‫الماركسية‬

‫الماركسية مصطلح يدخل في علم الجتماع و القتصاد السياسي و الفلسفة ‪ ،‬سميت بالماركسية نسبة‬
‫لمنظسر الماركسسية الول كارل ماركسس ‪ ،‬وهسو فيلسسوف ألمانسي ‪ ،‬و عالم اقتصساد ‪ ،‬صسحفي وثوري‬
‫أسس نظرية الشيوعية العليمية بالشتراك مع فريدريك إنجلز و هما من معلمي الشيوعية فقد كان‬
‫الثنان اشتراكيان بالتفك ير ‪ ،‬ل كن مع وجود الكث ير من الحزاب الشتراك ية ‪ ،‬تفرد مار كس و أنجلس‬
‫بالتوصل إلى الشتراكية كتطور حتمي للبشرية ‪ ،‬و فق المنطق الجدلي و بأدوات ثورية فكانت مجمل‬
‫أعمال كل من كارل ماركس و فريدريك أنجلس تحت تحت اسم واحد و هو الماركسية أو الشيوعية‬
‫العلمية‬

‫اقسام الماركسية‬
‫وتنقسم الماركسية إلى ثلثة أقسام أساسية ‪:‬‬
‫•إقتصاد سياسي ماركسي‪.‬‬
‫•الشيوعية العلمية‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫و كان كارل ماركس و فريدريك أنجلس قد قاما ببناء الماركسية من خلل نقد و إعادة قراءة كل من ‪:‬‬
‫‪ -1‬الفلسفة اللمانية ‪ :‬فقد إهتم بالفلسفة الكلسيكية اللمانية وخاصة مذهب "هيغل " الجدلي ‪ ،‬و مذهب فيورباخ‬
‫المادي ‪ ،‬و نقد المذهبين ليخرج بمذهبه الفلسفي و هو المادية الجدلية "الدياليكتيكية "‬
‫‪ -2‬القتصاد السياسي النجليزي‪ :‬وخاصة للمفكر آدم سميث والنموذج القتصادي لديفيد ريكاردو ‪ ،‬حيث قام بنقد‬
‫القتصاد وفق المنطق الجدلي و قدم القتصاد السياسي الماركسي‬
‫‪ -3‬تأثر ماركس بالشتراكية الفرنسية في القرن التاسع عشر ‪:‬لنها كانت تمثل أعلى درجات النضال الحاسم ضد كل‬
‫نفايات القرون الوسطى وأهمها القطاعية ‪ ،‬و قدم اشتراكيته العلمية و التي هي تمثل تغير ثوري و حتمي للمجتمع بفعل‬
‫تناقضات الرأسمالية و لم تعد الشتراكية حلما طوباويا بل قدم اشتراكية علمية ‪.‬‬

‫كارل ماركس‬
‫كارل ماركس (‪ 5‬مايو ‪ 1818‬إلى ‪ 14‬مارس ‪ .)1883‬فيلسوف الماني‪ ،‬سياسي‪ ،‬وصحفي ‪،‬ومنظّر اجتماعي‪ .‬قام بتأليف‬
‫العد يد من المؤلفات ال ان نظري ته المتعل قة بالرأ سمالية وتعارض ها مع مبدأ اجور العمال هو ما أك سبه شهرة عالم ية‪.‬‬
‫لذلك يعتسبر مؤسسس الفلسسفة الماركسسية ‪ ،‬و يعتسبر مسع صسديقه فريدريسك إنجلز المنظريسن الرسسميين السساسيين للفكسر‬
‫الشيوعي‪.‬‬
‫شكل وقدم مع صديقه فريدريك إنجلز ما يدعى اليوم بالشتراكية العلمية‪ ( .‬الشيوعية المعاصرة ) ‪.‬‬
‫ولد مار كس بمدي نة (تر ير) في ول ية (رينان يا) اللمان ية عام ‪1818‬م والت حق بجام عة بون عام ‪ 1833‬لدرا سة القانون‪.‬‬
‫أظ هر مار كس اهتماما بالفل سفة ر غم معار ضة والده الذي أراد لمار كس ان ي صبح محاميا‪ .‬وقام مار كس بتقد يم ر سالة‬
‫الدكتوراة في الفلسفة عام ‪ 1840‬وحاز على شهادة الدكتوراة‪.‬‬
‫وصفه أحد أصدقائه بأنه عريض المنكبين واسع الجبهة كثيف الشعر وداكن إلى حد الزرقة‪ .‬كان حيويا نشيطا ل يهدأ له‬
‫بال ل ينام إل أربع ساعات في النهار‪.‬‬

‫بداياته‬
‫في عام ‪ 1842‬وبعسد كتابتسه لمقالتسه الولى لمجلة ( ‪ ) Rheninshe Zeitung‬في مدينسة كولونيسا ‪..‬أصسبح مسن طاقسم‬
‫التحرير‪.‬‬
‫كتابا ته في هذه المجلة وبش كل نا قد لو ضع ال سياسة والوضاع الجتماع ية المترد ية المعا صرة لذلك الو قت ورط ته في‬
‫مناقشات حامية مع رؤوساء التحرير والمؤلفين‪ .‬وفي عام ‪ 1843‬ماركس كان قد أجبر على إلغاء أحد نشراته وسرعان‬
‫ما تم ا صدار قرار بإغلق ال صحيفة ومنع ها من الن شر‪.‬انت قل مار كس من ألمان يا إلى بار يس وهناك دأب على قراءة‬
‫الفلسفة والتاريخ والعلوم السياسية وتبنى الفكر الشيوعي‪.‬في عام ‪ 1844‬وعندما زاره صديقه فريدريك إنجلز في باريس‬
‫وبعد عدة مناقشات مع بعضهما البعض وجد الصديقان بأنهما قد توصل إلى أفكار متطابقة ‪ %100‬حول طبيعة المشاكل‬
‫الثور ية وبش كل م ستقل عن بعضه ما الب عض ‪.‬ونتي جة لهذا التوا فق بينه ما عمل م عا وتعاو نا لتف سير أ سس ومبادىء‬
‫نظريات الشيوع ية والع مل على د فع الطب قة العاملة (والبرجواز ية ال صغيرة الديمقراط ية) لتع مل وتتفا نى من أ جل تلك‬
‫المبادىء‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫عاش كارل ماركس في القرن التاسع عشر؛ وهي فترة ات سمت بانتشار الرأ سمالية الصناعية من خلل تشك يل الطبقات‬
‫العماليسة الوروبيسة وأولى صسراعاتها الكسبرى‪ .‬وهذا العالم هسو الذي حاول ماركسس التفكيسر فيسه مسن خلل اعتماد عدة‬
‫مكتسبات نظرية‪:‬‬
‫•الفل سفة اللمانية وبخا صة فل سفة هي جل (‪ )1770-1891‬ال تي ا ستخلص من ها فكرة جدلية التاريخ الكو ني‬
‫الذي تهيمن عليه التناقضات التي تقوده نحو مآل نهائي‪.‬‬
‫•القتصساد السسياسي النجليزي الذي يشكسل كسل مسن آدم سسميث (‪ )1723-1790‬و د‪ .‬ريكاردو (‪-1823‬‬
‫‪ )1772‬ومالتوس (‪ )1770-1834‬أبرز وجوهه‪.‬‬
‫•الشتراكية " الطوباوية " الفرنسية ( سان سيمون‪،‬فورييه‪،‬كابي) ومعاصرو ماركس (برودون‪،‬بلنكي) الذين‬
‫دخل معهم ماركس في سجال‪.‬‬
‫•المؤرخون الفرنسيون الذين حللوا المجتمع بحدود صراع الطبقات الجتماعية‪.‬‬

‫نقد الرأسمالية‬
‫لقد تبنى ماركس منظورا ديناميا وصراعيا للرأسمالية‪.‬ومنها‪ :‬نظرية الستغلل وفائض القيمة‪:‬‬
‫يبدو العالم الحديسث كتراكسم للبضائع ‪ ،‬وتأتسي قيمسة هذه البضائع مسن العمسل النسساني الذي هسو متضمسن فسي البضاعسة‬
‫( نظرية القيمة س العمل مستعارة من د‪ .‬ريكاردو)‪ .‬إن العمل بدوره بضاعة تمتلك سمة خاصة‪ :‬فهو ينتج قيمة أعلى‬
‫من ثمن شرائه‪ .‬وبالف عل؛ فالرأ سمالية ل تشتري كل العمل المبذول من طرف البروليتاري‪ ،‬ولكنها ل تؤدي له إل ثمن‬
‫قوة عمله ( ما يكفيه للع يش )‪ ،‬والفارق القي مي في ما ب ين قوة العمل والع مل المن جز يش كل فائض القيمة الذي هو من بع‬
‫الرأسمال‪ .‬إن الرأسمال يخلق ذاته ويعيد خلقها باستمرار داخل علقة الستغلل الجتماعية هاته‪.‬‬
‫قوانين تطور الرأسمالية‪ :‬تقود المنافسة الرأسمالي لمراكمة رأس المال؛ أي إلى استثمار جزء من الربح في تحسين أداته‬
‫النتاجية‪ .‬ومن قانون التراكم هذا استنتج ماركس عدة اتجاهات للتطور‪:‬‬
‫اتجاه أك ثر فأك ثر تعاظما نحو مكننة النتاج؛ تمر كز رأس المال نا جم عن نمو كل مقاولة على حدة وتمر كز المقاولت‬
‫في أيدي حفنة قليلة العدد من أقوى الرأسماليين ؛ تزايد البطالة والنخفاض النسبي للجور الذي تصوره ماركس كعاقبة‬
‫للتراكم فاللت التي تنحو نحو تعويض البشر والمشكلة بذلك ل" جيش صناعي احتياطي " ينزع حضوره نحو ممارسة‬
‫ض غط يؤدي إلى تخف يض الجور ‪ .‬ويبدو هذا التفق ير المتعا ظم ك" قانون عام للقت صاد الرأ سمالي " ؛ قانون النخفاض‬
‫النزوعي لمعدلت الربح يتأتى من تزايد الرأسمال الثابت (اللت) مقارنة بالرأسمال المتغير (الجور) ؛ الربح (فائض‬
‫القي مة) المتأ تي ف قط من الع مل الن ساني (ح سب نظر ية القي مة س الع مل) ؛ النخفاض الن سبي لعدد المأجور ين مقار نة‬
‫باللت يقود نحو انخفاض معدل الربح ‪ .‬غير أن التفقير يقود نحو ثورة الجماهير ؛ فهنا يفرد المنطق القتصادي مكانا‬
‫لمن طق اجتما عي ‪ :‬يتم ثل في ثورة المقموع ين ضد النظام ‪ .‬ميكانيزم الزمات‪ .‬لي ست هناك لدى مار كس نظر ية ناجزة‬
‫ومكتملة بخصسوص الزمات ‪ .‬السستغلل وتمركسز رأس المال الثابست (اللت) يقودان نحسو تعاظسم ل ينتهسي لقدرات‬
‫النتاج على ح ساب إمكانيات الستهلك ( عبر المداخ يل الموزعة) ‪ ،‬و من ثمة أزمات فيض النتاج ال تي ل ت ني تحدث‬
‫وال تي ت سم الرأ سمالية بش كل دوري ‪ .‬وقد اعت قد مار كس أن هذه الزمات من شأن ها أن تتفا قم عبر الزمن حتى ت صبح‬
‫أزمات ل تطاق‪.‬‬
‫المادية التاريخية أولوية النتاج إن أساس المجتمع يقيم في النتاج ؛ في العمل الذي ينتج النسان من خلله ذاته وينتج‬
‫المجتمع ‪ .‬إن وسائل النتاج الم سماة " القوى المنتجة " والعلقات التي تنشأ حول العمل (" علقات النتاج ") يشكلن "‬
‫عالم النتاج " الخاص بكسل مجتمسع ‪ ،‬ولقسد تعاقبست خلل التاريسخ عديسد مسن أنماط النتاج ( القديمسة ‪ ،‬السسيوية ‪،‬‬
‫القطاعيسة ‪ ،‬الرأسسمسالية )‪ .‬البنيسة القتصسادية التحتيسة والبنيات الفوقيسة إن البنيات الفوقيسة السسياسية ‪ ،‬القانونيسة‬
‫واليديولوجية تنبني على قاعدة النتاج ‪ .‬إذن يجب النطلق من القاعدة القتصادية لفهم تطور مجتمع معطى ‪.‬‬
‫تقسيم الشغل وصراع الطبقات يؤدي تقسيم الشغل أيضا نحو انفصال الناس عن بعضهم ونحو تكون الطبقات وصراعها‬
‫‪ .‬إن صراع الطبقات الجتماع ية المتعاد ية والمت صارعة من أ جل ال سيطرة على النتاج هو محرك التار يخ في إطار‬
‫‪3‬‬

‫النظام الرأ سمالي ‪ .‬سوسيولوجيا الطبقات والدولة نظر ية الطبقات الجتماع ية غال با ما اع تبر أن البيان الشيو عي الذي‬
‫يصرح فيه ماركس بأن ل توجد إل طبقتان أساسيتان متعارضا مع " صراع الطبقات في فرنسا " الذي يصف فيه سبع‬
‫طبقات وشرائح من الطبقات المختل فة ‪ .‬وبالفعل ليس هناك تناقض ؛ فلم تكن لهذ ين التأويلين ن فس الوضعية ؛ ف ما كان‬
‫يشغل بال ماركس في البيان ( وعلينا أن ل ننسى أنه نص دعسسسائي )كان هو تحليل الصراع الذي يضع في المجتمع‬
‫الرأسمالي طبقتان أساسيتان متواجهتان ( حاملتان لمشروع تاريخي ) ‪ :‬البورجوازية والبروليتاريا ‪.‬‬
‫وي جب أن يؤدي هذا ال صراع إلى الثورة إذا ما عرف العمال ك يف يتنظمون في حزب يم كن من الطا حة بالمجت مع‬
‫البورجوازي ‪ .‬إن " صراع الطبقات في فرنسا " يريد أن يكون تحليل أمبريقيا لحركة تاريخية خاصة ‪ ،‬وماركس يصف‬
‫بد قة شرائح طبق ية وروابط ها وك يف تنت ظم حول طبقت ين أ ساسيتين ‪ .‬ي جب إذن أن نم يز ع ند ا ستعمال مفهوم الطب قة‬
‫النظرية الدينامية للطبقات ( التي تنتظم حول قطبين اثنين ) والتحليل الوصفي الذي يهتم بتركيب الجماعات الجتماعية ‪:‬‬
‫ببنيت ها وتطور ها و سلوكها ‪ .‬نظريةالدولةواليديولوجيات ن جد لدى مار كس نظر ية للدولة (مت صورة بو صفها أداة سلطة‬
‫فسي خدمسة الطبقسة المهيمنسة) ولليديولوجيات ( كتعسبير عسن مصسالح طبقيسة معينسة ) وللسستلب ( كتقديسس أعمسى‬
‫للبضاعة ) ‪ ،‬وللدين ( " كأفيون الشعوب " ) ‪ .. ،‬الخ ‪.‬‬

‫البيان الشيوعي‬
‫في عام ‪ 1845‬مار كس كان قد أ جبر على مغادرة فرن سا ب سبب نشاطا ته الثور ية وكان قد ا ستقر في بروك سل ولحق ته‬
‫زوج ته وأطفال ها إلى هناك و ساعده صديقه انغلس الذي كان أبوه برجواز يا على شراء منزل والذي تحول في ما ب عد إلى‬
‫مركز للتصال والجتماع بالشبكات العمالية الثورية‪.‬‬

‫عصبة الشيوعيون‬
‫في عام ‪ 1847‬اجت مع الشيوعيون ليؤ سسوا ع صبتهم وفوض مار كس وانغلس ليشكلوا مبادىء هذه الع صبة وبرنامج ها‬
‫المت بع وكان هذا البرنا مج قد عرف في ما ب عد ب ( بيان الشيوع ية ح يث و ضع ف يه مار كس جو هر أفكاره وأ سس الع مل‬
‫على تحقيقها ) وكانت عصبة الشيوعيون قد قامت على أنقاض جماعة رابطة العادلين في فرنسا والتي كانت ل تؤمن‬
‫بضرورة الثورة والستيلء على السلطة وكان شعارها ( الناس كلهم أخوة ) طبعا أقنع ماركس أعضائها بأنهم يحلمون‬
‫بعالم وردي واستبدل الشعار إلى أن صار ( يا عمال العالم اتحدوا )‬
‫البيان الشيوعي كان يمهد لعقيدة الشتراكية العلمية ويجسد المادية التاريخية بعيدا عن الكنيسة أو الدين ( باعتقاد ماركس‬
‫الدين أفيون الشعوب ) أو الطائفية المهنية‪ .‬وكان ذلك قد أخرج صراحة في تعليقه ونقده للقتصاد السياسي ( كتاب ) في‬
‫عام ‪. 1858‬‬
‫إن أسس وجوهر البيان الشيوعي تقوم على افتراض أن منذ فجر النسانية وحتى اليوم كانت العلقة علقة صراع بين‬
‫المُ ستغِل والمُ ستغَل ‪..‬ب ين المالك وب ين العا مل ‪..‬ب ين الطالب وب ين ال ستاذ ‪...‬ب ين الفلح وب ين القطا عي‪...‬ا ستغلل‬
‫الن سان للن سان وأ مة ل مة‪ .‬وكا نت الغل بة تنت هي إ ما لحداه ما أو ب سقوطهما م عا‪.‬وطب عا غل بة أي منه ما تحدد طبي عة‬
‫القت صاد القائم‪ .‬وعلى افتراض بأن تف كك القطاع ية كان من نتي جة تعفن ها واعاقت ها للبرجواز ية ‪...‬فإن المن طق يفرض‬
‫حتما بأن مستوى تطور الطبقة البرجوازية ( النتاج الكبير ) سيصل بها إلى حد ل تستطيع فيه التقدم‪.‬‬
‫وعند ها ستقوم البروليتار ية ب سحق هذه الطب قة ( البرجواز ية ) ور فع الجور والظلم عن الطب قة العاملة ( البروليتار يا )‬
‫وعندها يتحقق المجتمع الشيوعي حيث تنتفي فيه الملكية الخاصة (وليس الملكية الشخصية ) ‪..‬حيث الملكية الخاصة هي‬
‫النات جة عن ا ستغلل العمال وأ خذ ما ينت جه من القي مة المضا فة دون أد نى ج هد يذ كر من ق بل الرأ سمالي‪..‬أ ما الملك ية‬
‫الشخصية هي ما تحصل عليه نتجية القيام بعمل‪.‬‬

‫النفي السياسي‬
‫في عام ‪ 1848‬قامت الثورة في فرن سا والمان يا‪ .‬وخا فت الحكومة البلجيكية من امتداد الثورة إليه وقامت بنفي مار كس‬
‫الذي ذ هب أول إلى بار يس ثم كولون يا وقام بتأ سيس صحيفة جديدة دع يت ‪ Neue Rheinishe Zeitung‬تيم نا بتلك‬
‫المجلة ال تي كان يع مل ب ها في البدا ية وان ضم إلى أعمال ثور ية هناك ودأب على تنظيم ها ‪ ،‬في عام ‪ 1849‬تم اعتقاله‬
‫‪4‬‬

‫وحوكم في كولونيا بتهمة التحريض على التمرد العسكري ‪..‬ثم تمت تبرئته ونفيه من ألمانيا وتم إيقاف مجلته الجديدة‬
‫التي كان هو رئيس تحريرها‪.‬‬
‫في عام ‪ ،1848‬شهدت أورو با ثورة عند ما قا مت الطب قة العاملة في فرن سا بال سيطرة على ال سلطة من الملك لو يس‪.‬‬
‫وقا مت الحكو مة الثور ية با ستدعاء مار كس للبقاء في فرن سا بعد ما طرد ته حكومات فرن سية سابقة‪ .‬وعند ما أفلت شعلة‬
‫الحكو مة الثور ية الفرن سية في عام ‪ ،1849‬انت قل مار كس للع يش في لندن وقام بكتا بة الكث ير من المؤلفات ال تي تع نى‬
‫بالسياسة و القتصاد‪ .‬كما عمل كمراسل اوروبي لصحيفة "نيويورك تربيون" من موقعه في أوروبا و خلل هذه الفترة‬
‫كان قد قام بعدد من العمال وصنفت على أنها كلسيكيات النظرية الشيوعية‪.‬‬
‫وتضمن هذا كتابه الروع ( رأس المال ) في أجزائه الثلثة والذي نشره انغلس عام ‪ 1885‬بعد وفاة ماركس حيث كان‬
‫عبارة عن مخطوطات وكرا سات من الملحظات وتضم نت تحليل للنظام الرأ سمالي والذي يبين ف يه ك يف أن التطور‬
‫وا ستغلل العمال ي تم ب كل ب ساطة عن طرق أ خذ القي مة المضا فة—( القي مة المضا فة هي القي مة ال تي تن تج عن طر يق‬
‫العمسل على الشيسء‪ -‬مسن القطسن فسي الحقسل إلى قماش فا خر ‪..‬مسن دولر إلى ‪ 100‬دولر وهسي ل تشتمسل على أجور‬
‫التكلفة او الصيانة ‪..‬أي ليس لها علقة بأجر الصيانة أو كلفة العمل وهي ليست الربح ‪...‬في ذلك الوقت لم يكن هناك‬
‫تكنولوجيا ‪...‬حاليا القيمة المضافة تنتجها اللت الحديثة ويأخذها أصحاب وسائل النتاج)‪.‬‬
‫وكان ع مل مار كس التالي هو عن المجلس الوط ني الفرن سي ‪( 1871‬كومون فرن سا كتاب الحرب الهل ية الفرن سية ‪.‬‬
‫حيث حلل خبرة هذا المجلس الثورية والتي شكلت في باريس خلل حرب فرانكو بروسيان ‪ .‬ومن خلل هذا العمل قام‬
‫ماركسس بترجمسة شكسل ووجود هذا المجلس على برهان وتأكيسد تاريخسي حتمسي لنظريتسه‪ .‬بأن مسن الضرورة الهامسة‬
‫والقصوة للعمال بأخذ زمام الحكم والوصول إلى قمة المراتب السياسية بتمرد مسلح‪ .‬وبعدها العمل على تدمير السس‬
‫ال تي تقوم علي ها الطب قة الرأ سمالية‪ .‬وو ضح مار كس بأ نه ما ب ين الشيوع ية والرأ سمالية ت قع تلك الفترة ال تي تع مل على‬
‫تهيئة التحول الثوري وهذا التحول الذي سسيشمل المناصسب السسياسية سستؤدي إلى حدوث دكتاتوريسة الطبقسة العاملة‬
‫( البروليتاريا )‪.‬‬

‫السنوات الخيرة‬
‫عند ما تم حل ع صبة الشيوعي ين في عام ‪ 1852‬مار كس ا ستمر بمرا سلة مئات الثوري ين بهدف تشك يل منظ مة جديدة‪.‬‬
‫وهذه الجهود قد بل غت ذروت ها في عام ‪ 1864‬عندم تشك يل ( مجلس المم ية ) و سرعان ما بدأ الع مل مع رفا قه على‬
‫تشكيل أسسه ومبادئه وبرنامجه السياسي ولكن بعضا من أعضائه والذين كانوا قد أخمدت الرغبة الشيوعية فيهم كانوا قد‬
‫رفضوا إنشاءه وهنا كان قد اقترح ماركس نقل مركز ( مجلس الممية ) إلى الوليات المتحدة‪.‬‬
‫سنواته الثمانية الخيرة كانت صراعا حقيقيا مع المرض والتي أعاقته عن طموحاته وأهدافه ومع ذلك كان بعد وفاته قد‬
‫و جد بع ضا من الملحظات ال تي تم تجميع ها واعادة نشر ها كمجلد را بع لكتاب رأس المال ( مار كس ر بط تكون رأس‬
‫المال بالقيمة المضافة الناتجة عن علقات الناج ولم يجعله يقتصر على حالة تراكمية جامدة)‪.‬‬

‫سيرة حياة ماركس‬
‫كارل ماركس ‪1883–1818‬‬
‫مؤسس الشيوعية العلمية وفلسفة المادية الجدلية والمادية التاريخية والقتصاد السياسي العلمي‪ ،‬وزعيم ومعلم البروليتاريا‬
‫العالم ية‪ .‬ولد في تري يف ح يث أن هى المدر سة الثانو ية في عام ‪ ،1830‬وب عد ذلك الت حق بجام عة بون ثم جام عة برل ين‪.‬‬
‫وفي ذلك الوقت كانت نظرته العامة للعالم قد بدأت تتسشكل‪ .‬وقد ترك التجاه اليساري في فلسفة هيغل أثره على تطور‬
‫ماركس الروحي‪ .‬لقد تمسك ماركس بالفكار الديمقراطية الثورية فاتخذ موقفا يساريا متطرفا بين الهيغليين الشبان‪ .‬وفي‬
‫مؤل فه الول الذي كان رسالته في نيل درجة دكتوراه في الفلسفة « الختلف بين فلسفة ديموقريطس الطبيعية وفلسفة‬
‫أبيقور الطبيعية » (‪ ،)1841‬يخرج ماركس من فلسفة هيغل – رغم مثاليته – بنتائج جذرية وإلحادية للغاية‪.‬‬

‫‪5‬‬

‫و في عام ‪ 1842‬أ صبح مار كس عضوا في هيئة تحر ير صحيفة « راين يش ت سايتونغ » ثم أ صبح في ما ب عد رئ يس‬
‫تحرير ها‪ .‬و قد حول مار كس ال صحيفة إلى أداة للديمقراط ية الثور ية‪ .‬وخلل نشا طه العل مي وأبحا ثه النظر ية‪ ،‬ا صطدم‬
‫مار كس مباشرة بالفل سفة الهيغل ية‪ ،‬ب سبب اتجاهات ها التوفيق ية ونتائج ها ال سياسية المحاف ظة‪ ،‬ول سبب التفاوت ب ين مبادئ ها‬
‫والعلقات الجتماعية الفعلية‪ ،‬ومهام تحويل هذه العلقات‪ .‬وفي هذا الصدام مع هيغل والهيغليين الشبان تحول ماركس‬
‫إلى الموقف المادي‪ ،‬ولعبت معرفته بالتطورات القتصادية الحقيقية وفلسفة فيورباخ الدور الحاسم في عملية تحوله‪.‬‬
‫وحدثت ثورة نهائية في نظرة ماركس العامة للعالم نتيجة لتغير في موقفه الطبقي‪ ،‬وانتقاله من الديمقراطية الثورية إلى‬
‫الشيوع ية الثور ية (‪ .)1844‬و قد ن تج هذا النتقال عن تطور ال صراع الطب قي في أور با (و قد تأ ثر مار كس تأثرا كبيرا‬
‫بالثورة السيليزية التي وقعت في ألمانيا عام ‪ ،)1844‬وعن اشتراكه في الصراع الثوري في باريس التي كان قد هاجر‬
‫إلي ها ب عد أن أغل قت صحيفته « راين يش ت سايتونغ » (‪ ،)1843‬و عن درا سته للقت صاد ال سياسي والشتراك ية الخيال ية‬
‫والتاريخ‪ .‬وقد عبر عن موقفه الجديد في مقالين نشرا (‪ )1844‬بعنوان « في نقد فلسفة الحقوق عند هيغل » هنا يكشف‬
‫مار كس لول مرة الدور التاري خي للبروليتار يا وي صل إلى النتي جة القائلة بحتم ية الثورة الجتماع ية‪ ،‬وضرورة توح يد‬
‫حركة الطبقة العاملة مع نظرة عامة علمية إلى العالم‪.‬‬
‫وفي ذلك الوقت كان التقى ماركس وانجلز وبدآ يصوغان بطريقة منهجية نظرة جديدة للعالم‪ .‬وقد عُممت نتائج البحث‬
‫العلمسي والمبادئ السساسية للنظرة الجديدة فسي المؤلفات التاليسة « المخطوطات القتصسادية والفلسسفية » (‪– )1844‬‬
‫« العائلة المقد سة » (‪ « – )1845‬اليديولوج يا اللمان ية » (‪ )1846–1845‬و قد كت به مار كس بالشتراك مع انجلز –‬
‫« أطروحات حول فيورباخ » (‪ .)1845‬وأول كتاب فسي الماركسسية الناضجسة « بؤس الفلسسفة » (‪ )1847‬وتشكلت‬
‫الماركسية كعلم متكامل يع كس وحدة كل الجزاء المكونة ل ها‪ .‬و في عام ‪ 1847‬كان ماركس يع يش في بروك سل ح يث‬
‫انضم إلى جمعية دعائية سرية كانت تسمى عصبة الشيوعيين‪ ،‬وقام بدور نشط في المؤتمر الثاني للعصبة‪.‬‬
‫ووضسع ماركسس وانجلز – بناء على طلب المؤتمسر – « بيان الحزب الشيوعسي » (‪ )1848‬وفيسه اسستكمال توضيسح‬
‫المارك سية‪ .‬إن هذا المؤلف « ي ضع الخطوط العري ضة لت صور جد يد للعالم‪ ،‬هو الماد ية المتما سكة‪ ،‬و هو ت صور ي ضم‬
‫أيضا مجال الحياة الجتماعية والجدل‪ ،‬باعتباره أك ثر نظريات التطور شمولً وعمقا‪ ،‬ونظرية صراع الطبقات‪ ،‬ونظرية‬
‫الدور الثوري التاريخي العالمي للبروليتاريا – خالقة المجتمع الشيوعي الجديد » (لينين)‪.‬‬
‫إن المادية الجدلية والتاريخية فلسفة علمية على الحقيقة – تمتزج فيها امتزاجا عضويا المادية والجدل‪ ،‬الفهم التاريخي‬
‫للطبي عة والمجت مع‪ ،‬التعال يم عن الوجود والمعر فة النظر ية والممار سة‪ .‬و قد ج عل هذا في المكان التغلب على الطبي عة‬
‫الميتافيزيق ية لماد ية ما ق بل المارك سية والتأ مل الملزم ل ها‪ ،‬واعتبار ها الن سان مركزا للكون وفهم ها المثالي للتار يخ‪.‬‬
‫وفلسفة ماركس هي أكثر المناهج كغاية لدراك العالم وتغييره‪ .‬وقد أثبت تطور التطبيق والعلم في القرنين التاسع عشر‬
‫والعشرين – بطريقة مقنعة – تفوق الماركسية على كل أشكال المثالية والمادية الميتافيزيقية‪.‬‬
‫وقد زاد مذهب مار كس قوة باعتباره الشكل الوحيد لليديولوجية البروليتارية خلل النضال ضد جميع أنواع التيارات‬
‫غيسر العلميسة المناهضسة للبروليتاريسا‪ ،‬والبورجوازيسة الصسغيرة‪ .‬ويتميسز نشاط ماركسس بالتشيسع (للطبقسة العملة)‪ ،‬وعدم‬
‫السستعداد للمصسالحة مسع أي انحراف عسن النظريسة العلميسة‪ .‬وقسد اشترك ماركسس بدور فعال فسي النضال التحرري‬
‫للبروليتار يا‪ .‬فخلل ثورة ‪ 1849–1848‬في ألمان يا كان في مقد مة النضال ال سياسي‪ ،‬ودا فع دفا عا حاز ما عن مو قف‬
‫البروليتاريا بصفته رئيسا لتحرير الصحيفة التي أسسها‪ .‬وعندما نفي من ألمانيا في عام ‪ 1849‬استقر مؤقتا في لندن‪.‬‬
‫وب عد حل ع صبة الشيوعي ين (‪ )1852‬وا صل مار كس نشا طه في الحر كة البروليتار ية عامل من أ جل خلق « المم ية‬
‫الولى » (‪ )1864‬وكان نشي طا في هذا التنظ يم‪ ،‬وكان يتا بع عن ك ثب تقدم الحر كة الثور ية في جم يع البلدان‪ ،‬وأبدى‬
‫اهتماما خاصا بروسيا‪ .‬وقد ظل ماركس حتى آخر يوم من أيام حياته يعيش في خضم الحداث المعاصرة‪ .‬وأتاح له هذا‬
‫المعلومات التي ل غنى عنها لتطوير نظريته‪.‬‬
‫وكانت تجربة الثورات البرجوازية في أوروبا في ‪ 1849–1848‬ذات أهمية كبرى في تطوير ماركس لنظرية الثورة‬
‫الشتراك ية و صراع الطبقات‪ ،‬ولفكرة دكتاتور ية البروليتار يا‪ ،‬وتكتيكات البروليتار يا في الثورة البرجواز ية‪ ،‬وضرورة‬
‫تحالف العمال والفلحيسن « الصسراعات الطبقيسة فسي فرنسسا » (‪ )1850‬والتدميسر الحتمسي لداة الدولة البورجوازيسة‬
‫(« الثامن عشر من برومير لويس بونابرت » ‪ .)1852‬وعندما درس ماركس تجربة كومونة باريس (« الحرب الهلية‬
‫في فرن سا » ‪ )1871‬اكت شف شكل لدولة دكتاتور ية البروليتار يا‪ ،‬وحلل بع مق الجراءات ال تي اتخذت ها سلطة أول دولة‬
‫لدكتاتور ية البروليتار يا‪ .‬و في كتا به « ن قد برنا مج غو تا » (‪ )1875‬أحدث مار كس مزيدا من التطور في نظري ته في‬
‫‪6‬‬

‫الشيوعيسة العلميسة‪ .‬كتابسه الرئيسسي هسو « رأس المال »‪ :‬نشسر المجلد الول منسه عام ‪ ،1867‬والثانسي نشره انجلز عام‬
‫‪ 1885‬والثالث في عام ‪ ،1894‬وقد وضع خلق القتصاد السياسي العلمي للشيوعية‪ .‬أما الهمية الفلسفية لكتاب « رأس‬
‫المال » فل مثيل لها‪ .‬فهو يجسد المنهج الجدلي في البحث بصورة رائعة‪.‬‬
‫وقد وضع ماركس في صورة موجزة في مقدمته لكتاب « نقد القتصاد السياسي » (‪ – )1859‬وهو واحد من أوائل‬
‫مؤلفاتسه فسي القتصساد – جوهسر الفهسم المادي مسن فرض إلى علم‪ .‬وتحتوي مراسسلت ماركسس على الكثيسر ممسا يميسز‬
‫فلسفته‪ .‬ولم يسبق قط أن تأكد مذهب على هذا النحو في التطبيق‪ ،‬كالمذهب الذي وضعه ماركس‪ .‬وقد طور لينين – إلى‬
‫جانب تلميذه وأتباعه – الماركسية في ظل ظروف تاريخية جديدة‬
‫وفي ‪ 14‬مارس ‪ ،1883‬توفى كارل ماركس ودفن في مقبرة هاي غيت (‪ )Highgate Cemetery‬بلندن‪.‬‬

‫رأي المدرسة الماركسية‬
‫(مدرسة الصراع الطبقي)‬

‫ويرى رواد هذه المدرسة التي تعتقد بحتمية الصراع الجتماعي ‪ ،‬إن المنافسة عامل حاسم من عوامل بناء تركيبة‬
‫المجتمع القتصادية والسياسية ‪ ،‬وان الصراع الطبقي نتيجة حتمية لنعدام العدالة الجتماعية ؛ لن سبب انعدام العدالة‬
‫س ح سب رأي رائد هذه المدر سة (كارل مار كس) س يعود الى ان ترا كم الثروة ع ند أفراد الطب قة الرأ سمالية هو الذي‬
‫ساهم في تصميم شكل القوة السياسية والقتصادية والجتماعية التي يسيطر بها هؤلء على مصير الطبقات الجتماعية‬
‫الخرى (‪ .)1‬ول شك ان صراع الطبقات هو المفتاح الرئي سي للتغي ير الجتما عي ؛ ف كل طب قة حاك مة متنع مة بأموال‬
‫المحرومين سيطاح بها حتما س حسب زعم ماركس س عن طريق الطبقة المحكومة ؛ فتصبح الطبقة المحكومة س عندئذ‬
‫س طبقة حاكمة‪ .‬وهكذا تعيد هذه العملية نفسها حتى الصراع النهائي بين الطبقة العاملة والطبقة الرأسمالية في المجتمع‬
‫الصناعي‪ .‬وهذا الصراع بين الطبقة العاملة والنظام الرأسمالي سيؤدي إلى اضمحلل دور النظام الرأسمالي في المجتمع‬
‫النساني ‪ ،‬بسبب فساد هذا النظام القائم على أساس المنافسة الباطلة ضمن الطبقة‬
‫(‪( )1‬كارل ماركس)‪ .‬المخطوطات السياسية والقتصادية لعام ‪ 1844‬م‪ .‬نيويورك ‪ :‬الناشرون الدوليّون ‪ 1964 ،‬م‪.‬‬

‫العل يا ال تي تمتلك جم يع و سائل النتاج ال صناعي والزرا عي ‪ ،‬و سيختفي دور الطب قة المتو سطة لينف تح المجال للطب قة‬
‫العاملة المحرو مة بالثورة على النظام القائم‪ .‬وعلى أنقاض النظام الرأ سمالي ستنشئ الطب قة العاملة المجت مع الشترا كي‬
‫الجديد ‪ ،‬حيث تتحول ملكية وسائل النتاج والتوزيع من أيدي الرأسماليين إلى أيادي الجماهير ‪ ،‬فيعم الخير جميع أفراد‬
‫‪7‬‬

‫النظام الجتما عي‪ .‬وب عد ذلك يقوم المجت مع الشترا كي بدوره بإنشاء المجت مع الشيو عي‪ ،‬فتخت في س حينئذ س كل معالم‬
‫الظلم الجتماعي‪ ،‬والغتراب ‪ ،‬والصراع ‪ ،‬والضطهاد النساني‪.‬‬

‫نقد رأي المدرسة الماركسية‬
‫ومع أن فكرة مدرسة الصراع الطبقي لها مبرراتها الخاصة في إدانة الطبقة الرأسمالية الوروبية في القرن التاسع‬
‫عشر ‪ ،‬إل أن تحليلها يعجز عن تحديد هوية الطبقات الجتماعية المختلفة في التاريخ‪ .‬حيث تقتصر نظرتها على رؤية‬
‫طبقتين ف قط؛ ه ما‪ :‬طب قة العمال و هي الطب قة المستعبَدة‪ ،‬وطب قة الرأ سماليين و هي الطب قة الم ستعبِدة‪ .‬ولمّا كا نت الطب قة‬
‫العمّاليّة تنتج بعرقها وجهدها ثروة زائدة تفيض عن حاجات المنتجين الساسية‪ ،‬أصبح هم الطبقة الرأسمالية س حينئذ س‬
‫تجميع الثروة الفائضة من النتاج الجتماعي الكلي‪ .‬وهذا السلوب الرأسمالي في العمل هو الذي أنتج تراكما للثروة في‬
‫طبقة‪ ،‬وحرمانا لها في طبقة أخرى‪ .‬وبذلك أصبحت الثروة الفائضة وجشع‬
‫الطب قة الرأ سمالية م صدرا من م صادر انعدام العدالة الجتماع ية (‪ .)1‬وهذا المن طق في طبيعته ين سجم مع ظلم الفكرة‬
‫الرأسسمالية ‪ ،‬ولكسن الفكرة الماركسسية لم تصسف لنسا وضسع الفراد العامليسن فسي الخدمات الجتماعيسة كالتعليسم والطسب‬
‫والقضاء والشرطسة ‪ ،‬ولم تضعهسم ضمسن أيّة طبقسة اجتماعيسة‪ .‬فهؤلء ل يعملون لخدمسة الطبقسة الرأسسمالية ول يبذلون‬
‫ب بشكسل أسساسي فسي مجال الخدمات‬
‫جهدهسم ول يعتصسرون عرقهسم مسن اجسل النتاج ‪ ،‬بسل ان نشاطهسم المهنسي منصس ّ‬
‫ب والقضاء امتهنها النسان منذ فجر التاريخ النساني‪ ،‬فكيف يستطيع الفرد الرأسمالي‬
‫ط ّ‬
‫الجتماعية‪ .‬ومهن كالتعليم وال ّ‬
‫السيطرة على جهود هؤلء المهنيين في الوقت الذي يمكنهم فيه فرض أجورا عالية على الزبائن الرأسماليين أنفسهم ؟‬
‫وك يف ت ستطيع الرأ سمالية ال سيطرة على أجور ع مل القضاة وعلماء الكيمياء وال صيدلة مثلً ؟ فالمعلم س و عن طر يق‬
‫اتحاده المه ني س ي ستطيع ان يفرض أجورا عالية على تعليمه أبناء النظام الجتما عي ‪ ،‬والقا ضي في النظام الرأ سمالي‬
‫يقبسض أجورا مسن أفراد الطبقتيسن عسن طري واردات الضريبسة الحكوميسة‪ .‬فأيسن موقسع هؤلء الفراد فسي الصسراع‬
‫الجتماعي ؟ وهل يصح تصنيفهم ضمن الطبقة الرأسمالية أو الطبقة العمالية ؟ هنا تعجز النظرية الماركسية في الجابة‬
‫على هذا السؤال‪.‬‬
‫وهذا العجز والفشل ليس الول الذي منيت به الفكرة الماركسية ‪ ،‬بل أن فشلها الرئيسي تمثل في عجزها عن التنبؤ‬
‫بظهور طبقة وسطى في المجتمع الرأسمالي ؛ وان أفراد هذه الطبقة ل يعملون بالضرورة ضمن توجه الطبقة‬
‫(‪( )1‬آنتوني اوبرشال)‪ .‬الصراع الجتماعي والحركات الجتماعية‪ .‬انجلوود كليفز ‪ ،‬نيوجرسي ‪ :‬برنتس س هول ‪ 1973 ،‬م‪.‬‬
‫الرأسسمالية وخدمسة مصسالحها‪ .‬فأسساتذة الجامعات ‪ ،‬والعاملون فسي الحقول الطبيسة مسن بحوث وتطسبيب وتمريسض ‪،‬‬
‫والعاملون فسي خدمات النقسل البري والجوي والبحري يعملون إمسا على أسساس الدخسل الشخصسي او يعملون كموظفيسن‬
‫لشركات كبيرة مملوكة من قبل أفراد عديدين عن طريق السهم والسندات‪ .‬بل ان الكثير من العمال هم في الواقع أفراد‬
‫مسن ذوي المهسن الحرة ‪ ،‬الفرديسة التجاه (‪ ، )1‬كالبقالة والحلقسة وتصسليح وسسائل النقسل وبيسع المنتوجات الزراعيسة‬
‫والصناعية ونحوها‪ .‬ول ينت قل فائض الثروة التي ينتج ها هؤلء الفراد إلى يد الطب قة الرأ سمالية بل يذهب هذا الفائض‬
‫إلى منفعة نفس العمال ومصلحتهم مباشرة‪.‬‬
‫أمّا ملكية وسائل النتاج التي تتحدث عنها النظرية الماركسية فإنها وان كانت موجودة في عالم اليوم ‪ ،‬إل أن العديد‬
‫من هذه المؤسسات الصناعية الكبيرة تقع تحت ملكية اللوف من أصحاب السهم والسندات ‪ ،‬وتدار من قبل موظفين‬
‫يتقاضون أجورا معينة على جهدهم وعملهم (‪ .)2‬وفي نهاية المطاف ‪ ،‬توزع أرباح هذه المؤسسات على السهم ومالكيها‬
‫بالتساوي‪ .‬فتراكم الثروة في هذه المؤسسات إذن‪ ،‬يختلف اليوم عما كان عليه الوضع القتصادي في القرن التاسع عشر‪.‬‬
‫فملكية وسائل النتاج تختلف حتما عن السيطرة على وسائل النتاج‪ .‬فأين يضع (ماركس) هذه الطبقة الجديدة من مدراء‬
‫الشركات ‪ ،‬وعلماء المختبرات ‪ ،‬والمحاسبين الذين يتقاضون أجورا كبيرة على أعمالهم ولكنهم ل يسيطرون على وسائل‬
‫النتاج ؟ وماذا يقول‬
‫(‪()1‬بيتر بلو)‪ .‬السلطة والتبادل في الحياة الجتماعية‪ .‬نيويورك ‪ :‬وايلي ‪ 1964 ،‬م‪.‬‬
‫(‪ )2‬دوناد ترايمان)‪ .‬الوظائف الرفيعة في دراسة مقارنة‪ .‬نيويورك ‪ :‬المطبعة الكاديمية ‪ 1977 ،‬م‪.‬‬

‫(ماركس) عن موقع الطبقة الوسطى في الصراع الجتماعي ودورها بالثورة على النظام الرأسمالي‬
‫الحاكم ؟‬
‫هنا ‪ ،‬تحتاج النظرية الماركسية إلى إعادة نظر في منهجها الفكري العام‪ .‬فبروز دور الطبقة الوسطى في الصراع‬
‫الجتماعي ‪ ،‬جعل تنبؤ الماركسية بحتمية الصراع الطبقي بين الرأسمالية والبروليتاريا ‪ ،‬مجرد وهم ل يستند على واقع‬
‫موضو عي‪ .‬وظهور فكرة شراء ال سهم وال سندات من ق بل مختلف الفراد لو سائل النتاج العمل قة ‪ ،‬ساهم في ضرب‬
‫‪8‬‬

‫الفكرة المارك سية أي ضا ؛ لن ال سيطرة على جزء من و سائل النتاج أ صبحت ب يد أفراد الطب قة الو سطى ‪ ،‬ولي ست ب يد‬
‫الطبقة الرأسمالية كما كانت تؤكد عليه نظرية (ماركس)‪.‬‬
‫وهذا الخفاق في تحد يد هو ية الطبقات الجتماع ية ج عل النظر ية المارك سية تحت ضر و هي تع يش أيام ها الخيرة‬
‫وعاجزة عن تف سير مع نى انعدام العدالة ب ين الطبقات الجتماع ية ‪ ،‬معتر فة ان حتم ية ال صراع الجتما عي ال تي كا نت‬
‫تنادي ب ها أ صبحت مجرد فكرة نظرية ‪ ،‬ليست لها قيمة عمل ية خصوصا بعد بروز الطب قة الوسطى كطب قة ل ها دورها‬
‫المهم في المجتمع الرأسمالي‪.‬‬

‫رأي المدرسسة التسلفسيقسية (التوفسيقسية س الماركسيسة)‬
‫ولما كان موقف المدرستين التوفيقية والماركسية بخصوص تحليل منشأ انعدام العدالة الجتماعية واضح الضعف ‪،‬‬
‫ق صير الن ظر ‪ ،‬في ف هم المشكلة الجتماع ية ‪ ،‬ف قد ط فت على سطح الف كر الورو بي تيارات معا صرة حاولت الج مع‬
‫والتلف يق ب ين آراء المدر ستين ‪ ،‬والخروج بمن هج مو حد لمعال جة مشكلة انعدام العدالة الجتماع ية‪ .‬ح يث آ من هذا التجاه‬
‫الجد يد (‪ )1‬ب صواب رأي المدر سة التوفيق ية القائل بان المجت مع ليم كن ان يح يا ب صورة طبيع ية ما لم ت تم مقابلة حاجات‬
‫المجتمع الساسية من الخبرات وغيرها بالدوار التي يتطلبها‪ .‬وعلى ضوء مقابلة تلك الحاجات مع الدوار المختلفة‪ ،‬فقد‬
‫اختلفت قيمة المكافآت الجتماعية للعمال والخبراء‪ .‬ثم زعم بصواب رأي المدرسة الماركسية التي تقول بحتمية الصراع‬
‫الجتما عي للمحاف ظة على ديناميك ية المجت مع الن ساني ‪ ،‬باعتبار أن تو فر الخيرات بش كل يف يض عن حا جة المجت مع ‪،‬‬
‫سيؤدي حتما إلى التنافس والصراع الجتماعي‪ .‬ولما كان المجتمع يتطور بصورة دائمة فان انعدام العدالة سيتناسب مع‬
‫حجم الثروة التي سينتجها المجتمع ‪ ،‬فإذا كانت الثروة كبيرة أصبحت الهوة بين الطبقة‬
‫(‪( )1‬جيرهارد لنسكي)‪ .‬القوة والمتيازات ‪ :‬نظرية في انعدام العدالة الجتماعية‪ .‬نيويورك ‪ :‬ماكرو س هيل ‪ 1966 ،‬م‪.‬‬

‫المحرومة والطبقة الغن ية أوسع واكبر‪ .‬وإذا كا نت الثروة الفائ ضة قليلة فسيكون التفاوت بين الطبقات اقل‪ .‬فالمجتمعات‬
‫البدائ ية ال تي كا نت تفت قر إلى الثروات‪ ،‬كا نت ت سودها العدالة الجتماع ية؛ لن التنا فس في تلك المجتمعات كان معدوما‪،‬‬
‫بسبب عدم توفر الثروة المالية‪ .‬أما في المجتمعات المتطورة فان وسائل النتاج العملقة وإدرار الثروة هي التي خلقت‬
‫جوا من الطمع والجشع النساني الذي أدى إلى سوء توزيع هذه الثروة بين أفراد الطبقات الجتماعية‪.‬‬

‫نقد رأي المدرسة التوفيقية س الماركسية‬

‫ذكرنا في نقد موقف المدرسة التوفيقية ان المكافآت الجتماعية التي يبشر بها المذهب التو فيقي ل تتناسب س في‬
‫اغلب الحيان سس مسع الدوار التسي يقوم بهسا الفراد فسي المجتمسع النسساني ‪ ،‬ممسا يؤدي الى سسوء توزيسع الثروة‬
‫الجتماع ية ‪ ،‬ويم هد الطر يق لخلق طبقات ثر ية متخ مة واخرى فقيرة معد مة‪ .‬أ ما التنا فس وال صراع الذي أشارت إل يه‬
‫المدر سة المارك سية ‪ ،‬ف سببه بال صل انعدام الوازع الخل قي‪ .‬فإذا ما و جد ذلك الوازع الخل قي الذي يتح سس للم‬
‫المعذبين ‪ ،‬أصبح التنافس القتصادي عملية يقوم بها الفرد من اجل التكامل الجتماعي ل مجرد تكديس الموال‪.‬‬
‫وزيادة الثروة في المجتمع ‪ ،‬ليست بالضرورة عامل من عوامل نشر‬
‫الظلم والحرمان الجتما عي ‪ ،‬فزيادة الثروة وح سن وعدالة توزيع ها تؤدي إلى رخاء اجتما عي ي ساهم في ر فع الح يف‬
‫عن المظلوم ين والمحروم ين ؛ لن العدالة الجتماع ية ترت بط في ال صل بنظام ي ساهم في توز يع عادل للثروة ‪ ،‬ول‬
‫يرت بط بالزيادة المال ية نف سها‪ .‬وهناك شوا هد تاريخ ية عديدة تؤ كد صدق هذا الرأي ‪ ،‬ك ما ورد في ك تب التار يخ عن‬
‫رجوع ال صدقات الى ب يت المال في صدر السلم ؛ لن الثروة المالية انتشرت عن طر يق التوزيع ب ين عدد كبير من‬
‫الفراد ولم تتكدس بأيدي جماعة محدودة العدد‪.‬‬
‫ول شك ان ز عم الفكرة التوفيق ية القائل بأ نه ل حياة للمجت مع الرأ سمالي ما لم ت تم ف يه مقابلة حاجا ته ال ساسية من‬
‫ال خبرات بالدوار ال تي يتطلب ها ذلك المجت مع ل يتطا بق تطابقا تاما مع الحقي قة‪ .‬فالتمي يز العن صري القائم على أ ساس‬
‫المن شأ واللون والد ين الذي كان يمار سه المجت مع ال صناعي في القرن التا سع ع شر يف ند هذا الدعاء‪ .‬ف قد كان الفراد‬
‫البيض يرفضون استلم العلج من طبيب اسود مثلً ‪ ،‬بسبب لون بشرته (‪ ، )1‬فكيف تقابل اذن س حسب ادعاء النظرية‬
‫التوفيقية س حاجات المجتمع الساسية مع الدوار الجتماعية ‪ ،‬عن طريق استخدام قاعدة التمييز بين الفراد على أساس‬
‫اللون والمن شأ والد ين ؟ وفي دول كثيرة من العالم ‪ ،‬ل يش غل ال سياسي الك فء محله الطبيعي في الح كم والدارة ب سبب‬
‫معارضته للنظام السياسي‪ .‬فكيف تفسر هذه المدرسة ‪ ،‬مقابلة حاجات المجتمع الساسية مع الدوار المطلوبة في هذا‬
‫(‪( )1‬رالف داريندورف)‪ .‬الطبقة والصراع الطبقي في المجتمع الصناعي‪ .‬بيركلي ‪ ،‬كاليفورنيا ‪ :‬مطبعة جامعة ستانفورد ‪ 1959 ،‬م‪.‬‬

‫‪9‬‬

‫المثال ؟ بل كيف تف سر هذه المدر سة فارق الجور بين الرجال والن ساء في النظام الرأ سمالي اليوم ‪ ،‬مع أن كل مته ما‬
‫ي ستطيع سد الشوا غر الجتماع ية ال تي يحتاج ها المجت مع ب كل كفاءة (‪ )1‬؟ أل يس هذا الفارق في الجور تناقضا واضحا‬
‫للفكرة التوفيقية القائلة بان الجر يجب ان يتناسب مع منفعة العمل للنظام الجتماعي ؟ أليس عمل المرآة في الطب يدر‬
‫نفعا اجتماعيا مشابها لعمل الرجل في نفس الختصاص ؟ إذن لماذا تختلف أجور الرجل عن أجور المرآة لنفس المهنة‬
‫النافعة للنظام الجتماعي ؟‬
‫وهذه التساؤلت المهمة التي عجزت النظرية التوفيقية س الماركسية عن الجابة عليها ‪ ،‬وضعت تلك النظرية في‬
‫موقف ل تحسد عليه‪ .‬فالنظرية تؤيد ايجابيات الماركسية وتتحمس بقوة للنظام الجتماعي الرأسمالي ‪ ،‬وتعتبر مؤسساته‬
‫المختلفة متضافرة من اجل النسجام الجتماعي ‪ ،‬ولكنها تقف حائرة امام التناقضات الفكرية والمبدأية التي يعاني منها‬
‫ذلك النظام‪ .‬وهذا الخلل يعتبر من اهم نقاط ضعف هذه النظرية‪.‬‬
‫(‪( )1‬دوناد ترايمان) و (هيدي هارتمان)‪ .‬النساء ‪ ،‬العمل ‪ ،‬والجور ‪ ،‬واشنطن دي سي ‪ :‬الكاديمية القومية للعلوم ‪ 1981 ،‬م‪.‬‬

‫نظرية (ماكس وبر) والرد عليها‬
‫ولم يم نع إعجاب الطب قة العاملة والمثق فة الوروب ية في القرن التا سع ع شر بأفكار (كارل مار كس) ‪ ،‬من تكث يف‬
‫الجهود العملية لمناقشت ها ونقد ها ‪ ،‬والتشك يك ب سلمة أ سسها الفكرية‪ .‬وكان من رواد هؤلء الذ ين انتقدوا نظر ية (كارل‬
‫ماركس) في تحليل العلقات الجتماعية على ضوء ال صراع الطب قي ‪ :‬العالم الجتماعي اللماني (ماكس وبر) ؛ حيث‬
‫قدم خلل نقده لفكار (كارل ماركس) نظرية جديدة مناقضة تماما للنظرية الماركسية (‪ .)1‬وتتلخص نظرية (ماكس وبر)‬
‫بالقول بان فكرة نشوء الطبقات الجتماع ية ل تح صل نتي جة ال صراع الطب قي ‪ ،‬بل تح صل نتي جة تدا خل عوا مل ثل ثة‬
‫وهي ‪ :‬الول ‪ :‬العامل القت صادي (الثروة) ‪ ،‬والثاني ‪ :‬العامل السياسي (القوة) ‪ ،‬والثالث ‪ :‬العامل الجتماعي (المنزلة‬
‫الجتماعية)‪.‬‬
‫فإذا أرد نا معر فة الطب قة الجتماع ية ل س « معلم المدر سة » مثلً ‪ ،‬ف ما علي نا ال ان نح سب ثرو ته المال ية ونل حظ‬
‫قوته السياسية ونلمس منزلته الجتماعية ‪ ،‬ثم نحكم من خلل هذه العوامل الثلثة على موقعه في الطبقات الجتماعية‪.‬‬
‫ل ‪ ،‬وقوتسه السسياسية ضعيفسة ‪ ،‬ومنزلتسه الجتماعيسة متوسسطة ‪ ،‬أصسبحت طبقتسه‬
‫فإذا كانست ثروتسه الماليسة متوسسطة مث ً‬
‫الجتماعية متوسطة س دنيا‪ .‬ول شك ان‬
‫(‪( )1‬اج‪ .‬اج‪ .‬كيرث) و (سي‪ .‬رايت ميل)‪ .‬ماكس وبر ‪ :‬بحوث في علم الجتماع‪ .‬نيويورك ‪ :‬مطبعة جامعة آكسفورد‬
‫‪ 1946 ،‬م‬
‫‪.‬‬

‫‪10‬‬

‫لمحة تاريخية مختصرة عن التحاد الوروبي‬
‫المجموعة الوروبية للفحم والصلب‬
‫المجموعة القتصادية الوروبية (‪)EEC‬‬
‫التحاد الوروبي‬
‫لمحة تاريخية مختصرة عن التحاد الوروبي‬
‫عقب الدمار الكبير والخسارة الكبيرة بالرواح خلل الحرب العالمية الثانية ‪ -‬وهي ثاني مرة خلل جيل واحد تنغمس‬
‫ب ها أورو با بالحرب ‪ -‬اجتم عت ست دول أوروب ية ليجاد و سيلة لم نع حدوث ذلك مرة أخرى‪ .‬فقررت كل من فرن سا‬
‫وألمانيا وبلجيكا ولوكسمبورغ وهولندا وإيطاليا بأن أفضل طريقة لمنع وقوع حرب مرة أخرى هي العمل معا على إنتاج‬
‫الفحسم والصسلب‪ ،‬حيسث أنهمسا كانسا المصسدرين السساسيين اللزميسن للقتال فسي الحروب‪ .‬وبالتالي اتفقوا على تشكيسل‬
‫المجموعة الوروبية للفحم والصلب عام ‪.1951‬‬

‫المجموعة الوروبية للفحم والصلب‬
‫اعتبر تأ سيس هذه المجمو عة نجا حا ‪ -‬لذا قررت حكومات كل من هذه الدول توسيع هذا التعاون لي ضم مجالت أخرى‬
‫عام ‪ ،1957‬وذلك ح ين وق عت الدول ال ست على اتفاق ية رو ما‪ .‬ا ستندت هذه التفاق ية على ع مل المجمو عة الوروب ية‬
‫للفحم والصلب وشكّلت هيئتين دوليتين آخر تين‪ :‬المجموعة القتصادية الوروبية والمجموعة الوروبية للطاقة الذرية‬
‫(يوراتوم) لتعمل جنبا إلى جنب مع المجموعة الوروبية للفحم والصلب‪.‬‬

‫المجموعة القتصادية الوروبية (‪)EEC‬‬
‫تم التوق يع على اتفاق ية عام ‪ 1965‬تج مع العنا صر المتفر قة للتفاقيات ال سابقة‪ .‬وح يث أن أك ثر الهيئات تأثيرا كا نت‬
‫المجموعة القتصادية الوروبية‪ ،‬أصبح هذا هو السم الذي يطلق على المجموعة‪ .‬وفي عام ‪ 1973‬توسعت المجموعة‬
‫القتصسادية الوروبيسة لتضسم الدنمارك وأيرلندة والمملكسة المتحدة‪ .‬وأجرت بريطانيسا اسستفتاءا عامسا فسي ‪ 1975‬حول‬
‫عضويتها في المجموعة‪ ،‬والذي صوت الشعب البريطاني فيه لصالح البقاء ضمن المجموعة القتصادية الوروبية‪.‬‬
‫وفي عام ‪ 1979‬صوت الوروبيون في أول انتخابات مباشرة للبرلمان الوروبي‪.‬‬
‫وفي قمة ميلن عام ‪ ،1985‬اتفق القادة الوروبيون على الحتفال بيوم أوروبا في ‪ 9‬مايو (أيار) من كل عام‪ .‬انضمت‬
‫أسسبانيا والبرتغال للمجموعسة عام ‪ .1986‬وفسي هذا العام تسم البدء بإصسدار جوازات السسفر الوروبيسة‪ ،‬ورفسع العمسل‬
‫الوروبي على أنغام السيمفونية التاسعة لبيتهوفن‪ ،‬وهي تمثل السلم الوروبي‪ .‬كما دخل القانون الوروبي الموحد حيز‬

‫‪11‬‬

‫التنفيذ ليزيل العوائق التجارية المصطنعة ما بين الدول العضاء لكي تتمكن البضائع ورؤوس الموال والخدمات وكذلك‬
‫الفراد من التنقل والعيش والعمل بحريّة دون قيود في أي من الدول العضاء‪.‬‬

‫التحاد الوروبي‬

‫جرت أول مباحثات حول أدوار وم سؤوليات المجمو عة الوروب ية القت صادية خلل اجتماع ما سترخت في هولندا عام‬
‫‪ ،1991‬و هو الجتماع الذي ن تج ع نه اتفاق ية التحاد الورو بي ‪ -‬وج مع مختلف الهيئات الوروب ية ض من إطار وا حد‬
‫أُطلق عليه اسم التحاد الوروبي‪.‬‬
‫التفاقية‪:‬‬
‫•·‬

‫وضعت جدول زمنيا للوحدة القتصادية والنقدية (اليورو)‬

‫•·‬

‫وضعت سياسات تغطي القضايا "الجتماعية" مثل حقوق العمال والصحة والسلمة‪.‬‬

‫بدأت إجراءات تمكين دول أوروبا الشرقية من النضمام للتحاد الوروبي‪.‬‬
‫•·‬
‫ولول مرة أصبح هذا يعني أن بإمكان مواطني أية دولة في التحاد الوروبي السفر والعمل بحريّة في أي دولة أخرى‬
‫عضو في التحاد‪ .‬وفي الول من يناير (كانون ثاني) ‪ 1993‬تم رفع جميع العوائق التجارية‪ ،‬وهي من أهم الخطوات‬
‫المتخذة لتشكيل السوق الموحدة‪ .‬تم التوقيع على اتفاقية أمستردام عام ‪ ،1997‬وهي تحديث لتفاقية ماسترخت للتحضير‬
‫لتو سعة التحاد الوروبي لكي ي ضم دول أوروبا الشرقية‪ ،‬كما أن ها عززت "الف صل الجتماعي" بالتفاقية الذي تضمن‬
‫قانونا حول التوظيف والتمييز‪ .‬وفي عام ‪ 1998‬اتخذ التحاد الوروبي أول الخطوات الرسمية نحو الشرق تجاه توسعة‬
‫التحاد عن طر يق البدء بمفاوضات ر سمية مع هنغار يا وبولندة وإ ستونيا وجمهور ية التش يك و سلوفينيا و قبرص‪ .‬وب عد‬
‫م ضي عام‪ ،‬بدأت رومانيسا و سلوفاكيا ولتف يا وليثوان يا وبلغار يا ومال طا المفاوضات للنضمام للتحاد الوروبسي‪ .‬كمسا‬
‫تقدمت تركيا بطلب للعضوية‪.‬‬
‫و في ينا ير (كانون ثا ني) ‪ ،1999‬ا ستوفت إحدى عشرة دولة معاي ير تب ني اليورو كعملة ر سمية ابتداء من أول ينا ير‬
‫(كانون ثاني) ‪ .2000‬واستوفت اليونان هذه المعايير بعد ذلك بعامين‪ .‬وفي الول من يناير (كانون ثاني) ‪ ،2002‬حلت‬
‫الوراق النقدية والعملة المعدنية لليورو محل العملت الوطنية في تلك الدول الثنتى عشرة‪ .‬ولم تتبنى كل من المملكة‬
‫المتحدة والسويد الدنمارك اليورو عام ‪.2002‬‬
‫وفسي الول مسن مايسو (أيار) ‪ ،2004‬اتخسذ التحاد الوروبسي أكسبر خطواتسه نحسو التوسسع بانضمام عشسر دول جديدة‬
‫لعضويته (قبرص‪ ،‬جمهورية التشيك‪ ،‬إستونيا‪ ،‬هنغاريا‪ ،‬لتفيا‪ ،‬ليثوانيا‪ ،‬مالطا‪ ،‬بولندة‪ ،‬سلوفاكيا‪ ،‬سلوفينيا)‪.‬‬
‫التحاد الورو بي اليوم هو أ كبر شرا كة سياسية واقت صادية في العالم‪ ،‬ح يث يش كل ‪ %38‬من التجارة الحرة‪ .‬و مع‬
‫إمكان ية حر ية الحر كة للبضائع والخدمات والفراد لمواطن يه البالغ تعداد هم ‪ 500‬مليون ن سمة‪ ،‬يو فر التحاد الورو بي‬
‫الفرص للجميع‪.‬‬

‫ما هو التحاد الوروبي (‪)EU‬؟‬
‫التحاد الوروبي هو نتيجة لعملية تعاون واندماج بدأت عام ‪ 1951‬ما بين ست دول‪ .‬وبعد حوالي ‪ 50‬عاما وخمس‬
‫موجات من الضافات هناك الن ‪ 25‬دولة عضو في التحاد الوروبي‪.‬‬
‫بدأ استخدام مصطلح "التحاد الوروبي" في ‪ 1‬نوفمبر (تشرين أول) ‪ 1993‬حين دخلت معاهدة ماسترخت حيز التنفيذ‪.‬‬
‫وقد عمل التحاد الوروبي على توحيد ثلث دعائم للتعاون الوروبي تحت "سقف واحد"‪ .‬هذه الدعائم هي‪:‬‬
‫الدعامة الولى‪ :‬المجتمع الوروبي (بما في ذلك السوق الوروبية المشتركة واليورو)‬
‫·‬
‫الدعامة الثانية‪ :‬السياسة الخارجية والمنية المشتركة‬
‫·‬
‫الدعامة الثالثة‪ :‬التعاون في مجال العدل والشؤون الداخلية‬
‫·‬
‫فيمسا يتعلق بالدعامسة الولى‪ ،‬تعمسل الحكومات العضاء بالتحاد كمجلس (وتأخسذ قراراتهسا عادة بأغلبيسة الصسوات)‬
‫وبمشاركة كاملة من الهيئات الوروبية الخرى‪ .‬أما بالنسبة للدعامتين الثانية والثالثة‪ ،‬فتُبنى القرارات على إجراءات ما‬
‫ب ين الحكومات‪ .‬هذا يع ني أن تع مل الدول العضاء بالتحاد م عا للتو صل إلى نق طة مشتر كة مبن ية على الجماع‪ .‬أ ما‬
‫المؤ سسات الورب ية الخرى‪ ،‬م ثل المفوض ية الوروب ية والبرلمان الورو بي‪ ،‬فتل عب دورا أك ثر محدود ية في هات ين‬
‫الدعامتين‪.‬‬
‫ما هي المجموعة الوروبية (‪)EC‬؟‬

‫‪12‬‬

‫تأسسست المجموعسة الوروبيسة بموجسب اتفاقيسة رومسا لعام ‪ ،1957‬حيسث تفاوض على ذلك الدول السست السساسية فيهسا‬
‫(بلجيكا وفرنسا وإيطاليا ولوكسمبورغ وهولندا وألمانيا الغربية)‪ .‬يستخدم مصطلح "المجموعات الوروبية" للشارة إلى‬
‫المجموعسة الوروبيسة للفحسم والصسلب (تأسسست عام ‪ ،)1951‬والمجموعسة القتصسادية الوروبيسة ‪( EEC‬تأسسست عام‬
‫‪ ،)1957‬والمجمو عة الوروب ية للطا قة الذر ية (تأ سست عام ‪ .)1957‬أعيدت ت سميت المجمو عة القت صادية الوروب ية‬
‫لتصبح المجموعة الوروبية عام ‪( 1992‬وضمت مجموعات أخرى)‪ ،‬وهي مستمرة بكونها تتمتع بكيان قانوني منفصل‬
‫ضمن التحاد الوروبي‪.‬‬

‫العولمــــة … ماذا تعـني حقــــــاً ؟‬
‫كل حرب تبدأ من الكلمة‪ .‬وبالكلمة تنتهي‪ .‬واليوم‪ ،‬حتى الصغير‪ ،‬أصبح يعرف إن‪ :‬الحرب هي استمرار للسياسة ولكن‬
‫بو سائل أخرى‪ ...‬والي كم المثال النموذ جي والمعروف جدا والذي يؤ كد تلك المقولة‪ :‬الحرب الباردة بدأت م نذ أن أل قى‬
‫تشرشل خطابه في فولتون عام ‪ .1946‬وفورا "بعد أن انتصرت الوليات المتحدة المريكية وحلفاؤها الغربيون في تلك‬
‫الحرب الباردة با شر هؤلء أنف سهم حر با" جديدة س من ا جل ال سيطرة الكاملة على العالم‪ .‬وهذه يم كن ت سميتها "حرب‬
‫الكلمات" ذلك أنهسا بدون إراقسة دماء وربمسا مسن دون طلقسة واحدة قادرة على ابادة الجيوش الوطنيسة وزعزعسة الحدود‬
‫الدولية والقومية‪ ،‬وتقويض استقرار شعوب بأكملها‪ .‬والسلح الساسي في هذه الحرب س العولمة !!‬
‫لشك إن العولمة ظاهرة متعددة الوجه ومعقدة للغاية‪ .‬ومن المستحيل الخوض في التفاصيل من خلل مقال واحد مهما‬
‫كبر‪ .‬ولكن سنحاول الوقوف على بعض الجوانب الرئيسية والمفتاحية‪ ،‬من وجهة نظرنا‪ ،‬والتي ستقدم تصورا كافيا عن‬
‫هذه العملية ككل‪.‬مهما بدا ذلك غريبا فان أفكار العولمة‪ ،‬حقيقة‪ ،‬لم تظهر لول مرة ل في نهاية القرن العشرين ول في‬
‫أمري كا أو أورو با الغرب ية‪ .‬وإن ما يم كن القول أن أول "إن سان عول مي" في تار يخ البشر ية كان‪ ..‬ال سيد الم سيح! هو‬
‫بالض بط الذي أعلن‪ ،‬وم نذ أك ثر من أل في عام أن ما ي جب أن يوحّد البشرية ليس النتماء لعرق أو لش عب أو دولة ما‪..‬‬
‫وان ما يوحد ها هي "فكرة علو ية" حول الخوة والم ساواة الكاملة‪ .‬ل كن قطعا لم ي كن ال سيد الم سيح يق صد أن تحكم نا‬
‫حكومة عالمية ول حتى قدا سة البا با في رو ما‪ ،‬والذي لم يرد ذكره على لسان ي سوع‪ ،‬بل ما ق صده المخلص هو الب‬
‫السماوي‪.‬‬
‫أفكار العولمة على طريقة " السيد المسيح " كانت تفهم وتطبّق‪ ،‬في القرون الوسطى‪ ،‬من قبل أقوياء العالم بشكل مباشر‬
‫ووحيسد الجانسب‪ :‬مبشّريسن بعقيدتهسم وبالتالي بإيديولوجيتهسم‪ ،‬إن رجالت الكنيسسة كانوا يضطهدون مخالفيهسم فسي الرأي‬
‫بالحديسد الملتهسب وحاولوا تصسفية أصسحاب "الرأي الخسر" بالحرق أو شنوا الحملت الصسليبية ضسد "الكافريسن“‪ .‬وقسد‬
‫مارس الملوك نفس الشيء وبنفس الساليب ولكن بشكل أوسع‪ ..‬إذ لم تتوقف الحروب في أوروبا س فعلى امتداد ألفي‬
‫سنة من التاريخ الحديث لم تعرف أوروبا ما مجموعه أكثر من عشرين سنة هدوءا وبدون حروب !!‬
‫ل مع نشوء وتمكن الفكار ما فوق الوطنية لمفكرين اشتراكيين ‪ -‬طوباويين من أمثال سان ‪-‬سيمون‬
‫لكن المر تغير قلي ً‬
‫وفورييسه أو مسن هسم اقرب إلينسا – الشيوعيون‪ :‬ماركسس وانجلس ولينيسن‪ .‬فبالنسسبة لهؤلء حلّت "فخامسة البروليتاريسا"‬
‫مكان ال كمر كز موحّد جا مع للعالم‪ " ..‬يا عمال العالم اتحدوا" سس ت حت هذا الشعار انطل قت أض خم واغرب تجر بة‬
‫سياسية أممية في التاريخ‪ :‬بداية في جمهورية فرنسا القرن التاسع عشر‪ ،‬ومن ثم على سدس الكرة الرضية س روسيا‬
‫وبعدها كل العالم‪.‬‬
‫ل مسن الشتراكييسن ‪ -‬الممييسن جاء العولميون ‪ -‬المحدثون مسن "موجسة جديدة"‪ ،‬مسع أفكارهسم الخاصسة حول‬
‫واليوم بد ً‬
‫القتصاد الممي ومع فكرة حكومة عالمية واحدة‪.‬الملفت للنظر انه مع كل انقلب سياسي جديد نرى المنتصرين يلجأون‬

‫‪13‬‬

‫ف قط إلى تغي ير الغطاء اليديولو جي لل صلحات الجار ية‪ .‬في ح ين إن جوهر هذه الخيرة هو هو ذا ته‪ :‬ال سيطرة " ما‬
‫فوق الحكومية"‪ ،‬و"ما فوق الوطنية"‪ ،‬والكاملة للقلية الشوفينية على شعب بلد معين‪ ،‬ومن ثم على شعوب كل العالم‪.‬‬
‫ك ما قال أ حد المفكر ين إن ال سياسة هي تكث يف للقت صاد‪ .‬أ ما أ نا ف سأغامر وأض يف لذلك المف كر وأقول‪ :‬إن الهرط قة‬
‫الكلم ية لجم يع أولئك " ال س‪ ..‬ي ين" هي مجرد غطاء تكتي كي للو صول إلى هدف ا ستراتيجي وا حد ‪ -‬أل و هو دوما‬
‫السيطرة الكاملة والشاملة‪ ،‬القتصادية في الدرجة الولى‪ ،‬على العالم‪ .‬إنما اللحظة التاريخية فقط هي التي تفرض من‬
‫حين لخر التوجهات السياسية اللزمة لتحقيق ذات الهدف أولً وأخيرا‪.‬‬
‫بخلف الشتراكييسن ‪-‬الممييسن السسابقين‪ ،‬إن " الممييسن " (الحالييسن سس العولميون وفسي صسراعهم مسع اليديولوجيسا‬
‫الشيوعية) ل يجهدون أنفسهم بتقديم أية أدلة على صحة وجهة نظرهم‪ ،‬ببساطة هم اعتبروا آباءهم الروحيين والسابقين‬
‫لهم‪ ،‬أي الشيوعيين المميين‪" ،‬خارجين عن القانون"؛ وان أفكارهم غبية وهدّامة‪ ،‬وفي أفضل الحالت هي أفكار خاطئة‬
‫وانسدادية الفق أي غير قابلة للتطبيق‪.‬‬

‫لكن في الواقع فان أوجه القرب أو التشابه بين هذين التيارين من الممية هو أكثر مما يبدو للوهلة الولى‪ .‬التشابه ينبع‬
‫من وحدة الهدف ‪ .‬مثلً هؤلء وأولئك يعتقدون بإمكان ية التح كم بالعالم من خلل القومي سارات أو عملء فّعال ين‪ .‬ف من‬
‫ا جل ال ستيلء على بقعة أو بلد ما يتو جب بداية تأ سيس و صياغة ومن ثم زرع الغطاء اليديولو جي اللزم لم ثل هكذا‬
‫"عملية"‪ .‬بالضبط لهذا السبب يتم اليوم الستيلء على الصحف وقنوات التلفزة كما كانوا سابقا يسعون ولو عبر المعارك‬
‫والقتال للسيطرة على محطات القطارات ومراكز البريد والهاتف‪ .‬نظريا‪ ،‬أكثر أهمية فهو أن أية عولمة حالية أو لحقة‬
‫ل ت ضع هدفا ل ها تح سين م ستوى معي شة الغلب ية‪ .‬نظريا‪ ،‬في الشعارات س ن عم ‪ .‬أ ما على ارض الوا قع س هراء‪.‬‬
‫ف في ع صر الشتراك ية كان يقدم لتلك الغلبية ال حد الد نى للمتو سط الضروري س في الحقي قة ل يس أك ثر من م ستوى‬
‫حافة الفقر حيث فعلً لم يكن يوجد جائعين بالمعنى الحرفي للكلمة‪.‬‬
‫وب ما ا نه من الم ستحيل أن ن صبح جميعا أغنياء كفا ية ف قد كا نت أمام المجت مع مه مة إيديولوج ية تر مي لبناء "إن سان‬
‫واعي فوق العادة“‪ ،‬الذي يجب أن تبقى متطلباته المادية في الحدود الدنيا الممكنة للبقاء‪ .‬تذكّروا شعار مرحلة الشيوعية‬
‫المنتصرة‪" :‬من كل حسب استطاعته‪ ،‬ولكل حسب حاجته" سس شعار بقدر ما هو رنان بقدر ما هو خيالي‪ .‬الحقيقة هي‬
‫إن متطلبات الفرد ل حدود ل ها‪ .‬كل ما ازداد تمل كه سس كل ما كبرت رغبا ته وحاجيا ته‪ .‬ولن تكون نها ية لتلك الثنائ ية‪.‬‬
‫على كل حال طالما أن الكرة الرضية مصابة بداء الستيطان من قبل بني البشر ؟! ‪.‬‬
‫ذات القضايا والشكاليات كانت قائمة في حينه أمام رجالت الكنيسة‪ .‬في البداية‪ ،‬أنكرت المسيحية على المؤمن الغنى‬
‫الشخصي واعتبرت الثروة آفة‪ ،‬بينما صار الفقر يعادل الكبرياء و بطاقة مرور إلى جنات السماء‪ .‬خصوصا لو أصبح‬
‫المرء فقيرا بسبب تبرعه بأمواله في سبيل قضية إيمانية‪ .‬فقط من يضحي لجل "الهيكل" (أي لجل الفكرة)‪ ،‬والذي ل‬
‫يملك سسوى "مسا هسو ضروري للعيسش"‪ ،‬كان لديسه المسل فسي دخول الجنسة السسماوية‪ .‬أمسا المبشرون الرئيسسيون لهذه‬
‫اليديولوجية س باباوات الكنيسة في روما س فقد أحاطوا أنفسهم بكل أشكال البذخ والثراء لدرجة الل معقول‪.‬‬
‫لش يء جد يد في عالم نا الر ضي‪ .‬ف كل ما يجري في أيام نا معروف ووا ضح‪ .‬ومه ما نظّر العولميون س المميون‬
‫الحاليون فان العولمة تسبب فرزا عميقا في المجتمع وفق درجة التملك‪ .‬أما المجتمع الديموقراطي‪ ،‬خصوصا في بلدان‬
‫الشتراكية سابقا‪ ،‬فلم يعد له وجود بعد أن انقسمت تلك المجتمعات إلى "سوبر أغنياء"‪ ،‬وفقراء بالمعنى البسيط والدقيق‬
‫للكلمة‪ .‬وح تى في الوليات المتحدة المريكية س قلعة العولمة س ف قد انخف ضت أجرة العمل حوالي ‪ %10‬من قيمت ها‬
‫الفعلية خلل العشر سنوات الخيرة‪ .‬هذا ما يعلنه صراحة معارضو العولمة في أمريكا‪ ،‬بينما ينكرونه ويتسترون عليه‬
‫خبراء القتصاد س العباقرة في روسيا س أصحاب التوجه الغربي‪.‬‬
‫ومن خصوصيات العولمة الحالية هو حصول تبدلت بنيوية في سوق الستهلك في البلدان الغربية المتطورة اقتصاديا‪.‬‬
‫ذلك إن البضائع والخدمات التسي كانست متوفرة للغنياء فقسط فسي السسابق كانست تدريجيا تصسبح فسي متناول الطبقسة‬
‫الوسطى‪ .‬أما الن يجري تناقص فعلي في الموارد والخدمات ذات الطابع الشعبي الواسع‪ ..‬بينما النخبة تسبح في سوق‬
‫السلع الفخمة والعجائبية‪ .‬وهذا يحصل أبدا ليس لن المواطن المريكي قد أصبح مؤخّرا في مصاف الثرياء‪ .‬وهنا قد‬
‫يتبادر للذهن سؤال عن العلقة بين العولمة وبين انخفاض مستوى معيشة المريكي أو الروسي أو اللماني‪ ..‬الجواب‬
‫بسيط للغاية‪.‬‬

‫‪14‬‬

‫عندما يتحول راس المال الوطني‪ ،‬في مثالنا المريكي أو الروسي أو اللماني‪ ،‬إلى راس مال عابر للحدود‪ ،‬حينها فانه‬
‫يف قد بقا يا ما ي سمى "الوطنية"؛ ذلك أن الشركات الفوق س قومية‪ ،‬المريكية وغيرها‪ ،‬وبعد أن تتحرر من انتمائ ها لية‬
‫دولة‪ ،‬تبنسي مصسانعها ومؤسسساتها أينمسا يحلو لهسا بمجرد أن تتوفسر اليسد العاملة والمواد الخام الرخيصسة‪ .‬بالتالي فان‬
‫المريكيين وغيرهم‪ ،‬الذين اعتادوا على أجور عمل ممتازة لقاء أعمالهم الرفيعة‪ ،‬سيفقدون أماكن العمل وبعدها الجور‬
‫العال ية‪ .‬ك ما ا نه‪ ،‬وهذا هو ال هم‪ ،‬لن يعود هناك مفهوم "خيا نة الو طن" بالن سبة لذلك "الموا طن العول مي“‪ ،‬طال ما أن‬
‫مفهوم الوطن بحدوده المعروفة سابقا لم يعد له وجود بالنسبة لذاك "المواطن المعولم“‪.‬‬
‫بل ين شأ لد يه مفهوم جد يد هو "الب يت" الذي يبن يه أو يشتر يه ح يث ي جد الرا حة في لح ظة ما‪ .‬لهذا بالتحد يد ل جأ من‬
‫يعرفون اليوم ب س "الروس الجدد" إلى ن قل أموال هم‪ ،‬و سوف يقومون بن قل كل ما ي ستطيعون "تح صيله" في رو سيا إلى‬
‫الخارج‪ .‬إن تحويل روسيا إلى مجرد مصدر مواد خام تابع للقتصاد الغربي س هو في راس أولويات العولمة الحالية‪.‬‬
‫وقد سبق واعد نفس المصير لبلدنا منذ أكثر من مائة عام من قبل الشيوعيين س المميين‪.‬‬

‫ل قد تم في حي نه توظ يف الطاقات القت صادية والع سكرية لرو سيا من ا جل إزالة النظام العال مي ال مبريالي القد يم ذو‬
‫الخصائص القومية وذلك من اجل بناء الممية الشيوعية‪ .‬لكن السلطة الروسية حينذاك تمكنت من قلب المعادلة وبعد أن‬
‫تخلصت من أباطيل وأوهام الثورة العالمية قامت بنقل البلد إلى مصاف الدول العظمى في العالم‪ .‬الن يحضّر نفس‬
‫المصير لروسيا س امتداد من الثروات الطبيعية ملحق باقتصاد أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية‪.‬‬
‫ون حن ن سير "بنجاح" في هذه الطر يق وب سرعة باهرة جدي‪ ّ.‬صعد عدد ال سكان ح تى ال س ‪ 50‬مليون ن سمة "المقررة‬
‫والمسموح لنا بها‪ ،‬ولذلك نقوم بتهديم كل ما ل يتعلق بتامين عمل القطاعات المعتمدة على التصدير؛ وهمنا المحافظة‬
‫على المستوى المطلوب للغرب من إنتاج النفط والغاز‪ .‬أما احتياجات القتصاد الروسي فل تهم أحدا "بشكل جدي"‪.‬‬
‫بالنسبة لهم أوروبا الموحدة‪ ،‬أما نحن " حق القليات والقوميات في تقرير المصير " لدرجة الفظاعة والنفخ المتزايد‬
‫في الصراع المفتعل بين ديانتين تاريخيا متعايشتين في روسيا‪ :‬المسيحية والسلم‪.‬‬
‫خلل شهري حزيران س تموز ‪ 2001‬فقط هبطت أسعار النفط والغاز في السواق العالمية بنسبة ‪ %15‬وبالنسبة للنفط‬
‫الروسي ‪ .%20‬إن تلك الواقعة يمكن أن تعني بداية النهاية "للعجيبة القتصادية" التي وكأنها تحققت في عهد النظام‬
‫الجد يد لرو سيا‪ ،‬ذلك أن المقياس لحياة طبيع ية في البلد س الميزان ية س ل تزال تب نى ل يس على ب عث وزيادة النتاج‬
‫المحلي‪ ،‬وإنما فقط على ارتفاع أسعار النفط الخام والغاز المصدّر‪ .‬فإذا ما انخفضت السعار س تهتز الميزانية‪ :‬إن‬
‫سياسة العول مة لن ت سمح لرو سيا أبدا بالنهوض والوقوف على قدمي ها‪ .‬بالط بع طال ما إن حكومت نا الوطن ية ستستمر في‬
‫نهجها الموالي للغرب وبشكل أعمى والذي سيؤدي ل محالة إلى الهلك‬

‫‪15‬‬

‫العولمـة‪ ..‬مـقــاومـــة وتفاعـــل‬
‫مسا زال مصسطلح (العولمسة) مسن المصسطلحات الغامضسة التسي لم تُحدّد معالمهسا بدقسة؛ على الرغسم مسن كثرة الكتسب‬
‫والدرا سات ال تي كت بت ف يه‪ .‬ل كن يبدو أن هناك رأيا سائدا ع ند جمهرة من ال ساسة والمفكر ين يش ير إلى أن م صطلح‬
‫(العولمة) قرين لمصطلح (المركة)‪ ،‬وهذا ما أشار إليه مؤلفا كتاب (فخ العولمة) عندما قال‪( :‬إن ثمة جهودا خارقة‬
‫تبذل لكي يتخذ العالم صورة واحدة؛ ول ريب في أن المحصلة النهائية لمثل هذا التطور ستكون في المجال الثقافي كما‬
‫يتبناها ابن نيويورك الفنان «كورت روي ستون» بسيادة الصراخ والزعيق المريكي بمفرده في العالم أجمع)(‪.)1‬‬
‫ل قد انهارت أورو با أمام الغزو ال سينمائي والتلفزيو ني المري كي ك ما ذ كر ذلك ب عض المفكر ين(‪ ،)2‬ولم يحم ها شعار‬
‫السستثناء الثقافسي الذي رفعسه وزيسر الثقافسة الفرنسسي‪ ،‬وشعرت كثيسر مسن الدول بالقلق مسن هذه التحولت الثقافيسة‬
‫والحضارية التي يشهدها العالم؛ حتى قال وزير الخارجية الكندي‪( :‬لئن كان الحتكار أمرا سيئا في صناعة استهلكية؛‬
‫فإنه أسوأ إلى أقصى درجة في صناعة الثقافة؛ حيث ل يقتصر المر على تثبيت السعار‪ ،‬وإنما تثبيت الفكار!)‪.‬‬
‫فإذا كان هذا النهيار والقلق قد حصل في الدول الكبرى التي تدرك خطورة العولمة؛ فما بالك في الدول المهزومة التي‬
‫ترى أن نهضت ها إن ما تكون بالن سلخ من هويت ها‪ ،‬والوقوع في شرك التبع ية‪ ،‬خا صة ب عد إرهاب المر كة الذي ام تد‬
‫هديره بعد أحداث نيويورك وواشنطن في الحادي عشر من سبتمبر ليجرف بطوفانه ما بقي من كرامة الشعوب‪..‬؟!‬
‫إن سراب العول مة وأكاذيب ها المتتال ية س خا صة في المجال القت صادي س بدأت تت ضح وتنك شف سوءاتها؛ ولهذا فإن‬
‫مستقبل العولمة (المركة) أصبح مهددا بالسقوط التدري جي‪ ،‬خاصة ب عد أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي زلزلت‬
‫الكيان المريكي وأسقطت هيبته‪.‬‬
‫ل قد أشر نا في العدد (‪ )167‬إلى المؤت مر( ‪ )3‬الذي عقده المنتدى ال سلمي في لندن بعنوان‪( :‬العول مة‪ ..‬مقاو مة‬
‫وتفاعل)‪ ،‬ونشرنا مقالة تمهيدية للدكتور إبراهيم بن ناصر الناصر بعنوان‪( :‬العولمة ‪ ..‬استثمار ومقاومة)‪ ،‬ووعدنا بنشر‬
‫بق ية الوراق ال تي قد مت ف سي المؤتم سر‪ ،‬وه سا نح سن س بح مد ال س ن في بالو عد ونن شر الملف ب عد انعقاد مؤت مر‬
‫الدوحة لس (منظمة التجارة الدولية) التي تعد إحدى الذرع الرئيسة للعولمة‪.‬‬

‫‪---------------------‬‬‫(‪ )1‬فخ العولمة‪ ،‬ص ‪.49‬‬
‫(‪ )2‬منهم‪ :‬روجيه جارودي في كتابه‪( :‬أمريكا‪ ..‬طليعة النحطاط)‪ ،‬ص ‪.114‬‬

‫‪16‬‬

‫(‪ )3‬من الوراق التي قدمت في المؤتمر‪ :‬ورقة بعنوان‪( :‬عولمة أم استعمار؟) قدمها الستاذ الدكتور محمد آمحزون‪،‬‬
‫وورقسة أخرى بعنوان‪( :‬العولمسة العلميسة) قدمهسا الدكتور مالك الحمسد‪ ،‬ولكسن لم ننشرهسا فسي هذا الملف لنسه سسبق‬
‫نشرهما في مجلة البيان في العددين (‪ )148 ،145‬مع العلم أنهما أضافا مادة علمية كثيرة‪ ،‬لكننا آثرنا عدم التكرار‪.‬‬

‫العولمة القتصادية ومؤتمر اليواء البشرى محمد عبد ال الشباني‬
‫عقد خلل الفترة من الثالث حتى الرابع عشر من شهر يونيو لعام ‪1996‬م في استنبول مؤتمر اليواء البشري تحت‬
‫مظلة ال مم المتحدة‪ ،‬وهذا المؤت مر حل قة من حلقات المؤتمرات ال تي دأ بت ال مم المتحدة على عقد ها و فق دعايت ها‬
‫بتحسين أوضاع العالم القتصادية والتجارية والعمرانية والسياسية والجتماعية‪ - ،‬لكن حقيقة المر بخلف ذلك‪ ،‬بل‬
‫إن هذه المؤتمرات أداة ت ستخدمها الرأ سمالية اليهودية لل سيطرة على العالم اقت صاديّا وفكريّا من خلل تأط ير ال سلوك‬
‫الجتماعي والسياسي ليوافق الفكر العلماني الذي تقوم عليه الرأسمالية اليهودية المعاصرة‪.‬‬
‫إن الطار الفكري الذي تقوم عليسه فكرة المؤتمسر ومسا طرح فسي وثيقتسه مسن أفكار وأسساليب مطلوب مسن الدول‬
‫المشتر كة في هذا المؤت مر تبني ها ل حل مشكلة تؤرق ال سياسيين في مختلف أقطار العالم و هي (مشكلة اليواء وتوف ير‬
‫الماكسن الكافيسة لسستيعاب ملييسن البشسر (‪ ،‬هذا الطار مسا هسو إل غطاء للتسسلل لحتواء موارد الدول الفقيرة‬
‫واسستغللها لصسالح المؤسسسات الماليسة والمالكيسن لهسا مسن دهاقنسة اليهود والمتهوديسن فكرا وسسلوكا‪ ،‬ونشسر النماط‬
‫السسلوكية التسي أفرزتهسا الفلسسفة الجدليسة الماديسة‪ ،‬التسي مسن مقتضياتهسا النفلت السسلوكي‪ :‬سسواء مسا كان له ارتباط‬
‫بالمنهجية القتصادية‪ ،‬وما يرتبط بذلك من حرية مطلقة في استلب الخرين‪ ،‬وتحقيق المنفعة الفردية على حساب‬
‫المنف عة الجماع ية مع ا ستبعاد الجوا نب الخلق ية في ال سلوك القت صادي‪ ،‬أو ما كان له ارتباط بأنماط ال سلوكيات‬
‫الجتماعية ل سيطرة الرأ سمالية اليهودية ممثلة في الوليات المتحدة بو صفها قوة وحيدة بتمك ين هذه القوة الجديدة من‬
‫الستحواذ على العالم؛ ليكون القرن الحادي والعشرين قرن أمريكا‪.‬‬
‫أهداف المؤتمر‪:‬‬
‫إن أهداف المؤت مر الذي حددت ها م سودته (جدول أعماله) تل بس ال حق بالبا طل؛ ح يث تعلن مفاه يم عا مة وتمنيات‬
‫تُدغدغ ب ها رغبات الحكومات الفقيرة ال تي ترزح ت حت وطأة الف قر والحا جة والتخلف‪ ،‬ولكن ها في الوا قع سراب ُينْ َفذُ‬
‫من خلله إلى الهدف الحقيقي المغلف بهذا السراب‪.‬‬
‫سة‪:‬‬
‫سة المور التاليس‬
‫سل للهداف الحقيقيس‬
‫سي مدخس‬
‫سي هس‬
‫سر التس‬
‫سة المؤتمس‬
‫سي وثيقس‬
‫سا فس‬
‫سن الهداف المشار إليهس‬
‫فمس‬
‫‪ -1‬المسساواة والعدالة لجميسع الفراد‪ ،‬للحصسول على اليواء وتوفيسر البنيسة التحتىة المكملة للمسسكن الملئم‪.‬‬
‫‪ -2‬استئصال الفقر‪ ،‬من خلل توفير المأوى للفئات ذات الدخل المنخفض مع حق اختيار العمل والحصول عليه‪.‬‬
‫‪17‬‬

‫أما الهداف الحقيقية للمؤتمر فيمكن فهمها من خلل ما رسم من إجراءات تنفيذية لتحقيق الهداف الفضفاضة‪ ،‬وما‬
‫امتزج ضمنهسا مسن مفاهيسم أدرجست لتخدم الغرض الحقيقسي للمؤتمسر‪ ،‬ويمكسن تحديدهسا على النحسو التالي‪:‬‬
‫‪ -1‬العمل على تغيير مفهوم السرة القائم عل السس الدينية والقيم الجتماعية الفطرية‪ ،‬وتوسيع هذا المفهوم ليشمل‬
‫أنماطا من الشكال التي تم تبنيها في المجتمع الغربي بوجه عام‪ ،‬وفي الوليات المتحدة بوجه خاص؛ من خلل تغيير‬
‫معالم ومكونات السرة ك ما عرفتها الن سانية‪ ،‬حيث أشار الب ند (‪ )18‬من الوثي قة إلى شمول اليواء لمختلف أشكال‬
‫ال سر‪ ،‬والمق صود من ذلك‪ :‬م نح الشاذ ين جن سيّا الذ ين يكونون في ما بين هم ُأ سَرا‪ ،‬وتلك الشكال من العلقات ب ين‬
‫الرجال والنساء الذين ل يرتبطون بعلقات شرعية‪ ،‬مساكن لليواء‪.‬‬
‫‪ -2‬توسيع النظام الربوي‪ ،‬وتمكين المؤسسات المالية الربوية من السيطرة على المقدرات المالية لدول العالم الثالث‪،‬‬
‫من خلل عمل شبكة من البنوك ومؤسسات القراض‪ ،‬وربط تمويل توفير المباني والبنية التحتىة لمشاريع اليواء‬
‫بالقراض الخارجي‪ ،‬البند (‪.)30‬‬
‫اللتزامات المطلوب تنفيذها لتحقيق الهداف‪:‬‬
‫من أ هم اللتزامات المطلوب تبني ها من ق بل المشارك ين في هذا المؤت مر والموقع ين على وثيق ته المور التال ية‪:‬‬
‫‪ -1‬تغيير قوانين الملكية الخاصة بالراضي‪ :‬سواء الزراعية أو السكنية‪ ،‬وقوانين السكان واليجارات‪ ،‬وفتح باب‬
‫سوق شراء وبيع العقارات‪ ،‬وإزالة جميع العوائق الخاصة بتوفير المناخ الملئم لحرية السوق العقاري (البند ‪ 56‬من‬
‫الوثيقسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسة)‪.‬‬
‫‪ -2‬تغيير وتعديل النظمة لتسهيل حركة الموال وربط تمويل السكان بالنظام المالي العام للدولة وتعديل السياسة‬
‫النقدية والمالية لتوفير روح المنافسة‪ ،‬لتتحرك الموال من أجل توفير القروض للفقراء‪ ،‬مع توفير المكانية لنظمة‬
‫القراض لتحقيق استعادة القروض من خلل توفير القوانين والنظمة لذلك‪ ،‬وإقرار برامج رهن المساكن لمؤسسات‬
‫القراض المتعددة (البند‪.)61 :‬‬
‫‪ -3‬ر بط اقت صاديات الدول المتخل فة باقت صاديات الدول الرأ سمالية ض من المفهوم الذي تب شر به الوثي قة‪ ،‬و هو‬
‫القت صاد الدولي‪ ،‬ك ما أشارت إل يه البنود (‪ ،)150 ،147 ،140‬من الوثي قة‪ ،‬ح يث تم التأك يد على ر بط ال سلطات‬
‫المحلية بالسوق المالي الدولي ومؤسسات القراض الخاصة بالشؤون البلدية‪ ،‬مع العمل على توفير البنية التي تسمح‬
‫للقتصساد الدولي فسي النمسو‪ ،‬والمسساهمة فسي بناء البنيسة التحتىة لمشاريسع اليواء وتكويسن المراكسز الحضريسة‪.‬‬
‫إن تبني الهداف وقبول اللتزامات التي حددتها الوثيقة التي تم التوقيع عليها في مؤتمر استنبول يعني التمكين لما‬
‫يعرف في مجال الدرا سات القت صادية (بعولمة القتصاد) تحت قيادة صندوق الن قد الدولي والمؤ سسات التابعة له‪.‬‬
‫وظاهرة (العولمسة) التسي أخذت فسي الزدياد فسي الفترة الخيرة لهسا خطورتهسا على النمسو القتصسادي والحضاري‬
‫والثقافسي للمجتمعات المتخلفسة‪ ،‬وبخاصسة المجتمعات السسلمية؛ حيسث يتوفسر فسي بلد المسسلمين مصسادر الثروات‬
‫الطبيعية؛ مما يدفع إلى الستحواذ عليها من قبل الرأسمالية اليهودية العلمانية‪.‬‬
‫إن أهسم مظاهسر عولمسة القتصساد هسي‪ :‬زيادة نمسو الشركات المتعددة الجنسسية‪ ،‬ومؤسسسات النتاج الدوليسة الطابسع‬
‫والعالميسة النشاط‪ ،‬وقسد أدى هذا المسر إلى التشابسك بيسن مؤسسسات النتاج على الصسعيد القطري والقليمسي‪ ،‬واتجاه‬
‫الشركات القطريسة إلى توسسيع رقعسة أنشطتهسا لتخرج بسه خارج الحدود الوطنيسة أو القوميسة وصسول إلى المسستوى‬
‫‪18‬‬

‫الكو ني‪ ،‬والشكل الذي تأخذه العولمة هو قيام المؤسسات الضخمة بمد نشاط ها خارج حدود ها الوطنية وإنشاء فروع‬
‫شبه مستقلة ولكنها تابعة لها في بلدان الدول المتخلفة‪ ،‬أو تحويل الكيانات القائمة للشركات القومية؛ لتُكوّن فروعا لها‬
‫وتوابع لنشاطها‪.‬‬
‫لتت ضح أبعاد ظاهرة العول مة القت صادية أو ما يم كن ت سميته بظاهرة الرأ سمالية متعددة الجن سية ال تي تج مع لدي ها‬
‫عنا صر القوة القت صادية‪ ،‬و ما يم كن أن توظ فه من قوة سياسية أو تمار سه من ضغوط على الدول المتخل فة غ ير‬
‫القادرة على التعا مل بند ية مع هذه الكيانات العمل قة‪ ،‬فالح صاءات تو ضح مدى خطورة هذا التمر كز الرأ سمالي‪...‬‬
‫فإذا عرفنسا أن إيرادات أكسبر خمسسمئة شركسة فسي العالم بلغ فسي عام ‪1994‬م نحسو عشرة تريليون ومئتيسن وأربسع‬
‫وخم سين بليون دولر‪ ،‬وإذا تم مقار نة ذلك بمجموع النا تج المحلي الجمالي لدول العالم في سنة ‪1993‬م (الذي كان‬
‫ل مسن ثلثسة وعشريسن تريليون دولر)‪ ،‬أدركنسا مدى خطورة تركسز الموال لدى الرأسسمالية العالميسة‪.‬‬
‫أكثسر قلي ً‬
‫إن ال سؤال الذي يسبرز ه نا هو‪ :‬لماذا تت جه الرأ سمالية اليهود ية في ن قل وترك يز ب عض عمليات النتاج في الدول‬
‫المتخل فة؟‪ ..‬وإن الهدف الحقي قي هو الب حث عن أعلى معدلت للر بح‪ ،‬و هو هدف سهل يم كن تحقي قه ب عد أن قا مت‬
‫الرأ سمالية اليهود ية بالد فع إلى تب ني ال سياسات الليبرال ية ب عد سقوط التحاد ال سوفييتي وف شل الف كر الشترا كي في‬
‫تحقيق النمو القتصادي للدول التي تبنته‪.‬‬
‫ومن هنا‪ :‬ن جد أن القوى الرأ سمالية من خلل مؤ سسات ال مم المتحدة المالية (الب نك الدولي و صندوق الن قد الدولي‬
‫وتوابعهما) وبعد أن تزعمت الوليات المتحدة العالم؛ أخذت بالدعوة إلى تبني أساليبها القتصادية‪ ،‬حيث أصبح تبني‬
‫هذه السياسة بدون نظر لمحاذيرها هو التوجه لدى دول العالم المتخلف وبخاصة دول العالم السلمي‪ ،‬فقد أخذ البنك‬
‫الدولي بتوجيه من الوليات المتحدة بإجبار دول العالم السلمي إلى إعادة هيكلة اقتصادياتها على ضوء هذه السياسة‬
‫الليبرال ية‪ ،‬فاتج هت لخارج دول ها لجذب رأس المال الج نبي‪ ،‬وتب ني مفهوم القطاع الخاص من خلل ا ستخدام آليات‬
‫ال سوق و ما يتطل به ذلك من تحج يم وا ضح في الملك ية العا مة‪ ،‬وتد خل الدولة في النشاط القت صادي‪ ،‬وهذا ما تتبناه‬
‫وثيقة استنبول لحل مشكلة اليواء‪.‬‬
‫إن عولمة القتصاد الذي تُطالب به المم المتحدة برئاسة الوليات المتحدة حيث يحل مشروع أممية رأس المال بدلً‬
‫من أمم ية البروليتار يا‪ ،‬ف ما يح صل الن من أ ساليب إجرائ ية متعددة الشكال ل حل مشا كل اجتماع ية واقت صادية هو‬
‫تمك ين لمرا كز النظام الرأ سمالي من إعادة احتواء دول العالم المتخل فة وإعادة امت صاص قوا ها‪ ،‬طبقا لمن طق ترا كم‬
‫رأس المال في تلك المراكز‪.‬‬
‫إن آليات السوق الذي تقوم عليه الفكرة الساس للرأسمالية‪ :‬أن من ل يستطيع كسب قوته يجب أن يموت‪ ،‬فهناك في‬
‫الغرب فل سفة م من يقول‪ :‬إن المليار من فقراء العالم الثالث‪ ،‬بل وفقراء الدول ال صناعية كانوا زائد ين عن الحا جة‪،‬‬
‫وبالتالي‪ :‬فل مبرر لوجودهم ول حاجة إليهم‪ ،‬ضمن مفهوم فلسفة البقاء للصلح!‪ ،‬ولذا‪ :‬تجد الدعوة المستمرة لتغيير‬
‫مفهوم ال سرة‪ ،‬والدعوة إلى الجهاض وق تل العجزة‪ ..‬وغ ير ذلك من الدعوات غ ير الخلق ية وغ ير الن سانية‪ ،‬و ما‬
‫هي إل نتيجة العبثية الرأسمالية العلمانية‪.‬‬
‫إن المخرج مسن هذا الفسخ الذي نصسبته الرأسسمالية اليهوديسة هسو قدره العالم السسلمي فسي اتخاذ قراره السسياسي‬
‫الم ستقل‪ ،‬وهذا ل يم كن أن يتح قق إل إذا طرح الف كر العلما ني ونبذه من مناه جه وتوجها ته‪ ،‬وتب نى الف كر العقائدي‬

‫‪19‬‬

‫السلمي وما يحتويه من سلوكيات وقيم ونظم وتشريعات لتحقيق سعادة النسان الدنيوية والخروية ((وَلَوْ أَنّ أَهْلَ‬
‫سبُونَ)) [العراف‪:‬‬
‫خ ْذنَاهُم بِمَا كَانُوا َيكْ ِ‬
‫سمَاءِ وَالَ ْر ضِ وَلَكِن َك ّذبُوا فَأَ َ‬
‫ت مّ نَ ال ّ‬
‫القُرَى آ َمنُوا وَاتّقَوْا َل َفتَحْنَا عََليْهِم بَ َركَا ٍ‬
‫‪)*(.]96‬‬

‫الهوامسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسش ‪:‬‬
‫* تأجلت الحلقة الثالثة من دراسة الكاتب الكريم د‪ /‬محمد الشباني عن (الربا والدوات النقدية المعاصرة) وذلك لتواكب المجلة المؤتمر مدار‬
‫البحث‪ ،‬وموعدنا مع الحلقة المؤجلة في العدد القادم إن شاء ال‪.‬‬

‫منظمة التجارة العالمية والعولمة القتصادية‬
‫د‪ .‬محمد بن سعود العصيمي(*)‬
‫‪M_alosaimi@alrajhibank.com.sa‬‬
‫تم ثل التجارة الدول ية الع صب المركزي لقت صاديات دول العالم‪ .‬و مع هذه الهم ية‪ ،‬ف قد مرت النظر ية القت صادية‬
‫التي تعنى بدراسة التجارة الدولية بمراحل تطورت من خللها‪ ،‬بدءا بالنظريات التي كانت ترى الكتفاء الذاتي لكل بلد‬
‫أمرا ممكنا‪ .‬بل مرغوبا ف يه من الناح ية القت صادية؛ وعل يه فل دا عي للتجارة الدول ية؛ و هو ما ي ستدعي فرض قيود‬
‫عليها‪ .‬ووصولً إلى النظريات الحديثة التي ترى التوسع في التجارة البينية بين دول العالم‪ ،‬وأنها تزيد من رفاه العالم‬
‫والدول المشاركة فيها على حد سواء؛ فل بد من تحريرها من القيود‪.‬‬
‫وتاريخيا‪ ،‬وبنا ًء على الواقع السياسي والحربي لدول العالم‪ ،‬كانت التجارة الدولية تمر بموجات من المد والجزر في‬
‫مجال الحمائ ية (ويق صد ب ها و ضع موا نع غالبا ما تكون م صطنعة أمام ان سياب ال سلع من خارج البلد م ثل الجمارك‬
‫والقيود الكميسة والنوعيسة على الواردات)‪ .‬فقسد كانست الحروب‪ ،‬ول تزال‪ ،‬تشكسل العائق الول أمام انسسيابية التجارة‬
‫الدول ية ب سبب فقدان الث قة ب ين البلدان المتحار بة‪ .‬وكان ي صاحب قيام الحروب و قف ت صدير وا ستيراد الذ هب والف ضة‬
‫على وجسه الخصسوص بسسبب كونهمسا نقودا مقبولة فسي أنحاء كثيرة مسن العالم لقرون طويلة (أو غطاء إلزاميا للنقود‬
‫الورق ية إلى ع هد قر يب)‪ .‬هذا هو ال سبب الول الذي ج عل أ صحاب النظر ية التجار ية ينادون بالكتفاء الذا تي وعدم‬
‫القيام بعمليات تجارة عالمية؛ حيث إن فقدان المعدنين الثمينين في أوقات السلم يجعل البلد عرضة للضعف الشديد حال‬
‫الحرب‪ .‬ولذلك تز يد الموجات الحمائ ية (بفرض القيود المال ية والكم ية والنوع ية) على التجارة ب ين البلدان أثناء وب عد‬
‫الحروب‪ .‬ول ما تغ ير الو ضع في النقود وأ صبحت ل ت صرف بالمعدن الثم ين‪ ،‬خفّ ت تلك الثار من ج هة‪ ،‬وزادت من‬
‫جهة أخرى؛ فأصبحت الدول المتحاربة تتعامل بعملت قوية مصدرة في بلد غير مشمول بالحرب‪ ،‬لكن النقد الخاص‬
‫بالدول المتحاربة قد يتلشى للصفر‪ .‬وآثار الحروب ل تتوقف على النقود‪ ،‬بل كثير من الدوات القتصادية التي تعتمد‬
‫على الثقة تتأثر تأثرا كبيرا بالحرب(‪.)1‬‬
‫ولذلك كا نت الحربان العالميتان ذوا تي أ ثر كبير على التجارة العالم ية بناءً على ما سبق‪ .‬و قد ا ستدعى ذلك من قادة‬
‫العالم (القادر على ذلك) المبادرة لتصسحيح مثسسل تلك الختللت فسي سسسوق التجسسارة العالميسة حتسسى ل تتضرر‬

‫‪20‬‬

‫البلدان وخاصسة المتقدمسة بعسد الحروب‪ .‬وقسد قامست جهود كثيرة مسن دول العالم المتقدم لتصسحيح الخلل الناشسئ مسن‬
‫الحروب على التجارة الدول ية ب عد الحرب العالم ية الولى‪ ،‬ولكن ها لم تلق الد عم الكا في من بق ية دول العالم‪ ،‬وفتّ في‬
‫عضدهسا الكسساد العظيسم الذي ضرب أطنابسه على الوليات المتحدة وأوروبسا مسن عام ‪1929‬م حتسى ‪1933‬م‪ ،‬وقيام‬
‫الحرب العالمية الثانية فيما بعد‪ .‬وكانت الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية مناسبة للوليات المتحدة المريكية (البلد‬
‫المنت صر في الحرب) لفرض سياستها على العالم‪ ،‬وتشك يل ما تر يد تشكيله من المؤ سسات والمنظمات العالم ية ال تي‬
‫تحل بها كثيرا من المشكلت التي نشأت من الحروب؛ بحيث تستفيد الستفادة القصوى من تلك المنظمات‪ .‬ومن هنا‬
‫قا مت منظمات دول ية من أهم ها‪( :‬منظ مة ال مم المتح سسسدة) والهيئات وال سوكالت التابع سسسة ل ها‪ ،‬و ( صندوق‬
‫الن قد الدولي)‪ ،‬و (الب نك الدولي للنشاء والتعم ير)‪ .‬وكان الغرض من ها ترت يب الشأن ال سياسي والقت صادي والتمويلي‬
‫في العالم‪ .‬و في تلك الحق بة نف سها‪ ،‬تم اقتراح إنشاء منظ مة تع نى بالتجارة الدول ية ت سمى‪( :‬منظ مة التجارة العالم ية)‪.‬‬
‫وبالف عل تم ذلك‪ ،‬وبدأت اللجان المشكلة الع مل ب ها منطل قة م ما عرف في ما ب عد ب س (ميثاق هافا نا) الذي كان يراد م نه‬
‫تنشيط العلقات التجارية العالمية‪ .‬ولكن هذه المنظمة لم تقم على سوقها‪ ،‬لعتراض الكونجرس المريكي عليها نظرا‬
‫لسحبها كثيرا من صلحياته(‪.)1‬‬
‫غ ير أن حا جة الدول لمنتدى دولي للتداول حول الشؤون التجار ية المختل فة كان ملحا على الر غم من رغ بة الوليات‬
‫المتحدة المريكية‪ ،‬فكان أن قامت جهود منفردة بين مسؤولي القطاعات التجارية والقتصادية التي لها علقة بانسيابية‬
‫حر كة التجارة الخا صة ب ها‪ ،‬ثم تبلورت تلك اللقاءات والجتماعات عن أ طر تل قى قبولً عاما ب ين الدول‪ ،‬م ستمدة من‬
‫(ميثاق هافا نا)‪ ،‬شكلت في ما ب عد الطار النظري الذي بن يت عل يه اتفاق ية سميت‪( :‬التفاق ية العا مة للر سوم الجمرك ية‬
‫والتجارة)‪ ،‬واختصسارا مسن الحروف النجليزيسة الولى لسسمها‪ ،‬تدعسى (جات) [‪ .]GATT‬وكان الهاجسس الول فيهسا‬
‫تحرير التجارة العالمية من القيود التي وضعت بعد الحرب؛ وذلك بخفض الجمارك‪ ،‬والحد من القيود الكمية والنوعية‬
‫المفروضة على السلع من قبل الدول الطراف في التفاقيات‪ .‬وتولد عن تلك الجتماعات اتفاقات بين دولتين أو أكثر‪،‬‬
‫وتغطي في الغالب سلعا صناعية من المهم لطراف التفاقية وضع ضوابط للتجارة فيها‪ .‬ولحاجة كثير من دول العالم‬
‫لمثل هذا النوع من الترتيبات التجارية‪ ،‬زادت تلك التفاقات وتعددت أطرافها‪ ،‬وتوسعت بعض التفاقيات في أعضائها‬
‫والسلع الصناعية التي تشملها‪ ،‬وأصبحت تلك التفاقيات مجالً لنضاج كثير من الفكار القتصادية في مجال التجارة‬
‫العالمية‪ .‬ومع كل ذلك‪ ،‬لم تكن (الجات) منظمة بالمعنى الفني الدق يق‪ ،‬وإن كان لها أعضاء مشاركون مشار كة فاعلة‬
‫في كثير من مجريات اتفاقياتها‪ ،‬ولكنها قدمت للعالم وللفكر القتصادي كثيرا من الفكار الناضجة في مجالها؛ ومن ثم‬
‫اكت سب كثير من ممار ساتها عرفا دوليا مهما‪ ،‬وإن كان غير ملزم للطراف في ها؛ وتبلورت تلك في خ فض كثير من‬
‫الرسوم الجمركية على جملة السلع محل المفاوضات(‪ .)2‬وكانت بعض الدول التي ل ترغب في النضمام لهذا الملتقى‬
‫القت صادي غ ير الر سمي تد خل طرفا أو «عضوا» مراقبا ف يه‪ .‬و قد تبلور الع مل التجاري العال مي المدار عن طر يق‬
‫اتفاقية (الجات) عن مبادئ مهمة ألخصها فيما يأتي(‪:)3‬‬
‫‪ -1‬مبدأ عدم التمييز (أو‪ :‬قاعدة المعاملة الوطنية)‪ :‬والمقصود أن تتم معاملة كل دولة لسلع الدول الخرى معاملة‬
‫السلع الوطنية سواء في ما يتعلق بالضرائب المحلية أو النظمة المعمول ب ها‪ .‬و في هذا الطار تع طى الدولة المشاركة‬
‫في التفاقية وضع «الدولة الَوْلى بالرعاية»؛ ويقصد به‪ :‬حصول الدولة على كل المزايا الممنوحة من بلد آخر للبلدان‬

‫‪21‬‬

‫الخرى تلقائيا حتسى لو لم يكسن البلد طرفا فسي اتفاقيسة محددة‪ ،‬ويسستثنى مسن ذلك البلدان الداخلة فسي ترتيبات تجاريسة‬
‫إقليمية‪.‬‬
‫‪ -2‬مبدأ حظر القيود الكمية‪ :‬والمقصود أن يتم امتناع كل الدول المشاركة في اتفاقية الجات عن استخدام القيد الكمي‬
‫(أي‪ :‬تحديد الواردات بكمية معينة) في أساليب التعامل التجاري مع البلدان العالمية‪ .‬ومعنى ذلك أن الدول ليس لها إل‬
‫استخدام الرسوم الجمركية كآلية وحيدة لحماية الصناعة المحلية‪.‬‬
‫‪ -3‬مبدأ تخفيض الر سوم الجمركية‪ :‬والمق صود أن تتعاون الدول العضاء في التفاقية بخ فض ر سومها الجمركية‬
‫أمام الواردات الجنبية تحفيزا للتجارة العالمية‪ ،‬وتقليصا للعوائق السعرية عليها‪ ،‬أو على القل ربط تلك الرسوم بحيث‬
‫ل تزيد‪.‬‬
‫‪ -4‬التعهد بتجنب سياسة الغراق‪ :‬والمقصود أن تحاول الدول العضاء عدم دعم السلع الموجهة للتصدير دعما ماليا‬
‫مباشرا؛ بحيث إن التفاقية تريد ترسيخ قيم التنافس الحر بين الشركات والمنشآت التجارية بدون التدخل الحكومي‪.‬‬
‫و من أ هم أ سباب التطورات ال تي حد ثت في م سيرة (الجات) تلك الجولت من المفاوضات ب ين الدول العضاء ال تي‬
‫كانت تعقد كل عشر سنين تقريبا‪ ،‬وتسمى في البلد الذي تعقد فيه غالبا‪ .‬وكانت هذه الجولت مجالً لنضاج التجارب‬
‫في التفاقيات المختل فة‪ ،‬ول سماع الطراف المختلفين ما عند الخر ين حول التفاقيات‪ ،‬وللن ظر في إدخال سلع أخرى‬
‫لتشمل في التفاقيات القائمة‪ .‬وقد تم عقد ثماني جولت‪ ،‬كانت الولى في جنيف عام ‪1948‬م‪ .‬ولكن أهم تلك الجولت‬
‫هي الجولت الثلثة الخيرة‪ :‬جولة كندي (‪ 1964‬س ‪1967‬م)‪ ،‬وجولة طوكيو (‪1973‬س ‪1979‬م)‪ ،‬وجولة أوروجواي‬
‫(‪ 1986‬س ‪1993‬م)(‪ ،)1‬وكانت جولة أوروجواي أهم تلك الجولت على الطلق‪.‬‬
‫إرهاصات قيام منظمة التجارة العالمية(‪:)2‬‬
‫ل قد تغ ير مو قف الوليات المتحدة المعارض لنشاء منظ مة تع نى بالتجارة العالم ية عل سى نح سو غ ير معه سود‪ .‬ول‬
‫شك أن لذلك أسبابا تشترك فيها مصالح الوليات المتحدة مع أوروبا‪ ،‬وبقية البلدان الصناعية‪.‬‬
‫وأهم تلك المتغيرات في نظري‪:‬‬
‫ استعار المنافسة بين الوليات ودول أوروبا على المصالح‪ ،‬خاصة بعدما تبين لدول أوروبا أن الوليات المتحدة قد‬‫شكلت في السنوات الخمسين الماضية أكبر تحد لدول أوروبا في جميع المجالت‪ ،‬خاصة التجارية والثقافية‪ .‬ومن هنا‬
‫ندرك أن تشكيسل (التحاد الوروبسي) بيسن دول كانست متناحرة إلى عهسد قريسب لهسا لغات متعددة وثقافات متغايسسرة‬
‫ومصسالح متعارضسسة لم يأت اعسستباطا ول ترفا اقتصساديا أو سسياسيا؛ بسل هسو حسل غالي الثمسن لمعضلت باهظسة‬
‫التكاليف(‪ .)3‬ومن المهم في هذا السياق ربط الندماجات الكبيرة التي حصلت بين الشركات العالمية‪ ،‬والغربية على‬
‫و جه الخ صوص‪ ،‬في كث ير من المجالت‪ ،‬م ثل ال صيرفة‪ ،‬والخدمات المال ية‪ ،‬والت صالت‪ ،‬والتأم ين‪ ،‬وال صناعات‬
‫الساسية وغيرها‪ .‬ومن المهم الشارة إلى أن مثل تلك الممارسات كانت إلى عهد قريب تعد مخالفة للقوانين الخاصة‬
‫بمكافحة الحتكار في بلدان مثل الوليات المتحدة المريكية‪ ،‬ولكن الصورة القانونية تغيرت مع تغير ساحة الصراع‬
‫القتصادي‪.‬‬
‫ كثرة الدول ال تي كا نت م ستعمرات لدول أورو با مقار نة بالوليات المتحدة المريك ية؛ م ما يج عل تقد يم الدول‬‫الوروب ية لمزا يا تجار ية لهذه الم ستعمرات غ ير مخالف للن مط التجاري المعروف والمألوف عالميا‪ .‬ول ما كا نت تلك‬
‫‪22‬‬

‫المستعمرات السابقة قد أصبحت بعد التحرير(!) مجالً خصبا لنشاط الشركات متعددة الجنسيات‪ ،‬فقد كانت الشركات‬
‫حاملة الجن سية الوروب ية في ها مقد مة على غير ها من الجن سيات‪ ،‬خا صة المريك ية في المزا يا التجار ية‪ .‬وهذا يع ني‬
‫خسارة كبيرة لسواق كبيرة بإمكان الوليات المتحدة دخولها‪ .‬والعكس صحيح‪ ،‬فهناك دول ترغب أوروبا أن تمارس‬
‫في ها دورا أ كبر‪ ،‬و هي تاريخيا مجال ل صولت وجولت الشركات المريك ية‪ .‬ومشكلة الموز ال تي ثارت ب ين الوليات‬
‫المتحدة والتحاد الوروبسي أوضسح مثال على كسسب الوليات المتحدة السسجال فسي المسستعمرات(‪ ،)1‬ومشكلة تسسليح‬
‫بعض دول الخليج مثال آخر على كسب أوروبا الجولة في بعض السواق التقليدية للوليات المتحدة المريكية‪.‬‬
‫ عيوب اتفاقية (الجات) السابقة في النطاق وآليات اللزام والتنفيذ‪ .‬فمثلً‪ ،‬توجد ثغرات قانونية في اتفاقية (الجات)‬‫في مجالي الزراعة والمنسوجات‪ ،‬جعلت تلك الثغرات الباب مشرعا أمام الدول للتنصل من التزاماتها القانونية‪ ،‬مؤدية‬
‫لعرقلة ان سيابية التجارة‪ .‬وكمثال على هذا‪ ،‬لم ت ستطع الوليات المتحدة إقناع اليابان ول ال صين في ظل اتفاق ية الجات‬
‫بفتح أسواقهما كاملة أمام السلع المريكية‪ .‬ويضاف لذلك عدم شمول اتفاقية (الجات) تجارة الخدمات التي أثبتت أهمية‬
‫ق صوى في التجارة العالم ية(‪ ،)2‬و قد اشت كت كث ير من المنظمات ال صناعية والتجار ية من اختلف المعاي ير الوطن ية‬
‫لحماية حقوق الملكية الفكرية‪ .‬كذلك فإن كثرة النزاعات التجارية بين الدول في المجالت التجارية‪ ،‬وعدم وجود اللية‬
‫الكافية والقوية والمتفق عليها حسب نظم القانون الدولي كانت تعوق حل تلك المشكلت‪ .‬ثم إن كثيرا من الممارسين‬
‫للتجارة الدوليسة قسد تسبين لهسم بوضوح أثسر التغييرات والتعديلت التسي تجريهسا دول العالم المختلفسة على التنظيمات‬
‫الخاصة بها والتي لها صلة بالتجارة على انسيابيتها عالميا‪ .‬يضاف إلى ذلك ازدياد أهمية الشفافية في التجارة الدولية‬
‫وخاصسة مسع المعطيات الجديدة فسي النقود والدوات الماليسة الئتمانيسة‪ ،‬وزيادة أهميسة القدرة على التنبسؤ فسي كسل تلك‬
‫المتغيرات القتصادية‪.‬‬
‫ خروج رؤوس أموال الشركات الكبرى من الدول الصناعية واستيطانها في دول نامية؛ مما شكل عبئا كبيرا على‬‫إيرادات تلك الدول مسن الضرائب المفروضسة على تلك الشركات‪ .‬أضسف إلى ذلك أن الدول المتقدمسة أصسبحت تنوء‬
‫بأعباء ثقيلة مسن جراء حمايسة أسسواقها المحليسة‪ ،‬وخصسوصا دعسم المنتجات الزراعيسة ومشكلت التنافسس بينهسا حول‬
‫تصريف فوائض الحاصلت الزراعية(‪ ،)3‬وقد واكب ذلك شكاوى من بعض تلك الشركات بخصوص بعض الوضاع‬
‫غير المواتية من التصرفات والممارسات التجارية للدول النامية وغيرها؛ مما يضيع مزيدا من الفرص لتلك الشركات‪.‬‬
‫وبطبيعة وضع البلدان الغربية وتركيبتها؛ من حيث النتخاب السياسي والعلقة بين الساسة ورجال المال وحاجة كل‬
‫منهما للخر‪ ،‬كان ل بد من تدخل الحكومات الغربية لتعديل الوضاع الدولية لصالح شركاتها‪.‬‬
‫ التخوف من نجاحات ظهرت بوادر ها في ال فق من دول نام ية‪ ،‬وآخذة في الن مو‪ ،‬م ثل تجر بة (النمور ال سبعة)‬‫وغيرهسا‪ .‬يضاف إلى ذلك انهيار المعسسكر الشتراكسي الذي لم تكسن بلدانسه مسن أنصسار تحريسر التجارة‪ .‬وكان انتهاء‬
‫الحرب الباردة وإدخال إصلحات اقتصادية مبنية على قوى السوق (القرب للقتصاد الرأسمالي) فرصة مواتية لطبع‬
‫تلك القت صادات الجديدة بالطا بع الرأ سمالي‪ .‬ثم ال ستفادة من تلك الفرص التجار ية الضخ مة في تلك البلدان‪ ،‬يضاف‬
‫إلى ذلك تغير السياسات التجارية في البلدان النامية وذلك بترك سياسة الستعاضة عن الواردات واتباع سياسة تشجيع‬
‫النمو الموجه نحو التصدير‪ ،‬وما صاحب ذلك من تخصيص كثير من نشاطات القطاع العام في تلك الدول‪.‬‬
‫ ثبوت نجاح المؤسسات والهيئات الدولية للدول الغربية لكونها أداة رخيصة الثمن مقابل المصالح التي تجنى منها؛‬‫لذلك ربطست منظمسة التجارة العالميسة بالبنسك الدولي‪ ،‬وصسندوق النقسد الدولي ربطا إداريا عضويا‪ .‬فالمنظمات الدوليسة‬

‫‪23‬‬

‫ب في مصلحة الدول‬
‫أثبتت أنها أداة قوية جدا لتثبيت أوضاع مناسبة للدول الصناعية‪ ،‬ولتمرير حلول ومقترحات تص ّ‬
‫الغربية‪ ،‬ولحل كثير من المشكلت القتصادية التي تمهد لتوسع كبير في مبيعات الدول الصناعية‪ .‬وكل تلك المزايا‬
‫بكلفسة قليلة (مثسل المسساهمة النقديسة مسن الدول الصسناعية فسي رؤوس أموال تلك المؤسسسات)‪ ،‬مسع مزيسة قبول الدول‬
‫الخرى للقرارات ب سبب كون ها من منظمات دول ية‪ .‬وم ما يدل على ا ستفادة الدول ال كبرى ال صراع الذي يدور بين ها‬
‫على تنصيب مسؤولي تلك المنظمات‪.‬‬
‫ما سبق وغيره من ال سباب ج عل من قيام منظ مة تع نى بالتجارة العالم ية أمرا ملحّا جدا‪ .‬و قد أدى ذلك إلى تغ ير‬
‫قناعات دول كانت ترفض الفكرة من أساسها‪ ،‬مثل الوليات المتحدة المريكية(‪.)1‬‬
‫منظمة التجارة العالمية(‪:)2‬‬
‫التعريسف‪ :‬هسي‪« :‬عبارة عسن إطار قانونسي ومؤسسسي لنظام التجارة متعدد الطراف‪ .‬ويؤمسن ذلك الطار اللزامات‬
‫التعاقد ية ال ساسية ال تي تحدد للحكومات ك يف يمكسن صياغة وتنف يذ النظ مة والضوا بط التجار ية المحل ية‪ .‬ك ما أن‬
‫المنظ مة منتدى ي سعى إلى تنم ية العلقات التجار ية ب ين الدول من خلل المناقشات والمفاوضات الجماع ية والحكام‬
‫القضائية للمنازعات التجارية»(‪.)3‬‬
‫تاريخ التأسيس‪ :‬بعد ختام جولة أوروجواي في ‪ 15‬ديسمبر ‪1993‬م‪ ،‬والتي وقع بيانها الختامي في اجتماع مراكش‬
‫أبريل ‪1994‬م‪ ،‬تأسست منظمة التجارة العالمية رسميا في أول يناير ‪1995‬م‪.‬‬
‫المحاور‪ :‬ستكون منظ مة التجارة العالم ية مكانا عالميا لتحد يد القوا عد والعراف العالم ية لل سلوك التجاري العال مي‪،‬‬
‫ولتكون منتدى عالميا لجراء المفاوضات التجاريسة العالميسة‪ ،‬ولتقوم بمهام محكمسة دوليسة للمنازعات ذات الصسبغة‬
‫التجارية‪.‬‬
‫الهداف‪ :‬تهدف المنظمة إلى‪:‬‬
‫‪ -1‬إيجاد بيئة آمنة وأجواء مستقرة للتجارة الدولية‪.‬‬
‫‪ - 2‬استمرار تحرير التجارة من القيود (والمقصود‪ :‬النفاذ إلى السواق)‪ .‬وفي سبيل ذلك تسلك سياستين مهمتين‪:‬‬
‫الولى ال حد من سياسات الد عم للمنتجات المحل ية‪ ،‬والثان ية ال حد من سياسات الد عم الموج هة لل صادرات (وت سمى‬
‫الغراق)‪ .‬و من الوا ضح أن هدف المنظ مة من ذلك تكا فؤ الفرص ب ين الم صدّرين في كل الدول العضاء‪ ،‬وأن ل‬
‫تكون المنافسة بين الحكومات بل بين المنشآت الخاصة والشركات لما سبق بيانه من السباب‪ .‬ويستحق البلد العضو‬
‫لوْلى بالرعاية» حين ينضم للمنظمة‪ .‬والمقصود حصول الدولة العضو على المزايا الخاصة بالتجارة‬
‫وضع «الدولة ا َ‬
‫المتاحة من عضو من المنظمة لحد العضاء الخرين دون قيد أو شرط وتلقائيا‪ .‬ويستثنى من هذا تجمعات التكامل‬
‫القتصادي التي تتم بين دول بينها تجمع جمركي خاص‪ ،‬ويستثنى كذلك بعض الترتيبات التفضيلية التي تقام بين الدول‬
‫النامية تشجيعا لها على النضمام(‪ ،)4‬ثم يحصل العضو كذلك على أحقية معاملة سلعه المصدرة معاملة السلع الوطنية‬
‫في البلد الج نبي‪ .‬ول شك بأهم ية هات ين المزيت ين للع مل التجاري عموما‪ ،‬مع أنه ما في ن فس الو قت التزام من كل‬
‫عضو لكل العضاء بنفس ما حصل عليه من مزية‪.‬‬
‫الصكوك القانونية‪ :‬هناك صكوك واتفاقات قانونية ملزمة للدول العضاء في منظمة التجارة العالمية‪ ،‬وهي‪:‬‬

‫‪24‬‬

‫‪ - 1‬التفاق العام للتعريفات الجمرك ية والتجارة (جات) [‪ ،)GATT])1‬والتفاقات المرتب طة به (و هي تز يد عن ‪12‬‬
‫اتفاقية‪ ،‬و ‪ 4‬مذكرات)‪ ،‬وتطبق هذه التفاقات على السلع‪.‬‬
‫‪ - 2‬التفاق العام للتجارة في الخدمات (الجاتس) [‪ ]GATS‬الذي يطبق على تجارة الخدمات‪.‬‬
‫‪ - 3‬اتفاق الجوانب المتصلة بالتجارة في حقوق الملكية الفكرية (تريبس) [‪ .]TRIPS‬أما التفاقات الملزمة للعضاء‬
‫الموقعين عليها فقط فهي‪ :‬التفاق الخاص بالتجارة في الطائرات المدنية‪ ،‬والتفاق الخاص بشأن المشتريات الحكومية‪،‬‬
‫والتفاق الخاص بشأن منتجات اللبان‪ ،‬والتفاق الخاص بشأن لحوم البقر(‪.)2‬‬
‫النطاق‪ :‬ل شك أن من أهم عيوب اتفاقية (الجات) عدم شمولها قطاعات تجارية واقتصادية مهمة‪ ،‬ول شك أن التوسع‬
‫في التجارة العالم ية حتّ م دخول كث ير من المجالت لمنظ مة التجارة العالم ية‪ .‬و من ه نا ش مل نطاق منظ مة التجارة‬
‫العالمية التجارة في السلع الصناعية ومشتقاتها‪ ،‬والتجارة في السلع الزراعية‪ ،‬وتجارة الملبس والمنسوجات‪ ،‬والتجارة‬
‫فسي الخدمات‪ .‬ولكمال الطار القانونسي للتجارة السسلعية‪ ،‬فقسد أدرجست الموضوعات التاليسة إمسا كمواد أو كاتفاقيات‬
‫م ستقلة‪ ،‬و هي‪ :‬الوقا ية من الغراق‪ ،‬القيود على الد عم والجراءات التعويض ية‪ ،‬الحما ية الطارئة من الواردات على‬
‫ال صناعة المحل ية‪ ،‬الضوا بط الفن ية والموا صفات‪ ،‬تراخ يص ال ستيراد‪ ،‬وقوا عد ت سعير ال سلع على الحدود‪ ،‬وقوا عد‬
‫الفحص قبل الشحن‪ ،‬وإجراءات شهادات المنشأ(‪.)3‬‬
‫وقد نص التفاق العام بشأن تجارة الخدمات (جات) على مجالت كثيرة مثل التعليم‪ ،‬والعمال المصرفية‪ ،‬والتأمين‪،‬‬
‫والمعلومات‪ ،‬والت صالت ال سلكية والل سلكية‪ ،‬وو سائل الترف يه‪ .‬وحددت منظ مة التجارة العالم ية ما يز يد على ‪150‬‬
‫قطاعا فرعيا للخدمات(‪ ،)4‬و قد نص على قاعدة «التغط ية الشاملة» بخ صوص الخدمات‪ ،‬والمق صود شمول جم يع‬
‫الخدمات المتا جر ب ها دوليا في التفاق‪ ،‬بغضّ الن ظر عن طري قة تو صيل الخد مة‪ .‬و قد عر فت التفاق ية أر بع طرق‬
‫للتوصيل‪:‬‬
‫‪ - 1‬الخدمات المعروضة من دولة عضو إلى أخرى (مثل مكالمات الهاتف الدولية)‪.‬‬
‫‪ - 2‬الخدمات المعروضة من أراضي عضو للمستهلكين (مثل السياحة)‪.‬‬
‫‪ - 3‬الخدمات المقدمة عبر وحدة تجارية (مثل البنوك)‪.‬‬
‫‪ - 4‬الخدمات المقدمة من أشخاص (مثل الستشارات)(‪.)5‬‬
‫والوسيلة الرئيسة المتبعة لحماية المنتجات المحلية هي النظمة الوطنية‪ ،‬حيث ل يمكن وضع الرسوم الجمركية على‬
‫الخدمات؛ ولذلك تتبين أهمية الف صاح والشفافية للمنظمة وللمجتمع الدولي؛ وعليه‪ ،‬فتحر ير التجارة في الخدمات ي تم‬
‫عبر تقديم الدول تعهدات من خلل المفاوضات لتعديل أنظمتها المحلية تدريجيا وحيثما أمكن نهائيا؛ لتكون متوافقة مع‬
‫مبادئ منظمسة التجارة العالميسة‪ .‬وليسست معاملة الخدمات المقدمسة مسن الجانسب معاملة مماثلة للخدمات المقدمسة مسن‬
‫المواطنين ملزمة في الخدمات مثلها في السلع‪ ،‬بل يكتفى بتقديم تعهدات لتعديل النظمة المحلية(‪.)6‬‬
‫كذلك تشمل المنظمة التجارة في الحقوق الفكرية والدبية‪ :‬فقد نص اتفاق الجوانب المتصلة بالتجارة من حقوق الملكية‬
‫الفكرية (تريبس) التي تنصب على إبداع العقل البشري‪ ،‬على أن يشمل التفاق حفظ‪:‬‬
‫‪- 1‬حقوق التأليف (الكتب والعمال الفنية الخرى)‪.‬‬

‫‪25‬‬

‫‪- 2‬حقوق براءات الختراع (حقوق المخترعين)‪.‬‬
‫ل للتفاقات التي وضعتها المنظمة‬
‫‪ - 3‬حقوق النماذج الصناعية (أشكال الرسوم الزخرفية)‪ .‬ويعتبر هذا التفاق مكم ً‬
‫العالمية للملكية الفكرية (وايبو) [‪ ،)WIPO])1‬ويحدد التفاق الحد الدنى لمعايير الحماية ومددها التي يتعين توفيرها‬
‫لحقوق الملكية الفكرية على اختلف أنواعها‪ .‬وتطالب التفاقية بمعاملة المنتج الجنبي معاملة مماثلة للمن تج الوط ني‪،‬‬
‫ومراقبسة تطسبيق التشريعات على المسستوى الوطنسي(‪ .)2‬وتتعهسد الدول العضاء فسي منظمسة التجارة العالميسة بتنفيسذ‬
‫إجراءات حماية الملكية الفكرية من خلل تشريعاتها المحلية‪ ،‬وتطبيق الجراءات الرادعة لنتهاك هذه الحقوق‪ ،‬بما في‬
‫ذلك الجراءات المدنية والجراءات الجنائية‪ ،‬وطبقا للتفاق‪ ،‬فإن الحد الدنى لمدة حقوق الملكية الفكرية هو ‪ 50‬سنة‬
‫في حالة حقوق الط بع‪ ،‬و ‪ 20‬سنة في حالة براءات الختراع‪ ،‬و ‪ 7‬سنوات في حالة العلمات التجار ية(‪« ،)3‬وإ ثر‬
‫إبرام اتفاق تعاون مع منظ مة التجارة العالم ية سنة ‪1996‬م‪ ،‬ب سطت (الوي بو) الدور المنوط ب ها‪ ،‬وأثب تت مدى أهم ية‬
‫حقوق الملكية الفكرية في إدارة التجارة في عهد العولمة»(‪.)4‬‬
‫كذلك تطرقت المنظمة لترتيب إجراءات الستثمار المتعلقة بالتجارة حيث إن كثيرا من ممارسات الدول بخصوصها‬
‫مشابه للدعم الذي تقدمه الدول لصادراتها؛ ومن ثم فإنه يجب إلغاء معظم هذه الجراءات حيث إنها تؤدي إلى تغيير‬
‫مسار التجارة الدولية وتشجيع النتاج غير الكفء‪ ،‬وتصبح بهذا إجراءات مخالفة لقواعد المنظمة؛ لذلك سعت المنظمة‬
‫لتخفيف القيود المفروضة على الستثمارات الجنبية‪ .‬ويحدد التفاق إجراءات الستثمار ذات الثر في التجارة (ترمز)‬
‫[‪ ]TRIMS‬ومعنى هذه الجراءات بأنها الشروط التي تضعها السلطات المحلية على الستثمارات الجنبية التي ترغب‬
‫في الع مل في نطاق إقليم ها‪ ،‬وال تي تنطوي على تقي يد وتشو يه للتجارة الدول ية‪ .‬وبمقت ضى التفاق (المادة ‪ )15‬يتع ين‬
‫على كل دولة ع ضو في منظ مة التجارة العالم ية إلغاء الجراءات المحظورة خلل سنتين من قيام المنظ مة إذا كا نت‬
‫من الدول المتقدمة‪ .‬أما إذا كانت من الدول النامية فثمة معاملة تفضيلية تتمثل في إطالة الفترة المذكورة إلى ‪ 5‬سنوات‬
‫للدول الناميسة‪ ،‬و ‪ 7‬سسنوات للدول القسل نموا‪ .‬ويتسم إلغاء مثسل هذه القيود بعسد ذلك عسن المشروعات الجديدة‬
‫والمشروعات القائمة في الوقت نفسه‪ .‬والشروط المحظور فرضها هي‪:‬‬
‫‪ - 1‬شرط المكون المحلي أو شرط استخدام المستثمر الجنبي لنسبة محددة من المكون المحلي في المنتج النهائي‪.‬‬
‫‪ - 2‬شرط إحداث توازن بين صادرات المستثمر الجنبي ووارداته‪.‬‬
‫‪ - 3‬شرط بيع نسبة معينة من النتاج في السوق المحلية‪.‬‬
‫‪ - 4‬شرط الربط بين النقد الجنبي الذي يتاح للستيراد والنقد الجنبي العائد من التصدير(‪.)5‬‬
‫هذه المجالت هي المجالت الموجودة الن‪ ،‬ول بد من تقر ير أن نظام المنظ مة يت يح ل ها إدخال كث ير من المجالت‬
‫ل لمثل تلك الترتيبات العالمية من قبل‪.‬‬
‫التجارية الخرى التي لم تكن مجا ً‬
‫قواعد الجات ‪1993‬م التي تطبق عند الحدود‪:‬‬
‫‪ - 1‬تحد يد الق يم الخاض عة للر سوم الجمرك ية (تحدد الر سوم ح سب سعر الب يع‪ ،‬ولل سلطات الجمرك ية إن ش كت أن‬
‫تر فض القيمة المعلنة‪ ،‬وتعطي الفر صة للت سويغ‪ .‬فإن لم ت سوغ‪ ،‬فلل سلطات الجمركية التقد ير ح سب المعاي ير القانونية‬
‫الخمسة المقررة)‪.‬‬

‫‪26‬‬

‫‪ - 2‬تطبيق المعايير اللزامية (وهي معايير ال صحة والسلمة للمواطنين‪ ،‬ول يجوز وضعها بطريقة تسبب وضع‬
‫حواجز أمام التجارة؛ ولذلك يدعى لتطبيق المعايير الدولية‪ ،‬فإن لم توجد فتوضع على أساس المعلومات العلمية)‪.‬‬
‫‪ - 3‬تطبيق أنظمة الصحة‪ ،‬والصحة النباتية (كسابقتها)‪.‬‬
‫‪- 4‬إجراءات الترخيص بالستيراد (وهي تعنى بإرشادات إصدار التراخيص)(‪.)1‬‬
‫قواعد دعم المنتجات الوطنية‪:‬‬
‫الدعم الحكومي للمنتجات الوطنية على نوعين‪:‬‬
‫أولً‪ :‬دعم محظور‪ ،‬وهو نوعان‪:‬‬
‫أ ‪ -‬دعم التصدير‪ ،‬ويسمى‪( :‬الغراق)(‪.)2‬‬
‫ب ‪ -‬الدعم الذي يستهدف تشجيع استعمال السلع المحلية بدلً من المستوردة‪.‬‬
‫ثانيا‪ :‬الدعم المسموح‪ ،‬وهو على نوعين أيضا‪:‬‬
‫أ ‪ -‬دعم يسوّغ التقاضي‪.‬‬
‫ب ‪ -‬ود عم ل ي سوّغ التقا ضي‪ :‬فيجوز في حال وجود د عم ي سوّغ التقا ضي لجوء البلدان الم ستوردة المضرورة إلى‬
‫تدابير تصحيحية مثل الرسوم التعويضية إذا ألحقت المستوردات المدعومة ضررا بالصناعة المحلية‪ .‬ول يجوز ذلك‬
‫في الذي ل يسوّغ التقاضي(‪.)3‬‬
‫التدابير التي يمكن للدول المستوردة أن تتخذها بناء على طلب الصناعة المحلية‪:‬‬
‫‪ - 1‬الجراءات الوقائ ية‪ :‬وذلك بزيادة التعر فة أو فرض ق يد ك مي لمدة ل تز يد عن‬

‫‪ 8‬سنوات بشرط أن الزيادة‬

‫المفاجئة في الواردات قد تم التحقق من أنها تضر ضررا جسيما بأكثر من شركتين محليتين تنتجان الجزء الكبر من‬
‫النتاج المحلي لمنتوج شبيه‪.‬‬
‫‪ - 2‬يحق فرض رسم تعويضي على المنتوجات المستوردة حين يمارس المورّدون ممارسات تجارية غير مشروعة‪،‬‬
‫وهي‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الغراق؛ وذلك حين يكون سعر التصدير أقل من سعر البيع في السوق المحلية للمصدر‪.‬‬
‫ب ‪ -‬بيع الشركات منتوجاتها بأقل بسبب تلقي دعم حكومي‪ ،‬بشرط ثبوت ضرر كبير لمنتجين محليين ينتجون ‪%25‬‬
‫من إجمالي الناتج المحلي(‪.)4‬‬
‫الهيكل الداري للمنظمة(‪:)5‬‬
‫يتكون الهي كل الداري للمنظمسة مسن المجلس الوزاري الذي يم ثل فيسه كسل الدول العضاء‪ ،‬سواء كان الع ضو دولة‬
‫منفردة أم اتحادا جمركيا‪ .‬ويلتقسي المجلس الوزاري كسل سسنتين على القسل‪ ،‬وتتخسذ فيسه القرارات الكسبرى الخاصسة‬
‫بالمنظمة‪ ،‬من مثل الموافقة على دخول عضو جديد(‪ .)6‬وتكون القرارات بالجماع أو التصويت بالغلبية حسب نوع‬
‫القرار‪ .‬ويتفرع من المجلس الوزاري مجلس عمو مي‪ ،‬و هو للع مل اليو مي للمنظ مة‪ .‬و هو م ثل سابقه مم ثل ف يه كل‬
‫العضاء‪ ،‬ويرفع قراراته وما ي تم النظر فيه للمجلس الوزاري‪ .‬ويقوم المجلس العمومي بعملين مهمين‪ :‬متابعة حسم‬

‫‪27‬‬

‫النزاعات التجارية‪ ،‬ومراجعة السياسات التجارية للدول العضاء‪ .‬ويفوض في ذلك ثلثة مجالس‪ :‬مجلس التجارة في‬
‫السسلع‪ ،‬ومجلس التجارة فسي الخدمات‪ ،‬والمجلس الخاص بحقوق الملكيسة الفكريسة المرتبطسة بالتجارة‪ .‬وهناك لجنتان‬
‫مشكّلتان من المجلس الوزاري‪ :‬الولى‪« :‬لجنة التجارة والتنمية» وتعنى ب حل مشكلت الدول النامية‪ ،‬والثانية‪« :‬لجنة‬
‫ميزان المدفوعات» و هي للتشاور في شأن الدول ال تي ت ضع إجراءات تقييد ية على واردات ها لمواج هة صعوبة ميزان‬
‫المدفوعات‪ ،‬وترفع هاتان اللجنتان توصياتهما للمجلس العمومي‪.‬‬

‫عولمة الرأسمالية ورأسمالية العولمة‬
‫أحمد عبدالدائم‬
‫بدأ العالم منسذ فترة يشهسد دعايسة واسسعة لفكسر غربسي جديسد هسو (العولمسة)؛ فقسد بدأت رياح هذا الفكسر تجتاح بلد‬
‫الم سلمين؛ ح يث صار الكث ير من ال سياسيين والمفكر ين ي ستخدمون م صطلح (العول مة) ليكون المخرج من الوا قع‬
‫المظلم الذي تعيشه المة؛ ليخرجها من انحطاطها إلى مدارج النهضة‪.‬‬
‫والحقيقسة أن مفهوم (العولمسة) ليسس مجرد شعار اقتصسادي رأسسمالي فحسسب‪ ،‬ول هسو وجسه مسن وجوه الرأسسمالية‬
‫المتعددة الوجسه؛ لكنسه فكسر رأسسمالي شامسل لجميسع نواحسي الحياة‪ ،‬سسواء على الصسعيد السسياسي أو القتصسادي أو‬
‫الجتماعي أو الثقافي وإن كان الوجه القتصادي أبرزها‪.‬‬
‫إن المتت بع لل سياسة الدول ية يدرك تمام الدراك أن أمري كا أ صبحت هي المهيمن على ال سياسة الدول ية‪ ،‬بتفرد ها في‬
‫الموقف الدولي وفي إدارة مشاكل العالم وتسويتها؛ ذلك أنه بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وخروج أمريكا وحلفائها‬
‫منتصرين‪ ،‬راحت تفكر في السيطرة على العالم وتسلك مع حلفائها من الدول الغربية مسلك قائد المعسكر؛ لنها كانت‬
‫تمد هم بالمال وال سلح والمعدات أثناء الحرب‪ ،‬وب عد أن تذوّق أ صحاب رؤوس الموال المريكان ط عم الر بح ح ين‬
‫راحوا يشاركون بريطان يا اقت سام الن فط في الشرق الو سط عز مت أمري كا على أن تخرج من عزلت ها ال تي اختط ها‬
‫لنف سها بمو جب مبدأ مونرو؛ وح تى ي تم ل ها ما تر يد من ال سيطرة على العالم وطرد الدول ال ستعمارية التقليد ية من‬
‫منا طق نفوذ ها في كل من آ سيا وإفريق يا‪ ،‬و مع بروز التحاد ال سوفييتي قوة عظ مى رافعا شعار الم ساواة والعدل‬
‫والتحرر من الستعمار الوروبي س عند ذلك أدركت أمريكا أنها إذا سارت على الطريقة نفسها التي سارت عليها‬
‫الدول الرأسمالية الخرى فإنها ستخفق إخفاقا ذريعا؛ فكان ل بد من وضع الخطط والساليب والوسائل التي تضمن‬
‫لمري كا ال سيطرة على العالم والنفراد به بو صفها قوة واحدة في العالم‪ ،‬بالضا فة إلى ن شر مفاه يم وقناعات المبدأ‬
‫الرأسمالي في العالم‪.‬‬
‫ولذلك عمدت أمريكا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية من خلل الرئيس المريكي (ترومان) إلى إجراء مشاورات‬
‫مع حلفائ ها بشأن إنشاء منظ مة دول ية جديدة ت حل م حل (ع صبة ال مم) ال تي انهارت ب عد خروج ألمان يا من ها قُب يل‬
‫‪28‬‬

‫الحرب العالمية الثانية‪ ،‬ولقد كان الحلفاء حريصين عقب الحرب على مشاركة الوليات المتحدة في المنظمة الدولية‬
‫ل للمبدأ الشتراكي؛ فقد وافقت هذه الدول على‬
‫الجديدة بعد الدمار الكبير الذي لحق بهم وبروز التحاد السوفييتي ممث ً‬
‫إنجاز جم يع الخطوات والمناقشات المتعلقسة بهذه المنظ مة‪ ،‬و تم الت صويت على إنشائهسا في ( سان فران سيسكو) في‬
‫الوليات المتحدة المريكية أواخر شهر نيسان من عام ‪1945‬م بحضور خمسين دولة‪ ،‬وتمت تسميتها‪( :‬منظمة المم‬
‫المتحدة)‪ ،‬وتم وضع ميثاقها لحفظ السلم والمن العالميين من أجل تطوير علقات الصداقة بين المم القائمة على‬
‫احترام حقوق الشعوب وتقريسر المصسير‪ ،‬وحسل المشاكسل الدوليسة‪ ،‬واحترام حقوق النسسان والحريات السساسية له‪،‬‬
‫وتفرع عن هذه الهيئة العالمية الجمعية العامة للمم المتحدة‪ ،‬ومجلس المن الدولي وهو أهم هيئات المنظمة‪ ،‬ويتألف‬
‫من خم سة ع شر عضوا خم سة من هم دائمون و هم أمري كا ورو سيا وبريطان يا وفرن سا وال صين‪ ،‬وتفرع عن ها كذلك‬
‫صندوق النقد الدولي‪ ،‬ومن أبرز أغراضه العمل على تحقيق الستقرار النقدي الدولي وثبات أسعار الصرف‪ ،‬وجعل‬
‫موارد ال صندوق في متناول الدول العضاء بن سبة ح صصها في ها لم ساعدتها على تق صير أ مد الختلل في ميزان‬
‫مدفوعاتها‪ ،‬وقد كانت طريقة إنشائه مصوغة بشكل يؤدي إلى هيمنة أمريكا على قراراته؛ فقد جعلوا الصوات التي‬
‫تتمتع بها الدول تتوقف على حصتها في الصندوق‪ ،‬ولما كانت حصة أمريكا هي الكبر (‪ )%27.2‬من رأس المال‬
‫فإن قراراته كانت قرارات أمريكية‪.‬‬
‫كمسا تفرع عنهسا البنسك الدولي للنشاء والتعميسر وأبرز أغراضسه إعادة إعمار مسا دمرتسه الحرب‪ ،‬ومسساعدة الدول‬
‫المتخلفة اقتصاديا‪ ،‬وتقديم القروض والضمانات لدول العالم النامي‪.‬‬
‫وفي عام ‪1947‬م أسست أمريكا مع ‪ 23‬دولة صناعية اتفاقية (الجات) وهي (التفاقية العامة على الرسوم الجمركية‬
‫والتجارة)‪ ،‬وتهدف إلى تحرير تجارة السلع الزراعية والصناعية والمنسوجات والخدمات وتحرير التبادلت التجارية‬
‫والتدفقات المالية الناتجة عن العقود الحكومية الضخمة‪ ،‬ولما أخفقت (الجات) في تحقيق ما أرادته أمريكا من إنشائها‬
‫س لن التفاقيات والتو صيات غ ير ملزم سة للع سسضاء س ا ستسعاضت عن سهسا ب س (منظ مة التجارة العالم ية)‬
‫التي رأت النور في مراكش عام ‪1994‬م‪ ،‬وبدأ العمل بها ‪1995‬م‪.‬‬
‫فكان ( صندوق الن قد الدولي‪ ،‬والب نك الدولي‪ ،‬ومنظ مة التجارة العالم ية) هذا الثالوث هو ال سلح الفتاك ب يد أمري كا‬
‫للتفرد بالعالم‪ ،‬إضا فة إلى ما تمتل كه من قوة ع سكرية واقت صادية وتقدم تق ني؛ إذ إن أول خطوة قا مت ب ها الوليات‬
‫المتحدة المريكية هي ما أطلقه وزير خارجيتها بشأن إعمار أوروبا بعد أن دمرتها الحرب العالمية الثانية‪ ،‬وهو ما‬
‫عرف با سم‪( :‬مشروع مارشال)‪ ،‬خا صة أن ثل ثي ر صيد العالم من الذ هب البالغ خم سة وعشر ين مليار دولر من‬
‫أصل (‪ )38‬مليار دولر موجود في أمريكا‪.‬‬
‫لقسد سسعت أمريكسا لجعسل المبدأ الرأسسمالي أسساس العلقات والعراف والقوانيسن الدوليسة منسذ إنشاء منظمسة المسم‬
‫المتحدة؛ ح يث جعلت العراف الرأ سمالية ال ساس الرئ يس لميثاق هذه الممنظ مة الدول ية‪ ،‬إل أن ها لم تن جح عمليا في‬
‫تحقيسق هذا الهدف؛ ح يث كان التحاد ال سوفييتي يقود المعسسكر الشر قي على أ ساس المبدأ الشترا كي‪ ،‬وتم كن مسن‬
‫فرض مبدئه دوليا وعالميا‪ ،‬ولقد كانت القضايا الدولية محصور بحثها بين الدول الربع الكبرى حتى مطلع الستينيات‬
‫من القرن العشرين حين التقى الرئيس المريكي ( ِكنِدي) الرئيس السوفييتي (خروتشوف) في فيينا عام ‪1961‬م واتفقا‬
‫على إنهاء الحرب الباردة‪ ،‬واقتسام مناطق النفوذ في العالم‪ ،‬وإنزال بريطانيا وفرنسا عن مكانتهما الدولية‪ ،‬وقد عُرف‬

‫‪29‬‬

‫ذلك بسياسة الوفاق بين العملقين‪ ،‬وبذلك انتهت الحرب الباردة التي سادت العالم بعد الحرب العالمية الثانية‪ ،‬غير أن‬
‫أمريكسا كانست تريسد القضاء نهائيا على روسسيا الشتراكيسة؛ ولذلك أعلنست حرب النجوم وسسباق التسسلح‪ ،‬واسستجابت‬
‫رو سيا لهذا ال سباق وهذا ال صراع إلى أن انت هى ب سقوط التحاد ال سوفييتي وانهياره وتفك كه‪ ،‬وكان طبيعيا أن تع تبر‬
‫أمريكسا هذا النهيار والسسقوط انتصسارا للمبدأ الرأسسمالي بوصسفه نظاما وطريقسة عيسش‪ ،‬وانتصسارا سسياسيا لهسا‪.‬‬
‫وب عد انتهاء حرب الخل يج الثان ية وخروج القوات العراق ية من الكو يت و قف الرئ يس المري كي ال سبق جورج بوش‬
‫ليعلن على العالم ولدة (النظام الدولي الجد يد)‪ ،‬ولم يك تف بذلك بل أراد أن ي صبح المبدأ الرأ سمالي مبدأً عالميا‪ ،‬أي‬
‫مبدأ شعوب الرض وأمم ها قاط بة؛ فضلً عن كو نه أ صبح المبدأ العال مي الدولي المتفرد عمليا في المو قف الدولي؛‬
‫وبذلك أعلن بوش عولمة الرأسمالية‪ .‬والعولمة عبارة عن مصطلح سياسي عرّفه بع ضٌ أنه‪( :‬نظام عالمي جديد يقوم‬
‫على العقل اللكتروني‪ ،‬والثورة المعلوماتية القائمة على أساس المعلومات‪ ،‬والبداع التقني غير المحدود دون اعتبار‬
‫للنظ مة والحضارات والثقافات والق يم والحدود الجغراف ية وال سياسية القائ مة في العالم)‪ ،‬وعرّ فه آخرون أ نه‪( :‬القوى‬
‫التي ل يمكن ال سيطرة علي ها للسواق الدول ية والشركات المتعددة الجن سية التي ليس لها ولء لية دولة أو قومية)‪.‬‬
‫ت من العالم ية‪ ،‬والعالم ية المق صودة ه نا هي عالم ية الرأ سمالية أي ج عل الرأ سمالية مبدأ‬
‫والحقي قة أن ل فظ العول مة آ ٍ‬
‫العالم وحضارته سواء سياسيا أو اقتصاديا أو اجتماعيا‪ ،‬ولتحقيق ذلك عمدت أمريكا إضافة إلى ما سبق إلى العمال‬
‫التيسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسة‪:‬‬

‫أولً‪ :‬على الصعيد السياسي‪:‬‬
‫عملت أمريكا على ت سويق الديمقراطية‪ ،‬وهي الطار السياسي للفكر الرأ سمالي‪ ،‬أي نظام الحكم الذي تطبقه الدول‬
‫الرأسمالية والدول التي تسير على شاكلتها‪ ،‬وهي تعني عند معتنقيها أن يحكم الشعب نفسه بنفسه بالنظام الذي يضعه‬
‫لنف سه‪ ،‬ولذلك دأ بت على دعوة الدول إلى ت طبيق الديمقراط ية باعتبار ها مجمو عة مفاه يم عن الحياة‪ ،‬والدول ال تي ل‬
‫تسير في مخططها تمارس عليها شتى الضغوط بما تملك من سيطرة سياسية وسيطرة على وسائل العلم العالمية‬
‫طتْ ها خا صة في العقود الثل ثة الخيرة من القرن المن صرم‪،‬‬
‫خَ‬
‫بف ضل الثورة التكنولوج ية والمعلومات ية الهائلة ال تي َ‬
‫فتلوّح لتلك الدول متهمسة إياهسا تارة بمسساندة (الرهاب الدولي)‪ ،‬وتارة أخرى بالدكتاتوريسة أو عدم احترام حقوق‬
‫الن سان‪ ،‬وعدم احترام حقوق القليات‪ ،‬ول عل الور قة ال تي ت ستخدمها أمري كا للض غط على ال صين هي عدم احترام ها‬
‫لحقوق الن سان‪ ،‬و هي دائ مة التذك ير ل ها بحاد ثة (تيان آن م ين) عام ‪1988‬م‪ ،‬و ما محاولة أ سبانيا محاك مة الدكتاتور‬
‫التشيلي السابق (بينوشيه) إل رسالة إلى من هم على شاكلته من حكام العالم‪.‬‬
‫ولمسا كانست أمسريسكا تسريسد أن تطبسسق الديمقراطية س بوصفها مجموعة مفاهيم عن الحياة س في واقع‬
‫الحياة والدولة والمجتمع‪ ،‬وتعمل ب جد كي تصبح هذه المفاه يم مقاي يس وقناعات أ مم العالم وخا صة المة السلمية‪،‬‬
‫فقد عملت على إيجاد دول كرتونية ترفع شعار السلم وتدّعي أنها تطبقه‪ ،‬وهي في الحقيقة ل تطبق منه إل بعض‬
‫الحكام وبشكل مُشوّه إلى أن جعلت الناس يضيقون ذرعا بهم‪.‬‬
‫و في الو قت نف سه تقوم بد عم التجاهات العلمان ية في البلد ال سلمية سواء من خلل النظ مة‪ ،‬أو من ب عض من‬
‫يُقدّمون للناس على أنهم إصلحيون؛ وفي الحقيقة هم علمانيون يعملون لخراج السلم من المجتمع‪ ،‬ويعملون على‬
‫تعميق مفاه يم الرأ سمالية والحضارة الغربية في المجتمع‪ ،‬ويرسخونها في العلقات ك ما هو حا صل اليوم في إيران‬
‫وباكستان‪ ،‬وكما حصل من قبل في تركيا وبقية بلد المسلمين‪.‬‬
‫‪30‬‬

‫وكذلك تسعى أمريكا إلى تغيير هيكلة الدولة لتصبح دولة مؤسسات‪ ،‬وتصبح الحكومة مؤسسة صغيرة يقتصر عملها‬
‫على العمال الدبلوما سية‪ ،‬وتملك جيشا صغيرا ودوائر أمن ية وهيئات ا ستشارية تع مل جميعا لخد مة القطاع الخاص‪،‬‬
‫وإذا أرادت الحكو مة أن تقوم بع مل مالي في جب أن تت ساوى مع أ ية مؤ سسة أخرى؛ فتُعا مل معاملة القطاع الخاص‪.‬‬
‫وبعبارة أخرى أن تصبح الحكومة إحدى مؤسسات الدولة المتخصصة ومهمتها الحكم بشكل رئيسي؛ فهي تحكم ول‬
‫تملك وأما بقية المؤسسات فهي تملك ول تحكم‪.‬‬

‫ثانيا‪ :‬على الصعيد القتصادي‪:‬‬
‫أما اقتصاديا فقد وضعت الخطط والساليب وبدأت بتنفيذها بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية حتى استطاعت أخيرا‬
‫أن تُحكِم قبضت ها على العالم وت صرّف أموره وت حل مشكل ته بالطري قة ال تي تتنا سب مع خطط ها القت صادية و هي‬
‫حرية التجارة وحرية السوق‪ ،‬وجعل العالم سوقا حرة للمنتجات المريكية‪ .‬وحتى تضمن انفتاح السواق العالمية أمام‬
‫تجارتها وصادراتها عملت على تطويق تحركات شركائها الرأسماليين الوروبيين (السوق الوروبية المشتركة) ببناء‬
‫تكتلت وتجمعات تجار ية جديدة وإحياء التفاقيات القدي مة وتنشيط ها‪ ،‬فأوجدت اتفاق ية (الناف تا) و هي اتفاق ية ب ين كندا‬
‫والوليات المتحدة والمكسسيك‪ ،‬ثسم عمدت إلى إيجاد اتفاقيسة (اليباك) وهسي اتفاقيسة ظهرت إلى الوجود سسنة ‪1989‬م‪،‬‬
‫وهسي تضسم سسبع عشرة دولة فسي عضويتهسا موزعسة على ثلث قارات‪ ،‬وهذه الدول هسي‪ :‬الوليات المتحدة‪ ،‬كندا‪،‬‬
‫المكسسيك‪ ،‬أسستراليا‪ ،‬نيوزيلندة‪ ،‬الصسين‪ ،‬اليابان‪ ،‬هونسج كونسج‪ ،‬غينيسا الجديدة‪ ،‬تايوان‪ ،‬بروناي‪ ،‬ماليزيسا‪ ،‬إندونيسسيا‪،‬‬
‫سنغافورة‪ ،‬الفلبين‪ ،‬كوريا الجنوبية‪ ،‬تايلند‪ ،‬وهذه المنظمة القتصادية الدولية تدمج في عضويتها تكتلين اقتصاديين‬
‫كبيرين ه ما‪ :‬منظ مة (الناف تا) لدول أمري كا الشمال ية و (ال سيان) لدول جنوب شرق آ سيا ال تي تأ سست عام ‪1967‬م‬
‫وتضم ست دول هي‪ :‬ماليزيا‪ ،‬إندونيسيا‪ ،‬بروناي‪ ،‬الفلبين‪ ،‬تايلند‪ ،‬وسنغافورة‪ ،‬وتمثل اليباك في دولها نحو ‪%40‬‬
‫من التجارة العالمية‪ ،‬هذا بالضافة إلى الدول الصناعية السبع الكبرى وروسيا التي أضيفت إليها عام ‪1998‬م‪ ،‬وهي‬
‫أمريكسا وكندا واليابان وبريطانيسا وفرنسسا وألمانيسا وإيطاليسا؛ حيسث اتخذت الوليات المتحدة المريكيسة مسن نادي هذه‬
‫الدول الغنية أداة لصنع القرارات القتصادية والمالية والتجارية الدولية‪.‬‬
‫ول قد ظلت اتفاق ية الجات (التفاق ية العامة للتجارة والتعر فة الجمركية) هي المرجعية للتجارة الدولية‪ ،‬وكانت تلتزم‬
‫بهسا جميسع دول العالم تقريبا؛ ولكون هذه التفاقيسة تقتصسر على تنظيسم العلقات القتصسادية والتجاريسة الداخليسة فإن‬
‫أمري كا وجدت ها غ ير كاف ية لتحق يق أغراض ها‪ ،‬فعملت على إيجاد اتفاق ية بديلة ل ها على هيئة منظ مة سمّتها‪« :‬منظ مة‬
‫التجارة العالم ية» أُعلن عن تأ سيسها في المغرب عام ‪1994‬م‪ ،‬وبدأت الع مل الفعلي بدا ية عام ‪1995‬م‪ ،‬و قد أضا فت‬
‫إلى اتفاقيسة الجات سس التسي ركزت على المنتجات الصسناعية سس المنتجات الزراعيسة‪ ،‬والخدمات‪ ،‬وحقوق الملكيسة‬
‫الفكر ية‪ ،‬وال هم من ذلك أن المنظ مة تضم نت مجل سا تحكيميا للن ظر في الشكاوى والخلفات ب ين الدول العضاء‬
‫وعددها ‪ 135‬دولة‪ ،‬وإصدار قرارات ملزمة في وقت كانت (توصيات) الجات غير ملزمة‪.‬‬
‫ومع هذه المنظمة صارت أسواق العالم أو الدول التي انضمت تحت لوائها مفتوحة أمام المستثمر المريكي‪ ،‬ولعل‬
‫ما أعلنه الرئيس المريكي السابق بيل كلينتون بتاريخ ‪8/3/2000‬م عن تقديمه مشروعا إلى الكونجرس بمنح الصين‬
‫امتيازات تجارية دائمة في السوق المريكية‪ ،‬وطلب الموافقة على هذا المشروع لضمان استفادة الشركات المريكية‬
‫من اتفاق التجارة الذي سيفتح سوق ال صين الوا سعة (‪ 1.3‬مليار) أمام الشركات المريك ية‪ ،‬وأمري كا دائ مة ال حث‬

‫‪31‬‬

‫للصين للنضمام إلى منظمة التجارة العالمية‪ ،‬وحاليا تفاوض الصين الدول العضاء في المنظمة من أجل النضمام‬
‫إليها‪.‬‬
‫وقد عقد المؤتمر العاشر للمم المتحدة للتجارة والتنمية (الونكتاد) في العاصمة التايلندية بانكوك في الفترة ما بين‬
‫‪ 12‬س ‪ 18‬شباط (فبراير) الماضي بمشاركة ( ‪ )3000‬ثلثة آلف مندوب عن أكثر من ‪ 190‬دولة‪ ،‬أما الهداف التي‬
‫عمل على تحقيقها فهي تتلخص في دفع الدول الفقيرة للحاق بركب العولمة من خلل اللتزام بمنظمة التجارة العالمية‬
‫وخرج المؤتمر بوثيقتين‪:‬‬
‫س الولى عبارة عن برنا مج ع مل لل سنوات الر بع القاد مة‪ ،‬و هي ت ضع أرض ية مشتر كة ب ين أعضاء (الونكتاد)‬
‫وعدد ها ‪ 190‬دولة بشأن العول مة والتجارة وكيف ية د مج الدول الثما ني والربع ين الك ثر فقرا في عجلة القت صاد‬
‫الرأسمالي العالمي‪.‬‬
‫سس والوثيقسة الثانيسة كانست بشأن التجارة الحرة والتكامسل القتصسادي العالمسي بوصسفهما طريقا لموازنسة التنميسة‬
‫والوصول إلى اتفاق أكثر عدلً بالنسبة للدول الفقيرة‪.‬‬
‫والدول ال تي ل يم كن ال سيطرة علي ها من خلل منظ مة التجارة العالم ية فإن صندوق الن قد الدولي والب نك الدولي‬
‫جاهزان للتدخل في الشؤون الداخلية لية دولة؛ لن الدول النامية تأخذ القروض وتعجز عن سدادها‪ ،‬سواء القرض‬
‫ال صلي أو الفوائد المرك بة‪ ،‬فإن ها تطلب من تجمّ ع الدول الدائ نة الم سمى ب س (نادي بار يس) وتجمّ ع البنوك الدائ نة‬
‫المسمى بس (نادي لندن) جدولة الديون وأخذ قروض جديدة لتنشيط اقتصادها‪ ،‬ولذلك يطلب منها ناديا باريس ولندن‬
‫أن تحضر تزكية من صندوق النقد الدولي بما يشبه شهادة (حسن سلوك) بأن هذه الدولة تنتهج سلوكا اقتصاديا سليما‪.‬‬
‫ولكنها للحصول على ذلك يشترط الصندوق عليها تنفيذ برنامج إصلحي مكون عادة من تخفيض قيمة العملة‪ ،‬وإلغاء‬
‫الد عم ال ساسي لل سلع ال ساسية والضرور ية‪ ،‬وتخف يض التوظ يف الحكو مي‪ ،‬وإ صلح النظام الضر يبي‪ ،‬وتخف يض‬
‫النفاق الحكو مي‪ ،‬وزيادة أ سعار الطا قة والخدمات العامة وال سلع بشكل عام‪ ،‬وزيادة أ سعار الفائدة لتكثير الدخارات‬
‫وجلب رؤوس الموال‪ ،‬وتحريسر التجارة الخارجيسة مسن القيود أو تخفيفهسا‪ ،‬كمسا تطلب خصسخصة المشاريسع العامسة‬
‫وتحويلها إلى القطاع الخاص بحجة ضعف إدارة القطاع العام وسوء إنتاجيته وفساد القائمين على إدارته كما يحدث‬
‫في الردن من خ صخصة ‪ %40‬من أ سهم الت صالت الردن ية‪ ،‬والمباحثات جار ية لخ صخصة شركات الفو سفات‬
‫والسمنت والبوتاس والملكية الردنية إضافة إلى وزارة العلم؛ حيث سيصار إلى إلغائها‪.‬‬
‫والمر الخطير هنا أنه إذا فتحت أسواق بلد ما وسارت أموره حسب سياسات السوق وحرية التجارة من وجهة نظر‬
‫الرأسمالية فحتما ستكون الغلبة في النهاية للمستثمر الجنبي وللشركات المتعددة الجنسية؛ بحيث تسيطر هذه الشركات‬
‫على القتصاد سيطرة تامة‪ ،‬ويكفي أن نعلم أن ‪ 37‬ألف شركة عملقة تسيطر على معظم القتصاد العالمي من بينها‬
‫مائة واثنتان وسبعون شركة تسيطر على خمس دول هي أمريكا واليابان وفرنسا وبريطانيا وألمانيا‪ ،‬وتقوم الحكومات‬
‫بم ساعدة هذه الشركات على اختراق القت صاد العال مي وال سيطرة عل يه‪ ،‬ح يث ارتف عت ال مبيعات في ما ب ين عا مي (‬
‫‪1982‬م س ‪1992‬م) من ‪ 3000‬مليار دولر إلى ‪ 5900‬مليار دولر‪.‬‬

‫‪32‬‬

‫ولن النظرة الرأ سمالية هي في حقيقتها نظرة فردية فإن الف قر المدقع سيعم أرجاء أية دولة من دول العالم النا مي‬
‫بمسا فيهسا بلد المسسلمين‪ ،‬وسستكون الشعوب هسي الضحايسا التسي سسوف تعانسي باسستمرار لتسساع الهوة بيسن الغنياء‬
‫والفقراء‪ ،‬وباعتبار أمري كا نموذج العول مة تقول الح صاءات إ نه ب ين عا مي (‪1979‬م س ‪1990‬م) انخف ضت دخول‬
‫‪ %20‬من أف قر عائلت أمري كا بن سبة ‪ ،%20‬بين ما ارتف عت دخول ‪ %20‬من أغ نى عائلت أمري كا بن سبة ‪،%30‬‬
‫وتقول الحصاءات أيضا إنه في عام ‪1998‬م كان في أمريكا ‪ 170‬ملياردير مقابل ‪ 13‬ملياردير عام ‪1982‬م‪ ،‬ويقول‬
‫أ حد هذه التقار ير إن ثروة (ب يل جي تس) وحده س مؤ سس شر كة ميكرو سوفت للك مبيوتر س بل غت في و قت من‬
‫الوقات ما يعادل صافي ثروات ‪ 106‬مليين مواطن أمريكي أي ثلث السكان تقريبا‪.‬‬

‫ثالثا‪ :‬على الصعيد الجتماعي‪:‬‬
‫أمسا اجتماعيا فإن أمريكسا تعمسل بجدّ لفرض نمسط الحياة الغربيسة على العالم‪ ،‬ولذلك اتخذت مسن مؤتمرات المرأة‬
‫وال سكان والتفاقيات الدول ية لحقوق الن سان والقضاء على جم يع أشكال التمي يز ضد المرأة‪ ،‬واتفاقيات حما ية البيئة‬
‫والتنميسة المسستدامة‪ ،‬أسسلوبا مباشرا لفرض مفاهيمهسا حول السسرة والزواج وحقوق المرأة وحقوق الطفسل والعلقات‬
‫الجنسية والجهاض والشذوذ وكل ما يتصل بالناحية الجتماعية في الحياة‪ ،‬وأطلقت من خللها الدعوات لدول العالم‬
‫من أجل رفع تحفظاتها على توقيع اتفاقية المم المتحدة لحقوق الطفل واتفاقية إلغاء جميع أشكال التمييز ضد المرأة‪،‬‬
‫وهما وثيقتان خطيرتان تهددان استقرار السرة ومستقبلها في العالم أجمع‪ ،‬وتتوالى الجتماعات في نيويورك من أجل‬
‫التأكسد مسن مدى وفاء الدول والمنظمات غيسر الحكوميسة والقطاعات الخاصسة بالتزاماتهسا بمقررات هذه المؤتمرات‬
‫والتفاقيات‪.‬‬
‫وكمثال وا ضح على كيف ية ا ستخدام أمري كا لهذه المؤتمرات وفقا للهداف المريك ية فإن ها في أبحاث ال سكان والمرأة‬
‫والتنمية تنطلق من فكرة النفجار السكاني؛ حيث تنظر في بحوث التنمية إلى دَوْر ربة البيت على أنه دور استهلكي‬
‫أك ثر م نه إنتا جي‪ ،‬ولذلك يب حث القائمون على هذه البحوث عن تشريعات ت سهّل ع مل المرأة‪ ،‬ويركزون على تغي ير‬
‫نظرة المجتمسع إلى المرأة‪ ،‬وإيجاد نظرة جديدة وأنماط سسلوكية جديدة فسي حياة السسرة‪ ،‬ثسم ينتقلون إلى وجوب أن‬
‫تكون زيادة عدد ال سكان أ قل من التنم ية القت صادية‪ ،‬ويعملون لتحق يق ذلك من خلل مؤتمري ال سكان والمرأة في‬
‫محاولة للوصول إلى قرارات بشأن تأخير سن الزواج‪ ،‬والسماح بتعاطي الجنس بغير قيود‪ ،‬وتقليل النجاب بالتوفير‬
‫المجاني لوسائل منع الحمل‪.‬‬
‫كما أكدت الوثي قة التي انبثقت عن مؤتمر (بكين) على حرية الن سان في تغي ير جن سه‪ ،‬وعلى حق الفتاة أو المرأة‬
‫بالتمتع بحياة جنسية آمنة مع من تريد وفي أي سن تريد‪ ،‬وفي الخامس من شهر حزيران الماضي ( ‪2000‬م) عقد في‬
‫نيويورك مؤتمسر لتقييسم التقدم المنجسز فسي تطسبيق مقررات مؤتمسر المرأة الثالث الذي عقسد في نيروبسي عام ‪1985‬م‬
‫ومراجع ته‪ ،‬ول عل ما قا مت وتقوم به الحكو مة الردن ية والم صرية والمغرب ية والكويت ية وغير ها من الحكومات في‬
‫‪33‬‬

‫البلد السلمية في هذا المجال يدل دللة قطعية على ال سير الفعلي الذي تنفذه الدول النامية من مقررات المؤتمرات‬
‫والتفاقيات سابقة الذ كر من منظور أن ها ا ستحقاق ل سياسة العول مة ال تي يفرض ها الغرب الكا فر بزعا مة الوليات‬
‫المتحدة المريكية‪.‬‬
‫ف في الردن على سبيل المثال تم تغي ير قوان ين المالك ين والم ستأجرين‪ ،‬وقانون الع مل‪ ،‬والخد مة المدن ية‪ ،‬وتعليمات‬
‫الحوال الشخصسية‪ ،‬وجوازات السسفر‪ ،‬والسسماح للجنسسين بالختلط فسي المسسابح‪ ،‬كمسا تسم إدخال مفهوم النوع‬
‫الجتماعي (الجندر) في خطة التنمية القتصادية والجتماعية لعامي (‪1999‬م س ‪2000‬م)‪ ،‬والقاضي بعدم تخصيص‬
‫ف صل خاص بالمرأة‪ ،‬ود مج قضايا ها ض من ف صول الخ طة وقطاعات ها المختل فة ضمانا لتكا فؤ الفرص ب ين الر جل‬
‫والمرأة في كا فة المجالت‪ ،‬و ما تقوم به المنظمات الحكوم ية أو غ ير الحكوم ية بشأن إلغاء المادة ‪ 340‬من قانون‬
‫العقوبات‪ ،‬ومراكز تحديد النسل وتنظيم السرة‪ ،‬وشرطة السرة والخط الساخن للشكوى على ذوي المر اللذيْن أُنشئا‬
‫مؤخرا؛ كسل ذلك إنمسا يدل على طبيعسة التغييرات الجتماعيسة التسي تريسد الوليات المتحدة فرضهسا على العالم ومنسه‬
‫البلد السلمية باعتبار ذلك نتيجة واستحقاقا لعولمة المبدأ الذي تقوم عليه‪.‬‬
‫فإذا نظر نا إلى العول مة باعتبار ها غزوا فكريا ومواج هة حضار ية بل فرضا لن مط من الع يش فإن آثاره المدمرة ل‬
‫تزال كامنة في الشعوب التي تعيشه وتحياه‪ ،‬ول يزال المشرّعون الذين شرّعوا أفكاره وأحكامه مشغولين في تشريع‬
‫الفكار والحكام التي تُرقّع ما أحدثه هذا النمط من العيش من مآس للبشرية‪ ،‬ومن شرور ترزح تحتها الشعوب التي‬
‫تعتنقه وتطبقه في حياتهسا ول تملك منه فكاكا بعد أن أصبح لهذا النمط في بلدهم من العراقة ما يجعل النفكاك منه‬
‫أمرا في غاية الصعوبة‪.‬‬
‫وغني عن القول أن مواجهتها ومواجهة ما يتساقط منها من أفكار ومشاعر وأنماط سلوكية س خصوصا في ظل‬
‫و سائسل الت صالت الحدي ثة وإمكانيات سها الضخم سة س ل يكون إل إذا أدر كت ال مة خطورت ها علي ها وعلى دين ها‬
‫وعلى م ستقبل أجيال ها من بعد ها‪ ،‬وأدر كت في الو قت نف سه كيف ية مواجهت ها‪ ،‬ووث قت بنف سها ث قة ل حد ل ها‪ ،‬ل يس‬
‫لتخل يص نف سها فح سب من هذه الشرور‪ ،‬بل لنقاذ العالم كله وتخلي صه من هذا المبدأ الخ طر على الن سان والمهدد‬
‫بقاءه على الرض بالفناء‪.‬‬
‫ول شك أن المخل صين الواع ين من أبناء هذه ال مة و هم المب صرون طر يق الخلص وطر يق النعتاق من قب ضة‬
‫الك فر هم المعوّل علي هم في شق الطر يق وهدا ية الجموع المؤم نة لت سير مع هم في اجتثاث هذه الحضارة النت نة من‬
‫جذورها‪ ،‬وتخليص العالم من آثارها المدمرة التي ل تزال تعاني منها البشرية حتى اليوم‪.‬‬
‫(*) كلية الدعوة وأصول الدين س عمان س الردن‬

‫‪34‬‬

‫الموقف من العولمة!!‬
‫د‪ .‬زيد بن محمد الرماني‬
‫ا ستحوذت العول مة على أو سع اهتمام في أدبيات العالم العر بي القت صادية والثقاف ية وال سياسية والتربو ية والعلم ية‬
‫والتقن ية‪ ،‬و سيتضاعف هذا الهتمام في القرن الحادي والعشر ين الذي ستصبح العول مة من أبرز مظاهره‪ ،‬والك ثر‬
‫تأثيرا على صياغة ملمحه وقسماته وتضاريسه‪.‬‬
‫إن العول مة ال تي أ صبحت ل غة دار جة في الدبيات المعا صرة ما زالت تعا ني من ب عض الغموض؛ فهناك غموض‬
‫فيما يتعلق بمعنى العولمة وبحقيقتها‪ :‬فهل هي ظاهرة حياتية جديدة‪ ،‬أم مجرد موضة فكرية طارئة مصيرها للزوال؟‬
‫سي ولدت لتموت؟!‬
‫سن الفقاعات التس‬
‫سة مس‬
‫سي فقاعس‬
‫سو‪ ،‬أم هس‬
‫سي النمس‬
‫ستستمر فس‬
‫سة سس‬
‫سة تاريخيس‬
‫سي حركس‬
‫سل هس‬
‫وهس‬
‫وهناك غموض في ما يتعلق بنتائج العول مة ومترتبات ها بالن سبة للوا قع العر بي؛ ف هل العول مة حالة صحية‪ ،‬أم مرض ية؟‬
‫وهسل هسي حركسة اسستعمارية‪ ،‬أم تحريريسة؟ هسل سستصب فسي سسياق السستقلل والذاتيسة‪ ،‬أم التبعيسة والسستتباع؟!‬
‫ثم هل المطلوب منا النغماس فيها‪ ،‬أم النكماش عنها؟ هل ستحتوينا‪ ،‬أم سنحتويها؟ هل ستزيدنا تقدما أم ستضاعف‬
‫تأخرنسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسا؟!!‬
‫إن مؤلفات‪ :‬م ثل كتاب‪" :‬نها ية التار يخ" لفوكايا ما‪ ،‬وكتاب‪ " :‬صراع الحضارات" لهنتنجتون وكتاب‪ " :‬صعود وهبوط‬
‫المسبراطوريات" لبول كيندي‪ ،‬وكتاب‪" :‬الموجسة التاليسة" لتوفلر‪ ،‬وكتسب أخرى مسن تلك التسي برزت خلل السسنوات‬
‫الخيرة‪ ،‬تأتي ضمن سياق المشروع الفكري في الدول المتقدمة لفهم العولمة والكوكبية القتصادية‪ ،‬باستكشاف آفاقها‬
‫وفرصها وتحدياتها ومساراتها المستقبلية‪.‬‬
‫يقول د‪ .‬مح يي محمد مسعد في كتابه‪" :‬ظاهرة العولمة‪ :‬الوهام والحقائق"(‪ :)1‬إن الكتابات ال سابقة تش كل درجات‬
‫عالية من الوعي بالعولمة (اللحظة الحضارية القائمة)‪.‬‬
‫لقد كان ملفتا للمتأمل ما تعرضت له العولمة من نقد صارم وعنيف برهن على تخوفات حقيقية؛ فالمم والحضارات‬
‫لي ست على ا ستعداد للستتباع الحضاري لتيار العولمة الجارف‪ ،‬و ما أطلقته من أحلم وردية ووعود سحرية تخ في‬
‫‪35‬‬

‫وراءها أضرارا خطيرة‪ ،‬كالتي حاول أن يصورها كتاب "العولمة والجنوب"(‪ )2‬لكرولين طوماس وبيتر ولكين‪ ،‬الذي‬
‫اعتسبر العولمسة آليسة لتكريسس الفوارق بيسن الشمال المتخسم بالغنسى والجنوب الذي يعانسي مسن الفقسر المدقسع‪.‬‬
‫أو التي صورها كتاب "العولمة‪ :‬النظرية والممارسة"(‪ )3‬لمؤلفيه‪ :‬إلينور كوفمن وجيليان ينغز؛ حيث اعتبر أن ظاهرة‬
‫العولمة قد دشّنت عهدا فظا من العدوان على البيئة‪ ،‬كان من مظاهرها انتشار التلوث وتآكل طبقة الوزون‪ ،‬وانكماش‬
‫التنوع الحيائي‪ ،‬والهدر في مصادر الطاقة‪.‬‬
‫أو الذي تحد ثت ع نه فيفيان فور ستر في كتاب ها‪" :‬الر عب القت صادي"(‪ )4‬ح يث عر ضت ال سؤال ال تي‪ :‬ما الذي‬
‫يح صل عند ما نعلم أ نه ل يس ث مة أزمات‪ ،‬بل مجرد تبدل وتحول يقودان مجتمعا بأكمله‪ ،‬بل وح تى حضارة بأجمع ها‬
‫إلى المجهول؟!‬
‫وقد انتقد هذه الصوات الغاضبة آلن ميك في كتابه‪" :‬العولمة السعيدة"( ‪ )5‬الذي حاول أن يقدم العولمة على أنها‬
‫لي ست شرا أو خيرا في ذات ها‪ ،‬ول دا عي للفراط في و صفها بالوحش ية أو الف تك والر عب ون شر الجواء المفز عة‬
‫حولهسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسا‪.‬‬
‫و من ثم فإن البشر ية بحا جة إلى تكو ين و عي عال مي له خا صية الت صال والتوا صل على ال صعدة والم ستويات‬
‫المختل فة‪ ،‬لمواج هة المخا طر والتحديات ال تي يتأ ثر في ها العالم كله‪ ،‬م ثل‪ :‬ظاهرة العول مة ومشكلت البيئة والتلوث‪،‬‬
‫والحتباس الحراري‪ ،‬وقضايا الصحة والسكان والفقر والمجاعة ونقص الغذاء والمياه‪.‬‬
‫يقول ز كي الميلد في كتا به‪" :‬الم سألة الحضار ية‪ :‬ك يف نبت كر م ستقبلنا في عالم متغ ير؟"(‪ :)6‬إن المشكلة الحقيق ية‬
‫ليسست فسي العولمسة‪ ،‬وإنمسا جذر المشكلة فسي تبايسن مسستويات التطور الحضاري فسي العالم‪ ،‬الذي يجعسل مسن الغرب‬
‫الطرف المستفيد من هذه العولمة‪ ،‬باعتباره أنجز مشروعه في التقدم‪.‬‬
‫والمشكلة مع الغرب أنه حوّل مشروعه في التقدم إلى تكريس التبعية وضبط آليات السيطرة على العالم‪.‬‬
‫فالمواجهسسة الحقيقيسسة للعولمسسة هسسي عسسن طريسسق النماء والبناء وإنجاز مشروعات التقدم والعمران‪.‬‬
‫يذ هب صادق جلل الع ظم في مقالة له بعنوان‪ " :‬ما هي العول مة؟"(‪ )7‬إلى أن العول مة هي عق بة التحول الرأ سمالي‬
‫العميق للنسانية جمعاء في ظل هيمنة دول المركز وبقيادتها وتحت سيطرتها‪ ،‬وفي ظل سيادة نظام عالمي للتبادل‬
‫غير المتكافئ‪.‬‬
‫ويشير محمد عابد الجابري في مقالة له بعنوان‪" :‬العولمة والهوية الثقافية"(‪ )8‬إلى أن العولمة هي ما بعد الستعمار‪،‬‬
‫وأنها مجرد آلية من آليات التطور الرأسمالي يعكس إرادة الهيمنة على العالم‪ .‬وفي مقالته‪" :‬أصل العولمة وفصلها"(‬
‫‪ )9‬يقول جورج طرابيشي‪ :‬إن مفهوم العولمة لم يعرف الستقرار بعد‪ ،‬وتبقى العولمة هي الظاهرة التاريخية لنهاية‬
‫القرن العشر ين أو لبدا ية القرن الحادي والعشر ين‪ .‬هذه العول مة‪ ،‬إذن‪ ،‬إن ما تخدم م صالح وأفكار الطرف القوي في‬
‫العالم‪ ،‬وتطمس الطراف الخرى‪ ،‬وهي ليست العولمة التي يحتاجها العالم في هذه المرحلة‪ ،‬أو التي يتطلع إليها مع‬
‫القرن الحادي والعشرين‪.‬‬
‫فهذه العولمة س التي عبر عنها الغرب س ترتكز على النتفاع المادي والجشع القتصادي واحتكار الثروات ورفع‬
‫القيود عن ال سواق والبضائع وامت صاص الموال‪ ،‬وهذه المور هي من أك ثر العوا مل سببا وتحريضا على النزاع‬
‫والصدام والصراع‪.‬‬
‫‪36‬‬

‫إن عول مة الغرب اقت صادية في ال ساس تتو خى الر بح والن فع المادي؛ والبعاد والحقول الخرى ال تي ارتب طت ب ها‬
‫كالثقافة والجتماع والتربية والعلم وغيرها إنما وظفت لذات الغاية القتصادية النفعية‪.‬‬
‫إن الخوف الحقيقي على هويات العالم وثقافاته من اكتساح العولمة الغربية وفرض التجاه الواحد جاء نتيجة وجود‬
‫الضعف والضمور في بنية بعض تلك الهويات والثقافات وتكويناتهسا‪ ،‬مما يستدعسي ضرورة التجديد الداخلي لمزيد‬
‫من الحماية والمناعة والتحصين(‪.)10‬‬

‫و من ثم‪ ،‬فإن العول مة ال تي يحتاج إلي ها العالم هي العول مة ال تي يشترك الجم يع في صنعها و صياغتها ل أن ينفرد‬
‫طرف واحد بها ويسخّرها لصالح امتيازاته‪ ،‬ووفق فلسفته الفكرية والقتصادية والجتماعية‪ .‬وإذا كانت العولمة قد‬
‫قوبلت فسي العالم باعتراضات شديدة وانتقادات قاسسية‪ ،‬فلنهسا تخدم طرفا واحدا‪ ،‬وتعبّر عسن رؤيسة هذا الطرف وهسو‬
‫الغرب‪ .‬إن العولمة تضع أمام المفكرين المسلمين سؤال المستقبل عن المشروع الحضاري السلمي المعاصر الذي‬
‫تجد فيه المم والحضارات خيارا واتجاها مقنعا وفعالً ومختلفا عن الخيار والتجاه الذي يفرضه الغرب على العالم‪.‬‬
‫والمستقبل ليس مفتوحا على الغرب فحسب‪ ،‬بل هو مفتوح على كل الثقافات والمم والحضارات وبحاجة إلى اكتشاف‬
‫جديد في زمن زحف العولمة‪.‬‬
‫إن الدبيات السلمية والعربية في هذا الو قت مطال بة وبإلحاح لتكث يف الحوار والمناق شة والتبا حث حول المشروع‬
‫الحضاري السسلمي‪ ،‬والليسة القتصسادية والجتماعيسة والسسياسية والعلميسة والفكريسة التسي تتناسسب مسع إمكانات‬
‫وقدرات كل دولة‪ .‬وأخيرا‪ ،‬فإن العول مة ت ستدعي من ال مم والحضارات أن تجدد نظرت ها إلى العالم وتع يد تقويم ها‬
‫حضاريا فهل ستكون العولمة آخر مطافات الغرب؟ أم أنها ستكون قاعدة انبعاث الحضارات الخرى؟‬
‫هذا يعنسي أن للعولمسة أسسئلتها الصسامتة والمتجددة‪ ،‬وأنهسا سستفتح أكثسر مسن احتمال على العالم والمسستقبل‪.‬‬
‫ورغسم مسا سسبق‪ ،‬فإنسه سسوف يسستمر الجدل الذي يختلط فيسه المعقول باللمعقول‪ ،‬والحقائق بالوهام‪ ،‬والوقائع‬
‫بالفتراضات‪ ،‬والموافق والمخالف‪ ،‬في قضية العولمة!!‬

‫الهوامسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسش‪:‬‬
‫(‪ )1‬ص ‪.43‬‬
‫(‪ )2‬كرولين طوماس وآخر "العولمة والجنوب" ص ‪.30‬‬
‫(‪ )3‬إلينور كوفمن وآخر "العولمة النظرية والممارسة" ص ‪.23‬‬
‫(‪ )4‬فيفيان فوستر "الرعب القتصادي" ص ‪.7‬‬
‫(‪ )5‬آلن منك "العولمة السعيدة" ص ‪.62‬‬
‫(‪ )6‬زكي الميلد "المسألة الحضارية" ص ‪.38‬‬
‫(‪ )7‬د‪ .‬صادق العظم "ما هي العولمة؟"‪ ،‬ص ‪.34‬‬
‫(‪ )8‬د‪ .‬محمد عابد الجابري "العولمة والهوية الثقافية"‪ ،‬ص ‪.2‬‬

‫‪37‬‬

‫(‪ )9‬جورج طرابيشي "أصل العولمة"‪ ،‬ص ‪.16‬‬
‫(‪ )10‬ميكل تومبسون وآخرون "نظرية الثقافة" ص ‪.11 ،10‬‬

‫‪38‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful