‫ما المقصود بالنظام الدولي؟‬

‫يقصد بالنظام الدولي مجموعة الوحدات السياسية ‪-‬سواء على مستوى الدولة أو ما هو أصغر أو أكبر‪ -‬التي‬
‫تتفاعل فيما بينها بصورة منتظمة ومتكررة لتصل إلى مرحلة العتماد المتبادل مما يجعل هذه الوحدات تعمل‬
‫كأجزاء متكاملة في نسق معين‪.‬‬
‫وبالتالي فإن النظام الدولي يمثل حجم التفاعلت التي تقوم بها الدول والمنظمات الدولية والعوامل دون‬
‫القومية مثل حركات التحرير والعوامل عبر القومية مثل الشركات المتعددة الجنسية وغيرها‪.‬‬
‫تطور النظام الدولي‬
‫ً‬
‫لدراسة مدى تأثير أحداث ‪ 11‬سبتمبر‪/‬أيلول ‪ 2001‬في النظام الدولي يجدر بنا أول أن نعطي نبذة موجزة‬
‫عن مراحل تطور النظام الدولي في محاولة لتحديد خصائص هذه المراحل ورصد أهم التغيرات التي حدثت‬
‫على هذا النظام لكي يكون تقييمنا موضوعيا ً ووضع تأثير أحداث ‪ 11‬سبتمبر‪/‬أيلول في إطارها الصحيح‪،‬‬
‫وستتم مناقشة أهم الوحدات الفاعلة في كل مرحلة ورصد أهم الظواهر التي نتجت عن تفاعل هذه‬
‫الوحدات‪.‬‬
‫المرحلة الولى ‪1914 - 1648‬‬
‫تبدأ هذه المرحلة من معاهدة وستفاليا سنة ‪ 1648‬والتي أنهت الحروب الدينية وأقامت النظام الدولي‬
‫الحديث المبني على تعدد الدول القومية واستقللها‪ ،‬كما أخذت بفكرة توازن القوى كوسيلة لتحقيق السلم‬
‫وأعطت أهمية للبعثات الدبلوماسية‪ ،‬وتنتهي هذه المرحلة بنهاية الحرب العالمية الولى‪.‬‬
‫كانت الدولة القومية هي العامل الوحيد في السياسة الدولية‪ ،‬ولم تعرف هذه المرحلة المنظمات الدولية ول‬
‫المؤسسات غير القومية مثل الشركات العالمية‪ ،‬وكانت قوة الدولة مرادفة لقوتها العسكرية‪ ،‬وكانت أوروبا‬
‫تمثل مركز الثقل في هذا النظام‪ .‬أما الوليات المتحدة الميركية فكانت على أطراف هذا النظام ولم يكن‬
‫لها دور فعال نتيجة سياسة العزلة التي اتبعتها‪.‬‬
‫كانت الفكرة القومية هي الظاهرة الساسية في النظام الدولي فهي أساس قيام الدول وأساس الصراع بين‬
‫المصالح القومية للدول‪ ،‬ولم تكن الظواهر اليدولوجية الخرى قد ظهرت بعد مثل الصراع بين الرأسمالية‬
‫والشتراكية وغيرها‪.‬‬
‫المرحلة الثانية ‪1989 - 1914‬‬
‫تبدأ هذه المرحلة من الحرب العالمية الولى وحتى نهاية الثمانينيات من القرن الماضي‪ ،‬وقد تميزت هذه‬
‫المرحلة بتعدد أطراف النظام الدولي نتيجة استقلل عدد من دول العالم الثالث وظهور مجموعة كبيرة من‬
‫الوحدات السياسية في المجتمع الدولي ومنها المنظمات الدولية والقليمية وبروز الشركات العالمية‬
‫وحركات التحرير‪ ،‬وقد اتجه النظام بعد الحرب العالمة الثانية نحو نظام الثنائية القطبية بين المعسكر‬
‫الشرقي بقيادة التحاد السوفياتي والمعسكر الغربي بقيادة الوليات المتحدة الميركية‪ ،‬وتوسعت قاعدة‬
‫النظام الدولي ومراكز القوى خارج أوروبا‪.‬‬
‫وخلل هذه المرحلة ظهرت اليدولوجية كإحدى أهم الظواهر في المجتمع الدولي وأخذ النقسام داخل‬
‫النظام الدولي يأخذ طابع الصراع اليدولوجي بين المعسكر الشرقي الشتراكي والمعسكر الغربي‬
‫الرأسمالي‪ ،‬وتبع ذلك ظهور عدد من الظواهر مثل الحرب الباردة والتعايش السلمي والوفاق الدولي وغيرها‪.‬‬
‫المرحلة الثالثة ‪... - 1989‬‬
‫تبدأ هذه المرحلة من نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات من القرن الماضي وحتى الن‪ ،‬ويطلق عليها النظام‬
‫الدولي الجديد وأخيرا ً العولمة‪ ،‬وتعود بدايات شيوع هذا المفهوم إلى حرب الخليج الثانية )‪ (1990‬حيث بدأت‬
‫الدعاية الميركية بالترويج لهذا المفهوم رغم وجود محاولت سابقة في هذا المجال‪.‬‬
‫لقد اتجه النظام الدولي خلل هذه المرحلة نحو أحادية القطبية بعد انهيار التحاد السوفياتي وظهور الوليات‬
‫المتحدة كقائدة للمعسكر الرأسمالي المنفردة بقيادة العالم وتمدد دورها وهيمنتها على المم المتحدة‬
‫والشرعية الدولية‪ .‬وقد شهدت هذه المرحلة زيادة عدد الدول نتيجة النقسامات والنشقاقات التي حدثت‬
‫في كثير من الدول‪ ،‬وفي الوقت نفسه يشير النظام خلل هذه المرحلة إلى أنماط تفاعلت جديدة تركز على‬
‫الجوانب الثقافية والحضارية وتوزيع مصادر القوة والنفوذ بصورة جديدة تعطي دورا أكبر للمنظمات غير‬
‫الحكومية‪ ،‬مما جعل البعض يطلق عليه اسم النظام العالمي الجديد بدل ً من النظام الدولي الجديد‪.‬‬

‫ارتبطت هذه المرحلة بمجموعة من القيم والمبادئ الخلقية والنسانية مثل الحرية والديمقراطية وحقوق‬
‫النسان واحترام قواعد القانون الدولي وإعلء الشرعية الدولية وتسوية المنازعات بالطرق السلمية‪.‬‬
‫وشهدت السنوات الخيرة من عقد التسعينيات شيوع مفهوم العولمة الذي ارتبط بأحداث الثورة الصناعية‬
‫الثالثة والطفرة الهائلة في وسائل وتكنولوجيا التصال‪ .‬ويشير مفهوم العولمة إلى جملة التغيرات القتصادية‬
‫والجتماعية والثقافية التي تمتد تفاعلتها لتشمل معظم دول العالم‪ ،‬وهي تعبر عن مرحلة تاريخية جوهرها‬
‫زيادة التداخل والترابط بين مناطق العالم مما أدى إلى تراجع أهمية الحدود وسيادة الدولة في ظل تعدد‬
‫الظواهر التي تتخطى هذه الحدود‪.‬‬
‫وقد عكست هذه المرحلة تعدد وتنوع المشكلت والتحديات التي تواجه الدول خاصة في نصف الكرة‬
‫الجنوبي وما رافقها من تنامي اتجاهات التطرف والصراعات الداخلية وظهور أنماط من التصادمات‬
‫والحتكاكات في النظام القيمي والفكري‪ .‬ويرتبط مفهوم العولمة بهيمنة النشاط القتصادي الرأسمالي‬
‫وتحول العالم إلى سوق استهلكية كبرى لمنتجات الشركات الصناعية الكبرى‪ .‬أما في المجال الثقافي فالمر‬
‫يظهر وكأنه انتصار لثقافة الشمال المتقدم على الجنوب المتخلف وفرض الذوق والثقافة الميركية والغربية‬
‫على العالم‪.‬‬

‫تأثير الحدث في النظام الدولي‬
‫ولمواكبة التطورات التي أصابت النظام الدولي بعد أحداث ‪ 11‬سبتمبر‪/‬أيلول وانعكاس هذه الحداث على‬
‫طبيعة النظام الدولي فإن هذه التطورات ستشمل الجوانب الفكرية والنظرية وكذلك الجوانب التنظيمية‬
‫والقانونية وأخيرا ً الجوانب الحركية التي تتعلق بطبيعة الممارسات وتوازنات القوى داخل هذا النظام‪.‬‬

‫‪ -1‬الجوانب الفكرية واليدولوجية‬
‫دعمت الوليات المتحدة في العقود الخيرة من القرن الماضي أقصى نماذج التشدد السلمي سواء في‬
‫بعض الدول العربية أو بتحالفها مع المجاهدين الفغان ضد الغزو السوفياتي‪ ،‬وكان هذا التحالف المرحلي‬
‫يدخل في السياسة الميركية ضمن محاربة الشيوعية على مستوى العالم ومحاربة النظمة القومية الثورية‬
‫في المنطقة العربية‪ ،‬وما أن انتهت هذه المرحلة حتى تحولت الصورة نحو اتهام السلم والمسلمين بأنهم‬
‫بحكم الثقافة والعقيدة يميلون إلى العنف‪ .‬وقد جاء ظهور تنظيم القاعدة ليثير التساؤل لدى الغرب عن‬
‫أسباب العنف الديني العابر للقارات‪ ،‬ووجهت التهمة إلى حركات السلم السياسي كافة وصار ينظر لها‬
‫باعتبارها حركات إرهابية‪ ،‬وامتدت النظرة في بعض الحيان لتشمل البلد العربية والسلمية التي اتهمت بأن‬
‫ثقافتها تحبذ العنف وترفض القيم الغربية عن الديمقراطية وحقوق النسان‪.‬‬
‫لقد أدت الحداث والتطورات السابقة لحداث ‪ 11‬سبتمبر‪/‬أيلول في الجانب الفكري إلى انفراد النظام‬
‫الرأسمالي بقيادة العالم‪ ،‬وبدأ هذا النظام يقدم أيدولوجيته وفكره باعتباره المؤهل لقيادة العالم‪ ،‬وأنه‬
‫سيسعى إلى تعميم ثقافته وقيمه على الخرين‪ ،‬وأن حضارته قد انتصرت ويجب الخذ بها كما روج لذلك‬
‫فوكوياما في كتابه "نهاية التاريخ"‪.‬‬
‫لكن أحداث ‪ 11‬سبتمبر‪/‬أيلول أعادت الحديث من جديد عن صراع الحضارات كما أشار لذلك صمويل‬
‫هنتنغتون من قبل‪ ،‬وتقترب محاور هذا الصراع الحضاري من المفهوم نفسه الذي طرحه‪ ،‬حيث صار الحديث‬
‫عن انقسام العالم إلى عالم الخير الذي تمثله حضارة الغرب وعالم الشر الذي تمثله بعض الدول العربية‬
‫والسلمية المارقة وغيرها من الدول المعارضة للتوجهات الرأسمالية الميركية‪ ،‬وحاولت أميركا بعد أحداث‬
‫سبتمبر‪/‬أيلول صياغة خطاب أخلقي تملي بواسطته على شعوب العالم تعريفها لمفهوم الشر والخير وتحدد‬
‫من هي الدول والقوى الصالحة والخرى الطالحة‪ ،‬واتجه الفكر الميركي نحو إطلق أحكام أخلقية ذات طابع‬
‫ديني منها على سبيل المثال استخدام جورج بوش البن مفهوم الحرب الصليبية لكنه تراجع عنه‪ ،‬وذلك في‬
‫محاولة لتبرير شن الحرب واستخدام القوة العسكرية‪ ،‬والصرار على تبرير الحرب على أفغانستان وطالبان‬
‫باعتبارها ضرورة أخلقية تصل إلى مرحلة القداسة الدينية للرد على العنف والكراهية الذي تمثله القوى‬
‫الشريرة مثل بن لدن وصدام حسين‪ ،‬وذلك نقيض للفكر الميركي الذي كان سائدا ً قبل أحداث ‪11‬‬
‫سبتمبر‪/‬أيلول والذي كان يحاول تبرير الحروب على أساس مبادئ الحرية والديمقراطية والمصالح التي تمثل‬
‫أساس الحضارة الغربية‪.‬‬

‫وقد توسعت النظرة الميركية لهمية اليدولوجيا في حربها على الرهاب‪ ،‬وبدأ التركيز على ضرورة التدخل‬
‫في الجوانب الثقافية والتعليمية للشعوب الخرى خاصة العربية والسلمية لمنع ظهور التيارات الدينية التي‬
‫تقف موقف النقيض من ثقافة العولمة وتعمل على التصدي لفكر الغرب وحضارته‪.‬‬
‫‪ -2‬الجوانب المؤسسية والقانونية‬
‫ثار جدل كبير في تحديد ما إذا كانت أحداث ‪ 11‬سبتمبر‪/‬أيلول تشكل نقطة تحول وانقطاع في النظام الدولي‬
‫الجديد أم أنها استمرار للوضع السابق‪ ،‬وإن كان هناك شبه إجماع على أن هذه الحداث تشكل دللة على‬
‫عدم وضوح هذا النظام وأنها تكشف محدوديته وقصوره في مواجهة التحديات القادمة‪.‬‬
‫لقد تميزت الفترة السابقة لحداث ‪ 11‬سبتمبر‪/‬أيلول بتعدد وتوزع مصادر السلطة على مستوى العالم نتيجة‬
‫تصاعد قوة الشركات المتعددة الجنسية والمنظمات عبر القومية والمنظمات غير الحكومية التي أصبحت‬
‫تشكل تحديا ً لسيادة الدولة وسلطتها‪ ،‬وطرحت معادلت جديدة للسلطة والشرعية تختلف عن تلك التي‬
‫تحتكرها الدولة‪.‬‬
‫وفي الوقت نفسه ظهرت الوليات المتحدة كممثلة لنظام القطبية الحادية وانفرادها بقيادة العالم والتصرف‬
‫بصورة فردية دون حاجة للحلفاء بدل ً من القطبية الثنائية السابقة‪ ،‬وتنطحت للقيام بدور المنظم للمجتمع‬
‫الدولي‪ ،‬وراود الكثيرين في العالم المل بانتهاء الحرب والتجاه بخطوات ثابتة نحو السلم العالمي‪ ،‬لكن‬
‫أحداث ‪ 11‬سبتمبر‪/‬أيلول كشفت عن ظهور نوعية جديدة من الستقطاب وحلت ثنائية جديدة تتمثل في‬
‫مواجهة بين الوليات المتحدة وقوى الرهاب ودول وصفتها أميركا بالدول المارقة والتي تشكل ملذا ً‬
‫للرهاب‪.‬‬
‫وبالتالي يمكن القول إن النظام الدولي قد عرف فاعل جديدا كعنصر من عناصر المجتمع الدولي يتمثل في‬
‫عولمة الرهاب‪ ،‬فقد خرج الرهاب من رحم العولمة الميركية ليمثل نوعا ً من العولمة المضادة‪ ،‬وهو فاعل‬
‫ليس قطريا ً ول إقليميا ً ول يمر عبر مؤسسات الدول وله مقوماته الذاتية واستقلليته وكثير من الجماهير‬
‫المتعاطفة معه‪.‬‬
‫وأصبحت أميركا تنظر إلى انقسام العالم بين دول الخير وقوى الشر‪ ،‬وبدل ً من تقسيم العالم على أساس‬
‫أعداء وأصدقاء أصبح تقسيم العالم على أساس الخير والشر وصار الحديث عن مجرمين وإرهابيين بدل‬
‫أعداء‪.‬‬
‫وقد تم التعبير عن هذا التوجه من جانب المم المتحدة بإصدار القرار ‪ 1368‬والذي فوض بموجبه مجلس‬
‫المن الوليات المتحدة لتخاذ الجراءات للرد على المعتدين والمسؤولين عن العتداء على الوليات المتحدة‪.‬‬
‫وقد نجحت الوليات المتحدة في تخطي دور المم المتحدة وأقامت تحالفا ً داعما ً لهجومها على أفغانستان‬
‫وتنظيم القاعدة‪ ،‬وشملت هذه التحالفات معظم دول العالم تحت ضغط القوة الميركية‪ ،‬وذلك حفاظا ً على‬
‫مصالحها وإن كان هناك عدم تحمس في كثير من الدول ‪-‬وخاصة على مستوى الرأي العام في الدول العربية‬
‫والسلمية‪ -‬للمشاركة في العمال العسكرية‪.‬‬

‫الحداث وتأثيرها في أرض الواقع‬
‫فيما سبق تمت مناقشة انعكاسات ‪ 11‬سبتمبر‪/‬أيلول على النظام العالمي من ناحية الفكار والجوانب‬
‫النظرية تبعها الجوانب التنظيمية والمؤسسية‪ ،‬وفيما يلي سنحاول رصد أهم الممارسات والجوانب الحركية‬
‫الفعلية التي حدثت على أرض الواقع‪ .‬وسوف تشمل هذه التغيرات الجوانب السياسية والقتصادية‬
‫والعسكرية سواء داخل الوليات المتحدة أو خارجها‪.‬‬
‫أ‪ -‬في المجال السياسي‬
‫كشفت أحداث ‪ 11‬سبتمبر‪/‬أيلول عن الهوة الواسعة بين المبادئ التي تنادي بها الوليات المتحدة بشأن‬
‫النظام الدولي الجديد بما يمثله من سيادة روح الديمقراطية وحقوق النسان والتعاون الدولي لحل‬
‫المشكلت الدولية بصورة سلمية وبين ممارسات واقعية تقوم على تقييد الحريات وتجاوز حقوق النسان‬
‫وتجاهل حقوق القليات من المواطنين والمقيمين‪ ،‬فقد جرى التحقيق مع آلف الشخاص أغلبهم من العرب‬
‫والمسلمين وتزايدت النزعات العنصرية ضدهم‪.‬‬

‫وتظهر هذه السياسة على المستوى الميركي عبر عدة ممارسات منها تشكيل محكمة عسكرية لمحاكمة‬
‫المتهمين بأعمال الرهاب‪ ،‬وصدور قانون حرية التفتيش والحتجاز‪ ،‬وفرض رقابة ذاتية على وسائل العلم‪.‬‬
‫ولقد كشفت أحداث ‪ 11‬سبتمبر‪/‬أيلول عن هشاشة النظام الميركي والديمقراطية الميركية عن طريق‬
‫اختلل التوازن بين السلطات لصالح السلطة التنفيذية على حساب السلطة التشريعية وقوى المجتمع‬
‫المدني‪ ،‬وتحول النظرة الشعبية للرئيس الميركي باعتباره قيادة حاسمة ومؤتمنة‪ ،‬كما أظهرت تلك الحداث‬
‫تراجع دور القضاء نظرا ً للبنود الواردة في قانون مكافحة الرهاب‪ ،‬هذا بالضافة إلى التعاون مع أنظمة‬
‫عسكرية مثل مشرف في باكستان وتشجيع قيام نظام قبلي في أفغانستان‪ ،‬وقد قامت أميركا بتنصيب‬
‫نفسها للقيام بدور المنظم للعالم بالضافة لدورها في قيادة العالم‪ ،‬وقد أدى هذا الدور لوجود مقاومة‬
‫ومعارضة في كثير من مناطق العالم‪ ،‬فقد كانت أحداث ‪ 11‬سبتمبر‪/‬أيلول نقطة فاصلة في تحدي نفوذ‬
‫وهيمنة الوليات المتحدة وتعرضها لهجوم واسع في عقر دارها مما شكل اهتزازا ً لمكانة الوليات المتحدة‬
‫كدولة عظمى‪ ،‬مما أدى إلى زيادة انغماس أميركا في القضايا الدولية ولم يعد بإمكانها النعزال عن العالم‪،‬‬
‫وصار مطلوبا ً منها مراقبة التحديات التي تواجه قيادتها للعالم سواء من الداخل أو الخارج‪.‬‬
‫الموقف الروسي‬
‫من ناحية الجغرافيا السياسية أعادت أحداث ‪ 11‬سبتمبر‪/‬أيلول التنبيه إلى أهمية آسيا الوسطى وموقعها‬
‫الستراتيجي باعتبارها تشكل قلب العالم‪ ،‬وقدمت روسيا تنازلت سياسية وأمنية في هذه المنطقة التي كانت‬
‫من المحرمات في السياسة الروسية‪ ،‬وقدمت روسيا نفسها كشريك للغرب في محاربته للرهاب بدل ً من‬
‫كونها مهددا لهذا الغرب‪ ،‬وأدى تأييد معظم الدول الكبرى في شمال العالم للعمليات العسكرية الميركية إلى‬
‫الحديث عن تعاون نصف الكرة الشمالي ضد المخاطر القادمة من النصف الجنوبي‪.‬‬
‫المجموعة الوروبية‬
‫أما المجموعة الوروبية فقد افتقدت إلى التحرك الموحد تجاه أحداث ‪ 11‬سبتمبر‪/‬أيلول‪ ،‬فرغم الوحدة‬
‫القتصادية والمالية التكاملية التي حققتها أوروبا فإن ردود فعلها تجاه الحداث عكست غياب وجود سياسة‬
‫خارجية موحدة‪ ،‬حيث اتسمت مواقف دولها بالفردية وبادرت كل دولة للتصال بالوليات المتحدة من منطلق‬
‫ظروفها الخاصة‪ ،‬وبالتالي فإن هذه الحداث كشفت عجز أوروبا عن أن تشكل قوى سياسة وتتبوأ مكانا ً يليق‬
‫بقوتها إلى درجة وصفها بأنها عملق اقتصادي لكنها ليست سوى قزم سياسي‪.‬‬
‫العالم العربي‬
‫أما في المجال العربي فيمكن تلخيص انعكاسات أحداث سبتمبر‪/‬أيلول على الوطن العربي بالقول إن‬
‫الوطن العربي كان معنيا ً بهذه الحداث أكثر من غيره وذلك لتهام عناصر عربية بالوقوف وراء هذه الحداث‪،‬‬
‫هذا بالضافة إلى اتهام بعض الدول العربية بأنها على علقة بالمتهمين‪ ،‬وبالتالي فإن المنطقة العربية كانت‬
‫الطرف الول في هذه الحداث وأميركا هي الطرف الثاني‪ .‬لكن الملحظ أن أميركا حاولت المحافظة على‬
‫استقرار المنطقة العربية ولم تحاول إدخالها في نظام العولمة بما فيها من ديمقراطية وحقوق إنسان وغيرها‬
‫من أطر سياسية واجتماعية حديثة مما انعكس سلبا ً على المنطقة‪ ،‬وجعلها مكانا ً للقوى المتطرفة‪.‬‬
‫وبالتالي فقد اختارت أميركا إعلن الحرب على الرهاب في منطقة الشرق الوسط الذي كان المجال‬
‫الطبيعي للحرب الميركية‪ ،‬وقد شملت هذه الحرب التهديد بالعمل المسلح ضد بعض الدول واستخدام‬
‫وسائل استخبارية وأمنية ضد أنظمة وتنظيمات وجمعيات وأفراد وامتدت لتشمل مجالت الثقافة والنشطة‬
‫الخيرية‪.‬‬
‫ولكن المشكلة الكثر إثارة في المنطقة العربية ذلك التوافق بين الهجوم الميركي على الرهاب وحرب‬
‫شارون على النتفاضة‪ ،‬وانشغال الدول العربية بتأكيد خيارها الستراتيجي نحو السلم ومحاربة الرهاب‪ ،‬مع‬
‫الصرار على تأييد النتفاضة كحق شرعي ورفض ربطها بالرهاب‪ ،‬لكن السياسة السرائيلية حاولت الربط‬
‫بين النتفاضة والحرب على الرهاب وحاول شارون تقديم مجازره ضد الشعب الفلسطيني والنتفاضة بأنه‬
‫يقوم بدور الوكيل على السياسة الميركية في محاربة الرهاب في الشرق الوسط وهناك تيارات واضحة في‬
‫أميركا لتأييد هذه السياسة‪.‬‬
‫إن خضوع المنطقة لحربين في وقت واحد من جانب إسرائيل والوليات المتحدة قد عزز انحياز أميركا‬
‫لسرائيل وبالتالي قلل من إمكانية قيام أميركا بدور نزيه في تحقيق السلم في المنطقة‪ .‬وحال في الوقت‬
‫نفسه دون وجود دور فعال للمم المتحدة والشرعية الدولية‪ ،‬مما عزز موقف الرأي العام العربي الرافض‬
‫للهيمنة الميركية‪.‬‬

‫ب‪ -‬في المجال العسكري‬
‫كانت إستراتيجية الوليات المتحدة العسكرية تتبنى سياسة الردع والحتواء مع التحاد السوفياتي والدول‬
‫المعادية الخرى‪ ،‬وتقوم هذه السياسة على إقناع العدو بضرورة البتعاد عن تهديد المن والمصالح الميركية‬
‫خوفا ً من اللجوء إلى السلحة النووية والتدمير الشامل‪ ،‬وبعد انهيار التحاد السوفياتي اتجهت السياسة المنية‬
‫الميركية نحو تقليل تدخل الوليات المتحدة عسكريا ً في الخارج وظهر هناك نوع من التوافق الدولي نحو‬
‫تجنب الحرب والعمل على تسوية المنازعات بالطرق السلمية‪.‬‬
‫لكن بعد أحداث ‪ 11‬سبتمبر‪/‬أيلول تحولت هذه الستراتيجية نحو إعطاء أولوية للحرب على الرهاب وتبني‬
‫سياسة الضربات الوقائية لظهور تهديدات من جانب مجموعات مسلحة‪ ،‬والعمل على توسيع دائرة الحرب‬
‫لتشمل دول ً أخرى غير أفغانستان مع السعي لتشكيل تحالفات عسكرية متعددة الطراف والتخلي عن‬
‫سياسة العزلة‪.‬‬
‫وفي الوقت نفسه احتفظت السياسة الميركية لنفسها بحق استخدام السلحة النووية بشكل محدود ضد‬
‫الدول التي تعتبرها الوليات المتحدة دول مارقة ترعى الرهاب وتهدد السلم العالمي بامتلكها لسلحة الدمار‬
‫الشامل مثل العراق وإيران وكوريا الشمالية‪ ،‬وقد قادت هذه السياسة إلى وجود مفهوم جديد للمن وصار‬
‫الحديث‪ :‬هل المن مرتبط بأمن الحدود أم أمن المواطنين أم أمن المصالح الميركية‪ ،‬وهل المن يكون لكل‬
‫دولة على حده بمعزل عن الدول الخرى أم أنه أمن جماعي يفترض نوعا ً من العتماد المتبادل‪ ،‬وهل‬
‫التهديدات للمن تأتي من الخارج أم من الداخل؟ لقد اكتشفت أميركا أنها تواجه تهديدا ً من نوع جديد‬
‫يستهدف الكيان والوجود الميركي عبر استخدام أسلحة وهجمات غير متوقعة بهدف تحقيق خسائر مادية‬
‫وبشرية جسيمة ويصل بالخطر إلى قلب أميركا والمواطن الميركي لول مرة مما استدعى مواجهته بهجوم‬
‫ساحق وحرب شاملة من طرف أميركا تعبئ فيه كل إمكاناتها العسكرية والسياسية والقتصادية‪ ،‬فالحرب‬
‫التي تشنها أميركا على الرهاب ل يوجد فيها عدو واضح ينبغي هزيمته ول توجد فيها معايير محددة للنصر مما‬
‫يجعل هذه الحرب ممتدة ومتنوعة الوسائل وهي تطلب إعادة تقييم القوى النسبية التي تهدد الوليات‬
‫المتحدة‪.‬‬
‫وأدت هذه التغيرات في مفهوم المن الميركية إلى إعادة تحديد مهمة جهاز المخابرات )‪ (CIA‬وإمكانية‬
‫استخدام مصادر معلومات جديدة‪ ،‬وفتحت المجال لسهام القطاع الخاص للمشاركة في هذا المجال عن‬
‫طريق تطوير التكنولوجيا المنية مثل أجهزة كشف السلحة والمتفجرات وأجهزة مكافحة التلوث والسلحة‬
‫الكيماوية وغيرها‪.‬‬
‫كشفت الممارسات الفعلية التي أعقبت أحداث ‪ 11‬سبتمبر‪/‬أيلول عن استخدام مفرط للقوة العسكرية‬
‫الميركية وتهديد للمن القومي لعدة دول بحجة مقاومة الرهاب لن أميركا اكتشفت أنها أمام عدو من نوع‬
‫جديد يتمثل في شبكة واسعة من التنظيمات الفرعية التي ل تحكمها هياكل تنظيمية محددة ول تعمل في‬
‫إطار خطة عسكرية ول يمكن توقع أفعالها‪ ،‬لذلك عمدت أميركا إلى سياسة النتشار العسكري والتي بدأت‬
‫باليمن والفلبين وتحقيق النفتاح العسكري في كل من ماليزيا وإندونيسيا والسودان والصومال وغيرها‬
‫لضمان امتداد المظلة العسكرية الميركية إلى معظم المناطق التي يتوقع انتشار تنظيم القاعدة فيها‪ ،‬مع‬
‫إعطاء الضوء الخضر لشارون لستخدام كل طاقات إسرائيل العسكرية ضد النتفاضة وتهديد المؤيدين لهذه‬
‫النتفاضة في المنطقة العربية سواء على الصعيد الشعبي أو الحكومي‪.‬‬
‫ج‪ -‬المجال القتصادي‬
‫تميزت الفترة السابقة لحداث ‪ 11‬سبتمبر‪ /‬أيلول بسيطرة نظام العولمة القتصادي والذي تقوم فلسفته‬
‫على الربح السريع واقتصاد السوق والهيمنة الشاملة للقوى القتصادية العظمى‪ ،‬فقد كشفت التقارير‬
‫القتصادية بأن حوالي ‪ %20‬من سكان العالم الذين يعيشون في الدول المتقدمة يسيطرون على حوالي‬
‫‪ %86‬من الستثمارات في حين يحصل حوالي ‪ %20‬من سكان العالم الذين يعيشون في الدول الكثر فقرا ً‬
‫على ‪ %1‬فقط من الستثمارات‪ ،‬وأن هناك ‪ 358‬شخصا ً من أغنياء العالم يملكون ثروة تضاهي ما يملكه ‪2.5‬‬
‫مليار شخص من الناس يشكلون ‪ %50‬من سكان العالم‪ ،‬وأن هناك ‪ %20‬من دول العالم تستحوذ على‬
‫‪ %85‬من الناتج الجمالي العالمي في حين هناك ‪ %80‬من سكان العالم يصنفون ضمن السكان الفائضين‬
‫عن الحاجة من الفقراء الذين يعتمدون على المساعدات‪ ،‬وظهر اتجاه واضح ضمن النظام الدولي الجديد نحو‬
‫تغيير وظيفة الدولة القتصادية خاصة في دول العالم الثالث فبدل ً من التركيز على تحقيق التنمية القتصادية‬
‫وعدالة توزيع الدخل أصبح التركيز على الصلح القتصادي الذي يعني زيادة نصيب القطاع الخاص على‬
‫حساب القطاع العام‪ ،‬وذلك في مختلف المجالت من استثمارات وتشغيل وإطلق آلية السوق لتحقيق‬
‫إنتاجية أكبر وتحقيق التوازن على المستوى الكلي‪.‬‬

‫وكان ينظر للوليات المتحدة باعتبارها القائدة لهذا النظام القتصادي العالمي القائم أساسا على العولمة‬
‫والخصخصة في الوقت نفسه وأن هذا النظام يعطي أهمية للشركات العملقة ومؤسسات التمويل الدولية‬
‫لدارة النظام القتصادي العالمي‪.‬‬
‫وجاءت أحداث ‪ 11‬سبتمبر‪/‬أيلول لتشكل نقطة فاصلة في تحدي نفوذ الوليات المتحدة بوصفها القوة‬
‫العظمى والعملق القتصادي المهيمن على النظام القتصادي العالمي وتعرضها لهجوم واسع استهدف رموز‬
‫عظمتها القتصادية‪.‬‬
‫وقد أدت تلك الحداث إلى زعزعة الثقة في القتصاد الميركي‪ ،‬وأدت إلى انهيارات في سوق السهم‬
‫والسندات الميركية وتراجع قيمة الدولر مقارنة بالعملت العالمية الخرى‪ ،‬وتزايد نسبة البطالة وإعلن بعض‬
‫الشركات عن إفلسها وما تبع ذلك من ظهور فضائح في ميزانيات الشركات الكبرى‪ .‬وقد قدرت قيمة‬
‫الخسائر المادية نتيجة تلك الهجمات على أميركا بأكثر من ‪ 60‬مليار دولر هذا بالضافة إلى الخسائر الناتجة‬
‫عن النفقات الخرى المتعلقة بالعمليات العسكرية اللحقة‪.‬‬
‫وتركزت جهود الوليات المتحدة في المجال القتصادي بعد تلك الحداث على تأمين النفقات العسكرية‬
‫للمجهودات الحربية الميركية وتقديم الدعم للدولة المؤيدة للجهود الميركية والتي تشمل باكستان ودول‬
‫آسيا الوسطى وحتى روسيا التي تحاول الحصول على مساعدات اقتصادية غربية كعائد لمساندة أميركا في‬
‫حربها على الرهاب‪ ،‬هذا بالضافة إلى بعض دول العالم العربي مثل الردن ومصر‪.‬‬
‫وفي الوقت نفسه تعاظمت الجهود الميركية لتقييد الدعم القتصادي للمنظمات "الرهابية" عبر تجميد‬
‫حسابات عدد من المنظمات والجمعيات والشخاص المتهمين بأن لهم علقات مالية بتنظيم القاعدة وغيرها‪،‬‬
‫وفرض نوع من القيود والرقابة على حركات الموال عبر العالم‪.‬‬
‫ونتيجة لذلك كله عانى القتصاد الميركي من التباطؤ في النمو وظهور المشاكل القتصادية على السطح بعد‬
‫تراجع حجم الستثمارات مما دفع الدولة الميركية للتوسع في مجال النفاق العام‪ ،‬خاصة المجال العسكري‬
‫وتصاعد التجاه نحو عسكرة القتصاد‪ ،‬وفتح المجال لسهام القطاع الخاص في الجهود الميركية لمكافحة‬
‫الرهاب لتنشيط العملية القتصادية‪.‬‬
‫الخاتمة‬
‫لقد أثبتت أحداث ‪ 11‬سبتمبر‪/‬أيلول ‪ 2001‬في الوليات المتحدة هشاشة النظام الدولي المعاصر‪ ،‬فبعد تحول‬
‫النظام إلى الحادية القطبية اعتقد الكثيرون بأن هذا النظام سيشهد فترة من السلم العالمي والتجاه نحو‬
‫تفعيل الشرعية الدولية وتسوية المنازعات بالطرق السلمية‪ ،‬لكن أحداث ‪ 11‬سبتمبر‪/‬أيلول كشفت عن‬
‫تحول الصراع في العلقات الدولية إلى صراع بين الدول العظمى وهي الوليات المتحدة وبين ظاهرة‬
‫الرهاب وهي ظاهرة غير محددة المعالم وليس لها وطن محدد‪ ،‬ولقد أظهرت الحداث بصورة جلية ضعف‬
‫النظام الدولي عن طريق تجاوز أميركا لطر هذا النظام وعدم العتماد على الشرعية الدولية في إدارتها‬
‫للصراع أو ترتيبها للنظام الدولي ولجوئها للقوة الساحقة في محاربة أعدائها أو تهديد مصالحهم‪.‬‬
‫وتشير التجاهات المستقبلية في النظام الدولي الجديد إلى عودة التركيز على سيادة الدولة‪ ،‬فبعد أن‬
‫اقتحمت سيادة الدولة وهددت من قبل المصالح والمنظمات العابرة للقارات والتكنولوجيا الحديثة‪ ،‬عادت‬
‫أميركا لتتراجع عن هذا التوجه وتسعى لعطاء الدولة على مستوى العالم دورا جديدا يتمثل أساسا ً في‬
‫مكافحة الرهاب وتأييد جهود الوليات المتحدة العسكرية والسياسية والثقافية في وقف التهديد للمصالح‬
‫الميركية على مستوى العالم حتى لو أدى ذلك إلى تجاوز حقوق النسان والحريات الممنوحة للمواطنين‬
‫سواء داخل الوليات المتحدة أو خارجها‪ ،‬وظهر اتجاه نحو التراجع عن مبدأ العولمة المبشر بالنفتاح على‬
‫الخرين وحصل انكفاء في الموقف الميركي يقوم على عدم الستعداد لقبول أي موقف أو فكر يرفض‬
‫الهيمنة الميركية مما سبب لها خلفات مع أصدقائها وحلفائها في العالم وهو ما يهدد استقرار النظام الدولي‬
‫الجديد‪.‬‬

‫مراحل النظام القتصادي الدولي‪ -‬العالمي الجديد‬
‫بقلم‪ :‬د‪ .‬معن النقري‬
‫نرى أن النظام القتصادي في العالم لم يصبح عالميًا إل في أواسط القرن العشرين مع إنشاء هيئة منظمة المم المتحدة ومنظماتها‬

‫المتخصصة العددية‪،‬‬
‫ومع اتفاقات بريتون وودز وإنشاء صندوق النقد الدولي والبنك العالمي وسكرتارية الغات لرعاية الركان الثلثة الرئيسة للنظام‬
‫القتصادي العالمي‪ :‬النقد والمال والتجارة ـ على التوالي‪ .‬وترافق ذلك كله مع تشّكل واستشراء الشركات فوق القومية‪ :‬متعددة‬
‫الجنسيات أو القوميات‪ ،‬ثم متعدية )أو عابرة( الجنسيات أو القوميات‪ ،‬وما لها من نشاطات وتأثيرات عالمية بعيدة المدى في جميع‬
‫ل اقتصادية وأكثر من اقتصادية‪.‬‬
‫المجالت‪ .‬إضافة إلى عمليات وظواهر أخرى عالمية فع ً‬
‫أما ما قبل منصف القرن العشرين فل نعّده أكثر من نظام اقتصادي دولي مرتكز إلى علقات اقتصادية دولية‪ /‬أممية )بين الدول والمم(‬
‫كانت قائمة قبلئٍذ أيضًا عشرات ومئات السنين‪.‬‬
‫ومنذ نهايات الستينيات وبدايات السبعينيات بدأت تشكلت النظام العالمي في القتصاد تشهد إرهاصات ولدة نظام اقتصادي كوكبي‪،‬‬
‫بما يعنيه ذلك من أشياء كثيرة ل تقتصر على التمدد الجغرافي اقتصاديًا على مستوى العالم في بنية الفعل القتصادي العالمي وآلياته‪،‬‬
‫بل وتشمل البعاد العالمية البيئية‪ /‬الطبيعية للرض )لكوكبنا( وجميع مكوناتها البشرية وغير البشرية‪ ،‬المجتمعية والطبيعية معًا‪ ،‬وما‬
‫عناه ذلك منذئٍذ من دخول اقتصادات البيئة والديمومة أو الستمرارية أو التنمية المستدامة ساحة الفعل القتصادي العالمي‪،‬‬
‫ومستجدات نوعية أخرى ل مجال للتفصيل فيها الن‪ .‬والمهم أن بدايات الثلث الخير من القرن العشرين شهدت توجهات إضافية نحو‬
‫ل‪ ،‬وبالتالي اتجاهه نحو كوكبة واضحة وصريحة ليزداد‪ ،‬اتسامًا والتصاقًا‬
‫عولمة النظام القتصادي الدولي والعالمي المرّكب القائم فع ً‬
‫بعلئم النظام القتصادي الكوكبي بصورة متسارعة على مدى عقود نهاية القرن العشرين‪.‬‬
‫وأما مرحلة التسعينيات فلم ُتضف أشياء مميزة ومعتبرة إلى توجهات العولمة والكوكبة التي بدأت وانطلقت قبل ذلك التاريخ‪ ،‬وكانت‬
‫سائرة بعناٍد واستمرارية لم ولن تغير فيها كثيرًا مواصفات النظمة الجتماعية التي تحول بعضها من الشتراكية إلى الرأسمالية‬
‫والليبرالية‪ .‬باختصار لدى الحديث عن نظام اقتصادي جديد يجب علينا التفريق جيدًا بين التسميات والمراحل الكبرى التالية‪ :‬النظام‬
‫الدولي ـ النظام العالمي ـ النظام الكوكبي‪.‬‬
‫في مجال القتصاد‪ ،‬والمحطة الرئيسة الكبرى هي منتصف القرن العشرين‪ :‬ما قبل وما بعد‪ .‬وكي يكون الكلم أكثر وضوحًا وصراحًة‬
‫فإننا نعّد الحديث عن نظام اقتصادي دولي جديد مؤديًا أساسًا إلى‪ ،‬أو مكافئًا للحديث عن‪ ،‬نظام اقتصادي عالمي‪ .‬كما أن الكلم على‬
‫نظام اقتصادي عالمي جديد يقود إلى‪ ،‬أو يكافئ‪ ،‬الكلم على نظام اقتصادي كوكبي‪ .‬ول مجال لعكس هذه المراحل‪ :‬إنها ل عكوسة بل‬
‫خطية‪ .‬أما ما نشهده من تسيب ومن ل مسؤولية مصطلحية وفكرية في الحديث عن نظام دولي تارة‪ ،‬في القتصاد‪ ،‬وعن نظام عالمي‬
‫تارة أخرى‪ ،‬بل تفريق ول تمييز ل من حيث الموضوع ول من حيث الزمن والتاريخ‪ ،‬فهو ما لن يقودنا إل إلى مزيد من الفوضى‬
‫والتخبط في الراء وفي الرؤى‪ ،‬وهو ما لن يساعدنا على حل أي إشكالية بصورة مقبولة ولئقة‪.‬‬
‫نورد هنا نموذجًا يقدمه د‪ .‬كريم نعمة النوري‪ +‬لما يتصوره ويسميه على أنه )المراحل التاريخية الرئيسية( التي مر بها )النظام‬
‫القتصادي العالمي الجديد(‪ :‬هكذا هو يسمي المور أيضًا بالتوثيق‪ .‬ومن البداية نستطيع العتراض على استخدام تسمية واحدة‬
‫مبسطة لمراحل عديدة من نظام ُيفتَرض أنه واحد أيضًا بل تمييز ول تدقيق‪ ،‬وليس هذا فحسب‪ ،‬بل والمسمى مرة بأنه عالمي وأخرى‬
‫بأنه دولي بل تفريق أيضًا بين دللت الكلمات‪ ،‬أو بالحرى بفرض ترادفها وتساويها دلليًا بصورة متعسفة وأينما كان!‬
‫يرى د‪ .‬كريم نعمة النوري أن مراحل هذا النظام هي أربعة وكما يلي‪:‬‬
‫ـ المرحلة الولى‪ :‬بدأت في منتصف القرن التاسع عشر حتى نهاية الحرب العالمية الولى‪.‬‬
‫ـ المرحلة الثانية‪ :‬من نهاية الحرب العالمية الثانية إلى عام ‪.1973‬‬
‫ـ المرحلة الثالثة‪ :‬من ‪ 1974‬إلى عام ‪.1990‬‬
‫ـ المرحلة الرابعة‪ :‬تمتد من ‪ 1991‬إلى الوقت الراهن‪.‬‬
‫هذا ما نجده في كتابه )آفاق العولمة في البلدان النامية( )ص ‪ 3‬ـ ‪) ،(6‬دار نشر أ‪ .‬تسينوف البلغارية‪ ،‬عام ‪ ،(2005‬منذ صفحات‬
‫الكتاب الولى )ص ‪ 3‬ـ ‪.(6‬‬
‫المرحلة الولى‪ :‬تميزت بتكامل المشروعات أفقيًا ورأسيًا‪ ،‬وبالهجرة من أوربا إلى دول العالم الخرى‪ ،‬وبانتقال الرساميل‪ .‬وكانت‬
‫بريطانيا المصدر الول للرساميل إذ أسهمت بـ ‪ %43‬من جملتها‪ ،‬تليها فرنسا التي أسهمت بخمسها‪..‬إلخ‪.‬‬
‫المرحلة الثانية‪ :‬وشهدت كما سبق أن بيّنا ولدة مجموعة كبرى من الهيئات والمنظمات والمؤسسات الدولية ـ الشاملة )هكذا نسميها‬
‫بمعنى عالمية أو ما يشبه ذلك م‪.‬ن(‪ ،‬أما د‪ .‬النوري فيلفت النتباه أيضًا إلى تطور مفهوم التكامل القتصادي الدولي في هذه المرحلة‬
‫باعتباره من المفاهيم الحديثة في ذلك الحين التي كان )فاينر( سباقًا إلى استخدامها عام ‪ ،1950‬بمعنى تقوية العلقات القتصادية في‬
‫المجالت التجارية والنقدية والمالية‪ ،‬إضافة إلى المجال السياسي خدمة للقتصاد‪.‬‬
‫ويرى د‪ .‬النوري أن هذه المرحلة شهدت )البداية الحقيقية لتكوين النظام القتصادي العالمي( )ص ‪ ،(4‬وهو محق تمامًا في ذلك لو أنه‬
‫ل أو وعاه حقًا باستنطاق الدللة الفعلية لكلمة العالمي واللتزام بها وتمييزها عن كلمة الدولي ودللتها‪ ،‬وهذا ما ل‬
‫عنى ما يقول فع ً‬
‫يتقيد به لحقًا للسف‪.‬‬
‫المرحلة الثالثة‪ :‬وهي التي شهدت أكثر ما شهدت مطالبات ومساعي وإجراءات لتشكيل وإنشاء نظام اقتصادي دولي جديد‪ ،‬وخصوصًا‬
‫من جانب دول عدم النحياز والبلدان النامية إجماًل‪ ،‬ولقيت طروح كهذه تجاوبًا من هيئة المم المتحدة وجمعيتها العامة بإقرار‬
‫وثيقتي‪:‬‬
‫أ ـ إعلن بشأن إقامة نظام اقتصادي دولي جديد‪.‬‬
‫ب ـ برنامج عمل لقامة نظام اقتصادي دولي جديد‪) .‬ص ‪.(6‬‬
‫ل د‪ .‬النوري م‪،‬ن(‪.‬‬
‫)أميز هنا كلمة عالمي عن كلمة دولي في المرحلة السابقة‪ ،‬تمامًا كما أوردهما وسماهما أص ً‬
‫وهي مرحلة تميزت بسياسات القتصاد الحر وتغليب آليات السوق وتبني برامج موسعة للخصخصة والتخلي عن التخطيط المركزي‬
‫ل وفعليًا الوامري‪ :‬القتصاد الوامري م‪.‬ن(‪ ،‬وإزالة القيود والحواجز أمام‬
‫والقتصاد القيادي‪) .‬هكذا يسميه‪) :‬القيادي(‪ ،‬والمقصود أص ً‬
‫حركة التجارة الدولية وانتقالت الرساميل والستثمارات وإنشاء التكتلت القتصادية‪ ،‬وبالتالي )زيادة التجاه‪ ،‬نحو عولمة القتصاد‬

‫العالمي(‪) .‬ص ‪ .(6‬لقد بدأت ظاهرة العولمة في النتشار وعلى جميع الصعدة والمستويات‪ .‬ومن أهم خصائص النظام القتصادي‬
‫الدولي الجديد )الدولي‪ ،‬وليس العالمي يقول د‪ .‬النوري‪ ،‬وهنا التخبط مجددًا م‪.‬ن( هو التطور المستمر للقتصاد نحو العولمة‪.‬‬
‫وكما نلحظ تضيع منهجية التفريق بين الدولي والعالمي‪ :‬فأي منهما يكون سابقًا تارة ويكون لحقًا تارة أخرى‪ ،‬مع فقدان المعيار‪،‬‬
‫ل ممنهجًا متماسكًا منذ البداية لهذا كله‬
‫ومع التخبط المصطلحي والفكري بالتالي‪ .‬وكنا قدمنا بدي ً‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful