬فطالت‬
‫المناظرة بينهما‪ ،‬وألح عليه جرير‪ ،‬فقال له معاوية‪ :‬ألقاك بالفصل‬
‫‪208‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫في أول مجلس إن شاء الله تعالى‪.‬‬
‫ثم كتب لعمرو بمصر طعمة‪ ،‬وكتب عليه‪ ":‬ول ينقض شر ٌ‬
‫ط‬
‫طاعة"‪ ،‬فقال عمرو‪ :‬يا غلم اكتب‪ ،‬ول تنقض طاعة شرطًا‪ ،‬فلما‬
‫اجتمع له أمره رفع عقيرته ينشد ليسمع جريرًا‪:‬‬
‫ت أتى بالترهات‬
‫تطاول ليلي واعترتني‬
‫ل ٍ‬
‫البسـابـس‬
‫وساوسي‬
‫بتلك التي فيها اجتداع‬
‫أتاني جريٌر والحـوادث‬
‫المعاطس‬
‫ة‬
‫جـم ٌ‬
‫ولست لثوب الدني‬
‫أكايده والسيف بينـي‬
‫بـلبـس‬
‫وبـينـه‬
‫تواصفها أشياخها في‬
‫إن الشأم أعطت‬
‫المجالس‬
‫ة بمـنـية‬
‫طاع ً‬
‫فإن يفعلو أصدم عليا ً‬
‫ب‬
‫تفت عليه كل رطـ ٍ‬
‫ويابـس‬
‫ة‬
‫بجـبـه ٍ‬
‫وما أنا من ملك‬
‫وإني لرجو خير ما‬
‫نال نـائ ٌ‬
‫العراق بيائس‬
‫ل‬
‫كتاب معاوية إلى علي‬
‫وكتب إلى علي رضي الله عنه‪ :‬بسم الله الرحمن الرحيم‪ ،‬من‬
‫معاوية بن صخر إلى علي بن أبي طالب ‪ :‬أما بعد‪ :‬فلعمري لو‬
‫بايعك القوم الذين بايعوك وأنت بريء من دم عثمان كنت كأبي‬
‫بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم أجمعين‪ ،‬ولكنك أغريت بعثمان‬
‫المهاجرين‪ ،‬وخذلت عنه النصار‪ ،‬فأطاعك الجاهل‪ ،‬وقوي بك‬
‫الضعيف‪ .‬وقد أبى أهل الشام إل قتالك حتى تدفع إليهم قتلة‬
‫عثمان‪ ،‬فإن فعلت كان شورى بين المسلمين‪ .‬ولعمري ما حجتك‬
‫علي كحجتك على طلحة والزبير‪ ،‬لنهما بايعاك ولم أبايعك‪ .‬وما‬
‫حجتك على أهل الشام كحجتك على أهل البصرة لن أهل البصرة‪،‬‬
‫أطاعوك ولم يعطك أهل الشام‪ ،‬وأما شرفك في السلم‪ ،‬وقرابتك‬
‫من رسول الله صلى الله عليه وسلم وموضعك من قريش فلست‬
‫أدفعه‪ .‬ثم كتب في كتاب إليه في آخر الكتاب بشعر كعب بن‬
‫جعيل‪ ،‬وهو‪:‬‬
‫وأهل العراق لهم‬
‫أرى الشأم تكره ملك‬
‫‪209‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫كارهينـا ً‬
‫العراق‬
‫يرى كل ما كان من‬
‫وكل لصاحبه‬
‫مـبـغـضـا ً‬
‫ذاك دينا‬
‫ودناهم مثل ما‬
‫إذا ما رمونـا‬
‫يقرضـونـا‬
‫رمـينـاهـم‬
‫فقلنا‪ :‬رضينا ابن هند‬
‫م‬
‫فقالوا‪ :‬عـلـي إمـا ٌ‬
‫رضينا‬
‫لـنـا‬
‫فقلنا‪ :‬أل ل نرى أن‬
‫وقالوا‪ :‬نرى أن تدينـوا‬
‫نـدينـا‬
‫لـه‬
‫ن يقر‬
‫ومن دون ذلك خرط‬
‫وضر ٌ‬
‫ب وطع ٌ‬
‫العيونـا‬
‫القتـاد‬
‫وأحسن الروايتين‪ ":‬يفض الشؤونا"‪ .‬وفي آخر هذا الشعر ذم لعلي‬
‫بن أبي طالب رضي الله عنه أمسكنا عن ذكره‪.‬‬
‫قوله‪ ":‬ولكنك أغريت بعثمان المهاجرين" فهو من الغراء وهو‬
‫التحضيض عليه‪ ،‬يقال أغريته به‪ ،‬وآسدته الكلب على الصيد أوسه‬
‫إيسادًا‪ ،‬ومن قال‪ :‬أشليت الكلب في معنى أغريت فقد أخطأ‪ ،‬إنما‬
‫أشليته دعوته إلي وآسدته أغريته‪.‬‬
‫وقول ابن جعيل‪:‬‬
‫وأهل العراق لهم كارهينا‬
‫محمول على " أرى" ومن قال ‪:‬‬
‫وأهل العراق لهم كارهونا‬
‫فالرفع من وجهين‪ :‬أحدهما قطعٌ وابتداٌء‪ ،‬ثم عطف جملة على‬
‫جملة بالواو‪ ،‬ولم يحمله على أرى‪ ،‬ولكن كقولك كان زيد ٌ منطلقًا‪،‬‬
‫وعمرو منطلقٌ الساعة‪ ،‬خبرت بخبر بعد خبر‪ ،‬والوجه الخر أن‬
‫ل‪ ،‬فيكون معناها"إذ"‪ ،‬كما تقول رأيت زيدا ً‬
‫تكون الواو وما بعدها حا ً‬
‫مرو منطلق‪ .‬وهذه الية تحمل‬
‫قائما ً وعمرو منطلق‪ ،‬تريد إذ‪ :‬ع ٌ‬
‫ة منكم‬
‫على هذا المعنى‪ ،‬وهو قول الله عز وجل‪" :‬يغشى طائف ً‬
‫ة قد أهمتهم أنفسهم" آل عمران‪ ،154 :‬والمعنى والله‬
‫وطائف ٌ‬
‫ة في هذه الحال وكذلك قراءة من قرأ‪ ":‬ولو أنما‬
‫أعلم‪ :‬إذ طائف ٌ‬
‫ر"‬
‫في الرض من شجرةٍ أقل ٌ‬
‫م والبحر يمده من بعده سبعة أبح ٍ‬

‫‪210‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫لقمان‪ ،27 ":‬أي والبحر هذه حاله‪ ،‬وإن قرأ "والبحر" فعلى"أن"‪0‬‬
‫وقوله‪:‬‬
‫ودناهم مثل ما يقرضونا‬
‫يقول جزيناهم‪ .‬وقال المفسرون في قوله عز وجل‪ ":‬مالك يوم‬
‫الدين" الفاتحة‪ .4 :‬قالوا‪ :‬يوم الجزاء والحساب‪ ،‬ومن أمثال‬
‫العرب‪ ":‬كما تدين تدان"‪ ،‬وأنشد أبو عبيدة‪:‬‬
‫واعلم بأن كما تدين‬
‫واعلم وأيقن أن ملكك‬
‫زائ ٌ‬
‫تـدان‬
‫ل‬
‫وللدين مواضع منها كا ذكرنا‪ ،‬ومنها الطاعة ودين السلم من ذلك‬
‫ن‪ ،‬أي لم يكونوا في دين ملك‪ ،‬وقال زهيٌر‪:‬‬
‫يقال‪ :‬فلن في دين فل ٍ‬
‫في دين عمرو وحالت‬
‫لئن حللت بجو في‬
‫بيننا فدك‬
‫بنـي أسـدٍ‬
‫فهذا يريد‪ :‬في طاعة عمرو بن هند‪ ،‬والدين‪ :‬العادة‪ ،‬يقال‪ :‬ما زال‬
‫هذا ديني ودأبي وعادتي وديدني وإجرياي‪ ،‬قال المثقب العبدي‪:‬‬
‫تقول إذا درأت لها‬
‫أهذا دينـه أبـدا ً ودينـي‬
‫وضيني‬
‫أما تبقي علي وما‬
‫أكل الدهر حل‬
‫وارتحـا ٌ‬
‫تقينـي‬
‫ل‬
‫وقال المكيت بن زيدٍ ‪:‬‬
‫وإن أجلبوا طرا ً علي‬
‫على ذاك إجرياي‬
‫وأحلبـوا‬
‫وهي ضريبتي‬
‫وقوله‪:‬‬
‫فقلنا‪ :‬رضينا ابن هند رضينا‬
‫يعني معاوية بن أبي سفيان‪ ،‬وأمه هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد‬
‫شمس بن عبد مناف‪.‬‬
‫وقوله‪ ":‬أن تدينوا له "‪ ،‬أي أن تطيعوه وتدخلوا في دينه‪ :‬أي في‬
‫طاعته‪ :‬وقوله‪:‬‬
‫ومن دون ذلك خرط القتاد‬
‫فهذا مثل من أمثال العرب‪ ،‬القتاد‪ :‬شجيرة شاكة غليظة أصول‬
‫الشوك‪ ،‬فلذلك يضرب خرطه مثل ً في المر الشديد‪ ،‬لنه غاية‬
‫الجهد‪ .‬ومن قال‪ ":‬يفض الشؤونا"‪ ،‬فيفض يفرق‪ ،‬تقول‪ :‬فضضت‬
‫‪211‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫عليه المال‪ .‬والشؤون‪ ،‬وأحدها شأن‪ ،‬وهي مواصل قبائل الرأس‪،‬‬
‫ب بعضها إلى بعض‪،‬‬
‫وذلك أن للرأس أربع قبائل‪ ،‬أي قطع مشعو ٌ‬
‫ن‪ ،‬وزعم الصمعي‬
‫فموضع شعبها يقال له‪ :‬الشؤون‪ ،‬واحدها شأ ٌ‬
‫قال‪ :‬يقال إن مجاري الدموع منها‪ ،‬فلذلك يقال استهلت شؤونه‪،‬‬
‫ر‪:‬‬
‫وأنشد قول أوس من حج ٍ‬
‫ل تستهل من الفراق‬
‫ل تحزنيني بالفراق‬
‫شؤوني‬
‫فإنـنـي‬
‫ومن قال " يقر العيونا"‪ ،‬ففيه قولن‪ :‬أحدهما للصمعي‪ ،‬وكان‬
‫يقول‪ :‬ل يجوز غيره‪ ،‬يقال‪ :‬قرت عينه وأقرها الله‪ ،‬وقال‪ :‬إنما هو‬
‫بردت من القر‪ ،‬وهو خلف قولهم‪ :‬سخنت عينه وأسخنها الله‪،‬‬
‫وغيره يقول‪ :‬قرت هدأت‪ ،‬وأقرها الله أهدأها الله‪ ،‬وهذا قول‬
‫حسن جميل‪ ،‬والول أغرب وأطرف‪.‬‬
‫جواب علي بن أبي طالب لمعاوية‬
‫فكتب إليه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه جواب‬
‫هذه الرسالة‪ :‬بسم الله الرحمن الرحيم‪ ،‬من علي بن أبي طالب‬
‫إلى معاوية بن صخر‪ ،‬أما بعد‪ :‬فإنه أتاني منك كتاب امرىء ليس‬
‫له بصٌر يهديه‪ ،‬ول قائد ٌ يرشده‪ ،‬دعاه الهوى فأجابه‪ ،‬وقاده فاتبعه‪،‬‬
‫زعمت أنك إنما أفسد عليك بيعتي خطيئتي في عثمان‪ .‬ولعمري ما‬
‫كنت إل رجل ً من المهاجرين أوردت كما أوردوا‪ ،‬وأصدرت كما‬
‫أصدروا‪ ،‬وما كان الله ليجمعهم على ضلل‪ ،‬ول ليضربهم بالعمى‪.‬‬
‫وبعد‪ ،‬فما أنت وعثمان إنما أنت رجل من بني أمية‪ ،‬وبنو عثمان‬
‫أولى بمطالبة دمه‪ ،‬فإن زعمت أنك أقوى على ذلك‪ ،‬فادخل فيما‬
‫دخل فيه المسلمون‪ ،‬ثم حاكم القوم إلي‪ .‬وأما تمييزك بينك وبين‬
‫طلحة والزبير وأهل الشام وأهل البصرة‪ ،‬فلعمري ما المر فيما‬
‫ة شاملة‪ ،‬ل يستثنى فيها الخيار‪ ،‬ول‬
‫هناك إل سواٌء‪ ،‬لنها بيع ٌ‬
‫يستأنف فيها النظر‪ .‬وأما شرفي في السلم‪ ،‬وقرابتي من رسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم‪ ،‬وموضعي من قريش‪ ،‬فلعمري لو‬
‫استطعت دفعه لدفعته"‪.‬‬
‫ل‬
‫ثم عاد النجاشي أحد بني الحارث بن كعب فقال له‪ :‬إن ابن جعي ٍ‬
‫شاعر أهل الشام‪ ،‬وأنت شاعر أهل العراق‪ ،‬فأجب الرجل‪ ،‬فقال‪:‬‬

‫‪212‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ر‪،‬‬
‫ياأمير المؤمنين‪ ،‬أسمعني قوله‪ ،‬قال‪ :‬إذا ً أسمعك شعر شاع ٍ‬
‫فقال النجاشي يجيبه‪:‬‬
‫فقد حقق الله ما‬
‫دعا ً يا معاوي مالن‬
‫تحـذرون‬
‫يكونـا‬
‫وأهل الحجاز فما‬
‫ي بأهل‬
‫أتاكم عل ٌ‬
‫تصنعونا‬
‫الـعـراق‬
‫وبعد هذا ما نمسك عنه‪.‬‬
‫قوله‪ " :‬ليسي له بصر يهديه "‪،‬فمعناه يقوده‪ ،‬والهادي‪ :‬هو الذي‬
‫يتقدم فيدل‪ ،‬والحادي‪ :‬الذي يتأخر فيسوق‪ ،‬والعنق يسمى الهادي‬
‫لتقدمه‪ ،‬قال العشى‪:‬‬
‫د صدر القناة أطاع‬
‫إذا كان هادي الفتى‬
‫الميرا‬
‫في البل‬
‫يصف أنه قد عمي فإنما تهديه عصًا‪ ،‬أل تراه يقول‪:‬‬
‫وخال السهولة وعثا ً‬
‫وهاب العثار إذا ما‬
‫وعورا‬
‫مشـى‬
‫وقال القطامي‪:‬‬
‫وبين قومك إل ضربة‬
‫إني وإن كان قومي‬
‫الهادي‬
‫ليس بينهم‬
‫وقال أيضًا‪:‬‬
‫ت‬
‫قربن يقصون من بزل‬
‫ب بعيدا ٍ‬
‫ومن عرا ٍ‬
‫من الحادي‬
‫مخـيسة‬
‫وقوله‪":‬ول قائد يرشده" قد أبان به الول‪.‬‬
‫وقوله‪":‬دعاه الهوى" فالهوى من" هويت" مقصور‪ ،‬وتقديره "‬
‫فعل"‪ ،‬فانقلبت الياء ألفًا‪ ،‬فلذلك كان مقصورًا‪ ،‬وإنما كان كذلك‬
‫لنك تقول‪ :‬هوي يهوى‪ ،‬كما تقول‪ :‬فرق يفرق وهو هو‪ ،‬كما تقول‪:‬‬
‫هو فرق‪ ،‬كما ترى‪ ،‬وكان المصدر على"فعل"‪ ،‬بمنزلة الفرق‬
‫والحذر والبطر‪ .‬لن الوزن واحد في الفعل واسم الفاعل‪ ،‬فأما‬
‫ة‪ ،‬لن‬
‫الهواء‪ ،‬من الجو فمدود‪ ،‬يدلك على ذلك جمعة إذا قلت‪ :‬أهوي ٌ‬
‫ل و فعيل‪ ،‬كما تقول‬
‫ل و فعو ٍ‬
‫ل و فعا ٍ‬
‫أفعله إنما تكون جمع فعا ٍ‬
‫قذا ٌ‬
‫ة‪ ،‬فهواٌء كذلك‪ ،‬والمقصور جمعه أهواء‬
‫ة وحمار وأحمر ٌ‬
‫ل وأقذل ٌ‬
‫فاعلم‪ ،‬لنه على فعل‪ ،‬وجمع فعل أفعا ٌ‬
‫ل كما تقول‪ :‬جمل وأجمال‬
‫‪213‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وقتب وأقتاب‪ ،‬قال الله عز وجل‪":‬واتبعوا أهواءهم" محمد‪.14 :‬‬
‫م‪ ،‬يقول‪ :‬ل قلب‬
‫وقوله هذا هواء يا فتى في صفة الرجل إنما هو ذ ٌ‬
‫له‪ ،‬قال الله عز وجل‪ " :‬وأفئدتهم هواء" إبراهيم‪ 43 :‬أي خالية‪،‬‬
‫وقال زهير‪:‬‬
‫من الظلمان جؤجؤه‬
‫كأن الرحل منها فوق‬
‫هواء‬
‫ل‬
‫صع ٍ‬
‫وهذا من هواء الجو‪ ،‬قال الهذلي‪:‬‬
‫على ما في وعائك‬
‫هواٌء مثل بعلك‬
‫كالخيال‬
‫ت‬
‫مستمـي ٌ‬
‫وكل واو مكسورة وقعت أول ً فهمزها جائز ينشد‪":‬على ما في‬
‫ح‪.‬‬
‫ح وإشا ٌ‬
‫إعائك"‪ ،‬ويقال‪ :‬وسادةٌ وإسادةٌ وشا ٌ‬
‫وأما قوله‪ ":‬فما أنت وعثمان " فالرفع فيه الوجه لنه عطف اسما ً‬
‫ظاهرا ً على اسم مضمر منفصل وأجراه مجراه‪ ،‬وليس ههنا فعل‪،‬‬
‫فيحمل على المفعول‪ ،‬فكأنه قال‪ :‬فما أنت وما عثمان‪ ،‬هذا تقديره‬
‫في العربية‪ ،‬ومعناه لست منه في شيء‪ ،‬قد ذكر سيبويه رحمه‬
‫الله النصب وجوزه جوازا ً حسنا ً وجعله مفعول ً معه‪ ،‬وأضمر كان‬
‫من أجل الستفهام‪ ،‬فتقديره عنده‪ :‬ما كنت و فلنًا‪ .‬وهذا الشعر‬
‫كما أصف لك ينشد‪:‬‬
‫تهام ٍ وما النجدي‬
‫وأنت امرؤ من أهل‬
‫والمتـغـور‬
‫نجدٍ وأهلنا‬
‫وكذلك قوله‪:‬‬
‫م وما ذاك‬
‫تكلفني سويق الكرم‬
‫وما جر ُ‬
‫السويق‬
‫م‬
‫جـر ٌ‬
‫فإن كان الول مضمرا ً متصل ً كان النصب‪ ،‬لئل يحمل ظاهر على‬
‫مضمر‪ ،‬تقول‪ :‬ما لك وزيدا ً وذلك أنه أضمر الفعل‪ ،‬فكأنه قال في‬
‫التقدير‪ :‬وملبستك زيدًا‪ ،‬وفي النحو تقديره‪ :‬مع زيد‪ .‬وإنما صلح‬
‫الضمار لن المعنى عليه إذا قلت‪ :‬ما لك وزيدا ً فإنما تنهاه عن‬
‫د" وأضمرت لن حروف الستفهام‬
‫ملبسته‪ ،‬إذا لم يجز "وزي ٍ‬
‫للفعال‪ ،‬فلو كان الفعل ظاهرا ً لكان على غير إضمار‪ ،‬نحو قولك‪:‬‬
‫ما زلت و عبد الله حتى فعل‪ ،‬لنه ليس يريد‪ :‬ما زلت ومازال عبد‬
‫الله‪ ،‬ولكنه أراد‪ :‬وما زلت بعبد الله‪ .‬فكان المفعول مخفوضا ً‬
‫بالياء‪ ،‬فلما زال ما خفضه وصل الفعل إليه فنصبه‪ ،‬كما قال‬
‫‪214‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫تعالى‪ ":‬واختار موسى قومه سبعين رج ً‬
‫ل" العراف ‪ ،155‬فالواو‬
‫في معنى مع‪ ،‬وليست بخافضة‪ ،‬فكان ما بعدها على الموضع‪،‬‬
‫فعلى هذا ينشد هذا الشعر‪:‬‬
‫وقد غصت تهامة‬
‫فما لك والتلدد حول‬
‫بالرجال‬
‫نجـدٍ‬
‫ولو قلت‪ :‬ما شأنك وزيدا ً ل ختير النصب‪ ،‬لن زيدا ً ل يلتبس‬
‫بالشأن‪ ،‬لن المعوطف على الشيء أبدا ً في مثل حاله‪ ،‬ولو قلت‪:‬‬
‫ما شانك وشأن زيد لرفعت‪ ،‬لن الشأن يعطف على الشأن‪ ،‬وهذه‬
‫الية تفسر على وجهين من العراب‪ :‬أحدهما هذا‪ ،‬وهو الجود فبها‬
‫وهو قوله عز وجل‪ ":‬فأجمعوا أمركم وشركاءكم" يونس ‪.71 :‬‬
‫فالمعنى والله أعلم‪ :‬مع شركائكم‪ ،‬لنك تقول‪ :‬جمعت قومي‪،‬‬
‫وأجمعت أمري‪ ،‬ويجوز أن يكون لما أدخل الشركاء مع المر حمله‬
‫على مثل مثل لفظه‪ .‬لن المعنى يرجع إلى شيء واحد‪ ،‬فيكون‬
‫كقوله‪:‬‬
‫مقتلدا ً سيفا ً ورمحا‬
‫ياليت زوجك قد غدا‬
‫وقال آخر‪:‬‬
‫ن وتمرٍ أقط"‬
‫شراب ألبا ٍ‬
‫وهذا بين‪.‬‬
‫خالد بن يزيد بن معاوية‬
‫عند عبد الملك بن مروان‬
‫ويروى أن عبد الله بن يزيد بن معاوية أتى أخاه خالدًا‪ ،‬فقال‪ :‬يا‬
‫أخي‪ ،‬لقد هممت اليوم أن أفتك بالوليد بن عبد الملك فقال له‬
‫خالد‪ :‬بئس والله ما هممت به في ابن أمير المؤمنين‪ ،‬وولي عهد‬
‫المسلمين فقال‪ :‬إن خيلي مرت به فعبث بها وأصغرني‪ ،‬فقال له‬
‫خالد‪ :‬أنا أكفيك‪ ،‬فدخل خالد على عبد الملك و الوليد عنده‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫يا أمير المؤمنين‪ ،‬الوليد ابن أمير المؤمنين‪ ،‬وولي عهد المسلمين‪،‬‬
‫فقال‪ :‬إن خيلي مرت به فعبث بها وأصغرني‪ ،‬فقال له خالد‪ :‬أنا‬
‫أكفيك‪ ،‬فدخل خالد على عبد الملك والوليد عنده‪ ،‬فقال يا أمير‬
‫المؤمنين‪ ،‬الوليد ابن أمير المؤمنين‪ ،‬وولي عهد المسلمين‪ ،‬مرت‬
‫به خيل ابن عمه عبد الله بن يزيد فعبث بها‪ ،‬وأصغره‪ ،‬وعبد الملك‬
‫ة أفسدوها‬
‫مطرق‪ ،‬فرفع رأسه‪ ،‬فقال‪ ":‬إن الملوك إذا دخلوا قري ً‬
‫‪215‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون" النمل ‪ ،34‬فقال خالد ‪":‬‬
‫وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها‬
‫القول فدمرنها تدميرًا" السراء‪ ،16 :‬فقال عبد الملك‪ :‬أفي عبد‬
‫الله تكلمني والله لقد دخل علي فما أقام لسانه لحنا ً فقال له‬
‫خالد‪ :‬أفعلى الوليد تعول فقال عبد الملك‪ :‬إن كان الوليد يلحن‬
‫فإن أخاه سليمان‪ ،‬فقال له خالد‪ :‬وإن كان عبد الله يلحن فإن‬
‫أخاه خالد‪ ،‬فقال له الوليد ‪ :‬اسكت يا خالد‪ ،‬فوالله ما تعد في العير‬
‫ول في النفير‪ ،‬فقال خالد‪ :‬اسمع يا أمير المؤمنين‪ ،‬ثم أقبل عليه‬
‫وقال‪ :‬ويحك فمن العير والنفيرغيري? جدي أبو سفيان صاحب‬
‫العير‪ ،‬وجدي عتبة بن ربيعة صاحب النفير‪ ،‬ولكن لو قلت‪ :‬غنيمات‪،‬‬
‫و حبيلت‪ ،‬والطائف ورحم الله عثمان لقلنا‪ :‬صدقت أما قوله‪ ":‬في‬
‫العير" فهي عير قريش التي أقبل بها أبو سفيان من الشأم فنهد‬
‫إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وندب إليها المسلمين‪،‬‬
‫وقال‪ ":‬لعل الله ينفلكموها"‪ ،‬فكانت وقعة بدر‪ ،‬وساحل أبو سفيان‬
‫بالعير‪ ،‬فكانت الغنيمة ببدر‪ ،‬كما قال الله عز وجل‪ ":‬وإذ يعدكم‬
‫الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون‬
‫لكم" النفال‪ . 7 :‬أي غير الحرب‪ ،‬فلما ظفر رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم بأهل بدر‪ ،‬قال المسلمون‪ :‬انهد بنا يا رسول الله إلى‬
‫العير‪ ،‬فقال العباس رحمه الله‪ :‬إنما وعدكم الله إحدى الطائفتين‪.‬‬
‫وأما النفير فمن نفر من قريش ليدفع عن العير‪ ،‬فجاؤوا فكانت‬
‫وقعة بدر‪ ،‬وكان شيخ القوم عتبة بن ربيعة بن عبد شمس‪ ،‬وهو جد‬
‫خالد من قبل جدته هند‪ ،‬أم معاوية بنت عتبة‪ ،‬ومن أمثال العرب ‪:‬‬
‫بالعير ول في النفير‬
‫لست في العـير يوم‬
‫يوم النفير‬
‫يحـدون‬
‫ثم اتسع هذا المثل حتى صار يقال لمن ل يصلح لخير ول لشر ول‬
‫يحفل به‪ :‬ل في العير‪ ،‬ول في النفير‪.‬‬
‫وقوله‪":‬غنيمات‪ ،‬وحبيلت" يعني أن رسول الله صلى الله عليه و‬
‫سلم لما أطرد الحكم بن أبي العاصي بن أمية‪ .‬وهو جد عبد الملك‬
‫بن مروان لجأ إلى الطائف‪ ،‬فكان يرعى غنيمات‪ ،‬ويأوي إلى حبيلة‬
‫وهي الكرمة‪.‬‬
‫وقوله‪ ":‬رحم الله عثمان "‪ :‬أي لرده إياه‪.‬‬
‫وقولنا" أطرده"‪ :‬أي جعله طريدًا‪ ،‬وطرده‪ :‬نحاه‪ ،‬كما تقول حمدته‪:‬‬
‫‪216‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫أي شكرته‪ ،‬وأحمدته‪ :‬أي صادفته محمودًا‪ .‬وكان عثمان رحمه الله‬
‫استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في رده متى أفضى‬
‫المر إليه‪ ،‬روى ذلك الفقهاء‪.‬‬
‫باب‬
‫لرجل من بني أسد يمدح يحيى بن حيان‬
‫قال أبو العباس‪ :‬قال رجل من بني أسدٍ بن خزيمة يمدح يحيى بن‬
‫حيان أخا النخع بن عمرو بن علة بن جلد مذحج‪ ،‬وهو مالك‪:‬‬
‫فدى لفتى يحيى بـن‬
‫حـيان‬
‫لقلت وألفا من معد‬
‫بن عدنان‬
‫وطابت له نفسي‬
‫بأبناء قحطان‬

‫أل جعل الله اليمانين‬
‫كـلـهـم‬
‫ولول عريق في من‬
‫ة‬
‫عصبـي ٍ‬
‫ولكن نفسي لم تطب‬
‫بعشيرتي‬
‫وهذا من التعصب المفرط‪.‬‬
‫وحدثني شيخ من الزد ثقة عن رجل منهم أنه كان يطوف بالبيت‪،‬‬
‫وهو يدعو لبيه‪ ،‬فقيل له‪ :‬ألتدعو لمك فقال‪ :‬إنها تميمية‪.‬‬
‫وسمع رجل يطوف بالبيت‪ ،‬وهو يدعو لمه ول يذكر أباه‪ ،‬فعوتب‪،‬‬
‫فقال‪ :‬هذه ضعيفة‪ ،‬وأبي رجل يحتال لنفسه‪.‬‬
‫وحدثني المازني عمن حدثه قال‪ :‬رأيت رجل ً يطوف بالبيت‪ ،‬وأمه‬
‫على عنقه‪ ،‬وهو يقول‪:‬‬
‫ترضعني الدرة‬
‫أحمل أمي وهي‬
‫والعلله‬
‫الحماله‬
‫ل يجازى والد فعالـه‬
‫قوله‪ ":‬الدرة " فهو اسم ما يدر من ثدييها‪ ،‬ابتداء كان ذلك أو غير‬
‫ذلك والعللة ل تكون إل بعد‪ ،‬يقال‪ :‬عله يعله و يعله ع ً‬
‫ل‪ ،‬والسم‬
‫العللة‪ ،‬وكل شيء كان على " فعلت" من المدغم‪ .‬فمضارعه إذا‬
‫كان متعديا ً إلى مفعول يكون على يفعل‪ ،‬نحو رده يرده‪ ،‬وشجه‬
‫يشجه‪ ،‬وفر يفره‪ ،‬فإذا قلت‪ :‬فر يفر‪ ،‬فإنما ذلك لنه غير متعد إلى‬
‫مفعول‪ ،‬ولكن تقول‪ :‬فررت الدابة أفره‪ .‬وجاء "فعل يفعل" من‬
‫المتعدي في ثلثة أحرف يقال‪ :‬عله يعله و يعله‪ ،‬وهره يهره ويهره‪:‬‬

‫‪217‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫إذا كرهه‪،‬ويقال‪ :‬أحبه يحبه‪ ،‬وجاء حبه يحبه‪ ،‬ول يكون فيه " يفعل "‬
‫قال الشاعر ‪:‬‬
‫لكالمزداد مما حب‬
‫لعمرك إنني وطلب‬
‫بعـدا‬
‫مصر‬
‫وقال آخر‪:‬‬
‫وكان عياض منه أدنى‬
‫وأقسم لول تمره ما‬
‫و مشرق‬
‫حـبـبـتـه‬
‫وقرأ أبو رجاء العطاردي‪ ":‬فاتبعوني يحبكم الله" آل عمران ‪،31‬‬
‫ففعل في هذا شيئين أحدهما أنه جاء به من " حببت" والخر أنه‬
‫أدغم في موضع الجزم وهو مذهب تميم وقيس وأسد وجماعة من‬
‫العرب يقولون‪ :‬رد يا فتى‪ ،‬يدغمون‪ ،‬ويحركون الدال الثانية للتقاء‬
‫الساكنين فيتبعون الضمة الضمة‪ .‬ومنهم من يفتح للتقاء الساكنين‬
‫فيقول‪ :‬رد يا فتى‪ ،‬لن الفتح أخف الحركات‪ ،‬ومنهم من يقول رد‬
‫يافتى فيكسر‪ :‬لن حق التقاء الساكنين الكسر‪ ،‬فإذا كان الفعل‬
‫مكسورا ً ففيه وجهان‪ :‬تقول‪ :‬فر يا فتى للتباع وللصل في ألتقاء‬
‫الساكنين‪ ،‬وتفتح‪ .‬لن الفتح أخف الحركات‪ ،‬وإذا كان مفتوحا ً‬
‫فالفتح للتباع‪ ،‬ولنه أخف الحركات‪ ،‬والكسر على أصل التقاء‬
‫الساكنين‪ ،‬نحو‪ .‬عض‪ ،‬يا فتى‪ ،‬وعض يا فتى‪ ،‬فإذا لقيته ألف ولم‬
‫فالجود الكسر‪ ،‬من أجل ما بعده‪ ،‬وهي لم المعرفة‪ ،‬نحو ‪:‬‬
‫فل كعبا ً بلغت ول‬
‫فغض الطرف إنك من‬
‫كلبـا‬
‫نمير‬
‫ومنهم من يجري مجرى الول‪ ،‬فتقع لم المعرفة بعد انقضاء‬
‫الحركة في الول فيقول‪:‬‬
‫والعيش بعد أولـئك‬
‫ذم المنازل بعد منزلة‬
‫اليام‬
‫اللوى‬
‫ومن كان من شأنه أن يتبع أو يكسر فعلى ذلك‪ ،‬ومما جاء في‬
‫القرآن على لغة من يكسر قوله عز وجل " ومن يشاق فإن الله‬
‫شديد العقاب " الحشر ‪ 4‬وأما أهل الحجاز فيجرونه على القياس‬
‫الصلي‪ ،‬فيقول‪ :‬اردد و اغضض‪ ،‬ويقولون‪ :‬افرر من زيد واعضض‪.‬‬
‫لما سكن الثاني ظهر التضعيف لنه ل يلتقي ساكنان‪ ،‬وكل ذلك‬
‫من قولهم وقول التميميين قياس مطرد بين‪ ،‬وقد شرحناه في‬
‫الكتاب المقتضب على حقيقة الشرح‪.‬‬
‫‪218‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫لرجل في الصبر‬
‫وقال آخر ‪:‬‬
‫وإن هونت ما قد عز‬
‫إذا ضيقت أمرا ً ضاق‬
‫جـدا ً‬
‫هانـا‬
‫فكم أمر تصعب ثـم‬
‫فل تهلك لشيء فـات‬
‫يأسـا ً‬
‫لنـا‬
‫على كل الذى إل‬
‫سأصبر عن رفيقي إن‬
‫الهوانـا‬
‫جفاني‬
‫وإن حضر الجماعة أن‬
‫فإن المرء يجزع في‬
‫يهانا‬
‫خـلٍء‬
‫لعبيد بن أيوب العنبري‬
‫وقال آخر أحسبه من لصوص بني سعد‪.‬‬
‫قال أبو الحسن‪ :‬هو عبيد بن أيوب العنبري‪ ،‬وأنشد هذا الشعر‬
‫ثعلب‪:‬‬
‫وصبري عمن كنت ما إن‬
‫فإني وتركي النس من‬
‫أزايلـه‬
‫بعد حبهـم‬
‫قديرا ً ومشويا ً عبيطـا ً‬
‫لكالصقر جلى بعد ما‬
‫خـرادلـه‬
‫صاد قـنـية‬
‫أهابوا به فـازداد بـعـدا ً‬
‫عن القرب منهم ضوء‬
‫ق ووابله‬
‫وصـده‬
‫بر ٍ‬
‫لها ربذي لم تفلـل‬
‫ألم ترني صاحبت‬
‫مـعـابـلـه‬
‫صفراء نـبـعة‬
‫يلط بكشحي جفنه و‬
‫وطال احتضاني السيف‬
‫حـمـائلـه‬
‫حتى كأنما‬
‫عن النس حتى قد‬
‫ت صاحب‬
‫أخو فلوا ٍ‬
‫تقضت وساءله‬
‫الجن وانتحـى‬
‫له نسب النسي‬
‫يعرف نجره‬

‫وللجن منه شكله و‬
‫شمائله‬

‫وقوله‪:‬‬
‫‪219‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وصبري عمن كنت ما إن أزايله‬
‫إن‪ :‬زائدة‪ ،‬وهي تزاد مغيرة للعراب‪ ،‬وتزاد توكيدًا‪ ،‬وهذا موضع‬
‫ذلك‪ ،‬فالموضع الذي تغير فيه العراب هو وقوعها بعد"ما"‬
‫الحجازية‪ ،‬تقول‪ :‬ما زيد ٌ أخاك‪ ،‬وما هذا بشرًا‪ ،‬فإذا أدخلت إن هذه‬
‫بطل النصب بدخولها‪ ،‬فقلت‪ :‬ما إن زيد منطلق‪ ،‬قال الشاعر‪:‬‬
‫ن‬
‫وما إن طبنا جب ٌ‬
‫منايانا ودولة آخرينـا‬
‫ولكن‬
‫فزعم سيبويه أنها منعت"ما" العمل كما منعت"ما" إن الثقيلة أن‬
‫تنصب تقول‪ :‬إن زيدا ً منطلق‪ ،‬فإذا أدخلت"ما" صارت من حروف‬
‫البتداء‪ ،‬ووقع بعدها المبتدأ وخبره والفعال‪ ،‬نحو‪ :‬إنما زيد أخوك‪"،‬‬
‫إنما يخشى الله من عباده العلمؤأ " فاطر ‪ 28‬ولول"ما" لم يقع‬
‫الفعل بعد"إن" لن"إن" بمنزلة الفعل‪ ،‬ول يلي فعل فعل ً لنه ل‬
‫د‪ "،‬كاد يزيع قلوب فريق منهم" التوبة‬
‫يعمل فيه‪ ،‬فأما كان يقوم زي ٌ‬
‫‪ 117‬ففي كان وكاد فاعلن مكنيان‪.‬‬
‫و" ما " تزاد على ضربين‪ ،‬فأحدهما أن يكون دخولها في الكلم‬
‫كإلغائها‪ ،‬نحو " فبما رحمة من الله لنت لهم " آل عمران ‪ 159‬أي‬
‫فبرحمة‪ ،‬وكذلك ‪":‬مما خطيئتهم أغرقوا " نوح ‪ 25‬وكذلك" مثل ً ما‬
‫ة" البقرة ‪ 26‬وتدخل لتغيير اللفظ‪ ،‬فتوجب في الشيء ما‬
‫بعوض ً‬
‫لول هي لم يقع‪ ،‬نحو ربما ينطلق زيد‪ ،‬و"ربما يود الذين كفروا "‬
‫الحجر ‪ ،2‬ولول "ما" لم تقع رب على الفعال‪ ،‬لنها من عوامل‬
‫السماء‪ ،‬وكذلك جئت بعد ما قام زيد‪ ،‬كما قال المرار‪:‬‬
‫أفنان رأسك كالثغام‬
‫أعلقة أم الوليد بـعـد‬
‫المخلس‬
‫مـا‬
‫فلول "ما" لم يقع بعدها إل اسم واحد‪ ،‬وكان مخفوضا ً بإضافة"‬
‫بعد" إليه‪ ،‬تقول‪ :‬جئتك بعد زيد‪.‬‬
‫وقوله‪ ":‬كالصقر جلى"‪ ،‬تأويل التجلي أن يكون يحس شيئا ً‬
‫فيتشوف إليه‪ ،‬فهذا معنى "جلى"‪ ،‬قال العجاج ‪:‬‬
‫تجلى البازي إذا البازي كسر‬
‫ن فلنه تجليًا‪ ،‬وأجتلها اجتلًء‪ ،‬أي نظر‬
‫أي نظر‪ ،‬ويقال‪ :‬تجلى فل ٌ‬
‫إليها وتأملها‪ ،‬والصل واحد ‪.‬‬
‫وقوله‪" :‬قديرًا‪ ،:‬هو ما يطبخ في القدر‪ ،‬يقال‪ :‬قدير ومقدور‪،‬‬
‫كقولك‪ :‬قتيل ومقتو ٌ‬
‫ل‪.‬‬
‫‪220‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وقوله‪":‬عبيطا ً خرادله"‪ ،‬فالعبيط الطري‪ ،‬يقال‪ :‬لحم عبيط إذا كان‬
‫طريًا‪ ،‬وكذلك دم عبي ٌ‬
‫ة‬
‫ط‪ ،‬ويقال اعتبط فلن بكرته إذا نحرها شاب ً‬
‫من غير علةٍ وكذلك اعتبط فلن إذا مات شابًا‪ ،‬قال أمية‪:‬‬
‫للموت كأس فالمرء‬
‫من لم يمت عبطة‬
‫يمت هرما ً‬
‫ذائقهـا‬
‫وحدثني الزيادي إبراهيم بن سفيان بن سليمان بن ابي بكر بن عبد‬
‫الرحمن ابن زياد‪.‬‬
‫قال تحدث رجل من العراب‪ ،‬قال‪ :‬نزلت برجل من طيئ‪ ،‬فنحر‬
‫لي ناقة فأكلت منها‪ ،‬فلما كان الغد نحر أخرى‪ ،‬فقلت‪ :‬إن عندك‬
‫من اللحم ما يغني ويكفي‪ ،‬فقال‪ :‬إني والله ل أطعم ضيفي إل‬
‫لحما ً عبيطًا‪ ،‬قال‪ :‬وفعل ذلك في اليوم الثالث وفي كل ذلك آكل‬
‫شيئًا‪ ،‬ويأكل الطائي أكل جماعةٍ ثم نؤتى باللبن فأشرب شيئًا‪،‬‬
‫ويشرب عامة الوطب‪ ،‬فلما كان في اليوم الثالث ارتقبت غفلته‬
‫فاضطجع‪ ،‬فلما امتل نوما ً استقت قطيعا ً من إبله فأقبلته الفج‪،‬‬
‫فانتبه واختصر علي الطريق حتى وقف لي في مضيق منه‪ ،‬فألقم‬
‫وتره فوق سهمه‪ ،‬ثم نادى بي‪ :‬لتطب نفسك عنها قلت أرني آية‪،‬‬
‫فقال‪ .‬انظر إلى ذلك الضب‪ ،‬فإني واضع سهمي في مغرز ذنبه‪،‬‬
‫فرماه فأندر ذنبه‪ ،‬فقلت زدني‪ ،‬فقال‪ :‬انظر إلى أعلى فقاره‪،‬‬
‫فرماه فأثبت سهمه في الموضع‪ ،‬ثم قال لي‪ :‬الثالثة والله في‬
‫كبدك فقلت‪ :‬شأنك بإبلك فقال‪ :‬كل حتى تسوقها إلى حيث كانت‪.‬‬
‫قال‪ :‬فلما انتهيت بها قال‪ :‬فكرت فيك فلم أجد لي عندك ترة‬
‫تطالبني بها‪ ،‬وما أحسب الذي حملك على أخذ إبلي إل الحاجة‪.‬‬
‫قال‪ :‬قلت هو والله ذاك‪ .‬قال‪ :‬فاعمد إلى عشرين من خيارها‬
‫فخذها‪ ،‬فقلت ‪ :‬إذا ٌ والله لأفعل حتى تسمع مدحك‪ :‬والله ما رأيت‬
‫ل‪ ،‬ول أرمى كفٌا‪ ،‬ول أوسع صدرٌا‪،‬‬
‫رجل ٌ أكرم ضياف ٌ‬
‫ة‪ ،‬ول أهدى لسبي ٍ‬
‫ول أرغب جوفٌا‪ ،‬ول أكرم عفوا ٌ منك قال‪ :‬فاستحيا فصرف وجهه‬
‫عني‪ ،‬ثم قال‪ :‬انصرف بالقطيع مباركا ٌ لك فيه وقوله‪ ":‬خرادله"‬
‫يعني قطعه‪ ،‬يقال‪ :‬ضربا ٌ خردله‪ ،‬وتأويله قطعه‪ ،‬كما قال‪:‬‬
‫والضرب يمضي بيننا خرادل‬
‫وقوله‪ ":‬أهابوا به"‪ ،‬يقول‪ :‬دعوه‪ ،‬يقال‪ :‬أية به‪ ،‬وأهاب به‪ :‬أي ناداه‪،‬‬
‫قال القرشي‪:‬‬
‫وماتت نفوس للهوى‬
‫أهاب بأحزان الفؤاد‬
‫‪221‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫مهـيب‬

‫وقلوب‬

‫ق ووابله‪،‬‬
‫وقوله‪ " :‬ضوء برق ووابله"‪ ،‬أراد صده عنهم ضوء بر ٍ‬
‫فأضاف الوابل من المطر إلى البرق‪ .‬وإنما الضافة إلى الشيء‬
‫على جهة التضمين‪ ،‬ول يضاف الشيء إلى الشيء إل وهو غيره أو‬
‫بعضه‪ ،‬فالذي هو غيره‪ :‬غلم زيدٍ ودار عمرو‪ ،‬والذي هو بعضه‪:‬‬
‫ثوب خز‪ ،‬وخاتم حديد‪ ،‬وإنما أضاف الوابل إلى البرق‪ ،‬وليس هو‬
‫له‪ ،‬كما قلت‪ :‬دار زيد‪ ،‬على جهة المجاورة‪ ،‬وأنهما راجعان إلى‬
‫السحابة‪ ،‬وقد يضاف ما كان كذا على السعة‪ ،‬كما قال الشاعر‪:‬‬
‫بخير من يحتذي نعل ً‬
‫حتى أنخت قلوصي‬
‫وحافيها‬
‫في دياركم‬
‫ف منها‪.‬‬
‫فأضاف الحافي إلى النعل‪ ،‬والتقدير‪ :‬حا ٍ‬
‫ألم ترني صاحبت صفراء نبعة‬
‫فالنبع خير الشجر للقسي‪ ،‬ويقال ‪ :‬إن النبع والشوحط والشريان‬
‫شجرة واحدة‪ ،‬ولكنها تختلف أسماؤها وتكرم وتحسن بمنابتها‪ ،‬فما‬
‫كان في قلة الجبل منها فهو النبع‪ ،‬وما كان في سفحه فهو‬
‫الشوحط‪ ،‬وما كان في الحضيض فهو الشريان‪.‬‬
‫وقوله‪ ":‬لها ربذي"‪ ،‬يريد وترا ً شديد الحركة عند دفع السهم‪ ،‬يقال‬
‫رجل ربذ اليد إذا كان يكثر التحريك ليديه والعبث بهما‪ ،‬ويوصف به‬
‫الفرس لكثرة حركة قوائمه‪ ،‬وكان الصل ربذا ً لنه "ربذ"‪ ،‬ولكن ما‬
‫كان من " فعل " فنسب إليه فتح موضع العين منه استثقال ً‬
‫لجتماع ياءي النسب وكسرة اللم‪ ،‬لن ياءي النسب تكسران ما‬
‫تليانه‪ ،‬فلم يدعوا مع ذلك العين مكسورة‪ ،‬تقول في النسب إلى‬
‫النمر بن قاسط‪ :‬نمري‪ ،‬وإلى الحطبات‪ :‬حبطي‪ ،‬وإلى شقرة وهو‬
‫الحارث ابن تميم بن مر‪ :‬شقري‪ ،‬وفي النسب إلى عم عموي يا‬
‫فتى‪.‬‬
‫وقوله‪ ":‬لم تفلل معابله"‪ ،‬يريد لم ينكسر حدها‪ ،‬من الفلول‪.‬‬
‫ويروى أن عروة بن الزبير سأل عبد الملك أن يرد عليه سيف أخيه‬
‫ة‪ ،‬فأخذه عروة‬
‫عبد الله بن الزبير فأخرجه إليه في سيوف منتضا ٍ‬
‫من بينها‪ ،‬فقال له عبد الملك‪ :‬بم عرفته فقال‪ :‬بما قال النابغة‪:‬‬
‫بهن فلول من قراع‬
‫ول عيب فيهم غير أن‬
‫‪222‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫الكتائب‬
‫سيوفهم‬
‫والمعبلة‪ :‬واحد المعابل‪ ،‬وهي سهم خفيف‪ ،‬قال عنترة ‪:‬‬
‫وفي البجلي معبلة‬
‫وآخر منهم أجررت‬
‫وقـيع‬
‫رمحي‬
‫بإسكان الجيم لغير ‪.‬‬
‫قال أبو الحسن ‪ :‬بجيلة‪ :‬قبيلة من بني الهجيم‪ ،‬من اليمن ‪.‬‬
‫باب‬
‫لبعض الشعراء يحرض‬
‫على خالد بن يزيد‬
‫قال أبوالعباس‪ :‬تزوج خالد بن يزيد بن معاوية نساء هن شرف من‬
‫هن منه‪ ،‬منهن أم كلثوم بنت عبد الله بن جعفر بن أبي طالب‪،‬‬
‫وآمنة بنت سعيد بن العاصي بن أمية‪ ،‬ورملة بنت الزبير بن العوام‬
‫بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي‪ ،‬ففي ذلك يقول بعض‬
‫الشعراء يحرض عليه عبد الملك‪:‬‬
‫ففي خالدٍ عما تحب‬
‫عليك أمير المؤمنين‬
‫صـدود‬
‫بخـالـدٍ‬
‫عرفنا الذي ينوي وأين‬
‫إذا ما نظرنا في‬
‫يريد?‬
‫مناكح خالـدٍ‬
‫فطلق آمنة بنت سعيد‪ ،‬فتزوجها الوليد بن عبد الملك‪ ،‬ففي ذلك‬
‫يقول خالد‪:‬‬
‫وعثمان‪ ،‬ما أكفاؤها‬
‫فتاة أبوها ذو العصابة‪،‬‬
‫بكثـير‬
‫وابنه‪،‬‬
‫بأكرم علقي منبر‬
‫فإن تفتلتها والخلفة‪،‬‬
‫وسـرير‬
‫تنقلـب‬
‫قوله ‪":‬أبوها ذو العصابة"يعني سعيد بن العاصي بن أمية‪ ،‬وذلك أن‬
‫قومه يذكرون أنه كان إذا اعتم لم يعتم قرشي إعظاما ٌ له‪،‬‬
‫وينشدون ‪:‬‬
‫يضرب وإن كان ذا‬
‫أبو أحيحة من يعتـم‬
‫ل وذا عدد‬
‫عـمـتـه‬
‫ما ٍ‬

‫‪223‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ويزعم الزبيريون أن هذا البيت باطل موضوع‪.‬‬
‫ة‪ ،‬ومن ذلك قول‬
‫وقوله‪" :‬فإن تفتلتها "‪:‬يقول ‪ :‬تأخذها فجاء ٌ‬
‫الشاعر‪:‬‬
‫صبيرة القرشي ماتا‬
‫من يأمن اليام بعـد‬
‫وكان ميتته افتلتـا‬
‫سبقت منيته المشيب‬
‫وفي الحديث أن رجل ً قال‪ :‬يا رسول الله إن أمي افتلتت‪ ،‬أي‬
‫ماتت فجاءة‪.‬‬
‫?????????????????لخالد بن يزيد في رملة بنت الزبير‬
‫ويروى أن آمنه لبثت عند الوليد‪ ،‬فلما هلك عبد الملك سعى بها‬
‫ساع إلى الوليد‪ .‬قال أبو العباس‪ :‬وبلغني أنها سعت بها إحدى‬
‫ضراتها إلى الوليد بأنها لم تبك على عبد الملك كما بكى نظائرها‬
‫فقال لها الوليد في ذلك‪ ،‬فقالت‪ :‬صدق القائل‪ ،‬أكنت قائلة ماذا‬
‫أقول ياليته كان بقي حتى يقتل أخا ً لي آخر كعمرو بن سعيد! وفي‬
‫رملة بنت الزبير يقول خالد‪:‬‬
‫لرملة خلخال ً يجول‬
‫تجول خلخيل النساء‬
‫ول قلبا‬
‫ول أرى‬
‫تخيرتها منهم زبيرية‬
‫فل تكثروا فيها الملم‬
‫قلـبـا‬
‫فإننـي‬
‫أحب بني العوام طرا ً‬
‫لحبهـا‬
‫وزيد فيها‪:‬‬
‫يعلق رجال بين‬
‫فإن تسلمي أسلم‬
‫أعينهم صلبا‬
‫وإن تتنصري‬
‫فيروى أن عبد الملك ذكر له هذا البيت‪ ،‬فقال له‪ :‬يا خالد‪ ،‬أتروي‬
‫هذا البيت فقال‪ :‬يا أمير المؤمنين‪ ،‬على قائلة لعنة الله‬
‫زواج الحجاج بن يوسف بابنة‬
‫عبد الله بن جعفر ثم طلقه لها‬
‫وذكر العتبي أن الحجاج بن يوسف بن الحكم الثقفي لما أكره عبد‬
‫الله بن جعفر على أن زوجه ابنته استأجله في نقلها سنة‪ ،‬ففكر‬
‫عبد الله بن جعفر في النفكاك منه‪ ،‬فألقي في روعه خالد بن‬
‫ومن أجلها أحببت‬
‫أخوالها كلبا‬

‫‪224‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫يزيد‪ ،‬فكتب إليه يعلمه ذلك‪ ،‬وكان الحجاج تزوجها بإذن عبد الملك‪،‬‬
‫فورد على خالد كتابه لي ً‬
‫ل‪ ،‬فاستأذن من ساعته على عبد الملك‪،‬‬
‫فقيل له‪ :‬أفي هذا الوقت فقال‪ :‬إنه أمر ل يؤخر‪ ،‬فأعلم عبد الملك‬
‫بذلك‪ .‬فأذن له‪ ،‬فلما دخل عليه‪ ،‬قال له عبد الملك ‪ :‬فيم السرى يا‬
‫أبا هاشم قال‪ :‬أمر جليل لم آمن أن أؤخر‪ ،‬فتحدث علي حادثة فل‬
‫أكون قضيت حق بيعتك‪ ،‬قال‪ :‬وما? قال ‪ :‬أتعلم أنه ما كان بين‬
‫حيين من العداوة والبفضاء ما كان آل الزبير وآل أبي سفيان ?‬
‫قال ل‪ .‬قال‪ :‬فإن تزويجي إلى آل الزبير حلل ما كان لهم في‬
‫قلبي‪ ،‬فما أهل بيت أحب إلي منهم‪ ،‬قال‪ :‬فإن ذلك ليكون‪ ،‬قال‪:‬‬
‫فكيف أذنت للحجاج أن يتزوج في بني هاشم‪ ،‬وأنت تعلم ما‬
‫يقولون ويقال فيهم‪ ،‬والحجاج من سلطانك بحيث علمت قال‪:‬‬
‫فجزاه خيرٌا‪ ،‬وكتب إلى الحجاج بعزمةٍ أن يطلقها فطلقها‪ ،‬فغدا‬
‫الناس عليه يعزونه عنها‪ ،‬فكان فين أتاه عمرو بن عتبة بن أبي‬
‫سفيان‪ ،‬فأوقع الحجاج بخالد‪ ،‬فقال‪ :‬كان المر لبائه فعجز عنه‬
‫حتى انتزع منه‪ .‬فقال له عمرو بن عتبة‪ :‬لتقل ذا أيها المير‪ ،‬فإن‬
‫لخالد قديما ٌ سبق إليه‪ ،‬وحديثا ٌ لم يغلب عليه‪ ،‬ولو طلب المر‬
‫لطلبه بحد وجد‪ ،‬ولكنه علم علمٌا‪ ،‬فسلم العلم إلى أهله‪ ،‬فقال‬
‫الحجاج‪ :‬يا آل أبي سفيان‪ ،‬أنتم تحبون أن تحلموا ول يكون الحلم‬
‫إل عن غضب‪ ،‬فنحن نغضبكم في العاجل ابتغاء مرضاتكم في‬
‫الجل‪ ،‬ثم قال الحجاج‪ :‬والله لتزوجن من هو أمس به رحمٌا‪ ،‬ثم ل‬
‫يمكنه فيه شيء‪ ،‬فتزوج أم الجلس بنت عبد الله بن خالد بن أسيد‬
‫‪.‬أما قوله ‪ ":‬ألقي في روعه "‪ ،‬فإن العرب تقول ألقي في روعي‪،‬‬
‫وفي قلبي وفي جخيفي وفي تاموري كذا كذا‪ ،‬ومعناه كله واحد‪،‬‬
‫إل أن لهذه الشياء‪ .‬مواضع مختصة‪ ،‬وفي الحديث عن النبي صلى‬
‫الله عليه وصلم ‪ ":‬إن روح القدس نفث في روعي"‪ ،‬فالروع‬
‫والجخيف غير مختلفين‪ ،‬والعرب تقول‪ :‬أذهب الله قلبه‪ ،‬ول قلب‬
‫له‪ .‬ول تقول‪ :‬لروع له‪ ،‬فكأن الروع هو متصل بالقلب‪ ،‬وعنه يكون‬
‫الفهم خاصة‪ ،‬ويقال‪ :‬رأيت قلب الطائر‪ .‬ول يقال ‪ :‬رأيت روع‬
‫الطائر‪ ،‬والتامور عند العرب‪ :‬بقية النفس عند الموت‪ ،‬وبعضهم‬
‫يفصح عنه فيجعله دم القلب خاصة الذي يبقى لل نسان ما بقي‪،‬‬
‫يقال‪ :‬ضعه في تامورك وفي قلبك وفي روعك وفي جخيفك‪.‬‬
‫والذماء‪ ،‬ممدود‪ :‬مثل التامور سواء تقول العرب‪ :‬ليس في‬
‫‪225‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫الحيوان أطول ذماء من الضب‪ ،‬وذلك أنه يذبح ثم يطرح في النار‬
‫بعد أن ظن أنه قد برد فربما سعى من النار ‪.‬‬
‫نبذ من أقوال الحكماء‬
‫وقال رجل لبراهيم بن أدهم‪ :‬عظني‪ ،‬فقال‪ :‬اتخذ الله صاحبا ً وذر‬
‫الناس جانبًا‪.‬‬
‫قال سعيد بن المسيب‪ :‬كنت بين القبر والمنبر مفكرًا‪ ،‬فسمعت‬
‫قائل ً ولم أره‪ :‬اللهم إني أسألك عمل ً بارًا‪ .‬ورزقا ً دارًا‪ .‬وعيشا ً قارا ً‬
‫قال سعيد‪ :‬فلزمتهن فلم أر إل خيرا ً ‪.‬‬
‫وقال الصمعي‪ :‬كان من دعاء أبي المجيب‪ :‬اللهم اجعل خير‬
‫عملي ما قارب أجلي ‪.‬‬
‫قال‪ :‬وكان يقول في دعائه‪ :‬اللهم ل تكلنا إلى أنفسنا فنعجز‪ ،‬ول‬
‫إلى الناس فنضيع‪.‬‬
‫أعرابي في حلقة يونس‬
‫قال‪ :‬وحدثني أبو عثمان المازني قال‪ :‬حدثني أبو زيد قال‪ :‬وقف‬
‫علينا أعرابي في حلقة يونس النحوي فقال‪ :‬الحمد لله كما هو‬
‫أهله‪ ،‬وأعوذ بالله أن أذكر به وأنساه‪ ،‬خرجنا من المدينة‪ ،‬مدينة‬
‫رسول الله صلى الله عليه سلم‪ ،‬ثلثين رجل ً ممن أخرجته الحاجة‪،‬‬
‫وحمل على المكروه‪ ،‬ل يمرضون مريضهم‪ ،‬ول يدفنون ميتهم‪ ،‬ول‬
‫ل إلى منزل وإن كرهوه‪ .‬والله يا قوم لقد جعت‬
‫ينتقلون من منز ٍ‬
‫حتى أكلت النوى المحرق‪ ،‬ولقد مشيت حتى انتعلت‪ ،‬وحتى خرج‬
‫من قدمي بخص ولحم كثير‪ .‬أفل رجل يرحم ابن سبيل‪ ،‬وفل‬
‫طريق‪ ،‬ونضو سفر فإنه ل قليل من الجر‪ ،‬ول غنى عن ثواب الله‬
‫عز وجل‪ ،‬ول عمل بعد الموت‪ ،‬وهو الذي يقول جل ثناؤه‪ ":‬من ذا‬
‫الذي يقرض الله قرضا ً حسنا ً فيضاعفه له " البقرة ‪ 245‬ملي وفي‬
‫ماجد واجد جواٌد‪ ،‬ل يستقرض من عوٍز‪ ،‬ولكنه يبلو الخيار‪ .‬قال‪:‬‬
‫فبلغني أنه لم يبرح حتى أخذ ستين دينارا ً ‪.‬‬
‫قوله‪ ":‬بخص"‪ ،‬يريد اللحم الذي يركب القدم‪ ،‬هذا قول الصمعي‪،‬‬
‫وقال غيره‪ :‬هو لحم يخلطه بياض من فساد يحل فيه‪ ،‬ويقال‪:‬‬
‫بخصت عينه‪ ،‬بالصاد‪ ،‬ول يجوز إل ذلك‪ ،‬ويقال‪ .‬بخسته حقه‪،‬‬
‫بالسين‪ :‬إذا ظلمته ونقصته‪ ،‬كما قال الله عز وجل‪ ":‬ول تبخسوا‬
‫الناس أشياءهم" العراف ‪ ،85‬وفي المثل‪" :‬تحسبها حمقاء وهي‬

‫‪226‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫س" ويدل على أنه اللحم الذي قد خالطه الفساد قول الراجز ‪:‬‬
‫باخ ٌ‬
‫قال أبو الحسن علي بن سليمان الخفش‪ :‬الراجز هو أبو شراعة‬
‫مما أراه أو تعودا‬
‫يا قدمي ل أرى لي‬
‫مخلصا ً‬
‫بخصـا‬
‫وقوله"فل" فالفل في أكثر كلمهم‪ :‬المنهزم الذاهب ‪.‬‬
‫وفي خبر كعب بن معدان الشعري" إنا آثرنا الحد على الفل"‪.‬‬
‫يعني مجاهدتهم عبد ربه الصغير‪ ،‬لنه كان مقبل ً على حربهم‬
‫وتركهم قطريا ً لنه كان منهزمًا‪.‬‬
‫خبر الحجاج بن علط السلمي مع قريش‬
‫وفي حديث الحجاج بن علط السلمي‪ .‬وكان قد أسلم ولم تعلم‬
‫قريش بإسلمه‪ ،‬فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم‬
‫خيبر في أن يصيرإلى مكة فيأخذ ما كان له من مال‪ ،‬وكانت له‬
‫هناك أموال متفرقة‪ ،‬وهو غريب بينهم إنما هو أحد بني سليم بن‬
‫منصور‪ ،‬ثم أحد بني بهزٍ فأذن له رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم‪ ،‬فقال‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬إني أحتاج أن أقول‪ ،‬قال‪ :‬فقل‪.‬‬
‫قال أبو العباس‪ :‬وهذا كلم حسن ومعنى حسن‪ ،‬يقول‪ :‬أقول على‬
‫جهةالحتيال غير الحق‪ ،‬فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫لنه من باب الحيلة‪ ،‬وليس هو من باب الفساد‪ ،‬وأكثر ما يقال في‬
‫هذا المعنى تقول‪ ،‬كما قال المولى عز وجل‪ ":‬أم يقولون تقوله"‬
‫الطور ‪ 33‬فصار إلى مكة فقالت قريش‪ :‬هذا لعمر الله عنده‬
‫الخبر‪ .‬قال‪ :‬فقولوا‪ :‬بلغنا أن القاطع قد خرج إلى أهل خيبر‪ ،‬فقال‬
‫الحجاج‪ :‬نعم‪ ،‬فقتلوا أصحابه قتل ً لم يسمع بمثله‪ ،‬وأخذوه أسيرًا‪،‬‬
‫وقالوا‪ :‬نرى أن نكارم به قريشًا‪ ،‬فندفعه إليهم‪ ،‬فل تزال لنا هذه‬
‫اليد في رقابهم‪ .‬وإنما بادرت لجمع مالي لعلي أصيب به من محمدٍ‬
‫وأصحابه قبل أن تسبقني إليه التجار ويتصل بهم الحديث‪ .‬قال‪:‬‬
‫فاجتهدوا في أن جمعوا إلي مالي أسرع جمٍع‪ ،‬وسروا أكثر سرورًا‪،‬‬
‫وقالوا بل رغم‪ ،‬وأتاني العباس وهو كالمرأة الواله فقال‪ :‬ويحك يا‬
‫م أنت علي خبري ? فقال‪:‬إي والله‬
‫حجاج ما تقول قال‪ :‬فقلت‪ :‬أكات ٌ‬
‫قال‪ :‬فقلت‪ :‬فالبث علي شيئا ً حتى يخف موضعي‪ .‬قال فسرت‬
‫إليه‪ ،‬فقلت‪ .‬الخبر والله على خلف ما قلت لهم‪ ،‬خلفت رسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم وقد فتح خيبر‪ ،‬وخلفته والله معرسا ً‬
‫بابنة ملكهم‪ ،‬وما جئتك إل مسلمًا‪ ،‬فاطو الخبر ثلثا ً حتى أعجز‬
‫‪227‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫القوم‪ ،‬ثم أشعه‪ ،‬فإنه والله الحق‪ ،‬فقال‪ :‬العباس‪ :‬ويحك‪ ،‬أحق ما‬
‫تقول? قلت إي والله قال‪ :‬فلما كان بعد ثلثة تخلق العباس‪ ،‬وأخذ‬
‫عصاه وخرج يطوف بالبيت قال‪ :‬فقالت قريش‪ :‬يا أبا الفضل‪ ،‬هذا‬
‫والله التجلد لحر المصيبة فقال‪ :‬كل‪ ،‬ومن حلفتم به لقد فتحها‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ ،‬وأعرس بابنة ملكهم فقالوا‪ :‬من‬
‫اتاك بهذا الحديث? فقال‪ :‬الذي أتاكم بخلفه‪ ،‬ولقد جاءنا مسلمًا‪،‬‬
‫ثم أتت الخبار من النواحي بذلك‪ ،‬فقالوا‪ :‬أفلتنا الخبيث‪ ،‬أولى له ‪.‬‬
‫وأصل الفل مأخوذ من فللت الحديدة إذا كسرت حدها‪ .‬والنضو‪:‬‬
‫و‪ :‬إذا جهدها السير‪ ،‬وجمعه أنضاٌء‪،‬‬
‫البالي المجهود‪ ،‬ويقال ناقة نض ٌ‬
‫وفلن نضوً من المرض ‪.‬‬
‫وقوله ‪":‬ل يستقرض من عوٍز"‪ ،‬فالعوز‪ :‬تعذر المطلوب‪ ،‬يقال‪:‬‬
‫أعوز فلن فهو معوز إذا لم يجد‪ ،‬والمعاوز في غير هذا الموضع‪:‬‬
‫الثياب التي تبتذل ليصان بها غيرها ‪.‬‬
‫وقوله‪ ":‬ولكن ليبلوا الخيار"‪ ،‬يقال‪ :‬الله يبلوهم ويبتليهم ويختبرهم‬
‫في معنى‪ ،‬وتأويله‪ :‬يمتحنهم‪ ،‬وهو العالم عز وجل بما يكون كعلمه‬
‫بما كان‪ ،‬قال ال جلله ثناؤه " ليبلوكم أيكم أحسن عمل" هود ‪7‬‬
‫قال‪ :‬وحدثني أبو عثمان المازني قال‪ :‬رأيت أبا فرعون العدوي‪،‬‬
‫ومعه ابنتاه‪ ،‬وهو في سكة العطارين بالبصرة يقول ‪:‬‬
‫إنكما بعين من يراكما‬
‫بنيتي صابرا أباكـمـا‬
‫ولو يشاء عنهم‬
‫الله ربي سيدي‬
‫أغناكما‬
‫مولكما‬
‫وكان أبو فرعون‪ ،‬وهو من بني عدي بن الرباب بن عبد مناة بن أد‪،‬‬
‫وقال اليزيدي‪ :‬هو مولهم وكان فصيحًا‪ ،‬وقدم قوم من العراب‬
‫البصرة من أهله‪ ،‬فقيل له‪ :‬تعرض لمعروفهم‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫حمدت الله إذ لم‬
‫ولست بسائل‬
‫العراب شيئا ً‬
‫يأكلونـي‬
‫?حديث رجل من الصيارفة افتقر‬
‫وروى السدي أنه افتقر أنه رجل من الصيارفة بإلحاح الناس في‬
‫أخذ أموالهم التي كانت لهم لديه‪ ،‬وتعذر أمواله التي كانت له عند‬
‫الناس‪ ،‬فسأل جماعة من الجيران أن يصيروا معه إلى رجل من‬
‫قريش كان موسرا ٌ من أولد أجوادهم ليسد من خلته‪ ،‬فصاروا إليه‪،‬‬
‫‪228‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫فجلسوا في الصحن‪ ،‬فخرج إليهم يخطر بقضيب في يده‪ ،‬حتى‬
‫ثنى وسادةٌ فجلس عليها‪ ،‬فذكروا حاجتهم وخلة صاحبهم‪ ،‬مع قديم‬
‫نعمته وقريب جواره‪ ،‬فخطر بالقضيب ‪ .‬ثم قال متمثل ٌ ‪:‬‬
‫صنيعة تقوى أو صديق‬
‫إذا المال لم يوجب‬
‫توامقه‬
‫عليك عطاءه‬
‫فلم يفتلذك المال‬
‫بخلت وبعض البخل‬
‫إلحقـائقـه‬
‫حزم وقوة‬
‫ثم أقبل على القوم‪ ،‬فقال‪ :‬إنا والله ما نجمد عن الحق‪ ،‬ول نتدفق‬
‫في الباطل‪ ،‬وإن لنا لحقوقا ٌ تشغل فضول‪ ،‬وما كل من أفلس من‬
‫الصيارفة احتلنا لجبره‪ ،‬قوموا رحمكم الله قال‪ :‬فابتدر القوم‬
‫البواب‪.‬‬
‫قوله ‪ ":‬فلم يفتلذك المال "‪ ،‬يقول ‪ :‬لم يقتطع منك‪ ،‬يقال فلذ له‬
‫من العطاء‪ :‬أي قطع له‪ ،‬وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫يوم بدرٍ حين قال الغلمان‪ :‬في القوم عتبة بن ربيعة‪ ،‬وشيبة بن‬
‫ربيعة‪ ،‬وأبو الحكم بن هشام بن هشام‪ ،‬وأمية بن خلف وفلن‬
‫وفلن‪ ،‬فقال رسول الله صلى عليه وسلم ‪":‬هذه مكة قد ألقت‬
‫إليكم أفلذ كبدها"‪.‬‬
‫وقال أبو قحافة أعشى باهلة يعني المنتشر بن وهب الباهلي‪:‬‬
‫من الشواء ويكفي‬
‫تكفيه فلذة كبدٍ إن‬
‫شربة الغمر‬
‫ألـم بـهـا‬
‫رجل من أزد شنوءة‬
‫بين يدي عتبة بن أبي سفيان‬
‫قال عبد الملك بن عمير‪ ،‬استعمل عتبة بن أبي سفيان رجل ٌ من‬
‫آله على الطائف‪ ،‬فظلم من أزد شنوءة‪ ،‬فأتى الزدي عتبة‪ ،‬فمثل‬
‫بين يديه‪ ،‬فقال ‪:‬‬
‫فقد أتاكم غريب الدار‬
‫أمرت من كان‬
‫مظلوم‬
‫مظلوما ٌ ليأتيكم‬
‫ثم ذكر ظلمته‪ ،‬فقال له عتبة‪ :‬إني أراك أعرابيا ً جافيًا‪ ،‬والله ما‬
‫أحسبك تدري كم تصلي في كل يوم وليلة فقال‪ :‬أرأيت إن أنبأتك‬
‫ذلك‪ ،‬أتجعل لي عليك مسألة? قال نعم‪ ،‬فقال العرابي ‪:‬‬
‫ثم ثلث بعدهـن أربـع‬
‫إن الصلة أربع وأربـع‬

‫‪229‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ثم صلة الفجر ل‬
‫تضيع‬
‫فقال‪ :‬فاسأل‪ :‬فقال‪ :‬كم فقار ظهرك فقال‪ :‬ل أدري‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫أفتحكم بين الناس وأنت تجهل هذا من نفسك قال‪ :‬ردوا عليه‬
‫غنيمته ‪.‬‬
‫قوله‪ ":‬فقار"‪ ،‬إنما هو جمع فقارة‪ ،‬ويقال فقرة‪ ،‬فمن قال في‬
‫الواحدة فقرة قال في الجميع‪ :‬فقر‪ ،‬كسرة وكسر‪ ،‬ومن قال‬
‫للواحدة‪ :‬فقارة‪ ،‬قال للجميع‪ :‬فقاٌر‪ ،‬كقولك دجاجة ودجاج‪ ،‬وحمامة‬
‫م‪.‬‬
‫وحما ٌ‬
‫أعرابي عند معاوية‬
‫وشهد أعرابي عند معاوية بشيء كرهه‪ ،‬فقال له معاوية‪ :‬كذبت‬
‫فقال العرابي‪ :‬الكاذب والله متزمل في ثيابك‪ .‬فقال معاوية‬
‫وتبسم‪:‬هذا جزاء من عجل ‪.‬‬
‫حديث السواقط‬
‫قال أبو العباس‪ :‬قرأت على عبد الله بن محمد المعروف بالتوزي‬
‫عن أبي عبيدة معمر بن المثنى التيمي‪ ،‬قال‪ :‬كانت السواقط ترد‬
‫اليمامة في الشهر الحرم لطلب التمر‪ ،‬فإن وافقت ذلك‪ ،‬وإل‬
‫أقامت بالبلد إلى أوانه‪ ،‬ثم تخرج منه في شهر حرام‪ ،‬فكان الرجل‬
‫منهم إذا قدم يأتي رج ً‬
‫ل من بني حنيفة‪ ،‬وهم أهل اليمامة‪ ،‬أعني‬
‫بني حنيفة بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط‬
‫ابن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربعة بن نزار‬
‫فيكتب له على سهم أو غيره‪":‬فلن جار فلن" والسواقط‪ :‬من‬
‫ورد اليمامة من غير أهلها‪ ،‬وقد كان النعمان بن المنذر أراد أن‬
‫يجليهم منها‪ ،‬فأجارهم مرارة بن سلمي الحنفي‪.‬‬
‫ثم أحد بني ثعلبة بن الدول بن حنيفة‪ ،‬فسوغه الملك ذلك‪ ،‬فقال‬
‫أوس بن حجرٍ يحض النعمان عليه ‪:‬‬
‫مولى السواقط دون‬
‫زعم ابن سلمي‬
‫آل المنذر‬
‫مـرارة أنـه‬
‫ج كريم‬
‫منع اليمامة حزنها‬
‫من كل ذي تا ٍ‬
‫المفخر‬
‫وسهولهـا‬

‫‪230‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وذكر أبو عبيدة أن رجل ً من السواقط من بني أبي بكر بن كلب‬
‫قدم اليمامة‪ ،‬ومعه أخ له‪ ،‬فكتب له عمير بن سلمى أنه له جار‬
‫وكان أخو هذا الكلبي جميل ً فقال له قرين‪ ،‬أخو عمير‪ :‬ل تردن‬
‫أبياتنا بأخيك هذا‪ ،‬فرآه بعد بين أبياتهم‪ ،‬فقتله‪.‬‬
‫قال أبو عبيدة‪ :‬وأما المولى فذكر أن قرينا ً أخا عميرٍ كان يتحدث‬
‫إلى امرأة أخي الكلبي‪ ،‬فعثر عليه زوجها فخافه قرين عليها فقله‪،‬‬
‫وكان عمير غائبًا‪ ،‬فأتى الكلبي قبر سلمي أبي عمير وقرين‬
‫فاستجار به وقال ‪ :‬قال أبو الحسن الخفش‪ ،‬قال أبو العباس‪:‬‬
‫ن‪ ،‬ووجدته بخط دماذ‪ ،‬صاحب أبي عبيدة قرين‪.‬‬
‫قري ٌ‬
‫زيد بن يربوع وآل‬
‫وإذا استجرت من‬
‫مـجـمـع‬
‫اليمامة فاستجر‬
‫وأتيت سلميا ً فعـذت‬
‫وأخو الزمانة عائد ٌ‬
‫بـالمـنـع‬
‫بـقـبـره‬
‫بعمامتين إلى جوانب‬
‫أقرين إنك لو رأيت‬
‫ضلـفـع‬
‫فـوارسـي‬
‫للغدر خائنة مغـل‬
‫حدثت نفسك بالوفاء‬
‫الصـبـع‬
‫ولم تـكـن‬
‫ن إلى قتادة بن مسلمة بن عبيد بن يربوع بن ثعلبة بن‬
‫فلجأ قري ٌ‬
‫ة‪ ،‬وفعلت‬
‫ت مضاعف ً‬
‫الدول بن حنيفة‪ ،‬فحمل قتادة إلى الكلبي ديا ٍ‬
‫وجوه بني حنيفة مثل ذلك فأبى الكلبي أن يقبل‪ ،‬فلما قدم عمير‬
‫قالت له أمه وهي أم قرين‪ :‬ل تقتل أخاك‪ ،‬وسق إلى الكلبي جميع‬
‫ن إلى خاله السمين بن‬
‫ماله‪ ،‬فأبى الكلبي أن يقبل‪ ،‬وقد لجأ قري ٌ‬
‫عبد الله فلم يمنع عميرا ً منه‪ ،‬فأخذه عميٌر فمضى به حتى قطع‬
‫الوادي فربطه إلى نخلة‪ ،‬وقال للكلبي‪ :‬أما إذ أبيت إل قتله فأمهل‬
‫حتى أقطع الوادي‪ ،‬وارتحل عن جواري فل خير لك فيه‪ ،‬فقتله‬
‫الكلبي‪ ،‬ففي ذلك يقول عمير‪:‬‬
‫وكان أبونا قد تجير‬
‫قتلنا أخانا للوفاء‬
‫مقابره‬
‫بجـارنـا‬
‫وقالت أم عمير‪:‬‬
‫ومن يقتل أخاه فقد‬
‫تعد معاذرا ً ل عذر فيها‬
‫ألما‬
‫‪231‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ة"‪ ،‬ولم يقل خائنًا‪ .‬فإنما وضع هذا في‬
‫وقوله ‪" :‬ولم تكن للغدر خائن ً‬
‫موضع المصدر والتقدير‪ :‬ولم تكن ذا خيانة ‪.‬‬
‫وقوله"للغدر"‪ :‬أي من أجل الغدر‪ ،‬وقال المفسرون والنحويون في‬
‫قول الله عز وجل‪":‬وإنه لحب الخير لشديد" العاديات ‪ : 8‬أي‬
‫د‪ :‬من أجل حب الخير‪ ،‬والخير ههنا‪ :‬المال‪ ،‬من قوله تعالى‪":‬‬
‫لشدي ٌ‬
‫د"‪ :‬أي لبخيل‪،‬‬
‫إن ترك خيرا ً الوصية" البقرة ‪ 180‬وقوله" لشدي ٌ‬
‫والتقدير والله أعلم‪ :‬إنه لبخيل من أجل حبه للمال‪ ،‬تقول العرب‪:‬‬
‫فلن شديد ومتشدد أي بخيل‪ ،‬قال طرفة ‪:‬‬
‫عقيلة مال الفاحش‬
‫أرى الموت يعتام‬
‫المـتـشـدد‬
‫الكرام ويصطفي‬
‫وقلما يجيء المصدر على فاعل‪ ،‬فمما جاء على وزن"فاعل"‪:‬‬
‫ة‪ ،‬وفلج فالجًا‪ ،‬وقم قائمًا‪ :‬أي قم قيامًا‪ ،‬وكما‬
‫قولهم عوفي عافي ً‬
‫قال‪:‬‬
‫ول خارجا ً من في زور كلم‬
‫أي و ليخرج خروجًا‪ ،‬وقد مضى تفسير هذا ‪.‬‬
‫والمغل الذي عنده غلول‪ ،‬وهو ما يختان ويحتجن‪ ،‬ويستعمل‬
‫مستعارا ً في غير المال‪ ،‬يقال‪ :‬غل يغل كقول الله عز وجل‪ ":‬ومن‬
‫يغلل يأت بما غل يوم القيامة" آل عمران ‪.161‬‬
‫ويقال‪ :‬أغل فهو مغل إذا صودف يغل‪ ،‬أو نسب إليه‪ ،‬ومن قرأ‪":‬وما‬
‫ي أن يغل" آل عمران ‪ .161‬فتأويله أن يأخذ ويستأثر‪ ،‬ومن‬
‫كان لنب ٍ‬
‫قرأ" يغل" فتأويله على ضربين يكون أن يقال ذلك فيه‪ ،‬ويكون‬
‫وهو الذي يختار أن يخون‪ ،‬فإن قال قائل كيف يكون التقدير‪ ،‬وقد‬
‫قال‪ :‬ما كان لنبي أن يغل فيغل لغيره‪ ،‬وأنت ل تقول ما كان لزيد‬
‫أن يقوم عمرو? فالجواب أنه في التقدير على معنى‪ :‬ما ينبغي‬
‫س أن تموت إل بإذن الله"‬
‫لنبي أن يخون‪ ،‬كما قال‪":‬وما كان لنف ٍ‬
‫آل عمران ‪ .145‬ولو قلت‪ :‬ما كان لزيد أن يقوم عمرو إليه لكان‬
‫جيدًا‪ ،‬على تقديرك‪ :‬ما كان زيد ٌ ليقوم عمرو إليه‪ ،‬كما قلنا في‬
‫الية ‪.‬‬
‫والصبع‪ ،‬أفصح ما يقال وقد يقال‪ :‬أصبع وإصبع وأصبع موضعها‬
‫ع‪ ،‬وكل‬
‫د‪ ،‬ولفلن عليك إصب ٌ‬
‫ههنا موضع اليد‪ .‬يقال‪ :‬لفلن عليك ي ٌ‬
‫د‪ ،‬وإنما يعني ههنا النعمة‪.‬‬
‫جي ٌ‬
‫وأما قوله ‪:‬‬
‫‪232‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫قتلنا أخانا للوفاء بجارنا‬
‫فيكون على ضربين‪ :‬أحدهما أن يكون فخم نفسه وعظمها‪،‬‬
‫فذكرها باللفظ الذي يذكر الجميع به‪ ،‬والعرب تفعل هذا ويعد كبرًا‪،‬‬
‫ول ينبغي على حكم السلم أن يكو هذا مستعمل ً إل عن الله عز‬
‫وجل‪ ،‬لنه ذو الكبرياء‪ ،‬كما قال الله تبارك وتعالى‪":‬إنا أنزلنه في‬
‫ليلة القدر" القدر ‪ 1‬و"إنا أوحينا إليك" النساء ‪ ،163‬وكل صفات‬
‫الله أعلى الصفات وأجلها‪ ،‬فما استعمل في المخلوقين على تلك‬
‫اللفاظ وإن خالفت في الحكم فحسن جميل‪ ،‬كقولك‪ :‬في فلن‬
‫د‪ ،‬إل ما وصفنا قبل من‬
‫عالم‪ ،‬وفلن قادٌر‪ ،‬وفلن رحيم‪ ،‬وفلن ودو ٌ‬
‫ذكر التكبر‪ ،‬فإنك إذا قلت‪ :‬فلن جبار أو متكبر كان عليه عيبا ً‬
‫ونقصًا‪ ،‬وذلك لمخالفة هاتين الصفتين الحق‪ .‬وبعدهما من الصواب‪،‬‬
‫لنهما للمبدئ المعيد الخالق البارئ‪ ،‬ول يليق ذلك بمن تكسره‬
‫الجوعة‪ ،‬وتطغيه الشبعة‪ ،‬وتنقصه اللحظة‪ ،‬وهو في كل أموره‬
‫مدبٌر‪ .‬وأما القول الخر في البيت وهو "قتلنا أخانا" فمعناه أنه له‬
‫ولمن شايعه من عشيرته ‪.‬‬
‫وأما قولها‪:‬‬
‫ومن يقتل أخاه فقد ألما‬
‫تقول‪ :‬أتى ما يلزم عليه‪ ،‬يقال‪ :‬ألم الرجل إذا تعرض لن يلم‪.‬‬
‫باب‬
‫مما أنشد أبو محلم السعدي‬
‫م‪:‬‬
‫قال أبو العباس‪ :‬انشدني السعدي أبو محل ٍ‬
‫من كان أفضلهم أبوه‬
‫إنا سألنا قومنا‬
‫الول‬
‫فخـيارهـم‬
‫وتبخلت أبناء من‬
‫أعطى الذي أعطى‬
‫يتبـخـل‬
‫أبوه قبله‬
‫وأنشدني أيضًا‪:‬‬
‫أندى وأكرم من فند‬
‫لطلحة بن حبيب حين‬
‫بن هطال‬
‫تسـألـه‬
‫ق‬
‫وبيت طلحة في عز‬
‫وبيت فندٍ إلى رب ٍ‬
‫وأحـمـال‬
‫ة‬
‫ومكـرم ٍ‬
‫وليس يحملني إل ابن‬
‫أل فتى من بني ذبيان‬
‫‪233‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫حمـال‬
‫يحملنـي‬
‫وجئت أمشي إليه‬
‫فقلت طلحة أولى من‬
‫مشي مختال‬
‫عمدت له‬
‫في رأس ذيالةٍ أو‬
‫مستيقنا ً أن حبلي‬
‫رأس ذيال‬
‫سوف يعلقـه‬
‫ل على القياس‪ ،‬كما‬
‫قوله‪":‬إلى ربق وأحمال"‪ ،‬إنما أراد جمع حم ٍ‬
‫ل وأجما ٌ‬
‫تقول في جميع باب فعل‪ :‬جم ٌ‬
‫م‪.‬‬
‫م وأصنا ٌ‬
‫ل‪ ،‬وصن ٌ‬
‫وقوله ‪:‬‬
‫أل فتى من بني ذبيان يحملني‬
‫يعني ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن‬
‫عيلن بن مضر‪ ،‬وأنشد بعضهم‪:‬‬
‫وليس حاملني إل ابن حمال‬
‫وهذا ليجوز في الكلم‪ ،‬لنه إذا نون السم لم يتصل به المضمر‪،‬‬
‫لن المضمر ل يقوم بنفسه‪ ،‬فإنما يقع معاقبا ً للتنوين‪ ،‬تقول‪ :‬هذا‬
‫ضارب زيدا ً غدًا‪ ،‬وهذا ضاربك غدًا‪ ،‬ول يقع التنوين ههنا‪ ،‬لنه لو‬
‫وقع ل نفصل المضمر‪ ،‬وعلى هذا قول الله تعالى‪":‬إنا منجوك‬
‫وأهلك" العنكبوت ‪ .33‬وقد روى سيبويه يتين محمولين على‬
‫الضرورة‪ ،‬وكلهما مصنوع‪ ،‬وليس أحد من النحويين المفتشين‬
‫يجيز مثل هذا في الضرورة‪ ،‬لما ذكرت من انفصال الكناية‪،‬‬
‫والبيتان اللذان رواهما سيبويه ‪:‬‬
‫إذا مال خشوا يوما ً من‬
‫هم القائلون الـخـير‬
‫المر معظما‬
‫والمـرونـه‬
‫وأنشد ‪:‬‬
‫جميعا ً وأيدي المعتفين‬
‫ولم يرتفق والناس‬
‫رواهقه‬
‫محتضرونه‬
‫وإنما جاز أن تبين الحركة إذا وقفت في نون الثنين والجميع لنه ل‬
‫يلتبس بالمضمر‪ ،‬تقول‪ :‬هما رجلنه‪ ،‬وهم ضاربوه‪ ،‬إذا وقفت‪ ،‬لنه‬
‫ل يلتبس بالمضمر إذ كان ل يقع هذا الموقع‪ ،‬ول يجوز‪ ،‬تقول‬
‫ضربته‪ ،‬وأنت تريد ضربت‪ ،‬والهاء لبيان الحركة‪ ،‬لن المفعول يقع‬
‫في هذا الموضع‪ ،‬فيكون لبسًا‪ ،‬فأما قولهم‪ :‬ارمه واغزه فتلحق‬
‫الهاء لبيان الحركة‪ ،‬فإنما جاز ذلك لما حذفت من أصل الفعل‪ ،‬ول‬
‫‪234‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫يكون في غير المحذوف ‪.‬‬
‫وقوله‪ ":‬في رأس ذيالة"‪ ،‬يعني فرسا ً أنثى أو حصانًا‪ ،‬والذيال‪:‬‬
‫الطويل الذنب‪ ،‬وإنما يحمد منه طول شعر الذنب‪ ،‬وقصر العسيب‪،‬‬
‫واما الطويل العسيب فمذموم‪ ،‬ويقال ذلك للثور ايضا ً أعني ذيا ً‬
‫ل‪،‬‬
‫قال امرؤ القيس‪:‬‬
‫طويل القرا والروق‬
‫فجال الصوار واتقين‬
‫أخنس ذيال‬
‫بفرهـب‬
‫ل إذا كان يجر ذيله اختيا ً‬
‫ويقال أيضا ً للرجل‪ :‬ذيا ٌ‬
‫ل‪ ،‬ويقال له‪:‬‬
‫ض في ذلك المعنى‪.‬‬
‫فضفا ٌ‬
‫من كلم عمر بن عبد العزيز‬
‫ويروى عن عمر بن عبد العزيز أنه قال لمؤدبه‪ :‬كيف كانت طاعتي‬
‫ة‪ .‬قال‪ :‬فأطعني الن كما‬
‫إياك وأنت تؤدبني? فقال أحسن طاع ٍ‬
‫أطيعك إذ ذاك خذ من شاربك حتى تبدو شفتاك‪ ،‬ومن ثوبك حت‬
‫تبدو عقباك ‪.‬‬
‫وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪":‬فضل الزار في النار" ‪.‬‬
‫لرجل يخاطب آخر اسمه دد‬
‫وقال آخر ‪:‬‬
‫يبكي وقد أنعمت ما‬
‫ما لدد ما لـددٍ مـا لـه‬
‫باله‬
‫ما لي أراه مطرقا ً‬
‫ذا سنةٍ يوعد أخـوالـه‬
‫ساميا ً‬
‫أن يفعل المر الذي‬
‫وذاك منه خـلـق‬
‫قاله‬
‫عـادةٌ‬
‫إن ابن بيضاء وترك‬
‫كالعبد إذ قيد أجمـالـه‬
‫الندى‬
‫فدخنوا المرء‬
‫آليت ل أدفن قـتـلكـم‬
‫وسربالـه‬
‫والدرع ل أبغي بها‬
‫ئ مستودعٌ‬
‫كل امر ٍ‬
‫ماله‬
‫نثـرةً‬
‫والرمح ل أمل كفي‬
‫واللبد ل أتبـع تـزوال‬
‫بـه‬
‫‪235‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫قوله‪ ":‬ما لدد"‪ ،‬يعني رج ٌ‬
‫ل‪ ،‬ودد في الصل ‪ .‬هو اللهو‪ ،‬قال رسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم ‪":‬لست من وددٍ ولدد ٌ مني"‪ ،‬وقد يكون‬
‫في غير هذا الموضع مأخوذا ٌ من العادة‪ ،‬وهذه اللم الخافضة تكون‬
‫مكسورة مع الظهر ومفتوحة مع المضمر‪ ،‬والفتح أصلها‪ ،‬ولكن‬
‫كسرت مع الظاهر خوف اللبس بلم الخبر‪ ،‬تقول إن هذا لزيد‪،‬‬
‫فيعلم أنه شيء في ملك زيد‪ :‬فإن قلت‪ :‬إن هذا لزيد ٌ في الوقف‪،‬‬
‫علم قبل الدراج إنه زيد‪ ،‬ولو فتحت المكسورة لم يعلم الملك من‬
‫المعنى الخر في الوقف‪ ،‬وأما المضمر فبين فيه‪ ،‬لن علمة‬
‫المخفوض غير علمة المرفوع‪ ،‬تقول‪ :‬إن هذا لك‪ ،‬وإن هذا أنت‪.‬‬
‫وقوله‪:‬‬
‫‪ .........‬وقد أنعمت ما باله‬
‫ف " ما" زائدة‪ ،‬والبال ههنا‪ :‬الحال‪ ،‬وللبال موضع آخر‪ ،‬وحقيقته‬
‫الفكر‪ ،‬تقول‪ :‬ما خطر هذا على بالي‪.‬‬
‫وقوله‪":‬مطرقا ً ساميًا" فالسامي الرافع رأسه‪ ،‬يقال سما يسمو إذا‬
‫ارتفع‪ ،‬والمطرق‪ :‬الساكت المفكر المنكس رأسه‪ ،‬فإنما أراد‬
‫ساميا ً بنفسه‪ .‬وقوله‪ ":‬ذا سنةٍ " يقول‪ :‬كأنه لطول إطراقه في‬
‫ة‪ .‬وقوله‪:‬‬
‫نعس ٍ‬
‫كالعبد إذ قيد أجماله‬
‫يريد أنه غير مكترث لكتساب المجد والفضل‪ ،‬وذلك أن العبد‬
‫ة‪ ،‬وهذا شبيه بقوله‪:‬‬
‫الراعي إذا قيد أجماله لف رأسه ونام حجر ٌ‬
‫واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي‬
‫وقوله‪:‬‬
‫فدخنوا المرء وسرباله‬
‫يروي أنه طعن فارسا ً فأحدث‪ ،‬فقال‪ :‬نظفوه فإني ل أدفن القتيل‬
‫منكم إل طاهرًا‪ ،‬وقوله ‪:‬‬
‫والدرع ل أبغي بها نثرة‬
‫فالنثرة‪ :‬الدرع السابغة‪ ،‬يقول‪ :‬درعي هذه تكفيني‪ ،‬وقوله‪:‬‬
‫كل امرىٍء مستودعٌ ماله‬
‫أي مسترهن بأجله‪ ،‬وهو كقول العشى‪:‬‬
‫بالسيف تضرب معلما ً‬
‫كنت المقدم غـير‬
‫أبطالهـا‬
‫ة‬
‫لبـس جـن ٍ‬
‫‪236‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وعلمت أن النفس‬
‫تلقى حتفـهـا‬

‫ما كان خالقها‬
‫الفضيل قضى لها‬

‫وقوله‪:‬‬
‫الرمح ل أمل كفي به‬
‫يتأول على وجهين‪ :‬أحدهما أن الرمح ل يمل كفي وحده‪ ،‬أنا أقاتل‬
‫بالسيف وبالرمح وبالقوس وغير ذلك‪ .‬والقول الخر أني ل أمل‬
‫كفي به إنما أختلس به كما قال الشاعر‪:‬‬
‫تحت الغبار بطعنه‬
‫ومدجج سبقت يداي‬
‫خلس‬
‫لـه‬
‫وقوله‪:‬‬
‫واللبد ل أتبع تزواله‬
‫ت‪.‬‬
‫يقول‪ :‬إن انحل الحزام فمال اللبد لم أمل معه‪ ،‬أي أنا فارس ثب ٌ‬
‫للفرزدق وقد نزل به ذئب فأضافه‬
‫ب فأضافه‪:‬‬
‫وقال الفرزدق‪ ،‬ونزل به ذئ ٌ‬
‫رفعت لناري موهنا ً‬
‫ل وما‬
‫وأطلس عسا ٍ‬
‫كان صاحبا ً‬
‫فأتـانـي‬
‫وإياك في زادي‬
‫فلما دنا قلت أدن‬
‫لمشتـركـان‬
‫دونك إنـنـي‬
‫على ضوء نارٍ مرة‬
‫فبت أقد الزاد بينـي‬
‫ودخـان‬
‫وبـينـه‬
‫وقائم سيفي من يدي‬
‫وقلت له لمت تكشر‬
‫ضاحكـا ً‬
‫بمـكـان‬
‫نكن مثل من يا ذئب‬
‫تعش فإن عاهدتني‬
‫يصطحبان‬
‫لتخوننـي‬
‫أخيين كانا أرضعا‬
‫وأنت امرؤٌ يا ذئب‬
‫بـلـبـان‬
‫والغدر كنتما‬
‫رماك بسهم ٍ أو شباة‬
‫ولو غيرنا نبهت‬
‫سـنـان‬
‫تلتمس القـرى‬
‫ر‬
‫قوله‪":‬وأطلس عسال"‪ ،‬فالطلس الغبر‪ .‬وحدثني مسعود بن بش ٍ‬
‫قال‪ :‬أنشدني طاهر بن علي الهاشمي قال‪ :‬سمعت عبد الله بن‬
‫طاهر بن الحسين ينشد في صفة الذئب ‪:‬‬
‫‪237‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫أطلس يخفى شخصه‬
‫غباره‬

‫ب‬
‫بهم بني محـار ٍ‬
‫مـزداره‬
‫في شدقه شفرته‬
‫ونـاره‬
‫قوله‪":‬يخفي شخصه غباره"‪ ،‬يقول‪ :‬هو في لون الغبار‪ ،‬فليس‬
‫يتبين فيه‪ .‬وقوله‪":‬عسال"‪ ،‬فإنما نسبه إلى مشيته‪ ،‬يقال‪ :‬مر‬
‫ي خفيف كالهرولة‪ ،‬قال الشاعر يصف‬
‫الذئب يعسل‪ ،‬وهو مش ٌ‬
‫رمحًا‪:‬‬
‫فيه كما عسل‬
‫ن بهز الكف يعسل‬
‫لد ٌ‬
‫الطريق الثعلب‬
‫متـنـه‬
‫د‪:‬‬
‫وقال لبي ٌ‬
‫برد الليل عليه‬
‫عسلن الذئب أمسى‬
‫قاربا ً‬
‫فنـسـل‬
‫قال أبو عبيدة‪ :‬نسل في معنى عسل‪ ،‬وقال الله عز وجل‪ ":‬فإذا‬
‫هم من الجداث إلى ربهم ينسلون " يس ‪ .51‬وخفض بهذه الواو‬
‫لنها في معنى"رب"‪ ،‬وإنما جاز أن يخفض بها لوقوعها في معنى"‬
‫رب" لنها حرف خفض‪ ،‬وهي أعني الواو تكون بدل ً من الباء في‬
‫القسم لن مخرجها في مخرج الباء من الشفة‪ ،‬فإذا قلت‪ :‬والله‬
‫لفعلن‪ ،‬فمعناه‪ :‬أقسم بالله لفعلن‪ ،‬فإن حذفتها قلت‪ :‬الله‬
‫لفعلن‪ ،‬لن الفعل يقع على السم فينصبه‪ ،‬والمعنى معنى"الباء"‬
‫كما قال عز وجل‪ ":‬واختار موسى قومه سبعين رجل ً لميقاتنا"‬
‫العراف ‪ . 155‬وصل الفعل فعمل‪ ،‬والمعنى معنى"من" لنها‬
‫للتبعيض‪ ،‬فقد صارت"الواو" تعمل بلفظها عمل"الباء"‪ ،‬وتكون في‬
‫معناها‪ ،‬وتعمل عمل "رب" لجتماعها في المعنى للشتراك في‬
‫المخرج‪.‬‬
‫وقوله‪":‬رفعت لناري"‪ ،‬من القلوب‪ ،‬إنما أراد رفعت له ناري‬
‫س جاز القلب للختصلر‪ ،‬قال الله عز‬
‫والكلم إذا لم يدخله لب ٌ‬
‫وجل‪ ":‬وءاتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوأ بالعصبة أولى القوة"‬
‫ل‪،‬‬
‫القصص ‪ . 76‬والعصبة تنوء بالمفاتيح‪ ،‬أي تستقل بها في ثق ٍ‬
‫ومن كلم العرب‪ :‬إن فلنة لتنوء بها عجيزاتها‪ ،‬والمعنى لتنوء‬
‫بعجيزاتها‪ ،‬وأنشد أبو عبيدة للخطل‪:‬‬
‫‪238‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫عند التفاخـر إيراد ٌ ول‬
‫صـدر‬
‫ب وفي عمياء‬
‫وهم بغي ٍ‬
‫ما شعروا‬
‫نجران أو بلغت‬
‫سوءاتهم هجـر‬

‫أما كليب بن يربوع‬
‫فليس لـهـا‬
‫مخلفون ويقضي‬
‫الناس أمرهـم‬
‫مثل القنافذ هداجون‬
‫قد بلـغـت‬
‫فجعل الفعل للبلدتين على السعة‪.‬‬
‫ب قال لبي الحسن الكسائي‪ :‬كيف تنشد‬
‫ويروى أن يونس بن حبي ٍ‬
‫بيت الفرزدق? فأنشده‪:‬‬
‫حصين عبيطات‬
‫غداة أحلت لبن‬
‫السدائف والخمر‬
‫ة‬
‫أصرم طـعـن ٌ‬
‫فقال الكسائي لما قال ‪:‬‬
‫حصين عبيطات‬
‫"غداة أحلت لبن‬
‫السدائف ‪"00‬‬
‫أصرم طعنة‬
‫تم الكلم‪ .‬فحمل الخمر على المعنى‪ ،‬أراد‪ :‬وحلت له الخمر‪ ،‬فقال‬
‫له يونس‪ :‬ما أحسن ما قلت ولكن الفرزدق أنشدنيه على القلب‪،‬‬
‫فنصب الطعنة ورفع العبيطات والخمر على ما وصفناه من القلب‪.‬‬
‫والذي ذهب إليه الكسائي أحسن في محض العربية‪ ،‬وإن كان‬
‫إنشاد الفرزدق جيدًا‪.‬‬
‫ر‪ ،‬وحسن ذلك لن‬
‫وقوله‪":‬لما دنا قلت ادن دونك" أمر بعد أم ٍ‬
‫قوله‪":‬أدن" للتقريب‪ ،‬وفي قوله‪":‬دونك"‪،‬أمره بالكل‪ ،‬كما قال‬
‫جرير لعياش بن الزبرقان ‪:‬‬
‫وأوقدت ناري فادن‬
‫أعياش قد ذاق القيون‬
‫دونك فاصطل‬
‫مواسـمـي‬
‫وقوله‪:‬‬
‫على ضوء نارٍ مرة ودخان‬
‫ن أي على‬
‫يكون على وجهين ‪ :‬أحدهما على ضوء نار‪ ،‬وعلى دخا ٍ‬
‫هاتين الحالتين ارتفعت النار أو خبت‪ .‬وجائز أن يعطف الدخان‬
‫على النار‪ ،‬وإن لم يكن للدخان ضياٌء‪ ،‬ولكن للشتراك كما قال‬
‫الشاعر‪:‬‬
‫متقلدا ً سيفا ً ورمحا‬
‫ياليت زوجك قد غدا‬
‫‪239‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫لن معناها الحمل‪ ،‬وكما قال‪:‬‬
‫ن وتمرٍ وأقط‬
‫شراب ألبا ٍ‬
‫فأدخل التمر في المشروب لشتراك المأكول والمشروب في‬
‫الحلوق وهذه الية تحمل على هذا‪ ":‬يرسل عليكما شواظ من ناٍر‬
‫ونحاس " الرحمن‪ ،35 :‬والشواظ‪ :‬اللهب ل دخان له والنحاس‪:‬‬
‫الدخان‪ ،‬وهو معطوف على النار‪ ،‬وهي مخفوضة بالشواظ لما‬
‫ذكرت لك‪ ،‬قال النابغة الجعدي‪:‬‬
‫ل لم يجعل الله فيه‬
‫تضيء كمثل سراج‬
‫نحاسا‬
‫الذبا‬
‫وقوله‪:‬‬
‫نكن مثل من يا ذ ئب يصطحبان‬
‫ف " من " تقع للواحد والثنين والجميع والمؤنث على لفظ واحد‪،‬‬
‫فإن شئت حملت خبرها على لفظها فقلت‪ :‬من في الدار يحبك‪،‬‬
‫عنيت جميعا ً أو اثنين أو واحدا ً أو مؤنثًا‪ ،‬وإن شئت حملته على‬
‫المعنى فقلت‪ :‬يحبانك‪،‬وتحبك إذا عنيت امرأة ويحبونك إذا عنيت‬
‫جميعا ً كل ذلك جائز جيد‪ ،‬وقال الله عز وجل ‪ ":‬ومنهم من يؤمن‬
‫به ومنهم من ل يؤمن به" يونس‪" . 40 :‬ومنهم من يقول ائذن لى‬
‫ول تفتنى" ‪ .‬التوبة‪. 49 : 49 :‬وقال فحمل على المعنى‪ ":‬ومنهم‬
‫من يستمعون إليك" ‪ .‬يونس‪ . 42:‬وقرأ أبو عمرو‪ ":‬ومن يقنت‬
‫منكن لله ورسوله وتعمل صلحًا" الحزاب‪ 31 :‬فحمل الول على‬
‫اللفظ والثاني على المعنى‪ .‬وفي القرآن‪ ":‬بلى من أسلم وجهة‬
‫ن فله أجره عند ربه" البقرة‪ . 112 :‬فهذا كله على‬
‫لله وهو محس ُ‬
‫اللفظ‪ ،‬ثم قال‪ ":‬ول خوف عليهم ول هم يحزنون" البقرة‪62 :‬‬
‫على المعنى‪.‬‬
‫وقوله‪ ":‬أو شباة سنان" فالشبا والشباة واحد وهو الحد‪.‬‬
‫في وصف الجود‬
‫ومما يستحسن في وصف الجود والحث على المبادرة به‪،‬‬
‫وتعريف حد العاقبة فيه‪ ،‬قول النمر بن تولب العكلي‪ ،‬أحد بني‬
‫عكل بن عبد مناة بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر‪:‬‬
‫بعيدا ً نآني صاحبي و‬
‫أعاذل إن يصبح صداي‬
‫قريبـي‬
‫ة‬
‫بقفـر ٍ‬
‫وأن الذي أنفقت كان‬
‫تري أن ما أبقيت لم‬
‫‪240‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫نصيبـي‬
‫أك ربـه‬
‫أخي نصب في رعيها‬
‫وذي إبل يسعى‬
‫ودؤوب‬
‫ويحسبهـا لـه‬
‫وبدل أحجارا ً و جال‬
‫غدت وغدا رب سواه‬
‫قـلـيب‬
‫يقودهـا‬
‫قوله‪ ":‬إن يصبح صداي بقفزة" فالصدى‪ :‬على ستة أوجه‪ :‬أحدها‬
‫ما ذكرنا وهو ما يبقى من الميت في قبره‪ ،‬والصدى‪ :‬الذكر من‬
‫البوم‪ ،‬قال ابن مفرغ ‪:‬‬
‫من بعد بردٍ كنت هامة‬
‫وشريت بردا ً ليتـنـي‬
‫بين المشقر و اليمامة‬
‫هتافة تـدعـو صـدى‬
‫د‪ ،‬أي يموت في يومه أو في غده‪.‬‬
‫و يقال‪ :‬فلن هامة اليوم أوغ ٍ‬
‫ويقال ذلك للشيح إذا أسن‪ ،‬والمريض إذا طالت علته‪ ،‬والمحتقر‬
‫لمدة الجال‪ .‬وفي الحد يث أن حسل ً أباحذيفة بن حسل بن اليمان‬
‫قال لشيخ آخر تخلف معه في غزوةأحدٍ ‪ :‬انهض بنا ننصر رسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم‪ ،‬فإنما نحن هامة اليوم أو غدٍ وكانا قد‬
‫أسنا‪ .‬والصدى ‪ :‬حشوة الرأس‪ .‬يقال لذلك‪ :‬الهامة والصدى وتأويل‬
‫ذلك عند العرب في الجاهلية أن الرجل كان عندهم إذا قتل فلم‬
‫يدرك به الثأر أنه يخرج من رأسه طائر كالبومة وهي الهامة‬
‫والذكر‪ :‬الصدى فيصيح على قبره‪ .‬اسقوني اسقوني فإن قتل‬
‫قاتله كف ذلك الطائر‪ .‬قال ذو الصبع العدواني أحد بني عدوان بن‬
‫عمرو بن قيس بن عيلن بن مضر‪:‬‬
‫أضربك حيث تقول‬
‫ياعمرو إل تدع شتمي‬
‫الهامة اسقوني‬
‫ومنقصتـي‬
‫و الصدى‪ :‬ما يرجع عليك من الصوت إذا كنت بمتسع من الرض‪،‬‬
‫أو بقرب جبل‪ ،‬كما قال‪:‬‬
‫أدعو حنيفا ً كما تدعى‬
‫إني على كل إيساري‬
‫ابنة الجبل‬
‫و معسرتي‬
‫يعني الصدى‪ ،‬وتأويله أنه يجيبني في سرعة إجابة الصدى‪ .‬وقال‬
‫آخر‪:‬‬
‫دعوت بدعوتي لهم‬
‫كأني إذ دعوت بني‬
‫الجبال‬
‫سلـيم‬
‫‪241‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫والصدأ‪ ،‬مهموز‪ :‬صدأ الحديد وما أشبه‪ ،‬قال النابغة الذبياني‪:‬‬
‫تحت السنور جنة‬
‫سهكين من صدإ‬
‫البـقـار‬
‫الحديد كأنهم‬
‫وقال العشى‪:‬‬
‫ه في الروع من صدإ‬
‫فأمـا إذا ركـبـوا‬
‫البيض حم‬
‫فـالـوجـو‬
‫والصدى‪ :‬مصدر الصدي‪ ،‬وهو العطشان‪ ،‬يقال‪ :‬صدي يصدى صدى‬
‫د‪ ،‬قال طرفة‪:‬‬
‫وهو ص ٍ‬
‫ستعلم إن متنا صدى أينا الصدي‬
‫وقال القطامي‪:‬‬
‫مواقع الماء من ذي‬
‫ل‬
‫فهن ينبذن من قو ٍ‬
‫الغلة الصادي‬
‫يصـبـن بـه‬
‫تأويل قوله‪" :‬نآني"يكون على ضربين‪ ،‬يكون أبعدني‪ ،‬وأحسن من‬
‫ذلك أن يقول ‪":‬أنآني "‪.‬وقد رويت هذه اللغة الخرى‪ ،‬وليست‬
‫بالحسنة‪ ،‬وإنما جاءت في حروف‪ :‬يقال غاض الماء وغضته‪،‬‬
‫ونزحت البئر ونزحته‪ ،‬وهبط الشيء وهبطنه‪ ،‬وبنو تميم يقولون‪:‬‬
‫أهبطته‪ ،‬وأحرف سوى هذه يسيرة‪ .‬والوجه في "فعل أفعلته "‪،‬‬
‫نحو دخل وأدخلته‪ ،‬مات وأماته الله‪ ،‬فهذا الباب المطرد‪.‬ويكون "‬
‫نآني" في موضع "نأى عني"‪ ،‬كما قال عز وجل‪ ":‬وإذا كالوهم أو‬
‫وزنونهم يخسرون" المطففين ‪ : 3‬أي كالوا لهم أو وزنوا لهم ‪.‬‬
‫وقوله‪ ":‬ودؤوب"‪ ،‬يقول‪ :‬وإلحاح عليه‪ ،‬تقول‪ :‬دأبت على الشيء‪،‬‬
‫قال الشاعر ‪:‬‬
‫تقاصر حتى كاد في‬
‫دأبت إلى أن ينبت‬
‫الل يمصح‬
‫الظل بعدمـا‬
‫وقوله عز وجل ‪ ":‬كدأبءال فرعون" آل عمران ‪ 11‬يقول‪:‬‬
‫كعادتهم وسنتهم‪ ،‬ومثله الدين والديدن‪ ،‬وقد مر هذا‪.‬وقوله‪:‬‬
‫وبدل أحجارا ٌ وجا ٌ‬
‫ل قليب‬
‫فالجال الناحية‪ ،‬يقال لكل ناحية من البئر والقبر وما أشبه ذلك‪:‬‬
‫جال وجول‪ ،‬وقال مهلهل‪:‬‬
‫كأن رماحهم أشطان‬
‫بعيد بين جاليها جرور‬
‫بئر‬
‫‪242‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ويقال‪ :‬رجل ليس له جول‪ ،‬أي ليس له عقل‪ ،‬وهذا الشعر نظير‬
‫قول حاتم الطائي ‪:‬‬
‫من الرض‪ ،‬ل ماء‬
‫أماوي إن يصبح صداي‬
‫لدي ول خمر‬
‫ة‬
‫بقـفـر ٍ‬
‫وأن يدي مما بخلت‬
‫ترى أن ما أبقـيت لـم‬
‫به صـفـر‬
‫أك ربـه‬
‫للحارث بن حلزة اليشكري في الجود‬
‫وقال الحارث بن حلزة اليشكري في هذا المعنى‪:‬‬
‫وقد خبا من دوننا‬
‫قلت لعمرو حين‬
‫عالج‬
‫أرسلته‬
‫ل تكسع الشول‬
‫إنك ل تدري من الناتج‬
‫بأغبارها‬
‫واصبب لضيافك‬
‫فإن شر اللبن الوالـج‬
‫ألبانها‬
‫لتكسع الشول بأغبارها‬
‫فإن العرب كانت تنضح على ضروعها الماء البارد ليكون أسمن‬
‫لولدها التي في بطونها‪ .‬والغبر‪ :‬بقية اللبن في الضرع‪ ،‬فيقول‪:‬‬
‫لتبق ذلك اللبن لسمن الولد‪ ،‬فإنك لتدري من ينتجها‪ ،‬فلعلك‬
‫تموت‪ ،‬فتكون للوارث أو يغار عليها ‪.‬‬
‫وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‪ ":‬ابن آدم‬
‫مالي مالي‪ ،‬وما من مالك إل ما أكلت فأفنيت‪ ،‬أو لبست‬
‫فأبليت‪ ،‬أو أعطيت فأمضيت "‪.‬‬
‫ويرى عن بعضهم أنه قال‪ :‬إني أحب البقاء‪ ،‬وكالبقاء عندي‬
‫حسن الثناء‪ .‬وأنشد أبو عثمان عمرو بن الجاحظ‪:‬‬
‫ومن الحديث متالف‬
‫فإذا بلغتم أرضكم‬
‫وخلود‬
‫فتحدثـوا‬
‫وأنشد ‪:‬‬
‫بأفعالنا‪ ،‬إن الثناء هو‬
‫فأثنوا علينا لأبا‬
‫‪243‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫الخلد‬
‫لبـيكـم‬
‫وقال معاوية لبن الشعث بن قيس‪ :‬ما كان قيس بن معد‬
‫يكرب أعطى العشى ? فقال ‪ :‬أعطاه ما ٌ‬
‫ل‪ ،‬وظهرٌا‪ ،‬ورقيقًا‪،‬‬
‫وأشياء أنسيتها‪ ،‬فقال معاوية‪ :‬لكن ما أعطاكم العشى ل‬
‫ينسىوقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لبنة هرم بن سنان‬
‫المري‪ :‬ما وهب أبوك لزهير ? فقالت‪ :‬أعطاه مال ٌ وأثاثا ٌ أفناه‬
‫الدهر‪ .‬فقال عمر‪ :‬لكن ما أعطاكموه ل يفنيه الدهر ‪.‬‬
‫وقال المفسرون في قول الله عز وجل عن ابراهيم صلوات‬
‫الله عليه‪":‬وآجعل لى لسان صدق في الخرين" الشعراء ‪84‬‬
‫أي ثناء حسنٌا‪ ،‬وفي قوله تعالى‪":‬وتركنا عليه في الخرين سلم‬
‫على إبراهيم " الصافات ‪ 109 - 108‬أي يقال له هذا في‬
‫الخرين‪ .‬والعرب تحذف هذا الفعل من " قال" ويقول "‬
‫استغناٌء عنه‪ ،‬قال الله عز وجل‪ ":‬فأما الذين اسودت وجوههم‬
‫أكفرتم بعد إيمنكم " آل عمران ‪ ،106‬أي فيقال لهم‪ .‬ومثله‪":‬‬
‫والذين اتخدوا من دونه أولياء ما نعبدهم إل ليقربونا إلى الله‬
‫زلفى" الزمر ‪ 3‬أي يقولون‪ ،‬وكذلك‪":‬والملكة يدخلون من كل‬
‫باب سلم عليكم"الرعد ‪24- 23‬‬
‫باب‬
‫من خطبة لعلي بن أبي طالب‬
‫قال أبو العباس‪ :‬قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه في‬
‫خطبة له‪ :‬أيها الناس‪ ،‬اتقوا الله الذي إن قلتم سمع‪ ،‬وإن‬
‫أضمرتم علم‪ .‬وبادروا الموت الذي إن هربتم منه أدرككم‪ ،‬وإن‬
‫أقمتم أخذكم ‪.‬‬
‫خطبة الحجاج حين قدم أميرا ٌ على العراق‬
‫قال‪ :‬وحدثني التوزي في إسناد ذكره آخره عبد الملك بن عمير‬
‫الليثي‪ ،‬قال‪ :‬بينما نحن في المسجد الجامع بالكوفة‪ ،‬وأهل‬
‫ة‪ ،‬يخرج الرجل منهم في العشرة‬
‫ل حسن ٍ‬
‫الكوفة يومئذ ذوو حا ٍ‬
‫ت فقال ‪:‬هذا الحجاج قدم أميرا ٌ‬
‫والعشرين من مواليه‪ ،‬إذ أتى آ ٍ‬
‫على العراق‪ .‬فإذا به قد دخل المسجد معتما ٌ بعمامة غطى بها‬
‫أكثر وجهه‪ ،‬متقلدا ٌ سيفًا‪ ،‬متنكبا ٌ قوسٌا‪ ،‬يؤم المنبر‪ ،‬فقام الناس‬
‫نحوه‪ ،‬حتى صعد المنبر‪ ،‬فمكث ساعة ل يتكلم‪ ،‬فقال الناس‬
‫بعضهم لبعض‪ :‬قبح الله بني أمية حيث تستعمل مثل هذا على‬
‫‪244‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫العراق حتى قال عمير بن ضابيء البرجمي‪ :‬ألأحصبه لكم ?‬
‫فقالوا‪ :‬أمهل حتى ننظر‪ ،‬فلما رأى عيون الناس إليه حسر‬
‫اللثام عن فيه ونهض وقال‪:‬‬
‫متى أضع العمامة‬
‫أنا ابن جل وطلع‬
‫تعرفوني‬
‫الثـنـايا‬
‫ثم قال‪ :‬يا أهل الكوفة‪ ،‬إني لرى رؤوسا ٌ قد أينعت وحان‬
‫قطافها‪ ،‬وإني لصاحبها‪ ،‬وكأني أنظر إلى الدماء بين العمائم‬
‫واللحى‪ ،‬ثم قال ‪:‬‬
‫قد لفها الليل بسواق‬
‫هذا أوان الشد‬
‫حطـم‬
‫فاشتـدي زيم‬
‫ول بجزارٍ على ظهر‬
‫ل ول‬
‫ليس برلعي إب ٍ‬
‫وضم‬
‫غـنـم‬
‫ثم قال ‪:‬‬
‫أروع خراج من‬
‫قد لفها الليل‬
‫الدوي‬
‫بعصلبـي‬
‫مهاجر ليس بأعرابي‬
‫وقال ‪:‬‬
‫وجدت الحرب بكم‬
‫قد شمرت عن‬
‫فجدوا‬
‫ساقها فشدوا‬
‫مثل ذراع البكر أو‬
‫والقوس فيها وتـٌر‬
‫أشـد‬
‫عـرد‬
‫لبد مما ليس منـه‬
‫بـد‬

‫إني والله يا أهل العراق‪ ،‬ما يقعقع لي بالشنان‪ ،‬ول يغمز جانبي‬
‫كتغماز التين‪ .‬ولقد فرزت عن ذكاء‪ ،‬وفتشت عن تجربة‪ ،‬وإن أمير‬
‫المؤمنين أطال الله بقاءه نثر كنانته بين يديه‪ ،‬فعجم عيدانها‪،‬‬
‫فوجدني أمرها عودًا‪ .‬وأصلبها مكسرًا‪ ،‬فرماكم بي‪ .‬لنكم طالما‬
‫‪245‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫أوضعتم في الفتنة‪ ،‬واضطجعتم في مراقدالضلل‪ .‬والله لحزمنكم‬
‫حزم السلمة‪ ،‬ولضربنكم ضرب غرائب البل‪ ،‬فإنكم لكأهل قرية‬
‫كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا ً من كل مكان‪ ،‬فكفرت بأنعم‬
‫الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون‪ .‬والخوف‬
‫بما كانوا يصنعون‪ .‬وإنى والله ما أقول إل وفيت ول أهم إل‬
‫أمضيت‪ ،‬ول أخلق إل فريت‪ ،‬وإن أمير المؤمنين أمرني بإعطائكم‬
‫أعطياتكم‪ ،‬وأن أوجهكم لمحاربة عدوكم مع المهلب بن أبي‬
‫صفرة‪ .‬وإني أقسم بالله ل أجد رجل ً تخلف بعد أخذ عطائه بثلثة‬
‫أيام إل ضربت عنقه يا غلم اقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين‪.‬‬
‫فقرأ ‪ " :‬بسم الله الرحمن الرحيم‪ :‬من عبد الله عبد الملك أمير‬
‫م عليكم " فلم يقل‬
‫المؤمنين إلى من بالكوفة من المسلمين سل ٌ‬
‫أحد منهم شيئًا‪ ،‬فقال الحجاج‪ :‬اكفف يا غلم‪ ،‬ثم أقبل على الناس‪،‬‬
‫فقال ‪ :‬أسلم عليكم أمير المؤمنين‪ ،‬فلم تردوا عليه شيئا ً هذا أدب‬
‫ابن نهية أما والله لؤدبنكم غير هذا الدب أو لتستقيمن‪ .‬اقرأ يا‬
‫م عليكم " لم‬
‫غلم كتاب أمير المؤمنين‪ ،‬فلما بلغ إلى قوله‪ ":‬سل ٌ‬
‫يبق في المسجد أحد إل قال‪ :‬وعلى أمير المؤمنين السلم‪.‬‬
‫ثم نزل فوضع للناس أعطياتهم‪ ،‬فجعلوا يأخذون حتى أتاه شيخ‬
‫يرعش كبرًا‪ ،‬فقال‪ :‬أيها المير‪ ،‬إني من الضعف على ما ترى‪ ،‬ولي‬
‫ن هو أقوى على السفار مني فتقلبه بدل ً مني‪ .‬فقال الحجاج‪:‬‬
‫اب ٌ‬
‫نفعل أيها الشيخ‪ ،‬فلما ولى قال له قائل‪ :‬أتدري من هذا أيها‬
‫المير? قال‪ :‬ل قال‪ :‬هذا عمير بن ضابئ البرمجي الذي يقول أبوه‪:‬‬
‫تركت على عثمان‬
‫هممت ولم أفعل‬
‫تبكي حلئله‬
‫وكدت وليتنـي‬
‫ودخل الشيخ على عثمان مقتول ٌ فوطىء بطنه‪ ،‬هل فكسر ضلعين‬
‫من أضلعه‪ ،‬فقال ردوه ! فلما رد قال الحجاج‪ :‬أيها الشيخ‪ ،‬هل‬
‫بعثت إلى أمير المؤمنين عثمان بدل ٌ يوم الدار! إن في قتلك أيها‬
‫الشيخ لصلحا ٌ للمسلمين ‪:‬يا حرسي‪ ،‬اضربن عنقه‪ .‬فجعل الرجل‬
‫يضيق عليه أمره فيرتحل‪ ،‬ويأمر وليه أن يلحقه بزاده‪ ،‬ففي ذلك‬
‫يقول عبد الله بن الزبير السدي‪:‬‬
‫عميرا ٌ وإما أن تزور‬
‫تجهز فإما أن تزور‬
‫المهلـبـا‬
‫ابن ضابىٍء‬
‫ركوبك حوليا من الثلج‬
‫ف‬
‫هما خطتا خس ٍ‬
‫‪246‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫أشهبـا‬
‫نجاؤك منهمـا‬
‫رآها مكان السوق أو‬
‫فأضحى ولو كانت‬
‫هي أقربا‬
‫خراسان دونه‬
‫قوله‪ ":‬أنا ابن جل "‪ ،‬إنما يريد المنكشف المر‪ ،‬ولم يصرف "جل "‬
‫لنه أرادالفعل فحكى‪ ،‬والفعل إذا كان فاعله مضمرا ٌ أو مظهرا ٌ لم‬
‫يكن إلحكاية‪ ،‬كقولك‪ :‬تأبط شرأ‪ ،‬وكماقال الشاعر‪:‬‬
‫بني شاب قرناها تصر‬
‫كذبتم وبيت الله‬
‫وتحلب‬
‫لتأخـذونـهـا‬
‫وتقول‪ :‬قرأت‪ ":‬اقتربت الساعة وانشق القمر" القمر ‪ 1‬لنك‬
‫حكيت‪ ،‬وكذلك البتداء‪ ،‬تقول ‪ :‬قرأت‪ ":‬الحمد لله رب العلمين"‬
‫الفاتحة ‪ 0 2‬وقال الشاعر‪:‬‬
‫والله ما زيد بنام صاحبه‬
‫وقوله ‪:‬‬
‫أنا ابن جل وطلع الثنايا‬
‫لسحيم بن الرياحي‪ ،‬وإنما قاله الحجاج متمث ً‬
‫ل‪ .‬وقوله‪" :‬وطلع‬
‫الثنايا "الثنايا‪ :‬جمع ثنيةو الثنية‪ :‬الطريق في الجبل‪ .‬والطريق في‬
‫الرمل يقال له‪ :‬الخل‪ ،‬وإنما أراد به أنه جلد يطلع الثنايا في‬
‫ارتفاعها وصعوبتها‪ ،‬كما قال دريد بن الصمة يعني أخاه عبد الله‪:‬‬
‫بعيد من السوءات‬
‫ج‬
‫كميش الزار خار ٌ‬
‫طلع أنجـد‬
‫نصف ساقه‬
‫والنجد‪ " :‬ما ارتفع من الرض‪ ،‬وقد مضى تفسير هذا‪.‬‬
‫وقوله‪ ":‬إني لرى رؤوسا ٌ قد أينعت"‪ ،‬يريد أدركت‪ ،‬يقال ‪ :‬أينعت‬
‫الثمرة إيناعا ٌ وينعت ينعٌا‪ ،‬ويقرأ ‪ ":‬انظروا إلى ثمره إذآ أثمر وينعه"‬
‫النعام ‪ 99‬و"وينعه" كلهما جائز‪.‬‬
‫قال أبو عبيدة‪ :‬هذا الشعر يختلف فيه‪ ،‬فبعضهم ينسبه إلى‬
‫الحوص وبعضهم ينسبه إلى يزيد بن معاوية‪ .‬قال أبو الحسن‪:‬‬
‫الصحيح أنه ليزيد يصف جارية وهو‪:‬‬
‫أكل النمل الذي جمعا‬
‫ولها بالمـاطـرين إذا‬
‫ق بيعا‬
‫خرفة حتى إذا ربعت‬
‫سكنت من جل ٍ‬
‫في قباب حول‬
‫حولها الزيتون قد ينعا‬
‫ة‬
‫دسكر ٍ‬
‫‪247‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫قال أبو الحسن‪ :‬أول هذه البيات ‪:‬‬
‫وأمر النوم فامتنعـا‬
‫طال هذا الهم فاكتنعا‬
‫وبعد هذا ما أنشد أبو العباس‪ ،‬ويروى" بالماطرون"‪.‬‬
‫قال أبو العباس‪ :‬وقوله‪:‬‬
‫هذا أوان الشد فاشتدي زيم‬
‫يعني فرسا ٌ أو ناقة‪ ،‬والشعر للحطم القيسي ‪.‬‬
‫وقوله‪:‬‬
‫قد لفها الليل بسواق حطم‬
‫م للذي يأتي‬
‫فهو الذي ل يبقي من السير شيئٌا‪ ،‬ويقال‪ :‬رجل حط ٌ‬
‫ة ‪ .‬وقوله‪":‬‬
‫على الزاد لشدة أكله‪ ،‬ويقال للنار التي ل تبقي‪ :‬حطم ٌ‬
‫على ظهر وضم"‪ ،‬فالوضم‪ :‬كل ما قطع عليه اللحم‪ .‬قال الشاعر‪:‬‬
‫ه ل يجدون لـشـيء‬
‫ق حسان‬
‫وفتيان صد ٍ‬
‫ألـم‬
‫الوجـو‬
‫ن عند المجازر لحم‬
‫من آل المغيرة ل‬
‫الوضم‬
‫يشهـدو‬
‫وقوله ‪:‬‬
‫قد لفها الليل بعضلبي‬
‫أي شديد‪ .‬وأروع‪ .‬أي ذكي‪.‬‬
‫ج من كل غماء شديدة ويقال‬
‫وقوله‪":‬خراج من الدوي‪ ،‬يقول‪ :‬خرا ٍ‬
‫للصحراء دوية‪ ،‬وهي التي ل تكاد تنقضي‪،‬وهي منسوبة إلى الدو‪،‬‬
‫والدو‪ :‬صحراء ملساء لعلم بها ول أمارة‪ ،‬قال الحطيئة‪:‬‬
‫وما خلت ساري الليل‬
‫وأنى اهتدت والدو‬
‫بالدو يهتدي‬
‫بيني وبينـهـا‬
‫والداوية‪ :‬المتسعة التي تسمع لها دويا ٌ بالليل‪ ،‬وإنما ذلك الدوي من‬
‫أخفاف البل تنفسح أصواتها فيها‪ .‬وتقول جهلة العراب‪ :‬إن ذلك‬
‫عزيف الجن وقوله‪:‬‬
‫والقوس فيها وترعرد‬
‫فهو الشديد ويقال عرند في هذا المعنى‪.‬‬
‫وقوله‪":‬إني والله ما يقعقع لي بالشنان"‪ ،‬واحدها شن‪ ،‬وهو الجلد‬

‫‪248‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫اليابس‪ ،‬فإذا قعقع به نفرت البل منه‪ ،‬فضرب ذلك مثل ٌ لنفسه‪،‬‬
‫وقال النابغة الذبياني‪:‬‬
‫يقعقع بين رجليه‬
‫كأنك من جمال بني‬
‫بشـن‬
‫أقيش‬
‫وقوله‪":‬ولقد فررت عن ذكاء "‪ ،‬يعني تمام السن‪ .‬والذكاء على‬
‫ضربين‪ :‬أحدهما تمام السن‪ ،‬والخر الحدة حدة القلب‪ ،‬فمما جاء‬
‫في تمام السن قول قيس بن زهير‪ ":‬جري المذكيات غلب"‪ .‬وقال‬
‫زهير‪:‬‬
‫تمام السن منه‬
‫يفضله إذا اجتهدا عليه‬
‫والذكاء‬
‫وقوله ‪":‬فعجم عيدانها "‪ ،‬يقول‪ :‬مضغها لينظر أيها أصلب‪ ،‬يقال ‪:‬‬
‫عجمت العود‪ ،‬إذا مضغته‪ ،‬وكذلك في كل شيء‪ ،‬قال النابغة‪:‬‬
‫في حالك اللون صدق‬
‫فظل يعجم أعلى‬
‫الروق منقبـضـا ٌ‬
‫غير ذي أود‬
‫م‬
‫والمصدر العجم‪ ،‬يقال عجمته عجمٌا‪ :‬ويقال لنوى كل شيء‪ :‬عج ٌ‬
‫مفتوح‪ ،‬ومن أسكن فقد أخطٌا‪ ،‬كما قال العشى‪:‬‬
‫وجذعانها كلقيط العجم‬
‫وقوله‪ ":‬طالما ما أوضعتم في الفتنة"‪ ،‬اليضاع‪ :‬ضرب من السير‪.‬‬
‫وقوله ‪:‬‬
‫فأضحى ولو كانت خراسان دونه‬
‫يعني دون السفر رآها مكان السوق للخوف والطاعة‪.‬‬
‫خبر ضابىء البرجمي مع عثمان‬
‫وكان من قصة عمير بن ضابىء أن أباه ضابىء بن الحارث‬
‫س عند عثمان رحمه الله وأدب وذلك أنه‬
‫البرجمي وجب عليه حب ٌ‬
‫كان استعار من قوم كلبا ٌ فأعاروه إياه ثم طلبوه منه وكان فحاشا ٌ‬
‫فرمى أمهم به‪ ،‬فقال في بعض كلمه ‪:‬‬
‫فإن عقوق الوالدات‬
‫وأمكم ل تتركوها‬
‫كبير‬
‫وكلبكم‬
‫فاضطغن على عثمان ما فعل به فلما دعي به ليؤدب شد سكينا ً‬
‫في ساقه ليقتل بها عثمان‪ ،‬فعثر عليه‪ ،‬فأحسن أدبه‪ ،‬ففي ذلك‬
‫يقول‪:‬‬
‫‪249‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫لنعم الفتى نخلو به‬
‫وقائلةٍ إن مات في‬
‫ونواصـلـه‬
‫السجن ضابىء‬
‫ول تبعدن أخلقه‬
‫وقائلة ليبعدن ذلـك‬
‫وشـمـائلـه‬
‫الـفـتـى‬
‫إذالكبش لم يوجد له‬
‫وقائلة ليبـعـد الـلـه‬
‫ضـابـئا ً‬
‫من ينازلـه‬
‫إذ الخصم لم يوجد له‬
‫وقائلةٍ ل يبعـد الـلـه‬
‫ضـابـئا ٌ‬
‫من يقاوله‬
‫فليس بعارٍ قتل من‬
‫فل تتبعيني إن هلـكـت‬
‫لأ قاتـلـه‬
‫ة‬
‫مـلم ً‬
‫تركت على عثمان‬
‫هممت ولم أفعل‪،‬‬
‫تبكي حلئله‬
‫وكدت وليتنـي‬
‫تخبر من لقيت أنك‬
‫وما الفتك ما آمرت فيه‬
‫فـاعـلـه‬
‫ول الذي‬
‫حديث أبي شجرة السلمي مع عمر بن الخطاب‬
‫قال أبو العباس‪ :‬وشبيه بقوله ما حدثنا به عن أبي شجرة السلمي‬
‫وكان من فتاك العرب فأتى عمر بن الخطاب رحمه الله يستحمله‪،‬‬
‫فقال له عمر‪ :‬ومن أنت ? فقال ‪:‬أنا أبو شجرة السلمي‪،‬فقال له‬
‫عمر‪ :‬أي عدي نفسه‪ ،‬ألست القاتل حيث ارتددت‪:‬‬
‫وإني لرجو بعدها أن‬
‫ورويت رمحي من‬
‫أعـمـرا‬
‫كتيبة خـالـدٍ‬
‫ترى البيض في‬
‫وعارضتها شهباء‬
‫حافاتها والسنورا‬
‫تخطر بالقـنـا‬
‫ثم انحنى عليه عمر بالدرة‪ ،‬فسعى إلى ناقته فحل عقالها وأقبلها‬
‫حرة بني سليم بأحث السير هربا ٌ من الدرة‪ ،‬وهو يقول‪:‬‬
‫وكل مخـتـبـط يومـا ٌ لـه‬
‫قد ضن عنها أبو حفص‬
‫ورق‬
‫بـنـائلـه‬
‫وحال من دون بعض‬
‫مازال يضربني حتى خـذ‬
‫الرغبة الشفق‬
‫يت لـه‬
‫مثل الرتاج إذا ما لزه‬
‫ثم التفت إلـيهـا وهـي‬
‫‪250‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫الـغـلـق‬
‫حـانـية‬
‫إني لزري عليها وهي‬
‫أقبلتها الخل من شوران‬
‫مجتـهـدا ٌ‬
‫تنطـلـق‬
‫ويروى أنه كان يرمي المسلمين يوم الردة فل يغني شيئٌا‪ ،‬فجعل‬
‫يقول‪:‬‬
‫فل صريح اليوم إل‬
‫ها إن رميي عنهم‬
‫المصقول‬
‫لمعـبـول‬
‫وقوله‪:‬‬
‫وكل مختبط يوما ٌ له ورق‬
‫أصل هذا في الشجرة أن يختبطها الراعي‪ ،.‬وهو أن يضربها حتى‬
‫يسقط ورقها‪ ،‬فضرب ذلك مثل ً لمن يطلب فضله‪ ،‬وقال زهير‪:‬‬
‫يوما ً ول معدم من‬
‫وليس مانع قربى وذي‬
‫خابط ورقا‬
‫ب‬
‫نسـ ٍ‬
‫وقوله‪ ":‬حتى خذيت له"‪ .‬يقول‪ :‬خضعت له‪ ،‬وأكثر ما تستعمل‬
‫العامة هذه اللفظة بالزيادة‪ ،.‬تقول‪ :‬استحذيت له‪ .‬وزعم الصمعي‬
‫أنه شك فيها‪ ،‬وأنه أحب أن يستثبت‪ ،‬أهي مهموزة أم غير‬
‫مهموزة ? قال‪ :‬فقلت لعرابي‪ :‬أتقول‪ :‬استحذيت أم استحذأت ?‬
‫قال‪ :‬لأقولهما‪ ،‬قلت‪ :‬ولم فقال‪ :‬لن العرب لتستخذي‪ .‬وهذا غير‬
‫مهموز‪ .‬واشتقاقه من قولهم‪ :‬أذن خذواء وينمة خذواء‪ ،‬أي‬
‫خ على وجه الرض‬
‫مسترخية‪ .‬قال أبو الحسن‪ :‬الينمة‪ :‬نبت مستر ٍ‬
‫تأكله البل فتكثر عنه ألبانها‪.‬‬
‫قال الصمعي‪ :‬وقلت لعرابي‪ :‬أتهمز الفارة ! قال‪ :‬تهمزها الهرة‪.‬‬
‫وقوله‪ ":‬إني لزري عليها "‪ ،‬يقول‪ :‬أستحثها‪ ،‬يقال‪ :‬زرى عليه‪ :‬أي‬
‫عاب عليه‪ ،‬وأزرى به أي قصر به‪ ،‬فيقول‪ :‬إنها لمجتهدة‪ ،‬وإني‬
‫لزري عليها‪ ،‬أي أعيب عليها لطلبي النجاء والسرعة‪ ،‬وقال‬
‫الخطل‪:‬‬
‫ل‬
‫فظل يفديها وظلـت‬
‫عقاب دعاها جنح لي ٍ‬
‫إلى وكر‬
‫كـأنـهـا‬
‫وقوله‪ ":‬ها إن رميي عنهم لمعبول "‪ ،‬يقول‪ :‬مخبول مردود‪.‬‬
‫والصريح‪ :‬المحض الخالص‪ ،‬يقال ذلك للبن إذا لم يشبه ماء‪ ،‬ويقال‬
‫عربي صريح ومولى صريح‪ ،‬أي خالص‪.‬‬
‫‪251‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫خطبة لعمر بن الخطاب‬
‫حين سمع أن قوما ٌ يفضلونه على أبي بكر‬
‫قال‪ :‬وحدثني محمد بن إبراهيم الهاشمي في إسناد ذكره قال‪ :‬بلغ‬
‫عمر بن الخطاب رحمه الله أن قوما ٌ يفضلونه على أبي بكر‬
‫الصديق رحمه الله‪ ،‬فوثب مغضبا ٌ حتى صعد المنبر‪ ،‬فحمد الله‬
‫وأثنىعليه‪ ،‬وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم ثم قال ‪ :‬أيها‬
‫الناس‪ ،‬إني سأخبركم عني وعن أبي بكر‪ ،‬إنه لما توفي رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم اردتدت العرب‪ ،‬ومنعت شاتها وبعيرها‪،‬‬
‫فأجمع رأينا كلنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن قلنا له‪ :‬يا‬
‫خليفة رسول الله‪ ،‬إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقاتل‬
‫العرب بالوحي والملئكة يمده الله بهم‪ ،‬وقد انقطع ذلك اليوم‪،‬‬
‫فالزم بيتك ومسجدك‪ ،‬فإنه لطاقة لك بقتال العرب‪ .‬فقال أبو بكر‬
‫الصديق‪ :‬أو كلكم رأيه على هذا ? فقلنا‪ :‬نعم فقال‪ :‬والله لن أخر‬
‫من السماء فتخطفني الطير أحب إلي من أن يكون هذا رأيي ثم‬
‫صعد المنبر‪ ،‬فحمد الله وكبره وصلى على نبيه صلى عليه وسلم‪،‬‬
‫ثم أقبل على الناس فقال‪ :‬أيها الناس‪ ،‬من كان يعبد محمدا ٌ فإن‬
‫محمدا ٌ قد مات‪ ،‬ومن كان يعبد الله فإن الله حي ليموت‪ .‬أيها‬
‫الناس‪ ،‬أإن كثر أعداؤكم‪ ،‬وقل عددكم‪ ،‬ركب الشيطان منكم هذا‬
‫المركب? والله ليظهرن الله هذا الدين على الديان كلها ولو كره‬
‫المشركون‪ .‬قوله الحق‪ ،‬ووعده الصدق‪ "،‬بل نقذف بالحق على‬
‫ة‬
‫الباطل فيدمغه فإذا هو زاهقٌ " النبياء ‪ ،18‬و " كم من فئة قليل ٍ‬
‫غلبت فئة كثيرة بإذن الله و الله مع الصابرين" البقرة ‪ .249‬والله‬
‫أيها الناس‪ .‬لو أفردت من جميعكم لجاهدتهم في حق جهاده حتى‬
‫ل‪ ،‬والله أيها الناس لو منعوني عقال ً‬
‫أبلي بنفسي عذرا ً أو أقتل قتي ً‬
‫ن‪.‬‬
‫لجاهدتهم عليه‪ ،‬واستعنت عليهم الله وهو خير معي ٍ‬
‫ثم نزل فجاهد في الله حق جهاده حتى أذعنت العرب بالحق ‪.‬‬
‫قوله‪":‬كم من فئة" فهي الجماعة‪ ،‬وهي مهموزة‪ ،‬وتخفيف الهمز‬
‫في هذا الموضع أن تقلب الهمزة ياًء‪ ،‬وإن كانت قبلها ضمة وهي‬
‫ن‪.‬‬
‫ن تقول جو ٌ‬
‫مفتوحة قلبتها واوا ً نحو جؤ ٍ‬
‫وقوله‪ ":‬لو منعوني عقال ً لجاهدتهم عليه" على خلف ما تتأوله‬
‫ه قد يجوز‪ ،‬فأما الصحيح فإن المصدق إذا‬
‫العامة ولقول العامة وج ٌ‬
‫‪252‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫أخذ من الصدقة ما فيها ولم يأخذ ثمنها قيل‪ :‬أخذ عقا ً‬
‫ل‪ ،‬وإذا أخذ‬
‫الثمن قيل‪ :‬أخذ نقدًا‪ ،‬قال الشاعر‪:‬‬
‫فرد ولم يأخذ عقال ً‬
‫أتانا أبو الخطاب‬
‫ول نقـدا‬
‫يضرب طبله‬
‫والذي تقوله العامة تأويله‪ :‬لو منعوني ما يساوي عقا ً‬
‫ل‪ ،‬فضل ً عن‬
‫غيره وهذا وجه‪ ،‬والول هو الصحيح‪ ،‬لنه ليس عليهم عقال يعقل‬
‫به البعير فيطلبه فيمنعه‪ ،‬ولكن مجازه في قول العامة ما ذكرنا‪.‬‬
‫ة‪ ،‬أي لو قعد عليها‬
‫ومن كلم العرب‪ :‬أتانا بجفنةٍ يقعد عليها ثلث ٌ‬
‫ثلثة لصلح‪.‬‬
‫من أبيات للحطيئة‬
‫حين ارتد بعض العرب‬
‫وكان ارتداد من ارتد من العرب أن قالوا‪ :‬نقيم الصلة ول نؤتي‬
‫الزكاة‪ ،‬فمن ذلك قول الحطيئة‪:‬‬
‫ح نصبن‬
‫أل كـل أرمـاح قـصـاٍر‬
‫فداء لرما ٍ‬
‫على الغمـر‬
‫ة‬
‫أذل ٍ‬
‫وباست بني دودان‬
‫فباست بني عبس‬
‫حاشا بني نصر‬
‫ئ‬
‫وأستـاه طـي ٍ‬
‫وطعن كأفواه المزفتة‬
‫ب يجثم‬
‫أبوا غير ضر ٍ‬
‫الحـمـر‬
‫الهام وقعـه‬
‫فيا لهفتا‪ ،‬ما بال دين‬
‫أطعنا رسول الله إذ‬
‫أبي بـكـر!‬
‫كان بـينـنـا‬
‫فتلك وبيت الله‬
‫أيورثها بكـرا ً إذا مـات‬
‫قاصمة الظهـر!‬
‫بـعـده‬
‫وقوموا ولو كان القيام‬
‫فقوموا ول تعطوا‬
‫على الجمر‬
‫اللـئام مـقـادةً‬
‫عشية ذادوا بالرماح‬
‫فدى لبني نصرٍ طريفي‬
‫أبـا بـكـر‬
‫وتـالـدي‬
‫قوله‪ ":‬يجثم الهام وقعه"‪ ،‬إنما هو مث ٌ‬
‫ل‪ ،‬يقال‪ :‬جثم الطائر‪ ،‬كما‬
‫يقال‪ :‬برك الجمل‪ ،‬وربض البعير‪.‬‬
‫وكان قيس بن عاصم بن سنان بن خالد بن منقرٍ عامل ً على‬

‫‪253‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫د‪ ،‬فقسم ما كان في يده من أموال الصدقات‬
‫صدقات بني سع ٍ‬
‫ر‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫على بني منق ٍ‬
‫إذا ما أتتها محكمـات‬
‫فمن مبلغ عني‬
‫الـودائع‬
‫ة‬
‫قريشـا ً رسـال ً‬
‫وأيأست منها كل‬
‫حبوت بما صدقت في‬
‫العام منقرا ً‬
‫أطلس طامـع‬
‫قوله‪":‬فأجمع رأينا كلنا أصحاب محمد"‪،‬فإنما خفض"كل" على أنه‬
‫توكيد لسمائهم المضمرة‪ ،‬والظاهرة ل تكون بدل ً من المضمر‬
‫الذي يعني به المتكلم نفسه‪ ،‬أو يعني به المخاطب‪.‬‬
‫د‪ ،‬لن هذه الياء ل يشركه فيها شريك‬
‫ليجوز أن تقول مررت بي زي ٍ‬
‫فتحتاج إلى التبيين‪ ،‬وكذلك ل يجوز‪ :‬ضربتك زيدًا‪ ،‬لن المخاطب‬
‫منفرد بهذه الكاف‪ ،‬فأما الهاء نحو مررت به عبد الله‪ ،‬فيجوز لنا‬
‫نحتاج إلى أن يعرفنا مبينًا‪ :‬من صاحب الهاء? لنها ليست للذي‬
‫يخاطبه فل ينكر نفسه‪ ،‬وإنما يحدث به عن غائب فيحتاج إلى‬
‫البيان‪.‬‬
‫وقوله‪":‬أصحاب محمد" اختصاص‪ :‬وينتصب بفعل مضمر‪ ،‬وهو"‬
‫أعني" ليبين من هؤلء الجماعة‪ ،‬كما ينشد‪:‬‬
‫نحن بني ضبة أصحاب الجمل‬
‫أراد‪ :‬نحن أصحاب الجمل‪ ،‬ثم عين من هم‪ ،‬لن هذا قد كان يقع‬
‫على من دون بني ضبة معه‪ ،‬وعلى من فوقها إلى مضر ونزار‬
‫ومعد ومن بعدهم‪ ،‬وكذلك‪ :‬نحن العرب أقرى الناس لضيف‪ ،‬ونحن‬
‫الصعاليك ل طاقة لنا على المروءة‪.‬‬
‫ويختار من الشعر‪:‬‬
‫فينا سراة بني سعد‬
‫إنا بني منقر ذوو‬
‫وناديها‬
‫ب‬
‫حسـ ٍ‬
‫وقليل هذا يدل عل جميع هذا الباب‪ ،‬فافهم‪.‬‬
‫^‬
‫الجزء الثاني‬
‫باب في المختار من أشعار المولدين‬
‫قال أبو العباس‪ :‬هذه أشعار اخترناها من أشعار المولدين حكيمة‬
‫مستحسنة‪.‬يحتاج إليها للتمثل‪،‬لنها أشكل بالدهر‪،‬ويستعار من‬
‫ألفاظها في المخاطبات والكتب‪.‬‬
‫‪254‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫لعبد الصمد بن المعذل‬
‫قال ابن المعذل‪:‬‬
‫وهان عليها أن أهان‬
‫تكلفني إذلل نفسـي‬
‫لتكـرمـا‬
‫لـعـزهـا‬
‫فقلت سليه رب‬
‫تقول سل المعروف‬
‫يحيى بن أكثمـا‬
‫يحيى بن أكثم‬
‫لبشار بن برد‬
‫وقال بشار بن برد يذكر عبيد الله بن قزعة‪ ،‬وهو أبو المغيرة أخو‬
‫الملوي المتكلم‪ ،‬قال ‪ :‬وقال المازني لم أر اعلم من الملوي‬
‫بالكلم‪ ،‬وكان من أصحاب إبراهيم النظام ‪:‬‬
‫علـى دهـره إن الـكـريم‬
‫خليلـي مـن كـعـب أعـينـا أخـاكـمـا‬
‫مــعـــين‬
‫مخـافة أن يرجــى نـــداه‬
‫ول تبخل بخل ابن قزعة إنه بخل‬
‫حـــزين‬
‫ابن قزعة إنه‬
‫ولـم يدر أن الـمـكـرمـات‬
‫كأن عـبـيد الـلـه لـم يلـق‬
‫مــاجـــدا ً‬
‫تـكـــون‬
‫وفي كل معروف‬
‫فقل لبي يحيى متى‬
‫عليك يمـين‬
‫تدرك العل‬
‫فلم تلقـه إل وأنـت‬
‫إذا جثته في حاجة‬
‫كـمـين‬
‫سـد بـابـه‬
‫نظير قوله‪ :‬وفي كل معروف عليك يمين قول جرير‪ :‬ولخير في‬
‫مال عليه آلية=ول في يمين عقدت بالمآثم‬
‫لسماعيل بن القاسم أبي العتاهية‬
‫وقال إسماعيل بن القاسم‪:‬‬
‫عامدا ً أودون جهدك‬
‫اطلع الله بجـهـدك‬
‫لب من طاعة عبدك‬
‫أعط مولك كما تط‬
‫لمحمود الوراق‬
‫وقال محمود‪:‬‬
‫هذا محال في القياس‬
‫تعصي الله وأنت‬
‫بـديع‬
‫تظهر حبه‬
‫‪255‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫لو كان حبك صادقا ً‬
‫لطعمته‬
‫وقال أيضًا‪:‬‬
‫وغفرت ذاك له على‬
‫إني شكرت لظالمي‬
‫علمي‬
‫ظلمـي‬
‫لما أبان بجهله‬
‫ورأيت أسـدى إلـــي‬
‫يدا ً‬
‫حـلـمـي‬
‫ساني مضاعـف‬
‫رجعت إساءته عـلـيه‬
‫الـجـرم‬
‫وإح‬
‫وغدا بكسب الظلم‬
‫وغدوت ذا اجر‬
‫والثـم‬
‫ومحـمـدة‬
‫وأنا المسيء إليه في‬
‫فكأنما الحسـان كـان‬
‫الحكم‬
‫لـه‬
‫حتى بكيت له من‬
‫مازال يظلمني‬
‫الظـلـم‬
‫وأرحـمـه‬
‫اخذ هذا المعنى من قول رجل من قريش لرجل قال له‪:‬إني‬
‫مررت بقوم من قريش من آل الزبير أو غيرهم يشتمونك شتما ً‬
‫رحمتك منه‪ ،‬قال ‪ :‬فسمعتني أقول إل خيرًا! قال‪ :‬إياهم فارحم‪.‬‬
‫وقال الصديق‪:‬رحمه الله لرجل قال له‪ :‬لشتمنك شتما ً يدخل معك‬
‫في قبرك‪،‬قال ‪:‬معك والله يدخل ‪ ،‬لمعي‪.‬‬
‫وقال ابن مسعود ‪ :‬إن الرجل ليظلمني فأرحمه‪.‬‬
‫وقال رجل للشعبي كلما ً اقذع له فيه‪ ،‬فقال الشعبي ‪ :‬إن كنت‬
‫صادقا ٌ فغفر الله لي‪ ،‬وإن كنت كاذبا ٌ فغفر الله لك‪.‬‬
‫ويروى انه أتى مسجدا ً فصادف فيه قوما ً يغتابونه فأخذ بعضادتي‬
‫الباب‪ ،‬ثم قال‪:‬‬
‫لعزة من أعراضنا ما‬
‫هنيئا ً مريئا ً غير داء‬
‫استحلت‬
‫مخاطـر‬
‫وذكر ابن عائشة أن رجل ً من أهل الشام قال‪:‬دخلت المدينة‬
‫فرأيت رجل ً ركبا ً على بغلة لم أر أحسن وجها ً ول سمتا ً ولثوبا ً ول‬
‫دابة منه‪ ،‬فمال قلبي إليه ‪ ،‬فسألت عنه ‪ ،‬فقيل‪ :‬هذا الحسن بن‬
‫علي بن أبي طالب عليهما السلم‪ ،‬فامتل قلبي له بغضًا‪ ،‬وحسدت‬
‫إن المحب لمن يحب‬
‫مطيع‬

‫‪256‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫عليا ً أن يكون له أبن مثله ‪ ،‬فصرت إليه‪ ،‬فقلت له‪ :‬أنت ابن أبي‬
‫طالب ? فقال‪ :‬أنا ابن ابنه فقلت‪ :‬فبك وبأبيك أسبهما ‪ .‬فما‬
‫انقضى كلمي قال لي‪ :‬أحسبك غريبًا‪ .‬فقلت ‪ :‬أجل ‪ ،‬قال‪ :‬فمل بنا‬
‫‪ ،‬فإن احتجت إلى منزل أنزلناك ‪ ،‬أو إلى مال آسيناك ‪ ،‬أو إلى‬
‫حاجة عاوناك ‪ ،‬قال‪ :‬فانصرفت عنه ‪ ،‬ووالله ما على الرض أحد‬
‫احب إلي منه ‪.‬‬
‫لمحمود الوراق أيضا ً‬
‫وقال محمود الوراق‪:‬‬
‫ومشاهدا ً للمر غير‬
‫ياناظرا ً يرنو بـعـينـي‬
‫مشـاهـد‬
‫راقـدٍ‬
‫طرق الرجاء وهن غير‬
‫ة‬
‫منيت نفسك ضل ً‬
‫قراصد‬
‫وأبـحـتـهـا‬
‫درك الجنان بها وفور‬
‫تصل الذنوب إلى‬
‫العـابـد‬
‫الذنوب وترتجي‬
‫منها إلى الدنيا بـذنـب‬
‫ونسيت ان الـلـه اخـرج‬
‫آدمـا ً‬
‫واحـد‬
‫لبي نواس الحسن بن هانئ‬
‫وقال الحكم للفضل بن الربيع‪:‬‬
‫كيدٍ أبو العباس‬
‫ما من يدٍ في الناس‬
‫مولهـا‬
‫ة‬
‫واحد ٍ‬
‫وسرى إلى نفسي‬
‫نام الكرام على‬
‫فأحياها‬
‫مضاجعهم‬
‫من أن أخافك خوفك‬
‫قد كنت خفتك ثم‬
‫الله‬
‫أمننـي‬
‫فعفوت عني عفو‬
‫حلت له نقم فألـغـاهـا‬
‫مقتـدر‬
‫لعبد الله بن محمد بن عيينه‬
‫وقال عبد الله بن أبي عيينه لذي اليمينين‪:‬‬
‫لما رأيتك قاعدا ً‬
‫أيقنت أنك للهمـوم‬
‫مستقـبـل ً‬
‫قـرين‬
‫إن كان عندك للقضاء‬
‫فارفض بها وتعر من‬
‫‪257‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫أثوابها‬
‫مال يكون فل يكون‬
‫ة‬
‫بحـيل ٍ‬
‫يسعى الذكي فل ينال‬
‫بسعيه‬
‫سيكون ما هو كائن‬
‫في وقته‬
‫الله يعلم أن فـرقة‬
‫بـينـنـا‬
‫لصالح بن عبد القدوس‬
‫وقال صالح بن عبد القدوس‪:‬‬
‫إن يكن مابه أصبت‬
‫جليل ً‬

‫يقـين‬
‫أبدا ً وما هو كائن‬
‫سـيكـون‬
‫حظا ً و يحظى عاجز‬
‫ومهين‬
‫وأخو الجهالة متعب‬
‫محزون‬
‫فيما أرى شيء علي‬
‫يهـون‬
‫فذهاب العراء فيه‬
‫أجل‬

‫ل معنى و الغم والحز‬
‫ت وذو‬
‫ت لشك آ ٍ‬
‫كل آ ٍ‬
‫نفضل‬
‫الجـه‬
‫مكن البيات المنفردة وأنشد منشد من البيات المنفردة القائمة‬
‫بأنفسها‪:‬‬
‫إلى بعض ما فيه‬
‫إذا أنت لم تعطي‬
‫علـيك مـقـال‬
‫الهوى قادك الهوى‬
‫ومنها قول ابن وهيب الحميري‪:‬‬
‫أرى بجميل الظن ما‬
‫وإني لرجو الله حتى‬
‫الله صانع‬
‫كأنـنـي‬
‫وقال آخر‪:‬‬
‫تخاطبه من كل أمر‬
‫ويعرف وجه الحزم‬
‫عواقبـه‬
‫حتى كأنما‬
‫وقال أشجع السلمي‪:‬‬
‫ما أخر الحزم رأي‬
‫رأي سرى وعيون‬
‫قدم الحذرا‬
‫الناس راقدة‬
‫وقال آخر‪ :‬فلله مني جانب ل أضيعه=وللهو مني والبطالة جانب‬
‫وقال آخر‪:‬‬
‫‪258‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫يرى فلتات الرأي‬
‫مقـبـل‬
‫لعبد ا لصمد بن المعذل أيضا ً‬
‫وقال عبد الصمد بن المعذل‪:‬‬
‫أمن على المجتـدي‬
‫كان لم يزل ما أتـى‬
‫أرى الناس أحـدوثة‬
‫وقال أيضًا‪:‬‬
‫زعمت عاذلتي أنـي‬
‫لـمـا‬
‫كلفتني عذرة‬
‫الـبـاخـل إذا‬
‫ليس لي عذر وعندي‬
‫بـلـغة‬
‫للحسن بن هانئ أبي نواس‬
‫إليك غدت بي حاجة‬
‫لم أبح بها‬
‫فأرخ عليها ستر‬
‫معروفك الذي‬
‫وقال أيضًا‪:‬‬
‫قد قلت للعبـاس‬
‫مـعـتـذرا ً‬
‫أنت امرؤ جللتنـي‬
‫نـعـمـا ً‬
‫فإليك بـعـد الـيوم‬
‫تـقـدمة‬
‫لتـحـدثـن إلـي‬
‫عـارفة‬
‫لدعبل بن علي الخز اعي‬
‫أحببت قومي ولم أعدل‬
‫بحـبـهـم‬

‫كأن في اليوم عينا ً‬
‫على غد‬
‫وما أتبع المن مـن‬
‫وما قد مضى لم يكن‬
‫فكوني حديثا ً حسـن‬
‫حفظ البخل من المال‬
‫مضيع‬
‫طرق الطارق والناس‬
‫هجوع‬
‫إنما العذر لمن ل‬
‫يستـطـيع‬
‫اختف عليها شامتـا ً‬
‫فـأداري‬
‫سترت به قدما على‬
‫عـواري‬
‫من ضعف شكريه‬
‫ومعترفـا ً‬
‫أوهت قوى شكري‬
‫فقد ضعفا‬
‫لقتك بالتصريح‬
‫منكـشـفـا ً‬
‫حسبي أقوم بشكر ما‬
‫سلـفـا‬
‫قالوا تعصبت جهل قول‬
‫ذي بهت‬
‫‪259‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫دعني أصل رحمي إن‬
‫كنت قاطعها‬
‫فاحفظ عشيرتك الدنين‬
‫إن لـهـم‬
‫قومي بنوا مذحج والزد‬
‫أخوتـهـم‬
‫ثبت الحلوم فإن سلت‬
‫حفائظـهـم‬
‫ئ‬
‫لتعرضن بمزح لمـر ٍ‬
‫طـبـن‬
‫فرب قافـية بـالـمـزح‬
‫جـارية‬
‫إني إذا قلت بـيت مـات‬
‫قـائلـه‬
‫وقال أيضًا‪:‬‬
‫نعوني ولما ينعني غـير‬
‫شـامـت‬
‫يقولون إن ذاق الردى‬
‫مات شعـره‬
‫ت يحمد‬
‫سأقضي ببي ٍ‬
‫النـاس أمـره‬
‫يموت ردي الشعر من‬
‫قبل أهـلـه‬
‫لسماعيل بن القاسم أيضا ً‬
‫وقال إسماعيل بن القاسم‪:‬‬
‫يا من يعيب وعيبه‬
‫متشـعـب‬
‫لله درك كـيف أنـت‬
‫ة‬
‫وغـاي ٌ‬
‫وقال أيضا ً ‪:‬‬
‫يا علي بن ثابت بـأمـن‬

‫ل بد للرحم الدنيا مـن‬
‫الـصـلة‬
‫حقا ً يفرق بين الـزوج‬
‫والـمـرة‬
‫وآل كيندة والحـياء مـن‬
‫ة‬
‫عـل ٍ‬
‫سلوا السيوف فأرادوا‬
‫كل ذي عنت‬
‫ما راضه قلبه أجراه في‬
‫الشـفة‬
‫مشؤومة لم يرد‬
‫إنماؤهـا نـمـت‬
‫ومن يقال له والبـيت‬
‫لـم يمـت‬
‫وغير عدو قد أصيبت‬
‫مقـاتـلـه‬
‫وهيهات عمر الشعر‬
‫طالت طوائله‬
‫ويكثر من أهل الرواية‬
‫حامـلـه‬
‫وجيده يبقـى وإن مـات‬
‫قـائلـه‬
‫كم فيك من عيب‬
‫وأنت تعيب!‬
‫يدعوك ربك عندها‬
‫فتجـيب‬
‫صاحب جل فقـده يوم‬
‫‪260‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫مـنـي‬
‫يا علـي بـن ثـابـت أي‬
‫أنـت‬
‫قد لعمري حكيت لفي‬
‫قصص المو‬
‫وقال أيضًا‪:‬‬
‫صاحب كان لي هلك‬
‫يا علي بن ثـابـت‬
‫كل حي مـمـلـك‬
‫وقال أيضُا‪:‬‬
‫طوتك خطوب دهرك‬
‫ر‬
‫كبعد نش ٍ‬
‫فلو نشرت قواك لي‬
‫المـنـايا‬
‫بكيتك يا ُأخي بدمـع‬
‫عـينـي‬
‫كفى حزنا ً بدفـنـك ثـم‬
‫إنـي‬

‫بـنـتـا‬
‫أين أنت أنت بين القبور‬
‫حيث دفنتا‬
‫ت وحركتني لهـا‬
‫وسـكـنـتـا‬
‫والسبيل التي سلـك‬
‫غفر الله لي ولـك‬
‫سوف يفنى ومالـك‬
‫كذاك خطوبه نـشـرا ً‬
‫وطـيا‬
‫شكوت إليك ما‬
‫صنعـت إلـيا‬
‫فلم يغني البكاء‬
‫عـلـيك شـيا‬
‫نفضت تراب قبرك‬
‫عـن يديا‬

‫وأنت اليوم أوعظ‬
‫وكانت في حياتك لي‬
‫منك حـيا‬
‫عضات‬
‫وكان إسماعيل بن القاسم ل يكاد يخلي شعر من تقدم من الخبار‬
‫والثار فينظم ذلك الكلم المشهود‪،‬ويناوله أقرب متناول‪ ،‬ويسرقه‬
‫أخفى سرقة‪.‬‬
‫فقوله‪:‬وأنت اليوم أوعظ منك حيا‪ ،‬إنما أخذه من قول الموبذ لقباد‬
‫الملك حيث مات ‪ ،‬فإنه قال في ذلك الوقت ‪:‬كان الملك أمسى أن‬
‫انطق منه اليوم‪ .‬وهو اليوم أوعظ منه أمس ‪.‬‬
‫واحذ قوله‪:‬‬
‫ت وحركتني لهـا‬
‫قد لعمري حكيت لي‬
‫وسـكـنـت‬
‫قصص المو‬

‫‪261‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫من قول نادب السكندر فإنه لما مات بكى من بحضرته فقال‬
‫نادبه حركنا بسكونه‪.‬‬
‫لسماعيل بن القاسم أيضا‬
‫وقال إسماعيل بن القاسم ‪:‬‬
‫حاسبوا أنفسهم‬
‫ياعجبا ً للناس لو‬
‫أبـصـروا‬
‫فكـرروا‪،‬‬
‫فإنما الدنيا لهم‬
‫وعبروا الدنيا إلى‬
‫مـعـبـر‬
‫غـيرهـا‬
‫معروف والشر هو‬
‫الخير مما ليس يخفى‬
‫المنكر‬
‫هو ال‬
‫والموعد الموت وما‬
‫حشر الموعـد الكـبـر‬
‫بعده ال‬
‫غدا ً إذا ضمهم‬
‫لفخر إل فخر أهل‬
‫المحـشـر‬
‫التقـى‬
‫البر كانا خير مـا‬
‫ن الناس ان‬
‫ليعلم ّ‬
‫يذخـر‬
‫الـّتـقـى‬
‫وهو غدا ً في قبره‬
‫عجبت للنسان في‬
‫يقـبـر‬
‫فخـره‬
‫ما بال من أّولـه‬
‫وجـيفة آخـره يفـخـر!‬
‫نـطـفة‬
‫يرجو ول تأخير ما‬
‫أصبح ل يملك تـقـديم‬
‫يحـذر‬
‫مـا‬
‫في كل ما يقضى وما‬
‫وأصبح المر إلـى‬
‫يقدر‬
‫غـيره‬
‫أما قوله‪:‬‬
‫وحاسبوا أنفسهم‬
‫ياعجبا ً للناس لو‬
‫أبصروا‬
‫فكـروا‬
‫فمأخوذ من قولهم‪ :‬الفكرة مرآة تريك حسنك من قبيحك‪ .‬ومن‬
‫ي لعاقل أن يخلي نفسه من أربعة أوقات‪:‬‬
‫قول لقمان لبنه‪ :‬يا بن ّ‬
‫فوقت منها يناجي فيه رّبه‪ ،‬وقت يحاسب فيه نفسه‪ ،‬ووقت يكسب‬
‫‪262‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫فيه لمعاشه‪ ،‬ووقت يخلي فيه بين نفسه وبين ذاتها‪ ،‬ليستعين بذلك‬
‫على سائر الوقات‪.‬‬
‫وقوله‪:‬‬
‫وعبروا الدنيا إلى‬
‫فإنما الدنيا لهم معبـر‬
‫غيرها‬
‫مأخوذ من قول الحسن‪ :‬اجعل الدنيا كالقنطرة تجوز عليها ول‬
‫تعمرها‪.‬‬
‫وقوله‪:‬‬
‫هو المعروف والشر‬
‫الخـير مـمـا لـيس‬
‫هو المنكر‬
‫يخـفـى‬
‫مأخوذ من حديث عبد الله بن عمر بن العاص‪ ،‬قال ‪ :‬قال رسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم‪":‬يا عبد الله كيف بك إذا بقيت في حثالة‬
‫من الناس مرجت عهودهم وأماناتهم‪ ،‬وصار الناس هكذا"‪.‬وشبه‬
‫بين أصابعه‪ ،‬فقلت‪ :‬مرني يا رسول الله‪ ،‬فقال "خذ ما عرفت"‬
‫مها"‪.‬‬
‫صة نفسك‪ ،‬وإياك وعوا ّ‬
‫ودع ما أنكرت‪ ،‬وعليك بخوي ّ‬
‫قوله صلى الله عليه وسلم‪":‬في حثالة الناس "أما الحثالة فهو ما‬
‫يبقى في الناء من ردي الطعام‪ ،‬وضربه مث ً‬
‫ل‪ .‬وقوله‪":‬مرجت‬
‫عهودهم"‪.‬يقول ‪ :‬اختلطت وذهبن بهم كل مذهب‪ ،‬يقال‪ :‬مرج الماء‬
‫إذا سال ولم يكن له مانع‪ ،‬قال الله عز و جل‪":‬مرج البحرين‬
‫يلتقيان"الرحمن‪.19:‬‬
‫وقوله‪:‬‬
‫ليعلمن الناس إن‬
‫والبر كانا خير ما يذخر‬
‫التقـى‬
‫مأخوذ من قول أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‪" :‬‬
‫إذا حشر الناس في صعيد واحد نادى منادٍ من قبل العرش‪:‬‬
‫ليعلمن أهل ل لموقف‪ ،‬من أهل الكرم اليوم? ليقم المتقون!ثم تل‬
‫رسول الله صلى الله وعليه وسلم‪ ":‬عن أكرمكم عند الله أتقاكم‬
‫" وقوله‪:‬‬
‫وجيفة آخره يفخـر‬
‫ما بال من أوله نطفة‬
‫مأخوذ منقول علي بن أبي طالب رشي الله عنه‪" :‬وما ابن آدم‬
‫والفخر إنما أوله نطفة‪،‬آخره جيفة‪ ،‬ل يرزق نفسه‪ ،‬ول يدفع حتفه‪.‬‬
‫لبن أبي عيينة‬
‫‪263‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وقال ابن أبي عيينة‪:‬‬
‫ما راح يوم على حي ول‬
‫ابتـكـرا‬
‫ول أنت ساعة في الدهر‬
‫فانصرمت‬
‫إن اللـيالـي واليام‬
‫أنـفـسـهـا‬

‫إل رأى عبرة فيه إن‬
‫اعـتـبـرا‬
‫حتى تؤثر في في قوم‬
‫لهـا أثـرا‬
‫عن غير أنفسها لم‬
‫تكتم الـخـيرا‬

‫فأخذ هذا المعنى حبيب بن أوس الطائي وجمعه في ألفاظ يسيرة‬
‫فقال‪:‬‬
‫لمن العجائب ناصح ل‬
‫عمري لقد نصح‬
‫يشفق‬
‫الزمان إنه‬
‫فزاد بقوله‪:‬ناصح ل يشفق على قول ابن أبي عيينة شيئا ً طريفًا‪،‬‬
‫وهكذا يفعل الحاذق بالكلم‪ .‬ولو قال قائل‪ :‬إن أقرب ما تأخذ منه‬
‫أبو العتاهية‪:‬‬
‫ليعلمن الناس أن‬
‫والبر كانا خير ما يذخر‬
‫التقـى‬
‫من قول خليل بن أحمد‪:‬‬
‫قال أبو الحسن‪ :‬زعم النسابون أنهم ل يعرفون أنهم منذ وقت‬
‫النبي صلى الله وعليه وسلم إلى الوقت الذي ولد فيه احمد أبو‬
‫الخليل أحدا ً سمي بأحمد غيره‪.‬‬
‫ذخرا ً يكون كصالح‬
‫وإذا افتقرت إلى‬
‫إلى العمال‬
‫الذخائر لم تجد‬
‫لكان قد قال قو ً‬
‫ل‪.‬‬
‫وقال العباس بن الفرح‪:‬‬
‫فمتى أفضي إلى‬
‫أملي من دونه أجلـي‬
‫إملي‬
‫للخليل بن أحمد‬
‫وقال الخليل بن أحمد‪ ،‬وكان مظر في النجوم فابعد ثم لم يرضها‬
‫فقال‪:‬‬
‫‪264‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫كافر بالذي قضته‬
‫الكواكب‬
‫ن بحتم من المهيمن‬
‫واجب‬

‫ابلغا عني المنـجـم‬
‫أنـي‬
‫عالم‪،‬أن ما يكون ومـا‬
‫كـا‬
‫لمحمد بن بشير يعيب المتكلمين‬
‫قال محمد بن بشير يعيب المتكلمين‪ ،‬أنشدنيه الرياشي‪:‬‬
‫وعن صنوف الهواء‬
‫يا سائلي عن مقالة‬
‫والبدع‬
‫الـشـيع‬
‫فما يقود الـكـلم ذو‬
‫دع من يقود الكلم‬
‫وزع‬
‫ة‬
‫نـاحـي ً‬
‫ثم يصيرون بعد‬
‫كل أناس بـد ّيهـم‬
‫للـ ّ‬
‫شـنـع‬
‫حـسـن‬
‫لم يك في قوله‬
‫أكثر ما فـيه أن يقـال‬
‫بمنقـطـع‬
‫لـه‬
‫وأنشد الرياشي لغيره‪:‬‬
‫في الدين بالرأي لم‬
‫قد نّقر الناس حتى‬
‫أحدثـوا بـدعـا ً‬
‫تبعث بها الّرسل‬
‫وفي الذي حملوا من‬
‫حتى استخف بحق الله‬
‫حقه شـغـل‬
‫أكـثـرهـم‬
‫وقال محمد بن بشير‪:‬‬
‫ومن تكون النار‬
‫ويل لمن لم يرحـم‬
‫مـثـواه‬
‫الـلـه‬
‫يذكرني الموت‬
‫يا حسرتا في كل يوم‬
‫وأنـسـاه‬
‫مضى‬
‫وعاش فالموت‬
‫من طال في الدنيا به‬
‫قـصـاره‬
‫عمره‬
‫قد كنت آتـيه‬
‫كأنه قد قيل في‬
‫وأغـشـاه‬
‫مجـلـس‬
‫صار البشيري إلـى‬
‫يرحـمـنـا الـلـه وإّياه‬
‫ربـه‬
‫وقال أيضُا‪:‬‬
‫‪265‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫أي صفو إل إلـى‬
‫تـكـدير‬

‫ونـعـيم إل إلـى تـغـيير‬
‫ليس رهنا ً لنا بيوم‬
‫عـسـير‬
‫أنا فيها على شفا‬
‫تـغـرير!‬
‫ت أو عذاب‬
‫إذا م ّ‬
‫السـعـير‬
‫هما بعدة يصير‬
‫مـصـيري‬
‫م به تبرز الّنعـاة‬
‫سـريري‬
‫كنت حسنا ً بهمم كثير‬
‫المرور‬
‫قيل هذا محمد بـن‬
‫بـشـير‬

‫وسـرورٍ ولـذ ّةٍ وحـبـوٍر‬
‫عجبا ً لي ومن رضاي‬
‫بدنـيا‬
‫عالم ل أشك أني إلى‬
‫الـلـه‬
‫ثم ألهو ولست أدري‬
‫إلـى أي‬
‫ي أفظـع‬
‫أي يوم عل ّ‬
‫مـن يو‬
‫كلما مّر بي على أهـل‬
‫نـادٍ‬
‫قيل‪ :‬من ذا على‬
‫سرير المنايا‬
‫للحكمي أبي نواس أيضا ُ‬
‫وقال الحكمي أبو نواس‪:‬‬
‫كأنك لتظن الموت‬
‫أخي ما بال قلبك‬
‫حـقـا ً‬
‫ليس ينفـي‬
‫أما والله ما ذهبوا‬
‫أل يا أبن الذين فنـوا‬
‫لتبـقـى‬
‫وبـادوا‬
‫وما أحد بزادك منك‬
‫وما أحد بزادك منك‬
‫أشقـى‬
‫أحظـى‬
‫إذا جعلت إلى‬
‫ول لك غير تقوى‬
‫الّلهوات ترقى‬
‫الـلـه زاد ٌ‬
‫ومما يستحسن من شعره قوله‪:‬‬
‫قد بلوت المر من‬
‫ل أذود الطير عن‬
‫ثمرة‬
‫شجر‬
‫فمثل هذا لو تقدم لكان في صدور المثال‪ ،‬كذالك قوله أيضًا‪:‬‬
‫منك المعروف من‬
‫ي‬
‫فامض لتمنن علـ ّ‬
‫‪266‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫يدا ً‬
‫كدرة‬
‫وكان يقول ‪ :‬ذكر المعروف من المنعم إفساد له‪ ،‬وكتمانه من‬
‫النعم عليه كفر له‪ ،‬وفي الشعر أبيات مختارة ‪ ،‬فمنها‪:‬‬
‫وتراءى الموت في‬
‫ج القـنـا عـلـقـا‬
‫وإذا م ّ‬
‫صورة‬
‫أسد يدمى شبـا‬
‫راح في ثنيي‬
‫ظـفـره‬
‫مفاضـتـه‬
‫ثقة بالشبع مـن‬
‫تتأّبى الـطـير غـدوتـه‬
‫جـزره‬
‫حسبك العباس من‬
‫فاسل عن نوء‬
‫مطـره‬
‫تـؤمـلـه‬
‫ل تع ّ‬
‫طى عنـه‬
‫بربـا واد ول خـمــره‬
‫مـكـرمة‬
‫ذللت تلك الفجاج له=فهو مجتاز على بصره وقد عابوا عليه قوله‪:‬‬
‫من رسول الله من‬
‫كيف ل يدنيك من‬
‫نفره‬
‫أمـل‬
‫وهو لعمري كلم مستهجن موضوع في غير موضعه ‪ ،‬لن حق‬
‫رسول الله صلى الله وعليه وسلم أن يضاف إليه‪ ،‬ول يضاف إلى‬
‫غيره‪ ،‬ولو اتسع متسع فأجراه في باب الحيلة لخرج على‬
‫الحتيال ‪ ،‬ولكنه عسر موضوع في غير موضعه ‪ ،‬وباب الحتيال‬
‫فيه أن‪ ،‬تقول‪ :‬قد يقول القائل من بني هاشم لغيره من أفناء‬
‫قريش‪ :‬منا رسول الله صلى الله وعليه وسلم ‪ ،‬وحق هذا أ‪،‬ه من‬
‫القبيل الذي أنا منه‪ .‬فقد أضاف إلى نفسه‪ ،‬وكذلك يقول القرشي‬
‫لسائر العرب ‪ ،‬كما قال حسان بن ثابت‪:‬‬
‫دعائم عز لترام‬
‫مازال في السلم من‬
‫ومـفـخـر‬
‫آل هاشم‬
‫ي ومنهم أحمد‬
‫بهاليل منهم جعفر‬
‫عل ّ‬
‫المتـخـّير‬
‫وابـن أمـه‬
‫فقال‪ :‬منهم كما قال من نفره ‪ ،‬من النفر الذين العباس هذا‬
‫الممدوح منهم‪.‬‬
‫ي ومنهم أحمد‬
‫وأما قول ح ّ‬
‫سان ‪ :‬منهم جعفر وابن أبن أمه عل ّ‬
‫‪267‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫المتحيز فإن‪ ،‬العرب إذا كان العطف بالواو قدمت وأخرت ‪ ،‬قال‬
‫الله تبارك وتعالى‪ ":‬هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن"‬
‫التغبان ‪ ،2‬وقال‪ ":‬يا معشر الجن والنس"الرحمن ‪ ،33‬وقال‪":‬‬
‫واسجدي واركعي مع الراكعين"آل عمران ‪ ،43‬ولو كان بثم أو‬
‫بالفاء لم يصلح إل تقديم المقدم‪ ،‬ثم الذي يليه واحدًا‪ :‬أحدا‪.‬‬
‫وأما قوله في هذا الشعر‪:‬‬
‫وكريم العم من‬
‫ن‬
‫وكريم الخال من يمـ ٍ‬
‫مضره‬
‫فأضاف مضر إليه ‪ ،‬فهو كلم ل يمنع منه ممتنع ‪ ،‬قال علي بن أبي‬
‫طالب رضي الله تعالى عنه يوم الحمل للشتر وهو مالك بن‬
‫الحارث أخذ النخع ابن مرو بن علة بن جلد وكان على الميمنة‪:‬‬
‫احمل ‪ .‬في أصحابه فكشف من بإزائه‪ ،‬ثم قال لهاشم بن عتبة بن‬
‫مالك أحد بني زهرة بن كلب وكان على المسيرة احمل ‪ .‬فحمل‬
‫ي رضي الله عنه‬
‫في المضرية فكشف من بإزائه‪ .‬فقال عل ّ‬
‫لصحابه‪ :‬كيف رأيتم مضري‬
‫ويمني! ???????????????????????????????????????????‬
‫????????????????????????????????????فأضاف القبيلتين‬
‫إلى نفسه‪،‬قال جرير‪:‬‬
‫إن الذين ابتنوا مجدا ً‬
‫تلكم قريشي والنصار‬
‫أنصاري‬
‫ة‬
‫ومكـرم ً‬
‫لسحاق بن خلف البهراتي‬
‫ومما يستحسن من أشعار المحدثين قول إسحاق بن خلف‬
‫البهراتي‪ ،‬ونسبه في بني حنيفة لسباء وقع عليه‪ ،‬يقول لعلي بن‬
‫عيسى بن مريم بن موسى بن طلحة الشعري المعروف بالقمي‪:‬‬
‫بكيدك يوم كيوم‬
‫وللكرد منـك إذا‬
‫الـحـمـل‬
‫زرتـهـم‬
‫مواهب غير النطاف‬
‫ومازال عيسى بن‬
‫المكل‬
‫موسى له‬
‫لنقض الترات وضرب‬
‫لسل السيوف وشق‬
‫القلل‬
‫الصفوف‬
‫تريك المنا برؤوس‬
‫ولبس العجاجة‬
‫‪268‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫السـل‬
‫والخافـقـات‬
‫عروس المنية بين‬
‫وقد كشرت عن شبا‬
‫الشعـل‬
‫نابـهـا‬
‫كأن عليهم شروق‬
‫وجاءت تهادى‬
‫الطفـل‬
‫وأبـنـاؤهـا‬
‫جهول تطيش على‬
‫س نطوق إذا‬
‫خرو ٌ‬
‫من جهل‬
‫استنطقت‬
‫رؤوسا ً تحادر قبل‬
‫إذا خطبت أخذت‬
‫النـقـل‬
‫مهـرهـا‬
‫وحث الكؤوسه في‬
‫ألد إليه من‬
‫يوم طل‬
‫المسـمـعـات‬
‫معاط له بمزاح‬
‫وشرب المدام ومن‬
‫الـقـبـل‬
‫يشتهـيه‬
‫تسافه أشدقها في‬
‫بعثنا الّنواعج تحت‬
‫الـجـدل‬
‫الرحـال‬
‫ث‬
‫إذا ما حدين بمـدح‬
‫سبقن لحاظ المح ّ‬
‫العجـل‬
‫المـير‬
‫قوله‪ :‬تريك المنا يريد المنايا وهذه كلمة تخف على ألسنتهم‬
‫فيحذفونها‪ ،‬وزعم الصمعي أنه سمع العرب تقول‪ :‬درس المنا ‪،‬‬
‫يريدون المنازل‪ ،‬وجاء في التخفيف أعجب من هذا‪ ،‬حدثنا بعض‬
‫أصحابنا عن الصمعي وذكره سيبويه في كتابه ولم يذكر قائله‪،‬‬
‫ولكن الصمعي قال‪ :‬كان أخوان متجاوران ل يكلم كل واحد منهما‬
‫صاحبه سائر سنته حتى يأتي وقت الرعي‪.‬فيقول أحدهما لصاحبه ‪:‬‬
‫ألتا? فيقول الخر‪ :‬بلى فا ‪ ،‬يريد‪ :‬أل تنهض? فيقول الخر‪،‬‬
‫فأنهض ‪ .‬وحكى سيبويه في هذا الباب‪:‬‬
‫ول أريد الشر إل أن‬
‫ت وإن‬
‫بالخير خيرا ٍ‬
‫تـا‬
‫شرا ً فا‬
‫يريد‪ :‬وإن شرا ً فشر‪ ،‬ول أريد الشر إل أن تريد‪.‬‬
‫وهذا خلف ما تستعمله الحكماء‪ ،‬فإنه يقال‪ :‬إن اللسان إذا كثرت‬
‫حركته‪ ،‬رقت عذ بته‪.‬‬
‫وحدثني أبو عثمان الجاحظ قال‪ :‬قال لي محمد الجهم ‪ :‬لما كانت‬
‫‪269‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ة‬
‫أيام الّزط أدمنت الفكر‪ ،‬وأمسكت عن القول‪ ،‬فأصابتني حبس ً‬
‫في لساني‪.‬‬
‫وقال رجل من العراب يذكر آخر منهم‪:‬‬
‫س‬
‫كأن فيه لفـفـا ً إذا‬
‫من طوال تحبي ٍ‬
‫وهم وأرق‬
‫نـطـق‬
‫وقال رجل لخالد بن صفوان‪ :‬إنك لتكثر‪ ،‬فقال‪ :‬أكثر لضربين‪:‬‬
‫أحدهما فيما لتغني فيه القّلة‪ ،‬والخر لتمرين اللسان ‪ ،‬فإن حبسه‬
‫يورث العقلة‪.‬‬
‫وكان خالد يقول‪ :‬ل تكون بليغا ً حتى تكلم أمتك السوداء في الليلة‬
‫الظلماء‪ ،‬في الحاجة المهمة ‪ ،‬بما تكلم به في نادي قومك‪ ،‬فإنما‬
‫اللسان عضوٌ إذا مرنته‪ ،‬مرن‪ ،‬وإذا أهملته خار‪ ،‬كاليد التي تخشنها‬
‫بالممارسة‪ ،‬والبدن الذي تقويه برفع الحجر وما أشبه‪ ،‬والّرجل إذا‬
‫عودته المشي مشت‪.‬‬
‫وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه‪ :‬ل تزالون أصحاء ما نزعتم‬
‫ونزوتم‪.‬فتزعم في القسي‪ ،‬نزوتم على طهور الخيل‪.‬‬
‫وقال بعض الحكماء ‪ :‬ل ينبغي للعاقل إن يخلي نفسه من ثلث في‬
‫غير إفراط الكل‪ ،‬والمشي‪ ،‬والجماع ‪.‬فأما الكل فإن المعاء‬
‫تضيق لتركه‪ ،‬وكان ابن الزبير رحمه الله يواصل فيما ذكروا بين‬
‫خمس عشرة من يوم وليلة‪،‬ثم يفطر على سمن وصبر ليفتق‬
‫أمعاءه‪ .‬قال أبو العباس‪ :‬قال الول‪ :‬والمشي‪ ،‬إن لم تتعهده‬
‫مت ‪ ،‬وإن‬
‫أوشكت ان تطلبه فل تجده‪ ،‬والجماع كالبئر إن نزحت ج ّ‬
‫تركت تحّير ماؤها‪ ،‬وحق هذا كله القصد‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬كأن عليهم شروق ال ّ‬
‫طفل يريد‪ :‬تألق الحديد‪ ،‬كأنه شمس‬
‫طالعة عليهم‪ ،‬وإن لم تكن شمس وأحسن من هذا قوله سلمه بن‬
‫جندل‪:‬‬
‫كأن الّنعام باض فوق رؤوسهم‬
‫وأعينهم تحت الحديد جواحـم‬
‫فهذا التشبيه المصيب‪ :‬وأما قوله‪ :‬أحب إليه من المسمعات فقد‬
‫قال مثله القاسم بن عيسى بن إدريس أبو ذلف العجلي‪:‬‬
‫لهوي‪ ،‬ويوم في قتال‬
‫يوماي يوم في أويس‬
‫‪270‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫كالدمى‬
‫هذا حليف غلئل‬
‫مكـسـوة‬
‫ولذاك خالصة الدروع‬
‫مٌر‬
‫وض ّ‬
‫وليومهن الفضل لـول‬
‫لـ ّ‬
‫ذة‬

‫الديلـم‬
‫مسكا ً وصافية كنضح‬
‫العندم‬
‫يكسوننا رهج الغبار‬
‫القتـم‬
‫ي‬
‫سبقت بطعن ال ّ‬
‫ديلم ّ‬
‫المعلم‬

‫وأول هذه القصيدة طريق مستملح‪ ،‬وهو‪:‬‬
‫وحالف ذا الصبوة‬
‫المختبل‬

‫طواه الهوى فطوى‬
‫من عدل‬
‫وأما قوله‪:‬‬
‫تسافه أشداقها في الجدلفتسافه من السفه‪ ،‬وإنما يصفها‬
‫بالمرح‪ ،‬زانها تميل ذا كذا مرة‪ ،‬كما‬
‫قال رؤية‪:‬يمشي العرضنى في الحديد المتقنوكما قال‬
‫الخر‪:‬‬
‫وإن آنست حسا من السوط عارضت‬
‫والجدل‪ :‬جمع جديل وهو الزمام المجدول‪ ،‬كما تقول‪ :‬قتيل‬
‫ومقتول‪ ،‬وأدنى العدد أجدلة‪ ،‬كقولك‪ :‬قضيب وقضب وأقضبة‪،‬‬
‫وكذلك كثيب ورغيف وجريت‪ ،‬وفعلن في المثير ‪ ،‬يقال قضبان‬
‫ورغيفان وجربان‪ ،‬ومثل قوله‪.‬‬
‫تسافه أشداقها في الجدل قول حبيب بن أوس الطائي‪:‬‬
‫بدا فضل السفيه على‬
‫سفيه الرمح جاهله إذا‬
‫الحليم‬
‫مـا‬
‫لسحاق أيضا ُ يمدح الحسن بن سهل‬
‫ومما يستحسن من شعر إسحاق هذا قوله في الحسن بن سهل‪:‬‬
‫إل امرؤ واضع كفا‬
‫باب المير عـراء مـا بـه‬
‫عـلـى ذقـن‬
‫أحـد‬
‫هذا المير ابن سهل‬
‫قالت وقد أملت ما كـنـت‬
‫‪271‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫آمـلـه‬
‫كفيتك الناس ل تلقى أخـا‬
‫طـلـب‬
‫إن الرجاء الذي قد كـنـت‬
‫آمـلـه‬
‫في الله منه وجدوى كفـه‬
‫ف‬
‫خـلـ ٌ‬

‫حاتم الـيمـن‬
‫بفيء دارك يستعدي‬
‫على الـزمـن‬
‫وضعته ورجاء الناس في‬
‫كـفـن‬
‫ليس السدى والندى في‬
‫راحة الحسن‬

‫وإسحاق هذا هو الذي يقول في صفة السيف‪:‬‬
‫أمضى من الجل‬
‫ألقى بجانـب خـصـره‬
‫المتاح‬
‫ء عليه أنفاس الـرياح‬
‫وكأنـمـا ذر الـهـبـا‬
‫إسحاق هذا هو الذي يقول في مدح العربية‪:‬‬
‫والمرة تكرمه إذا‬
‫النحو يبسط من‬
‫يلحـن‬
‫لسان اللكن‬
‫فاجلها منها مقيم‬
‫وإذا طلبت من‬
‫اللسـن‬
‫العلوم اجلها‬
‫وقال أبو العباس‪ :‬واحسبه أخذ قوله‪ :‬والمرء تكرمه إذا لم‬
‫يلحن من حديث حدثناه أبو عثمان الخز اعي عن الصمعي‬
‫قال‪ :‬كان يقال‪ :‬ثلثة يحكم لهم بالنبل حتى يدرى من هم‪ :‬رجل‬
‫رأيته راكبًا‪ ،‬أو سمعته يعرب‪ ،‬أو شممت منه طيبًا‪ .‬وثلثة يحكم‬
‫عليهم بالستصغار حتى يدري من هم‪ .‬وهم‪ :‬بالفارسية‪ ،‬أو رجل‬
‫رأيته على ظهر طريق ينازع في القدر‪.‬‬
‫لشاعر في عبد الله بن طاهر‬
‫قال أبو العباس‪ :‬أنشدني أحد المراء لشاعر من أهل الري‬
‫يكنى أبا يزيد‪ ،‬شيئا ً يقوله لعبد الله بن طاهر أحسن فيه وأصاب‬
‫الفص‪ ،‬وقصد بالمدح إلى معدنه‪،‬واختاره لهله‪:‬‬

‫‪272‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫في شاذ مهر ودع‬
‫اشرب هنيئا ً عليك‬
‫التاج مرتفعـا ً‬
‫غمدان لليمن‬
‫من هوذة بن علي‬
‫فأنت أولى بتاج الملك‬
‫وابن ذي يزن‬
‫تلبـسـه‬
‫فأحسن الترتيب جدا ً ‪ ،‬وإن كانت الملوك كلها تلبس التاج في ذلك‬
‫الدهر‪.‬‬
‫وإنما ذكر ابن ذي يزن لقول أمية بن أبي الصلت الثقفي حيث‬
‫يقول‪:‬‬
‫في رأس غمدان دارا ً‬
‫اشرب هنيئا ً عليك التاج‬
‫مرتفـعـا ً‬
‫منك محلل ً‬
‫وقال العشى في هوذة بن علي ‪ ،‬وإن لم يكن هوذة ملكًا‪:‬‬
‫إذا تعمم فـوق الـتاج‬
‫من ير هوذة يسجد‬
‫أو وضعا‬
‫غير متئب‬
‫صواغها لترى عـيبـا ً‬
‫له أكاليل بالـياقوت‬
‫ولطبعا ً‬
‫فصلهـا‬
‫وزي قال‪ :‬سمعت أبا عبيدة يقول عن‬
‫وقال أبو العباس‪ :‬وحدثني الت ّ ّ‬
‫أبي عمرو‪ ،‬قال ‪ :‬لم يتتوج معدي قط ‪،‬‬
‫وإنما كانت التيجان لليمن‪ ،‬فسأليه عن هوذة بن علي الحنفي ‪ ،‬إنما‬
‫خرزات تنظم له‪.‬‬
‫قال أبو العباس‪ :‬وقد كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى‬
‫هوذة بن علي يدعوه كما كتب إلى الملوك‪ ،‬وكان يجيز لطيمة‬
‫كسرى في البر بجنبات اليمامة‪ .‬واللطيمة‪ :‬البل تحمل الطيب‬
‫والبر‪ .‬ووفد هوذة بن علي على كسرى بهذا السبب فسأله عن‬
‫بنيه‪ ،‬فذكر منهم عددا ً فقال‪ :‬أيهم أحب إليك? فقال‪ :‬الصغير حتى‬
‫يكبر‪،‬والغائب حتى يقدم‪ ،‬والمريض حتى يصح ‪ .‬فقال له كسرى‪:‬‬
‫ماغذاؤك في بلدك? فقال‪ :‬الخبز‪ ،‬فقال كسرى لجلسائه ‪ :‬هذا‬
‫عقل الخيز‪ ،‬يفضله على عقول أهل البوادي الذين يغتذون اللبن‬
‫والتمر‪.‬‬
‫‪273‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‪ :‬لقد هممت أل‬
‫ة إل من قرشي أو أنصاري أو‬
‫أقبل هدية ويروى ‪ :‬أن ل أتهب هب ً‬
‫ثقفي ‪ .‬وروى بعضهم ‪ :‬أو دوسي وذلك أن أعرابيا ً أهدى إليه هدية‬
‫فمن بها‪ ،‬فذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل المصار‬
‫تفضيل ً على أهل البوادي‪.‬‬
‫لعبد الله بن محمد بن أبي عيينه‬
‫وقال عبد الله بن محمد بن أبي عيينه يعاتب رجل ً من الشراف‪:‬‬
‫فحال الستر دونك‬
‫أتيتك زائرا ً لقضـاء‬
‫والحجاب‬
‫حـق‬
‫كأن إخاءه الل‬
‫وعندك معشر فيهم‬
‫السـراب‬
‫أخ لـي‬
‫وإن كرهوا كما يقع‬
‫ولست بساقط في‬
‫الذباب‬
‫قدر قـوم‬
‫بجانبه إذا عـز‬
‫ورائي مذهب عن كل‬
‫الـذهـاب‬
‫نـاء‬
‫وقال أيضًا‪:‬‬
‫كنا ملوكـا ً إذا كـان‬
‫أولـنـا‬
‫كانوا جبال ً عـزا يلذ‬
‫بـهـا‬
‫كانوا بهم ترسل‬
‫السماء على ال‬
‫ل يرتق الراتقون إن‬
‫فتـقـوا‬
‫ة‬
‫ليسوا كمعزى مطير ٍ‬
‫بـقـيت‬
‫والضعف والجبن عنـد‬
‫ة‬
‫نـائب ٍ‬
‫ن بالناس‬
‫لهذا زما ٌ‬
‫ب‬
‫منـقـلـ ٌ‬

‫للجود والبأس والعل‬
‫خلـقـوا‬
‫ت بالوبل‬
‫ورائحا ٍ‬
‫تـنـبـعـق‬
‫أرض غياثا ً ويشـرق‬
‫الفـق‬
‫فتقا ً ول يفتقون‬
‫مـارتـقـوا‬
‫ة‬
‫فما بها من سـحـاب ٍ‬
‫لـثـق‬
‫تنوبهم والحـذار‬
‫والـفـرق‬
‫ً‬
‫ن جـديده‬
‫ظهرا لبط ٍ‬
‫خـلـق‬
‫‪274‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫السد فيه على‬
‫بـراثـنـهـا‬

‫ت تـكـاد‬
‫مستأخرا ٌ‬
‫تـمـزق‬

‫وكان سبب قوله هذا الشعر أن إسماعيل بن جعفر بن سليمان بن‬
‫علي بن عبد الله بن العباس كان له صديقا ً ‪ ،‬وكان عبد الله بن‬
‫محمد بن أبي عيينه من رؤساء من اخذ البصرة للمأمون في أيام‬
‫المخلوع‪ ،‬وكان معاضدا ً لطاهر بن الحسين في حروبه‪ ،‬وكان‬
‫إسماعيل بن جعفر جليل القدر‪ ،‬مطاعا ً في مواليه وأهله‪،‬وكانت‬
‫الحال بينهما ألطف حال‪ ،‬فوصله ابن أبي عيينه بذي اليمينين فوله‬
‫البصرة وولى ابن أبي عيينه اليمامة والبحرين وغوص البحر فلما‬
‫رجعا إلى البصرة تنكر إسماعيل لبن أبي عيينه‪ ،‬فهاج بينهما من‬
‫التباعد على مثال ما كان بينهما من المقاربة‪،‬ثم عزل ابن أبي‬
‫عيينه فلم يزل يهجو من أهله من يواصل إسماعيل ‪ ،‬وكان أكبر‬
‫أهله قدرا ً في ذلك الوقت يزيد بن المنجاب‪ ،‬وكان أعود قائم العين‬
‫لم يطاع على علته إل بشعر ابن أبي عيينه ‪ ،‬وكان منهم‪ .‬وكان‬
‫سيد أهل البصرة محمد بن عباد بن حبيب بن الملهب ‪ ،‬ومنهم‬
‫سعيد بن المهلب بن المغيرة بن حرب بن محمد بن ملهب بن أبي‬
‫صفرة‪ ،‬وكان قصيرًا‪ ،‬وكان ابن عباد احول‪ ،‬فذلك حيث يقول ابن‬
‫أبي عيينه في هذا الشعر الذي أمليناه‪:‬‬
‫في زمن سرو أهله‬
‫تستقدم النعجتان‬
‫الملق‬
‫والـبـرق‬
‫كأنه بين أسطرٍ لحق‬
‫عور وحول ثالث لهم‬
‫ولهم يقول ولثنين ظن أنهما معهم‪ ،‬وقد مروا به يريدون إسماعيل‬
‫بن جعفر‪:‬‬
‫يعدون من أبنـاء آل‬
‫ط خـمـسةٍ أو‬
‫أل قل لرهـ ٍ‬
‫الـمـلـهـب‬
‫ثـلثة‬
‫دجاج القرى مبثوثة حول‬
‫على باب إسماعيل روحوا‬
‫ثعـلـب‬
‫وبكـروا‬
‫يسر لكم حبا هو الحـب‬
‫وأثنوا عليه بـالـجـمـيل‬
‫واقـلـب‬
‫فـإنـه‬

‫‪275‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫يلين لكم عنـد الـلـقـاء‬
‫مـواربـا ً‬
‫ولول الذي تولونه‬
‫لـتـكـشـفـت‬
‫أبعد بـلئي عـنـده إذا‬
‫وجـدتـه‬
‫به صدأ قـد عـابـه‬
‫فـجـلـوتـه‬
‫وركبته فـي خـوط نـبـع‬
‫وريشة‬
‫فما إن أتـانـي مـنـه إل‬
‫مـبـوأ‬
‫ففللـت مـنـه حـده‬
‫وتـركـتـه‬
‫دنـي‬
‫رضيتم بأخلق الـ ّ‬
‫وعـفـتـم‬
‫وفي هذا يقول لطاهر بن‬
‫الحسين‪:‬‬

‫ت‬
‫يخالفكم منه بـنـا ٍ‬
‫ومـخـلـب‬
‫ة‬
‫سريرته عن بغـض ٍ‬
‫وتـعـصـب‬
‫طريحا ً كنصل القدح لمـا‬
‫يركـب‬
‫بكفي حتى ضوؤه ضوء‬
‫كـوكـب‬
‫بقادمتي نسر ومـتـن‬
‫مـعـقـب‬
‫إلي بنصل كـالـحـريق‬
‫مـذرب‬
‫كهدية ثوب الخـز لـمـا‬
‫يهـدب‬
‫خلئق ماضيكم من الـعـم‬
‫والب‬

‫ث إذا‬
‫إذا تغيب مـلـتـا ٍ‬
‫ث‬
‫مالي رأيتك تدني منتك ٍ‬
‫حـضـرا‬
‫حتى إذا نفخت في انـفـه‬
‫إذا تنسم ريح الـغـدر‬
‫غـدرا ً‬
‫قـابـلـهـا‬
‫‪ 3‬ومن يجيء على التقرب منك له=وأنت تعرف فيه الميل‬
‫والصعرا‬
‫في ا لرأس حيث احل‬
‫أحلك الله مـن قـحـطـان‬
‫السمع والبصرا‬
‫ة‬
‫مـنـزل ً‬
‫ولربـيعة كـل ل ول‬
‫فل تضع حق قحطان‬
‫مـضــرا‬
‫فتغـضـبـهـا‬
‫وأول كل بما أولـى ومـا‬
‫أعط الرجال على مقدار‬
‫صـبـرا‬
‫أنفـسـهـم‬
‫ل تمحق النيرين الشمس‬
‫ول تقولن وإنـي لـسـت‬
‫‪276‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫والـقـمـرا‬

‫مـن أحـد‬
‫وقول له في أخرى‪:‬‬
‫إذا نـــزلـــت بـــي خـــطة ل أشـــاؤهـــــ‬
‫ـسـلــيم لـــلـــه والـــرضـــا‬
‫كرام رجـــت أمـــرا ً فـــخـــاب رجـــاؤهــ‬
‫ســـالـــمـــين بـــأنـــفـــس‬
‫تؤوب وفـــيهـــا مـــاؤهـــا وحـــياؤهــــــا‬
‫ير الـــغـــنـــيمة إنـــهـــا‬
‫ر التي إن تقدمت أو استأخرت‬
‫داؤها‬
‫له ريق أفـــعـــى ليصــــــاب دواؤهـــــــ‬
‫ل انه عداوتي‬
‫ولما حمل إسماعيل مقيدا ً ومعه أبناه أحدهما في سلسلة مقرونا ً‬
‫معه‪ ،‬وكان الذي تولى ذلك أحمد بن أبي خالد في قصة كانت‬
‫لسماعيل أيام الخضرة فقال ابن أبي عيينه في ذلك‪:‬‬
‫ه معا ً فـي السـراء‬
‫مّر إسماعـيل وابـنـا‬
‫ل‬
‫جالسا ً في محم‬
‫ٍ‬
‫ك على غير وطـاء‬
‫ٍ‬
‫ضـن‬
‫يتغنى القيد في‬
‫ه ألـوان الـغـنــاء‬
‫رجلـي‬
‫اه من طول البـكـاء‬
‫باكـيا ً ل رقـأت عـين‬
‫ن وفي الخوف ابن‬
‫دجن في‬
‫يا عقاب ال ّ‬
‫ماء‬
‫الم‬
‫وقد كان تطير عليه بمثل ما نزل به‪ ،‬فمن ذلك قوله‪:‬‬
‫ول هزال ً في دولة‬
‫ل تعدم العزل يا أبا‬
‫الـسـمـن‬
‫الـحـسـن‬
‫إلى ديار الـبـلء‬
‫ول انتقـال ً مـن دار‬
‫والـفـتـن‬
‫ة‬
‫عـافـي ٍ‬
‫أرض وترك الحباب‬
‫ول خروجا ً إلى القفـار‬
‫والوطـن‬
‫مـن ال‬
‫و دلجةٍ في بـقـية الـو‬
‫كم روحه فيك لـي‬
‫سـن‬
‫ة‬
‫مـهـجـر ٍ‬
‫بصرة عين المصار‬
‫في الحر والقّر كي‬
‫والـمـدن‬
‫تولى على ال‬
‫ما صورةٌ صورت فلم‬
‫إني أحـاجـيك يا أبـا‬
‫‪277‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫تـكـن?‬
‫ن‬
‫حـسـ ٍ‬
‫ف لـم‬
‫ي في العين‬
‫لو وزنوه بـا لـّز ّ‬
‫وما به ّ‬
‫يزن?‬
‫مـنـظـره‬
‫ملن مـن سـوٍء ومـن‬
‫ظاهـره رائعٌ وبـاطـنـــه‬
‫درن‬
‫وهذا الشعر اعترض له فيه عمر بن زعبل‪ ،‬مولى بني مازن بن‬
‫مالك بن عمرو بن تميم‪ ،‬وكان منقطعا ً إلى إسماعيل وولده‪ ،‬وكان‬
‫ل يبلغ ابن أبي عيينه في الشعر ول يدانيه‪ ،‬ومن أمثل شعره وما‬
‫اعترض له به قوله‪:‬‬
‫فطرة باع الرباح‬
‫ف على‬
‫إني أحاجيك ما حني ٌ‬
‫بالـغـبـن‬
‫ال‬
‫وما شيي ٌ‬
‫خ من تحت‬
‫معلقٌ نعله على غـصـن?‬
‫سـدرتـه‬
‫قد عّريت من مقابض‬
‫ة‬
‫ف حمـٌر مـصـقـل ٌ‬
‫ما سيو ٌ‬
‫السفن?‬
‫تخشى خيوط الكتان‬
‫م صـفـٌر‬
‫وما سهـا ٌ‬
‫والقطـن?‬
‫ة‬
‫وف ٌ‬
‫مـجـ ّ‬
‫ض تسل نفـسـه مـن‬
‫وما ابن ماٍء إن‬
‫الذن?‬
‫يخرجوه إلى الر‬
‫خلف فتهوي قصدا ً‬
‫وما عقاب زوراء‬
‫على سنن?‬
‫تلـحـم مـن‬
‫نيطا ً إليها بـجـذوتـي‬
‫لها جناحـان يحـفـزان‬
‫وسـن‬
‫بـهـا‬
‫يدفع و ماني في النار‬
‫يا ذا اليمينين اضرب‬
‫في قرن‬
‫عـلوتـه‬
‫فأجاب إبراهيم السواق مولى آل المهلب وكان مقدما ً في الشعر‬
‫بأبيات ل أحفظ اكثرها‪ ،‬منها‪:‬‬
‫فانـــتـــحـــروا فـــي تـــطـــاول الـــزمـ‬
‫ي أبـــي حـــســـــــن‬
‫لبسر بن داود بن يزيد بن حاتم بن‬

‫وحـــربـــك تـــلـــتـــظـــي لـــهــــبـــــــ‬
‫‪278‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ك لـــم تـــســـتـــحـــســـن الـــهـــربــــ‬

‫ــــــــــــــت‬
‫ومن شعره السائر‪:‬‬
‫وبالهجران قبلـكـم‬
‫هبيني يا معذبـتـي‬
‫بـدأت‬
‫أسـأت‬
‫ي إذا أسأت كما‬
‫فأين الفضل منك‬
‫عل ّ‬
‫أسـأت!‬
‫فدتك نفسي‬
‫ولبن أبي عيينه في هذا المعنى أشعار كثيرة في معاتبات ذي‬
‫اليمينين وهجاء إسماعيل وغيره‪ ،‬سنذكرها بعد في هذا الكتاب إن‬
‫شاء الله تعالى‪.‬‬
‫ومن شعره المستحسن قوله في عيسى بن سليمان بن علي بن‬
‫عبد الله بن العباس‪ ،‬وكان تزوج امرأة منهم يقال لها فاطمة بنت‬
‫عمر بن حفص هزارمرد‪ ،‬وهو من ولد قبيصة بن أبي صفرة‪ ،‬ولم‬
‫يلده المهلب‪ ،‬وكان يقال لبي صفرة ظالم ين سّراق‪:‬‬
‫ل غـير‬
‫أفاطم قد زوجت عيسى‬
‫بذل لـديه عـاجـ ٍ‬
‫آجـل‬
‫فـأيقـنـي‬
‫فتى من بني العباس‬
‫فإنك قد زوجت من غـير‬
‫ليس بعـاقـل‬
‫ة‬
‫خـبـر ٍ‬
‫وإن كان حر الصل عبد‬
‫فإن قلت من رهط النبـي‬
‫الشمـائل‬
‫فـإنـه‬
‫وما ظفرت كفاك منـه‬
‫فقد ظفرت كفاه مـنـك‬
‫بـطـائل‬
‫بـطـائل‬
‫أقاويل حتى قالـهـا كـل‬
‫وقد قال فيه جعـفـر‬
‫قـائل‬
‫ومـحـمـد ٌ‬
‫وفي السر منا والذرا‬
‫وما قلت ما قـال لنـك‬
‫والكـواهـل‬
‫أخـتـنـا‬
‫بأن صررت منه في‬
‫لعمري لقد أثبته فـي‬
‫محلل الحلئل‬
‫نـصـابـه‬
‫إذا ما بنو العباس يومـا ً‬
‫عرا المجد وابتاعوا كرام‬
‫الفضائل‬
‫تـبـادروا‬
‫إلى بيع بياحاتـه‬
‫رأيت أبا العباس يسمو‬
‫والـمـبـاقـل‬
‫بـنـفـسـه‬
‫‪279‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ليخرج بيضا ً من فراريج‬
‫يرخم بيض العام تحـت‬
‫قابـل‬
‫دجـاجـه‬
‫ة ونجدةٌ‬
‫وقال أبو العباس‪ :‬وولد عيسى من فاطمة هذه لهم شجاع ٌ‬
‫وشدة أبدان‪ ،‬وفاطمة التي ذكرها هي التي كان ينسب بها أبو‬
‫عيينه أخو عبد الله ويكني عنها بدنيا ‪ ،‬ومن ذلك قوله لها‪:‬‬
‫ح بادي‬
‫دعوتك بالقرابة‬
‫دعاء مصر ٍ‬
‫السرار‬
‫والجـوار‬
‫ومحترقٌ عليك بغير‬
‫لني عنك مشتغل‬
‫نـار‬
‫بنفسـي‬
‫على نار الصبابة من‬
‫وأنت توفرين وليس‬
‫وقار‬
‫عنـدي‬
‫تدارين العـيون ول‬
‫فأنت لن ما بك دون‬
‫أدري‬
‫ما بي‬
‫جمحت إلي خالعة‬
‫ولو والله تشتاقين‬
‫العذار‬
‫شـوقـي‬
‫وقال عبد الله يعاتب ذا اليمينين‪:‬‬
‫محصورةً عندي عن‬
‫من مبلغ عنـي المـير‬
‫النـشـاد‬
‫ة‬
‫رسـال ً‬
‫فتهون غير شماتة‬
‫كل المصائب قد تمر‬
‫الـحـسـاد‬
‫على الفتى‬
‫ستكون عنـد الـزاد‬
‫وأظن لي منهـا لـديك‬
‫آخـر زاد‬
‫ة‬
‫خـبـيث ً‬
‫من ثقله طـود مـن‬
‫مالي أرى أمري لـديك‬
‫الطـواد!‬
‫كـأنـه‬
‫في سـاعة الصـدار‬
‫وأراك ترجيه وتمضـي‬
‫واليراد‬
‫غـيره‬
‫من ضيق ذات يد‬
‫الله يعـلـم مـا أتـيتـك‬
‫زائرا ً‬
‫وضيق بـلد‬
‫بك رتـبة البـاء‬
‫لكن أتـيتـك زائرا ً لـك‬
‫راجـيا ً‬
‫والجــداد‬
‫ح فيه لـكـل‬
‫م‬
‫لك مصل ٌ‬
‫قد كان لي بالمصر يو ٌ‬
‫‪280‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫جـامـعٌ‬
‫ودعوت منصورا ً فأعلـن‬
‫ة‬
‫بـيع ً‬
‫ح‬
‫في الرض منفس ٌ‬
‫ورزق واسع‬
‫وقال أيضا ً يعاتبه‪:‬‬
‫أيا ذا الـيمـينـين إن‬
‫الـعـتـا‬
‫وكنت أرى أن تـرك‬
‫الـعـتـا‬
‫إلى أن ظننت بأن قد‬
‫ظـنـنـت‬
‫فأضمرت النفس في‬
‫وهمـهـا‬
‫ولبد لـلـمـاء فـي‬
‫مـرجـل‬
‫ومن أشرب اليأس كان‬
‫الغـنـي‬
‫علم وفـيم أرى‬
‫طـاعـتــي‬
‫ألم أك بالمصير أدعو‬
‫الـبـعـيد‬
‫ت‬
‫ألـــم اك أول آ ٍ‬
‫أتــــاك‬
‫وألزم غرزك فـي‬
‫مـاقـط ال‬
‫ة‬
‫ففـيم تـقـدم جـــفـــال ً‬
‫كأنك لـم تـر أن الـفـتـى‬
‫ال‬

‫فـسـاد‬
‫في جمع أهل المصر‬
‫والجنـاد‬
‫لي عنك في غوري‬
‫وفي إنجادي‬
‫ب يغري صدورا ً‬
‫ويشفي صدورا ً‬
‫ب خـير وأجـدر أل‬
‫يضـيرا‬
‫بأني لنفسي أرضى أل‬
‫الحقـيرا‬
‫من الهم هما يكد‬
‫الـضـمـيرا‬
‫على النار مـوقـدة أن‬
‫يفـورا‬
‫ومن أشرب الحرص‬
‫كان الفقيرا‬
‫لديك ونصري لك الدهر‬
‫بـورا‬
‫إليك وأدعو القريب‬
‫العـشـيرا‬
‫بطاعة من كان خلفي‬
‫بـشـيرا‬
‫حروب عليها مقيمـا ُ‬
‫صـبـورا ً‬
‫إليك أمـامـي وأدعـي‬
‫أخـيرا‬
‫حمـي إذا زار يومـا ً‬
‫أمــيرا‬
‫‪281‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ط‬
‫فقـدم مـن دونـه‬
‫ألست تـراه يسـخـ ٍ‬
‫جـديرًا!‬
‫قـبـلـــه‬
‫به كـان أكـرم مـن أن‬
‫ألست ترى أن سـف‬
‫يزورا‬
‫الـتـراب‬
‫أكون الصبا وأكـون‬
‫ولست ضعيف الهوى‬
‫الـدبـورا‬
‫والـمـدى‬
‫مهما تجد كوكبي‬
‫ولكن شهـاب فـإن تـرم‬
‫مـسـتـنـيرا ً‬
‫بـي‬
‫فإني أرى الذن غنمـا ً‬
‫فهل لك في الذن لـي‬
‫راضـيا ً‬
‫كـبـيرا‬
‫له من جهاد ونصـر‬
‫وكان لك الله فيما‬
‫نـصـيرا ً‬
‫ابـتـعـثـت‬
‫سبقت إلـيهـا وريح‬
‫ولجـعـل الـلـه فــي‬
‫فـتـورا‬
‫ة‬
‫دول ٍ‬
‫بعيدا ً من الرض قاعـا ً‬
‫فإن ورائي لـي‬
‫مـذهـبـــا ً‬
‫وقـورا‬
‫إذا خفق الل فـيهـا‬
‫به الضب تحسـبـه‬
‫بـعـيرا‬
‫بـالـفـلة‬
‫يد الله مـن جـائر أن‬
‫ومال ً ومصرا ً عـلـى‬
‫يجـورا‬
‫أهـلـه‬
‫وأكثرهم بـنـفـيري‬
‫وإني لـمـن خـير‬
‫نـفـيرا ً‬
‫سـكـانـه‬
‫وقال عبد الله لعلي بن محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن‬
‫الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم‪ ،‬وكان دعاه إلى‬
‫نصرته حين ظهرت المبيضة فم يجبه ‪ ،‬فتوعده علي‪ ،‬فقال عبد‬
‫ة لك‪ ،‬ل ول لك نود‬
‫الله‪ :‬أعلي إنك جاهل مغرور=لظلم ٌ‬
‫إني بحربك ما حييت‬
‫أكتبت توعدني إذا‬
‫جـدير‬
‫استبطأتنـي‬
‫أطين أجنحة البعوض‬
‫فدع الوعيد فما‬
‫يضـير‬
‫وعيدك ضائري‬
‫أبوهم المهدي‬
‫وإذا ارتحلت فإن‬
‫‪282‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫والمنـصـور‬
‫نصري لللى‬
‫وعليه قدر سعينا‬
‫نبتت عليه لحومنـا‬
‫المشـكـور‬
‫ودمـاؤنـا‬
‫وقال عبد الله قتل داود بن يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب‬
‫من قتل بأرض السند بدم أخيه المغيرة بن يزيد‪:‬‬
‫بالسند قتل مغيرة بـن‬
‫أفنى تميما ً سعدها و‬
‫يزيد‬
‫ربابهـا‬
‫جعلت لهم يوما ً كيوم‬
‫ة‬
‫صعقت عليهم صعق ٌ‬
‫ثمـود‬
‫ة‬
‫عتكي ٌ‬
‫بالسند من عمر ومـن‬
‫م عركتين‬
‫ذاقت تمي ٌ‬
‫داود‬
‫عذابـنـا‬
‫ة‬
‫قدنا الجياد من العراق‬
‫مثل القطا مستـن ً‬
‫لـورود‬
‫إليهـم‬
‫خلقت قلوبهم قلوب‬
‫يحملن من ولد‬
‫أسـود‬
‫ة‬
‫المهلب عصب ً‬
‫وفي المغيرة يقول في قصيدة مطولة‪:‬‬
‫فرار بغاث الطير‬
‫إذا كر فيهم كرةً أفـر‬
‫صادفن أجـدل‬
‫جـوالـه‬
‫من النيل والنشاب حتى‬
‫وما نيل إل من بعيد‬
‫تـجـدل‬
‫ب‬
‫بـحـاصـ ٍ‬
‫أبو حاتم إن ناب دهر‬
‫وإني لمثن بالـذي كـان‬
‫فأعضـل‬
‫أهـلـه‬
‫له مخرجا ً يوما ً عليه‬
‫فتى كان يستحيي من‬
‫ومـدخـل ً‬
‫الذم أن يرى‬
‫وكان يظن الموت عارا ً‬
‫يد الدهر إل أ‪ ،‬يصاب‬
‫فيقـتـل‬
‫على الفتى‬
‫يرون بها حتما ً كتابا ً‬
‫منّية أبناء الـمـهـلـب‬
‫مـعـجـل ً‬
‫أنـهـم‬
‫ن‬
‫وقد أطلق الله اللسان‬
‫قتلنا به منهم ومـ ّ‬
‫وأفـضـل‬
‫بقتـل مـن‬
‫م‬
‫أناخ بهـم داود يصـرف‬
‫ويلقي عليهم كلـل ً ثـ ّ‬
‫‪283‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫كـلـل ً‬
‫نـابـه‬
‫وتقربهم هوج المجانيق‬
‫يقتلهم جوعا ً إذا ما‬
‫جـنـدل‬
‫تـحـصـنـوا‬
‫وهذا الشعر عجيب من شعره‪ :‬وفي هذه القصة يقول‪:‬‬
‫وذكرا للمغيرة واكتئابا ً‬
‫أبت إل بكاًء وانتحابـا‬
‫لنا كالماء حين صفا‬
‫ألم تعلم بـأن الـقـتـل‬
‫وطابـا‬
‫ورد‬
‫كأنك قد قرأت به‬
‫وقلت لها‪ :‬قري وثقي‬
‫كـتـابـا‬
‫بقولي‬
‫أل ل تعدم الّرأي‬
‫فقد جاء الكتاب به‬
‫صوابـا‬
‫فقـولـي‬
‫ال ّ‬
‫عوا بس تحمل السد‬
‫جلبنا الخيل من بغداد‬
‫شعـثـا ً‬
‫الغضابا‬
‫تخال بضوء صورته‬
‫بكل فتى أعّز‬
‫شهابـا ً‬
‫ي‬
‫مـهـّلـبـ ّ‬
‫إذا يدعى لـنـائبـه‬
‫ومن قحطان كل أخي‬
‫أجـايا‬
‫ظ‬
‫حفا ٍ‬
‫دد لحمها عنهـا‬
‫فما بلغت قرى كرمان‬
‫تخ ّ‬
‫فـذابـا‬
‫حتـى‬
‫أمر على الشراة بها‬
‫ن في‬
‫وكان له ّ‬
‫الشرابا‬
‫كـرمـان يوم‬
‫سند سعدا ً‬
‫وإّنا تاركـون غـدا ً‬
‫بأرض ال ّ‬
‫حـديثـا ً‬
‫والّربابـا‬
‫لقد حان المفاخر لي‬
‫تفاخر بابن أحورهـا‬
‫وخابـا‬
‫م‬
‫تـمـي ٌ‬
‫وفي مثل هذا البيت الخير يقول أبو عيينه‪:‬‬
‫وإن كنت لي ناصحا ً‬
‫أعاذل صه لست من‬
‫مشفقا‬
‫شيمتي‬
‫وما ينبغي لي أ‪ ،‬أن‬
‫أراك تـفـرقـنـي دائبـا ً‬
‫أفرقـا‬
‫‪284‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫سماك إذا‬
‫أنا ابن الذي شاد لي‬
‫وكان ال ّ‬
‫منصبـا ً‬
‫حـلـقـا‬
‫وعزهم المرتجى‬
‫قريع العراق‬
‫المّتـقـى‬
‫وبطريقـهـم‬
‫ت أنطق في المجد‬
‫فمن يستطيع إذا مـا‬
‫أن ينطقا‬
‫ذهـب‬
‫ف‬
‫أنا ابن المهلب مـا‬
‫ل إلى شر ٍ‬
‫لعا ٍ‬
‫مرتـقـى‬
‫فـوق ذا‬
‫دتها قبل أن‬
‫فدعني أغلب ثياب‬
‫بج ّ‬
‫تـخـلـقـا‬
‫الصـبـا‬
‫ن‪ ،‬أوله‪:‬‬
‫قال أبو الحسن‪ :‬وهذا شعر حس ٌ‬
‫وما أنت والعشق لول‬
‫ألم تنه نفسك أن‬
‫ال ّ‬
‫شقا‬
‫تعـشـقـا‬
‫وشمك ريحان أهل‬
‫أمن بعد شربك كأس‬
‫الّنـقـا‬
‫الّنهـى‬
‫ن أشهر من فرس‬
‫عشقت فأصبحت في‬
‫أبلـّقـا‬
‫العاشقي‬
‫ثم قال‪:‬‬
‫أعاذل صه لست من شيمتي‬
‫ثم قال بعد‬
‫قوله فدعني أغلي‬
‫صبا‬
‫ثياب ال ّ‬
‫خذي بيدي قبـل أن‬
‫أدنياي من غمر بحر‬
‫أغـرقـا‬
‫الهوى‬
‫إذا سره عـبـده‬
‫أنا لك عبد ٌ فكـونـي‬
‫أعـتـقـا‬
‫كـمـن‬
‫د" فوصل باللف‪ ،‬فهذا إنما يجوز‬
‫وقال أبو الحسن‪ :‬قوله "أنا لك عب ٌ‬
‫في الضرورة‪ ،‬واللف تثبت في الوقف لبيان الحركة‪ ،‬فلم يحتج‬
‫إلى اللف‪ ،‬زمن أثبتها في الوصل قاسه على الوقف للضرورة‪،‬‬
‫ظن كقوله‪ :‬فإن يك غث ّا ً أو سمينا ً فإّنني=سأجعل عيينة لنفسه‬

‫‪285‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫مقنعا لنه إذا وقف على الهاء وحدها‪ ،‬فأجرى الوصل على الوقف‪،‬‬
‫وأنشدوا قول العشى‪:‬‬
‫ف بعد المشيب كفى‬
‫فكيف أنا وانتـحـال‬
‫ذاك عارا ً‬
‫الـقـوا‬
‫والرواية الجيدة‪:‬‬
‫فكيف يكون انتحـالـي‬
‫قواف بعـد الـمـشـيب‬
‫ال‬
‫من القطر منبعقـا ً‬
‫سقى الله دنيا على‬
‫رّيقـا ً‬
‫نـأيهـا‬
‫وقد يخدع الكيس‬
‫ألم أخدع الّناس عن‬
‫الحمقـا‬
‫حّبهـا‬
‫أحب إلى المجد أن‬
‫بلى وسبقـتـهـم إّنـنـي‬
‫اسبقـا‬
‫على رقبةٍ أن جيء‬
‫ويوم الجنازة إذا‬
‫الخندقا‬
‫أرسـلـت‬
‫قريبا ً وإياك أن‬
‫إلى السال فاختر لنا‬
‫مجلسا ً‬
‫تخـرقـا‬
‫هذا مما يغلط فيه عامة أهل البصرة‪ ،‬يقولون‪:‬السال بالخفيف‪،‬‬
‫وإنما هو السال يا هذا‪ ،‬وجمعه س ّ‬
‫لن‪ ،‬وهو الغا ّ‬
‫ن‪ ،‬وهو‬
‫ل وجمعه غل ّ ٌ‬
‫ال ّ‬
‫ي في الوادي‪:‬‬
‫شقّ الخف ّ‬
‫رطيبين حدثان ما‬
‫فكّنا كغصنـين مـن‬
‫أورقـا‬
‫ة‬
‫بـان ٍ‬
‫من شعره الحسن‬
‫فقالت لترب لها‬
‫المنتقى‬
‫استنشـديه‬
‫وحذرت إن شاع أن‬
‫فقلت أمرت‬
‫يسرقا‬
‫بكتـمـانـه‬
‫فقالت بعيشك! قولـي‬
‫تمّتع لعّلك إن تـنـفـقـا‬
‫لـه‬
‫قوله‪ :‬لعلك أن تنفقا اضطرار‪ ،‬وحقه لعلك تنفق‪ .‬لن لع ّ‬
‫ل من‬
‫أخوات إن فأجريت مجراها‪ ،‬ومن أتى بأن فلمضارعتها عسى‪ ،‬كما‬
‫قال متمم بن نويرة‪:‬‬
‫‪286‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫لعلك يوما ً أن تـلـم‬
‫ة‬
‫مـلـم ٌ‬
‫وهو كثير‪.‬‬
‫قال أبو العباس‪ :‬وزعم أبو معاذ النميري أنه يعتاد عبد الله بن‬
‫محمد بن أبي عيينة‪ ،‬ويكثر المقام عنده‪ ،‬وكان راوية للشعره‪ ،‬وأم‬
‫أبن أبي عيينة بن المهلب يقول لها‪:‬خيرة وهي من بني سلمة‬
‫الخير بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر ابن صعصعة‪ ،‬فأبطأت‬
‫عليه أياما ً فكتب إلي‪:‬‬
‫عليك من الل ّ‬
‫لئي‬
‫يدعنك أجدعا‬

‫تمادى في الجفاء أبو‬
‫معاذ‬
‫ولول حق أخوالي‬
‫قشـير‬
‫كما راح الهلل بن‬
‫حرب‬

‫وراوغني ولذ بل ملذ‬
‫أتته قصائد غير‬
‫الـّلـذاذ‬
‫به سمة على عنق‬
‫وحاذ‬

‫يعني محمد بن حرب بن قبيصة بن مخارق الهللي‪ ،‬وكان من أقعد‬
‫الناس‪.‬‬
‫ولقبيصة بن المخارق صحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم‪،‬‬
‫وكان قد سار إليه فأكرمه وبسط له رداءه وقال‪" :‬مرحبا ً بخالي"!‪،‬‬
‫فقال‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬رق جلدي‪ ،‬ودق عظمي‪ ،‬وقلي مالي‪ ،‬وهنت‬
‫على أهلي! فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‪":‬لقد أبكيت‬
‫بما ذكرت ملئكة المساء"‪.‬‬
‫ومحمد بن حرب هذا ولي شرطة البصرة سبع مرات‪ ،‬وكان على‬
‫شرطة جعفر بن سليمان على المدينة‪ ،‬وكان كثير الدب‬
‫عزيزة‪،‬فأغضب ابن أبي عيينة في حكم جرى عليه بحضرة إسحاق‬
‫بن عيسى ‪ -‬وكان على شرطته إذا ذاك ‪ -‬ففي ذلك يقول عبد الله‬
‫بم أبي عيينة‪:‬‬
‫بأخوالي وأعمامي‬

‫ش ملكها وبها‬
‫قري ٌ‬
‫‪287‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫أقـامـت‬
‫متى ما أدع أخوالي‬
‫لحـرب‬
‫أنا أبن أبي عيينة فرع‬
‫قومي‬
‫خل ابن عكابة‬
‫الظربان سهل‬
‫وآخر من هلل قد‬
‫تداعـى‬

‫تـهـاب‬
‫وأعمامي لنائبـه‬
‫أجـابـوا‬
‫وكعب والدي وأبي‬
‫كـلب‬
‫له فسو تصاد به‬
‫ضبـاب‬
‫ال ّ‬
‫فصار كأنه ال ّ‬
‫شيء‬
‫الخراب‬

‫باب نبذ من أقوال الحكماء‬
‫ة قال‪ :‬سحابة ثم‬
‫قال أبو العباس‪ :‬كان ابن شبرمة إذا نزلت به نازل ٌ‬
‫تنقشع‪.‬‬
‫وكان يقال‪ :‬أربع من كنوز الجنة‪ :‬كتمان المصيبة‪ ،‬وكتمان الصدقة‪،‬‬
‫وكتمان الوجع‪.‬‬
‫قال عمر بن الخطاب رحمه الله‪ :‬لو كان الصبر والشكر بعيرين ما‬
‫باليت أيهما ركبت‪.‬‬
‫للعتبي يذكر ابنا ً له مات‬
‫وقال العتّبي محمد بن عبد الله‪ ،‬يذكر ابنا ً له مات‪:‬‬
‫أسفا ً عليك وفي‬
‫دموع‬
‫دي لل ّ‬
‫أضحت بخ ّ‬
‫الفؤاد كلـوم‬
‫رسـوم‬
‫إل علـيك فـإنـه‬
‫والصبر يحمد فيا‬
‫مـذمـوم‬
‫لمصائب كلها‬
‫ن حبيبا ً الطائي سمع هذا فاسترقه في‬
‫وقال أبو العباس‪ :‬وأحسب أ ّ‬
‫بيتين‪ :‬أحدهما قوله في إدريس بن بدر الشامي‪:‬‬
‫توصل مّنا عن قلوب‬
‫دموع أجابت داعي‬
‫تـقـ ّ‬
‫طـع‬
‫مـع‬
‫الحزن ه ّ‬
‫فأصبح يدعى حازما ً‬
‫وقد كان يدعى لبس‬
‫صبر حازما ً‬
‫حين يجـذع‬
‫ال ّ‬
‫والخر قوله‪:‬‬
‫‪288‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫قالوا الّرحيل! فما‬
‫شككت بأنهـا‬
‫صبر اجمل غـير أن‬
‫ال ّ‬
‫ذذا ً‬
‫تـلـ ّ‬
‫وقال سابق البربري‪:‬‬
‫وإن جاء ما ل‬
‫تستطيعان دفـعـه‬
‫وقال آخر أيضًا‪:‬‬
‫اصبر على القدر‬
‫المجلوب وارض به‬
‫ش‬
‫ئ عـي ٌ‬
‫فما صفا لمـر ٍ‬
‫يسـّر بـه‬

‫نفسي عن الدنيا تـريد‬
‫رحـيل ً‬
‫في الحب أحرى أن‬
‫يكون جميل ً‬
‫فل تجرعا مما قضى‬
‫الله واصبرا‬
‫وإن أتاك بما ل تشتـهـي‬
‫الـقـدر‬
‫إل ّ سيتبـع يومـا ً صـفـوة‬
‫كـدر‬

‫خالد بن صفوان مع بلل بن أبي بردة‬
‫وكان خالد بن صفوان يدخل على بلل بن أبي بردة يحدثه فيلحن‪،‬‬
‫فلما كثر ذلك على بلل قال له‪ :‬أتحدثني أحاديث الخلفاء‪ ،‬وتلحن‬
‫ي‪ :‬فكان خالد بن صفوان بعد ذلك يأتي‬
‫وز ّ‬
‫لحن السّقاءات!وقال الت ّ ّ‬
‫ف بصره فكان إذا مّر به موكب بلل‬
‫المسجد ويتعلم العراب‪ ،‬وك ّ‬
‫ف عن‬
‫يقول‪ :‬ما هذا? فيقال له‪ :‬المير‪ ،‬فيقول خالد‪ :‬سحابة صي ٍ‬
‫قليل تق ّ‬
‫شع فقيل ذلك لبلل‪،‬فاجلس معه من يأتيه بخبرة‪ ،‬ثم مّر به‬
‫بلل‪ ،‬فقال خالد كما كان يقول‪ ،‬فقيل ذلك لبلل‪،‬فأقبل على خالد‬
‫فقال‪:‬ل تق ّ‬
‫شع والله حتى تصبيك منها بشؤبوب برٍد! فضربه مائتي‬
‫سوط‪ .‬وقال بعضهم‪ :‬بل أمر به فديس بطنه‪.‬‬
‫دفعة من المطر بشدة‪ ،‬وجمعه‬
‫قوله‪:‬بشؤبوب مهزوم‪ ،‬وهو ال ّ‬
‫شآبيب‪.‬وقال النابغة يخاطب القبيلة‪:‬‬
‫فقد أصابهم منها‬
‫ول تلقي كما لقت‬
‫بشؤبـوب‬
‫بنو أسدٍ‬
‫يريد ما نال بني أسد من غارة النعمان عليهم‪ ،‬وضرب الشؤبوب‬
‫مثل ً للغارة‪ ،‬والغارة تضرب لذلك مث ً‬
‫ن عليهم الغارة‪،‬‬
‫ل‪ ،‬كما يقال ش ّ‬
‫أي صبها عليهم ‪ ،‬قال ابن هرمة‪:‬‬
‫بمستقب ّ‬
‫ل الشؤبوب أو جمل‬
‫ل قد وجأت لّبتها‬
‫كم باز ٍ‬
‫‪289‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ما وجأتها دفعت بشؤبوب من الدم‪ ،‬فكأنه قال‪:‬‬
‫ما وجأها به من جديدة‪ ،‬يقول‪ :‬ل ّ‬
‫ان مستهل الشؤيوب‪ ،‬أما ما أشبه بذلك‪.‬‬
‫خالد بن صفوان وسليمان بن علي‬
‫وكان خالد بن صفوان أحد من إذا عرض له القول قال‪،‬فيقال إن‬
‫د‪ ،‬فقال‪:‬كيف إحمادك‬
‫سليمان بن علي سأله عن ابنيه جعفر ومحم ٍ‬
‫جوار همايا أبا صفوان?فقال‪:‬‬
‫فيا لك جاري ذّلة‬
‫ك جـاٌر لـهـا وابـن‬
‫أبـو مـالـ ٍ‬
‫وصغار???????????!‬
‫ن‬
‫بـرثـ ٍ‬
‫?????ش قوله‪ :‬أبو مالك‪ ،‬صوابه أبو نافع وهو مولى لعبد الرحمن‬
‫بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه‪.‬‬
‫فأعرض عنه سليمان‪ ،‬من أحلم الناس وأكرمهم‪ ،‬وهو في الوقت‬
‫الذي أعرض فيه عنه والي البصرة وعم الخليفة المنصور‪ ،‬والشعر‬
‫الذي تمثل به خالد ليزيد بن مفّرغ الحميري‪ ،‬قال‪:‬‬
‫إلى جنب داري معقل‬
‫سقى الله دارا ً لي‬
‫بن يسار‬
‫وأرضا ً تركتها‬
‫فيالك جاري ذّلة‬
‫ك جاٌر لها وابن‬
‫أبو مال ٍ‬
‫وصـغـار!‬
‫ن‬
‫بـرثـ ٍ‬
‫وكان الحسن يقول‪ :‬لسان العاقل من وراء قلبه‪ :‬فإن عرض له‬
‫القول نظر‪ ،‬فإن كان له أن يقول قال‪ ،‬وإن كان عليه القول‬
‫أمسك‪،‬ولسان الحمق أمام قلبه‪،‬فإذا عرض له القول قال‪ ،‬كان‬
‫عليه‪ ،‬أو له‪.‬‬
‫وخالد ٌ لم يكن يقول ال ّ‬
‫خره‬
‫شعر‪.‬ويروى أنه وعد الفرزدق شيئا ً فأ ّ‬
‫دده‪،‬فامسك عنه‬
‫عنه‪ ،‬وكان خالد أحد البخلء‪ ،‬فمر به الفرزدق فه ّ‬
‫حتى جاز الفرزدق‪ ،‬ثم أقبل على أصحابه فقال‪ :‬عن هذا قد جعل‬
‫إحدى يديه سطحًا‪ ،‬ومل الخرى ثم أقبل على أصحابه فقال‪ :‬إن‬
‫هذا قد جعل إحدى يديه سطحًا‪ ،‬ومل الخرى سلحًا‪ ،‬وقال‪ :‬إن‬
‫عمرتم سطحي‪ ،‬وإل نضحتكم بسلحي!‬
‫من أخبار إياس بن معاوية‬
‫دهاة‬
‫وقال إياس بن معاوية المزّني أبو واثلة ‪ -‬وكان أحد العقلء ال ّ‬
‫الفضلء ‪ -‬لخالد‪ :‬ل ينبغي أن نجتمع في مجلس‪ ،‬فقال له خالد‪:‬‬
‫وكيف يا أبا واثلة? فقال‪:‬لنك ل تحب أن تسكت‪ ،‬وأنا ل أحب أن‬
‫أسمع! وخاصم إلى إياس رج ٌ‬
‫ن وهو قاضي البصرة‪،‬‬
‫ل رجل ً في دي ٍ‬
‫‪290‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫فطلب منه البينة‪ ،‬فم يأته بمقنع‪ ،‬فقيل للطالب‪ :‬استجر وكيع بن‬
‫أبي سودٍ حتى يشهد لك‪ ،‬فإن إياسا ً ل يجترئ على رد شهادته‪،‬‬
‫س عنه فأقعده إلى جانبه‪ ،‬ثم سأله عن‬
‫ففعل‪ ،‬فقال وكي ٌ‬
‫ع‪ :‬فهم إيا ٌ‬
‫حاجته‪ ،‬فقال‪ :‬جئت شاهدًا‪ ،‬فقال له‪ :‬يا أبا المطرف‪ ،‬أشهد كما‬
‫تفعل الموالي والعجم? أنت تجل عن هذا? فقال‪:‬إذن والله‬
‫لأشهد‪ ،‬فقيل لوكيع بعد‪ :‬إنما خدعك‪ ،‬فقال أولى لبن الّلخناء!‬
‫شهد رجل من جلساء الحسن بشهادة‪ ،‬فأتاه الحسن فقال‪ :‬يا أبا‬
‫واثلة‪ ،‬لم رددت شهادة فلن? فقال‪ :‬يا أبا سعيد‪ ،‬إن الله تعالى‬
‫من ترضون من الشهداء "البقرة‪ 282:‬وليس فلن ممن‬
‫يقول‪ ":‬م ّ‬
‫أرضى‪.‬‬
‫من أخبار أبي دلمة‬
‫ن له‪،‬‬
‫واختلف نصران ّ‬
‫ي إلى أبي دلمة مولى بني أسد يتطّبب لب ٍ‬
‫فوعده إن برأ على يديه أن يعطيه ألف درهم‪ ،‬فبرأ ابنه‪ ،‬فقال‬
‫دع‬
‫صلّنها إليك‪ ،‬ا ّ‬
‫للمتطّبب‪ :‬إن الدراهم ليست عندي‪ ،‬ولكن والله لو ّ‬
‫على جاري فلن هذه الدراهم فإنه موسر‪ ،‬وأنا وابني نشهد لك‪،‬‬
‫ي بالجار إلى ابن شبرمة‪،‬‬
‫فليس د ون أخذها شيء‪ ،‬فصار النصران ّ‬
‫فسأله البينة‪ ،‬فطلع عليه أبو دلمة وابنه‪ ،‬ففهم القاضي‪ ،‬فلمال‬
‫جلس بين يديه قال أبو دلمة‪:‬‬
‫إن الّناس غ ّ‬
‫وإن يحثوني كان فيهم‬
‫طوني‬
‫تغ ّ‬
‫مباحـث‬
‫طيت عنهم‬
‫م كيف تلك‬
‫وإن حفروا بئري‬
‫ليعلم قو ٌ‬
‫الّنـبـائث‬
‫حفرت بئارهم‬
‫دعي‬
‫فقال ابن شبرمة‪ :‬من ذا الذي يبحثك يا أبا دلمة? ثم قال للم ّ‬
‫ي‪ ،‬فراح‬
‫‪ :‬قد عرفت شاهديك! فخل عن خصمك‪ ،‬ورح العشّية إل ّ‬
‫إليه فغرمها من ماله‪.‬‬
‫من أخبار عبيد الله بن الحسن العنبري‬
‫وشهد أبو عبيدة عند عبيد الله بن الحسن العنبري على شهادة ‪،‬‬
‫دعي‪ :‬أما أبو عبيدة فقد عرفته‪،‬‬
‫ورجل عدل ‪ .‬فقال عبيد الله للم ّ‬
‫فزدني شاهدًا‪.‬‬
‫صلحاء‪ .‬وزعم ابن عائشة قال‪:‬‬
‫وكان عبيد الله أحد الدباء الفقهاء ال ّ‬
‫عتبت عليه مرة في شيء‪ ،‬قال ‪ :‬فلقيني يدخل من باب المسجد‬
‫يريد مجلس الحكم‪ ،‬وأخرج فقلت معرضا ً به‪:‬‬
‫‪291‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫تقطع أعناق الرجال‬
‫طمعت بليلى ان تريع‬
‫المطامع‬
‫وإّنمـا‬
‫فأنشدني معّرضا ً تاركا ً لما قصدت له‪:‬‬
‫شهود على ليلى‬
‫وباينت ليلى في خلٍء‬
‫عدو ٌ‬
‫ل مقانع‬
‫ولم يكن‬
‫وكان ابن عائشة يتحدث عنه حديثا ً عجيبًا‪ ،‬ثم عرف مخرج ذلك‬
‫الحديث‪.‬وذكر ابن عائشة ‪ ،‬وحدثني عنه جماعة ل أحصيهم كثرة‪:‬‬
‫أن عبيد الله بن الحسن شهد عنده رجل من بني نهشل على أمر‬
‫أحسبه دينا ً فقال له‪ :‬أتروي قول السود بن يعفر‪ :‬نام الخلي فما‬
‫أحسن رقادي‪.‬‬
‫فقال له الرجل ‪ :‬ل! فرد ّ شهادته وقال‪ :‬لو كان في هذا خير روى‬
‫شرف‪.‬‬
‫من أخبار سوار بن عبد الله‬
‫فحدثني شيخ من الزد حديثا ً ظننت أن عبيد الله إياه قصد‪ ،‬قال‪:‬‬
‫وار ابن عم عبيد الله بن‬
‫وار بن عبد الله وس ّ‬
‫تقدم رجل إلى س ّ‬
‫ة‬
‫وار‪ :‬إنها والله خط ّ ٌ‬
‫الحسن‪-‬ي ّ‬
‫دعي دارًا‪ ،‬وامرأةٌ تدافعه وتقول لس ّ‬
‫وار‪،‬‬
‫ما وقع فيها كتاب قط‪ .‬فأتى المدعي بشاهدين يعرفهما س ّ‬
‫فشهدا له بالدار‪ ،‬وجعلت المرأة تنكر إنكارا ً يعضده التصديق‪ ،‬ثم‬
‫قالت‪ :‬سل عن الشهود‪ ،‬فإن الناس يتغيرون‪ ،‬فرد ّ المسألة‪ ،‬فحمد‬
‫الشاهدان‪ .‬فلم يزل يرّيث أمولهم‪ ،‬ويسأل الجيران‪ ،‬فك ّ‬
‫دق‬
‫ل يص ّ‬
‫المرأة‪ ،‬والشاهدان قد ثبتا‪ ،‬فشكا ذلك إلى عبيد الله‪ .‬فقال له عبيد‬
‫الله‪ :‬أنا أحضر مجلس الحكم معك فآتيك بالجلّية إن شاء الله‬
‫تعالى‪ ،‬فقال للشاهدين‪ :‬ليس للقاضي أن يسألكما كيف شهدتما‪،‬‬
‫ج فأدارنا على حدود‬
‫ولكن أنا أسألكما‪ .‬قال ‪ :‬فقال‪ :‬أراد هذا أن يح ّ‬
‫الدار من خارج‪ ،‬وقال‪ :‬هذه داري‪ ،‬فإن حدث بي حادث فلتبع‬
‫ولتقسم على سبيل كذا‪ ،‬قال‪ :‬أفعندكما غير هذه الشهادة? قال‪ :‬ل‪،‬‬
‫وار‪ ،‬وقلت لكما مثل هذه‬
‫فقال‪ :‬الله أكبر!وكذا ولو أدرتكما على س ّ‬
‫وار‬
‫المقالة‪ ،‬أكنتما تشهدان بها لي? ففهما أنهما قد اغتّرا‪ ،‬فكان س ّ‬
‫إذا سأل عن عدالة الشاهد غفلة فاختبره بهذا وما أشبهه‪.‬وحدثني‬
‫وار في أمر فلم‬
‫أحد أصحابنا أن رجل ً من العراب تقدم إلى س ّ‬
‫ب‪ ،‬فاجتهد فلم يظفر بحاجته‪ ،‬قال‪ :‬فقال‬
‫يصادف عنده ما يح ّ‬
‫العرابي‪ ،‬وكانت في يده عصًا‪:‬‬
‫‪292‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وكنت للحلم عّبارا‬
‫م عّبرتهـا‬
‫رأيت رؤيا ث ّ‬
‫كلبا ً فكان الكلب‬
‫بأّنني أخيط في ليلتـي‬
‫وار‬
‫س‬
‫ّ‬
‫وار بالعصا فضربه حتى منع منه‪ ،‬قال‪ :‬فما عاقبه‬
‫ثم انحنى على س ّ‬
‫وار بشيء‪.‬‬
‫س ّ‬
‫وار فقال‪ :‬عن‬
‫قال‪ :‬وح ّ‬
‫دثت أن أعرابيا ً من بني العنبر سار إلى س ّ‬
‫أبي مات وتركني وأخا ً لي‪ -‬خطين في الرض‪ -‬ثم قال‪ :‬وهجينا‪-‬‬
‫وخط خ ّ‬
‫ث غيركم?‬
‫طا ناحية‪ -‬فكيف نقسم المال? فقال‪ :‬أههنا ورا ٌ‬
‫قال‪ :‬ل‪ ،‬قال‪ :‬المال بينكم أثلثًا‪ ،‬فقال‪ :‬ل أحسبك فهمت عني! إنه‬
‫وار‪ :‬المال بينكم اثلثًا‪ ،‬قال‪ :‬فقال‬
‫تركني وأخي وهجينا ً لنا‪ ،‬فقال س ّ‬
‫العرابي‪ :‬أيأخذ الهجين كما آخذ‪ ،‬وكما يأخذ أخي! قال‪ :‬أجل!‬
‫وار فقال‪:‬تعلم والله إنك‬
‫فغضب العرابي‪ ،‬قال‪ :‬صم أقبل على س ّ‬
‫وار‪ :‬إذا ل يضيرني ذلك عند الله‬
‫قليل الخالت بال ّ‬
‫دهناء‪ ،‬فقال س ّ‬
‫شيئًا‪.‬‬
‫أنفة عقيل بن علفة‬
‫وكان عقيل بن عّلفة من المغيرة والنفة على ما ليس عليه أحد ٌ‬
‫علمناه‪ ،‬فخطب إليه عبد الملك بن مروان ابنته على أحد بنيه‪،‬‬
‫وكانت لعقيل إليه حاجات فقال‪ :‬أما إذ كنت فاعل ً فجّنبني‬
‫هجاءك‪.‬وخطب إليه ابنته إبراهيم بن هشام بن إسماعيل بن هشام‬
‫بن الوليد بن المغيرة‪-‬وهو خال هشام بن عبد الملك ووالي‬
‫ده عقي ّ‬
‫ل وقال‪:‬‬
‫المدينة‪ ،‬وكان أبيض شديد البياض‪ -‬فر ّ‬
‫أبت أعراقه إل ّ‬
‫رددت صحيفة‬
‫احمرارا‬
‫ي لما‬
‫القرش ّ‬
‫وكانت حفصة بنت عمران بن إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد‬
‫الله قد ميت عنها‪ ،‬فخطبها جماعة من قريش‪ ،‬أحدهم عبد الله بن‬
‫حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب‪ ،‬وأحدهم إبراهيم بن‬
‫هشام‪ ،‬فكان أخوها محمد بن عمران‪،‬إذا دخل إلى إبراهيم بن‬
‫هشام أوسع له وأنشده‪:‬‬
‫فقلت أتى الحبيب أخو‬
‫وقالوا يا جميل أتى‬
‫الحبيب‬
‫أخوهـا‬
‫وأن ناسبت بثينة من‬
‫أحبك أن نزلت جبال‬
‫قـريب‬
‫حسمى‬
‫‪293‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وهذا الشعر لجميل بن عبد الله بن معمر الذري ‪ ،‬فأما جميل بن‬
‫ب‬
‫ي فل نسب بينه وبين معمر‪ ،‬أي ليس بينه و بين أ ٌ‬
‫معمرٍ الجمح ّ‬
‫ة‪ ،‬وكان خالصا ٌ بعمر بن الخطاب رضي الله‬
‫آخر‪ ،‬وكانت له صحب ٌ‬
‫عنه‪.‬‬
‫عبد الرحمن بن عوف وعمر بن الخطاب‬
‫ويروى عن عبد الرحمن عوف أنه قال‪ :‬أتيت باب عمر بن الخطاب‬
‫رحمه الله‪ ،‬فسمعه ينشد بالّركبانّية‪:‬‬
‫قضى وطرأ منها‬
‫وكيف ثواني بالمـدينة‬
‫جميل بن معمر‬
‫بـعـدمـا‬
‫فلما استأذنت عليه قال لي‪ :‬أسمعت ماقلت? فقلت‪ :‬نعم!فقال‪:‬‬
‫إنا إذا خلونا قلنا ما يقول الناس في بيوتهم‪.‬‬
‫قال ش‪ :‬وهم أبو العباس رحمه الله في هذا‪ ،‬وإنما القصة أن عمر‬
‫بن الخطاب رضي الله عنه هو الذي سمععبد الرحمن بن عوف‬
‫ينشد‪:‬‬
‫لبي خراش وكان قد قتل أخاه جميل بن معمر‬
‫ي قتل أخا لبي خراش الهذلي يوم‬
‫وكان جميل بن معمر الجمح ّ‬
‫فتح مكة وأتاه من ورائه وهو موثق‪ ،‬فضربه‪ ،‬ففي ذلك يقول أبو‬
‫خراش‪:‬‬
‫ضباع‬
‫فأقسم لو لقيتـه غـير‬
‫ل بك بالعرج ال ّ‬
‫الّنـواهـل‬
‫ق‬
‫مـوثـ ٍ‬
‫ن أقران الظهور‬
‫لكان جميل أسوأ الّنـاس‬
‫ولك ّ‬
‫مـقـاتـل‬
‫ة‬
‫صـرع ً‬
‫ولكن أحاطت بالزقاق‬
‫دار يا أم‬
‫فليس كعهـد الـ ّ‬
‫سلسـل‬
‫ك‬
‫مـالـ ٍ‬
‫ال ّ‬
‫سوى الحق شيئا ً‬
‫وعاد الفتى كالكهل ليس‬
‫فاستراح العواذل‬
‫بـقـائل‬
‫قوله‪:‬أسوء الناس صرعة‪ ،‬أي الهيئة التي يصرع عليها كما تقول‪:‬‬
‫جلست جلسة وركبت ركبة‪ ،‬وهو حسن الجلسة والّركبة‪ ،‬أي الهيئة‬
‫التي يجلس عليها ويركب عليها‪ ،‬وكذلك القعدة والّنيمة‪ .‬وقوله‬
‫لبك‪ ،‬أي لعادك‪ ،‬وأصل هذا من الياب و الّرجوع‪ ،‬قال الله تبارك‬
‫ن إلينا إياهم"الغاشية ‪،25‬وقال عبيد بن البرص‪ :‬وك ّ‬
‫ل‬
‫وتعالى‪ ":‬إ ّ‬
‫‪294‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ذي غيبةٍ يؤوب وقوله‪:‬بالعرج‪ ،‬فهو ناحية من مكة‪ ،‬به ولد عبد الله‬
‫ي‪ ،‬ويقال‪ :‬بل كان له‬
‫بن عمر بن عثمان بن عّفان‪ ،‬فس ّ‬
‫مي العرج ّ‬
‫مال بذلك الموضع‪ ،‬فكان يقيم فيه‪.‬‬
‫وقال ش‪ :‬هذا وهم من أبي العباس رحمه الله‪ ،‬وأما صوابه فعبد‬
‫الله بن عمر بن عبد الله بن عمر بن عثمان بن عفان رضي الله‬
‫عنه‪.‬‬
‫والّنواهل فيه قولن‪:‬أحدهما العطاش وليس بشيء والخر الذي قد‬
‫ة فلم يرو‪ ،‬فاحتاج إلى ان يع ّ‬
‫ل‪ ،‬كما قال امرؤ القيس‪:‬‬
‫شرب شرب ً‬
‫ن أقسا ٌ‬
‫أو كقطا كاظمة‬
‫ط كرجل‬
‫إذا ه ّ‬
‫الّناهـل‬
‫دبى‬
‫ال ّ‬
‫وقوله‪ :‬احتطت بالرقاب السلسل‪ ،‬يقول‪ :‬جاء السلم فمنع من‬
‫الطلب بالوتار إل على وجهها‪ .‬وكان أمير البصرة وقاضيها‪ ،‬وفي‬
‫ذلك يقول رؤية‪ :‬وأنت يا ابن القاضيين قاض‪،‬وكان بلل يقول‪ :‬عن‬
‫ف فاقضي له‪.‬‬
‫ي فأجد أحدهما على قلبي أخ ّ‬
‫الرجلين ليق ّ‬
‫دمان إل ّ‬
‫بلل بن أبي بردة وعمر بن عبد العزيز‬
‫ويروى أن بلل ً وفد على عمر بن عبد العزيز بخناصرة‪ ،‬فسدك"‬
‫ش‪ :‬معناه لصق" بساريةٍ من المسجد‪ ،‬فجعل يصّلي إليها ويديم‬
‫الصلة‪ ،‬فقال عمر بن عبد العزيز للعلء بن المغيرة بن البندار‪ :‬عن‬
‫يكن سّر هذا كعلنيته فهو رجل أهل العراق غير مدافع ‪ ،‬فقال‬
‫العلء‪ :‬أنا آتيك بخبره‪ ،‬فاتاه وهو يصلي بين المغرب والعشاء‪،‬‬
‫ة‪ ،‬ففعل‪ ،‬فقال العلء‪ :‬قد‬
‫فقال‪ :‬اشفع صلتك فإن لي إليك حاج ً‬
‫عرفت حالي من أمير المؤمنين‪ ،‬فإن أنا أشرت بك على ولية‬
‫العراق فما تجعل لي? قال‪ :‬عمالتي سنة‪ ،‬وكان مبلغها عشرين‬
‫ألف ألف درهم‪ ،‬قال‪ :‬فاكتب لي بذلك‪ ،‬قال‪ :‬فارقد ّ بلل إلى‬
‫منزله‪ ،‬فأتى بداوة وصحيفة فكتب له بذلك‪.‬‬
‫فأتى العلء عمر بالكتاب‪ ،‬فلما رآه‪ ،‬كتب إلى عبد الحميد بن عبد‬
‫الرحمن بن زيد بن الخطاب وكان والي الكوفة أما بعد‪ :‬فإن بلل ً‬
‫غّرنا بالله‪ ،‬فكدنا نغتّر‪ ،‬فكسبناه فوجدناه خبثا ً كّله‪ ،‬والسلم‪.‬ويروى‬
‫أنه كتب إلي عبد الحميد‪ :‬إذا ورد عليك كتابي هذا فل تستعن على‬
‫عملك بأحد من آل أبي موسى‪.‬‬
‫شعر ذي الرمة في بلل‬

‫‪295‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ما‬
‫قال أبو العباس‪ :‬وكان بلل داهي ً‬
‫ة لقنا ً أدبيًا‪ ،‬ويقال‪ :‬إن ذا الّرمة ل ّ‬
‫أنشده‪:‬‬
‫فقلت لصيدح انتجعي‬
‫سمعت‪ ،‬الّناس‬
‫ينتجعون غيثا ً‬
‫بلل ً‬
‫إذا الّنكباء ناوحت‬
‫تناخي عند خير فتى‬
‫شمـال ً‬
‫ال ّ‬
‫ن‬
‫يمـا ٍ‬
‫فقلت سمع قوله‪ :‬فقلت لصيدح انتجعي بلل‪،‬قال‪ :‬يا غلم‪ ،‬مر لها‬
‫مة ليحسن المدح‪.‬‬
‫ى‪ ،‬أراد أن ذا الّر ّ‬
‫بق ّ‬
‫ت ونو ّ‬
‫قوله‪:‬سمعت الناس ينتجعون حكاية‪ ،‬والمعنى إذا حّقق إنما هو‬
‫سمعت هذه اللفظة‪ ،‬أي قائل ً يقول‪ :‬الناس ينتجعون غيثًا‪ ،‬ومثل‬
‫هذا قوله‪:‬‬
‫أحقّ الخيل بالّركض‬
‫وجدنا في كتاب بني‬
‫المعار‬
‫تـمـيم ٍ‬
‫فمعناه‪ :‬وجدناه هذه اللفظة مكتوبة‪ ،‬فقوله‪":‬أحق الخيل" ابتداء‪،‬‬
‫"والمعار" خبره‪ ،‬وكذلك "الناس" ابتداء‪،‬و"ينتجعون" خبره‪ .‬ومثل‬
‫هذا في الكلم ‪ :‬قرأت "الحمد لله رب العالمين"‪ ،‬إنما حكيت ما‬
‫قرأت‪ ،‬وكذلك قرأت على خاتمه "الله أكبر" يا فتى‪ ،‬فهذا ل يجوز‬
‫سواه‪ .‬وقوله‪":‬إذا النكباء ناحت ال ّ‬
‫شمال" فإن الرياح أربع‪،‬‬
‫ونكباواتها أربع‪ ،‬وهي الريح التي تأتي من بين ريحين فتكون بين‬
‫صبا‪ ،‬أو ال ّ‬
‫دبور‪،‬أو الجنوب‬
‫دبور‪ ،‬أو الجنوب وال ّ‬
‫شمال وال ّ‬
‫اّلمال وال ّ‬
‫صبا‪ ،‬فإذا كانت الّنكباء تناوح الشمال فهي آية الشتاء‪ .‬ومعنى‬
‫وال ّ‬
‫"تناوح" تقابل‪ ،‬يقال‪ :‬تناوح ال ّ‬
‫شجر إذا قابل بعضه بعضًا‪ ،‬وزعم‬
‫ميت‪ ،‬لنها تقابل صاحبتها‪.‬‬
‫الصمعي أن النائحة بهذا س ّ‬
‫وقال ي‬
‫فلو كنت ممتدحا ً‬
‫فتى لمتدحت عليه‬
‫بـلل ً‬
‫لـلـّنـوال‬
‫بمدح الّرجال الكرام‬
‫مـن‬
‫ولكّنني لسـت مـ ّ‬
‫سؤال‬
‫يريد‬
‫ال ّ‬
‫سيكفي الكريم إخاء‬
‫ويقنع بالود مـنـه نـوال‬
‫الكـريم‬
‫ومن احسن ما امتدح به ذو الّرمة بلل‪ ،‬قوله‪:‬‬
‫‪296‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫على بيتها من عند‬
‫تقول عجوٌز مدرجي‬
‫مترّوحا ً‬
‫أهلي وغاديا‬
‫أراك لها بالبصرة‬
‫اذو زوجةٍ بالمصر أم‬
‫العام ثاويا‬
‫ة‬
‫ذو خصوم ٍ‬
‫دهنا جميعا ً‬
‫فقـلت لها‪ :‬ل عن‬
‫لكثبة ال ّ‬
‫وماليا‬
‫أهلي لجيرةٌ‬
‫أرجع فيها يا ابنة‬
‫وما كنت مذ أبصرتني‬
‫الخير قاضي‬
‫في خصومة‬
‫أزور فتى نجدا ً كريما ً‬
‫ولكّنني أقبلت من‬
‫جانبي قسا ٌ‬
‫يمانيا‬
‫تفادي أسود الغاب‬
‫من آل أبي موسى‬
‫منـه تفاديا‬
‫ة‬
‫عليه مهاب ٌ‬
‫تفادى أسود الغاب‬
‫ث عليه‬
‫مين من لي ٍ‬
‫مر ّ‬
‫منه تفاديا‬
‫مهابة‬
‫ة‬
‫وما الخرق منه‬
‫علـيهم ولكن هيب ٌ‬
‫هي ماهـيا‬
‫يرهبون ول الخنى‬
‫ب‬
‫وقوله مدرجي يقول‪ :‬مروري‪ ،‬فأما قولهم في المثل ‪ :‬خير من د ّ‬
‫ومن درج ‪ ،‬فمعناه‪ :‬منحيي ومن مات ‪ ،‬يريدون‪ :‬من دب على وجه‬
‫الرض ومن درج منها فذهب‪.‬‬
‫وقوله‪:‬أراك لها بالبصرة العام ثاويا‪ ،‬فإنه في هذا المعنى‪ :‬ثوى‬
‫الرجل فهو ثاٍو‪،‬يا فتى‪ ،‬إذا أقام‪ ،‬وهي أكثر ‪ ،‬ويقال ‪ :‬أثوى فهو فهو‬
‫مثوٍ يا فتى‪ ،‬وهي أقل من تلك ‪ ،‬قال العشى‪:‬‬
‫فمضى وأخلف من‬
‫ة‬
‫أثوى وقـصـر لـيل ً‬
‫قتيله موعدا ً‬
‫لـيزّودا‬
‫وقوله‪:‬قسا‪ ،‬فهو موضع من بلد بني تميم‪ .‬وقوله ‪ :‬لكثبة الدهنا‪،‬‬
‫دهنا من بلدي‬
‫فأكثب ٌ‬
‫ن وال ّ‬
‫ة جمع كثب‪ ،‬وهو أقل العدد‪ ،‬والكثير كثبا ٌ‬
‫بني تميم‪ ،‬ولم أسمع إل القصر من أهل ا لعلم والعرب‪ ،‬وسمعت‬
‫دها ول أعلفه ن قال ذو الرمة‪:‬‬
‫بعد من يروي م ّ‬
‫أمي هلل ً على‬
‫دهنا‬
‫حّنت إلى نعم ال ّ‬
‫التوفيق والّرشد‬
‫فقلت لهـا‬
‫‪297‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫دهنا قطا ً‬
‫يعني هلل بن أحوز المازني‪ ،‬وقال جرير‪ :‬بازٍ يصعصع بال ّ‬
‫جونا وقوله‪ :‬كأنهم الكروان أبصرن بازيا‪.‬‬
‫ن‪ ،‬وهو طائر معروف ‪ ،‬وليس هذا الجمع‬
‫فالكروان جماعة كروا ٍ‬
‫لهذا السم بكماله‪ ،‬ولكنه على حذف الزيادة‪ ،‬فالتقدير‪ :‬كرا ً‬
‫ن وور ٌ‬
‫ن‪ ،‬كما تقول ‪ :‬أ ٌ‬
‫ن‪،‬‬
‫ن‪ ،‬وبرق وبرقا ٌ‬
‫ل وورل ٌ‬
‫خ وإخوا ٌ‬
‫وكروا ٌ‬
‫والبرق أعجمي ولكنه قد أعرب وجمع كما تجمع العربية‪ ،‬واستعمل‬
‫الكروان جمعا ً على حذف الزيادة‪ ،‬واستعمل في الواحد كذلك‪،‬‬
‫ل من أمثالها‪:‬‬
‫تقول العرب في مث ٍ‬
‫ن الّنعام في‬
‫أطرق كرا‬
‫إ ّ‬
‫القـرى‬
‫أطرق كرا‬
‫يريدون الكروان‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬من آل أبي موسى ترى القوم حوله‪ ،‬فقال‪ :‬ترى‪ ،‬ولم يقل‬
‫ترين‪ ،‬وكانت المخاطبة أول ً لمرأة‪ ،‬أل تراه يقول‪:‬‬
‫ول‬
‫ومما كنت مذ أبصرتني في خصوم ٍ‬
‫ةأراجع فيهال يا ابنة الخير قاضيا ً ثم ح ّ‬
‫المخاطبة‬
‫إلى رجل‪ ،‬والعرب تفعل ذلك‪ ،‬قال الله عز وجل‪":‬حّتى إذا كنتم في الفلك‬
‫ة"يونس ‪ ،22‬فكأن التقدير والله اعلم كان للناس‪ ،‬ثم‬
‫ح طيب ٍ‬
‫وجرين بهم بري ٍ‬
‫حولت المخاطبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫داد‪:‬‬
‫وقال عنترة بن ش ّ‬
‫ش ّ‬
‫ي طلبك‬
‫طت مزار‬
‫عسرا ً عل ّ‬
‫ابنة مخرم‬
‫العاشقين فأصبحت‬
‫وقـــال جـــــرير‪:‬‬
‫أصممن قدم المدى‬
‫ما للمنازل ل تجيب‬
‫قبـلـينـا‬
‫حزننا‬
‫وإذا اردن هواك‬
‫وترى العواذل‬
‫عـصـينـا‬
‫يبتدرن ملمتـي‬
‫قال أول ً لرجل‪ ،‬ثم قال‪:‬سوى هوالك‪.‬وقال آخر‪:‬‬
‫ومالي إنه منـه‬
‫فدىً لك والدي‬
‫أتـانـي‬
‫وسراة قومي‬
‫مين‪ ،‬يريد سكوتا ً مطرقين‪،‬بقال‪:‬‬
‫على تحويل المخاطبة‪ :‬وقوله‪:‬مر ّ‬
‫أرم إذا أطرق ساكنًا‪ .‬وقوله‪:‬تفادى أسود الغاب معناه تفتدي منه‬
‫‪298‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫بعضها ببعض‪ .‬الخبر أن سليمان بن عبد الملك أمر بدفع عيال‬
‫الحجاج ولحمته إلى يزيد بن المهلب فتفادى منهم ‪ ،‬تأويله‪ :‬فدى‬
‫نفسه من ذلك المقام بغيره‪ .‬وقوله‪:‬‬
‫عليهم ولكن هيبة هـي‬
‫وما الخرق منه‬
‫مـاهـيا‬
‫يرهبون ول الخنى‬
‫ة‪ ،‬كما قال الله عز‬
‫إذا رفعت هيبة فالمعنى‪ :‬ولكن أمره هيب ٌ‬
‫غ"الحقاق ‪ ، 35‬أي ذلك بلغ‪،‬‬
‫وجل‪":‬لم يلبثوا ول ساعة من نهار بل ٌ‬
‫ة وقو ٌ‬
‫ف" محمد ‪ ،21‬يكون‬
‫ل معرو ٌ‬
‫ومثله قوله عّز وجل‪":‬طاع ٌ‬
‫رفعة على ضربين ‪ ،‬أحدهما أمرنا طاعة وقول معروف‪ ،‬والوجه‬
‫ة وقو ٌ‬
‫ل معروف أمثل‪.‬ومن نصب هيبة أراد المصدر‪،‬أي‬
‫الخر طاع ٌ‬
‫ة‪.‬‬
‫ولكن يهاب هيب ً‬

‫وأحسن ما قيل في هذا المعنى‪:‬‬
‫فما يكّلم إل حـين‬
‫يغضي حياًء ويغضي‬
‫يبـتـسـم‬
‫من مهابته‬
‫وقال الفرزدق‪ ،‬يعني يزيد بن المهلب‪:‬‬
‫لبيت شيء من يستطرفه النحويون‪ ،‬وهو أنهم ل يجمعون ما كان من فاعل نعتا ً على‬
‫لة‪ :‬قواتل‪ ،‬ولم يأت ذلك إل في حرفين‪ :‬إحداهما في جمع فارس‪ :‬فوارس‪ ،‬لن هذا م‬
‫صار‪،‬ول يكون مثل هذا أبدا ً إل في ضرورة‪.‬‬
‫باب‬
‫لجرير وقد نزل بقوم‬
‫من بني العنبر فلم يقروه‬
‫قال جرير ونزل بقوم من بني العنبر بن تميم فلم يقروه حتى‬
‫اشترى منهم القرى فانصرف وهو يقول‪:‬‬
‫ن‬
‫رفد القرى مفسد ّ‬
‫فإ ّ‬
‫يا مالك بن طري ٍ‬
‫للدّين والحسـب‬
‫بيعـتـكـم‬
‫بيعوا الموالي واستحيوا‬
‫قالوا نبيعكه بيعا ً فقـلـت‬
‫من العرب‬
‫لـهـم‬
‫بيعي قراي ول أنسأتكم‬
‫ف ما‬
‫لول كرام طري ٍ‬
‫غضبـي‬
‫غفرت لكـم‬
‫‪299‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ريش ال ّ‬
‫ذنابى وليس‬
‫ب‬
‫هل أنتم غير أو شا ٍ‬
‫الرأس كال ّ‬
‫ذنب‬
‫ه‬
‫زعـانـفـ ٍ‬
‫وقوله‪ :‬يا مالك بن طريف فمن نصب‪ ،‬فإنما هو على انه جعل ابنا ً‬
‫تابعا ً لما قبل‪ ،‬كالشيء الواحد‪ ،‬وهو اكثر في الكلم إذا كان اسما ً‬
‫علما ً منسوبا ً إلى اسم علم‪،‬ابن مع ما قبله بمنزلة الشيء الواحد‪،‬‬
‫ومثل ذلك‪:‬يا حكم بن المنذر بن الجارود‪ ،‬ومن وقف على السم‬
‫الول ‪ ،‬ثم جعل الثاني نعتا ً لم يكن في الول إل الرفع‪ ،‬لنه مفرد‬
‫نعت بمضاف‪ ،‬فصار كقولك‪ :‬يا زيد ذا الجمة‪ .‬وقوله ول أنساكم‬
‫غضبي‪ ،‬يقول ‪ :‬لم أؤخره عنكم‪ ،‬يقال‪:‬نسأ الله في أجلك‪ ،‬وأنسأ‬
‫الله أجلك‪ ،‬والّنسيء من هذا ‪ ،‬ومعناه تأخير شهر عن شهر‪ ،‬وكانت‬
‫الّنسأة من بني مدلج بن كنانة ‪ ،‬فأنزل الله عز وج ّ‬
‫ل" إنما الّنسىء‬
‫زيادة ٌ في الكفر"التوبة ‪ 37‬لنهم كانوا يؤخرون الشهور‪ ،‬فيحرمون‬
‫درونه من حروبهم‬
‫غير الحرام‪ ،‬ويحّلون غير الحلل‪ ،‬لما يق ّ‬
‫ما جاء السلم‪ ،‬وأبان ذلك رسول‬
‫وتصّرفهم‪ ،‬فاستوت الشهور ل ّ‬
‫الله صلى الله عليه وسلم في قوله‪":‬إن الّزمان قد استدار كهيئة‬
‫ب‬
‫يوم خلق الله ال ّ‬
‫سموات والرض" وقوله‪ :‬هل انتم غير أو شا ٍ‬
‫ة‪ ،‬فالشابة جماعة تدخل في قوم وليست منهم‪ ،‬وإنما هو‬
‫زعانف ٍ‬
‫مأخوذ من المر الشب‪ ،‬أي المختلط‪ ،‬ويزعم بعض الرواة ان اصله‬
‫فارسي أعرب‪ ،‬يقال بالفارسية‪ :‬وقع القوم في آشوب أي في‬
‫اختلط‪ ،‬ثم تصّرفت فقيل‪ :‬تأ ّ‬
‫شب النبت‪ ،‬فصنع منه فعل‪.‬وأما‬
‫سمك‪ ،‬قال أوس بن حجر‪:‬‬
‫الّزعانف فأصلها أجنحة ال ّ‬
‫ـــــــــــــــــــــــــــد ّ حـــــــــــــــــــــــــــــــّتـــــــــــــــــــــــــــــــى‬
‫ـــــــا‬

‫‪300‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫‪301‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫جرير‪:‬بيعوا الموالي واستحيوا من العرب‪ ،‬لنه ح ّ‬
‫طهم ووضعهم ‪ ،‬ورأى أن الساءة إليه‬
‫لرجل من الشراف‪ :‬ما عّلمت والدك? قال‪ :‬الفرائض‪ ،‬قال‪ :‬ذلك علم الموالي ل أبال‬
‫إنكم لّول أفسده! ومن ذلك قول عنترة‪:‬‬

‫‪302‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ومن ذلك قول الخر‪:‬‬
‫موننا العراب العرب اسمنا‬
‫يس ّ‬
‫يريد أسماؤهم عندنا الحمراء‪ ،‬وقول العرب‪ :‬ما يخفى ذلك على‬
‫ي‪ .‬وقال المختار لبراهيم بن‬
‫ي والعجم ّ‬
‫السود والحمر‪ .‬يريد العرب ّ‬
‫الشتر يوم خازر وهو اليوم الذي قتل فيه عبيد الله بن زياد‪:‬إن‬
‫مة جندك هؤلء الحمراء‪ ،‬وإن الحرب إن ضّرستهم هربوا‪،‬‬
‫عا ّ‬
‫فاحمل العرب على متون الخيل‪ ،‬وأرجل الحمراء أمامهم‪ .‬ومن‬
‫ذلك قول الشعث بن قيس لعلي بن أبي طالب رحمه الله‪ ،‬وأتاه‬
‫ي على المنبر فقال‪ :‬يا أمير المؤمنين‪،‬‬
‫يتخطى رقاب الناس‪ ،‬وعل ّ‬
‫ي المنبٌر برجله‪،‬‬
‫غلبتنا هذه الحمراء على قربك‪ ،‬قال‪ :‬فركض عل ّ‬
‫ي‪ :‬مالنا ولهذا? يعني الشعث‪،‬‬
‫فقال صعصعة بن صوجان العبد ّ‬
‫ن أمير المؤمنين اليوم في العرب قول ً ل يزال يذكر‪ ،‬فقال‬
‫ليقول ّ‬
‫ضياطرة‪ ،‬يتمّرغ أحدهم على فراشه‬
‫ي من يعذرني من هذه ال ّ‬
‫عل ّ‬
‫م لل ّ‬
‫ذكر‪ ،‬فيأمرني إن أطردهم‪ ،‬ما كنت‬
‫تمرغ الحمار‪ ،‬ويه ّ‬
‫جر قو ٌ‬
‫لطردهم فأكون من الجاهلين‪ ،‬والذي فلق الحبة‪ ،‬وبرأ الّنسمة‪،‬‬
‫دين عودا ً كما ضربتموهم عليه بدءًا‪ .‬قوله‪:‬‬
‫ليضربّنكم على ال ّ‬
‫‪303‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫الضياطرة واحدهم ضيطٌر وضيطاٌر‪ ،‬وهو الحمر العضل الفاحش‪،‬‬
‫قال خداش بن زهير‪:‬‬
‫وتركب خي ٌ‬
‫وتشقى الّرماح‬
‫ل ل هوادة‬
‫ضياطرة الحمر‬
‫بـينـهـا‬
‫بال ّ‬
‫ة‪ ،‬لن‬
‫ب زعانف ٍ‬
‫وإنما قال جريٌر لبني العنبر‪:‬هل أنتم غير أو شا ٍ‬
‫سابين يزعمون ان العنبر بن عمرو بن تميم‪ ،‬إنما هو ابن عمرو‬
‫الن ّ ّ‬
‫مهم أم خارجية البجلّية التي يقال لها في المثل‪:‬أسرع‬
‫بن بهراء‪ ،‬وأ ّ‬
‫ف‬
‫م خارجة‪ ،‬فكانت قد ولدت في العرب في ني ّ ٍ‬
‫من نكاح أ ّ‬
‫ب?‬
‫وعشرين حيا ً من آباٍء متفرقين‪ ،‬وكان يقول لها الرجل‪:‬خط ٌ‬
‫ح! كذلك قال يونس بن حبيب‪ ،‬فنظر بنوها إلى عمرو‬
‫فتقول‪ :‬نك ٌ‬
‫سوا بأنه أراد أمتهم‪ ،‬فبادروا إليه‬
‫بن تميم قد ورد بلدهم ‪ ،‬فأح ّ‬
‫ن فيك لبقّية?‬
‫ليمنعوه تزّوجها‪ ،‬وسبقهم لنه كان راكبًا‪ ،‬فقال لها‪ :‬إ ّ‬
‫فقالت‪:‬إن شئت‪ ،...‬فجاؤوا وقد بنى عليها‪ ،‬ثم نقلها بعد إلى بلده‪،‬‬
‫فتزعم الرواة أنها جاءت بالعنبر معها صغيرًا‪ ،‬وأولدها عمرو بن‬
‫تميم أسّيدا ً والجهيم والقليب‪ ،‬فخرجوا ذات يوم يستقون فق ّ‬
‫ل‬
‫عليهم الماء‪ ،‬فأنزلوا مائحا ً من تميم‪ ،‬فجعل المائح يمل الدلو إذا‬
‫كانت للهجيم وأسّيد والقليب‪ ،‬فإذا وردت دلو العنبر تركها‬
‫تضطرب‪ ،‬فقال العنبر‪:‬‬
‫والّنأي عن بهراء‬
‫قد رابني من دلوي‬
‫واغترابها‬
‫اضطرابها‬
‫سابين‪ .‬وبروى أن رسول‬
‫إل تجيء ملى يجيء قرابها فهذا قول الن ّ ّ‬
‫الله صلى اله عليه وسلم قال يوما ً لعائشة رحمها الله‪ ،‬وقد كانت‬
‫نذرت أن تعيق قوما ً من ولد إسماعيل‪ ،‬فسبي قوم من بني العنبر‪،‬‬
‫فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم‪":‬إن سّرك ان تعتقي‬
‫سابون‪:‬‬
‫الصميم من ولد إسماعيل فأعتقي من هؤلء"‪ .‬فقال الن ّ ّ‬
‫د‪ ،‬فقد رجعوا إلى‬
‫فبهراء من قضاعة‪ ،‬وقد قيل قضاعة من بني مع ّ‬
‫إسماعيل‪.‬‬
‫ومن زعم أن قضاعة من بني مالك بن حمير وهو الحق قال‪:‬‬
‫فالنسب الصحيح في قحطان الّرجوع إلى إسماعيل وهو الحق‬
‫وقول المّبرزين من العلماء‪ :‬غنما العرب المتقدمة من أولد عابر‪،‬‬
‫ورهطه عاد وطسم وجديس وجرهموالعماليق‪ ،‬فاما قحطان عند‬
‫أهل العلم‪ ،‬فهو ابن الهميسع بن تيمن بن نبت بن قيذار بن‬
‫‪304‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫إسماعيل صلى الله عليه وسلم‪ ،‬فقد رجعوا إلى إسماعيل ‪ ،‬وقد‬
‫قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوم من خزاعة وقيل من‬
‫النصار‪":‬ارموا يا بني إسماعيل‪ ،‬فإن أباكم كان راميا ً " ‪.‬‬
‫ليحيى بن نوفل يهجو العريان بن الهيثم‬
‫ي‪،‬‬
‫قال يحيى بن نوفل‪ :‬يهجو العريان بن الهيثم بن السود الّنخع ّ‬
‫وكان العريان تزوج زباد من ولد هانئ بن فبيصة الشيباني‪ ،‬وكانت‬
‫عند الوليد بن عبد الملك فطلقها‪ ،‬فتزوجها العريان‪ ،‬وكان ابن‬
‫جاًء‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫نوفل له ه ّ‬
‫أمن مذحٍج تدعون أم‬
‫أعريان ما يدري امرؤ‬
‫مـن إياد!‬
‫سيل عنكم‬
‫ن‬
‫لبيض الوجوه غير جد ّ‬
‫فإن قلتم من مذحج إ ّ‬
‫مذحـجـا ً‬
‫جـعـاد‬
‫وانتم صغار الهام حد ٌ‬
‫ة‬
‫ل‬
‫وجوهكم مـطـلـي ّ ٌ‬
‫بـمـداد‬
‫كأنـمـا‬
‫وناصرنا فـي كـل يوم‬
‫ي‬
‫فإن قلتم الح ّ‬
‫جـلد‬
‫اليمانون أصلـنـا‬
‫نزت بإيادٍ خـلـف دار‬
‫فأطول بأيرٍ من مـعـد ّ‬
‫مـراد‬
‫ة‬
‫ونـزو ٍ‬
‫صـروا‬
‫لعمر بني شيبان إذ‬
‫زباد لقد ما قـ ّ‬
‫بـزياد‬
‫ينكـحـونـه‬
‫كمنزيةٍ عـيرا ً خـلف‬
‫أبعد الوليد أنكحوا عبد‬
‫جـواد‬
‫ج‬
‫مـذحـ ٍ‬
‫زياد أض ّ‬
‫ل الله سعـي‬
‫وأنكحها ل في كفاء‬
‫زياد‬
‫ول غنى‬
‫قوله‪:‬أمن مذحج تدعون أم من إياد‪ ،‬فبنو مذحج بنو مالك بن زيد‬
‫بن عريب بن زيد بن كهلن بن سبأ ين يشجب بن يعرب بن‬
‫قحطان‪ .‬و إياد بن نزار بن معد بن عدنان ‪ ،‬ويقال‪:‬إن الّنخع وثقيفا ً‬
‫ي بن منّبه بن بكر بن هوا زان‬
‫أخوان من إياد‪ .‬فأما ثقيف فهو قس ّ‬
‫بن منصور بن عكرمة بن حفصة بن قيس بن عيلن بن النصر‪،‬‬
‫فهذا قول قوم‪ .‬فأما آخرون فيزعمون ان ثقيفا ً من بقايا ثمود‪،‬‬
‫ونسبهم غامض على شرفهم في أخلقهم‪ ،‬وكثرة مناكحهم‬
‫‪305‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫قريشٌا‪.‬وقد قال الحجاج على ا لمنبر‪ :‬تزعمون أّنا من بقايا ثمود‪،‬‬
‫والله عّز وجل يقول‪ ":‬وثمودا فما أبقى "النجم ‪ .51‬وقال الحجاج‬
‫يوما ً لبي العسوس الطائي‪:‬أيّ أقدم? أنزول ثقيف الطائف أم‬
‫نزول طّيىء الجبلين? فقال أبو العسوس‪ :‬إن كانت ثقيف من بكر‬
‫بن هوزان فنزول طّيىء الجبلين قبلها‪ ،‬وغن كانت ثقيف من ثمود‬
‫فهي اقدم‪ ،‬فقال الحجاج‪ :‬يا أبا العسوس‪ ،‬اّتقني فإني سريع‬
‫وك! فقال أبو العسوس‪:‬‬
‫الخطفة للحمق المهت ّ‬
‫فلو كنت من أولد‬
‫يؤّدبني الحجـاج تـأديب‬
‫يوسف ما عدا‬
‫أهـلـه‬
‫من عصاه‬
‫ة‬
‫وإني لخشى ضـرب ً‬
‫يقد ّ بها م ّ‬
‫الـمـقـّلـدا‬
‫ثـقـفـّية‬
‫إذا قيل يوما ً قد عتا‬
‫مـا أحـاذر‬
‫على أنني مـ ّ‬
‫المرء واعتدى‬
‫ن‬
‫آمـ ٌ‬
‫المغيرة بن شعبة وهند‬
‫بنت النعمان بن المنذر‬
‫وقد كان المغيرة بن شعبة‪ ،‬وهو والي الكوفة‪ ،‬سار إلى دير هند‬
‫ة‪ ،‬فاستأذن عليها‪،‬‬
‫هب ٌ‬
‫بنت النعمان بن المنذر‪ ،‬وهي فيه عمياء متر ّ‬
‫فقيل لها‪ :‬أمير هذه المدرة بالباب‪ ،‬فقالت‪ :‬قولوا له‪ :‬أمن ولد‬
‫جبلة بن اليهم أنت? قال‪:‬ل‪،‬قالت‪ :‬أمن ولد المنذر بن ماء‬
‫السماء?قال‪:‬ل‪ ،‬قالت فمن أنت? قال‪ :‬المغيرة بن شعبة الثقفي‪،‬‬
‫قالت‪ :‬فما حاجتك? قال‪ :‬جئتك خاطبًا‪ ،‬قالت‪:‬لو كنت جئتني لجمال‬
‫أو مال لطلبتك‪ ،‬ولكنك أردت أتتشّرف بي في محافل العرب ‪،‬‬
‫فتقول‪ :‬نكحت ابنة النعمان بن المنذر ‪،‬وإل ّ فأيّ خير في اجتماع‬
‫أعور وعمياء! فبعثت إليها‪ :‬كيف كان أمركم? فقالت ‪ :‬سأختصر‬
‫ي إل هو يرغب‬
‫لك الجواب‪...‬أمسينا مساًء‪ ،‬وليس في الرض عرب ّ‬
‫ي إل ونحن نرغب‬
‫إلينا ويرهبنا‪ ،‬ثم أصبحنا وليس في الرض عرب ّ‬
‫إليه ونرهبه‪ ،‬قال‪ :‬فما كان أبوك يقول في ثقيف? قالت‪ :‬اختصم‬
‫إليه رجلن منهم‪،‬أحدهما ينميها إلى إياد‪ ،‬والخر إلى بكر بن هوزان‬
‫ي‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫فقضى بها للياد ّ‬
‫ن ثقيفا ً لم تكن‬
‫إ ّ‬
‫ولتناسب عامرا ً ومازنا‬
‫هوازنا ً‬

‫‪306‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫يريد عامر بن صعصعة ومازن بن منصور‪ ،‬فقال المغيرة‪ :‬أما نحن‬
‫فمن بكر بن هوزان‪ ،‬فليقل أبوك ما شاء!‬
‫في رثاء الشتر‬
‫ي تب ّ‬
‫كيه‪ ،‬وهذا‬
‫وقالت أخت الشتر‪ ،‬وهو مالك بن الحارث الّنخع ّ‬
‫الشعر رواه أبو اليقضان‪ ،‬و كان متعصبًا‪:‬‬
‫مكـــاثـــرةً ونــــــقـــــــطـــــــع بـــــــط‬
‫رجـــــــو‬
‫وإن نـــــنـــــــســـــــب فـــــــنـــــــحـــ‬
‫صـــــــدق‬
‫وإخـــوتـــنــــــا نـــــــزار أولـــــــو الـــــ‬
‫ـــــــا‬
‫العنق‪ ،‬يقال‪ :‬قوس حدلء إذا‬

‫ق نـــــحـــــــاه الـــــــمــ‬
‫حدلء كـــالـــز ّ‬
‫وأما قوله‪:‬زباد يا فتى‪ ،‬فله باب نذكره على وجهه باستقصاء بعد‬
‫صروا‪ .‬فما زائدة‪،‬‬
‫فراغنا من تفسير هذا الشعر‪ .‬وقوله‪:‬لقد ما ق ّ‬
‫ما خطيتهم أغرقوا " نوح ‪ ،25‬ولو قال‪ :‬لقدما ً‬
‫مثل قوله تعالى‪ ":‬م ّ‬
‫صروا لم يكن جيدًا‪ ،‬ودخل الوليد في الذم‪ .‬وقوله "كمنزيةٍ عيرا ً‬
‫ق ّ‬
‫خلف جواد " يقول ‪ :‬بعد جواد‪ ،‬قال الله عّز وجل‪ ":‬فرح‬
‫المخّلفون بمقعدهم خلف رسول الله " التوبة ‪.81‬وقوله‪:‬لفي كفاء‬
‫يقال‪ :‬هو كفؤك وكفؤك وكفيئك وكفاؤك‪ ،‬وإذا كان عديلك في‬
‫شرف أو ما أشبه‪ ،‬كما قال الفرزدق‪ :‬وتنكح في أكفانها الحبطات‪،‬‬
‫أول هذا البيت‪ :‬بنو دارم اكفاؤهم آل مسمع‪ ،‬وآل مسمع‪ :‬بيت بكر‬
‫بن وائل‪ ،‬و الحبطات هم بنو الحارث بن عمرو بن تميم‪ ،‬وإنما قال‬
‫هذا الفرزدق حين بلغة ان رجل ً من الحبطات خطب امرأة من بني‬
‫دارم بن مالك‪ ،‬فأجابه رجل من الحبطات‪:‬‬
‫أما كان عّباد ٌ كفيئا ً‬
‫ت بها‬
‫بلى ولبيا ٍ‬
‫الحجرات‬
‫لـدارم‬
‫عّباد‪ ،‬يعني بني هاشم‪ ،‬وقد تقدم هذا البيت للفرزدق في مواضع‪،‬‬
‫وقال الله عّز وجل‪ ":‬ولم يكن ّله كفوا ً أحدا ً " الخلص‪ ،4:‬وقال‬
‫ن النساء إل من الكفاء‪،‬‬
‫عمر بن الخطاب رضي الله عنه‪ " :‬لمنع ّ‬
‫دث أصحابنا عن الصمعي عن إسحاق بن عيسى‪ .‬قال‪ :‬قلت‬
‫وتح ّ‬
‫‪307‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ي‪ :‬يا أمير المؤمنين‪ ،‬من أكفاؤنا?‬
‫لمير المؤمنين الّرشيد أو المهد ّ‬
‫قال‪ :‬أعداؤنا‪ ،‬يعني أمّية‪ ،‬وزياد ٌ الذي ذكر ‪.‬كان أخاها "‪ .‬هذا‬
‫التفسير ما كان من المؤنث على فعال مكسور الخر‪ .‬وهو على‬
‫أربعة أضرب‪ ،‬والصل واحد‪ .‬قال أبو العباس‪ :‬اعلم أنه ل يبنى‬
‫شيء من هذا الباب على الكسر إل وهو مؤنث معرفة معدو ٌ‬
‫ل عن‬
‫جهته‪ ،‬وهو في المؤنث بمنزلة فعل‪ ،‬نحو عمر و قثم في المذكر‪،‬‬
‫ل وكان فاع ٌ‬
‫ل ينصرف‪،‬‬
‫وفعل معدول في حال المعرفة عن فاع ٍ‬
‫فلما عدل عنه فعل لم ينصرف‪ ،‬وفعال معدول عن فاعلة ل‬
‫ينصرف في المعرفة فعدل إلى البناء‪،‬لنه ليس بعد ما ل ينصرف‬
‫ي‪ ،‬وبني و بني على الكسر لن في فاعلة علمة التأنيث‪،‬‬
‫إل المبن ّ‬
‫وكان أصل هذا أن يكون إذا أردت به المر ساكنا ً كالمجزوم من‬
‫الفعل الذي هو في معناه‪ ،‬فكسرته للتقاء الساكنين‪ ،‬مع ما ذكرنا‬
‫من علمة التأنيث والكسر مما يؤنث به فلم يخل من العلمة‪،‬‬
‫تقول للمرأة‪:‬أنت فعلت‪ ،‬فالكسر علمة التأنيث‪ ،‬وكذلك إنك ذاهبة‪،‬‬
‫ضربتك يا امرأة‪ ،‬فمما ل يكون إل معرفة مكسورا ً ما كان اسما ً‬
‫للفعل نحو نزال يا فتى‪ ،‬ومعناه انزل وكذلك تراك زيدا ً أي اتركه‪،‬‬
‫فهما معدو لن عن المتاركة والمنازلة‪ ،‬وهما مؤنثان معرفتان‪،‬‬
‫يدلك على التأنيث القياس الذي ذكرنا‪ ،‬قال الشاعر تصديقا ً لذلك‪:‬‬
‫ج في‬
‫درع‬
‫دعيت نزال ول ّ‬
‫ولنعم حشو ال ّ‬
‫ال ّ‬
‫ذعر‬
‫أنـت إذا‬
‫فقال‪:‬دعيت لما ذكرته لك من التأنيث‪ ،‬وقال الخر‪،‬وهو زيد الخيل‪:‬‬
‫ه كّلما دعـيت‬
‫ن‬
‫وقد علمت سلمة ا ّ‬
‫كري ٌ‬
‫نـزال‬
‫سيفي‬
‫وقال الشاعر‪:‬‬
‫أما ترى الموت لدى‬
‫تراكها من إبـل‬
‫أوراكها‬
‫تـراكـهـا‬
‫أي اتركها‪ .‬وقال آخر‪ :‬حذار من كي أركبه نظار‪ ،‬فهذا باب من‬
‫الربعة‪ :‬ومنها إن يكون صفة غالبة تح ّ‬
‫ل محل السم‪ ،‬نحو قولهم‬
‫ضبع‪ :‬جعار يا فتى‪ ،‬وللمنية حلق يا فتى‪ ،‬لنها حالقة‪ ،‬والدليل‬
‫لل ّ‬
‫على التأنيث بعد ما ذكرنا قوله‪:‬‬
‫ـــــــــــســـــــــــــــائهـــــــــــــــم‬

‫‪308‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ة ويا لكعاء‪ ،‬لنه في النداء في موضع معرفةٍ كما تقول للرجل‪ :‬يا فسق ويا خبث وي‬

‫ي‪:‬‬
‫وقال النابغة الذبيان ّ‬
‫إّنا اقتسمنا خ ّ‬
‫فحملت بّردة‬
‫طتيننا‬
‫واحتملت فجار‬
‫بـينـنـا‬
‫يريد ‪ :‬قولي لها جمودًا‪ ،‬ول تقولي لها حمدًا‪ ،‬هذا المعنى‪ ،‬ولكنه‬
‫عدل مؤنثًا‪ .‬وهذا باب ثالث‪.‬‬
‫ة‪ ،‬أو شيئا ً مؤنثا ً باسم تصوغه على‬
‫والباب الرابع ان تسمى امرأ ً‬
‫هذا المثال‪ ،‬نحو رقاش وحذام وقطام وما أشبه ذلك‪ ،‬فهذا مؤنث‬
‫ميت به‪ ،‬وأهل الحجاز‬
‫معدول عن راقشة وحاذمة وفاطمة‪ ،‬إذا س ّ‬
‫ميي به‪،‬‬
‫يجرونه على قياس ماذكرت‪ ،‬لنه معدول في الصل وس ّ‬
‫فنقل إلى مؤنث كالباب الذي كان قبله‪ ،‬فلم يغيروه‪ ،‬فعلى ذلك‬
‫قالوا‪:‬اسق رقاش إنها سّقايه‪ ،‬وقال آخر‪:‬‬
‫ن القول ما قالت‬
‫إذا قالت حذام‬
‫فإ ّ‬
‫حذام‬
‫دقوها‬
‫فص ّ‬
‫وينشدون‪ :‬وأقفر من سلمى شراء فيذبل‪ ،‬كذا وقع‪ ،‬والصحيح فقد‬
‫أقفرت سلمى شراء‪ ،‬لن قبله‪ :‬تأّبد من أطلل جمرة مأسل‪،‬‬
‫ب‪ :‬وأما بنو تميم فإذا أزالوه عن النعت‬
‫والشعر للّنمر بن تول ٍ‬
‫موا به صرفوه في النكرة‪ ،‬ولم يصرفوه في المعرفة‪ ،‬وسيبويه‬
‫فس ّ‬
‫يختار هذا القول‪ ،‬ول يراد ّ القول الخر‪ ،‬فيقول‪ :‬هذه رقاش قد‬
‫جاءت‪ ،‬وهذه غلب قد جاءت‪ ،‬وهذه غلب أخرى‪ ،‬زل اختلف ببين‬
‫العرب في صرفه إذا كان نكرة‪ ،‬وفي إعرابه في المعرفة‪ ،‬وصرفه‬
‫‪309‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫في النكرة إذا كان اسما ً لمذكر‪ ،‬نحو رجل تسميه نزال أو رقاش‬
‫أو حلق‪ ،‬فهو في النكرة إذا كان اسما ً لمذكر‪ ،‬نحو رجل تسميه‬
‫ن‪ ،‬لن‬
‫نزال أو رقاش أو حلق‪ ،‬فهو بمنزلة رجل سميته بعناق أو أتا ٍ‬
‫التأنيث قد ذهب عنه‪ ،‬فاحتج سيبويه في تصحيح هذا القول بأنك لو‬
‫ميت شيئا ً بالفعل الذي هو مأخوذ منه لعربنه‪ ،‬نحو أنزل وأضرب‪،‬‬
‫س ّ‬
‫د‪ ،‬ونحو ذلك‬
‫لو سميت بهما رجل ً لجرى مجرى إصبع وأحمد إثم ٍ‬
‫فهذا يحيط بجميع هذا الباب‪.‬‬
‫???لمرأة من بني عامر‬
‫بن صعصعة زوجت في طّيىء‬
‫قال أبو العباس‪ ،‬وقالت امرأة أحسبها من بني عامر بن صعصعة‬
‫زوجت في طيىء‪.‬‬
‫ت‬
‫دهر أخت‬
‫ن ال ّ‬
‫ن ال ّ‬
‫ل تحمد ّ‬
‫دهر بـنـ ٌ‬
‫ول ترثي ّ‬
‫لـوالـد‬
‫أخالها لـهـا‬
‫وهم طرحوها في‬
‫هم جعلوها حيث ليسـت‬
‫القاصي الباعد‬
‫ة‬
‫بـحـّر ٍ‬
‫ويروى عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت‪ :‬إنما النكاح رقّ لينظر‬
‫امرؤٌ من يرقّ كريمته‪ .‬وعلى هذا جاءت اللغة‪ ،‬فقالوا كنا في إملك‬
‫ن‪ ،‬وفي ملك فلن‪ ،‬وفي ملك فلن‪ ،‬وفي ملكة فلن‪ .‬وفي‬
‫فل ٍ‬
‫ملكان فلن‪ ،‬ويقول الرجل‪ :‬ملكت المرأة وأملكنيها ولّيها‪ ،‬ومن‬
‫ث غنما يكون محّلها مح ّ‬
‫ل‬
‫ن يمين الطلق إذا وقع فيها حن ٌ‬
‫ذلك أ ّ‬
‫القرار بترك ما كان يملكه كالعتاق‪.‬‬
‫ن" أي‬
‫ن عندكم عوا ٍ‬
‫وقال رسول الله‪":‬أوصيكم بالنساء فإنه ّ‬
‫ن في بني فلن إذا أقام فيهم اسيرا‬
‫ت‪ ،‬ويقال‪ ،‬عني فل ٌ‬
‫أسيرا ٌ‬
‫ً‪،‬ويقال‪ :‬فلن يف ّ‬
‫ك العناة‪ ،‬وأصل التغنية التذ ليل‪،‬وأصل السار‬
‫د‪ ،‬هذا أصل هذا‪ ،‬فأما‬
‫الوثاق‪ ،‬ويقال للقتب مأسور إذا شد ّ بالق ّ‬
‫ل قم ٌ‬
‫المثل في قولهم‪ :‬إنما فلن غ ّ‬
‫ل‪ ،‬فإنهم كانوا يتخذون الغلل‬
‫د‪ ،‬فكانت تقمل‪.‬‬
‫من الق ّ‬
‫لرجل يذكر امرأة زوجت من غير كفء‬
‫وقال رجل يذكر امرأةً زّوجت من غير كفء‪:‬‬
‫ي مـقـلـتـاهـــا وجـــيدهـــا‬
‫ب‬
‫ح الـواشـون أن نــال ثـــعـــلـــ ٌ‬
‫شبـيهة ظـبـ ٍ‬
‫بكـــف لـــئيم الـــوالـــدين يقـــودهـــا‬
‫ي فـأصــبـــحـــت‬
‫ا فـقـد الـولـ ّ‬
‫ير إبراهيم بن النعمان بن بشير‬
‫‪310‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫يم عليه‬
‫ولما زّوج إبراهيم بن النعمان بن بشيرٍ النصاريّ يحيى بن أبي‬
‫حفصة مولى عثمان بن عّفان ابنته على عشرين ألف درهم قال‬
‫قائل يعّيره‪:‬‬
‫وخالفت فعل الكثر‬
‫لعمري لقد جّللت‬
‫ين الكارم‬
‫ة‬
‫نفسك خـزي ً‬
‫ببدرٍ لما رامـا ضـيع‬
‫داك اّللذان‬
‫ولو كان ج ّ‬
‫اللئم‬
‫تتابـعـا‬
‫فقال إبراهيم بن النعمان يرد ّ عليه‪:‬‬
‫ما تركت عشرون ألـفـا ً‬
‫مقال ً فل تـحـفـل مـلمة‬
‫لئم‬
‫لـقـائل‬
‫ب‬
‫وإن أك قد زّوجت مولى‬
‫به سن ّ ٌ‬
‫ة قبلـي وحـ ّ‬
‫دراهـم‬
‫فقد مضت‬
‫الـ ّ‬
‫للقلخ بن حزن يخاطب يحيى بن أبي حفصة‬
‫ورد عليه‬
‫سابون‬
‫وتزّوج يحيى بن أبي حفصة وهو مروان الشاعر‪ ،‬ويزعم الن ّ‬
‫أن أباه كان يهوديا ً أسلم على يدي عثمان بن عفان رضي الله‬
‫عنه‪ ،‬وكان يحيى من أجود الناس‪ ،‬وكان ذا يسار‪ ،‬فتزوج خولة بنت‬
‫مقاتل بن طلبة بن قيس بن عاصم سيد الوبر بن سنان بن خالد‬
‫ن‪:‬‬
‫بن منقر‪ ،‬ومهرها خرقًا‪ ،‬ففي ذلك يقول القلخ بن حز ٍ‬
‫وألم مكسـوا ً وألم‬
‫لم أر أثوابـا ً أجـّر‬
‫كـاسـيا‬
‫ة‬
‫لـخـزي ٍ‬
‫ن المبقيات‬
‫من الخرق اّللتي‬
‫بحجرٍ فك ّ‬
‫البوالـيا‬
‫صببن عليكم‬
‫فقال يحيى بن أبي حفصة يجيبه‪:‬‬
‫وأدركت قيسا ً ثانيا ً من‬
‫ة‬
‫تجاوزت حزنا ً رغب ً‬
‫عنانيا‬
‫عن بناته‬
‫دما ً بّينا ً فبلغ الغاية‪ ،‬فمن شأنه أن‬
‫دم تق ّ‬
‫سابق إذا تق ّ‬
‫يقال ذلك لل ّ‬
‫يثني عنانه فينظر إلى الخيل‪ ،‬وقال الشاعر‪:‬‬
‫سـوابـق وهـو‬
‫يجـيء قـبـل الـ ّ‬
‫دي‬
‫فمـن يفـخـر بـمـثـل أبــي وجـــ ّ‬
‫ثـانـي‬
‫‪311‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫يريد ثاني عنانه‪ ،‬وقال القلح في‬
‫هذه القصة‪:‬‬
‫لطالما كـنـت مـنـك الـعـار‬
‫أنـتـظـر‬

‫نّبئت خولة قالت حين أنكحها‬

‫ما رجوت‬
‫في فيك م ّ‬
‫الترب والحجر‬
‫برذنتها وبها التحجـيل‬
‫والـغـرر‬

‫أنكحت عبدين ترجو فضل‬
‫مالهمـا‬
‫لّلـه دّر جـيادٍ أنـت‬
‫سـائسـهـا‬
‫وقال جرير يعّيرهم‪:‬‬
‫فروج بناته كمر‬
‫رأيت مقاتل الطلبات‬
‫الموالـي‬
‫حّلـى‬
‫لقد أنكحتم عـبـدا ً‬
‫وهة‬
‫من ال ّ‬
‫صهب المش ّ‬
‫السبال‬
‫لـعـبـدٍ‬
‫خرئتم فوق أعظميه‬
‫ن‬
‫سإ ّ‬
‫فل تفخر بقـي ٍ‬
‫قـيسـا ً‬
‫البوالي‬
‫وقال آخر في مثل هذه القصة‪:‬‬
‫بأحسن من صّلى‬
‫أل يا عباد الله قـلـبـي‬
‫وأقبحهم بعـل‬
‫م‬
‫مـتـي ّ ٌ‬
‫دبيب القرنبى بات‬
‫ب على أحشائهـا‬
‫يد ّ‬
‫كـ ّ‬
‫يقرو نقا ً سهل‬
‫ة‬
‫ل لـيل ٍ‬
‫ة على هيئة الخنفس متّقطعة ال ّ‬
‫ظهر‪ ،‬وربما كان في‬
‫القرنبى‪ :‬دويب ٌ‬
‫ظهر نقطة حمراء‪ ،‬وفي قوائمها طول الخنفس‪ ،‬وهي ضعيفة‬
‫المشي‪.‬‬
‫للفرزدق في عطية أبي جرير‬
‫قال الفرزدق يعني عطّية أبا جرير‪:‬‬
‫قرنبى يح ّ‬
‫ك قفا‬
‫لئيم ٍ مآثـره فـعـدد‬
‫ف‬
‫مقر ٍ‬
‫وفي هذا الشعر يقول‪:‬‬
‫زرارة مّنا أبو مـعـبـد‬
‫ألم تـر أّنـا بـنـي دارم‬
‫وأحيا الوئيد فـلـم‬
‫ومّنا اّلذي منع‬
‫‪312‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫تـوأد‬

‫الـوائدات‬
‫ألسنا بأصحاب يوم‬
‫وأصحاب ألوية المربـد‬
‫الّنسار‬
‫تسامي وتفخر في‬
‫م‬
‫السنا اّلذين تمـي ٌ‬
‫المشهد‬
‫بـهـم‬
‫وناجية الخير‬
‫قبٌر بكاظـمة الـمـورد‬
‫والقرعـان‬
‫أناخ على القبر‬
‫إذا ما أتى قـبـره‬
‫بالسعـد‬
‫عـائد ٌ‬
‫عطّية كالجعـل‬
‫أيطلب مجد بـنـي‬
‫السـود‬
‫دارم‬
‫سماكين‬
‫مكان ال ّ‬
‫ومجد بـنـي دارم ٍ‬
‫والفرقـد‬
‫دونـه‬
‫قوله‪:‬ألم تر أّنا بني دارم منصوب على الختصاص‪ ،‬وقد مضى‬
‫تفسيره‪.‬وزرارة الذي ذكر‪،‬هو زرارة بن عدس بن زيد بت عبد الله‬
‫د‪ ،‬ولقي ٌ‬
‫ط‪،‬‬
‫بن دارم‪ ،‬وكان زرارة يكنى أبا معب ٍ‬
‫د‪ ،‬وكان له بنون‪ :‬معب ٌ‬
‫ب وعلقمة‪ ،‬والمأمون‪.‬ويزعم قوم أن المأمون هو علقمة‪،‬‬
‫وحاج ٌ‬
‫ب‬
‫سابة‪ ،‬وكان حاج ٌ‬
‫ومنهم شيبان بن زرارة وابنه يزيد بن شيبان الن ّ‬
‫أذكر القوم‪.‬ورووا أن عبد الملك ذكر يوما ً يني دارم فقال أحد‬
‫جلسائه‪ :‬يا أمير المؤمنين! هؤلء قوم محظوظون! فقال عبد‬
‫الملك‪ :‬أتقولون ذلك وقد مضى منهم لقيط بن زرارة ولم يخّلف‬
‫عقبًا‪ ،‬ومضى القعقاع بن معبد بن زرارة ولم يخّلف عقبًا‪ ،‬ومضى‬
‫محمد بن عمير بن عطارد بن حاجب بن زرارة ولم يخّلف عقبًا!‬
‫والله ل تنسى العرب هؤلء الثلثة أبدًا‪.‬وكان لقيط بن زرارة قتل‬
‫يوم جبلة‪ ،‬وأسر حاجب فنودي‪ ،‬فزعم أبو عبيدة أنه لم يكن‬
‫ي‪ ،‬فلحقه‬
‫ي أغلى فداء من حاجب‪ ،‬وكان أسره زهد ٌ‬
‫م العبس ّ‬
‫عكاظ ّ‬
‫ة في بني عامر بن‬
‫ي‪ ،‬وبنو عبس يومئذ نازل ٌ‬
‫ذو الرقيبة القشر ّ‬
‫صعصعة‪ ،‬فأخذه ذو الرقيبة بعّزة‪ ،‬وأنه في محل قومه فقال‬
‫ما تنازعني الرجلن خفت أن أقتل بينهما‪ ،‬فقلت‪ :‬حكماني‬
‫حاجب‪ :‬ل ّ‬
‫في نفسي‪ ،‬ففعل فحكمت بسلحي وركابي لزهدم‪ ،‬وبنفسي لذي‬

‫‪313‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫الرقيبة‪ ،‬وكان حاجب يكنى أبا عكرشة‪ ،‬وكان أحلم قومه‪ ،‬وفي ذي‬
‫الرقيبة يقول الشاعر‪:‬‬
‫ك‬
‫ولقد رأيت القائلين‬
‫فلدي الرقيبة مال ٍ‬
‫فضل‬
‫وفعلهم‬
‫وعطاؤه متدفّقٌ جـزل‬
‫ة‬
‫ة ومـخـلـف ٌ‬
‫كّفاه متلف ٌ‬
‫ب‪ ،‬وقتل في ذلك اليوم لقي ٌ‬
‫ط‪ ،‬واسر عمرو بن عمرو‬
‫ففدي حاج ٌ‬
‫بن عدس فلذلك يقول جرير يعّير الفرزدق‪ ،‬لن الفرزدق من بني‬
‫مجاشع بن دارم‪ ،‬وقد مضى ذكر هذا في الكتاب‪ ،‬ولجرير في‬
‫س خؤولة‪.‬‬
‫قي ٍ‬
‫للفرزدق يهجو جريرا ً وجواب جرير عليه‬
‫ي‪ ،‬قال‪:‬‬
‫فلما هجا الفرزدق قيسا ً في أمر قتيبة بن مسلم الباهل ّ‬
‫لل تمـيم أقـعـدت كـ ّ‬
‫ل‬
‫أتاني وأهلي بـالـمـدينة‬
‫قـائم‬
‫ة‬
‫وقـع ٌ‬
‫ة هـامـاتـهـا‬
‫كأن رؤوس الّناس إذا‬
‫دخ ٌ‬
‫مش ّ‬
‫بـالمـائم‬
‫سمعوا بهـا‬
‫وبين تميم غير حـّر‬
‫وما بين من لم يعط‬
‫الـحـلقـم‬
‫ة‬
‫سمعا ً وطـاع ً‬
‫جهارا ً ولم تغضب لقتل‬
‫أتغضب عن أذنا قـتـيبة‬
‫ابن خازم‬
‫حـّزنـا‬
‫إلى ال ّ‬
‫شام فوق‬
‫وما منهما غل نقلـنـا‬
‫ال ّ‬
‫شاحجات الّرواسم‬
‫دمـاغـه‬
‫مح ّ‬
‫ذفة الذناب جلـح‬
‫تذبذب في المخلة تحت‬
‫الـمـقـادم‬
‫بطونـهـا‬
‫ول من تميم في الرؤوس‬
‫وما أنت من قيس‬
‫العاظم‬
‫فتنبـح دونـهـا‬

‫س‬
‫تخ ّ‬
‫وفنـا أيام قـي ٍ‬
‫ولـم تـدع‬
‫س فما‬
‫لقد شهدت قي ٌ‬

‫لعيلن أنفا مستقيم‬
‫الـخـياشـم‬
‫ضهـا‬
‫قتيبة إل ّ ع ّ‬
‫‪314‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫بـالبـاهـم‬

‫كان نصرها‬
‫وقال جرير يجيبه‪:‬‬
‫ول أن تروعوا قومكم‬
‫أباهل ما أحببت قتل‬
‫بالمظالم‬
‫ابن مسلـم‬
‫وف الفرزدق‪:‬‬
‫ثم قال يخ ّ‬
‫ضض يا أبن القين قيسا ً‬
‫لقومك يومـا ُ مـثـل يوم‬
‫تح ّ‬
‫الراقـم‬
‫ليجعـلـوا‬
‫كأنك لم تشهد لقـيطـا ً‬
‫وعمرو بن عمروٍ إذ دعوا يا‬
‫وحـاجـبـا ً‬
‫ل دارم‬
‫دات قيس يوم دير‬
‫ولم تشهد الجونين‬
‫وش ّ‬
‫وال ّ‬
‫الـجـمـاجـم‬
‫صفـا‬
‫شعث ذا ال ّ‬
‫صفا كنتم عـبـيدا ً‬
‫وبالحنو أصبحتم عبـيد‬
‫فيوم ال ّ‬
‫الـّلـهـازم‬
‫لـعـامـر‬
‫وتخـزيك يا أبـن الـقـين‬
‫دت اليام أخـزين‬
‫إذا عـ ّ‬
‫درامـــا ً‬
‫أيام دارم‬
‫أما قول الفرزدق‪:‬‬
‫ســـــــــــــــــــــــــــــــمـــــــــــــــــــــــــــــــعــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــا‬

‫‪315‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫‪316‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫دامية‪ ،‬وإذا أخذت من اللحم شيئا ً فهي الباضعة‪ ،‬وإذا أمضت في اللحم فهي المتلحم‬
‫على ترب الشاة من ال ّ‬
‫شحم إل سماحيق‪ ،‬أي طرائق‪ ،‬فإذا خرجت منها عظام صغار ف‬
‫م المأمو‬
‫م ال ّ‬
‫مة‪ ،‬وبعض العرب يسميها أ ّ‬
‫أ ّ‬
‫دماغ وهي جليدةٌ قد ألبست الدماغ فهي ال ّ‬

‫‪317‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫صق في هجائه بني‬
‫ي يرد ّ بن عمرو بن الل ّ‬
‫وقال ابن غلفاء الهجيم ّ‬
‫تميم‪:‬‬
‫كمزداد الغرام إلى‬
‫فإنك من هجاء بني‬
‫الغـرام‬
‫تـمـيم‬
‫رأت صقرا ً وأشرد من‬
‫هم تركوك أسلح من‬
‫نعام‬
‫حبارى‬
‫م ال ّ‬
‫شؤون من‬
‫م‬
‫بدت أ ّ‬
‫وهم ضربوك ا ّ‬
‫‪318‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫العظام‬
‫الّرأس حتى‬
‫شرنبثة الـقـوائم أم‬
‫إذا يأسونها جشأت‬
‫هـام‬
‫إلـيهـم‬
‫ي‪ ،‬وهو أحد غربان العرب‬
‫وابن خازم هو عبد الله بن خازم ال ّ‬
‫سلم ّ‬
‫في السلم‪ ،‬وكان من أشجع الناس‪ ،‬وقلته بنو تميم بخرسان‪،‬‬
‫ي‪.‬وقوله‪:‬فوق‬
‫وكان الذي ولي قتله منهم وكيع بن ال ّ‬
‫دورقّية القريع ّ‬
‫الشاحجات‪ ،‬يعني البغال‪ .‬والّرسيم‪ :‬ضرب من السير‪ ،‬وإنما عنى‬
‫ههنا بغال البريد‪ ،‬لقوله‪ :‬مح ّ‬
‫ذفة الذناب جلح المقادم كما قال‬
‫امرؤ القيس‪:‬‬
‫ــــــــــــــقـــــــــــــــــــــــــــــــصـــــــــــــــــــــــــــــــوص الـــــــــــــــــــــــــ‬

‫‪319‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫جاج في وقعته بدير الجماجم بعبد‬
‫ن‪ ،‬فقد مضى ذكرهما‪ ،‬ويوم دير الجماجم‪ ،‬يريد الح ّ‬
‫ي بن‬
‫بنو ذهل بن ثعلبة‪ ،‬وبنو تيم اللت بن ثعلبة‪ ،‬وبنو عجل بن لجيم بن صعب بن عل ّ‬
‫‪320‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ي‪ ،‬فقال ضبيعة ب‬
‫ة بن قيس بن ثعلبة فقتل به حاجب أخوه أشيم بن شراحيل القيس ّ‬

‫‪321‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ـــــــــــــــير الـــــــــــــــــــــــــــــــضـــــــــــــــــــــــــــــــبـــــــــــــــــــــــــــ‬
‫ــــــا‬

‫‪322‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫‪323‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ـــــــيك‪ ،‬وضـــــــبـــــــيعة أضـــــــخـــــــم الـــــــذي ذكـــــــر هـــــــو ضـــــــبــ‬
‫ــــــــــبـــــــــــــــهـــــــــــــــم‪.‬‬
‫وأما معبد بن زرارة فإن قيسا ً أسرته يوم رحرحان‪ ،‬فساروا به إلى‬
‫الحجاز فأتى لقي ٌ‬
‫ط في بعض الشهر الحرم ليفيه‪ ،‬فطلبوا منه ألف‬
‫ن أبانا أمرنا أن لنزيد على المائتين‪ ،‬فتطمع فينا‬
‫بعير فقال لقيط‪ :‬إ ّ‬
‫ت‪ .‬فأبى‬
‫ذؤبان العرب‪ ،‬فقال معبد‪ :‬يا أخي‪ ،‬افدني بمالي فإني مي ٌ‬
‫لقي ٌ‬
‫ط‪ ،‬وأبى معبد أن يأكل أو يشرب‪ ،‬فكانوا يشحون فاه‪ ،‬ويصّبون‬
‫فيه الطعام والشراب لئل يهلك فيذهب فداؤه‪ ،‬فلم يزل كذلك‬
‫حتى مات‪ ،‬فقال جرير يعّير الفرزدق وقومه بذلك‪:‬‬
‫صفا لقيتم‬
‫تركتم بوادي رحرحان‬
‫ويم ال ّ‬
‫الشعب أوعرا‬
‫نساءكـم‬
‫فكنتم نعاما ً عند ذاك‬
‫سمعتم بني مجدٍ دعوا‬
‫منـّقـرا‬
‫يا ل عامر‬
‫ولقى لقيط حتفه‬
‫وأسلمت القلحاء في‬
‫فتـقـ ّ‬
‫الغل معبدا ً‬
‫طـرا‬
‫ر‪ ،‬يعني مجد بنت النضر بن‬
‫قوله‪ :‬سمعتم بني مجدٍ دعوا يا ل عام ٍ‬
‫كنانة ولدت ربيعة بن عامر بن صعصعة‪ ،‬وولده بنو كلب وبنو كعب‬
‫بن عامر بن ربيعة‪ .‬والقلحاء لقب‪ ،‬والقلح ان تركب السنان صفرةٌ‬
‫تضرب إلى السواد‪ ،‬ويقال لها الحبرة لشدة تأثيرها‪ ،‬أنشدني‬
‫المازني‪:‬‬

‫‪324‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ســـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــعـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــى فـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــيه‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــرةٌ‬

‫‪325‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫‪326‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫سنانه حبرة‪ ،‬وليس ذلك بمعروف‪ ،‬ولم يأت اسم على فعل إل إبل وإطل‪.‬وقوله‪:‬ولقى‬
‫ده صعص‬
‫سير إلى شعر الفرزدق الول‪:‬أما قوله‪ :‬ومّنا الذي منع الوائدات‪ ،‬فإنه يعني ج ّ‬
‫اض في جيرانهم‪ ،‬فهذا قول واحد‪ .‬وقال قوم آخرون‪ :‬بل كان في تيم وقيس وأسد ٍ و‬
‫ي يوسف"‪ .‬وقال بعض الرواة‪ :‬اشدد وطدتك‪ ،‬والمعنى قريب يرجع إلى الّثقل‪ ،‬فأجدب‬
‫ن"‬
‫ق"السراء ‪ ،31‬وقال‪":‬ول يقتلن أولده ّ‬
‫نات فقال‪ ":‬ول تقتلوا أولدكم خشية إمل ٍ‬
‫إغارة النعمان بن المنذر على تميم‬
‫وذكر أبو عبيده بن المثّنى إن تميما ً منعت النعمان التاوة‪ ،‬وهي‬
‫الديان‪ ،‬فوجه إليهم أخاه الرّيان بن المنذر‪ ،‬وكانت للنعمان خمس‬
‫كتائب‪ ،‬إحداها الوضائع وهم قوم من الفرس كان كسرى يضعهم‬
‫دة ومددًا‪ ،‬فيقيمون سنة عند الملك من ملوك لخم‪ ،‬فإذا‬
‫عنده ع ّ‬
‫دهم إلى أهليهم وبعث بمثلهم‪ ،‬وكتيبة يقال‬
‫كان في رأس الحول ر ّ‬
‫لها ال ّ‬
‫مون‬
‫شبهاء وهي بيت الملك‪ ،‬وكانوا بيض الوجوه‪ ،‬يس ّ‬
‫الشاهب‪ .‬وكتيبة ثالثة يقال لها الصنائع وهم صنائع الملك أكثرهم‬
‫‪327‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ة يقال لها الرهائن وهم قوم كان‬
‫من بكر ين وائل‪ .‬وكتيبة رابع ٌ‬
‫يأخذهم من كل قبيلة فيكونون رهنا ً عنده ثم يوضع مكانهم مثلهم‪.‬‬
‫والخامسة دوسر وهي كتيبة ثقيلة تجمع فرسانا ً وشجعانا ً من كل‬
‫قبيلة‪ ،‬فأعزاهم أخاه‪ ،‬وج ّ‬
‫ل من معه بكربن وائل‪ ،‬فاستاق الّنعم‬
‫وسبى ال ّ‬
‫ي‪:‬‬
‫ي‪ ،‬وفي ذلك يقول أبو المشمرج اليشكر ّ‬
‫ذرار ّ‬
‫قالوا أل ليت أدنى‬
‫ما رأوا راية النعمان‬
‫ل ّ‬
‫دارنا عـدن‬
‫ة‬
‫مـقـبـل ً‬
‫مّرا وكانت كمن أودى‬
‫م تميم لم‬
‫يا ليت أ ّ‬
‫به الزمن‬
‫تكن عـرفـت‬
‫أو تنعموا فقديما ً‬
‫إن تقتلونا فـأعـياٌر‬
‫منكم المـنـن‬
‫ة‬
‫دع ٌ‬
‫مـجـ ّ‬
‫ابنا لقيط وأودى في‬
‫ب‬
‫منهم زهير وعّتا ٌ‬
‫الوغى قطن‬
‫ومحتـضـٌر‬
‫يقول النعمان في جواب هذا‪:‬‬
‫ن زالــت بـــهـــم حـــضـ‬
‫ـداة الـــّروع لـــو بـــهـــم‬
‫أرمـى ذرا حـضـ ٍ‬
‫إل ّ فـوارس خـامـــت عـــنـــهـــم الـــيمـ‬
‫ي الـــّنـــاس أشـــبـــهـــهـــم‬
‫فوفدت إليه بنو تميم فلما رآها‬
‫ل‪:‬‬
‫اً‬
‫من فـضـلـنـا مـــا عـــلـــيه قـــيس عـــيلن‬
‫فأناب القوم وسألوه النساء‪ ،‬فقال النعمان‪ :‬كل امرأة اختارت‬
‫دت إليه‪ ،‬وغن اختارت صاحبها تركت عليه‪ .‬فكّلهن اختارت‬
‫أباها ر ّ‬
‫أباها‪ ،‬إل ابنة لقيس بن عاصم فإنها اختارت صاحبها عمرو بن‬
‫ة إل قتلها‪ .‬فهذا شيء يعت ّ‬
‫ل به‬
‫المشمرج‪ ،‬فنذر قيس أل ّ تولد له ابن ٌ‬
‫ة‪ ،‬وقد أكذب ذلك بما أنزل الله تعالى‬
‫من وأد‪ ،‬ويقول‪ :‬فعلناه أنف ً‬
‫في القرآن‪ .‬وقال ابن عباس رحمة الله في تأويل هذه الية‪:‬‬
‫وكانوا ل يورثون‪ ،‬ول يتخذون إل من طاعن بالّرمح ومنع الحريم‬
‫يريد ال ّ‬
‫ذكران‪.‬‬
‫وفود صعصعة بن ناحية على رسول الله‬

‫‪328‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫وروت الرواة‪ :‬إن صعصة بن ناجية لما أتى رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم‪ ،‬قال‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬إني كنت أعمل عمل ً في الجاهلية‬
‫أفينفعني ذلك اليوم? قال‪ :‬وما عملك? قال‪ :‬أضللت ناقتين عشرا‬
‫وين‪ ،‬فركبت جم ً‬
‫د‪ ،‬فإذا‬
‫ت حري ٌ‬
‫ل‪ ،‬ومضيت في بغائهما‪ .‬فرفع لي بي ٌ‬
‫شيخ جالس بفناء الدار‪ ،‬فسألته عن الناقتين‪ ،‬فقال‪ :‬ما نارهما?‬
‫قلت‪ :‬ميسم بني دارم‪ ،‬فقال‪ :‬هما عندي وقد أحيا الله بهما قوما ً‬
‫ي‪ ،‬فإذا عجوز قد‬
‫من أهلك‪ ،‬من مضر‪ .‬فجلست معه ليخرجا إل ّ‬
‫خرجت من كسر البيت‪ ،‬فقال لها‪ :‬ما وضعت? فإن كان سقبا ً‬
‫شاركنا في أموالنا وإن كانت حائل ً وأدناها‪ .‬فقالت العجوز‪ :‬وضعت‬
‫أنثى! فقلت أتبيعها? قال‪ :‬وهل تبيع العرب أولدها?‪ ،‬قلت‪ ،‬إنما‬
‫اشتري منك حياتها‪ ،‬ول أشتري رّقها‪ ،‬قال‪ :‬فبكم? قلت‪ :‬احتكم‪،‬‬
‫قال‪ :‬بالناقتين والحمل‪ ،‬قال‪ :‬قلت‪ :‬ذاك لك‪ ،‬على أن يبّلغني‬
‫الجمل وإّياها‪ .‬قال ‪ :‬ففعل‪ ،‬فآمنت بك يا رسول الله‪ ،‬وقد صارت‬
‫ة في العرب‪ ،‬على أن أشتري كل موءودة فقد أنقذها‪،‬‬
‫لي سن ّ ٌ‬
‫فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ ":‬ل ينفعك ذلك‪ ،‬لنك لم‬
‫تبتغ به وجه الله وإن تعمل في إسلمك عمل ً صالحا ً ثبت عليه "‪.‬‬
‫وكان ابن عباس يقرا‪ ":‬وإذا الموءودة سألت بأي ذنب قتلت "‬
‫التكوير‪ . 9- 8:‬وقال أهل المعرفة في قول الله عّز وجل ‪ ":‬وإذا‬
‫المؤودة سئلت بأي ذنب قتلت " إنما تسأل تبكيتا ً لمن فعل ذلك‬
‫بها‪ ،‬كما قال الله تعالى‪ ":‬يا عيسى ابن مريم ء أنت قلت للّناس‬
‫مي إلهين من دون الله " المائدة‪.116:‬وقوله‪:‬وئدت‪،‬‬
‫اّتخذوني وأ ّ‬
‫إنما هو أثقلت بالتراب‪ ،‬يقال للرجل‪ :‬اّتئد أي تثّبت‪ .‬وتثّقل‪ ،‬كما‬
‫يقال‪ :‬توّفر‪ ،‬قال قصيٌر صاحب جذيمة‪:‬‬
‫يدا ً‬
‫أجـــــــنـــــــدل ً يحـــــــمـــــــلـــــــن أم‬
‫ن‪ ،‬أضللت‪ ،‬ضّلتا مني‪ ،‬وتحقيقه‪:‬‬

‫ى الـــحـــجـــــيج فـــــــانــــ‬
‫حين تـــولـــ ّ‬
‫والعشراء‪:‬الناقة التي قد ا أتى عليها منذ حملت عشرة أشهر‪،‬‬
‫ة‪.‬وقوله‪:‬ما نارهما? يريد ما وسمهما? كما‬
‫وإنما حمل الناقة سن ٌ‬
‫قال‪:‬‬
‫والّنار قد تشفي من‬
‫قد سقيت آبالهم‬
‫الوار‬
‫بـالـّنـار‬
‫‪329‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫أي عرف وسمهم فلم يمنعوا الماء‪.‬وقوله‪ :‬فإذا بيت حريد‪،‬يقول‪:‬‬
‫ح عن الناس‪ ،‬وهذا من قولهم‪ :‬انحرد الجمل‪ ،‬إذا تنحى من‬
‫متن ّ‬
‫الناث فلم يبرك معها‪ ،‬ويقال في غير هذا الموضع‪:‬حرد حردة‪ ،‬أي‬
‫قصده‪ ،‬قال الراجز‪:‬‬
‫قد جاء سي ٌ‬
‫يحرد حرد الجنة‬
‫ل جاء من‬
‫المـغـّلة‬
‫أمر الله‬
‫وقالوا في قوله عّز وجل‪ ":‬وغدوا على حريد قادرين "القلم ‪25‬‬
‫‪،‬أي‪ :‬على قصد ٍ كما ذكرنا‪ .‬وقالوا‪ :‬هو أيضا ً على منع ‪ ،‬من قولهم‪:‬‬
‫سنة إذا منعت مطرها‪،‬‬
‫حاردت الناقة إذا منعت لبنها‪ ،‬وحاردت ال ّ‬
‫والبعير الحرد‪ :‬هو الذي يضرب بيده‪ ،‬وأصله المتناع من المشي‪.‬‬
‫وأما قوله‪:‬‬
‫وقـبـٌر بـكـاظـمة‬
‫‪...............................‬‬
‫الـمـورد‬
‫‪.....‬‬
‫أناخ على الـقـبـر‬
‫إذا مـا أتـى قـبـره‬
‫بـالسـعـد‬
‫ف‬
‫خـــائ ٌ‬
‫فإنه يعني قبر أبيه غالب بن صعصعة بن ناحية‪ ،‬وكان الفرزدق‬
‫يجير من استجار بقبر أبيه‪ ،‬وكان أبوه جوادا ً شريفًا‪ .‬ودخل‬
‫الفرزدق البصرة في إمرة زياد‪ ،‬فباع إبل ً كثيرة وجعل يصّر أثمانها‪،‬‬
‫فقال له رجل‪ :‬إنك لتصّر أثمانها‪ ،‬ولو كان غالب بن صعصعة ما‬
‫صرر ونثر المال‪ .‬وبلغ الخبر زيادا ً‬
‫صّرها‪ .‬ففتح الفرزدق تلك ال ّ‬
‫فطلبه‪ ،‬فهرب الفرزدق‪ ،‬وله في هربه حديث طويل‪ ،‬واستجارته‬
‫بسعيد بن العاس بالمدينة‪ ،‬نذكره بعد هذا عن شاء الله‪.‬‬
‫جماعة استجاروا بقبر غالب‬
‫من استجار بقبر غالب فأجاره الفرزدق امرأة من بني جعفر بن‬
‫فم ّ‬
‫ميها‬
‫كلب‪ ،‬خافت لما هجا الفرزدق بني جعفر بن كلب أن يس ّ‬
‫ويسّبها‪ ،‬فعاذت بقبر أبيه‪ ،‬فلم يذكر لها اسما ً ول نسبًا‪ ،‬ولكن قال‬
‫في كلمته التي يهجو فيها بني جعفر بن كلب‪:‬‬
‫فل واّلدي عاذت به ل‬
‫عجوٌز تصلي الخمس‬
‫أضيرهـا‬
‫عاذت بغالب‬
‫سند‪ ،‬دخل‬
‫ي ال ّ‬
‫ومن ذلك أن الحجاج لما وّلى تميم بن زيد القين ّ‬
‫البصرة فجعل يخرج من أهلها من شاء‪ ،‬فجاءت عجوز إلى‬
‫ت‪،‬‬
‫الفرزدق فقالت‪ :‬إني استجرت بقبر أبيك‪ ،‬واتت منه بحصيا ٍ‬
‫‪330‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫فقال لها‪ :‬وما شأنك! فقالت‪ :‬إن تميم ابن زيد خرج بابن لي معه‬
‫ول قّرة لعيني ول كاسب لي غيره‪ ،‬فقال لها‪ :‬وما أسم ابنك?‬
‫س‪ ،‬فكتب إلى تميم بن زيد مع بعض من شخص‪:‬‬
‫فقالت ‪:‬خني ٌ‬
‫ي‬
‫ن‬
‫بظهر فل يعيا عل ّ‬
‫تميم بن زيد ل تكون ّ‬
‫جوابـهـا‬
‫حاجـتـي‬
‫وهب لي‬
‫لعترة أم ما يسوغ‬
‫خنيسًاواحتسب فيه‬
‫شـرابـهـا‬
‫مّنه‬
‫سافي‬
‫أتتني فعاذت يا تميم‬
‫وبالحفرة ال ّ‬
‫عليها ترابهـا‬
‫بـغـالـب‬
‫ث إذا ما الحرب‬
‫وقد علم القوام اّنـك‬
‫ولي ٌ‬
‫ب شهابها‬
‫ش ّ‬
‫مـاجـد ٌ‬
‫فلما ورد الكتاب على تميم‪ ،‬تش ّ‬
‫كك في السم فقال‪ :‬أحبيش? أم‬
‫س? ثم قال‪ :‬انظروا من له مثل هذا السم في عسكرنا?‬
‫خني ٌ‬
‫جه بهم إليه‪ .‬ونهم مكاتب‬
‫فأصيب ستة ما بين حبيش و خنيس فو ّ‬
‫لبنى منقر‪ ،‬ظلع بمكاتبته‪ ،‬فأتى قبر غالب فاستجار به‪ ،‬وأخذ منه‬
‫ن في عمامته‪ ،‬ثم أتى الفرزدق فاخبره‪ ،‬وقال ‪:‬إني‬
‫حصيات فش ّ‬
‫ده ّ‬
‫قد قلت شعرًا‪ ،‬فقال‪ :‬هاته‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫بقبر ابن ليلى غالب‬
‫خشيت الّردى أو ان ارد ّ‬
‫على قسر‬
‫عذت بعدمـا‬
‫ت‬
‫بقبر امرئ تقري المئين‬
‫ولم يك غل ّ غالبـا ً مـي ّ ٌ‬
‫يقـري‬
‫عظـامـه‬
‫فكاكك أن تلقى‬
‫فقال لي استقدم‬
‫الفرزدق بالمصر‬
‫أمـامـك إّنـمـا‬
‫فقال له الفرزدق‪ :‬ما اسمك? قال‪ :‬لهذم‪ ،‬قال‪ :‬يالهذم‪ ،‬حكمك‬
‫مطًا‪ ،‬قال‪ :‬ناقة كوماء سوداء الحدقة‪ ،‬قال‪ :‬يا جارية‪ ،‬اطرحي‬
‫مس ّ‬
‫إلينا حب ً‬
‫ل‪ ،‬ثم قال‪ :‬يا لهذام اخرج بنا إلى المريد‪ ،‬فألقه في عنق ما‬
‫شئت‪ .‬فتخير العبد على عينه‪ ،‬ثم رمى الحبل في عنق ناقةٍ وجاء‬
‫ي في ثمنها‪ ،‬فجعل لهذا يقودها‬
‫صاحبها‪ ،‬فقال له الفرزدق‪ :‬اغد عل ّ‬
‫والفرزدق يسوقها حتى إذا نفذ بها من بيوت إلى الصحراء‪ ،‬صاح به‬
‫الفرزدق‪ :‬يا لهذام‪ ،‬قبح الله أخسرنا???! قوله‪ :‬تقري المئين‬
‫‪331‬‬

‫الكامل في اللغة والدب‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫عظامه‪ ،‬يريد أنهم كانوا ينحرون البل عند قبور عظامهم‪،‬‬
‫فيطعمون الناس في الحياة وبعد الممات‪ ،‬وهذا معروف في‬
‫ت يقري‪ ،‬فإنه نصب غالبا ً لنه‬
‫أشعارهم‪.‬وقوله‪:‬ولم يك إل غالبا ً مي ٌ‬
‫استثناء مقدم‪ ،‬وإنما انتصب الستثناء المقدم لما أذكره لك‪ ،‬إن‬
‫حق الستثناء إذا كان الفعل مشغول ً به أن يكون جاريا ً عليه‪ ،‬ل‬
‫يكون فيه إل هذا‪ ،‬تقول ‪ :‬ما جاءني إل عبد الله‪ ،‬وما مررت إل بعبد‬
‫الله‪ .‬فإن كان الفعل مشغول ً بغيره فكان موجبُا‪ ،‬لم يكن في‬
‫المستثنى إل النصب‪ ،‬نحو جاءني إخوتك غل زيدًا‪ ،‬كما قال تعالى‪":‬‬
‫فشربوا منه إل قليل ً منهم " البقرة‪ ،249 :‬ونصب هذا على معنى‬
‫الفعل‪ ،‬وإل دلي ٌ‬
‫ل على ذلك‪ .‬فإذا قلت‪ :‬جاءني القوم‪ ،‬لم يؤمن أن‬
‫يقع عند السامع أن زيدا ً أحدهم‪ ،‬فإذا قال‪:‬إل زيدًا‪ ،‬فالمعنى ل‬
‫أعني فيهم زيدًا‪ ،‬وأو أستثني ممن ذكرت زيدًا‪.‬‬
‫ولسيبويه فيه تمثيل ‪ ،‬والذي ذكرت أبين منه‪ ،‬وهو مترجم عما‬
‫قال‪ ،‬غير مناقض له ‪ .‬وإن كان الول منفيا ً جاز البدل والنصب‪،‬‬
‫والبدل أحسن‪ ،‬لن الفعل الظاهر أولى بأن يعمل من المختزل‬
‫د‪ ،‬وما مررت بأحدٍ‬
‫الموجود بدليل‪ ،‬وذلك قولك‪ :‬ما أتاني أحد ٌ إل زي ٌ‬
‫د‪ ،‬والفصل بين المنفي والموجب‪ ،‬أن المبدل من الشيء‬
‫إل زي ٍ‬
‫د‪ ،‬لنه‬
‫يفّرغ له الفعل‪ ،‬فأنت في المنفي إذا قلت‪ :‬ما جاءني إل زي ٌ‬
‫بدل من أحد‪ ،‬و الموجب ل يكون فيه البدل‪ ،‬لنك إذا قلت ‪ :‬جاءني‬
‫إخوتك إل زيدًا‪ ،‬لم يجز حذف الول‪ ،‬ل نقول‪ :‬جاءني إل زيد‪ ،‬وإن‬
‫شئت إن تقول في النفي‪ :‬ما جاءني أحد إل زيد جاز‪ ،‬ونصبه‬
‫بالستثناء الذي شرحت لك في الواجب‪ .‬والقراءة الجيدة " ما‬
‫فعلوه إل قلي ٌ‬
‫ل منهم " النساء‪ ،66:‬وقد قرئ "إل قليل ً منهم "‬
‫البقرة‪ ،429:‬على ما شرحت لك في الواجب‪ ،‬والقراءة‬
‫دمت المستثنى بطل البدل‪ ،‬لنه ليس قبله شيء‬
‫الولى‪.‬فإذا ق ّ‬
‫يبدل منه‪ ،‬فلم يكن فيه إل وجه الستثناء‪ ،‬فتقول‪ :‬ما جاءني إل‬
‫د‪ .‬وك