‫رحلة ابن بطوطة‬

‫تأليف ‪ :‬ابن بطوطة‬
‫الفهرس‬
‫الجزء الول‬
‫بدء الرحلة والخروج من طنجة‬
‫ذكر سلطان تونس‬
‫ذكر أبوابها ومرساها‬
‫ذكر المنار‬
‫ذكر عمود السواري‬
‫ذكر بعض علماء السكندرية‬
‫ذكر مسجد عمرو بن العاص‬
‫ذكر قرافة مصر ومزاراتها‬
‫ذكر نيل مصر‬
‫ذكر الهرام والبرابي‬
‫ذكر سلطان مصر‬
‫ذكر بعض أمراء مصر‬
‫ذكر القضاة بمصر في عهد دخولي إليها‬
‫ذكر بعض علماء مصر وأعيانها‬
‫ذكر يوم المحمل‬
‫ذكر المسجد المقدس‬
‫ذكر قبة الصخرة‬
‫ذكر بعض المشاهد المباركة بالقدس الشريف‬
‫ذكر بعض فضلء القدس‬
‫ذكر جامع دمشق المعروف بجامع بني امية‬
‫ذكر الئمة بهذا المسجد‬
‫ذكر المدرسين والمعلمين به‬
‫ذكر قضاة دمشق‬
‫ذكر مدارس دمشق‬
‫ذكر أبواب دمشق‬
‫ذكر بعض المشاهد والمزارات بها‬
‫ذكر أرباض دمشق‬
‫ذكر قاسيون ومشاهده المباركة‬
‫ذكر الربوة والقرى التي تواليها‬
‫ذكر الوقاف بدمشق وبعض فضائل أهلها وعوائدهم‬
‫ذكر سماعي بدمشق ومن أجازني من أهلها‬

‫طيبة مدينة رسول ال صلى ال عليه وسلم وشرف وكرم‬
‫ذكر مسجد رسول ال وروضته الشريفة‬
‫ذكر ابتداء بناء المسجد الكريم‬
‫ذكر المنبر الكريم‬
‫ذكر الخطيب والمام بمسجد رسول ال‬
‫ذكر خدام المسجد الشريف والمؤذنين به‬
‫ذكر المجاورين بالمدينة الشريفة‬
‫ذكر أمير المدينة الشريفة‬
‫ذكر بعض المشاهد الكريم بخارج المدينة الشريفة‬
‫ذكر مدينة مكة المعظمة‬
‫ذكر المسجد الحرام شرفه ال وكرمه‬
‫ذكر الكعبة المعظمة الشريفة‬
‫ذكر الميزاب المبارك‬
‫ذكر الحجر السود‬
‫ذكر المقام الكريم‬
‫ذكر الحجر والمطاف‬
‫ذكر زمزم‬
‫ذكر أبواب المسجد الحرام‬
‫ذكر الصفا والمروة‬
‫ذكر الجبانة المباركة‬
‫ذكر بعض المشاهد خارج مكة‬
‫ذكر الجبال المطيفة بمكة‬
‫ذكر أميري مكة‬
‫ذكر أهل مكة وفضائلهم‬
‫ذكر قاضي مكة وخطيبها‬
‫ذكر المجاورين بمكة‬
‫ذكر عادة أهل مكة في صلواتهم ومواضع أئمتهم‬
‫ذكر عاداتهم في الخطبة وصلة الجمعة‬
‫ذكر عاداتهم في استهلل الشهور‬
‫ذكر عادتهم في شهر رجب‬
‫ذكر عمرة رجب‬
‫ذكر عادتهم في ليلة النصف من شعبان‬
‫ذكر عادتهم في شهر رمضان المعظم‬
‫ذكر عادتهم في شوال‬
‫ذكر إحرام الكعبة‬
‫ذكر شعائر الحج وأعماله‬
‫ذكر كسوة الكعبة‬
‫ذكر النفصال عن مكة شرفها ال تعالى‬
‫ذكر الروضة والقبور التي بها‬
‫ذكر نقيب الشراف‬
‫مدينة واسط‬
‫مدينة البصرة‬
‫حكاية اعتبار‬
‫ذكر المشاهدة المباركة بالبصرة‬
‫ذكر ملك إيذج وتستر‬
‫ذكر سلطان شيراز‬

‫ذكر بعض المشاهد بشيراز‬
‫مدينة الكوفة‬
‫مدينة بغداد‬
‫ذكر الجانب الغربي من بغداد‬
‫ذكر الجانب الشرقي منها‬
‫ذكر قبور الخلفاء ببغداد‬
‫ذكر سلطان العراقين وخراسان‬
‫ذكر المتغلبين على الملك‬
‫مدينة الموصل‬
‫ذكر سلطان ماردين في عهد دخولي إليها‬
‫ذكر سلطانها‬
‫ذكر سلطان حلي‬
‫ذكر سلطان اليمن‬
‫ذكر سلطان مقديشو‬
‫ذكر سلطان كلوا‬
‫ذكر التنبول‬
‫ذكر النارجيل‬
‫ذكر سلطان ظفار‬
‫ذكر ولي لقيناه بهذا الجبل‬
‫ذكر سلطان عمان‬
‫ذكر سلطان هرمز‬
‫ذكر سلطان لر‬
‫ذكر مغاص الجوهر‬
‫ذكر سلطان العليا‬
‫ذكر الخية الفتيان‬
‫ذكر سلطان انطالية‬
‫ذكر سلطان أكريدور‬
‫ذكر سلطان قل حصار‬
‫ذكر سلطان لذق‬
‫ذكر سلطان ميلس?‬
‫ذكر سلطان اللرندة?‬
‫ذكر سلطان بركي‬
‫ذكر سلطان مغنيسية‬
‫ذكر سلطان برغمة‬
‫ذكر سلطان بلي كسري‬
‫ذكر سلطان برصا‬
‫ذكر سلطانها‬
‫ذكر سلطان قصطمونية‬
‫ذكر العجلت التي يسافر عليها بهذه البلد‬
‫ذكر السلطان المعظم محمد أوزبك خان‬
‫ذكر الخواتين وترتيبهن‬
‫ذكر الخاتون الكبرى‬
‫ذكر الخاتون التي تلي الملكة‬
‫ذكر الخاتون الثالثة‬
‫ذكر الخاتون الرابعة‬
‫ذكر بنت السلطان المعظم أوزبك‬

‫ذكر ولدي السلطان‬
‫ذكر سفري إلى مدينة بلغار‬
‫ذكر أرض الظلمة‬
‫ذكر ترتيبهم في العيد‬
‫ذكر سفري إلى القسطنطينية‬
‫ذكر سلطان القسطنطينية‬
‫ذكر المدينة‬
‫ذكر الكنيسة العظمى‬
‫ذكر المانستارات بقسطنطينية‬
‫ذكر الملك المترهب جرجيس‬
‫ذكر قاضي القسطنطينية‬
‫ذكر النصراف عن القسطنطينية‬
‫أمير خوارزم‬
‫حكاية ومكرمة لهذا القاضي والمير‬
‫ذكر بطيخ خوارزم‬
‫ذكر أولية التتر وتخريبهم بخارى وسواها‬
‫ذكر سلطان ما وراء النهر‬
‫ذكر سلطان هراة‬
‫حكاية الرافضة‬
‫حكاية‬
‫حكاية هي سبب قتل الفقيه نظام الدين المذكور‬
‫حكاية الشيخ شهاب الدين‬
‫الجزء الثاني‬
‫ذكر البريد‬
‫ذكر الكركدن‬
‫ذكر السفر في نهر السند وترتيب ذلك‬
‫ذكر غريبة رأيتها بخارج هذه المدينة‬
‫ذكر أمير ملتان وترتيب حاله‬
‫ذكر من اجتمعت به في هذه المدينة من الغرباء‬
‫ذكر أشجار بلد الهند وفواكهها‬
‫ذكر الحبوب التي يزرعها أهل الهند ويقتاتون بها‬
‫ذكر غزوة لنا بهذا الطريق‬
‫ذكر أهل الهند الذين يحرقون أنفسهم بالنار‬
‫ذكر وصفها‬
‫ذكر سور دهلي وأبوابها‬
‫ذكر جامع دهلي‬
‫ذكر الحوضين العظيمين بخارجها‬
‫ذكر بعض مزاراتها‬
‫ذكر بعض علمائها وصلحائها‬
‫ذكر فتح دهلي ومن تداولها من الملوك‬
‫ذكر السلطان شمس الدين للمش‬
‫ذكر السلطان ركن الدين ابن السلطان شمس الدين‬
‫ذكر السلطانة رضية‬
‫ذكر السلطان ناصر الدين ابن السلطان شمس الدين‬
‫ذكر السلطان غياث الدين بلبن‬

‫ذكر السلطان معز الدين بن ناصر‬
‫ذكر السلطان جلل الدين‬
‫ذكر السلطان علء الدين محمد شاه الخلجي‬
‫ذكر ابنه السلطان شهاب الدين‬
‫ذكر السلطان قطب الدين ابن السلطان علء الدين‬
‫ذكر السلطان خسروخان ناصر الدين‬
‫ذكر السلطان غياث الدين تغلق شاه‬
‫ذكر ما رامه ولده من القيام عليه فلم يتم له ذلك‬
‫ذكر مسير تغلق إلى بلد اللكنوتي‬
‫ذكر السلطان أبي المجاهد محمد شاه ابن السلطان‬
‫ذكر سلطان قندهار‬
‫ذكر ركوبنا البحر‬
‫ذكر سلطان قوقة‬
‫حكاية هذا الجوكي‬
‫ذكر سلطان هنور‬
‫ذكر ترتيب طعامه‬
‫ذكر الفلفل‬
‫ذكر سلطان فاكنور‬
‫ذكر سلطانها‬
‫ذكر سلطانها‬
‫ذكر الشجرة العجيبة الشأن التي بإزاء الجامع‬
‫ذكر سلطان قالقوط‬
‫ذكر مراكب الصين‬
‫ذكر أخذنا في السفر إلى الصين ومنتهى ذلك‬
‫ذكر القرفة والبقم‬
‫ذكر سلطان كولم‬
‫ذكر توجهنا إلى الغزو وفتح سندابور‬
‫ذكر سلطان سيلن‬
‫ذكر سلطان كنكار‬
‫ذكر سلطان بلد المعبر‬
‫ذكر وصولي إلى السلطان غياث الدين‬
‫ذكر سلطان بنجالة‬
‫ذكر الشيخ جلل الدين‬
‫ذكر سلطانهم‬
‫ذكر سلطان الجاوة‬
‫ذكر دخولنا إلى داره وإحسانه إلينا‬
‫ذكر انصرافه إلى داره وترتيب السلم عليه‬
‫ذكر خلف ابن أخيه وسبب ذلك‬
‫ذكر اللبان‬
‫ذكر الكافور‬
‫ذكر العود الهندي‬
‫ذكر القرنفل‬
‫ذكر سلطان مل جاوه‬
‫ذكر الفخار الصيني‬
‫ذكر دجاج الصين‬
‫ذكر بعض من أحوال أهالي الصين‬

‫ذكر دراهم الكاغد التي بها يبيعون ويشترون‬
‫ذكر التراب الذي يوقدونه مكان الفحم‬
‫ذكر ما خصوا به من إحكام الصناعات‬
‫ذكر عادتهم في تقييد ما في المراكب‬
‫ذكر عادتهم في منع التجار عن الفساد‬
‫ذكر حفظهم للمسافرين في الطرق‬
‫ذكر المير الكبير قرطي‬
‫حكاية المشعوذ‬
‫ذكر سلطان الصين والخطا الملقب بالقان‬
‫ذكر قصره‬
‫ذكر خروج القان لقتال ابن عمه وقتله‬
‫ذكر رجوعي إلى الصين ثم إلى الهند‬
‫ذكر الرخ‬
‫ذكر إعراس ولد الملك الظاهر‬
‫ذكر سلطان ظفار‬
‫ذكر سلطان العراق‬
‫ذكر سلطان مصر‬
‫ذكر سلطان تونس‬
‫ذكر بعض فضائل مولنا أيده ال‬
‫ذكر سلطان غرناطة‬
‫ذكر التكشيف‬
‫ذكر مسوفة الساكنين بأيوالتن‬
‫ذكر سلطان مالي‬
‫ذكر ضيافتهم التافهة وتعظيمهم لها‬
‫ذكر كلمي للسلطان بعد ذلك وإحسانه إلي‬
‫ذكر جلوسه بقبته‬
‫ذكر جلوسه بالمشور‬
‫ذكر تذلل السودان لملكهم‬
‫ذكر فعله في صلة العيد وأيامه‬
‫ذكر الضحوكة في إنشاد الشعراء للسلطان‬
‫ذكر ما استحسنته من أفعال السودان‬
‫ذكر سفري عن مالي‬
‫ذكر الخيل التي تكون بالنيل‬
‫ذكر معدن النحاس‬
‫ذكر سلطان تكدا‬
‫ذكر وصول المر الكريم إلي‬

‫قصة الكتاب ‪:‬‬

‫أشهر كتب الرحلت على الطلق‪ .‬وبسبب شهرتها العالية في أوروبا أطلقت عليه جمعية كبمردج لقب أمير‬
‫الرحالة المسلمين‪ .‬طبعت كاملة لول مرة في باريس ‪1853‬م في أربعة مجلدات مع ترجمة فرنسية بعناية ديفر‬

‫يمري وسانجنتي‪ .‬بدأ ابن بطوطة رحلته من طنجة‪ ،‬فخرج منها سنة ‪725‬هـ فطاف بلد المغرب ومصر والشام‬
‫والحجاز والعراق وفارس واليمن والبحرين وعاد لداء الحج مرة ثانية أثناء حج الناصر ابن قلوون‪ ،‬وعاد إلى‬

‫مصر‪ ،‬ومنها إلى الشام‪ ،‬فبلد الناضول وتركستان وما وراء النهر وبعض الهند والصين والجاوة وبلد التتر‬
‫وأواسط أفريقة‪ .‬واستغرقت رحلته ‪ 27‬سنة‪ ،‬ألقى عصا التسيار منها في مدينة فاس‪ ،‬عند صاحبها أبي عنان‬

‫المريني‪ ،‬الذي أعجب بما كان ابن بطوطة يقصه عليه من أخبار رحلته‪ ،‬فأمر كاتبه محمد بن جزي الكلبي أن‬
‫يدون ما يمليه عليه ابن بطوطة‪ ،‬فتولى ابن جزي ترتيبها وتهذيبها‪ ،‬وإضافة ما يناسب أبوابها من الخبار‬

‫والشعار‪ ،‬معولً في كثير من تحقيقاته على رحلة ابن جبير (انظرها في هذا البرنامج) وبعدما فرغ ابن جزي‬

‫من عمله في الرحلة سماها‪( :‬تحفة النظار في غرائب المصار وعجائب السفار) وقال في خاتمتها‪( :‬انتهى ما‬

‫لخصته من تقييد الشيخ أبي عبد ال محمد ابن بطوطة‪ ،‬أكرمه ال‪ ،‬ول يخفى أن هذا الشيخ هو رحال العصر‪،‬‬
‫ومن قال‪ :‬رحال هذه الملة لم يبعد)‪ .‬ومن نوادره فيها ما حكاه عن جوازات السفر في دمياط وقطيا‪ ،‬ووصية‬

‫برهان الدين ابن العرج‪ :‬الذي أوصاه بزيارة أصحابه في الصين‪ ،‬ووصفه مواكب الناصر ابن قلوون في‬

‫مصر‪ ،‬ومواكب السلطان أبي سعيد ببغداد‪ ،‬وجامع دمشق وأوقافها‪ ،‬وما استوقفه في مكة من عناية نسائها‬
‫بالطيب‪ ،‬وجمال نساء زبيد في اليمن‪ ،‬وبلط صاحب صنعاء‪ ،‬ودار الطلبة في مقديشو‪ ،‬ومرابطي منبسى‪ ،‬وصيد‬

‫اللؤلؤ في البحرين‪ ،‬والعملة الورقية في الصين وصناعة التصوير فيها‪ ،‬ونظام الفتوة في الناضول‪ .‬وأسواق‬
‫الرقيق في ثغر (كافا)‪ ،‬وتراجم العلماء على قبورهم في بخارى‪ ،‬والعربات التي تجرها الكلب على الجليد في‬

‫البلغار‪ ،‬ولقاؤه بيهودي أندلسي في مدينة الماجر بالقوقاز‪ ،‬ويهودي شامي كان ترجمان قيصر القسطنطينية‪،‬‬
‫وكانت بنت القيصر زوجة السلطان محمد أوزبك خان ملك الترك‪ .‬وقد صحبها ابن بطوطة لزيارة أبيها‪ .‬ول‬

‫تتسع هذه الصفحة لذكر تفاصيل رحلته‪ ،‬ووصف جهود الباحثين في خدمتها‪ ،‬وتأتي في مقدمتها نشرة عبد‬
‫الهادي التازي‪ ،‬الرباط ‪1997‬م في خمسة مجلدات‪ ،‬قدم لها ب(‪ )146‬صفحة‪.‬‬

‫الجزء الول‬
‫بسم ال الرحمن الرحيم‬
‫قال الشيخ الفقيه العالم الثقة الناسك البر وفد ال المعتمر شرف الدين المعتمد في سياحته‬
‫على رب العالمين أبو عبد ال محمد بن عبد ال بن محمد بن إبراهيم اللواتي ثم الطنجي‬
‫المعروف بابن بطوطة رحمه ال ورضي عنه وكرّمه آمين‪.‬‬
‫الحمد ل الذي ذلّل الرض لعباده ليسلكوا منها سبلً فجاجاً‪ ،‬وجعل منها وإليها تاراتهم‬
‫الثلث نباتاً وإعادة وإخراجا‪ .‬دحاها بقدرته فكانت مهاداً للعباد‪ ،‬وأرساها بالعلم الراسيات‬

‫والطواد‪ ،‬ورفع فوقها سمك السماء بغير عماد‪ ،‬وأطلع الكواكب هداية في ظلمات البر‬
‫والبحر‪ .‬وجعل القمر نوراً والشمس سراجاً‪ ،‬ثم أنزل من السماء ماء فأحيا به الرض بعد‬
‫الممات‪ .‬وأنبت فيها من كل الثمرات‪ .‬وفطر أقطارها بصنوف النبات‪ ،‬وفجر البحرين عذباً‬
‫فراتاً‪ ،‬وملحاً أجاجاً‪ ،‬وأكمل على خلقه النعام بتذليل مطايا النعام‪ ،‬وتسخير المنشئات‬
‫كالعلم لتمتطوا من صهوة القفر ومتن البحر أثباجاً‪ .‬وصلى ال على سيدنا ومولنا محمد‬
‫الذي أوضح للخلق منهاجاً‪ .‬وطلع نور هدايته وهّاجا‪ .‬بعثه ال تعالى رحمة للعالمين واختاره‬
‫خاتماً للنبيين وأمكن صوارمه من رقاب المشركين حتى دخل الناس في دين ال أفواجاً‪،‬‬
‫وأيده بالمعجزات الباهرات‪ ،‬وأنطق بتصديقه الجمادات‪ ،‬وأحيا بدعوته الذمم الباليات‪ ،‬وفجر‬
‫من بين أنامله ماء ثجّاجا‪ .‬ورضي ال تعالى عن المتشرفين بالنتماء إليه أصحاباً وآلً‬
‫وأزواجاً‪ ،‬المقيمين تقاة الدين فل تخشى بعدهم اعوجاجاً‪ ،‬فهم الذين آزروه على جهاد‬
‫العداء‪ ،‬وظاهروه على إظهار الملة البيضاء‪ ،‬وقاموا بحقوقها الكريمة من الهجرة‬
‫والنصرة واليواء‪ ،‬واقتحموا دونه نار اليأس حامية‪ ،‬وخاضوا بحر الموت عجاجاً‪،‬‬
‫ونستوهب ال تعالى لمولنا المام الخليفة أمير المؤمنين المتوكل على رب العالمين‬
‫المجاهد في سبيل ال المؤيد بنصر ال ‪ -‬أبي عنان فارس ابن موالينا الئمة المهتدين الخلفاء‬
‫الراشدين نصراً يوسع الدنيا وأهلها ابتهاجاً‪ ،‬وسعداً يكون لزمانة الزمان علجاً‪ ،‬كما وهبه‬
‫ال بأساً وجوداً لم يدع طاغياً ول محتاجاً‪ ،‬وجعل بسيفه وسيبه لكل ضيقة انفراجاً‪ .‬وبعد‪،‬‬
‫فقد قضت العقول‪ ،‬وحكم المعقول والمنقول‪ ،‬بأن هذه الخلفة العلية‪ ،‬المجاهدة المتوكلة‬
‫الفاسية‪ .‬هي ظل ال الممدود على النام‪ ،‬وحبله الذي به العتصام‪ ،‬وفي سلك طاعته يجب‬
‫النتظام‪ ،‬فهي التي أبرأت الدين عند اعتلله‪ ،‬وأغمدت سيف العدوان عند انسلله‪،‬‬
‫وأصلحت اليام بعد فسادها‪ ،‬ونفقت سوق العلم بعد كسادها‪ ،‬وأوضحت طرق البر عند‬
‫انتهاجها‪ ،‬وسكنت أقطار الرض عند ارتجاجها‪ ،‬وأحيت سنن المكارم بعد مماتها‪ ،‬وأماتت‬
‫رسوم المظالم بعد حياتها‪ ،‬وأخمدت نار الفتنة عند اشتعالها‪ ،‬وأنقضت حكام البغي عند‬
‫استقللها‪ ،‬وشادت مباني الحق على عماد التقوى‪ ،‬واستمسكت من التوكل على ال بالسبب‬
‫القوى‪ ،‬فلها العز الذي عقد تاجه على مفرق الجوزاء‪ ،‬والمجد الذي جر أذياله على مجرة‬
‫السماء‪ ،‬والسعد الذي رد على الزمان غض شبابه‪ ،‬والعدل الذي على أهل اليمان مدّ يد‬
‫أطنابه‪ ،‬والجود الذي قطر سحابه اللجين والنضار‪ ،‬والبأس الذي فيه غمامة الدر الموار‪،‬‬
‫والنصر الذي تفض كتائبه الجل‪ ،‬والتأييد الذي بعض غنائمه الدول‪ ،‬والبطش الذي سبق‬
‫سيفه العذل‪ ،‬والناة التي ل يمل عندها المل‪ ،‬والحزم الذي يسد على العداء وجوه‬
‫المسارب‪ ،‬والعزم الذي يفل جموعها قبل قراع الكتائب‪ ،‬والحلم الذي يجني العفو من ثمر‬
‫الذنوب‪ ،‬والرفق الذي جمع على محبته بنات القلوب‪ ،‬والعلم الذي يجلو نوره دياجي‬
‫المشكلت والعمل المفيد بالخلص والعمال بالنيات‪.‬‬
‫ولمحا كانحت حضرتحه العليحة‪ :‬مطمحح المال‪ ،‬ومسحرح همحم الرجال‪ ،‬ومححط رحال‬
‫الفضائل‪ ،‬ومثابحة أمحن الخائف‪ ،‬ومنيحة السحائل‪ ،‬توخحى الزمان خدمتهحا ببدائع تحفحه‪،‬‬
‫ورائع طرفه‪ ،‬فانثال عليها العلماء انثيال جودها على الصفات‪ ،‬وتسابق إليها الدباء‬

‫تسححابق عزماتهححا إلى العداة‪ ،‬وحححج العارفون حرمهححا الشريححف‪ ،‬وقصححد السححائحون‬
‫اسححتطلع معناهححا المنيححف‪ ،‬ولجححأ الخائفون إلى المتناع بعححز جنابهححا‪ ،‬واسححتجارت‬
‫الملوك بخدمحة أبوابهحا‪ ،‬فهحي القطحب الذي عليحه مدار العالم‪ ،‬وفحي القطحع بتفضيلهحا‬
‫تسحاوت بديهحة عقحل الجاهحل والعالم‪ ،‬وعحن مآثرهحا الفائقحة يسحند صححاح الثار كحل‬
‫مسلم‪ ،‬وبإكمال محاسنها الرائقة يفصح كل معلم‪ ،‬وكان ممن وفد على بابها السامي‪،‬‬
‫وتعدى أوشال البلد إلى بحرهحا الطامحي‪ ،‬الشيحخ الفقيحه السحائح الثقحة الصحدوق‪ ،‬جوال‬
‫الرض‪ ،‬ومخترق القاليححم بالطول والعرض‪ ،‬أبححو عبححد ال محمححد ابححن عبححد ال بححن‬
‫محمححد بححن إبراهيححم اللواتححي المعروف بابححن بطوطححة المعروف فححي البلد الشرقيححة‬
‫بشمحس الديحن‪ ،‬وهحو الذي طاف الرض معتحبراً‪ ،‬وطوى المصحار مختحبراً‪ ،‬وباححث‬
‫فرق المحم‪ ،‬وسحبر سحير العرب والعجحم‪ ،‬ثحم ألقحى عصحا التسحيار بهذه الحضرة العليحا‪،‬‬
‫لمحا علم أن لهحا مزيحة الفضحل دون شرط ول ثنيحا‪ ،‬وطوى المشارق إلى مطلع بدرهحا‬
‫بالغرب‪ ،‬وآثرهحححا على القطار إيثار التحححبر على الترب‪ ،‬اختياراً بعحححد طول اختبار‬
‫البلد والخلق‪ ،‬ورغبحة اللحاق بالطائفحة المثلى‪ ،‬التحي على الححق فغمره محن إحسحانه‬
‫الجزيححل‪ ،‬وامتنانححه الحفححي الحفيححل‪ ،‬مححا أنسححاه الماضححي بالحال‪ ،‬وأغناه عححن طول‬
‫الترحال‪ ،‬وحقحر عنده محا كان محن سحواه يسحتعظمه‪ ،‬وحقحق لديحه محا كان محن فضله‬
‫يتوهمحه‪ ،‬فنسحي محا كان ألفحه محن جولن البلد‪ ،‬وظفحر بالمرعحى الخصحب بعحد طول‬
‫الرتياد‪ ،‬ونفذت الشارة الكريمحة بأن يملي محا شاهده فحي رحلتحه محن المصحار‪ ،‬ومحا‬
‫علق بحفظححه مححن نوادر الخبار‪ ،‬ويذكححر مححن لقيححه مححن ملوك القطار‪ ،‬وعلمائهححا‬

‫الخيار‪ ،‬وأوليائهحا البرار‪ ،‬فأملى محن ذلك محا فيحه نزهحة الخواطحر‪ ،‬وبهجحة المسحامع‬
‫والنواظحر‪ ،‬محن كحل غريبحة أفاد باجتلئهحا‪ ،‬وعجيبحة أطرف بانتحائهحا‪ .‬وصحدر المحر‬
‫العالي لعبحد مقامهحم الكريحم‪ ،‬المنقطحع إلى بابهحم المتشرف بخدمحة جنابهحم‪ .‬محمحد ابحن‬
‫محمحد بحن جزي الكلبحي‪ ،‬أعانحه ال على خدمتهحم‪ ،‬وأوزعحه شكحر نعمتهحم‪ ،‬أن يضحم‬
‫ل فحي تصحنيف يكون على فوائده‬
‫أطراف محا أمله الشيحخ أبحو عبحد ال محن ذلك مشتم ً‬
‫مشتملً‪ ،‬ولنيحححل مقاصحححده مكملً‪ ،‬متوخياً تنقيحححح الكلم وتهذيبحححه‪ ،‬معتمداً إيضاححححه‬
‫وتقريبححه‪ ،‬ليقححع السححتمتاع بتلك الطرف‪ ،‬ويعظححم النتفاع بدرّهححا عنححد تجريده مححن‬
‫الصحدف‪ .‬فامتثحل محا أمحر بحه مبادراً‪ ،‬وشرع فحي منهله ليكون بمعونحة ال عحن توفيحة‬
‫الغرض منحه صحادراً‪ ،‬ونقلت معانحي كلم الشيحخ أبحي عبحد ال بألفاظ موفيحة للمقاصحد‬
‫التي قصدها‪ ،‬موضحة للمناحي التي اعتمدها‪ ،‬وربما أوردت لفظه على وضعه‪ ،‬فلم‬
‫أخححل بأصححله ول فرعححه‪ ،‬وأوردت جميححع مححا أورده مححن الحكايات والخبار‪ ،‬ولم‬
‫أتعرض لبححث عحن حقيقحة ذلك ول اختبار‪ ،‬على أنحه سحلك فحي إسحناد صححاحها أقوم‬
‫المسحالك‪ ،‬وخرج عحن عهدة سحائرها بمحا يشعحر محن اللفاظ بذلك وقيدت المشكحل محن‬
‫أسححماء المواضححع والرجال بالشكححل والنقححط‪ ،‬ليكون أنفححع فححي التصحححيح والضبححط‪،‬‬
‫وشرحت ما أمكنني شرحه من السماء العجمية‪ ،‬لنها تلتبس بعجمتها على الناس‪،‬‬
‫ويخطحئ فحي فحك معماهحا معهود القياس‪ ،‬وإنحا فنرجحو أن يقحع محا قصحدته محن المقام‬
‫العلي‪ ،‬أيده ال بمححل القبول‪ ،‬وأبلغ محن الغضاء عحن تقصحيره المأمول‪ ،‬فعوائدهحم‬

‫في السماح جميلة‪ ،‬ومكارمهم بالصفح عن الهفوات كفيلة‪ ،‬وال تعالى يديم لهم عادة‬
‫النصر والتمكين ويعرفهم عوارف التأييد والفتح المبين‪.‬‬
‫بدء الرحلة والخروج من طنجة‬

‫قال الشيخ أبو عبد ال‪ :‬كان خروجي من طنجة مسقط رأسي في يوم الخميس الثاني من‬
‫شهر ال رجب الفرد عام خمسة وعشرين وسبعمائة‪ ،‬معتمداً حج بيت ال الحرام‪ ،‬وزيارة‬
‫قبر الرسول عليه أفضل الصلة والسلم‪ .‬منفرداً عن رفيق آنس بصحبته‪ ،‬وراكب أكون في‬
‫جملته‪ ،‬لباعث على النفس شديد العزائم‪ ،‬وشوق إلى تلك المعاهد الشريفة كامن في الحيازم‪.‬‬
‫فحزمت أمرى على هجر الحباب من الناث والذكور‪ ،‬وفارقت وطني مفارقة الطيور‬
‫للوكور‪ .‬وكان والداي بقيد الحياة فتحملت لبعدهما وصباً‪ ،‬ولقيت كما لقيا من الفراق نصباً‬
‫وسني يومئذ اثنتان وعشرون سنة‪ .‬قال ابن جزي‪ :‬أخبرني أبو عبد ال بمدينة غرناطة أن‬
‫مولده بطنجة في يوم الثنين السابع عشر من رجب الفرد سنة ثلث وسبعمائة‪.‬‬
‫وكان ارتحالي في أيام أمير المؤمنين وناصر الدين المجاهد في سبيل رب العالمين الذي‬
‫رويت أخبار جوده موصولة السناد بالسناد‪ ،‬وشهرت آثار كرمه شهرة واضحة الشهاد‪،‬‬
‫وتحلت اليام بحلى فضله‪ ،‬ورتع النام في ظل رفقه وعدله‪ ،‬المام المقدس أبي سعيد ابن‬
‫مولنا أمير المؤمنين وناصر الدين الذي فل حد الشرك صدق عزائمه‪ ،‬وأطفأت نار الكفر‬
‫جداول صارمه‪ ،‬وفتكت بعباد الصليب كتائبه‪ ،‬وكرمت في إخلص الجهاد مذاهبه‪ ،‬المام‬
‫المقدس أبي يوسف ابن عبد الحق‪ ،‬جدد ال عليهم رضوانه‪ ،‬وسقى ضرائحهم المقدسة من‬
‫صوب الحيا طله وتهتانه‪ ،‬وجزاهم أفضل الجزاء عن السلم والمسلمين‪ ،‬وأبقى الملك في‬
‫عقبهم إلى يوم الدين‪ .‬فوصلت مدينة تلمسان وسلطانها يومئذ أبو تاشفين عبد الرحمن بن‬
‫موسى بن عثمان بن يغمر أسن بن زيان‪ .‬ووافقت بها رسولي ملك إفريقية السلطان أبي‬
‫يحيى رحمه ال‪ ،‬وهما قاضي النكحة بمدينة تونس أبو عبد ال محمد بن أبي بكر علي بن‬
‫إبراهيم النفزاوي‪ ،‬والشيخ الصالح أبو عبد ال محمد بن الحسين بن عبد ال القرشي‬
‫الزبيدي ‪ -‬بضم الزاي نسبة إلى قرية بساحل المهدية‪ ،‬وهو أحد الفضلء وكانت وفاته عام‬
‫أربعين‪ .‬وفي يوم وصولي إلى تلمسان‪ ،‬خرج عنها الرسولن المذكوران‪ ،‬فأشارعلي بعض‬
‫الخوان بمرافقتهما‪ ،‬فاستخرت ال عز وجل في ذلك وأقمت بتلمسان ثلثًا في قضاء‬
‫مآربي‪ ،‬وخرجت أجدّ السير في آثارهما‪ ،‬فوصلت مدينة مليانة‪ ،‬وأدركتهما بها‪ ،‬وذلك في‬
‫إبان القيظ‪ .‬فلحق الفقيهين مرض أقمنا بسببه عشراً‪ ،‬ثم ارتحلنا وقد اشتد المرض بالقاضي‬
‫منهما‪ ،‬فأقمنا ببعض المياه على مسافة أميال من مليانة ثلثًا وقضى القاضي نحبه ضحى‬
‫اليوم الرابع‪ ،‬فعاد ابنه أبو الطيب ورفيقه أبو عبد ال الزبيدي إلى مليانة فقبروه بها‪.‬‬
‫وتركتهم هنالك‪ ،‬وارتحلت مع رفقة من تجار تونس منهم الحاج مسعود بن المنتصر‪،‬‬
‫والحاج العدولي‪ ،‬ومحمد بن الحجر‪ ،‬فوصلنا مدينة الجزائر‪ ،‬وأقمنا بخارجها أياماً‪ ،‬إلى أن‬
‫قدم الشيخ أبو عبد ال وابن القاضي‪ .‬فتوجهنا جميعاً على منبجة جبل الزان‪ ،‬ثم وصلنا إلى‬

‫مدينة بجاية فنزل الشيخ أبو عبد ال بدار قاضيها أبي عبد ال الزواوي‪ ،‬ونزل أبو الطيب‬
‫ابن القاضي بدار الفقيه أبي عبد ال المفسر‪ ،‬وكان أمير بجاية إذ ذاك أبا عبد ال محمد بن‬
‫سيد الناس الحاجب‪ ،‬وكان قد توفي من تجار تونس الذين صحبتهم من مليانة محمد بن‬
‫الحجر الذي تقدم ذكره‪ .‬وترك ثلثة آلف دينار من الذهب‪ ،‬وأوصى بها لرجل من أهل‬
‫الجزائر يعرف بابن حديدة‪ ،‬ليوصلها إلى ورثته بتونس فانتهى خبره لبن سيد الناس‬
‫المذكور فانتزعها من يده‪ ،‬وهذا أول ما شاهدته من ظلم عمال الموحدين وولتهم‪ ،‬ولما‬
‫وصلنا إلى بجاية كما ذكرته‪ ،‬أصابتني الحمى‪ ،‬فأشار علي أبو عبد ال الزبيدي بالقامة فيها‬
‫حتى يتمكن البرء مني‪ ،‬فأبيت وقلت إن قضى ال عز وجل بالموت فتكون وفاتي بالطريق‬
‫وأنا قاصد أرض الحجاز‪ .‬فقال لي أما إن عزمت فبع دابتك وثقل المتاع‪ ،‬وأنا أعيرك دابة‬
‫وخباء وتصحبنا خفيفاً‪ ،‬فإننا نجدّ السير خوف غارة العرب في الطريق‪ ،‬ففعلت هذا‪،‬‬
‫وأعارني ما وعد به‪ ،‬جزاه ال خيراً وكان ذلك أول ما ظهر لي من اللطاف اللهية في تلك‬
‫الوجهة الحجازية‪ .‬وسرنا إلى أن وصلنا مدينة قسنطينية ‪ ،‬فنزلنا خارجها وأصابنا مطر‬
‫جود فاضطررنا إلى الخروج عن الخبية ليلً إلى دور هنالك‪ .‬فلما كان من الغد تلقانا حاكم‬
‫المدينة وهو من الشرفاء الفضلء يسمى بأبي الحسن‪ ،‬فنظر إلى ثيابي وقد لوثها المطر‪،‬‬
‫فأمر بغسلها في داره‪ ،‬وكان الحرام منها خلقاً‪ ،‬فبعث مكانه إحراماً بعلبكياً وصرّ في أحد‬
‫طرفيه دينارين من الذهب‪ .‬فكان ذلك أول ما فتح به على وجهتي‪ ،‬ورحلنا إلى أن وصلنا‬
‫مدينة بونة ونزلنا بداخلها‪ .‬وأقمنا بها أياماً‪ ،‬ثم تركنا بها ما كان في صحبتنا من التجار لجل‬
‫الخوف في الطريق‪ ،‬وتجردنا للسير‪ ،‬وواصلنا الجد‪ ،‬وأصابتني الحمى‪ ،‬فكنت أشد نفسي‬
‫بعمامة فوق السرج خوف السقوط بسبب الضعف‪ ،‬ول يمكنني النزول من الخوف‪ ،‬إلى أن‬
‫وصلنا إلى مدينة تونس فبرز أهلها للقاء الشيخ أبي عبد ال الزبيدي ولقاء أبي الطيب ابن‬
‫القاضي أبي عبد ال النفزاوي‪ ،‬فأقبل بعضهم على بعض بالسلم والسؤال ولم يسلّم علي‬
‫أحد‪ ،‬لعدم معرفتي بهم‪ ،‬فوجدت من ذلك النفس ما لم أملك معه سوابق العبرة واشتد بكائي‪،‬‬
‫فشعر بحالي بعض الحجاج فأقبل علي بالسلم‬
‫واليناس‪ ،‬ومححا زال يؤنسححني بحديثححه حتححى دخلت المدينححة ونزلت منهححا بمدرسححة‬
‫الكتححبيين‪ .‬قال ابححن جزي‪ :‬أخححبرني شيخححي قاضححي الجماعححة أخطححب الخطباء أبححو‬
‫البركات محمحد بحن محمحد ابراهيحم السحلمي هحو ابحن الحاج البلفيقحي أنحه جرى له مثحل‬
‫هذه الحكايحة‪ .‬قال قصحدت مدينحة بلش محن بلد الندلس فحي ليلة عيحد‪ ،‬برسحم روايحة‬
‫الحديث المسلسل بالعيد عن أبي عبد ال ابن الكماد‪ ،‬وحضرت المصلى مع الناس‪،‬‬
‫فلما فرغت الصلة والخطبة‪ ،‬أقبل الناس بعضهم على بعض بالسلم‪ ،‬وأنا في ناحية‬
‫ل يسحلم واليناس‪ ،‬وقال‪ :‬نظرت إليحك‪ ،‬فرأيتحك منتبذاً عحن الناس‪ ،‬ل يسحلم عليحك أححد‬

‫فعرفحت أنحك غريحب فأحببحت إيناسحك جزاه ال خيراً‪.‬اس‪ ،‬ومحا زال يؤنسحني بحديثحه‬
‫حتحى دخلت المدينحة ونزلت منهحا بمدرسحة الكتحبيين‪ .‬قال ابحن جزي‪ :‬أخحبرني شيخحي‬
‫قاضحي الجماعحة أخطحب الخطباء أبحو البركات محمحد بحن محمحد ابراهيحم السحلمي هحو‬
‫ابحن الحاج البلفيقحي أنحه جرى له مثحل هذه الحكايحة‪ .‬قال قصحدت مدينحة بلش محن بلد‬
‫الندلس فحي ليلة عيحد‪ ،‬برسحم روايحة الحديحث المسحلسل بالعيحد عحن أبحي عبحد ال ابحن‬
‫الكماد‪ ،‬وحضرت المصححلى محع الناس‪ ،‬فلمححا فرغحت الصححلة والخطبحة‪ ،‬أقبححل الناس‬
‫بعضهحم على بعحض بالسحلم‪ ،‬وأنحا فحي ناحيحة ل يسحلم واليناس‪ ،‬وقال‪ :‬نظرت إليحك‪،‬‬
‫فرأيتحك منتبذاً عحن الناس‪ ،‬ل يسحلم عليحك أححد فعرفحت أنحك غريحب فأحببحت إيناسحك‬
‫جزاه ال خيراً‪.‬‬
‫ذكر سلطان تونس‬

‫وكان سحلطان تونحس عنحد دخولي إليهحا السحلطان أبحا يحيحى ابحن السحلطان أبحي زكريحا‬
‫يحيى ابن السلطان أبي إسحاق إبراهيم ابن السلطان أبي زكريا يحيى بن عبد الواحد‬
‫بححن أبححي حفححص رحمححه ال‪ .‬وكان بتونححس جماعححة مححن أعلم العلماء‪ ،‬منهححم قاضححي‬
‫الجماعحة بهحا أبحو عبحد ال محمحد ابحن قاضحي الجماعحة أبحي العباس أحمحد بحن محمحد بحن‬
‫حسن بن محمد النصاري الخزرجي البلنسي الصل‪ ،‬ثم التونسي هو ابن الغماز‪،‬‬
‫ومنهحم الخطيحب أبحو إسححاق إبراهيحم بحن حسحين بحن علي بحن عبحد الرفيحع‪ ،‬وولي أيضاً‬
‫قضاء الجماعححة فححي خمححس دول‪ ،‬ومنهححم الفقيححه أبححو علي عمححر بححن علي بححن قداح‬
‫الهواري‪ ،‬وولي أيضاَ قضاءهحا وكان محن أعلم العلماء‪ .‬ومحن عوائده أنحه يسحتند كحل‬

‫يوم جمعححة بعححد صححلتها إلى بعححض أسححاطين الجامححع العظححم المعروف بجامححع‬
‫الزيتونحة‪ ،‬ويسحتفتيه الناس فحي المسحائل‪ .‬فإذا أفتحى فحي أربعيحن مسحألة انصحرف عحن‬
‫مجلسححه ذلك‪ ،‬وأظلنححي بتونححس عيححد الفطححر‪ ،‬فحضرت المص حلّى‪ ،‬وقححد احتفححل الناس‬
‫لشهود عيدهحم‪ ،‬وبرزوا فحي أجمحل هيئة وأكمحل شارة‪ .‬ووافحى المسحجد السحلطان أبحو‬
‫يحيحى المذكور راكباً وجميحع أقاربحه وخواصحه‪ ،‬وخدم مملكتحه مشاة على أقدامهحم فحي‬
‫ترتيحب عجيحب‪ ،‬وصحليت الصحلة‪ ،‬وانقضحت الخطبحة‪ ،‬وانصحرف الناس إلى منازلهحم‪.‬‬
‫وبعد مدة تعين لركب الحجاز الشريف شيخه ويعرف بأبي يعقوب السوسي من أهل‬
‫أقحل محن بلد إفريقيحة‪ ،‬وأكثره المصحامدة‪ .‬فقدمونحي قاضياً بينهحم‪ ،‬وخرجنحا محن تونحس‬
‫فحي أواخحر شهحر ذي القعدة سحالكين طريحق السحاحل‪ ،‬فوصحلنا إلى بلدة سحوسة‪ ،‬وهحي‬
‫صحغيرة حسحنة مبنيحة على شاطىء البححر‪ ،‬بينهحا وبيحن مدينحة تونحس أربعون ميلً‪ ،‬ثحم‬
‫وصلنا إلى مدينة صفاقس وبخارج هذه البلدة قبر المام أبي الحسن اللخمي المالكي‬
‫مؤلف كتاب التبصرة في الفقه‪ .‬قال ابن جزي في بلدة صفاقس‪ :‬يقول علي بن حبيب‬
‫التنوخي‪:‬‬
‫ذات المصانع والمصلّى‬
‫سقياً لرض صفحاقحس‬
‫محمى القصير إلى الخليج فقصرها السامي المعلّى‬
‫تزوره أهحلً وسحهحل‬
‫بلحد يكحاد يقحول ححين‬
‫ر تارة عحنحه ويمحل‬
‫وكأنه والبحححر يححس‬
‫فإذا رأى الرقباء ولّحى‬
‫صبّ يريد زيارة‬

‫وفحي عكحس ذلك يقول الديحب البارع أبحو عبحد ال محمحد بحن أبحي تميحم وكان محن‬
‫المجيدين المكثرين‪:‬‬
‫صفاقس ل صفا عيش لساكحنحهحا‬
‫ناهيك من بلدة من حل ساححتحهحا‬

‫ول سقى أرضها غيث إذا انسكحبحا‬
‫عانى بها العاديين الروم والعحربحا‬

‫كم ضل في البر مسلوباً بضاعحتحه وبات في البحر يشكو السر والعطبا‬
‫قد عاين البحر من لؤم لقاطحنحهحا فكلما ه ّم أن يدنحو لحهحا هحربحا‬

‫ثم وصلنا إلى مدينة قابس ونزلنا بداخلها‪ ،‬وأقمنا بها عشراً لتوالي نزول المطار‪،‬‬
‫قال ابن جزي في ذكر قابس‪ :‬يقول بعضهم‪:‬‬
‫لهفي على طيب ليال خلت بجانب البطحاء من قابس‬
‫كأن قلبي عند تذكارها جذوة نار بيد القابس‬

‫ثحم خرجنحا محن مدينحة قابحس قاصحدين طرابلس‪ ،‬وصححبنا فحي بعحض المراححل إليهحا‬
‫نحو مائة فارس أو يزيد‪ ،‬وكان بالركب قوم رماة فهابتهم العرب‪ ،‬وتحامت مكانهم‪،‬‬
‫وعصحمنا ال منهحم‪ ،‬وأظلنحا عيحد الضححى فحي بعحض تلك المراححل‪ .‬وفحي الرابحع بعده‬
‫وصحلنا إلى مدينحة طرابلس‪ ،‬فأقمنحا بهحا مدة وكنحت عقدت بصحفاقس على بنحت لبعحض‬
‫أمناء تونس‪ ،‬فبنيت عليها بطرابلس ثم خرجت من طرابلس في أواخر شهر المحرم‬
‫محن عام سحتة وعشريحن‪ ،‬ومعحي أهلي‪ ،‬وفحي صححبتي جماعحة محن المصحامدة‪ ،‬وقحد‬
‫رفعحت العلم‪ ،‬وتقدمحت عليهحم‪ ،‬وأقام الركحب فحي طرابلس خوفاً محن البرد والمطحر‪،‬‬
‫وتجاوزنحا مسحلتة ومسحراتة وقصحور سحرت‪ .‬وهنالك أرادت طوائف العرب اليقاع‬
‫بنححا ثححم صححرفتهم القدرة‪ ،‬وحالت دون مححا راموه مححن أذيتنححا‪ ،‬ثححم توسححطنا الغابححة‪،‬‬
‫وتجاوزناها إلى قصر برصيصا العابد‪ ،‬إلى قبة سلم‪ ،‬وأدركنا هنالك الركب الذين‬
‫تخلفوا بطرابلس‪ ،‬ووقحع بينحي وبيحن صحهري مشاجرة أوجبحت فراق بنتحه وتزوجحت‬
‫بنتاً لبعض طلبة فاس وبنيت بها بقصر الزعافية‪ ،‬وأولمت وليمة حبست لها الركب‬
‫يوماً وأطعمتهحم‪ ،‬ثحم وصحلنا فحي أول جمادى الولى إلى مدينحة السحكندرية حرسحها‬
‫ال‪ ،‬وهي الثغر المحروس‪ ،‬والقطر المأنوس العجيبة الشأن الصيلة البنيان‪ ،‬بها ما‬

‫شئت محن تحسحين وتحصحين‪ ،‬ومآثحر دنيحا وديحن‪ ،‬كرمحت مغانيهحا‪ ،‬ولطفحت معانيهحا‪،‬‬
‫وجمعحت بيحن الضخامحة والحكام مبانيهحا‪ ،‬فهحي الفريدة فحي تجلي سحناها‪ ،‬والخريدة‬
‫تجلى فحي حلهحا‪ ،‬الزاهيحة بجمالهحا المُغرِب‪ ،‬والجامعحة لمفترق المحاسحن‪ ،‬لتوسحطها‬
‫بيحن المشرق والمغرب‪ ،‬فكحل بديعحة بهحا اختلؤهحا‪ ،‬وكحل طرفحة فإليهحا انتهاؤهحا‪ .‬وقحد‬
‫وصحفها الناس فأطنبوا‪ ،‬وصحنفوا فحي عجائبهحا فأغربوا وحسحب المشرف إلى ذلك محا‬
‫سطره أبو عبيد في كتاب المسالك‪.‬‬
‫ذكر أبوابها ومرساها‬

‫ولمدينحة السحكندرية أربعحة أبواب‪ :‬باب السحدرة وإليحه يشرع طريحق المغرب‪ ،‬وباب‬
‫رشيحد‪ ،‬وباب البححر‪ ،‬والباب الخضحر‪ ،‬وليحس يفتحح إل يوم الجمعحة‪ ،‬فيخرج الناس‬
‫منحه إلى زيارة القبور‪ .‬ولهحا المرسحى العظيحم الشأن ولم أر فحي مراسحي الدنيحا مثله إل‬
‫ما كان من مرسى كولم وقاليقوط ببلد الهند‪ ،‬ومرسى الكفار بسرادق ببلد التراك‬
‫ومرسى الزيتون ببلد الصين‪ ،‬وسيقع ذكرها‪.‬‬
‫ذكر المنار‬

‫قصحدت المنار فحي هذه الوجهحة فرأيحت أححد جوانبحه متهدماً‪ .‬وصحفته أنحه بناء مربحع‪،‬‬
‫ذاهب في الهواء‪ ،‬وبابه مرتفع على الرض وإزاء بابه بناء بقدر ارتفاعه‪ ،‬وضعت‬
‫بينهمحا ألواح خشحب يعحبر عليهحا إلى بابحه‪ ،‬فاذا أزيلت لم يكحن له سحبيل‪ .‬وداخحل الباب‬
‫موضححع لجلوس حارس المنار‪ .‬وداخححل المنار بيوت كثيرة‪ .‬وعرض الممححر بداخله‬
‫تسعة أشبار‪ ،‬وعرض الحائط عشرة أشبار‪ ،‬وعرض المنار من كل جهة من جهاته‬

‫الربع مائة وأربعون شبراً وهو على تل مرتفع‪ .‬ومسافة ما بينه وبين المدينة فرسخ‬
‫واححد فحي بر مسحتطيل يحيحط بحه البححر محن ثلث جهات إلى أن يتصحل البححر بسحور‬
‫البلد‪ ،‬فل يمكحن التوصحل إلى المنار فحي البر إل محن المدينحة وفحي هذا البر المتصحل‬
‫بالمنار مقبرة السكندرية‪ .‬وقصدت المنار عند عودي إلى بلد المغرب عام خمسين‬
‫وسبعمائة‪ ،‬فوجدته قد استولى عليه الخراب‪ ،‬بحيث ل يمكن دخوله ول الصعود إلى‬
‫بابه‪ .‬وكان الملك الناصر رحمه ال قد شرع في بناء منار مثله بإزائه‪ ،‬فعاقه الموت‬
‫من إتمامه‪.‬‬
‫ذكر عمود السواري‬

‫ومححن غرائب هذه المدينححة عمود الرخام الهائل الذي بخارجهححا‪ ،‬المسححمى عندهححم‬
‫بعمود السححواري وهححو متوسححط فححي غابححة نخححل‪ .‬وقححد امتاز عححن شجراتهححا سححمواً‬
‫وارتفاعاً‪ .‬وهحو قطعحة واحدة محكمحة النححت قحد أقيحم على قواعحد حجارة مربعحة أمثال‬
‫الدكاكيحن العظيمحة ول تعرف كيفيحة وضعحه هنالك ول يتحقحق محن وضعحه‪ .‬قال ابحن‬
‫جزي‪ :‬أخبرني بعض أشياخي الرحالين أن أحد الرماة بالسكندرية صعد إلى أعلى‬
‫ذلك العمود ومعحه قوسحه وكنانتحه واسحتقر هنالك وشاع خحبره‪ ،‬فاجتمحع الجمحع الغفيحر‬
‫لمشاهدتحه‪ ،‬وطال العجحب منحه‪ ،‬وخفحي على الناس وجحه احتياله وأظنحه كان خائفاً‪ ،‬أو‬
‫طالب حاجة‪ ،‬فأنتج له فعله الوصول إلى قصده لغرابة ما أتى به‪ .‬وكيفية احتياله في‬
‫صحعوده أنحه رمحى بنشابحة قححد عقحد بفوقهحا خيطاً طويلً‪ ،‬وعقحد بطرف الخيحط حبلً‬
‫وثيقاً‪ ،‬فتجاوزت النشابحة أعلى العمود معترضحة عليحه‪ ،‬ووقعحت محن الجهحة الموازيحة‬

‫للرامحي‪ ،‬فصحار الخيحط معترضاً على أعلى العمود‪ ،‬فجذبحه حتحى توسحط الحبحل أعلى‬
‫العمود مكان الخيحط‪ ،‬فأوثقحه محن إحدى الجهتيحن فحي الرض‪ ،‬وتعلق بحه صحاعداً محن‬
‫الجهححة الخرى‪ ،‬واسححتقر بأعله وجذب الحبححل‪ ،‬واسححتصحب مححن احتمله‪ ،‬فلم يهتححد‬
‫الناس لحيلتحه‪ ،‬وعجبوا محن شأنحه‪ .‬وكان أميحر السحكندرية فحي عهحد وصحولي إليهحا‬
‫يسحمى بصحلح الديحن وكان فيهحا أيضًا فحي ذلك العهحد سحلطان أفريقيحة المخلوع‪ ،‬وهحو‬
‫زكرياء أبو يحيى بن أحمد بن أبي حفص المعروف باللحياني‪ .‬وأمر الملك الناصر‬
‫بإنزاله بدار السحلطنة محن إسحكندرية‪ ،‬وأجرى له مائة درهحم فحي كحل يوم‪ .‬وكان معحه‬
‫أولده عبحد الواححد ومصحري واسحكندري وحاجبحه أبحو زكريا بن يعقوب ووزيره أبحو‬
‫عبحد ال بحن ياسحين‪ .‬وبالسحكندرية توفحي اللحيانحي المذكور‪ ،‬وولده السحكندري وبقحي‬
‫المصري بها‪ .‬قال ابن جزي‪ :‬من الغريب ما اتفق من صدق الزجر في اسمي ولدي‬
‫اللحيانحي السحكندري والمصحري فمات بهحا‪ ،‬وعاش المصحري دهراً طويلً بهحا وهحي‬
‫من بلد مصر‪ .‬وتحول عبد الواحد لبلد الندلس والمغرب وأفريقية‪ ،‬وتوفي هنالك‬
‫بجزيرة جربة‪.‬‬
‫ذكر بعض علماء السكندرية‬

‫فمنهحم قاضيهحا عماد الديحن الكندي‪ ،‬إمام محن أئمحة علم اللسحان‪ .‬وكان يعتحم بعمامحة‬
‫خرقحت المعتاد للعمائم لم أر فحي مشارق الرض ومغاربهحا عمامحة أعظحم منهحا رأيتحه‬
‫يومًا قاعداً فححي صححدر محراب‪ ،‬وقححد كادت عمامتححه أن تمل المحراب ومنهححم فخححر‬
‫الدين بن الريغي وهو أيضاً من القضاة بالسكندرية فاضل من أهل العلم‪.‬‬

‫حكاية‬

‫يذكر أن جد القاضي فخر الدين الريغي من أهل ريغة‪ ،‬واشتغل بطلب العلم‪ ،‬ثم رحل إلى‬
‫الحجاز‪ ،‬فوصل السكندرية بالعشي‪ .‬وهو قليل ذات اليد‪ ،‬فأحب أن ل يدخلها حتى يسمع‬
‫فالً حسناً فقعد قريباً من بابها‪ ،‬إلى أن دخل جميع الناس‪ .‬وجاء وقت سد الباب ولم يبق‬
‫هنالك سواه فاغتاظ الموكل بالباب من إبطائه‪ ،‬وقال متهكمًا أدخل يا قاضي فقال‪ :‬قاض إن‬
‫شاء ال‪ ،‬ودخل إلى بعض المدارس‪ ،‬ولزم القراءة وسلك طريق الفضلء‪ ،‬فعظم صيته‪،‬‬
‫وشهر اسمه‪ ،‬وعرف بالزهد والورع‪ ،‬واتصلت أخباره بملك مصر‪ .‬واتفق أن توفي قاضي‬
‫السكندرية وبها إذ ذاك الجم الغفير من الفقهاء والعلماء‪ ،‬وكلهم متشوف للولية‪ ،‬وهو من‬
‫بينهم‪ ،‬ل يتشوف لذلك فبعث إليه السلطان بالتقليد‪ ،‬وهو ظهير القضاء‪ ،‬وأتاه البريد بذلك‪،‬‬
‫فأمر خديمه أن ينادى في الناس من كانت له خصومة فليحضر لها وقعد للفصل بين الناس‪.‬‬
‫فاجتمع الفقهاء وسواهم إلى رجل منهم كانوا يظنون أن القضاء ل يتعداه‪ ،‬وتفاوضوا في‬
‫مراجعة السلطان في أمره‪ ،‬ومخاطبته بأن الناس ل يرتضونه‪ .‬وحضر لذلك أحد الحذاق من‬
‫المنجمين فقال لهم‪ :‬ل تفعلوا ذلك فإني عدلت طالع وليته‪ ،‬وحققته فظهر لي أنه يحكم‬
‫أربعين سنة‪ .‬فأضربوا عما هموا به من المراجعة في شأنه‪ .‬وكان أمره على ما ظهر‬
‫للمنجم‪ .‬وعرف في وليته بالعدل والنزاهة‪ .‬ومنهم وجيه الدين الصنهاجي من قضاتها‬
‫مشتهر بالعلم والفضل‪ .‬ومنهم شمس الدين ابن بنت التنيسي فاضل شهير الذكر‪ .‬ومن‬
‫الصالحين بها الشيخ أبو عبد ال الفاسي من كبار أولياء ال تعالى‪ ،‬يذكر أنه كان يسمع رد‬
‫السلم عليه إذا سلم من صلته‪ .‬ومنهم المام العالم الزاهد الخاشع الورع خليفة صاحب‬
‫المكاشفات‪.‬‬
‫كرامة له‪ :‬أخبرني بعض الثقات من أصحابه قال رأى الشيخ خليفة رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم في النوم‪ .‬فقال يا خليفة‪ :‬زرنا فرحل إلى المدينة الشريفة‪ ،‬وأتى المسجد الكريم‪،‬‬
‫فدخل من باب السلم‪ ،‬وحيا المسجد‪ ،‬وسلم على رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وقعد‬
‫مستنداً إلى بعض سواري المسجد‪ ،‬ووضع رأسه على ركبتيه‪ ،‬وذلك يسمى عند المتصوفة‬
‫الترفيق‪ .‬فلما رفع رأسه وجد أربعة أرغفة‪ ،‬وآنية فيها لبن‪ ،‬وطبقاً فيه تمر‪ ،‬فأكل هو‬
‫وأصحابه وانصرف عائداً إلى السكندرية ولم يحج تلك السنة‪ .‬ومنهم المام العالم الزاهد‬
‫الورع الخاشع برهان الدين العرج‪ ،‬من كبار الزهاد وأفراد العباد‪ ،‬لقيته أيام مقامي‬
‫بالسكندرية وأقمت في ضيافته ثلثاً‪.‬‬
‫ذكر كرامة له‪ :‬دخلت عليه يوماً فقال لي‪ :‬أراك تحب السياحة والجولن في البلد فقلت له‪:‬‬
‫نعم إني أحب ذلك‪ .‬ولم يكن حينئذ بخاطري التوغل في البلد القاصية من الهند والصين‪.‬‬
‫فقال ل بد لك إن شاء ال من زيارة أخي فريد الدين بالهند‪ ،‬وأخي ركن الدين زكرياء‬
‫بالسند‪ ،‬وأخي برهان الدين بالصين‪ .‬فإذا بلغتهم فأبلغهم مني السلم فعجبت من قوله وألقى‬
‫في روعي التوجه إلى تلك البلد ولم أزل أجول حتى لقيت الثلثة الذين ذكرهم‪ ،‬وأبلغتهم‬
‫سلمه‪ .‬ولما ودعته زودني دراهم لم تزل عندي محوطة‪ .‬ولم أحتج بعد إلى إنفاقها‪ ،‬إلى أن‬
‫سلبها مني كفار الهنود‪ ،‬فيما سلبوه لي في البحر‪ .‬ومنهم الشيخ ياقوت الحبشي‪ ،‬من أفراد‬
‫الرجال‪ .‬وهو تلميذ أبي العباس المرسي‪ .‬وأبو العباس المرسي تلميذ ولي ال تعالى أبي‬

‫الحسن الشاذلي الشهير ذي الكرامات الجليلة والمقامات العالية‪.‬‬
‫كرامة لبي الحسن الشاذلي‪ :‬أخبرني الشيخ ياقوت عن شيخه أبي العباس المرسي أن أبا‬
‫الحسن كان يحج في كل سنة‪ ،‬ويجعل طريقه على صعيد مصر‪ ،‬ويجاور بمكة شهر رجب‬
‫وما بعده إلى انقضاء الحج‪ ،‬ويزور القبر الشريف‪ ،‬ويعود على الدرب الكبير إلى بلده‪ .‬فلما‬
‫كان في بعض السنين‪ ،‬وهي آخر سنة خرج فيها‪ ،‬قال لخديمه‪ :‬استصحب فأساً وقفة‬
‫وحنوطاً‪ ،‬وما يجهز به الميت‪ .‬فقال له الخديم‪ :‬ولم ذا يا سيدي ? فقال له‪ :‬في حميثرا سوف‬
‫ترى‪ .‬وحميثرا في صعيد مصر في صحراء عيذاب‪ ،‬وبها عين ماء زعاق‪ .‬وهي كثيرة‬
‫الضباع‪ .‬فلما بلغا حميثرا اغتسل الشيخ أبو الحسن‪ ،‬وصلى ركعتين‪ ،‬وقبضه ال عز وجل‬
‫في آخر سجدة من صلته‪ ،‬ودفن هناك‪ .‬وقد زرت قبره وعليه تبرية مكتوب فيها اسمه‬
‫ونسبه متصلً بالحسن بن علي رضي ال عنه‪.‬‬
‫ذكحر حزب البححر المنسحوب إليحه‪ :‬كان يسحافر فحي كحل عام كمحا ذكرناه على صحعيد‬
‫مصححر وبحححر جدة‪ ،‬فكان إذا ركححب السححفينة يقرؤه فححي كححل يوم‪ ،‬وتلمذتححه إلى الن‬
‫يقرؤنحه فحي كحل يوم‪ ،‬وهحو هذا‪ :‬يحا أل يحا علي يحا عظيحم ياحليحم يحا عليحم‪ ،‬أنحت ربحي‬
‫وعليحك حسححبي‪ ،‬فنعححم الرب ربحي‪ ،‬ونعحم الحسححب حسحبي‪ ،‬تنصححر مححن تشاء‪ ،‬وأنحت‬
‫العزيححز الرحيححم‪ .‬نسححألك العصححمة فححي الحركات والسححكنات والكلمات والرادات‬
‫والخطرات محن الشكوك والظنون والوهام السحاترة للقلوب عحن مطالعحة الغيوب فقحد‬
‫ل شديداً‪ ،‬ليقول المنافقون والذيحن فحي قلوبهحم مرض محا‬
‫ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزا ً‬
‫وعدنحا ال ورسحوله إل غروراً‪ ،‬فثبتنحا وانصحرنا وسحخر لنحا هذا البححر‪ ،‬كمحا سحخرت‬
‫البححر لموسحى عليحه السحلم‪ ،‬وسحخرت النار لبراهيحم عليحه السحلم‪ ،‬وسحخرت الجبال‬
‫والحديححد لداوود عليححه السححلم‪ ،‬وسححخرت الريححح والشياطيححن والجححن لسححليمان عليححه‬
‫السحلم‪ ،‬وسحخر لنحا كحل بححر هحو لك فحي الرض والسحماء‪ ،‬والملك والملكوت‪ ،‬وبححر‬
‫الدنيحا وبححر الخرة‪ ،‬وسحخر لنحا شيئاً يحا محن بيده ملكوت كحل شيحء‪ .‬كهيعحص ححم‬
‫عسق‪ ،‬انصرنا فإنك خير الناصرين‪ ،‬وافتح لنا فإنك خير الفاتحين‪ ،‬واغفر لنا فإنك‬

‫خير الغفارين‪ ،‬وارحمنا فإنك خير الراحمين‪ ،‬وارزقني فإنك خير الرازقين‪ ،‬واهدنا‬
‫ونجنا من القوم الظالمين‪ ،‬وهب لنا ريحاً طيبة كما هي في علمك‪ ،‬انشرها علينا من‬
‫خزائن رحمتحك‪ ،‬واحملنحا بهحا حمحل الكرامحة محع السحلمة والعافيحة فحي الديحن والدنيحا‬
‫والخرة‪ ،‬إنك على كل شيء قدير‪ .‬اللهم يسر لنا أمورنا مع الراحة لقلوبنا وأبداننا‪،‬‬
‫والسحلمة والعافيحة فحي ديننحا ودنيانحا‪ ،‬وكحن لنحا صحاحبًا فحي سحفرنا‪ ،‬وخليفحة فحي أهلنحا‪،‬‬
‫واطمحس على وجوه أعدائنحا‪ ،‬وامسحخهم على مكانتهحم‪ ،‬فل يسحتطيعون المضحي ول‬
‫المجيء إلينا‪ " ،‬ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون ولو‬
‫نشاء لمسححخناهم على مكانتهححم فمححا اسححتطاعوا مضياً ول يرجعون " " يححس " إلى "‬
‫فهحم ل يبصحرون " شاهحت الوجوه " وعنحت الوجوه للححي القيوم وقحد خاب محن حمحل‬
‫ظلماً " طحس طسحم ححم عسحق " مرج البحريحن يلتقيان بينهمحا برزخ ل يبغيان " ححم‬
‫ححم ححم ححم ححم ححم ححم ححم المحر‪ ،‬وجاء النصحر فعلينحا ل ينصحرون " ححم تنزيحل‬
‫الكتاب محن ال العزيحز العليحم غافرالذنحب وقابحل التوب شديحد العقاب ذي الطول ل إله‬
‫إل هو إليه المصير " باسم ال بابنا‪ ،‬تبارك حيطاننا يس سقفنا‪ .‬كهيعص كفايتنا‪ .‬حم‬
‫عسحق حمايتنحا‪ " :‬فسحيكفيكهم ال وهحو السحميع العليحم " سحتر العرش مسحبول علينحا‪،‬‬
‫وعين ال ناظرة إلينا‪ ،‬بحول ال ليقدر علينا " وال من ورائهم محيط بل هو قرآن‬
‫مجيحد فحي لوح محفوظ " " فال خيحر حافظاً وهحو أرححم الراحميحن " " إن وليّي ال‬
‫الذي نزّل الكتاب وهحو يتولّى الصحالحين " " فإن تولّوا فقحل حسحبي ال ل إله إل هحو‬
‫عليحه توكلت وهحو رب العرش العظيحم " بسحم ال الذي ل يضحر محع اسحمه شيحء فحي‬

‫الرض ول فحي السحماء وهوالسحميع العليحم‪ ،‬ول حول ول قوة إل بال العلي العظيحم‪.‬‬
‫وصلى ال على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم‪.‬‬
‫حكاية‬

‫وممحا جرى بمدينحة السحكندرية سحنة سحبع وعشريحن‪ .‬وبلغنحا خحبر ذلك بمكحة شرفهحا‬
‫ال‪ ،‬أنه وقع بين المسلمين وتجار النصارى مشاجرة‪ .‬وكان والي السكندرية رجلً‬
‫يعرف بالكركي‪ .‬فذهب إلى حماية الروم‪ ،‬وأمر المسلمين فحضروا بين فصيلي باب‬
‫المدينححة‪ .‬وأغلق دونهححم البواب نكالً لهححم‪ .‬فأنكححر الناس ذلك وأعظموه‪ ،‬وكسححروا‬
‫الباب‪ ،‬وثاروا إلى منزل الوالي‪ ،‬فتحصححن منهححم‪ ،‬وقاتلهححم مححن أعله‪ ،‬وطيححر الحمام‬
‫بالخححبر إلى الملك الناصححر‪ ،‬فبعححث أميراً يعرف بالجمالي‪ ،‬ثححم أتبعححه أميراً يعرف‬
‫بطوغان‪ ،‬جباراً قاسححي القلب متهمًا فححي دينححه‪ .‬يقال‪:‬إنححه كان يعبححد الشمححس‪ .‬فدخل‬
‫إسححكندرية‪ ،‬وقبضححا على كبار أهلهححا وأعيان التجار بهححا‪ ،‬كأولد الكوبححك وسححواهم‪.‬‬
‫وأخذ منهم ألموال الطائلة وجعلت في عنق عماد الدين القاضي جامعة حديد‪ .‬ثم أن‬
‫الميريححن قتل مححن أهححل المدينححة سححتة وثلثيححن رجلً‪ .‬وجعلوا كححل رجححل قطعتيححن‪،‬‬
‫وصلبوهم صفين وذلك في يوم جمعة وخرج الناس على عادتهم من الصلة لزيارة‬
‫القبور وشاهدوا مصححارع القوم‪ .‬فعظمححت حسححرتهم وتضاعفححت أحزانهححم‪ .‬وكان فححي‬
‫جملة أولئك المصحلوبين تاجحر كحبير القدر يعرف بابحن رواححة‪ .‬وكان له قاعحة معدة‬
‫للسحلح‪ .‬فمتحى كان خوف أو قتال جهحز منهحا المائة والمائتيحن محن الرجال بمحا يكفيهحم‬
‫محن السحلحة‪ .‬وبالمدينحة قاعات على هذه الصحورة لكثيحر محن أهلهحا‪ .‬فزل لسحانه وقال‬

‫للميريححن أنححا أضمححن هذه المدينححة وكححل مححا يحدث فيهححا أطالب بححه‪ ،‬وأحوط على‬
‫السحلطان مرتبات العسحاكر والرجال‪ .‬فأنكحر الميران قوله‪ ،‬وقال‪ :‬إنمحا تريحد الثورة‬
‫على السحلطان وقتله‪ .‬وإنمحا كان قصحده رحمحه ال إظهار النصحح والخدمحة للسحلطان‬
‫فكان فيه حتفه وكنت سمعت أيام إقامتي بالسكندرية بالشيخ الصالح العابد المنقطع‬
‫المنفحق محن الكون أبحي عبحد ال المرشدي‪ ،‬وهحو محن كبار الولياء المكاشفيحن وأنحه‬
‫منقطحع بمنيحة بنحي مرشحد له هنالك زاويحة‪ ،‬هحو منفرد فيهحا‪ ،‬ل خديحم له ول صحاحب‪.‬‬
‫ويقصحده المراء والوزراء‪ ،‬وتأتيحه الوفود محن طوائف الناس فحي كحل يوم‪ ،‬فيطعمهحم‬
‫الطعام‪ .‬وكحل واححد منهحم ينوي أن يأكحل عنده طعاماً أو فاكهحة أو حلوى فيأتحي لكحل‬
‫واححد بمحا نواه‪ ،‬وربمحا كان ذلك فحي غيحر إبانحه‪ .‬ويأتيحه الفقهاء لطلب الخطبحة‪ ،‬فيولي‬
‫ويعزل‪ ،‬وذلك كله أمر مستفيض متواتر‪ .‬وقد قصده الملك الناصر مرات بموضعه‪.‬‬
‫فخرجت من مدينة السكندرية قاصداً هذا الشيخ نفعنا ال به‪ ،‬ووصلت قرية تروجه‬
‫" وضبطها بفتح التاء الفوقية وواو وجيم مفتوحة "‪ ،‬وهي على مسيرة نصف يوم‬
‫محن مدينحة السحكندرية‪ .‬وهحي قريحة كحبيرة بهحا قاضٍح ووالٍ وناظحر‪ ،‬ولهلهحا مكارم‬
‫أخلق ومروءة‪ .‬صحبت قاضيها صفي الدين وخطيبها فخر الدين وفاضلً من أهلها‬
‫يسحمى بمبارك‪ ،‬وينعحت بزيحن الديحن ونزلت بهحا على رجحل محن العباد الفضلء كحبير‬
‫القدر يسمى عبد الوهاب‪ .‬وأضافني ناظرها زين الدين بن الواعظ وسألني عن بلدي‬
‫وعحن مجباه‪ ،‬فأخحبرته أن مجباه نححو اثنحي عشحر ألفاً محن دينار الذهحب‪ .‬فعجحب وقال‬
‫لي‪ :‬رأيححت هذه القريححة فإن مجباهححا اثنان وسححبعون ألف دينار ذهباً‪ .‬وإنمححا عظمححت‬

‫مجابححي ديار مصححر لن جميححع أملكهححا لبيححت المال‪ .‬ثححم خرجححت مححن هذه القريححة‪،‬‬
‫فوصلت مدينة دمنهور‪ ،‬وهي مدينة كبيرة‪ ،‬جبايتها كثيرة‪ ،‬ومحاسنها أثيرة‪ ،‬أم مدن‬
‫البحيرة بأسححرها‪ ،‬وقطبهححا الذي عليححه مدار أمرهححا‪ " ،‬وضبطهححا بدال مهملة وميححم‬
‫مفتوحتيحن ونون سحاكنة وهاء مضمومحة بواو وراء " وكان قاضيهحا فحي ذلك العهحد‬
‫فخحر الديحن بحن مسحكين محن فقهاء الشافعيحة‪ ،‬وتولى قضاء السحكندرية لمحا عزل عنهحا‬
‫عماد الديحن الكندي بسحبب الواقعحة التحي قصحصناها ‪ .‬وأخحبرني الثقحة أن ابحن مسحكين‬
‫أعطى خمسة وعشرين ألف درهم وصرفها من دنانير الذهب ألف دينار على ولية‬
‫القضاء بالسحكندرية‪ .‬ثحم رحلنحا إلى مدينحة فوا‪ .‬وهذه المدينحة عجيبحة المنظحر‪ ،‬حسحنة‬
‫المخححبر‪ ،‬بهححا البسححاتين الكثيرة‪ ،‬والفوائد الخطيرة الثيرة‪ " ،‬وضبطهححا بالفاء والواو‬
‫المفتوحيحن محع تشديحد الواو " ‪ .‬بهحا قحبر الشيحخ الولي أبحي النجاة الشهيحر السحم‪ ،‬خحبير‬
‫تلك البلد‪ ،‬وزاويحة الشيحخ أبحي عبحد ال المرشدي الذي قصحدته بمقربحة محن المدينحة‪.‬‬
‫يفصل بينها خليج هنالك‪ .‬فلما وصلت‪ ،‬تعديتها‪ ،‬ووصلت إلى زاوية الشيخ المذكور‬
‫قبل صلة العصر‪ ،‬وسلمت عليه‪ ،‬ووجدت عنده المير سلف الدين يلملك‪ ،‬وهو من‬
‫الخاصححكية‪ .‬وأول اسححمه ياء وآخححر الحروف كاف‪ ،‬ولمححه الولى مسححكنة‪ ،‬والثانيححة‬
‫مفتوححة‪ ،‬مثحل الميحم‪ ،‬والعامحة تقول فيحه الملك فيخطئون‪ .‬ونزل هذا ألميحر بعسحكره‬
‫خارج الزاويحة ولمحا دخلت على الشيحخ رحمحه ال قام إلي وعانقنحي‪ ،‬وأحضحر طعاماً‬
‫فواكلني‪ .‬وكانت عليه جبة صوف سوداء فلما حضرت صلة العصر قدمني للصلة‬
‫إماماً‪ ،‬وكذلك لكل ما حضرني عنده حين إقامتي معه من الصلة‪ .‬ولما أردت النوم‬

‫قال لي‪ :‬إصعد إلى سطح الزاوية فنم هنالك وذلك أوان القيظ فقلت للمير‪ :‬بسم ال‪.‬‬
‫فقال لي‪ :‬ومححا منححا إل له مقام معلوم‪ .‬فصححعدت السححطح‪ ،‬فوجدت بححه حصححيراً ونطعاً‬
‫وآنيححة للوضوء‪ ،‬وجرة ماء وقدحاً للشرب فنمححت هنالك‪.‬يححة ولمححا دخلت على الشيححخ‬
‫رحمححه ال قام إلي وعانقنححي‪ ،‬وأحضححر طعامًا فواكلنححي‪ .‬وكانححت عليححه جبححة صححوف‬
‫سحوداء فلمحا حضرت صحلة العصحر قدمنحي للصحلة إماماً‪ ،‬وكذلك لكحل محا حضرنحي‬
‫عنده حيححن إقامتححي معححه مححن الصححلة‪ .‬ولمححا أردت النوم قال لي‪ :‬إصححعد إلى سححطح‬
‫الزاويحة فنحم هنالك وذلك أوان القيحظ فقلت للميحر‪ :‬بسحم ال‪ .‬فقال لي‪ :‬ومحا منحا إل له‬
‫مقام معلوم‪ .‬فصعدت السطح‪ ،‬فوجدت به حصيراً ونطعاً وآنية للوضوء‪ ،‬وجرة ماء‬
‫وقدحًا للشرب فنمححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححت هنالك‪.‬‬

‫كرامة لهذا الشيخ‪ :‬رأيت ليلتي تلك‪ ،‬وأنا نائم بسطح الزاوية‪ ،‬كأني على جناح طائر‬
‫عظيحم يطيحر بحي فحي سحمت القبلة‪ .‬يتيامحن ثحم يشرق‪ ،‬ثحم يذهحب فحي ناحيحة الجنوب‪ ،‬ثحم‬
‫يبعحد الطيران فحي ناحيحة الشرق‪ ،‬وينزل فحي أرض مظلمحة خضراء‪ ،‬ويتركنحي بهحا‪.‬‬
‫فعجبحت محن هذه الرؤيا‪ ،‬وقلت فحي نفسحي‪ :‬إن كاشفنحي الشيحخ برؤياي فهحو كمحا يحكحى‬
‫عنححه‪ .‬فلمححا غدوت لصححلة الصححبح قدمنححي إماماً لهححا‪ .‬ثححم أتاه الميححر يلملك فوادعححه‬
‫وانصرف‪ .‬ووادعه من كان هناك من الزوار وانصرفوا أجمعين من بعد أن زودهم‬
‫كعيكات صحغاراً‪ .‬ثحم سحبحت سحبحة الضححى‪ .‬ودعانحي وكاشفنحي برؤياي‪ ،‬فقصحصتها‬
‫عليحه فقال سحوف تححج وتزور النحبي صحلى ال عليحه وسحلم‪ ،‬وتجول فحي بلد اليمحن‬

‫والعراق وبلد الترك‪ ،‬وتبقحى بهحا مدة طويلة‪ ،‬وسحتلقى بحه دلشاد الهندي‪ ،‬ويخلصحك‬
‫ممن شدة تقع فيها‪ .‬ثم زودني كعيكات ودراهم ووادعته وانصرفت‪ .‬ومنذ فارقته لم‬
‫ألق في أسفاري إل خيراً‪ ،‬وظهرت علي بركاته‪ .‬ثم لم ألق فيمن لقيته مثله إل الولي‬
‫سيدي محمداً الموله بأرض الهند‪ .‬ثم رحلنا إلى مدينة النحرارية‪ ،‬وهي رحبة الفناء‪،‬‬
‫حديثححة البناء‪ ،‬أسححواقها حسححنة الرؤيححة‪ " ،‬وضبطهححا بفتححح النون وحاء مهمححل مسححكن‬
‫وراءيححن "‪ ،‬وأميرهححا كححبير القدر يعرف بالسححعدي‪ ،‬وولده فححي خدمححة ملك الهنححد‪،‬‬
‫وسحنذكره‪ .‬وقاضيهحا صحدر الديحن سحليمان المالكحي محن كبار المالكيحة سحفر عحن الملك‬
‫الناصححر إلى العراق‪ ،‬وولي قضاء البلد الغربيححة‪ ،‬وله هيئة جميلة وصححورة حسححنة‪.‬‬
‫وخطيبها شرف الدين السخاوي من الصالحين‪ .‬ورحلت منها إلى مدينة أبيار‪ ،‬وهي‬
‫قديمحة البناء‪ ،‬أرجحة الرجاء كثيرة المسحاجد‪ ،‬ذات حسحن زائد " وضبحط اسحمها بفتحح‬
‫الهمزة وإسحكان الباء الموحدة وياء آخحر الحروف والف وراء "‪ ،‬وهحي بمقربحة محن‬
‫النحراريححة‪ .‬ويفصححل بينهححا النيححل وتصححنع بأبيار ثياب حسححان تعلو قيمتهححا بالشام‬
‫والعراق ومصحر وغيرهحا‪ .‬ومحن الغريحب قرب النحراريحة منهحا‪ .‬والثياب التحي تصحنع‬
‫بهحا غيحر معتحبرة ول مسحتحسنة عنحد أهلهحا‪ .‬ولقيحت بأبيار قاضيهحا عحز الديحن المليجحي‬
‫الشافعححي‪ ،‬وهححو كريححم الشمائل كححبير القدر‪ .‬حضرت عنده مرة يوم الركبححة‪ ،‬وهححم‬
‫يسحححمون ذلك يوم ارتقاب هلل رمضان‪ .‬وعادتهحححم فيحححه أن يجتمحححع فقهاء المدينحححة‬
‫ووجوهها بعد العصر من اليوم التاسع والعشرين لشعبان بدار القاضي‪ ،‬ويقف على‬
‫الباب نقيب المتعممين‪ ،‬وهو ذو شارة وهيئة حسنة‪ .‬فإذا أتى أحد الفقهاء أو الوجوه‪،‬‬

‫تلقاه ذلك النقيحب‪ ،‬ومشحى بيحن يديحه قائلً‪ :‬بسحم ال‪ ،‬سحيدنا فلن الديحن فيسحمع القاضحي‬
‫ومن معه فيقومون له ويجلسه النقيب في موضع يليق به‪ .‬فإذا تكاملوا هنالك‪ ،‬ركب‬
‫القاضحي وركحب محن معحه أجمعون‪ ،‬وتبعهحم جميحع محن بالمدينحة محن الرجال والنسحاء‬
‫والصحبيان وينتهون إلى موضحع مرتفحع خارج المدينحة‪ ،‬وهحو مرتقحب الهلل عندهحم‪،‬‬
‫وقحد فرش ذلك الموضحع بالبسحط والفرش‪ ،‬فينزل فيحه القاضحي ومحن معحه فيرتقبون‬
‫الهلل‪ ،‬ثحم يعودون إلى المدينحة بعحد صحلة المغرب وبيحن أيديهحم الشمحع والمشاعحل‬
‫والفوانيحس‪ .‬ويوقحد أهحل الحوانيحت بحوانيتهحم الشمحع‪ ،‬ويصحل الناس محع القاضحي إلى‬
‫داره‪ ،‬ثحم ينصحرفون هكذا فعلهحم فحي كحل سحنة‪ .‬ثحم توجهحت إلى مدينحة المحلة الكحبيرة‬
‫وهي جليلة المقدار‪ ،‬حسنة الثار‪ ،‬كثير أهلها‪ ،‬جامع بالمحاسن شملها‪ ،‬واسمها بيّن‪.‬‬
‫ولهذه المدينحة قاضحي القضاة ووالي الولة وكان قاضحي قضاتهحا أيام وصحولي اليهحا‬
‫فحي فراش المرض ببسحتان له على مسحافة فرسحخين محن البلد‪ ،‬وهحو عحز الديحن بحن‬
‫الشمريححن‪ ،‬فقصححدت زيارتححه صحححبة نائبححه الفقيححه أبححي القاسححم ابححن بنون المالكححي‬
‫التونسححي‪ ،‬وشرف الديححن الدميري قاضححي محلة منوف‪ .‬وأقمنححا عنده يوماً‪ ،‬وسححمعت‬
‫منحه‪ ،‬وقحد جرى ذكحر الصحالحين أن على مسحيرة يوم محن المحلة الكحبيرة بلد البرلس‬
‫ونسححترو‪ ،‬وهححي بلد الصححالحين‪ ،‬وبهححا قححبر الشيححخ مرزوق صححاحب المكاشفات‪.‬‬
‫فقصحدت تلك البلد‪ ،‬ونزلت بزاويحة الشيحخ المذكور وتلك البلد كثيرة النخحل والثمار‬
‫والطيححر البحري والحوت المعروف بالبوري ومدينتهححم تسححمى ملطيححن ‪ ،‬وهححي على‬
‫ساحل البحيرة المجتمعة من ماء النيل وماء البحر المعروفة ببحيرة تنيس ‪ .‬ونسترو‬

‫بمقربة منها‪ .‬نزلت هنالك بزاويحة الشيخ شمس الدين القلوي من الصحالحين‪ ،‬وكانت‬
‫تنيححس بلداً عظيماً شهيراً‪ ،‬وهححي الن خراب‪ .‬قال ابححن جزي " تنيححس بكسححر التاء‬
‫المثناة والنون المشددة وياء وسحين مهمحل "‪ ،‬وإليحه ينسحب الشاعحر المجيحد أبحو الفتحح‬
‫ابن وكيع‪ ،‬وهو القائل في خليجها‪:‬‬
‫قم فاسقني والخليج مضطرب والريح تثني ذوائب القصب‬
‫صب قنا سندسية العحذب‬
‫كأنها والرياح تعطحفحهحا‬
‫قد طرّزتها البروق بالذهب‬
‫والجو في حلة ممحسّحكة‬

‫" ونسترو بفتح النون واسكان السين وراء مفتوحة وواو مسكن "‪ ،‬والبرلّس بباء‬
‫موحدة وراء وآخره سحين مهملة‪ ،‬وقيده بعضهحم بضحم حروفحه الول الثلث وتشديحد‬
‫اللم ‪ .‬وقيده أبو بكر بن نقطة بفتح الولين ‪ -‬وهو على البحر ومن غريب ما اتفق‬
‫بحه محا حكاه أبحو عبحد ال الرازي عحن أبيحه أن قاضحي البرلس‪ ،‬وكان رجل صحالحاً‪،‬‬
‫خرج ليلة إلى النيحل‪ .‬فبينمحا اسحبغ الوضوء‪ ،‬وصحلى محا شاء ال أن يصحلي‪ ،‬إذ سحمع‬
‫قائلً يقول‪:‬‬
‫لول رجال لهم سرد يصومونحا وآخرون لهم ورد يقحومحونحا‬
‫لزلزلت أرضكم من تحتكم سحراً لنكم قوم سوء ل تحبحالحونحا‬

‫قال‪ :‬فتجوزت فححي صححلتي‪ ،‬وأدرت طرفححي‪ ،‬فمححا رأيححت أحداً‪ ،‬ول سححمعت حس حاً‪،‬‬
‫فعلمحت أن ذلك زاجحر محن ال تعالى‪ .‬ثحم سحافرت فحي أرض رملة إلى مدينحة دمياط‪.‬‬
‫وهحي مدينحة فسحيحة القطار‪ ،‬متنوعحة الثمار‪ ،‬عجيبحة الترتيحب‪ ،‬آخذة محن كحل حسحن‬
‫بنصحيب والناس يضبطون اسحمها بإعجام الذال‪ .‬وكذلك ضبطحه المام أبحو محمحد عبحد‬
‫ال بحن علي الرشاطحي‪ .‬وكان شرف الديحن المام العلمحة أبحو محمحد عبحد المؤمحن بحن‬
‫خلف الدمياطححي إمام المحدّثيححن يضبطهححا بإهمال الدال‪ ،‬ويتبححع ذلك بأن يقول خلف‬

‫الرشاطحي وغيره‪ .‬وهحو أعرف بضبحط اسحم بلده‪ .‬ومدينحة دمياط على شاطىء النيحل‪،‬‬
‫وأهحل الدور المواليحة يسحتقون منحه الماء بالدلء وكثيحر محن دورهحا بهحا دركات ينزل‬
‫فيها إلى النيل‪ .‬وشجر الموز بها كثير‪ ،‬يحمل ثمره إلى مصر في المراكب‪ .‬وغنمها‬
‫سائمة هملً بالليل والنهار‪ .‬ولهذا يقال في دمياط‪ :‬سورها حلوى‪ ،‬وكلبها غنم‪ .‬وإذا‬
‫دخلهحا أححد‪ ،‬لم يكحن له سحبيل إلى الخروج عنهحا إل بطابحع الوالي فمحن كان محن الناس‬
‫معتحبراً‪ ،‬طبحع له فحي قطعحة كاغحد‪ ،‬يسحتظهر بحه لحراس بابهحا‪ .‬وغيرهحم يطبحع على‬
‫ذراعححه‪ ،‬فيسححتظهر بححه‪ .‬والطيححر البحري بهذه المدينححة كثيححر‪ ،‬متناهححي السححمن‪ .‬وبهححا‬
‫اللبان الجاموسحية التحي ل مثحل لهحا فحي عذوبحة الطعحم وطيحب المذاق‪ .‬وبهحا الحوت‬
‫البوري يحمحل منهحا إلى الشام وبلد الروم ومصحر‪ .‬وبخارجهحا جزيرة بيحن البحريحن‬
‫والنيحل تسحمى البرزخ‪ .‬بهحا مسحجد وزاويحة‪ ،‬لقيحت بهحا شيخهحا المعروف بابحن قفحل‪،‬‬
‫وحضرت عنده ليلة جمعححة ومعححه جماعححة مححن الفقراء الفضلء المتعبديححن الخيار‪.‬‬
‫قطعوا ليلتهحم صحلة وقراءة وذكراً‪ .‬ودمياط هذه حديثحة البناء والمدينحة القديمحة هحي‬
‫التححي خربهححا الفرنححج على عهححد الملك الصححالح‪ .‬وبهححا زاويححة الشيححخ جمال الديححن‬
‫السحاوي‪ ،‬قدوة الطائفحة المعروفحة بالقلندريحة ‪ ،‬وهحم الذيحن يحلقون لحاهحم وحواجبهحم‪.‬‬
‫ويسكن الزاوية في هذا العهد الشيخ فتح التكروري‪.‬‬
‫حكاية‬

‫يذكر أن السبب الداعي للشيخ جمال الدين الساوي إلى حلق لحيته وحاجبيه أنه كان‬
‫جميححل الصححورة حسححن الوجححه فعلقححت بححه امرأة مححن أهححل سححاوة‪ ،‬وكانححت تراسححله‬

‫وتعارضحه فحي الطرق وتدعوه لنفسحها‪ ،‬وهحو يمتنحع ويتهاون‪ ،‬فلمحا أعياهحا أمره دسحت‬
‫له عجوزاً تصحدت له إزاء دار على طريقحه إلى المسحجد‪ ،‬وبيدهحا كتاب مختوم‪ .‬فلمحا‬
‫محر بهحا قالت له‪ :‬يحا سحيدي أتحسحن القراءة ? قال‪ :‬نعحم‪ .‬قالت له‪ :‬الكتاب وجهحه إليّح‬
‫ولدي‪ ،‬وأححب أن تقرأه علي‪ .‬فقال لهحا‪ ،‬نعحم‪ .‬فلمحا فتحح الكتاب‪ ،‬قالت له‪ :‬يحا سحيدي إن‬
‫لولدي زوجححة‪ ،‬وهححي بأسححطوان الدار‪ ،‬فلو تفضلت بقراءتححه بيححن بابححي الدار بحيححث‬
‫تسمعها‪ .‬فأجابها لذلك‪ .‬فلما توسط بين البابين غلقت العجوز الباب‪ ،‬وأخرجت المرأة‬
‫حواريّها فتعلقن به‪ .‬وأدخلنه إلى داخل الدار‪ .‬وراودته المرأة عن نفسه‪ ،‬فلما رأى أن‬
‫ل خلص له‪ ،‬قال لهحا‪ :‬إنحي حيحث تريديحن‪ .‬فأرينحي بيحت الخلء‪ .‬فأرتحه إياه‪ .‬فأدخحل‬
‫معحححه الماء‪ .‬وكانحححت عنده موسحححى جديدة‪ ،‬فحلق لحيتحححه وحاجيبحححه‪ ،‬وخرج عليهحححا‪،‬‬
‫فاسحتقبحت هيئتحه‪ ،‬واسحتنكرت فعله‪ ،‬وأمرت بإخراجحه وعصحمه ال بذلك‪ ،‬فبقحى على‬
‫هيئتحه فيمحا بعحد‪ ،‬وصحار كحل محن يسحلك طريقتحه أن يحلق رأسحه ولحيتحه و حاجحبيه‪.‬‬
‫كرامحة لهذا الشيحخ‪ :‬يذكحر أنحه لمحا قصحد مدينحة دمياط لزم مقبرتهحا‪ .‬وكان بهحا قاض‬
‫يعرف بابحن العميحد‪ .‬فخرج يوماً إلى جنازة بعحض العيان‪ ،‬فرأى الشيحخ جمال الديحن‬
‫بالمقحبرة فقال له‪ :‬أنحت الشيحخ المبتدع‪ .‬فقال له‪ :‬وأنحت القاضحي الجاهحل‪ ،‬تمحر بدابتحك‬
‫بين القبور‪ ،‬وتعلم أن حرمة النسان ميتاً كحرمته حياً‪ .‬فقال له القاضي‪ :‬وأعظم من‬
‫ذلك حلقحك للحيتحك‪ .‬فقال له‪ :‬إياي تعنحي‪ .‬وزعحق الشيحخ‪ ،‬ثحم رفحع رأسحه‪ ،‬فإذا هحو ذو‬
‫لحية سوداء‪ ،‬عظيمة‪ .‬فعجب القاضي ومن معه‪ ،‬ونزل إليه عن بغلته‪ .‬ثم زعق ثانياً‬
‫فإذا هحو ذو لحيحة بيضاء حسحنة‪ ،‬ثحم زعحق ثالثاً ورفحع رأسحه‪ .‬فإذا هحو بل لحيحة كهيئتحه‬

‫الولى فقبحل القاضحي يده‪ ،‬وتتلمحذ له‪ ،‬وبنحي له الزاويحة الحسحنة ‪ ،‬وصححبه أيام حياتحه‬
‫حتى مات الشيخ‪ .‬فدفن بزاويته‪ .‬ولما حضرت القاضي وفاته أوصى أن يدفن بباب‬
‫الزاويحة‪ ،‬حتحى يكون كحل داخحل إلى زيارة الشيحخ يطحأ قحبره‪ .‬وبخارج دمياط المزار‬
‫المعروف بشطححا‪ " ،‬بفتححح الشيححن المعجمححة والطاء المهملة "‪ ،‬وهححو ظاهححر البركححة‪،‬‬
‫يقصحده أهحل الديار المصحرية‪ .‬وله أيام فحي السحنة معلومحة لذلك‪ .‬وبخارجهحا أيضاً بيحن‬
‫بسحاتينها موضحع يعرف بالمنيحة‪ ،‬فيحه شيحخ محن الفضلء يعرف بابحن النعمان‪ .‬قصحدت‬
‫زاويتححه وبححت عنده‪ .‬وكان بدمياط أيام إقامتححي بهححا والٍ يعرف بالمحسححني مححن ذوي‬
‫الحسحان والفضحل‪ .‬بنحى مدرسحة على شاطىء النيحل بهحا‪ .‬كان نزولي فحي تلك اليام‪.‬‬
‫وتأكدت بينحي وبينحه مودة‪ .‬ثحم سحافرت إلى مدينحة فارسحكور‪ ،‬وهحي مدينحة على سحاحل‬
‫النيحل " والكاف الذي فحي اسحمها مضموم "‪ .‬ونزلت بخارجهحا‪ .‬ولحقنحي هنالك فارس‬
‫وجّهه إل يّ المير المحسني‪ ،‬فقال لي‪ :‬إن المير سأل عنك‪ ،‬وعرف بسيرتك‪ ،‬فبعث‬
‫إليححك بهذه النفقححة‪ .‬ودفححع إلي حّ جملة دراهححم‪ ،‬جزاه ال خيراً‪ .‬ثححم سححافرت إلى مدينححة‬
‫أشمون الرمان‪ " ،‬وضبحط اسحمها بفتحح الهمزة وإسحكان الشيحن المعجحم "‪ .‬ونسحبت إلى‬
‫الرمان لكثرته بها‪ .‬ومنها يحمل إلى مصر‪ .‬وهي مدينة عتيقة كبيرة على خليج من‬
‫خلج النيحل ولهحا قنطرة خشحب ترسحو المراكحب عندهحا فإذا كان العصحر رفعحت تلك‬
‫الخشحححب‪ ،‬وجازت المراكحححب صحححاعدة ومنحدرة‪ .‬وبهذا البلد قاضحححي القضاة ووالي‬
‫الولة‪ .‬ثحم سحافرت عنهحا إلى مدينحة سحمنود‪ ،‬وهحي على شاطحئ النيحل‪ ،‬كثيرة المراكحب‬
‫حسنة السواق وبينها وبين المحلة الكبيرة ثلثة فراسخ " وضبط اسمها بفتح السين‬

‫المهملة والميحم وتشديححد النون وضمهححا وواو ودال مهمححل‪ .‬ومحن هذه المدينححة ركبحت‬
‫النيل مصعداً إلى مصر‪ ،‬ما بين مدائن وقرى منتظمة‪ ،‬المتصل بعضها ببعض‪ .‬ول‬
‫يفتقححر راكححب النيححل إلى اسححتصحاب الزاد‪ .‬لنححه مهمححا أراد النزول بالشاطححئ‪ ،‬نزل‬
‫الوضوء والصلة وشراء الزاد وغير ذلك‪ .‬والسواق متصلة من مدينة السكندرية‬
‫إلى مصحر‪ ،‬ومحن مصحر إلى مدينحة أسحوان محن الصحعيد‪ .‬ثحم وصحلت إلى مدينحة مصحر‬
‫هحي أم البلد‪ ،‬وقرارة فرعون ذي الوتاد‪ ،‬ذات القاليحم العريضحة والبلد الريضحة‪،‬‬
‫المتناهيحة فحي كثرة العمارة المتناهيحة بالحسحن والنضارة‪ ،‬ومجمحع الوارد والصحادر‪،‬‬
‫ومحل رحل الضعيف والقادر‪ ،‬وبها ما شئت من عالم وجاهل‪ ،‬وجاد وهازل‪ ،‬وحليم‬
‫وسحفيه‪ ،‬ووضيحع ونحبيه‪ ،‬وشريحف ومشروف‪ ،‬ومنكحر ومعروف‪ ،‬تموج موج البححر‬
‫بسكانها‪ ،‬وتكاد تضيق بهم على سعة مكانها وإمكانها‪ .‬شبابها يجد على طول العهد‪،‬‬
‫وكوكحب تعديلهحا ل يحبرح عحن منزل السحعد‪ .‬قهرت قاهرتهحا المحم‪ ،‬وتمكنحت ملوكهحا‬
‫من نواصي العرب والعجم‪ .‬ولها خصوصية النيل الذي أجلّ خطرها‪ ،‬وأغناها عن‬
‫أن يسحتمد القطحر قطرهحا‪ ،‬وأرضهحا مسحيرة شهحر لمج ّد السحير‪ .‬كريمحة التربحة‪ ،‬مؤنسحة‬
‫لذوي الغربة‪ .‬قال ابن جزي‪ :‬وفيها يقول الشاعر‪:‬‬
‫لعمرك ما مصرٌ بمصرٍ وإنمحا هي الجنة الدنيا لمن يتبحصّحر‬
‫فأولدها الولدان والحور عينهحا وروضتها الفردوس والنيل كوثر‬

‫وفيها يقول ناصر الدين بن ناهض‪:‬‬
‫ئ مصر جحنة ما مثلها من بلحد‬
‫شاط ُ‬
‫ل سيّما مذ زخرفت بنيلها المحطّحرد‬
‫سوابغٌ محن زرد‬
‫وللحرياح فحوقحه‬
‫مسرودةٌ ما مسّهحا داودها بحمحبحرد‬
‫يرعد عاري الجسد‬
‫سائلة هحواؤهححا‬

‫والفلك كالفلك بي ن حادر ومصعحد‬

‫ويقال‪ :‬إن بمصر من السقائين على الجمال اثني عشر ألف سقاء‪ ،‬وأن بها ثلثين‬
‫ألف مكار‪ ،‬وأن بنيلها من المراكب ستة وثلثين ألفاً للسلطان والرعية‪ ،‬تمر صاعدة‬
‫إلى الصححعيد‪ ،‬ومنحدرة إلى السححكندرية ودمياط بأنواع الخيرات والمرافححق‪ .‬وعلى‬
‫ضفححة النيححل ممححا يواجححه مصححر الموضححع المعروف بالروضححة‪ ،‬وهححو مكان النزهححة‬
‫والتفرج‪ ،‬وبححه البسححاتين الكثيرة الحسححنة‪ .‬وأهححل مصححر ذوو طرب وسححرور ولهححو‪.‬‬
‫شاهدت بها مرة فرجة بسبب برء الملك الناصر من كسر أصاب يده‪ .‬فزين كل أهل‬
‫سوق سوقهم‪ ،‬وعلقوا بحوانيتهم الحلل والحلي وثياب الحرير وبقوا على ذلك أياماً‪.‬‬
‫ذكر مسجد عمرو بن العاص‬
‫والمدارس والمارستانات والزوايا‬

‫ومسجد عمرو بن العاص مسجد شريف كبير القدر شهير الذكر‪ ،‬تقام فيه الجمعة‪.‬‬
‫والطريق يعترضه من شرق إلى غرب وبشرقه الزاوية حيث كان يدرس المام أبو‬
‫عبححد ال الشافعححي‪ .‬وأمححا المدارس بمصححر فل يحيححط أحححد بحصححرها لكثرتهححا‪ :‬وأمححا‬
‫المارسحتان الذي بيحن القصحرين عنحد تربحة الملك المنصحور قلوون‪ ،‬فيعجحز الواصحف‬
‫عحن محاسحنه‪ .‬وقحد أعحد فيحه محن المرافحق والدويحة محا ل يحصحر‪ .‬يذكحر أن مجباه ألف‬
‫دينار كححل يوم‪ :‬وأمححا الزوايححا فكثيرة‪ .‬وهححم يسححمونها الخوانححق‪ .‬واحدتهححا خانقححة ‪.‬‬
‫والمراء بمصحر يتنافسحون فحي بناء الزوايحا وكحل زاويحة بمصحر معينحة لطائفحة محن‬
‫الفقاء‪ ،‬وأكثرهحم العاجحم‪ .‬وهحم أهحل أدب ومعرفحة بطريقحة التصحوف‪ .‬ولكحل زاويحة‬

‫شيحخ وحارس‪ .‬وترتيحب أمورهحم عجيحب‪ .‬ومحن عوائدهحم فحي الطعام أنحه يأتحي خديحم‬
‫الزاويحة إلى الفقراء صحباحاً‪ ،‬فيعيحن له كحل واححد محا يشتهيحه محن الطعام‪ .‬فإذا اجتمعوا‬
‫للكححل جعلوا لكححل إنسححان خبزه ومرقححه فححي إناء على حدة ل يشاركححه فيححه أحححد‪.‬‬
‫وطعامهحم مرتان فحي اليوم‪ .‬ولهحم كسحوة الشتاء وكسحوة الصحيف ومرتحب شهري محن‬
‫ثلثيحن درهماً للواححد فحي الشهحر إلى عشريحن‪ .‬ولهحم الحلوة محن السحكر فحي كحل ليلة‬
‫جمعة‪ ،‬والصابون لغسل أثوابهم‪ ،‬والجرة لدخول الحمام‪ ،‬والزيت للستصباح‪ .‬وهم‬
‫أعزاب‪ .‬وللمتزوجيححن زوايححا على حدة‪ .‬ومححن المشترط عليهححم حضور الصححلوات‬
‫الخمس‪ ،‬والمبيت بالزاوية‪ ،‬واجتماعهم بقبة داخل الزاوية‪ .‬ومن عوائدهم أن يجلس‬
‫كل واحد منهم على سجادة مختصة به‪ .‬وإذا صلوا صلة الصبح قرأوا سورة الفتح‪،‬‬
‫وسورة الملك‪ ،‬وسورة عمّ‪ ،‬ثم يؤتى بنسخ من القرآن العظيم مجزأة‪ ،‬فيأخذ كل فقير‬
‫جزءاً‪ ،‬ويختمون القرآن‪ ،‬ويذكرون‪ ،‬ثححم يقرأ القراء على عادة أهححل المشرق‪ .‬ومثححل‬
‫ذلك يفعلون بعد صلة العصر‪ .‬ومن عوائدهم مع القادم أنه يأتي باب الزاوية فيقف‬
‫بححه مشدود الوسححط‪ ،‬وعلى كاهله سححجادة‪ ،‬وبيمناه العكاز‪ ،‬وبيسححراه البريححق‪ .‬فيعلم‬
‫البواب خديحم الزاويحة بمكانحه فيخرج إليحه‪ ،‬ويسحأله محن أي البلد أتحى‪ ،‬وبأي الزوايحا‬
‫نزل فححي طريقححه ومححن شيخححه‪ ،‬فإذا عرف صحححة قوله أدخله الزاويححة‪ ،‬وفرش له‬
‫سححجادته فححي موضححع يليححق بححه‪ ،‬وأراه موضححع الطهارة‪ ،‬فيجدد الوضوء‪ ،‬ويأتححي إلى‬
‫سحجادته‪ ،‬فيححل وسحطه‪ ،‬ويصحلي ركعتين‪ ،‬ويصافح الشيخ ومن حضر ويقعحد معهحم‪.‬‬
‫ومن عوائدهم أنهم إذا كان يوم الجمعة أخذ الخادم جميع سجاجيدهم فيذهب بها إلى‬

‫المسحجد ويفرشهحا لهحم هنالك‪ .‬ويخرجون مجتمعيحن‪ ،‬ومعهحم شيخهحم فيأتون المسحجد‪،‬‬
‫ويصحلي كحل واححد على سحجادته‪ .‬فإذا فرغوا محن الصحلة قرأوا القرآن على عادتهحم‪.‬‬
‫ثم ينصرفون مجتمعين إلى الزاوية ومعهم شيخهم‪.‬‬
‫ذكر قرافة مصر ومزاراتها‬

‫ولمصحرالقرافة العظيمحة الشأن فحي التحبرك بهحا‪ .‬وقحد جاء فحي فضلهحا أثحر أخرجحه‬
‫القرطحبي وغيره‪ ،‬لنهحا محن جملة الجبحل المقطحم الذي وعحد ال أن يكون روضحة محن‬
‫رياض الجنحة‪ .‬وهحم يبنون بالقرافحة القباب الحسحنة‪ ،‬ويجعلون عليهحا الحيطان فتكون‬
‫كالدور‪ ،‬ويبنون بهحححححححا البيوت‪ ،‬ويرتبون القراء يقرأون ليلً ونهاراً بالصحححححححوات‬
‫الحسحان‪ .‬ومنهحم محن يبنحي الزاويحة والمدرسحة إلى جانحب التربحة‪ ،‬ويخرجون كحل ليلة‬
‫جمعة إلى المبيت بأولدهم ونسائهم‪ ،‬ويطوفون على السواق بصنوف المآكل‪ .‬ومن‬
‫المزارات الشريفة المشهد المقدس العظيم الشأن حيث رأس الحسين بن علي عليهما‬
‫السلم‪ ،‬وعليه رباط ضخم عجيب البناء‪ ،‬على أبوابه حلق الفضة وصفائحها أيضاً‪.‬‬
‫كذلك‪ ،‬وهو موفى الحق من الجلل والتعظيم‪ .‬ومنها تربة السيدة نفيسة بنت الحسن‬
‫النور بن علي بن الحسين بن علي عليهم السلم‪ .‬وكانت مجابة الدعوة مجتهدة في‬
‫العبادة‪ .‬وهذه التربحة أنيقحة البناء‪ ،‬مشرقحة الضياء‪ ،‬عليهحا رباط مقصحود‪ .‬ومنهحا تربحة‬
‫المام أبحي عبحد ال محمحد بحن إدريحس الشافعحي رضحي ال عنحه‪ ،‬وعليهحا رباط كحبير‪.‬‬
‫ولهحا جرايحة ضخمحة‪ .‬وبهحا القبحة الشهيرة البديعحة التقان‪ ،‬العجيبحة البنيان‪ ،‬المتناهيحة‬
‫الحكام‪ ،‬المفرطحة السحمو‪ ،‬وسحعتها أزيحد محن ثلثيحن ذراعاً‪ .‬وبقرافحة مصحر محن قبور‬

‫العلماء والصحالحين محا ل يضبطحه الحصحر‪ .‬وبهحا عدد جحم محن الصححابة‪ ،‬وصحدور‬
‫السلف والخلف رضي ال تعالى عنهم‪ ،‬مثل عبد الرحمن بن القاسم‪ ،‬وأشهب بن عبد‬
‫العزيحز‪ ،‬وأصحبغ بحن الفرج‪ ،‬وابنحي عبحد الحكحم‪ ،‬وأبحي القاسحم بحن شعبان‪ ،‬وأبحي محمحد‬
‫عبحد الوهاب‪ .‬لكحن ليحس لهحم بهحا اشتهار‪ ،‬ول يعرفهحم إل محن بهحم عنايحة‪ .‬والشافعحي‬
‫رضي ال عنه ساعده الجد في نفسه وأتباعه وأصحابه في حياته ومماته‪ ،‬فظهر من‬
‫أمره مصداق قوله‪:‬‬
‫الجد يدفي كل أمر شحائع والجد يفتح كل باب مغلق‬

‫ذكر نيل مصر‬

‫ونيل مصر يفضل أنهار الرض عذوبة مذاق واتساع قطر وعظم منفعة‪ .‬والمدن‬
‫والقرى بضفتيه منتظمة‪ ،‬ليس في المعمور مثلها‪ .‬ول يعلم نهر يزرع عليه ما يزرع‬
‫على النيحل‪ .‬وليحس فحي الرض نهحر يسحمى بحراً غيره‪ .‬قال ال تعالى‪ " :‬فإذا خفحت‬
‫عليحه فألقيحه فحي اليمّح " فسحماه يمّا وهحو البححر‪ .‬وفحي الحديحث الصححيح أن رسحول ال‬
‫صحلى ال عليحه وسحلم وصحل ليلة السحراء إلى سحدرة المنتهحى‪ ،‬فإذا فحي أصحلها أربعحة‬
‫أنهار‪ :‬نهران ظاهران‪ ،‬ونهران باطنان‪ .‬فسحأل عنهحا جبريحل عليحه السحلم فقال‪ :‬أمحا‬
‫الباطنان ففححي الجنححة‪ ،‬وأمححا الظاهران فالنيححل والفرات‪ .‬وفححي الحديححث أيضاً النيححل‬
‫والفرات وسححيحون وجيحون كححل مححن أنهار الجنححة‪ .‬ومجرى النيححل مححن الجنوب إلى‬
‫الشمال خلفاً لجميع النهار‪ .‬ومن عجائبه أن ابتداء زيادته في شدة الحر عند نقص‬
‫النهار وجفوفهحا‪ ،‬وابتداء نقصحه حيحن زيادة النهار وفيضهحا‪ .‬ونهحر السحند مثله فحي‬
‫ذلك‪ ،‬وسحيأتي ذكره‪ .‬وأول ابتداء زيادتحه فحي حزيران وهحو يونيحه‪ ،‬فإذا بلغحت زيادتحه‬

‫ستة عشر ذراعاً تم خراج السلطان‪ .‬فإن زاد ذراعاً كان الخصب في العام والصلح‬
‫التام‪ ،‬فإن بلغ ثمانيحة عشحر ذراعاً أضحر بالضياع‪ ،‬وأعقحب الوباء‪ .‬وإن نقحص ذراعاً‬
‫عحن سحتة عشحر نقححص خراج السحلطان‪ ،‬وإن نقححص ذراعيحن اسحتسقى الناس‪ ،‬وكان‬
‫الضرر الشديد‪ .‬والنيل أحد أنهار الدنيا الخمسة الكبار‪ ،‬وهي النيل والفرات والدجلة‬
‫وسحيحون وجيحون‪ .‬وتماثلهحا أنهار خمسحة أيضاً‪ :‬نهحر السحند ويسحمى ينحج اب ونهحر‬
‫الهنححد ويسححمى الكنححك‪ ،‬وإليححه تحححج الهنود‪ .‬وإذا حرقوا أمواتهححم رموا برمادهححم فيححه‪.‬‬
‫ويقولون هو من الجنة‪ .‬ونهر الجون بالهند أيضاً‪ ،‬ونهر اتل بصحراء قفجق‪ ،‬وعلى‬
‫سححاحله مدينححة السححرا‪ ،‬ونهححر السححرو بأرض الخطححا‪ ،‬وعلى ضفتححه مدينححة خان بالق‪،‬‬
‫ومنهحا ينحدر إلى مدينحة الخنسحا ثحم إلى مدينحة الزيتون بأرض الصحين‪ ،‬وسحيذكر ذلك‬
‫كله فحي مواضعحه ان شاء ال‪ .‬والنيحل يفترق بعحد مسحافة محن مصحر على ثلثحة أقسحام‬
‫ول يعحبر نهحر منهحا إل فحي السحفن شتاء وصحيفاً‪ .‬وأهحل كحل بلد لهحم خلجان تخرج محن‬
‫النيل فإذا مد أترعها ففاضت على المزارع‪.‬‬
‫ذكر الهرام والبرابي‬

‫وهحي محن العجائب المذكورة على محر الدهور‪ .‬وللناس فيهحا كلم كثيحر‪ ،‬وخوض فحي‬
‫شأنهححا‪ ،‬وأوليححة بنائهححا‪ .‬ويزعمون أن العلوم التححي ظهرت قبححل الطوفان أخذت مححن‬
‫هرمححس الول السححاكن بصححعيد مصححر العلى ويسححمون اخنوخ وهححو ادريححس عليححه‬
‫السحلم‪ .‬وأنحه أول محن تكلم فحي الحركات الفلكيحة‪ ،‬والجواهحر العلويحة‪ ،‬وأول محن بنحى‬

‫الهياكحححل‪ ،‬ومجحححد ال تعالى فيهحححا‪ ،‬وأنحححه أنذر الناس بالطوفان‪ ،‬وخاف ذهاب العلم‬
‫ودروس الصححنائع فبنححى الهرام والبرابححي وصححور فيهححا جميححع الصححنائع واللت‪،‬‬
‫ورسححم العلوم فيهححا لتبقححى مخلدة‪ .‬ويقال‪ :‬إن دار العلم والملك بمصححر مدينححة منححف ‪،‬‬
‫وهي على بريد من الفسطاط‪ .‬فلما بنيت السكندرية انتقل الناس إليها‪ ،‬وصارت دار‬
‫العلم والملك‪ .‬إلى أن أتححى السححلم فاختطحّ عمرو بحن العاص رضحي ال عنحه مدينححة‬
‫الفسحطاط‪ ،‬فهحي قاعدة مصحر إلى هذا العهحد‪ .‬والهرام بناء بالحجحر الصحلد المنحوت‪،‬‬
‫متناهحي السحمو مسحتدير متسحع السحفل‪ ،‬ضيحق العلى كالشكحل المخروط ول أبواب‬
‫لهححا‪ ،‬ول تعلم كيفيححة بنائهححا‪ .‬وممححا يذكححر فححي شأنهححا أن ملكاً مححن ملوك مصححر قبححل‬
‫الطوفان رأى رؤيحا هالتحه‪ ،‬وأوجبحت عنده أنحه بنحى تلك الهرام بالجانحب الغربحي محن‬
‫النيحل‪ ،‬لتكون مسحتودعاً للعلوم‪ ،‬ولجثحث العلوم‪ ،‬ولجثحث الملوك‪ ،‬وأنحه سحأل المنجميحن‬
‫هحل يفتحح منهحا موضحع‪ ،‬فأخحبروه أنهحا تفتحح محن الجانحب الشمالي‪ ،‬وعينوا له الموضحع‬
‫الذي تفتح منه‪ ،‬ومبلغ النفاق في فتحه‪ .‬فأمر أن يجعل بذلك الموضع من المال قدر‬
‫ما أخبروه أنه ينفق في فتحه‪ ،‬واشتد في البناء‪ ،‬فأتمه في ستين سنة‪ .‬كتب عليها بنينا‬
‫هذه الهرام فحي سحتين سحنة فليهدمهحا محن يريحد ذلك فحي سحتمائة سحنة‪ ،‬فإن الهدم أيسحر‬
‫محن البناء‪ .‬فلمحا أفضحت الخلفحة إلى أميحر المؤمنين المأمون أراد هدمهحا‪ ،‬فأشار عليحه‬
‫بعحض مشايحخ مصحر أن ل يفعحل فلجّح فحي ذلك‪ ،‬وأمحر أن تفتحح محن الجانحب الشمالي‬
‫فكانوا يوقدون عليهحا النار‪ ،‬ثحم يرشونهحا بالخحل‪ ،‬ويرمونهحا بالمنجنيحق‪ ،‬حتحى فتححت‬
‫الثلمححة التححي بهححا إلى اليوم‪ ،‬ووجدوا بإزاء النقححب مالً أمححر أميححر المؤمنيححن بوزنححه‬

‫فحصحر محا أنفحق فحي النقحب‪ ،‬فوجدهمحا سحواء‪ .‬فطال عجبحه محن ذلك ووجدوا عرض‬
‫الحائط عشرين ذراعاً‪.‬‬
‫ذكر سلطان مصر‬

‫وكان سححلطان مصححر على عهححد دخولي إليهححا الملك الناصححر أبححا الفتححح محمححد بححن‬
‫المنصححور سححيف الديححن قلوون الصححالحي‪ .‬وكان قلوون يعرف باللفححي لن الملك‬
‫الصالح اشتراه بألف دينار ذهباً وأصله من قفجق‪ .‬وللملك الناصر رحمه ال السيرة‬
‫الكريمححة والفضائل العظيمححة‪ .‬وكفاه شرفاً انتماؤه لخدمححة الحرميححن الشريفيححن‪ ،‬ومححا‬
‫يفعله فحي كحل سحنة محن أفعال البر التحي تعيحن الحجاج محن الجمال التحي تحمحل الزاد‬
‫والماء للمنقطعيحن والضعفاء‪ ،‬وتحمحل محن تأخحر أو ضعحف عحن المشحي فحي الدربيحن‬
‫المصري والشامي‪ .‬وبنى زاوية عظيمة بسرياقص خارج القاهرة‪ .‬لكن الزاوية التي‬
‫بناهحا مولنحا أميحر المؤمنيحن وناصحر الديحن وكهحف الفقراء والمسحاكين‪ ،‬خليفحة ال فحي‬
‫أرضححه القائم مححن الجهاد بنفله وفرضححه أبححو عنان أيححد ال أمره‪ ،‬وأظهره‪ ،‬وس حنّى له‬
‫الفتح المبين ويسره‪ ،‬بخارج حضرته العلية المدينة البيضاء حرسها ال ل نظير لها‬
‫في المعمور‪ ،‬في إتقان الوضع وحسن البناء والنقش في الجص‪ ،‬بحيث ل يقدر أهل‬
‫المشرق على مثله‪ .‬وسيأتي ذكر ما عمره أيده ال من المدارس والمرستان والزوايا‬
‫ببلده حرسها ال وحفظها بدوام ملكه‪.‬‬

‫ذكر بعض أمراء مصر‬

‫منهم ساقي الملك الناصر‪ ،‬وهو المير بكتمور " وضبط اسمها بضم الباء الموحدة‬
‫وكاف مسححكن وتاء معلوة مضمومححة وآخره راء "‪ ،‬وهححو الذي قتله الملك الناصححر‬
‫بالسححم‪ ،‬وسححيذكر ذلك‪ ،‬ومنهححم نائب الملك الناصححر أرغون الدودار‪ ،‬وهححو الذي يلي‬
‫بكتمور في المنزلة‪ " ،‬وضبط اسمه بفتح الهمزة وإسكان الراء وضم الغين المعجمة‬
‫"‪ ،‬ومنهحم طشحط المعروف بحمحص أخضحر‪ " ،‬واسحمه بطاءيحن مهمليحن مضموميحن‬
‫وبينهمححا شيححن معجححم "‪ .‬وكان مححن خيار المراء‪ .‬وله الصححدقات الكثيرة على اليتام‬
‫محن كسحوة ونفقحة وأجرة لمحن يعلمهحم القرآن‪ .‬وله الحسحان العظيحم للحرافيحش‪ ،‬وهحم‬
‫طائفحة كحبيرة أهحل صحلبة وجاه ودعارة ‪ .‬وسحجنه الملك الناصحر مرة‪ ،‬فاجتمحع محن‬
‫الحرافيحش آلف‪ ،‬ووقفوا بأسحفل القلعحة‪ ،‬ونادوا بلسحان واححد يحا أعرج النححس‪ ،‬يعنون‬
‫الملك الناصحر‪ ،‬أخرجحه فأخرجحه محن محبسحه‪ ،‬وسحجنه مرة أخرى‪ .‬ففعحل اليتام مثحل‬
‫ذلك فأطلقححه‪ .‬ومنهححم وزيححر الملك الناصححر يعرف بالجمالي بفتححح الجيححم‪ .‬ومنهححم بدر‬
‫الدين بن البابه‪ .‬ومنهم جمال الدين نائب الكرك‪ .‬ومنهم تقزدمور " واسمه بضم التاء‬
‫المعلوة وضححم القاف وزاء مسححكن ثححم دال مضموم وميححم مثله وآخره راء "‪ ،‬ودمور‬
‫بالتركيحة الحديحد‪ .‬ومنهحم بهادر الحجازي " واسحمه بفتحح والباء الموحدة وضحم الدال‬
‫المهملة وآخره راء "‪ .‬ومنهم قوصون " واسمه بفتح القاف وصاد مهمل مضموم "‬
‫ومنهححم بشتححك " واسححمه بفتححح الباء الموحدة واسححكان الشيححن المعجححم و وتاء معلوة‬
‫مفتوحة "‪ .‬وكل هؤلء يتنافسون في أفعال الخيرات وبناء المساجد والزوايا‪ .‬ومنهم‬

‫ناظحر جيحش الملك الناصحر وكاتبحه فخحر الديحن القبطحي‪ ،‬وكان نصحرانياً محن القبحط‪،‬‬
‫فأسححلم وحسححن إسححلمه‪ ،‬وله المكارم العظيمححة والفضائل التامححة ودرجتححه مححن أعلى‬
‫الدرجات عنحد الملك الناصحر‪ ،‬وله الصحدقات الكثيرة والحسحان الجزيحل‪ .‬ومحن عادتحه‬
‫أن يجلس عشحي النهار فحي مجلس له بأسحطوان داره على النيحل ويليحه المسحجد‪ ،‬فإذا‬
‫حضحر المغرب صحلى فحي المسحجد وعاد إلى مجلسحه وأوتحي بالطعام‪ .‬ول يمنحع حينئذ‬
‫أححد محن الدخول كائناً محن كان‪ .‬فمحن كان ذا حاجحة تكلم فيهحا فقضاهحا له ومحن كان‬
‫طالب صححدقة أمححر مملوكاً له يدعححى بدر الديححن‪ ،‬واسححمه لؤلؤ‪ ،‬يصحححبه إلى خارج‬
‫الدار‪ ،‬وهنالك خازنحه معحه صحرر الدراهحم فيعطيحه محا قدر له‪ .‬ويحضحر عنده فحي ذلك‬
‫الوقححت الفقهاء ويقرأ بيححن يديححه كتاب البخاري‪ ،‬فإذا صححلى العشاء الخيرة انصححرف‬
‫الناس عنه‪.‬‬
‫ذكر القضاة بمصر في عهد دخولي إليها‬

‫فمنهححم قاضححي القضاة الشافعيححة‪ ،‬وهححو أعلهححم منزلة وأكححبرهم قدراً‪ ،‬وإليححه وليححة‬
‫القضاة بمصحر وعزلهم‪ ،‬وهو القاضحي المام العالم بدر الدين بن جماعة‪ .‬وابنه عز‬
‫الديحن هحو الن متولي ذلك‪ .‬ومنهحم قاضحي القضاة المالكيحة المام الصحالح تقحي الديحن‬
‫الخنائي‪ .‬ومنهحم قاضحي القضاة الحنفيحة المام العالم شمحس الديحن الحريري‪ ،‬وكان‬
‫شديحد السحطوة ل تأخذه فحي ال لومحة لئم‪ .‬وكانحت المراء تخافحه‪ .‬ولقحد ذكحر لي أن‬
‫الملك الناصححر قال يوماً لجلسححائه‪ .‬إنححي ل أخاف مححن أحححد إل مححن شمححس الديححن‬

‫الحريري‪ .‬ومنهحم قاضحي القضاة الحنبليحة‪ .‬ول أعرفحه الن إل أنحه كان يدعحى بعحز‬
‫الدين‪.‬‬
‫حكاية‬

‫كان الملك الناصحر رحمحه ال يقعحد للنظحر فحي المظالم ورفحع قصحص المتشكيحن كحل‬
‫يوم اثنيححن وخميححس‪ .‬ويقعححد القضاة الربعححة عححن يسححاره وتقرأ القصححص بيححن يديححه‪،‬‬
‫ويعيحن محن يسحأل صحاحب القصحة عنهحا وقحد سحلك مولنحا أميحر المؤمنيحن ناصحر الديحن‬
‫أيده ال فحي ذلك مسحلكاً لم يسحبق إليحه‪ ،‬ول مزيحد فحي العدل والتواضحع عليحه‪ ،‬وهحو‬
‫سؤاله بذاته الكريمة لكحل متظلم‪ ،‬وعرضه بين يديه المستقيمة أبى ال أن يحضرها‬
‫سححواه‪ ،‬أدام ال أيامححه‪ .‬وكان رسححم القضاة المذكوريححن أن يكون أعلهححم منزلة فححي‬
‫الجلوس‪ :‬قاضحي الشافعيحة ثحم قاضحي الحنفيحة ثحم قاضحي المالكيحة ثحم قاضحي الحنبليحة‪.‬‬
‫فلما توفي شمس الدين الحريري‪ ،‬وولي مكانه برهان الدين عبد الحق الحنفي أشار‬
‫المراء على الملك الناصحر بأن يكون مجلس المالكحي فوقحه وذكروا أن العادة جرت‬
‫بذلك قديماً إذ كان قاضحي المالكيحة زيحن الديحن بحن مخلوف يلي قاضحي الشافعيحة تقحي‬
‫الدين بن دقيق العيد‪ ،‬فأمر الناصر بذلك‪ .‬فلما علم به قاضي الحنفية غاب عن شهود‬
‫المجلس أنفة من ذلك‪ ،‬فأنكر الملك الناصر مغيبه‪ ،‬وعلم ما قصده‪ ،‬فأمر بإحضاره‪.‬‬
‫فلما مثل بين يديه أخذ الحاجب بيده‪ ،‬وأقعده حيث نفذ أمر السلطان‪ ،‬مما يلي قاضي‬
‫المالكية واستمر حاله على ذلك‪.‬‬

‫ذكر بعض علماء مصر وأعيانها‬

‫فمنهححم شمححس الديححن الصححبهاني إمام الدنيححا فححي المعقولت‪ ،‬ومنهححم شرف الديححن‬
‫الزواوي المالكحي‪ ،‬ومنهحم برهان الديحن ابحن بنحت الشاذلي نائب قاضحي القضاة بجامحع‬
‫الصحالح‪ ،‬ومنهحم ركحن الديحن بحن القوبحع التونسحي محن الئمحة فحي المعقولت‪ ،‬ومنهحم‬
‫شمس الدين بن عدلن كبير الشافعية‪ ،‬ومنهم بهاء الدين بن عقيل فقيه كبير‪ ،‬ومنهم‬
‫أثيحر الديحن أبحو حيان محمحد بحن يوسحف بحن حيان الغرناطحي‪ ،‬وهحو أعلمهحم بالنححو‪،‬‬
‫ومنهحم الشيحخ الصحالح بدر الديحن عبحد ال المنوفحي‪ ،‬ومنهحم برهان الديحن الصحفاقسي‪،‬‬
‫ومنهم قوام الدين الكرماني‪ ،‬وكان سكناه على سطح الجامع الزهر‪ ،‬وله جماعة من‬
‫الفقهاء والقراء يلزمونحه ويدرسحون فنون العلم‪ ،‬ويفتحي فحي المذاهحب‪ ،‬ولباسحه عباءة‬
‫صوف خشنة‪ ،‬وعمامة صوف سوداء ومن عاداته أن يذهب بعد صلة العصر إلى‬
‫موضحع الفرج والنزهات‪ ،‬منفرداً عحن أصححابه‪ ،‬ومنهحم السحيد الشريحف شمحس الديحن‬
‫ابحن بنحت الصحاحب تاج الديحن بحن حناء‪ ،‬ومنهحم شيحخ شيوخ القراء بديار مصحر مجحد‬
‫الديحن القصحرائي‪ ،‬نسحبة إلى أقصحرا‪ ،‬محن بلد الروم‪ ،‬ومسحكنه سحرياقص‪ ،‬ومنهحم‬
‫الشيحخ جمال الديحن الحويزائي‪ .‬والحويزا على مسحيرة ثلثحة أيام محن البصحرة‪ ،‬ومنهحم‬
‫نقيحب الشراف بديار مصحر السحيد الشريحف المعظحم بدر الديحن الحسحيني محن كبار‬
‫الصححالحين‪ ،‬ومنهححم وكيححل بيححت المال المدرس بقبححة المام الشافعححي مجححد الديححن بححن‬

‫حرمحي‪ ،‬ومنهحم المحتسحب بمصحر نجحم الديحن السحهرتي محن كبار الفقهاء‪ ،‬وله بمصحر‬
‫رياسة عظيمة وجاه‪.‬‬
‫ذكر يوم المحمل‬

‫وهححو يوم دوران الجمححل يوم مشهود وكيفيححة ترتيبهححم فيححه أنححه يركححب فيححه القضاة‬
‫الربعحة‪ ،‬ووكيحل بيحت المال والمحتسحب وقحد ذكرنحا جميعهحم‪ ،‬ويركحب معهحم أعلم‬
‫الفقهاء وأمناء الرؤسحححاء وأرباب الدولة‪ ،‬ويقصحححدون جميعاً باب القلعحححة‪ ،‬دار الملك‬
‫الناصر‪ ،‬فيخرج إليهم المحل على جمل‪ ،‬وأمامه المير المعين لسفر الحجاز في تلك‬
‫السحنة‪ ،‬ومعحه عسحكره والسحقاؤون على جمالهحم‪ ،‬ويجتمحع لذلك أصحناف الناس محن‬
‫رجال ونسحاء‪ ،‬ثحم يطوفون بالمحمحل وجميحع محن ذكرنحا معحه بمدينحة القاهرة ومصحر‪،‬‬
‫والحداة يحدون أمامهححم‪ ،‬ويكون ذلك فححي رجححب فعنححد ذلك تهيححج العزمات‪ ،‬وتنبعححث‬
‫الشواق‪ ،‬وتتحرك البواعيث‪ ،‬ويلقي ال تعالى العزيمة على الحج في قلب من يشاء‬
‫محن عباده‪ ،‬فيأخذون فححي التأهحب لذلك والسحتعداد‪ .‬ثحم كان سحفري محن مصحر على‬
‫طريحححق الصحححعيد برسحححم الحجاز الشريحححف‪ .‬فبحححت ليلة خروجحححي بالرباط الذي بناه‬
‫الصححاحب تاج الديححن بححن حناء بديححر الطيححن‪ ،‬وهححو رباط عظيححم بناء على مفاخححر‬
‫عظيمة‪ ،‬وآثار كريمة‪ ،‬أودعها فيه وهي قطعة من قصعة رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم‪ ،‬والميل الذي كان يكتحل به‪ ،‬والدرفش وهو الشفا الذي كان يخصف به نعله‪،‬‬
‫ومصححف أميحر المؤمنيحن علي بحن أبحي طالب الذي بخحط يده رضحي ال عنحه‪ .‬ويقال‪:‬‬
‫إن الصحاحب اشترى محا ذكرناه محن الثار الكريمحة النبويحة بمائة ألف درهحم‪ ،‬وبنحى‬

‫الرباط‪ ،‬وجعححل فيححه الطعام للوارد والصححادر‪ ،‬والجرايححة لخدام تلك الثار الشريفححة‪،‬‬
‫نفعححه ال تعالى بقصححده المبارك‪ .‬ثححم خرجححت مححن الرباط المذكور‪ ،‬ومررت بمنيححة‬
‫القائد‪ ،‬وهححي بلدة صححغيرة على سححاحل النيححل‪ .‬ثححم سححرت منهححا إلى مدينححة بوش "‬
‫وضبطهححا بضححم الباء الموحدة واحدة شيححن معجححم " وهذه المدينححة أكثححر بلد مصححر‬
‫كتاناً‪ ،‬ومنهححا يجلب إلى سححائر الدنيححا المصححرية‪ ،‬وإلى إفريقيححة‪ .‬ثححم سححافرت منهححا‪،‬‬
‫فوصلت إلى مدينة دلص " وضبط اسمها بفتح الدال المهملة وآخره صاد مهملة "‪،‬‬
‫وهذه المدينحة كثيرة الكتان أيضاً‪ ،‬كمثحل التحي ذكرناهحا قبلهحا‪ .‬ويحمحل أيضاً منهحا إلى‬
‫ديار مصر وإفريقية‪ .‬ثم سافرت منها إلى مدينة ببا " وضبط اسمها بباءين موحدتين‬
‫أولهما مكسورة "‪ .‬ثم سافرت منها إلى مدينة البهنسا‪ ،‬وهي مدينة كبيرة وبساتينها‬
‫كثيرة‪ " ،‬وضبحط اسحمها بفتحح الموحدة وإسحكان الهاء وفتحح النون والسحين " وتصحنع‬
‫بهذه المدينة ثياب الصوف الجيدة‪ .‬وممن لقيته بها قاضيها العالم شرف الدين‪ ،‬وهو‬
‫كريححم النفححس فاضححل‪ .‬ولقيححت بهححا الشيححخ الصححالح أبححا بكححر العجمححي‪ ،‬ونزلت عنده‬
‫وأضافني‪ .‬ثم سافرت منها إلى مدينة منية ابن خصيب ‪ ،‬وهي مدينة كبيرة الساحة‬
‫متسعة المساحة مبنية على شاطئ النيل‪ .‬وحق حقيق لها على بلد الصعيد التفضيل‪.‬‬
‫بهححا المارس والمشاهححد والزوايححا والمسححاجد وكانححت فححي القديححم منيححة عامححل مصححر‬
‫الخصيب‪.‬‬

‫حكاية خصيب‬

‫يذكر أن أحد الخلفاء من بني العباس رضي ال عنهم غضب على أهل مصر‪ .‬فآلى‬
‫أن يولي عليهحم أحقحر عحبيده‪ ،‬وأصحغرهم شأناً‪ ،‬قصحداً لرذالهحم والتنكيحل بهحم وكان‬
‫خصحيب أحقرهحم إذ كان يتولى تسحخين الحمّام فخلع عليحه‪ ،‬وأمّره على مصحر‪ ،‬وظنحه‬
‫أنحه يسحير فيهحم سحيرة سحوء‪ ،‬ويقصحدهم بالذايحة‪ ،‬حسحبما هحو المعهود ممحن ولي عحن‬
‫غيحر عهحد بالعحز‪ .‬فلمحا اسحتقر خصحيب بمصحر‪ ،‬سحار فحي أهلهحا أحسحن سحيرة‪ .‬وشهحر‬
‫بالكرم واليثار‪ .‬فكان أقرب الخلفاء وسحححححواهم يقصحححححدونه‪ ،‬فيجزل العطاء لهحححححم‪،‬‬
‫ويعودون إلى بغداد شاكريحن لمحا أولهحم‪ .‬وأن الخليفحة افتقحد بعحض العباسحيين وغاب‬
‫عنحه مدة ثحم أتاه‪ ،‬فسحأله عحن مغيبحه‪ ،‬فأخحبره أنحه قصحد خصحيباً‪ .‬وذكحر له محا أعطاه‬
‫خصيب‪ .‬وكان عطاء جزيلً‪ .‬فغضب الخليفة‪ ،‬وأمر بسمل عيني خصيب‪ ،‬وإخراجه‬
‫من مصر إلى بغداد‪ ،‬وأن يطرح في أسواقها‪ .‬فلما ورد المر بالقبض عليه حيل بينه‬
‫وبين دخوله منزله وكانت بيده ياقوته عظيمة الشأن فخبأها عنده‪ ،‬وخاطها في ثوب‬
‫له ليلً وسحملت عيناه‪ ،‬وطرح فحي أسحواق بغداد‪ .‬فمحر بحه بعحض الشعراء فقال له يحا‬
‫خصححيب‪ " :‬إنححي كنححت قصححدتك مححن بغداد إلى مصححر مادحاً لك بقصححيدة فوافقححت‬
‫انصحرافك عنهحا‪ ،‬وأححب أن تسحمعها‪ .‬فقال‪ :‬كيحف بسحماعها وأنحا على محا تراه ? فقال‪:‬‬
‫إنمحا قصحدي سحماعك لهحا‪ .‬وأمحا العطاء فقحد أعطيحت الناس وأجزلت جزاك ال خيراً‬
‫قال فافعل فأنشد‪:‬‬

‫أنت الخصيب وهذه مصر فتدفقا فكلكمحا بحححر‬

‫فلمحا أتحى علىآخرهحا قال له‪ :‬افتحق هذه الخياطحة‪ ،‬ففعحل ذلك‪ .‬فقال له‪ :‬خحذ الياقوتحة‪.‬‬
‫فأبى‪ ،‬فأقسم عليه أن يأخذها‪ .‬فأخذها وذهب بها إلى سوق الجوهريين‪ .‬فلما عرضها‬
‫عليهحم قالوا له إن هذه ل تصحلح إل للخليفحة‪ .‬فرفعوا أمرهحا إلى الخليفحة‪ ،‬فأمحر الخليفحة‬
‫بإحضار الشاعر واستفهمه عن شأن الياقوتة‪ ،‬فأخبره بخبرها‪ .‬فتأسف على ما فعله‬
‫بخصحيب وأمحر بمثوله بيحن يديحه‪ ،‬وأجزل له العطاء‪ ،‬وحكّمحه فيمحا يريحد‪ .‬فرغحب أن‬
‫يعطيحه هذه المنيحة‪ ،‬ففعحل ذلك‪ ،‬وسحكنها خصحيب إلى أن توفحي وأورثهحا عقبحه إلى أن‬
‫انقرضوا‪ .‬وكان قاضححي هذه المنيححة أيام دخولي إليهححا فخححر الديححن النويري المالكححي‪،‬‬
‫وواليهحا شمحس الديحن أميحر خيحر كريحم‪ .‬دخلت يوماً الحمام بهذه البلدة‪ ،‬فرأيحت الناس‬
‫بهححا ل يسححتترون‪ .‬فعظححم ذلك علي وأتيتححه‪ ،‬فأعلمتححه بذلك‪ .‬فأمرنححي أل أبرح‪ ،‬وأمححر‬
‫بإحضار المكتريحن للحمامات‪ ،‬وكتبحت عليهحم العقود‪ ،‬أنحه متحى دخحل أححد الحمام دون‬
‫مئزر فإنهححم يؤاخذون على ذلك‪ .‬واشتححد عليهححم أعظححم الشتداد‪ .‬ثححم انصححرفت عنححه‬
‫وسحافرت محن منيحة ابحن خصحيب إلى مدينحة منلوي وهحي صحغيرة مبنيحة على مسحافة‬
‫ميلين من النيل " وضبط اسمها بفتح الميم وإسكان النون وفتح الم وكسر الواو "‪.‬‬
‫وقاضيهحا الفقيحه شرف الديحن الدميري " بفتحح الدال المهمحل وكسحر الميحم " الشافعحي‪.‬‬
‫وكبارهحا قوم يعرفون ببنحي فضيحل بنحى أحدهحم جامعاً أنفحق فيحه صحميم ماله‪ .‬وبهذه‬
‫المدينة إحدى عشرة معصرة للسكر ‪ -‬ومن عوائدهم أنهم ل يمنعون فقيراً من دخول‬
‫معصحرة منهحا فيأتحي الفقيحر بالخبزة الحارة‪ ،‬فيطرحهحا فحي القدر التحي يطبحخ السحكر‬
‫فيهحا‪ ،‬ثحم يخرجهحا‪ ،‬وقحد امتلت سحكراً فينصحرف بهحا‪ .‬وسحافرت محن منلوي المذكورة‬

‫إلى مدينة منفلوط وهي مدينة حسن رواؤها‪ ،‬مؤنق بناؤها على ضفة النيل‪ ،‬شهيرة‬
‫البركة " وضبط اسمها بفتح الميم وإسكان النون وفتح الفاء وضم الم وآخرها طاء‬
‫مهمل "‪.‬‬
‫حكاية‪:‬‬

‫أخبرني أهل هذه المدينة أن الملك الناصر رحمه ال‪ ،‬أمر بعمل منبر عظيم‪ ،‬محكم الصنعة‬
‫بديع النشاء‪ ،‬برسم المسجد الحرام‪ ،‬زاده ال شرفاً وتعظيماً‪ .‬فلما تم عمله‪ ،‬أمر أن يصعد به‬
‫في النيل ليجاز إلى بحر جدة‪ ،‬ثم إلى مكة شرفها ال‪ ،‬فلما وصل المركب الذي احتمله إلى‬
‫منفلوط‪ ،‬وحاذى مسجدها الجامع وقف‪ ،‬وامتنع من الجري مع مساعدة الريح‪ .‬فعجب الناس‬
‫من شأنه أشد العجب‪ ،‬وأقاموا أياماً ل ينهض بهم المركب‪ .‬فكتبوا بخبره إلى الملك الناصر‬
‫رحمه ال‪ ،‬فأمر أن يجعل ذلك المنبر بجامع مدينة منفلوط‪ ،‬ففعل ذلك‪ .‬وقد عاينته بها‪،‬‬
‫ويصنع في هذه المدينة شبه العسل‪ ،‬يستخرجونه من القمح ويسمونه النيدا‪ .‬يباع بأسواق‬
‫مصر‪ .‬وسافرت من هذه المدينة إلى مدينة أسيوط‪ .‬وهي مدينة رفيعة أسواقها بديعة "‬
‫وضبط اسمها بفتح الهمزة وسكون السين المهملة وضم الياء آخر الحروف واو وطاء مهملة‬
‫" وقاضيها شرف الدين بن عبد الرحيم الملقب " بحاصل ما ثم "‪ ،‬لقب اشتهر به وأصله أن‬
‫القضاة بديار مصر والشام بأيديهم الوقاف والصدقات لبناء السبيل‪ ،‬فإذا أتى فقير لمدينة‬
‫من المدن قصد القاضي بها‪ ،‬فيعطيه ما قدر له‪ .‬فكان القاضي إذا أتاه الفقير يقول له حاصل‬
‫ما ثم أي لم يبق من المال الحاصل شيء فلقب بذلك ولزمه‪ .‬وبها من المشايخ الفضلء‬
‫الصالح شهاب الدين بن الصباغ‪ ،‬أضافني بزاويته‪ .‬وسافرت منها إلى مدينة أخميم‪ ،‬وهي‬
‫مدينة عظيمة أصيلة البنيان عجيبة الشان‪ ،‬بها البربي المعروف باسمه‪ ،‬وهو مبني‬
‫بالحجارة‪ ،‬في داخله نقوش وكتابة للوائل‪ ،‬ل تفهم في هذا العهد‪ ،‬وصور الفلك‬
‫والكواكب‪ .‬ويزعمون أنها بنيت والنسر الطائر ببرج العقرب‪ .‬وبها صور الحيوانات‬
‫وسواها‪ .‬وعند الناس في هذه الصور أكاذيب ل يعرج عليها‪ .‬وكان بأخميم رجلٌ يعرف‬
‫بالخطيب‪ ،‬أمر على هدم بعض هذه البرابي‪ ،‬وابنتي بحجارتها مدرسة‪ .‬وهو رجل موسر‬
‫معروف باليسار‪ .‬ويزعم حساده أنه استفاد ما بيده من المال من ملزمته لهذه البرابي‪.‬‬
‫ونزلت من هذه المدينة بزاوية الشيخ أبي العباس بن عبد الظاهر‪ ،‬وبها تربة جده عبد‬
‫الظاهر‪ .‬وله من الخوة ناصر الدين ومجد الدين وواحد الدين‪ .‬ومن عادتهم أن يجتمعوا‬
‫جميعاً بعد صلة الجمعة‪ ،‬ومعهم الخطيب نور الدين المذكور وأولده‪ ،‬وقاضي المدينة‬
‫الفقيه مخلص‪ ،‬وسائر أهلها‪ ،‬فيجتمعون للقرآن‪ ،‬ويذكرون ال إلى صلة العصر‪ .‬فإذا‬
‫صلوها‪ ،‬قرأوا سورة الكهف‪ ،‬ثم انصرفوا‪ .‬وسافرت من أخميم إلى مدينة " هو "‪ :‬مدينة‬
‫كبيرة بساحل النيل " وضبطها بضم الهاء "‪ .‬نزلت منها بمدرسة تقي الدين ابن السراج‪.‬‬

‫ورأيتهم يقرأون بها في كل يوم بعد صلة الصبح حزباً من القرآن‪ ،‬ثم يقرأون أوراد الشيخ‬
‫أبي الحسن الشاذلي وحزب البحر‪ .‬وبهذه المدينة السيد الشريف أبو محمد عبد ال الحسني‬
‫من كبار الصالحين‪ .‬كرامة له‪ :‬دخلت إلى هذا الشريف متبركاً برؤيته والسلم عليه‪ ،‬فسألني‬
‫عن قصدي‪ ،‬فأخبرته أني أريد البيت الحرام على طريق جدة‪ .‬فقال لي‪ :‬ل يحصل لك هذا‬
‫في هذا الوقت‪ ،‬فارجع‪ .‬وإنما تحج أول حجة على الدرب الشامي‪ .‬فانصرفت عنه‪ ،‬ولم‬
‫أعمل على كلمه‪ .‬ومضيت في طريقي حتى وصلت إلى عيذاب‪ .‬فلم يتمكن لي السفر‪،‬‬
‫فعدت راجعاً إلى مصر ثم إلى الشام‪ .‬وكان طريقي في أول حجاتي على الدرب الشامي‪،‬‬
‫حسبما أحبرني الشريف نفع ال به‪ .‬ثم سافرت إلى مدينة قنا‪ ،‬وهي صغيرة حسنة السواق‬
‫" وضبط اسمها بقاف مكسورة ونون"‪ .‬وبها قبر الشريف الصالح الولي صاحب البراهين‬
‫العجيبة والكرامات الشهيرة عبد الرحيم القناوي رحمة ال عليه‪ .‬ورأيت بالمدرسة السيفية‬
‫حفيده شهاب الدين أحمد‪.‬‬
‫وسحافرت محن هذا البلد إلى مدينحة قوص " وهحي بضحم القاف "‪ .‬مدينحة عظيمحة لهحا‬
‫خيرات عميمة‪ ،‬بساتينها مورقة‪ ،‬وأسواقها مونقة‪ ،‬ولها المساجد الكثيرة‪ ،‬والمدارسة‬
‫الثيرة‪ ،‬وهححي منزل ولة الصححعيد‪ .‬وبخارجهححا زاويححة الشيححخ شهاب الديحن بححن عبححد‬
‫الغفار‪ ،‬وزاويحة الفرم ‪ ،‬وبهحا اجتماع الفقراء المتجرديحن فحي شهحر رمضان محن كحل‬
‫سنة‪ ،‬ومن علمائها القاضي جمال الدين بن السديد‪ ،‬والخطيب بها فتح الدين بن دقيق‬
‫العيحد أححد الفصححاء البلغاء الذيحن حصحل لهحم السحبق فحي ذلك‪ ،‬لم أر محن يماثله إل‬
‫خطيحب المسحجد الحرام بهاء الديحن الطحبري‪ ،‬وخطيحب مدينحة خوارزم حسحام الديحن‬
‫المشاطحي‪ ،‬وسحيقع ذكرهمحا‪ ،‬ومنهحم الفقيحه بهحا ء الديحن عبحد العزيحز المدرس بمدرسحة‬
‫المالكيحة‪ ،‬ومنهحم الفقيحه برهان الديحن إبراهيحم الندلسحي‪ ،‬له زاويحة عاليحة‪ .‬ثحم سحافرت‬
‫إلى مدينححة القصححر " وضبححط اسححمها بفتححح الهمزة وضححم الصححاد المهمححل "‪ ،‬وهححي‬
‫ضغيرة حسححنة‪ ،‬وبهححا قححبر الصححالح العابححد أبححي الحجاج القصححري‪ .‬وعليححه زاويححة‪،‬‬
‫وسحافرت منهحا إلى مدينحة أرمنحت " وضبحط اسحمها بفتحح الهمزة وسحكون الراء وميحم‬
‫مفتوححة ونون سحاكنة وتاء فوقيحة "‪ ،‬وهحي صحغيرة ذات بسحاتين مبنيحة على سحاحل‬

‫النيحل‪ .‬أضافنحي قاضيهحا‪ ،‬وأنسحيت اسحمه‪ .‬ثحم سحافرت منهحا إلى مدينحة أسحنا " وضبحط‬
‫اسحمها بفتحح الهمزة وإسحكان السحين المهمحل ونون "‪ ،‬مدينحة عظيمحة متسحعة الشوارع‬
‫ضخمة المنافع كثيرة الزوايا والمدارس والجوامع‪ ،‬لها أسواق حسان‪ ،‬وبساتين ذات‬
‫أفنان‪ .‬قاضيها قاضي القضاة شهاب الدين بن مسكين‪ .‬أضافني وأكرمني‪ ،‬وكتب إلى‬
‫نوابه بإكرامي‪ .‬وبها من الفضلء الشيخ صالح نور الدين علي‪ ،‬والشيخ الصالح عبد‬
‫الواححد المكناسحي‪ ،‬وهحو على هذا العهحد صحاحب زاويحة بقوص‪ .‬ثحم سحافرت منهحا إلى‬
‫مدينة أدفو " وضبط اسمها بفتح الهمزة وإسكان الدال المهمل وضم الفاء "‪ .‬وبينها‬
‫وبيحن مدينحة أسحنا مسحيرة يوم وليلة فحي صححراء ثحم جزنحا النيحل محن مدينحة أدفحو إلى‬
‫مدينة العطواني‪ ،‬ومنها اكترينا الجمال‪ .‬وسافرنا من طائفة من العرب تعرف بدغيم‬
‫" بالغيحن المعجمحة " فحي صححراء ل عمارة بهحا إل أنهحا آمنحة السحيل‪ .‬وفحي بعحض‬
‫منازلها نزلنا حميثرا حيث قبر ولي ال أبي الحسن الشاذلي‪ ،‬وقد ذكرنا كرامته في‬
‫أخباره أنححه يموت بهححا‪ .‬وأرضهححا كثيرة الضباع‪ .‬ولم نزل ليلة مبيتنححا بهححا نحارب‬
‫الضباع‪ .‬ولقحد قصحدت رحلي ضبحع منهحا فمزقحت عدلً كان بحه‪ ،‬واجتزت منحه جراب‬
‫تمر‪ ،‬وذهبت به‪ .‬فوجدناه لما أصبحنا ممزقاً مأكولً معظم ما كان فيه‪ .‬ثم لما سرنا‬
‫خمسة عشر يوماً وصلنا إلى مدينة عيذاب‪ ،‬وهي مدينة كبيرة كثيرة الحوت واللبن‪،‬‬
‫ويحمحل إليهحا الزرع والتمحر محن صحعيد مصحر‪ .‬وأهلهحا البجاة ‪ ،‬وهحم سحود اللوان‬
‫يلتحفون بملححف صحفراء‪ ،‬ويشدون على رؤوسحهم عصحائب يكون عرض العصحابة‬
‫أصحبعاً وهحم ل يورثون البنات‪ .‬وطعامهحم ألبان البحل ويركبون المهاري‪ ،‬ويسحمونها‬

‫الصحهب‪ .‬وثلث المدينحة للملك الناصحر وثلثاهحا لملك البجاة‪ ،‬وهحو يعرف بالحدربحي "‬
‫بفتحح الحاء المهمحل وإسحكان الدال وراء مفتوححة وباء موحدة وياء " وبمدينحة عيذاب‬
‫مسجد ينسب للقسطلني شهير البركة‪ .‬رأيته وتبركت به‪ .‬وبها الشيخ الصالح موسى‬
‫والشيحخ المسحن محمحد المراكشحي‪ .‬زعحم أنحه ابحن المرتضحى ملك مراكحش‪ ،‬وأن سحنه‬
‫خمس وتسعون سنة‪ .‬ولما وصلنا إلى عيذاب وجدنا الحدربي سلطان البجاة يحارب‬
‫التراك‪ ،‬وقحد خرق المراكحب‪ ،‬وهرب الترك أمامحه فتعذر سحفرنا فحي البححر‪ .‬فبعنحا ما‬
‫كنححا أعددناه مححن الزاد‪ ،‬وعدنححا مححع العرب الذيححن اكترينححا الجمال منهححم إلى صححعيد‬
‫مصحر‪ ،‬فوصحلنا إلى مدينحة قوص التحي تقدم ذكرهحا‪،‬وانحدرنحا منهحا فحي النيحل‪ ،‬وكان‬
‫أوان مده‪ ،‬فوصحبلنا بعحد مسحيرة ثمان محن قوص إلى مصحر‪ ،‬فبحت بصحر ليلة واحدة‪،‬‬
‫وقصححدت بلد الشام‪ .‬وذلك فححي منتصححف شعبان سححنة سححت وعشريححن فوصححلت إلى‬
‫مدينححة بلبيححس ‪" ،‬وضبححط اسححمها بفتححح الموحدة الولى وفتحححو الثانيححة ثححم ياء آخححر‬
‫الحروف مسكنة وسين مهملة"‪ ،‬وهي مدينة كبيرة‪ ،‬ذات بساتين‪ ،‬كثيرة‪ ،‬ولم ألق بها‬
‫محححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححن يجحححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححب ذكره‪.‬‬
‫ثححم وصححلت إلى الصححالحية‪ .‬ومنهححا دخلنححا الرمال‪ ،‬ونزلنححا منازلهححا‪ ،‬مثححل السححوادة‬
‫والورادة والمطيلب والعريش والخروبة‪ .‬بكل منزل منها فندق‪ .‬وهم يسمونه الخان‪.‬‬
‫ينزله المسحافرون بدوابهحم‪ .‬وبخارج كحل خان سحاقية للسحبيل‪ ،‬وحانوت يشتري منهحا‬
‫المسحافر محا يحتاجحه لنفسحه ودابتحه‪ .‬ومحن منازلهحا قطيحا المشهورة وهحي " بفتحح القافحغ‬
‫وسكون الطاء وياء آخر الحروف مفتوحة وألف‪ .‬والناس يبدلون ألفها هاء تأنيث "‪.‬‬

‫وبها تؤخذ الزكاة من التجار‪ ،‬وتفتش أمتعتهم‪ ،‬ويبحث عما لديهم أشد البحث‪ .‬وفقيها‬
‫الدواويحن والعمال والكتاب‪ ،‬والمشهود‪.‬ومجباهحا فحي كحل يوم ألف دينار محن الذهحب‪.‬‬
‫ول يجوز عليهحا أححد محن الشام إل بحبراءة محن مصحر‪ .‬ول إلى مصحر إل بحبراءة محن‬
‫الشام‪ ،‬احتياطاً على أموال الناس‪ ،‬وتوقياً مححن الجواسححيس العراقييححن‪ .‬وطريقهححا فححي‬
‫ضمان العرب قحد وكلوا بحفظحه‪ .‬فإذا كان اليحل مسححوا على الرمحل حتحى ل يبقحى بحه‬
‫أثححر‪ ،‬ثححم يأتححي الميححر صححباحاً‪ ،‬فينظححر إلى الرمححل فإن وجححد بححه أثراً طالب العرب‬
‫بإحضضار مؤثره‪ ،‬فيذهبون فححي طلبححه‪ ،‬فل يفوتهححم فيأتون بححه الميححر‪ ،‬فيعاقبححه بمححا‬
‫شاء‪ ،‬وكان بهححا فححي عهححد وصححولي إليهححا عححز الديححن أسححتاذ الداراقماري مححن خيار‬
‫المراء‪ ،‬أضافنحي وأكرمنحبي وأباح الجواز لمحن كان معحي‪ .‬وبيحن يديحه عبحد الجليحل‬
‫المغربححي والوقاف‪ ،‬وهححو يعرف المغاربححة وبلدهححم‪ ،‬فيسححأل مححن ورد منهححم محن أي‬
‫البلد هو لئل يلبس عليهم‪ ،‬فإن المغاربة ل يعترضون جوازهم على قطيا‪ .‬ثم سرنا‬
‫حتحى وصحلنا إلى مدينحة غزة‪ ،‬وهحي أول بلد الشام ممحا يلي مصحر متسحعة القطار‪،‬‬
‫كثيرة العمارة حسنة السواق‪ ،‬بها المساجد العديدة والسوار عليها‪ .‬وكان بها جامع‬
‫حسحن والمسحجد الذس تقام الن بحه الجمعحة فيهحا بناه الميحر المعظحم الجاولي‪ .‬وهحو‬
‫أنيححق البناء محكححم الصححنعة ومنححبره مححن الرخام البيححض وقاضححي غزة بدر الديححن‬
‫تالسحلختي الحورانحي ومدرسحها علم الديحن بحن سحالم‪ .‬وبنحو سحالم كحبراء هذه المدينحة‬
‫ومنهحم شمحس الديحن قاضحي القدس‪ .‬ثحم سحافرت محن غزة إلى مدينحة الخليحل صحلى ال‬
‫على نبينحا وعليحه وسحلم تسحليماً زهحي مدينحة صحغيرة السحاحة كحبيرة المقدار مشرقحة‬

‫النوار حسحنة المنظحر عجيبحة المخحبر‪ ،‬فحي بطحن وادٍ‪ ،‬ومسحجدها أنيحق الصحنعة محكحم‬
‫العمل بديع الحسن سامي الرتفاع‪ ،‬مبني بالصخر المنحوت‪ .‬في أحد أركانه صخرة‬
‫أححد أقطارهحا سحبعة وثلثون شحبراً‪ .‬ويقال إن سحليمان عليحه السحلم امحر الجحن ببنائه‬
‫وفي داخل المسجد الغار المكرم المقدس‪ .‬فيه قبر إبراهيم وإسحاق ويعقوب صلوات‬
‫ال على نبينا وعليهم‪ .‬ويقابلهاو قبور ثلثة‪ ،‬هي قبور أزواجهم‪ .‬وعن يمين المنبر‪،‬‬
‫بلصححق جدار القبلة موضححع يهبححط منححه على درج رخام محكمححة العمححل إلى مسححلك‬
‫ضيحق‪ ،‬يفضحي إلى سحاحة مفروشحة بالرخام‪ ،‬فيهحا صحور القبور الثلثحة‪ .‬ويقال‪ :‬إنهحا‬
‫محاذيححة لهححا‪ .‬وكان هنالك مسححلك إلى الغار المبارك‪ ،‬وهححو الن مسححدود‪ .‬وقححد نزلت‬
‫بهذا الموضححع مرات وممححا ذكره أهححل العلم دليلً على صحححة كون الققبور الثلثححة‬
‫الشريفة هنالك‪ ،‬ما نقلهمن كتاب علي بن جعفر الرازيالي سماه‪ :‬المسفر للقلوب عن‬
‫صحة قبر إبراهيم و إسحاق ويعقوب‪ .‬أسند فيه إلى أبي هريرؤة قال‪ :‬قال رسول ال‬
‫صحلى ال عليحه وسحلم‪ " :‬لمحا أسحري بحي إلى بيحت المقدس محر بحي جبريحل على قحبر‬
‫إبراهيحم فقال‪ :‬انزل فصحل ركعتيحن‪ ،‬فإن هنحا قحبر أبيحك إبراهيحم‪ .‬ثحم محر بحي على بيحت‬
‫لححم وقال‪ :‬انزل فصحل ركعتيحن‪ ،‬فإن هنحا ولد أخوك عيسحى عليحه السحلم‪ .‬ثحم أتحى بحي‬
‫الصححححححححححححححححححححخرة " وذكححححححححححححححححححححر بقيححححححححححححححححححححة الحديححححححححححححححححححححث‪.‬‬

‫ولمححا لقيححت بهذه المدينححة المدرس تالصححالح المعمححر المام الخطيححب برهان الديححن‬
‫الجعبري‪ ،‬أحد الصلحاء المرضيين‪ ،‬والئمة المشهورين‪ .‬سألته عن صحة كون قبر‬

‫الخليحل عليحه السحلم هنالك فقال لي‪ :‬كحل محن لقيتحه محن أهحل العلنحم يصحححون أن هذه‬
‫القبور قبور إبراهيحم وإسححاق ويعقوب على نبينحا وعليهحم السحلم‪ ،‬وقبور زوجاتهحم‪،‬‬
‫ول يطعن في ذلك إل أهل البدع وهو نقل الخلف عن السلف ل يشك فيه‪ ،‬ويذكر أن‬
‫بعحض الئمحة دخحل إلى الغار‪ ،‬ووقحف عنحد قحبر سحارة؛ فدخحل شيحخ فقال له‪ :‬أي هذه‬
‫القبور هحو قحبر إبراهيحم ? فأشار له إلى قحبره المعروف ثحم دخحل شاب فسحأله كذلك‪،‬‬
‫فأشار له إليحه‪ .‬ثحم دخحل صحبي فسحأله أيضاً فأشار له إليحه فقال الفقيحه أشهحد أن هذا قحبر‬
‫إبراهيحم عليحه السحلم ل شحك‪ .‬ثحم دخحل إلى المسحجد فصحلى بحه وارتححل محن الغحد‪.‬‬
‫وبداخل هذا المسجد أيضاً قبر يوسف عليه السبلم‪ .‬وبشرقي حرم الخليل تربة لوط‬
‫عليه السلم‪ .‬وهي تل مرتفع‪ ،‬يشرف منه غور الشام‪ .‬وعلى قبره أبنية حسنة‪ .‬وهو‬
‫فحي بيحت محه احسحن البناء محبيض ول سحتور عليحه‪ .‬وهنالك بحيرة لوط ‪ ،‬هحي أجاج‪.‬‬
‫يقال أنهحا موضحع ديار قوم لوط وبمقربحة محن تربحة لوط مسحجد اليقحي‪ ،‬وهحو على تحل‬
‫مرتفححع له نور وإشراق ليححس لسححواه ول يجاوره إل دار واحدة يسححكنها قيمححه‪ .‬وفححي‬
‫المسحجد بمقربحة محن بابحه مخوضحع منخفحض فحي حجحر صحلد قحد هيحئ فيحه صحورة‬
‫محراب‪ ،‬ل يسحع إل مصحلياً واحداً‪ ،‬ويقال‪ :‬إن إبراهيحم سحجد فحي ذلك الموضحع شكراً‬
‫ل تعالى عنححد هلك قوم لوط‪ ،‬فتحرك موضححع سححجوده‪،‬وسححاخ فححي الرض قليلً‪.‬‬
‫وبالقرب من هذا المسجد مغارة فيها قبر فاطمة بنت الحسين بن علي عليهما السلم‬
‫وبأعلى القحبر وأسحفله لوحان محن الرخام فحي أحدهمحا مكتوب منقوش بخحط بديحع بسحم‬
‫ال الرحمحن الرحيحم ل العزة والبقاء وله محا ذرأ وبرأ وعلى خلقحه كتحب الفناء‪ .‬وفحي‬

‫رسحول ال أسحوة‪ .‬هذا قحبر أم سحلمة فاطمحة بنحت الحسحين رضحي ال عنحه‪ .‬وفحي اللوح‬
‫الخر منقوش صنعه محمد بن أبي سهل النقاش بمصر‪ .‬وتحت ذلك هذه البيات‪:‬‬
‫أسكنت من كان في الحشاء مسكنه بالرغم مني بين الترب والحجحر‬
‫بنت الئمة بنت النجم الحزهحر‬
‫يا قبر فاطمة بنت ابحن فحاطحمة‬
‫يا قبر ما فيك من دين ومحن ورع ومن عفاف ومن صون ومن خفر‬

‫ثحم سحافرت محن هذه المدينحة إلى القدس‪ .‬فزرت فحي طريقحي إليحه تربحة يونحس عليحه‬
‫السحلم‪ ،‬وعليهحا أبنيحة كحبيرة ومسحجد‪ .‬وزرت أيضاً بيحت لححم‪ ،‬موضحع ميلد عيسحى‬
‫عليحه السحلم‪ ،‬وبحه أثحر جذع النخلة‪ ،‬وعليحه عمارة كثيرة‪ .‬والنصحارى يعظمونحه أشحد‬
‫التعظيححم‪ ،‬ويضيفون مححن نزل بححه‪ ،‬ثححم وصححلنا إلى بيححت المقدس‪ ،‬شرفححه ال‪ ،‬ثالث‬
‫المسجدين الشريفين في رتبة الفل‪ ،‬ومصعد رسول ال عليه وسلم تسليماً‪ ،‬ومعرجة‬
‫إلى السحماء‪ .‬والبلدة الكحبيرة مبنيحة بالصحخر المنحوت‪ .‬وكان الملك الصحالح الفاضحل‬
‫صحلح الديحن بحن أيوب جزاه ال عحن السحلم خيراً‪ ،‬لمحا فتحح هذه المدينحة هدم بحض‬
‫سحورها‪ .‬ثحم اسحتنقض الملك الظاهحر هدمحه خوفاً أن يقصحدها الروم فيتمنعوا بهحا‪ .‬ولم‬
‫يكحن بهذه المدينحة نهحر فيمحا تقدم وجلب لهحا الماء فحي هذا العهحد الميحر سحيف الديحن‬
‫تنكيز أمير دمشق‪.‬‬
‫ذكر المسجد المقدس‬

‫وهحو محن المسحاجد العجيبحة الرائقحة الفائقحة الحسحن‪ ،‬يقال‪ :‬إنحه ل يوجحد على وجحه‬
‫الرض مسجد أكبر منه‪ ،‬وإن طوله من شرق إلى غربي سبعمائة واثنتان وخمسون‬
‫ذراعاً بالذراع المالكيحححة وعرضحححه محححن القبلة إلى الجوف أربعمائة ذراع وخمحححس‬
‫وثلثون ذراعاً في جهاته الثلث‪ ،‬وأماالجهة القبلية منه فل علم بها إل باباً واحخداً‪،‬‬

‫وهو الذي يدخل منه المام‪ ،‬والمسجد كله فضاء وغير مسقف في النهاية من إحكام‬
‫الفعحل وإتقان الصحنعة مموه لبالذهحب والصحبغة الرائقحة‪ ،‬وفحي المسحجد مواضحع سحواه‬
‫مسقفة‪.‬‬
‫ذكر قبة الصخرة‬

‫وهحي محن اعجحب المبانحي وأتقنهحا وأغربهحا شكلً‪ .‬وقحد توفحر حظهحا محن المحاسحن‪،‬‬
‫وأخذت محن كحل بديعحة بطرف‪ ،‬وهحي قائمحة على نشحز ي وسحط المسحجد‪ ،‬يصحعد إليهحا‬
‫فححي درج رخام‪ .‬ولهححا أبواب‪ .‬والدائر بهححا مفروش بالرخام أيضاً محكححم الصححنعة‪،‬‬
‫وكذلك داخلهححا فححي ظاهرهححا وباطنهححا مححن أنواع الزواقححة ورائق الصححنعة مححا يعجححز‬
‫الواصحف‪ .‬وأكثحر ذفحك مغشحى بالذهحب فهحي تتلل أنوارأص‪ ،‬أو تلمحع لمعان البرق‪.‬‬
‫يحار بصر متأملها في محاسنها‪ ،‬ويقصر لسان رائيها عن تمثيلها‪ .‬وفي وسط القبة‬
‫الصحخرة الكريمحة إلتحي جاء ذكرهحا فحي الثار‪ .‬فإن النحبي صحلى ال عليحه وسحلم عرج‬
‫منها إلى السماء‪ .‬وهي صخرة صماء‪ ،‬ارتفاعها نحو قامة‪ .‬وتحتها مغارة مقدار بيت‬
‫صغير‪ .‬ارتفاعها نحو قامة أيضاً ينزل إلها على درج‪ .‬وهنالك شكل محراب‪ .‬وعلى‬
‫الصخر شباكان اثنان محكما العمل‪ ،‬يغلقان عليهما أحدهما‪ ،‬وهو الذي يلي الصخرة‬
‫محن حديحد بديحع الصحنعة والثانحي الخشحب‪ .‬وفحي القبحة درقحة كحبيرة محن حديحد‪ ،‬معلقحة‬
‫هنالك‪ .‬والناس يزعمون أنها درقة حمزة بن عبد المطلب رضي ال عنه‪.‬‬

‫ذكر بعض المشاهد المباركة بالقدس الشريف‬

‫فمنها بعدوة الوادي المعروف بزودي جهنم في شرقي البلد‪ ،‬على تل مرتفع هنالك‪،‬‬
‫بنيححة يقال‪ :‬إنهححا مصححعد عيسححى عليححه السححلم إلى السححماء‪ .‬ومنهححا أيضًا قححبر رابعححة‬
‫البدويحة‪ ،‬منسحوبة إلى الباديحة وهحي خلف رابعحة العدويحة الشهيرة‪ .‬وفحي بطحن الوادي‬
‫المذكور كنيسة يعظمها النصارى‪ ،‬ويقولون‪ :‬إن قبر مريم عليها السلم بها‪ .‬وهنالك‬
‫أيضاً كنيسحة أخرى معظمحة‪ ،‬يحجهحا النصحارى‪ ،‬وهحي التحي يكذبون عليهحا‪ ،‬ويعتقدون‬
‫أن قحبر عيسحى عليحه السحلم بهحا‪ .‬وعلى كحل محن يحجهحا ضريبحة معلومحة للمسحلمين‪.‬‬
‫وضروب محن الهانحة يتحملهحا على رغححم أنفححه‪ .‬وهنالك موضحع مهحد عيسححى عليحه‬
‫السلم يتبرك به‪.‬‬
‫ذكر بعض فضلء القدس‬

‫فمنهحم قاضيحه العالم شمحس الديحن محمحد بحن سحالم الغزي " بفتحح الغيحن "‪ ،‬وهحو محن‬
‫أهحل غزة وكبرائهحا‪ .‬ونمهحم خطيبحه الصحالح الفاضحل عماد الديحن النابلسحي‪ ،‬ومنهحم‬
‫المحدث المفتي شهاب الدين الطبري‪ ،‬ومنهم مدرس المالكية وشيخ الخانقاه الكريمة‬
‫أبحو عبحد ال محمحد بحن مثبحت الغرناطحي نزيحل القدس ومنهحا الشيحخ الزاهحد أبحو علي‬
‫حسحن المعروف بالمحجوب محن كبار الصحالحين‪ ،‬ومنهحم الشيحخ الصحالح العابحد أبحو‬
‫عبد الرحيم عبد الرحمن بن مصطفى من أهل أرز الروم‪ ،‬وهو من تلمذة تاج الدين‬
‫الرفاعي‪ .‬صحبته ولبست منه خرقة التصوف‪ .‬ثم سافرت من القدس الشريف برسم‬
‫زيارة ثغر عسقلن‪ ،‬وهو خراب‪ .‬قد عاد رسوماً طامسة‪ ،.‬وأطللً دارسة‪ .‬وقل بلد‬

‫جمحع محن المحاسحن محا جمعتحه عسحقلن إتقاناً وحسحن وضحع‪ ،‬وأصحالة مكان‪ ،‬وجمعاً‬
‫بين مرافحق البر والبححر وبهحا المشهحد الشهيحر حيحث كان رأس الحسحين بحن علي عليحه‬
‫السحلم‪ ،‬قبحل أن ينتقحل إلى القاهرة‪ ،‬وهحو مسحجد عظيحم سحامي العلو‪ ،‬فيحه جحب اللماء‬
‫أمححر ببنائه بعححض العبيححد‪ ،‬وكتححب ذلك على بابححه وفححي قبلة هذا المزار مسححجد كححبير‬
‫يعؤف بمسجد عمر لم يبق منه إل حيطانه وفي أساطين رخام ل مثل لها في الحسن‬
‫وهحي محا بيحن قائم وحصحيد ومحن جملتهحا أسحطوانة حمراء عجيبحة‪ ،‬يزعحم الناس أن‬
‫النصحارى احتملوهحا إلى بلدهحم‪ ،‬ثحم فقدوهحا‪ ،‬فوجدت فحي موضعهحا بعسحقلن‪ .‬وفحي‬
‫القبلة مححن هذا المسححجد بئر يعرف ببئر إبراهيححم عليححه السححلم‪ ،‬ينزل إليهححا فححي درج‬
‫متسعة‪ ،‬ويدخل منها إلى بيوت‪ ،‬وفي كل ناحية من جهاتها الربع تخرج من أسراب‬
‫مطويحة بالحجارة‪ .‬ماؤهحا عذب‪ ،‬وليحس بالغزيحر‪ .‬ويذكحر الناس محن فضائلهحا كثيراً‪.‬‬
‫وبظاهححر عسححقلن وادي النمححل‪ ،‬ويقال‪ :‬إنححه المذكور فححي الكتاب العزيححز‪ .‬وبجبانححة‬
‫عسقلرن من قبور الشهداء والولياء ما ل يحصر لكثرته‪ ،‬أوقفنا عليهم قيم المزار‬
‫المذكور‪ .‬وله جراية يجريها له ملك مصر‪ ،‬ومع ما يصل إليه من صدقات الزوار‪.‬‬
‫ثحم سحافرت منهحا إلى مدينحة الرملة وهحي فحي فلسحطين مدينحة كحبيرة‪ ،‬كثيرة الخيرات‪،‬‬
‫حسحنة السحواق‪ .‬وبهحا جامحع البيحض ز ويقال‪ :‬إن فحي قبلتحه ثلثمائة محن النحبياء‪،‬‬
‫مدفونين عليهحم السلم‪ .‬وفيها من كبار الفقهاء مجد الديحن النابلسي‪ .‬ثحم خرجت منهحا‬
‫إلى مدينححة مابلس‪ ،‬وهححي مدينححة عظيمححة‪ ،‬كثيرة الشجار مطردة النهار‪ ،‬مححن أكثححر‬
‫البلد الشام زيتوناً‪ .‬ومنهححا يحمححل الزيححت إلى مصححر ودمشححق‪ .‬وبهححا تصححنع حلواء‬

‫الخروب‪ ،‬وتجلب إلى دمشححححححححححححححححححححححححححححححححححق وغيرهححححححححححححححححححححححححححححححححححا‪.‬‬

‫وكيفية عملها‪ :‬أن يطبخ الخروب‪ ،‬ثم يعصر‪ ،‬ويؤخذ ما يخرج منه من الرب فتصنع‬
‫منه الحلواء‪ .‬ويجلب ذلك الرب أيضاً إلى مصر والشام‪ .‬وبها البطيخ المنسوب إليها‬
‫وهو طيب عجيب‪ .‬والمسجد الجامع في نهاية من التقان والحسن‪ .‬وفي وسطه بركة‬
‫ماء عذب‪ .‬ثحم سحافرت منهحا إلى مدينحة عجلون " وهحي بفتحح العيحن المهملة "‪ ،‬وهحي‬
‫مدينحة حسحنة لهحا أسحواق كثيرة‪ ،‬وقلعحة خطيرة‪ .‬ويشقهحا نهحر ماؤه عذب‪ .‬ثحم سحافرت‬
‫منهحا بقصحد اللذقيححة‪ ،‬فمررت بالغور‪ ،‬وهحو وادٍ بيحن تلل بحه قححبر أبححي عحبيدة ابحن‬
‫الجراح أميحن هذه الرض رضحي ال عنحه‪ ،‬زرناه وعليحه زاويحة فيهحا الطعام لبناء‬
‫السحببيل‪ .‬وبتنا هنالك ليلة‪ ،‬ثحم وصحلنا إلى القصحير‪ ،‬وبحه قحبر معاذ بحن جبحل رضحي ال‬
‫عنحه‪ ،‬تحبركت أيضاً بزيارتحه‪ .‬ثحم سحافرت على السحاحل‪ ،‬فوصحلت إلى مدينحة عكحة ‪،‬‬
‫وهحححي خراب وكانحححت عكحححة قاعدة بلد الفرنحححج بالشام‪ ،‬ومرسحححى سحححفنهم وتشبحححه‬
‫قسطنطينية العظمى‪ ،‬وبشرقيها عين ماء عذب تعرف بعين البقر يقال‪ :‬إن ال تعالى‬
‫أخرج منهحا البقحر لدم عليحه السحلم‪ .‬وينزل إليهحا بفحي درج‪ .‬وكان عليهحا مسحجد بقحي‬
‫من محرابه‪ .‬وبهذه المدينة قبر صالح عليه السلم‪ .‬ثم سافرت منها إلى مدينة صور‪،‬‬
‫وهي خراب وبخارجها قرية معمورة وأكثر أهلها أرفاض ولقد نزلت بها مرة على‬
‫بعض المياه أريد الوضوء‪ .‬فأتى بعض أهل تلك القرية ليتوضأ فبدأ بغسل رجليه‪ ،‬ثم‬
‫غسحل وجهحه‪ ،‬ولم يتمضمحض ول اسحنتشق‪ ،‬ثحم مسحح بعحض رأسحه‪ ،‬فأخذت عليحه فحي‬

‫فعله فقال لي‪ :‬إن البناء إنمححا يكون ابتداؤه مححن السححاس‪ .‬ومدينححة صححور هححي التححي‬
‫يضرب بها المثل في الحصانة المنعة‪ .‬لن البحر محيط بها من ثلث جهاتها‪ .‬ولها‬
‫بابان أحدهمحا للبر‪ ،‬والثانحي للبححر‪ .‬ولبابهحا الذي يشرع للبر أربعحة فصحلت كلهحا فحي‬
‫ستائر محيطة بالباب‪ ،‬وأما الباب الذي للبحر فهو بين برجين عظيمين‪ .‬وبناؤها ليس‬
‫فحي بلد الدنيحا أعجحب ول أغرب شأناً منحه‪ ،‬لن البححر محيحط بهحا محن ثلث جاتهحا‪.‬‬
‫وعلى الجهة الرابعة سور‪ ،‬تدخل السفن تحت السور وترسو هنالك‪ .‬وكان فيما تقدم‬
‫بيحن البرجيحن سحلسلة حديحد معترضحة ن‪ ،‬ل سحبيل إلى الداخحل هنالك‪ ،‬ول إلى الخارج‬
‫إل بعحد حطهحا‪ ،‬وكان عليهحا الحراس والمناء‪ ،‬فل يدخحل خارج‪ ،‬إل على علم منهحم‪.‬‬
‫وكانت لعكة أيضاً ميناء مثلها‪ ،‬ولكنها تحمل إل السفن الصغار‪ ،‬ثم سافرتع منها إلى‬
‫مدينة صيدا‪ ،‬وهي على ساحل البحر‪ ،‬حسنة كثيرة الفواكه يحمل منها التين والزبيب‬
‫والزيحت إلى بلد مصحر‪ :‬نزلت عنحد قاضيهحا مال الديحن الشمونحي المصحري‪ ،‬وهحو‬
‫حسحن الخلق كريحم النفحس‪ .‬ثحم سحافرت منهحا إلى مدينحة طبريحة‪ .‬وكانحت فيمحا مضحى‬
‫مدينة كبيرة ضخمة‪ ،‬ولم يبق منها إل رسوم تبنئ عن ضخامتها‪ ،‬وعظم شأنها‪ .‬وبها‬
‫الحمامات العجيبة؛ لها بيتان أحدهما للرجال‪ ،‬والثاني للنساء‪ .‬وماؤها شديد الحرارة‪.‬‬
‫ولهحا بحيرة الشهيرة‪ ،‬طولهحا نححو سحتة فراسحخ‪ ،‬وعرضهحا أزيحد محن ثلثحة فراسحخ‪.‬‬
‫وبطبريحة مسحجد يعرف بمسحجد النحبياء‪ ،‬فيحه قحبر شعيحب عليحه السحلم‪ ،‬وبنتحه زوج‬
‫موسحى الكليحم عليحه السحلم‪ ،‬وقحبر سحليمان عليحه السحلم‪ ،‬وقحبر يهودا‪ ،‬وقحبر روبيحل‬
‫صححلوا ال وسححلمه على نبينححا وعليهححم‪ .‬وقصححدنا منهححا زيارة الجححب الذي ألقححي فيححه‬

‫يوسحف عليحه السحلم‪ ،‬وهحو فحي صححن مسحجد صحغير وعليحه زاويحة‪ .‬والجحب كحبير‬
‫عميق‪ ،‬شربنا من مائه المجتمع من ماء المطر وأخبرنا قمه أن الماء ينبع منه أيضاً‪.‬‬
‫ثحم سحرنا إلى مدينحة بيروت وهحي صحغيرة‪ ،‬حسحنة السحواق‪ ،‬وجامعهحا بديحع الحسحن‬
‫ويجلب منهحا إلى ديار مصحر الفواكحه‪ .‬وقصحدنا منهحا زيارة أبحي يعقوب يوسحف الذي‬
‫يزعمون أنحه محن كلوك المغرب‪ .‬وهحو بموضحع يعرف بكرك نوح محن بقاع العزيحز‪،‬‬
‫وعليححه زاويححة يطعححم بهححا الوارد‪ .‬ويقال‪ :‬إن السححلطان صححلح الديححن وقححف عليهححا‬
‫الوقاف‪ .‬وقيححل السححلطان نور الديححن وكانوا مححن الصححالحين‪ ،‬ويذكححر أنححه كان ينسححج‬
‫الحصحححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححر ويقتات بثمنهحححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححا‪.‬‬
‫حكاية أبي يعقوب يوسف المذكور يحكي أنه دخل مدينة دمشق‪ ،‬فمرض بها مرضاً‬
‫شديداً‪ ،‬وأقام مطروحاً بالسححواق‪ .‬فلمححا برئ مححن مرضححه‪ ،‬خرج إلى ظاهححر دمشححق‬
‫ليلتمس بستاناً يكون حارساً له‪ .‬فاستؤجر لحراسة بستان للملك نور الدين‪ ،‬واقام في‬
‫حراسحته سحتة أشهحر فلمحا كان فحي أوان الفاكهحة أتحى السحلطان إلى ذلك البسحتان‪ ،‬وأمحر‬
‫وكيححل البسححتان أبححا يعقوب أن يأتححي برمان يأكححل منححه السححلطان‪ ،‬فأتاه برمان‪ .‬فوجده‬
‫حامضاً‪ ،‬فأمره أن يأتحححي بغيره‪ ،‬ففعحححل ذلك‪ .‬فوجده أيضاً حامضاً‪ .‬فقال له الوكيحححل‪:‬‬
‫أتكون حراسة هذا البستان منذ ستة أشهر ول تعرف حلو من الحامض ? فقال‪ :‬إنما‬
‫أسحتأجرتني على الحراسحة ل على الكحل‪ ،‬فأتحى الوكيحل إلى الملك فأعلمحه بذلك بعحث‬
‫إليه الملك‪ ،‬وكان قد رأى في المنام أنه يجمع مع أبي يعقوب‪ ،‬وتحصل له منه فائدة‪،‬‬
‫فتفرس أنه هو‪ .‬فقال له‪ :‬أنت أبو يعقوب ? قال‪ :‬نعم‪ .‬فقام إليه‪ ،‬وعانقه‪ ،‬وأجلسه إلى‬

‫جانبه‪ ،‬ثم احتمله إلى مجلسه‪ ،‬فأضافه بضيافة من الحلل المكتسب بكد يمينه‪ ،‬وأقام‬
‫عنده أياماً‪ .‬ثحم خرج محن دمشحق فاراً بنفسحه فحي أوان البرد الشديحد‪ ،‬فأتحى قريحة محن‬
‫قراهححا‪ .‬وكان بهححا رجححل مححن الضعفاء فعرض عليححه النزول عنده ففعححل‪ .‬وصححنع له‬
‫مرقة‪ ،‬وذبح دجاجة فأتاه بها‪ ،‬وبخبز شعير فأكل من ذلك‪ ،‬ودعا اللرجل‪ ،‬وكان عنده‬
‫جملة أولد‪ ،‬منهحم بنحت قحد آن بناء زوجهحا عليهحا‪ .‬ومحن عوائدهحم فحي تلك البلد أن‬
‫البنححت يجهزهححا أبوهححا‪ ،‬ويكون معظححم الجهاز أوانححي النحاس‪ ،‬وبححه يتفاخرون‪ ،‬وبححه‬
‫يتبايعون‪ .‬فقال أبححو يعقوب للرجححل‪ :‬هححل عندك شيححء مححن النحاس‪ .‬قال‪ :‬نعححم‪ .‬قححد‬
‫اشتريت منه لتجهيز هذه البنت‪ ،‬قال ائتني به أتاه به‪ .‬فقال له‪ :‬استعر من جيرانك ما‬
‫أمكنحك منحه‪ ،‬ففعحل‪ ،‬وأحضحر ذلك بيحن يديحه فأوقحد عليحه النيران‪ .‬وأخرج صحرة كانحت‬
‫عنده فيهحا الكسحير ‪ .‬فطرح منحه على النحاس فعاد كله ذهباً‪ ،‬وتركحه فحي بيحت مقفحل‬
‫وكتححب كتاباً إلى نور الديححن ملك دمشححق يعلمححه بذلك‪ .‬وينبهححه على بناء مارسححتان‬
‫للمرضححى مححن الغرباء‪ ،‬ويوقححف عليححه الوقاف‪ ،‬ويبنححي الزوايححا بالطرق‪ ،‬ويرضححي‬
‫أصحاب النحاس‪ ،‬ويعطي صاحب البيت كفايته‪ ،‬وقال له في آخر الكتاب‪ :‬وإن كان‬
‫إبراهيم بن أدهم قد خرج عن ملك خراسان فأنا قد خرجت من ملك المغرب‪ ،‬وعن‬
‫هذه الصحنعة والسحلم‪ ،‬وفحر محن حينحه‪ ،‬وذهحب صحاحب البيحت بالكتاب إلى الملك نور‬
‫الديححن‪ ،‬فوصححل الملك إلى تلك القريححة واحتمححل الذهححب‪ ،‬بعححد أن أرضححى أصحححاب‬
‫النحاس‪ ،‬وصحاحب البيحت‪ .‬وطلب أبحا يعقوب فلم يجحد له أثراً ول وقحع له على خحبر‪.‬‬
‫فعاد إلى دمشق وبنى المارستان المعروف باسمه الذي ليس له في المعمور مثله‪ .‬ثم‬

‫وصحلت إلى مدينحة طرابلس‪ ،‬وهحي إحدى قواعحد الشام‪ ،‬وبلدانهحا الضخام‪ .‬تخترقهحا‬
‫النهار‪ ،‬وتحفها البساتين والشجار‪ ،‬ويكنفها البحر بمرافقه العميمة‪ ،‬والبر بخييراته‬
‫المقيمحة‪ .‬ولهحا السحواق العجيبحة‪ ،‬والمسحارح الخصحيبة‪ .‬والبححر ميليحن منهحا‪ .‬وهحي‬
‫حديثة البناء‪ .‬وأما طرابلس القديمة فكانت على ضفة البحر وتملكها الروم زمانًا فلما‬
‫استرجعها الملك الظاهر خربت‪ ،‬واتخذت هذه الحديثة ز وبهذه المدينة نحو أربعين‬
‫محححن أرماء التراك‪ .‬وأميرهحححا طيلن الحاجحححب المعروف بملك المراء‪ .‬ومسحححكنه‬
‫بالدار المعروفحة بدار السحعادة‪ .‬ومحن عوائده أن يركحب فحي كحل يوم اثنيحن وخميحس‬
‫ويركحب معحه المراء والعسحاكر‪ .‬ويخرج إلى ظاهحر المدينحة‪ .‬فإذا عاد إليهحا‪ .‬وقارب‬
‫الوصول إلى منزله‪ ،‬ترجل المراء‪ ،‬ونزلوا عن دوابهم‪ ،‬ومشوا بيه يده‪ ،‬حتى يدخل‬
‫منزله‪ ،‬وينصحرفون وتضرب الطبلخانحة عنحد دار كحل أميحر منهحم بعحد صحلة المغرب‬
‫من كحل يوم‪ ،‬وتوقحد المشاعل‪ .‬وممن كان بها من العلم كاتب السحر بهاء الدين بن‬
‫غانحم أححد الفضلء الحسحباء معروف بالسحخاء والكرم‪ ،‬وأخوه حسحام الديحن هحو شيحخ‬
‫القدس الشريف‪ ،‬وقد ذكرناه‪ ،‬وأخوهما علء الدين كاتب السلر بدمشق‪ .‬ومنهم وكيل‬
‫بيت المال قوام الدين بن مكين من أكابر الرجال‪ .‬ومنهم قاضي قضاتها شمس الدين‬
‫بحن النقيحب محن أعلم علماء الشام‪ .‬وبهذه المدينحة حمامات حسحان منهحا حمام القاضحي‬
‫القرمحي‪ .‬وحمام سحندمور‪ .‬وكان سحندمور أميحر هذه المدينحة‪ .‬ويذكحر عنحه أخبار كثيرة‬
‫في الشدة على أهل الجنايات‪ .‬منها امرأة شكت إليه بان أحد مماليكه الخواص تعدى‬
‫عليها في لبن كانت تبيعه فشربه‪ ،‬ولم تكن لها بينة‪ .‬فأمر به فوسط فخرج اللبن من‬

‫مصحرنه‪ .‬وقحد اتفحق مثحل هذه الحكايحة للعتريحس أححد أمراء الملك الناصحر أيام إمارتحه‬
‫على عيذاب‪ .‬واتفق مثلها للملك كبك سلطان تركستان‪ .‬ثم سافرت من طرابلس إلى‬
‫حصن الكراد‪ ،‬وهو بلد صغير كثير الشجار والنهار بأعلى تل‪ .‬وبه زاوية تعرف‬
‫بزاويحة البراهيمحي نسحبة إلى بعحض كحبراء المراء‪ .‬ونزلت عنحد قاضيهحا ول أحقحق‬
‫الن اسححمه‪ .‬ثححم سححافرت إلى مدينححة حمححص وهححي مدينححة مليحححة‪ ،‬أرجاؤهححا مونقححة‪،‬‬
‫وأشجارهحا مورقحة‪ ،‬وأنهارهحا متدفقحة‪ ،‬وأسحواقها فسحيحة الشوارع‪ ،‬وجامعهحا متميحز‬
‫بالحسحن الجامحع‪ ،‬وفحي وسحطه ماء‪ .‬وأهحل حمحص عرب لهحم فضحل وكرم‪ .‬وبخارج‬
‫هذه المدينة قبر خالد بن الوليد سيف ال ورسوله‪ ،‬وعليه زاوية ومسجد وعلى القبر‬
‫كسحوة سحوداء‪ .‬وقاضحي هذه المدينحة جمال الديحن الشريشحي محن أجمحل الناس صحورة‬
‫وأحسححنهم سححيرة ز ثححم سححافرت منهححا إلى مدينححة حماة إحدى أمهات الشام الرفيعححة‪،‬‬
‫ومدائنهححا البديعححة‪ ،‬ذات الحسححن الرائق‪ ،‬والجمال الفائق‪ ،‬تحفهححا البسححاتين والجنات‪،‬‬
‫عليهححا النواعيححر كالفلك الدائرات‪ ،‬يشقهححا النهححر العظيححم المسححمى بالعاصححي‪ .‬ولهححا‬
‫ربححض سححمي بالمنصححورية أعظححم مححن المدينححة‪ ،‬فيححه السححواق الحافلة‪ ،‬والحمامات‬
‫الحسحان‪ ،‬وبحماة الفواكحه الكثيرة ومنهحا المشمحش اللوزي‪ ،‬إذا كسحرت نواتحه وجدت‬
‫في داخلها لوزة حلوة‪ .‬قال ابن جزي‪ :‬وفي هذه المدينة ونهرها ونواعيرها وبساتينها‬
‫يقول الديححب الرحال نور الديححن أبححو الحسححن علي بححن موسححى بححن سححعيد العبسححي‬
‫العماري الغرناطححي نسححبة لعمار بححن ياسححر رضححي ال عنححه‪:‬غيححر كثيححر الشجار‬
‫والنهار بأعلى تحل‪ .‬وبحه زاويحة تعرف بزاويحة البراهيمحي نسحبة إلى بعحض كحبراء‬

‫المراء‪ .‬ونزلت عنحد قاضيهحا ول أحقحق الن اسحمه‪ .‬ثحم سحافرت إلى مدينحة حمحص‬
‫وهي مدينة مليحة‪ ،‬أرجاؤها مونقة‪ ،‬وأشجارها مورقة‪ ،‬وأنهارها متدفقة‪ ،‬وأسواقها‬
‫فسحيحة الشوارع‪ ،‬وجامعهحا متميحز بالحسحن الجامحع‪ ،‬وفحي وسحطه ماء‪ .‬وأهحل حمحص‬
‫عرب لهحم فضحل وكرم‪ .‬وبخارج هذه المدينحة قحبر خالد بحن الوليحد سحيف ال ورسحوله‪،‬‬
‫وعليحه زاويحة ومسحجد وعلى القحبر كسحوة سحوداء‪ .‬وقاضحي هذه المدينحة جمال الديحن‬
‫الشريشي من أجمل الناس صورة وأحسنهم سيرة ز ثم سافرت منها إلى مدينة حماة‬
‫إحدى أمهات الشام الرفيعحة‪ ،‬ومدائنهحا البديعحة‪ ،‬ذات الحسحن الرائق‪ ،‬والجمال الفائق‪،‬‬
‫تحفهحا البسحاتين والجنات‪ ،‬عليهحا النواعيحر كالفلك الدائرات‪ ،‬يشقهحا النهحر العظيحم‬
‫المسحمى بالعاصحي‪ .‬ولهحا ربحض سحمي بالمنصحورية أعظحم محن المدينحة‪ ،‬فيحه السحواق‬
‫الحافلة‪ ،‬والحمامات الحسححان‪ ،‬وبحماة الفواكححه الكثيرة ومنهححا المشمححش اللوزي‪ ،‬إذا‬
‫كسرت نواته وجدت في داخلها لوزة حلوة‪ .‬قال ابن جزي‪ :‬وفي هذه المدينة ونهرها‬
‫ونواعيرها وبساتينها يقول الديب الرحال نور الدين أبو الحسن علي بن موسى بن‬
‫سعيد العبسي العماري الغرناطي نسبة لعمار بن ياسر رضي ال عنه‪:‬‬
‫وقفت عليها السمع والفكر والطرفا‬
‫حمى ال من ححمحاة محنحاظحراً‬
‫وتزهى مباني تمنع الواصف الوصفا‬
‫تغنى ححمحام أم تحمحيل خحمحائل‬
‫يلومونني أن أعصي الصون والنهحى بها وأطيع الكأس واللهو والقصفحا‬
‫إذا كان فيها النهر عاصٍ فطحيف ل أحاكيه عصياناً وأشربهحا صحرفحا‬
‫وأغلبها رقصاً وأشبهحهحا غحرفحا‬
‫وأشدو لدى تلك النواعحير شحدوهحا‬
‫تهيم بمرآها وتسألهحا الحعحطحفحا‬
‫تئن وتذري دمعحهحا فحكحأنحهحا‬

‫ولبعضهم في نواعيرها ذاهباً مذهب التورية‪:‬‬
‫وناعورةٍ رقت لعظم خطحيئتحي وقحد عاينت قصدي من المنزل القحاصحي‬
‫بكت رحمةً لي ثم باحت بشحجحوهحا وحسبك أن الخشب تبكي على العاصي‬

‫ولبعض المتأخرين فيها أيضاً من التورية‪:‬‬

‫يا سادو سكنوا حماة وححقحكحم ما حلت عن تقوى وعن إخلص‬
‫والطرف بعدكم إذا اذكر اللحقحا يجري المدامع طائعًا كالعاصي‬

‫ثحم سحافرت إلى مدينحة المعرة‪ ،‬التحي ينسحب إليهحا الشاعحر أبحو العلء المعري‪ ،‬وكثيحر‬
‫سحواه محن الشعراء‪ .‬قال ابحن جزي‪ :‬إنمحا سحميت بمعرة النعمان لن النعمان بحن بشيحر‬
‫النصحاري صحاحب رسحول ال صحلى ال عليحه وسحلم توفحي له ولد أيام إمارتحه على‬
‫حمص‪ ،‬فدفنه بالمعرة‪ ،‬فعرفت به‪ .‬وكانت قبل ذلك تسمى القصور‪ .‬وقيل أن النعمان‬
‫جبل مطل عليها سميت به‪ .‬والمعرة مدينة كبيرة حسنة‪ ،‬أكثر شجرها التين والفستق‬
‫ومنها يحمل إلى مصر والشام‪ .‬وبخارجها على فرسخ منها قبر أمير المؤمنين عمر‬
‫بن عبد العزيز‪ .‬ول زاوية عليه ول خديم له‪ .‬وسبب ذلك أنه وقع في بلد صنفٍ من‬
‫الرافضة أرجاس‪ ،‬يبغضون العشرة من الصحابة رضي ال عنهم‪ ،‬ولعن مبغضهم‪،‬‬
‫ويبغضون كل من اسمعه عمر وخصوصاً عمر بن عبد العزيز رضي ال عنه لما‬
‫كان من فعله في تعظيم علي رضي ال عنه ‪ -‬ثم سرنا منها إلى مدينة سرمين‪ .‬وهي‬
‫حسححنة كثيرة البسححاتين‪ ،‬وأكثححر شجرهححا الزيتون‪ .‬بهححا يصححنعون الصححابون الجري‪،‬‬
‫ويجلب إلى مصححر والشام‪ .‬ويصححنع بهححا أيضاً الصححابون المطيححب لغسححل اليدي‪،‬‬
‫ويصحبغونه بالحمرة والصحفرة‪ .‬ويصحنع بهحا ثياب قطحن حسحان تنسحب إليهحا‪ .‬وأهلهحا‬
‫سحححبابون يبغضون العشرة‪ .‬ومحححن العجحححب أنهحححم ل يذكرون لفحححظ العشرة وينادي‬
‫سحماسرتهم بالسحواق على السحلع‪ ،‬فإذا بلغوا إلى العشرة قالوا تسحعة وواححد‪ .‬وحضحر‬
‫بهحا بعحض التراك يومًا فسحمع سحمساراً ينادي تسحعة وواححد فضربحه بالدبوس على‬
‫رأسحه وقال‪ :‬قحل عشرة بالدبوس‪ .‬وبهحا المسحجد جامحع فيحه تسحع قباب‪ .‬ولم يجعلوهحا‬

‫عشرة قياماً بمذهبهححم القبيححح ‪ -‬ثححم سححرنا إلى مدينححة حلب‪ ،‬المدينححة الكححبرى والقاعدة‬
‫العظمى‪ .‬قال أبو الحسين بن جبير في وصفها‪ :‬قدرها خطير وذكرها في كل زمان‬
‫يطير خطابها من الملوك كثير‪ ،‬ومحلها من النفوس أثير‪ ،‬فكم هاجت من كفاح وسل‬
‫عليهحا محن بيحض الصحفاح قلعحة شهيرة المتناع‪ ،‬بائنحة الرتفاع‪ ،‬تنزهحت حصحانة محن‬
‫أن ترم أو تسححتطاع منحوتححة الجزاء‪ ،‬موضوعححة على نسححبة اعتدال واسححتواء‪ ،‬قححد‬
‫طاولت اليام والعوام‪ ،‬ووسححححعت الخواص والعوام‪ ،‬أيححححن أمراؤهححححا الحمدانيون‬
‫وشعراؤها ? فني جميعهم‪ ،‬ولم يبق إل بناؤها‪ .‬فيا عجباً لبلد تبقى ويذهب ملكها‪،‬‬
‫ويهلكون ول يقضححي هلكهححا‪ .‬وتخطححب بعدهححم فل يعتذر أملكهححا‪ ،‬وترام فيتيسححر‬
‫بأهون شيحء إدراكهحا‪ .‬هذه حلب كحم أدخلت ملوكهحا فحي خحبر كان‪ ،‬ونسحخت صحرف‬
‫الزمان بالمكان‪ .‬أنحث اسحمها‪ ،‬فتحلت بحليحة الغوان‪ ،‬وأتحت بالعذر فيمحن دان وانجلت‬
‫عروساً بعد سيف دولتها ابن حمدان‪ .‬هيهات سيهرم شبابها‪ ،‬ويعدم خطابها‪ ،‬ويسرع‬
‫فيهحا بعحد حيحن خرابهحا‪ .‬وقلعحة حلب تسحمى الشهباء‪ .‬بداخلهحا جبلن ينبحع منهمحا الماء‪،‬‬
‫فل تخاف الظمحأ ويطيحف بهحا سحوران‪ .‬وعليهحا خندق عظيحم ينبحع منحه الماء‪ .‬وسحورها‬
‫متدانحي البراج وقحد انتظمحت بهحا العللي العجيبحة المفتححة الطيقان‪ .‬وكحل برج منهحا‬
‫مسحكون‪ .‬والطعام ل يتغيحر بهذه القلعحة على طول العهحد‪ .‬وبهحا مشهحد يقصحده بعحض‬
‫الناس‪ ،‬يقال‪ :‬إن الخليل عليه السلم كان يتعبد به‪ .‬وهذه القلعة تشبه قلعة رحبة مالك‬
‫بن طوق التي على الفرات بين الشام والعراق‪ .‬ولما قصحد قازان طاغية التتر مدينة‬
‫حلب حاصحر هذه القلعحة أياماً‪ ،‬ونكحص عنهحا خائباً‪ ،‬قال ابحن جزي‪ :‬وفحي هذه القلعحة‬

‫يقول الخالدي شاعر سيف الدولة‪:‬‬
‫وخرقاء قد قامت على من يرومهحا بمرقبها العالي وجانبها الصحعحب‬
‫ويلبسها عقداً بأنجمحه الحشحهحب‬
‫يجر عليها الجحو جحيب غحمحامةً‬
‫إذا ما سرى برقٌ بدت من خللحه كما لحت العذراء من خلل السحب‬
‫وذي سطوات قد أبانت على عقب‬
‫فكم من جنو ٍد قد أماتحت بحغحصةٍ‬

‫وفيها يقول أيضاً وهو من بديع النظم‪:‬‬
‫وجاز منطقة الجوزاء عالحيهحا‬
‫وقلعة عانق العنقاء سافحلحهحا‬
‫ل تعرف القطر إذ كان الغمام لها أرضاً توطأ قطريه مواشحيهحا‬
‫إذا الغمامة راحت غاض ساكنها حياضها قبل أن تهمي عواليهحا‬
‫لو أنه كان يجري في مجاريهحا‬
‫يعد من أنجم الفلك مرقبحهحا‬
‫ونصرت لدواهيهحم دواهحيهحا‬
‫ردت مكايد أقحوامٍ محكحايدهحا‬

‫وفيها يقول جمال الدين علي ابن أبي منصور‪:‬‬
‫كادت لبون سموها وعلحوهحا تستوقف الفلك المحيط الحدائرا‬
‫وردت قواطنها المجرة منهحلً ورعت سوابقها النجوم زواهرا‬
‫ل فيما يمسي لديها حاضرا‬
‫ويظل صرف الدهر منها خائفاً وج ً‬

‫ويقال‪ :‬فحي مدينحة حلب حلب إبراهيحم‪ ،‬لن الخليحل صحلوات ال وسحلمه على نبينحا‬
‫وعليه كان يسكنها‪ .‬وكانت له الغنم الكثيرة‪ .‬فكان يسقي الفقراء والمساكين‪ ،‬والوارد‬
‫والصحادر محن ألبانها‪ ،‬فكانوا يجتمعون ويسحألون‪ :‬حلب إبراهيحم‪ ،‬فسحميت بذلك‪ ،‬وهحي‬
‫مححن أعححز البلد التححي ل نظيححر لهححا فححي حسححن الوضححع‪ ،‬وإتقان الترتيححب‪ ،‬واتسححاع‬
‫السحواق‪ ،‬وانتظام بعضهحا ببعحض‪ .‬وأسحواقها مسحقفة بالخشحب‪ ،‬فأهلهحا دائمًا فحي ظحل‬
‫ممدود وقيسحاريتها ل تماثحل حسحناً وكحبراً‪ ،‬وهحي تحيحط بمسحجدها وكحل سحماط منهحا‬
‫محاذٍ لباب من أبواب المسجد‪ .‬ومسجدها الجامع من أجمل المساجد في صحنه بركة‬
‫ماء‪ ،‬ويطيححف بححه بلط عظيححم التسححاع‪ .‬ومنبرهححا بديححع العمححل‪ ،‬مرصححع بالعاج‬
‫والبنوس‪ .‬وبقرب جامعهحا مدرسحة مناسحبة له فحي حسحن الوضحع‪ ،‬وإتقان الصحنعة‪.‬‬
‫تنسب لمراء بني حمدان‪ ،‬وبالبلد سواها‪ ،‬ثلث مدارس‪ ،‬وبها مارستان‪ .‬وأما خارج‬

‫المدينحة فهحو بسحيط أفيحح عريحض‪ ،‬بحه المزارع العظيمحة‪ ،‬وشجرات العناب منتظمحة‬
‫بحه‪ ،‬والبسحاتين على شاطحئ نهرهحا‪ .‬وهحو النهحر الذي يمحر بحماة‪ ،‬ويسحمى العاصحي ‪،‬‬
‫وقيحل‪ :‬إنحه سحمي بذلك لنحه يخيحل لناظره أن جريانحه محن أسحفل إلى علو‪ .‬والنفحس تجحد‬
‫فحي خارج مدينحة حلب انشراحاً وسحروراً ونشاطهحا ل يكون فحي سحواها‪ ،‬وهحي محن‬
‫المدن التي تصلح للخلفة‪ .‬قال ابن جزي‪ :‬أطنبت الشعراء في وصف محاسن حلب‪،‬‬
‫وذكر داخلها وخارجها‪ .‬وفيها يقول أبو عبادة البحتري‪:‬‬
‫يا برق أسفر عن قويق فطرتي حلبٍ فأعلى القصر من بطياس‬
‫عن منبت الورد المعصفر صبغة في كل ضاحية ومجنحى الس‬
‫حشدت علي فأكثرت إينحاسحي‬
‫أرضٌ إذا استوحشتكم بتحذكحرٍ‬

‫وقال فيها الشاعر المجيد أبو بكر الصنوبري‪:‬‬
‫ب فكم وصلت طرباً بالطحرب‬
‫سقى حلب المزن مغنى حل ٍ‬
‫ب من العيش لحذ بها إذ بها العيش لم يستطب‬
‫وكم مستطا ٍ‬
‫بها ومطارفحه والحعحذب‬
‫إذا نشر الزهحر أعحلمحه‬
‫تروق وأوساطه من ذهحب‬
‫غدا وحواشحيه محن فحضةٍ‬

‫وقال فيها أبو العلء المعري‪:‬‬
‫وهي للغادرين نار سحعحير‬
‫حلب لحلحوارد جحنة عحدنٍ‬
‫والعظيم العظيم يكبر في عي نيه منها قدر الصغير الصغير‬
‫فقويقٌ في أنفس القوم بحححرٌ وحصا ٌة منه مكحان ثحبحير‬

‫وقال فيها أبو الفتيان بن جبوس‪:‬‬
‫يا صاحبي إذا أعياكما سحقحمحي فلقياني نسيم الريح محن ححلحب‬
‫من البلد التي كان الصبا سكحنحًا فيها وكان الهوى العذري من أربي‬

‫وقال فيها أبو الفتح كشاجم‪:‬‬
‫وما أمتعت جارها بحلحدةٌ كما أمتعت حلبٌ جارهحا‬
‫بها قد تجمع ما تشتحهحي فرزها فطوبى لمن زارها‬

‫وقال فيها أبو الحسن علي بن موسى بن سعيد الغرناطي العنسي‪:‬‬
‫حادي العيس كم تنيح الحمحطحايا سق فروحي من بعدهم في سياق‬
‫ومرامحي وقحبحلة الشحواق‬
‫حلبٌ إنهحا محقحر غحرامحي‬

‫ل خل جوشن بطياس والحعحبحد من كحل وابححل غحححيداق‬
‫س دهحاق‬
‫كم بها مرتعٌ لطحرفٍ وقحلحبٍ فيه سقي المنى بكحأ ٍ‬
‫وتثنى غصحونحه لحلحعحنحاق‬
‫وتحغحنحى طحيوره لرتحبحاح‬
‫وعلو الشهباء حيث اسحتحدارت أنجم الفق حولها كالحنحطحاق‬

‫وبحلب ملك المراء أرغون الدوادار‪ ،‬أكبر أمراء الملك الناصر‪ .‬وهو من الفقهاء‪،‬‬
‫موصححوف بالعدل‪ ،‬لكنححه بخيححل‪ .‬والقضاة بحلب أربعححة للمذاهححب الربعححة‪ .‬فمنهححم‬
‫القاضي كمال الدين بن الزملكاني‪ ،‬شافعي المذهب‪ ،‬عالي الهمة‪ ،‬كبير القدر‪ ،‬كريم‬
‫النفححس‪ ،‬حسححن الخلق‪ ،‬متفنححن بالعلوم‪ .‬وكان الناصححر قححد بعححث إليححه ليوليححه قضاء‬
‫القضاة بحضرة ملكه‪ ،‬فلم يقض له ذلك‪ ،‬وتوفي ببلبيس‪ ،‬وهو متوجه إليها‪ .‬ولما ولي‬
‫قضاء حلب‪ ،‬قصحدته الشعراء محن دمشحق وسحواها‪ .‬وكان فيمحن قصحده شاعحر الشام‬
‫شهاب الديحن أبحو بكحر محمحد بحن الشيحخ المحدث شمحس الديحن أبحي عبحد ال محمحد بحن‬
‫نباتة القرشي الموي فامتدحه الفارقي بقصيدة طويلة حافلة أولها‪:‬‬
‫أسفت لفقدك جلق الفحيححاء وتباشرت لقدومك الشهبحاء‬
‫وعلى دمشق وقد رحلت كآبةٌ وعل ربى حلب سناً وسناء‬
‫قد أشرقت دارٌ سكنت فناءهحا‬
‫يا سائراً سقي المكارم والعلحى‬
‫هذا كمال الدين لذ بحجحنحابحه‬
‫قاضي القضاة أجل من أيامحه‬
‫قاض زكا أصلً وفرعاً فاعتلى‬
‫ب بحه‬
‫من الله على بني حلح ٍ‬
‫كشف المعمى فهمحه وبحيانحه‬
‫يا حاكم الحكام قدرك سحابحقٌ‬
‫إن المناصب دون همتك التحي‬
‫لك في العلوم فضائلٌ مشهحورةٌ‬
‫ب شهد العدو بفضحلحهحا‬
‫ومناق ٌ‬

‫حتى غدت ولحنحورهحا للء‬
‫ممن يبخل عنده الحكحرمحاء‬
‫تنعم فثم الفضل والنحعحمحاء‬
‫تعنى بها اليتام والحفحقحراء‬
‫شرفت به الدبحاء والبحنحاء‬
‫ل وضع الفضل ححيث يشحاء‬
‫فكأنمحا ذاك الحذكحاء ذكحاء‬
‫عن أن تسرك رتحبةٌ شحمحاء‬
‫في الفضل دون محلها الجوزاء‬
‫كالصبح شق له الظلم ضحياء‬
‫والفضل ما شهدت به العحداء‬

‫وهحي أزيحد محن خمسحين بيتاً‪ .‬وأجازه عليهحا بكسحوةٍ ودراهحم‪ .‬وانتقحد الشعراء ابتداءه‬
‫بلفحظ أسحفت‪ .‬قال ابحن جزي‪ :‬وليحس كلمحه فحي هذه القصحيدة بذاك وهحو فحي المقطعات‬

‫أجود منه في القصائد وإليه انتهت الرياسة في الشعر على هذا العهد‪ ،‬في جميع بلد‬
‫المشرق‪ .‬وهحو محن ذريحة الخطيحب أبحي يحيحى عبحد الرحيحم بحن نباتحه‪ ،‬منشىء الخطحب‬
‫الشهيرة‪ ،‬ومن بديع مقطعاته في التورية قوله‪:‬‬
‫علقتها غيداء حالية العحلحى تجني على عقل المحب وقلبه‬
‫بخلت بلؤلؤ ثغرها عن لثح ٍم فغدت مطوقةً بما بخلت بحه‬

‫ومن قضاة حلب قاضي قضاة الحنفية المام المدرس ناصر الدين بن العديم‪ ،‬حسن‬
‫الصورة والسيرة‪ ،‬أصيل مدينة حلب‪:‬‬
‫تراه إذا ما جئته متحهحلحلً كأنك تعطيه الذي أنت سائله‬

‫ومنهم قاضي قضاة المالكية‪ ،‬ل أذكره‪ .‬كان من الموثقين بمصر‪ .‬وأخذ الخطة عن غير‬
‫استحقاق‪ ،‬ومنهم قاضي قضاة الحنابلة‪ ،‬ل أذكر اسمه‪ ،‬وهو من أهل صالحية دمشق‪ ،‬ونقيب‬
‫الشراق بحلب بدر الدين بن الزهراء‪ .‬ومن فقهائها شرف الدين بن العجمي‪ ،‬وأقاربه هم‬
‫كبراء مدينة حلب‪ .‬ثم سافرت منها إلى مدينة تيزين ‪ .‬وهي على طريق قنسرين " وضبط‬
‫اسمها بتاء معلوة مكسورة وياء مد وزاي مكسورة وياء مد ثانية ونون "‪ ،‬وهي حديثة‬
‫اتخذها التركمان‪ .‬وأسواقها حسان‪ ،‬ومساجدها في نهاية من التقان‪ .‬وقاضيها بدر الدين‬
‫العسقلني‪ .‬وكانت مدينة قنسرين قديمة كبيرة‪ ،‬ثم خربت‪ ،‬ولم يبق إل رسومها‪ ،‬ثم سافرت‬
‫إلى مدينة أنطاكية‪ .‬وهي مدينة عظيمة أصيلة وكان عليها سور محكم‪ ،‬ل نظير له في‬
‫أسوار بلد الشام‪ .‬فلما فتحها الملك الظاهر هدم سورها‪ .‬وأنطاكية كثيرة العمارة‪ ،‬ودورها‬
‫حسنة البناء‪ ،‬كثيرة الشجار والمياه‪ .‬وبخارجها نهر العاصي‪ .‬وبها قبر حبيب النجار رضي‬
‫ال عنه‪ .‬وعليه زاوية فيها الطعام للوارد والصادر‪ .‬وشيخها الصالح المعمر محمد بن علي‬
‫سنه ينيف على المائة‪ ،‬وهو ممتع بقوته‪ ،‬دخلت عليه مرة في بستان له وقد جمع حطباً‪،‬‬
‫ورفعه على كاهله ليأتي به منزله بالمدينة‪ ،‬ورأيت ابنه قد أناف على الثمانين‪ ،‬إل أنه‬
‫محدودب الظهر‪ ،‬ول يستطيع النهوض‪ ،‬ومن يراهما يظن الوالد منهما ولداً‪ ،‬والولد والداً ‪-‬‬
‫ثم سافرت إلى حصن بغراس‪ " ،‬وضبط اسمه بباء موحدة مضمومة وغين معجمة مسكنة‬
‫وراء وآخره سين مهمل "‪ ،‬وهو حصن منيع ل يرام‪ ،‬عليه البساتين والمزارع‪ ،‬ومنه يدخل‬
‫إلى بلد سيس‪ ،‬وهي من بلد كفار الرمن‪ ،‬وهم رعية للملك الناصر‪ ،‬يؤدون إليه مالً‬
‫ودراهم فضة خالصة تعرف بالبغلية‪ .‬وبها تصنع الثياب الدبيلية ‪ .‬وأمير هذا الحصن صارم‬
‫الدين بن الشيباني‪ .‬وله ولد فاضل اسمه علء الدين‪ ،‬وابن أخ له اسمه حسام الدين‪ ،‬فاضل‬
‫كريم يسكن الموضع المعروف بالرصص " بضم الراء والصاد المهمل الول "‪ ،‬ويحفظ‬
‫الطريق إلى بلد الرمن‪.‬‬
‫حكاية شكا الرمن مرة إلى الملك الناصر من المير حسام الدين‪ ،‬وزوروا عليه أموراً ل‬
‫تليق‪ .‬فأنفذ أمره لمير بحلب أن يخنقه‪ .‬فلما توجه المير بلغ ذلك صديقاً له من كبار‬

‫ألمراء فدخل على الملك الناصر وقال‪ :‬يا خوند إن المير حسام الدين هو من خيار‬
‫المراء‪ ،‬ينصح للمسلمين‪ ،‬ويحفظ الطريق‪ ،‬وهو من الشجعان‪ ،‬والرمن يريدون الفساد في‬
‫بلد المسلمين‪ ،‬فيمنعهم ويقهرهم‪ .‬وإنما أرادوا إضعاف شوكة المسلمين بقتله‪ .‬ولم يزل به‬
‫حتى أنفذ أمراً ثانياً بسراحه والخلع عليه ورده لموضعه‪ .‬ودعا الملك الناصر بريدياً يعرف‬
‫بالفوش‪ ،‬وكان ل يبعث إل في مهم‪ ،‬أمره بالسراع والجد في السير‪ .‬فسار من مصر إلى‬
‫حلب في خمس‪ .‬وهي مسيرة شهر‪ .‬فوجد أمير حلب قد أحضر حسام الدين وأخرجه إلى‬
‫الموضع الذي يخنق به الناس‪ ،‬فخلصه ال تعالى‪ ،‬وعاد إلى موضعه‪ .‬ولقيت هذا المير‬
‫ومعه قاضي بغراس شرف الدين الحموي‪ ،‬بموضع يقال له‪ :‬العمق‪ ،‬متوسط بين أنطاكية‬
‫وتيزين وبغراس‪ ،‬ينزله التركمان بمواشيهم‪ ،‬لخصبه وسعته‪ .‬ثم سافرت إلى حصن القصير‪:‬‬
‫تصغير قصر‪ ،‬وهو حصن حسن‪ ،‬أميره علء الدين الكردي‪ ،‬وقاضيه شهاب الدين‬
‫الرمنتي من أهل الديار المصرية‪ ،‬ثم سافرت إلى حصن الشغربكاس‪ " ،‬وضبط اسمه بضم‬
‫الشين المعجم وإسكان الغين المعجم وضم الراء والباء الموحدة وآخره سين مهملة "‪ ،‬وهو‬
‫منيع في رأس شاهق‪ ،‬أميره سيف الدين الطنطاش فاضل‪ ،‬وقاضيه جمال الدين بن شجرة‪،‬‬
‫من أصحاب ابن تيمية‪ .‬ثم سافرت إلى مدينة صهيون‪ ،‬وهي مدينة حسنة بها النهار‬
‫المطردة‪ ،‬والشجار المورقة‪ ،‬ولها قلعة جيدة‪ ،‬وأميرها يعرف بالبراهيمي‪ ،‬وقاضيها‬
‫محيي الدين الحمصي‪ ،‬وبخارجها زاوية في وسط بستان فيها الطعام للوارد والصادر وهي‬
‫على قبر الصالح العابد عيسى البدوي رحمه ال‪ ،‬وقد زرت قبره‪ .‬ثم سافرت منها‪ ،‬فمررت‬
‫بحصن القدموس‪ " ،‬وضبط اسمه بفتح القاف وإسكان الدال المهمل وضم الميم وآخره سين‬
‫مهمل "‪ ،‬ثم بحصن المينقة‪ " ،‬وضبط اسمه بفتح الميم وإسكان الياء وفتح النون والقاف "‪،‬‬
‫ثم بحصن العليقة‪ ،‬واسمه على لفظ واحدة العليق‪ ،‬ثم بحصن مصياف " وصاده مهملة "‪ ،‬ثم‬
‫بحصن الكهف‪ .‬وهذه الحصون لطائفة يقال لهم‪ :‬السماعيلية‪ ،‬ويقال لهم الفداوية‪ .‬ول يدخل‬
‫عليهم أحد من غيرهم‪ .‬وهم سهام الملك الناصر‪ ،‬بهم يصيب من يعدو عنه من أعدائه‬
‫بالعراق وغيرها‪ ،‬ولهم المرتبات‪ .‬وإذا أراد السلطان أن يبعث أحدهم إلى اغتيال عدو له‬
‫أعطاه ديته‪ ،‬فإن سلم بعد تأتي ما يراد منه فهي له‪ ،‬وإن أصيب فهي لولده‪ .‬ولهم سكاكين‬
‫مسمومة يضربون بها من بعثوا إلى قتله‪ .‬وربما لم تصح حيلهم فقتلوا‪ .‬كما جرى لهم مع‬
‫المير قراسنقور‪ .‬فإنه لما هرب إلى العراق بعث إليه الملك الناصر جملة منهم فقتلوا ولم‬
‫يقدروا عليه لخذه بالحزم‪.‬‬
‫حكاية كان قراسنقور من كبار المراء‪ ،‬وممن حضر قتل الملك الشرف أخي الملك‬
‫الناصر‪ ،‬وشارك فيه‪ .‬ولما تمهد الملك للملك الناصر‪ ،‬وقربه القرار‪ ،‬واشتدت أواخي‬
‫سلطانه‪ ،‬جعل يتتبع قتلة أخيه‪ ،‬فيقتلهم واحداً واحداً‪ ،‬إظهاراً للخذ بثأر أخيه‪ ،‬وخوفاً أن‬
‫يتجاسروا عليه بما تجاسروا على أخيه‪ .‬وكان قراسنقور أمير المراء بحلب‪ .‬فكتب الملك‬
‫الناصر إلى جميع المراء أن ينفروا بعساكرهم‪ .‬وجعل لهم ميعاداً يكون فيه اجتماعهم‬
‫بحلب‪ ،‬ونزولهم عليها‪ ،‬حتى يقبضوا عليه‪ .‬فلما فعلوا ذلك‪ ،‬خاف قراسنقور على نفسه‪،‬‬
‫وكان له ثمانمائة مملوك‪ ،‬فركب فيهم‪ ،‬وخرج على العساكر صباحاً‪ ،‬فاخترقهم وأعجزهم‬
‫سبقاً‪ .‬وكانوا في عشرين ألفاً‪ ،‬وقصد منزل أمير العرب مهنا بن عيسى‪ ،‬وهو على مسيرة‬
‫يومين من حلب‪ .‬وكان مهنا في قنص له‪ ،‬فقصد بيته‪ ،‬ونزل عن فرسه‪ ،‬وألقى العمامة في‬

‫عنق نفسه‪ ،‬ونادى الجوار يا أمير العرب‪ ،‬وكانت هنالك أم الفضل زوج مهنا وبنت عمه‬
‫فقالت له‪ :‬قد أجرناك وأجرنا من معك‪ .‬فقال‪ :‬إنما أطلب أولدي ومالي‪ .‬فقالت له‪ :‬لك ما‬
‫تحب‪ ،‬فانزل في جوارنا‪ .‬ففعل ذلك‪ .‬وأتى مهنا‪ ،‬فأحسن نزله وحكمه في ماله‪ .‬فقال‪ :‬إنما‬
‫أحب أهلي ومالي الذي تركته بحلب‪ .‬فدعا مهنا بإخوته وبني عمه‪ ،‬فشاورهم في أمره‪.‬‬
‫فمنهم من أجابه إلى ما أراد‪ ،‬ومنهم من قال‪ :‬كيف نحارب الملك الناصر‪ ،‬ونحن في بلده‬
‫بالشام ? فقال لهم مهنا‪ :‬أما أنا فأفعل لهذا الرجل ما يريده‪ ،‬وأذهب معه إلى سلطان العراق‪.‬‬
‫وفي أثناء ذلك ورد عليهم خبر بأن أولد قراسنقور سيروا على البريد إلى مصر‪ .‬فقال مهنا‬
‫لقراسنقور‪ :‬أما أولدك فل حيلة فيهم‪ ،‬وأما مالك فنجتهد في خلصه‪ .‬فركب فيمن أطاعه‬
‫من أهله‪ ،‬واستنفر من العرب نحو خمسة وعشرين ألفاً‪ ،‬وقصدوا حلباً‪ ،‬فأحرقوا باب قلعتها‪،‬‬
‫وتغلبوا عليها‪ ،‬واستخلصوا منها مال قراسنقور ومن بقي من أهله‪ ،‬ولم يتعدوا إلى سوى‬
‫ذلك‪ .‬وقصدوا ملك العراق‪ ،‬وصحبهم أمير حمص الفرم‪ .‬ووصلوا إلى الملك محمد خدابنده‬
‫سلطان العراق‪ ،‬وهو بموضع مصيفه المسمى قراباغ " بفتح القاف والراء والباء الموحدة‬
‫والغين المعجمة "‪ ،‬وهو ما بين السلطانية وتبريز‪ ،‬فأكرم نزلهم‪ ،‬وأعطى مهنا عراق‬
‫العراق‪ ،‬وأعطى قراسنقور مدينة مراغة من عراق العجم‪ ،‬وتسمى دمشق الصغيرة‪،‬‬
‫وأعطى الفرم همدان‪ .‬وأقاموا عنده مدة مات فيها الفرم‪ .‬وعاد مهنا إلى الملك الناصر بعد‬
‫مواثيق وعهود‪ ،‬أخذها منه‪ .‬وبقي قراسنقور على حاله‪ .‬وكان الملك الناصر يبعث له‬
‫الفداوية مرة بعد مرة‪ ،‬فمنهم من يدخل عليه داره فيقتل دونه‪ ،‬ومنهم من يرمي بنفسه عليه‬
‫وهو راكب فيضربه‪ .‬وقتل بسببه من الفداوية جماعة وكان ل يفارق الدرع أبداً‪ ،‬ول ينام إل‬
‫في بيت العود والحديد‪ .‬فلما مات السلطان محمد وولى ابنه أبو سعيد وقع ما سنذكره من‬
‫أمر الجوبان‪ ،‬كبير أمرائه‪ ،‬وفرار ولده الدمرطاش إلى الملك الناصر‪ .‬ووقعت المراسلة بين‬
‫الملك الناصر وبين أبي سعيد‪ ،‬واتفقا على أن يبعث أبو سعيد إلى الملك الناصر برأس قرا‬
‫سنقور‪ ،‬ويبعث إليه الملك الناصر برأس الدمرطاش‪ .‬فبعث الملك الناصر براس الدمرطاش‬
‫إلى أبي سعيد‪ ،‬فلما وصله أمر بحمل قراسنقور إليه‪ ،‬فلما عرف قراسنقور بذلك أخذ خاتماً‬
‫كان له مجوفاً‪ ،‬في داخله سم ناقع‪ ،‬فنزع فصه‪ ،‬وامتص ذلك السم فمات لحينه‪ ،‬فعرف أبو‬
‫سعيد بذلك الملك الناصر‪ ،‬ولم يبعث له برأسه‪ .‬ثم سافرت من حصون الفداوية إلى مدينة‬
‫جبلة‪ ،‬وهي ذات أنهار مطردة وأشجار‪ ،‬البحر على نحو ميل منها‪ .‬وبها قبر الولي الصالح‬
‫الشهير إبراهيم بن أدهم رضي ال عنه‪ ،‬وهو الذي نبذ الملك‪ ،‬وانقطع إلى ال تعالى‪ ،‬حسبما‬
‫شهر ذلك‪ .‬ولم يكن إبراهيم من بيت ملك كما يظنه الناس إنما ورث الملك عن جده أبي أمه‪.‬‬
‫وأما أبوه أدهم فكان من الفقراء الصالحين السائحين المتعبدين الورعين المنقطعين‪.‬‬
‫حكاية أدهم‬
‫يذكر أنه مر ذات يوم ببساتين مدينة بخارى‪ ،‬وتوضأ من بعض النهار التي تتخللها‪ ،‬فإذا‬
‫بتفاحة يحملها ماء النهر‪ .‬فقال‪ :‬هذه ل خطر لها‪ .‬فأكلها‪ ،‬ثم وقع في خاطره من ذلك‬
‫وسواس‪ ،‬فعزم على أن يستحل من صاحب البستان‪ ،‬فقرع باب البستان فخرجت إليه‬
‫جارية‪ .‬فقال‪ :‬أدعي لي صاحب المنزل فقالت إنه لمرأة‪ .‬فقال‪ :‬استأذني لي عليها‪ ،‬ففعلت‬
‫فأخبر المرأة بخبر التفاحة‪ .‬فقالت له‪ :‬إن هذا البستان نصفه لي‪ ،‬ونصفه للسلطان‪ ،‬والسلطان‬
‫يومئذ ببلخ‪ ،‬وهي على مسيرة عشرة من بخارى وأحلته المرأة من نصفها‪ ،‬وذهب إلى بلخ‬

‫فاعترض السلطان في موكبه فأخبره الخبر‪ ،‬واستحله‪ .‬فأمره أن يعود إليه من الغد‪ .‬وكان‬
‫للسلطان بنت بارعة الجمال‪ ،‬قد خطبها أبناء الملوك فتمنعت وحببت إليها العبادة وحب‬
‫الصالحين‪ .‬وهي تحب أن تتزوج من ورع زاهد في الدنيا‪ .‬فلما عاد السلطان إلى منزله‬
‫أخبر ابنته بخبر أدهم‪ ،‬وقال‪ :‬ما رأيت أورع من هذا‪ ،‬يأتي من بخارى إلى بلخ لجل نصف‬
‫تفاحة‪ .‬فرغبت في تزوجه‪ .‬فلما أتاه من الغد‪ ،‬قال‪ :‬ل أحلك إل أن تتزوج ببنتي‪ .‬فانقاد لذلك‬
‫بعد استعصاء‪ ،‬وتمنع‪ ،‬فتزوج منها‪ ،‬فلما دخل عليها وجدها متزينة‪ ،‬والبيت مزين بالفرش‬
‫وسواها‪ .‬فعمد إلى ناحية من البيت‪ ،‬وأقبل على صلته حتى أصبح‪ ،‬ولم يزل كذلك سبع‬
‫ليال‪ .‬وكان السلطان ما أحله قبل فبعث إليه أن يحله فقال ل أحلك حتى يقع اجتماعك‬
‫بزوجتك‪ .‬فلما كان الليل واقعها‪ ،‬ثم اغتسل‪ ،‬وقام إلى الصلة فصاح صيحة وسجد في‬
‫مصله فوجد ميتاً رحمه ال‪ ،‬وحملت منه‪ ،‬فولدت إبراهيم‪ .‬ولم يكن لجده ولد فأسند الملك‬
‫إليه‪ .‬وكان من تخليه عن الملك ما اشتهر‪ .‬وعلى قبر إبراهيم بن أدهم زاوية حسنة فيها‬
‫بركة ماء‪ ،‬وبها الطعام للصادر والوارد وخادمها إبراهيم الجمحي من كبار الصالحين‬
‫والناس يقصدون هذه الزاوية ليلة النصف من شعبان من سائر أقطار الشام‪ ،‬ويقيمون بها‬
‫ثلثاً‪ .‬ويقوم بها خارج المدينة سوق عظيم‪ ،‬فيه من كل شيء ويقدم الفقراء المتجردون من‬
‫الفاق لحضور هذا الموسم‪ ،‬وكل من يأتي من الزوار لهذه التربة يعطي لخادمها شمعة‪،‬‬
‫فيجتمع من ذلك قناطير كثيرة‪ .‬وأكثر أهل هذه السواحل هم الطائفة النصيرية الذين يعتقدون‬
‫أن علي بن أبي طالب إله‪ ،‬وهم ل يصلون ول يتطهرون ول يصومون‪ .‬وكان الملك الظاهر‬
‫ألزمهم بناء المساجد بقراهم‪ ،‬فبنوا بكل قرية مسجداً بعيداً عن العمارة ول يدخلونه ول‬
‫يعمرونه‪ .‬وربما أوت إليه مواشيهم ودوابهم وربما وصل الغريب إليهم فينزل بالمسجد‬
‫ويؤذن إلى الصلة فيقولون ل تنهق علفك يأتيك وعددهم كثير‪.‬‬
‫حكاية‬
‫ل مجهولً وقع ببلد هذه الطائفة‪ ،‬فادعى الهداية‪ ،‬وتكاثروا عليه فوعدهم‬
‫ذكر لي أن رج ً‬
‫بتملك البلد‪ ،‬وقسم بينهم بلد الشام‪ ،‬وكان يعين لهم البلد‪ ،‬يأمرهم بالخروج إليها‪ ،‬ويعطيهم‬
‫من ورق الزيتون‪ ،‬ويقول لهم‪ :‬استظهروا بها‪ ،‬فإنها كالوامر لكم فإذا خرج أحدهم إلى بلد‬
‫أحضره أميرها فيقول له‪ :‬إن المام المهدي أعطاني هذا البلد‪ ،‬فيقول له‪ :‬أين المر فيخرج‬
‫ورق الزيتون‪ .‬فيضرب ويحبس‪ .‬ثم إنه أمرهم بالتجهيز لقتال المسلمين وأن يبدأوا بمدينة‬
‫جبلة وأمرهم أن يأخذوا عوض السيوف قضبان الس‪ ،‬ووعدهم أنها تصير في أيديهم سيوفاً‬
‫عند القتال فغدروا مدينة جبلة‪ ،‬وأهلها في صلة الجمعة‪ ،‬فدخلوا الدور‪ ،‬وهتكوا الحريم‪.‬‬
‫وثار المسلمون من مسجدهم‪ ،‬فأخذوا السلح وقتلوهم كيف شاءوا واتصل الخبر باللذقية‪،‬‬
‫فأقبل أميرها بهادر عبد ال بعساكره‪ ،‬وطيرت الحمام إلى طرابلس‪ ،‬فأتى أمير المراء‬
‫بعساكره واتبعوهم حتى قتلوا منهم نحو عشرين الفاً‪ ،‬وتحصن الباقون بالجبال‪ .‬وراسلوا‬
‫ملك المراء والتزموا أن يعطوه ديناراً عن كل رأس‪ ،‬إن هو حاول إبقاءهم‪.‬وكان الخبر قد‬
‫طير به الحمام إلى الملك الناصر‪ .‬وصدر جوابه أن يحمل عليهم السيف‪ .‬فراجعه ملك‬
‫المراء‪ ،‬وألقى له أنهم عمال المسلمين في حراثة الرض‪ ،‬وإنهم إن قتلوا ضعف المسلمون‬
‫لذلك‪ ،‬فأمر بالبقاء عليهم‪ .‬ثم سافرت إلى مدينة اللذقية وهي مدينة عتيقة على ساحل‬
‫البحر‪ .‬يزعمون أنها مدينة الملك الذي كان يأخذ كل سفينة غصباً‪ .‬وكنت إنما قصدتها‬

‫لزيارة الولي الصالح عبد المحسن السكندري ‪ -‬فلما وصلتها وجدته غائباً بالحجاز‬
‫الشريف‪ .‬فلقيت من أصحابه الشيخين الصالحين سعيد البجائي ويحيى السلوي‪ ،‬وهما‬
‫بمسجد علء الدين بن البهاء‪ ،‬أحد فضلء الشام وكبرائها‪ ،‬صاحب الصدقات والمكارم‪،‬‬
‫وكان قد عمر لهما زاوية بقرب المسجد وجعل بها الطعام للوارد والصادر‪ .‬وقاضيها الفقيه‬
‫الفاضل جلل الدين عبد الحق المصري المالكي فاضل كريم تعلق بطيلن ملك المراء‬
‫فوله قضاءها‪.‬‬
‫حكاية‬
‫كان باللذقية رجل يعرف بابن المؤيد هجاء ل يسلم أحد من لسانه‪ ،‬متهم في دينه‪ ،‬مستخف‬
‫يتكلم بالقبائح من اللحاد‪ .‬فعرضت له حاجة عند طيلن ملك المراء‪ ،‬فلم يقضها له‪ .‬فقصد‬
‫مصر‪ ،‬وتقول أموراً شنيعة‪ ،‬وعاد إلى اللذقية‪ .‬فكتب طيلن إلى القاضي جلل الدين أن‬
‫يتحيل في قتله بوجه شرعي‪ ،‬فدعاه القاضي إلى منزله وباحثه واستخرج كامن إلحده‪ ،‬فتكلم‬
‫بعظائم أيسرها يوجب القتل‪ ،‬وقد أعد القاضي الشهود خلف الحجاب ليكتبوا عقداً بمقاله‪،‬‬
‫وثبت عند القاضي وسجن‪ ،‬وأعلم ملك ألمراء بقضيته‪ ،‬ثم أخرج من السجن‪ ،‬وخنق على‬
‫بابه‪ ،‬ثم لم يلبث ملك المراء طيلن أن عزل عن طرابلس‪ ،‬ووليها الحاج قرطية من كبار‬
‫المراء‪ ،‬وممن تقدمت له فيها الولية‪ ،‬وبينه وبين طيلن عداوة‪ ،‬فجعل يتبع سقطاته‪ ،‬وقام‬
‫لديه إخوة ابن المؤيد شاكين القاضي جلل الدين‪ ،‬فأمر به وبالشهود الذين شهدوا على ابن‬
‫المؤيد فأحضروا وأمر بخنقهم‪ ،‬وأخرجوا إلى ظاهر المدينة حيث يخنق الناس‪ ،‬وأجلس كل‬
‫واحد تحت مخنقته‪ ،‬ونزعت عمائمهم‪ .‬ومن عدة أمراء تلك البلد أنه متى أمر أحدهم بقتل‬
‫أحد من الناس يمر الحاكم من مجلس المير سبقاً على فرسه إلى حيث المأمور بقتله‪ ،‬ثم‬
‫يعود إلى المير فيكرر استئذانه يفعل ذلك ثلثاً‪ ،‬فإذا كان بعد الثلث أنفذ المر‪ ،‬فلما فعل‬
‫الحاكم ذلك قامت المراء في المرة الثالثة وكشفوا رؤوسهم وقالوا‪ :‬أيها المير هذه سبة في‬
‫السلم يقتل القاضي والشهود‪ .‬فقبل المير شفاعتهم وخلى سبيلهم‪ .‬وبخارج اللذقية الدير‬
‫المعروف بدير الفاروص‪ ،‬وهو أعظم دير بالشام ومصر يسكنه الرهبان‪ ،‬ويقصده‬
‫النصارى من الفاق‪ ،‬وكل من نزل به من المسلمين‪ .‬فالنصارى يضيفونه‪ .‬وطعامهم الخبز‬
‫والجبن والزيتون والخل البكر‪ .‬وميناء هذه المدينة عليها سلسلة بين برجين ل يدخلها أحد‪،‬‬
‫ول يخرج منها حتى تحط له السلسلة‪ .‬وهي من أحسن المراسي بالشام‪ .‬ثم سافرت إلى‬
‫حصن المرقب‪ ،‬وهو من الحصون العظيمة يماثل حصن الكرك‪ .‬ومبناه على جبل شامخ‪،‬‬
‫وخارجه ربض ينزله الغرباء‪ ،‬ول يدخلون قلعته‪ .‬وافتتحه من أيدي الروم الملك المنصور‬
‫قلوون‪ ،‬وعليه ولد ابنه الملك الناصر‪ .‬وكان قاضيه برهان الدين المصري من أفاضل‬
‫القضاة وكرمائهم‪ ،‬ثم سافرت إلى الجبل القرع وهو أعلى جبل بالشام وأول ما يظهر منها‬
‫من البحر‪ ،‬وسكانه التركمان‪ .‬وفيه العيون والنهار‪ .‬وسافرت منه إلى جبل لبنان‪ ،‬وهو من‬
‫أخصب جبال الدنيا‪ ،‬فيه أصناف الفواكه وعيون الماء والظلل الوافرة‪ ،‬ول يخلوا من‬
‫المنقطعين إلى ال تعالى والزهاد والصالحين‪ ،‬وهو شهير بذلك‪ .‬ورأيت به جماعة من‬
‫الصالحين قد انقطعوا إلى ال تعالى مما لم يشتهر اسمه‪.‬‬
‫حكاية‬

‫أخبرني بعض الصالحين الذين لقيتهم به قال‪ :‬كنا بهذا الجبل مع جماعة من الفقراء‬
‫أيام البرد الشديحد‪ ،‬فأوقدنحا ناراً عظيمحة‪ ،‬وأحدقنحا بهحا‪ .‬فقال بعحض الحاضريحن‪ :‬يصحلح‬
‫لهذه النار محا يشوى فيهحا‪ .‬فقال أححد الفقراء ممحن تزدريحه العيحن ول يعبحأ بحه‪ :‬إنحي‬
‫كنت عند صلة العصر بمتعبد إبراهيم بن أدهم‪ ،‬فرأيت بمقربة منه حمار وحش قد‬
‫أحدق الثلج بحه محن كحل جانحب‪ ،‬وأظنحه ل يقدر على الحراك‪ ،‬فلو ذهبتحم إليحه لقدرتحم‬
‫عليه وشويتم لحمه في هذه النار‪ .‬قال‪ :‬فقمنا إليه في خمسة رجال‪ ،‬فلقيناه كما وصف‬
‫إلينا‪ ،‬فقبضناه وأتينا به أصحابنا‪ ،‬وذبحناه وشوينا لحمه في تلك النار‪ ،‬وطلبنا الفقير‬
‫الذي نبه عليه فلم نجده‪ ،‬ول وقعنا له على أثر‪ ،‬فطال عجبنا منه‪ .‬ثم وصلنا من جبل‬
‫لبنان إلى مدينحة بعلبحك‪ .‬وهحي حسحنة قديمحة محن أطيحب مدن الشام‪ ،‬تحدق بهحا البسحاتين‬
‫الشريفحة والجنات المنيفحة‪ ،‬وتخترق أرضهحا النهار الجاريحة‪ ،‬وتضاهحي دمشحق فحي‬
‫خيراتهحا المتناهيحة‪ .‬وبهحا محن ححب الملوك محا ليحس فحي سحواها‪ .‬وبهحا يصحنع الدبحس‬
‫المنسحوب إليهحا وهحو منوع محن الرب يصحنعونه محن العنحب ولهحم تربحة يضعونهحا فيحه‬
‫فيجمد وتكسر القلة التي يكون بها‪ ،‬فيبقى قطعة واحدة‪ ،‬وتصنع منه الحلواء‪ ،‬ويجعل‬
‫فيهححا الفسححتق واللوز ويسححمونها حلواء بالملبححن‪ ،‬ويسححمونها أيضاً بجلد الفرس‪ .‬وهححي‬
‫كثيرة اللبان‪ ،‬وتجلب منهححا إلى دمشححق‪ ،‬وبينهمححا مسححيرة يوم للمجححد وأمححا الرفاق‬
‫فيخرجون من بعلبحك فيحبيتون ببلدة صحغيرة تعرف بالزبدانحي‪ ،‬كثيرة الفواكحه ويغدون‬
‫منهحا إلى دمشحق‪ ،‬ويصحنع ببعلبحك الثياب المنسحوبة إليهحا محن الحرام وغيره‪ ،‬ويصحنع‬
‫بهحا أوانحي الخشحب‪ ،‬وملعقحه التحي ل نظيحر لهحا فحي البلد‪ ،‬وهحم يسحمون الصححاف‬

‫بالدسحوت‪ .‬وربمحا صحنعوا الصححفة وصحنعوا صححفة أخرى تسحع فحي جوفهحا‪ ،‬وأخرى‬
‫في جوفها‪ ،‬إلى أن يبلغوا العشرة‪ ،‬يخيل لرائيها أنها صحفة واحدة‪ ،‬وكذلك الملعق‬
‫يصححنعون منهات عشرة‪ ،‬واحدة فححي جوف واحدة‪ ،‬ويصححنعون لهححا غشاء مححن جلد‪،‬‬
‫ويمسكها الرجل في حزامه‪ ،‬وإذا حضر طعاماً مع أصحابه أخرج ذلك‪ ،‬فيظن رائيه‬
‫أنهحا ملعقحة واحدة‪ ،‬ثحم يخرج محن جوفهحا تسحعة‪ ،‬وكان دخولي لبعلبحك عشيحة النهار‪.‬‬
‫وخرجحت منهحا بالغحد‪ ،‬ولفرط اشتياقحي إلى دمشحق وصحلت يوم الخميحس التاسحع محن‬
‫شهححر رمضان المعظححم عام سححتة وعشريححن إلى مدينححة دمشححق الشام‪ ،‬فنزلت منهححا‬
‫بمدرسحة المالكيحة المعروفحة بالشرابشيحة‪ ،‬ودمشحق هحي التحي تفضحل جميحع البلد حسحناً‬
‫وتتقدمهحا جمالً‪ ،‬وكحل وصحف‪ ،‬وإن طال‪ ،‬فهحو قاصحر عحن محاسحنها‪ .‬ول أبدع ممحا‬
‫قاله أبحو الحسحين ابحن جحبير رحمحه ال تعالى فحي ذكرهحا قال‪ :‬وأمحا دمشحق فهحي جنحة‬
‫المشرق‪ ،‬ومطلع نورهحا المشرق‪ ،‬وخاتمحة بلد السحلم متحى اسحتقريناها ‪ ،‬وعروس‬
‫المدن التححي اجتلبناهححا‪ .‬قححد تحلت بأزاهيححر الرياحيححن وتجلت فححي حلل سححندسية مححن‬
‫البساتين‪ ،‬وحلت موضع الحسن بالمكان المكين‪ ،‬وتزينت في منصتها أجمل تزيين‪،‬‬
‫وتشرفحت بأن أوى المسحيح عليحه السحلم وأمحه منهحا إلى ربوة منهحا ذات قرار ومعيحن‬
‫وظل ظليل‪ ،‬وماء سلسبيل‪ :‬تنساب مذانبه انسياب الراقم بكل سبيل‪ ،‬ورياض يحيي‬
‫النفوس نسحيمها العليحل‪ ،‬تتحبرج لناظريهحا بمجتلى صحقيل‪ ،‬وتناديهحم هلموا إلى معرس‬
‫للحسححن ومقيححل‪ ،‬وقححد سححئمت أرضهححا كثرة الماء‪ ،‬حتححى اشتاقححت إلى الظماء‪ .‬فتكاد‬
‫تناديك بها الصم والصلب‪ :‬اركض برجلك‪ ،‬هذا مغتسل بارد وشراب‪ .‬وقد أحدقت‬

‫البساتين بها إحداق الهالة بالقمر والكام بالثمر‪ ،‬وامتدت بشرقيها غوطتها الخضراء‬
‫امتداد البصحر‪ ،‬وكحل موضحع لحظحت بجهاتهحا الربحع نضرتحه اليانعحة قيحد البصحر ول‬
‫صدق القائلين عنها‪ :‬إن كانت الجنة في الرض فدمشق ل شك فيها‪ ،‬وإن كانت في‬
‫السحماء فهحي تسحاميها وتحاذيهحا‪ .‬قال ابحن جزي‪ :‬وقحد نظحم بعحض شعرائهحا فحي هذا‬
‫المعنى فقال‪:‬‬
‫إن تكن جنة الخلود بحأرض فدمشق ول تكون سحواهحا‬
‫أو تكن في السماء فهي عليها قد أبدت هواءها وهحواهحا‬
‫فاغتنمها عشية وضححاهحا‬
‫بلحد طحيب ورب غحفحور‬

‫وذكحر شيخنحا المحدث الرحال شمحس الديحن أبحو عبحد ال محمحد بحن جابر بحن حسحان‬
‫القيسحي الوادي آشحي‪ ،‬نزيحل تونحس‪ :‬نحص كلم ابحن جحبير‪ ،‬ثحم قال‪ :‬ولقحد أحسحن فيمحا‬
‫وصف منها وأجاد‪ .‬وتتوق النفس للتطلع على صورتها بما أفاد‪ .‬هذا وإن لم تكن له‬
‫بهحا إقامحة‪ .‬فيعرب عنهحا بحقيقحة وعلمحة‪ .‬ول وصحف ذهحبيات أصحيلها‪ .‬وقحد حان محن‬
‫الشمحس غروبهحا ول أزمان جفولهحا المنوعات‪ .‬ول أوقات شرورهحا المنبهات‪ ،‬وقحد‬
‫اختص من قال‪ :‬ألفيتها كما تصف اللسن‪ .‬وفيها ما تشتهيه النفس وتلذ العين‪ .‬قال‬
‫ابحن جزي‪ :‬والذي قالتحه الشعراء فحي وصحف محاسحن دمشحق ل يحصحر كثرة‪ .‬وكان‬
‫والدي رحمححه ال كثيراً مححا ينشححد فححي وصححفها هذه البيات‪ .‬وهححي لشرف الديححن بححن‬
‫محسن رحمه ال تعالى‪:‬‬
‫دمشق بنا شوق إليها محبحرح وإن لج واشٍ أو ألحح عحذول‬
‫بلد بها الحصباء درّ وتربحهحا عبيرٌ وأنفاس الشمال شمحول‬
‫تسلسل فيها ماؤها وهو مطلق وصح نسيم الروض وهو عليل‬

‫وهذا من النمط العالي من الشعر‪ .‬وقال فيها عرقلة الدمشقي الكلبي‪:‬‬
‫الشام شامة وجنة الدنيا كمحا إنسان مقلتها الغضيضة جلق‬

‫من آسها لك جن ٌة ل تنقضحي ومن الشقيق جهنمٌ ل تحرق‬

‫وقال أيضاً فيها‪:‬‬
‫للطالبين بها الولدان والححور‬
‫ت محعحجحلةٌ‬
‫أما دمشق فجنا ٌ‬
‫ما صاح فيها على أوتاره قمرٌ إل يغنيه قمريّ وشحححرور‬
‫يا حبذا ودروع الماء تنسجهحا أنامل الريح إل أنحهحا زور‬

‫وله فيها أشعار كثيرة سوى ذلك‪ .‬وقال فيها أبو الوحش سبع بن خلف السدي‪:‬‬
‫سقى دمشق ال غيثاً محسحنحاً من مستهل ديمة دهحاقحهحا‬
‫مدينة ليس يضاهى حسنحهحا في سائر الدنيا ول آفاقحهحا‬
‫منها ول تعزى إلى عراقهحا‬
‫تود زوراء الحعحراق أنحهحا‬
‫فأرضها مثل السماء بحهحجةً وزهرها كالزهر في إشراقها‬
‫نسيم روضها متى ما قد سرى فك أخا الهموم من وثاقحهحا‬
‫وسيقت الدنيا إلى أسواقحهحا‬
‫قد رتع الربيع في ربوعحهحا‬
‫ل تسأم العيون والنوف محن رؤيتها يوماً ول استنشاقحهحا‬

‫وممحا يناسحب هذا للقاضحي الفاضحل عبحد الرحيحم البيسحاني فيهحا محن قصحيدته‪ ،‬وقحد‬
‫نسبت أيضاً لبن المنير‪:‬‬
‫عذبت فصارت مثل مائك سلسل‬
‫يا برق هل لك في احتمال تححيةً‬
‫زهر الرياض مرصعًا ومكلحل‬
‫باكر دمشق بحمحشحق الحححيا‬
‫واجرر بجيرون ذيولك واختصص مغنى تأزر بالعل وتحسحربحل‬
‫حيث الحيا الربعي محلول الححيا والوابل الربعي مفري الحكحل‬

‫وقال فيهحا أبحو الحسحن علي بحن موسحى بحن سحعيد العنسحي الغرناطحي المدعحو نور‬
‫الدين‪:‬‬
‫دمشق منزلنا حيث النحعحيم بحدا مكملً وهو في الفاق مختصر‬
‫القصب راقصة والطير صادحة والزهر مرتفع والماء منححدر‬
‫وقد تجلت من اللذات أوجهحهحا لكنها بظلل الدوح تسحتحتحر‬
‫وكل روض على حافاته الخضر‬
‫وكل واد به محوسحى يفحجحره‬

‫وقال أيضاً فيها‪:‬‬
‫خيم بجلق بين الحكحاس والحوتحر في جنة هي ملء السمع والبصحر‬
‫ومتع الطرف في مرأى محاسحنحه وروض الفكر بين الروض والنهر‬
‫وانظر إلى ذهبيات الصحيل بحهحا واسمع إلى نغمات الطير في الشجر‬
‫دعني فإنك عندي سوقة الحبحشحر‬
‫وقل لمن لم فحي لحذاتحه بحشحراً‬

‫وقال أيضاً فيها‪:‬‬

‫ينسى بها الوطن الغريب‬
‫أمحا دمحشحق فحجحنةٌ‬
‫بها ومنظرها العجحيب‬
‫للحه أيام الحسحبححوت‬
‫أنظر بعينك هحل تحرى إل محبحاً أو ححبحيب‬
‫في موطنٍ غنى الحمحام به على رقص القضيب‬
‫وغدت أزاهر روضحه تختال في فرح وطحيب‬

‫وأهحل دمشحق ل يعملون يوم السحبت عملٌ‪ ،‬إنمحا يخرجون إلى المتنزهات وشطوط‬
‫النهار ودوحات الشجار‪ ،‬بين البساتين النضرة والمياه الجارية فيكونون بها يومهم‬
‫إلى الليحل‪ ،‬وقحد طال بنحا الكلم فحي محاسحن دمشحق فلنرجحع إلى كلم الشيحخ أبحي عبحد‬
‫ال‪.‬‬
‫ذكر جامع دمشق المعروف بجامع بني امية‬

‫وهو أعظم مساجد الدنيا احتفالً‪ ،‬وأتقنها صناعة‪ ،‬وأبدعها حسناً وبهجة وكمالً‪ ،‬ول يعلم له‬
‫نظير‪ ،‬ول يوجد له شبيه‪ ،‬وكان الذي تولى بناءه وإتقانه أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك‬
‫بن مروان‪ .‬ووجه إلى ملك الروم بقسطنطينية يأمره أن يبعث إليه الصناع‪ ،‬فبعث إليه اثني‬
‫عشر ألف صانع‪ .‬وكان موضع المسجد كنيسة‪ .‬فلما افتتح المسلمون دمشق دخل خالد بن‬
‫الوليد رضي ال عنه من إحدى جهاتها بالسيف‪ ،‬فانتهى إلى نصف الكنيسة‪ .‬ودخل أبو عبيدة‬
‫بن الجراح رضي ال عنه من الجهة الغربية صلحاً‪ ،‬فانتهى إلى نصف الكنيسة‪ .‬فصنع‬
‫المسلمون من نصف الكنيسة الذي دخلوه عنوة مسجداً‪ ،‬وبقي النصف الذي صالحوا عليه‬
‫كنيسة‪ .‬فلما عزم الوليد على زيادة الكنيسة في المسجد طلب من الروم أن يبيعوا له كنيستهم‬
‫تلك بما شاءوا من عوض‪ ،‬فأبوا عليه‪ .‬فانتزعها من أيديهم‪ .‬وكانوا يزعمون أن الذي يهدمها‬
‫يجن‪ ،‬فذكروا ذلك للوليد فقال‪ :‬أنا اول من يجن في سبيل ال‪ ،‬وأخذ الفأس وجعل يهدم‬
‫بنفسه‪ .‬فلما رأس المسلمون ذلك تتابعوا على الهدم‪ .‬وأكذب ال زعم الروم‪ .‬وزين هذا‬
‫المسجد بفصوص الذهب المعروفة بالفسيفساء‪ ،‬تخالطها أنواع الصبغة الغريبة الحسن‪،‬‬
‫وذرع المسجد في الطول من الشرق إلى الغرب مائتا خطوة‪ ،‬وهي ثلثمائة ذراع‪ ،‬وعرضه‬
‫من القبلة إلى الجوف مائة وخمس وثلثون خطوة‪ ،‬وهي مائتا ذراع‪ ،‬وعدد شمسات الزجاج‬
‫الملون الذي فيه أربع وسبعون‪ .‬وبلطاته الثلثة مستطيلة من شرق إلى غرب‪ ،‬سعة كل‬
‫بلط منها ثماني عشرة خطوة‪ .‬وقد قامت على أربع وخمسين سارية‪ ،‬وثماني أرجل‬
‫حصية‪ ،‬تتخللها‪ ،‬وست أرجل مرخمة مرصعة بالرخام الملون‪ ،‬قد صور فيها أشكال‬
‫محاريب وسواها‪ .‬وهي ثقل قبة الرصاص التي امام المحراب المسماة بقبة النسر كأنهم‬
‫شبهوا المسجد نسراً طائراً‪ ،‬والقبة رأسه‪ ،‬وهي من أعجب مباني الدنيا‪.‬‬
‫ومن أي جهة استقبلت المدينة بدت لك قبة النسر ذاهبة في الهواء منيفة على جميع مباني‬
‫البلد‪ ،‬وتستدير بالصحن بلطات ثلثة من جهاته الشرقية والغربية والجوفية‪ ،‬سعة كل بلط‬

‫منها عشر خطى‪ .‬وبها من السواري ثلث وثلثون‪ ،‬ومن الرجل أربع عشرة وسعة‬
‫الصحن مائة ذراع‪ ،‬وهو من أجمل المناظر وأتمها حسناً‪ ،‬وبها يجتمع أهل المدينة بالعشايا‪،‬‬
‫فمن قارئ ومحدث وذاهب‪ .‬ويكون انصرافهم بعد العشاء الخيرة وإذا لقي أحد كبرائهم من‬
‫الفقهاء وسواهم صاحباً له أسرع كل منهما نحو صاحبه وقبل رأسه‪ .‬وفي هذا الصحن ثلث‬
‫من القباب إحداها في غربيه‪ ،‬وهي أكبرها وتسمى قبة عائشة أم المؤمنين‪ .‬وهي قائمة على‬
‫ثماني سوارٍ من الرخام مزخرفة بالفصوص والصبغة الملونة مسقفة بالرصاص‪.‬‬
‫ويقال‪ :‬إن مال الجامع كان يختزن بها‪ .‬وذكر لي أن فوائد مستغلت الجامع وجبايته نحو‬
‫خمسة وعشرين ألف دينار ذهبًا في كل سنة‪ .‬والقبة الثانية من شرقي الصحن على هيئة‬
‫الخرى‪ ،‬إل أنها أصغر منها قائمة على ثمانٍ من سواري الرخام‪ ،‬وتسمى قبة زين‬
‫العابدين‪ .‬والقبة الثالثة في وسط الصحن‪ ،‬وهي صغيرة مثمنة من رخام عجيب محكم‬
‫اللصاق‪ ،‬قائمة على أربع سوارٍ من الرخام الناصع وتحتها شباك حديد في وسطه أنبوب‬
‫نحاس‪ ،‬يمج الماء إلى علو‪ ،‬فيرتفع ثم ينثني كأنه قضيب لجين‪ .‬وهم يسمونهم قفص الماء‪.‬‬
‫ويستحسن الناس وضع أفواههم فيه للشرب‪ .‬وفي الجانب الشرقي من الصحن باب يفضي‬
‫إلى مسجد بديع الوضع يسمى مشهد علي بن أبي طالب رضي ال عنه‪ ،‬ويقابله من الجهة‬
‫الغربية حيث يلتقي البلطان الغربي والجوفي موضع يقال‪ :‬إن عائشة رضي ال عنها‬
‫سمعت الحديث هنالك‪ .‬وفي قبلة المسجد المقصورة العظمى التي يؤم فيها إمام الشافعية‬
‫وفي الركن الشرقي منها إزاء المحراب خزانة كبيرة فيه المصحف الكريم الذي وجهه أمير‬
‫المؤمنين عثمان بن عفان رضي ال عنه إلى الشام‪ .‬وتفتح تلك الخزانة كل يوم جمعة بعد‬
‫الصلة فيزدحم الناس على لثم ذلك المصحف الكريم‪ .‬وهنالك يحلف الناس غرماءهم ومن‬
‫ادعوا عليه شيئاً‪ .‬وعن يسار المقصورة محراب الصحابة‪ .‬ويذكر أهل التاريخ أنه أول‬
‫محراب وضع في السلم ‪ -‬وفيه يؤم إمام المالكية ‪ -‬وعن يمين المقصورة محراب الحنفية‬
‫وفيه يؤم إمامهم‪ ،‬ويليه محراب الحنابلة وفيه يؤم إمامهم‪ .‬ولهذا المسجد ثلث صوامع‬
‫إحداها بشرقيه‪ ،‬وهي من بناء الروم‪ .‬وبابها داخل المسجد‪ ،‬وبأسفلها مطهرة وبيوت‬
‫للوضوء يغتسل فيها المعتكفون والملتزمون للمسجد ويتوضأون‪.‬‬
‫والصومعة الثانية بغربيه وهي أيضاً من بناء الروم‪.‬‬
‫والصححومعة الثالثححة بشماله‪ ،‬وهححي مححن بناء المسححلمين‪ .‬وعدد المؤذنيححن بححه سححبعون‬
‫مؤذناً‪ .‬وفحي شرقحي المسحجد صحومعة كحبيرة فيهحا صحهريج ماء وهحي لطائفحة الزيالعحة‬
‫السحودان‪ .‬وفحي وسحط المسحجد قحبر زكريحا عليحه السحلم‪ ،‬وعليحه تابوت معترض بيحن‬
‫أسححطوانتين مكسححو بثوب حريححر أسححود معلم فيحه مكتوب بالبيححض‪ " :‬يحا زكريحا إنحا‬
‫نبشرك بغلم اسحمه يحيحى " وهذا المسحجد شهيحر الفضحل‪ .‬وقرأت فحي فضائل دمشحق‬
‫عن سفيان الثوري أن الصلة في مسجد دمشق بثلثين ألف صلة‪ .‬وفي الثر عن‬

‫النحبي صحلى ال عليحه وسحلم أنحه قال‪ " :‬يعبحد ال فيحه بعحد خراب الدنيحا أربعيحن سحنة "‪.‬‬
‫ويقال‪ :‬إن الجدار القبلي منحه وضعحه نحبي ال هود عليحه السحلم‪ ،‬وأن قحبره بحه‪ .‬وقحد‬
‫رأيحت على مقربحة محن مدينحة ظفار اليمحن بموضحع يقال له‪ :‬الحقاف بنيحة فيهحا قحبر‬
‫مكتوب عليحه هذا قحبر هود بحن عابر صحلى ال عليحه وسحلم‪ .‬ومحن فضائل هذا المسحجد‬
‫أنحه ل يخلو عحن قراءة القرآن والصحلة إل قليلً محن الزمان‪ ،‬كمحا سحنذكره‪ .‬والناس‬
‫يجتمعون بحه كحل يوم إثحر صحلة الصحبح فيقرأون سحبعاً محن القرآن ويجتمعون بعحد‬
‫صححلة العصححر لقراءة تسححمى الكوثريححة‪ ،‬يقرأون فيهححا مححن سححورة الكوثححر إلى آخححر‬
‫القرآن‪ .‬وللمجتمعيحن على هذه القراءة مرتبات تجري لهحم وهحم نححو سحتمائة إنسحان‪.‬‬
‫ويدور عليهحم كاتحب الغيبحة‪ ،‬فمحن غاب منهحم قطحع له عنحد دفحع المرتحب بقدر غيبتحه‪.‬‬
‫وفي هذا المسجد جماعة كبيرة من المجاورين ل يخرجون منه مقبلون على الصلة‬
‫والقراءة والذكحححر‪ ،‬ل يفترون عحححن ذلك‪ .‬ويتوضأون محححن المطاهحححر التحححي بداخحححل‬
‫الصحومعة الشرقيحة التحي ذكرناهحا‪ .‬وأهحل البلد يعينونهحم بالمطاعحم والملبحس محن غيحر‬
‫أت يسححألوهم شيئاً مححن ذلك‪ ،‬وفححي هذا المسححجد أربعححة أبواب‪ :‬باب قبلي يعرف بباب‬
‫الزيادة‪ ،‬وبأعله قطعحة محن الرمحح الذي كانحت فيحه رايحة خالد بحن الوليحد رضحي ال‬
‫عنه‪ ،‬ولهذا الباب دهليز كبير متسع فيه حوانيت السقاطين وغيرهم‪ ،‬ومنه يذهب إلى‬
‫دار الخيحل‪ .‬وعحن يسحار الخارج منحه سحماط الصحفارين‪ ،‬وهحي سحوق عظيمحة تمتحد محع‬
‫جدار المسححجد القبلي‪ ،‬محن أحسححن أسحواق دمشحق‪ .‬وبموضححع هذه السحوق كانحت دار‬
‫معاوية بن أبي سفيان رضي ال عنه ودور قومه‪ ،‬وكانت تسمى الخضراء‪ .‬فهدمها‬

‫بنحو العباس رضحي ال عنهحم وصحار مكانهحا سحوقاً‪ .‬وباب شرقحي وهحو أعظحم أبواب‬
‫المسحجد‪ ،‬ويسحمى بباب جيرون‪ .‬وله دهليحز عظيحم يخرج منحه إلى بلط عظيحم طويحل‬
‫أمامه خمسة أبواب لها ستة أعمدة طوال‪ .‬وفي جهة اليسار منه مشهد عظيم كان فيه‬
‫رأس الحسين رضي ال عنه‪ .‬وبإزائه مسجد صغير ينسب إلى عمر بن عبد العزيز‬
‫رضحححي ال عنحححه‪ ،‬وبحححه ماء جارٍ‪ .‬وقحححد انتظمحححت أمام البلط درج ينحدر فيهحححا إلى‬
‫الدهليححز‪ ،‬وهححو كالخندق العظيححم يتصححل بباب عظيححم الرتفاع تحتححه أعمدة كالجذوع‬
‫طوال وبجانححبي هذا الدهليححز أعمدة قححد قامححت عليهححا شوارع مسححتديرة فيهححا دكاكيححن‬
‫البزازيحن وغيرهححم‪ .‬وعليهححا شوارع مسححتطيلة فيهححا حوانيححت الجوهرييححن والكتححبيين‬
‫وصحناع أوانحي الزجاج العجيبحة‪ .‬وفحي الرحبحة المتصحلة بالباب الول دكاكيحن لكبار‬
‫الشهود‪ ،‬منهحا دكان للشافعيحة‪ ،‬وسحائرها لصححاب المذاهحب‪ .‬يكون فحي الدكان منهحا‬
‫الخمسححة والسححتة مححن العدول‪ ،‬والعاقححد للنكحححة مححن قبححل القاضححي‪ ،‬وسححائر الشهود‬
‫مفترقون في المدينة‪ .‬وبمقربة من هذه الدكاكين سوق الوراقين الذين يبيعون الكاغد‬
‫والقلم والمداد‪ .‬وفي الدهليز المذكور حوض من الرخام الكبير مستدير عليه قبة ل‬
‫سقف لها‪ ،‬تقلها أعمدة رخام وفي وسط الحوض أنبوب نحاس يمج الماء بقوة فيرتفع‬
‫فححي الهواء أزيححد مححن قامححة النسححان يسححمونه الفوارة‪ ،‬منظره عجيححب‪ .‬وعححن يميححن‬
‫الخارج محن باب جيرون وهحو باب السحاعات‪ ،‬غرفحة لهحا هيئة طاق كحبير فيحه طيقان‬
‫صحححغار مفتححححة لهحححا أبواب على عدد سحححاعات النهار‪ .‬والبواب مصحححبوغ باطنهحححا‬
‫بالخضرة وظاهرهحا بالصحفرة‪ ،‬فإذا ذهبحت سحاعة محن النهار انقلب الباطحن الخضحر‬

‫ظاهراً والظاهحر الصحفر باطناً‪ .‬ويقال‪ :‬إن بداخحل الغرفحة محن يتولى قلبهحا بيده عنحد‬
‫مضي الساعات‪ .‬والباب الغربي يعرف بباب البريد‪ ،‬وعن يمين الخارج منه مدرسة‬
‫الشافعيححة‪ .‬وله دهليححز فيححه حوانيححت للشماعيححن‪ ،‬وسححماط لبيححع الفواكححه‪ .‬وبأعله باب‬
‫يصحعد إليحه فحي درج له أعمدة سحامية فحي الهواء‪ .‬وتححت الدرج سحقايتان عحن يميحن‬
‫وشمال مستديرتان‪ .‬والباب الجوفي يعرف بباب النطفانيين‪ ،‬وله دهليز عظيم‪ .‬وعن‬
‫يمين الخارج منه خانقاه تعرف بالشميعانية‪ ،‬في وسطها صهريج ماء‪ .‬ولها مطاهر‬
‫يجري فيها الماء‪ .‬ويقال‪ :‬إنها كانت دار عمر بن عبد العزيز رضي ال عنه‪ .‬وعلى‬
‫كل باب من أبواب المسجد الربعة دار وضوء يكون فيها نحو مائة بيت تجري فيها‬
‫المياه الكثيرة‪.‬نحه‪ .‬وعلى كحل باب محن أبواب المسحجد الربعحة دار وضوء يكون فيهحا‬
‫نحو مائة بيت تجري فيها المياه الكثيرة‪.‬‬
‫ذكر الئمة بهذا المسجد‬

‫وأئمته ثلثة عشر إماماً‪ .‬أولهم الشافعية‪ ،‬وكان في عهد دخولي إليها إمامهم قاضي‬
‫القضاة جلل الدين محمد بن عبد الرحمن القزويني من كبار الفقهاء‪ ،‬وهو الخطيب‬
‫بالمسجد‪ ،‬وسكناه بدار الخطابة‪ ،‬ويخرج من باب الحديد إزاء المقصورة وهو الباب‬
‫الذي كان يخرج منحه معاويحة‪ .‬وقحد تولى جلل الديحن بعحد ذلك قضاء القضاة بالديار‬
‫المصححرية‪ ،‬بعححد أن أدى عنححه الملك الناصححر نحححو مائة ألف درهححم كانححت ديناً عليححه‬
‫بدمشحق‪ .‬وإذا سحلم إمام الشافعيحة محن صحلته أقام للصحلة إمام مشهحد علي‪ ،‬ثحم إمام‬
‫مشهحد الحسحين ثحم إمام مشهحد الكلسحة ثحم إمام مشهحد أبحي بكحر ثحم إمام مشهحد عثمان‬

‫رضي ال عنهم أجمعين‪ ،‬ثم إمام المالكية‪ .‬وكان إمامهم في عهد دخولي إليها الفقيه‬
‫أبحو عمحر بحن الوليحد بحن الحاج التجيحبي‪ ،‬القرطحبي الصحل‪ ،‬الغرناطحي المولد‪ ،‬نزيحل‬
‫دمشق‪ .‬وهو يتناوب المامة مع أخيه رحمهما ال‪ .‬ثم إمام الحنفية‪ ،‬وكان إمامهم في‬
‫عهحد دخولي إليهحا الفقيحه عماد الديحن الحنفحي المعوف بابحن الرومحي‪ ،‬وهحو محن كبار‬
‫الصححوفية‪ .‬وله شياخحة الخانقاه الخاتونيححة؛ وله أيضاً خانقاه بالشرف العلى‪ .‬ثحم إمام‬
‫الحنابلة وكان ذلك العهحد الشيحخ عبحد ال الكفيحف أححد شيوخ القراء بدمشحق‪ .‬ثحم بعحد‬
‫هؤلء خمسحة أئمحة لقضاة الفوائت فل تزال الصحلة فحي هذا المسحجد محن أول النهار‬
‫إلى ثلث الليل‪ ،‬وكذلك قراءة القرآن وهذا من مفاخر الجامع المبارك‪.‬‬
‫ذكر المدرسين والمعلمين به‬

‫ولهذا المسححجد حلقات للتدريححس فححي فنون العلم‪ .‬والمحدثون يقرأون كتححب الحديححث‬
‫على كراسي مرتفعة‪ .‬وقراء القرآن يقرأون بالصوات الحسنة صباحاً ومساء‪ .‬وبه‬
‫جماعة من المعلمين لكتاب ال يستند كل واحد منهم إلى سارية من سواري المسجد‬
‫يلقحن الصحبيان ويقرئهحم‪ .‬وهحم ل يكتبون القرآن فحي اللواح تنزيهاً لكتاب ال تعالى‪،‬‬
‫وإنمححا يقرأون القرآن تلقيناً‪ .‬ومعلم الخححط غيححر معلم القرآن‪ ،‬يعلمهححم بكتححب الشعار‬
‫وسححواها‪ ،‬فينصححرف الصححبي مححن التعليححم إلى التكتيححب‪ ،‬وبذلك جاد خطححه لن المعلم‬
‫للخط ل يعلم غيره‪ .‬ومن المدرسين بالمسجد المذكور العالم الصالح برهان الدين بن‬
‫الفركاح الشافعححي‪ ،‬ومنهححم العالم الصححالح نور الديححن أبححو اليسححر بححن الصححائغ مححن‬
‫المشتهرين بالفضل والصلح‪ .‬ولما ولي القضاء بمصر جلل الدين القزويني وجه‬

‫إلى أبحي اليسحر الخلعحة والمحر بقضاء دمشحق‪ ،‬فامتنحع محن ذلك‪ .‬ومنهحم المام العالم‬
‫شهاب الديحن بحن جهيحل محن كبار العلماء‪ .‬هرب محن دمشحق لمحا امتنحع أبحو اليسحر محن‬
‫قضائهححا خوفاً مححن أن يقلد القضاء فاتصححل ذلك بالملك الناصححر فولى قضاء دمشححق‬
‫شيحخ الشيوخ بالديار المصحرية قطحب العارفيحن لسحان المتكلميحن علء الديحن القونوي‬
‫وهححو مححن كبار الفقهاء‪ .‬ومنهححم المام الفاضححل بدر الديححن علي السححخاوي رحمححة ال‬
‫عليهم أجمعين ‪.‬‬
‫ذكر قضاة دمشق‬

‫قد ذكرنا قاضي القضاة الشافعي بها جلل الدين محمد بن عبد الرحمن القزويني‪.‬‬
‫وأمحا قاضحي المالكيحة فهحو شرف الديحن‪ ،‬خطيحب الفيوم‪ ،‬حسحن الصحورة والهيئة محن‬
‫كبار الرؤساء‪ .‬وهو شيخ شيوخ الصوفية‪ ،‬والنائب عنه في القضاء شمس الدين بن‬
‫القفصحي‪ ،‬ومجلس حكمحه بالمدرسحة الصحمصامية‪ .‬وأمحا قاضحي قضاة الحنفيحة فهحو‬
‫عماد الديحن الحورانحي‪ .‬وكان شديحد السحطوة‪ .‬وإليحه تحاكحم النسحاء وأزواجهحن‪ .‬وكان‬
‫الرجل إذا سمع اسم القاضي الحنفي أنصف من نفسه قبل الوصول إليه‪ .‬وأما قاضي‬
‫الحنابلة فهو المام الصالح عز الدين بن مسلم من خيار القضاة ينصرف على حمار‬
‫له ومات بمدينة رسول ال صلى ال عليه وسلم لما توجه للحجاز الشريف‪.‬‬
‫حكاية‬

‫وكان بدمشحق محن كبار الفقهاء الحنابلة تقحي الديحن بحن تيميحة كحبير الشام يتكلم فحي‬
‫الفنون‪ .‬إل أن في عقله شيئاً‪ .‬وكان أهل دمشق يعظمونه أشد التعظيم‪ ،‬ويعظهم على‬

‫المنححبر‪ .‬وتكلم مرة بأمححر أنكره الفقهاء‪ ،‬ورفعوه إلى الملك الناصححر فأمححر بإشخاصححه‬
‫إلى القاهرة‪ ،‬وجمححححع القضاة والفقهاء بمجلس الملك الناصححححر‪ ،‬وتكلم شرف الديححححن‬
‫الزواوي المالكي وقال‪ :‬إن هذا الرجحل قال كذا وكذا‪ ،‬وعدد ما أنكر على ابن تيمية‪،‬‬
‫وأحضححر العقود بذلك ووضعهححا بيححن يدي قاضححي القضاة وقال قاضححي القضاة لبححن‬
‫تيميحححة‪ :‬محححا تقول ? قال‪ :‬ل إله إل ال فأعاد عليحححه فأجاب بمثحححل قوله‪ .‬فأمحححر الملك‬
‫الناصر بسجنه فسجن أعواماً‪ .‬وصنف في السجن كتاباً في تفسير القرآن سماه البحر‬
‫المحيحط‪ ،‬فحي نححو أربعيحن مجلداً‪ .‬ثحم إن أمحه تعرضحت للملك الناصحر‪ ،‬وشكحت إليحه‪،‬‬
‫فأمحر بإطلقحه إلى أن وقحع منحه مثحل ذلك ثانيحة‪ .‬وكنحت إذ ذاك بدمشحق‪ ،‬فحضرتحه يوم‬
‫الجمعحة وهحو يعحظ الناس على منحبر الجامحع ويذكرهحم‪ .‬فكان من جملة كلمحه أن قال‪:‬‬
‫إن ال ينزل إلى سماء الدنيا كنزولي هذا ونزل درجة من درج المنبر فعارضه فقيه‬
‫مالكي يعرف بابن الزهراء‪ ،‬وأنكر ما تكلم به‪ .‬فقامت العامة إلى هذا الفقيه وضربوه‬
‫باليدي والنعال ضرباً كثيراً حتى سقطت عمامته‪ ،‬وظهر على رأسه شاشية حرير‪،‬‬
‫فأنكروا عليحه لباسحها واحتملوه إلى دار عحز الديحن بحن مسحلم قاضحي الحنابلة‪ ،‬لامحر‬
‫بسجنه وعزره بعد ذلك‪ .‬فأنكر فقهاء المالكية والشافعية ما كان من تعزيره‪ ،‬ورفعوا‬
‫المر إلى ملك المراء سيف الدين تنكيز‪ ،‬وكان من خيار المراء وصلحائهم‪ .‬فكتب‬
‫إلى الملك الناصحر بذلك‪ ،‬وكتحب عقداً شرعياً على ابحن تيميحة بأمور منكرة‪ ،‬منهحا أن‬
‫المطلق بالثلث فحي كلمحة واحدة ل تلزمحة إل طلقحة واحدة ومنهحا المسحافر الذي ينوي‬
‫بسحفره زيارة القحبر الشريحف زاده ال طيباً ل يقصحر الصحلة‪ ،‬وسحوى ذلك محا يشبهحه‪،‬‬

‫وبعحث العقحد إلى الملك الناصحر فأمحر بسحجن ابحن تيميحة بالقلعحة‪ ،‬فسحجن بهحا حتحى مات‬
‫في السجن‪.‬‬
‫ذكر مدارس دمشق‬

‫اعلم أن للشافعيحة بدمشحق جملة محن المدارس‪ ،‬أعظمهحا العادليحة وبهحا يحكحم قاضحي‬
‫القضاة‪ .‬وتقابلهححا المدرسححة الظاهريححة‪ ،‬وبهحا قححبر الملك الظاهححر‪ ،‬وبهحا جلوس نواب‬
‫القاضحي‪ .‬ومحن نوابحه فخحر الديحن القبطحي وكان والده محن كتاب القبحط وأسحلم‪.‬ومنهحم‬
‫جمال الدين بن جملة‪ ،‬وقد تولى قضاء قضاة الشافعية بعد ذلك‪ ،‬وعزل لمر أوجب‬
‫عزله‪.‬‬
‫حكاية‬

‫كان بدمشحق الشيحخ الصحالح ظهيحر الديحن العجمحي‪ .‬وكان سحيف الديحن تنكيحز ملك‬
‫المراء يتتلمححذ له ويعظمححه‪ .‬فحضححر يوماً بدار العدل عنححد ملك المراء‪ ،‬وحضححر‬
‫القضاة الربعحة‪ .‬فحكحى قاضحي القضاة جمال الديحن بحن جملة حكايحة‪ .‬فقال له ظهيحر‬
‫الديححن‪ :‬كذبححت‪ .‬فأنححف القاضححي مححن ذلك وامتعححض له‪ .‬فقال للميححر‪ :‬كيححف يكذبنححي‬
‫بحضرتك ? فقال له المير‪ :‬احكم عليه‪ ،‬وسلمه إليه وظنه أنه يرضى بذلك فل يناله‬
‫بسحوء‪ .‬فأحضره القاضحي بالمدرسحة العادليحة وضربحه مائتحي سحوط‪ ،‬وطيحف بحه على‬
‫حمار فحي مدينحة دمشحق‪ ،‬ومنادٍ ينادي عليحه‪ ،‬فمتحى فرغ محن ندائه ضربحه على ظهره‬
‫ضربحة‪ ،‬وهكذا العادة عندهحم‪ .‬فبلغ ذلك ملك المراء‪ ،‬فأنكره أشحد النكار‪ ،‬وأحضحر‬
‫القضاة والفقهاء‪ ،‬فاجمعوا على خطأ القاضي‪ ،‬وحكمه بغير مذهبه‪ .‬فإن التعزيز عند‬

‫الشافعي ل يبلغ به الحد‪ .‬وقال قاضي المالكية شرف الدين‪ :‬قد حكمت بتفسيقه فكتب‬
‫إلى الملك الناصحر بذلك‪ ،‬فعزله‪ .‬وللحنفيحه مدارس كثيرة‪ .‬وأكبرهحا مدرسحة السحلطان‬
‫نور الديححن‪ ،‬وبهححا يحكححم قاضححي الحنفيححه‪ .‬وللمالكيححة بدمشححق ثلث مدارس إحداهححا‬
‫الصحمصامية‪ ،‬وبهحا سحكن قاضحي قضاة المالكيحة وقعوده للحكام‪ ،‬والمدرسحة النوريحة‬
‫عمرهحا السحلطان نور الديحن محمود بحن زنكحي‪ ،‬والمدرسحة الشرابشيحة عمرهحا شهاب‬
‫الدين الشرابشي التاجر‪ ،‬وللحنابلة مدارس كثيرة أعظمها النجمية‪.‬‬
‫ذكر أبواب دمشق‬

‫ولمدينحة دمشحق ثمانيحة أبواب‪ ،‬منهحا باب الفراديحس‪ ،‬ومنهحا باب الجابيحة ومنهحا الباب‬
‫الصغير‪ .‬وفيما بين هذين البابين مقبرة فيها العدد الجم من الصحابة والشهداء‪ ،‬فمن‬
‫بعدهححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححم‪.‬‬
‫قال محمد بن جزي‪ :‬لقد أحسن بعض المتأخرين من أهل دمشق في قوله‪:‬‬
‫دمشق في أوصافها جنة خلدٍ راضحيه‬
‫أما ترى أبوابحهحا قد جعلت ثمانحيه‬

‫ذكر بعض المشاهد والمزارات بها‬

‫فمنها بالمقبرة التي بين باب الجابية والباب الصغير قبر أم حبيبة بنت أبي سفيان‬
‫أم المؤمنيحن‪ ،‬وقحبر أخيهحا أميحر المؤمنين معاويحة‪ ،‬وقحبر بلل مؤذن رسحول ال صحلى‬
‫ال عليه وسلم‪ ،‬ورضي ال عنهم أجمعين‪ ،‬وقبر أويس القرني‪ ،‬وقبر كعب الحبار‬
‫رضححي ال عنهمححا‪ .‬ووجدت فححي كتاب المعلم فححي شرح صحححيح مسححلم للقرطححبي أن‬
‫جماعحة محن الصححابة صححبهم أويحس القرنحي محن المدينحة إلى الشام‪ ،‬فتوفحي فحي أثناء‬

‫الطريحق فحي بريحة ل عمارة فيهحا ول ماء فتحيروا فحي أمره‪ ،‬فنزلوا‪ ،‬فوجدوا حنوطاً‬
‫وكفناً وماء‪ ،‬فعجبوا محن ذلك‪ ،‬وغسحلوه وكفنوه وصحلوا عليحه ودفنوه‪ .‬ثحم ركبوا فقال‬
‫بعضهحم‪ :‬كيحف نترك قحبره بغيحر علمحة فعادوا للموضحع فلم يجدوا للقحبر من أثحر‪ .‬قال‬
‫ابن جزي‪ :‬ويقال‪ :‬إن أويساً قتل بصفين مع علي عليه السلم‪ ،‬وهو الصح إن شاء‬
‫ال ويلي باب الجابية باب شرقي عنده جبانة فيها قبر أبي بن كعب صاحب رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وفيها قبر العابد الصالح أرسلن المعروف بالباز الشهب‪.‬‬
‫حكاية في سبب تسميته بذلك‬

‫يحكى أن الشيخ الولي أحمد الرفاعي رضي ال عنه كان مسكته بأم عبيدة بمقربة‬
‫محن مدينحة واسحط‪ ،‬وكانحت بيحن ولي ال تعالى أبحي مديحن شعيحب بحن الحسحين وبينحه‬
‫مؤاخاة ومراسحلة‪ .‬ويقال‪ :‬إن كحل واححد منهمحا كان يسحلم على صحاحبه صحباحاً ومسحاء‬
‫فيرد عليححه الخححر‪ .‬وكانححت للشيححخ أحمححد نخيلت عنححد زاويتححه‪ ،‬فلمححا كان فححي إحدى‬
‫السحنين جذهحا على عادتحه وترك عذقاً منهحا وقال هذا برسحم أخحي شعيحب فححج الشيحخ‬
‫أبححو مديححن تلك السححنة واجتمعححا بالموقححف الكريححم بعرفححة‪ .‬ومححع الشيححخ أحمححد خديمححه‬
‫أرسحلن‪ ،‬فتفاوضحا الكلم‪ .‬وحكحى الشيحخ حكايحة العذق فقال له أرسحلن عحن أمرك يحا‬
‫سحيدي آتيحه بحه‪ .‬فأذن له‪ .‬فذهحب فحي حينحه وأتاه بحه ووضعحه بيحن أيديهمحا‪ ،‬فأخحبر أهحل‬
‫الزاويححة أنهححم رأوا عشيححة يوم عرفححة بازًا أشهححب قححد انقححض على النخلة فقطححع ذلك‬
‫العذق وذهحب بحه فحي الهواء‪ .‬وبغربحي دمشحق جبانحة تعرف بقبور الشهداء‪ .‬فيهحا قحبر‬
‫أبحي الدرداء وزجحة أم الدرداء‪ ،‬وقحبر فضالة بحن عبيحد‪ ،‬وقحبر وائلة بحن السحقع‪ ،‬وقحبر‬

‫سحهل بحن حنظلة محن الذيحن بايعوا تححت الشجرة رضحي ال عنهحم أجمعيحن‪ .‬وبقريحة‬
‫تعرف بالمنيحة شرقي دمشق وعلى أربعة أميال منها قبر سعد ابن عبادة رضي ال‬
‫عنه‪ ،‬وعليه مسجد صغير حسن البناء‪ ،‬وعلى رأسه حجر مكتوب عليه هذا قبر سعد‬
‫بن عبادة رأس الخزرج صاحب رسول ال صلى ال عليه وسلم تسليماً وبقرية قبلي‬
‫البلد وعلى فرسحخ منهحا مشهحد أم كلثوم بنحت علي بحن أبحي طالب محن فاطمحة عليهحم‬
‫السحلم‪ .‬ويقال‪ :‬إن اسحمها زينحب وكناهحا النحبي صحلى ال عليحه وسحلم أم كلثوم لشبههحا‬
‫بخالتهحا أم كلثوم بنحت رسحول ال صحلى ال عليحه وسحلم‪ ،‬وعليحه مسحجد كحبير‪ ،‬وحوله‬
‫مساكن‪ ،‬وله أوقاف‪ .‬ويسميه أهل دمشق قبر الست أم كلثوم‪ .‬وقبر آخر يقال‪ :‬إنه قبر‬
‫سحكينة بنت الحسحين بن علي عليحه السحلم‪ .‬وبجامع النيرب محن قرى دمشحق فحي بيحت‬
‫بشرقيحه قحبر يقال‪ :‬إنحه قحبر أم مريحم عليهحا السحلم‪ .‬وبقريحة تعرف بداريحا‪ ،‬غرب البلد‬
‫وعلى أربعة أميال منها قبر أبي مسلم الخولني‪ ،‬وقبر أبي سليمان الداراني رضي‬
‫ال عنهما‪ .‬ومن مشاهد دمشق الشهيرة البركة مسجد القدام‪ ،‬وهو في قبلي دمشق‪،‬‬
‫على ميليحن منهحا‪ ،‬على قارعحة الطريحق العظحم الخحذ إلى الحجاز الشريحف والبيحت‬
‫المقدس وديار مصر وهو مسجد عظيم كثير البركة وله أوقاف كثيرة‪ ،‬ويعظمه أهل‬
‫دمشحق تعظيماً شديداً‪ .‬والقدام التحي ينسحب إليهحا هحي أقدام مصحورة فحي حجحر هناك‬
‫يقال‪ :‬إنهحا أثحر قدم موسحى عليحه السحلم‪ .‬وفحي هذا المسحجد بيحت صحغير فيحه حجحر‬
‫مكتوب عليحه كان بعحض الصحالحين يرى المصحطفى صحلى ال عليحه وسحلم فحي النوم‬
‫فيقول له هحا هنحا قحبر أخحي موسحى عليحه السحلم‪ .‬وبمقربحة محن هذا المسحجد موضحع‬

‫يعرف بالكثيب الخضر‪ ،‬وبمقربة من بيت المقدس وأريحاء موضع يعرف بالكثيب‬
‫الحمر تعظمه اليهود‪.‬‬
‫حكاية‬

‫شاهدت أيام الطاعون العظحم بدمشحق فحي أواخحر ربيحع الثانحي سحنة تسحع وأربعيحن‬
‫مححن تعظيححم أهححل دمشححق لهذا المسححجد مححا يعجححب منححه‪ ،‬وهححو أن ملك المراء نائب‬
‫السحححلطان أرغون شاه أمحححر منادياً ينادي بدمشحححق أن يصحححوم الناس ثلثحححة أيام‪ ،‬ول‬
‫يطبخون بالسححوق‪ .‬فصححام الناس ثلثححة أيام متواليححة‪ ،‬كان آخرهححا يوم الخميححس‪ .‬ثححم‬
‫اجتمحححع المراء والشرفاء والقضاة والفقهاء وسحححائر الطبقات على اختلفهحححا فحححي‬
‫ل وذاكحر وداعحٍ‪ ،‬ثحم صحلوا‬
‫الجامحع‪ ،‬حتحى غحص بهحم‪ ،‬وباتوا ليلة الجمعحة محا بيحن مصح ٍ‬
‫الصحبح‪ ،‬وخرجوا جميعاً على أقدامهحم‪ ،‬وبأيديهحم المصحاحف‪ ،‬والمراء حفاة‪.‬وخرج‬
‫جميحع أهحل البلد ذكوراً وإناثاً‪ ،‬صحغاراً وكباراً‪ ،‬وخرج اليهود بتوراتهحم‪ ،‬والنصحارى‬
‫بإنجيلهحححم‪ ،‬ومعهحححم النسحححاء والولدان‪،‬وجميعهحححم باكون متضرعون إلى ال بكتبحححه‬
‫وأنححبيائه‪ ،‬وقصححدوا مسححجد القدام‪ ،‬وأقاموا بححه فححي تضرعهححم ودعائهححم إلى قرب‬
‫الزوال‪ ،‬وعادوا إلى البلد‪ ،‬وصلوا الجمعة‪ .‬وخفف ال تعالى عنهم عندما انتهى عدد‬
‫الموتحى إلى ألفيحن فحي اليوم الواححد ‪ -‬وقحد انتهحى عددهحم بالقاهرة ومصحر إلى أربعحة‬
‫وعشرين ألفاً باليوم الواحد ‪ -‬وبالباب الشرقي من دمشق منارة بيضاء يقال إنها التي‬
‫ينزل عيسى عليه السلم عندها حسبما ورد في صحيح مسلم‪.‬‬

‫ذكر أرباض دمشق‬

‫وتدور بدمشق من جهاتها ما عدا الشرقية أرباض فسيحة الساحات‪ ،‬دواخلها أملح‬
‫محن داخحل دمشحق‪ ،‬لجحل الضيحق الذي فحي سحككها‪ .‬وبالجهحة الشماليحة منهحا ربحض‬
‫الصححالحية‪ ،‬وهححي مدينححة عظيمححة لهححا سححوق ل نظيححر لحسححنه‪ ،‬وفيهححا مسححجد جامححع‬
‫ومارسحتان‪ ،‬وبهحا مدرسحة تعرف بمدرسحة ابحن عمحر موقوفحة على محن أراد أن يتعلم‬
‫القرآن الكريحم محن الشيوخ والكهول‪ .‬وتجري لهحم ولمحن يعلمهحم كفايتهحم محن المآكحل‬
‫والملبححس وبداخححل البلد أيضاً مدرسححة مثححل هذه تعرف بمدرسححة ابححن منجححا وأهححل‬
‫الصالحية كلهم على مذهب المام أحمد بن حنبل رضي ال عنه‪.‬‬
‫ذكر قاسيون ومشاهده المباركة‬

‫وقاسحيون‪ :‬جبحل فحي شمال دمشحق‪ ،‬والصحالحية فحي سحفحه وهحو شهيحر البركحة‪ ،‬لنحه‬
‫مصعد النبياء عليهم السلم‪ .‬ومن مشاهده الكريمة الغار الذي ولد فيه إبراهيم عليه‬
‫السحلم وهحو غار مسحتطيل ضيحق‪ ،‬عليحه مسحجد كحبير‪ ،‬وله صحومعة عاليحة‪ ،‬ومحن ذلك‬
‫الغار رأى الكوكب والقمر والشمس حسبما ورد في الكتاب العزيز وفي ظهر الغار‬
‫مقامححه الذي كان يخرج إليححه‪ .‬وقححد رأيححت ببلد العراق قريححة تعرف بححبرص " بضححم‬
‫الباء الموحدة وآخرهححا صححاد مهمححل "‪ ،‬مححا بيححن الحلة وبغداد يقال‪ :‬إن مولد إبراهيححم‬
‫عليحه السحلم كان بهحا وهحي بمقربحة محن بلد ذي الكفحل عليحه السحلم‪ ،‬وبهحا قحبره‪ .‬ومحن‬
‫مشاهده بالغرب منحه‪ ،‬مغارة الدم‪ ،‬وفوقهحا بالجبحل دم هابيحل بحن آدم عليحه السحلم‪ ،‬وقحد‬
‫أبقى ال منه فحي الحجارة أثراً محمراً وهحو الموضحع الذي قتله أخوه بحه‪ ،‬واجتره إلى‬

‫المغارة‪ .‬ويذكحر أن تلك المغارة صحلى فيهحا إبراهيحم وموسحى وعيسحى وأيوب ولوط‬
‫صلى ال عليهم أجمعين وعليها مسجد متقن البناء يصعد إليه على درج وفيه بيوت‬
‫ومرافق للسكنى ويفتح في كل يوم اثنين وخميس والشمع والسرج توقد في المغارة‬
‫ومنهحا كهحف بأعلى الجبحل ينسحب لدم عليحه السحلم وعليحه بناء وأسحفل منحه مغارة‬
‫تعرف بمغارة الجوع يذكحر أنحه أوى إليهحا سحبعون محن النحبياء عليهحم السحلم‪ ،‬وكان‬
‫عندهحم رغيحف فلم يزل يدور عليهحم‪ ،‬وكحل منهحم يؤثحر صحاحبه بحه‪ ،‬حتحى ماتوا جميعاً‬
‫صلى ال عليهم‪ ،‬وعلى هذه المغارة مسجد مبني والسرج توقد فيه ليلً ونهاراً ولكل‬
‫مسححجد مححن هذه المسححاجد أوقاف كثيرة معينححة ويذكححر أن فيمححا بيححن باب الفراديححس‬
‫وجامححع قاسححيون مدفححن سححبعمائة نححبي‪ ،‬وبعضهححم يقول سححبعين ألفاً‪ ،‬وخارج المدينححة‬
‫المقبرة العتيقة‪ ،‬وهي مدفن النبياء والصالحين وفي طرفها مما يلي البساتين أرض‬
‫منخفضححة غلب عليهححا الماء يقال‪ :‬إنهححا مدفححن سححبعين نححبياً وقححد عادت قراراً للماء‬
‫ونزهت من أن يدفن فيها أحد ‪.‬‬
‫ذكر الربوة والقرى التي تواليها‬

‫وفحححي آخحححر جبحححل قاسحححيون الربوة المباركحححة المذكورة فحححي كتاب ال ذات القرار‬
‫والمعيحن‪ ،‬ومأوى المسحيح عيسحى وأمحه عليهمحا السحلم‪ .‬وهحي محن أجمحل مناظحر الدنيحا‬
‫ومنتزهاتهححا وبهححا القصححور المشيدة والمبانححي الشريفححة والبسححاتين البديعححة والمأوى‬
‫المبارك‪ ،‬مغارة صغيرة في وسطها كالبيت الصغير‪ ،‬وإزاءها بيت يقال‪ :‬إنه مصلى‬
‫الخضححر عليححه السححلم يبادر الناس إلى الصححلة فيهححا‪ .‬وللمأوى باب حديححد صححغير‬

‫والمسجد يدور به وله شوارع دائرة وساقية حسنة‪ ،‬ينزل لها الماء من علو وينصب‬
‫فحي شاذروان فحي الجدار يتصحل بحوض محن رخام‪ ،‬ويقحع فيحه الماء ول نظيحر له فحي‬
‫الحسحن وغرابحة الشكحل وبقرب ذلك مطاهحر للوضوء يجري فيهحا الماء وهذه الربوة‬
‫المباركحة هحي رأس بسحاتين دمشحق‪ ،‬وبهحا منابحع مياههحا‪ ،‬وينقسحم الماء الخارج منهحا‬
‫على سبعة أنهار‪ ،‬كل نهر آخذ في جهة‪ ،‬ويعرف ذلك الموضع بالمقاسم‪ ،‬وأكبر هذه‬
‫النهار النهر المسمى بتورة وهو يشق تحت الربوة‪ ،‬وقد نحت له مجرى في الحجر‬
‫الصحلد‪ ،‬كالغار الكحبير‪ ،‬وربمحا انغمحس ذو الجسحارة محن العواميحن فحي النهحر محن أعلى‬
‫الربوة واندفحع فحي الماء حتحى يشحق مجراه ويخرج محن أسحفل الربوة‪ ،‬وهحي مخاطرة‬
‫عظيمححة وهذه الربوة تشرف على البسححاتين الدائرة بالبلد‪ ،‬ولهححا محن الحسححن واتسححاع‬
‫مسرح البصار ما ليس لسواها‪ .‬وتلك النهار السبعة تذهب في طرق شتى‪ ،‬فتحار‬
‫العيحن فحي حسحن اجتماعهحا وافتراقهحا واندفاعهحا وانصحبابها‪ .‬وجمال الربوة وحسحنها‬
‫التام أعظحم محن أن يحيحط بحه الوصحف‪ .‬ولهحا الوقاف الكثيرة محن المزارع والبسحاتين‬
‫والرباع‪ ،‬تقام منهحا وظائفهحا للمام والمؤذن والصحادر والوارد وبأسحفل الربوة قريحة‬
‫النيرب وقد تكاثرت بساتينها وتكاثفت ظللها وتدانت أشجارها فل يظهر من بنائها‬
‫إل محا سحما ارتفاعحه ولهحا حمام مليحح ولهحا جامحع بديحع مفروش صححنه بفصحوص‬
‫الرخام‪ ،‬وفيحه سحقاية رائعحة الحسحن ومطهرة‪ ،‬فيهحا بيوت عدة يجري فيهحا الماء وفحي‬
‫القبلي من هذه القرية قرية المزة وتعرف بمزة كلب نسبة إلى قبيلة كلب بن وبرة بن‬
‫ثعلب بحن حلوان بحن عمران بحن الحاف بحن قضاعحة وكانحت إقطاعاً لهحم وإليهحا ينسحب‬

‫المام حافحظ الدنيحا جمال الديحن يوسحف بحن الزكحي الكلبحي المزي وكثيحر سحواه محن‬
‫العلماء وهحي محن أعظحم قرى دمشحق بهحا جامحع كحبير عجيحب‪ ،‬وسحقاية معينحة وأكثحر‬
‫قرى دمشحق فيهحا الحمامات والمسحاجد الجامعحة والسحواق وسحكانها كأهحل الحاضرة‬
‫في مناحيهم‪ ،‬وفي شرقي البلد قرية تعرف ببيت الهبة وكانت فيها كنيسة يقال‪ :‬إن‬
‫آزر كان يجلب فيهحا الصحنام فيكسحرها الخليحل عليحه السحلم‪ ،‬وهحي الن مسحجد جامحع‬
‫بديع مزين بفصوص الرخام الملونة المنظمة بأعجب نظام وأزين التئام‪.‬‬
‫ذكر الوقاف بدمشق وبعض فضائل أهلها وعوائدهم‬

‫والوقاف بدمشحححق لتحصحححر أنواعهحححا ومصحححارفها لكثرتهحححا فمنهحححا أوقاف على‬
‫العاجزيحن عحن الححج‪ ،‬يعطحى لمحن يححج عحن الرجحل منهحم كفايتحه‪ ،‬ومنهحا أوقاف على‬
‫تجهيحز البنات إلى أوزواجهحن‪ ،‬وهحن اللواتحي ل قدرة لهلهحن على تجهيزهحن‪ ،‬ومنهحا‬
‫أوقاف لفكاك السحححارى‪ ،‬ومنهحححا أوقاف لبناء السحححبيل‪ ،‬يعطون منهحححا محححا يأكلون‬
‫ويلبسحون ويتزودون لبلدهحم‪ ،‬ومنهحا أوقاف على تعديحل الطرق ورصحفها لن أزقحة‬
‫دمشق لكل واحد منها رصيفان في جنبيه يمر عليهما المترجلون‪ ،‬ويمر الركبان بين‬
‫ذلك‪ ،‬ومنها أوقاف لسوى ذلك من أفعال الخير‪.‬‬
‫حكاية‬

‫مررت يوماً ببعححض أزقححة دمشححق فرأيححت بححه مملوكاً صححغيرًا قححد سححقطت مححن يده‬
‫صححفة محن الفخار الصحيني‪ ،‬وهحم يسحمونها الصححن‪ ،‬فتكسحرت واجتمحع عليحه الناس‬
‫فقال له بعضهم‪ ،‬إجمع شقفها واحملها معك لصاحب أوقاف الواني فجمعها وذهب‬

‫الرجل معه إليه فأراه إياها فدفع له ما اشترى به مثل ذلك الصحن‪ .‬وهذا من أحسن‬
‫العمال فإن سيد الغلم ل بد له أن يضربه على كسر الصحن‪ ،‬أو ينهره وهو أيضاً‬
‫ينكسحر قلبحه‪ ،‬ويتغيحر لجحل ذلك فكان هذا الوقحف جحبراً للقلوب جزى ال خيراً محن‬
‫تسحامت همتحه فحي الخيحر إلى مثحل هذا‪ .‬وأهحل دمشحق يتنافسحون فحي عمارة المسحاجد‬
‫والزوايححا والمدارس والمشاهححد وهححم يحسححنون الظححن بالمغاربححة‪ ،‬ويطمئنون إليهححم‬
‫بالموال والهلين والولد وكل من انقطع بجهة من جهات دمشق ل بد أن يتأتى له‬
‫وجه من المعاش‪ ،‬من إمامة مسجد‪ ،‬أو قراءة بمدرسة أو ملزمة مسجد‪ ،‬يجيء إليه‬
‫فيحه رزقحه أو قراءة القرآن‪ ،‬أوخدمحة مشهحد محن المشاهحد المباركحة‪ ،‬أو يكون كجملة‬
‫الصحوفية بالخوانحق‪ ،‬تجري له النفقحة والكسحوة فمحن كان بهحا غريباً على خيحر لم يزل‬
‫مصححوناً عححن بذل وجهححه محفوظاً عمححا يزري بالمروءة ومححن كان مححن أهححل المهنححة‬
‫والخدمة فله أسباب أخر‪ ،‬من حراسة بستان أو أمانة طاحونة أو كفالة صبيان يغدو‬
‫معهحم إلى التعليحم ويروح ومحن أراد طلب العلم أو التفرغ للعبادة وجحد العانحة التامحة‬
‫على ذلك‪ .‬ومحن فضائل أهحل دمشحق أنحه ل يفطحر أححد منهحم فحي ليالي رمضان وحده‬
‫ألبتة فمن كان من المراء والقضاة والكبراء‪ ،‬فإنه يدعو أصحابه والفقراء يفطرون‬
‫عنده‪ ،‬ومحن كان محن التجار وكبار السحوقة صحنع مثحل ذلك‪ ،‬ومحن كان محن الضعفاء‬
‫والباديحة فأنهحم يجتمعون كحل ليلة فحي دار أحدهحم أو فحي مسحجد‪ ،‬ويأتحي كحل أححد بمحا‬
‫عنده فيفطرون جميعاً‪ ،‬ولمحا وردت دمشحق وقعحت بينحي وبيحن نور الديحن السحخاوي‬
‫مدرس المالكية صحبة فرغب مني أن أفطر عنده في ليالي رمضان فحضرت عنده‬

‫أربحع ليالٍ ثحم أصحابتني الحمحى فغبحت عنحه‪ ،‬فبعحث فحي طلبحي‪ ،‬فاعتذرت بالمرض‪ ،‬فلم‬
‫يسحعني عذراً فرجعحت إليحه وبحت عنده فلمحا أردت النصحراف بالغحد منعنحي محن ذلك‬
‫وقال لي‪ :‬احسب داري كأنها دارك أو دار أبيك أو أخيك‪ ،‬وأمر بإحضار طبيب وأن‬
‫يصنع لي بداره كل ما يشتهيه الطبيب من دواء أو غذاء‪ ،‬وأقمت كذلك عنده إلى يوم‬
‫العيححححححححد‪ ،‬وحضرت المصححححححححلى وشفانححححححححي ال تعالى ممححححححححا أصححححححححابني‪.‬‬
‫وقد كان ما عندي من النفقة نفد‪ ،‬فعلم بذلك فاكترى لي جمالً وأعطاني الزاد وسواه‬
‫وزادنحي دراهحم وقال لي‪ :‬تكون لمحا عسحى أن يعتريحك محن أمحر مهحم‪ ،‬جزاه ال خيراً‪.‬‬
‫وكان بدمشححق فاضححل مححن كتاب الملك الناصححر يسححمى عماد الديححن القيصححراني مححن‬
‫عاداتحه أنحه متحى سحمع أن مغربياً وصحل إلى دمشحق بححث عنحه وأضافحه وأحسحن إليحه‪،‬‬
‫فإن عرف منه الدين والفضل أمره بملزمته‪ .‬وكان يلزمه منهم جماعة‪ .‬وعلى هذه‬
‫الطريقحححة أيضاً كاتحححب السحححر الفاضحححل علء الديحححن بحححن غانحححم وجماعحححة غيره‪.‬‬
‫وكان بهحا فاضحل محن كبرائهحا وهحو الصحاحب عحز الديحن القلنسحي‪ ،‬له مآثحر ومكارم‬
‫وفضائل وإيثار‪ ،‬وهححو ذو مال عريححض وذكروا أن الملك الناصححر لمححا قدم دمشححق‬
‫أضافحة وجميحع أهحل دولتحه ومماليكحه وخواصحه ثلثحة أيام فسحماه اذ ذاك بالصحاحب‪.‬‬
‫ومما يؤثر من فضائلهم أن أحد ملوكهم السالفين لما نزل به الموت أوصى أن يدفن‬
‫بقبلة الجامححع المكرم‪ ،‬ويخفححى قححبره‪ .‬وعيححن أوقافاً عظيمححة لقراء يقرأون سححبعاً مححن‬
‫القرآن الكريم في كل يوم إثر صلة الصبح بالجهة االشرقية من مقصورة الصحابة‬
‫رضحي ال عنهحم حيحث قحبره فصحارت قراءة القرآن على قحبره ل تنقطحع أبداً‪ ،‬وبقحي‬

‫ذلك الرسم الجميل بعده مخلداً ومن عادة أهل دمشق وسائر تلك البلد أنهم يخرجون‬
‫بعحد صحلة العصحر محن يوم عرفحة‪ ،‬فيقفون بصححون المسحاجد كحبيت المقدس وجامحع‬
‫بنحي أميحة وسحواها‪ ،‬ويقحف بهحم أئمتهحم كاشفحي رؤوسحهم داعيحن خاضعيحن خاشعيحن‬
‫ملتمسححين البركححة‪ ،‬ويتوخون السححاعة التححي يقححف فيهححا وفححد ال تعالى وحجاج بيتححه‬
‫بعرفات‪ ،‬ول يزالون فحي خضوع ودعاء وابتهال وتوسحل إلى ال تعالى بحجاج بيتحه‬
‫إلى أن تغيححب الشمححس‪ ،‬فينفرون كمححا ينفححر الحاج‪ ،‬باكيححن على مححا حرموه مححن ذلك‬
‫الموقحف الشريحف بعرفات‪ ،‬داعيحن إلى ال تعالى أن يوصحلهم إليهحا ول يخيبهحم محن‬
‫بركة القبول فيما فعلوه‪ ،‬ولهم أيضاً في اتباع الجنائز رتبة عجيبة وذلك أنهم يمشون‬
‫أمام الجنازة‪ ،‬والقراء يقرأون القرآن بالصوات الحسنة والتلحين المبكية التي تكاد‬
‫النفوس تطيحر لهحا رقحة‪ ،‬وهحم يصحلون على الجنائز بالمسحجد الجامحع قبالة المقصحورة‬
‫فإن كان الميحت مححن أئمححة الجامححع أو مؤذنيححه أو خدامححه أدخلوه بالقراءة إلى موضححع‬
‫الصحلة عليحه‪ ،‬وإن كان محن سحواهم قطعوا القراءة عنحد باب المسحجد وأدخلوا الجنازة‬
‫وبعضهحم يجتمحع له بالبلط الغربحي محن الصححن بمقربحة محن باب البريحد‪ ،‬فيجلسحون‬
‫وأمامهم ربعات القرآن يقرأون فيها ويرفعون أصواتهم بالنداء لكل من يصل للعزاء‬
‫محن كبار البلدة وأعيانهحا ويقولون بسحم ال فلن الديحن محن كمال وجمال شمحس وبدر‬
‫وغير ذلك‪ ،‬فإذا أتموا القراءة قام المؤذنون فيقولون افتكروا واعتحبروا صحلتكم على‬
‫فلن الرجحل الصحالح العالم ويصحفونه بصحفات من الخيحر‪ ،‬ثحم يصحلون عليحه ويذهبون‬
‫به إلى مدفنة‪ .‬ولهل الهند رتبة عجيبة في الجنائز أيضاً زائدة على ذلك‪ ،‬وهي أنهم‬

‫يجتمعون بروضة الميت صبيحة الثالث من دفنه وتفرش الروضة بالثياب الرفيعة‪،‬‬
‫ويكسححى القححبر بالكسححية الفاخرة‪ ،‬وتوضححع حوله الرياحيححن مححن الورد والنسححرين‬
‫والياسحمين وذلك النوار ل ينقطحع عندهحم ويأتون بأشجار الليمون والترج‪ ،‬ويجعلون‬
‫فيهححا حبوبهححا إن لم تكححن فيهححا‪ ،‬ويجعلون صححيواناً يظلل الناس نحوه‪ ،‬ويأتححي القضاة‬
‫والمراء ومحن يماثلهحم فيقعدون‪ ،‬ويقابلهحم القراء ويؤتحى بالربعات الكرام فيأخحذ كحل‬
‫واححد منهحم جزءاً‪ ،‬فإذا تمحت القراءة محن القراء بالصحوات الحسحان يدعحو القاضحي‬
‫ويقوم قائماً ويخطححب خطبححة معدة لذلك‪ ،‬ويذكححر فيهححا الميححت ويرثيححه بأبيات شعححر‪،‬‬
‫ويذكحر أقاربهحم ويعزيهحم عنحه‪ ،‬ويذكحر السحلطان داعياً له‪ ،‬وعنحد ذكحر السحلطان يقوم‬
‫الناس ويحطون رؤوسحهم إلى سحمت الجهحة التحي بهحا السحلطان‪ ،‬ثحم يقعحد القاضحي‪،‬‬
‫ويأتون بماء الورد فيصحب على الناس صحباً يبدأ بالقاضحي ثحم محن يليحه كذلك إلى أن‬
‫يعححم الناس أجمعيححن‪ ،‬ثححم يؤتححى بأوانححي السححكر وهححو الجلب محلولً بالماء فيسححقون‬
‫الناس منه‪ ،‬ويبدأون بالقاضي ومن يليه‪ ،‬ثم يؤتى بالتنبول‪ ،‬وهم يعظمونه ويكرمون‬
‫من يأتي لهم به‪ ،‬فإذا أعطى السلطان أحداً منه فهو أعظم من إعطاء الذهب والخلع‪.‬‬
‫وإذا مات الميحت لم يأكحل أهله التنبول إل فحي ذلك اليوم‪ ،‬فيأخحذ القاضحي‪ ،‬أو محن يقوم‬
‫مقامححه‪ ،‬أوراقاً منححه فيعطيهححا لولي الميححت فيأكلهححا وينصححرفون حينئذٍ وسححيأتي ذكححر‬
‫التنبول إن شاء ال تعالى‪.‬‬

‫ذكر سماعي بدمشق ومن أجازني من أهلها‬

‫سحمعت بجامحع بنحي أميحة‪ ،‬عمره ال بذكره جميحع صححيح المام أبحي عبحد ال محمحد‬
‫بن إسماعيل الجعفي البخاري رضي ال عنه على الشيخ المعمر رحلة الفاق ملحق‬
‫الصاغر بالكابر‪ ،‬شهاب الدين أحمد بن أبي طالب بن أبي النعم بن حسن بن علي‬
‫بن بيان الدين‪ ،‬مقرئ الصالحي‪ ،‬المعروف بابن الشحنة الحجازي‪ ،‬في أربعة عشر‬
‫مجلسححاً‪ ،‬أولهححا يوم الثلثاء منتصححف شهححر رمضان المعظححم سححنة سححت وعشريححن‬
‫وسحبعمائة وآخرهحا يوم الثنيحن الثامحن والعشريحن منحه‪ ،‬بقراءة المام الحافحظ مؤرخ‬
‫الشام علم الديحن أبحي محمحد القاسحم بحن محمحد بحن يوسحف البرزالي‪ ،‬الشحبيلي الصحل‪،‬‬
‫الدمشقي‪ ،‬في جماعة كبيرة كتب أسماءهم محمد بن طغربل بن عبد ال بن الغزال‬
‫الصححيرفي‪ ،‬سححماع الشيححخ أبححي العباس الحجازي لجميححع الكتاب‪ ،‬مححن الشيححخ المام‬
‫سراج الدين أبي عبد ال الحسين ابن أبي بكر المبارك بن محمد بن يحيى بن علي‬
‫بحن المسحيح بحن عمران الربيعحي البغدادي الزبيدي الحنبلي‪ ،‬فحي أواخحر شوال وأوائل‬
‫ذي القعدة محن سحنة ثلثيحن وسحتمائة بالجامحع المظفري بسحفح جبحل قاسحيون ظاهحر‬
‫دمشحق‪ ،‬وبإجازتحه فحي جميحع الكتاب محن الشيخيحن‪ :‬أبحي الحسحن محمحد بحن أحمحد بحن‬
‫عمحر بحن الحسحين بحن الخلف القطيعحي المؤرخ‪ ،‬وعلي بحن أبحي بكحر بحن عبحد ال بحن‬
‫رؤبحة القلنسحي العطار البغدادي ومحن باب غيرة النسحاء ووجدهحن‪ ،‬إلى آخحر الكتاب‬
‫محن أبحي المنجحا عبحد ال بن عمحر بن علي بحن زيحد الليثحي الخزاعحي البغدادي‪ ،‬بسحماع‬
‫أربعتهم من الشيخ شديد الدين أبي الوقت عبد الول بن عيسى بن شعيب بن إبراهيم‬

‫السحجزي الهروي الصحوفي‪ ،‬فحي سحنة ثلث وخمسحين وخمسحمائة ببغداد قال‪ :‬أخبرنحا‬
‫المام جمال السلم أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد بن المظفر بن محمد بن داود‬
‫بحن أحمحد بحن معاذ بحن سحهل بحن الحكحم الداودي قراءة عليحه‪ ،‬وأنحا أسحمع ببوشنحج سحنة‬
‫خمحس وسحتين وأربعمائة‪ ،‬قال‪ :‬أخبرنحا أبحو محمحد عبحد ال بحن أحمحد بحن حوبحة بحن‬
‫يوسحف بحن أيمحن السحرخسي قراءة عليحه‪ ،‬وأنحا أسحمع فحي صحفر سحنة إحدى وثمانيحن‬
‫وثلثمائة‪ ،‬قال‪ :‬أخبرنحا عبحد ال بحن يوسحف بحن مطحر بحن صحالح بحن بشحر بحن ابراهيحم‬
‫الفربري قراءة عليححه‪ ،‬وأنححا أسححمع سححنة سححت عشرة وثلثمائة بفربر‪ ،‬قال‪ :‬أخبرنححا‬
‫المام أبحو عبحد ال محمحد بحن إسحماعيل البخاري‪ ،‬رضحي ال عنحه سحنة ثمان وأربعيحن‬
‫ومائتيحن بفربر‪ ،‬ومرة ثانيحة بعدهحا‪ ،‬وبعدهحا سحنة ثلث وخمسحين‪ .‬وممحن أجازنحي محن‬
‫أهحل دمشحق إجازة عامحة الشيحخ أبحو العباس الحجازي المذكور‪ ،‬سحبق إلى ذلك وتلفحظ‬
‫لي بححه ‪-‬ومنهححم الشيححخ المام شهاب الديححن أحمححد بححن عبححد ال بححن أحمححد بححن محمححد‬
‫المقدسي‪ ،‬ومولده في ربيع الول سنة ثلث وخمسين وستمائة ‪ -‬ومنهم الشيخ المام‬
‫الصالح عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الرحمن النجدي ‪ -‬ومنهم‬
‫إمام الئمحة جمال الديحن أبحو المحاسحن يوسحف بحن الزكحي عبحد الرحمحن بحن يوسحف‬
‫المزني الكلي‪ ،‬حافظ الحفاظ‪ ،‬ومنهم المام علء الدين علي بن يوسف بن محمد بن‬
‫عبحد ال الشفاعحي‪ ،‬والشيحخ المام الشريحف محيحي الديحن بحن يحيحى بحن علي العلوي‪،‬‬
‫ومنهم الشيخ المام المحدث مجد الدين القاسم بن عبد ال بن أبي عبد ال بن المعلى‬
‫الدمشقحي‪ ،‬ومولده سحنة أربحع وخمسحين وسحتمائة‪ .‬ومنهحم الشيحخ المام العالم شهاب‬

‫الديحن أحمحد بحن ابراهيحم بن فلح بحن محمحد السحكندري‪ .‬ومنهحم الشيحخ المام ولي ال‬
‫تعالى شمس الدين بن عبد ال بن تمام والشيخان الخوان شمس الدين محمد وكمال‬
‫الدين عبد ال‪ ،‬ابنا ابراهيم بن عبد ال بن أبي عمر المقدسي‪ ،‬والشيخ العابد شمس‬
‫الديحن محمحد بحن أبحي الزهراء بحن سحالم الهكاري‪ ،‬والشيخحة الصحالحة أم محمحد عائشحة‬
‫بنت محمد بن مسلم بن سلمة الحراني‪ ،‬والشيخة الصالحة رحلة الدنيا زينب بنت‬
‫كمال الديحن أحمحد بحن عبحد الرحيحم بحن عبحد الواححد بحن أحمحد المقدسحي كححل هؤلء‬
‫أجازنحي إجازة عامحة فحي سحنة سحت وعشريحن بدمشحق‪ .‬ولمحا اسحتهل شوال محن السحنة‬
‫المذكورة خرج الركححححب الحجازي إلى خارج دمشححححق ونزلوا القريححححة المعروفححححة‬
‫بالكسحوة‪ ،‬فأخذت فحي الحركحة معهحم‪ ،‬وكان أميحر الركحب سحيف الديحن الجوبان‪ ،‬محن‬
‫كبار المراء وقاضيه شرف الدين الذرعي الحوراني‪ ،‬وحج فحي تلك السنة مدرس‬
‫المالكية صدر الدين العماري‪ ،‬وكان سفري مع طائفة من العرب تدعى العجارمة‪،‬‬
‫أميرهم محمد بن رافع كبير القدر في المراء وارتحلنا من الكسوة إلى قرية تعرف‬
‫بالصحنمين عظيمحة ثحم ارتحلنحا منهحا إلى بلدة زرعحة وهحي صحغيرة محن بلد حوران‬
‫نزلنا بالقرب منها ثم ارتحلنا إلى مدينة بصرى‪ ،‬وهي صغيرة ومن عادة الركب أن‬
‫يقيحم بهحا أربعاً ليلححق بهحم محن تخلف بدمشحق لقضاء مآربحه ‪ -‬وإلى بصحرى وصحل‬
‫رسحول ال صحلى ال عليحه وسحلم قبحل البعحث فحي تجارة خديجحة‪ ،‬وبهحا محبرك ناقتحه قحد‬
‫بنحبي عليحه مسحجد عظيحم‪ ،‬ويجتمحع أهحل حوران بهبذه المدينحة‪ ،‬ويتزود الحاج منهحا ثحم‬
‫يرحلون إلى بركححة زيرة " زيرا " ‪ ،‬ويقيمون عليهححا يوماً‪ ،‬ثححم يرحلون إلى اللجون‪،‬‬

‫وبها الماء الجاري ثم يرحلون إلى حصن الكرك‪ ،‬وهو من أعجب الحصون وأمنعها‬
‫وأشهرهحححححححححححححححححححححححححا ويسحححححححححححححححححححححححححمى بحصحححححححححححححححححححححححححن الغراب‪.‬‬
‫والوادي يطيف به من جميع جهاته وله باب واحد قد نحت المدخل اليه في الحجر‬
‫الصححلد‪ ،‬ومدخححل دهليزه كذلك وبهذا الحصححن يتحصححن الملوك‪ ،‬وإليححه يلجؤون فححي‬
‫النوائب وله لجحأ الملك الناصحر‪ ،‬لنحه ولي الملك وهحو صحغير السحن‪ ،‬فاسحتولى على‬
‫التدبيحر مملوكحه سحلر النائب عنحه‪ ،‬فأظهحر الملك الناصحر أنحه يريحد الححج‪ ،‬ووافقحه‬
‫المراء على ذلك فتوجحه إلى الحج فلمحا وصحل عقبحة أيلة‪ ،‬لجحأ إلى الحصحن‪ ،‬وأقام بحه‬
‫أعواماً إلى أن قصححده أمراء الشام‪ ،‬واجتمعححت عليححه المماليححك وكان الملك فححي تلك‬
‫المدة بيحبرس الششنكيحر ‪ ،‬وهحو أميحر الطعام وتسحمى بالملك المظفحر‪ ،‬وهحو الذي بنحى‬
‫الخانقاه البيبرسية‪ ،‬بمقربة من خانقاه سعيد السعداء التي بناها صلح الدين بن أيوب‬
‫فقصده الملك الناصر بالعساكر‪ ،‬ففر بيبرس إلى الصحراء‪ ،‬فتبعته العساكر وقبض‬
‫عليحه‪ ،‬وأتحي بحه إلى الملك الناصحر فأمحر بقتله فقتحل‪.‬وقبحض على سحلر‪ ،‬وحبحس فحي‬
‫جححب حتححى مات جوعاً‪ .‬ويقال‪ :‬إنححه أكححل جيفححة مححن الجوع نعوذ بال مححن ذلك‪ .‬وأقام‬
‫الركب بخارج الكرك أربعة أيام بموضع يقال له الثنية‪ ،‬وتجهزوا لدخول البرية‪ .‬ثم‬
‫ارتحلنحا إلى معان‪ ،‬وهحو آخحر بلد الشام‪ ،‬ونزلنحا محن عقبحة الصحوان إلى الصححراء‬
‫التحي يقال فيهحا‪ :‬داخلهحا مفقود وخارجهحا مولود‪ .‬وبعحد مسحيرة يوميحن نزلنحا ذات ححج‪،‬‬
‫وهححي حسححيان ل عمارة بهححا‪ ،‬ثححم إلى وادي بلدح ول ماء بححه‪ ،‬ثححم إلى تبوك وهححو‬
‫الموضحع الذي غزاه رسحول ال صحلى ال عليحه وسحلم‪ .‬وفيهحا عيحن ماء كانحت تبحض‬

‫بشيحء محن الماء‪ .‬فلمحا نزلهحا رسحول ال صحلى ال عليحه وسحلم وتوضحأ منهحا‪ ،‬جادت‬
‫بالماء المعيحن‪ .‬ولم يزل إلى هذا العهحد ببركحة رسحول ال صحلى ال عليحه وسحلم‪ .‬ومحن‬
‫عادة حجاج الشام إذا وصححححلوا منزل تبوك‪ ،‬أخذوا أسححححلحتهم‪ ،‬وجردوا سححححيوفهم‪،‬‬
‫وحملوا على المنزل‪ ،‬وضربوا النخححل بسححيوفهم‪ ،‬ويقولون‪ :‬هكذا دخلهححا رسححول ال‬
‫صحلى ال عليحه وسحلم‪ .‬وينزل الركحب العظيحم على هذه العيحن فيروي منهحا جميعهحم‪،‬‬
‫ويقيمون أربعحة أيام للراححة وإرواء الجمال واسحتعداد الماء للبريحة المخوفحة التحي بيحن‬
‫العل وتبوك‪ .‬ومن عادة السقائين أنهم ينزلون على جوانب هذه العين‪ ،‬ولهم أحواض‬
‫مصنوعة من جلود الجواميس‪ ،‬كالصهاريج الضخام يسقون منها الجمال‪ ،‬ويملون‬
‫الروايا والقرب‪ .‬ولكل أمير أو كبير حوض يسقي منه جماه وجمال أصحابه‪ ،‬ويمل‬
‫رواياهم‪ .‬وسواهم من الناس يتفق مع السقائين على سقي جمله وملء قربته‪ ،‬بشيء‬
‫معلوم مححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححن الدراهححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححم‪.‬‬
‫ثحم يرححل الركحب محن تبوك‪ ،‬ويجدون السحير ليلً ونهاراً خوفاً محن هذه البريحة‪ .‬وفحي‬
‫وسطها الوادي الخيضر‪ :‬كأنه وادي جهنم‪ ،‬أعاذنا ال منها‪ .‬وأصاب الحجاج به في‬
‫بعحض السحنين مشقحة بسحبب ريحح السحموم التحي تهحب‪ ،‬فانتشفحت المياه‪ ،‬وانتهحت شربحة‬
‫الماء إلى ألف دينار‪ ،‬ومات مشتريهحا وبائعهحا‪ .‬وكتحب ذلك فحي بعحض صحخر الوادي‪.‬‬
‫ومن هنالك ينزلون بركة المعظم‪ ،‬وهي ضخمة‪ ،‬نسبتها إلى الملك المعظم من أولد‬
‫أيوب‪ .‬ويجتمحع بهحا ماء المطحر فحي بعحض السحنين‪ ،‬وربمحا جحف فحي بعضهحا‪ ،‬وفحي‬
‫الخامحس محن أيام رحيلهحم عحن تبوك يصحلون البئر الحجحر حجحر ثمود‪ ،‬وهحي كثيرة‬

‫الماء‪ ،‬ولكن ل يردها أحد من الناس‪ ،‬مع شدة عطشهم‪ ،‬اقتداء بفعل رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم حين مر بها في غزوة تبوك‪ ،‬فأسرع براحلته وأمر أن ل يسقى منها‬
‫أحد‪ .‬ومن عجن به أطعمه الجمال‪ .‬وهنالك ديار ثمود في جبال من الصخر الحمر‬
‫منحوتحة‪ ،‬لهحا عتحب منقوشحة يظحن رائيهحا أنهحا حديثحة الصحنعة‪ ،‬وعظامهحم نخرة فحي‬
‫داخحل تلك البيوت‪ .‬إن فحي ذلك لعحبرة‪ ،‬ومحبرك ناقحة صحالح عليحه السحلم بيحن جبليحن‬
‫هنالك‪ ،‬وبينهما أثر مسجد يصلي الناس فيه‪ ،‬وبين الحجر والعل نصف يوم أو دونه‪.‬‬
‫والعل قريحة كحبيرة حسحنة لهحا بسحاتين النخحل والمياه المعينحة‪ ،‬يقيحم بهحا الحجاج أربعاً‪،‬‬
‫يتزودون ويغسلون ثيابهم ويدعون بها ما يكون عندهم من فضل زاد ويستصحبون‬
‫قدر الكفايحة‪ .‬وأهحل هذه القريحة أصححاب أمانحة‪ ،‬وإليهحا ينتهحي تجار نصحارى الشام‪ ،‬ل‬
‫يتعدونها‪ ،‬ويبايعون الحجاج الزاد وسواه‪ .‬ثم يرحل الركب من العل فينزلون في غد‬
‫رحيلهم الوادي المعروف بالعطاس‪ ،‬وهو شديد الحر تهب فيه السموم المهلكة‪ .‬هبت‬
‫السححنين على الركححب فمححل يخلص منهححا إل اليسححير‪ .‬وتعرف تلك السححنة سححنة الميححر‬
‫الجالقحي‪ ،‬ومنحه ينزلون هديحة‪ ،‬وهحي حسحيان ماء بواد يحفرون بحه‪ ،‬فيخرج الماء وهحو‬
‫زعاق‪ .‬وفي اليوم الثالث ينزلون البلد المقدس الكريم الشريف‪.‬‬
‫طيبة مدينة رسول ال صلى ال عليه وسلم وشرف وكرم‬

‫وفحي عشحي ذلك اليوم دخلنحا الحرم الشريحف‪ ،‬وانتهينحا إلى المسحجد الكريحم‪ ،‬فوقفنحا‬
‫بباب السلم مسلمين‪ ،‬وصلينا بالروضة الكريمة بين القبر والمنبر الكريم‪ ،‬واستلمنا‬
‫القطعححة الباقيححة مححن الجذع الذي حححن إلى رسححول ال صححلى ال عليححه وسححلم‪ ،‬وهححي‬

‫ملصقة بعمود قائم بين القبر والمنبر عن يمين مستقبل القبلة‪ ،‬وأدينا حق السلم على‬
‫سححيد الوليححن والخريححن‪ ،‬وشفيححع العصححاة والمذنححبين‪ ،‬والرسححول النححبي الهاشمححي‬
‫البطحححي محمححد صححلى ال عليححه وسححلم تسححليماً‪ ،‬وشرف وكرم وحححق السححلم على‬
‫ضجيعيه وصاحبيه أبي بكر الصديق وأبي حفص عمر الفاروق رضي ال عنهما‪.‬‬
‫وانصحرفنا إلى رحلنحا مسحرورين بهذه النعمحة العظمحى‪ ،‬مسحتبشرين بنيحل هذه المنحة‬
‫الكحححبرى‪ ،‬حامديحححن ال تعالى على بالبلوغ إلى معاهحححد رسحححوله الشريفحححة‪ ،‬ومشاهده‬
‫العظيمحة المنيفحة‪ ،‬داعيحن أن ل يجعحل ذلك آخحر عهدنحا بهحا‪ ،‬وأن يجعلنحا ممحن قبلت‬
‫زيارته‪ ،‬وكتبت في سبيل ال سفرته‪.‬‬
‫ذكر مسجد رسول ال وروضته الشريفة‬

‫المسجد المعظم مستطيل‪ ،‬تحفه من جهاته الربع بلطات دائرة به‪ ،‬ووسطه صحن‬
‫مفروش بالحصى والرمل‪ ،‬ويدور بالمسجد الشريف شارع مبلط بالحجر المنحوت‪.‬‬
‫والروضححة المقدسححة صححلوات ال وسححلمه على سححاكنها فححي الجهححة القبليححة ممححا يلي‬
‫الشرق محن المسحجد الكريحم‪ ،‬وشكلهحا عجيحب ل يتأتحى تمثيله‪ .‬ووهحي منورة بالرخام‬
‫البديحع النححت الرائق النعحت‪ ،‬قحد علهحا تضميحخ المسحك والطيحب محع طول الزمان‪.‬‬
‫وفحي الصحفة القبليحة منهحا مسحمار فضحة هحو قبالة الوجحه الكريحم‪ .‬وهنالك يقحف الناس‬
‫مسحتقبلين الوجحه الكريحم مسحتدبرين القبلة‪ ،‬فيسحلمون وينصحرفون يميناً إلى وجحه أبحي‬
‫بكحر الصحديق‪ ،‬ورأس أبحي بكحر رضحي ال عنحه عنحد قدمحي رسحول ال صحلى ال عليحه‬
‫وسلم‪ ،‬ثم ينصرفون إلى عمر بن الخطاب‪ ،‬ورأس عمر عند كتفي أبي بكر رضي‬

‫ال عنهمححا‪ .‬وفححي الجوفححي مححن الروضححة المقدسححة‪ ،‬زادهححا ال طيباً‪ ،‬حوض صححغير‬
‫مرخم‪ ،‬وفي قبلته شكل محراب‪ ،‬يقال‪ :‬إنه كان بيت فاطمة بنت رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم تسليماً‪ ،‬ويقال أيضاً‪ :‬هو قبرها‪ ،‬وال أعلم‪ .‬وفي وسط المسجد الكريم دفة‬
‫مطبقححة على وجححه الرض‪ ،‬مقفلة على سححرداب له مدرج يفضححي إلى دار أبححي بكححر‬
‫رضحي ال عنحه خارج المسحجد‪ ،‬وعلى ذلك السرداب كان طريق عائشحة أم المؤمنين‬
‫رضحي ال عنهحا إلى داره‪ ،‬ول شحك أنحه هحو الخوخحة التحي ورد ذكرهحا فحي الحديحث‪،‬‬
‫وأمر النبي صلى ال عليه وسلم بإبقائها‪ ،‬وسد ما سواها‪ .‬وبإزاء دار أبي بكر رضي‬
‫ال عنحه دار عمحر‪ ،‬ودار ابنحه عبحد ال بحن عمحر رضحي ال عنهمحا‪ ،‬وبشرقحي المسحجد‬
‫الكريم دار إمام المدينة أبي عبد ال مالك بن أنس رضي ال عنه‪ ،‬وبمقربة من باب‬
‫السحححلم سحححقاية‪ ،‬ينزل إليهحححا على درج‪ ،‬ماؤهحححا معيحححن‪ ،‬وتعرف بالعيحححن الزرقاء‪.‬‬
‫ذكحر ابتداء بناء المسحجد الكريحم قدم رسحول ال صحلى ال عليحه وسحلم تسحليماً المدينحة‬
‫الشريفحة دار الهجرة يوم الثنيحن ليلة الثالث عشحر محن شهحر ربيحع الول‪ ،‬فنزل على‬
‫بني عمرو بن عوف‪ ،‬وأقام عندهم ثنتين وعشرين ليلة‪ ،‬وقيل أربع عشرة ليلة‪ ،‬وقيل‬
‫أربحع ليالٍ‪ ،‬ثحم توجحه إلى المدينحة فنزل على بنحي النجار بدار أبحي أيوب النصحاري‬
‫رضحي ال عنحه‪ ،‬وأقام عنده سحبعة أشهحر حتحى بنحى مسحاكنه ومسحجده‪ .‬وكان موضحع‬
‫المسجد مربداً لسهل وسهيل ابني رافع أبي عمر بن عاند بن ثعلبة بن غانم بن مالك‬
‫بحن النجار‪ .‬وهمحا يتيمان فحي حجحر أسحعد بحن زرارة رضحي ال عنهحم أجمعيحن‪ .‬وقيحل‪:‬‬
‫كانا في حجر أبي أيوب رضي ال عنه‪ ،‬فابتاع رسول ال صلى ال عليه وسلم ذلك‬

‫المربحد‪ ،‬وقيحل بحل أرضاهمحا أبحو أيوب عنحه‪ .‬وقيحل‪ :‬إنهمحا وهباه لرسحول ال صحلى ال‬
‫عليحه وسحلم فبنحى رسحول ال صحلى ال عليحه وسحلم المسحجد‪ ،‬وعمحل فيحه محع أصححابه‪،‬‬
‫وجعحححل عليحححه حائطاً‪ ،‬ولم يجعحححل له سحححقفاً ول أسحححاطين‪ ،‬وجعله مربعاً‪ ،‬طوله مائة‬
‫ذراع‪ ،‬وعرضحه مثحل ذلك‪ .‬وقيحل‪ :‬إن عرضحه كان دون ذلك‪ .‬وجعحل ارتفاع حائطحه‬
‫قدر القامحة‪ .‬فلمحا اشتحد الححر تكلم أصححابه فحي تسحقيفه‪ ،‬فأقام له أسحاطين محن جذوع‬
‫النخحل‪ ،‬وجعل سحقفه من جريدها‪ .‬فلما أمطرت السماء وكف المسجد‪ .‬فكلم أصححاب‬
‫رسحول ال صحلى ال عليحه وسحلم رسحول ال صحلى ال عليحه وسحلم فحي عمله بالطيحن‪.‬‬
‫فقال‪ :‬كل عريححش كعريححش موسححى‪ ،‬أو ظله كظلة موسححى‪ ،‬والمححر أقرب مححن ذلك‪.‬‬
‫قيحل‪ :‬ومحا ظلة موسحى ? قال ال صحلى ال عليحه وسحلم‪ :‬كان إذا قام أصحاب السحقف‬
‫رأسحححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححه‪.‬‬
‫وجعححل للمسححجد ثلثححة أبواب‪ :‬ثححم سححد باب الجنوب منهححا حيححن حولت القبلة‪ ،‬وبقححي‬
‫المسجد على حياة رسول ال صلى ال عليه وسلم تسليماً‪ ،‬وحياة أبي بكر رضي ال‬
‫عنحه‪ .‬فلمحا كانحت أيام عمحر بحن الخطاب رضحي ال عنحه زاد فحي مسحجد رسحول ال‬
‫صحلى ال عليحه وسحلم‪ .‬وقال‪ :‬لول أنحي سحمعت رسحول ال صحلى ال عليحه وسحلم يقول‬
‫ينبغحي أن نزيحد فحي المسحجد محا زدت فيحه‪ .‬فأنزل أسحاطين الخشحب‪ ،‬وجعحل مكانهحا‬
‫أساطين اللبن‪ ،‬وجعل الساس حجارة إلى القامة‪ ،‬وجعل البواب ستة‪ ،‬منها في كل‬
‫جهحة محا عدا القبلة بابان‪ ،‬وقال‪ :‬فحي باب منهحا ينبغحي أن يترك هذا للنسحاء فمحا رئي‬
‫فيحه‪ .‬حتحى لقحي ال عحز وجحل‪ ،‬وقال‪ :‬زدنحا فحي هذا المسحجد حتحى يبلغ الجبانحة‪ ،‬لم يزل‬

‫مسحجد رسحول ال صحلى ال عليحه وسحلم وأراد عمحر أن يدخحل فحي المسحجد موضعاً‬
‫للعباس عحم رسحول ال صحلى ال عليحه وسحلم ورضحي عنهمحا‪ ،‬فمنعحه منحه‪ .‬وكان فيحه‬
‫ميزاب يصحب فحي المسحجد‪ ،‬فنزعحه عمحر‪ .‬وقال‪ :‬إنحه يؤذي الناس‪ ،‬فنازعحه العباس‪،‬‬
‫وحكما بينهما أبي بن كعب رضي ال عنهما‪ ،‬فأتيا داره فلم يأذن لهما إل بعد ساعة‪،‬‬
‫ثم دخل إليه‪ ،‬فقال‪ :‬كانت جاريتي تغسل رأسي‪ ،‬فذهب عمر ليتكلم‪ ،‬فقال له أبي‪ :‬دع‬
‫أبحا الفضحل يتكلم لمكانحه محن رسحول ال صحلى ال عليحه وسحلم‪ ،‬فقال العباس‪ ،‬خطحة‬
‫خطهحا لي رسحول ال صحلى ال عليحه وسحلم‪ ،‬وبنيتهحا معحه‪ ،‬ومحا وضعحت الميزاب إل‬
‫ورجلي على عاتقي رسول ال فجاء عمر فطرحه وأراد إدخالها في المسجد‪ .‬فقال‬
‫أبححي‪ :‬إن عندي مححن هذا علماً‪ .‬سححمعت رسححول ال صححلى ال عليححه وسححلم يقول‪ :‬أراد‬
‫داود عليحه السحلم أن يبنحي بيحت ال المقدس‪ .‬وكان فيحه بيحت ليتيميحن فراودهمحا على‬
‫البيحع فأبيحا‪ .‬ثحم راودهمحا فباعاه‪ .‬ثحم قامحا بالغيحن فردا البيحع‪ ،‬واشتراه منهمحا‪ .‬ثحم رداه‬
‫كذلك‪ .‬فاستعظم داود الثمن‪ .‬فأوحى ال إليه إن كنت تعطي من شيء فهو لك؛ فأنت‬
‫أعلم‪ .‬وإن كنحت تعطيهمحا نحم رزقنحا فأعطهمحا حتحى يرضيحا‪ .‬وإن أغنحى البيوت عحن‬
‫مظلمححححححححححة بيححححححححححت هححححححححححو لي‪ ،‬وقححححححححححد حرمححححححححححت عليححححححححححك بناءه‪.‬‬
‫قال‪ :‬يححا رب فأعطححه سححليمان‪ .‬فأعطاه سححليمان ليححه السححلم‪ .‬فقال عمححر‪ :‬مححن لي بأن‬
‫رسحول ال صحلى ال عليحه وسحلم قاله ? فخرج أبحي إلى قوم محن النصحار‪ ،‬فأثبتوا له‬
‫ذالك‪ .‬فقال عمححر رضححي ال عنححه أمححا إنححي لو لم أجححد غيرك أخذت قولك‪ ،‬ولكننححي‬
‫أحببححت أن أثبححت‪ .‬ثححم قال للعباس رضححي ال عنححه‪ :‬وال ل ترد الميزاب إل وقدماك‬

‫على عاتقحي‪ .‬ففعحل العباس ذلك‪ .‬ثحم قال‪ :‬أمحا إذا أثبتحت لي‪ ،‬فهحي صحدقة ل‪ ،‬فهدمهحا‬
‫عمحر‪ ،‬وأدخلهحا فحي المسحجد‪ .‬ثحم زاد فيحه عثمان رضحي ال عنحه‪ ،‬وبناه بقوة وباشره‬
‫بنفسحه‪ ،‬فكان يظحل فيحه نهاره‪ ،‬وبيضحه وأتقحن محله بالحجارة المنقوشحة‪ ،‬ووسحعه محن‬
‫جهاتححه إلى جهححة الشرق منهححا‪ ،‬وجعححل له سححواري حجارة مثبتححة بأعمدة الحديححد‬
‫والرصححححححححححححححاص‪ ،‬وسححححححححححححححقفه بالسححححححححححححححاج‪ ،‬وصححححححححححححححنع له محراباً‪.‬‬
‫وقيحل‪ :‬إن مروان هو أول من بنى المحراب‪ .‬وقيحل‪ :‬عمر بن عبحد العزيز في خلفحة‬
‫الوليحد ‪ -‬ثحم زاد فيحه الوليحد بحن عبحد الملك‪ .‬تولى ذلك عمحر بحن عبحد العزيحز‪ ،‬فوسحعه‬
‫وحسنه وبالغ في إتقانه‪ ،‬وعمله بالرخام والساج المذهب‪ .‬وكان الوليد بعث إلى ملك‬
‫الروم‪ :‬أريد أن أبني مسجد نبينا صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فأعني فيه‪ .‬فبعث إليه الفعلة‪،‬‬
‫وثمانيحن ألف مثقال محن الذهحب‪ .‬وأمحر الوليحد بإدخال حجحر أزواج النحبي صحلى ال‬
‫عليحه وسحلم فيحه‪ ،‬فاشترى عمحر محن الدور محا زاد فحي ثلث جهات محن المسحجد‪ .‬فلمحا‬
‫صار إلى القبلة‪ ،‬امتنع عبيد ال بن عبد ال بن عمر من بيع دار حفصة‪ ،‬ودار بينهما‬
‫الكلم‪ ،‬حتحى ابتاعهحا عمحر‪ ،‬على أن له محا بقحي منهحا‪ ،‬وعلى أن يخرجوا محن باقيهحا‬
‫طريقًا إلى السححجد‪ ،‬وهححي الخوخححة التححي فححي المسححجد‪ ،‬وجعححل عمححر للمسححجد أربححع‬
‫صحوامع فحي أربعحة أركانحه‪ ،‬وكانحت إحداهحا مطلة على دار مروان‪ .‬فلمحا ححج سحليمان‬
‫بحن عبحد الملك نزل بهحا‪ ،‬فأطحل عليحه المؤذن حيحن الذان‪ .‬فأمحر بهدمهحا‪ ،‬وجعحل عمحر‬
‫للمسححجد محراباً‪ .‬ويقال‪ :‬هحو أول محن أحدث المحراب‪ .‬ثححم زاد فيححه المهدي بحن أبححي‬
‫جعفر المنصور‪ .‬وكان أمرهم بذلك‪ ،‬ولم يقض له‪ ،‬وكتب إليه الحسن بن زيد يرغبه‬

‫فحي الزيادة فيحه محن جهحة الشرق‪ ،‬ويقول‪ :‬إنحه إن زيحد فحي شرقيحه توسحطت الروضحة‬
‫الكريمحة المسحجد الكريحم‪ .‬فاتهمحه أبحو جعفحر بأنحه إنمحا أراد هدم دار عثمان رضحي ال‬
‫عنه‪ .‬فكتب إليه‪ :‬إني قد عرفت الذي أردت‪ ،‬فاكفف عن دار عثمان وأمر أبو جعفر‬
‫أن يطلل الصححن أيام القيحظ بسحتور تنشحر على حبال ممدودة على خشحب‪ ،‬تكون فحي‬
‫الصححن‪ ،‬لتكحن المصحلين محن الححر‪ ،‬وكان طول المسحجد فحي بناء الوليحد مائتحي ذراع‪.‬‬
‫فبلغحه المهدي إلى ثلثمائة ذراع‪ ،‬وسحوى المقصورة بالرض‪ ،‬وكانت مرتفعحة عنها‬
‫بمقدار ذراعيحن‪ ،‬وكتحب اسحمه على مواضحع محن المسحجد‪ .‬ثحم أمحر الملك المنصحور‬
‫قلوون ببناء دار للوضوء عنححد باب السححلم ‪ -‬فتولى بناءهححا الميححر الصححالح علء‬
‫الديححن المعروف بالقمححر‪ .‬وأقامهححا متسححعة الفناء تسححتدير بهححا البيوت‪ ،‬وأجرى إليهححا‬
‫الماء‪ .‬وأراد أن يبنححي بمكححة شرفهححا ال تعالى مثححل ذلك‪ ،‬فلم يتححم له‪ ،‬فبناه ابنححه الملك‬
‫الناصحر بيحن الصحفا والمروة‪ .‬وسحيذكر إن شاء ال‪ .‬قبلة مسحجد رسحول ال صحلى ال‬
‫عليحه وسحلم‪ ،‬قبلة قطحع لنحه صحلى ال عليحه وسحلم أقامهحا‪ .‬وقيحل‪ :‬أقامهحا جبريحل عليحه‬
‫السحلم‪ .‬وقيحل‪ :‬كان يشيحر جبريحل له إلى سحمتها وهحو يقيمهحا‪ .‬وروي أم جبريحل عليحه‬
‫السحلم أشار إلى الجبال‪ ،‬فتولضعحت فتنححت حتحى بدت الكعبحة‪ .‬فكان صحلى ال عليحه‬
‫وسححلم يبنححي وهححو ينظححر إليححه عياناً‪ .‬وبكححل اعتبار فهححي قبلة قطححع وكانحت القبلة أول‬
‫ورود النبي صلى ال عليه وسلم المدينة إلى بيت المقدس‪ .‬ثم حولت إلى الكعبة بعد‬
‫سححححححححححتة عشححححححححححر شهراً‪ .‬وقيححححححححححل‪ :‬بعححححححححححد سححححححححححبعة عشححححححححححر شهراً‪.‬‬
‫ذكحر المنحبر الكريحم وفحي الحديحث أن رسحول ال صحلى ال عليحه وسحلم تسحليماً كان‬

‫يخطحب إلى جزع نخلة بالمسحجد‪ ،‬فلمحا صحنع له المنحبر وتحول إليحه حنّح الجذع حنيحن‬
‫الناقححة إلى حوارهححا ‪.‬وروي‪ :‬أن رسححول ال صححلى ال عليححه وسححلم تسححليماً نزل إليححه‬
‫فالتزمحه فسحكن‪ .‬وقال‪ :‬لو لم ألتزمحه لحنّ إلى يوم القيامحة‪ .‬واختلفحت الروايات فيمحن‬
‫صحنع المنحبر الكريحم‪ .‬فروي أن تميماً الداري رضحي ال عنحه هحو الذي صحنعه‪ .‬وقيحل‪:‬‬
‫إن غلماً للعباس رضحي ال عنحه صحنعه‪ ،‬وقيحل‪ :‬غلم لمرأة محن النصحار ورد ذلك‬
‫فحي الحديحث الصححيح‪ .‬وصحنع محن طرفاء الغابحة‪ ،‬وقيححل محن الثحل‪ .‬وكان له ثلث‬
‫درجات‪ .‬فكان رسحول ال صحلى ال عليحه وسحلم يقعحد على علياهحن‪ ،‬ويضحع رجليحه‬
‫الكريمتيححن فححي وسححطاهن‪ .‬فلمححا ولي أبححو بكححر الصححديق رضححي ال عنححه قعححد على‬
‫وسحطاهن‪ ،‬وجعحل رجليحه على أولهحن‪ .‬فلمحا ولي عمحر رضحي ال عنحه جلس على‬
‫أولهحن وجعحل رجليحه على الرض‪ ،‬وفعحل ذلك عثمان رضحي ال عنحه صحدراً محن‬
‫خلفتحه‪ ،‬ثحم ترقحى إلى الثالثحة‪ .‬ولمحا أن صحار المحر إلى معاويحة رضحي ال عنحه أراد‬
‫نقحل المنحبر إلى الشام‪ ،‬فضحج المسحلمون‪ .‬وعصحفت ريحح شديدة‪ ،‬وخسحفت الشمحس‪،‬‬
‫وبدت النجوم نهاراً‪ ،‬وأظلمحححت الرض‪ ،‬فكان الرجحححل يصحححادم الرجحححل ول يتحححبين‬
‫مسحلكه‪ ،‬فلمحا رأى ذلك معاويحة تركحه‪ ،‬وزاد فيحه سحت درجات محن أسحفله‪ ،‬فبلغ تسحع‬
‫درجات‪.‬‬
‫ذكححر الخطيحب والمام بمسحجد رسحول ال وكان المام بالمسححجد الشريححف فححي عهححد‬
‫دخولي إلى المدينحة بهاء الديحن بحن سحلمة محن كبار أهحل مصحر‪ ،‬وينوب عنحه العالم‬
‫االصحالح الزاهحد بقيحة المشايحخ‪ ،‬عحز الديحن الواسحطي‪ ،‬نفحع ال بحه‪ ،‬وكان يخطحب قبله‬

‫ويقضي بالمدينة الشريفة سراج الدين عمر المصري‪.‬‬
‫حكاية‬

‫يذكر أن سراج الدين هذا أقام في خطة القضاء بالمدينة والخطابة بها نحو أربعين‬
‫سنة‪ ،‬ثم إنه أراد الخروج بعد ذلك إلى مصر‪ ،‬فرأى رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫فحي النوم ثلث مرات‪ ،‬فحي كحل مرة ينهاه عحن الخروج منهحا‪ ،‬وأخحبره باقتراب أجله‪،‬‬
‫فلم ينتححه عححن ذلك وخرج‪ ،‬فمات بموضححع يقال له‪ :‬سححويس ‪ ،‬على مسححيرة ثلث مححن‬
‫مصحر‪ ،‬قبحل أن يصحل إليهحا‪ ،‬نعوذ بال محن سحوء الخاتمحة‪ .‬وكان ينوب عنحه الفقيحه أبحو‬
‫عبحد ال محمحد بحن فرحون رحمحه ال‪ ،‬وأبناؤه الن بالمدينحة الشريفحة‪ :‬أبحو محمحد عبحد‬
‫ال مدرس المالكيحة‪ ،‬ونائب الحكحم‪ ،‬وأبحو عبحد ال محمحد وأصحلهم محن مدينحة تونحس‪،‬‬
‫ولهحم بهحا حسحب وأصحالة‪ .‬وتولي الخطابحة والقضاء بالمدينحة الشريفحة بعحد ذلك جمال‬
‫الديححححن السححححيوطي مححححن أهححححل مصححححر‪ .‬وكان قبححححل ذلك قاضياً بحصحححن الكرك‪.‬‬
‫ذكحر خدام المسحجد الشريحف والمؤذنين بحه وخدام هذا المسحجد الشريحف وسحدنته محن‬
‫الحابيححش وسححواهم وهححم على هيئات حسححان‪ ،‬وصححور نظاف‪ ،‬وملبححس ظراف‪،‬‬
‫وكحبيرهم يعرف بشيحخ الخدام‪ ،‬وهحو فحي هيئة المراء الكبار‪ ،‬ولهحم المرتبات بديار‬
‫مصحر والشام‪ ،‬ويؤتحى إليهحم بهحا فحي كحل سحنة‪ ،‬ورئيحس المؤذنيحن بالحرم الشريحف‬
‫المام المحدث الفاضححل جمال الديححن المطري‪ ،‬مححن مطريححة قريححة بمصححر‪ ،‬وولده‬
‫الفاضل عفيف الدين عبد ال‪ ،‬والشيخ المجاور الصالح أبو عبد ال محمد بن محمد‬

‫بحن محمحد الغرناطحي المعروف بالتراس قديحم المجاورة‪ ،‬وهحو الذي جحب نفسحه خوفاً‬
‫من الفتنة‪.‬‬
‫حكاية‬

‫يذكحر أن أبحا عبحد ال الغرناطحي كان خديماً لشيحخ يسحمى عبحد الحميحد العجمحي‪ ،‬وكان‬
‫الشيحخ حسحن الظحن بحه‪ ،‬يطمئن إليحه بأهله‪ ،‬ويتركحه متحى سحافر بداره‪ ،‬فسحافر مرة‪،‬‬
‫وتركحه على عادتحه بمنزله‪ ،‬فعلقحت بحه زوجحة الشيحخ عبحد الحميحد وراودتحه عحن نفسحه‪،‬‬
‫فقال‪ :‬إنحححححي أخاف ال ول أخون محححححن ائتمننحححححي على أهله وماله‪ .‬فلم تزل تراوده‬
‫وتعارضه حتى خاف على نفسه الفتنة فجبّ نفسه‪ ،‬وغشي عليه‪ ،‬ووجده الناس على‬
‫تلك الحالة‪ ،‬فعالجوه حتحى برئ وصحار محن خدام المسحجد الكرام‪ ،‬ومؤذناً بحه‪ ،‬ورأس‬
‫الطائفين به‪ .‬وهو باقٍ بقيد الحياة إلى هذا العهد‪.‬‬
‫ذكر المجاورين بالمدينة الشريفة‬

‫منهم الشيخ الصالح الفاضل أبو العباس أحمد بن محمد مرزوق كثير العبادة والصوم‬
‫والصلة بمسجد رسول ال صلى ال عليه وسلم تسليماً‪ ،‬صابراً محتسباً‪ ،‬وكان ربما جاور‬
‫بمكة المعظمة‪ ،‬رأيته بها في سنة ثمانٍ وعشرين‪ ،‬وهو أكثر الناس طوافاً وكنت أعجب من‬
‫ملزمته الطواف مع شدة الحر بالمطاف‪ ،‬والمطاف مفروش بالحجارة السود‪ :‬وتصير بحر‬
‫الشمس كأنها الصفائح المحماة‪ .‬ولقد رأيت السقائين يصبون الماء عليها فما يجاوز الموضع‬
‫الذي يصب فيه إل ويلتهب الموضع من حينه‪ .‬وأكثر الطائفين في ذلك الوقت يلبسون‬
‫الجوارب وكان أبو العباس بن مرزوق يطوف حافي القدمين‪ ،‬ورأيته يوماً يطوف‪ ،‬فأحببت‬
‫أن أطوف معه فوصلت المطاف‪ ،‬وأردت استلم الحجر السود‪ ،‬فلحقني لهب تلك الحجارة‪،‬‬
‫وأردت الرجوع بعد تقبيل الحجر‪ ،‬فما وصلته إل بعد جهد عظيم‪ ،‬ورجعت فلم أطف‬
‫ورجعت أجعل نجادي على الرض وأمشي عليه‪ ،‬حتى بلغت الرواق‪ .‬وكان في ذلك العهد‬
‫بمكة وزير غرناطة وكبيرها أبو القاسم محمد ابن محمد بن الفقيه أبي الحسن سهل بن مالك‬
‫الزدي‪ .‬وكان يطوف كل اسبوع سبعين طوافاً‪ ،‬ولم يكن يطوف في وقت القائلة لشدة الحر‪.‬‬
‫وكان ابن مرزوق يطوف في شدة القائلة زيادة عليه‪ .‬ومن المجاورين بالمدينة كرمها ال‬

‫الشيخ الصالح العابد سعيد المراكشي الكفيف‪ ،‬ومنهم أبو مهدي عيسى بن حزرون‬
‫المكناسي‪.‬‬
‫حكاية جاور الشيخ أبو مهدي بمكة سنة ثمان وعشرين‪ ،‬وخرج إلى جبل حراء مع جماعة‬
‫من المجاورين‪ ،‬فلما صعدوا الجبل ووصلوا لمتعبد النبي ال صلى ال عليه وسلم تسايماً‬
‫ونزلوا عنه‪ ،‬تأخر أبو مهدي عن الجماعة‪ ،‬ورأى طريقًا في الجبل‪ ،‬فظنه قصيراً فسلك‬
‫عليه‪ ،‬ووصل أصحابه إلى أسفل اجبل فانتظروه فلم يأت‪ ،‬فتطلعوا فيما حولهم فلم يروا له‬
‫أثراً فظنوا أنه سبقهم‪ ،‬فمضوا إلى مكة شرفها ال تعالى‪ ،‬ومضى عيسى في طريقه‪ ،‬فأفضى‬
‫به إلى جبل آخر‪ ،‬وتاه عن الطريق‪ ،‬وأجهده العطش والحر‪ ،‬وتمزقت نعله‪ ،‬فكان يقطع من‬
‫ثيابه ويلف على رجليه إلى أن ضعف عن المشي‪ ،‬واستظل بشجرة أم غيلن ‪ .‬فبعث ال‬
‫أعرابياً على جمل‪ ،‬حتى وقف عليه‪ :‬فأعلمه بحاله‪ ،‬فأركبه وأوصله إلى مكة‪ ،‬وكان على‬
‫وسطه هيمان فيه ذهب فسلمه إليه‪ ،‬وأقام نحو شهر ل يستطيع القيام على قدميه‪ ،‬وذهبت‬
‫جلدتهما ونبتت لهما جلدة أخرى‪ .‬وقد جرى مثل ذلك لصاحب لي أذكره إن شاء ال‪ .‬ومن‬
‫المجاورين بالمدينة الشريفة أبو محمد الشروي من القراء المحسنين‪ ،‬وجاور بمكة في السنة‬
‫المذكورة‪ .‬وكان يقرأ بها كتاب الشفاء للقاضي عياض بعد الظهر‪ ،‬وأ ّم في التراويح‪ .‬وبها‬
‫من المجاورين الفقيه أبو العباس الفاسي مدرس المالكية بها‪ ،‬وتزوج ببنت الشيخ الصالح‬
‫شهاب الدين الزرندي‪.‬‬
‫حكاية‪ :‬يذكر أن أبا العباس الفاسي تكلم يوماً مع بعض الناس فانتهى به الكلم إلى‬
‫أن تكلم بعظيمححة ارتكححب فيهححا بسححبب جهله بعلم النسححب‪ ،‬وعدم حفظححه للسححانه مركباً‬
‫صحعباً عفحا ال عنحه‪ ،‬فقال الحسحين بحن علي بحن أبحي طالب عليهمحا السحلم لم يعقحب‪،‬‬
‫فرفحع كلمحه إلى أميحر المدينحة طفيحل بحن منصحور بحن جماز الحسحني ‪ ،‬فأنكحر كلمحه‪،‬‬
‫وبحق إنكاره‪ ،‬وأراد قتله‪ .‬فكلم فيه فنفاه عن المدينة‪ .‬ويذكر أنه بعث من اغتاله وإلى‬
‫الن لم يظهر له أثر نعوذ بال من عثرات اللسان وزل‪.‬‬
‫ذكر أمير المدينة الشريفة‬

‫كان أمير المدينة كبيش بن منصور بن جماز‪ .‬وكان قد قتل عمه مقبلً‪ .‬ويقال‪ :‬إنه‬
‫توضحأ بدمحه‪ .‬ثحم إن كحبيشاً خرج سحنة سحبع وعشريحن إلى الفلة فحي شدة الححر ومعحه‬
‫أصحابه‪ ،‬فأدركتهم القائلة في بعض اليام‪ ،‬فتفرقوا تحت ظلل الشجار فما راعهم‬

‫إل وأبناء مقبحل فحي جماعحة محن عحبيدهم ينادون‪ :‬يحا لثارات مقبحل‪ ،‬فقتلوا كحبيش بحن‬
‫منصحور صحبراً‪ ،‬ولعقوا دمحه‪ .‬وتولى بعده أخوه طفيحل بحن منصحور‪ ،‬الذي ذكرنحا أنحه‬
‫نفى أبا العباس الفاسي‪.‬‬
‫ذكر بعض المشاهد الكريم بخارج المدينة الشريفة‬

‫فمنها بقيع الغرقد‪ ،‬وهو بشرقي المدينة المكرمة‪ ،‬ويخرج إليه على باب يعرف بباب البقيع‪.‬‬
‫فأول ما يلقى الخارج إليه على يساره عند خروجه من الباب قبر صفية بنت عبد المطلب‬
‫رضي ال عنهما‪ ،‬وهي عمة رسول ال صلى ال عليه وسلم تسليماً‪ ،‬وأم الزبير بن العوام‬
‫رضي ال عنه‪ ،‬وأمامها قبر إمام المدينة أبي عبد ال مالك بن أنس رضي ال عنه‪ ،‬وعليه‬
‫قبة صغيرة مختصرة البناء‪ ،‬وأمامه قبر السللة الطاهرة المقدسة النبوية الكريم إبراهيم بن‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم وعليه قبة بيضاء‪ ،‬وعن يمينها تربة عبد الرحمن بن عمر‬
‫بن الخطاب رضي ال عنهما وهو المعروف بأبي شحمة‪ ،‬وبإزائه قبر عقيل بن أبي طالب‬
‫رضي ال عنه‪ ،‬وقبر عبد ال بن ذي الجناحين جعفر بن أبي طالب رضي ال عنه‪،‬‬
‫وبإزائهم روضة فيها قبور أمهات المؤمنين رضي ال عنهن‪ ،‬ويليها روضة فيها قبر‬
‫العباس بن عبد المطلب عم رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وقبر الحسن بن علي بن أبي‬
‫طالب عليهما السلم‪ ،‬وهي قبة ذاهبة في الهواء بديعة الحكام‪ ،‬عن يمين الخارج من باب‬
‫البقيع‪ ،‬ورأس الحسن إلى رجلي العباس عليهما السلم‪ ،‬وقبراهما مرتفعان عن الرض‪،‬‬
‫متسعان مغشيان بألواح بديعة اللتصاق‪ ،‬مرصعة بصفائح الصفر البديعة العمل‪ .‬وبالبقيع‬
‫قبور المهاجرين والنصار وسائر الصحابة رضي ال عنهم‪ .‬إل أنها ل يعرف أكثرها‪ .‬وفي‬
‫آخر البقيع قبر أمير المؤمنين أبي عمر عثمان بن عفان رضي ال عنه‪ ،‬وعليه قبة كبيرة‬
‫وعلى مقربة منه قبر فاطمة بنت أسد بن هاشم أم علي بن أبي طالب رضي ال عنها وعن‬
‫ابنها‪.‬‬
‫ومن المشاهد الكريمة قباء‪ ،‬وهو قبلي المدينة‪ ،‬على نحو ميلين منها والطريق بينهما في‬
‫حدائق النخل‪ ،‬وبه المسجد الذي أسس على التقوى والرضوان‪ .‬وهو مسجد مربع فيه‬
‫صومعة بيضاء طويلة تظهر على البعد وفي وسطه مبرك الناقة بالنبي صلى ال عليه‬
‫وسلم‪ ،‬يتبرك الناس بالصلة فيه‪ ،‬وفي الجهة القبلية من صحنه محراب على مصطبة‪ ،‬وهو‬
‫أول موضع ركع فيه النبي صلى ال عليه وسلم‪ .‬وفي قبلي المسجد دار كانت لبي أيوب‬
‫النصاري‪ .‬ويليها دور تنسب لبي بكر وعمر وفاطمة وعائشة رضي ال عنهم‪ .‬وبإزائه‬
‫بئر أريس‪ ،‬وهي التي عاد ماؤها عذباً لما تفل فيه النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬بعد أن كان‬
‫أجاجاً‪ .‬وفيها وقع الخاتم الكريم من عثمان رضي ال عنه‪.‬‬

‫ومن المشاهد فيه حجر الزيوت بخارج المدينة الشريفة‪ .‬يقال‪ :‬إن الزيت رشح من‬
‫حجر هنالك للنبي صلى ال عليه وسلم‪ .‬وإلى جهة الشمال منه بئر بضاعة‪ .‬بإزائها‬
‫جبل الشيطان‪ ،‬حيث صرخ يوم أحد وقال‪ :‬قد قتلت نبيكم‪ .‬وعلى شفير الخندق الذي‬
‫حفره رسحول ال صحلى ال عليحه وسحلم عنحد تخرب الحزاب‪ ،‬حصحن خرب يعرف‬
‫بحصححن العزاب‪ .‬يقال‪ :‬إن عمححر بناه لعزاب المدينححة‪ .‬وأمامححه إلى جهححة الغرب بئر‬
‫رومة التي اشترى أمير المؤمنين عثمان رضي ال عنه نصفها بعشرين ألفاً ‪ ،‬ومن‬
‫المشاهحد الكريمحة أححد‪ ،‬وهحو الجبحل المبارك الذي قال فيحه رسحول اله صحلى ال عليحه‬
‫وسلم تسليماً‪ " :‬إن أحداً جبل يحبنا ونحبه " وهو بجوار المدينة الشريفة‪ ،‬على نحو‬
‫فرسححخ منهححا‪ ،‬وبإزائه الشهداء المكرمون رضححي ال عنهححم‪ .‬وهنالك قححبر حمزة عححم‬
‫رسحول ال صحلى ال عليحه وسحلم ورضحي ال عنحه‪ ،‬وحوله الشهداء المسحتشهدون فحي‬
‫أححد رضحي ال عنهحم‪ ،‬وقبورهحم لقبلي أححد‪ .‬وفحي طريحق أححد مسحجد ينسحب لعلي بحن‬
‫أبححي طالب رضحي ال عنحه‪ ،‬ومسحجد ينسححب إلى سححلمان الفارسححي رضححي ال عنححه‪،‬‬
‫ومسحجد الفتحح حيحث أنزلت سحورة الفتحح على رسحوله صحلى ال عليحه وسحلم‪ .‬وكانحت‬
‫إقامتنحا بالمدينحة الشريفحة فحي هذه الوجهحة أربعحة أيام‪ :‬وفحي كحل ليلة نحبيت بالمسحجد‬
‫الكريححم‪ ،‬والناس قححد حلقوا فححي صحححنه حلقاً‪ ،‬وأوقدوا الشمححع الكححبير‪ .‬وبينهححم ربعات‬
‫القرآن الكريحم يتلونحه‪ ،‬وبعضهحم يذكرون ال‪ ،‬وبعضهحم فحي مشاهدة التربحة الطاهرة‪،‬‬
‫زادهحا ال طيباً‪ ،‬والحداة بكحل جانحب يترنمون بمدح رسحول ال صحلى ال عليحه وسحلم‪.‬‬
‫وهكذا دأب الناس فححححي تلك الليالي المباركححححة‪ ،‬ويجودون بالصححححدقات الكثيرة على‬

‫المجاوريحن والمحتاجيحن‪ .‬وكان فحي صححبتي فحي هذه الوجهحة محن الشام إلى المدينحة‬
‫الشريفحة رجحل محن أهلهحا فاضحل يعرف بمنصحور بحن شكحل‪ ،‬وأضافنحي بهحا‪ .‬واجتمعنحا‬
‫بعحد ذلك بحلب وبخارى‪ .‬وكان فحي صححبتي أيضاً قاضحي الزيديحة شرف الديحن قاسحم‬
‫بن شنان‪ ،‬وصحبني أيضاً أحد الصلحاء الفقراء‪ ،‬من أهل غرناطة‪ ،‬يسمى بعلي بن‬
‫حجحححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححر الموي‪.‬‬
‫حكاية لما وصلنا إلى المدينة كرمها ال‪ ،‬على ساكنها أفضل الصلة وأزكى السلم‪،‬‬
‫ذكححر لي علي بححن حجححر المذكور أنححه رأى تلك الليلة فححي النوم قائلً يقول له‪ :‬اسححمع‬
‫مني واحفظ عني‪:‬‬
‫هنيئاً لحكحم يا زائرين ضحريححه أمنتم به يوم المعاد من الحرجحس‬
‫وصلتم إلى قبر الحبحيب بحطحيبةٍ فطوبى لمن يضحي بطيبة أو يمسى‬

‫وجاور هذا الرجل بعد صحبه بالمدينة‪ .‬ثم رحل إلى مدينة دهلي قاعدة بلد الهند‪ ،‬في سنة‬
‫ثلث وأربعين‪ ،‬فنزل في جواري‪ .‬وذكرت حكاية رؤياه بين يدي ملك الهند‪ ،‬فأمر‬
‫بإحضاره‪ ،‬فحضر بين يديه‪ ،‬وحكى له ذلك‪ ،‬فأعجبه واستحسنه‪ ،‬وقال له كلماً جميلً‬
‫بالفارسية‪ ،‬وأمر بإنزاله‪ ،‬وأعطاه ثلثمائة تنكة من ذهب‪ .‬ووزن التنكة من دنانير المغرب‬
‫ديناران ونصف دينار‪ ،‬وأعطاه فرساً محلى بالسرج واللجام‪ ،‬وخلعة‪ ،‬وعين له مرتبًا في كل‬
‫يوم‪ .‬وكان هنالك فقيه طيب من أهل غرناطة‪ ،‬ومولده ببجاية‪ ،‬يعرف هنالك بجمال الدين‬
‫المغربي‪ .‬فصحبه علي بن حجر المذكور‪ ،‬وواعده على أن يزوجه بنته‪ .‬وأنزله بدويرة‬
‫خارج داره‪ ،‬واشترى جارية غلماً‪ .‬وكان يترك الدنانير في مفرش ثيابه ول يطمئن بها‬
‫لحد‪ .‬فاتفق الغلم والجارية على أخذ ذلك الذهب‪ .‬وأخذاه وهربا‪ .‬فلما أتى الدار لم يجد لهما‬
‫أثراً‪ ،‬ول للذهب‪ .‬فامتنع عن الطعام والشراب‪ ،‬واشتد به المرض أسفاً على ما جرى عليه‪،‬‬
‫فعرضت قضيته بيد يدي الملك‪ ،‬فأمر أن يخلف له ذلك‪ ،‬وبعث إليه من يعلمه بذاك‪ ،‬فوجدوه‬
‫قد مات رحمه ال تعالى‪ .‬وكان رحيلنا من المدينة‪ ،‬نريد مكة شرفهما ال تعالى‪ .‬فنزلنا‬
‫بقرب مسجد ذي الحليفة الذي أحرم منه رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬والمدينة منه على‬
‫خمسة أميال‪ ،‬وهو منتهى حرم المدينة‪ .‬وبالقرب منه وادي العقيق‪ .‬وهنالك تجردت من‬
‫مخيط الثياب واغتسلت ولبست ثوب احرامي وصليت ركعتين وأحرمت بالحج مفرداً‪ .‬ولم‬
‫أزل ملبيًا في كل سهل وجبل وصعود وحدور إلى أن أتيت شعب علي عليه السلم‪ ،‬وبه‬
‫نزلت تلك الليلة‪.‬‬
‫ثم رحلنا منه ونزلنا بالروحاء‪ ،‬وبها بئر تعرف ببئر ذات العلم‪ .‬ويقال‪ :‬إن علياً عليه السلم‬

‫قاتل بها الجن‪.‬‬
‫ثم رحلنا ونزلنا بالصفراء‪ .‬وهو وادٍ معمور‪ ،‬فيه ماء ونخل وبنيان‪ ،‬وقصر يسكنه الشرفاء‬
‫الحسنيون وسواهم‪ ،‬وفيها حصن كبير‪ ،‬وتواليه حصون كثيرة وقرى متصلة‪.‬‬
‫ثم رحلنا منه‪ ،‬ونزلنا ببدر حيث نصر ال رسوله صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وأنجز وعده‬
‫الكريحم‪ ،‬واسحتأصل صحناديد المشركيحن‪ .‬وهحي قريحة فيهحا حدائق نخحل متصحلة‪ ،‬وبهحا‬
‫حصححن منيحع يدخححل إليححه مححن بطحن وادٍ بيحن جبال‪ .‬وببدر عيحن فوارة يجري ماؤهححا‬
‫وموضححع القليححب الذي سححبح بححه أعداء ال المشركون‪ .‬هححو اليوم بسححتان‪ .‬وموضححع‬
‫الشهداء رضحي ال عنهحم خلفحه‪ .‬وجبحل الرحمحة الذي نزلت بحه الملئكحة على يسحار‬
‫الداخححل منححه إلى الصححفراء‪ ،‬وبإزائه جبححل الطبول‪ ،‬وهححو شبححه كثيححب الرمححل ممتححد‪.‬‬
‫ويزعحم أهحل تلك البلدة أنهحم يسحمعون هنالك مثحل أصحوات الطبول فحي كحل ليلة جمعحة‬
‫وموضحع عريحش رسحول ال صحاى ال عليحه وسحلم الذي كان بحه يوم بدر‪ ،‬يناشحد ربحه‬
‫جلّ وتعالى‪ ،‬متصحل بسحفح جبحل الطبول‪ ،‬وموضحع الواقعحة أمامحه‪ ،‬وعنحد نخحل القليحب‬
‫مسجد يقال له مبرك ناقة رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ .‬وبين بدر والصفراء نحو‬
‫بريححححححد فححححححي وادٍ بيححححححن جبال تطرد فيححححححه العيون‪ ،‬وتتصححححححل حدائق النخححححححل‪.‬‬
‫ورحلنا من بدر إلى الصحراء المعروفة بقاع البزواء‪ ،‬وهي برية يضل بها الدليل‪،‬‬
‫ويذهحل عحن خليله الخليحل‪ .‬مسحيرة ثلث وفحي منتهاهحا وادي رابحغ‪ ،‬يتكون فيحه المطحر‬
‫غدراناً يبقحى بهحا الماء زماناً طويلً‪ ،‬ومنحه يحرم حجاج مصحر والمغرب‪ ،‬وهحو دون‬
‫الجحفة‪ .‬وسرنا من رابغ ثلثاً إلى خليص‪ ،‬ومررنا بعقبة السويق‪ ،‬وهي على مسافة‬
‫نصححف يوم مححن خليححص‪ ،‬كثيرة الرمححل والحجاج يقصححدون شرب السححويق بهححا‪،‬‬

‫ويسحححتصحبونه محححن مصحححر والشام برسحححم ذلك‪ ،‬ويسحححقونه الناس مخلطاً بالسحححكر‪.‬‬
‫والمراء يملون منه الحواض‪ ،‬ويسقونها الناس ويذكرون أن رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم مر بها‪ .‬ولم يكن مع أصحابه طعام فأخذ من رملها فأعطاهم إياه فشربوه‬
‫سحويفاً‪ .‬ثم نزلنا بركحة خليص وهي فحي بسحيط محن الرض‪ ،‬كثيرة حدائق النخحل‪ ،‬لهحا‬
‫حصحن مشيحد فحي قنحة جبحل‪ .‬وفحي البسحيط حصحن خرب‪ ،‬وبهحا عيحن فوارة صحنعت لهحا‬
‫أخاديحد فحي الرض‪ ،‬وسحربت إلى الضياع‪ .‬وصحاحب خليحص شريحف حسحني النسحب‪.‬‬
‫وعرب تلك الناحية يقيمون هنالك سوقاً عظيمة يجلبون إليها الغنم والتمر والدام‪ .‬ثم‬
‫رحلنحا إلى عسحفان‪ ،‬وهحي فحي بسحيط محن الرض‪ ،‬بيحن جبال‪ ،‬وبهحا آبار ماء معيحن‪،‬‬
‫تنسحب إحداهحا إلى عثمان بحن عفان رضحي ال عنحه‪ .‬والمدرج المنسحوب إلى عثمان‬
‫أيضاً على مسافة نصف يوم من خليص‪ ،‬وهو مضيق بين جبلين‪ .‬وفي موضع منه‬
‫بلط على صحححورة درج‪ ،‬وأثحححر عمارة قديمحححة‪ .‬وهنالك بئر تنسحححب إلى علي عليحححه‬
‫السحلم‪ .‬ويقال‪ :‬إنحه أحدثهحا‪ .‬وبعسحفان حصحن عتيحق وبرج مشيحد قحد أوهنحه الخراب‪،‬‬
‫وبه من شجر المقل كثير‪ .‬ثم رحلنا من عسفان‪ ،‬ونزلنا بطن مر‪ ،‬ويسمى أيضاً مر‬
‫الظهران ‪ ،‬وهحو واد مخصحب كثيحر النخحل‪ ،‬ذو عيحن فوارة سحيالة تسحقي تلك الناحيحة‪.‬‬
‫ومن هذا الوادي تجلب الفواكه والخضر إلى مكة شرفها ال تعالى‪ .‬ثم أدلجنا من هذا‬
‫الوادي المبارك‪ ،‬والنفوس مسحتبشرة ببلوغ آمالهحا مسحرورة بحالهحا ومآلهحا‪ ،‬فوصحلنا‬
‫عنححد الصححباح إلى البلد الميححن مكححة شرفهححا ال تعالى‪ ،‬فوردنححا منهححا على حرم ال‬
‫تعالى‪ ،‬ومبوإ خليله إبراهيححم‪ ،‬ومبعححث صححفية محمححد صححلى ال عليححه وسححلم‪ .‬ودخلنححا‬

‫البيحت الحرام الشريحف الذي محن دخله كان آمناً محن باب بنحي شيبحة‪ ،‬وشاهدنحا الكعبحة‬
‫الشريفحة‪ ،‬زادهحا ال تعظيماً‪ ،‬وهحي كالعروس تجلى على منصحة الجلل‪ ،‬وترفحل فحي‬
‫برود الجمال‪ ،‬محفوفححة بوفود الرحمححن‪ ،‬موصححلة إلى جنححة الرضوان‪ .‬وطفنححا بهححا‬
‫طواف القدوم‪ ،‬واسححتلمنا الحجححر الكريححم‪ ،‬وصححلينا ركعتيححن بمقام إبراهيححم‪ ،‬وتعلقنححا‬
‫بأسححنار الكعبححة عنححد الملتزم بيححن الباب والحجححر السححود‪ ،‬حيححث يسححتجاب الدعاء‪،‬‬
‫وشربنا من ماء زمزم‪ ،‬وهو لما شرب له حسبما ورد عن النبي صلى ال عليه وسلم‬
‫تسليماً‪ ،‬ثم سعينا بين الصفا والمروة‪ ،‬ونزلنا هنالك بدار‪ ،‬بمقربة من باب إبراهيم ‪-‬‬
‫والحمححد ل الذي شرفنححا بالوفادة على هذا البيححت الكريححم‪ ،‬وجعلنححا ممححن بلغنححا دعوة‬
‫الخليل عليه السلم والتسليم‪ ،‬ومتع أعيننا بمشاهدة الكعبة الشريفة والمسجد العظيم‬
‫والحجححححححححححححححححححححححححححر الكريححححححححححححححححححححححححححم وزمزم والحطيحححححححححححححححححححححححححم‪.‬‬
‫ومن عجائب صنع ال تعالى أنه طبع القلوب على النزوع إلى هذه المشاهد المنيفة‪،‬‬
‫والشوق إلى المثول بمعاهدهحا الشريفحة‪ ،‬وجعحل حبهحا متمكنًا فحي القلوب‪ ،‬فل يحلهحا‬
‫أحد إل أخذت يمجاميع قلبه‪ ،‬ول يفارقها إل أسفاً لفراقها‪ ،‬متولهاً لبعاده عنها‪ ،‬شديد‬
‫الحنين إليها‪ ،‬ناوياً لتكرار الوفادة عليها‪ ،‬فأرضها المباركة نصب العين‪ ،‬ومحبتها‬
‫حشححححو القلوب‪ .‬حمكححححة مححححن ال بالغححححة‪ ،‬وتصححححديقاً لدعوة خليله عليححححه السححححلم‪.‬‬

‫والشوق يحضرها وهي نائية‪ ،‬ويمثلها وهي غائبة‪ ،‬ويهون على قاصدها ما يلقاه من‬
‫المشاق ويعانيه من العناء‪ ،‬وكم من ضعيف يرى الموت عياناً دونها‪ ،‬ويشاهد التلف‬

‫فححي طريقهححا‪ .‬فإذا جمححع ال بهححا شمله‪ ،‬تلقاهححا مسححرورًا مسححتبشراً‪ ،‬كأنححه لم يذق لهححا‬
‫مرارة ول كابحد محنحة ول نصحباً‪ .‬إنحه لمحر إلهحي‪ ،‬وصحنع ربانحي‪ ،‬ودللة ل يشوبهحا‬
‫لبحس‪ ،‬ول تغشاها شبهة‪ ،‬ول يطرقها تمويه‪ .‬وتعز في بصيرة المسحتبصرين‪ ،‬وتبدو‬
‫فححي فكرة المتفكريححن ‪ -‬ومححن رزقححه ال تعالى الحلول بتلك الرجاء‪ ،‬والمثول بذلك‬
‫الفناء‪ ،‬فقد أنعم ال عليه النعمة الكبرى‪ ،‬وخوله خير الدارين‪ :‬الدنيا والخرى‪ .‬فحق‬
‫عليه أن يكثر الشكر على ما خوله‪ ،‬ويديم الحمد على ما أوله‪ .‬جعلنا ال تعالى ممن‬
‫قبلت زيارتحه‪ ،‬وربححت فحي قصحدها تجارتحه‪ ،‬وكتبحت فحي سحبيل ال آثاره‪ ،‬ومحيحت‬
‫بالقبول أوزاره‪ ،‬بمنه وكره‪.‬‬
‫ذكر مدينة مكة المعظمة‬

‫وهي مدينة كبيرة متصلة البنيان مستطيلة‪ ،‬في بطن وادٍ تحف به الجبال‪ ،‬فل يراها‬
‫قاصححدها حتححى يصححل إليهححا‪ .‬وتلك الجبال الملطححة عليهححا ليسححت بمفرطححة الشموخ‪.‬‬
‫والخشبان محن جبالهحا همحا جبحل أبحي قحبيس‪ ،‬وهحو فحي جهحة الجنوب والشرق منهحا‪،‬‬
‫وجبحل قعيقعان‪ ،‬وهحو فحي جهحة الغرب منهحا‪ ،‬وفحي الشمال منهحا الجبحل الحمحر‪ .‬ومحن‬
‫جهحة أبحي قحبيس أجياد الكحبر‪ ،‬وأجياد الصحغر‪ ،‬وهمحا شعبان والخندمحة‪ ،‬وهحي جبحل‪،‬‬
‫وستذكر‪ " .‬والمناسك كلها‪ :‬منى وعرفة والمزدلفة " بشرقي مكة شرفها ال‪ .‬ولمكة‬
‫محن البواب ثلثحة‪ :‬باب المعلى بأعلهحا‪ ،‬وباب الشبيكحة محن أسحفلها‪ ،‬ويعرف أيضاً‬
‫بباب العمرة‪ ،‬وهو إلى جهة المغرب‪ ،‬وعليه طريق المدينة الشريفة‪ ،‬ومصر والشام‬
‫وجدة‪ .‬ومنه يتوجه إلى التنعيم‪ ،‬وسيذكر ذلك‪،‬وباب المسفل‪ ،‬وهو من جهة الجنوب‪،‬‬

‫ومنه دخل خالد بن الوليد رضي ال عنه يوم فتح مكة شرفها ال‪ ،‬كما أخبر ال في‬
‫كتابحه العزيحز حاكياً عحن نحبيه الخليحل بوادٍ غيحر ذي زرع‪ .‬ولكحن سحبقت لهحا الدعوة‬
‫المباركحة‪ ،‬فكحل طرفحة تجلب إليهحا‪ ،‬وثمرات كحل شيحء تجحبى لهحا‪ .‬ولقحد أكلت بهحا محن‬
‫الفواكحه العنحب والتيحن والخوخ والرطحب محا ل نظيحر له فحي الدنيحا‪ ،‬وكذلك البطيحخ‬
‫المجلوب إليها ل يماثله سواه طيباً وحلوة‪ ،‬واللحوم بها سمان لذيذات الطعوم‪ .‬وكل‬
‫مححا يفترق فححي البلد مححن السححلع‪ ،‬فيهححا اجتماعححه‪ .‬وتجلب لهححا الفواكححه والخضححر مححن‬
‫الطائف ووادي نخلة وبطحن محر‪ ،‬لطفاً محن ال بسحكان حرمحه الميحن ومجاوري بيتحه‬
‫العتيق‪.‬‬
‫ذكر المسجد الحرام شرفه ال وكرمه‬

‫والمسجد الحرام في وسط البلد‪ .‬وهو متسع الساحة‪ .‬طوله من شرق إلى غرب أزيد من‬
‫أربعمائة ذراع‪ ،‬حكى ذلك الزرقي‪ ،‬وعرضه يقرب من ذلك‪ .‬والكعبة العظمى في وسطه‪.‬‬
‫ومنظره بديع‪ .‬ومرآه جميل‪ .‬ل يتعاطى اللسان وصف بدائعه‪ ،‬ول يحيط الواصف بحسن‬
‫كماله‪ .‬وارتفاع حيطانه نحو عشرين ذراعاً؛ وسقفه على أعمدة طوال مصطفة ثلثة‬
‫صفوف‪ ،‬بأتقن صناعة وأجملها‪ .‬وقد انتظمت بلطاته الثلثة انتظاماً عجيباً كأنها بلط‬
‫واحد وعدد سواريه الرخامية أربعمائة وإحدى وتسعون سارية ما عدا الجصية التي في دار‬
‫الندرة المزيدة في الحرم‪ ،‬وهي داخلة في البلط الخذ في الشمال‪ .‬ويقابلها المقام مع الركن‬
‫العراقي‪ .‬وفضاؤها متصل‪ ،‬يدخل من هذا البلط إليه‪ ،‬ويتصل بجدار هذا البلط مساطب‬
‫تحت قسي " حنايا " يجلس بها المقرئون والنساخون والخياطون‪ .‬وفي جدار البلط الذي‬
‫يقابله مساطب تماثلها‪ .‬وسائر البلطات تحت جدرانها مساطب بدون حنايا‪ .‬وعند باب‬
‫إبراهيم مدخل من البلط الغربي فيه سواري جصية‪ .‬وللخليفة المهدي ابن الخليفة أبي‬
‫جعفر المنصور رضي ال عنهما آثار كريمة في توسيع المسجد الحرام وإحكام بنائه‪ .‬وفي‬
‫أعلى جدار البلط الغربي مكتوب أمر عبد ال محمد المهدي أمير المؤمنين أصلحه ال‬
‫بتوسعة المسجد الحرام لحاج بيت ال وعمارته في سنة سبع وستين ومائة‪.‬‬
‫ذكر الكعبة المعظمة الشريفة زادها ال تعظيماً وتكريماً والكعبة مائلة في وسط المسجد‪،‬‬
‫وهي بنية مربعة ارتفاعها في الهواء من الجهات الثلث ثمانٍ وعشرون ذراعاً‪ ،‬ومن الجهة‬
‫الرابعة التي بين الحجر السود والركن اليماني تسع وعشرون ذراعاً‪ ،‬وعرض صفحتها‬

‫التي من الركن العراقي إلى الحجر السود أربعة وخمسون شبراً وكذلك عرض الصفحة‬
‫التي تقابلها من الركن اليماني إلى الركن الشامي‪ ،‬وعرض صفحتها التي من الركن العراقي‬
‫إلى الركن الشامي من داخل الحجر ثمانية وأربعون شبراً‪ ،‬وكذلك عرض الصفحة التي‬
‫تقابلها من الركن الشامي إلى الركن العراقي‪ ،‬وأما خارج الحجر فإنه مائة وعشرون شبراً‬
‫والطواف إنما هو خارج الحجر وبناؤها بالحجر الصم السمر‪ ،‬وقد ألصقت بأبدع اللصاق‬
‫وأحكمه وأشده‪ ،‬فل تغيرها اليام‪ ،‬ول تؤثر فيها الزمان وباب الكعبة المعظمة في الصفح‬
‫الذي بين الحجر السود والركن العراقي‪ ،‬وبينه وبين الحجر السود عشرة أشبار‪ ،‬وذلك‬
‫الموضع هو المسمى بالملتزم‪ ،‬حيث يستجاب الدعاء‪ .‬وارتفاع الباب عن الرض أحد عشر‬
‫شبراً ونصف شبر وسعته ثمانية أشبار‪ ،‬وطوله ثلثة عشر شبراً وعرض الحائط الذي‬
‫ينطوي عليه خمسة أشبار‪ ،‬وهو مصفح بصفائح الفضة‪ ،‬بديع الصنعة وعضادتاه وعتبته‬
‫العليا مصفحات بالفضة‪ ،‬وله نقارتان كبيرتان من فضة عليهما قفل‪ ،‬ويفتح الباب الكريم في‬
‫كل يوم جمعة بعد الصلة‪ ،‬ويفتح في يوم مولد النبي صلى ال عليه وسلم ورسمهم في فتحة‬
‫أنم يضعوا كرسياً شبه المنبر‪ ،‬له درج وقوائم خشب‪ ،‬لها أربع بكرات يجري الكرسي‬
‫عليها‪ ،‬ويلصقونه إلى جدار الكعبة الشريفة‪ ،‬فيكون درجه العلى متصلً بالعتبة الكريمة‪،‬‬
‫ثم يصعد كبير الشيبين وبيده المفتاح الكريم ومعه السدنة‪ ،‬فيمسكون الستر المسبل على باب‬
‫الكعبة المسمى بالبرقع‪ ،‬بخلل ما يفتح رئيسهم الباب‪ ،‬فإذا فتحه قبل العتبة الشريفة‪ ،‬ودخل‬
‫البيت وحده‪ ،‬وسد الباب‪ ،‬وأقام قدر ما يركع ركعتين‪ ،‬ثم يدخل سائر الشيبين‪ ،‬ويسدون‬
‫الباب أيضاً‪ ،‬ويركعون‪ ،‬ثم يفتح الباب‪ ،‬ويبادر الناس بالدخول‪ ،‬وفي أثناء ذلك يقفون‬
‫مستقبلين الباب الكريم بأبصار خاشعة وقلوب ضارعة وأيدٍ مبسوطة إلى ال‪ ،‬فإذا فتح‬
‫كبروا ونادوا‪ :‬اللهم افتح لنا أبواب رحمتك ومغفرتك يا أرحم الراحمين وداخل الكعبة‬
‫الشريفة مفروش بالرخام المجزع‪ ،‬وحيطانه كذلك وله أعمدة ثلثة طوال مفرطة الطول من‬
‫خشب الساج‪ ،‬بين كل عمود منها وبين ألخر أربع خطاً وهي متوسطة في الفضاء داخل‬
‫الكعبة الشريفة‪ ،‬يقابل الوسط منها نصف عرض الصفح الذي بين الركنين العراقي‬
‫والشامي وستور الكعبة الشريفة من الحرير السود‪ ،‬مكتوب فيها بالبيض‪ ،‬وهي تلل‬
‫عليها نوراً وإشراقاً‪ ،‬وتكسو جميعها من العلى إلى الرض‪ .‬ومن عجائب اليات في‬
‫الكعبة الشريفة أن بابها يفتح‪ ،‬والحرم غاص بأمم ل يحصيها إل ال الذي خلقهم ورزقهم‪،‬‬
‫فيدخلونها أجمعين ول تضيق عنهم‪ ،‬ومن عجائبها أنها ل تخلو عن طائف أبداً ليلً ول‬
‫نهاراً‪ ،‬ولم يذكر أحد أنه رآها قط دون طائف‪ .‬ومن عجائبها أن حمام مكة وسواه من الطير‪،‬‬
‫ل ينزل عليها ول يعلوها في الطيران وتجد الحمام يطير على أعلى الحرم كله فإذا حاذى‬
‫الكعبة الشريفة عرج عنها إلى إحدى الجهات ولم يعلها ويقال ل ينزل عليها طائر إل إذا‬
‫كان به مرض فإما أن يموت لحينه أو يبرأ من مرضه فسبحان االذي خصها بالتشريف‬
‫والتكريم وجعل لها المهابة والتعظيم‪.‬‬
‫ذكر الميزاب المبارك والميزاب في اعلى الصفح الذي على الحجر‪ ،‬وهو من الذهب‪،‬‬
‫وسعته شبر واحد‪ ،‬وهو بارز بمقدار ذراعين‪ .‬والموضع الذي تحت الميزاب مظنة استجابة‬
‫الدعاء‪ .‬وتحت الميزاب في الحجر هو قبر إسيماعيل عليه السلم‪ ،‬وعليه رخامة خضراء‬
‫مستطيلة على شكل محراب‪ ،‬متصلة برخامة خضراء مستديرة‪ ،‬وكلتاهما سعتها مقدار‬

‫شبر‪ ،‬وكلتاهما غريبة الشكل رائقة المنظر‪ .‬وإلى جانبه مما يلي الركن العراقي قبر أمه‬
‫هاجر عليها السلم‪ ،‬وعلمته رخامة خضراء مستديرة سعتها مقدار شبر ونصف وبين‬
‫القبرين سبعة أشبار‪.‬‬
‫ذكر الحجر السود وأما الحجر السود فارتفاعه عن الرض ستة أشبار فالطويل من‬
‫الناس يتطامن لتقبيله‪ ،‬والصغير يتطاول إليه وهو ملصق في الركن الذي إلى جهة المشرق‪،‬‬
‫وسعته ثلثا شبر‪ ،‬وطوله شبر وعقد‪ ،‬ول يعلم قدر ما دخل منه في الركن وفيه أربع قطع‬
‫ملصقة ويقال‪ :‬إن القرمطي لعنه ال كسره وقيل‪ :‬إن الذي كسره سواه‪ ،‬ضربه بدبوس‬
‫فكسره‪ ،‬وتبادر الناس إلى قتله وقتل بسببه جماعة من المغاربة‪ .‬وجوانب الحجر مشدودة‬
‫بصفيحة من فضة‪ ،‬يلوح بياضها على سواد الحجر الكريم‪ ،‬فتنجلي منه العيون حسناً باهراً‪،‬‬
‫ولتقبيله لذة يتنعم بها الفم‪ ،‬ويود لثمه أن ل يفارق لثمه‪ ،‬خاصية مودعة فيه‪ ،‬وعناية ربانية‬
‫به وكفى قول النبي صلى ال عليه وسلم إنه يمين ال في أرضه ‪ ،‬نفعنا ال باستلمه‬
‫ومصافحته‪ ،‬وأوفد عليه كل شيق إليه‪ .‬وفي القطعة الصحيحة من الحجر السود‪ ،‬مما يلي‬
‫جانبه الموالي ليمين مستلمه‪ ،‬نقطة بيضاء صغيرة مشرقة‪ ،‬كأنها خال في تلك الصحيفة‬
‫البهية وترى الناس إذا طافوا بها يتساقط بعضهم على بعض ازدحاماً على تقبيله فقلما‬
‫يتمكن أحد من ذلك إل بعد المزاحمة الشديدة‪ ،‬وكذلك يصنعون عند دخول الحرم‪ ،‬ومن عند‬
‫الحجر السود ابتداء الطواف وهو أول الركان التي يلقاها الطائف‪ ،‬فإذا استلمه تقهقر عنه‬
‫قليلً وجعل الكعبة الشريفة عن يساره‪ ،‬ومضى في طوافه‪ ،‬ثم يلقى بعده الركن العراقي‪،‬‬
‫وهو إلى جهة الشمال‪ ،‬ثم يلقى الركن الشامي‪ ،‬وهو إلى جهة الغرب‪ ،‬ثم يلقى الركن‬
‫اليماني‪ ،‬وهو إلى جهة الجنوب‪ ،‬ثم يعود إلى الحجر السود‪ ،‬وهو إلى جهة الشرق‪.‬‬
‫ذكر المقام الكريم إعلم أن بين باب الكعبة شرفها ال وبين الركن العراقي موضعاً طوله اثنا‬
‫عشر شبراً وعرضه نحو النصف من ذلك‪ ،‬وارتفاعه نحو شبرين وهو موضع المقام في‬
‫مدة إبراهيم عليه السلم ثم صرفه النبي صلى ال عليه وسلم إلى الموضع الذي هو الن‬
‫مصلى‪ ،‬وبقي ذلك الموضع شبه الحوض‪ ،‬وإليه ينصب ماء البيت الحرام إذ غسل‪ ،‬وهو‬
‫موضع مبارك يزدحم الناس للصلة فيه‪ .‬وموضع المقام الشريف يقابل ما بين الركن‬
‫العراقي والباب الشريف‪ ،‬وهو إلى الباب أميل‪ ،‬وعليه قبة تحتها اشباك حديد‪ ،‬متجافٍ عن‬
‫المقام الشريف قدر ما تصل أصابع النسان إذا أدخل يده من ذلك الشباك إلى الصندوق‪،‬‬
‫والشباك مقفل ومن ورائه موضع محوز قد جعل مصلى لركعتي الطواف‪ .‬وفي الصحيح أن‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم لما دخل المسجد أتى البيت فطاف به سبعاً‪ ،‬ثم أتى المقام‬
‫فقرأ‪ " :‬واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى " وركع خلفه ركعتين وخلف المقام مصلى إمام‬
‫الشافعية في الحطيم الذي هنالك‪.‬‬
‫ذكر الحجر والمطاف ودور جدار الحجر تسع وعشرون خطوة‪ ،‬وهي أربعة وتسعون شبراً‬
‫من داخل الدائرة‪ ،‬وهو بالرخام البديع المجزع المحكم اللصاق‪ ،‬وارتفاعه خمسة أشبار‬
‫ونصف شبر‪ ،‬وسعته أربعة أشبار ونصف شبر‪ .‬وداخل الحجر بلط واسع مفروش بالرخام‬
‫المنظم المعجز الصنعة البديع التقان‪ .‬وبين جدار الكعبة الشريفة الذي تحت الميزاب وبين‬
‫ما يقابله من جدار الحجر على خط استواء أربعون شبراً‪ ،‬وللحجر مدخلن أحدهما بينه‬
‫وبين الركن العراقي‪ ،‬وسعته ستة أذرع‪ ،‬وهذا الموضع هو الذي تركته قريش من البيت‬

‫حين بنته‪ ،‬كما جاءت الثار الصحاح‪ ،‬والمدخل الخر عند الركن الشامي‪ ،‬وسعته أيضًا‬
‫ستة أذرع وبين المدخلين ثمانية وأبعون شبراً وموضع الطواف مفروش بالحجارة السود‬
‫محكمة اللصاق‪ ،‬وقد اتسعت عن البيت بمقدار تسع خطاً إل في الجهة التي تقابل المقام‬
‫الشريف‪ ،‬فإنها امتدت إليه حتى أحاطت به وسائر الحرم مع البلطات مفروش برمل أبيض‬
‫وطواف النساء في آخر الحجارة المفروشة‪.‬‬
‫ذكر زمزم‬
‫وقبة بئر زمزم تقابل الحجر السود وبينهما أربع وعشرون خطوة والمقام الشريف‬
‫عن يمين القبة‪ .‬ومن ركنها إليه عشر خطاً‪ .‬وداخل القبة مفروش بالرخام البيض‪،‬‬
‫وتنور البئر المباركة في وسط القبة‪ ،‬مائلً إلى الجدار المقابل للكعبة الشريفة‪ .‬وهو‬
‫مححن الرخام البديححع اللصححاق مفروغ بالرصححاص‪ .‬ودوره أربعون شححبراً‪ ،‬وارتفاعححه‬
‫أربعحة أشبار ونصحف شحبر‪ ،‬وعمحق البئر إحدى عشرة قامحة وهحم يذكرون أن ماءهحا‬
‫يتزايحد فحي كحل ليلة جمعحة وباب القبحة إلى جهحة الشرق وقحد اسحتدارات بداخحل سحقاية‬
‫سحعتها شحبر‪ ،‬وعمقهحا مثحل لك‪ ،‬وارتفاعهحا عحن الرض نححو خمسحة أشبار‪ ،‬تمل ماء‬
‫للوضوء‪ ،‬وحولهحا مسحطبة يقعحد الناس عليهحا للوضوء ويلي قبحة زمزم قبحة الشراب‬
‫المنسحوبة إلى العباس رضي ال عنه‪ ،‬وبابها إلى جهة الشمال‪ .‬وهحي الن يجعحل بها‬
‫ماء زمزم في قلل يسمونها الدوارق‪ ،‬وكل دورق له مقبض واحد وتترك بها ليبرد‬
‫فيهححا الماء‪ ،‬فيشربححه الناس وبهححا اختزان المصححاحف الشريفححة‪ ،‬والكتححب التححي للحرم‬
‫الشريف وبها خزان تحتوي على تابوت مبسوط متسع‪ ،‬فيه مصحف كريم بخط زيد‬
‫بحن ثابحت رضحي ال عنحه‪ ،‬منتسحخ سحنة ثمانحي عشرة محن وفاة رسحول ال صحلى ال‬
‫عليححه وسححلم تسححليماً‪ .‬وأهححل مكححة إذا أصححابهم قحححط أو شدة أخرجوا هذا المصحححف‬

‫الشريححف‪ ،‬وفتحوا باب الكعبححة‪ ،‬ووضعوه على العتبححة الشريفححة‪ ،‬ووضعوه فححي مقام‬
‫إبراهيحم عليحه وسحلم‪ ،‬واجتمحع الناس كاشفيحن رؤوسحهم‪ ،‬داعيحن متضرعيحن متوسحلين‬
‫بالمصحححف العزيححز والمقام الشريححف‪ ،‬فل ينفصححلون إل وقححد تداركهححم ال برحمتححه‪،‬‬
‫وتغمدهححم بلطفححه‪ .‬ويلي قبححة العباس رضححي ال تعالى عنححه على انحراف منهححا القبححة‬
‫المعروفححححححححححححححححححححححححححححححة بقبححححححححححححححححححححححححححححححة اليهوديححححححححححححححححححححححححححححححة‪.‬‬
‫ذكر أبواب المسجد الحرام وما دار به من المشاهد الشريفة وأبواب المسجد الحرام‬
‫شرفححه ال تعالى تسححعة عشححر باباً‪ ،‬وأكثرهححا مفتحححة على أبواب كثيرة‪ ،‬فمنهححا باب‬
‫الصحفا‪ ،‬وهحو مفتحح على خمسحة أبواب‪ ،‬وكان قديماً يعرف بباب بنحي مخزوم‪ ،‬وهحو‬
‫أكحبر أبواب المسحجد‪ ،‬ومنحه يخرج إلى المسحعى‪ ،‬ويسحتحب للوافحد على مكحة أن يدخحل‬
‫المسحجد الحرام شرفحه ال محن باب بنحي شيبحة‪ ،‬ويخرج بعحد طوافحه محن باب الصحفا‬
‫جاعلً طريقحه بيحن السحطوانتين اللتيحن اقامهمحا أميحر المؤمنيحن المهدي رحمحه ال‪،‬‬
‫علماً على طريححق رسححول ال صححلى ال عليححه وسححلم إلى الصححفا‪ ،‬ومنهححا باب أجياد‬
‫الصحغر مفتحح على بابيحن ومنهحا باب الخياطيحن مفتحح على بابيحن ومنهحا باب العباس‬
‫رضي ال عنه مفتح على ثلثة أبواب‪ ،‬ومنها باب النبي صلى ال عليه وسلم مفتح‬
‫على بابيحن‪ ،‬ومنهحا باب بنحي شيبحة‪ ،‬وهحو فحي ركحن الجدار الشرقحي محن جهحة الشمال‪،‬‬
‫أمام باب الكعبحة الشريفحة متياسحراً‪ ،‬وهحو مفتحح على ثلثحة أبواب‪ ،‬وهحو باب بنحي عبحد‬
‫شمحس‪ ،‬ومنحه كان دخول الخلفاء‪ ،‬ومنهحا باب صحغير إزاء باب بنحي شيبحة ل اسحم له‪،‬‬
‫وقيحل‪ :‬يسحمى باب الرباط‪ ،‬لنحه يدخحل منحه لرباط السحدرة‪ ،‬ومنهحا باب الندوة ويسحمى‬

‫بذلك ثلثحة أبواب‪ :‬اثنان منتظمان‪ ،‬والثالث فحي الركحن الغربحي محن دار الندوة‪ ،‬ودار‬
‫الندوة قحد جعلت مسحجداً شارعاً فحي الحرم مضافاً إليحه‪ ،‬وهحي تقابحل الميزاب‪ ،‬ومنهحا‬
‫باب صغير لدار العجلة محدث‪ ،‬ومنها باب السدرة واحد‪ ،‬وباب العمرة واحد‪ ،‬وهو‬
‫محن أجمحل أبواب الحرم‪ ،‬وباب إبراهيحم واححد‪ ،‬والناس مختلفون فحي نسحبته‪ ،‬فبعضهحم‬
‫ينسبه إلى إبراهيم الخليحل عليه السحلم‪ ،‬والصحيح أنه منسوب إلى إبراهيحم الخوزي‬
‫مححن العاجححم‪ ،‬وباب الحزورة مفتححح على بابيححن‪ ،‬وباب ثالث ينسححب إليححه مفتححح على‬
‫بابيحن‪ ،‬ويتصحل لباب الصحفا ومحن الناس محن ينسحب البابيحن محن هذه الربعحة المنسحوبة‬
‫لجياد إلى الدقاقيحححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححن‪.‬‬
‫وصحوامع المسحجد الحرام خمحس‪ :‬إحداهحن على ركحن أبحي قحبيس عنحد باب الصحفا‪،‬‬
‫والخرى على ركححن باب بنححي شيبححة‪ ،‬والثالثححة على باب دار الندوة‪ ،‬والرابعححة على‬
‫ركححن باب السححدرة‪ ،‬والخامسححة على ركححن أجياد‪ .‬وبمقربححة مححن باب العمرة مدرسححة‬
‫عمرها السلطان المعظم يوسف بن رسول ملك اليمن المعروف بالملك المظفر التي‬
‫تنسب إليه الدراهم المظفرية باليمن‪ ،‬وهو كان يكسو الكعبة‪ ،‬إلى أن غلبه على ذلك‬
‫الملك المنصحور قلوون ‪ -‬وبخارج باب إبراهيحم زاويحة كحبيرة فيهحا دار إمام المالكيحة‬
‫الصحالح أبحي عبحد ال محمحد بحن عبحد الرحمحن المدعحو بخليحل وعلى باب إبراهيحم قبحة‬
‫عظيمة مفرطة السمو‪ ،‬قد صنع في داخلها من غرائب صنع الجص ما يعجز عنه‬
‫الوصف‪ .‬وبإزاء هذا الباب عن يمين الداخل إليه كان يقعد الشيخ العابد جلل الدين‬
‫محمد بن أحمد الفشهري‪ ،‬وخارج باب إبراهيم بئر تنسب كنسبته‪ ،‬وعنده أيضاً دار‬

‫الشيخ الصالح دانيال العجمي الذي كانت صدقات العراق في أيام السلطان أبي سعيد‬
‫تأتحي على يديحه‪ .‬وبمقربحة منحه رباط الموفحق‪ ،‬وهحو محن أحسحن الرباطات‪ ،‬سحكنته أيام‬
‫مجاورتححي بمكححة المعظمححة‪ .‬وكان بححه فححي ذلك العهححد الشيححخ الصححالح الطيار سححعادة‬
‫الجرانححي‪ ،‬ودخححل يوماً إلى بيتححه بعححد صححلة العصححر فوجححد سححاجداً مسححتقبل الكعبححة‬
‫الشريفة ميتاً من غير مرض كان به رضي ال عنه وسكن به الشيخ الصالح شمس‬
‫الدين محمد الشامي نحواً من أربعين سنة‪ .‬وسكن به الشيخ الصالح شعيب المغربي‬
‫مححن كبار الصححالحين دخلت عليححه يومًا فلم يقححع بصححري فححي بيتححه على شيححء سححوى‬
‫حصحححححححححير فقلت له فحححححححححي ذلك فقال لي‪ :‬أسحححححححححتر على محححححححححا رأيحححححححححت‪.‬‬
‫وحول الحرم الشريف دور كثيرة لها مناظر وسطوح يخرج منها إلى سطح الحرم‪،‬‬
‫وأهلهحا فحي مشاهدة البيحت الشريحف على الدوام‪ ،‬ودور لهحا أبواب تفضحي إلى الحرم‪،‬‬
‫منهححا دار زبيدة زوجححة الرشيححد أميححر المؤمنيححن‪ ،‬ومنهححا دار العجلة‪ ،‬ودار الشرابححي‬
‫وسواها‪ .‬ومن المشاهد المقدسة بمقربة من المسجد الحرام قبة الوحي وهي في دار‬
‫خديجحة أم المؤمنيحن رضحي ال عنهحا بمقربحة محن باب الرسحول صحلى ال عليحه وسحلم‬
‫وفي البيت قبة صغيرة حيث ولدت فاطمة عليها السلم‪ ،‬وبمقربة منها دار أبي بكر‬
‫الصحديق رضحي ال عنحه ويقابلهحا جدار مبارك فيحه حجحر مبارك بارز‪ ،‬طرفحه محن‬
‫الحائط يستلمه الناس ويقال‪ :‬إنه كان يسلم على النبي صلى ال عليه وسلم ويذكر ان‬
‫النبي صلى ال عليه وسلم سأل عن رجل فنطق ذلك الحجر‪ ،‬وقال‪ :‬يا رسول ال إنه‬
‫ليححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححس بحاضححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححر‪.‬‬

‫ذكحر الصفا والمروة ومن باب الصفا الذي هو من أبواب المسحجد الحرام إلى الصحفا‬
‫سححت وسححبعون خطوة‪ ،‬وسححعة الصححفا سححبع عشرة خطوة‪ ،‬وله اربححع عشرة درجححة‬
‫علياهحن كأنهحا مسحطبة‪ ،‬وبيحن الصحفا والمروة أربعمائة وثلث وتسحعون خطوة‪ ،‬منهحا‬
‫مححن الصححفا إلى الميححل الخضححر ثلث وتسححعون خطوة‪ ،‬ومححن الميححل الخضححر إلى‬
‫الميليححن الخضريححن خمححس وسححبعون خطوة‪ ،‬ومححن الميليححن الخضريححن إلى المروة‬
‫ثلثمائة وخمححس وعشرون خطوة‪ .‬وللمروة خمححس درجات‪ ،‬وهححي ذات قوس واحححد‬
‫كبير وسعة المروة سبع عشرة خطوة‪ .‬والميل الخضر هو سارية خضراء مثبتة مع‬
‫ركحن الصحومعة التحي على الركحن الشرقحي محن الحرم عحن يسحار السحاعي إلى المروة‪،‬‬
‫والميلن الخضران همحححا سحححاريتان خضراوان إزاء باب علي محححن أبواب الحرم‪،‬‬
‫أحدهما في جدار الحرم عن يسار الخارج من الباب‪ ،‬والخرى تقابلها‪ ،‬وبين الميل‬
‫الخضر والميلين الخضرين يكون الرمل ذاهباً وعائداً‪ ،‬وبين الصفا والمروة مسيل‬
‫فيحه سحوق عظيمحة‪ ،‬يباع فيهحا الحبوب واللححم والتمحر والسحمن وسحواها محن الفواكحه‪.‬‬
‫والسححاعون بيححن الصححفا والمروة ل يكادون يخلصححون لزدحام الناس على حوانيححت‬
‫الباعة‪ ،‬وليس بمكة سوق منتظمة سوى هذه إل البزازون والعطارون عند باب شيبة‬
‫وبين الصفا والمروة دار العباس رضي ال عنه‪ .‬وهي الن رباط يقطنه المجاورون‬
‫عمره الملك الناصر رحمه ال‪ ،‬وبنى أيضاً دار وضوء فيما بين الصفا والمروة سنة‬
‫ثمان وعشرين‪ ،‬وجعل لها بابين أحدهما في السوق المذكور والخر في العطارين‪.‬‬
‫وعليها ربع يسكنه خدامها‪ ،‬وتولى بناء ذلك المير علء الدين بن هلل‪ ،‬وعن يمين‬

‫المروة دار أميححححر مكححححة سححححيف الديححححن عطيفححححة بححححن أبححححي نمححححي وسححححنذكره‪.‬‬
‫ذكححر الجبانححة المباركححة وجبانححة مكححة خارجححة باب المعلى‪ ،‬ويعرف ذلك الموضححع‬
‫بالحجون وإياه عنى الحارث ابن مضاض الجرهمي بقوله‪:‬‬
‫كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا أنيسٌ ولم يسمر بمحكة سحامحر‬
‫بلى نحن كنا أهلهحا فحأبحادنحا صروف الليالي والجدود العواثر‬

‫وبهذه الجبانححة مدفححن الجححم الغفيححر مححن الصحححابة والتابعيححن والعلماء والصححالحين‬
‫والولياء‪ ،‬إل أن مشاهدهحم دثرت‪ ،‬وذهحب عحن أهحل مكحة علمهحا فل يعرف منهحا إل‬
‫القليحل‪ ،‬فمحن المعروف منهحا قحبر أم المرمنيحن‪ ،‬ووزيحر سحيد المرسحلين خديجحة بنحت‬
‫خويلد أم أولد النحبي صحلى ال عليحه وسحلم‪ ،‬كلهحم محا عدا إبراهيحم‪ ،‬وجدة السحبطين‬
‫الكريميحن صحلوات ال وسحلمه على النحبي صحلى ال عليحه وسحلم وعليهحم أجمعيحن‪.‬‬
‫وبمقربحة منحه قحبر الخليفحة أميحر المؤمنيحن أبحي جعفحر المنصحور عبحد ال بحن محمحد بحن‬
‫علي بن عبد ال بن العباس رضي ال عنهم أجمعين‪ ،‬وفيها الموضع الذي صلب فيه‬
‫عبد ال بن الزبير رضي ال عنهما‪ .‬وكان به بنية هدمها أهل الطائف غيرة منهم لما‬
‫كان يلححق حجاجهحم المحبير ‪ ،‬محن اللعحن وعحن يميحن مسحتقبل الجبانحة مسحجد خراب‪،‬‬
‫يقال إنحه المسحجد الذي بايعحت الجحن فيحه رسحول ال صحلى ال عليحه وسحلم وعلى هذه‬
‫الجبانة طريق الصاعد إلى عرفات وطريق الذاهب إلى الطائف وإلى العراق‪.‬‬
‫ذكر بعض المشاهد خارج مكة‬

‫فمنها الحجون وقد ذكرناه‪ ،‬ويقال أيضاً‪ :‬إن الحجون هو الجبل المطل على الجبانة‬
‫ومنهحا المحصحب‪ ،‬وهحو أيضاً البطحح‪ ،‬وهحو يلي الجبانحة المذكورة‪ ،‬وفيحه خيحف بنحي‬

‫كنانة الذي نزل به رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ومنها ذو الطوى وهو وادٍ يهبط‬
‫على قبور المهاجريحن التحي بالحصححاص دون ثنيحة كداء‪ ،‬ويخرج منحه إلى العلم‬
‫الموضوعة حجزاً بين الحل والحرام‪ .‬وكان عبد ال بن عمر رضي ال عنه إذا قدم‬
‫مكحة شرفهحا ال تعالى يحبيت بذي طوى ثحم يعتسحل منحه ويغدو إلى مكحة‪ ،‬ويذكحر أن‬
‫رسحول ال صحلى ال عليحه وسحلم فعحل ذلك‪ .‬ومنهحا ثنيحة كدي " بضحم الكاف "‪ ،‬وهحي‬
‫بأعلى مكحة‪ ،‬ومنهحا دخحل رسحول ال صحلى ال عليحه وسحلم فحي حجحة الوداع إلى مكحة‪.‬‬
‫ومنها ثنية كداء " بفتح الكاف "‪ ،‬ويقال لها الثنية البيضاء‪ ،‬وهي بأسفل مكة‪ ،‬ومنها‬
‫خرج رسحول ال صحلى ال عليحه وسحلم عام الوداع‪ ،‬وهحي بيحن جحبيلين‪ .‬وفحي مضيقهحا‬
‫كوم حجارة موضوع على الطريق‪ ،‬وكل من يمر به يرجمه بحجر‪ .‬ويقال‪ :‬إنه قبر‬
‫أبي لهب وزوجه حمالة الحطب‪ .‬وبين هذه الثنية وبين مكة بسيط سهل ينزله الركب‬
‫إذا صحدروا عحن منحى‪ ،‬وبمقربحة محن هذا الموضحع على نححو ميحل محن مكحة شرفهحا ال‬
‫مسحجد بإزائه حجحر موضوع على الطريحق كأنحه مصحطبة يعلوه حجحر آخحر‪ ،‬كان فيحه‬
‫نقحش فدثحر رسحمه‪ .‬يقال‪ :‬إن النحبي صحلى ال عليحه وسحلم قعحد بذلك الموضحع مسحتريحاً‬
‫عنحد مجيئه محن عمرتحه‪ .‬فيتحبرك الناس بتقحبيله ويسحتندون إليحه‪ .‬ومنهحا التنعيحم‪ ،‬وهحو‬
‫على فرسحخ محن مكحة‪ ،‬ومنحه يعتمحر أهحل مكحة‪ ،‬وهحو أدنحى الححل إلى الحرام‪ ،‬ومنحه‬
‫اعتمرت أم المرمنيحن عائشحة رضحي ال عنهحا حيحن بعثهحا رسحول ال صحلى ال عليحه‬
‫وسلم في حجة الوداع مع أخيها عبد الرحمن رضي ال عنه‪ ،‬وأمره أن يعمرها من‬
‫التنعيحم‪ .‬وبنيحت هنالك مسحاجد ثلثحة على الطريحق تنسحب كلهحا إلى عائشحة رضحي ال‬

‫عنهحا‪ .‬وطريحق التنعيحم طريحق فسحيح‪ ،‬والناس يتحرون كنسحه فحي كحل يوم رغبحة فحي‬
‫الجحر والثواب‪ .‬لن محن المعتمريحن محن يمشحي فيحه حافياً‪ .‬وفحي هذا الطريحق البار‬
‫العذبحة التحي تسحمى الشبيكحة‪ ،‬ومنهحا الزاهحر‪ ،‬وهحو على نححو ميليحن محن مكحة‪ ،‬على‬
‫طريحق التنعيحم‪ ،‬وهحو موضحع على جانحبي الطريحق فيحه أثحر دور وبسحاتين وأسحواق‪.‬‬
‫وعلى جانحب الطريحق دكان مسحتطيل تصحف عليحه كيزان الشرب وأوانحي الوضوء‪،‬‬
‫يملهحا خديحم ذلك الموضحع محن آبار الزاهحر‪ ،‬وهحي بعيدة القعحر جداً‪ .‬والخديحم محن‬
‫الفقراء المجاورين وأهل الخير يعينونه على ذلك لما فيه من المرفقة للمعتمرين من‬
‫الغسل والشرب والوضوء‪ ،‬وذو طوى يتصل بالزاهر‪.‬‬
‫ذكر الجبال المطيفة بمكة‬

‫فمنها جبل أبي قبيس وهو في جهة الجنوب والشسرق من مكة حرسها ال‪ ،‬وهو‬
‫أححد الخشحبين‪ ،‬وأدنحى الجبال محن مكحة شرفهحا ال‪ ،‬ويقابحل ركحن الحجحر السحود‪.‬‬
‫وبأعله مسحجد وأثحر رباط وعمارة‪ .‬وكان الملك الظاهحر رحمحه ال أراد أن يعمره‪.‬‬
‫وهو مطل على الحرم الشريف‪ ،‬وعلى جميع البلد‪ .‬ومنه يظهر حسن مكة شرفها ال‬
‫وجمال الحرم واتسحاعه والكعبحة المعظمحة‪ .‬ويذكحر أن جبحل أبحي قحبيس هحو أول جبحل‬
‫خلقه ال‪ ،‬وفيه استودع الحجر زمان الطوفان‪ .‬وكانت قريش تسمية المين لنه أدى‬
‫الحجحر الذي اسحتودع فيحه إلى الخليحل إبراهيحم عليحه السحلم‪ .‬ويقال‪ :‬إن قحبر آدم عليحه‬
‫السلم به‪ .‬وفي جبل أبي قبيس موضع موقف النبي صلى ال عليه وسلم حين انشق‬
‫له القمحر‪ .‬ومنهحا قعيقان‪ ،‬وهحو أححد الخشحبين‪ ،‬ومنهحا الجبحل الحمحر‪ ،‬وهحو فحي جهحة‬

‫الشمال من مكة شرفها ال‪ ،‬ومنها الخندمة وهو جبل عند الشعبين المعروفين بأجياد‬
‫الكححبر وأجياد الصححغر‪ ،‬ومنهححا جبححل الطيححر وهححو على أربعححة عححن جهتححي طريححق‬
‫التنعيم‪ ،‬يقال إنها الجبال التي وضع عليها الخليل عليه السلم أجزاء الطير ثم دعاها‬
‫حسحبما نحص ال فحي كتابحه العزيحز‪ ،‬عليحه أعلم محن حجارة‪ ،‬ومنهحا جبحل حراء‪ ،‬وهحو‬
‫في الشمال من مكة شرفها ال تعالى على نحو فرسخ منها‪ ،‬وهو مشرف على منى‪،‬‬
‫ذاهحب فحي الهواء عالي القنحة‪ .‬وكان رسحول ال صحلى ال عليحه وسحلم يتعبحد فيحه كثيراً‬
‫قبحل المبعحث‪ ،‬وفيه أتاه الحق من ربه وبدأ الوححي‪ ،‬وهو الذي اهتز تحت رسول ال‬
‫صحلى ال عليحه وسحلم فقال صحلى ال عليحه وسحلم‪ :‬إثبحت فمحا عليحك إل نحبي وصحديق‬
‫وشهيححححححد ‪ ،‬واختلف فيكمححححححن كان معححححححه يومئذ‪ .‬وروي أن العشرة كانوا معححححححه‪.‬‬
‫وقححد روي أيضاً أن جبححل ثححبير اهتححز تحتححه أيضاً‪ ،‬ومنهححا جبححل ثور‪ ،‬وهححو على قدر‬
‫فرسخ من مكة شرفها ال تعالى على طريق اليمن‪ ،‬وفيه الغار الذي أوى إليه رسول‬
‫ال صحلى ال عليحه وسحلم حيحن خروجحه مهاجراً محن مكحة شرفهحا ال‪ ،‬ومعحه الصحديق‬
‫رضحي ال عنحه‪ ،‬حسحبما ورد فحي الكتاب العزيحز‪ .‬ذكحر الزرقحي فحي كتابحه‪ :‬أن الجبحل‬
‫ي إليّ‪ ،‬فقد أويت‬
‫المذكور نادى رسول ال صلى ال عليه وسلم وقال‪ :‬إليّ يا محمد إل ّ‬
‫قبلك سححبعين نححبياً‪ .‬فلمححا دخححل رسححول ال صححلى ال عليححه وسححلم الغار واطمأن بححه‬
‫وصححاحبه الصححديق معححه‪ ،‬نسححجت العنكبوت مححن حينهححا على باب الغار‪ ،‬وصححنعت‬
‫الحمامحة عشاً وفرخحت فيحه بإذن ال تعالى‪ ،‬فانتهحى المشركون ومعهحم قصحاص الثحر‬
‫إلى الغار‪ ،‬فقالوا ها هنا انقطع الثر ورأوا العنكبوت قد نسج على فم الغار والحمام‬

‫مفرخحة‪ ،‬فقالوا‪ :‬محا دخحل أححد هنحا‪ ،‬وانصحرفوا‪ .‬فقال الصحديق‪ :‬يحا رسحول ال لو لجوا‬
‫علينا منه‪ ،‬قال‪ :‬كنا نخرج من هنا‪ .‬وأشار بيده المباركة إلى الجانب الخر ولم يكن‬
‫فيححححححححححححححححححححه باب فانفتححححححححححححححححححححح فيححححححححححححححححححححه باب بقدرة الملك الوهاب ‪.‬‬
‫والناس يقصححدون زيارة هذا الغار المبارك‪ ،‬فيرومون دخوله مححن الباب الذي دخححل‬
‫منحه النبي صلى ال عليحه وسلم تبركاً بذلك‪ .‬فمنهحم من يتأتى له‪ ،‬ومنهم من ل يتأتحى‬
‫له وينشححب فيححه‪ ،‬حتححى يتناول بالجذب العنيححف‪ ،‬ومححن الناس مححن يصححلي أمامححه ول‬
‫يدخله‪ .‬وأهحل تلك البلد يقولون‪ :‬إنحه محن كان لرشده دخله‪ ،‬ومحن كان لزينحة لم يقدر‬
‫على دخوله‪ .‬ولهذا يتحاماه كثيححر مححن الناس لنححه مخجححل فاضححح‪ .‬قال ابححن جزي‪:‬‬
‫أخبرني بعض أشياخنا الحجاج الكياس أن سبب صعوبة الدخول إليه هو أن بداخله‬
‫ممحا يلي هذا الشحق الذي يدخحل منحه حجراً كحبيراً معترضاً‪ .‬فمحن دخحل محن ذلك الشحق‬
‫منبطحاً على وجهحه وصحل راسحه إلى ذلك الحجحر‪ ،‬فلم يمكنحه التولج‪ ،‬ول يمكنحه أن‬
‫ينطوي إلى العلو‪ ،‬ووجهحه وصحدره يليان الرض‪ .‬فذلك هحو الذي ينشحب ول يخلص‬
‫إل بعحد الجهحد والجذب إلى خارج ومن دخحل منحه مستلقياً على ظهره أمكنحه‪ ،‬لنحه إذا‬
‫وصحل رأسحه إلى الحجحر المعترض رفحع رأسحه‪ ،‬واسحتوى قاعداً‪ ،‬فكان ظهره مسحتنداً‬
‫إلى الحجححر المعترض وأوسححطه فححي الشححق ورجله مححن خارج الغار ثححم يقوم قائماً‬
‫بداخحححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححل الغار‪.‬‬
‫حكايحة وممحا اتفحق بهذا الجبحل لصحاحبين محن أصححابي‪ :‬أحدهمحا الفقيحه المكرم أبحو‬
‫محمحد عبحد ال بحن فرحان الفريقحي التوزري‪ ،‬والخحر أبحو العباس أحمحد الندلسحي‬

‫الوادي آشي‪ ،‬أنهما قصدا الغار في حين مجاورتهما بمكة شرفها ال تعالى في سنة‬
‫ثمان وعشرين وسبعمائة‪ ،‬وذهبا منفردين‪ ،‬لم يستصحبا دليلً عارفاً بطريقه؛ فتاها‪.‬‬
‫وضل طريق الغار وسلكا طريقاً سواها منقطعة‪ ،‬وذلك في أوان اشتداد الحر وحمى‬
‫القيظ‪ ،‬فلما نفد ما كان عندهما من الماء‪ ،‬وهما لم يصل إلى الغار‪ ،‬أخذا في الرجوع‬
‫إلى مكحة شرفهحا ال تعالى‪ ،‬فوجدا طريقاً فاتبعاه وكان يفضحي إلى جبحل آخحر‪ ،‬واشتحد‬
‫بهمحا الححر‪ ،‬وأجهدهمحا العطحش‪ ،‬وعاينحا الهلك‪ ،‬وعجحز الفقيحه أبحو محمحد عبحد ال بحن‬
‫فرحان عن المشي جملة‪ ،‬والقى بنفسه إلى الرض‪ ،‬ونجا الندلسي بنفسه‪ .‬وكان فيه‬
‫فضحل قوة‪ ،‬ولم يزل يسحلك تلك الجبال حتحى أفضحى بحه الطريحق إلى أجياد‪ ،‬فدخحل إلى‬
‫مكحة شرفهحا ال تعالى‪ ،‬وقصحدني‪ ،‬واعلمنحي بهذه الحادثحة وبمحا كان محن أمحر عبحد ال‬
‫التورزي وانقطاعه في الجبل‪ ،‬وكان في ذلك في آخر النهار‪ .‬ولعبد ال المذكور ابن‬
‫عحم اسحمه حسحن‪ ،‬وهحو محن سحكان وادي نخلة‪ ،‬وكان إذ ذاك بمكحة‪ ،‬فأعلمتحه بمحا جرى‬
‫على ابحن عمحه‪ ،‬وقصحدت الشيحخ الصحالح المام أبحا عبحد ال محمحد بحن عبحد الرحمحن‬
‫المعروف بخليحل إمام ألمالكيحة نفحع ال بحه‪ ،‬فأعلمتحه بخحبره‪ ،‬فبعحث بجماعحة محن أهحل‬
‫مكة عارفين بتلك الجبال والشعاب في طلبه‪ ،‬وكان من أمر عبد ال التوزري أنه لما‬
‫فارقحه رفيقحه‪ ،‬لجحأ إلى حجحر كحبير‪ ،‬فاسحتظل بظله‪ ،‬وأقام على هذه الحالة محن الجهحد‬
‫والعطححش‪ ،‬والغربان تطيححر فوق رأسححه‪ ،‬وتنتظححر موتححه‪ .‬فلمححا انصححرم النهار‪ ،‬واتححى‬
‫الليحل‪ ،‬وجحد فحي نفسحه قوة وأنعشحه برد الليحل‪ ،‬فقام عنحد الصحباح على قدميحه ونزل محن‬
‫الجبحل إلى بطحن واد حجبحت الجبال عنحه الشمحس‪ ،‬فلم يزل ماشياً إلى أن بدأت له دابحة‬

‫فقصد قصدها‪ ،‬فوجد خيمة للعرب‪ .‬فلما رآها وقع إلى الرض ولم يستطع النهوض‪،‬‬
‫فرأته صاحبة الخيمة‪ ،‬وكان زوجها قد ذهب إلى ورد الماء فسقته ما كان عندها من‬
‫الماء فلم يرو‪ ،‬وجاء زوجهححا فسححقاه قربححة ماء فلم يرو‪ ،‬وأركبححه حماراً له‪ ،‬وقدم بححه‬
‫مكة فوصلها عند صلة العصر من الثاني متغيراً كأنه قام من قبر‪.‬‬
‫ذكر أميري مكة‬

‫وكانحت إمارة مكحة فحي عهحد دخولي إليهحا للشريفيحن الجليحن الخويحن‪ :‬أسحد الديحن‬
‫رميثحة وسحيف الديحن عطيفحة أبنحي الميحر أبحي نمحي بحن أبحي سحعد بحن علي بحن قتادة‬
‫الحسحنيين‪ .‬ورميثحة أكبرهمحا سحناً‪ ،‬ولكنحه كان يقدم اسحم عطيفحة فحي الدعاء له بمكحة‪،‬‬
‫لعدله ولرميثة من الولد أحمد وعجلن‪ ،‬وهو أمير مكة في هذا العهد‪ ،‬وتقيه وسند‬
‫وأم قاسححم‪ .‬ولعطيفححة مححن الولد محمححد ومبارك ومسححعود‪ .‬ودار عطيفححة عححن يميححن‬
‫المروة‪ ،‬ودار أخيححه رميثححة برباط الشرابححي عنححد باب بنححي شيبححة‪ ،‬وتضرب الطبول‬
‫على باب كل واحد منهما عند صلة المغرب من كل يوم‪.‬‬
‫ذكر أهل مكة وفضائلهم‬

‫ولهحححل مكحححة الفعال الجميلة والمكارم التامحححة والخلق الحسحححنة واليثار إلى‬
‫الضعفاء والمنقطعين وحسحن الجوار للغرباء‪ .‬ومحن مكارمهحم أنهحم متحى صحنع أحدهحم‬
‫وليمححة يبدأ فيهححا بإطعام الفقراء المنقطعيححن المجاوريححن‪ ،‬ويسححتدعيهم بتلطححف ورفححق‬
‫وحسن خلق‪ ،‬ثم يطعمهم‪ .‬وأكثر المساكين المنقطعين يكونون بالفران‪ ،‬حيث يطبخ‬
‫الناس أخبازهحم‪ .‬فإذا طبحخ أحدهحم خبزه واحتمله إلى منزله فيتبعحه المسحاكين فيعطحي‬

‫لكل واحد منهم ما قسم له‪ ،‬ول يردهم خائبين‪ ،‬ولو كانت له خبزة واحدة فإنه يعطي‬
‫ثلثهحا أو نصحفها طيحب النفحس بذلك محن غيحر ضجحر‪ .‬ومحن أفعالهحم الحسحنة أن اليتام‬
‫الصحغار يقعدون بالسحوق‪ ،‬ومحع كحل واححد منهحم قفتان‪ :‬كحبرى وصحغرى وهحم يسحمون‬
‫القفححة مكتلً فيأتححي الرجححل مححن أهححل مكححة إلى السححوق‪ ،‬فيشتري الحبوب واللحححم‬
‫والخضر‪ ،‬ويعطي ذلك الصبي فيجعل الحبوب في إحدى قفتيه‪ ،‬واللحم والخضر في‬
‫الخرى‪ ،‬ويوصححل ذلك إلى دار الرجححل ليهيححأ له طعامححه منهححا‪ ،‬ويذهححب الرجححل إلى‬
‫طوافحه وحاجتحه‪ ،‬فل يذكحر أن أحداً محن الصحبيان خان المانحة فحي ذلك قحط‪ ،‬بحل يؤدي‬
‫ما حمل على ما أتم الوجوه‪ .‬ولهم على ذلك أجرة معلومة من فلوس‪ .‬وأهل مكة لهم‬
‫ظرف ونظافحة فحي الملبحس وأكثحر لباسحهم البياض فترى ثيابهحم أبداً ناصحعة سحاطعة‪.‬‬
‫ويسحححتعملون الطيحححب كثيراً ويكتحلون ويكثرون السحححواك بعيدان الراك الخضحححر‪.‬‬
‫ونسححاء مكححة فائقات الحسححن بارعات الجمال ذوات صححلح وعفاف‪ .‬وهححن يكثرن‬
‫التطيب‪ ،‬حتى إن إحداهن لتبيت طاوية وتشتري بقوتها طيباً‪ .‬وهن يقصدن الطواف‬
‫بالبيحت فحي كحل ليلة جمعحة‪ ،‬فيأتيحن فحي أحسحن زي وتغلب على الحرم رائححة طيبهحن‪،‬‬
‫وتذهحب المرأة منهحن فيبقحى أثحر الطيحب بعحد ذهابهحا عبقاً‪ .‬ولهحل مكحة عوائد حسحنة‬
‫وغيره سنذكرها إن شاء ال تعالى إذا فرغنا من ذكر فضائلها ومجاوريها‪.‬‬

‫ذكر قاضي مكة وخطيبها‬
‫وإمام الموسم وعلمائها وصلحائها‬

‫قاضححي مكححة العالم الصححالح العابححد نجححم الديححن محمححد بححن إمام العالم محيححي الديححن‬
‫الطحبري‪ ،‬وهحو فاضحل كثيحر الصحدقات والمواسحاة للمجاوريحن‪ ،‬حسحن الخلق كثيحر‬
‫الطواف والمشاهدة للكعبححة الشريفححة‪ ،‬يطعححم الطعام الكثيححر فححي المواسححم المعظمححة‪،‬‬
‫وخصحوصًا فحي مولد رسحول ال صحلى ال عليحه وسحلم‪ ،‬فإنحه يطعحم فيحه شرفاء مكحة‬
‫وكبراءهحا وفقراءهحا وخدام الحرم الشريحف وجميحع المجاوريحن‪ .‬وكان سحلطان مصحر‬
‫الملك الناصر رحمه ال يعظمه كثيراً‪ ،‬وجميع صدقاته وصدقات أمرائه تجرى على‬
‫يديحه‪ .‬وولده شهاب الديحن فاضحل‪ ،‬وهحو الن قاضحي مكحة شرفهحا ال‪ .‬وخطيحب مكحة‬
‫المام بمقام إبراهيم عليه السلم الفصيح المصقع وحيد عصره بهاء الدين الطبري‪،‬‬
‫وهحو أححد الخطباء الذيحن ليحس بالمعمورة مثلهحم بلغحة وحسحن بيان‪ .‬وذكحر لي أنحه‬
‫ينشئ لكل جمعة خطبحة ثم ل يكررها فيمحا بعحد‪ .‬وإمام الموسم وإمام المالكيحة بالحرم‬
‫الشريف هو الشيخ الفقيه العالم الصالح الخاشع الشهير أبو عبد ال محمد ابن الفقيه‬
‫المام الصحالح الورع أبحي زيحد عبحد الرحمحن‪ ،‬وهحو المشتهحر بخليحل نفحع ال بحه وأمتحع‬
‫ببقائه‪ .‬وأهله محن بلد الجريحد محن إفريقيحة‪ ،‬ويعرفون بهحا ببنحي حيون محن كبارهحا‪،‬‬
‫ومولده ومولد أبيححه بمكحة شرفهححا ال‪ ،‬وهححو أحححد الكبار محن أهحل مكحة‪ ،‬بحل واحدهححا‬
‫وقطبهحا بإجماع الطوائف على ذلك‪ .‬مسحتغرق العبادة فحي جميحع أوقاتحه‪ ،‬حيحي كريحم‬
‫النفحححححححس حسحححححححن الخلق كثيحححححححر الشفقحححححححة‪ ،‬ل يرد محححححححن سحححححححأله خائباً‪.‬‬

‫حكايححة مباركححة رأيححت أيام مجاورتححي بمكححة شرفهححا ال‪ ،‬وأنححا إذ ذاك سححاكن منهححا‬
‫بالمدرسححة المظفريححة‪ ،‬والنححبي صححلى ال عليححه وسححلم فححي النوم‪ ،‬وهححو قاعححد بمجلس‬
‫التدريحس فحي المدرسحة المذكورة بجانحب الشباك الذي تشاهحد منحه الكعبحة الشريفحة‪،‬‬
‫والناس يبايعونححه‪ ،‬فكنححت أرى الشيححخ أبححا عبححد ال المدعححو بخليححل قححد دخححل وقعححد‬
‫القرفصحاء بيحن يدي رسحول ال صحلى ال عليحه وسحلم‪ ،‬وجعحل يده فحي يحد رسحول ال‬
‫صححلى ال عليححه وسححلم‪ ،‬وقال‪ :‬أبايعححك على كذا وكذا‪ ،‬وعدد أشياء منهححا‪ ،‬وأن ل أرد‬
‫محن بيتحي مسحكيناً خائباً‪ ،‬وكان ذلك آخحر كلمحه‪ ،‬فكنحت أعجحب محن قوله‪ ،‬وأقول فحي‬
‫نفسحي كيحف يقول هذا ويقدر عليحه‪ ،‬محع كثرة فقراء مكحة واليمحن والزيالعحة والعراق‬
‫والعجحم ومصحر والشام‪ .‬وكنحت أراه حيحن ذلك لبسحاً جبحة بيضاء قصحيرة محن ثياب‬
‫القطن المدعوة بالقفطان‪ .‬كان يلبسها في بعض الوقات‪ ،‬فلما صليت الصبح غدوت‬
‫عليحه وأعلمتحه برؤياي فسحر بهحا وبكحى‪ ،‬وقال لي تلك الجبحة أهداهحا بعحض الصحالحين‬
‫لجدي‪ ،‬فأنحا ألبسحها تحبركاً‪ .‬ومحا رأيتحه بعحد ذلك يرد سحائلً خائباً‪ .‬وكان يأمحر خدامحه‬
‫يخبزون الخبححز ويطبخون الطعام ويأتون بححه إلي بعححد صححلة العصححر مححن كححل يوم‪.‬‬
‫وأهحل مكحة ل يأكلون فحي اليوم إل مرة واحدة بعحد العصحر‪ ،‬ويقتصحرون عليهحا إلى‬
‫مثل ذلك الوقت‪ .‬ومن أراد الكل في سائر النهار أكل التمر‪ .‬ولذلك صحت أبدانهم‪،‬‬
‫وقلت فيهحم المراض والعاهات‪ .‬وكان الشيحخ خليحل متزوجاً بنت القاضحي نجحم الدين‬
‫الطحبري‪ ،‬فشحك فحي طلقهحا وفارقهحا‪ .‬وتزوجهحا بعده الفقيحه شهاب الديحن النويري محن‬
‫كبار المجاورين‪ ،‬وهو من صعيد مصر‪ .‬وأقامت عنده أعواماً وسافر بها إلى المدينة‬

‫الشريفحة ومعهحا أخوهحا شهاب الديحن فحنحث فحي يميحن بالطلق‪ ،‬ففارقهحا على ضنانتحه‬
‫بها‪ ،‬وراجعها الفقيه خليل بعد سنين عدة‪ .‬ومن أعلم مكة إمام الشافعية شهاب الدين‬
‫بححن البرهان‪ ،‬ومنهححم إمام الحنفيححة شهاب الديححن أحمححد بححن علي مححن كبار أئمححة مكححة‬
‫وفضلئهحا‪ ،‬يطعحم المجاوريحن وأبناء السحبيل‪ .‬وهحو أكرم فقهاء مكحة‪ .‬ويدان فحي كحل‬
‫سحنة أربعيحن ألف درهحم وخمسحين ألفاً‪ ،‬فيؤديهحا ال عنحه‪ .‬وأمراء التراك يعظمونحه‬
‫ويحسحنون الظحن بحه‪ ،‬لنحه إمامهحم‪ .‬ومنهحم إمام الحنابلة المحدث الفاضحل محمحد بحن‬
‫عثمان البغدادي الصل المكي المولد‪ .‬وهو نائب القاضي نجم الدين‪ ،‬والمحتسب بعد‬
‫قتحححححححححل تقحححححححححي الديحححححححححن المصحححححححححري‪ ،‬والناس يهابونحححححححححه لسحححححححححطوته‪.‬‬
‫حكايحة كان تقحي الديحن المصحري محتسحباً بمكحة‪ ،‬وكان له دخول فيمحا يعنيحه وفيمحا ل‬
‫يعنيه‪ .‬فاتفق في بعض السنين أن أتى أمير الحاج بصبي من ذوي الدعارة بمكة قد‬
‫سحرق بعحض الحجاج‪ .‬فأمحر بقطحع يده فقال له تقحي الديحن‪ :‬إن لم تقطعهحا بحضرتحك‪،‬‬
‫وإل غلب أهحل مكحة خدامحك عليحه‪ .‬فاسحتنقذوه منهحم وخلصحوه‪ ،‬فأمحر بقطحع يده فحي‬
‫حضرته فقطعت‪ .‬وحقدها لتقي الدين‪ .‬ولم يزل يتربص به الدوائر‪ ،‬ول قدرة له عليه‬
‫لن له حسباً من الميرين رميثة وعطيفة والحسب عندهم أن يعطي أحدهم هدية من‬
‫عمامة أو شاشية بمحضر الناس تكون جواراً لمن أعطيته‪ ،‬ول تزول حرمتها‪ ،‬معه‬
‫حتحى يريحد الرحلة والتحول عحن مكحة‪ .‬فأقام تقحي الديحن بمكحة أعواماً‪ ،‬ثحم عزم على‬
‫الرحلة‪ ،‬وودع الميريحححن‪ ،‬وطاف طواف الوداع‪ ،‬وخرج محححن باب الصحححفا‪ .‬فلقيحححه‬
‫صحاحبه القطحع وتشكحى له ضعحف حاله‪ ،‬وطلب منحه محا يسحتعين بحه على حاجتحه‪.‬‬

‫فانتهره تقي الدين وزجره‪ ،‬فاستل خنجراً له يعرف عندهم بالجنبية‪ ،‬وضربه ضربة‬
‫واحدة كان فيهحا حتفحه‪ .‬ومنهحم الفقيحه الصحالح زيحن الديحن الطحبري‪ ،‬شقيحق نجحم الديحن‬
‫المذكور محن أهحل الفضحل والحسحان للمجاوريحن ومنهحم الفقيحه المبارك محمحد بن فهحد‬
‫القرشي‪ ،‬من فضلء مكة‪ .‬وكان ينوب عن القاضي نجم الدين بعد وفاة الفقيه محمد‬
‫بححن عثمان الحنبلي‪ ،‬ومنهححم العدل الصححالح محمححد بححن البرهان زاهححد ورع مبتلى‬
‫بالوسحواس‪ .‬رأيتحه يوماً يتوضحأ محن بركحة المدرسحة المظفريحة‪ ،‬فيغسحل ويكرر‪ ،‬ولمحا‬
‫مسحح رأسحه أعاد مسححه مرات‪ ،‬ثحم لم يقنعحه ذلك فغطحس رأسحه فحي البركحة‪ .‬وكان إذا‬
‫أراد الصلة ربما صلى المام الشافعي‪ ،‬وهو يقول‪ :‬نويت نويت‪ ،‬فيصلي من غيره‬
‫وكان كثير الطواف والعتمار والذكر‪.‬‬
‫ذكر المجاورين بمكة‬

‫فمنهم المام العالم الصالح الصوفي المحقق العابد عفيف الدين عبد ال بن أسعد اليمني‬
‫الشافعي الشهير باليافعي‪ ،‬كثير الطواف آناء الليل وأطراف النهار وكان إذا طاف من الليل‬
‫يصعد إلى سطح المدرسة المظفرية فيقعد مشاهداً للكعبة الشريفة‪ ،‬إلى أن يغلبه النوم فيجعل‬
‫تحت رأسه حجراً‪ ،‬أو ينام يسيراً‪ ،‬ثم يجدد الوضوء ويعود لحاله من الطواف حتى يصلي‬
‫الصبح‪ .‬وكان متزوجاً ببنت الفقيه العابد شهاب الدين بن برهان‪ ،‬وكانت صغيرة السن‪ .‬فل‬
‫تزال تشكو إلى أبيها حالها فيأمرها بالصبر‪ ،‬فأقامت معه على ذلك سنين ثم فارقته‪ .‬ومنهم‬
‫الصالح العابد نجم الدين الصفوني‪ .‬كان قاضياً ببلد الصعيد فانقطع إلى ال تعالى‪ ،‬وجاور‬
‫بالحرم الشريف‪ .‬وكان يعتمر في كل يوم من التنعيم‪ ،‬ويعتمر في رمضان‪ :‬مرتين في اليوم‬
‫اعتماداً على ما في الخبر عن النبي صلى ال عليه وسلم أنه قال‪ ":‬عمرة في رمضان تعدل‬
‫حجة معي " ‪ .‬ومنهم الشيخ الصالح العابد شمس الدين محمد الحلبي‪ ،‬كثير الطواف والتلوة‬
‫من قدماء المجاورين‪ ،‬توفي بمكة‪ ،‬ومنهم الصالح أبو بكر الشيرازي المعروف بالصامت‪،‬‬
‫كثير الطواف‪ ،‬أقام بمكة أعواماً ل يتكلم فيها‪ .‬ومنهم الصالح خضر العجمي‪ ،‬كثير الصوم‬
‫والتلوة والطواف‪ .‬والشيخ الصالح برهان الدين العجمي الواعظ‪ ،‬كان ينصب له كرسي‬
‫تجاه الكعبة الشريفة فيعظ الناس ويذكرهم بلسان فصيح وقلب خاشع يأخذ بمجامع القلوب‪.‬‬
‫والصالح المجود برهان الدين إبراهيم المصري مقرىء مجيد ساكن رباط السدرة‪ ،‬ويقصده‬

‫أهل مصر والشام بصدقاتهم‪ ،‬ويعلم اليتام كتاب ال تعالى‪ ،‬ويقوم بمؤنهم ويكسوهم‪.‬‬
‫والصالح العابد عز الدين الواسطي من أصحاب الموال الطائلة‪ ،‬يحمل إليه من بلده المال‬
‫الكثير في كل سنة‪ ،‬فيبتاع الحبوب والتمر‪ ،‬ويفرقها على الضعفاء والمساكين‪ ،‬ويتولى‬
‫حملها إلى بيوتهم بنفسه‪ ،‬ولم يزل ذلك دأبه إلى أن توفي‪ .‬والفقيه الصالح الزاهد أبو الحسن‬
‫علي بن رزق ال النجري من أهل قطر طنجة من كبار الصالحين جاور بمكة سنين وبها‬
‫وفاته‪ .‬كانت بينه وبين والدي صحبة قديمة‪ .‬ومتى أتى إلى بلدنا طنجة نزل عندنا‪ .‬وكان له‬
‫بيت بالمدرسة المظفرية يعلم العلم فيها نهاراً ويأوي بالليل إلى مسكنه برباط ربيع‪ ،‬وهو من‬
‫أحسن الرباطات بمكة‪ ،‬بداخله بئر عذبة ل تماثلها بئر بمكة‪ ،‬وسكانها الصالحون وأهل ديار‬
‫الحجاز يعظمون هذا الرباط تعظيمًا شديداً وينذرون له النذور‪ ،‬وأهل الطائف يأتونه‬
‫بالفواكه‪ .‬ومن عاداتهم أن كل من له بستان من النخيل والعنب والفرسك وهو الخوخ والتين‬
‫وهو يسمونه الخمط يخرج منه العشر لهذا الرباط‪ .‬ويوصلون ذلك إليه على جمالهم ومسيرة‬
‫ما بين مكة والطائف يومان‪ .‬ومن لم يف بذلك نقصت فواكهه في السنة التية وأصابتها‬
‫الجوائح‪.‬‬
‫حكاية في فضيلة أتي يوماً غلمان المير أبي نمي صاحب مكة إلى هذا الرباط ودخلوا بخيل‬
‫المير وسقوها من تلك البئر‪ ،‬فلما عادوا بالخيل إلى مرابطها أصابتها الوجاع وضربت‬
‫بأنفسها الرض برؤوسها وأرجلها‪ .‬واتصل الخبر بالمير أبي نمي‪ ،‬فأتى باب الرباط‬
‫بنفسه‪ ،‬واعتذر إلى المساكين الساكنين به‪ ،‬واستصحب واحداً منهم فمسح على بطون‬
‫الدواب بيده فأراقت ما كان في أجوافها من ذلك الماء وبرئت مما أصابها‪ ،‬ولم يتعرضوا‬
‫بعدها للرباط إل بالخير‪ .‬ومنهم الصالح المبارك أبو العباس الغماري من أصحاب أبي‬
‫الحسن بن رزق ال‪ .‬وسكن رباط ربيع‪ ،‬ووفاته بمكة‪ .‬ومنهم الصالح أبو يعقوب يوسف بن‬
‫بادية سبتة‪ ،‬كان خديماً للشيخين المذكورين‪ ،‬فلما توفيا صار شيخ الرباط بعدهما‪ .‬ومنهم‬
‫الصالح السابح السالك أبو الحسن علي بن فرغوس التلمساني‪ .‬ومنهم الشيخ سعيد الهندي‬
‫شيخ رباط كللة‪.‬‬
‫حكاية‬
‫كان الشيخ سعيد قد قصد ملك الهند محمد شاه‪ ،‬فأعطاه مالً عظيمًا قدم به مكة‪ .‬فسجنه‬
‫المير عطيفة‪ ،‬وطلبه بأداء المال‪ ،‬فامتنع فعذّب بعصر رجليه‪ ،‬فأعطى خمسة وعشرين‬
‫ألف درهم نقرة‪ ،‬وعاد إلى بلد الهند‪ .‬ورأيته بها‪ ،‬ونزل بدار المير سيف الدين غدا ابن‬
‫هبة ال بن عيسى بن مهنا أمير عرب الشام‪ .‬وكان غدا ساكناً ببلد الهند متزوجاً بأخت‬
‫ملكها‪ ،‬وسيذكر أمره‪ .‬فأعطى ملك الهند للشيخ سعيد جملة مال‪ ،‬وتوجه صحبة حاج يعرف‬
‫بوشل من ناس المير غدا‪ ،‬وجّهه المير المذكور ليأتيه ببعض ناسه‪ ،‬ووجه معه أموالً‬
‫وتحفاً منها الخلعة التي خلعها عليه ملك الهند ليلة زفافه بأخته‪ ،‬وهي من الحرير الزرق‬
‫مزركشة بالذهب‪ ،‬ومرصعة بالجوهر‪ ،‬بحيث ل يظهر لونها لغلبة الجوهر عليها‪ ،‬وبعث‬
‫معها خمسين ألف درهم ليشتري له الخيل العتاق‪ .‬فسافر الشيخ سعيد صحبة وشل‪ ،‬واشتريا‬
‫سلعاً بما عندهما من الموال‪ .‬فلما وصل جزيرة سقطرة المنسوب إليها الصبر السقطري‪،‬‬
‫خرج عليهما لصوص الهند في مراكب كثيرة فقاتلوهم قتالً شديداً‪ ،‬مات فيه من الفريقين‬
‫جملة‪ .‬وكان وشل رامياً فقتل منهم جماعة‪ ،‬ثم تغلب السراق عليهم وطعنوا وشل طعنة مات‬

‫منها بعد ذلك‪ .‬وأخذوا ما كان عندهم‪ ،‬وتركوا لهم مركبهم بآلة سفره وزاده‪ .‬فذهبوا إلى‬
‫عدن‪ ،‬ومات بها وشل‪ .‬وعادة هؤلء السراق أنهم ل يقتلون أحداً إل حين القتال ول‬
‫يغرقونه‪ ،‬وإنما يأخذون ماله وبتركونه يذهب بمركبه حيث شاء‪ .‬ول يأخذون المماليك لنهم‬
‫من جنسهم‪ .‬وكان الحاج سعيد قد سمع من ملك الهند أنه يريد إظهار الدعوة العباسية ببلده‪،‬‬
‫كمثل ما فعله ملوك الهند ممن تقدمه‪ ،‬مثل السلطان شمس الدين للمش واسمه " بفتح اللم‬
‫الولى وإسكان الثانية وكسر الميم وشين معجم"‪ ،‬وولده ناصر الدين‪ .‬ومثل السلطان جلل‬
‫الدين فيروز شاه‪ ،‬والسلطان غياث الدين بلين‪ .‬وكانت الخلع تأتي إليهم من بغداد‪ .‬فلما توفي‬
‫وشل قصد الشيخ سعيد إلى الخليفة أبي العباس ابن الخليفة أبي الربيع سليمان العباسي‬
‫بمصر‪ ،‬وأعلمه بالمر‪ .‬فكتب له كتاباً بخطه بالنيابة عنه ببلد الهند‪ .‬فاستصحب الشيخ‬
‫سعيد الكتاب وذهب إلى اليمن واشترى بها ثلث خلع سوداً‪ ،‬وركب البحر إلى الهند‪ .‬فلما‬
‫وصل كنبايت‪ ،‬وهي على مسيرة أربعين يوماً من دهلي حاضرة ملك الهند‪ ،‬كتب صاحب‬
‫الخبر إلى الملك يعلمه بقدوم الشيخ سعيد‪ ،‬وأن معه أمر الخليفة وكتابه‪ .‬فورد المر ببعثه‬
‫إلى الحضرة مكرماً‪ .‬فلما قرب من الحضرة بعث المراء والقضاة والفقهاء لتلقيه‪ ،‬ثم خرج‬
‫هو بنفسه لتلقيه‪ .‬فتلقاه وعانقه ودفع له المر‪ ،‬فقبله ووضعه على رأسه‪ ،‬ودفع له الصندوق‬
‫الذي فيه الخلع فاحتمله الملك على كاهله خطوات ولبس إحدى الخلع وكسا الخرى المير‬
‫غياث الدين محمد بن عبد القادر بن يوسف بن عبد العزيز ابن الخليفة المنتصر العباسي‪،‬‬
‫وكان مقيماً عنده‪ ،‬وسيذكر خبره‪.‬‬
‫وكسا الخلعة الثالثة المير قبوله الملقب بالملك الكبير‪ ،‬وهو الذي يقوم على رأسه ويشرد‬
‫عنه الذباب‪ .‬وأمر السلطان فخلع على الشيخ سعيد ومن معه‪ ،‬وأركبه على الفيل‪ ،‬ودخل‬
‫المدينة كذلك‪ ،‬والسلطان أمامه على فرسه‪ ،‬وعن يمينه وشماله الميران اللذان كساهما‬
‫الخلعتين العباسيتين‪ .‬والمدينة قد زينت بأنواع الزينة وصنع بها إحدى عشرة قبة من‬
‫الخشب‪ .‬كل قبة منها أربع طبقات‪ ،‬في كل طبقة طائفة من المغنين رجالً ونساء‪،‬‬
‫والراقصات‪ ،‬وكلهم مماليك السلطان‪ .‬والقبة مزينة بثياب الحرير المذهب أعلها وأسفلها‬
‫وداخلها وخارجها‪ ،‬وفي وسطها ثلثة أحواض من جلود الجواميس مملوءة ماء قد حلّ فيه‬
‫الجلب‪ ،‬يشربه كل وارد وصادر‪ ،‬ل يمنع منه أحد‪ .‬وكل من يشرب منه يعطى بعد ذلك‬
‫خمس عشرة ورقة من أوراق التنبول والفوفل والنورة‪ ،‬فيأكلها فتطيب نكهته وتزيد في‬
‫حمرة وجهه ولثاته وتقمع عنه الصفراء وتهضم ما أكل من الطعام‪ .‬ولما ركب الشيخ سعيد‬
‫على الفيل فرشت له ثياب الحرير بين يدي الفيل يطأ عليها الفيل من باب المدينة إلى دار‬
‫السلطان‪ .‬وأنزل بدار تقرب من دار الملك‪ .‬وبعث له أموالً طائلة‪ .‬وجميع الثواب المعلقة‬
‫المفروشة بالقباب والموضوعة بين يدي الفيل ل تعود إلى السلطان بل يأخذها أهل الطرب‬
‫وأهل الصناعات الذين يصنعون القباب‪ ،‬وخدام الحواض وغيرهم‪ .‬وهكذا فعلهم من قدم‬
‫السلطان من سفر‪ .‬وأمر الملك بكتاب الخليفة أن يقرأ على المنبر بين الخطبتين في كل يوم‬
‫جمعة‪ ،‬وأقام الشيخ سعيداً شهراً ثم بعث معه الملك هدايا إلى الخليفة‪ .‬فوصل كنبايت‪ ،‬وأقام‬
‫بها حتى تيسرت أسباب حركته في البحر‪ .‬وكان ملك الهند قد بعث أيضاً من عنده رسولً‬
‫إلى الخليفة وهو الشيخ رجب البرقعي‪ ،‬أحد شيوخ الصوفية‪ ،‬وأصله من مدينة القرم من‬
‫صحراء قفجق‪ ،‬وبعث معه هدايا للخليفة منها حجر ياقوت قيمته خمسون ألف دينار‪ .‬وكتب‬

‫له يطلب منه أن يعقد له النيابة عنه ببلد الهند والسند‪ ،‬ويبعث له سواه من يظهر‪ .‬هكذا نص‬
‫عليه كتابه اعتقاداً منه في الخلفة وحسن نية‪ .‬وكان للشيخ رجب أخ بديار مصر يدعى‬
‫بالمير سيف الدين الكاشف‪ .‬فلما وصل رجب إلى الخليفة أبى أن يقرأ الكتاب ويقبل الهدية‬
‫إل بمحضر الملك الصالح إسماعيل بن الملك الناصر‪ .‬فأشار سيف الدين على أخيه رجب‬
‫ببيع الحجر فباعه واشترى بثمنه‪ ،‬وهو ثلثمائة ألف درهم‪ ،‬أربعة أحجار‪ .‬وحضر بين يدي‬
‫الملك الصالح‪ ،‬ودفع له الكتاب‪ ،‬وأحد الحجار‪ ،‬ودفع سائرها لمرائه‪ .‬واتفقوا على أن‬
‫يكتب لملك الهند بما طلب‪.‬‬
‫فوجهوا الشهود إلى الخليفة وأشهد على نفسه أنه قدمه نائباً عنه ببلد الهند وما يليها‪ ،‬وبعث‬
‫الملك الصالح رسولً من قبله‪ ،‬وهو شيخ الشيوخ بمصر ركن الدين العجمي‪ ،‬ومعه الشيخ‬
‫رجب وجماعة من الصوفية‪ ،‬وركبوا بحر فارس من البلة إلى هرمز‪ ،‬وسلطانها يومئذ‬
‫قطب الدين تمتهن طوران شاه‪ .‬فأكرم مثواهم‪ ،‬وجهز لهم مركباً إلى بلد الهند فوصلوا‬
‫مدينة كنبايت والشيخ سعيد بها وأميرها يومئذ مقبول التلتكي‪ ،‬أحد خواص ملك الهند فاجتمع‬
‫الشيخ رجب بهذا المير وقال له أن الشيخ سعيد إنما جاءكم بالتزوير‪ .‬والخلع التي ساقها‬
‫إنما اشتراها بعدن‪ ،‬فينبغي أن تثقفوه وتبعثوه إلى خوند عالم وهو السلطان‪ .‬فقال له المير‪:‬‬
‫الشيخ سعيد معظم عند السلطان فما يفعل به هذا إل بأمره‪ .‬ولكني أبعثه معك ليرى فيه‬
‫السلطان رأيه‪ .‬وكتب المير بذلك كله إلى السلطان‪ ،‬وكتب به أيضاً صاحب الخبار فوقع‬
‫في نفس السلطان تغير‪ ،‬وانقبض عن الشيخ رجب لكونه تكلم بذلك على رؤوس الشهاد‪،‬‬
‫بعد ما صدر من السلطان للشيخ سعيد من الكرام ما صدر‪ ،‬فمنع رجب من الدخول عليه‪،‬‬
‫وزاد إكرام الشيخ سعيد‪ ،‬ولما دخل شيخ الشيوخ على السلطان قام إليه وعانقه وأكرمه‬
‫وكان متى دخل عليه يقوم إليه‪ .‬وبقي الشيخ سعيد المذكور بأرض الهند معظماً مكرماً‪ .‬وبها‬
‫تركته سنة ثمان وأربعين‪ .‬وكان بمكة أيام مجاورتي بها حسن المغربي المجنون‪ ،‬وأمره‬
‫غريب وشأنه عجيب‪ .‬وكان قبل ذلك صحيح العقل خديماً لولي ال تعالى نجم الدين‬
‫الصبهاني أيام حياته‪.‬‬
‫حكاية‬
‫كان حسحن المجنون كثيحر الطواف بالليحل‪ ،‬وكان يرى فحي طوافحه بالليحل فقيراً‪ ،‬يكثحر‬
‫الطواف‪ ،‬ول يراه بالنهار‪ .‬فلقيه ذلك الفقير ليلة‪ ،‬وسأله عن حاله‪ ،‬وقال يا حسن‪ :‬إن‬
‫أمك تبكي عليك‪ ،‬وهي مشتاقة إلى رؤيتك‪ ،‬وكانت من إماء ال الصالحات‪ ،‬أفتحب‬
‫أن تراهحا قال له‪ :‬نعحم‪ ،‬ولكنحي ل قدرة لي على ذلك‪ .‬فقال له‪ :‬نجتمحع هحا هنحا فحي الليلة‬
‫المقبلة إن شاء ال تعالى ‪ -‬فلمحا كانحت الليلة المقبلة‪ ،‬وهحي ليلة الجمعحة‪ ،‬وجده حيحث‬
‫واعده ‪ -‬فطافحا بالبيحت محا شاء ال‪ ،‬ثحم خرج‪ ،‬وهحو فحي أثره‪ ،‬إلى باب المعلى‪ .‬فأمره‬

‫أن يسحد عينيحه ويمسحك بثوبحه ففعحل ذلك‪ .‬ثحم قال‪ :‬بعحد سحاعة‪ :‬أتعرف بلدك ? قال نعحم‪.‬‬
‫قال‪ :‬هحا هحو هذا‪ .‬ففتحح عينيحه‪ ،‬فإذا بحه على دار أمحه‪ ،‬فدخحل عليهحا‪ ،‬ولم يعلمهحا بشيحء‬
‫ممححا جرى‪ ،‬وأقام عندهححا نصححف شهححر‪ ،‬وأظححن أن بلده مدينححة أسححفي ‪ .‬ثححم خرج إلى‬
‫الجبانة‪ ،‬فوجد الفقير صاحبه‪ ،‬فقال له‪ :‬كيف أنت ? فقال‪ :‬يا سيدي‪ ،‬إني اشتقت إلى‬
‫رؤيحة الشيحخ نجحم الديحن؛ وكنحت خرجحت على عادتحي‪ ،‬وغبحت عنحه هذه اليام‪ ،‬وأححب‬
‫أن تردنححي إليححه‪ .‬فقال له‪ :‬نعححم‪ ،‬وواعده الجبانححة ليلً‪ .‬فلمححا وافاه بهححا‪ ،‬أمره أن يفعححل‬
‫كفعله في مكة شرفها ال‪ ،‬من تغميض عينيه والمساك بذيله ففعل ذلك‪ ،‬فإذا به في‬
‫مكحة شرفهحا ال‪ .‬وأوصحاه أن ل يحدث نجحم الديحن بشيحء ممحا جرى‪ ،‬ول يحدث بحه‬
‫غيره فلمحا دخحل على نجحم الديحن‪ ،‬قال له‪ :‬أيحن كنحت يحا حسحن فحي غيبتحك ? فأبحى أن‬
‫يخححبره‪ .‬فعزم عليححه‪ ،‬فأخححبره بالحكايححة‪ .‬فقال‪ :‬أرنححي الرجححل‪ ،‬فأتححي معححه ليلً‪ ،‬وأتححى‬
‫الرجحل على عادتحه‪ .‬فلمحا محر بهمحا قال له‪ :‬يحا سحيدي هحو هذا‪ .‬فسحمعه الرجحل فضربحه‬
‫بيده على فمححه وقال اسححكت اسححكتك ال‪ .‬فخرس لسححانه‪ ،‬وذهححب عقله‪ ،‬وبقححي بالحرم‬
‫مولهاً يطوف بالليحححل والنهار مححن غيححر وضوء ول صحححلة‪ ،‬والناس يتحححبركون بححه‬
‫ويكسحونه‪ ،‬وإذا جاع خرج إلى السحوق التحي بيحن الصحفا والمروة‪ ،‬فيقصحد حانوتاً محن‬
‫الحوانيت‪ ،‬فيأكل منها ما أحب‪ ،‬ل يصده أحد ول يمنعه بل يسر كل من أكل له شيئاً‪،‬‬
‫وتظهر له البركة والنماء في بيعه وربحه‪ .‬ومتى أتى السوق تطاول أهلها بأعناقهم‬
‫إليه‪ ،‬كل منهم يحرص على أن يأكل من عنده‪ ،‬لما جربوه من بركته‪ .‬كذلك فعله مع‬
‫السحقائين‪ ،‬متحى أححب أن يشرب‪ .‬ولم يزل دأبحه كذلك إلى سحنة ثمانٍح وعشريحن‪ ،‬فححج‬

‫فيهحا الميحر سحيف الديحن يلملك‪ ،‬فاسحتصحبه معحه إلى ديار مصحر‪ ،‬فانقطحع خحبره نفحع‬
‫ال تعالى به‪.‬‬
‫ذكر عادة أهل مكة في صلواتهم ومواضع أئمتهم‬

‫فمن عاداتهم أن يصلي أول الئمة إمام الشافعية‪ ،‬وهو المقدم من قبل أولي المر‪.‬‬
‫وصحلته خلف المقام الكريحم‪ ،‬مقام إبراهيحم الخليحل عليحه السحلم فحي حطيحم له هنالك‬
‫بديحع‪ .‬وجمهور الناس بمكحة على مذهبحه‪ .‬والحطيحم خشبتان موصحول محا بينهحا بأذرع‬
‫شبححه السححلم‪ ،‬تقابلهمححا خشبتان على صححفتهما‪ ،‬وقححد عقدت على أرجححل مجصححصة‪،‬‬
‫وعرض على أعلى الخشححب خشبححة أخرى فيهححا خطاطيححف حديححد يعلق فيهححا قناديححل‬
‫زجاج‪ .‬فإذا صحلى المام الشافعحي صحلى بعده إمام المالكيحة فحي محراب قبالة الركحن‬
‫اليمانحي‪ ،‬ويصحلي إمام الحنبليحة معحه فحي وقحت واححد مقابلً محا بيحن الحجحر السحود‬
‫والركحن اليمانحي‪ ،‬ثحم يصحلي إمام الحنفيحة قبال الميزاب المكرم تححت حطيحم له هنالك‪،‬‬
‫ويوضع بين يدي الئمة في محاربيهم الشمع‪ .‬وترتيبهم هكذا في الصلوات الربع‪،‬‬
‫وأما صلة المغرب فإنهم يصلونها في وقت واحد‪ ،‬كل إمام يصلي بطائفته‪ ،‬ويدخل‬
‫على الناس من ذلك سهو تخليط‪ ،‬فربما ركع المالكي بركوع الشافعي وسجد الحنفي‬
‫بسحجود الحنبلي‪ .‬وتراهحم مصحيخين كحل واححد إلى صحوت المؤذن الذي يسحمع طائفتحه‬
‫لئل يدخل عليه السهو‪.‬‬

‫ذكر عاداتهم في الخطبة وصلة الجمعة‬

‫وعادتهم في يوم الجمعة أن يلصق المنبر المبارك إلى صفح الكعبة الشريفة‪ ،‬فيما‬
‫بيحن الحجحر السحود والركحن العراقحي‪ ،‬ويكون الخطيحب مسحتقبلً المقام الكريحم‪ .‬فإذا‬
‫خرج الخطيب‪ ،‬أقبل لبساً ثوب سواد‪ ،‬معتماً بعمامة سوداء‪ ،‬وعليه طيلسان أسود‪.‬‬
‫كحل ذلك محن كسحوة الملك الناصحر‪ .‬وعليحه الوقار والسحكينة‪ ،‬وهحو يتهادى بيحن رايتيحن‬
‫سحوداوين‪ ،‬يمسحكهما رجلن محن المؤذنيحن‪ ،‬وبيحن يديحه أححد القومحه‪ ،‬فحي يده الفرقعحة‪،‬‬
‫وهحي عود فحي طرفحه جلد رقيحق مفتول‪ ،‬ينفضحه فحي الهواء فيسحمع له صحوت عال‬
‫يسحمعه محن بداخحل الحرم وخارجحه‪ ،‬فيكون إعلماً بخروج الخطيحب‪ .‬ول يزال كذلك‬
‫إلى أن يقرب مححن المنححبر فيقبححل الحجححر السححود ويدعححو عنده‪ ،‬ثححم يقصححد المنححبر‪،‬‬
‫والمؤذن الزمزمي‪ ،‬وهو رئيس المؤذنين بين يديه‪ ،‬لبسًا السواد وعلى عاتقه السيف‬
‫ممسحكاً له بيده‪ ،‬وتركحز الرايتان عحن جانحبي المنحبر‪ .‬فإذا صحعد أول درج محن درج‬
‫المنححبر قلده المؤذن السححيف‪ ،‬فيضرب بنصححل السححيف ضربححة فححي الدرج يسححمع بهححا‬
‫الحاضرين‪ ،‬ثم يضرب في الدرج الثاني ضربة‪ ،‬ثم في الثالث أخرى‪.‬فإذا استوى في‬
‫عليحا الدرجات ضرب ضربحة رابعحة‪ ،‬ووقحف داعياً بدعاء خفحي‪ ،‬مسحتقبل الكعبحة‪ .‬ثحم‬
‫يقبححل على الناس فيسححلم عححن يمينححه وشماله‪ ،‬ويرد عليححه الناس‪ ،‬ثححم يقعححد‪ .‬ويؤذن‬
‫المؤذنون في أعلى قبة زمزم في حين واحد‪ .‬فإذا فرغ الذان‪ ،‬خطب الخطيب خطبة‬
‫يكثر بها من الصلة على النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ويقول في أثنائها‪ :‬اللهم صل‬
‫على محمحد وعلى آل محمحد محا طاف بهذا البيحت طائف‪ ،‬ويشيحر بأصحبعه إلى البيحت‬

‫الكريحم‪ :‬اللهحم صحل على محمحد وآل محمحد محا وقحف بعرفحة واقحف‪ .‬ويترضحى عحن‬
‫الخلفاء الربعحة وعحن سحائر الصححابة وعحن النحبي صحلى ال عليحه وسحلم وسحبطيه‬
‫وأمهما وخديجة جدتهما‪ ،‬على جميعهم السلم‪ .‬ثم يدعو للملك الناصر‪ ،‬ثم للسلطان‬
‫المجاهد نور الدين علي ابن الملك المؤيد داود ابن الملك المظفر يوسف بن علي بن‬
‫رسول‪ ،‬ثم للسيدين الشريفين الحسنيين أميري مكة‪ .‬سيف الدين عطيفة‪ ،‬وهو أصغر‬
‫الخوين‪ ،‬ويقدم اسمه لعدله‪ ،‬وأسد الدين رميثة‪ ،‬ابني أبي نمي بن أبي سعيد بن علي‬
‫بححن قتادة‪ .‬وقححد دعححا لسححلطان العراق مرة‪ ،‬ثححم قطححع ذلك‪ .‬فلمححا فرغ مححن خطبتححه‬
‫وانصرف‪ ،‬والرايتان عن يمينه وشماله والفرقعة أمامه إشعاراً بانقضاء الصلة‪ ،‬ثم‬
‫يعاد المنبر إلى مكانه الكريم‪.‬‬
‫ذكر عاداتهم في استهلل الشهور‬

‫وعادتهحم فحي ذلك أن يأتحي أميحر مكحة فحي أول يوم محن الشهحر‪ ،‬وقواده يحفون بحه‪،‬‬
‫وهححو لبححس البياض معتححم متقلد سححيفاً وعليححه السححكينة والوقار‪ ،‬فيصححلي عنححد المقام‬
‫الكبير ركعتين‪ ،‬ثم يقبل الحجر‪ ،‬ويسرع في طواف اسبوع ‪ .‬ورئيس المؤذنين على‬
‫أعلى قبحة زمزم‪ .‬فعنحد محا يكمحل الميحر شوطًا واحداً‪ .‬ويقصحد الحجحر لتقحبيله‪ ،‬يندفحع‬
‫رئيححس المؤذنيححن بالدعاء له‪ ،‬والتهنئة بدخول الشهححر‪ ،‬رافعًا بذلك صححوته‪ ،‬ثححم يذكححر‬
‫شعراً في مدحه ومدح سلفه الكريم‪ .‬ويفعل به هكذا في السبعة أشواط‪ .‬فإذا فرغ منها‬
‫ركحع عنحد الملتزم ركعتيحن‪ ،‬ثحم ركحع خلف المقام أيضاً ركعتيحن‪ ،‬ثحم انصحرف‪ .‬ومثحل‬
‫هذا سواء يفعل إذا أراد سفراً وإذا قدم من سفر أيضاً‪.‬‬

‫ذكر عادتهم في شهر رجب‬

‫وإذا هححل هلل رجححب أمححر أميححر مكححة بضرب الطبول والبوقات اشعاراً بدخول‬
‫الشهححر‪ ،‬ثححم يخرج فححي أول يوم منححه راكباً‪ .‬ومعححه أهححل مكححة فرسححاناً ورجالً‪ ،‬على‬
‫ترتيحب عجيحب‪ ،‬وكلهحم بالسحلحة‪ ،‬يلعبون بيحن يديحه‪ ،‬والفرسحان يجولون ويجرون‪،‬‬
‫والرجال يتواثبون ويرمون بحرابهحم إلى الهواء‪ ،‬ويلقفونهحا‪ ،‬والميحر رميثحة والميحر‬
‫عطيفة معهما أولدهما وقوادهما مثل محمد بن إبراهيم‪ ،‬وعلي وأحمد ابني صبيح‪،‬‬
‫وعلي بححن يوسححف وشداد بححن عمححر وعامححر الشرق ومنصححور بححن عمححر وموسححى‬
‫المزرق‪ ،‬وغيرهحححم محححن كبار أولد الحسحححن ووجوه القواد‪ .‬وبيحححن أيديهحححم الرايات‬
‫والطبول والدبادب‪ ،‬وعليهم السكينة والوقار‪ .‬ويسيرون حتى ينتهوا إلى الميقات‪ ،‬ثم‬
‫يأخذون فحححي الرجوع على معهود ترتيبهحححم إلى المسحححجد الحرام‪ ،‬فيطوف الميحححر‬
‫بالبيت‪ ،‬والمؤذن الزمزمي بأعلى قبة زمزم يدعو له عند كل شوط‪ ،‬على ما ذكرناه‬
‫محن عادتحه‪ ،‬فإذا طاف صحلى ركعتيحن عنحد الملتزم‪ ،‬وصحلى عنحد المقام وتمسحح بحه‪،‬‬
‫وخرج إلى المسعى فسعى راكباً والقواد يحفون به‪ ،‬والحرابة بين يديه‪ ،‬ثم يسير إلى‬
‫منزله‪ .‬وهذا اليوم عندهحم عيحد محن العياد يلبسحون فيحه أحسحن الثياب ويتنافسحون فحي‬
‫ذلك‪.‬‬
‫ذكر عمرة رجب‬

‫وأهحل مكحة يحتفلون لعمرة رجحب الحتفال الذي ل يعهحد مثله‪ ،‬وهحي متصحلة ليلً‬
‫نهاراً‪ .‬وأوقات الشهحر كله معمورة بالعبادة‪ ،‬وخصحوصاً أول يوم منححه‪ ،‬ويوم خمسححة‬

‫عشر‪ ،‬والسابع والعشرين‪ .‬فإنهم يستعدون لها قبل ذلك بأيام‪ .‬شاهدتهم في ليلة السابع‬
‫والعشريححن منححه‪ ،‬وشوارع مكححة قححد غصححت بالهوادج عليهححا كسححاء الحريححر والكتان‬
‫الرفيع‪ ،‬كل واحد يفعل بقدر استطاعته‪ ،‬والجمال مزينة مقلدة بقلئد الحرير‪ ،‬وأستار‬
‫الهوادج ضافيحة تكاد تمحس الرض فهحي كالقباب المضروبحة‪ .‬ويخرجون إلى ميقات‬
‫التنعيحم فتسحيل أباطحح مكحة بتلك الهوادج‪ ،‬والنيران مشعلة بجنبتحي الطريحق‪ ،‬والشمحع‬
‫والمشاعححل أمام الهوادج‪ ،‬والجبال تجيححب بصححداها إهلل المهلليححن‪ ،‬فترق النفوس‪،‬‬
‫وتنهمحل الدموع‪ ،‬فإذا قضوا العمرة‪ ،‬وطافوا بالبيحت‪ ،‬خرجوا إلى السحعي بيحن الصحفا‬
‫والمروة بعحححد مضحححي شيحححء محححن الليحححل‪ ،‬والمسحححعى متقحححد السحححرج غاص بالناس‪،‬‬
‫والسحاعيات على هوادجهحن‪ ،‬والمسحجد الحرام يتلل نوراً‪ .‬وهحم يسحمون هذه العمرة‬
‫بالعمرة الكميحة‪ ،‬لنهحم يحرمون بهحا محن أكمحة مسحجد عائشحة رضحي ال عنهحا بمقدار‬
‫غلوة‪ ،‬على مقربحة من المسحجد المنسحوب إلى علي رضحي ال عنحه‪ .‬والصحل فحي هذه‬
‫العمرة أن عبحد ال بحن الزبيحر رضحي ال عنهمحا لمحا فرغ محن بناء الكعبحة المقدسحة‬
‫خرج ماشياً حافياً معتمراً‪ ،‬ومعححه أهححل مكححة وذلك فححي اليوم السححابع والعشريححن مححن‬
‫رجححب‪ ،‬وانتهححى إلى الكمححة فأحرم منهححا‪ ،‬وجعححل طريقححه على ثنيححة الحجون إلى‬
‫المعلى‪ ،‬محن حيحث دخحل المسحلمون يوم الفتحح‪ .‬فبقيحت تلك العمرة سحنة عنحد أهحل مكحة‬
‫إلى هذا العهد‪ ،‬وكان عهد عبد ال مذكوراً أهدى فيه بدناً كبيرة‪ ،‬وأهدى أشراف مكة‬
‫وأهححل السححتطاعة منهححم‪ .‬وأقاموا أياماً يطعمون ويطعمون شكراً ل على مححا وهبهححم‬
‫محن التيسحير والمعونحة فحي بناء بيتحه الكريحم‪ ،‬على الصحفة التحي كانحت عليهحا فحي أيام‬

‫الخليحل صحلوات ال عليحه‪ .‬ثحم لمحا قتحل ابحن الزبيحر نقحض الحجاج الكعبحة‪ ،‬وردهحا إلى‬
‫بنائهحا فحي عهحد قريحش وكانوا قحد اقتصحروا فحي بنائهحا‪ ،‬وأبقاهحا رسحول ال صحلى ال‬
‫عليه وسلم على ذلك‪ ،‬لحدثان عهدهم بالكفر‪ .‬ثم أراد الخليفة أبو جعفر المنصور أن‬
‫يعيدها إلى بناء ابن الزبير‪ ،‬فنهاه مالك رحمه ال عن ذلك‪ ،‬وقال‪ :‬يا أمير المؤمنين‪،‬‬
‫ل تجعحل البيحت ملعبحة للملوك‪ ،‬متحى أراد أحدهحم أن يغيحر فعحل‪ .‬فتركحه على حاله سحداً‬
‫للذريعحة وأهحل البلد المواليحة لمكحة‪ ،‬مثحل بجيله وزهران وغامحد‪ ،‬يبادرون لحضور‬
‫عمرة رجحب ويجلبون إلى مكحة الحبوب والسحمن والعسحل والزبيحب والزيحت واللوز‪،‬‬
‫فترخحص السحعار بمكحة ويرغحد عيحش أهلهحا وتعمحم المرافحق‪ ،‬ولول أهحل هذه البلد‬
‫لكان أهل مكة في شظف من العيش‪ .‬ويذكر أنهم متى أقاموا ببلدهم‪ ،‬ولم يأتوا بهذه‬
‫الميرة أجدبحت بلدهحم ووقحع الموت فحي مواشيهحم‪ .‬ومتحى أوصحلوا الميرة أخصحبت‬
‫بلدهم وظهرت فيها البركة ونمت أموالهم‪ .‬فهم إذا حان وقت ميرتهم وأدركهم كسل‬
‫عنهحا‪ ،‬اجتمعحت نسحاؤهم فأخرجنهحم‪ .‬وهذا محن لطائف صحنع ال تعالى وعنايتحه ببلده‬
‫المين وبلد السرو التي يسكنها بجيله وزهران وغامد وسواهم من القبائل مخصبة‬
‫كثيرة العناب وافرة الغلت‪ ،‬وأهلها فصحاء اللسن‪ ،‬لهم صدق نية وحسن اعتقاد‪.‬‬
‫وهم إذا طافوا بالكعبة يتطارحون عليها‪ ،‬لئذين بجوارها‪ ،‬متعلقين بأستارها‪ ،‬داعين‬
‫بأدعيحة يتصحدع لرقتهحا القلوب‪ :‬وتدمحع العيون الجامدة‪ ،‬فترى الناس حولهحم باسحطي‬
‫أيديهم مؤمنين على أدعيتهم‪ .‬ول يتمكن لغيرهم الطواف معهم‪ ،‬ول استلم الحجر‪،‬‬
‫لتزاحمهححم على ذلك‪ .‬وهححم شجعان أنجاد‪ ،‬ولباسححهم الجلود‪ .‬وإذا وردوا مكححة هابححت‬

‫اعراب الطريححق مقدمهححم‪ ،‬وتجنبوا اعتراضهححم‪ ،‬ومححن صحححبهم مححن الزوار حمححد‬
‫صححبتهم‪ .‬وذكحر أن النحبي صحلى ال عليحه وسحلم ذكرهحم‪ ،‬وأثنحى عليهحم خيراً وقال‪:‬‬
‫علموهحم الصححلة يعلموكحم الدعاء‪ .‬وكفاهحم شرفًا دخولهححم فححي عموم قوله صححلى ال‬
‫عليه وسلم " اليمان يمان والحكمة يمانية " ‪ .‬وذكر أن عبد ال بن عمر رضي ال‬
‫عنهما كان يتحرى وقت طوافهم ويدخل في جملتهم تبركاً بدعائهم‪ .‬وشأنهم عجيب‬
‫كله‪ ،‬وقد جاء في أثر‪ :‬زاحموهم في الطواف‪ ،‬فإن الرحمة تنصبّ عليهم صبّا‪.‬‬
‫ذكر عادتهم في ليلة النصف من شعبان‬

‫وهذه الليلة محن الليالي المعظمحة عنحد أهحل مكحة‪ ،‬يبادرون فيهحا إلى أعمال البر محن‬
‫الطواف والصححححلة جماعات وأفذاذاً والعتمار‪ .‬ويجتمعون فححححي المسححححجد الحرام‬
‫جماعححة‪ ،‬لكححل جماعححة إمام‪ .‬ويوقدون السححرج والمصححابيح والمشاعححل‪ .‬ويقابححل ذلك‬
‫ضوء القمححر فتتلل الرض والسححماء نوراً ويصححلون مائة ركعححة‪ ،‬يقرأون فححي كححل‬
‫ركعححة بأم القرآن وسححورة الخلص‪ ،‬يكررونهححا عشراً وبعححض الناس يصححلون فححي‬
‫الحجر منفردين‪ ،‬وبعضهم يطوفون بالبيت الشريف‪ ،‬وبعضهم قد خرجوا للعتمار‪.‬‬
‫ذكر عادتهم في شهر رمضان المعظم‬

‫وإذا أهحل هلل رمضان تضرب الطبول والدبادب عنحد أميحر مكحة‪ .‬ويقحع الحتفال‬
‫بالمسحجد الحرام‪ ،‬محن تجديحد الحصحر‪ ،‬وتكثيحر الشمحع والمشاعحل‪ ،‬حتحى يتلل الحرم‬
‫نوراً‪ ،‬ويسطع بهجحة وإشراقاً‪ .‬وتتفرق الئمة فرقاً‪ .‬وهم الشافعية والحنبليحة والحنفيحة‬
‫والزيدية‪ ،‬وأما المالكية فيجتمعون على أربعة من القراء‪ ،‬يتناوبون القراءة ويوقدون‬

‫الشمحع ول تبقحى فحي الحرم زاويحة ول ناحيحة إل وفيهحا قارئ يصحلي بجماعحة‪ ،‬فيرتحج‬
‫المسجد لصوات القراء‪ ،‬وترق النفوس وتحضر القلوب وتهمل العين‪ .‬ومن الناس‬
‫مححن يقتصححر على الطواف والصححلة فححي الحجححر منفرداً‪ .‬والشافعيححة أكثححر الئمححة‬
‫اجتهاداً‪ ،‬وعاداتهحم أنهحم إذا أكملوا التراويحح المعتادة‪ ،‬وهحي عشرون ركعحة‪ ،‬يطوف‬
‫إمامهم وجماعته‪ .‬فإذا فرغ من السبوع ضربت الفرقعة التي ذكرنا أنها تكون بين‬
‫يدي الخطيحب يوم الجمعحة‪ ،‬كان ذلك إعلماً بالعودة إلى الصحلة‪ .‬ثحم يصحلي ركعتيحن‪،‬‬
‫ثم يطوف أسبوعاً هكذا إلى أن يتم عشرين ركعة أخرى‪ .‬ثم يصلون الشفع والوتر‪،‬‬
‫وينصححرفون‪ .‬وسححائر الئمححة ل يزيدون على العادة شيئاً‪ .‬وإذا كان وقححت السحححور‬
‫يتولى المؤذن الزمزمحي التسححير فحي الصحومعة التحي بالركحن الشرقحي محن الحرم‪،‬‬
‫فيقوم داعياً ومذكراً ومحرضاً على السحور‪ ،‬وهكذا يفعلون في سائر الصوامع‪ .‬فإذا‬
‫تكلم أححد منهحم أجابحه صحاحبه‪ ،‬وقحد نصحبت فحي أعلى كحل صحومعة خشبحة على رأسحها‬
‫عود معترض‪ ،‬قد علق فيه قنديلن من الزجاج كبيران يوقدان‪ ،‬فإذا قرب الفجر وقع‬
‫اليذان بالقطححححع مرة بعححححد مرة‪ ،‬وحححححط القنديلن‪ ،‬وابتدأ المؤذنون بالذان‪ .‬وأجاب‬
‫بعضهححم بعضاً‪ .‬ولديار مكححة شرفهححا ال سححطوح‪ .‬فمححن بعدت داره بحيححث ل يسححمع‬
‫الذان يبصر القنديلين المذكورين فيتسحر‪ .‬حتى إذا لم يبصرها أقلع عن الكل‪ .‬وفي‬
‫ليلة وتححر مححن ليالي العشححر الواخححر مححن رمضان يختمون القرآن ويحضححر الختححم‬
‫القاضحي والفقهاء والكحبراء‪ .‬ويكون الذي يختحم بهحا أححد أبناء كحبراء أهحل مكحة‪ .‬فإذا‬
‫ختحم‪ ،‬نصحب له منحبر مزيحن بالحريحر‪ ،‬وأوقحد الشمحع‪ ،‬وخطحب‪ .‬فإذا فرغ محن خطبتحه‬

‫اسحححححتدعى أبوه الناس إلى منزله فأطعمهحححححم الطعمحححححة الكثيرة والحلوات وكذلك‬
‫يصحنعون فحي جميحع ليالي الوتحر‪ .‬واعظحم محن تلك الليالي عندهحم ليلة سحبع وعشريحن‪.‬‬
‫واحتفالهم لها أعظم من احتفالهم لسائر الليالي‪ .‬ويختم بها القرآن العظيم خلف المقام‬
‫الكريحم‪ .‬وتقام إزاء حطيحم الشافعيحة خشحب عظام‪ ،‬توصحل بالحطيحم‪ ،‬وتعرض بينهحا‬
‫ألواح طوال‪ ،‬وتجعححل ثلث طبقات‪ ،‬وعليهححا الشمححع وقنديححل الزجاج‪ ،‬فيكاد يغشححى‬
‫البصححار شعاع النوار‪ ،‬ويتقدم المام‪ ،‬فيصححلي فريضححة العشاء الخرة‪ ،‬ثححم يبتدئ‬
‫قراءة سحورة القدر‪ .‬وإليهحا يكون انتهاء قراءة الئمحة فحي الليلة التحي قبلهحا وفحي تلك‬
‫السححاعة يمسححك جميححع الئمححة عححن التراويححح تعظيماً لختمححة المقام‪ ،‬ويحضرونهححا‬
‫متحبركين‪ ،‬فيختحم المام فحي تسحليمتين‪ ،‬ثحم يقوم خطيباً مسحتقبل المقام‪ ،‬فإذا فرغ محن‬
‫ذلك عاد الئمة إلى صلتهم‪ ،‬وانفض الجميع‪ .‬ثم يكون الختم ليلة تسع وعشرين في‬
‫المقام المالكي في منظر مختصر وعن المباهاة منزه موقر فيختم ويخطب‪.‬‬
‫ذكر عادتهم في شوال‬

‫وعادتهحم فحي شوال‪ ،‬وهحو مفتتحح أشهحر الححج المعلومات‪ ،‬أن يوقدوا المشاعحل ليلة‬
‫استهلله‪ ،‬ويسرجون المصابيح والشمع‪ ،‬على نحو فعلهم في ليلة سبع وعشرين من‬
‫رمضان‪ .‬وتوقحد السحرج فحي الصحوامع محن جميحع جهاتهحا‪ ،‬ويوقحد سحطح الحرم كله‬
‫وسطح المسجد الذي بأعلى أبي قبيس‪ ،‬ويقيم المؤذنون ليلتهم تلك في تهليل وتكبير‬
‫وتسبيح‪ ،‬والناس ما بين طواف وصلة وذكر ودعاء فإذا صلوا صلة الصبح أخذوا‬
‫فحي أهبحة العيحد‪ ،‬ولبسحوا أحسحن ثيابهحم‪ ،‬وبادروا لخحذ مجالسحهم بالحرم الشريحف‪ ،‬بحه‬

‫يصحلون صحلة العيحد‪ ،‬لنحه ل موضحع أفضحل منحه‪ .‬ويكون أول محن يبكحر إلى المسحجد‬
‫الشيحبيون فيفتحون باب الكعبحة المقدسحة‪ ،‬ويقعحد كحبيرهم فحي عتبتهحا‪ ،‬وسحائرهم بيحن‬
‫يديحه‪ ،‬إلى أن يأتحي أميحر مكحة فيتلقونحه‪ ،‬ويطوف بالبيحت أسحبوعاً‪ ،‬والمؤذن الزمزمحي‬
‫فوق سحطح قبحة زمزم على العادة‪ ،‬رافعاً صحوته بالثناء عليحه والدعاء له ولخيحه كمحا‬
‫ذكر‪ ،‬ثم يأتي الخطيب بين الرايتين السوداوين‪ ،‬والفرقعة أمامه‪ ،‬وهو لبس السواد‪،‬‬
‫فيصلي خلف المقام الكريم‪ ،‬ثم يصعد المنبر ويخطب خطبة بليغة‪ .‬ثم إذا فرغ منها‬
‫أقبحل الناس بعضهحم على بعحض بالسحلم والمصحافحة والسحتغفار‪ ،‬ويقصحدون الكعبحة‬
‫الشريفحة فيدخلونهحا أفواجاً‪ ،‬ثحم يخرجون إلى مقحبرة باب المعلى‪ ،‬تحبركاً بمحن فيهحا محن‬
‫الصحابة وصدور السلف ثم ينصرفون‪.‬‬
‫ذكر إحرام الكعبة‬

‫وفحي اليوم السحابع والعشريحن محن شهحر ذي القعدة تشمحر أسحتار الكعبحة‪ ،‬زادهحا ال‬
‫تعظيماً‪ ،‬إلى نححو ارتفاع قامحة ونصحف محن جهاتهحا الربحع صحوناً لهحا محن اليدي أن‬
‫تنتهبهححا‪ .‬ويسححمون ذلك إحرام الكعبححة وهححو يوم مشهود بالحرم الشريححف‪ .‬ول تفتححح‬
‫الكعبة المقدسة من ذلك اليوم حتى تنقضي الوقفة بعرفة‪.‬‬
‫ذكر شعائر الحج وأعماله‬

‫وإذا كان فحححي أول يوم شهحححر ذي الحجحححة‪ ،‬تضرب الطبول والدبادب فحححي أوقات‬
‫الصلوات بكرة وعشية‪ ،‬إشعارها بالموسم المبارك‪ .‬ول تزال كذلك إلى يوم الصعود‬
‫إلى عرفات‪ .‬فإذا كان اليوم السحابع محن ذي الحجحة خطحب الخطيحب إثحر صحلة الظهحر‬

‫خطبحة بليغحة‪ ،‬يعلم الناس فيهحا مناسحكهم‪ ،‬ويعلمهحم بيوم الوقفحة‪ ،‬فإذا كان اليوم الثانحي‬
‫بكر الناس بالصعود إلى منى‪ .‬وأمراء مصر والشام والعراق وأهل العلم يبتيون تلك‬
‫الليلة بمنى وتقع المباهاة والمفاخرة بين أهل مصر والشام والعراق في إيقاد الشمع‪.‬‬
‫ولكحن الفضحل فحي ذلك لهحل الشام دائماً‪ .‬فإذا كان اليوم التاسحع رحلوا محن منحى بعحد‬
‫صححلة الصححبح إلى عرفححة‪ .‬فيمرون فححي طريقهححم بوادي محسححر‪ ،‬ويهرولون‪ ،‬وذلك‬
‫سنة‪ .‬ووادي محسر هو الحد ما بين مزدلفة ومنى‪ ،‬ومزدلفة بسيط من الرض فسيح‬
‫بيحن جبليحن‪ ،‬وحولهحا مصحانع وصحهاريج للماء‪ ،‬ممحا بنتحه زبيدة ابنحة جعفحر بحن أبحي‬
‫جعفحر المنصحور زوجحة أميحر المؤمنيحن هارون الرشيحد‪ .‬وبيحن منحى وعرفحة خمسحة‬
‫أميال‪ ،‬وكذلك بيحن منحى ومكحة أيضاً خمسحة أميال‪ .‬ولعرفحة ثلثحة أسحماء وهحي‪ ،‬عرفحة‬
‫وجمححع والمشعحر الحرام‪ ،‬وعرفات بسححيط محن الرض فسحيح أفيحح‪ ،‬تحدق بحه جبال‬
‫كثيرة‪ .‬وفحي آخحر بسحيط عرفات جبحل الرحمحة‪ ،‬وفيحه الموقحف‪ ،‬وفيمحا حوله‪ ،‬والعلمان‬
‫قبله بنحو ميل‪ ،‬وهما الحد ما بين الحل والحرم‪ .‬وبمقربة منهما مما يلي عرفة بطن‬
‫عرنحة الذي أمحر النحبي صحلى ال عليحه وسحلم بالرتفاع عنحه‪ ،‬ويجحب التحفحظ منحه‪،‬‬
‫ويجحب أيضاً المسحاك عحن النفور حتحى يتمكحن سحقوط الشمحس‪ .‬فإن الجماليحن ربمحا‬
‫اسحتحثوا كثيراً محن الناس‪ ،‬وحذروهحم الزحام فحي النفحر‪ ،‬واسحتدرجوهم إلى أن يصحلوا‬
‫بهحم بطحن عرنحة‪ ،‬فيبطحل حجهحم‪ .‬وجبحل الرحمحة الذي ذكرناه قائم وسحط بسحيط جمحع‬
‫منقطع عن الجبال‪ ،‬وهو من حجارة منقطع بعضها عن بعض‪ .‬وفي أعله قبة تنسب‬
‫إلى أم سححلمة رضححي ال عنهمححا‪ ،‬وفححي وسححطها مسححجد يتزاحححم الناس للصححلة فيححه‪،‬‬

‫وحوله سححطح فسححيح يشرف على بسححيط عرفات‪ ،‬وفححي قبليححه جدار فيححه محاريححب‬
‫منصحوبة يصحلي فيحه الناس‪ ،‬وفحي أسحٍفل هذا الجبحل عحن يسحار المسحتقبل للكعبحة دار‬
‫عتيقحة البناء تنسحب إلى آدم عليحه السحلم‪ ،‬وعحن يسحارها الصحخرات التحي كان موقفحف‬
‫النبي صلى ال عليه وسلم عندها‪ ،‬وحول ذلك صهاريج وجبات للماء‪ ،‬وبمقربة منه‬
‫الموضحع الذي يقحف فحي المام ويخطحب ويجمحع بيحن الظهحر والعصحر‪ ،‬وعحن يسحار‬
‫العلميححن للمسححتقبل أيضاً وادي الراك وبححه أراك اخضححر يمتححد فححي الرض امتداداً‬
‫طويلً‪ ،‬وإذا حان وقت النفر أشار المام المالكي بيده‪ ،‬ونزل عن موقفه‪ ،‬فدفع الناس‬
‫بالنفححر دفعححة ترتححج لهححا الرض‪ ،‬وترجححف الجبال‪ .‬فياله موقفاً كريماً ومشهداً عظيماً‬
‫ترجححو النفوس حسححن عقباه‪ ،‬وتطمححح المال إلى نفحات رحماه‪ ،‬وجعلنححا ال ممححن‬
‫خصحه فيحه برضاه‪ .‬وكانحت وقفتحي الولى يوم الخميحس سحنة سحت وعشريحن‪ ،‬وأميحر‬
‫الركحب المصحري يومئذ أرغون الدوادار نائب الملك الناصحر‪ .‬وحجحت فحي تلك السحنة‬
‫ابنحة الملك الناصحر وهحي زوجحة أبحي بكحر ابحن أرغون المذكور‪.‬وحجحت فيهحا زوجحة‬
‫الملك الناصحر والمسحماة بالخونده‪ ،‬وهحي بنحت السحلطان المعظحم محمحد أوزبحك ملك‬
‫السحرا وخوارزم‪ ،‬وأميحر الركحب الشامحي سحيف الديحن الجوبان‪ .‬ولمحا وقحع النفحر بعحد‬
‫غروب الشمحس‪ ،‬وصحلنا مزدلفحة عنحد العشاء الخرة‪ ،‬فصحلينا بهحا المغرب والعشاء‬
‫جمعاً بينهمحا حسحبما جرت سنة رسحول ال صحلى ال عليه وسحلم‪ .‬ولما صلينا الصحبح‬
‫بمزدلفحة غدونحا منهحا إلى منحى بعحد الوقوف والدعاء بالمشعحر الحرام‪ .‬ومزدلفحة كلهحا‬
‫موقف إل وادي محسر‪ ،‬ففيه تقع الهرولة حتى يخرج عنه‪ .‬ومن مزدلفة يستصحب‬

‫أكثر الناس حصيات الجمار‪ ،‬وذلك مستحب‪ .‬ومنهم من يلقطها حول مسجد الخيف‪.‬‬
‫والمحر فحي ذلك واسحع‪ .‬ولمحا انتهحى الناس إلى منحى بادروا لرمحي جمرة العقبحة‪ ،‬ثحم‬
‫نحروا وذبحوا‪ ،‬ثححم حلقوا وحلوا مححن كححل شيححء إل النسححاء والطيححب حتححى يطوفوا‬
‫طواف الفاضحة ورمحي هذه الجمرة عنحد طلوع الشمحس محن يوم النححر‪ .‬لمحا رموهحا‬
‫توجححه أكثححر الناس بعححد أن ذبحوا وحلقوا إلى طواف الفاضححة‪ .‬ومنهححم مححن أقام إلى‬
‫اليوم الثانحي‪ .‬وفحي اليوم الثانحي رمحى الناس عنحد زوال الشمحس بالجمرة الولى سحبع‬
‫حصحيات‪ ،‬وبالوسحطى كذلك‪ ،‬ووقفوا للدعاء بهاتين الجمرتين اقتداء بفعحل رسحول ال‬
‫صحلى ال عليحه وسحلم‪ .‬ولمحا كان اليوم الثالث تعجحل الناس النحدار إلى مكحة شرفهحا‬
‫ال‪ ،‬بعحد أن كمحل لهحم رمحي تسحع وأربعيحن حصحاة‪ .‬وكثيحر منهحم أقام اليوم الثالث بعحد‬
‫يوم النحر حتى رمي سبعين حصاة‪.‬‬
‫ذكر كسوة الكعبة‬

‫وفححي يوم النحححر بعثححت كسححوة الكعبححة الشريفححة مححن الركححب المصححري إلى البيححت‬
‫الكريم‪ ،‬فوضعت في سطحه‪ ،‬فلما كان اليوم الثالث بعد يوم النحر أخذ الشيبيون في‬
‫إسحبالها على الكعبحة الشريفحة‪ .‬وهحي كسحوة سحوداء حالكحة محن الحريحر مبطنحة بالكتان‬
‫وفححي أعلهححا طراز مكتوب فيححه بالبياض " جعححل ال الكعبححة البيححت الحرام قياماً "‬
‫اليحة‪ .‬وفحي سحائر جهاتهحا طراز مكتوب بالبياض فيهحا آيات محن القرآن‪ ،‬وعليهحا نور‬
‫لئح مشرق محن سحوادها‪ .‬ولمحا كيسحت شمرت أذيالهحا صحوناً محن أيدي الناس‪ .‬والملك‬
‫الناصحر هحو الذي يتولى كسحوة الكعبحة الكريمحة‪ ،‬ويبعحث مرتبات القاضحي والخطيحب‬

‫والئمحة والمؤذنيحن والفراشيحن والقومحة‪ ،‬ومحا يحتاج له الحرم الشريحف محن الشمحع‬
‫والزيحت فحي كحل سحنة‪ .‬وفحي هذه اليام تفتحح الكعبحة الشريفحة فحي كحل يوم للعراقييحن‬
‫والخراسحانين وسحواهم ممحن يصحل محع الركحب العراقحي‪ ،‬وهحم يقيمون بمكحة بعحد سحفر‬
‫الركحبين الشامحي والمصحري أربعحة أيام‪ ،‬فيكثرون فيهحا الصحدقات على المجاوريحن‬
‫وغيرهم‪ .‬ولقد شاهدتهم يطوفون بالحرم ليلً‪ ،‬فمن لقوه في الحرم من المجاورين أو‬
‫المكييحن أعطوه الفضحة والثياب‪ ،‬وكذلك يعطون للمشاهديحن الكعبحة الشريفحة‪ ،‬وربمحا‬
‫وجدوا إنسحاناً نائمًا فجعلوا فحي فيحه الذهحب والفضحة حتحى يفيحق‪ .‬ولمحا قدمحت معهحم محن‬
‫العراق سنة ثمان وعشرين فعلوا من ذلك كثيراً‪ ،‬وأكثروا الصدقة حتى رخص سوم‬
‫الذهب بمكة‪ ،‬وانتهى صرف المثقال إلى ثمانية عشر درهماً نقرة‪ ،‬لكثرة ما تصدقوا‬
‫به من الذهب‪ .‬وفي هذه السنة ذكر اسم السلطان أبي السعيد ملك العراق على المنبر‬
‫وقبة زمزم‪.‬‬
‫ذكر النفصال عن مكة شرفها ال تعالى‬

‫وفححي الموفححي عشريححن لذي الحجححة خرجححت مححن مكححة صحححبة أميححر ركححب العراق‬
‫البهلوان محمحد الحويحح بحاءيحن مهمليحن‪ ،‬وهحو محن أهحل الموصحل‪ .‬وكان يلي إمارة‬
‫الحاج بعحد موت الشيحخ شهاب الديحن قلندر‪ ،‬وكان شهاب الديحن سحخياً فاضلً عظيحم‬
‫الحرمة عند سلطانه‪ ،‬يحلق لحيته وحاجبيه على طريقة القلندرية‪ .‬ولما خرجت من‬
‫مكة شرفها ال تعالى في صحبة المير البهلوان المذكور اكترى لي شقة محارة إلى‬
‫بغداد‪ ،‬ودفحع إجارتهحا محن ماله‪ ،‬وأنزلنحي فحي جواره‪ .‬وخرجنحا بعحد طواف الوداع إلى‬

‫بطحن محر ‪ ،‬فحي جمحع محن العراقييحن والخراسحانيين والفارسحيين والعاجحم‪ ،‬ل يحصحى‬
‫عديدهم تموج بهم الرض موجاً‪ ،‬ويسيرون سير السحاب المتراكم‪ .‬فمن خرج عن‬
‫الركب لحاجة‪ ،‬ولم تكن له علمة يستدل بها على موضعه‪ ،‬ضل عنه لكثرة الناس‪.‬‬
‫وفي هذا الركب نواضح كثيرة لبناء السبيل يستقون منها الماء‪ ،‬وجمال لرفع الراد‬
‫للصدقة ورفع الدوية والشربة والسكر لمن يصيبه مرض‪ .‬وإذا نزل الركب طبخ‬
‫الطعام فحي قدور نحاس عظيمحة تسحمى الدسحوت‪ ،‬وأطعحم منهحا أبناء السحبيل ومحن ل‬
‫زاد معه‪ .‬وفي الركب جملة من الجمال يحمل عليها من ل قدرة له على المشي‪ .‬كل‬
‫ذلك محن صحدقات السحلطان أبحي سحعيد ومكارمحه‪ .‬قال ابحن جزي‪ :‬كرم ال هذه الكنيحة‬
‫الشريفحة‪ ،‬فمحا أعجحب أمرهحا فحي الكرم‪ ،‬وحسحبك بمولنحا بححر المكارم ورافحع رايات‬
‫الجود الذي هحو آيحة الندى والفضحل أميحر المسحلمين أبحي سحعيد ابحن مولنحا قامحع الكفار‬
‫والخذ للسلم بالثار أمير المسلمين يوسف قدس ال أرواحهم الكريمة وأبقى الملك‬
‫فحححححححححححححححححححي عقبهحححححححححححححححححححم الطاهحححححححححححححححححححر إلى يوم الديحححححححححححححححححححن‪.‬‬
‫وفي هذا الركب السواق الحافلة والمرافق العظيمة وأنواع الطعمة والفواكه وهم‬
‫يسحححيرون بالليحححل ويوقدون المشاعحححل أمام القطار والمحارات‪ ،‬فترى الرض تلل‬
‫نوراً والليحل قحد عاد نهاراً سحاطعاً ثحم رحلنحا محن بطن محر إلى عسحفان ثحم إلى خليحص‪،‬‬
‫ثحم رحلنحا أربحع مراححل‪ ،‬ونزلنا وادي السحمك‪ ،‬ثحم رحلنا خمسحاً‪ ،‬ونزلنا فحي بدر وهذه‬
‫المراححل ثنتان فحي اليوم‪ :‬إحداهمحا بعحد الصحبح والخرى بالعشحي‪ ،‬ثحم رحلنحا محن بدر‬
‫فنزلنحا الصححفراء‪ ،‬وأقمنحا بهحا يوماً مسحتريحين‪ ،‬ومنهحا إلى المدينحة الشريفححة مسحيرة‬

‫ثلث‪ .‬ثحم رحلنحا فوصحلنا إلى طيبة مدينحة رسول ال صلى ال عليحه وسحلم‪ ،‬وحصلت‬
‫لنا زيارة رسول ال صلى ال عليه وسلم ثانياً‪ ،‬وأقمنا بالمدينة كرمها ال تعالى ستة‬
‫أيام‪ ،‬واسحتصحبنا منهحا الماء لمسحيرة ثلث‪ ،‬ورحلنحا عنهحا فنزلنحا فحي الثالثحة بوادي‬
‫العروس‪ ،‬فتزودنحا منحه الماء محن حسحيات يحفرون عليهحا فحي الرض‪ ،‬فينبطون ماء‬
‫عذباً معيناً‪ ،‬ثم رحلنا من وادي العروس ودخلنا أرض نجد‪ ،‬وهو بسيط من الرض‬
‫على محد البصحر‪ ،‬فتنسحمنا نسحيمه الطيحب الرج‪ ،‬ونزلنحا بعحد أربحع مراححل على ماء‬
‫يعرف بالعسحححيلة ثحححم رحلنحححا عنحححه ونزلنحححا ماء يعرف بالنقرة‪ ،‬فيحححه آثار مصحححانع‬
‫كالصححهاريج العظيمححة‪ ،‬ثححم رحلنححا إلى ماء يعرف بالقارورة‪ ،‬وهححي مصححانع مملوءة‬
‫بماء المطر مما صنعته زبيدة ابنة جعفر رحمها ال ونفعها وهذا الموضع هو وسط‬
‫أرض نجحد فسحيح طيحب النسحيم صححيح الهواء نقحي التربحة معتدل فحي كحل فصحل‪ ،‬ثحم‬
‫رحلنحا محن القاروروة ونزلنحا بالحاجحز‪ ،‬وفيحه مصحانع للماء‪ ،‬وربمحا جفحت فحفحر عحن‬
‫الماء فحي الجفار‪ .‬ثحم رحلنحا ونزلنحا سحميرة‪ ،‬وهحي أرض غائرة فحي بسحيط فيحه شبحه‬
‫حصن مسكون وماؤها كثير في آبار‪ ،‬إل أنه زعاق ويأتي عرب تلك الرض بالغنم‬
‫والسحمن واللبحن فيحبيعون ذلك محن الحجاج بالثياب الخام‪ ،‬ول يحبيعون بسحوى ذلك ثحم‬
‫رحلنحا ونزلنحا بالجبحل المخروق‪ ،‬وهحو فحي بيداء محن الرض‪ ،‬وفحي أعله ثقحب نافذة‬
‫تخرقحه الريحح ثحم رحلنحا منحه إلى وادي الكروش ول ماء بحه ثحم اسحرينا ليلً وصحبحنا‬
‫حصحن فيحد وهحو حصحن كحبير فحي بسحيط محن الرض يدور بحه سحور وعليحه ربحض‪،‬‬
‫وسحاكنوه عرب يتعيشون محع الحاج فحي البيحع والتجارة‪ .‬وهنالك يترك الحجاج بعحض‬

‫أزوادهححم حيححن وصححولهم مححن العراق إلى مكححة شرفهححا ال تعالى‪ ،‬فإذا عادوا وجدوه‬
‫وهو نصف الطريق من مكة إلى بغداد‪ ،‬ومنه إلى الكوفة مسيرة اثني عشر يوماً في‬
‫طريحق سحهل بحه المياه فحي المصحانع‪ ،‬ومحن عادة الركحب أن يدخلوا هذا الموضحع على‬
‫تعبئتحححه وأهبحححة للحرب‪ ،‬ارهاباً للعرب االمجتمعيحححن هنالك‪ ،‬وقطعاً لطناعهحححم عحححن‬
‫الركحححب وهنالك لقينحححا أميري العرب‪ ،‬وهمحححا فياض وحيار واسحححمه " بكسحححر الحاء‬
‫واهماله وياء آخحر الحروف "‪ ،‬وهمحا ابنحا الميحر مهنحا بحن عيسحى‪ ،‬ومعهمحا محن خيحل‬
‫العرب ورجالهحم محن ل يحصحون كثرة فظهحر منهمحا المحافظحة على الحاج والرحال‬
‫والحوطحة لهحم‪ ،‬وأتحى العرب بالجمال والغنحم وأشترى منهم الناس ما قدروا عليه‪ ،‬ثم‬
‫رحلنحا ونهزلنحا الموضحع الجفحر‪ ،‬ويشتهحر باسحم العاشقيحن‪ :‬جميحل وبثينحة ثحم رحلنحا‬
‫ونزلنحا البيداء‪ ،‬ثحم نزلنحا زرود‪ ،‬وهحي بسحيط محن الرض فيحه رمال منهالة وبحه دور‬
‫صحغار‪ ،‬قحد أدوارهحا شبحه الحصحن‪ ،‬وهنالك آبار ماء ليسحت بالعذبحة ثحم رحلنحا ونزلنحا‬
‫الثعلبيحة‪ ،‬ولهحا حصحن خرب بإزائه مصحنع هائل ينزل إليحه فحي درج‪ ،‬وبحه محن ماء‬
‫المطحححححححححححححححححححححححر محححححححححححححححححححححححا يعحححححححححححححححححححححححم الركحححححححححححححححححححححححب‪.‬‬
‫ويجتمع من العرب بهذا الموضع جمع عظيم فيبيعون الجمال والغنم والسمن واللبن‪.‬‬
‫ومحن هذا الموضحع إلى الكوفحة ثلث مراححل ثحم رحلنحا فنزلنحا ببركحة المرجوم‪ ،‬وهحو‬
‫مشهحد على الطريحق عليحه كوم عظيحم محن حجارة‪ ،‬وكحل محن محر بحه رجمحه ويذكحر أن‬
‫هذا المرجوم كان رافضياً‪ ،‬فسحافر محع الركحب يريحد الححج‪ ،‬فوقعحت بينحه وبيحن أهحل‬
‫السحنة محن التراك مشاجرة‪ ،‬فسحب بعحض الصححابة‪،‬فقتلوه بالحجارة‪ .‬وبهذا الموضحع‬

‫بيوت كثيرة للعرب‪ ،‬ويقصدون الركب بالسمن واللبن وسوى ذلك‪ ،‬وبه مصنع كبير‬
‫يعم جميع الركب مما بنته زبيدة رحمة ال عليها‪ ،‬وكل مصنع أو بركة أو بئر بهذا‬
‫الطريحق التحي بيحن مكحة وبغداد‪ ،‬فهحي محن كريحم آثارهحا جزاهحا ال خيراً‪ ،‬ووفحى لهحا‬
‫أجرهحا‪ .‬ولول عنايتهحا بهذا الطريحق محا سحلكها أححد‪ ،‬ثحم رحلنحا ونزلنحا موضعاً يعرف‬
‫بالمشقوق‪ ،‬فيه مصنعان بهما الماء العذب الصافي‪ ،‬وأراق الناس ما كان عندهم من‬
‫الماء وتزودوا منهمحا‪ .‬ثحم رحلنحا ونزلنحا موضعاً يعرف بالتنانيحر‪ ،‬وفيحه مصحانع تمتلئ‬
‫بالماء‪ ،‬ثم أسرينا منه واجتزنا ضحوة بزمالة‪ ،‬وهي قرية معمورة بها قصر للعرب‬
‫ومصنعان للماء وآبار كثيرة‪ ،‬وهي من مناهل هذا الطريق ثم رحلنا فنزلنا الهيثمين‪،‬‬
‫وفيحه مصحنعان للماء ثحم رحلنحا فنزلنحا دون العقبحة المعروفحة بعقبحة الشيطان‪ ،‬وصحعدنا‬
‫العقبة في اليوم الثاني وليس بهذا الطريق وعر سواها‪ ،‬على أنها ليست بصعبة ول‬
‫طائلة‪ ،‬ثححم نزلنححا موضعاً يسححمى واقصححة فيححه قصححر كححبير ومصححانع للماء‪ ،‬معمور‬
‫بالعرب‪ ،‬وهو آخر مناهل هذا الطريق‪ ،‬وليس فيما بعده إلى الكوفة منهل مشهور ال‬
‫مشارع ماء الفرات‪ ،‬وبه يتلقى كثير من أهل الكوفة الحاج‪ ،‬ويأتون بالدقيق والخبز‬
‫والتمححر والفواكححه‪ ،‬ويهنححئ الناس بعضهححم بعضاً بالسححلمة ثححم نزلنححا موضعاً يعرف‬
‫بلورة‪ ،‬فيه مصنع كبير للماء ثم نزلنا موضعاً يعرف بالمساجد‪ ،‬فيه ثلث مصانع ثم‬
‫نزلنحححا موضعاً يعرف بمنارة القرون‪ ،‬وهحححي منارة فحححي بيداء محححن الرض بائنحححة‬
‫الرتفاع مجللة بقرون الغزلن ول عمارة حولها‪ ،‬ثم نزلنا موضعاً يعرف بالعذيب‪،‬‬
‫وهححححو واد مخصححححب عليححححه عمارة وحوله فل خصححححبة فيهححححا مسححححرح للبصححححر‪.‬‬

‫ثحم نزلنحا القادسحية حيحث كانحت الوقعحة الشهيرة على الفرس التحي أظهحر ال فيهحا ديحن‬
‫السححلم وأذل المجوس عبدة النار فلم تقححم لهححم بعدهححا قائمححة واسححتأصل ال شأفتهححم‪،‬‬
‫وكان أميحر المسحلمين يومئذ سحعد بحن أبحي وقاص رضحي ال عنحه‪ .‬وكانحت القادسحية‬
‫مدينة عظيمة افتتحها سعد رضي ال عنه‪ ،‬وخربت فلم يبق منها الن ال مقدار قرية‬
‫كبيرة‪ ،‬وفيها حدائق النخل وبها مشارع من ماء الفرات‪ ،‬ثم رحلنا منها فنزلنا مدينة‬
‫مشهحد علي بحن أبحي طالب رضحي ال عنحه بالنجحف‪ ،‬وهحي مدينحة حسحنة فحي أرض‬
‫فسحيحة صحلبة محن أحسحن مدن العراق وأكثرهحا ناسحاً وأتقنهحا بناء ولهحا أسحواق حسحنة‬
‫نظيفحة دخلناهحا محن باب الحضرة‪ ،‬فاسحتقبلنا سحوق البقاليحن والطباخيحن والخبازيحن‪ ،‬ثحم‬
‫سحوق الفاكهحة ثحم سحوق الخياطيحن والقيسحارية ثحم سحوق العطاريحن ثحم الحضرة حيحث‬
‫القبر الذي يزعمون أنه قبر علي عليه السلم‪ ،‬وبإزائه المدارس والزوايا والخوانق‬
‫معمورة أحسن عمارة‪ ،‬وحيطانها بالقاشاني وهو شبه الزليج عندنا لكن لونه أشرق‬
‫ونقشه أحسن‪.‬‬
‫ذكر الروضة والقبور التي بها‬

‫ويدخل من باب الحضرة إلى مدرسة عظيمة يسكنها الطلبة والصوفية من الشيعة‬
‫ولكحل وارد عليهحا ضيافحة ثلثحة أيام محن الخبحز واللححم والتمحر مرتيحن فحي اليوم ومحن‬
‫تلك المدرسحة يدخحل إلى باب القبحة‪ ،‬وعلى بابهحا الحجاب والنقباء والطواشيحة فعندمحا‬
‫يصححل الزائر يقوم إليححه أحدهححم أو جميعححم وذلك على قدر الزائر‪ ،‬فيقفون معححه على‬
‫العتبححة ويسححتأذنون له‪ ،‬ويقولون عححن أمركححم يححا أميححر المؤمنيححن هذا العبححد الضعيححف‬

‫ل لذلك‬
‫يسحتأذن على دخوله الروضحة العليحة‪ ،‬فإن أذنتحم له وإل رجحع‪ ،‬وإن لم يكحن أه ً‬
‫فأنتححم أهححل المكارم والسححتر ثححم يأمرونححه بتقبيححل العتبححة وهححي مححن الفضححة‪ ،‬وكذلك‬
‫العضادتان‪ ،‬ثحم يدخحل القبحة وهحي مفروشحة بأنواع البسحط محن الحريحر وسحواه‪ ،‬وبهحا‬
‫قناديححل الذهححب والفضححة‪ ،‬منهححا الكبار والصححغار‪ ،‬وفححي وسححط القبححة مسححطبة مربعححة‬
‫مكسحوة بالخشحب‪ ،‬عليحه صحفائح الذهحب المنقوشحة المحكمحة العمحل‪ ،‬مسحمرة بمسحامير‬
‫الفضحة‪ ،‬قحد غلبحت على الخشحب بحيحث ل يظهحر منحه شيحء‪ ،‬وارتفاعهحا دون القامحة‪،‬‬
‫وفوقها ثلثة من القبور‪ ،‬يزعمون أن أحدها قبر آدم عليه الصحلة والسلم‪ ،‬والثاني‬
‫قبر نوح عليه الصلة والسلم‪ ،‬والثالث قبر علي رضي ال تعالى عنه وبين القبور‬
‫طسحوت ذهحب وفضحة فيهحا ماء الورد والمسحك وأنواع الطيحب يغمحس الزائر يده فحي‬
‫ذلك ويدهحن بحه وجهحه تحبركاً‪ .‬وللقبحة باب آخحر عتبتحه أيضاً محن الفضحة وعليحه سحتور‬
‫الحريحر الملون يفضحي إلى مسحجد مفروش بالبسحط الحسحان‪ ،‬مسحتورة حيطانحه وسحقفه‬
‫بسحتور الحريحر‪ ،‬وله أربعحة أبواب‪ ،‬عتباتهحا فضحة وعليهحا سحتور الحريحر‪ ،‬وأهحل هذه‬
‫المدينة كلهم رافضية‪ .‬وهذه الروضة ظهرت لها كرامات ثبت بها عندهم أن بها قبر‬
‫علي رضحي ال عنحه فمنهحا أن فحي ليلة السحابع والعشريحن محن رجحب وتسحمى عندهحم‬
‫ليلة المحيحا‪ ،‬يؤتحى إلى تلك الروضحة بكحل مقعحد محن العراقيحن وخراسحان وبلد فارس‬
‫والروم‪ ،‬فيجتمححع منهححم الثلثون والربعون ونحححو ذلك‪ .‬فإذ كان بعححد العشاء الخرة‬
‫جعلوا فوق الضريحح المقدس‪ ،‬والناس ينظرون قيامهحم‪ ،‬وهحم محا بيحن مصحل وذاكحر‬
‫وتالٍ ومشاهد للروضة فإذا مضى من الليل نصفه‪ ،‬أو ثلثاه أو نحو ذلك‪ ،‬قام الجميع‬

‫أصححاء محن غيحر سحوء‪ ،‬وهحم يقولون‪ :‬ل إله إل ال محمحد رسحول ال علي ولي ال‬
‫وهذا أمحر مسحتفيض عندهحم سحمعته محن الثقات‪ .‬ولم أحضحر تلك الليلة لكنحي رأيحت‬
‫بمدرسحة الضياف ثلثحة محن الرجال‪ :‬أحدهحم محن أرض الروم والثانحي محن أصحبهان‬
‫والثالث مححن خراسححان‪ ،‬وهححم مقعدون‪ ،‬فاسححتخبرهم عححن شأنهححم‪ ،‬فأخححبروني أنهححم لم‬
‫يدركوا ليلة المحيححا‪ ،‬وأنهححم منتظرون أوانهححا مححن عام آخححر‪ .‬وهذه الليلة يجتمححع لهححا‬
‫الناس من البلد‪ ،‬ويقيمون سوقاً عظيمة مدة عشرة أيام وليس بهذه المدينة مغرم ول‬
‫مكاس ول والٍ‪ ،‬وإنمححا يحكححم عليهححم نقيححب الشراف وأهلهححا تجار يسححافرون فححي‬
‫القطار‪ ،‬وهحم أهحل شجاعحة وكرم ول يضام جارهحم‪ .‬صححبتهم فحي السحفار فحمدت‬
‫صحبتهم‪ ،‬لكنهم غلوا في علي رضي ال عنه‪ ،‬ومن الناس في بلد العراق وغيرها‬
‫محن يصحيبه المرض فينذر للروضحة نذراً إذا برئ‪ ،‬ومنهحم محن يمرض رأسحه فيصحنع‬
‫رأساً من ذهب أو فضحة ويأتي به إلى الروضة‪ ،‬فيجعله النقيب في الخزانة‪ ،‬وكذلك‬
‫اليد والرجل وغيرهما من العضاء وخزانة الروضة عظيمة فيها من الموال ما ل‬
‫يضبط لكثرته‪.‬‬
‫ذكر نقيب الشراف‬

‫ونقيحب الشراف مقدم محن ملك العراق‪ ،‬ومكانحه عنده مكيحن‪ ،‬ومنزلتحه رفيعحة‪ ،‬وله‬
‫ترتيححب المراء الكبار فححي سححفره‪ ،‬وله العلم والطبال‪ ،‬وتضرب الطبلخانححة عنححد‬
‫بابحه مسحاء وصحباحاً‪ ،‬وإليحه حكحم هذه المدينحة‪ ،‬ول والي بهحا سحواه‪ ،‬ول مغرم فيهحا‬
‫للسحلطان ول لغيره‪ .‬وكان النقيحب فحي عهحد دخولي إليهحا نظام الديحن حسحين بحن تاج‬

‫الدين الوي‪ ،‬نسبة إلى بلده آوة من عراق العجم‪ ،‬أهلها رافضة‪ ،‬وكان قبله جماعة‪،‬‬
‫يلي كحل واححد منهحم بعحد صحاحبه‪ ،‬منهحم جلل الديحن بحن الفقيحه ومنهحم قوام الديحن بحن‬
‫طاوس ومنهححم ناصححر الديححن بححن مطهححر بححن الشريححف الصححالح شمححس الديححن محمححد‬
‫الوهري من عراق العجم‪ ،‬وهو الن بأرض الهند من ندماء ملكها‪ ،‬ومنهم أبو غرة‬
‫بححححححن سححححححالم بححححححن مهنححححححا بححححححن جماز بححححححن شيحححححححة الحسححححححيني المدنححححححي‪.‬‬
‫حكايححة كان الشريححف أبححو غرة قحححد غلب عليححه فححي أول أمره العبادة وتعلم العلم‬
‫واشتهحر بذلك‪ ،‬وكان بالمدينحة الشريفحة كرمهحا ال فحي جوار ابحن عمحه منصحور بحن‬
‫جماز أميحر المدينحة‪ ،‬ثحم إنحه خرج عحن المدينحة واسحتوطن العراق وسحكن منهحا بالحلة‪،‬‬
‫فمات النقيححب قوام الديححن بححن طاوس فانفححق أهححل العراق على توليححة أبححي غرة نقابححة‬
‫الشراف‪ ،‬وكتبوا بذلك إلى السلطان أبي سعيد فأمضاه ونفذ له اليرليغ‪ ،‬وهو الظهير‬
‫بذلك‪ ،‬وبعحححث له الخلعحححة والعلم والطبول على عادة النقباء ببلد العراق‪ ،‬فغلبحححت‬
‫عليحه الدنيحا‪ ،‬وترك العبادة والزهحد‪ ،‬وتصحرف فحي الموال تصحرفا قحبيحاً فرفحع أمره‬
‫إلى السحلطان‪ ،‬فلمحا علم بذلك أعمحل السحفر‪ ،‬مظهراً أنحه يريحد خراسحان‪ ،‬قاصحداً زيارة‬
‫قحبر علي بحن موسحى الرضحا بطوس‪ ،‬وكان قصحده الفرار‪ .‬فلمحا زار علي ابحن موسحى‬
‫قدم هراة‪ ،‬وهححي آخححر بلد خراسححان‪ ،‬وأعلم أصحححابه أنححه يريححد بلد الهنححد‪ ،‬فرجححع‬
‫أكثرهححم عنححه‪ ،‬وتجاوز هححو أرض خراسححان‪ ،‬إلى السححند فلمححا جاوز وادي السححند‬
‫المعروف ببنحج آب ضرب طبوله وأنفاره فراع ذلك أهحل القرى وظنوا أن التتحر أتوا‬
‫للغارة عليهحم‪ ،‬وأجفلوا إلى المدينحة المسحماة بأوجحا‪ ،‬وأعلموا أميرهحا بمحا سحمعوه‪،‬‬

‫فركحب فحي عسحاكره واسحتعد للحرب وبعحث الطليحع‪ ،‬فرأوا نححو عشرة محن الفرسحان‬
‫وجماعححة مححن التجار والرجال ممححن صحححب الشريححف فححي طريقححه‪ ،‬معهححم الطبال‬
‫والعلم‪ ،‬فسحألوهم عحن شأنهحم‪ ،‬فأخحبروهم أن الشريحف نقيحب العراق أتحى وافداً على‬
‫ملك الهنححد‪ ،‬فرجححع الطليححع إلى الميححر وأخححبروه بكيفيححة الحال فاسححتضعف عقححل‬
‫الشريف لرفعة العلمات وضربه الطبول في غير بلده‪ .‬ودخل الشريف مدينة أوجا‬
‫وأقام بهححححا مدة‪ ،‬تضرب الطبال على باب داره غدوة وعشيححححة‪ ،‬وكان مولعاً بذلك‪.‬‬
‫ويذكر أنه كان في أيام نقابته بالعراق تضرب الطبال على رأسه‪ ،‬فإذا أمسك النقار‬
‫عن الضرب يقول له زد نقرة يا نقار حتى لقب بذلك‪ :‬وكتب صاحب مدينة اوجا إلى‬
‫ملك الهنححد يخححبر الشريححف وضربححه الطبال بالطريححق وعلى باب داره غدوة وعشياً‬
‫ورفعححه العلم وعادة أهححل الهنححد أن ل يرفححع علماً ول يضرب طبلً إل مححن أعطاه‬
‫الملك ذلك‪ ،‬ول يفعله ال في السفر‪ ،‬وأما في حال القامة فل يضرب الطبل إل على‬
‫باب الملك خاصححة‪ ،‬بخلف مصححر والشام والعراق فإن الطبول تضرب على أبواب‬
‫المراء‪ ،‬فلما بلغ خبره ملك الهنحد كره فعله وأنكره وفعحل في نفسحه‪ ،‬ثحم خرج الميحر‬
‫إلى حضرة الملك‪ ،‬وكان الميححر كشلي خان‪ ،‬والخان عندهححم أعظححم المراء‪ ،‬وهححو‬
‫السحاكن بملتان‪ ،‬كرسحي بلد السحند‪ ،‬وهحو عظيحم القدر عنحد ملك الهنحد‪ ،‬يدعحو بالعحم‪،‬‬
‫لنحه كان ممحن أعان أباه السحلطان غياث الديحن تغلق شاه على قتال السحلطان ناصحر‬
‫الديححن خسححرو شاه‪ ،‬قححد قدم على حضرة ملك الهنحد‪ ،‬فخرج الملك إلى لقائه فاتفححق أن‬
‫كان وصول الشريف في ذلك اليوم‪ ،‬وكان الشريف قد سبق المير بأميال وهو على‬

‫حاله مححن ضرب الطبال‪ ،‬فلم يرعححه إل السححلطان فححي موكبححه‪ ،‬فتقدم الشريححف إلى‬
‫السحلطان فسحلم عليحه وسحأله السحلطان عحن حاله ومحا الذي جاء بحه فأخحبره‪ ،‬ومضحى‬
‫السحلطان حتحى لقحي الميحر كشلي خان وعاد إلى حضرتحه‪ ،‬ولم يلتفحت إلى الشريحف‬
‫ول أمحححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححر له بإنزال ولغيره‪.‬‬
‫وكان الملك عازماً على السححفر إلى مدينححة دولة أباد‪ ،‬وتسححمى أيضاً بالكتكححة " بفتححح‬
‫الكافيحن والتاء المعلوة التحي بينهمحا " وتسحمى أيضاً بالدونجحر " دوكيحر "‪ ،‬وهحي على‬
‫مسيرة أربعين يوماً من مدينة دهلي حاضرة الملك‪ .‬فلما شرع الملك في السفر بعث‬
‫إلى الشريححف بخمسححمائة دينار دراهححم‪ ،‬وصححرفها مححن ذهححب المغرب مائة وخمسححة‬
‫وعشرون ديناراً‪ ،‬وقال لرسححوله اليححه‪ :‬قححل له إن أراد الرجوع إلى بلده فهذا زاده‪،‬‬
‫وإن أراد السحفر معنحا فهحي نفقتحه فحي الطريحق‪ ،‬وان أراد القامحة بالحضرة فهحي نفقتحه‬
‫حتحى نرجحع‪ ،‬فاغتحم الشريف لذلك‪ ،‬وكان قصحده أن يجزل له العطاء‪ ،‬كمحا هحي عادته‬
‫محع أمثاله واختار السحفر صححبة السحلطان‪ ،‬وتعلق بالوزيحر أحمحد بحن أياس المدعحو‬
‫بخواجحة جهان وبذلك سحماه الملك‪ ،‬وبحه يدعوه هحو‪ ،‬وبحه بدعوة سحائر الناس‪ ،‬فإن محن‬
‫عادتهم أنه متى سمى الملك أحداً باسم مضاف إلى الملك من عماد أو ثقة أو قطب‪،‬‬
‫أو باسحم مضاف إلى الجهان محن صحدر وغيره‪ ،‬فبذلك يخاطبحه الملك وجميحع الناس‪،‬‬
‫ومححن خاطبححه‪ ،‬بسححوى ذلك لزمتححه العقوبححة فتأكدت المودة بيححن الوزيححر والشريححف‪،‬‬
‫فأحسحن إليحه ورفحع قدره ولطحف الملك حتحى حسحن فيحه رأيحه‪ ،‬وأمحر له بقريتيحن محن‬
‫قرى دور أباد‪ ،‬وأمره أن تكون إقامتحححه بهحححا وكان هذا الوزيحححر محححن أهحححل الفضحححل‬

‫والمروءة ومكارم الخلق والمحبححة فححي الغرباء‪ ،‬والحسححان إليهححم وفعححل الخيححر‬
‫وإطعام الطعام وعمارة الزوايحا فأقام الشريحف يسحتغل القريتيحن ثمانيحة أعوام وحصحل‬
‫محن ذلك مال عظيماً‪ ،‬ثحم أراد الخروج‪ ،‬فلم يمكنحه‪ ،‬فإنحه محن خدم السحلطان ل يمكنحه‬
‫الخروج إل بإذنحه وهحو مححب فحي الغرباء‪ ،‬فقليلً محا يأذن لحدهحم فحي السحراح‪ ،‬فأراد‬
‫الفرار محن طريحق السحاحل فرد منحه‪ ،‬وقدم الحضرة‪ ،‬ورغحب محن الوزيحر أن يحاول‬
‫قضية انصرافه‪ ،‬فتلطف الوزير في ذلك حتى أذن له السلطان في الخروج عن بلد‬
‫الهنحد‪ ،‬وأعطاه عشرة آلف دينار محن دراهمهحم‪ ،‬وصحرفها محن ذهحب المغرب ألفان‬
‫وخمسحمائة دينار‪ ،‬فأتحى بهحا فحي بدرة‪ ،‬فجعلهحا تححت فراشحه ونام عليهحا‪ ،‬لمحبتحه فحي‬
‫الدنانير وفرحه بها وخوفه أن يتصل لحد من أصحابه شيء منها‪ ،‬فإنه كان بخيلً‪،‬‬
‫فأصحابه وجحع فحي جنبحه بسحبب رقاده عليهحا ولم يزل يتزايحد بحه وهحو آخحذ فحي حركحة‬
‫سحفره إلى ان توفحي بعحد عشريحن يوماً محن وصحول البدرة إليحه‪ .‬أوصحى بذلك المال‬
‫للشريف حسن الجراني‪ ،‬فتصدق بجملته على جماعة من الشيعة المقيمين بدهلي من‬
‫أهحححل الحجاز والعراق وأهحححل الهنحححد‪ ،‬ل يورثون بيحححت المال ول يتعرضون لمال‬
‫الغرباء ول يسححألون عنححه‪ ،‬ولو بلغ مححا عسححى أن يبلغ وكذلك السححودان ل يتعرضون‬
‫لمال البيحض ول يأخذونحه‪ ،‬إنمحا يكون عنحد الكبار محن أصححابه حتحى يأتحي مسحتحقه‪.‬‬
‫وهذا الشريححف أبححو غرة له أخ اسححمه قاسححم‪ ،‬سححكن غرناطححة مدة‪ ،‬وبهححا تزوج بنححت‬
‫الشريف أبي عبد ال بن إبراهيم الشهير بالمكي‪ ،‬ثم انتقل إلى جبل طارق فسكنه إلى‬
‫ان استشهد بوادي كرة من نظر الجزيرة الخضراء وكان بهمة من البهم ل يصطلي‬

‫بناره‪ ،‬خرق المعتاد فححي الشجاعححة وله فيهححا أخبار شهيرة عنححد الناس‪ ،‬وترك ولديححن‬
‫همحا فحي كفالة ربيبهمحا الشريحف الفاضحل أبحي عبحد ال محمحد بحن أبحي القاسحم بحن نفيحس‬
‫الحسححيني الكربلئي الشهيححر ببلد المغرب وبالعراق‪ ،‬وكان تزوج أمهمححا بعححد موت‬
‫أبيهمحححححححححححححححححا‪ ،‬وهحححححححححححححححححو محسحححححححححححححححححن لهحححححححححححححححححا جزاه ال خيراً‪.‬‬
‫ولمحا تحصحلت لنحا زيارة أميحر المؤمنيحن علي عليحه السحلم سحافر الركحب إلى بغداد‪،‬‬
‫وسحافرت إلى البصحرة صححبة رفقحة كحبيرة محن عرب خفاجحة‪ ،‬وهحم أهحل تلك البلد‪،‬‬
‫ولهحم شوكحة عظيمحة وبأس شديحد‪ ،‬ول سحبيل للسحفر فحي تلك القطار ال فحي صححبتهم‬
‫فاكتريت جملً على يد أمير تلك القافلة شامر بن دراج الخفاجي وخرجنا من مشهد‬
‫علي عليححه السححلم‪ ،‬فنزلنححا الخورنححق‪ ،‬موضححع سححكنى النعمان بححن المنذر وآبائه مححن‬
‫ملوك بنحي ماء السحماء‪ ،‬وبحه عمارة وبقايحا قباب ضخمحة فحي قضاء فسحيح على نهحر‬
‫يخرج محن الفرات ثحم رحلنحا عنحه فنزلنحا موضعاً يعرف بقائم الواثحق‪ ،‬وبحه أثحر قريحة‬
‫خربة ومسجد خرب لم يبق منه إل صومعته‪ ،‬ثم رحلنا عنه آخذين مع جانب الفرات‬
‫بالموضححع المعروف بالعذار‪ ،‬وهححو غابححة قصححب فححي وسححط الماء يسححكنها أعراب‬
‫يعرفون بالمعادي‪ ،‬وهحم قطاع الطريحق رافضيحة المذهحب‪ ،‬خرجوا على جماعحة محن‬
‫الفقراء تأخروا عحن رفقتنحا‪ ،‬فسحلبوهم حتحى النعال والكشاكحل‪ .‬وهحم يتحصحنون بتلك‬
‫الغابحة ويمتنعون بهحا ممحن يريدهحم‪ ،‬والسحباع بهحا كثيرة‪ .‬ورحلنحا محع هذا الغدار ثلث‬
‫مراحل‪ ،‬ثم وصلنا مدينة واسط‪.‬‬

‫مدينة واسط‬

‫وهحي حسحنة القطار كثيرة البسحاتين والشجار‪ ،‬بهحا أعلم يهدى الخيحر شاهدهحم‪،‬‬
‫وتهدي العتبار مشاهدهححم‪ ،‬وأهلهححا مححن خيار أهححل العراق‪ ،‬بححل هححم خيرهححم على‬
‫الطلق‪ .‬أكثرهحححم يحفظون القرآن الكريحححم ويجيدون تجويده بالقراءة الصححححيحة‪،‬‬
‫وإليهححم يأتححي أهححل بلد العراق برسححم تعلم ذلك‪ .‬وكان فححي القافلة التححي وصححلنا فيهححا‬
‫جماعحة محن الناس أتوا برسحم تجويحد القرآن على محن بهحا محن الشيوخ‪ ،‬وبهحا مدرسحة‬
‫عظيمة حافلة وفيها نحو ثلثمائة خلوة ينزلها الغرباء القادمون لتعلم القرآن‪ .‬عمرها‬
‫الشيخ تقي الدين عبد المحسن الواسطي‪ ،‬وهو من كبار أهلها وفقهائها‪ .‬ويعطي لكل‬
‫متعلم بهحا كسحوة فحي السحنة‪ ،‬ويجري له نفقتحه كحل يوم‪ ،‬ويقعحد هحو وإخوانحه وأصححابه‬
‫لتعليم القرآن بالمدرسة‪ ،‬وقد لقيته وأضافني وزودني تمراً ودراهم‪ .‬ولما نزلنا مدينة‬
‫واسحط أقامحت القافلة ثلثاً بخارجهحا للتجارة‪ .‬فسحنح لي زيارة قحبر الولي أبحي العباس‬
‫أحمد الرفاعي‪ ،‬وهو بقرية تعرف بأم عبيدة‪ ،‬على مسيرة يوم من واسط‪ .‬فطلبت من‬
‫الشيخ تقي الدين أن يبعث معي من يوصلني إليها‪ .‬فبعث معي ثلثة من عرب بني‬
‫أسححد‪ ،‬وهححم قطان تلك الجهححة‪ .‬وأركبنححي فرس حاً له‪ ،‬وخرجححت ظهراً‪ ،‬فبححت تلك الليلة‬
‫بحوش بنحي أسحد‪ ،‬ووصحلنا فحي ظهحر اليوم الثانحي إلى الرواق‪ ،‬وهحو رباط عظيحم فيحه‬
‫آلف محن الفقراء‪ .‬وصحادفنا بحه قدوم الشيحخ أحمحد كوجحك حفيحد ولي ال أبحي العباس‬
‫الرفاعححي الذي قصححدنا زيارتححه‪ .‬وقححد قدم مححن موضححع سححكناه مححن بلد الروم برسححم‬
‫زيارته قبر جده‪ ،‬وإليه انتهت الشياخة بالرواق‪ .‬ولما انقضت صلة العصر ضربت‬

‫الطبول والدفوف‪ ،‬وأخذ الفقراء في الرقص‪ ،‬ثم صلوا المغرب وقدموا السماط‪ ،‬وهو‬
‫خبحز الرز والسحمك واللبحن والتمحر‪ ،‬فأكحل الناس‪ ،‬ثحم صحلوا العشاء الخرة‪ ،‬وأخذوا‬
‫في الذكر‪ ،‬والشيخ أحمد قاعد على سجادة جده المذكور‪ ،‬ثم أخذوا في السماع‪ ،‬وقد‬
‫أعدوا أحمالً محن الحطحب فأججوهحا ناراً‪ ،‬ودخلوا فحي وسحطها يرقصحون ومنهحم محن‬
‫يتمرغ فيهحا ومنهحم محن يأكلهحا بفمحه حتحى أطفأهحا جميعاً وهذا دأبهحم‪ .‬وهذه الطائفحة‬
‫الحمديحة مخصحوصون بهذا‪ ،‬وفيهحم محن يأخحذ الحيحة العظيمحة فيعحض بأسحنانه على‬
‫رأسها حتى يقطعه‪.‬‬
‫حكاية‬

‫كنححت مررت بموضححع يقال له‪ ،‬أفقانبور‪ ،‬مححن عمالة هزار أمروهححا‪ ،‬وبينهححا وبيححن‬
‫دهلي حضرة الهنحد مسحيرة خمحس‪ .‬وقحد نزلنحا بهحا على نهحر يعرف بنهحر السحرور‪،‬‬
‫وذلك فححي أوان الشكال‪ ،‬والشكال عندهححم هححو المطححر‪ ،‬وينزل فححي إبان القيححظ‪ .‬وكان‬
‫السحيل ينحدر فحي هذا النهحر محن جبال قراجيحل‪ .‬فكحل محن يشرب منحه محن إنسحان أو‬
‫بهيمة يموت لنزول المطر على الحشائش المسمومة‪ .‬فأقمنا على النهر أربعة أيام ل‬
‫يقربحه أححد‪ ،‬ووصحل إلى هنالك جماعحة محن الفقراء فحي أعناقهحم أطواق الحديحد وفحي‬
‫أيديهحم‪ ،‬وكحبيرهم رجحل أسحود حالك اللون‪ .‬وهحم محن الطائفحة المعروفحة بالحيدريحة‪.‬‬
‫فباتوا عندنا ليلة‪ ،‬وطلب مني كبيرهم أن آتيه بالحطب ليوقدوه عند رقصهم‪ ،‬فكلفت‬
‫والي تلك الجهحححة وهحححو عزيحححز المعروف بالخمار‪ " ،‬وسحححيأتي ذكره "‪ ،‬أن يأتحححي‬
‫بالحطب فوجه منه عشرة أحمال‪ ،‬فأضرموا فيه النار بعد صلة العشاء الخرة حتى‬

‫صححارت جمراً‪ ،‬وأخذوا فححي السححماع‪ ،‬ثححم دخلوا فححي تلك النار‪ .‬فمححا زالوا يرقصححون‬
‫ويتمرغون فيها‪ ،‬وطلب مني كبيرهم قميصاً‪ ،‬فأعطيته فقميصاً في النهاية من الرقة‪،‬‬
‫فلبسحه وجعحل يتمرغ به فحي النار ويضربها بأكمامه حتحى طفئت تلك النار‪ ،‬وخمدت‪.‬‬
‫وجاء إلي بالقميحص‪ ،‬والنار لم تؤثحر فيحه شيئاً البتحة‪ .‬فطال عجحبي منحه‪ .‬ولمحا حصحلت‬
‫لي زيارة الشيحخ أبحي العباس الرفاعحي نفحع ال بحه‪ ،‬وعدت إلى مدينحة واسحط‪ ،‬فوجدت‬
‫الرفقحة التحي كنحت فيهحا قحد رحلت‪ ،‬فلحقتهحا فحي الطريحق ونزلنحا ماء يعرف بالهضيحب‪،‬‬
‫ثم رحلنا بوادي الكراع وليس به ماء‪ ،‬ثم رحلنا ونزلنا موضعاً يعرف بالمشيرب‪ .‬ثم‬
‫رحلنحا منحه ونزلنحا بالقرب محن البصحرة‪ ،‬ثحم رحلنحا فدخلنحا ضحوة النهار إلى مدينحة‬
‫البصرة‪.‬‬
‫مدينة البصرة‬

‫فنزلنحا بهحا رباط مالك بحن دينار‪ ،‬وكنحت رأيحت عنحد قدومحي عليهحا على نححو ميليحن‬
‫منهحا بناء عالياً مثحل الحصحن‪ ،‬فسحألت عنحه‪ ،‬فقيحل لي‪ :‬هحو مسحجد علي بحن أبحي طالب‬
‫رضحي ال عنحه‪ .‬وكانحت البصحرة محن اتسحاع الخطحة وانفسحاح السحاحة بحيحث كان هذا‬
‫المسححجد فححي وسححطها‪ .‬وبينححه الن وبينهححا ميلن ‪ ،‬وكذلك بينححه وبيححن السححور الول‬
‫المحيححط بهحا نححو ذلك‪ ،‬فهحو متوسححط بينهمححا‪ .‬ومدينححة البصحرة إحدى أمهات العراق‬
‫الشهيرة الذكححر فححي الفاق الفسححيحة الرجاء المونقححة الفناء‪ ،‬ذات البسححاتين الكثيرة‬
‫والفواكحه الثيرة‪ ،‬توفحر قسحمها محن النضارة والخصحب‪ ،‬لمحا كانحت مجمحع البحريحن‪:‬‬
‫الجاج والعذب‪ ،‬وليحس فحي الدنيحا أكثحر نخلً منهحا‪ ،‬فيباع التمحر فحي سحوقها بحسحاب‬

‫أربعة عشر رطلً عراقية بدرهم‪ ،‬ودرهمهم ثلث النقرة‪ .‬ولقد بعث إلى قاضيها حجة‬
‫الدين بقوصرة تمر‪ ،‬يحملها الرجل على تكلف‪ ،‬فأردت بيعها‪ ،‬فبيعت بتسعة دراهم‪،‬‬
‫أخذ الحمال منها ثلثها عن أجرة حملها من المنزل إلى السوق‪ .‬ويصنع بها من التمر‬
‫عسححححححححححل يسححححححححححمى السححححححححححيلن‪ ،‬وهححححححححححو طيححححححححححب كأنححححححححححه الجلب‪.‬‬
‫والبصرة ثلثة محلت‪ :‬احداها محلة هذيل‪ ،‬وكبيرها الشيخ الفاضل علء الدين بن‬
‫الثيححر‪ ،‬مححن الكرماء الفضلء‪ ،‬أضافنححي وبعححث إلي بثياب ودراهححم‪ ،‬والمحلة الثانيححة‬
‫محلة بنححي حرام‪ ،‬كبيرهححا السححيد الشريححف مجححد الديححن موسححى الحسححنى‪ ،‬ذو مكارم‬
‫وفواضححل‪ ،‬أضافنححي وبعححث إلي التمححر والسححيلن والدراهححم‪ ،‬والمحلة الثالثححة محلة‬
‫العجحم‪ ،‬كبيرهحا جمال الديحن ابحن اللوكحي‪ .‬وأهحل البصحرة لهحم مكارم أخلق وإيناس‬
‫للغريب وقيام بحقه‪ ،‬فل يستوحش فيما بينهم غريب‪ .‬وهم يصلون الجمعة في مسجد‬
‫أميحر المؤمنيحن علي رضحي ال عنحه الذي ذكرتحه‪ ،‬ثحم يسحد فل يأتونحه إل فحي الجمعحة‪.‬‬
‫وهذا المسحجد محن أحسحن المسحاجد‪ ،‬وصححنه متناهحي النفسحاح مفروش بالحصحباء‬
‫الحمراء التحي يؤتحى بهحا محن وادي السحباع‪ ،‬وفيحه المصححف الكريحم الذي كان عثمان‬
‫رضي ال عنه يقرأ فيه لما قتل‪ ،‬وأثر تغييره الدم في الورقة التي فيها قوله تعالى‪" :‬‬
‫فسيكفيكهم ال وهو السميع العليم " ‪.‬‬
‫حكاية اعتبار‬

‫شهدت مرة بهذا المسحجد صحلة الجمعحة‪ ،‬فلمحا قام الخطيحب إلى الخطبحة وسحردها‪،‬‬
‫لحن فيها لحناً كثيراً جلياً‪ ،‬فعجبت من أمره‪ ،‬وذكرت ذلك للقاضي حجة الدين‪ .‬فقال‬

‫لي‪ :‬إن هذا البلد لم يبق به من يعرف شيئاً من علم النحو‪ .‬وهذه عبرة لمن تفكر فيها‪.‬‬
‫سححبحان مغيححر الشياء ومقلب المور‪ .‬هذه البصححرة التححي إلى أهلهححا انتهححت رياسححة‬
‫النححو‪ ،‬وفيهحا أصحله وفرعحه‪ ،‬ومحن أهلهحا إمامحه الذي ل ينكحر سحبقه‪ ،‬ل يقيحم خطيبهحا‬
‫خطبة الجمعة على دؤوبه عليها‪ .‬ولهذا الجامع سبع صوامع‪ ،‬إحداها الصومعة التي‬
‫تتحرك بزعمهحم‪ ،‬عنحد ذكحر علي بحن أبحي طالب رضحي ال عنحه‪ .‬صحعدت إليهحا محن‬
‫أعلى سححطح الجامححع‪ ،‬ومعححي بعححض أهححل البصححرة‪ ،‬فوجدت فححي ركححن مححن أركانهححا‬
‫مقبحض خشحب مسحمرًا فيهحا‪ ،‬كأنحه مقبحض مملسحة البناء‪ .‬فجعحل الرجحل الذي كان معحي‬
‫يده فححي ذلك المقبححض‪ ،‬وقال‪ :‬بحححق رأس أميححر المؤمنيححن علي رضححي ال عنححه‪،‬‬
‫تحركي‪ ،‬وهز المقبض‪ ،‬فتحركت الصومعة‪ ،‬فجعلت أنا يدي في المقبض وقلت له‪،‬‬
‫وانحا أقول‪ :‬بححق رأس أبحي بكحر خليفحة رسحول ال صحلى ال عليحه وسحلم تحركحي‪،‬‬
‫وهززت المقبحض فتحركحت الصحومعة فعجبوا محن ذلك‪ .‬وأهحل البصحرة على مذهحب‬
‫السحنة والجماعحة‪ ،‬ول يخاف محن يفعحل مثحل فعلي عندهحم‪ ،‬ولو جرى مثحل هذا بمشهحد‬
‫الحسححين‪ ،‬أو بالحلة‪ ،‬أو بالبحريححن‪ ،‬أو قححم‪ ،‬أو قاشان‪ ،‬أو سححاوة‪ ،‬أو آوة‪ ،‬أو طوس‪،‬‬
‫لهلك فاعله‪ ،‬لنهم رافضة غالية‪ .‬قال ابن جزي‪ :‬قد عاينت بمدينة برشانة من وادي‬
‫المنصورة من بلد الندلس حاطها ال صومعة تهتز من غير أن يذكر لها أحد من‬
‫الخلفاء أو سحواهم‪ ،‬وفحي صحومعة الجامحع العظحم بهحا‪ ،‬وبناؤهحا ليحس بالقديحم‪ .‬وهحي‬
‫كأحسن ما أنت راء من الصوامع‪ ،‬حسن منظر واعتدالً وارتفاعاً‪ ،‬ل ميل فيها ول‬
‫زيححغ‪ .‬صححعدت إليهححا مرة‪ ،‬ومعححي جماعححة مححن الناس‪ ،‬فأخححذ بعححض مححن كان معححي‬

‫بجوانب جامورها وهزوها فاهتزت‪ ،‬حتى أشرت إليهم أن يكفوا فكفوا عن هزها‪.‬‬
‫ذكر المشاهدة المباركة بالبصرة‬

‫فمنهحا مشهحد طلححة بحن عبحد ال أححد العشرة رضحي ال عنهحم‪ ،‬وهحو بداخحل المدينحة‬
‫وعليحه قبحة وجامحع وزاويحة فيهحا الطعام للوارد والصحادر‪ .‬وأهحل البصحرة يعظمونحه‬
‫تعظيمًا شديداً وححق له‪ ،‬ومنهحا مشهحد الزبيحر بحن العوام حواري رسحول ال صحلى ال‬
‫عليحه وسحلم وابحن عمتحه رضحي ال عنهمحا‪ ،‬وهحو بخارج البصحرة‪ ،‬ول قبحة عليحه‪ ،‬وله‬
‫مسحجد وزاويحة فيهحا الطعام لبناء السحبيل‪ .‬ومنهحا قحبر حليمحة السحعدية أم رسحول ال‬
‫صحلى ال عليحه وسحلم محن الرضاعحة رضحي ال عنهحا‪ ،‬وإلى جانبهحا قحبر ابنهحا رضيحع‬
‫رسحول ال صحلى ال عليحه وسحلم‪ ،‬ومنهحا قحبر أبحي بكحر صحاحب رسحول ال صحلى ال‬
‫عليه وسلم‪ .‬وعليه قبة‪ ،‬وعلى ستة أميال منها بقرب وادي السباع قبر أنس بن مالك‬
‫خادم رسحول ال صحلى ال عليحه وسحلم‪ ،‬ول سحبيل لزيارتحه إل فحي جمحع كثيحف لكثرة‬
‫السحباع وعدم العمران‪ ،‬ومنهحا قحبر الحسحن ابحن أبحي الحسحن البصحري سحيد التابعيحن‬
‫رضحي ال عنحه‪ ،‬وقحبر عتبحة الغلم رضحي ال عنحه‪ ،‬وقحبر مالك ابحن دينار رضحي ال‬
‫عنحه‪ ،‬وقحبر ححبيب العجمحي رضحي ال عنحه‪ ،‬وقحبر سحهل بحن عبحد ال التسحتري رضحي‬
‫ال عنحه‪ .‬وعلى كحل قحبر منهحا قبحة مكتوب فيهحا اسحم صحاحب القحبر ووفاتحه‪ .‬وذلك كله‬
‫داخحل السحور القديحم‪ .‬وهحي اليوم بينهحا وبيحن البلد نححو ثلثحة أميال‪ .‬وبهحا سحوى ذلك‬
‫قبور الجححم الغفيححر مححن الصحححابة والتابعيححن والمسححتشهدين يوم الجمححل‪ .‬وكان أميححر‬
‫البصرة حتى ورودي عليها يسمى بركن الدين العجمي التوريزي‪ ،‬أضافني فأحسن‬

‫إلي‪ .‬والبصحرة على سحاحل الفرات والدجلة‪ ،‬وبهحا المحد والجزر‪ ،‬كمثحل محا هحو بوادي‬
‫سحل‪ ،‬محن بلد المغرب‪ ،‬وسحواه‪ ،‬والخليحج المالح الخارج محن بححر فارس على عشرة‬
‫أميال منهحا‪ .‬فإذا كان المحد غلب الماء المالح على العذب‪ ،‬وإذا كان الجزر غلب الماء‬
‫الحلو على الماء المالح‪ ،‬فيسحتسقي أهحل البصحرة ماءً غيحر جيحد لدورهحم‪ .‬ولذلك يقال‪:‬‬
‫إن ماءهحم زعاق‪ .‬قال ابحن جزي‪ ،‬وبسحبب ذلك كان هواء البصحرة غيحر جيحد‪ ،‬وألوان‬
‫أهلهحا مصحفرة كاسحفة‪ ،‬حتحى ضرب بهحم المثحل‪ .‬وقال بعحض الشعراء وقحد أحضرت‬
‫بين يدي الصاحب أترجة‪:‬‬
‫معبراً عن حال ذي عبحره‬
‫للحه أتحرج غحدا بحينحنحا‬
‫لما كسى ال ثياب الضحنحا أهل الهوى وساكني البصره‬

‫ثحم ركبت من ساحل البصرة في صنبوق‪ ،‬وهو القارب الصغير إلى البلة‪ .‬وبينها‬
‫وبيحن البصحرة عشرة أميال‪ ،‬فحي بسحاتين متصحلة ونخيحل مظلة عحن اليميحن واليسحار‪.‬‬
‫والبياعحة فحي ظلل الشجار يحبيعون الخبحز والسحمك والتمحر واللبحن والفواكحه‪ .‬وفيمحا‬
‫بين البصرة والبلة متعبد سهل بن عبد ال التستري‪ .‬فإذا حاذاه الناس بالسفن تراهم‬
‫يشربون الماء مما يحاذيه من الوادي‪ ،‬ويدعون عند ذلك تبركاً بهذا الولي رضي ال‬
‫عنححه‪ .‬والنواتيححة يحرفون فححي هذا البلد‪ ،‬وهححم قيام‪ .‬وكانححت البلة مدينححة عظيمححة‬
‫يقصدها تجار الهند وفارس فخربت‪ .‬وهي الن قرية بها آثار قصور وغيرها‪ ،‬دالة‬
‫على عظمهحا‪ :‬ثم ركبنحا فحي الخليج الخارج من بححر فارس فحي مركب صحغير لرجحل‬
‫من أهل البلة يسمى بمغامس‪ ،‬وذلك فيما بعد المغرب‪ ،‬فصبحنا عبادان‪ ،‬وهي قرية‬
‫كبيرة في سبخة‪ ،‬ل عمارة بها‪ ،‬وفيها مساجد كثيرة ومتعبدات ورباطات للصالحين‪.‬‬

‫وبينهحا وبيحن السحاحل ثلثحة أميال‪ .‬قال ابحن جزي‪ :‬عبادان كانحت بلداً فيمحا تقدم‪ ،‬وهحي‬
‫مجدبحة ل زرع بهحا‪ ،‬وإنمحا يجلب إليهحا‪ ،‬والماء أيضاً بهحا قليحل‪ .‬وقحد قال فيهحا بعحض‬
‫الشعراء‪:‬‬
‫حللت عبادان أقصى الثحرى‬
‫من مبلغ أنحدلحسحاً أنحنحي‬
‫أوحش ما أبصرت لكحنحنحيي قصدت فيها ذكرها في الورى‬
‫وشربة الماء بها تحشحتحرى‬
‫الخبحز فحيهحا يتحهحادونحه‬

‫وعلى ساحل البحر منها رابطة‪ ،‬تعرف بالنسبة إلى الخضر وإلياس عليهما السلم‪.‬‬
‫وبإزائهححا زاويححة يسححكنها أربعححة مححن الفقراء بأولدهححم يخدمون الرابطححة والزاويححة‪،‬‬
‫ويتعيشون محن فتوحات الناس وكحل محن يمحر بهحم يتصحدق عليهحم‪ .‬وذكحر لي أهحل هذه‬
‫الزاويحة‪ ،‬أن بعبادان عابداً كحبير القدر ول أنيحس له‪ ،‬يأتحي هذا البححر مرة فحي الشهحر‪،‬‬
‫فيصطاد فيه ما يقوته شهراً‪ ،‬ثم ليرى إل بعد تمام شهر‪ .‬وهو على ذلك منذ أعوام‪.‬‬
‫فلمحا وصحلنا عبادان لم يكحن لي شأن إل طلبحه‪ ،‬فاشتغحل محن كان معحي بالصحلة فحي‬
‫المسححاجد والمتعبدات‪ ،‬وانطلقححت طالباً له‪ .‬فجئت مسححجداً خربًا فوجدتححه يصححلي فيححه‪،‬‬
‫فجلست في جانبه‪ ،‬فأوجز في صلته‪ .‬ولما سلم أخذ بيدي وقال لي‪ :‬بلغك ال مرادك‬
‫في الدنيا والخرة‪ ،‬فقد بلغت بحمد ال مرادي في الدنيا‪ ،‬وهو السياحة في الرض‪،‬‬
‫وبلغحت محن ذلك محا لم يبلغحه غيري فيمحا أعلمحه‪ ،‬وبقيحت الخرى‪ .‬والرجاء قوي فحي‬
‫رحمحة ال وتجاوزه وبلوغ المراد محن دخول الجنحة‪ .‬ولمحا أتيحت أصححابي أخحبرتهم‬
‫خححبر الرجححل وأعلمتهححم بموضعححه‪ ،‬فذهبوا إليححه فلم يجدوه‪ ،‬ول وقعوا له على خححبر‪.‬‬
‫فعجبوا محن شأنحه‪ ،‬وعدنحا بالعشحي إلى الزاويحة فبتنحا بهحا‪ ،‬ودخحل علينحا أححد الفقراء‬

‫الربعحة بعحد صحلة العشاء الخرة‪ .‬ومحن عادة ذلك الفقيحر أن يأتحي عبادان كحل ليلة‬
‫فيسحرج السحرج بمسحاجدها‪ ،‬ثحم يعود إلى زاويتحه‪ .‬فلمحا وصحل إلى عبادان وجحد الرجحل‬
‫العابد فأعطاه سمكة طرية وقال له‪ :‬أوصل هذه إلى الضيف الذي قدم اليوم‪ .‬فقال لنا‬
‫الفقير عند دخوله علينا‪ :‬من رأى منكم الشيخ اليوم ? فقلت له‪ :‬أنا رأيته‪ .‬فقال‪ :‬يقول‬
‫لك هذه ضيافتحك‪ .‬فشكرت ال على ذلك‪ ،‬وطبحخ لنحا الفقيحر تلك السحمكة‪ ،‬فأكلنحا منهحا‬
‫أجمعون‪ ،‬ومحا أكلت قحط سحمكاً أطيحب منهحا‪ .‬وهجحس فحي خاطري القامحة بقيحة العمحر‬
‫فحي خدمحة ذلك الشيحخ‪ ،‬ثحم صحرفتني النفحس اللجوج عحن ذلك‪ ،‬ثحم ركبنحا البححر عنحد‬
‫الصبح بقصد بلدة ماجول‪ .‬ومن عادتي في سفري أن ل أعود على طريق سلكتها ما‬
‫أمكنني ذلك‪ .‬وكنت أحب قصد بغداد العراق‪ ،‬فأشار علي بعض أهل البصرة بالسفر‬
‫إلى أرض اللور‪ ،‬ثحححم إلى عراق العجحححم‪ ،‬ثحححم إلى عراق العرب‪ .‬فعملت بمقتضحححى‬
‫إشارته‪ ،‬ووصلنا بعد أربعة ايام إلى بلدة ماجول‪ ،‬على وزن فاعول وجيمها معقودة‪،‬‬
‫وهحي صحغيرة على سحاحل الخليحج الذي ذكرنحا أنحه يخرج محن بححر فارس‪ ،‬وأرضهحا‬
‫سبخة ل شجر فيها ول نبات‪ ،‬ولها سوق عظيمة من أكبر السواق‪ .‬وأقمت بها يوماً‬
‫واحداً‪ ،‬ثحم اكتريحت دابحة لركوبحي محن الذيحن يجلبون الحبوب محن رامحز إلى ماجول‪،‬‬
‫وسحرنا ثلثًا فحي صححراء يسحكنها الكراد فحي بيوت الشعحر‪ .‬ويقال‪ :‬إن اصحلهم محن‬
‫العرب‪ ،‬ثححم وصححلنا إلى مدينححة رامححز‪ ،‬وأول حروفهححا " راء وآخرهححا زاي وميمهححا‬
‫مكسورة "‪ ،‬وهي مدينة حسنة ذات فواكه وأنهار نزلنا بها عند القاضي حسام الدين‬
‫محمود‪ ،‬ولقيت عنده رجلً من أهل العلم والدين والورع‪ ،‬هندي ألصل‪ ،‬يدعى بهاء‬

‫الدين‪ ،‬ويسمى إسماعيل‪ ،‬وهو من أولد الشيخ بهاء الدين أبي زكريا الملتاني‪ ،‬وقرأ‬
‫على مشايخ توريز وغيرها‪ .‬وأقمت بمدينة رامز ليلة واحدة‪ ،‬ثم رحلنا منها ثلثاً في‬
‫بسيط فيه قرى يسكنها الكراد‪ .‬وفي كل مرحلة منها زاوية فيها للوارد الخبز واللحم‬
‫والحلواء‪ ،‬وحلواؤهحححححححم محححححححن رب العنحححححححب مخلوط بالدقيحححححححق والسحححححححمن‪.‬‬
‫وفحي كحل زاويحة الشيحخ والمام والمؤذنون والخادم للفقراء والعبيحد يطبخون الطعام‪.‬‬
‫ثم وصلت مدينة تستر‪ ،‬وهي آخر البسيط من بلد أتابك‪ ،‬وأول الجبال مدينة كبيرة‬
‫رائقححة نضرة‪ ،‬وبهححا البسححاتين الشريفححة والرياض المنيفححة‪ ،‬ولهححا المحاسححن البارعححة‬
‫والسحواق الجامعحة‪ ،‬وهحي قديمحة البناء افتتحهحا خالد بحن الوليحد‪ .‬ووالي هذه المدينحة‬
‫ينسحب إلى سحهل بحن عبحد ال ويحيحط بهحا النهحر المعروف بالزرق‪ ،‬وهحو عجيحب فحي‬
‫نهاية من الصفاء شديد البرودة في أيام الحر‪ ،‬ولم أر كزرقته إل نهر بلخشان‪ .‬ولها‬
‫باب واححد للمسحافرين يسحمى دراوزة دسحبول‪ ،‬والدراوزة عندهحم الباب‪ .‬ولهحا أبواب‬
‫غيحر شارعححة إلى النهححر‪ .‬وعلى جانحبي النهححر البسححاتين والدواليححب‪ .‬والنهححر عميححق‪،‬‬
‫وعلى باب المسحافرين منحه جسحر على القوارب كجسحر بغداد واحلة‪ .‬قال ابحن جزي‪:‬‬
‫وفي هذا النهر يقول بعضهم‪:‬‬
‫أنظر لشاذروان تستر واعجب من جمعه ماءً لري بحلده‬
‫فغدا يفرقه علحى أجحنحاده‬
‫ككمي قومٍ جمعت أمحوالحه‬

‫والفواكه بتستر كثيرة‪ ،‬والخيرات متيسرة‪ ،‬ول مثل لسواقها في الحسن وبخارجها‬
‫تربة معظمة يقصدها أهل تلك القطار للزيارة‪ ،‬وينذرون لها النذور‪ .‬ولها زاوية بها‬

‫جماعة من الفقراء‪ .‬وهم يزعمون أنها تربة زين العابدين علي بن الحسين بن علي‬
‫بن أبي طالب‪ ،‬وكان نزولي في مدينة تستر في مدرسة الشيخ المام الصالح المتفنن‬
‫شرف الديحن موسحى ابحن الشيحخ الصحالح المام العالم صحدر الديحن سحليمان‪ ،‬وهحو محن‬
‫ذريححة سححهل بححن عبححد ال‪ .‬وهذا الشيححخ ذو مكارم وفضائل‪ ،‬جامححع بيححن العلم والديححن‬
‫والصححلح واليثار‪ ،‬وله مدرسححة وزاويححة‪ ،‬وخدامهححا فتيان‪ ،‬له أربعححة أولد‪ :‬سححنبل‬
‫وكافور وجوهححر وسححرور أحدهححم موكححل بأوقاف الزاويححة‪ ،‬والثانححي متصححرف فيمححا‬
‫يحتاج إليه من النفقات في كل يوم‪ ،‬والثالث خديم السماط بين أيدي الواردين ومرتب‬
‫الطعام لهم‪ ،‬والرابع موكل بالطباخين والسقائين والفراشين‪ .‬فأقمت عنده ستة عشر‬
‫يوماً‪ ،‬فلم أر أعجب من ترتيبه‪ ،‬ول أرغد من طعامه‪ .‬يقدم بين يدي الرجل ما يكفي‬
‫الربعححة مححن الرز المفلفححل المطبوخ فححي السححمن والدجاج المقلي والخبححز واللحححم‬
‫والحلواء‪ .‬وهذا الشيخ من أحسن الناس صورة وأقومهم سيرة‪ ،‬وهو يعظ الناس بعد‬
‫صحلة الجمعحة بالمسحجد الجامحع‪ .‬ولمحا شاهدت مجالسحه فحي الواعحظ صحغر لدي كحل‬
‫واعححححححظ رأيتححححححه قبله بالحجاز والشام ومصححححححر‪ ،‬ولم ألق فيمححححححن لقيتححححححه مثله‪.‬‬
‫حضرت يوماً عنده ببسحححتان له على شاطحححئ النهحححر‪ ،‬وقحححد اجتمحححع فقهاء المدينحححة‬
‫وكبراؤها‪ ،‬وأتى الفقهاء من كل ناحية‪ ،‬فأطعم الجميع‪ ،‬ثم صلى بهم صلة الظهر‪،‬‬
‫وقام خطيباً وواعظاً‪ ،‬بعحد أن قرأ القراء أمامحه بالتلحيحن المبكيحة والنغامحت المحركحة‬
‫المهيجة‪ ،‬وخطب خطبة بسكينة ووقار‪ ،‬وتصرف في فنون العلم من تفسير كتاب ال‬
‫وإيراد حديث رسول ال والتكلم على معانيه‪ ،‬ثم ترامت عليه الرقاع من كل ناحية‪.‬‬

‫ومحن عادة العاجحم أن يكتبوا المسحائل فحي رقاع‪ ،‬ويرموا بهحا إلى الواعحظ‪ ،‬فيجيحب‬
‫عنها‪ .‬فلما رمي إليه بتلك الرقاع جمعها في يده‪ ،‬وأخذ يجيب عنها واحدة بعد واحدة‬
‫بأبدع جواب وأحسححنه‪ .‬وحان وقححت صححلة العصححر فصححلى بالقوم وانصححرفوا‪ .‬وكان‬
‫مجلسه مجلس علم ووعظ وبركة وتبادر التائبون فأخذ عليهم العهد وجز نواصيهم‪،‬‬
‫وكانوا خمسحة عشحر رجلً محن الطلبحة قدموا محن البصحرة برسحم ذلك‪ ،‬وعشرة رجال‬
‫محححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححن عوام تسحححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححتر‪.‬‬
‫حكايحة لمحا دخلت هذه المدينحة أصحابني مرض الحمحى‪ ،‬وهذه البلد يححم داخلهحا فحي‬
‫زمان الحححر‪ ،‬كمححا يعرض فححي دمشححق وسححواها مححن البلد كثيرة المياه والفواكححه‪.‬‬
‫وأصححابت الحمححى أصحححابي أيضاً‪ .‬فمات منهححم شيححخ اسححمه يحيححى الخراسححاني‪ ،‬وقام‬
‫الشيخ بتجهيزه من كل ما يحتاج إليه الميت‪ ،‬وصلى عليه‪ .‬وتركت بها صاحباً يدعي‬
‫بهاء الدين الخشني‪ ،‬فمات بعد سفري‪ .‬وكنت حين مرضي ل أشتهي الطعمة التي‬
‫تصنع لي بمدرسته‪ ،‬فذكر لي الفقيه شمس الدين السندي من طلبتها طعاماً فاشتهيته‪،‬‬
‫ودفعحت له دراهحم وطبحخ لي ذلك الطعام بالسحوق وأتحى بحه إلي فأكلت منحه‪ .‬وبلغ ذلك‬
‫الشيحخ فشحق عليحه‪ ،‬وأتحى إلي وقال لي‪ :‬كيحف تفعحل هذا وتطبحخ الطعام فحي السحوق ?‬
‫وهل أمرت الخدم أن يصنعوا لك ما تشتهيه‪ .‬ثم أحضر جميعهم وقال لهم‪ :‬جميع ما‬
‫يطلب منكحم محن أنواع الطعام والسحكر وغيره فأتوه بحه‪ ،‬واطبخوا له محا يشاء‪ .‬وأكحد‬
‫عليهححححححححححححححححم فححححححححححححححححي ذلك أشححححححححححححححححد التأكيححححححححححححححححد‪ ،‬جزاه ال خيراً‪.‬‬
‫ثم سافرنا من مدينة تستر ثلثاً في جبال شامخة‪ .‬وبكل منزل زاوية‪ ،‬كما تقدم ذكر‬

‫ذلك‪ .‬ووصحلنا إلى مدينحة إيذج " وضبحط اسحمها بكسحر الهمزة وياء محد وذال معجحم‬
‫مفتوح وجيححم "‪ ،‬وتسححمى أيضاً مال الميححر‪ ،‬وهححي حضرة السححلطان أتابححك‪ .‬وعنححد‬
‫وصولي إليها اجتمعت بشيخ شيوخ العالم الورع نور الدين الكرماني‪ ،‬وله النظر في‬
‫كحل الزوايحا‪ ،‬وهحي يسحمونها المدرسحة‪ .‬والسحلطان يعظمحه وبقصحد زيارتحه‪ ،‬وكذلك‬
‫أرباب الدولة وكبراء الحضرة‪ ،‬يزورونه غدواً وعشياً‪ ،‬فأكرمني وأضافني وأنزلني‬
‫زاويحة تعرف باسحم الدينوري‪ ،‬وأقمحت بهحا أياماً‪ ،‬وكان وصحولي فحي أيام القيحظ‪ ،‬وكنحا‬
‫نصحلي صحلة الليحل‪ ،‬ثحم ننام بأعلى سحطحها‪ ،‬ثحم ننزل إلى الزاويحة ضحوة‪ .‬وكان فحي‬
‫صحححبتي اثنححا عشححر فقيراً‪ ،‬منهححم إمام وقارئان مجيدان وخادم‪ ،‬ونحححن على أحسححن‬
‫ترتيب‪.‬‬
‫ذكر ملك إيذج وتستر‬

‫وملك إيذج فحي عهحد دخولي إليهحا السحلطان أتابحك افراسحياب بحن السحلطان أتابحك أحمحد‬
‫وأتابك عندهم سمة لجميع من يلي تلك البلد من ملك‪ .‬وهي تسمى بلد اللور‪ .‬وولي‬
‫هذا السححلطان بعححد أخيححه أتابححك يوسححف‪ ،‬وولي يوسححف بعححد أبيححه أحمححد‪ ،‬وكان احمححد‬
‫المذكور ملكاً صححالحاً‪ ،‬سححمعت مححن الثقات ببلده أنححه عمححر أربعمائة وسححتين زاويححة‬
‫ببلده‪ ،‬منهححا بحضرة إيذج أربححع وأربعون‪ ،‬وقسححم الخراج أثلثاً‪ :‬ثلث لنفقححة الزوايححا‬
‫والمدارس‪ ،‬وثلث لمراتب العسكر‪ ،‬وثلث لنفقته ونفقة عياله وعبيده وخدامه‪ ،‬ويبعث‬
‫منحه هديحة لملك العراق فحي كحل سحنة‪ ،‬وربمحا وفحد عليحه بنفسحه‪ ،‬وشاهدت محن أثاره‬

‫الصححالحة ببلده أن أكثرهححا فححي جبال شامخححة‪ ،‬وقححد نحتححت الطرق فححي الصححخور‪،‬‬
‫وسويت ووسعت‪ ،‬بحيث تصعدها الدواب بأحمالها‪ .‬وطول هذه الجبال مسيرة سبعة‬
‫عشححر فححي عرض عشرة‪ ،‬وهححي شاهقححة متصححل بعضهححا ببعححض‪ ،‬تشقهححا النهار‪،‬‬
‫وشجرها البلوط‪ ،‬وهم يصنعون من دقيقه الخبز‪ ،‬وفي كل منزل من منازلها زاوية‬
‫يسحمونها المدرسحة‪ ،‬فإذا وصحل المسحافر إلى مدرسحة منهحا أتحي بمحا يكفيحه محن الطعام‬
‫والعلف لدابتحه سحواء طلب ذلك أو لم يطلبحه فإن عادتهحم أن يأتحي خادم المدرسحة فيعحد‬
‫محن نزل بهحا محن الناس‪ ،‬ويعطحي كحل واححد منهحم قرصحين محن الخبحز ولحماً وحلواء‪،‬‬
‫وجميعحم محن أوقاف السحلطان عليهحا‪ .‬وكان السحلطان أتابحك أحمحد زاهداً صحالحاً كمحا‬
‫ذكرناه‪ ،‬يلبس تحت ثيابه مما يلي جسده ثوب شعر‪.‬‬
‫حكاية‬

‫قدم السحلطان أتابحك أحمحد مرة على ملك العراق أبحي سحعيد‪ ،‬فقال له بعحض خواصحه‬
‫إن أتابك أحمد يدخل عليك وعليه الدرع‪ ،‬وظن ثوب الشعر الذي تحت ثيابه درعاً‪،‬‬
‫فأمره بإختبار ذلك على جهه من النبساط ليعرف حقيقته‪ ،‬فدخل عليه يوماً فقام إليه‬
‫المير الجوبان عظيم المراء العراق‪ ،‬والمير سويته أمير ديار بكر‪ ،‬والشيخ حسن‬
‫الذي هو الن سلطان العراق‪ ،‬وأمسوكوا بثيابه كأنهم يمازحونه‪ ،‬فوجدوا تحت ثيابه‬
‫ثوب الشعحر‪ ،‬ورآه السلطان أبو سعيد وقام إليه وعانقه وأجلسحه إلى جواره وقال له‪:‬‬
‫سححن أطححا بالتركيححة‪ ،‬ومعناه أنححت أبححي‪ ،‬وعوضححه عححن هديتححه بأضعافهححا‪ ،‬وكتححب له‬
‫اليرليغ‪ ،‬وهو الظهير‪ ،‬أن ل يطالبه بهدية بعدها هو ول أولده وفي تلك السنة توفي‬

‫وولي ابنحه أتابحك يوسحف عشرة أعوام‪ ،‬ثحم ولي أخوه افراسحياب‪ .‬ولمحا دخلت مدينحة‬
‫إيذج أردت رؤيحة افراسحياب المذكور فلم يتأت لي ذلك‪ ،‬بسحبب أنحه ل يخرج إلى يوم‬
‫الجمعحة لدمانحه على الخمحر وكان له ابحن هحو ولي عهده‪ ،‬وليحس له سحواه فمرض فحي‬
‫تلك اليام‪ ،‬وفي إحدى الليالي أتاني أحد خدامه‪ ،‬وسألني عن حالي فعرفته‪ ،‬وذهب‪،‬‬
‫ثححم جاء بعححد صححلة المغرب‪ ،‬ومعححه طيفوران كححبيران‪ :‬أحدهمححا بالطعام والخححر‬
‫بالفاكهحة‪ ،‬وخريطحة فيهحا دراهحم‪ ،‬ومعهحم أهحل السحماع بآلتهحم‪ ،‬وقال‪ :‬اعملوا السحماع‬
‫حتى يهزج الفقراء‪ ،‬ويدعون لبن السلطان فقلت له‪ :‬إن اصحابي ل يدرون بالسماع‬
‫ول بالرقححص‪ ،‬ودعونححا للسححلطان ولولده وقسححمت الدراهححم على الفقراء‪ .‬ولمححا كان‬
‫نصف الليل سمعنا الصراخ‪ ،‬وقد مات المريض المذكور وفحي الغد دخحل علي شيخ‬
‫الزاويحححة وأهحححل البلد وقالوا‪ :‬إن كحححبراء المدينحححة محححن القضاة والفقهاء والشراف‬
‫والمراء قد ذهبوا إلى دار السلطان للعزاء‪ ،‬فينبغي لك أن تذهب في جملتهم فأبيت‪،‬‬
‫فعزموا علي‪ ،‬فلم يكحححن لي بحححد محححن المسحححير‪ ،‬وسحححرت معهحححم‪ ،‬فوجدت مشوار دار‬
‫السحلطان ممتلئاً رجالً وصحبياناً محن المماليحك‪ ،‬وأبناء الملوك والوزراء والجناد قحد‬
‫لبسوا التلبيس‪ ،‬وجلل الدواب‪ ،‬وجعلوا فوق رؤوسهم التراب والتبن‪ ،‬وبعضهم قد‬
‫جز ناصيته وانقسموا فرقتين فرقة بأعلى المشور‪ ،‬وفرقة بأسفله وتزحف كل فرقة‬
‫إلى الخرى‪ ،‬وهححم ضاربون بأيديهححم على صححدورهم قائليححن خونححد كارمححا‪ ،‬ومعنححا‬
‫مولي أنا‪ ،‬فرأيت من ذلك أمراً هائلً ومنظراً فظيعاً لم أعهد مثله‪.‬‬

‫?حكاية‬

‫ومحن غريحب محا اتفحق لي يومئذ أنحي دخلت فرأيحت القضاة والخطباء والشرفاء‪ ،‬قحد‬
‫استندوا إلى حيطان المشور‪ ،‬وهو غاص بهم من جميع جهاته‪ ،‬وهم بين باكٍ ومتباكٍ‬
‫ومطرق‪ ،‬وقحد لبسحوا فوق ثيابهحم ثياباً خامحة محن غليحظ القطحن غيحر محكمحة الخياطحة‬
‫بطائنها إلى أعلى ووجوهها مما يلي أجسادهم‪ ،‬وعلى رأس كل واحد منهم خرقة أو‬
‫مئزر أسحود‪ ،‬وهكذا يكون فعلهحم إلى تمام أربعيحن يوماً وهحي نهايحة الحزن عندهحم‪،‬‬
‫وبعدهحححححححا يبعحححححححث السحححححححلطان لكحححححححل محححححححن فعحححححححل ذلك كسحححححححوة كاملة‪.‬‬

‫فلمحححححا رأيحححححت جهات المشور غاصححححة بالناس نظرت يميناً وشمالً‪ ،‬أرتاد موضعاً‬
‫لجلوسحي فرأيحت هنالك سحقيفة مرتفعحة محن الرض بمقدار شحبر‪ ،‬وفحي إحدى زواياهحا‬
‫رجحل منفرد عحن الناس قاعحد‪ ،‬عليحه ثوب صحوف مثحل اللبحد يلبسحه بتلك البلد ضعفاء‬
‫الناس أيام المطر والثلج وفي السفار‪ ،‬فتقدمت منه‪ ،‬وانقطع عني أصحابي لما رأوا‬
‫إقدامي نحوه‪ ،‬وعجبوا مني وأنا ل علم لي بشيء من حاله فصعدت السقيفة وسلمت‬
‫على الرجحل‪ ،‬فرد علي السحلم‪ ،‬وارتفحع عحن الرض كأنحه يريحد القيام‪ ،‬وهحم يسحمون‬
‫ذلك نصحف القيام وقعدت فحي الركحن المقابحل له‪ ،‬ثحم نظرت إلى الناس‪ ،‬وقحد رمونحي‬
‫بأبصحارهم جميعًا فعجبحت منهحم‪ ،‬ورأيحت الفقهاء والمشايحخ وألشراف مسحتندين إلى‬
‫الحائط تححت السحقيفة‪ ،‬وأشار إلي أححد القضاة أن أنححط إلى جانبحه فلم أفعحل‪ ،‬وحينئذ‬
‫اسحتشعرت أنحه السحلطان فلمحا كان بعحد سحاعة أتحى شيحخ المشايحخ نور الديحن الكرمانحي‬

‫الذي ذكرناه قبحل‪ ،‬فصحعد إلى السحقيفة وسحلم على الرجحل فقام إليحه وجلس فيمحا بينحي‬
‫وبينحححححححححححححححححححه‪ ،‬فحيئذ علمحححححححححححححححححححت أنحححححححححححححححححححه السحححححححححححححححححححلطان‪.‬‬
‫ثحم جيحء بالجنازة‪ ،‬وهحي بيحن أشجار الترج والليمون وقحد ملوا أغصحانها بثمارهحا‪،‬‬
‫وهي بأيدي الرجال فأكان الجنازة تمشي في بستان‪ ،‬والمشاعل في رماح طوال بين‬
‫يديهححا‪ ،‬والشمححع كذلك‪ ،‬فصححلى عليهححا‪ ،‬وذهححب الناس معهححا إلى مدفححن الملوك‪ ،‬وهححو‬
‫بموضحع يقال له‪ :‬هل فيجان‪ ،‬على اربعحة أميال محن المدينحة‪ ،‬وهنالك مدرسحة عظيمحة‬
‫يشقهحا نهحر‪ ،‬وبداخلهحا مسحجد تقام فيحه الجمعحة وبخارجهحا حمام‪ ،‬ويححف بهحا بسحتان‬
‫عظيحم وبهحا الطعام للوارد والصحادر‪ ،‬ولم أسحتطع أن أذهحب معهحم إلى المدفحن لبعحد‬
‫الموضحححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححع فعدت إلى المدرسحححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححة‪.‬‬
‫فلمحا كان بعد ايام بعث إلي السلطان رسوله الذي أتاني بالضيافحة اولً يدعوني إليحه‪،‬‬
‫فذهبحت معحه إلى باب يعرف بباب السحر‪ ،‬وصحعدنا فحي درج كثيرة إلى أن انتهينحا إلى‬
‫موضع ل فرش به‪ ،‬لجل ما هم فيه من الحزن‪ ،‬والسلطان جالس فوق مخدة‪ ،‬وبين‬
‫يديحه آنيتان قحد غطيتحا‪ ،‬إحداهمحا محن الذهحب وألخرى محن الفضحة‪ ،‬وكانحت بالمجلس‬
‫سحجادة خضراء‪ ،‬ففرشحت لي بالقرب منحه‪ ،‬وقعدت عليهحا وليحس بالمجلس إل حاجبحه‬
‫الفقيححه محمود‪ ،‬ونديححم له ل أعرف اسححمه فسححألني عححن حالي وبلدي‪ ،‬وسححألني عححن‬
‫الملك الناصر‪ ،‬وبلد الحجاز‪ ،‬فأجبته عن ذلك‪ ،‬ثم جاء فقيه كبير‪ ،‬وهو رئيس فقهاء‬
‫تلك البلد‪ ،‬فقال لي السححلطان‪ ،‬هذا مولنحا فضيححل‪ ،‬والفقيححه ببلد العاجححم كلهححا إنمحا‬
‫يخاطب بمولنا وبذلك يدعوه السلطان وسواه‪ ،‬ثم أخذ في الثناء على الفقيه المذكور‪،‬‬

‫وظهحر لي أن السحكر غالب عليحه‪ ،‬وكنحت قحد عرفحت إدمانحه على الخمحر‪ ،‬ثحم قال لي‬
‫باللسحان العربحي‪ ،‬وكان يحسحنه تكلم فقلت له‪ :‬إن كنحت تسحمع منحي أقول لك‪ :‬أنحت محن‬
‫أولد السححلطان أتابححك احمححد المشهور بالزهححد والصححلح‪ ،‬وليححس فيححك مححا يقدح فححي‬
‫سحححلطنتك غيحححر هذا‪ ،‬وأشرت إلى النيتيحححن فخجحححل محححن كلمحححي وسحححكت‪ ،‬وأردت‬
‫النصححراف‪ ،‬فأمرنححي بالجلوس‪ ،‬وقال لي‪ :‬الجتماع مححع أمثالك رحمححة‪ ،‬ثححم رأيتححه‬
‫يتمايححل ويريححد النوم‪ ،‬فانصححرفت وكنححت تركححت نعلي بالباب فلم أجده‪ ،‬فنزل الفقيححه‬
‫محمود فحي طلبحه‪ ،‬وصحعد الفقيحه فضحل يطلبحه فحي داخحل المجلس‪ ،‬فوجده فحي طاق‬
‫هنالك فأتحى بحه فأخجلنحي بره واعتذرت إليحه‪ ،‬فقبحل نعلي ووضعحه على رأسحه وقال‬
‫لي‪ :‬بارك ال فيحك هذا الذي قلتحه لسحلطاننا ل يقدر أححد أن يقوله له غيرك‪ ،‬وال أنحي‬
‫لرجححححححححححححححححححححححححححححححو أن يؤثححححححححححححححححححححححححححححححر ذلك فيححححححححححححححححححححححححححححححه‪.‬‬
‫ثححم كان رحيلي مححن حضرة إيذج بعححد ايام‪ ،‬فنزلت بمدرسححة السححلطين التححي بهححا‬
‫قبورهم‪ ،‬وأقمت بها أياماً‪ ،‬وبعث إلي السلطان بجملة دنانير‪ ،‬وبعث بمثلها لصحابي‬
‫وسححافرنا فححي بلد هذا السححلطان عشرة ايام فححي جبال شامخححة‪ ،‬وفححي كححل ليلة تنزل‬
‫بمدرسة فيها الطعام‪ ،‬فمنها ما هو في العمارة‪ ،‬ومنها ما ل عمارة حوله ولكن يجلب‬
‫إليهحا جميحع محا تحتاج إليحه‪ .‬وفحي اليوم العاشحر نزلنحا بمدرسحة تعرف بمدرسحة كريحو‬
‫الرخ‪ ،‬وهحي آخحر بلد الملك وسحافرنا منهحا فحي بسحيط محن الرض كثيحر المياه محن‬
‫عمالة مدينححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححة أصححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححفهان‪.‬‬

‫ثحم وصحلنا إلى بلدة أشتركان " وضبحط اسحمها بضحم الهمزة وإسحكان الشيحن المعجحم‬
‫وضححححم التاء المعلوة وإسححححكان الراء وآخره نون " وهححححي بلدة حسححححنة كثيرة المياه‬
‫والبساتين‪ ،‬ولها مسجد بديع يشقه النهر‪ .‬ثم رحلنا منها إلى مدينة فيروزان‪ ،‬واسمها‪:‬‬
‫كأنحه تثنيحة فيروز‪ ،‬وهحي مدينحة صحغيرة ذات أنهار وأشجار وبسحاتين وصحلناها بعحد‬
‫صححلة العصححر فرأينححا أهلهححا قححد خرجوا لتشييححع جنازة‪ ،‬وقححد أوقدوا خلفهححا وأمامهححا‬
‫المشاعل‪ ،‬وأتبعوها بالمزامير والمغنين بأنواع ألغاني المطربة‪ ،‬فعجبنا من شأنهم‪،‬‬
‫وبتنا بها ليلة‪ .‬ومررنا بالغد بقرية يقال لها نبلن‪ ،‬وهي كبيرة على نهر عظيم‪ ،‬وإلى‬
‫جانبه مسجد على النهاية من الحسن‪ ،‬تصعد إليه في درج‪ ،‬وتحفه البساتين‪ .‬وسرنا‬
‫يومنا فيما بين البساتين والمياه والقرى الحسان وأبراج الحمام‪ ،‬ووصلنا بعد العصر‬
‫إلى مدينححة أصححفهان مححن عراق العجححم " واسححمها بقال بالفاء الخالصححة ويقال بالفاء‬
‫المعقودة المفخمة "‪ ،‬ومدينة أصفهان من كبار المدن وحسانها إل أنها الن قد خرب‬
‫أكثرها بسحبب الفتنحة الي بين أهحل السحنة والروافحض‪ ،‬وهحي متصحلة بينهحم حتحى الن‪،‬‬
‫فل يزالون في قتال وبها الفواكحه الكثيرة‪ ،‬ومنهحا المشمحش الذي ل نظير له‪ ،‬يسحمونه‬
‫بقمحر الديحن‪ ،‬وهحم ييبسحونه ويدخرونحه‪ ،‬ونواه ينكسحر عحن لوز حلو‪ ،‬ومنهحا السحفرجل‬
‫الذي لمثيل له في طيب المطعم وعظم الجرم‪ ،‬والعناب الطيبة‪ ،‬والبطيخ العجيب‬
‫الشأن الذي ل مثيححل له فححي الدنيححا إل مححا كان مححن بطيححخ بخارى وخوارزم‪ ،‬وقشره‬
‫أخضر‪ ،‬وداخله أحمر ويدخر كما تدخر الشريحة بالمغرب‪ ،‬وله حلوة شديدة ومن‬
‫لم يكححن ألف أكله فإنححه أول أمره يسححهله وكذلك أتفححق لي مححا أكلتححه بأصححفهان وأهححل‬

‫أصححفهان حسححان الصححور وألوانهححم بيححض زاهرة‪ ،‬مشوبححة بالحمرة والغالب عليهححم‬
‫الشجاعة والنجدة‪ ،‬وفيهم كرم وتنافس عظيم فيما بينهم فحي الطعمة تؤثر عنهم فيه‬
‫أخبار غريبحة‪ ،‬وربمحا دعحا أحدهحم صحاحبه فيقول له‪ :‬اذهحب معحي لنأكحل نان وماس‪،‬‬
‫والنان بلسححانهم الخبححز والماس اللبححن فإذا ذهححب معححه أطعمححه أنواع الطعام العجيححب‬
‫مباهياً له بذلك وأهححل كححل صححناعة يقدمون على أنفسححهم كححبيراً منهححم يسححمونه الكلو‬
‫وكذلك كبار المدينة من غير أهل الصناعات وتكون الجماعة من الشبان العزاب‪،‬‬
‫وتفاخححر تلك الجماعات‪ ،‬ويضيححف بعضهححم بعضاً مظهريححن لمححا قدروا عليححه مححن‬
‫المكان‪ ،‬محتفليحن فحي الطعمحة وسحواها الحتفال العظيحم‪ ،‬ولقحد ذكحر لي أن طائفحة‬
‫منهححم أضافححت أخرى‪ ،‬فطبخوا طعامهححم بنار الشمححع ثححم أضافتهححا الخرى فطبخوا‬
‫طعامهم بالحرير‪ .‬وكان نزولي بأصفهان في زاوية تنسب للشيخ علي بن سهل تلميذ‬
‫الجنيحد‪ ،‬وهحي معظمحة بقصحدها أهحل تلك الفاق‪ ،‬ويتحبركون بزيارتهحا وفيهحا الطعام‬
‫للوارد والصححادر وبهححا حمام عجيححب مفروش بالرخام وحيطانححه بالقاشانححي وهححو‬
‫موقوف فحي السحبيل ل يلزم أحدًا فحي دخوله شيحء وشيحخ هذه الزاويحة الصحالح العابحد‬
‫الورع قطب الدين حسين ابن الشيخ الصالح ولي ال شمس الدين محمد بن محمود‬
‫ابححن علي المعروف بالرجاء‪ ،‬وأخوه العالم المفتححي شهاب الديححن أحمححد أقمححت عنححد‬
‫الشيحخ قطحب الديحن بهذه الزاويحة أربعحة عشحر يوماً‪ ،‬فرأيحت محن اجتهاده فحي العبادة‬
‫وحبه في الفقراء والمساكين وتواضعه لهم ما قضيت منه العجب وبالغ في إكرامي‬
‫وأحسحن ضيافتحي وكسحاني كسحوة حسحنة وسحاعة وصحولي الزاويحة بعحث إلي بالطعام‬

‫وبثلث بطيخات مححن البطيححخ الذي وصححفناه آنفاً‪ ،‬ولم أكححن رأيتححه قبححل ول أكلتححه‪.‬‬
‫كرامة لهذا الشيخ‪ :‬دخل علي يوماً بموضع نزولي من الزاوية‪ ،‬وكان ذلك الموضع‬
‫يشرف على بسححتان للشيححخ‪ ،‬وكانححت ثيابححه قححد غسححلت فححي ذلك اليوم‪ ،‬ونشرت فححي‬
‫البسححتان‪ ،‬ورأيححت فححي جملتهححا جبححة بيضاء مبطنححة‪ ،‬تدعححى عندهححم هزرميخححي‪،‬‬
‫فأعجبتني‪ ،‬وقلت في نفسي‪ :‬مثل هذه كنت أريد فلما دخل علي الشيخ نظر في ناحية‬
‫البسحتان‪ ،‬وقال لبعحض خدامحه‪ ،‬ائتنحي بذلك الثوب الهزرميخحي‪ ،‬فأتوا بحه فكسحاني إياه‬
‫فأهويت إلى قدميه أقبلهما‪ ،‬وطلبت منه أن يلبسني طاقية من رأسه ويجيزني في ذلك‬
‫بما أجازه والده عن شيوخه‪ ،‬فألبسني إياه في الرابع عشر لجمادى الخيرة سنة سبع‬
‫وعشرين وسبعمائة‪ ،‬بزاويته المذكورة‪ ،‬كما لبس من والده شمس الدين‪ ،‬ولبس والده‬
‫محن أبيحه تاج الديحن محمود‪ ،‬ولبحس محمود محن أبيحه شهاب الديحن علىالرجاء‪ ،‬ولبحس‬
‫علي محن المام شهاب الديحن أبحي حفحص عمحر بحن محمحد بحن عبحد ال السحهروردي‪،‬‬
‫ولبحس عمحر محن الشيحخ الكحبير ضياء الديحن أبحي النجيحب السحهروردي‪ ،‬ولبحس أبحو‬
‫النجيحب محن عمحه المام وحيحد الديحن عمحر‪ ،‬ولبحس عمحر محن والده محمحد ابحن عبحد ال‬
‫المعروف بعمويه‪ ،‬ولبس محمد من الشيخ أخي فرج الزنجاني‪ ،‬ولبس أخو فرج من‬
‫الشيحخ أحمحد الدينوري‪ ،‬ولبحس أحمحد محن المام ممشاد الدينوري‪ ،‬ولبحس ممشاد محن‬
‫الشيحخ المحقحق علي بحن سحهل الصحوفي‪ ،‬ولبحس علي بحن أبحي القاسحم الجنيحد‪ ،‬ولبحس‬
‫الجنيحد محن سحري السحقطي‪ ،‬ولبحس سحري السحقطي محن داود الطائي‪ ،‬ولبحس داود محن‬
‫الحسحن ابن أبحي الحسن البصري‪ ،‬ولبحس الحسن ابن أبي الحسحن البصحري من أمير‬

‫المؤمنيححن علي بححن أبححي طالب‪ .‬قال ابححن جزي‪ :‬هكذا أورد الشيححخ أبححو عبححد ال هذا‬
‫السند‪ ،‬والمعروف فيه أن سرياً السقطي صحب معروفاً الكرخي‪ ،‬وصحب معروف‬
‫داود الطائي‪ ،‬وكذلك داود الطائي بينححه وبيححن الحسححن حححبيب العجمححي‪ ،‬وأخوه فرج‬
‫الزنجانحي إنمحا المعروف أنحه صححب أبحا العباس النهاوندي‪ ،‬وصححب النهاوندي أبحا‬
‫عبحد ال بحن خفيحف‪ ،‬وصححب ابحن خفيحف أبحا محمحد وربمحا صححب روبحم أبحا القاسحم‬
‫الجنيححد وأمححا محمححد بححن عبححد ال عمويححه فهححو الذي صحححب الشيححخ أحمححد الدينوري‬
‫السود‪ ،‬وليس بينهما أحد وال أعلم والذي صحب أخا فرج الزنجاني هو عبد ال بن‬
‫ابححححححححححححن محمححححححححححححد بححححححححححححن عبححححححححححححد ال والد أبححححححححححححي النجيححححححححححححب‪.‬‬

‫ثم سافرنا من أصفهان بقصد زيارة الشيخ مجد الدين بشيراز وبينهما مسيرة عشرة‬
‫ايام فوصحلنا إلى بلدة كليحل‪ " ،‬وضبطهحا بفتحح الكاف وكسحر اللم وياء محد " وبينهحا‬
‫وبيحن أصحفهان مسحيرة ثلثحة وهحي بلدة صحغيرة ذات أنهار وبسحاتين وفواكحه‪ ،‬ورأيحت‬
‫التفاح يباع في سوقها خمسة عشر رطلً عراقياً بدرهم‪ ،‬ودرهمهم ثلث النقرة ونزلنا‬
‫منهحا بزاويحة عمرهحا كحبير هذه البلدة المعروف بخواجحه كافحي‪ ،‬وله مال عريحض قحد‬
‫اعانحه ال على إنفاقحه فحي سحبيل الخيرات من الصحدقة وعمارة الزوايحا وإطعام الطعام‬
‫لبناء السحبيل ثحم سحرنا محن كليحل يوميحن ووصحلنا إلى قريحة كحبيرة تعرف بصحوماء‪،‬‬
‫وبهحا زاوبحة فيهحا الطعام للوارد والصحادر عمرهحا خواجحة كافحي المذكور‪ ،‬ثحم سحرنا‬
‫منهحا إلى يزدخاص " وضبحط اسحمها بفتحح الياء آخحر الحروف واسحكان الزاي وضحم‬

‫الدال المهمحل وخاء معجحم والف وصحاد مهمحل "‪ ،‬بلدة صحغيرة متقنحة العمارة حسحنة‬
‫السحوق‪ :‬والمسحجد الجامحع بهحا عجيحب مبنحي بالحجارة مسحقف بهحا والبلدة على صحفة‬
‫خندق فيه بساتينها ومياهها‪ ،‬وبخارجها رباط ينزل به المسافرون‪ ،‬عليه باب حديد‪،‬‬
‫وهحو فحي النهايحة محن الحصحانة والمنعحة‪ ،‬وبداخله حوانيحت يباع فيهحا كحل محا يحتاجحه‬
‫المسحافرون‪ .‬وهذا الرباط عمره الميحر محمحد شاه ينجحو‪ ،‬والد السحلطان أبحي إسححاق‬
‫ملك شيراز‪ ،‬وفي يزدخاص يصنع الجبن اليزد خاصي‪ ،‬ول نظير له في طيبه وزن‬
‫الجبنحة منحه محن أوقيتيحن إلى أربحع‪ ،‬ثحم سحرنا منهحا على طريحق دشحت الروم‪ ،‬وهحي‬
‫صححراء يسحكنها التراك‪ .‬ثحم سحافرنا إلى ماييحن " واسحمها بياءيحن مسحفولتين أولهمحا‬
‫مكسححورة " وهححي بلدة صححغيرة كثيرة النهار والبسححاتين حسححنة السححواق‪ ،‬وأكثححر‬
‫أشجارها الجوز‪ .‬ثم سافرنا منها إلى مدينة شيراز‪ ،‬وهي مدينة أصلية البناء فسيحة‬
‫الرجاء شهيرة الذكر منيفة القدر‪ ،‬لها البساتين المونقة والنهار المتدفقة والسواق‬
‫البديعحة والشوارع الرفيعحة وهحي كثيرة العمارة متقنحة المبانحي عجيبحة الترتيحب وأهحل‬
‫كل صناعة في سوقها ل يخالطهم غيرهم حسان الصور نظاف الملبس وليس في‬
‫المشرق بلدة تداني مدينة دمشق في حسن أسواقها وبساتينها وأنهارها وحسن صور‬
‫سححاكنيها ال شيراز‪ ،‬وهححي فححي بسححيط مححن الرض تحححف فيهححا البسححاتين مححن جميححع‬
‫الجهات‪ ،‬وتشقهحا خمسحة أنهار‪ ،‬أحدهحا النهحر المعروف بركحن آباد وهحو عذب الماء‬
‫شديحد البرودة فحي الصحيف‪ ،‬سحخن فحي الشتاء فينبعحث محن عيحن فحي سحفح جبحل هنالك‬
‫يسحمى القليعحة ومسحجدها العظحم يسحمى بالمسحجد العتيحق‪ ،‬وهحو أكحبر المسحاجد سحاحة‬

‫وأحسححنها بناء‪ ،‬وصحححنه متسححع مفروش بالمرمححر‪ ،‬ويغسححل فححي أوان الحححر كححل ليلة‬
‫ويجتمع فيه كبار أهل المدينة كل عشية ويصلون به المغرب والعشاء وبشماله باب‬
‫يعرف بباب حسحن‪ ،‬يفضحي إلى سحوق الفاكهحة وهحي محن أبداع السحواق‪ ،‬وأنحا أقول‬
‫بتفضيلهححا على باب البريححد مححن دمشححق‪ .‬وأهححل شيراز أهححل صححلح وديححن وعفاف‪،‬‬
‫وخصحوصا نسحاؤها وهحن يلبسحن الخفاف‪ ،‬ويخرجحن ملتحفات متحبرقعات فل يظهحر‬
‫منهححم شيححء ولهححن الصححدقات واليثار‪ ،‬ومحن غريححب حالهححن أنهححن يجتمعححن لسححماع‬
‫الواعحظ فحي كحل يوم اثنيحن وخميحس وجمعحة بالجامحع العظحم‪ ،‬فربمحا اجتمحع منهحن‬
‫اللف واللفان بأيديهحن المراوح‪ ،‬يروححن بهحا على أنفسحهن محن شدة الححر‪ .‬ولم أر‬
‫اجتماع النساء في مثل عددهن في بلدة من البلد‪ .‬وعند دخولي إلى مدينة شيراز لم‬
‫يكحن لي هحم ال قصحد الشيحخ القاضحي المام قطحب الولياء فريحد الدهحر ذي الكرامات‬
‫الظاهرة مجحد الديحن اسحماعيل بحن محمحد بحن خداد‪ ،‬ومعنحى خداد عطيحة ال فوصحلت‬
‫إلى المدرسة المجدية المنسوبة إليه وبها سكناه‪ ،‬وهي من عمارته‪ ،‬فدخلت إليه رابع‬
‫أربعححة مححن أصحححابي‪ ،‬ووجدت الفقهاء وكبار أهححل المدينححة فححي انتظاره فخرج إلى‬
‫صحلة العصحر ومعحه مححب الديحن وعلء الديحن ابنحا أخحي شقيقحه روح الديحن أحدهمحا‬
‫عحن يمينححه والخحر عحن شماله وهمحا نائباه فححي القضاء لضعححف بصحره وكحبر سحنه‬
‫فسلمت عليه وعانقني وأخذ بيدي إلى أن وصل إلى مصله‪ ،‬فأرسل يدي وأومأ إلي‬
‫أن أصحلي إلى جانبحه ففعلت وصحلى العصحر ثحم قرئ بيحن يديحه محن كتاب المصحابيح‬
‫وشوارق النوار للصاغاني‪ ،‬وطالعه نائباه بما جرى لديهما من القضايا‪ ،‬وتقدم كبار‬

‫المدينة للسلم عليه‪ ،‬وكذلك عادتهم معه صباحاً ومساء ثم سألني عن حالي وكيفية‬
‫قدومحي‪ ،‬وسحألني عحن المغرب ومصحر والشام والحجاز فأخحبرته بذلك وأمحر خدامحه‬
‫فأنزلونححي بدويرة صححغيرة بالمدرسححة وفححي غححد ذلك اليوم وصححل إليححه رسححول ملك‬
‫العراق السحلطان أبحي سعيد وهحو ناصر الدين الدرقندي من كبار المراء‪ ،‬خراساني‬
‫الصححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححل‪.‬‬
‫فعند وصوله إليه نزع شاشيته عن رأسه‪ ،‬وهم يسمونها الكل‪ ،‬وقبل رجل القاضي‪،‬‬
‫وقعحد بيحن يديحه‪ ،‬ممسحكاً أذن نفسحه بيده‪ ،‬وهكذا فعحل أمراء التتحر عنحد ملوكهحم‪ .‬وكان‬
‫هذا الميحر قحد قدم فحي نححو خمسحمائة فارس محن مماليكحه وخدامحه وأصححابه ونزل‬
‫خارج المدينححة‪ ،‬ودخححل إلى القاضححي فححي خمسححة نفححر‪ ،‬ودخححل مجلسححه وحده منفرداً‬
‫متأدباً‪.‬فعنحد وصحوله إليحه نزع شاشيتحه عحن رأسحه‪ ،‬وهحم يسحمونها الكل‪ ،‬وقبحل رجحل‬
‫القاضي‪ ،‬وقعد بين يديه‪ ،‬ممسكاً أذن نفسه بيده‪ ،‬وهكذا فعل أمراء التتر عند ملوكهم‪.‬‬
‫وكان هذا الميحر قحد قدم فحي نححو خمسحمائة فارس محن مماليكحه وخدامحه وأصححابه‬
‫ونزل خارج المدينة‪ ،‬ودخل إلى القاضي في خمسة نفر‪ ،‬ودخل مجلسه وحده منفرداً‬
‫متأدباً‪.‬‬
‫حكاية هي السبب في تعظيم هذا الشيخ وهي من الكرامات الباهرة‬

‫كان ملك العراق السحححلطان محمحححد خدابنده قحححد صححححبه فحححي حال كفره فقيحححه محححن‬
‫الروافححض الماميححة يسححمى جمال الديححن بححن مطهححر‪ .‬فلمححا أسححلم السححلطان المذكور‬
‫وأسلمت بإسلمه التتر‪ ،‬زاد في تعظيم هذا الفقيه‪ .‬فزين له مذهب الروافض وفضله‬

‫فححي غيره‪ .‬وشرح له حال الصحححابة والخلفححة‪ ،‬وقرر لديححه أن أبححا بكححر وعمححر كانححا‬
‫وزيرين لرسول ال‪ ،‬وأن علياً ابن عمه وصهره‪ ،‬فهو وارث الخلفة‪ ،‬ومثل له ذلك‬
‫بمحا هحو مألوف عنده محن أن الملك الذي بيده إنمحا هحو إرث عحن أجداده وأقاربحه محع‬
‫حداثة عهد السلطان بالكفر‪ ،‬وعدم معرفته بقواعد الدين‪ .‬فأمر السلطان بحمل الناس‬
‫على الرفحححض‪ ،‬وكتحححب بذلك إلى العراقيحححن وفارس وأذربيجان وأصحححفهان وكرمان‬
‫وخراسححان‪ ،‬وبعححث الرسححل إلى البلد‪ ،‬فكان أول بلد وصححل إليهححا بغداد وشيراز‬
‫وأصفهان‪ .‬فأما أهل بغداد فامتنع أهل باب الزج منهم وهم أهل السنة وأكثرهم على‬
‫مذهب المام أحمد بن حنبل‪ ،‬وقالوا ل سمع ول طاعة‪ .‬وأتوا المسجد الجامع في يوم‬
‫الجمعحة ومعهحم السحلح وبحه رسحول السحلطان‪ ،‬فلمحا صحعد الخطيحب المنحبر قاموا إليحه‬
‫وهحم اثنحا عشحر ألفاً محن سحلحهم‪ ،‬وهحم حماة بغداد والمشار إليهحم فيهحا‪ .‬فحلفوا له أنحه‬
‫إن غيححر الخطبححة المعتادة‪ ،‬إن زاد فيهححا أو نقححص منهححا‪ ،‬فإنهححم قاتلوه‪ ،‬وقاتلو رسححول‬
‫الملك ومسححتسلمون بعححد ذلك لمححا شاءه ال‪ .‬وكان السححلطان أمححر بأن تسححقط أسححماء‬
‫الخلفاء وسائر الصحابة من الخطبة‪ ،‬ول يذكر إل اسم علي ومن تبعه كعمار رضي‬
‫ال عنهحم‪ .‬فخاف الخطيحب محن القتحل‪ ،‬وخطحب الخطبحة المعتادة‪ .‬وفعحل أهحل شيراز‬
‫وأصحفهان كفعحل أهحل بغداد‪ .‬فرجعحت الرسحل إلى الملك فأخحبروه بمحا جرى فحي ذلك‬
‫فأمحر أن يؤتحى بقضاة المدن الثلث‪ .‬فكان أول محن أتحي بحه منهحم القاضحي مجحد الديحن‬
‫قاضحي شيراز والسحلطان إذ ذاك فحي موضحع يعرف بقراباغ‪ ،‬وهحو موضحع مصحيفه‪.‬‬
‫فلما وصل القاضي أمر أن يرمي به إلى الكلب التي عنده‪ ،‬وهي كلب ضخام في‬

‫أعناقهحا السحلسل معدة لكحل بنحي آدم‪ .‬فإذا أوتحي بمحن يسحلط عليحه الكلب جعحل فحي‬
‫رحبحة كحبيرة مطلقاً غيحر مقيحد‪ ،‬ثحم بعثحت تلك الكتاب عليحه فيفحر أمامهحا ول مفحر له‪،‬‬
‫فتدركه فتمزقه‪ ،‬وتأكل لحمه‪ .‬فلما أرسلت الكلب على القاضي مجد الدين ووصلت‬
‫إليحه‪ ،‬بصحبصت إليحه وحركحت أذنابهحا بيحن يديحه‪ ،‬ولم تهجحم عليحه بشيحء‪ ،‬فبلغ ذلك‬
‫السلطان‪ ،‬فخرج من داره حافي القدمين فأكب على رجل القاضي يقبلهما‪ ،‬وأخذ بيده‬
‫وخلع عليحه جميحع محا كان عليحه محن الثياب‪ ،‬وهحي أعظحم كرامات السحلطان عندهحم‪،‬‬
‫وإذا خلع ثيابحه كذلك على أححد‪ ،‬كانحت شرفاً له ولبنيحه وأعقابحه يتوارثونحه‪ ،‬محا دامحت‬
‫تلك الثياب أو شيء منها‪ ،‬وأعظمها في ذلك السراويل‪ .‬ولما خلع السلطان ثيابه على‬
‫القاضحي مجحد الديحن أخحذ بيده وأدخله إلى داره وأمحر نسحاءه بتعظيمحه والتحبرك بحه‪.‬‬
‫ورجع السلطان عن مذهب الرفض‪ ،‬وكتب إلى بلده ان يقر الناس على مذهب أهل‬
‫السحنة والجماعحة‪ ،‬وأجزل العطاء للقاضحي وصحرفه إلى بلده مكرماً معظماً‪ ،‬وأعطاه‬
‫فحي جملة عطاياه مائة قريحة محن قرى جمكان‪ ،‬وهحو خندق بيحن جبليحن طوله أربعحة‬
‫وعشرون فرسحخاً‪ ،‬يشقحه نهحر عظيحم‪ .‬القرى منتظمحة بجانحبيه‪ ،‬وهحو أححس موضحع‬
‫بشيراز‪ .‬ومححن قراه العظيمححة التححي تضاهححي المدن قريححة ميمححن ‪ ،‬وهححي للقاضححي‬
‫المذكور‪ .‬ومححن عجائب هذا الموضححع المعروف بجمكان أن نصححفه ممححا يلي شيراز‬
‫وذلك مسحافة اثنحي عشحر فرسحخاً شديحد البرد وينزل فيحه الثلج وأكثحر شجره الجوز‪،‬‬
‫والجزء الخر مما يلي بلد هنج وبال وبلد اللر في طريق هرمز شديد الحر وفيه‬
‫شجححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححر النخيححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححل‪.‬‬

‫وقحد تكرر لي لقاء القاضحي مجحد الديحن ثانيحة حيحن خروجحي محن الهنحد‪ .‬قصحدته محن‬
‫هرمحز متحبركاً بلقائه‪ ،‬وذلك سحنة ثمان وأربعيحن‪ .‬وبيحن هرمحز وشيراز مسحيرة خمسحة‬
‫وثلثين يوماً‪ .‬فدخلت عليحه وهو قحد ضعف عن الحركة‪ ،‬فسحلمت عليه فعرفني وقام‬
‫إلي فعانقني ووقعحت يدي على مرفقه‪ ،‬وجلده لصحق بالعظحم ل لححم بينهما‪ .‬وأنزلني‬
‫بالمدرسححة حيححث أنزلنححي أول مرة‪ .‬وزرتححه يوماً فوجدت ملك شيراز السححلطان أبححا‬
‫إسححاق‪ ،‬وسحيقع ذكره‪ ،‬قاعداً بيحن يديحه‪ ،‬ممسحكاً بإذن نفسحه‪ ،‬وذلك هحو غايحة الدب‬
‫عندهححم‪ ،‬ويفعله الناس إذا قعدوا بيححن يدي الملك‪ .‬وأتيححت مرة أخرى إلى المدرسححة‪،‬‬
‫فوجدت بابهحا مسحدوداً‪ .‬فسحألت عحن سحبب ذلك فأخحبرت أن أم السحلطان وأختحه نشأت‬
‫بينهمحا خصحومة فحي ميراث‪ ،‬فصحرفهما إلى القاضحي مجحد الديحن‪ .‬فوصحلتا إليحه إلى‬
‫المدرسحة‪ ،‬وتحاكمتحا عنده‪ .‬وفصحل بينهمحا بواجحب الشرع‪ .‬وأهحل شيراز ل يدعونحه‬
‫بالقاضي‪ ،‬وإنما يقولون له مولنا أعظم‪ .‬وكذلك يكتبون في التسجيلت والعقود التي‬
‫تفتقر إلى ذكر اسمه فيها‪ .‬وكان آخر عهدي به في شهر ربيع الثاني من عام ثمانية‬
‫وأربعين وسبعمائة‪ .‬ولحت علي أنواره وظهرت لي بركاته نفع ال به وبأمثاله‪.‬‬
‫ذكر سلطان شيراز‬

‫وسحلطان شيراز فحي عهحد قدومحي عليهحا الملك الفاضحل أبحو إسححاق بحن محمحد شاه‬
‫ينجحو سححماه أبوه باسححم الشيحخ أبحي إسحححاق الكازرونحي نفحع ال بححه‪ .‬وهحو محن خيار‬
‫السحلطين‪ ،‬حسحن الصحورة والسحيرة والهيئة‪ ،‬كريحم النفحس جميحل الخلق متواضحع‪،‬‬
‫صححاحب قوة وملك كححبير‪ .‬وعسححكره ينيححف على خمسححين ألفاً مححن الترك والعاجححم‪،‬‬

‫وبطانتححه الدنون إليححه أهححل أصححفهان‪ .‬وهححو ل يأتمححن أهححل شيراز على نفسححه‪ ،‬ول‬
‫يستخدمهم ول يقربهم ول يبيح لحد منهم حمل السلح‪ ،‬لنهم أهل نجدة وبأس شديد‬
‫وجرأة على الملوك‪ .‬ومحن وجحد بيده السحلح منهحم عوقحب‪ .‬ولقحد شاهدت رجلً مرة‬
‫تجره الجنادرة‪ ،‬وهحم الشرط إلى الحاكحم‪ ،‬وقحد ربطوه فحي عنقحه‪ .‬فسحألت عحن شأنحه‪،‬‬
‫فأخححبرت أنححه وجدت فححي يده قوس بالليححل‪ .‬فذهححب السححلطان المذكور إلى قهححر أهححل‬
‫شيراز وتفضيحل الصحفهانيين عليهحم‪ ،‬لنحه يخافهحم على نفسحه‪ .‬وكان أبوه محمحد شاه‬
‫ينجحو والياً على شيراز محن قبحل ملك العراق‪ ،‬وكان حسحن السحيرة محبباً إلى أهلهحا‪.‬‬
‫فلمحا توفحي ولى السحلطان أبحو سحعيد مكانحه الشيحخ حسحيناً‪ ،‬وهحو ابحن الجويان أميحر‬
‫المراء‪ ،‬وسححيأتي ذكره‪ ،‬وبعححث معححه العسححاكر الكثيرة‪ ،‬فوصححل إلى شيراز وملكهححا‬
‫وضبحححححححححط مجابيهحححححححححا‪ .‬وهحححححححححي محححححححححن أعظحححححححححم بلد ال مجحححححححححبى‪.‬‬

‫ذكححر لي الحاج قوام الديححن الطمغجححي‪ ،‬وهححو والي المجححبى بهححا‪ ،‬أنححه ضمنهححا بعشرة‬
‫آلف دينار دراهحم فحي كحل يوم‪ .‬وصحرفها محن ذهحب المغرب ألفان وخمسحمائة دينار‬
‫ذهباً‪ .‬وأقام بهحا الميحر حسحين مدة ثحم أراد القدوم على ملك العراق‪ ،‬فقبحض على أبحي‬
‫إسححاق بحن محمحد شاه ينجحو‪ ،‬وعلى أخويحه ركحن الديحن ومسحعود بحك وعلى والدتحه‬
‫طاش خاتون‪ ،‬وأراد حملهحم إلى العراق ليطالبوا بأموال أبيهحم فلمحا توسحطوا السحوق‬
‫بشيراز كشفحت طاش خاتون وجههحا وكانحت متبرقعحة حياء ان ترى فحي تلك الحال‪.‬‬
‫فإن عادة نسححاء التراك أن ل يغطيححن وجوههححن‪ ،‬واسححتغاثت بأهححل شيراز‪ ،‬وقالت‪:‬‬

‫أهكذا يححا أهححل شيراز أخرج مححن بينكححم وأنححا فلنححة زوجححة فلن ? فقام رجححل مححن‬
‫النجاريحن يسحمى بهلوان محمود‪ ،‬قحد رأيتحه بالسحوق حيحن قدومحي على شيراز فقال‪ :‬ل‬
‫نتركهحا تخرج محن بلدنحا‪ ،‬ول نرضحى بذلك‪ .‬فتابعحه الناس على قوله وثارت عامتهحم‬
‫ودخلوا فحححي السحححلح وقتلوا كثيراً محححن العسحححكر وأخذوا الموال وخلصحححوا المرأة‬
‫وأولدهححا‪ .‬وفححر الميححر حسححين ومححن معححه وقدم على السححلطان أبححي سححعيد مهزوماً‪،‬‬
‫فأعطاه العسحاكر الكثيفحة وأمره بالعودة إلى شيراز والتحكحم فحي أهلهحا بمحا شاء‪ .‬فلمحا‬
‫بلغ أهلها ذلك‪ ،‬علموا أنهم ل طاقحة لهحم به فقصحدوا القاضي مجحد الدين‪ ،‬وطلبوا منحه‬
‫أن يحقحن دماء الفريقيحن ويوقحع الصحلح‪ ،‬فخرج إلى الميحر حسحين‪ .‬فترجحل له الميحر‬
‫عحن فرسحه وسحلم عليحه ووقحع الصحلح‪ .‬ونزل الميحر حسحين ذلك اليوم خارج المدينحة‪.‬‬
‫فلمححا كان مححن الغححد برز أهلهححا للقائه فححي أجمححل ترتيححب وزينوا البلد وأوقدوا الشمححع‬
‫الكثيحر‪ ،‬ودخحل الميحر حسحين فحي أبهحة وحفحل عظيحم وسحار فيهحم بأحسحن سحيرة‪ .‬فلمحا‬
‫مات السلطان أبو سعيد وانقرض عقبه‪ ،‬وتغلب كل أمير على ما بيده‪ ،‬خافهم المير‬
‫حسحين على نفسحه وخرج عنهحم‪ ،‬وتغلب السحلطان أبحو اسححاق عليهحا وعلى أصحفهان‬
‫وبلد فارس‪ ،‬وذلك مسحيرة شهحر ونصحف شهحر‪ .‬واشتدت شوكتحه وطمححت همتحه إلى‬
‫تملك مححا يليححه مححن البلد‪ ،‬فبدأ بالقرب منهححا وهححي مدينححة بزد‪ ،‬مدينححة حسححنة نظيفححة‬
‫عجيبحة السحواق ذات أنهار مطردة وأشجار نضيرة وأهلهحا تجار شافعيحة المذهحب؛‬
‫فحاصرها وتغلب عليها وتحصن المير مظفر شاه ابن المير محمد شاه بن مظفر‬
‫بقلعة على ستة أميال منها منيعة‪ ،‬تحدق بها الرمال فحاصره بها‪ .‬فظهر من المير‬

‫مظفححر مححن الشجاعححة مححا خرق المعتاد‪ ،‬ولم يسححمع بمثله‪ .‬فكان يضرب على عسححكر‬
‫السلطان أبي إسحاق ليلً‪ ،‬ويقتل ما شاء‪ ،‬ويخرق المضارب والفساطيط‪ ،‬ويعود إلى‬
‫قلعتحه فل يقدر على النيحل منحه‪ .‬وضرب ليلة على دوار السحلطان وقتحل هنالك جماعحة‬
‫وأخحذ محن عتاق خيله عشرة وعاد إلى قلعتحه‪ .‬فأمحر السحلطان أن تركحب فحي كحل ليلة‬
‫خمسحة آلف فارس ويصحنعون له الكمائن‪ .‬وتلحقحت العسحاكر فقاتلهحم‪ ،‬وخلص إلى‬
‫قلعتحه ولم يصحب محن أصححابه إل واحداً أتحى بحه إلى السحلطان أبحي إسححاق فخلع عليحه‬
‫وأطلقحه وبعحث معحه أماناً لمظفحر لينزل إليحه فأبحى ذلك‪ .‬ثحم وقعحت بينهمحا المراسحلة‬
‫ووقعت له محبة في قلب السلطان أبي إسحاق لما رأى من شجاعته‪ .‬فقال‪ :‬أريد أن‬
‫أراه‪ ،‬فإذا رأيتحه انصحرفت عنحه‪ .‬فوقحف السحلطان فحي خارج القلعحة ووقحف هحو ببابهحا‪،‬‬
‫وسلم عليه فقال له السلطان‪ :‬إنزل على المان‪ .‬فقال له مظفر‪ :‬إني عاهدت ال أن ل‬
‫أنزل إليحك حتحى تدخحل أنحت قلعتحي وحينئذ أنزل إليحك‪ ،‬فقال له أفعحل ذلك‪ .‬فدخحل إليحه‬
‫السححححححححححححححححلطان فححححححححححححححححي عشرة مححححححححححححححححن أصحححححححححححححححححاب الخواص‪.‬‬
‫فلمحا وصحل باب القلعحة ترجحل مظفحر وقبحل ركابحه ومشحى بيحن يديحه مترجلً‪ ،‬فأدخله‬
‫داره وأكححل مححن طعامححه ونزل معححه إلى المحلة راكباً‪ ،‬فأجلسححه السححلطان إلى جانبححه‪،‬‬
‫وخلع عليحه ثيابحه وأعطاه مالً عظيماً‪ ،‬ووقحع التفاق بينهمحا ان تكون الخطبحة باسحم‬
‫السحلطان أبحي إسححاق‪ ،‬وتكون البلد لمظفحر وأبيحه‪ .‬وعاد السحلطان إلى بلده‪ .‬وكان‬
‫السلطان أبو إسحاق طمح ذات مرة إلى بناء إيوان كإيوان كسرى وأمر أهل شيراز‬
‫أن يتولوا حفحر أسحاسه‪ .‬فأخذوا فحي ذلك‪ .‬وكان أهحل كحل صحناعة يباهون محن عداهحم‪،‬‬

‫فانتهوا فححي المباهاة إلى ان صححنعوا القفاف لنقححل التراب مححن الجلد‪ ،‬وكسححوها ثياب‬
‫الحريحر المزركحش‪ ،‬وفعلوا نححو ذلك فحي براذع الدواب‪ ،‬وإخراجهحا‪ ،‬وصحنع بعضهحم‬
‫الفؤوس مححن الفضححة‪ ،‬وأوقدوا الشمححع الكثيححر‪ .‬وكانوا حيححن الحفححر يلبسححون أجمححل‬
‫ملبسهم‪ ،‬ويربطون فوط الحريرعلى أوساطهم‪ .‬والسلطان يشاهد أفعالهم من منظرة‬
‫له‪ .‬وقد شاهدت هذا المبنى وقد ارتفع عن الرض نحو ثلثة أذرع‪ .‬ولما بني أساسه‬
‫رفحع عحن أهحل المدينحة التخديحم فيحه‪ ،‬وصحارت القعلة تخدم فيحه بالجرة‪ ،‬ويحشحر لذلك‬
‫آلف منهحم‪ .‬وسحمعت والي المدينحة يقول إن معظحم مجباهحا ينفحق فحي ذلك البناء‪ .‬وقحد‬
‫كان الموكحل بحه الميحر جلل الديحن بحن الفلكحي التوريزي‪ ،‬وهحو محن الكبار‪ .‬كان أبوه‬
‫نائباً عن وزير السطان أبي سعيد المسمى علي شاه جيلن‪ .‬ولهذا المير جلل الدين‬
‫الفلكي أخ فاضل اسمه هبة الّ‪ ،‬ويلقب بهاء الملك‪ ،‬وفد على ملك الهند حين وفودي‬
‫عليحه‪ ،‬ووفحد معنحا شرف الملك أميحر يخحت‪ ،‬فخلع ملك الهنحد علينحا جميعاً‪ ،‬وقدم كحل‬
‫واحد في شغل يليق به‪ ،‬وعين لنا المرتب والحسان‪ ،‬وسنذكر ذلك‪ .‬وهذا السلطان‬
‫أبحو إسححاق يريحد التشبحه بملك الهنحد المذكور فحي اليثار وإجزال العطايحا‪ .‬ولكحن أيحن‬
‫الثريحا محن الثرى‪ .‬وأظحم ماتعارفنحا محن أعطيات أبحي إسححاق أنحه اعطحى الشيحخ زاده‬
‫الخراسححاني الذي أتاه رسححولً عححن ملك هراة سححبعين ألف دينار‪ .‬وأمححا ملك الهنححد فلم‬
‫يزل يعطي أضعاف ذلك لمن ل يحصى كثرة من أهل خراسان وغيرهم‪.‬‬

‫حكاية‬

‫ومن عجيب فعل ملك الهند مع الخراسانيين أنه قدم عليه رجل من فقهاء خراسان‬
‫هروي المولد‪ ،‬محن سحكان خوارزم‪ ،‬يسحمى بالميحر عبحد ال‪ ،‬بعثتحه الخاتون ترابحك‬
‫زوج المير قطلود مور صاحب خوارزم بهدية إلى ملك الهند المذكور‪ ،‬فقبلها وكافأ‬
‫عنهحا بأضعافهحا وبعحث ذلك إليهحا‪ ،‬واختار رسحولها المذكور القامحة عنده فصحيره فحي‬
‫ندمائه فلمحا كان ذات يوم قال له‪ :‬ادخحل إلى الخزانحة فارفحع منهحا قدر محا تسحتطيع أن‬
‫تحمله مححن الذهححب‪ .‬فرجححع إلى داره فأتححى بثلث عشرة خريطححة‪ ،‬وجعححل فححي كححل‬
‫خريطحة قدر محا وسحعته وربحط كحل خريطحة بعضحو محن أعضائه‪ ،‬وكان صحاحب قوة‬
‫وقام بهحا‪ ،‬فلمحا خرج محن الخزانحة وقحع ولم يسحتطع النهوض‪ .‬فأمحر السحلطان بوزن محا‬
‫خرج بححه فكان جملتححه ثلثححة عشححر مناً بمنان دهلي‪ ،‬والمححن الواحححد منهححا خمسححة‬
‫وعشرون رطلً مصرياً‪ .‬فأمره أن يأخذ جميع ذلك فأخذه‪.‬‬
‫حكاية تناسبها‬

‫اشتكحى مرة أميحر يخحت الملقحب بشرف الديحن الخراسحاني‪ ،‬وهحو الذي تقدم ذكره آنفاً‬
‫بحضرة ملك الهند‪ ،‬فأتاه الملك عائداً‪ .‬ولما دخل عليه أراد القيام‪ ،‬فحلف له الملك أن‬
‫ل ينزل عححن كتححه والكحت‪ :‬السححرير‪ .‬ووضحع للسححلطان متكأة يسححمونها المورة‪ ،‬فقعححد‬
‫عليهحا‪ .‬ثحم دعحا بالذهحب والميزان فأحضرا‪ .‬وأمحر المريحض أن يقعحد فحي إحدى كفتحي‬
‫الميزان‪ ،‬فقال يا خونحد عالم لو علمت أنحك تفعحل هذا للبسحت علي ثياباً كثيرة‪ .‬فقال له‬
‫البححس الن جميححع مححا عندك مححن الثياب‪ .‬فلبححس ثيابححه المعدة للبرد المحشوة بالقطححن‪،‬‬

‫وقعحد فحي كفحة الميزان‪ ،‬ووضحع الذهحب فحي الكفحة الخرى حتحى رجححه الذهحب‪ ،‬وقال‬
‫له‪ :‬خذ هذا فتصدق به على رأسك وخرج عنه‪.‬‬
‫حكاية تناسبها‬

‫وفحد عليحه الفقيحر عبحد العزيحز الردويلي‪ ،‬وكان قحد قرأ علم الحديحث بدمشحق‪ ،‬فتفقحه‬
‫فيه‪ .‬فجعل مرتبه مائة دينار دراهم في اليوم‪ ،‬وصرف ذلك خمسة وعشرون ديناراً‬
‫ذهباً‪ .‬وحضحر مجلسحه يوماً‪ ،‬فسحأله السحلطان عحن حديحث‪ ،‬فسحرد له أحاديحث كثيرة فحي‬
‫ذلك المعنحى‪ ،‬فأعجبحه حفظحه‪ ،‬وحلف له برأسحه أنحه ل يزول محن مجلسحه حاى يفعحل‬
‫معه ما يراه‪ ،‬ثم نزل الملك عن مجلسه‪ ،‬فقبل قدميه وأمر بإحضار صينية من ذهب‪،‬‬
‫وهحي مثحل الطيفور الصحغير‪ ،‬وأمحر أن يؤتحى فيهحا ألف دينار محن الذهحب‪ ،‬وأخذهحا‬
‫السححلطان بيده‪ ،‬فصححبها عليححه‪ ،‬وقال‪ :‬هححي لك مححع الصححينية‪ .‬ووفححد عليححه مرة رجححل‬
‫خراسححاني يعرف بابححن الشيححخ عبححد الرحمححن السححفراييني‪ ،‬وكان أبوه نزل بغداد‪،‬‬
‫فأعطاه خمسين ألف دينار دراهم وخيل وعبيداً وخلعاً‪ ،‬وسنذكر كثيراً من أخبار هذا‬
‫الملك عنحد ذكحر بلد الهنحد‪ .‬وإنمحا ذكرنحا هذا لمحا قدمناه محن أن السحلطان أبحا إسححاق‬
‫يريحد التشبحه بحه فحي العطايحا‪ .‬وهحو وإن كان كريماً فاضلً فل يلححق بطبقحة ملك الهنحد‬
‫في الكرم والسخاء‪.‬‬
‫ذكر بعض المشاهد بشيراز‬

‫فمنهحا مشهد أحمد بن موسحى أخي علي الرضا بن موسحى بن جعفر بن محمحد بن‬
‫علي بحن الحسحين بحن علي بحن أبحي طالب رضحي ال تعالى عنهحم‪ ،‬وهحو مشهحد معظحم‬

‫عنحد أهحل شيراز يتحبركون بحه‪ ،‬ويتوسحلون إلى ال تعالى بفضله‪ .‬وبنحت عليحه طاش‬
‫خاتون أم السحلطان أبحي إسححاق مدرسحة كحبيرة وزاويحة فيهحا الطعام للوارد والصحادر‪.‬‬
‫والقراء يقرأون القرآن على التربحححة دائماً‪ .‬ومحححن عادة الخاتون أنهحححا تأتحححي إلى هذا‬
‫المشهد في كل ليلة اثنين‪ .‬ويجتمع في تلك الليلة القضاة والفقهاء والشرفاء‪ .‬وشيراز‬
‫محن أكثحر بلد ال شرفاء‪ .‬سحمعت محن الثقات أن الذيحن لهحم بهحا المرتبات محن الشرفاء‬
‫ألف وأربعمائة ونيف بين صغير وكبير‪ ،‬ونقيبهم عضد الدين الحسيني‪ .‬فإذا حضر‬
‫القوم بالمشهحد المذكور ختموا القرآن قراءة فحي المصحاحف‪ ،‬وقرأ القراء بالصحوات‬
‫الحسنة‪ ،‬وأتي بالطعام والفواكه والحلواء‪ .‬فإذا أكل القوم‪ ،‬وعظ الواعظ‪ .‬ويكون ذلك‬
‫كله بعحد صحلة الظهحر إلى العشحي والخاتون فحي غرفحة مطلة على المسحجد لهحا شباك‪.‬‬
‫ثم ضرب الطبول والنفار والبوقات على باب التربة‪ ،‬كما يفعل عند أبواب الملوك‪.‬‬
‫ومن المشاهد بها مشهد المام القطب الولي أبي عبد ال ابن خفيف المعروف عندهم‬
‫بالشيخ‪ .‬وهو قدوة بلد فارس كلها‪ ،‬ومشهد معظم عندهم‪ ،‬يأتون إليهم بكره وعشياً‪،‬‬
‫فيتمسحون به‪ .‬وقد رأيت القاضي مجد الدين أتاه زائراً واستلمته‪ .‬وتأتي الخاتون إلى‬
‫هذا المسحجد فحي كحل ليلة جمعحة‪ ،‬وعليحه زاويحة ومدرسحة ويجتمحع بحه القضاة والفقهاء‬
‫ويفعلون بححه كفعلهححم فححي مشهححد أحمححد بححن موسححى وقححد حضرت الموضعيححن جميعاً‪.‬‬
‫وتربة المير محمد شاه ينجو والد السلطان أبي إسحاق متصلة بهذه التربة‪ .‬والشيخ‬
‫أبو عبد ال بن خفيف كبير القدر في الولياء شهير الذكر‪ ،‬وهو الذي أظهر طريق‬
‫جبححححححححححححل سححححححححححححرنديب بجزيرة سححححححححححححيلن مححححححححححححن أرض الهنححححححححححححد‪.‬‬

‫كرامححة لهذا الشيححخ‪ :‬يحكححى أنححه قصححد مرة جبححل سححرنديب ومعححه نحححو ثلثيححن مححن‬
‫الفقراء‪ ،‬فأصحابتهم مجاعحة فحي طريحق الجيحل حيحث لعمارة‪ ،‬وتاهوا عحن الطريحق‬
‫وطلبوا من الشيخ ان يأذن لهم في القبض على بعض الفيلة الصغار‪ ،‬وهي في ذلك‬
‫المححل كثيرة جداً‪ ،‬ومنحه تحمحل إلى حضرة ملك الهنحد‪ .‬فنهاهحم الشيحخ عحن ذلك‪ .‬فغلب‬
‫عليهححم الجوع‪ ،‬فتعدوا قول الشيححخ‪ ،‬وقبضوا على فيححل صححغير منهححا وذكوه وأكلوا‬
‫لحمحه‪ ،‬وامتنحع الشيحخ عحن أكله‪ ،‬فلمحا ناموا تلك الليلة اجتمعحت الفيلة محن كحل ناحيحة‬
‫وأتت إليهم‪ .‬فكانت تشم الرجل منهم وتقتله‪ ،‬حتى أتت على جميعهم‪ .‬وشمت الشيخ‬
‫ولم تتعرض له‪ .‬وأخذه فيل منها‪ ،‬ولف عليه خرطومه‪ ،‬ورمى به على ظهره‪ ،‬وأتى‬
‫بححه الموضححع الذي فيححه العمارة فلمححا رآه أهححل تلك الناحيححة عجبوا منححه واسححتقبلوه‬
‫ليتعرفوا أمره‪ .‬فلمححا قرب منهححم أمسححكه الفيححل بخرطومححه ووضعححه عححن ظهره إلى‬
‫الرض بحيث يرونه‪ .‬فجاءوا إليه وتمسكوا به إلى ملكهم‪ ،‬فعرفوه خبره وهم كفار‪،‬‬
‫وأقام عندهححم أياماً‪ .‬وذلك الموضححع على خور يسححمى خور الخيزران‪ ،‬والخور هححو‬
‫النهححر‪ .‬وبذلك الموضححع مغاص الجوهححر‪ .‬ويذكححر أن الشيححخ غاص فححي بعححض اليام‬
‫بمحضححر ملكهححم وخرج وقححد ضححم يديححه معاً‪ ،‬وقال للملك‪ :‬اختححر مالك فححي إحداهمححا‪.‬‬
‫فاختار محا فحي اليمنحى فرمحى إليحه بمحا فيهحا‪ ،‬وكانحت ثلثحة أحجار محن الياقوت ل مثيحل‬
‫لهحا‪ ،‬وهحي عنحد ملوكهحم فحي التاج يتوارثونهحا‪ .‬وقحد دخلت جزيرة سحيلن هذه‪ ،‬وهحم‬
‫مقيمون على الكفحححر‪ ،‬إل أنهحححم يعظمون فقراء المسحححلمين‪ ،‬ويؤونهحححم إلى دورهحححم‪،‬‬
‫ويطعمونهحم الطعام‪ ،‬ويكونون فحي بيوتهحم وبيحن أهليهحم وأولدهحم‪ ،‬خلفاً لسحائر كفار‬

‫الهنحد فإنهحم ل يقربون المسحلمين‪ ،‬ول يطعمونهحم فحي آنيتهحم‪ ،‬ول يسحقونهم فيهحا‪ .‬محع‬
‫أنهم ل يؤذونهم ول يهجونهم‪ .‬ولقد كنا نضطر إلى أن يطبخ لنا بعض اللحم‪ ،‬فيأتون‬
‫به في قدورهم‪ ،‬ويقعدون على بعد منا‪ ،‬ويأتون بأوراق الموز فيجعلون عليها الرز‬
‫وهحو طعامهحم‪ ،‬ويصحبون عليحه الكوشال وهحو الدام‪ ،‬ويذهبون فنأكحل منحه‪ .‬وما فضحل‬
‫علينححا تأكله الكلب والطيححر‪ .‬وإن أكححل منححه الولد الصححغير الذي ل يعقححل ضربوه‬
‫وأطعموه روث البقحر‪ ،‬وهحو الذي يطهحر ذلك فحي زعمهحم‪ .‬ومحن المشاهحد بهحا مشهحد‬
‫الشيحخ الصحالح القطحب روزجهان القبلي محن كبار الولياء‪ ،‬وقحبره فحي مسحجد جامحع‬
‫يخطحب فيحه‪ ،‬وبذلك الجامحع يصحلي القاضحي مجحد الديحن الذي تقدم ذكره رضحي ال‬
‫عنحه‪ .‬وبهذا الجامحع سحمعت عليحه كتاب مسحند المام أبحي عبحد ال محمحد بحن إدريحس‬
‫الشافعحي‪ .‬قال‪ :‬أخبرتنحا بحه وزيرة بنحت عمحر بحن المنجحا‪ ،‬قالت‪ :‬أخبرنحا أبحو عبحد ال‬
‫الحسحين بحن أبحي بكحر بحن المبارك الزبيدي‪ ،‬قال‪ :‬أخبرنحا زرعحة طاهحر بحن محمحد بحن‬
‫طاهحر المقدسحي‪ ،‬قال‪ :‬أخبرنحا أبحو الحسحن المكحي بحن محمحد بحن منصحور بحن علن‬
‫العرضي‪ ،‬قال‪ :‬أخبرنا القاضي أبو بكر أحمد بن الحسن الحرشي عن أبي عباس بن‬
‫يعقوب ألصحم عحن الربيحح بحن سحليمان المرادي عحن المام أبحي عبحد ال الشافعحي‪.‬‬
‫وسحمعت أيضاً عحن القاضحي مجحد الديحن بهذا الجامحع المذكور كتاب مشارق النوار‬
‫للمام رضحي ال أبحي الفضائل الحسحن بن محمحد بحن الحسحن الصحاغاني بححق سحماعه‬
‫له محن الشيحخ جلل الديحن أبحي هاشحم محمحد بحن محمحد بحن أحمحد الهاشمحي الكوفحي‬
‫بروايته عن المام نظام الدين محمود بن عمر الهراوي عن المصنف‪ .‬ومن المشاهد‬

‫بهححححححا مشهححححححد الشيححححححخ الصححححححالح زركوب‪ ،‬وعليححححححه زاويححححححة لطعام الطعام‪.‬‬
‫وهذه المشاهد كلها بداخل المدينة‪ ،‬وكذلك معظم قبور أهلها‪ ،‬فإن الرجل منهم يموت‬
‫ولده أو زوجتحه‪ ،‬فيتخحذ له تربحة محن بعحض بيوت داره‪ ،‬ويدفنحه هناك‪ ،‬ويفرش البيحت‬
‫بالحصر والبسط‪ ،‬ويجعل الشمع الكثير عند رأس الميت ورجليه ويصنع للبيت باباً‬
‫إلى ناحية الزقاق وشباك حديد‪ ،‬فيدخل منه القراء يقرأون بالصوات الحسان‪ .‬وليس‬
‫في معمور الرض أحسن أصواتاً بالقرآن من أهل شيراز‪ .‬ويقوم أهل الدار بالتربة‬
‫ويفرشونهحا ويوقدون السحرج بهحا‪ .‬فكأن الميحت لم يحبرح‪ .‬وذكحر لي أنهحم يطبخون فحي‬
‫كل يوم نصيب الميت من الطعام ويتصدقون به عنه‪.‬‬
‫حكاية‬

‫مررت يوماً ببعحض أسحواق مدينحة شيراز‪ ،‬فرأيحت بهحا مسحجداً متقحن البناء جميحل‬
‫الفرش‪ ،‬وفيحه مصحاحف موضوعحة فحي خرائط حريحر موضوعحة فوق كرسحي‪ ،‬وفحي‬
‫الجهحة الشماليحة محن المسحجد زاويحة فيهحا شباك مفتحح إلى جهحة السحوق وهنالك شيحخ‬
‫جميل الهيئة والباس‪ ،‬وبين يديه مصحف يقرأ فيه فسلمت عليه وجلست إليه فسألني‬
‫عحن مقدمحي فأخحبرته‪ ،‬وسحألته عحن شأن هذا المسحجد فأخحبرني أنحه هحو الذي عمره‬
‫ووقف عليه أوقافاً كثيرة للقراء وسواهم‪ ،‬وأن تلك الزاوية ألتي جلست إليه فيها هي‬
‫موضع قبره إن قضى ال موته بتلك المدينة‪ ،‬ثم رفع بسطاً كان تحته‪ ،‬والقبر مغطى‬
‫عليححه ألواح خشححب‪ ،‬وأرانححي صححندوقاً كان بإزائه‪ ،‬فقال‪ :‬فححي هذا الصححندوق كفنححي‬
‫وحنوطي ودراهم كنت استأجرت بها نفسي في حفر بئر لرجل صالح فدفع لي هذه‬

‫الدراهم‪ ،‬فتركتها لتكون نفقة مواراتي وما فضل منها يتصدق بها فعجبت من شأنه‬
‫وأردت النصححراف فحلف علي وأضافنححي بذلك الموضححع‪ .‬ومححن المشاهححد بخارج‬
‫شيراز قححبر الشيححخ الصححالح المعروف السححعدي وكان أشعححر أهححل زمانححه باللسححان‬
‫الفارسحي‪ ،‬وربمحا ألمحع فحي كلمحه بالعربحي وله زاويحة كان قحد عمرهحا بذلك الموضحع‬
‫حسنة‪ ،‬بداخلها بستان مليح وهي بقرب رأس النهر الكبير المعروف بركن أباد وقد‬
‫صححنع الشيححخ هنالك أحواضاً صححغاراً مححن المرمححر لغسححل الثياب فيخرج الناس مححن‬
‫المدينححة لزيارتححه ويأكلون مححن سححماطه ويغسححلون ثيابهححم بذلك النهححر‪ ،‬وينصححرفون‪.‬‬
‫وكذلك فعلت عنده رحمححه ال‪ .‬وبمقربححة مححن هذه الزاويححة زاويححة أخرى تتصححل بهححا‬
‫مدرسة مبنية على قبر شمس الدين السماني‪ ،‬وكان من المراء الفقهاء‪ ،‬ودفن هنالك‬
‫بوصحححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححية منحححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححه بذلك‪.‬‬
‫وبمدينحة شيراز من الفقهاء الشريحف مجحد الديحن وأمره فحي الكرم عجيحب‪ ،‬وربمحا جاد‬
‫بكحل محا عنده وبالثياب التحي كانحت عليحه‪ ،‬ويلبحس مرقعحة فيدخحل عليحه كحبراء المدينحة‬
‫فيجدونحه على تلك الحال فيكسحونه‪ .‬ومرتبحه فحي كحل يوم محن السحلطان خمسحون ديناراً‬
‫دراهحم‪ .‬ثحم كان خروجحي محن شيراز برسحم زيارة قحبر الشيحخ الصحالح أبحي إسححاق‬
‫الكازرونححي بكازرون‪ ،‬وهححي على مسححيرة يوميحن محن شيراز‪ ،‬فنزلنحا أول يوم ببلد‬
‫الشول‪ ،‬وهححححم طائفححححة مححححن العاجححححم يسححححكنون البريححححة وفيهححححم الصححححالحون‪.‬‬

‫كرامحة لبعضهحم‪ :‬كنحت يوماً ببعحض المسحاجد بشيراز‪ ،‬وقحد قعدت أتلو كتاب ال عحز‬

‫وجحل إثحر صحلة الظهحر‪ ،‬فخطحر بخاطري أنحه لو كان لي مصححف كريحم لتلوت فيحه‪،‬‬
‫فدخل علي في أثناء ذلك شاب وقال لي بكلم قوي خذ‪ :‬فرفعت رأسي إليه فألقى في‬
‫حجري مصحفاً كريماً وذهب عني‪ .‬فختمته ذلك اليوم قراءة وانتظرته لرده له‪ ،‬فلم‬
‫يعد إلي‪ ،‬فسألت عنه فقيل لي‪ :‬ذلك بهلول الشولي‪ ،‬ولم أره بعد‪ .‬ووصلنا عشي اليوم‬
‫الثاني إلى كازرون‪ ،‬فقصدنا زاوية الشيخ أبي إسحاق نفع ال به‪ ،‬وبتنا بها تلك الليلة‬
‫ومححن عادتهححم أن يطعموا الوارد كائناً مححن كان مححن الهريسححة المصححنوعة مححن اللحححم‬
‫والسححمن وتؤكححل بالرقاق ول يتركون الوارد عليهححم للسححفر حتححى يقيححم فححي الضيافححة‬
‫ثلثحححة‪ ،‬ويعرض على الشيحححخ الذي بالزاويحححة حوائجحححه‪ ،‬ويذكرهحححا الشيحححخ للفقراء‬
‫الملزميححن للزاويححة‪ ،‬وهححم يزيدون على مائة‪ ،‬منهححم المتزوجون ومنهححم العزاب‬
‫المتجردون‪ ،‬فيختمون القرآن ويذكرون الذكححر ويدعون له عنححد ضريححح الشيححخ أبححي‬
‫إسحححاق فتقضححى حاجتححه بإذن ال وهذا الشيححخ أبححو إسحححاق معظححم عنححد أهححل الهنححد‬
‫والصحين ومحن عادة الركاب فحي بححر الصحين أنهحم إذا تغيحر عليهحم الهواء‪ ،‬وخافوا‬
‫اللصوص‪ ،‬نذروا لبي إسحاق نذراً‪ ،‬وكتب كل منهم على نفسه ما نذره فإذا وصلوا‬
‫بر السلمة‪ ،‬صعد خادم الزاوية إلى المركب‪ ،‬وأخذوا الزمام‪ ،‬وقبضوا من كل ناذر‬
‫نذره ومحا محن مركحب يأتحي محن الصحين أو الهنحد إل وفيحه آلف محن الدنانيحر فيأتحي‬
‫الوكلء من جهة خادم الزاوية فيقبضون ذلك‪ .‬ومن الفقراء‪ ،‬ومن يأتي طالباً صدقة‬
‫الشيوخ‪ ،‬فيكتححب له أمححر بهححا‪ ،‬وفيححه علمححة الشيححخ منقوشححة فححي قالب مححن الفضححة‪،‬‬
‫فيضعون القالب فحي صحبغ أحمحر ويلصحقونه بالمحر‪ ،‬فيبقحى أثحر الطابحع فيحه ويكون‬

‫مضمنححه أن مححن عنده نذر للشيححخ أبححي إسحححاق فليعححط منححه لفلن كذا فيكون المححر‬
‫باللف والمائة ومحا بيحن ذلك ودونحه على قدر الفقيحر‪ ،‬فإذا وجحد محن عنحه شيحء محن‬
‫النذر قبحض منحه كتحب له رسحمًا فحي ظهحر المحر بمحا قبضحه‪ .‬ولقحد نذر ملك الهنحد مرة‬
‫للشيحخ أبحي إسححاق بعشرة آلف دينار‪ ،‬فبلغ خبرهحا إلى فقراء الزاويحة‪ ،‬فأتحى أحدهحم‬
‫إلى الهنحد وقبضهحا وانصحرف بهحا إلى الزاويحة‪ ،‬ثحم سحافرن محن كازرون إلى مدينحة‬
‫الزيديحن‪ ،‬وسحميت بذلك لن فيهحا قحبر زيحد بحن ثابحت وقحبر زيحد بحن أرقحم النصحاريين‬
‫صحاحبي رسحول ال صحلى ال عليحه وسحلم تسحليماً‪ ،‬ورضحي ال عنهمحا وهحي مدينحة‬
‫حسححنة كثيرة البسححاتين والمياه‪ ،‬مليحححة السححواق عجيبححة المسححاجد‪ ،‬ولهلهححا صححلح‬
‫وأمانحة وديانحة‪ ،‬ومحن أهلهحا القاضحي نور الديحن الزيدانحي‪ ،‬وكان ورد على أهحل الهنحد‬
‫فولي القضاء منهحا بذيبحة المهحل‪ ،‬وهحي جزائر كثيرة ملكهحا جلل الديحن بحن صحلح‬
‫الديحن الصحالح‪ ،‬وتزوجحت بأخحت هذا الملك وسحيأتي ذكره وذكحر بنتحه خديجحة التحي‬
‫تولت الملك بعده بهذه الجزائر‪ ،‬وبهحا توفحي القاضحي نور الديحن المذكور‪ .‬ثحم سحافرنا‬
‫منهحا إلى الحويزاء بالزاي‪ ،‬وهحي مدينحة صحغيرة يسحكنها العجحم‪ ،‬بينهحا وبيحن البصحرة‬
‫مسحيرة أربحع‪ ،‬وبينهحا وبيحن الكوفحة مسحيرة خمحس‪ ،‬ومحن أهلهحا الشيحخ الصحالح العابحد‬
‫جمال الديحن الحويزانحي شيحخ خانقاه سحعيد السحعداء بالقاهرة ثحم سحافرنا منهحا قاصحدين‬
‫الكوفحة فحي بريحة ل ماء بهحا إل فحي موضحع واححد يسحمى الطرفاوي‪ ،‬وردناه فحي اليوم‬
‫الثالث من سفرنا‪ ،‬ثم وصلنا بعد اليوم الثاني من ورودنا عليه إلى مدينة الكوفة‪.‬‬

‫مدينة الكوفة‬

‫وهحي إحدى أمهات البلد العراقيحة المتميزة فيهحا بفضحل المزيحة مثوى الصححابة‪،‬‬
‫والتابعيحن ومنزل العلماء والصحالحين‪ ،‬وحضرة علي بحن أبحي طالب أميحر المؤمنيحن‬
‫إل أن الخراب قد استولى عليها بسبب أيدي العدوان التي امتدت إليها‪ ،‬وفسادها من‬
‫عرب خفاجححة المجاوريححن لهححا‪ ،‬فإنهححم يقطعون طريقهححا ول سححور عليهححا‪ ،‬وبناؤهححا‬
‫بالجر‪ ،‬وأسواقها حسان وأكثر ما يباع فيها التمر والسمك وجامعها العظم جامع‬
‫كحبير شريحف‪ ،‬بلطاتحه سحبع قائمحة على سحواري حجارة ضخمحة منحوتحه‪ ،‬قحد صحنعت‬
‫قطعاً‪ ،‬ووضع بعضها على بعض‪ ،‬وأفرغت بالرصاص وهي مفرطة الطول‪ ،‬وبهذا‬
‫المسححجد آثار كريمححة‪ ،‬فمنهححا بيححت إزاء المحراب عححن يميححن مسححتقبل القبلة يقال إن‬
‫الخليحل صحلوات ال عليحه كان له مصحلى بذلك الموضحع وعلى مقربحة منحه محراب‬
‫محلق عليه بأعواد السحاج مرتفحع‪ ،‬وهحو محراب علي بن أبحي طالب رضي ال عنه‪،‬‬
‫وهنالك ضربحه الشقحي ابحن ملجحم والناس يقصحدون الصحلة بحه وفحي الزاويحة محن هذا‬
‫البلط مسحجد صحغير محلق عليحه أيضاً بأعواد السحاج‪ ،‬يذكحر أنحه الموضحع الذي فار‬
‫منحه التنور حيحن طوفان نوح عليحه السحلم‪ ،‬وفحي ظهره خارج المسحجد بيحت يزعمون‬
‫أنحه بيحت نوح عليحه السحلم‪ ،‬وإزاءه بيحت يزعمون أنحه متعبحد إدريحس عليحه السحلم‪،‬‬
‫ويتصحل بذلك فضاء‪ ،‬ويتصحل بالجدار القبلي للمسحجد‪ ،‬يقال‪ :‬إنحه موضحع إنشاء سحفينة‬
‫نوح عليحه السحلم‪ .‬وفحي آخحر هذا الفضاء دار علي بحن أبحي طالب رضحي ال عنحه‪،‬‬
‫والبيحت الذي غسحل فيحه ويتصحل بحه بيحت يقال أيضاً‪ ،‬إنحه بيحت نوح عليحه السحلم‪ ،‬وال‬

‫أعلم بصححة ذلك كله‪ .‬وفي الجهة الشرقية من الجامع بيت مرتفع‪ ،‬يصحعد إليحه‪ ،‬قبر‬
‫مسلم بن عقيل بن أبي طالب رضي ال عنه وبمقربة منه خارج المسجد قبر عاتكة‬
‫وسكينة بنتي الحسين عليه السلم‪ .‬وأما قصر المارة بالكوفة الذي بناه سعد بن أبي‬
‫وقاص رضحي ال عنحه فلم يبحق إل أسحاسه‪ ،‬والفرات محن الكوفحة على مسحافة نصحف‬
‫فرسخ في الجانب الشرقي منها‪ ،‬وهو منتظم بحدائق النخل الملتفة المتصل بعضها‬
‫بعحض‪ ،‬ورأيحت بغربحي جبانحة الكوفحة موضعاً مسحوداً شديحد السحواد فحي بسحيط أبيحض‪،‬‬
‫فأخحبرت أنحه قحبر الشقحي ابحن ملجحم‪ ،‬وأن أهحل الكوفحة يأتون كحل سحنة بالحطحب الكثيحر‬
‫فيوقدون النار على موضع قبره سبعة أيام وعلى قرب منه قبة أخبرت أنها على قبر‬
‫المختار بحححححححححححححححححححححححححححححححن أبحححححححححححححححححححححححححححححححي عبيحححححححححححححححححححححححححححححححد‪.‬‬
‫ثحم رحلنحا ونزلنحا بئر ملححة‪ ،‬وهحي بلدة حسحنة بيحن حدائق نخحل‪ ،‬ونزلت بخارجهحا‬
‫وكرهحت دخولي لهحا‪ ،‬لن أهلهحا روافحض ورحلنحا منهحا الصحبح فنزلنحا مدينحة الحلة‬
‫وهحي مدينحة كحبيرة مسحتطيلة محع الفرات وهحو بشرقيهحا‪ ،‬ولهحا أسحواق حسحنة جامعحة‬
‫للمرافحححق والصحححناعات وهحححي كثيرة العمارة‪ ،‬وحدائق النخحححل منتظمحححة بهحححا داخلً‬
‫وخارجاً‪ ،‬ودورها بين الحدائق ولها جسر عظيم معقود على مراكب متصلة منتظمة‬
‫فيما بين الشطين‪ ،‬تحف بها من جانبيها سلسل من حديد مربوطة في كل الشطين‬
‫إلى خشبحة عظيمحة مثبتحة بالسحاحل‪ .‬وأهحل هذا المدينحة كلهحا إماميحة اثنحا عشريحة وهحم‬
‫طائفتان‪ :‬إحداهمححا تعرف بالكراد والخرى تعرف بأهححل الجامعيححن والفتنححة بينهححم‬
‫متصحلة‪ ،‬والقتال قائم بمقربحة محن السحوق العظحم‪ .‬بهذه المدينحة مسحجد على بابحه سحتر‬

‫حرير مسدول‪ ،‬وهم يسمونه مشهد صاحب الزمان‪ ،‬ومن عاداتهم أن يخرج في كل‬
‫ليلة مائة رجل من أهل المدينة عليهم السلم‪ ،‬وبأيديهم سيوف مشهورة‪ .‬فيأتون أمير‬
‫المدينحححة بعحححد صحححلة العصحححر يأخذون منحححه فرسحححًا مسحححرجاً ملجماً أو بغلة كذلك‪،‬‬
‫ويضربون الطبول والنفار والبوقات أمام تلك الدابحححة‪ ،‬ويتقدمهحححا خمسحححون منهحححم‬
‫ويتبعهحا مثلهحم ويمشحي آخرون عحن يمينهحا وشمالهحا‪ ،‬ويأتون مشهحد صحاحب الزمان‪،‬‬
‫فيقفون بالباب‪ ،‬ويقولون‪ :‬باسم ال يا صاحب الزمان باسم ال اخرج قد ظهر الفساد‪،‬‬
‫وكثر الظلم‪ ،‬وهذا أوان خروجك فيفرق ال بك بين الحق والباطل‪ ،‬ول يزالون كذلك‬
‫وهحححم يضربون البواق والطبال والنفار إلى صحححلة المغرب‪ ،‬وهحححم يقولون‪ :‬إن‬
‫محمحد بن الحسن العسحكري دخحل ذلك المسحجد وغاب فيه‪ ،‬وأنه سحيخرج وهحو المام‬
‫المنتظر عندهم وقد كان غلب على مدينة الحلة بعد موت السلطان أبي سعيد المير‬
‫محمد بن رميثة بن أبي نمي أمير مكة‪ ،‬وحكمها أعواماً‪ ،‬وكان حسن السيرة يحمده‬
‫أهححل العراق‪ ،‬إلى أن غلب عليححه الشيححخ حسححن سححلطان العراق فعذبححه وقتله وأخححذ‬
‫الموال والذخائر التي كانت عنده‪ .‬ثحم سافرنا منهحا إلى مدينحة كربلء مشهحد الحسحين‬
‫بن علي عليهما السلم وهي مدينة صغيرة تحفها حدائق النخل ويسيقها ماء الفرات‬
‫والروضححة المقدسححة داخلهحا‪ ،‬وعليهحا مدرسححة عظيمححة‪ ،‬وزاويحة كريمححة فيهحا الطعام‬
‫للوارد والصادر وعلى باب الروضة الحجاب والقومة‪ ،‬ل يدخل أحد إل عن إذنهم‪،‬‬
‫فيقبل العتبة الشريفة وهي من الفضة وعلى الضريح المقدس قناديل الذهب والفضة‬
‫وعلى البواب أسحتار الحريحر وأهحل هذه المدينحة طائفتان‪ ،‬أولد رخيحك وأولد فائز‪،‬‬

‫وبينهمحا القتال أبداً وهحم جميعاً إماميحة يرجعون إلى أب واححد‪ ،‬ولجحل فتنهحم تخربحت‬
‫هذه المدينة‪ .‬ثم سافرنا منها إلى بغداد‪.‬‬
‫مدينة بغداد‬

‫مدينحة دار السحلم‪ ،‬وحضرة السحلم‪ ،‬ذات القدر الشريحف‪ ،‬والفضحل المنيحف‪ ،‬مثوى‬
‫الخلفاء‪ ،‬ومقححر العلماء‪ ،‬وقال أبححو الحسححن بححن جححبير رضححي ال عنححه‪ :‬وهذه المدينححة‬
‫العتيقحة وإن لم تزل حضرة الخلفحة العباسحية‪ ،‬ومثابحة الدعوة الماميحة القرشيحة‪ ،‬فقحد‬
‫ذهححب رسححمها‪ .‬ولم يبححق إل اسححمها‪ .‬وهححي بالضافححة إلى مححا كانححت عليححه قبححل إنحاء‬
‫الحوادث عليهححححا والتفات أعيححححن النوائب إليهححححا كالطلل الدارس‪ ،‬أو تمثال الخيال‬
‫الشاخحص‪ ،‬فل حسحن فيهحا يسحتوقف البصحر‪ ،‬ويسحتدعي محن المسحتوفز الغفلة والنظحر‪،‬‬
‫إل دجلتهحا التحي هحي بيحن شرقيهحا وغربيهحا كالمرآة المجلوة بيحن صحفحتين‪ ،‬أو العقحد‬
‫المنتظحم بيحن لبتيحن‪ .‬فهحي تردهحا ول تظمحأ ونتطلع منهحا فحي مرآة صحقيلة ل تصحدأ‪،‬‬
‫والحسحن الحريمحي بيحن هوائهحا ومائهحا ينشحأ‪ .‬قال ابحن جزي‪ :‬وكان أبحا تمام ححبيب بحن‬
‫أوس اطلع على ما آل إليه أمرها حين قال فيها‪:‬‬
‫فليبكيها لخراب الدهر باكحيهحا‬
‫لقد أقام على بغحداد نحاعحيهحا‬
‫كانت على مائها والحرب موقحد ٌة والنار تطفأ حسناً في نواححيهحا‬
‫ترجى لها عودةٌ في الدهر صالحةٌ فالن أضمر منها اليأس راجيهحا‬
‫مثل العجوز التي ولت شبيبتحهحا وبان عنها جمال كان يحظحيهحا‬

‫وقحد نظحم الناس فحي مدحهحا وذكحر محاسحنها فأطنبوا ووجدوا امكان القول ذا سحعة‬
‫فأطالوا وأطابوا‪ ،‬وفيها قال المام القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر‬
‫المالكي البغدادي‪ ،‬وأنشدنيه والدي رحمه ال مرات‪:‬‬

‫قرباً إليها وإن عاقت محقحادير‬
‫طيب الهواء ببغدادٍ يشحوقحنحي‬
‫وكيف أرحل عنها اليوم إذ جمعت طيب الهواءين ممدود ومقصور‬

‫وفيها يقول أيضاً رحمه ال تعالى ورضي عنه‪:‬‬
‫ن وحق لها مني السلم المضاعف‬
‫سلم على بغداد في كل موطح ٍ‬
‫فوال ما فارقتها عن قلىً لحهحا وإني بشطي جانبيها لحعحارف‬
‫ولكنها ضاقت علي برححبحهحا ولم تكن القدار فيها تساعحف‬
‫ل كنت أهحوى دنحوه وأخلقه تنأى به وتحخحالحف‬
‫وكانت كخ ٍ‬

‫وفيها يقول أيضاً مغاضباً لها وأنشدنيه والدي رحمه ال غير ما مرة‪:‬‬
‫بغداد دارٌ لهل المحال واسحعةٌ وللصعاليك دار الضنك والضيق‬
‫ظللت أمشي مضافاً في أزقتهحا كأنني مصحف في بيت زنديق‬

‫أبو الحسن علي بن النبيه من قصيدة‪:‬‬
‫فطوت غيبها وخاضت هجحيرا‬
‫آنست بالعحراق بحدراً محنحيراً‬
‫فكادت لول البرى أن تحطحيرا‬
‫واستطابت ريا نحسحائم بحغحداد‬
‫ذكرت من مسارح الكرخ روضًا لم يزل ناضراً ومحاء نحمحيرا‬
‫واجتنت من ربى المحول نحورا واجتلت من مطالع التاج نحورا‬

‫ولبعض نساء بغداد في ذكرها‪:‬‬
‫آهًا على بغدادهحا وعحراقحهحا وظبائها والسحر في أحداقحهحا‬
‫ومجالها عند الفحرات بحأوجح ٍه تبدو أهلتها علحى أطحواقحهحا‬
‫متبختراتٍ في النعحيم كحأنحمحا خلق الهوى العذري من أخلقها‬
‫نفسي الفداء لها فأي محححاسحنٍ في الدهر تشرق من سنا إشراقها‬

‫ولبغداد جسححران اثنان معقودان على نحححو الصححفة التححي ذكرناهححا فححي جسححر مدينححة‬
‫الحلة‪ ،‬والناس يعبرونهمحا ليلً ونهاراً‪ ،‬رجالً ونسحاء فهحم فحي ذلك فحي نزهحة متصحلة‬
‫ببغداد محن المسحاجد التحي يخطحب فيهحا‪ ،‬وتقام فيهحا الجمعحة أححد عشحر مسحجداً‪ ،‬منهحا‬
‫بالجانب الغربي ثمانية‪ ،‬وبالجانب الشرقي ثلثة والمساجد سواها كثيرة جداً‪ ،‬وكذلك‬
‫المدارس إل أنهحا خربحت‪ .‬وحمامات بغداد كثيرة وهحي محن أبدع الحمامات‪ ،‬وأكثرهحا‬
‫مطليحة بالقار مسحطحة بحه‪ ،‬فيخيحل لرائيحه أنحه رخام أسحود‪ ،‬وهذا القار يجلب محن عيحن‬
‫بيحن الكوفحة والبصحرة تنبحع أبداً بحه‪ ،‬ويصحير فحي جوانبهحا كالصحلصال‪ ،‬فيجرف منهحا‪،‬‬
‫ويجلب إلى بغداد‪ .‬وفحي كحل حمام منهحا خلوات كثيرة كحل خلوة منهحا مفروشحة بالقار‬

‫مطلي نصف حائطها مما يلي الرض به‪ ،‬والنصف العلى مطلي بالجص البيض‬
‫الناصحع‪ ،‬فالضدان بهحا مجتمعان‪ ،‬متقابحل حسحنهما وفحي داخحل كحل خلوة حوض محن‬
‫الرخام فيحه أنبوبان أحدهمحا يجري بالماء الحار والخحر بالماء البارد فيدخحل النسحان‬
‫الخلوة منهححا منفرداً ل يشاركححه أحححد إل إن أراد ذلك وفححي زاويححة كححل خلوة أيضاً‬
‫حوض آخحر للغتسحال فيحه أيضاً أنبوبان يجريان بالحار والبارد وكحل داخحل يعطحى‬
‫ثلثاً مححن الفوط إحداهمححا يتزر بهححا عنححد دخوله والخرى يتزر بهححا عنححد خروجححه‪،‬‬
‫والخرى ينشحف بهحا الماء عحن جسحده ولم أر هذا التقان كله فحي مدينحة سحوى بغداد‪،‬‬
‫وبعض البلد تقاربها في ذلك‪.‬‬
‫ذكر الجانب الغربي من بغداد‬

‫الجانحب الغربحي منهحا هحو الذي عمحر أولً‪ ،‬وهحو الن خراب أكثره وعلى ذلك فقحد‬
‫بقحي منحه ثلث عشرة محلة‪ ،‬كحل محلة كأنهحا مدينحة بهحا الحمامان والثلثحة وفحي ثمانٍح‬
‫منها المساجد الجامعة ومن هذه المحلت محلة باب البصرة وبها جامع الخليفة أبي‬
‫جعفر المنصور رحمه ال‪ ،‬والمارستان‪ ،‬فيما بين محلة باب البصرة ومحلة الشارع‬
‫على الدجلة‪ ،‬وهحو قصحر كحبير خرب بقيحت منحه الثار وفحي هذا الجانحب الغربحي محن‬
‫المشاهححد قححبر معروف الكرخححي رضححي ال عنححه‪ ،‬وهححو فححي محلة باب البصححرة‪،‬‬
‫وبطريحق باب البصحرة مشهحد حافحل البناء فحي داخله قحبر متسحع السحنام‪ ،‬عليحه مكتوب‪:‬‬
‫هذا قبر عون من أولد علي بن أبي طالب‪ ،‬وفي هذا الجانب قبر موسى الكاظم بن‬

‫جعفحر الصحادق والد علي بحن موسحى الرضحا‪ ،‬وإلى جانبحه قحبر الجواد والقحبران داخحل‬
‫الروضة عليهما دكانة ملبسة بالخشب عليه ألواح الفضة‪.‬‬
‫ذكر الجانب الشرقي منها‬

‫وهذه الجهحة الشرقيحة محن بغداد حافلة السحواق عظيمحة الترتيحب‪ ،‬وأعظحم أسحواقها‬
‫سححوق يعرف بسححوق الثلثاء‪ ،‬كححل صححناعة فيهححا على حدة وفححي وسححط هذا السححوق‬
‫المدرسة النظامية العجيبة التي صارت المثال تضرب بحسنها وفي آخره المدرسة‬
‫المسححتنصرية ونسححبتها إلى أميححر المؤمنيححن المسححتنصر بال أبححي جعفححر ابححن أميححر‬
‫المؤمنين الظاهر ابن أمير المؤمنين الناصر وبها المذاهب الربعة لكل مذهب ايوان‬
‫فيحه المسحجد‪ ،‬وموضحع التدريحس‪ ،‬وجلوس المدرس فحي قبحة محن خشحب صحغيرة على‬
‫كرسحي‪ ،‬عليحه البسحط‪ ،‬ويقعحد المدرس‪ ،‬وعليحه السحكينة والوقار‪ ،‬لبسحاً ثياب السحواد‬
‫معتماً‪ ،‬وعلى يمينه ويساره معيدان يعيدان كل ما يمليه‪ ،‬هكذا ترتيب كل مجلس من‬
‫هذه المجالس الربعحة وفحي داخحل هذه المدرسحة الحمام للطلبحة ودار الوضوء وبهذه‬
‫الجهة الشرقية من المساجد التي تقام فيها الجمعة ثلثة‪ :‬أحدها جامع الخليفة‪ ،‬وهو‬
‫المتصحل بقصحور الخلفاء ودورهحم‪ ،‬وهحو جامحع كحبير فحي سحقايات ومطاهحر مثيرة‬
‫للوضوء وللغسححل‪ ،‬ولقيححت بهذا المسححجد الشيححخ المام العالم الصححالح مسححند العراق‬
‫سحراج الديحن أبحا حفحص عمحر بحن علي بحن عمحر القزوينحي‪ ،‬وسحمعت عليحه فيحه جميحع‬
‫مسحند أبحي محمحد عبحد ال بحن عبحد الرحمحن بحن الفضحل بحن بهرام الدارمحي‪ ،‬وذلك فحي‬
‫شهحر رجحب الفرد عام سحبعة وعشريحن وسحبعمائة قال‪ :‬أخبرتنحا بحه الشيخحة الصحالحة‬

‫المسحندة بنحت الملوك فاطمحة بنحت العدل تاج الديحن أبحي الحسحن علي بحن علي بحن أبحي‬
‫البدر قالت‪ :‬أخبرنا الشيخ أبو بكر محمد بن مسعود بن بهروز‪ ،‬الطبيب المارستاني‬
‫قال‪ :‬أخبرنحا أبحو الوقحت عبحد الول بحن شعيحب السحنجري الصحوفي قال‪ :‬أخبرنحا المام‬
‫أبو الحسن عبد الرحمن بن المظفر الداودي‪ ،‬قال‪ :‬أخبرنا أبو محمد عبد ال بن أحمد‬
‫بحن حمويحه السحرخسي عحن أبحي عمران عيسحى ابحن عمحر بحن العباس السحمرقندي عحن‬
‫أبحي محمحد عبحد ال بحن عبحد الرحمحن بحن الفضحل الدارمحي‪ .‬والجامحع الثانحي جامحع‬
‫السلطان‪ ،‬وهو خارج البلد وتتصل به قصور تنسب للسلطان‪ ،‬والجامع الثالث جامع‬
‫الرصافة وبينه وبين جامع السلطان نحو الميل‪.‬‬
‫ذكر قبور الخلفاء ببغداد‬
‫وقبور بعض العلماء والصالحين بها‬

‫وقبور الخلفاء العباسححيين رضححي ال عنهححم بالرصححافة‪ .‬وعلى كححل قححبر منهححا اسححم‬
‫صحاحبه‪ :‬قحبر المهدي وقحبر الهادي وقحبر الميحن وقحبر المعتصحم وقحبر الواثحق وقحبر‬
‫المتوكحل وقحبر المنتصحر وقحبر المسحتعين وقحبر المعتحز وقحبر المهتدي وقحبر المعتمحد‬
‫وقحبر المعتضد وقبر المكتفي وقحبر المقتذر وقحبر القاهر وقبر الراضحي وقبر المتقي‬
‫وقبر المستكفي وقبر المطيع ل وقبر الطائع وقبر القائم وقبر القادر وقبر المستظهر‬
‫وقحبر المسحترشد وقحبر الراشحد وقحبر المقتفحي وقحبر المسحتنجد وقحبر المسحتضيء وقحبر‬
‫الناصحر وقحبر الظاهحر وقحبر المسحتنصر وقحبر المسحتعصم وهحو آخرهحم‪ ،‬وعليحه دخحل‬
‫التتحر ببغداد بالسحيف وذبحوه بعحد أيام محن دخولهحم‪ ،‬وانقطحع محن بغداد اسحم الخلفحة‬

‫العباسحية‪ ،‬وذلك فحي سحنة أربحع وخمسحين وسحتمائة‪ .‬وبقرب الرصحافة قحبر المام أبحي‬
‫حنيفحة رضححي ال عنححه‪ ،‬وعليححه قبحة عظيمححة وزاويححة فيهحا الطعام للوارد والصححادر‪.‬‬
‫وليس بمدينة بغداد اليوم زاوية يطعم الطعام فيها ما عدا هذه الزاوية‪ .‬فسبحان مبيد‬
‫الشياء ومغيرهحا‪ .‬وبالقرب منهحا قحبر المام أبحي عبحد ال أحمحد بحن حنبحل رضحي ال‬
‫عنه ول قبة عليه‪ .‬ويذكر أنها بنيت على قبره مراراً فتهدمت بقدرة ال تعالى‪ .‬وقبره‬
‫عنحد أهحل بغداد معظحم‪ ،‬وأكثرهحم على مذهبحه‪ .‬وبالقرب منحه قحبر أبحي بكحر الشبلي محن‬
‫أئمة المتصوفة رحمه ال‪ ،‬وقبر سري السقطي وقبر بشر الحافي وقبر داود الطائي‬
‫وقبر أبي القاسم الجنيد‪ ،‬رضي ال عنهم أجمعين‪ .‬وأهل بغداد لهم يوم في كل جمعة‬
‫لزيارة شيححخ مححن هؤلء المشايححخ‪ ،‬ويوم لشيححخ آخححر يليححه‪ ،‬هكذا إلى آخححر السححبوع‪.‬‬
‫وببغداد كثير من قبور الصالحين والعلماء رضي ال عنهم‪ .‬وهذه الجهة الشرقية من‬
‫بغداد ليححس بهححا فواكححه‪ ،‬وإنمححا تجلب إليهححا مححن الجهححة الغربيححة لن فيهححا البسححاتين‬
‫والحدائق ووافق وصولي إلى بغداد كون ملك العراق بها‪ ،‬فلنذكره ها هنا‪.‬‬
‫ذكر سلطان العراقين وخراسان‬

‫وهو السلطان الجليل أبو سعيد بهادرخان‪ ،‬وخان عندهم الملك " وبهادر بفتح الباء الموحدة‬
‫وضم الدال المهمل وآخره راء "‪ ،‬ابن السلطان الجليل محمد خذابنده‪ ،‬وهو الذي أسلم من‬
‫ملوك التتر ‪ -‬وضبط اسمه مختلف فيه‪ ،‬فمنهم من قال إن اسمه خذابنده " بخاء معجمة‬
‫مضمومة وذال معجم مفتوح " وبنده لم يختلف فيه " وهو بباء موحدة مفتوحة ونون مسكنة‬
‫ودال مهمل مفتوح وهاء استراحة "‪ ،‬وتفسيره على هذا القول عبد ال‪ ،‬لن خذا بالفارسية‬
‫اسم ال عز وجل وبنده غلم أو عبد أو ما في معناهما‪ .‬وقيل‪ :‬إنما هو خربنده " بفتح الخاء‬
‫المعجم وضم الراء المهمل "‪ ،‬وتفسير خر بالفارسية الحمار فمعناه على هذا غلم الحمار‪.‬‬
‫فشد ما بين القولين من الخلف على أن هذا الخير هو المشهور‪ ،‬وكأن الول غيره إليه من‬
‫تعصب‪ .‬وقيل‪ :‬إن سبب تسميته بهذا الخير هو أن التتر يسمون المولود باسم أول داخل‬

‫على البيت عند ولدته‪ .‬فلما ولد هذا السلطان كان أول داخل الزمال‪ ،‬وهم يسمونه خربندة‬
‫فسمي به‪ .‬وأخو خربنده هو قازغان الذي يقول فيه للناس‪ :‬قازان‪ ،‬وقازغان هو القدر‪ .‬وقيل‪:‬‬
‫سمي بذلك لنه ولد لما دخلت الجارية ومعها القدر‪ .‬وخذابنده هو الذي أسلم‪ ،‬وقدمنا قصته‬
‫وكيف أراد أن يحمل الناس لما أسلم على الرفض‪ ،‬وقصة القاضي مجد الدين معه‪ ،‬ولما‬
‫مات ولي الملك ولده أبو سعيد بهادرخان‪ ،‬وكان ملكاً فاضلً كريماً ملك وهو صغير السن‪،‬‬
‫ورأيته ببغداد‪ ،‬وهو شامل أجمل خلق ال صورة‪ ،‬ل نبات بعارضيه ووزيره إذ ذاك المير‬
‫غياث الدين محمد بن خواجه رشيد‪ ،‬وكان أبوه من مهاجرة اليهود‪ ،‬واستوزره السلطان‬
‫محمد خذابنده والد أبي سعيد‪ .‬رأيته يوماً بحراقة في الدجلة‪ ،‬وتسمى عندهم الشبارة‪ ،‬وهي‬
‫شبه سلورة‪ ،‬وبين يديه دمشق خواجه ابن المير جوبان المتغلب على أبي سعيد‪ ،‬وعن يمينه‬
‫وشماله شبارتان فيهما أهل الطرب والغناء‪ .‬ورأيت من مكارمه في ذلك اليوم أنه تعرض له‬
‫جماعة من العميان فشكوا ضعف حالهم‪ ،‬فأمر لكل واحد منهم بكسوة وغلم يقوده ونفقة‬
‫تجري عليه‪ ،‬ولما ولي السلطان أبو سعيد وهو صغير كما ذكرناه‪ ،‬استولى على أمره أمير‬
‫المراء الجوبان‪ ،‬وحجر عليه التصرفات‪ ،‬حتى لم يكن بيده من الملك إل السم‪ .‬ويذكر أنه‬
‫احتاج في بعض العياد إلى نفقة ينفقها‪ ،‬فلم يكن له سبيل إليها‪ ،‬فبعث إلى أحد التجار‬
‫فأعطاه من المال ما أحب‪ ،‬ولم يزل كذلك إلى أن دخلت عليه يوماً زوجة أبيه دنيا خاتون‬
‫فقالت له‪ :‬لو كنا نحن الرجال ما تركنا الجوبان وولده على ما هما عليه فاستفهمها عن‬
‫مرادها بهذا الكلم فقالت له‪ :‬لقد انتهى أمر دمشق خواجه بن الجوبان أن يفتك بحرم أبيك‪،‬‬
‫وأنه بات البارحة عند طغى خاتون‪ .‬وقد بعث إلي قال لي‪ :‬الليلة أبيت عندك‪ .‬وما الرأي إل‬
‫أن تجمع المراء والعساكر‪ ،‬فإذا صعد إلى القلعة مختفياً برسم المبيت‪ ،‬أمكنك القبض عليه‪.‬‬
‫وأبوه يكفي ال أمره‪ .‬وكان الجوبان إذا ذاك غائباً بخراسان‪ ،‬فغلبته الغيرة وبات يدبر أمره‪،‬‬
‫فلما علم أن دمشق خواجه بالقلعة أمر المراء والعساكر أن يطيفوا بها من كل ناحية‪ ،‬فلما‬
‫كان بالغد‪ ،‬وخرج دمشق ومعه جندي يعرف بالحاج المصري‪ ،‬فوجد سلسلة معرضة على‬
‫باب القلعة وعليها قفل لم يمكنه الخروج راكباً‪ .‬فضرب الحاج المصري السلسلة بسيفه‬
‫فقطعها وخرجا معاً‪ ،‬فأحاطت بهما العساكر‪ ،‬ولحق أمير من المراء الخاصكية يعرف‬
‫بمصر خواجه‪ ،‬وفتى يعرف بلؤلؤ دمشق فقتله‪ ،‬وأتيا الملك أبا سعيد برأسه فرموا به بين‬
‫يدي فرسه‪ .‬وتلك عادتهم أن يفعلوا برأس كبار أعدائهم‪ .‬وأمر السلطان بنهب داره وقتل من‬
‫قاتل من خدامه ومماليكه‪ .‬واتصل الخبر بأبيه الجوبان وهو بخراسان‪ ،‬ومعه أولده مير‬
‫حسن وهو الكبر وطالش وجلوخان وهو أصغرهم وهو ابن اخت السلطان أبي سعيد من‬
‫أمه ساطي بك بنت السلطان خذابنده‪ ،‬ومعه عساكر التتر وحاميها‪ .‬فاتفقوا على قتال‬
‫السلطان أبي سعيد وزحفوا إليه فلما التقى الجمعان هرب التتر إلى سلطانهم‪ .‬وأفردوا‬
‫الجوبان‪ .‬فلما رأى ذلك نكص على عقبيه‪ ،‬وفر إلى صحراء سجستان‪ ،‬وأوغل فيها‪ ،‬وأجمع‬
‫على اللحاق بملك هراة غياث الدين مستجيراً به ومتحصناً بمدينته‪ .‬وكانت له عليه أيادٍ‬
‫سابقة فلم يوافقه ولداه حسن وطالش على ذلك‪ ،‬وقال له‪ :‬إنه ل يفي بالعهد‪ ،‬وقد غدر‬
‫بفيروزشاه بعد ان لجأ إليه وقتله‪ .‬فأبى الجوبان إل أن يلحق به ففارقه ولداه وتوجه ومعه‬
‫ابنه الصغير جلوخان‪ ،‬فخرج غياث الدين لستقباله وترجل له وأدخله المدينة على‬
‫المان‪ ،‬ثم غدر به بعد أيام‪ ،‬وقتله وقتل ولده‪ ،‬وبعث برأسيهما إلى السلطان أبي سعيد‪ .‬وأما‬

‫الحسن وطالش فإنهما قصدا خوارزم وتوجها إلى السلطان محمد أوزبك‪ ،‬فأكرم مثواهما‬
‫وأنزلهما‪ ،‬إلى أن صدر منهما ما أوجب قتلهما فقتلهما‪ .‬وكان للجوبان ولد رابع اسمه‬
‫الدمرطاش فهرب إلى ديار مصر‪ ،‬فأكرمه الملك الناصر وأعطاه السكندرية‪ ،‬فأبى من‬
‫قبولها وقال‪ :‬إنما أريد العساكر لقاتل أبا سعيد‪ .‬وكان متى بعث إليه الملك الناصر بكسوة‬
‫أعطى هو للذي يوصلها إليه أحسن منها إزراء على الملك الناصر‪ ،‬وأظهر أموراً أوجبت‬
‫قتله فقتله‪ ،‬وبعث برأسه إلى أبي سعيد وقد ذكرنا قصته وقصة قراسنقور فيما تقدم‪ .‬ولما قتل‬
‫الجوبان جيء به وبولده ميتين‪ ،‬فوقف بهما على عرافات‪ ،‬وحمل إلى المدينة ليدفنا في‬
‫التربة التي اتخذها الجوبان بالقرب من مسجد رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فمنع من ذلك‬
‫ودفن بالبقيع‪ .‬والجوبان هو الذي جلب الماء إلى مكة شرفها ال تعالى‪.‬لستقباله وترجل له‬
‫وأدخله المدينة على المان‪ ،‬ثم غدر به بعد أيام‪ ،‬وقتله وقتل ولده‪ ،‬وبعث برأسيهما إلى‬
‫السلطان أبي سعيد‪ .‬وأما الحسن وطالش فإنهما قصدا خوارزم وتوجها إلى السلطان محمد‬
‫أوزبك‪ ،‬فأكرم مثواهما وأنزلهما‪ ،‬إلى أن صدر منهما ما أوجب قتلهما فقتلهما‪ .‬وكان‬
‫للجوبان ولد رابع اسمه الدمرطاش فهرب إلى ديار مصر‪ ،‬فأكرمه الملك الناصر وأعطاه‬
‫السكندرية‪ ،‬فأبى من قبولها وقال‪ :‬إنما أريد العساكر لقاتل أبا سعيد‪ .‬وكان متى بعث إليه‬
‫الملك الناصر بكسوة أعطى هو للذي يوصلها إليه أحسن منها إزراء على الملك الناصر‪،‬‬
‫وأظهر أموراً أوجبت قتله فقتله‪ ،‬وبعث برأسه إلى أبي سعيد وقد ذكرنا قصته وقصة‬
‫قراسنقور فيما تقدم‪ .‬ولما قتل الجوبان جيء به وبولده ميتين‪ ،‬فوقف بهما على عرافات‪،‬‬
‫وحمل إلى المدينة ليدفنا في التربة التي اتخذها الجوبان بالقرب من مسجد رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم‪ ،‬فمنع من ذلك ودفن بالبقيع‪ .‬والجوبان هو الذي جلب الماء إلى مكة شرفها‬
‫ال تعالى‪.‬‬
‫ولما استقل السلطان أبو سعيد بالملك أراد أن يتزوج بنت الجوبان‪ ،‬وكانت تسمى بغداد‬
‫خاتون‪ ،‬وهي من أجمل النساء‪ ،‬وكانت تحت الشيخ حسن الذي تغلب بعد موت أبي سعيد‬
‫على الملك‪ ،‬وهو ابن عمته‪ ،‬فأمره فنزل عنها وتزوجها أبو سعيد‪ ،‬وكانت أحظى النساء‬
‫لديه‪ .‬والنساء لدى التراك والتتر لهن حظ عظيم‪ .‬وهم إذا كتبوا أمراً يقولون فيه عن امر‬
‫السلطان والخواتين ولكل خاتون كثير من البلد والوليات والمجابي العظيمة‪ ،‬وإذا سافرت‬
‫مع السلطان تكون في محلة على حدة‪ .‬وغلبت هذه الخاتون على أبي سعيد‪ ،‬وفضلها على‬
‫سواها‪ ،‬وأقامت على هذه الحال مدة أيام‪ .‬ثم تزوج امرأة تسمى بدلشاد فأحبها حبًا شديداً‪،‬‬
‫وهجر بغداد خاتون‪ ،‬فغارت لذلك‪ ،‬وسمته في منديل مسحته به بعد الجماع فمات وانقرض‬
‫عقبه وغلبت أمراؤه على الجهات كما سنذكره‪.‬‬
‫ولما عرف المراء أن بغداد خاتون هي التي سمته أجمعوا على قتلها وبدر لذلك الفتى‬
‫الرومي خواجة لؤلؤ‪ ،‬وهو من كبار المراء‪ .‬وقدمائهم‪ ،‬فأتاها وهي في الحمام فضربها‬
‫بدبوسه وقتلها‪ .‬وطرحت هنالك أياماً مستورة العورة بقطعة تليس‪ ،‬واستقل الشيخ حسن‬
‫بملك عراق العرب‪ ،‬وتزوج دلشاد امرأة السلطان أبي سعيد‪ ،‬كمثل ما كان أبو سعيد فعله‬
‫من تزوج امرأته‪.‬‬
‫ذكر المتغلبين على الملك بعد موت السلطان أبي سعيد فمنهم الشيخ حسن ابن عمته الذي‬
‫ذكرناه آنفاً‪ ،‬تغلب على عراق العرب جميعاً‪ ،‬ومنهم إبراهيم شاه ابن المير سنيته‪ ،‬تغلب‬

‫على الموصل وديار بكر‪ ،‬ومنهم المير أرتنا‪ ،‬تغلب على بلد التركمان المعروفة أيضًا‬
‫ببلد الروم‪ ،‬ومنهم حسن خواجة بن الدمرطاش بن الجوبان‪ ،‬تغلب على تبريز والسلطانية‬
‫وهمذان وقم وقاشان والري ورامين وفرغان والكرج‪ ،‬ومنهم المير طغيتمور تغلب على‬
‫بعض بلد خراسان‪ ،‬ومنهم المير حسن ابن المير غياث الدين تغلب على هراة ومعظم‬
‫بلد خراسان‪ ،‬ومنهم ملك دينار تغلب على بلد مكران وبلد كبج‪ ،‬ومنهم محمد شاه ابن‬
‫مظفر تغلب على يزد وكرمان وورقو‪ ،‬ومنهم الملك قطب الدين تمهتن تغلب على هرمز‬
‫وكيش والقطيف والبحرين وقلهات‪ ،‬ومنهم السلطان أبو إسحاق الذي تقدم ذكره تغلب على‬
‫شيراز وأصفهان وملك فارس‪ ،‬وذلك مسيرة خمس وأربعين‪ ،‬ومنهم السلطان أفراسياب‬
‫أتابك تغلب على إيذج وغيرها من البلد وقد تقدم ذكره‪ " .‬ولنعد إلى ما كنا بسبيله " ثم‬
‫خرجت من بغداد في محلة السلطان أبي سعيد‪ ،‬وغرضي أن أشاهد ترتيب ملك العراق في‬
‫رحيله ونزوله وكيفية تنقله وسفره‪ .‬وعادتهم أنهم يرحلون عند طلوع الفجر‪ ،‬وينزلون عند‬
‫الضحى وترتيبهم أنه يأتي كل أمير من المراء بعسكره وطبوله وأعلمه فيقف في موضع‬
‫ل يتعداه قد عين له‪ ،‬إما في الميمنة أو الميسرة‪ ،‬فإذا توافوا جميعاً وتكاملت صفوفهم‪ ،‬ركب‬
‫الملك وضربت طبول الرحيل وبوقاته وأنفاره‪ ،‬وأتى كل أمير منهم فسلم على الملك وعاد‬
‫إلى موقفه‪ ،‬ثم يتقدم أمام الملك الحجاب والنقباء‪ ،‬ثم يليهم أهل الطرب‪ ،‬وهم نحو مائة رجل‬
‫عليهم الثياب الحسنة وتحتهم مراكب السلطان‪ ،‬وأمام أهل الطرب عشرة من الفرسان قد‬
‫تقلدوا عشرة من الطبول‪ ،‬وخمسة من الفرسان لديهم خمس صرنايات‪ ،‬وهي تسمى عندنا‬
‫بالغيطات‪ ،‬فيضربون تلك الطبال والصرنايات‪ .‬ثم أمسكوا وغنى عشرة آخرون نوبتهم‬
‫هكذا‪ ،‬إلى أن تتم عشر نوبات‪ ،‬فعند ذلك يكون النزول‪ ،‬ويكون عن يمين السلطان وشماله‬
‫حين سيره كبار المراء‪ ،‬وهم نحو خمسين‪ ،‬ومن ورائه أصحاب العلم والطبال والنفار‬
‫والبوقات‪ ،‬ثم مماليك السلطان ثم المراء على مراتبهم‪ ،‬وكل أمير له أعلم وطبول‬
‫وبوقات‪.‬‬
‫ويتولى ترتيب ذلك كله أمير جند وله جماعة كبيرة وعقوبة من تخلف عن فوجه وجماعته‬
‫أن يؤخذ تماقه فيمل رملً‪ ،‬ويعلق في عنقه‪ ،‬ويمشي على قدميه حتى يبلغ المنزل‪ ،‬فيؤتى به‬
‫إلى المير‪ ،‬فيبطح على الرض ويضرب خمساً وعشرين مقرعة على ظهره‪ ،‬سواء كان‬
‫رفيعاً أو وضيعاً‪ ،‬ل يحاشون من ذلك أحداً‪ .‬وإذا نزلوا ينزل السلطان ومماليكه في محلة‬
‫على حدة‪ ،‬وتنزل كل خاتون من خواتينه في محلة على حدة‪ ،‬ولكل واحدة منهن المام‬
‫والمؤذن والقراء والسواق‪ ،‬وينزل الوزراء والكتاب وأهل الشغال على حدة‪ ،‬وينزل كل‬
‫أمير على حدةٍ ويأتون جميعًا إلى الخدمة بعد العصر‪ ،‬ويكون انصرافهم بعد العشاء‬
‫الخيرة‪ ،‬والمشاعل بين أيديهم‪.‬‬
‫فإذا كان الرحيل ضرب الطبل الكبير‪ ،‬ثم يضرب طبل الخاتون الكبرى التي هي الملكة‪ ،‬ثم‬
‫أطبال سائر الخواتين‪ ،‬ثم طبل الوزير‪ ،‬ثم أطبال الوزراء دفعة واحدة‪ ،‬ثم يركب أمير‬
‫المقدمة في عسكره‪ ،‬ثم يتبعه الخواتين‪ ،‬ثم أثقال السلطان وزاملته‪ ،‬وأثقال الخواتين ثم‬
‫أميرتان في عسكر له‪ ،‬يمنع الناس من الدخول فيما بين الثقال والخواتين‪ ،‬ثم سائر الناس‪.‬‬
‫وسافرت في هذه المحلة عشرة أيام صحبة المير علء الدين محمدٍ إلى بلدة تبريز‪ ،‬وكان‬
‫من المراء الكبار الفضلء‪ ،‬فوصلنا بعد عشرة أيام إلى مدينة تبريز‪ ،‬ونزلنا بخارجها في‬

‫موضع يعرف بالشام‪ .‬وهنالك قبر قازان ملك العراق‪ ،‬وعليه مدرسة حسنة وزاوية فيها‬
‫الطعام للوارد والصادر من الخبز واللحم والرز المطبوخ بالسمن والحلواء‪ .‬وأنزلني‬
‫المير بتلك الزاوية وهي ما بين أنهار متدفقة وأشجار مورقة‪.‬‬
‫وفحي غحد ذلك اليوم دخلت المدينحة على باب يعرف بباب بغداد‪ ،‬ووصحلنا إلى سحوق‬
‫عظيمة تعرف بسوق قازان‪ ،‬من أحسن أسواق بلد الدنيا كل صناعة فيها على حدة‬
‫ل تخالطهحا أخرى واجتزت بسحوق الجوهرييحن‪ ،‬فحار بصحري ممحا رأيتحه محن أنواع‬
‫الجواهححر‪ ،‬وهححي بأيدي مماليححك حسححان الصححور‪ ،‬عليهححم الثياب الفاخرة وأوسححاطهم‬
‫مشدودة بمناديححل الحريححر‪ ،‬وهححم بيححن أيدي التجار يعرضون الجواهححر على نسححاء‬
‫التراك‪ ،‬وهحن يشترينحه كثيراً‪ ،‬ويتنافسحن فيحه‪ .‬فرأيحت محن ذلك كله فتنحة يسحتعاذ ال‬
‫منهحا‪ .‬ودخلنحا سحوق العنحبر والمسحك فرأينحا مثحل ذلك وأعظحم‪ ،‬ثحم وصحلنا إلى المسحجد‬
‫الجامع الذي عمره الوزير علي شاه المعروف بجيلن‪ ،‬وبخارجه عن يمين مستقبل‬
‫القبلة مدرسحة‪ ،‬وعحن يسحاره زاويحة‪ .‬وصححنه مفروش بالمرمحر وحيطانحه بالقاشانحي‪،‬‬
‫وهححو شبححه الزليححج‪ ،‬ويشقححه نهححر ماء‪ ،‬وبححه أنواع الشجار ودوالي العنححب وشجححر‬
‫ياسمين‪ .‬ومن عاداتهم أنهحم يقرأون بحه كل يوم سحورة يحس وسورة الفتح وسحورة عحم‬
‫بعحد صلة العصحر فحي صححن الجامحع‪ ،‬ويجتمحع لذلك أهل المدينة‪ .‬وبتنحا ليلة بتبريز‪،‬‬
‫ثحم وصل بالغحد أمر السلطان أبي سحعيد إلى الميحر علء الدين بأن يصحل إليحه فعدت‬
‫معحححححححححححححححححححححححه‪ .‬ولم ألق بتحححححححححححححححححححححححبريز أحداً محححححححححححححححححححححححن العلماء‪.‬‬
‫ثحم سحافرنا إلى أن وصحلنا محلة السحلطان‪ ،‬فأعلمحه الميحر المذكور بمكانحي وأدخلنحي‬
‫عليحه‪ ،‬فسحألني عحن بلدي وكسحاني وأركبنحي‪ ،‬وأعلمحه الميحر أنحي أريحد السحفر إلى‬
‫الحجاز الشريحف فأمحر لي بالزاد والركوب فحي السحبيل محع المحمحل‪ ،‬وكتحب لي بذلك‬

‫إلى أميحححر بغداد خواجحححه معروف‪ ،‬فعدت إلى بغداد‪ ،‬واسحححتوفيت محححا أمحححر لي بحححه‬
‫السلطان‪ ،‬وكان قد بقي لوان سفر الركب أزيد من شهرين‪ ،‬فظهر لي أن أسافر إلى‬
‫الموصحل وديار بكحر‪ ،‬لشاهحد تلك البلد‪ ،‬وأعود إلى بغداد فحي حيحن سحفر الركحب‪،‬‬
‫فأتوجحه إلى الحجاز الشريحف‪ .‬فخرجحت محن بغداد إلى منزل على نهحر دجيحل‪ ،‬وهحو‬
‫متفرع عن دجلة‪ ،‬فيسقي قرى كثيرة‪ .‬ثم نزلنا بعد يومين بقرية كبيرة تعرف بحربة‪،‬‬
‫مخصحبة فسحيحة‪ .‬ثحم رحلنحا فنزلنحا موضعاً على شحط دجلة بالقرب محن حصحن يسحمى‬
‫المعشوق‪ ،‬وهحو مبنحي على الدجلة‪ .‬وفحي الجهحة الشرقيحة محن هذا الحصحن مدينحة سحر‬
‫من رأى وتسمى أيضاً سامرا‪ .‬ويقال لها سام راه‪ ،‬ومعناه بالفارسية طريق سام وراه‬
‫هحو الطريحق وقحد اسحتولى الخراب على هذه المدينحة‪ ،‬فلم يبحق منهحا إل القليحل وهحي‬
‫معتدلة الهواء رائعة الحسن على بلئها ودروس معالمها‪ ،‬وفيها أيضًا مشهد صاحب‬
‫الزمان كمحا بالحلة‪ ،‬ثحم سحرنا منهحا مرحلة ووصحلنا إلى مدينحة تكريحت‪ ،‬وهحي مدينحة‬
‫كححبيرة فسححيحة الرجاء مليحححة السححواق كثيححر الجوامححع وأهلهححا موصححوفون بحسححن‬
‫الخلق والدجلة مححن الجهححة الشماليححة منهححا ولهححا قلعححة حصححينة على شححط الدجلة‬
‫والمدينحة عتيقحة البناء عليهحا سحور يطيحف بهحا ثحم رحلنحا منهحا مرحلتيحن ووصحلنا قريحة‬
‫تعرف بالعقححر على شححط الدجلة وبأعلهححا ربوة كان بهححا حصححن وبأسححفلها الخان‬
‫المعروف بخان الحديححد له أبراج وبناؤه حافححل والقرى والعمارة متصححلة مححن هنالك‬
‫إلى الموصححل‪ .‬ثححم رحلنححا ونزلنححا موضعاً يعرف بالقيارة بمقربححة مححن دجلة وهنالك‬
‫أرض سححوداء فيهححا عيون تنبححع بالقار ويصححنع له أحواض ويجتمححع فيهححا فتراه شبححه‬

‫الصحلصال على وجحه الرض حالك اللون صحقيلً رطباً وله رائححة طيبحة وحول تلك‬
‫العيون بركحة كحبيرة سحوداء يعلوهحا شبحه الطحلب الرقيحق فتقذفحه إلى جوانبهحا فيصحير‬
‫أيضاً قاراً‪ .‬وبمقربحة محن هذا الموضحع عيحن كحبيرة فإذا أرادوا نقحل القار منهحا أوقدوا‬
‫عليها النار فتنشف النار ما هنالك رطوبة مائية ثم يقطعونه قطعاً وينقلونه‪ .‬وقد تقدم‬
‫لنحا ذكحر العيحن التحي بيحن الكوفحة والبصحرة على هذا النححو ثحم سحافرنا محن هذه العيون‬
‫مرحلتين ووصلنا بعدهما إلى الموصل‪.‬‬
‫مدينة الموصل‬

‫وهحي مدينحة عتيقحة كثيرة الخصحب وقلعتهحا المعروفحة بالحدباء عظيمحة الشأن شهيرة‬
‫المتناع عليها سور محكم البناء مشيد البروج وتتصل بها دور السلطان وقد فصل‬
‫بينهحا وبيحن البلد شارع متسحع مسحتطيل محن أعلى البلد إلى أسحفله وعلى البلد سحوران‬
‫اثنان وثيقان أبراجهمحا كثيرة متقاربحة وفحي باطحن السحور بيوت بعضهحا على بعحض‬
‫مسحتديرة بجداره قحد تمكحن فتحهحا فيحه لسحعته ولم أر فحي أسحوار البلد مثله إل السحور‬
‫الذي على مدينححة دهلي حضرة ملك الهنححد‪ .‬وللموصححل ربححض كححبير فيححه الجوامححع‬
‫والحمامات والفنادق والسحواق وبحه مسحجد جامحع على شحط الدجلة تدور بحه شبابيحك‬
‫حديحد وتتصحل بحه مسحاطب تشرف على دجلة فحي النهايحة محن الحسحن والتقان وامامحه‬
‫مارسحتان وبداخحل المدينحة جامعان أحدهمحا قديحم والخحر حديحث وفحي صححن الحديحث‬
‫منهما قبة في داخلها خصة رخام مثمنة مرتفعة على سارية رخام يخرج منها الماء‬

‫بقوة وانزعاج فيرتفححع مقدار القامححة ثححم ينعكححس فيكون له مرأى حسححن‪ .‬وقيسححارية‬
‫الموصل مليحة لها أبواب حديد ويدور بها دكاكين وبيوت بعضها فوق بعض متقنة‬
‫البناء‪ .‬وبهذه المدينحة مشهحد جرجيحس النحبي عليحه السحلم وعليحه مسحجد والقحبر فحي‬
‫زاويحة منحه عحن يميحن الداخحل إليحه وهحو فيمحا بيحن الجامحع الجديحد وباب الجسحر وقحد‬
‫حصلت لنا زيارته والصلة بمسجده والحمد ل تعالى وهنالك تل يونس عليه السلم‬
‫وعلى نحو ميل منه العين المنسوبة إليه يقال انه أمر قومه بالتطهر فيها ثم صعدوا‬
‫التححل ودعححا ودعوا فكشححف ال عنهححم العذاب وبمقربححة منححه قريححة كححبيرة يقرب منهححا‬
‫خراب يقال أنحه موضحع المدينحة المعروفحة بنينوى مدينحة يونحس عليحه السحلم وأثحر‬
‫السحور المحيحط بهحا ظاهحر ومواضحع البواب التحي هحي متبينحة‪ .‬وفحي التحل بناء عظيحم‬
‫ورباط فيحه بيوت كثيرة ومقاصحر ومطاهحر وسحقايات يضحم الجميحع باب واححد‪ ،‬وفحي‬
‫وسط الرباط بيت عليه ستر حرير وله باب مرصع يقال انه الموضع الذي به موقف‬
‫يونس عليه السلم ومحراب المسجد الذي بهذا الرباط يقال انه كان بيت متعبده عليه‬
‫السحلم‪ .‬وأهحل الموصحل يخرجون فحي كحل ليلة جمعحة إلى هذا الرباط يتعبدون فيحه‪.‬‬
‫وأهل الموصل لهم مكارم أخلق ولين كلم وفضيلة ومحبة في الغريب وإقبال عليه‬
‫وكان أميرهحا حيحن قدومحي عليهحا السحيد الشريحف الفاضحل علء الديحن علي بحن شمحس‬
‫الديححن محمححد الملقححب بحيدر وهححو مححن الكرماء الفضلء أنزلنححي بداره وأجرى علي‬
‫النفاق مدة مقامححححححححححححححححححححي عنده وله الصححححححححححححححححححححدقات واليثار المعروف‪.‬‬
‫وكان السحلطان أبحو سحعيد يعظمحه وفوض إليحه أمحر هذه المدينحة ومحا يليهحا ويركحب فحي‬

‫موكب عظيم من مماليكه وأجناده ووجوه أهل المدينة وكبراؤها يأتون للسلم عليه‬
‫غدواً وعشياً وله شجاعحة ومهابحة وولده فحي حيحن كتحب هذا فحي حضرة فاس مسحتقر‬
‫الغرباء ومأوى الفرق ومححححط رحال الوفود زادهحححا ال بسحححعادة أيام مولنحححا أميحححر‬
‫المؤمنيححححححححححححن بهجححححححححححححة وإشراقاً وحرس أرجاءهححححححححححححا ونواحيهححححححححححححا‪.‬‬
‫ثحم رحلنحا محن الموصحل ونزلنحا قريحة تعرف بعيحن الرصحد وهحي على نهحر عليحه جسحر‬
‫مبنحي وبها خان كحبير‪ .‬ثحم رحلنا ونزلنا قريحة تعرف بالمويلححة ثحم رحلنا منهحا ونزلنحا‬
‫جزيرة ابحن عمحر وهحي مدينحة كحبيرة حسحنة محيحط بهحا الوادي ولذلك سحميت جزيرة‬
‫وأكثرهححا خراب ولهححا سححوق حسححنة ومسححجد عتيححق مبنححي بالحجارة محكححم العمححل‬
‫وسحورها مبنحي بالحجارة أيضاً وأهلهحا فضلء لهحم محبحة فحي الغرباء ويوم نزلنحا بهحا‬
‫رأينحا جبحل الجودي المذكور فحي كتاب ال عحز وجحل الذي اسحتوت عليحه سحفينة نوح‬
‫عليححححححححححححححه السححححححححححححححلم وهححححححححححححححو جبححححححححححححححل عال مسححححححححححححححتطيل‪.‬‬
‫ثم رحلنا مرحلتين ووصلنا إلى مدينة نصيبين وهي مدينة عظيمة عتيقة متوسطة قد‬
‫خرب أكثرهححا وهححي فححي بسححيط أفيححح فسححيح فيححه المياه الجاريححة والبسححاتين الملتفححة‬
‫والشجار المنتظمححة والفواكححه الكثيرة وبهححا يصححنع ماء الورد الذي ل نظيححر له فححي‬
‫العطارة والطيب ويدور بها نهر ينعطف عليها انعطاف السوار منبعه من عيون في‬
‫جبل قريب منها وينقسم انقساماً فيتخلل بساتينها ويدخل منه نهر إلى المدينة فيجري‬
‫فحي شوارعهحا ودورهحا ويخترق صححن مسحجدها العظحم وينصحب فحي صحهريجيهن‬
‫أحدهمححا فححي وسححط الصحححن والخححر عنححد الباب الشرقححي وبهذه المدينححة مارسححتان‬

‫ومدرستان وأهلها أهل صلح ودين وصدق وأمانة ولقد صدق أبو نواس في قوله‪:‬‬
‫طابت نصيبين لي يوماً وطبت لها يا ليت حظي من الدنيا نصيبحين‬

‫قال ابن جزي‪ :‬والناس يصفون مدينة نصيبين بفساد الماء والوخامة‪ ،‬وفيها يقول بعض‬
‫الشعراء‪:‬‬
‫لنصيبين قد عجبت وما في دارها لي داعٍ إلى العلت‬
‫يعدم الورد أحمراً في ذراها لسقام حتى من الوجنحات‬

‫ثحم رحلنحا إلى مدينحة سحنجار‪ ،‬وهحي مدينحة كحبيرة كثيرة الفواكحه والشجار والعيون‬
‫المطردة والنهار‪ ،‬مبنيحة فحي سحفح جبحل‪ ،‬تشبحه بدمشحق فحي كثرة أنهارهحا وبسحاتينها‪،‬‬
‫ومسحجدها الجامحع مشهور البركحة‪ ،‬يذكحر ان الدعاء بحه مسحتجاب‪ ،‬ويدور بحه نهحر ماء‬
‫ويشقحه‪ .‬وأهحل سحنجار أكراد‪ ،‬ولهحم شجاعحة وكرم‪ ،‬وممحن لقيتحه بهحا الشيحخ الصحالح‬
‫العابد الزاهد عبد ال الكردي أحد المشايخ الكبار صاحب كرامات يذكر عنه أنه ل‬
‫يفطححر إل بعححد أربعيححن يوماً ويكون إفطاره على نصححف قرص مححن الشعيححر‪ ،‬لقيتححه‬
‫برابطحة بأعلى جبحل سحنجار ودعحا لي وزودنحي بدراهحم‪ ،‬لم تزل عندي إلى ان سحلبني‬
‫كفار الهنود‪ .‬ثحم سحافرنا إلى مدينحة دارا‪ ،‬وهحي عتيقحة كحبيرة بيضاء المنظحر‪ ،‬لهحا قلعحة‬
‫مشرفححة‪ ،‬وهححي الن خراب ل عمارة بهححا وفححي خارجهححا قريححة معمورة‪ ،‬بهححا كان‬
‫نزولنا‪ ،‬ثم رحلنا منها فوصلنا إلى مدينة ماردين‪ ،‬وهي عظيمة في سطح جبل من‬
‫أحسحن مدن السحلم وأبدعهحا وأتقنهحا وأحسحنها أسحواقاً وبهحا تصحنع الثياب المنسحوبة‬
‫إليهحا محن الصحوف المعروف بالمرعحز ولهحا قلعحة شماء محن مشاهيحر القلع فحي قنحة‬
‫جبلهحا‪ .‬قال ابحن جزي‪ :‬قلعحة مارديحن هذه تسحمى الشهباء وإياهحا عنحى شاعحر العراق‬
‫صفي الدين عبد العزيز بن سراي الحلي بقوله في مسمطته‪:‬‬
‫فدع ربوع الححلة الحفحيححاء‬
‫ول تقف بالموصل الحححدبحاء‬

‫وازور بالعيس عن الحزوراء‬
‫إن شهاب القلعة الشحهحبحاء‬

‫محرق شيطان صروف الدهر‬

‫وقلعححة حلب تسححمى الشهباء أيضاً وهذه المسححمطة بديعححة مدح بهححا الملك المنصححور‬
‫سححلطان مارديححن‪ ،‬وكان كريماً شهيححر الصححيت ولي الملك بهححا نحححو خمسححين سححنة‪،‬‬
‫وأدرك أيام قازان ملك التتر‪ ،‬وصاهر السلطان خدابنده بابنته دنيا خاتون‪.‬‬
‫ذكر سلطان ماردين في عهد دخولي إليها‬

‫وهو الملك الصالح ابن الملك المنصور الذي ذكرناه آنفاً‪ ،‬ورث الملك عن أبيه وله‬
‫المكارم الشهيرة‪ .‬وليححس بأرض العراق والشام ومصححر أكرم منححه يقصححده الشعراء‬
‫والفقراء فيجزل لهحم العطايحا‪ ،‬جرياً على سحنن أبيحه قصحده أبحو عبيحد ال محمحد ابحن‬
‫جابر الندلسحي المروي الكفيحف مادحاً‪ ،‬فأعطاه عشريحن ألف درهحم‪ .‬وله الصحدقات‬
‫والمدارس والزوايحا لطعام الطعام‪ ،‬وله وزيحر كحبير القدر‪ ،‬وهحو المام العالم وحيحد‬
‫الدهحر وفريحد العصحر جمال الديحن السحنجاوي‪ ،‬وقرأ بمدينحة تحبريز‪ ،‬وأدرك العلماء‬
‫الكبار‪ ،‬وقاضححي قضاتححه المام الكامححل برهان الديححن الموصححلي‪ ،‬وهححو ينتسححب إلى‬
‫الشيحخ الولي فتحح الموصحلي‪ ،‬وهذا القاضحي محن أهحل الديحن والورع والفضحل‪ ،‬يلبحس‬
‫الخشن من ثياب الصوف الذي ل تبلغ قيمته عشرة دراهم‪ ،‬ويعتم بنحو ذلك‪ ،‬وكثيراً‬
‫مححا يجلس للحكام بصحححن مسححجد خارج المدرسححة‪ ،‬كان يتعبححد فيححه فإذا رآه مححن ل‬
‫يعرفه ظنه بعض خدام القاضي وأعوانه‪.‬‬
‫حكاية‬

‫ذكر لي‪ :‬أن امرأة أتت هذا القاضي‪ ،‬وهو خارج من المسجد‪ ،‬ولم تكن تعرفه‪ ،‬فقالت له‪ :‬يا‬
‫شيخ‪ ،‬أين يجلس القاضي ? فقال لها‪ :‬وما تريدين منه ? فقالت‪ :‬إن زوجي ضربني‪ ،‬وله‬

‫زوجة ثانية‪ ،‬وهو ل يعدل بيننا في القسم وقد دعوته إلى القاضي فأبى وأنا فقيرة ليس عندي‬
‫ما أعطيه لرجال القاضي حتى يحضرونه بمجلسه‪ ،‬فقال لها‪ :‬وأين منزل زوجك ? فقالت‪:‬‬
‫بقرية الملحين خارج المدينة فقال لها‪ :‬أنا أذهب معك إليه فقالت‪ :‬وال ما عندي شيء‬
‫أعطيك إياه فقال لها‪ :‬ل آخذ منك شيئاً‪ ،‬ثم قال لها‪ :‬اذهبي إلى القرية وانتظريني خارجها‪،‬‬
‫فإني على أثرك‪ .‬فذهبت كما أمرها وانتظرته‪ ،‬فوصل إليها وليس معه أحد‪ ،‬وكانت عادته‬
‫أن ل يدع أحداً يتبعه فجاءت به إلى منزل زوجها فلما رآه قال‪ :‬ما هذا الشيخ النحس الذي‬
‫معك ? فقال له‪ :‬نعم وال أنا كذلك‪ ،‬ولكن أرض زوجتك‪ .‬فلما طال الكلم‪ ،‬جاء الناس‬
‫فعرفوا القاضي وسلموا عليه وخاف ذلك الرجل وخجل فقال له القاضي‪ :‬ل عليك أصلح ما‬
‫بينك وبين زوجتك فأرضاها الرجل من نفسه وأعطاهما القاضي نفقة ذلك اليوم وانصرف‪.‬‬
‫لقيت هذا القاضي وأضافني بداره ثم رحلت عائدًا إلى بغداد فوصلت إلى مدينة الموصل‬
‫التي ذكرناها‪ ،‬فوجدت ركبها بخارجها متوجهين إلى بغداد‪ ،‬وفيهم امرأة صالحة عابدة‬
‫تسمى بالست زاهدة‪ ،‬وهي من ذرية الخلفاء‪ ،‬حجت مراراً‪ ،‬وهي ملزمة الصوم سلمت‬
‫عليها‪ ،‬وكنت في جوارها‪ ،‬ومعها جملة من الفقراء يخدمونها‪ ،‬وفي هذه الوجهة توفيت‬
‫رحمة ال عليها وكانت وفاتها بزرود‪ ،‬ودفنت هنالك‪ ،‬ثم وصلنا إلى مدينة بغداد‪ ،‬فوجدت‬
‫الحاج في أهبة الرحيل‪ ،‬فقصدت أميرها معروف خواجة فطلبت منه ما أمر لي به السلطان‪.‬‬
‫فعين لي شقة محارة وزاد أربعة من الرجال وماءهم‪ ،‬وكتب لي بذلك ووجه إلى أمير‬
‫الركب البهلوان محمد الحويح فأوصاه بي‪ .‬وكانت المعرفة بيني وبينه متقدمة‪ ،‬فزادها‬
‫تأكيداً‪ ،‬ولم أزل في جواره وهو يحسن إلي ويزيدني على ما أمر به‪ ،‬وأصابني عند خروجنا‬
‫من الكوفة إسهال فكانوا ينزلونني من أعلى المحمل مرات كثيرة في اليوم‪ ،‬والمير يتفقد‬
‫حالي ويوصي بي ولم أزل مريضاً حتى وصلت مكة حرم ال تعالى‪ ،‬زادها ال شرفاً‬
‫وتعظيماً‪ ،‬وطفت بالبيت الحرام كرمه ال تعالى طواف القدوم‪ ،‬وكنت ضعيفاً بحيث أؤدي‬
‫المكتوبة قاعداً فطفت وسعيت بين الصفا والمروة راكباً على فرس المير الحويح المذكور‪،‬‬
‫ووقفنا تلك السنة يوم الثنين فلما نزلنا منى أخذت في الراحة والستقلل من مرضي‪ ،‬ولما‬
‫انقضى الحاج أقمت مجاوراً بمكة تلك السنة‪ .‬وكان بها المير علء الدين بن هلل مشيد "‬
‫مشد " الدواوين مقيماً لعمارة دار الوضوء بظاهر العطارين من باب ابن شيبة وجاور في‬
‫تلك السنة من المصريين جماعة من كبرائهم منهم تاج الدين بن الكويك ونور الدين القاضي‬
‫وزين الدين بن الصيل وابن الخليلي وناصر الدين السيوطي‪ .‬وسكنت تلك السنة بالمدرسة‬
‫المظفرية‪ ،‬وعافاني ال من مرضي‪ ،‬فكنت في أنعم عيش‪ ،‬وتفرغت للطواف والعبادة‬
‫والعتمار‪ ،‬وأتى في أثناء تلك السنة حجاج الصعيد‪ ،‬وقدم معهم الشيخ الصالح نجم الدين‬
‫الصفهوني ‪ ،‬وهي أول حجة حجها‪ ،‬والخوان علء الدين علي وسراج الدين عمر ابنا‬
‫القاضي الصالح نجم الدين البالسي قاضي مصر‪ ،‬وجماعة غيرهم‪ ،‬في منتصف ذي القعدة‬
‫وصل المير سيف الدين يلملك‪ ،‬وهو من الفضلء‪ ،‬ووصل في صحبته جماعة من أهل‬
‫طنجة بلدي حرسها ال‪ ،‬منهم الفقيه أبو عبد ال بن عطاء ال والفقيه أبو محمد عبيد ال‬
‫الحضري والفقيه أبو عبد ال المرسي‪ ،‬وأبو العباس ابن الفقيه أبي علي البلنسي وأبو محمد‬
‫ابن القابلة وأبو الحسن البياري وأبو العباس بن نافوت وأبو الصبر أيوب الفخار وأحمد بن‬
‫حكامه ومن أهل القصر المجاز الفقيه أبو زيد عبد الرحمن ابن القاضي أبي العباس بن‬

‫خلوف ومن أهل القصر الكبير الفقيه أبو محمد ابن مسلم وأبو إسحاق إبراهيم بن يحيى‬
‫وولده‪ .‬ووصل في تلك السنة المير سيف الدين تقزدمور من الخاصكية والمير موسى بن‬
‫قرمان والقاضي فخر الدين ناظر الجيش وكاتب المماليك والتاج أبو إسحاق والست حدق‬
‫مربية الملك الناصر‪ .‬وكانت لهم صدقات عميمة بالحرم الشريف‪ ،‬وأكثرهم صدقة القاضي‬
‫فخر الدين‪ ،‬وكانت وقفتنا في تلك السنة في يوم الجمعة من سنة ثمان وعشرين‪ ،‬ولما‬
‫انقضى الحج أقمت مجاوراً بمكة حرسها ال سنة تسع وعشرين‪ ،‬وفي هذه السنة وصل‬
‫أحمد بن المير رميثة ومبارك ابن المير عطيفة من العراق صحبة المير محمد الحويح‬
‫والشيخ زاده الحرباوي والشيخ دانيال‪ ،‬وأتوا بصدقات عظيمة للمجاورين وأهل مكة من‬
‫قبل السلطان أبي سعيد ملك العراق‪ ،‬وفي تلك السنة ذكر اسمه في الخطبة بعد ذكر الملك‬
‫الناصر‪ ،‬ودعوا له بأعلى قبة زمزم‪ ،‬وذكروا بعده سلطان اليمن الملك المجاهد نور الدين‬
‫ولم يوافق المير عطيفة على ذلك‪ ،‬وبعث شقيقه منصورًا ليعلم الملك الناصر بذلك فأمر‬
‫رميثة برده فرد‪ ،‬فبعثه ثانية على طريق جدة حتى أعلم الملك الناصر بذلك ووقفنا تلك‬
‫السنة‪ ،‬وهي سنة تسع وعشرين يوم الثلثاء‪ ،‬ولما انقضى الحج أقمت مجاوراً بمكة حرسها‬
‫ال سنة ثلثين‪ .‬وفي موسمها وقعت الفتنة بين أمير مكة عطيفة وبين أيدمور أمير جندار‬
‫الناصري وسبب ذلك أن تجاراً من أهل اليمن سرقوا‪ ،‬فتشكوا إلى أيدمور بذلك‪ ،‬فقال‬
‫أيدمور لمبارك ابن المير عطيفة‪ :‬إئت بهؤلء السراق‪ ،‬فقال‪ :‬ل أعرفهم فكيف نأتي بهم‪،‬‬
‫وبعد فأهل اليمن تحت حكمنا ول حكم لك عليهم‪ ،‬إن سرق لهل مصر والشام شيء‬
‫فاطلبني به فشتمه أيدمور وقال له‪:‬‬
‫يححا قواد تقول لي هكذا‪ ،‬وضربححه على صححدره فسححقط‪ ،‬ووقعححت عمامتححه عححن رأسححه‬
‫وغضحب له عحبيدة وركحب أيدمور يريحد عسحكره‪ ،‬فلحقحه مبارك وعحبيدة فقتلوه وقتلوا‬
‫ولده‪ .‬ووقعحت الفتنحة بالحرم‪ ،‬وكان بحه الميحر أحمحد ابحن عحم الملك الناصحر‪ ،‬ورمحى‬
‫الترك بالنشاب‪ ،‬فقتلوا امرأة قيحل‪ :‬إنهحا كانحت تحرض أهحل مكحة على القتال‪ ،‬وركحب‬
‫محححن ركحححب محححن التراك‪ ،‬وأميرهحححم خاص ترك‪ ،‬فخرج إليهحححم القاضحححي والئمحححة‬
‫والمجاوريححن وفوق رؤوسححهم المصححاحف‪ ،‬وحاولوا الصححلح‪ ،‬ودخححل الحجاج مكححة‬
‫فأخذوا محا لهحم بهحا وانصحرفوا إلى مصحر‪ ،‬وبلغ الخحبر إلى الملك الناصحر فشحق عليحه‪،‬‬
‫وبعححث العسححاكر إلى مكححة ففححر الميححر عطيفححة وابنححه مبارك‪ ،‬وخرج أخوه رميثححة‬
‫وأولده إلى وادي نخلة‪ ،‬فلمحا وصل العسحكر إلى مكحة بعث الميحر رميثحة أحد أولده‬

‫يطلب له المان‪ ،‬ولولده‪ ،‬فأمنوا وأتحى رميثحة وكفنحه فحي يده إلى الميحر‪ ،‬فخلع عليحه‪،‬‬
‫وسححلمت إليححه مكححة‪ ،‬وعاد العسححكر إلى مصححر وكان الملك الناصححر رحمححه ال حليماً‬
‫فاضلً فخرجحت تلك اليام محن مكحة قاصحداً بلد اليمحن فوصحلت إلى حده‪ " ،‬بالحاء‬
‫المهمححل المفتوح " وهححي نصححف الطريححق بيححن مكححة وجدة " بالجيححم المضموم " ثححم‬
‫وصحلت إلى جدة‪ ،‬وهحي بلدة قديمحة على سحاحل البححر يقال‪ :‬انهحا محن عمارة الفرس‪،‬‬
‫وبخارجها مصانع قديمة‪ ،‬وبها جباب للماء منقورة في الحجر الصلد‪ ،‬يتصل بعضها‬
‫ببعض‪ ،‬تفوت الحصاء كثرة‪ ،‬وكانت هذه السنة قليلة المطر‪ ،‬وكان الماء يجلب إلى‬
‫جدة على مسححيرة يوم وكان الحجاج يسححألون الماء مححن أصحححاب البيوت‪.‬ا قواد تقول‬
‫لي هكذا‪ ،‬وضربه على صدره فسقط‪ ،‬ووقعت عمامته عن رأسه وغضب له عبيدة‬
‫وركب أيدمور يريد عسكره‪ ،‬فلحقه مبارك وعبيدة فقتلوه وقتلوا ولده‪ .‬ووقعت الفتنة‬
‫بالحرم‪ ،‬وكان بحه الميحر أحمحد ابحن عحم الملك الناصحر‪ ،‬ورمحى الترك بالنشاب‪ ،‬فقتلوا‬
‫امرأة قيحل‪ :‬إنها كانت تحرض أهل مكحة على القتال‪ ،‬وركب من ركب من التراك‪،‬‬
‫وأميرهححم خاص ترك‪ ،‬فخرج إليهححم القاضححي والئمححة والمجاوريححن وفوق رؤوسححهم‬
‫المصحاحف‪ ،‬وحاولوا الصحلح‪ ،‬ودخحل الحجاج مكحة فأخذوا محا لهحم بهحا وانصحرفوا إلى‬
‫مصححر‪ ،‬وبلغ الخححبر إلى الملك الناصححر فشححق عليححه‪ ،‬وبعححث العسححاكر إلى مكححة ففححر‬
‫المير عطيفة وابنه مبارك‪ ،‬وخرج أخوه رميثة وأولده إلى وادي نخلة‪ ،‬فلما وصل‬
‫العسححكر إلى مكححة بعححث الميححر رميثححة أحححد أولده يطلب له المان‪ ،‬ولولده‪ ،‬فأمنوا‬
‫وأتحى رميثحة وكفنحه في يده إلى الميحر‪ ،‬فخلع عليه‪ ،‬وسحلمت إليه مكحة‪ ،‬وعاد العسحكر‬

‫إلى مصحر وكان الملك الناصحر رحمحه ال حليماً فاضلً فخرجحت تلك اليام محن مكحة‬
‫قاصححداً بلد اليمححن فوصححلت إلى حده‪ " ،‬بالحاء المهمححل المفتوح " وهححي نصححف‬
‫الطريحق بيحن مكحة وجدة " بالجيحم المضموم " ثحم وصحلت إلى جدة‪ ،‬وهحي بلدة قديمحة‬
‫على سحاحل البحححر يقال‪ :‬انهحا محن عمارة الفرس‪ ،‬وبخارجهحا مصحانع قديمحة‪ ،‬وبهحا‬
‫جباب للماء منقورة في الحجر الصلد‪ ،‬يتصل بعضها ببعض‪ ،‬تفوت الحصاء كثرة‪،‬‬
‫وكانححت هذه السححنة قليلة المطححر‪ ،‬وكان الماء يجلب إلى جدة على مسححيرة يوم وكان‬
‫الحجاج يسألون الماء من أصحاب البيوت‪.‬‬
‫حكاية‬

‫ومحن غريحب محا اتفحق لي بجدة أنحه وقحف على بابحي سحائل أعمحى يطلب الماء يقوده‬
‫غلم‪ ،‬فسححلم علي وسححماني باسححمي وأخححذ بيدي‪ ،‬ولم أكححن عرفتححه قححط‪ ،‬ول عرفنححي‬
‫فعجبت من شأنه ثم أمسك أصبعي بيده وقال‪ :‬أين الفتخة ? وهي الخاتم وكنت حين‬
‫خروجي من مكة لقيني بعض الفقراء وسألني‪ ،‬ولم يكن عندي في ذلك الحين شيء‬
‫فدفعحت له خاتمحي‪ .‬فلمحا سحألني عنحه هذا العمحى قلت له‪ :‬أعطيتحه لفقيحر‪ .‬فقال‪ :‬ارجحع‬
‫في طلبه فإن فيه أسماء مكتوبة فيها سر من السرار فطال تعجبي منه ومن معرفته‬
‫بذلك‪ ،‬وال أعلم بحاله‪ ،‬وبجدة جامححححع يعرف بجامححححع البنوس‪ ،‬معروف البركححححة‬
‫يستجاب به الدعاء‪ ،‬وكان المير بها أبا يعقوب بن عبد الرزاق‪ ،‬وقاضيها وخطيبها‬
‫الفقيحه عبحد ال محن أهحل مكحة شافعحي المذهحب‪ ،‬وإذا كان يوم الجمعحة واجتمحع الناس‬
‫للصحلة أتحى المؤذن‪ ،‬وعحد أهحل جدة المقيميحن بهحا فإن أكملوا أربعيحن خطحب وصحلى‬

‫بهحم الجمعحة‪ ،‬وإن لم يبلغ عددهحم أربعيحن صحلى ظهراً أربعاً‪ ،‬ول يعتحبر محن ليحس محن‬
‫أهلها وإن كانوا عدداً كثيراً‪ .‬ثم ركبنا البحر من جدة في مركب يسمونه الجلبة وكان‬
‫لرشيد الدين اللفي اليمني الحبشي الصحل‪ ،‬وركب الشريف منصور ابن أبي نمي‬
‫فحي جلبحة أخرى‪ ،‬ورغحب منحي أن أكون معحه فلم أفعحل‪ ،‬لكونحه كان معحه فحي جلبتحه‬
‫الجمال فخفت من ذلك‪ ،‬ولم أكن ركبت البحر قبلها وكان هنالك جملة من أهل اليمن‬
‫قد جعلوا زوادهم وأمتعتهم في الجلب وهم متأهبون للسفر‪.‬‬
‫حكاية‬

‫ولمحا ركبنحا البححر أمحر الشريحف منصحور أححد غلمانحه أن يأتيحه بعديلة دقيحق‪ ،‬وهحي‬
‫نصحف حمحل وبطحة سحمن‪ ،‬يأخذهمحا محن جلب أهحل اليمحن‪ .‬فأخذهمحا وأتحى بهمحا إليحه‪،‬‬
‫فأتانحي التجار باكيحن‪ ،‬وذكروا إلى أن فحي جوف تلك العديلة عشرة آلف درهحم نقرة‪،‬‬
‫ورغبوا مني أن أكلمه في ردها‪ ،‬وأن يأخذ سواها‪ ،‬فأتيته وكلمته في ذلك وقلت له‪:‬‬
‫إن للتجار فحي جوف هذه العديلة شيئاً‪ ،‬فقال‪ :‬إن كان سحكراً فل أرده إليهحم‪ ،‬وإن كان‬
‫سححوى ذلك فهححو لهححم‪ ،‬ففتحوهححا ووجدوا الدراهححم‪ ،‬فردهححا عليهححم وقال لي‪ :‬لو كان‬
‫عجلن محا ردهحا وعجلن هحو ابحن أخيحه رميثحة‪ ،‬وكان قحد دخحل فحي تلك اليام دار‬
‫تاجحر محن أهحل دمشحق قاصحداً لليمحن‪ ،‬فذهحب بمعظحم محا كان فيهحا‪ ،‬وعجلن هحو أميحر‬
‫مكحة على هذا العهحد‪ ،‬وقحد صحلح حاله‪ ،‬وأظهحر العدل والفضحل‪ .‬ثحم سحافرنا فحي هذا‬
‫البحححر بالريححح الطيبححة يوميححن‪ ،‬وتغيرت الريححح بعححد ذلك وصححدتنا عححن السححبيل التححي‬
‫قصدناها‪ ،‬ودخلت أمواج البحر معنا في المركب‪ ،‬واشتد الميد بالناس ‪ ،‬ولم نزل في‬

‫أهوال حتى خرجنا في مرسى يعرف برأس دوائر‪ ،‬فيما بين عيذاب وسواكن فنزلنا‬
‫به‪ ،‬ووجدنا بساحله عريش قصب على هيئة مسجد‪ ،‬وبه كثير من قشور بيض النعام‬
‫مملوءة ماء فشربنحا منحه‪ ،‬وطبخنحا ورأيحت فحي ذلك المرسحى عجباً‪ ،‬وهحو خور مثحل‬
‫الوادي يخرج محن البححر‪ ،‬فكان الناس يأخذون الثوب ويمسحكون بأطرافحه ويخرجون‬
‫بححه‪ ،‬وقححد امتل سحمكاً‪ ،‬كحل سححمكة منهحا قدر الذراع‪ ،‬ويعرفونحه بالبوري فطبحخ منحه‬
‫الناس كثيراً واشتروا وقصحدت إلينحا طائفحة محن البجاة‪ ،‬وهحم سحكان تلك الرض سحود‬
‫اللوان‪ ،‬لباسحهم الملححف الصحفر‪ ،‬ويشدون على رؤوسحهم عصحائب حمراً‪ ،‬عرض‬
‫الصبع‪ ،‬وهم أهل نجدة وشجاعة‪ ،‬وسلحهم الرماح والسيوف‪ ،‬ولهم جمال يسمونها‬
‫الصحهب‪ ،‬يركبونهحا بالسحروج فاكترينحا منهحم الجمال‪ ،‬وسحافرنا معهحم فحي بريحة كثيرة‬
‫الغزلن‪ ،‬والبجاة ل يأكلونهحا وهحي تأنحس بالدمحي ول تنفحر منحه‪ .‬وبعحد يوميحن محن‬
‫مسيرنا وصلنا إلى حي من العرب يعرفون بأولد كاهل‪ ،‬مختلطين بالبجاة‪ ،‬عارفين‬
‫بلسحانهم‪ ،‬وفحي ذلك اليوم وصحلنا إلى جزيرة سحواكن‪ ،‬وهحي على نححو سحتة أميال محن‬
‫البر‪ ،‬ول ماء بهحححا ول زرع ول شجحححر‪ ،‬والماء يجلب إليهحححا فحححي القوارب‪ ،‬وفيهحححا‬
‫صحهاريج يجتمحع بهحا ماء المطحر‪ ،‬وهحي جزيرة كحبيرة‪ ،‬وبهحا لحوم النعام والغزلن‬
‫وحمححر الوحححش‪ ،‬والمعزى عندهححم كثيححر واللبان والسححمن ومنهححا يجلب إلى مكححة‬
‫وحبوبهم الجرجور‪ ،‬وهو نوع من الذرة كبير الحب يجلب منها أيضاً إلى مكة‪.‬‬

‫ذكر سلطانها‬

‫وكان سحلطان جزيرة سحواكن حيحن وصحولي إليهحا الشريحف زيحد بن أبحي نمحي‪ ،‬وأبوه‬
‫أمير مكة‪ ،‬وأخواه أميراها بعده‪ ،‬وهما عطيفة ورميثة اللذان تقدم ذكرهما وصارت‬
‫إليحه محن قبحل البجاة‪ ،‬فإنهحم أخواله ومعحه عسحكر محن البجاة‪ ،‬وأولده كاهحل وعرب‬
‫جهينة وركبنا البحر من جزيرة سواكن نريد أرض اليمن‪ ،‬وهذا البحر ل يسافر فيه‬
‫بالليحل لكثرة أحجاره‪ ،‬وإنمحا يسحافرون فيحه محن طلوع الشمحس إلى غروبهحا ويرسحون‬
‫وينزلون إلى البر فإذا كان الصباح صعدوا إلى المركب وهم يسمون رئيس المركب‬
‫الربان ول يزال أبدًا فحي مقدم المركحب‪ ،‬ينبحه صحاحب السحكان على الحجار ‪ ،‬وهحم‬
‫يسحمونها النبات‪ .‬وبعحد سحتة أيام محن خروجنحا عحن جزيرة سحواكن وصحلنا إلى مدينحة‬
‫حلي " وضبط اسمها بفتح الحاء المهمل وكسر اللم وتخفيفها "‪ ،‬وتعرف باسم ابن‬
‫يعقوب وكان من سلطين اليمن ساكناً بها قديماً وهي كبيرة حسنة العمارة‪ ،‬يسكنها‬
‫طائفتان مححن العرب‪ ،‬وهححم بنححو حرام وبنححو كنانححة وجامححع هذه المدينححة مححن أحسححن‬
‫الجوامحع‪ ،‬وفيحه جماعحة محن الفقراء المنقطعيحن إلى العبادة منهحم الشيحخ الصحالح العابحد‬
‫الزاهححد قبولة الهندي‪ ،‬مححن كبار الصححالحين لباسححه مرقعححة وقلنسححوة لبححد‪ ،‬وله خلوة‬
‫متصحلة بالمسحجد‪ ،‬فرشهحا الرمحل‪ ،‬ل حصحير بهحا ول بسحاط‪ ،‬ولم أر بهحا حيحن لقائي له‬
‫شيئاً إل إبريق الوضوء‪ ،‬وسفرة من خوص النخيل فيها كسر شعير يابسة‪ ،‬وصحيفة‬
‫فيهحا ملح وسحعتر فإذا جاءه أححد قدم بيحن يديحه ذلك‪ ،‬ويسحمع بحه أصححابه‪ ،‬فيأتحي كحل‬
‫واححد منهحم بمحا حضحر محن غيحر تكلف شيحء وإذا صحلوا العصحر اجتمعوا للذكحر بيحن‬

‫يدي الشيخ إلى صلة المغرب وإذا صلوا المغرب أخذ كل واحد منهم موقفه للتنفل‪،‬‬
‫فل يزالون كذلك إلى صحححلة العشاء الخرة‪ ،‬فإذا صحححلوا العشاء الخرة أقاموا على‬
‫الذكحححر إلى ثلث الليحححل ثحححم انصحححرفوا ويعودون فحححي أول الثلث الثالث إلى المسحححجد‬
‫فيتهجدون إلى الصحبح‪ ،‬ثحم يذكرون إلى أن تحيحن صحلة الشراق‪ ،‬فينصحرفون بعحد‬
‫صلتها ومنهم من يقيم إلى أن يصلي صلة الضحى بالمسجد وهذا دأبهم‪ ،‬أبداً‪ ،‬ولقد‬
‫كنحت أردت القامحة معهحم باقحي عمري‪ ،‬ولم أوفحق لذلك وال تعالى يتداركنحا بلطفحه‬
‫وتوفيقه‪.‬‬
‫ذكر سلطان حلي‬

‫وسلطانها عامر بن ذؤيب من بنى كنانة‪ ،‬وهو من الفضلء الدباء الشعراء‪ .‬صحبته من‬
‫مكة إلى جدة‪ ،‬وكان قد حج في سنة ثلثين‪ .‬ولما قدمت مدينته أنزلني وأكرمني‪ ،‬وأقمت في‬
‫ضيافته أياماً‪ .‬وركبت البحر في مركب له فوصلت إلى بلدة السرجة " وضبط اسمها بفتح‬
‫السين المهمل وإسكان الراء وفتح الجيم "‪ ،‬بلدة صغيرة يسكنها جماعة من أولد الهلبي‪،‬‬
‫وهم طائفة من تجار اليمن‪ ،‬أكثرهم ساكنون بصنعاء ولهم فضل وكرم وإطعام لبناء‬
‫السبيل‪ ،‬ويعينون الحجاج‪ ،‬ويركبونهم في مراكبهم‪ ،‬ويزودونهم من أموالهم‪ .‬وقد عرفوا‬
‫بذلك واشتهروا به‪ .‬وكثر ال أموالهم‪ ،‬وزادهم من فضله‪ ،‬وأعانهم على فعل الخير‪ .‬وليس‬
‫بالرض من يماثلهم في ذلك إل الشيخ بدر الدين النقاش الساكن ببلدة القحمة‪ ،‬فله مثل ذلك‬
‫من المآثر واليثار‪ .‬وأقمنا بالسرجة ليلة واحدة في ضيافة المذكورين‪ ،‬ثم رحلنا إلى مرسى‬
‫الحادث ولم ننزل به‪ ،‬ثم إلى مرسى البواب‪ ،‬ثم إلى مدينة زبيد‪ ،‬مدينة عظيمة باليمن بينها‬
‫وبين صنعاء أربعون فرسخاً‪ ،‬وليس باليمن بعد صنعاء أكبر منها‪ ،‬ول أغنى من أهلها‪،‬‬
‫واسعة البساتين كثيرة المياه والفواكه من الموز وغيره‪ .‬وهي برية ل شطية إحدى قواعد‬
‫بلد اليمن " وهي بفتح الزاي وكسر الباء الموحدة " مدينة كبيرة كثيرة العمارة‪ ،‬بها النخل‬
‫والبساتين والمياه‪ ،‬أملح بلد اليمن وأجملها‪ ،‬ولهلها لطافة الشمائل وحسن الخلق وجمال‬
‫الصور‪ ،‬ولنسائها الحسن الفائق الفائت‪ ،‬وهي وادي الخصيب الذي يذكر في بعض الثار‬
‫أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال لمعاذ في وصيته‪ " :‬يا معاذ إذا جئت وادي الخصيب‬
‫فهرول " ولهل هذه المدينة سبوت النخل المشهورة‪ ،‬وذلك لنهم يخرجون في أيام البسر‬
‫والرطب في كل سبت إلى حدائق النخل‪ ،‬ول يبقى بالمدينة أحد من اهلها ول من الغرباء‪،‬‬
‫ويخرج أهل الطرب أهل السواق لبيع الفواكه والحلوات‪ ،‬وتخرج النساء ممتطيات‬

‫الجمال في المحامل‪ ،‬ولهن مع ما ذكرناه من الجمال الفائق‪ ،‬الخلق الحسنة والمكارم‪.‬‬
‫وللغريب عندهن مزية‪ ،‬ول يمتعن من تزوجه كما يفعله نساء بلدنا‪ .‬فإذا أراد السفر‬
‫خرجت معه وودعته‪ ،‬وإن كان بينهما ولد فهي تكفله وتقوم بما يجب له إلى ان يرجع أبوه‪،‬‬
‫ول تطالبه في أيام الغيبة بنفقة ول كسوة ول سواها‪ .‬وإذا كان مقيماً فهي تقنع منه بقليل‬
‫النفقة والكسوة‪ .‬لكنهن ل يخرجن عن بلدهن أبداً‪ ،‬ولو أعطيت إحداهن ما عسى أن تعطاه‬
‫على أن تخرج من بلدها لم تفعل‪ .‬وعلماء تلك البلد وفقهاؤها أهل صلح ودين وأمانة‬
‫ومكارم وحسن خلق‪ .‬لقيت بمدينة زبيد الشيخ العالم الصالح أبا محمد الصنعاني‪ ،‬والفقيه‬
‫الصوفي المحقق أبا العباس البياني‪ ،‬والفقيه المحدث أبا علي الزبيدي‪ .‬ونزلت في جوارهم‬
‫فأكرموني وأضافوني ودخلت حدائقهم‪ ،‬واجتمعت عند بعضهم بالفقيه القاضي العالم أبي‬
‫زيد عبد الرحمن الصوفي أحد فضلء اليمن‪ .‬ووقع عنده ذكر العابد الزاهد الخاشع أحمد بن‬
‫العجيل اليمني‪ ،‬وكان من كبار الرجال وأهل الكرامات‪.‬‬
‫كرامححة‪ :‬ذكروا أن فقهاء الزيديححة وكححبراءهم أتوا مرة إلى زيارة الشيححخ أحمححد بححن‬
‫العجيححل‪ ،‬فجلس لهححم خارج الزاويححة‪ ،‬واسححتقبلهم أصحححابه‪ .‬ولم يححبرح الشيححخ عححن‬
‫موضعه‪ ،‬فسلموا عليه‪ ،‬وصافحهم ورحب بهم‪ .‬ووقع بينهم الكلم في مسألة القدر‪.‬‬
‫وكانوا يقولون أن ل قدر‪ ،‬وأن المكلف يخلق أفعاله‪ .‬فقال لهححم الشيحخ فإن كان المححر‬
‫على محا تقولون فقوموا عحن مكانكحم هذا‪ .‬فأرادوا القيام فلم يسحتطيعوا‪ .‬وتركهحم الشيحخ‬
‫على حالهحم ودخحل الزاويحة‪ .‬وأقاموا كذلك‪ ،‬واشتحد بهحم الححر‪ ،‬ولحقهحم وهحج الشمحس‪،‬‬
‫وضجوا ممحا نزل بهحم‪ .‬فدخحل أصححاب الشيحخ إليحه وقالوا له إن هؤلء القوم قحد تابوا‬
‫إلى ال‪ ،‬ورجعوا عحن مذهبهحم الفاسحد‪ ،‬فخرج عليهحم الشيحخ‪ ،‬فأخحذ بأيديهحم وعاهدهحم‬
‫على الرجوع إلى الححق وترك مذهبهحم السحيء وأدخلهحم زاويتحه‪ ،‬فأقاموا فحي ضيافتحه‬
‫ثلثاً وانصحرفوا إلى بلدهحم‪ .‬وخرجحت لزيارة قحبر هذا الرجحل الصحالح‪ ،‬وهحو بقريحة‬
‫يقال لها‪ :‬غسانة خارج زبيد‪ .‬ولقيت ولده الصالح أبا الوليد إسماعيل‪ ،‬فأضافني وبت‬
‫عنده‪ ،‬وزرت ضريححح الشيحخ‪ ،‬وأقمححت معححه ثلثاً‪ .‬وسحافرت فححي صحححبته إلى زيارة‬
‫الفقيحه أبحي الحسحن الزيلعحي‪ ،‬وهحو محن كبار الصحالحين‪ ،‬ويقدم عليحه حجاج اليمحن إذا‬

‫توجهوا للححج‪ .‬وأهحل تلك البلد وأعرابهحا يعظمونحه ويحترمونحه‪ .‬فوصحلنا إلى جبلة‪،‬‬
‫وهححي بلدة صححغيرة حسححنة ذات نخححل وفواكححه وأنهار‪ .‬فلمححا سححمع الفقيححه أبححو الحسححن‬
‫الزيلعحي بقدوم الشيحخ أبحي الوليحد اسحتقبله وأنزله بزاويتحه وسحلمت عليحه معحه‪ .‬وأقمنحا‬
‫عنده ثلثحة أيام فحي خيحر مقام‪ ،‬ثحم انصحرفنا‪ .‬وبعحث معنحا أححد الفقراء‪ ،‬فتوجهنحا إلى‬
‫مدينححة تعححز حضرة ملك اليمححن " وضبححط اسححمها بفتححح التاء المعلوة وكسححر العيححن‬
‫المهملة وزاء "‪ ،‬وهحي محن أحسحن مدن اليمحن وأعظمهحا‪ ،‬وأهلهحا ذوو تجحبر وتكحبر‬
‫وفظاظة‪ .‬وكذلك الغالب على البلد التي يسكنها الملوك‪ .‬وهي ثلث محلت‪ :‬إحداها‬
‫يسحكنها السحلطان ومماليكحه وحاشيتحه وأرباب دولتحه وتسحمى باسحم ل أذكره‪ ،‬والثانيحة‬
‫يسحكنها المراء والجناد وتسحمى عدينحة‪ ،‬والثالثحة يسحكنها عامحة الناس وبهحا السحوق‬
‫العظمى وتسمى المحالب‪.‬‬
‫ذكر سلطان اليمن‬

‫وهحو السحلطان المجاهحد نور الديحن علي ابحن السحلطان المؤيحد هزبر الديحن داود ابحن‬
‫السحلطان المظفحر يوسحف بحن علي بحن رسحول‪ ،‬شهحر جده برسحول لن أححد خلفاء بنحي‬
‫العباس أرسله إلى اليمن ليكون بها أميراً‪ ،‬ثم استقل أولده بالملك وله ترتيب عجيب‬
‫في قعوده وركوبه‪ .‬وكنت لما وصلت هذه المدينة مع الفقير الذي يعثه الشيخ الفقيه‬
‫أبحو الحسحن الزيلعحي فحي صححبتي قصحد بحي إلى قاضحي القضاة المام المحدث صحفي‬
‫الديحن الطحبري المكحي‪ ،‬فسحلمنا عليحه ورححب بنحا وأقمنحا بداره فحي ضيافتحه ثلثاً‪ .‬فلمحا‬
‫كان اليوم الرابع وهو يوم الخميس وفيه يجلس السلطان لعامة الناس‪ ،‬دخل بي عليه‬

‫فسلمت عليه‪ ،‬وكيفية السلم عليه أن يمس النسان الرض بسبابته‪ ،‬ثم يرفعها إلى‬
‫رأسه‪ ،‬ويقول‪ :‬أدام ال عزك‪ .‬ففعلت كمثل ما فعله القاضي عن يمين الملك‪ ،‬وأمرني‬
‫فقعدت بيحن يديحه‪ .‬فسحألني عحن بلدي وعحن مولنحا أميحر المسحلمين جواد الجواد أبحي‬
‫سحعيد رضي ال عنحه‪ ،‬وعن ملك مصحر وملك العراق وملك اللور‪ ،‬فأجبته عما سحأل‬
‫مححن أحوالهححم‪ ،‬وكان وزيره بيححن يديححه‪ ،‬فأمره بإكرامححي وإنزالي‪ .‬وترتيححب قعود هذا‬
‫الملك أنه يجلس فوق دكانه مفروشة مزينة بثياب الحرير‪ ،‬وعن يمينه ويساره أهل‬
‫السلح‪ ،‬ويليه منهم أصحاب السيوف والدرق‪ ،‬ويليهم أصحاب القسي‪ ،‬وبين أيديهم‬
‫في الميمنة والميسرة الحاجب وأرباب الدولة وكاتب السر وأمير جندار على رأسه‪،‬‬
‫والشاويشيحة‪ ،‬وهحم محن الجنادرة وقوف على بعحد‪ .‬فإذا قعحد السحلطان صحاحوا صحيحة‬
‫وحدة‪ :‬بسححم ال‪ .‬فإذا قاموا فعلوا مثححل ذلك‪ ،‬فيعلم جميححع مححن بالمشور وقححت قيامححه‬
‫ووقت قعوده‪ .‬فإذا استوى قاعداً كل من عادته أن يسلم عليه فسلم ووقف حيث رسم‬
‫له فحي الميمنحة أو الميسحرة‪ ،‬ل يتعدى أححد موضعحه‪ ،‬ول يقعحد إل محن أمحر بالقعود‪.‬‬
‫يقول السحلطان للميحر جندار محر فلناً يقعحد‪ ،‬فيتقدم ذلك المأمور بالقعود عحن موقفحه‬
‫قليلً‪ ،‬ويقعحد على بسحاط هناك بيحن أيدي القائميحن فحي الميمنحة والميسحرة‪ ،‬ثحم يؤتحى‬
‫بالطعام‪ ،‬وهحو طعامان طعام العامحة وطعام الخاصحة‪ .‬فأمحا الطعام الخاص فيأكحل منحه‬
‫السحلطان وقاضحي القضاة والكبار محن الشرفاء ومحن الفقهاء والضيوف‪ ،‬وأمحا الطعام‬
‫العام فيأكحل منحه سحائر الشرفاء والفقهاء والقضاة والمشايحخ والمراء ووجوه الجناد‪.‬‬
‫ومجلس كحل إنسحان للطعام معيحن ل يتعداه ول يزاححم أححد منهحم أحداً‪ .‬وعلى مثحل هذا‬

‫الترتيحب سحواء هحو ترتيحب ملك الهنحد فحي طعامحه‪ .‬فل أعلم أن سحلطين الهنحد أخذوا‬
‫ذلك عحن سحلطين اليمحن أم سحلطين اليمحن أخذوه عحن سحلطين الهنحد‪ .‬وأقمحت فحي‬
‫ضيافحة سحلطان اليمحن أياماً‪ ،‬وأحسحن إلي وأركبنحي‪ ،‬وانصحرفت مسحافراً إلى مدينحة‬
‫صحنعاء‪ ،‬وهحي قاعدة بلد اليمحن الولى‪ .‬مدينحة كحبيرة حسحنة العمارة‪ ،‬بناؤهحا بالجحر‬
‫والجحص‪ ،‬كثيرة الشجار والفواكحه والزرع‪ ،‬معتدلة الهواء طيبحة الماء ومحن الغريحب‬
‫أن المطر ببلد الهند واليمن والحبشة إنما ينزل في أيام القيظ‪ ،‬وأكثر ما يكون نزوله‬
‫بعد الظهر من كل يوم في ذلك الوان‪ .‬فالمسافرون عند الزوال لئل يصيبهم المطر‬
‫وأهحل المدينحة ينصحرفون إلى منازلهحم لن أمطارهحا وابلة متدفقحة‪ ،‬والمدينحة مفروشحة‬
‫كلهححا‪ .‬فإذا نزل المطححر غسححل جميححع أزقتهححا وأنقاهححا‪ .‬وجامححع صححنعاء مححن أحسححن‬
‫الجوامع‪ ،‬وفيه قبر نبي من النبياء عليهم السلم‪ .‬ثم سافرت منها إلى مدينة عدن‪،‬‬
‫مرسى بلد اليمن‪ ،‬على ساحل البحر العظم‪ .‬والجبال تحف بها ول مدخل إليها إل‬
‫من جانب واحد؛ وهي مدينة كبيرة‪ ،‬ول زرع بها ول شجر ول ماء‪ ،‬وبها صهاريج‬
‫يجتمع فيها الماء أيام المطر‪ .‬والماء على بعد منها‪ ،‬فربما منعته العرب وحالوا بين‬
‫أهل المدينة وبينه حتى يصانعونهم بالمال والثياب‪ .‬وهي شديدة الحر‪ .‬وهي مرسى‬
‫أهحل الهنحد‪ .‬تأتحي إليهحا المراكحب العظيمحة من كنبايحت وتانحه وكولم وقالقوط وفندراينحه‬
‫والشاليات ومنجرور وفاكنور وهنور وسندابور وغيرها‪ ،‬وتجار الهند ساكنون بها‪،‬‬
‫وتجار مصحر أيضاً‪ .‬وأهحل عدن محا بيحن تجار وحماليحن وصحيادين للسحمك‪ .‬وللتجار‬
‫منهم أموال عريضة‪ ،‬وربما يكون لحدهم المركب العظيم بجميع ما فيه ل يشاركه‬

‫فيه غيره لسعة ما بين يديه من الموال‪ ،‬ولهم في ذلك تفاخر ومباهاة‪.‬‬
‫حكاية‬

‫ذكححر لي أن بعضهححم بعححث غلماً له ليشتري له كبشاً‪ ،‬وبعححث آخححر منهححم غلماً له‬
‫برسحم ذلك أيضاً‪ ،‬فاتفحق أنحه لم يكحن بالسحوق فحي ذلك اليوم إل كبحش واححد‪ .‬فوقعحت‬
‫المزايدة فيحه بيحن الغلميحن‪ ،‬فأنهحى ثمنحه إلى أربعمائة دينار‪ .‬فأخذه أحدهمحا وقال‪ :‬إن‬
‫رأس مالي أربعمائة دينار‪ ،‬فإن أعطانحي مولي ثمنحه فحسحن‪ ،‬وإل دفعحت فيحه رأس‬
‫مالي ونصححرت نفسححي وغلبححت صححاحبي‪ ،‬وذهححب الكبححش إلى سححيده بالقضيححة أعتقححه‬
‫وأعطاه ألف دينار‪ ،‬وعاد الخحححر إلى سحححيدة خائباً فضربحححه وأخحححذ ماله ونفاه عنحححه‪.‬‬
‫ونزلت في عدن عند تاجر يعرف بناصر الدين الفأري‪ .‬فكان يحضر طعامه كل ليلة‬
‫نححو عشرين من التجار‪ .‬وله غلمان وخدام أكثحر من ذلك‪ .‬محع هذا كله فهحم أهحل دين‬
‫وتواضحع وصحلح ومكارم أخلق‪ ،‬يحسحنون إلى الغريحب ويؤثرون الفقيحر ويعطون‬
‫ححق ال من الزكاة على ما يجب‪ ،‬ولقيحت بهذه المدينحة قاضيها الصحالح سحالم بحن عبحد‬
‫ال الهندي‪ ،‬وكان والده محن العبيحد الحماليحن‪ .‬واشتغحل ابنحه بالعلم‪ ،‬فرأس وسحاد‪ .‬وهحو‬
‫محن خيار القضاة وفضلئهحم‪ .‬أقمحت فحي ضيافتحه أياماً‪ ،‬وسحافرت محن مدينحة عدن فحي‬
‫البححر أربعحة أيام‪ ،‬ووصحلت إلى مدينحة زيلع وهحي مدينحة البرابرة‪ ،‬وهحم طائفحة محن‬
‫السحودان شافعيحة المذهحب‪ ،‬وبلدهحم صححراء مسحيرة شهريحن‪ .‬أولهحا زيلع‪ ،‬وآخرهحا‬
‫مقدشحو‪ .‬ومواشيهحم الجمال‪ ،‬وهحي أغنام مشهورة السحمن‪ .‬وأهحل زيلع سحود اللوان‪،‬‬
‫وأكثرهححم رافضححة‪ .‬وهححي مدينححة كححبيرة لهحا سححوق عظيمححة‪ ،‬إل أنهححا أقذر مدينححة فححي‬

‫المعمور وأوحشهححا وأكثرهححا نتناً‪ .‬وسححبب نتنهححا كثرة سححمكها ودماء البححل التححي‬
‫ينحرونهحا فحي الزقحة‪ .‬ولمحا وصحلنا إليهحا اخترنحا المحبيت بالبححر على شدة هوله‪ ،‬ولم‬
‫نبحت بهحا لقذرهحا‪ .‬ثحم سحافرنا منهحا فحي البححر خمحس عشرة ليلة ووصحلنا مقدشحو "‬
‫وضبط اسمها بفتح الميم وإسكان القاف وفتح الدال المهمل والشين المعجم وإسكان‬
‫الواو "‪ ،‬وهي مدينة متناهية في الكبر‪ ،‬وأهلها لهم جمال كثيرة ينحرون منها المئين‬
‫فحي كحل يوم‪ .‬ولهحم أغنام كثيرة‪ ،‬وأهلهحا تجار أقوياء‪ ،‬وبهحا تصحنع الثياب المنسحوبة‬
‫إليهحا التحي ل نظيحر لهحا‪ .‬ومنحه تحمحل إلى ديار مصحر وغيرهحا‪ .‬ومحن عادة أهحل هذه‬
‫المدينة أنه متى وصل مركب إلى المرسى تصعد الصنابق‪ ،‬وهي القوارب الصغار‬
‫إليحه‪ .‬ويكون فحي كحل صحنبوق جماعحة محن شبان أهلهحا‪ ،‬فيأتحي كحل واححد منهحم بطبحق‬
‫مغطى فيه الطعام‪ ،‬فيقدمه لتاجر من تجار المركب‪ ،‬ويقول‪ :‬هذا نزيلي‪ .‬وكذلك يفعل‬
‫كل واحد منهم‪ .‬ول ينزل التاجر من المركب إل إلى دار نزيله من هؤلء الشبان إل‬
‫محا كان كثيحر التردد إلى البلد‪ ،‬وحصحلت له معرفحة أهله‪ ،‬فإنحه ينزل حيحث شاء‪ .‬فإذا‬
‫نزل عند نزيله باع له ما عنده واشترى له‪ ،‬ومن اشترى منه ببخس أو باع منه بغير‬
‫حضور نزيله‪ ،‬فذلك البيحع مردود عندهحم‪ .‬ولهحم منتفعحة فحي ذلك‪ .‬ولمحا صحعد الشبان‬
‫إلى المركححب الذي كنححت فيححه جاء إلي بعضهححم فقال له أصحححابي‪ :‬ليححس هذا بتاجححر‪،‬‬
‫وإنمححا هححو فقيححه‪ .‬فصححاح بأصحححابه وقال لهححم‪ :‬هذا نزيححل القاضححي‪ ،‬وكان فيهححا أحححد‬
‫أصححاب القاضحي فعرفحه بذلك‪ ،‬فأتحى إلى سحاحل البححر فحي جملة محن الطلبحة‪ ،‬وبعحث‬
‫إلي أحدهم‪ .‬فنزلت أنا وأصحابي وسلمت على القاضي وأصحابه‪ ،‬وقال لي‪ :‬بسم ال‬

‫نتوجحه للسحلم على الشيحخ‪ .‬فقلت‪ :‬ومحن الشيحخ ? فقال‪ :‬السحلطان‪ .‬وعادتهحم أن يقولوا‬
‫للسلطان الشيخ‪ .‬فقلت له‪ :‬إذا نزلت توجهت إليه‪ .‬فقال لي‪ :‬إن العادة إذا جاء الفقيه أو‬
‫الشريف أو الرجل الصالح ل ينزل حتى يرى السلطان فذهبت معهم إليه كما طلبوا‪.‬‬
‫ذكر سلطان مقديشو‬

‫وسحلطان مقديشحو كمحا ذكرناه‪ ،‬إنمحا يقولون له الشيحخ‪ ،‬واسحمه أبحو بكحر ابحن الشيحخ‬
‫عمحر‪ .‬وهحو فحي الصحل محن البرابرة‪ ،‬وكلمحه بالمقدشحي‪ ،‬ويعرف اللسحان العربحي‪.‬‬
‫ومحن عوائده أنححه متحى وصححل مركحب‪ ،‬يصححعد إليحه صححنبوق السححلطان‪ ،‬فيسحأل عحن‬
‫المركب من أين قدم ومن صاحبه ومن ربانه وهو الرئيس وما وسقه ومن قدم فيه‬
‫مححن التجار وغيرهححم‪ ،‬فيعرف بذلك كله‪ ،‬ويعرض على السححلطان‪ .‬فمححن اسححتحق أن‬
‫ينزل عنده أنزله‪ .‬ولمححا وصححلت مححع القاضححي المذكور‪ ،‬وهححو يعرف بابححن البرهان‪،‬‬
‫المصحري الصحل‪ ،‬إلى دار السحلطان‪ ،‬خرج بعحض الفتيان فسحلم على القاضحي‪ ،‬فقال‬
‫له‪ :‬بلغ المانحة‪ .‬وعرف مولنحا الشيحخ أن هذا الرجحل قحد وصحل محن أرض الحجاز‪.‬‬
‫فبلغ‪ ،‬ثم عاد وأتى بطبق فيه أوراق التنبول والفوفل‪ ،‬فأعطاني عشر أوراق مع قليل‬
‫من الفوفحل‪ ،‬وأعطحى للقاضحي كذلك‪ ،‬وأعطحى لصححابي ولطلبحة القاضحي ما بقي فحي‬
‫الطبحق‪ ،‬وجاء بقمقحم محن ماء الورد الدمشقحي‪ ،‬فسحكب علي وعلى القاضحي‪ ،‬وقال‪ :‬إن‬
‫مولنححا أمححر أن ينزل بدار الطلبححة‪ ،‬وهححي دار معدة لضيافححة الطلبححة‪ .‬فأخححذ القاضححي‬
‫بيدي‪ ،‬وجئنحا إلى تلك الدار‪ ،‬وهحي بمقربحة محن دار الشيحخ‪ .‬مفروشحة مرتبحة بمحا تحتاج‬
‫إليحه‪ .‬ثحم أتحي بالطعام محن دار الشيحخ‪ ،‬ومعحه أححد وزرائه‪ ،‬وهحو الموكحل بالضيوف‪،‬‬

‫فقال‪ :‬مولنححا يسححلم عليكححم‪ ،‬ويقول لكححم قدمتححم خيححر مقدم‪ ،‬ثححم وضححع الطعام‪ ،‬فأكلنححا‪.‬‬
‫وطعامهم الرز المطبوخ بالسمن‪ ،‬يجعلونه في صفحة خشب كبيرة‪ ،‬ويجعلون فوقه‬
‫صحاف الكوشان‪ ،‬وهو الدام من الدجاج واللحم والحوت والبقول‪ .‬ويطبخون الموز‬
‫قبحل نضجحه فحي اللبحن الحليحب‪ ،‬ويجعلونحه فحي صححفة‪ ،‬ويجعلون اللبحن المروب فحي‬
‫صححفة‪ ،‬ويجعلون عليحه الليمون المصحبر وعناقيحد الفلفحل المصحبر المخلل والمملوح‬
‫والزنجبيحل الخضحر والعنحب‪ ،‬وهحي مثحل التفاح ولكحن لهحا نواة‪ ،‬وهحي إذا نضجحت‬
‫شديدة الحلوة‪ ،‬وتؤكحل كالفاكهحة‪ ،‬وقبحل نضجهحا حامضحة كالليمون يصحبرونها فحي‬
‫الخحححل‪ .‬وهحححم إذا أكلوا لقمحححة محححن الرز أكلوا بعدهحححا محححن هذه الموالح والمخللت‪.‬‬
‫والواححد محن أهحل مقديشحو يأكحل قدر محا تأكله الجماعحة منحا عادة لهحم‪ .‬وفحي نهايحة محن‬
‫ضخامحة الجسحام وسحمنها‪ .‬ثحم لمحا طعمنحا انصحرف عنحا القاضحي‪ .‬وأقمنحا ثلثحة أيام‪،‬‬
‫يؤتحححححححححححى إلينحححححححححححا بالطعام ثلث مرات فحححححححححححي اليوم‪ ،‬وتلك عادتهحححححححححححم‪.‬‬

‫فلمححا كان اليوم الرابححع‪ ،‬وهححو يوم الجمعححة‪ ،‬جاءنححي القاضححي والطلبححة وأحححد وزراء‬
‫الشيححخ‪ ،‬وأتونححي بكسححوة‪ .‬وكسححوتهم فوطححة خححز يشدهححا النسححان فححي وسححطه عوض‬
‫السحراويل‪ ،‬فإنهحم ل يعرفونهحا‪ ،‬ودراعحة محن المقطحع المصحري معلمحة‪ ،‬وفرجيحة محن‬
‫القدسحي مبطنحة‪ ،‬وعمامحة مصحرية معلمحة‪ .‬وأتوا لصححابي بكسحى تناسحبهم‪ .‬وأتينحا‬
‫الجامع‪ .‬فصلينا خلف المقصورة‪ .‬فلما خرج الشيخ من باب المقصورة‪ ،‬سلمت عليه‬
‫محع القاضحي فرححب وتكلم بلسحانهم محع القاضحي‪ ،‬ثحم قال باللسحان العربحي‪ :‬قدمحت خيحر‬

‫مقدم وشرفت بلدنا وآنستنا‪ .‬وخرج إلى صحن المسجد فوقف على قبر والده‪ ،‬وهو‬
‫مدفون هنالك‪ ،‬فقرأ ودعحححححا‪ .‬ثحححححم جاء المراء والوزراء ووجوه الجناد فسحححححلموا‪.‬‬
‫وعادتهحم فحي السحلم كعادة أهحل اليمحن‪ .‬يضحع سحبابته فحي الرض ثحم يجعلهحا على‬
‫رأسحه‪ ،‬ويقول‪ :‬أدام ال عزك‪ .‬ثحم خرج الشيحخ محن باب المسحجد‪ ،‬فلبحس نعليحه‪ ،‬وأمحر‬
‫القاضحي أن ينتعحل‪ ،‬وأمرنحي أن أنتعحل‪ ،‬وتوجحه إلى منزله ماشياً‪ ،‬وهحو بالقرب محن‬
‫المسححجد‪ ،‬ومشححى الناس كلهححم حفاة‪ .‬ورفعححت فوق رأسححه أربححع قباب مححن الحريححر‬
‫الملون‪ ،‬وعلى أعلى كححل قبححة صححورة طائر مححن ذهححب‪ .‬وكان لباسححه فححي ذلك اليوم‬
‫فرجيححة قدسححي أخضححر‪ ،‬وتحتهححا مححن ثياب مصححر وطروحاتهححا الحسححان‪ .‬وهححو متقلد‬
‫بفوطححة حريححر‪ .‬وهححو معتححم بعمامححة كححبيرة‪ .‬وضربححت بيححن يديححه الطبول والبواق‬
‫والنفار‪ .‬وأمراء الجناد أمامه وخلف‪ .‬والقاضي والفقهاء والشرفاء معه‪ .‬ودخل إلى‬
‫مشوره على تلك الهيئة‪ .‬وقعححد الوزراء والمراء ووجوه الجناد فححي سححقيفة هنالك‪.‬‬
‫وفرش للقاضحي بسحاط ل يجلس معحه غيره عليحه‪ ،‬والفقهاء والشرفاء معحه‪ .‬ولم يزالوا‬
‫كذلك إلى صحلة العصحر‪ .‬فلمحا صحلوا العصحر محع الشيحخ‪ ،‬أتحى جميحع الجناد‪ ،‬ووقفوا‬
‫صححفوفاً على قدر مراتبهححم‪ .‬ثححم ضربححت الطبال والنفار والبواق والصححرنايات‪،‬‬
‫وعنحد ضربهحا ل يتحرك أححد‪ ،‬ول يتزحزح محن مقامحه‪ ،‬ومحن كان ماشيًا وقحف‪ ،‬فلم‬
‫يتحرك إلى خلف ول إلى أمام‪ ،‬فإذا فرغ من ضرب الطبلخانة سلموا بأصابعهم كما‬
‫ذكرناه‪ ،‬وانصحرفوا‪ .‬وتلك عادة لهحم فحي كحل يوم جمعححة‪ .‬وإذا كان يوم السحبت يأتححي‬
‫الناس إلى باب الشيححخ فيقعدون فححي سححقائف خارج الدار‪ ،‬ويدخححل القاضححي والفقهاء‬

‫والصححالحون والمشايححخ والحجاج إلى المشور الثانححي‪ ،‬فيقعدون على دكاكيححن خشححب‬
‫معدة لذلك‪ ،‬ويكون القاضحي على دكانحه وحده‪ ،‬وكحل صحنف على دكانحه تخصحهم‪ ،‬ل‬
‫يشاركهحم فيهحا سحواهم‪ .‬ثحم يجلس الشيحخ بمجلسحه‪ ،‬ويبعحث إلى القاضحي فيجلس عحن‬
‫يساره‪ ،‬ثم يدخل الفقهاء فيقعد كبراؤهم بين يديه‪ ،‬وسائرهم يسلمون وينصرفون‪ ،‬ثم‬
‫يدخحل الشرفاء‪ ،‬فيقعحد كحبراؤهم بيحن يديحه‪ ،‬ويسحلم سحائرهم وينصحرفون‪ .‬وإن كانوا‬
‫ضيوفًا جلسححوا عححن يمينححه‪ ،‬ثححم يدخححل المشايححخ والحجاج‪ ،‬فيجلس كححبراؤهم ويسححلم‬
‫سححائرهم وينصححرفون‪ .‬ثححم يدخححل الوزراء ثححم المراء ثححم وجوه الجناد‪ ،‬طائفححة بعححد‬
‫طائفة أخرى‪ ،‬فيسلمون وينصرفون‪ .‬ويؤتى بالطعام‪ ،‬فيأكل بين يدي الشيخ القاضي‬
‫والشرفاء ومحن كان قاعداً بالمجلس‪ ،‬ويأكحل الشيحخ معهحم‪ .‬وإن أراد تشريحف أححد محن‬
‫كبار أمرائه بعححث إليححه فأكححل معهححم‪ .‬ويأكححل سححائر الناس بدار الطعام‪ ،‬وأكلهححم على‬
‫ترتيححب مثححل ترتيبهححم فححي الدخول على الشيححخ‪ .‬ثححم يدخححل الشيححخ إلى داره‪ ،‬ويقصححد‬
‫القاضحي والوزراء وكاتحب السحر وأربعحة محن كبار المراء للفصحل بيحن الناس وأهحل‬
‫الشكايات‪ ،‬فمحا كان متعلقاً بالحكام الشرعيحة حكحم فيحه القاضحي‪ ،‬ومحا كان محن سحوى‬
‫ذلك حكححم فيححه أهححل الشورى‪ ،‬وهححم الوزراء والمراء‪ .‬ومححا كان مفتقراً إلى مشاورة‬
‫السحلطان كتبوا إليحه‪ ،‬فيخرج لهحم الجواب محن حينحه على ظهحر البطاقحة بمحا يقتضيحه‬
‫نظره وتلك عادتهحححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححم‪.‬‬
‫ثحم ركبحت محن مدينحة مقديشحو متوجهاً إلى بلد السحواحل قاصحداً مدينحة كلوا محن بلد‬
‫الزنوج‪ .‬فوصحلنا إلى جزيرة منبسحى " وضبحط اسحمها ميحم مفتوح ونون مسحكن وباء‬

‫موحدة مفتوحة وسين مهمل مفتوح وياء "‪ ،‬وهي كبيرة‪ ،‬بينها وبين أرض السواحل‬
‫مسححيرة يوميححن فححي البحححر‪ .‬ول بر لهححا‪ .‬وأشجارهحا‪ :‬الموز والليمون والترج‪ .‬ولهححم‬
‫فاكهحححة يسحححمونها الجمون‪ ،‬وهحححي شبحححه الزيتون‪ ،‬ولهحححا نوى كنواه‪ ،‬إل أنهحححا شديدة‬
‫الحلوة‪ .‬ول زرع عنحد أهحل هذه الجزيرة‪ ،‬وإنمحا يجلب اليهحم محن السحواحل‪ .‬وأكثحر‬
‫طعامهم الموز والسمك‪ .‬وهم شافعية المذهب أهل دين وعفاف وصلح‪ ،‬ومساجدهم‬
‫من الخشب محكمة التقان‪ ،‬وعلى كل باب من أبواب المساجد البئر والثنتان‪ .‬وعمق‬
‫آبارهحم ذراع أو ذراعان‪ ،‬فيسحتقون منهحا الماء بقدح خشحب‪ ،‬قحد غرز فيحه عود رقيحق‬
‫فحي طول الذراع‪ .‬والرض حول البئر والمسحجد مسحطحة‪ ،‬فمحن أراد دخول المسحجد‬
‫غسحل رجليحه ودخحل‪ .‬ويكون على بابحه قطعحة حصحير غليحظ يمسحح بهحا رجليحه‪ .‬ومحن‬
‫أراد الوضوء أمسححك القدح بيححن فخذيححه وصححب على يديححه‪ .‬ويتوضححأ‪ .‬وجميححع الناس‬
‫يمشون حفاة القدام‪ .‬وبتنا بهذه الجزيرة ليلة‪ ،‬وركبنا البحر إلى مدينة كلوا " وضبط‬
‫اسحمها بضحم الكاف واسحكان اللم وفتحح الواو "‪ ،‬وهحي مدينحة عظيمحة سحاحلية‪ ،‬وأكثحر‬
‫أهلهحا الزنوج المسحتحكمو السحواد‪ .‬ولهحم شرطات فحي وجوههحم‪ ،‬كمحا هحي فحي وجوه‬
‫الليميين من جنادة‪ .‬وذكر لي بعض التجار أن مدينة سفالة على مسيرة نصف شهر‬
‫محن مدينحة كلوا‪ ،‬وأن بيحن سحفالة ويوفحي محن بلد الليمييحن مسحيرة شهحر‪ ،‬ومحن يوفحي‬
‫يؤتى بالتبر إلى سفالة‪ .‬ومدينة كلوا من أحسن المدن وأتقنها عمارة‪ ،‬وكلها بالخشب‪.‬‬
‫وسحقف بيوتهحا الديحس‪ .‬والمطار بهحا كثيرة‪ .‬وهحم أهحل جهاد لنهحم فحي بر واححد محع‬
‫كفار الزنوج‪ .‬والغالب عليهم الدين والصلح‪ ،‬وهم شافعية المذهب‪.‬‬

‫ذكر سلطان كلوا‬

‫وكان سحلطانها فحي عهد دخولي إليها أبحو المظفر حسن‪ .‬ويكنحى أيضاً أبا المواهب‪،‬‬
‫لكثرة مواهبحه ومكارمحه‪ .‬وكان كثيحر الغزو إلى أرض الزنوج‪ ،‬يغيحر عليهحم ويأخحذ‬
‫الغنائم‪ ،‬فيخرج خمسحها ويصحرفه فحي مصحارفه المعينحة فحي كتاب ال تعالى‪ ،‬ويجعحل‬
‫نصححيب ذوي القربححى فححي خزانححة على حدة‪ .‬فإذا جاءه الشرفاء دفعححه إليهححم‪ .‬وكان‬
‫الشرفاء يقصححدونه مححن العراق والحجاز وسححواها‪ .‬ورأيححت عنده مححن شرفاء الحجاز‬
‫جماعة منهم محمد بن جماز ومنصور بن لبيدة ابن أبي نمي ومحمد بن شميلة ابن‬
‫أبحي نمحي‪ .‬ولقيحت بمقديشحو أتيحل بحن كيحش بحن جماز‪ ،‬وهحو يريحد القدوم عليحه‪ .‬وهذا‬
‫السححلطان له تواضححع شديححد‪ ،‬ويجلس مححع الفقراء ويأكححل معهححم‪ ،‬ويعظححم أهححل الديححن‬
‫والشرف‪.‬‬
‫حكاية من مكارمه‬

‫حضرته يوم جمعة وقد خرج من الصلة قاصداً إلى داره‪ ،‬فتعرض له أحد الفقراء‬
‫اليمنييحن فقال له‪ :‬أبحا المواهحب‪ ،‬فقال‪ :‬لبيحك يحا فقيحر محا حاجتحك ? قال‪ :‬أعطنحي هذه‬
‫الثياب التحي عليحك‪ .‬فقال له‪ :‬نعحم‪ ،‬أعطيكهحا‪ .‬قال‪ :‬السحاعة‪ ،‬قال‪ :‬نعحم‪ ،‬السحاعة‪ .‬فرجحع‬
‫إلى المسحجد ودخحل بيحت الخطيحب فلبحس ثياباً سحواها‪ ،‬وخلع تلك الثياب‪ ،‬وقال للفقيحر‪:‬‬
‫أدخل فخذها‪ ،‬فدخل الفقير وأخذها وربطها في منديل وجعلها فوق رأسه وانصرف‪.‬‬
‫فعظم شكر الناس للسلطان على ما ظهر من تواضعه وكرمه‪ ،‬وأخذ ابنه ولي عهده‬
‫تلك الكسحوة محن الفقيحر وعوضحه عنهحا بعشرة محن العبيحد‪ .‬وبلغ السحلطان محا كان محن‬

‫شكحر الناس له على ذلك فأمحر للفقيحر أيضاً بعشرة رؤوس محن الرقيحق وحمليحن محن‬
‫العاج‪ .‬ومعظحححححححححم عطاياهحححححححححم محححححححححن العاج‪ ،‬وقلمحححححححححا يعطون الذهحححححححححب‪.‬‬
‫ولمحا توفحي هذا السحلطان الفاضحل الكريحم رحمحة ال عليحه‪ ،‬ولي أخوه داود‪ .‬فكان على‬
‫الضحد‪ ،‬إذا أتاه سحائل يقول له‪ :‬مات الذي كان يعطحي‪ ،‬ولم يترك محن بعده محا يعطحي‪.‬‬
‫ويقيحم الوفود عنده الشهود الكثيرة‪ ،‬وحينئذ يعطيهحم القليحل‪ ،‬حتحى انقطحع الوافدون عحن‬
‫بابحححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححه‪.‬‬
‫وركبنا البحر من كلوا إلى مدينة ظفار الحموض " وضبط اسمها بفتح الظاء المعجم‬
‫والفاء وآخره راء مبنيححة على الكسححر "‪ ،‬وهححي آخححر بلد اليمححن على سححاحل البحححر‬
‫الهندي‪ ،‬ومنها تحمل الخيل العتاق إلى الهند‪ .‬ويقطع البحر فيما بينها وبين بلد الهند‬
‫مع مساعدة الريح في شهر كامل‪ ،‬قد قطعته مرة في قالقوط من بلد الهند إلى ظفار‬
‫في ثمانية وعشرين يوماً بالريح‪ ،‬ولم ينقطع لنا جري بالليل ول بالنهار‪ .‬وبين ظفار‬
‫وعدن فحي البر مسحيرة شهحر فحي صححراء‪ .‬وبينهحا وبيحن حضرموت سحتة عشحر يوماً‪،‬‬
‫وبينهححححححححححححححححححححححححححححححححححححححا وبيححححححححححححححححححححححححححححححححححححححن عمان عشرون يوماً‪.‬‬
‫ومدين ظفار في صحراء ل قرية بها ول عمالة لها‪ ،‬والسوق خارج المدينة بربض‬
‫يعرف بالحرجاء‪ ،‬وهحي محن أقذر السحواق وأشدهحا تنتاً وأكثرهحا ذباباً‪ ،‬لكثرة محا يباع‬
‫فيهحا محن الثمرات والسحمك‪ .‬وأكثحر سحمكها النوع المعروف بالسحردين‪ ،‬وهحو بهحا فحي‬
‫النهايحة محن السحمن‪ .‬ومحن العجائب أن دوابهحم إنمحا علفهحا محن هذا السحردين وكذلك‬
‫غنمهحم‪ .‬ولم أر ذلك فححي سححواها‪ .‬وأكثحر باعتهحا الخدم‪ ،‬وهحن يلبسحن السحواد‪ .‬وزرع‬

‫أهلهحا الذرة‪ ،‬وهحم يسحقونها محن آبار بعيدة الماء‪ .‬وكيفيحة سحقيهم أنهحم يصحنعون دلواً‬
‫كححبيرة‪ ،‬ويجعلون لهححا حبالً كثيرة‪ ،‬ويتحزم بكححل حبححل عبححد أو خادم‪ ،‬ويجرون الدلو‬
‫على عود كحبير مرتفحع عحن البئر‪ ،‬ويصحبونها فحي صحهريج يسحقون منحه‪ .‬ولهحم قمحح‬
‫يسمونه العلس وهو في الحقيقة نوع من السلت‪ ،‬والرز يجلب إليهم من بلد الهند‪،‬‬
‫وهو أكثر طعامهم‪ .‬ودراهم هذه المدينة من النحاس والقصدير‪ ،‬ول تنفق في سواها‪.‬‬
‫وهحم أهحل تجارة ل عيحش لهحم إل منها‪ ،‬ومن عاداتهحم أنحه إذا وصحل مركب محن الهنحد‬
‫أو غيرهحا خرج عبيحد السحلطان إلى السحاحل‪ ،‬وصحعدوا فحي صحنبوق إلى المركحب‪،‬‬
‫ومعهم الكسوة الكاملة لصاحب المركب أو وكيله‪ ،‬وللربان وهو الرئيس‪ ،‬وللكراني‬
‫وهو كاتب المركب‪ ،‬ويؤتى إليهم بثلثة أفراس فيركبونها‪ ،‬وتضرب أمامهم الطبال‬
‫والبواق محن سحاحل البححر إلى دار السحلطان فيسحلمون على الوزيحر وأميحر الجنحد‪،‬‬
‫وتبعححث الضيافححة لكححل مححن بالمركححب ثلثاً‪ ،‬وبعححد الثلث يأكلون بدار السححلطان‪.‬‬
‫وهححم يفعلون ذلك اسححتجلبًا لصحححاب المراكححب‪ .‬وهححم أهححل تواضححع وحسححن أخلق‬
‫وفضيلة ومحبحة للغرباء‪ ،‬ولباسحهم القطحن‪ ،‬وهحو يجلب إليهحم محن بلد الهنحد‪.‬ويشدون‬
‫الفوط فحي أوسحاطهم عوضاً عحن السحروال‪ ،‬وأكثرهحم يشحد فوطحة فحي وسحطه‪ ،‬ويجعحل‬
‫فوق ظهره أخرى محححححححححن شدة الححححححححححر‪ ،‬ويغتسحححححححححلون مرات فحححححححححي اليوم‪.‬‬
‫وهي كثير ة المساجد‪ .‬ولهم في كل مسجد مطاهر كثيرة معدة للغتسال‪ .‬ويصنع بها‬
‫ثياب محححححححححححححححن الحريحححححححححححححححر والقطحححححححححححححححن والكتان حسحححححححححححححححان جداً‪.‬‬
‫والغالب على أهلها رجالً ونساء المرض المعروف بداء الفيل‪ ،‬وهو انتفاخ القدمين‪.‬‬

‫وأكثحر رجالهحم مبتلون بالدر والعياذ بال ومحن عوايدم الحسحنة التصحافح فحي المسحجد‬
‫إثحر صحلة الصحبح والعصحر‪ ،‬يسحتند أهحل الصحف الول إلى القبلة‪ ،‬ويصحافحهم الذيحن‬
‫يلونهحم‪ .‬وكذلك يفعلون بعحد صحلة الجمعحة‪ ،‬يتصحافحون أجمعون‪ .‬ومحن خواص هذه‬
‫المدينة وعجائبها أنه ل يقصدها أحد بسوء إل عاد عليه مكروه‪ ،‬وحيل بينه وبينها‪.‬‬
‫وذكر لي أن السلطان قطب الدين تمتهن بن طوران شاه صاحب هرمز نازلها مرة‬
‫محن البر والبححر‪ ،‬فأرسحل ال سحبحانه عليحه ريحاً عاصحفاً كسحرت مراكبحه ورجحع عحن‬
‫حصارها وصالح ملكها‪ .‬وكذلك ذكر أن الملك المجاهد سلطان اليمن عين ابن عم له‬
‫بعسحكر كحبير‪ ،‬برسحم انتزاعهحا محن يحد ملكهحا‪ ،‬وهحو أيضاً ابحن عمحه‪ ،‬فلمحا خرج ذلك‬
‫الميحر محن داره سحقط عليحه حائط وعلى جماعحة محن أصححابه فهلكوا جميعاً‪ .‬ورجحع‬
‫الملك عحن رأيحه وترك حصحارها وطلبهحا‪ .‬ومحن الغرائب أن أهحل هذه المدينحة أشبحه‬
‫الناس بأهححل المغرب فححي شؤونهححم‪ .‬نزلت بدار الخطيححب بمسححجدها العظححم‪ ،‬وهححو‬
‫عيسححى بححن علي‪ ،‬كححبير القدر كريححم النفححس‪ .‬فكان له جوا ٍر مسححميات بأسححماء خدام‬
‫المغرب‪ ،‬إحداهحن اسحمها بخيتحة والخرى زاد المال‪ .‬ولم أسحمع هذه السحماء فحي بلد‬
‫سحواها‪ .‬وأكثحر أهلهحا رؤوسحهم مكشوفحة‪ ،‬ل يجعلون عليهحا العمائم‪ .‬وفحي كحل دار محن‬
‫دورهحم سحجادة الخوص‪ ،‬معلقحة فحي البيحت‪ ،‬يصحلي عليهحا صحاحب البيحت‪ ،‬كمحا يفعحل‬
‫أهل المغرب‪ .‬وأكلهم الذرة‪ .‬وهذا التشابه كله مما يقوي القول بأن صنهاجة وسواهم‬
‫محن قبائل المغرب أصحلهم محن حميحر‪ .‬وبقرب محن هذه المدينحة بيحن بسحاتينها زاويحة‬
‫الشيخ الصالح العابد أبي محمد بن أبي بكر بن عيسى‪ ،‬من أهل ظفار‪ .‬وهذه الزاوية‬

‫معظمحة عندهحم‪ ،‬يأتون إليهحا غدواً وعيشاً‪ ،‬ويسحتجيرون بهحا‪ .‬فإذا دخلهحا المسحتجير لم‬
‫يقدر السححلطان عليححه‪ .‬رأيححت بهححا شخصحاً ذكححر لي أن له بهحا مدة سححنين مسححتجيرًا لم‬
‫يتعرض له السحححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححلطان‪.‬‬
‫وفحي اليام التحي كنحت بهحا اسحتجار بهحا كاتحب السحلطان‪ ،‬وأقام فيهحا حتحى وقحع بينهمحا‬
‫الصلح‪ .‬أتيت هذه الزاوية‪ ،‬فبت بها في ضيافة الشيخين أبي العباس أحمد وأبي عبد‬
‫ال محمحد ابنحي الشيحخ أبحي بكحر المذكور‪ ،‬وشاهدت لهمحا فضلً عظيماً‪ ،‬ولمحا غسحلنا‬
‫أيدينا من الطعام أخذ أبو العباس منهما ذلك الماء الذي غسلنا به فشرب منه‪ ،‬وبعث‬
‫الخادم بباقيحه إلى أهله وأولده فشربوه‪ .‬وكذلك يفعلون بمحن يتوسحمون فيحه الخيحر محن‬
‫الوارديحن عليهحم‪ .‬وكذلك أضافنحي قاضيهحا الصحالح أبحو هاشحم عبحد ال الزبيدي‪ ،‬وكان‬
‫يتولى خدمتحي وغسحل يدي بنفسحه‪ ،‬ول يكحل ذلك إلى غيره‪ .‬وبمقربحة محن هذه الزاويحة‬
‫تربحة سحلف السحلطان الملك المغيحث‪ ،‬وهحي معظمحة عندهحم‪ ،‬ويسحتجير بهحا محن طلب‬
‫حاجحة‪ ،‬فتقضحى له‪ .‬ومحن عادة الجنحد أنحه إذا تحم الشهحر ولم يأخذوا أرزاقهحم‪ ،‬اسحتجار‬
‫بهذه التربحححححححححححة‪ ،‬وأقاموا فحححححححححححي جوارهحححححححححححا إلى أن يعطوا أرزاقهحححححححححححم‪.‬‬
‫وعلى مسيرة نصف يوم من هذه المدينة الحقاف‪ ،‬وهي منازل عاد‪ .‬وهنالك زاوية‬
‫ومسحجد على سحاحل البححر‪ ،‬وحوله قريحة لصحيادي السحمك‪ .‬وفحي الزاويحة قحبر مكتوب‬
‫عليحه‪ :‬هذا قحبر هود بحن عابر عليحه أفضحل الصحلة والسحلم‪ .‬وقحد ذكرت أن بمسحجد‬
‫دمشحححق موضعاً مكتوب عليحححه‪ :‬هذا قحححبر هود بحححن عابر‪ .‬والشبحححه أن يكون قحححبره‬
‫بالحقاف لنهحا بلده‪ ،‬وال أعلم‪ .‬ولهذه المدينحة بسحاتين فيهحا موز كثيحر كحبير الجرم‪.‬‬

‫وزنت بمحضري حبة منه فكان وزنها اثنتي عشرة أوقية‪ .‬وهو طيب المطعم شديد‬
‫الحلوة‪ .‬وبهححا أيضاً التنبول والنارجيححل المعروف بجوز الهنححد‪ ،‬ول يكونان إل ببلد‬
‫الهند‪ ،‬وبمدينة ظفار هذه‪ ،‬لشبهها بالهند وقربها منه؛ اللهم إل أن في مدينة زبيد‪ ،‬في‬
‫بسححتان السححلطان شجيرات مححن النارجيححل‪ .‬وإذ قححد وقححع ذكححر التنبول و النارجيححل‪،‬‬
‫فلنذكرهما‪ ،‬ولنذكر خصائصهما‪.‬‬
‫ذكر التنبول‬

‫والتنبول شجحر يغرس كمحا تغرس دوالي العنحب‪ ،‬ويصحنع له معرشات محن القصحب‪،‬‬
‫كمحا تصحنع لدوالي العنحب‪ ،‬أو يغرس فحي مجاورة النارجيحل‪ ،‬فيصحعد فيهحا كمحا تصحعد‬
‫الدوالي‪ ،‬وكما يصعد الفلفل‪ .‬ول ثمر للتنبول‪ .‬وإنما المقصود منه ورقه‪ ،‬وهو يشبه‬
‫ورق العليحق‪ .‬وأطيبحه الصحفر‪ .‬وتجنحى أوراقحه فحي كحل يوم‪ .‬وأهحل الهنحد يعظمون‬
‫التنبول تعظيمًا شديداً‪ ،‬وإذا أتححى الرجححل دار صححاحبه فأعطاه خمححس ورقات منححه‪،‬‬
‫فكأنما أعطاه الدنيا وما فيها‪ ،‬ل سيما إن كان أميراً أو كبيراً‪ .‬وإعطاؤه عندهم أعظم‬
‫شأناً وأدل على الكرامحة محن إعطاء الفضحة والذهحب‪ .‬وكيفيحة اسحتعماله أن يؤخحذ قبله‬
‫الفوفل‪ ،‬وهو شبه جوز الطيب‪ ،‬فيكسر حتى يصير أطرافاً صغاراً‪ ،‬ويجعله النسان‬
‫فحي فمحه ويعلكحه‪ ،‬ثحم يأخحذ ورق التنبول‪ ،‬فيجعحل عليهحا شيئاً محن النورة ويمضغهحا محع‬
‫الفوفحل‪ .‬وخاصحيته أنحه طيحب النكهحة‪ ،‬ويذهحب بروائح الفحم‪ ،‬ويهضحم الطعام‪ ،‬ويقطحع‬
‫ضرر شرب الماء على الريححق‪ ،‬ويفرح آكله‪ ،‬ويعيححن على الجماع‪ .‬ويجعله النسححان‬
‫عند رأسه ليلً فإذا استيقظ من نومه‪ ،‬أو أيقظته زوجته أو جاريته أخذ منه‪ ،‬فيذهب‬

‫بما في فمه من رائحة كريه‪ .‬ولقد ذكر لي أن جواري السلطان والمراء ببلد الهند‬
‫ل يأكلن غيره‪ ،‬وسنذكره عند ذكر بلد الهند‪.‬‬
‫ذكر النارجيل‬

‫وهححو جوز الهنححد‪ ،‬وهذا الشجححر مححن أغرب الشجار شأناً وأعجبهححا أمراً‪ ،‬وشجره‬
‫شبحه شجحر النخحل ل فرق بيهمحا‪ ،‬إل أن هذه تثمحر جوزاً‪ ،‬وتلك تثمحر ثمراً‪ .‬وجوزهحا‬
‫يشبححه رأس ابححن آدم‪ ،‬لن فيهححا شبححه العينيححن والفححم‪ ،‬وداخلهححا شبححه الدماغ إذا كانححت‬
‫خضراء‪ ،‬وعليهحا ليحف شبحه الشعحر‪ ،‬وهحم يصحنعون بحه حبالً يخيطون بحه المراكحب‬
‫عوضاً عححن مسححامير الحديحححد‪ ،‬ويصححنعون منححه الحبال للمراكححب‪ .‬والجوزة منهححا‬
‫وخصححوصاً التححي بجزائر ذيبححة المهححل‪ ،‬تكون بمقدار رأس الدمححي‪ .‬ويزعمون أن‬
‫حكيماً من حكماء الهند في غابر الزمان كان متصلً بملك من الملوك ومعظمًا لديه‪،‬‬
‫وكان للملك وزيححر بينححه وبيححن هذا الحكيححم معاداة‪ .‬فقال الحكيححم للملك‪ :‬إن رأس هذا‬
‫الوزيحر إذا قطحع ودفحن تخرج منحه نخلة تثمحر بثمحر عظيحم‪ ،‬يعود نفعحه على أهحل الهنحد‬
‫وسحواهم محن أهحل الدنيحا‪ .‬فقال له الملك‪ :‬فإن لم يظهحر محن رأس الوزيحر محا ذكرتحه‪،‬‬
‫قال‪ :‬إن لم يظهحر‪ ،‬فاصحنع برأسحي كمحا صحنعت برأسحه‪ .‬فأمحر الملك برأس الوزيحر‬
‫فقطحع‪ ،‬وأخذه الحكيحم‪ ،‬وغرس نواة تمحر فحي دماغحه‪ ،‬وعالجهحا حتحى صحارت شجرة‪،‬‬
‫وأثمرت بهذا الجوز‪ .‬وهذه الحكايحة محن الكاذيحب‪ ،‬ولكحن ذكرناهحا لشهرتهحا عندهحم‪.‬‬
‫ومن خواص هذا الجوز تقوية البدن وإسراع السمن والزيادة في حمرة الوجه‪ .‬وأما‬
‫العانة على الباءة ففعله فيها عجيب‪ .‬ومن عجائبه إنه يكون في ابتداء أمره أخضر‪.‬‬

‫فمن قطع بالسكين قطعة من قشره وفتح رأس الجوزة شرب منها ماء في النهاية من‬
‫الحلوة والبرودة‪ .‬ومزاجححه حار معيححن على الباءة‪ .‬فاذا شرب ذلك الماء أخححذ قطعححة‬
‫القشرة وجعلها شبه الملعقة وجرد بها ما في داخل الجوزة من الطعم‪ ،‬فيكون طعمه‬
‫كطعحم البيضحة إذا شربحت ولم يتحم نضجهحا كحل التمام‪ ،‬ويتغذى بحه‪ .‬ومنحه كان غذائي‬
‫أيام إقامتي بجزائر ذيبة المهل مدة عام ونصف عام‪ .‬وعجائبه أن يصنع منه الزيت‬
‫والحليححب والعسححل‪.‬فأمحا كيفيححة صححناعة العسححل منححه فإن خدام النخححل منححه‪ ،‬ويسححمون‬
‫الفازانية‪ ،‬يصعدون إلى النخلة غدواً وعشيًا إذا أرادوا أخذ مائها الذي يصنعون منه‬
‫العسححل‪ ،‬وهححم يسححمونه الطواق‪ ،‬فيقطعون العذق الذي يخرج منححه الثمححر‪ ،‬ويتركون‬
‫منحه مقدار إصحبعين‪ ،‬ويربطون عليحه قدراً صحغيرة فيقطحر فيهحا الماء الذي يسحيل محن‬
‫العذق‪ .‬فإذا ربطهحا غدوة‪ ،‬صحعد إليهحا عشياً ومعحه قدحان محن قشحر الجوز المذكور‪،‬‬
‫أحدهمحا مملوء ماء فيصحب محا اجتمحع محن ماء العذق فحي أححد القدحيحن ويغسحله بالماء‬
‫الذي في القدح الخر‪ ،‬وينجر من العذق قليلً ويربط عليه القدر ثانية‪ ،‬ثم يفعل غدوة‬
‫كفعله عشياً‪ ،‬فإذا اجتمع له الكثير من ذلك الماء طبخه كما يطبخ ماء العنب إذا صنع‬
‫منحه الرب‪ ،‬فيصحير عسحلً عظيحم النفحع طيباً‪ ،‬يشتريحه تجار الهنحد واليمحن والصحين‪،‬‬
‫ويحملونه إلى بلدهم‪ ،‬ويصنعون منه الحلواء‪ .‬وأما كيفية صنع الحليب منه فإن بكل‬
‫دار شبحه الكرسحي‪ ،‬تجلس فوقحه المرأة‪ ،‬ويكون بيدهحا عصحا‪ ،‬فحي أححد طرفيهحا حديدة‬
‫مشرفحة‪ ،‬فيفتحون فحي الجوزة مقدار محا تدخحل تلك الحديحد‪ ،‬ويجرشون محا فحي باطحن‬
‫الجوزة‪ ،‬وكل ما ينزل منها يجتمع في صحفة‪ ،‬حتى ل يبقى في داخل الجوزة شيء‪،‬‬

‫ثحم يمرس ذلك الجريحش بالماء‪ ،‬فيصحير كلون الحليحب بياضاً‪ ،‬ويكون طعمحه كطعحم‬
‫الحليحب‪ ،‬ويأتدم بحه الناس‪ .‬وأمحا كيفيحة صحنع الزيحت فإنهحم يأخذون الجوز بعحد نضجحه‬
‫وسحقوطه عحن شجره‪ ،‬فيزيلون قشره ويقطعونحه قطعاً ويجعحل فحي الشمحس‪ ،‬فإذا ذبحل‬
‫طبخوه في القدور واستخرجوا زيته‪ ،‬وبه يستصبحون‪ .‬ويضعه الناس في شعورهم‪،‬‬
‫وهو عظيم النفع‪.‬‬
‫ذكر سلطان ظفار‬

‫وهحو السحلطان الملك المغيحث بحن الملك الفائز ابحن عحم ملك اليمحن‪ .‬وكان أبوه أميراً‬
‫على ظفار محن قبحل صحاحب اليمحن‪ .‬وله عليحه هديحة يبعثهحا له فحي كحل سحنة‪ .‬ثحم اسحتبد‬
‫الملك المغيحث بملكهحا‪ ،‬وامتنحع محن إرسحال الهديحة‪ .‬وكان محن عزم ملك اليمحن على‬
‫محاربتححه‪ ،‬وتعييححن ابححن عمححه ووقوع الحائط عليححه مححا ذكرناه آنفاً‪ .‬وللسححلطان قصححر‬
‫بداخل المدينة يسمى الحصن‪ ،‬عظيم فسيح‪ ،‬والجامع بإزائه‪ .‬ومن عادته أن تضرب‬
‫الطبول والبوقات والنفار والصحرنايات على بابحه كحل يوم بعحد صحلة العصحر؛ وفحي‬
‫كحححل يوم إثنيحححن وخميحححس تأتحححي العسحححاكر إلى بابحححه فيقفون خارج المشور سحححاعة‬
‫وينصحرفون‪ ،‬والسحلطان ل يخرج ول يراه أححد إل فحي يوم الجمعحة‪ ،‬فيخرج للصحلة‬
‫ثحم يعود إلى داره‪ .‬ول يمنحع أححد محن دخول المشور‪ ،‬وأميحر جندار قاعحد على بابحه‪،‬‬
‫وإليححه ينتهححي كححل صححاحب حاجححة أو شكايححة‪ ،‬وهححو يطالع السححلطان‪ ،‬ويأتيححه الجواب‬
‫للحيحن‪ .‬وإذا أراد السحلطان الركوب خرجحت مراكبحه محن القصحر وسحلحه ومماليكحه‬
‫إلى خارج المدينحة‪ ،‬وأتحى بجمحل عليحه محمحل مسحتور بسحتر أبيحض منقوش بالذهحب‪،‬‬

‫فيركحب السحلطان ونديمحه فحي المحمحل بحيحث ل يرى‪ .‬وإذا خرج إلى بسحتانه وأححب‬
‫ركوب الفرس ركبحه ونزل عحن الجمحل‪ .‬وعادتحه أن ل يعارضحه أححد فحي طريقحه ول‬
‫يقحف لرؤيتحه ول لشكايحة ول لغيرهحا‪ ،‬ومحن تعرض لذلك ضرب أشحد الضرب‪ .‬فتجحد‬
‫الناس إذا سمعوا بخروج السلطان فروا عن الطريق وتحاموها‪ .‬ووزير هذا السلطان‬
‫الفقيه محمد العدني‪ ،‬وكان معلم صبيان‪ ،‬فعلم هذا السلطان القراءة والكتابة‪ ،‬وعاهده‬
‫على أن يسححتوزره إن ملك‪ .‬فلمححا ملك اسححتوزره‪ ،‬فلم يكححن يحسححنها‪ ،‬فكان السححم له‬
‫والحكحم لغيره‪ .‬ومحن هذه المدينحة ركبنحا البححر نريحد عمان فحي مركحب صحغير لرجحل‬
‫يعرف بعلي بحن إدريحس المصحيري محن أهحل جزيرة مصحيرة‪ .‬وفحي الثانحي لركوبنحا‬
‫نزلنححا بمرسححى حاسححك وبححه ناس مححن العرب‪ ،‬صححيادون للسححمك‪ ،‬سححاكنون هنالك‪،‬‬
‫وعندهحم شجحر الكندر‪ ،‬وهحو رقيحق الورق‪ .‬وإذا شرطحت الورقحة منحه قطحر منهحا ماء‬
‫شبه اللبن‪ ،‬ثم عاد صمغاً‪ .‬وذلك الصمغ هو اللبان وهو كثير جداً هنالك‪ .‬ول معيشة‬
‫لهل ذلك المرسى إل من صيد السمك‪ ،‬وسمكهم يعرف باللخم " بخاء معجم مفتوح‬
‫"‪ ،‬وهحو شحبيه كلب البححر‪ .‬يشرح ويقدد ويقتات بحه‪ .‬وبيوتهحم محن عظام السحمك‪،‬‬
‫وسحقفها محن جلود الجمال‪ .‬وسحرنا محن مرسحى حاسحك أربعحة أيام ووصحلنا إلى جبحل‬
‫لمعان " بضم اللم "‪ ،‬وهو في وسط البحر‪ ،‬وبأعله رابطة مبنية بالحجارة وسقفها‬
‫من عظام السمك‪ ،‬وبخارجها غدير ماء يجتمع من المطر‪.‬‬

‫ذكر ولي لقيناه بهذا الجبل‬

‫ولما أرسينا تحت هذا الجبل صعدناه إلى هذه الرابطة‪ ،‬فوجدنا بها شيخاً نائماً‪ ،‬فسلمنا عليه‬
‫فاستيقظ‪ ،‬وأشار برد السلم فكلمناه فلم يكلمنا‪ ،‬وكان يحرك رأسه‪ .‬فأتاه أهل المركب بطعام‪،‬‬
‫فأبى أن يقبله‪ .‬فطلبنا منه الدعاء فكان يحرك شفتيه ول نعلم ما يقول‪ ،‬وعليه مرقعة وقلنسوة‬
‫لبد‪ ،‬وليس معه ركوة ول إبريق ول عكاز ول نعل‪ .‬وقال أهل المركب‪ :‬إنهم ما رأوه قط‬
‫بهذا الجبل‪ .‬وأقمنا تلك الليلة بساحل الجبل‪ ،‬وصلينا معه العصر والمغرب‪ ،‬وجئناه بطعام‬
‫فرده‪ ،‬وأقام يصلي إلى العشاء الخرة‪ .‬ثم أذن وصلينا معه‪ .‬وكان حسن الصوت بالقراءة‬
‫مجيداً لها‪ ،‬ولما فرغ من صلة العشاء الخرة أومأ إلينا بالنصراف‪ ،‬فودعناه وانصرفنا‬
‫ونحن نعجب من أمره‪ .‬ثم إني أردت الرجوع إليه لما انصرفنا‪ ،‬فلما دنوت منه غلب علي‬
‫الخوف‪ ،‬ورجعت إلى أصحابي وانصرفت معهم‪ ،‬وركبنا البحر‪ ،‬ووصلنا بعد يومين إلى‬
‫جزيرة الطير‪ ،‬وليست بها عمارة‪ .‬فأرسينا وصعدنا إليها‪ ،‬فوجدناها ملنة بطيور تشبه‬
‫الشقاشق‪ ،‬إل أنها أعظم منها‪ .‬وجاءت الناس ببيض تلك الطيور فطبخوها وأكلوها‪،‬‬
‫واصطادوا جملة من تلك الطيور فطبخوها دون ذكاة وأكلوها‪ .‬وكان يجالسني تاجر من أهل‬
‫جزيرة مصيرة ساكن بظفار اسمه مسلم‪ ،‬ورأيته يأكل معهم تلك الطيور‪ ،‬فأنكرت ذلك‬
‫عليه‪ ،‬فاشتد خجله وقال لي‪ :‬ظننت أنهم ذبحوها‪ .‬وانقطع عني بعد ذلك من الخجل‪ ،‬فكان ل‬
‫يقربني حتى أدعو به‪ .‬وكان طعامي في تلك اليام بذلك المركب التمر والسمك‪ .‬وكانوا‬
‫يصطادون بالغدو والعشي سمكاً يسمى بالفارسية شير ماهي‪ ،‬ومعناه أسد السمك‪ ،‬لن شير‬
‫هو السد‪ ،‬وماهي السمك‪ .‬وهو يشبه الحوت المسمى عندنا بتارزت‪ ،‬وهم يقطعونه قطعاً‬
‫ويشوونه ويعطون كل من في المركب قطعة‪ ،‬ل يفضلون أحداً على أحد ول صاحب‬
‫المركب ول سواه‪ ،‬ويأكلونه بالتمر‪ .‬وكان عندي خبز وكعك استصحبتهما من ظفار‪ ،‬فلما‬
‫نفدا‪ ،‬كنت أقتات من ذلك السمك في جملتهم‪ .‬وعيدنا عيد الضحى على ظهر البحر‪ ،‬وهبت‬
‫علينا في يومه ريح عاصف بعد طلوع الفجر‪ ،‬ودامت إلى طلوع الشمس‪ ،‬وكادت تغرقنا‪.‬‬
‫كرامة‪ :‬وكان معنا في المركب حاج من أهل الهند يسمى بخضر‪ ،‬ويدعى بمولنا‪ ،‬لنه‬
‫يحفظ القرآن ويحسن الكتابة‪ ،‬فلما رأى هول البحر لف رأسه بعباءة كانت له وتناوم‪ ،‬فلما‬
‫فرج ال ما نزل بنا قلت له‪ :‬يا مولنا خضر كيف رأيت ? قال‪ :‬كنت عند الهول أفتح عيني‬
‫أنظر‪ ،‬هل أرى الملئكة الذين يقبضون الرواح جاءوا‪ ،‬فل أراهم‪ ،‬فأقول الحمد ل لو كان‬
‫الغرق لتوا لقبض الرواح‪ .‬ثم أغلق عيني ثم أفتحهما‪ ،‬فأنظر كذلك‪ ،‬إلى أن فرج ال عنا‪.‬‬
‫وكان قد تقدمنا مركب لبعض التجار فغرق‪ ،‬ولم ينج منه إل رجل واحد خرج عوماً بعد‬
‫جهد شديد‪ .‬وأكلت في ذلك المركب نوعاً من الطعام لم أذقه قبل ول بعد‪ ،‬صنعه بعض تجار‬
‫عمان وهو من الذرة طبخها من غير طحن‪ ،‬وصب عليه السيلن‪ ،‬وهو عسل التمر‪،‬‬
‫وأكلناه‪ .‬ثم وصلنا إلى جزيرة مصيرة التي منها صاحب المركب الذي كنا فيه‪ ،‬وهي على‬
‫لفظ مصير وزيادة تاء التأنيث‪ ،‬جزيرة كبيرة‪ ،‬ل عيش لهلها إل من السمك‪ .‬ولم ننزل إليها‬
‫لبعد مرساها عن الساحل‪ .‬وكنت قد كرهتهم لما رأيتهم يأكلون الطير من غير ذكاة‪ .‬وأقمنا‬
‫بها يوماً‪ ،‬وتوجه صاحب المركب إلى داره وعاد إلينا‪ ،‬ثم سرنا يوماً وليلة‪ ،‬ووصلنا إلى‬
‫مرسى قرية كبيرة على ساحل البحر تعرف بصور‪ ،‬ورأينا منها مدينة قلهات‪ ،‬في سفح‬

‫جبل‪ ،‬فخيل لنا أنها قريبة‪ .‬وكان وصولنا إلى المرسى وقت الزوال أو قبله‪ .‬فلما ظهرت لنا‬
‫المدينة أحببت المشي إليها والمبيت بها‪ ،‬وكنت قد كرهت صحبة أهل المركب‪ ،‬فسألت عن‬
‫طريقها‪ ،‬فأخبرت أني أصل إليها العصر‪ .‬فاكتريت أحد البحريين ليدلني على طريقها‪،‬‬
‫وصحبني خضر الهندي الذي تقدم ذكره‪ ،‬وتركت أصحابي مع ما كان لي بالمركب ليلحقوا‬
‫بي في غد ذلك اليوم‪ ،‬وأخذت أثواباً كانت لي‪ ،‬فدفعتها للدليل ليكفيني مؤونة حملها‪ ،‬وحملت‬
‫في يدي رمحاً‪ .‬فإذا ذلك الدليل يحب أن يستولي على أثوابي‪ ،‬فأتى بنا إلى خليج يخرج من‬
‫البحر فيه المد والجزر‪ ،‬فأراد عبوره بالثياب‪ ،‬فقلت له‪ :‬إنما تعبر وحدك وتترك الثياب‬
‫عندنا‪ ،‬فإن قدرنا الجواز جزنا‪ ،‬وإل صعدنا نطلب المجاز فرجع‪ .‬ثم رأينا رجالً جازوه‬
‫عوماً فتحققنا أنه كان قصده أن يغرقنا ويذهب بالثياب‪ .‬فحينئذ أظهرت النشاط وأخذت‬
‫بالحزم وشددت وسطي وكنت أهز الرمح‪ ،‬فهابني ذلك الدليل وصعدنا حتى وجدنا مجازاً‪،‬‬
‫ثم خرجنا إلى صحراء ل ماء بها‪ ،‬واشتد المر‪ ،‬فبعث ال لنا فارسًا في جماعة من أصحابه‬
‫وبيد أحدهم ركوة ماء فسقاني وسقى صاحبي‪ .‬وذهبنا نحسب المدينة قريبة منا‪ ،‬وبيننا وبينها‬
‫خنادق نمشي فيها الميال الكثيرة‪ .‬فلما جاء العشي أراد الدليل أن يميل بنا إلى ناحية البحر‪،‬‬
‫وهو ل طريق له‪ ،‬لن ساحله حجارة‪ .‬فأراد أن ننشب فيها ويذهب بالثياب‪ .‬فقلت له‪ :‬إنما‬
‫نمشي على هذه الطريق التي نحن عليها‪ ،‬وبينها وبين البحر نحو ميل‪ .‬فلما أظلم الليل قال‬
‫لنا‪ ،‬إن المدينة قريبة‪ ،‬فتعالوا نمشي حتى نبيت بخارجها إلى الصباح‪ .‬فخفت أن يتعرض لنا‬
‫أحد في الطريق‪ ،‬ولم أحقق مقدار ما بقي‪ ،‬إليها‪ ،‬فقلت له‪ :‬إنما الحق أن نخرج عن الطريق‬
‫فننام‪ ،‬فإذا أصبحنا أتينا المدينة إن شاء ال‪ .‬وكنت قد رأيت جملة من الرجال في سفح جبل‬
‫هنالك‪ ،‬فخفت أن يكونوا لصوصاً‪ ،‬وقلت التستر أولى‪ .‬وغلب العطش على صاحبي فلم‬
‫يوافق على ذلك‪ .‬فخرجت عن الطريق‪ ،‬وقصدت شجرة من شجر أم غيلن‪ ،‬وقد أعييت‬
‫وأدركني الجهد‪ ،‬لكني أظهرت قوة وتجلداً‪ ،‬خوف الدليل‪ .‬وأما صاحبي فمريض ل قوة له‪.‬‬
‫فجعلت الدليل بيني وبين صاحبي‪ ،‬وجعلت الثياب بين ثوبي وجسدي‪ ،‬وأمسكت الرمح بيدي‬
‫ورقد صاحبي ورقد الدليل‪ ،‬وبقيت ساهراً‪ .‬فكلما تحرك الدليل كلمته وأريته أني مستيقظ‪،‬‬
‫ولم نزل كذلك حتى الصبح‪.‬‬
‫ثحم خرجنحا إلى الطريحق فوجدنحا الناس ذاهحبين بالمرافحق إلى المدينحة‪ ،‬فبعثحت الدليحل‬
‫ليأتينححا بماء‪ ،‬وأخححذ صححاحبي الثياب‪ .‬وكان بيننححا وبيححن المدينححة مهاوٍ وخنادق‪ .‬فأتان‬
‫بالماء فشربنحا‪ ،‬وذلك أوان الححر‪ ،‬ثحم وصحلنا إلى مدينحة قلهات " وضبحط اسحمها بفتحح‬
‫القاف واسحكان اللم وآخره تاء مثناة "‪ ،‬فأتيناهحا ونححن فحي جهحد عظيحم‪ .‬وكنحت قحد‬
‫ضاقحت نعلي على رجلي حتحى كاد الدم يخرج محن تححت أظفارهحا‪ ،‬فلمحا وصحلنا باب‬
‫المدينحة كان ختام المشقحة‪ ،‬أن قال لنحا الموكحل بالباب‪ :‬ل بحد لك أن تذهحب معحي إلى‬

‫أمير المدينة ليعرف قضيتك‪ ،‬ومن أين قدمت‪ .‬فذهبت معه إليه فرأيته فاضلً حسن‬
‫الخلق‪ ،‬وسحألني عحن حالي وأنزلنحي‪ ،‬وأقمحت عنده سحتة أيام‪ ،‬ل قدرة لي فيهحا على‬
‫النهوض على قدمححححححححححححححححي لمححححححححححححححححا لحقهححححححححححححححححا مححححححححححححححححن اللم‪.‬‬
‫ومدينة قلهات على الساحل‪ ،‬وهي حسنة السواق‪ ،‬ولها مسجد من أحسن المساجد‪.‬‬
‫حيطانه بالقاشاني‪ ،‬وهو شبه الزليج‪ .‬وهو مرتفع‪ ،‬ينظر منه إلى البحر‪ ،‬والمرسى‪،‬‬
‫وهو من عمارة الصالحة بيبي مريم‪ ،‬ومعنى بيبي عندهم الحرة‪ .‬وأكلت بهذه المدينة‬
‫سحمكاً لم آكحل مثله فحي إقليحم محن القاليحم‪ ،‬وكنحت أفضله على جميحع اللحوم‪ ،‬فل آكحل‬
‫سححواه‪ .‬وهححم يشوونححه على ورق الشجححر‪ ،‬ويجعلونححه على الرز‪ ،‬ويأكلونححه‪ .‬والرز‬
‫يجلب إليهحم محن أرض الهنحد‪ .‬وهحم أهحل تجارة‪ ،‬ومعيشتهحم ممحا يأتحي إليهحم فحي البححر‬
‫الهندي‪ .‬وإذا وصحل إليهحم مركحب فرحوا بحه أشحد الفرح‪ .‬وكلمهحم ليحس بالفصحيح محع‬
‫أنهحم عرب‪ .‬وكحل كلمحة يتكلمون بهحا يصحلونها بل‪ .‬فيقولون مثل‪ :‬تأكحل ل‪ ،‬تمشحي ل‪،‬‬
‫تفعحل كذا ل‪ .‬وأكثرهحم خوارج‪ .‬لكنهحم ل يقدرون على إظهار مذهبهحم‪ ،‬لنهحم تححت‬
‫طاعحة السحلطان قطحب الديحن تمتهحن ملك هرمحز‪ ،‬وهحو محن أهحل السحنة‪ .‬وبمقربحة محن‬
‫قلهات قرية طيبي‪ ،‬واسمها على نحو اسم الطيب إذ أضافه المتكلم لنفسه‪ .‬وهي من‬
‫أجمححل القرى وأبدعهححا حسححناً‪ ،‬ذات أنهار جاريححة وأشجار ناضرة وبسححاتين كثيرة‪.‬‬
‫ومنهححا تجلب الفواكححه إلى قلهات‪ .‬وبهححا الموز المعروف بالمرواري بالفارسححية هححو‬
‫الجوهري " المروار الجوهحر "‪ ،‬وهحو كثيحر بهحا‪ ،‬وجلب منهحا إلى هرمحز وسحواها‪.‬‬
‫وبها أيضاً التنبول‪ ،‬لكن ورقته صغيرة‪ .‬والتمر يجلب إلى هذه الجهات من عمان‪ .‬ثم‬

‫قصححدنا بلد عمان‪ ،‬فسححرنا سححتة أيام فححي صحححراء‪ ،‬ثححم وصححلنا بلد عمان فححي اليوم‬
‫السححابع‪ .‬وهححي خصححبة ذات أنهار وأشجار وبسححاتين وحدائق ونخححل وفاكهححة كثيرة‬
‫مختلفحة الجناس‪ .‬ووصحلنا إلى قاعدة هذه البلد وهحي مدينحة نزوا " وضبحط اسحمها‬
‫بنون مفتوح وزاي مسحكن وواو مفتوح "‪ ،‬مدينحة فحي سحفح جبحل ‪ ،‬تححف بهحا البسحاتين‬
‫والنهار‪ .‬يأتحي كحل إنسحان بمحا عنده‪ ،‬ويجتمعون للكحل فحي صححن المسحجد‪ ،‬ويأكحل‬
‫معهحم الوارد والصحادر‪ .‬ولهحم نجدة وشجاعحة‪ .‬والحرب قائمحة فيمحا بينهحم أبداً‪ .‬وهحم‬
‫أباضية المذهب‪ .‬ويصلون الجمعة ظهراً أربعاً‪ ،‬فإذا فرغوا منها قرأ المام أيات من‬
‫القرآن‪ ،‬ونثحر كلماً شبحه الخطبحة يرضحى فيحه عحن أبحي بكحر وعمحر‪ ،‬ويسحكت عحن‬
‫عثمان وعلي‪ .‬وهححم أرادوا ذكححر علي رضححي ال عنححه كنوا عنححه‪ ،‬فقالوا‪ :‬ذكححر عححن‬
‫الرجحل أو قال الرجحل‪ .‬ويرضون عحن الشقحي اللعيحن ابحن ملجحم‪ ،‬ويقولون فيحه‪ :‬العبحد‬
‫الصححالح قامححع الفتنححة‪ .‬ونسححاؤهم يكثرن الفسححاد‪ ،‬ول غيرة عندهححم‪ ،‬ول إنكار لذلك‪.‬‬
‫وسنذكر حكاية إثر هذا مما يشهد بذلك‪.‬‬
‫ذكر سلطان عمان‬

‫وسحلطانها عربحي محن قحبيلة الزد بحن الغوث‪ ،‬ويعرف بأبحي محمحد ابحن نبهان‪ .‬وأبحو‬
‫محمحد عندهحم سحمة لكحل سحلطان يلي عمان‪ ،‬كمحا هحي أتابحك عنحد ملوك اللور‪ .‬وعادتحه‬
‫أن يجلس خارج باب داره فححي مجلس هنالك‪ ،‬ول حاجححب له ول وزيححر‪ ،‬ول يمنححع‬
‫أحداً من الدخول إليه من غريب أو غيره‪ ،‬ويكرم الضيف على عادة العرب‪ ،‬ويعين‬
‫له الضيافحة‪ ،‬ويعطيحه على قدره‪ .‬وله أخلق حسحنة‪ .‬ويؤكحل على مائدتحه لححم الحمار‬

‫النسي‪ ،‬ويباع بالسوق‪ ،‬لنهم قائلون بتحليله‪ ،‬ولكنهم يخفون ذلك عن الوارد عليهم‪،‬‬
‫ول يظهرونحه بمحضره‪ .‬ومحن مدن عمان مدينحة زكحي لم أدخلهحا‪ ،‬وهحي على محا ذكحر‬
‫لي‪ ،‬مدينحة عظيمحة منهحا القريات وشبحا وكلبحا وخورفكان وصححار‪ ،‬وكلهحا ذات أنهار‬
‫وحدائق وأشجار ونخل‪ ،‬وأكثر هذه البلد في عمالة هرمز‪.‬‬
‫حكاية‬

‫كنححت يوماً عنححد السححلطان أبححي محمححد بححن نبهان فأتتححه امرأة صححغيرة السححن حسححنة‬
‫الصحورة باديحة الوجحه‪ ،‬فوقفحت بيحن يديحه وقالت له‪ :‬يحا أبحا محمحد طغحا الشيطان فحي‬
‫رأسي‪ .‬فقال لها‪ :‬اذهبي واطردي الشيطان‪ .‬فقالت له‪ :‬ل أستطيع وأنا في جوارك يا‬
‫أبا محمد‪ .‬فقال لها‪ :‬اذهبي فافعلي ما شئت‪ .‬فذكر لي لما انصرفت عنه أن هذه ومن‬
‫فعحل مثحل فعلهحا تكون فحي جوار السحلطان‪ ،‬وتذهحب للفسحاد‪ ،‬ول يقدر أبوهحا ول ذوو‬
‫قرابتها أن يغيروا عليها‪ ،‬وإن قتلوها قتلوا بها‪ ،‬لنها في جوار السلطان‪ .‬ثم سافرت‬
‫من بلد عمان إلى بلد هرمز‪ ،‬وهرمز مدينة على ساحل البحر‪ ،‬وتسمى أيضاً موغ‬
‫أسحتان‪ ،‬وتقابلها فحي البحر هرمز الجديدة‪ ،‬وبينهما فحي البحر ثلثة فراسحخ‪ .‬ووصحلنا‬
‫إلى هرمز الجديدة‪ ،‬وهي جزيرة مدينتها تسمى جرون " بفتح الجيم والراء وآخرها‬
‫نون "‪ ،‬وهي مدينة حسنة كبيرة لها أسواق حافلة‪ ،‬وهي مرسى الهند والسند‪ ،‬ومنها‬
‫تحمحل سحلع الهنحد إلى العراقيحن وفارس وخراسحان‪ .‬وهذه المدينحة سحكنى السحلطان‪،‬‬
‫والجزيرة التححي فيهححا المدينححة مسححيرة يوم‪ ،‬وأكثرهححا سححباخ وجبال ملح‪ ،‬وهححو الملح‬
‫الدارانحي‪ ،‬ومنحه يصحنعون الوانحي المزينحة والمنارات التحي يضعون السحرج عليهحا‪.‬‬

‫وطعامهححم السححمك والتمححر المجلوب إليهححم مححن البصححرة وعمان‪ .‬ويقولون بلسححانهم‪:‬‬
‫خرما وما هي لوت بادشاهي‪ ،‬معناه بالعربي التمر والسمك طعام الملوك‪ .‬وللماء في‬
‫الجزيرة قيمحة‪ ،‬وبهحا عيون ماء وصحهاريج مصحنوعة‪ ،‬يجتمحع فيهحا ماء المطحر‪ .‬وهحي‬
‫على بعحد محن المدينحة‪ ،‬ويأتون إليهحا بالقرب فيملونهحا ويرفعونهحا على ظهورهحم إلى‬
‫البحر‪ ،‬يوسقونها في القوارب ويأتون بها إلى المدينة‪ .‬ورأيت من العجائب عند باب‬
‫الجامحع فيمحا بينحه وبيحن السحوق رأس سحمكة كأنحه رابيحة وعيناه كأنهمحا بابان‪ ،‬فترى‬
‫الناس يدخلون فححي إحداهمححا‪ ،‬ويخرجون مححن الخرى‪ .‬ولقيححت بهذه المدينححة الشيححخ‬
‫الصحالح السحائح أبحا الحسحن القطارانحي‪ ،‬وأصحله محن بلد الروم‪ ،‬فأضافنحي وزارنحي‬
‫وألبسني ثوباً‪ ،‬وأعطاني كمر الصحبة‪ ،‬وهو يحتبي به‪ ،‬فيعين الجالس‪ ،‬فيكون كأنه‬
‫مسحتند‪ .‬وأكثحر فقراء العجحم يتقلدونحه‪ .‬وعلى سحتة أميال محن هذه المدينحة مزار ينسحب‬
‫إلى الخضحر والياس عليهمحا السحلم‪ .‬يذكحر أنهمحا يصحليان فيحه‪ ،‬وظهرت له بركات‬
‫وبراهين‪ .‬وهنالك زاوية يسكنها أحد المشايخ يخدم بها الوارد والصادر‪ ،‬وأقمنا عنده‬
‫يوماً‪ ،‬وقصدنا من هنالك زيارة رجل صالح منقطع في آخر هذه الجزيرة‪ ،‬قد نحت‬
‫غاراً لسكناه‪ .‬فيه زاوية ومجلس ودار صغيرة له‪ .‬فيها جارية وله عبيد خارج الغار‬
‫يرعون بقراً له وغنماً‪ .‬وكان هذا الرجحل محن كبار التجار فححج البيحت وقطحع العلئق‬
‫وانقطحع هنالك للعبادة‪ ،‬ودفحع ماله لرجحل محن إخوانحه يتجحر له بحه‪ .‬وبتنحا عنده ليلة‪،‬‬
‫فأحسن القرى وأجمل‪ ،‬رضي ال تعالى عنه‪ ،‬وسيمة الخير والعبادة لئحة عليه‪.‬‬

‫ذكر سلطان هرمز‬

‫وهححو السححلطان قطححب الديححن تمتهححن طوران شاه " وضبححط اسححمه بفتححح التاءيححن‬
‫المعلوتيحححن وبينهمحححا ميحححم مفتوح وهاء مسحححكنة وآخره نون "‪ ،‬وهحححو محححن كرماء‬
‫السلطين‪ ،‬كثير التواضع حسن الخلق‪ ،‬وعادته أن يأتي لزيارة كل من يقدم عليه‬
‫محن فقيحه أو صحالح أو شريحف ويقوم بحقحه‪ ،‬ولمحا دخلنحا جزيرتحه وجدناه مهيحأ للحرب‬
‫مشغولً بهححا مححع ابنححي أخيححه نظام الديححن‪ .‬فكان فححي كححل ليلة يتيسححر للقتال‪ .‬والغلء‬
‫مسحتولٍ على الجزيرة‪ ،‬فأتحى إلينحا وزيره شمحس الديحن محمحد بحن علي وقاضيحه عماد‬
‫الدين الشونكاري وجماعة من الفضلء‪ ،‬فاعتذروا بما هم عليه من مباشرة الحرب‪.‬‬
‫وأقمنحا عندهحم سحتة عشحر يوماً‪ .‬فلمحا أردنحا النصحراف قلت لبعحض الصححاب‪ :‬كيحف‬
‫ننصرف ول نرى هذا السلطان ? فجئنا على الوزير وكانت داره في جوار الزاوية‬
‫التححي نزلت بهححا‪ ،‬فقلت له‪ ،‬إنححي أريححد السححلم على الملك‪ .‬فقال بسححم ال‪ ،‬وأخححذ بيدي‬
‫فذهحب بحي إلى داره‪ ،‬وهحي على سحاحل البححر‪ ،‬والجفان مجلسحة عندهحا‪ .‬فإذا شيحخ‬
‫عليه أقبية ضيقة دنسة‪ ،‬وعلى رأسه عمامة‪ ،‬وهو مشدود الوسط بمنديل‪ ،‬فسلم عليه‬
‫الوزير وسلمت عليه ولم أعرف انه الملك‪ .‬وكان إلى جانبه ابن اخته‪ ،‬وهو علي شاه‬
‫ابن جلل الدين الكيجي‪ ،‬وكانت بيني وبينه معرفة‪ ،‬فأنشأت أحادثه‪ ،‬وأنا ل أعرف‬
‫الملك‪ ،‬فعرفنححي الوزيححر بذلك‪ .‬فخجلت منححه لقبالي بالحديححث على ابححن أختححه دونححه‬
‫واعتذرت‪ ،‬ثحم قام فدخحل داره‪ ،‬وتبعحه المراء والوزراء وأرباب الدولة‪ .‬ودخلت محع‬
‫الوزير‪ ،‬فوجدناه قاعداً على سرير ملكه وثيابه عليه لم يبدلها وفي يده سبحة جوهر‪،‬‬

‫لم تححر العيون مثلهححا لن مغاصححات الجوهححر تحححت حكمححه‪ .‬فجلس أحححد المراء إلى‬
‫جانبه‪ ،‬وجلست إلى جانب ذلك المير‪ ،‬وسألني عن حالي ومقدمي وعمن لقيته من‬
‫الملوك فأخححبرته بذلك‪ .‬وحضححر الطعام فأكححل الحاضرون ولم يأكححل معهححم‪ ،‬ثححم قام‬
‫فودعتحه وانصحرفت‪ .‬وسحبب الحرب التحي بينحه وبيحن ابنحي أخيحه أنحه ركحب البححر مرة‬
‫محن مدينتحه الجديدة برسحم النزهحة فحي هرمحز القديمحة وبسحاتينها‪ ،‬وبينهمحا فحي البححر‬
‫ثلثحة فراسحخ كمحا قدمناه‪ .‬فخالف عليحه أخوه نظام الديحن‪ ،‬ودعحا لنفسحه وبايعحه أهحل‬
‫الجزيرة وبايعتحه العسحاكر‪ ،‬فخاف قطحب الديحن على نفسحه وركحب البححر إلى مدينحة‬
‫قلهات التححي تقدم ذكرهححا‪ ،‬وهححي مححن جملة بلده‪ ،‬فأقام بهححا شهوراً وجهححز المراكححب‬
‫وأتحى الجزيرة‪ ،‬فقاتله أهلهحا محع أخيحه وهزموه‪ .‬وعاد إلى قلهات‪ ،‬وفعحل ذلك مراراً‪.‬‬
‫فلم تكن له حيلة إل أن يراسل بعض نساء أخيه فسمته ومات‪ .‬وأتى هو إلى الجزيرة‬
‫فدخلها‪ ،‬وفر ابنا أخيه بالخزائن والموال والعساكر إلى جزيرة قيس‪ ،‬حيث مغاص‬
‫الجوهر‪ ،‬وصاروا يقطعون الطريق على من يقصد الجزيرة من أهل الهند والسند‪،‬‬
‫ويغيرون على بلده البحريححة‪ ،‬حتححى تخرب معظمهححا‪ .‬ثححم سحافرنا محن مدينححة جرون‬
‫برسم لقاء رجل صالح ببلد خنج بال‪ .‬فلما عدينا البحر اكترينا دواب من التركمان‪،‬‬
‫وهم سكان تلك البلد‪ ،‬ول يسافر فيها إل معهم لشجاعتهم ومعرفتهم بالطرق‪ .‬وفيها‬
‫صحححراء مسححيرة أربححع‪ ،‬يقطححع بهححا الطريححق لصححوص العراب‪ ،‬وتهححب فيهححا ريححح‬
‫السموم في شهري تموز وحزيران‪ ،‬فمن صادفته فيها قتلته‪ .‬ولقد ذكر لي أن الرجل‬
‫إذا قتلته تلك الريح وأراد أصحابه غسله ينفصل كل عضو منه عن سائر العضاء‪.‬‬

‫وبهحا قبور كثيرة للذيحن ماتوا فيهحا بهذه الريحح‪ ،‬وكنحا نسحافر فيهحا بالليحل‪ ،‬فإذا طلعحت‬
‫الشمحس نزلنحا تححت ظلل الشجار محن أم غيلن‪ ،‬ونرححل بعحد العصحر إلى طلوع‬
‫الشمحس‪ .‬وفحي هذه الصححراء ومحا والهحا كان يقطحع الطريحق بهحا جمال اللك الشهيحر‬
‫السم هنالك‪.‬‬
‫حكاية‬

‫كان جمال اللك مححن أهححل سححجستان أعجمححي الصححل " واللك بضححم اللم " معناه‬
‫القطحع‪ .‬وكانحت يده قطعحت فحي بعحض حروبحه‪ .‬وكانحت له جماعحة كثيرة محن فرسحان‬
‫العراب والعاجحم يقطحع بهحم الطرق‪ .‬وكان يبنحي الزوايحا‪ ،‬ويطعحم الوارد والصحادر‬
‫من الموال التي يسلبها من الناس‪ .‬ويقال‪ :‬إنه كان يدعو أن ل يسلط إل على من ل‬
‫يزكححي ماله‪ ،‬وأقام على ذلك دهراً‪ .‬وكان يغيححر هححو وفرسححانه ويسححلكون براري ل‬
‫يعرفهحا سحواهم‪ ،‬ويدفنون بهحا قرب الماء ورواياه‪ .‬فإذا تبعهحم عسحكر السحلطان دخلوا‬
‫الصحححراء واسحتخرجوا المياه‪ ،‬ويرجححع العسححكر عنهححم خوفاً محن الهلك‪ .‬وأقام على‬
‫هذه الحالة مدة ل يقدر عليحه ملك العراق ول غيره‪ ،‬ثحم تاب وتعبحد حتحى مات‪ ،‬وقحبره‬
‫يزار ببلده‪ .‬وسلكنا هذه الصحراء إلى أن وصلنا إلى كوراستان " وضبط اسمه بفتح‬
‫الكاف واسححكان الواو وراء "‪ ،‬وهححو بلد صححغير فيححه النهار والبسححاتين وهححو شديححد‬
‫الحر‪ .‬ثم سرنا منه ثلثة أيام في صحراء مثل التي تقدمت ووصلنا إلى مدينة لر "‬
‫وآخححر اسححمها راء "‪ ،‬مدينححة كححبيرة كثيرة العيون والمياه المطردة والبسححاتين‪ .‬ولهححا‬
‫أسحواق حسحان‪ ،‬ونزلنحا منهحا بزاويحة الشيحخ العابحد أبحي دلف محمحد وهحو الذي قصحدنا‬

‫زيارتححه بخنححج بال‪ .‬وبهذه الزاويححة ولده أبححو زيححد عبححد الرحمححن‪ ،‬ومعححه جماعححة مححن‬
‫الفقراء‪ .‬ومحن عادتهحم أنهحم يجتمعون بالزاويحة بعحد صحلة العصحر محن كحل يوم‪ ،‬ثحم‬
‫يطوفون على دور المدينة فيعطاهم من كل دار الرغيف والرغيفان‪ ،‬فيطعمون منها‬
‫الوارد والصحادر‪ .‬وأهحل الدور قحد ألفوا ذلك فهحم يجعلونحه فحي جملة قوتهحم‪ ،‬ويعدونحه‬
‫لهحم إعانحة على إطعام الطعام‪ .‬وفي كل ليلة جمعحة يجتمع بهذه الزاوية فقراء المدينة‬
‫وصحلحاؤها‪ ،‬ويأتحي كحل منهحم بمحا تيسحر له محن الدراهحم‪ ،‬فيجمعونهحا وينفقونهحا تلك‬
‫الليلة‪ ،‬ويححبيتون فححي عبادة مححن الصححلة والذكححر والتلوة‪ ،‬وينصححرفون بعححد صححلة‬
‫الصبح‪.‬‬
‫ذكر سلطان لر‬

‫وبهذه المدينة سلطان يسمى بجلل الدين‪ ،‬تركماني الصل‪ ،‬بعث إلينا بضيافة‪ .‬ولم‬
‫نجتمحع بحه ول رأيناه‪ .‬ثحم سحافرنا إلى مدينحة خنحج بال " وضبحط اسحمها بضحم الخاء‬
‫المعجحم وقحد يعوض منحه هاء وإسحكان النون وضحم الجيحم وباء معقودة وألف ولم "‪،‬‬
‫وبهححا سححكنى الشيححخ أبححي دلف الذي قصححدنا زيارتححه‪ ،‬وبزاويتححه نزلنححا‪ .‬ولمححا دخلت‬
‫الزاويحة‪ ،‬رأيتحه قاعداً بناحيحة منهحا على التراب‪ ،‬وعليحه جبحة صحوف خضراء باليحة‪،‬‬
‫وعلى رأسه عمامة صوف سوداء‪ ،‬فسلمت عليه‪ ،‬فأحسن الرد‪ ،‬وسألني عن مقدمي‬
‫وبلدي وأنزلنحي‪ .‬وكان يبعحث إلي الطعام والفاكهحة محع ولد له محن الصحالحين‪ ،‬كثيحر‬
‫الخشوع والتواضحع صحائم الدهحر كثيحر الصحلة‪ .‬ولهذا الشيحخ أبحي دلف شأن عجيحب‬
‫وأمر غريب‪ ،‬فإن نفقته في هذه الزاوية عظيمة‪ .‬وهو يعطي العطاء الجزيل‪ ،‬ويكسو‬

‫الناس‪ ،‬ويركبهحم الخيحل‪ ،‬ويحسحن لكحل وارد وصحادر‪ .‬ولم أر فحي تلك البلد مثله‪ ،‬ول‬
‫يعلم له جهحة إل محا يصحله محن الخوان والصححاب‪ ،‬حتحى زعحم كثيحر محن الناس أنحه‬
‫ينفق من الكون‪ .‬وفي زاويته المذكورة قبر الشيخ الولي الصالح القطب دانيال‪ ،‬وله‬
‫اسم بتلك البلد شهير‪ .‬وشأن في الولية كبير‪ .‬وعلى قبره قبة عظيمة بناها السلطان‬
‫قطححب الديححن تمتهححن بححن طوران شاه‪ .‬وأقمححت عنححد الشيححخ أبححي دلف يومًا واحداً‪،‬‬
‫لسحتعجال الرفقحة التحي كنحت فحي صححبتها‪ .‬وسحمعت أن بالمدينحة خنحج بال المذكورة‬
‫زاويححة فيهححا جملة مححن الصححالحين المتعبديححن‪ ،‬فرحححت إليهححا بالعشححي‪ ،‬وسححلمت على‬
‫شيخهحم وعليهحم‪ ،‬ورأيحت جماعحة مباركحة قحد أثرت فيهحم العبادة‪ ،‬فهحم صحفر اللوان‬
‫نحاف الجسحوم كثيرو البكاء غزيرو الدموع‪ ،‬وعنحد وصحولي إليهحم أتوا بالطعام‪ .‬فقال‬
‫كحبيرهم‪ :‬ادعوا إلي ولدي محمداً وكان معتزلً فحي بعحض نواححي الزاويحة‪ .‬فجاء إلينحا‬
‫الولد‪ ،‬وهو كأنما خرج من قبر مما نهكته العبادة‪ ،‬فسلم وقعد‪ .‬فقال له أبوه‪ :‬يا بني‪،‬‬
‫شارك هؤلء الوارديحن فحي الكحل تنحل محن بركاتهحم‪ ،‬وكان صحائماً فأفطحر معنحا‪ ،‬وهحم‬
‫شافعية المذهب‪ ،‬فلما فرغنا من أكل الطعام دعوا لنا وانصرفنا‪ .‬ثم سافرنا منها إلى‬
‫مدينة قيس‪ .‬وتسمى أيضاً بسيراف‪ ،‬وهي على ساحل بحر الهند المتصل ببحر اليمن‬
‫وفارس‪ ،‬وعدادها في كور فارس مدينة لها انفساح وسعة‪ ،‬طيبة البقعة‪ ،‬في دورها‬
‫بسحاتين عجيبحة‪ ،‬فيهحا الرياحيحن والشجار الناضرة‪ .‬وشرب أهلهحا محن عيون منبعثحة‬
‫من جبالها‪ ،‬وهم عجم من الفرس أشراف‪ ،‬وفيهم طائفة من عرب بني سفاف‪ ،‬وهم‬
‫الذين يغوصون على الجوهر‪.‬‬

‫ذكر مغاص الجوهر‬

‫ومغاص الجوهحر فيمحا بيحن سحيراف والبحريحن فحي خور راكحد مثحل الوادي العظيحم‪،‬‬
‫فإذا كان شهر إبريل‪ ،‬وشهر مايو تأتي إليه القوارب الكثيرة فيها الغواصون وتجار‬
‫فارس والبحريحن والقطيحف ويجعحل الغواص على وجهحه مهمحا أراد أن يغوص شيئاً‬
‫يكسححوه مححن عظححم الغيلم‪ ،‬وهححي السححلحفاة ويصححنع مححن هذا العظححم أيضاً شكلً شبححه‬
‫المقراض‪ ،‬يشده على أنفححه‪ ،‬ثححم يربححط حبلً فححي وسححطه‪ ،‬ويغوص‪ ،‬ويتفاوتون فححي‬
‫الصحبر فحي الماء‪ ،‬فمنهحم محن يصحبر السحاعة والسحاعتين فمحا دون ذلك فإذا وصحل إلى‬
‫قعحر البححر يجحد الصحدف هنالك فيمحا بيحن الحجار الصحغار‪ .‬مثبتًا فحي الرمحل‪ ،‬فيقتلعحه‬
‫بيده‪ ،‬أو يقطعحه بحديدة عنده‪ ،‬معدة لذلك‪ ،‬ويجعلهحا فحي مخلة جلد منوطحة بعنقحه‪ ،‬فإذا‬
‫ضاق نفسه‪ ،‬حرك الحبل فيحس به الرجل الممسك للحبل على الساحل‪ ،‬فيرفعه إلى‬
‫القارب‪ ،‬فتؤخحذ منحه المخلة‪ ،‬ويفتحح الصحدف فيوجحد فحي أجوافهحا قطحع اللححم تقطحع‬
‫بحديدة‪ ،‬فإذا باشرت الهواء جمدت فصححارت جواهححر ‪ ،‬فيجمححع جميعهححا مححن صححغير‬
‫وكححبير‪ ،‬فيأخححذ السححلطان خمسححه والباقححي يشتريححه التجار الحاضرون بتلك القوارب‬
‫وأكثرهم يكون له الدين على الغواصين‪ ،‬فيأخذ الجوهر في دينه أو ما وجب له منه‪،‬‬
‫ثحم سحافرنا محن سحيراف إلى مدينحة البحريحن‪ ،‬وهحي مدينحة كحبيرة حسحنة ذات بسحاتين‬
‫وأشجار وأنهار‪ ،‬وماؤهححا قريححب المؤونححة يحفححر عليححه باليدي فيوجححد‪ ،‬وبهححا حدائق‬
‫النخحل والرمان والترج‪ ،‬يزرع بهحا القطحن وهحي شديدة الححر كثيرة الرمال وربمحا‬
‫غلب الرمحل على بعحض منازلهحا وكان فيمحا بينهحا وبيحن عمان طريحق اسحتولت عليحه‬

‫الرمال وانقطححع‪ ،‬فل يوصححل مححن عمان إليهححا إل فححي البحححر‪ ،‬وبالقرب منهححا جبلن‬
‫عظيمان يسحمى أحدهمحا بكسحير‪ ،‬وهحو فحي غربيهحا‪ ،‬ويسحمى الخحر يعويحر وهحو فحي‬
‫شرقيهحا وبهمحا ضرب المثحل فقيحل " كسحير وعويحر وكحل غيحر خيحر‪ ،‬ثحم سحافرنا إلى‬
‫مدينحة القطيحف‪ " ،‬وضبحط اسحمها بضحم القاف "‪ ،‬كأنحه تصحغير قطحف‪ ،‬وهحي مدينحة‬
‫كحبيرة حسحنة ذات نخحل كثيحر يسحكنها طوائف العرب‪ ،‬وهحم رافضيحة غلة‪ ،‬يظهرون‬
‫الرفض جهاراً ل يبقون أحداً‪ ،‬ويقول مؤذنهم في أذانه بعد الشهادتين‪ :‬أشهد أن علياً‬
‫ولي ال ويزيد بعد الحيعلتين‪ :‬حي على خير العمل‪ ،‬ويزيد بعد التكبير الخير محمد‬
‫وعلي خيحر البشحر‪ ،‬ومحن خالفهمحا فقحد كفحر‪ .‬ثحم سحافرنا منهحا إلى مدينحة هجحر وتسحمى‬
‫الن بالحسحا " بفتحح الحاء والسحين واهمالهمحا " وهحي التحي يضرب المثحل بهحا‪ ،‬فيقال‪:‬‬
‫كجالب التمحر إلى هجحر‪ ،‬وبهحا محن النخيحل محا ليحس ببلد سحواها ومنحه يعلفون دوابهحم‪،‬‬
‫وأهلهحا عرب‪ ،‬وأكثرهحم محن قحبيلة عبحد القيحس بحن أفصحى‪ .‬ثحم سحافرنا منهحا إلى مدينحة‬
‫اليمامححة وتسححمى أيضاً بحجححر " بفتححح الحاء المهمححل واسححكان الجيححم " مدينححة حسححنة‬
‫خصحبة ذات أنهار وأشجار‪ ،‬يسحكنها طوائف محن العرب‪ ،‬وأكثرهحم محن بنحي حنيفحة‪،‬‬
‫وهحي بلدهحم قديماً‪ ،‬وأميرهحم طفيحل بحن غانحم‪ ،‬ثحم سحافرت منهحا فحي صححبة هذا الميحر‬
‫برسحم الححج وذلك فحي سحنة اثنتيحن وثلثيحن فوصحلت إلى مكحة شرفهحا ال تعالى‪ .‬وححج‬
‫فحي تلك السحنة الملك الناصحر سحلطان مصحر رحمحه ال وجملة محن أمرائه‪ ،‬وهحي آخحر‬
‫حجة حجها‪ ،‬وأجزل الحسان لهل الحرمين الشريفين وللمجاورين وفيها قتل الملك‬
‫الناصر أمير أحمد الذي يذكر أنه ولده‪ ،‬وقتل أيضاً كبير أمرائه بكتمور الساقي‪.‬‬

‫حكاية‬

‫ذكر أن الملك الناصر وهب لبكتمور الساقي جارية‪ ،‬فلما أراد الدنو منها قالت له‪:‬‬
‫إنحي حامحل محن الملك الناصحر فاعتزلهحا وولدت ولداً سحماه بأميحر أحمحد‪ ،‬ونشحأ فحي‬
‫حجره‪ ،‬فظهرت نجابتحه واشتهحر بابحن الملك الناصحر‪ ،‬فلمحا كان فحي هذه الحجحة تعاهحد‬
‫على الفتحححك بالملك الناصحححر‪ ،‬وأن يتولى أميحححر أحمحححد الملك‪ ،‬وحمحححل بكتمور معحححه‬
‫العلمات والطبول والكسحوات والموال‪ ،‬فنمحي الخحبر إلى الملك الناصحر‪ ،‬فبعحث إلى‬
‫أميحر أحمحد فحي يوم شديحد الححر‪ ،‬فدخحل عليحه‪ ،‬وبيحن يديحه أقداح الشرب‪ ،‬فشرب الملك‬
‫الناصحر قدحاً‪ ،‬وناول أميحر أحمحد قدحاً ثانياً فيحه السحم فشربحه‪ ،‬وأمحر بالرحيحل فحي تلك‬
‫السححاعة ليشغححل الوقححت فرحححل الناس‪ ،‬ولم يبلغوا المنزل حتححى مات أميححر أحمححد‪،‬‬
‫فاكترث بكتمور لموتحه‪ ،‬وقطحع أثوابحه‪ ،‬وامتنحع محن الطعام والشراب وبلغ خحبره إلى‬
‫الملك الناصحر فأتاه بنفسحه ولطفحه وسحله‪ ،‬وأخحذ قدحاً فيحه سحم فناوله إياه وقال له‪:‬‬
‫بحياتي عليك إل شربت فبردت نار قلبك‪ ،‬فشربه ومات من حينه‪ ،‬ووجد عنده الخلع‬
‫السحلطنة والموال فتحقحق محا نسحب محن الفتحك بالملك الناصحر‪ .‬ولمحا انقضحى الححج‬
‫توجهحت إلى جدة برسحم ركوب البححر إلى اليمحن والهنحد فلم يقحض لي ذلك‪ ،‬ول تأتحى‬
‫لي رفيحق‪ ،‬وأقمحت بجدة نححو أربعيحن يوماً وكان بهحا مركحب لرجحل يعرف بعبحد ال‬
‫التونسحي يروم السحفر إلى القصحير‪ ،‬محن عمالة قوص فصحعدت إليحه لنظحر حاله فلم‬
‫يرضني‪ ،‬ول طابت نفسي بالسفر فيه وكان ذلك لطفاً من ال تعالى‪ .‬فإنه سافر‪ ،‬فلما‬
‫توسط البحر غرق بموضع يقال له‪ :‬رأس أبي محمد‪ ،‬فخرج صاحبه وبعض التجار‬

‫فحي العشاري بعحد جهحد عظيحم‪ ،‬واشرفوا على الهلك‪ ،‬وهلك بعضهحم‪ ،‬وغرق سحائر‬
‫الناس وكان فيه نحو سبعين من الحجاج‪ ،‬ثم ركبت البحر بعد ذلك في صنبوق برسم‬
‫عيذاب‪ ،‬فردتنا الريح إلى جبل يعرف برأس دواير وسافرنا منه في البر مع البجاة‪.‬‬
‫ووردنحا ماء كثيرة النعام والغزلن‪ ،‬فيهحا عرب جهينحة وبنحي كاهحل وطاعتهحم للبجاة‪.‬‬
‫ووردنحا ماء يعرف بمفرور‪ ،‬وماء يعرف بالجديحد‪ .‬ونفحذ زادنحا فاشترينحا محن قوم محن‬
‫البجاة وجدناهحم بالفلة أغناماً وتزودنحا لحومهحا ورأيحت بهذه الفلة صحبياً محن العرب‬
‫كلمنححي باللسححان العربححي وأخححبرني أن البجاة أسححروه‪ ،‬وزعححم أنححه منححذ عام لم يأكححل‬
‫طعاماً‪ .‬وإنما يقتات بلبن البل ونفد منا بعد ذلك اللحم الذي اشتريناه‪ ،‬ولم يبق لنا زاد‬
‫وكان عندي نحو حمل من التمر الصيحاني والبرني برسم الهدية لصحابي ففرقته‬
‫على الرفقححة‪ ،‬وتزودناه ثلثاً وبعححد مسححيرة تسححعة أيام مححن رأس دوايححر‪ ،‬وصححلنا إلى‬
‫عيذاب وكان قد تقدم إليها بعض الرفقة‪ ،‬فتلقانا أهلها بالخبز والتمر والماء وأقمنا بها‬
‫أياماً واكترينحا الجمال وخرجنحا صحححبة طائفححة مححن عرب دغيححم ووردنححا ماء يعرف‬
‫بالجنيحب ولعله " الخحبيب "‪ ،‬وحللنحا بحميثرا‪ ،‬حيحث قحبر ولي ال تعالى أبحي الحسحن‬
‫الشاذلي‪ ،‬وحصلت لنا زيارته ثانية‪ ،‬وبتنا في جواره ثم وصلنا إلى قرية العطواني‪،‬‬
‫وهحي على ضفحة النيحل‪ ،‬مقابلة لمدينحة إدفحو محن الصحعيد العلى‪ .‬وأجزنحا النيحل إلى‬
‫مدينة أسنا ثم إلى مدينة أرمنت ثم إلى القصر‪ ،‬وزرنا الشيخ أبا الحجاج القصري‬
‫ثانية ثم إلى مدينة قوص ثم إلى مدينة قنا وزرنا الشيخ عبد الرحيم القناوي ثانية‪ ،‬ثم‬
‫إلى مدينة هو ثم إلى مدينة أخميم ثم إلى مدينة أسيوط‪ ،‬ثم إلى منفلوط‪ ،‬ثم إلى مدينة‬

‫منلوى‪ ،‬ثححم إلى مدينححة الشمونيححن‪ ،‬ثححم إلى مدينححة منيححة بححن الخصححيب ثححم إلى مدينححة‬
‫البهنسحة ثحم إلى مدينحة بوش ثحم إلى مدينحة منيحة القائد‪ .‬وقحد تقدم لنا ذكحر هذه البلد‪ ،‬ثحم‬
‫إلى مصحر وأقمحت بهحا أياماً وسحافرت على طريحق بلبيحس إلى الشام ورافقنحي الحاج‬
‫عبححد ال بححن أبححي بكححر بححن الفرحان النوزري‪ ،‬ولم يزل فححي صحححبتي سححنين‪ ،‬إلى أن‬
‫خرجنحا محن بلد الهنحد‪ ،‬فتوفحي بسحندابور‪ ،‬وسحنذكر ذلك‪ ،‬فوصحلنا إلى مدينحة غزة ثحم‬
‫إلى مدينحة الخليحل عليحه السحلم‪ ،‬وتكررت لنحا زيارتحه‪ ،‬ثحم إلى بيحت المقدس ثحم إلى‬
‫مدينححة الرملة ثححم إلى مدينححة عكححا ثححم إلى مدينححة طرابلس ثححم إلى مدينححة جبلة وزرنححا‬
‫إبراهيحم بحن أدهحم رضحي ال عنحه ثانيحة‪ ،‬ثحم إلى مدينحة اللذقيحة‪ ،‬وقحد تقدم لنحا ذكحر هذه‬
‫البلد كلهحا ومحن اللذقيحة ركبنحا البححر فحي قرقورة كحبيرة للجنوييحن يسحمى صحاحبها‬
‫بمرتلميحن‪ ،‬وقصحدنا بر التركيحة المعروف ببلد الروم‪ ،‬وإنمحا نسحبت إلى الروم لنهحا‬
‫كانت بلدهم في القديم‪ ،‬ومنها الروم القدمون واليونانية ثم استفتحها المسلمون وبها‬
‫الن كثيحر محن النصحارى تححت ذمحة المسحلمين محن التركمان وسحرنا فحي البححر عشراً‬
‫بريحح طيبحة‪ ،‬وأكرمنحا النصحراني ولم يأخحذ منحا نولً‪ .‬وفحي العاشحر وصحلنا إلى مدينحة‬
‫العليححا‪ ،‬وهححي أول بلد الروم وهذا القليححم المعروف ببلد الروم مححن أحسححن أقاليححم‬
‫الدنيحا وقحد جمحع ال فيحه محا تفرق محن المحاسحن فحي البلد فأهله أجمحل الناس صحوراً‬
‫وأنظفهم ملبس وأطيبهم مطاعم وأكثر خلق ال شفقة ولذلك يقال البركة في الشام‪،‬‬
‫والشفقة في الروم وإنما عنى به أهل هذه البلد‪ .‬وكنا متى نزلنا بهذه البلد زاوية أو‬
‫داراً‪ ،‬يتفقحد أحوالنحا جيراننحا محن الرجال والنسحاء‪ ،‬وهحن ل يحتجبحن فإذا سحافرنا عنهحم‬

‫ودعونا كأنهم أقاربنا وأهلنا وترى النساء باكيات لفراقنا متأسفات ومن عادتهم بتلك‬
‫البلد أن يخبزوا الخبز في يوم واحد من الجمعة‪ ،‬يعدون فيه ما يفوتهم سائرها فكان‬
‫رجالهم يأتون إلينا بالخبز الحار في يوم خبزه‪ ،‬ومعه الدام الطيب إطرافاً لنا بذلك‪،‬‬
‫ويقولن لنحا‪ :‬إن النسحاء بعثحن هذا إليكحم وهحن يطلبحن منكحم الدعاء‪ ،‬وجميحع أهحل هذه‬
‫البلد على مذهب المام أبي حنيفة رضي ال عنه‪ ،‬مقيمين على السنة ل قدري فيهم‬
‫ول رافضحي ول معتزلي ول خارجحي ول مبتدع وتلك فضيلة خصحهم ال تعالى بهحا‪.‬‬
‫إل أنهحم يأكلون الحشيحش ول يعيبون ذلك‪ .‬ومدينحة العليحا التحي ذكرناهحا كحبيرة على‬
‫ساحل البحر‪ ،‬يسكنها التركمان‪ ،‬وينزلها تجار مصر وإسكندرية والشام وهي كثيرة‬
‫الخشحب‪ ،‬ومنهحا يحمحل إلى اسحكندرية ودمياط‪ ،‬ويحمحل منهحا إلى سحائر بلد مصحر‪،‬‬
‫ولها قلعة بأعلها عجيبة منيعة‪ ،‬بناها السلطان المعظم علء الدين الرومي‪ ،‬ولقيت‬
‫بهذه المدينحة قاضيهحا جلل الديحن أرزنجانحي‪ ،‬وصحعد معحي إلى القلعحة يوم الجمعحة‬
‫فصحلينا بهحا‪ .‬وأضافنحي وأكرمنحي‪ ،‬وأضافنحي أيضاً بهحا شمحس الديحن ابحن الرجيحانحي‬
‫الذي توفحي أبوه علء الديحن بمالي محن بلد السحودان‪ .‬وأكرمنحا النصحراني ولم يأخحذ‬
‫منحا نولً‪ .‬وفحي العاشحر وصحلنا إلى مدينحة العليحا‪ ،‬وهحي أول بلد الروم وهذا القليحم‬
‫المعروف ببلد الروم من أحسن أقاليم الدنيا وقد جمع ال فيه ما تفرق من المحاسن‬
‫في البلد فأهله أجمل الناس صوراً وأنظفهم ملبس وأطيبهم مطاعم وأكثر خلق ال‬
‫شفقة ولذلك يقال البركة في الشام‪ ،‬والشفقة في الروم وإنما عنى به أهل هذه البلد‪.‬‬
‫وكنا متى نزلنا بهذه البلد زاوية أو داراً‪ ،‬يتفقد أحوالنا جيراننا من الرجال والنساء‪،‬‬

‫وهن ل يحتجبن فإذا سافرنا عنهم ودعونا كأنهم أقاربنا وأهلنا وترى النساء باكيات‬
‫لفراقنا متأسفات ومن عادتهم بتلك البلد أن يخبزوا الخبز في يوم واحد من الجمعة‪،‬‬
‫يعدون فيحه محا يفوتهحم سحائرها فكان رجالهحم يأتون إلينحا بالخبحز الحار فحي يوم خبزه‪،‬‬
‫ومعححه الدام الطيححب إطرافاً لنححا بذلك‪ ،‬ويقولن لنححا‪ :‬إن النسححاء بعثححن هذا إليكححم وهححن‬
‫يطلبن منكم الدعاء‪ ،‬وجميع أهحل هذه البلد على مذهب المام أبحي حنيفحة رضحي ال‬
‫عنححه‪ ،‬مقيميحن على السححنة ل قدري فيهححم ول رافضححي ول معتزلي ول خارجححي ول‬
‫مبتدع وتلك فضيلة خصحهم ال تعالى بهحا‪ .‬إل أنهحم يأكلون الحشيحش ول يعيبون ذلك‪.‬‬
‫ومدينحة العليحا التحي ذكرناهحا كحبيرة على سحاحل البححر‪ ،‬يسحكنها التركمان‪ ،‬وينزلهحا‬
‫تجار مصححر وإسححكندرية والشام وهححي كثيرة الخشححب‪ ،‬ومنهححا يحمححل إلى اسححكندرية‬
‫ودمياط‪ ،‬ويحمحل منهحا إلى سحائر بلد مصحر‪ ،‬ولهحا قلعحة بأعلها عجيبحة منيعحة‪ ،‬بناهحا‬
‫السححلطان المعظححم علء الديححن الرومححي‪ ،‬ولقيححت بهذه المدينححة قاضيهححا جلل الديححن‬
‫أرزنجانحي‪ ،‬وصحعد معحي إلى القلعحة يوم الجمعحة فصحلينا بهحا‪ .‬وأضافنحي وأكرمنحي‪،‬‬
‫وأضافنحي أيضاً بهحا شمحس الديحن ابحن الرجيحانحي الذي توفحي أبوه علء الديحن بمالي‬
‫من بلد السودان‪.‬‬
‫ذكر سلطان العليا‬

‫وفحي يوم السحبت ركحب معحي القاضحي جلل الديحن‪ ،‬وتوجهنحا إلى لقاء ملك العليحا‬
‫وهحو يوسحف بحك ومعنحى بحك الملك ابحن قرمان‪ " ،‬بفتحح القاف والراء " ومسحكنه على‬
‫عشرة أميال محححن المدينحححة فوجدناه قاعداً على السحححاحل وحده فوق رابيحححة هنالك‪،‬‬

‫والمراء والوزراء أسحفل منحه‪ ،‬والجناد عحن يمينحه ويسحاره‪ ،‬وهحو مخضوب الشعحر‬
‫بالسحواد‪ ،‬فسحلمت عليحه‪ ،‬وسحألني عحن مقدمحي‪ ،‬فأخحبرته عمحا سحأل‪ ،‬وانصحرفت عنحه‬
‫وبعححث إلي إحسححاناً‪ ،‬وسححافرت مححن هنالك إلى مدينححة أنطاليححا " وضبححط اسححمها بفتححح‬
‫الهمزة واسحكان النون وفتحح الطاء المهمحل والف ولم مكسحور وياء آخحر الحروف "‬
‫وأما التي بالشام فهي أنطاكية على وزنها‪ ،‬إل أن الكاف عوض عن اللم‪ ،‬وهي من‬
‫أحسن المدن‪ ،‬متناهية في اتساع الساحة والضخامة‪ ،‬أجمل ما يرى من البلد وأكثره‬
‫عمارة وأحسحنه ترتيباً‪ ،‬وكحل فرقحة محن سحكانها منفردة بأنفسحها عحن الفرقحة الخرى‬
‫فتجار النصارى ماكثون منها بالموضع المعروف بالميناء‪ ،‬وعليهم سور تسد أبوابه‬
‫عليهم ليلً وعند صلة الجمعة‪ .‬والروم الذين كانوا أهلها قديماً ساكنون بموضع آخر‬
‫منفرديحن بحه‪ ،‬وعليهحم أيضاً سحور‪ .‬واليهود فحي موضحع آخحر‪ ،‬وعليهحم سحور‪ ،‬والملك‬
‫وأهحل دولتحه ومماليكحه يسحكنون ببلدة عليهحا أيضاً سحور يحيحط بها‪ ،‬ويفرق بينهحا وبيحن‬
‫محا ذكرناه محن الفرق وسحائر الناس محن المسحلمين يسحكنون المدينحة العظمحى‪ ،‬وبهحا‬
‫مسجد جامع ومدرسة وحمامات كثيرة وأسواق ضخمة مرتبة بأبدع ترتيب‪ ،‬وعليها‬
‫سححور عظيححم يحيححط بهححا وبجميححع المواضححع التححي ذكرناهححا‪ ،‬وفيهححا البسححاتين الكثيرة‬
‫والفواكحه الطيبحة والمشمحش العجيحب المسحمى عندهحم بقمحر الديحن وفحي نواتحه لوز حلو‬
‫وهحو ييبحس ويحمحل إلى ديار مصحر وهحو بهحا مسحتظرف وفيهحا عيون الماء الطيحب‬
‫العذب الشديححد البرودة فححي أيام الصححيف نزلنححا مححن هذه المدينححة بمدرسححتها وشيخهححا‬
‫شهاب الدين الحموي‪ ،‬ومن عادتهم أن يقرأ جماعة من الصبيان بالصوات الحسان‬

‫بعد العصر من كل يوم في المسجد الجامع‪ ،‬وفي المدرسة أيضاً سورة الفتح وسورة‬
‫الملك وسورة عم‪.‬‬
‫ذكر الخية الفتيان‬

‫واححد الخيحة أخحي على لفحظ الخ إذا أضافحه المتكلم إلى نفسحه‪ ،‬وهحم بجميحع البلد‬
‫التركمانيحة الروميحة فحي كحل بلد ومدينحة وقريحة ول يوجحد فحي الدنيحا مثلهحم أشحد احتفالً‬
‫بالغرباء مححن الناس‪ ،‬وأسححرع إلى إطعام الطعام وقضاء الحوائج‪ ،‬والخححذ على أيدي‬
‫الظلمة وقتل الشرط‪ ،‬ومن ألحق بهم من أهل الشر‪ .‬والخي عندهم رجل يجتمع أهل‬
‫صحناعته وغيرهحم محن الشبان العزاب والمتجرديحن‪ ،‬ويقدمونحه على أنفسحهم‪ ،‬وتلك‬
‫هححي الفتوة أيضاً‪ .‬ويبنححي زاويححة ويجعححل فيهححا الفرش والسححرج ومححا يحتاج إليححه مححن‬
‫اللت ويخدم أصحابه بالنهار في طلب معايشهم ويأتون إليه بعد العصر بما يجتمع‬
‫لهحم‪ ،‬فيشترون بحه الفواكحه والطعام إلى غيحر ذلك ممحا ينفحق فحي الزاويحة فإن ورد فحي‬
‫ذلك اليوم مسافر على البلد أنزلوه عندهم‪ ،‬وكان ذلك ضيافته لديهم‪ ،‬ول يزال عندهم‬
‫حتححى ينصححرف وإن لم يرد وارد‪ ،‬اجتمعوا على طعامهححم فأكلوا وغنوا ورقصححوا‪،‬‬
‫وانصححرفوا إلى صححناعتهم بالغدو‪ ،‬وأتوا بعححد العصححر إلى مقدمهححم بمححا اجتمححع لهححم‬
‫ويسحمون بالفتيان ويسحمى مقدمهحم كمحا ذكرنحا الخحي ولم أر فحي الدنيحا أجمحل أفعالً‬
‫منهححم ويشبههححم فححي أفعالهححم أهححل شيراز وأصححفهان إل أن هؤلء أحححب فححي الوارد‬
‫والصححادر‪ ،‬وأعظححم إكراماً له وشفقححة عليححه‪ .‬وفححي الثانححي مححن يوم وصححولنا إلى هذه‬
‫المدينحة أتحى أححد هؤلء الفتيان إلى الشيحخ شهاب الديحن الحموي وتكلم معحه باللسحان‬

‫التركحي‪ ،‬ولم أكحن يومئذ أفهمحه‪ ،‬وكان عليحه أثواب خلقحة‪ ،‬وعلى رأسحه قلنسحوة لبحد‪،‬‬
‫فقال لي الشيخ أتعلم ما يقول هذا الرجل ? فقلت ل أعلم ما قال‪ :‬فقال لي‪ :‬إنه يدعوك‬
‫إلى ضيافتحه أنحت وأصححابك فعجبحت منحه‪ ،‬وقلت له‪ :‬نعحم‪ .‬فلمحا انصحرف قلت للشيحخ‬
‫هذا رجل ضعيف ول قدرة له على تضييفنا‪ ،‬ول نريد أن نكلفه‪ .‬فضحك الشيخ وقال‬
‫لي هذا أحد شيوخ الفتيان الخية هو من الخرازين ‪ ،‬وفيه كرم نفس وأصحابه نحو‬
‫مائتين من أهل الصناعات قد قدموه على أنفسهم‪ ،‬وبنوا زاوية للضيافة‪ ،‬وما يجتمع‬
‫لهحم بالنهار انفقوه بالليحل‪ .‬فلمحا صحليت المغرب عاد إلينحا ذلك الرجحل وذهبنحا معحه إلى‬
‫زاويتحه‪ ،‬فوجدناهحا زاويحة حسحنة مفروشحة بالبسحط الروميحة الحسحان‪ ،‬وبهحا الكثيحر محن‬
‫ثريات الزجاج العراقي‪ ،‬وفي المجلس خمسة من البياسيس‪ ،‬والبيسوس شبه المنارة‬
‫مححن النحاس له أرجححل ثلث‪ ،‬وعلى رأسححه شبححه جلس مححن النحاس‪ ،‬وفححي وسححطه‬
‫أنبوب للفتيلة ويمل محن الشححم المذاب‪ ،‬وإلى جانبحه آنيحة نحاس ملنحة بالشححم‪ ،‬وفيهحا‬
‫مقراض لصلح الفتيل‪ ،‬وأحدهم موكل بها‪ ،‬ويسمى عندهم الجراجي " الجراغجي‬
‫" وقد اصطف في المجلس جماعة من الشبان ولباسهم القبية وفي أرجلهم الخفاف‬
‫وكححل واحححد منهححم متحزم‪ ،‬على وسححطه سححكين فححي طول ذراعيححن‪ ،‬وعلى رؤوسححهم‬
‫قلنحس بيحض محن الصحوف‪ ،‬بأعلى كحل قلنسحوة قطعحة موصحلة بهحا فحي طول ذراع‪،‬‬
‫وعرض إصبعين فإذا استقر بهم المجلس نزع كل واحد منهم قلنسوة‪ ،‬ووضعها بين‬
‫يديحه‪ .‬وتبقحى على رأسحه قلنسحوة أخرى محن الزردخانحي وسحواه حسحنة المنظحر‪ ،‬وفحي‬
‫وسحط مجلسحهم شبحه مرتبحة موضوعحة للوارديحن‪ .‬ولمحا اسحتقر بنحا المجلس عندهحم أتوا‬

‫بالطعام الكثير والفاكهة والحلواء‪ ،‬ثم أخذوا في الغناء والرقص فراقنا حالهم‪ ،‬وطال‬
‫عجبنا من سماحهم‪ ،‬وكرم أنفسهم وانصرفنا عنهم آخر الليل‪ ،‬وتركناهم بزاويتهم‪.‬‬
‫ذكر سلطان انطالية‬

‫وسلطانها خضر بك ابن يونس بك‪ ،‬وجدناه عند وصولنا إليها عليلً‪ ،‬فدخلنا عليه‬
‫بداره‪ ،‬وهحو فحي فراش المرض‪ ،‬فكلمنحا بألطحف كلم وأحسحنه وودعناه‪ ،‬وبعحث الينحا‬
‫بإحسان‪ .‬وسافرنا إلى بلدة بردور " وضبط اسمها بضم الباء الموحدة وإسكان الراء‬
‫وضحم الدال المهمحل وواو وراء "‪ ،‬وهحي بلدة صحغير كثيرة البسحاتين والنهار‪ ،‬ولهحا‬
‫قلعحة فحي رأس جبحل شاهحق نزلنحا بدار خطيبهحا‪ ،‬واجتمعحت الخيحة‪ ،‬وأرادوا نزولنحا‬
‫عندهم فأبى عليهم الخطيب‪ ،‬فصنعوا لنا ضيافة في بستان لحدهم وذهبوا بنا إليها‬
‫فكان مححن العجائب إظهارهححم السححرور بنححا‪ ،‬والسححتبشار والفرح‪ ،‬وهححم ل يعرفون‬
‫لساننا‪ ،‬ونحن ل نعرف لسانهم‪ ،‬ول ترجمان فيما بيننا‪ .‬وأقمنا عندهم يوماً وانصرفنا‬
‫ثحم سحافرنا محن هذه البلدة إلى بلدة سحبرنا " وضبحط اسحمها بفتحح السحين المهمحل والباء‬
‫الموحدة وإسححححكان الراء وفتححححح التاء المعلوة والف " وهححححي بلدة حسححححنة العمارة‬
‫والسحواق كثيرة البسحاتين والنهار‪ ،‬لهحا قلعحة فحي جبحل شامحخ وصحلنا إليهحا بالعشحي‪،‬‬
‫ونزلنحا عنحد قاضيهحا وسحافرنا منهحا إلى مدينحة أكريدور " وضبحط اسحمها بفتحح الهمزة‬
‫وسححكون الكاف وكسححر الراء وياء مححد ودال مهمححل مضموم وواو مححد وراء " مدينححة‬
‫عظيمحة كثيرة العمارة حسحنة السحواق ذات أنهار وبسحاتين‪ ،‬ولهحا بحيرة عذبحة الماء‬
‫يسحافر المركحب فيهحا يومين إلى أقشهحر وبقشهحر وغيرهمحا محن البلد والقرى‪ ،‬ونزلنحا‬

‫منها بمدرسة تقابل الجامع العظم بها المدرس العام الحاج المجاور الفاضل مصلح‬
‫الدين قرأ بالديار المصرية والشام وسكن بالعراق‪ .‬وهو فصيح اللسان حسن البيان‪،‬‬
‫أطروفة من طرف الزمان‪ ،‬أكرمنا غاية الكرام وقام بحقنا أحسن قيام‪.‬‬
‫ذكر سلطان أكريدور‬

‫وسلطانها أبو إسحاق بك ابن الدندار بك‪ ،‬من كبار سلطين تلك البلد‪ ،‬سكن ديار‬
‫مصحر أيام أبيحه وححج‪ ،‬وله سحيرة حسحنة‪ ،‬ومحن عادتحه أنحه يأتحي كحل يوم إلى صحلة‬
‫العصحر بالمسحجد الجامحع‪ ،‬فإذا قضيحت صحلة العصحر اسحتند إلى جدار القبلة‪ ،‬وقعحد‬
‫القراء بيححن يديححه على مصححطبة خشححب عاليححة‪ ،‬فقرأوا سححورة الفتححح والملك وعححم‬
‫بأصحوات حسحان فعالة فحي النفوس تخشحع لهحا القلوب وتقشعحر الجلود وتدمحع العيون‪،‬‬
‫ثحم ينصحرف إلى داره‪ .‬وأظلنحا عنده شهحر رمضان فكان يقعحد فحي كحل يوم ليلة منحه‬
‫على فراش لصق بالرض من غير سرير‪ ،‬ويستند إلى مخدة كبيرة‪ ،‬ويجلس الفقيه‬
‫مصلح الدين إلى جانبه‪ ،‬وأجلس إلى جانب الفقيه ويلينا أرباب دولته أمراء حضرته‬
‫ثحم يؤتحى بالطعام‪ ،‬فيكون أول محا يفطحر عليحه ثريحد فحي قحفحة صحغيرة‪ ،‬عليحه العدس‬
‫مسحقي بالسحمن والسحكر‪ ،‬ويقدمون الثريحد تحبركاً‪ ،‬ويقولون أن النحبي صحلى ال عليحه‬
‫وسلم فضله على سائر الطعام فنحن نبدأ به لتفضيل النبي له ثم يؤتى بسائر الطعمة‬
‫وهكذا فعلهحححححححححححححححححححححححم فحححححححححححححححححححححححي جميحححححححححححححححححححححححع ليالي رمضان‪.‬‬
‫وتوفحي فحي بعحض تلك اليام ولد السحلطان‪ ،‬فلم يزيدوا على بكاء الرحمحة‪ ،‬كمحا يفعله‬
‫أهل مصر والشام‪ ،‬خلفاً لما قدمناه من فعل أهل اللور حين مات ولد سلطانهم فلما‬

‫دفن أقام السلطان والطلبة ثلثة أيام يخرجون إلى قبره بعد صلة الصبح‪ .‬وثاني يوم‬
‫من دفنه خرجت مع الناس فرآني السلطان ماشياً برجلي‪ ،‬فبعث لي بفرس واعتذر‪،‬‬
‫فلما وصلت المدرسة بعثت الفرس فرده وقال‪ :‬إنما أعطيته عطية ل عارية‪ ،‬وبعث‬
‫إلي بكسحوة ودراهحم فانصحرفنا إلى مدينحة قحل حصحار " وضبحط اسحمها بضحم الكاف‬
‫وإسحكان اللم ثحم حاء مهمحل مكسحور وصحاد مهمحل وآخره راء " مدينحة صحغيرة بهحا‬
‫المياه محن كحل جانحب‪ ،‬قحد نبحت فيهحا القصحب‪ ،‬فل طريحق لهحا إل طريحق كالجسحر مهيحأ‬
‫بيححن القصححب والمياه‪ ،‬ل يسححع إل فارسحاً واحداً‪ ،‬والمدينححة على تححل فححي وسححط المياه‬
‫منيعة ل يقدر عليها ونزلنا بزاوية أحد الفتيان الخية بها‪.‬‬
‫ذكر سلطان قل حصار‬

‫وسحلطانها محمحد جلبحي وجلبحي " بجيحم معقود ولم مفتوحيحن وباء موحدة وياء "‪،‬‬
‫وتفسحيره بلسحان الروم سحيدي‪ ،‬وهحو أخحو السحلطان أبحي إسححاق ملك أكريدور‪ ،‬ولمحا‬
‫وصحلنا إلى مدينتحه كان غائباً عنهحا فأقمنحا بهحا أياماً ثحم قدم فأكرمنحا وأركبنحا وزودنحا‪،‬‬
‫وانصحرفنا على طريحق قرا أغاج وقرا " بفتحح القاف " وتفسحيره أسحود " وأغاج بفتحح‬
‫الهمزة والغين المعجم وآخره جيم " تفسيره الخشب وهي صحراء خضراء يسكنها‬
‫التركمان‪ .‬وبعححث معنححا السححلطان فراسححاناً يبلغوننححا إلى مدينححة لذق‪ .‬بسححبب أن هذه‬
‫الصحراء يقطع الطريق فيها طائفة يقال لها الجرميان يذكر أنهم من ذرية يزيد بن‬
‫معاوية‪ ،‬ولهم مدينة يقال لها‪ :‬كوتاهية فعصمنا ال منهم‪ ،‬ووصلنا إلى مدينة لذق‪" ،‬‬
‫وهحححي بكسحححر الذال المعجحححم وبعده قاف " وتسحححمى أيضاً دون غزله وتفسحححيره بلد‬

‫الخنازير‪ ،‬وهي من أبدع المدن وأضخمها وفيها سبعة من المساجد لقامة الجمعة‪،‬‬
‫ولهحا البسحاتين الرائقحة والنهار المطردة والعيون المنبعحة‪ ،‬وأسحواقها حسحان‪ ،‬وتصحنع‬
‫بهحا ثياب قطحن معلمحة بالذهحب ل مثحل لهحا تطول أعمارهحا لصححة قطنهحا وقوة غزلهحا‬
‫وهذه الثياب معروفحة بالنسحبة إليهحا‪ ،‬وأكثحر الصحناع بهحا نسحاء الروم‪ ،‬وبهحا محن الروم‬
‫كثيحر تححت الذمحة‪ ،‬وعليهحم وظائف للسحلطان محن الجزيحة وسحواها وعلمحة الروم بهحا‬
‫القلنححس الطوال‪ ،‬منهححا الحمححر والبيححض‪ .‬ونسححاء الروم لهححن عمائم كبار وأهححل هذه‬
‫المدينحة ل يغيرون المنكحر‪ ،‬بحل كذلك أهحل هذا القليحم كلهحم وهحم يشترون الجواري‬
‫الروميات الحسحان ويتركونهحن للفسحاد وكحل واحدة عليهحا وظيحف لمالكهحا تؤديحه له‪.‬‬
‫وسححمعت هنالك أن الجواري يدخلن الحمام مححع الرجال‪ ،‬فمححن أراد الفسححاد فعححل ذلك‬
‫بالحمام محن غيحر منكحر عليحه‪ .‬وذكحر لي أن القاضحي بهحا له جوارٍ على هذه الصحورة‪.‬‬
‫وعنحد دخولنحا لهذه المدينحة تقدم إلينحا رجال محن حوانيتهحم حتحى سحل بعضهحم السحكاكين‬
‫وأخذوا بأعنحة الخيحل ونازعهحم آخرون على بعحض‪ ،‬ونححن ل نعلم محا يقولون‪ ،‬فخفنحا‬
‫منهحم وظننحا أنهحم الجرميان الذيحن يقطعون الطرق‪ ،‬وأن تلك مدينتهحم‪ ،‬وحسحبنا أنهحم‬
‫يريدون نهبنحا‪ .‬ثحم بعحث ال لنحا رجلً حاجاً يعرف اللسحان العربحي فسحألته عحن مرادهحم‬
‫منحا فقال‪ :‬إنهحم محن الفتيان‪ ،‬وإن الذيحن سحبقوا إلينحا أولً هحم أصححاب الفتحى أخحي سحنان‬
‫والخرون أصحاب الفتى أخي طومان‪ ،‬وكل طائفة ترغب أن يكون نزولكم عندهم‪.‬‬
‫فعجبنا من كرم نفوسهم‪ .‬ثم وقع بينهم الصلح على المقارعة‪ ،‬فمن كانت قرعته نزلنا‬
‫عنده أولً‪ ،‬فوقعحت قرعحة أخحي سحنان وبلغحه ذلك‪ ،‬فأتحى إلينحا فحي جماعحة محن أصححابه‬

‫فسحلموا علينحا ونزلنحا بزاويحة له‪ .‬وأتحي بأنواع الطعام‪ ،‬ثحم ذهحب بنحا إلى الحمام ودخحل‬
‫معنحا‪ ،‬وتولى خدمتحي بنفسحه‪ ،‬وتولى أصححابه خدمحة أصححابي يخدم الثلثحة والربعحة‬
‫الواححد منهحم‪ .‬ثحم خرجنحا محن الحمام فأتحو بطعام عظيحم وحلواء وفاكهحة كثيرة‪ .‬وبعحد‬
‫الفراغ من الكل قرأ القراء آيات من القرآن العزيز‪ ،‬ثم أخذوا في السماع والرقص‪.‬‬
‫وأعلموا السلطان بخبرنا‪ .‬فلما كان من الغد بعث في طلبنا بالعشي فتوجنا إليه وإلى‬
‫ولده كمحا نذكره‪ ،‬ثحم عدنحا إلى الزاويحة فألفينحا الخحي طومان وأصححابه فحي انتظارنحا‪،‬‬
‫فذهبوا بنحا إلى زاويتهحم‪ ،‬ففعلوا فحي الطعام والحمام مثحل أصححابهم‪ ،‬وزادوا عليحه أن‬
‫صحبوا علينحا ماء الورد صحباً بعحد خروجنحا محن الحمام‪ ،‬ثحم مضوا بنحا إلى الزاويحة‪،‬‬
‫ففعلوا أيضاً محن الحتفال فحي الطعمحة والحلواء والفاكهحة وقراءة القرآن بعحد الفراغ‬
‫محن الكحل ثحم السحماع والرقحص كمثحل محا فعله أصححابهم أو أحسحن‪ .‬وأقمنحا عندهحم‬
‫بالزاوية أياماً‪.‬‬
‫ذكر سلطان لذق‬

‫وهو السلطان يننج بك " واسمه بياء آخر الحروف مفتوحة ثم نونين أولهما مفتوحة‬
‫والثانية مسكنة وجيم "‪ ،‬وهو من كبار سلطين بلد الروم‪ .‬ولما نزلنا بزاوية أخي سنان كما‬
‫قدمناه‪ ،‬بعث إلينا الواعظ المذكور العالم علء الدين القسطموني‪ ،‬واصطحب معه خيلً‬
‫بعددنا‪ ،‬وذلك في شهر رمضان‪ ،‬فتوجهنا إليه وسلمنا عليه‪.‬‬
‫ومن عادة ملوك هذه البلد التواضع لواردين ولين الكلم وقلة العطاء‪ .‬فصلينا معه‬
‫المغرب وحضحر طعامحه فأفطرنحا عنده وانصحرفنا‪ .‬وبعحث إلينحا بدراهحم‪ ،‬ثحم بعحث إلينحا‬
‫ولده مراد بحك‪ ،‬وكان ساكناً فحي بسحتان خارج المدينحة‪ ،‬وذلك فحي إبان الفاكهة‪ ،‬وبعحث‬
‫أيضاً خيلً على عددنحا‪ ،‬كمحا فعله أبوه فأتينحا بسحتانه وأقمنحا عنده تلك الليلة‪ .‬وكان له‬

‫فقيه يترجم بيننا وبينه‪ .‬ثم انصرفنا غدوة‪ ،‬وأظلنا عيد الفطر بهذه البلدة‪ ،‬فخرجنا إلى‬
‫المصحلى‪ ،‬وخرج السحلطان فحي عسحاكره‪ ،‬والفتيان الخيحة كلهحم بالسحلحة‪ .‬ولهحل كحل‬
‫صححناعة العلم والبوقات والطبول والنفار‪ ،‬وبعضهححم يفاخححر بعضاً ويباهيححه فححي‬
‫حسححن الهيئة وكمال الشكححة‪ ،‬ويخرج أهححل كححل صححناعة معهححم البقححر والغنححم وأحمال‬
‫الخبحز‪ ،‬فيذبحون البهائم بالمقابر ويتصحدقون بهحا وبالخبحز ?‪ .‬ويكون خروجهحم أولً‬
‫إلى المقابر ومنهحححححححححححححححححححححححححححححححححححححححا إلى المصحححححححححححححححححححححححححححححححححححححححلى‪.‬‬
‫ولمححا صححلينا صححلة العيححد‪ ،‬دخلنححا مححع السححلطان إلى منزله‪ ،‬وحضححر الطعام‪ .‬فجعححل‬
‫للفقهاء والمشايححخ والفتيان سححماط على حدة‪ ،‬وجعححل للفقراء والمسححاكين سححماط على‬
‫حدة‪ .‬ول يرد على بابحه فحي ذلك اليوم فقيحر ول غنحي‪ ،‬وأقمنحا بهذه البلدة مدة بسحبب‬
‫مخاوف الطريححق‪ .‬ثححم تهيأت رفقححة فسححافرنا معهححم يوماً وبعححض ليلة‪ ،‬ووصححلنا إلى‬
‫حصن طواس واسمه " بفتح الطاء وتخفيف الواو وآخره سين مهمل"‪ ،‬وهو حصن‬
‫كحبير‪ .‬يذكحر أن صحهيباً صحاحب رسحول ال صحلى ال عليحه وسحلم‪ ،‬ورضحي ال عنحه‪،‬‬
‫من أهل هذا الحصن‪ .‬وكان مبيتنا بخارجه‪ .‬ووصلنا بالغد إلى بابه‪ ،‬فسألنا أهله من‬
‫أعلى السححور عححن مقدمنححا فأخححبرناهم‪ .‬وحينئذ خرج أميححر الحصححن ميناس بححك فححي‬
‫عسحكره ليختحبر نواححي الحصحن والطريحق‪ ،‬خوفاً محن إغارة السحراق على الماشيحة‪.‬‬
‫فلمحا طافوا بجهاتحه خرجحت مواشيههحم‪ ،‬وهكذا فعلهحم أبداً‪ .‬ونزلنحا محن هذا الحصحن‬
‫بربضحة فحي زاويحة رجحل فقيحر وبعحث إلينا أميحر الحصحن بضيافحة وزاد‪ ،‬وسحافرنا منحه‬
‫إلى مغلة " وضبحط اسحمها بضحم الميحم واسحكان الغيحن المعجحم وفتحح اللم "‪ ،‬ونزلنحا‬

‫بزاوية أحد المشايخ بها‪ ،‬وكان من الكرماء والفضلء‪ ،‬يكثر الدخول علينا بزاويته‪،‬‬
‫ول يدخححل إل بطعام أو فاكهححة أو حلواء‪ .‬ولقينححا بهذه البلدة إبراهيححم بححك ولد سححلطان‬
‫مدينحة ميلس‪ ،‬وسحنذكره‪ ،‬فأكرمنحا وكسحانا‪ ،‬ثحم سحافرنا إلى مدينحة ميلس " وضبحط‬
‫اسححمها بكسححر الميححم وياء مححد وآخره سححين مهمححل "‪ ،‬وهححي مححن أحسححن بلد الروم‬
‫وأضخمهحا‪ ،‬كثيرة الفواكحه والبسحاتين والمياه‪ .‬نزلنحا منهحا بزاويحة أححد الفتيان الخيحة‪،‬‬
‫ففعححل مححا فعله مححن قبله مححن الركاء والضيافححة ودخول الحمام وغيححر ذلك مححن حميححد‬
‫الفعال وجميححل العمال‪ .‬ولقينححا بمدينححة ميلس رجلً صححالحاً معمراً يسححمى بأبححي‬
‫الششتري‪ ،‬وذكروا أن عمره يزيحد على مائة وخمسحين سحنة‪ ،‬وله قوة وحركحة وعقله‬
‫ثابت وذهنه جيد‪ .‬دعا لنا وحصلت لنا بركته‪.‬‬
‫?ذكر سلطان ميلس‬

‫وهحو السحلطان المكرم شجاع الديحن أرخان بحك ابحن المنتشحا " وضبحط اسحمه بضحم‬
‫الهمزة وإسححكان الراء وخاء معجححم وآخره نون "‪ ،‬وهححو مححن خيالي الملوك‪ ،‬حسححن‬
‫الصحورة والسحيرة‪ ،‬جلسحاؤه الفقهاء وهحم معظمون لديحه‪ ،‬وببابحه منهحم جماعحة منهحم‬
‫الفقيححه الخوارزمححي عارف بالفنون فاضححل‪ .‬وكان السححلطان فححي أيام لقائي له واجداً‬
‫عليححه‪ .‬بسححبب رحلتححه إلى مدينححة أياسححلوق ووصححوله إلى سححلطانها وقبول مححا أهداه‪.‬‬
‫فسألني هذا الفقيه أن أتكلم عند الملك في شأنه بما يذهب ما في خاطره‪ ،‬فأثنيت عليه‬
‫عنحد السحلطان‪ ،‬وذكرت محا علمتحه محن علمحه وفضله‪ ،‬ولم أزل بحه حتحى ذهحب محا كان‬
‫يجده فيه‪ .‬وأحسن إلينا هذا السلطان وأركبنا وزودنا‪ .‬وسكناه في مدينة برجين‪ ،‬وهي‬

‫قريبحة محن ميلس‪ ،‬بينهمحا ميلن " وضبحط اسحمها بفتحح الموحدة واسحكان الراء وجيحم‬
‫وياء مححححد وآخره نون "‪ ،‬وهححححي جديدة على تححححل هنالك‪ ،‬بهححححا العمارات الحسححححان‬
‫والمسححاجد‪ .‬وكان قححد بنححى بهححا مسححجداً جامعاً‪ ،‬لم يتححم بناؤه بعححد‪ .‬وبهذه البلدة لقيناه‪،‬‬
‫ونزلنحا منهحا بزاويحة الفتحى أخحي علي‪ .‬ثحم انصحرفنا بعحد محا أحسحن إلينحا كمحا قدمناه إلى‬
‫مدينحة قونيحه " وضبحط اسحمها بضحم القاف وواو محد ونون مسحكن مكسحور ويار آخحر‬
‫الحروف "‪ ،‬مدينحة عظيمحة حسحنة العمارة كثيرة المياه والنهار والبسحاتين والفواكحة‪،‬‬
‫وبها المشمش المسمى بقمر الدين‪ .‬وقد تقدم ذكره‪ ،‬ويحمل منه أيضاً إلى ديار مصر‬
‫والشام‪ .‬وشوارعهحا متسحعة جداً‪ ،‬وأسحواقها بديعحة الترتيحب‪ .‬وأهحل كحل صحناعة على‬
‫حدة ويقال‪ :‬إن هذه المدينة من بناء السكندر‪ ،‬وهي من بلد السلطان بدر الدين بن‬
‫قرمان‪ ،‬وسحنذكره‪ .‬وقحد تغلب عليهحا صحاحب العراق فحي بعحض الوقات لقربهحا محن‬
‫بلده التحي بهذا القليحم‪ .‬نزلنحا منهحا بزاويحة قاضيهحا‪ ،‬ويعرف بابحن قلم شاه وهحو محن‬
‫الفتيان‪ ،‬وزاويتحه محن أعظحم الزوايحا‪ .‬وله طائفحة كحبيرة محن التلميحذ‪ ،‬ولهحم فحي الفتوة‬
‫سحند يتصحل إلى أميحر المؤمنيحن علي بحن أبحي طالب عليحه السحلم‪ .‬ولباسحها عندهحم‬
‫السححراويل كمححا تلبححس الصححوفية الخرقححة‪ .‬وكان صححنيع هذا القاضححي فححي إكرامنححا‬
‫وضيافتنا أعظم صنيع من قبله وأجمل‪ .‬وبعث ولده عوضاً عنه لدخول الحمام معنا‪.‬‬
‫وبهذه المدينححة تربححة الشيححخ المام الصححالح القطححب جلل الديححن المعروف بمولنححا‪،‬‬
‫وكان كبير القدر‪ .‬وبأرض الروم طائفة ينتمون ويعرفون باسمه‪ ،‬فيقال لهم الجللية‪،‬‬
‫كما تعرف الحمدية بالعراق‪ ،‬والحيدرية بخراسان‪ ،‬وعلى تربته زاوية عظيمة فيها‬

‫الطعام للوارد‪.‬‬
‫?حكاية‬

‫يذكحر أنحه كان فحي ابتداء أمره فقيهاً مدرسحاً‪ ،‬يجتمحع إليحه الطلبحة بمدرسحته بقونيحه‪،‬‬
‫فدخحل يوماً إلى المدرسحة رجحل يحبيع الحلواء‪ ،‬وعلى رأسحه طبحق منهحا‪ ،‬وهحي مقطعحة‬
‫قطعاً‪ ،‬يحبيع القطعحة منهحا بفلس‪ .‬فلمحا أتحى مجلس التدريحس قال له الشيحخ‪ :‬هات طبقحك‪.‬‬
‫فأخححذ الحلوانححي قطعححة منححه وأعطاهححا للشيححخ‪ ..‬فأخذهححا الشيححخ بيده‪ ،‬وأكلهححا‪ .‬فخرج‬
‫الحلوانحي‪ ،‬ولم يطعحم أحداً سحوى الشيحخ‪ .‬فخرج الشيحخ فحي اتباعحه‪ ،‬وترك التدريحس‪،‬‬
‫فأبطحأ على الطلبحة‪ .‬طال انتظارهحم إياه‪ ،‬فخرجوا فحي طلبحه فلم يعرفوا له مسحتقراً‪ .‬ثحم‬
‫إنه عاد إليهم بعد أعوام‪ ،‬وصار ل ينطق إل بالشعر الفارسي المتعلق الذي ل يفهم‪.‬‬
‫فكان الطلبة يتبعونه ويكتبون ما يصدر عنه من ذلك الشعحر‪ ،‬وألفوا منه كتاباً سموه‬
‫المثنوي‪ .‬وأهححححل تلك البلد يعظمون ذلك الكتاب ويعتححححبرون كلمححححه‪ ،‬ويعلمونححححه‬
‫ويقرأونه بزواياهم في ليالي الجمعات‪ .‬وفي هذه المدينة أيضاً قبر الفقيه أحمد‪ ،‬الذي‬
‫يذكر أنه كان معلم جلل الدين المذكور‪ .‬ثم سافرنا إلى مدينة اللرندة‪ ،‬وهي " بفتح‬
‫الراء التي بعد اللف واللم واسكان النون وفتح الدال المهمل "‪ ،‬مدينة حسنة كثيرة‬
‫المياه والبساتين‪.‬‬
‫?ذكر سلطان اللرندة‬

‫وسلطانها الملك بدر الدين بن قرمان " وبفتح القاف والراء "‪ ،‬وكانت قبله لشقيقه‬
‫موسححى‪ ،‬فنزل عنهححا للملك الناصححر‪ ،‬وعوضححه عنهححا بعوض‪ ،‬وبعححث إليهححا أميراً‬

‫وعسحكراً‪ ،‬ثحم تغلب عليهحا السحلطان بدر الديحن‪ ،‬وبنحى بهحا دار مملكتحه‪ ،‬واسحتقام أمره‬
‫بها‪ .‬ولقيت هذا السلطان خارج المدينة‪ ،‬وهو عائد من تصيده‪ ،‬فنزلت له عن دابتي‪،‬‬
‫فنزل هحو عحن دابتحه‪ ،‬وسحلمت عليحه‪ .‬وأقبحل علي‪ ،‬ومحن عادة ملوك هذه البلد أنحه إذا‬
‫نزل لهححم الوارد عححن دابتححه نزلوا له‪ ،‬وأعجبهححم فعله وزادوا فححي إكرامححه‪ .‬وإن سححلم‬
‫عليهححم راكباً سححاءهم ذلك ولم يرضهححم‪ ،‬ويكون سححبباً لحرمان الوارد‪ .‬وقححد جرى لي‬
‫ذلك محع بعضهحم وسحأذكره‪ .‬وولمحا سحلمت عليحه وركحب وركبحت‪ ،‬سحألني عحن حالي‬
‫وعحن مقدمحي‪ ،‬ودخلت معحه المدينحة‪ ،‬فأمحر بإنزالي أحسحن نزل‪ ،‬وكان يبعحث الطعام‬
‫الكثيحر والفواكهحة والحلواء فحي طيافيحر الفضحة والشمحع‪ ،‬وكسحا وأركحب وأحسحن‪ ،‬ولم‬
‫يطححل مقامنحا عنده‪ .‬وانصححرفنا إلى مدينححة أقصححرا " وضبطهححا بفتححح الهمزة وسححكون‬
‫القاف وفتحح الصحاد المهمحل والراء "‪ ،‬وهحي محن أحسحن بلد الروم وأتقنهحا‪ .‬تححف بهحا‬
‫العيون الجاريحة والبسحاتين محن كحل ناحيحة‪ ،‬ويشحق المدينحة ثلثحة أنهار‪ ،‬ويجري الماء‬
‫بدورهحا‪ ،‬وفيهحا الشجار ودوالي العنحب‪ ،‬وداخلهحا بسحاتين كثيرة‪ ،‬وتصحنع بهحا البسحط‬
‫المنسوبة اليها من صوف الغنم ل مثل لها في بلد من البلد‪ ،‬ومنها تحمل إلى الشام‬
‫ومصحححر والعراق والهنحححد والصحححين وبلد التراك‪ .‬وهذه المدينحححة فحححي طاعحححة ملك‬
‫العراق‪ .‬ونزلنا منها بزاوية الشريف حسين النائب بها عن المير أرتنا‪ ،‬وأرتنا هو‬
‫النائب عحن ملك العراق‪ ،‬فيمحا تغلب عليحه محن بلد الروم‪ .‬وهذا الشريحف محن الفتيان‬
‫وله طائفحححححححة كثيرة وأكرمنحححححححا إكراماً متناهياً وفعحححححححل أفعال محححححححن تقدمحححححححه‪.‬‬
‫ثحم رحلنحا إلى مدينحة نكدة " وضبحط اسحمها بفتحح النون وإسحكان الكاف ودال مهمحل‬

‫مفتوح "‪ ،‬وهحححي محححن بلد ملك العراق‪ ،‬مدينحححة كحححبيرة كثيرة العمارة‪ ،‬قحححد تخرب‬
‫بعضهحا‪ ،‬ويشقهحا النهحر المعروف بالنهحر السحود‪ ،‬وهحو محن كبار النهار‪ ،‬عليحه ثلث‬
‫قناطحر‪ :‬إحداهحا بداخحل المدينحة واثنتان بخارجهحا‪ ،‬وعليحه النواعيحر بالداخحل والخارج‪،‬‬
‫منهحا تسحقى البسحاتين‪ ،‬والفواكحه كثيرة‪ .‬ونزلنحا منهحا بزاويحة الفتحى أخحي جاروق‪ ،‬وهحو‬
‫الميحححححححححر بهحححححححححا‪ ،‬فأكرمنحححححححححا على عادة الفتيان‪ ،‬وأقمنحححححححححا بهحححححححححا ثلثاً‪.‬‬
‫وسرنا منها بعد ذلك إلى مدينة قيسارية‪ ،‬وهي من بلد صاحب العراق‪ ،‬وهي إحدى‬
‫المدن العظام بهذا القليم‪ ،‬بها عسكر أهل العراق وإحدى خواتين المير علء الدين‬
‫أرتنححا المذكور‪ .‬وهححي مححن أكرم الخواتيححن وأفضلهححن ولهححا نسححبة مححن ملك العراق‪،‬‬
‫وتدعى أغا " بفتح الهمزة والغين المعجم "‪ ،‬ومعنى أغا الكبير‪ ،‬وكل من بينه وبين‬
‫السحلطان نسحبة يدعحى بذلك‪ ،‬واسحمها طغحى خاتون‪ ،‬ودخلنحا إليهحا فقامحت وأحسحنت‬
‫السححلم والكلم‪ ،‬وأمرت بإحضار الطعام فأكلنححا‪ ،‬ولمححا انصححرفنا بعثححت إلينححا بفرس‬
‫مسحرج ملجحم وخلعحة ودراهحم محع أححد غلمانهحا واعتذرت‪ .‬ونزلنحا محن هذه المدينحة‬
‫بزاويحة الفتحى الخحي أميحر علي وهحو أميحر كحبير محن كبار الخيحة بهذه البلد‪ ،‬وله‬
‫طائفحة تتبعحه محن وجوه المدينحة وكبرائهحا‪ ،‬وزاويتحه محن أحسحن الزوايحا فرشاً وقناديحل‬
‫وطعاماً كثيراً وإتقاناً‪ .‬والكحححبراء محححن أصححححابه وغيرهحححم يجتمعون كحححل ليلة عنده‪،‬‬
‫ويفعلون فححي إكرام الوارد أضعاف مححا يفعله سححواهم‪ .‬ومححن عوائد هذه البلد أنححه مححا‬
‫كان منها ليس به سلطان‪ ،‬فالخي هو الحاكم به‪ ،‬وهو يركب الوارد ويكسوه ويحسن‬
‫إليححححححه على قدره وترتيبححححححه فححححححي أمره ونهيححححححه وركوبححححححه ترتيححححححب الملوك‪.‬‬

‫ثحم سحافرنا إلى مدينحة سحيواس " وضبحط اسحمها بكسحر السحين المهمحل وياء محد وآخره‬
‫سين مهمل " وهي من بلد العراق‪ ،‬وأعظم ما له بهذا القليم من البلد‪ ،‬وبها منزل‬
‫أمرائه وعماله‪ .‬مدينحة حسحنة العمارة واسحعة الشوارع أسحواقها غاصحة بالناس‪ ،‬وبهحا‬
‫دار مثححل المدرسححة تسححمى دار السححيادة‪ ،‬ل ينزلهححا إل الشرفاء‪ ،‬ونقيبهححم سححاكن بهححا‪.‬‬
‫وتجري لهم فيها مدة مقامهم الفرش والطعام والشمع وغيره فيزودون إذا انصرفوا‪.‬‬
‫ولمححا قدمنححا هذه المدينححة خرج إلى لقائنحا أصحححاب الفتححى بجقجححي‪ ،‬وبحححق بالتركيححة‬
‫السححكين‪ ،‬وهذا منسححوب إليححه‪ ،‬والجيمان منححه معقودان بينهمححا قاف‪ ،‬وباؤه مكسححورة‬
‫وكانوا جماعحة‪ ،‬منهحم الركبان والمشاة‪ .‬ثحم لقينحا بعدهحم أصححاب الفتحى أخحي جلبحي‪،‬‬
‫وهو من كبار الخية‪ .‬وطبقته أعلى من طبقة أخي بجقجي‪ ،‬فطلبوا أن ينزل عندهم‪،‬‬
‫فلم يمكن لنا ذلك لسبق الولين‪ .‬ودخلنا المدينة معهم جميعاً‪ ،‬وهم يتفاخرون‪ .‬والذي‬
‫سحبقوا إلينحا قحد فرحوا أشحد الفرح بنزولنحا عندهحم‪ .‬ثحم كان محن صحنيعهم فحي الطعام‬
‫والحمام والمبيت مثل صنيع من تقدم‪ .‬وأقمنا عندهم ثلثة في أحسن ضيافة‪ .‬ثم أتانا‬
‫القاضي وجماعة من الطلبة‪ ،‬ومعهم خيل المير علء الدين أرتنا نائب ملك العراق‬
‫ببلد الروم‪ ،‬فركبنححا معححه‪ ،‬واسححتقبلنا الميححر إلى دهليححز داره‪ ،‬فسححلم علينححا ورحححب‪،‬‬
‫وكان فصحيح اللسحان بالعربيحة‪ .‬وسحألني عحن العراقيحن وأصحبهان وشيراز وكرمان‪،‬‬
‫وعححن السححلطان أتابححك‪ ،‬وبلد الشام ومصححر‪ ،‬وسححلطين التركمان‪ .‬وكان مراده أن‬
‫أشكحر الكريحم منهحم وأذم البخيحل‪ ،‬فلم أفعحل ذلك‪ ،‬بحل شكرت الجميحع‪ .‬فسحر بذلك منحي‬
‫وشكرنحي عليحه‪ .‬ثحم أحضحر الطعام وأكلنحا‪ ،‬وقال‪ :‬تكونون فحي ضيافتحي‪ .‬فقال له الفتحى‬

‫أخحي جلبحي‪ :‬إنهحم لم ينزلوا بعحد بزاويتحي‪ ،‬فليكونوا عندي‪ ،‬وضيافتحك تصحلهم‪ .‬فقال‪:‬‬
‫أفعحل‪ .‬فانتقلنحا إلى زاويتحه‪ ،‬وأقمنحا بهحا سحتًا فحي ضيافتحه وفحي ضيافحة الميحر‪ .‬ثحم بعحث‬
‫المير بفرس وكسوة ودراهم‪ ،‬وكتب لنوابه بالبلد أن يضيفونا ويكرمونا ويزودونا‪.‬‬
‫وسحافرنا إلى مدينحة أماصحية " وضبط اسحمها بفتح الهمزة والميحم والف وصاد مهمحل‬
‫مكسححور وياء آخححر الحروف مفتوحححة "‪ ،‬مدينححة كححبيرة حسححنة ذات أنهار وبسححاتين‬
‫وأشجار وفواكححه‪ ،‬وعلى أنهارهححا النواعيححر تسححقي جناتهححا ودورهححا‪ .‬وهححي فسححيحة‬
‫الشوارع والسحواق‪ .‬وملكهحا صحاحب العراق‪ .‬ويقرب منهحا بلدة سحونسى " وضبحط‬
‫اسحمها بضحم السحين المهمحل وواو محد ونون مضموم وسحين مهمحل مفتوح "‪ ،‬وهحي‬
‫لصاحب العراق أيضاً‪ .‬وبها سكنى أولد ولي ال تعالى أبي العباس أحمد الرفاعي‪.‬‬
‫منهحم الشيحخ عحز الديحن وهحو الن شيحخ الرواق وصحاحب سحجادة الرفاعحي‪ ،‬وإخوتحه‬
‫الشيخ علي والشيخ إبراهيم والشيخ يحيى أولد الشيخ أحمد كوجك ومعناه الصغير‬
‫ابححن تاج الديححن الرفاعححي‪ .‬ونزلنححا بزاويتهححم ورأينححا لهححم الفضححل على مححن سححواهم‪.‬‬
‫ثم سافرنا إلى مدينة كمش " وضبط اسمها بضم الكاف وكسر الميم وشين معجم "‪،‬‬
‫وهححي مححن بلد ملك العراق‪ ،‬مدينححة كححبيرة عامرة يأتيهححا التجار مححن العراق والشام‪،‬‬
‫وبهحا معادن الفضحة‪ .‬وعلى مسحيرة يوميحن منهحا جبال شامخحة وعرة لم أصحل إليهحا‬
‫ونزلنحا منهحا بزاويحة الخحي مجحد الديحن‪ ،‬وأقمنحا بهحا ثلثًا فحي ضيافتحه وفعحل أفعال محن‬
‫قبله‪ .‬وجاء إلينحا نائب الميحر أرتنحا‪ ،‬وبعحث بضيافحة وزاد‪ .‬وانصحرفنا محن تلك البلد‪،‬‬
‫فوصححلنا إلى أرزنجان " وضبححط اسححمها بفتححح الهمزة وإسححكان الراء وفتححح الزاي‬

‫وسححكون النون وجيححم والف ونون "‪ ،‬وهححي مححن بلد صححاحب العراق‪ .‬مدينححة كححبيرة‬
‫عامرة‪ ،‬وأكثر سكانها الرمن‪ .‬والمسلمون يتكلمون بها التركية‪ .‬ولها أسواق حسنة‬
‫الترتيب‪ .‬ويصنع بها ثياب حسان تنسب اليها‪ .‬وفيها معادن النحاس‪ ،‬ويصنعون منه‬
‫الواني والبياسيس التي ذكرناها‪ ،‬وهي شبه المنار عندنا‪ .‬ونزلنا منها بزاوية الفتى‬
‫أخحي نظام الديحن‪ ،‬وهحي محن أحسحن الزوايحا‪ ،‬وهحو أيضاً محن خيار الفتيان وكبارهحم‪،‬‬
‫أضافنحا أحسحن ضيافحة‪ .‬وانصحرفنا إلى مدينحة أرز الروم‪ ،‬وهحي محن بلد ملك العراق‪،‬‬
‫كححبيرة السححاحة‪ ،‬خرب أكثرهححا بسححبب فتنححة وقعححت بيححن طائفتيححن مححن التركمان بهححا‪.‬‬
‫ويشقهحا ثلثحة أنهار‪ .‬وفحي أكثحر دورهحا بسحاتين فيهحا الشجار والدوالي‪ .‬ونزلنحا منهحا‬
‫بزاوية الفتى أخي طومان‪ ،‬وهو كبير السن‪ ،‬يقال‪ :‬إنه أناف على مائة وثلثين سنة‪.‬‬
‫ورأيتحه ينصحرف على قدميحه متوكئاً على عصحا‪ ،‬ثابحت الذهحن‪ ،‬مواظبًا للصحلة فحي‬
‫أوقاتها‪ ،‬لم ينكر من نفسه شيئاً‪ ،‬إل أنه ل يستطيع الصوم‪ .‬وخدمنا بنفسه في الطعام‬
‫وخدمنا أولده في الحمام‪ ،‬وأردنا النصراف عنه ثاني يوم نزولنا‪ ،‬فشق عليه ذلك‪،‬‬
‫وأبحى منه وقال‪ :‬إن فعلتحم نقصحتم حرمتي‪ ،‬وإن أقحل الضيافحة ثلث‪ .‬فأقمنا لديحه ثلثاً‪.‬‬
‫ثحم انصحرفنا إلى مدينحة بركحي " وضبحط اسحمها بباء موحدة مكسحورة وكاف معقود‬
‫مكسحور بينهمحا راء مسحكن "‪ ،‬ووصحلنا إليهحا بعحد العصحر‪ ،‬فلقينحا رجلً محن أهلهحا‪،‬‬
‫فسألناه عن زاوية الخي بها فقال‪ :‬أنا أدلكم عليها‪ ،‬فاتبعناه فذهب بنا إلى منزله نفسه‬
‫فحي بسحتان له‪ ،‬فأنزلنحا بأعلى سحطح بيتحه‪ ،‬والشجار مظللة‪ ،‬وذلك أوان الححر الشديحد‪،‬‬
‫وأتى إلينا بأنواع الفاكهة‪ ،‬وأحسن فحي ضيافته‪ .‬وعلف دوابنا‪ ،‬وبتنا عنده تلك الليلة‪.‬‬

‫وكنحا قحد تعرفنحا أن بهذه المدينحة مدرسحاً فاضلً يسحمى بمحيحي الديحن‪ ،‬فأتحى بنحا ذلك‬
‫الرجحل الذي بتنحا عنده‪ ،‬وكان محن الطلبحة إلى المدرسحة وإذا بالمدرس قحد أقبحل راكباً‬
‫على بغلة فارهحة‪ ،‬ومماليكحه وخدامحه عحن جانحبيه‪ ،‬والطلبحة بيحن يديحه‪ ،‬وعليحه ثياب‬
‫مفرجحة حسحان مطرزة بالذهحب‪ .‬فسحلمنا عليحه‪ ،‬فرححب بنحا وأحسحن السحلم والكلم‪،‬‬
‫وأمسححك بيدي وأجلسححني إلى جانبححه‪ .‬ثححم جاء القاضححي عححز الديححن فرشتححي‪ ،‬ومعنححى‬
‫فرشتحي الملك‪ .‬لقحب بذلك لدينحه وعفافحه وفضله‪ .‬فقعحد عحن يميحن المدرس‪ ،‬وأخحذ فحي‬
‫تدريحس العلوم الصحلية والفرعيحة‪ .‬ثحم لمحا فرغ محن ذلك أتحى دويرة بالمدرسحة فأمحر‬
‫بفرشهحا‪ ،‬وأنزلنحي فيهحا‪ .‬وبعحث ضيافحة حافلة‪ ،‬ثحم وجحه إلينحا بعحد المغرب‪ ،‬فمضيحت‬
‫إليه‪ ،‬فوجدته في مجلس ببستان له‪ ،‬وهنالك صهريج ماء ينحدر اليه الماء من خصة‬
‫رخام أبيححض يدور بهححا القاشانححي‪ ،‬وبيححن يديححه جملة مححن الطلبححة‪ ،‬ومماليكححه وخدامححه‬
‫وقوف محن جانحبيه‪ ،‬وهحو قاعحد على مرتبحة عليهحا أقطاع منقوشحة حسحنة‪ ،‬فخلتحه لمحا‬
‫شاهدتحه ملكاً محن الملوك‪ .‬فقام إلي واسحتقبلني وأخحذ بيدي وأجلسحني إلى جانبحه على‬
‫مرتبتحه‪ ،‬وأتحى بالطعام فأكلنحا وانصحرفنا إلى المدرسحة‪ .‬وذكحر لي بعحض الطلبحة أن‬
‫جميحع محن حضحر تلك الليلة محن الطلبحة عنحد المدرس‪ ،‬فعادتهحم الحضور لطعامحه كحل‬
‫ليلة‪ ،‬وكتحب هذا المدرس إلى السحلطان بخبرنحا وأثنحى فحي كتابحه‪ ،‬والسحلطان فحي جبحل‬
‫هنالك يصيف فيه لجل شدة الحر‪ ،‬وذلك الجبل بارد‪ .‬وعادته أن يصيف فيه‪.‬‬

‫ذكر سلطان بركي‬

‫وهحو السحلطان محمحد بحن آيديحن محن خيار السحلطين وكرمائهحم وفضلئهحم‪ ،‬ولمحا‬
‫بعحث إليحه المدرس يعلمحه بخحبري‪ ،‬وجحه نائبحه إلي لتيحه‪ ،‬فأشار علي المدرس أن أقيحم‬
‫حتحى يبعحث إلي ثانيحة‪ ،‬وكان المدرس إذ ذاك قحد خرجحت برجله قرححة‪ ،‬ل يسحتطيع‬
‫الركوب بسحببها‪ ،‬وانقطحع عحن المدرسحة‪ ،‬ثحم إن السحلطان بعحث فحي طلبحي ثانيحة‪ ،‬فشحق‬
‫ذلك على المدرس فقال‪ :‬أنحا ل أسحتطيع الركوب‪ ،‬ومحن غرضحي التوجحه معحك‪ ،‬لقرر‬
‫لدى السحلطان محا يجحب لك‪ .‬ثحم إنحه تحامحل ولف على رجله خرقاً‪ ،‬وركحب ولم يضحع‬
‫رجله فحي الركاب‪ .‬وركبحت أنحا وأصححابي وصحعدنا إلى الجبحل‪ ،‬فحي طريحق قحد نحتحت‬
‫وسويت‪ ،‬فوصلنا إلى موضع السلطان عند الزوال‪ ،‬فنزلنا على نهر ماء تحت ظلل‬
‫شجححر الجوز‪ ،‬وصححادفنا السححلطان فححي قلق وشغححل بال‪ ،‬بسححبب فرار ابنححه الصححغر‬
‫سحليمان عنحه إلى صحهره السحلطان أرخان بحك‪ ،‬فلمحا بلغحه خحبر وصحولنا بعحث إلينحا‬
‫ولديحه‪ :‬خضحر بحك وعمحر بحك‪ ،‬فسحلما على الفقيحه‪ ،‬وأمرهمحا بالسحلم علي ففعل ذلك‪،‬‬
‫وسحألني عحن حالي ومقدمحي وانصحرفا‪ .‬وبعحث إلي بحبيت يسحمى عندهحم الخرقحة "‬
‫خركاه"‪ ،‬وهو عصي من الخشب تجمع شبه القبة‪ ،‬وتجعل عليها اللبود‪ ،‬ويفتح أعله‬
‫لدخول الضوء والريححح‪ ،‬مثححل البادهنححج‪ .‬ويسححد متححى احتيححج إلى شده‪ .‬وأتوا بالفرش‬
‫ففرشوه‪ ،‬وقعححد الفقيححه‪ ،‬وقعدت معححه أصحححابه وأصحححابي خارج البيححت تحححت ظلل‬
‫شجحر الجوز‪ ،‬وذلك الموضحع شديدة البرد‪ ،‬ومات لي تلك الليلة فرس محن شدة البرد‪.‬‬
‫ولما كان من الغد ركب المدرس إلى السلطان وتكلم في شأني بما اقتضته فضائله‪،‬‬

‫ثم عاد إلي وأعلمني بذلك‪ .‬وبعد ساعة وجه السلطان في طلبنا معاً‪ ،‬فجئنا إلى منزله‬
‫ووجدناه قائماً‪ ،‬فسحلمنا عليحه‪ ،‬وقعحد الفقيحه عحن يمينحه وأنحا ممحا يلي الفقيحه‪ .‬فسحألني عحن‬
‫حالي ومقدمحححي‪ ،‬وسحححألني عحححن الحجاز ومصحححر والشام واليمحححن والعراقيحححن وبلد‬
‫العاجححم‪ .‬ثححم حضححر الطعام فأكلنححا وانصححرفنا‪ ،‬وبعححث الرز والدقيححق والسححمن فححي‬
‫كروش الغنام‪ ،‬وكذلك فعل الترك‪ .‬وأقمنا على تلك الحال أياماً‪ ،‬يبعث إلينا كل يوم‪،‬‬
‫فنحضر طعامه‪ ،‬وأتى يوماً إلينا بعد الظهر‪ ،‬وقعد الفقيه في صدر المجلس‪ ،‬وأنا عن‬
‫يسحاره‪ ،‬وقعحد السحلطان عحن يميحن الفقيحه‪ ،‬وذلك لعزة الفقهاء عنحد الترك‪ ،‬وطلب منحي‬
‫أن أكتحب له أحاديحث محن حديحث رسحول صحلى ال عليحه وسحلم فكتبتهحا له‪ ،‬وعرضهحا‬
‫الفقيه عليه في تلك الساعة فأمره أن يكتب له شرحها باللسان التركي‪ ،‬ثم قام فخرج‪،‬‬
‫ورأى الخدام يطبخون لنححا الطعام تحححت ظلل الجوز بغيححر إدام ول خضححر‪ .‬فأمححر‬
‫بعقاب صححاحب خزانتححه‪ ،‬وبعححث بالبزار والسححمن‪ .‬وطالت إقامتنححا بذلك الجبححل‪،‬‬
‫فأدركني الملل وأردت النصراف‪ .‬وكان الفقيه أيضاً قد مل من المقام هنالك‪ ،‬فبعث‬
‫إلى السلطان يخبره أني أريد السفر‪ .‬فلما كان من الغد بعث السلطان نائبه‪ ،‬فتكلم مع‬
‫المدرس بالتركيحة‪ ،‬ولم أكحن إذ ذاك أفهمهحا‪ ،‬فأجابحه عحن كلمحه وانصحرف‪ .‬فقال لي‬
‫المدرس‪ :‬أتدري ماذا قال‪ ?:‬قلت‪ :‬ل أعرف مححححا قال‪ .‬قال‪ :‬إن السححححلطان بعححححث إلي‬
‫ليسألني ماذا يعطيك‪ .‬فقلت له‪ :‬عنده الذهب والفضة والخيل والعبيد فليعطه ما أحب‬
‫من ذلك‪ .‬فذهب إلى السلطان ثم عاد إلينا‪ .‬فقال‪ :‬إن السلطان يأمر أن تقيما هنا اليوم‪،‬‬
‫وتنزل معحه غداً إلى داره بالمدينحة‪ .‬ولمحا كان محن الغحد بعحث فرسحاً جيداً محن مراكبحه‪،‬‬

‫ونزل ونححن معحه إلى المدينحة‪ .‬فخرج الناس لسحتقباله‪ ،‬وفيهحم القاضحي المذكور آنفاً‬
‫وسحواه‪ ،‬ودخحل السحلطان ونححن معحه‪ ،‬فلمحا نزل بباب داره ذهبحت محع المدرس إلى‬
‫ناحية المدرسة‪ ،‬فدعا بنا وأمرنا بالدخول معه إلى داره‪ .‬ولما وصلنا إلى دهليز الدار‬
‫وجدنححا مححن خدامححه نحححو عشريححن‪ ،‬صححورهم فائقححة الحسححن وعليهححم ثياب الحريححر‬
‫وشعورهححم مفروقححة وألوانهححم سححاطعة البياض مشربححة بحمرة‪ .‬فقلت للفقيححه‪ :‬مححا هذه‬
‫الصور الحسان ? قال‪ :‬هؤلء فتيان روميون‪ .‬وصعدنا مع السلطان درجاً كثيرة إلى‬
‫أن انتهينحا إلى مجلس حسحن فحي وسحطه صحهريج ماء‪ ،‬وعلى كحل ركحن محن أركانحه‬
‫صحححورة سحححبع نحاس يمحححج ماء محححن فيحححه‪ ،‬وتدور بهذا المجلس مصحححاطب متصحححلة‬
‫مفروشة‪ ،‬وفوق إحداها مرتبة السلطان‪ .‬فلما انتهينا إليها نحى السلطان مرتبته بيده‪،‬‬
‫وقعحد معنحا على القطاع‪ ،‬وقعحد الفقيحه عحن يمينحه‪ ،‬والقاضحي ممحا يلي الفقيحه‪ ،‬وأنحا مما‬
‫يلي القاضححي‪ ،‬وقعححد القراء أسححفل المصححطبة‪ ،‬والقراء ل يفارقونححه حيححث كان مححن‬
‫مجالسححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححححه‪.‬‬
‫ثم جاءوا بصحاف من الذهب والفضة مملوءة بالجلب المحلول‪ ،‬قد عصر فيه ماء‬
‫الليمون‪ ،‬وجعحل فيحه كعكات صحغار مقسحومة‪ ،‬وفيهحا ملعحق ذهحب وفضحة‪ ،‬وجاءوا‬
‫معهحا بصححاف صحيني فيهحا مثحل ذلك‪ ،‬وفيهحا ملعحق خشحب‪ ،‬فمحن تورع اسحتعمل‬
‫صححاف الصحيني وملعحق الخشحب‪ .‬وتكلمحت بشكحر السحلطان وأثنيحت على الفقيحه‪،‬‬
‫وبالغت في ذلك فأعجب ذلك السلطان وسره‪.‬‬

‫حكاية‬

‫وفحي أثناء قعودنحا محع السحلطان أتحى شيحخ على رأسحه عمامحة لهحا ذؤابحة فسحلم عليحه‪،‬‬
‫وقام له القاضححي والفقيححه‪ ،‬وقعححد أمام السححلطان فوق المصححطبة‪ ،‬والقراء أسححفل منححه‪.‬‬
‫فقلت للفقيححه‪ :‬مححن هذا الشيححخ ? فضحححك وسححكت‪ .‬ثححم أعدت السححؤال‪ ،‬فقال لي‪ :‬هذا‬
‫يهودي طبيب‪ ،‬وكلنا محتاج إليه‪ .‬فلجل هذا فعلنا ما رأيت من القيام له‪ .‬فأخذني ما‬
‫حدث وأبديححت المتعاض‪ .‬فقلت لليهودي‪ :‬يححا ملعون ابححن ملعون‪ ،‬كيححف تجلس فوق‬
‫قراء القرآن‪ ،‬وأنحت يهودي ? وشتمتحه ورفعحت صحوتي‪ ،‬فعجحب السحلطان وسحأل عحن‬
‫معنى كلمي فأخبره الفقيه به‪ .‬وغضب اليهودي فخرج عن المجلس في أسوأ حال‪.‬‬
‫ولمحا انصحرفنا قال لي الفقيحه‪ :‬أحسحنت بارك ال فيحك‪ .‬إن أحداً سحواك ل يتجاسحر على‬
‫مخاطبته بذلك‪ ،‬ولقد عرفته بنفسه‪.‬‬
‫حكاية آخرى‬

‫وسححألني السححلطان فححي هذا المجلس‪ ،‬فقال لي هححل رأيححت حجراً نزل مححن السححماء ?‬
‫فقلت‪ :‬ما رأيت ذلك ول سمعت بحه‪ .‬فقال لي‪ :‬إنحه قد نزل بخارج بلدنا هذا حجر من‬
‫السححماء‪ .‬ثححم دعححا رجالً وأمرهححم أن يأتوا بالحجححر‪ ،‬فأتوا بحجححر أسححود أصححم شديححد‬
‫الصحلبة‪ ،‬له بريحق‪ .‬قدرت أن زنتحه تبلغ قنطاراً‪ .‬وأمحر السحلطان بإحضار القطاعيحن‪،‬‬
‫فحضحر أربعحة منهحم فأمرهحم أن يضربوه‪ ،‬فضربوا عليحه ضربحة رجحل واححد أربحع‬
‫مرات بمطارق الحديد‪ ،‬فلم يؤثروا فيه شيئاً‪ ،‬فعجبت من أمره‪ .‬وأمر برده إلى حيث‬

‫كان‪ .‬وفي ثالث يوم من دخولنا إلى المدينة مع السلطان‪ ،‬صنع صنيعاً عظيماً‪ ،‬ودعا‬
‫الفقراء والمشايحخ وأعيان العسحكر ووجوه أهحل المدينحة‪ ،‬فطعموا وقرأ القراء القرآن‬
‫بالصححوات الحسححان‪ ،‬وعدنححا إلى منزلنححا بالمدرسححة‪ .‬وكان يوجححه الطعام والفاكهححة‬
‫والحلواء والشمع في كل ليلة‪ .‬ثم بعث إلي مائة مثقال ذهباً وألف درهم وكسوة كاملة‬
‫وفرساً ومملوكاً رومياً يسمى ميخائيل‪ ،‬وبعث لكل من أصحابي كسوة ودراهم‪ .‬كل‬
‫هذا بمشاركححة المدرس محيححي الديححن‪ ،‬جزاه ال تعالى خيراً‪ ،‬وودعنححا‪ ،‬وانصححرفنا‪.‬‬
‫وكانحت مدة مقامنحا عنده بالجبحل والمدينحة أربعحة عشحر يوماً‪ .‬ثحم قصحدنا مدينحة تيرة‬
‫وهحي محن بلد هذا السحلطان‪ " ،‬وضبحط اسحمها بكسحر التاء المعلوة وياء محد وراء "‬
‫مدينحة حسحنة ذات انهار وبسحاتين فواكحه‪ .‬نزلنحا منهحا بزاويحة الفتحى محمحد‪ ،‬وهحو محن‬
‫كبار الصالحين‪ ،‬صائم الدهر‪ ،‬وله أصحاب على طريقته‪ .‬فأضافنا ودعا لنا‪ .‬وسرنا‬
‫إلى مدينحة أياسحلوق " وضبحط اسحمها بفتحح الهمزة والياء آخحر الحروف وسحين مهمحل‬
‫مضموم ولم مضموم وآخره قاف " مدينحة كحبيرة قديمحة معظمحة عنحد الروم‪ ،‬وفيهحا‬
‫كنيسحة كحبيرة مبنيحة بالحجارة الضخمحة‪ ،‬ويكون طول الحجحر منهحا عشرة أذرع فمحا‬
‫دونهحا‪ ،‬منحوتحة أبدع نححت‪ .‬والمسحجد الجامحع بهذه المدينحة محن أبدع مسحاجد الدنيحا‪ ،‬ل‬
‫نظيحر له فحي الحسحن‪ ،‬وكان كنيسحة للروم معظمحة عندهحم يقصحدونها محن البلد‪ ،‬فلمحا‬
‫فتحححت هذه المدينححة جعلهححا المسححلمون مسححجداً جامعاً‪ ،‬وحيطانححه مححن الرخام الملون‪،‬‬
‫وفرشه الرخام البيض‪ ،‬وهو مسقف بالرصاص‪ ،‬وفيه إحدى عشرة قبة منوعة‪ ،‬في‬
‫وسحط كحل قبحة صحهريج ماء‪ ،‬والنهحر يشقحه‪ ،‬وعلى جانحبي النهحر الشجار المختلفحة‬

‫الجناس ودوالي العنححب ومعرشات الياسححمين‪ .‬وله خمسححة عشححر باباً‪ .‬وأميححر هذه‬
‫المدينة خضر بك ابن السلطان محمد بن آيدين‪ ،‬وقد كنت رأيته عند أبيه ببركي ثم‬
‫لقيتحه بهذه المدينحة خارجهحا‪ .‬فسحلمت عليحه‪ ،‬وأنحا راكحب‪ ،‬فكره ذلك منحي‪ ،‬وكان سحبب‬
‫حرماني لديه‪ .‬فإن عادتهم إذا نزل لهم الوارد نزلوا وأعجبهم ذلك‪ .‬ولم يبعث إلي إل‬
‫ثوباً واحداً من الحرير المذهب يسمونه النخ " بفتح النون وخاء معجم "‪ .‬واشتريت‬
‫بهذه المدينحة جاريحة روميحة بكراً بأربعيحن ديناراً ذهباً‪ ،‬ثحم سحرنا إلى المدينحة يزميحر "‬
‫وضبط اسمها بياء آخر الحروف مفتوحة وزاي مسكن وميم مكسورة وياء مد وراء‬
‫" مدينة كبيرة على ساحل البحر‪ ،‬معظمها خراب‪ .‬ولها قلعة متصلة بأعلها‪ .‬نزلنا‬
‫منها بزاوية الشيخ يعقوب‪ ،‬وهو من الحمدية‪ ،‬صالح فاضل‪ .‬ولقينا بخارجها الشيخ‬
‫عحز الديحن بحن أحمحد الرفاعحي‪ ،‬ومعحه زاده الخلطحي محن كبار المشايحخ‪ ،‬ومعحه مائة‬
‫فقيحر محن المولهيحن‪ .‬وقحد ضرب لهحم الميحر الخيحة‪ ،‬وصحنع الشيحخ يعقوب ضيافحة‪،‬‬
‫وحضرتها‪ ،‬واجتمعت بهم‪ .‬وأمير هذه المدينة عمر بك ابن السلطان محمد بن آيدين‬
‫المذكور آنفاً‪ ،‬وسحكناه بقلعتهحا‪ ،‬وكان حيحن قدومنحا عليهحا عنحد أبيحه‪ ،‬ثحم قدم بعحد خمحس‬
‫محن نزولنحا بهحا‪ .‬فكان محن مكارمحه أن أتحى إلي بالزاويحة فسحلم علي واعتذر‪ ،‬وبعحث‬
‫ضيافحة عظيمحة‪ ،‬وأعطانحي بعحد ذلك مملوكاً رومياً خماسحياً اسحمه نقوله‪ ،‬وثوبيحن محن‬
‫الكمخا‪ ،‬وهي ثياب حرير تصنع ببغداد وتبريز ونيسابور وبالصين‪ ،‬وذكر لي الفقيه‬
‫الذي يؤم بححه أن الميححر لم يبححق له مملوك سححوى ذلك المملوك الذي أعطانححي بسححبب‬
‫كرمحه رحمحه ال‪ ،‬وأعطحى أيضاً للشيحخ عحز الديحن ثلثحة أفراس مجهزة‪ ،‬وآنيحة فضيحة‬

‫كحبيرة تسحمى عندهحم المشربحة مملوءة دراهحم‪ ،‬وثياباً محن الملف والمرعحز والقسحي‬
‫والكمخححا وجواري وغلماناً‪ .‬وكان هذا الميححر كريماً صححالحاً كثيححر الجهاد‪ ،‬له أجفان‬
‫غزويحة يضرب بهحا على نواححي القسحطنطينية العظمحى فيسحبي ويغنحم‪ ،‬ويفنحي ذلك‬
‫كرماً وجوداً‪ ،‬ثححم يعود إلى الجهاد‪ ،‬إلى أن اشتدت على الروم وطأتححه فرفعوا أمرهححم‬
‫إلى البابحا فأمحر نصحارى جنوة وإفرانسحة بغزوه‪ .‬وجهحز جيشاً محن روميحة‪ ،‬وطرقوا‬
‫مدينتححه ليلً فححي عدد كثيححر مححن الجفان‪ ،‬وملكوا المرسححى والمدينححة‪ .‬ونزل إليهححم‬
‫الميحر عمحر محن القلعحة فقاتلهحم واسحتشهد هحو وجماعحة محن ناسحه‪ ،‬واسحتقر النصحارى‬
‫بالبلد‪ ،‬ولم يقدروا على القلعحة لمنعتها‪ .‬ثحم سافرنا من هذه المدينحة إلى مدينة مغنيسحية‬
‫" وضبحط اسحمها بميحم مفتوححة وغيحن معجمحة نسحكنة ونون مكسحورة وياء محد وسحين‬
‫مهملة مكسورة وياء آخر الحروف مشددة " نزلنا بها عشي يوم عرفة بزاوية رجل‬
‫من الفتيان‪ ،‬وهي مدينة كبيرة حسنة‪ ،‬في سفح جبل‪ ،‬وبسيطها كثير النهار والعيون‬
‫والبسحاتين والفواكحه‪.‬أميحر عمحر محن القلعحة فقاتلهحم واسحتشهد هحو وجماعحة محن ناسحه‪،‬‬
‫واسحتقر النصحارى بالبلد‪ ،‬ولم يقدروا على القلعحة لمنعتهحا‪ .‬ثحم سحافرنا محن هذه المدينحة‬
‫إلى مدينححة مغنيسححية " وضبححط اسححمها بميححم مفتوحححة وغيححن معجمححة نسححكنة ونون‬
‫مكسورة وياء مد وسين مهملة مكسورة وياء آخر الحروف مشددة " نزلنا بها عشي‬
‫يوم عرفححة بزاويححة رجححل مححن الفتيان‪ ،‬وهححي مدينححة كححبيرة حسححنة‪ ،‬فححي سححفح جبححل‪،‬‬
‫وبسيطها كثير النهار والعيون والبساتين والفواكه‪.‬‬

‫ذكر سلطان مغنيسية‬

‫وسلطانها يسمى صاروخان‪ ،‬ولما وصلنا إلى هذه البلدة‪ ،‬وجدناه بتربة ولده‪ ،‬وكان‬
‫قد توفي منذ أشهر‪ ،‬فكان هو وأم الولد ليلة العيد وصبيحتها بتربته‪ ،‬والولد قد صبر‪،‬‬
‫وجعحل فحي تابوت خشحب مغشحى بالحديحد المقزدر‪ ،‬وعلق فحي قبحة ل سحقف لهحا لتذهحب‬
‫رائحته‪ ،‬وحينئذ تسقف القبة‪ ،‬ويجعل تابوته ظاهراً على وجه الرض‪ ،‬وتجعل ثيابه‬
‫عليه‪ .‬وهكذا رأيت غيره أيضاً من الملوك فعل‪ ،‬وسلمنا عليه بذلك الموضع‪ ،‬وصلينا‬
‫معحه صلة العيحد‪ ،‬وعدنا إلى الزاوية‪ .‬فأخذ الغلم الذي كان لي أفراسحنا‪ ،‬وتوجه مع‬
‫غلم لبعحض الصححاب برسحم سحقيها‪ ،‬فأبطحأ‪ .‬ثحم لمحا كان العشحي لم يظهحر لهمحا أثحر‪.‬‬
‫وكان بهذه المدينحة الفقيحه المدرس الفاضحل مصحلح الديحن‪ ،‬فركحب معحي إلى السحلطان‬
‫وأعلمناه بذلك‪ .‬فبعث في طلبهما‪ ،‬فلم يوجدا‪ ،‬واشتغل الناس في عيدهم وقصدا مدينة‬
‫للكفار على سحاحل البححر تسحمى فوجحة على مسحيرة يوم محن مغنيسحية‪ .‬وهؤلء الكفار‬
‫في بلد حصين‪ .‬وهم يبعثون هدية في كل سنة إلى سلطان مغنيسية فيقنع منهم بها‪،‬‬
‫لحصحانة بلدهحم‪ .‬فلمحا كان بعحد الظهحر أتحى بهمحا بعحض التراك وبالفراس‪ ،‬وذكروا‬
‫أنهما اجتازا بهم عشية النهار‪ ،‬فأنكروا أمرهما واشتدوا عليهما حتى أقرا بما عزما‬
‫عليحه محن الفرار‪ .‬ثحم سحافرنا محن مغنيسحية‪ ،‬وبتنحا ليلة عنحد قوم محن التركمان قحد نزلوا‬
‫فححي مرعححى لهححم‪ ،‬ولم نجححد عندهححم مححا نعلف بححه دوابنححا تلك الليلة‪ ،‬وبات أصحححابنا‬
‫يحترسححون مداولة بينهححم خوف السححرقة‪ .‬فأتححت نوبححة الفقيححه عفيححف الديححن التوزري‪.‬‬
‫فسحمعته يقرأ سحورة البقرة فقلت له‪ :‬إذا أردت النوم فأعلمنحي لنظحر محن يحرس‪ ،‬ثحم‬

‫نمت‪ ،‬فما أيقظني إل الصباح‪ .‬وقد ذهب السراق بفرس لي كان يركبه عفيف الدين‬
‫بسرجه ولجامه‪ ،‬وكان من جياد الخيل اشتريته بأياسلوق‪ .‬ثم رحلنا من الغد فوصلنا‬
‫إلى مدينحة‪ ،‬برغمحة " وضبحط اسحمها بباء موحدة مفتوححة وراء مسحكنة وغيحن معجمحة‬
‫مفتوحة وميم مفتوحة " مدينة خربة‪ ،‬لها قلعة عظيمة منيعة بأعلى جبل‪ .‬ويقال‪ :‬إن‬
‫أفلطون الحكيحم محن أهحل هذه المدينحة‪ ،‬وداره تشتهحر باسحمه إلى الن‪ .‬ونزلنحا منهحا‬
‫بزاوية فقير من الحمدية‪ .‬ثم جاء أحد كبراء المدينة فنقلنا إلى داره وأكرمنا إكراماً‬
‫كثيراً‪.‬‬
‫ذكر سلطان برغمة‬

‫وسحلطانها يسحمى يخشحي خان بكسحر الشيحن‪ ،‬وخان عندهحم هحو السحلطان ويخشحي "‬
‫بباء آخحر الحروف وخاء معجحم وشيحن مكسحور " ومعناه جيحد‪ ،‬صحادفناه فحي مصحيف‬
‫له‪ ،‬فأعلم بقدومنحا فبعحث بضيافحة وثوب قدسحي‪ ،‬ثحم اكترينحا محن يدلنحا على الطريحق‪،‬‬
‫وسححرنا فححي جبال شامخححة وعرة‪ ،‬إلى أن وصححلنا إلى مدينححة بلي كسححري " وضبححط‬
‫اسحمها باء موحدة مفتوححة ولم مكسحورة وياء محد وكاف مفتوح وسحين مهمحل مسحكن‬
‫وراء مكسحور وياء " مدينحة حسحنة كثيرة العمارات مليححة السحواق‪ ،‬ول جامحع لهحا‬
‫يجمع فيه‪ .‬وأرادوا بناء جامع خارجها متصل بها‪ ،‬فبنوا حيطانه ولم يجعلوا له سقفاً‪.‬‬
‫وصاروا يصلون به ويجتمعون تحت ظلل الشجار‪ ،‬ونزلنا من هذه المدينة بزاوية‬
‫الفتى أخي سنان وهو من أفاضلهم‪ ،‬وأتى إلينا قاضيها وخطيبها الفقيه موسى‪.‬‬

‫ذكر سلطان بلي كسري‬

‫ويسمى دمورخان‪ ،‬ول خير فيه‪ .‬وأبوه هو الذي بنى هذه المدينة‪ ،‬وكثرت عمارتها‬
‫بمن ل خير فيه‪ ،‬في مدة ابنه هذا‪ ،‬والناس على دين الملك‪ ،‬ورأيته‪ .‬وبعث إلي ثوب‬
‫حريحر‪ .‬واشتريحت بهذه المدينحة جاريحة روميحة تسحمى محر غليظحة‪ ،‬ثحم سحرنا إلى مدينحة‬
‫برصحا " وضبحط اسحمها بضحم الباء الموحدة وإسحكان الراء وفتحح الصحاد المهمحل "‬
‫مدينحة كحبيرة عظيمحة حسحنة السحواق فسحيحة الشوارع‪ ،‬تحفهحا البسحاتين محن جميحع‬
‫جهاتها والعيون الجارية‪ .‬وبخارجها نهر شديد الحرارة يصب في بركة عظيمة‪ ،‬وقد‬
‫بنحي عليهحا بيتان‪ :‬أحدهمحا للرجال والخحر للنسحاء‪ ،‬والمرضحى يسحتشفون بهذه الحمحة‪،‬‬
‫ويأتون إليهحا محن أقاصحي البلد‪ .‬وهنالك زاويحة للوارديحن ينزلون بهحا ويطعمون مدة‬
‫مقامهححم وهححي ثلثححة أيام‪ .‬عمّر هذه الزاويححة أحححد ملوك التركمان‪ .‬ونزلنححا فححي هذه‬
‫المدينة بزاوية الفتى أخي شمس الدين من كبار الفتيان‪ .‬ووافقنا عنده يوم عاشوراء‪.‬‬
‫فصححنع طعاماً كثيراً‪ ،‬ودعحا وجوه العسححكر وأهححل المدينححة ليلً‪ ،‬وأفطروا عنده‪ ،‬وقرأ‬
‫القراء بالصوات الحسنة‪ ،‬وحضر الفقيه الواعظ مجد الدين القونوي‪ .‬ووعظ وذكر‬
‫وأحسن‪ ،‬ثم أخذوا في السماع والرقص‪ .‬وكانت ليلة عظيمة الشأن‪ .‬وهذا الواعظ من‬
‫الصحالحين يصحوم الدهحر ول يفطحر إل فحي كحل ثلثحة أيام‪ ،‬ول يأكحل إل محن كدّ يمينحه‪.‬‬
‫ويقال‪ :‬إنه لم يأكل طعام أحد قط‪ ،‬ول منزل له ول متاع إل ما يستتر به‪ ،‬ول ينام إل‬
‫في المقبرة‪ .‬ويعظ في المجالس ويذكر فيتوب على يديه في كل مجلس الجماعة من‬

‫الناس‪ .‬وطلبته بعد هذه الليلة فلم أجده‪ ،‬وأتيت الجبانة فلم أجده‪ .‬ويقال‪ :‬إنه يأتيها بعد‬
‫هجوع الناس‪.‬‬
‫حكاية‬

‫لمحا حضرنحا ليلة عاشوراء بزاويحة شمحس الديحن‪ ،‬وعحظ بهحا مجحد الديحن آخحر الليحل‪.‬‬
‫فصاح أحد الفقراء صيحة غشي عليه منها‪ .‬فصبوا عليه ماء الورد فلم يفق‪ ،‬فأعادوا‬
‫عليحه ذلك فلم يفحق‪ ،‬واختلفحت الناس فيحه‪ ،‬فمحن قائل إنحه ميحت‪ ،‬ومحن قائل إنحه مغشحي‬
‫عليحه‪ .‬وأتحم الواعحظ كلمحه وقرأ القراء وصحلينا الصحبح وطلعحت الشمحس‪ ،‬فاختحبروا‬
‫حال الرجحل فوجدوه فارق الدينحا رحمحه ال‪ .‬فاشتغلوا بغسحله وتكفينحه‪ .‬وكنحت فيمحن‬
‫حضحر الصحلة عليحه ودفنحه‪ .‬وكان هذا الفقيحر يسحمى الصحياح‪ .‬وذكروا أنحه كان يتعبحد‬
‫بغار هنالك فحي جبحل‪ .‬فمتى علم أن الواعحظ مجد الدين يعظ قصحده‪ ،‬وحضحر وعظحه‪،‬‬
‫ولم يأكحل طعام أححد‪ .‬فإذا وعحظ مجحد الديحن يصحيح ويغشحى عليحه ثحم يفيحق‪ ،‬فيتوضحأ‬
‫ويصححلي ركعتيححن‪ .‬ثححم إذا سححمع الواعححظ صححاح يفعححل ذلك مرارًا فححي الليلة وسححمي‬
‫الصححياح لجححل ذلك‪ .‬وكان أعذر اليححد والرجححل‪ ،‬ل قدرة له على الخدمححة‪ ،‬وكانححت له‬
‫والدة تقوتحه محن غزلهحا‪ .‬فلمححا توفيححت اقتات محن نبات الرض‪ .‬ولقيحت بهذه المدينححة‬
‫الشيخ الصالح عبد ال المصري السائح وهو من الصالحين‪ ،‬جال الرض‪ ،‬إل أنه لم‬
‫يدخحل الصحين ول جزيرة سحرنديب ول المغرب ول الندلس ول بلد السحودان‪ ،‬وقحد‬
‫زدت عليه بدخول هذه القاليم‪.‬‬

‫ذكر سلطان برصا‬

‫سلطانها اختيار الدين أرخان بك‪ ،‬وأرخان " بضم الهمزة وخاء معجم " ابن السلطان عثمان‬
‫جوق " وجوق بجيم معقود مضموم وآخره قاف " وتفسيره بالتركية الصغير‪ .‬وهذا السلطان‬
‫أكبر ملوك التركمان وأكثر مالً وبلداً وعسكراً‪ ،‬له من الحصون ما يقارب مائة حصن‪.‬‬
‫وهو في أكثر أوقاته ل يزال يطوف عليها‪ ،‬ويقيم بكل حصن منها أيامًا لصلح شؤونه‬
‫وتفقد حاله‪ .‬ويقال‪ :‬إنه لم يقم قط شهراً كاملً ببلد‪ ،‬ويقاتل الكفار ويحاصرهم‪ .‬وواله هو‬
‫الذي استفتح مدينة برصا من أيدي الروم‪ ،‬وقبره بمسجدها‪ .‬وكان مسجدها كنيسة للنصارى‪.‬‬
‫ويذكر أنه حاصر مدينة برتيك نحو عشرين سنة ومات قبل فتحها‪ ،‬فحاصرها ولده هذا الذي‬
‫ذكرناه اثني عشرة سنة وافتتحها‪ .‬وبها كان لقائي له‪ .‬وبعث إلي بدراهم كثيرة‪ .‬ثم سافرنا‬
‫إلى مدينة يزنيك " وضبط اسمها بفتح الياء آخر الحروف وإسكان الزاي وكسر النون وياء‬
‫مد وكاف " وبتنا قبل الوصول إليها ليلة بقرية تدعى كرله‪ ،‬بزاوية فتى من الخية‪ .‬ثم سرنا‬
‫ل في أنهار ماء على جوانبها أشجار الرمان الحلو والحامض‪ ،‬ثم‬
‫من هذه القرية يوماً كام ً‬
‫وصلنا إلى بحيرة ماء تنبت القصب‪ ،‬على ثمانية أميال من يزنيك‪ .‬ل يستطاع دخولها إل‬
‫على طريق واحد مثل الجسر‪ ،‬ل يسلك عليها إل فارس واحد‪ .‬وبذلك امتنعت هذه المدينة‪،‬‬
‫والبحيرة محيطة بها من جميع الجهات‪ ،‬وهي خاوية على عروشها‪ .‬ل يسكن بها إل أناس‬
‫قليلون من خدام السلطان‪ ،‬وبها زوجته بيون خاتون‪ ،‬وهي الحاكمة عليهم امرأة صالحة‬
‫فاضلة‪ ،‬وعلى المدينة أسوار أربعة‪ .‬بين كل سورين خندق وفيه الماء‪ ،‬ويدخل إليها على‬
‫جسور خشب‪ ،‬متى أرادوا رفعها رفعوها‪ .‬وبداخل المدينة البساتين والدور والرض‬
‫والمزارع‪ ،‬فلكل إنسان داره ومزرعته وبستانه مجموعة‪ .‬وشربها من آبار قريبة‪ ،‬وبها من‬
‫جميع أصناف الفواكه والجوز‪ .‬والقسطل عندهم كثير جداً رخيص الثمن‪ .‬ويسمون القسطل‬
‫قسطنة بالنون‪ .‬والجوز القوز بالقاف‪ .‬وبها العنب العذاري لم أر مثله في سواها‪ ،‬متناهي‬
‫الحلوة وعظيم الجرم‪ .‬صافي اللون رقيق القشر‪ ،‬للحبة منه نواة واحدة‪ .‬أنزلنا بهذه المدينة‬
‫الفقيه المام الحاج المجاور علء الدين السلطانيوكي‪ ،‬وهو شيخ الفضلء الكرماء‪ ،‬ما جئت‬
‫قط لزيارته إل أحضر الطعام‪ ،‬وصورته حسنة وسيرته أحسن‪ .‬وتوجه معي إلى الخاتون‬
‫المذكورة‪ ،‬فأكرمت وأضافت وأحسنت‪ .‬وبعد قدومنا بأيام وصل إلى هذه المدينة السلطان‬
‫أرخان بك الذي ذكرناه‪ .‬وأقمت بهذه المدينة نحو أربعين يوماً بسبب مرض فرس لي‪ .‬فلما‬
‫طال علي المكث تركته وانصرفت‪ ،‬ومعي ثلثة من أصحابي وجارية وغلمان‪ .‬وليس‬
‫معنا من يحسن اللسان التركي ويترجم عنا‪ .‬وكان لنا ترجمان فارقنا بهذه المدينة‪ .‬ثم خرجنا‬
‫منها فبتنا بقرية يقال لها مكجا " بفتح الميم والكاف والجيم " بتنا عند فقيه أكرمنا وأضافنا‪.‬‬
‫وسافرنا من عنده وتقدمتنا امرأة من الترك على فرس ومعها خديم لها‪ ،‬وهي قاصدة مدينة‬
‫ينجا‪ ،‬ونحن في اتباع أثرها‪ ،‬فوصلت إلى وادٍ كبير يقال له سقري كأنه نسب إلى سقر‪،‬‬
‫أعاذنا ال منها‪ ،‬فذهبت تجوز الوادي فلما توسطته‪ ،‬كادت الدابة تغرق بها ورمتها عن‬
‫ظهرها‪ ،‬وأراد الخديم الذي كان معها استخلصها‪ ،‬فذهب الوادي بهما معاً‪ .‬وكان في عدوة‬
‫الوادي قوم رموا بأنفسهم في أثرها سباحة‪ ،‬فأخرجوا المرأة وبها من الحياة رمق‪ ،‬ووجدوا‬
‫الرجل قد قضى نحبه رحمه ال‪ .‬وأخبرنا أولئك الناس أن المعدية أسفل من ذلك الموضع‪.‬‬

‫توجهنا إليها‪ ،‬وهي أربع خشبات مربوطة بالحبال‪ ،‬يجعلون عليها سروج الدواب والمتاع‪،‬‬
‫ويجذبها الرجال من العدوة الخرى‪ ،‬ويركب عليها الناس‪ .‬وتجاز الدواب سباحة وكذلك‬
‫فعلنا‪ .‬ووصلنا تلك الليلة إلى كاوية واسمها على مثال فاعلة من الكي نزلنا منها بزاوية أحد‬
‫الخية فكلمناه بالعربية فلم يفهم عنا‪ ،‬وكلمنا بالتركية فلم نفهم عنه‪ ،‬فقال‪ :‬اطلبوا الفقيه فإنه‬
‫يعرف العربية‪ .‬فأتى الفقيه فكلمنا بالفارسية وكلمناه بالعربية فلم يفهمها منا فقال‪ :‬للفتى‬
‫ايشان عربي كهنا ميقوان ميكو يندو من عربي نوميدانم‪ .‬وايشان معناه هؤلء‪ ،‬وكهنا قديم‪،‬‬
‫وميقوان يقولون‪ ،‬ومن أنا‪ ،‬ونو جديد‪ ،‬وميدانم تعرف‪ .‬وإنما أراد الفقيه بهذا الكلم ستر‬
‫نفسه عن الفضيحة حين ظنوا أنه يعرف اللسان العربي وهو ل يعرفه‪ .‬فقال لهم‪ :‬هؤلء‬
‫يتكلمون بالكلم العربي القديم‪ ،‬وأنا ل أعرف إل العربي الجديد فظن الفتى أن المر على ما‬
‫قاله الفقيه‪ .‬ونفعنا ذلك عنده وبالغ في إكرامنا وقال‪ :‬هؤلء تجب كرامتهم‪ ،‬لنهم يتكلمون‬
‫باللسان العربي القديم وهو لسان النبي صلى ال عليه وسلم تسليماً وأصحابه‪ .‬ولم نفهم كلم‬
‫الفقيه إذ ذاك لكنني حفظت لفظه‪ .‬فلما تعلمت اللسان الفارسي فهمت مراده‪ .‬وبتنا تلك الليلة‬
‫بالزاوية‪ ،‬وبعث معنا دليلً إلى ينجا وضبط اسمها " بفتح الياء آخر الحروف وكسر النون‬
‫وجيم " بلدة كبيرة حسنة‪ .‬بحثنا بها عن زاوية الخي فوجدنا بها أحد الفقراء المولهين‪ ،‬فقلت‬
‫له‪ :‬هذه زاوية الخي‪ ،‬فقال لي‪ :‬نعم‪ .‬فسرت عند ذلك إذ وجدت من يفهم اللسان العربي‪ .‬فلما‬
‫اختبرته أبرز الغيب أنه ل يعرف من اللسان العربي إل كلمة نعم خاصة‪ .‬ونزلنا بالزاوية‬
‫وجاء إلينا أحد الطلبة بطعام‪ .‬ولم يكن الخي حاضراً‪ ،‬وحصل النس بهذا الطالب‪ ،‬ولم يكن‬
‫يعرف اللسان العربي‪ ،‬ولكنه تفضل وتكلم مع نائب البلدة فأعطاني فارساً من أصحابه‪،‬‬
‫وتوجه معنا إلى كبنوك " وضبط اسمها بفتح الكاف وسكون الباء وضم النون " وهي بلدة‬
‫صغيرة يسكنها كفار الروم تحت ذمة المسلمين‪ ،‬وليس بها غير بيت واحد من المسلمين‪،‬‬
‫وهم الحكام عليهم‪ .‬وهي من بلد السلطان أرخان بك‪ ،‬فنزلنا بدار عجوز كافرة‪ ،‬وذلك إبان‬
‫الثلج والشتاء‪ ،‬فأحسنا إليها وبتنا عندها تلك الليلة‪ ،‬وهذه البلدة ل شجر بها ول دوالي العنب‬
‫ول يزرع بها إل الزعفران‪ ،‬وأتتنا هذه العجوز بزعفران كثير‪ ،‬وظنت أننا تجار نشتريه‬
‫منها ‪.‬ولما كان الصباح ركبنا وأتانا الفارس الذي بعثه الفتى معنا من كاوية‪ ،‬فبعث معنا‬
‫فارساً غيره ليوصلنا إلى مدينة مطرني‪ .‬وقد وقع في تلك الليلة ثلج كثير عفى عن الطريق ‪،‬‬
‫فتقدمنا ذلك الفارس فاتبعنا أثره إلى أن وصلنا في نصف النهار إلى قرية للتركمان‪ ،‬فأتوا‬
‫بطعام فأكلنا منه‪ ،‬وكلمهم ذلك الفارس فركب معنا أحدهم‪ ،‬وسلك بنا أوعاراً وجبالً ومجرى‬
‫ماء تكرر لنا جوازه أزيد من الثلثين مرة‪ .‬فلما خلصنا من ذلك قال لنا ذلك الفارس‪:‬‬
‫أعطوني شيئاً من الدراهم‪ .‬فقلنا له‪ :‬إذا وصلنا إلى المدينة نعطيك ونرضيك فلم يرض ذلك‬
‫منا‪ ،‬أو لم يفهم عنا‪ .‬فأخذ قوساً لبعض أصحابي ومضى غير بعيد ثم رجع فرد إلينا القوس‬
‫فأعطيته شيئاً من الدراهم‪ ،‬فأخذها وهرب عنا وتركنا ل نعرف أين نقصد ول طريق لنا‪،‬‬
‫فكنا نتلمح أثر الطريق تحت الثلج ونسلكه‪ ،‬إلى أن بلغنا عند غروب الشمس إلى جبل يظهر‬
‫الطريق به لكثرة الحجارة‪ ،‬فخفت الهلك علي ومن معي وتوقعت نزول الثلج ليلً ول‬
‫عمارة هنالك‪ .‬فإن نزلنا عن الدواب هلكنا‪ ،‬وإن سرينا ليلتنا ل نعرف أين نتوجه‪ .‬وكان لي‬
‫فرس من الجياد فعملت على الخلص‪ ،‬وقلت في نفسي‪ :‬إذا سلمت لعلي أحتال في سلمة‬
‫أصحابي‪ ،‬فكان كذلك‪ .‬واستودعتهم ال تعالى وسرت‪ .‬وأهل تلك البلد يبنون على القبور‬

‫بيوتاً من الخشب يظن رائيها أنها عمارة‪ ،‬فيجدها قبوراً‪ .‬فظهر لي منها كثير‪ .‬فلما كان بعد‬
‫العشاء وصلت إلى البيوت فقلت‪ :‬اللهم اجعلها عامرة‪ ،‬فوجدتها عامرة‪ ،‬ووفقني ال تعالى‬
‫إلى باب دار‪ ،‬فرأيت عليها شيخًا فكلمته بالعربي فكلمني بالتركي‪ ،‬وأشار إلي بالدخول‪.‬‬
‫فأخبرته بشأن أصحابي فلم يفهم عني‪ ،‬وكان من لطف ال أن تلك الدار زاوية للفقراء‪،‬‬
‫والواقف بالباب شيخها‪ .‬فلما سمع الفقراء الذين بداخل الزاوية كلمي مع الشيخ خرج‬
‫بعضهم‪ .‬وكانت بيني وبينه معرفة فسلم علي‪ ،‬وأخبرته خبر أصحابي وأشرت إليه بأن‬
‫يمضي مع الفقراء لستخلص الصحاب‪ ،‬ففعلوا ذلك وتوجهوا معي إلى أصحابي‪ ،‬وجئنا‬
‫جميعاً إلى الزاوية وحمدنا ال تعالى على السلمة‪ ،‬وكانت ليلة جمعة‪ ،‬فاجتمعوا أهل القرية‬
‫وقطعوا ليلتهم بذكر ال تعالى‪ .‬وأتى كل منهم بما تيسر له من الطعام وارتفعت المشقة‪.‬‬
‫ورحلنا عند الصباح فوصلنا مدينة مطرني عند صلة الجمعة " وضبط اسمها بضم الميم‬
‫والطاء المكهملة واسكان الراء وكسر النون وياء مد "‪ ،‬فنزلنا بزاوية أحد الفتيان الخية‪،‬‬
‫وبها جماعة من المسافرين‪ ،‬ولم نجد مربطاً للدواب‪ .‬فصلينا الجمعة ونحن في قلق لكثرة‬
‫الثلج والبرد وعدم المربط‪ ،‬فلقينا أحد الحجاج من أهلها فسلم علينا‪ ،‬وكان يعرف اللسان‬
‫العربي فسررت برؤيته‪ ،‬وطلبت منه أن يدلنا على مرابط للدواب بالكراء‪ .‬فقال‪ :‬أما ربطها‬
‫فهي في منزل فل يتأتى‪ ،‬لن أبواب دور هذه البلدة صغار‪ ،‬ل تدخل منها الدواب‪ ،‬ولكنني‬
‫أدلكم على سقيفة بالسوق يربط فيهم المسافرون دوابهم‪ ،‬والذين يأتون لحضور السوق‪،‬‬
‫فدلنحا عليها وربطنا بهحا دوابنحا‪ ،‬ونزل أححد الصححاب بحانوت خال إزاءهحا ليحرس‬
‫الدواب‪.‬ا عليهححا وربطنححا بهححا دوابنححا‪ ،‬ونزل أحححد الصحححاب بحانوت خال إزاءهححا‬
‫ليحرس الدواب‪.‬‬
‫?حكاية‬

‫وكان محن غريحب محا اتفحق لنحا أنحي بعثحت أححد الخدام ليشتري التبحن للدواب‪ ،‬وبعثحت‬
‫أحدهححم يشتري السححمن‪ .‬فأتححى أحدهمححا بالتبححن‪ ،‬والخححر دون شيححء‪ ،‬وهححو يضحححك‪.‬‬
‫فسألناه عن سبب ضحكه فقال‪ :‬إنا وقفنا على دكان بالسوق فطلبنا منه السمن‪ ،‬فأشار‬
‫إلينحا بالوقوف‪ .‬وكلم والده فدفعنحا له الدراهحم‪ ،‬فأبطحأ سحاعة وأتحى بالتبحن فأخذناه منحه‪،‬‬
‫وقلنحا له‪ :‬إنحا نريحد السحمن‪ ،‬فقال‪ :‬هذا السحمن‪ ،‬وأبرز الغيحب أنهحم يقولون للتبحن سحمن‬
‫بلسحان الترك‪ .‬أمحا السحمن فيسحمى عندهحم رباغ‪ .‬ولمحا اجتمعنحا بهذا الحاج الذي يعرف‬

‫اللسحان العربحي رغبنحا منحه أن يسحافر معنحا إلى قصحطومنية‪ ،‬وبينهحا وبيحن هذه البلدة‬
‫عشرة‪ ،‬وكسوته ثوباً مصرياً من ثيابي‪ ،‬وأعطيته نفقه تركها لعياله‪ ،‬وعينت له دابة‬
‫لركوبه‪ ،‬ووعدته الخير‪ .‬وسافر معنا‪ ،‬فظهر لنا من حاله أنه صاحب مال كثير‪ ،‬وله‬
‫ديون على الناس‪ ،‬غيحر أنحه سحاقط الهمحة خسحيس الطبحع سحيء الفعال وكنحا نعطيحه‬
‫الدارهححم لنفقتنححا فيأخححذ مححا يفضححل مححن الخبححز ويشتري بححه البراز والخضححر والملح‬
‫ويمسحك ثمحن ذلك لنفسحه‪ .‬وذكحر لي أنحه كان يسحرق محن دارهحم النفقحة دون ذلك‪ ،‬وكنحا‬
‫نحتمله لمحا كنحا نكابده محن عدم المعرفحة بلسحان الترك‪ ،‬وانتهحت حاله إلى أن فضحناه‪،‬‬
‫وكنححا نقول له فححي آخححر النهار يححا حاج‪ ،‬كححم سححرقت اليوم مححن النفقححة ? فيقول‪ :‬كذا‬
‫فنضحححك منححه ونرضححى بذلك‪ .‬ومححن أفعله الخسححيسة أنححه مات لنححا فرس فححي بعححض‬
‫المنازل‪ ،‬فتولى سحلخ جلده بيده وباعحه‪ .‬ومنهحا أنحا نزلنحا ليلة عنحد أخحت له فحي بعحض‬
‫القرى فجاءت بطعام وفاكهحة محن الجاص والتفاح والمشمحش والخوخ‪ ،‬كلهحا ميبسحة‬
‫وتجعحل فحي الماء حتحى ترطحب فتؤكحل ويشرب ماؤهحا‪ .‬فأردنحا أن نحسحن إليهحا فعلم‬
‫بذلك فقال‪ :‬ل تعطوهحا شيئاً‪ ،‬وأعطوا ذلك لي فأعطيناه إرضاء له‪ ،‬وأعطيناه إحسحاناً‬
‫في خفية بحيث لم يعلم بذلك‪ .‬ثم وصلنا إلى مدينة بولي " وضبط اسمها بياء موحدة‬
‫مضموة وكسححر اللم "‪ ،‬ولمححا انتهينححا إلى قريححب منهححا وجدنححا وادياً يظهححر فححي رأي‬
‫العيحن صحغيراً‪ ،‬فلمحا دخله بعحض أصححابنا وجدوه شديحد الجريحة والنزعاج‪ ،‬فجاوزه‬
‫جميعاً‪ .‬وبقيحت جاريحة صحغيرة خافوا فحي تجويزهحا‪ ،‬وكان فرسحي خيراً محن أفراسحهم‬
‫فأردفتهحا‪ ،‬وأخذت فحي جواز الوادي فلمحا توسحطته وقحع بحي الفرس ووقعحت الجاريحة‪،‬‬

‫فأخرجها أصحابي وبها رمق وخلصت أنا‪ .‬ودخلنا المدينة فقصدنا زاوية أحد الفتيان‬
‫الخية‪ ،‬ومن عوائدهم أنه ل تزال النار موقودة في زواياهم أيام الشتاء أبداً‪ .‬يجعلون‬
‫فحي كحل ركحن محن أركان الزاويحة موقحد النار‪ ،‬ويصحنعون لهحا منافحس يصحعد منهحا‬
‫الدخان‪ ،‬ول يؤذي الزاوية‪ .‬ويسمونها البخاري واحدها بخيري‪ .‬قال ابن جزي‪ :‬وقد‬
‫أحسن صفي الدين عبد العزيز بن سرايا الحلي في قوله في التورية‪ ،‬وتذكرته بذكر‬
‫البخيري‪:‬‬
‫إن البخيري مذ فارقتموه غحدا يحثو الرماد على كانونه الترب‬
‫لو شئتم أنه يمسي أبحا لحهحبٍ جاءت بغالكم حمالة الحطحب‬

‫قال‪ :‬فلمحا دخلنحا للزاويحة وجدنحا النار موقودة‪ ،‬فنزعحت ثيابحي ولبسحت ثياباً سحواها‪،‬‬
‫واصححطليت بالنار‪ .‬وأتححى الخححي بالطعام والفاكهححة أكثححر مححن ذلك‪ .‬فلله درهححم مححن‬
‫طائفة ! ما أكرم نفوسهم وأشد إيثارهم وأعظم سفقتهم على الغريب وألطفهم بالوارد‬
‫وأحبهحم فيحه وأجملهحم أحتفالً بأمره‪ .‬فليحس قدوم النسحان الغريحب عليهحم إل كقدومحه‬
‫على أححب أهله إليحه‪ .‬وبتنحا تلك الليلة بحال مرضيحة‪ ،‬ثحم رحلنحا بالغداة فوصحلنا إلى‬
‫مدينة كردي بولي " وضبط اسمها بكاف معقودة وفتح الراء والدال المهمل وسكون‬
‫الياء وباء موحدة مضمومحة وواو محد ولم مكسحورة وياء "‪ ،‬وهحي مدينحة كحبيرة فحي‬
‫بسححيط مححن الرض حسححنة‪ ،‬متسححعة الشوارع وألسححواق‪ ،‬مححن أشححد البلد برداً‪ .‬وهححي‬
‫محلت مفترقة‪ ،‬كل محلة تسكنها طائفة ل يخالطهم غيرهم‪.‬‬

‫ذكر سلطانها‬

‫وهو السلطان شاه بك‪ ،‬من متوسطي سلطين هذه البلد‪ ،‬حسن الصورة‪ ،‬والسيرة‬
‫جميل الخلق قليل العطاء‪ .‬صلينا بهذه المدينة صلة الجمعة ونزلنا منها‪ ،‬ولقيت بها‬
‫الخطيحب الفقيحه شمحس الديحن الدمشقحي الحنبلي‪ ،‬وهحو محن مسحتوطنيها محن سحنين‪ ،‬وله‬
‫بهحا أولد‪ .‬وهحو فقيحه هذا السحلطان وخطيبحه‪ ،‬ومسحموع الكلم عنده‪ .‬ودخحل علينحا هذا‬
‫الفقيحه بالزاويحة‪ ،‬فأعلمنحا أن السحلطان قحد جاء لزيارتنحا‪ .‬فشكرتحه على فعله‪ ،‬واسحتقبلت‬
‫السححلطان فسححلمت عليححه وجلس‪ .‬فسححألني عححن حالي وعححن مقدمححي وعمححن لقيتححه مححن‬
‫السلطين‪ ،‬فأخبرته بذلك كله‪ .‬وأقام ساعة ثم انصرف‪ ،‬وبعث بدابة مسرجة وكسوة‬
‫وانصحرفنا إلى مدينحة برلو " وضبحط اسحمها بضحم الباء الموححد وإسحكان الراء وضحم‬
‫اللم "‪ ،‬وهحي مدينحة صحغيرة على تحل‪ ،‬تحتهحا خندق‪ ،‬ولهحا قلعحة بأعلى شاهحق‪ .‬نزلنحا‬
‫منها بمدرسة‪ .‬وكان الحاج الذي سافر معنا يعرف مدرستها وطلبتها‪ ،‬ويحضر معهم‬
‫الدرس‪ .‬وهو على علته من الطلبة حنفي المذهب‪ .‬ودعانا أمير هذه البلدة وهو علي‬
‫بك ابن السلطان المكرم سليمان باد شاه ملك قصطمونية وسنذكره‪ ،‬فصعدنا إليه إلى‬
‫القلعحة‪ ،‬فسحلمنا عليحه‪ ،‬فرححب بنحا وأكرمنحا‪ ،‬وسحألني عحن أسحفاري وحالي‪ ،‬فأجبتحه عحن‬
‫ذلك‪ ،‬وأجلسني إلى جانبه‪ .‬وحضر قاضيه وكاتبه الحاج علء الدين محمد وهو من‬
‫كبار الكتاب‪ ،‬وحضححر الطعام فأكلنححا ثححم قرأ القراء بأصححوات مبكيححة وألحان عجيبححة‬
‫وانصرفنا‪ .‬وسافرنا بالغد إلى مدينة قصطمونية " وضبط اسمها بقاف مفتوح وصاد‬
‫مهمحل مسحكن وطاء مهمحل مسحكن وطاء مهمحل مفتوح وميحم مضمومحة وواو ونون‬

‫مكسححور وياء آخححر الحروف "‪ ،‬وهححي مححن أعظححم المدن وأحسححنها‪ ،‬كثيرة الخيرات‪،‬‬
‫رخيصة السعار‪ .‬نزلنا منها بزاوية شيخ يعرف الطروش لثقل سمعه‪ .‬ورأيت منه‬
‫عجباً‪ ،‬وهححو أن أحححد الطلبححة كان يكتححب له فححي الهواء‪ ،‬وتارة فححي الرض بإصححبعه‪،‬‬
‫فيفهححم عنححه ويجيبححه‪ ،‬ويحكححي له بذلك‪ ،‬الحكايات فيفهمهححا‪ .‬وأقمنححا بهذه المدينححة نحححو‬
‫أربعيححن يوماً فكنححا نشتري طابححق اللحححم الغنمححي السححمين بدرهميححن‪ ،‬ونشتري خبزاً‬
‫بدرهميححن فيكفينححا ليومنححا‪ ،‬ونحححن عشرة‪ .‬ونشتري حلواء العسححل بدرهميححن‪ ،‬فتكفينححا‬
‫أجمعين‪ .‬ونشتري جوزاً بدرهم وقشطلً بمثله‪ ،‬فنأكل منها أجمعون‪ ،‬ويفضل باقيها‪.‬‬
‫ونشتري حمححل الحطححب بدرهححم واحححد‪ ،‬وذلك أوان البرد الشديححد‪ ،‬ولم أر فححي البلد‬
‫مدينة أرخص أسعاراً منها‪ .‬ولقيت بها الشيخ المام العالم المفتي المدرس تاج الدين‬
‫السلطانيوكي من كبار العلماء‪ ،‬قرأ بالعراقين وتبريز واستوطنها مدة‪ ،‬وقرأ بدمشق‪،‬‬
‫وجاور بالحرميحن قديماً‪ .‬ولقيحت بهحا العلم المدرس صحدر الديحن سحليمان الفنيكحي محن‬
‫أهحل فنيكة من بلد الروم‪ ،‬وأضافني بمدرسحته التي بسحوق الخيل‪ ،‬ولقيت بهحا الشيحخ‬
‫المعمر الصالح دادا أمير علي‪ ،‬دخلت عليه بزاويته بمقربة من سوق الخيل‪ ،‬فوجده‬
‫ملقى على ظهره‪ ،‬فأجلسه بعض خدامه‪ ،‬ورفع بعضهم حاجبيه عن عينيه ففتحهما‪،‬‬
‫وكلمني بالعربي الفصيح‪ ،‬وقال‪ :‬قدمت خير مقدم‪ ،‬وسألته عن عمره فقال‪ :‬كنت من‬
‫أصححاب الخليفحة المسحتنصر بال‪ ،‬وتوفحي وأنحا ابحن ثلثيحن سحنة‪ .‬وعمري الن مائة‬
‫وثلث وستون سنة‪ ،‬فطلبت منه الدعاء فدعا لي وانصرف‪.‬‬

‫ذكر سلطان قصطمونية‬

‫وهو السلطان المكرم سليمان بادشاه " واسمه بباء معقود وألف ودال مسكن "‪ ،‬وهو‬
‫كبير السن ينيف على سبعين سنة‪ ،‬حسن الوجه طويل اللحية صاحب وقار وهيبة‪،‬‬
‫يجالسحه الفقهاء والصحلحاء‪ .‬دخلت عليحه بمجلسحه فأجلسحني إلى جانبحه وسحألني عحن‬
‫حالي ومقدمحي وعحن الحرميحن الشريفيحن ومصحر والشام فأجبتحه‪ ،‬وأمحر بإنزالي على‬
‫قرب منحه‪ ،‬وأعطانحي ذلك اليوم فرسحاً عتيقاً قرطاسحي اللون وكسحوة‪ ،‬وعيحن لي نفقحة‬
‫وعلفاً‪ ،‬وأمححر لي بعححد ذلك بقمححح وشعيححر نفححذ لي فححي قريححة مححن قرى المدينححة‪ ،‬على‬
‫مسيرة نصف يوم منها‪ ،‬فلم أجد من يشتريه‪ ،‬لرخص السعار‪ ،‬فأعطيته للحاج الذي‬
‫كان فحي صححبتنا‪ .‬ومحن عادة هذا السحلطان أن يجلس كحل يوم بمجلسحه‪ ،‬بعحد صحلة‬
‫العصححر‪ ،‬ويؤتححى بالطعام فتفتححح البواب‪ ،‬ول يمنححع أحححد مححن حضري أو بدوي أو‬
‫غريب أو مسافر من الكل‪ .‬ويجلس في أول النهار جلوساً خاصاً‪ ،‬ويأتي ابنه فيقبل‬
‫يديحه‪ ،‬وينصحرف إلى مجلس له ويأتحي أرباب الدولة فيأكلون عنده وينصحرفون‪ .‬ومحن‬
‫عادته في يوم الجمعة أن يركب إلى المسجد‪ ،‬وهو بعيد عن داره‪ .‬والمسجد المذكور‬
‫هحو ثلث طبقات محن الخشحب‪ .‬فيصحلي السحلطان وأرباب دولتحه والقاضحي والفقهاء‬
‫ووجوه الجناد فحي الطبقحة السحفلى‪ ،‬ويصحلي الفندي‪ ،‬وهحو أخحو السحلطان وأصححابه‬
‫وأخدامحه وبعحض أهحل المدينحة فحي الطبقحة الوسحطى‪ ،‬ويصحلي ابحن السحلطان ولي عهده‬
‫وهحو أصحغر أولده‪ ،‬ويسحمى الجواد‪ ،‬وأصححابه ومماليكحه وخدامحه وسحائر الناس فحي‬

‫الطبقحة العليحا‪ ،‬ويجتمحع القراء فيقعدون حلقحة أمام المحراب‪ ،‬ويقعحد معهحم الخطيحب‬
‫والقاضحححي‪ .‬ويكون السحححلطان بإزاء المحراب‪ .‬ويقرأون سحححورة الكهحححف بأصحححوات‬
‫حسحان‪ ،‬ويكررون اليات بترتيحب عجيحب‪ .‬فإذا فرغوا محن قراءتهحا صحعد الخطيحب‬
‫المنبر فخطب ثم صلى‪ ،‬فإذا فرغوا من الصلة تنفلوا وقرأ القارئ بين يدي السلطان‬
‫عشراً‪ ،‬وانصحرف السحلطان ومحن معحه‪ .‬ثحم يقرأ القارئ بيحن يدي أخحي السحلطان‪ ،‬فإذا‬
‫أتحم قراءته انصحرف هو ومن معحه‪ ،‬ثحم يقرأ القارئ بين يدي ابن السلطان‪ ،‬فإذا فرغ‬
‫مححن قراءتححه قام المعرف‪ ،‬وهححو المذكححر‪ ،‬فيمدح السححلطان بشعححر تركححي ويمدح ابنححه‬
‫ويدعو لهما وينصرف‪ .‬ويأتي ابن الملك إلى دار أبيه بعد أن يقبل يد عمه في طريقه‬
‫واقفًا فحي انتظاره‪ ،‬ثحم يدخلن إلى السحلطان فيتقدم اخوه ويقبحل يده ويجلس بيحن يديحه‪،‬‬
‫ثحم يأتحي ابنحه فيقبحل يده وينصحرف إلى مجلسحه فيقعحد بحه محع ناسحه‪ .‬فإذا حانحت صحلة‬
‫العصر صلوها جميعاً‪ .‬وقبل أخو السلطان يده‪ ،‬وانصرف عنه فل يعود إليه إل في‬
‫الجمعحة الخرى‪ .‬وأمحا الولد فإنحه يأتحي كحل يوم غدوة كمحا ذكرناه‪ .‬ثحم سحافرنا محن هذه‬
‫المدينحة ونزلنحا فحي زاويحة عظيمحة بإحدى القرى محن أحسحن زاويحة رأيتهحا فحي تلك‬
‫البلد‪ ،‬بناهحا أميحر كحبير تاب إلى ال تعالى يسححمى فخحر الديححن‪ ،‬وجعحل النظحر فيهحا‬
‫لولده‪ ،‬والشراف لمحن أقام بالزاويحة محن الفقراء‪ .‬وفوائد القريحة وقحف عليهحا‪ .‬وبنحى‬
‫بإزاء الزاويححة حماماً للسحبيل يدخله الوارد والصحادر محن غيحر شيححء يلزمححه‪ ،‬وبنححى‬
‫سحوقاً بالقريحة ووقفحه على المسحجد الجامحع‪ .‬وعيحن محن أوقاف هذه الزاويحة لكحل فقيحر‬
‫يرد مححن الحرميححن الشريفيححن أو مححن الشام ومصححر والعراقيححن وخراسححان وسححواهما‬

‫كسحوة كاملة ومائة درهحم يوم قدومحه‪ ،‬وثلثمائة درهحم يوم سحفره‪ .‬والنفقحه أيام مقامحه‬
‫وهحي الخبحز واللححم والرز المطبوخ بالسحمن والحلواء‪ .‬ولكحل فقيحر محن بلد الروم‬
‫عشرة دراهم وضيافة ثلثة أيام‪ ،‬ثم انصرفنا وبتنا ليلة ثانية بزاوية في جبل شامخ‬
‫ل عمارة فيحححه عمرهحححا بعحححض الفتيان الخيحححة‪ ،‬ويعرف بنظام الديحححن محححن أهحححل‬
‫قصحطمونية‪ ،‬ووقحف عليهحا قريحة ينفحق خراجهحا على الوارد والصحادر بهذه الزاويحة‪.‬‬
‫وسافرنا من هذه الزاوية إلى مدينة صنوب " وضبط اسمها بفتح الصاد وضم النون‬
‫وآخره باء "‪ ،‬وهحي مدينحة حافلة جمعحت بيحن التحصحين والتحسحين‪ ،‬يحيحط بهحا البححر‬
‫محن جميحع جهاتهحا إل واحدة وهحي الشرق‪ ،‬ولهحا هنالك باب واححد ل يدخحل إليهحا أححد‬
‫إل بإذن أميرها‪ ،‬وأميرها إبراهيم بك ابن السلطان سليمان بادشاه الذي ذكرناه‪ .‬ولما‬
‫اسحتؤذن لنحا عليحه دخلنحا البلد ونزلنحا بزاويحة عحز الديحن أخحي جلبحي‪ ،‬وهحي خارج باب‬
‫البحححر‪ ،‬ومححن هنالك يصححعد إلى جبححل داخححل فححي البحححر‪ ،‬كميناء سححبتة فححي البسححاتين‬
‫والمزارع والمياه‪،‬وأكثر فواكهحه التين والعنب‪ ،‬وهو جبحل مانحع ل يسحتطاع الصعود‬
‫إليححه‪ .‬وفيححه إحدى عشرة قريححة يسححكنها كحفار الروم تحححت ذمححة المسححلمين‪ .‬وبأعله‬
‫رابطة تنسب للخضر والياس عليهما السلم‪ ،‬ل تخلو عن متعبد‪ ،‬وعندها عين ماء‪.‬‬
‫والدعاء فيهححا مسححتجاب‪ .‬وبسححفح هذه الجححبر قححبر الوالي الصححالح الصحححابي بلل‬
‫الحبشحي‪ ،‬وعليحه زاويحة فيهحا الطعام للوارد والصحادر‪ .‬والمسحجد بمدينحة صحنوب محن‬
‫أحسن المساجد‪ .‬وفي وسطه بركة ماء عليها قبة تثقلها أربع أرجل‪ ،‬ومع كل رجل‬
‫سحاريتان محن الرخام‪ ،‬وفوقهحا مجلس يصحعد له على درج خشحب‪ ،‬وذلك محن عمارة‬

‫السحلطان بروانحه ابحن السحلطان علء الديحن الرومحي‪ ،‬وكان يصحلي الجمعحة بأعلى تلك‬
‫القبة‪ .‬وملك بعد ابنه غازي جلبي‪ ،‬فلما مات تغلب عليها السلطان سليمان المذكور‪.‬‬
‫وكان غازي جلبي المذكور شجاعاً مقداماً‪ ،‬ووهبه ال خاصية في الصبر تحت الماء‬
‫وفي قوة السباحة‪ ،‬وكان يسافر في الجفان الحربية لحرب الروم‪ ،‬فإذا كانت الملقاة‬
‫واشتغحل الناس بالقتال غاص تححت الماء وبيده آلة حديحد يخرق بهحا أجفان العدو‪ ،‬فل‬
‫يشعرون بمحا ححل بهحم حتحى يدهمهحم الغرق‪ .‬وطرقحت مرسحى بلده مرة أجفان العدو‬
‫فخرقهحا وأي محن كان فيهحا‪ .‬وكانحت فيحه كفايحة ل كفاء لهحا إل أنهحم يذكرون أنحه كان‬
‫يكثر أكل الحشيش وبسببه مات‪ .‬فإنه خرج يوماً للتصيد وكان مولعاً به‪ ،‬فاتبع غزالة‬
‫ودخلت له بيحن الشجار‪ ،‬وزاد فحي ركحض فرسحه فعارضتحه شجرة فضربحت رأسحه‬
‫فخدشته فمات‪ .‬وتغلب السلطان سليمان على البلد وجعل به ابنه ابراهيم‪ .‬ويقال‪ :‬إنه‬
‫أيضاً كان يأكل صاحبه‪ ،‬على أن أهل بلد الروم كلها ل ينكرون أكلها‪ .‬ولقد مررت‬
‫يوماً على باب الجامحع بصحنوب‪ ،‬وبخارجحه دكاكيحن يقعحد الماس عليهحا‪ ،‬فرأيحت نفراً‬
‫مححن كبار الجناد وبيححن أيديهححم خديححم لهححم بيده شكارة مملوءة بشيححء يشبححه الحناء‪،‬‬
‫وأحدهحم يأخحذ منهحا بملعقحة ويأكحل‪ ،‬وأنحا أنظحر إليحه ول أعلم بمحا فحي الشكارة‪ .‬فسحألت‬
‫من كان معي فأخبرني أنه الحشيش‪ .‬وأضافنا بهذه المدينة قاضيها ونائب المير بها‬
‫ومعلمحه ويعرف بابحن عبحد الرزاق‪.‬ر قحبر الوالي الصحالح الصححابي بلل الحبشحي‪،‬‬
‫وعليححه زاويححة فيهححا الطعام للوارد والصححادر‪ .‬والمسححجد بمدينححة صححنوب مححن أحسححن‬
‫المساجد‪ .‬وفي وسطه بركة ماء عليها قبة تثقلها أربع أرجل‪ ،‬ومع كل رجل ساريتان‬

‫محن الرخام‪ ،‬وفوقهحا مجلس يصحعد له على درج خشحب‪ ،‬وذلك محن عمارة السحلطان‬
‫بروانحه ابحن السحلطان علء الديحن الرومحي‪ ،‬وكان يصحلي الجمعحة بأعلى تلك القبحة‪.‬‬
‫وملك بعحد ابنحه غازي جلبحي‪ ،‬فلمحا مات تغلب عليها السحلطان سحليمان المذكور‪ .‬وكان‬
‫غازي جلبي المذكور شجاعاً مقداماً‪ ،‬ووهبه ال خاصية في الصبر تحت الماء وفي‬
‫قوة السححباحة‪ ،‬وكان يسححافر فححي الجفان الحربيححة لحرب الروم‪ ،‬فإذا كانححت الملقاة‬
‫واشتغحل الناس بالقتال غاص تححت الماء وبيده آلة حديحد يخرق بهحا أجفان العدو‪ ،‬فل‬
‫يشعرون بمحا ححل بهحم حتحى يدهمهحم الغرق‪ .‬وطرقحت مرسحى بلده مرة أجفان العدو‬
‫فخرقهحا وأي محن كان فيهحا‪ .‬وكانحت فيحه كفايحة ل كفاء لهحا إل أنهحم يذكرون أنحه كان‬
‫يكثر أكل الحشيش وبسببه مات‪ .‬فإنه خرج يوماً للتصيد وكان مولعاً به‪ ،‬فاتبع غزالة‬
‫ودخلت له بيحن الشجار‪ ،‬وزاد فحي ركحض فرسحه فعارضتحه شجرة فضربحت رأسحه‬
‫فخدشته فمات‪ .‬وتغلب السلطان سليمان على البلد وجعل به ابنه ابراهيم‪ .‬ويقال‪ :‬إنه‬
‫أيضاً كان يأكل صاحبه‪ ،‬على أن أهل بلد الروم كلها ل ينكرون أكلها‪ .‬ولقد مررت‬
‫يوماً على باب الجامحع بصحنوب‪ ،‬وبخارجحه دكاكيحن يقعحد الماس عليهحا‪ ،‬فرأيحت نفراً‬
‫مححن كبار الجناد وبيححن أيديهححم خديححم لهححم بيده شكارة مملوءة بشيححء يشبححه الحناء‪،‬‬
‫وأحدهحم يأخحذ منهحا بملعقحة ويأكحل‪ ،‬وأنحا أنظحر إليحه ول أعلم بمحا فحي الشكارة‪ .‬فسحألت‬
‫من كان معي فأخبرني أنه الحشيش‪ .‬وأضافنا بهذه المدينة قاضيها ونائب المير بها‬
‫ومعلمه ويعرف بابن عبد الرزاق‪.‬‬

‫حكاية‬

‫لمحا دخلنحا هذه المدينحة رآنحا أهلهحا ونححن نصحلي مسحبلي أيدينحا وهحم حنفيحة ل يعرفون‬
‫مذهححب مالك ول كيفيححة صححلته‪ ،‬والمختار مححن مذهبححه وهححو إسححبال اليديححن‪ .‬وكان‬
‫بعضهم يرى الروافض بالحجاز والعراق مسبلي أيديهم‪ ،‬فاتهمونا بمذهبهم‪ ،‬وسألونا‬
‫عحن ذلك فأخحبرناهم أننحا على مذهحب مالك‪ ،‬فلم يقنعوا بذلك منحا واسحتقرت التهمحة فحي‬
‫نفوسحهم حتحى بعحث إلينحا نائب السحلطان بأرنحب‪ ،‬وأوصحى بعحض خدامحه أن يلزمنحا‬
‫حتى يرى ما نفعل له‪ ،‬فذبجناه وطبخناه وأكلناه وانصرف الخديم إليه وأعلمه بذلك‪.‬‬
‫فحينئذ زالت عنحا التهمحة‪ ،‬وبعثوا لنحا بالضيافحة‪ .‬والروافحض ل يأكلون الرانحب‪ .‬وبعحد‬
‫أربعحة أيام محن وصحولنا إلى صحنوب توفيحت أم الميحر إبراهيحم بهحا‪ ،‬فخرجححت فحي‬
‫جنازتهححا وخرج ابنهححا على قدميححه‪ ،‬ك