‫العولمة والسيادة إعادة صياغة وظائف الدولة‬

‫مقدمة‬
‫أثرت المتغيرات التي صاحبت العولمة على مفهوم السيادة الوطنية ونطاق تطبيقه في المجالين الداخلي والخارجي على‬
‫حد سواء‪ .‬وقد أثارت تلك المتغيرات تحديات طالت كل أنماط الدول‪ ،‬وطرحت نفسها بأشكال مختلفة على تلك النماط‪.‬‬
‫وكان لتلك التحديات مصادرها الداخلية والخارجية‪ ،‬التي أثارت بدورها الحاجة إلى رصدها وتحليل مدى تأثيرها على‬
‫‪.‬مفهوم السيادة‬
‫وبشكل عام‪ ،‬يمكن القول أن هناك علقة طـردية محتملة بين المتغيرات التي صاحبت العولمة وتقلص السيادة الوطنية‪،‬‬
‫وأن هناك علقة طردية محتملة بين تأثر سيادة الدولة بمتغيرات العولمة والتغير في مضمون الوظائف التي تقوم بها‬
‫‪.‬الدولة‪ .‬كما يمكن القول أيضا أن هناك علقة عكسية محتملة بين تقدم الدولة ومدى تأثرها بمتغيرات العولمة‬
‫وفي هذا الطار‪ ،‬تعالج الدراسة إشكالية العلقة بين العولمة وسيادة الدولة من خلل أربعة أقسام‪ .‬يحاول القسم الول‬
‫تقديم تعريف لمفهومي العولمة والسيادة‪ ،‬بينما يتضمن القسم الثاني عرضا لمجموعة المتغيرات التي صاحبت العولمة‪،‬‬
‫والتي أدت إلى الربط بين مفهومي العولمة والسيادة الوطنية‪ .‬ويعرض القسم الثالث للتأثيرات السلبية واليجابية‬
‫‪.‬للعولمة على سيادة الدولة‪ .‬وأخيرا‪ ،‬يقدم القسم الرابع رؤية مستقبلية لمفهوم السيادة الوطنية في ظل ظاهرة العولمة‬
‫أول‪ -‬تعريف مفهومي العولمة والسيادة وتطورهما‬
‫‪ :‬العولمة ‪1-‬‬
‫تبدو صياغة تعريف دقيق للعولمة مسألة شاقة‪ ،‬نظرا لتعدد تعريفاتها‪ ،‬وتأثر تلك التعريفات بالنحيازات اليديولوجية‬
‫للباحثين واتجاهاتهم إزاء العولمة رفضا أو قبول‪ .‬إل أن هناك اتجاها عاما يعرف العولمة باعتبارها مجموعة من‬
‫العمليات التي تغطى أغلب الكوكب أو التي تشيع على مستوى العالم‪ .‬كما تتضمن العولمة من ناحية أخرى تعميقا في‬
‫مستويات التفاعل والعتماد المتبادل بين الدول والمجتمعات التي تشكل المجتمع العالمي‪ .‬وهكذا تتضمن العولمة بعدين‬
‫رئيسيين‪ ،‬الول هو المتداد إلى كل أنحاء العالم‪ ،‬والثاني هو تعمق العمليات الكونية)‪ .(1‬غير أن أهم ما يتضمنه مفهوم‬
‫‪).‬العولمة هو عولمة النتاج والتبادل والتحديث في ظل تنامي البتكارات التكنولوجية والمنافسة بين القوى العظمى)‪2‬‬
‫وقد برز مفهوم العولمة في البداية في مجال القتصاد‪ ،‬وكنتاج للثورة العلمية والتكنولوجية التي مثلت نقلة جديدة‬
‫لتطور الرأسمالية العالمية في مرحلة ما بعد الثورة الصناعية التي ميزت القرنين السابقين‪ .‬فالثورة الصناعية بشكلها‬
‫التقليدي ظهرت في منتصف القرن الثامن عشر في إنجلترا ومنها إلى القارة الوروبية‪ ،‬حيث أدى التطور في استخدام‬
‫الطاقة )البخار والكهرباء( إلى تغير جذري في أسلوب وقوى وعلقات النتاج‪ .‬وأدت هذه التغيرات المتلحقة إلى‬
‫الخروج من عصر القطاع وبداية مراحل التطور والتوسع القتصادي التي استلزمت بدورها الحصول على الموارد‬
‫الطبيعية وفتح السواق العالمية‪ ،‬فارتبط بتلك المرحلة ظاهرة الحروب الوروبية والستعمار الخارجي بهدف توفير‬
‫احتياجات الرأسمالية الصاعدة ‪ .‬وإذا كانت هذه الظواهر قد ارتبطت تاريخيا بمراحل التطور المختلفة للرأسمالية‬
‫العالمية‪ ،‬فإن استمرار التطور التكنولوجي‪ ،‬وثورة المعلومات والتصالت التي صاحبته‪ ،‬والتي شكلت فتحا جديدا في‬
‫نمط النتاج وطبيعته‪ ،‬حققت بدورها تغييرا في شكل التفاعلت والتعاملت الدولية‪ ،‬حيث ظهرت الحاجة إلى توحيد‬
‫أسواق الدول الصناعية في سوق عالمية واحدة‪ ،‬وتوفير إمكانيات الرتقاء بأداء الدول الصناعية بما يقتضيه ذلك من‬
‫إعادة بناء شكل الرأسمالية‪ .‬وكان ذلك يعنى ضرورة تجاوز الحدود القومية وإزالة الوضاع الحتكارية وإعادة توزيع‬
‫الدخل‪ ،‬والعمل على رفع مستوى المعيشة حتى يمكن توسيع السواق الخارجية للدول الصناعية لستيعاب المنتجات‬
‫الحديثة‪ ،‬وهى المرحلة التي عرفت بمجتمع الستهلك الكبير‪ ،‬بعد أن كانت قيمة الدخار هي القيمة الساسية التي‬
‫‪).‬اتسمت بها الرأسمالية منذ نشأتها وحتى الحرب العالمية الثانية)‪3‬‬
‫وشكلت هذه السمات بذور التحول من نمط الرأسمالية القومية إلى الرأسمالية العابرة للقوميات‪ ،‬التي ارتبط بها ظهور‬
‫مفهوم العولمة الذي عبر عن ظاهرة اتساع مجال النتاج والتجارة ليشمل السوق العالمية بأجمعها‪ ،‬بحيث لم يعد‬
‫القتصاد محكوما بمنطق الدولة القومية وحدها‪ ،‬وإنما ظهر فاعلون اقتصاديون من نوع جديد‪ .‬أي أن أهم ما ميز‬
‫العولمة هو أن الفاعلية القتصادية لم تعد قاصرة على مالكي رؤوس الموال من تجار وصناعيين ومدراء كان نشاطهم‬
‫محكوما في السابق بحدود الدولة القومية التي ينتمون إليها وإنما أصبحت تلك الفاعلية مرتبطة بالمجموعات المالية‬
‫والصناعية الحرة عبر الشركات والمؤسسات متعددة الجنسيات‪ .‬وبعبارة أخرى‪ ،‬لم تعد الدولة القومية هي الفاعل أو‬
‫المحدد الرئيسي للفاعلية القتصادية على المستوى العالمي‪ ،‬وإنما أصبح للقطاع الخاص الدور الول في مجال النتاج‬
‫‪).‬والتسويق والمنافسة العالمية‪ .‬كما أصبحت الشركات متعددة الجنسيات تلعب دورا محوريا في هذا المجال)‪4‬‬
‫ومن ناحية أخرى‪ ،‬أدى تنافس الدول الرأسمالية القوية في ظل العولمة إلى تهميش دور دول العالم الثالث غير القادرة‬
‫على المنافسة‪ .‬ولعل هذا الواقع هو ما قاد إلى العتقاد في استناد العولمة إلى الداروينية وقانون البقاء للصلح‪ ،‬حيث‬
‫رأى بعض المفكرين أن القوى الرأسمالية الكبرى والمتدثرة بغطاء العولمة قد وجدت في هذا المبدأ أساسا نظريا صالحا‬
‫لسباغ الشرعية على تجليات العولمة وتداعياتها)‪ .(5‬بل اعتقد بعضهم أن العولمة هي ما بعد الستعمار‪ ،‬باعتبار أن الـ‬

‫ما بعد في مثل هذه التعبيرات ل يعنى القطعية مع الـ ما قبل بقدر ما يعني الستمرار بصورة جديدة كما نقول ما بعد‬
‫‪).‬الحداثة)‪6‬‬
‫كما اعتبر المعارضون للعولمة أن القاعدة القتصادية التي تحكم اقتصاد العولمة هي إنتاج أكثر ما يمكن من السلع‬
‫والسلع المصنعة بأقل ما يمكن من العمل‪ ،‬وبالتالي تبدو الخصخصة والمبادرة الحرة والمنافسة‪ ..‬الخ على حقيقتها‬
‫‪).‬كإيديولوجيا للقصاء والتهميش وتسريح العمال بمبدأ كثير من الربح ‪ ..‬قليل من المأجورين)‪7‬‬
‫ولكن العولمة ليست نظاما اقتصاديا وحسب‪ ،‬وإنما تمتد إلى مجالت الحياة المختلفة سواء في السياسة أو العلم أو‬
‫الثقافة بوجه عام‪ .‬فالنمو القتصادي الرأسمالي كما يستلزم وجود أسواق حرة‪ ،‬يستلزم أيضا وجود أنظمة سياسية‬
‫وشكل معينا من أشكال الحكم‪ ،‬فتعدد مراكز القوة القتصادية استلزم بدوره تعددا في مراكز القوة السياسية‪ ،‬وخلق‬
‫بدائل وتعددية في القوى على مستوى السلطة ومنع تركيز القوة السياسية‪ ،‬ومنع تركيز الثروة في يد الدولة‪ ,‬وتحقيق‬
‫درجة هامة من اللمركزية‪ .‬ولذلك لم تكن مصادفة أن كانت الصيغة الديمقراطية الليبرالية في الحكم هي الصيغة التي‬
‫ارتبطت بالمجتمعات الرأسمالية وتطورت معها‪ ،‬أي مع الرأسمالية ذاتها‪ ،‬وأكدت نفسها بانتصارها على كل الصيغ‬
‫والشكال الخرى‪ ،‬بدءا من النازية والفاشية إلى البلشفية‪ .‬وقد كان انهيار التحاد السوفيتي وسقوط النظم الشمولية في‬
‫أوروبا الشرقية والتحولت المتلحقة نحو أشكال الحكم الديمقراطي أبرز مظاهر الرتباط بين التطور الرأسمالي‬
‫والتطور الديمقراطي‪ .‬ومن هنا اعتبر البعض أن الديمقراطية الليبرالية وقرينتها الرأسمالية هي نهاية التاريخ النساني‪،‬‬
‫‪).‬وأن النموذج المريكي هو خلصة وقمة التطور البشرى)‪8‬‬
‫ومع أن هناك فاعليات اقتصادية متعددة‪ ،‬تنتمي لثقافات وبلد مختلفة‪ ،‬تؤثر معا في مسار وتطور الظاهرة المعروفة‬
‫بالعولمة‪ ،‬إل أن كون الغلبة بين هذه الفعاليات تعود إلى مؤسسات أمريكية‪ ،‬بالضافة إلى الرتباط بين بروز العولمة‬
‫واحتلل الوليات المتحدة لمكانة الدولة العظمى الوحيدة‪ ،‬جعل البعض يعتقدون أن العولمة تعنى الدعوة إلى تبنى‬
‫النموذج المريكي في القتصاد والسياسة‪ ،‬وفى طريقة الحياة بشكل عام‪ .‬ومن هنا اعتبر البعض أن العولمة مرادف‬
‫للمركة‪ ،‬وأنها مجرد إفراز من إفرازات الدولة القومية عند لحظة من لحظات تضخم قوتها ومحاولتها فرض هيمنتها‬
‫‪).‬على العالم على نحو ما تنتهجه الوليات المتحدة المريكية من فرض لمنظومتها القيمية في ظل نظام العولمة)‪9‬‬
‫ويرى الباحث أنه ل يمكن القول بأن العولمة مرادف للمركة‪ ،‬وإل فإن حدوث أي تراجع في الداء القتصادي للوليات‬
‫المتحدة المريكية سيعنى اختفاء العولمة‪ ،‬فالواضح أن للعولمة أدوات ومؤسسات وقيما وفاعلين لو اختفى أي عنصر‬
‫منها‪ ،‬ل يعنى ذلك أن العناصر الخرى ستختفي‪ .‬فعلى الجانب القتصادي هناك ثلث مؤسسات دولية كبرى تقوم‬
‫بإرساء قواعد وبنيات هيكل العولمة‪ ،‬وتشرف على تكوين البنية التحتية الساسية لها‪ ،‬وهى‪ :‬منظمة التجارة العالمية‪،‬‬
‫والتي تعد أخطر المؤسسات المتعلقة بالعولمة من خلل الدور الذي تقوم به في تكريس تلك الظاهرة‪ ،‬وتحويل‬
‫القتصاديات المحلية المغلقة على ذاتها إلى اقتصاديات مفتوحة مدمجة فعليا في القتصاد العالمي؛ وصندوق النقد‬
‫الدولي‪ ،‬والذي يسهم في دعم اتجاهات العولمة وتحقيق مزيد من الدافع والحافز لدى الدول على التعولم‪ ،‬والنخراط في‬
‫تيار عولمة القتصاد العالمي من خلل وظائفه الرئيسية المتمثلة في تصحيح الختللت في موازين المدفوعات للدول‬
‫العضاء واستعادة توازنها وتحقيق استقرار سعر صرف عملتها‪ ،‬وتحرير المدفوعات الجارية‪ ،‬وإقامة نظام متعدد‬
‫الطراف للمدفوعات الدولية‪ .‬وأخيرا‪ ،‬البنك الدولي‪ ،‬والذي تطورت وتوسعت أنشطته إلى الدرجة التي أصبح ينظر معها‬
‫إليه كمجموعة تضم ثلث مؤسسات رئيسية يطلق عليها مجموعة البنك وهى‪ :‬البنك الدولي للنشاء والتعمير‪ ،‬والرابطة‬
‫الدولية للتنمية‪ ،‬ومؤسسة التمويل الدولية‪ .‬وتعمل هذه المؤسسات معا على تحقيق العولمة من خلل إحداث تغيرات‬
‫أهمها زيادة العتماد المتبادل داخليا وخارجيا‪ ،‬وزيادة انفتاح المشروعات على السواق العالمية‪ ،‬وزيادة استقطاب‬
‫‪).‬المشروعات للرؤى البتكارية)‪10‬‬
‫وعلى الجانب المعلوماتي التصالي‪ ،‬وهو جانب شديد الهمية بالغ الثر تتدافع وتتزاحم من خلله تيارات العولمة‬
‫‪ :‬واتجاهاتها المختلفة‪ ،‬نجد أن هناك فواعل وعوامل رئيسية ذات قوة تأثيرية هائلة تدعم العولمة‪ ،‬وأهمها‬
‫‪.‬شبكة النترنت‪ ،‬والتي تمارس دورها الرئيسي في توحيد العالم‪ ،‬وزيادة ترابطه واتصاله ‪-‬‬
‫التجارة الليكترونية‪ ،‬والتي يبلغ حجمها السنوي حاليا ما يزيد عن ‪ 101.9‬مليار دول)‪ ،(11‬واستطاعت جذب مئات ‪-‬‬
‫‪.‬المليين إليها‪ ،‬حيث وجد كل منهم فيها مآربه وأهدافه ووسيلته للتعايش‪ ،‬وإشباع احتياجاته ورغباته‬
‫المنظمات الجماهيرية غير الحكومية‪ ،‬والتي أصبح لها دورها المهم في إعادة تشكيل التوجه الجتماعي العام وخلق ‪-‬‬
‫‪.‬رأى عام مستنيرا تجاه القضايا العالمية‬
‫التغطية العلمية الكونية‪ ،‬فالمتابع للشبكات العلمية الخبارية وما تحققه من وظيفة اتصالية‪ ،‬ونقل فوري للخبار ‪-‬‬
‫إلي أي مكان في العالم‪ ،‬وجعل المشاهد لها يعايشها معايشة العين والحساس و الرأي‪ ،‬يكتشف بما ل يدع مجال للشك‬
‫‪.‬أن العولمة العلمية قد أصبحت واقعا ملموسا و معاشا‬
‫شبكة التصالت العالمية‪ ،‬فقد أتاح التطور المتصاعد في تقنية التصالت وتطور أنظمة الشبكات والدوائر الفائقة ‪-‬‬
‫التقدم واستخدام أنظمة الهواتف النقالة والتصالت الخلوية بالقمار الصناعية مباشرة‪ ،‬قدرة هائلة علي جعل سكان‬
‫‪.‬العالم باختلف أماكنهم مرتبطين ببعضهم البعض‪ ،‬بما أزال العزلة وحواجز المكان وفواصل الزمان‬
‫وعلي نحو ما هو متوقع‪ ،‬فقد شغل تأثير العولمة علي مفهوم السيادة ووضعية الدولة القومية حيزا ل يستهان به من‬
‫شواغل المحللين السياسيين في رؤيتهم للعولمة التي تهدف إلي جعل الشيء علي مستوي عالمي‪ ،‬أي نقله من المحدود‬

‫المراقب إلي الل محدود الذي ينأى عن كل مراقبة‪ .‬والمحدود طبقا لهذا التعريف يؤكد علي دور الدولة القومية التي‬
‫تتمتع بسيادة وطنية كاملة تستطيع من خللها توفير الحماية الداخلية والخاصة‪ ،‬أما الل محدود فهو النطاق العالمي‪،‬‬
‫حيث تسعي العولمة إلي إلغاء حدود الدولة القومية في المجالت القتصادية والمالية والتجارية وتعميم نمط معين من‬
‫‪.‬الفكار ليشمل الجميع‬
‫‪ :‬السيادة ‪2-‬‬
‫كان مبدأ السيادة ‪ -‬ول يزال‪ -‬أحد المقومات المهمة التي تنهض عليها نظرية الدولة في الفكر السياسي والقانوني‬
‫التقليدي‪ .‬والدولة ‪ -‬بوصفها الشخص الرئيسي والمتميز من أشخاص القانون الدولي ‪ -‬تتكون من عناصر ثلثة هي‪:‬‬
‫القليم‪ ،‬والسكان‪ ،‬والسلطة السياسية المنظمة )الحكومة( التي تقوم علي تنظيم السلطات والمرافق العامة وإدارتها في‬
‫الداخل والخارج‪ .‬ووجود هذه العناصر هو الذي يحدد للدولة اختصاصات واسعة في النطاق القانوني الدولي‪ ،‬وبدون‬
‫ممارسة تلك الختصاصات ل تتصف الدولة بالشخصية القانونية الدولية في نظر القانون الدولي العام‪ ،‬ول تظهر‬
‫كصاحبة سيادة ذات اتصال مباشر بالحياة الدولية‪ ،‬لن مبدأ السيادة ل يعطي مضمونا واقعيا ما لم تجسده مباشرة هذه‬
‫‪.‬الختصاصات‬
‫وقد نشأ مبدأ السيادة مع استئثار الملوك بالسلطة في الدولة الحديثة في أوروبا ومقاومة العباءة الكنسية للسلطة‬
‫البابوية والمبراطور وتصفية القطاع‪ ،‬فأصبحت الدولة هي السلطة التي ل تعلوها أي سلطة أخرى والتي تخضع‬
‫‪).‬لسيطرتها جميع الهيئات الخرى من المنظمات الجتماعية كالطوائف مثل )‪12‬‬
‫ويعد المفكر الفرنسي جان بودان هو أول من حاول بلورة نظرية متكاملة للسيادة من خلل مؤلفه الشهير الكتب الستة‬
‫عن الجمهورية‪ ،‬الصادر عام ‪1576‬م‪ ،‬إل أن بودان وضع سيادة الدولة في صورة مجردة لكونها سلطة عليا ل تخضع‬
‫للقوانين‪ ،‬أي سلطة مطلقة‪ .‬ول شك أن ذلك ل يتلءم مع البيئة المعقدة التي يتعين علي الدول الحديثة أن تعمل في‬
‫إطارها والتي تحتوي علي أبعاد ذات تأثير سلبي علي مفهوم السيادة بمعناه التقليدي‪ ،‬وعلي رأس تلك البعاد الدور‬
‫‪).‬المتنامي للقانون الدولي والمنظمات الدولية )‪13‬‬
‫وقد أدرك المنظرون ذوو المعتقدات اليديولوجية المتباينة انخفاض حجم وفعالية الوظائف التي تقوم بها الدولة‪،‬‬
‫وظهور قضايا وعلقات ومؤسسات تعمل علي إزالة الحدود الفاصلة بين الشئون المحلية والشئون الدولية‪ .‬كما ظهرت‬
‫مفاهيم جديدة متعددة من بينها‪ :‬التجمع‪ ،‬العتماد المتبادل‪ ،‬المجتمع العالمي‪ ،‬النظام العالمي‪ ،‬القتصاد العالمي‪ .‬وقد تم‬
‫‪).‬تقديم هذه المفاهيم كوسيلة لفتح نافذة علي عولمة الشئون النسانية وإعادة تقييم معني ووظيفة السيادة )‪14‬‬
‫وعلي ضوء تلك المتغيرات والمفاهيم الجديدة ‪ ،‬أصبح من غير الممكن تصور الدولة الحديثة ذات العلقات المتشابكة‬
‫مع الدول الخرى في صورة الجزيرة المعزولة‪ ،‬فالقانون الدولي الحديث يضع واقعا عمليا جديدا للسيادة والمساواة بين‬
‫الدول يشترط تكيف الدولة وتقيدها باللتزامات الدولية‪ ،‬ويجعل اختصاصات الدولة ذات السيادة تتسع أو تضيق بدرجة‬
‫‪).‬ملءمتها للختصاصات الممــاثلة لدي الدول الخرى علي ضوء قواعد القانون الدولي العام )‪15‬‬
‫وعلي الرغم من تعدد التعريفات التي يوردها الباحثون لمفهوم السيادة الوطنية‪ ،‬إل أن بينها قاسما مشتركا يتمثل في‬
‫النظر إلي السيادة باعتبارها السلطة العليا للدولة في إدارة شئونها سواء كان ذلك داخل إقليمها أو في إطار علقاتها‬
‫الدولية‪ .‬وبالتالي فإن السيادة تشير إلي معنيين أحدهما إيجابي ينصرف إلي قدرة الدولة ـ كوحدة سياسية مستقلة ـ على‬
‫التصرف بحرية كاملة ودون أية قيود تفرض عليها فيما عدا تلك التي ترتضيها هذه الدولة ذاتها‪ ،‬والخر سلبي يفيد‬
‫عدم إمكان خضوع الدولة لية سلطة غير سلطتها هي‪ .‬وبالتالي يكون لمبدأ السيادة وجه داخلي يقتصر نطاق تطبيقه‬
‫علي علقة الدولة بمواطنيها داخل إقليمها بحدوده السياسية المعلومة‪ ،‬ووجه خارجي ينصرف نطاق تطبيقه علي علقة‬
‫الدولة بغيرها من الدول‪ ،‬والتي تقوم علي وجوب احترام الستقلل الوطني والسلمة القليمية لكل دولة وعدم جواز‬
‫‪):‬التدخل في شئونها الداخلية )‪ .(16‬وهناك خصائص معينة للسيادة وفقا لمعناها العام السابق‪ ،‬وهي )‪17‬‬
‫أ ـ أنها مستمرة طالما بقيت الدولة متمتعة بشخصيتها القانونية‪ ،‬وبالتالي فإن السيادة تزول في حالة واحدة هي فقدان‬
‫الدولة لشخصيتها القانونية الدولية لي سبب كالندماج في دولة أخرى أو التجزئة إلي عدة وحدات سياسية يكون لكل‬
‫منها سيادته الوطنية الخاصة‪ .‬وقد شهد التاريخ الحديث حالت تعرضت فيها دول إلي عوارض جمدت من قدرتها علي‬
‫مباشرة مظاهر سيادتها علي إقليمها وفي نطاق علقاتها المتبادلة مع غيرها من الوحدات والكيانات السياسية الدولية‬
‫الخرى‪ ،‬كأن توضع الدولة تحت حماية دولة أخري‪ ،‬أو أن يخضع إقليمها لحتلل دولة من الدول‪ ،‬أو أن يتفق في‬
‫‪.‬معاهدة دولية علي وضع هذه الدولة في حالة حياد قانوني دائم‬
‫ب‪ -‬أنها تمثل ـ كمبدأ عام ـ كل واحدا ل يقبل النقسام أو التجزئة‪ ،‬وبالتالي فإن عدم وجود رابطة خضوع قانونية من‬
‫أي نوع تربط دولة ما بدولة أخري هو وحده الذي ينهض دليل قاطعا علي انتقاص سيادتها إذا ما ثبت خضوعها‬
‫لسلطان هذه الدولة أو الدول الخرى‪ .‬وهناك حالت نادرة تم فيها تجزئة السيادة علي إقليم معين بين دولتين أو أكثر‪،‬‬
‫ومن ذلك مثل حالة السيادة السعودية الكويتية المشتركة علي المنطقة المحايدة بينهما‪ .‬كما قادت التطورات المستحدثة‬
‫في النظام الدولي إلي بروز فكرة السيادة المشتركة للدول كافة علي البحار في المناطق التي تخرج عن نطاق الولية‬
‫‪.‬القليمية لهذه الدول فرادى‬
‫ج‪ -‬ترتبط السيادة ارتباطا وثيقا بدرجة وحدود الستقلل السياسي للدولة‪ ،‬فالستقلل هو الذي يتيح لها إعمال مظاهر‬
‫هذه السيادة سواء داخل إقليمها أو في إطار علقاتها المتبادلة مع غيرها من الدول وأشخاص القانون الدولي الخرين‪.‬‬

‫والواقع أن تفاوت الدول من حيث الموارد والمكانيات جعل بعض الباحثين يميزون بين السيادة كمفهوم قانوني بمعني‬
‫وحدة الخطاب القانوني وعمومية القاعدة القانونية الدولية بالنسبة لجميع المخاطبين بها وبدون أدني تمييز‪ ،‬والسيادة‬
‫كمفهوم سياسي بمعني القدرة الفعلية أو الحقيقية للدولة علي رفض الخضوع لية سلطة أخرى غير سلطتها هي‪.‬‬
‫فالدولة قد تكون مستقلة قانونا ولكنها عاجزة عن إشباع احتياجات مواطنيها مما يعرضها لضغوط وتأثيرات بعض‬
‫‪).‬الدول الخرى‪ ،‬المر الذي يجعل استقللها منقوصا‪ ،‬وبالتالي تعجز عن مباشرة بعض مظاهر سيادتها )‪18‬‬
‫ثانيا ـ المتغيرات التي أدت إلي الربط بين مفهومي العولمة والسيادة‬
‫يوضح العرض السابق وجود رابطة بين العولمة والسيادة بمعناهما السابقين‪ ،‬فالعولمة تطرح ضمنا حدود سيادة الدولة‬
‫ودورها علي المستويين الداخلي والخارجي ومستقبلها‪ .‬ففي ظل العولمة تخضع الحياة القتصادية والسياسية أكثر‬
‫فأكثر لتأثير قوى السوق‪ ،‬وهذه بدورها تخضع لتأثير مصالح الشركات المحلية والدولية أكثر مما تخضع لوامر الدولة‪.‬‬
‫ويري البعض أن من بين أهم ملمح العولمة انحسار قوة الدولة‪ ،‬وعلي الخص في البلد القل نموا‪ .‬فكما أخذ مبدأ‬
‫سيادة المستهلك في النحسار تاركا مكانه لتعاظم تأثير المنتجين في أنماط الستهلك وفي أذواق المستهلكين‪ ،‬فإن‬
‫سيادة الدولة الوطنية هي أيضا آخذة في النحسار تاركة مكانها أكثر فأكثر لسيطرة منتجي السلع والخدمات‪ .‬كما‬
‫انحسرت قدرة الدولة علي التأثير في مستوى وأنماط الستهلك‪ ،‬بما في ذلك استهلك السلع والخدمات الضرورية )‬
‫‪19).‬‬
‫وقد أصبحت العلقات في ظل العولمة تتشكل حول محورين رئيسين‪ ،‬هما‪ :‬العتماد المتبادل بين الدول القوية بهدف‬
‫تحقيق المصلحة المشتركة لتلك الدول خاصة في المجال القتصادي؛ وتبعية الدول النامية للدول القوية بسبب عدم قدرة‬
‫الدول النامية على إشباع الحتياجات الساسية لمواطنيها‪ .‬كما أصبحت الوسيلة الكثر فاعلية في تحقيق انتقال السلع‬
‫ورأس المال والمعلومات والفكار هي الشركات متعددة الجنسيات والمنظمات الدولية غير الحكومية التي تتخذ العالم‬
‫كله مسرحًا لعملياتها‪ .‬ويعنى ذلك إعادة توزيع وتغيير الوزان النسبية للفاعلين في النظام الدولي لصالح مؤسسـات‬
‫‪.‬المجتمع المدني الدولي على حسـاب الـدول والمنظمات الدولية الحكومية‬
‫والواقع أن الشركات متعددة الجنسيات لم تكتف بقدرتها على اللتفاف على الدولة والتملص مما يمكن أن تفرضه عليها‬
‫من قيود‪ ،‬بل سعت إلى احتواء الدولة وتسخيرها لخدمتها‪ .‬وجعلت الدولة‪ ،‬علي حـد تعبير أحد الباحثين تقتنع بدور‬
‫حيث أصبحت حكومات الدول النامية تتعرض لضغط مضاعف‪ .‬فمن ناحية‪ ،‬هي ‪ house keeper،‬مديرة المنزل‬
‫مطالبة مثل الحكومات في الدول المتقدمة بأن تقوم بوظيفة تدبير المنزل وفق ما تمليه إرادة الشركات متعددة الجنسيات‬
‫وما يخدمها من مؤسسات دولية‪ ،‬ومن ناحية أخرى‪ ،‬فإنها ل تعتبر شريكا في الستفادة من الشركات متعددة الجنسيات‬
‫‪).‬لن هذه الستفادة مقصورة علي الدول المتقدمة التي تقع فيها مراكز تلك الشركات )‪20‬‬
‫ومن بين التطورات الدولية التي صاحبت العولمة تغير هيكل النظام الدولي من نظام ثنائي القطبية تسيطر عليه قوتان‬
‫عظميان هما الوليات المتحدة المريكية والتحاد السوفيتي إلي نظام أحادي القطبية تنفرد الوليات المتحدة المريكية‬
‫بالسيطرة عليه‪ .‬ومن هنا أثيرت تساؤلت حول أفضل نظام يمكن من خلله ضمان أمن سيادة الدولة‪ .‬وذهب البعض إلي‬
‫أن النظام أحادي القطبية يؤدي إلي انتهاك سيادات الدول‪ ،‬وعلي سبيل المثال لم يكن من الممكن أن يحدث لسيادة‬
‫العراق ما يحدث لها الن من انتهاكات لو استمر النظام الدولي ثنائي القطبية‪ .‬ويري آخرون أن العولمة ستؤدي حتما‬
‫إلي قيام نظام دولي جديد متعدد القطاب‪ ،‬وأن هـذا النظـام هو الذي سيحفظ سيادات الدول بقدر أكبر من النظامين‬
‫‪).‬أحادي وثنائي القطبية )‪21‬‬
‫ومن المتغيرات الخرى المصاحبة للعولمة والتي أدت إلي انتهاك سيادة الدولة الثورة الهائلة في وسائل التصال‪ ،‬فقد‬
‫ترتب عليها تقريب غير معهود للمسافات بين مختلف مناطق العالم‪ ،‬وأدي ذلك إلي أن أي حدث يقع في أية منطقة من‬
‫العالم يكون له صداه في غيره من المناطق دونما اعتبار للحدود السياسية أو لمبدأ السيادة القليمية)‪ .(22‬كما أدت‬
‫الثورة التصالية إلي الرتفاع الكبير في نسبة السكان‪ ،‬داخل كل مجتمع أو أمة‪ ،‬التي تتفاعل مع العالم الخارجي وتتأثر‬
‫‪).‬به في نمط حياتها وتفكيرها )‪23‬‬
‫كما أدت متغيرات العولمة إلي إعادة تشكيل خريطة وموازين القوة في النظام الدولي بما يرجح أوزان القوة القتصادية‬
‫والعلمية والتكنولوجية علي حساب القوة العسكرية والديموغرافية‪ ،‬ولكن دون أن تفقد هذه الخيرة مجمل ثقلها‬
‫بالطبع ‪.‬كما أعيد ترتيب الولويات علي جدول أعمال النظام الدولي فتراجعت القضايا التقليدية التي كانت تحتل مرتبة‬
‫الصدارة في مرحلة الحرب الباردة مثل قضايا الصراع بين الشرق والغرب أو حتى بين الشمال والجنوب‪ ،‬وتقديم قضايا‬
‫جديدة متعددة باتت تواجهها الجماعة الدولية ككل مثل مشكلت الطاقة‪ ،‬والتلوث البيئي والتصحر والتضخم والرهاب‬
‫وحقوق النسان وأسلحة الدمار الشامل‪ ،‬وهي القضايا التي تتطلب جهدا دوليا جماعيا لمواجهتها‪ ،‬مما يتطلب بدوره‬
‫التعامل مع مفهوم السيادة من منظور جديد )‪ .(24‬كما أدت العولمة إلي تكامل القتصاد العالمي من خلل الزيادة‬
‫الكبيرة في درجة تنوع السلع والخدمات المتبادلة بين المم‪ ،‬وتنوع مجالت الستثمار التي تتجه إليها رؤوس الموال‬
‫‪.‬من بلد إلي آخر‪ ،‬بالضافة إلي النمو الكبير في تبادل المعلومات والفكار بين الدول‬
‫وهكذا‪ ،‬فإن العولمة هي نظام يقفز علي الدولة والمة والوطن ويسعى إلي إنشاء كيانات كبيرة كالشركات متعددة‬
‫الجنسيات‪ .‬إل أنه في المقابل يعمل علي التفتيت والتشتيت‪ ،‬حيث إن إضعاف سلطة الدولة والتخفيف من حضورها‬
‫لصالح العولمة يؤديان حتما إلي استيقاظ أطر للنتماء سابقة علي الدولة كالقبيلة والجهة والتعصب والمذهب‪ ،‬والنتيجة‬

‫‪).‬هي تفتيت المجتمع وتشتيته )‪25‬‬
‫ثالثا ـ التأثيرات السلبية واليجابية للعولمة علي سيادة الدولة‬
‫سارت غالبية المتغيرات التي صاحبت العولمة في اتجاه تقليص نطاق تطبيق مبدأ السيادة الوطنية‪ ،‬إل أن بعضها كان‬
‫له تأثيرات ايجابية أدت إلي تدعيم قدرة الدولة وسلطتها في مجال مباشرتها لمظاهر سيادتها‪ .‬وفيما يلي توضيح لهم‬
‫‪.‬تلك التــأثيرات‬
‫التأثيرات السلبية ‪1-‬‬
‫تسببت التطورات الراهنة في النظام الدولي في أزمة طالت كل أنماط الدول‪ ،‬وطرحت نفسها بأشكال مختلفة علي تلك‬
‫النماط‪ .‬فإذا كانت أزمة الدولة الماركسية اللينينية هي أزمة انهيار النموذج الشيوعي‪ ،‬فإن أزمة الدولة الديمقراطية‬
‫الليبرالية تتجسد في أزمة الحزب السياسي الذي هو عماد تعدديتها‪ ،‬كما أن أزمة الدولة البيروقراطية تتمحور حول‬
‫ضعف الفعالية والعجز عن بناء قطاع عام قادر وكفؤ‪ .‬ولزمة الدولة‪ ،‬بأنماطها المختلفة وعلي تنوع درجة تطورها‬
‫‪):‬السياسي ومستوي نموها القتصادي‪ ،‬مصادرها الداخلية والخارجية نعرضها فيما يلي)‪26‬‬
‫‪ :‬المصادر الداخلية‬
‫ـ أنتجت سياسات التحرير القتصادي ارتخاء في قبضة الدولة علي أصولها‪ ،‬فلم تعد علقتها بها علقة المالك بما ‪1‬‬
‫‪.‬يملك‪ ،‬بل علقة المنظم بوحدات تتبع إدارته‬
‫ـ أفرزت ثورة الجماعات السللية وصحوة الولءات الثنية تعطيل لسيادة الدولة علي أجزاء من إقليمها تضيق أو ‪2‬‬
‫‪.‬تتسع حسب مقتضى الحال‬
‫ـ أدي نمو المجتمع المدني إلي تهميش دور الدولة من خلل سحب بعض الوظائف منها وإبلئها لفاعلين بازغين‪3 .‬‬
‫وقد بدأت تلك الظاهرة في مجالت الصحة والتعليم والثقافة والنقل والمواصلت والبريد‪ ،‬ثم امتدت إلي إدارة السـجون‬
‫‪).‬وخدمات المن الخاصة )‪27‬‬
‫أدت العولمة إلي تهديد الثقافة والحضارة المحلية الوطنية من خلل التجاه إلى نشر ثقافة كونية ونمط معين من ‪4-‬‬
‫الفكار ليشمل الجميع‪ ،‬مما أدى إلى إيجاد حالة من الغتراب بين الفرد وتاريخه الوطني وموروثاته الثقافية‬
‫والحضارية‪ .‬كما أدت إلي الضغط على الهوية والشخصية الوطنية المحلية وإعادة صهرها وتشكيلها في إطار هوية‬
‫‪).‬وشخصية عالمية )‪28‬‬
‫‪ :‬المصادر الخارجية‬
‫‪.‬ـ أسفرت ظاهرة تشكيل التكتلت القليمية عن نقل جزء من سلطات الدولة إلي هياكل الكيانات غير القومية ‪1‬‬
‫‪.‬ـ أنهت الثورة التصالية احتكار الدولة للمعلومة التي أصبح من السهل الحصول عليها من مصادر متعددة ‪2‬‬
‫ـ فرضت شروط التعاون الدولي صياغات محددة لقواعد اللعبة السياسية الداخلية‪ ،‬وقرنت مؤسسات التمويل الدولية ‪3‬‬
‫‪.‬منح مساعداتها أو منعها بالتنشئة الديمقراطية والتنشئة علي ثقافة حقوق النسان‬
‫ـ لم تعد هناك خطوط فاصلة بين الشأنين الداخلي والخارجي )أو بين مسئولية الدولة ومسئولية المجتمع الدولي(‪4 ،‬‬
‫ففكرة السيادة المطلقة لم تعد مقبولة كما سبق توضيحه‪ .‬ولم يعد إطلق يد النظمة الحاكمة في تحديد نطاق الشأن‬
‫الداخلي أمرا مسلما به كما كان في الماضي‪ ،‬بل أصبح تدخل المجتمع الدولي في بعض المور التي كانت في الماضي‬
‫شأنا داخليا أمرا مقبول ويراه البعض ضروريا وواجبا)‪ .(29‬ومن هنا أعيد إحياء حق التدخل النساني لكن في قالب‬
‫جديد‪ ،‬وهو ما يعد أخطر تطورات ما بعد الحرب الباردة عموما من حيث تأثيره على سيادة الدول بسبب الطبيعة غير‬
‫المنضبطة وغير المقننة التي يتم بها ممارسة هذا الحق‪ ،‬ولنه يعكس اختلل التوازن الدولي لصالح الوليات المتحدة‬
‫‪).‬بعد انهيار التحاد السوفيتي)‪30‬‬
‫ـ نجحت بعض الشعوب بعد كفاح طويل من أجل الحرية أن تنشيء حكومات ومؤسسات قابلة للمساءلة من الشعب‪5 ،‬‬
‫ولكن العولمة بتحويلها السلطة من الدول إلي الشركات سمحت للبيروقراطيات الدولية بتقويض هذه المساءلة‪ ،‬فهي ل‬
‫تخضع للمساءلة ول تتسم بالشفافية‪ ،‬وبالتالي فهناك عجز ديمقراطي ليس فقط في أوروبا‪ ،‬وإنما أيضا في الوليات‬
‫‪).‬المتحدة واليابان وجميع اقتصاديات العالم المتأثرة بالعولمة )‪31‬‬
‫أصبحت الدولة مسئولة مسئولية دولية مباشرة ليس فقط عن أفعالها غير المشروعة التي يترتب عليها حدوث ‪6-‬‬
‫ضرر مادي للدول الخرى أو لمواطني هذه الدول‪ ،‬وإنما تساءل أيضا عن أفعالها المشروعة ـ التي تصدر عنها إعمال‬
‫لمبدأ السيادة وفي نطاقها القليمي ـ التي يترتب عليها حدوث ضرر للغير‪ .‬وعلي سبيل المثال‪ ،‬فإن قيام دولة ما بإزالة‬
‫الغابات من مساحات شاسعة داخل إقليمها يجعل هذه الدولة مسئولة دوليا في مواجهة الدولة أو الدول التي قد يتسبب‬
‫هذا التصرف في إحداث خلل ظاهر للتوازن البيئي داخل إقليمها‪ ،‬ويحق للدولة المتضررة في الحالة أن تطالب باقتضاء‬
‫‪).‬التعويض المناسب )‪32‬‬
‫ظهور مؤسسات أمنية ذات مجال حركة عالمي‪ ،‬أبرزها حلف الناتو الذي أصبح مؤسسة أمنية ذات صبغة عالمية‪7- .‬‬
‫ففي قمة الحلف الخمسينية التي عقدت في واشنطن في أبريل سنة ‪ 1999‬أقر قادة دول الحلف ـ بضغط من الوليات‬
‫المتحدة المريكية ـ مفهوما استراتيجيا معدل يتيح لقوات الناتو الحق في العمل في أي مكان في العالم بخلف ما أقرته‬
‫الفقرة الخامسة من ميثاق الحلف عام ‪ 1949‬المتعلقة بتقييد التحرك داخل نطاق منطقة اليورو ـ أطلنطي‪ .‬وصار للحلف‬
‫أن يتحرك دون تفويض من المم المتحدة حسبما شاء‪ .‬ويهدف الحلف في الوقت الراهن إلي فرض التزامات بعض‬

‫التفاقيات الدولية الخاصة بمناهضة أسلحة الدمار الشامل تلقائيا علي الدول غير الموقعة عليها مثل التفاقية الخاصة‬
‫بمكافحة السلحة الكيماوية‪ .‬وهناك آليات مقترحة لتنفيذ تلك اللتزامات منها مراقبة التسلح والنذار المبكر وشفافية‬
‫التدريبات والميزانيات والخطط العسكرية‪ .‬ولشك أن في ذلك انتهاكا لسيادة الدول التي تفرض عليها تلك اللتزامات )‬
‫‪33).‬‬
‫أدت العولمة إلي إيجاد مصادر قانونية منافسة لسلطة الدولة في مجال التقنين‪ ،‬فالمعروف أن قدرة الدولة علي ‪8-‬‬
‫تقنين سلوكيات الفراد تعد أحد مظاهر السيادة التي تمارسها علي جميع القائمين علي إقليمها‪ .‬لذا فإن فكرة التقنين‬
‫ظلت ترتبط بالدولة في المقام الول وذلك لما تملكه من مقومات مادية قادرة علي وضع القاعدة القانونية موضع‬
‫التطبيق‪ .‬ولكن مع ظاهرة العولمة ظهر أشخاص جديدة قادرون علي إيجاد القواعد التي يرونها‪ .‬ومن هنا كانت‬
‫الصوات التي نادت بإيجاد قانون مستقل لتنظيم حركة التجارة الدولية تقف من ورائه الشركات متعددة الجنسيات‪،‬‬
‫فالعولمة جاءت لتؤكد أن حق تنظيم السلوك وضبط حركة تعاملت الفراد لم يعد حكرا علي الدولة وحدها‪ .‬كما ساعد‬
‫علي نشأة هذا القانون تأكيد دور القضاء الخاص )التحكيم( في الفصل في منازعات التجارة الدولية بعيدا عن القضاء‬
‫الوطني‪ .‬ولذا انتشرت مؤسسات التحكيم سواء القليمية أو الدولية والتي تعطي للمحكم القدرة علي إيجاد القواعد التي‬
‫‪).‬تفصل في منازعات التجارة الدولية بعيدا عن القوانين الوطنية )‪34‬‬
‫ظهرت في ظل العولمة قوانين عابرة للحدود‪ .‬وإذا كان الفكر القانوني التقليدي يرى في فكرة التشريع مظهرا من ‪9-‬‬
‫مظاهر سيادة الدولة‪ ،‬فإنه قد حصر قوة التشريع تلك بالحدود الجغرافية التي تمتلكها الدولة‪ ،‬بمعني أن مجال تطبيق‬
‫هذه القوانين يكون محدودا بحدود الدولة صاحبة التشريع فقط‪ .‬ولكن في ظل فكرة العولمة ظهرت القوانين القتصادية‬
‫العابرة للحدود‪ ،‬ففي الوليات المتحدة المريكية توجد قوانين تراقب المنتجات الستراتيجية وتمنعها من الوصول إلي‬
‫أيدي الدول المناوئة لها‪ .‬فعلي سبيل المثال وفي مجال المعلوماتية‪ ،‬تعطي الوليات المتحدة المريكية للقوانين التي‬
‫تراقب حركة المعلوماتية‪ ،‬مثل برامج الحاسب اللي‪ ،‬أثرا غير إقليمي بحيث تمتد هذه القوانين إلي جميع العقود التي‬
‫ترد علي المعلوماتية الموجهة إلي بعض البلد التي تضعها الوليات المتحدة المريكية علي القائمة السوداء‪ ،‬سواء‬
‫كانت هذه المنتجات أمريكية أم ل‪ ،‬وسواء كانت هي )الوليات المتحدة( من أطراف العقد أم ل‪ .‬ول شك أن هذا الثر‬
‫المتعدي لتلك القوانين يمثل إحدى آليات تذويب فكرة السيادة‪ .‬ومن أجل إضفاء نوع من المشروعية لمثل هذه‬
‫التشريعات المتعدية‪ ،‬نجدها تقوم بالربط بين فكرة حقوق النسان وعمليات التجارة الدولية)‪ .(35‬وهكذا‪ ،‬يتضح لنا‬
‫وجود علقة طردية بين المتغيرات التي صاحبت العولمة وتقلص السيادة الوطنية‪ .‬إل أن التأثيرات السلبية للعولمة علي‬
‫سيادة الدولة ليست بدرجة متساوية علي جميع الدول‪ ،‬فالدول النامية عرضة للتأثر بدرجة أكبر من الدول المتقدمة‬
‫خاصة في المجالين القتصادي والثقافي‪ .‬فقد أصبحت الدول النامية محاصرة من الداخل بانتفاضات سللية‪ ،‬وبمجتمع‬
‫مدني يتمتع بدعم عالمي‪ ،‬وبعجز متزايد للدولة عن الوفاء بالحتياجات الساسية لمواطنيها‪ ،‬ومحاصرة خارجيا‬
‫بصندوق النقد الدولي والجات وسياسات الدول الكبرى مما يثير تساؤلت بشأن حدود السيادة والدوار المتصـورة‬
‫‪).‬للدولة في ظل هذا الوضع )‪36‬‬
‫وفى الوقت الذي عانت فيه كثير من الدول النامية من التهميش القتصادي لعدم قدرتها علي المنافسة وتذويب ثقافتها‬
‫الوطنية في الثقافة الكونية التي تسعي العولمة إلي نشرها‪ ،‬نجد أن هناك شعوبا وثقافات أخرى شتي في العالم ل تخشى‬
‫العولمة‪ .‬فاليابانيون مثل ل يخافونها‪ ،‬بل يتفاعلون معها‪ ،‬كما أن تجربتهم تستحق التأمل‪ ،‬فهم لم يتأثروا في خصائصهم‬
‫الثقافية وسماتهم القومية الساسية بالغرب رغم أنهم تعرضوا لمؤثرات غربية مباشرة بل وموجهة ومقصودة لفترة‬
‫طويلة عقب الحرب العالمية الثانية‪ ،‬كما عاشوا وما زالوا تحت حماية أمريكية صريحة‪ .‬وبالتأكيد فإن إنجازهم‬
‫القتصادي يساعد علي توليد الثقة‪ ،‬لكن ثقتهم كانت قائمة قبل أن يصير اقتصادهم عملقا‪ ،‬وهو لم يصبح كذلك إل‬
‫عندما اكتسب طابعا عالميا‪ .‬والمهم هو أن الثقة الوطنية في الثقافة والهوية سبقت النجاز القتصادي وساعدت عليه )‬
‫‪37).‬‬
‫وهكذا‪ ،‬فإن هناك علقة عكسية بين تقدم الدولة ومدى تأثرها بمتغيرات العولمة‪ ،‬وبعبارة أخري فإن هناك أوزانا نسبية‬
‫لتأثيرات العولمة علي سيادات الدول‪ ،‬ولبد من التمييز بين الدول في مستوى وأبعاد هذا التأثر الذي طال المجتمعات‬
‫المتقدمة والنامية علي حد سواء‪ .‬فهناك أكثر من مليار فرد يعيشون بأقل من دولر واحد يوميا‪ ،‬ولئن كانت العولمة‪،‬‬
‫من حيث المبدأ‪ ،‬ينبغي أن تنعش التنمية علي الخريطة العالمية‪ ،‬فالثابت أنه ل توجد عولمة حقيقية للتنمية القتصادية‬
‫طالما أنه ل توجد عولمة لعوامل النتاج )رؤوس الموال والمعارف واليدي العاملة المدربة(‪ .‬وإذا كانت العولمة قد‬
‫نشطت بقوة في الثمانينيات إل أن العالم ل يزال في مراحلها الولية‪ ،‬وبدأت آليات التهميش تضرب كل المجتمعات الغنية‬
‫والفقيرة‪ ،‬واتسعت دوائر الفئات الجتماعية المهمشة في الدول الغنية‪ .‬وبحسب برنامج المم المتحدة للتنمية في عام‬
‫‪ ،1998‬فإن مؤشر الفقر في الدول الصناعية يرصد نحو ‪ 100‬مليون شخص علي القل‪ ،‬وفي الوليات المتحدة‬
‫المريكية وبريطانيا يعيش ‪ %15‬من السكان تحت خط الفقر‪ ،‬كما تكرست في الدول الفقيرة طبقة مرفهة‪ ،‬ففي الهند‬
‫‪).‬يعيش نحو ‪ 200‬مليون فرد ـ من أصل مليار ـ حياة ملئمة )‪38‬‬
‫وقد أوضح تقرير لمعهد بحوث المم المتحدة للتنمية الجتماعية بعنوان‪ :‬حالت فوضي‪ ..‬الثار الجتماعية للعولمة‪،‬‬
‫صدر في عام ‪ 1997‬أن التجاهات الرئيسية للعولمة التي برزت في السنوات الخيرة وتسير بوتيرة متسارعة هي‪:‬‬
‫انتشار الديمقراطية الليبرالية‪ ،‬وسيطرة قوي السوق‪ ،‬وتكامل القتصاد العالمي‪ ،‬وتحول نظم النتاج وأسواق العمل‪،‬‬

‫وسرعة التغير التكنولوجي‪ ،‬والثورة في وسائل العلم‪ ،‬والنزعة الستهلكية‪ .‬وهذه العمليات المذكورة ليست ظواهر‬
‫طبيعية وإنما هي عمليات مدعمة تدفعها إلي المام مجموعة من المصالح القومية والدولية التي تري أن التحرير‬
‫السريع للقتصاديات والنظم السياسية سوف يؤدي إلي نمو اقتصادي متجدد‪ ،‬وأن الرفاه الجتماعي سيتبع ذلك بحكم‬
‫الضرورة‪ .‬وقد تم نقل هذا النهج اليديولوجي إلي الدول النامية‪ ،‬وبصورة أساسية من خلل برامج التصحيح الهيكلي‬
‫‪.‬لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي‬
‫وناقش الفصل الثاني من التقرير المذكور بعنوان التصحيح المؤلم مختلف العواقب الجتماعية والمؤسساتية لتلك‬
‫البرامج كالفقر المطلق‪ ،‬وسوء التغذية‪ ،‬وانتشار المراض‪ ،‬وتدهور البيئة‪ ،‬وزيادة عمليات تهريب المخدرات وتعاطيها‪.‬‬
‫وبحث هذا الفصل استراتيجيات المواجهة الجديدة التي طورتها الشعوب كي تؤمن أسس بقائها‪ .‬وأمام وابل من‬
‫النتقادات ردت المؤسسات المالية الدولية بتمويل شبكات أمن اجتماعي‪ ،‬لكن هذه البرامج لم تقدم سوي الحد الدنى من‬
‫‪).‬الدعم )‪39‬‬
‫التأثيرات اليجابية ‪2-‬‬
‫علي الرغم من التأثيرات السلبية المتعددة للعولمة علي سيادة الدولة كما سبق توضيحه‪ ،‬فقد كان لها بعض التأثيرات‬
‫اليجابية التي قادت في مجملها إلي تدعيم قدرة الدولة وسلطتها في مجال مباشرتها للمظاهر المختلفة‪ ،‬الداخلية‬
‫‪:‬والخارجية‪ ،‬علي حد سواء لسيادتها الوطنية‪ ،‬كان أبرز مظاهرها ما يلي‬
‫ـ فتحت التطورات الراهنة الباب واسعا أمام زيادة قدرة الدولة علي مباشرة‪ ،‬أو التوسع في مباشرة المعني اليجابي ‪1‬‬
‫للسيادة والمتمثل في سلطة إبرام التصرفات القانونية تنظيما لعلقاتها مع الدول الخرى ومع غيرها من أشخاص‬
‫‪.‬القانون الدولي‬
‫ـ تتيح التطورات الدولية الراهنة للدول النامية فرصا افضل لتفاعل أكثف وأسرع‪ ،‬وتسمح لصوتها بأن يبلغ العالم ‪2‬‬
‫المتقدم من خلل الستفادة من ثمار الثورة الثقافية والتصـالية‪ ،‬والتسلح بمنطق الشرعية الدولية واحترام القانون في‬
‫‪).‬الدفاع عن قضاياها )‪40‬‬
‫ـ هناك تأثيرات ذات طبيعة ايجابية وسلبية في آن واحد‪ ،‬فالنظام الجديد للمسئولية الدولية الذي من شأنه أن يجعل ‪3‬‬
‫الدولة مسئولة دوليا في مواجهة دول أخرى لمجرد حدوث ضرر أو حتى مجرد مخالفة التزام دولي معين مما يعتبر‬
‫تضييقا لنطاق السيادة الوطنية‪ ،‬له أيضا مظهره اليجابي المتمثل في تعزيز هذه السيادة‪ ،‬حيث يسوغ للدولة المتضررة‬
‫من جراء فعل معين منسوب إلي دولة أخرى المطالبة بإصلح هذا الضرر طالما تحققت له شروطه الموجبة‪ .‬وبعبارة‬
‫أخرى‪ ،‬إذا كان من شأن هذا النظام أنه يؤدي في الظاهر إلي النتقاص من سيادة دولة ما‪ ،‬إل أنه يقود في المقابل إلي‬
‫‪.‬تعزيز سيادة دولة أخرى‬
‫التطور الذي لحق بسلطات الدول الشاطئية بموجب اتفاقية المم المتحدة لقانون البحار عام ‪ 1982‬التي أضافت إلى ‪4-‬‬
‫مسافة الـ ‪ 12‬ميل التي مثلت أقصى عرض مسموح به قانونا للمياه القليمية لكل دولة شاطئية مسافة أخرى تمتد إلى‬
‫‪ 200‬ميل بحريا تباشر الدولة عليها وفى نطاقها سلطاتها‪ .‬وقد جاء هذا التطور نتيجة التقدم التكنولوجي الهائل الذي‬
‫شهده العالم خلل العقود الخيرة‪ ،‬وما ترتب عليه من زيادة قدرات الدول في مجال استخراج الثروات من البحار‬
‫‪).‬واستغللها بكفاءة أكبر)‪41‬‬
‫رابعا‪ :‬رؤية مستقبلية لمفهوم السيادة الوطنية‬
‫طرح المفكرون والباحثون رؤى متعددة بشأن مستقبل السيادة الوطنية في ضوء متغيرات العولمة‪ .‬وقد وضع الباحثون‬
‫لربعة سيناريوهات رئيسية لمستقبل السيادة الوطنية‪ ،‬هي‪ :‬اختفاء السيادة‪ ،‬استمرارية السيادة‪ ،‬الحكومة العالمية‪،‬‬
‫‪.‬التفكيكية والنسبية‪ .‬وفيما يلي عرض مختصر لتلك السيناريوهات‬
‫سيناريو اختفاء السيادة ‪1-‬‬
‫يرى أنصار هذا السيناريو أنه كما حلت الدولة محل سلطة القطاع تدريجيا منذ نحو خمسة قرون‪ ،‬سوف تحل اليوم‬
‫الشركة متعددة الجنسيات تدريجيا محل الدولة‪ .‬والسبب في الحالتين واحد وهو التقدم الثقافيي وزيادة النتاجية والحاجة‬
‫إلى أسواق أوسع‪ ،‬فقفزت الشركة المنتجة فوق أسوار الدولة‪ ،‬سواء تمثلت تلك السوار في حواجز جمركية‪ ،‬أو حدود‬
‫ممارسة السياسات النقدية والمالية‪ ،‬أو حدود السلطة السياسية‪ ،‬أو حدود بث المعلومات والفكار‪ ،‬أو حدود الولء‬
‫والخضوع)‪ .(42‬ووفقا لهذا السيناريو‪ ،‬فإن الشركات متعددة الجنسيات تسعى خلل تلك المرحلة إلى إحداث تقليص‬
‫تدريجي في سيادة الدول‪ ،‬بما يؤدى إلى اختفاء مفهوم السيادة‪ ،‬ثم الدولة القومية ذاتها في مرحلة لحقة‪ .‬وفى إطار‬
‫سعيها لتحقيق ذلك الهدف‪ ،‬تستعين تلك الشركات بجهود هيئات ومؤسسات أخرى‪ ،‬منها المؤسسات المالية الدولية‬
‫كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي‪ ،‬ومختلف وكالت المم المتحدة العاملة في ميادين التنمية والثقافة‪ ،‬ومنها أيضا‬
‫أجهزة المخابرات في الدول الكبرى ومختلف وسائل التأثير في الرأي العام كالصحف والمجلت وشبكات التليفون‬
‫والمؤسسات المانحة للجوائز الدولية المهمة أو المشتغلة بحقوق النسان‪ ..‬الخ‪ .‬كما أنها ل تدخر وسعا في تجنيد‬
‫مفكرين وكتاب في مختلف البلد ينظرون ويروجون لفكار العولمة والكونية‪ ،‬ويؤكدون أن الشعور بالولء لمة أو وطن‬
‫‪.‬قد أصبح من مخلفات الماضي التي يحسن إهمالها‬
‫ويخلص أنصار هذا التجاه إلى أن الصورة العامة التي تسترعى النتباه هي التراجع العام لسيادة الدولة وانحسار‬
‫نفوذها وتخليها عن مكانها‪ ،‬شيئا فشيئا ‪ ،‬لمؤسسات أخرى تتعاظم قوتها يوما بعد يوم وهي الشركات العملقة متعددة‬

‫الجنسيات‪ ،‬وستكون الوظيفة الجديدة للدولة خدمة المصالح المسيطرة وهى في الساس مصالح الشركات الدولية‬
‫‪.‬العملقة‬
‫والواقع أن فكرة تلشى سيادة الدولة‪ ،‬ثم اختفاء الدولة القومية في مرحلة لحقة من الفكار الشائعة في تاريخ تطور‬
‫الفكر السياسي‪ ،‬حيث قالها كل من ماركس والفوضويين ومع ذلك لم تنته السيادة ولم تتلش الدولة القومية‪ ،‬وهذا في‬
‫حد ذاته يشكك في المنطلقات التي أتى بها الطرفان‪ .‬وبالتطبيق على العقد الخير من القرن العشرين ‪ ،‬فإن سيناريو‬
‫اختفاء السيادة لصالح الشركات متعددة الجنسيات هو طرح مبعثه العتقاد في أن الدولة القومية فقدت وظائفها على‬
‫‪.‬شتى الصعد‪ ،‬وهو ما لم يحدث كما سنشير إليه فيما بعد‬
‫سيناريو استمرارية السيادة ‪2-‬‬
‫يرى أنصار هذا السيناريو ‪ -‬الذي يميل إليه الباحث‪ -‬أن التطورات الراهنة في النظام الدولي لن تأتى على السيادة تماما‪،‬‬
‫فالسيادة الوطنية ستظل باقية ما بقيت الدولة القومية ذاتها‪ .‬وأقصى ما يمكن للتطورات الجارية في النظام الدولي‬
‫المعاصر أن تفعله هو أن تنال من طبيعة الوظائف أو الدوار التي تضطلع بها الدولة بالمقارنة بما كان عليه الحال في‬
‫ظل النظام الدولي التقليدي‪ .‬ومن بين المثلة التي يوردها الباحثون للتدليل على صحة هذا السيناريو تجربة التحاد‬
‫الوروبي‪ ،‬فعلى الرغم من كل ما يقال عن الوحدة الوروبية الشاملة وفتح الحدود السياسية للدول العضاء أمام حركة‬
‫انتقال الشخاص ورؤوس الموال عبر القاليم المختلفة لهذه الدول‪ ،‬إل أن الشيء المؤكد في هذا الخصوص هو أن‬
‫السيادة الوطنية لفرنسا مثل أو ألمانيا أو بريطانيا أو غيرها لن تختفي تماما وإن كانت تلك الدول ستفقد ول شك بعضا‬
‫‪).‬من سلطتها السيادية لصالح هذه الوحدة أو التحاد الوروبي )‪43‬‬
‫أما المثال الثاني فيتمثل فيما يشار إليه من جانب بعض الدارسين بانتفاضة القوميات أو بعث الروح من جديد لدى بعض‬
‫الجماعات القومية والتي ظن البعض أنها قد وئدت تحت وطأة الحكم الشمولي في بعض الدول كالتحاد السوفيتي قبل‬
‫انهياره رسميا في ديسمبر عام ‪ 1991‬أو في التحاد اليوغسلفي السابق‪ .‬إن النبعاث المطرد للمشاعر القومية في‬
‫بعض مناطق العالم الن‪ ،‬ومحاولة كل جماعة قومية متميزة النفصال عن الدولة الم التي تشملها وتكوين دولتها‬
‫المستقلة تعد دليل آخر يقودنا إلى القول باستمرار بقاء الهويات القومية كأساس لتكوين الوحدات السياسية‪ ،‬وبالتالي‬
‫السيادة‪ ،‬حتى ولو كان ذلك في مواجهة دول قائمة‪ .‬وطالما بقيت الدولة فستبقى معها رموزها الساسية ومنها مبدأ‬
‫السيادة‪ ،‬ولكن بعد تطويعه بما يتناسب والوضاع والظروف الدولية المستحدثة‪ .‬وكما سبق توضيحه‪ ،‬فإن سيناريو‬
‫اختفاء مفهوم السيادة لحساب الشركات متعددة الجنسيات هو طرح مبعثه العتقاد في أن الدولة القومية فقدت وظائفها‬
‫على شتى الصعد ومنها الصعيد الجتماعي‪ ،‬إل أن تدخل الدولة لصلح الختللت الناجمة عن التفاعل الحر لقوى‬
‫السوق‪ ،‬أي أداؤها للوظيفة الجتماعية‪ ،‬غدا أمرا هو ألزم وأوجب ما يكون‪ .‬فالدولة هي وحدها القادرة على تحقيق‬
‫التوازن بين المطالب المتنافسة بل والمتصارعة‪ ،‬والتوسط بين القوى القتصادية القومية وعبر القومية من جهة‪،‬‬
‫والفراد المجردين من كل سلح في مواجهتها من جهة أخرى‪ .‬كما أن الحديث عن عالم يزيد تكامله وتقل عدالته‬
‫يوضح أهمية الوظيفة الجتماعية للدولة بالنسبة لدول العالم الثالث حديثة الوفود إلى الساحة الرأسمالية التي أورثها‬
‫إطلق قوى السوق مشاكل جسيمة ل قبل لها بها‪ .‬أضف إلى ذلك أن دول العالم المتقدم ذات التقاليد الرأسمالية العريقة‬
‫تواجه مشاكل شبيهة‪ ،‬ففي دول التحاد الوروبي ذاتها يوجد ما ل يقل عن ‪ 18‬مليون عاطل‪ ،‬كما أن ‪ %17‬من سكانها‬
‫‪).‬يعيشون تحت خط الفقر‪ ،‬المر الذي يتطلب ضرورة تدخل الدولة )‪44‬‬
‫وأشار البنك الدولي في تقريره‪ :‬الدولة في عالم متغير‪ ،‬الصادر في سنة ‪ 1997‬إلى أهمـية استمرار الدولة‪ ،‬إل أنه‬
‫الذي ‪Good Governance‬حرص في الوقت ذاته على تفعيل دورها)‪ .(45‬وصك البنك مفهوم الحكم الجيد‬
‫استخدمه في تقريره لعام ‪ 1990‬كإحدى ضروريات دولة اللفية الثالثة‪ .‬ويضع التقرير ثلثة شروط لجودة الحكم هي‪:‬‬
‫‪.‬إنشاء مؤسسات عامة قادرة وكفؤة‪ ،‬والحد من الفساد والتصرفات التحكمية للدولة‪ ،‬وتسهيل العمل الجماعي الدولي‬
‫ولبد من الشارة أيضا إلى أهمية الوظيفة الثقافية للدولة في ظل العولمة‪ ،‬فالعولمة بقدر ما تولد مشاعر التقارب‬
‫والتجانس والتشابك بين الثقافات‪ ،‬فإنها تعزز في الوقت نفسه مشاعر التمايز والخصوصية‪ ،‬وتؤكد الحدود بين هوية‬
‫وأخرى‪ .‬وفي هذا الطار‪ ،‬تظل الدولة مهمة للمشاركة في الحوار المتصل بين الثقافة الوطنية والثقافات الخرى‪،‬‬
‫‪.‬والمحافظة على الثقافة الوطنية‪ ،‬والحيلولة دون تذويبها‬
‫سيناريو الحكومة العالمية ‪3-‬‬
‫يذهب هذا السيناريو إلى أن هناك تغييرا سيحدث في مفهوم السيادة الوطنية‪ ،‬حيث ستتنازل الدولة القومية عن سيادتها‬
‫لصالح حكومة عالمية منبثقة عن نظام عالمي ديمقراطي‪ ،‬حيث تعيد العولمة طرح فكرة الحكومة العالمية‪ ،‬ليس‬
‫‪ The Global Age‬باعتبارها حلما بعيد المنال وإنما باعتبارها عملية في طور التكوين‪ .‬ففي كتابه زمن العولمة‬
‫‪ World‬كيف تفك العولمة الرتباط مع الدولة القومية ويتخلق مجتمع عالمي ‪ Martin Albrow‬يشرح مارتن البرو‬
‫وإذا قدر لهذه الدولة أن توجد بالفعل فلبد أن تكون دولة كونية ‪ World State ،‬يبحث عن دولة عالمية ‪Society‬‬
‫‪Global State .‬‬
‫ميكانيزمات ‪ The End of Millennium‬في كتابة نهاية اللفية ‪ Manuel Castells‬ويشرح مانيويل كاستلز‬
‫التحول الذي طرأ على كل من القتصاد والمجتمع والثقافة في زمن المعلوماتية‪ ،‬حيث يؤكد على أن منطق الشبكة‬
‫في صياغة العلقات الجديدة التي تفرضها التحولت الناجمة عن عملية العولمة في مجالت القتصاد ‪Network‬‬

‫‪).‬والجتماع والثقافة يؤدى إلى تحـول عميق في شكل وطبيعة الدولة القومية ويجعلها بل سيادة )‪46‬‬
‫‪:‬وفى هذا الطار يتحدث أنصار هذا السيناريو عن عدة بدائل من الحكومات المحتملة في مرحلة العولمة وهى‬
‫بديل الحكومة الخفية التي تمثلها شبكة متسعة من تحالف غير معلن بين الشركات متعددة الجنسيات وبعض مؤسسات ‪-‬‬
‫‪.‬المجتمع المدني بالتعاون مع حكومات مجموعة الدول السبع‬
‫بديل الحكومة المعلنة المفروضة بحكم المر الواقع‪ ،‬تجسدها الدارة المريكية وتمارس دورها منفردة أو من خلل ‪-‬‬
‫‪.‬مجلس المن أو حلف شمال الطلنطيي‬
‫بديل الحكومة المنبثقة عن نظام عالمي ديمقراطي تمارس عملها في ظل رقابة سياسية وقانونية أي في ظل سلطة ‪-‬‬
‫‪.‬تشريعية وأخرى قضائية‬
‫بديل وراثة المم المتحدة للدول القومية بعد تدعيم المنظمة العالمية وتزويدها باختصاصات أوسع وأجهزة أكثر ‪-‬‬
‫‪.‬فعالية‬
‫ويرى الباحث أن هذا السيناريو ببدائله المختلفة مستحيل التحقيق‪ ،‬فالتاريخ يوضح استمرارية تباين مصالح البشر‬
‫وتنظيماتهم ووجود تغير مستمر في هيكل النظام الدولي‪ .‬كما أن القول بإمكانية تولى المم المتحدة مهمة تصفية وجود‬
‫‪.‬الدول القومية يتجاهل أنها في الصل وفى الساس عبارة عن تشكيل مكون من الدول القومية‬
‫سيناريو التفكيكية ‪4-‬‬
‫يتوقع أنصار هذا السيناريو أن الدولة القومية لن تكون قادرة على مباشرة مظاهر سيادتها على إقليمها‪ ،‬بسبب تفككها‬
‫إلى عشرات وربما إلى مئات من الدول القومية الصغيرة‪ ،‬تارة تحت دعوى التعبير عن هويات من حقها أن تعبر عن‬
‫نفسها‪ ،‬وتارة أخرى تحت دعوى توطيد صلة المواطنين بالسلطة‪ ،‬وربما احتجاجا على تحيز النظام الدولي الجديد‬
‫‪.‬لجماعات دون أخرى‬
‫وعلى الرغم من تزايد الحروب الهلية والنزعات النفصالية‪ ،‬مما يجعل حدوث هذا السيناريو محتمل‪ ،‬إل أن ثمة‬
‫تحفظات أخرى تلحقه‪ ،‬فلبد أن قوى مضادة ستعمل على فرملة هذا السيناريو والحيلولة دون انتشار نموذج الدولة‬
‫الصغيرة أو الترويج له بسبب خطورته الشديدة التي قد تصل إلى دول أوروبية ذات توازنات قلقة كإيطاليا‪ ،‬كما قد تصل‬
‫‪.‬إلى دول عملقة شاع عنها تجانسها كالصين‬
‫وعلى صعيد آخر‪ ،‬يفند البعض هذا السيناريو من خلل توظيف منطق التقسيم ذاته‪ ،‬فليس ثمة ما يضمن أن يكون‬
‫مواطنو دول بحجم لوكسمبورج أفعل سياسيا أو أمضى تأثيرا منها في حالة دولة بحجم الوليات المتحدة أو فرنسا‪ ،‬لكن‬
‫‪).‬الرجح أن يأتي التأثير في تلك الوحدات الصغيرة بحكامها ومحكوميها من خارج الحدود )‪47‬‬
‫‪:‬خاتمة‬
‫حاولت تلك الدراسة تتبع المتغيرات التي صاحبت العولمة‪ ،‬وأثارها السلبية واليجابية على مفهوم السيادة الوطنية‪.‬‬
‫ويمكن أن نخلص إلى أن هناك علقة طردية بين المتغيرات التي صاحبت العولمة وتقلص السيادة الوطنية‪ ،‬وهو ما‬
‫يتضح من ارتخاء قبضة الدولة على أصولها وأجزاء من إقليمها وسحب بعض الوظائف منها‪ .‬كما تخلص الدراسة إلى‬
‫وجود علقة طردية بين تأثر سياسة الدولة بمتغيرات العولمة وسيادة نموذج اقتصاد السوق‪ ،‬فقد أثار هذا النموذج‬
‫بدوره قضية العلقة بالدولة ودورها‪ .‬ول يبرر النتقال إلى اقتصاد السوق أبدا اختفاء دور الدولة ولكنه‪ ،‬وبشكل أكثر‬
‫تحديدا‪ ،‬يتطلب تغييرا في شكل هذا الدور‪ ،‬فالسوق ل يمكن أن تقوم بدون وجود دولة قوية‪ ،‬والفارق المهم بين النظم‬
‫المركزية ونظم السوق هو أن الدولة في نظم السوق تتدخل في الحياة القتصادية باعتبارها سلطة وليس باعتبارها‬
‫منتجا كما يحدث في النظم المركزية‪ ،‬لن سلطة الدولة ل غنى عنها ول تتناقض مع تطور الحياة القتصادية‪ .‬ففي‬
‫النظام المركزي تقوم الدولة بالنتاج المباشر للسلع والخدمات‪ ،‬كما تسيطر على النشاط القتصادي أو نسبة عالية منه‬
‫عن طريق القطاع العام‪ .‬أما في ظل القتصاد الحر‪ ،‬فإن الدولة تترك مجال النتاج المباشر للسلع والخدمات للفراد‬
‫والمشروعات الخاصة أي تحقيق التكامل بين دور الدولة والقطاع الخاص‪ ،‬ويكون تدخلها في سير الحياة القتصادية‬
‫بوسائل أخرى أكثر فعالية من حيث الكفاءة النتاجية وتحقيق العدالة والقيام بتوفير الخدمات الساسية في مجالت‬
‫التعليم والصحة والقضاء والمن والدفاع ومشروعات البنية الساسية‪ .‬كما أن مبدأ الحرية القتصادية ل يعنى إهمال‬
‫مبدأ العدالة الجتماعية‪ ،‬فقد تسببت العولمة في تهميش قطاعات واسعة من السكان خاصة في الدول النامية‪ ،‬بالضافة‬
‫إلى بعض العواقب الجتماعية الخطيرة‪ .‬وإذا كانت المؤسسات المالية الدولية قد قامت بتمويل شبكات أمن اجتماعي‪،‬‬
‫فإن هذه البرامج لم تقدم سوى الحد الدنى من الدعم‪ ،‬ولذلك يبرز دور الدولة في تحقيق العدالة في التوزيع وتوفير‬
‫شبكة المن الجتماعي لكل المواطنين ضد المخاطر والمراض الجتماعية‪ ،‬فهناك علقة وثيقة بين الكفاءة في الداء‬
‫القتصادي وشرط العدالة‪ ،‬ذلك أن الكفاءة تعنى نمو القتصاد القومي بمعدلت عالية وهو ما يعنى تعاظم طاقة النظام‬
‫القتصادي على توفير فرص العمل المنتج لكل القادرين عليه‪ ،‬وهذا هو أحد المقومات الساسية للعدالة الجتماعية كما‬
‫أن هناك وظيفة ثقافية مهمة للدولة في ظل العولمة تتمثل في المحافظة على الثقافة الوطنية والحيلولة دون تذويبها في‬
‫‪.‬الثقافة الكونية التي تؤدي العولمة إلى نشرها‬
‫كما خلص البحث إلى أن تأثيرات العولمة على سيادة الدولة ليست بدرجة متساوية على جميع الدول ‪ ،‬فهناك علقة‬
‫عكسية بين تقدم الدولة ومدى تأثرها بمتغيرات العولمة‪ ،‬فالدولة النامية عرضة للتأثر بدرجة أكبر لعدم قدرتها على‬
‫‪.‬منافسة الدول المتقدمة‪ ،‬وإن كانت آليات التهميش قد ضربت أيضا بعض القطاعات في المجتمعات الغنية‬

‫كما تطرق البحث إلى الرؤى المتعددة التي طرحها المفكرون والباحثون بشأن مستقبل مفهوم السيادة الوطنية في ضوء‬
‫متغيرات العولمة‪ ،‬ومن أهم تلك السيناريوهات‪ :‬اختفاء السيادة‪ ،‬الحكومة العالمية‪ ،‬التفكيكية والنسبية‪ ،‬وأخيرا‬
‫استمرارية دور الدولة ولكن بعد تطويعه بما يتناسب والوضاع والظروف الدولية المستحدثة‪ .‬ويظل السيناريو الخير‬
‫هو السيناريو الكثر قبول‪ ،‬ومن هنا يظل إعادة تعريف دور الدولة أمرا مهما في ظل انتشار مفهوم العولمة‪ ،‬وفي ظل‬
‫الشروط التي يتطلبها النظام العالمي الجديد‪ ،‬والتي تقوم في الساس على مبدأ العتماد المتبادل بين دول وشعوب‬
‫العالم‪ ،‬فخيار العزلة لم يعد خيارا ممكنا‪ ،‬وفي أحيان كثيرة هو خيار مستحيل‪ ،‬فليست هناك دولة تستطيع أن تختار أن‬
‫‪.‬تبقى خارج سياق الزمن والتاريخ‬
‫ولذلك فإن فهم البعاد الجديدة التي يضيفها مفهوم العولمة على الواقع الراهن يقتضي الندماج اليجابي والواعي في‬
‫النظام العالمي الجديد‪ .‬فالعولمة بالنسبة للدول القل تقدمـا تعني مزيدا من التحديث‪ ،‬أي أنه ل محل لعولمة دون تحديث‪،‬‬
‫ومن ناحية أخرى فل يمكن أن يتم التحديث بدون دور فاعل للدولة‪ .‬وإذا كانت بعض وظائف الدولة سوف تتأثر بفعل‬
‫العولمة‪ ،‬فإن هذا ل يعني أبدا أن الدور التحديثي للدولة يمكن الستغناء عنه‪ ،‬ولكن على العكس سوف تقوى الدولة من‬
‫خلل ترشيد دورها‪ ،‬ليس فقط لضبط الداء القتصادي أو تنظيم تفاعلت السوق‪ ،‬وإنما ـ قبل ذلك ـ لدفع المجتمع على‬
‫‪.‬طريق التحديث‪ ،‬وهو دور ل يمكن أن ينازع الدولة فيه أي طرف آخر‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful