‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬

‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬

‫من مشاهير كتب المام ابن الجوزي‪ .‬يندرج في قائمة‬
‫كتبه في الوعظ والرشاد‪ ،‬ولكنه وعظ مرقق‪ ،‬وإرشاد‬
‫منمق‪ ،‬مزجه بروائع شعر الزهد والتصوف‪ ،‬مما يرقى‬
‫بالكتاب إلى مصاف كتب المالي والمجالس‪.‬‬
‫ويتألف الكتاب من خمسة أبواب‪ .‬الول‪ :‬في علوم‬
‫القرآن‪ ،‬ومن نوادره الفصل الذي عقده‪ ،‬لما ورد في‬
‫القرآن من اللفاظ التي تتضمن أكثر من معنى‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬في اللغة ونوادرها‪ .‬الثالث‪ :‬في الحديث‬
‫والسيرة‪ ،‬وما يلزم من المعارف للتمييز بين الصحابة‪.‬‬
‫الرابع‪ :‬في ذكر عيون التاريخ‪ ،‬ذكر فيه عجائب‬
‫التفاقات والصدف‪ ،‬وضمنه قوائم للطواعين‬
‫والزلزل‪ ،‬من بدء السلم وحتى عصره‪.‬‬

‫نسخ وتنسيق وترتيب مكتبة مشكاة السلمية‬
‫بسم الله الرحمن الرحيم‬
‫رب عونك‬
‫قال شيخ المة وعلم الئمة‪ ،‬ناصر السنة‪ ،‬نجم السلم‬
‫جمال الدين زين النام‪ ،‬أبو الفرج عبد الرحمن بن علي‬
‫بن محمد بن علي بن حمادي بن الجوزي رحمه الله‬
‫تعالى‪ :‬الحمد لله الذي ل منتهى لعطاياه ومنحه‪ ،‬حمدا ً‬
‫يقوم بالواجب من شكره ومدحه‪ ،‬وصلى الله على‬
‫أشرف نبي وأنصحه‪ ،‬وعلى أصحابه وأزواجه ما استن‬
‫طرف في مرحه‪.‬‬
‫أما بعد فإني قمت بحمد الله في علم الوعظ بأصحه‬
‫وأملحه‪ ،‬وآثرت أن أنتقي في هذا الكتاب من ملحه‪،‬‬
‫والله الموفق في كل عمل لصلحه‪ ،‬وقد قسمته‬
‫خمسة أبواب‪:‬‬
‫الباب الول‪ :‬في ذكر علوم القرآن العزيز‪.‬‬
‫الباب الثاني‪ :‬في تصريف اللغة وموافقة القرآن لها‪.‬‬
‫الباب الثالث‪ :‬في علوم الحديث‪.‬‬
‫الباب الرابع‪ :‬في عيون التواريخ‪.‬‬
‫الباب الخامس‪ :‬في ذكر الوعظ‪ .‬وهذا الباب مقسم‪،‬‬
‫قسم يذكر فيه القصص‪ ،‬وقسم يذكر فيه المواعظ‬
‫مطلقا ً والله الموفق‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫الباب الول‪:‬‬
‫في علوم القرآن‬
‫فصل‬
‫في ذكر الخطاب بالقرآن‬
‫الخطاب في القرآن على خمسة عشر وجهًا‪ -1 :‬خطاب‬
‫عام "خلقكم"‪.‬‬
‫‪ -2‬وخطاب خاص "أكفرتم"‪.‬‬
‫‪ -3‬وخطاب الجنس "يا أيها الناس"‪.‬‬
‫‪ -4‬وخطاب النوع "يا بني آدم"‪.‬‬
‫‪ -5‬وخطاب العين "يا آدم"‪.‬‬
‫‪ -6‬وخطاب المدح "يا أيها الذين آمنوا"‪.‬‬
‫‪ -7‬وخطاب الذم "يا أيها الذين كفروا"‪.‬‬
‫‪ -8‬وخطاب الكرامة "يا أيها النبي"‪.‬‬
‫ن القوم"‪.‬‬
‫‪ -9‬وخطاب التودد "يا بن أم إ ّ‬
‫‪ -10‬وخطاب الجمع بلفظ الواحد "يا أيها النسان ما‬
‫غرك"‪.‬‬
‫‪ -11‬وخطاب الواحد بلفظ الجمع "وإن عاقبتم"‪.‬‬
‫‪ -12‬وخطاب الواحد بلفظ الثنين "ألقيا في جهنم"‬
‫‪ -13‬وخطاب الثنين بلفظ الواحد "فمن ربكما يا‬
‫موسى"‪.‬‬
‫‪ -14‬وخطاب العين والمراد به الغير "فإن كنت في‬
‫شك"‪.‬‬
‫‪ -15‬وخطاب التلو وهو ثلثة أوجه‪ :‬أحدها أن يخاطب‬
‫ن بهم"‪" .‬وما‬
‫ثم يخبر "حتى إذا كنتم في الفلك و َ‬
‫جَري ْ َ‬
‫ة تريدون وجه الله فأولئك هم‬
‫أوتيتم من زكا ٍ‬
‫المضعفون"‪" .‬وكّره إليكم الكفر والفسوق والعصيان‬
‫أولئك هم الراشدون"‪.‬‬
‫دت‬
‫والثاني‪ :‬أن يخبر ثم يخاطب "فأما الذين اسو ّ‬
‫وجوههم أكفرتم" "وسقاهم ربهم شرابا ً طهورا ً إن‬
‫هذا كان لكم جزاءا ً وكان سعيكم مشكورًا"‪.‬‬
‫والثالث‪ :‬أن يخاطب عينا ً ثم يصرف الخطاب إلى الغير‬
‫"إّنا أرسلناك شاهدا ً ومبشرا ً ونذيرا ً ليؤمنوا بالله‬
‫ورسوله"‪ .‬وهذا على قراءة ابن كثير وأبي عمرو‬
‫فإنهما قرءا بالياء‬
‫فصل‬
‫في ذكر أمثال القرآن‬

‫‪2‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫في القرآن ثلثة وأربعون مث ً‬
‫ل‪ :‬في البقرة‪" :‬كمثل‬
‫الذي استوقد نارًا"‪" ،‬أو كصيب"‪" ،‬أن يضرب مثل ً ما‬
‫بعوضة"‪" ،‬ومثل الذين كفروا"‪" ،‬مثل الذين ينفقون‬
‫أموالهم في سبيل الله"‪" ،‬فمثله كمثل صفوان"‪،‬‬
‫"ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله"‪،‬‬
‫"أيود أحدكم"‪" ،‬كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان"‪.‬‬
‫وفي آل عمران‪" :‬وكنتم على شفا حفرة من النار"‪،‬‬
‫"مثل ما ينفقون"‪ .‬وفي النعام‪" :‬كالذي استهوته‬
‫الشياطين"‪ .‬وفي العراف‪" :‬فمثله كمثل الكلب"‪.‬‬
‫وفي يونس‪" :‬إنما مثل الحياة الدنيا"‪ .‬وفي هود‪" :‬مثل‬
‫الفريقين"‪ .‬وفي الرعد‪" :‬إل كباسط كفيه إلى الماء"‪،‬‬
‫"أنزل من السماء ماءً فسالت أودية بقدرها"‪" ،‬مثل‬
‫الجنة"‪ .‬وفي إبراهيم‪" :‬مثل الذين كفروا بربهم"‪،‬‬
‫"كيف ضرب الله مث ً‬
‫ل"‪" ،‬ومثل كلمة خبيثة"‪ .‬وفي‬
‫النحل‪" :‬ضرب الله مثل ً عبدا ً مملوكًا"‪" ،‬وضرب الله‬
‫مثل ً رجلين"‪" ،‬وضرب الله مثل ً قرية"‪ .‬وفي الكهف‪:‬‬
‫"واضرب لهم مثل ً رجلين"‪" ،‬واضرب لهم مثل الحياة‬
‫الدنيا"‪ .‬وفي الحج‪" :‬فكأنما خّر من السماء"‪" ،‬ضرب‬
‫مثل"‪ .‬وفي النور‪" :‬مثل نوره"‪" ،‬أعمالهم كسراب‬
‫بقيعة"‪ .‬وفي العنكبوت‪" :‬مثل الذين اتخذوا من دون‬
‫الله أولياء كمثل العنكبوت"‪ .‬وفي الروم‪" :‬ضرب لكم‬
‫مثل ً من أنفسكم"‪ .‬وفي يس‪" :‬وضرب لنا مث ً‬
‫ل"‪ .‬وفي‬
‫الزمر‪" :‬ضرب الله مثل ً رج ً‬
‫ل"‪ .‬وفي سورة محمد ‪-‬‬
‫صلى الله عليه وسلم ‪" :-‬نظر المغشي عليه من‬
‫الموت"‪" ،‬مثل الجنة"‪ .‬وفي الفتح‪" :‬ذلك مثلهم في‬
‫التوراة ومثلهم في النجيل"‪ .‬وفي الحشر‪" :‬كمثل‬
‫الذي من قبلهم"‪" ،‬كمثل الشيطان"‪ .‬وفي الجمعة‪:‬‬
‫"مثل الذين حملوا التوراة"‪ .‬وفي التحريم‪" :‬ضرب الله‬
‫مثل ً للذين كفروا"‪" ،‬وضرب الله مثل ً للذين آمنوا"‪.‬‬
‫وكم من كلمة تدور على اللسن مث ً‬
‫ل‪ .‬جاء القرآن‬
‫بألخص منها وأحسن‪ ،‬فمن ذلك قولهم‪ :‬القتل أنفى‬
‫للقتل‪ ،‬مذكور في قوله‪" :‬ولكم في القصاص حياة"‪.‬‬
‫وقولهم‪ :‬ليس المخبر كالمعاين‪ ،‬مذكور في قوله‬
‫تعالى‪" :‬ولكن ليطمئن قلبي"‪.‬‬
‫وقولهم‪ :‬ما تزرع تحصد‪ ،‬مذكور في قوله تعالى‪" :‬من‬
‫جَز به"‪.‬‬
‫يعمل سوءا ً ي ُ ْ‬

‫‪3‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫وقولهم‪ :‬للحيطان آذان‪ ،‬مذكور في قوله تعالى‪:‬‬
‫ماعون لهم"‪.‬‬
‫"وفيكم س ّ‬
‫وقولهم‪ :‬الحمية رأس الدواء‪ ،‬مذكور في قوله تعالى‪:‬‬
‫"وكلوا واشربوا ول تسرفوا"‪.‬‬
‫وقولهم‪ :‬احذر شر من أحسنت إليه‪ ،‬مذكور في قوله‬
‫تعالى‪" :‬وما نقموا إل أن أغناهم الله ورسوُله من‬
‫فضله"‪.‬‬
‫وقولهم‪ :‬من جهل شيئا ً عاداه‪ ،‬مذكور في قوله تعالى‪:‬‬
‫"بل ك ّ‬
‫ذبوا بما لم يحيطوا بعلمه وإذ لم يهتدوا به‬
‫فسيقولون هذا إفك قديم"‪.‬‬
‫وقولهم‪ :‬خير المور أوساطها‪ ،‬مذكور في قوله تعالى‪:‬‬
‫ة إلى عنقك ول تبسطها كل‬
‫"ول تجعل يدك مغلول ً‬
‫البسط"‪.‬‬
‫وقولهم‪ :‬من أعان ظالما ً سلطه الله عليه‪ ،‬مذكور في‬
‫قوله تعالى‪" :‬كتب عليه أنه من توله فأّنه يضله"‪.‬‬
‫مد‪ ،‬مذكور في قوله تعالى‪:‬‬
‫وقولهم‪ :‬لما أنضج ر ّ‬
‫"وأعطى قليل ً وأكدى"‪.‬‬
‫وقولهم‪ :‬ل تلد الحية إل حية‪ ،‬مذكور في قوله تعالى‪:‬‬
‫"ول يلدوا إل فاجرا ً ك َ ّ‬
‫فارًا"‪.‬‬
‫فصل‬
‫في عيون المتشابه‬
‫فصل‬
‫في الحروف المبدلت‬
‫في البقرة‪" :‬فسواهن سبع سموات"‪ .‬وفي حم‬
‫السجدة‪" :‬فقضاهن"‪.‬‬
‫في البقرة‪" :‬وقلنا يا آدم اسكن"‪ .‬وفي العراف‪" :‬يا‬
‫آدم اسكن"‪.‬‬
‫وفي البقرة‪" :‬وظللنا عليكم الغمام"‪ .‬وفي العراف‪:‬‬
‫"وظللنا عليهم الغمام"‪.‬‬
‫في البقرة‪" :‬فانفجرت منه"‪ .‬وفي العراف‪:‬‬
‫"فانبجست"‪.‬‬
‫في البقرة‪" :‬بعد الذي جاءك من العلم"‪ .‬وفي الرعد‪:‬‬
‫"بعدما جاءك من العلم"‪.‬‬
‫في البقرة‪" :‬للطائفين والعاكفين"‪ .‬وفي الحجر‪:‬‬
‫"والقائمين"‪.‬‬
‫في البقرة‪" :‬وما أنزل إلينا"‪ .‬وفي آل عمران‪" :‬علينا"‪.‬‬

‫‪4‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫في البقرة‪" :‬أو لو كان آباؤكم ل يعقلون شيئًا"‪ .‬وفي‬
‫المائدة‪" :‬ل يعلمون"‪.‬‬
‫في آل عمران‪" :‬لكيل تحزنوا"‪ .‬وفي الحديد‪" :‬لكيل‬
‫تأسوا"‪.‬‬
‫في سورة النساء‪" :‬وخلق منها زوجها"‪ .‬وفي‬
‫العراف‪" :‬وجعل"‪.‬‬
‫في سورة النساء‪" :‬إن تبدوا خيرًا"‪ .‬وفي الحزاب‪:‬‬
‫"شيئًا"‪.‬‬
‫في النعام‪" :‬من إملق"‪ ،‬وفي بني إسرائيل‪" :‬خشية‬
‫إملق"‪.‬‬
‫في العراف‪" :‬فأرسل معي بني إسرائيل"‪ ،‬وفي طه‪:‬‬
‫"معنا"‪.‬‬
‫في العراف‪" :‬وأرسل في المدائن حاشرين"‪ ،‬وفي‬
‫الشعراء‪" :‬وابعث"‪.‬‬
‫في العراف‪" :‬ثم لصلبنكم"‪ ،‬وفي طه‪" :‬ولصلبنكم"‪.‬‬
‫في التوبة‪" :‬يريدون أن يطفئوا"‪ ،‬وفي الصف‪:‬‬
‫"ليطفئوا"‪.‬‬
‫في يونس‪" :‬فأتبعهم فرعون وجنوده"‪ ،‬وفي طه‪:‬‬
‫"بجنوده"‪.‬‬
‫في هود‪" :‬وأمطرنا عليهم"‪ ،‬وفي الحجر‪" :‬عليهم"‪.‬‬
‫في الحجر‪" :‬وما يأتيهم من رسول"‪ ،‬وفي الزخرف‪:‬‬
‫"من نبي"‪.‬‬
‫في الحجر‪" :‬كذلك نسلكه"‪ ،‬وفي الشعراء‪" :‬سلكناه"‪.‬‬
‫في الكهف‪" :‬ولئن رددت"‪ ،‬وفي حم السجدة‪" :‬ولئن‬
‫رجعت"‪.‬‬
‫في الكهف‪" :‬فأعرض عنها"‪ ،‬وفي السجدة‪" :‬ثم أعرض‬
‫عنها"‪.‬‬
‫في طه‪" :‬وسلك لكم فيها سب ً‬
‫ل"‪ ،‬وفي الزخرف‪:‬‬
‫"وجعل لكم"‪.‬‬
‫ً‬
‫في النبياء‪" :‬وأرادوا به كيدا فجعلناهم الخسرين"‪،‬‬
‫وفي الصافات‪" :‬فأرادوا به كيدا ً فجعلناهم السفلين"‪.‬‬
‫في النبياء‪" :‬وتقطعوا أمرهم بينهم"‪ ،‬وفي المؤمنون‪:‬‬
‫"فتقطعوا"‪.‬‬
‫في النمل‪" :‬ففزع من في السموات"‪ ،‬وفي الزمر‪:‬‬
‫"فصعق"‪.‬‬
‫في القصص‪" :‬وما أوتيتم"‪ ،‬وفي عسق‪" :‬فما أوتيتم"‪.‬‬

‫‪5‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫في العنكبوت‪" :‬ولقد تركنا منها آية"‪ ،‬وفي القمر‪:‬‬
‫"وقد تركناها آية"‪.‬‬
‫في حم السجدة‪" :‬ثم كفرتم به"‪ ،‬وفي الحقاف‪:‬‬
‫"وكفرتم به"‪.‬‬
‫في المدثر‪" :‬كل إنه تذكرة"‪ ،‬وفي عبس‪" :‬كل إنها‬
‫تذكرة"‪.‬‬
‫فصل‬
‫في الحروف الزوائد والنواقص‬
‫في البقرة‪" :‬فأتوا بسورة من مثله"‪ ،‬وفي يونس‪:‬‬
‫"بسورة مثله"‪.‬‬
‫في البقرة‪" :‬إل إبليس أبى واستكبر"‪ ،‬وفي ص‪" :‬إل‬
‫إبليس استكبر"‪.‬‬
‫في البقرة‪" :‬فمن تبع هداي"‪ ،‬وفي طه‪" :‬فمن اتبع"‪.‬‬
‫في البقرة‪" :‬وإذ نجيناكم"‪ ،‬وفي العراف‪" :‬وإذ‬
‫أنجيناكم"‪.‬‬
‫في البقرة‪" :‬يذبحون أبناءكم"‪ ،‬وفي إبراهيم‪:‬‬
‫"ويذبحون"‪.‬‬
‫ً‬
‫في البقرة‪" :‬حيث شئتم رغدا"‪ ،‬وفي العراف‪" :‬حيث‬
‫شئتم"‪.‬‬
‫في البقرة‪" :‬وسنزيد المحسنين"‪ ،‬وفي العراف‪:‬‬
‫"سنزيد"‪.‬‬
‫في البقرة‪" :‬فبدل الذي ظلموا قو ً‬
‫ل"‪ ،‬وفي العراف‪:‬‬
‫"منهم قو ً‬
‫ل"‪.‬‬
‫في البقرة‪" :‬وذي القربى"‪ ،‬وفي النساء‪" :‬وبذي‬
‫القربى"‪.‬‬
‫في البقرة‪" :‬وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي‬
‫النبيون"‪ ،‬وفي آل عمران‪" :‬والنبيون"‪.‬‬
‫في البقرة‪" :‬ويكون الدين لله"‪ ،‬وفي النفال‪" :‬كله‬
‫لله"‪.‬‬
‫ً‬
‫في آل عمران‪" :‬من آمن تبغونها عوجا"‪ ،‬وفي‬
‫العراف‪" :‬من آمن به وتبغونها"‪.‬‬
‫في آل عمران‪" :‬إل بشرى لكم ولتطمئن"‪ ،‬وفي‬
‫النفال‪" :‬إل بشرى ولتطمئن به"‪.‬‬
‫ة ومقتا ً وساء سبي ً‬
‫ل"‪ ،‬وفي‬
‫في سورة النساء‪" :‬فاحش ً‬
‫ة وساء سبي ً‬
‫ل"‪.‬‬
‫بني إسرائيل‪" :‬فاحش ً‬
‫ً‬
‫في النعام‪" :‬ما لم ينزل به عليكم سلطانا"‪ ،‬وفي‬

‫‪6‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫باقي القرآن‪" :‬ما لم ينزل به سلطانًا"‪.‬‬
‫في النعام‪" :‬ول أقول لكم إني ملك"‪ .‬وفي هود‪" :‬ول‬
‫أقول إني ملك"‪.‬‬
‫في الحزاب‪" :‬يريد أن يخرجكم من أرضكم"‪ ،‬وفي‬
‫الشعراء‪" :‬بسحره"‪.‬‬
‫في العراف‪" :‬وإنكم لمن المقربين"‪ ،‬وفي الشعراء‪:‬‬
‫"وإنكم إذًا"‪.‬‬
‫م"‪ ،‬وفي طه‪" :‬قال يا ابن‬
‫في العراف‪" :‬قال ابن أ ّ‬
‫م"‪.‬‬
‫أ ّ‬
‫في التوبة‪" :‬ول تضروه"‪ ،‬وفي هود‪" :‬ول تضرونه"‪.‬‬
‫في هود‪" :‬ولما جاءت رسلنا"‪ ،‬وفي العنكبوت‪" :‬ولما‬
‫أن جاءت رسلنا"‪.‬‬
‫في يوسف‪" :‬ولما بلغ أشده آتيناه حكمًا"‪ ،‬وفي‬
‫القصص‪" :‬واستوى"‪.‬‬
‫ً‬
‫في النحل‪" :‬لكيل يعلم بعد علم شيئا"‪ ،‬وفي الحج‪:‬‬
‫"من بعد علم"‪.‬‬
‫في النحل‪" :‬وبنعمة الله هم يكفرون"‪ ،‬وفي العنكبوت‪:‬‬
‫"وبنعمة الله يكفرون"‪.‬‬
‫في النحل‪" :‬ول تك في ضيق مما يمكرون"‪ ،‬وفي‬
‫النمل‪" :‬ول تكن"‪.‬‬
‫في الحج‪" :‬كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا‬
‫فيها"‪ ،‬وفي ألم السجدة‪" :‬أن يخرجوا منها أعيدوا‬
‫فيها"‪.‬‬
‫في الحج‪" :‬وإنما يدعون من دونه هو الباطل"‪ .‬وفي‬
‫لقمان‪" :‬من دونه الباطل"‪.‬‬
‫في الشعراء‪" :‬ما تعبدون"‪ ،‬وفي الصافات‪" :‬ماذا‬
‫تعبدون"‪.‬‬
‫في النمل‪" :‬ومن شكر"‪ ،‬وفي لقمان‪" :‬ومن يشكر"‪.‬‬
‫في القصص‪" :‬ويقدر"‪ ،‬وفي العنكبوت‪" :‬ويقدر له"‪.‬‬
‫في النازعات‪" :‬يوم يتذكر النسان"‪ ،‬وفي الفجر‪:‬‬
‫ذ يتذكر"‪.‬‬
‫"يومئ ٍ‬
‫فصل‬
‫في المقدم والمؤخر‬
‫في البقرة‪" :‬وادخلوا الباب سجدا ً وقولوا حطة"‪ ،‬وفي‬
‫العراف‪" :‬وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدًا"‪.‬‬
‫في البقرة‪" :‬والنصارى والصابئين"‪ ،‬وفي الحج‪:‬‬

‫‪7‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫"والصابئين والنصارى"‪.‬‬
‫في البقرة والنعام‪" :‬قل إن هدى الله هو الهدى"‪،‬‬
‫وفي آل عمران‪" :‬قل إن الهدى هدي الله"‪.‬‬
‫في البقرة‪" :‬ويكون الرسول عليكم شهيدًا"‪ ،‬وفي‬
‫الحج‪" :‬شهيدا ً عليكم"‪.‬‬
‫في البقرة‪" :‬وما أه ّ‬
‫ل به لغير الله"‪ ،‬وفي باقي‬
‫القرآن‪" :‬لغير الله به"‪.‬‬
‫في البقرة‪" :‬ل يقدرون على شيء مما كسبوا"‪ ،‬وفي‬
‫إبراهيم‪" :‬مما كسبوا على شيء"‪.‬‬
‫في آل عمران‪" :‬ولتطمئن قلوبكم به"‪ ،‬وفي النفال‪:‬‬
‫"به قلوبكم"‪.‬‬
‫في سورة النساء‪" :‬كونوا قوامين بالقسط شهداء‬
‫لله"‪ ،‬وفي المائدة‪" :‬كونوا قوامين لله شهداء‬
‫بالقسط"‪.‬‬
‫في النعام‪" :‬ل إله إل هو خالق كل شيء"‪ ،‬وفي حم‬
‫المؤمن‪" :‬خالق كل شيء ل إله إل هو"‪.‬‬
‫في النعام‪" :‬نحن نرزقكم وإياهم"‪ ،‬وفي بني‬
‫إسرائيل‪" :‬نحن نرزقهم وإياكم"‪.‬‬
‫في النحل‪" :‬وترى الفلك مواخر فيه"‪ ،‬وفي فاطر‪:‬‬
‫"فيه مواخر"‪.‬‬
‫في بني إسرائيل‪" :‬ولقد صرفنا للناس في هذا‬
‫القرآن"‪ ،‬وفي الكهف‪" :‬في هذا القرآن للناس"‪.‬‬
‫في بني إسرائيل‪" :‬قل كفى بالله شهيدا ً بيني‬
‫وبينكم"‪ ،‬وفي العنكبوت‪" :‬بيني وبينكم شهيدًا"‪.‬‬
‫في المؤمنون‪" :‬لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل"‪،‬‬
‫وفي النمل‪" :‬لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا"‪.‬‬
‫في القصص‪" :‬وجاء رجل من أقصى المدينة"‪ ،‬وفي‬
‫يس‪" :‬وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى‪.‬‬
‫أبواب منتخبة من الوجوه والنظائر‬
‫باب أو‬
‫تكون بمعنى التخييرة‪" :‬ففدية من صيام أو صدقة أو‬
‫نسك"‪" ،‬أو كسوتهم أو تحرير رقبة"‪.‬‬
‫وتكون بمعنى الواو‪" :‬أو الحوايا أو ما اختلط بعظم"‪،‬‬
‫"ول تطع منهم آثما ً أو كفورًا"‪.‬‬
‫وتكون بمعنى بل‪" :‬لبثت يوما ً أو بعض يوم"‪" ،‬إل كلمح‬

‫‪8‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫البصر أو هو أقرب"‪" ،‬فكان قاب قوسين أو أدنى"‪.‬‬
‫وتكون للبهام‪" :‬أو كصيب"‪" ،‬أو يزيدون"‪.‬‬
‫باب أدنى‬
‫تكون بمعنى أجدر‪" :‬وأدنى أل ّ ترتابوا"‪" ،‬ذلك أدنى أل‬
‫تعولوا"‪" ،‬ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة"‪.‬‬
‫وتكون بمعنى أقرب‪" :‬من العذاب الدنى"‪" ،‬قاب‬
‫قوسين أو أدنى"‪.‬‬
‫وتكون بمعنى أقل‪" :‬ول أدنى من ذلك ول أكثر"‪.‬‬
‫وتكون بمعنى دون‪" :‬أتستبدلون الذي هو أدنى"‪.‬‬
‫باب النزال‬
‫تكون بمعنى الحط من علو‪" :‬ينزل الغيث"‪.‬‬
‫وبمعنى الخلق‪" :‬أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق‪،‬‬
‫وأنزل لكم من النعام ثمانية أزواج"‪" ،‬وأنزلنا الحديد"‪.‬‬
‫وتكون بمعنى القول‪" :‬سأنزل مثل ما أنزل الله"‪.‬‬
‫وبمعنى البسط‪" :‬ولكن ينزل بقدر ما يشاء"‪.‬‬
‫باب الرض‬
‫الرض تذكر ويراد بها أرض الردن‪" :‬ول تعثوا في‬
‫الرض مفسدين"‪.‬‬
‫ويراد بها القبر‪" :‬لو تسوى بهم الرض"‪.‬ويراد بها أرض‬
‫مكة‪" :‬كنا مستضعفين في الرض"‪.‬‬
‫ويراد بها أرض المدينة‪" :‬ألم تكن أرض الله واسعة"‪.‬‬
‫ويراد بها أرض السلم‪" :‬ويسعون في الرض فسادًا"‪.‬‬
‫ويراد بها أرض التيه‪" :‬يتيهون في الرض"‪.‬‬
‫ويراد بها الرضون السبع‪" :‬وما من دابة في الرض"‪.‬‬
‫ويراد بها أرض مصر‪" :‬اجعلني على خزائن الرض"‪.‬‬
‫ويراد بها أرض الحجر‪" :‬فذروها تأكل في أرض الله"‪.‬‬
‫ويراد بها القلب‪" :‬فيمكث في الرض"‪.‬‬
‫ويراد بها أرض الغرب‪" :‬مفسدين في الرض"‪.‬‬
‫ويراد بها الجنة‪" :‬أن الرض يرثها"‪.‬‬
‫ويراد بها أرض الروم‪" :‬في أدنى الرض"‪.‬‬
‫ويراد بها أرض بني قريظة‪" :‬وأورثكم أرضهم"‪.‬‬
‫ويراد بها أرض فارس‪" :‬وأرضا ً لم تطئوها"‪.‬‬
‫ويراد بها أرض القيامة‪" :‬وأشرقت الرض"‪.‬‬
‫باب المر‬
‫المر يذكر ويراد به قتل بني قريظة وجلء النضير‪:‬‬
‫"فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره"‪.‬‬

‫‪9‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫ويراد به النصر‪" :‬هل لنا من المر من شيء"‪.‬‬
‫ويراد به استدعاء الفعل‪" :‬ويأمركم أن تؤدوا‬
‫المانات"‪.‬‬
‫ويراد به الخصب‪" :‬أو أمر من عنده"‪.‬‬
‫ويراد به الذنب‪" :‬ليذوق وبال أمره"‪.‬‬
‫ويراد به المشورة‪" :‬فماذا تأمرون"‪.‬‬
‫ويراد به قتل كفار مكة‪" :‬ليقضي الله أمرا ً كان‬
‫مفعو ً‬
‫ل"‪.‬‬
‫ويراد به فتح مكة‪" :‬فتربصوا حتى يأتي الله بأمره"‪.‬‬
‫ويراد به الحذر‪" :‬قد أخذنا أمرنا من قبل"‪.‬‬
‫ويراد به القضاء‪" :‬يدبر المر"‪.‬‬
‫ويراد به القول‪" :‬فلما جاء أمرنا"‪.‬‬
‫ويراد به الغرق‪" :‬ل عاصم اليوم من أمر الله"‪.‬‬
‫ويراد به العذاب‪" :‬وقضي المر"‪.‬‬
‫ويراد به الشان‪" :‬وما أمر فرعون برشيد"‪.‬‬
‫ويراد به القيامة‪" :‬أتى أمر الله"‪.‬‬
‫باب النسان‬
‫النسان يذكر ويراد به أبو حذيفة بن عبد الله‪" :‬وإذا‬
‫مس النسان الضر"‪.‬‬
‫ويراد به عتبة بن ربيعة‪" :‬ولئن أذقنا النسان منا‬
‫رحمة"‪.‬‬
‫ويراد به النضر بن الحارث‪" :‬ويدعو النسان بالشر"‪.‬‬
‫ول يذكر النسان"‪.‬‬
‫ويراد به أبي بن خلف‪" :‬أ َ‬
‫ويراد به آدم‪" :‬ولقد خلقنا النسان من سللة"‪.‬‬
‫ويراد به سعد بن أبي وقاص‪" :‬ووصينا النسان بوالديه‬
‫حملته أمه وهنًا"‪.‬‬
‫ويراد به عياش بن أبي ربيعة‪" :‬ووصينا النسان بوالديه‬
‫حسنا ً وإن جاهداك لتشرك"‪.‬‬
‫ويراد به أبو بكر الصديق رضي الله عنه‪" :‬ووصينا‬
‫النسان بوالديه إحسانا ً حملته أمه كرهًا"‪.‬‬
‫ويراد به عقبة بن أبي معيط‪" :‬وكان الشيطان للنسان‬
‫خذو ً‬
‫ل"‪.‬‬
‫ويراد به بنو آدم‪" :‬ولقد خلقنا النسان ونعلم"‪.‬‬
‫ويراد به برصيصا‪" :‬إذ قال للنسان اكفر"‪.‬‬
‫ويراد به الخنس بن شريق‪" :‬إن النسان خلق هلوعًا"‪.‬‬
‫ويراد به عدي بن أبي ربيعة‪" :‬أيحسب النسان أن لن‬

‫‪10‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫نجمع عظامه"‪.‬‬
‫ويراد به أمية بن خلف‪" :‬فأما النسان إذا ما ابتله"‪.‬‬
‫ويراد به الحارث بن عمرو‪" :‬لقد خلقنا النسان في‬
‫كبد"‪.‬‬
‫ويراد به السود بن عبد السد‪" :‬يا أيها النسان إنك‬
‫كادح"‪.‬‬
‫ويراد به كلدة بن أسيد‪" :‬يا أيها النسان ما غرك"‪.‬‬
‫ويراد به الوليد بن المغيرة‪" :‬لقد خلقنا النسان في‬
‫أحسن تقويم"‪.‬‬
‫ويراد به أبو طالب بن عبد المطلب‪" :‬فلينظر النسان‬
‫مم خلق"‪.‬‬
‫ويراد به عتبة بن أبي لهب‪" :‬فلينظر النسان إلى‬
‫طعامه"‪.‬‬
‫ويراد به قرط بن عبد الله‪" :‬إن النسان لربه لكنود"‪.‬‬
‫ويراد به أبو جهل‪" :‬إن النسان لفي خسر"‪.‬‬
‫ويراد به أبو لهب‪" :‬إن النسان ليطغى" ويراد به‬
‫الكافر‪" :‬وقال النسان ما لها"‪.‬‬
‫باب الباء‬
‫الباء‪ ،‬وتكون بمعنى‪" :‬وإذ فرقنا بكم البحر"‪.‬‬
‫وبمعنى عند‪" :‬والمستغفرين بالسحار"‪.‬‬
‫وبمعنى في‪" :‬بيدك الخير"‪.‬‬
‫وبمعنى بعد‪" :‬فأثابكم غما ً بغم"‪.‬‬
‫وبمعنى على‪" :‬لو تسوى بهم الرض"‪.‬‬
‫وتكون صلة‪" :‬فامسحوا بوجوهكم"‪.‬‬
‫وبمعنى المصاحبة‪" :‬وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا‬
‫به"‪.‬‬
‫وبمعنى إلى‪" :‬ما سبقكم بها"‪.‬‬
‫وبمعنى السبب‪" :‬الذي هم به مشركون"‪ ،‬أي من أجله‪.‬‬
‫وبمعنى عن‪" :‬فاسأل به خبيرًا"‪.‬‬
‫وبمعنى مع‪" :‬فتولى بركنه"‪ ،‬أي مع جنده‪.‬‬
‫وبمعنى من‪" :‬عينا ً يشرب بها عباد الله"‪.‬‬
‫باب الحق‬
‫الحق يأتي بمعنى الجرم‪" :‬ويقتلون النبيين بغير‬
‫الحق"‪.‬‬
‫وبمعنى البيان‪" :‬الن جئت بالحق"‪.‬‬
‫وبمعنى المال‪" :‬وليملل الذي عليه الحق"‪.‬‬

‫‪11‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫وبمعنى القرآن‪" :‬بل كذبوا بالحق"‪.‬‬
‫وبمعنى الصدق‪" :‬قوله الحق"‪.‬‬
‫وبمعنى العدل‪" :‬وبين قومنا بالحق"‪.‬‬
‫وبمعنى السلم‪" :‬فيحق الحق"‪.‬‬
‫وبمعنى المنجز‪" :‬وعدا ً علينا حقًا"‪.‬‬
‫وبمعنى الحاجة‪" :‬ما لنا في بناتك من حق"‪.‬‬
‫وبمعنى ل إله إل الله‪" :‬له دعوة الحق"‪.‬‬
‫ويراد به الله عز وجل‪" :‬ولو اتبع الحق أهوائهم"‪.‬‬
‫وبمعنى التوحيد‪" :‬وأكثرهم للحق كارهون"‪.‬‬
‫وبمعنى الحظ‪" :‬والذين في أموالهم حق معلوم"‪.‬‬
‫باب الخير‬
‫الخير يذكر ويراد به القرآن‪" :‬أن ينزل عليكم من خير‬
‫من ربكم"‪.‬‬
‫ويراد به النفع‪" :‬نأت بخير منها"‪.‬‬
‫ويراد به المال‪" :‬إن ترك خيرًا"‪.‬‬
‫ويراد به ضد للشر‪" :‬بيدك الخير"‪.‬‬
‫ويراد به الصلح‪" :‬يدعون إلى الخير"‪.‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ويراد به الولد الصالح‪" :‬ويجعل الله فيه خيرا كثيرا"‪.‬‬
‫ويراد به العافية‪" :‬وإن يمسسك الله بخير"‪.‬‬
‫ويكون بمعنى النافع‪" :‬لستكثرت من الخير"‪.‬‬
‫وبمعنى اليمان‪" :‬ولو علم الله فيهم خيرًا"‪.‬‬
‫وبمعنى رخص السعار‪" :‬إني أراكم بخير"‪.‬‬
‫وبمعنى النوافل‪" :‬وأوحينا إليهم فعل الخيرات"‪.‬‬
‫وبمعنى الجر‪" :‬لكم فيها خير"‪.‬‬
‫وبمعنى الفضل‪" :‬وأنت خير الراحمين"‪.‬‬
‫وبمعنى العفة‪" :‬ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم‬
‫خيرًا"‪.‬‬
‫وبمعنى الصلح‪" :‬إن علمتم فيهم خيرًا"‪.‬‬
‫ر فقير"‪.‬‬
‫وبمعنى الطعام‪" :‬إني لما أنزلت إل ّ‬
‫ي من خي ٍ‬
‫وبمعنى الظفر‪" :‬لم ينالوا خيرًا"‪.‬‬
‫وبمعنى الخيل‪" :‬أحببت حب الخير"‪.‬‬
‫وبمعنى القوة‪" :‬أهم خير"‪.‬‬
‫ً‬
‫وبمعنى حسن الدب‪" :‬لكان خيرا لهم"‪.‬‬
‫وبمعنى حب الدنيا‪" :‬إنه لحب الخير لشديد"‪.‬‬
‫باب الدين‬

‫‪12‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫الدين‪ :‬يذكر ويراد به الجزاء‪" :‬مالك يوم الدين"‪.‬‬
‫ويراد به السلم‪" :‬بالهدى ودين الحق"‪.‬‬
‫ويراد به العذاب‪" :‬ذلك الدين القيم"‪.‬‬
‫ويراد به الطاعة‪" :‬ول يدينون دين الحق"‪.‬‬
‫ويراد به التوحيد‪" :‬مخلصين له الدين"‪.‬‬
‫ويراد به الحكم‪" :‬ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك"‪.‬‬
‫ويراد به الحد‪" :‬ول تأخذكم بهم رأفة في دين الله"‪.‬‬
‫ذ يوفيهم الله دينهم الحق"‪.‬‬
‫ويراد به الحساب‪" :‬يومئ ٍ‬
‫ويراد به العبادة‪" :‬قل أتعلمون الله بدينكم"‪.‬‬
‫ويراد به الملة‪" :‬ذلك دين القيمة"‪.‬‬
‫باب الذكر‬
‫الذكر‪ :‬يذكر ويراد به ذكر اللسان‪" :‬فاذكروا الله‬
‫كذكركم آباءكم"‪.‬‬
‫ويراد به الحفظ‪" :‬فاذكروا ما فيه"‪.‬‬
‫ويراد به الطاعة‪" :‬فاذكروني"‪.‬‬
‫ويراد به الصلوات الخمس‪" :‬فإذا أمنتم فاذكروا الله"‪.‬‬
‫ويراد به ذكر القلب‪" :‬ذكروا الله فاستغفروا"‪.‬‬
‫ويراد به البيان‪" :‬أوعجبتم أن جاءكم ذكر"‪.‬‬
‫ويراد به الخير‪" :‬قل سأتلو عليكم منه ذكرًا"‪.‬‬
‫ويراد به التوحيد‪" :‬ومن أعرض عن ذكري"‪.‬‬
‫ويراد به القرآن‪" :‬ما يأتيهم من ذكر"‪.‬‬
‫ويراد به الشرف‪" :‬فيه ذكركم"‪" ،‬وإنه لذكر لك"‪.‬‬
‫ويراد به العيب‪" :‬أهذا الذي يذكر آلهتكم"‪.‬‬
‫ويراد به صلة العصر‪" :‬عن ذكر ربي"‪.‬‬
‫ويراد به صلة الجمعة‪" :‬فاسعوا إلى ذكر الله"‪.‬‬
‫باب الروح‬
‫الروح‪ :‬يذكر ويراد به المر‪" :‬وروح منه"‪.‬‬
‫ويراد به جبريل‪" :‬فأرسلنا إليها روحنا"‪.‬‬
‫ويراد به الريح‪" :‬فنفخنا فيها من روحنا"‪.‬‬
‫ويراد به روح الحيوان‪" :‬ويسألونك عن الروح"‪.‬‬
‫ويراد به الحياة‪" :‬فروح وريحان"‪ :‬على قراءة من ضم‪.‬‬
‫باب الصلة‬
‫الصلة‪ :‬تذكر ويراد بها الصلوات الخمس‪" :‬يقيمون‬
‫الصلة"‪.‬‬
‫ويراد بها صلة العصر‪" :‬تحبسونهما من بعد الصلة"‪.‬‬
‫ويراد بها صلة الجنازة‪" :‬ول تصل على أحد منهم"‪.‬‬

‫‪13‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫ويراد بها الدعاء‪" :‬وصل عليهم"‪.‬‬
‫ويراد بها الدين‪" :‬أصلتك تأمرك"‪.‬‬
‫ويراد بها القراءة‪" :‬ول تجهر بصلتك"‪.‬‬
‫ويراد بها موضع الصلة‪" :‬وصلوات ومساجد"‪.‬‬
‫ويراد بها المغفرة والستغفار‪" :‬إن الله وملئكته‬
‫يصلون على النبي"‪ ،‬فصلة الله تعالى المغفرة‪ ،‬وصلة‬
‫الملئكة الستغفار‪.‬‬
‫ويراد بها الجمعة‪" :‬إذا نودي للصلة"‪.‬‬
‫باب عن‬
‫ترد صلة‪" :‬يسألونك عن النفال"‪.‬‬
‫وتكون بمعنى الباء‪" :‬بتاركي آلهتنا عن قولك"‪.‬‬
‫وبمعنى من‪" :‬يقبل التوبة عن عباده"‪.‬‬
‫وبمعنى على‪" :‬فإنما يبخل عن نفسه"‪.‬‬
‫وبمعنى بعد‪" :‬لتركبن طبقا ً عن طبق"‪.‬‬
‫باب الفتنة‬
‫تذكر‪ ،‬ويراد بها الشرك‪" :‬حتى ل تكون فتنة"‪.‬‬
‫ويراد بها القتل‪" :‬أن يفتنكم الذين كفروا"‪.‬‬
‫ويراد بها المعذرة‪" :‬ثم لم تكن فتنتهم"‪.‬‬
‫ويراد بها الضلل‪" :‬ومن يرد الله فتنته"‪.‬‬
‫ويراد بها القضاء‪" :‬إن هي إل فتنتك"‪.‬‬
‫ويراد بها الثم‪" :‬أل في الفتنة سقطوا"‪.‬‬
‫ويراد بها المرض‪" :‬يفتنون في كل عام"‪.‬‬
‫ويراد بها العبرة‪" :‬تجعلنا فتنة"‪.‬‬
‫ويراد بها العقوبة‪" :‬أن تصيبهم فتنة"‪.‬‬
‫ويراد بها الختيار‪" :‬ولقد فتنا الذين من قبلهم"‪.‬‬
‫ويراد بها العذاب‪" :‬جعل فتنة الناس"‪.‬‬
‫ويراد بها الحراق‪" :‬يوم هم على النار يفتنون"‪.‬‬
‫ويراد بها الجنون‪" :‬بأيكم المفتون"‪.‬‬
‫باب في‬
‫تكون بمعنى الظرف‪" :‬ل ريب فيه"‪.‬‬
‫وبمعنى نحو‪" :‬قد نرى تقلب وجهك في السماء"‪.‬‬
‫وبمعنى الباء‪" :‬في ظلل"‪.‬‬
‫وبمعنى إلى‪" :‬فتهاجروا فيها"‪.‬‬
‫وبمعنى مع‪" :‬ادخلوا في أمم"‪.‬‬
‫وبمعنى عند‪" :‬وإنا لنراك فينا ضعيفًا"‪.‬‬
‫وبمعنى عن‪" :‬أتجادلونني في أسماء"‪.‬‬

‫‪14‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫وبمعنى على‪" :‬في جذوع النخل"‪.‬‬
‫وبمعنى اللم‪" :‬وجاهدوا في الله"‪.‬‬
‫وبمعنى من‪" :‬يخرج الخبء في السماوات"‪.‬‬
‫باب القرية‬
‫تذكر‪ ،‬ويراد بها أريحاء‪" :‬ادخلوا هذه القرية"‪.‬‬
‫ويراد بها دير هرقل‪" :‬مر على قرية"‪.‬‬
‫ويراد بها إيليا‪" :‬واسألهم عن القرية"‪.‬‬
‫ويراد بها مصر‪" :‬واسأل القرية"‪.‬‬
‫ويراد بها مكة‪" :‬قرية كانت آمنة"‪.‬‬
‫ويراد بها مكة والطائف‪" :‬على رجل من القريتين‬
‫عظيم"‪.‬‬
‫ويراد بها جمع القرى‪" :‬وإن من قرية إل نحن‬
‫مهلوكها"‪.‬‬
‫ويراد بها قرية لوط‪" :‬ولقد أتوا على القرية"‪.‬‬
‫ويراد بها أنطاكية‪" :‬واضرب لهم مثل ً أصحاب القرية"‪.‬‬
‫باب كان‬
‫ترد بمعنى وجد‪" :‬ومن كان ذا عسرة"‪.‬‬
‫وبمعنى الماضي‪" :‬كان حل"‪.‬‬
‫وبمعنى ينبغي‪" :‬ما كان لبشر"‪.‬‬
‫"‪.‬‬
‫وصلة‪" :‬وكان الله غفورا ً رحيما ً‬
‫وبمعنى هو‪" :‬من كان في المهد صبيًا"‪.‬‬
‫وبمعنى صار‪" :‬فكانت هباءً منبثًا"‪.‬‬
‫باب كل‬
‫هي في القرآن على وجهين‪ :‬أحدهما‪ :‬بمعنى ل ومنه‬
‫في مريم‪" :‬اتخذ عند الرحمن عهدا ً كل"‪" ،‬ليكونوا لهم‬
‫عزا ً كل"‪ .‬وفي المؤمنين‪" :‬لعلي أعمل صالحا ً فيما‬
‫تركت كل"‪ ،‬وفي الشعراء‪" :‬فأخاف أن يقتلون كل"‪،‬‬
‫"إنا لمدركون قال كل"‪ ،‬وفي سبأ‪" :‬ألحقتم به شركاء‬
‫كل"‪ .‬وفي سأل سائل‪" :‬ثم ننجيه كل"‪" ،‬أن يدخل جنة‬
‫نعيم كل"‪ .‬وفي المدثر‪" :‬أن أزيد كل"‪" ،‬أن يؤتى صحفا ً‬
‫منشرة كل"‪ .‬وفي القيامة‪" :‬أين المفر كل"‪ .‬وفي‬
‫المطففين‪" :‬قال أساطير الولين كل"‪ .‬وفي الفجر‪:‬‬
‫"فيقول رب أهانني كل"‪ .‬وفي الهمزة‪" :‬أخلده كل"‪.‬‬
‫فهذه أربعة عشر موضعا ً يحسن الوقوف عليها‪.‬‬
‫والثاني‪ :‬بمعنى حقا ً ومنه‪ :‬في المدثر‪" :‬كل والقمر"‪،‬‬
‫"كل إنه تذكرة"‪ .‬وفي القيامة‪" :‬كل بل تحبون‬

‫‪15‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫العاجلة"‪" ،‬كل إذا بلغت التراقي"‪ .‬وفي النبأ‪" :‬كل‬
‫سيعلمون ثم كل سيعلمون"‪ .‬وفي عبس‪" :‬كل إنها‬
‫تذكرة"‪" ،‬كل لما يقض ما أمره"‪ .‬وفي النفطار‪" :‬كل‬
‫بل تكذبون بالدين"‪ .‬وفي المطففين‪" :‬كل إن كتاب‬
‫الفجار"‪" ،‬كل إنهم عن ربهم"‪" ،‬كل إن كتاب البرار"‪.‬‬
‫وفي الفجر‪" :‬كل إذا دكت الرض دكًا"‪ .‬وفي القلم‪:‬‬
‫"كل إن النسان ليطغى"‪" ،‬كل لئن لم ينته"‪" ،‬كل ل‬
‫تطعه"‪ .‬وفي التكاثر‪" :‬كل سوف تعلمون‪ ،‬ثم كل سوف‬
‫تعلمون‪ ،‬كل لو تعلمون"‪.‬‬
‫فهذه تسعة عشر موضعا ً ل يحسن الوقف عليها‪.‬‬
‫وجملة ما في القرآن ثلثة وثلثون موضعا ً هي هذه‪:‬‬
‫وليس في النصف الول منها شيء وقال ثعلب‪ :‬ل‬
‫يوقف على كل في جميع القرآن‪.‬‬
‫باب اللم‬
‫اللم في القرآن على ضربين‪ :‬مكسورة ومفتوحة‪.‬‬
‫فالمفتوحة ترد بمعنى التوكيد‪" :‬إن إبراهيم لحليم"‪.‬‬
‫وبمعنى القسم‪" :‬ليقولن ما يحبسه"‪.‬‬
‫وزائدة‪" :‬ردف لكم"‪.‬‬
‫والمكسورة ترد بمعنى الملك‪" :‬لله ما في السماوات"‪.‬‬
‫وبمعنى أن‪" :‬ليطلعكم على الغيب"‪.‬‬
‫وبمعنى إلى‪" :‬هدانا لهذا"‪.‬‬
‫وبمعنى كي‪" :‬ليجزي الذين آمنوا"‪.‬‬
‫وبمعنى على‪" :‬دعانا لجنبه"‪.‬‬
‫وصلة‪" :‬إن كنتم للرؤيا تعبرون"‪.‬‬
‫وبمعنى عند‪" :‬وخشعت الصوات للرحمن"‪.‬‬
‫وبمعنى المر‪" :‬ليستأذنكم"‪.‬‬
‫ً‬
‫وبمعنى العاقبة‪" :‬ليكون لهم عدوا"‪.‬‬
‫وبمعنى في‪" :‬لول الحشر"‪.‬‬
‫وبمعنى السبب والعلة‪" :‬إنما نطعمكم لوجه الله"‪.‬‬
‫باب لول‬
‫وهي في القرآن على وجهين‪:‬‬
‫إحداهما‪ :‬امتناع الشيء لوجود غيره‪ ،‬وهو ثلثون‬
‫موضعًا‪ :‬في البقرة‪" :‬فلول فضل الله عليكم ورحمته"‪،‬‬
‫"ولول دفع الله الناس"‪ .‬وفي سورة النساء‪" :‬ولول‬
‫فضل الله عليكم"‪" ،‬ولول فضل الله عليك"‪ .‬وفي‬
‫النفال‪" :‬لول كتاب من الله سبق"‪ .‬وفي يونس‪،‬‬

‫‪16‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫وهود‪ ،‬وطه‪ ،‬وحم السجدة‪ ،‬وعسق‪" :‬ولول كلمة‬
‫سبقت"‪ .‬وفي يوسف‪" :‬ولول دفع الله"‪ .‬وفي النور‪:‬‬
‫"ولول فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم"‪،‬‬
‫"ولول فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رؤوف‬
‫رحيم"‪" ،‬ولول فضل الله عليكم ورحمته ما زكى"‪.‬‬
‫وفي الفرقان‪" :‬لول أن صبرنا عليها"‪" ،‬لول دعاؤكم"‪.‬‬
‫وفي القصص‪" :‬لول أن ربطنا"‪" ،‬ولول أن تصيبهم‬
‫مصيبة"‪" ،‬لول أن من الله علينا"‪ .‬وفي العنكبوت‪" :‬لول‬
‫أجل مسمى"‪ .‬وفي سبأ‪" :‬لول أنتم"‪ .‬وفي الصافات‪:‬‬
‫"ولول نعمة ربي"‪" ،‬فلول أنه كان من المسبحين"‪.‬‬
‫وفي عسق‪" :‬ولول كلمة الفصل"‪ .‬وفي الزخرف‪:‬‬
‫"ولول أن يكون الناس"‪ .‬وفي الفتح‪" :‬ولول رجال‬
‫مؤمنون"‪ .‬وفي الحشر‪" :‬ولول أن كتب عليهم الجلء"‪.‬‬
‫وفي ن‪" :‬لول أن تداركه"‪.‬‬
‫ً‬
‫والوجه الثاني‪ :‬بمعنى هل‪ ،‬وهو أربعون موضعا‪ :‬في‬
‫البقرة‪" :‬لول أن يكلمنا الله"‪ .‬وفي النساء‪" :‬لول‬
‫أخرتنا"‪ .‬وفي المائدة‪" :‬لول ينهاهم الربانيون"‪ .‬وفي‬
‫النعام‪" :‬لول أنزل عليه ملك"‪" ،‬لول أنزل عليه آية"‪،‬‬
‫"فلول جاءهم بأسنا"‪ .‬وفي العراف‪" :‬لول اجتبيتها"‪.‬‬
‫وفي يونس‪" :‬ويقولون لول أنزل عليه آية من ربه"‪.‬‬
‫وفي الكهف‪" :‬لول يأتون عليهم"‪" ،‬ولول أرسلت إلينا‬
‫رسو ً‬
‫ل"‪ .‬وفي النور‪" :‬لول إذ سمعتموه قلتم"‪ .‬وفي‬
‫الفرقان‪" :‬لول أنزل عليه ملك"‪" ،‬لول أنزل علينا‬
‫الملئكة"‪" ،‬لول أنزل عليه القرآن جملة"‪ .‬وفي النمل‪:‬‬
‫"لول تستغفرون الله"‪ .‬وفي القصص‪" :‬لول أرسلت"‪،‬‬
‫"لول أوتي"‪ .‬وفي العنكبوت‪" :‬لول أنزل عليه آيات من‬
‫ربه"‪ .‬وفي سجدة المؤمن‪" :‬لول فصلت آياته"‪ .‬وفي‬
‫الزخرف‪" :‬لول نزل هذا القرآن"‪" ،‬فلول ألقي عليه‬
‫أسورة"‪ .‬وفي الحقاف‪" :‬فلول نصرهم الذين اتخذوا"‪.‬‬
‫وفي سورة محمد‪" :‬لول نزلت سورة"‪ .‬وفي الواقعة‪:‬‬
‫"فلول تصدقون"‪" ،‬فلول تذكرون"‪" ،‬فلول تشكرون"‪،‬‬
‫"فلول إذا بلغت الحلقوم"‪" ،‬فلول إن كنتم"‪ .‬وفي‬
‫المجادلة‪" :‬لول يعذبنا الله"‪ .‬وفي المنافقين‪" :‬لول‬
‫أخرتني"‪ .‬وفي ن‪" :‬لول تسبحون"‪.‬‬
‫باب من‬

‫‪17‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫تكون صلة‪" :‬من قبل أن تمسوهن"‪.‬‬
‫وبمعنى التبعيض‪" :‬من طيبات ما كسبتم"‪.‬‬
‫وبمعنى عن‪" :‬فتحسسوا من يوسف"‪.‬‬
‫وبمعنى الباء‪" :‬يحفظونه من أمر الله"‪.‬‬
‫ولبيان الجنس‪" :‬من أساور"‪.‬‬
‫وبمعنى على‪" :‬ونصرناه من القوم"‪.‬‬
‫وبمعنى في‪" :‬ماذا خلقوا من الرض"‪.‬‬
‫باب الواو‬
‫قال ابن فارس‪ :‬ل تكون الواو زائدة أول‪ ،‬وقد تزاد‬
‫ثانية‪ ،‬نحو‪ :‬كوثر‪ .‬وثالثة‪ ،‬نحو جدول‪ .‬ورابعة‪ :‬نحو‬
‫قرنوة‪ .‬وهو نبت يدبغ به الديم‪ .‬وخامسة‪ :‬نحو‬
‫قمحدوة‪.‬‬
‫والواو في القرآن‪ ،‬تكون بمعنى إذ‪" :‬وطائفة قد‬
‫أهمتهم أنفسهم"‪ .‬وبمعنى الجمع‪" :‬وأيديكم"‪ .‬وبمعنى‬
‫القسم‪" :‬والله ربنا"‪ .‬وتكون مضمرة‪" :‬لتحملهم قلت"‪:‬‬
‫المعنى آتوك وقلت‪ ،‬وصلة "إل ولها كتاب معلوم"‪.‬‬
‫وبمعنى العطف‪" .‬أو آباؤنا"‪.‬‬
‫باب الهدى‬
‫يكون بمعنى الثبات‪" :‬اهدنا الصراط المستقيم"‪.‬‬
‫وبمعنى البيان‪" :‬على هدى من ربهم"‪.‬‬
‫وبمعنى الرسول‪" :‬فإما يأتينكم مني هدى"‪.‬‬
‫وبمعنى السنة‪" :‬فبهداهم اقتده"‪.‬‬
‫وبمعنى الصلح‪" :‬ل يهدي كيد الخائنين"‪.‬‬
‫وبمعنى الدعاء‪" :‬ولكل قوم هاد"‪.‬‬
‫وبمعنى القرآن‪" :‬إذ جاءهم الهدى"‪.‬‬
‫وبمعنى اليمان‪" :‬وزدناهم هدى"‪.‬‬
‫وبمعنى اللهام‪" :‬ثم هدى"‪.‬‬
‫وبمعنى التوحيد‪" :‬أن نتبع الهدى"‪.‬‬
‫وبمعنى التوراة‪" :‬ولقد آتينا موسى الهدى"‪.‬‬
‫الباب الثاني‪:‬‬
‫في اللغة‬
‫فصل‬
‫في تصريف اللغة وموافقة القرآن لها‬
‫لما كانت اللغة تنقسم قسمين‪ :‬أحدهما‪ :‬الظاهر الذي‬
‫ل يخفى على سامعيه ول يحتمل غير ظاهره‪.‬‬
‫والثاني‪ :‬المشتمل على الكنايات والشارات‬

‫‪18‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫والتجوزات‪ ،‬وكان هذا القسم هو المستحلى عند‬
‫العرب‪.‬‬
‫نزل القرآن بالقسمين ليتحقق عجزهم عن التيان‬
‫بمثله‪ ،‬فكأنه قال‪ :‬عارضوه بأي القسمين شئتم‪ ،‬ولو‬
‫نزل كله واضحا ً لقالوا‪ :‬هل نزل بالقسم المستحلى‬
‫عندنا‪ ،‬ومتى وقع في الكلم إشارة أو كناية أو‬
‫استعارة أو تعريض أو تشبيه كان أحلى واحسن‪.‬‬
‫قال امرؤ القيس‪:‬‬
‫بسهميك في أعشار‬
‫ك إل‬
‫وما ذرفت عينا ِ‬
‫ب مقتل‬
‫لتقدحـي‬
‫قل ٍ‬
‫فشبه المنظر بالسهم فحلي هذا عند السامع‪.‬‬
‫وقال أيضًا‪:‬‬
‫وأردف أعجازا ً وناء‬
‫فقلت له لما تخطى‬
‫بكلكل‬
‫يجوزه‬
‫فجعل الليل صلبا ً وصدرا ً على جهة التشبيه‪ ،‬وقال‬
‫الخر‪:‬‬
‫لم تمت كل موتها‬
‫من كميت أجادها‬
‫في القدور‬
‫طابخاهـا‬
‫أراد بالطابخين الليل والنهار‪.‬‬
‫فنزل القرآن على عادة العرب في كلمهم‪.‬‬
‫فمن عادتهم التجوز‪ ،‬وفي القرآن‪" :‬فما ربحت‬
‫تجارتهم"‪" ،‬يريد أن ينقض"‪.‬‬
‫ومن عاداتهم الكناية‪" ،‬ولكن ل تواعدوهن سرًا"‪" ،‬أو‬
‫جاء أحد منكم من الغائط"‪.‬‬
‫وقد يكون عن شيء ولم يجر له ذكر‪" :‬حتى توارت‬
‫بالحجاب"‪.‬‬
‫وقد يصلون الكناية بالشيء وهي لغيره‪" :‬ولقد خلقنا‬
‫النسان من سللة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار‬
‫مكين"‪.‬‬
‫ومن عاداتهم الستعارة‪" :‬في كل واد يهيمون"‪" ،‬فما‬
‫بكت عليهم السماء والرض"‪.‬‬
‫ومن عاداتهم الحذف‪" :‬الحج أشهر معلومات"‪،‬‬
‫"واضرب بعصاك الحجر فانفلق"‪" ،‬واسأل القرية"‪.‬‬
‫ومن عاداتهم زيادة الكلمة‪" :‬فاضربوا فوق العناق"‪.‬‬
‫ويزيدون الحرف‪" :‬تنبت بالدهن"‪ .‬ويقدمون ويؤخرون‪:‬‬
‫"ولم يجعل له عوجا ً قيمًا"‪ .‬ويذكرون عاما ً ويريدون به‬

‫‪19‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫الخاص‪" :‬الذين قال لهم الناس"‪ ،‬يريد نعيم بن‬
‫مسعود‪ .‬وخاصا ً يريدون به العام‪" :‬يا أيها النبي اتق‬
‫الله"‪ .‬وواحدا ً يريدون به الجمع‪" :‬هؤلء ضيفي"‪" ،‬ثم‬
‫يخرجكم طف ً‬
‫ف‬
‫ل"‪ .‬وجمعا ً يريدون به الواحد‪" :‬إن نع ُ‬
‫عن طائفة منكم نعذب طائفة"‪ .‬وينسبون الفعل إلى‬
‫اثنين وهو لحدهما‪" :‬نسيا حوتهما"‪" ،‬يخرج منهما‬
‫اللؤلؤ"‪ ،‬وينسبون الفعل إلى أحد اثنين وهو لهما‪:‬‬
‫"والله ورسوله أحق أن يرضوه"‪" ،‬انفضوا إليها"‪.‬‬
‫وينسبون الفعل إلى جماعة وهو لواحد‪" :‬وإذ قتلتم‬
‫نفسًا"‪ .‬ويأتون بالفعل بلفظ الماضي وهو مستقبل‪:‬‬
‫"أتى أمر الله"‪ .‬ويأتون بلفظ المستقبل وهو ماض‪:‬‬
‫"فلم تقتلون أنبياء الله"‪ .‬ويأتون بلفظ فاعل في‬
‫معنى مفعول‪" :‬ل عاصم اليوم"‪" ،‬من ماء دافق"‪" ،‬في‬
‫عيشة راضية"‪ .‬ويأتون بلفظ مفعول بمعنى فاعل‪:‬‬
‫"وكان وعده مأتيًا"‪" ،‬حجابا ً مستورًا"‪" ،‬يا موسى‬
‫مسحورًا"‪ .‬ويضمرون الشياء‪" :‬وما منا إل له مقام‬
‫معلوم"‪ :‬أي من له‪ .‬ويضمرون الفعال فقلنا اضربوه‬
‫ببعضها فضربوه ويضمرون الحروف‪" :‬سنعيدها‬
‫سيرتها"‪.‬‬
‫ومن عاداتهم‪ :‬تكرير الكلم‪ ،‬وفي القرآن‪" :‬فبأي آلء‬
‫ربكما تكذبان"‪ .‬وقد يريدون تكرير الكلمة ويكرهون‬
‫إعادة اللفظ فيغيرون بعض الحروف‪ ،‬وذلك يسمى‬
‫التباع‪ ،‬فيقولون‪ :‬أسوان أتوان‪ :‬أي حزين‪ ،‬وشيء تافه‬
‫ل وب ّ‬
‫نافه‪ ،‬وإنه لثقف لقف‪ ،‬وجايع نايع‪ ،‬وج ّ‬
‫ل‪ ،‬وحياك‬
‫الله وبياك‪ ،‬وحقير نقير‪ ،‬وعين جدرة بدرة‪ :‬أي عظيمة‪،‬‬
‫ونضر مضر‪ ،‬وسمج لمج‪ ،‬وسيغ ليغ‪ ،‬وشكس لكس‪،‬‬
‫وشيطان ليطان‪ ،‬وترقوا شذر مذر‪ ،‬وشغر بغر‪ ،‬ويوم‬
‫عك لك‪ :‬إذا كان حارًا‪ ،‬وعطشان نطشان‪ ،‬وعفريت‬
‫نفريت‪ ،‬وكثير بثير‪ ،‬وكز ولز وكن أن‪ ،‬وحار جار يار‪،‬‬
‫وقبيح لقيح شقيح‪ ،‬وثقة تقة نقة‪ ،‬وهو أشق أمق حبق‪:‬‬
‫للطويل‪ ،‬وحسن بسن قسن‪ ،‬وفعلت ذلك على رغمه‬
‫ودغمه وشغمه‪ ،‬ومررت بهم أجمعين أكتعين أبصعين‪.‬‬
‫فصل‬
‫وقد تأتي بكلمة إلى جانب كلمة كأنها معها وهي غير‬
‫متصلة بها‪ ،‬في القرآن‪" :‬يريد أن ُيخرجكم من‬
‫أرضكم"‪ ،‬هذا قول المل فقال فرعون‪" :‬فماذا‬

‫‪20‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫تأمرون"‪ ،‬ومثله‪" :‬أنا راودته عن نفسه وإنه لمن‬
‫الصادقين"‪ ،‬فقال يوسف‪" :‬ذلك ليعلم أني لم أخنه‬
‫ة أفسدوها‬
‫بالغيب"‪ .‬ومثله‪" :‬إن الملوك إذا دخلوا قري ً‬
‫وجعلوا أعزة أهلها أذلة"‪ ،‬انتهى قول بلقيس‪ ،‬فقال‬
‫الله عز وجل‪" :‬وكذلك يفعلون"‪ .‬ومثله‪" :‬من بعثنا من‬
‫مرقدنا"‪ .‬انتهى قول الكفار‪ ،‬فقالت الملئكة‪" :‬هذا ما‬
‫وعد الرحمن وصدق المرسلون"‪.‬‬
‫فصل‬
‫وقد تجمع العرب شيئين في كلم فيرد كل واحد منهما‬
‫إلى ما يليق به‪ ،‬وفي القرآن‪" :‬حتى يقول الرسول‬
‫والذين آمنوا معه متى نصر الله أل إن نصر الله‬
‫قريب"‪ .‬والمعنى يقول المؤمنون "متى نصر الله"‪،‬‬
‫فيقول الرسول‪" :‬أل إن نصر الله قريب"‪ .‬ومثله‪:‬‬
‫"ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه‬
‫ولتبتغوا من فضله"‪ .‬فالسكون بالليل وابتغاء الفضل‬
‫بالنهار‪ .‬ومثله‪" :‬وتعزروه وتوقروه وتسبحوه"‪،‬‬
‫فالتعزير والتوقير للرسول والتسبيح لله عز وجل‪.‬‬
‫فصل‬
‫وقد يحتاج بعض الكلم إلى بيان‪ ،‬فيبينونه متصل ً بكلم‬
‫تارة‪ ،‬ومنفصل ً أخرى‪ .‬وجاء القرآن على ذلك‪.‬‬
‫فمن المتصل بيانه‪" :‬يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل‬
‫لكم الطيبات"‪ .‬وأما المنفصل‪ :‬فتارة يكون في‬
‫السورة‪ ،‬كقوله في براءة‪" :‬قد نبأنا الله من أخباركم"‬
‫بيانه فيها عند قوله‪" :‬لو خرجوا فيكم ما زادوكم إل‬
‫خبا ً‬
‫ل"‪.‬‬
‫وتارة يكون في غير السورة كقوله في البقرة‪:‬‬
‫ف بعهدكم"‪ ،‬بيانه في المائدة‪" :‬لئن‬
‫"وأوفوا بعهدي أو ِ‬
‫أقمتم الصلة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي‬
‫وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا ً حسنا ً لكفرن عنكم‬
‫سيئاتكم"‪ .‬وفي سورة النساء‪" :‬يخادعون الله وهو‬
‫خادعهم"‪ ،‬بيانه في الحديد‪" :‬قيل ارجعوا ورائكم‬
‫فالتمسوا نورًا"‪ .‬وفي العراف‪" :‬وشهدوا على‬
‫أنفسهم أنهم كانوا كاذبين"‪ ،‬بيانه في تبارك‪" :‬قد‬
‫جاءنا نذير فكذبنا"‪ .‬وفي العراف‪" :‬أولئك ينالهم‬
‫نصيبهم من الكتاب"‪ .‬بيان النصيب في الزمر‪" :‬ويوم‬
‫القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة"‪.‬‬

‫‪21‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫وفي العراف‪" :‬وتمت كلمة ربك الحسنى على بني‬
‫إسرائيل بما صبروا"‪ .‬بيانها في القصص‪" :‬ونريد أن‬
‫نمن"‪ .‬وفي براءة‪" :‬إل عن موعدة وعدها إياه"‪ ،‬بيانها‬
‫في مريم‪" :‬سأستغفر لك ربي"‪ .‬وفي يونس‪:‬‬
‫"وتذكيري بآيات الله"‪ ،‬بيانها في نوح‪" :‬ألم تروا كيف‬
‫خلق الله سبع سماوات طباقًا"‪ .‬وفي يونس‪" :‬لهم‬
‫البشرى في الحياة الدنيا وفي الخرة"‪ ،‬بيانه في حم‬
‫السجدة‪" :‬تنزل عليهم الملئكة أل تخافوا ول تحزنوا"‪.‬‬
‫وفي إبراهيم‪" :‬أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم‬
‫من زوال"‪ ،‬بيانه في النحل‪" :‬وأقسموا بالله جهد‬
‫أيمانهم ل يبعث الله من يموت بلى"‪ .‬وفي إبراهيم‪:‬‬
‫"وتبّين لكم كيف فعلنا بهم"‪ ،‬بيانه في العنكبوت‪:‬‬
‫"فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ً ومنهم من أخذته‬
‫الصيحة"‪ .‬وفي النحل‪" :‬وعلى الذين هادوا حّرمنا ما‬
‫قصصنا عليك من قبل"‪ ،‬بيانه في النعام‪" :‬حرمنا ك ّ‬
‫ل‬
‫ذي ظفر"‪ .‬وفي بني إسرائيل‪" :‬ويدعو النسان‬
‫بالشر"‪ ،‬بيانه في النفال‪" :‬فأمطر علينا حجارة من‬
‫ن ذريته إل‬
‫السماء"‪ .‬وفي بني إسرائيل‪" :‬لحتنك ّ‬
‫قلي ً‬
‫ل"‪ ،‬بيانه في الحجر‪" :‬إل عبادك منهم المخلصين"‪.‬‬
‫وفي مريم‪" :‬ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على‬
‫الكافرين"‪ ،‬بيانه في بني إسرائيل‪" :‬واستفزز من‬
‫استطعت منهم"‪ .‬وفي طه‪" :‬فقول له قول ً لّينًا"‪ ،‬بيانه‬
‫في النازعات‪" :‬هل لك إلى أن تز ّ‬
‫كى"‪ .‬وفي طه‪" :‬ولم‬
‫ب قولي"‪ ،‬بيانه في العراف‪" :‬اخل ُ ْ‬
‫تر ُ‬
‫فني في‬
‫ق ْ‬
‫قومي"‪ .‬وفي النمل‪" :‬فإذا هم فريقان يختصمون"‪،‬‬
‫بيان خصومتهم في العراف‪" :‬إن صالحا ً مرس ٌ‬
‫ل من‬
‫ربه"‪ .‬وفي الحزاب‪" :‬هذا ما وعدنا الله ورسوله"‪ ،‬بيان‬
‫ما‬
‫الوعد في آل عمران‪" :‬أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ول ّ‬
‫يعلم الله الذين جاهدوا منكم‪ .‬وفي الصافات‪" :‬ولقد‬
‫نادانا نوح"‪ ،‬بيانه في القمر‪" :‬إني مغلوب فانتصر"‪.‬‬
‫ق علينا قول ربنا"‪ ،‬بيانه في ص‪:‬‬
‫وفي الصافات‪" :‬فح ّ‬
‫ن جهنم"‪ .‬وفي الصافات‪" :‬ولقد سبقت كلمتنا"‪،‬‬
‫"لملئ ّ‬
‫بيانه في المجادلة‪" :‬لغلبن أنا ورسلي"‪ .‬وفي‬
‫مّتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين"‪ ،‬بيانه في‬
‫المؤمن‪" :‬أ َ‬
‫البقرة‪" :‬وكنتم أمواتا ً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم"‪.‬‬
‫وفي المؤمن‪" :‬يوم التنادي"‪ ،‬بيانه في العراف‪:‬‬

‫‪22‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫"ونادى أصحاب الجنة"‪" ،‬ونادى أصحاب النار"‪ .‬وفي‬
‫المجادلة‪" :‬فيحلفون له كما يحلفون لكم"‪ ،‬بيانه في‬
‫ه ربنا ما كنا مشركين"‪ .‬وفي ن‪" :‬إذ نادى‬
‫النعام‪" :‬والل ِ‬
‫وهو مكظوم"‪ ،‬بيانه في النبياء‪" :‬أن ل إله إل أنت"‪.‬‬
‫فصل‬
‫ً‬
‫وقد تذكر العرب جواب الكلم مقارنا له‪ ،‬وقد تذكره‬
‫بعيدا ً عنه وعلى هذا ورد القرآن‪.‬‬
‫فأما المقارن من الجواب فقوله‪" :‬يسألونك عن الهلة‬
‫قل هي مواقيت للناس"‪" ،‬يسألونك ماذا ينفقون قل‬
‫العفو"‪.‬‬
‫وأما البعيد فتارة يكون في السورة‪ ،‬كقوله في‬
‫الفرقان‪" :‬ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في‬
‫السواق"‪ ،‬جوابه فيها‪" :‬وما أرسلنا قبلك من‬
‫المرسلين إل ّ أنهم ليأكلون الطعام ويمشون في‬
‫السواق"‪.‬‬
‫وتارة يكون في غير السورة‪ ،‬كقوله تعالى في‬
‫النفال‪" :‬لو نشاء لقلنا مثل هذا"‪ ،‬جوابه في بني‬
‫إسرائيل‪" :‬قل لئن اجتمعت النس والجن على أن يأتوا‬
‫بمثل هذا القرآن ل يأتون بمثله"‪ .‬وفي الرعد‪" :‬ويقول‬
‫الذين كفروا لست مرس ً‬
‫ل"‪ ،‬جوابه في يس‪" :‬إنك لمن‬
‫المرسلين"‪ .‬في الحجر‪" :‬إنك لمجنون"‪ ،‬جوابه في ن‪:‬‬
‫"ما أنت بنعمة ربك بمجنون"‪ .‬في بني إسرائيل‪" :‬أو‬
‫تسقط السماء كما زعمت علينا كسفًا"‪ ،‬جوابه في‬
‫سبأ‪" :‬إن نشأ نخسف بهم الرض أو نسقط عليهم‬
‫كسفا ً من السماء"‪ .‬في الفرقان‪" :‬قالوا وما الرحمن"‪،‬‬
‫جوابه‪" :‬الرحمن علم القرآن"‪ .‬في ص‪" :‬واصبروا على‬
‫آلهتكم"‪ ،‬جوابه في حم السجدة‪" :‬فإن يصبروا فالنار‬
‫مثوى لهم"‪ .‬في المؤمن‪" :‬وما أهديكم إل سبيل‬
‫الرشاد"‪ ،‬جوابه في هود‪" :‬وما أمر فرعون برشيد"‪.‬‬
‫في الزخرف‪" :‬لول ن ُّزل هذا القرآن على رجل من‬
‫القريتين عظيم"‪ .‬جوابه في القصص‪" :‬وربك يخلق ما‬
‫يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة"‪ .‬في الدخان‪" :‬ربنا‬
‫اكشف عنا العذاب"‪ ،‬جوابه في المؤمنين‪" :‬ولو‬
‫رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر"‪ .‬في القمر‪" :‬أم‬
‫يقولون نحن جميع منتصر"‪ .‬جوابه في الصافات‪" :‬ما‬

‫‪23‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫وَله"‪،‬‬
‫لكم ل تناصرون"‪ .‬في الطور‪" :‬أم يقولون تق ّ‬
‫جوابه في الحاقة‪" :‬ولو ت َ َ‬
‫ول علينا بعض القاويل"‪.‬‬
‫ق ّ‬
‫فصل‬
‫واعلم أن لغة العرب واسعة ولهم التصرف الكثير‬
‫فتراهم يتصرفون في اللفظة الواحدة بالحركات‪،‬‬
‫فيجعلون لكل حركة معنى كالحمل والحمل والروح‬
‫والروح‪.‬‬
‫وتارة بإعجام كالنضح والنضخ‪ ،‬والقبضة والقبصة‪،‬‬
‫والمضمضة والمصمصة‪.‬‬
‫وتارة يقلبون حرفا ً من كلمة ول يتغير عندهم معناها‪،‬‬
‫كقولهم‪ :‬صاعقة وصاقعة‪ ،‬وجبذ وجذب‪ ،‬وما أطيبه‬
‫وأيطبه‪ ،‬وربض ورضب‪ ،‬وانبض في القوس وانضب‪،‬‬
‫ولعمري ورعملي‪ ،‬واضمحل وامضحل‪ ،‬وعميق ومعيق‪،‬‬
‫وسبسب وبسبس‪ ،‬ولبكت الشيء وبلكته‪ ،‬وأسير مكلب‬
‫ومكبل‪ ،‬وسحاب مكفهر ومكرهف‪ ،‬وناقة ضمرز‬
‫وضرزم‪ :‬إذا كانت مسنة‪ ،‬وطريق طامس وطاسم‪ ،‬قفا‬
‫الثر وقاف الثر‪ ،‬وقاع البعير الناقة وقعاها‪ ،‬وقوس‬
‫عطل وعلط‪ :‬ل وتر عليها‪ ،‬وجارية قتين وقنيت‪ :‬قليلة‬
‫الدر‪ ،‬وشرخ الشباب وشخره‪ :‬أوله‪ ،‬ولحم خنز وخزن‪،‬‬
‫وعاث يعيث وعثى يعثى‪ :‬إذا أفسد‪ ،‬وتنح عن لقم‬
‫الطريق ولمق الطريق‪ ،‬وبطيخ وطبيخ‪ ،‬وماء سلسال‬
‫ولسلس‪ ،‬ومسلسل وملسلس إذا كان صافيًا‪ .‬ودقم‬
‫فاه بالحجر دمقه‪ :‬إذا ضربه‪ ،‬وفثأت القدر وثفأتها‪ :‬إذا‬
‫سكنت غليانها‪ ،‬وكبكبت الشيء وبكبكته‪ :‬إذا طرحت‬
‫بعضه على بعض‪.‬‬
‫فصل‬
‫ومن سعة اللغة وحسن تصرفها‪ ،‬أن العرب تضع‬
‫للشيء الواحد أسماءً من غير تغير يعتريه‪.‬‬
‫فيقولون السيف والمهند والصارم‪.‬‬
‫ويغيرون السم بتغيير يعتري فيقولون لمن نزل‬
‫بالركي يمل الدلو مايح‪ ،‬وللمستقي من أعلها ماتح‪،‬‬
‫فالتاء المعجمة من فوق لمن فوق‪ ،‬والياء المعجمة من‬
‫تحت لمن تحت‪.‬‬
‫وتضع العرب للشيء الواحد أسماء تختلف باختلف‬
‫محاله فيقولون لمن انحسر الشعر من جانبي جبهته‬
‫أنزع‪ ،‬فإذا زاد قليل ً قالوا‪ :‬أجلح‪ ،‬فإذا بلغ النحسار‬

‫‪24‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫نصف رأسه قالوا‪ :‬أجلى وأجله‪ ،‬فإذا زاد قالوا‪ :‬أصلع‪،‬‬
‫فإذا ذهب الشعر كله قالوا‪ :‬أحص‪ ،‬والصلع عندهم‬
‫ذهاب الشعر‪ ،‬والقرع ذهاب البشرة‪ .‬ويقولون شفة‬
‫النسان‪ ،‬ويسمونها من ذوات الخف‪ :‬المشفر‬
‫ويسمونها من ذوات الظلف‪ :‬المقمة‪ ،‬ومن ذوات‬
‫الحافر‪ :‬الجحفلة‪ ،‬ومن السباع‪ :‬الخطم‪ ،‬ومن ذوات‬
‫الجناح غير الصايد‪ :‬المنقار‪ ،‬ومن الصايد‪ :‬المنسر‪ ،‬ومن‬
‫الخنزير‪ :‬الفنطسة‪.‬‬
‫ويقولون صدر النسان‪ ،‬ويسمونه من البعير الكركرة‪،‬‬
‫ومن السد الزور‪ ،‬ومن الشاة القص‪ ،‬ومن الطائر‪:‬‬
‫الجؤجؤ‪ ،‬ومن الجرادة‪ :‬الجوشن‪.‬‬
‫والثدي للمرأة وللرجل‪ :‬ثندؤة‪ ،‬وهو من ذوات الخف‪:‬‬
‫الخلف‪ ،‬ومن ذوات الظلف‪ :‬الضرع‪ ،‬ومن ذوات الحافر‬
‫والسباع‪ :‬الطبي‪.‬‬
‫والظفر للنسان وهو من ذوات الخف‪ :‬المنسم‪ ،‬ومن‬
‫ذوات الظلف‪ :‬الظلف‪ ،‬ومن ذوات الحافر‪ :‬الحافر‪،‬‬
‫ومن السباع والصائد من الطير‪ :‬المخلب‪ ،‬ومن الطير‬
‫غير الصائد والكلب ونحوها‪ :‬البرثن‪ ،‬ويجوز البرثن في‬
‫السباع كلها‪.‬‬
‫والمعدة للنسان بمنزلة الكرش للنعام‪ ،‬والحوصلة‬
‫للطائر‪.‬‬
‫?فصل‬
‫وتفرق العرب في الشهوات‪.‬‬
‫فيقولون جائع في الخبز‪ ،‬قرم إلى اللحم‪ ،‬عطشان‬
‫إلى الماء‪ ،‬عيمان إلى اللبن‪ ،‬قرد إلى التمر‪ ،‬جعم إلى‬
‫الفاكهة‪ ،‬شبق إلى النكاح‪.‬‬
‫ويقولون البيض للطائر‪ ،‬والمكن للضباب‪ ،‬والمازن‬
‫للنمل‪ ،‬والسرو للجراد‪ ،‬والصؤاب للقمل‪.‬‬
‫ويفرقون في المنازل فإن كان من مدر‪ ،‬قالوا‪ :‬بيت‪،‬‬
‫وإن كان من وبر‪ ،‬قالوا‪ :‬بجاد‪ .‬وإن كان من صوف‪،‬‬
‫قالوا‪ :‬خباء‪ .‬وإن كان من الشعر‪ ،‬قالوا‪ :‬فسطاط‪ .‬وإن‬
‫كان من غزل‪ ،‬قالوا‪ :‬خيمة‪ .‬وإن كان من جلود‪ ،‬قالوا‪:‬‬
‫قشع‪.‬‬
‫ويفرقون في الوطان فيقولون‪ :‬وطن النسان‪،‬‬
‫وعطن البعير‪ ،‬وعرين السد‪ ،‬ووجار الذئب والضبع‪،‬‬
‫وكناس الظبي‪ ،‬وعش الطائر‪ ،‬وقرية النمل‪ ،‬وكور‬

‫‪25‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫الزنابير‪ ،‬ونافقاء اليربوع‪.‬‬
‫ويقولون لما يضعه الطائر على الشجر‪ :‬وكر‪ ،‬فإن كان‬
‫على جبل أو جدار فهو‪ :‬وكن‪ ،‬وإذا كان في كن فهو‪:‬‬
‫عش‪ ،‬وإذا كان على وجه الرض فهو‪ :‬أفحوص‪،‬‬
‫والدحى للنعام خاصة‪.‬‬
‫ويقولون عدا النسان‪ ،‬وأحضر الفرس‪ ،‬وأرقل البعير‪،‬‬
‫وعسل الذئب‪ ،‬ومزع الظبي وزف النعام‪.‬‬
‫ويقولون طفر النسان‪ ،‬وضبر الفرس‪ ،‬ووثب البعير‪،‬‬
‫وقفز العصفور‪ ،‬وطمر البرغوث‪.‬‬
‫ويفرقون في أسماء الولد فيقولون لولد كل سبع‪:‬‬
‫جرو‪ ،‬ولولد كل ذي ريش‪ :‬فرخ‪ ،‬ولولد كل وحشية‪:‬‬
‫طفل‪ ،‬ولولد الفرس‪ :‬مهر وفلو‪ ،‬ولولد الحمار‪ :‬جحش‬
‫وعفو‪ ،‬ولولد البقرة‪ :‬عجل‪ ،‬ولولد السد‪ :‬شبل‪ ،‬ولولد‬
‫الظبية‪ :‬خشف‪ ،‬ولولد الفيل‪ :‬دغفل‪ ،‬ولولد الناقة‪:‬‬
‫حوار‪ ،‬ولولد الثعلب‪ :‬هجرس‪ ،‬ولولد الضب‪ :‬حسل‪،‬‬
‫ولولد الرنب‪ :‬خرنق‪ ،‬ولولد النعام‪ :‬رأل‪ ،‬ولولد الدب‪:‬‬
‫ديسم‪ ،‬ولولد الخنزير‪ :‬خنوص‪ .‬ولولد اليربوع والفأرة‪:‬‬
‫درص‪ ،‬ولولد الحية‪ :‬حريش‪.‬‬
‫ويفرقون في الضرب فيقولون‪ :‬للضرب بالراح على‬
‫مقدم الرأس‪ :‬صقع‪ ،‬وعلى القفا‪ :‬صفع‪ ،‬وعلى الوجه‪:‬‬
‫صك‪ ،‬وعلى الخد ببسط الكف‪ :‬لطم‪ ،‬وبقبضها‪ :‬لكم‪،‬‬
‫وبكلتا اليدين‪ :‬لدم‪ ،‬وعلى الذقن والحنك‪ :‬وهز‪ ،‬وعلى‬
‫الجنب‪ :‬وخز‪ ،‬وعلى الصدر والبطن بالكف‪ :‬وكز‪،‬‬
‫وبالركبة‪ :‬زبن‪ ،‬وبالرجل‪ :‬ركل‪ ،‬وكل ضارب بمؤخره‬
‫من الحشرات كلها كالعقارب‪ :‬تلسع‪ ،‬وكل ضارب منها‬
‫بفيه‪ :‬يلدغ‪ .‬ويفرقون في الكشف عن الشيء من‬
‫البدن‪ ،‬فيقولون‪ :‬حسر عن رأسه‪ ،‬وسفر عن وجهه‪،‬‬
‫وأفتر عن نابه‪ ،‬وكشر عن أسنانه‪ ،‬وأبدى عن ذراعيه‪،‬‬
‫وكشف عن ساقيه‪ ،‬وهتك عن عورته‪.‬‬
‫ويفرقون في الجماعات فيقولون‪ :‬موكب من‬
‫الفرسان‪ ،‬وكبكبة من الرجال‪ ،‬وجوقة من الغلمان‪،‬‬
‫ولمة من النساء‪ ،‬ورعيل من الخيل‪ ،‬وصرمة من البل‪،‬‬
‫وقطيع من الغنم‪ ،‬وسرب من الظباء‪ ،‬وعرجلة من‬
‫السباع‪ ،‬وعصابة من الطير‪ ،‬ورجل من الجراد‪ ،‬وخشرم‬
‫من النحل‪.‬‬
‫ويفرقون في المتلء فيقولون‪ :‬بحر طام‪ ،‬ونهر‬

‫‪26‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫طافح‪ ،‬وعين ثرة‪ ،‬وإناء مفعم‪ ،‬ومجلس غاص بأهله‪.‬‬
‫ويفرقون في اسم الشيء اللين فيقولون‪ :‬ثوب لين‪،‬‬
‫ورمح لدن‪ ،‬ولحم رخص‪ ،‬وريح رخاء‪ ،‬وفراش وثير‪،‬‬
‫وأرض دمثة‪.‬‬
‫ويفرقون في تغير الطعام وغيره فيقولون‪ :‬أروح‬
‫اللحم‪ ،‬وأسن الماء‪ ،‬وخنز الطعام‪ ،‬وسنخ السمن‪ ،‬وزنخ‬
‫الدهن‪ ،‬وقنم الجوز‪ ،‬ودخن الشراب‪ ،‬وصدئ الحديد‪،‬‬
‫ونغل الديم‪.‬‬
‫ويقولون يدي من اللحم غمرة‪ ،‬ومن الشحم زهمة‪،‬‬
‫ومن البيض زهكة‪ ،‬ومن الحديد سهكة‪ ،‬ومن السمك‬
‫صمرة‪ ،‬ومن اللبن والزبد شترة‪ ،‬ومن الثريد مرة‪ ،‬ومن‬
‫الزيت قنمة‪ ،‬ومن الدهن زنخة‪ ،‬ومن الخل خمطة‪ ،‬ومن‬
‫العمل لزقة‪ ،‬ومن الفاكهة لزجة‪ ،‬ومن الزعفران ردغة‪،‬‬
‫ومن الطين ودغة‪ ،‬ومن العجين ودخة‪ ،‬ومن الطيب‬
‫عبقة‪ ،‬ومن الدم ضرجة وسطلة وسلطة‪ ،‬ومن الوحل‬
‫لثقة‪ ،‬ومن الماء بللة‪ ،‬ومن الحمأة ثئطة‪ ،‬ومن البرد‬
‫صردة‪ ،‬ومن السنان قضضة‪ ،‬ومن المداد وجدة‪ ،‬ومن‬
‫البزر والنفط نمشة ونثمة‪ ،‬ومن البول قتمة‪ ،‬ومن‬
‫العذرة طفسة‪ ،‬ومن الوسخ درنة‪ ،‬ومن العمل مجلة‪.‬‬
‫ويفرقون في الوسخ فإذا كان في العين قالوا‪ :‬رمص‪،‬‬
‫فإذا جف قالوا‪ :‬غمص‪ ،‬فإذا كان في السنان قالوا‪:‬‬
‫حفر‪ ،‬فإذا كان في الذن فهو‪ :‬أف‪ ،‬وإذا كان في‬
‫الظفار فهو‪ :‬تف‪ ،‬وإذا كان في الرأس قالوا‪ :‬حزاز‪،‬‬
‫وهو في باقي البدن‪ :‬درن‪.‬‬
‫ويقولون في الرياح فإذا وقعت الريح بين ريحين‬
‫فهي‪ :‬نكباء‪ ،‬فإذا وقعت بين الجنوب والصبا فهي‪:‬‬
‫الجريباء‪ ،‬فإذا هبت من جهات مختلفة فهي‪:‬‬
‫المتناوحة‪ ،‬فإذا جاءت بنفس ضعيف فهي‪ :‬النسيم‪،‬‬
‫فإذا كانت شديدة فهي‪ :‬العاصف‪ ،‬فإذا قويت حتى‬
‫قلعت الخيام فهي‪ :‬الهجوم‪ ،‬فإذا حركت الشجار‬
‫تحريكا ً شديدا ً وقلعتها فهي‪ :‬الزعزع‪ ،‬فإذا جاءت‬
‫بالحصباء فهي‪ :‬الحاصب‪ ،‬فإذا هبت من الرض كالعمود‬
‫نحو السماء فهي‪ :‬العصار‪ ،‬فإذا جاءت بالغبرة فهي‪:‬‬
‫الهبوة‪ ،‬فإذا كانت باردة فهي‪ :‬الحرجف والصرصر‪،‬‬
‫فإذا كان مع بردها ندى فهي‪ :‬البليل‪ ،‬فإذا كانت حارة‬

‫‪27‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫فهي السموم‪ ،‬فإذا لم تلقح ولم تحمل مطرا ً فهي‪:‬‬
‫العقيم‪.‬‬
‫ويفرقون في المطر‪ :‬فأوله رش‪ ،‬ثم طش‪ ،‬ثم طل‪،‬‬
‫ورذاذ‪ ،‬ثم نضخ‪ ،‬ثم هضل‪ ،‬وتهتان‪ ،‬ثم وابل وجود‪ ،‬فإذا‬
‫أحيى الرض بعد موتها فهي‪ :‬الحياء‪ ،‬فإذا جاء عقيب‬
‫المحل أو عند الحاجة فهو‪ :‬الغيث‪ ،‬وإن كان صغار‬
‫القطر فهو‪ :‬القطقط‪ ،‬فإذا دام مع سكون فهو‪:‬‬
‫الديمة‪ ،‬فإذا كان عاما ً فهو‪ :‬الجداء‪ ،‬وإذا روى كل شيء‬
‫فهو‪ :‬الجود‪ ،‬فإذا كان كثير القطر فهو‪ :‬الهطل‬
‫والتهتان‪ ،‬فإذا كان ضخم القطر شديد الوقع فهو‪:‬‬
‫الوبل‪.‬‬
‫ويقولون هجهجت بالسبع‪ ،‬وشايعت بالبل‪ ،‬ونعقت‬
‫بالغنم‪ ،‬وسأسأت بالحمار‪ ،‬وهأهأت بالبل‪ :‬إذا دعوتها‬
‫للعلف‪ ،‬وجأجأت بها‪ :‬إذا دعوتها للشرب‪ ،‬وأشليت‬
‫الكلب‪ :‬دعوته‪ ،‬وأسدته أرسلته‪.‬‬
‫ويفرقون في الصوات‪ :‬فيقولون‪ :‬رغا البعير‪ ،‬وجرجر‪،‬‬
‫وهدر وقبقب‪ ،‬وأطت الناقة‪ ،‬وصهل الفرس‪ ،‬وحمحم‪،‬‬
‫ونهم الفيل‪ ،‬ونهق الحمار‪ ،‬وسحل‪ .‬وشحج البغل‪،‬‬
‫وخارت البقرة وجأرت‪ ،‬وثاجت النعجة‪ ،‬وثغت الشاة‬
‫ويعرت‪ ،‬وبغم الظبي ونزب‪ ،‬ووعوع الذئب‪ ،‬وضبح‬
‫الثعلب‪ ،‬وضغت الرنب‪ ،‬وعوى الكلب ونبح‪ ،‬وصأت‬
‫السنونو‪ ،‬وضأت الفأرة‪ ،‬وفحت الفعى‪ ،‬ونعق الغراب‬
‫ونعب‪ ،‬وزقا الديك وسقع‪ ،‬وصفر النسر‪ ،‬وهدر الحمام‬
‫وهدل‪ ،‬وغرد المكاء‪ ،‬وقبع الخنزير‪ ،‬ونقت العقرب‪،‬‬
‫وأنقضت الضفادع ون ّ‬
‫قت أيضًا‪ ،‬وعزفت الجن‪.‬‬
‫فصل‬
‫وتقول العرب في المر‪ :‬وهن‪ ،‬وفي الثوب‪ :‬وهى‪،‬‬
‫وفي الحساب‪ :‬غلت‪ ،‬وفي غيره‪ :‬غلط‪ ،‬ومن الطعام‪:‬‬
‫بشم‪ ،‬ومن الماء‪ :‬بغر‪ ،‬وحل الشيء في فمي‪ ،‬وحلى‬
‫في عيني‪.‬‬
‫فصل‬
‫المراهق من الغلمان بمنزلة المعصر من الجواري‪،‬‬
‫والحزور من الصبيان بمنزلة الكاعب‪ ،‬والكهل من‬
‫الرجال بمنزلة النصف من النساء‪ ،‬والقارح من الخيل‬
‫بمنزلة البازل من البل‪ ،‬والعجل من البقر‪ ،‬والشادن‬
‫من الظباء كالناهض من الفراخ‪ ،‬والبكر من البل‬

‫‪28‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫بمنزلة الفتى‪ ،‬والقلوص بمنزلة الجارية‪ ،‬والجمل‬
‫بمنزلة الرجل‪ ،‬والناقة بمنزلة المرأة‪ ،‬والبعير بمنزلة‬
‫النسان‪ ،‬والغرز للجمل‪ ،‬كالركاب للفرس‪ ،‬والغدة‬
‫للبعير كالطاعون للنسان‪ ،‬والهالة من القمر كالدارة‬
‫من الشمس‪ ،‬والبصيرة في القلب كالبصر في العين‪،‬‬
‫والسباط في بني إسحق‪ ،‬كالقبائل في بني‬
‫إسماعيل‪ ،‬وأرداف الملوك في الجاهلية‪ ،‬كالوزراء في‬
‫السلم‪ ،‬والقيال لحمير كالبطارق للروم والقواد‬
‫للعرب‪.‬‬
‫فصل‬
‫وللعرب خاص وعام‪.‬‬
‫فالبغض عام‪ ،‬والفرك بين الزوجين خاص‪ ،‬والنظر إلى‬
‫الشياء عام‪ ،‬والشيم إلى البرق خاص‪ ،‬الصراخ عام‪،‬‬
‫والواعية على الميت خاص‪ ،‬الذنب للحيوان والبهائم‬
‫عام‪ ،‬والذنابي للفرس خاص‪ .‬السير عام‪ ،‬والسري‬
‫بالليل خاص‪ .‬الهرب عام‪ ،‬والباق للعبيد خاص‪ .‬الرائحة‬
‫عام‪ ،‬والقتار للشواء خاص‪.‬‬
‫فصل‬
‫ومن جملة المسلم للعرب‪ :‬أنهم ل يقولون مائدة إل‬
‫إذا كان عليها طعام وإل فهي‪ :‬خوان‪ .‬ول للعظم عرق‬
‫إل ما دام عليه لحم‪ ،‬ول كأس إل إذا كان فيه شراب‪،‬‬
‫وإل فهي‪ :‬زجاجة‪ ،‬ول كوز إل إذا كانت له عروة‪ ،‬وإل‬
‫فهو كوب‪ ،‬ول رضاب إل إذا كان في الفم‪ ،‬وإل فهو‪:‬‬
‫بصاق‪ ،‬ول أريكة إل للسرير إذا كان عليه قبة‪ .‬فإن لم‬
‫يكن عليه قبة فهو‪ :‬سرير‪ .‬ول ربطة إل إذا كانت‬
‫لفقتين‪ ،‬وإل فهي‪ :‬ملءة‪ ،‬ول خدر إل إذا كان فيه‬
‫امرأة‪ ،‬وإل فهو‪ :‬ستر‪ .‬ول للمرأة ظعينة إل إذا كانت‬
‫في الهودج‪ ،‬ول قلم إل إذا كان مبريًا‪ ،‬وإل فهو‪:‬‬
‫أنبوب‪ .‬ول عهن إل إذا كان مصبوغًا‪ ،‬وإل فهو‪ :‬صوف‪.‬‬
‫ول وقود إل إذا اتقدت فيه النار‪ ،‬وإل فهو‪ :‬حطب‪ .‬ول‬
‫ركية إل إذا كان فيه ماء‪ ،‬وإل فهي‪ :‬بئر‪ .‬ول للبل‬
‫رأوية إل ما دام عليها الماء‪ ،‬ول للدلو سجل إل ما دام‬
‫فيها الماء‪ ،‬ول ذنوب إل ما دامت ملى‪ ،‬ول نفق إل إذا‬
‫كان له منفذ وإل فهو‪ :‬سرب‪ .‬ول سرير نعش إل ما‬
‫دام عليه الميت‪ .‬ول للخاتم خاتم إل إذا كان عليه فص‪.‬‬
‫ول رمح إل إذا كان له زوج وسنان‪ ،‬وإل فهو‪ :‬أنبوب‬

‫‪29‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫وقناة‪ .‬ول لطيعة إل للبل التي تحمل الطيب والبز‬
‫خاصة‪ .‬ول حمولة إل للتي تحمل المتعة خاصة‪ .‬ول‬
‫بدنة إل للتي تجعل للنحر‪ .‬ول ركب إل لركبان البل‪.‬‬
‫ول هضبة‪ ،‬إل إذا كانت حمراء‪ .‬ول يقال غيث‪ ،‬إل إذا‬
‫جاء في إبانه‪ ،‬وإل فهو‪ :‬مطر‪ .‬ول يقال عش‪ ،‬حتى‬
‫يكون عيدانا ً مجموعة‪ ،‬فإذا كان نقبا ً في جبل أو حائط‬
‫فهو‪ :‬وكر ووكن‪.‬‬
‫?الباب الثالث‪:‬‬
‫في علوم الحديث‬
‫فصل‬
‫في ذكر نبينا صلى الله عليه وسلم‬
‫ذكر نسبه‬
‫هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن‬
‫عبد مناف بن قصي بن كلب بن مرة بن كعب بن لؤي‬
‫بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن‬
‫خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد‬
‫بن عدنان بن أد بن أدد بن زيد بن يقدر بن يقدم بن‬
‫الهميسع بن النبت بن قيذار بن إسماعيل بن إبراهيم‬
‫بن تارخ بن ناحور بن سارغ بن أرغوة بن فالغ بن عابر‬
‫بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح بن لمك بن‬
‫متوشلخ بن أخنوخ بن يزد بن مهليل بن قينان بن‬
‫أنوش بن شيت بن آدم‪.‬‬
‫وأمه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلب‪.‬‬
‫ذكر أسمائه‬
‫هو محمد‪ ،‬وأحمد‪ ،‬والماحي‪ ،‬والحاشر‪ ،‬والعاقب‪،‬‬
‫والمقفي‪ ،‬ونبي الرحمة‪ ،‬ونبي التوبة‪ ،‬ونبي الملحم‪،‬‬
‫والشاهد‪ ،‬والبشير‪ ،‬والنذير‪ ،‬والضحوك‪ ،‬والقتال‪،‬‬
‫والمتوكل‪ ،‬والفاتح‪ ،‬والخاتم‪ ،‬والمصطفى‪ ،‬والرسول‪،‬‬
‫والنبي‪ ،‬والمي‪ ،‬والقثم‪.‬‬
‫فالعاقب آخر النبياء‪ ،‬والمقفي تبع النبياء‪ ،‬والضحوك‬
‫صفته في التوراة ‪ -‬لنه كان طيب النفس فكها ً ‪،-‬‬
‫والقثم من القثم‪ :‬وهو العطاء‪.‬‬
‫ذكر عمومته‬
‫الحارث والزبير‪ ،‬وأبو طالب‪ ،‬وحمزة‪ ،‬وأبو لهب‪،‬‬
‫والغيداق‪ ،‬والمقوم‪ ،‬وضرار‪ ،‬والعباس‪ ،‬وقثم‪ ،‬وحجل‬
‫واسمه المغيرة‪.‬‬

‫‪30‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫ذكر عماته‬
‫أم حكيم‪ ،‬وهي البيضاء‪ ،‬وبرة‪ ،‬وعاتكة‪ ،‬وصفية‪ ،‬وأروى‪،‬‬
‫وأميمة‪ ،‬وأسلمت صفية‪ ،‬واختلف في عاتكة وأروى‬
‫وأميمة‪.‬‬
‫ذكر أزواجه‬
‫تزوج خديجة‪ ،‬ثم سودة‪ ،‬ثم عائشة‪ ،‬ثم حفصة‪ ،‬ثم أم‬
‫سلمة‪ ،‬ثم جويرية‪ ،‬ثم زينب بنت جحش‪ ،‬ثم زينب بنت‬
‫خزيمة‪ ،‬ثم أم حبيبة‪ ،‬ثم صفية‪ ،‬ثم ميمونة‪ ،‬فماتت‬
‫خديجة وزينب بنت خزيمة في حياته‪ ،‬وتوفي عن التسع‬
‫البواق‪.‬‬
‫ذكر أولده‬
‫القاسم‪ ،‬وعبد الله‪ ،‬وهو الطيب والطاهر‪ ،‬وإبراهيم‪،‬‬
‫وفاطمة‪ ،‬وزينب‪ ،‬ورقية‪ ،‬وأم كلثوم‪.‬‬
‫ذكر مواليه‬
‫أسلم‪ :‬ويكنى أبا رافع‪ ،‬أبو رافع‪ :‬آخر والد البهي‪،‬‬
‫أحمر‪ ،‬آنسة‪ ،‬أسامة‪ ،‬أفلح‪ ،‬ثوبان‪ ،‬ذكوان‪ ،‬رافع‪ ،‬رباح‪،‬‬
‫زيد بن حارثة‪ ،‬سلمان‪ ،‬سالم‪ ،‬سليم‪ ،‬سابق‪ ،‬سعيد‪،‬‬
‫شقران‪ ،‬واسمه صالح‪ ،‬ضميرة‪ ،‬عبيد الله عبيد‪ ،‬فضالة‪،‬‬
‫كيسان‪ ،‬مهران ‪ -‬وهو سفينة‪ ،‬وقيل اسمه سفينة‪،‬‬
‫وقيل رومان ‪ -‬وقيل عبس‪ ،‬مدعم‪ ،‬نافع‪ ،‬نفيع ‪ -‬وهو‬
‫أبو بكر ‪ -‬بنيه‪ ،‬واقد‪ ،‬وردان‪ ،‬هشام‪ ،‬يسار‪ ،‬أبو أثيلة‪،‬‬
‫أبو الحمراء‪ ،‬أبو ضميرة‪ ،‬أبو عبيد‪ ،‬أبو مويهبة‪ ،‬أبو‬
‫واقد‪ ،‬أبو لبابة‪ ،‬أبو لقيط‪ ،‬أبو هند‪ ،‬سابور‪.‬‬
‫ذكر مؤذنيه‬
‫بلل‪ ،‬وسعد‪ ،‬وابن أم كلثوم‪ ،‬وأبو محذورة‪.‬‬
‫ذكر كّتابه‬
‫ي‪ ،‬زيد‪ ،‬معاوية‪ ،‬حنظلة‪،‬‬
‫أبو بكر‪ ،‬عمر‪ ،‬عثمان‪ ،‬علي‪ ،‬أب ّ‬
‫خالد بن سعد‪ ،‬إبان بن سعيد‪ ،‬العل بن الحضرمي‪ ،‬وكان‬
‫المداوم على الكتابة زيد ومعاوية‪.‬‬
‫ذكر نقباء النصار‬
‫أسعد بن زرارة‪ ،‬أسيد بن خضير‪ ،‬البراء بن معرور‪،‬‬
‫رافع بن مالك‪ ،‬سعد ابن خيثمة‪ ،‬سعد بن الربيع‪ ،‬عبد‬
‫الله بن رواحة‪ ،‬عبد الله بن عمرو بن حزام‪ ،‬عبادة بن‬
‫الصامت‪ ،‬سعد بن عبادة‪ ،‬المنذر بن عمرو‪ ،‬أبو الهيثم‬
‫بن التيهان‪ ،‬ونقب النبي صلى الله عليه وسلم على‬
‫النقباء أسعدًا‪.‬‬

‫‪31‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫تسمية من جمع القرآن حفظا ً‬
‫على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن‬
‫عفان‪ ،‬أبي‪ ،‬معاذ بن جبل‪ ،‬أبو الدرداء‪ ،‬زيد بن ثابت‪،‬‬
‫أبو زيد النصاري‪ ،‬قال ابن سيرين‪ :‬وتميم الداري‪،‬‬
‫وقال القرطبي‪ :‬وعبادة بن الصامت‪ ،‬وأبو أيوب‪.‬‬
‫تسمية من كان يفتي‬
‫على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر‪،‬‬
‫وعمر‪ ،‬وعثمان‪ ،‬وعلي‪ ،‬وعبد الرحمن بن عوف‪ ،‬وابن‬
‫مسعود‪ ،‬وأبي‪ ،‬ومعاذ‪ ،‬وعمار‪ ،‬وحذيفة‪ ،‬وزيد بن ثابت‪،‬‬
‫وأبو الدرداء‪ ،‬وأبو موسى‪ ،‬وسلمان‪.‬‬
‫تسمية من تأخر موته من الصحابة‬
‫آخر من مات من أهل العقبة‪ :‬جابر بن عبد الله بن‬
‫عمرو‪ ،‬ومن أهل بدر‪ :‬أبو اليسر‪ ،‬ومن المهاجرين‪:‬‬
‫سعد بن أبي وقاص‪ ،‬وهو آخر العشرة موتًا‪ ،‬وآخر من‬
‫مات بمكة من الصحابة‪ :‬ابن عمر‪ ،‬وبالمدينة‪ :‬سهل بن‬
‫سعد بن معاذ‪ ،‬وبالكوفة‪ :‬عبد الله بن أبي أوفى‪،‬‬
‫وبالبصرة‪ :‬أنس بن مالك‪ ،‬وبمصر‪ :‬عبد الله بن الحارث‬
‫بن جزء‪ ،‬وبالشام‪ :‬عبد الله بن يسر‪ ،‬وبخراسان‪ :‬بريدة‪،‬‬
‫وآخر الناظرين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫موتًا‪ :‬أبو الطفيل عامر بن واثلة‪.‬‬
‫تسمية فقهاء المدينة السبعة‬
‫سعيد بن المسيب‪ ،‬والقسم‪ ،‬وأبو بكر بن عبد الرحمن‪،‬‬
‫وخارجة‪ ،‬وعبيد الله بن عبد الله‪ ،‬وعروة‪ ،‬وسليمان بن‬
‫يسار‪.‬‬
‫منتخب من ذكر الوائل‬
‫أول من خلق الله القلم‪ ،‬أول جبل وضع في الرض‪:‬‬
‫أبو قبيس‪ ،‬أول مسجد وضع في الرض‪ :‬المسجد‬
‫الحرام‪ ،‬أول ولد آدم‪ :‬قابيل‪ ،‬أول من خط وخاط‪:‬‬
‫إدريس‪ ،‬أول من اختن وضاف‪ :‬إبراهيم‪ ،‬أول من ركب‬
‫الخيل وتكلم بالعربية‪ :‬إسماعيل‪ ،‬أول من عمل‬
‫القراطيس‪ :‬يوسف‪ ،‬أول من سرد الدروع وقال أما‬
‫بعد‪ :‬داود‪ ،‬أول من صبغ بالسواد‪ :‬فرعون‪ ،‬أول من‬
‫دخل الحمام وعمل الصابون‪ :‬سليمان‪ ،‬أول من طبخ‬
‫بالجر‪ :‬هامان‪.‬‬
‫فصل‬

‫‪32‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫أول من سيب السوايب‪ :‬عمرو بن لحي‪ ،‬أول من سن‬
‫الدية مائة من البل‪ :‬عبد المطلب‪ ،‬أول من قطع في‬
‫السرقة في الجاهلية‪ :‬وقضى بالقسامة وخلع نعليه‬
‫عند دخول الكعبة‪ :‬الوليد بن المغيرة‪ ،‬أول من قضى‬
‫في الخنثى من حيث يبول‪ :‬عامر بن الظرب‪ ،‬أول‬
‫عربي قسم الذكر مثل حظ النثيين‪ :‬عامر بن جشم‪.‬‬
‫فصل‬
‫أول ما نزل من القرآن‪" :‬اقرأ باسم ربك"‪ ،‬أول آية‬
‫نزلت في القتال‪" :‬أذن للذين يقاتلون"‪ ،‬أول من أسلم‬
‫من الرجال‪ :‬أبو بكر‪ ،‬ومن الصبيان‪ :‬علي‪ ،‬ومن‬
‫الموالي‪ :‬زيد‪ ،‬ومن النساء‪ :‬خديجة‪ ،‬ومن النصار‪ :‬جابر‬
‫بن عبد الله بن رباب‪ ،‬أول من هاجر إلى الحبشة‪:‬‬
‫حاطب بن عمرو‪ ،‬وإلى المدينة‪ :‬مصعب بن عميرة‪،‬‬
‫ومن النساء‪ :‬أم كلثوم بنت عتبة‪ ،‬أول من بايع ليلة‬
‫العقبة‪ :‬أسعد بن زرارة‪ ،‬أول من بايع بيعة الرضوان‪:‬‬
‫أبو سنان السدي‪ ،‬أول من أ ّ‬
‫ذن‪ :‬بلل‪ ،‬أول من بنى‬
‫مسجدا ً في السلم‪ :‬عمار‪ ،‬أول من سل سيفا ً في‬
‫السلم‪ :‬الزبير‪ ،‬أول من عدا به فرسه في سبيل الله‪:‬‬
‫عبد الله بن جحش‪ ،‬وهو أول من دعا يا أمير المؤمنين‪،‬‬
‫أول شهيد في السلم‪ :‬سمية‪.‬‬
‫فصل‬
‫أول ظهار كان في السلم‪ :‬ظهار أوس بن الصامت‬
‫من المجادلة‪ ،‬أول خلع كان في السلم‪ :‬خلع حبيبة‬
‫بنت سهل بن ثابت بن قيس‪ ،‬أول لعان كان في‬
‫السلم‪ :‬لعان هلل بن أمية مع زوجته‪ ،‬أول مرجوم‬
‫كان في السلم‪ :‬ماعز‪ ،‬أول من سن الصلة عند‬
‫القتل‪ :‬خبيب‪ ،‬أول من أوصى بثلث ماله‪ :‬البراء ابن‬
‫معرور‪ ،‬أول من دفن بالبقيع‪ :‬عثمان ابن مظعون‪.‬‬
‫فصل‬
‫أول من جمع القرآن‪ :‬أبو بكر‪ ،‬أول من قص‪ :‬تميم‪،‬‬
‫أول من وضع النحو‪ :‬أبو السود‪ ،‬أول من نقط‬
‫المصحف‪ :‬يحيى بن يعمر‪.‬‬
‫فصل‬
‫أول ما يرفع من الناس‪ :‬الخشوع‪ ،‬أول ما تفقدون من‬
‫دينكم‪ :‬المانة‪ ،‬أول اليات‪ :‬طلوع الشمس من مغربها‪،‬‬
‫أول من تنشق عنه الرض‪ :‬نبينا وهو أول من يقرع‬

‫‪33‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫باب الجنة‪ ،‬وأول شافع‪ ،‬وأول مشفع‪ ،‬أول من يكسى‬
‫إبراهيم‪ ،‬أول ما يحاسب العبد به‪ :‬الصلة‪ ،‬أول أمة‬
‫تدخل الجنة‪ :‬أمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫منتخب في ذكر المنسوبين إلى غير آبائهم‬
‫فمن المنسوبين إلى أمهاتهم‪ :‬بلل بن حمامة‪ ،‬واسم‬
‫أبيه‪ :‬رباح‪ ،‬ابن أم مكتوم واسم أبيه عمرو‪ ،‬بشير ابن‬
‫الخصاصية واسم أبيه معبد‪ ،‬الحارث ابن البرصاء واسم‬
‫أبيه مالك‪ ،‬حفاف ابن ندبة واسم أبيه عمير‪ ،‬سعد ابن‬
‫جنبة واسم أبيه بحير‪ ،‬شرحبيل ابن حسنة واسم أبيه‬
‫عبد الله‪ ،‬عبد الله ابن بحينة واسم أبيه مالك‪ ،‬مالك ابن‬
‫نميلة واسم أبيه ثابت‪ ،‬معاذ ومعوذ ابنا عفراء واسم‬
‫أبيهما الحارث‪ ،‬يعلى ابن سبابة واسم أبيه مرة‪ ،‬يعلى‬
‫ابن منية واسم أبيه أمية‪ ،‬وهؤلء كلهم صحابة‪.‬‬
‫ومن العلماء بعدهم‪ :‬إسماعيل ابن علية واسم أبيه‬
‫إبراهيم‪ ،‬منصور ابن صفية واسم أبيه عبد الرحمن‪،‬‬
‫محمد بن عائشة واسم أبيه‪ :‬حفص‪ ،‬إبراهيم ابن‬
‫أهراسة واسم أبيه سلمة‪ ،‬محمد ابن عثمة واسم أبيه‬
‫خالد‪.‬‬
‫فصل‬
‫في ذكر أسماء تساوى فيها الرجال والنساء‬
‫فمن ذلك ما تساوى فيه السم والنسب أمية بن أبي‬
‫الصلت قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم‪" :‬كاد أمية‬
‫يسلم"‪ ،‬أمية بنت أبي الصلت روى حديثها ابن إسحاق‪،‬‬
‫أمية بن عبد الله‪ :‬حدث عن ابن عمر‪ ،‬أمية بنت عبد‬
‫الله‪ :‬تروي عن عائشة‪ ،‬عمارة بن حمزة‪ :‬من ولد‬
‫عكرمة‪ ،‬عمارة بنت حمزة‪ :‬وهي التي اختصم فيها علي‬
‫وجعفر وزيد‪.‬‬
‫فضالة بن الفضل‪ :‬حدث عن أبي بكر بن عياش‪ ،‬فضالة‬
‫بنت الفضل‪ :‬روى عنها عبد الرحمن بن جبلة‪.‬‬
‫طلحة بن أبي سعيد المصري‪ :‬روى عن القاسم بن‬
‫محمد‪ ،‬طلحة بنت أبي سعيد‪ :‬روى عنها ابن أبي جبلة‬
‫أيضًا‪.‬‬
‫هند بن المهلب‪ :‬روى عنه محمد بن الزبرقان‪ ،‬هند بنت‬
‫المهلب‪ :‬حدثت عن أبيها‪.‬‬
‫هبة بن أحمد شيخنا‪ ،‬هبة بنت أحمد‪ :‬حدثت عن أحمد‬
‫بن محمود‪.‬‬

‫‪34‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫فصل‬
‫ومن ذلك ما يتشابه في الخط ويتباين في اللفظ مع‬
‫تساوي اسم الب‪ :‬بسرة بنت صفوان‪ :‬صحابية‪ ،‬يسرة‬
‫بن صفوان‪ :‬حدث عن إبراهيم بن سعد‪ ،‬حمزة بن عبد‬
‫الله جماعة‪ ،‬جمرة بنت عبد الله‪ :‬صحابية‪ ،‬خيثمة بن‬
‫عبد الرحمن‪ :‬روى عن ابن عمر‪ ،‬حنتمة بنت عبد‬
‫الرحمن‪ :‬أخت أبي بكر بن عبد الرحمن الفقيه‪.‬‬
‫فصل‬
‫ومن السماء التي تساوى فيها الرجال والنساء دون‬
‫أنسابهم‪ :‬أسما ابن حارثة وأسما بن رباب‪ :‬صحابيان‪،‬‬
‫أسماء بنت أبي بكر وأسما بنت عميس‪ :‬صحابيتان‪.‬‬
‫بركة أم يمن‪ :‬مولة رسول الله‪ ،‬بركة أم عطا ابن أبي‬
‫رباح‪ ،‬ومن الرجال‪ :‬بركة بن الوليد‪ :‬روى عن ابن‬
‫عباس‪ ،‬وبركة بن نشيط روى عن عثمان ابن أبي‬
‫شيبة‪.‬‬
‫بريدة بن الحصيب‪ :‬صحابي‪ ،‬بريدة بنت بشر‪ :‬صحابية‪.‬‬
‫جويرية بن مسهر‪ :‬يروي عن علي‪ ،‬جويرية بن بشير‪:‬‬
‫يروي عن الحسن‪ ،‬جويرية بن أسماء‪ :‬عن نافع‪ ،‬جويرية‬
‫بن الحجاج‪ :‬شاعر‪.‬‬
‫ومن النساء‪ :‬جويرية أم المؤمنين‪ ،‬جويرية بنت زياد‪،‬‬
‫جويرية بنت علقمة‪.‬‬
‫حميضة بن رقيم‪ :‬صحابي‪ ،‬حميضة ابن الشمردل‪:‬‬
‫تابعي‪ ،‬حميضة بن قيس‪ :‬شاعر‪ .‬ومن النساء‪ :‬حميضة‬
‫بنت ياسر‪ ،‬حميضة بنت أبي كثير‪.‬‬
‫الرباب بنت البراء بن معرور‪ ،‬الرباب بنت كعب‪ :‬أم‬
‫حذيفة‪ ،‬الرباب بنت النعمان‪ :‬عمة سعد بن معاذ‪،‬‬
‫الرباب زوجة الحسين بن علي‪ .‬وفي الرجال‪ :‬تابعي‬
‫يقال له رباب‪ :‬سمع من ابن عباس‪.‬‬
‫زيد‪ :‬في الرجال كثير‪ ،‬وزيد بنت مالك بن عميت‪.‬‬
‫عصيمة‪ :‬حليف للنصار من بني أسد‪ ،‬عصيمة‪ :‬حليف‬
‫لهم من أشجع‪ :‬كلهما شهدا بدرًا‪ .‬ومن النساء‪:‬‬
‫عصيمة بنت حبار‪ ،‬عصيمة بنت أبي الفلح‪ :‬مبايعتان‪.‬‬
‫علية بن زيد‪ :‬صحابي‪ ،‬ومن النساء‪ :‬علية بنت شريح أم‬
‫السايب ابن أخت نمر‪ ،‬وعلية بنت المهدي‪.‬‬
‫عميرة بن يثربي‪ :‬قاضي البصرة لعمر بن الخطاب‪،‬‬
‫عميرة بن سعد‪ :‬يروي عن علي رضي الله عنه‪ ،‬عميرة‬

‫‪35‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫بن زياد‪ :‬عن ابن مسعود‪ ،‬ومن النساء‪ :‬عميرة بنت‬
‫سهل‪ ،‬عميرة بنت ظهير‪ ،‬عميرة بنت ثابت‪ :‬صحابيات‪.‬‬
‫فصل‬
‫ومما يقع الشكال فيه‪ :‬إسحاق الزرق‪ ،‬وإسحاق ابن‬
‫الزرق فالول مصري‪ :‬روى عنه الليث بن سعد‪،‬‬
‫والثاني يروي عن الثوري‪.‬‬
‫عياش ابن الزرق‪ ،‬وعباس الزرق فالول بالشين‬
‫المعجمة‪ :‬روى عنه جعفر الفرياني‪ ،‬والثاني بالسين‬
‫المهملة‪ :‬روى عنه حماد‪ .‬هاشم ابن البريد‪ ،‬وهاشم‬
‫البريد‪ :‬فالول كوفي‪ :‬حدث عن أبي إسحاق السبيعي‪،‬‬
‫والثاني بصري‪ :‬روى عنه عبد الصمد بن عبد الوارث‪.‬‬
‫منتخب من السماء المفردة‬
‫أحمد بن عجيان‪ ،‬أثال‪ ،‬أثان‪ ،‬أرطيان‪ ،‬أسفع‪ ،‬أيقع‪،‬‬
‫أفلت‪ ،‬أكبل‪ ،‬أخيل‪ ،‬بحبح‪ ،‬بسمين‪ ،‬بلهط‪ ،‬بلج‪ ،‬بيحرة‪،‬‬
‫ثهلن‪ ،‬جاحل‪ ،‬جيب‪ ،‬جحدل‪ ،‬خنفر‪ ،‬خرباق‪ ،‬ديسم‪،‬‬
‫رعيان‪ ،‬زنيح‪ ،‬ركيح‪ ،‬زبيد‪ ،‬سرق‪ ،‬سياك‪ ،‬شبيب‪ ،‬شتير‪،‬‬
‫شنيف‪ ،‬شويس‪ ،‬شبيم‪ ،‬صحار‪ ،‬صمصم‪ ،‬ضريك‪،‬‬
‫طيسلة‪ ،‬عتريس‪ ،‬عذافر‪ ،‬عزرب‪ ،‬عرعره‪ ،‬عسعس‪،‬‬
‫عباق‪ ،‬فصافص‪ ،‬فنج‪ ،‬قحذم‪ ،‬قريع‪ ،‬كركره‪ ،‬كهدل‪،‬‬
‫لبي‪ ،‬لبطه‪ ،‬لمازه‪ ،‬مراجم‪ ،‬مشرح‪ ،‬معقس‪ ،‬مقلص‪،‬‬
‫مليل‪ ،‬هلقام‪ ،‬المنقع‪ ،‬منجل‪ ،‬ياسم‪ ،‬نبتل‪ ،‬نسطاس‪،‬‬
‫نوسجان‪ ،‬وقدان‪ ،‬هبيب‪ ،‬هجنع‪ ،‬هداج‪ ،‬هرماس‪ ،‬هصان‪،‬‬
‫ينحس‪ ،‬يعفر‪ ،‬هيطان‪.‬‬
‫منتخب من مشتبه السماء‬
‫أحمد‪ :‬كثير‪ :‬أحمد بن عجيان‪ :‬شهد فتح مصر‪.‬‬
‫أنس‪ :‬كثير‪ ،‬واتش جد محمد بن الحسن بن أتش‬
‫الصنعاني‪.‬‬
‫بسر‪ :‬كثير‪ ،‬وبسر ابن أبي أرطاة‪ :‬صحابي‪ ،‬ونشر هو‬
‫محمد بن نشر الكوفي‪ :‬روى عن ابن الحنفية‪ ،‬ويسر‬
‫أبو اليسر‪ :‬صحابي‪ ،‬ويسر ابن أنس‪ :‬متأخر‪ ،‬ونسر جد‬
‫يحيى ابن أبي بكير‪ :‬قاضي كرمان‪.‬‬
‫بيان‪ :‬كثير‪ ،‬وبنان بن محمد الزاهد‪ ،‬وبّنان بن يعقوب‪،‬‬
‫وبتان هو سعيد بن بتان اليلي‪.‬‬
‫يزيد‪ :‬كثير‪ ،‬وبريد بن أصرم‪ :‬يروي عن علي‪ ،‬وتزيد بن‬
‫جشم‪ :‬في نسب المصار‪ ،‬وبرند هو عرعرة بن البرند‪.‬‬
‫حماد‪ :‬كثير‪ ،‬وحماد بن أيوب‪ :‬روى عن حماد بن أبي‬

‫‪36‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫سليمان‪.‬‬
‫جرير‪ :‬كثير‪ ،‬وجرير‪ :‬هو عبد الله بن جرير‪ ،‬وحريز بن‬
‫عثمان‪ ،‬وحرير أم الحرير‪ :‬تروي عن طلحة بن مالك‪،‬‬
‫وجريز بن صدقة الجريز‪ :‬يروي عن شعبة‪.‬‬
‫جماز هو‪ :‬الهيثم بن جماز‪ ،‬وحبيب بن جماز‪ ،‬ونعيم بن‬
‫خمار‪ ،‬وعياض بن حمار‪ ،‬وحماز‪ :‬يروي عن ابن مسعود‪.‬‬
‫خباب‪ :‬صحابي‪ ،‬وجباب بن المنذر‪ :‬صحابي‪ ،‬وجناب بن‬
‫الخشخاش‪ :‬يروي عن أبي كلدة‪ ،‬وجباب بن صالح‪،‬‬
‫وحتات بن يحيى‪.‬‬
‫خبيب‪ :‬كثير‪ ،‬حبيب‪ :‬صحابي‪ ،‬وخبيب‪ :‬صحابي‪ ،‬وجبيب‬
‫بن النعمان بن يحيى‪ ،‬وجبيب أخو حمزة الزيات‪.‬‬
‫خنيس بن حذافة‪ :‬صحابي‪ ،‬وهب بن حنبش‪ :‬صحابي‪،‬‬
‫حبيش بن خلد‪ :‬صحابي‪ ،‬حبيس بن عايد‪ :‬مصري‪.‬‬
‫نعيم‪ :‬كثير‪ ،‬يغنم بن سالم يروي عن أنس‪.‬‬
‫فصل‬
‫من مشتبه النسبة‬
‫الحسن البصري‪ ،‬طلحة بن عمرو النصري‪ ،‬الحسين بن‬
‫الحسن النضري‪.‬‬
‫سفيان الثوري‪ ،‬محمد بن الصلت التوزي‪ ،‬محمد بن‬
‫عمرو البوري‪ ،‬أبو الحسين النوري‪.‬‬
‫أبو بكر الخياط‪ ،‬فطر بن خليفة الحتاط‪ ،‬مسلم الخباط‪:‬‬
‫وقد جمع مسلم هذه الصفات الثلثة‪ :‬الخزاز ‪ -‬جماعة‬
‫‪ ،‬وعبد الله ابن عون الخراز‪ ،‬وعيسى بن يونس‬‫الحزاز‪ ،‬ويحيى ابن الجزاز‪.‬‬
‫أبو عمر الشيباني‪ ،‬أيوب بن سويد السيباني‪ ،‬الفضل‬
‫بن موسى السيناني‪.‬‬
‫فرقد السبخي‪ ،‬سليمان بن معبد السنجي‪ ،‬أبو بكر‬
‫السبحي‪ ،‬بدر الشيحي‪.‬‬
‫عامر الشعبي‪ ،‬معاوية بن حفص الشعبي‪ ،‬زكريا بن‬
‫عيسى الشغبي‪.‬‬
‫حذيفة بن اليمان العبسي‪ ،‬عمار بن ياسر العنسي‪،‬‬
‫صعق بن حزن العيسي‪ ،‬وتقع النسبة في المحدثين‬
‫إلى هذه اللفاظ الثلثة‪ ،‬قال الحسن ابن سفيان‬
‫النسوي‪ :‬كلما ورد في الحديث عبسي فهو كوفي‪،‬‬
‫وعنسي فهو بصري‪ ،‬وعيسى فهو مصري‪.‬‬

‫‪37‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫إبراهيم بن يزيد الخوزي‪ ،‬محمد بن يزيد الحوزي‪ ،‬محمد‬
‫بن يزداد الجوري‪ ،‬عبد الرحمن بن علي الجوزي‪.‬‬
‫بيان أحاديث أهمل فيها تبيين السماء المشتبهة‬
‫حديث‬
‫روى أبو قلبة عن أنس عن النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم‪ :‬إن الله تعالى وضع عن المسافر شطر الصلة‬
‫وعن الحامل والمرضع يعني الصيام‪ ،‬أنس هذا هو ابن‬
‫مالك القشيري‪.‬‬
‫أحاديث‬
‫روى عطاء عن أبي هريرة قال‪ :‬في كل صلة قراءة‪،‬‬
‫فما أسمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫أسمعناكم وما أخفى علينا أخفينا عليكم‪.‬‬
‫وروى عطاء عن أبي هريرة قال‪ :‬قال رسول الله‬
‫ب هؤلء الربعة إل‬
‫صلى الله عليه وسلم‪ :‬ل يجتمع ح ّ‬
‫في قلب مؤمن‪ :‬أبو بكر وعمر وعثمان وعلي‪.‬‬
‫وروى عطاء عن أبي هريرة قال‪ :‬قال رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم إذا أقيمت الصلة فل صلة إل‬
‫المكتوبة‪.‬‬
‫وروى عطاء عن أبي هريرة‪ :‬أن النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم سجد في إقرأ باسم ربك‪.‬‬
‫وروى عطاء عن أبي هريرة قال‪ :‬قال رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم‪ :‬إذا مضى ثلث الليل يقول الله‬
‫ع يجاب‪.‬‬
‫أل دا ٍ‬
‫عطاء الول هو ابن أبي رباح‪ ،‬والثاني الخراساني‪،‬‬
‫والثالث ابن يسار‪ ،‬والرابع ابن ميناء‪ ،‬والخامس مولى‬
‫أم صبية‪.‬‬
‫أحاديث‬
‫روت عمرة عن عائشة قالت‪ :‬لو أن رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم رأى ما أحدث النساء بعده لمنعهن‬
‫المسجد كما منع نساء بني إسرائيل‪.‬‬
‫وروت عمرة أنها دخلت مع أمها على عائشة فسألتها‪:‬‬
‫ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‬
‫في الفرار من الطاعون? قالت‪ :‬سمعته يقول‪:‬‬
‫كالفرار من الزحف‪.‬‬
‫وروت عمرة قالت‪ :‬خرجت مع عائشة سنة قتل عثمان‬
‫إلى مكة فمررنا بالمدينة ورأينا المصحف الذي قتل‬

‫‪38‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫وهو في حجره فكانت أول قطرة قطرت على هذه‬
‫الية‪ :‬فسيكفيكهم الله‪ .‬قالت عمرة‪ :‬فما مات منهم‬
‫رجل سويًا‪.‬‬
‫وروت عمرة عن عائشة قالت‪ :‬سمعت رسول الله‬
‫وصال‪.‬‬
‫صلى الله عليه وسلم ينهى عن ال ِ‬
‫عمرة الولى هي بنت عبد الرحمن النصارية‪ ،‬والثانية‬
‫بنت قيس العدوية‪ ،‬والثالثة بنت أرطاة‪ ،‬والرابعة يقال‬
‫لها الطاخية‪.‬‬
‫أحاديث‬
‫روى حماد عن ثابت عن أنس أن النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم سمع في النخل صوتا ً فقال ما هذا? فقال‬
‫يوبرون النخل‪ ،‬فذكر الحديث‪.‬‬
‫وروى حماد‪ :‬عن ثابت عن أنس قال رأى رسول الله‬
‫ص ْ‬
‫فرة فقال‪:‬‬
‫صلى الله عليه وسلم على عبد الرحمن ُ‬
‫َ‬
‫وِلم‪.‬‬
‫ما هذا? قال‪ :‬تزوجت‪ ،‬قال‪ :‬أ ْ‬
‫روى حماد عن ثابت عن أنس قال‪ :‬قال رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم‪ :‬مثل أمتي مثل المطر‪.‬‬
‫حماد الول ابن سلمة‪ ،‬والثاني ابن زيد‪ ،‬والثالث البح‪.‬‬
‫واعلم أن مثل هذه السماء المشتبهة إذا لم يصرح في‬
‫الحديث ببيانها لم يفرق بينها إل الناقد المجود‪.‬‬
‫وفي الفرق بينها فائدة عظيمة‪ ،‬وهي أن بعض الرواة‬
‫ثقة‪ ،‬ومشبهه في السم يكون ضعيفًا‪ ،‬فيطلب الفرق‬
‫لذلك‪ ،‬مثاله‪ :‬أن يروي قتادة عن عكرمة‪ ،‬وهو يروي‬
‫عن عكرمة مولى ابن عباس‪ ،‬وذاك ثقة وعن عكرمة‬
‫بن خالد وهو ضعيف‪ ،‬وكذا قول وكيع‪ :‬حدثنا النضر عن‬
‫عكرمة‪ :‬وهو يروي عن النضر بن النضر بن عربي وهو‬
‫ثقة‪ ،‬وعن النضر بن عبد الرحمن ‪ -‬وهو ضعيف ‪ -‬ومثله‬
‫قول حفص بن غياث بن أشعث عن الحسن‪ ،‬وهو يروي‬
‫عن أشعث بن عبد الملك ‪ -‬وهو ثقة‪ ،‬وعن أشعث بن‬
‫سوار ‪ -‬وهو ضعيف‪.‬‬
‫منتخب من المتفق والمفترق‬
‫أنس بن مالك خمسة‪ :‬اثنان من الصحابة أبو حمزة‬
‫النصاري‪ ،‬وأبو أمية الكعبي‪ ،‬والثالث أبو مالك الفقيه‪،‬‬
‫والرابع كوفي‪ ،‬والخامس حمصي‪.‬‬
‫أسامة بن زيد ستة‪ :‬أحدهم مولى النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم‪ ،‬والثاني تنوخي‪ ،‬والثالث ليثي‪ ،‬والرابع كلبي‪،‬‬

‫‪39‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫والخامس شيرازي‪ ،‬والسادس مولى لعمر‪.‬‬
‫أحمد بن جعفر بن حمدان أربعة في طبقة واحدة‪:‬‬
‫أحدهم دينوري‪ ،‬والثاني طرسوسي‪ ،‬والثالث قطيعي‪،‬‬
‫والرابع سقطي‪.‬‬
‫جابر بن عبد الله سبعة‪ :‬أحدهم ابن عمرو‪ ،‬والثاني ابن‬
‫رئاب صحابيان‪ ،‬والثالث سلمى‪ ،‬والرابع محاربي‪،‬‬
‫والخامس غطفاني‪ ،‬والسادس مصري‪ ،‬والسابع بصري‪.‬‬
‫الخليل بن أحمد خمسة‪ :‬ثلثة بصريون‪ ،‬والرابع‬
‫أصبهاني‪ ،‬والخامس سجزي‪.‬‬
‫سعيد بن المسيب ثلثة‪ :‬أحدهم مدني‪ ،‬والثاني بلوي‪،‬‬
‫والثالث شيرازي‪.‬‬
‫عبد الله بن المبارك ستة‪ :‬أحدهم مروزي‪ ،‬والثاني‬
‫خراساني‪ ،‬والثالث بخاري‪ ،‬والرابع جوهري‪ ،‬والباقيان‬
‫من أهل بغداد‪.‬‬
‫عمر بن الخطاب سبعة‪ :‬أحدهم أمير المؤمنين‪ ،‬والثاني‬
‫كوفي‪ ،‬والثالث بصري‪ ،‬والرابع اسكندراني‪ ،‬والخامس‬
‫سجستاني‪ ،‬والسادس راسبي‪ ،‬والسابع عنبري‪.‬‬
‫عثمان بن عفان اثنان‪ :‬أحدهما أمير المؤمنين‪ ،‬والثاني‬
‫سجزي‪.‬‬
‫علي بن أبي طالب ثمانية‪ :‬أحدهم أمير المؤمنين‪،‬‬
‫والثاني بصري‪ ،‬والثالث جرجاني‪ ،‬والرابع أستراباذي‪،‬‬
‫والخامس تنوخي‪ ،‬والسادس بكراباذي‪ ،‬والسابع‬
‫بغدادي‪ ،‬والثامن يقال له الدهان‪.‬‬
‫عمر بن حصين أربعة‪ :‬أحدهم صحابي‪ ،‬والثاني ضبي‪،‬‬
‫والثالث بصري‪ ،‬والرابع أصبهاني‪.‬‬
‫فضيل بن عياض اثنان‪ :‬أحدهما مصري‪ ،‬والثاني مكي‪.‬‬
‫يحيى بن معاذ ثلثة‪ :‬أحدهم نيسابوري‪ ،‬والثاني رازي‪،‬‬
‫والثالث تستري‪.‬‬
‫يوسف بن إسباط ثلثة‪ :‬أحدهم كوفي‪ ،‬والثاني‬
‫حمصي‪ ،‬والثالث سلمي‪.‬‬
‫الباب الرابع‪:‬‬
‫في ذكر عيون التواريخ‬
‫روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه‬
‫ة يوم السبت وخلق الجبال‬
‫قال‪ :‬خلق الله تعالى الترب َ‬
‫فيها‪ :‬يوم الحد‪ ،‬وخلق الشجر فيها‪ :‬يوم الثنين‪،‬‬
‫وخلق المكروه‪ :‬يوم الثلثاء‪ ،‬وخلق النور‪ :‬يوم الربعاء‪،‬‬

‫‪40‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫وبث فيها الدواب‪ :‬يوم الخميس‪ ،‬وخلق آدم‪ :‬يوم‬
‫الجمعة بعد العصر‪.‬‬
‫قال علماء التاريخ‪ :‬الرض كلها على صخرة‪ ،‬والصخرة‬
‫على منكبي ملك‪ ،‬والملك على حوت‪ ،‬والحوت على‬
‫الماء‪ ،‬والماء على متن الريح‪.‬‬
‫فصل‬
‫أقاليم الرض سبعة‪ :‬فالقليم الول الهند‪ ،‬والثاني‬
‫إقليم الحجاز‪ ،‬والثالث إقليم مصر‪ ،‬والرابع إقليم بابل‪،‬‬
‫والخامس إقليم الروم والشام‪ ،‬والسادس بلد الترك‪،‬‬
‫والسابع بلد الصين‪.‬‬
‫وأوسط القاليم‪ :‬إقليم بابل وهو أعمرها وفيه جزيرة‬
‫العرب وفيه العراق الذي هو سرة الدنيا‪ ،‬وبغداد في‬
‫أوسط هذا القليم‪ ،‬فلعتداله اعتدلت ألوان أهله‪،‬‬
‫فسلموا من شقرة الروم‪ ،‬وسواد الحبش‪ ،‬وغلظ‬
‫الترك‪ ،‬وجفاء أهل الجبال‪ ،‬ودمامة أهل الصين‪ ،‬وكما‬
‫اعتدلوا في الخلقة‪ ،‬لطفوا في الفطنة‪.‬‬
‫فصل‬
‫قال علماء التواريخ‪ :‬جميع ما عرف في الرض من‬
‫الجبال مائة وثمانية وتسعون‪ :‬من أعجبها جبل‬
‫سرنديب‪ ،‬وطوله مائتان ونيف وستون ميل ً وفيه أثر‬
‫قدم آدم حين هبط‪ ،‬وعليه سنا البرق‪ ،‬ل يذهب صيفًا‪،‬‬
‫وحوله ياقوت‪ ،‬وفي واديه الماس الذي يقطع الصخور‪،‬‬
‫ويثقب اللؤلؤ‪ ،‬وفيه العود والفلفل‪ ،‬ودأبه المسك‪،‬‬
‫ودابة الزباد‪.‬‬
‫وجبل الرد الذي فيه السد‪ ،‬طوله سبعمائة فرسخ‬
‫وينتهي إلى البحر المظلم‬
‫فصل‬
‫قالوا‪ :‬في الرض سبعمائة معدن‪ ،‬ول ينعقد الملح إل‬
‫في السبخ‪ ،‬ول الجص إل في الرمل والحصى‪ ،‬والبحر‬
‫العظم محيط بالدنيا‪ ،‬والبحار تستمد منه‪.‬‬
‫فصل‬
‫قالوا‪ :‬وعاش آدم ألف سنة‪ ،‬وولدت له حواء أربعين‬
‫ولدًا‪ ،‬في كل بطن ذكر وأنثى‪ ،‬فأولهم قابيل‪ ،‬وتوأمته‬
‫قليما‪ ،‬ولم يمت آدم حتى رأى من ولده وولد ولده‬
‫أربعين ألفًا‪ ،‬وانقرض نسلهم‪ ،‬غير نسل شيت‪ ،‬ثم‬
‫انقرض النسل‪ ،‬وبقي أولد نوح وهم‪ :‬سام‪ ،‬وحام‪،‬‬

‫‪41‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫ويافث‪ ،‬فسام أبو العرب‪ ،‬وحام أبو الزنج‪ ،‬ويافث أبو‬
‫الروم والترك‪ ،‬ويأجوج ومأجوج نوع من الترك‪.‬‬
‫فصل‬
‫في تسمية الحواريين‬
‫شمعون الصفا‪ ،‬وشمعون القناني‪ ،‬ويعقوب بن زندي‪،‬‬
‫ويعقوب بن حلقي‪ ،‬وقولوس‪ ،‬ومارقوس‪ ،‬وأندراوس‪،‬‬
‫وبرثمل‪ ،‬ويوحنا‪ ،‬ولوقا‪ ،‬وتوما‪ ،‬ومتى‪.‬‬
‫فصل‬
‫ً‬
‫كان أول ملوك الفرس‪ :‬دارا‪ :‬ملك نحوا من مائتي‬
‫سنة‪ ،‬ثم ملك بعده خمسة وعشرون‪ :‬منهم امرأتان‪،‬‬
‫وكان آخر القوم يزدجرد‪ ،‬هلك في زمان عثمان‪ ،‬وكان‬
‫ملكهم خمسمائة سنة وكسرًا‪.‬‬
‫وكان أظرفهم ولية ذو الكتاف‪ ،‬فإنه ل يعرف من‬
‫ملك وهو في بطن أمه غيره‪ ،‬لن أباه كان قد مات ول‬
‫ولد له‪ ،‬وإنما كان هذا حم ً‬
‫ل‪ ،‬فقال المنجمون هذا‬
‫الحمل يملك الرض‪ ،‬فوضع التاج على بطن الم‪ ،‬وكتب‬
‫منه إلى الفاق‪ ،‬وهو جنين‪ ،‬وسمي سابورا ً وإنما لقب‬
‫بذي الكتاف لنه حين ملك كان ينزع أكتاف مخالفيه‪،‬‬
‫وهو الذي بنى اليوان‪ ،‬وبنى نيسابور وسجستان‬
‫والسوس‪ ،‬وما زال الملك ينتقل بعده فيهم حتى ملك‬
‫أنشروان‪ ،‬وكان أحزمهم‪ ،‬وكان له اثنا عشر ألف امرأة‬
‫وجارية‪ ،‬وخمسون ألف دابة‪ ،‬وألف فيل إل واحدًا‪ ،‬وفي‬
‫زمانه ولد نبينا صلى الله عليه وسلم‪ ،‬ومات لثمان‬
‫سنين مضت من مولد نبينا صلى الله عليه وسلم‪ ،‬ولما‬
‫دخل المسلمون المدائن‪ ،‬أحرقوا ستر باب اليوان‪،‬‬
‫فأخرجوا منه ألف ألف مثقال ذهبًا‪.‬‬
‫فصل‬
‫أربعة تناسلوا‪ ،‬رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم‪:‬‬
‫أبو قحافة‪ ،‬وابنه أبو بكر‪ ،‬وابنه عبد الرحمن‪ ،‬وابنه‬
‫محمد‪ ،‬ويكنى أبا عتيق‪.‬‬
‫أربعة أخوة كان بين كل واحد منهم وواحد عشر سنين‪:‬‬
‫أولد أبي طالب‪ :‬طالب وعقيل‪ ،‬وجعفر‪ ،‬وعلي‪ ،‬فكان‬
‫طالب أسن من عقيل عشر سنين‪ ،‬وعقيل أسن من‬
‫جعفر بعشر سنين‪ ،‬وجعفر أسن من علي بعشر‪.‬‬
‫ول يعرف أخوان تباعدا في السن مثل موسى بن‬
‫عبيدة الربذي وأخيه عبد الله بن عبيدة‪ ،‬فإن عبد الله‬

‫‪42‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫أسن من موسى بثمانين سنة‪.‬‬
‫ومن العجائب‪ :‬ثلث أخوة ولدوا في سنة واحدة‪،‬‬
‫وقتلوا في سنة واحدة وكانت أعمارهم ثماني وأربعين‬
‫سنة‪ :‬يزيد‪ ،‬وزياد‪ ،‬ومدرك‪ ،‬بنو المهلب ابن أبي صفرة‪.‬‬
‫ومن العجائب‪ :‬أربعة أنفس رزق كل واحد منهم مائة‬
‫ولد‪ ،‬أنس بن مالك‪ ،‬وعبد الله بن عمر الليثي‪ ،‬وخليفة‬
‫السعدي‪ ،‬وجعفر بن سليمان الهاشمي‪.‬‬
‫ومن العجائب‪ :‬ثلثة بنو أعمام كلهم كانوا في زمان‬
‫واحد‪ ،‬كل واحد منهم اسمه علي‪ ،‬ولهم ثلثة أولد كل‬
‫واحد منهم اسمه محمد‪ ،‬والباء والبناء علماء أشراف‪،‬‬
‫وهم‪ :‬علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب‪ ،‬وعلي‬
‫بن عبد الله بن العباس‪ ،‬وعلي بن عبد الله بن جعفر‪.‬‬
‫ومن العجائب‪ :‬أنه في ليلة السبت لربع بقين من ربيع‬
‫الول سنة تسعين ومائة‪ ،‬مات الهادي‪ ،‬واستخلف‬
‫الرشيد‪ ،‬وولد المأمون‪.‬‬
‫ومن العجائب‪ :‬أنه سلم على الرشيد بالخلفة عمه‬
‫سليمان بن المنصور وعم أبيه المهدي‪ ،‬وهو العباس‬
‫بن محمد‪ ،‬وعم جده المنصور‪ ،‬وهو عبد الصمد بن‬
‫علي‪ ،‬وقال له عبد الصمد يومًا‪ :‬يا أمير المؤمنين هذا‬
‫مجلس فيه أمير المؤمنين وعم أمير المؤمنين وعم عم‬
‫أمير المؤمنين وعم عم عمه‪ ،‬وذلك أن سليمان بن أبي‬
‫جعفر عم الرشيد‪ ،‬والعباس عم سليمان‪ ،‬وعبد الصمد‬
‫عم العباس‪.‬‬
‫ومن العجائب‪ :‬أن عبد الصمد حج بالناس سنة خمسين‬
‫ومائة‪ ،‬وقد حج قبله يزيد بن معاوية سنة خمسين‪:‬‬
‫وهما في النسب إلى عبد مناف سواء‪ ،‬لن يزيد هو‬
‫ابن معاوية بن صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس‬
‫بن عبد مناف‪ .‬وعبد الصمد بن علي بن عبد الله بن‬
‫العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف‪.‬‬
‫فصل‬
‫وقد سلم على المتوكل بالخلفة ثمانية‪ ،‬كلهم ابن‬
‫خليفة‪ :‬المنتصر ابنه‪ ،‬ومحمد ابن الواثق‪ ،‬وأحمد بن‬
‫المعتصم‪ ،‬وموسى بن المأمون‪ ،‬وعبد الله بن المير‪،‬‬
‫وأبو أحمد بن الرشيد‪ ،‬وأبو العباس بن الهادي‪،‬‬
‫والمنصور بن المهدي‪.‬‬
‫فصل‬

‫‪43‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫وقد ولي الخلفة‪ :‬أخوان‪ ،‬وثلثة‪ ،‬وأربعة‪ ،‬فأما‬
‫الخوان‪ :‬فالسفاح والمنصور‪ ،‬والهادي والرشيد‪،‬‬
‫والواثق والمتوكل ابنا المعتصم‪ ،‬والمسترشد‬
‫والمقتفي‪ ،‬وأما الثلثة‪ :‬فالمين والمأمون والمعتصم‬
‫بنو الرشيد‪ ،‬والمكتفي والمقتدر والقاهر بنو المعتضد‪،‬‬
‫والراضي والمتقي والمطيع بنو المقتدر‪ ،‬وأما الربعة‬
‫فلم يكونوا إل بني عبد الملك‪.‬‬
‫فصل‬
‫من العجائب المتعلقة بالنساء‬
‫من ذلك أن امرأة شهد لها بدرا ً سبعة بنين مسلمين‬
‫وهي‪ :‬عفراء بنت عبيد‪ ،‬تزوجها الحارث بن رفاعة‪،‬‬
‫فولدت له معاذا ً ومعوذًا‪ ،‬ثم تزوجها بكير فولدت له‬
‫إياسا ً وخالدًا‪ ،‬وعاق ً‬
‫ل‪ ،‬وعامرًا‪ ،‬ثم رجعت إلى الحارث‬
‫فولدت له عوفًا‪ ،‬فشهدوا كلهم بدرًا‪ ،‬ويخرج من هذا‬
‫جواب المسائل هل تعرفون أربعة أخوة لب وأم‬
‫شهدوا بدرا ً مسلمين?‪.‬‬
‫مان‬
‫ومن هذا الجنس‪ ،‬امرأة كان لها أربعة أخوة وع ّ‬
‫شهدوا بدرًا‪ ،‬فأخوان وعم مع رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم‪ ،‬وأخوان وعم مع المشركين‪ ،‬وهي هند‬
‫بنت عتبة بن ربيعة‪ ،‬فالخوان المسلمان‪ :‬أبو حذيفة‬
‫بن عتبة ومصعب بن عمير‪ ،‬والعم المسلم‪ :‬معمر بن‬
‫الحارث‪ ،‬والخوان المشركان‪ :‬الوليد بن عتبة وأبو‬
‫عزيز‪ ،‬والعم المشرك‪ :‬شيبة بن ربيعة‪.‬‬
‫ومن العجائب‪ :‬أن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن‬
‫عفان كان له أربع بنات‪ :‬عبدة‪ ،‬وعائشة‪ ،‬وأم سعيد‪،‬‬
‫ورقية‪ ،‬تزوجهن أربعة من الخلفاء‪ :‬تزوج عبدة الوليد‬
‫بن عبد الملك‪ ،‬وعائشة سليمان‪ ،‬وأم سعيد يزيد بن‬
‫عبد الملك‪ ،‬ورقية هشام‪.‬‬
‫وكان لهذا الرجل ‪ -‬أعني عبد الله بن عمرو ‪ -‬ولد اسمه‬
‫محمد ‪ -‬كان يقال له الديباج لحسنه ‪ -‬وكان لمحمد بنت‬
‫اسمها حفصة ل يعرف امرأة ولدها رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة‬
‫والزبير والحسين وابن عمر سواها‪ ،‬أما ولدة رسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم لها‪ ،‬فإن أم أبيها فاطمة‬
‫بنت الحسين بن علي‪ ،‬وأم الحسين فاطمة بنت رسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم‪ ،‬ومن طريق الحسين بن‬

‫‪44‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫علي ولدته لها وولدة علي لها‪ ،‬وأما ولدة أبي بكر‬
‫لها‪ ،‬فإن أمها خديجة بنت عثمان بن عروة بن الزبير‪،‬‬
‫وأم عروة أسماء بنت أبي بكر الصديق‪ ،‬ومن طريق‬
‫عروة ولدها الزبير‪ ،‬وأما ولدة عمر لها‪ ،‬فإن أم جدها‬
‫عبد الله زينب بنت عبد الله بن عمر بن الخطاب‪ ،‬فمن‬
‫هذه الطريق ولدة عمر لها‪ ،‬وأما ولدة عثمان لها‪،‬‬
‫فمن طريق أبيها‪ ،‬وأما ولدة طلحة‪ ،‬فإن جدتها من‬
‫قبل أبيها هي أم إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله‪.‬‬
‫ومن العجائب‪ :‬امرأة ولدت خليفتين‪ ،‬وهن ثلث‪:‬‬
‫الولى‪ :‬ولدة بنت العباس العبسية‪ ،‬تزوجها عبد الملك‬
‫بن مروان‪ ،‬فولدت له‪ :‬الوليد وسليمان فوليا الخلفة‪،‬‬
‫والثانية‪ :‬شاهفرند بنت فيروز بن يزدجرد‪ ،‬تزوجها‬
‫الوليد بن عبد الملك‪ ،‬فولدت له‪ :‬يزيد وإبراهيم فوليا‬
‫الخلفة‪ ،‬والثالثة‪ :‬الخيزران‪ :‬ولدت للمهدي الهادي‬
‫والرشيد‪.‬‬
‫فصل‬
‫في الجدوب وعموم الموت‬
‫أجدبت الرض في سنة ثماني عشرة فكانت الريح‬
‫تسفي ترابا ً كالرماد‪ ،‬فسمي عام الرمادة‪ ،‬وجعلت‬
‫الوحوش تأوي إلى النس‪ ،‬فآلى عمر أل يذوق سمنا ً‬
‫ول لبنا ً ول لحما ً حتى يحيى الناس واستسقى بالعباس‬
‫فسقوا‪ ،‬وفيها كان طاعون عمواس‪ ،‬مات فيه أبو‬
‫عبيدة‪ ،‬ومعاذ‪ ،‬وأنس‪.‬‬
‫وفي سنة أربع وستين وقع طاعون بالبصرة وماتت أم‬
‫أميرهم فما وجدوا من يحملها‪.‬‬
‫وفي سنة إحدى وثلثين ومائة مات أول يوم في‬
‫الطاعون سبعون ألفًا‪ ،‬وفي الثاني نيف وسبعون ألفا‪ً،‬‬
‫وفي اليوم الثالث خمد الناس‪.‬‬
‫وفي سنة تسع عشرة وثلث مائة كثر الموت‪ ،‬وكان‬
‫يدفن في القبر الواحد جماعة‪.‬‬
‫وفي سنة أربع وثلثين وثلث مائة ذبح الطفال‪،‬‬
‫وأكلت الجيف‪ ،‬وبيع العقار برغيفان‪ ،‬واشتري لمعز‬
‫الدولة كر دقيق بعشرين ألف درهم‪.‬‬
‫وفي سنة أربع وأربعين وثلثمائة عمت المراض البلد‪،‬‬
‫فكان يموت أهل الدار كلهم‪.‬‬
‫وفي سنة ثمان وسبعين وثلثمائة أصاب أهل البصرة‬

‫‪45‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫حر‪ ،‬فكانوا يتساقطون موتى في الطرقات‪.‬‬
‫وفي سنة ثمان وأربعين وأربعمائة عم القحط‪ ،‬فأكلت‬
‫الميتة‪ ،‬وبلغ المكوك من بزر البقلة سبع دنانير‪،‬‬
‫والسفرجلة والرمانة دينارًا‪ ،‬والخيارة واللينوفرة‬
‫دينارًا‪ ،‬وورد الخبر من مصر بأن ثلثة من اللصوص‬
‫نقبوا دارا ً فوجدوا عند الصباح موتى‪ ،‬أحدهم على باب‬
‫النقب‪ ،‬والثاني على رأس الدرجة‪ ،‬والثالث على الثياب‬
‫المكورة‪.‬‬
‫وفي السنة التي تليها وقع وباء‪ ،‬فكان تحفر زبية‬
‫لعشرين وثلثين فيلقون فيها‪ ،‬وتاب الناس كلهم‬
‫وأراقوا الخمور‪ ،‬ولزموا المساجد‪.‬‬
‫وفي سنة ست وخمسين وأربعمائة وقع الوباء‪ ،‬وبلغ‬
‫الرطل من التمر الهندي أربعة دنانير‪.‬‬
‫وفي سنة اثنتين وستين وأربعمائة اشتد الجوع والوباء‬
‫بمصر‪ ،‬حتى أكل الناس بعضهم بعضًا‪ ،‬وبيع اللوز‬
‫والسكر بوزن الدراهم‪ ،‬والبيضة بعشرة قراريط‪ ،‬وخرج‬
‫وزير صاحب مصر إليه فنزل عن بغلته‪ ،‬فأخذها ثلثة‬
‫فأكلوها‪ ،‬فصلبوا‪ ،‬فأصبح الناس ل يرون إل عظامهم‬
‫تحت خشبهم وقد أكلوا‪.‬‬
‫وفي سنة أربع وستين وأربعمائة وقع الموت في‬
‫الدواب حتى إن راعيا ً قام إلى الغنم وقت الصباح‬
‫ليسوقها فوجدها كلها موتى‪.‬‬
‫فصل‬
‫في الزلزل واليات‬
‫زلزلت الرض على عهد عمر في سنة عشرين‪ ،‬ودامت‬
‫الزلزل في سنة أربع وتسعين‪ :‬أربعين يومًا‪ ،‬وقعت‬
‫البنية الشاهقة‪ ،‬وتهدمت أنطاكية‪.‬‬
‫وفي سنة أربع وعشرين ومائتين زلزلت فرغانة فمات‬
‫فيها خمسة عشر ألفًا‪.‬‬
‫وفي السنة التي تليها رجفت الهواز‪ ،‬وتصدعت‬
‫الجبال‪ ،‬وهرب أهل البلد إلى البحر والسفن ودامت‬
‫ستة عشر يومًا‪.‬‬
‫وفي السنة التي تليها مطر أهل تيما مطرا ً وبردا ً‬
‫كالبيض‪ ،‬فقتل بها ثلثمائة وسبعين إنسانًا‪ ،‬وسمع في‬
‫ذلك صوت يقول‪ :‬ارحم عبادك‪ ،‬اعف عن عبادك‪،‬‬
‫ونظروا إلى أثر قدم طولها ذراع بل أصابع‪ ،‬وعرضها‬

‫‪46‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫شبر‪ ،‬ومن الخطوة إلى الخطوة خمسة أذرع أو ست‪،‬‬
‫فاتبعوا الصوت فجعلوا يسمعون صوتا ً ول يرون‬
‫شخصًا‪.‬‬
‫وفي سنة ثلث وثلثين ومائتين رجفت دمشق رجفة‬
‫حتى انقضت منها البيوت وسقطت على من فيها‪،‬‬
‫فمات خلق كثير‪ ،‬وانكفأت قرية في الغوطة على‬
‫أهلها‪ ،‬فلم ينج منهم إل رجل واحد‪ ،‬وزلزلت أنطاكية‬
‫فمات منها عشرون ألفًا‪.‬‬
‫وفي السنة التي تليها هبت ريح شديدة لم يعهد مثلها‬
‫فاتصلت نيفا ً وخمسين يومًا‪ ،‬وشملت بغداد والبصرة‬
‫والكوفة وواسط وعبادان والهواز‪ ،‬ثم ذهبت إلى‬
‫همدان‪ ،‬فأحرقت الزرع‪ ،‬ثم ذهبت إلى الموصل‪،‬‬
‫فمنعت الناس من السعي‪ ،‬فتعطلت السواق‪ ،‬وزلزلت‬
‫هراة فوقعت الدور‪.‬‬
‫وفي سنة ثمان وثلثين وجه طاهر بن عبد الله إلى‬
‫المتوكل حجرا ً سقط بناحية طبرستان‪ ،‬وزنه ثمانمائة‬
‫وأربعون درهمًا‪ ،‬أبيض‪ ،‬فيه صدع‪ ،‬وذكروا أنه سمع‬
‫لسقوطه هدة أربع فراسخ في مثلها‪ ،‬وأنه ساخ في‬
‫الرض خمسة أذرع‪.‬‬
‫وفي سنة أربعين ومائتين خرجت ريح من بلد الترك‪،‬‬
‫فمرت بمرو فقتلت خلقا ً كثيرا ً بالزكام‪ ،‬ثم صارت إلى‬
‫نيسابور‪ ،‬وإلى الري‪ ،‬ثم إلى همذان وحلوان‪ ،‬ثم إلى‬
‫العراق‪ ،‬فأصاب أهل بغداد وسر من رأى حمى وسعال‬
‫وزكام‪ ،‬وجاءت كتب من المغرب أن ثلث عشرة قرية‬
‫من قرى القيروان خسف بها‪ ،‬فلم ينج من أهلها إل‬
‫اثنان وأربعون رجل ً سود الوجوه فأتوا القيروان‬
‫فأخرجهم أهلها‪ ،‬وقالوا أنتم مسخوط عليكم فبنى لهم‬
‫العامل حظيرة خارج المدينة فنزلوها‪.‬‬
‫وفي سنة إحدى وأربعين ماجت النجوم في السماء‪،‬‬
‫وجعلت تتطاير شرقا ً وغربا ً كالجراد‪ ،‬من قبل غروب‬
‫الشمس إلى الفجر‪ ،‬ولم يكن مثل هذا إل عند ظهور‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫وفي السنة التي تليها رجمت قرية يقال لها السويدا‬
‫ناحية مصر بخمسة أحجار‪ ،‬فوقع حجر منها على خيمة‬
‫أعرابي فاحترقت‪ ،‬ووزن منها حجر فكان فيه عشرة‬
‫أرطال‪ ،‬وزلزلت الري وجرجان وطبرستان ونيسابور‬

‫‪47‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫وأصبهان وقم وقاشان كلها في وقت واحد‪ ،‬وزلزلت‬
‫الدامغان فهلك من أهلها خمسة وعشرون ألفًا‪،‬‬
‫وتقطعت جبال‪ ،‬ودنا بعضها من بعض‪ ،‬وسمع للسماء‬
‫والرض أصوات عالية‪ ،‬فهلك من أهلها‪ ،‬وسار جبل‬
‫باليمن‪ ،‬عليه مزارع‪ ،‬حتى أتى مزارع قوم آخرين‪،‬‬
‫ووقع طائر أبيض دون الرخمة وفوق الغراب على دلبة‬
‫بحلب‪ ،‬لسبع مضين من رمضان فصاح‪ :‬يا معشر‬
‫الناس‪ ،‬اتقوا الله‪ ،‬الله‪ ،‬الله‪ ،‬حتى صاح أربعين صوتا ً‬
‫ثم طار‪ ،‬وجاء من الغد فصاح أربعين صوتا ً ثم طار‪،‬‬
‫فكتب صاحب البريد بذلك‪ ،‬وأشهد خمسمائة إنسان‬
‫سمعوه‪ ،‬ومات رجل في بعض كور الهواز فسقط‬
‫طائر أبيض على جنازته‪ ،‬فصاح بالفارسية والخورية‪:‬‬
‫إن الله قد غفر لهذا الميت ولمن شهده‪.‬‬
‫وفي سنة خمس وأربعين ومائتين زلزلت أنطاكية‪،‬‬
‫فسقط منها ألف وخمسمائة دار‪ ،‬ووقع من سورها‬
‫نيف وتسعون برجًا‪ ،‬وسمع أهلها أصواتا ً هائلة‪ ،‬من‬
‫كوى المنازل‪ ،‬وسمع أهل تنيس صيحة هائلة‪ ،‬دامت‬
‫فمات منها خلق كثير‪ ،‬وذهبت جيلة بأهلها‪.‬‬
‫وفي سنة خمسين وثلثين ومائتين مطرت قرية‬
‫حجارة بيضاء وسوداء‪.‬‬
‫وفي سنة ثمان وثمانين زلزلت دنبل في الليل‪،‬‬
‫فأصبحوا‪ ،‬ولم يبق من المدينة إل اليسير‪ ،‬فأخرج من‬
‫تحت الهدم خمسون ومائة ألف ميت‪.‬‬
‫وفي سنة تسع عشرة وثلثمائة عدل الحاج عن الجادة‬
‫خوفا ً من العرب‪ ،‬فرأوا في البرية‪ ،‬صور الناس من‬
‫حجارة‪ ،‬ورأوا امرأة قائمة على تنور وهي من حجارة‪،‬‬
‫والخبز الذي في التنور من حجارة‪.‬‬
‫وفي سنة ثمان وسبعين وثلثمائة هبت ريح بفم‬
‫الصلح‪ ،‬شبت بالتنين‪ ،‬خرقت دجلة‪ ،‬حتى ذكر أنها باتت‬
‫أرضها‪ ،‬وهلكت خلقا ً كثيرًا‪ ،‬واحتملت زورقا ً منحدرًا‪،‬‬
‫وفيه دواب‪ ،‬فطرحته في أرض جوخى‪.‬‬
‫وفي سنة عشرين وأربعمائة جاء برد هائل‪ ،‬ووقعت‬
‫بردة‪ ،‬حزرت بمائة وخمسين رط ً‬
‫ل‪ ،‬فكانت كالثور‬
‫النائم‪.‬‬
‫وفي سنة أربع وثلثين زلزلت تبريز‪ ،‬فهدم سورها‬
‫وقلعتها‪ ،‬وهلك تحت الهدم خمسون ألفًا‪.‬‬

‫‪48‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫وفي سنة أربع وأربعين وأربعمائة كانت بأذربيجان‬
‫زلزل‪ ،‬انقطعت منها الحيطان‪ ،‬فحكى من يعتمد على‬
‫قوله‪ ،‬إنه كان قاعدا ً في إيوان‪ ،‬فانفرج حتى رأى‬
‫السماء من وسطه ثم عاد‪.‬‬
‫وفي سنة ستين وأربعمائة كانت زلزلة بفلسطين هلك‬
‫فيها خمسة عشر ألفًا‪ ،‬وانشقت صخرة بيت المقدس‪،‬‬
‫ثم عادت فالتأمت‪ ،‬وغاب الحر مسيرة يوم‪ ،‬فساخ في‬
‫الرض‪ ،‬فدخل الناس يلتقطون‪ ،‬فرجع عليهم فأهلك‬
‫خلقا ً كثيرا ً منهم‪.‬‬
‫وفي سنة اثنتين وستين خسف بأيلة‪.‬‬
‫وفي سنة ست وخمسمائة سمع ببغداد صوت هدة‬
‫عظيمة في أقطار بغداد في الجانبين‪ ،‬قال شيخنا أبو‬
‫بكر ابن عبد الباقي أنا سمعتها‪ ،‬فظننت حائطا ً قد‬
‫وقع‪ ،‬ولم يعلم ما ذاك‪ ،‬ولم يكن في السماء غيم‬
‫فيقال رعد‪.‬‬
‫وفي سنة سبع وقعت زلزلة بناحية الشام‪ ،‬فوقع من‬
‫سور الرها ثلثة عشر برجًا‪ ،‬وخسف بسميساط وقلب‬
‫بنصف القلعة‪.‬‬
‫وفي سنة إحدى عشرة زلزلت الرض ببغداد يوم‬
‫عرفة‪ ،‬فكانت الحيطان تمر وتجيء‪.‬‬
‫وفي سنة خمس عشرة وقع الثلج ببغداد‪ ،‬فامتلت منه‬
‫الشوارع والدروب‪ ،‬ولم يسمع قبله بمثله‪.‬‬
‫وفي سنة ثلث وثلثين وخمسمائة كانت زلزلة بجنزة‬
‫أتت على مائتي ألف وثلثين ألفا ً فأهلكتهم‪ ،‬وكانت‬
‫في مقدار عشرة فراسخ في مثلها‪.‬‬
‫وفي السنة التي تليها خسف بجنزة وصار مكان البلد‬
‫ماء أسود‪ ،‬وقدم التجار من أهلها فلزموا المقابر‬
‫يبكون على أهليهم‪ ،‬وزلزلت حلوان فتقطع الجبل‪،‬‬
‫وهلك خلق كثير‪.‬‬
‫وفي سنة اثنين وخمسين وخمسمائة كانت زلزل‬
‫بالشام في ثلثة عشر بلدا ً من بلد السلم‪ ،‬فمنها ما‬
‫هلك كله‪ ،‬ومنها ما هلك بعضه‪.‬‬
‫الباب الخامس‬
‫في ذكر المواعظ‬

‫‪49‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫وهذا الباب ينقسم إلى قسمين‪ :‬القسم الول يختص‬
‫بذكر القصص‪ ،‬والقسم الثاني فيه المواعظ والشارات‬
‫مطلقًا‪.‬‬
‫القسم الول في القصص‬
‫وهو المختص بذكر القصص‪ ،‬وفيه ست وعشرون قصة‬
‫الفصل الول‬
‫في قصة آدم عليه السلم‬
‫اعلموا أن الله تعالى خلق آدم عليه السلم آخر الخلق‪،‬‬
‫لنه مهد الدار قبل الساكن‪ ،‬وأقام عذره قبل الزلل‪،‬‬
‫بقوله في "الرض" فظنت الملئكة أن تفضيله بنفسه‪،‬‬
‫فضنت بالفضل عليه‪ ،‬فقالوا "أتجعل فيها" فقوبلوا‬
‫بلفظ "إني أعلم" فلما صوره‪ ،‬ألفاه كاللقا‪ ،‬فلما عاين‬
‫إبليس تلك الصورة‪ ،‬بات من الهم في سورة‪ ،‬فلما نفخ‬
‫فيه الروح‪ ،‬بات الحاسد ينوح‪ ،‬ثم نودي في نادي‬
‫الملئكة "اسجدوا لدم" فتطهروا من غدير "ل علم‬
‫لنا" وغودر الغادر بخسا ً بكبرياء "أنا خير" ثم حام العدو‬
‫حول حمى المحمي‪ ،‬فلول سابق القدر‪ ،‬ما قدر عليه‪،‬‬
‫فلما نزل إلى الرض‪ ،‬خدخد الفرح‪ ،‬بدمع الترح‪ ،‬حتى‬
‫أقلق الوجود فجاء جبريل‪ ،‬فقال‪ :‬ما هذا الجهد? فصاح‬
‫لسان الوجد‪ :‬للخفاجي‪:‬‬
‫ما رحلت العيش عن فرأت عيناي شيئا ً‬
‫حسـنـا‬
‫أرضكم‬
‫ومن التعليل قولي‬
‫هل لنا نحوكم مـن‬
‫هل لنـا‬
‫عـودة‬
‫يا آدم ل تجزع من كأس خطإ كان سبب كيسك‪ ،‬فلقد‬
‫استخرج منك داء العجب‪ ،‬وألبسك رداء النسك‪ ،‬لو لم‬
‫تذنبوا‪ :‬للمتنبي‪:‬‬
‫فربما صحت‬
‫لعل عتبك محمود‬
‫الجسام بالعلل‬
‫عواقـبـه‬
‫ل تحزن لقولي لك "اهبط منها" فلك خاتمتها‪ ،‬ولكن‬
‫اخرج منها إلى مزرعة المجاهدة‪ ،‬وسق من دمعك‪،‬‬
‫ساقية لشجرة ندمك‪ ،‬فإذا عاد العود أخضر‪ ،‬فعد‪:‬‬
‫للبحتري‪:‬‬
‫أو تنأت منا ومنك‬
‫إن جرى بيننا وبينك‬
‫الـدياُر‬
‫عتـب‬

‫‪50‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫ع التي‬
‫فالغليل الذي عهدت والدمو ُ‬
‫شهدت غزاُر‬
‫مقـيم‬
‫ما زالت زلة الكلة تعاده‪ ،‬حتى استولى داؤه على‬
‫أولده‪ ،‬فنمت هينمة الملئكة‪ ،‬بعبارة نظر العاقبة‪،‬‬
‫فنشروا مطوى "أتجعل" قرعوا بعصي الدعاوي‪ ،‬ظهور‬
‫العصاة‪ ،‬فقيل لهم‪ :‬لو كنتم بين أفاعي الهوى‬
‫وعقارب اللذات لبات سليمكم سليمًا‪ ،‬فأبوا للجرآة إل‬
‫جرجرير الدعاوي‪ ،‬وحدثوا أنفسهم بالتقى بالتقاوي‪،‬‬
‫فقيل‪ :‬نقبوا عن خيار نقبائكم‪ ،‬وانتقوا ملك الملكوت‪،‬‬
‫فما رأوا فيما رأوه لمثلها مثل هاروت وماروت‪ ،‬فأبى‬
‫لسفر البلء بالبلية‪ ،‬فما نزل حتى نزل من مقام‬
‫العصمة‪ ،‬فنزل منزل الدعوى‪ ،‬فركبا مركب البشرية‪،‬‬
‫فمرت على المرئيين امرأة يقال لها الزهرة‪ ،‬بيدها‬
‫مزهر زهرة الشهوة‪ ،‬فغنت الغانية بغنة اغن‪ ،‬فرأت‬
‫قيان الهوى‪ ،‬فهوى الصوت في صوت قلب قلبيهما‪،‬‬
‫فقلبهما عن تقوى التقويم‪ ،‬فانهار بناء عزم هاروت‪،‬‬
‫وما رهم حزم ماروت‪ ،‬فأراداها على الردى فراوداها‪،‬‬
‫وما قتل الهوى نفسا ً فوداها‪ ،‬فبسطت نطع التنطع‬
‫على تحت التخيير‪ ،‬إما أن تشركا وإما أن تقتل‪ ،‬وإما أن‬
‫تشربا‪ ،‬فظنا سهولة المر في الخمر‪ ،‬وما فطنا‪ ،‬فلما‬
‫امتد ساعد الخلف فسقى فسقًا‪ ،‬فدخل سكك السكر‪،‬‬
‫فزل في مزالق الزنا‪ ،‬فرآهما مع الشخصية شخص‪،‬‬
‫فشخصا إليه فقتل‪ ،‬فكشت فتنتهما في فئة الملئكة‪،‬‬
‫فاتخذوا لتلك الواردة‪ ،‬وردا ً من تضرع "ويستغفرون‬
‫لمن في الرض"‪.‬‬
‫الفصل الثاني‬
‫في بناء الكعبة‬
‫لما عل كعب الكعبة على سائر البقاع بقاع العلم‪،‬‬
‫أبرزتها كف اليجاد كالكاعب‪ ،‬قبل وجود الرض‪ ،‬وكان‬
‫آدم أول من ساس الساس‪ ،‬ثم بّيت للبيت البيات‪،‬‬
‫طواف الطوفان‪ ،‬فحل ما حل أزرار حلل الحلل‪ ،‬فلما‬
‫هاجر الخليل بهاجر وابنها‪ ،‬أوضع بهما فوضعهما‬
‫هنالك‪ ،‬وتولى راضيا ً بمن توله‪ ،‬يوم حرقوه‪ ،‬فقالت‬
‫هاجر‪ :‬الله أمرك بهذا? قال‪ :‬نعم‪ ،‬فرجعت متوكئة على‬
‫منسأة التوكل على من ل ينسى‪ ،‬فجعلت تشرب ما‬
‫معها من ماء‪ ،‬وترضع لبنها ابنها‪ ،‬فلما نفدا جعل‬

‫‪51‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫إسماعيل يتلوى على رمض رمضان الصوم‪ ،‬فانطلقت‬
‫لتبذل الجهود في مأمور "فامشوا في مناكبها"‬
‫فصعدت بأقدام الصفا على الصفا‪ ،‬فلما أطلت الطلة‬
‫على الطلل‪ ،‬توكفت طل روح ينقع الغلة‪ ،‬ثم جدت‬
‫فجدت الجدد بالجد هابطة‪ ،‬فلما طرف طرف سيرها‬
‫طرف طرف الوادي‪ ،‬رفعت طرف ذراعها‪ ،‬ثم وسعت‬
‫خطاها وسعت للجهد بجهد ذراعها‪ ،‬ثم أتت المرأة‬
‫المروة‪ ،‬وعادت إلى الصفا سبعا‪ ،‬فلذلك أمر المكلف‬
‫أن يسعى‪ ،‬لنه أثر قدم مقدام‪ ،‬لتصيب القدام‪ ،‬نصيبا ً‬
‫من مواطي "فبهداهم اقتده" فسمعت صوتا ً من‬
‫صوب‪ ،‬فنزل الملك ليزيل النازلة‪ ،‬فهيا نزل النزيه‪،‬‬
‫فزمزم ماء زمزم‪ ،‬ونزا نزوا ً لنز نزًا‪ ،‬فحصحص الماء‬
‫في صحصح الحصى‪ ،‬فامتدت كف الحرص‪ ،‬فلفقت‬
‫كالحوض‪ ،‬فقيل لها ليس هذا الماء من كيس كسبك‬
‫فما هذا المذاق من حرص فعلك‪ ،‬ولو تركت زمزم‬
‫جرهم‪ ،‬جّرهم‬
‫لكانت عينا ً معينًا‪ ،‬فمرت رفقة من ُ‬
‫سؤال "فاجعل أفئدة من الناس" فأقاموا‪.‬‬
‫واشتاق الخليل إلى ابنه‪ ،‬فاستاق راحلة الرحيل‪،‬‬
‫فاشترط لسان غيرة سارة‪ ،‬أن ل تزال عن مكانة‬
‫"وإبراهيم الذي و ّ‬
‫فى" فقدمت زوجة إسماعيل إليه‬
‫المقام فقدت فيه قدمه وغابت رجل الرجل فحولته‬
‫إلى يساره‪ ،‬فسرت إليه اليسرى‪ ،‬فهيت دليل الرشاد‬
‫مصّلى" فلما‬
‫بالقاصدين "وات ِ‬
‫خذوا من مقام إبراهيم ُ‬
‫أمرا ببناء البيت حار من ل يعلم مراد المر‪ ،‬فإذا سحابة‬
‫دها المهندس القدري على‬
‫تسحب ذيل الدليل‪ ،‬قد ق ّ‬
‫قدر البيت‪ ،‬فوقفت فنادت يا إبراهيم‪ :‬عّلم على ظلي‪،‬‬
‫سّر بما ُ‬
‫سر له من‬
‫ف ّ‬
‫فلما عّلم كما عِلم‪ ،‬هبت فذهبت ف ُ‬
‫وْأنا" فجعل مكان‬
‫مشكل الشكل‪ ،‬فذلك سّر "وإذا ب ّ‬
‫استراحة البناء المعنى "ربنا تقّبل منا" فلما فرغا‪،‬‬
‫فغرا فم السؤال‪ ،‬يرتشفان ضرع الضراعة "وأرنا‬
‫هرا بيتي"‬
‫مناسكنا" فلما شرفت الكعبة بإضافة "وط ّ‬
‫قصدها فوج الفيل‪ ،‬فقيل مرادهم‪ ،‬لما باتوا على ما‬
‫بيتوا‪ ،‬أقبل الطير الذي رمى كالغمام‪ ،‬فكانت قطراته‬
‫للحصاد‪ ،‬ل للبذر‪ ،‬فأصبح لزرع الجساد كالمنجل‬
‫الهاشم‪ ،‬ليكون معجزا ً لظهور نبي بني هاشم‪ ،‬فأمسوا‬
‫ف مأكول"‪.‬‬
‫في بيدر الدّّياس "كعص ٍ‬

‫‪52‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫الفصل الثالث‬
‫في قصة نوح عليه السلم‬
‫لما عم أهل الرض العمى عما خلقوا له‪ ،‬بعث نوح‬
‫بجلء أبصار البصائر‪ ،‬فمكث يداويهم "ألف سنة إل‬
‫خمسين عامًا" فكلهم أبصر ولكن عن المحجة تعالى‪،‬‬
‫فلح لللحي عدم فلحهم‪ ،‬فولهم الصل يأسا ً من‬
‫صلحهم‪ .‬وبعث شكاية الذى‪ ،‬في مسطور "إنهم‬
‫عصوني" فأذن مؤذن الطرد‪ ،‬على باب دار إهدار‬
‫دمائهم "إنه لن يؤمن من قومك إل ّ من قد آمن" فقام‬
‫نوح في محراب "ل تذر" فأتته رسالة "أن اصنع" ونادى‬
‫بريد العلم بالغضب "ول تخاطبني" فلما أن هال‬
‫كئيب المهال‪ ،‬وانقطع سلك التأخير‪ .‬غربت شمس‬
‫النتظار‪ ،‬فادلهمت عقاب العقاب فلما انسدلت‬
‫الظلمة‪ ،‬وفات النور "فار التنور" فقيل يا نوح‪ :‬قد‬
‫حان حين الحين‪ ،‬فاحمل "فيها من كل زوجين اثنين"‪،‬‬
‫فتخلف خلف نوح خلف من ولده‪ ،‬فمد يد الحنو ليأخذ‬
‫بيده "يا بني اركب معنا" فأجاب عن ضمير خايض في‬
‫مساء المساوي "سآوي" فرد عليه لسان الوعيد "ل‬
‫عاصم" فلما انتقم من العصاة بما يكفي‪ ،‬كفت كف‬
‫النجاة كفة الرض بقسر "ابلعي" وقلع جذع جزع‬
‫السماء في وكف دمعها بظفر "أقلعي" ونوديت نجاة‬
‫الجودي جودي‪ ،‬بإنجاء غرقى السير‪ ،‬وزود الهالكون‬
‫في سفر الطرد زاد "وقيل ُبعدًا"‪.‬‬
‫الفصل الرابع‬
‫في قصة عاد‬
‫لما تجبر قوم عاد في ظل ظلل ضللهم حين أملى‬
‫المل‪ ،‬وطول البقاء وزوى ذكر زوالهم‪ ،‬ومروا في‬
‫مشارع عذاب الملهي‪ ،‬ناسين من عذابها‪ ،‬رافلين في‬
‫حلل الغفلة بالمنية عن المنية وآدابها‪ ،‬أقبل هود‬
‫يهديهم‪ ،‬ويناديهم في ناديهم "اعبدوا الله" فبرزوا في‬
‫عتو "من أشدّ مّنا قوة" فسحب سحاب العذاب‪ ،‬ذيل‬
‫الدبار‪ ،‬بإقباله إلى قبالتهم‪ ،‬فظنوه لما اعترض عارض‬
‫مطر‪ ،‬فتهادوا تباشير البشارة‪ ،‬بتهادي بشارة "هذا‬
‫عارض ممطرنا" فصاح بلبل البلبال فبلبل "بل هو ما‬
‫استعجلتم به" فكان كلما دنا وترامى‪ ،‬ترى ما كان‬
‫"كأن لم يكن" فحنظلت شجرات مشاجرتهم هودًا‪،‬‬

‫‪53‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫فجنى من جنى‪ ،‬من جنا ما جنى في مغنى "فما أغنى‬
‫عنهم سمعهم" فراحت ريح الدبور‪ ،‬لكي تسم الدبار‬
‫بكي الدبار‪ ،‬فعجوا منها عجيج الدبر‪ ،‬فلم تزل تكوي‬
‫تكوينهم‪ ،‬بميسم العدم‪ ،‬وتلوي تلوينهم إلى حياض دم‬
‫الندم‪ ،‬وتكفأ عليهم الرمال‪ ،‬فتكفي تكفينهم‪ ،‬وتبرزهم‬
‫إلى البراز‪ ،‬عن صون حصون‪ ،‬كن يقينا ً يقينهم فإذا‬
‫أصبحت أخذت تنزع في قوس "تنزع الناس" وإذا‬
‫أمست‪ ،‬أوقعت عريضهم في عرض "كأنهم أعجاز‬
‫نخل" فما برحت بارحهم عن براحهم‪ ،‬حتى بّرحت بهم‪،‬‬
‫ول أقلعت حتى قلعت قلوع قلعهم‪ ،‬فدامت عليهم‬
‫أفة وداء‪ ،‬ل تقبل فداء "سبع ليال وثمانية أيام‬
‫حسومًا" فحسوا ما آذاقهم من سوء ما حسوا ما‪،‬‬
‫ونسفوا في قفر "أل بعدًا" إلى يم "واتبعوا" فلو‬
‫ت في معبر العتبار‪ ،‬لترى ما آل إليه مآلهم‪ ،‬لرأيت‬
‫عبر َ‬
‫التوى‪ ،‬كيف التوى عليهم‪ ،‬وكف النوى كيف نوى الدنو‬
‫إليهم‪ ،‬فانظر إلى عواقب الخلف فإنه شاف كاف‪.‬‬
‫الفصل الخامس‬
‫في قصة ثمود‬
‫لما أعرضت ثمود عن كل فعل صالح‪ ،‬بعث إليهم‬
‫للصلح‪ ،‬صالح‪ ،‬فتعنت عليه ناقة أهوائهم بطلب ناقة‪،‬‬
‫فخرجت من صخرة صماء تقبقب ثم فصل عنها فصي ٌ‬
‫ل‬
‫يرغو‪ ،‬فأرتعت حول نهي نهيهم عنها في حمى حماية‬
‫"ول تمسوها" فاحتاجت إلى الماء‪ ،‬وهو قليل عندهم‪،‬‬
‫شْرب" فكانت يوم وردها‪،‬‬
‫فقال حاكم الوحي "لها ِ‬
‫تقضي دين الماء‪ ،‬بماء درها‪ ،‬فاجتمعوا في حلة الحيلة‪،‬‬
‫على شاطئ غدير الغدر‪ ،‬فدار قدار حول عطن‬
‫"فتعاطى" فصاب عليهم صّيب صاب صاع صاعقة‬
‫العذاب الهون‪ ،‬فحين دنا وديدن‪ ،‬دمغهم دمار فدمدم‪،‬‬
‫فأصبحت المنازل‪ ،‬لهول ذلك النازل "كأن لم تغن‬
‫بالمس"‪.‬‬
‫الفصل السادس‬
‫في قصة الخليل عليه السلم‬
‫كان الكهنة قد حذرت نمرود وجود محارب غالب‪،‬‬
‫ففرق بين الرجال والنساء‪ ،‬فحمل به على رغم أنف‬
‫اجتهاده‪ ،‬فلما خاض المخاض في خضم أم إبراهيم‬
‫وجعلت بين خيف الخوف وحيز التحيز تهيم‪ ،‬فوضعته‬

‫‪54‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫في نهر قد يبس‪ ،‬وسترته بالحلفاء ليلتبس‪ ،‬وكانت‬
‫تختلف لرضاعه‪ ،‬وقد سبقها رضاع "ولقد آتينا إبراهيم‬
‫رشده من قبل" فلما بلغ سبع سنين‪ ،‬رأى قومه في‬
‫دلهم فجدلهم وأبرز‬
‫هزل "وجدنا آباءنا" فجادلهم فج ّ‬
‫نور الهدى في حجة "ربي الذي يحيي ويميت" فقابله‬
‫نمرود‪ ،‬بسهى السهو في ظلم "أنا أحيي" فألقاه‬
‫كاللقا‪ ،‬على عجز العجز‪ ،‬بآفات "فأت بها‪ ،‬فبهت" ثم‬
‫دخل دار الفراغ "فراغ عليهم" فجردوه من ُبرد َبرد‬
‫العدل‪ ،‬إلى حر "حّرقوه" فبنوا لسفح دمه بنيانا ً إلى‬
‫سفح جبل‪ ،‬فاحتطبوا له على عجل العجل‪ ،‬فوضعوه‬
‫في كفة المنجنيق‪ ،‬فاعترضه جبريل‪ ،‬في عرض‬
‫الطريق فناداه وهو يهوي في ذلك الفل‪ :‬ألك حاجة?‬
‫قال‪ :‬أما إليك فل‪ ،‬فسبق بريد الوحي إلى النار‪ ،‬بلسان‬
‫التفهيم "كوني بردا ً وسلما ً على إبراهيم"‪.‬‬
‫الفصل السابع‬
‫في قصة الذبيح عليه السلم‬
‫لما ابتلي الخليل بالنمرود فسلم‪ ،‬وبالنار فسلم‪ ،‬امتد‬
‫ساعد البلء إلى الولد المساعد‪ ،‬فظهرت عند‬
‫المشاورة نجابة "افعل ما تؤمر" وآب يوصي الب‪:‬‬
‫اشدد باطي ليمتنع ظاهري من التزلزل‪ ،‬كما سكن‬
‫قلبي مسكن السكون‪ ،‬واكفف ثيابك عن دمي لئل‬
‫يصبغها عندمي فتحزن لرؤيته أمي‪ ،‬واقرأ السلم‬
‫عليها مني‪ ،‬فقال‪ :‬نعم العون أنت يا بني ثم أمر‬
‫السكين على مريئي المرء فما مرت‪ ،‬غير أن حسرات‬
‫الفراق للعيش أمرت‪ ،‬فطعن بها في الحلق مرات‪،‬‬
‫فنبت‪ ،‬لكن حب حب الرضا في حبة القلب نبت‪ ،‬يا‬
‫إبراهيم من عادة السكين أن تقطع‪ ،‬ومن عادة الصبي‬
‫أن يجزع‪ ،‬فلما نسخ الذبيح نسخة الصبر‪ ،‬ومحا سطور‬
‫الجزع‪ ،‬قلبنا عادة الحديد‪ ،‬فما مر ول قطع‪ ،‬وليس‬
‫المراد من البتلء أن نعذب‪ ،‬ولكن نبتلي لنهذب‪.‬‬
‫أين المعتبرون بقصتهما في غصتهما‪ ،‬لقد حصحص‬
‫سّلمًا‪،‬‬
‫الجر في حصتهما‪ ،‬لما جعل الطاعة إلى الرضا ُ‬
‫سل ما يؤذي فسلما‪ ،‬وكلما كلما حاجب كلم كل ما به‬
‫تذبحان‪ ،‬فصد ما به صدما‪ ،‬بينا هما على تل "وتّله" جاء‬
‫ت الرؤيا" فارتد أعمى الحزن بصيرا ً‬
‫بشير "قد ص ّ‬
‫دق َ‬
‫بقميص "وفديناه"‪ .‬ليس العجيب أمر الخليل بذبح‬

‫‪55‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫ولده‪ ،‬وإنما العجب مباشرة الذبح بيده‪ ،‬ولول استغراق‬
‫حب المر لما هان مثل هذا المأمور‪.‬‬
‫الفصل الثامن‬
‫في قصة ذي القرنين‬
‫قطع ذي القرنين الرض وأقطعها فمر سالكا ً مسلكا ً‬
‫ما فت سبسبه فتى "فأْتبع سببًا" فشمر مشمرا ً ما‬
‫تلفت‪ ،‬حتى لفت شملة جمع شمله بالشمس في عين‬
‫حمئه‪ ،‬فلما أفرغ غرب الغرب على غارب الغربة مشى‬
‫نحو المشارق‪ ،‬ولم يزل يحوز الكنوز‪ ،‬ويجوز إلى قتل‬
‫من يجوز‪ ،‬إلى أن طلعت طليعه الطلعة على مطلع‬
‫رق‪ ،‬ثم‬
‫الشمس‪ ،‬فأبرز نير عدله المشرق في ال َ‬
‫مش ِ‬
‫رأى باقي عرضه في دمه مقدار مقدرته كالدين‪،‬‬
‫فسلك بين السدين‪ ،‬فلما حشى حشا الجبلين بالزبر‪،‬‬
‫ولج المفسدون قسر قصراهم‪ ،‬على مضض "فما‬
‫استطاعوا" عجبا ً له كم اقتنى من أصقع وأقنف‪ ،‬وكم‬
‫أسعف بأغشى وأسعف وكم لطى له من لطيم‬
‫وأخيف‪ ،‬وكم سعى به من أكسع‪ ،‬وقفز به من أقفز‪،‬‬
‫ومشى به في محجة المشرق محجل‪ ،‬وطرق به طريق‬
‫المغرب مغرب‪ ،‬كم صحبه من سايف ونابل وسالح‪ ،‬كم‬
‫تبعه من في السلح كافر‪ ،‬غير شاك في الصلح ول‬
‫كافر‪ ،‬فما درأ عنه الد المودى له مود‪ ،‬ول دارى عن‬
‫داره الدوائر دارع‪ ،‬ول رد عنه ورد ول كميت‪ ،‬إذ ورد‬
‫عليه ما تركه كمّيت‪ ،‬ول فّر به من منيته سابق‪ ،‬ول‬
‫سكيت‪ ،‬فكأنه إذ مات ما تحرك على حارك فرس‪ ،‬ول‬
‫شاك شاكلته بشولحة عقب‪ ،‬بل مر كأنه لم يكن‪ ،‬وذل‬
‫للموت وقبلها لم يهن‪ ،‬فتلمح آخر الدنيا إن كنت تدري‪،‬‬
‫وانظر في أي بحر إلى الهلك تجري‪ ،‬وأصخ لخطاب‬
‫الخطوب‪ ،‬وافهم ما يجري‪ ،‬وكن على أهبة فهذي‬
‫الركاب تسري‪.‬‬
‫للشريف الرضي‪:‬‬
‫أفل تسيء الظن‬
‫أو ما رأيت وقائع‬
‫ر‬
‫الـدهـر‬
‫بالعمـ ِ‬
‫صب ذي‬
‫بينا الفتى كالطوِد‬
‫هضباته والع ْ‬
‫ر‬
‫تمنـعـه‬
‫الث ْ ِ‬
‫ب اليدي على‬
‫ة في‬
‫يأبى الدني َ‬
‫ويجاذ ُ‬
‫ر‬
‫عشـيرتـه‬
‫الفخ ِ‬

‫‪56‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬
‫وإذا أشار إلـى‬
‫قـبـائلـه‬
‫زل الزمان بوطء‬
‫أخمصـه‬
‫نزع الباءَ وكان‬
‫شملـتـه‬
‫ع الردى أعيى‬
‫صدْ ُ‬
‫تلحـمـه‬
‫جّر الجياد على‬
‫الوجى ومضى‬
‫حتى التقى‬
‫بالشمس مغـمـده‬
‫ف‬
‫ثم انثنت ك ُ‬
‫المـنـون بـه‬
‫لم تشتجر عنه‬
‫الـرمـاح ول‬
‫جمع الجنود وراءه‬
‫فكأنـمـا‬
‫وبنى الحصون ممتعا ً‬
‫فكأنمـا‬
‫ويرى المعابل للعدى‬
‫فكأنمـا‬
‫أودى وما أودت‬
‫مـنـاقـبـه‬
‫إن التوقي فضل‬
‫مـعـجـزة‬
‫تحمي المطاعم‬
‫للبـقـاء وذي‬
‫حفظ النفس‬
‫لو كان ُ‬
‫ينفعـهـا‬
‫الــداء داء ل دواء‬
‫لـــه‬
‫الفصل التاسع‬
‫في قصة قوم لوط‬

‫مكتبة‬

‫ه‬
‫ت عليه بأوجـ ٍ‬
‫حشد ْ‬
‫ُ‬
‫غـّر‬
‫ومواطئ القدام‬
‫ر‬
‫للعـْثـ ِ‬
‫وأقّر إقرارا ً على‬
‫ر‬
‫ُ‬
‫صغـ ِ‬
‫من ألحم الصدفين‬
‫َ‬
‫ر‬
‫بال ِ‬
‫قـطـ ِ‬
‫أمما ً يدق السهل‬
‫ر‬
‫بـالـوعـ ِ‬
‫ع من‬
‫في قعر منقط ٍ‬
‫ر‬
‫البحـ ِ‬
‫كالضغث بين الناب‬
‫وال ُ‬
‫ر‬
‫ظفـ ِ‬
‫رد القضاءَ بمالـه‬
‫ر‬
‫الـدثـ ِ‬
‫ع‬
‫مضي ّ ُ‬
‫لقته وهو ُ‬
‫ر‬
‫الظـهـ ِ‬
‫أمسى بمـضـيعة ول‬
‫يدري‬
‫لحمامه كـان الـذي‬
‫يبـري‬
‫مُر‬
‫مع ّ‬
‫ومن الرجال ُ‬
‫ر‬
‫الـذكـ ِ‬
‫ع القضاء ي ُ‬
‫قـدّ أو‬
‫فد ِ‬
‫يفـري‬
‫الجال ملؤ فروجها‬
‫تحـزي‬
‫كان الطبيب أحق‬
‫ر‬
‫بالعـمـ ِ‬
‫سيان ما يوبي ومـا‬
‫ُيمـري‬

‫‪57‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫لما تهاوى قوم لوط في هوة أهوائهم وتنادوا في‬
‫رجوا آ َ‬
‫ل لوط" بعثت الملك لنتزاع‬
‫جهات جهلهم‪" ،‬أخ ِ‬
‫ملك الحياة من أيديهم‪ ،‬فنزلوا من منزل لوط منزل‬
‫النزيل‪ ،‬وهم في أفسح بيت نبي من الكرم‪ ،‬غير أن‬
‫ره ينادي "وضاق بهم ذرعًا" فخاف من قومه‬
‫حارس ِ‬
‫حذْ ِ‬
‫أذاهم "فإذا هم يهرعون" فأخذ يدافع‪ ،‬تارة بمشورة‬
‫"هؤلء بناتي" وتارة بتقاة "فاتقوا الله" وتارة بسؤال‬
‫لك ّ‬
‫س منكم" فلما ك ّ‬
‫ل‬
‫"ول ت ُ ْ‬
‫خزون" وتارة بتوبيخ "ألي َ‬
‫سلحه‪ ،‬وأعيته جهات جهاده‪ ،‬أن برمز "لو أن لي بكم‬
‫قوة" فحجبهم جبريل بحجاب "فطمسنا" وانتاشه من‬
‫ر" فلما علم أن المل ملئكة‪،‬‬
‫أسر الغنم بلفظ "فأس ِ‬
‫تشوق إلى تعجيل التعذيب‪ ،‬فنادت عواطف الحلم‬
‫"أليس الصبح بقريب" فسار بأهله على أعجاز نجائب‬
‫النجاة‪ ،‬إل عجوز العجز عن عرفان المعجز فإنها لحقت‬
‫بالعجزة‪ ،‬فلما لح مصباح الصباح‪ ،‬احتمل جبريل قرى‬
‫من جنى على قرى جناحه‪ ،‬فلم ينكسر في وقت‬
‫رفعهم إناء‪ ،‬ولم يرق في صعود صعودهم ماء‪ ،‬فلما‬
‫سمع أهل السماء نباح كلبهم أسرعت كف القلى بهم‬
‫في انقلبهم‪ ،‬فتفكروا بالقلب‪ ،‬كيف جوزوا على قلب‬
‫الحكمة بالقلب‪ ،‬ثم بعث إليهم سحاب فشصا‬
‫بالشصائص واحزال ثم ال إليهم‪ ،‬فاكفهرت بالغضب‬
‫أرجاؤه‪ ،‬وأحومت بالسخط أرجاؤه‪ ،‬وابذعرت فعرت‬
‫بوارقه‪ ،‬وارتتقت في جو الجوى جوبه‪ ،‬واستقلت على‬
‫قلل قلقل الردى أردافه‪ ،‬فارتجز بأرجوزة الرجز قبل‬
‫أن يهمي فهمهم‪ ،‬في دوى بأدواء في دو دورانه‬
‫فأظلم‪ ،‬وركد كيده فلم تكد قلوعه تقلع حتى قلعهم‬
‫حينه حين أثجم‪ ،‬فما أرك ول دث ول بغض‪ .‬بل قطقط‬
‫فأفرط‪ ،‬وعم عميمه حين أغمط‪ ،‬فتقاطر على‬
‫قطرهم من قطرة قطر الحجارة‪ ،‬وبغتهم في غرة‬
‫غرتهم بالغرور حين شن الغارة‪ ،‬تالله لقد ضكضك‬
‫العذاب‪ ،‬فضعضعهم فتضعضعوا‪ ،‬وانقض بقضه‬
‫وقضيضه‪ ،‬فقضقض عظام عظامهم‪ ،‬وقطعها‬
‫فتقطعوا‪ ،‬وسار بهم على طرفسان عقاب العقاب‪،‬‬
‫إلى عوطب العطب فاهرمعوا‪ ،‬وكانوا في كن صافي‬
‫الصفاة‪ ،‬فمروا إلى مر الملق فانفرنقعوا‪ ،‬وهمس‬
‫هميسعهم وهل لمثلهم إل الوهل والوهى‪ ،‬ولت حين‬

‫‪58‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫مناص فادرنقعوا‪ ،‬وبرقط المخرنشم بعد أن بهنس‪،‬‬
‫وبلطط فبلطح وحزن المبرنشق بعد أن زهزق‪ ،‬فبلسم‬
‫وكلح‪ ،‬فأجيل على ذلك الجيل‪ ،‬سجل السجيل‪ ،‬فما برح‬
‫حتى برح‪ ،‬ودار هاتف العبرة‪ ،‬على دارس دارهم ينادي‬
‫ة"‪.‬‬
‫"ولقد تركنا منها آي ً‬
‫فليحذر العازمون على طروق طريقهم من وعيد "وما‬
‫ن الظالمين ببعيد" قبل غصص الجرض‪ ،‬وألم‬
‫هي ِ‬
‫م َ‬
‫الحرض‪ ،‬عند حلول المرض‪ ،‬حين يعتقل اللسان‪،‬‬
‫ويتحير النسان‪ ،‬وتسيل الجفان‪ ،‬ويزول العرفان‪،‬‬
‫وتنشر الكفان‪ ،‬فيا عجبًا‪ .‬كيف ألفى لذة العيش‬
‫الفاني الفان‪ ،‬وقد مر فأمر كل ما كان "ك ّ‬
‫ل من عليها‬
‫فان"‪.‬‬
‫الفصل العاشر‬
‫في قصة يوسف عليه السلم‬
‫تمكن الحسد من قلوب أخوة يوسف‪ ،‬أرى الظلوم مال‬
‫الظالم في مرآة "إني رأيت أحد عشر كوكبًا" فتلطفوا‬
‫بخداع "ما لك ل تأمّنا" وشوقوا يوسف إلى رياض‬
‫"نرتع ونلعب" فلما أصحروا أظهروا المقت له‪ ،‬ورموا‬
‫بسهم العدوان مقتله‪ ،‬ففسخ نهار رفقهم به لي َ‬
‫ل‬
‫انتهارهم له‪ ،‬فصاح يهودا‪ ،‬في بقايا شفق الشفقة‬
‫وأغباش غيابة الجب "ل تقتلوا يوسف وألقوه في‬
‫جب" فلما ألقوه‪ ،‬وقالوا هلك‪ ،‬جاء ملك من عند‬
‫غياب ِ‬
‫ة ال ُ‬
‫هم" فعادوا عمن عادوا‬
‫ملك‪ ،‬يقول‪ :‬ستبلغ أملك "لتنبئن ّ ُ‬
‫كالعشى " ِ‬
‫عشاءً يبكون" ولطخوا قميصه الصحيح "بدم ٍ‬
‫ذب" فلحت علمة سلمة القميص كي يظهر كيدهم‪،‬‬
‫كَ ِ‬
‫ت"‪.‬‬
‫ول ْ‬
‫فقال حاكم الفراسة "بل س ّ‬
‫فلما ورد وارد السيارة‪ ،‬باعوا الصدفة ولم يتلمحوا‬
‫الدرة‪ ،‬واعجبا لقمر قومر به‪ ،‬فلما وصل إلى مصر‬
‫تفرس فيه العزيز‪ ،‬فأجلسه على أعزاز "أكرمي"‬
‫فشغف قلب سيدته وفرى "فراودته" فسار بأقدام‬
‫م بها" رد "لول أن‬
‫مت به وه ّ‬
‫الطبع في فلة غفلت "ه ّ‬
‫رأى" فأنقذ قوى الفرار وما استبقى "فاستبقا"‬
‫دت" فلما بانت‬
‫فانبسطت يد العدوان وامتدت "وق ّ‬
‫حجته في إبان "وشهد شاهد" أخذت تزكي مصراة‬
‫الصرار‪ ،‬بيمين يمين "ولئن لم يفعل" فاختارت درة‬
‫ب‬
‫ب السجن أح ّ‬
‫فهمه‪ ،‬صدفة الحبس لجهل الناقد "ر ّ‬

‫‪59‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫ي" فلما ضاق قفص الحصر‪ ،‬على بلبل الطبع ترنم‬
‫إل ّ‬
‫بصوت "اذكرني" فعوقب بإيثاق باب "فلبث في‬
‫السجن" فلما آن أوان الفرج‪ ،‬خرج إلى الملك‪.‬‬
‫هذا ويعقوب مفترض فراش السى على حزن الحزن‪،‬‬
‫سنة‪ ،‬ثمانين سنة‪ ،‬حتى نحل البدن‪،‬‬
‫ل يستلذ نوما ً ول ِ‬
‫وذهب البصر‪:‬‬
‫إل وللشوق في‬
‫لم يبق بعدكم رسم‬
‫حافاته عم ُ‬
‫ول طلـ ُ‬
‫ل‬
‫ل‬
‫إذا شممت نسيما ً‬
‫فقدت عقلي كأني‬
‫ب ثم ُ‬
‫ل‬
‫من بلدكـم‬
‫شار ٌ‬
‫م القحط أرض كنعان‪ ،‬خرج أخوته لطلب‬
‫م عا ُ‬
‫فلما ع ّ‬
‫الميرة‪ ،‬فدخلوا عليه في ظلم ظلمهم‪ ،‬فرآهم‬
‫المظلوم بعين "لتنبئّنهم" وخفي عليهم نعمة "اقتلوا‬
‫ل‪ ،‬وأقبل الدمع سايل ً‬
‫يوسف" فأقبل عليهم سائ ً‬
‫وتقلقل تقل ُ‬
‫ق َ‬
‫ل الواجد‪ ،‬ليسمع أخبار الوالد‪:‬‬
‫إن الحديث عن‬
‫إيه أحاديث نعمان‬
‫الحباب أسماُر‬
‫وسـاكـنـه‬
‫من نحو أرضكم نكباء‬
‫أفتش الريح عنكم‬
‫معطاُر‬
‫كلما نفحـت‬
‫فقالوا‪ :‬جئنا من أرض كنعان‪ ،‬ولنا شيخ يقال له‬
‫يعقوب‪ ،‬وهو يقرأ عليه السلم‪ ،‬فلما سمع رسالة أبيه‪،‬‬
‫انتفض طائر الوجد لذكر الحبيب‪:‬‬
‫فهيج أحزان الفؤاد‬
‫وداع دعا إذ نحن‬
‫ومـا يدري‬
‫بالخيف من منى‬
‫فرد السلم قلبه قبل لسانه‪ ،‬وشغله وكف شانه عن‬
‫شانه‪ ،‬وقال مقول إبدائه بعبارة صعدائه‪:‬‬
‫فلقى به ليل ً نسيم‬
‫خذي نفسي يا ريح‬
‫د‬
‫من جانب الحمى‬
‫ربـى نـجـ ِ‬
‫فإن بذاك الجو حـبـا ً وبالرغم مني أن‬
‫يطول به عهـدي‬
‫عـهـدتـه‬
‫منع مّنا الكيل" فلما‬
‫ثم إنه طلب آخاه‪ ،‬فاحتالوا بحجة " ُ‬
‫حملوا حال بينهم وبينه‪ ،‬بحيلة "جعل السقاية" فلما‬
‫ذن مؤ ّ‬
‫دخل وقت التهمة "أ ّ‬
‫ذن" فعادوا إلى أبيهم‬
‫ح على جرح‪ ،‬وعقر على عقر‬
‫بشجى على شجن‪ ،‬وقر ٍ‬
‫في عقر‪ ،‬فقام وقد تقوس‪ ،‬وعسى على باب "عسى"‬

‫‪60‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫ثم بعثه لطف "ل تقنطوا" على أن بعثهم برسالة‬
‫سسوا" فلما رجعوا دخلوا من قفر الفقر‪،‬‬
‫"فتح ّ‬
‫فاستقلوا في ساحة الضر‪ ،‬ينادون على غليل عليل‬
‫الذل "وتصدق علينا" تالله لقد جوزيت أيد‪ ،‬مدها‬
‫تغشرم "و َ‬
‫دق‬
‫ه" أن مدت في طريق ذل "وتص ّ‬
‫و ُ‬
‫شَر ْ‬
‫علينا" فلما عرفوه اعترفوا‪ ،‬فمحى ما اقترفوا بكف‬
‫"ل تثريب" فرفع من موائد تلك الفوائد نصيب الوالد‬
‫"اذهبوا بقميصي" فهبت نسايم الفرح‪ ،‬فتوغلت في‬
‫خياشيم مريض كالفرخ‪ ،‬من ُ‬
‫فَرج الفرج‪ ،‬فخر ركام‬
‫الزكام‪ ،‬عن منخر الضر‪ ،‬فنادى مدنف الوجد "إني‬
‫لجد"‪:‬‬
‫ما فعلت بعدنا‬
‫نشدتك اللـه يا‬
‫م‬
‫نـسـيم‬
‫الرسو ُ‬
‫ونمقت روضها‬
‫هل استهلت بها‬
‫م‬
‫الغوادي‬
‫الغيو ُ‬
‫بعد على حاله‬
‫وهل بها من عهدت‬
‫م‬
‫فيها‬
‫مـقـي ُ‬
‫أنفاسه للجري‬
‫علل بروح الوصال‬
‫م‬
‫صبا‬
‫سمـو ُ‬
‫ما أنا من بعدهم‬
‫وعد فسلم علـى‬
‫م‬
‫أنـاس‬
‫سلـي ُ‬
‫واشرح لهم حال‬
‫م‬
‫أنت بأشواقـه عـلـي ُ‬
‫مستهام‬
‫في غيرها قلبه‬
‫وقل غريب ثوى‬
‫م‬
‫بأرض‬
‫يهـي ُ‬
‫وتعتري قلبه‬
‫يكابدُ الشوق حين‬
‫م‬
‫يمسي‬
‫الهمـو ُ‬
‫وما انقضت تلكم‬
‫أحبابنا تنقضي‬
‫م‬
‫الليالـي‬
‫الكلو ُ‬
‫بعد على حاله‬
‫ذاك اللديغ الذي‬
‫م‬
‫عهدتم‬
‫سقـي ُ‬
‫أصبح من فقركم‬
‫م‬
‫فل خليل ول حمـي ُ‬
‫وحيدا ً‬
‫لم تجر ذكر الفراق‬
‫م‬
‫حن كما حنت الرزو ُ‬
‫إل‬

‫‪61‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫فلما كشف يعقوب فدام الوجد‪ ،‬بكف "إني لجد"‬
‫أحدقت به عواذل "تالله تفتؤ"‪ ،‬تالله لو وجدوا ما وجد‬
‫ما أنكروا ما عرف‪.‬‬
‫للمهيار‪:‬‬
‫بالطارق الـمـلـم ِ‬
‫هل لكما من عـلـم ِ‬
‫سرى على الدياجـي‬
‫ُ‬
‫سرى أخيه النجـم ِ‬
‫ق نجدا ً عـرضـا ً‬
‫يش ّ‬
‫من شخصه بسهـم ِ‬
‫ور اللي َ‬
‫م‬
‫ل وليسـت‬
‫من ليالـي الـّتـ ّ‬
‫فن ّ‬
‫تحيتي ولـثـمـي‬
‫خذ يا نسيم عـنـي‬
‫دمي‬
‫وهنهم بـوجـدهـم‬
‫من الكرى و ُ‬
‫ع ْ‬
‫ضهم أهجُرها برغمـي‬
‫ت أر َ‬
‫قالوا هجر َ‬
‫قد وصلت إلى الحشا رسلك ُ ُ‬
‫م بالـسـقـم ِ‬
‫بين دمي ولحمـي‬
‫ة‬
‫فلـم تـدع واسـط ً‬
‫عج كي ترى رسوما ً‬
‫ثلثة فـي رســم ِ‬
‫وى النحول بينـنـا‬
‫س ّ‬
‫تعرفنا بـالـوهـم ِ‬
‫ودارهم وجسمـي‬
‫خط هـلل لــيلة‬
‫الفصل الحادي عشر‬
‫في قصة أيوب عليه السلم‬
‫جمع ليوب بين كثرة المال وحسن العمال‪ ،‬فمل‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫حه بالوفاق الفاق‪ ،‬فأثارت تلك الثار حسدا من‬
‫مد ُ‬
‫إبليس قد تقادم منذ آدم‪ ،‬فقال‪ :‬يا رب أن سلطني‬
‫عليه‪ ،‬ألقيته في الفتنة‪ ،‬فألفيته في الفئة المفتونين‪،‬‬
‫فقيل‪ :‬قد سلطناك على ماله من مال‪ ،‬فمال إلى‬
‫جميع عفاريته‪ ،‬ففرقهم في تمزيق ماله‪ ،‬وتولى هو‬
‫ي بيته على بنيه‪ ،‬ثم أتى في صورة معلمهم يعلمه‪،‬‬
‫َر ْ‬
‫م َ‬
‫فرأى ذلك ل يؤلمه‪ ،‬أنصت العدو ليسمع عربدة السكر‪،‬‬
‫فإذا أيوب يتلو آيات الشكر‪ ،‬فصاح بلسان حسده‪،‬‬
‫سلطني على جسده‪ ،‬فسلطه وقد سبقه الصبر‪،‬‬
‫فتقطع الجسم وداد‪ :‬وما تقطع رسم الوداد‪ ،‬فأخرجه‬
‫أهل قريته‪ ،‬لقرح قرحه إلى قرواح كناسة‪ ،‬فرموه‬
‫كسيرا ً كالكسرة وكساء كساده عندهم أعلى عندنا من‬
‫أغلى كسوة كسرى‪ ،‬فلم يزل ما نزل به حتى بدا‬
‫ب بطنه‪ ،‬وكان يبصر عظامه ومعاه معًا‪.‬‬
‫حجا ُ‬
‫للمهيار‪:‬‬
‫كل جهاتي أغراض‬
‫ما اختص مني‬

‫‪62‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫منتبـل‬
‫السقام جارحة‬
‫من الضنا قال قلبي‬
‫إذا لحاظي لجسمي‬
‫احتمـل‬
‫امتعضت‬
‫فدام الصمت عن‬
‫فدام هذا البلء عليه سنين‪ ،‬و ِ‬
‫الشكوى على فيه تبين‪ ،‬ولم يبق غير اللسان للذكر‪،‬‬
‫والقلب للفكر‪ ،‬فلو أصغى إلى نطق حاله سمع فهم‪،‬‬
‫أو سأله عن وجده رب قلب لسمع من الذماء الذما‬
‫يناجي به الحق‪.‬‬
‫للشريف الرضي‪:‬‬
‫وغا َ‬
‫ل بكم تلك‬
‫محا بعدكم تلك‬
‫الضالع غوُلها‬
‫العيون بكاؤهـا‬
‫ة لم يبق‬
‫ق إل ومن مهج ٍ‬
‫ر لم تب َ‬
‫فمن ناظ ٍ‬
‫إل غليلهـا‬
‫ه‬
‫دموعـ ُ‬
‫دعوا لي قلبا ً‬
‫عليكم وعينا في‬
‫الطلول أجيلها‬
‫بالغـرام أذيبـه‬
‫فلما كع إبليس‪ ،‬لقي زوجته في صورة متطبب‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫عندي دواؤه‪ ،‬بشرط أن يقول بشفتيه شفيتني‪.‬‬
‫فجاءت تدب‪ ،‬وقد أنساها طول البلء تدبر المعنى‪،‬‬
‫فأخبرت من قد خبر عدو العدو‪ ،‬فغضب المؤدب على‬
‫تلميذ ما يقوم بطول الصحبة‪ ،‬فحلف لئن شفي‪،‬‬
‫ليجلدنها مئة‪ ،‬فبينا المرء يكابد المر‪ ،‬مر به صديقان له‪،‬‬
‫فقال‪ :‬لو علم الله من هذا خيرًا‪ ،‬ما بلغ به هذا المر‪،‬‬
‫فما شد على سمعه أشد من ذلك‪ ،‬فخر على عتبة "ول‬
‫تُ ْ‬
‫ي" وصاح بإدلل "لو‬
‫ش ِ‬
‫م ّ‬
‫مت" واستغاث بلفظ " َ‬
‫سن َ‬
‫أقسم" فجاء بجبريل برسالة "اركض" وليس العجب لو‬
‫ركض جبريل إنما العجب أن يركض العليل‪ ،‬فركضت‬
‫خيل النعم عند ركضته فردت‪ ،‬وما غار الماء ما أغير‬
‫م من ألم‪،‬‬
‫عليه من نعمته‪ ،‬فنسي بنسيم العافية‪ ،‬ما أل ّ‬
‫وردت يد المنة‪ ،‬كل ما مر منه وذهب‪ ،‬وكان نثار الرضا‬
‫على واديه‪ ،‬بعد أن جرى وادي جرادى من ذهب‪،‬‬
‫وأقبلت زوجته‪ ،‬وعليه يمين ضربها‪ ،‬وما كان يحسن‬
‫في مقابلة صبرها‪ ،‬فأقبل لسان الوحي يتلو فتوى‬
‫الرحمة‪ ،‬ويراعي ما سبق من مراعاة رحمة "وخذ بيدك‬
‫ضغثًا" تالله ما ضره ما أكل من جسده الدود‪ ،‬لما اختال‬
‫ِ‬
‫في ثوب مودود‪ ،‬وأصبح مصطحبا ً شراب السرور‪ ،‬من‬

‫‪63‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫جود الجود‪ ،‬فرنت قيان الفرح‪ ،‬إذ غنت السنة المدح ل‬
‫يعود‪ ،‬وفاح عبير الثناء فزاد نشره على كل عود "إّنا‬
‫وجدناه صابرا ً نعم العبد"‪.‬‬
‫الفصل الثاني عشر‬
‫في قصة شعيب عليه السلم‬
‫لما رأى شعيب شعب شعاب قومه قد امتلت بالجور‪،‬‬
‫وفهم‬
‫صعد منبر التذكير بالنعام‪ ،‬ولكن بين النعام‪ ،‬فخ ّ‬
‫من قحم قحل القحط في إشارة "إني أراكم بخير"‬
‫فتلقوه باستهزاء "أصلواتك" ومدوا نحوه باع النخوة‬
‫"لنخرجنك" وتعللوا بحجة "ما نفقه" وانتهوا إلى عتو‬
‫قط علينا" فلما اسمهر ظلم ظلمهم‪ ،‬اسحنكك‬
‫"فأس ِ‬
‫ليل إدبارهم‪ ،‬واسلنطح نهار هلكهم‪ ،‬فحقحق إليهم ما‬
‫حق عليهم من محقهم‪ ،‬فأضل على ظلل ضللهم‬
‫"عذاب الظّلة" فارتجت أرجاء بيوتهم‪ ،‬برج الرجفة‪،‬‬
‫وشدت عليهم شدة الحر‪ ،‬فهربوا إلى البر‪ ،‬فإذا سحابة‬
‫تسحب ذيل برد البرد‪ ،‬فتنادوا هلموا إلى راحة الروح‪،‬‬
‫فلما تم اجتماعهم في قصر الحصر‪ ،‬وظنوا أنها من‬
‫و َ‬
‫قْتهم‪ ،‬نزلت بهم نار فأحرقتهم‪ ،‬فساروا‬
‫حر وقتهم َ‬
‫إلى جهنم في أسر أدبارهم‪ ،‬وسار بعد بعدهم في‬
‫إدبارهم‪ ،‬نذير التحذير من تبديرهم‪ ،‬وعابهم في عقاب‬
‫عقابهم "أل ُبعدا ً لمدين" فليحذر العصاة مثل أفعى‬
‫أفعالهم‪ ،‬وليتق أعمى البصيرة شبه أعمالهم‪ ،‬وليخف‬
‫المطففون من أخذ التطفيف في مكيالهم‪ ،‬وليسمعوا‬
‫نذير العبرة‪ ،‬فقد أوحى إليهم بشرح أعمالهم‪.‬‬
‫الفصل الثالث عشر‬
‫في ذكر بداية موسى عليه السلم‬
‫كانت الكهنة أخبرت فرعون بوجود موسى‪ ،‬فأطلق‬
‫الموسى في ذبح الطفال‪ ،‬فلما اتهمت أم موسى‬
‫بالوضع‪ ،‬أوضع الحرس إلى بيتها بالطلب‪ ،‬فأدركها عند‬
‫العلم الدهش‪ ،‬فألقته في التنور إلقاء الحطب‪ ،‬فلما‬
‫عادت فرأته قد سلم شاهدت في ضمن ما صنعت أثر‬
‫"واصطنعتك" فكانت سلمته من النار نقدا ً لجل‬
‫احتمل لجله وعدا ً لنجاة يوم أليم‪ ،‬لما سعت بتابوته‬
‫إلى البحر‪ ،‬ارتعشت يد التسليم فأمسكها‪ ،‬فصاح شجاع‬
‫الشجاعة بملء فيه‪ :‬أن اقذفيه فيه‪ ،‬فصدرت بعد‬
‫إلقائه بصدر قد لوى به لواعج الشتياق‪ ،‬ل يعلم قدر ما‬

‫‪64‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫به‪ ،‬إل من قد رمي به‪ ،‬فتلقاها بالبشر بشير "إّنا‬
‫دوه" فلم تزل أمواج اليم‪ ،‬تيمم به مسالك القدر‪،‬‬
‫را ّ‬
‫إلى أن خبت به خيل النيل‪ ،‬فشرعت في تناوله‬
‫مشرعة دار فرعون‪ ،‬فألقته في برية "فالتقطه" فلما‬
‫فتحوا التابوت أسفر عن مسافر على نجيب النجابة‪،‬‬
‫قد جعل زاده في مزود "ولُتصنع" ووشح قلدة الحب‬
‫ت" فقام فرعون على أقدام‬
‫قد رصعت بدر "وألقي ُ‬
‫القدام على قتله‪ ،‬فخرجت آسية من كمين أتباعه‪،‬‬
‫تنطق عن لسان "سبقت لهم" وتنادي في مخدع‬
‫خديعة الحرب "قرة عين لي ولك" وتجمع في كلمها‬
‫ما هو فرد في لغة الغدر "عسى أن ينفعنا" فلم يزل‬
‫فرعون في أغباش غرور يذبح‪ ،‬حتى طلع غرر صبح‬
‫ن" فلما قص شوق أمه جناح صبرها‪،‬‬
‫"ونريد أن نم ّ‬
‫صَرت به" في حريم "وحّرمنا"‬
‫قالت لخته "قصيه فب َ ُ‬
‫فدنت فدندنت حول حلة الحيلة‪ ،‬بحول "هل أدلكم"‬
‫فلما حفظت باب المكر‪ ،‬بحارس "يكفلونه لكم" دخل‬
‫طفيلي الوجد من باب "وهم له ناصحون" فجاءت بأمها‬
‫يؤمها دليل الطرب‪ ،‬فكادت إذ حضرت تحضر في ميدان‬
‫"لتبدي به" فكبحها لجام "لول أن ربطنا" فخافت لسان‬
‫جهرها لما خافت‪ ،‬فسل من أيديهم إلى سلم تسليمها‪،‬‬
‫فقر في حجر "كي تقر عينها" وترنمت بلبل الوصال‬
‫فأخرست بلبل الفراق‪.‬‬
‫فربي موسى في ربى فرعون‪ ،‬ونمى بين نمارقه‪ ،‬إلى‬
‫أن آن أوان مشاجرته‪ ،‬فجرى القدر بقتل القبطي‪،‬‬
‫جه" فسعى على‬
‫ليكون سببا ً في سر سير "ولما تو ّ‬
‫أرجاء رجاء "عسى ربي" فتزود مزود "ولما ورد"‬
‫ن أبي" فبقي ضمان‬
‫فتجمع شمل الصهر بواسطة "إ ّ‬
‫الوفاء إلى أمانة "فلما قضى موسى الجل" فتلمح‬
‫معنى "قال لهله امكثوا" فيبدو في بادية الحيرة أنيس‬
‫"إني آنست" فترامى كف الطمع إلى مرامي "لعّلي‬
‫آتيكم" فأطل على طلل الطلب أقدام "فلما أتاها"‬
‫فتلقط ثمار التكلم من غير كلفة "وهزي" تساقط من‬
‫جني جنات التجلي "إني أنا الله"‪.‬‬
‫الفصل الرابع عشر‬
‫في تكليم الله عز وجل موسى‬
‫عليه السلم‬

‫‪65‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫لما خرج موسى بأهله من مدينة مدين‪ ،‬انطلق طلق‬
‫الطلق بزوجته فما زال يكادح المقادح فلم تور‪ ،‬لن‬
‫عروس نار الطور لما همت بالتجلي‪ ،‬نوديت النيران‬
‫بلسان الغيرة من المشاركة "غضى" فقام على أقدام‬
‫التحيرة‪ ،‬فهتف به أنيس "آنس" فأنس‪:‬‬
‫فاذهب تجسس لمن‬
‫يا حار إن الركب قد‬
‫النـاُر‬
‫حاروا‬
‫وإن أضاءت لهم‬
‫تبدو وتخبو إن خبت‬
‫سـاروا‬
‫وقفوا‬
‫فشمر موسى عن ساق القصد وساق‪ ،‬فلما أتى النادي‬
‫"نودي" فحين ذاق لذة التكليم‪ ،‬جرح قلبه نصل‬
‫الشوق‪ ،‬فلم يداوه إل طبيب "وواعدنا"‪.‬‬
‫ليورق في ربى‬
‫ليالينا بـذي الثـلث‬
‫الثلث عودي‬
‫عـودي‬
‫ي من انتشاقي‬
‫فإن نسيم ذاك‬
‫لد ّ‬
‫نشـر عـوِد‬
‫الـشـيح أذكـى‬
‫وأغيب نغمة من‬
‫وإن حديثكم في‬
‫صوت عـوِد‬
‫القلب أحـلـى‬
‫فبعث في حرب فرعون‪ ،‬فلم يزل مشغول ً بالجهاد‪،‬‬
‫إلى أن قبر القتيل في لحد اليم‪ ،‬فطلب قومه كتابا ً‬
‫يضبط شاردهم ويرد نادهم‪ ،‬فأمره الله أن يصوم‬
‫ثلثين ليلة‪ ،‬نهاره وليله فأمسك على مسك المساك‬
‫م فيه عن مطمع‬
‫بكف الكف في الوصال‪ ،‬فدام ِ‬
‫فدا ُ‬
‫المطعم‪ ،‬فقيد فقيد قوت الوقت‪ ،‬فصار في قيء ذكر‬
‫الوعد‪ ،‬فما انقضت الليالي حتى انقضت ظهر البصر‪،‬‬
‫فقام لتراى جلل الوفاء بالمر‪ ،‬فلح في مطلع فلح‬
‫القصد‪ ،‬فبادر يسعى على أقدام الحب‪ ،‬إلى زيادة ربع‬
‫الحب‪ ،‬فكاد يقله قلقلة الوجد‪ ،‬فوجد الهواء متغير‬
‫الريح‪ ،‬في عرضة الفم‪ ،‬فصاح به فصيح لسان الحزم‬
‫من وراء رأي العزم‪ :‬يا موسى غير أثرا ً لزم‪ ،‬فتناول‬
‫مضغة من النبات فمضغها‪ ،‬فقيل له‪ :‬أيها الصائم عن‬
‫خلوفًا‪،‬‬
‫أمرنا‪ ،‬لم أفطرت برأيك? فقال‪ :‬وجدت لفمي َ‬
‫وما أردت بفعلي خلفًا‪ ،‬فقيل‪ :‬ما علمت أن فور فورة‬
‫الخلوف من قدر المساك‪ ،‬أطيب عندنا من فارة فارة‬
‫المسك‪ ،‬إنا لننظر إلى قصد الفاعل ل إلى صورة‬

‫‪66‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫الفعل‪ ،‬الدم نجس مجتنب‪ ،‬لكنه في حق الشهيد شهي‬
‫"زملوهم بكلومهم ودمائهم" فرجع موسى عاكفا ً على‬
‫معتكف كف كفه "فتم ميقات ربه" وأحضر حظيرة‬
‫القدس‪ ،‬فنسي النس‪ ،‬مما آنس من النس‪:‬‬
‫وكل شخص رآه ظنه‬
‫فكل شيء رآه ظنه‬
‫قـدحـا ً‬
‫الساقي‬
‫فلما دارت في دائرة دار الحب كؤوس للقرب‪ ،‬وسمع‬
‫النداء وسط النادي بل واسطة‪ ،‬وسيط له من وسيط‬
‫أقداح المنى في المناجاة بل وسيط‪ ،‬طاب له شراب‬
‫الوصال من أوطاب الخطاب‪ ،‬في أواني سماع الكلم‪،‬‬
‫فناداه توق شوقه‪:‬‬
‫عن الراح المروق‬
‫أوان أنـت فـي هـذا‬
‫في الواني‬
‫الوان‬
‫رأى على الغور وميضا ً فاشتاق‪ ،‬ما أجلب البرق لدمع‬
‫الماق فصاح لسان الوجد "أرني" فرد شارد شحذان‬
‫الشوق على الطوى بطوق "لن تراني" إل أن جزع‬
‫الفطام سكن شعله بتعلة "ولكن" فلما تجلى جل جلله‬
‫للجبل مر‪ ،‬فخر موسى في بحر الصعق فرقًا‪ ،‬فرقي‬
‫فرقه ذروة "سبحانك تبت إليك" ما انبسط موسى‬
‫يقول أرني إل ببسط‪ ،‬سلني ولو ملح عجينك‪ ،‬ولو تركه‬
‫مع رعيه الغنم في شعب شعيب لما جال في ظنه ذلك‬
‫الطمع‪ ،‬ولكنه استدعاه بالنداء‪ ،‬وآنسه بالتقريب‪،‬‬
‫وباسطه بالتكليم‪.‬‬
‫حادى جملي حارا‬
‫فلما عاين الحـيرة‬
‫كان موسى يطوف في بني إسرائيل‪ ،‬ويقول من‬
‫ملني رسالة إلى ربي? ما كان مراده إل أن يطول‬
‫يح ّ‬
‫الحديث مع الحبيب‪:‬‬
‫وذكراك من ذاك‬
‫فقلت له رد الحديث‬
‫د‬
‫الذي انقضى‬
‫الحـديث أري ُ‬
‫فذكرك عندي‬
‫يحدد تذكار الحـديث‬
‫د‬
‫مـودتـي‬
‫والحـديث جـدي ُ‬
‫كأني بطيء الفهم‬
‫أنـاشـده أل أعـاد‬
‫د‬
‫حـديثــه‬
‫حـين يعـي ُ‬

‫‪67‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫مات موسى قتيل شوق "أرني" فلما جاز عليه نبينا‬
‫صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج‪ ،‬ردده في الصلوات‪،‬‬
‫ليسعد برؤية من قد رأى‪:‬‬
‫وإني لتي أرضكم ل لعلي أراكم أو أرى من‬
‫يراكم‬
‫لحـاجة‬
‫عين رسولي وفاز‬
‫إن تشق عيني‬
‫بالنـظـر‬
‫فطالما سعـدت‬
‫رددت شوقا ً في طرفه‬
‫وكلما جاءني‬
‫نظري‬
‫الرسـول لـهـم‬
‫قد أثرت فيه أحـسـن‬
‫تظهر في طرفه‬
‫ر‬
‫محاسنـهـم‬
‫الثـ ِ‬
‫خذ مقلتي يا رسـول فانظر بها واحتكم على‬
‫بصري‬
‫عـارية‬
‫?الفصل الخامس عشر‬
‫في قصة الخضر عليه السلم‬
‫لما عل شرف الكليم بالتكليم كل شرف‪ ،‬قال له قومه‬
‫أي الناس أعلم? فقال‪ :‬أنا‪ .‬ولم يقل فيما أعلم‪،‬‬
‫فابتلي فيما أخبر به واعلم‪ ،‬فقام بين يدي الخضر‪ ،‬كما‬
‫يقوم بين يدي السليم العلم‪ ،‬فابتدأ بسؤال "هل‬
‫ن موسى من لن‪ .‬أمر‬
‫أتبعك" فتلقاه برد "لن" وكم أ ّ‬
‫قومه باليمان فقالوا "لن نؤمن" وقعوا في التيه‬
‫فقالوا "لن نصبر" ندبوا إلى الجهاد فصاحوا "لن‬
‫ندخلها" طرق باب أرني فرده حاجب "لن"‪ ،‬دنا إلى‬
‫الخضر للتعلم فلفظه بلفظ "لن" ثم زاده من زاد الرد‬
‫بكف "وكيف تصبر" فلما سامحه على نوبة السفينة‪،‬‬
‫وواجهه بالعتاب في كرة الغلم‪ ،‬أراق ماء الصحبة في‬
‫جدال الجدار "هذا فراق بيني وبينك" ثم فسر له سر‬
‫المشكل‪ ،‬فجعل يشرح القصص فصل ً فص ً‬
‫ل‪ ،‬بمقول‬
‫قائل يقول فص ً‬
‫ل‪ ،‬وكلما ذكره أصل ً أصلى‪ ،‬لم يبق‬
‫لموسى عين تراه أص ً‬
‫ل‪ ،‬وكلما سل من حر للعتاب‬
‫نص ً‬
‫ل‪ ،‬صاح لسان حال موسى‪ :‬كم نصلى? فألقى‬
‫تفسير المور على الكليم وأملى‪ ،‬والقدر يقول‪ :‬أهو‬
‫ما منذ ابتدأ‬
‫أعلم أم ل? فعلم موسى ويوشع أي عبد أ ّ‬
‫ما‪ ،‬ثم أخذ لسان العتاب‪ ،‬يذكر منسى‬
‫بالشرح بأ ّ‬
‫موسى‪ ،‬أتنكر خرق سفينة? لظاهر إفساد تضمن ضمنه‬

‫‪68‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫صلح "ولكم في القصاص حياة" أو تنكر? إتلف شخص‬
‫دنى لبقاء دين شخصين? أو كرهت إقامة الجدار‪ ،‬لشح‬
‫أهل القرية بالقرا أفاردت من الصفياء? معاملة‬
‫البخلء بالبخل‪ ،‬أما تلمحت سر? صل من قطعك‪ ،‬لقد‬
‫أنكرت ما جرى لك مثله‪ ،‬حذرت يوم السفينة من‬
‫الغرق‪ ،‬فصحت بإنكار "أخرقتها" أنسيت يوم? "فألقيه‬
‫في اليم" أنكرت قتل نفس بغير نفس‪ ،‬أنسيت يوم?‬
‫"لو كره" نهيت عن عمل بل أجر‪ ،‬أنسيت يوم "فسقى‬
‫لهما" فلما بان البيان‪ ،‬خرج الخضر من باب الدعوى‪،‬‬
‫وأخرج يده من ملك التصرف وأحال الحال على الغير‬
‫"وما فعلته عن أمري"‪.‬‬
‫وهذه القصة قد حرضت على جمع رحل الرحيل في‬
‫طلب العلم‪ ،‬وعلمت كيفية الدب في كف كف‬
‫العتراض على العالم‪ ،‬وصاح فصيح نصيحها بذي اللب‪:‬‬
‫دع دعواك فعلى دعوى الكليم ليم‪ ،‬وفوق كل ذي علم‬
‫عليم‪.‬‬
‫الفصل السادس عشر‬
‫في قصة بلعام وموسى‬
‫ن‬
‫أيها المتعبد‪ :‬خف من الفتن ول تأمن‪ ،‬كم قد أخذ أم ٌ‬
‫من مأمن‪ ،‬إنه لم ينج من غطامط بحر الفتن العظم‬
‫حافظ السم العظم‪ ،‬بل عام بلعام‪ ،‬رفل في حلل‬
‫النعم كالنعم‪ ،‬غافل ً يتعامى عن النعم‪ ،‬وكانت بنية نية‬
‫تعب تعبده على رمل الريا‪ ،‬فجرت تحتها أنهار التجربة‪،‬‬
‫فانهار بنيانها فتخرب‪ ،‬كان على دينار دينه ورقة رقة‪،‬‬
‫فأعجب نضره نواظر الناظرين‪ ،‬فلما حكه المنتقد على‬
‫حجر الحجر افتضح بين أهل الحجى‪ ،‬وكان ظاهره لثقا‬
‫بالتقى‪ ،‬وباطنه باطية لخمر الهوى‪ ،‬فلقد خبأ الخبايث‬
‫في طي الطويات‪ ،‬فلما أراد المقدر تنبيه جاره على‬
‫جوره‪ ،‬تقدم إلى القدر بهتك ستره‪ ،‬فآتاه وهو في‬
‫عقر عقار الهوى‪ ،‬يعاقر عقار الريا وقد رفعت‬
‫عقيرتها عاقر الفهم إلى أن عقر بعقر قلبه فعاد‬
‫عقيرًا‪ ،‬فدعه القدر إلى صف صفصف الدعوى‪ ،‬وأرسل‬
‫عليه لصراره صرصر العجب‪ ،‬فمزقت جلبات التعبد‪،‬‬
‫فصيره عصفها عصفا ً فانكشف عوار عورته فعوى‪،‬‬
‫فإذا به كلب غفور‪ ،‬وقصة إقصائه أن القدر ساق‬
‫الكليم إلى محاربة فساق بلدته‪ ،‬فقالوا له‪ :‬اشحذ‬

‫‪69‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫موسى الدعاء على موسى‪ ،‬فمج فوه مجمجة التمنع‪،‬‬
‫فخوفوه بنحت خشبة‪ ،‬فخشته خشية الخلق‪ ،‬فخرج‬
‫حتى أتى على أتان فلما قفا وقفت ليقف سير عزمه‪،‬‬
‫فضرى بضربها حتى أضّر بها‪ ،‬فقامت في المحجة‬
‫تتكلم بالحجة عليه‪ ،‬لم تضربني? وهذه نار تمنع‬
‫الماشية المشي‪ ،‬فرجع إلى ملكهم فأخبره خبره‪ ،‬وما‬
‫نقل العتب المقصود ول خبره‪ ،‬فألجأ الملك إلى صلب‬
‫عزمه إلى أمر صلب‪ ،‬إما الدعاء عليهم وإما الصلب‪،‬‬
‫فخرج فأتبعه الشيطان‪ ،‬فما كان إل أن بلغ المكان‬
‫"فكان من الغاوين" تالله ما عدا عليه العدو‪ ،‬إل بعد أن‬
‫تولى عنه الولي‪ ،‬فل تظنن أن الشيطان غلب‪ ،‬وإنما‬
‫العاصم أعرض‪ ،‬وإن شككت فاسمع هاتف القدر‪ ،‬مخبرا ً‬
‫عن عزة القادر "ولو شئنا لرفعناه بها"‪.‬‬
‫الفصل السابع عشر‬
‫في قصة قارون‬
‫كان قارون غاية في فقهه وفهمه‪ ،‬وكان في النسب‬
‫إلى موسى ابن عمه‪ ،‬فلما فاضت الدنيا عليه‪ ،‬فاضت‬
‫نفس علمه‪ ،‬وكانت مقاليد خزاين خزاياه وقر ستين‬
‫بغ ً‬
‫ل‪ ،‬غير أن الذي فاته بما ناله أعلى وأغلى‪ ،‬سحب‬
‫ذيل "فبغى" فقام قومه قومة بزجر "ل تفرح" وألقوا‬
‫إليه نصائح "وابتغ‪ ،‬ول تنس‪ ،‬وأحسن‪ ،‬ول تبغ"‪.‬‬
‫فركب يوما ً في وقت اقتداره في أربعة آلف مقاتل‪،‬‬
‫وسم الهوى يعمل في المقاتل‪ ،‬وركب معه في‬
‫معمعته ثلثمائة جارية‪ ،‬وقد أنساه سفه المل أن‬
‫سفينة الجل جارية‪ ،‬فلما غل وعل‪ ،‬حط إلى حضيض‬
‫"فخسفنا به" فقال الجاهلون‪ :‬إنما بادر موسى بادرته‪،‬‬
‫لخذ بدرة بيداره فقال حاكم الغيب لزالة الريب‬
‫"وبداره" فقال موسى‪ :‬يا أرض خذيه‪ .‬فاستخذت‬
‫لمره‪ .‬فسرت بسريره‪ ،‬فناشده قارون بالرحم فما‬
‫رحم‪ ،‬فأخذته لتقدمه حتى غيبت قدمه‪ ،‬فما زال يردد‬
‫القول حتى غاب الغبي الغني‪ ،‬وإنه ليخسف به كل يوم‬
‫قدر قامة‪ ،‬فل تظنن أن ذم الجزاء قد رقي منه‪ ،‬إن‬
‫الدنيا إذا طلعت على الطغام تطغى‪ ،‬وإذا بغى نكاحها‬
‫على العفاف تبغى‪ ،‬ثم إنها تقصد هلك محبها وتبغى‪،‬‬
‫وكم عذلت في فتكها بالفتى الفتي وتلغي‪ ،‬أما دردرها‬
‫فغرت? فلما فرغت فغرت فاها فرغت للظعن‪ ،‬أما‬

‫‪70‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫سحبت قرون قارون? مع أقرانه‪ .‬إلى القران في‬
‫قرن‪ ،‬أما كفكفت كف مكفوف محبها فارتك فن ما‬
‫يكون فيك في كفن‪ ،‬تالله لقد لقي الغبي الغني غب‬
‫غبواته‪ ،‬فلما انجلى غيهب غيمه‪ ،‬رأى الغين والغبن‬
‫نعوذ بالله من الخذلن‪.‬‬
‫الفصل الثامن عشر‬
‫في قصة داود عليه السلم‬
‫لما حلي داود حلية النبوة‪ ،‬وُلقن فصل فصل الخطاب‪،‬‬
‫أطرب شدو شكره سمع القبول‪ ،‬فمتعه إقطاع "يا‬
‫وبي معه والطير" فأعجبته سلمة العصمة‪،‬‬
‫جبال أ ّ‬
‫فتجهز للجهاز على جرحي الزلل‪ ،‬فرماهم بسهم‪ ،‬ل‬
‫نغفر للخطائين‪ ،‬والقدر قد أترع له مما سيعض له‬
‫النامل ملء الناء‪ ،‬فابتلى بالذنب حتى نكس رأس‬
‫الرياسة على عتبة الذل‪ ،‬ودب إلى داود المعاصي دبيب‬
‫الدبا من حيث ما دبر‪ ،‬رماه سهم ليالي القضاء في‬
‫درع ليالي الفتن‪ .‬فقضى عليه فما قدر على رده‬
‫در في السرد"‪:‬‬
‫"وق ّ‬
‫فدروع المرء أعوان‬
‫وإذا رامي المقـادير‬
‫النصال‬
‫رمـى‬
‫ظن لقوة لقوة عصمته لقاء قرن الهوى‪ ،‬فلحت له‬
‫في حم دعواه حمامة من ذهب‪ ،‬فذهب يصيدها‪ ،‬فوقع‬
‫في عين شرك عينه‪.‬‬
‫للمهيار‪:‬‬
‫لما رمى سهما ً وما‬
‫ن غداة الخيف أن‬
‫ظ ّ‬
‫أجرى دما‬
‫قد سلبهـا‬
‫فؤاده من بينها قـد‬
‫فعاد يستقـري‬
‫عـدمـا‬
‫حـشـاه فـإذا‬
‫ُ‬
‫وإنما الرامي درى‬
‫لم يدر من أين‬
‫كيف رمى‬
‫أصيب قلـبـه‬
‫طاف على بابه طبيب اللطاف‪ ،‬فأراد استخراج النصل‬
‫من باطن الشغاف‪ ،‬فجئنا على عتبة عتابه‪ ،‬بأعتوبة‬
‫"خصمان" فقضى على نفسه في صريح "لقد ظلمك"‬
‫فبينا هو يلحظ لفظ القضية‪ ،‬المعا معا معاني‬
‫المعاصي ففطن‪ ،‬ففت بالفتى الفاتن فتن فتياه‬
‫"وظن داود أنما فتناه" فنزل عن مركب العز إلى مس‬
‫مسجد الذل‪ ،‬وافترش فراش من قد أسا في دار‬

‫‪71‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫السا‪ ،‬وخلع خلع الفرح لجلباب الحزن‪ ،‬وزّر زرزر‬
‫مانقة الخوف على شعار القلق‪ ،‬فأسكت الحمايم‬
‫بنوحه‪ ،‬وشغلها عن صدحها بصوته‪ ،‬فبالغ حريق الندم‬
‫في سويدا قلبه‪ ،‬وأقلق الفئدة بشجى شجنه‪ ،‬ومات‬
‫خلق كثير من الخلق بترنم شجوه وصوته‪ ،‬وشرب عرق‬
‫العشب من عين عينه‪ ،‬وحشى سبعة فرش رمادًا‪ ،‬ثم‬
‫رمى داء الحشا‪ ،‬بعد أن فرشها فرشها‪ ،‬وكان يقول‬
‫في مناجاته‪ :‬إلهي خرجت أسأل أطباء عبادك‪ .‬أن‬
‫يداووا لي جرح خطيئتي فكلهم عليك يدلني‪ ،‬إلهي‬
‫أمدد عيني بالدموع‪ ،‬وضعفي بالقوة‪ ،‬حتى أبلغ رضاك‬
‫عني‪.‬‬
‫‪:....‬‬
‫هب لي من الدمع ما‬
‫يا من تجنب صبري‬
‫أبكي عليك به‬
‫من تجـنـبـه‬
‫إلى الممات ودمعي‬
‫حتى متى زفراتي‬
‫في تصـوبـه‬
‫في تصاعـدهـا‬
‫هام اشتياقا ً إلى‬
‫ولي فـؤاد إذا لـج‬
‫مقـيا مـعـذبـه‬
‫الـغـرام بـه‬
‫ما زال يغسل العين من عين العين‪ ،‬ولسان العتاب‬
‫يقول‪ :‬يا بعد اللقا‪ ،‬وكلما رفع قصة غصة جاء الجواب‬
‫بزيادة الجوى‪ ،‬وهو يستغيث وينادي‪ ،‬حتى أقلق الحاضر‬
‫والبادي‪:‬‬
‫دموع عيني وحسن‬
‫إن شفيعي إليك‬
‫ظني‬
‫مـنـي‬
‫إليك إل عفوت‬
‫فبالذي قـادنـي‬
‫ذلـيل ً‬
‫عـنـي‬
‫الفصل التاسع عشر‬
‫في قصة سليمان عليه السلم مع بلقيس‬
‫ركب سليمان يوما ً مركب الريح‪ ،‬فراحت بوادره على‬
‫وادي النمل‪ ،‬فندت نملة فنادت أخواتها بنداء "ل‬
‫يحطمنكم" فحملته أريحية سكر الشكر على طرب‬
‫"فتبسم ضاحكًا" وذلك أنها بلفظ "يا" نادت "أيها"‬
‫نبهت "النمل" عينت "أدخلوا" أمرت "مساكنكم" نصت‬
‫"ل يحطمنكم" حذرت "سليمان" خصت "وجنوده" عمت‬
‫"وهم ل يشعرون"‪ ،‬عذرت‪ ،‬فلما فصل طالوت ملكه‬

‫‪72‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫بالجنود عن وادي النمل‪ ،‬وقع في مفازة ل يرى فيها‬
‫على ماء علمًا‪ ،‬فجاش جاش الجيش لفقرهم في‬
‫القفر إلى الماء الما‪ ،‬وكان الهدهد يدلهم على الماء‬
‫فغاب‪ ،‬فتواعده بلفظ "لعذبّنه" فجاء ببهت ذكي‬
‫"أحطت بما لم تحط به" فحمله كتابًا‪ ،‬فألقاه من قاره‪،‬‬
‫بمنقاره‪ ،‬فرأت اليقظى بيقظان فهمها كتابا ً مختومًا‪،‬‬
‫كلما ً عجيبًا‪ ،‬وحامل ً غريبًا‪ ،‬فصادها العقل والفهم‬
‫فصاداها‪ ،‬فاستشارت قومها فأوموا إلى الحرب بلفظ‬
‫"نحن أولو قوة" فعلمت أن من جنده الطير ل يقاوم‪،‬‬
‫وبعثت ما يفرق به بين الدعوة والدعوى "وإني مرسلة‬
‫إليهم بهدية" واعجبا للذهب إذا ذهب سهمه ل يخطي‪،‬‬
‫وللرشا إذا رشت مزالق أقدام العقول ل تبطي‪.‬‬
‫‪:....‬‬
‫ه‬
‫ل يغرنك من الـم‬
‫رء إزاٌر رقعـ ْ‬
‫ه‬
‫وقميص فوق كعب‬
‫الساق منه رفعـ ْ‬
‫أثر قد خـلـعـه‬
‫ن لح فـيه‬
‫وجبـي ٌ‬
‫غيه أم ورعــه‬
‫أره الدرهم تعرف‬
‫فلما بدت هوادي هديتها‪ ،‬صاح سليمان بعز "أتمدونني‬
‫بما" فلما صح عندها ما يدعو إليه وثبت‪ ،‬وثبت على‬
‫أقدام الطلب‪ ،‬وهيأت مراكب القصد‪ ،‬ورحلت في هجير‬
‫شمس الهدى على نجائب الهجرة‪ ،‬فلما سمع سليمان‬
‫برحيلها‪ ،‬أراد تقوية دليلها‪ ،‬فنادى في نادي عفاريته‪،‬‬
‫مستعرضا ً جند بطشها "أّيكم يأتيني بعرشها" فلما‬
‫جيء به ستره بقرام "ن ّ‬
‫كروا" ثم ابتلها‪ ،‬ليرى ذكاها‬
‫"أهكذا عرشك" ثم صرح بلفظ "ادخلي الصرح" فشبه‬
‫لها لضعفها عن لطافة كاس ساقيها‪ ،‬فكشفت عن‬
‫ساقيها‪ ،‬فلما وصلت وسلمت‪ ،‬أسلمت فسلمت‪ ،‬وحلت‬
‫قبل أن حلت نطاق النطق‪ ،‬فنثرت خرزات نظامه على‬
‫ت مع سليمان‬
‫نظم العذر "إني ظلمت نفسي وأسلم ُ‬
‫لله رب العالمين"‪.‬‬
‫الفصل العشرون‬
‫في قصة مريم وعيسى عليهما السلم‬
‫كانت أم مريم جنة قد حنت إلى ولد‪ ،‬فكبر عليها‬
‫امتناعه واستولى الكبر‪ ،‬فرأت يوما ً طائرا ً يغذو فرخا ً‬
‫فرحًا‪ ،‬فرجى أملها اليؤوس فرحا ً فرجًا‪ ،‬فسألت عند‬
‫هذه القضية ولديها ولدًا‪ ،‬فلما علمت بالحمل أكسبها‬

‫‪73‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫السرور ولهًا‪ ،‬فوهبته بلسان النذر لمن وهبه لها‪،‬‬
‫فقال القدر‪ :‬يا ملك التصوير‪ ،‬صور الحمل أنثى‪ ،‬ليبين‬
‫أثر الكرم في قبول الناقص‪.‬‬
‫فلما وضعتها وضعتها بأنامل النكسار عن سرير‬
‫السرور‪ ،‬فإن لسان التلهف لما ألقى على الفايت‬
‫"إني وضعُتها أنثى" فجير كسرها جابر "فتقبل َّلها"‬
‫وساق عنان اللطف إلى ساق زرعها‪ ،‬فربا في ربى‬
‫"وأنبتها" فانطلقت بها الم تأم بيت المقدس‪ ،‬فلبس‬
‫القوم لمهم في حرب "ُيلقون أقلمهم" فثبت قلم‬
‫زكريا إذا وثبت القلم فكفتها وكفلها‪ ،‬فأراه المسبب‬
‫غناها عن السبب‪ .‬بآية "وجد عندها رزقًا" فرباها من‬
‫ربها فنشأت ل ترى إل ربها‪.‬‬
‫فانتبذت يوما ً من أهلها‪ ،‬فأقبل نحو ذلك البري البري‬
‫بريد "فأرسلنا" فتحصنت الحصان بحصن "إني أعوذ"‬
‫فانزوى إلى زاوية "إنما أنا رسول ربك" وأخبرها‬
‫بالتحفة في لفظ "ليهب" فأقيمت فأقيمت في مهب‬
‫ريح الروح‪ ،‬فتنفست الكلمة من كمين المر‪ ،‬فنفخ‬
‫جبريل في جنب الدرع جيب‪ ،‬فمرت المرأة حامل ً في‬
‫الوقت‪ ،‬فلما علمت ألمت بما حمل عليها الحمل‪،‬‬
‫فأخرجها الحياء الحي عن الحي‪ ،‬فلما فاجأها وقت‬
‫الوضع‪ ،‬فاجأها المخاض إلى الجذع‪ ،‬تحيرت من وجود‬
‫ولد‪ ،‬وما فجرت‪ ،‬فجرت عين الدمع‪ ،‬فصاح لسان‬
‫الخفر‪ ،‬بلفظ الندب "يا ليتني مت قبل هذا" فأجابها‬
‫الملك‪ ،‬عن أمر من ملك "أن ل تحزني" وأجرى لها في‬
‫أواني الوان سرى‪ ،‬كما وهب لها من الغلمان سرى‬
‫فسرى عن سرها وجود الظهور‪ ،‬وأنس الظاهر‪ ،‬فسرا‪،‬‬
‫هّزي"‬
‫وأريت آية تدل على من قدر القدرة في مقام "و ُ‬
‫فهزت جذم جذع مايل مثل الحطب‪ ،‬فتساقط عليها‬
‫في الحال رطب الرطب‪ ،‬فأخذها الجوى‪ ،‬في إعداد‬
‫الجواب‪ ،‬فقيل لها "كلي" كل الكل‪ ،‬إلى من له الكل‪،‬‬
‫كنت بمعزل من وجود الولد‪ ،‬فكوني بمعزل من إقامة‬
‫العذر‪ ،‬فالذي تولى إيجاده يقيم عذر العذرا‪ ،‬ل تعجبي‬
‫من وجود حمل سافر عن أرض القدرة‪ ،‬فلم يصلح أن‬
‫ينزل إل بمنزل‪ ،‬أركانه على عمد "إن الله اصطفاك‬
‫ك" فلما سكتت وسكنت‪ ،‬بعد أن‬
‫ك واصطفا ِ‬
‫وطهر ِ‬
‫قعدت وقامت‪ ،‬أقامت أيام النفاس فانقضت وفاتت‬

‫‪74‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫"فأتت بها قومه تحمله" فنادوا من أندية التوبيخ‪ ،‬إذ ما‬
‫شاهدوا قط أختها "يا أخت هارون" فأضجروا مريضا ً‬
‫قد ضنى من أنين "إني" على فراش "يا ليتني مت"‬
‫فلما شارت أرى الرأي‪ .‬أشارت إليه‪ ،‬فأخذت السنة‬
‫تعجبهم تعج بهم "كيف نكّلم" فكأنها قالت لهم‪ :‬أنا‬
‫طريق وهذا مر بي‪ ،‬والمسافر يسأل عن الطريق ل‬
‫الطريق عن المسافر‪ ،‬فقام عيسى يمخض أوطاب‬
‫الخطاب على منبر الخطابة‪ ،‬فأبرز بالمخض محض‬
‫إبريز القرار "إني عبد الله" وأومى إلى وجوده من‬
‫غير أب‪ ،‬في إشارة "وبرا ً بوالدتي" وكانت واسطة‬
‫عقده "ومبشرا ً برسول"‪.‬‬
‫فلما تم له سن الشباب‪ ،‬جلس على باب المعجزة‪،‬‬
‫يعطي العافية العافية‪ ،‬ويبرئ الكمه والبرص‪ ،‬فربما‬
‫ألفى ببابه خمسين ألفا ً يؤمونه في كل يوم‪ ،‬ولقد‬
‫فرك الدنيا فطلقها أي تطليق‪ ،‬وأبغضها ول كبغض‬
‫الرافضي الصديق‪ ،‬فغزاها بجند الزهد بين مسرح‬
‫وملجم‪ ،‬وفتك بها كما فتك بالتقى ابن ملجم‪ ،‬ما‬
‫التفت إليها قط وجه عزمه‪ ،‬ول صافحا يوما ً كف قلبه‪،‬‬
‫ول غازلها يوما ً لسان فكره فلم يعرف حقيقة ما حوى‬
‫سوى الحواريين‪ ،‬فشمروا عن ساق العزائم‪ ،‬في سوق‬
‫بدن البدان إلى منى المنى‪ ،‬تحن بلفظ "نحن أنصار‬
‫الله" وكتبوا في عقد العقايد "آمنا بالله" فعدلوا بها‬
‫إلى عدل "واشهد بأّنا مسلمون"‪.‬‬
‫ثم إن اليهود اجتمعوا في بيت "ومكروا" فزلزل عليهم‬
‫بيد "ومكر الله" فدخل عيسى خوخة‪ ،‬فدخل خلفه ذو‬
‫دخل فألقى عليه شبهه‪ ،‬فحاق بالمرء مّر مراده‪ ،‬وصاح‬
‫فيه حاكم القدر جود مراقيها‪.‬‬
‫الفصل الحادي والعشرون‬
‫في قصة يحيى بن زكريا عليه السلم‬
‫لما قام زكريا عليه السلم بإقامة القامة لمريم‪ ،‬رأى‬
‫ن‬
‫وكيل الغيب يسبقه بالنفاذ على يد القدرة في ك ّ‬
‫كن‪ ،‬وكان إذا خرج ثم جاء فاجأ ثم الثمار قد نمت‪ ،‬فكم‬
‫قد ألفى الفاف الفاكهة الفايقة ل في حينها‪ ،‬فتلمح‬
‫بعين زرقاء الفهم‪ ،‬فرأى نفقة الجارية جارية‪ ،‬وكيس‬
‫ك‬
‫السباب على ختمه‪ ،‬فصاح لسان الدهش "أّنى ل ِ‬
‫هذا" فأحالت الحال على المسبب "هو من عند الله"‬

‫‪75‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫فنبهت هذه الية راقد طمعه‪ ،‬بعد أن طال وسنه‬
‫سبعين سنة‪ ،‬فسن على سنة وجهه ماء رجاء ماء آسن‬
‫مما لم يتسنه وقام الدردح بعد أن تقعوس وتسعسع‬
‫وعسى على باب عسى في محراب "دعا زكريا ربه"‬
‫فسرى بسره سرًا‪ ،‬لئل ينسب إلى فن من أفن‪ ،‬وكتب‬
‫قصة "ل تذرني فردًا" وشكا ما شيك به مما حل من‬
‫حل التركيب وشيكًا‪ ،‬في كلمات هن "وهن العظم‬
‫مني" فلما أورد في قصته‪ ،‬ما يريد حملها بريد الرجاء‪،‬‬
‫إلى من عود العود العود فكشف الجوى في الجواب‪،‬‬
‫لله دره خدم حتى شاب‪ ،‬ثم طلب نابيا ً على الباب‪،‬‬
‫فأصبح ميت أمله بوجود يحيى‪ ،‬فمشى لمشاهدة وجه‬
‫القدرة‪ ،‬وقد حال بينهما سفر العادات‪ ،‬إلى أن لفظ‬
‫ي هّين" فسأل‬
‫بلفظ "إني" وهتف به هاتف "هو عل ّ‬
‫علما ً على ما يعلم به وجود الحمل‪ ،‬لحمل نفسه على‬
‫الشكر‪ ،‬فوعد بسجن اللسان‪ ،‬مع سلمة اللسان‪ ،‬إل‬
‫عن ذكر الرحمن‪ ،‬ليكون حج نطقه مفردًا‪.‬‬
‫فلما ولد له يحيى‪ ،‬لم يبلغ مبلغ يافع‪ ،‬إل وهو ولد‬
‫نافع‪ ،‬كان صبا الصبا تميل بالصبيان ول تهزه‪ ،‬فإذا‬
‫قالوا له هلم بنا فلنلعب‪ ،‬قال‪ :‬إنما خلقنا للتعب ل‬
‫للعب‪ ،‬فقط له القدر قطا ً من عصام العصمة ما قط‬
‫لحد‪ ،‬فما خطا إلى خطأ ول هم‪ ،‬ولقد رمى الدنيا عن‬
‫يد التمسك‪ ،‬وعل عن فضولها على قلل التقلل‪ ،‬فكان‬
‫عيش عيشه العشب‪ ،‬واقتنع بمسوك الحيوان عن‬
‫السب والشف والمشبرق‪ ،‬وشغله عن رقش نقش‬
‫القشيب والدمقس ما لف مما لفق‪ ،‬ولقد دوى في دو‬
‫فؤاده غيم الغيم فغدا الغدق يدق إلى أن فاض قليب‬
‫قلبه‪ ،‬فانقلبت عيناه بقلب كالعيون حتى فرت‪،‬‬
‫فحفرت في أخدود الخدود مجرى‪ ،‬ولم يزل معول دمه‬
‫يحفر ركية خده‪ ،‬حتى بدت فيه أضراس فيه‪ ،‬يا عجبا ً‬
‫من بكاء من ما عصى ول هم‪ ،‬وضحك من كتابه‬
‫بالذنوب قد ادلهم‪ ،‬فلما قارب الوفاة وفات العدو‪ ،‬علم‬
‫من آفات النقل في المواطن المخصوصة‪ ،‬بوحش‬
‫الوحشة‪ ،‬فتخلص فيها من أسد البلء‪ ،‬كما حمى من‬
‫ولد ويوم يموت ويوم ُيبعث حيًا"‪.‬‬
‫ذنب الذنب "يوم ُ‬
‫الفصل الثاني والعشرون‬
‫في قصة أهل الكهف‬

‫‪76‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫كان رقم "كتب في قلوبهم اليمان" قد عل على كهف‬
‫قلوب أهل الكهف‪ ،‬فلما نصب ملكهم شرك الشرك‪،‬‬
‫بان لهم خيط الفخ ففروا‪ ،‬وخرجوا من ضيق حصر‬
‫الحبس إلى الفضاء فضاء لهم‪ ،‬فما راعهم في الطريق‬
‫إل راع وافقهم‪ ،‬فرافقهم كلبه‪ ،‬فأخذوا في ضربه‬
‫لكونه ليسوا من ضربه‪ ،‬فصاح لسلط حاله ل تطردوني‬
‫لمباينتي جنسكم‪ ،‬فإن معبودكم ليس من جنسكم‪ ،‬أنا‬
‫في قبضة إيثاركم أسير‪ ،‬أسير إن سرتم‪ ،‬وأحرس إن‬
‫نمتم‪ ،‬فلما دخلوا دار ضيافة العزلة‪ ،‬اضطجعوا على‬
‫راحة الراحة من أرباب الكفر‪ ،‬فغلب النوم القوم‬
‫"ثلثمائة سنين وازدادوا تسعًا" وكانت الشمس تحول‬
‫عن حلتهم لحراسة حلتهم من بلء بلي‪ ،‬وأعينهم‬
‫مفتوحة لئل تذوب بأطباق الطباق‪ ،‬ويد اللطف تقلب‬
‫أجسادهم لتسلم من أفن عفن‪ ،‬وجرت الحال في‬
‫كلبهم‪ ،‬على ما جرت بهم‪ ،‬فكأنه في شرك نومهم قد‬
‫صيد "بالوصيد"‪.‬‬
‫فخرج الملك بجم جمعه في طلبهم فإذا بهم‪ ،‬فسد‬
‫الباب وما وعى على وعاء مسك‪ ،‬فأضاع حتى ضاع بيد‬
‫الملك في بيد الهلك‪ ،‬فانساب راع إلى سبسبهم‪ ،‬ففتح‬
‫باب الكهف ليحوز الغنم‪ ،‬فهب الهواء فهب الراقد‪،‬‬
‫ً‬
‫فترنم أحدهم بلفظ "كم لبثتم" فأجابه الخر "يوما" ثم‬
‫رأى بقية الشمس نقية فاتقى بالورع ورطات الكذب‪،‬‬
‫فعاد يتبع أوب "أو بعض يوم" فلما قفلوا من سفر‬
‫النوم إلى ديار العادة‪ ،‬زاد تقاضي الطبع بالزاد‪ ،‬فخرج‬
‫رئيسهم في ثوب متنكر‪ ،‬فضلت معرفته المعاهد‪،‬‬
‫فأقبل يتهم اليقظة‪ ،‬فمد إلى بايع الطعام باعه‪ ،‬فما‬
‫باعه‪ ،‬وظن أنه قد وجد كنزًا‪ ،‬ولقد وجد كنز "وزدناهم‬
‫هدى" فحمله القوم إلى الوالي‪ ،‬فقال إنه لمالي‪ ،‬فما‬
‫لكم ومالي? كنا فتية أكرهنا على فتنة فخرجنا عشية‬
‫أمس‪ ،‬فنمنا في باطن كهف‪ ،‬فلما انتبهنا خرجت لبتاع‬
‫للتباع قوت القوت‪ ،‬فسار القوم معه في عسكر‬
‫التعجب‪ ،‬فسمع إخوانه جلبة الخيل‪ ،‬في جلبة الطلب‪،‬‬
‫فتجاوبوا بأصوات التوديع‪ ،‬وقاموا إلى صلة مودع‪،‬‬
‫فدخل تمليخا فقص عليهم نبأهم‪ ،‬فعادوا إلى مواضع‬
‫المضاجع‪ ،‬فوافتهم الوفاة‪ ،‬وفات لقاؤهم وسدلت‬
‫عليهم حجاب الرعب‪ ،‬كف "لو ا ّ‬
‫طلعت"‪.‬‬

‫‪77‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫إخواني ليس العجب من نائم لم يعرف قدر ما مر من‬
‫يومه‪ ،‬وإنما العجب من نائم في يقظة عمره‪.‬‬
‫‪:....‬‬
‫خلقوا لما غفلوا‬
‫أما والله لو عـرف‬
‫لما ُ‬
‫وناموا‬
‫النـام‬
‫عيون قلوبهم ساحوا‬
‫خلقوا ِلما لو‬
‫لقد ُ‬
‫وهاموا‬
‫أبصـرتـه‬
‫وتوبيخ وأهـوال‬
‫ممات ثم قبر ثـم‬
‫م‬
‫حـشـر‬
‫ِ‬
‫عـظـا ُ‬
‫فصلوا من مخافته‬
‫يوم الحشر قد‬
‫خلقت رجا ٌ‬
‫وصاموا‬
‫ل‬
‫ُ‬
‫كأهل الكهف أيقـاظ‬
‫ونحن إذا أمرنا أو‬
‫م‬
‫نهـينـا‬
‫نـيا ُ‬
‫الفصل الثالث والعشرون‬
‫في بداية أمر نبينا ورضاعه صلى الله عليه وسلم‬
‫خلق نبينا صلى الله عليه وسلم من أرضى الرض‬
‫أرضًا‪ ،‬وأصفى الوصاف وصفًا‪ ،‬وصين آباؤه من زلل‬
‫الزنا‪ ،‬إلى أن صدفت بتلك الدرة صدفة آمنة‪ ،‬فوثبت‬
‫لرضاعه ثويبة‪ ،‬ثم قضت باقي الدين حليمة‪ ،‬فقام نباته‬
‫مستعجل ً على سوقه‪ ،‬مستعجل ً قيام سوقه‪ ،‬فنشأ في‬
‫حجر الكمال كما نشأ‪ ،‬فشأى من شأى منشأ‪.‬‬
‫قدمت حليمة والجدب عام في العام‪ ،‬فعرض على‬
‫المرضعات فأبين لليتم‪ ،‬فراحت به حليمة إلى حلتها‪،‬‬
‫فثاب لبنها ولبن راحلتها‪ ،‬فباتوا البركة روائه رواء‪،‬‬
‫وهب على مباركهم نسيم نسمة مباركة‪ ،‬فلما ظعنت‬
‫الظعاين أتت أتانها تؤم أمام الركب‪ ،‬فلما حلوا حللهم‪.‬‬
‫كانت الرعاء تسرح فيعفرها سرحان الجدب‪ ،‬وراعي‬
‫حليمة يعيد الغنم بالغنم‪.‬‬
‫فبينا الصبي مع الصبيان‪ ،‬هبت صبا الجبر بجبريل‪،‬‬
‫فجاءه فجأة فشق عن القلب‪ ،‬ثم شقه وما شق عليه‪،‬‬
‫فعلق بيده من باطية باطنه علقة‪ ،‬فقال هذا حظ‬
‫الشيطان‪ ،‬وقد قطعنا علقه ثم أعاد قلبه بعد أن َ‬
‫قل ََبه‪،‬‬
‫وما به قلبة‪ ،‬فبقي أثر المخيط في صدره‪ ،‬باقي عمره‬
‫لظهار سورة "ألم نشرح"‪.‬‬
‫فلما بلغ ست سنين‪ ،‬ألوى الموت بالوالدة‪ ،‬فجد في‬

‫‪78‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫كفالته الجد‪ ،‬ثم طلب الموت عبد المطلب‪ ،‬فما أبى‬
‫الطالب‪ ،‬ول اشتغل بأوصابه حتى أوصى به أبا طالب‪،‬‬
‫فخرج به وقد زانه كالتاج تاجرًا‪ ،‬فتيمم باليتيم منزل‬
‫تيماء‪ ،‬فرآه بحيراء ببحرته فقرأ سمات النبوة من‬
‫شمايل "يعرفونه" فشام برق فضله فلح من شيمة‬
‫شامته‪ ،‬فقال لعمه‪ :‬احفظ هذه الشامة من شامت‪.‬‬
‫وما زال نشره يضوع ول يضيع‪ ،‬إلى أن تمخضت حامل‬
‫النبوة في إبان التمام‪ ،‬وآثر الطلق طلق الخلق‪،‬‬
‫فتحرى غار حراء للفراغ فراغ إليه الملك‪ ،‬فأغار حبل‬
‫الوصال في ذلك الغار‪ ،‬فأفاض عليه حلة "اقرأ"‬
‫ملوني" فس ّ‬
‫كنت خديجة غلته‪ ،‬بعلة‬
‫فأفاض إلى حلة "ز ّ‬
‫إنك لتصل الرحم ثم انطلقت به إلى ورقة فقرأ من‬
‫ورقة سيماه نقش فضله‪ ،‬فتيقظ لفهم أمره إذ ناموا‪،‬‬
‫فقال‪ :‬هذا الناموس الذي نزل على موسى‪ ،‬ولقد‬
‫عرفه الحبار في الكنايس‪ ،‬والرهبان في الصوامع‪،‬‬
‫وأنذر به الرئي وأخبر به التابع‪.‬‬
‫فكانت تسلم عليه قبل النبوة الحجار‪ ،‬وتبشره بما‬
‫أوله موله الشجار‪ ،‬وكان خاتم النبوة بين كتفيه‪،‬‬
‫وسرايا الرعب تترك كسرى كالكسرة بين يديه‪ ،‬ألبس‬
‫أهاب الهيبة وتوج تاج السيادة‪ ،‬وضمخ بأذكى خلوق‬
‫أزكى الخلق‪ ،‬وأحل دار المداراة‪ ،‬واجلس على صفحة‬
‫الصفح ولقم لقم لقمان الحكيم‪ ،‬ووضعت له أكواب‬
‫التواضع‪ ،‬وأديرت عليه كؤوس الكيس متضمنة حلوة‬
‫الحلم‪ ،‬ختامها مسك النسك‪ ،‬وأعطى لقطع مفازة‬
‫الدنيا جواد الجود‪ ،‬ونوول قلم العز فوقع على صحائف‬
‫الكد‪" ،‬كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد"‪ ،‬كان يعود‬
‫المريض‪ ،‬ويجيب دعوة المملوك‪ ،‬ويجلس على الرض‪،‬‬
‫ويلبس الخشن‪ ،‬ويأكل البشع‪ ،‬ويبيت الليالي طاويًا‪،‬‬
‫يتقلب في قعر الفقر‪ ،‬ولسان الحال يناديه‪ :‬يا محمد‬
‫نحن نضن بك عن الدنيا ل بها عنك‪.‬‬
‫ولقد شارك النبياء في فضائلهم وزاد‪ ،‬أين سطوة "ل‬
‫تذر" من حلم "اهد قومي" أين انشقاق البحر‪ :‬من‬
‫انشقاق القمر‪ ،‬أين انفجار الحجر من نبع الماء من بين‬
‫الصابع‪ ،‬أين التكليم عند الطور من قاب قوسين‪ ،‬أين‬
‫تسبيح الجبال في أماكنها من تقديس الحصى في‬
‫الكف‪ ،‬أين علو سليمان بالريح من ليلة المعراج‪ ،‬أين‬

‫‪79‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫إحياء عيسى الموات من تكليم الذراع‪ ،‬كل النبياء‬
‫ذهبت معجزاتهم بموتهم‪ ،‬ومعجزة نبينا الكبر‪ ،‬قائمة‬
‫على منار "لنذركم به ومن بلغ" تنادي "فأتوا بسورة‬
‫من مثله" ولقد أعرب عن تقدمه من تقدمه‪" ،‬آدم ومن‬
‫دونه تحت لوائي" لو كان موسى وعيسى حيين ما‬
‫ً‬
‫وسعهما إل اّتباعي‪ ،‬فإذا نزل عيسى صلى مأموما‪ ،‬لئل‬
‫يدنس بغبار الشبهة وجه "ل نبي بعدي"‪.‬‬
‫فهو أول الناس خروجا ً إذا بعثوا‪ ،‬وخطيب الخلئق إذا‬
‫وفدوا‪ ،‬ومبشر القوم إذا يأسوا‪ ،‬النبياء قد سكتوا‬
‫لنطقه‪ ،‬والملك قد اعترفوا بحقه‪ ،‬والجنة والنار تحت‬
‫أمره‪ ،‬والخزان داخلون في دائرة حكمه‪ ،‬وكلم غيره‬
‫قبل قوله ل ينفع وجواب الحبيب له " ُ‬
‫مع"‬
‫قل ُتس َ‬
‫فسبحان من فض له من الفضائل ما فضله‪ ،‬وكسب‬
‫من حلل الفخر الجم ما جمله‪ ،‬جمع الله بيننا وبينه في‬
‫جنته‪ ،‬وأحيانا على كتابه وسنته‪.‬‬
‫الفصل الرابع والعشرون‬
‫قصة الغار والصديق‬
‫لما أغارت قريش خيل الحيل على الرسول‪ ،‬خرج إلى‬
‫غار لو دخله غيره كان غررًا‪ ،‬فغريت قريش بالطلب‪،‬‬
‫فنبتت شجرة لم تكن قبل‪ .‬قبل الباب‪ ،‬فأظلت‬
‫المطلوب‪ ،‬وأضلت الطالب‪ ،‬وجاءت عنكبوت فسدت‬
‫دت باب الطلب‪ ،‬حاكت وجه الغار فحاكت ثوب‬
‫فس ّ‬
‫نسجها فحاكت سترًا‪ ،‬ثم حمى اللطف الحمن‪،‬‬
‫بحمامتين فما كان إل أن سكنتا من الغار فمًا‪ ،‬فما بان‬
‫المستتر فاتخذتا عشًا‪ ،‬فغشى ما غشى من غشاء‬
‫العشا‪ ،‬على أبصار المقتفين فصاروا كالعشى‪ ،‬فراغ‬
‫العداء نحو تلك الناحية‪ ،‬فرأوا دليل فراغ الغار الغار‪،‬‬
‫فعادوا عن من عادوا‪ ،‬عودا ً بحتا ً بل بخت‪ ،‬فقال‬
‫الصديق عن حر الوجد‪ ،‬لو أن أحدهم نظر إلى قدميه‬
‫لبصرنا‪ ،‬فقال‪" :‬ما ظنك باثنين الله ثالثهما"‪.‬‬
‫سراقة‪ ،‬فسرقت الرض قوايم‬
‫فلما رحل لحقهما ُ‬
‫فرسه‪ ،‬فلما رأى أرضا ً صلدا ً قد فرست الفرس‪،‬‬
‫فرست إلى بطنها ببطنها‪ ،‬أشربت نفسه علم اليقين‬
‫بظنها‪ ،‬فأخذ يعرض المال على من قد رد مفاتيح‬
‫الكنوز‪ ،‬ويقدم الزاد إلى شبعان "أبيت عند ربي" فجازا‬
‫على خيمة أم معبد‪ ،‬فأصحت شاتها‪ ،‬وأصبحت تشهد‪،‬‬

‫‪80‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫فوصل إلى يثرب على نجائب السلمة‪ ،‬وفات الخير‬
‫مكة‪ ،‬وفاءت المدينة بالكرامة‪.‬‬
‫الفصل الخامس والعشرون‬
‫في قصة أهل بدر‬
‫لما بادر بدر الشريعة بالخروج إلى بدر‪ ،‬رأى في‬
‫أصحابه قلة فارتقى قلة "وشاورهم" فقام المقداد‬
‫عن قوله قومة‪ ،‬لحق متابعة المبايعة‪ ،‬فقال‪ :‬لو سرت‬
‫إلى برك الغماد لتابعناك فما لبث الرسول أن صار‬
‫يطلب بالخطاب النصار‪ ،‬ففطن لسعادته سعد بن‬
‫معاذ‪ ،‬فقال‪ :‬لو خضت البحر لخضنا‪ ،‬فرأى المصطفى‬
‫في العداء العدد والعدة‪ ،‬والتفت إلى المسلمين فوجد‬
‫إذ ما وجد‪ ،‬فاستقبل قبلة الطلب‪ ،‬واقتضى كريما ً ما‬
‫ماطل‪ ،‬فانتدب مدد العون بل عون‪ ،‬فأقبلت سحابة‬
‫تسحب ذيل النصر‪ ،‬فسمع المشركون منها حمحمة‬
‫الخيل فحموا‪ ،‬وانقلبت قلوبهم من يحمومها حمًا‪،‬‬
‫فنزلت الملئكة مع اللفين‪ ،‬جبريل في ألفين‪،‬‬
‫وميكائيل في ألفين‪ ،‬وأسرى إسرافيل في ألف مرد‬
‫مردفين‪ ،‬فعدلوا كالغمايم‪ ،‬قد سدلوا العمايم‪ ،‬وأرسلت‬
‫قريش رايدًا‪ ،‬فعاد بتأثير سالقي‪ ،‬فحذر القوم العزل‬
‫سهام العزايم‪ ،‬فأثر عتبه في عتبة‪ ،‬وكان يشيب خوفا ً‬
‫شيبة‪ ،‬وأحكم حزام الحزم حكيم بن حزام‪ ،‬وأبى للجهل‬
‫أبو جهل‪:‬‬
‫أحد سلحهم فيه‬
‫فلزهم الطراد إلى‬
‫الـفـراُر‬
‫ل‬
‫قـتـا ٍ‬
‫لرجلهم بأرؤسهم‬
‫مضوا متسابقي‬
‫عـثـاُر‬
‫العضاء فيه‬
‫ِ‬
‫فلما قلبوا إلى القليب‪ ،‬قام الرسول على رأس الرس‬
‫ينادي الرؤساء حين رسوا بلسان "فانتقمنا" عن جواب‬
‫"إن تستفتحوا" لتصديق "وينصرك الله" في مضمون‬
‫وب" يا فلن ويا فلن‪" :‬هل وجدتم ما وعد ربكم‬
‫"هل ث ُ ّ‬
‫حقًا"‪.‬‬
‫ذكر من شهد بدرا ً على الحروف حرف اللف أبي بن‬
‫كعب‪ ،‬أبي بن ثابت‪ ،‬أوس بن ثابت‪ ،‬أوس بن خولي‪،‬‬
‫أوس بن الصامت‪ ،‬أسعد بن يزيد‪ ،‬أنس بن معاذ‪،‬‬
‫الرقم‪ ،‬أربد‪ ،‬أسيرة‪ ،‬إياس‪.‬‬
‫حرف الباء بشير بن البراء‪ ،‬بشير بن سعيد‪ ،‬بلل‪،‬‬

‫‪81‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫بحاث‪ ،‬بسبس‪.‬‬
‫حرف التاء تميم بن يعار‪ ،‬تميم مولى خراش‪ ،‬تميم‬
‫مولى بني غنم‪.‬‬
‫حرف الثاء ثابت بن أرقم‪ ،‬ثابت بن ثعلبة‪ ،‬ثابت بن خلد‪،‬‬
‫ثابت بن عمرو‪ ،‬ثابت بن هزال‪ ،‬ثعلبة بن حاطب‪ ،‬ثعلبة‬
‫بن عمرو‪ ،‬ثعلبة بن غنمة‪ ،‬ثقيف‪.‬‬
‫حرف الجيم جابر بن خالد‪ ،‬جابر بن عبد الله بن رئاب‪،‬‬
‫جبار‪ ،‬جبير‪ ،‬جبر‪.‬‬
‫حرف الحاء الحارث بن أنس‪ ،‬الحارث بن أوس‪ ،‬الحارث‬
‫بن خزمة‪ ،‬الحارث بن ظالم‪ ،‬الحارث قيس‪ ،‬الحارث بن‬
‫النعمان‪ ،‬حارثة بن الحمير‪ ،‬حارثة بن سراقة‪ ،‬حارثة بن‬
‫النعمان بن رافع‪ ،‬حارثة بن النعمان بن نفيع‪ ،‬حاطب‬
‫بن أبي بلتعة‪ ،‬حاطب بن عمرو الحباب‪ ،‬حبيب الحرام‪،‬‬
‫حريث‪ ،‬حصين‪ ،‬حمزة‪.‬‬
‫حرف الخاء خالد بن البكير‪ ،‬خالد بن زيد‪ ،‬خالد بن‬
‫قيس‪ ،‬خلد بن رافع‪ ،‬خلد بن سويد‪ ،‬خلد بن عمرو‪،‬‬
‫خليد‪ ،‬خباب بن الرت‪ ،‬خباب مولى عتبة‪ ،‬خبيب بن‬
‫يساف‪ ،‬خارجة‪ ،‬خليفة‪ ،‬خنيس‪ ،‬خولي‪.‬‬
‫حرف الدال ليس فيه أحد‪.‬‬
‫حرف الذال ذكوان‪ ،‬ذو الشمالين‪.‬‬
‫حرف الراء رافع بن الحارث‪ ،‬رافع بن عنجدة‪ ،‬رافع بن‬
‫المعلى‪ ،‬رفاعة بن رافع‪ ،‬رفاعة بن عبد المنذر‪ ،‬رفاعة‬
‫بن عمرو‪ ،‬الربيع‪ ،‬ربيعة‪ ،‬ربعي‪ ،‬رجيلة‪.‬‬
‫حرف الزاي زيد بن أسلم‪ ،‬زيد بن حارثة‪ ،‬زيد بن‬
‫الخطاب‪ ،‬زيد بن سهل‪ ،‬زيد بن وديعة‪ ،‬زياد بن كعب‪،‬‬
‫زياد بن لبيد‪ ،‬الزبير‪.‬‬
‫حرف السين‬
‫سعد بن خولة‪ ،‬سعد بن الربيع‪ ،‬سعد بن سهل‪ ،‬سعد بن‬
‫عثمان‪ ،‬سعد بن مالك‪ ،‬سعد بن معاذ‪ ،‬سعد القاري‪،‬‬
‫سعيد بن قيس‪ ،‬سهل بن حنيف‪ ،‬سهيل بن رافع‪،‬‬
‫سهيل بن عتيك‪ ،‬سهل بن عدي‪ ،‬سهل بن قيس‪،‬‬
‫سهيل بن بيضاء‪ ،‬سليم بن الحارث‪ ،‬سليم بن عمرو‪،‬‬
‫سليم بن قيس‪ ،‬سليم بن ملحان‪ ،‬سليم أبو كبشة‪،‬‬
‫سلمة بن أسلم‪ ،‬سلمة بن ثابت‪ ،‬سلمة بن سلمة‪،‬‬
‫سالم بن عمير‪ ،‬سالم مولى أبي حذيفة‪ ،‬سراقة بن‬
‫عمرو‪ ،‬سراقة بن كعب‪ ،‬سماك بن خرشة‪ ،‬سماك بن‬

‫‪82‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫سعد‪ ،‬سنان بن صيفي‪ ،‬سنان بن أبي سنان‪ ،‬سويبط‪،‬‬
‫سواد بن رزين‪ ،‬سواد بن غرية‪ ،‬السايب‪ ،‬سبيع‪ ،‬سفين‪،‬‬
‫سليط‪.‬‬
‫حرف الشين شجاع‪ ،‬شماس‪.‬‬
‫حرف الصاد صالح‪ ،‬صفوان‪.‬‬
‫حرف الضاد ضمرة‪ ،‬الضحاك‪.‬‬
‫حرف الطاء الطفيل بن الحارث‪ ،‬الطفيل بن مالك‪،‬‬
‫الطفيل بن النعمان‪.‬‬
‫حرف الظاء ليس فيها أحد‪.‬‬
‫حرف العين عبد الله أبو بكر الصديق‪ ،‬عمر بن الخطاب‪،‬‬
‫علي بن أبي طالب‪ ،‬عبد الله بن مسعود‪ ،‬عبد الله أبو‬
‫سلمة‪ ،‬عبد الله أنيس‪ ،‬عبد الله بن ثعلبة‪ ،‬عبد الله بن‬
‫جبير‪ ،‬عبد الله بن جحش‪ ،‬عبد الله بن الجد‪ ،‬عبد الله‬
‫بن الربيع‪ ،‬عبد الله بن رواحة‪ ،‬عبد الله بن زيد‪ ،‬عبد‬
‫الله بن سراقة‪ ،‬عبد الله بن سلمة‪ ،‬عبد الله بن سهل‪،‬‬
‫عبد الله بن سهيل‪ ،‬عبد الله بن طارق‪ ،‬عبد الله بن‬
‫عبيد الله بن أبي عبد الله بن عبد مناف‪ ،‬عبد الله بن‬
‫عبس‪ ،‬عبد الله بن عرفطة‪ ،‬عبد الله بن عمرو‪ ،‬عبد‬
‫الله بن عمير‪ ،‬عبد الله بن قيس بن خلدة‪ ،‬عبد الله بن‬
‫قيس بن صخر‪ ،‬عبد الله بن مخرمة‪ ،‬عبد الله بن‬
‫مظعون‪ ،‬عبد الله بن النعمان‪ ،‬عبد الرحمن بن جبر‪،‬‬
‫عبد الرحمن بن عبد الله‪ ،‬عبد الرحمن بن عوف‪ ،‬عبيد‬
‫بن أوس‪ ،‬عبيد بن زيد‪ ،‬عبيد بن أبي عبيد‪ ،‬عبيدة بن‬
‫الحارث‪ ،‬عباد بن بشر‪ ،‬عباد بن قيس‪ ،‬عباد بن‬
‫الخشخاش‪ ،‬عبد ربه‪ ،‬عتبة بن أبي ربيعة‪ ،‬عتبة بن زيد‪،‬‬
‫عتبة بن غزوان‪ ،‬عتبة بن عبد الله‪ ،‬عقبة بن عامر‪،‬‬
‫عقبة بن وهب بن ربيعة‪ ،‬عقبة بن وهب بن كلدة‪ ،‬عمر‬
‫بن إياس‪ ،‬عمرو بن ثعلبة‪ ،‬عمرو بن سراقة‪ ،‬عمرو بن‬
‫طلق‪ ،‬عمر بن معاذ‪ ،‬عمر بن أبي سرح‪ ،‬عمير بن‬
‫الحارث‪ ،‬عمير بن الحمام‪ ،‬عمير بن عامر‪ ،‬عمير بن‬
‫عوف‪ ،‬عمير بن مالك‪ ،‬عمير بن معبد‪ ،‬عمار‪ ،‬عمارة‪،‬‬
‫عامر بن أمية‪ ،‬عامر بن البكير‪ ،‬عامر بن الجراح‪ ،‬عامر‬
‫بن ربيعة‪ ،‬عامر بن سلمة‪ ،‬عامر بن فهيرة‪ ،‬عامر بن‬
‫مخلد‪ ،‬عاصم بن ثابت‪ ،‬عاصم بن العكير‪ ،‬عامر بن‬
‫قيس‪ ،‬عصيمة الشجعي‪ ،‬عصيمة النصاري‪ ،‬عوف بن‬
‫أثاثة‪ ،‬عوف بن عفرا‪ ،‬عاقل‪ ،‬عايذ‪ ،‬عبس‪ ،‬عدي‪ ،‬عنترة‪،‬‬

‫‪83‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫عويم‪ ،‬عياض‪ ،‬عثمان بن مظعون‪.‬‬
‫حرف الغين غنام‪.‬‬
‫حرف الفاء الفاكه‪ ،‬وفروة‪.‬‬
‫حرف القاف قيس بن أبي صعصعة‪ ،‬قيس بن عمرو‪،‬‬
‫قيس بن محصن‪ ،‬قيس بن مخلد‪ ،‬قتادة‪ ،‬قدامة‪ ،‬قطبة‪.‬‬
‫حرف الكاف كعب بن حماز‪ ،‬كعب بن زيد‪ ،‬كعب بن‬
‫عمرو‪ ،‬كناز‪.‬‬
‫حرف اللم ليس فيه أحد‪.‬‬
‫حرف الميم مالك بن التيهان‪ ،‬مالك بن ثابت‪ ،‬مالك بن‬
‫الدخشم‪ ،‬مالك بن ربيعة‪ ،‬مالك بن عمرو أبو حبة‪ ،‬مالك‬
‫بن عمرو أخو ثقيف‪ ،‬مالك بن عمرو بن خيثمة‪ ،‬ملك‬
‫بن قدامة‪ ،‬ملك بن مسعود‪ ،‬مسعود بن خلدة‪ ،‬مسعود‬
‫بن الربيع‪ ،‬مسعود بن سعد الحارثي‪ ،‬مسعود بن سعد‬
‫الزرقي‪ ،‬معاذ بن جبل‪ ،‬معاذ بن عفراء‪ ،‬معاذ بن‬
‫ماعص‪ ،‬المنذر بن عمرو‪ ،‬المنذر بن قدامة‪ ،‬المنذر بن‬
‫محمد‪ ،‬معتب بن حمراء‪ ،‬معتب بن عبدة‪ ،‬معتب بن‬
‫قشير‪ ،‬معبد بن عبادة‪ ،‬معبد بن قيس‪ ،‬محرز بن عامر‪،‬‬
‫محرز بن نضلة‪ ،‬معوذ بن عفراء‪ ،‬معوذ بن عمرو‪،‬‬
‫مبشر‪ ،‬المحذر‪ ،‬محمد بن سلمة‪ ،‬مدلج‪ ،‬مرثد‪ ،‬مصعب‪،‬‬
‫معقل‪ ،‬معمر‪ ،‬معن‪ ،‬المقداد‪ ،‬مليل‪ ،‬مهجع‪.‬‬
‫حرف النون النعمان بن ثابت‪ ،‬النعمان بن سنان‪،‬‬
‫النعمان بن عمرو‪ ،‬النعمان بن عبد عمرو‪ ،‬النعمان بن‬
‫عصر‪ ،‬النعمان بن مالك‪ ،‬النعمان بن أبي خزمة‪ ،‬نصر‪،‬‬
‫نوفل‪.‬‬
‫حرف الواو وهب بن سعد‪ ،‬وهب بن محصن‪ ،‬وافد‪،‬‬
‫وديعة‪ ،‬وذقة‪.‬‬
‫حرف الهاء هاني‪ ،‬هشام‪ ،‬هلل‪.‬‬
‫حرف الياء يزيد بن الحارث‪ ،‬يزيد بن رقيش‪ ،‬يزيد بن‬
‫عامر‪ ،‬يزيد بن المزين‪ ،‬يزيد بن المنذر‪.‬‬
‫وممن يعرف بكنيته ول يعرف باسمه أبو الحمراء‪ ،‬أبو‬
‫خزيمة‪ ،‬أبو سبرة‪ ،‬أبو مليل‪.‬‬
‫وامتنع من شهود بدر ثمانية لعذار‪ ،‬فضرب لهم‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم سهامهم وأجورهم‬
‫فكانوا كمن شهدها‪ :‬عثمان‪ ،‬وطلحة‪ ،‬وسعيد‪ ،‬والحارث‬
‫بن حاطب‪ ،‬والحارث بن الصمة‪ ،‬وخوات‪ ،‬وعاصم بن‬

‫‪84‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫عدي‪ ،‬وأبو لبابة‪.‬‬
‫فهؤلء البدريون بجملتهم‪ ،‬حشرنا الله في زمرتهم‪.‬‬
‫الفصل السادس والعشرون‬
‫في تزويج علي بفاطمة عليهما السلم‬
‫كان للنبي صلى الله عليه وسلم بنات فضلتهن‬
‫فاطمة‪ ،‬وزوجات سبقنهن عائشة‪ ،‬وذلك أن اختيار‬
‫القدر ل يحابي في التساوي‪ُ ،‬تسقى بماء واحد‬
‫ضل بعضها على بعض في ال ُ‬
‫ي‬
‫"ونف ّ‬
‫كل" لما نهض عل ّ‬
‫لخطبتها‪ ،‬طرق بأنامل رجائه أرجاء باب الخطبة‪،‬‬
‫فمشى إليه الذن بالذن على عجل العجل‪ ،‬فقد صدق‬
‫الرغبة قبل نقد الصداق‪ ،‬فعقد العقد على درع لينّبه‬
‫على جهاد الهوى‪ ،‬وجهزت بالجهاز على عدو الزهد‪،‬‬
‫ولم يرض لها جهاز الدنيا‪ ،‬لموافقة البضعة التي هي‬
‫منه‪ ،‬فحلها الرسول بحلية "فاطمة بضعة مني" وعقد‬
‫لها عقدا ً خرزات نظامه "إن الله ليغضب لغضبك‪،‬‬
‫ويرضى لرضاك"‪ ،‬وبعث بين يديها وصايف " ُ‬
‫ضوا‬
‫غ ّ‬
‫أبصاركم" ونصب لها سدة "أل ترضين أن تكوني سيدة‬
‫نساء هذه المة"‪ ،‬وأدخلها على الزوج في حلل الحالية‬
‫عليها قناع القناعة‪ ،‬تسعى في فضاء الفضائل إلى‬
‫خلوة الخلة‪ ،‬حتى أجلست على منصة النص‪ ،‬فأمر الله‬
‫تعالى ليلة عرسها‪ ،‬شجر الجنان‪ ،‬فحملت حلل ً وحليا ً‬
‫فنثرته على الملئكة‪ ،‬وليس المراد بذلك الملك‪ ،‬ولكن‬
‫ليعلم رضى الملك‪.‬‬
‫يا عجبًا‪ ،‬نثرت الحلل لجل من فراشه جلد كبش‪ ،‬هل‬
‫حلت له منه حلة‪ ،‬كل مركب الملك أحلى من أن يحلى‪،‬‬
‫فدخل عليها الرسول‪ ،‬فاستدعى بإناء من ماء‪ ،‬فدعا‬
‫فيه بالبركة‪ ،‬ثم رش على حبيبين بل غش‪ ،‬فلما طاب‬
‫لعلي ذلك الوقت‪ ،‬سأل الرسول سؤال سكران من‬
‫شراب الوصل‪ :‬يا رسول الله أنا أحب إليك أم هي?‬
‫ففصل الحاكم بين خصوم الحب‪ ،‬فقال‪ :‬هي أحب إلي‬
‫منك‪ ،‬وأنت أعز علي منها‪ ،‬فلما حازت بما حازت قناطر‬
‫الفضل‪ ،‬صين وجه الكمال بخال الخلل في العيش‪،‬‬
‫فأقوى على القوى ففر الفقر‪ ،‬فصيح بفصيح خطاب‬
‫الشرع‪ :‬يا علي قم لكسب قوت الوقت‪ ،‬فخرج يسعى‬
‫على أرض الرضا‪ ،‬بين أعلم الصبر‪ ،‬فبات يسقي نخل ً‬
‫إلى الفجر بشيء من الشعير على وجه الجر‪ ،‬فلما‬

‫‪85‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫جاء به وأصلح للكل قام سايل على باب البذل‪ ،‬فنادى‪:‬‬
‫يا أهل نادي الندى والفضل‪ ،‬أطعمونا أطعمكم الله من‬
‫الفضل‪ ،‬فثارت رياح الرتياح لليثار‪ ،‬فأثارت سحابا ً‬
‫يقطر من قطرته قطر جور الجود‪ ،‬فسأل سيله بقدر‬
‫وادي الود‪ ،‬فلما تروت بالماء أشجار النس‪ ،‬صدحت‬
‫على ورقها ورق القدس وأغنى عن غرايب صدح المد‬
‫حّبه" ثم أخبر الحق‪ ،‬عن‬
‫"وُيط ِ‬
‫عمون الطعام على ُ‬
‫مضمون القصد "إنما نطعمكم لوجه الله" فلو رأيت‬
‫القوم يوم القيامة‪ ،‬في ظل "فوقاهم الله" وقد‬
‫اكتست أجساد وكست بكسا الضنك غضارة العيش على‬
‫حلل الخفض‪ ،‬واستراحت أيد تفرق أيدها من طحن‬
‫الرجاء ونزع الدلو‪" ،‬متكئين فيها" هذا من حصاد بذر‬
‫النذر‪.‬‬
‫ولقد عجب العلماء من شرح هذا الجر واستظرفوا‬
‫عدم ذكر الحور في هذا الذكر‪ ،‬فبقوا متحيرين في جير‬
‫الفكر‪ ،‬فنودوا من بطنان وادي الفضل‪ ،‬بأن ذلك‬
‫لفضل فضل زهراء النس‪ ،‬غير عليها من ذكر الغير‪،‬‬
‫وإنما أثرا على الطفلين‪ ،‬لنهما غصنان من شجرة‬
‫"أبيت يطعمني ربي" وبعض من جملة "هي بضعة‬
‫مني" وفرخ البط سابح‪ ،‬وذكاة الجنين كذكرة أمه‪.‬‬
‫القسم الثاني في المواعظ‬
‫وهو المشتمل على المواعظ والرشادات مطلقا ً وهو‬
‫مائة فصل‬
‫الفصل الول‬
‫في قوله تعالى "هو الول والخر" يذكر فيه التوحيد‬
‫أول ليس له مبدأ‪ ،‬آخر جل عن منتهى‪ ،‬ظاهر بالدليل‪،‬‬
‫باطن بالحجاب‪ ،‬يثبته العقل ول يدركه الحس‪ ،‬كل‬
‫مخلوق محصور‪ ،‬بحد مأسور في سور قطر‪ ،‬والخالق‬
‫بائن مباين يعرف بعدم مألوف التعريف‪ ،‬ارتفعت لعدم‬
‫للشبه الشبه‪ ،‬إنما يقع الشكال في وصف من له‬
‫أشكال‪ ،‬وإنما تضرب المثال لمن له أمثال‪ ،‬فأما من‬
‫لم يزل ول يزال فما للحس معه مجال‪ ،‬عظمته عظمت‬
‫عن نيل كف الخيال‪.‬‬
‫كيف يقال له كيف‪ ،‬والكيف في حقه محال‪ ،‬أنى‬
‫تتخايله الوهام وهي صنعه‪ ،‬كيف تحده العقول وهي‬
‫فعله‪ ،‬كيف تحويه الماكن وهي وضعه‪ ،‬انقطع سير‬

‫‪86‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫الفكر‪ ،‬وقف سلوك الذهن‪ ،‬بطلت إشارة الوهم‪ ،‬عجز‬
‫لطف الوصف‪ ،‬عشيت عين العقل‪ ،‬خرس لسان الحس‪،‬‬
‫ل طور للقدم في طور القدم‪ ،‬عز المرقى فيأس‬
‫المرتقى‪ ،‬بحر ل يتمكن منه غايص‪ ،‬ليل ل يبين للعين‬
‫فيه كوكب‪:‬‬
‫فدون مداه بـيد ل‬
‫مرام شط مرمى‬
‫تـبـيد‬
‫العقل فيه‬
‫جادة التسليم سليمة‪ ،‬وادي النقل بل نقع‪ ،‬انزل عن‬
‫علو غلو التشبيه‪ ،‬ول تعل قلل أباطيل التعطيل‪،‬‬
‫فالوادي بين جبلين‪ ،‬المشبه متلوث بفرث التجسيم‪،‬‬
‫والمعطل نجس بدم الجحود‪ ،‬ونصيب المحق لبن خالص‬
‫مر في نفوس الكفار حب الصنام‪ ،‬فجاء‬
‫هو التنزيه‪ ،‬تخ ّ‬
‫محمد فمحا ذلك بالتوحيد‪ ،‬وتخمر في قلوب المشبهة‬
‫حب صورة وشكل‪ ،‬حييت فمحوتها بالتنزيه "والعلماء‬
‫ورثة النبياء" ما عرفه من كيفه‪ ،‬ول وحده من مثله‪،‬‬
‫ول عبده من شبهه‪ ،‬المشبه أعشى‪ ،‬والمعطل أعمى‪.‬‬
‫فما ينزه عنه فم‪ ،‬فيما يجب نفيه بثم جل وجوب‬
‫وجوده عن رجم لعل‪ ،‬سبق الزمان فل يقال كان إذ‪،‬‬
‫تمجد في وحدانيته عن زحام مع‪ ،‬تفرد بالنشاء فل‬
‫يستفهم عن الصانع بمن‪ ،‬أبرز عرايس المخلوقات من‬
‫ن كن‪ ،‬بث الحلم فلم يعارض بلم‪ ،‬تعالى عن بعضية‬
‫ك ّ‬
‫من‪ ،‬وتقدس عن ظرفية في‪ ،‬وتنزه عن شبه كان‪،‬‬
‫وتعظم عن نقص لو أن‪ ،‬وعز عن عيب إل أن‪ ،‬وسما‬
‫كماله عن تدارك لكن‪.‬‬
‫إن وقف ذهن بوصفه صاح العز جز‪ ،‬إن سار فكر نحوه‬
‫قالت الهيبة عد‪ ،‬إن قعد اللسان عن ذكره قال القلب‬
‫قم‪ ،‬إن تجبر متكبر قال القهر شم‪ ،‬إن سأل محتاج‬
‫قال النعام رش‪ ،‬إن تعرض فقير قال الوفر فر‪ ،‬إن‬
‫سكت مذنب حيا قال الحلم قل‪ ،‬إن بعد ذو خطاء نادى‬
‫ب‪ ،‬نثر عجايب النعم وقال للكل خذ‪.‬‬
‫اللطف إ ْ‬
‫من بيان عظمته "رفيع الدرجات" من أثر قسره "ُتسّبح‬
‫له السماوات" توقيع أمره "يأمر بالعدل" واقع زجره‬
‫"ينهى عن الفحشاء" ينادي على باب عزته "ل ُيسأل"‬
‫يصاح على محجة حجته "لمن الرض ومن فيها" ينذر‬
‫جاسوس علمه "ما يكون من نجوى ثلثة" يقول جهبذ‬
‫دوا نعمة الله" يترنم منشد فضله "ل‬
‫طوله "وإن تع ّ‬

‫‪87‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫تقنطوا"‪.‬‬
‫سبحان من أقام من كل موجود دليل ً على عزته‪،‬‬
‫ونصب علم الهدى على باب حجته‪ ،‬الكوان كلها تنطق‬
‫بالدليل على وحدانيته‪ ،‬وكل موافق ومخالف يمشي‬
‫تحت مشيئته‪ ،‬إن رفعت بصر الفكر ترى دائرة الفلك‬
‫في قبضته‪ ،‬وتبصر شمس النهار وبدر الدجى يجريان‬
‫في بحر قدرته‪ ،‬والكواكب قد اصطفت كالمواكب على‬
‫مناكب تسخير سطوته‪ ،‬فمنها رجوم للشياطين ترميهم‬
‫فترميهم عن حمى حمايته‪ ،‬ومنها سطور في المهامه‬
‫يقرؤها المسافر في سفر سفرته‪ ،‬وإن خفضت البصر‬
‫رأيت الرض ممسكة بحكمة حكمته‪ ،‬كل قطر منها‬
‫محروس بأطواده عن حركته‪ ،‬فإذا ضجت عطائها ثار‬
‫السحاب من بركة بركته‪ ،‬ونفخ في صور الرعد لحياء‬
‫صور النبات من حفرته‪ ،‬فيبدو نور النور يهتز طربا ً‬
‫بخزامى رحمته‪ ،‬فإذا استوى على سوقه‪ .‬زادت في‬
‫سوقه نعامى نعمته‪ ،‬ويفتق يد اليجاد بأنامل القدرة‬
‫أكمام النبات عن صنعة صبغته‪ ،‬فيرفل في حلى حلل‬
‫الحال الحالية إلى معبر عبرته‪ ،‬وتصدح الورق على‬
‫الورق كل بتبليغ لغته‪ ،‬والشجار معتنقة ومفترقة على‬
‫مقدار إرادته‪ ،‬صنوان وغير صنوان‪ ،‬هذا بعض صنعته‬
‫"وُيسّبح الرعد بحمد والملئكة من خيفته"‪.‬‬
‫نظر بعين الختيار إلى آدم فحظي بسجود ملئكته‪،‬‬
‫وإلى ابنه شيث فأقامه في منزلته‪ ،‬وإلى إدريس‬
‫فاحتال بإلهامه على جنته‪ ،‬وإلى نوح فنجا من الغرق‬
‫بسفينته‪ ،‬وإلى هود فعاد على عاد شؤم مخالفته‪،‬‬
‫وإلى صالح فتمخضت صخرة بناقته‪ ،‬وإلى إبراهيم‬
‫فتبختر في حلة خلته‪ ،‬وإلى إسماعيل فأعان الخليل‬
‫في بناء كعبته‪ ،‬وإلى إسحق فافتكه بالفداء من‬
‫ضجعته‪ ،‬وإلى لوط فنجاه وأهله من عشيرته‪ ،‬وإلى‬
‫شعيب فأعطاه الفصاحة في خطبته‪ ،‬وإلى يعقوب فرد‬
‫حبيبه مع حبيبته‪ ،‬وإلى يوسف فأراه البرهان في‬
‫همته‪ ،‬وإلى موسى فخطر في ثوب مكالمته‪ ،‬وإلى‬
‫إلياس فاليأس للناس من حالته‪ ،‬وإلى داود فألن‬
‫الحديد له على حدته‪ ،‬وإلى سليمان فراحت الريح من‬
‫في مملكته‪ ،‬وإلى أيوب فيا طوبى لركضته‪ ،‬وإلى‬
‫يونس فسمع نداه في ظلمته‪ ،‬وإلى زكريا فقرن‬

‫‪88‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫سؤاله ببشارته‪ ،‬وإلى يحيى فتلمح حصير الحصور على‬
‫سدة سيادته‪ ،‬وإلى عيسى فكم أقام ميتا ً من حفرته‪،‬‬
‫وإلى محمد‪ ،‬فخصه ليلة المعراج رؤيته‪.‬‬
‫وأعرض عن إبليس فخزي ببعده ولعنته‪ ،‬وعن قابيل‬
‫فقلب قلبه إلى معصيته‪ ،‬وعن نمرود فقال أنا أحيي‬
‫الموتى ببلهته‪ ،‬وعن فرعون فادعى الربوبية على‬
‫جرأته‪ ،‬وعن هامان فأين رأيه? يوم اليم في وزارته‪،‬‬
‫وعن قارون فخرج على قومه في زينته‪ ،‬وعن بلعام‬
‫فهلك بل عام في بحر شقوته‪ ،‬وعن برصيصا فلم‬
‫تنفعه سابق عبادته‪ ،‬وعن أبي جهل فشقي مع سعادة‬
‫أمه وابنه وابنته‪ ،‬هكذا جرى تقديره من يوم "ل أبالي"‬
‫في قسمته "ويسبح الرعد بحمده والملئكة من‬
‫خيفته"‪.‬‬
‫الفصل الثاني‬
‫ودين الحق" نذكر فيه فضل نبينا صلى الله عليه‬
‫وسلم‬
‫لم يزل ذكر نبينا صلى الله عليه وسلم منشورا ً وهو‬
‫في طي العدم‪ ،‬توسل به آدم‪ ،‬وأخذ له ميثاق النبياء‬
‫على تصديقه‪ ،‬في بعض درسه علم إدريس‪ ،‬في ضمن‬
‫وجده حزن يعقوب‪ ،‬في سر جده صبر أيوب‪ ،‬في طي‬
‫خوفه بكاء داود‪ ،‬بعض غنى نفسه يزيد على ملك‬
‫سليمان‪ ،‬غير بعيد خل خلله خلة الخليل‪ ،‬ونال تكليم‬
‫موسى‪ ،‬واسترجع له النظر عند قاب قوسين‪ ،‬فهو‬
‫جملة الجمال‪ ،‬وكل الكمال‪ ،‬وواسطة العقد‪ ،‬وزينة‬
‫الدهر‪ ،‬يزيد على النبياء زيادة الشمس على البدر‪،‬‬
‫والبحر على القطر‪ ،‬فهو أصدرهم وبدرهم‪ ،‬وعليه يدور‬
‫أمرهم‪ ،‬قطب فلكهم‪ ،‬عين كتيبتهم‪ ،‬واسطة قلدتهم‪،‬‬
‫نقش فصهم‪ ،‬بيت قصيدتهم‪ ،‬حاتمهم‪ ،‬خاتمهم‪:‬‬
‫در تقاصيرها‬
‫شمس ضحاها هلل‬
‫زبرجدها‬
‫ليلتها‬
‫لما رأى تخليط قريش في دعوى الشرك فر في بادية‬
‫الهرب فتحرى غار حراء في الفرار للفراغ‪ ،‬فراغ إليه‬
‫فجاء مزاحم "اقرأ" يا راهب الصمت تكلم‪ ،‬قال لسان‬
‫العجز البشري‪ :‬لست بقارئ‪ ،‬فحم لما حم فزمزم‬
‫مل" يا‬
‫ملوني" فصاح الملك "يا أيها المّز ّ‬
‫بلفظ "ز ّ‬
‫أطيب ثمار كن‪ ،‬يا محمول ً عليه‪ .‬ثقل قل "قم"‪.‬‬

‫‪89‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫لما بعث الملك الملك إلى نبينا برسالة "اقرأ" فتر‬
‫الوحي بعدها مدة‪ ،‬مات قوس الشوق فرمت الكبداء‬
‫الكبد‪ ،‬بكبد أعجز المكابدة‪ ،‬فكان يهم لما يلقي بإلقاء‬
‫نفسه من ذروة الجبل‪ ،‬فإذا بدا له جبريل بدله‪ ،‬ثم‬
‫رميت الشياطين عند مبعثه بأسهم الشهب‪ ،‬عن قوس‬
‫"وُيقذفون من كل جانب" فمروا إلى المغارب‪ ،‬ومشوا‬
‫إلى المشارق‪ ،‬ليقطعوا سبسب السبب‪ ،‬فجرت ريح‬
‫التوفيق‪ ،‬بمراكب بعضهم إلى تهامة‪ ،‬فصادفوه في‬
‫الصلة‪ ،‬فصادفوه قلوب القوم‪ ،‬فصاحت ألسنة الوجد‬
‫"إّنا سمعنا قرآنا ً عجبا"‪.‬‬
‫تحركت لتعظيمه السواكن‪ ،‬فحن إليه الجذع‪ ،‬وسبح‬
‫الحصى‪ ،‬وتزلزل الجبل وتكلم الذيب‪ ،‬كل كنى عن‬
‫شوقه بلغاته‪ .‬فمرضت قريش بداء الحسد فقالوا‬
‫مجنون‪ ،‬يا محمد‪ ،‬هذا نقش يرقانهم ل لون وجهك‪.‬‬
‫لما أخذ في سفر "أسرى" فنقل إلى المسجد‬
‫القصى‪ ،‬برز إليه عباد النبياء من صوامعهم‪ ،‬فاقتدوا‬
‫بصلة راهب الوجود‪ ،‬ثم خرج فعرج فعرضت عليه‬
‫الجنة والنار‪ ،‬حتى عرف الطبيب عقاقير الدوية‪ ،‬قبل‬
‫تركيب الدوية‪ ،‬يل لها من ليلة‪ ،‬قل غرب حد سيف‬
‫"أتجعل فيها" ظنت الملئكة أن اليات تختص بالسماء‪،‬‬
‫فإذا آية الرض قد علت‪.‬‬
‫أقبلت رؤساء الملك‪ ،‬تحيي الرئيس الكبر‪ ،‬فرأى في‬
‫القوم ملكا ً نصفه من ثلج ونصفه من نار‪ ،‬فعجب‬
‫لجتماع الضدين‪ ،‬فقيل ل تعجب فعندك أعجب منه‪ ،‬لو‬
‫وزن خوف المؤمن ورجاؤه لعتدل‪ ،‬كان جبريل دليل‬
‫البادية فلما وصل إلى مفازة ليس فيها علم يعرفه‪،‬‬
‫علم ابن أجود أن الصدق أجود‪ ،‬فقال‪ :‬ما أنت وربك‪،‬‬
‫فإذا قامت القيامة‪ ،‬فموسى صاحبه‪ ،‬وعيسى حاجبه‪،‬‬
‫والخليل في عسكره‪ ،‬وآدم ينادي بلسان حاله يا ولد‬
‫صورتي‪ ،‬ويا والد معناي‪ ،‬ما صعد من بحور الكوان‬
‫أشرف من درة نبينا صلى الله عليه وسلم‪ ،‬طرة غرته‬
‫أحسن من جمال يوسف‪ ،‬لعاب فيه أشفى من البرء‪،‬‬
‫شمس شرعه ل يدركها كسوف ناسخ‪ ،‬قمر دينه ل‬
‫يدخل في محاق‪.‬‬
‫كل النبياء في القيامة تقول نفسي نفسي‪ ،‬وهو‬
‫يقول أمتي أمتي‪ ،‬فإذا سجد‪ ،‬قيل ارفع رأسك‪ ،‬وقل‬

‫‪90‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫مع‪ ،‬كم بين ذل محب‪ ،‬وإدلل محبوب‪ ،‬الحيوانات‬
‫ُتس َ‬
‫تذل في طلب القوت‪ ،‬والفيلة تتملق حتى تأكل‪ ،‬يا من‬
‫هو في جملة جنود هذا الشجاع‪ ،‬أيحسن بك? كل يوم‬
‫هزيمة‪.‬‬
‫لول جد أصحابه في جهادهم وشجاعتهم في صفوف‬
‫قتالهم‪ ،‬لفتضح المتأخرون‪ ،‬فالحمد لله على اليزل‪،‬‬
‫كانوا بالليل رهبانا ً وبالنهار فرسانًا‪ ،‬قطع الرسول‬
‫مدّ أحدهم‬
‫طمع من طمع في لحاقهم بحسام "ما بلغ ُ‬
‫ول نصيفه" وكيف تنال مرتبة السابق بشيء وقر في‬
‫صدره? أو منقبة المهيب والعدو يفرق من ظله? أو‬
‫مقام الوقور فالملئكة تستحي منه? أو فضيلة مزاحم‬
‫النفس في منزلة كهارون من موسى‪ :‬يأس والله‬
‫ي كهول أهل الجنة‪ ،‬كما لم‬
‫الكهول من مقارنة سيدَ ْ‬
‫ي شباب أهل الجنة‪،‬‬
‫تطمع الشباب في مزاحمة سيدَ ْ‬
‫متى التهبت في صحابة النبياء? عزيمة كحمرة جمرة‬
‫حمزة‪ ،‬أو عل على العلء علي‪ ،‬كعلء علي‪ ،‬لقد فاز‬
‫بلقب الصدق طلحة الجود‪ ،‬كما سعد بالفضل وحوارى‬
‫الزبير‪ ،‬وسما بصلة النبي صلى الله عليه وسلم خلفه‬
‫ابن عوف‪ ،‬كما قرت بلفظ فداك أبي وأمي عين سعد‪،‬‬
‫ونجا بالشهادة له بالجنة سعيد‪ ،‬كما عز ابن الجراح‬
‫بلقب المين‪ ،‬ولم يذكر باسمه بالقرآن غير زيد‪ ،‬وأين‬
‫في الموالي مثل سالم وسلمان? ومن في الزهاد‬
‫كمصعب وابن مظعون‪ ،‬وإنه لمسعود عبد الله ابن‬
‫مسعود‪ ،‬وطوبى ثم طوبى لخباب وصهيب‪ ،‬ويا شرف‬
‫المؤمنين بصوت بلل‪ ،‬ويكفي فخرًا‪" :‬كوني فخرا ً‬
‫لعمار" وأي بيت يشبه بيت أبي أيوب? ومن زين القراء‬
‫إل أبي بن كعب? ومن في النقباء كابن زرارة وابن‬
‫الربيع? وأنى في الفقهاء مثل معاذ? ومن له زهد‬
‫كزهد أبي ذر? والفخر لبني هاشم بالعباس‪ ،‬وكفى‬
‫للبصراء قائدا ً ابن أم مكتوم‪ ،‬وإنه لقدوة المؤثرين أبو‬
‫الدحداح‪ ،‬ومن في قوام الليل مثل تميم? ومن صبر‬
‫على القتل صبر خبيب? كلهم أخيار‪ ،‬وجميعهم أبرار‪،‬‬
‫ول مثل صاحب الغار‪ ،‬وأين نظير ُ‬
‫فّتاح المصار? ومن‬
‫يشبه قتيل الدار? ولقد افتقروا إلى المجاهد بذي‬
‫الفقار‪ ،‬بحب هؤلء ترجى الجنة وتتقى النار‪.‬‬
‫إن الله تعالى لما حلى محمدا ً حلية التنزه‪ ،‬خلع عليه‬

‫‪91‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫خلع ً‬
‫ة هي السلم‪ ،‬وأعطاه منشورا ً هو القرآن‪ ،‬ولواءً‬
‫دق النبوة‪ ،‬وعمر أظهر الرسالة‬
‫هو النصر‪ ،‬فأبو بكر ص ّ‬
‫وعثمان جمع المنشور‪ ،‬وعلي حمل السيف لما جل‬
‫الرسول عروس السلم‪ ،‬لم يكن بد من نثار‪ ،‬نثر عمر‬
‫نصف ماله‪ ،‬فرمى أبو بكر بالكل‪ ،‬فقام عثمان يجهز‬
‫جيش العسرة‪ ،‬بوليمة العرس‪ ،‬فعلم على حال الغيرة‪،‬‬
‫فبت طلق الضرة‪ ،‬ثم رأى بعض جهاز الدنيا المطلقة‬
‫عنده‪ .‬وهو الخاتم‪ .‬فسلم وما سلم‪:‬‬
‫فهم على الخيل‬
‫خطوا وأقلمهم‬
‫أميون كتـاب‬
‫خطية سـلـب‬
‫واخشوشنوا شيما ً‬
‫إن أحسنوا كلما‬
‫واخلو لقوا ذمما ً‬
‫فالقوم أعراب‬
‫الفصل الثالث‬
‫في قوله تعالى "وأ ّ‬
‫ذن في الناس بالحج"‬
‫د‬
‫لما تكامل بناء البيت‪ ،‬أرسل الله تعالى إلى خليله‪ ،‬أ ّ‬
‫ذن" َ‬
‫رسالة "وأ ّ‬
‫عل على أبي قبيس‪ ،‬ونادى في جميع‬
‫ف َ‬
‫الوجوه‪ :‬إن ربكم قد بنى لكم بيتا ً فحجوه‪ ،‬فأجاب من‬
‫جرى القدر بحجه‪ :‬لبيك اللهم لبيك‪ .‬فكان ذلك اليوم‪.‬‬
‫أخا ً ليوم "ألست بربكم"‪:‬‬
‫شددت ميزر إحرامي‬
‫لما رأيت منـاديهـم‬
‫ت‬
‫ألـم بـنـا‬
‫ولـبـي ُ‬
‫وساعديني كهذا مـا‬
‫ت للنفس جدي‬
‫وقل ُ‬
‫ت‬
‫الن واجتهـدي‬
‫تـمـنـي ُ‬
‫لو جئتكم زائرا ً أسعى لم أقض حقا ً وأي‬
‫ت‬
‫على بصري‬
‫الـحـق أدي ُ‬
‫ق النفس" فوافقهم‬
‫قطع القوم بيد السفر "بش ّ‬
‫الركاب "وعلى ك ّ‬
‫ر"‪:‬‬
‫ل ضام ٍ‬
‫ع المطايا تنسم‬
‫د ِ‬
‫إن لها لنبـأ عـجـيبـا‬
‫الجنوبـا‬
‫يشهدان قد فارقت‬
‫حنينها وما اشتكت‬
‫حبيبا‬
‫لوبـا‬
‫يسر مما أعلنت‬
‫ما حملت إل فتى‬
‫نصيبـا‬
‫كئيبـا‬
‫أذن لثرنا بهن‬
‫لو غادر الشوق لنا‬
‫النـيبـا‬
‫قلوبـا‬

‫‪92‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫إن الغريب يسعد‬
‫الغريبا‬
‫واعجبا من حنين النوق‪ ،‬كأنها قد علمت وجد الركاب‪،‬‬
‫تارة تجد في السير‪ ،‬وتارة تتوقف‪ ،‬وتارة تذل وتطأطئ‬
‫العناق‪ ،‬وتارة تمرح‪ ،‬كأنها قد استعارت أحوال‬
‫العارفين‪:‬‬
‫فغدت تنفخ شوقا ً‬
‫اذكراها في سراها‬
‫في براهـا‬
‫ما عراهـا‬
‫تقطع البر وتنسى ما سيُرها والسيُر أمٌر‬
‫قد براهـا‬
‫جـنـى‬
‫وتدانت دارها طار‬
‫كلما ظنت مني قـد‬
‫كـراهـا‬
‫قـربـت‬
‫ما دعاها في الهوى‬
‫أسعداها يا خلـيلـي‬
‫أو فدعاها‬
‫عـلـى‬
‫ذكرا ما زال من عهد خلياها والصبا فهو‬
‫رضاهـا‬
‫الصبـى‬
‫غنها يا أيهـا الـحـادي بالحمى أو بالنقا‬
‫وانظر سراهـا‬
‫لـهـا‬
‫قد رأت في نفسها‬
‫نح عنها السوط‬
‫ما قد كفاهـا‬
‫يكفي شـوقـهـا‬
‫باعها الوجد بكثـبـان عجبا ً إذ باعها كيف‬
‫اشتـراهـا‬
‫الـنـقـي‬
‫ليتها قد عرفت من‬
‫ت مـن‬
‫أتراها علمـ ْ‬
‫في ذراهـا‬
‫ت‬
‫حـمـلـ ْ‬
‫فهي المقصود ل‬
‫ت إن لحت لك‬
‫أن َ‬
‫شيء سواهـا‬
‫العـلم قـف‬
‫كبدي واكبـدي مـاذا‬
‫قف على الوادي‬
‫دهـاهـا‬
‫وسل عن كبدي‬
‫يا رفـيقـي اهـديانـي ودعاني ودعـانـي‬
‫وثـراهـا‬
‫دارهـم‬
‫أنا مقـتـول بـسـهـم قوسه خيف مني أو‬
‫ما زماهـا‬
‫غـرب‬
‫فانظرا إلى مهجتي‬
‫حّرم الصيد علـى‬
‫ُ‬
‫من قد رماها‬
‫مـن حـجـه‬
‫مهجة ماتت وما‬
‫اكتبا في لوح قبري‬

‫‪93‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫هالت منـاهـا‬
‫عشـتـمـا‬
‫أمر المحرمون بالتعري‪ .‬ليدخلوا بزي الفقراء‪ ،‬فيبين‬
‫أثر "وما أموال ُ‬
‫كم"‪:‬‬
‫بأن روحي تساق مع‬
‫من أعلم السايق‬
‫أبله‬
‫العنيف بهم‬
‫لول دم في انسكاب‬
‫وأن دمعي يروي‬
‫منهمله‬
‫ركايبهـم‬
‫تالله لقد جمعوا الخير‪ ،‬ليلة جمع‪ ،‬ونالوا المنى إذ‬
‫دخلوا منى‪:‬‬
‫وبكا الحبة ليلة‬
‫لله در منى وما‬
‫ر‬
‫جـمـعـت‬
‫الـنـفـ ِ‬
‫يتلحظون بأعين‬
‫ثم اغتدوا فرقا ً هنا‬
‫ر‬
‫وهـنـا‬
‫الـذكـ ِ‬
‫وكأن قلبي ليس في‬
‫ما للمضاجع ل‬
‫صدري‬
‫تليمـنـي‬
‫حج جعفر الصادق فأراد أن يلبي فتغير وجهه‪ ،‬فقيل‪:‬‬
‫مالك يا ابن رسول الله? فقال‪ :‬أريد أن ألبي فأخاف‬
‫أن أسمع غير الجواب‪.‬‬
‫وقف مطرف وبكر‪ ،‬فقال مطرف‪ :‬اللهم ل تردهم من‬
‫أجلي‪ ،‬وقال بكر‪ :‬ما أشرفه من مقام لول أني فيهم‪.‬‬
‫وقام الفضيل بعرفة‪ ،‬فشغله البكاء عن الدعاء‪ ،‬فلما‬
‫كادت الشمس تغرب‪ ،‬قال‪ :‬واسؤتاه منك وإن عفوت‪.‬‬
‫وقف بعض الخائفين على قدم الطراق والحياء فقيل‬
‫له‪ :‬لم ل تدعو? فقال‪ :‬ثم وحشة‪ .‬قيل‪ :‬فهذا يوم‬
‫العفو عن الذنوب? فبسط يده فوقع ميتًا‪.‬‬
‫‪:....‬‬
‫وانزل الوادي‬
‫إنـه بـالـدمـع مـلن‬
‫بـأيمـنـه‬
‫وارم بالطرف‬
‫ثم أوطـار وأوطـــان‬
‫العقيق فلي‬
‫يرجع المفقود‬
‫وانشد القلب‬
‫نـشـدان‬
‫المشوق عسى‬
‫ما بدا للطرف‬
‫وابك عني ما‬
‫نعـمـان‬
‫استطعت إذا‬
‫قلـبـي فـيه سـكـان‬
‫واقره عني السلم‬

‫‪94‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫فكـأن‬
‫أنا بالشـواق‬
‫ل تزدني يا عذول‬
‫سـكـران‬
‫جـوى‬
‫حج الشبلي‪ .‬فلما رأى مكة قال‪:‬‬
‫أبطحاء مكة هذا‬
‫أراه عيانا ً وهذا أنـا‬
‫الذي‬
‫ثم غشي عليه فلما أفاق قال‪:‬‬
‫ما بقاء الدموع في‬
‫هذه دارهم وأنت‬
‫الماق‬
‫محـب‬
‫حج قوم من العباد فيهم عابدة فجعلت تقول‪ :‬أين بيت‬
‫ربي? أين بيت ربي? فيقولون أل ترينه‪:‬‬
‫ول سيما إذا دنت‬
‫إذا دنت المنازل زاد‬
‫الخـيام‬
‫شوقي‬
‫فلما لح البيت‪ ،‬قالوا هذا بيت ربك‪ ،‬فخرجت تشتد‬
‫وتقول‪ :‬بيت ربي‪ .‬بيت ربي‪ .‬حتى وضعت جبهتها على‬
‫البيت‪ ،‬فما رفعت إل ميتة‪:‬‬
‫فاحبس ورد‬
‫هاتيك دارهـم وهـذا‬
‫وشرقت إن لم‬
‫مـاؤهـم‬
‫تسقني‬
‫أودعت إقرارك يوم السبت الحجر السود‪ ،‬وأمرُتك‬
‫بالحج لتستحي بالتذكير من نقض العهد‪ ،‬الحجر صندوق‬
‫أسرار المواثيق‪ ،‬مستمل لما أملى المعاهد‪ ،‬مشتمل‬
‫على حفظ العهد‪ ،‬فاستلم المستملي المشتمل‪ ،‬ليعلم‬
‫أن إقرارك ل عن إكراه‪ ،‬ل تنس عهدي فإني ل أنساك‪:‬‬
‫فإني وإن طال‬
‫فل تحسبوا أنـي‬
‫م‬
‫م‬
‫المدى لست أنساكـ ُ‬
‫نـسـيت ودادكـ ُ‬
‫فل كان من في‬
‫حفظنا وضـيعـتـم‬
‫م‬
‫ة‬
‫ودادا ً وحـرم ً‬
‫هجرنا اليوم أغراك ُ‬
‫كم شخص أشخصه الوجد في الحج‪ ،‬فكاد نشابة‬
‫المواثيق قبل تقبيله تقتله‪ ،‬فلما قضى الناسك‬
‫المناسك‪ ،‬ورجع باقي سهم الشوق إليه في قلب منى‬
‫المنى‪:‬‬
‫ركن الحطيم إذا ما‬
‫يكاد يمسكه عرفان‬
‫جاء يستلم‬
‫راحـتـه‬

‫‪95‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫أخواني‪ :‬ذكر تلك الماكن يعمل في القلب قبل‬
‫السمع‪ ،‬كأنها قد خلقت من طين الطبع‪ ،‬لسلع سلع‬
‫لسع‪ ،‬ليس لعسل لعس‪ :‬للمهيار‪:‬‬
‫دد ري بجمع يرد أيام‬
‫ب يدعو مب ّ‬
‫هل مجا ٌ‬
‫ع‬
‫أوطا‬
‫جم ِ‬
‫ثقـيل ً يحـ ّ‬
‫طـه دون‬
‫أو أمين القوى‬
‫ع‬
‫ملـه هـمـا‬
‫أح ّ‬
‫سـلـ ِ‬
‫ة طال مدى لها‬
‫فافُرجا لي عن نفح ٍ‬
‫الصليف ورفعي‬
‫من صبـاه‬
‫ة‬
‫إن ذاك النسيم‬
‫ثراها في الريح رقي ُ‬
‫ع‬
‫ض‬
‫َلـ ْ‬
‫سـ ِ‬
‫يجري على أر ٍ‬
‫كم زفير علمت منـه الدوح ما كان من‬
‫ع‬
‫حـمـام‬
‫حنين وسج ِ‬
‫وآخجل المتخلف‪ ،‬وآسف المسوف‪ ،‬أين حسرات البعد?‬
‫أين لذعات الوجد?‪.‬‬
‫للخفاجي‪:‬‬
‫إنها تضمر حزنا ً مثل‬
‫أتظن الورق في‬
‫حـزنـي‬
‫اليك تغـّنـي‬
‫ل أراك الله نـجـدا ً‬
‫أيها الحادي بنا إن لم‬
‫تجـبـنـي‬
‫بـعـدهـا‬
‫هل تباريني إلى بـث في ديار الحي‬
‫نشوي ذات غصن‬
‫الـجـوى‬
‫أننا نبكي علـيهـا‬
‫هب لها السبق‬
‫وتـغـنـي‬
‫ولـكـن زادنـا‬
‫يسمح الدهر بها من‬
‫يا زمان الخيف هل‬
‫ن‬
‫مـن عـودة‬
‫بعد ضـ ّ‬
‫عن زرود يا لها‬
‫أرضينـا بـثـنـيات‬
‫ن‬
‫الـلـوى‬
‫صفقة غـبـ ِ‬
‫سل أراك الجزع هل مزنة روت ثراه غير‬
‫جفـنـي‬
‫مرت بـه‬
‫أنها تملك قلبـي‬
‫وأحاديث الغضا هل‬
‫قـبـل أذنـي‬
‫عـلـمـت‬
‫يا عجبا ً لمن يقطع المفاوز ليرى البيت فيشاهد آثار‬
‫النبياء‪ ،‬كيف ل يقطع نفسه عن هواه? ليصل إلى‬
‫قلبه فيرى آثار "ويسعني"‪ .‬لمحمد بن أحمد الشيرازي‪:‬‬

‫‪96‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫ول طوافي بـأركـان‬
‫إليك قصـدي ل‬
‫ر‬
‫لـلـبـيت والثـر‬
‫ول حـجـ ِ‬
‫صفاء دمعي الصفالي وزمزمي دمعة تجري‬
‫ر‬
‫حين أعـبـره‬
‫من البصـ ِ‬
‫وموقفي وقفة في‬
‫عرفانكم عرفاتي إذ‬
‫ر‬
‫مـنـي مـنـن‬
‫الخوف والحـذ ِ‬
‫وفيك سعيي وتعميري والهدى جسمي الذي‬
‫ر‬
‫ومـزدلـفـي‬
‫يغني عن الجز ِ‬
‫ومسجد الخيف خوفي ومشعري ومقامي‬
‫دونكم خـطـري‬
‫من تباعـدكـم‬
‫والماء من عبراتي‬
‫زادي رجائي لكم‬
‫والهوى سفـري‬
‫والشوق راحلـتـي‬
‫الفصل الرابع‬
‫إخواني‪ :‬قد نمى إليكم أمر من نما‪ ،‬وسامي وصال‬
‫الوسام وسما‪ ،‬وافتخر بالنسب والنشب وانتمى‪ ،‬كيف‬
‫بارزه من أبرزه‪ ،‬عن الحمى‪ ،‬فبات بعد الري يشكو‬
‫الظما‪ ،‬وقد رأيتم ما جرى‪ ،‬فانتظروا مثل ما‪ .‬لبن‬
‫المعتز‪:‬‬
‫يا نفس ويحك طال‬
‫أبصرت موعظة وما‬
‫ما‬
‫نفعتك فاخشي‬
‫وعليك بالتقوى كمـا‬
‫وانتهى‬
‫فعل الناس‬
‫وبادري فلـربـمـا‬
‫الصالحون‬
‫يا نفس من سوف‬
‫سلم المبادر‬
‫فما‬
‫واحـذري‬
‫خدع الشقي بمثلـهـا إياك منهـا كـلـمـا‬
‫ناجت مكايدها ضمـير ك إنما هـي إنـمـا‬
‫وأهلكت النفوس‬
‫خطرت وكم قتـلـت‬
‫وقلما‬
‫حضر الردى فكأنمـا‬
‫تغنـي أمـانـيهـا إذا‬
‫منيته فيا عجبـا أمـا‬
‫لم يحيي مـن لقـى‬
‫شاف يبصر من عمى‬
‫في ذاك معتـبـر ول‬
‫عش ما بدا لك ثم‬
‫يا ذا المنى يا ذا‬
‫مـا‬
‫المنى‬

‫‪97‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫يا سكران الهوى‪ .‬أما آن الصحو? يا ساطرا ً قبح‬
‫الخلف‪ .‬أما حان المحو? أين الراحلون? كانوا بالمس‪،‬‬
‫صحت حجة الموت فبطلت حجة النفس‪ ،‬واعتقلهم‬
‫حاكم البلى على دين الرمس‪ ،‬وكف أكف الحس‪ ،‬بعد‬
‫تصرف آلة الخمس‪ ،‬واستوعر عليهم الحصر‪ .‬واستطال‬
‫ن بالمس"‪.‬‬
‫الحبس وأصبحت منازلهم "كأ ْ‬
‫ن لم تغ َ‬
‫يا قليل اللبث‪ ،‬خل العبث‪ ،‬كم حدث جدث في حدث? يا‬
‫موقنا ً بالرحيل وما اكترث‪ ،‬اقبل نصحي‪ .‬ورم الشعث‪.‬‬
‫فإن لجمع الدهر من‬
‫إذا نلت من دنياك‬
‫صرفه شتا‬
‫خيرا ً ففز بـه‬
‫وآخر لم يدركه صيف‬
‫فكم من مشت لم‬
‫إذا شتى‬
‫يصيف بأهلـه‬
‫انتهب نثار الخير‪ .‬في مكان المكان‪ ،‬قبل أن تدخل في‬
‫خبر كان‪ ،‬قبل معاينة الهول المخوف الفظيع‪ ،‬وتلهف‬
‫المجدب على زمان الربيع‪ ،‬إنما أهل هذه الدار سفر‪ ،‬ل‬
‫يحلون عقد الركاب إل في غيرها‪ ،‬فاعجبوا لدار قد‬
‫أدبرت والنفوس عليها والهة‪ ،‬ولخرى قد أقبلت‬
‫والقلوب عنها غافلة‪.‬‬
‫تبقى علينا ويأتي‬
‫والله لو كانت الدنيا‬
‫رزقها رغدا‬
‫بأجمعـهـا‬
‫فكيف وهي متاع‬
‫ما كان من حق حر‬
‫يضمحل غدا‬
‫أن يذل لها‬
‫يا مكرما ً بحلية اليمان‪ .‬بعد حلة اليجاد‪ ،‬وهو يخلقها‬
‫في مخالفة الخالق‪ ،‬كم من نعمة نعمة? في ترف ترف‪،‬‬
‫وما يخف عليك ذكر شكر‪ .‬يا عبد السوء ما تساوي قدر‬
‫قدرتك‪ ،‬ل كانت دابة ل تعمل بعلفها‪ ،‬إلى متى يخدعك‬
‫المنى? ويغرك المل? ويحك‪ .‬افتح عينيك متى رأيت‬
‫العقل يؤثر الفاني على الباقي‪ ،‬فاعلم أنه قد مسخ‪.‬‬
‫ما زالت الدنيا مرة في العبرة‪ ،‬ولكن قد مرض ذوقك‪،‬‬
‫ع فهمك مسدود عن‬
‫م ُ‬
‫لسان قلبك في عقلة غفلة‪ ،‬و َ‬
‫س ْ‬
‫الفطنة بقطنة‪ .‬وبصر بصيرتك محجوب بعشا عمى‪،‬‬
‫ومزاج تقواك منحرف عن الصحة‪ ،‬وأما نبض الهوى‬
‫فشديد الخفقان‪ ،‬سارت أخلط المل في أعضاء‬
‫الكسل فتثبطت عن البدار‪ ،‬وقد صارت المفاصل في‬
‫منافذ الفهوم‪ .‬سددًا‪ ،‬وما يسهل شرب مسهل‪ ،‬ويحك‬
‫اجتنب حلواء الشره فإنها سبب حمى الروح‪ ،‬خل خل‬

‫‪98‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫البخل فإنه يؤذي عصب المرؤة‪ ،‬إن عولجت أمراضك‬
‫فعولجت‪ ،‬وإل ملكت فأهلكت‪ ،‬لو احتميت عن أخلط‬
‫الخطايا لم تحتج إلى طبيب‪ ،‬من ركب ظهر التفريط‬
‫نزل به دار الندامة ألم تسمع أن داود كان قد أعطي‬
‫نعمة نغمة‪ .‬كان يقف لها الماء فل يسير والطير‬
‫وقوف السير‪ ،‬فامتدت يد الغفلة‪ ،‬فقدت قميص‬
‫العصمة‪ ،‬فأثر زلله حتى في التلوة‪ ،‬أعرض المعمار‬
‫عن المراعاة‪ ،‬فتشعب منزل الصفا‪ ،‬وانقطعت جامكية‬
‫وبي" كان يؤتى بالناء‬
‫العسكر‪ ،‬فتفرقت جنود "أ ّ‬
‫ناقصًا‪ ،‬فيتمه بالدموع‪.‬‬
‫للمهيار‪:‬‬
‫وّرادُ من‬
‫ت بماء‬
‫هل ك ّ‬
‫ما لي شرق ُ‬
‫در ال ُ‬
‫قبلي?‬
‫ذي الثل‬
‫أما بان سكان فاملـح ما كنت قبل البين‬
‫أستحلي?‬
‫لـي‬
‫م وهل داٌر بـل‬
‫ما ابيض لي في‬
‫يو ٌ‬
‫ل?‬
‫م‬
‫الدار بعده ُ‬
‫أهـ ِ‬
‫رحلوا بأيامي الرقاق آثارهم وبعيشي‬
‫ل‬
‫علـى‬
‫السـهـ ِ‬
‫كان عيش عيشه خضرًا‪ ،‬فأحالت الحال سنة الهجر‪،‬‬
‫فكأن أيام الوصال كانت سنة‪ ،‬وكاد يقطع باليأس‪ ،‬لول‬
‫التقاء الخضر باليأس‪.‬‬
‫أرقي قد رق لي من ورثى لي قلقي من‬
‫قلقي‬
‫أرقي‬
‫وبكائي من بكائي قد وتشكت حرقي من‬
‫حرقي‬
‫بكـا‬
‫كان داود إذا أراد النياحة‪ ،‬نادى مناديه في أندية‬
‫المحزونين فيجتمعون في مآتم الندوب‪ ،‬فتزداد الحرق‬
‫بالتعاون‪.‬‬
‫للعباس بن الحنف‪:‬‬
‫مفردا ً يبكي على‬
‫يا بعيد الدار عن‬
‫ه‬
‫وطنه‬
‫شجن ْ‬
‫زادت السقام في‬
‫كلما جدّ النحـيب بـه‬
‫ه‬
‫بدن ْ‬
‫ف يبكي على‬
‫ولقد زاد الفؤاد‬
‫هات ٌ‬

‫‪99‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫ه‬
‫ى‬
‫فنن ْ‬
‫شجـ ً‬
‫كلنا يبكي على‬
‫شاقه ما شاقني‬
‫ه‬
‫فبكـى‬
‫سكنـ ْ‬
‫يا مذنبين مصيبتنا في التفريط واحدة وكل غريب‬
‫للغريب نسيب يا مترافقين‪ :‬في سفر الطرد‪ .‬انزلوا‬
‫للنياحة في ساحة‪ ،‬اندبوا طيب أوطان الوصل‪،‬‬
‫واستغيثوا من هجير الهجر‪ ،‬لعل الغم ينقلب غمامة‪،‬‬
‫تظل من لفخ الكرب‪.‬‬
‫للمصنف‪:‬‬
‫وأين قلبي أمـا‬
‫أين فـؤادي إذا بـه‬
‫صـحـا بـعـد‬
‫الـبـعــد‬
‫فطار شوقـا ً بـلـبـه‬
‫حدا بذكـر الـعـقـيق‬
‫الـوجـد‬
‫سـايقـه‬
‫روح وروح يضمـهـا‬
‫جسم ببغداد لـيس‬
‫نـجـد‬
‫تـصـحـبـه‬
‫ب لـه كـل لـحـظة‬
‫يا لفؤاد ما يستريح‬
‫وقــد‬
‫مـن الـكـر‬
‫لو كـان يومـا ً‬
‫آه لعيش قد كـنـت‬
‫لـفـــايت رد‬
‫أصـحـبـه‬
‫أروح في حبكـم ووا وهكـذا أشـتـكـي إذا‬
‫أغـدوا‬
‫قـلـقـي‬
‫ه فـهـل تـنـاوب‬
‫كل زماني جزر عن‬
‫الـمـــد‬
‫الوصل أشكو‬
‫يا سعد قل لي‬
‫يا سعد زدني جوى‬
‫فـديت يا سـعـد‬
‫بـذكـرهـم‬
‫بلغهـم مـا أجـن مـن وقل وحدث بـبـعـض‬
‫مـا يدو‬
‫حـرق‬
‫وقال لي حـرمة‬
‫وقل رأيت السـير‬
‫ولـي عـهـد‬
‫فـي قـلـق‬
‫ثم فسلـهـم والمـر يقول مولى ويصمـت‬
‫الـعـبـد‬
‫أمـرهـم‬
‫الفصل الخامس‬
‫أيتها النفس تدبري أمرك وتأملي‪ ،‬ومثلي بين ما يفنى‬
‫ول تعجلي‪ ،‬لقد ضللت طريق الهدى فقفي واسألي‪،‬‬
‫وآثرت وهنا‪ ،‬ما يؤرث وهنا ل تفعلي‪ ،‬يا غمرة من‬

‫‪100‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫الشقا‪ ،‬ما أراها تنجلي‪ ،‬اتبع الهوى والهوى علي وليس‬
‫لي‪ ،‬أريد حياة نفسي ونفسي تريد مقتلي‪ ،‬يا جسدا ً قد‬
‫بلى‪ .‬بما قد بلى‪.‬‬
‫نخطو وما خطونا إل وننقضي وكأن العمر‬
‫لم يطل‬
‫إلى الجل‬
‫ونحن نرغب في‬
‫والعيش يوِذننا‬
‫اليام والدول‬
‫بالمـوت أولـه‬
‫يأتي الحمام فينسى ونستقر وقد أمسكن‬
‫بـالـطـول‬
‫المرء منـيتـه‬
‫يا قرب ما بين عنق‬
‫ل تحسب العيش ذا‬
‫المرء والكفل‬
‫طول فتتبعـه‬
‫وهون الموت ما‬
‫سّلى عن العيش أنا‬
‫نلقى من العلـل‬
‫ل نـدوم لـه‬
‫وكلنا علق الحشاء‬
‫لنا بما ينقضي من‬
‫بـالـغـزل‬
‫عمرنا شـغـل‬
‫كشارب السم‬
‫ونستلذ المـانـي‬
‫ممزوجا ً مع العسل‬
‫وهـي مـردية‬
‫أخواني‪ :‬أوقدوا أدهان الذهان في ليل الفكر‪ ،‬صابروا‬
‫سني الجدب لعام الخصب تعصروا‪ ،‬فمن أدلج في‬
‫غياهب ليل العلى‪ .‬على نجايب الصبر‪ ،‬صبح منزل‬
‫السرور في السر‪ ،‬ومن نام على فراش الكسل‪ ،‬سال‬
‫به سيل التمادي إلى وادي السف‪ ،‬الرجولية قوة‬
‫معجونة في طين الطبع‪ ،‬والنوثية رخاوة‪ ،‬ولد السبع‬
‫عزيز الهمة‪ ،‬وابن الذئب غدار‪ ،‬وكل إلى طبعه عايد‪،‬‬
‫الجد كله حركة‪ ،‬والكسل كله سكون‪ ،‬إذا أردت أن‬
‫تعرف الديك من الدجاجة حين يخرج من البيضة‪ ،‬فعلقه‬
‫بمنقاره‪ ،‬فإن تحرك فديك‪ ،‬وإل فدجاجة‪ُ ،‬‬
‫فتورك عن‬
‫السعي في طلب الفضائل دليل على تأنيث العزم‪ ،‬يا‬
‫من قد بلغ أربعين سنة‪ ،‬وكل عمره نوم وسنة‪ ،‬يا متعبا ً‬
‫في جمع المال بدنه‪ ،‬ثم ل يدري لمن قد أخزنه? اعلم‬
‫هذه النفس الممتحنة‪ ،‬إنها بكسبها مرتهنة أل يعتبر‬
‫المغرور بمن قد دفنه? كم رأى جبارا ً فارق مسكنه? ثم‬
‫سكن مسكن مسكنة‪.‬‬
‫أيا راحلين بالقامة‪ ،‬يا هالكين بالسلمة‪ ،‬أين من أخذ‬
‫صفو ما أنتم في كدره? أما وعظكم في سيره بسيره?‬

‫‪101‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫بلى‪ .‬قد حمل بريد النذار أخبارهم‪ ،‬وأراكم تصفح‬
‫الثار آثارهم‪.‬‬
‫تفريق ما جمعته‬
‫وحدثتك الليالي أن‬
‫فاسمع الخبرا‬
‫شيمـتـهـا‬
‫وانظر إليها تر‬
‫وكن على حذر منها‬
‫اليات والعبرا‬
‫فقد نصحت‬
‫وهل سمعت بصفو‬
‫فهل رأيت جديدا ً لم‬
‫يعد خلـقـا ً‬
‫لم يعد كدرا‬
‫حبال الدنيا خيال تغر الغر‪ ،‬المتمسك بها‪ .‬يلعب بلعاب‬
‫الشمس‪ ،‬الدنيا كالمرآة الفاجرة ل تثبت مع زوج‪.‬‬
‫فلذلك عنت طلبها‪..‬‬
‫فإذا الملحة‬
‫ميزت بين جمالها‬
‫بالقباحة ل تفي‬
‫وفعالـهـا‬
‫فكأنما حلفت لنا أن‬
‫حلفت لنا أن ل‬
‫ل تفـي‬
‫تخون عهودها‬
‫محبة الدنيا محنة‪ ،‬عيونها بابلية‪ ،‬كم تفتح باب بلية? ول‬
‫حيلة كحيلة‪ ،‬من عين كحيلة‪ ،‬كم أفردت من أرفدت?‬
‫كم أخمدت من أخدمت? كم فللت من ألفت? كم‬
‫أفقرت من أرفقت? كم فارقت من رافقت? كم‬
‫قطعت من أقطعت? فعلها في التكدير كله هكذا‪ ،‬فإن‬
‫آثرت الصفا فما في الزهد أذى‪ ،‬وإن أردت القذى‪،‬‬
‫فالق ذا‪ .‬للمهيار‪:‬‬
‫في وصلها طورا ً‬
‫تعجب من صبري‬
‫وفي هجرانها‬
‫على ألوانهـا‬
‫كّلفها ما لـيس مـن‬
‫ورهاء من كـلـفـهـا‬
‫أديانـهـا‬
‫وثـيقة‬
‫ث على‬
‫تسلط البلوى على‬
‫تسّلط ال ِ‬
‫حن ِ‬
‫أيمـانـهـا‬
‫عشـاقـهـا‬
‫ل يتعدى طر َ‬
‫ي‬
‫الود في القلب‬
‫ف ْ‬
‫لـسـانـهـا‬
‫دهـا‬
‫ودعـوى و ّ‬
‫زيادةً فاقطع على‬
‫فكما أعطـتـك فـي‬
‫نقصانـهـا‬
‫مـحـبة‬
‫م قلبا ً شجاعا ً طاح في‬
‫ت أسترجـع يو َ‬
‫وقف ُ‬
‫أظعانهـا‬
‫بـينـهـا‬
‫ء وهو‬
‫ن شي ٍ‬
‫ولـم يكـن مـنـي إل‬
‫ِنشدا ُ‬

‫‪102‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫في ضمانهـا‬
‫ضـّلة‬
‫يا من إذا أصبح‪ ،‬طلب المعاش بالشهوات‪ ،‬وإذا أمسى‬
‫انقلب إلى فراش الغفلت‪ ،‬أين أنت من أقوام نصبوا‬
‫الخرة نصب أعينهم فنصبوا‪ ،‬فوفر النصب نصيبهم "إّنا‬
‫ة ذكرى الدار"‪.‬‬
‫أخلصناهم بخالص ٍ‬
‫قال بعض السلف‪ :‬لقيت رجل ً في برية‪ ،‬فقلت من‬
‫أين? فقال‪ :‬من عند قوم "ل تلهيهم تجارة ول بيع عن‬
‫ذكر الله" قلت‪ :‬وإلى أين? قال‪ :‬إلى قوم "تتجافى‬
‫جنوبهم عن المضاجع"‪.‬‬
‫تركت القلب عندهم‬
‫بنفسي من غداة‬
‫رهينا‬
‫نايت عنهم‬
‫بما فعل الهوى‬
‫أما لك أيها القلب‬
‫بالعاشقينا‬
‫اعتبـار‬
‫ملوا مراكب القلوب متاعا ً ل ينفق إل على الملك‪،‬‬
‫فلما هبت رياح الدجى دفعت المراكب‪.‬‬
‫لبي إسحاق الغزي‪:‬‬
‫على العقيق وقرت‬
‫إذا الصبا سحبت‬
‫أذيالهـا سـحـرا ً‬
‫في ربى أضم‬
‫وشيحه وجرت في‬
‫وحرشت بين بان‬
‫الضال والسلـم‬
‫الجزع ظـالـمة‬
‫ش الروح بالروح بعد‬
‫تنفس الوجد وارتاح‬
‫الخذ بالكظم‬
‫المشوق وعـا‬
‫يا سوق الكل أين أرباب الصيام? يا فرش النوم أين‬
‫حراس الظلم? درست والله المعالم ووقعت الخيام‪،‬‬
‫قف بنا على الطلل‪.‬‬
‫للمهيار‪:‬‬
‫أحجازا ً سلوكها أم‬
‫أين سكانك? ل أين‬
‫شئاما‬
‫م‬
‫هـ ُ‬
‫قد وقفنا بعدهم في فنبهناه استلما ً‬
‫والتزاما‬
‫ربعهم‬
‫أترى أي طريق سلكوا? أترى أي شعب أخذوا?‪.‬‬
‫أعرسوا بالفرات أم‬
‫حمامة الواديين ما‬
‫عبروا‬
‫الخبـر‬

‫‪103‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫ما وصل القوم إلى المنزل‪ .‬إل بعد طول السرى‪ ،‬ما‬
‫نالوا حلوة الراحة إل بعد مرارة التعب‪.‬‬
‫لصردر‪:‬‬
‫لو َ‬
‫جج الخايص في‬
‫ب الدر على‬
‫ما ل ّ‬
‫قُر َ‬
‫طلبه‬
‫جلبـه‬
‫ِ‬
‫ولو أقام لزما ً‬
‫لم تكن التيجان في‬
‫أصـدا َ‬
‫حسابـه‬
‫فـه‬
‫إل وراء الهول من‬
‫ما لؤلؤ البحر ول‬
‫عبابـه‬
‫مرجانـه‬
‫ُ‬
‫ما لقي المحب من‬
‫من يعشق العلياء‬
‫أحبابـه‬
‫يلق عندها‬
‫ما حظي الدينار بنقش اسم الملك‪ ،‬حتى صبرت‬
‫سبيكته على التردد على النار‪ ،‬فنفت عنها كل كدر‪ ،‬ثم‬
‫صبرت على تقطيعها دنانير ثم صبرت على ضربها‬
‫ذ ظهر عليها رقم النقش "كتب في‬
‫على السكة‪ ،‬فحينئ ٍ‬
‫قلوبهم اليمان"‪.‬‬
‫كم أصبر فيك تحت‬
‫كم أحمل في هواك‬
‫سقم وضنا‬
‫ذل ً وعنـا‬
‫هذا نفسي إذا أردت‬
‫ل تطردني فليس‬
‫الثمـنـا‬
‫لي عنك غنا‬
‫من طلب النفس‪ ،‬هجر اللذ‪ ،‬من اهتم بالجوهر نسي‬
‫العرض‪ ،‬يا صفراء يا بيضاء غرى غيري‪.‬‬
‫قلبي كلف ودمعتي‬
‫من أجل هواكم‬
‫ما ترقـا‬
‫عشقت العشقا‬
‫ما يحصل بالنعيم من‬
‫في حبكم يهون ما‬
‫ل يشقى‬
‫قد ألـقـى‬
‫يا معشر التائبين "اصبروا وصابروا ورابطوا" مكابدة‬
‫البادية تهون عند ذكر منى المضحى في بوادي الجوع‬
‫والمعشى بوادي السهر إلى أن تلوح بوادي القبول‪ ،‬إن‬
‫ونت في السير ركائبكم‪ .‬فأقيموا حداة العزم تدلج‪.‬‬
‫ل تتشكى شوطك‬
‫البين يا أيدي‬
‫البـطـينـا‬
‫المطايا الـبـينـا‬
‫خذا بها عن حاجـر‬
‫يا حادييها من نمـير‬
‫يمـينـا‬
‫عـامـر‬
‫وارخيا بـرامة‬
‫حل على وادي‬

‫‪104‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫الـوضـينـا‬
‫الغضى نسوعها‬
‫يشفى ويطفي‬
‫ُردا بها ماء الـعـذيب‬
‫داءها الدفـينـا‬
‫عـلـه‬
‫أين استقل الجيرة‬
‫واستخبرا بالجزع‬
‫الغـادونـا‬
‫أنفاس الصبا‬
‫يا مطرودا ً عن صحبة الصالحين‪ ،‬امش في أعراض‬
‫الركب‪ ،‬وناشد حادي القوم‪ ،‬لعله يتوقف لك‪.‬‬
‫ج بـه‬
‫يا حادي العيس اصخ متـيم لـ ّ‬
‫م‬
‫لمدنـف‬
‫الـغــرا ُ‬
‫ت في ثنيات ول الـديار‬
‫إذا وقف َ‬
‫م‬
‫الـلـوى‬
‫والــخـــيا ُ‬
‫عقيب ما قد رحل‬
‫وافترت الرياض عن‬
‫م‬
‫أزهارها‬
‫الغـمـا ُ‬
‫وانتبه الحـوذان‬
‫وهبت الريح فهب‬
‫م‬
‫شيحـهـا‬
‫والـثـمـا ُ‬
‫تحيى بها الرواح‬
‫فقف قليل ً نـتـزود‬
‫م‬
‫نـظـرة‬
‫والسـل ُ‬
‫الفصل السادس‬
‫أخواني‪ :‬انتبهوا من رقدات الغمار‪ ،‬وانتبهوا لحظات‬
‫العمار‪ ،‬وقاطعوا الكسل فقد قطع العذار‪ ،‬واسمعوا‬
‫زواجر الزمن فما داجي الدجى ولقد بهر النهار‪ ،‬وخذوا‬
‫بالحزم فقد شقي تلف من رضي بشفا جرف هار‪.‬‬
‫للشريف الرضي‪:‬‬
‫ويأخذنا الـزمـان ول‬
‫تفوز بنا المنون‬
‫ي َُرد‬
‫وتسـتـبـد‬
‫ت أن المـر‬
‫وانظر ماضيا ً في أثر لقد أيقن ُ‬
‫جـد‬
‫ض‬
‫ما ٍ‬
‫فليس يفوتها‬
‫رويدا ً بالفرار من‬
‫د‬
‫المـنـايا‬
‫ج ّ‬
‫الساري ال ُ‬
‫م ِ‬
‫أعدوا للنوائب‬
‫فأين ملوكنا‬
‫ً‬
‫واستـعـدوا‬
‫قدمـا‬
‫الماضون ِ‬
‫ن نعيم فيا سرعان ما‬
‫أعارهم الزما ُ‬
‫استلبوا وردوا‬
‫عـيش‬
‫هم فر ٌ‬
‫م وإن لم‬
‫ط لنا فـي‬
‫نمده ُ‬
‫يسـتـمـدوا‬
‫كـل يوم‬

‫‪105‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫العمر يسير وهو يسير‪ ،‬فاقصروا عن التقصير في‬
‫القصير‪ ،‬أما دراك دراك قبل امتناع الفكاك‪ ،‬حذار حذار‬
‫قبل قدوم القرار‪ ،‬أما يحرك سوق الرهب سوق‬
‫الهرب? أما يحث التعليم على الدأب الدب? أليس‬
‫الزمان يعير ثم يغير? وهب إنه وهب‪ ،‬أما ضرب الدهر?‬
‫فاستحال الضرب‪ ،‬مر العمر والغمر مشغول عما ذهب‬
‫بالذهب‪ ،‬كم فارق من رافق فسل من سل بالسلب‪،‬‬
‫أين الفهم? فقد المعّنى المعنى وعج العجب‪ ،‬أين‬
‫الثمرة? أيتها ‪ ..‬في الغرب‪ ،‬حالت غمايم الهوى‪ ،‬بينكم‬
‫وبين شمس الهدى‪ ،‬وغدا ما في يومكم ينسيكم غدا ً‬
‫حتى كأن الرحيل حديث خرافة‪ ،‬أو كان الزاد يفضل‬
‫عن المسافة‪.‬‬
‫أيها الشيوخ‪ :‬آن الحصاد‪ ،‬أيها الكهول‪ :‬قرب الجداد‪،‬‬
‫أيها الشباب‪ :‬كم جرد الزرع جراد‪.‬‬
‫عليك شاملة فالعمر‬
‫يا ابن آدم ل تغررك‬
‫مـعـدود‬
‫عـافـية‬
‫بكل شيء من‬
‫ما أنت إل كزرع عند‬
‫الوقات مقصود‬
‫خضرته‬
‫فأنت عند كمال‬
‫فإن سلمت من‬
‫المر محصود‬
‫الفات أجمعهـا‬
‫واعجبا!‪ ..‬يتأمل الحيوان البهيم العواقب‪ ،‬وأنت ل ترى‬
‫إل الحاضر‪ ،‬ما تكاد تهتم بمؤنة الشتاء حتى يقوى‬
‫البرد‪ ،‬ول بمؤنة الصيف حتى يشتد الحر‪ ،‬ومن هذه‬
‫صفته في أمور الدنيا "فهو في الخرة أعمى وأضل‬
‫سبيل" هذا الطائر إذا علم أن النثى قد حملت‪ ،‬أخذ‬
‫ينقل العيدان لبناء العش قبل الوضع‪ ،‬أفتراك ما علمت‬
‫قرب رحيلك إلى القبر? فهل بعثت لك فراش تقوى‬
‫"فلنفسهم يمهدون" هذا اليربوع ل يتخذ بيتا ً إل في‬
‫موضع طيب مرتفع‪ ،‬ليسلم من سيل أو حافر‪ ،‬ثم ل‬
‫يجعله إل عند أكمة أو صخرة‪ ،‬فإذا أتى من باب دفع‬
‫برأسه مارق وخرج‪.‬‬
‫اسمع يا من قد ضيق على نفسه الخناق في فعل‬
‫المعاصي‪ ،‬فما أبقى لعذر موضعًا‪ ،‬يا مقهورا ً بغلبة‬
‫النفس صل عليها بسوط العزم‪ ،‬فإنها إن علمت جدك‬
‫استأسرت لك‪ ،‬امنعها ملذوذ مباحها ليقع الصلح على‬
‫د‬
‫ما من ّا ً بع ُ‬
‫ترك الحرام‪ ،‬فإذا ضجت لطلب المباح "فإ ّ‬

‫‪106‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫ما فداء" الدنيا والشيطان خارجيان‪ ،‬خارجان عليك‬
‫وإ ّ‬
‫خارجان عنك‪ ،‬فالنفس عدو مباطن‪ ،‬ومن آداب الجهاد‬
‫"قاِتلوا الذي َيلونكم" ليس من بارز المحاربة كمن‬
‫كمن‪ ،‬ما دامت النفس حية تسعى‪ ،‬فهي حية تسعى‪،‬‬
‫أقل فعل لها تمزيق العمر بكف التبذير‪ ،‬كالخرقاء‬
‫وجدت صوفًا‪ ،‬أخل بها في بيت الفكر ساعة‪ ،‬وانظر‪،‬‬
‫هل هي معك أو عليك? نادها بلسان التذكرة‪ ،‬يا نفس‬
‫ذهب عرش بلقيس‪ ،‬وبلي جمال شيرين‪ ،‬وتمزق فرش‬
‫بوران‪ ،‬وبقي نسك رابعة‪ ،‬يا نفس صابري عطش‬
‫الهجير يحصل الصوم‪ ،‬وتحزمي تحزم الجير فإنما هو‬
‫يوم‪:‬‬
‫كم ذا التفريط قد‬
‫جد في الجد قد‬
‫تدانى المـر‬
‫تولى العـمـر‬
‫كم تبني وكم تنقض‬
‫أقبل فعسى ُيقبل‬
‫كم ذا الغدر‬
‫منك الـعـذر‬
‫يا هذا ذرات الوجود تستدعيك إلى الموجد‪ ،‬ورسايل‬
‫العتاب على انقطاعك متصلة‪ ،‬فما هذا التوقف?‬
‫هل بعد البعد للذي‬
‫كم كم ذا الهجر‬
‫غـاب إياب‬
‫وافتراق الحباب‬
‫خلوا العتب ثم ما‬
‫كم قد خطت إليكم‬
‫جاء جـواب‬
‫الكف كتـاب‬
‫يا هذا! دبر دينك كما دبرت دنياك‪ ،‬لو علق بثوبك‬
‫مسمار رجعت إلى وراء لتخلصه‪ ،‬هذا مسمار الضرار‬
‫قد تشبث بقلبك‪ ،‬فلو عدت إلى الندم خطوتين‬
‫تخلصت‪ ،‬هيهات صبي الغفلة كلما حرك نام‪ ،‬يا مجنون‬
‫الهوى أما مارستان العزلة‪ ،‬وقيد الحمية‪ ،‬ومعالجة‬
‫سلسل التقوى‪ ،‬ومرافقة بشر ومعروف‪ ،‬وإل‬
‫فمارستان جهنم‪ ،‬في أنكال العقوبة‪ ،‬وصحبة إبليس‪ ،‬ل‬
‫بد من جرم عزم‪ ،‬يؤخذ بالحزم لينتصر من عايث‬
‫الشره‪ ،‬سلطان الزم‪ ،‬من رق لبكاء الطفل لم يقدر‬
‫على فطامه‪ ،‬كل يوم تحضر المجلس يقف لك‬
‫الشيطان على الباب‪ ،‬فإذا خرجت كما دخلت قال‬
‫فديت من ل يفلح‪ ،‬وأسفي كم تطلب الخضر وما ترى‬
‫إل اليأس‪ ،‬ويحك اعرف ما ضاع منك‪ ،‬وابك بكاء من‬
‫يدري قيمة الفايت‪ ،‬وصح في السحر‬

‫‪107‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫إن كان عهود وصلكم فالروح إلى سواكم‬
‫ما أنسـت‬
‫قد درست‬
‫أغصان هواكم بقلبي منوا بلقـائكـم وإل‬
‫يبـسـت‬
‫غرسـت‬
‫واستنشقت ريح السحار لفاق قلبك المخمور‬
‫وتخايلت قرب الحباب أقمت المآتم على بعدك‪.‬‬
‫يشفي سقمي إذا‬
‫ما أشوقني إلى‬
‫أتى من نجـد‬
‫نسـيم الـرنـد‬
‫شوقي شوقي له‬
‫والشيح فإنه مـثـير‬
‫ووجدي وجدي‬
‫الـوجـد‬
‫كان بعض السلف يقول في مناجاته‪ :‬إلهي! إنما أبكي‬
‫لما قسمت القسام‪ .‬جعلت التفريط حظي فأنا أبكي‬
‫على بختي‪.‬‬
‫قد كنت من قبل‬
‫مما ألقي جـزعـا‬
‫النوى‬
‫أشرب دمعي جرعا‬
‫تركتموني بـعـدكـم‬
‫أخواني‪ .‬تعالوا نرق دمع تأسفنا على قبح تخلفنا‪،‬‬
‫ونبعث مع قاصدي الحبيب رسالة محصر لعلنا باجر‬
‫المصاب‪ .‬إن لم يرجع المفقود‪ ،‬يا أرباب القلوب‬
‫سسوا من يوسف"‪.‬‬
‫الضايعة "اذهبوا فتح ّ‬
‫لي منذ بان القوم‬
‫هذي معالمهـم ومـا‬
‫عهد‬
‫لو كان لي يوما ً يرد‬
‫واها لعيش بالحمـى‬
‫ويلي أح ّ‬
‫من حبكم هجر وصد‬
‫ظـي كـلـه‬
‫الفصل السابع‬
‫أخواني‪ :‬ذهبت اليام‪ ،‬وكتبت الثام‪ ،‬وإنما ينفع الملم‬
‫متيقظا ً والسلم‪.‬‬
‫وارتـنـا مـصـيرنـا‬
‫وعـظـتـنـا بـمـرهــا‬
‫م‬
‫اليام‬
‫الرجـا ُ‬
‫هبـوا واسـتـيقـظـوا‬
‫ودعتنا المنون في‬
‫يا نـيام‬
‫سنة الـغـفـلة‬
‫ليت شعري ما يتقي له الموت والخـطـوب‬
‫م‬
‫المرء والرامي‬
‫سـهـا ُ‬
‫منهل واحـد شـرايعـه علـيه لـلـواردين‬
‫م‬
‫شـتـى‬
‫ازدحـــا ُ‬

‫‪108‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫نتحاماه ما استطـعـنـا نا إلـيه الـشـهـور‬
‫م‬
‫وتـحـدو‬
‫والعـوا ُ‬
‫تناسي مـا راعـهـن‬
‫وإذا راعـنـا فـقـيد‬
‫م‬
‫نـسـينـاه‬
‫الـسـوا ُ‬
‫بمـن كـان قـبـلـنـا‬
‫أوقوفا ً على غـرور‬
‫م‬
‫وقـد زلـت‬
‫القـدا ُ‬
‫ث دار يكون فـيهـا‬
‫ووراء المصير في‬
‫م‬
‫هـذه الجـدا‬
‫الـمـقـا ُ‬
‫يا من صحيفته بالذنوب قد خفت‪ ،‬وموازينه لكثرة‬
‫العيوب قد حفت‪ ،‬يا مستوطنا ً والمزعجات قد ذفت‪ ،‬ل‬
‫تغتر بأغصان المنى وإن أورقت ورفت‪ ،‬فكأنك بها قد‬
‫صوحت وجفت‪ ،‬أما رأيت أكفا ً عن مطالبها قد كفت?‬
‫أما شاهدت عرايس الجساد إلى اللحاد زفت? أما‬
‫عاينت سطور الجسام في كتب الرجام قد أدرجت‬
‫ولفت‪ ،‬أما أبصرت قبور القوم? في رقاع بقاع القاع‬
‫قد صفت‪ ،‬من عرف تصرف اليام لم يغفل الستعداد‪،‬‬
‫إن قرب المنية‪ ،‬ليضحك من بعد المنية‪ ،‬ما جرى عبد‬
‫في عنان أمله إل عثر في الطريق بأجله‪.‬‬
‫أخواني خلفنا نتقلب في ستة أسفار‪ ،‬إلى أن يستقر‬
‫بنا المنزل‪ ،‬السفر الول‪ ،‬سفر السللة من الطين‪،‬‬
‫والثاني سفر النطفة من الصلب‪ ،‬والثالث من البطون‬
‫إلى الدنيا‪ ،‬والرابع‪ ،‬من الدنيا إلى القبور‪ ،‬والخامس‬
‫من القبور إلى العرض‪ ،‬والسادس إلى منزل القامة‪،‬‬
‫فقد قطعنا نصف الطريق‪ ،‬وما بعد أصعب‪.‬‬
‫أخواني‪ .‬السنون مراحل‪ ،‬والشهور فراسخ‪ ،‬واليام‬
‫أميال‪ ،‬والنفاس خطوات‪ ،‬والطاعات رؤس أموال‪،‬‬
‫والمعاصي قطاع الطريق‪ ،‬والريح الجنة‪ ،‬والخسران‬
‫النار‪ ،‬لهذا الخطب شمر المتقون عن سوق الجد في‬
‫سوق المعاملة‪ ،‬كلما رأوا مراكب الحياة تخطف في‬
‫بحر العمر شغلهم هول ما هم فيه عن التنزه في‬
‫عجائب البحر‪ ،‬فما كان إل قليل حتى قدموا من السفر‬
‫فاعتنقتهم الراحة في طريق التلقي‪ ،‬فدخلوا بلد‬
‫الوصل وقد حازوا ربح الدهر‪.‬‬
‫المهيار‪:‬‬
‫والقلب عان وراء‬
‫موا المطايا فدمع‬
‫ز ّ‬

‫‪109‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫الخوف مأسوُر‬
‫العين منطلـق‬
‫حتى تشابك مهتوك‬
‫فلم يهبهب بأولى‬
‫ومسـتـوُر‬
‫الزجر سائقهـم‬
‫وح ّ‬
‫طهم لظلل البان‬
‫فغّلسوا من زرود‬
‫تـهـجـيُر‬
‫وجه يومـهـم‬
‫وضمنوا الليل سلعا ً‬
‫غنت على فتنى سلع‬
‫العصافـير‬
‫إذ رأوه وقـد‬
‫أملهم أقصر من فتر‪ ،‬منازلهم أفقر من قبر‪ ،‬نومهم‬
‫أعز من الوفاء‪ ،‬السهر عندهم أحلى من رقدة الفجر‪،‬‬
‫أخبارهم أرق من نسيم السحر‪ ،‬آماقهم بالدموع دامية‪،‬‬
‫والهموم على الجوانح جوانح‪ ،‬لنفسهم أنفاس‪ ،‬من‬
‫مثلها يهيج البهيج‪ ،‬روض رياضتهم مطلول الخمايل‪،‬‬
‫يحدث ري ّا ً عنهم‪ ،‬فالرايحة رائجة بالخير‪.‬‬
‫للمهيار‪:‬‬
‫يا سايق الظعان إن خبرا ً لو أنك للصبا‬
‫ف‬
‫صبا‬
‫تتوقـ ُ‬
‫مع ال ّ‬
‫أرجا ً برّيا أهلـه‬
‫هّبت بعارفة تسوق‬
‫ف‬
‫من الحمى‬
‫يتـعـّر ُ‬
‫خذ حديث القوم جملة واقنع بالعنوان‪ ،‬كواكب هممهم‬
‫في بروج عزائمهم‪ ،‬سيارة‪ .‬ليس فيها زحل‪ ،‬ناموا في‬
‫الدجى على مهاد القلق‪ ،‬فلما جن الليل‪ .‬جن الحذر‪،‬‬
‫فاستيقظت عين‪ .‬ما تهنأت بطعم الرقاد‪.‬‬
‫كفى سائقا ً بالشوق لهيب اشتياق ثم‬
‫فيض مدامع‬
‫بين الضالع‬
‫فركبوا عيس القصد‪ ،‬وركبوا الجادة‪ ،‬فلما غنت الحداة‪،‬‬
‫رنت الفلة‪ ،‬فأعربت أبيات الشعر‪ ،‬عن أبيات الشعر‪،‬‬
‫فعصفت رياح الزفرات من قلب المشوق‪ ،‬فانقلع شكر‬
‫ف شؤونهم قلت قد انقطع شريان‬
‫وك ْ َ‬
‫الدمع‪ ،‬فلو رأيت َ‬
‫الغمام‪ ،‬هذا‪ .‬يعاتب نفسه على التقصير‪ ،‬وهذا يتفكر‬
‫في هول المصير‪ ،‬وهذا يخاف من ناقد بصير‪ ،‬منازل‬
‫تعبدهم متناوحة‪ ،‬وفي كل بيت منهم نايحة‪ ،‬تائبهم‬
‫أبكى من متمم‪ ،‬ومحبهم أتيم من مرقش‪ ،‬ومشتاقهم‬
‫أقلق من قيس‪ ،‬وكلهم قد بات بليل النابغة التائب‬
‫يقول أنا المقر على نفسي بالخيانة‪ ،‬أنا الشاهد عليها‬
‫بالجناية‪.‬‬

‫‪110‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫يا عتادي لملمات‬
‫اعف عني واقلني‬
‫الـزمـن‬
‫عن عثرتي‬
‫ندم أقلق روحي في‬
‫ل تعاقبني فقد‬
‫البـدن‬
‫عـاقـبـنـي‬
‫أنت أهديت لها حلو‬
‫ل تطير وسنا ً عن‬
‫الوسـن‬
‫مقـلـتـي‬
‫ولسان الفارسي يا‬
‫يا حبيبي بلسان‬
‫دوست من‬
‫الـعـربـي‬
‫والمتعبد يبكي على الفتور بكاء الثكلى بين القبور‪،‬‬
‫ويندب زمان الوصال ويتأسف على تغير الحال‪.‬‬
‫قد كان لي مشرب يصفو برؤيتكم فكدرته يد اليام‬
‫حين صفا‪.‬‬
‫والخائف ينادي ليت شعري ما الذي أسقطني من‬
‫عينك? قلت‪" :‬هذا فراق بيني وبينك"?‪.‬‬
‫صرمت حبال وصلك‬
‫لية عـــلة ولي‬
‫عن حبالي‬
‫حــــال‬
‫ومر الهجر من حلو‬
‫وعوضت البعاد من‬
‫الوصـال‬
‫الـتـدانـي‬
‫ولم أشعر بـقـول أو‬
‫فإن أك قد جنيت‬
‫علـيك ذنـبـا ً‬
‫فـعـال‬
‫أردت سوى الصدود‬
‫فعاقبنـي عـلـيه‬
‫فما أبالـي‬
‫بـأي شـيء‬
‫وصريع المحبة يستغيث وينادي‪ ،‬حتى أقلق الحاضر‬
‫والبادي‪.‬‬
‫وللناس أشجان ولي‬
‫تحمل أصحابي ولم‬
‫شجن وحدي‬
‫يجدوا وجدي‬
‫أحبكم ما دمت حـيا ً‬
‫فواكبدي من ذا‬
‫يحبكم بـعـدي‬
‫وإن أمـت‬
‫وقتيل الشوق يتعلق بما يرى‪ ،‬ويتشبث بما يسمع‪،‬‬
‫يرتاح إلى السهر ومقصوده غيره‪ ،‬وإلى الشجر‬
‫ومغنين طيره‪.‬‬
‫للمهيار‪:‬‬
‫أيا بانة الغور عطفا ً‬
‫ت أكني‬
‫وإن كن ُ‬
‫ُ‬
‫ك‬
‫شـفـيت‬
‫وأعني سوا ِ‬
‫لو أني أراه كمـا قـد‬
‫ك من أجل من‬
‫أحب ِ‬

‫‪111‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫ك‬
‫أرا ِ‬
‫ي أسمـُرهـا فـي‬
‫ليال َ‬
‫ك‬
‫ذرا ِ‬
‫ميُتـه‬
‫إلى اسمك ع ّ‬
‫ك‬
‫بـالرا ِ‬
‫فإني فعلت فـأهـل ً‬
‫ك‬
‫بـذا ِ‬

‫تعلـمـين‬
‫ذكرت ويا لهفي هل‬
‫ت‬
‫نـسـي ُ‬
‫كفى الوجد أني إذا‬
‫ما استرحت‬
‫ك فهو‬
‫إذا الصد أرضا ِ‬
‫الوصال‬
‫الفصل الثامن‬
‫الشهوات تغر وتعر‪ ،‬وتمر عيش العواقب وتمر‪ ،‬وتبكي‬
‫عين الندم أضعاف ما تسر‪ ،‬أل يقظ? أل حذر? أل حر?‬
‫هل الدهر إل ما عرفنا فجايعه تبقى ولـذاتـه‬
‫تـفـنـى‬
‫وأدركـنـا‬
‫تولت كمر الطرف‬
‫إذا أمكنـت فـيه‬
‫واستخلفت حزنا‬
‫مـسـرة سـاعة‬
‫إلى تبعات في المعـاد نود لديه أننـا لـم‬
‫نـكـن كـنـا‬
‫ومـوقـف‬
‫حصلنا على هـم وإثـم وفات الذي كنا نـلـذ‬
‫بـه عـنـا‬
‫وحـسـرة‬
‫إذا حققته النفس‬
‫كأن الذي كنـا نـسـر‬
‫لفظ بل معـنـى‬
‫بـكـونـه‬
‫أن المواعظ قد أفصحت وأعربت‪ ،‬غير أن الزخارف‬
‫للواحظ قد أدهشت وأعجبت‪ ،‬وإنما تقطع مراحل الجد‬
‫بالعزم والصبر‪ ،‬ونظر اللبيب المجد إلى آخر المر‪ ،‬أو‬
‫ليس الصحيح بعرض عارض السقام والوصاب? أوما‬
‫المسرور بالعرض كالغرض لسهام المصاب? أو ما‬
‫يكفي من الزواجر? كف كف الحداث مبسوط المل‪،‬‬
‫أما يشفى من البيان? عيان العيان‪ .‬في الجداث‬
‫خالين بالعمل أين من فاق قمم الشرف? فعزل وولى‪،‬‬
‫أما ذاق ألم المنصرف? فنزل وولى أين من نشا‪ ،‬في‬
‫علي ونهى وندى? سلب ولم يشأ‪ ،‬حلى ولهى وجدى‪،‬‬
‫أين المسرور بشهوات أمسه‪ ،‬حزن‪ ،‬أين المغرور بلذات‬
‫نفسه غبن‪:‬‬
‫سل الدهر عن عاد‬
‫فيا آمل ً أن يخلد‬
‫وعن أختها إرم‬
‫الـدهـر كـلـه‬
‫ويفنيه أن يبقى‬
‫إذا ما رأت الشيء‬

‫‪112‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫ففـي دائه عـقـم‬
‫يبليه عـمـره‬
‫يروح ويغدو وهو من وموت فناء بين‬
‫فكين من جـلـم‬
‫موت غبطة‬
‫تحد لنا أيدي الـزمـان ونرتع في أكلئه‬
‫رتعة الـنـعـم‬
‫شـفـاره‬
‫وإن لم يصح يوما ً‬
‫نراع إذا ما الموت‬
‫براتعنا خضـم‬
‫صاح فنرعوي‬
‫أل إن بالسماع عن‬
‫أل إن بالبصار عن‬
‫عظة صمـم‬
‫عبرة عـمـى‬
‫إذا حتفه يوما ً على‬
‫سيكشف عن قلب‬
‫صدره جثم‬
‫الغبي غطاؤه‬
‫يا معتقدا ً دار القلعة قلعة‪ ،‬أما تراها تميد بسكانها‪،‬‬
‫والشاهد ما يشاهد عواصف الحوادث تنسف جمال‬
‫المقتنى‪ ،‬ومعاول الزمان تهدم مشيد المبتنى‪ ،‬وكلما‬
‫ارتفع كثيب أمل وهال انهال‪ ،‬يا مهلكا ً نفسه التي ل‬
‫قيمة لها لجل دينا ل وقع لها‪ ،‬إلى كم هذا الحرص?‬
‫وما تنال غير المقدور‪ ،‬أما رأيت مرزوقا ً ل يتعب?‬
‫ومتعبا ً ل يرزق‪ .‬هذا موسى في تقلقل "أرني" وما‬
‫أري‪ ،‬ومحمد يزعج عن منامه‪ .‬وما طلب "قضاها لغيري‬
‫وابتلني بحبها" واعجبا ً يطلب موسى التجلي‪ ،‬فيمنع‬
‫ويرزق الجبل‪.‬‬
‫توسلت حتى قبلتك‬
‫أراك الحمى قل لي‬
‫ثغورهـا‬
‫بأي وسيلة‬
‫لقد أنضى الحرص مطية عمرك‪ ،‬وما وصلت بلد المل‪،‬‬
‫لو قنعت الذبابة بطرف ظرف العسل ما تلفت‪ ،‬لو‬
‫عرفت قيمة نفسها رخصت أو غلت ما أوغلت‪ ،‬شقايق‬
‫اللذة‪ .‬تروق بصر الحس‪ ،‬وسن العواقب تضحك من‬
‫المغرور‪ ،‬يا دني الهمة أعجبتك خضرة على مزبلة‪،‬‬
‫فكيف لو رأيت فردوس الملك? قنعت بخسايس‬
‫الحشايش والرياض معشبة بين يديك‪ ،‬تقدم بالرياضة‬
‫خطوات وقد وصلت‪.‬‬
‫أن صدق الرايد في‬
‫الغور يا ركابنا‬
‫هذا الخبر‬
‫الـغـور إذن‬
‫فبالغضا ماء‬
‫وإن حننت للحمـى‬
‫وروضات أخـر‬
‫وروضـه‬

‫‪113‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫الهمم تتفاوت في جميع الحيوانات‪ ،‬العنكبوت من حين‬
‫يولد ينسج لنفسه بيتا ً ول يقبل منة الم‪ ،‬والحية تطلب‬
‫ما حفره غيرها‪ .‬إذ طبعها الظلم‪ ،‬الغراب يتبع الجيف‪،‬‬
‫والسد ل يأكل البايت‪ ،‬الكلب ينضنض لترمى له لقمة‪،‬‬
‫والفيل يتملق حتى يأكل‪ ،‬للصيد كلب‪ ،‬وللمدبغة كلب‪،‬‬
‫أين النفة? النحل يغضب فيترضى من لجاج‪،‬‬
‫والخنفساء تطرد فتعود‪ ،‬الختبار يظهر جواهر الرجال‪،‬‬
‫بعثت بلقيس إلى سليمان هدية لتسبر بها قدر همته‪،‬‬
‫فإن رأتها قاصرة‪ ،‬علمت أنها ل تصلح للمعاشرة‪ ،‬وإن‬
‫رأتها عالية تطلب ما هو أعلى‪ ،‬تيقنت أنه يصلح‪.‬‬
‫يا هذا الدنيا هدية بلقيس فهل تقبلها? أو تطلب ما هو‬
‫أنفس‪ .‬ويحك أحسن ما في الدنيا قبيح‪ ،‬لنه يشغل‬
‫عما هو أحسن منه‪ ،‬أترى? لو ابتليناك بترك عظيم‬
‫كيف كنت تفعل? إنما رددناك عن دنس‪ ،‬ومنعناك من‬
‫كدر‪ ،‬ثم ما علمت أن الثواب على قدر المشقة‪ ،‬ويحك‬
‫إن الرباح الكثيرة في السفار البعيدة‪ ،‬الصبر والهوى‬
‫ضرتان فاختر إحدى الضرتين‪ ،‬فما يمكن الجمع من دام‬
‫به الخمار‪ .‬في ديار الهوى‪ ،‬لم يفتح عينيه إل في‬
‫منازل البلى‪ ،‬من غرق بنهر المعلى طفا تحت البلد‪،‬‬
‫واعجبًا‪ ،‬اعدم نظر العقل بمرة? أو بعينه رمد‪ ،‬لو قيل‬
‫لك ارم ثوبك على هدف مرمى لم تفعل إشفاقا ً عليه‪،‬‬
‫وهذا دينك في عرض عرضك‪ ،‬قد تمزق من نبل الهوى‪،‬‬
‫لو قيل‪ :‬زد في النفقه خفت على المال وقد حفت‬
‫في إنفاق العمر على معشوق البطالة‪ ،‬رميت يوسف‬
‫قلبك في جب الهوى‪ ،‬وجئت على قميص المانة بدم‬
‫كذب‪ ،‬ويحك! كلما أوغلت في الهوى زاد التعرقل‪.‬‬
‫ويحك! ما يساوي النصاب المسروق قطع اليد‪ .‬مجلسنا‬
‫بحر‪ ،‬والفكر غواص يستخرج الدر‪ ،‬ومراكب القلوب‬
‫تسير إلى بلد الوصل‪ ،‬وأنت تقف على الساحل "وترى‬
‫الفلك مواخر فيه" إن قعر جهنم لبعيد‪ ،‬ولكن همتك‬
‫أسفل منه‪ ،‬خنقنا دخان التخويف‪ ،‬افتحوا للرواح‪:‬‬
‫سلم عليكم مضى‬
‫إلى كم عتاب يسد‬
‫ما مضى‬
‫الفـضـا‬
‫الفصل التاسع‬
‫الزمان أنصح المؤدبين‪ ،‬وأفصح المؤذنين‪ ،‬فانتبهوا‬
‫بإيقاظه‪ ،‬واعتبروا بألفاظه‪.‬‬

‫‪114‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫وكم هذا التغافل‬
‫فكم هذا التصامم‬
‫والتـوانـي‬
‫والتعـامـي‬
‫لو أنا قد فهمنا عـن الديار مقالها لـم‬
‫يبـن بـان‬
‫خـراب‬
‫فيا للعيش يعشق‬
‫ويجني العيش كل‬
‫وهو جـان‬
‫أذى ويهوى‬
‫وزادهم النجاء من‬
‫فلله الولى درجوا‬
‫جمـيعـا ً‬
‫الـهـوان‬
‫وما علقوا من الدنيا سوى بلغ بأطراف‬
‫البـنـان‬
‫بـشـيء‬
‫ولما أن رضوا شعث تقي وهبوا التصنع‬
‫للغوانـي‬
‫النواصي‬
‫لله در العارفين بزمانهم إذ باعوا ما شانهم بإصلح‬
‫شأنهم‪ ،‬ما أقل ما تعبوا وما أيسر ما نصبوا‪ ،‬وما زالوا‬
‫حتى نالوا ما طلبوه شمروا عن سوق الجد في سوق‬
‫العزائم‪ ،‬ورأوا مطلوبهم دون غيره ضربة لزم‪ ،‬وجادوا‬
‫مخلصين فربحوا إذ خسر حاتم‪ ،‬وأصبحوا منزل النجاة‬
‫وأنت في اللهو نايم‪ ،‬متى تسلك طريقهم‪ ،‬يا ذا‬
‫المآثم? متى تندب الذنوب? ندب المآتم‪ ،‬يا رجال ً ما‬
‫بانت رجوليتهم إل بالعمايم‪ .‬يا أخوان المل قد بقي‬
‫القليل وتفنى المواسم‪ ،‬أين أنت من القوم? ما قاعد‬
‫كقائم‪.‬‬
‫للمهيار‪:‬‬
‫طريقا ً من المـخـافة‬
‫صحب الله راكبين‬
‫وعـرا‬
‫إلى الـعـز‬
‫خوف أن يشربوا من‬
‫شربوا الموت في‬
‫الكريهة حلوا ً‬
‫مّرا‬
‫الضيم ُ‬
‫أنف القوم من مزاحمة الخلق في سوق الهدى‪ ،‬وقوي‬
‫كرب شوقهم فلم يحتملوا حصر الدنيا‪ ،‬فخرجوا إلى‬
‫فضاء العز في صحراء التقوى‪ ،‬وضربوا مخيم الجد في‬
‫ساحة الهدى‪ ،‬وتخيروا شواطي أنهار الصدق فشرعوا‬
‫فيها مشارع البكا‪ ،‬وانفردوا بقلقهم فساعدهم ريم‬
‫الفل‪ ،‬وترنمت بلبل بلبالهم في ظلم الدجا‪ ،‬فلو رأيت‬
‫حزينهم لطلب الرضا‪ ،‬على جمر الغضا‪ ،‬فيا محبوسا ً‬
‫عنهم في سجن الحرص والمنى‪ ،‬إن خرجت يوما ً من‬

‫‪115‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫سجنك لترويح شجنك‪ .‬من غم البلوى عرج بذاك‬
‫الوادي‪.‬‬
‫للشريف الرضي‪:‬‬
‫متى عـهـده بـأيام‬
‫عارضا بي ركب‬
‫ع‬
‫الحجاز أسائله‬
‫سـلـ ِ‬
‫ول تكتـبـاه إل‬
‫واستمل ّ حديث من‬
‫بـدمـعـي‬
‫سكن الخيف‬
‫فاتني أن أرى الديار فلعلي أعي الديار‬
‫بسمـعـي‬
‫بطرفـي‬
‫س ّ‬
‫ل من فـؤادي عاد سهم لهم‬
‫كلما ُ‬
‫و ْ‬
‫ع‬
‫م‬
‫سـهـ ٌ‬
‫مضيض ال َ‬
‫قـ ِ‬
‫كان منهـا وأين أيام‬
‫من معبد أيام جمع‬
‫جـمـع‬
‫علـى مـا‬
‫زمانا ً أضـلـه‬
‫طالب بالعراق ينشد‬
‫بـالـجـزع‬
‫هـيهـات‬
‫يا معوقا ً عنهم بكثرة الحوادث‪ ،‬خلص الماء من ضيق‬
‫النابيب‪ ،‬وانظر كيف يسرع? إلى متى تألف عش‪،‬‬
‫الصبا سافر مع الرجال‪ .‬لو عبرت بطن النجف‬
‫لستنشقت ريح الحجاز‪ ،‬حدث نفسك بأرض نجد يهن‬
‫علينا عبور العقبة‪ ،‬ذكرها قرب منى‪ .‬وقد درجت‬
‫المدرج‪.‬‬
‫للمهيار‪:‬‬
‫كانت ثلثا ً ل تكون‬
‫ى وأين‬
‫من بمن ً‬
‫أربـعـا‬
‫ى‬
‫جيران منـ ً‬
‫سلبتموني كبـدا ً‬
‫ي‬
‫أمس فر ّ‬
‫دوها عل ّ‬
‫ق َ‬
‫طـعـا‬
‫ة‬
‫صـحـيح ً‬
‫ِ‬
‫ثم ذهلت فعدمت‬
‫عدمت صبري‬
‫الجـزعـا‬
‫فجزعت بعدكم‬
‫إن تم في الفايت أن‬
‫ارتجعوا إلى ليلة‬
‫ُيرتجعـا‬
‫ر‬
‫بـحـاجـ ٍ‬
‫بلعلع سقى الغمام‬
‫وغفلة سرقتها من‬
‫لعـلـعـا‬
‫زمـنـي‬
‫يا صبيان التوبة‪ ،‬هللكم خفى‪ ،‬فدوموا على المعاملة‬
‫يصر بدرا ً ل بد من ضيف "ولنبلونكم" الطبع يحن إلى‬
‫المألوف‪ ،‬والولد يطلب ما يشتهي‪ ،‬والزوجة تروم سعة‬

‫‪116‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫النفقة‪ ،‬والورع يختم كيس التصرف "هنالك ابُتلي‬
‫المؤمنون وُزلزلوا زلزال ً شديدًا" أيدي صبيان التوبة‬
‫في أفواههم بعد طعم الرضاء‪ ،‬بينا ليل زللهم قد‬
‫عسعس‪ ،‬إذ صبح يوم توبتهم قد تنفس‪ ،‬فكلما احترقت‬
‫قلوبهم بالخوف‪ ،‬تعرضوا بنسمات الرجاء للعفو‪.‬‬
‫سا ً إذا استروحت‬
‫ل عدا الروح من‬
‫تمنيت نجدا‬
‫تهامة أنفا‬
‫يا صبيان التوبة‪ ،‬طبيبكم متلطف‪ ،‬تارة بالتشويق‪،‬‬
‫وتارة بالتخويف‪ .‬هذه الطير إذا انشق بيضها عن‬
‫الفراخ علم الب والم إن حوصلة الفرخ ل تحتمل‬
‫الغذاء‪ ،‬فينفخان الريح في حلقه لتتسع الحوصلة‪ ،‬ثم‬
‫يعلمان أن الحوصلة تفتقر إلى دبغ وتقوية‪ ،‬فيأكلن‬
‫من صاروج الحيطان وهو شيء فيه ملوحة كالسبخ‪ ،‬ثم‬
‫يزقانه إياه‪ ،‬فإذا اشتدت الحوصلة زقياه الحب‪ ،‬فإذا‬
‫علما أنه قد أطاق اللقط منعاه بعض المنع فإذا جاع‬
‫لقط‪ ،‬فإذا رأياه قد استقل باللقط ضرباه بالجنحة إذا‬
‫سألهما الزق‪.‬‬
‫فتأملوا تدبيري لكم في المواعظ‪ ،‬الطفل ل يصبر عن‬
‫الرضاع ساعة‪ ،‬فإذا صار رجل ً صبر عن الطعام يومين‪،‬‬
‫إنما تقع الكلفة بقدر الطاقة‪ ،‬لما كان الطاير يحتاج أن‬
‫يزق فرخه‪ ،‬لم يحمل عليه إل تدبير بيضتين‪ ،‬ولما كانت‬
‫الدجاجة تحضن ول تزق كان بيضها أكثر‪ ،‬ولما كانت‬
‫الضبة ل تحضن ول تزق صارت تبيض ستين بيضة‪،‬‬
‫وتحفر لهن وتترك التراب عليهن‪ ،‬وبعد أيام تنبشهن‬
‫فيخرجن‪ ،‬كلما قوي الحامل زيد في الحمل في أول‬
‫وابين" وفي أوسطه بعيني ما‬
‫مقام يقول "يحب الت ّ‬
‫يتحمل المتحملون‪ ،‬وفي المقام العلى كذب من ادعى‬
‫محبتي فإذا جنه الليل نام عني‪ .‬كان أبو سليمان‬
‫الداراني يبكي حتى ينبت الريع من عينيه‪ ،‬وكان عطاء‬
‫السلمي يبكي حتى ل يقدر أن يبكي‪.‬‬
‫يا منفذا ً ماء‬
‫وكنت أنفقه علـيه‬
‫الجفـون‬
‫إن لم تكن عيني‬
‫أعز من نظرت إليه‬
‫فأنت‬
‫كانوا إذا ضيق الخوف عليهم الخناق نفسوه بالرجاء‪،‬‬
‫فكان أبو سليمان يقول‪ :‬إلهي إن طالبتني بذنوبي‬

‫‪117‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫طالبتك بكرمك‪ ،‬وإن أسكنتني النار بين أعدائك‬
‫لخبرنهم أني كنت أحبك‪ ،‬وكان يحيى بن معاذ يقول‪:‬‬
‫إن قال لي يوم القيامة عبدي ما غرك بي‪ ،‬قلت‪ :‬إلهي‬
‫برك بي‪.‬‬
‫تجاسرت فكاشفتـك لما غلب الصـبـر‬
‫ففي وجهك لي عذر‬
‫فإن عنفني الـنـاس‬
‫إلى وجهك يا بـدر‬
‫لن البدر محـتـاج‬
‫الفصل العاشر‬
‫أخواني‪ :‬الدنيا غرارة غدارة‪ ،‬خداعة مكارة‪ ،‬تظن‬
‫مقيمة وهي سيارة‪ ،‬ومصالحة وقد شنت الغارة‪.‬‬
‫وتوق الدنيا ول‬
‫نح نفسا ً عن القبيح‬
‫تأمننـهـا‬
‫وصنهـا‬
‫لحى وديعة لم‬
‫ل تثق بالدني فما‬
‫تخـنـهـا‬
‫أبقت الدنيا‬
‫وأسكنتها لتخرج‬
‫إنما جئتها لتستقبل‬
‫عـنـهـا‬
‫المـوت‬
‫ما تبلغت أو تزودت‬
‫ستخلى الدنيا ومـا‬
‫منهـا‬
‫لـك إل‬
‫خير أحدوثة تكون‬
‫وسيبقى الحديث‬
‫فكنهـا‬
‫بعدك فانظر‬
‫كأنك الموت وقد خطف‪ ،‬ثم عاد إلى الباقي وعطف‪،‬‬
‫تنبه لنفسك يا ابن النطف‪ ،‬فقد حاذى الرامي الهدف‪،‬‬
‫إلى كم تسير في سرف? ليت هذا العزم وقف‪ ،‬تؤخر‬
‫الصلة ثم تسيئها كالبرق إذا خطف‪ ،‬أتجمع سوء كيلة‬
‫مع حشف? الجسد أتى والقلب انصرف‪ ،‬يا من باع الدر‬
‫واشترى الخزف‪ ،‬أبسط بساط الحزن على رماد السف‬
‫عليك حافظ وصابط‪ ،‬ليس بناس ول غالط‪ ،‬يكتب‬
‫اللفاظ السواقط وأنت في ليل الظلم خابط‪.‬‬
‫يا من شاب إلى كم تغالط? ابك ما مضى ويكفي‬
‫الفارط‪ ،‬ما للعيون قد أخلفت أنواؤها? وكثر نظرها‬
‫إلى الحرام فقل بكاؤها‪ ،‬ما للقلوب المريضة? قد عز‬
‫شفاؤها‪ ،‬سأكتب ضمان المال وأين وفاؤها? آه‬
‫لمراض نفوس قد يئس طبيبها‪ ،‬ولصوات مواعظ قد‬
‫خرس مجيبها‪ ،‬هبت والله دبور الذنوب فتركت الجسام‬
‫بل قلوب‪ ،‬أين الفهم والتأمل? إن لم يكن جميل فليكن‬

‫‪118‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫تجمل‪ ،‬أخواني قد دنا الترحل‪ ،‬ل بد وشيكا ً من التحول‪.‬‬
‫رقيبكم يا غافلين ل يغفل‪ ،‬أتذكرون الذنوب بل تململ‪،‬‬
‫يا من يعد بالتوبة كم تمطل? يا ملزما ً للهوى كم‬
‫تعدل? المعاصي سم والقليل منه يقتل‪.‬‬
‫يا هذا الدنيا وراءك والخرى أمامك‪ ،‬والطلب لما‬
‫وراءك هزيمة‪ .‬إنما يعجب بالدنيا من ل فهم له‪ ،‬كما أن‬
‫أضغاث الحلم تسر النائم لعب الخيال يحسبها الطفل‬
‫حقيقة‪ ،‬فأما العقل فيعلم ما وراء الستر‪.‬‬
‫لمن هو في علم‬
‫رأيت خيال الظل‬
‫الحقيقة راق‬
‫أكبر عبـرة‬
‫شخوص وأشباح تمر جميعا ً وتفنى‬
‫والمحرك باقي‬
‫وتنقضي‬
‫كم أتلفت الدنيا بيد حبها في بيد طلبها‪ ،‬كم ساع إليها‬
‫سعي الرخ ردته معكوسا ً رد الفرازين‪ ،‬الدنيا نهر‬
‫طالوت‪ ،‬والفضائل تنادي‪" :‬فمن شرب منه فليس‬
‫مني" فإذا قامت الفاقة مقام ابن أم مكتوم أبيحت لها‬
‫رخصة "إل من اغترف" فأما أهل الغفلة فارتووا‪ ،‬فلما‬
‫قامت حرب الهوى‪ ،‬ثبطتهم البطنة‪ ،‬فنادوا بألسنة‬
‫العجز "ل طاقة لنا" وأقبل مضمن الجد فحاز قصب‬
‫السبق‪ ،‬كل الشر في الشره‪ ،‬واللذة خناق من عسل‪،‬‬
‫من تبصر تصبر‪ ،‬الحزم مطية النجح‪ ،‬الطمع مركب‬
‫التلف‪ ،‬التواني أبو الفقر‪ ،‬البطالة أم الخسران‪،‬‬
‫التفريط أخو الندم‪ ،‬الكسل ابن عم الحسرة‪ ،‬ما يحصل‬
‫برد العيش إل بحر التعب‪ ،‬ما العز إل تحت ثوب الكد‪،‬‬
‫على قدر الجتهاد تعلو الرتب‪ ،‬لما صابر النضو مشقة‬
‫السير معرضا ً عن أعرض المطاعم‪ ،‬زين بالجلل يوم‬
‫العبد‪ ،‬ولما تكاسلت البخاتي ميل ً إلى كثرة العلف وقع‬
‫ببختها الذبح‪ ،‬سابق الطير مكرم‪ ،‬والديك الحاذق‬
‫بالصباح مطلق‪ ،‬إذا صب في القنديل ماء ثم صب عليه‬
‫زيت صعد الزيت فوق الماء‪ ،‬فيقول الماء‪ :‬أنا ربيت‬
‫شجرتك فأين الدب? لم ترتفع علي? فيقول الزيت‪:‬‬
‫أنت في رضراض النهار تجري على طريق السلمة‪،‬‬
‫وأنا صبرت على العصر وطحن الرحا وبالصبر يرتفع‬
‫القدر‪ ،‬فيقول الماء‪ :‬أل أني أنا الصل‪ ،‬فيقول الزيت‪:‬‬
‫استر عيبك فإنك لو قارنت المصباح انطفأ‪.‬‬
‫يا بعيدا ً عن المجاهدة قد اقتسم الرعيل الول النفل‪،‬‬

‫‪119‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫أما ترى أسلب الهوى كيف يبيعها أربابها في سوق‬
‫الفتخار بالنض "ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب"‪.‬‬
‫يا من قد انحرف عن جادتهم‪ ،‬كم أحركك بسوط‬
‫الشوق في شوط السوق‪ ،‬سهم عزمك بل ريش‪ ،‬إنما‬
‫يقع الرمي بين يديك‪ .‬يا مخنث العزيمة أقل ما أبقى‬
‫في الرقعة البيذق‪ ،‬فلما نهض تفرزن‪ ،‬رأى بعض‬
‫الحكماء برذونا سيتقي عليه‪ ،‬فقال لو هملج هذا‬
‫لركب‪ ،‬متى همت أقدام العز بالسلوك اندفع من بين‬
‫يديها ما يسد القواطع‪ ،‬ومتى هاب الغايص موج البحر‬
‫لم يطمح له في نيل الدر‪ ،‬يا من عقد عزمه بأنشوطة‪،‬‬
‫والهوى يمدها للحل‪ ،‬إن عزفت من عزيمتك الثبوت‬
‫في صف المجاهدة‪ ،‬وإل فاحذر هتكة الهزيمة‪.‬‬
‫كان ذو البجادين يتيمًا‪ ،‬فلما عمه الفقر كفله عمه‪،‬‬
‫فنازعته النفس إلى السلم‪ ،‬فهم بالنهوض‪ ،‬فإذا بقية‬
‫المرض مانعة‪ ،‬فقعد على انتظار العم‪ ،‬فانتهى‬
‫المرض‪ ،‬فصارت الهمة عزيمة‪ ،‬فنفذ الصبر فناداه‬
‫صدق الوجد‪.‬‬
‫للمهيار‪:‬‬
‫إثرها ربما وجـدت‬
‫إلى كم حبسها‬
‫طـريقـا‬
‫تشكو المضـيقـا‬
‫ب‬
‫أجْلها تطلب‬
‫ى يرمي الغرو ُ‬
‫ُ‬
‫سد ً‬
‫بها الشروقا‬
‫عـهـا‬
‫القصوى ود ْ‬
‫تكون إذن بذّلتـهـا‬
‫أتعقلها وتقـنـع‬
‫خـلـيقـا‬
‫بـالـهـوينـا‬
‫يكون على ركائبـه‬
‫ولم يشفق على‬
‫شـفـيقـا‬
‫ب غـلم‬
‫حـسـ ٍ‬
‫فقال‪ :‬يا عم كيف انتظر سلمتك بإسلمك وما أرى‬
‫زمن زمنك ينشط‪ ،‬فقال‪ :‬والله لئن أسلمت لنتزعن‬
‫كل ما أعطيتك‪ ،‬فصاح لسان الشوق نظرة من محمد‬
‫أحب إلي من الدنيا وما فيها‪ ،‬هذا مذهب المحبين‪،‬‬
‫إجماعا ً من غير خلف‪:‬‬
‫تريد أم الدنيا وما‬
‫ولو قيل للمجنون‬
‫في خباياها‬
‫ليلى ووصلها‬
‫ألذ إلى نفسي‬
‫لقال تراب من غبار‬
‫وأشفى لبلواها‬
‫نعالـهـا‬

‫‪120‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫فلما تجرد لطلب الثواب‪ ،‬جرده العم من الثياب‪،‬‬
‫فناولته الم بجادا ً فقطعه لسفر الوصل‪ ،‬فائتزر‬
‫ث أغبر"‪:‬‬
‫ب أشع َ‬
‫وارتدى‪ ،‬وغدا في هيئة "ر ّ‬
‫فإذا أحببت فاستنن‬
‫سنة الحباب واحدة‬
‫فنادى صائح الجهاد في جيش العسرة‪ ،‬فتبع ساقة‬
‫الحباب على ساق‪ ،‬والمحب ل يرى طول الطريق إنما‬
‫يتلمح المقصد‪:‬‬
‫وبلغ أكتاف الحمى‬
‫أل أبلغ الله الحمى‬
‫من يريدها‬
‫مـن يريده‬
‫فحمل جلدة فوق جلدة‪ ،‬إلى أن نزل منزل التلف‪،‬‬
‫فنزل الرسول في حفرته يمهد له اللحد لمأمور "إذا‬
‫رأيت لي طالبًا‪ ،‬فكن له خادمًا" وجعل يقول‪ :‬اللهم‪،‬‬
‫إني أمسيت راضيا ً عنه فارض عنه‪ ،‬فصاح ابن مسعود‪:‬‬
‫ليتني كنت صاحب الحفرة‪:‬‬
‫ي فانظري كيف‬
‫كذاك الفخر يا همم‬
‫تعال َ ْ‬
‫التعالي‬
‫الرجال‬
‫الفصل الحادي عشر‬
‫أيتها النفس‪ ،‬أقلعي عن الجناح وتوبي‪ ،‬وراجعي إلى‬
‫الصلح وأوبي‪ ،‬أيتها النفس قد شان شاني عيوبي‪،‬‬
‫أيتها الجاهلة تكفيني ذنوبي‪:‬‬
‫لو قد دعاني‬
‫يا ويح نفسي من‬
‫للحساب حسـيبـي‬
‫تتابع حوبـتـي‬
‫فاستيقظي يا نفس حذرا ً يهيج عبرتي‬
‫ونـحـيبـي‬
‫ويحك واحذري‬
‫سطوات موت‬
‫واستدركي ما فات‬
‫للنفوس طلـوب‬
‫منك وسأبقى‬
‫إعوال عان في‬
‫وابكي بكاء‬
‫الوثاق غـريب‬
‫المستغيث واعولـي‬
‫أفليس ذا يا نفس‬
‫هذا الشباب قد‬
‫حين مشـيبـي‬
‫اعتللت بلـهـوه‬
‫يجري بصرف حوادث‬
‫هذا النهار يكـر‬
‫ويحـك دائبـا ً‬
‫ب‬
‫وخطو ِ‬
‫يحصي علي ولو‬
‫هذا رقيب ليس‬
‫عنـي غـافـل ً‬
‫غفلت ذنوبـي‬
‫نوم السفيه وما‬
‫أوليس من جهـل‬

‫‪121‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫ينـام رقـيبـي‬
‫بـأنـي نـائم‬
‫آه لنفسي تركت يقينها وتبعت آمالها‪ ،‬ما لها? جهلت‬
‫ما عليها وما لها‪ ،‬أما ضربت العبر? بأخذ أمثالها‬
‫أمثالها‪ ،‬من لها? إذا نازلها الموت فغالها‪ ،‬وأخذ منها ما‬
‫نالها وقد أنى لها‪ ،‬ليتها تفقدت أمورها‪ ،‬أو شهدت‬
‫أحوالها‪ ،‬تحضر المجالس بنية‪ ،‬فإذا قامت بدا لها‪،‬‬
‫ويحها لو ترى أجزآءا من مالها لهالها‪.‬‬
‫لبن المعتز‪:‬‬
‫فل تؤكلـن‬
‫وكم دهى المرء من‬
‫بـأنـيابـهـا‬
‫نفسـه‬
‫فل تبدو فعلـك إل‬
‫وإن مكنت فرصة‬
‫بـهـا‬
‫في العدو‬
‫قال أبو زيد‪ :‬رأيت الحق في المنام‪ ،‬فقلت‪ :‬يا رب‬
‫كيف أجدك? قال‪ :‬فارق نفسك وتعال‪.‬‬
‫جاء رجل إلى أبي علي الدقاق‪ ،‬فقال‪ :‬قد قطعت إليك‬
‫مسافة‪ ،‬فقال‪ :‬ليس هذا المر بقطع المسافات‪ ،‬فارق‬
‫نفسك بخطوة وقد حصل لك مقصود‪ ،‬لو عرفت منك‬
‫نفسك التحقيق لسارت معك في أصعب مضيق‪ ،‬لكنها‬
‫ألفت التفاتك‪ ،‬فلما طلبت قهرها‪ ،‬فاتك‪ ،‬هل شددت‬
‫الحيازم‪ ،‬وقمت قيام حازم‪ ،‬وفعلت فعل عازم‪،‬‬
‫وقطعت على أمر جازم‪ ،‬تقصد الخير ولكن ما تلزم‪:‬‬
‫فيجهده كـرا ً‬
‫ويعرف أخلق‬
‫ويرهـبـه ذعـرا‬
‫ده‬
‫الجـبـان جـوا ُ‬
‫بحد حلو ما يعطاه‬
‫ومن كل تطلب‬
‫من غير هامرا‬
‫المعالي بصـدره‬
‫حريم العزم الصادق حرام على المتردد‪ ،‬متى تحزم‬
‫العزم هزم‪ ،‬لو رأيت صاحب العزم وقد سرى حين‬
‫رقدت السراحين‪ ،‬بهمة تحل فوق الفرقد فلنفسه‬
‫نفاسة ولنفه إنفة‪ ،‬سهم الشهم مفوق عرضة‬
‫الغرض‪.‬‬
‫كان الفضيل ميتا ً بالذنوب‪ ،‬وابن أدهم مقتول ً بالكبر‪،‬‬
‫والسبتي هالكا ً بالملك‪ ،‬والجنيد من جيد الجند‪ ،‬فنفخ‬
‫في صور المواعظ‪ ،‬فدبت أرواح الهدى في موتى‬
‫الهوى‪ ،‬فانشقت عنهم قبور الغفلة‪ ،‬وصاح إسرافيل‬
‫العتبار "كذلك يحيي الله الموتى" إنما سمع الفضيل‬

‫‪122‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫آية‪ ،‬فذلت نفسه لها واستكانت‪ ،‬وهي "كانت" إنما زجر‬
‫ابن أدهم بكلمة كلمت قلبه فانقلب‪ ،‬هايف عاتبه ولم‬
‫أخرجه من بلخ إلى الشام كانت عقدة قلوبهم‬
‫بأنشوطة‪ ،‬ومسد قلبك كله عقد‪ ،‬لحت للقوم‪ ،‬جادة‬
‫السلوك "قالوا ربنا الله ثم استقاموا"‪.‬‬
‫هيهات منك غبار ذلك الموكب‪ ،‬ركبوا سفين العزم‬
‫فهبت لهم رياح العون‪ ،‬فقطعوا بالعلم لجج الجهل‪،‬‬
‫فوصلوا إلى إقليم أرض الفهم فأرسلوا على ساحل‬
‫بلد الوصل‪ ،‬إذا استصلح القدر أرض قلب قلبها‬
‫بمحراث الخوف وبذر فيها حب المحبة‪ ،‬وأدار لها‬
‫دولب العين‪ ،‬وأقام ناطور المراقبة‪ ،‬فتربى زرع‬
‫التقى على سوقه‪ ،‬أصفهم عند من? انثر الدر على‬
‫دمن‪:‬‬
‫قلبي وإن حالوا‬
‫بلغ سلمي بالغوير‬
‫إليهم تائق‬
‫جيرة‬
‫فارقتهم كرها ً وليت للروح من دونهم‬
‫مفارق‬
‫أنني‬
‫بالبعد فيما بيننـا‬
‫ولست أنساهم وإن‬
‫عـليق‬
‫تقطعت‬
‫يا نفس‪ ،‬عند ذكر الصالحين تبكين‪ ،‬وعند شرح جدهم‬
‫تأنين‪ ،‬وإذا تصورت طيب عيشهم تحنين‪ ،‬فإذا عرفت‬
‫قيامهم بالخدمة تنكبين‪.‬‬
‫للمهيار‪:‬‬
‫حّني فما أمنعك‬
‫أمن خفوق البرق‬
‫ِ‬
‫الحنـينـا‬
‫ترزمينـا‬
‫سيري يمينا ً وسراك‬
‫ّ‬
‫فضلة ما تتـلـفـتـينـا‬
‫ة‬
‫شـأم ً‬
‫ونعلن الوجد‬
‫نعم ُتشاقين‬
‫وتكتـمـينـا‬
‫وأشـتـاق لـه‬
‫وأين نجد‬
‫فأين منا اليوم أو‬
‫ورينـا‬
‫منك الهوى‬
‫والمـغـ ّ‬
‫لما اشتغل القوم بإصلح قلوبهم أعرضوا عن إصلح‬
‫أبدانهم‪ ،‬عري أويس حتى جلس في قوصرة‪ ،‬وقدم‬
‫بشر من عبادان وهو متشح بحصير‪.‬‬
‫للسموءل‪:‬‬

‫‪123‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫فكـل رداء يرتـديه‬
‫إذا المرء لم يدنس‬
‫جـمـــيل‬
‫من اللؤم عرضه‬
‫فليس إلى حسن‬
‫وإن هو ل يحمل‬
‫على النفس ضيمها الثـنـاء سـبـيل‬
‫كان أويس يلتقط النوى فيبيعه بما يفطر عليه‪ ،‬فإذا‬
‫أصاب حشفة ادخرها لفطاره‪ ،‬ويجمع الخرق من‬
‫المزابل فيغسلها في الفرات ويرقعها ليستر عورته‪،‬‬
‫ويفر من الناس فل يجالسهم‪ ،‬فقالوا مجنون‪ ،‬ل تصح‬
‫المحبة‪ ،‬حتى يمحي السم المعروف‪ ،‬باسم متجدد‪،‬‬
‫فإن اسم قيس نسي‪ ،‬وعرف بالمجنون‪:‬‬
‫قعد العواذل لي‬
‫لول جنوني فـيك مـا‬
‫وقاموا‬
‫أولى يلوم العـاذلـون وليس لي قـلـي يلم‬
‫بني أهل أويس له بيتا ً على باب دارهم‪ ،‬فكانت تأتي‬
‫عليه السنون ل يرون له وجهًا‪ ،‬وكان إذا خرج يمشي‬
‫ضرب الصبيان عقيبه بالحجارة حتى تدمي‪ ،‬وهو ساكت‬
‫ولسان حاله يقول‪:‬‬
‫في حب ليلى قيسها‬
‫ولقيت في حبيك ما‬
‫المجنون‬
‫لم يلقـه‬
‫لكنني لم أتبع وحش كفعال قيس‬
‫والجنون فنـون‬
‫الـفـل‬
‫لقي بعض الجند إبراهيم بن أدهم في البرية‪ ،‬فقال له‪:‬‬
‫أين العمران? فأومى بيده إلى المقابر‪ ،‬فضربه فشج‬
‫رأسه‪ ،‬فقيل له‪ :‬هذا ابن أدهم فرجع يعتذر إليه فقال‬
‫له إبراهيم‪ :‬الرأس الذي يحتاج إلى اعتذارك تركته‬
‫ببلخ‪:‬‬
‫يا قوم رضيت‬
‫عزى ذلي وصحتي‬
‫بالهوى سفك دمي‬
‫في سقمـي‬
‫من بات على وعد‬
‫عذالي كفوا فمن‬
‫اللقا لـم ينـم‬
‫ملمي ألـمـي‬
‫مر رجل بابن أدهم وهو ينظر كرما ً فقال‪ :‬ناولني من‬
‫هذا العنب فقال ما أذن لي صاحبه‪ ،‬فقلب السوط‬
‫وضرب رأسه‪ ،‬فجعل يطأطئ رأسه‪ ،‬ويقول‪ :‬اضرب‬
‫رأسا ً طالما عصى الله‪:‬‬
‫للشامت والحسود‬
‫من أجلك قد جعلت‬

‫‪124‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫خدي أرضا ً‬
‫حتى ترضى‬
‫مولي إلى متى بهذا عمري يفنى‬
‫وحاجتي ما تقضى‬
‫أحـظـى‬
‫ما ازددت على‬
‫لو قطعني الغـرام‬
‫إربـا ً إربـا ً‬
‫الملم إل حبـا‬
‫حتى أقضي على‬
‫ل زلت بكم أسير‬
‫هواكم نحبـا‬
‫وجد صـبـا‬
‫كان ابن أدهم يستغيث من كرب وجده‪ ،‬ويبول الدم من‬
‫كثرة خوفه‪ ،‬فطلب يوما ً سكونا ً من قلقه‪ ،‬فقال‪ :‬يا‬
‫رب إن كنت وهبت لحد من المحبين لك ما يستريح به‪،‬‬
‫فهب لي‪ ،‬فقيل له في نومه‪ :‬وهل يسكن محب بغير‬
‫حبيبه?‬
‫والقلب ينوبه الجوى‬
‫الجسم يذيبه السى‬
‫والكمد‬
‫والسـهـد‬
‫هم قد وجدوا وهكذا ما جن بهم مثل‬
‫جنوني أحـد‬
‫ما وجدوا‬
‫مالي جلد ضعفت ما‬
‫شوق وجوى ونار‬
‫لي جلد‬
‫وجد تقـد‬
‫الفصل الثاني عشر‬
‫عجبا ً لذكر الموت كيف يلهو? ولخائف الفوت وهو‬
‫يسهو‪ ،‬ولمتيقن حلول الليل ثم يزهو‪ ،‬وإذا ذكرت له‬
‫الخر مر يلغو‪.‬‬
‫لبي العتاهية‪:‬‬
‫ت للدمع‪:‬‬
‫إني أرقت وذكر‬
‫فقل ُ‬
‫أسعدني فأسعدني‬
‫الموت أّرقني‬
‫قبل الممات ولم‬
‫إن لم أبك لنفسي‬
‫مشعرا ً حزنـا ً‬
‫آسف لها فمن‬
‫ومن يموت فما أوله‬
‫يا من يموت ولم‬
‫بالحـزن‬
‫تحزنه موتتـه‬
‫لمن أروح لمن أغدو‬
‫مُر أموالي‬
‫لمن أث ْ ّ‬
‫لمن لمن‬
‫مـعـهـا‬
‫وأج ّ‬
‫في حفرتي ترب‬
‫لمن سيرفع بي‬
‫الخدين والذقن‬
‫نعشي ويتركني‬
‫يا غافل ً عن الموت وقد لدغه‪ ،‬أخذ قرينه فقتله ودمغه‪،‬‬
‫تأمل صنع الدهر بالرأس إذ صبغه‪ ،‬بأي حديث ترعوي أو‬

‫‪125‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫بأي لغة? كم رأيت مغرورا ً قبلك? كم شاهدت منقول ً‬
‫مثلك? من أباد أقرانك? ومن أهلك أهلك? لقد نادى‬
‫الموت وقال‪ :‬أخذتم أماني يا أهل الماني والمال‪،‬‬
‫أين من كان في روح وسعة? نقلته إلى مكان ما‬
‫وسعه‪ ،‬أين من كان يسري آمنا ً في سربه‪ ،‬أما قيل‬
‫للتلف? خذه وسر به‪ ،‬أما عاقبة اللفة فرقة? أما آخر‬
‫جرعة اللذة شرقة? أما ختما الفرح قلق وحرقة? أما‬
‫عْر سمعك الصوات‪،‬‬
‫زاد ذي المال إلى القبر خرقة? أ ِ‬
‫فهل تسمع إل فلنا ً مات? أجل بصرك في الفلوات‬
‫فهل ترى إل القبور الدارسات?‬
‫مخ قسرا ً والدهر ذو‬
‫قوض الموت طود‬
‫حدثـان‬
‫عزهم الشا‬
‫واستـرد الـذي أعـار يام ظهرا ً خـشـونة‬
‫ولـيان‬
‫ولـل‬
‫م غدوا كل واحد في‬
‫وإذا صاح صايح‬
‫مـكـان‬
‫الموت في قو‬
‫يا ساكنا ً مسكن من قد أزعج‪ ،‬يا شاربا ً فضلة من‬
‫شرق‪ ،‬تصحو في المجلس ساعة من خمار الهوى‪ ،‬ثم‬
‫تسليك حميا الكأس‪ ،‬هيهات ليس في البرق اللمع‬
‫مستمتع لمن يخوض الظلمة‪ ،‬كم أعطف عطفك بلجام‬
‫العظة إلى عطفة اليقظة‪ ،‬فإذا انقضى المجلس عاد‬
‫فه" وتأبى الطباع على الناقل يا من‬
‫ي عط ْ ِ‬
‫الطبع "ثان َ‬
‫قد لجج في لجة الهوى‪ ،‬قارب الساحل في قارب‪ ،‬دنا‬
‫رحيل الرفقة وما اشتريت للمير قوت ليلة‪ ،‬كلما جد‬
‫اللعب فتر النشاط في الجد‪ ،‬صحح نقدة عملك فقد‬
‫ود غزل عزمك‪ ،‬فلربما لم‬
‫انقرضت أيام السبوع‪ ،‬ج ّ‬
‫تسامح وقت الوزن‪ ،‬صابر غبش العيش فقد دنا فجر‬
‫الجر‪.‬‬
‫انتبه الغتنام عمرك‪ ،‬فكم يعيش الحيوان? مد بحر‬
‫القدرة‪ ،‬فجرى بمراكب الصور‪ ،‬فرست على ساحل‬
‫إقليم الدنيا فعاملت في موسم الحياة مدة الجزر‪ ،‬ثم‬
‫عاد المد فرد إلى برزخ الترب‪ ،‬فقذف محاسن البنية‬
‫في حفر اللحود‪ ،‬وسيأتي طوفان البعث عن قرب‪،‬‬
‫فاحذر أن تدفع دونك سفينة النجاة‪ ،‬فتستغيث وقت‬
‫الفوت ول عاصم كأنك بك في قبرك‪ ،‬على فراش‬
‫الندم وأنه والله لخشن من الجندل‪.‬‬

‫‪126‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫فازرع في ربيع حياتك قبل جدوبة أرض شخصك‪،‬‬
‫وادخر من وقت قدرتك لزمان عجزك‪ ،‬واعتبر رحلك‬
‫قبل رحيلك‪ ،‬مخالفة الفقر في القبر إلى لزم الخذ‬
‫س يا حسرتا"‪.‬‬
‫"أن تقول نف ٌ‬
‫يا هذا‪ .‬مثل لنفسك صرعة الموت‪ ،‬وما قد عزمت أن‬
‫تفعل حينئذ وقت السر‪ ،‬فافعله وقت الطلق‪.‬‬
‫لقيس بن ذريح‪:‬‬
‫فكنت كآت حتفه‬
‫أتبكي على لبنى‬
‫وهو طـائع‬
‫وأنت تركتهـا‬
‫بلبنى وبانت عنك ما‬
‫فيا قلب خبرني إذا‬
‫أنت صانع‬
‫شطت النوى‬
‫كأنك بحرب التلف قد قامت على ساق‪ ،‬وانهزمت‬
‫جيوش المل وإذا بملك الموت قد بارز الروح‪ ،‬يجتذبها‬
‫بخطاطيف الشدائد من تيار أوتار العروق‪ ،‬وقد أوثق‬
‫كتاف الذبيح‪ ،‬وحار البصر لشدة الهول وملئكة الرحمة‬
‫عن اليمين‪ ،‬قد فتحوا أبواب الجنة‪ ،‬وملئكة العذاب عن‬
‫الشمال قد فتحوا أبواب النار وجميع المخلوقات‬
‫تستوكف الخبر‪ ،‬والكون كله قد قام على صيحة‪ ،‬إما أن‬
‫يقال‪ :‬سعد فلن‪ ،‬أو شقي فلن‪ ،‬فحينئذ تتجلى أبصار‬
‫"الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري" ويحك تهيأ‬
‫لتلك الساعة‪ ،‬حصل زادا ً قبل العوز‪.‬‬
‫للصمة القشيري‪:‬‬
‫تمتع من شميم عرار فما بعد العشية من‬
‫عرار‬
‫نجد‬
‫وا أسفاه من حياة على غرور‪ ،‬وموت على غفلة‪،‬‬
‫ومنقلب إلى حسرة‪ ،‬ووقوف يوم الحساب بل حجة‪.‬‬
‫يا هذا‪ ،‬مثل نفسك في زاوية من زوايا جهنم وأنت‬
‫تبكي أبدًا‪ ،‬وأبوابها مغلقة وسقوفها مطبقة وهي‬
‫سوداء مظلمة‪ ،‬ل رفيق تأنس به‪ ،‬ول صديق تشكو إليه‪،‬‬
‫ول نوم بريح ول نفس‪ ،‬قال كعب إن أهل النار ليأكلون‬
‫أيديهم إلى المناكب‪ ،‬من الندامة على تفريطهم‪ ،‬وما‬
‫يشعرون بذلك‪ .‬يا مطرودا ً عن الباب‪ ،‬يا مضروبا ً بسوط‬
‫الحجاب‪ ،‬لو وفيت بعهودنا‪ ،‬ما رميناك بصدودنا‪ ،‬لو‬
‫كاتبتنا بدمع السف‪ ،‬لعفونا عن كل ما سلف‪.‬‬
‫وحل العقود ونقض‬
‫ولو أنهم عند كشف‬
‫العهوِد‬
‫القنـاع‬

‫‪127‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫ولبسهم لبـرود‬
‫الـصـدوِد‬
‫وأجروا مدامعهم في‬
‫الخدوِد‬
‫وقلنا قلوب المحبين‬
‫عودي‬

‫وخلعهم لـعـذار‬
‫الـحـياء‬
‫أناخوا بأبـوابـنـا‬
‫سـاعة‬
‫لعدنا سراعا ً إلى‬
‫وصلـهـم‬
‫الفصل الثالث عشر‬
‫كم أخرج الموت نفسا ً من دارها لم يدارها‪ ،‬وكم أنزل‬
‫أجسادا ً بجارها لم يجارها‪ ،‬وكم نقل ذاتا ً ذات أخطاء‬
‫بأوزارها‪ ،‬وكم أجرى عيونا ً كالعيون بعد بعد مزارها‪.‬‬
‫ستصد عنه طائعا ً أو‬
‫يا مغرما ً بوصال‬
‫كارهـا‬
‫ش ناعـم‬
‫عي ٍ‬
‫أوطانهم والطير عن‬
‫إن المنية تزعج‬
‫أوكارها‬
‫الحرار عن‬
‫أخواني‪ :‬قد حام الحمام حول حماكم‪ ،‬وصاح بكم إذ خل‬
‫النادي وناداكم‪ ،‬وأولكم من النصح حقكم‪ ،‬فما أحقكم‬
‫بالتدبر وأولكم‪ ،‬وهو عازم على اقتناصكم‪ ،‬وما‬
‫المقصود سواكم‪ .‬كم أخلى الموت دارا ً فدارا? أما‬
‫استلب كسرى بن دارا? أدارى لما أخذ دارًا? أما ترك‬
‫العامر قفارًا? أما أذاق الغصص المر مرارًا? لقد جال‬
‫يمينا ً ويسارًا? فما حابى فقرا ً ول يسارًا‪.‬‬
‫يا هذا‪ ،‬مطايا العمر قد أعنقت وأنت في مسامرة‬
‫المل‪ ،‬معاول الساعات تهدم حايط الجل‪ ،‬فرايس‬
‫المهج في مضابث أسد المنايا‪ ،‬أسنة القنا مشرعة ول‬
‫درع‪ ،‬عقارب الخدع دائمة للسع‪ ،‬غير أن خدران الغفلة‬
‫يمنع الحساس بسريان السم‪ ،‬آه من مثاقف ما ينتهي‬
‫عن القتل‪ ،‬الناس في الدنيا ككيزان الدولب‪ ،‬فالشاب‬
‫مثل الممتلي‪ ،‬والكهل قد فرغ بعضه‪ ،‬والشيخ لم يبق‬
‫فيه شيء‪ .‬الشاب المتقي في مقام "يحبهم" والكهل‬
‫خَلطوا عمل ً صالحًا" والشيخ في‬
‫المنحط في مرتبة " َ‬
‫حيز "تجدني عند المنكسرة قلوبهم"‪.‬‬
‫يا من قد انطوى برد شبابه‪ ،‬وخبيت خلع تلفه‪ ،‬وبلغت‬
‫سفينته ساحل سفره‪ ،‬قف على ثنية الوداع‪ ،‬فلم تبق‬
‫إل ساعة تتغنم‪ ،‬لو فتحت عين اليقظة لرأيت حيطان‬
‫العمر قد تهدمت‪ ،‬فبكيت على خراب دار الجل‪ .‬صاح‬

‫‪128‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫ديك اليقاظ في سحر ليل العبر‪ ،‬فما تيقظت‬
‫فستنتبه‪ ،‬إذا نعق الغراب البين بين البين‪.‬‬
‫حيران ل ظفر ول‬
‫ومشتت العزمات‬
‫أخفـاق‬
‫ينفق عمره‬
‫ل في الشباب وافقت‪ ،‬ول في الكهولة رافقت‪ ،‬ول‬
‫في الشيب أفقت‪ ،‬ول من العتاب أشفقت‪ ،‬فكأنك ما‬
‫آمنت بالمعاد ول صدقت‪.‬‬
‫يا مقيما ً على الهوى وليس بمستقيم‪ ،‬يا مبذرا ً في‬
‫بضاعة العمر متى يؤنس منك رشد? يا أكمة البصر‪ ،‬ل‬
‫حيلة فيها لعيسى‪ ،‬يا طويل الرقاد ول نوم أهل‬
‫الكهف‪ ،‬كيف يفلح من هو والكسل كندمائي جذيمة?‪.‬‬
‫الدنيا مضمار سباق‪ ،‬والليل سرى‪ ،‬وطلب الراحة‬
‫تحنث‪:‬‬
‫ول أن إدراك العلى‬
‫فل تحسبوا أن‬
‫هين سهـل‬
‫المعالي رخـيصة‬
‫ول كل من يهوى‬
‫فما كل من يسعى‬
‫العل نفسه تعلو‬
‫إلى المجد نالـه‬
‫من تذكر حلوة العاقبة نسي مرارة الصبر‪ ،‬الرجولية‬
‫بالهمة ل بالصورة‪ ،‬نزول همة الكساح حطه في بئر‬
‫النجاس‪ ،‬قنديل الفكر في محراب قلبك مظلم‪،‬‬
‫فاطلب له زيت خلوة‪ ،‬وفتيلة عزم بينك وبين المتقين‬
‫حبل الهوى‪ ،‬نزلوا بين يديه ونزلت خلفه‪ ،‬فاطو فضل‬
‫منزل تلحق‪ ،‬لو علوت نشز الجد‪ ،‬بانت بانة الوادي‪.‬‬
‫للمهيار‪:‬‬
‫بين البيوت عن‬
‫إن كنت ممن يطلع‬
‫فوادي ما فع ْ‬
‫الوادي فس ْ‬
‫ل‬
‫ل‬
‫ك فـأذ ّ‬
‫والحب ما رقّ له‬
‫ل‬
‫عز هـوا ِ‬
‫جْلـد وذ ّ‬
‫ل‬
‫جـَلــدي‬
‫ال َ‬
‫َ‬
‫يرد عيشا ً فائتا ً‬
‫أين ليالينا على‬
‫قـولـك هـل‬
‫الخـيف وهـل‬
‫يا مقيدا ً بقيود الطرد‪ ،‬الق نفسك في الدجى على باب‬
‫الذل‪ ،‬وقل إلهي‪ ،‬كم لك سواي ومالي سواك‪،‬‬
‫فبفقري إليك وعناك عني‪ ،‬أل عفوت عني‪.‬‬
‫برى جسدي سخطك‬
‫أيا منعما ً لم يزل‬
‫محسـنـا ً‬
‫م‬
‫الدائ ُ‬

‫‪129‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫يداي كما يفعـل‬
‫إلى النحر مني‬
‫م‬
‫مضمـومة‬
‫الـنـاد ُ‬
‫وينبو عن الضربة‬
‫يزل الحليم ويكبو‬
‫م‬
‫الجـواد‬
‫الصار ُ‬
‫يا هذا‪ ،‬ليس في المياه ما يقلع آثار الذنب من ثوب‬
‫القلب إل الدموع‪ ،‬فإن نضبت ولم يزل الثر فعليك‬
‫بالغتراف من بحر العتراف‪.‬‬
‫وقلت يا قلبي عليك‬
‫ودعت قلبي حين‬
‫م‬
‫ودعتـهـم‬
‫السـل ُ‬
‫فإن عيني بعدهـم ل‬
‫ت بالنوم‬
‫وصح ُ‬
‫انصرف راشدا ً‬
‫م‬
‫تـنـا ُ‬
‫أحضر نادي المتهجدين ونادهم طوبى لكم وجدتم‬
‫قلوبكم فارحموا من ل يجد‪:‬‬
‫إذا وصلتم إلى وادي عن حال منقطع‬
‫أودى به السهر‬
‫العقيق سلوا‬
‫قد ضاع مني فل‬
‫وفتشوا عن فؤاد‬
‫عين ول أثـر‬
‫هـائم قـلـق‬
‫أنجع الوسائل الذل‪ ،‬وأبلغ السباب في العفو البكاء‪،‬‬
‫والعي عن ترتيب العذر بلغة المنكسر‪.‬‬
‫والدمع يذيع كلمـا‬
‫يا من أشكو إليه ما‬
‫أكـتـمـه‬
‫يعـلـمـه‬
‫قد هان عليه كلـمـا‬
‫هذا المسكين من‬
‫يؤلـمـه‬
‫ترى يرحمـه‬
‫بالجسم من السقام والقلب يذوب من‬
‫جوى يمرضه‬
‫ما يحرضـه‬
‫قد أعوزني الصبر‬
‫ما قد حكم الله من‬
‫فمن يقرضه‬
‫ينـقـضـه‬
‫الفصل الرابع عشر‬
‫لقد خوفنا الموت بمن أخذ منا‪ ،‬ونعلم هجومه علينا‬
‫وقد آمنا‪ ،‬ما أذكرتنا المواعظ فما لنا ما لنا‪:‬‬
‫وانظر إلى ما تصنع‬
‫ل ترقدن لعينك‬
‫العبُر‬
‫السـهـر‬
‫ما دام يمكن طرفك‬
‫انظر إلى عبر‬
‫النظُر‬
‫مـصـرفة‬
‫فسل الزمان فعنده‬
‫فإذا جهلت ولم تجد‬

‫‪130‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫أحـدا ً‬
‫الخبـُر‬
‫فانظر إليك ففيك‬
‫فإذا نظرت تريد‬
‫معتـبـرا ً‬
‫معتبـُر‬
‫ينعاه منه الشعر‬
‫أنت الذي تنعاه‬
‫والبشـُر‬
‫خلـقـتـه‬
‫أمل ً يطول ولست‬
‫يا من يؤمل أنت‬
‫تنتظـُر‬
‫منتـظـر‬
‫ماذا تقول وأنت في ماذا تقول وذوقك‬
‫الـمـدُر‬
‫ص‬
‫غص ٍ‬
‫يجري عليه الريح‬
‫ماذا تقول وقد‬
‫والمطُر‬
‫لحقت بـمـا‬
‫ت وُيدرس‬
‫ت عين‬
‫درس ْ‬
‫كم قد عف ْ‬
‫بعدها الثُر‬
‫لهـا أثـر‬
‫يا من يشيع ببدنه الميت‪ ،‬فأما قلبه ففي البيت‪ ،‬أتخلى‬
‫بين المودود والدود? وتعود إلى المعاصي حين تعود‪،‬‬
‫هل أجلت بالبال ذكر البالي? وقلت للنفس الجاهلة‪:‬‬
‫هذا لي‪ ،‬من زار القبور والقلب غافل وسعى بين‬
‫الجداث والفكر ذاهل وشغله عن العتبار لهو شاغل‬
‫فهو قتيل قد أسكره القاتل‪:‬‬
‫عليه ول قضى حق‬
‫وما أعطى الصبابة‬
‫المنـازل‬
‫ما استحقت‬
‫وزايرها بجسم غير‬
‫ملحظها بعين غير‬
‫نـاحـل‬
‫عـبـرى‬
‫شّيع الحسن جنازة فجلس على شفير القبر فقال‪ :‬إن‬
‫أمرا ً هذا آخره لحقيق أن يزهد في أوله‪ ،‬وإن أمرا ً هذا‬
‫أوله‪ ،‬لحقيق أن يخاف آخره‪.‬‬
‫أخواني‪ ،‬كيف المن? وهذا الفاروق يقول‪ :‬لو أن لي‬
‫طلع الرض ذهبا ً وفضة لفتديت بها‪ ،‬كيف المن? من‬
‫هول ما أمامي قبل أن أعلم ما الخبر? لما طعن عمر‬
‫قال لبنه ضع خدي على التراب فوضعه فبكا حتى‬
‫لصق الطين بعينيه وجعل يقول‪ :‬ويلي وويل أمي إن‬
‫لم يرحمني ربي‪ ،‬ودخل عليه كعب‪ ،‬وكان قد قال له‬
‫إنك ميت إلى ثلثة أيام‪ ،‬فلما رآه أنشد‬
‫وواعدني كعب ثلثـا ً ول شك أن القول ما‬
‫قاله كعـب‬
‫بـعـدهـا‬

‫‪131‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫وما بي حذار الموت ولكن حذار الذنب‬
‫الذي يتبعه الذنب‬
‫إني لـمـيت‬
‫واعجبا ً من خوف عمر مع كماله وأمنك مع نقصانك‪،‬‬
‫قيل لبن عباس‪ :‬أي رجل كان عمر? فقال‪ :‬كان‬
‫الطائر الحذر الذي كان له بكل طريق شركًا‪.‬‬
‫يا مسدود الفهم بكثرة الشواغل أحضر قلبك لحظة‬
‫للعظة‪ ،‬يا جامدا ً على وضع طبعه‪ ،‬تحرك إلى قطر‬
‫التذكرة‪ ،‬يا عبد الطمع طالع ديار الحرار‪ ،‬ما أطول‬
‫غشية غفلتك فلمن تحدث? قلبك في غلف غفلة‬
‫وفطنتك في غشاوة غباوة‪ ،‬وحبل عزمك الجديد حديد‪،‬‬
‫لو خرج عقلك من سلطان هواك‪ ،‬عادت الدولة عادة‪،‬‬
‫لو صح مزاجك فطرتك طعم النصح في فمك‪،‬‬
‫المفروض عنك مرفوض‪ ،‬وكلم النصيح صوت الريح‪.‬‬
‫يا تلميذ الهوى اخرج من وصف التبعية‪ ،‬يا مقيد الوجود‬
‫في فناء الفناء قامت قيام الملمة وما تسمع‪ ،‬لقد‬
‫ضحل صوت النصيح‪ ،‬ولكن صلخ صماخ السمع مانع‪.‬‬
‫يا هذا‪ ،‬لو وقف مرضك رجونا لك البرء‪ ،‬ولكن المرض‬
‫يزيد وقوة العزم تضعف‪:‬‬
‫تصعد من واد هبطن‬
‫متى يلتقي اللف‬
‫إلى واد‬
‫والعيس كلما‬
‫يا مقبل ً على المعاصي أدبرت‪ ،‬ويحك إذا أخرجت من‬
‫يديك فمن يحصل? كم تعد بالتوبة ول تفي? ويحك إن‬
‫اللذة بالعقوبة ل تفي‪ ،‬ضمانك عقيم‪ ،‬ووعدك عاقر‪،‬‬
‫إذا أقمت بناء توبة اكتريت ألف نقاض‪ ،‬ويحك ل تفعل‪،‬‬
‫فإنه ما سحب أحد ذيل الهوى إل وتعثر‪ ،‬اكتب قصة‬
‫الندم بمداد الدمع‪ ،‬وفي الحال تصل‪:‬‬
‫ودعت وداعي البين‬
‫سألت ودمع العين‬
‫شاغل‬
‫سـايل‬
‫صفق السى سحبان‬
‫فأجاب دمعي وهـو‬
‫وائل‬
‫فـي‬
‫وبنت منك فمن‬
‫أعرضت عنك فما‬
‫تواصـل‬
‫تـروم‬
‫إل الوقوف على‬
‫لم يبق من سنن‬
‫المنازل‬
‫الـهـوى‬

‫‪132‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫يا مشردا ً عن الوطان إلى متى ترضى بالتمردك?‬
‫للقطاة أفحوص‪ ،‬ولبن آوى مأوى‪ ،‬منذ خمسين سنة‬
‫تجدف في العبور إلى ساحل التوبة وما تلحق الشط‪،‬‬
‫قوة المل عقدة في وجه منشار الجد‪ ،‬الرياء عيب في‬
‫رئة اليمان‪ ،‬يسل المرض إلى السل‪ ،‬شدة الحرص‬
‫على الفاني سدة في كبد اليقين‪ ،‬ومن صبر على‬
‫مرارة الدواء عوفي‪:‬‬
‫والصبر يقل والهوى‬
‫السقم على الجسم‬
‫يزداد‬
‫له تـرداد‬
‫ما أكثر بهرجي‬
‫ما أبعد شقتي وما‬
‫ومالي نفاد‬
‫لـي زاد‬
‫س ٌ‬
‫ل بارد‬
‫م ْ‬
‫غت َ َ‬
‫يا أرباب الدنس يا أوساخ الذنوب "هذا ُ‬
‫وشراب" ل تقنعوا بصب ماء التوبة على الظاهر‪ ،‬بلوا‬
‫الشعر وانقوا البشرة‪ ،‬ما لم تسبح بدمع عينيك لم تأت‬
‫بسنة الغسل‪:‬‬
‫فلو داواك كل طبيب بغير كلم ليلى ما‬
‫شفاكا‬
‫داء‬
‫أبلغ المراهم لجراح الذنوب الندم‪ ،‬وأوطأ فراش‬
‫المعتذر القلق‪ ،‬وأسرع الوقات إجابة السحر‪ ،‬فاطرد‬
‫عن عينيك لذة النوم‪ ،‬وناد في نادي السى مع القوم‪:‬‬
‫صل مشتاقا ً بغيركم‬
‫يا من بسهامه‬
‫ما فرحا‬
‫لقلبي جرحـا‬
‫إل شرب الدمع‬
‫ما ناح له مطوق أو‬
‫وعاف القدحا‬
‫صدحـا‬
‫يا نائما ً طول الليل ما تحس برد السحر? لقد نم‬
‫النسيم على الزهر‪ ،‬ودلت أغاريد الحمام‪ ،‬على دنو‬
‫الفجر‪ ،‬صاح الديك فلم تنتبه‪ ،‬وأعاد فلم تفق‪ ،‬فقوى‬
‫ضرب الجناحين لطما ً على غفلتك‪.‬‬
‫وأما على الـدجـا‬
‫صفق أما ارتياحه‬
‫أسـفـا‬
‫لسنا الفجر‬
‫يا مـطـول ً‬
‫مسـتـلـذا ً بـالـمـنـام‬
‫بـالـقـــيام‬
‫مغبـون أربـاح‬
‫قم فـقـد فــاتـــك‬
‫الـكـرام‬
‫يا‬
‫لى وفـازوا‬
‫وخلـوا دونـك‬

‫‪133‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬
‫بـالـمــرام‬

‫مكتبة‬

‫بـالـمـو‬
‫وكذا تـسـبـقـك‬
‫م إلـى دار الـســـلم‬
‫الـقـو‬
‫الفصل الخامس عشر‬
‫أخواني‪ ،‬الدنيا دار الفات‪ ،‬الثم بقي واللتذاذ فات‪،‬‬
‫بينا نرى فيها الغصن خضرا ً متمايل ً ذابل ً ذابلي‪.‬‬
‫ودون ما يأمل‬
‫يا أيهذا الذي قـد‬
‫التنغيص والجـل‬
‫غـره المـل‬
‫كمنزل الركب حلوا‬
‫أل ترى أنما الدنـيا‬
‫ثمت ارتحلوا‬
‫وزينـتـهـا‬
‫وصفوها كدر‬
‫حتوفها رصد‬
‫وملـكـهـا دول‬
‫وعيشـهـا نـكـد‬
‫تظل تفزع بالروعات فما يسوغ له عـيش‬
‫ول جـذل‬
‫ساكـنـهـا‬
‫كأنه للمنـايا والـردى تظل فيه سهام‬
‫الدهر تنتـضـل‬
‫غـرض‬
‫وكل عثرة رجل‬
‫والنفس هاربة‬
‫عندها جـلـل‬
‫والموت يتبعـهـا‬
‫والقبر وارث ما‬
‫والمرء يسعى بما‬
‫يسعى له الرجل‬
‫يسعى لوارثـه‬
‫أخواني‪ ،‬ألبسوا الدنيا جنة الهجر‪ ،‬واسمعوا فيها من‬
‫مواعظ لزجر‪ ،‬واحبسوها يوما ً صممتموه للجر‪،‬‬
‫وصابروا ليل البلى فما أسرع إتيان الفجر‪ ،‬فل تبيعوا‬
‫اليقين بالظن فحرام بيع المجر‪.‬‬
‫لقد أبصرت عيون الفطن في نهار المشيب سبل‬
‫الرحيل‪ ،‬وسمعت آذان الفجر بقعقعة الصلب الصلب‬
‫أذان التخويل‪ ،‬لله در أقوام بادروا أيامهم وحاذروا‬
‫آثامهم‪ ،‬جعلوا الصوم طعامهم والصمت كلمهم‪،‬‬
‫فالبدان بين أهل الدنيا تسعى والقلوب في رياض‬
‫الملكوت ترعى‪ ،‬قاموا لخوف القيامة بالوامر‪ ،‬ووقفوا‬
‫أنفسهم على الخير‪ ،‬ما توقفوا كالموامر‪ ،‬هجروا‬
‫بالصيام لذيذ الهوى في الهواجر وصمت اللسان كأنه‬
‫مقطوع في الحناجر بالخناجر‪ ،‬وجرى الدمع واصبًا‪،‬‬
‫حتى قد محا المحاجر‪ ،‬متى تطرق طريقهم? قبل‬
‫طروق الطوارق‪ ،‬هذا ذئب السقام قد عوى للعوائق‪ ،‬يا‬

‫‪134‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫من أعماله فيما خل للخلئق‪ ،‬كم داواك الطبيب? وكم‬
‫رقا بالرقايق? أين من ربا في الربى‪ ،‬ونما بين‬
‫النمارق‪ ،‬أبرزهم حادي الموت لما حدا من الحدايق‪،‬‬
‫وأمال مستقيمهم فالتوى فهل من هذا التوى أنت‬
‫واثق? ويحك إن الدنيا سراب مخلف فإن وجد شراب‬
‫أعطش‪ ،‬أزدهت فدهت على أنها تذم وتضم‪ ،‬كم عقدت‬
‫لمحبها عقد عهدها? فلما حلت عنده حلت‪ ،‬إنها لعجوز‬
‫وهي في عينك كالقمر‪ ،‬وقد قمر هواها قلبك فما‬
‫أبقى منه إل قلب قمر‪ .‬للشريف الرضي‪:‬‬
‫َ‬
‫ض بنانه‬
‫ت الفؤادَ رخيص ً‬
‫شَر ِ‬
‫ة ومضى ي َ َ‬
‫ع ّ‬
‫أعل ُ‬
‫ن‬
‫ه‬
‫المغبو ُ‬
‫ق ُ‬
‫أفنيت عمرك في طلبها وما حصل بيدك منها إل ما‬
‫حصل بيد قيس من ليلى‪.‬‬
‫وأنت على حكم‬
‫صحا كل عذري‬
‫الصبـابة نـاز ُ‬
‫ل‬
‫الغرام عن الهوى‬
‫ول الدنيا ظهرك تنص الخرة لك نقابها‪ ،‬تعر عن الدنيا‬
‫تعز‪ ،‬وخذ قدر البلغة وجز تفز‪ ،‬إلى متى زنبيل حرصك‬
‫على كاهل همتك وأنت تسعى في مزابل طمعك‪،‬‬
‫تحش وقود الحطام لنار هواك وقد أقمت موقدا ً من‬
‫الشره ل يفتر‪ ،‬أما علمت أنه كلما ترقى دخان أتون‬
‫الهوى في برابخ الحس سود وجه القلب‪ ،‬أنت في جمع‬
‫الحطام نظير الزبال‪ ،‬وفي فعل الخير غلم الخبال‬
‫عالم الهمم مختلف الجناس هذا الشفنين ل يقرب‬
‫غير زوجته أبدًا‪ ،‬فإن ماتت لم يتزوج أبدا ً وكذلك النثى‬
‫والدجاجة مع أي ديك كان‪.‬‬
‫كلمي يدور حول ستور سمعك‪ ،‬وموانع الهوى تحجبه‬
‫أن ل يصل فلو قد وصل إلى القلب أّثر‪ ،‬عضت رجل ً‬
‫حية فلم يعلم أنها حية فلم يتغير‪ ،‬فلما أخبر أنها حية‬
‫مات‪ ،‬لنه حين أخبر انفتحت مسامه‪ .‬فوصل السم إلى‬
‫القلب‪ .‬يا أطروش الهوى صاحب من يسمع‪ ،‬يا عمي‬
‫البصيرة امش مع من يبصر‪ ،‬تشبه بالصالحين تعد في‬
‫الجملة‪ ،‬هذا الطاووس يحب البساتين فهو يوافق‬
‫الشجار‪ ،‬إذا ألقت ورقها ألقى ريشه‪ ،‬فإذا اكتست‬
‫اكتسى‪ ،‬لو سرت في حزب المتقين خطوات لعرفوا‬
‫لك حق الصحبة‪ ،‬يا من كان لهم رفيقا ً فأصبح ل يعرف‬
‫لهم طريقًا‪ ،‬اطلب اليوم أخبارهم واتبع في السلوك‬

‫‪135‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫آثارهم فإن وقعت ببعضهم حملك إلى أرضهم‪.‬‬
‫للمصنف‪:‬‬
‫في شغل عن الرقاد من هاجه البرق‬
‫بسفح عاقـل‬
‫شـاغـل‬
‫يا صاحبي هذي رياح قد أخبرت شمائل‬
‫الشـمـائل‬
‫ربعهـم‬
‫تشـبـهـه روايح‬
‫نسيمهم سحيري‬
‫الصـائل‬
‫الريح فـمـا‬
‫أو الصبا فوق الغرام‬
‫ما للصبا مولعة بذي‬
‫القاتـل‬
‫الصـبـا‬
‫أين العذيب من‬
‫ما للهوى العذري‬
‫قصور بابـل‬
‫في ديارنـا‬
‫دماؤنا في أذرع‬
‫ل تطلبوا ثأرا ً بنا يا‬
‫الـرواحـل‬
‫قـومـنـا‬
‫ولي وكم أسار في‬
‫لله در العيش في‬
‫المفاصـل‬
‫ظـللـهـم‬
‫هذا وفيها دميت‬
‫واطربي إذا رأيت‬
‫مقـاتـلـي‬
‫أرضـهـم‬
‫ول ابتليت في‬
‫يا طرة الشيح‬
‫الهوى بما بلى‬
‫سقيت أدمعـي‬
‫ما طرب المخمور‬
‫ميلك عن زهو‬
‫وميلي عن أسا ً‬
‫مثل الثاكل‬
‫يا من قد كثر تردده إلى المجلس ولم تزل قسوة قلبه‬
‫ل تضجر‪ ،‬فللدوام أثر‪ ،‬جالس البكائين يتعد إليك‬
‫حزنهم‪ ،‬فتأثير الصحبة ل يخفى‪ ،‬أما ترى دون البقل‬
‫أخضر? يا من يشاهد ما يجري على الخائفين ول‬
‫ينزعج‪ ،‬أقل القسام أن يبكي رحمة لهم‪ ،‬إذا رأيت‬
‫الثكلى تتقلقل فل بد من رحمة الجنس‪.‬‬
‫للمهيار‪:‬‬
‫ن الِبلى‬
‫ولما وقفنا في‬
‫جسو ٌ‬
‫م براه ّ‬
‫وطلول‬
‫الديار تشابهت‬
‫ق‬
‫ك بدا ٍ‬
‫ك بما جر الفرا ُ‬
‫ء بين جنبيه وبا ٍ‬
‫فبا ٍ‬
‫جهول‬
‫ف‬
‫عار ٌ‬

‫‪136‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫كان العاصي قتيل عشق الدنيا‪ ،‬فكشف له بالمخوفات‬
‫نقاب المحبوبة فسل‪ ،‬ثم جليت عليه بالمشوقات‬
‫محاسن الخرة فمال الجيد إلى الجيد‪.‬‬
‫ألفيتها وللحـدا‬
‫برامة إن ذكرت زرود‬
‫تـغـريد‬
‫تشيمه للعين‬
‫ولح برق بثنيات‬
‫الرعـود‬
‫الحمى‬
‫كما يميل الناشد‬
‫فمالت العناق منها‬
‫طربا ً‬
‫المنشود‬
‫دموعه بوجده‬
‫هيهات يخفي ما به‬
‫شـهـود‬
‫متيم‬
‫أتدرون ما أوجب اصفرار هذا التائب? ومن أي شراب‬
‫سكر هذا الشارب? وأي كتاب أقدم هذا الغائب?‬
‫ه‬
‫كلمـا زاد كـربـه‬
‫في هوى من يحب ُ‬
‫طار نحو الحبيب من شدة الشوق قلـبـه‬
‫بيد البين نـحـبـه‬
‫دنف كاد ينقـضـي‬
‫متى سار ركـبـه‬
‫خبرونا عن العقـيق‬
‫الفصل السادس عشر‬
‫يا من نسبه معرق في الموتى‪ ،‬وقد وعظوه وإن لم‬
‫يسمع صوتًا‪ ،‬أدرك أمرك فما تأمن فوتًا‪.‬‬
‫لبي نواس‪:‬‬
‫أل ك ّ‬
‫وذو نسب في‬
‫ل حي هالك‬
‫الهالكين عريق‬
‫وابن هالـك‬
‫إلى منزل نأى‬
‫فقل لغريب الدار‬
‫إنك راحـ ُ‬
‫المحل سحـيق‬
‫ل‬
‫شواظ حريق أو‬
‫وما تعدم الدنيا‬
‫دخان حريق‬
‫الدنية أهلـهـا‬
‫تجرع فيها هالكا ً فقد وتشجى فريقا ً منهم‬
‫بـفـريق‬
‫هـالـك‬
‫قرارا ً فما دنياك غير‬
‫فل تحسب الدنيا إذا‬
‫طـريق‬
‫ما سكنتها‬
‫عن عدو في ثـياب‬
‫إذا امتحن الدنيا‬
‫صـديق‬
‫لبيب تكشفت له‬
‫ول يتأذى أهلها‬
‫عليك بدار ل يزال‬
‫بـمـضـيق‬
‫ظللـهـا‬

‫‪137‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫ول ينفع الصادي‬
‫فما يبلغ الراضي‬
‫صداه بريق‬
‫رضاه ببلغة‬
‫يا راقدا ً وق أوذن بالرحيل‪ ،‬يا مشيد البنيان في مدارج‬
‫السيول‪ ،‬بادر العمل قبل انقضاء العمر‪ ،‬ل تنس من‬
‫يعد النفاس للقائك‬
‫ويوم إلى يوم‬
‫وما هي إل ليلة ثـم‬
‫وشهر إلى شهر‬
‫يومـهـا‬
‫مطايا يقربن الجديد ويدنين أشلء‬
‫الصحيح إلى القـبـر‬
‫إلـى الـبـلـى‬
‫ويقسمن ما يحوي‬
‫ويتركن أزواج‬
‫الشحيح من الوفر‬
‫الـغـيور لـغـيره‬
‫يا عجبًا‪ ،‬أما تعلم ما أمامك? فتهيأ للرحيل وأصلح‬
‫خيامك‪ ،‬وتأهب للردى واقطع قطع المدى مدامك‪،‬‬
‫واجتهد أن ينشر الخلص في المحل العلى أعلمك‪،‬‬
‫وأحضر قلبك وسمعك وإن مل من لمك‪ ،‬وإياك والفتور‬
‫فإني أرى الدواء دوامك‪ ،‬اطلب ما شئت بالعزم وأنا‬
‫زعيم لك بالظفر‪ ،‬من عزم على أمر هيأ آلته‪ ،‬لما كان‬
‫شغل الغراب الندب على الحباب لبس السواد قبل‬
‫النوح‪.‬‬
‫طع إل بالشد‬
‫أنفت شقة المهامة‬
‫والتـرحـال‬
‫أن تـق‬
‫جد فلتنتبه عقول‬
‫وأبى المجد أن ينال‬
‫الرجـال‬
‫بغير ال‬
‫إذا وقعت عزيمة النابة في قلب من "سبقت لهم منا‬
‫الحسنى" قلعت قواعد الهوى من مسناة المل‪ ،‬ركب‬
‫ابن أدهم يوما ً للصيد وقد نصب له فخ "يهديهم ربهم"‬
‫حوله حب "يحبهم" فصيد قبل أن يصيد‪ ،‬سمع هاتفا ً‬
‫يقول ما لهذا خلقت ول بهذا أمرت‪ ،‬فكانت تلك العظة‬
‫شربة نقضت قولنج الهوى يا له من سهم ألقاه عن‬
‫قربوسه وبوسه‪ ،‬كان راقد الفهم في ليل الغفلة‪،‬‬
‫مشغول ً بأحلم المنى‪ ،‬فصيح به قم فقام‪ ،‬فقيل له‬
‫سر فاستقام‪.‬‬
‫للشريف الرضي‪:‬‬
‫ما أجلب البرق لماء‬
‫رأى على الغور‬
‫المـاق‬
‫وميضا ً فاشتاق‬

‫‪138‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫وعظه خطيب اليقظة فوصلت ملمته إلى سمع النفة‪،‬‬
‫فنهضت حمية الرجولية‪ ،‬يا ابن أدهم مبارزة الصيد أول‬
‫مراتب الشجاعة‪ ،‬أفترضى أن تستأسر لثعلب الهوى?‬
‫يا ابن أدهم قتلك حب الدنيا فثر لخذ الثأر‪ ،‬إن كانت‬
‫لك عزيمة يا ابن أدهم فهذا الكميت وهذا الدهم‬
‫فصادف التحريض حريضا ً فنهض‪.‬‬
‫للشريف الرضي‪:‬‬
‫أيقظتما مني غـير‬
‫ذكرتماني طلب‬
‫غـافـل‬
‫الـفـضـائل‬
‫والبيض أولى بي من‬
‫قوما فقد مللت من‬
‫المعاقل‬
‫إقامـتـي‬
‫وعوداني طرف‬
‫شنا بي الغـارات‬
‫العـوامـل‬
‫كـل لـيلة‬
‫تحت ظلل السل‬
‫إن كان ل بد من‬
‫الذوابـل‬
‫الموت فمت‬
‫هتف به متقاضي الشوق‪ :‬يا ابن أدهم دخلت شهور‬
‫الحج فما قعودك ببلخ? فرحل الراحلة وراح‪ ،‬لحت له‬
‫نار الهدى فصاح في جنود الهوى‪" :‬إّني آنست" فتجلى‬
‫له أنيس "تجدني" فغاب عن وجوده‪ ،‬فلما أفاق من‬
‫صعقة وجده وقد دك ظور نفسه‪ ،‬صاح لسان النابة‬
‫ت إليك"‪.‬‬
‫"ُتب ُ‬
‫سقيت الرايح الغادي‬
‫رويدا ً أيها الحـادي‬
‫وهذا الربع والوادي‬
‫فتلك الدار قد لحت‬
‫فلما خرج عن ديار الغفلة‪ ،‬أومأت اليقظة إلى البطالة‪.‬‬
‫لبن المعتز‪:‬‬
‫سلم وداع ل سـلم‬
‫سلم على اللذات‬
‫قـــدوم‬
‫واللهو والصبى‬
‫يا ابن أدهم لو عدت إلى قصرك فعبدت فيه‪ ،‬قال‬
‫العزم كل ليس للمبتوتة نفقة ول سكنى‪.‬‬
‫وهذا لعمري لو‬
‫أحن إلى الرمل‬
‫ت كـئيب‬
‫اليمانـي صـبـابة‬
‫رضـي ُ‬
‫ولو أن ما بي‬
‫وبالريح لم يسمع‬
‫بالحصى فلق‬
‫لهـن هـبـوب‬
‫الحصى‬

‫‪139‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫أمرضه التخم فاستلذ طعم الجوع‪ ،‬وحمل جلده على‬
‫ضعف جلده خشونة الصوف‬
‫لعجز عن حمل‬
‫حملتم جبال الحب‬
‫القميص واضعف‬
‫فوقـي وإنـنـي‬
‫لح له جمال الخرة فتثبتت في النظر عين اليقين‪،‬‬
‫فتمكن الحب من حبة القلب فقام يسعى في جمع‬
‫المهر من كسب الفقر‪ ،‬طال عليه انتظار اللقا فصار‬
‫ناطور البساتين‪ ،‬تقاضته المحبة باقي دينها فسلم‬
‫الروح في الغربة‪ ،‬هذا ثمن الوصل فتأخر يا مفلس‪.‬‬
‫دون المعالي مرتقى فطر إلى ذروتـه‬
‫أوقـع‬
‫شاهق‬
‫من لم يخض غمرتها قواعد المجد ولـم‬
‫يرفـع‬
‫لم يشد‬
‫كان إبراهيم إسكندري الهمة فاحتقر قصير بلخ في‬
‫جنب ما أمل‪ ،‬فانتخب سوابق العزم وسار في جند‬
‫الجد حتى قطع ظلمات الطبع‪ ،‬وبلغ إلى مطلع شمس‬
‫ل تغرب‪ ،‬شكا إليه صفاء القلب من يأجوج وساوس‬
‫النفس‪ ،‬فاستغاث بحامي المسكن فقيل له‪ :‬شد سد‬
‫العزم‪ ،‬فاستظهر بعد الزبر بالقطر‪ ،‬ثم انفرد من جند‬
‫جوارحه فوقع بعين الحياة في السر فعاش بالتوفيق‬
‫أبد الدهر‪.‬‬
‫ما كل من رام‬
‫أما تقومون كذا أو‬
‫فاقعـدوا‬
‫السماء يصعدُ‬
‫جفن العزيز لم بات‬
‫نام على الهون‬
‫د‬
‫الذليل ودرى‬
‫يسهـ ُ‬
‫أحقهـم بـان يقـال‬
‫أخفهم سعـيا ً إلـى‬
‫د‬
‫سـودده‬
‫سـي ُ‬
‫عن تعب أو رد سـاق‬
‫أو ل‬
‫لو شرف النسان‬
‫وهو وادع‬
‫الفصل السابع عشر‬

‫ومسحت غرة‬
‫سـبـاق يد‬
‫لقطع الصمصام وهو‬
‫مغمدُ‬

‫‪140‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫الدنيا دار المحن ودائرة الفتن‪ ،‬ساكنها بل وطن‬
‫واللبيب قد فطن‪.‬‬
‫للمصنف‪:‬‬
‫قد أمعن في الفاني‬
‫من مال إلى الدنيا‬
‫طلبـا‬
‫وصبـا‬
‫واتبع حقا ً ودع‬
‫خذ ما يبقى كيل‬
‫اللـعـبـا‬
‫تشـقـى‬
‫مكرا ً بسهام هوى‬
‫وذر الدنيا فلكم‬
‫وصبـا‬
‫ت‬
‫قـتـلـ ْ‬
‫خدعت حتى قطعت‬
‫برت ورعت فإذا‬
‫إربا‬
‫اجتمعت‬
‫لهلكك فاحذرها‬
‫يا عاشقها كم قد‬
‫سبـبـا‬
‫نصـبـت‬
‫يا آمنها كم قد‬
‫ولـدا ً بـرا ً أمـا ً وأبــا‬
‫سـلـبـت‬
‫أفأين الجار أما قـد‬
‫فجارته حـتـى ذهـبـا‬
‫جـار‬
‫خداه أما سكن‬
‫أم أين التراب أما‬
‫الـتـربـا‬
‫تربـت‬
‫كم خدت خدا ً في‬
‫وقدت قدا ً منـتـصـبـا‬
‫الخـدود‬
‫قد كان لراشفه‬
‫كم ثغر ملتثـم‬
‫ضـربـا‬
‫ثـلـمـت‬
‫وكذاك الدهر إذا‬
‫فسقته المر لـدى‬
‫ضربـا‬
‫جـدث‬
‫فغدا وقصـاراه‬
‫وأتت قصرا ً يحوي‬
‫نصرا ً‬
‫خـربـا‬
‫أضحى في الحفرة‬
‫ومليكا ً في صولة‬
‫مغتربا‬
‫دولـتـه‬
‫وسل طلل ً أمسى‬
‫عرج بأمدار على‬
‫شجبـا‬
‫الثـار‬
‫وثوى من بعدهم‬
‫ينبيك بـأنـهـم‬
‫الغربـا‬
‫رحـلـوا‬
‫فهوى رأسا ً فغدا‬
‫بينا النسـان يرى‬
‫رأسـا ً‬
‫ذنـبـا‬

‫‪141‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫فلعلك تصبح‬
‫فتأمـل عـاقـبة‬
‫مجتـنـبـا‬
‫الـدنـيا‬
‫أبدت بصنايعها‬
‫وتدبر ما صنعت‬
‫عـجـبـا‬
‫فـلـقـد‬
‫عن قبرك ل تسمع‬
‫ينساك الهل إذا‬
‫كذبـا‬
‫رجعـوا‬
‫بتراب ضريحك‬
‫تركوك أسيرا ً إذ‬
‫محتجبـا‬
‫ذهـبـوا‬
‫وغدوت باتمك‬
‫وغدوا فرحين بما‬
‫محتقـبـا‬
‫أخـذوا‬
‫فتنكس رأسك‬
‫وترى أعمالك قد‬
‫مكـتـئبـا‬
‫حضرت‬
‫كفاك عليك وما‬
‫فكر في الذنب وما‬
‫اكتسـبـا‬
‫احتقبت‬
‫وغدوت على ذنب‬
‫كم بت على ذنب‬
‫فـرحـا ً‬
‫طربـا‬
‫فأسأت ولم تحسـن‬
‫وعلمت بـأن الـلـه‬
‫أدبـا‬
‫يرى‬
‫كالموت ترى فيه‬
‫فأعد الزاد فمـا‬
‫نصبـا‬
‫سـفـر‬
‫فكأن قد فات وقد‬
‫وأفق والعمر بـه‬
‫ذهـبـا‬
‫رمـق‬
‫يا كثير الدرن والدنس‪ ،‬يا من كلما قيل أقبل انتكس‪ ،‬يا‬
‫من أمر بترك ما يفنى لما يبقى فعكس‪ ،‬جاء الجل‬
‫وحديث المل هوس‪ ،‬يا مؤثرا ً على الصواب عين‬
‫الغلط‪ ،‬يا جاريا ً في أمره على أقبح نمط‪ ،‬يا مضيعا ً‬
‫وقته المغتم الملتقط‪ ،‬أي شيء بقي بعد الشمط?‬
‫أتنسى ما سلف لك وفرط? وأبوك بزلة واحدة هبط‪ ،‬ما‬
‫عندك من التوبة خير ول لها فيك أثر‪ ،‬تنوب من الذنب‪،‬‬
‫فإذا بدا لك بدا لك‪.‬‬
‫من علم أن عندنا حسن المآب آب‪ ،‬من خاف الجزاء بما‬
‫في الكتاب تاب‪ ،‬من حذر اليم العذاب ذاب‪ ،‬من سار‬
‫في طريق اليجاب انجاب‪ ،‬من ذكر فعل الموت بالب‬
‫والجد جد‪ ،‬من تفكر في مرارة الكأس كاس‪ ،‬ويحك دع‬
‫محبة الدنيا‪ ،‬فعابر السبيل ل يتوطن واعجبا ً تضيع منك‬

‫‪142‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫حبة فتبكي وقد ضاع عمرك وأنت تضحك‪ ،‬تستوفي‬
‫مكيال هواك وتطفف في كيل صلتك "أل ُبعدا ً لمدين"‬
‫تقف ببدنك في المحراب‪ ،‬ووجهك ملتفت للجراب‪ ،‬ما‬
‫يصلح مثلك في الجرب‪ ،‬أنت تفضح صف الجهاد‪ ،‬ما‬
‫تحسن الزردية على مخنث خمسين سنة في مكتب‬
‫التعليم وما حذقت‪ ،‬أبا جاد غدا ً توبخ وقت عرض‬
‫اللواح "ألم نعمركم" بضاعتك أيام عمرك وقد انتهبها‬
‫قطاع الطريق‪ ،‬ورجعت إلى بيت السف بأعدال‬
‫فارغة‪ ،‬فانظر لعله تخلف فيها شيء تعامل به‪ ،‬فبقية‬
‫عمر المؤمن ل قيمة له‪.‬‬
‫وافقرى أبعد ذا‬
‫سقيا لزماننا الذي‬
‫الفقر غنى‬
‫كان لـنـا‬
‫واقرب منيتي وما‬
‫مر أسرع ما توقع‬
‫نلت منى‬
‫البين بنا‬
‫كان فضالة بن صيفي كثير البكاء‪ ،‬فدخل عليه رجل‬
‫وهو يبكي فقال لزوجته ما شأنه? قالت‪ :‬زعم أنه يريد‬
‫سفرا ً بعيدا ً وماله زاد‪.‬‬
‫يا هذا الخرة دار سكانها الخلق الجميلة‪ ،‬فصادقوا‬
‫اليوم سكانها لتنزلوا عليهم يوم القدوم‪ ،‬فإن من قدم‬
‫إلى بلد ل صديق له به نزل بالعراء‪ ،‬يا هذا فتى العمر‬
‫في خدمة البدن وحوائج القلب كلها واقفة‪ ،‬انهض إلى‬
‫التلفي قبل التلف‪ ،‬الكلف يداوى قبل أن يصير بهقًا‪،‬‬
‫والبهق يلطف قبل أن يعود برصًا‪ ،‬أما سمعت في‬
‫سهم طائف" وفي وسطه "كل بل‬
‫بداية الزلل "إذا م ّ‬
‫ران على قلوبهم" وفي آخره "أم على قلوب أقفالها"‬
‫أتبكي على معاصيك? والصرار يضحك‪ ،‬أتخادع التوبة?‬
‫وإنما تمكر بدينك‪.‬‬
‫ت الناس خداعـا ً‬
‫إلى جانب خـداع‬
‫رأي ُ‬
‫ويبكون مع الراعي‬
‫يعيشون مع الـذئب‬
‫ويحك حصل كبريت عزيمة قبل أن تقدح نار توبة وقبل‬
‫نزول الحرب تمل الكمائن ويحك‪ ،‬ل تطمع أن تخرج إلى‬
‫فضاء قلبك حتى تتخلص من ربقات نفسك‪ ،‬كيف ل‬
‫يفتقر إلى الرياضة لزالة الكدر? من أول غذائه دم‬
‫الطمث‪ ،‬ابك على ظلم قلبك يضيء‪ ،‬إذا بكت السحاب‬
‫إلى الربى تنسمت‪.‬‬
‫يا هذا‪ ،‬تسمع بالكيمياء وما رأيته صح قط‪ ،‬اجمع‬

‫‪143‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫عقاقير التوبة في بوتقة العزم‪ ،‬وأوقد تحتها نار‬
‫السى على ما سلف‪ ،‬فإن تصعد منها نفس أسف‪،‬‬
‫صار نحاس نحوسك ذهب سعادة‪ ،‬أترى في بستاننا‬
‫اليوم أثمر? قد توجه صلحه‪ ،‬كأني أشم ريح كبد‬
‫محترقة‪ ،‬أي قلب قد لفحته نار الوجد? ففاح نسيمه‪،‬‬
‫أحسن مظلوم في سلك العتذار خرز الذل‪ ،‬أحلى‬
‫نطق يلج سمع القبول الستغفار‪ ،‬أطرب كلم يحرك‬
‫قلب الرحمة التملق‪.‬‬
‫وازداد بي الغرام لما‬
‫يا من بصدودهم‬
‫نـزحـوا‬
‫لقلبي جرحـوا‬
‫هذا المطروح كم‬
‫ما جدت بهم وهم‬
‫ح‬
‫بهجري سمحوا‬
‫ترى يطـر ُ‬
‫قال عبد الله بن مرزوق لغلمه عند الموت‪ :‬احملني‬
‫فاطرحني على تلك المزبلة‪ ،‬لعلي أموت عليها فيرى‬
‫ذلي فيرحمني‪.‬‬
‫عودوا وتعطفوا على لو جيب لبان فيه‬
‫حزن ووجيب‬
‫قلب كئيب‬
‫من أمل مثل فضلكم‬
‫يدعى للموت في‬
‫كيف يخيب‬
‫هواكم فيجـيب‬
‫المذنب يأوي إلى الذل والبكا كما يأوي الطفل إلى‬
‫البوين‪ ،‬بكى أبوكم آدم على تفريطه حتى جرت‬
‫الودية من دموعه‪ ،‬كان كلما ذكر الجنة قلق‪ ،‬وكلما‬
‫رأى الملئكة تصعد‪ ،‬يحترق تذكر المعاهد فحن‪.‬‬
‫ما جرى ذكر الحمى‬
‫والذي بالبين‬
‫إل شجاني‬
‫والبـعـدُ بـلنـي‬
‫شفني الشوق إليهم‬
‫حبذا أهل الحمى‬
‫وبـرانـي‬
‫مـن سـاكـن‬
‫كلما رمت سـلـوا ً‬
‫جذب الشوق إليهم‬
‫بعـنـانـي‬
‫عـنـهـم‬
‫أرضهم أو أقلعت‬
‫أحسد الطير إذا‬
‫للـطـيران‬
‫طـارت إلـى‬
‫نحوهم لو أنني‬
‫أتمنى أنـنـي‬
‫أعطى المانـي‬
‫أصـحـبـهـا‬
‫ل تزيدوني غرامـا ً‬
‫خل بي من بعدكم ما‬
‫قد كفاني‬
‫بـعـدكـم‬

‫‪144‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫وتقضي في تمنيكـم‬
‫زمـانـي‬
‫كنتما قبل النوى‬
‫عاهدتمـانـي‬
‫فمن النصاف أن ل‬
‫تنسيانـي‬
‫أي جرم صد عني‬
‫وجفـانـي‬

‫ذهب العمر ولم‬
‫أحـظ بـكـم‬
‫يا خليلي احفظا‬
‫عهـدي الـذي‬
‫واذكراني مثل ذكري‬
‫لـكـمـا‬
‫وسل من أنـا أهـواه‬
‫عـلـى‬
‫الفصل الثامن عشر‬
‫أيها المشغول باللذات الفانيات‪ ،‬متى تسعد لملمات‬
‫الممات? متى تستدرك هفوات الفوات? أتطمع مع حب‬
‫الوسادات في لحاق السادات? وأنى تجعل مثلهم?‬
‫أنى‪ ،‬وهيهات‪.‬‬
‫يا مدمن اللذات ناس اذكر تهجم هـادم ِ‬
‫ت‬
‫غـدرهـا‬
‫الـلـذا ِ‬
‫في كرك النفاس‬
‫احذر مكايده فهـن‬
‫واللحظـات‬
‫ن‬
‫كـوامـ ٌ‬
‫تبقى عليك مرارة‬
‫تمضي حلوة ما‬
‫التبـعـات‬
‫احتبقت وبعده‬
‫ولو أنهم سيقوا إلى‬
‫يا حسرة العاصين‬
‫الجـنـات‬
‫يوم معادهم‬
‫ستر الذنوب لكثروا‬
‫لو لم يكن إل الحياء‬
‫الحسرات‬
‫من الـذي‬
‫يا عظيم الجرأة يا كثير النبساط‪ ،‬ما تخاف عواقب هذا‬
‫الفراط? يا مؤثر الفاني على الباقي غلطة ل‬
‫كالغلط‪ ،‬ألك صبر يقاوم ألم السياط? ألك قدم يصلح‬
‫للمشي على الصراط? أيعجبك لباس الصحة? كل‪،‬‬
‫وثوب البل يخاط بداء المتون‪ ،‬داء أعيى على بقراط‪.‬‬
‫كم رحل الموت? على غارب اغتراب‪ ،‬كم ألحق تربا ً‬
‫بالتراب في سفر التراب‪ ،‬إنما الموت مخرنبق ليقول‪،‬‬
‫ومجرمز ليغول‪.‬‬
‫وكم من فتى يمسي وقد نسجت أكفانه‬
‫ويصبح آمنا ً‬
‫وهو ل يدري‬

‫‪145‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫يا شدة الوجل عند حضور الجل‪ ،‬يا حسرة الفوت عند‬
‫حضور الموت‪ ،‬يا خجلة العاصين يا أسف المقصرين‪.‬‬
‫للحجاج‪:‬‬
‫أرى قدمي أراق‬
‫إلى حتفي سعى‬
‫دمي‬
‫قدمي‬
‫وهان دمي فها‬
‫فما انفـك مـن نـدم‬
‫ندمي‬
‫استلب زمانك يا مسلوب! وغالب الهوى يا مغلوب!‬
‫وحاسب نفسك فالعمر محسوب‪ ،‬وامسح قبيحك‬
‫فالقبيح مكتوب‪ ،‬واعجبا ً لنائم وهو مطلوب‪ ،‬ولضاحك‬
‫وعليه ذنوب‪.‬‬
‫أل ذ ّ‬
‫وبيني لجثماني بدار‬
‫كراني قبل أن‬
‫ت‬
‫ت‬
‫البلـى بـي ُ‬
‫يأتي الـمـو ُ‬
‫صرني لكنني قـد‬
‫وعرفني ربي طريق وب ّ‬
‫ت‬
‫سـلمـتـي‬
‫تـعـامـي ُ‬
‫وقالوا مشيب الرأس فقلت أراني قد‬
‫قربـت فـأدنـيت‬
‫يحدو إلى البلى‬
‫أين الدموع السواجم? قبل المنايا الهواجم‪ ،‬أين القلق‬
‫الدائم? للذنوب القدايم‪ ،‬أترى آثرت الملوم? في هذه‬
‫القاوم‪ ،‬أيها القاعد والموت قائم أنائم أنت عن حديثنا‬
‫أم متناوم? ل بد والله من ضربة لزم‪ ،‬تقرع لها سن‬
‫نادم‪ ،‬ل بد من موج هول متلطم‪ ،‬ينادي فيه نوح‬
‫السى ل عاصم‪ ،‬ل بد من سقم السالم ينسى فيه يا‬
‫أم سالم‪.‬‬
‫يا من سينأى عن‬
‫كما نأى عنه أبـوه‬
‫بنيه‬
‫مثل لنفسك قولهـم جاء اليقين فوجهوه‬
‫قبل الممات وحللوه‬
‫وتحللوا من ظلمـه‬
‫ُ‬
‫ت" كنت‬
‫يا مؤخرا ً توبته بمطل التسويف "لي يوم ٍ أ ّ‬
‫جل ْ‬
‫تقول إذا شئت تبت فهذي شهور الصيف عناقد‬
‫انقضت‪ ،‬قدر أن الموت ل يأتي إل بغتة! أليس مرض‬
‫الموت يبغت? ويحك قد نفذ السليط‪ ،‬فاستدرك ذبالة‬
‫المصباح‪ ،‬في كل يوم تضع قاعدة إنابة‪ ،‬ولكن على‬
‫شفا جرف هار‪ ،‬كم تعزم على طاعة وتوبة‪ ،‬يا ليلى‬
‫الهوى ما تبصر توبة‪ ،‬تبيت من العزم في شعار أويس‪،‬‬

‫‪146‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫فإذا أصبحت أخذت طريق قيس تنقض عرى العزايم‬
‫عروة عروة‪ ،‬كل صريع في الهوى رفيق عروة‪ ،‬كم‬
‫تدفن كثيرا ً من العزة? وما يرجع كثير عن حب عزة‪.‬‬
‫طبيبا ً يداوي من‬
‫جنونك مجنون‬
‫جنون جنون‬
‫ولست بواجد‬
‫خلق قلبك صافيا ً في الصل‪ ،‬وإنما كدرته الخطايا‪،‬‬
‫وفي الخلوة يركد الكدر‪ ،‬تلمح سبب هذا التكدير‪ ،‬فما‬
‫يخفى الحال على متلمح‪ ،‬كنت مقيما ً في دار النابة‬
‫نظيفًا‪ ،‬فسافرت في الهوى فعلك وسخ‪ ،‬أفل تحن‬
‫إلى النظافة? أل يحرك البدوي ذكر نجد? طال مرضك‬
‫واليوم بحران‪ ،‬أتدري ما البحران? تجتمع القوة‬
‫والمرض فيختصمان‪ ،‬فإن تحلبته جاءت العافية‪ ،‬وإن‬
‫تحلبها فالهلك‪ ،‬هذه ساعة بحرانك‪ ،‬والعقل يقاوم‬
‫الهوى‪ ،‬فانظر من يغلب? واعجبا ً كيف يستأسر أسد‬
‫لثعلب? يا مستهانا ً في خدمة النفس‪ ،‬اخرج إلى ديار‬
‫القلب تعز‪ ،‬الفيلة في الهند عوامل تنقل رجال القوم‬
‫وتخدمهم‪ ،‬فإذا خرجت إلى من يعرف قدرها‪ .‬أكرمت‪،‬‬
‫العود في بلده خشب‪ ،‬فإذا سوفر به إلى طالب‬
‫الطيب أعز‪ ،‬تفاح أصبهان في بلده فاكهة‪ ،‬فإذا جيء‬
‫به إلى العراق‪ ،‬دل على الطباع اللطيفة بريحه‪ .‬الفهد‬
‫في الصحراء بهيمة‪ ،‬فإذا وقع بيد من يعرفه‪ ،‬غضب‬
‫فيترضى‪ ،‬البازي في البرية طائر‪ ،‬فإذا صيد فسريره‬
‫كف الملك‪.‬‬
‫يا مختار الكون وما يعرف قدر نفسه‪ ،‬أما أسجدت‬
‫الملئكة بالمس لك? وجعلتهم اليوم في خدمتك‪ ،‬لما‬
‫تكبر عليك إبليس‪ ،‬وقد عبدني سنين طردته‪ ،‬أفتصافيه‬
‫على خلفي? "أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني" أنا‬
‫القائل قبل وجود أبيك للملئكة "إني جاع ٌ‬
‫ل في الرض‬
‫خليفة" اطلعوا من خوخات تعبدكم‪ ،‬فانظروا ما أصنع?‬
‫أخذت قبضة من تراب‪ ،‬فصببت عليها قطرات من ماء‬
‫"مرج البحرين يلتقيان" قال التراب والماء‪ :‬وأي قدر‬
‫لنا? فنزل دار تواضعهما عزيز "ونفخت فيه من‬
‫روحي" فانضم صدف بحر البدن على در القلب‪،‬‬
‫فانعقد فصار عرشا ً لصفة "ويسعني"‪.‬‬
‫خل المثقف بالطفل داخل البيت‪ ،‬فسطر في لوح‬
‫سره العلم "كتب في قلوبهم اليمان" وأخرجه يوم‬

‫‪147‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫التخيير وقد حذق المكتوب "فقال أنبئهم بأسمائهم"‬
‫ثم قيل له‪ ،‬ل يحتمل موضع الخلع‪ ،‬وجوده ذر البذر‪،‬‬
‫فاخرج إلى عالم الطبع‪ ،‬أكلت يا دودة القز‪ ،‬فاذهبي‬
‫إلى الغزل‪ ،‬وتشاغلي بالنسج‪ ،‬فنزل إلى دار المجاهدة‪،‬‬
‫فظهر من ثمرة شجرته‪ ،‬صبر الخليل‪ ،‬وثبوت الذبيح‪،‬‬
‫وجهاد يوسف‪ ،‬وكمال محمد صلى الله عليه وسلم‪ ،‬ثم‬
‫جاء أولياء في هذه الدولة‪ ،‬فخجلت عند زهدهم الرهبة‪،‬‬
‫ل بل سبقوا تعبد الملئكة‪ ،‬قال سري‪ :‬ما فاتني ورد‬
‫قط فقدرت على إعادته‪ ،‬وذاك أن الزمان الذي مضى‬
‫فيه وظيفة أخرى‪.‬‬
‫ما لي شغل سواه ما ما يصرف عن هواه‬
‫قلبي عذل‬
‫لي شغـل‬
‫مني بدل ومنه مـا‬
‫ما أصنع إن جفا‬
‫لـي بـدل‬
‫وخاب المـل‬
‫كانت رابعة العابدة‪ ،‬تقوم من أول الليل‪ ،‬وتقول‪:‬‬
‫كاد الفؤاد من‬
‫قام المحب إلى‬
‫السرور يطير‬
‫المؤمل قومه‬
‫فإذا انقضى الليل‪ ،‬صاحت‪ :‬واحرباه‪ ،‬واسلباه‪.‬‬
‫ليت الظلم بأنسه‬
‫ذهب الظلم بأنسه‬
‫يتجدد‬
‫وبألفه‬
‫دخلوا على زجلة العابدة‪ ،‬فكلموها في الرفق بنفسها‪،‬‬
‫فقالت‪ :‬والله لصلين لله ما أقلتني جوارحي‪،‬‬
‫ولصومن له أيام حياتي‪ .‬ولبكين ما حملت الماء‬
‫عيناي‪.‬‬
‫ما أعذب في الغرام‬
‫ل أقبل نصحكم‬
‫طعم القتل‬
‫فخلوا عـذلـي‬
‫قد ضرج باللحاظ ل‬
‫إن طل دمي فكم‬
‫بالنـبـل‬
‫محب مثلـي‬
‫أين أنت والحباب? كم بين القشور واللباب? لصردر‪:‬‬
‫وكيف يعلم حال‬
‫هل مدلج عنده من‬
‫الرائح الغادي‬
‫مبكر خبر‬
‫يا معجبا ً بتعبده‪ ،‬تأمل فضائل السابقين‪ ،‬وقد هدرت‬
‫شقاشق كبرك النظر في سيرهم قرظ يجفف عفن‬
‫الرعونة‪ ،‬مضى والله هل المعاني‪ ،‬وتخلف أرباب‬
‫الدعاوي‪.‬‬

‫‪148‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫بانوا عنها فليتهم ما‬
‫بانوا‬
‫يا قوم متى تحول‬
‫السكان‬

‫هاتيك ربوعهم‬
‫وفيها كانوا‬
‫ناديت وفي‬
‫حشاشتي نيران‬
‫الفصل التاسع عشر‬
‫عجبا ً لراحل مات وما تزود للرحلة‪ ،‬ولمسافر ماج وما‬
‫جمع للسفر رحلة‪ ،‬ولمنتقل إلى قبره لم يتأهب‬
‫للنقلة‪ ،‬ولمفرط في أمره لم يستشر عقله‪.‬‬
‫لصردر‪:‬‬
‫العمر دين قضـاؤه‬
‫ل مرية في الردى‬
‫الجـ ُ‬
‫ول جـد ُ‬
‫ل‬
‫ل‬
‫للمرء في حتف أنفه فما تريد السـيوف‬
‫والسـ ُ‬
‫ل‬
‫شـغـل‬
‫سيان فيها الدروع‬
‫يفرى الدجى‬
‫والحـلـ ُ‬
‫ل‬
‫والضحى بأسلحة‬
‫دل فيها الزعاف‬
‫كأس أديرت على‬
‫ُ‬
‫ع ّ‬
‫والعسـ ُ‬
‫ل‬
‫لـذاذتـهـا‬
‫كل إلـى غـاية يصـير تمييز إل السراع‬
‫هـ ُ‬
‫ل‬
‫ول‬
‫مـ َ‬
‫وال َ‬
‫والناس ركب يهوون ول ُيسـّرون أنـهـم‬
‫نـز ُ‬
‫ل‬
‫حثـهـم‬
‫بقاطعـيهـا ركـائب‬
‫وسوف تطوى‬
‫ذلـ ُ‬
‫ل‬
‫مسافة ذملـت‬
‫من هو عنها ينأى‬
‫كيف يعد الدنيا لـه‬
‫وطـنـا ً‬
‫وينتـقـ ُ‬
‫ل‬
‫ب السخاء‬
‫نسخو بأعمارنا‬
‫لمال فت ّ‬
‫والبـخـ ُ‬
‫ل‬
‫ونبـخـل بـا‬
‫ضيع في سمع‬
‫أضاع راقي الداء‬
‫عاشق عـدَ ُ‬
‫ل‬
‫العضال كما‬
‫الموت نجا في‬
‫ولو نجا الهائب‬
‫أقدامه البط ُ‬
‫ل‬
‫الجبـان مـن‬
‫الجداث إل إذا‬
‫ما أسلموا هذه‬
‫ضاقت الحي ُ‬
‫ل‬
‫النفـوس إلـى‬
‫ضرورة ذلت القـروم وقد تقود المصاعب‬
‫الجـد ُ‬
‫ل‬
‫لـهـا‬

‫‪149‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫وأوفى الشواهـق‬
‫ومن حذار تبوأ‬
‫الـوعـل‬
‫الكدية الضب‬
‫ري ويدهي في ذله‬
‫يقاد في عزه‬
‫عـ ُ‬
‫ل‬
‫الخبعثنة الضـا‬
‫ج َ‬
‫ال ُ‬
‫وهل يردّ الحباب أن على محب أن يندب‬
‫الطلـ ُ‬
‫ل‬
‫ظعنـوا‬
‫أخواني‪ ،‬مر القران على مدرجة‪ ،‬وخيول الرحيل‬
‫للباقين مسرجة سار القوم إلى القبور هملجة وباتت‬
‫أرواح من الشباح مستخرجة‪ ،‬إلى كم هذا التسويف‬
‫والمجمجة? بضائعكم كلها بهرجة‪ ،‬وطريقكم صعبة‬
‫عوسجة‪ ،‬وستعرفون الخبر وقت الحشرجة‪.‬‬
‫يا من قد ساخ في أوساخ‪ ،‬إلى كم تملى? تعبت‬
‫النساخ‪ ،‬يا من ضيع الشباب‪ ،‬وما يسمع العتاب وقد‬
‫شاخ‪ ،‬بادر صبابة القوى‪ ،‬فاستدرك باقي الطباخ‪،‬‬
‫وتأهب للرحيل فما هذه الدنيا بمناخ‪ ،‬كم بات مزمار‬
‫في بيت فأصبح فيه الصراخ‪ ،‬أين من حصن الحصون‬
‫واحترس وعمر الحدائق واحترس‪ ،‬ونصب سرير الكبر‬
‫وجلس‪ ،‬وظن بقاء للنفس فخاب الظن في نفس‪،‬‬
‫نازله الموت‪ ،‬وتركه في ظلم ظلمة بين العيب‬
‫والدنس‪ ،‬فالعاقل من بادر الندامة‪ ،‬فإن السلمة خلس‪.‬‬
‫لبن المعتز‪:‬‬
‫وفي الغي مطواع‬
‫أل من لقلب في‬
‫وفي الرشد مكره‬
‫الهوى غير منـتـه‬
‫فإن قلت تأتي فتنة‬
‫أشـاوره فـي تـوبة‬
‫قال‪ :‬أين هـي?‬
‫فـيقــول ل‬
‫سابقة القدر قضت لقوم بدليل "سبقت لهم" وعلى‬
‫ت علينا" تلقيح "سبقت" نور قلوب‬
‫قوم بدليل "غلب ْ‬
‫الجن "فقالوا سمعنا قرآنا ً عجبا" وخذلن "غلبت"‬
‫أعمى بصائر قريش "فقالوا أساطير الولين" إذا هزت‬
‫صوارم القدر‪ ،‬تقلقلت رقاب المقربين غضب على‬
‫قوم فلم تنفعهم الحسنات‪ ،‬ورضي عن قوم فلم‬
‫تضرهم السيئات‪ ،‬ما نفعت عبادة إبليس‪ ،‬ول ضر عناد‬
‫السحرة‪.‬‬
‫هبت عواصف القدار في بيداء الكوان‪ ،‬فنقلت الوجود‬
‫وعم الخبر‪ ،‬فلما ركدت الريح‪ ،‬إذا أبو طالب غريق في‬

‫‪150‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫لجة الهلك وسلمان على ساحل السلمة‪ ،‬والوليد بن‬
‫المغيرة يقدم قومه في التيه‪ ،‬وصهيب قد قدم بقافلة‬
‫الروم‪ ،‬وأبو جهل في رقدة المخالفة‪ ،‬وبلل ينادي‬
‫الصلة خير من النوم‪ ،‬لما قضيت في القدم سلمة‬
‫سلمان‪ ،‬أقبل يناظر أباه في دين قد أباه‪ ،‬فلم يعرف‬
‫أبوه جوابا ً إل القيد‪ ،‬وهذا الجواب المرذول قديم من‬
‫يوم "حرقوه" فنزل به ضيف "ولنبلونكم" فنال‬
‫بإكرامه مرتبة "سلمان منا" سمع أن ركبا ً على نية‬
‫السفر‪ ،‬فسرق نفسه من حرز أبيه‪ ،‬ول قطع‪ ،‬فوقف‬
‫نفسه على خدمة الدلء وقرف الذلء‪ ،‬فلما أحس‬
‫الرهبان بانقطاع دولتهم‪ ،‬سلموا إليه أعلم العلم‬
‫على علمات نبينا‪ ،‬وقالوا أن زمنه قد أظل فاحذر أن‬
‫تضل‪ ،‬وأنه يخرج بأرض العرب‪ ،‬ثم يهاجر إلى أرض بين‬
‫حرتين‪ ،‬فلو رأيتموه قد فلى الفل والدليل شوقه‪،‬‬
‫وخلى الوطن خلء يزعجه توقه‪.‬‬
‫لبي العلء المعري‪:‬‬
‫وأعجبني من حبك‬
‫وأبغضت فيك النخل‬
‫الطلح والضال‬
‫والنخل يانـع‬
‫ولو أن ضيفـيه‬
‫وأهوى لجراك‬
‫وشـاة وعـذال‬
‫السماوة والغضـا‬
‫رحل مع رفقة لم يرفقوا "فشروه بثمن بخس"‬
‫فابتاعه يهودي بالمدينة‪ ،‬فلما رأى الحرتين توقد‬
‫خُر َ‬
‫وقه‪ ،‬وما علم المنزل بوجد النازل‪.‬‬
‫َ‬
‫ش ْ‬
‫للمتنبي‪:‬‬
‫ي قلوب هذا‬
‫ي دم‬
‫وأ ّ‬
‫أيدري الّربع أ ّ‬
‫الركب شاقى‬
‫أراقـا?‬
‫لنا ولهلـه أبـدا ً‬
‫تلقي في جسوم ٍ ما‬
‫تلقـى‬
‫قـلـوب‬
‫فبينا هو يكابد ساعات النتظار‪ ،‬قدم البشير بقدوم‬
‫البشير وسلمان في رأس نخلة‪ ،‬فكاد القلق يلقيه‪ ،‬لول‬
‫أن الحزم أمسكه‪ ،‬كما جرى يوم "أن كادت لتبدي به"‬
‫ثم عجل النزول‪ ،‬ليلقى ركب السيارة‪.‬‬
‫فقد هب من تلك‬
‫خليلي من نجد قفا‬
‫الرسوم نسـيم‬
‫بي على الربى‬

‫‪151‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫فصاح به المالك‪ :‬مالك ولهذا? انصرف إلى شغلك‪،‬‬
‫فأجاب لسان وجده‪ ،‬كيف انصرافي ولي في داركم‬
‫شغل فاخذ يضربه‪ ،‬فأخذ لسان حاله يترنم‪ ،‬لو سمع‬
‫الطروش‪.‬‬
‫خليلي ل والله ما أنا إذا علم من آل ليلى‬
‫بداليا‬
‫منكما‬
‫فلما لقي الرسول عرض نسخة الرهبان بكتاب الصل‪،‬‬
‫فوافق ووافق‪ ،‬يا محمد أنت تريد أبا طالب ونحن نريد‬
‫سلمان‪ ،‬أبو طالب إذا سئل عن اسمه‪ ،‬قال عبد مناف‪،‬‬
‫وإذا انتسب افتخر بالباء‪ ،‬إذا ذكرت الموال عد البل‪،‬‬
‫وسلمان‪ ،‬إذا سئل عن اسمه قال عبد الله وعن نسبه‪،‬‬
‫قال ابن السلم‪ ،‬وعن لباسه قال التواضع‪ ،‬وعن‬
‫طعامه قال الجوع‪ ،‬وعن شرابه قال الدموع‪ ،‬وعن‬
‫وساده قال السهر‪ ،‬وعن فخره قال "سلمان منا" وعن‬
‫قصده‪ ،‬قال‪" :‬يريدون وجهه"‪.‬‬
‫للشبلي‪:‬‬
‫غير محتاج إلى‬
‫إن بيتا ً أنت سـاكـنـه‬
‫السرج‬
‫قد آتاه الله‬
‫وعـلـيل ً أنـت زائره‬
‫بـالـفـرج‬
‫يوم يأتي الناس‬
‫وجهك المأمول‬
‫بالحجج‬
‫حجتنـا‬
‫الفصل العشرون‬
‫يا من يمشي على ظهور الحفر‪ ،‬ويرى السابقين إلى‬
‫بيوت المدر‪ ،‬لو أصغى سمع التدبير‪ ،‬سمع العبر‪ ،‬كفى‬
‫بالموت واعظا ً يا عمر‪.‬‬
‫لبي العتاهية‪:‬‬
‫وعظت ْ َ‬
‫ث‬
‫ك أجدا ٌ‬
‫ونعتك أزمنة خـفـت‬
‫ضمت‬
‫تبلى وعن صور‬
‫ت عن أعـظـم‬
‫وتكلم ْ‬
‫شتت‬
‫وارتك قبرك في‬
‫ت‬
‫ي لم تـمـ ْ‬
‫وأنت ح ّ‬
‫القبور‬
‫يا سادرا ً في سكر سروره‪ ،‬يا سادل ً ثوب غروره‪ ،‬كأنك‬
‫بك قد اقتعدت غارب الغربة‪ ،‬واستبدلت بالثواب‬

‫‪152‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫التربة‪ ،‬سيقسم مالك من ل يحمدك‪ ،‬وستقدم على من‬
‫ل يعذرك‪ ،‬غدا ً يرجع الحبيبان عنك‪ ،‬حبيبك من أهلك‬
‫يقسم حبيبك من مالك‪ ،‬وأنت في قفر الفقر إلى ما‬
‫أسلفت‪ ،‬تبكي على ما خلفت‪ ،‬بين أناس كلهم أسير‬
‫الفرق‪ ،‬وجميعهم على مهاد القلق‪.‬‬
‫إليه متاع من حنوط‬
‫محلة سفر كـان‬
‫ومن خرق‬
‫آخـر زادهـم‬
‫فلم تستبن فيه‬
‫إلى منزل سوى‬
‫الملوك من السوق‬
‫البلى بين أهلـه‬
‫إلى متى تبقى بدائك? أهذا الذي تفعله برائك? لقد‬
‫حل فناؤك بفنائك‪ ،‬وأخبر انتقاض بنائك بنمائك‪ ،‬وأن‬
‫وراءك طالبا ً ل تفوته‪ ،‬وقد نصب لك علم ل تجوز‪ ،‬فما‬
‫أسرع ما يدركك الطالب‪ ،‬وما أعجل ما تبلغ العلم‪،‬‬
‫أخواني‪ ،‬هذا الموت غدًا‪ ،‬يقول للرحيل غد‪ ،‬كيف بكم‬
‫إذا صاح إسرافيل? في الصور بالصور‪ ،‬فأسمع العظام‬
‫البالية تحت المدر‪ ،‬فاجتمعت من بطون السباع‪،‬‬
‫وحواصل الطير‪ ،‬فقامت تبكي على فوات الخير‪ ،‬وسار‬
‫الخلئق كلهم حفاة عراة‪ ،‬كل منهم مشغول بما عراه‪،‬‬
‫وقد رجت الرض وبست الجبال‪ ،‬وذهلت العقول‬
‫وشاب الطفال‪.‬‬
‫ويا عين إياك أن‬
‫أيا نفس حقك أن‬
‫تهجعـي‬
‫تجزعـي‬
‫فإياك إياك أن‬
‫ويا أذن إن دعاك‬
‫تسمـعـي‬
‫الـهـوى‬
‫ضرج بفيض الدما‬
‫وبالله يا جفن عيني‬
‫أدمعي‬
‫القـريح‬
‫حفيظ فابكي‬
‫ويا كل جارحة لي‬
‫ونوحي معيد‬
‫علـيك‬
‫ترحل عنه إلى‬
‫يسير بنا الدهر من‬
‫مـوضـع‬
‫موضع‬
‫ول الذن إن‬
‫إلى حيث ل العين‬
‫خاطبوها تعي‬
‫فيه ترى‬
‫طويل بعيد المدى‬
‫فيا ويلنا من طريق‬
‫مسبـع‬
‫هنـاك‬

‫‪153‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫يا أهل الذنوب والخطايا ألكم صبر على العقوبة? "كل‬
‫إنها لظى" إذا شاهدت من اشترى لذة ساعة بعذاب‬
‫سنين "تكاد تمّيز من الغيظ" من أراد أن ينجو منها‬
‫فليتب "من قبل أن يتماسا" كيف أمن العصاة? "وإن‬
‫منكم إل واردها" كيف نسوا غب الزلل? "ومن يعمل‬
‫مثقال ذرة شرا ً يره"‪.‬‬
‫أخواني‪ ،‬مثلوا أهل الجنة "يوم نحشر المتقين"‬
‫ف‬
‫"ونورهم يسعى بين أيديهم" ومعهم توقيع "ل خو ٌ‬
‫عليهم" فلما وصلوا إلى الجنان "و ُ‬
‫فتحت أبوابها"‬
‫وبدأهم الخزنة "سلم عليكم طبتم" وبشروهم بالبقاء‬
‫الدائم "فادخلوها خالدين" وقرأت الملك من سجل‬
‫الملك مبلغ الثمن "بما صبرتم" وجميع المرادات‬
‫داخلة في إقطاع "ما تشتهي أنفسكم" وقد استرجح‬
‫في الميزان "ولدينا مزيد" وأتم التمام "وما هم منها‬
‫بمخرجين"‪.‬‬
‫وهذا النعيم بذاك‬
‫وهذا السرور بتلك‬
‫التعـب‬
‫الكرب‬
‫ويحك ميز بعقلك وحسك بين الدارين‪ ،‬وأحضر الذنب‬
‫والعقاب والمح العاقبتين‪ ،‬هذا الحيوان البهيمي ينظر‬
‫في العواقب‪ ،‬البل يأكل الحيات فيشتد عطشه فيحوم‬
‫حول الماء ول يشرب لعلمه أن الماء ينفد السموم إلى‬
‫أماكن ل يبلغها الطعام‪ ،‬ومن عادته أن يسقط قرنه‬
‫كل سنة وهو سلحه فيختفي إلى أن ينبت‪ ،‬هذه الحية‪،‬‬
‫تختفي طول الشتاء بالرض‪ ،‬فتخرج وقد عشى‬
‫بصرها‪ ،‬فتحكه بأصول الرازايانج لنه يزيل العشا‪ ،‬هذا‬
‫الفهد إذا سمن علم أنه مطلوب وشحمه يمنعه من‬
‫الهرب فهو يستر نفسه إلى أن ينحل الشحم‪ ،‬هذه‬
‫النملة تدخر في الصيف للشتاء‪ ،‬فإذا خافت عفن الحب‬
‫أخرجته إلى الهواء فإذا حذرت أن ينبت نقرت موضع‬
‫القطمير‪.‬‬
‫أسمعت يا مقطوع الحيلة? متى تدخر من صيف قوتك‬
‫إلى شتاء عجزك? هذه السمكة إذا حبستها الشبكة‬
‫جمزت بكل قوتها لتقطع الحابس‪ ،‬لو نهضت بقوة‬
‫العزم لنخرقت شبكة الهوى‪ ،‬إذا مد النهر اغتنمت ذلك‬
‫المد الزنابير‪ ،‬فبنت منه بيوتا ً لنه ل يصلح لها غيره‪ ،‬مد‬
‫بحر الشباب وما بنيت بيت جد‪ ،‬فحدثني ما الذي تصنع‬

‫‪154‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫في القحل? إن فاتك زمن المد‪ ،‬فمد اليد للسؤال حيلة‬
‫المفلس‪.‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫يا محصرا عن الوصول ل يجزيه الهدى‪ ،‬يا منقطعا في‬
‫الطريق عن جملة الوفد‪ ،‬تحامل إلى بعض خيم أهل‬
‫الوصل‪ ،‬واشهد على وصيتك ذوي عدل‪ ،‬وناد في‬
‫النادي بصوت الذل‪.‬‬
‫ة من قد ظن أن‬
‫إذا ما وصلتم‬
‫تحي ً‬
‫ل يرى نجدا ً‬
‫سالمين فبـّلـغـوا‬
‫وابسط في الدجى يد الطلب‪ ،‬فأطيب ما أكل الرجل‪،‬‬
‫من كسب يده‪ ،‬وقل بلسان التملق‪:‬‬
‫راعيتموه نـاشـئا ً‬
‫أحبابنا أنا ذاكم‬
‫وولـيدا ً‬
‫العبـد الـذي‬
‫حالت به الحوال بعد فرمى بأسرته وجاء‬
‫فـريدا‬
‫فراقكم‬
‫إذا جلست في ظلم الليل بيد يدي سيدك فاستعمل‬
‫أخلق الطفال‪ ،‬فإن الطفل إذا طلب من أبيه شيئا ً‬
‫فلم يعطه يكن عليه‪.‬‬
‫غيري فإني ما بلغت‬
‫بلغ المنى من حل‬
‫مـرادي‬
‫في وادي منى‬
‫فبكى الحجيج بأسره‬
‫وبكيت من ألم‬
‫والـوادي‬
‫الفراق وشقوتـي‬
‫يا من قد نزلت به بلية الطرد‪ ،‬تروح إلى حديث‬
‫المناجاة وإن لم تسمع منك‪ ،‬وابعث رسائل الحزان مع‬
‫رياح السحار ولو لم تصل‪.‬‬
‫يا نسيم الشمال بلـغ واشف مني الجوى‬
‫بحمل الجواب‬
‫خـطـابـي‬
‫ذرة من تراب ذاك‬
‫طفت بساحات ذلك‬
‫الجـنـاب‬
‫الربع واحمل‬
‫ومن فيه ذلتي‬
‫قل لمولي يا منى‬
‫وانـتـحـابـي‬
‫الروح والقلب‬
‫جفوة الحب لم تكن‬
‫كنت أخشى الوشاة‬
‫في حسابي‬
‫فيك ولـكـن‬
‫الفصل الحادي والعشرون‬
‫يا ساعيا ً لنفسه في المهالك‪ ،‬دنا الرحيل ونضو النقلة‬
‫بارك‪ ،‬متى تذكر وحشتك بعد إيناسك? متى تقتدي من‬

‫‪155‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫ناسك بناسك? كأنك بك قد خرجت عن أهلك وولدك‪،‬‬
‫وانفردت عن عددك وعددك‪ ،‬وقتلك بسيف الندم ولم‬
‫يدك‪ ،‬ورحلت ولم يحصل بيدك إل عض يدك‪.‬‬
‫كأنك لم تسمع بأخبار ولم تر في الباقين‬
‫ما يصنع الدهر‬
‫من مـضـى‬
‫محاها مجال الريح‬
‫فإن كنت ل تدري‬
‫بعدك والقطر‬
‫فتلـك ديارهـم‬
‫يمرون حتى‬
‫على ذاك مروا‬
‫يستردهم الـحـشـر‬
‫أجمعون وهـكـذا‬
‫وحتام ل ينجاب عن‬
‫فحتام ل تصحو وقد‬
‫قلبك السكـر‬
‫قرب المـدى‬
‫بل سوف تصحو حين وتذكر قولي حين ل‬
‫ينفع الذكـر‬
‫ينكشف الغطا‬
‫يا من يذنب ول يتوب‪ ،‬كم قد كتبت عليك ذنوب? خل‬
‫المل الكذوب‪ ،‬فرب شروق بل غروب‪ ،‬وا آسفي أين‬
‫القلوب? تفرقت بالهوى في شعوب‪ ،‬ندعوك إلى‬
‫صلحك ول تؤوب‪ ،‬واعجبا ً الناس ضروب‪ ،‬متى تنته‬
‫لخلصك أيها الناعس? متى تطلب الخرى يا من على‬
‫الدنيا ينافس? متى تذكر وحدتك إذ انفردت عن‬
‫موانس? يا من قلبه قد قسا وجفنه ناعس‪ ،‬يا من‬
‫تحدثه الماني دع هذه الوساوس‪.‬‬
‫أين الجبابرة الكاسرة الشجعان الفوارس‪ ،‬أين السد‬
‫الضواري والظباء الكوانس‪ ،‬أين من اعتاد سعة القصور‬
‫حبس من القبور في أضيق المحابس‪ ،‬أين الرافل في‬
‫أثوابه عري في ترابه عن الملبس‪ ،‬أين الغافل في‬
‫أمله عن أجله سلبه كف المخالس‪ ،‬أين حارس المال‪،‬‬
‫أخذ المحروس وقتل الحارس‪.‬‬
‫يا مضمرا ً حب الدنيا إضمار الجمل الحقود‪ ،‬نبعث‬
‫منقاش اللوم وما يصل إلى شظايا المحبة‪ ،‬الدنيا جيفة‬
‫قد أراحت ومزكوم الغفلة ما يدري‪ ،‬سوق فيها ضجيج‬
‫الهوى‪ ،‬فمن يسمع المواعظ‪.‬‬
‫فهي مشكورة على‬
‫علمتني بهجرها‬
‫التقبيح‬
‫الصبر عنها‬
‫إذا أردت دواء حبها فما قل في الشربة صبر‪ ،‬انفرد‬
‫في صومعة الزهد‪ ،‬واحفر خندق الحذر‪ ،‬وأقم حارس‬

‫‪156‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫الورع‪ ،‬ول تطلع من خوخة مسامحة فإن البغي في‬
‫الفتى صناع‪.‬‬
‫لصردر‪:‬‬
‫قبل أن يعلق الفؤاد‬
‫النجاء النجاء من‬
‫بوجـد‬
‫أرض نجد‬
‫وهو يهوي بعلوة‬
‫كم خلى غدا إليه‬
‫وبهـنـد‬
‫وأمسـى‬
‫صن حصن التقى بسور القناعة‪ ،‬فإن لص الحرص‬
‫ح ّ‬
‫يطلب ثمة‪ ،‬غريم الطبع متقاض ملح‪ ،‬والشره شرك‪،‬‬
‫وخمار المنى داء قاتل‪ ،‬بينا الحرص يمد وتر المل‬
‫انقطع‪ ،‬هل العيش إل كأس مشوبة بالكدر ثم رسوتها‬
‫الموت "فابتغوا عند الله الرزق"‪.‬‬
‫قال محمد بن واسع لو رأيتم رجل ً في الجنة يبكي‪ ،‬أما‬
‫كنتم تعجبون? قالوا بلى‪ ،‬قال‪ :‬فأعجب منه في الدنيا‬
‫رجل يضحك ول يدري إلى ما يصير? ضحك بعض‬
‫الصالحين يوما ً ثم انتبه لنفسه فقال‪ :‬تضحكين? وما‬
‫جزت العقبة‪ ،‬والله ل ضحكت بعدها‪ ،‬حتى أعلم بماذا‬
‫تقع الواقعة?‬
‫ما يقول المتيم‬
‫يا نسيم الشمال‬
‫المستهام‬
‫بالله بلغ‬
‫ليس يسلو ومقلة ل‬
‫قل لحبابنا فداكم‬
‫تنام‬
‫محب‬
‫قبل لقياكم علي‬
‫كل عيش ولذة‬
‫حرام‬
‫وسرور‬
‫فرغ القوم قلوبهم من الشواغل‪ ،‬فضربت فيها‬
‫سرادقات المحبوب‪ ،‬فأقاموا العيون تحرس تارة‪،‬‬
‫وترش الرض تارة‪ ،‬هيهات هان سهر الحراس لما‬
‫علموا أن أصواتهم بسمع الملك‪.‬‬
‫لبن المعتز‪:‬‬
‫كطعم الرقاد بل هو‬
‫أيها الملك الذي‬
‫أحـلـى‬
‫سهـري فـيه‬
‫لو سقاني مهل ً لما‬
‫غرضي ما يريده بي‬
‫قلت مهل‬
‫حبـيبـي‬
‫كيف يدري بذاك من‬
‫لست أدري أطال‬
‫يتقـلـى‬
‫لـيلـي أم ل‬

‫‪157‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫وفي طوله عن‬
‫إن العاشقين في‬
‫النوم شـغـل‬
‫قصر الـلـيل‬
‫أو لرعي النجوم‬
‫لو تفرغت‬
‫كنت مخـل‬
‫لستطـالة لـيلـي‬
‫لم يحل عن هواك‬
‫وغرام الفؤاد مذ‬
‫حاشى وكل‬
‫غبت عـنـه‬
‫قلوب العارفين‪ ،‬مملوءة بذكر الحبيب‪ ،‬ليس فيها سعة‬
‫لغيره‪.‬‬
‫فما لحب سواهم‬
‫قد صيغ قلبي على‬
‫فيه متسـع‬
‫مقدار حبهم‬
‫إن نطقوا فبذكره‪ ،‬وإن تحركوا فبأمره‪ ،‬وإن فرحوا‬
‫فلقربه‪ ،‬وإن ترحوا فلعتبه‪.‬‬
‫إل وأنت مني قلبي‬
‫والله ما طلعت‬
‫ووسـواسـي‬
‫شمس ول غربـت‬
‫ول جلست إلى قـوم إل وأنت حديثي بـين‬
‫جـلسـي‬
‫أحـدثـهـم‬
‫إل رأيت خيال ً منك‬
‫ول هممت بشرب‬
‫في الكـاس‬
‫الماء من عطش‬
‫أقواتهم ذكرى الحبيب‪ ،‬وأوقاتهم بالمناجاة تطيب‪ ،‬ل‬
‫يصبرون عنه لحظة‪ ،‬ول يتكلمون في غير رضاه‬
‫بلفظة‪.‬‬
‫حياتي منك في روح وصبري عنك من‬
‫سلب المحال‬
‫الوصـال‬
‫لعطشان عن المـاء‬
‫وكيف الصبر عنك‬
‫الـزلل‬
‫وأي صبـر‬
‫إذا لعب الرجال بكـل رأيت الحب يلعب‬
‫بالـرجـال‬
‫شـيء‬
‫كم تدرس أخبارهم وما تدرس‪ ،‬لئن طواهم الفناء لقد‬
‫نشرهم الثناء‪ ،‬لو سمعتهم في الدجا يعجون‪ ،‬لو رأيتهم‬
‫في السحار يضجون‪ ،‬لول نسايم الرجاء كانوا‬
‫ينضجون‪.‬‬
‫إليك من هجرك‬
‫ما لي عن وصلك‬
‫الفـراُر‬
‫اصطبار‬
‫ت ظمآن ذا‬
‫أصبح ُ‬
‫مياه أخلفـهـا غـزاُر‬
‫جفـون‬

‫‪158‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬
‫وبالماقي له‬
‫اشـتـهـاُر‬
‫هبت على أرضكم‬
‫أغـار‬
‫ل أجدبت تلـكـم‬
‫الـديار‬

‫مكتبة‬

‫م كتمـان مـا‬
‫أرو ُ‬
‫ألقـي‬
‫ومن نسيم الصبـا إذا‬
‫مـا‬
‫آه لذكرى ديار‬
‫سـلـمـى‬
‫لهفي لعيش بهـا‬
‫نظير أيامه الـنـضـاُر‬
‫تـولـي‬
‫وفي غضون الهوى‬
‫إذ أعين الدهـر‬
‫ثماُر‬
‫راقـدات‬
‫الفصل الثاني والعشرون‬
‫ً‬
‫ً‬
‫أيها الحاطب على أزره‪ ،‬وزرا وآثاما‪ ،‬تنبه ترى الدنيا‬
‫أحلى ما كانت أحلمًا‪ ،‬كم نكس الموت فيها أعلما ً‬
‫أعلى ما‪ ،‬كم أذل بقهره أقواما ً أقوى ما‪ ،‬ل كان مفتاح‬
‫أمسى له الموت ختامًا‪.‬‬
‫من على هذه الـديار أو صفا ملبس علـيه‬
‫َ‬
‫فـدامـا‬
‫أقـامـا‬
‫باقتياد المنون عاما ً‬
‫عج بنا ننـدب الـذين‬
‫فـعـامـا‬
‫تـولـوا‬
‫تركوا كـل ذروة مـن يحسر الطرف ثم‬
‫حلوا الرغاما‬
‫أشـم‬
‫يا لحا الله مهمل ً‬
‫نؤوم الجفون عنـه‬
‫فـنـامـا‬
‫حسب الدهـر‬
‫غير ما يمل الضلوع‬
‫هل لنا بالـغـين كـل‬
‫طعامـا‬
‫مـراد‬
‫كفا جرت إلـيهـا‬
‫وإذا أعوز الحلل‬
‫حـرامـا‬
‫فشل الـلـه‬
‫التبعات تبقى واللذات تمر‪ ،‬وغب الرى وإن حل فهو‬
‫مر‪ ،‬وكأن قد عوى في دار العوافي ذئب الضر‪ ،‬وما‬
‫يلهي شيء من الدنيا ويسر إل يؤذي ويضر‪ ،‬وقد بانت‬
‫عيوبها‪ ،‬فليس فيها ما يغر وإنما يعشقها الجهول‬
‫ويأنف منها الحر‪.‬‬
‫تذل الرجال‬
‫كذل العبيد لربابهـا‬
‫لطماعها‬
‫فتجنى الهوان‬
‫ول تجنين ثمار‬

‫‪159‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫بأعقابها‬
‫المنى‬
‫أخواني‪ ،‬ربما أورد الطمع ولم يصدر‪ ،‬كم شارب شرق‬
‫قبل الري? من أخطأته سهام المنية قيده عقال‬
‫الهرم‪ ،‬أل يتيقظ العاقل بأضرابه‪ ،‬أل يتنبه الغافل‬
‫بأوصابه‪ ،‬أيسلم والرامي تحت ثيابه? يا مريضا ً أتعب‬
‫الطباء ما به‪ ،‬كأنك بالدنيا التي تقول مرحبا ً قد حلت‬
‫الحبى وتفرقت أيدي سبا‪.‬‬
‫ويحك أخوك من عذلك ل من عذرك‪ ،‬صديقك من‬
‫دقك‪ ،‬ويحك من يطربك يطغيك‪ ،‬ومال‬
‫صدقك ل من ص ّ‬
‫ً‬
‫يعنبك يعنيك‪ ،‬تتوب صباحا فإذا أمسيت تحول وتعول‬
‫وتقول غير أنك تنقض ما تقول‪ ،‬وتتلون دائما ً كما‬
‫تتلون الغول‪.‬‬
‫منت وإن ادعى آمنت‪ ،‬كم قال‬
‫يا عبد الهوى‪ ،‬إن دعا أ ّ‬
‫لك الهوى وما سمعت‪ ،‬أنا مكار وتبعت‪ ،‬والله لقد أفتك‬
‫أضعاف ما أفدتك‪ ،‬ولقد أعذر من أنذر‪ ،‬وما قصر من‬
‫بصر‪ ،‬لما رأى المتيقظون سطوة الدنيا بأهلها‪ ،‬وخداع‬
‫المل لربابها لجأوا إلى حصن الزهد‪ ،‬كما يأوي الصيد‬
‫المذعور إلى الحرم‪ ،‬لح لهم حب المشتهي‪ ،‬فلما مدوا‬
‫إليه أيدي التناول بان لبصار البصائر‪ ،‬خيط الفخ‬
‫فطاروا بأجنحة الحذر‪ ،‬وصوتوا إلى الرعيل الثاني "يا‬
‫ت قومي يعلمون" جمعوا الرحل قبل الرحيل‪،‬‬
‫لي َ‬
‫وشمروا في سواء السبيل‪ ،‬فالناس في الغفلت وهم‬
‫ت" لو رأيت مطايا‬
‫في قطع الفلة "تلك أمة قد خل ْ‬
‫أجسامهم‪ ،‬وقد أذا بها السرى فهي تحن مما تجن‬
‫فتبكي الحداد‪.‬‬
‫للمصنف‪:‬‬
‫ت لوعـتـي أشكو من البين‬
‫ت فأذك ْ‬
‫حن ْ‬
‫وتشكـو الـبـينـا‬
‫حـنـينـا‬
‫قد عاث في‬
‫بقدر ما عـاث‬
‫أشخاصها طو ُ‬
‫ل‬
‫الـفـراق فـينـا‬
‫السرى‬
‫أضحت تباري الريح‬
‫فخلها تمشي‬
‫في البرينـا‬
‫الهـوينـا طـال مـا‬
‫بها قطعنا السهـل‬
‫وكيف ل نأوي لها‬
‫والـحـزونـا‬
‫وهـي الـتـي‬

‫‪160‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫فهن بالرزام‬
‫إن كن لم يفصحن‬
‫يشـتـكـينـا‬
‫بالشكوى لنا‬
‫إن الحزين يسعد‬
‫قد أقرحت بما تحن‬
‫الحـزينـا‬
‫كـبـدي‬
‫عن الحمى فاعدل‬
‫وقد تياسرت بـهـن‬
‫جـائرا ً‬
‫بها يمينـا‬
‫نعم ولكن ل أرى‬
‫يقول صاحبي أترى‬
‫القطـينـا‬
‫آثارهـم‬
‫للبين لم تبل كمـا‬
‫لو لم تجد ربوعهم‬
‫بـلـينـا‬
‫كوجـدنـا‬
‫بكت فأبدت سرى‬
‫أكلما لح لـعـينـي‬
‫المصونـا‬
‫بـارق‬
‫ل تأخذوا قلبي بذنب وعذبوا الخـائن ل‬
‫المـينـا‬
‫مقلتـي‬
‫دارت قلوب القوم في دائرة الخوف‪ ،‬دوران الكرة‬
‫تحت الصولجان فهاموا في فلوات القلق‪ ،‬فمن خايف‬
‫مستجير‪ ،‬ومن واحد يقول‪ ،‬ومن سكران يبث‪.‬‬
‫رأيت الحب يلعب‬
‫إذا لعب الرجال بكل‬
‫بالرجال‬
‫شيء‬
‫طالت عليهم بادية الرياضة‪ ،‬ثم بدت بعدها الرياض‪،‬‬
‫استوطنوا فردوس النس في قلة طور الطلب‪.‬‬
‫تلقينا كأنا مـا‬
‫شقينا في الهوى‬
‫شـقـينـا‬
‫زمنا ً فلمـا‬
‫فما زالت بنا حتى‬
‫سخطنا عندما جنت‬
‫رضينـا‬
‫الليالـي‬
‫فإنا بعد ما متـنـا‬
‫فمن لم يحيى بعد‬
‫الموت يوما ً‬
‫حـيينـا‬
‫وقفت على قبر بعض الصالحين فقلت‪ :‬يا فلن‪ ،‬بماذا‬
‫نلت تردد القدام إليك? فقال‪ :‬أقدمت على رد الهوى‬
‫بل تردد‪ ،‬فترددت إلي القدام‪ ،‬كان عطر إخلصي‬
‫خالصا ً فعبق نشره بالرواح‪.‬‬
‫للمهيار‪:‬‬
‫ت منها ما قاله‬
‫ت مع الرسم لي‬
‫فهم ُ‬
‫جر ْ‬
‫م‬
‫ة‬
‫محاور ٌ‬
‫الرسـ ُ‬
‫ق بعدنا‬
‫هل لك بالنازلين‬
‫يا عل َ َ‬
‫م الشو ِ‬

‫‪161‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫م‬
‫أرض منى‬
‫ِ‬
‫عـلـ ُ‬
‫أدلج القوم طول الليل في السرى‪ ،‬وخافوا عوز الماء‬
‫فتمموا المزاد بالبكاء‪.‬‬
‫فما لجفون‬
‫سلو غير طرفي إن‬
‫العـاشـقـين مـنـام‬
‫سألتم عن الكرى‬
‫سكن الخوف قلوبهم فإذا بها‪ ،‬فإذا بها في محلة‬
‫المن‪ ،‬نحلوا المعرفة فتحلوا فعمر قصر القلب للملك‪،‬‬
‫وقنعت الحواشي في القاع بالخيم‪.‬‬
‫تحسبه بعض‬
‫وكم ناحل بين تلك‬
‫أطنابهـا‬
‫الخيام‬
‫يا هذا‪ ،‬سرادق المحبة ل يضرب إل في قاع فارغ نزه‬
‫"فّرغ قلبك من غيري ‪،‬أسكنه"‪.‬‬
‫للشريف الرضي‪:‬‬
‫نزلوا القلب أقامـوا‬
‫تركوا الدار فـلـمـا‬
‫م‬
‫يا خليلي اسـقـيانـي زمن الوجـد مـدا ُ‬
‫صفا لي قلعة‬
‫و ِ‬
‫م‬
‫مـقــا ُ‬
‫ل ُ‬
‫ولـلـي ِ‬
‫الركب‬
‫مّني لقد شط‬
‫ِ‬
‫ى‬
‫و ِ‬
‫ى أين مـنـ ً‬
‫مـنـ ً‬
‫م‬
‫مـرا ُ‬
‫ال َ‬
‫وعلى الخيف خـيام‬
‫هل على جمع نزول‬
‫بحق ل بد أن المحبين تذوب‪ ،‬ولسماء أعينهم تهمي‬
‫وتصوب‪ ،‬لو حملوا جبال الرض مع كر الكروب‪ ،‬كان‬
‫ذلك قليل ً في حب المحبوب‪.‬‬
‫لبن المعتز‪:‬‬
‫فازددت ذل ً‬
‫د‬
‫رأى خضوعي فص ّ‬
‫فزادتـيهـا‬
‫عني‬
‫قلت له خالـيا ً‬
‫قد أحرق الدمع ما‬
‫يليهـا‬
‫وعـينـي‬
‫قال‪ :‬وأبصرت لي‬
‫هل لي في الحب‬
‫شبيها‬
‫من شبيه‬
‫الفصل الثالث والعشرون‬
‫أخواني‪ ،‬شمروا عن سوق الدأب في سوق الدب‪،‬‬
‫واعتبروا بالراحلين وسلوا السلب قبل أن يفوت‬
‫الغرض بالمرض إن عرض‪ ،‬فكأنكم بمبسوط المل قد‬
‫انقبض‪ ،‬وبمشيد المنى قد انتقض‪.‬‬

‫‪162‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬
‫يا ساكن الدنيا‬
‫هـب‬
‫تأ ّ‬

‫مكتبة‬

‫وانتظر يوم الفـراق‬

‫فسوف يحدى‬
‫وأعد زادا ً للـرحـيل‬
‫بالرفاق‬
‫تنهل من سحب‬
‫وابك الذنوب يا دمـع‬
‫المآق‬
‫أرضيت ما يفنى‬
‫يا من أضاع زمانـه‬
‫بباق‬
‫أين عزائم الرجال? أين صرائم البطال? تدعي‬
‫وتتوانى‪ ،‬هذا محال‪.‬‬
‫فأدعي بعدكم عنـي‬
‫أشتاقكم ويحول‬
‫وأعـتـذر‬
‫العزم دونـكـم‬
‫وأشتكي خطرا ً بيني وآية الشوق أن‬
‫يستصغر الخطر‬
‫وبـينـكـم‬
‫إن هممت فبادر‪ ،‬وإن عزمت فثابر‪ ،‬واعلم أنه ل يدرك‬
‫المفاخر من رضي بالصف الخر‪ .‬قال عمر بن عبد‬
‫العزيز‪ :‬خلقت لي نفس تواقة‪ ،‬لم تزل تتوق إلى‬
‫المارة‪ ،‬فلما نلتها تاقت إلى الخلفة‪ ،‬فلما نلتها تاقت‬
‫إلى الجنة‪.‬‬
‫لبي فراس‪:‬‬
‫أرى أن دارا ً لست‬
‫بدوت وأهلي‬
‫من أهلها قفر‬
‫حاضرون لنـنـي‬
‫إذا لم يفر عرضي‬
‫وما حاجتي في‬
‫فل وفر الوفر‬
‫المال أبغي وفوره‬
‫فقلت هما أمران‬
‫وقال أصيحابي‬
‫أحلهمـا مـر‬
‫الفرار أو الـردى‬
‫وفي الليلة الظلماء‬
‫سيذكرني قومي إذ‬
‫يفتقد الـبـدر‬
‫جـد جـدهـم‬
‫وما كان يغلو التبر‬
‫ولو سد غيري ما‬
‫لو نفق الصبر‬
‫سددت اكتفوا به‬
‫لنا الصدر دون‬
‫ونحن أناس ل‬
‫العالمين أو القبـر‬
‫توسـط عـنـدنـا‬
‫ومن خطب الحسناء‬
‫تهون علينا في‬
‫لم يغله المهر‬
‫المعالي نفوسـنـا‬

‫‪163‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫ابتليت الهمم العالية بعشق الفضائل‪ ،‬شجر المكاره‬
‫يثمر المكارم‪ ،‬متى لحت الفريسة قذفت الغابة‬
‫السبع‪ ،‬إذا استقام للجواد الشوط لم يحوج راكبه إلى‬
‫سوط‪ ،‬من ضرب يوم الوغى وجه الهوى بسهم‪ ،‬ضرب‬
‫مع الشجعان يوم القسمة بسهم‪ ،‬من اشتغل بالعمارة‬
‫استغل الخراج‪ ،‬إذا طلع نجم الهمة في ظلم ليل‬
‫البطالة ثم ردفه قمر العزيمة "أشرقت الرض بنور‬
‫ربها" يا طالبا ً للبدعة أخطأت الطريق‪ ،‬علة الراحة‬
‫التعب‪ ،‬إن لم تكن أسدا ً في العزم ول غزال ً في السبق‬
‫فل تتثعلب‪ ،‬يا هذا الجد جناح النجاة وكسلك مزمن‪ ،‬من‬
‫كد كد العبيد تنعم تنعم الحرار‪ ،‬من امتطى راحلة‬
‫الشوق لم يشق عليه بعد السفر‪.‬‬
‫على قدر أهل العزم وتأتي على قدر‬
‫الكرام المكارم‬
‫تأتي العزائم‬
‫يا هذا ركائب الرحيل قد أنيخت بالجناب ولم تتحرج‪،‬‬
‫وناقد البايع قائم على الباب ونقدك بهرج‪ ،‬كيف يلحق‬
‫السابقين كسلن أعرج? لو تنقلت على عيطموس‬
‫العزم وهوجاء الطلب وبميسجور القصد‪ ،‬وجعلباة‬
‫السير‪ ،‬ومشمعلة الجد‪ ،‬ووصلت الديجور بالضحى‬
‫لنقطعت الديمومة القذف‪ ،‬ولكنك استوطأت مهاد‬
‫الكسل وإبر النحل دون العسل‪.‬‬
‫قيل لبعض أهل الرياضة‪ :‬كيف غلبت نفسك? فقال‪:‬‬
‫قمت في صف حربها بسلح الجد‪ ،‬فخرج مرحب الهوى‬
‫بدافع‪ ،‬فعله على العزم بصارم الحزم‪ ،‬فلم تمض‬
‫ساعة حتى ملكت خيبر‪ ،‬وقيل لخر‪ :‬كيف قدرت على‬
‫هواك? فقال‪ :‬خدعته حتى أسرته واستلبت عوده‬
‫فكسرته وقيدته بقيد العزلة‪ ،‬وحفرت له مطمور‬
‫الخمول في بيت التواضع‪ ،‬وضربته بسياط الجوع‪ ،‬فلن‬
‫يا فلن‪ ،‬ألك? في مجاهدة النفس نية أم النية نية?‬
‫أتعبتني وأنت أنت‪ ،‬يا خنشليل في كل دردبيس‪ ،‬إلى‬
‫متى تجول في طلب هجول? ما نفشت غنم العيون‬
‫النواظر في زروع الوجوه النواضر إل وأغير على‬
‫السرح‪ ،‬من تعرض للعنقفير لقي المرين‪ ،‬المتعرض‬
‫للنبلة أبله‪ ،‬ما عّز يوسف إل بترك ما ذل به ماعز‪ ،‬لو‬
‫ركد كدر دهن الذهن سمت ذبالة المصباح‪.‬‬
‫أخواني إلى متى سكر عن المقصود? أل صحو ساعة?‬

‫‪164‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫أريقوا قرقف الهوى قبل هجوم صاحب الشرطة‪،‬‬
‫اكسروا الظروف ظرفا ً ليعلم حسن قصدكم للتوبة‪،‬‬
‫وليشغلكم ذكر صوت الناي عن صوت الناي‪ ،‬والفكر‬
‫في خراب المغاني عن لغات الغاني‪ ،‬فكم من شاب ما‬
‫شاب‪ ،‬وكم من راج راج له أن خاب‪ ،‬ما أسرع افتراق‬
‫الصاحبين إذا صاح بين‪" ،‬فمفترق جاران داراهما‬
‫عمر"‪.‬‬
‫مثل أهل الدنيا في غفلتهم وطول آمالهم كمثل‬
‫الحاج‪ ،‬نزلوا منزل ً فقام أقوام يقطعون الصخور‬
‫ويبنون البيوت‪ ،‬فقال المتيقظون‪ :‬ويحكم ما هذا‬
‫البله? الرحيل بعد ساعة‪ ،‬لو علم الورد قصر عمره ما‬
‫تبسم‪ ،‬بينما هو ينشر بز ريحه‪ ،‬في شمال البكور بزه‬
‫الناطور فإذا به في زجاجة الزور‪ ،‬فانتبه أنت ول تغتر‬
‫بزور نسيم الدجى يفتح مستغلق الجبند‪ ،‬وخوف سموم‬
‫النهار يعيد اللينوفر إلى الماء‪ ،‬اسمع يا من ل يحركه‬
‫تشويق‪ ،‬ول يزعجه تخويف‪.‬‬
‫ففي كل شيء له‬
‫إذا المرء كانت له‬
‫عبرة‬
‫فكرة‬
‫تزوج صلة بن أشيم فأدخله ابن أخيه الحمام‪ ،‬ثم أدخل‬
‫إلى المرأة وقد طيب فقام يصلي فمد الصلة إلى‬
‫الفجر‪ ،‬فعاتبه ابن أخيه فقال‪ :‬إنك أدخلتني أمس بيتا ً‬
‫ذكرتني به النار‪ ،‬ثم أدخلتني بيتا ً ذكرتني به الجنة‪ ،‬فما‬
‫زال فكري فيهما حتى أصبحت‪.‬‬
‫من الرض إل ازددت‬
‫كفى حزنـا ً أن ل‬
‫شوقا ً إليكم‬
‫أعـاين بـقـعة‬
‫تذكرت أياما ً مضت‬
‫وإني متى ما طاب‬
‫لـي لـديكـم‬
‫لي خفض عيشة‬
‫مر بعض الفقراء بامرأة فأعجبته فتزوجها‪ ،‬فلما دخل‬
‫البيت نزعوا خلقانه وألبسوه ثيابا ً جددًا‪ ،‬فلما جن عليه‬
‫الليل طلب قلبه فلم يجده فصاح‪ :‬خلقاني خلقاني‪،‬‬
‫فأخذها ورجع‪.‬‬
‫للشريف الرضي‪:‬‬
‫ما ساعفتني الليالي إل ذكرت ليالينـا‬
‫بـذي سـلـم‬
‫بعد بعـدهـم‬
‫إل ذكرت هوى‬
‫ول استجد فؤادي‬

‫‪165‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬
‫أيامنـا الـقـدم‬
‫فإن قلبي ل يرضى‬
‫بغيرهم‬

‫مكتبة‬

‫في الزمان هوى‬
‫ل تطلبن لي البدال‬
‫بعدهـم‬
‫الفصل الرابع والعشرون‬
‫يا طويل المل في قصير الجل‪ ،‬أما رأيت مستلبا ً وما‬
‫كمل? أتؤخر النابة وتعجل الزلل‪.‬‬
‫يا من يعد غدا ً‬
‫أعلى يقين من بلوغ‬
‫غد‬
‫لتوبـتـه‬
‫ومنية النسان‬
‫المرء في زلل على‬
‫بالرصـد‬
‫أمل‬
‫ولعل يومك آخر‬
‫أيام عمرك كلهـا‬
‫العدد‬
‫عـدد‬
‫يا أخي التوبة التوبة قبل أن تصل إليك النوبة‪ ،‬النابة‬
‫النابة قبل أن يغلق باب الجابة‪ ،‬الفاقة الفاقة فيا‬
‫قرب وقت الفاقة‪ ،‬إنما الدنيا سوق للتجر‪ ،‬ومجلس‬
‫وعظ للزجر‪ ،‬وليل صيف قريب الفجر‪ ،‬المكنة مزنة‬
‫صيف‪ ،‬الفرصة زورة طيف‪ ،‬الصحة رقدة ضيف‪ ،‬الغرة‬
‫نقدة زيف‪ ،‬الدنيا معشوقة وكيف‪ ،‬البدار البدار فالوقت‬
‫سيف‪.‬‬
‫يا غافل ً عن مصيره‪ ،‬يا واقفا ً في تقصيره سبقك أهل‬
‫العزائم وأنت في اليقظة نائم‪ ،‬قف على الباب وقوف‬
‫نادم‪ ،‬ونكس رأس الذل وقل أنا ظالم‪ ،‬وناد في‬
‫السحار مذنب وواجم‪ ،‬وتشبه بالقوم وإن لم تكن‬
‫منهم وزاحم‪ ،‬وابعث بريح الزفرات سحاب دمع ساجم‪،‬‬
‫قم في الدجا نادبا‪ ،‬وقف على الباب تائبا‪ ،‬واستدرك‬
‫من الغمر ذاهبًا‪ ،‬ودع اللهو والهوى جانبًا‪ ،‬وإذ لح‬
‫الغرور رأى راهبًا‪ ،‬وطلق الدنيا إن كنت للخرى طالبا ً‬
‫ولكن بل قلب إلى أين أذهب‪.‬‬
‫يا من قد ضاع قلبه اطلبه في مظان إنشاد الضلل‪،‬‬
‫الضايع إنما ينشد في المجامع‪ ،‬فاطلب قلبك في‬
‫مجالس الذكر‪ ،‬أو بين أهل المقابر‪ ،‬وربما دخلت بيت‬
‫الفكر فرأيته فأي موضع غلب على ظنك وجوده فل‬
‫تقصر في البحث عنه‪ ،‬هذه النسور والرخم على كثافة‬
‫طبعها إذا رأت جيشا ً تبعته لما ترجو من قتال يوجب‬
‫قتلى وأخداج حامل‪ ،‬أفما ترجو أنت في المجلس إجابة‬

‫‪166‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫دعوة أو حضور قلب? يا نائما ً طول الليل‪ ،‬سارت‬
‫الرفقة‪ ،‬رحل القوم كلهم وما انتبهت من الرقدة‪،‬‬
‫ويحك أتدري ما صنعت بنفسك? دخلت دار الهوى‬
‫فقامرت بعمرك‪ ،‬كنت أمس قلب أمس فتراك في‬
‫تصحيف ترى‪ ،‬لحت لك العاجلة‪ ،‬فهمت كأنك ما فهمت‬
‫فلما تبدلت تبلدت أخبرني عن تخليطك فالطبيب ل‬
‫يكذب‪ ،‬سجيتك تعلمني فاسمع أحدثك‪ ،‬استكثرت من‬
‫برودات الغفلة فقعد نشاط العزم‪ ،‬فلو قاومتها‬
‫بحرارات الحذر لقام المقعد‪ ،‬أما تعلم أن مطاعم‬
‫المطامع تولد سددا ً في كبد الجد‪ ،‬المحنة العظمى‬
‫موافقة الهوى من غير تدبر‪ ،‬أنت ترى ما تشتهي‬
‫فتضرب الحد‪.‬‬
‫يا أسيرا ً في قبضة الغفلة‪ ،‬يا صريعا ً في سكرة المهلة‪،‬‬
‫أما يخطر بقلبك خطر أمرك‪ ،‬ويحك قد وهن العظم‬
‫العظيم وما شابت همة المل‪ ،‬اخلق برد الحياة وما‬
‫انكفت كف البطالة‪ ،‬قربت نوق الرحيل وما في المزاد‬
‫زاد قدمت معابر العبور وأنت تلهو على الساحل‪ ،‬أكثر‬
‫العمر قد مر‪ ،‬وأنت تتغلغل في تضييع الغابر‪ ،‬أترجح‬
‫الفاني على الباقي? تثبت‪ ،‬ففي الميزان عين‪ ،‬إن‬
‫حركك حظ من حظ فالحظ الحظ الحظ‪ ،‬والله لو‬
‫شغلك نيل الجنة عن الحق لحظة كان في تدبيرك‬
‫وكس‪ ،‬ويحك أنا بدك اللزم فالزم بدك‪ ،‬خاصمت عنك‬
‫قبل وجودك "إني أعلم" واعتذرت عنك في زلل‬
‫"فدلهما" ولقنتك العذر "ما غرك بربك" وواصلتك‬
‫برسائل "هل من سائل"‪.‬‬
‫فريح الصبا مني‬
‫إذا لم يكن بيني‬
‫إليك رسول‬
‫وبينك مرسل‬
‫كان بعض الغنياء كثير الشكر‪ ،‬فطال عليه المد فبطر‬
‫وعصى فما زالت نعمته ول تغيرت حالته‪ ،‬فقال‪ :‬يا رب‬
‫تبدلت طاعتي‪ ،‬وما تغيرت نعمتي‪ ،‬فهتف به هاتف‪ :‬يا‬
‫هذا ليام الوصال عندنا حرمة حفظناها وضيعتها‪.‬‬
‫للمهيار‪:‬‬
‫س ْ‬
‫ليت شعري ما الذي‬
‫ع كـان‬
‫َ‬
‫ل بـسـلـ ٍ‬
‫ألهاك عّنا‬
‫وكـنـا‬
‫ب سرى أم‬
‫ى أحدّْثـَتـه أم‬
‫ب أم ذن ٌ‬
‫د ّ‬
‫أهو ً‬
‫تتجّنـى‬
‫ح‬
‫كـاشـ ٌ‬

‫‪167‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫تاب رجل ممن كان قبلكم ثم نقض‪ ،‬فهتف به هاتف‬
‫في الليل‪:‬‬
‫فإن عدت عدنا‬
‫سأترك ما بيني‬
‫وبينك واقفا ً‬
‫والوداد سليم‬
‫تواصل قوما ً ل وفاء وتترك مثلي‬
‫والحفاظ قديم‬
‫لعهدهم‬
‫يا ناقضي العهود انظروا لمن عاهدتم‪ ،‬تلفوا خرق‬
‫الخطاء قبل أن يتسع‪.‬‬
‫عودوا إلى العهد‬
‫فالهجر صعب شـديد‬
‫عودوا‬
‫نا لـديكـم بـعــيد‬
‫تذكرونا فمـا عـهـد‬
‫هل يرجع البان يومـا ً وهل تـعـود زرود‬
‫يا هذا أقبل علينا‪ ،‬تر من إقبالنا عليك العجب‪ ،‬احفظ‬
‫الله يحفظك‪ ،‬اطلب الله تجده أمامك‪ ،‬من كان لنا عينا‬
‫على قلبه‪ ،‬أجرينا له جامكية أمين‪.‬‬
‫غبت أشجاني على‬
‫أنت على البعد‬
‫القرب‬
‫همومي إذا‬
‫عيني لكم عين‬
‫ل أتبع القلب إلى‬
‫وعلى قلبي‬
‫غيركـم‬
‫يا هذا حفر النهر إليك وإجراء الماء ليس عليك‪ ،‬احفر‬
‫ساقية "فاذكروني" إلى جنب بحر "أذكركم" فإذا بالغ‬
‫فيها معول الكد‪ ،‬فاضت عليك مياه البحر‪" ،‬فبي يسمع‬
‫وبي يبصر" الق بذر الفكر في أرض الخلوة وسق إلى‬
‫ساقية من ماء الفكر‪ ،‬لعلها تنبت لك شجرة "أنا جليس‬
‫من ذكرني"‪.‬‬
‫للشريف الرضي‪:‬‬
‫حني إلي َ‬
‫ك الشوق أميل من اليمين إلى‬
‫ي َُرن ّ ُ‬
‫ل‬
‫حتـى‬
‫الشما ِ‬
‫مّيا الكأس حال ً بعد‬
‫قر‬
‫معا ِ‬
‫ُ‬
‫ح َ‬
‫كما مال ال ُ‬
‫ل‬
‫عـاودَْتـه‬
‫حا ِ‬
‫كما نشط السير من‬
‫ويأخذني لذكـراك‬
‫ل‬
‫ح‬
‫ال ِ‬
‫ارتـيا ٌ‬
‫عقا ِ‬
‫ء‬
‫صني بذا الما ِ‬
‫وأيسُر ما ألقي أن‬
‫يُ َ‬
‫ص ُ‬
‫غ ّ‬
‫ل‬
‫مـا‬
‫هـ ّ‬
‫الزل ِ‬

‫‪168‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫هبت رياح الخوف فقلقلت قلوب الخائفين فلم تترك‬
‫ثمرة دمع في فنن جفن‪ ،‬إذا نزل آب في القلب‪ ،‬سكن‬
‫أذار في العين‪.‬‬
‫يكفيك أن النار بين‬
‫تبلني بجفـا ً يزيد‬
‫ضلـوعـي‬
‫خـضـوعـي‬
‫قسم الهوى ووحق‬
‫وحياة سقمي في‬
‫فيض دموعي‬
‫هـواك فـإنـه‬
‫ولعشقن عليك‬
‫لوكلن عليك عيني‬
‫طول هلوعـي‬
‫بـالـبـكـاء‬
‫كانت مع هشام بن حسان جارية في الدار فكانت‬
‫تقول‪ :‬أي ذنب عمل هذا? من قتل هذا? فتراه الليل‬
‫كله يبكي‪.‬‬
‫تركت الفؤاد علـيل ً‬
‫وشردت نومي فما‬
‫لي رقاد‬
‫يعـاد‬
‫كان فتح الموصلي يبكي الدموع ثم يبكي الدم‪ ،‬فقيل‬
‫له‪ :‬على ماذا بكيت الدم? فقال‪ :‬خوفا ً على الدموع أن‬
‫تكون ما صحت لي‪.‬‬
‫يا من لفؤاد وامق ما قد طال لعظم ما‬
‫عناه الشرح‬
‫يصحـو‬
‫ذا يكتب شجوه وهذا‬
‫والعين لها دم ودمع‬
‫يمحـو‬
‫سـمـح‬
‫الفصل الخامس والعشرون‬
‫يا من يعظه الدهر ول يقبل‪ ،‬وينذره القهر بمن يرحل‪،‬‬
‫ويضم العيب إلى الشيب وبئس ما يفعل‪ ،‬كن كيف‬
‫شئت فإنما تجازى بما تعمل‪:‬‬
‫وذا زمانك فامرح‬
‫دعني فإن غريم‬
‫فيه لزمنـي‬
‫العقل لزمـنـي‬
‫والشيب جاء بما‬
‫وّلى الشباب بما‬
‫أبغضت من محن‬
‫أحببت من مـنـح‬
‫وما حرصت عليه‬
‫فما كرهت ثوى‬
‫حين عن فنـي‬
‫عندي وعنفـنـي‬
‫يا جايرًا‪ ،‬كلما قيل أقسط قسط‪ ،‬يا ناز ً‬
‫ل‪ ،‬فسطاط‬
‫الهوى‪ ،‬على شاطئ الشطط‪ ،‬يا ممهل ً ل مهمل ً ما عند‬
‫الموت غلط‪ ،‬كم سلب وضيعا ً وشريفا ً سلبا ً عنيفا ً‬
‫وخبط‪ ،‬أما مضغ الرواح? فلما طال المضغ استرط‪،‬‬

‫‪169‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫أما يكفي نذيرهم? بلى قد خوف الفرط‪ ،‬تالله ما يبالي‬
‫حمام الحمام أي حب لقط? أما خط الشيب خط النهي‬
‫عن الخطآء لما وخط‪ ،‬أما آذن الشباب بالذهاب فماذا‬
‫بعد الشمط?‬
‫يام ل لـعـب ول‬
‫ما أن يطيب لذي‬
‫لـهـو‬
‫الرعاية لل‬
‫فيموت من أجزائه‬
‫إذ كان يطرب في‬
‫جـزو‬
‫مسرتـه‬
‫يا مدعوا ً إلى نجاته وهو يتوانى‪ ،‬ما هذا الفتور?‬
‫والرحيل قد تدانى‪ ،‬يا مقبل ً على هفواته ل يألو بهتانًا‪،‬‬
‫كأنك بالدمع يجري عند الموت تهتانًا‪ ،‬وشغل التلف قد‬
‫أوقد من شعل السف نيرانا‪ ،‬وأنت تبكي تفريطك‬
‫حتى لقد أقرحت أجفانا‪ ،‬والعمل الصالح ينادي من كان‬
‫أجفانا‪ ،‬احذر زلل قدمك‪ ،‬وخف حلول ندمك‪ ،‬واغتنم‬
‫وجودك قبل عدمك‪ ،‬واقبل نصحي ول تخاطر بدمك‪.‬‬
‫إذا ما نهاك امر ٌ‬
‫عن الفاحشات انزجر‬
‫ؤ‬
‫ه‬
‫ح‬
‫وانت ِ‬
‫نـاصـ ٌ‬
‫فكن حذرا ً بعدها أن‬
‫وإما علـوت إلـى‬
‫تهـي‬
‫رتـبة‬
‫فل تغترر بالمنى‬
‫وإما ترى مهجة في‬
‫أنت هي‬
‫الثرى‬
‫خاصم نفسك عند حاكم عقلك ل عند قاضي هواك‪،‬‬
‫فحاكم العقل يدين وقاضي الهوى يجور‪ ،‬كان أحد‬
‫السلف إذا قهر نفسه بترك شهوة أقبل يهتز اهتزاز‬
‫الرامي إذا قرطس‪ ،‬لما عرف القوم قدر الحياة‪ ،‬أماتوا‬
‫فيها الهوى فعاشوا‪ ،‬انتبهوا بأكف الجد من الزمن ما‬
‫نثره زمن البطالة‪.‬‬
‫على كل مغبر‬
‫وركب سروا والليل‬
‫الطوالـع قـاتـم‬
‫ملق رواقـه‬
‫فصار سراهم في‬
‫حدوا عزمات ضاقت‬
‫ظهور العزائم‬
‫الرض بينها‬
‫تريهم نجوم الليل ما على عاتق الشعري‬
‫وهام النعـائم‬
‫يبتـغـونـه‬
‫إذا طردوا في معرك رماح العطايا في‬
‫صدور المكارم‬
‫الجد قصفوا‬

‫‪170‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫هان عليهم طول الطريق لعلمهم أين المقصد‪ ،‬وحلت‬
‫لهم مرارات البل حبا ً لعواقب السلمة‪ ،‬فيا بشراهم‬
‫يوم "هذا يومكم"‪.‬‬
‫نبكي الحبة حسرة‬
‫قف بالديار فـهـذه‬
‫وشـوقـا‬
‫آثـارهـم‬
‫عن أهلها أو صادقا ً‬
‫كم قد وقفت بها‬
‫أسائل مخبـرا ً‬
‫أو مشفقـا‬
‫فارقت من تهوى‬
‫فأجابني داعي‬
‫فعز الملتقى‬
‫الهوى في رسمها‬
‫يا ربوع الحباب أين سكانك? يا مواطن اللباب أين‬
‫قطانك? يا جواهر الداب أين خزانك? للمهيار‪:‬‬
‫مهـا‬
‫يطربني للمنازل‬
‫أسأر عندي أيا ُ‬
‫الـ ُ‬
‫م‬
‫الـيوم مـا‬
‫قـدُ ُ‬
‫عـهـا‬
‫وتطيبني على‬
‫إليها ربو ُ‬
‫م‬
‫فصاحة شكواي‬
‫عـ ُ‬
‫الـ ُ‬
‫جـ ُ‬
‫ي عاٌر أن تبخـل‬
‫د‬
‫علي يا دار جه ُ‬
‫عل ّ‬
‫م‬
‫عيني ومـا‬
‫الـدّي َ ُ‬
‫أو دمها إن سقى‬
‫جمام‬
‫لك الرضا من ِ‬
‫م‬
‫أدمعهـا‬
‫ثـراك د ُ‬
‫ك‬
‫أما وعهد الغادين‬
‫ق لي في ِ‬
‫جا ٍ‬
‫ن بوا ٍ‬
‫م‬
‫ك وأش‬
‫بعـد ُ‬
‫عنـ ِ‬
‫هـ ُ‬
‫ش كأن اختلسه‬
‫وما أطال المنى‬
‫عي ٍ‬
‫م‬
‫وأعرض من‬
‫ُ‬
‫حـْلـ ُ‬
‫نعم! على كل حـالة‬
‫هل هو إل أن قيل‪:‬‬
‫م‬
‫جن بهـم‬
‫َنـ َ‬
‫ُ‬
‫عـ ُ‬
‫ورسل أشواقنـا فـم‬
‫بتـنـا وأطـواقـنـا يد‬
‫وفـم‬
‫ويد‬
‫يا هذا تنزه في أخبار المحبين إن لم تكن منهم‪ ،‬إن‬
‫أهل الكوفة يخرجون للتفرج على الحاج‪ ،‬اقعد على‬
‫جانب وادي السحر لعل إبل القوم تمر بك‪.‬‬
‫فعسى أريك به‬
‫خذي على قطن‬
‫القطينا‬
‫يمينـا‬
‫مني تعلمت الحـمـام النوح والبل الحنينـا‬
‫وآسف المتقاعد عنهم‪ ،‬واحسرة البعيد منهم‬
‫فقد مر مجتازا ً على‬
‫سلو عن فؤادي‬

‫‪171‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫يمـنة الـوادي‬
‫ساكني ذلك الـوادي‬
‫مضى يطلب الحباب فضل ومروا‬
‫مسرعين مع الحـادي‬
‫والقوم قد سروا‬
‫فها أنا أبكيهم وأبـكـيه وتطلبهم عيني مع‬
‫الرائح الـغـادي‬
‫بـعـدهـم‬
‫وا حاجتنا إلى رؤية القوم‪ ،‬ويا شدة إيثارهم البعد عنا‪،‬‬
‫إن رأينا شخصا ً فأعلمتنا الفراسة أنه منهم كانت همته‬
‫الهرب منا‪ ،‬وما ذاك إل للتباين بين أفعالنا وأعمالهم‬
‫فلنبك على هذه الحال‪.‬‬
‫أندب الربع المحـيل‬
‫عجبت لمـا رأتـنـي‬
‫واقفا ً في الدار‬
‫ل أرى إل الطـلـول‬
‫أبكـي‬
‫ل يملـون الـذمـيل‬
‫كيف نبـكـي لنـاس‬
‫دارهم صاحوا الرحيل‬
‫كلما قلت اطمـأنـت‬
‫كان بعض الصالحين يتستر بإظهار الجنون فتبعه مريد‬
‫فقال له‪ :‬والله ما أبرح حتى تكلمني بشيء ينفعني‪،‬‬
‫فإني قد عرفت تسترك‪ ،‬فسجد وجعل يقول في‬
‫سجوده‪ :‬اللهم سترك‪ ،‬فمات‪.‬‬
‫وآونة اسمـا وآونة‬
‫أسميك سعدى في‬
‫لـبـنـى‬
‫نسيبي تـارة‬
‫وإل فمن سعدى‬
‫حذارا ً من الواشين‬
‫لديك ومن لبنا‬
‫أن يسمعوا بنا‬
‫?الفصل السادس والعشرون‬
‫يا مخدوعا ً قد فتن‪ ،‬يا مغرورا ً قد غبن‪ ،‬من لك إذا‬
‫سوى عليك اللبن? في بيت قط ما سكن‪ ،‬سلب الرفيق‬
‫نذير والعاقل فطن‪.‬‬
‫فتأهب لشتـاتـك‬
‫أنت في دار شتات‬
‫صمته عن شهواتك‬
‫واجعل الدنيا كـيوم ٍ‬
‫الله في يوم وفاتك‬
‫وليكن فطرك عنـد‬
‫إياك والدنيا فإن حب الدنيا مبتوت‪ ،‬واقنع منها باليسير‬
‫فما يعز القوت‪ ،‬يا قوت الندم يغني عن الياقوت‪ ،‬احذر‬
‫منها فإنها أسحر من هاروت وماروت‪ ،‬ليس للماء في‬
‫قبضة ممسك ثبوت "وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت"‬
‫أين من جمع المال ومل التخوت‪ ،‬تساوى تحت اللحود‬
‫السادات والتحوت‪ ،‬ما نفعه إن جال في البأس جالوت‬

‫‪172‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫ول رد عنه إن طال القوم طالوت‪ ،‬ول منع أصحابه‬
‫حلول التابوت‪ ،‬لقد أخرج الموت من قعر اليم الحوت‪،‬‬
‫قل للذين تديروا تدبروا‪ ،‬أين البيوت? جوزوا على‬
‫الذين جوزوا‪ ،‬فقد وعظ الخفوت‪ ،‬كم مسئول عن‬
‫عذره في قبره مبهوت‪ ،‬لقد أنطق الوعظ الصخور‬
‫الصموت‪ ،‬أما يكفي زجرا ً أنك تموت‪ ،‬بادر عمرا ً في كل‬
‫يوم يفوت‪ ،‬قل أنا تائب إلى كم سكوت? قد تعودت‬
‫منك النفس في المجلس‪ ،‬النطق بالتوبة فهي تسخو‬
‫بالكلم لعلمها أنه على غير أصل‪ ،‬ولو تيقنت صدق‬
‫عزمك لتوقفت عن القول‪ ،‬هذا العصفور إذا كان على‬
‫حائط فصحت به لم يبرح فإذا أهويت إلى الرض كأنك‬
‫تناول حجرا ً يلمح يدك فارغة فلم ينفر‪ ،‬فإذا وضعت‬
‫يدك على حجر رأى الجد ففر‪ ،‬يا هذا‪ ،‬قولك أنا تائب‬
‫من غير عزم‪ ،‬نفخ في غير ضرم‪ ،‬بيض التراب ل يخرج‬
‫منه فرخ‪.‬‬
‫أخواني‪ ،‬العمر أنفاس تسير بل تطير‪ ،‬المل منام ل‬
‫ترى فيه إل الحلم‪ ،‬هذا سيف الموت قد دنا‪ ،‬فإن‬
‫ضرب قدنا‪ ،‬هذا الرحيل ول زاد عندنا‪ ،‬انتبهوا من رقاد‬
‫الغفلة‪ ،‬تيقظوا من نوم العطلة‪ ،‬عرجوا عن طريق‬
‫البطالة‪ ،‬ابعدوا عن ديار الوحشة‪ ،‬الفترة حيض الطباع‪،‬‬
‫ذ يتوجه الخطاب‬
‫ووقوع العزيمة‪ ،‬رؤية النقا فحينئ ٍ‬
‫بالتوجه إلى محراب الجد‪ ،‬أول منازل الخرة القبر‪،‬‬
‫فمن مات فقد حط رحل السفر‪ ،‬وسائر الورى سائر‪،‬‬
‫من كان في سجن التقى فالموت يطلقه‪ ،‬ومن كان‬
‫هائما ً في بوادي الهوى فالموت له حبس يوثقه‪ ،‬موت‬
‫المتعبدين عتق لهم من استرقاق الكد ورفق بهم من‬
‫تعب المجاهدة‪ ،‬وموت العصاة سباء يرقون به لطول‬
‫العذاب‪ ،‬من كان واثقا ً بالسلمة من جناية فرح يفك‬
‫باب السجن‪ ،‬لما توعد فرعون السحرة بالصلب أنساهم‬
‫أمل لقاء الحبيب مرارة الوعيد "إّنا إلى ربنا منقلبون"‬
‫يا فرعون غاية ما تفعل أن تحرق الجسم‪ ،‬والركب قد‬
‫سرى "ل ضير" من لحت له منى‪ ،‬نسي تعب المدرج‪.‬‬
‫للمهيار‪:‬‬
‫وقّر بذي الراك لها‬
‫متى ُرفعت لها‬
‫قراُر‬
‫بالغور نار‬
‫فك ّ‬
‫بحكم الشوق‬
‫ل دم ٍ أراق السير‬

‫‪173‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫مطلو ٌ‬
‫جباُر‬
‫منهـا‬
‫ل ُ‬
‫ل بد للمحبوب من اختبار المحب "ولنبلونكم" أسلم أبو‬
‫جندل بن سهيل فقيده أبوه‪ ،‬فلما نزل رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم الحديبية خرج أبو جندل يرسف‬
‫في قيده‪ ،‬فدخل في الصحابة‪ ،‬فقال سهيل‪ :‬هذا أول‬
‫من أقاضيك عليه‪ ،‬فاستغاث أبو جندل‪ :‬يا معشر‬
‫المسلمين‪ ،‬أأرد إلى المشركين‪ ،‬فيفتنوني عن ديني‪،‬‬
‫فقال الرسول‪ :‬ل بد من الوفاء فرد إليهم‪ ،‬فقدمه‬
‫يسعى نحوهم وقلبه يجهز جيوش الحيل في الخلص‪.‬‬
‫للمهيار‪:‬‬
‫دونها ينهد لي بالشر‬
‫د أن‬
‫أنذرتني أم سع ٍ‬
‫هـدا‬
‫سـعـدا‬
‫نَ ْ‬
‫ما أرى لي منك يا‬
‫وعلى ما صفحوا أو‬
‫دا‬
‫نقمـوا‬
‫ظبية ب ُ ّ‬
‫لما أسلم مصعب بن عمير حبسه أهله‪ ،‬فأفلت إلى‬
‫الحبشة‪ ،‬ثم قدم مكة‪ ،‬فدخل على رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم‪ ،‬فأرسلت إليه أمه‪ ،‬يا عاق أتدخل بلدا ً‬
‫أنا فيه ول تبدأ بي? فقال‪ :‬ما كنت لبدأ بأحد قبل‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ ،‬فأرادت حبسه‪،‬‬
‫فقال‪ :‬والله لئن حبستني لحرصن على قتل من‬
‫يتعرض لي‪ ،‬فتركته‪.‬‬
‫وعاذلين لحوبـي فـي يا ليتهم وجدوا مـثـل‬
‫الـذي أجـد‬
‫مـودتـكـم‬
‫لما أطالوا عتابي فيك ل تفرطوا بعض هذا‬
‫اللوم واقتصدوا‬
‫قلـت لـهـم‬
‫جمع حبس التعذيب بين بلل وعمار‪ ،‬مصادرين على‬
‫بذل الدين فزوروا نطق عمار على خط قلبه‪ ،‬فلم‬
‫يغرفوا التزوير‪ ،‬وأصر بلل على دعوى الفلس‬
‫فسلموه إلى صبيانهم في حديدة يصهرونه في حر‬
‫مكة‪ ،‬ويضعون على صدره وقت الرمضاء صخرة ولسان‬
‫محبته يقول‪:‬‬
‫وللشوق ما لم يبق‬
‫بعينيك ما يلقى‬
‫مني وما بقى‬
‫الفؤاد وما لقـي‬
‫وا عجبًا‪ ،‬إيلم ذو حس على عشق يوسف? قدم‬
‫الطفيل بن عمر والدوسي مكة فقالت له قريش‪ :‬ل‬

‫‪174‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫تدن من محمد فإنا نخاف أن يفتنك‪ ،‬فسد أذنيه‬
‫ي الحسن‬
‫بقطنتين ثم تفكر‪ ،‬فقال‪ :‬والله ما يخفى عل ّ‬
‫من القبيح‪ ،‬فانطلق فسمع من رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم فأسلم‪.‬‬
‫وما كنت ممن يدخل ولكن من يبصر‬
‫جفونك يعشق‬
‫العشق قلبه‬
‫قطعت قريش لحم خبيب‪ ،‬ثم حملوه إلى الجذع‬
‫ليصلب‪ ،‬فقالوا‪ :‬أتحب أن محمدا ً مكانك? فقال‪ :‬والله‬
‫ما أحب أني في أهلي وولدي وأن محمدا ً شيك بشوكة‪،‬‬
‫ثم نادى وا محمداه‪.‬‬
‫دمعه في الخد صب‬
‫إن في السر لصبـا‬
‫وله بالشام قـلـب‬
‫هو بالـروم مـقـيم‬
‫لما بعث معاذ إلى اليمن‪ ،‬خرج الرسول يودعه‪ ،‬ودموع‬
‫معاذ ترش طريق الوداع‪.‬‬
‫مشرق ركب مصعد‬
‫ولما تزايلنا من‬
‫عن مغرب‬
‫الجزع وانـتـأى‬
‫تسر وأن ل خلة بـعـد‬
‫تبينت أن ل دار من‬
‫زينـب‬
‫بعد عـالـج‬
‫كانت الدنيا بمثلهم عسل ً فتعلقمت بمثلكم‪ ،‬خلت‬
‫الديار من الحباب فلما فرغت ردم الباب‪.‬‬
‫للنابغة‪:‬‬
‫ت فيها أصيل ً‬
‫أعيت جوابا ً وما‬
‫وقف ُ‬
‫د‬
‫كي أسـائلـهـا‬
‫بالربع مـن أحـ ِ‬
‫أضحت قفارا ً‬
‫أخنى عليها الذي‬
‫وأضحى أهلها‬
‫د‬
‫أخنى على ُلـَبـ ِ‬
‫احتملوا‬
‫حن ببعض أنديتهم ونادبها‪ ،‬وابك فقد الحباب ونادبها‪.‬‬
‫للبحتري‪:‬‬
‫وحاذتك صحراء‬
‫إذا جزت بالغور‬
‫الشواجر يا سعد‬
‫اليماني مغربـا‬
‫سقت ربعك النواء‬
‫فناد ديار العامـرية‬
‫ما فعلت هند‬
‫بـالـلـوى‬
‫الفصل السابع والعشرون‬

‫‪175‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫إن الدنيا مذ أبانت محبها أبانت حالها‪ ،‬لقد روت وما‬
‫روت‪ ،‬فأرت مآلها‪ ،‬لقد عرف إدبارها من قد ألف‬
‫إقبالها‪ ،‬وما اطمأنت أرضها‪ ،‬إل زلزلت زلزالها‪.‬‬
‫قتلت قبلك سـامـا ً‬
‫قل لمن فاخر‬
‫ثـم حـامـا‬
‫بالـدنـيا وحـامـى‬
‫خـ ّ‬
‫بعده شك ولـكـن‬
‫ل ومـا‬
‫ندفن ال ِ‬
‫نـتـعـامـى‬
‫فـي دفـنـنـا‬
‫إن قـدامـك يومـا ً لـو هددت شمس الضحى‬
‫عادت ظلما‬
‫بـــه‬
‫وانف عن عين‬
‫فانتبه من رقـدة‬
‫تماديك المـنـامـا‬
‫الـلـهـو وقـم‬
‫قد حوى واقرأ على‬
‫صاح صح بالقبر‬
‫القوم السلما‬
‫يخبـرك بـمـا‬
‫لم تجد في قبره إل‬
‫فالعظيم القـدر لـو‬
‫الـعـظـامـا‬
‫شـاهـدتـه‬
‫تالله لقد ركض الموت فأسرع في الركض‪ ،‬بث الجنود‬
‫وطبق الرض‪ ،‬ما حمل على كتيبة إل وفض‪ ،‬ول صاح‬
‫بجيش إل جاش وارفض‪ ،‬ول لوح إلى طائر في البرج‬
‫إل انقض‪ ،‬إذا تكلمت قوسه بالنبض أسكنت النبض‪ ،‬بينا‬
‫الحياة تعرب بالرفع جعل الشكل الخفض‪ ،‬أين مصون‬
‫الحصون? أزعج عنها‪ ،‬أين مقصور القصور? أخرج منها‪،‬‬
‫نقله هادم اللذات نقل ً سريعًا‪ ،‬ومقله في بحار الفات‬
‫مقل ً فظيعًا‪ ،‬وفرق بينه وبين بنيه‪ ،‬وطرقه بطارق‬
‫النقض فأنقض ما كان يبنيه‪ ،‬لقد ولى ولء ذي ود‬
‫ينفعه‪ ،‬وبان فبان لباني الدنيا مصرعه‪ ،‬هجره والله من‬
‫هاجر إليه‪ ،‬ونسيه نسيبه وقد كان يحنو عليه‪ ،‬فل‬
‫صديقه صدقه في مودته‪ ،‬ول رفيقه أرفقه في شدته‪،‬‬
‫حلوا والله بالبلء في البلى‪ ،‬وودعهم من أودعهم ثم‬
‫قلى‪ ،‬وانفردوا في الخدود بين وحش الفل‪ ،‬وسألوا‬
‫القالة فقيل‪ :‬أما هذا فل‪ ،‬لو نطق الموتى بعد دفنهم‬
‫لندموا على غيهم وافتهم‪ ،‬ولقالوا‪ :‬رحلنا عن ظلم‬
‫شرورنا إلى ظلم قبورنا‪ ،‬وخلونا عن الخلء بترابنا‬
‫في آفات ل ترى بنا‪ ،‬أفترى محبنا إذ ظعنا‪ ،‬بمن اعتاض‬
‫عنا? وهذا مصيرك بعد قليل‪ ،‬فتأهب يا مقيم للتحويل‪،‬‬
‫يا سليما ً يظن أنه سليم‪ ،‬جوارحك جوارحك‪ ،‬سور‬

‫‪176‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫تقواك كثير الثلم‪ ،‬وأعداؤك قد أحاطوا بالبلد‪ ،‬ويحك‪،‬‬
‫قبل الرمي تراش السهام‪ ،‬وبين العجز والتواني ينتج‬
‫التوى‪ ،‬يا قالي القائل للنصايح إداؤك داؤك‪ ،‬كيف‬
‫تجتمع همتك مع غوغاء المنى وضوضاء الشهوات‪،‬‬
‫كيف تتصرف في مصالحك والشواغل للشوي غل‪ ،‬كم‬
‫صادفت الهوى فصدفت? لقد خدع قلبك الهوى‬
‫فاسترق فاسترق‪ ،‬أضّر ما عليك سوء تدبيرك‪ ،‬آه‬
‫للبس شعار الطرد وما يشعر به وأسفًا‪ ،‬لمضروب ما‬
‫يحس صوت الشوط‪ ،‬عجبا ً لمن أصيب بعقله وعقله‬
‫معه‪ ،‬يا معثر القدام مع إشراق الشمس‪ ،‬يا فارغ‬
‫البيت من القوت في أيام الحصاد‪.‬‬
‫وغرامي من غرامي‬
‫أملي من أملي ما‬
‫قاتلـي‬
‫ينقـضـي‬
‫ت عـامـا ً‬
‫م مثله مـن‬
‫جاء عا ٌ‬
‫كلما أفني ُ‬
‫فـاسـدا ً‬
‫قـابـل‬
‫كلما أملت يوما ً‬
‫عرض المقدور لي‬
‫صـالـحـا ً‬
‫في أملي‬
‫وأرى اليام ل ُتدنـي أرتجي منك وتدني‬
‫أجـلـي‬
‫الـذي‬
‫يا جرحى الذنوب قد عرفتم المراهم‪ ،‬اخرجوا من قصر‬
‫مصر الهوى وقد لحت مدينة مدين‪ ،‬اطلبوا بئر الشرب‬
‫وإن صد الرعاء فلعل حضور موسى يتفق‪ ،‬متى‬
‫استقامت لكم جادة البكاء فل تعرجوا عنها‪ ،‬كان عمر‬
‫بن عبد العزيز وفتح الموصلي يبكيان الدم‪.‬‬
‫تبدل الدمـع دمـا‬
‫قولوا لسكان الحـي‬
‫قد صار مرا ً علقما‬
‫وكل شهد بعـدكـم‬
‫إذا تكاثفت كثبان الذنوب في بوادي القلوب‪ ،‬نسفها‬
‫نسف أسف في نفس‪ ،‬يا أهل الزلل قوموا نفس‬
‫أنفسكم فقد جمع قسر القهر‪ ،‬بين الناقص والتام‪،‬‬
‫لقد تاب الله على المؤمنين "وعلى الثلثة الذي‬
‫خّلفوا"‪.‬‬
‫ُ‬
‫أيأس من أن تعطفوا‬
‫لست وإن أعرضتـم‬
‫ول أفاق الشغـف‬
‫فل برى وجدي بكم‬
‫حتـى يرد يوسـف‬
‫وصبر يعقوب معي‬

‫‪177‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫يا من كان له وقت طيب وقلب حسن‪ ،‬فاستحال خله‬
‫ك على ما فقدت في بيت السف‪.‬‬
‫خمرًا‪ ،‬اب ِ‬
‫من الوجدان يطفي‬
‫لعل انحدار الدمع‬
‫نجى البلبل‬
‫يعقـب راحة‬
‫ت فتغيرت‪ ،‬ما أجود جادتك فكيف‬
‫ما أحسن ما كن َ‬
‫تعثرت‪.‬‬
‫بأنعم حالي غبـطة‬
‫وكنا جميعا ً قبل أن‬
‫وسـرور‬
‫يظهر الورى‬
‫بطون الهوى مقلوبة‬
‫فما برح الواشون‬
‫لظهـور‬
‫حتى بدت لنا‬
‫البكاء على الفايت معول الحزين‪.‬‬
‫لبي تمام‪:‬‬
‫فيا دمع انجدني على‬
‫وانجدتم من بعد‬
‫ساكني نجد‬
‫اتـهـام داركـم‬
‫ي وجددتم به خلق‬
‫لعمري قد أخلفتم‬
‫عل ّ‬
‫الـوجـد‬
‫جدة الـبـكـا‬
‫يا معاشر المطرودين عن صحبة أهل الدين‪.‬‬
‫تعالوا نقم مأتما ً‬
‫ونندب إخواننا‬
‫الظاعنينا‬
‫للفراق‬
‫هلموا نرق دمع تأسفنا على قبح تخلفنا‪ ،‬ونبعث مع‬
‫الواصين رسالة محضر لعلنا نحظى بأجر المصيبة‪ ،‬أنجع‬
‫المراهم لجراحات الذنوب البكاء‪ ،‬هتكة الدمع ستر على‬
‫الذنب‪.‬‬
‫قد كنت أصون دمعتي سترا ً للحب وهو مـا‬
‫لـيس يطـاق‬
‫فـي المـاق‬
‫حتى صاح الوجد عن ما حيلة من بلى‬
‫بمهـجـر وفـراق‬
‫صحيح الشواق‬
‫كان محمد ابن المنكدر كثير البكاء فسئل عن ذلك‬
‫فقال‪ :‬آية من القرآن أبكتني "وبدا لهم من الله ما لم‬
‫يكونوا يحتسبون" كيف ل تذهب العيون من البكاء? وما‬
‫تدري ما قد أعد لها‪.‬‬
‫سبقت السعادة لمحمد صلى الله عليه وسلم قبل‬
‫كونه‪ ،‬ومضت الشقاوة لبي جهل قبل وجوده‪ ،‬وخوف‬
‫العارفين من سوابق القدار قلقل الرواح هيبة "ل‬

‫‪178‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫ُيسئل" مع تحكم "ولو شئنا لتينا ك ّ‬
‫س هداها"‬
‫ل نف ٍ‬
‫قوي قلق العلماء‪.‬‬
‫ماذا فعلوا أم من‬
‫أترى سألوا لما‬
‫قتـلـوا‬
‫رحـلـوا‬
‫فعندي اليوم بهم‬
‫أحليف النوم أقل‬
‫شـغـل‬
‫الـلـوم‬
‫قلب فيعي منذ‬
‫أدنى جزعي لم يبق‬
‫احتمـلـوا‬
‫معـي‬
‫كمدي وهبوا كبدي‬
‫جلدي سلبوا جسدي‬
‫تبلـوا‬
‫نهبـوا‬
‫أترى عرفت ما بي‬
‫لما ذرفت عيني‬
‫البل‬
‫وقـفـت‬
‫وهو راحي وأنا‬
‫ولحا اللحي وهو‬
‫الثـمـل‬
‫الصاحي‬
‫الفصل الثامن والعشرون‬
‫تيقظ لنفسك يا هذا وانتبه‪ ،‬وأحضر عقلك وميز ما‬
‫تشتبه‪ ،‬أما هذا منزلك اليوم? وغدا ً لست به‪.‬‬
‫ول تحكمن بما‬
‫إذا ما انجلى الرأي‬
‫يشـتـبـه‬
‫فاحكم به‬
‫فإن الموفق من‬
‫ونّبه فـؤادك مـن‬
‫ينـتـبـه‬
‫رقـدة‬
‫وعظت به فانتبه‬
‫ت لم أنتبه‬
‫وإن كن ُ‬
‫أنت بـه‬
‫بـالـذي‬
‫لقد أمكنت الفرصة أيها العاجز‪ ،‬ولقد زال القاطع‬
‫وارتفع الحاجز‪ ،‬أين الهمم العالية وأين النجايز? أما‬
‫تخاف هادم اللذات والمنى الناجز? أما اعوجاج القناة‬
‫دليل على الغامز? أما الطريق طويلة وفيها المفاوز‪،‬‬
‫أما القبور قنطرة العبور فمن المجاوز‪ ،‬أما يكفي في‬
‫التنغيص حمل الجنايز? أما العدو محارب فهل من‬
‫مبارز? أما المن بعيد والهلك ناشز‪ ،‬والقنا مشرع‬
‫والطعن واخز‪ ،‬تالله تطلب الشجاعة من بين العجايز‪،‬‬
‫وتروم إصلح فارك وتقويم ناشز‪ ،‬إن لم يكن سبق‬
‫التصديق فلتكن توبة ماعز‪ ،‬ما هذه الغفلة والبلى‬
‫مصيرك! وكم هذا التواني فلقد أودى تقصيرك‪ ،‬أما‬
‫صاح بك في سلب نذيرك‪ ،‬أفل تتأهب لقدساء تدبيرك‪.‬‬

‫‪179‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫ب يا شارد الطبع من سفر الهوى‪ ،‬وأذب جامد الدمع‬
‫إ ْ‬
‫بنيران السى‪ ،‬لعل شفيع العتراف يسئل في أسير‬
‫القتراف‪ ،‬نق عينيك من عيوبك‪ ،‬وخلص ذنوبك من بحر‬
‫ذنوبك‪ ،‬وصن صندوق فمك بقفل صمتك‪ ،‬واطو‬
‫طيلسان لسانك عن بذلة نطقك‪ ،‬وأغمض عينك عن‬
‫عيبك حفظا ً لدينك‪ ،‬واكفف كفك مكتفيا ً بما كفك‪،‬‬
‫وابن منبر التذكير لواعظ القلب في ساحة الصدر‪ ،‬وناد‬
‫في شجعان العزائم ورهبان الفكر‪ ،‬هلموا إلى عقد‬
‫مجلس الذكر‪ ،‬واحذر عين العدو أن يوقع تشتيت الهم‬
‫في جمع العزم‪ ،‬فإن رماك القدر بسهم الفتور عن‬
‫قوس الحكمة من يد لكل عامل فترة فاتق بجنة‬
‫العتذار‪ ،‬فإن ألقى كرة قلبك إلى صولجان التقليب‬
‫في بيداء المؤمن مفتن فجل في ميدان الدل فإن دب‬
‫ذئب الهوى فعاث في مزرعة التقى فأقم ناطور‬
‫القلق‪ ،‬فإن أفلت دجال الطبع فأقام صليب الزلل‬
‫وأطلق خنزير الشره فألجأ إلى حرم التوبة واستغث‬
‫بعيسى العون لعله ينزل من سماء اللطاف فيهلك‬
‫الدجال ويقتل الخنزير ويكسر الصليب‪ ،‬اجلس ليلة‬
‫على مائدة السحر وذق طعام المناجاة تنسيك كل لذة‪،‬‬
‫أرواح السحار ل يستنشقها من كوم غفلة‪ ،‬إنها لتأتي‬
‫بألطاف الحبيب ثم تعود فيحاء تطلب رسالة‪ ،‬فمن لم‬
‫يكتب كتابا ً فماذا يبعث? لو وقفت على جادة التهجد‬
‫ليلة لرأيت ركب الحباب لو سرت في أعراض القوم‬
‫لحرك قلبك صوت الحداة‪ ،‬أقبلت رياح السحار‬
‫فاحتشمت تقبيل أقدامهم‪ ،‬وذكت أذيال أثوابهم‪.‬‬
‫للشريف الرضي‪:‬‬
‫على الكئيب فضول‬
‫ح‬
‫وأمس ِ‬
‫ت الري ُ‬
‫الّريط والّلمم‬
‫كالغيرى تجاذبنـا‬
‫ُيضيئنا البرقُ مجتازا ً‬
‫ب‬
‫يشي بنا الطـي ُ‬
‫َ‬
‫ضم‬
‫ة‬
‫أحـيانـا ً وآون ً‬
‫على أ َ‬
‫ُيوّلع الط ّ‬
‫رويحة الفجر بين‬
‫ل ب ُْردَْينا‬
‫الضال والسلم‬
‫وقد نسـمـت‬
‫حديث القوم مع الدجى يطول‪ ،‬يسيحون في فلوات‬
‫خلواته‪ ،‬يندبون أطلل الحب ويرتاحون إلى تنسمه‬
‫لشدة الطرب‪.‬‬
‫حنينا إلى آلف قلـبـي‬
‫وإني لستنشي‬

‫‪180‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫وأحـبـابـي‬
‫الـشـمـال إذا جـرت‬
‫سلمي وشكوى طول‬
‫وأهدي مع الريح‬
‫حزني وأوصابي‬
‫الجـنـوب إلـيهـم‬
‫واعجبا ً الرسايل تحمل في السحار‪ ،‬ل يدري بها‬
‫الفلك‪ ،‬والجوبة ترد إلى السرار ل يعلمها الملك‪.‬‬
‫سقى العقيق وأهله‬
‫يا حبذا رند العقـيق‬
‫وزمانـه‬
‫وبـأنـه‬
‫وصفت على عصبائه‬
‫راقت خمايله ورق‬
‫غدرانه‬
‫نسـيمـه‬
‫وتمايلت بيد الصبا‬
‫وشكت تباريح‬
‫أفـنـانـه‬
‫الصبابة ورقـه‬
‫في حزنه لعبت به‬
‫يا مفردا ً في حسنه‬
‫صل مفردا ً‬
‫أشجانـه‬
‫صابت مدامعه وجن‬
‫صبا ً إذا ذكر العقيق‬
‫جنانـه‬
‫وأهـلـه‬
‫اجتمع المحبون في مساجد التعبد أول الليل‪ ،‬فرماهم‬
‫الوجد في آخره على قوارع الطرق‪.‬‬
‫مشوا إلى الراح‬
‫والراح تهشي بهم‬
‫مشى الرخ‬
‫مشي الـفـرازين‬
‫فانصرفوا‬
‫أرواح أزعجها الحب‪ ،‬وأقلقها الخوف‪ ،‬سبحان من‬
‫أمسكها باللطف‪.‬‬
‫ماتوا وإن عاد من‬
‫قوم إذا هجروا من‬
‫يهوونه بعثـوا‬
‫بعد ما وصلوا‬
‫كفتية الكهف يدرون‬
‫ترعى المحبين‬
‫ل كم لبثـوا‬
‫صرعن في ديارهم‬
‫موتى من الحب أو‬
‫والله لو حلف‬
‫قتلى لما حنثوا‬
‫العـشـاق أنـهـم‬
‫مجلسنا بحر‪ ،‬يرده الفيل والعصفور كل أناس مشربهم‬
‫أطيار صناعتها في الجو بالقلب‪.‬‬
‫فأين الطروب‪ ،‬سحائب التفهيم قد هطلت بودق‬
‫البيان‪ ،‬أفتراها أخضرت رياض الذهان? نحن في روضة‬
‫طعامنا فيها الخشوع وشرابنا فيها الدموع ونقلنا هذا‬
‫الكلم المطبوع‪ ،‬نداوي أمراضا ً أعجزت بختيشوع‪،‬‬
‫ونرقى الهاوي ونرقى الملسوع‪ ،‬فليته كان كل يوم ل‬

‫‪181‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫كل أسبوع‪.‬‬
‫لصردر‪:‬‬
‫يا صحابي وأين مّني فتنتهم عـيون ذاك‬
‫ب‬
‫صحـبـي‬
‫الـسـر ِ‬
‫وما هن غير طعـن‬
‫كلمات أسماؤهن‬
‫ب‬
‫اسـتـعـارات‬
‫وضـر ِ‬
‫أرني ميتة تطيب بها وقـتـل يلـذّ غـير‬
‫ب‬
‫الـنـفـس‬
‫الـحـ ّ‬
‫وطري إن قضيته أو‬
‫ل تزل بي عن‬
‫نحـبـي‬
‫العقـيق فـفـيه‬
‫خ ّ‬
‫في عني وللعـيس‪:‬‬
‫م إن‬
‫ت السوا َ‬
‫ل رعي ُ‬
‫هـّبـي‬
‫ت للصحبة‬
‫قل ُ‬
‫وحدي أتكلم‪ ،‬وجدي يتألم‪ ،‬أل مريد يتعلم? أل دموع‬
‫تتسلم? لبن المعلم‪:‬‬
‫فاحبس وعان بليلى‬
‫هو الحمى ومغانيه‬
‫ما تعانيه‬
‫معانـيه‬
‫حديث نجد ول صب‬
‫تـجـاريه‬
‫ساه وعن كل دمع‬
‫في مـآقـيه‬
‫ويستبيح دمي مـن ل‬
‫أسـمـيه‬
‫ضعفا بلى في‬
‫فؤادي مـا يداريه‬

‫ما في الصحاب أخو‬
‫وجد تطارحه‬
‫إليك عن كل قلب‬
‫في أمـاكـنـه‬
‫يوهي قوى جلدي‬
‫من ل أبوح به‬
‫يبلى فما في لساني‬
‫ما يعـاتـبـه‬
‫الفصل التاسع والعشرون‬
‫أخواني تفكروا في مصارع الذين سبقوا‪ ،‬وتدبروا‬
‫مصيرهم أين انطلقوا? واعلموا أن القوم انقسموا‬
‫وافترقوا‪ ،‬قوم منهم سعدوا ومنهم قوم شقوا‬
‫ل عند يبدو ضئيل ً لطيفـا ً‬
‫والمرء مثل هل ٍ‬
‫ثـم يتـسـق‬
‫طلـعـتـه‬
‫يزداد حتى إذا ما تـم كر الجديدين نقصا‬
‫ثم ينـمـحـق‬
‫أعـقـبـه‬
‫كان الشباب رداءً قد فقد تطاير منه‬
‫للـبـلـى خـرق‬
‫بهجـت بـه‬

‫‪182‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫كالليل ينهض في‬
‫وبات منشمرا ً يحدو‬
‫أعجازه الفلـق‬
‫المشـيب بـه‬
‫للراكنين إلى الدنيا‬
‫ت والدهر ل‬
‫عجب ُ‬
‫وقد صـدقـوا‬
‫تفنى عجـائبـه‬
‫وطال بالفجع‬
‫وطال ما نغصوا‬
‫والتنغيص ما طرقوا‬
‫بالفجع ضاحـية‬
‫وذو التجارب فيها‬
‫دار تغر بها المـال‬
‫خـائف فـرق‬
‫مـهـلـكة‬
‫بعد البيان ومغرور‬
‫يا للرجال لمخدوع‬
‫بـهـا يثـق‬
‫بزخـرفـهـا‬
‫أين الملوك ملوك‬
‫أقول والنفس‬
‫الناس والسـوق‬
‫تدعوني لباطـلـهـا‬
‫قد كان فيها لهم‬
‫أين الذين إلى‬
‫عيش ومرتـفـق‬
‫لذاتـهـا ركـنـوا‬
‫كأنهم لم يكونوا‬
‫أمست مساكنهم‬
‫قبلهـا خـلـقـوا‬
‫قفرا ً مـعـطـلة‬
‫إن اغترارا ً بظـل‬
‫يا أهل لذات دار ل‬
‫زايل حـمـق‬
‫بـقـاء لـهـا‬
‫أين من كان في سرور وغبطة? أين من بسط اليد في‬
‫بسيط البسطة? لقد أوقعهم الموت في أصعب خطة‪،‬‬
‫جسروا على المعاصي فانقلبت على الجيم النقطة‪،‬‬
‫بيناهم في الخطأ خطا إليهم صاحب الشرطة‪ ،‬هذا دأب‬
‫الزمان فإن صفا فغلطة‪ ،‬كم تخون الموت منا أخوانا‪،‬‬
‫وكم قرن في الجداث أقرانا‪ ،‬كم مترف أبدله الموت‬
‫ديدانا‪ ،‬وهذا أمر إلينا قد تدانى‪ ،‬كم معد عودا ً لعيده?‬
‫صارت ثيابه أكفانا‪ ،‬وما شاهدنا مصرعها وما كفانا‪ ،‬كم‬
‫مسرور بقصره عوض من قبره أعطانا‪ ،‬افترانًا‪ ،‬هذا‬
‫المن‪ ،‬من أعطانا?‬
‫خزمنا له قسرا ً بغير‬
‫لنمنا وصرف الدهر‬
‫خزائم‬
‫ليس بنائم‬
‫من سعى إلى شهواته مستعجل ً تعثر بحسك السف‪،‬‬
‫تلمح العواقب قبل الفعل أمان من الندم‪ ،‬قد عرفتم‬
‫عقابيل قابيل وعلمتم حسن سرابيل هابيل‪:‬‬
‫خير من الرى في‬
‫الشرى يوجد في‬
‫أعقابه لسع‬
‫أعقابه ضرب‬

‫‪183‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫الهوى مطمورة ضيقة في حبس وعر ومذ خلق الهوى‬
‫خلق الهوان‪ ،‬ل يتصرف الهوى إل بربع قلب فارغ من‬
‫العلم‪ ،‬الجهل خندق يحول بين الطالب والمطلوب‬
‫والعلم يدل على القنطرة‪ ،‬كتابة العلم في ليل الجهل‬
‫تفتقر إلى مصباح فطنة ودهن الذهن غال‪ ،‬ما قدر لص‬
‫قط على فطن‪ ،‬ومتى نام حارس الفكر انتبه لص‬
‫الهوى‪ ،‬من ثبت قلبه في حرب الشهوات لم يتزلزل‬
‫ت في‬
‫قدمه‪ ،‬أول ما ينهزم من المهزوم عقله‪ ،‬ما دم َ‬
‫حرب العدو فل تبال بالجراح‪ ،‬فإنه قد يصاب الشجاع‪،‬‬
‫إنما المهادنة دليل الذل‪ ،‬تأثيرات الذنوب على‬
‫مقاديرها‪ ،‬وقعت غلطة من يوسف ف ُ‬
‫قدّ القميص‬
‫وقويت زلة آدم‪ ،‬فخرج عريانا ً من الثياب‪ ،‬أين عزيمة‬
‫توبة ماعز? ل عزيمة توبة‪ ،‬أين هم أويس ل غم قيس‪،‬‬
‫ما لم يكن لك محّرك من باطنك فالخلق تضرب في‬
‫حديد بارد‪.‬‬
‫لصردر‪:‬‬
‫وتأبى عريكته أن‬
‫ظللت أكر عليه‬
‫تلينا‬
‫الرقي‬
‫ويحك‪ ،‬من زم جوارحه ولزم الباب كان على رجاء‬
‫الوصول‪ ،‬فكيف بمن لزم ول لزم‪ ،‬طوبى للزهاد لقد‬
‫مروا في المطلق‪ ،‬من يرافقني إلى ديار القوم? ما‬
‫أجوز على البلدان إنما أمضى على السماوة‪ ،‬وهذه‬
‫خيام ليلى فأين ابن الملوح‪:‬‬
‫هذي منازلهم ومالي بعد بعد القوم خبـر‬
‫من دونه صد وهجر‬
‫ويلي أحظى كـلـه‬
‫كان سري يدافع أول الليل فإذا جن أخذ في البكاء إلى‬
‫الفجر‪:‬‬
‫من عن شمالي وعن‬
‫أقطع ليلى وجيش‬
‫يميني‬
‫وجـدي‬
‫لعاد عن مدنـف‬
‫تالله لو عـادنـي‬
‫حـزين‬
‫رسـول‬
‫أسرق من زفرتي‬
‫ما حيلتي فيك غـير‬
‫أنينـي‬
‫أنـي‬
‫ذلوا له ليرضى‪ ،‬فإذا رأيتهم قلت مرضى‪.‬‬
‫لصردر‪:‬‬

‫‪184‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫وقتيل حب ما يقـاد‬
‫مرض بقلب ما يعاد‬
‫أبصرت أولهـم يذاد‬
‫يا آخر العشـاق مـا‬
‫يقضي المتيم منهـم نحبا ً ولو ردوا لعادوا‬
‫يأنسون في الدجى بالظلم‪ ،‬ويطربون بنوح الحمام‪،‬‬
‫مرضى البدان من طول الغرام‪ ،‬أصحاء القلوب مع‬
‫السقام‪ ،‬إذا ذكرت حبيبهم رأيت المستهام قد هام‪.‬‬
‫للمهيار‪:‬‬
‫ت رفيقا ً ذكر الحمى أطيب ما‬
‫ت إن كن َ‬
‫وأن َ‬
‫ُ‬
‫غّنـيا‬
‫عـد‬
‫فـأ ِ‬
‫وذكرهم أن يذهب‬
‫عدْ فمن آية سكان‬
‫أ ِ‬
‫الشجونـا‬
‫الحـمـى‬
‫إن الحزين يسعد‬
‫شجوا ً كشجوى يا‬
‫الحـزينـا‬
‫حمام ساعدي‬
‫تخلج البرق علـى‬
‫كم من دموع ردها‬
‫يبـرينـا‬
‫صوب دم‬
‫قال الشبلي‪ :‬لقيت جارية حبشية‪ ،‬فقلت‪ :‬من أين?‬
‫فقالت‪ :‬من عند الحبيب‪ ،‬قلت‪ :‬وإلى أين? قالت‪ :‬إلى‬
‫الحبيب‪ ،‬قلت‪ :‬ما الذي تريدين من الحبيب? قالت‪:‬‬
‫الحبيب‪ .‬قلت‪ :‬فكم تذكرين الحبيب? فقالت‪ :‬ما يسكن‬
‫لساني عن ذكراه حتى ألقاه‪:‬‬
‫وليس لي في‬
‫وحرمة الورد ما لي‬
‫سواكم بعدكم غرض‬
‫عنكم عوض‬
‫فقلت ل زال عني‬
‫ومن حديثي بكم‬
‫ذلك المـرض‬
‫قالوا بـه مـرض‬
‫رأى معروف في المنام كأنه تحت العرش‪ ،‬فقال الله‬
‫عز وجل‪ :‬ملئكتي من هذا? فقالوا‪ :‬أنت أعلم‪ ،‬هذا‬
‫معروف قد سكن من حبك‪ ،‬فل يفيق إل بلقائك‪:‬‬
‫وابرد غراما ً بقلب‬
‫فداو سقما ً بجسم‬
‫أنت مضـرمـه‬
‫أنـت مـتـلـفـه‬
‫صبري الضعيف‬
‫ول تكلني على بـعـد‬
‫فصبري أنت تعلمه‬
‫الـديار إلـى‬
‫إلى لقـائك‬
‫تلق قلبي فقـد‬
‫والشـواق تـقـدمـه‬
‫أرسـلـتـه فـرقـا‬
‫الفصل الثلثون‬

‫‪185‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫أخواني البدار البدار‪ ،‬والجد الجد‪ ،‬فالخصم معد‪،‬‬
‫والقصم مجد‪:‬‬
‫مكُر الزمان علينـا غـيُر فل تظنن أمرا ً غـيَر‬
‫مـظـنـون‬
‫مـأمـون‬
‫بل المخوف علينا مكَر ذات المنى دون مكر‬
‫البيض والجون‬
‫أنـفـسـنـا‬
‫إن الليالـي واليام قـد من مكرها كل مستور‬
‫ومـكـنـون‬
‫كـشـفـت‬
‫نواطقا ً بفصـيح غـير‬
‫وحدثتنـا بـأنـا مـن‬
‫مـلـحـون‬
‫فـرائسـهـا‬
‫واستشهدت من مضي عن ذاك كل لقي مـنـا‬
‫ومـدفـون‬
‫منا فأنـبـأنـا‬
‫أخلفها صد عنها صـد‬
‫وأم سـوء إذا مـا رام‬
‫مـزبـون‬
‫مـرتـضـع‬
‫ونحن في ذاك نصيفهـا تبا ً لكل سفـيه الـرأي‬
‫مـغـبـون‬
‫مـودتـنـا‬
‫نشكو إلى الله جهل ً قد بل ليس جهل ً ولكن‬
‫علم مـفـتـون‬
‫أضـر بـنـا‬
‫إل صحيحا ً له أفعـال‬
‫أغوى الهوى كل ذي‬
‫مـجـنـون‬
‫عقل فلست ترى‬
‫سفاهة ونبـيع الـفـوق‬
‫حتى متى نشـتـري‬
‫بـالـدون‬
‫دنـيا بـآخـرة‬
‫فيها بكل طرير الحـد‬
‫نبني المعـاقـل‬
‫مـسـنـون‬
‫والعـداء كـامـنة‬
‫ونجمع المال نرجـو أن وقد أبى قبلنـا‬
‫تـخـلـيد قـارون‬
‫يخـلـدنـا‬
‫عنها النفوس ول‬
‫نظل نستنـفـق‬
‫نسخر بمـا عـون‬
‫العـمـار طـيبة‬
‫ومـا تـأخـر حـي بـعـد أل تأخر نـقـد بـعـد‬
‫عـربـون‬
‫مـيتة‬
‫يا من دعى إلى نفعه نبا ونشز‪ ،‬يا جامعا ً لغيره ما جمع‬
‫وكنز‪ ،‬يا متثبطا ً في الخير فإذا لح الشر جمز‪ ،‬كأنك‬
‫باللم وقد ألم‪ ،‬فنكى ونكز‪ ،‬وكد التبار الروح بالتباريح‪،‬‬
‫واشتد العلز‪ ،‬وأخذ النفس النفس فاضطرها وحفز‪،‬‬
‫ودارت في فلك الفوت فإذا ملك الموت قد برز‪،‬‬

‫‪186‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫فسماك بالمقبور وبالمثبور قد نبز‪ ،‬فتأهب فالسعيد‬
‫منا من تأهب للخير وانتهز‪ ،‬لقد علت سنك وانتهيت‪.‬‬
‫وما انتبهت ول انتهيت‪ .‬أتعبت ألف رايض ولم تؤد‬
‫الفرايض‪.‬‬
‫كم ضيعت عمرا ً طويل ً حملت فيه وزرا ً ثقي ً‬
‫ل‪ .‬كم نصب‬
‫لك الموت دليل ً إذ ساق العزيز ذلي ً‬
‫ل‪ ،‬لقد حمل إلى‬
‫القبور جيل ً جي ً‬
‫ل‪ ،‬ونادى في الباقين رحيل ً رحيل‪ ،‬لكن‬
‫الهوى أعاد الطرف كليل‪ ،‬وما كان الذي رأيت قليل‪ ،‬يا‬
‫مرضا ً عجيبا ً كم أتعبت طبيبا‪ ،‬لقد تنوع ضروبا فأخذ كل‬
‫عضو نصيبًا‪ ،‬إلم يبقى الغصن رطيبًا? من يرد برد‬
‫الصبي قشيبًا‪ ،‬لقد أمسى الموت قريبًا‪ ،‬وستبصر يوما ً‬
‫غريبًا‪.‬‬
‫عجبا ً لك‪ ،‬ل الدهر يعظك‪ ،‬ول الحوادث تنذرك‪،‬‬
‫والساعات تعد عليك‪ ،‬والنفاس تعد منك‪ ،‬وأحب أمريك‬
‫إليك‪ ،‬أعودهما بالضرر عليك‪.‬‬
‫يا هذا‪ ،‬من جل بصيرته من قذى الهوى جّلى على‬
‫بصره عرائس الهدى‪ .‬الصور تزاحم المعاني فمن حلها‬
‫حلى بمغنى المعنى فتعلم حلها بالتدريج‪ .‬كل ذرة من‬
‫الكون تخبر بلغة بليغة عن حكمة الفاطر‪ ،‬غير أنه ل‬
‫يفهم نطق الجوامد إل العقل نظر البصار اليوم إلى‬
‫الصانع بواسطة المصنوع تدريج إلى رفع الوسايط‬
‫غدًا‪ ،‬يا محبوسا ً في سجن غفلته أخرج من ديار أدبارك‬
‫واعبر في معبر اعتبارك‪ ،‬قف على بعض بقاع قاع ترى‬
‫كيف نمت خضرة حضرته بأسرار الخالق إذ تمت‪ .‬تلمح‬
‫أصناف النبات في ثياب الثبات قد برزت في عيد‬
‫الربيع تميس طربا ً بالري‪ ،‬تأمل مختلف اللوان في‬
‫الغصن الواحد‪ ،‬فإن صباغ القدرة صناع‪ .‬اسمع غناء‬
‫الورق‪ ،‬على عيدان العيدان‪ .‬لعل مقاطع السجوع‬
‫توجب رجوع المقاطع‪:‬‬
‫ولقد أشكو فما‬
‫ولقد تشكو فما‬
‫تفهمـنـي‬
‫أفهـمـهـا‬
‫وهي أيضا ً بالجوى‬
‫غير أني بالجوى‬
‫تعرفني‬
‫أعرفهـا‬
‫الحمائم نواح المشتاقين قد رضيت من خلعهم بجريان‬
‫الدموع‪:‬‬
‫قد جرعها الفراق‬
‫ناحت سحرا ً حمامة‬

‫‪187‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫كأس الحزن‬
‫في غصن‬
‫ما يبكي باك إل‬
‫تبكي شجنا ً تلـقـتـه‬
‫ويروي عنـي‬
‫مـنـي‬
‫واعجبًا‪ ،‬متى يثمر لك وجود الثمر معرفة النعم‪ .‬كم‬
‫تنضج الثمار وتتناولها وثمرة عرفانك بعد فجة‪ .‬ليس‬
‫حظك من النبات إل الكل‪ .‬أين التدبير لعجيب الصنعة‬
‫والصنع‪ .‬يا مؤثرا ً ضنك الحس‪ ،‬على فضاء العقل‪ .‬كيف‬
‫تبيع صفاء للتأمل بكدر الهمال? من العجب أن ندعوك‬
‫إلى تلمح العبر في الغير وأنت ما تبصر نفسك‪ ،‬تدبر‬
‫قطرة قطرة من ماء‪ .‬صبت على إيقاد نار الشهوة‪.‬‬
‫كيف ظهرت فيها عن حركات اللذة? رقوم نقوش‬
‫عقدتها يد القدرة‪ .‬كما تظهر الصورة في ثوب‬
‫السقلطوني عن حركات الشد‪.‬‬
‫تأمل نطفة مغموسة في دم الحيض‪ ،‬ونقاش القدرة‬
‫يشق سمعها وبصرها من غير مساس‪ .‬كيف تربى في‬
‫حرر مصون عن مشعب‪ ،‬بينا هي ترفل في ثوب نطفة‬
‫اكتست رداء علقة‪ .‬ثم اكتست صفة مضغة‪ ،‬ثم‬
‫انقسمت إلى عظم ولحم‪ .‬فاستترت من يد الذى‬
‫بوقاية جلد‪ .‬ثم خرجت في سربال الكمال تسحب‬
‫مطارف الطرائف‪ .‬فبينا هي في صورة طفل درجت‬
‫درجة الصبي‪ .‬فتدرجت إلى النطق وتشبثت بذيل‬
‫الفهم‪ .‬فكم من صوت بين أرجل النقل من تحريك‬
‫جلجل العبر‪ .‬في خلخل الفكر‪ ،‬كلما رنت غنت ألسن‬
‫الهدى في مغاني المعاني‪ .‬وكيف يسمع أطروش‬
‫الغفلة? هذا بعض وصف الظاهر‪ ،‬فكيف لو فهمت‬
‫معنى الباطن? الدمي كتاب مسطور‪ .‬وشخصه رق‬
‫منشور‪ .‬قلبه بيت معمور‪ .‬همه سقف مرفوع‪ .‬علمه‬
‫بحر مسجور‪ .‬من ينتفع بأسماعكم بعدي? وما تحسن‬
‫اليام تكتب ما أملى‪.‬‬
‫الفصل الحادي والثلثون‬
‫يا جامعا ً المال لغيره‪ ،‬تاركا ً للتزود في سيره‪ ،‬أتحظى‬
‫بشر كسبك‪ ،‬ويحصل سواك بخيره‪:‬‬
‫ما المرء في الدنيا‬
‫سابق إلى مـالـك‬
‫بلبـاث‬
‫وراثـه‬
‫قد صلح في ميزان‬
‫كم صامت يخنق‬
‫ميراث‬
‫أكـياسـه‬

‫‪188‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫أين جامع الدنيا? طرحها واطرح‪ ،‬أين اللهي بها? حزن‬
‫بعد أن فرح‪ ،‬جال في وصف الحرب عنها فاغتيل‬
‫وجرح‪ ،‬وظن المر سهل ً فإذا الرجل قد ذبح‪ ،‬بينا هو‬
‫في لذاته يغتبق ويصطبح برح به أمر مرحل‪ ،‬فما برح‬
‫نزل والله لحدا ً ضيقا ً فما ينفسح‪ ،‬وصمت تحت الثرى‬
‫خر‬
‫فكأنه لم ينطق ولم يصح‪ ،‬وكتب على قبره ما أ ّ‬
‫خسر‪ ،‬وما قدم ربح‪ ،‬وعدل إلى قصره بعد الدفن‬
‫فافتتح‪ ،‬وأصبحت سهام الوارث في ماله تنتطح‪ ،‬يا‬
‫معرضا ً عن الهدى والمى متضح‪ ،‬أو ما حالك كهذا‬
‫الحال? الذي شرح‪ ،‬كأنك بك في ضيق خناقك تبكي‬
‫على قبيح أخلقك‪ ،‬وحبل الدموع تجري في حلبات‬
‫آماقك‪ ،‬وقد تحيرت عند التفاف ساقك بساقك‪،‬‬
‫وأسرت ل بقيد عن حركات إطلقك‪ ،‬وناداك تفريطك‪:‬‬
‫هذا بعض استحقاقك‪.‬‬
‫لك ناصح ل تكذبـنـه‬
‫ل تكـذبـن فـإنـنـي‬
‫فاعمل لنفسك ما‬
‫ت فإنها نـار وجـنة‬
‫استطع‬
‫أخواني‪ ،‬كم من حريص قد جمع المال جمع الثريا?‬
‫فرقته القدار تفريق بنات نعش‪ ،‬يا ذا اللب‪ ،‬حدثني‬
‫عنك‪ ،‬أتنفق العمر الشريف في طلب الفاني الرذيل?‬
‫ويحك‪ ،‬إن الهوى مرعاد مبراق بل مطر‪ ،‬الدنيا ل‬
‫تساوي نقل أقدامك في طلبها‪ ،‬أرأيت غزال ً يغدو خلف‬
‫كلب‪ ،‬الدنيا مجاز والخرى وطن‪ ،‬والوطار في‬
‫الوطان أطوار‪ ،‬إيثار ما يفنى على ما يبقى برسام‬
‫حاد‪.‬‬
‫ا أبناء الدنيا إنها مذمومة في كل شريعة‪ ،‬والولد عند‬
‫الفقهاء يتبع الم‪ ،‬يا من هو في حديثها أنطق من‬
‫سبحان‪ ،‬وفي انتقاد الدنانير أنسب من أغفل‪ ،‬فإذا‬
‫ذكرت الخرة فأبله من باقل‪ ،‬حيلتك في تحصيلها أدق‬
‫من الشعر‪ ،‬وأنت في تدبيرها أصنع من النحل‪ ،‬وعين‬
‫حرصك عليها أبصر من العقاب‪ ،‬وبطن أملك أعطش‬
‫من الرمل‪ ،‬وفم شرهك أشرب من الهيم‪ ،‬تجمع فيها‬
‫الدر جمع الذر‪ ،‬يا رفيقا ً في البله لدود القز‪ ،‬ما‬
‫انتفعت بموهبة العقل‪:‬‬
‫ويهلك غما ً وسط ما‬
‫كدود كدود القز‬
‫ينسـج دائمـا ً‬
‫هو ناسجه‬

‫‪189‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫ويحك‪ ،‬إن سرورها أقتل من السم‪ ،‬وإن شرورها أكثر‬
‫من النمل‪ ،‬إنها في قلبك أعز من النفس‪ ،‬وسنصير‬
‫عند الموت أهون من الرض‪ ،‬حرصك بعد الشيب أحر‬
‫من الجمر‪ ،‬أبقي عمر? يا أبرد من الثلج‪ ،‬يا من هو عن‬
‫نجاته أنوم من فهد‪ ،‬ضيعت عمرا ً أنفس من الدر‪ ،‬أنت‬
‫في الشر أجرى من جواد‪ ،‬وفي الخير أبطأ من أعرج‪،‬‬
‫تسعى إلى العاجل سعي رث‪ ،‬ويمشي في الجل‬
‫حد‪ ،‬والصلة‬
‫مشي فرزان‪ ،‬الزكاة عليك أثقل من أ ُ‬
‫عندك كنقل صخر على ظهر‪ ،‬وطريق المسجد في‬
‫حسبان كسلك كفرسخي دير كعب‪ ،‬صدرك عن حديث‬
‫الدنيا أوسع من البحر‪ ،‬ووقت العبادة أضيق من‬
‫تسعين‪ ،‬معاصيك أشهر من الشمس‪ ،‬وتوبتك أخفى من‬
‫السهي‪ ،‬إن عرضت خطيئة وثبت وثوب النمر‪ ،‬فإذا‬
‫لحت طاعة رغت روغان الثعلب‪ ،‬تقدم على الظلم‬
‫أقدام السبع‪ ،‬وتخطف المانة اختطاف الحدأة‪ ،‬يا أظلم‬
‫من الجلندي ما تأمنك غزلن الحرم‪ ،‬يا كنعان المل‪ ،‬يا‬
‫نمرود الحيل‪ ،‬يا نعمان الزلل‪ ،‬أنت في حب المال شبه‬
‫الحباحب‪ ،‬وفي تبذير العمر رفيق حاتم‪ ،‬تمشي في‬
‫المل على طريق أشعب‪ ،‬وستندم ندامة الكسعي‪ ،‬يا‬
‫عذري الهوى في حب الدنيا‪ ،‬يا كوفي الفقه في‬
‫تحصيلها‪ ،‬يا بصري الزهد في طلب الخرة‪ ،‬إنما يتعب‬
‫في تعليم البازي ليصيد ماله قدر‪ ،‬ولما تعلم بازي‬
‫فكرك‪ ،‬أرسلته على الجيف‪.‬‬
‫ويحك تفكر قبل سلوك طريق الهوى‪ ،‬في كثرة‬
‫المعاثر والصدمات أوما المكروهات في طي‬
‫المحبوبات كوامن? يا مطلقا ً نفسه في محظور‬
‫شهواتها‪ ،‬اذكر الغمس في الرمس‪ ،‬يا ذا البال الناعم‬
‫فوق الرض‪ ،‬اذكر الناعم البالي تحتها‪ ،‬أتلفق?‬
‫والزمان يفرق‪ ،‬أتؤلف? والحدثان يمزق‪ ،‬أتصفي?‬
‫والدهر يرنق‪ ،‬أتؤمل? والموت معوق‪ ،‬ويحك إن القاصد‬
‫قاصم‪ ،‬وما للعاصي عاصم‪ ،‬أنت في أرباب الذنوب‬
‫غريق‪ ،‬وفي روم الهوى بطريق‪ ،‬فاحذر عقاب الكابر‪،‬‬
‫يا قليل الخبرة بالطريق اطلب رفقة‪ ،‬إذا لم تعرف‬
‫القبلة بالعلمات‪ ،‬ففي المساجد محاريب‪ ،‬إذا رأيت‬
‫قطار التائبين متصل ً فعلق عليه‪.‬‬
‫فاليوم يوم عتابنـا‬
‫أهل الغرام تجمعوا‬

‫‪190‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫فغرابنا أغرى بنا‬
‫نعق الغراب ببيننا‬
‫قد وكلوا بعذابنـا‬
‫إن الذين نحبـهـم‬
‫نمضي إلى أحبابنا‬
‫قوموا بنا بحياتكـم‬
‫جادوا بعتق رقابنا‬
‫قوم إذا ظفروا بنا‬
‫ت إليه‪ ،‬دعوناك بالوسائط فلم‬
‫ي هرول ُ‬
‫من مشى إل ّ‬
‫تحضر‪ ،‬فأتى المرسل ينزل إلى السماء‪ ،‬النظر متشابه‬
‫والذوق محكم‪.‬‬
‫ونودي بالعشاق‬
‫ولما رأيت الحب قد‬
‫قوموا بنا فاسروا‬
‫مد جـسـره‬
‫فصادفني الحرمان‬
‫ت مع الحباب‬
‫خرج ُ‬
‫وانقطع الجسر‬
‫كيما أحـوزه‬
‫ونادى مناد الحب قد‬
‫ومالت بنا المواج‬
‫غرق الصبر‬
‫ب‬
‫من كل جانـ ٍ‬
‫الفصل الثاني والثلثون‬
‫يا هذا‪ .‬لو عاينت قصر أجلك لزهدت في طول أملك‪،‬‬
‫وليقتلنك ندمك إن زلت بك قدمك‪.‬‬
‫للمتنبئ‪:‬‬
‫وكم هذا التمادي‬
‫إلى كم ذا التواني‬
‫في التمادي?‬
‫في التواني?‬
‫م يمر‬
‫وما ماضي الشباب‬
‫ول يو ٌ‬
‫بمـسـتـعـار‬
‫د‬
‫بمسـتـر ّ‬
‫فقد وجدته منها في‬
‫ت بياض‬
‫متى لحظ ْ‬
‫الـسـواد‬
‫الشيب عيني‬
‫فقد وقع انتفاضي‬
‫متى ما ازددت من‬
‫فـي ازدياد‬
‫بعد التناهي‬
‫إلى متى تحرص على الدنيا وتنسى القدر? من الذي‬
‫طلب ما لم يقدر فقدر? لقد أذاك إذ ذاك النصب‪،‬‬
‫وأوقعك الحرص في شرك الشرك إذ نصب‪ ،‬أتحمل‬
‫على نفسك فوق الجسد? ولو قنعت أراحك الزهد‬
‫فلماذا تحمل ما آذى ولمن? ومن ينفعك إن قتلت‬
‫نفسك يا هذا‪ ،‬ومن? تحمل على الهم الهم‪ ،‬لمر لو‬
‫قضى تم‪ ،‬أحرصا ً على الدنيا‪ .‬ل كانت‪ ،‬أم شكا ً في‬
‫عيوبها? فقد بانت‪.‬‬
‫فأيقنت أن سرابي‬
‫رأيت ظنوني بها‬
‫سرابي‬
‫كالسراب‬

‫‪191‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫كم غرت الدنيا فرخها? فعرت‪ ،‬ثم ذبحته بمدية ما‬
‫مرت‪ ،‬إنها لتقتل صيادها‪ ،‬وتقتل أولدها‪.‬‬
‫وسلم لي الوصل‬
‫عزيز على مهجتي‬
‫واستسلما‬
‫غرني‬
‫على مهجتي سل ما‬
‫فلما تملكنـي‬
‫سلما‬
‫واحـتـوى‬
‫والله لو كنت من رياشها أكسى من الكعبة‪ ،‬لم تخرج‬
‫منها إل أعرى من الحجر السود‪.‬‬
‫قيل لراهب‪ :‬ما الذي حبب إليك الخلوة وطرد عنك‬
‫الفترة? قال‪ :‬وثبة الكياس من فخ الدنيا‪.‬‬
‫وقيل لخر‪ :‬لم تخليت عن الدنيا? فقال‪ :‬خوفا ً والله‬
‫من الخرة أن تتخلى عني‪.‬‬
‫من غرس في نفسه شرف الهمة فنبت‪ ،‬نبت عن‬
‫القذار‪ ،‬ومن استقر ركن عزيمته وثبت‪ ،‬وثبت نفسه‬
‫عن الكدار‪.‬‬
‫فاجسر على الهوال‬
‫قد انقضى العمر‬
‫إن كنت رجل‬
‫وأنت في شـغـل‬
‫يا زمن الهمة‪ ،‬يا مقعد العزيمة‪ ،‬يا عليل الفهم‪ ،‬يا بعيد‬
‫الذهن‪.‬‬
‫ومنبت غصن الصبي‬
‫أما اشتقت مغنى‬
‫حين مـال‬
‫الهوى حين طاب‬
‫أمـا آن مـن نـازح أن وللوصل مـن هـاجـر‬
‫أن يدال‬
‫يحــن‬
‫سار المجدون وتركوك‪ ،‬ونجا المخفون وخلفوك‪ ،‬نادهم‬
‫إن سمعوك‪ ،‬واستغث بهم إن رحموك‪.‬‬
‫وركاب النوى بهـم‬
‫أيها الراحلون من‬
‫تـتـرامـى‬
‫بـطـن خـيف‬
‫لحبيبي تـحـيتـي‬
‫إن أتيتـم وادي‬
‫والـسـلمـا‬
‫الراك فـاهـدوا‬
‫ان وارعوا بين‬
‫وردوا ماء ناظري‬
‫الحشى ل الخزامى‬
‫عوض الغـدر‬
‫واطلبوا إلى قـلـبـي تجدوا فيه من‬
‫هواهم سـهـامـا‬
‫وآيتـه أن‬
‫يا من أبعدته الخطايا عنهم‪ ،‬أدرج مرحلة الهوى وقد‬
‫وصلت أنت تتعلل للكسل بالقدر فتقول‪ :‬لو وفقني‪،‬‬

‫‪192‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫ولكسب الشهوات بالندب إلى الحركة "فامشوا في‬
‫مناكبها" أنت في طلب الدنيا قدري‪ ،‬وفي طلب الدين‬
‫جبري‪ ،‬أي مذهب وافق غرضك تمذهبت به‪ ،‬أوليس في‬
‫الجماع "من عمل صالحا ً فلنفسه ومن أساء فعليها"‬
‫جسدك عندنا وقلبك في البيت‪ ،‬نحن في واد وأنت في‬
‫واد‪.‬‬
‫ورسيس الحب قاتله‬
‫بكرت صبحا ً عواذلـه‬
‫والهوى عنهن‬
‫هوى في واد ولسن‬
‫شاغله‬
‫به‬
‫ومناه من يواصـلـه‬
‫يتمنين السـلـو لـه‬
‫ل بد والله من قلق وحرقة أما في زاوية التعبد أو في‬
‫هاوية الطرد‪ ،‬إما أن تحرق قلبك بنار الندم على‬
‫التقصير والشوق إلى لقاء الحبيب‪ ،‬وإل فنار جهنم‬
‫أشد حرًا‪:‬‬
‫أتصبر للبين أم‬
‫شجاك الفراق فما‬
‫تجـزع‬
‫تصنع‬
‫فما ذا تقول إذا‬
‫إذا كنت تبكي وهم‬
‫ودعوا‬
‫جيرة‬
‫القلق القلق يا من سلب قلبه‪ ،‬والبكاء البكاء يا من‬
‫عظم ذنبه‪.‬‬
‫كان الشبلي يقول في مناجاته‪ :‬ليت شعري ما اسمي‬
‫عندك يا علم الغيوب‪ ،‬وما أنت صانع في ذنوبي يا‬
‫غفار الذنوب‪ ،‬وبم تختم عملي يا مقلب القلوب? وكان‬
‫يصيح في جوف الليل‪ :‬قرة عيني‪ ،‬وسرور قلبي ما‬
‫الذي أسقطني من عينك? أقلت هذا فراق بيني‬
‫وبينك?‬
‫والهجر من الحبيب‬
‫هجرانك قاتلي‬
‫قاتـل‬
‫سـريعـا‬
‫شغل بك ل يزال‬
‫إن كنت نسيتني‬
‫شاغـل‬
‫فعـنـدي‬
‫ما أنت بذا المحب‬
‫قلبي يهواك ليت‬
‫فاعـل‬
‫شعـري‬
‫قام على قولـي‬
‫حقا ً قد قلت يا‬
‫الـدلئل‬
‫حـبـيبـي‬
‫تذكي بعظائم‬
‫شوق وجوى ونـار‬

‫‪193‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬
‫الـبـلبـل‬
‫ل يبرح بالبكـاء‬
‫سـائل‬
‫فجنة القلب في‬
‫الرسـائل‬
‫والحزن تهيجه‬
‫المنـازل‬

‫مكتبة‬

‫وجـد‬
‫سائل دمعي فجفن‬
‫عـنـي‬
‫إن جن لي الليل يا‬
‫حبيبـي‬
‫أبكي ما كان من‬
‫وصـال‬
‫هذا خدي علـى‬
‫ل أبـرحــه ول أزايل‬
‫ثـراكـم‬
‫بعد العراض من‬
‫إن أنت طردتني‬
‫أواصل‬
‫فـويلـي‬
‫والجود مقدم‬
‫كل والجود لـي‬
‫الـوسـائل‬
‫شـفـيع‬
‫الفصل الثالث والثلثون‬
‫يا من بين يديه الهوال والعجائب‪ ،‬وقدما ً نوى له الدهر‬
‫النوائب‪ ،‬أما سهم المصائب كل يوم صائب‪ ،‬أحاضر‬
‫فتحمل من عتبنا? كل بل أنت غائب‪.‬‬
‫أو استلذوا لذيذ‬
‫وكيف قّرت لهل‬
‫النوم أو هجعوا‬
‫العلم أعينهـم‬
‫ع‬
‫والموت ينذرهم جهرا ً لو كان للقوم أسما ٌ‬
‫لقد سمعوا‬
‫علنـية‬
‫وليس يدرون من‬
‫والنار ضاحية ل بد‬
‫ينجو ومن يقع‬
‫مـوردهـم‬
‫والنون في البحر لن‬
‫قد أمست الطير‬
‫يغتالها فـزع‬
‫والنـعـام آمـنة‬
‫والدمي بهذا الكسـب له رقيب على‬
‫السـرار يطـلـع‬
‫مـرتـهـن‬
‫وخصمه الجلد‬
‫حتى يوافيه يوم‬
‫الجمع مـنـفـردا ً‬
‫والبصار والسمـع‬
‫والجن والنس‬
‫إذ الـنـبـيون‬
‫والملك قد خشعوا‬
‫والشـهـاد قـائمة‬
‫منشرة فيها السرائر‬
‫وطارت الـصـحـف‬
‫والخبار تطلع‬
‫فـي اليدي‬
‫عما قليل ول تـدري‬
‫فكيف سهـوك‬
‫مـمـا يقـع‬
‫والنـبـاء واقـعة‬

‫‪194‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫أم الجحيم فل‬
‫أفي الجنان وفوز ل‬
‫تـبـقـي ول تـدع‬
‫انقـطـاع لـه‬
‫تهوي بساكنها طورا ً إذا رجوا مخرجا ً من‬
‫غمها قمعـوا‬
‫وترفـعـهـم‬
‫طال البكاء فلم يرحم هيهات ل رقة تغنـي‬
‫ول جـزع‬
‫تضـرعـهـم‬
‫قد سأل قوم بها‬
‫لينفع لعلم قبل‬
‫الرجعى فما رجعوا‬
‫المـوت عـالـمـه‬
‫يا من عمره يقد بالساعات ويعد بالنفاس‪ ،‬يا خل‬
‫المل خل أحاديث الوسواس‪ ،‬يا طويل الرقاد إلى كم‬
‫ذا النعاس?‪ ،‬قد بقي القليل ل ريب وهذا الشيب يقلع‬
‫الغراس‪ ،‬إن في المقابر عبرًا‪ ،‬وما أدراك ما‬
‫الدراس?‪ ،‬تالله لو سكن اليقين القلب‪ ،‬لضربت‬
‫أخماسا ً في أسداس‪ ،‬هل تجد لماضي العمر لذة?‬
‫والباقي على القياس‪ ،‬ماذا التهول في البوار‪ ،‬وجر‬
‫الذيال في الخسار‪ ،‬كأنك لم تسمع بجنة ول نار‪ ،‬لهيب‬
‫حرصك ما يطفي‪ ،‬وشر شرهك ما يخفى‪ ،‬أترى هذا ?‬
‫على ماذا‪ ،‬أليس لما إذا? قيل آذى‪.‬‬
‫صب‪ ،‬تبيت في عشقها‬
‫أنت في طلب الدنيا أحير من َ‬
‫أسهر من صب‪ ،‬أين ما حل في الفم وحلى في العين‪،‬‬
‫ذهب الكل وأنت تدري إلى أين‪ ،‬ما أصعب السباحة في‬
‫غدير التمساح‪ ،‬ما أشق السير في الرض المسبعة‪ ،‬إن‬
‫المفروح به هو المحزون عليه‪ ،‬غير أن عين الهوى‬
‫عميا‪ ،‬طاير الطبع يرى الحبة ل الشرك‪ ،‬ضيعت سهادك‬
‫مت ْ َ‬
‫ت نهارك ليل ليلى‪،‬‬
‫صير َ‬
‫بسعادك‪ ،‬ر َ‬
‫ك إلى الهند هند‪َ ،‬‬
‫ويحك ربات الظلم ظلم‪ ،‬كم أراق الهوى دما ً في دمن‪،‬‬
‫ويحك دع سلمى وسل ما ينفعك‪ ،‬دعة لمثلك ترك دعد‬
‫للنوى‪ ،‬وسعادة لك هجرة لسعاد‪ ،‬قطع الطمع من خضر‬
‫الدنيا بموسى الياس‪ ،‬تجمع للقلب عزم الخضر‬
‫وموسى وإلياس‪.‬‬
‫يا معشر الفقراء الصادقين قد لبستم حلة الفقر‪،‬‬
‫فتجملوا بحلية الكتمان ‪ ،‬اصبروا على عطش الزهد‪،‬‬
‫ول تشربوا من مشربة من‪ ،‬فالحرة تجوع ول تأكل‬
‫بثدييها‪ ،‬ل تسألوا سوى مولكم فسؤال الغير غير‬
‫سيده تشنيع عليه‪ ،‬إن الفقير ترك الدنيا إنفة رآها‬
‫قاطعا ً فقاطع‪ ،‬جاز على جيفة مستحيلة فسد منخر‬

‫‪195‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫الظرف وأسرع‪ ،‬النف الشم ل يشم رذيلة بينا هو في‬
‫قطع فيافي القناعة‪ ،‬وقع بكنز ما وجده السكندر‪،‬‬
‫فقلبه أغنى من قارون‪ ،‬وبيته أفرغ من فؤاد أم‬
‫موسى‪ .‬كان إبراهيم بن أدهم يعطي عطاء الغنياء‬
‫وهو فقير‪ ،‬ويستدين عليه ثم يؤثر به‪.‬‬
‫للشريف الرضي ‪:‬‬
‫وهم ينفذون الما َ‬
‫ويستأنفون الصبَر‬
‫ل‬
‫في آخر الصبـر‬
‫في أول الغـنـى‬
‫مي‬
‫ي‬
‫مفاريج لل ُ‬
‫مغاوير في ال ُ‬
‫غ ّ‬
‫جل ّ‬
‫مـداري ُ‬
‫وْتـر‬
‫مغاييُر في الحمى‬
‫ك لـلـ ِ‬
‫ب‬
‫وتأخذهم في ساعة‬
‫كما خايل المطرا ُ‬
‫ر‬
‫ة‬
‫هـّز ٌ‬
‫عن نزو ِ‬
‫الـجـود ِ‬
‫ة الخم ِ‬
‫وهم في جلبيب‬
‫فتحسبهم فيها‬
‫خصاصة بل وفر‬
‫نشاوى من الـغـنـى‬
‫ال َ‬
‫ن عليهم أن‬
‫م علـيهـم أن‬
‫و َ‬
‫هي ْ ٌ‬
‫عظي ٌ‬
‫يبيتـوا بـل وفـر‬
‫د‬
‫يمـّنـوا بـل ي ٍ‬
‫مقل‬
‫ي الغري ُ‬
‫ر ال ُ‬
‫إذا نزل الح ّ‬
‫ب عليه فلم يد ِ‬
‫من المـثـري‬
‫تـقـارعـوا‬
‫إذا كان محبوب البقاء‬
‫شق‬
‫يميلون في ِ‬
‫مع الـغـدر‬
‫الوفاء مـع الـردى‬
‫أحكم القوم العلم فحكم عليهم بالعمل‪ ،‬فقاطعوا‬
‫التسويف الذي يقطع أعمار الغمار‪ ،‬وانتبهوا فانتبهوا‬
‫الليل والنهار‪ ،‬أخرجوا قوى العزائم إلى الفعال‪ ،‬فلما‬
‫قضوا ديون الجد قضت علومهم بالحذر من الرد‪،‬‬
‫أقدامهم على أرض التعبد قد ألفت الصفون تعتمد‬
‫على سنابك الحذر‪ ،‬فإذا أثر عندها النصب‪ ،‬راوحت بين‬
‫أرجل الرجاء قلوب كالذهب ذهب غشه‪ ،‬أنفاسهم ل‬
‫تخفى‪ ،‬نفوسهم تكاد تطفى‪ ،‬لون المحب غماز‪ ،‬دمع‬
‫المشوق نمام‪.‬‬
‫في الخد على هواك‬
‫أخفي كمدي ودمع‬
‫شاهد‬
‫عينـي‬
‫للعاذل واللسان‬
‫فالجفن بلوعتـي‬
‫جـاحـد‬
‫مـقـر‬
‫اشتد الخوف يوما ً بإبراهيم بن أدهم‪ ،‬فسأل الراحة‬
‫فعوتب‪.‬‬

‫‪196‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫لو شئت داويت قلبا ً‬
‫وفي يديك من‬
‫البلوى سلمته‬
‫أنت سقمه‬
‫من كان مثلي فقد‬
‫علمة كتبت في خد‬
‫قامت قيامته‬
‫عارفكـم‬
‫ضجت الناقة لثقل الحمل‪ ،‬رأت عظامها قد فرغت‬
‫ففغرت فم الشكوى فرغت‪.‬‬
‫حمل هموم لها‬
‫يا حادي العيس قد‬
‫عظـام‬
‫براها‬
‫ملصقات على‬
‫رفقا ً بها إنهـا جـلـود‬
‫عظـام‬
‫خلف أشواقها‬
‫أشواقها خلفها‬
‫أمامي‬
‫وشوقـي‬
‫تمادى في قلب العارف جبل الخوف وجبل الحزن‪،‬‬
‫فلما وصل اسكندر الفكر عبى زبر الهموم‪ ،‬حتى إذا‬
‫ساوى بين الصدفين صاح بجنود الفهم‪ ،‬انفخوا‪،‬‬
‫فاستغاث الواجد لتراكم الكرب‪.‬‬
‫نسيم الصبا يخلص‬
‫أيا جبلي نعمان‬
‫إلى نسيمـهـا‬
‫بـالـلـه خـّلـيا‬
‫على كبد لم يبق إل‬
‫أجد روحها أو تشف‬
‫صمـيمـهـا‬
‫مني حـرارة‬
‫على نفس مكروب‬
‫لن الصبا ريح إذا ما‬
‫تجلت همومها‬
‫تنـسـمـت‬
‫الفصل الرابع والثلثون‬
‫إخواني‪ ،‬رحيل من رحل عنا نذير لنا عنا‪ ،‬وما جرى‬
‫على من تقدمنا وعظ لنا‪.‬‬
‫للشريف الرضي‪:‬‬
‫تمضي علينا ثم‬
‫م في‬
‫ما أسر َ‬
‫ع اليا َ‬
‫تمضي بنا‬
‫طـّينـا‬
‫في كل يوم أم ٌ‬
‫ه عن أجل قـد‬
‫م ُ‬
‫ل قـد مرا ُ‬
‫دنـا‬
‫نـأى‬
‫كأنما الدهر سوانا‬
‫أنذرنا الدهُر وما‬
‫عـنـا‬
‫نرعـوي‬
‫تعاشيا ً والموت فـي ما أوضح المَر وما‬
‫أب َْينـا‬
‫جـده‬
‫ي لن‬
‫والنا ُ‬
‫س كالجما ِ‬
‫ل قد تنتظر الح ّ‬

‫‪197‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫ُ‬
‫يظعـنـا‬
‫ت‬
‫قّرب ْ‬
‫مقامٌر يطردها‬
‫تدنو إلى العشب‬
‫بالـقـنـا‬
‫ومن خلفها‬
‫أين ا ُ‬
‫لولى شادوا‬
‫ته ّ‬
‫دموا قبل انهدام ِ‬
‫البـنـا‬
‫مبانيهـم‬
‫ي‬
‫م يحميه‬
‫مع ِ‬
‫د ٌ‬
‫ل ُ‬
‫ول يقي نف َ‬
‫س الغن ّ‬
‫غنى‬
‫مـه‬
‫ال ِ‬
‫إعـدا ُ‬
‫ن الليالي‬
‫ع المرء‬
‫كيف دفا ُ‬
‫فردا ً وأقرا ُ‬
‫ِثنـى‬
‫أحداثهـا‬
‫حط رجا ٌ‬
‫ة السير لمن‬
‫ل وركبنا‬
‫و ُ‬
‫عقب ُ‬
‫الـ ّ‬
‫بعـدنـا‬
‫ذرى‬
‫مستقلعا ً ينذُر‬
‫والحازم الرأي الذي‬
‫ُ‬
‫مستوطـنـا‬
‫َيغَتذي‬
‫وعّز ليث الغاب أن‬
‫ن الدهَر على‬
‫ل يأم ُ‬
‫يؤمنا‬
‫ة‬
‫ِ‬
‫غـّر ٍ‬
‫فاعجل المقدار أن‬
‫مل في‬
‫سأ ّ‬
‫كم غار ٍ‬
‫ُيجتنى‬
‫غرسه‬
‫ما هذا التقصير في العمر القصير‪ ،‬ما هذا الزهو يا من‬
‫إلى البلى يصير‪ ،‬كم فرق الموت أميرة أمير?‪ ،‬كم أزار‬
‫اللحاد من وزير?‪ ،‬وسوى في القبور بين من هجر‬
‫وزير‪ ،‬أين البطال الذين خاطرهم خطير‪ ،‬طال ما‬
‫اقتتلوا‪ ،‬حتى كسروا القنا على القناطير‪ ،‬تالله لقد‬
‫أمسوا حتى أصبحت خيل الموت تعثي وتغير‪ ،‬ونزلوا‬
‫لحدا ً كبيرا ً غير كبير‪ ،‬ورأوا كل منكر من منكر وكل‬
‫نكير من نكير‪ ،‬فهم مفترقون في القبور‪ ،‬فإذا اجتمعوا‬
‫ق في‬
‫بنفخة الصور‪ ،‬عاد شراب الفراق قد أدير "فري ٌ‬
‫سعير"‪.‬‬
‫الجن ّ ِ‬
‫ق في ال ّ‬
‫ة وفري ٌ‬
‫يا غافل ً والموت يسعى في طلبه‪ ،‬يا مشغول ً بلهوه‬
‫مفتونا ً بلعبه‪ ،‬يا مشتريا ً راحة تفنى بطول تعبه‪ ،‬أما‬
‫عللت مريضا ً ورأيت كرب كربه‪ ،‬أما شيعت ملكا ً‬
‫فرجعت إلى سلبه‪ ،‬أما تخلى عن ماله وتخلى بمكتسبه‪،‬‬
‫و نسبه‪ ،‬لقد ناجاك قبره وناداك‬
‫و عّزه أو عل ّ‬
‫أنفعه غل ّ‬
‫أمره‪ ،‬فانتبه‪ ،‬ولقد ضّره هواه‪ ،‬فل تلهج أنت به‪ ،‬ل‬
‫تغرنك السلمة فمع الخواطي سهم صائب‪.‬‬

‫‪198‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫نظر شاب إلى شيخ ضعيف الحركة فقال‪ :‬يا شيخ‪ ،‬من‬
‫قيدك? فقال‪ :‬الذي خلفته يفتل قيدك‪.‬‬
‫طول السنين فل‬
‫من أخطأته سهام‬
‫لهو ول غـزل‬
‫المـوت قـيده‬
‫حتى الرجاء وحتى‬
‫وضاق من نفسه ما‬
‫كان متسعـا ً‬
‫العزم والمل‬
‫الشباب باكورة الحياة‪ ،‬والشيب رداء الردى‪ ،‬إذا قرع‬
‫المرء باب الكهولة فقد استأذن على البل‪ ،‬يا رهين‬
‫الثم على العقوبة‪ ،‬ليس لك من يستفكك إل التوبة‪،‬‬
‫المنطع في قيد يتلقى الحاج منكس الرأس‪ ،‬رب خجلة‬
‫تمت الناقص‪ ،‬كان بعض الشياخ يقول‪ :‬إلهي‪ ،‬من عادة‬
‫الملوك‪ ،‬أنهم إذا كبر لهم مملوك أعتقوه‪ ،‬وقد كبرت‬
‫فأعتقني‪ .‬وقف أعجمي عند الكعبة‪ ،‬والناس يدعون‬
‫وهو ساكت‪ ،‬ثم اخذ بلحيته فرفعها‪ ،‬وقال‪ :‬يا خداه‬
‫شيخ كبير‪.‬‬
‫وقد توالى عليهم‬
‫لما أتونا والشيب‬
‫الخجـل‬
‫شافعهـم‬
‫بيضا ً فإن الشيوخ قد‬
‫قلنا لتلك الصحائف‬
‫عقلوا‬
‫انقلبـي‬
‫يا معاشر الشباب انتبهوا‪ ،‬القوى في التقوى‪ ،‬فلو قد‬
‫حل المشيب حل التركيب‪ ،‬إذا هلك أمير الشباب وقع‬
‫الشتات في العسكر‪ ،‬الشباب رياض والشيب قاع قفر‪،‬‬
‫فاستصحبوا الزاد قبل دخول الفلة‪.‬‬
‫يا قومنا‪ ،‬الفوائد فوايت‪ ،‬كف من تبذير يؤذي‪ ،‬فكيف‬
‫ببيذر من رعونة?‪ ،‬إذا كانت القلوب عقما ً عن الفكر‪،‬‬
‫واتفقت عنة الفهم فل وجه لنسل الفضائل‪ ،‬الخوف‬
‫ذكر والرجاء أنثى ومخنث البطالة إلى الناث أميل‪ .‬من‬
‫زرع بذر العمل في أرجاء الرجا ولم تقع عليه شمس‬
‫الحذر جاءت ثماره فجة‪ .‬الجاهل ينام على فراش المن‬
‫فيثقل نومه‪ ،‬فتكثر أحلم أمانيه‪ ،‬والعالم يضطجع على‬
‫مهاد الخوف وحارس اليقظة يوقظه‪ ،‬من فهم معنى‬
‫الوجود علم عزة النجاة‪ .‬النفس طائر قد أرسل من‬
‫عبادان التعبد محمل ً كتاب المانة إلى دار الملك والعدو‬
‫قد نصب له صنوف الشراك‪ ،‬يلوح في ضمنها الحب‬
‫المحبوب‪ ،‬فإن تم كيده فهو صيده‪ ،‬وإن خبر الخبر عبر‪،‬‬
‫يا أطيار الفهوم احذري مراعي الهموم فثم عقبان‬

‫‪199‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫التلف‪ ،‬ومن نجا منها بعد المحاربة أفلت مكسور‬
‫الجناح‪ ،‬واعجبا ً لبلبل الفطنة كيف اغتر بفخ الفتنة‪.‬‬
‫للشريف الرضي‪:‬‬
‫ت‬
‫يا قلب كيف علقت‬
‫ولقد عهدتك ُتفل ِ ُ‬
‫الشـراكـا‬
‫في أشراكهم‬
‫وجدا ً‬
‫ت‬
‫ل تشكو َ‬
‫هذا الذي جّر ْ‬
‫ي َ‬
‫ن إل ّ‬
‫علـي َ‬
‫ك يداكـا‬
‫بـعـدهـا‬
‫من حدق بصره إلى طرف الدنيا طرفت عينه‪ .‬من‬
‫أصغى إلى حديث الهوى أورثه الصمم عن النصائح‪.‬‬
‫مل ُ‬
‫ك‬
‫س لي ُ‬
‫خست همة فرعون فاستعظم الحقير "ألي َ‬
‫مصر" يا دني النفس حمارك ينهق من كف شعير يراه‪،‬‬
‫ِ‬
‫الدنيا كلها كجناح بعوضة فما نسبة مصر إليها‪ .‬صبي‬
‫الفهم يشغله لون الصدفة والمتيقظ يرى الدرة‪ .‬يا‬
‫هذا‪ ،‬إذا لحت لك شهوة فقف متدبرا ً عواقبها وقد‬
‫بردت حرارة الهوى فبين النجاة والهلك فواق‪ .‬واعجبا ً‬
‫أنفقت المال المسروق وبقي القطع‪:‬‬
‫أبكي زللي وأشتكـي في سفك دمي‬
‫تقدمت أقدامـي‬
‫آثـامـي‬
‫ما أبصرت إل والبلى ما أسرع ما أصاب‬
‫قلبي الرامي‬
‫قـدامـي‬
‫ضر والله التخليط آدم‪ ،‬ونفعت الحمية يوسف‪ ،‬ملك‬
‫هواه فملك زليخا‪ ،‬أمرضها حبه فأرادت تناول‬
‫مقصودها في زمان الحمية فصاح لسان طبه "معاذ‬
‫د‬
‫الله" فخلطت في بحران المرض "ما جزاء من أرا َ‬
‫بأهل َ‬
‫ن" فلما صح الذهن قالت‪:‬‬
‫س َ‬
‫ك سوءا ً إل ّ أن ي ُ ْ‬
‫ج َ‬
‫ق"‪ .‬لما نظر يوسف في عواقب‬
‫"ال َ‬
‫ص ال َ‬
‫ح ّ‬
‫ن حصح َ‬
‫الذنب ونهاية الصبر فكف الكف اطلع بتعليم التأويل‬
‫على عواقب الرؤيا‪ .‬دخل اليوم موسى وعظى إلى‬
‫مدينة مدين قلبك فوجد فيها رجلين يقتتلن‪ ،‬القلب‬
‫والهوى‪ ،‬فاستغاثه الذي من شيعته وهو القلب على‬
‫الذي من عدوه وهو الهوى‪ ،‬فوكزه موسى فقضى‬
‫عليه‪ ،‬فكان قتل الهوى سببا ً للخروج من قصر مصر‬
‫الغفلة إلى شعب شعيب اليقظة‪ ،‬فالن يناديك لسان‬
‫المعاملة‪ ،‬هل لك في بلوغ عرضك على أن تأجرني‪،‬‬
‫فإن وفيت انقلبت إلى لذاتك مسرورًا‪ ،‬واسترجع لك‬

‫‪200‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫التكليم على طور الجنة‪ ،‬فإن صحبت فرعون الهوى‬
‫غرقت بعبورك يوم اليم‪.‬‬
‫الفصل الخامس والثلثون‬
‫يا هذا‪ ،‬إنما خلقت الدنيا لتجوزها ل لتحوزها‪ ،‬ولتعبرها‬
‫ل لتعمرها‪ ،‬فاقتل هواك المايل إليها‪ ،‬واقبل نصحي ل‬
‫تعول عليها‪.‬‬
‫لورقة بن نوفل‪:‬‬
‫يبقى الله ويؤدي‬
‫لشيء فيما ترى‬
‫المال والولد‬
‫تبقى بشاشتـه‬
‫ت‬
‫لم تغن عن هرمز‬
‫والخلد قد حاول ْ‬
‫عاد فما خلدوا‬
‫يوما ً خزائنه‬
‫ن فيما‬
‫ول سليمان إذ تجري والنس والج ّ‬
‫د‬
‫الرياح له‬
‫بينها تـر ُ‬
‫من كل أوب إليها‬
‫أين الملوك التي‬
‫وافـدٌ يفـد‬
‫كانت نوافلهـا‬
‫ل بدّ من رده يوما ً‬
‫د‬
‫ض هنالك مورو ٌ‬
‫حو ٌ‬
‫كمـا وردوا‬
‫ب‬
‫بل كـذ ٍ‬
‫الدنيا مزرعة النوائب ومشرعة المصائب‪ ،‬ومفرقة‬
‫المجامع ومجرية المدامع‪ .‬كم سلبت أقواما ً أقوى ما‬
‫كانوا‪ ،‬وبانت أحلى ما كانت أحلما ً فبانوا‪ ،‬ففكر في‬
‫أهل القصور والممالك‪ ،‬كيف مزقوا بكف المهالك ثم‬
‫عد بالنظر في حالك‪ ،‬لعله يتجلى القلب الحالك‪ .‬إن‬
‫لذات الدنيا لفوارك‪ ،‬وإن موج بلئها لمتدارك‪ ،‬كم حج‬
‫كعبتها قاصد فقتلته قبل المناسك‪ ،‬كم عل ذروتها‬
‫مغرور فإذا به تحت السنابك‪ ،‬كم غرت غرا ً فما استقر‪،‬‬
‫حتى صيد باشك‪ ،‬خلها واطلب خلة ذات سرور وسرر‬
‫وأرائك‪ ،‬تالله ما طيب العيش إل هنالك‪ .‬أخواني ‪ ،‬ما‬
‫قعودنا وقد سار الركب‪ ،‬ما أرى النية النية‪ ،‬يا‬
‫مسافرين من عزم تزود‪ ،‬يا راحلين بل رواحل وطنوا‬
‫على النقطاع‪ ،‬ليت المحترز نجا فكيف المهمل?‪ ،‬يا‬
‫أقدام الصبر تحملي فقد بقي القليل‪ ،‬تذكري حلوة‬
‫الدعة يهن عليك مر السرى‪ ،‬قد علمت أين المنزل‪،‬‬
‫فاحدلها تسير ‪.‬‬
‫للمهيار‪:‬‬
‫فإن ونت شيئا ً‬
‫ن بالجـرعـاء يا‬
‫تغ ّ‬

‫‪201‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫فزدها البـرقـا‬
‫سـائقـهـا‬
‫م‬
‫ط‬
‫ن عن السيا ِ‬
‫ر تَر السهـا َ‬
‫واغ َ‬
‫بحاج ٍ‬
‫مـرقـا‬
‫في أرجـوزة‬
‫الـ ُ‬
‫ت‬
‫واستقبال الريح‬
‫سرى ما وجد ْ‬
‫تجدْ ُ‬
‫منتسـقـا‬
‫خطمهـا‬
‫الصبا ب ُ‬
‫تعلقا ً من حـبـهـا‬
‫إن لها عند الحـمـى‬
‫وعـلـقـا‬
‫ه‬
‫وأهـلـ ِ‬
‫ب‬
‫وكل ما تـزجـره‬
‫رعى الحمى ر ّ‬
‫الغمام وسقى‬
‫حـداُتـهـا‬
‫حوامل منها همومـا ً‬
‫وانفسا ً لـم تـبـق إل‬
‫ثـ ُ‬
‫مـقـا‬
‫ت‬
‫قـلـ ْ‬
‫ر َ‬
‫وإن دمـين أذرعـا ً‬
‫تحملنـا وإن عـرين‬
‫صـبـا ً‬
‫وأسـوقـا‬
‫قـ َ‬
‫دام عليها اللي ُ‬
‫ت‬
‫ل حتى تحسب فجَر ذا ِ‬
‫ق شفقـا‬
‫أصبـحـت‬
‫عر ٍ‬
‫ما شئت للبان الجوى‬
‫ج على الوادي‬
‫عّر ْ‬
‫حَرقـا‬
‫فقل عن كبدي‬
‫وال ُ‬
‫الجنة ترضى منك بالزهد‪ ،‬والنار تندفع عنك بترك‬
‫الذنب‪ ،‬والمحبة ل تقع إل بالروح‪.‬‬
‫قال ل أقبل الرشا‬
‫ن سلطان حبـه‬
‫إ ّ‬
‫ما سلك الخليل طريقا ً أطيب من الفلة التي دخلها‪،‬‬
‫لما خرج من كفه المنجنيق‪ ،‬زيارة تسعى‪ ،‬فيها أقدام‬
‫الرضا على أرض الشوق‪ ،‬شابهت ليلة "فزجني في‬
‫النور‪ ،‬وقال ها أنت وربك"‪.‬‬
‫فرش للفل بيننا‬
‫زرناك شوقا ً ولو أن‬
‫جمرا ً لزرنـاك‬
‫النوى بسطت‬
‫رآه جبريل وقد ودع بلد العادة‪ ،‬فظن ضعف أقدام‬
‫المتوكل فعرض عليه زاد "ألك حاجة" فرده بأنفة "أما‬
‫إليك فل" قال فسل مولك‪ ،‬قال‪ :‬علمه بحالي يغنيني‬
‫عن سؤالي‪.‬‬
‫وصار قلبي لـهـم‬
‫تملكوا واحتكـمـوا‬
‫فل يقال ظلـمـوا‬
‫تصرفوا في ملكهـم‬
‫أو قطعوا لهم هـم‬
‫إن وصلوا محبـهـم‬
‫وحدثيني عـنـهـم‬
‫يا أرض سلع أخبري‬
‫وتشتكيهـم زمـزم‬
‫تبكيهم أرضى منـى‬

‫‪202‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫يا ليت شعري إذ غوا أأنجدوا أم اتهـمـوا‬
‫ما ضرهم حين سروا لو وقفوا فسّلـمـوا‬
‫أبدان المحبين عندكم وقلوبهم عند الحبيب‪ ،‬طرق‬
‫طارق باب أبي يزيد فقال‪ :‬ها هنا أبو يزيد? فصاح من‬
‫داخل الدار‪ :‬أبو يزيد يطلب أبا يزيد فما يجده‪.‬‬
‫للمهيار‪:‬‬
‫بالحمى واقرأ على‬
‫ء الحمى‬
‫وبجرعا ِ‬
‫قلبي السلما‬
‫قلبـي فـعـج‬
‫جـ ْ‬
‫أن قلبا ً سار عن‬
‫ث‬
‫ل وتـحـدّ ْ‬
‫وتر ّ‬
‫ً‬
‫جسم ٍ أقـامـا‬
‫جـبـا‬
‫عـ َ‬
‫ش بالغضا‬
‫قل لجيران الغضـا آ ٍ‬
‫ه طيب عي ٍ‬
‫لو كان داما‬
‫عـلـى‬
‫ل شيحا ً‬
‫ل أن تحم َ‬
‫قب َ‬
‫ح الصبـا‬
‫حملوا ري َ‬
‫نـشـر ُ‬
‫وتـمـامـا‬
‫م‬
‫كـ ُ‬
‫إن أذنتم لعيونـي أن‬
‫وابعثوا لي بالكرى‬
‫تـنـامـا‬
‫طـيفـكـم‬
‫بلغت بالقوم المحبة إلى استحلء البلى‪ ،‬فوجدوا في‬
‫التعذيب عذوبة لعلمهم أنه مراد الحبيب‪.‬‬
‫وكل ما يفعل‬
‫إرضاء أسخط أو‬
‫المحبوب محبوب‬
‫أرضي تلونه‬
‫ضنى سويد بن مثعبة‪ ،‬على فراشه‪ ،‬فكان يقول‪ :‬والله‬
‫ما أحب أن الله نقصني منه قلمة ظفر‪.‬‬
‫و من‬
‫تعجبوا من تمني‬
‫وما دروا أنه خل ٌ‬
‫اللـم‬
‫القلب مؤلمه‬
‫أمر الحجاج بصلب ما هان العابد‪ ،‬فرفع على خشبة‬
‫وهو يسبح ويهلل ويعقد بيده حتى بلغ تسعا ً وعشرين‬
‫فبقي شهرا ً بعد موته‪ ،‬ويده على ذلك العقد مضمومة‪.‬‬
‫لتحشرن عظامي بعد يوم الحساب وفيها‬
‫حبكم علق‬
‫ما بليت‬
‫مروا على مجذوم قد مزقه الجذام‪ ،‬فقالوا له‪ :‬لو‬
‫تداويت‪ ،‬فقال‪ :‬لو قطعني إربا ً إربا ً ما ازددت له إل‬
‫حبًا‪.‬‬
‫ن‬
‫إن كان جيرا ُ‬
‫رضوا بقتلي فـرضـا‬
‫الغضـى‬
‫يهوى الحبيب مبغضـا‬
‫والله ل كـنـت لـمـا‬

‫‪203‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬
‫صرت لهم عبـدا ً ومـا‬
‫هم قّلبوا قـلـبـي‬
‫مـن‬
‫يا لـيت أيام‬
‫الـحـمـى‬

‫مكتبة‬

‫للعبـد أن يعـتـرضـا‬
‫الشوق على جمر‬
‫الغضا‬
‫يعود منها ما مـضـى‬

‫إل الطبيب‬
‫من لـمـريض ل يرى‬
‫الممـرضـا‬
‫كان الشبلي يقول‪ :‬أحبك الناس لنعمائك وأنا أحبك‬
‫لبلئك‪.‬‬
‫ردّ عليه القـاتـ ُ‬
‫ل‬
‫من لقتيل الحب لـو‬
‫يجرحه الّنب ُ‬
‫أن يعود النـابـل‬
‫ل ويهوى‬
‫قلبهم الزهد في قفر الفقر على أكف الصبر فقلع‬
‫أوداج أغراضهم بسكين المسكنة‪ ،‬والبلء ينادي‬
‫أتصبرون? والعزم يجيب‪ :‬ل ضير‪ ،‬سقاهم رحيق القرب‬
‫فأورثهم حريق الحب فغابوا بالسكر عن روية النفس‬
‫فعربدوا على رسم الجسم وهاموا في فلوات الوجد‬
‫يستأنسون بالحمام والوحش‪.‬‬
‫إلى سواكم ول‬
‫يا منية القلب ما‬
‫حبلي بمـنـقـاد‬
‫جيدي بمنعطـف‬
‫ول سألت حمام‬
‫لول المحبة ما‬
‫الدوح إسـعـادي‬
‫استعملـت بـارقة‬
‫بالدمع حتى رثى لي‬
‫ول وقفت على‬
‫ساكن الوادي‬
‫الـوادي أسـائلـه‬
‫الفصل السادس والثلثون‬
‫أيها المغتر كم خدعت‪ ،‬ما واصل وصلها محب إل‬
‫قطعت‪ ،‬ول ناولت نوال ً إل ارتجفت‪ ،‬اختبأت مريرها‬
‫فلما اعتقلت أسيرها جرعت‪ ،‬متى رأيتها قد توطنت‬
‫فاعلم أنها قد أزمعت‪.‬‬
‫يا محب الدنيا الغرور راكبا ً في طلبهـا‬
‫الخـطـارا‬
‫اغـتـرارا‬
‫يبتغي وصلها فـتـأبـى وترى أنسه فـتـبـدي‬
‫نـفـارا‬
‫عـلـيه‬
‫جارةٌ لم تزل تسـيء‬
‫ب من يبتغي‬
‫خا َ‬
‫الـجـوارا‬
‫الوصال لـديهـا‬
‫ب أرته أنـسـا ً‬
‫حاول الزور صـيرتـه‬
‫كم مح ّ‬

‫‪204‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫ازورارا‬
‫فـلـمـا‬
‫إن حلت مـرة أمـرت‬
‫شيب حلو اللذات‬
‫مـرارا‬
‫منـهـا بـمـر‬
‫واكتساب الحرام‬
‫في اكتساب الحلل‬
‫يصلي الـنـارا‬
‫منها حسـاب‬
‫ولباغي الوطار منـهـا سوف يقضي وما‬
‫قضى الوطارا‬
‫عـنـاءٌ‬
‫وأرباحـهـا تـعـود‬
‫كل لذاتها مـنـغـصة‬
‫خـسـارا‬
‫الـعـيش‬
‫وليالي السرور‬
‫وليالي الهـمـوم‬
‫تمضي قصـارا‬
‫فـيهـا طـوال‬
‫بنزر أفـنـت بـه‬
‫وكفى أنهـا تـظـن‬
‫العـمـارا‬
‫وإن جـادت‬
‫صيرت بعدها المنـايا‬
‫وإذا ما سقت خمـور‬
‫خـمـارا‬
‫المـانـي‬
‫بعد عز فما أطاق‬
‫كم ملـيك مـسـلـط‬
‫انـتـصـارا‬
‫ذلـلـتـه‬
‫ومغان قد غادرتـهـا‬
‫ونعيم قد أعـقـبـتـه‬
‫قـفـارا‬
‫بـبـوس‬
‫عن قليل تسترجع‬
‫أيها المستعير منـهـا‬
‫مـتـاعـا ً‬
‫المسـتـعـارا‬
‫يفنى ويبقى إثما ً‬
‫عد عن وصل مـن‬
‫ويكسـب عـارا‬
‫يعـيرك مـا‬
‫هر وما قدراتك فيك‬
‫قد أرتك المثال في‬
‫اعتـبـارا‬
‫سالـف الـد‬
‫عذار فيمـا جـنـاه‬
‫وجدير بـالـعـذر مـن‬
‫والنـذارا‬
‫قـدم ال‬
‫والتمس غـير هـذه‬
‫فتعوض منهـا بـخـلة‬
‫الـدار دارا‬
‫صـدق‬
‫والبدار البدار بالعـمـل لح ما دمت تستطـيع‬
‫الـبـدارا‬
‫الـصـا‬
‫إلى متى في طلبها?‪ ،‬إلى كم الغترار بها?‪ ،‬تدور‬
‫البلد منشدا ً ضالة المنى‪ ،‬وتلك ضالة ل توجد أبدًا‪،‬‬
‫فسيقتلك الحرص غريبا ً ولكن ل في فيافي "فيا‬
‫طوبى للغرباء"‪.‬‬

‫‪205‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫من الرض ل مال‬
‫أظن هواها تاركي‬
‫لدي ول أهل‬
‫بـمـضـلة‬
‫ول وارث إل المطية‬
‫ول أحد أفضى إلـيه‬
‫والرحـل‬
‫وصـيتـي‬
‫أيها المتعب نفسه في جمع المال‪ ،‬عقاب الوارث على‬
‫مرقب النتظار‪ ،‬أفهمت أم أشرح لك?‪ ،‬العقاب ل‬
‫تعاني الصيد وإنما تكون على موضع عال‪ ،‬فأي طائر‬
‫صاد صيدا ً انقضت عليه فإذا رآها هرب وترك الصيد‪،‬‬
‫ومالك تجمع مالك? ومالك منه إل ما تخلف‪ ،‬والزمان‬
‫يشتك للذهاب وأنت للذهاب تؤلف‪ ،‬المال إذا وصل‬
‫إلى الكرام عابر سبيل وإكرام عابر السبيل تجهيزه‬
‫للرحيل‪ ،‬جسم البخيل كله يعرق إل اليد كفه مكفوفة‬
‫ما ينفق منها خرزة‪.‬‬
‫جمادى وما ضمت‬
‫تحلى بأسماء‬
‫عليه المحرم‬
‫الشهور فـكـفـه‬
‫يا فرعوني الكبر تفرح بمال سيسلب منك‪ ،‬فتستعير‬
‫كلمة "أليس لي" يا نمروذي الجهل‪ ،‬تشد أطناب الحيل‬
‫على الدنيا في أرجل نسور المل ثم ترمي نشاب‬
‫الغراض‪ ،‬إن وقف لك غرض فتستغيث الكوان من‬
‫يدك "وإن كان مكرهم" من فهم علم التوحيد‪ ،‬تجرد‬
‫للواحد بقطع العلئق‪ ،‬أما ترى كلمتي الشهادة مجردة‬
‫عن نقط‪ .‬إذا أعرضت عن الدنيا أقبلت إليك الخرة‪،‬‬
‫من ترك شيئا ً لله عوضه الله خيرا ً منه‪ ،‬عقر سليمان‬
‫ح"‪ ،‬لما عقدت الخنصر على‬
‫الخيل " فس ّ‬
‫ه الري َ‬
‫خرنا ل ُ‬
‫التوحيد ميزت على باقي الصابع بالخاتم‪.‬‬
‫يا أطفال التوبة ما أنكر حنينكم إلى الرضاع‪ ،‬ولكن‬
‫ذوقوا مطاعم الرجال وقد نسيتم شرب اللبن‪ ،‬إذا‬
‫تحصن الهوى بقلعة الطبع فانصبوا مجانيق العزائم‬
‫وقد انهدم السور‪ ،‬أنتم تخرجون لقتل سبع ما أذاكم‪.‬‬
‫ليقال عن أحدكم ما أجلده‪ ،‬فكيف تتركون سبع الهوى‬
‫وقد أغار على سرح القلوب? إنما تتحف الملوك‬
‫بالباكورة‪ .‬فافهموا يا صبيان التوبة إذا أهديتم‬
‫فالرطب ل الحشف‪ .‬يا أطيار الشباب‪ ،‬إما عبادان‬
‫التعبد وإل استفراخ العلم وإل فالذبح‪ ،‬تريدون نيل‬
‫الشهوات وحصول المراتب‪ ،‬والجمع بين الضداد ل‬
‫يمكن‪.‬‬

‫‪206‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫وذا وذا يا مي ل‬
‫هواك نجد وهواي‬
‫يلتام‪.‬‬
‫الشام‬
‫ما زلت أعالج مسمار الهوى‪ .‬في قلب العاصي‪ ،‬أميل‬
‫به تارة إلى جانب التخويف‪ ،‬وتارة إلى ناحية التشويق‪،‬‬
‫فلما ضعف الماسك بإزعاجي له‪ ،‬اتسع عليه المجال‬
‫فجذبته‪ ،‬أنفت لصبي اللعب من بيع جوهر العمر‬
‫النفيس بصدف الهوى‪ ،‬فشددت عليه في الحجر ليعلم‬
‫ه بالغيب"‪.‬‬
‫م أَ ُ‬
‫خن ْ ُ‬
‫بعد البلوغ "أّني ل ْ‬
‫الفصل السابع والثلثون‬
‫أخواني! جدوا فقد سبقتكم‪ ،‬واستعدوا فقد لحقتم‪،‬‬
‫وانظروا بماذا من الهوى علقتم?‪ ،‬ول تغفلوا عما له‬
‫خلقتم‪ ،‬ذهبت اليام وما أطعتم‪ ،‬وكتبت الثام وما‬
‫أصغيتم‪ ،‬وكأنكم بالصادقين قد وصلوا وانقطعتم‪ ،‬أهذا‬
‫التوبيخ لغيركم أو ما قد سمعتم? لصردر‪:‬‬
‫هيهات والزمان‬
‫ما ضاع من أيامنا‬
‫كيف تـقـوم‬
‫م‬
‫هـل ُيغـر ُ‬
‫م‬
‫ح يبـاع‬
‫وأخوه ليس ُيسا ُ‬
‫يو ٌ‬
‫م بأروا ٍ‬
‫م‬
‫ويشـتـرى‬
‫فـيه درهـ ُ‬
‫أهوى ول يأسي‬
‫لي وقفة في الدار‬
‫م‬
‫ل رجعت بما‬
‫عليهـا ُيقـ ِ‬
‫د ُ‬
‫م أحجار الـديار‬
‫ص ّ‬
‫وكفاك أني للنـوائب ول ُ‬
‫أكـلـم‬
‫ب‬
‫عـاتـ ٌ‬
‫مستخبٌر عنهن من ل‬
‫ومن البلدة في‬
‫يفـهـم‬
‫الصبابة أننـي‬
‫عبثا ً فما بال‬
‫وإذا البليغ شـكـا‬
‫م‬
‫إلـيه بـثـه‬
‫ز ُ‬
‫المـطـايا ُتـر ِ‬
‫ح‬
‫كل كنى عن شوقه‬
‫ولربما أبكى الفصي َ‬
‫م‬
‫بلـغـاتـه‬
‫العجـ ُ‬
‫الغصان سكر‪،‬‬
‫نرجو سلوكا ً في‬
‫م‬
‫رسوم ٍ بينـهـا‬
‫والحمام متـي ُ‬
‫ورق تذكر إل َ‬
‫فها‬
‫هذي تميل إذا‬
‫وال ُ‬
‫م‬
‫تنسمت الصـبـا‬
‫فـتـَرّنـ ُ‬
‫ن فاتن وعلى قلب حي مات‪ ،‬كيف الطمع‬
‫آ ٍ‬
‫ه على زما ٍ‬
‫فيما مضى? هيهات‪ ،‬ردا ً على ليالي التي سلفت أين‬

‫‪207‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫الزمان الذي بان? أتراه بان‪ ،‬أين القلب الصافي? كان‬
‫وكان‪.‬‬
‫إذ ل أرى زمنا ً‬
‫سقيا ً لمنزلة الحمى‬
‫كأزماني بها‬
‫وكثيبهـا‬
‫هيهات قد خلفت‬
‫ما أعرف اللذات إل‬
‫ذاكـرا ً‬
‫أوقاتي بها‬
‫يا من كان له قلب فانقلب‪ ،‬قيام السحر يستوحش لك‪،‬‬
‫صيام النهار يسأل عنك‪ ،‬ليالي الوصال تعاتبك‪.‬‬
‫والنوى معزولة‬
‫أين أيامك والـدهـر‬
‫والقرب وال‬
‫ربـيع‬
‫يا من كان قريبا ً فطرد‪ ،‬يا من كان مشاهدا ً فحجب‪ ،‬يا‬
‫عزيزي ما ألفت الشقاء‪ ،‬فكيف تصبر? أصعب الفقر ما‬
‫كان بعد الغنى‪ .‬وأوحش الذل ما كان بعد العز وأشدهما‬
‫على الكبر‪ .‬يا هذا بت بيت الحزان من قبل البيات‪،‬‬
‫وثب إلى المثيب وثبة ثبات‪ ،‬ول تجاوز الجناب ودر حول‬
‫الدار‪ ،‬واستقبل قبلة التضرع وقل في السحار‪:‬‬
‫قد قلق الحب وطال وأظلم الجو وضاق‬
‫الفـضـا‬
‫الـكـرى‬
‫بصوت أنعامك قـد‬
‫ل يعطش الزرع‬
‫وضـا‬
‫الذي نبـتـه‬
‫ر ّ‬
‫فاستأنف العفو‬
‫إن كان لي ذنب‬
‫وهب ما مضى‬
‫تجـرمـتـه‬
‫حاشى لباني المجد‬
‫ل تبر عـودا ً أنـت‬
‫أن ينقضـا‬
‫ريشـتـه‬
‫أعرض عني الدهر إذ‬
‫كيف ل أبكي‬
‫عرضا‬
‫لعـراض مـن‬
‫فاليوم ل أطلب إل‬
‫قد كنت أرجوه لنيل‬
‫الـرضـا‬
‫المـنـى‬
‫يا من فقد قلبه وعدم التحيل في طلبه‪ ،‬تنفس من‬
‫كرب الوجد فبريد اللطف يحمل الملطفات‪ ،‬ريح‬
‫السحار ركابي الرسائل‪ ،‬ونسيم الفجر ترجمان‬
‫الجواب‪.‬‬
‫للمهيار‪:‬‬
‫على الحشاء‬
‫فيا ريح الصبا‬
‫واحتكمي‬
‫اقترحي‬

‫‪208‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫ت‬
‫أراك نسم ِ‬
‫تختبـرين‬
‫فهذي في يدي‬
‫وذا في وجنتي دمـي‬
‫كـبـدي‬
‫م كلـمـا ُ‬
‫ليالينـا بـذي سـَلـم‬
‫ت‬
‫ذكـر ْ‬
‫سل ٌ‬
‫أخواني‪ ،‬صعداء النفاس واصل ل يمنع‪ ،‬لسان الدمع‬
‫أفصح من لسان الشكوى‪ ،‬شجو التائب يطرب سمع‬
‫الرضا‪ ،‬حزن النادم يسر قلب التعبد‪ ،‬قلق المسكين‬
‫محبوب الرحمة‪ ،‬آسى من أسا فرح العفو‪ ،‬بكاء‬
‫المفرط يضحك سن القبول‪ ،‬دمع المحزون مخزون‬
‫لخزانة الخاص‪ ،‬ريح نفس آسف أطيب من ند ند‪ ،‬قطرة‬
‫من الدمع على الخد أنفع من ألف مطرة على الرض‪:‬‬
‫فآتاني التوقيع‬
‫ضمنت حالي للقصة‬
‫يشرح حالـه‬
‫ورفعتها‬
‫العشاق لم ينهي لي‬
‫فأتيت ديوان الهوى‬
‫إيصاله‬
‫فلكثـرة‬
‫شخص تبقى للعيون‬
‫حتى إذا أوصلتها‬
‫خيالـه‬
‫نظروا إلى‬
‫من حين هجركم‬
‫قلت ارحموا هذا‬
‫تمزق حاله‬
‫الفقير فإنه‬
‫ولك? يا أرض التيه متى آخرك? يا‬
‫يا دائرة الشقاء أين أ ّ‬
‫أيوب البلء إلى كم على الكناسة? متى ينسخ الزمن?‬
‫زمن "اركض"‪:‬‬
‫ت إلى ألف‬
‫سمعت حمامة هتفت وقد حن ّ ْ‬
‫بعـيد‬
‫بليل‬
‫فما زلنا نقول لها‬
‫فأزعجت القلوب‬
‫أعيدي‬
‫وأقلقتها‬
‫ش ولكن ل سبيل إلى‬
‫أرى ماءً وبي عط ٌ‬
‫الورود‬
‫شديد‬
‫تعلق بالليل فهو شفيع مشفع‪ ،‬تمسك بالبكاء فهو‬
‫رفيق صالح‪ ،‬ادخل في زمرة المتهجدين على وجه‬
‫التطفل في فلوات الخلوات بلسان التذلل‪:‬‬
‫دمعي مبذول وحزن‬
‫يا راحم عبرة‬
‫قلبي مخزون‬
‫المسيء المحـزون‬
‫من تهجره أنت ترى‬
‫شوقي يسعى إليك‬
‫ما عهدي وما ذممـي‬

‫‪209‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫كيف يكـون‬
‫والصبر حرون‬
‫أبواب الملوك ل تطرق باليدي ول بالحجارة بل بنفس‬
‫محتاج‪ :‬للمهيار‪:‬‬
‫ل بالسفح لو‬
‫آه والشوق ما‬
‫لليا ٍ‬
‫ن أخـرى‬
‫تأوهت مـنـه‬
‫ُ‬
‫عدْ َ‬
‫فيه قلبي إن لم‬
‫قّلبوا ذلك الرماد‬
‫تصيبوا الجمرا‬
‫ُتـصـيبـوا‬
‫يا هذا‪ ،‬إذا رأيت نفسك متخيلة ل مع المحبين ول مع‬
‫التائبين فابسط رماد السف واجلس مع رفيق اللهف‬
‫وابعث رسالة القلق مع بريد الصعداء لعله يأتي‬
‫بالجواب بكشف الجوى‪:‬‬
‫ن لشوق لييلتي التـي‬
‫ولي زفرات لو ظهر َ‬
‫قـد تـولـت‬
‫قتـلـتـنـي‬
‫فمن لي بأخرى مثل‬
‫إذا قلت هذي زفرة‬
‫تيك أظلـمـت‬
‫اليوم قد مضـت‬
‫حلفت لهـم بـالـلـه مـا إذا ذكـرتـه آخـر‬
‫الـلـيل أنـت‬
‫أم واحـد‬
‫صروف النوى من‬
‫وما وجدا عرابية قـد‪.‬‬
‫حيث لم تك ظنت‬
‫فـت بـهـا‬
‫تمنت أحـالـيب الـرعـاء بنجد فلم يقدر لهـا مـا‬
‫تـمـنـت‬
‫وخـيمة‬
‫إذا ذكرت ماء الـعـذيب وبرد حصاه آخر الـلـيل‬
‫حـنـت‬
‫وطـيبـه‬
‫سحيرا ً فلو ل انتـاهـا‬
‫لهـا أنة وقـت‬
‫لـجـنـت‬
‫الـعـشــاء وأنة‬
‫بأكثر منـي لـوعة غـير أجمجم أحشائي على‬
‫مـا أجـنـت‬
‫أنـنـي‬
‫نيران الخوف في قلوب التائبين ما تخبو‪ ،‬وقلق‬
‫المذنبين مما جنوا ل يسكن‪ ،‬وضجيج المحبين في‬
‫جيوش الشوق ما يفتر‪:‬‬
‫أبكي مرضي وليس‬
‫واها ً لزماننا الذي‬
‫لي منه شفا‬
‫كـان صـفـا‬
‫ذابت روحي وما أرى هذا رمقي تسلـمـوه‬
‫بـوفـا‬
‫غير جفا‬
‫الفصل الثامن والثلثون‬

‫‪210‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫أل يعتبر المقيم منكم بمن رحل? أل يندم من يعلم‬
‫عواقب الكسل? آه لغافل كلما جد الموت هزل‪،‬‬
‫ولعاقل كلما صعد العمر نزل‪.‬‬
‫ف على ما في‬
‫أعد على فكرك‬
‫وق ْ‬
‫القبور من رمم‬
‫أسـلف المـم‬
‫وناديهم أين الـقـوي القاهر أم أين‬
‫الضعيف المهتضم‬
‫مـنـكـم‬
‫ثم تساوت تـحـتـه‬
‫تفاصلت أوصالهم‬
‫كـ ّ‬
‫ل قـدم‬
‫فوق الـثـرى‬
‫ما نفع البخل ول‬
‫قبُر البـخـيل‬
‫ضر الـكـرم‬
‫د‬
‫والـكـريم واحـ ٌ‬
‫هجوم ما ل يتـقـي‬
‫واعجـبـا ً لـغـافـل‬
‫إذا هـجـم‬
‫أمـامـه‬
‫أو الشباب لم يفته‬
‫إذا تخطاه على عهد‬
‫فـي الـهـرم‬
‫الـصـبـي‬
‫وهو المشيب‬
‫أما كفى النسان‬
‫المستطير في اللمم‬
‫ت بعـضـه‬
‫مو ُ‬
‫ما افترقا وأي حبل‬
‫أي خـلـيلـين أقـامـا‬
‫أبــدا ً‬
‫ما انـصـرم‬
‫تضحك من مبتسم‬
‫إن الـنـجـوم‬
‫الـدائرات أبـدا ً‬
‫إذا ابـتـسـم‬
‫أخواني‪ ،‬بادروا آجالكم‪ ،‬وحاذروا آمالكم‪ ،‬آمالكم عبرة‬
‫فيمن مضى? آمالكم‪ ،‬ما هذا الغرور الذي قد أمالكم?‬
‫ستتركون على رغم آمالكم مالكم‪.‬‬
‫أخواني‪ ،‬صدقتم المل فكذبكم‪ ،‬وأطعتم الهوى‬
‫فعذبكم‪ ،‬أما أنذركم السقم بعد الصحة‪ ،‬والترحة بعد‬
‫الفرحة‪ ،‬في كل يوم يموت من أشباحكم ما يكفي في‬
‫نعي أرواحكم‪ ،‬ويحل بعقوقكم وفنائكم ما يخبركم عن‬
‫شتاتكم وفنائكم‪ ،‬فخذوا حذركم قبل النوائب‪ ،‬فقد‬
‫أتيتم من كل جانب‪ ،‬وتذكروا سهر أهل النار في النار‪،‬‬
‫واحذروا فوت دار البرار‪ ،‬وتخوفوا يوم الفصل بين‬
‫الفريقين أن يصيبكم من البين البين‪.‬‬
‫أخواني‪ ،‬أبصاركم قوية وبصائركم ضعيفة‪ ،‬ومن ترائى‬
‫هواه توارى عنه عقله‪ ،‬سحبان من ظهر لخلقه بخلقه‪،‬‬
‫غير أن عالم الحس ل يرونه‪ ،‬أما قلبك من نطفة إلى‬

‫‪211‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫علقة وأنت كالجماد‪ ،‬كلما نفخ فيك الروح بعث الزاد‬
‫بساق إليك من دم الم فتتناوله باجتذاب السرة‪ ،‬إذ لو‬
‫طرق الحلقوم تلفت‪ ،‬فلما خرجت إلى فلة الدنيا رأيت‬
‫أدواتي الثديين معلقتين لشربك‪ ،‬وكانت عمور السنان‬
‫تكفي في اجتذاب المشروب‪ ،‬فكلما اعتصرته خرج‬
‫مغربل ً لئل يقع شرق‪ ،‬فلما قويت المعا وافتقرت إلى‬
‫غذاء فيه صلبة أنبت السنان لتقطع والضراس‬
‫لتطحن ومن العجائب‪ ،‬أنه أخرجت غبيا ً ل تعلم شيئًا‪،‬‬
‫فلو أخرجك عاقل ً لرأيت من أطم المصائب تقلبك في‬
‫ذ متقاضيا ً‬
‫الخرق والمصائب‪ ،‬ثم جعل بكاءك حينئ ٍ‬
‫بالمصالح وبث القوى في باطنك فقوة تطلب الغذاء‬
‫وثانية تجتذبه إلى الكبد وثالثة تمسكه لها حتى تطبخه‬
‫فيصير دمًا‪ ،‬ورابعة تهضمه‪ ،‬وخامسة تفرق بين صفوه‬
‫وكدره وسادسة تتولى قسمته‪ ،‬فلو بعثت إلى الخد‪ ،‬ما‬
‫تبعث إلى الكخذ صار بمقداره‪ ،‬وسابعة تدفع ثقله‪.‬‬
‫أفيحسن بعد تفرقة الجامكية على العسكر‪ ،‬أن يثبوا‬
‫في المخالفة للمنعم? ثم انظر إلى هذا الهواء الذي قد‬
‫ملئ به الفضاء كيف تنتصب منه النفس إلى النفس?‬
‫ثم هو للصوات من حيث المعنى كالقرطاس‪ ،‬يرقم‬
‫فيه الحوائج ثم يمتحي فيعود نقيًا‪ ،‬فأقوام يرقمون‬
‫فيه الذكر والتسبيح‪ ،‬وآخرون يرقمون كل قبيح‪ ،‬وكم‬
‫بين من يرقم تلوة القرآن‪ ،‬وبين من يرقم أصوات‬
‫العيدان? ثم تأمل آلت الصوات‪ ،‬ترى الرئة كالرق‪،‬‬
‫والحنجرة كالنبوب‪ ،‬فإذا ظهر الصفر أخذ اللسان‬
‫والشفتان في صناعته ألحانًا‪ ،‬فهو كالصابع المختلفة‬
‫على فم المزمار‪.‬‬
‫ً‬
‫ثم تأمل الرض‪ ،‬كيف مدها بساطا وأمسكها عن‬
‫الضطراب لتصح للسكنى‪ ،‬ثم يزلزلها في وقت‬
‫ليفطن الساكن بقدرة المزعج‪ ،‬وجعل فيها نوع رخاوة‬
‫ليقبل الحفر والزرع‪ ،‬ورفع جانب السماء لينحدر الماء‪،‬‬
‫وفرق المياه بين الجزائر ليرطب الهواء‪ ،‬وأودع‬
‫المعادن كما تودع الحاجات في الخزائن‪ ،‬ولما بث‬
‫الطير صان عنها السنبل‪ ،‬لنه قوتك بقشور صلبة‬
‫قايمات كالبر لئل تستفه فتموت بشماء‪ ،‬فيفوت‬
‫الحظان‪ ،‬ثم تأمل الرماية كيف حشيت بالشحم بين‬
‫الحب‪ ،‬ليكون غذاءا ً لها إلى وقت عود المثل‪ ،‬ثم جعل‬

‫‪212‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫كل حشوتين لفافة لئل يتصاك فيجري الماء‪ ،‬ثم جاء‬
‫بالشمس سراجا ً ومنضجا ً للثمر تجري لتعمر الماكن ثم‬
‫تغيب ليسكن الحيوان‪ ،‬ولما كانت الحوائج قد تعرض‬
‫بالليل جعل في القمر خلفا ً ولم يجعل طلوعه في‬
‫الليل دائمًا‪ ،‬لئل تنبسط الناس في أعمالهم‬
‫كانبساطهم بالنهار‪ ،‬فيؤذي الحريص كلله‪ ،‬ولما قدر‬
‫غيبة القمر في بعض الليل جعل أنوار الكواكب كشعل‬
‫النار في أيدي المقتبسين‪ ،‬ولما كانت حاجة الخلق إلى‬
‫النار ضرورية أنشأها وجعلها كالمخزون‪ ،‬تستنهض‬
‫وقت الحاجة فتمسك بالمادة‪ ،‬قدر مراد الممسك‪ ،‬ثم‬
‫انظر إلى الطائر‪ ،‬لما كان يختلس قوته خوف‬
‫اصطياده‪ ،‬صلب منقاره لئل ينسحج من اللتقاط لن‬
‫زامن النتهاب ل يحتمل المضغ‪ ،‬وجعل له حوصلة يجمع‬
‫فيها الحب ثم ينقله إلى القانصة في زمان المن‪ ،‬فإن‬
‫كانت له أفراخ أسهمهم من الحاصل في الحوصلة قبل‬
‫النقل‪ ،‬فإن لم يكن له حنة على أفراخه أغنوا عنه‬
‫باستقللهم من حين انشقاق البيضة كالفراريج‪.‬‬
‫واعجبا ً كيف ُيعصى من هذه نعمه‪ ،‬وكيف ل تموت‬
‫النفس حبا ً لمن هذه حكمه‪ ،‬إن دنت همتك فخف من‬
‫عقوبته‪ ،‬وإن علت قليل ً فارغب في معاملته‪ ،‬وإن‬
‫تناهت فتعلق بمحبته‪ ،‬على قدر أهل العزم تأتي‬
‫العزائم‪ ،‬إن قصرت همتك فآثرت قطع الشوك صحبك‬
‫حمار‪ ،‬وإن رضيت سياسة الدواب رفقك بغل‪ ،‬وإن‬
‫سددت بعض الثغور أعطيت فرسًا‪ ،‬فإن كنت تحسن‬
‫السباق كان عربيًا‪ ،‬فإن عزمت على الحج ركبت جم ً‬
‫ل‪،‬‬
‫وإن شمخت همتك إلى الملك فالفيل مركب الملوك‪.‬‬
‫بمستودعات في‬
‫رأيت عليات المور‬
‫بطون الساود‬
‫منـوطة‬
‫ليس كل الخيل للسباق ول كل الطيور تحمل الكتب‪،‬‬
‫من الناس من تشغله في الدنيا سوداء‪ ،‬ومنهم من ل‬
‫يلهيه في الجنة قصر‪ ،‬ول يسليه عن حبيبه نهر‪ ،‬قوته‬
‫في الدنيا الذكر وفي الخرة النظر‪.‬‬
‫وواصل أخرى غيرها‬
‫يقول أناس لو‬
‫لسلها‬
‫تناسى وصالهـا‬
‫ول بقيت نفس تحب‬
‫فل نظرت عين تلذ‬
‫سواهـا‬
‫بغـيرهـا‬

‫‪213‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫الفصل التاسع والثلثون‬
‫أيها الغافل في إقامته عن نقلته‪ ،‬الجاهل وقد مل بما‬
‫يملي بطن صحيفته‪ ،‬ألك زاد لسفرك على طول‬
‫مسافته?‬
‫حوت كلما قدمته من‬
‫خف الله وانظر في‬
‫فعالـكـا‬
‫صحيفتك التي‬
‫ولم يبق إل أن يقول‬
‫فقد خط فيها‬
‫فـذالـكـا‬
‫الكاتبان فأكـثـروا‬
‫أتوضع في يمناك أو‬
‫والله ما تدري إذا ما‬
‫في شمالكا‬
‫لـقـيتـهـا‬
‫فما الناس إل هالك‬
‫فل تحسبن المرء‬
‫يبقى مخـلـدا ً‬
‫فابك هالكـا‬
‫يا من تحصى عليه اللفظة والنظرة‪ ،‬مزق بيد الجد‬
‫أثواب الفترة‪ ،‬وتأهب فما تدري السير عشاء أو بكرة‪،‬‬
‫واعتبر بالقرباء فالعبرة تبعث العبرة‪ ،‬وتزود لسفرة ما‬
‫مثلها سفرة‪ ،‬واقنع باليسير فالحساب عسير على‬
‫الذرة‪ ،‬وإياك والحرام وانظر من أين الكسرة? قبل أن‬
‫تلقى ساعة حسرة وتلقى بعدها في ظلمة حفرة‪.‬‬
‫وسرور ول يرعك‬
‫ل يغرنـك الـزمـان‬
‫بـعـسـره‬
‫بـيسـر‬
‫في لحـظة ويذهـب‬
‫إن مر الزمان يمحق‬
‫بـسـره‬
‫عسر المرء‬
‫في نعيم ويوم‬
‫وسواء إذا انقضى‬
‫صاحب كـسـره‬
‫يوم كـسـرى‬
‫أترى في عين العبرة رمد? أما تبصر انسلخ المد? يا‬
‫دائم المعاصي ما غيره البد‪ ،‬تصلي ولو التعود لم تكد‪،‬‬
‫القلب غايب إنما جاء الجسد‪ ،‬الفكر يجول في طلب‬
‫الدنيا من بلد إلى بلد‪ ،‬يا معرضا ً عن بحر برناء ل تقنع‬
‫بالثمد‪ ،‬يا مقتول الهوى ولكن بل قود‪ .‬بين الهوى‬
‫والمنى‪ ،‬ضاع الجلد‪ ،‬أما يجول ذكر الموت في الخلد?‬
‫أرأيت أحدا ً من قبلك خلد? رب يوم معدود وليس في‬
‫العدد‪ ،‬إنما الروح عارية في هذا الجسد‪ ،‬هذا بحر‬
‫الغرور يقذف بالزبد‪ ،‬كم ركبه جاهل فغرق قبل البلد‪،‬‬
‫هذا سهم المنون يفري حلق الزرد‪ ،‬أخواني دنا الصباح‬
‫فقولوا لمن رقد‪ :‬أين الوجوه الصباح? مرت على جدد‪،‬‬

‫‪214‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫أين الظباء الملح? اغتالها السد‪ ،‬هذا هو المصير‪ .‬أما‬
‫يرعوي أحد? قال عمر بن عبد العزيز لبي حازم‪:‬‬
‫عظني‪ ،‬فقال‪ :‬اضطجع‪ .‬ثم اجعل الموت عند رأسك‪،‬‬
‫ثم انظر ما تحب أن يكون فيك تلك الساعة فجد فيه‬
‫الن وما تكره أن يكون فيك فدعه الن‪.‬‬
‫أيها الطالب للدنيا وما يجد‪ ،‬كيف تجد الخرة وما‬
‫تطلب? ما مضى من الدنيا فحلم‪ ،‬وما بقي فأماني‪،‬‬
‫سبعة يظلهم الله في ظله‪ ،‬منهم رجل دعته امرأة ذات‬
‫منصب وجمال‪ ،‬فقال‪ :‬إني أخشى الله‪.‬‬
‫اسمع يا من أجاب عجوزا ً على مزبلة‪ ،‬ويحك إنها‬
‫سوداء‪ ،‬ولكن قد غلبت عليك‪ ،‬عرضت على نبيينا صلى‬
‫الله عليه وسلم بطحاء مكة ذهبا ً فأبى‪ ،‬يا محمد ممن‬
‫تعلمت هذه القناعة? قال لسان حاله‪ :‬من عجلة أبي‪،‬‬
‫الحريص دائم السرى وما يحمد الصباح‪ ،‬من ل همة له‬
‫سوى جمع الحطام معدود في الحشرات‪.‬‬
‫يا أطيار القلوب إلى كم في مزبلة الحبس? اكسري‬
‫بالعزم قفص الحصر‪ ،‬واخرجي إلى فضاء صحراء‬
‫القدس‪ ،‬روحي خماصا ً من الهوى‪ ،‬تعودي بطانا ً من‬
‫الهدى‪ ،‬بين أبي الحركة وأم القصد ينتج ولد الظفر‪ ،‬ل‬
‫ينال الجسيم بالهوينا‪ ،‬حمل النفس على حمل المشاق‬
‫مدرجة إلى الشرف‪ ،‬واعجبا ً من توقف الكالى والدر‬
‫ينثر‪ ،‬أشهود كغياب? أكانون في آب?‪ ،‬الحرب خصام‬
‫قائم وأنت غلم نائم‪ ،‬ادخل بسلمتك لبس لمتك‪،‬‬
‫ليس في سلح المحارب أحدّ من نبلة عوم‪ ،‬أجرأ‬
‫الليوث أجرها للصيود‪.‬‬
‫ليس هما ما عاق‬
‫ليس عزما ً ما مرض‬
‫عنه الظلم‬
‫العزم فيه‬
‫طر بجناح الجد من وكر الكسل‪ ،‬تابعا ً آثار الحباب‬
‫تصل‪.‬‬
‫للشريف الرضي‪:‬‬
‫تل ّ‬
‫جناب ول من‬
‫فت حتى لم يِبـن‬
‫نـارهـن وقـود‬
‫مـن ديارهـم‬
‫َ‬
‫طوال الليالي‬
‫وإن التفات القلب‬
‫نحـوهـم لـيزيد‬
‫من بعد طَْرفـه‬
‫غداةَ جزعنا الرمل‬
‫ولو قال لي‬
‫قلت‪ :‬أعـود‬
‫الغادون‪ :‬ما أنت‬

‫‪215‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫م ْ‬
‫ه‬
‫شت َ ٍ‬
‫ُ‬
‫ت? إننـي‬
‫وأعلم َ‬
‫وعساءُ‬
‫خب ٍ‬
‫أأصبر وال َ‬
‫لـجـلـيد‬
‫بيني وبـينـهـم‬
‫يا مخنث العزم أين أنت والطريق? سبيل نصب فيه‬
‫آدم‪ ،‬وناح لجله نوح‪ ،‬ورمي في النار إبراهيم الخليل‪،‬‬
‫وأضجع للذبح إسماعيل‪ ،‬وبيع يوسف بدراهم‪ ،‬وذهبت‬
‫من البكاء عين يعقوب‪ ،‬ونشر بالمنشار زكريا‪ ،‬وذبح‬
‫الحصور يحيى‪ ،‬وضنى بالبلء أيوب‪ ،‬وزاد على المقدار‬
‫موسى‪ ،‬وهام مع الوحوش عيسى‪ ،‬وعالج الفقر محمد‬
‫صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫قريب ولكن دون‬
‫فيا دارهم بالحزن‬
‫ذلك أهوال‬
‫أن مزارها‬
‫أول قدم في الطريق بذل الروح‪ ،‬هذه الجادة فأين‬
‫السالك? هذا قميص يوسف فأين يعقوب? هذا طور‬
‫سينا فأين موسى? يا جنيد احضر‪ ،‬يا شبلي اسمع‪.‬‬
‫فمن الذي يبتاع‬
‫بدم المحب يباع‬
‫بالسعر‬
‫وصلهم‬
‫??الفصل الربعون‬
‫أخواني‪ ،‬اعتبروا بالذين قطنوا وخزنوا‪ ،‬كيف ظعنوا‬
‫وحزنوا? وانظروا إلى آثارهم تعلموا أنهم قد غبنوا‪،‬‬
‫لحت لهم لذات الدنيا فاغتروا وفتنوا‪ ،‬فما انقشعت‬
‫سحاب المنى حتى ماتوا ودفنوا‪.‬‬
‫وبنوا مساكنهم فما‬
‫جمعوا فما أكلوا‬
‫سكنـوا‬
‫الذي جمعوا‬
‫لما استراحوا ساعة‬
‫فكأنهم كانوا بها‬
‫ظـعـنـا ً‬
‫ظعنوا‬
‫يا من قد امتطى بجهله مطا المطامع‪ ،‬لقد مل الوعظ‪،‬‬
‫في الصباح والمساء المسامع‪ ،‬أين الذين بلغوا آمالهم?‬
‫فما لهم في المنى منازع‪.‬‬
‫ما زال الموت يدور على بدور الدور حتى طوى‬
‫الطوالع‪ ،‬صار الجندل فراشهم بعد أن كان الحرير فيما‬
‫مضى المضاجع‪ ،‬ولقوا والله البل في تلك البلقل‪ ،‬قال‬
‫شداد بن أوس‪ :‬لو أن الميت نشر فأخبر أهل الدنيا‬
‫بألم الموت ما انتفعوا بعيش ول التذوا بنوم‪.‬‬
‫وقال وهب ابن منبه‪ :‬لو أن لم عرق من عروق الميت‬

‫‪216‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫قسم على أهل الرض لوسعهم ألمًا‪.‬‬
‫وكان عمر بن عبد العزيز يجمع الفقهاء كل ليلة‬
‫فيتذاكرون الموت والقيامة ثم يبكون‪ ،‬حتى كأن بين‬
‫أيديهم جنازة‪.‬‬
‫وقال يحيى بن معاذ‪ :‬لو ضربت السماء والرض‬
‫بالسياط التي ضرب بها ابن آدم لنقادت خاشعة‬
‫للموت والحساب والنار‪.‬‬
‫يا هذا الشيب أذان والموت إقامة ولست على طهارة‪،‬‬
‫العمر صلة والشيب تسليم‪ ،‬يا من قد خيم حب الهوى‬
‫في صحراء قلبه أقلع الطناب فقد ضرب بوق الرحيل‪،‬‬
‫أما تسمع صوت السوط في ظهور البل? أما ترى‬
‫عجلة السلب وقصر العمر? شارف الركب بلد القامة‬
‫فاستحث المطى‪ ،‬يا مشاهدة ما تمت بغيتها حتى وقع‬
‫النهب فيها‪ ،‬استلب منك لك قبل أن تستلب الجملة‪،‬‬
‫اليام تسرع في تبذير مجموع صورتك وأنت تسرع في‬
‫تبذير معانيك‪.‬‬
‫يا شباب الجهل‪ ،‬يا كهول التفريط‪ ،‬يا شيوخ الغفلة‪،‬‬
‫اجلسوا معنا ساعة في مأتم السف يا سحائب‬
‫الجفان‪ ،‬امطري على رباع الذنوب‪ ،‬يا ضيف الندم‬
‫على السراف أسكن شغف القلوب‪ ،‬يا أيام الشيب‬
‫إنما أنت بين داع ووادع‪ ،‬فهل لماض من الزمان‬
‫ارتجاع‪.‬‬
‫وقل لنجد عندنـا أن‬
‫قفا ودعا نجدا ً ومن‬
‫تـودعـا‬
‫حل بالحمى‬
‫عليك ولكن خل‬
‫فليس عشيات‬
‫عينيك تدمعـا‬
‫الحمى برواجـع‬
‫وجعت من الصغاء‬
‫تلفت نحو الحمى‬
‫ليتا واخدعا‬
‫حتى وجدتنـي‬
‫واذكر أيام الحمى ثم على كبدي من خشية‬
‫أن تصدعا‬
‫انـثـنـي‬
‫أخواني‪ ،‬سكران الهوى بعيد الفاقة‪ ،‬فلو تذكر إقامة‬
‫الحد طار السكر‪ ،‬من تحسى مرق الهوان احترقت‬
‫شفتاه‪ ،‬من أكل من الظلم تمرة أداها قوصرة‪ .‬ويحك‪،‬‬
‫اغسل العثرة بعبرة‪ ،‬وادفع الحوبة بتوبة ما دام في‬
‫الوقت مهلة وفي زمن السلمة فسحة‪ ،‬قبل أن تموت‬
‫وتفوت وتعلو بعد الخيل على تابوت‪ ،‬قبل أن ترى‬

‫‪217‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫السمع والبصر قد كل‪ ،‬وتقول "رب ارجعون" فيقال‬
‫كل‪ ،‬قبل أن يصير دمع السى من جفن من أسى‪،‬‬
‫ويقال هل كان هذا قبل هذا‪ ،‬هل‪.‬‬
‫وتطلبه إذا بعـد‬
‫أتترك من تحب‬
‫الـمـزار‬
‫وأنـت جـار‬
‫وتبكي من بعد نأيهم وتسأل في المنازل‬
‫اشتـياقـا ً‬
‫أين ساروا‬
‫وترجو أن تخبـرك‬
‫تركت سؤالهم وهم‬
‫الـديار‬
‫حضـور‬
‫ومت كمدا ً فليس لك‬
‫فنفسك لم ول تلم‬
‫اعتـذار‬
‫الـمـطـايا‬
‫يا من أجله يذوب ذوبان الثلج في الحر‪ ،‬أينقشع غيم‬
‫العمر? ل عن هلل الهدى‪ ،‬أتؤثر الفاني المرذول على‬
‫النفيس الباقي?‬
‫عن زرود يا لها‬
‫ارضيا بثـنـيات‬
‫صفقة غبن‬
‫الـلـوى‬
‫ما يخفى علمات الدبار عليك‪ ،‬يفتش دارك فل يرى‬
‫سواك للطهارة‪ ،‬بلى ملعق الكل‪ ،‬ليس في البيت‬
‫مصحف بل تقويم‪ ،‬أينفع وجود التقويم? يا مهتما ً‬
‫بالنظر في الطالع طالع ما قد خبي لك كأنك بالموت‬
‫قد طلع‪ ،‬وما طالع فكرك عاقبة‪ ،‬اسمع حسابي حقا ً‬
‫وما أرجم‪ ،‬ودع لكلماتي هذي قول الهاذي المنجم‪ ،‬إن‬
‫ضم الندم على التفريط إلى العزيمة على النابة‬
‫فساعة سعد‪ ،‬وإن اجتمع في القلب حب الدنيا على‬
‫إيثار الكسل فقران نحس‪.‬‬
‫??الفصل الحادي والربعون‬
‫ما هذا الحب للدنيا والصبابة? وإنما يكفي منها صبابة‪،‬‬
‫فقل للنفس الحريصة‪ ،‬لقد بعت الخرى رخيصة‪.‬‬
‫ألست حدثتني أني‬
‫يا نفس ما الدهر إل‬
‫أتـوب فـلـم‬
‫ما علمت فكم‬
‫وأهلكت أمما ً من‬
‫إياك إياك من سوف‬
‫قبلهـا وأمـم‬
‫فكم خدعـت‬
‫وقدمي من فعال‬
‫توبي يكن لك عند‬
‫الصالحين قـدم‬
‫الله جاه تـقـى‬
‫أل فكن خائفا ً ل‬
‫يا راقد للبلى حث‬

‫‪218‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫تقـعـدن وقـم‬
‫المشـيب بـه‬
‫يا من قد أخذ الهوى بأزمته‪ ،‬وأمسك الردى بلمته‪ ،‬يا‬
‫رهين ديون تعلقت في ذمته‪ ،‬هذا أوان جدك إن كنت‬
‫مجدًا‪ ،‬هذا زمان استعدادك إن كنت مستعدًا‪.‬‬
‫للشريف الرضي‪:‬‬
‫إن كنت يوما ً تأخذين‬
‫يا نفس قد عز‬
‫أو َ‬
‫ذري‬
‫المرادُ فخـذي‬
‫ف ساقي‬
‫ت في‬
‫ص ُ‬
‫ُنهَزةُ مج ٍ‬
‫د كن ُ‬
‫لمثلها َين ُ‬
‫مئزري‬
‫طلبهـا‬
‫ِ‬
‫عمر الفتى شباُبـه‬
‫آون ُ‬
‫ب انقضاءُ‬
‫ة الشي ِ‬
‫مـر‬
‫وإنـمـا‬
‫ال ُ‬
‫ع ُ‬
‫رض مهر النفس يتأت ركوبه‪ ،‬أمت زئبق الطبع يمكن‬
‫استعماله‪ ،‬تلمح فجر الجر يهن ظلم التكليف‪ ،‬احذر‬
‫حية الفم فإنها بتراء‪ ،‬إذا خرجت من شفة غدرك لفظة‬
‫سفه فل تلحقها بمثلها تلقحها‪ ،‬ونسل الخصام‬
‫مذموم‪ ،‬أوثق سبع غضبك بسلسلة حلمك‪ ،‬فإنه إن‬
‫أفلت أتلف‪ ،‬متى قمت بحدة الغضب انطفى مصباح‬
‫الحلم‪ ،‬بحر الهوى إذا مد أغرق‪ ،‬وأخوف المنافذ من‬
‫الغرق فتحة البصر فل يشتغل زمان الزيادة إل بإحكام‬
‫القورح‪.‬‬
‫والمرء ما دام ذا عـين في أعين العين‬
‫موقوف على الخطر‬
‫يقـلـبـهـا‬
‫ل مرحبا ً بسرور عاد‬
‫يسر مقلته ما ضـر‬
‫بـالـضـرر‬
‫مـهـجـتـه‬
‫لو حضرت مع الحباب الباب‪ ،‬لسامح الناقد ببهرجك‪،‬‬
‫رحلت رفقة "تتجافى" ومطرود النوم في حبس‬
‫الرقاد‪ ،‬فما فك عنه السجان قيد الكرى حتى استقر‬
‫بالقوم المنزل‪ ،‬فقام يتلمح الثار بباب الكوفة‬
‫والحباب قد وصلوا إلى الكعبة‪.‬‬
‫لصردر‪:‬‬
‫طلع شرفا ً‬
‫من ي ّ‬
‫هل روح الُرعيان‬
‫ل?‬
‫م لـي‬
‫فيعـلـ َ‬
‫بـالبـ ِ‬
‫ارتفعت قبابهم على‬
‫د‬
‫أم قعقعت َ‬
‫مـ ُ‬
‫عـ َ‬
‫ل?‬
‫الـخـيام أم‬
‫الُبـْز ِ‬
‫منها غراب البين‬
‫أم غّرد الـحـادي‬

‫‪219‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫يستلـمـي?‬
‫ة‬
‫بـقـافـي ٍ‬
‫َ‬
‫من قتل‬
‫ضَلت دموعي عن‬
‫ف َ‬
‫فبكي ُ‬
‫ت َ‬
‫الهوى قبـلـي‬
‫حَزني‬
‫مدى َ‬
‫إل أقول‪ :‬مـتـّيم‬
‫ما مر ذو شـجـن‬
‫مـثـلـي‬
‫يكـّتـمـه‬
‫من أراد من العمال أن يعرف قدره عند السلطان‬
‫فلينظر ماذا يوليه‪ ،‬الزهاد عين العارفين‪ ،‬الرواح في‬
‫الشباح كالطيار في البراج‪ ،‬وليس ما أعد للستفراخ‬
‫كما هي للسباق‪ ،‬من حدق بعين الفكر إلى مطلع‬
‫الهدى لح له الهلل‪ ،‬كم أداوي بصر بصيرتك وما‬
‫يتجلى‪ ،‬ما أظن الضعف إل في الوضع‪ ،‬ضعف عين‬
‫الخفاش في أصل الفطرة ليس برمد‪ ،‬وحدة ناظر‬
‫الهدهد خلقة‪ ،‬مصابيح القلوب الطاهرة في أصل‬
‫د‬
‫الفطرة منيرة‪ ،‬قبل الشرايع "يكاد زيتها يضيء" وح ّ‬
‫قس وما رأى الرسول‪ ،‬وكفر ابن أبي وقد صلى معه‪،‬‬
‫مع الضب ري يكفيه‪ ،‬ول ماء‪ ،‬وكم من عطشان في‬
‫الموجة‪ ،‬إذا سبق النعام في القدم فذلك غنى البد‪،‬‬
‫لما تقدم اختيار الطين المنهبط صعد على النار‬
‫المرتفعة‪ ،‬وكانت الغلبة لدم في حرب إبليس‪ ،‬فاكتفت‬
‫نار جهنم بما جرى فسلمت يوم "جزيا مؤمن" سبق‬
‫العلم بنبوة موسى وإيمان آسية فسبق تابوته إلى‬
‫بيتها‪ ،‬فجاء طفل منفرد عن أم‪ ،‬إلى امرأة خالية عن‬
‫ولد‪ ،‬قرينان مرتعنا واحد‪.‬‬
‫دخل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى بيت يهودي‬
‫يعوده فقال له أسلم‪ ،‬فنظر المريض إلى أبيه فقال‬
‫له‪ :‬أجب أبا القاسم‪ ،‬فأسلم‪ ،‬فكان ذلك قريبا ً من‬
‫نسب "سلمان منا" فصاحت ألسنة المخالفين‪ :‬ما‬
‫لمحمد ولنا? والقدر يقول‪ :‬مريضنا عندكم "كيف‬
‫انصرافي ولي في داركم شغل"‪.‬‬
‫لما عم نور النبوة آفاق الهدى رآه سلمان دون العم‪،‬‬
‫قويت ظلمات الشرك بمكة فتخبطت قريش في‬
‫الضلل‪ ،‬فلح مصباح الفلح من سجف دار الخيزران‪،‬‬
‫فإذا عمر على الباب ولقد أنارت لبليس شمس البيان‬
‫يوم "أنِبئهم بأسمائهم" غير أن النهار ليل عند‬
‫العشى‪ ،‬رجع الخفاش إلى عشه‪ ،‬فقال‪ :‬أوقدوا‬
‫المصباح فقد جن الليل‪ ،‬فقالوا‪ :‬الن طلعت الشمس‪،‬‬

‫‪220‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫فقال‪ :‬ارحموا من طلوع الشمس عنده ليل‪ ،‬فسبحان‬
‫من أعطى ومنع ول يقال لم صنع? سلم التوفيق‬
‫قريب المراقي‪ ،‬وبئر الخذلن بل قعر‪ ،‬ربما أدرك‬
‫الوقفة أهل مصر وفاتت أهل نخلة‪ ،‬ل بد والله من‬
‫نفوذ القضاء فاجنح للسلم‪.‬‬
‫كم بالمخصب من‬
‫هوى طريح ل يعلـل‬
‫عليل‬
‫مني وجمع ليس‬
‫وقتيل بين بين‬
‫يعقل‬
‫خـيف‬
‫كيف تتقي نبال القدر والقلب بين إصبعين‪.‬‬
‫فليس ينجيك من‬
‫ل تغضبن على قوم‬
‫أحبابك الغضب‬
‫تحـبـهـم‬
‫ول تخاصمهم يوما ً‬
‫إن القضاة إذا ما‬
‫خوصموا غلبوا‬
‫إذا حكـمـوا‬
‫كان إبليس كالبلدة العامرة فوقعت فيها صاعقة الطرد‬
‫فهلك أهلها " فتل َ‬
‫ة"‬
‫وي َ ٌ‬
‫ك بيوت ُ ُ‬
‫ه ْ‬
‫م خا ِ‬
‫من لم يكن للوصال‬
‫فكل إحسانـه ذنـوب‬
‫أهل ً‬
‫أخذ كساء ترهبه فجعل جل ً لكلب أصحاب الكهف‪ ،‬فأخذ‬
‫المسكين في عداوة آدم فكم بالغ واجتهد? وأبى الله‬
‫أن يقع في البئر إل من حفر‪ ،‬ويحك ما ذنب آدم? أنت‬
‫الجاني على نفسك‪ ،‬ولكنه غيظ السير على القد‪.‬‬
‫لقي إبليس عمر بن الخطاب فصارعه فصرعه عمر‪،‬‬
‫فقال بلسان الحال‪ :‬أنا مقتو ٌ‬
‫ل بلسان الخذلن قبل‬
‫لقائك فإياك عني ل يكن بك ما بيا‪ ،‬يا عمر أنت الذي‬
‫كنت في زمان الخطاب ل تعرف الباب وأنا الذي كنت‬
‫في سدة السيادة وأتباعي الملئكة موصل منشور " ل‬
‫يسئل " فعزلني وولك فكن على حذر من تحول‬
‫الحال‪.‬‬
‫فإن الحسام الصقيل قتلت به في يد‬
‫القاتـل‬
‫الذي‬
‫لما تمكنت معرفة عمر بتقليب القلوب لعب القلق‬
‫بقلبه‪ ،‬خوفا ً من قلبه‪ ،‬فبادر بطريق باب البريد بالعزل‬
‫والولية‪ ،‬يا حذيفة المحبة العظمى‪ ،‬ارتباط أمرك بمن‬
‫ل يبالي بهلكك‪ ،‬فكم قد أهلك قبلك مثلك‪ ،‬كم‬

‫‪221‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫مشارف بسفينة عمله? على شاطئ النجاة‪ ،‬ضربها‬
‫خرق الخذلن فغرقت وما بقي للسلمة إل باع أو‬
‫ذراع‪ ،‬أي تصرف بقي لك في قلبك? وهو بين إصبعين‪.‬‬
‫بلقا الحباب وقد‬
‫يا قلب إلم‬
‫رحلـوا‬
‫تطالـبـنـي‬
‫لتعود فضعت وما‬
‫أرسلتك في طلبي‬
‫حصلوا‬
‫لـهـم‬
‫كم مثلك قبلك قد‬
‫سلم واصبر واخضع‬
‫قتـلـوا‬
‫لهـم‬
‫ما أحسن ما أعقلـت أما لك منهم لو‬
‫فعـلـوا‬
‫بـه‬
‫الفصل الثاني والربعون‬
‫يا من قد أسره الهوى فما يستطيع فكاكًا‪ ،‬أفق قبل‬
‫الومى‪ ،‬وها هو قد أدركك إدراكا ً قبل أن ل ينفع البكاء‬
‫الباكي ول التباكي من تباكى‪.‬‬
‫لبي العتاهية‪:‬‬
‫ب كفا َ‬
‫ب‬
‫ت وما ت َب َْلى ثـيا ُ‬
‫َبلي َ‬
‫ك نذير الشي ِ‬
‫فيك كـفـاكـا‬
‫صـبـاكـا‬
‫ِ‬
‫ض‬
‫م الشباب ال َ‬
‫ألم تَر أ ّ‬
‫ن الشي َ‬
‫ب قد مقا َ‬
‫غ ّ‬
‫م نـاعـيا ً‬
‫ثم نـعـاكـا‬
‫قـا َ‬
‫ولم تـر يومـا ً مـر إل بإهلكه للهالـكـين‬
‫عـنـاكـا‬
‫كـأنـه‬
‫أتطمع أن تبقى‬
‫أل أيها الفاني وقد‬
‫فلست هـنـاكـا‬
‫حـان حـينـه‬
‫ع قد أتـى‬
‫مع ود ْ‬
‫تس ّ‬
‫ع من أفسد كأني بدا ٍ‬
‫فـدعـاكـا‬
‫الغي سمعـه‬
‫المنية فيما بـينـهـن‬
‫ورب أمان للفتى‬
‫شـراكـا‬
‫نـصـبـت لـه‬
‫ويوشك أن تهدي‬
‫أراك وما تنفك‬
‫هديت كـذاكـا‬
‫تهـدي جـنـازة‬
‫وينساك من خلفـتـه‬
‫ستمضي ويبقى ما‬
‫هـو ذاكـا‬
‫تراه كما تـرى‬
‫ب وإذا الكرب‬
‫أل ليت شعري كيف وه ْ‬
‫أنت إذا ال ُ‬
‫الشديد علكـا‬
‫قوى‬
‫تموت كما مات الذين وُتنسى ويهوى الحي‬

‫‪222‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫بعد هواكـا‬
‫نسـيتـهـم‬
‫كأن خطوب الدهر لم عليك إذا الخطب‬
‫الجليل أتـاكـا‬
‫تجر سـاعة‬
‫ترى الرض كم فيها غلقن فلم يقبل‬
‫لهـن فـكـاكـا‬
‫رهون دفينة‬
‫كم سكن قلبك في هذه الدار‪ ،‬فحام الموت حوم‬
‫حماهم ودار‪ ،‬ثم ناهضهم سريعا ً وثار‪ ،‬كأنه ولي يطلب‬
‫الثأر‪ ،‬وقد خوفك بأخذ الصديق وسلب الجار‪ ،‬ومن أنذر‬
‫قبل هجومه فما جار‪ .‬يا هذا‪ ،‬العمر عمر قليل وقد‬
‫مضى أكثره بالتعليل‪ ،‬وأنت تعرض البقية للتأويل‪ ،‬وقد‬
‫آن أوان الن أن يرحل التنزيل‪ ،‬ما أرخص ما يباع‬
‫عمرك وما أغفلك عن الشرا‪ ،‬والله ما بيع أخوة يوسف‬
‫يوسف بثمن بخس‪ ،‬يا عجب من بيعك نفسك بمعصية‬
‫ساعة‪ ،‬متى ينتهي الفساد? متى يرعوي الفؤاد?‪.‬‬
‫يا مسافرا ً بل زاد‪ ،‬ل راحلة ول جواد‪ ،‬يا زارعا ً قد آن‬
‫الحصاد‪ ،‬يا طائرا ً بالموت يصاد‪ ،‬يا بهرج البضاعة أين‬
‫الجياد? يا مصاب الذنوب أين الحداد? لو عرفت‬
‫المصاب فرشت الرماد‪ ،‬لو رأيت سواد السر لبست‬
‫السواد‪ ،‬جسمك في واد وأنت في واد‪ ،‬نثر الدر لديك‬
‫وما تنتقي‪ ،‬وقربت المراقي إليك وما ترتقي‪ ،‬لقد‬
‫ضيعت ما مضى وشرعت في ما بقي‪ ،‬يا واقفا ً في‬
‫الماء الغمر وما ينقى‪.‬‬
‫أو قلت خذ قال‬
‫إن قلت قم قال‬
‫كفى ما تواتينـي‬
‫رجلي ما تطاوعني‬
‫واعجبا ً لنفاسة نفس رفعت بسجود الملك لها‪ ،‬كيف‬
‫نزلت بالخساسة حتى زاحمت كلب الشره‪ ،‬على مزابل‬
‫الذل‪ ،‬هيهات لن تفلح السد إذا أنفقت عليها الميتات‬
‫الفسد‪.‬‬
‫يا هذا‪ ،‬جسدك كالناقة يحمل راكب القلب‪ ،‬فل تجعل‬
‫القلب مستخدما ً في علف الراحلة‪ ،‬تالله إن جوهر‬
‫معناك يتظلم من سوء فعلك‪ ،‬لنك قد ألقيته في‬
‫مزابل الذل‪ ،‬ماء حياتك في ساقية عمرك قد اغدودق‪،‬‬
‫فهو يسيل ضايعا ً إلى مهاوي الهوى‪ ،‬وينسرب في‬
‫أسراب البطالة‪ ،‬فقد امتلت به خربات الجهل ومزابل‬
‫التفريط‪ ،‬وشربته أدغال الغفلت‪ ،‬ويحك‪ ،‬أردده إلى‬

‫‪223‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫مزارع التقوى لعله يحدق نور حديقة‪ ،‬إلى متى يمتد‬
‫ليل الغفلة? متى تأتي تباشير الصباح?‬
‫هل الدهر يوما ً‬
‫منا باللوى هل‬
‫وأيا ُ‬
‫د‬
‫بوصل يجود‬
‫تـعـو ُ‬
‫بنفسي والله تلك‬
‫زمان تقضي وعيش‬
‫العـهـود‬
‫مضى‬
‫هنيئا ً لكم في الجنان‬
‫أل قل لكان وادي‬
‫الخلود‬
‫الحبـيب‬
‫فنحن عطاشى‬
‫أفيضوا علينا من‬
‫الماء فيضا ً‬
‫وأنتم ورود‬
‫لما سبق الختيار لقوام في القدم‪ ،‬جذبوا بعد الزلق‬
‫في هوة الهوى إلى نجاة النجاة‪ ،‬يا عمر‪ ،‬كيف كانت‬
‫فّروا‬
‫حالك? قال‪ :‬كنت مشغول ً بهبل فسمعت هتاف "ف ِ‬
‫إلى الله" فعرجت على المنادي‪ ،‬فإذا أنا في دار‬
‫الخيزران يا فضيل‪ ،‬من أنت? قال‪ :‬أخذت من قطع‬
‫الطريق‪ ،‬فأخذت في قطع الطريق‪ ،‬يا عتبة الغلم‪ ،‬من‬
‫أنت? قال‪ :‬كنت عبد الهوى فحضرت مجلس عبد‬
‫الواحد‪ ،‬فصرت عبدا ً للواحد يا سبتي من أنت? قال‬
‫كنت ابن الرشيد فعرض لي رأي رشيد فإذا عزمي قد‬
‫أخذ المر ومر‪ ،‬يا ابن أدهم‪ ،‬من أنت? قال أخذني حبه‬
‫من منظرتي فصيرني ناطور البساتين‪ .‬يا رابعة‪ ،‬من‬
‫أنت? قالت‪ :‬كنت أضرب بالعود فما سمع غيري‪.‬‬
‫مري على تلك الربا‬
‫بالله يا ريح الصـبـا‬
‫يفضها أهل قـبـل‬
‫وبـلـغـي رسـالة‬
‫فاتـيا واحـربــا‬
‫واحربـا وهـل يرد‬
‫يا طفل ً في حجر العادة محصورا ً بقماط الهوى‪ ،‬مالك‬
‫ومزاحمة الرجال? تمسكت بالدنيا تمسك المرضع‬
‫بالظئر‪ ،‬والقوم ما أعاروها الطرف‪ ،‬ما لك والمحبة‬
‫وأنت أسير حبة? كم بينك وبينهم? وهل تدري أين‬
‫هم?‪.‬‬
‫شريعة وردي أو مهب‬
‫سلم على تلك‬
‫شـمـالـي‬
‫المـعـاهـد إنـهـا‬
‫ولم نمش إل في‬
‫ليالي لم نـحـذر‬
‫سـهـول وصـال‬
‫حـزون قـطـيعة‬
‫فقد صرت أرضى من بخلـب بـرق أو‬

‫‪224‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫بـطـيف خـيال‬
‫سواكن أرضها‬
‫سار القوم ورجعت‪ ،‬ووصلوا وانقطعت‪ ،‬وذهبوا‬
‫وبقيت‪ ،‬فإن لم تلحقهم شقيت‪.‬‬
‫ولبست من حزن‬
‫لبس البياض بذات‬
‫ثـياب حـداد‬
‫عرق معشـر‬
‫وبقيت منكسرا ً‬
‫وصلوا إلى عرفات‬
‫ببطـن الـوادي‬
‫يبغون الرضا‬
‫رفعوا أكفهم وضجوا وضممت من كمد‬
‫يدي بفـؤادي‬
‫بـالـدعـا‬
‫يا من كلما استقام عثر‪ ،‬يا من كلما تقرب أبعد‪،‬‬
‫استسلم مع الحرية واستروح إلى دوام البكاء وصح‬
‫بصوت القلق على باب دار السف‪.‬‬
‫غير صبري على‬
‫ليس لـي فـيك حـيلة‬
‫القضا‬
‫وبكائي على‬
‫الذي كان وانقـضـى‬
‫الـوصـال‬
‫وقضى الله ما‬
‫ليتـنـي تـبـت تـوبة‬
‫قضـى‬
‫الفصل الثالث والربعون‬
‫يا هذا‪ ،‬من اجتهد وجدّ وجد‪ ،‬وليس من سهر كمن رقد‬
‫والفضائل تحتاج إلى وثبة أسد‪.‬‬
‫للمهيار‪:‬‬
‫دها العّز وإما‬
‫ة‬
‫خاطْر فإما عيش ٌ‬
‫ُيرغ ُ‬
‫م‬
‫ة‬
‫حـر ٌ‬
‫ال ِ‬
‫حما ْ‬
‫م على باب‬
‫زاح ْ‬
‫العلى واجتـهـد‬
‫رام بها اللـيل فـمـا‬
‫ُيسـفـر‬
‫ع ْ‬
‫قل‬
‫موارقا ً عن ُ‬
‫َ‬
‫أشـطـانـهـا‬
‫مي ّْز من الناس على‬
‫ظـهـرهـا‬
‫ة‬
‫من طلب الغاي َ‬
‫خطـوا ً عـلـى‬

‫ل بد أن تدخل بـين‬
‫م‬
‫الـّزحـا ْ‬
‫المصباح إل عن‬
‫م‬
‫ب الظـل ْ‬
‫نقا ِ‬
‫مروقَ فوق السهم‬
‫م‬
‫س را ْ‬
‫عن قو ٍ‬
‫نفسك ل ميزة تحـت‬
‫م‬
‫الـرخـا ْ‬
‫م‬
‫ظهر الهوينا را َ‬
‫م‬
‫صع َ‬
‫ب المـرا ْ‬

‫‪225‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫لقد رضيت الغبن والغبن‪ ،‬وبعت عمرك بأقل ثمن‪،‬‬
‫وأنفقت فيما يرد بك الزمن‪ ،‬وفترت في الصحة ول‬
‫فتور الزمن‪ ،‬يا مغرورا ً بخضراء الدمن‪ ،‬يا جامعا ً مانعا ً‬
‫قل لي لمن? كيف ينال الفضائل مستريح البدن‪ ،‬سلع‬
‫المعالي غاليات الثمن‪ ،‬وإن ساومتها فبزهد أويس‬
‫وفقه الحسن‪.‬‬
‫يا هذا أوقد مصباح الفكر في بيت العلم‪ ،‬تلح لك‬
‫العلم‪ ،‬من سد ثغور الهوى بجند الجد مل عين راحته‬
‫من نوم الطمأنينة‪ ،‬من دق صراط ورعه عن الشبهات‬
‫عرض الصراط له يوم الجواز‪ ،‬لله در أقوام تأملوا‬
‫الوجوب ففهموا المقصود‪ ،‬فالناس في رقادهم وهم‬
‫في جمع زادهم‪ ،‬والخلئق في غرورهم‪ ،‬وعيونهم إلى‬
‫قبورهم‪.‬‬
‫قال المام أحمد لقد رأيت أقواما ً صالحين‪ ،‬رأيت عبد‬
‫الله بن إدريس وعليه جبة من لبود قد أتت عليها‬
‫سنون‪ ،‬رأيت أبا داود الحفري وعليه جبة محرقة قد‬
‫خرج منها القطن وهو يصلي فيترجح من الجوع‪،‬‬
‫ورأيت أبواب النجار‪ ،‬وقد خرج من كل ما يملكه‪.‬‬
‫وكان في المسجد شاب مصفر يقال له العوفي‪ ،‬يقوم‬
‫من أول الليل إلى الصباح يبكي‪.‬‬
‫فعرج فأنـا بـعـدهـا‬
‫إذا ما الخيام البيض‬
‫بـقـلـيل‬
‫لحت لدى منـى‬
‫نكفكف دمعـا ً لفـتـقـاد‬
‫ترانا لدى الطناب‬
‫خـلـيل‬
‫صرعى من الهوى‬
‫وكم عبرة أتبـعـتـهـا‬
‫وكم أنـه أردفـتـهـا‬
‫بـعـويل‬
‫بـتـنـفـس‬
‫قفوا وانظروا ذلي وعز تروا عجبا ً مـن قـاتـل‬
‫وقـتـيل‬
‫مـعـذبـي‬
‫عملت في قلوبهم معاول الحزن معًا‪ ،‬فانبعثت من كل‬
‫ركية‪ ،‬ركية ماء أسي‪ ،‬فجرى من طرف طرفين ماء‬
‫فجرى وسخا ً فغسل وسخًا‪.‬‬
‫أبدي الهوى وأسوم‬
‫قد كنت أطوي على‬
‫القلب كتـمـانـا‬
‫الوجد الضلوع ول‬
‫لي الشؤون فعاد‬
‫فخانني الصبـر إذ‬
‫الـسـر إعـلنـا‬
‫نـاديتـه ووفـت‬

‫‪226‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫أكتم الوجد والـعـينـان للحب أعظم ممـا‬
‫رمـتـه شـانـا‬
‫تـظـهـره‬
‫قال أبو عمران الجوبي‪ :‬أرتني أمي موضعا ً من الدار‬
‫قد انحفر‪ ،‬فقالت‪ :‬هذا موضع دموع أبيك‪.‬‬
‫وكان حسان بن أبي سنان‪ :‬يحضر مجلس مالك بن‬
‫دينار‪ ،‬فيبكي حتى يبل ما بين يديه ول سمع له صوت‪.‬‬
‫للمتنبي‪:‬‬
‫دعا فلّباه قبل‬
‫أجاب دمعي وما‬
‫ل‬
‫ل‬
‫الـركـب والبـ ِ‬
‫الداعي سوى طل ِ‬
‫فظل يسفح بين‬
‫ظللت بين أصيحابي‬
‫ل‬
‫أكـفـكـفـه‬
‫عذر والـ َ‬
‫ال ُ‬
‫عـذ ِ‬
‫من اللقاء كمشـتـاق‬
‫وما صبابة مـشـتـاق‬
‫بـل أمـل‬
‫لـه أمـل‬
‫دموع المحبين‪ ،‬غدران في صحاري الشوق‪ ،‬من عادة‬
‫القوم ألف البراري والجلوس إلى الشجر فإن سمعوا‬
‫هتاف الحمام استغنوا عن نايح‪.‬‬
‫وظهور وجدي دون‬
‫شوقي إليك مجاوز‬
‫ما أخفي‬
‫وصفـي‬
‫إل طرفت بمدمعي‬
‫ما دار ذكر منك في‬
‫طرفـي‬
‫خلـدي‬
‫إذا تمكنت المحبة استحال السلو‪ ،‬تعلقت يد المحبة‬
‫بتلبيب القلب فل يمكنه التخلص‪ ،‬فيدور معها في دار‬
‫المداراة‪.‬‬
‫ليكفكم ما فيكم من فمهل ً بنا مهل ً‬
‫ورفقا ً بنا رفقـا‬
‫جوى نلقـى‬
‫ول رمت منه ل‬
‫وحرمة وجدي ل‬
‫فكاكا ً ول عتقا‬
‫سلوت هواكم‬
‫وهل للمحب قلب‪ ،‬هيهات مزقته المحبة‪ ،‬براثن أسود‬
‫في شلو ضعيف‪ ،‬على شدة جذب مع وام التقليب‪.‬‬
‫فيض دمع يجري‬
‫إن ترحلت أو أقمت‬
‫ووجد مقيم‬
‫فعنـدي‬
‫وغرامي ذاك الغرام‬
‫وفؤادي ذاك الفؤاد‬
‫القـديم‬
‫المعنـى‬
‫انكشف اليوم الستر‪ ،‬افتضح العاصي والعارف‪.‬‬
‫لتوبة‪:‬‬

‫‪227‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫خليلي قد عم السى فنون البلى عشاق‬
‫ليلى ودورها‬
‫وتقاسمـت‬
‫فقد رابني منها‬
‫وكنت إذا ما جئت‬
‫الغداة سفورها‬
‫ليلى تبرقعت‬
‫وقع الحريق في زوايا المجلس رشوا عليه من مزاد‬
‫الدمع‪ ،‬يا كثيف الطبع بيض الحمام يفرق من صوت‬
‫الرعد ول حس له‪ ،‬أفميت أنت وهذه الصواعق حولك?‬
‫وقد شققت جيوب‬
‫لو ترى العاشقين‬
‫الوصـال‬
‫في مأتم الذل‬
‫ورحمت المحب في‬
‫لعذرت الذي بلـى‬
‫كل حال‬
‫بـقـراق‬
‫هبت اليوم نسمة من أرض كنعان إلى مصر‪ ،‬غنت‬
‫حمامات اللوى في أرض نجد‪ ،‬تنفس المشتاق فانقشع‬
‫غيم الهجر‪ ،‬سعى سمسار المواعظ في الصلح‪.‬‬
‫للغزي‪:‬‬
‫هبت لنا وبرود اللـيل ريح لها من جيوب‬
‫الوصل أذيال‬
‫أسـمـال‬
‫بلؤلؤ الطل والجرباء‬
‫مرت بسفح اللوى‬
‫معـطـال‬
‫ح‬
‫والشح متشـ ٍ‬
‫يهدي لكل مريض‬
‫مريضة في حواشي‬
‫مرطها بل ٌ‬
‫منـه أبـلل‬
‫ل‬
‫يا لئمي ثم قل لي‬
‫دع جمرة لسويدا‬
‫كيف احتـال‬
‫القلب محـرقة‬
‫كرر حديثك ل حالت‬
‫حدثت عن منحني‬
‫بك الحال‬
‫الوادي وساكنه‬
‫فإن أخبار ذاك‬
‫وامزج بماء المنى‬
‫الـحـي جـريال‬
‫قلت‪ :‬من خبر‬
‫الفصل الرابع والربعون‬
‫أخواني‪ ،‬شحم المنى هزال‪ ،‬وشراب المال سراب‬
‫وآل‪ ،‬ولذات الدنيا منام وخيال‪ ،‬وحربها قتل بل قتال‪.‬‬
‫حرص طويل وعمر‬
‫والمرء يبليه في‬
‫فيه تقصـير‬
‫الدنيا ويخـلـقـه‬
‫ولهذم الموت دون‬
‫يطوق النحـر‬
‫الطوق مطرور‬
‫بـالمـال كـاذبة‬
‫إن أفلت الناب أردته‬
‫جذلن يبسم في‬

‫‪228‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫الظـافـير‬
‫أشراك مـيتـتـه‬
‫تيقظ لنفسك واذكر زوالك‪ ،‬ودع المل ولو طوى الدنيا‬
‫وزوى لك‪ ،‬فكأنك بالموت قد حيرك وأبدى كللك‪،‬‬
‫ونسيك الحبيب‪ ،‬لنه أرادك له ل لك‪ ،‬وخلوت تبكي‬
‫خللك في زمان خل لك‪ ،‬وشاهدت أمرا ً أفظعك وهالك‪،‬‬
‫تود أن تفتديه بالدنيا لو أنها لك‪ ،‬فتنبه من رقاد الهوى‬
‫لما هو أولى لك‪ ،‬واحذر أن أعمالك أعمى لك‪ ،‬وأفعالك‬
‫كالفعى لك‪.‬‬
‫لو كان باعث من نفسك‪ ،‬ما احتجت إلى محرك من‬
‫خارج‪ ،‬هذا الديك يصيح في أوقات معلومة من الليل ل‬
‫تختلف‪ ،‬يؤدي وظائفها بباعث الطبع وإن لم يكن في‬
‫القرية ديك غيره‪ ،‬وأنت تؤخر وظائف صلواتك‪ ،‬وتنقص‬
‫من واجبات عباداتك‪ ،‬فإن بكيت في المجلس فلبكاء‬
‫الجماعة‪ ،‬فإذا خلوت خلوت من محرك‪ ،‬هيهات من لم‬
‫يكن له من نفسه واعظ لم تنفعه المواعظ‪ ،‬إذا لم يكن‬
‫للدجاجة همة الحضن لم تنفع تغطيتها بمنخل الحاضن‪،‬‬
‫تصابر الشقاء لما تأمل من العواقب والرعناء تكسر‬
‫البيض قصدًا‪.‬‬
‫الخصائص أوضاع والسوابق خواص‪" ،‬هؤلء في الجنة‬
‫ول أبالي وهؤلء في النار ول أبالي" المغناطيس‬
‫يجذب الحديد بخاصية فيه‪ ،‬الظليم يبتلع الحصى‬
‫والحجارة فيذيبها حّر قانصته حتى يجعلها كالماء‬
‫الجاري‪ ،‬ولو طبخ ذلك بالنار لم ينخل‪ ،‬ذنب الجرادة‬
‫يشق الصخرة وليس بالقوي‪ ،‬إبرة العقرب تنفذ في‬
‫الطشت‪ ،‬خرطوم البعوضة يغوص في جلد الجاموس‪،‬‬
‫من تعلق عليه برادة الحديد لم يغط في نومه‪ ،‬إذا ترك‬
‫الرصاص أو الزيبق في تنور سقط الخبز كله‪ ،‬فإن ترك‬
‫الرصاص في قدر لم ينضج اللحم‪ ،‬إذا كان الزعفران‬
‫في دار لم تدخلها وزغه‪ ،‬إذا دفن الحديد في الدقيق‬
‫زال عنه الصدأ‪ ،‬إذا ترك سراج على شيء في نهر‬
‫سكنت ضفادعه‪ ،‬إذا دفنت ذئبة في قرية لم تدخلها‬
‫الذئاب‪ ،‬إذا نظر صاحب الثآليل إلى كوكب ينقض‬
‫ذ على ثآليله ذهبت‪ ،‬إذا عسرت الولدة‬
‫فمسح بيده حينئ ٍ‬
‫فصاحت بالمرأة بكر يا فلنة أنا جارية عذراء وقد ولدت‬
‫وأنت لم تلدي ولدت في الحال للنملة‪ ،‬فضل حسن‬
‫في الشم تدرك الراييح البعيدة‪ ،‬لما شق ختام نافجة‬

‫‪229‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫النبوة ملت ريحها الرض‪ ،‬فاستنشقها أهل العافية‪،‬‬
‫فوصل إلى خياشم سلمان في فارس وصهيب في‬
‫الروم وبلل في الحبشة‪ ،‬وكان ابن ُأبي مزكوما ً فما‬
‫نفعه قرب الدار‪ ،‬كم من نفر دخلت مجلسي وهي‬
‫حامل جنين الصرار‪ ،‬فلما استنشقت ريح المواعظ‬
‫أسقطت‪.‬‬
‫أيها التائب من حر?كك? وقد كان تحريك الجبل دون‬
‫ع الله الذي أتقن ك ّ‬
‫ل شيء" أتدرون هذا‬
‫صن ْ َ‬
‫إزعاجك " ُ‬
‫التائب لم انزعج? أما تجدون في نفسه حّر وهج‪.‬‬
‫وارقه لمع بـرق‬
‫صبا لنسيم الصبا إذ‬
‫لـمـح‬
‫نـفـح‬
‫وعهدا ً تقادم سرب‬
‫واذكره عيشه‬
‫سـنـح‬
‫بالـحـمـى‬
‫فسح له دمعه‬
‫فحن إلى السفح‬
‫وانسـفـح‬
‫سفح العقيق‬
‫ولكن جرى دمعه‬
‫وكان كتوما ً لسر‬
‫فافتضح‬
‫الـهـوى‬
‫ويسأل رامه عمـن‬
‫فدعه ينادي طلول‬
‫نـزح‬
‫الحمـى‬
‫يا غائبا ً عنا‪ ،‬وهو حاضر أما لك ناظر ناظر? أما دموع‬
‫الوجد قد ملت الحناجر? أف لبدوي ل يطربه ذكر‬
‫حاجر‪ ،‬أقل أحوال الزمن أن يبكي إذا رأى المشاة‪،‬‬
‫انظر إلى التائبين وحرقهم‪ ،‬والتفت إلى العارفين‬
‫وقلقهم‪.‬‬
‫إن استطعت له‬
‫اسمع أنين‬
‫سماعا‬
‫العاشـقـين‬
‫راح الحبيب فشيعتـه مدامع تجري سراعـا‬
‫فراق ألف ما‬
‫لو كلف الجبل‬
‫استطاعا‬
‫الصـم‬
‫كلما بكى الخائفون أزعجوني‪ ،‬وكلما استغاث‬
‫الواجدون ألهفوني‬
‫تنفـس بـاك أو تـألـم‬
‫وإني لمجلوب لي‬
‫ذو وجـد‬
‫الشوق كـلـمـا‬
‫تعرض رسل الشوق فيوقظني من بين‬
‫نوامهم وحـدي‬
‫والركب هاجد‬

‫‪230‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫يا صبيان التوبة‪ ،‬ارفقوا بمطايا أبدانكم فقد ألفت‬
‫ن"‬
‫ن لتضّيقوا عليه ّ‬
‫الترف "ول ُتضاّروه ّ‬
‫فعادهـا مـن الـغـرام‬
‫هب لهـا مـن‬
‫عـائد‬
‫الـنـسـيم رائد‬
‫فهي كما شاء السرى‬
‫نوق نفى عنها‬
‫سـواهـد‬
‫الحمى طيب الكرى‬
‫أنحلها تـحـت الـدؤب فمـارت النـسـاع‬
‫والـقـلئد‬
‫أينـهـا‬
‫شوقا ً إلى بان‬
‫فل تخالفها إذا مـا‬
‫الحـمـى يا قـائد‬
‫الـتـفـتـت‬
‫وقل لها لعـا إذا مـا فهي لحمل وجـدهـا‬
‫تـكـابـد‬
‫عـثـرت‬
‫مذ حكم البين علـيهـا تبكي عليها الـبـيد‬
‫والـفـدافـد‬
‫لـم تـزل‬
‫يا صبيان التوبة‪ ،‬للنفس حظ وعليها حق "فل تميلوا‬
‫ك ّ‬
‫زنوا‬
‫ل ال َ‬
‫مْيل" خذوا مالها‪ ،‬واستوفوا ما عليها "و ِ‬
‫بالقسطاس المستقيم" فإن رأيتم من النفوس فتورا ً‬
‫عن َ ُ‬
‫كم فل تبغوا‬
‫فاضربوهن بسوط الهجر "فإ ْ‬
‫ن أط ْ‬
‫ن سبيل" على أني أوصي صبيان التوبة بالرفق‪،‬‬
‫عليه ّ‬
‫وبعيد أن يقر خائف أو يسمع العذل محب‬
‫سعة تفسح كرب‬
‫ليت شعري هل أرى‬
‫الـمـضـيق‬
‫في طريقي‬
‫فخذوا يا قوم كـف‬
‫قد رماني الحب ف‬
‫الـغـريق‬
‫لج بـحـر‬
‫حل مني كـل عـقـد‬
‫حل عندي حبكم في‬
‫وثـيق‬
‫شـغـافـي‬
‫وتساوى خامهـا‬
‫عفت دنياي‬
‫والـدبـيقـى‬
‫اشـتـياقـا ً إلـيكـم‬
‫ورفضت الكل شغل ً‬
‫فانجلى لي كل‬
‫معـنـى دقـيق‬
‫بـوجـدي‬
‫فاله عني واشتغل يا‬
‫يا صديقي عندي‬
‫صـديقـي‬
‫الـيوم شـغـل‬
‫فأعـد ذكـرهـم يا‬
‫بيدان تذكر لي حـب‬
‫رفـيقـي‬
‫قـلـبـي‬
‫غصني الشوق إليهـم واحريقي في الهوى‬

‫‪231‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬
‫واحريقـي‬

‫مكتبة‬

‫بـريقـي‬
‫الفصل الخامس والربعون‬
‫أخواني‪ ،‬البدار البدار‪ ،‬فما دار الدنيا بدار‪ ،‬إنما هي‬
‫جلية لجريان العمار‪ ،‬وكم تبقى الفريسة بين النيوب‬
‫الظفار‪.‬‬
‫ما دار دنيا لـلـمـقـيم وبها النفوس‬
‫فـريسة القـدار‬
‫بـدار‬
‫نفسان مرتشفان‬
‫ما بين ليل عـاكـف‬
‫لـلعـمـار‬
‫ونـهـاره‬
‫واليسر للنسان‬
‫طول الحياة إذا‬
‫كـالعـسـار‬
‫مضى كقصيرها‬
‫والصفو فيه مخلـف‬
‫والعيش يعقب‬
‫الكـدار‬
‫بالمرارة حـلـوه‬
‫لفنائنا وطـرا ً مـن‬
‫وكأنما تقضي‬
‫الوطـار‬
‫بـنـيات الـردى‬
‫ويروقنا زهر الماني هدم الماني عادة‬
‫الـمـقـدار‬
‫نـضـرة‬
‫كالنوم بين الفجر‬
‫والمرء كالطيف‬
‫والسـحـار‬
‫المطيف وعمره‬
‫أخطاره تعلو على‬
‫خطب تضاءلت‬
‫الخـطـار‬
‫الخطوب لهوله‬
‫ونلوذ من حرب إلى‬
‫تلقى الصوارم‬
‫استشعـار‬
‫والرماح لهولـه‬
‫إن الذين بنوا مشيدا ً يسعون سعي الفاتك‬
‫الجـبـار‬
‫وانـثـنـوا‬
‫متوسـدين وسـائد‬
‫سلبوا النضارة‬
‫الحـجـار‬
‫والنعيم فأصبحـوا‬
‫وتوسدوا مـدرا ً‬
‫تركوا ديارهم علـى‬
‫بـغـير دثـار‬
‫أعـدائهـم‬
‫وغنيهم ساوى بـذي‬
‫خلط الحمام قويهم‬
‫القـتـار‬
‫بضعيفـهـم‬
‫ل بد من صبح المجد‬
‫والدهر يعجلنا علـى‬
‫السـاري‬
‫آثـارهـم‬
‫بالكر ما نظما من‬
‫وتعاقب الملوين‬
‫العـمـار‬
‫فـينـا نـاثـر‬

‫‪232‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫تالله ما صح من يطلبه مرضه‪ ،‬ول سر من سير وصل‬
‫حل غرضه ول استقام غصن يلويه كاسره‪ ،‬ول طاب‬
‫عيش الموت آخره‪ ،‬إن الطمع لعذاب‪ ،‬وحديث المل‬
‫كذاب‪ ،‬وفي طريق الهوى عقاب‪ ،‬وآخر المعاصي‬
‫عقاب‪ ،‬فل يخدعنك ضياء ضباب‪ ،‬ول يطمعنك شراب‬
‫سراب‪ ،‬فمجيء الدنيا على الحقيقة ذهاب‪ ،‬وعمارة‬
‫الفاني إن فهمت خراب‪ ،‬وفرح الغرور ثبور واكتئاب‪،‬‬
‫ودنو الشيب ينسخ ضياء الشباب وكلما نادى المل‬
‫"فأبلغه مأمنه" صاح الجل "فضرب الرقاب"‪.‬‬
‫يا تايها ً في ظلمة ظلمه‪.‬‬
‫يا موغل ً ف مفازة تيهه‪ ،‬يا باحثا ً عن مدية حتفه‪ ،‬يا‬
‫حافرا ً زبية هلكه‪ ،‬يا معمقا ً مهواة مصرعه‪ ،‬بئس ما‬
‫اخترت‪ ،‬لحب النفس إليك‪ ،‬ويحك‪ ،‬تطلب الجادة‬
‫ولست على الطريق‪ ،‬كم فغر الزمان بوعظه فمًا‪ ،‬فما‬
‫سمعت "لينذر من كان حيًا" كيف تطيب الدنيا? لمن ل‬
‫يأمن الموت ساعة‪ ،‬ول يتم له سرور يوم إذا كان‬
‫عمرك في إدبار‪ ،‬والموت في إقبال‪ :‬فما أسرع‬
‫الملتقى‪ ،‬لقد نصبت لك أشراك الهلك‪ ،‬والنفاس أدق‬
‫الحبائل‪ ،‬يا ماشيا ً في ظلمة ليل الهوى لو استضئت‬
‫بمصباح الفكر فما تأمن من بئر بوار‪ ،‬الشهوات مبثوثة‬
‫في طريق المتقين‪ ،‬وما يسلم من شرها شره الولياء‬
‫في حرم التقوى "وُيتخ ّ‬
‫س من حولهم" الدنيا‬
‫طف النا ُ‬
‫مثل منام والعيش فيها كالحلم‪ ،‬قيل لنوح عليه‬
‫السلم يا أطول النبيين عمرا ً كيف وجدت الدنيا? قال‪:‬‬
‫كدار ذات بابين‪ ،‬دخلت من باب وخرجت من باب‪.‬‬
‫لطول اجتماع لم‬
‫فلما تفرقنا كأني‬
‫نبت ليلة معا ً‬
‫ومـالـكـا‬
‫يا ثقيل النوم‪ ،‬أما تنبهك المزعجات? الجنة فوقك‬
‫تزخرف‪ ،‬والنار تحتك توقد‪ ،‬والقبر إلى جانبك يحفر‬
‫وربما يكون الكفن قد غزل‪ ،‬أيقظان أنت اليوم أم‬
‫حالم‪ ،‬يا حاضرا ً يرى التائبين‪ ،‬وهو في عداد الغائبين‪.‬‬
‫واقف في الماء‬
‫ولكن لـيس يسـقـي‬
‫عطشان‬
‫عاتب نفسك على هواها فقد وهاها‪ ،‬قل لها ادرجي‬
‫درج المدرج وقد لحت مني‪ ،‬ل يوقفنك في الطريق‬
‫طاقة من أم غيلن‪ ،‬فالخبط في المنزل مهيؤ لك‪،‬‬

‫‪233‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫تلمح عواقب الهوى يهن عليك الترك‪ ،‬تفكر في حال‬
‫يوسف لو كان زل من كان يكون? هل كانت إل لذة‬
‫لحظة وحسرة البد‪ ،‬عبرت والله أجمال الصبر سليمة‬
‫من مكس وبقيت مديحة "إنه من عبادنا المخلصين"‪.‬‬
‫يا هذا‪ ،‬احسب صبر يومك ساعة نومك تحظ في غداة‬
‫برغدك‪ ،‬البدار إلى الشهوات والندامة فرسا رهان‪،‬‬
‫والتواني عن التوبة والخيبة رضيعا لبان‪ ،‬واعجبا ً غرتك‬
‫حبة فخ فحصلت وما حوصلت‪ ،‬اليوم واطربا ً للكأس‪،‬‬
‫وغدا ً واحربا ً للفلس‪ ،‬آه من حلوة لقم أورثت مرارة‬
‫نقم‪ ،‬تأمل العاقبة ل يحصل إل لنا قد يصير‪ ،‬من تلمح‬
‫ت" وعرف قدر‬
‫م رّبه بكلما ٍ‬
‫إذا تل "وإذا ابتلى إبراهي َ‬
‫ً‬
‫ن" علم أنه لم يبق في فيه شيئا من مرارة‬
‫مدح "فأتمه ّ‬
‫البلى مرارة "وإذا ابتلى" ضجت الملئكة حين هموا‬
‫بإلقائه في النار‪ ،‬فقالوا ائذن لنا حتى نطفي عنه‪،‬‬
‫فقال تعالى‪ :‬إن استغاث بكم فأغيثوه وإل فدعوه‪.‬‬
‫فلما ألقي عرض له جبريل‪ ،‬وهو يهوي في الهواء‬
‫فأراد أن ينظر هل للهوى فيه أثر? فقال‪ :‬ألك حاجة?‬
‫قال‪ :‬أما إليك فل‪ ،‬فأقبل بمنشور "وإبراهيم الذي‬
‫و ّ‬
‫فى"‪.‬‬
‫بالله صفه ول‬
‫قالت لطيف خيال‬
‫تنقـص ول تـزد‬
‫زارها ومضى‬
‫وقلت قف عن ورود‬
‫فنال خلفته لو مات‬
‫الماء لم يرد‬
‫من ظـمـاء‬
‫يا برد ذلك الذي‬
‫قالت صدقت الوفا‬
‫قالت على كبدي‬
‫في الحب عادته‬
‫الفصل السادس والربعون‬
‫يا مجتنبا ً من الهدى طريقا ً واضحًا‪ ،‬افتح عين الفكر تر‬
‫العلم لئحًا‪ ،‬احذر بئر الغفلة فكم غال سائحًا‪ ،‬وتوق‬
‫بحر الجهل فكم أغرق سابحًا‪.‬‬
‫إلى متى تستحسن‬
‫يا غاديا ً في غـفـلة‬
‫القبـائحـا‬
‫ورائحـا‬
‫ه به‬
‫وكم إلى كم ل تخاف يستنطق الل ُ‬
‫الجـوارحـا‬
‫موقفـا‬
‫ق‬
‫يا عجبا ً منك وأنت‬
‫كيف تجنبت الطري َ‬
‫الواضحا‬
‫مبـصـر‬

‫‪234‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫كيف تكون حين تقرأ صحيفة قد حوت‬
‫الفضائحـا‬
‫في غـد‬
‫يوم يفوز من يكون‬
‫وكيف ترضى أن‬
‫تكون خاسرا ً‬
‫رابـحـا‬
‫يا معدوما ً في المس‪ ،‬فانيا ً في الغد‪ ،‬عاجزا ً في‬
‫الحال‪ ،‬من أنت حتى تغتر بسلمتك? وتنسى حتفك?‬
‫وأملك بين يديك وأجلك خلفك‪ ،‬وكتابك قد حوى‬
‫تفريطك‪ ،‬كم ُنهيت عن أمر? فما كفك النهي أن تبسط‬
‫كفك‪ ،‬يا من قد طال زلله وتعثيره‪ ،‬تفكر في عمر قد‬
‫مضى كثيره‪ ،‬يا قلبا ً مشتتا ً قل نظيره‪ ،‬كم هذا الهوى?‬
‫ولكم هوى أسيره? أيها القاعد عن أعالي المعالي‪،‬‬
‫سبق البطال والبطال ما يبالي‪ ،‬ستعرف خبرك يوم‬
‫عتابي وسؤالي‪ ،‬وستقول عند الحساب مالي ومالي‪،‬‬
‫أعمالك إذا تصفحت لهواك للي‪ ،‬لو أثر فيك وعظي‬
‫ومقالي لكنت لحر الحسرات على حر المقالي‪.‬‬
‫إلى أي حـين أنـت فـي زي وحتى متـى فـي‬
‫شـقـوة وإلـى كـم‬
‫مـحـرم‬
‫فال تمت تحـت الـسـيوف تمت وتقـاسـي الـذل‬
‫غـير مـكـرم‬
‫مـكـرمـا‬
‫فثـب واثـقـا ً بـالـلـه وثـبة يرى الموت في الهيجا‬
‫جنى النحل في الفم‬
‫مـاجـد‬
‫ويحك‪ ،‬إنما يكون الجهاد بين المثال‪ ،‬ولذلك منع من‬
‫قتل النساء والصبيان‪ ،‬فأي قدر للدنيا حتى يحتاج قلبك‬
‫إلى محاربة لها? أما علمت شهواتها جيف ملقاة‪،‬‬
‫أفيحسن بباشق الملك أن يطير عن كفه إلى ميتة?‬
‫ن عينيك" لو علمت أن لذة قهر الهوى‬
‫مهل ً "ل تمد ّ‬
‫أطيب من نيله لما غلبك‪ ،‬أما ترى الهرة تتلعب بالفأرة‬
‫ول تقتلها ليبين أثر اقتدارها وربما تغافلت عنها‪،‬‬
‫فتمعن الفأرة في الهرب فتثب فتدركها ول تقتلها‬
‫إيثارا ً للذة القهر على لذة الكل‪ ،‬من ذبح حنجرة‬
‫الطمع بخنجر اليأس أعتق القلب من أسر الرق‪ ،‬من‬
‫ردم خندق الحرص بسكر القناعة ظفر بكيمياء‬
‫السعادة‪ ،‬من تدرع بدرع الصدق على بدن الصبر هزم‬
‫عسكر الباطل‪ ،‬من حصد عشب الذنوب بمنجل الورع‬
‫طالبت له روضة الستقامة‪ ،‬من قطع فضول الكلم‬

‫‪235‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫بشفرة الصمت وجد عذوبة الراحة في القلب‪ ،‬من‬
‫ركب مركب الحذر مرت به رخاء الهدى إلى رجاء‬
‫النجاة‪ ،‬من أرسى على ساحل الخوف لحت له بلد‬
‫المن‪ ،‬إل عزيمة عمرية‪ ،‬إل هجرة سلمانية جاءت‬
‫بمركب عمر‪ ،‬جنوب المجانبة للحق إلى دار الخيزران‪،‬‬
‫فلما فتح له الباب انقلب شما ً‬
‫ل‪ ،‬مد يده لتناول خمر‬
‫الفتك فاستحالت في الحال خ ً‬
‫ل‪ ،‬جاء وكله كدر‪ ،‬فلما‬
‫دنا من الصفا صفا‪ ،‬كان ماء قلبه لما جنى ملحا ً آجنا ً‬
‫فلما تلقاه النذير بالعذاب عذب‪.‬‬
‫إليكم تلقى طيبكم‬
‫يكون أجاجا ً دونكم‬
‫فيطـيب‬
‫فإذ انتهى‬
‫سقم قلب سلمان من معاناة أمراض المجوس‪ ،‬فخرج‬
‫إلى أودية الدوية فالتقطته يد ظالم‪ ،‬وما عرفت‪،‬‬
‫فهان على يوسف البيع ليلقى العزيز فبينا هو في‬
‫نخلة يحترفها قدم مخبر بقدوم الرسول‪ ،‬فنزل ليصعد‬
‫وصاح به‪ :‬حدثني‪.‬‬
‫يهوى الفؤاد تهامة‬
‫نزلوا جبال تهامة‬
‫وجبـالـهـا‬
‫فلجـلـهـم‬
‫ي قفا عـلـي ما أسقي بواكف‬
‫يا صاحب ّ‬
‫عبرتي أطللها‬
‫بـقـدر‬
‫واعجبًا‪ ،‬أطلب الشجاعة من حسان‪ ،‬وأسأل عن الهلل‬
‫ابن أم مكتوم‪ ،‬أتلو سورة يوسف على روبيل‪ ،‬أستملي‬
‫الفصاحة من باقل‪ ،‬وأنتظر الوفاء من عرقوب‪ ،‬لقد‬
‫رجعت إذن بخفي حنين‪ ،‬يا من نقده مردود‪ ،‬وعقله‬
‫محلول‪ ،‬نيتك في الحيرنية لو أنضجتها نيران خوف أو‬
‫شوق لنتفعت بها‪.‬‬
‫لنهضتني ولكن‬
‫ولي قوادم لو أني‬
‫أفرخي زغب‬
‫جذب بـهـا‬
‫غمض عينيك على الدواء يعمل‪ ،‬وافتحها لرؤية الهدى‬
‫تبصر‪ ،‬حجر المعصية تطحطح إناء القلب‪ ،‬وضبة التوبة‬
‫شعاب‪ ،‬يا من عزمه في النابة جزر بل مد‪ ،‬وقفت‬
‫سفينة نجاتك‪ ،‬ليل كسلك قد أطبق آفاق التردد‪ ،‬وقد‬
‫طلبت فيه أطيار الهمة أوكار الدعة‪ ،‬فلو قد طلعت‬
‫شمس العزيمة في نهار اليقظة لنبث عالم النشط‬
‫في صحراء المجاهدة‪ .‬يا صبيان التوبة‪ ،‬تزودوا للبادية‬

‫‪236‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫تأهبوا لحاجر‪ ،‬انعلوا البل قبل زرود‪ ،‬ول تنسوا وقت‬
‫تناول الزاد جمالكم‪.‬‬
‫علقة لـي مـن هـوى‬
‫بين العقيق‬
‫ووجـد‬
‫والـكـثـيب الـفـرد‬
‫يوم النوى عن‬
‫سل هضبات الرمل‬
‫قلـقـي ووجـدي‬
‫من جزع اللوى‬
‫واستخبر النجم عن بساكنـي نـجـد وأرض‬
‫نـجـد‬
‫صـبـابـتـي‬
‫فمن مجيري أو ممن وليس عند عاذلـي‬
‫مـا عـنـدي‬
‫أسـتـعـدي‬
‫الفصل السابع والربعون‬
‫ً‬
‫س تدعى إلى الهدى فتأبى‪ ،‬ثم ترى خطأها‬
‫واعجبا لنف ٍ‬
‫بعين الهوى صوابًا‪ ،‬كم أذهبت زمنا ً وكم أفنت شبابًا‪،‬‬
‫وكم سودت في تبييض أغراضها كتابًا‪.‬‬
‫ت إلى هذه الدنيا‬
‫أستغفر الله من نفس أب ْ‬
‫فمـا أتـأبـت‬
‫طغـت وأبـت‬
‫أجابت النصح لكن‬
‫جابت لي الشيب‬
‫ً‬
‫سيئا جـلـبـت‬
‫أوقات الشباب فمـا‬
‫وكم أرابت ورابت ثم‬
‫خانت فخابت وما‬
‫مـا رأبـت‬
‫طابت ول سعدت‬
‫ر ولو توافق أمست‬
‫ودأبها فـي أمـور غـي ِ‬
‫للنـقـي دأبـت‬
‫ة‬
‫نـافـع ٍ‬
‫همت بخير فلم تـعـزم خطب إذا هي في‬
‫غير التقى رتبت‬
‫وريثـهـا‬
‫لكل طرف سرى عنه‬
‫أما طريق المعالي‬
‫الكرى لحبت‬
‫فهـي واضـحة‬
‫والعالمون جميعا ً‬
‫على ركائب عن‬
‫معروفها نكبـت‬
‫عالـمـون بـهـا‬
‫علم جمعت الجناد‬
‫أل يسائل أمـلك‬
‫واحـتـربـت‬
‫الـورى فـطـن‬
‫ول مسرة إن فازت‬
‫إن الذي طلـبـتـه ل‬
‫بماء طلـبـت‬
‫يدوم لـهـا‬
‫ألم يروا دول الماضين كانوا بأحسن ما كانوا‬
‫بها ذهـبـت‬
‫قـبـلـهـم‬
‫ل تفرحوا بهبات من ستسترد الليالي‬

‫‪237‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫كلـمـا وهـبـت‬
‫زمـانـهـم‬
‫تحت النام أو‬
‫لو أعلمت علمنا‬
‫الخضراء ما ثقبـت‬
‫الغبراء ما ركـدت‬
‫ل إذا ما عضت‬
‫ر إذا مـيزت‬
‫كأم ص ٍ‬
‫وأم دفـ ٍ‬
‫انقـلـبـت‬
‫حـالـتـهـا‬
‫وكيف ترجو صلحا ً من كلما الناس فيه من‬
‫أذى جـلـبـت‬
‫خلئقـهـا‬
‫لله دّر أقوام تأملوا غيبها وما زالوا حتى رأوا عيبها‪،‬‬
‫نزلوا من الدنياء منزلة الصياف‪ ،‬أخذوا الزاد وقالوا ما‬
‫زاد إسراف‪ ،‬وقفوا عند الهموم والمؤمن وقاف‪ ،‬رموا‬
‫فضول الدنيا من وراء قاف‪ ،‬لو رأيتهم في الدجى‪،‬‬
‫يراعون النجوم‪ ،‬وخيل الفكر قد قطعت حلبات الهموم‬
‫يشكون جرح الذنوب ويبكون الكلوم‪ ،‬أحرقت أحزاُنهم‬
‫مهم‪ ،‬وبقيت الرسوم بلغتهم البلغ ورمتك التخم‬
‫أجسا َ‬
‫في التخوم‪ ،‬سكروا من مناجاة الكريم‪ ،‬ل من بنات‬
‫الكروم‪ ،‬أصبحت عليهم آثار الحبيب والطيب نموم‪ ،‬هذه‬
‫سلع السحار من يشتري? من يسوم? أين قلبك‬
‫الغائب? قل لي لمن تلوم? جسمك في أرض العراق‬
‫وقلبك في أرض الروم‪ ،‬مهر الطبع ما ريض‪ ،‬أهاب‬
‫البشرية ما دبغ‪ ،‬في عين البصير عشا‪ ،‬عرائس‬
‫الموجودات ترفل في حلل مختلفة الصنعة والصبغة‬
‫والصيغة‪ ،‬تعبر إلى المعتبر في معبر العتبار‪ ،‬فهل‬
‫حظك حظها من النضارة أن تحظى من النظر بحظ‪.‬‬
‫واعجبا ً لك لو دخلت بيت ملك لم تزل تتعجب من‬
‫رقوش نقوشه فارفع بصر التفكر واخفض عين‬
‫البصيرة‪ ،‬فهل أحسن من هذا الكون? تلمح مخيم‬
‫السقف كيف مدّ بل أطناب?‪ ،‬ثم زخرف نقشه برقم‬
‫النجوم‪ ،‬والهلل دملوج في عضد السماء‪ ،‬فإذا جن‬
‫الليل كحلت العيون بأثمد النوم‪ ،‬واجتلها أهل "‬
‫ت ََتجافى " فإذا جلى ركب الدجى‪ ،‬جل ضوء الشمس عن‬
‫البصار رمد الظلم‪ ،‬أنظر إلى الرض إذا تأيمت من‬
‫زوج القطر‪ ،‬ووجدت لفقد إنفاقه مس الجدب‪ ،‬كيف‬
‫َ‬
‫ة " طالما لزمت‬
‫ع ً‬
‫ض خاش َ‬
‫تحد في ثياب " وَترى الر َ‬
‫حبس الصبر وسكنت مسكن المسكنة لول ضجيج‬
‫أطفال البذر‪ ،‬فإذا قوي فقر القفر امتدت أكف الطلب‬
‫تستعطي زكاة السحاب‪ ،‬فهبت الجنوب من جناب‬

‫‪238‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫اللطف‪ ،‬فسحبت ذيل النسيم على صحصح الصحارى‪،‬‬
‫فتحركت جوامد الجلميد وانتبه وسنان العيدان لقبول‬
‫تلقيح اللواقيح‪ ،‬فإذا لبس الجو مطرفه الدكن‪ ،‬أرسل‬
‫خيالة الفطر شاهرة أسياف البرق وأنذر بالقدام‬
‫صوت الرعد‪ ،‬فقام فراش الهواء يرش خيش النسيم‪،‬‬
‫فاستعار السحاب جفون العشاق وأكف الجواد‪،‬‬
‫فامتلت الودية أنهارًا‪ ،‬كلما لمستها كف النسيم حكى‬
‫سلسالها سلسل الفضة‪ ،‬فالشمس تسفر وتنتقب‪،‬‬
‫والغمام يرش وينسكب‪ ،‬فانعقد بين الزوجين‪ .‬عقد‬
‫حب الحب‪ ،‬فل يزال السحاب يسقي ذر البذر‪ .‬بثدي‬
‫الندى‪ .‬وكلما احتاج إلى فضل قوت كر الرك‪ ،‬وشط‬
‫الطش‪ ،‬ودق الودق‪ ،‬فطم إلى أن فطم الطفل‪ ،‬فإذا‬
‫وقعت شمس الشتاء في الطفل‪ ،‬نشأ أطفال الزرع‬
‫فارتبع الربيع أوسط بلد الزمان‪ ،‬فأعار الرض أثواب‬
‫الصبا وروح كربها بنسيم الصبا‪ ،‬فانتبهت عيون النور‬
‫من سنة الكرى‪ ،‬فكم نهضت من الغروس عروس بين‬
‫يديها الوراق كالوصائف فصافحت ريحها الخياشيم‪،‬‬
‫ومنظرها الحدق‪ ،‬فكان عين النرجس عين وورقة ورق‪،‬‬
‫فالشقايق تحكي لون الحجل والبهار يصف حال‬
‫الوجل‪ ،‬والنيلوفر يغفى وينتبه‪ ،‬والغصان تعتنق‬
‫وتفترق‪ ،‬وقد ضرب الربيع جل ناره في جلناره‪ ،‬وبثت‬
‫الراييح أسرارها إلى النسيم فنم‪ ،‬فاجتمع في عرس‬
‫التواصل فنون القيان‪ ،‬فعل كل ذي فن على فنن‪،‬‬
‫فتطارحت الطيار مناظرات السجوع‪ ،‬فأعرب كل بلغته‬
‫عن شوقه إلى إلفه‪ ،‬فالحمام يهدر‪ ،‬والبلبل يخطب‪،‬‬
‫والقمري يرجع‪ ،‬والمكاء يغرد‪ ،‬والغصان تتمايل‪ ،‬كلها‬
‫تشكر الذي بيده عقدة النكاح فحينئذ تجد خياشم‬
‫المشوق ضالة وجده‪.‬‬
‫حبذا من أجلهـا‬
‫لي بذات البـان‬
‫الـبـاب‬
‫أشـجـان‬
‫من نسيم الفجـر‬
‫حبـذا رياه يوقـظـــه‬
‫ريعـان‬
‫حبذا ورق الـحـمـام‬
‫رنحتها منـه أغـصـان‬
‫إذا‬
‫ع‬
‫داعيات بالـهـديل‬
‫فيه أسـجـا ٌ‬
‫وألـحـان‬
‫لـهـا‬

‫‪239‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬
‫ت إذا‬
‫أعجميا ٌ‬
‫نـطـقـت‬
‫كلما غنيتـنـي‬
‫هـزجـا ً‬
‫ما لي بي ميل‬
‫الغصون بها‬
‫يا حمام البان‬
‫يجمـعـنـا‬
‫يحن بالشكوى إلي‬
‫فـمـا‬
‫يتشاكى الواجـدون‬
‫جـوى‬
‫أنا مخلوس القرين‬
‫وأنتـن‬
‫وبعيد الـدار عـن‬
‫وطـن‬

‫مكتبة‬

‫ليس إل الشـوق‬
‫تـبـيان‬
‫هاجني للذكـر‬
‫أحـزان‬
‫طربي فالكـل‬
‫نـشـوان‬
‫وجدنا إذ نحـن‬
‫جـيران‬
‫بين أهل الحب‬
‫كتـمـان‬
‫واحدا ً والـوجـد‬
‫ألـوان‬
‫أزواج وأقـــــران‬

‫آه مـن داء أكـاتـمــه‬
‫ل تزدني يا عذول‬
‫جـوى‬
‫الفصل الثامن والربعون‬
‫من علم أن هبات الدنيا هبا‬
‫الدهر مستعـجـل‬
‫يخـب‬
‫إن الذي أنت فـيه‬
‫حـلـم‬
‫توقّ مكر الزمان‬
‫واحـذْر‬

‫شاقه لـلـبـان‬
‫أوطـان‬
‫والهـوى سـّر‬
‫وإعـلن‬
‫أنا بالشـواق‬
‫سـكـران‬

‫حل من غل ذل‪.‬‬
‫فاختم وطين الكتاب‬
‫رطب‬
‫وسوف تنساه إذا‬
‫تـهـب‬
‫ول تثق فالزمـان‬
‫خـب‬
‫وكل ما نحن فيه‬
‫جميع أفعـالـه غـرور‬
‫لـعـب‬
‫يكرهه المـرء أو‬
‫وليس يبقى علـيه‬
‫يحـب‬
‫شـيءٌ‬
‫يا من له ناظر‬
‫أسمع أحاديث من‬
‫وقـلـب‬
‫تقضـي‬

‫‪240‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫الدنيا تعطي تفاريق وتسترجع جم ً‬
‫ل‪ ،‬وترضع أفاويق‬
‫وتقطع عج ً‬
‫ل‪ ،‬يواني خيرها وإن واتى لمعا‪ ،‬ثم يأتي‬
‫شرها حين يأتي دفعا‪ ،‬فترى العبرات عند فقدها تراق‬
‫ول ترقا‪ ،‬والزفرات عند سلبها تهد ول تهدأ‪ ،‬ويحكم أن‬
‫المفروح به من الدنيا هو المحزون عليه‪،‬‬
‫إخواني‪ :‬ذودوا هممكم عن مرعى المنى فإنه يزيدها‬
‫ف‬
‫عجقًا‪ ،‬ول تولوا الهوى على ميدان البدان " إّني َأخا ُ‬
‫ل دين َك ُم أ َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ض الفساد "‪.‬‬
‫ن ي ُب َدّ َ ِ‬
‫وأ ْ‬
‫أ ْ‬
‫ْ ْ‬
‫هَر في الر ِ‬
‫ن ي ُظ ِ‬
‫الهوى وثن ينصب في جاهلية الشباب فإن صح إسلم‬
‫العزم جعل أصنام الشهوات جذاذًا‪.‬‬
‫يا معاشر الشباب زيدوا في سلسل الهوى فإن‬
‫شيطان الهوى مارد‪ ،‬زنوا حلوى المشتهى بمر العقاب‬
‫يبن لكم التفاوت‪ ،‬إلى متى يقودكم الهوى? إلى متى‬
‫تستعبدكم الدنيا?‪.‬‬
‫ي‪:‬‬
‫للشريف الّرض ّ‬
‫م على الذ ّ‬
‫ل إقراٌر‬
‫كم اصطباٌر على‬
‫وك َ ْ‬
‫ن‬
‫ة‬
‫ضيم ٍ ومنقص ٍ‬
‫وإذعـا ُ‬
‫ب للرواح‬
‫ن‬
‫إ ّ‬
‫ن المناق َ‬
‫ول ْت َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ُثوروا لها َ‬
‫س ُ‬
‫ن‬
‫م‬
‫أثـمـا ُ‬
‫فيها نفو ُ‬
‫كـ ُ‬
‫إلى متى جمود الناث? أين الحركة الرجولية?‪.‬‬
‫للمهيار‪:‬‬
‫قم فانتش ْ‬
‫ع لها أيدَيهـا‬
‫طها‬
‫ودَ ْ‬
‫حسُبها أن ُتع َ‬
‫والرجـل‬
‫قل‬
‫ح الذ ّ‬
‫ى ي ُْنضي‬
‫ل وراء‬
‫ل يطر ُ‬
‫إل فت ً‬
‫ُ‬
‫المطايا الذّلل‬
‫ظهره‬
‫الجد الجد فالطريق طويلة‪ ،‬دار الناقة بذكر الدار عللها‬
‫بصوت الحداة‪ ،‬فإذا لح لها المنزل فشوقها يسوقها‪.‬‬
‫للمهيار‪:‬‬
‫وارم ِ بها من العلى‬
‫خ لها زمامها‬
‫إر ِ‬
‫ما شسعـا‬
‫والنـسـعـا‬
‫وارحل بها مغتربا ً‬
‫توطك من أرض‬
‫العدى متسعا‬
‫عن العـدى‬
‫بلغ سلمي إن‬
‫يا رائد الظعن‬
‫وصلت لعلعـا‬
‫بأكناف اللـوى‬
‫فهم‬
‫ماذا عليهم لو رثوا‬
‫لول انتظار طي ِ‬

‫‪241‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫ما هجعـا‬
‫لسـاهـر‬
‫إخواني‪ :‬انبعاث الجوارح في العمل دليل على قوة‬
‫العلم بالجر‪ ،‬فإذا حصل تسليم النفوس في الجهاد‬
‫إلى القتل كان النهاية في كمال اليقين‪ ،‬فإذا وقع‬
‫الفرح بأسباب التلف دل على كمال المحبة‪ ،‬كما قال‬
‫عبد الله بن جحش اللهم سّلط علي غدا ً عدوا ً يبقر‬
‫بطني ويجدع أنفي‪ ،‬فإذا لقيتك قلت هذا فيك ومن‬
‫أجلك‪.‬‬
‫وطعن حرام بن ملحان‪ ،‬فنفذ فيه الرمح فقال‪ :‬فزت‬
‫ب الكعبة‪ .‬لو رأيتهم والمعترك قد اعتكر وقد تقدموا‬
‫ور ّ‬
‫في القدموس فانبلج المر وجاش جأش الجيش في‬
‫أُ ُ‬
‫فّرة فلم يتميز الهلقام السرعرع‪ ،‬من القلهزم‬
‫الحنزقرة‪ ،‬وإذا الغضنفر الدمكمك والقخر العلندي‬
‫والضباضب الدلمر كلهم في مقام أجفيل فلما‬
‫انزعجت الطباع تذكروا قبيح الجناية‪ ،‬فمدوا أيدي‬
‫التسليم للودايع‪ ،‬فخضب الدماء محاسن وجوه‪ ،‬طال ما‬
‫صبرت على برد الماء وقت السباغ‪ ،‬وحصدت مناجل‬
‫السيوف زروع روس طال ما أطرقت في السحار‪،‬‬
‫وعادت خيولهم خلية عنهم فوطئتهم بعد السنا تحت‬
‫السنابك‪ ،‬واقتسم لحومهم عقبان السماء وسباع‬
‫الرض‪ ،‬فكم من رجل رجل‪ ،‬طالما قامت فصلت‬
‫فصلت‪ ،‬وكم من يد بالدعاء رفعت وقعت‪ ،‬وكم من‬
‫بطن حمل بالصيام ما شق شق‪ ،‬وكم من عين كانت‬
‫تعين الحزين بالفيض وقعت في منقار طائر هذا حديث‬
‫الجسام فأما الرواح ففي دار السلم‪ ،‬والله ما كانت‬
‫إل غفوة حتى أعطاهم العفو عفوا عفوه‪ ،‬وكأنكم‬
‫بأجسادهم التي تفرقت قد تلفقت‪ ،‬وبالقبور التي‬
‫جمعتهم قد تشققت‪ ،‬وقد قاموا بالسلح حول العرش‬
‫ينادون بلسان الحال‪ ،‬عن صاحبه حاربنا ولجله قتلنا‪،‬‬
‫وكلومهم يومئذ قد انفجرت فجرت‪ ،‬اللون لون الدم‬
‫والريح ريح المسك‪ ،‬فليعلم الشهاد حينئذ أنهم‬
‫الشهداء‪ ،‬اسمع يا من ل يحارب الهوى ول ساعة فلو‬
‫فاتتك الغنائم وحدها قرب المر‪ ،‬وإنما لقب جبان‬
‫قبيح‪ ،‬أين أرباب العزائم القوية? امتلت بالبرار‬
‫البرية‪ ،‬رحلوا عنها وفاتوا‪ ،‬ونحن متنا وهم ما ماتوا‪.‬‬
‫فالحمى أقفر من‬
‫خّلي طرفي والبكا‬
‫َ‬

‫‪242‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫جـار وأهـل‬
‫خلي‬
‫ت ِ‬
‫إن كن َ‬
‫أنا عن لومك في‬
‫والح من لم يدر ما‬
‫أشغل شغـل‬
‫طعم السـى‬
‫واعتراضات الهوى‬
‫لم يدع وقر الهوى‬
‫بابا ً لعـذل‬
‫في سمـعـي‬
‫غير قلبي أن تأسـى للتأسي أو تسلي‬
‫للـتـسـلـي‬
‫عـاشـق‬
‫أم قلوب بين حصبـاء‬
‫أثاف ما ترى تشكـو‬
‫ورمـل‬
‫الـصـل‬
‫والتجافي عن بلى‬
‫هذه من بـعـدهـم‬
‫الطلب يبلي‬
‫آثـارهـم‬
‫ما وقوفي في محـ ّ‬
‫ل في فؤادي أهُله ل‬
‫في المحـل‬
‫ن‬
‫سـاكـ ٍ‬
‫فـ ُ‬
‫يتمّنى طي ُ‬
‫كـم صـب مستهام والمنى جهد‬
‫الـمـقـل‬
‫لـكـم‬
‫من لعيني أن ترى‬
‫والذي يستجلب‬
‫النوم ومن لي‬
‫الطيف الـكـرى‬
‫بعت حلمي طـائعـا ً ل بسفاهي فاشتروا‬
‫كـارهـا ً‬
‫عـزي بـ ُ‬
‫ذلـي‬
‫وانقضى أكثر عمري جفوة منكـم فـرقـوا‬
‫لـلقـل‬
‫في القـلـى‬
‫وارحموا من ما له‬
‫حملوني الخف مـن‬
‫طـاقة ثـقـل‬
‫هـجـركـم‬
‫عجـبـا ً لـي ولـقـلـب بان عنـي بـين‬
‫بـانـات وأثـل‬
‫ع‬
‫ضـائ ٍ‬
‫سل بقلبي عـن خـيام تاه قلبي في حماها‬
‫ض ّ‬
‫ل عقـلـي‬
‫بـالـلـوى‬
‫غير أن ما شكلها‬
‫ق مثل‬
‫ذات طو ٍ‬
‫في الحزن شكلي‬
‫شجوى شجـوهـا‬
‫أنا في النوح اضطرارا ً وهي في غير‬
‫ر فيه مثلي‬
‫مثـلـهـا‬
‫اضطرا ٍ‬
‫حرم الله على الـبـان وحماه الغيث مـن‬
‫طـ ّ‬
‫ل ووبـل‬
‫الـصـبـا‬
‫وأراح العـيس مـن‬
‫ما على السائق لو‬

‫‪243‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬
‫شـدّ وحـ ّ‬
‫ل‬
‫ولعلي أن أرى‬
‫الخيف لـعـّلـي‬

‫مكتبة‬

‫حـ ّ‬
‫ل الـنـقـى‬
‫فعسى تدني المنى‬
‫مـنـى مـنـي‬
‫الفصل التاسع والربعون‬
‫ل عن قليل غافل عن زاد الرحيل ل يعتبر‬
‫عجبا ً لراح ٍ‬
‫بأخذ الجيل وإنما هو تأخير وتعجيل‪ ،‬أين النزيل? أزيل‪.‬‬
‫أين القويم? أميل‪ .‬أين المطمئن? اغتيل‪.‬‬
‫ل‬
‫ن الليالي ل تبقى‬
‫إ ّ‬
‫والناس ما بين آما ٍ‬
‫وآجال‬
‫على حال‬
‫كيف السرور بإقبال إذا تأملته مقلوب‬
‫إقـبـال‬
‫وآخره‬
‫تيقظوا فاليام دائبة‪ ،‬وتحفظوا فالسهام صائبة‪،‬‬
‫واحذروا دنياكم فما هي مواتية‪ ،‬واذكروا أخراكم فها‬
‫هي آتية‪ ،‬أما رأيتم الدنيا فقد أبانت خدعها ومكرها‪ ،‬إذا‬
‫بانت من جمعها مكرها‪ ،‬أين الرتياد للسلمة غدًا‪ ،‬أين‬
‫الستعداد? قبل الندامة أبدا‪ ،‬كأنكم بالمسير عن الربع‬
‫قد أزف‪ ،‬وبالكثير من الدمع قد نزف‪ ،‬وبالمقيم قد‬
‫أبين مما ألف‪ ،‬وبالكريم قد أهين لما تلف‪.‬‬
‫تزويجها أسرع أم‬
‫يا طالب الدنيا دنا‬
‫إطلقها‬
‫فراقهـا‬
‫ودين من يخطها‬
‫صداقها‬
‫عباد الله من تعلق قلبه بالجنة ل يصلح لنا‪ ،‬فكيف بمن‬
‫يهوى الدنيا?‪.‬‬
‫بعدتم بمقار‬
‫أردناكم صرفا ً فلما‬
‫التفاتكـم عـنـا‬
‫مزجـتـم‬
‫فأسكنتم الغياَر ما‬
‫وقلنا لكم ل تسكنوا‬
‫أنتم مـنـا‬
‫القلب غيرنا‬
‫السلطان ل يزاحم في داره‪ " ،‬ل يسعني شيءٌ ويسعى‬
‫قلب عبدي المؤمن "‪.‬‬
‫وسكنتم في القلب‬
‫غبتم عن العين‬
‫دار مقام‬
‫القريحة فيكم‬
‫ل‬
‫وسلبتم جلدي‬
‫فالصبر أول راح ٍ‬
‫بسـلم‬
‫التصبر عنكـم‬

‫‪244‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫خرج المريد الصادق من ديار الهوى إلى بادية الطلب‪،‬‬
‫فجن عليه ليل التحير فجن‪ ،‬فإذا نار القرى تلوح إن‬
‫حملت رجل الرجل‪.‬‬
‫للمهيار‪:‬‬
‫تح ّ‬
‫قا ً مناها وظّنهـا بـحـاجـر‬
‫قد أبصر ْ‬
‫يقـينـا‬
‫في الحمى‬
‫وخانني من لم‬
‫ت أدعو لـهـا‬
‫فب َل َ َ‬
‫غ ْ‬
‫يقـل‪ :‬آمـينـا‬
‫ت‬
‫وبـّلـغـ ْ‬
‫كرب المحب بالنهار يشتده لمزاحمة رقباء المخالطة‪،‬‬
‫م‬
‫فبلبل بلباله يتبلل في قفص الكتم‪ ،‬فإذا هّبت نسي ُ‬
‫السحر وجد بروحه روحاه يصل من قصر مصر المنى‬
‫إلى أرض كنعان المل‪ ،‬فيقدم ركب الشوق يتجسس‬
‫ه‪ ،‬فنهض توق الشوق‬
‫ول َ ٌ‬
‫النسيم‪ ،‬من فرج الفرج ول َ َ‬
‫ه َ‬
‫فتكلم قلم الشكوى‪ ،‬ورقم وصف القوم وحكى ما‬
‫حاكى‪ ،‬وكنى عن ما كنى‪.‬‬
‫وجفا الجفن منـامـه‬
‫ه‬
‫عاودَ القل ُ‬
‫مـ ُ‬
‫ب غـرا َ‬
‫كلما قلت جوى‬
‫خبا زاد اضطرامـه‬
‫الشوق‬
‫أنا في أسرك‬
‫قد يرعـى ذمـامـه‬
‫والمأسور‬
‫آه من عتبك في‬
‫إذا جـن ظـلمــه‬
‫اللـيل‬
‫سيدي هائمك‬
‫قد زاد هـيامـــه‬
‫الحـيران‬
‫تبل في الترب‬
‫هو ميت غـيران لـم‬
‫عظامه‬
‫كنهاري منذ فارقتـك ليلـى ل أنـامـــه‬
‫إذا اعتكر الليل اعترك الهم‪ ،‬طال الدجى على البدان‬
‫وقصر على القلوب‪.‬‬
‫فقالوا لنا ما اقتصر‬
‫شكونا إلى أحبابنا‬
‫الليل عندنا‬
‫طول ليلـنـا‬
‫لو رأيت رواحل البدان قد أنضاها طول السهر‬
‫وأضناها‪ ،‬فلما هبت نجدية السحر مدت أعناق الشوق‬
‫فزال كل الكلل‪.‬‬
‫لصردر‪:‬‬

‫‪245‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫نواشز ليس ُيطعن‬
‫ت‬
‫ورن عن أذرعا ٍ‬
‫تزا َ‬
‫البرينا‬
‫يمينا‬
‫ك َل ِ ْ‬
‫ن لنجد عليها‬
‫ن بنجد كان‬
‫أخذ َ‬
‫ف َ‬
‫يمـينـا‬
‫الـرياض‬
‫ن إل‬
‫وأقسمن يحملن إل‬
‫إليه وي ُْبلغ َ‬
‫حـزينـا‬
‫نحـيل‬
‫ن‬
‫ولما استمعن زفيَر‬
‫ونو َ‬
‫ح الحمام ترك َ‬
‫الحنـينـا‬
‫المـشـوق‬
‫فأرخو النسوع وحّلوا‬
‫إذا جـئتـمـا بـانة‬
‫الوضينـا‬
‫الـواديين‬
‫ملءُ الدجى والضحى‬
‫م عـلئق مـن‬
‫ُ‬
‫فَثـ ّ‬
‫قد طوينا‬
‫أجـلـهـا‬
‫بأن بـقـلـبـك داء‬
‫ه‬
‫وقد أنبأْتهم مـيا ُ‬
‫دفـينـا‬
‫الـجـفـون‬
‫دموع الخائفين يحبسها النهار مراقبة الخلق‪ ،‬فإذا جن‬
‫الليل انفتح سكر الدموع "فسالت أودية بقدرها" أرواح‬
‫السحار أقوات الرواح‪ ،‬رقت فرقت حرجد الوجد‪،‬‬
‫وبلغت رسائل الحب ومكروب الشوق يرتاح للرياح‪.‬‬
‫تطغي الغلة أو‬
‫يا نسيم الريح هل‬
‫تشفي الواما‬
‫مـن وقـفة‬
‫نحو من أنقذني فيك‬
‫كن رسـول ً بـسـلم‬
‫عـائدا ً‬
‫السلمـا‬
‫بل غرامي علم‬
‫لم تثر شجوى‬
‫الشجو الحماما‬
‫حمامات اللـوى‬
‫كانت بردة العابدة تنادي في جوف الليل‪ :‬غارت النجوم‬
‫ونامت العيون وخل كل حبيب بحبيبه وقد خلوت بك يا‬
‫خير محبوب‪ ،‬أفتراك تعذبني? وحبك في قلبي ل تفعل‬
‫يا حبيباه‪.‬‬
‫يخبرك بأنني أسير‬
‫إن شئت سألت دمع‬
‫الـحـزن‬
‫عيني عني‬
‫ظني حسن فيك‬
‫منك الغفران‬
‫فحقق ظنـي‬
‫والخطايا منـي‬
‫يا غافل القلب‪ ،‬ما هذا الكلم لك? ليس على الخراب‬
‫خراج‪ ،‬ل يعرف البر إل سائح‪ ،‬ول البحر إل سابح‪ ،‬ول‬
‫الزناد إل قادح‪.‬‬

‫‪246‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫موقف يعرفه من‬
‫ضمنا يوم تنادوا‬
‫عشقا‬
‫للـقـا‬
‫لما عشقت اللبلبة الشجر‪ ،‬تقلقلت طلبا ً لعتناق‬
‫الرؤس ولثم الخدود‪ ،‬فقيل لها مع الكثافة ل يمكن‪،‬‬
‫فرضيت بالنحول‪ ،‬فالتفت فالتقت‪.‬‬
‫حبي والوجد أورياني هذا جسمي يعد‬
‫عظما ً عظمـا‬
‫سقـمـا‬
‫يا سهم البين قد‬
‫دعني والشوق قد‬
‫أصبت المرمى‬
‫كفاني خصما‬
‫الفصل الخمسون‬
‫أخواني‪ :‬من تفكر في ذنوبه بكى‪ ،‬ومن تلمح سير‬
‫السابقين وانقطاعه شكا‪ ،‬ول أقلق القلب مثل الحزن‬
‫ول نكا‪.‬‬
‫وجوى كلما ذوى عاد‬
‫عند قلبي علقة ما‬
‫غضـا‬
‫تقـضـى‬
‫أيدي النام بسطا ً‬
‫وبكاء على المنازل‬
‫وقـبـضـا‬
‫أبلتـهـن‬
‫قل منها دبنا علي‬
‫من معيد أيام ذي‬
‫وقـرضـا‬
‫الثل أو مـا‬
‫ربما أقنع القلـيل‬
‫سامحا بالقليل من‬
‫وأرضـى‬
‫عهد نـجـد‬
‫ما يداوي نكس‬
‫مهديا ً لي من طيب‬
‫العليل المنضى‬
‫أرواح نجد‬
‫أخواني‪ :‬تفكروا في ذنب أبيكم ونزوله بالزلل‪،‬‬
‫ويكفيكم رمز إلى آدم بأنك عبد‪ ،‬في قوله "إن لك أن‬
‫ل تجوع فيها ول تعرى" لن العبد ليس له إل ما سد‬
‫الجوعة وستر العورة‪ ،‬فجاء إبليس يطمعه في الملك‪،‬‬
‫فلما خرج إلى الطمع خرج‪ ،‬نام في الجنة فانتبه وقد‬
‫خلقت له حوى‪ ،‬فقال‪ :‬ما هذا? قيل‪ :‬من يريد النوم‬
‫يخلق له ضجيج كفى بالشوق مسهرًا‪ ،‬فلما وقع في‬
‫الزلل طار النوم‪.‬‬
‫وهبت قبول‬
‫متى شق جيب الجنح‬
‫فالسلم على‬
‫بالبارق الومض‬
‫الغمـض‬

‫‪247‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫بالمس جبريل يسجد له‪ ،‬واليوم يجر بناصيته للخراج‪،‬‬
‫ولسان حاله يستغيث‪.‬‬
‫حداة العيس رفـقـا ً‬
‫ليغنم نظرة قبـل‬
‫الـمـسـير‬
‫بـالسـير‬
‫فعند حشاي مزدحم‬
‫ويا بان الحمى هل‬
‫الـزفـير‬
‫فـيك ظـل‬
‫وصدق هل مررت‬
‫ويا ريح الشمال‬
‫على الغدير‬
‫بحـق حـبـي‬
‫ذيولك يا مبلبـلة‬
‫وهل سحبت على‬
‫الـضـمـير‬
‫شـيح ورنـد‬
‫بكى على زلته ثلثمائة عام حتى سالت الودية من‬
‫دموعه‪ ،‬اسمع يا من يضحك عند المعاصي‪.‬‬
‫دمي ودموعي في‬
‫سلوا بعدكم وادي‬
‫هواكم أم القطر‬
‫الحمى ما أسالـه‬
‫وهل هو شوق في‬
‫وهل ما أراه الموت‬
‫فؤادي أم الجمر‬
‫أم حادث النوى‬
‫كان يقول لولده‪ :‬يا بني طال والله حزني على دار‬
‫أخرجت منها‪ ،‬فلو رأيتها زهقت نفسك‪.‬‬
‫وابكها يا رسول‬
‫قف فتلك الطلول‬
‫من عليها نزول‬
‫واقر عني سلمي‬
‫في فؤادي حلول‬
‫رب سكـان دار‬
‫واستمع ما تقول‬
‫فاسأل الدار عنهم‬
‫شرح حال يطول‬
‫لي وللبين فيهـم‬
‫ل تزد يا عـذول‬
‫قد كفاني غرامي‬
‫لمتني ما أقـول‬
‫لست أدري إذا ما‬
‫والمعنى حمـول‬
‫خلفوني معـنـى‬
‫قيل له‪ :‬رد إقطاعنا فحل القطاع بجناية لقمة‪ ،‬فلما‬
‫غسل آدم جناية الجناية رد القطاع عليه‪ ،‬لول لطف‬
‫"فتلقى" لقتله السف‪.‬‬
‫لو بيع بمهجتي لكنت‬
‫من لي من لي‬
‫الـرابـح‬
‫بوصل حب نازح‬
‫سامح في النقد يا‬
‫صالح من عاش‬
‫حبيبي سامـح‬
‫بالماني صالح‬
‫يا من جرى عليه ما جرى على أبيه‪ ،‬اسلك طريقه من‬
‫البكاء‪.‬‬

‫‪248‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫بأن من تهواه‬
‫خل دمع العين‬
‫فاحتملوا‬
‫ينهمـل‬
‫فهو يوم البين‬
‫كل دمع صانه كلـف‬
‫مبتـذل‬
‫اكتب قصة الندم بمداد الدموع‪ ،‬وابعثها مع ريح‬
‫الزفرات‪ ،‬لعل الجواب يصل برفع الجوى‪.‬‬
‫بعت عمري بحقير‬
‫كيف ل أبكي على‬
‫الـثـمـن‬
‫عيش مضى‬
‫وطبيبي في الهوى‬
‫كيف أرجو البرء من‬
‫أمرضنـي‬
‫داء الهوى‬
‫انتبه لنفسك يا من كلما تحرك تعرقل‪ ،‬فيك جوهرية‬
‫السباق ولكن تحتاج إلى رائض‪ ،‬قلبك محبوس‪ .‬في‬
‫سجن طبعك‪ ،‬مقيد بقيود جهلك‪ ،‬فإذا ترنم حاد تنفس‬
‫مشتاق إلى الوطن‪ ،‬فالبس لمة عزمك وسر بجند‬
‫جدك‪ ،‬لعلك تخلص هذا المسلم من أيدي الفراعنة‪.‬‬
‫رميت بقلبك مرمى‬
‫أبالغوا يشتاق تلك‬
‫بعـيدا‬
‫النجـودا‬
‫فؤاد أسير ول يفـنـد وجفن قتيل البكا‬
‫ليس بودي‬
‫لـي‬
‫لك الحديث يا معرض‪ ،‬أنت المراد يا غافل‪ ،‬يا مستلذا ً‬
‫برد العيش تذكر حرقة الفرقة‪ ،‬يا من يسلمه موكلن‬
‫إلى موكلين‪ ،‬ما لنبساطك وجه‪ ،‬إنما تملي عليها‬
‫رسالة إلى ربك‪ ،‬وما أراك نمل‪ ،‬قبح ما تمل‪ ،‬يا جامد‬
‫العين اليوم‪ ،‬غدا ً تدنو الشمس إلى الرؤس‪ ،‬فتفتح‬
‫أفواه مسام العروق فتبكي كل شعرة بعين عروقها‪،‬‬
‫يبرز يوسف الهيبة فيقد قميص الكون‪ ،‬نفخ الريح‬
‫اليوم يحرك الشجر‪ ،‬ونفخ الصور غدا ً يعمل في الصور‪،‬‬
‫ريح الدنيا بين مثير لقح تثير دفائن النبات وتلقح‬
‫الشجار وتثير دفائن العمار‪ ،‬وريح الخرى تلقح‬
‫الشباح للرواح لقراءة دفاتر العمار‪ ،‬أين الذي نصبوا‬
‫الخرة بين أعينهم فنصبوا‪ ،‬وندبوا أنفسهم لمحو‬
‫السيئات وندبوا‪ ،‬كان داود الطائي ينادي بالليل‪ ،‬همك‬
‫عطل على الهموم‪ ،‬وحالف بيني وبين السهاد‪،‬‬
‫وشوقي إلى النظر إليك حال بيني وبين اللذات‪ ،‬فأنا‬
‫في سجنك أيها الكريم مطلوب‪.‬‬

‫‪249‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬
‫كم ينشرني الهوى‬
‫وكم يطربني‬
‫هل تدركني بنظرة‬
‫تحـيينـي‬

‫مكتبة‬

‫يا مالك مهجتي‬
‫ووالـي دينـي‬
‫هجرانك مع محبتي‬
‫يضنـينـي‬
‫إذا جن الغاسق جن العاشق‪.‬‬
‫طال ليلي دون‬
‫سهرت عيني وناموا‬
‫صحي‬
‫كانوا يتراسلون بالمواعظ لتقع المساعدة على‬
‫اليقظة‪ ،‬كصياح الحارس بالحارس‪ .‬يا نيام السحور‪:‬‬
‫للمصنف‪:‬‬
‫وقفوا وقفة لنشـد‬
‫عرجوا بالرفاق نحو‬
‫قـلـبـي‬
‫الـركـب‬
‫أوردوا بي إلى‬
‫وخذوا لي من‬
‫ً‬
‫العذيب وحسبي‬
‫النقيب لمـاظـا‬
‫قوت روحي وحبذا‬
‫فهبوب الرياح من‬
‫من مهـب‬
‫أرض نجـد‬
‫بصوت يشجي وإن‬
‫يا نسيم الصبا ترنم‬
‫طار لبـي‬
‫على الـدوح‬
‫من معيد أيامنا بلوى وهيهات أين مني‬
‫صحـبـي‬
‫الـجـزع‬
‫الفصل الحادي والخمسون‬
‫أين اللهون بالمزاح زاحوا? أين شاربوا الراح راحوا?‬
‫وبك ويك يا صاح‪ ،‬لقد ندبوا في قبورهم على الونى‬
‫وناحوا‪.‬‬
‫بين أناس غيب‬
‫يا أيها الواقف‬
‫حـضـور‬
‫بالـقـبـور‬
‫قد سكنوا في حديث بين الثرى وجندل‬
‫الصخور‬
‫معمور‬
‫إنك عن حظك في‬
‫ينتظرون صيحة‬
‫غرور‬
‫النـشـور‬
‫أين أرباب المناصب? أبادهم الموت الناصب‪ ،‬أين‬
‫المتجبر الغاصب? أذله عذاب واصب‪ ،‬لفت والله‬
‫الكفان كالعصائب‪ ،‬على تلك العصائب‪ ،‬وحلت بهم‬
‫آفات المصائب إذ حل بلباتهم سهم صائب‪ ،‬فيا من‬
‫يأمن يتقلب على فراش عيوبه‪ ،‬مزمار ومزهر ومسكر‬

‫‪250‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫ومنكر‪ ،‬فجاءه الموت فجاءة فأنساه ولده ونساءه‪،‬‬
‫وجلب مساؤه ما ساءه‪ ،‬فنقل إلى اللحد ذميما‪ ،‬ولقي‬
‫من غب المعاصي أمرا ً عظيما‪.‬‬
‫بينا تـراه غـاديا ً‬
‫في نعـم غـادية‬
‫رائحـا ً‬
‫رائحة‬
‫من خبئه آماله‬
‫إذا بيوم طالح‬
‫الصالحة‬
‫مـخـرج‬
‫وقائل عهدي به‬
‫كم سالم صحته‬
‫البارحة‬
‫مـوتـه‬
‫أمسى وأمست عنده فأصبحت تندبـه‬
‫نـائحة‬
‫قـينة‬
‫واينا ليست به‬
‫فكن من الدنيا على‬
‫صـائحة‬
‫صيحة‬
‫من كانت الدنيا به‬
‫فإنها يوما ً له ذابـحة‬
‫برة‬
‫واعجبًا‪ ،‬لمن رأى هلك جنسه ولم يتأهب لنفسه قال‬
‫البازي للديك‪ :‬ليس على الرض أقل فاءا ً منك‪ ،‬أخذك‬
‫أهلك بيضة فحضنوك فلما خرجت جعلوا مهدك‬
‫حجورهم ومائدتك أكفهم‪ ،‬حتى إذا كبرت صرت ل يدنو‬
‫منك أحد إل طرت ها هنا وها هنا وصحت‪ ،‬وأنا أخذت‬
‫مسنا ً من الجبال فعلموني ثم أرسلوني‪ ،‬فجئت بصيدي‬
‫فقال له الديك‪ :‬إنك لم تر بازيا ً مشويا ً في سفود‪ ،‬وكم‬
‫رأيت في سفود من ديك? أخواني الزهد في الدنيا‬
‫زبد‪ ،‬مخض محض الفكر‪ ،‬حظ الحريص على الدنيا في‬
‫الحضيض‪ ،‬والقنوع في أعلى الذرى‪ ،‬سائق الحرص‬
‫يضرب ظهر الحريص بعصا التحريض‪ ،‬فلو قد عصى‬
‫الهوى كفت العصا‪ ،‬كلما زاد على القوت فهو مستخدم‬
‫الكاسب يا موغل ً في طلب الدنيا الحساب حبس‪ ،‬فإن‬
‫صح لك الجواب تعوقت بمقدار التصحيح‪ ،‬وإن لم يصح‬
‫فمطورة جهنم‪.‬‬
‫ويحك‪ ،‬طالع دستور عملك ترى كل فعلك عليك‪ ،‬من‬
‫وقف على صراط التقوى وبيده ميزان المحاسبة‬
‫ومحك الورع يستعرض أعمال النفس‪ ،‬وبرد البهرج إلى‬
‫كير التوبة سلم من رد الناقد يوم التقبيض‪.‬‬
‫ويحك‪ ،‬سلطان الشباب قد تولى‪ ،‬وأمير الضعف قد‬

‫‪251‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫تولى‪ ،‬ومعول الكبر يحصد حيطان دار الجل‪ ،‬وحسبك‬
‫داء أن تصح وتسلما‪ ،‬قف على ثنية الوداع نادبا ً قبل‬
‫الرحيل على ديار اللفة‪.‬‬
‫حاشى لطللك أن‬
‫يا منزل ً لم تبل‬
‫تبلـى‬
‫أطـللـه‬
‫ل بد للمحزون أن‬
‫والعشق أولى ما‬
‫يسلـى‬
‫بكاه الفتى‬
‫بكيت عيشي فيك إذ‬
‫لم أبك أطللك‬
‫ولى‬
‫لكـنـنـي‬
‫كان ثابت البناني يستوحش لفقد التعبد بعد موته‪،‬‬
‫فيقول‪ :‬يا رب إن كنت أذنت لحد أن يصلي في قبره‬
‫فأذن لي‪.‬‬
‫وكان يزيد الرقاشي يقول في بكائه‪ :‬يا يزيد من يبكي‬
‫بعدك عنك? من يترضى ربك لك?‬
‫أحبكم ما دمت حـيا ً‬
‫فواكبدي من ذا‬
‫يحبكم من بعدي‬
‫وإن أمـت‬
‫لما علم المحبون أن الموت يقطع التعبدات كرهوه‬
‫لتدوم الخدمة‪ ،‬جاء ملك الموت إلى موسى عليه‬
‫السلم ليقبضه فلطم عينه‪ ،‬فإذا قامت القيامة باد إلى‬
‫العرش طالت غيبته فاستعجل استعجال مشوق كانوا‬
‫يحبون أماكن الذكر ومواطن الخلوة‪ ،‬والمؤمن ألوف‬
‫للمعاهد عهد عند المحب ل ينساه‪ ،‬اسكن حراء‪.‬‬
‫فبذاك المنحنى طل‬
‫احبسا الركب بوادي‬
‫دمـي‬
‫سلـم‬
‫فمن السكان أشكو‬
‫وانشدا قلبي في‬
‫ألمـي‬
‫سكـانـه‬
‫فوجودي بعده‬
‫أخذوا قلبي وأبقوا‬
‫كـالـعـدم‬
‫جسـدي‬
‫وابلئي أن خصمي‬
‫صل محبا ً جفنـه لـم‬
‫حكمي‬
‫ينـم‬
‫واعجبا ً للمحب يستر ذكر الحبيب‪ ،‬بذكر المنازل‪ ،‬وما‬
‫يخفى مقصوده على السامع "أحد جبل يحبنا ونحبه"‪.‬‬
‫بذكر سليمى‬
‫أل اسقني كاسات‬
‫والرباب وتنعـم‬
‫دمعي وغنني‬
‫أغار عليها من فم‬
‫وإياك واسم‬

‫‪252‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫المتكـلـم‬
‫العامرية إنـنـي‬
‫رياح السحار تحمل الرسائل وترد الجواب‪.‬‬
‫للخفاجي‪:‬‬
‫أظن الريح تفهم ما‬
‫أفي نجد تحاورك‬
‫نقـول‬
‫القـبـول‬
‫تشابهت الذوائب‬
‫تغنت في رحال‬
‫والـذيول‬
‫الركب حتى‬
‫يناوبها التنفس‬
‫صحبنا في ديارهم‬
‫والنـحـول‬
‫صباهـا‬
‫حسبنا أنها مهـج‬
‫وأمطرنا سحاب‬
‫تـسـيل‬
‫الدمع حتى‬
‫أنحن السائلون أم‬
‫وعجنا ذاهلين فما‬
‫الطلـول‬
‫علمـنـا‬
‫ديار الحباب درياق هموم المحبين على أنني منها‬
‫استفدت غرامي‪ ،‬كان قيس إذا رحلت ليلى تعلل‬
‫بالثار واستشفى بالدمن واستنشق الصبا وشام برق‬
‫بني عامر‪.‬‬
‫وق نجدا ً فالـغـرام‬
‫أقتل أدواء الرجـال‬
‫مـجـد‬
‫الـوجـد‬
‫ودنف ما يستـفـيق‬
‫حيث الرياض‬
‫بـعـد‬
‫والنسـيم أنـف‬
‫نار الغرام ففـؤادي‬
‫إن الصبا إذا جـرت‬
‫الـزنـد‬
‫قـادحة‬
‫تعدى المحبين الصبا لها على أهل الغرام‬
‫حـقـد‬
‫كأنـمـا‬
‫هزل فهزل النفحـات‬
‫ل تتـلـق نـفـحة‬
‫جـد‬
‫نـجـدية‬
‫دع الصبا فعل الهواء سيان منه قصـره‬
‫والـمـد‬
‫كالهوى‬
‫لها بترجيع الحـنـين‬
‫ما كبدي بـعـدك إل‬
‫وقـد‬
‫جـذوة‬
‫ما كان قط ستر نار‬
‫يسترها الجلد ولول‬
‫جـلـد‬
‫أدمـعـي‬
‫كيف ببرئي والطبيب يصد والداء العضال‬
‫الـصـد‬
‫ممرضي‬

‫‪253‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫والماء طرفي‬
‫والتراب الخـد‬
‫كذا وجود العاشقـين‬
‫فـقـد‬

‫النار قلبي والسموم‬
‫نفـسـي‬
‫قد كنت أخفى عن‬
‫عيون عذلي‬
‫??الفصل الثاني والخمسون‬
‫العزلة حمية البدن والمناجاة قوت القلب‪ ،‬ومن أنس‬
‫بموله استوحش من سواه‪.‬‬
‫كن لي إن لم أكن‬
‫يا منتهى وحشتي‬
‫لنفسي‬
‫وأنسي‬
‫حلمك عن سيئات‬
‫أوهمني في غد‬
‫أمسي‬
‫نجاتـي‬
‫خلق القلب طاهرا ً في الصل‪ ،‬فلما خالطته شهوات‬
‫الحسن تكدر‪ ،‬وفي العزلة يرسب الكدر‪ ،‬الحيوان‬
‫المميز على ثلثة أقسام‪ :‬فالملئكة خلقت من صفاء ل‬
‫كدر فيه‪ ،‬والشياطين من كدر ل صفاء فيه‪ ،‬والبشري‬
‫مركب من الضدين‪ ،‬فالعجب أن تقوى عنده التقوى‪،‬‬
‫تقديس الملئكة يدور على ألسنة ل تشتاق بالطبع إلى‬
‫الفضول سبح تسبيحهم عقود ما نظمتها كلف‬
‫التكليف‪ ،‬تمرات زروعهم‪ ،‬نشأت ل عن تعب‪ ،‬سقاها‬
‫سيح العصمة‪ ،‬فكثر في زكوات تعبدهم قدر الواجب‬
‫"ويستغفرون لمن في الرض"‪.‬‬
‫كانت أقدم تعبدهم سليمة فاستبطئوا سير زمني‬
‫الهوى‪ ،‬فقيل‪" :‬إذا رأيتم أهل البلء‪ ،‬فسلوا الله‬
‫العافية" واعجبا ً من منحدر في سفن التعبد يستبطئ‬
‫مصاعدا ً في الشمال‪ ،‬سمعوا بيوسف الهوى وما رأوه‪،‬‬
‫ود‬
‫فأخذوا يلومون زليخا الطبع من حبس عتب "ُترا ِ‬
‫فتاها " فلما قالت الدنيا يوم هاروت وماروت "اخُرج‬
‫ن" قطعوا أكف الصبر وصاح في تلك المواقف‬
‫عليه ّ‬
‫خلقوا‪ ،‬ألهم‬
‫مواقف "أتجعل فيها" إن للحرب رجال ً ُ‬
‫أنين المذنبين? أو خلوف الصائمين‪ ،‬أو حرقة المحبين‪،‬‬
‫أما عب بحر المانة يوم "إّنا عرضنا المانة" توقفت‬
‫الملئكة على الساحل‪ ،‬ونهضت عزيمة الدمي لسلوك‬
‫سبيل الخطر‪ ،‬بلى لقدام المحب أقدام‪.‬‬
‫ولم يزل ذو الشوق‬
‫يغلبني شوقي‬

‫‪254‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫مغلوبـا‬
‫فأطوي السرى‬
‫ل نحتاج أن نناظر الملئكة بالنبياء‪ ،‬بل نقول‪ :‬هاتوا لنا‬
‫مثل عمر‪ ،‬كل الصحابة هاجروا سرا ً وعمر هاجر جهرًا‪،‬‬
‫وقال للمشركين قبل خروجه ها أنا‪ .‬على عزم الهجرة‬
‫فمن أراد أن يلقاني فليلقني في بطن هذا الوادي‪،‬‬
‫فليت رجال ً فيك قد نذروا دمي‪ ،‬مذ عزم عمر على‬
‫طلق الهوى أحد أهله عن زينة الدنيا‪.‬‬
‫وعزمة بعثتـهـا هـمة من تحتها بمكان‬
‫الترب من زحل‬
‫زحـل‬
‫لما ولي عمر بن عبد العزيز خّير النساء‪ ،‬فقال‪ :‬من‬
‫شاءت فلتقم ومن شاءت فلتذهب‪ ،‬فإنه قد جاء أمر‬
‫شغلني عنكن‪.‬‬
‫لمهيار‪:‬‬
‫ي رنـا أو‬
‫سـم بـالـعـفة‪ :‬ل‬
‫أقـ َ‬
‫ظبـ ٌ‬
‫ودا‬
‫ه‬
‫غـصـ ٌ‬
‫تـّيمــ ُ‬
‫ن تـأ ّ‬
‫ت المدى قال‪:‬‬
‫وكلما قيل له‪ :‬قـف‬
‫جز َ‬
‫ت المدى‬
‫ح‬
‫تـسـتـر ْ‬
‫وهل نل ُ‬
‫للعزائم رجال ليسوا في ثيابنا‪ ،‬وطنوا على الموت‬
‫فحصلت الحياة‪.‬‬
‫ملـح ول أم تـصـيح‬
‫إذا ما جررت الرمح‬
‫ورائي‬
‫لم يثنني أب‬
‫وشيعني قلـب إذ مـا أطاع بـعـزم ل يروغ‬
‫ورائي‬
‫أمـرتـه‬
‫يا مختار القدر اعرف قدرك‪ ،‬فإنما خلقت الكوان كلها‬
‫لجلك‪ ،‬يا خزانة الودائع يا وعاء البدائع‪ ،‬يا من غذي‬
‫بلبان البر وقلب بأيدي اليادي‪ ،‬يا زرعا ً تهمى عليه‬
‫سحب اللطاف‪ ،‬كل الشياء شجرة وأنت الثمرة‪ ،‬وصور‬
‫وأنت المعنى‪ ،‬وصدف وأنت الدر‪ ،‬ومخضة وأنت الزبد‪،‬‬
‫مكتوب اختيارنا لك‪ ،‬واضح لخلط‪ ،‬غير أن استخراجك‬
‫ضعيف‪ ،‬متى رمت طلبي فاطلبني عندك‪.‬‬
‫لسـت أنـسـاه‬
‫ساكن في القلـب‬
‫فـاذكـره‬
‫يعـمـره‬
‫فسويدا القلـب‬
‫غاب عن سمعي‬
‫تـبـصـره‬
‫وعن بصري‬

‫‪255‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫ويحك لو عرفت قدر نفسك ما أهنتها بالمعاصي‪ ،‬إنما‬
‫أبعدنا إبليس لجلك لنه لم يسجد لك‪ ،‬فالعجب منك‬
‫كيف صالحته وهجرتنا?‬
‫حفظنا له الود‬
‫رعى الله من نهوى‬
‫الـقـديم فـضـيعـا‬
‫وإن كان ما رعى‬
‫وحقك ما أبقيت‬
‫وواصلت قوما ً كنت‬
‫للصلح مـوضـعـا‬
‫أنهاك عـنـهـم‬
‫يا جوهرة بمضيعة‪ ،‬يا لقطة تداس‪ ،‬كم في السماوات‬
‫من ملك يسبح? ما لهم مرتبة "تتجافى" ل يعرفون‬
‫طعم طعام‪ ،‬وما لهم مقام "ولخلوف" أنين المذنبين‬
‫عندنا‪ ،‬أو في من تسبيحهم‪ ،‬سبحان من اختارك‪ ،‬على‬
‫الكل وجادل عنك الملئكة قبل وجودك "إني أعلم"‬
‫خلق سبعة أبحر واستقرض منك دمعة‪ ،‬له ملك‬
‫السماوات والرض واستقرض منك حبة‪.‬‬
‫وليس يرويك إل‬
‫الماء عندك مبـذول‬
‫مدمع الباكي‬
‫لـوارده‬
‫كانت المتعة المثمنة والللئ النفيسة تباع بمصر فل‬
‫ينظر إليها يوسف فإذا جاءت أجمال صوف من كنعان‬
‫لم تحل إل بين يديه "ل تسئل عن عبادي غيري"‪.‬‬
‫للخفاجي‪:‬‬
‫برق بنار الشرق‬
‫لح وعقد الليل‬
‫مشبوب‬
‫مسلـوب‬
‫سطر من الحباب‬
‫أسأله عنكـم وفـي‬
‫مكتوب‬
‫طـيه‬
‫لو كان في قلبك محبة‪ ،‬لبان أثرها على جسدك‪ ،‬عجب‬
‫ربنا من رجل ثار عن وطائه ولحافه إلى صلته‪ ،‬تلمح‬
‫معنى ثار‪ ،‬ولم يقل قام‪ ،‬لن القيام قد يقع بفتور‪،‬‬
‫فأما الثوران فل يكون إل بالسراع حذرا ً من فائت‪.‬‬
‫على شعب الرحل‬
‫إذا هزنا الشوق‬
‫اضطراد الراقم‬
‫اضطربنا لـهـزه‬
‫ومن أريحـيات‬
‫فمن صبوات‬
‫تـهـب بـنـائم‬
‫تسـتـقـيم بـمـائل‬
‫أخواني من ناقره الوجد ناقره النوم‪ ،‬قال سفيان‬
‫الثوري‪ :‬بت عند الحجاج ابن الفرافصة إحدى عشرة‬
‫ليلة‪ ،‬فما أكل وما شرب ول نام‪.‬‬

‫‪256‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬
‫عللة وهو سـؤال‬
‫مـحـال‬
‫والنوم من شرط‬
‫ليالي الوصال‬

‫مكتبة‬

‫اسأل عيني كيف‬
‫طعم الكـرى‬
‫وكيف بالنوم على‬
‫الهجر لـي‬
‫??الفصل الثالث والخمسون‬
‫يا طويل المل في قصير الجل‪ ،‬يا كثير الزلل في‬
‫يسير العمل‪ ،‬خل لك الزمان وما سددت الخلل‪ ،‬أفما‬
‫عندك وجل من هجوم الجل?‬
‫جهازا ً من التقوى ل‬
‫تجهز إلى الجداث‬
‫طول ما حبس‬
‫ويحك والرمس‬
‫بأحسن ما ترجو‬
‫فإنك ما تدري إذا‬
‫كنت مصبـحـا ً‬
‫لعلك ل تمـسـى‬
‫فإن هوان النفس‬
‫سأتعب نفسـي أو‬
‫أكرم للـنـفـس‬
‫أصـادف راحة‬
‫وازهد في الدنيا فإن كظاعنها ما أشبه‬
‫اليوم بـالمـس‬
‫مـقـيمـهـا‬
‫يا معاشر الصحاء اغتنموا نعمتي السلمة والمهال‪،‬‬
‫واحذروا خديعتي المنى المال‪ ،‬قد جربتم على النفس‬
‫تبذيرها في بضاعة العمر‪ ،‬فانتبهوا لنتهاب الباقي‬
‫"ول تؤتوا السفهاء أموالكم" الدنيا حلم يقظة‪ ،‬ويوم‬
‫الحساب تفسير الضغاث‪ ،‬أيام معدودة وسيفنى العدد‬
‫وطريق صعبة على قلة العدد‪ ،‬وقد سار الركب ولح‬
‫الجدد‪ ،‬أترى تظن أن تبقى إلى البد? أما يعتبر بالوالد‬
‫الولد‪ ،‬أين المتحرك في الهواء همد‪ ،‬أين اضطرام تلك‬
‫النار? خمد‪ ،‬أين ماء العراض الجاري? جمد‪ ،‬تساوى‬
‫في الممات الثعلب والسد‪ ،‬وشارك الوهى بين الحديد‬
‫والمسد‪ ،‬وجمع التلف عنقاء مغرب والصرد‪ ،‬واستقام‬
‫قياس النقض للكل وأطرد‪ ،‬أفل ينتبه من رقدته من قد‬
‫رقد? يا شاربين من منهل أبوى شرب الهيم‪ ،‬يا‬
‫جاعلين نهار الهدى كالليل البهيم‪ ،‬مقيمين على‬
‫الدنس وليس فيهم مقيم‪ ،‬سالمين من أمراض البدن‬
‫وكلهم سليم‪ ،‬أتعمرون ربوع النقم برتوع النعم?‬
‫وتستبدلون بالقرآن‪ ،‬محرمات النغم‪ ،‬وقد توطنتم‬
‫ناسين تروح النزوح فلم تذكروا الممات‪ .‬تروح الروح‪،‬‬
‫تالله ليعودن المستوطن في أهله غريبًا‪ ،‬والمغتبط‬

‫‪257‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫بفرحه مغيظا ً كئيبا ً "إنهم يرونه بعيدا ً ونراه قريبًا"‪.‬‬
‫أين أرباب البيض والسمر? والمراكب الصفر والحمر‪،‬‬
‫والقباب والقب الضمر‪ ،‬ما زالوا يفعلون فعل الغمر‬
‫إلى أن تفضي جميع العمر‪ ،‬يا من عمره قد رحل‬
‫وولى‪ ،‬كأنك بك تندم وتتقلى‪ ،‬والسمع والبصر للموت‬
‫قد كل‪ ،‬ويد التناول للتوبة شل‪ ،‬والعين تجري وابل ً ل‬
‫طل‪ ،‬وعصافير الندم قد أنضجها القل‪ ،‬وأنت تستغيث‬
‫ن" فيقال "كل" أل كان هذا قبل هذا‪.‬‬
‫"ر ّ‬
‫ب ارجعو ِ‬
‫أل يا ثقيل النوم‪ ،‬يا بطيء اليقظة‪ ،‬يا عديم الفهم‪ ،‬أما‬
‫ينبهك الذان? أما تزعجك الحداة? أترى نخاطب عجمًا?‬
‫أو نكلم صمًا‪ ،‬كم نريك عيب الدنيا? ولكن عين الهوى‬
‫عوراء‪ ،‬كم تكشف للبصر قصر العمر? ولكن حدقة‬
‫المل حولء‪.‬‬
‫ليس في الدنيا‬
‫إنما الدنيا غـرور‬
‫سرور‬
‫ت فيها وقـبـور‬
‫ومآتـيم إذا فـكـر‬
‫يا من شاب وما تاب ول أصلح‪ ،‬يا معرضا ً إلى ما يؤذي‬
‫عن الصلح‪ ،‬ليت شعري بعد الشباب بماذا تفرح? ما‬
‫أشنع الخطايا في الصبا وهي في الشيب أقبح‪ ،‬إذ نزل‬
‫الشيب ولم يزل العيب فبعيد أن يبرح‪.‬‬
‫للبحتري‪:‬‬
‫خمسون وهو إلى‬
‫وإذا تكامل للفتى‬
‫التقى ل يجنح‬
‫من عـمـره‬
‫متأخر عنها ول‬
‫عكفت عليه‬
‫مـتـزحـزح‬
‫المخزيات فمـالـه‬
‫ت‬
‫وإذا رأى الشيطان‬
‫حيى وقال فدَي ْ ُ‬
‫من ل يفـلـح‬
‫غرة وجهـه‬
‫أخواني‪ ،‬فتشوا أحمال العمال‪ ،‬قبل الرحيل "ولتن ُ‬
‫ظر‬
‫ت لغد" يا مطلقي النواظر‪ ،‬في محرم‬
‫س ما ق ّ‬
‫دم ْ‬
‫نف ٌ‬
‫ن‬
‫ن الجحيم" ل يغرنكم إمهال العصاة "إ ّ‬
‫و ّ‬
‫المنظور "لت ََر ُ‬
‫ت" ل تحلن‬
‫إلينا إياَبهم" يا من عاهدناه من يوم "ألس ُ‬
‫عقد العهد بأنامل الزلل فما يليق بشرف قدرك خيانة‪.‬‬
‫بحرمة الود الذي‬
‫ل تفسد الول بالخر‬
‫بيننا‬

‫‪258‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫اذكر ملزمة المطالبة بالوفاء في أضيق خناق‪ ،‬يا منكر‬
‫ويا نكير انزل إلى الخارج من بساتين الرواح فانظرا‪،‬‬
‫هل استصحب وردة من اليقين أو شوكة من الشك?‬
‫على ما عهدنا فيه‬
‫قفوا سائلوا بأن‬
‫أم حال حاله‬
‫العقيق هل الهوى‬
‫ت" هل‬
‫استنكها فمه‪ ،‬الذي قال به "بلى" يوم "ألس ُ‬
‫غير طيبه طول رقاد الغفلة? هل انجاس زلله? مما‬
‫يدخل قليلها تحت العفو‪ ،‬هل معرفته في قليب قلبه‬
‫يبلغ قلتين‪ ،‬أنا مقيم له على الوفاء في كل حال‪،‬‬
‫فانظر إلى حاله هل حال? لقيس المجنون‪:‬‬
‫أل حبذا نجـد وطـيب وأرواحه إن كان نجد‬
‫على العهد‬
‫تـرابـه‬
‫بطول الليالي هل‬
‫أل ليت شعري عن‬
‫تغيرتا بـعـدي‬
‫عويرضتي قبا‬
‫وعن علويات الـرياح بريح الخزامى هل‬
‫تهب على نجد‬
‫إذا جـرت‬
‫المعرفة غرس في القلب والتذكار ماء‪ ،‬ومتى جفت‬
‫ت" تسقي من‬
‫المياه عن الغروس جفت شجرات "ألس ُ‬
‫مياه "هل من سائل"‪.‬‬
‫وتذنبون فنأتيكم‬
‫إذا مرضنا أتيناكم‬
‫فنعتـذر‬
‫نزوركم‬
‫العقل ما ينسى إنما الحس مغفل‪ ،‬سبب النسيان‬
‫أمراض من التخليط في مطاعم الهوى عقدت بخارا ً‬
‫في هام الفهم‪ ،‬فإذا عالجها طبيب الرياضة تحللت‬
‫فذكر ما نسي من عهد "ألست"‪.‬‬
‫قيل لذي النون‪ :‬أين أنت من يوم "ألست"? قال‪ :‬كأنه‬
‫الن في أذني‪.‬‬
‫للمهيار‪:‬‬
‫أين ليالينا علـى‬
‫سل أبرق الحنان‬
‫ق?‬
‫واحبس بـه‬
‫البـر ِ‬
‫ما لم ُيجدها الدمع‬
‫ت بسقط‬
‫وكيف بانا ُ‬
‫ق?‬
‫الـلـوى‬
‫لم تور ِ‬
‫عْرفا‬
‫ت‬
‫صبا َ‬
‫ت ل حمل ْ‬
‫هل حمل ْ‬
‫عنك ال ّ‬
‫ق?‬
‫بعـدنـا‬
‫لمستنش ِ‬
‫لم ُيغن قولي‬
‫يا سائق الظعان‬

‫‪259‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫رفقـا ً وإن‬
‫لول زفيري خلف‬
‫أجمالـهـم‬
‫ت لي نجدا ً على‬
‫سمي َ‬
‫بعدهـا‬
‫الفصل الرابع والخمسون‬
‫أيها القائم على سوق الشهوات‪ ،‬في سوق الشبهات‪،‬‬
‫ناسيا ً سوق الملمات إلى ساقي الممات‪ ،‬إلى كم مع‬
‫الخطأ بالخطوات إلى الخطيئات‪ ،‬كم عاينت حيا ً فارق‬
‫حيا? وكفا كفت بالكفات‪.‬‬
‫للشريف الرضي‪:‬‬
‫وأشدّ اغترارنـا‬
‫ما أقل اعتبارنـا‬
‫بـالمـانـي‬
‫بـالـزمـان‬
‫ق من‬
‫ر‬
‫ٌ‬
‫وقفا ٌ‬
‫م على َ‬
‫ت عـلـى غـرو ٍ‬
‫مزل ٍ‬
‫ن‬
‫وأقـدا‬
‫الـ ِ‬
‫حـ ْ‬
‫دثـا ِ‬
‫م في هدنة مـع‬
‫ب من‬
‫اليو َ‬
‫في حرو ٍ‬
‫ن‬
‫الردى وكـأنـا‬
‫الزمـا ِ‬
‫كـرا ً‬
‫مـذ ّ‬
‫منا أنـنـا مـن‬
‫ِ‬
‫عل ْ ُ‬
‫وكفانا ُ‬
‫الـحـيوان‬
‫بـالـمـنـايا‬
‫ع من الـردى‬
‫ة فـي‬
‫ووقو ٌ‬
‫كل يوم رزي ٌ‬
‫بـفـلن‬
‫فـــلن‬
‫للسير واستبدلي عن‬
‫ل‬
‫قل لهذي الهوام ِ‬
‫الغطـان‬
‫استـوثـقـي‬
‫ك وغـنـى وراء َ‬
‫ك‬
‫واستقيمي قد ضم ِ‬
‫الل ّ‬
‫الـحـاديان‬
‫ج‬
‫قم النهـ ُ‬
‫ب‬
‫د عن‬
‫َ‬
‫كم محي ٍ‬
‫جذْ ُ‬
‫ج الُبرى و َ‬
‫خل ْ ُ‬
‫الـعـنـان‬
‫الطريق وقد صّرح‬
‫د أو‬
‫ل أو‬
‫ن بسـاعـ ٍ‬
‫أو معي ٌ‬
‫هل مجيٌر بـذابـ ٍ‬
‫بـنـان‬
‫حـسـام ٍ‬
‫قد مررنا على الديار ورأينا الِبـنـا فـأين‬
‫ن‬
‫خشـوعـا‬
‫الـبـا ِ‬
‫أم أين صــاحـــب‬
‫أين رب السدير‬
‫اليوان‬
‫والحيرة البيضاء‬
‫م من‬
‫د‬
‫والسيوف الحدا ُ‬
‫ص ّ‬
‫والقنا ال ّ‬
‫ن‬
‫ر‬
‫بـنـي الـديا ِ‬
‫مـن آل بـد ٍ‬
‫ق‬
‫للعسو ِ‬
‫ف‪ :‬ارف ِ‬
‫وحر أنفاسي لـم‬
‫ق‬
‫تـنـشـ ِ‬
‫يا وله المشئم‬
‫ق‬
‫بالـمـعـر ِ‬

‫‪260‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫في إباء وعاجـٌز فـي‬
‫ليس يبقى على‬
‫هـوان‬
‫الزمان جـريء‬
‫يا عاصيا ً بالمس أين اللتذاذ? يا مطالبا ً بالجرم أين‬
‫المعاذ? يا متمسكا ً بالدنيا حبلها جذاذ‪ ،‬ما راعت من‬
‫المحبين ول الشذاذ‪ ،‬بل ساوت في الهلك بين الفقير‬
‫وكسرى بن قباذ‪ ،‬تخلص من أسرها قبل أن يعز‬
‫النقاذ‪ ،‬وقبل أن تجري دموع السى بين ويل ورذاذ‪،‬‬
‫إذا نبذوك في القبر انتبذوا أي نبذ وأي انتباذ‪ ،‬فتذكر‬
‫ضمة‪ ،‬ما نجا منها سعد بن معاذ‪ ،‬أل يلين القلب? أصخر‬
‫أم فولذ‪ ،‬تدعي العجز عن الطاعة وفي المعاصي‬
‫أستاذ‪ ،‬وتؤثر ما يفنى على ما يبقى وأنت ابن بغداد‪ ،‬يا‬
‫مستلبا ً عن أهله وماله يا خاليا ً في القبر بأعماله ليته‬
‫خلك ما منه تخليت‪ ،‬ليته ولى عنك أثم ما عنه توليت‪،‬‬
‫وأسفا ً من حالة حيلتها ليت‪.‬‬
‫فمرتـجـع بـمـوت أو‬
‫وكـل إن يتـيه‬
‫زوال‬
‫غـــنـــاه‬
‫أليس الموت يطوي‬
‫وهب جدي زوى لي‬
‫الرض طيا ً‬
‫ما زوى لي‬
‫إذا اخضر الربيع ناح الهزار وندب القمري وأنت تعتقده‬
‫غناء‪ ،‬إنما هو بكاء على انتظار التكدير‪ ،‬ل يغرنك صفو‬
‫العيش فالرسوب في أسفل الكاس‪ ،‬من يسمع كلم‬
‫الصامت ولم يسمع عبارة الجامد فليس بفطن‪.‬‬
‫قال أحمد ابن أبي الحواري‪ :‬رأيت شابا ً قد انحدر عن‬
‫مقبرة‪ ،‬فقلت من أين? فقال‪ :‬من هذه القافلة‬
‫النازلة‪ ،‬قلت‪ :‬وإلى أين? قال‪ :‬أتزود للحقها‪ .‬قلت‪:‬‬
‫فأي شيء قالوا لك? وأي شيء قلت لهم? قلت‪ :‬متى‬
‫ترحلون? فقالوا‪ :‬حتى تقدرون‪.‬‬
‫يلين لها الحديد‬
‫وكم من عبرة‬
‫وأنت قاس‬
‫أصبحت فيها‬
‫تذكر بالمعاد وأنت‬
‫إلى كم والمعاد إلى‬
‫نـاس‬
‫قريب‬
‫ويحك تلمح عاقبتك بعين عقلك فإنها سليمة من رمد‪،‬‬
‫العقل محتسب إذا وقع بميزان الهوى كسر العلقة يا‬
‫صبيان التوبة‪ ،‬قد عرفتم شرور أعطان الهوى فرحلتم‬
‫ت منكم‬
‫طالبين ريف التقى فحثوا مطايا الجد "ول يلتف ْ‬

‫‪261‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫أحدٌ وامضوا حيث تؤمرون" كلما شرف المطلوب‬
‫طالت طريقه‪ ،‬الهرة تحمل خمسين يومًا‪ ،‬والخنزيرة‬
‫أربعة أشهر‪ ،‬والخف والحافر سنة‪ ،‬فأما الفيل فسبع‬
‫سنين‪ ،‬عموم الشجر يحمل في عامه‪ ،‬والصنوبر بعد‬
‫ثلثين سنة‪ ،‬شرف النمل يوجب القلة‪ ،‬الشاة تلد واحدا ً‬
‫أو اثنين‪ ،‬والخنزيرة تلد عشرين‪ ،‬وأم الصقر مقلت‬
‫نزور‪ ،‬يا هذا ينبغي أن تكون همتك على قدرك ولك‬
‫قدر عظيم لو عرفته‪.‬‬
‫إنما خلقت الداران لجلك‪ ،‬أما الدنيا فلتتزود‪ ،‬وأما‬
‫الخرى فلتتوطن‪ ،‬أفتراك تعرف مكانة "أذكركم" أو‬
‫قيمة "يحبهم" أو مرتبة‪ :‬وإنا إلى لقائهم أشد شوقًا‪،‬‬
‫تشاغلتم عنا بصحبة غيرنا‪ ،‬إذا صعدت الملئكة عن‬
‫مجلس الذكر‪ ،‬قال الحق‪ :‬أين كنتم‪ ،‬فيقولون‪ :‬عند‬
‫عباد لك يسبحونك ويمجدونك‪ ،‬فيقول‪ :‬ما الذي طلبوا‬
‫ومما استعاذوا‪:‬‬
‫ما كنت بي هكذا صبا‬
‫يا من يسائل عني‬
‫فكيف أنا‬
‫القادمـين إذا‬
‫يا من كان في رفقة "تتجافى" فصار اليوم في حزب‬
‫أهل النوم‪.‬‬
‫للشريف الرضي‪:‬‬
‫ويا عهدُ ما الـذي‬
‫يا ديار الحباب كيف‬
‫أبـلكـا‬
‫ت‬
‫تغـير ِ‬
‫على عهدهـم وأين‬
‫هل تولى الذين‬
‫أولكـا‬
‫عهدي بهم فيك‬
‫ل الذمي َ‬
‫ذمي َ‬
‫ال ّ‬
‫ن أن ل تخيب‬
‫ل يا‬
‫لضمي ٌ‬
‫سراكـا‬
‫ب إنـي‬
‫ركـ ُ‬
‫ُ‬
‫يا هذا ل تجزع من ذنب جرى فرب زلة أورثت تقويمًا‪،‬‬
‫"لو لم ُتذنبوا"‪.‬‬
‫لم يدر ما حلوة‬
‫من لم يلق مرارة‬
‫التلقي‬
‫الفراق‬
‫ما لم يقع سهم في مقتل فالعلج سهل‪ ،‬انحناء‬
‫القوس ركوع ل اعوجاج‪ ،‬كانت صحبة آدم للحق أصلية‬
‫ن" وإنما‬
‫وتعبد إبليس تكلفا ً والعرق نزاع "كان من الج ّ‬
‫يعالج الرمد ل الكمة‪ ،‬تأملوا خسة همة إبليس إذ رضي‬
‫بعد القرب من السدة بالتقاط القمامة "إل من استرق‬

‫‪262‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫السمع" إنه ليهجم على ساحة الصدر فيأخذ في حديث‬
‫الوسوسة فيصيح به حراس اليمان من شرفات قصر‬
‫"ويسعني" فيرجع بقلب الخناس‪ ،‬فضائل بني آدم‬
‫خفيت على الملئكة يوم "أنبئهم" فكيف يعرفها‬
‫إبليس? صعد إلى السماء منا‪ ،‬إدريس وعيسى‪ ،‬وجال‬
‫في مجالهم محمد‪ ،‬ونزل منهم هاروت وماروت وتدير‬
‫عندنا إبليس‪ ،‬لو علم المتدير ما قد خبي له من البليا?‬
‫ما سأل النظار‪ ،‬كلما غاب صاحب معصية وجلس‬
‫يقسم في تقواه صدرت عن التائب نشابة ندم‪،‬‬
‫فوقعت في صدر إبليس‪ ،‬أطم ما على إبليس مجلسي‪،‬‬
‫ما من مجلس أعقده إل ويقلق لما يرى من النفع‪،‬‬
‫واليوم يغشى عليه ويله‪ ،‬ما علم أن الجنة إقطاعنا‬
‫وإنما أخرجنا عنها مسافرين‪ ،‬كتب ديارنا تصل إلينا‪،‬‬
‫ورسائلنا تصل إليهم ويا قرب اللقا‪ ،‬كان فتح بن‬
‫شخرف‪ ،‬يقول‪ :‬قد طال شوقي إليك فعجل قدومي‬
‫عليك‪.‬‬
‫للمهيار‪:‬‬
‫لحاجر أنى لها‬
‫ُتمدّ بـالذان‬
‫بـحـاجـر?‬
‫ر‬
‫والـمـنـاخـ ِ‬
‫وشو ُ‬
‫ن‬
‫ض بها السائغ من‬
‫قها المكنو ُ‬
‫أر ٌ‬
‫ر‬
‫ربيعهـا‬
‫في الضمائ ِ‬
‫سْر بها يا ابن‬
‫م يا ِ‬
‫سارت يمينا ً والغـرا ُ‬
‫ر‬
‫ة‬
‫شـام ٌ‬
‫الحداة يا ِ‬
‫سـ ِ‬
‫الفصل الخامس والخمسون‬
‫يا من شاب وما تاب‪ ،‬أموقن أنت أم مرتاب? من آمن‬
‫بالسؤال أعد الجواب‪.‬‬
‫وجود جمع رحلك‬
‫فخذ للسير إهبتـه‬
‫للذهاب‬
‫وبـادر‬
‫يسير على مقدمة‬
‫فقد جد الرحيل‬
‫الركاب‬
‫وأنت ممن‬
‫أما أنذرك بياض الشمط? أما يبكيك قبح ما منك فرط?‬
‫إلى متى تجري في الهوى على نمط? إلى متى تضيع‬
‫وقتا ً مثله يلتقط? لقد أحاط بك المنون وها أنت في‬
‫الوسط‪ ،‬واستل التلف سيفه عليك سريعا ً واخترط‪ ،‬يا‬
‫من يهفو وينسى والملك قد ضبط‪ ،‬يا منفقا ً نعم‬

‫‪263‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫المولى على العصيان هذا الشطط‪ ،‬امح باعترافك قبح‬
‫اقترافك وقد انكشط‪ ،‬وقم في الدجى والليل قد‬
‫سجى فرب عفو هبط‪ ،‬قد نصحتك بما أسمعتك وقد‬
‫أوقعتك على النقط‪.‬‬
‫يا مغمورا ً بالنعم معدوم الشكر‪ ،‬كلما لطفنا بك قابلتنا‬
‫بالمخالفة‪ ،‬إنه ل عجب من ترك الشكر إنفاق النعم في‬
‫مخالفة المنعم‪ ،‬هذا عود العنب يكون يابسا ً طول‬
‫السنة فإذا جاء الربيع دب فيه الماء فاخضر وخرج‬
‫الحصرم‪ ،‬فإذا اعتصر الناس منه ما يحتاجون إليه طول‬
‫السنة قلب في ليلة خ ً‬
‫ل‪ ،‬فبانقلبه يوجب للعقل‬
‫الدهش‪ ،‬من صنع صانعه‪ ،‬وقدرة خالقه فينبغي أن‬
‫يفرغ العقل للتفكر فيأخذ الجاهل العنب فيجعله خمرا‪ً،‬‬
‫فيغطي به العقل‪ ،‬الذي ينبغي أن يحسر عن رأسه‬
‫من هاد" ويحك‪،‬‬
‫ه فما له ِ‬
‫ل الل ُ‬
‫قناع الغفلة "ومن ُيضل ِ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫قد أطعمتك إياه حصرما ً وعنبا وزبيبا وخ ً‬
‫ل‪ ،‬فدع‬
‫ه‬
‫ن لل ِ‬
‫الخامس لي‪ ،‬فقد سمعت في كلمي "فإ ّ‬
‫ه"‪.‬‬
‫ُ‬
‫م َ‬
‫س ُ‬
‫خ ُ‬
‫أيها الضال في بادية الهوى‪ ،‬احذر من بئر بوار‪ ،‬وليس‬
‫في كل وقت‪ ،‬تتفق سيارة‪ ،‬ليل الصبا مرخى السدفة‪،‬‬
‫وبخار الماني يعقد دواخن الكسل‪ ،‬فانهض عن حفش‬
‫الكسل واستنطق ألسن الحكم من موضوعات‬
‫المصنوعات يمل عليك كلما في دستوره يا مقتول ً ماله‬
‫طالب ثأر يريد الموت‪ ،‬مطلق العنة في طلبك وما‬
‫يخفيك حصن‪ ،‬ثوب حياتك منسوج من طاقات أنفاسك‪،‬‬
‫والنفاس تسلب‪ ،‬ذرات ذاتك وحركات الزمان‪ ،‬قوية‬
‫في النسج الضعيف‪ ،‬فيا سرعة التمزيق آن الرحيل وما‬
‫في مزادتك قطرة ماء‪ ،‬ول في مزود عملك قبضة زاد‪،‬‬
‫وقد أحلت ناقتك على ما تلقى من العشب والجدب‬
‫عام في العام‪ ،‬ويحك عش ول تغتر‪ .‬يا رابطا ً مناه‬
‫بخيط المل إنه ضيف القتل‪ ،‬صياد التلف قد بث‬
‫الصقور‪ ،‬وأرسل العقبان ونصب الشراك‪ ،‬وقطع‬
‫الجواد فكيف السلمة? تهيأ لصرعة الموت وأشد منها‬
‫فلت القلب‪ ،‬فليت شعري إلى ماذا يؤول المر?‬
‫للحارثي‪:‬‬
‫إذا جد جد البين أم‬
‫فوالله ما أدري‬
‫أنا غـالـبـه‬
‫أيغلبنـي الـهـوى‬

‫‪264‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫فمثل الذي لقيت‬
‫فإن أستطع أغلب‬
‫يغلب صاحبـه‬
‫وإن يغلب الهوى‬
‫ذ ل ينفع‪ ،‬ومن عيون صارت كالعيون‬
‫آه من تأوه حينئ ٍ‬
‫مما تدمع‪.‬‬
‫للمهيار‪:‬‬
‫ة‬
‫ولما خل التوديع مما ولم يبق إل نظر ٌ‬
‫م‬
‫حـذرتـه‬
‫ُتـُتـغـّنـ ُ‬
‫وكيف يحل الماء‬
‫ت على الوادي‬
‫بكي ُ‬
‫أكـثـره دم‬
‫حرمت ماءه‬
‫ف ُ‬
‫نقلة إلى غير مسكن‪ ،‬وسفر من غير تزود‪ ،‬وقدوم إلى‬
‫بلد ربح بل بضاعة‪.‬‬
‫ولما تيقنا النـوع لـم مسيل غروب الدمع‬
‫جفنا ً ول خدا‬
‫يدع لـنـا‬
‫ول راحة إل وقد‬
‫فل صفوة إل وقد‬
‫قلـبـت كـدا‬
‫بدلـت قـذي‬
‫أغورت الظعان أم‬
‫فوالله ما أدري وقد‬
‫كـنـت داريا ً‬
‫طلبت نجـدا‬
‫يا لساعة الموت ما أشدها‪ ،‬تتمنى أن لو لم تكن عندها‪،‬‬
‫وأعظم المحن ما يكون بعدها‪،‬‬
‫وقد حان ممن أحب‬
‫ولم أنس موقفنـا‬
‫الرحيل‬
‫لـلـوداع‬
‫إل غدت فوق خدي‬
‫ولم يبق لي دمعة‬
‫تسـيل‬
‫في الشؤون‬
‫وقد كاد يأتي على‬
‫فقال نصيح من‬
‫الغـلـيل‬
‫القـوم لـي‬
‫فبين يديك بـكـاء‬
‫تأن بدمـعـك ل‬
‫طـويل‬
‫تـفـنـه‬
‫تقسم الصالحون عند الموت‪ ،‬فمنهم من صابر هجير‬
‫الخوف‪ ،‬حتى قضى نحبه‪ ،‬كعمر كان يقول عند الرحيل‪:‬‬
‫الويل لعمر إن لم يغفر له‪ .‬ومنهم من أقلقه عطش‬
‫الحذر فيبرده بماء الرجاء كبلل‪ .‬كانت زوجته تقول‪:‬‬
‫واحرباه‪ ،‬وهو يصيح‪ :‬واطرباه‪ ،‬غدا ً نلقى الحبة محمدا ً‬
‫وحزبه‪ .‬علم بلل أن المام ل ينسى المؤذن‪ ،‬فمزج‬
‫كرب الموت براحة الرجاء في اللقاء‪.‬‬
‫غدا ً ترين الطلح‬
‫بشرها دليلـهـا‬

‫‪265‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫والجبال‬
‫وقـال‬
‫قال سليمان التيمي لبنه عند الموت‪ :‬اقرأ علي‬
‫أحاديث الرخص للقى الله وأنا حسن الظن به‪ .‬إلى‬
‫متى تتعب الرواحل? ل بد من مناخ‪.‬‬
‫قد لح سلع ودنا‬
‫رفقا ً بها يا أيها‬
‫حاجـر‬
‫الـزاجـر‬
‫على الربى لراعها‬
‫فخلها تخلع‬
‫ذاعر‬
‫أرسـانـهـا‬
‫ل عدم المذكور‬
‫واذكر أحاديث ليالي‬
‫والذاكـر‬
‫منـى‬
‫كان أبو عبيدة الحواص يستغيث في السواق وينادي‪:‬‬
‫واشوقاه إلى من يراني ول أراه‪.‬‬
‫تحن والحنة‬
‫جاء بها قالصة عـن‬
‫للمـشـتـاق‬
‫سـاق‬
‫تذكري رمل النقى‬
‫ما أولع الحنين‬
‫واشتاقي‬
‫بـالـنـياق‬
‫الفصل السادس والخمسون‬
‫يا من أيام عمره في حياته معدودة‪ ،‬وجسمه بعد مماته‬
‫مع دودة‪.‬‬
‫تقربك الساعات من‬
‫رأيتك في النقصان‬
‫ساعة اللـحـد‬
‫مذ أنت في المهد‬
‫ستضحك سن بعد عين عليك وإن قالت بكيت‬
‫من الـوجـد‬
‫تعـصـرت‬
‫لعل سرور الفاقدين‬
‫أتطمح أن يشجى‬
‫مع الـفـقـد‬
‫لفـقـدك فـاقـد‬
‫يا من عمره يقضي بالساعة والساعة‪ ،‬يا كثير‬
‫التفريط‪ .‬في قليل البضاعة‪ ،‬يا شديد السراف يا قوي‬
‫الضاعة‪ ،‬كأني بك عن قلي ترمى في جوف قاعة‪،‬‬
‫مسلوبا ً لباس القدرة وبأس الستطاعة‪ ،‬وجاء منكر‬
‫ونكير في أفظع الفظاعة‪ ،‬كأنهما أخوان في الفظاظة‬
‫من لبان الرضاعة‪ ،‬وأمسيت تجني ثمار هذي الزراعة‪،‬‬
‫ب‬
‫وتمنيت لو قدرت على لحظة الطاعة وقلت "ر ّ‬
‫ارجعوني" ومالك كلمة مطاعة‪ ،‬يا متخلفا ً عن أقرانه‬
‫قد آن أن تلحق الجماعة‪.‬‬
‫آن الرحيل وما‬
‫يا ساهيا ً لهيا ً عمـا‬

‫‪266‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫قدمت من زاد‬
‫يراد بـه‬
‫هيهات أنت غدا ً‬
‫ترجو البقاء صحيحا ً‬
‫سالما ً أبدا ً‬
‫فيمن غدا غاد‬
‫مركب الحياة تجري في بحر البدن برخاء النفاس‪ ،‬ول‬
‫بد من عاصف قاصف تفككه وتغرق الركاب‪.‬‬
‫ما هذه الدنيا بـدار‬
‫حكم المنية في‬
‫قـرار‬
‫البرية جـار‬
‫جبلت على كدر وأنت صفوا ً من القذار‬
‫والكدار‬
‫تريدها‬
‫أعماركم سفر من‬
‫فاقضوا مآربكم‬
‫السفـار‬
‫عجال ً إنمـا‬
‫يا لقم الجال يا أشباه الدجال‪ ،‬أما تسمعون صريف‬
‫أنياب الصروف? كم غافل وأكفانه عند القصار? ولبن‬
‫قدره قد ضرب‪ ،‬يا سخنة عين قرت بالغرور‪ ،‬يا خراب‬
‫قلب عمر بالمنى‪ ،‬العمر زاد في بادية‪ ،‬يوخد منه ول‬
‫يطرح فيه‪ ،‬يا من عمره يذوب ذوبان الثلج توانيك أبرد‪،‬‬
‫كان بعض من يبيع الثلج ينادي عليه‪ :‬ارحموا من يذوب‬
‫رأس ماله يا مؤخرا ً توبته حتى شاب وقت الختيار‪ ،‬يا‬
‫ابن السبعين لقد أمهل المتقاضي‪ ،‬البدار البدار‬
‫فنقاض البدن قد عرقب الساس‪.‬‬
‫إلى موقف التجمير‬
‫ولم يبق من أيام‬
‫غير أماني‬
‫جمع إلى منى‬
‫بادر التوبة من هفواتك قبل فواتك‪ ،‬فالمنايا بالنفوس‬
‫ق الخلئق‪ ،‬محسن في شبابه‪ ،‬فلما‬
‫فواتك‪ ،‬أعجب خلئ َ‬
‫لح الفجر فجر‪ ،‬آه لموسم فاتك‪ ،‬لقد مل الكياس‬
‫الكياس‪ ،‬رجلت الرباحة فألحقهم في المنزل‪.‬‬
‫يبيت يقظانها ولهان‬
‫وكم وقفت‬
‫وهـلنـا‬
‫وأصحابي بمنـزلة‬
‫سقناه يوم التقى‬
‫فهاجنا حين حيانا‬
‫بالجزع أحيانـا‬
‫النسيم بـمـا‬
‫نحن المشوقون‬
‫تبكي وتسعدنا كوم‬
‫فيها أم مطايانا‬
‫المطي فهل‬
‫كوجدنا العيس بل‬
‫فل ومن فطر‬
‫رقت لبلوانا‬
‫الشياء ما وجدت‬

‫‪267‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫يا هذا عقلك يحثك على التوبة وهواك يمنع والحرب‬
‫بينهما‪ ،‬فلو جهزت جيش عزم فر العدو‪ ،‬تنوي قيام‬
‫الليل فتنام‪ ،‬وتحضر المجلس فل تبكي‪ ،‬ثم تقول ما‬
‫من عند أنفسكم" عصيت النهار‬
‫السبب? "قل هو ِ‬
‫فنمت بالليل‪ ،‬أكلت الحرام فأظلم قلبك‪ ،‬فلما فتح باب‬
‫الوصول للمقبولين طردت‪ ،‬ويحك فكر القلب في‬
‫المباحات يحدث له ظلمة‪ ،‬فكيف في تدبير الحرام? إذا‬
‫غير المسك الماء منع التوضوء فكيف بالنجاسة‪ ،‬متى‬
‫تفيق من خمار الهوى? متى تنته من رقاد الغفلة?‬
‫للشريف الرضي‪:‬‬
‫ب ما أطو َ‬
‫ي ويوم‬
‫يا قل ِ‬
‫ل هذا يوم نوى الح ّ‬
‫مقام‬
‫الغرام‬
‫ال ُ‬
‫ن بغير‬
‫م من وأنت نشوا ُ‬
‫متى ُتفيق اليو َ‬
‫مـدام‬
‫ة‬
‫لـوع ٍ‬
‫ال ُ‬
‫أين أنت من أقوام كشفت عن أبصار بصائرهم أغطية‬
‫الجهل? فلحت لهم الجادة فجدوا في السلوك‪ ،‬كان‬
‫مسروق يصلي حتى تتورم قدماه‪ ،‬فتقعد امرأته تبكي‬
‫مما تراه يصنع بنفسه‪.‬‬
‫يرثي لها المشفقان‬
‫أمسى وأصبح من‬
‫تذكاركم قلقـا ً‬
‫الهل والولد‬
‫واعتادني المضنيان‬
‫قد خدد الدمع خدي‬
‫الشوق والكمد‬
‫من تذكركـم‬
‫وخانني المسعدان‬
‫وغاب عن مقلتي‬
‫الصبر والجلـد‬
‫نومي فنافرهـا‬
‫وتحته والخافقان‬
‫ل غرو للدمع أن‬
‫القلب والكـبـد‬
‫تجري غواربـه‬
‫يعتاده الضاريان‬
‫كأنما مهجتي نضو‬
‫الـذئب والسـد‬
‫بـبـلـقـعة‬
‫فداؤك الباقيان‬
‫لم يبق إل خفى‬
‫الروح والجـسـد‬
‫الروح من جسدي‬
‫يا هذا‪ ،‬أول الطريق سهل ثم يأتي الحزن‪ ،‬في البداءة‬
‫إنفاق البدن وفي التوسط إنفاق النفس‪ ،‬فإذا نزل‬
‫ضيف المحبة تناول القلب فأملق المنفق قلق القوم‬
‫بل سكون‪ ،‬انزعاجهم بل ثبات‪ ،‬خلقت جفونهم على‬
‫جفاء النوم‪ ،‬فلو سمعت ضجيجهم في دياجي الليل‪.‬‬

‫‪268‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫ولعين ل تـذوق‬
‫من لقلب يألف‬
‫كـرى‬
‫الفـكـرا‬
‫ما قضى من حبكم‬
‫ولصب بالغرام‬
‫وطرا‬
‫قـضـى‬
‫أحصر القوم في سبيل المحبة‪ ،‬فأقعدتهم عن كل‬
‫مطلوب "ل يستطيعون ضربا ً في الرض"‪.‬‬
‫رأيت الحب نيرانا ً‬
‫قلوب العاشقين لها‬
‫وقـود‬
‫تلظـى‬
‫ولكن كلما نضجت‬
‫فلو كانت إذا‬
‫تعـود‬
‫احترقت تفانت‬
‫لحت نار ليلى ليل ً فنهض المجنون‪ ،‬فخبت فضل‬
‫فضج‪.‬‬
‫والمقلتين إلى‬
‫ردوا الفؤاد كما‬
‫الكرى ثم اهجـروا‬
‫عهدت إلى الحشى‬
‫الفصل السابع والخمسون‬
‫إخواني‪ ،‬قد كفت الكفات في العبر‪ ،‬ووعظ من عبر‬
‫من غبر‪ ،‬وقد فهم الفطن المر وخبر‪ ،‬وما عند الغافل‬
‫من هذا خبر‪.‬‬
‫أما أتاكم للـذاهـبـين‬
‫يا أيهـا الـنـاس أين‬
‫خـبـر‬
‫أولـكــم‬
‫وكلهم للـمـؤخـرين‬
‫اعتبروا‬
‫فالمـقـدمـون خـلـوا عـبـر‬
‫تعبر بالمـصـر عـابـرا ً سألت عمن تـود‬
‫قـيل عـبـر‬
‫فـإذا‬
‫اصبر على العسر في عسر ويسر أتاك‬
‫ثـمـت مـر‬
‫الزمان فكم‬
‫والصبر أولى بكل من العيش ومن جرب‬
‫الزمان صبر‬
‫صـحـب‬
‫والفعل إن خالف‬
‫يرفع شأن الكـرام‬
‫الجميل حـذر‬
‫فـعـلـهـم‬
‫تنطق حقا ً إذا‬
‫كادت شخوص في‬
‫المـقـال غـدر‬
‫الرض بالية‬
‫اليوم في تربنا‬
‫بالمس كنا مـن‬
‫فـنـحـن مـدر‬
‫النـام فـأمـا‬

‫‪269‬‬

‫مكتبة‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫ابك على نفسك قبل أن يبكى عليك‪ ،‬وتفكر في سهم‬
‫قد صوب إليك‪ ،‬وإذا رأيت جنازة فاحسبها أنت‪ .‬وإذا‬
‫عاينت قبرا ً فتوهمه قبرك وعد باقي الحياة ربحًا‪.‬‬
‫لمتمم بن نويرة‪:‬‬
‫رفيقي لتذراف‬
‫لقد لمني عند‬
‫الدموع السوافك‬
‫القبور على البكا‬
‫لقبر ثوى بين اللوى‬
‫فقال أتبكي كل‬
‫فالدكـادك‬
‫ر رأيتـه‬
‫قـبـ ٍ‬
‫فدعني فهذا كله‬
‫فقلت له إن الشجا‬
‫قبر مـالـك‬
‫يبعث الشجـا‬
‫غريب‪ ،‬يا راكبا ً عجز الهوى وفي يده جنيب‪ ،‬يا مارا ً‬
‫على وجهه قل لي متى تنيب? أل تأخذ قبل الفوت‬
‫بعض النصيب? أل تتزود ليوم شره شر عصيب?‪،‬‬
‫أل تخرج عن وادي الجدب إلى الربع الخصيب? أحاضر‬
‫أنت قل لي‪ ،‬ما أكثر ما تغيب‪ ،‬أل مريض لبيب يقبل‬
‫رأي الطبيب‪ ،‬إن الرحيل بل عدة فج‪،‬‬
‫فكيف به على بعد الفج? أحرم عن الحرام وقدر أنه‬
‫حج‪ ،‬واسكب دموع السى واحسبه ثج‪ ،‬واستغث من‬
‫الزلل ومثله العج‪،‬‬
‫وبادر‪ ،‬فقد تفوت الوقفة أهل وج‪ ،‬اقبل نصحي فمثل‬
‫نصحي ل يمج‪ .‬كم فهم وعظي ذو فطنة فهج‪ ،‬يا من‬
‫يقول إذا شئت تبت‪.‬‬
‫هيهـات لـيس لـيوم‬
‫عـهــدكـم غـد‬

‫اليوم عهدكم‬
‫فأين الموعد‬

‫اا‬
‫إن خرجت اليوم ولم تتب‪ ،‬خرجت من أولي الفهم‪.‬‬
‫إن جاوزت نجدا ً‬
‫ي مرمى تزجر‬
‫ل ّ‬
‫إل يانـقـا ً‬
‫فلست عاشقا ً‬
‫وقوع الذنب على القلب كوقوع الدهن على الثوب‪ ،‬إن‬
‫ن "‪.‬‬
‫لم تعجل غسله وإل انبسط " وإ ْ‬
‫م ل َي ُب ْطِئ َ ّ‬
‫ن منك ُ ْ‬
‫فما البطاء يدي في‬

‫‪270‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫قائم‬
‫بالضرب‬
‫العضب‬
‫ما دامت نفسك عند التوبيخ تنكسر‪ ،‬وعينك وقت‬
‫العتاب تدمع‪ ،‬ففي قلبك بعد حياة‪ ،‬إنما المعاصي‬
‫أوجبت سكتة‪ ،‬فانشق هواك حراق التخويف وقد‬
‫عطس‪ ،‬يا من قد أبعدته الذنوب عن ديار النس‪ ،‬ابك‬
‫وطر الوطن عساك ترد‪.‬‬
‫قال بعض السلف‪ :‬رأيت شابا ً في سفح جبل عليه آثار‬
‫القلق ودموعه تتحادر‪ ،‬فقلت‪ :‬من أين?‪ ،‬فقال‪ :‬آبق‬
‫من موله‪ ،‬قلت‪ :‬فتعود فتعتذر? فقال‪ :‬العذر يحتاج‬
‫إلى حجة ول حجة للمفرط‪ ،‬قلت فتتعلق بشفيع? قال‪:‬‬
‫كل الشفعاء يخافون منه‪ ،‬قلت‪ :‬من هو? قال‪ :‬مولى‬
‫رباني صغيرا ً فعصيته كبيرًا‪ ،‬فوا حيائي من حسن‬
‫صنعه وقبح فعلي‪ ،‬ثم صاح فمات‪ ،‬فخرجت عجوز‬
‫فقالت‪ :‬من أعان على قتل البائس الحيران? فقلت‪:‬‬
‫أقيم عندك أعينك عليه‪ ،‬فقالت‪ :‬خّله ذليل ً بين يدي‬
‫قاتله عساه يراه بغير معين فيرحمه‪.‬‬
‫بالله عليك يا‬
‫إن جزت على‬
‫فـتـى العـراب‬
‫مواطن الحباب‬
‫فاشرح سقمي‬
‫ذاك المضني‬
‫وقل لهم عما بي‬
‫يموت بالوصاب‬
‫أيها التائبون بألسنتهم ول يدرون ما تحت نطقهم?‪ ،‬ل‬
‫ن"‪ ،‬متى‬
‫يحكم بإقراركم " حّتى تعَلموا ما تقولو َ‬
‫صدقت توبة التائب بنى بيت التعبد بصخور العزائم ولم‬
‫ينته في أساسه دون الماء‪ ،‬ما ضرب بسيف العزيمة‬
‫قط إل قط‪ ،‬التوبة الصادقة تقلع آثار الذنوب‪ ،‬إذا قرئ‬
‫ت " ذكر القرار وعرف الشهود‪،‬‬
‫س ُ‬
‫على التائب عهد "أل َ ْ‬
‫فخجل من الخيانة فجرت العين وأطرق الرأس‪ ،‬إن‬
‫التائبين كاتبوا الله بدموعهم وهم ينتظرون الجواب‪.‬‬
‫وانظر دموع‬
‫العاشقين تـراق‬
‫وتجرعوا مر‬
‫الفراق وذاقـوا‬

‫يا حادي الظعان‬
‫عج متوقفـا ً‬
‫صبروا على ألم‬
‫التهاجر والقلى‬

‫‪271‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫ن إل ّ‬
‫يا معاشر التائبين من أقامكم وأقعدنا? " إ ْ‬
‫ن نح ُ‬
‫ه"‬
‫ن عباِد ِ‬
‫ن يشاءُ ِ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫م ّ‬
‫م ولك ّ‬
‫ن على َ‬
‫هي ُ‬
‫ن الل َ‬
‫بشٌر مثل ُك ُ ْ‬
‫قفوا لجل زمن ‪ ،‬ارحموا من قد عطب‪.‬‬
‫دوا المطايا وإل ّ‬
‫وأدمعي فهما‬
‫ر ّ‬
‫سـي ٌ‬
‫ردها نفسـي‬
‫ل ونـيران‬
‫يا سائق الظعن‬
‫أمانة رعيها‬
‫قلبي في‬
‫والحفـظ إيمـان‬
‫رحالهم‬
‫يخّيل لي أن الحيطان تبكي معنا‪ ،‬إن النسيم قد رقّ‬
‫لحزننا‪.‬‬
‫كوجدنا العيس بل فل ومن فطر‬
‫الشياء ما وجدت‬
‫رقت لبلوانا‬
‫واب‪ ،‬ما أذل وقوفهم على الباب‬
‫ما أحسن هؤلء الت ّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ب "‪.‬‬
‫فاعتبروا " يا أولي الْلبا ِ‬
‫بما بيننا من حرمة‬
‫أرق من الشكوى‬
‫هـل رأيتـمـا‬
‫وأقسى من الهجر‬
‫ول سّيما إن أطلقت وأفضح من عين‬
‫المحـب لـسـّره‬
‫عبرة تجـري‬
‫وجوههم أضوأ من البدر‪ ،‬جباههم أنور من الشمس‪،‬‬
‫نوحهم أفضل من التسبيح‪ ،‬سكوتهم أبلغ من فصيح‪ ،‬لو‬
‫علمت الرض قدر خوفهم تزلزلت‪ ،‬لو سمعت الجبال‬
‫ضجيجهم تقلقلت‪.‬‬
‫لبن المعتز‪:‬‬
‫والربى صـاد اقني فالبـوم‬
‫نـشـوان‬
‫ورّيان‬
‫وندامى‬
‫بالمنى‬
‫كالنجوم‬
‫والدهر‬
‫سطـوا‬
‫جـذلن‬
‫خطروا‬
‫وذيول‬
‫والسكر‬
‫الـقـوم أردان‬
‫ينفضهم‬

‫‪272‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫كلما رأيت تقلقلهم‪ ،‬تقلقل قلبي‪ ،‬وإل ّ لمحت‬
‫اصفرارهم تبلبل لبي‪ ،‬وإذا شاهدت دموعهم زاد كربي‪،‬‬
‫وإذا سمعت حنينهم تبدد ماء عيني‪.‬‬
‫لول الصبابة والهيام‬

‫ما لي وبانات اللوى‬
‫الفصل الثامن والخمسون‬
‫ما زالت المنون ترمي عن أقواس حتى طاحت‬
‫الجسوم والنفس‪ ،‬وتبدلت النعم بكثرة البؤس‪،‬‬
‫واستوى في القبور الذناب والرؤس‪ ،‬وصار الرئيس‬
‫كأنه قط لم يرؤس‪.‬‬
‫ما من ورود الموت‬
‫قل للمفرط‬
‫بد‬
‫يسـتـعـد‬
‫قد أخلق الدهر‬
‫وما مضى ل يستـرد‬
‫الشباب‬
‫م يشتغل‬
‫فإلى َ‬
‫في لهوه والمر جـد‬
‫الفـتـى‬
‫والعمر يقصر كل‬
‫بي وآمـالـي تـمـد‬
‫يوم‬
‫لقد وعظت الدنيا فأبلغت وقالت‪ ،‬ولقد أخبرت برحيلها‬
‫قبل أن يقال زالت‪ ،‬وما سقطت جدرانها حتى أنذرت‬
‫ومالت‪ ،‬قرب الغتراب في التراب‪ ،‬ودنا سل السيف‬
‫من القراب‪ ،‬كم غنت رباب برباب‪ ،‬ثم نادت على الباب‬
‫بتباب يا من زمانه الذي يمضي عليه‪ :‬عليه‪ ،‬يا طويل‬
‫المل وهو يرى الموتى بعينيه‪ ،‬يا من ذنبه أوجب أن ل‬
‫يلتفت إليه‪ ،‬قد مزجت لك كأس كربة ول بد والله من‬
‫تلك الشربة‪ ،‬يا منقول ً بعد النس إلى دار غربة‪ ،‬يا‬
‫طين تربة‪ ،‬وهو يطلب في الدنيا رتبة‪ ،‬هذا مجلس ابن‬
‫زيد فأين عتبة?‪ ،‬أتلهو برند الصبا وبأنه? ويروقك برق‬
‫الهوى بلمعانه‪ ،‬وتغتر بعيش في عنفوانه‪ ،‬فتمد يد‬
‫الغفلة إلى جني أغصانه‪ ،‬وتنسى أنك في حريم خطره‬
‫وامتحانه‪ ،‬أما لقمة أبيك أخرجته من مكانه? أما نودي‬
‫عليه بالفطر في رمضانه? أما شأنه شانه لول وكف‬
‫شانه? أما يستدل على نار العقاب بدخانه? نزل آدم‬
‫عن مقام المراقبة درجة فنزل فكان يبكي بقية عمره‬
‫ديار الوفا‪ ،‬برد النفس بالهوى لحظة أثمر حرارة القلق‬
‫ألف سنة‪ ،‬فاعتبروا‪ ،‬سالت من عينيه عيون‪ ،‬استحالت‬

‫‪273‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫من الدماء دموع شغلته عن لذات الدنيا هموم‪.‬‬
‫للمهيار‪:‬‬
‫ن بهم قد‬
‫هل بعد مفترق‬
‫أم أهل زما ٍ‬
‫ع‬
‫ع‬
‫فات مرتج ُ‬
‫الظعان مجتمـ ُ‬
‫ويحمل القلب منهم‬
‫ع البـيداءُ‬
‫تحملوا تس ُ‬
‫ع‬
‫م‬
‫فوق ما يسـ ُ‬
‫ركـَبـ ُ‬
‫هـ ُ‬
‫م مث ُ‬
‫اللي ُ‬
‫ل‬
‫م كالهجـر ما شاء والنو ُ‬
‫ل بعده ُ‬
‫مـتـصـ ٌ‬
‫ع‬
‫ل‬
‫الوصل منقط ُ‬
‫دارا ً وإن طاب‬
‫اشتاق نعمان ل‬
‫ع‬
‫أرضى بروضتـه‬
‫مصطا ٌ‬
‫ف ومرتب َ ُ‬
‫كان آدم كلما عاين الملئكة تنزل تذكر المرتبع في‬
‫الربع فتأخذ العين أعلى في إعانة الحزين‪.‬‬
‫فبات يسح الدمع‬
‫رأى بارقا ً من نحو‬
‫وجدا ً على نـجـد‬
‫د فـراعـه‬
‫نجـ ٍ‬
‫كما كن لي أم ل‬
‫هل العصر اللتي‬
‫سبيل إلـى الـرد‬
‫مضين يعدن لي‬
‫ما أمر البعد بعد القرب‪ ،‬ما أشد الهجر بعد الوصل‪ ،‬يا‬
‫مطرودا ً بعد التقريب أبلغ الشافعين لك البكاء‪.‬‬
‫للمتنبئ‪:‬‬
‫إذا لم بعد ذاك‬
‫وكيف التذاذي‬
‫م الذي هّبـا‬
‫بالصائل والضحى‬
‫النسي َ‬
‫وعيشا ً كأني كنت‬
‫ذكرت به وصل ً كأن‬
‫لم أ ُ‬
‫اقطعه وثبـا‬
‫فْز بـه‬
‫كان لقوم جارية‪ ،‬فأخرجوها إلى النخاس فأقامت أياما ً‬
‫تبكي‪ ،‬ثم بعثت إلى ساداتها تقول‪ :‬بحرمة الصحبة‬
‫دوني فقد ألفتكم‪ .‬يا هذا قف في الدياجي وامدد يد‬
‫ر ّ‬
‫الذ ّ‬
‫ل‪ ،‬وقل قد كانت لي خدمة‪ ،‬فعرض تفريط أوجب‬
‫البعد‪ ،‬فبحرمة قديم الوصل ردوني فقد ألفتكم‪.‬‬
‫إننا للبعد كالشيء‬
‫ل‬
‫عّللونا بـوصـا ٍ‬
‫اللـقـا‬
‫ع‬
‫نـافـ ٍ‬
‫أو ذروا في كل‬
‫أو خذوا أرواحنا‬
‫جسم ٍ رمقا‬
‫خالـصة‬
‫وارحموا من تنقضي غمرات والليالـي‬
‫أرقـا‬
‫أيامه‬
‫خفق البرق اليماني‬
‫ويح قلبي ما لقلبي‬

‫‪274‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫خفقـا‬
‫كلـمـا‬
‫يا هذا ل تبرح من الباب ولو طردت‪ ،‬ول تزل عن‬
‫الجناب ولو أبعدت‪ ،‬وقل بلسان التملق إلى من اذهب?‬
‫يا ربع إن وصلوا وإن فهم الولى ملكوا‬
‫م‬
‫صرموا‬
‫الفؤاد هـ ُ‬
‫وعلى القلوب بحبهم‬
‫شغلوا بحسنهـم‬
‫ختمـوا‬
‫نـواظـرنـا‬
‫ومن الشفاء لذي‬
‫أتبعتهم نظرا ً فـعـاد‬
‫الهوى سقـم‬
‫جـوى‬
‫وزفير أنفاسي لـهـا‬
‫تمحو دموعي وسم‬
‫يسـم‬
‫إبـلـهـم‬
‫كان الحسن شديد الحزن‪ ،‬طويل البكاء سئل عن حاله‪،‬‬
‫فقال‪ :‬أخاف أن يطرحني في النار ‪ ،‬ول يبالي‪.‬‬
‫وإن كان سهل ً‬
‫ي فراقـي‬
‫يعّز عل ّ‬
‫عليكم يسيرا‬
‫م‬
‫لـكـ ُ‬
‫يا من كان له قلب فمات‪ ،‬يا من كان له وقت ففات‪،‬‬
‫ي التي سلفتن‬
‫استغث في بوادي القلق ر ّ‬
‫ي ليال ّ‬
‫دوا عل ّ‬
‫أحضر في السحر فإنه وقت الذن العام‪ ،‬واستصحب‬
‫رفيق البكاء فإنه مساعد صبور‪ ،‬وابعث سائل الصعداء‬
‫فقد أقيم لها من يتناول‪.‬‬
‫للمصنف‪:‬‬
‫فارتاح قلبي المدنف‬
‫عبرت بريحكم الصبا‬
‫سـحـرا ً‬
‫الحرض‬
‫ما لي أراك سـقـيمة يا ريح عندي ل بك‬
‫المـرض‬
‫بـهـم‬
‫أتبعتها نـفـسـا ً‬
‫فإذا جروح القلب‬
‫تنتـقـض‬
‫أشـّيعـهـا‬
‫م لـي‬
‫قف صاحبي إن كنت عند الكثيب فث ّ‬
‫غـرض‬
‫تسعدنـي‬
‫في كل ركب راح‬
‫وانشد فؤادي عنـد‬
‫يعتـرض‬
‫كـاظـمة‬
‫أشكو ومني مبـتـدى عيني رمت وفؤادي‬
‫الغـرض‬
‫ألـمـي‬
‫فرضوا على الجفان ل تلتقي فاصبر لما‬
‫فرضـوا‬
‫إذ هجروا‬

‫‪275‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬
‫يا جيرة ما عنـهـم‬
‫عـوض‬

‫مكتبة‬

‫كيف اصطباري بعد‬
‫فرقتـهـم‬
‫الفصل التاسع والخمسون‬
‫يا من سيب قلبه في مراعي الهوى‪ ،‬وألقى حبله على‬
‫الغارب‪ ،‬سلم من يطول نشدانه للضلل?‪.‬‬
‫للمهيار‪:‬‬
‫دع ملمي بالحمى أو واقفا ً أطلب قلبا ً‬
‫ضـاع مـنـي‬
‫رح ودعني‬
‫ب مسئول سواها‬
‫ما سألت الداَر أبغي‬
‫ر ّ‬
‫لم يجبـنـي‬
‫رجـعـهـا‬
‫ك من خان‬
‫ش في ِ‬
‫أنا يا دار أخـو وحـ ِ‬
‫فعزمي لم يخنـي‬
‫الـفـل‬
‫ص‬
‫ولئن غال مغـانـيك‬
‫عادة الدهر فشخ ُ‬
‫منك ُيغنـي‬
‫الـبـلـى‬
‫ث فهذا‬
‫أو جفا الغي ُ‬
‫ت ناٌر فـهـذي‬
‫إن َ‬
‫خب َ ْ‬
‫لك جفـنـي‬
‫كـبـدي‬
‫أكثر فساد القلب من تخليط العين‪ ،‬مادام باب العين‬
‫موثقا ً بالغض فالقلب سليم من آفة‪ ،‬فإذا فتح الباب‬
‫طار طائر وربما لم يعد‪ ،‬يا متصرفين في إطلق‬
‫البصار جاء توقيع العزل " ُ‬
‫ق ْ‬
‫ضوا من‬
‫ن يَ ُ‬
‫غ ّ‬
‫ل للمؤمني َ‬
‫هم " إطلق البصر ينقش في القلب صورة‬
‫ر ِ‬
‫أبصا ِ‬
‫المنظور والقلب كعبة "ويسعني " وما يرضي المعبود‬
‫بمزاحمة الصنام‪.‬‬
‫يا لذة لحظة أطالت‬
‫عيناي أعاننا على‬
‫ألـمـي‬
‫سفك دمـي‬
‫ويلي ثبت الهوى‬
‫كم أندم حين ليس‬
‫وزلت قدمي‬
‫يغني ندمـي‬
‫يا مطلقا ً طرفه لقد عقلك‪ ،‬يا مرسل ً سبع فمه لقد‬
‫أكلك‪ ،‬يا مشغول ً بالهوى مهل ً قتلك‪ ،‬بادر رمقك فقد‬
‫رمقك‪ ،‬بالرحمة من عذلك‪.‬‬
‫للمهيار‪:‬‬
‫ما ك ّ‬
‫س‬
‫م العذيب‬
‫ت يو َ‬
‫عثر َ‬
‫ع ُيح ّ‬
‫ل سا ٍ‬
‫بـالـزلـل‬
‫ل‬
‫فاسـتـقـ ِ‬
‫الحسن ول‬
‫ت قبلك‬
‫ما سلم ْ‬
‫ل‬
‫القلوب عـلـى‬
‫الراجمو َ‬
‫ن بالمقـ ِ‬

‫‪276‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫د‬
‫سافر طرفي يوم‬
‫ب الفـؤا ُ‬
‫ح وآ َ‬
‫ِ‬
‫ل‬
‫ف‬
‫س ْ‬
‫الظعائن بال ّ‬
‫بـالـخـبـ ِ‬
‫يفتك فيها الجبان‬
‫نظرة غّر جـنـت‬
‫بـالـبـطـل‬
‫مـقـارعة‬
‫واستأثر الظاعنون‬
‫حصلت منها على‬
‫بالـنـفـل‬
‫جراحتـهـا‬
‫إذا لحت للتائب نظرة ل تحل‪ ،‬فامتدت عين الهوى‪،‬‬
‫فزلزلت أرض التقى ونهض معمار اليمان " وأ َل ْ َ‬
‫قى‬
‫م " لحت نظرة لبعض‬
‫يأ ْ‬
‫ن تميدَ بك ُ ْ‬
‫ض رواس َ‬
‫في الر ِ‬
‫التائبين‪ ،‬فصاح‪:‬‬
‫حلفت بدين الحب ل وتلك يمين لو علمت‬
‫غمـوس‬
‫خنت عهدكم‬
‫إذا خيم سلطان المعرفة بقاع القلب‪ ،‬بث جنده في‬
‫بقاع البدن‪ ،‬فصارت السباخ رياضا ً لرياضة ساكن في‬
‫القلب يعمره إذا نزل الحبيب ديار القلب لم يبق فيه‬
‫نزالة‪.‬‬
‫وكان فؤادي خاليا ً‬
‫وكان بذكر الخلق‬
‫يلهـو ويمـرح‬
‫قبـل حـبـكـم‬
‫فلست أراه عـن‬
‫فلما دعا قلـبـي‬
‫فـنـائك يبـرح‬
‫هـواك أجـابـه‬
‫وإن كنت في الدنيا‬
‫رميت ببعد منك إن‬
‫كنـت كـاذبـا ً‬
‫بغـيرك أفـرح‬
‫فلست أرى قلبي‬
‫فإن شئت واصلني‬
‫لغيرك يصـلـح‬
‫وإن شئت ل تصل‬
‫أول منازل القوم‪ ،‬عزفت نفسي عن الدنيا‪ ،‬وأوسطها‬
‫لو كشف الغطاء‪ ،‬ونهايتها ما رأيت شيئا ً إل ورأيت الله‬
‫فيه‪.‬‬
‫إل وجدتك بين‬
‫وما تطابقت‬
‫الجفن والحـدق‬
‫الجفان عـن سـنة‬
‫أجفانه وكلت‬
‫ن‬
‫وهل ينام حزي ٌ‬
‫بالسـهـد والرق‬
‫ق‬
‫موجـ ٌ‬
‫ع قـلـ ٌ‬
‫فأنت والروح شيء‬
‫شغلت نفسي عن‬
‫غير مفترق‬
‫الدنيا ولذتـهـا‬
‫ارحم بقية ما فيها‬
‫فلم تعذبها بالـصـد‬
‫من الرمـق‬
‫يا أمـلـي‬

‫‪277‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫أرواح المحبين خرجت بالرياضة من أبدانها العادات‪،‬‬
‫وهي في حواصل طير الشوق ترفرف على أطلل‬
‫الوجد‪ ،‬وتسرح في رياض النس عند المحبين شغل عن‬
‫الجنة فكيف يلتفتون إلى الدنيا?‪ ،‬ما ترى عين المحبين‬
‫إل المحبوب‪ ،‬فبي يسمع وبي يبصر‪.‬‬
‫ولسان الذكر إن‬
‫أنت عين العين إن‬
‫ذكـرا‬
‫نظرت‬
‫أنت سر السر إن‬
‫أنت سمعي إن‬
‫خطرا‬
‫سمعت به‬
‫كلها يا قاتـلـي‬
‫ما بقي لي فيك‬
‫أسـرا‬
‫جـارحة‬
‫باتت قلوبهم يقلقها الوجد‪ ،‬فأصبحت دموعهم يسترها‬
‫الجفن‪ ،‬فإذا سمعوا ناطقا ً يهتف بذكر الحبيب‪ ،‬أخذ‬
‫جزر الدمع في المد‪ ،‬من أقلقه الخوف‪ ،‬كيف يسكن?‬
‫من أنطقه الحب‪ ،‬كيف يسكت?‪ ،‬من آلمه البعد‪ ،‬كيف‬
‫يصبر? سل عنهم الليل فعنده الخبر‪ ،‬أتدري كيف مر‬
‫عليهم? أبلغك ما جرى لهم? أيعلم سال كيف بات‬
‫المتيم?‪ ،‬افترشوا بساط قيس‪ ،‬وباتوا بليل النابغة‪ ،‬إن‬
‫ناحوا فأشجى من متيم‪ ،‬وإن ندبوا فأفصح من خنساء‪،‬‬
‫اجتمعت أحزاب الحزان‪ ،‬على قلب الخائف‪ ،‬فرمت‬
‫كبداء الخوف الكبد فوصل نصل القلق ففلق حبة‬
‫القلب فانقلب فصاح الوجد من شاء اقتطع‪ ،‬فلو رأيت‬
‫فعل النهاية لرحمت المتمزق‪.‬‬
‫للمهيار‪:‬‬
‫ت‬
‫أيها الرامي وما‬
‫ل تجنب قد أصب ُ‬
‫أجرى دما ً‬
‫الغرضا‬
‫حُلها أو‬
‫اطلبوا للعين فـي‬
‫نظرةً تك ِ‬
‫ُ‬
‫مـضـا‬
‫أثـنـائه‬
‫غ ُ‬
‫طال حبس المحبين في الدنيا عن الحبيب‪ ،‬فضجت‬
‫ألسن الشوق فلو تيقظت في الدجى سمعت أصوات‬
‫أهل الحبوس‪.‬‬
‫للمصنف‪:‬‬
‫ومنعت المنـامـا‬
‫طال ليلـي ودامـا‬
‫منذ بانوا مقـامـا‬
‫وجد الوجد عنـدي‬
‫ودعوا مستهـامـا‬
‫ليتهم حين راحـوا‬

‫‪278‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬
‫لم يسر بل أقامـا‬
‫إذ غذوا أين هامـا‬
‫منذ كنت غلمـا‬
‫يذبل وشمـامـا‬
‫وأحدوا سهـامـا‬
‫إن سمعت حمانـا‬
‫فظننت الغمـامـا‬
‫أين ريح الخزامى‬
‫كان موتا ً زؤامـا‬
‫ُثم أبلى العظامـا‬
‫ونهاري ظـلمـا‬
‫لوعتي والغرامـا‬
‫ما أبالي الملمـا‬
‫قد خلعت اللجامـا‬
‫وكشفت اللثـامـا‬
‫قد فنيت سقـامـا‬

‫مكتبة‬

‫سار قلبي وجسمي‬
‫لست أدري فؤادي‬
‫حبهم قرت قلبـي‬
‫حملوا ضعف قلبي‬
‫ق‬
‫كم رموني برشـ ٍ‬
‫ما لعيني تبـكـي‬
‫كلما نـاح رشـت‬
‫هل نسيم لكـربـي‬
‫هجركم يا حبيبـي‬
‫أكل اللحم مـنـي‬
‫صار ليلي نهـارا ً‬
‫ت أشـكـو‬
‫إنما بـ ّ‬
‫فاعذروا أو فلوموا‬
‫إفرجوا عن طريقي‬
‫ورميت سـلحـي‬
‫أسعدوني فـإنـي‬
‫الفصل الستون‬
‫إخواني‪ ،‬تفكروا في الذين رحلوا‪ ،‬أين نزلوا‪ ،‬وتذكروا‬
‫أن القوم نوقشوا وسئلوا‪ ،‬واعلموا أنكم كما تعذلون‪،‬‬
‫عذلوا ولقد ردوا بعد الفوات لو قبلوا‪.‬‬
‫لبي العتاهية‪:‬‬
‫سألت الدار تخبرنـي عن الحباب ما فعلوا‬
‫فقالت لي أناخ‬
‫أياما ً وقـد رحـلـوا‬
‫القـوم‬
‫فقلت فأين‬
‫ل نـزلـوا‬
‫وأ ّ‬
‫ي مناز ٍ‬
‫أطلبهـم?‬
‫فقالت بالقبـور‬
‫لقوا والله ما فعلـوا‬
‫وقـد‬
‫س غـّرهـم أمـ ٌ‬
‫فبادرهم بـه الجـل‬
‫ل‬
‫أنا ٌ‬
‫فنوا وبقي على‬
‫ما قالوا وما عملـوا‬
‫اليام‬
‫وأثبت في‬
‫قبيح الفعل والزلـل‬
‫صحائفهـم‬
‫لهم ملجـأ ول حـيل‬
‫فل يستعتـبـون ول‬

‫‪279‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫وما يغني وقد‬
‫ندامى في قبـورهـم‬
‫حصلوا‬
‫أين من كانت اللسن تهذي بهم لتهذيبهم‪ ،‬وأصبحت‬
‫فلك الختبار تجري بهم لتجريبهم‪ ،‬أقامت قيامتهم‬
‫منادي الرحيل لتغري بهم لتغرييهم‪ ،‬فباتوا في القبور‬
‫وحدانا ل أنيس لغريبهم‪ ،‬أين أهل الوداد الصافي في‬
‫التصافي‪ ،‬أين الفصيح الذي إن شاء أنشأ في القول‬
‫الصافي‪ ،‬أين قصورهم التي تضمنتها مدايح الشعراء‬
‫صار ذكر القوى في القوافي‪ ،‬لقد نادى الموت أهل‬
‫العوالي والقصور العوالي الطوافي‪ ،‬تأهبوا لقدومي‬
‫فكم غرثان طوى في طوافي‪ ،‬رحل ذو المال وما‬
‫أوصى في تفريق كدر أو صافي ‪ ،‬ولقي في مره أمرا ً‬
‫مرا ً ل تبلغه أوصافي‪ ،‬ذاقوا طعام المال فانتزع من‬
‫أفواههم يوم المآل‪ ،‬وعاد الخوى في الخوافي‪ ،‬عوى‬
‫في ديارهم ذئب السقام‪ ،‬بتكذيب العوافي‪ ،‬انقطعت‬
‫آمالهم‪ ،‬وصار كل المنى في دفع المنافي‪ ،‬تزلزل ود‬
‫أحبابهم والتوى وبت ألتوي في التوافي‪ ،‬تالله لقد نال‬
‫الدود والبلى‪ ،‬ما أرادا منهم وألفيا في الفيافي‪.‬‬
‫آلت قبورهم إلى الخراب أول‪ ،‬فل يدري أهذا قبر‬
‫المولى أول‪ ،‬وهم سواءٌ في السوافي‪ ،‬كم أعرضوا عن‬
‫ح وقد رفعوا ما تلفى التلفي‪ ،‬كم ندموا على‬
‫نصي ٍ‬
‫ضياع زمانهم الذي خل في خلفي‪ ،‬كم رأيت عاصيهم‬
‫قد أعرض عني إلى عدوي والتجا في التجافي‪ ،‬أما‬
‫ة لل ّ‬
‫شوى " في‬
‫أخبرتهم بوصف النار إنها " نّزاع ٌ‬
‫الشوافي‪ ،‬فاعتبر بحالهم فإنه يكف كف الهوى وهو‬
‫الواعظ الكافي‪ ،‬أين البصار الحدائد قبل إحضار‬
‫الشدائد‪ ،‬أما استلبت القلئد من ترائب الولئد‪ ،‬ل بد‬
‫من إزعاج هذا الراقد‪ ،‬فيقع الفراق بين فريق الفراقد‪،‬‬
‫يا موثقا ً في حبالة الصائد‪ ،‬والله ما كذبك الرائد‪ ،‬يا‬
‫عمي البصيرة ول قائد‪ ،‬كم أضرب في حديد بارد‪.‬‬
‫أليلى وك ّ‬
‫ل أصبح ابن ولبنى وما فينا سوى‬
‫ابن ذريح‬
‫وح‬
‫ملـ ّ‬
‫ذهبت أعماركم في طلب الشهوة والموت قد دنا‪ ،‬فما‬
‫هذه السهوة والقلوب غافلة فإلم القسوة? والصلح‬
‫معرض فختام الجفوة‪ ،‬أين رب المال ابن ذو الثروة?‪،‬‬
‫أما فرس الموت ذا الفرس? وأخلى الصهوة‪.‬‬

‫‪280‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫طوبى للمتيقظين إنهم لقدوة‪ ،‬علموا عيب الدنيا فما‬
‫أمسكوا عروة‪ ،‬وأنت في حبها كقيس وعروة‪ ،‬أيحسن‬
‫بعد الشيب لهو وصبوة‪ ،‬أأبقى نأي الزمان طيب ناي‬
‫وقهوة? قربت نوق الرحيل‪ ،‬مساء وغدوة‪ ،‬جذبت أيدي‬
‫المنون كرها وعنوة‪ ،‬يا قليل التدبير ول عقول النسوة‪،‬‬
‫إلى كم عيب وعتب‪ ،‬أما فيكم نخوة? واعجبا ً لتاجر‬
‫يرضى بتعب شهر ليتمتع بربحه سنة‪ ،‬فكيف ل يصبر‬
‫أيام عمره القليلة ليلتذ بربحها أبدًا‪.‬‬
‫يا من يروح ويغدو في طلب الرباح‪ ،‬ويحك اربح‬
‫نفسك‪ ،‬يا أطفال الهوى طال مكثكم في مكتب‬
‫التعليم‪ ،‬فهل فيكم من أنجب? أقروا أدلة التوحيد من‬
‫ألواح أشباحكم‪ ،‬وتلقفوها من أنفاس أرواحكم‪ ،‬قبل‬
‫أن يستلب الموت من أيدي اللهين ألواح الصور‪،‬‬
‫ويمحو سطور التركيب بكف البلى وما فهم المكتوب‬
‫بعد‪ ،‬كم يلبث مصباح الحياة على نكباء النكبات‪ ،‬من‬
‫رأى بعين فكره معاول النقض‪ ،‬في هذا المنزل ناح‬
‫على السكان‪.‬‬
‫يا هذا مشكاة بدنك في مهاب قواصف الهلك‪ ،‬وزجاجة‬
‫نفسك في معرض النكسار‪ ،‬فاغتنم زمان الصفو‬
‫فأيام الوصل قصار‪ ،‬كم يلبث قنديل الحياة على‬
‫عواصف الفات‪ ،‬أنفاس الحي خطاه إلى اجله‪ ،‬درجات‬
‫الفضائل كثيرة المراقي وفي القدام ضعف وفي‬
‫الزمان قصر‪ ،‬فمتى تنال الغاية?‪.‬‬
‫وقف قوم على راهب‪ ،‬فقالوا‪ :‬إنا سائلوك أفمجيبنا‬
‫أنت? قال‪ :‬سلوا ول تكثروا‪ ،‬فإن النهار لن يرجع‪،‬‬
‫والعمر لن يعود‪ ،‬والطالب حثيث في طلبه ذو اجتهاد‪،‬‬
‫قالوا‪ :‬فأوصنا‪ ،‬قال‪ :‬تزودوا على قدر سفركم فإن‬
‫خير الزاد ما أبلغ البغية‪.‬‬
‫إخواني‪ ،‬اليام صحائف العمار فخلدوها أحسن‬
‫العمال‪ ،‬الفرص تمر مر السحاب والتواني من أخلق‬
‫الخوالف‪ ،‬من استوطأ مركب العجز عثر به‪ ،‬تزوج‬
‫التواني بالكسل فولد بينهما الخسران‪ .‬كان عمر‬
‫وعائشة يسردان الصوم‪ ،‬وسرد أبو طلحة أربعين سنة‪،‬‬
‫وصام منصور بن المعتمر أربعين سنة وقام ليلها‪،‬‬
‫وكان عامر بن عبد الله يصلي كل يوم ألف ركعة‪،‬‬
‫وختم أبو بكر بن عياش في زاوية بيته ثماني عشر‬

‫‪281‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫ألف ختمة‪ ،‬وكان لكهمش في كل شهر تسعون ختمة‪،‬‬
‫وكان عمير بن هاني يسبح كل يوم مائة ألف تسبيحة‪:‬‬
‫واستطابوا القيظ‬
‫صافحوا النجم على‬
‫من برد الظلل‬
‫بعد المنـال‬
‫إنما الخطار أثمان‬
‫واستذلوا الوعر من‬
‫المعـالـي‬
‫أخطـارهـا‬
‫صحت الجسام يوما ً‬
‫كبوا الضـرر إلـيهـا‬
‫بالهـزال‬
‫ربـمـا‬
‫بالعوالي السمر‬
‫جروا يوما ً إلـى‬
‫والقب العوالي‬
‫غـاياتـهـا‬
‫وكان السود بن يزيد يصوم حتى يخضر ويصفر‪ ،‬وكان‬
‫ابن أدهم كأنه سفود من العبادة‪ ،‬وكانت رابعة كأنها‬
‫شن بال‪ ،‬ومات حسان بن أبي سنان فكان على‬
‫المغتسل كالخيط‪ ،‬وكان محمد بن النضر لو كشط‬
‫جميع لحمه لم يبلغ رط ً‬
‫ل‪:‬‬
‫وإن ترك المطايا‬
‫جزى الله المسير‬
‫إليه خيرا ً‬
‫كالمزاد‬
‫أكبر دليا على الحب نحول الجسم واصفرار اللون‪.‬‬
‫للحارثي‪:‬‬
‫مجردة تضحي لديك‬
‫سلبت عظامي كلها‬
‫وتخـضـّر‬
‫فتركـتـهـا‬
‫أنابيب في أجوافها‬
‫وأخليتها من مخهـا‬
‫الريح تصفـر‬
‫فـكـأنـهـا‬
‫مفاصلها من خوف‬
‫إذا سمعت باسم‬
‫ما تنتـظـر‬
‫الحبيب تقعقعـت‬
‫خذي بيدي ثم ارفعي ضنى جسدي لكننـي‬
‫أتـسـتـر‬
‫الثوب تنظري‬
‫ح تذوب‬
‫وليس الذي يجري‬
‫ولكنها رو ٌ‬
‫فتـقـطـر‪.‬‬
‫من العين ماؤها‬
‫قال الجنيد‪ :‬دخلت على سري السقطي فمد جلدة‬
‫ذراعه وقد يبست على العظم‪ ،‬فما امتدت‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫والله لو شئت أن أقول هذا من محبته لقلت‪:‬‬
‫وهواك ما أبقى‬
‫على فيك ول تـرك‬
‫هواك‬
‫يزري علي ولم يرك‬
‫أيلومني فـيك الـذي‬

‫‪282‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫رفقا ً بعبـدك سـيدي‬
‫الفصل الحادي والستون‬
‫يا من أيامه تعظه‪ ،‬حين تبنيه وتنقضه‪ ،‬يا من صحته‬
‫تمرضه‪ ،‬وسلمته تحرضه‪ ،‬يقرض عمره فيفنى ومن‬
‫يقرضه‪:‬‬
‫بوعظ شفى البابـنـا‬
‫أرى الدهر أغنى‬
‫بـلـبـابـه‬
‫خطبه عن خطابه‬
‫إليها وتعمى عن‬
‫له قلب تهدى‬
‫وشيك انقـلبـه‬
‫القـلـوب صـواديا‬
‫سطا فأغاب الليث‬
‫هو اللـيث إل أنـه‬
‫عن أنس غابـه‬
‫وهـو خـادر‬
‫لصاب إليه من مـرارة‬
‫وهيهات لم تسلم‬
‫صـابـه‬
‫حـلوة شـهـده‬
‫عواقبه مخـتـومة‬
‫مبـيد مـبـاديه تـغـر‬
‫بـعـقـابـه‬
‫وإنـمـا‬
‫وسارت ملوك الرض‬
‫ألم تر من ساس‬
‫الممـالـك قـادرا ً‬
‫تحت ركابه‬
‫على شهبها لول‬
‫ودانت له الدنيا‬
‫خمود شـهـابـه‬
‫وكـادت تـحـلـه‬
‫غداة غدا عن كسبه‬
‫لقد أسلمته حصنـه‬
‫باكتـسـابـه‬
‫وحـصـونـه‬
‫ول ذهب أغناه عـنـد‬
‫فل فضة أنجته عند‬
‫ذهـابـه‬
‫انفـضـاضـه‬
‫وأفـرده أتـرابـه‬
‫سل شخصـه وراثـه‬
‫بـتـرابــه‬
‫بـتـراثـه‬
‫كم دارس عليك إن الرابع دارس‪ ،‬كم واعظ ناطق وآخر‬
‫هامس‪ ،‬كم غمست حبيبا ً في الثرى كف رامس‪ ،‬كم‬
‫طمس وجها ً صبيحا ً من البلى طامس‪ ،‬تالله ما نجا‬
‫بطبه بقراط ول أرسطا طالس‪ ،‬صاح الموت بالقوم‬
‫فنكس الفارس‪ ،‬أين الفطن اللبيب أين اليقظ‬
‫القائس? أتشتري أخس الخسائس يا نفس النفائس?‬
‫أتؤثر لذة لحظة تجني حرب البسوس وداحس? يا‬
‫مقترين من التقى‪ ،‬اشتروا نفوسكم عن الذنوب‬
‫تشتروا لها السنادس‪ ،‬أخواني‪ ،‬لو ذكرتم أنكم تبادون‬
‫ما كنتم بالمعاصي تبادون‪ ،‬لقد صوت فيكم الحادون‬
‫هذا عبيدك قد هلك‪.‬‬

‫‪283‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫وما كأنكم للخير ترادون‪ ،‬واعجبا ً تصادون المواعظ ول‬
‫تصادون‪ ،‬إلى متى تراوحون الذنوب وتغادون? يا‬
‫مقيمين وهم حقا ً غادون‪ ،‬أتعادون من يقول إنكم‬
‫تعادون? كأنكم بكم تقادون إلى مقام فيه تقادون‪ ،‬أما‬
‫سمعتم كيف نادى المنادون? كل شيء دون المنى‬
‫دون‪:‬‬
‫وانهض فقد طال بك‬
‫يا نائم الليل تنبه‬
‫القعود‬
‫لـلـتـقـى‬
‫يغسل عن أجفانه‬
‫بين يديك حادث‬
‫الـرقـود‬
‫لـمـثـلـه‬
‫ومن ذوي النطق‬
‫ما جحد الصامت من‬
‫أتى الجحود‬
‫نـشـأه‬
‫الدهر خطيب كاف‪ ،‬والفكر طبيب شاف‪ ،‬كم قطع زرع‬
‫قبل التمام فما ظن المستحصد‪ ،‬من عرف الستين‬
‫أنكر نفسه‪ ،‬من بلغ السبعين اختلفت إليه رسل المنية‪،‬‬
‫عواري الزمان في ضمان الرتجاع‪ ،‬يوسف العقل ينظر‬
‫في العواقب‪ ،‬وزليخا الهوى تتلمح العاجل‪ ،‬يا مقدمين‬
‫على الحرام أنتم بعين من حرم‪ ،‬ينبغي لمن ُألبس ثوب‬
‫العافية أن ل يدنسه بوسخ الزلل‪ ،‬زرع النعم مفتقر‬
‫إلى دوران دولب الشكر‪ ،‬فإذا فتح القلب سكر‬
‫العتراف بالعجز صار السقي سبحًا‪.‬‬
‫هذا اليوم يقول‪ :‬ارضني وعلى رضا أمس‪ ،‬السكون‬
‫بالبلدة أصعب من التحريك بالهوى‪ ،‬إذا رآك عقلك‪،‬‬
‫سك تدبيرك تولى‪ ،‬ويحك ل تأمن حسك‬
‫وقد تولى ح ّ‬
‫على عقلك فإنه عكس الحكمة‪ ،‬العقل نور والحس‬
‫ظلمة‪ ،‬الحس أعشى والعقل عين الهدهد‪ ،‬الحس طفل‬
‫والعقل بالغ‪ ،‬العقل يدخل في المضائق والحس أبله‪،‬‬
‫الحس ل يرى إل الحاضر والعقل يتلمح الخر‪ ،‬الصبر‬
‫عن الغراض صبر غير أن الحازم يجعل مراقبة‬
‫العواقب تقوية‪ ،‬ما خل قط وجه سرور من تعبس‬
‫مكروه‪ ،‬ول سلمت كأس لذة‪ ،‬من شائبة نغصة‪:‬‬
‫للمتنبي‪:‬‬
‫ة‬
‫ن من وأخد ُ‬
‫كف ِ‬
‫ع من ِ‬
‫فذي الدار أخو ُ‬
‫الحـابـل‬
‫مومس‬
‫وما يحصلون على‬
‫تفانى الرجال على‬

‫‪284‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫طـائل‬
‫حّبـهـا‬
‫كل صاف من الدنيا‪ ،‬مقرون بكدر‪ ،‬حتى أنه في الغيث‬
‫عيث‪ ،‬أتريد أن ل ينعكس لك غرض? فما هذا موضعه‪،‬‬
‫الهبات ذاهبات‪ ،‬والليل مناهبات‪ ،‬الدنيا قنطرة‬
‫واستيطان القناطير بله‪.‬‬
‫ووطن في غيره‬
‫هل نجد إل منـزل‬
‫يقضي الوطر‬
‫مـفـارق‬
‫الهم فيها أكثر من الفرح‪ ،‬والسرور أقل من الحزن‬
‫حَيوان" يا مجتهدا ً في طلب‬
‫"وأ ّ‬
‫ن الدار الخرة لهي ال َ‬
‫الدنيا‪ ،‬اجعل عشر اجتهادك للخرى‪ ،‬جهزت البنات‬
‫وتزوجت البنين‪ ،‬فأنت بماذا تجهزت للرحيل? يا‬
‫متقاعدا ً عن أوامر الرب‪ ،‬احذر أن يقعدك عن نهضاتك‬
‫تزمن‪ ،‬واعجبا ً إن حركت إلى الطاعة‪ ،‬فزحل وإن لح‬
‫لك الهوى فعطارد عينك قد استرقها المنظور‪،‬‬
‫ولسانك يتصرف فيه اللغو‪ ،‬ويدك‪ .‬يحركها الزلل‪ ،‬وخطا‬
‫أقدامك إلى الخطأ‪ ،‬ثم قد أسكنت الهوى قلبك‪ ،‬فأين‬
‫يكون الملك? وهل ترك لنا عقيل من منزل‪.‬‬
‫ويحك إن النسان يشد في إصبعه خيطا ً يتذكر به‬
‫حاجته‪ ،‬وهل في جسدك عرق أو شعرة إل وهي تذكر‬
‫بالخالق‪ ،‬فما وجه هذا النسيان البارد‪ ،‬يا من باعنا‬
‫نفسه ثم ماطل بالتسليم‪ ،‬ل أنت ممن يفسخ العقد ول‬
‫ممن يمضي البيع‪ ،‬تدعي الرحلة إلى دار الحبيب‪،‬‬
‫ودهليز سرادقك إلى بلد الهوى‪ ،‬هيهات ل يدرك علم‬
‫الربانية إل من ربى فيه‪.‬‬
‫للمهيار‪:‬‬
‫س َ‬
‫يا قلب ما أنت وأه َ‬
‫ك‬
‫ل وإنما هم أم ُ‬
‫ب‬
‫الحمى‬
‫الذاهـ ُ‬
‫م‬
‫ء‬
‫د وظبا ِ‬
‫أن ُيقرح المن ِ‬
‫دون نج ٍ‬
‫س ُ‬
‫ب‬
‫الحـمـى‬
‫والغار ُ‬
‫ل بد في سلوك الطريق من مصابرة رفيق‪ ،‬البلء له‬
‫خلق صعب فاصبر على مداراته‪ ،‬البليا ضيوف فأحسن‬
‫قراها لترحل عنك إلى بلد الجزاء مادحة ل قادحة‪ ،‬من‬
‫حك بأظفار شكواه جلد عيشه أدمى دينه‪ ،‬البلء ظلمة‬
‫غبش ويا سرعة طلوع الفجر‪ ،‬اللهم أعن أطفال التوبة‬
‫على ما ابتلوا به من جوع شديد‪ ،‬فإذا أعد قرص‬

‫‪285‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫ب‬
‫ح ِ‬
‫س َ‬
‫الفطار نزل ضيف "وُيؤثرون" فزاحم‪ ،‬فأراح "أ َ‬
‫الناس أن ُيتركوا"‪.‬‬
‫صيرني سامعا ً‬
‫إن هواك الذي‬
‫مطيعـا‬
‫بقلـبـي‬
‫سلبتني النوم‬
‫أخذت قلبي وغمض‬
‫والهجوعـا‬
‫عيني‬
‫فقال ل بل هما‬
‫فذر فؤادي وخذ‬
‫جميعـا‬
‫رقـادي‬
‫فإذا تمكنت قدم المريد وطاب له ارتضاع ثدي الوصال‬
‫قطع عنه في أهنأ ما كان يراد منه زيادة القلق‪ ،‬في‬
‫الحديث يوحي الله تعالى إلى جبريل عليه السلم‬
‫ي فردها‪ ،‬فلو‬
‫اسلب عبدي حلوة مناجاتي فإن تضرع إل ّ‬
‫سمعت استغاثة المحبين‪ ،‬لورثتك القلق‪:‬‬
‫من عادته القـرب‬
‫على بعدك ل يصبر‬
‫ول يقوى على‬
‫من تيمـه الـحـب‬
‫حجبك‬
‫فقد يشهدك القلـب‬
‫فمهل ً أيها الساقـي‬
‫فقد يشهدك القلـب‬
‫فإن لم تترك العـين‬
‫الفصل الثاني والستون‬
‫يا من قد غلبته نفسه وبطش بعقله حسه‪ ،‬استدرك‬
‫صبابة اليقظة وصح في سمع قلبك بموعظة‪.‬‬
‫واعصى الهوى‬
‫يا نفس توبي فإن‬
‫فالهوى ما زال فتانا‬
‫الموت قد حـانـا‬
‫أما ترينا المنايا كيف لقطا ً وتلحـق أخـرانـا‬
‫بـأولنـا‬
‫تـلـقـطـنـا‬
‫في كل يوم لنـا مـيت نرى بمصرعـه آثـار‬
‫مـوتـانـا‬
‫نـشـيعـه‬
‫خلفي وأخرج من‬
‫يا نفس مالي‬
‫دنياي عـريانـا‬
‫وللموال أتـركـهـا‬
‫قد آن أن تقصري قـد‬
‫أبعد خمسين قد‬
‫قضيتـهـا لـعـبـا ً‬
‫آن قـد آنـا‬
‫ننسى بغفلتنا من‬
‫ما بالنا نتعامى عـن‬
‫لـيس ينـسـانـا‬
‫مـصـائرنـا‬
‫كان زاجرنا بالحـرص‬
‫نزداد حرصا ً وهذا‬
‫أغـرانـا‬
‫الدهر يزجـرنـا‬

‫‪286‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫كانت تخر لـه الذقـان‬
‫أين الملوك وأبناء‬
‫إذعـانـا‬
‫المـلـوك ومـن‬
‫مستبدلين من‬
‫صاحت بهم حادثات‬
‫الوطـان أوطـانـا‬
‫الدهر فانقلبـوا‬
‫واستفرشوا حفرا ً‬
‫خلوا مدائن كان العز‬
‫ً‬
‫غبرا وقيعـانـا‬
‫مفـرشـهـا‬
‫ورافل ً في ثياب‬
‫يا راكضا ً في ميادين‬
‫الهوى مرحـا ً‬
‫الغي نـشـوانـا‬
‫يكفيك ما قد مضى‬
‫مضى الزمان وولى‬
‫قد كان ما كانا‬
‫العمر في لعب‬
‫أين الزاد يا مسافر? أين درع التقوى يا سافر? لقد‬
‫أنشب الموت فيك الظافر ول تشكن أنه ظافر‪ ،‬هذه‬
‫النبل فأين المغافر‪ ،‬كيف تصنع إن غضب الغافر? يا‬
‫مبارزا ً بالقبيح أمؤمن أنت أم كافر? إن قمت سدلت‬
‫من ثياب كبرك وإن أقمت سدرت من شراب خمرك‪،‬‬
‫اصطفقت أبواب المواعظ‪ .‬وما استفقت‪ ،‬تقف في‬
‫الصلة بغير خضوع وتقرأ للتخويف وما ثم خشوع‪ ،‬يا‬
‫نائما ً عن صلحه كم هذا الهجوع? يا دائم الحضور عندنا‬
‫هل عمرك إل أسبوع? إن لنجم الحياة لفول‪ ،‬ولشمس‬
‫الممات لطلوع‪ ،‬أين أبوك أين جدك? السيف قطوع‪،‬‬
‫كيف تبقى مع كسر الصول ضعاف الفروع? تعلق‬
‫الدنيا بقلبك وتعتذر بلفظ مصنوع‪ ،‬إصرارك‬
‫كالصحيحين وإقلعك حديث موضوع‪ ،‬مزق أملك‪.‬‬
‫فالعمر قصير‪ ،‬حقق عملك فالناقد بصير‪ ،‬زد زاد‬
‫سفرك فالطريق بعيد‪ ،‬ردد نظر فكرك فالحساب‬
‫شديد‪ ،‬صح بالقلب لعله يرعوي‪ ،‬سلمه إلى الرائض‬
‫عساه يستوي‪ ،‬يا مؤثر البطالة عالم الهوى دنس‪،‬‬
‫عاشق الهوى جامد الفكر فلو ذاب ما ذاب‪.‬‬
‫وبكاؤهن لغير وصلك‬
‫سهر العيون لغير‬
‫باطـل‬
‫وجهك ضائع‬
‫يا هذا وجه ناقتك إلى بادية الزيارة‪ ،‬فإن لها بنسيم‬
‫نجد معرفة‪ ،‬قفها على الجادة وقد هب لها نسيم‬
‫الشيح من الحجاز‪ ،‬إن أعوزك في الطريق ماء فتمم‬
‫مزادتك بالبكاء‪.‬‬
‫لعلي بن أفلح‪:‬‬

‫‪287‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫من الحنين ناشطا ً‬
‫دعها لك الخير وما‬
‫عقـالـهـا‬
‫بدا لـهـا‬
‫فهو أهاج بالجوى‬
‫ول تعللـهـا بـجـو‬
‫بلبـالـهـا‬
‫بـابـل‬
‫فإنها ذكراه قـد‬
‫ول تعقها عن‬
‫أمـالـهـا‬
‫عـقـيق رامة‬
‫نشدتك الله إذا جئت فرد أضاها واستظل‬
‫ضالهـا‬
‫الـربـى‬
‫أطفى لها ريب‬
‫وناوح الورق بشجـو‬
‫الردى أطفالها‬
‫ثـاكـل‬
‫بدأ بآدم في طريق ابتلئه ثلثمائة سنة‪ ،‬وعام نوح في‬
‫دمعه ثلثمائة عام‪ ،‬وضج داود من دائه حتى ذوى‪ ،‬كان‬
‫كلما هاج حر الحزن هاج نبت الفرج‪ ،‬فحالت الحال دمعا ً‬
‫فأجدب البصر وأعشب الوادي فلو وزنت دموعه بدموع‬
‫الخلئق لرجحت‪.‬‬
‫للشريف الرضي‪:‬‬
‫ي قومك يوم‬
‫عندي من الدمع ما‬
‫مط ّ‬
‫الجزع ما نزحا‬
‫لو كان وارده‬
‫ينحو مع البارق‬
‫ن‬
‫ن أسوا َ‬
‫غادَْر َ‬
‫علوي أين نحا‬
‫ممطورا ً بعبرتـه‬
‫ال ُ‬
‫فيهم شعاعا ً أو‬
‫هل تبلغنهم النفس‬
‫القلب الذي َ‬
‫رحا‬
‫التي تلـفـت‬
‫ق ِ‬
‫ب أن يهون‬
‫ح دمي‬
‫فواج ٌ‬
‫إن هان سف ُ‬
‫سفحا‬
‫م‬
‫بالبين عند ُ‬
‫الدمع إن ُ‬
‫هـ ُ‬
‫كان يحيى بن زكريا يبكي حتى رق جلدة خده وبدت‬
‫أضراسه‪ ،‬هذا وقد كان على الجادة فكيف بمن ضل?‬
‫واعجبا ً من بكائه وما ثم مأتم‪ ،‬فكيف بمن ما انقضى‬
‫يوم إل ومأتم ما تم? يا هذا إن كان قد أصابك داء داود‪،‬‬
‫فنح نوح نوح تحيى حياة يحيى‪.‬‬
‫ل تحبسن ما العـيون لك يا لديغ هـواهـم‬
‫درياق‬
‫فـإنـه‬
‫ل يرتجى لسيرها‬
‫شنوا الغارة في‬
‫إطـلق‬
‫القلوب بأسهم‬
‫السرار حتى درت‬
‫واستعذبوا ماء‬
‫المـاق‬
‫الجفون فعذبـوا‬

‫‪288‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫كان عمر بن عبد العزيز وفتح الموصلي يبكيان الدم‪،‬‬
‫وقليل في جنب ما نطق به لسان الوعيد إذا خل الفكر‬
‫باليقين‪ ،‬ثارت عجاجة الدمع‪ ،‬فإذا أقرح الحزن القلب‬
‫استحالت الدموع دمًا‪.‬‬
‫للمهيار‪:‬‬
‫ل كيف بات‬
‫أجارتنا بالغور‬
‫أيعلم خا ٍ‬
‫م‬
‫م‬
‫والرك ُ‬
‫الـمـتـي ُ‬
‫ب متـهـ ُ‬
‫قلوبا ً أبت أن تعرف‬
‫م من ظاعنين‬
‫بنا أنت ُ‬
‫م‬
‫وخـّلـفـوا‬
‫الصبر عنه ُ‬
‫ة‬
‫ولما انجلى التوديع‬
‫ولم يبق إل نظـر ٌ‬
‫م‬
‫عما حذرتـه‬
‫تـتـغـنـ ُ‬
‫وكيف يح ّ‬
‫ت على الوادي‬
‫ل المرءُ‬
‫بكي ُ‬
‫أكـثـره دم?‬
‫ت ماءه‬
‫فحرم ُ‬
‫واعجبا ً أطار حكم حديث العذيب وأنتم من وراء النهر‪،‬‬
‫يا منقطعين عن الحباب تعالوا نمشي رفقة‪ ،‬فمجمعنا‬
‫مأتم السى‪ ،‬موعدنا مقابر السف‪.‬‬
‫البين تعـالـينـا‬
‫تعالين نعالج زفرة‬
‫وتودع نظرة عينا‬
‫نزود إذنا ً شكـوى‬
‫عسانا نعطف البينا‬
‫ونبكي من يد البـين‬
‫لجاجا ً ما تباكـينـا‬
‫فما زاد النـوى إل‬
‫يا سائقـهـا الينـا‬
‫إلى أين أما تعـلـم‬
‫وسطا بين ما بينـا‬
‫إذا عرست بالجرعاء‬
‫وعين الرمل حيينـا‬
‫فحيى اللـه يبـرين‬
‫الفصل الثالث والستون‬
‫يا هذا‪ ،‬عاتب نفسك على تفريطها ثم حاسبها على‬
‫تخليطها‪ ،‬حدثها بما بين يدها وأخبرها‪ ،‬أشر عليها‬
‫بمصلحتها ودبرها‪.‬‬
‫لنجاة فالحازم‬
‫استمدي للموت يا‬
‫المـسـتـعـد‬
‫نفس واسعي‬
‫خلود ول مـن‬
‫قد تبينت أنه لـيس‬
‫الـمـوت بـد‬
‫لـلـحـي‬
‫لمرئ حظه من‬
‫أي ملك في الرض‬
‫الرض لحد‬
‫أو أي حظ‬
‫عليه النفاس فـيهـا‬
‫كيف يهوى امـرؤ‬
‫تـعـد‬
‫لـذاذة أيام‬

‫‪289‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫آه لنفوس بغرور هذه الدنيا يخدعن‪ ،‬فإذا فاتهن شيء‬
‫من فان توجعن‪ ،‬شربن من مياه الغفلة وتجرعن‪ ،‬فلما‬
‫بانت حبة الفخ أسرعن‪ ،‬فما انجلت ساعة التفريط‬
‫حتى وقعن‪ ،‬أما علمن أنهن يحصدن ما يزرعن‪ ،‬أما‬
‫تيقن أنهن في هلكهن يشرعن‪ ،‬يا قلة ما تنعمن‪ ،‬ويا‬
‫احتقار ما تمتعن‪ ،‬أما هن عن قليل في اللحد يضجعن‪،‬‬
‫أين تلك القدام المشيعة لهن? تصدعن‪ ،‬بئس حافظ‬
‫الجساد تراب يقول دعهن لما أودعهن‪ ،‬طال ما كن‬
‫يوترن الذنوب ويشفعن‪ ،‬فلو رأيتهن بعد الموت‬
‫يتضرعن "رب ارجعون" ل والله ل يرجعن‪ ،‬يا عجبا ً هذه‬
‫الفات لهن ويهجعن‪ ،‬وهذا الحبس الشديد ويرتعن‪ ،‬يا‬
‫لها من مواعظ فهل أثرن أو نجعن‪.‬‬
‫يا هذا‪ ،‬اخل بنفسك في بيت الفكر‪ ،‬واعذلها في‬
‫الهوى فإن لم تلن فاخرج بها على عسكر المقابر‪،‬‬
‫فإن لم ترعوي فاضربها بسوط الجوع‪.‬‬
‫يا هذا‪ ،‬العزلة‪ .‬تجمع الهمم‪ ،‬والمخالطة نهابة‪ ،‬الهوى‬
‫مرضع كثير التخليط‪ ،‬فهذا طفل قلبك كثير المرض‪،‬‬
‫عجل فطامه وقد صح‪ ،‬العزلة والقناعة والصبر والعفة‬
‫والتواضع عقاقير كيمياء النجاة يبلغن بمستعملهن‬
‫مرتبة الغنى‪ ،‬والحرص والشره والغضب والعجب‬
‫والكبر كلهم مجانين في مارستان العقل وهو القيم‬
‫عليهم‪ ،‬فليتحذر الغفلة عنهم فإنه إن أفلت مجنون حل‬
‫الباقين‪.‬‬
‫يا هذا حصن السلمة العزلة‪ ،‬أقل ما في الخروج منه‬
‫من الذى‪ ،‬مصادمة الهواء المختلف المهاب في بادية‬
‫الشهوات‪ ،‬وقد عقبته جنوب المجانبة للصواب‪ ،‬فصار‬
‫وباء‪ ،‬وإياك أن تتعرض لهواء الوبي مغترا ً بصحة‬
‫مزاجك‪ ،‬فإنك إن سلمت من فضول الفتن من التلف‬
‫لم تأمن زكمة‪ ،‬ومتى تمكنت زكمة الهمة لم تشم‬
‫الفضائل‪.‬‬
‫عمر ولى وقد توالى‬
‫يا قلب الم ل يفيد‬
‫القبـح‬
‫النـصـح‬
‫ما تشعر بالخمار‬
‫جرح دام وقد تبـدى‬
‫حتى تصحو‬
‫جـرح‬
‫لما انقشع غيم الغفلة عن عيون أهل اليقين‪ ،‬لح لهم‬
‫هلل الهدى في صحراء اليقظة‪ ،‬فبيتوا نية الصوم عن‬

‫‪290‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫الهوى على عزم‪ :‬عزفت نفسي عن الدنيا‪ ،‬دخل محمد‬
‫بن كعب القرظي على عمر بن عبد العزيز وقد غيره‬
‫الزهد فأنكره‪ ،‬فقال‪ :‬يا ابن كعب فكيف لو رأيتني بعد‬
‫ثلثة أيام في قبري?‬
‫لم تبق فيهم‬
‫الحزان غير خيالت‬
‫حرارات الهوى‬
‫وأشـبـاح‬
‫وجوى‬
‫لول تـردد أنـفــاس‬
‫تكاد تنكرهم عين‬
‫وأرواح‬
‫الخبـير بـهـم‬
‫كان وهيب بن الورد قد نحل من التعبد‪ ،‬فكانت خضرة‬
‫البقل تبين تحت جلدة بطنه‪.‬‬
‫للمهيار‪:‬‬
‫َبلى وحسبي بكم‬
‫ت ل ُيبلي هواك‬
‫زعم ِ‬
‫لقد بـلـى‬
‫جسدي‬
‫ما طل دمع مقلتي‬
‫داُرك تدري أنه لول‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ل‬
‫الهوى‬
‫في طل ِ‬
‫أخواني من عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل‪.‬‬
‫لصردر‪:‬‬
‫ض‬
‫وكم ناحل بين تلك‬
‫تحسبه بع َ‬
‫أطنابهـا‬
‫الخيام‬
‫أنضى القوم رواحل البدان في سفر الشوق حبا ً‬
‫لتعجيل اللقاء‪ ،‬فكم طووا منزل ً على الظماء حتى كل‬
‫كل المطي بتلك الجعجعة‪ ،‬ورفيق الرفق يصيح بهم‪.‬‬
‫للمهيار‪:‬‬
‫س وارخوا أزمتها‬
‫دعوها ت ِ‬
‫ردْ بعد خم ٍ‬
‫شروعـا ً‬
‫والنـسـوعـا‬
‫ول امتدّ دهـُرك إل‬
‫وقولوا دعاءً لها‪ :‬ل‬
‫ربـيعـا‬
‫ت‬
‫ُ‬
‫عـقـر ِ‬
‫حملن نشاوى بكأس فك ّ‬
‫ل غدا لخـيه‬
‫رضـيعـا‬
‫الـغـرام‬
‫وإن أخصبوا كان‬
‫صهم‬
‫إذا أجدبوا خ ّ‬
‫خصبا ً جميعا‬
‫جـد بـهـم‬
‫ِ‬
‫م فطابوا أصول ً‬
‫ِ‬
‫طوال السواعد شـ ّ‬
‫وطابوا فروعا‬
‫النـوف‬
‫أحّبوا فرادى ولكنهم صيحة البين ماتوا‬

‫‪291‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫جمـيعـا‬
‫عـلـى‬
‫ولفوا على الزفرات‬
‫حموا راحة النوم‬
‫الضلوعا‬
‫أجفاَنـهـم‬
‫كان رامة هل مـن فقد دفع الليل ضيفا ً‬
‫أس ّ‬
‫قنـوعـا‬
‫ى‬
‫ِ‬
‫قـر ً‬
‫له نظرا ً أو حديثـا ً‬
‫كفاه من الزاد أن‬
‫وسـيعـا‬
‫تـمـهـدوا‬
‫قيل لبي بكر النهشلي وهو في الموت اشرب قليل ً‬
‫من الماء فقال‪ :‬حتى تغرب الشمس‪.‬‬
‫للمهيار‪:‬‬
‫ن ّ‬
‫شوقٌ يعوق الدمع‬
‫وردها‬
‫فرها عن ِ‬
‫في المحاجر‬
‫بـحـاجـر‬
‫ذ ّ‬
‫ل الغرام وحنـين‬
‫دها على الطوى‬
‫ور ّ‬
‫سواغـبـا ً‬
‫الـذاكـر‬
‫واشوقاه إلى تلك الشباح‪ ،‬سلم الله على تلك‬
‫الرواح‪.‬‬
‫مني إذا شارفتها‬
‫ها إنها مـنـازل‬
‫التسلـيمـا‬
‫تـعـودت‬
‫وقفت فيها سالما ً‬
‫ورحت من وجد بها‬
‫سليمـا‬
‫راد الضحى‬
‫ردي على ذلك‬
‫يا نفحة الشمال من‬
‫النـسـيمـا‬
‫تلقـائهـا‬
‫يا هذا إن أردت لحاق السادة فخل مخالفة الوسادة‪،‬‬
‫واجعل جلدتك بردتك‪ ،‬وحد عن الخلق والزم وحدتك‪،‬‬
‫اكحل عينيك بالسهر والدمع وضع على قروح الجوع‬
‫مرهم الصبر‪ ،‬وتزود للسير زاد العزم‪ ،‬واقطع طريق‬
‫الدنيا بقدم الزهد‪ ،‬واخرج إلى خصب الخرى عن ضنك‬
‫الدنيا‪ ،‬وسح في بوادي التقى لتنزل بوادي الفخر‪ ،‬فإن‬
‫وصلت إلى دوائك تناولته من يد "ُيحّبهم وُيحبونه" وإن‬
‫م ْ‬
‫د صدق"‪.‬‬
‫ع ِ‬
‫ق َ‬
‫مت بدائك فمقابر الشهداء "في َ‬
‫?الفصل الرابع والستون‬
‫يا مشغول ً بتلفيق ماله عن تحقيق أعماله‪ ،‬من خطر‬
‫ذكر الرحيل بباله قنع بالبلغ ولم يباله‪.‬‬
‫مالك للحادثات نهـب أو للذي حازه وراثه‬
‫أولك أن تتخذه ذخـرا ً فل تكن أعجز الثلثه‬

‫‪292‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫ل بد والله من العبور إلى منزل القبور‪ ،‬يسفي عليك‬
‫الصبا والدبور وأنت تحت الرض تبور‪ ،‬آه من طول‬
‫الثبور‪ ،‬بعد طيب الحبور‪ ،‬يا لكسر بعيد الجبور‪ ،‬ل ينفع‬
‫فيه صبر الصبور‪ ،‬يندم على عثرته العثور‪ ،‬ويفترش‬
‫الدثور حتى يثور‪ ،‬أين كسرى وبهرام جور‪ ،‬أين‬
‫المتقلبون حجور الفجور? أين الحليم أين الضجور? أين‬
‫المهر العربي‪ ،‬والناقة العيسجور‪ ،‬أين الظباء الكنس‬
‫والتراب الحور‪ ،‬كن يزين در البحور بالنحور‪ ،‬غرق‬
‫الكل في يم من التلف زخور‪ ،‬واستوى الوضيع‬
‫والفخور‪ ،‬تحت الصخور‪ ،‬ل فرق بين ذات اليماء وذوات‬
‫الخدور في ذلك المهبط الحدور‪ ،‬لقد بان للكل أن‬
‫الدنيا غرور‪ ،‬وعرفوا في المصير‪ .‬شرور السرور‪،‬‬
‫وتيقنوا أن تزوير المل للخلد زور وتفصلت أعضاؤهم‬
‫ول تفصيل لحم الجزور‪ ،‬ودكت بهم الرض ول كما دك‬
‫الطور‪ ،‬وبانت حسباناتهم وفيها قصور وتأسفوا على‬
‫مساكنة القصور في مساكن القصور‪ ،‬وهذا المصير‬
‫ولو عمرتم عمر النسور‪ ،‬والرامي مصيب وما يدفع‬
‫السور‪ ،‬فإذا انقضت بعده تلك العصور ونفخ في‬
‫الصور‪ ،‬وخرجت أطيار الرواح من أعجب الوكور‪،‬‬
‫وباتت الرض تموج والسماء تمور‪ ،‬ولقي الكفور نارا ً‬
‫تلتهب وتفور‪ ،‬انزعج الخليل والكليم‪ .‬فمن بشر‬
‫وطيفور‪.‬‬
‫توسع منه تضـيق‬
‫كم للـمـنـايا فـي‬
‫الـصـدور‬
‫بـنـي آدم‬
‫إل الردى المحض‬
‫فالوقت ل تـحـدث‬
‫بوشك المرور‬
‫سـاعـاتـه‬
‫وكلنا فيهـا شـبـيه‬
‫أيامـنـا الـسـبـعة‬
‫الـجـزور‬
‫أيسـارنـا‬
‫طهرت ثـوبـا ً واهـيا ً‬
‫قلبك إل عـادم‬
‫لـلـطـهـور‬
‫ثـم مـا‬
‫ل اقتنعوا منها‬
‫لو فطـن الـنـاس‬
‫اقتناع الـطـيور‬
‫لـدنـياهـم‬
‫ويحك إن الدنيا تغر ول بد لك منها‪ ،‬فخذ قدر الحاجة‬
‫على حذر‪ ،‬أما ترى الطائر كيف يختلس قوته? هذا‬
‫العصفور يألف الناس فل يسكن دارا ً ل أهل بها وهو‬

‫‪293‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫مع هذا النس شديد الحذر ممن جاور‪ ،‬هذا الخطاف‬
‫يقطع البحر لطلب النس بالنس ثم يتخذ وكره في‬
‫أحصن مكان من البيت‪ ،‬ول يحمله النس بهم على ترك‬
‫الحذر منهم‪ ،‬بل يعطي النس حقه والحزم حقه‪.‬‬
‫أما عرفت أدب الشرع في تناول المطعم‪ ،‬ثلث طعام‬
‫وثلث شراب وثلث نفس‪ ،‬شره الحرص يغبى بل غم‬
‫البلدة‪ ،‬ول يسهل شرب المسهل إل على من تأذى‬
‫بحركات الخلط‪ ،‬ل يقدر على الحمية إل من تلمح‬
‫العافية في العاقبة‪ ،‬شغل العقل النظر في العواقب‪،‬‬
‫فأما الهوى فإيثار لذة قليلة تعقب ندامة طويلة‪،‬‬
‫فملبس في قضاياه‪ ،‬المؤمن بين حرب ومحراب‬
‫وكلهما مفتقر إلى جمع الهم‪ ،‬ويريد المحراب القيام‬
‫بأشراط الوضوء والدنيا في مقام امرأة واللمس ناقض‬
‫طريق المتيقن تفتقر إلى رواحل‪ ،‬وابل عزائمكم كلها‬
‫كال‪ ،‬إنما يصلح للملك قلب فارغ ممن سواه‪.‬‬
‫يفارقه ركب وينزله‬
‫وقلبك خان كل يوم‬
‫ركب‬
‫ولـيلة‬
‫في كل يوم ترهن قلبك على ثمن شهوة فيستعمله‬
‫المرتهن فدق أخلق‪ ،‬أنت توقد نار التوبة في المجلس‪،‬‬
‫في الحلفاء‪ ،‬فإذا أردت منها قبسا ً بعد خروجك لم تجد‪،‬‬
‫تبكي ساعة الحضور على الخيانة والمسروق في‬
‫جيبك‪ ،‬يا مظهرا ً من الخير ما ليس له ل تبع ما ليس‬
‫عندك‪ ،‬كم نهاك عن نظرة وتعلم أنه بالحضرة‪ ،‬أفل‬
‫تراقب الناظر برد الناظر‪ ،‬وكأنك ما تعرف أن الحاضر‬
‫حاضر‪ ،‬واعجبا ً لك‪ ،‬تعد التسبيحة بسبحة‪ ،‬فهل جعلت‬
‫لعد المعاصي أخرى‪ ،‬يا من يختار الظلم على الضوء‪،‬‬
‫الذباب أعلى همة منك‪ ،‬متى أظلم البيت خرج الذباب‬
‫إلى الضوء‪ ،‬أما ترى الطفل في القماط? يناغي‬
‫المصباح‪ ،‬ويحك‪ ،‬خذ بتلبيب نفسك‪ ،‬قبل أن يجذبها‬
‫ملك الموت‪ ،‬وقل أيتها النفس الحمقاء‪ ،‬إن كان محمد‬
‫صادقا ً فالمسجد وإل فالدير‪.‬‬
‫هذا نقض العهد‪،‬‬
‫الناس من الهوى‬
‫وهـذا واف‬
‫على أصنـاف‬
‫ل يصلح للحضرة‬
‫هيهات من الكدور‬
‫قلب جـاف‬
‫تبغي الصافي‬

‫‪294‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫يا هذا‪ ،‬أكبر دليل عليك علينا‪ ،‬إنك كنت مبددا ً في‬
‫ظهور الصول فنظمت بالقدرة نظما ً عجيبا ً خاليا ً عن‬
‫العبث‪ ،‬فما تنقض إل ّ لمر هو أعجب منه‪ ،‬مدت أطناب‬
‫العروق‪ ،‬وحفرت خنادق العصاب‪ ،‬وضربت أوتاد‬
‫المفاصل‪ ،‬وأقيم عمد الصلب‪ ،‬ثم مد السرادق‪ ،‬فنصب‬
‫سرير القلب في الباطن للملك ويسعني قلب عبدي‬
‫المؤمن‬
‫إذا لم يجد صب على عن الحي بعد البين‬
‫النأي مخبرا ً‬
‫أين أقامـوا‬
‫فعند النسيم الرطب به لسليمى‬
‫بالـعـقـيق خـيام‬
‫أخبار منـزل‬
‫يا هذا‪ ،‬إن كنت محبا ُ فحبيبك معك في كل حال‪ ،‬حتى‬
‫عند الموت‪ ،‬وفي بطن اللحد‪.‬‬
‫للغزي‪:‬‬
‫ودار قوم بأكناف‬
‫يا حبذا العرعر‬
‫الحمى بـانـوا‬
‫النجدي والـبـان‬
‫سم الخياط مع‬
‫وأطيب الرض ما‬
‫الحبـاب مـيدان‬
‫للقلب فيه هوى‬
‫إذا أقفر قلبك من ساكن ويسعني فتحت النفس بابا ً‬
‫لعناكب الغفلة‪ ،‬فنسجت في زواياه من لعاب المل‪،‬‬
‫طاقات المنى‪ ،‬اللهم أجر القلوب من جور النفوس‪ ،‬يا‬
‫سلطان القلب‪ ،‬نشكو إليك النزالة‪.‬‬
‫الفصل الخامس والستون‬
‫إخواني‪ ،‬اعرفوا الدنيا وقد سلمتم‪ ،‬ثم اعملوا فيها بما‬
‫عملتم‪ ،‬ل يغرنكم منها الوفر‪ ،‬فإنكم فيها في سفر‪،‬‬
‫أما بعد توطئة المهاد الحفر?‪ ،‬أتتوطن مني وتنسى‬
‫النفر?‪.‬‬
‫متى أغنت فقيرا ً‬
‫أرى الدنيا وما‬
‫أرهقـتـه‬
‫وصفت ببـر‬
‫وإن رجيت لخير‬
‫إذا خشيت لشر‬
‫عوقـتـه‬
‫عـجـلـتـه‬
‫تعلقها ابن جهل في فهام بفارك ما‬
‫عـلـقـتـه‬
‫صـبـاه‬
‫سقته زمانه مقـرا ً‬
‫وكأس الموت آخر ما‬
‫سقتـه‬
‫وصـابـا‬

‫‪295‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫أبادت قصر قيصر ثم بإيوان ابن هرمز‬
‫فارتقـتـه‬
‫جازت‬
‫فآوته النزيل‬
‫أما افتتحت له في‬
‫الرض بيتا ً‬
‫وأطـبـقـتـه‬
‫إذا انفلت ابنها عنها ثنته بزخرف قد‬
‫نمـقـتـه‬
‫بـزهـد‬
‫أترى لم تنفع التجارب?‪ ،‬أما ترون الدنيا كيف تحارب?‪،‬‬
‫أل تلقون حبلها على الغارب?‪ ،‬أما سيف الهلك في يد‬
‫الضارب?‪ ،‬تالله لقد جل صبح اليقين ظلم الغياهب‪ ،‬إل‬
‫عزم زاهد‪ ،‬يتوكأ على عصا راهب‪.‬‬
‫يسار الفتى سلبت‬
‫ودنياك إن وهبت‬
‫باليسار‬
‫باليمين‬
‫إخواني‪ ،‬احذروا الدنيا‪ ،‬فإنها أسحر من هاروت‬
‫وماروت‪ ،‬ذلك يفرقان بين المرء وزوجه‪ ،‬وهذه تفرق‬
‫بين العبد وربه‪ ،‬وكيف ل‪ ،‬وهي التي سحرت سحرة‬
‫بابل‪ ،‬إن أقبلت شغلت‪ ،‬وإن أدبرت قتلت‪.‬‬
‫ثم انثـنـت عـنـه فـكـاد‬
‫نظرت فأقصدت‬
‫يهـيم‬
‫الفؤاد بسهـمـهـا‬
‫ويله إن عرضت وإن وقع السهـام‬
‫ونـزعـهـن ألـيم‬
‫هي أعرضت‬
‫كم في جرع لذاتها من غصص‪ ،‬طالبها معها في نغص‪:‬‬
‫عليها خـوفـا ً مـن‬
‫بكى عليها حتى إذا‬
‫الـغـير‬
‫حصلت بكى‬
‫إنها إذا صفت حل ً‬
‫ل‪ ،‬كدرت الدين‪ ،‬فكيف إذا أخذت من‬
‫حرام?‪ ،‬إن لحم الذبيحة ثقيل على المعاء‪ ،‬فكيف إذا‬
‫كان ميتة?‪ ،‬الظلمة في الظلمة يمشون في جمع‬
‫الحطام‪ ،‬يصبحون ويمسون على فراش الثام " فما‬
‫م "‪ ،‬من نبت جسمه على الحرام‪،‬‬
‫رب ِ َ‬
‫ح ْ‬
‫ت تجاَرت ُ ُ‬
‫ه ْ‬
‫فمكاسبه كبريت به يوقد‪ ،‬الحجر المغصوب في البناء‬
‫أساس الخراب‪ ،‬أتراهم نسوا? طي الليالي سالف‬
‫الجبارين‪ ،‬وما بلغوا معشار ما آتيناهم‪ ،‬فما هذا‬
‫ت " فهم‬
‫الغترار " وقدْ َ‬
‫مُثل ُ‬
‫خل َ ْ‬
‫تم ْ‬
‫م ال َ‬
‫ه ُ‬
‫ن قبل ِ ِ‬
‫حي َ‬
‫ن‬
‫ينتظرون من لهم إذا طلبوا العود " ف ِ‬
‫ل بين َ ُ‬
‫م وبي َ‬
‫ه ْ‬
‫ن " كم بكت في تنعم الظالم? عين أرملة‪،‬‬
‫ما يشَتهو َ‬
‫َ‬
‫ن نبأهُ بعدَ حين" ما ابيض‬
‫م ّ‬
‫وأحرقت كبد يتيم " ول ََتعل َ ُ‬

‫‪296‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫وقت‬
‫لون الرغيف حتى اسودّ وجه الضعيف‪ ،‬ما تر ّ‬
‫المشارب حتى ترّنقت المكاسب‪ ،‬ما عبل جسم الظالم‬
‫حتى ذوت ذواب ذات قوة‪ ،‬ل تحتقر دعاء المظلوم‪،‬‬
‫فشرر قلبه محمول بعجيج صوته‪ ،‬إلى سقف بيتك‪،‬‬
‫نباله مصيب‪ ،‬ونبله غريب‪ ،‬قوسه حرقه‪ ،‬ووتره قلقه‪،‬‬
‫ومرماته هدف " لنصَرن ّ َ‬
‫ك " وسهم سهمه الصابة‪ ،‬وقد‬
‫رأيت وفي اليام تجريب‪.‬‬
‫كم من دار دارت بنعم النعم‪ ،‬دارت عليها دوائر النقم "‬
‫فجعلناها حصيدًا" كم جار في حلبة المنى?‪ ،‬قد‬
‫استولى طرفه على المد‪ ،‬صدمه قهر عقوبة‪ ،‬فألقاه‬
‫أسرع من طرف‪ ،‬بينا القوم ينبسطون على البسيطة‪،‬‬
‫كفت أكفهم بمقامع القمع‪ ،‬لسبتهم عقارب ظلمهم‬
‫نفخ عليهم ثعبان جورهم‪ ،‬عقرتهم أسود بطشهم‪،‬‬
‫نسفتهم عواصف كبرهم‪ ،‬وفي الغير عبر‪ ،‬ويحك‪ ،‬إذا‬
‫كانت راحة اللذة تعقب تعب العقوبة‪ ،‬فدع الدعة‬
‫تمضي في غير الدعة‪ ،‬والله ما تساوي لذة سنة غم‬
‫ساعة‪ ،‬فكيف والمر بالعكس?‪ ،‬كم في يم الغرور‪ ،‬من‬
‫تمساح فاحذر يا غائض‪ ،‬يا من قد أمكنه الزمان من‬
‫حركات التصرف في العدل فما يؤمن من الزمن‬
‫الزمن‪.‬‬
‫كرة العلى بصوالج‬
‫ومتى بلغت إلى‬
‫المعروف‬
‫الرئاسة فاستلب‬
‫كان عمر يخاف مع العدل‪ ،‬يا من يأمن مع العدول‪،‬‬
‫رؤى بعد موته باثنتي عشرة سنة‪ ،‬فقال الن تخلصت‬
‫من حسابي‪ ،‬واعجبًا‪ ،‬أقيم أكثر من سني الولية‪،‬‬
‫أفينتبه بهذا راقد الهوى? أحسن شعائر الشرائع‪،‬‬
‫العدل‪ ،‬الظلم ظلمة في نهار الولية‪ ،‬وجدب يرعى‬
‫لحوم الرعية‪ ،‬والعدل‪ ،‬صوت في صور الحياة‪ ،‬يبعث به‬
‫موتى الجور‪ ،‬أيها الظالم‪ ،‬تذكر عند جورك عدل‬
‫الحاكم‪ ،‬تفكر حين تصرفك في سرفك‪ ،‬عجبا ً لك‪،‬‬
‫تدعي الظرف وتأخذ المظروف والظرف‪ ،‬كل‪ ،‬أو في‬
‫الظرافة رأفة‪ ،‬ستعلم أيها الغريم قدر غرامك إذا‬
‫يلتقي كل ذي دين وماطله‪ ،‬من لم يتبع بمنقاش‬
‫العدل‪ ،‬شوك الظلم من أيدي التصرف‪ ،‬أثر ما ل يؤمن‬
‫تعديه إلى القلب‪.‬‬
‫يا أرباب الدول‪ ،‬ل تعربدوا في سكر القدرة‪ ،‬فصاحب‬

‫‪297‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫الشرطة بالمرصاد‪ ،‬سليمان الحكم قد حبس آصف‬
‫جل عليهم" وأجرى رخاء‬
‫العقوبة‪ ،‬في حصن "فل تع َ‬
‫ة" فلو قد هبت‬
‫الرجاء "لئل يكون للناس على الله حج ٌ‬
‫سموم الجزاء من مهب "ولئن مستهم نفحة" قلعت‬
‫سكر "إنما ُنملي لهم" فإذا طوفان التلف‪ ،‬ينادي فيه‬
‫س يا‬
‫نوح "ل عاصم" فالحذر الحذر "قبل أن تقول نف ٌ‬
‫حسرتا" "ولت حين مناص" وأنت أيها المظلوم فتذكر‬
‫من أين أتيت? فإنك ل تلقى كدرًا‪ ،‬إل من طريق جناية‬
‫"ل ُيغّير ما يقوم ٍ حتى ُيغّيروا ما بأنفسهم"‪.‬‬
‫كان لّبان يخلط الماء باللبن‪ ،‬فجاء سيل فذهب بالغنم‪،‬‬
‫فجعل يبكي ويقول اجتمعت تلك القطرات فصارت‬
‫سي ً‬
‫ل‪ ،‬ولسان الجزاء يناديه‪ :‬يداك أوكتا وفوك نفخ‪.‬‬
‫اذكر غفلتك عن المر والمر وقت الكسب‪ ،‬ول تنسى‬
‫إطراح التقوى عند معاملة الخلق‪ ،‬فإذا انقض عاصف‬
‫فسمعت صوت سوطه يضرب عقد الكسب جزء الخيانة‬
‫العقود‪ ،‬فل تستطرف ذلك‪ ،‬فأنت الجاني أو ً‬
‫ل‪ ،‬والبادي‬
‫أظلم‪.‬‬
‫الفصل السادس والستون‬
‫يا مشغول ً بأمله‪ ،‬عن ذكر أجله‪ ،‬راضيا ً في صلح خلله‬
‫بخلله‪ ،‬هل أتى المساكن لكسله إل من قبله‪.‬‬
‫أضحى لك في قبضة ترجو دركا ً والردى‬
‫لعمرك مغتال‬
‫المطامع آمال‬
‫يوما ً بجد الفوز‬
‫هل أنت معدٌ ليوم‬
‫حـشـرك زادا ً‬
‫بالقـيمة عـمـال‬
‫ك على غفلة بحتفك‬
‫إن أغفلك الدهر‬
‫مـعـجـال‬
‫برهة فـسـيأتـي‬
‫ت بسهم من‬
‫بادر بمتاب فربما‬
‫الـمـنـية قـتـال‬
‫طـرق الـمـو‬
‫إن أوطنت المرء‬
‫أين المتحامون عن‬
‫عقبته بتـرحـال‬
‫زخـارف دنـيا‬
‫خلبة عقل بـبـاطـل غرارة صاد رأي‬
‫المطامع كـالل‬
‫مـتـمـاد‬
‫أو ظن بها وابـل‬
‫إن شيم سحاب لها‬
‫فـذلـك خـال‬
‫فـذاك جـهـام‬
‫دع عنك حديث الركاب أو ذكر ديار بها‬

‫‪298‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫العفـاء وإطـلل‬
‫أين تولـت‬
‫قد باع لها الفرصة‬
‫يا حسرة من أنفق‬
‫الحـياة غـرورا ً‬
‫الرخيصة بالغال‬
‫ما كنت تناسيت من‬
‫ل تحتقر الذنب‬
‫قبائح أفـعـال‬
‫فالصحائف تحصـى‬
‫يا ضاحكا ً ملء فيه سرورا ً واغتباطًا‪ ،‬وقد ارتضيت له‬
‫المنون خيل التلف ارتباطًا‪ ،‬أما بسط النذار على باب‬
‫الدار بساطًا? أما الحادي مجد‪ .‬فما للمنادي يتباطى?‬
‫أيحسن بالكبير أن يتمرس الهوى ويتعاطى? عجبا ً‬
‫لعالم يقرب المنايا‪ ،‬كيف ل ينتهب التقى التقاطًا‪،‬‬
‫ولجسد بال‪ ،‬جر بالعجب والرياء رياطا‪ ،‬إلى كم هذا‬
‫السراع في الهوى والوجيف? وباب البقاء في الدنيا‬
‫قد سد وجيف‪ ،‬إن المن في طريق قد أخيف‪ ،‬رأي‬
‫رذيل‪ .‬وعقل سخيف‪ ،‬يا من يجمع العيب إلى الشيب‪،‬‬
‫ويضيف‪ ،‬ل الماء بارد‪ ،‬ول الكوز نظيف‪ ،‬إن إيثار ما‬
‫يفنى على ما يبقى لمزيف ل ظريف‪ ،‬كم أتى خريف‬
‫وكم أناخ ريف‪ ،‬ويكفي من الكل كل يوم رغيف‪ ،‬أيجوع‬
‫بشر الحافي? ويشبع وصيف‪ ،‬ويذل هذا ويخدم هذا‬
‫مائة وصيف‪ ،‬وما أدرك هذا مد هذا‪ .‬ول النصيف‪ ،‬إل‬
‫أريب إل لبيب إل حصيف? ل يعجبنكم استقامة غصن‬
‫الهوى‪ ،‬فالغصن قصيف ها نحن قد شتونا ولعلنا ل‬
‫نصيف‪.‬‬
‫وقيصر والقصور‬
‫سل اليام ما فعلت‬
‫وساكنيها‬
‫بكسرى‬
‫فلم تدع الحليم ول‬
‫أما استدعتهم‬
‫للموت طـرا ً‬
‫السفيهـا‬
‫فأصمته وواجهت‬
‫دنت نحو الدنى‬
‫الوجيها‬
‫بسهم خطب‬
‫أنفت لعاقل أن‬
‫أما لو بيعت الدنيا‬
‫يشتـريهـا‬
‫بفـلـس‬
‫يا من عمره يذوب‪ ،‬وما يتوب‪ ،‬إذا خرقت ثوب دينك‬
‫بالزلل فارقعه بالستغفار‪ ،‬فإن رفاء الندم صناع في‬
‫جمع المتمزق‪.‬‬
‫يا هذا‪ ،‬إنما يضل المسافر في سفره يوما ً أو يومين‪،‬‬
‫ثم يقع على الجادة واعجبا ً من تيه خمسين سنة‪ ،‬يا‬

‫‪299‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫واقفا ً مع الصور خالط عالم المعنى‪ ،‬أما علمت أن‬
‫تغريد الحمام نياحة‪ ،‬أنت تظن البلبل يغني‪ ،‬وإنما يبكي‬
‫على أحبابه‪.‬‬
‫بعدنا بالحجاز هل‬
‫ليت شعري عن‬
‫يذكرونا‬
‫الذين تركنا‬
‫بعد العهد بيننا‬
‫أما لعل المدى‬
‫فنـسـونـا‬
‫تطاول حتى‬
‫لهم في الهوى كما‬
‫أرجعوا حرمة‬
‫عهدونا‬
‫الوصال فإنا‬
‫لو صفت لك فكرة‪ ،‬كان لك في كل شيء عبرة‪ ،‬كل‬
‫المخلوقات بين مخوف ومشوق‪ ،‬حر الصيف يذكر حر‬
‫جهنم‪ ،‬وبرد الشتاء محذر من زمهريها‪ ،‬والخريف ينبه‬
‫على اجتناء ثمار العمار‪ ،‬والربيع يحث على طلب‬
‫العيش الصافي‪ ،‬أوقات السحار ربيع البرار‪ ،‬وقوة‬
‫ء‪ ،‬وساعات الدعاء‬
‫الخوف صيفًا‪ ،‬وبرودة الرجاء شتا ً‬
‫والطلب خريف‪ ،‬إذا استحر الحر تقحم القحل‪ ،‬فطلق‬
‫القسر الرض‪ ،‬فلبست سربال الجدب‪ ،‬واحدت في‬
‫حفش الذل‪ ،‬فلما طالت أيام اليمة‪ ،‬أومأ إلى المراجعة‬
‫الرجع‪ ،‬فبكت من قطراته لطول الهجر‪ ،‬فضحك لكثرة‬
‫بكائه روض الرض‪ ،‬فبنى البناء ريع الربيع‪ ،‬فنهضت‬
‫ماشطة القدرة‪ ،‬لخراج بنات النبات من مخدر الثرى‪،‬‬
‫ففرشت الحلل بمصبغات الحلل‪ ،‬فسمع الورد هتاف‬
‫العندليب‪ ،‬وحنين الدواليب‪ ،‬ففتح فاه مشتاقا ً إلى‬
‫مشروب‪ ،‬فإذا الطل صبوح‪ ،‬فقال أل منادم? فأبت‬
‫الزهار مصاحبة من ل يقيم‪ ،‬فأجابه بعد الياس‬
‫الياسمين‪ ،‬فقال أنا نظيرك في قصر العمر‪،‬‬
‫والموانسة في المجانسة‪ ،‬فأشر أنت إلى المذنب‪،‬‬
‫باحمرار الخجل‪ ،‬حتى أشير أنا إلى الخائف‪ ،‬باصفرار‬
‫الوجل‪ ،‬فرأى البلبل طيب الجتماع فغنى‪ ،‬فرنت ديار‬
‫اللهو‪ ،‬فدخل الناطور والصياد‪ ،‬فاقتطف الناطور رأس‬
‫الورد‪ ،‬واختطف الصياد البلبل الوغد‪ ،‬فذبح في الحال‬
‫العصفور‪ ،‬وحبس الورد في قوارير الزور‪ ،‬وقيل‬
‫للياسمين‪ .‬لم اغتررت بزور? "أفحسبُتم أنما خلقناكم‬
‫عبثًا" فلما بكى الورد بكاء نادم على الغترار‪ ،‬صلح‬
‫ب إلينا من زجل‬
‫للمتطيبين "أنين المذنبين أح ّ‬

‫‪300‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫المسبحين" فانتبه يا مخدوع‪ ،‬فالعمر الورد‪ ،‬والزجاجة‬
‫القبر‪ ،‬والنفس البلبل‪ ،‬والقفص اللحد‪.‬‬
‫الفصل السابع والستون‬
‫أخواني‪ ،‬المستقر يزول‪ ،‬والمقيم منقول‪ ،‬والحوال‬
‫تحول‪ ،‬والعتاب على الفاني يطول‪ ،‬وكم نعذل وكم‬
‫نقول?‬
‫لكل اجتماع فرقة‬
‫سيقطع ريب البين‬
‫من يد البـين‬
‫بين الفريقـين‬
‫تخاتله عن نفسه‬
‫وكل يقضي ساعة‬
‫ساعة الـحـين‬
‫بعـد سـاعة‬
‫وما الموت إل رقدة‬
‫وما العيش إل يوم‬
‫بين يومـين‬
‫موت له غـد‬
‫يقوم له اليقظان‬
‫وما الحشر إل‬
‫من رقدة العين‬
‫كالصباح إذا انجلى‬
‫أومل أن أبقى وأنـى‬
‫أيا عجبا ً مني ومن‬
‫ومـن أين‬
‫طول غفلتـي‬
‫أين قطان الوطان? أين الطفال والشمطان? أين‬
‫الجائع والمبطان? أين حطان وقحطان? أين العبيد‬
‫والسلطان? أين الباني وماطان? أين السقوف‬
‫والحيطان? أين المروج والغيطان? أين المهاري‬
‫والشطان? أين الجال والخيطان? أين المحب‬
‫والحبيب في الثرى خطان‪ ،‬تعرف وتصدف "هذا من‬
‫عمل الشيطان" الطريق الهادية واسعة الفجاج‪،‬‬
‫والدليل ظاهر ل يحتاج إلى احتجاج‪ ،‬وأما بحر الهوى‬
‫فما يفارقه ارتجاج‪ ،‬ما فيه ماء للشرب‪ ،‬بل كله أجاج‪،‬‬
‫والعجب من راكب فيه‪ ،‬يتجر في الزجاج‪ ،‬كم مزجور‬
‫عنه غرفته في لجة لجاج‪.‬‬
‫يا معاشر العصاة‪ ،‬قد عم الجدب أرض القلوب‪،‬‬
‫وأشرفت زروع التقوى على التوى‪ ،‬فأخرجوا من حصر‬
‫الذنوب‪ ،‬إلى صحراء الندم‪ ،‬وحولوا أردية الغدر عن‬
‫مناكب العهود‪ ،‬ونكسوا رؤس الرياسة على أذقان‬
‫الذل‪ ،‬لعل غيوم الغموم على ما تلف تأتلف‪ ،‬أخواني‪،‬‬
‫قد بشر الرشاش فاثبتوا‪ ،‬وقد سال الوادي‪.‬‬
‫واحبس الركب علينا نندب الربع ونبكي‬
‫الدمنا‬
‫ساعة‬

‫‪301‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫ولذا اليوم الدموع‬
‫فلذا الموقف أعددنا‬
‫تقتنـى‬
‫البكـا‬
‫يا أعاد الله ذاك‬
‫زمنا ً كان وكـنـا‬
‫الزمـنـا‬
‫جـيرة‬
‫كان عن غير تراض‬
‫بيننا يوم أثيلت‬
‫بيننا‬
‫النـقـى‬
‫إذا خرجت القلوب بالتوبة من حبس الهوى إلى بيداء‬
‫النابة‪ ،‬جرت خيول الدمع في حلبات الوجد‪،‬‬
‫كالمرسلت عرفًا‪ ،‬إذا استقام زرع الفكر‪ ،‬قامت‬
‫العبرات تسقي‪ ،‬ونهضت الزفرات تحصد‪ ،‬ودارت رحا‬
‫التحير تطحن‪ ،‬واضطرمت نار القلق تنضج‪ ،‬فحصلت‬
‫للقلب بلة‪ ،‬يتقونها في سفر الحب‪ ،‬يا من لم يصبر‬
‫عن الهوى‪ ،‬صبر يوسف‪ ،‬تعين عليك‪ ،‬حزن يعقوب‪،‬‬
‫فإن لم تطق‪ ،‬فذل أخوته‪ ،‬يوم "وتصدق علينا" خوف‬
‫السابقة‪ ،‬وحذر الخاتمة‪ ،‬قلقل قلوب العارفين‪،‬‬
‫وزادهم إزعاجا "يحول بين المرء وقلبه" كلما دخلوا‬
‫سكة من سكك السكون‪ ،‬شرع بهم الجزع في شارع‬
‫من شوارع القلق‪ ،‬لما حرك نسيم السحر أغصان‬
‫الشجر‪ ،‬أخذت ألسن قلوبهم في بث القلق‪ ،‬فكاد نفس‬
‫النفس يقطع الحيازيم‪ ،‬لول حزم التمسك‪.‬‬
‫للشريف الرضي‪:‬‬
‫وتعجبني‬
‫وإني لغرى‬
‫بـالبـر َ‬
‫ع‬
‫بالنسـيم إذا سـرى‬
‫قـْين ربـو ُ‬
‫وَبرقٌ بأطراف‬
‫ويحني على الشوق‬
‫ع‬
‫ة‬
‫الحجاز َلمـو ُ‬
‫مـزن ٍ‬
‫ي ُ‬
‫نجد ّ‬
‫حمائم ورق في‬
‫ول أعرف الشجان‬
‫الـديار وقـوع‬
‫حتى تشوقني‬
‫في كل ليل تهب الرياح‪ ،‬ولكن نسيم السحر خاصية‪ ،‬ما‬
‫أظنه تعطر إل بأنفاس المستغفرين‪ ،‬لنفس المحب‬
‫عطرية‪ ،‬تنم على قدر طيبة‪:‬‬
‫كأني لمن‬
‫أحب الثرى النجدي‬
‫بالجـرعـين نـسـيب‬
‫من أجرع الحمى‬
‫إذا هب علـوي الـرياح أغض جفونـي أن‬
‫يقـال مـريب‬
‫رأيتـنـي‬

‫‪302‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫المحبون على شواطئ أنهار الدمع تزول‪ ،‬فلو سرت‬
‫عن هواك خطوات‪ ،‬لح لك الخيام‪:‬‬
‫وتنعموا بوصاله‬
‫وصلوا إلى مولهم‬
‫وشـقـينـا‬
‫وبقـينـا‬
‫ودنت منيتنا فمن‬
‫ذهبت شبيبتنا وضاع‬
‫ينـجـينـا‬
‫زمانـنـا‬
‫نبكي شهورا ً قد‬
‫فتجمعوا أهل‬
‫مضت وسنينا‬
‫القطيعة والجفا‬
‫كان بعض السلف يقول‪ :‬اللهم إن منعتني ثواب‬
‫الصالحين‪ ،‬فل تحرمني أجر المصاب على مصيبته‪،‬‬
‫وكان آخر يقول إن لم ترضى عني فاعف عني‪ ،‬كان‬
‫القوم زينة الدنيا‪ ،‬فمذ سلبوا تسلبت‪ ،‬خلت والله‬
‫الديار‪ ،‬وباد القوم‪ ،‬وارتحل أرباب السهر‪ ،‬وبقي أهل‬
‫النوم‪ ،‬واستبدل الزمان آكلي الشهوات بأهل الصوم‪:‬‬
‫منازل من يهوى‬
‫كفى حزنا ً بالواله‬
‫معطلة قفـرا‬
‫الصب أن يرى‬
‫يا من كان له في حديث القوم ذوق‪ ،‬أين آثار الوجد‬
‫والشوق? إذا طالت لبث الطين في حافات النهار‬
‫تكامل ريه‪ ،‬فإذا نضب الماء عنه استلبت الشمس جميع‬
‫ما فيه من رطوبة‪ ،‬فيقوى شوقه إلى ما فارق فلو‬
‫تركت قطعة منه على لسانك لمسكته شوقا ً إلى ما‬
‫فارقت من رطوبة‪ ،‬أشد الناس حبا ً لحديث الحجاز من‬
‫سافر‪:‬‬
‫سرقناهن من ريب‬
‫فكانت بالفرات لنـا‬
‫الزمان‬
‫لـيال‬
‫يا هذا كنت تدعي حبنا وتؤثر القرب منا فما هذا الصبر‬
‫الذي قد عن عنا? كنت تستطيب رياح السحار وما تغير‬
‫المحب ولكن دخل فصل برد الفتور‪ ،‬ولم تحرزه‪،‬‬
‫فأصابك زكام الكسل‪ ،‬كنت في الرعيل الول‪ ،‬فما‬
‫الذي ردك إلى الساقة? قف الن على جادة التأسف‬
‫والزم البكاء على التخلف فأحق الناس بالسى من‬
‫خص بالتعويق دون الرفقاء‪:‬‬
‫يا صاحبي أطيل فـي وناشداني بخـلنـي‬
‫وعـشـاقـي‬
‫مـوانـسـي‬
‫روحا ً لقلبي‬
‫وحدثاني حـديث‬

‫‪303‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫وتسهـيل ً لخـلقـي‬
‫الـخـيف إن لـه‬
‫واستنقذت مهجتي‬
‫ما ضر ريح الصبا لو‬
‫من أسر أشواقي‬
‫ناسمت حرقي‬
‫داء تقادم عنـدي مـن ونفثة بلغت منـي‬
‫مـن الـراقـي‬
‫يعـالـجـه‬
‫يمضي الزمان وآمالي ممن أحب على‬
‫مـطـل وإمـلق‬
‫مـصـرمة‬
‫ول حصلت على علم‬
‫واضيعة العمر ل‬
‫من البـاقـي‬
‫الماضي انتفعت به‬
‫أني لكـل الـذي‬
‫بلى علمت وقد‬
‫أيقـنـت يا أسـفـا ً‬
‫قـدمـتـه لق‬
‫الفصل الثامن والستون‬
‫أخواني‪ :‬من عامل الدنيا خسر ومن حمل في صف‬
‫طلبها كسر وإن خلص محبها منها عسر وكل عاشقيها‬
‫قد قيد وأسر "فمنهم من قضى نحبه ومنهم من‬
‫ينتظر"‪.‬‬
‫فما لبـن آدم ل‬
‫أرى الشهد يرجع‬
‫يعـتـبـر‬
‫مثل الصبر‬
‫فإن شك في ذاك‬
‫وخبره صادق في‬
‫فليختبـر‬
‫الحـديث‬
‫فهل هي إل كجسر‬
‫ودنياك فالق بطول‬
‫عـبـر‬
‫الهـوان‬
‫يا طالبا ً ما ل يدرك تمنى البقاء وما تترك كأنك بالحادي‬
‫قد أبرك‪ ،‬وهل غير الحصاد لزرع قد أفرك?‬
‫وأعلم أن في غد‬
‫وكيف أشيد في‬
‫عنه ارتحالي‬
‫يومي بـنـاء‬
‫فإن القاطنين على‬
‫فل تنصب خيامك‬
‫احتـمـال‬
‫في محـل‬
‫يا من أعماله رياء وسمعة‪ ،‬يا من أعمى الهوى بصره‬
‫وأصم سمعه‪ ،‬يا من إذا قام إلى الصلة لم يخلص‬
‫ركعة‪ ،‬يا نائما ً في انتباهه إلى متى هذه الهجعة? يا‬
‫غافل ً عن الموت كم قلع الموت قلعة? كم دخل دارك‬
‫فأخذ غيرك وإن له لرجعة‪ ،‬كم شرى شخصا ً بنقد‬
‫مريض? وله الباقون بالشفعة‪ ،‬كم طرق جبارا ً فأشت‬
‫شمله وأخرب ربعه‪ ،‬أفل يتعظ البيدق بسلب شاه‬

‫‪304‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫الرقعة‪.‬‬
‫يا عامر الدنيا إنما الدنيا دار قلعة كم مزقت قلبا ً‬
‫بحبها‪ ،‬فرجع ألف قطعة إن خصت بطيب المذاق‬
‫أغصت وسط الجرعة يوم ترحها سنة وسنة فرحها‬
‫جمعة‪ ،‬إنها لمظلمة ولو أوقدت ألف شمعة‪ ،‬وهي مع‬
‫هذا خائنة ولو حلفت بربعة‪ ،‬كم درست عليكم‬
‫مجلدات? تقول ما هذه النفس مخلدات‪ ،‬أين القارب‪،‬‬
‫أين اللذات? أفل روائد ذهن للخبار منتسمات‪ ،‬آه‬
‫للقاعدات عن طلب المكرمات‪ ،‬آه للمستريحات لقد‬
‫رضوا بمولمات‪:‬‬
‫يا أسير الشـهـوات‬
‫ذهب العمر وفـات‬
‫ومضى وقتك في‬
‫وسهـو وسـبـات‬
‫لهو‬
‫بينما أنت على غـيك حتـى قـيل مـات‬
‫أخواني‪ :‬ما لقلب العزم قد غفل ولنجم الحزم قد أفل‪،‬‬
‫مهل ً فشمس العمر في الطفل ومن لم يحضر الوغى‬
‫لم يحرز النفل‪:‬‬
‫أوائل من عزمتي أو‬
‫ثواني هـم فـلـم‬
‫ثواني‬
‫أقـره‬
‫من ل يساور بالهند‬
‫فيا هندوان عن‬
‫وانـي‬
‫المكرمـات‬
‫يا معاشر العلماء أتقنعون من الصفات بالسماء?‬
‫أتؤثرون الرض على السماء? أفي السكر أنتم أم في‬
‫الغماء أترضون بالثريا الثرى? أتغمضون العيون من‬
‫غير كرى? أتنامون‪ .‬فمن يحمد السرى? أتحيدون وفي‬
‫النف البرى? أتحلون عقد "إن الله اشترى" إنكم لحق‬
‫بالحزن فيما أرى‪ ،‬احضروا ناحية‪ ،‬ل تكلفكم الكرى‪:‬‬
‫فتخيروا قبل الندامة‬
‫يا قومنا هذي‬
‫وانتـقـوا‬
‫الـفـوائد جـمة‬
‫إن مسكم ظمأ يقول ل ذنب لي قد قلت‬
‫للقوم استقوا‬
‫نـذيركـم‬
‫يا معاشر العلماء قد كتبتم ودرستم ثم إن طلبكم‬
‫العلم فلستم في بيت العمل‪ ،‬ثم لو ناقشكم الخلص‬
‫ل فلستم‪ ،‬شجرة الخلص أصلها ثابت‪ ،‬ل يضرها زعزع‬
‫"أين شركائي" وأما شجرة الرياء فاجتثت عند نسمة‬

‫‪305‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫قفوهم" كم متشبه بالمخلصين? في تخشعه ولباسه‬
‫"و ِ‬
‫وأفواه القلوب تنفر من طعم مذاقه واأسفي ما أكثر‬
‫الزور? أما الخيام فإنها خيامهم‪ ،‬ليس كل مستدير‬
‫يكون هلل‪ ،‬ل ل‪.‬‬
‫ودون العلى ضرب‬
‫وما كل من أومى‬
‫يدمي النواصيا‬
‫إلى العز نالـه‬
‫كم حول معروف من دفين ذهب اسمه كما بلى رسمه‬
‫ومعروف معروف‪:‬‬
‫ول كل بيضاء‬
‫فما كل دار أقفرت‬
‫الترائب زينـب‬
‫دارة الحمى‬
‫لريح المخلصين عطرية القبول وللمرائي سموم‬
‫النسيم‪ ،‬نفاق المنافقين صير المسجد مزبلة "ل تقم‬
‫فيه أبدًا" وإخلص المخلصين رفع قدر الوسخ "رب‬
‫أشعث أغبر"‪.‬‬
‫أيها المرأى قلب من ترائيه بيد من تعصيه ل تنقش‬
‫على الدرهم الزائف اسم الملك‪ ،‬فما يتبهرج الشحم‬
‫بالورم‪ ،‬المرائي يتبرطل على باب السلطان‪ ،‬يدعي أنه‬
‫خاص وهو غريب‪ ،‬أتردون ما ذنب المرائي? دعا باسم‬
‫ليلى غيرها‪ .‬فيا أسفي ذهب أهل التحقيق وبقيت‬
‫بنيات الطريق‪ ،‬خلت البقاع من الحباب وتبدلت‬
‫العمارة بالخراب‪ ،‬يا ديار الحباب عندك خبر المخلص‬
‫يبهرج على الخلق بستر الحال‪ ،‬وببهرجته يصح النقد‪،‬‬
‫كان في ثوب أيوب السختياني‪ ،‬بعض الطول لستر‬
‫الحال‪ ،‬وكان إذا وعظ فرق فرق من الرياء فيمسح‬
‫وجهه ويقول ما أشد الزكام‪.‬‬
‫لصردر‪:‬‬
‫كأنني أضبط عبـدا ً‬
‫د‬
‫أحبس دمعي فـيِنـ ّ‬
‫شـاردا ً‬
‫آبـقـا‬
‫يوم الرحيل في‬
‫ومن محاشاة‬
‫الهوى منافقا‬
‫الرقيب خلتنـي‬
‫كان أيوب يحيي الليل كله فإذا كان عند الصباح رفع‬
‫صوته كأنه قام تلك الساعة‪ :‬لصردر‪:‬‬
‫ع بين‬
‫أكلف القلب أن‬
‫صبرا ً وذلك جم ٌ‬
‫أضـداد‬
‫يهوى وُألزمـه‬
‫حاجات نفسي لقد‬
‫وأكتم الركب‬

‫‪306‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫ت روادي‬
‫أوطاري وأسألـه‬
‫أتعب ُ‬
‫وكيف يعلم حال‬
‫ج عنده من‬
‫هل مدل ٌ‬
‫الرائح الغادي‬
‫مبكر خبـر‬
‫فعن نسيم الصبا‬
‫ت أحاديث‬
‫إن روي ُ‬
‫والبرق أسنادي‬
‫الذين مضـوا‬
‫كان إبراهيم النخعي إذا قرأ في المصحف فدخل داخل‬
‫غطاه‪ .‬وكان ابن أبي ليلى إذا دخل داخل وهو يصلي‬
‫اضطجع على فراشه‪.‬‬
‫مضغ الكلم ول صيغ‬
‫أفدى ظباء فلة ما‬
‫الحواجيب‬
‫عرفن بـمـا‬
‫مرض ابن أدهم فجعل عند رأسه ما يأكله الصحاء‪ ،‬لئل‬
‫يتشبه بالشاكين‪ ،‬هذه والله بهرجة اصح من نقدك‪.‬‬
‫للعباس بن الحنف‪:‬‬
‫وفّرق الناس فينا‬
‫س‬
‫قد س ّ‬
‫حب النا ُ‬
‫فَرقـا‬
‫أذيال الظنون بنا‬
‫قولهم ِ‬
‫وصادقٌ ليس يدري‬
‫ب قد رمى‬
‫فكاذ ٌ‬
‫أّنه صدقا‬
‫م‬
‫بالظن غيركـ ُ‬
‫اشتهر ابن أدهم ببلد فقيل هو في البستان الفلني‪،‬‬
‫فدخل الناس يطوفون ويقولون أين إبراهيم بن أدهم?‬
‫فجعل يطوف معهم‪ ،‬ويقول أين إبراهيم بن أدهم‪.‬‬
‫للمهيار‪:‬‬
‫ت للسـّر فـيه لـذة‬
‫س‬
‫وهب ُ‬
‫ضنا ً بأن يعلم النا ُ‬
‫ن‬
‫الهـوى ولـمـن‬
‫الـعـلـ ِ‬
‫عّرض بغيري ودعني إن قيل من يك ُيخفي‬
‫الحق في الظنن‬
‫في ظنونـهـم‬
‫قرئ على أحمد بن حنبل في مرضه أن طاوسا ً كان‬
‫ن حتى مات‪.‬‬
‫يكره النين فما أ ّ‬
‫لصردر‪:‬‬
‫وادها ما‬
‫س‬
‫تفيض نفو ٌ‬
‫وتكتم ع ّ‬
‫بـهـا‬
‫بأوصابهـا‬
‫هواها إلى غير‬
‫ة‬
‫وما أنصفت مهج ٌ‬
‫أحبابهـا‬
‫تشتكي‬
‫لما هم الطبع بالتأوه من البلء كشفت الحقائق سجف‬
‫المحبوب فلم يبق لتقطيع اليدي أثر‪:‬‬
‫روض الحمى إن‬
‫بدا لها من بعد مـا‬

‫‪307‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫تشتكي كللها‬
‫بـدا لـهـا‬
‫رحل والله أولئك السادة‪ ،‬وبقي والله قرناء الرياء‬
‫والوسادة‪.‬‬
‫والعيش بعد أولئك‬
‫ذم المنازل بعد‬
‫القوام‬
‫منزلة اللوى‬
‫أسمع أصواتا ً بل أنيس وأرى خشوعا ً أصله من إبليس‪.‬‬
‫للمهيار‪:‬‬
‫ت فيك ول‬
‫ت حوُر الظبـاء إذا سكن ْ‬
‫تشبه ْ‬
‫ن‬
‫بـهـم‬
‫مثل سك ْ‬
‫ق ونافٌر وذو خـل ً بـذي‬
‫أصام ٌ‬
‫ت بناط ٍ‬
‫ن‬
‫س‬
‫شـجــ ْ‬
‫بـآنـ ٍ‬
‫مغالطا ً قلت‬
‫ه أعـرفـه‬
‫مشتـِبـ ٌ‬
‫ن‬
‫وإنـمـا‬
‫لصحبي‪ :‬داُر م ْ‬
‫موانسا ً فب ّ‬
‫كها عـنـك‬
‫قف باكيا ً فيها وإن‬
‫كنت أخـا ً‬
‫وعـن‬
‫ة أبكي بها‬
‫لم ُيبق لي يوم‬
‫من دمع ٍ‬
‫ن‬
‫ة‬
‫الفراق فضـل ً‬
‫م ْ‬
‫على الدّ َ‬
‫الفصل التاسع والستون‬
‫يا من قد أرخى له في الطول وأمهل له بمد الجل‪،‬‬
‫إخل بنفسك وعاتبها وخذ على يدها وحاسبها لعلها‬
‫تأخذ عدتها قبل أن تستوفي مدتها‪:‬‬
‫وآن ينحط عنـهـا‬
‫وجـدت أيامـي لـي‬
‫رواحـل ً‬
‫الـراحـل‬
‫وصيح بي عرس فقد وكل ركب في‬
‫التـراب نـازل‬
‫طال المدى‬
‫تهدد الحين فهل من وجاء بالنصح فأين‬
‫القـابـل‬
‫سامـع‬
‫يفهم ما قال‬
‫وكل شيء زاجر‬
‫الحصيف العاقل‬
‫مـحـدث‬
‫أخواني‪ ،‬بادروا قبل العوائق واستدركوا فما كل طالب‬
‫لحق‪ ،‬واشكروا نعمة من ستركم عن الذنوب‪ ،‬واعرفوا‬
‫فضله فقد أعطاكم كل مطلوب‪ ،‬ما أعم وجوده لجميع‬
‫خلقه وما أكثر تقصيرهم في حقه‪ ،‬عم إحسانه الدمي‬
‫والبهائم والمستيقظ والنائم والجاهل‪ ،‬والعالم‬
‫والمتقي والظالم من تأمل حسن لطفه لخليقته حيره‬

‫‪308‬‬

‫كتاب المدهش لبن الجوزي‬
‫مشكاة السلمية‬

‫مكتبة‬

‫الدهش‪ ،‬خلق الجنين في بطن الم فجعل وجهه إلى‬
‫ظهرها لئل يجري الطعام عليه‪ ،‬وجعل انفه بين ركبتيه‬
‫ليتنفس في فراغ وسيق قوته في مصران السرة‬
‫وليس العجب تغذيه لنه متصل بحي‪ ،‬إنما العجب‪ ،‬خلق‬
‫الفرخ في البيضة المنفصلة فإنه من البياض يخلق‬
‫ومن المح يتغذى‪ ،‬فقد هيأ له زاد الطريق قبل سير‬
‫اليجاد‪ ،‬إذا تفقأت بيضة الغراب خرج الفرخ أبيض‬
‫فتنفر عنه الم لمباينته إياها‪ ،‬فيبقى مفتوح الفم‬
‫لطلب الرزق فيسوق القدر إلى فيه الذباب‪ ،‬فل يزال‬
‫يغتذي به حتى يسود‪ ،‬فتعود أمه إليه‪ ،‬خلق الطير ذا‬
‫جؤجؤ مخدد لتجري سفينة طيرانه في بحر الهوى‪،‬‬
‫وجعل في جناحه وذنبه ريشات طوال لينهض للطيران‬
‫ولما كان يختلس قوته خوفا ً من اصطياده‪ ،‬جعل‬
‫منقاره صلبا ً لئل ينسحج ولم يخلق له أسنان لن زمان‬
‫النتهاب ل يحتمل المضغ‪ ،‬وجعلت له حوصلة كالمخلة‪،‬‬
‫فينقل إليها ما يستلب ثم ينقله إلى القانصة في زمان‬
‫المن‪ ،‬فإن كانت له فراخ أسهمهم قبل النقل كلما‬
‫طالت ساق الحيوان طال عنقه ليمكنه تناول طعمه‬
‫من الرض‪ ،‬هذا طائر الماء ل يقف إل في ضحضاح‪،‬‬
‫فيتأمل ما يدب في الماء فإذا رأى ما يريد خطا‬
‫خطوات على مهل فيتناول ولو كان قصير القوائم‪،‬‬
‫كان حين يخطو يضرب الماء ببطنه فيهرب الصيد‪ ،‬هذه‬
‫العنكبوت تبني بيتها بصناعة يعجز عنها المهندس إنها‬
‫تطلب زاوية فجعلت فيها خيطًا‪ ،‬ووصلت بين طرفيها‬
‫بخيط آخر وتلقي اللعاب على الجانبين فإذا أحكمت‬
‫المعاقد ورتبت القسط كالسدى أخذت في اللحمة‬
‫فيظن الظان أن نسجها عبث‪ ،‬كل‪ ،‬إنها تصنع شبكة‬
‫لتصيد قوتها من الذباب والبق فإذا أتمت النسج انزوت‬
‫إلى زاوية ترصد رصد الصائد‪ ،‬فإذا وقع صيد قامت‬
‫تجني ثمار كسبها فتغتذي به فإذا أعجزها الصيد طلبت‬
‫زاوية ووصلت بين طرفيها بخيط ثم علقت بنفسها‬
‫بخيط آخر‪ ،‬وتنكست في الهواء تنتظ