‫من دقائق حقائق الدّين‬

‫الستاذ ممود ممد طه‬

‫الطبعة العاشرة أغسطس ‪1982‬م ذو القعدة ‪1402‬هـ‬

‫إل الذين قيل ف حقهم‪:‬‬
‫( إن ف ذلك لذكرى لن كان له قلب‪،‬‬
‫أو القى السمع وهو شهيد‪.)..‬‬

‫الهــداء‬

‫بسم ال الرحن الرحيم‬
‫( ومن أظلم من افترى على ال الكذب‪ ،‬وهو يدعى إل السلم؟؟ وال ل يهدى القوم الظالي!!)‬
‫صدق ال العظيم‪..‬‬
‫مقدمة الطبعة الرابعة‬
‫الية الت صدرنا با هذه القدمة من الطبعة الرابعة من هذا الكتاب انا تغلظ النذارة‪ ،‬وتشدد النكي على كل من يدعى‬
‫إل (السلم)‪ ،‬ف وقت مىء أمته السلمة‪ ،‬فينأى بانبه‪ ،‬ث يذهب ليفترى على دعوة (السلم) الكذب!! ووقت هذه‬
‫ال ية قد جاء اليوم‪ ،‬بجىء و قت الدعوة إل ال سلم‪ ،‬وبجىء ال مة ال سلمة فها هى الدعوة ال ال سلم تظ هر با سم‬
‫(الدعوة السلمية الديدة) فتبدو غريبة‪ ،‬أشد الغرابة‪ ،‬كما هو الوعود النبوى الصادق ‪( :‬بدأ السلم غريبا‪ ،‬وسيعود‬
‫غريبا‪ ،‬كما بدأ‪ ،‬فطوب للغرباء! قالوا ‪ :‬من الغرباء‪ ،‬يا رسول ال؟ قال ‪ :‬الذ ين ييون سنت بعد اندثار ها)‪ ..‬ومن أدل‬
‫الدلئل على الغرابة الصادقة الت تتسم با هذه الدعوة انا تبدو غريبة‪ ،‬و منكرة‪ ،‬حت بالنسبة لن عرفوا‪ ،‬بي السلمي‪،‬‬
‫برجال الدين‪ ،‬ومن هم‪ ،‬عند السلمي‪ ،‬مظنة العلم بالدين! فهاهم يواجهونا بأنكر صنوف التشويه‪ ،‬والتحريف‪ ،‬الت‬
‫وقعـت‪ ،‬أو يكـن أن تقـع على دعوة جديدة‪ ،‬على الطلق! هاهـم يلعنون دعاتاـ مـن على منابر السـاجد‪ ،‬ويهدرون‬
‫دماءهم‪ ،‬ويوضون ف أعراضهم أسوأ الوض وأفجره!!‬
‫فليعلم الناس‪ ،‬كافة الناس‪ ،‬من تبلغهم هذه الدعوة على خي وجوه التبليغ‪ ،‬أنم إنا يدعون ال (السلم)‪ ،‬الذى ل إسلم‬
‫غيه‪ ،‬منذ اليوم!! وهذه الدعوة ال السلم إنا تقع ف وقتها‪ ،‬وتاطب أمتها‪ ،‬لول مرة ف التاريخ!! فقد دعا النب‪ ،‬عليه‬
‫أفضل الصلة وأت التسليم‪ ،‬الناس ف مكة ال (السلم)‪ ،‬ونزلت هناك آيات السلم‪ ،‬وهن أصول القرآن‪ ،‬فلم يستجيبوا‬
‫له! فنسخت الدعوة ال (السلم)‪ ،‬ونسخت بذلك أصول القرآن‪ ،‬وهاجر النب الكري ال الدينة‪ ،‬وهنالك دعا الناس ال‬
‫(اليان)‪ ،‬ونزلت آيات اليان‪ ،‬وهن فروع القرآن‪ ،‬ناسخات لصوله‪ ،‬فاستجابوا له! وظهرت‪ ،‬يومئذ‪ ،‬المة الؤمنة‪،‬‬
‫ال ت إن ا نع يش اليوم ف أخريات أيام ها‪ ،‬وشرع ل ا على أ ساس آيات القران الفرع ية‪ ،‬إرجاء ليات القران ال صلية ح ت‬
‫تىء أمتها وهى المة السلمة الت ندعو اليوم ال ظهورها من بي أفراد البشرية العاصرة!!‬
‫وخصائص المة السلمة القبلة الت تتص با‪ ،‬ف مقابل المة الؤمنة الاضية‪ ،‬هى أن تشريعها الماعى‪ ،‬إذ يقوم على‬
‫أ صول القرآن‪ ،‬إن ا يقوم على ال سئولية‪ ،‬ل على الو صاية‪ ،‬ك ما كان تشر يع ال مة الؤم نة الذى يقوم على فروع القرآن‪.‬‬
‫(ويتوفر مت هذا الكتاب على تفصيل التفريق بي الصول الت قامت على السئولية‪ ،‬والفروع الت قامت على الوصاية)‬

‫هذا من ج هة‪ ،‬و من ج هة أخرى‪ ،‬فإن حظ أفراد هذه ال مة ال سلمة القبلة ان ا هو ال سعى ال بلوغ مرا تب ا صحاب‬
‫الشرائع الفرديـة!! لنمـ هـم اناـ يرتفعون مـن مسـتوى (اليان) ال مسـتوى (السـلم)!! (ويتوفـر متـ هذا الكتاب‪،‬‬
‫كذلك‪ ،‬على تفصيل التفريق بي السلم واليان)‪ ...‬والسلم مرتبة فرديات‪ ...‬وف مرتبته يبلغ الفرد العلم اليقين بال‬
‫تعال ب عد ان كان مؤم نا به‪ ،‬مرد اليان‪ ...‬والعلم اليقين بال هو الطلع على بعض ا سرار القي قة الل ية الزل ية‪...‬‬
‫الشهود الذاتى الذى اتفق للنب الكري ف ليلة العراج‪ ،‬عند تلف جبيل عنه‪ ،‬ف سدرة النتهى‪ ..‬وهذا العلم اليقين بال‬
‫هو العلم اللدن‪ ،‬الأخوذ مباشرة‪ ،‬بل واسطة‪ ،‬من لدن ال تعال‪ ...‬وهو علم بأسرار اللوهية يوجب على العبد الدب‬
‫اللئق بالربوبية‪ ..‬ومظهر هذا الدب هو (السلم) او (الستسلم) ل تعال‪ ..‬لرادته‪ ...‬من غي اعتراض عليه‪ ،‬ل ف‬
‫السر‪ ،‬ول ف العلن!‬
‫هذا هو دين (السلم)‪ ..‬وهو دين النبياء‪ ،‬وهو الدين الذى به عند ال عبة‪ ،‬والذى ل يقبل‪ ،‬ف وقته‪ ،‬وعند مىء امته‪،‬‬
‫دينا غيه‪( ..‬ومن يبتغ غي السلم دينا‪ ،‬فلن يقبل منه‪ ،‬وهو ف الخرة من الاسرين!)‪ ،‬وهو الدين الذى صار به ابراهيم‬
‫الل يل م سلما (اذ قال له ر به‪ :‬ا سلم! قال‪ :‬ا سلمت لرب العلم ي)‪ ،‬و هو الذى صار به ال نب الكر ي م سلما بل أول‬
‫السـلمي‪( ،‬قـل‪ :‬ان صـلتى‪ ،‬ونسـكى‪ ،‬ومياى‪ ،‬وماتـى‪ ،‬ل رب العاليـ‪ ،‬ل شريـك له‪ ،‬وبذلك أمرت‪ ،‬وانـا أول‬
‫السلمي!!)‪ ..‬وقد كان النب الكري السلم الوحيد ف المة الؤمنة الاضية‪ ،‬وهو ليس منها‪ ،‬وانا هو من المة السلمة‬
‫القبلة‪ ،‬الت قد كان هو طليعتها اذ كان (اول السلمي)‪ ..‬وقد وصف النب الكري أفراد المة السلمة القبلة باخوانه‪ ،‬ف‬
‫حديث (الخوان) الشهور‪ ،‬الذى يرد نصه ف مت هذا الكتاب‪ ..‬فهم اخوانه ف دين (السلم)‪ ،‬بينما كان افراد المة‬
‫الؤم نة ال ت عايش ها ا صحابه ذلك بأن م كانوا مؤمن ي‪ ،‬ولي سوا م سلمي‪ ،‬ك ما هو م سلم‪ ..‬و قد قال ل صحابه‪ ،‬ع ند‬
‫انصراف جبيل‪ ،‬ف حديث جبيل الشهور‪( :‬هذا جبيل اتاكم يعلمكم دينكم)‪ ..‬ذلك بأن جبيل قد اتى ليعلم دين‬
‫المة الؤمنة!!‬
‫وقد بشر النب الكري بجىء المة السلمة‪ ،‬وبالعصر الذهب (للسلم) الذى هو امامنا‪ ،‬فقال‪( :‬ان من عباد ال اناسا‪:‬‬
‫ماهم بانبياء‪ ،‬ول شهدا‪ ،‬ويغبطهم النبياء‪ ،‬والشهداء‪ ،‬يوم القيامة‪ ،‬بكانم من ال تعال!! قالوا‪ :‬يارسول ال‪ ،‬تبنا من‬
‫هم؟؟ قال‪ :‬قوم تابوا بروح ال‪ ،‬على غي ارحام بينهم‪ ،‬ول اموال يتعاطونا‪ ،‬فوال ان وجوههم لنور‪ ،‬وانم لعلى نور‪،‬‬
‫ل يافون اذا خاف الناس‪ ،‬ول يزنون اذا حزن الناس‪ ..‬ال ان اولياء ال ل خوف علي هم‪ ،‬ول هم يزنون) – رواه ا بو‬
‫داؤود‪.‬‬
‫فالسلم رسالتان‪ ..‬رسالة المة الؤمنة‪ ،‬وقد مضى وقتها! ورسالة المة السلمة‪ ،‬وقد جاء وقتها! وقد جاء النب الكري‬
‫بالرسالتي معا‪ ،‬وتضمنهما القران‪ ،‬معا‪ ،‬غي انه قد وقع ف حق الرسالة الول التفصيل بجىء امتها‪ ،‬بينما تنتظر الرسالة‬
‫الثان ية التف صيل عند ما تىء امت ها!! ول يقع ف حق الرسالة الثان ية تف صيل ال ف مع ن ان ال نب قد عاش ها‪ ،‬ف خا صة‬
‫نفسه‪ ،‬وقد صارت بذلك سنته‪ ،‬وسنته هذه ستكون هى شريعة المة السلمة القبلة‪..‬‬
‫فالمة القبلة دينها دين النبياء – وهو (السلم)‪ ،‬بينما دين امهم (اليان)‪ ،‬وامهم مقلدة لم‪ ،‬فشرائعها شرلئع جاعية‪،‬‬
‫بينما هم ا صلء‪ ،‬على شرائع فردية‪ ،‬فل تطابق صلة نب صلة نب آخر‪ ،‬ول يقلد نب نبيا آخر! وقدوة التقليد للفرد‬
‫البتدىء من المة السلمة القبلة هو النب الكري‪ ،‬خات النبيي‪ ،‬فهو ف البداية يكون مؤمنا بال تعال مصدقا للنب الكري‪،‬‬

‫متبعا له ف قاعدة سنته‪ ،‬وهى تقليده ف خاصة نفسه كمسلم ل‪ ،‬حت يبلغ ان يتبعه ف قمة سنته‪ ،‬وهى التأسى به ف‬
‫الصالة‪ ..‬فسنته ف قمتها‪ ،‬هى الصالة‪ ..‬هى كونه على شريعة فردية‪ ،‬ل يقلد فيها احد من العالي كما هى سنة سائر‬
‫النبياء!!‬
‫كل ما ف ال مر ان ال نبياء‪ ،‬قد جاءوا فرادى‪ ،‬عب التار يخ‪ ،‬فكانوا طليعة ال مة ال سلمة القبلة‪ ،‬ال ت هم من ها دي نا‪ ،‬وان‬
‫تقدمو ها عهدا‪ ،‬بينما ستضم المة السلمة القبلة سائر افراد ها الذ ين هم على د ين ال نبياء‪ ،‬ف ع صر وا حد‪ ،‬وف بيئة‬
‫كوكب ية واحدة!! و قد عب ال نب عن ال مة القبلة بأخوا نه‪ ،‬ك ما عب عن ال نبياء باخوا نه‪( ..‬ال نبياء ابناء ام واحدة‪)..‬‬
‫فأفراد المة القبلة (ل هم بأنبياء‪ ،‬ول شهداء‪ ،‬ويغبطهم النبياء والشهداء‪ ،‬يوم القيامة‪ ،‬بكانم من ال تعال)‪ ..‬ومكانم‬
‫من ال تعال هو مكان عبوديتهم له‪( ..‬اسلمهم) له!!‬
‫هذه هى دعوتنا!! دعوة ال (السلم)!!‬
‫ال مىء المة (السلمة) الت ل تظهر‪ ،‬كأمة‪ ،‬ف التاريخ من قبل!!‬
‫فليعلم كل من تبلغه هذه الدعوة‪ ،‬على خي وجوه التبليغ‪ ،‬انه انا يدعى ال عودة (ال سلم)‪ ،‬و ال احياء (السنة) بعد‬
‫اندثارها!! وليعلم أين يضع نفسه!!‬
‫والن ال الكتاب ليفصل من دقائق حقائق الدين ما اورناه هنا‪ ،‬ممل‪ ،‬وعلى ال التكلن!!‬
‫بسم ال الرحن الرحيم (ولو ان ما ف الرض من شجرة أقلم‪ ،‬والبحر يده من بعده سبعة أبر‪ ،‬ما نفدت كلمات ال‪.‬‬
‫ان ال عزيز حكيم)‪..‬‬
‫صدق ال العظيم‪..‬‬
‫مقدمة الطبعة الثانية‬
‫هذا كتاب صدرت طبعته الول ف صفر ‪ 1396‬هجرية الذى يوافق فبائر ‪1976‬م‪ ..‬ولقد لقى من حسن الستقبال‬
‫والثناء ما شجعنا على اعادة طبعه وتصديره بقدمة جديدة‪.‬‬
‫ان اهية هذا الكتاب عندنا‪ ،‬تىء من كونه قد حوى شرحا مبسطا‪ ،‬و وافيا‪ ،‬لبعض السائل الساسية الت يقوم عليها‬
‫امر الدعوة السلمية الديدة‪ ..‬ولقد جرى كل اولئك ف سلسة‪ ،‬وف وضوح‪ ،‬ما جعل بعض حقائق الدين الكبية ف‬
‫متناول رجل الشارع العادى‪.‬‬
‫ل قد ب سط هذا الكتاب الطوط العري ضة لفكرة تطو ير التشر يع ال سلمى‪ ،‬معتمدا ف ذلك‪ ،‬على التفر يق ب ي ال سنة‬
‫والشريعة‪ ،‬وبي السلم البدائى والسلم النهائى‪ ،‬ولقد اورد من النصوص الصرية‪ ،‬والتسلسل النطقى‪ ،‬ما يبعث الثقة‪،‬‬
‫والطمأنينة ف النفوس‪ ..‬ث بعد ذلك عرض الكتاب النهاج الفردى التعبدى ف الصلة‪ ،‬على مستوى كبي‪ ،‬يتقاصر عن‬
‫شأوه كل مذهب‪ ،‬وكل دين‪ ..‬وليس ف هذا مفاخرة‪ ،‬ول ادعاء‪ ..‬فإن ادب الق يقضى ال تستحى من الق‪ ،‬فإن هذه‬
‫الدعوة هى السلم‪ ،‬هى السلم الذى ل اسلم غيه‪..‬‬
‫السلم رسالتان‪ :‬السلم رسالتان‪ ،‬هذا امر ليس هناك ادن ريب ف صحته‪ ،‬وان نازع ف ذلك النازعون‪ ..‬فالرسالة‬
‫الول هى مرحلة العقيدة من الدين‪ ،‬وهى تستند على آيات الفروع الدنية‪ ،‬والرسالة الثانية هى مرحلة العلم من الدين‪،‬‬

‫وهـى تسـتند على آيات الصـول الكيـة‪ ...‬والسـالك فـ الرسـالة الول يقطـع ثلث درجات‪ ،‬السـلم‪ ،‬اليان‪،‬‬
‫والحسان‪ ..‬والسالك ف الرسالة الثانية يبدأ بالرسالة الول ث يتجاوزها ليقطع ثلث درجات ايضا هى‪ ،‬علم اليقي‪،‬‬
‫علم عي اليقي‪ ،‬وعلم حق اليقي‪ ..‬ث تتوج هذه الراحل جيعا بالسلم من جديد‪ ،‬وهو هنا يعن الستسلم الواعى‬
‫(ومن احسن دينا من اسلم وجهه ل وهو مسن)‪.‬‬
‫ماذا يعارض العارضون‪ ..‬إذن؟؟ اذا كان المـر بذه البسـاطة‪ ،‬وبذا الوضوح الذى اوردنـا طرفـا منـه‪ ،‬والذى سـيجده‬
‫القارىء الكري مبسوطا ف هذا الكتيب الصغي‪ ..‬فماذا يعارض العارضون ف هذه الدعوة؟ وماذا ينكرون عليها؟؟‬
‫اننا بالتجربة الطويلة ف مارسة حل الدعوة‪ ،‬ل ند خصومنا ف الرأى يعارضون متوى ما نقول‪ ..‬على النقيض من ذلك‬
‫هم يعارضون آراء توهوا اننا قد قلناها‪ ،‬ولو انم قد استأنوا قليل لكان لم موقف آخر‪ ،‬فإن علم ال واسع‪ ،‬وان كلماته‬
‫ل تنفد‪ ..‬وان هذه الدعوة انا هى من هذا العلم الواسع الناطق بذه الكلمات‪.‬‬
‫ان ف هذا الكتاب الوجز فرصة جديدة ليسمعوا منا‪ ،‬بعد ان ظلوا طول وقتهم يسمعون عنا‪ ..‬ولقد انكرنا عليهم هذا‬
‫الوضع ف عديد الناسبات‪ ،‬ونن اذ ندد الدعوة الن بذا القول اللي‪ ،‬فاننا نطمع ان هذا يعلهم يتقون‪ ،‬او يدث لم‬
‫ذكرا‪ ..‬هذا‪ ..‬وعند ال نلتمس العون اول‪ ،‬و آخرا‪..‬‬
‫مقدمة الطبعة الول‬

‫بسم ال الرحن الرحيم‬
‫(( هذا بصائر للناس‪ ،‬وهدى‪ ،‬ورحة‪ ،‬لقوم يوقنون))‬
‫صدق ال العظيم‪..‬‬
‫هذا الكتاب‪ ،‬هو عبارة عن خطاب كتب ف الرد على الشيخ أبو زيد ممد المي العلي‪ ،‬ف ‪ 23‬فباير عام ‪،1974‬‬
‫الوافق ‪ 30‬مرم عام ‪1394‬هـ‪ ..‬رأينا نشره على الناس لا احتوى عليه من تفصيل واف (للدعوة السلمية الديدة)‪،‬‬
‫وتوضيح وتبسيط لصولا‪ ،‬فما زال الناس يتاجون ذلك كل يوم‪..‬‬
‫إن اقتناع نا التام هو أن ل يس للبشر ية منجاة ول مفازة إل بذه الدعوة العلم ية لل سلم‪ ،‬وال ت إن ا هي أ صل التوح يد –‬
‫أ صول القرآن وهدى ال سنة النبو ية‪ ..‬ولن ا هي هذه ال صول ال صيلة ف قد صارت دعوة علم ية‪ ،‬ل ي سبق ل ا مث يل ف‬
‫تاريخ البشرية الطويل‪ ..‬فقد عرف الدين عندنا بوجهه العقيدي‪ ،‬ول يعرف وجهه العلمي الذي يتسامى بالعقيدة ليبلغ‬
‫با مداخل العلم بال‪ ..‬ف هذا الستوى السلم دين إنسان‪( ..‬السلم دين الفطرة) كما قال الديث النبوي‪.‬‬
‫وهو ف القرآن (فطرة ال الت فطر الناس عليها)‪ ..‬والفطرة إنا هي العقل والقلب – العقل الصاف والقلب السليم‪ ..‬وهي‬
‫ال ت تلت قي في ها الن سانية جعاء‪ ،‬من ح يث أن ا إن سانية‪ ..‬ف في مرحلة العقيدة يتلف الناس‪ ،‬ويتربون ( كل حزب ب ا‬
‫لديهم فرحون)‪ ..‬أما عند الفطرة فإن الناس يتمعون‪ ..‬وإذا فهم السلم على أنه هو هذه الفطرة‪ ،‬فإن الناس سيجتمعون‬
‫عليه‪..‬‬
‫بذا ال ستوى ال سلم دعوة علم ية وإن سانية ـ دعوة للف كر وللمح بة‪ ،‬ولل سلم‪ ..‬ون ن‪ ،‬ف هذا ال ستوى‪ ،‬دعاة ب عث‬
‫للحياة الن سانية بم يع أطراف ها‪ ..‬ن ن دعاة تغي ي‪ ،‬عن طر يق إحداث الثورة الفكر ية‪ ،‬والثورة الثقاف ية‪ ،‬وذلك بإعادة‬
‫صياغة الفراد والجتمعات (بل إله إل ال)‪..‬‬

‫واليوم يقف أمام هذه الثورة الفكرية العاصفة‪ ،‬وياول تعويقها‪ ،‬أشياخ عاشوا على الدين‪ ،‬يتمسكون بقشوره‪ ،‬بل فكر‬
‫ول فحص‪ ..‬لسانم يقول‪( :‬هذا ما وجدنا عليه آباءنا)‪ ..‬وما وجدوا آباءهم الدني إل على هذه القشور بعد أن انط‬
‫السلمون وفارقوا لباب دينهم‪ ،‬وخرجوا من التاريخ العاصر‪..‬‬
‫وهذه الدعوة هي لن يد خل ال سلمون التار يخ من جد يد‪ ..‬هي لن تعود لل سلم رو حه و سطوته‪ ،‬ورياد ته للقافلة‬
‫البشرية‪ ..‬هي لتعود (ل إله إل ال) حارة من منجمها‪ ،‬وخلقة ف صدور الرجال والنساء‪ ،‬كما كان العهد با ف شعاب‬
‫مكة‪..‬‬
‫فإن وقف أمام تيار هذه الدعوة أقوام‪ ،‬فإنا هو الهل‪ ،‬وإن عارضها من يسمون (برجال الدين) وحاولوا تعويق مسيتا‪،‬‬
‫فإنا هي الزية النكرة تل بم ف عقر دارهم‪ ،‬وإنا هو الزي يلحقهم‪ ،‬واحدا‪ ،‬واحدا‪ ،‬وسنرى‪ ،‬وسيى الناس!! وال‬
‫الستعان‪..‬‬

‫بسم ال الرحن الرحيم‬

‫أم درمان ف ‪ 23‬فباير ‪ .1974‬يوافق ‪ 30‬مرم ‪1394‬‬
‫ص‪.‬ب ‪1151‬‬

‫إل حضرة الخ العزيز الشيخ أبو زيد ممد المي العلي‪ ،‬زاده ال من نوامي البكة‪ ،‬وسوابغ الحسان‪..‬‬
‫تية طيبة‬
‫أما بعد‪ ،‬فإن أحد لك ال الذي ل إله غيه‪ ،‬وأشكره‪ ،‬ول أكفره‪ ،‬وأسأله ل ولك‪ ،‬عافية الدين والدنيا‪ ..‬ث إن جوابك‬
‫(بدون تاريخ) قد وردن ويري نصه كالت‪:‬‬
‫( بسم ال الرحن الرحيم‬
‫الصديق القدي ممود أفندي ممد طه‬
‫الحترم‬
‫ال سلم علي كم ورح ة ال‪ ،‬و قع ف يدي كتاب العبادلة للش يخ ال كب م ي الد ين بن عر ب ر ضي ال ع نه ورأ يت ف‬
‫رسائلك أنك ترتضي قوله وتستدل به علما سديدا وإليك أهدي كتابه هذا (العبادلة) لتطلع عليه إن ل يكن قد وصلك‬
‫قبل فإن وصل إليك فلله المد وإن كان مكررا عندك فآسف أن ترده إل ولك الشكر‪..‬‬
‫ول قد لق يت شخ صية أتأ كد أن ا تو صله إل يك وال يمع نا على ال ق ويب صرنا به إ نه سيع م يب ولك الشوق وال سلم‬
‫عليكم ورحة ال‪.‬‬
‫أبو زيد ممد المي‪)..‬‬

‫ل قد و صلن الكتاب الذكور أعله‪ ،‬و هو كتاب ق يم‪ ،‬ول يت فق ل أن رأي ته ق بل الن‪ ،‬ول أ سع به‪ ،‬فأ نا‪ ،‬على ذلك‪،‬‬
‫مأذون منك ف الحتفاظ به‪ ..‬فجزاك ال عن صديقك القدي كل خي‪ ..‬ول زلت وفيا للصدقاء كثي الب بم‪ ،‬وإن‬
‫تقادم عهدهم‪ ،‬كعهدي بك قديا‪..‬‬
‫حقا إنن لكثي العزاز للشيخ الكب (ابن عرب) وكثيه لميع السلف الصال‪ ،‬كبار الصوفية منهم‪ ،‬بشكل خاص‪..‬‬
‫ظننت أنك ل بد ترمي من وراء تقدي هذا الكتاب لصديقك القدي إل معن معي‪ ..‬فأنت ل بد مشغول‪ ،‬كثيا أو قليل‬
‫با تسمع عن‪ ..‬عساك تريدن أن أطلع‪ ،‬بشكل خاص‪ ،‬على ما ورد ف صفحة ‪ 33‬من كتاب (العبادلة) هذا ويري‬
‫النص هكذا ‪-:‬‬
‫(ومع هذا النوع والطموح فهو بكم التوفيق خاضع للحق لئذ بيزان الشرع من مغبة النراف وضلل الطريق‪ ،‬وقد‬
‫كرر هذا العن كثيا ف كتاب (العبادلة) وف غيه من الكتب‪ ،‬وأل على ضرورة القبض على ميزان الشرع والعض عليه‬
‫بالنواجذ ف كل حال فزيادة على ما ف العبادلة من ذلك يروي عنه ابن العماد قوله‪-:‬‬
‫(رأيت ف واقعة وأنا ببغداد سنة ثان وستمائة أن السماء قد فتحت‪ ،‬ونزلت خزائن الكر اللي مثل الطر العام‪ ،‬وسعت‬
‫ملكا يقول‪ :‬ماذا نزل إل يه من ال كر؟ فا ستيقظت مرعو با ونظرت ف ال سلمة من ذلك فلم أجد ها إل ف العلم باليزان‬
‫الشروع‪ .‬فمن أراد ال به خيا وعصمه من غوائل الكر فل يضع ميزان الشرع من يده‪..‬‬
‫( ويقق خضوعه لذا اليزان مع نزوعه وسبق روحه إل آفاق العل‪ ،‬ما نقله عنه الشعران ف اليواقيت الكية ‪ 246‬حيث‬
‫يقول‪ :‬إياك أن ترمي ميزان الشرع من يدك ف العلم الرسي‪ ،‬بل بادر إل العمل بكل ما حكم وإن فهمت منه خلف ما‬
‫يفهمه الناس‪ .‬ما يول بينك وبي إمضاء ظاهر الكم به فل تعوّل عليه‪ ،‬فإنه مكر إلي ف صورة علم إلي من حيث ل‬
‫تشعر‪ ،‬واعلم أن تقدي الكشف على النص ليس بشئ عندنا لكثرة اللبس على أهله وإل فالكشف الصحيح ل يأت قط‬
‫إل مواف قا لظا هر الشري عة‪ ،‬ف من قدم كش فه على ال نص ف قد خرج عن النتظام ف سلك أ هل ال‪ ،‬ول ق بالخ سرين‬
‫أعمال) انتهى كلم الشيخ الكب‪ ،‬وانتهى كلم مقق كتاب العبادلة‪..‬‬
‫علم يقومُ أمرُنا‬
‫وأبادر فأطمئنك على أمرين هامي‪ :‬أولما أن ل أضع ميزان الشرع من يدي‪ ..‬وثانيهما أن ل أبن شيئا من أمري على‬
‫ك شف يالف ظا هر ال نص‪ .‬أول ما ت ب الشارة إل يه‪ ،‬هو أن أمر نا هذا يقوم على يق ي ل يتزعزع بأن ال سلم عائد‬
‫ليدخل ف حياة الناس‪ ،‬فينظم أمر معاشهم‪ ،‬وأمر معادهم‪ ،‬ويبعث (ل إله إل ال) ف صدور الرجال‪ ،‬وصدور النساء‪،‬‬
‫بعثا قوي ا‪ ،‬خلقا‪ ،‬يعيد صياغة الخلق‪ ،‬وصياغة الفكار‪ ،‬كالعهد بذه الكلمة لدى أول نزولا‪ ،‬على نبينا الكري‪ ،‬ف‬
‫القرن ال سابع اليلدي‪ ..‬وم ا ل شك ف يه عند نا أن ال سلم ل يعود إل بف هم جد يد لن صوصه القدي ة‪ ،‬ف القرآن‪ ،‬و ف‬
‫الديث‪ ..‬وهذا الفهم الديد ل بد أن تصحبه غرابة تشبه الغرابة الت صحبت أول ميئه‪ ..‬فلقد وردت الشارة إل هذا‬
‫ال مر ف الد يث الكر ي‪( ..‬بدأ ال سلم غري با‪ ،‬و سيعود غري با ك ما بدأ‪ ..‬فطو ب للغرباء!! قالوا‪ :‬من الغرباء يا ر سول‬
‫ال؟؟ قال‪ :‬الذين ييون سنت بعد اندثارها!!)‪.‬‬
‫ع شرعان‪ ،‬والنّصّ نَصّان‬
‫الشر ُ‬

‫ولقد يسن بنا‪ ،‬ف مقامنا هذا أن نطلعك على رأينا ف ما هو الشرع؟؟ وما هو النص؟؟ فالشرع عندنا شرعان‪ :‬شرع‬
‫كان عليه النب‪ ،‬ف خاصة نفسه‪ ،‬وشرع كانت عليه المة‪ ..‬فأما الشرع الذي كان عليه النب‪ ،‬ف خاصة نفسه‪ ،‬فهو‬
‫معروف بالسنة‪ ..‬والسنة‪ ،‬عند الفقهاء‪ ،‬هي عمل النب‪ ،‬وقوله‪ ،‬وإقراره‪ ..‬فانتهى بذلك المر عندهم بألّ فرق بي السنة‬
‫والشري عة‪ ..‬فشري عة ال نب هي سنته‪ ..‬وال مر عند نا بلف ذلك‪ ..‬عند نا أن ال نب ك نب قد كلف بشرع ل تكلف به‬
‫المة‪ ..‬ولقد قال ف أمر نبوته‪ ،‬وأمر رسالته للمة‪( :‬أدبن رب فأحسن تأديب‪ ،‬ث قال‪ :‬خذ العفو‪ ،‬وأمر بالعرف‪ ،‬وأعرض‬
‫عن الاهلي‪ ) ..‬فصدر هذا الديث نبوة‪ ،‬وعجزه رسالة‪ ،‬والفرق بي النبوة وبي الرسالة كالفرق بي النب والرجل من‬
‫سـائر أمتـه‪ ..‬وعـن هذا الفرق الشاسـع وردت الشارة بقوله‪( :‬ننـ معاشـر النـبياء أمرنـا أن ناطـب الناس على قدر‬
‫عقولم‪ ) ..‬وهذا يعن أن شريعة الرسالة تتلف‪ ،‬اختلف مقدار عن شريعة النبوة (عن السنة)‪ ..‬شريعة الرسالة تنّل من‬
‫شريعة النبوة لتخاطب الناس على قدر ما تطيق عقولم‪ ،‬ولتكلفهم بالقدر الذي يستطيعون التزامه‪ ،‬من غي مشقة‪ ،‬ول‬
‫ع نت‪ ،‬ولت حل مشاكل هم ال ت تواجه هم‪ ،‬ف معاش هم‪ ،‬و ف معاد هم‪ ،‬حل ي فز تقدم هم‪ ،‬من غ ي أن يش تط علي هم‪ ،‬أو‬
‫يتوان بم‪..‬‬
‫شريعة النبوة‪ ،‬وشريعة الرسالة‬
‫ومعلوم أن التداخل قائم بي شريعة النبوة وشريعة الرسالة‪ ..‬وهناك نقطة ف هذا التداخل‪ ،‬يقف عندها تكليف المة‪،‬‬
‫ويستمر تكليف النب "كنب"‪ ..‬وهذا ما عنيناه باختلف القدار بي الشريعتي‪ ،‬وهو بعينه ما عنيناه حي قلنا‪ ،‬أن السنة‬
‫هي عمل النب‪ ،‬ف خاصة نفسه‪ ..‬وللمثلة على ذلك نسوق ثلثة ناذج ‪-:‬‬
‫‪ )1‬الصلة الكتوبة هي شريعة‪ ،‬وهي سنة‪ ..‬والتكليف با يتوجه إل المة‪ ،‬كما يتوجه إل النب‪ ،‬ويزيد تكليف النب‬
‫فيتعداها إل صلة الليل‪ ،‬فإنا‪ ،‬ف حقه‪ ،‬فرض‪ ،‬وف حق المة على الندب‪ ..‬قال تعال ف حقه‪( :‬يا أيها الزمل * قم‬
‫الليل إل قليل * نصفه أو انقص منه قليل * أو زد عليه‪ ..‬ورتل القرآن ترتيل * إنا سنلقي عليك قول ثقيل * إن ناشئة‬
‫الليل هي أشد وطأ‪ ،‬وأقوم قيل * إن لك ف النهار سبحا طويل)‪ ..‬هي ف حقه فرض‪ ،‬ل ينقطع عن أدائه‪ ،‬ل ف السفر‪،‬‬
‫ول ف الضر‪ ،‬ل ف الصحة ول ف الرض‪ .‬وكان إذا فاته يقضيه‪ ..‬وهي ف حق المة‪ ،‬على الندب‪ ،‬ومن باب التأسي‬
‫بالنب‪..‬‬
‫‪ )2‬صيام الواصلة‪ ،‬فإن الصيام الكتوب يتوجه التكليف به إل المة‪ ،‬كما يتوجه إل النب‪ ..‬ولكن تكليف النب يزيد عن‬
‫هذا ب صيام الوا صلة ف التطوع‪ ..‬و هو ما عرف بال صيام (ال صمدي) ي صوم ثل ثة أيام‪ ،‬وليلت ي‪ ،‬ف ات صال ل يتخلله‬
‫إفطار‪ ..‬ولا أراد بعض الصحاب أن يتأسى به ف ذلك ناهم‪ ..‬فقالوا‪( :‬إنا نراك تواصل‪ ،‬يا رسول ال!!) فقال‪( :‬إن‬
‫لست كأحدكم‪ ،‬فإن أبيت عند رب‪ ،‬يطعمن‪ ،‬ويسقين‪)..‬‬
‫‪ )3‬الال‪ ،‬فإن حق الال ف الزكاة يقع ف مستوى شريعة المة‪ ،‬ومستوى شريعة النب‪ ..‬والطاب ف الزكاة ذات القادير‬
‫العروفة يتوجه إل المة‪ ،‬ول يتوجه إل النب‪ ..‬فإن زكاة النب تتعدى التكليف العادي‪ ،‬الذي توجّب على أمته على قدر‬
‫طاقتها‪ ،‬إل تكليفه هو ف مستوى طاقته‪ ..‬فآية المة من كتاب ال‪( :‬خذ من أموالم صدقة‪ ،‬تطهرهم‪ ،‬وتزكيهم با‪،‬‬
‫و صل علي هم‪ ..‬إن صلتك سكن ل م‪ ..‬وال سيع‪ ،‬عل يم‪ )..‬وآ ية ال نب من كتاب ال‪( :‬وي سألونك ماذا ينفقون؟؟ قل‬
‫العفو!!)‪( ..‬والعفو) قد فسره النب قول ا‪ ،‬وعمل‪ ،‬بأنه ما زاد عن حاجته الاضرة‪ ..‬فإنه ل يكن يدخر رزق اليوم لغد‪..‬‬

‫ولو ادخره ل ي كن قد تز كى‪ ..‬و قد ورد أ نه أق بل‪ ،‬ذات يوم‪ ،‬يؤم أ صحابه ف ال صلة‪ ،‬فل ما ر فع يد يه‪ ،‬وه مّ بت كبية‬
‫الحرام‪ ،‬أمسك قبل أن يهوي بما‪ ،‬وخرج مسرعا إل الجرة‪ ،‬فلما عاد ورأى الدهشة على وجوه بعض أصحابه‪ ،‬قال‬
‫لم‪ :‬لعلكم قد راعكم ما فعلت؟ قالوا‪ :‬نعم‪ ،‬يا رسول ال!! قال‪ :‬فإن تذكرت أن ف بيت آل ممد درها فخشيت أن‬
‫ألقى ال وأنا كانز‪ )..‬وثابت‪ ،‬من غي أدن ريب‪ ،‬أن النب ل يزك الزكاة ذات القادير‪ ..‬فهي ليست من شريعته‪ ،‬ف‬
‫خا صة نف سه‪ ،‬وإن ا هي شريع ته لم ته‪ ..‬فالزكاة ذات القاد ير لي ست الر كن التعبدي الذكور ف الد يث النبوي‪( :‬ب ن‬
‫السلم على خس‪ :‬شهادة أن ل إله إل ال‪ ،‬وأن ممدا رسول ال‪ ،‬وإقام الصلة‪ ،‬وإيتاء الزكاة‪ ،‬وصوم رمضان‪ ،‬وحج‬
‫البيت‪ ،‬لن استطاع إليه سبيل‪ )..‬وإنا الركن التعبدي بالصالة هو زكاة النب‪ ..‬وقد جعلت الزكاة ذات القادير ركنا‬
‫تعبديا‪ ،‬ف حق المة‪ ،‬وذلك بحض الفضل اللي‪ ،‬لن المة ل تطيق أكثر منه‪ ..‬وهذا من باب قوله تعال‪( :‬ل يكلف‬
‫ال نفسا إل وسعها‪ ..)..‬ومن باب قول النب‪( :‬نن معاشر النبياء أمرنا أن ناطب الناس على قدر عقولم‪ ..)..‬فالزكاة‬
‫ذات القادير تنّل من زكاة النب ـ هي شريعة الرسالة متنلة من شريعة النبوة‪..‬‬
‫هذه ثلثة أمثلة نسوقها للتدليل على أن السنة غي الشريعة‪ ..‬وتعريف العلماء بأن السنة هي عمل النب‪ ،‬وقوله‪ ،‬وإقراره‪،‬‬
‫تعر يف خدم غر ضه‪ ،‬وأ صبح اليوم با جة إل إعادة الن ظر‪ ،‬ابتغاء ت صحيحه‪ ،‬لينف تح الطر يق لتحد يد مع ن ال سنة‪ ،‬ح ت‬
‫نستطيع أن نييها‪ ،‬ابتغاء بعث السلم‪ ،‬وذلك بقتضى الديث الذي أوردناه آنفا‪( :‬بدأ السلم غريبا‪ ،‬وسيعود غريبا‬
‫كما بدأ‪ ..‬فطوب للغرباء!! قالوا‪ :‬من الغرباء يا رسول ال؟؟ قال‪ :‬الذين ييون سنت بعد اندثارها‪ ..)..‬وأول ما ينبغي‬
‫أن يقال‪ ،‬ف هذا التصحيح‪ ،‬أن إقرار النب كله شريعة‪ ،‬وليس بسنة‪ ،‬على الطلق‪ ..‬وأما قوله فمنه ما هو شريعة‪ ،‬ومنه‬
‫ما هو سنة‪ ..‬فالقول الراد به إل تعليم المة‪ ،‬وتنظيمها‪ ،‬والتشريع لا‪ ،‬هو شريعة‪ ..‬مثال ذلك حديث القابر الشهور‪:‬‬
‫(كنت قد نيتكم عن زيارة القابر أل فزوروها‪ ..)..‬وأما القول الرامي إل تعليم المة‪ ،‬والدال على حالة قلب النب من‬
‫العرفة بربه‪ ،‬فهو من السنة ولحق با‪ ..‬مثال ذلك‪( :‬إن ال قد احتجب عن البصائر‪ ،‬كما احتجب عن البصار‪ ..‬وإن‬
‫الل العلى ليطلبونه كما تطلبو نه‪ ..)..‬هذا الديث إنا هو لحق بالسنة لنه نامّ عن حالة قلب النب ـ وحالة قلب‬
‫ال نب هي ال سنة ف القي قة‪ ،‬ي نم عن ها القول‪ ،‬وي نم عن ها الع مل‪ ،‬ولذلك ف قد قل نا‪ :‬أن ال سنة هي ع مل ال نب ف خا صة‬
‫نفسه‪..‬‬
‫مثان القرآن‬
‫هذا تصحيح ضروري لنصل إل التعريف الحدد للسنة‪ ،‬لنستطيع أن نبعثها‪ ،‬لنعيد السلم إل حياتنا الاضرة‪ ..‬إذا صح‬
‫ما زعمناه من أن من أن لدينا شريعتي‪ :‬شريعة نبوة‪ ،‬وشريعة رسالة‪ ،‬فإنه يصح أيضا أن لدينا نصي‪ :‬نصا ناسخا‪ ،‬ونصا‬
‫من سوخا‪ ،‬هذا‪ ،‬على أي سر تقد ير‪ ،‬في ما ن ن ب صدده من الد يث عن ال نص الظا هر‪ ،‬و عن ميزان الشرع‪ ..‬وإن ا ي يء‬
‫الن صان من طبي عة القرآن‪ ..‬قال تعال‪( :‬ال نزل أح سن الد يث كتا با متشاب ا‪ ،‬مثا ن‪ ،‬تقش عر م نه جلود الذ ين يشون‬
‫ربم‪ ،‬ث تلي جلودهم‪ ،‬وقلوبم‪ ،‬إل ذكر ال‪ ..‬ذلك هدى ال‪ ،‬يهدي به من يشاء‪ ،‬ومن يضلل ال فما له من هاد‪))..‬‬
‫ومعن أنه (مثان)‪ ،‬أنه ذو معنيي‪ ،‬معنيي‪ :‬معن ف الطرف البعيد‪ ،‬ومعن ف الطرف القريب‪ ..‬وإنا ييء ذلك من كون‬
‫القرآن حديثا من الرب‪ ،‬ف عليائه‪ ،‬تنّل إل العبد ف الرض‪ ..‬وييء هذا العن ف نص آخر‪( ..‬حم * والكتاب البي *‬
‫إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون * وإنه‪ ،‬ف أم الكتاب‪ ،‬لدينا‪ ،‬لعلي حكيم‪ ..)..‬فهناك نص ف أم الكتاب‪ ،‬وهذا ما‬

‫يعتب نصا ف الطرف البعيد‪ ..‬وهناك نص ف الصحف الخطوط‪ ،‬والقروء باللغة العربية بي ظهرانينا اليوم‪ ،‬وهو نص‬
‫ي كن أن يع تب ف الطرف القر يب‪ ..‬نورد هذا القول‪ ،‬على سبيل التمث يل‪ ،‬للتوض يح‪ ..‬وإل فإن الثا ن هذه موجودة ف‬
‫الصحف‪ ،‬وباللغة العربية‪ ..‬وأمثلت ها كثية‪ ..‬منها قوله تعال‪ ( :‬يا أي ها الذين آمنوا‪ ،‬اتقوا ال‪ ،‬حق تقاته‪ ،‬ول توتن إل‬
‫وأن تم م سلمون‪ )..‬هذه آ ية ف الع ن البع يد‪ ..‬ث قوله تعال‪( :‬فاتقوا ال ما ا ستطعتم‪ ،‬وا سعوا‪ ،‬وأطيعوا‪ ،‬وأنفقوا خيا‬
‫لنفسكم‪ ،‬ومن يوق شح نفسه فأولئك هم الفلحون‪ ..)..‬هذه آية ف العن القريب‪ ..‬وآيتا الزكاة فقوله‪( :‬ويسألونك‬
‫ماذا ينفقون؟؟ قل العفو!!) هذه ف العن البعيد‪ ..‬ث قوله تعال‪( :‬خذ‪ ،‬من أموالم صدقة‪ ،‬تطهرهم‪ ،‬وتزكيهم با‪ ،‬وصل‬
‫عليهم‪ ..‬إن صلتك سكن لم‪ ..)..‬هذه ف العن القريب‪ ..‬ومنها قوله تعال‪( :‬وقل الق من ربكم فمن شاء فليؤمن‪،‬‬
‫ومن شاء فليكفر‪ ..)..‬هذه ف العن البعيد‪ ..‬ث قوله‪( :‬وقاتلوهم حت ل تكون فتنة‪ ،‬ويكون الدين ل‪ ..‬فإن انتهوا‪ ،‬فل‬
‫عدوان إل على الظالي)‪ ..‬هذه ف العن القريب‪..‬‬
‫وجلة المر فإن نصوص العن البعيد هي نصوص أصول‪ ،‬ونصوص العن القريب هي نصوص فروع ـ وقرآن الصول‬
‫قرآن مكي‪ ،‬وقرآن الفروع قرآن مدن‪..‬‬
‫فإذا صح تقريرنا أن عندنا شريعتي اثنتي‪ :‬شريعة النبوة‪ ،‬وشريعة الرسالة‪ ..‬وإذا صح أيضا أن لدينا نصي اثني ‪ :‬نصا ف‬
‫العن البعيد ـ القرآن الكي ـ ونصا ف العن القريب ـ القرآن الدن ـ فإن أمورا كثية تنبن على هذا التقرير‪.‬‬
‫أمة الؤمني‪ ،‬وأمة السلمي‬
‫من هذه المور أن هناك أمتي اثنتي‪ :‬أمة الؤمني‪ ،‬وأمة السلمي‪ ..‬فأما أمة الؤمني فطليعتها‪ ،‬وعلى قمتها‪ ،‬أبو بكر‬
‫الصديق‪ ،‬ويتبعه على ذلك سائر المة وإل يوم الناس هذا‪ ..‬وقد كانوا هم موضوع شريعة الرسالة‪ ..‬وأما أمة السلمي‬
‫فطليعتها النب الكري‪ ..‬ول يكن معه يومئذ غيه‪ ..‬فهد كان وحده السلم‪ ،‬ف أمة الؤمني‪ ..‬ويب أن نقرر هنا أن المة‬
‫السلمة ل تدخل ف التاريخ بعد‪ ..‬وحي كان النب وحده السلم ف أمة الؤمني‪ ،‬فإنه قد اشتقاق لمة السلمي‪ ،‬الت ل‬
‫ت كن حاضر ته يومئذ‪ ..‬فقال حدي ثه الشهور بد يث الخوان‪( :‬وا شوقاه لخوا ن الذ ين ل ا يأتوا ب عد!! قالوا‪ :‬أول سنا‬
‫إخوانك يا رسول ال؟ قال‪ :‬بل أنتم أصحاب‪ ..‬ث واشوقاه لخوان الذين لا يأتوا بعد!! قالوا‪ :‬أولسنا إخوانك يا رسول‬
‫ال؟ قال‪ :‬بل أنتم أصحاب‪ ..‬ث قال‪ ،‬للثالثة‪ ،‬واشوقاه لخوان الذين لا يأتوا بعد!! قالوا‪ :‬من إخوانك‪ ،‬يا رسول ال؟؟‬
‫قال‪ :‬قوم ييئون ف آ خر الزمان‪ ،‬للعا مل من هم أ جر سبعي من كم!! قالوا‪ :‬م نا‪ ،‬أم من هم؟ قال‪ :‬بل من كم!! قالوا‪ :‬لاذا؟‬
‫قال‪ :‬لنكم تدون على الي أعوانا‪ ،‬ول يدون على الي أعوانا!! )‪ ..‬أمة الؤمني هم الصحاب‪ ،‬وأمة السلمي هم‬
‫الخوان‪..‬‬
‫ومن المور الت تنشأ عن تقرير وجود الشريعتي‪ ،‬والن صي‪ ،‬أن السلم إسلمان‪ ..‬إسلم بدائي وإسلم نائي‪ ..‬فأما‬
‫السلم البدائي فيعن النقياد الظاهري‪ ،‬ومنه أخذت أمة الؤمني اسها الشائع عليها اليوم ـ السلمي ـ وهو يقع ف‬
‫درجات ثلث‪ ،‬حواها حديث جبيل الشهور‪ ،‬وروايته‪( :‬عن عمر بن الطاب‪ ،‬قال‪ :‬بينا كنا جلوسا عند رسول ال‪،‬‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ ،‬إذ طلع علينا رجل‪ ،‬شديد بياض الثياب‪ ،‬شديد سواد الشعر‪ ،‬ل يرى عليه أثر السفر‪ ،‬ول يعرفه‬
‫م نا أ حد‪ ..‬فجلس إل ر سول ال صلى ال عل يه وسلم‪ ،‬فج عل ركبت يه إل ركبت يه‪ ،‬وو ضع يد يه على فخذ يه‪ ،‬فقال‪ :‬يا‬
‫ممد!! أخبن عن السلم‪ ..‬قال‪ :‬السلم أن تشهد أل اله إل ال‪ ،‬وأن ممدا رسول ال‪ ،‬وأن تقيم الصلة‪ ،‬وأن تؤت‬

‫الزكاة‪ ،‬وأن تصوم الش هر‪ ،‬وأن ت ج الب يت‪ ،‬إذا ا ستطعت إل يه سبيل‪ ..‬قال‪ :‬صدقت‪ ..‬فعجب نا له‪ ،‬ي سأله وي صدقه‪ ..‬ث‬
‫قال‪ :‬فأخبن عن اليان‪ ..‬قال‪ :‬اليان أن تؤمن بال‪ ،‬وملئكته‪ ،‬وكتبه‪ ،‬ورسله‪ ،‬والقدر‪ ،‬خيه وشره‪ ،‬وباليوم الخر‪..‬‬
‫قال‪ :‬صدقت‪ ..‬ث قال‪ :‬فأ خبن عن الح سان‪ ..‬قال‪ :‬الح سان أن تع بد ال كأ نك تراه‪ ،‬فإن ل ت كن تراه فإ نه يراك‪..‬‬
‫قال‪ :‬صدقت‪ ..‬ث قال‪ :‬أخبن عن الساعة‪ ..‬قال‪ :‬ما السئول عنها بأعلم من السائل‪ ..‬قال‪ :‬فأخبن عن علماتا‪ ..‬قال‪:‬‬
‫أن تلد ال مة ربت ها‪ ،‬وأن ترى الفاة‪ ،‬العراة‪ ،‬رعاء الشاة‪ ،‬يتطاولون ف البنيان‪ ..‬ث ان صرف‪ ،‬فلبث نا مل يا‪ ..‬ث قال‪ :‬يا‬
‫عمر!! أتدري من السائل؟؟ قلت‪ :‬ال‪ ،‬ورسوله أعلم‪ ..‬قال‪ :‬هذا جبيل‪ ،‬أتاكم يعلمكم دينكم‪..)..‬‬
‫السلم إسلمان‬
‫فأ صبح ال سلم البدائي‪ ،‬و هو د ين أ مة الؤمن ي‪ ،‬ي قع ف ثلث درجات‪ :‬ال سلم‪ ،‬واليان‪ ،‬والح سان‪ ..‬وهذه مرحلة‬
‫عقيدة‪ ..‬وأ ما ال سلم النهائي فيع ن ال ستسلم‪ ،‬والنقياد الكلي ظاهرا وباط نا‪ ..‬ويع ن الذعان الكلي‪ ،‬ل مر ال‪ ،‬عن‬
‫رضا وطواعية‪ ..‬وهو يقع أيضا ف ثلث درجات‪ ،‬تلي درجات السلم البدائي‪ ..‬وهذه الدرجات الثلث هي درجات‪:‬‬
‫علم اليق ي‪ ،‬وعلم ع ي اليق ي‪ ،‬وعلم حق اليق ي‪ ..‬ث تتوج هذه الدرجات ال ست بال سلم النهائي‪ ..‬فكأن ال صورة‬
‫هكذا‪ :‬ال سلم البدائي‪ ،‬ث اليان‪ ،‬ث الح سان‪ ،‬ث علم اليق ي‪ ،‬ث علم ع ي اليق ي‪ ،‬ث علم حق اليقي‪ ،‬ث ال سلم‪..‬‬
‫وهذا السلم الخي هو العن بقوله تعال‪( :‬إن الدين عند ال السلم‪ )..‬وهو العن بقوله تعال‪( :‬ومن يبتغ غي السلم‬
‫دينا فلن يقبل منه وهو ف الخرة من الاسرين‪ )..‬هذا‪ ،‬ف حي وردت الشارة إل السلم البدائي‪ ،‬ف قوله تعال‪ ،‬عن‬
‫العراب‪( :‬قالت العراب‪ :‬آم نا‪ ..‬قل‪ :‬ل تؤمنوا‪ ،‬ول كن قولوا‪ :‬أ سلمنا‪ ،‬ولّا يد خل اليان ف قلوب كم‪ ..)..‬فال سلم‬
‫البدائي أقل من اليان‪ ..‬والسلم النهائي أكب من اليان‪ ..‬ويعتب السلم البدائي مدخل على السلم النهائي‪ ..‬وحي‬
‫حوى درجات السلم البدائي حديث جبيل‪ ،‬حوى درجات السلم النهائي القرآن‪ ..‬قال‪ ،‬عن علم اليقي‪ ،‬وعلم عي‬
‫اليقي (كل!! لو تعلمون علم اليقي * لترون الحيم * ث لترونّها‪ ،‬عي اليقي * ث لتسألنّ يومئذ عن النعيم‪ )..‬وقال عن‬
‫علم حق اليقي‪( ،‬إن هذا لو حق اليقي * فسبح باسم ربك العظيم)‪ ..‬ولقد نزل إبراهيم الليل منازل السلم‪ ،‬درجة‪،‬‬
‫درجة‪ ..‬وتطور ف مراقيه طورا بعد طور‪ ..‬ولقد قص ال تعال علينا من خبه‪ ،‬ف مواضع كثية من القرآن‪ ..‬فإنه‪ ،‬بعد‬
‫أن قطع درجات اليان الثلث (مرحلة العقيدة)‪ ،‬أراد أن يريه إحياء الوتى‪ ،‬فجاءت حكاية القرآن عنه هكذا‪( :‬وإذ قال‬
‫إبراهيم‪ :‬رب أرن كيف تيي الوتى‪ ..‬قال‪ :‬أول تؤمن؟؟ قال‪ :‬بلى!! ولكن ليطمئن قلب‪ ..‬قال‪ :‬فخذ أربعة من الطي‪،‬‬
‫ف صرهن إل يك‪ ،‬ث اج عل على كل جبل من هن جزءا‪ ،‬ث ادع هن‪ ..‬يأتي نك سعيا‪ ..‬واعلم أن ال عز يز حك يم‪ ..)..‬قال‪:‬‬
‫(بلى)‪ ،‬ف الواب على سؤال ربه‪( :‬أول تؤمن؟؟)‪ ،‬وهذا يعن العتراف باليان‪ ،‬ولكنه أراد الزيادة على اليان ـ أراد‬
‫درجات اليقان الت با يكون اطمئنان القلوب ـ (قال بلى ولكن ليطمئن قلب)‪ ..‬وتطرد حكاية ترقيه ف القرآن‪ ،‬فيقول‬
‫عنه جل من قائل‪ ،‬بعد الية السابقة ف ترتيب الترقي‪( :‬وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والرض وليكون من‬
‫الوقني)‪ ..‬قال‪( :‬وليكون من الوقني)‪ ،‬ول يقل وليكون من الؤمني‪ ،‬لن إيانه‪ ،‬ف تلك الرحلة‪ ،‬قد كان مفروغا منه‪..‬‬
‫وبعد مارسات كثية‪ ،‬وتارب كثية‪ ،‬قصها علينا القرآن‪ ،‬فقال‪( :‬فلما ج نّ عليه الليل رأى كوكبا‪ ..‬قال‪ :‬هذا رب!!‬
‫فلما أفل‪ ،‬قال‪ :‬ل أحب الفلي * فلما رأى القمر بازغا‪ ،‬قال‪ :‬هذا رب!! فلما أفل‪ ،‬قال‪ :‬لئن ل يهدن رب لكونن من‬
‫القوم الضالي * فلما رأى الشمس بازغة‪ ،‬قال‪ :‬هذا رب!! هذا أكب!! فلما أفلت قال‪ :‬يا قوم إن بريء ما تشركون *‬

‫إن وجهت وجهي للذي فطر السموات‪ ،‬والرض حنيفا‪ ،‬وما أنا من الشركي * وحاجّه قومه‪ ..‬قال‪ :‬أتاجّون ف ال‬
‫و قد هدان‪ ،‬ول أخاف ما تشركون به؟؟ إل أن يشاء ر ب شيئا‪ ،‬و سع ر ب كل ش يء عل ما‪ ،‬أفل تتذكرون * وك يف‬
‫أخاف ما أشركتم‪ ،‬ول تافون أنكم أشركتم بال ما ل ينل به عليكم سلطانا؟؟ فأي الفريقي أحق بالمن؟؟ إن كنتم‬
‫تعلمون * الذ ين آمنوا‪ ،‬ول يلب سوا إيان م بظلم‪ ،‬أولئك ل م ال من و هم مهتدون * وتلك حجت نا آتينا ها إبراه يم على‬
‫قومه‪ ،‬نرفع درجات من نشاء‪ ..‬إن ربك حكيم عليم‪ ..)..‬ومنها قوله تعال‪ ،‬ف ذلك‪( ..‬وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات‬
‫فأت هن‪ ..‬قال‪ :‬إ ن جاعلك للناس إما ما‪ ..‬قال‪ :‬و من ذري ت قال‪ :‬ل ينال عهدي الظال ي‪ ..)..‬وهذه الكلمات ال ت ابتلى‬
‫ال با إبراهيم فأتهن هي حادثة الريق بالنار الت شبّها له النمروذ‪ ،‬وقذفه فيها‪ ،‬فأناه ال منها‪ ،‬بسن توكله عليه‪..‬‬
‫وقصتها معروفة‪ ..‬ومنها أخذ فرعون مصر زوجته سارة‪ ،‬فأمضت ليلتها ف قصر فرعون‪ ،‬وبات إبراهيم آمنا مطمئنا على‬
‫زوج ته‪ ..‬وذلك ل سن ثق ته بال‪ ،‬فأنا ها ال وأكرم ها‪ ،‬وأخدم ها وليدة هي ها جر‪ ..‬وهذه ق صة أي ضا معرو فة‪ ،‬فل‬
‫موجب للخوض ف تفاصيلها‪ ..‬ومن هذه الكلمات تركه هاجر‪ ،‬وطفله منها‪ ،‬إساعيل‪ ،‬ف موضع البيت الرام‪ ،‬حيث ل‬
‫زرع‪ ،‬ول ضرع‪ ،‬ول ماء‪ ،‬ول أنيس‪ ،‬وذلك صدعا بأمر ال إياه بذلك‪ ..‬فلما قالت له زوجه‪ :‬لن تتركنا ف هذا الكان‬
‫الو حش؟؟ قال‪ :‬ل!! قالت‪ :‬أال أمرك بذلك؟؟ قال‪ :‬ن عم! قالت‪ :‬إذن ل يضيع نا!! وجرى من أمر ها‪ ،‬وأ مر طفل ها‪ ،‬ما‬
‫هو معلوم‪ ..‬و من هذه الكلمات تنفيذه أ مر ال ف ذ بح اب نه إ ساعيل‪ ،‬ف غ ي تردد‪ ،‬ح ت جاء النداء من ق بل القدس‪..‬‬
‫ويري ال سياق هكذا‪( :‬فل ما أ سلما‪ ،‬وتله لل جبي * وناديناه‪ :‬أن يا إبراه يم * قد صدّقت الرؤ يا‪ ..‬إ نا كذلك نزي‬
‫الحسني * إن هذا لو البلء البي * وفديناه بذبح عظيم * وتركنا عليه ف الخرين * سلم على إبراهيم‪ )..‬وبعد هذا‬
‫البتلء‪ ،‬وهذا التجريب‪ ،‬وهذه المارسة ف صدق التوجه‪ ،‬والتوكل على ال‪ ،‬جاءه المر بالسلم‪ ،‬بعد أن جاءه الذن‬
‫به‪( :‬إذ قال له ربه‪ :‬أسلم!! قال أسلمت لرب العالي‪ ..)..‬هذا هو السلم النهائي‪ ،‬وذاك هو السلم البدائي‪ ،‬فالسلم‬
‫إسلمان‪ ..‬ومن المور الت تنشأ عن تقرير وجود الشريعتي‪ ،‬والنصي‪ ،‬أن السلم رسالتان‪..‬‬
‫السلم رسالتان‬
‫رسالة أول قامت على فروع القرآن ـ على القرآن الدن ـ وهذه موضوع رسالة الرسول ممد‪ ،‬ويدخل فيها تبليغ‬
‫القرآن القروء كله‪ ،‬وتفصيل ما يناسب أمة الؤمني منه‪ ،‬وذلك بالتشريع‪ ،‬وبالتفسي‪ ..‬قال تعال ف ذلك‪( :‬وأنزلنا إليك‬
‫الذكر لتبي للناس ما نزّل إليهم‪ ..‬ولعلهم يتفكرون‪( ..)..‬وأنزلنا إليك الذكر) تعن القرآن كله‪ ..‬وأما قوله (لتبي للناس‬
‫ما نزّل إليهم) فيعن لتبي للناس‪ ،‬بالتشريع‪ ،‬وبالتفسي‪ ،‬ما هو ف مستوى حاجتهم‪ ،‬وف مستوى عقولم‪ ..‬فيجب أن‬
‫يكون واض حا‪ :‬أن ال تبيي ل ين صب على القرآن كله‪ ..‬ذلك يت نع دي نا‪ ..‬ذلك بأن القرآن ل ي تم تبيينه على الطلق‪..‬‬
‫وروح هذه اليـة فـ الفاصـلة‪( :‬ولعلهـم يتفكرون) فإنمـ‪ ،‬بالفكـر الروض‪ ،‬والؤدب بأدب الشريعـة‪ ،‬وأدب القيقـة‪،‬‬
‫يرتفعون من مستوى النص ف العن القريب ـ القرآن الدن ـ إل مستوى النص ف العن البعيد ـ القرآن الكي‪..‬‬
‫والقرآن الكي هو قرآن الصول‪ ..‬وهو ما قامت عليه الرسالة الثانية من السلم‪ ..‬وموضوع الرسالة الثانية من السلم‬
‫هو نبوة النب أحد‪ ..‬وهي شريعة المة السلمة‪ ..‬وهي المة الت ل تأت بعد‪ ..‬قال تعال ف حقها‪( :‬يسبح ل ما ف‬
‫السموات‪ ،‬وما ف الرض‪ ،‬اللك‪ ،‬القدوس‪ ،‬العزيز‪ ،‬الكيم * هو الذي بعث ف الميي رسول منهم‪ ،‬يتلو عليهم آياته‪،‬‬
‫ويزكيهم‪ ،‬ويعلمهم الكتاب‪ ،‬والكمة‪ ،‬وإن كانوا من قبل لفي ضلل مبي * وآخرين منهم لّا يلحقوا بم‪ ،‬وهو العزيز‬

‫الكيم * ذلك فضل ال يؤتيه من يشاء‪ ،‬وال ذو الفضل العظيم‪ )..‬ومن هاتي اليتي أخذ حديث الخوان‪( :‬وا شوقاه‬
‫لخوان الذين لا يأتوا بعد! قالوا‪ :‬أولسنا إخوانك يا رسول ال؟؟ قال‪ :‬بل أنتم أصحاب‪ ..‬وا شوقاه لخوان الذين لا‬
‫يأتوا بعد!! قالوا‪ :‬أولسنا إخوانك يا رسول ال؟؟ قال‪ :‬بل أنتم أصحاب‪ ..‬فلما قال للثالثة‪ :‬وا شوقاه لخوان الذين لا‬
‫يأتوا بعد!! قالوا‪ :‬من إخوانك‪ ،‬يا رسول ال؟؟ قال‪ :‬قوم ييئون ف آخر الزمان‪ ،‬للعامل منهم أجر سبعي منكم!! قالوا‪:‬‬
‫منا‪ ،‬أم منهم؟ قال‪ :‬بل منكم‪ .‬قالوا‪ :‬لاذا؟؟ قال‪ :‬لنكم تدون على الي أعوانا‪ ،‬ول يدون على الي أعوانا!) إجابته‬
‫على سؤالم (لاذا؟؟) الواردة ف آخر الديث ـ (لنكم تدون على الي أعوانا‪ ،‬ول يدون على الي أعوانا!!) ـ‬
‫مأخوذة من الية‪( :‬ذلك فضل ال يؤتيه من يشاء‪ ،‬وال ذو الفضل العظيم‪ ..)..‬ويلحظ أنا ل ترد ف اتاه الية‪ ،‬ول ف‬
‫مستوى الية‪ ،‬وإنا كان ذلك منه نزول على مستوى البلغة ف التبليغ‪ ..‬وقد عب عنه بقوله‪( :‬نن‪ ،‬معاشر النبياء‪ ،‬أمرنا‬
‫أن ناطب الناس على قدر عقولم‪ )..‬وإنا قال لم ما قال لئل يثبطهم عن العمل‪ ..‬الرسالة الول عمدتا قرآن الفروع‬
‫ـ القرآن الد ن ـ و قد ف صلها ال نب تف صيل‪ ،‬وح ل ال مة الؤم نة على تطبيق ها حل‪ ..‬الر سالة الثان ية عمدت ا قرآن‬
‫الصول ـ القرآن الكي ـ وقد أجلها النب إجال‪ ،‬ول يقع ف حقها التفصيل‪ ،‬إل ف القدر التداخل بينها وبي الرسالة‬
‫الول‪ ،‬وإل ف معن‪ ،‬ما أنه عاشها‪ ،‬وطبقها ف حياته الاصة‪ ..‬فرسول الرسالة الول ممد‪ ،‬ورسول الرسالة الثانية‬
‫م مد‪ ..‬ف صل الول وح ل علي ها ال مة‪ ،‬وأج ل الثان ية وعاش ها‪ ..‬الول شريع ته والثان ية سنته ول يعود ال سلم‪ ،‬من‬
‫جد يد‪ ،‬على م ستوى شريع ته‪ ،‬وإن ا على م ستوى سنته‪ ..‬وهذا مقت ضى الد يث الذي أوردناه آن فا‪ ،‬و هو قوله‪( :‬بدأ‬
‫السلم غريبا‪ ،‬وسيعود غريبا كما بدأ‪ ،‬فطوب للغرباء!! قالوا‪ :‬من الغرباء‪ ،‬يا رسول ال؟؟ قال‪ :‬الذين ييون سنت بعد‬
‫اندثارها‪ )..‬ويب أن يكون واضحا‪ ،‬فإنه ل يقل ييون شريعت‪ ،‬وإنا قال‪( :‬ييون سنت‪ ..)،‬وهذا ما من أجله نصر نن‬
‫على التمييز بي الشريعة والسنة‪..‬‬
‫الرسالة الول كالثابتة‪ ،‬والرسالة الثانية متحركة‬
‫لزمة الرسالة الول العقيدة‪ ،‬وستها الثبات إل قليل‪ ..‬فالسالك فيها إنا يتحرك ف منطقة العقيدة‪ ،‬ف الدرجات الثلث‪:‬‬
‫در جة ال سلم‪ ،‬ودر جة اليان‪ ،‬ودر جة الح سان‪ ،‬وذلك ق صاراه‪ ..‬ولز مة الر سالة الثان ية العلم‪ ،‬و ستها الر كة‪ ،‬إل‬
‫قليل‪ ..‬فال سالك في ها ينطلق ف ترق م ستمر‪ ،‬ينت قل ف سلم سباعي‪ ،‬درجا ته الثلث الول ف ح يز العقيدة ودرجا ته‬
‫الر بع الخية ف ح يز العلم‪ ..‬ذلك ال سلم ال سباعي هو ال سلم‪ ،‬فاليان‪ ،‬فالح سان‪ ،‬فعلم اليق ي‪ ،‬فعلم ع ي اليق ي‪،‬‬
‫فعلم حق اليقي‪ ،‬فالسلم من جديد‪ ..‬ث تكرر هذه الدرجات السبع نفسها‪ ،‬ولكنها ف مستوى يلطف كل حي‪..‬‬
‫والسالك فيها يسي ف طريق لولب‪ ،‬كلما أت دورة منه دخل ف دورة جديدة‪ ،‬هي ألطف‪ ،‬وأرفع من سابقتها‪ ،‬وهكذا‬
‫دواليك‪ ..‬فهو يدد علمه وحياته كل حي‪ ،‬تلقا ف ذلك بأخلق ال‪ ،‬تبارك وتعال‪( :‬كل يوم هو ف شأن)‪..‬‬
‫الصلة وسيلة الركة ف الراقي‬
‫وأوكد ما يكون هذا العمل ف الترقي الستمر إنا هو بنهاج الصلة‪ ..‬فالصلة ف السلم صلتان‪ ،‬كما هو المر ف‬
‫كل الشئون القرآن ية‪ ،‬وال سلمية ك ما سبق أن بي نا‪ ..‬صلة ف الع ن البع يد‪ ،‬و هي تلك ال ت فر ضت يوم العراج‪ ،‬ب عد‬
‫سدرة النتهى‪ ،‬حيث تلف جبيل‪ ،‬وسار النب وتريا (من غي واسطة) إل مقام ورد ف القرآن وصفه هكذا‪( :‬إذ يغشى‬

‫السدرة ما يغشى * ما زاغ البصر وما طغى‪ )..‬هذا مقام أحدية‪ ،‬وترية‪ ..‬وف ذلك القام ل يكن بي النب وربه واسطة‪،‬‬
‫ورفع حجاب الفكر عن النب‪ ،‬فتوقف‪ ،‬فلم يتجاذبه الاضي‪( :‬ما زاغ البصر)‪ ،‬ول يتجاذبه الستقبل‪( :‬وما طغى)‪ ،‬وإنا‬
‫توحد مكانه‪ ،‬وزمانه‪ ،‬فعاش ف لظته‪ ،‬فكان وحدة ذاتية‪ ،‬ف وحدة مكانية ف وحدة زمانية‪ ..‬حققت له الوحدة من‬
‫جيع الوجوه‪ ،‬فرأى الواحد‪ ..‬وقال عبارة عن هذا القام‪( ،‬ليلة عرج ب انتسخ بصري‪ ،‬ف بصيت‪ ،‬فرأيت رب‪ ..)..‬هذه‬
‫هي الصلة الصلية‪ ،‬وهي العب عنها بـ (ذكر ال) من الية الكرية‪( :‬إن الصلة تنهى عن الفحشاء‪ ،‬والنكر‪ ،‬ولذكر‬
‫ال أكب‪ ،‬وال يعلم ما تصنعون‪ ..)..‬وقد عب عنها العصوم بقوله‪ :‬الصلة صلة بي العبد وربه‪ ..‬وهناك الصلة ف العن‬
‫القريب‪ ،‬وهي الصلة الفرعية (الشرعية)‪ ،‬الت فرضت يوم العراج‪ ،‬ف مقام‪( :‬قاب قوسي‪ ،‬أو أدن‪ ..)..‬وهذا القام قد‬
‫كان جبيل مرافقا للنب فيه‪ ،‬وقد كان النب‪ ،‬لكان رفقة جبيل له (شفعيا) ل تتم له (الوترية) بعد‪ ..‬وقد فرضت عليه‬
‫الصلة الفرعية ههنا ـ ف مقام (الشفعية) هذا ـ وجاءه جبيل‪ ،‬ف الرض‪ ،‬بتفاصيلها ـ طهارتا‪ ،‬وهيئتها‪ ،‬وأوقاتا‬
‫ـ وقد قال العصوم عنها‪( :‬الصلة معراج العبد إل ربه)‪ ..‬وقد جعلت الصلة العراج هذه وسيلة إل الصلة الصلة‪..‬‬
‫وقد قيل للنب الكري ف أمر التوسل با‪ ،‬والعروج عليها‪ ،‬إل القامات العل‪( :‬ومن الليل فتهجد به نافلة لك‪ ،‬عسى أن‬
‫يبعثـك ربـك مقامـا ممودا‪ )..‬والقام الحمود هـو القام الذي ليـس بينـه وبيـ ال واسـطة‪ ،‬وهـو بيـ ال وبيـ جيـع‬
‫اللئق‪ ..‬و صاحب القام الحمود هو أول قا بل لتجليات القي قة الل ية الطل قة‪ ..‬وم نه امتدت ج يع الخلوقات ـ‬
‫علوي ها‪ ،‬و سفليها ـ هو مقام أحد ية وتر ية‪ ..‬هذا القام هو مقام ال صلة ال كبى ـ ال صلة ـ وإل يه تو صل ال صلة‬
‫الصغرى ـ صلة العراج ـ إذا أحسن استعمالا‪..‬‬
‫إنا يبعث السلم ببعث الصلة‬
‫ما الذي نر مي إل يه من وراء هذه الدعوة؟؟ ل قد قرر نا أن نا نع مل لب عث ال سلم ليعود في نا خل قا ف صدور الرجال‬
‫والنساء‪ ،‬كما كان العهد به ف القرن السابع اليلدي‪ ،‬عندما انبعث ف الناس جديدا من منجمه‪ ..‬والديث عن بعث‬
‫السلم يفترض أنه غي موجود ف الناس‪ ،‬أنه قد مات‪ ،‬وكونه قد مات حقيقة ل ريب فيها عندنا‪ ..‬ولكنها تتاج لشد‬
‫التوكيـد عنـد الناس عامـة‪ ،‬وعنـد علماء الفقـه باصـة‪ ،‬ذلك بأنمـ يرون أن السـلمي يشهدون الشهادة‪ ،‬ويصـلون‪،‬‬
‫ويصومون‪ ،‬ويزكي كثي منهم‪ ،‬ويجون‪ ،‬فهم تبعا لذلك يرون أن السلمي بي‪ ..‬والق أن السلمي اليوم إنا يعيشون‬
‫على قشرة السلم‪ ،‬دون لبته‪ ..‬وهم لذلك يعيشون الاهلية الثانية‪ ،‬وقد أدركتهم نذارة العصوم الت قالا ف أحاديث‬
‫كثية‪ ،‬نذ كر من ها حديث ي‪ ،‬ه ا‪( :‬يو شك أن تدا عى عليكم ال مم‪ ،‬كتدا عي الكلة على الق صعة‪ ،‬قالوا‪ :‬أومن قلة ن ن‬
‫يومئذ يا رسول ال؟؟ قال‪ :‬بل أنتم يومئذ كثي!! ولكنكم غثاء!! كغثاء السيل‪ ،‬ل يبال ال بكم!!)‪ ..‬والديث الخر‪:‬‬
‫(لتتبعن سنن من كان قبلكم‪ ،‬شبا بشب‪ ،‬وذراعا بذراع‪ ،‬حت لو دخلوا جحر ضب خرب لدخلتموه!! قالوا‪ :‬أأليهود‬
‫والنصارى؟؟ قال‪ :‬فمن؟؟)‪ ..‬إن هذه القيقة يب أن تقرر‪ ،‬وأن تكون واضحة‪ ،‬قبل كل شئ‪ ..‬فإنّا‪ ،‬إن ل نستيقنها‪،‬‬
‫فل يكن أن تكون هناك نضة لتغيي الال‪ ..‬فإن الراضي عن نفسه ل يرى ضرورة للتغيي‪ ..‬فإذا تقرر هذا‪ ،‬وتوكد ف‬
‫الذهان‪ ،‬فإن أول عملنا هو بعث (ل إله إل ال) فينا‪ ..‬ول يكون بعثها إل بعودة الروح إل الصلة‪ ،‬وإل جيع أعمالنا‪،‬‬
‫أعمال العبادة‪ ،‬وأعمال العادة‪ ..‬وإن ا تعود الروح ف أعمال نا بأن يد خل الف كر في ها‪ ،‬وترج من ها العادة‪ ،‬ال ت هي آفت نا‬
‫اليوم‪ ..‬فإنه‪ ،‬كما قيل‪ ،‬آفة كل عبادة أن تكون عادة‪ ..‬وعلى التحقيق فإنه يكن القول‪ ،‬بأن السنة إنا هي إعمال الفكر‬

‫فيما نأت وما ندع‪ ..‬فالفكر روح السنة‪ ..‬وهو غرض الدين‪ ،‬ف الكان الول‪ ..‬قال تعال‪( :‬وأنزلنا إليك الذكر لتبي‬
‫للناس ما نزّل إليهم ولعلهم يتفكرون)‪ ..‬فالعلة وراء إنزال القرآن‪ ،‬وإرسال الرسول‪ ،‬وتشريع التشريع‪ ،‬وفرض التكليف‪،‬‬
‫إنا هو الفكر‪( ..‬ولعلهم يتفكرون‪ ..)..‬وأول الفكر أن نعرف ما تؤديه إلينا الصلة الشرعية من قيمة فكرية‪ ،‬وحياتية‪..‬‬
‫وهذا يقتضي أن نعلم جيدا أن الصلة إنا هي وسيلة‪ ،‬وليست غاية‪ ..‬هذا المر غي واضح ف أذهان الناس‪ ،‬مع أنه مقرر‬
‫بصـريح النـص‪ ،‬قال تعال‪( :‬وأقـم الصـلة لذكري‪ ..)..‬وقال تعال أيضـا‪( :‬يـا أيهـا الذيـن آمنوا اسـتعينوا بالصـب‬
‫والصلة‪ ..)..‬وكون هذه الصلة موصوفة بكلمة (العراج) ف حديث العصوم‪( :‬الصلة معراج العبد إل ربه)‪ ،‬وحده‬
‫يكفي ف الدللة على حقيقتها‪ ..‬والعراج السلم الذي على درجاته نرقى إل القامات‪ ..‬وأول درجاته ف مرتبة الشريعة‬
‫الماعية ـ شريعة المة الؤمنة ـ وأعلى درجاته ف مرتبة الشريعة الفردية ـ شريعة المة السلمة ـ فنحن السالكون‬
‫علينا أن نرتقي بكل صلة نؤديها‪ ،‬بكل ركعة نعقدها ـ إن ل نقل بكل حركة‪ ،‬من كل ركعة ـ علينا أن نرتقي نو‬
‫مرت بة الشري عة الفرد ية‪ ،‬لن تكليف نا إن ا هو (العبود ية) بو سيلة (العبادة)‪ ..‬قال تعال‪( :‬و ما خل قت ال ن وال نس‪ ،‬إل‬
‫ليعبدون‪ ..)..‬يعن ليكونوا ل (عبيدا) بوسيلة العبادة‪ ..‬وأعلى (العبادة) الصلة‪ ..‬و (العبودية) إنا هي مرتبة فرديات‪..‬‬
‫وهي ل تتم إل إذا سقطت الوسائط بي الرب والعبد‪ ..‬وهي ل تتم لحمد إل بعد أن تلف عنه جبيل‪ ،‬وسقطت من‬
‫بي نه وب ي ر به‪ ،‬بذا التخلف‪ ،‬الوا سطة‪ ..‬و ت ف تلك اللح ظة اللقاء ب ي الرب‪ ،‬والع بد‪ ..‬والقرآن م ستفيض بالدعوة إل‬
‫الشريعة الفردية‪ ..‬قال تعال‪( :‬إن كل من ف السموات‪ ،‬والرض‪ ،‬إل آت الرحن عبدا * لقد أحصاهم وعدهم عدا *‬
‫وكل هم آت يه يوم القيا مة فردا‪ ..)..‬وقال تعال‪( :‬ل قد جئتمو نا فرادى ك ما خلقنا كم أول مرة‪ )..‬وقال تعال‪( :‬ونر ثه ما‬
‫يقول‪ ،‬ويأتي نا فردا)‪ ..‬و ف قوله تعال‪ ( :‬يا أي ها الن سان إ نك كادح إل ر بك‪ ،‬كدحا‪ ،‬فملق يه‪ ..)..‬إشارة صرية إل‬
‫الفردية‪ ،‬لن لقاء ال ل يكون ف الكان‪ ،‬ول ف الزمان‪ ،‬وإنا يكون فينا‪ ..‬وذلك بتقريب صفاتنا من صفاته‪ ..‬وقد يظن‬
‫ظان أن هذه الفرديات ل ت تم إل يوم القيا مة‪ ..‬وإن ا ي يء هذا ال ظن من ض عف ف تو يد التوح يد لدى من ي ظن هذا‬
‫الظن‪ ،‬فإن كل ما هو كائن يوم القيامة هو كائن اليوم‪ ..‬هذا شئ ل ريب فيه‪ ..‬فإذا أراد أحدنا أن يبعث (ل إله إل ال)‬
‫فيه من جديد فإن عليه أن يقلد العصوم‪ ،‬ف أسلوب عبادته وف ما يطيق من أسلوب عادته‪ ،‬وأن يتقن هذا التقليد إتقانا‬
‫يرج من اعتباره أي بد عة‪ ،‬م ا سي مؤخرا (بالبدع ال سنة‪ ..‬فإن ال سنة ل تغادر صغية‪ ،‬ول كبية نتاج ها ف أمور‬
‫عبادتنا‪ ،‬إل أوسعتها تبيينا‪ ..‬فإذا أتقنا تقليد العصوم نعلم‪ ،‬بضرورة هذا التقان‪ ،‬أن التقليد ليس غاية ف ذاته‪ ،‬وإنا هو‬
‫و سيلة إل ال صالة‪ ..‬وع ند ال صالة تزول وا سطة ال نب من بين نا وب ي رب نا‪ ،‬وذلك لكمال تبلي غه‪ ،‬وير فع بزوال ا ع نا‪،‬‬
‫الجاب الع ظم‪ ،‬ونأ خذ من ال بل وا سطة‪ ،‬ويكون ال هو معلم نا العلم اللد ن‪ ..‬والقاعدة ف ذلك من كتاب ال‬
‫(واتقوا ال ويعلمكم ال‪ )..‬ومن حديث العصوم قوله‪( :‬من عمل با علم أورثه ال علم ما ل يعلم‪ )..‬وقوله أيضا‪( :‬إنا‬
‫أ نا قا سم وال يع طي‪ ،‬و من يرد به ال خيا يفق هه ف الد ين‪ ..‬ول تزال هذه ال مة قائ مة على أ مر ال‪ ،‬ل يضر هم من‬
‫خالف هم ح ت ي يء أ مر ال‪ )..‬قوله‪( :‬إن ا أ نا قا سم)‪ ..‬يع ن أ نا مر سل (بالشري عة)‪ ..‬قوله‪( :‬وال يع طي)‪ ..‬يع ن يعلّم‬
‫(القيقة)‪ ..‬هذا نفسه هو معن الديث السابق‪ ،‬ومعن الية الكرية‪( ..‬واتقوا ال)‪ ..‬يعن اعملوا بالشريعة‪( ..‬ويعلمكم‬
‫ال) يعن العلم اللدن‪.‬‬
‫يب اتباع النب ف أعماله وف أحواله‬

‫وقد أمرنا ال باتباع نبيه‪ ،‬إن أردنا الفلح‪( ،‬قل إن كنتم تبون ال‪ ،‬فاتبعون يببكم ال‪ )..‬وإنا يب اتباعه ف أعماله‬
‫وف أحواله‪ ،‬ل ف مرد أعماله‪ ..‬فنحن يب أن نقلده ف صلته ليصبح لنا حظ من حاله‪ ..‬فهو يعرج بصلة معراجه‪،‬‬
‫إل صلة صلته‪ ..‬فحاله الفردية دائما‪ ..‬ونن حي نتقن تقليده ف هذا الستوى‪ ،‬تتم لنا المعية‪ ،‬بعد التشتت‪ ،‬وتتم لنا‬
‫السلمة الداخلية‪ ،‬بعد النقسام‪ ..‬فنكون بذلك قد جودنا التقليد‪ ،‬حت أدى بنا إل الصالة‪ ..‬وعند الصالة يسقط عنا‬
‫التقليد‪ ،‬ول تسقط عنا الصلة‪ ،‬لن الصلة الاجة إليها قائمة قياما سرمديا‪ ،‬ولكنها تلطف وتدق كل حي‪ ..‬فإذا كان‬
‫السي إل ال ف هذه الدار‪ ،‬وف البزخ وف الدار الخرة‪ ،‬لهل النار‪ ،‬ف النار‪ ،‬ولهل النة‪ ،‬ف النة‪ ،‬هو بالكلمة‪( ..‬ل‬
‫إله إل ال)‪ ،‬فإن الصلة دائما طرف منها‪ ،‬با تنمو‪ ،‬وتتسامى‪ ..‬والقاعدة ف ذلك‪( :‬إليه يصعد الكلم الطيب)‪ ..‬يعن (ل‬
‫إله إل ال)‪( ..‬والعمل الصال يرفعه)‪ ..‬يعن الصلة‪ ،‬فإنا ف قمة العمال‪ ،‬حي كانت (ل إله إل ال) ف قمة القوال‪..‬‬
‫إن نا ن ن ند عو الفراد إل تق يق فرديات م‪ ،‬بنهاج ال سلم‪ ،‬ذلك النهاج الذي ي قق ل م الت سامي من مرت بة الشري عة‬
‫الماعيـة إل مراتـب الشرائع الفرديـة‪ ،‬كمـا يقـق لمـ الرتفاع مـن مرحلة التقليـد إل مرتبـة الصـالة‪ ..‬فإن الفراد‪،‬‬
‫والصلء‪ ،‬هم وحدهم الرجال‪ ..‬هذه دعوتنا ف قمتها‪ ..‬ونن لنحقق هذه القمة‪ ،‬ندعو إل إعداد الجتمع الذي يعيش‬
‫ف يه الفراد الرشحون لذه القامات إعدادا يع طي كل الفرص لبوز فرديات هؤلء الفراد‪ ..‬وذلك الجت مع بالضرورة‪،‬‬
‫ي ب أن يكون متم عا حرا‪ ،‬يو فر الر ية القت صادية (بالشتراك ية)‪ ،‬ويو فر الر ية ال سياسية (بالديقراط ية)‪ ..‬ولي ست‬
‫الشتراكية‪ ،‬ول الديقراطية‪ ،‬ف شريعة الرسالة الول‪ ..‬ها ليستا ف قرآن الفروع‪ ،‬وإنا ها أصل قرآن الصول‪ ..‬ومن‬
‫ههنا جاءت دعوتنا إل تطوير التشريع‪ ،‬من آيات الفروع إل آيات الصول‪ ،‬لتنبعث اليات الت كانت ف الرسالة الول‬
‫منسوخة‪ ،‬لتصبح هي صاحبة الوقت اليوم‪ ..‬وتنسخ‪ ،‬بدل عنها‪ ،‬اليات الت كانت صاحبة الوقت ف القرن السابع‪..‬‬
‫ولقد قررنا ف سياق كتابنا هذا إليك‪ ،‬أن آيات الصول كانت ملزمة للنب وحده‪ ،‬منسوخة ف حق المة‪ ..‬وذلك لكان‬
‫قصورها عن شأوها‪ ..‬وقررنا أن هذه اليات هي عمدة السنة النبوية‪ ،‬ونن دعاة إل بعث السنة‪..‬‬
‫ل ألق ميزان الشرع من يدي‬
‫فأنت ترى إذن أنن ل ألق ميزان الشرع من يدي‪ ،‬وإنا فهمت الشريعة ف مستواها الماعي‪ ،‬وف مستواها الفردي‪..‬‬
‫فأ نا صاحب شري عة فرد ية‪ ،‬اقتداء بال نب‪ ،‬وتأ سيا باله‪ ،‬وأ نت ترى أي ضا أ ن ل أت بع كش فا يالف ظا هر ال نص‪ ،‬وإن ا‬
‫فهمت النصوص على مستويي على نو ما أوردت لك ف هذا الكتاب‪..‬‬
‫أ ما ب عد فإن هذا القول غر يب‪ ،‬ول ي قل به أ حد من ال مة‪ ،‬من لدن نزول القرآن‪ ،‬وإل اليوم‪ ..‬ولك نه صحيح‪ ..‬و هو‬
‫حق‪ ..‬بل ليس غيه حق اليوم‪ ..‬وغرابته توجب على العلماء التزامه‪ ،‬على أيسر تقدير إل أن يبي لم حقه من باطله‪،‬‬
‫لن الغرابة أصل ف عودة الدين بقتضى حديث العصوم‪ ،‬الذي كثيا ما أشرنا إليه ف كتابنا هذا‪( :‬بدأ السلم غريبا‪،‬‬
‫وسيعود غريبا‪ ،‬كما بدأ‪ ،‬فطوب للغرباء!! قالوا‪ :‬من الغرباء‪ ،‬يا رسول ال؟؟ قال‪ :‬الذين ييون سنت بعد اندثارها‪ ..‬أو‬
‫قال ف رواية أخرى عن الغرباء‪ :‬هم فئة قليلة مهتدية‪ ،‬ف فئة كبية ضالة)‪..‬‬
‫ث أ ما ب عد‪ ،‬فإن هذا الكتاب قد طال‪ ،‬ول يزال ف الن فس شئ يتوق إل أن يقال‪ ،‬ول كن ل بد من ق بض عنان القلم‬
‫خوف الملل‪ ..‬وأنت مدعو أيها الصديق العزيز‪ ،‬إل مراجعة كتبنا‪ ،‬وبصورة خاصة (الرسالة الثانية من السلم) فإنك‬
‫ل بد واجد فيها القول الثابت‪ ،‬الذي به تطمئن القلوب‪ ،‬وتقر العي‪.‬‬

‫وف التام لك من جزيل السلم‪.‬‬
‫أخوك الخلص‬
‫ممود ممد طه‬
‫خاتة‬
‫هذا الديث الذى جرى تفصيله‪ ،‬غريب‪ ،‬وجديد‪ ،‬من جيع الوجوه!! ولكنه هو الدين‪ ،‬الذى ل دين غيه‪ ،‬والغرابة فيه‬
‫انا هى ما اخبنا به النب الكري عليه افضل الصلة وات التسليم‪ ،‬ف حديثه‪( :‬بدأ السلم غريبا‪ ،‬وسيعود غريبا‪ ،‬كما‬
‫بدأ‪ ،‬فطوب للغرباء!!) وهل ننتظر الغريب والديد من غي الدين!! وهل ننتظر من الدين ال التجديد واليوية‪ ،‬لنه هو‬
‫السعة الواسعة الت ل تد بد يبلغ ول تاط‪( ..‬قل لو كان البحر مدادا لكلمات رب‪ ،‬لنفد البحر قبل ان تنفد كلمات‬
‫رب‪ ،‬ولو جئنا بثله مددا)‪ ..‬وف آية اخرى‪( :‬كل يوم هو ف شأن) أليس ذلك هو التجديد والركة‪ ،‬وشأنه تعال تعليم‬
‫خلقه‪ ،‬ابداء ذاته لتعرف‪ ..‬بل على التحقيق‪ ،‬ان الغريب ف الدين‪ ،‬والكثر غرابة‪ ،‬لو آت كل صبح جديد‪ ،‬لترتفع به‬
‫الياة‪ ،‬وتصب به‪ ،‬وتسلك به السبل ال ربا‪ ..‬واى الناس من عقلء الناس‪ ،‬ينتظر ان يظل معي الدين آسنا مواتا‪ ،‬بدل‬
‫من ان يكون ثرا‪ ،‬داف قا باء الياة‪ ،‬والنماء؟؟ ال ي قل ال نب الكر ي عن القرآن‪( :‬ل تنق ضى عجائ به ول يلق على كثرة‬
‫الرد)؟؟ ال يقل‪( :‬ان من العلم كهيئة الكنون ل يعلمه ال أهل العلم بال‪ ،‬فإذا تدثوا به ل ينكره ال اهل الغرة بال)؟؟‬
‫فماذا ينكر النكرون على هذه الدعوة؟!!‬
‫هل ينكرون على انفسهم‪ ،‬قبل ذلك‪ ،‬العجلة‪ ،‬والبعد عن الناة‪ ،‬وعن دقة النظر‪ ،‬وعن الصب على الديد‪ ،‬الغريب‪ ،‬حت‬
‫يفهموا‪ ،‬فيعارضوا او يوافقوا على هدى‪ ،‬وبينة؟‪.‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful