‫المحاضرة الرابعة‬

‫النحو العربي ودوره‬
‫في تدريس اللغة العربية وفهم نظامها‬

‫الستاذ الدكتور علي أحمد مدكور‬
‫عميد كلية التربية‬
‫جامعة السلطان قابوس‬

‫الثلثاء ‪ 26‬ربيع الخر ‪1425‬هـ‪ 15 -‬حزيران‬
‫‪2004‬م‬
‫‪103‬‬

‫مقدمة‪:‬‬
‫الل غة قدر الن سان‪ .‬فل غة الن سان هي عال مه‪ .‬وحدود ل غة الن سان هي‬
‫حدود عالمه‪ .‬فهي ولء وانتماء‪ ،‬وثقافة وهوية‪ ،‬ووطن وشخصية‪.‬‬
‫فاللغبة هبي الهواء الذي نتنفسبه‪ ،‬والماء الذي نشرببه‪ ،‬والطعام الذي نأكله‪،‬‬
‫والفكبر الذي يدور فينبا وحولنبا‪ .‬فهبي تحمبل المجتمبع فبي جوفهبا‪ ،‬وتعببر عبن‬
‫ضميره‪ ،‬وتشكل حياته‪ ،‬وتوجه سلوك أفراده‪ ،‬وجماعاته‪ ،‬ونظمه ومؤسساته‪.‬‬
‫واللغبة هبي الم التبي تنسبج شبكبة الوفاق بيبن أفراد المجتمبع وجماعاتبه‪،‬‬
‫ونظمبه ومؤسبساته‪ ،‬وقيمبه ومعتقداتبه‪ .‬فل وفاق بدون لغبة‪ .‬ول مجتمبع بدون‬
‫وفاق‪.‬‬
‫وكمبا تسبهم اللغبة فبي صبياغة المجتمبع‪ ،‬فإن المجتمبع يسبهم بدوره فبي‬
‫صياغتها وتطوير ها‪ .‬فالجما عة الناط قة بالل غة هي ال تي ت هب اللفاظ معاني ها‪،‬‬
‫وتشتق من المفردات ما يعبر عن مستحدثاتها ومراميها‪.‬‬
‫واللغة منهج للتفكير‪ ،‬ونظام للتصال والتعبير‪ .‬فثقافة كل مجتمع كامنة في‬
‫لغتبه‪ ،‬وفبي معجمهبا‪ ،‬ونحوهبا‪ ،‬وصبرفها‪ ،‬ونصبوصها‪ ،‬وفنهبا‪ ،‬وأدبهبا‪ ..‬فل‬
‫حضارة إنسانية دون نهضة لغوية‪.‬‬
‫أزمة العربية في بلدها‪:‬‬
‫الل غة العرب ية أ هم مقومات الثقا فة ال سلمية‪ .‬و هي أك ثر اللغات الن سانية‬
‫ارتباطاً بعقيدة ال مة وهويت ها وشخ صيتها‪ .‬لذلك صمدت أك ثر من سبعة ع شر‬
‫قرناً سبجلً أمينا لحضارة أمتهبا وازدهارهبا‪ .،‬وشاهدا على إبداع أبنائهبا وهبم‬
‫يقودون ركب الحضارة التي سادت الرض حوالي تسعة قرون‪.‬‬
‫وفي اللغة العربية ذاتها سمات تميزها‪ .‬من أهم هذه السمات قدرتها الفائقة‬
‫على حسباسية التواصبل‪ ،‬فاللغبة العربيبة لغبة غنيبة ودقيقبة إلى حبد كببير‪ .‬فقبد‬
‫ا ستوعبت التراث ين العر بي وال سلمي‪ ،‬ك ما ا ستوعبت ما ن قل إلي ها من تراث‬
‫‪104‬‬

‫بة‬
‫بة والرومانيب‬
‫بية واليونانيب‬
‫بة كالفارسب‬
‫بم والشعوب ذات الحضارة القديمب‬
‫المب‬
‫والم صرية‪ ..‬إلخ‪ .‬ك ما نقلت إلى البشر ية في فترة ما‪ ،‬أ سس الحضارة وعوا مل‬
‫التقدم في العلوم الطبيعية والرياضيات والطب والفلك والموسيقى‪ .‬وما تزال تنقل‬
‫إلى العالم اليوم العقيدة الشاملة ممثلة فبي كتاب ال وسبنة رسبول ال صبلى ال‬
‫عل يه و سلم‪ .‬فالقرآن نزل بل سان عر بي مبين‪ .‬وهذه حقائق ي جب تر سيخها في‬
‫عقول الناشئة‪ ،‬كمبا ينبغبي أن تكون أهدافبا ثابتبة لعلوم اللغبة والدب والفنون‬
‫خاصة‪ ،‬والعلوم النسانية والجتماعية عامة‪.‬‬
‫و هي ل غة مو سيقية شاعرة‪ .‬فإذا تكلم ذو بيان فإ نك تطرب ل سماعها‪ ،‬وتف هم‬
‫بيان ها‪ ،‬وترتاح لمعاني ها وأ صواتها‪ .‬و هي بهذا الجرس والرن ين من حت العر بي‬
‫التفوق فبي الداء كلماً وكتاببة‪ ،‬وغناء وشعراً على وزن وقافيبة‪ .‬لذلك يجبب‬
‫التركيز في مناهج تعليمها على تدريب المتعلم على التذوق الدبي والفني‪ ،‬وعلى‬
‫الحساس بالجمال في الداء اللغوي‪ ،‬وعلى حسن اللقاء‪.‬‬
‫وهي لغة متميزة من الناحية الصوتية؛ فقد اشتملت على جميع الصوات في‬
‫اللغات السامية‪ .‬وأصواتها تستغرق كل جهاز النطق عند النسان‪ ،‬ابتداء بما بين‬
‫الشفتيبن فبي نطبق حروف كالباء والميبم والفاء‪ ،‬وانتهاء‪ ،‬بجوف الناطبق فبي‬
‫حروف كاللف والواو والياء‪ ،)1(.‬لذلك فإن تدريبب البناء على إخراج الحروف‬
‫مبن مخارجهبا‪ ،‬ونطبق الصبوات بطريقبة سبليمة‪ ،‬يعتببر هدفاً مبن أهبم أهداف‬
‫مناهج تعليم اللغة العربية‪.‬‬
‫وبالرغم من تميز اللغة العربية‪ ،‬إل أننا نعيش أزمة لغوية طاحنة‪ ،‬هي‬
‫– في الواقع – دليل على انتكاسة المة وتبعيتها‪ ،‬وتخلفها عن الركب‪ .‬ويرجع‬
‫نبيل علي أسباب الزمة إلى عوامل كثيرة من أهمها‪:‬‬
‫‪ .1‬عدم إلمام الكثيرين لدينا بجوانب إشكالية اللغة؛ حيث يقتصر تناولها في‬
‫أغلب الحوال على الجوانبب التعليميبة‪ ،‬والمصبطلحية‪ ،‬خوفاً مبن الخوض فبي‬
‫دراسة علقة اللغة العربية بالدين والسياسة القومية والوطنية‪.‬‬

‫‪105‬‬

‫‪ .2‬قصور العتاد لمعظم منظرينا اللغويين‪ .‬وخاصة بعد أن أصبحت الل غة‬
‫سباحة سباخنة للتداخبل الفلسبفي‪ ،‬والعلمبي‪ ،‬والتربوي‪ ،‬والفنبي‪ ،‬والعلمبي‪،‬‬
‫والتقاني‪.‬‬
‫‪ .3‬خطأ التشخيص لدائنا اللغوي‪ .‬حيث يوجه التهام إلى إدانة اللغة العربية‬
‫ذات ها‪ ،‬ت حت ز عم أن هذه الل غة الن سانية العظي مة تح مل بداخل ها كوا من التخلف‬
‫الفكري والعجز عن تلبية مطالب العصر!‬
‫‪ .4‬البتعاد عبن السببب الحقيقبي وراء ذلك‪ ،‬وهبو العولمبة القتصبادية‪.‬‬
‫وانبهار الجماهير العربية بثقافة الغرب ولغاتها‪ ،‬وتدهور اهتمام الجماهير باللغة‬
‫العربيبة‪ ،‬وعدم اعتزازهبم بهبا‪ .‬وإلحاق أبنائهبم بالمدارس الخاصبة والجامعات‬
‫الخاصة‪ ،‬التي تعلم باللغات الجنبية‪ ،‬والفتخارُ بذلك واعتبارُه نوعاً من الوجاهة‬
‫الجتماعيبة‪ ،‬ودليلً على التقدم الحضاري !!! وهنبا تقوم اللغبة العربيبة دليلً‬
‫شاهداً على النتكاسة الثقافية للمة في الوقت الحاضر‪.‬‬
‫‪ .5‬غياب إرادة ال صلح اللغوي‪ .‬إننبا نعانبي من أزمبة لغو ية حادة تلطبخ‬
‫جبين نا الحضاري‪ .‬وجاءت تكنولوج يا المعلومات لتض يف إلى ال مة بعداً جديدا‪،‬‬
‫يتعلق بضرورة معالجبة اللغبة العربيبة آلياً بواسبطة الحاسبوب‪ )2(.‬ومبع ذلك‬
‫فحركات التعر يب توا جه معار ضة شديدة ب عد أن سارت شوطاً ل بأس به من‬
‫قبل‪ .‬والحكومات عاجزة‪ ،‬أو فلنقل بصراحة غير راغبة في فرض تشريع ملزم‬
‫بعدم استخدام اللغات الجنبية في التعليم‪ ،‬وفي لفتات المحلت‪ ،‬وغير راغبة في‬
‫أن تقتدي ح تى بإ سرائيل ال تي تحرم ا ستخدام الم صطلح الج نبي الذي ي تم إقرار‬
‫مقابل له باللغة العبرية ‪ ..‬ووصل بهم المر إلى أنهم يعلمون أبناء العرب اللغة‬
‫العربية باللغة العبرية!‬
‫‪ .6‬عول مة تعليم نا‪ ،‬بح يث ل تع كس سياساته‪ ،‬ومفاهي مه‪ ،‬و سلوك مدر سيه‪،‬‬
‫وأداء طلبه‪ ،‬ما للغة الم من أهمية‪ .‬فالهتمام باللغة العربية ل يتم إل من خلل‬
‫المقرر الخاص ب ها! وأ ما المقررات الخرى ف هي حرة طلي قة من قيود العرب ية‬
‫واللتزام بها‪ .‬وفي مقرر اللغة العربية ذاته‪ ،‬يتم اختزال العربية في النحو‪ .‬ويتم‬
‫‪106‬‬

‫اختزال الن حو في إعراب أواخر الكلم! ويصل المر إلى حد البكاء عندما تعلم‬
‫اللغبة العربيبة مبن قببل المدرسبين باللهجات العاميبة! ‪ ...‬وهكذا لم يثمبر التعليبم‬
‫العرببي – فبي الواقبع‪ -‬إل مزيداً مبن عزوف الطلب عبن مداومبة تعلم لغتهبم‬
‫الم‪ ،‬وتذوق مآثرها!‬
‫‪ .7‬التعل يم باللغات الجنب ية على م ستوى التعل يم العام والعالي‪ ،‬بالر غم من‬
‫الحقيقة العلمية التي أجمع عليها الباحثون واللغويون‪ ،‬وهي أن التعليم بغير اللغة‬
‫الم يغلق مفاتيبح الفكبر‪ ،‬ويعوق عمليبة البداع والبتكار لدى المتعلميبن‪ ،‬إل أن‬
‫المخططين للسياسة التعليمية قد صموا آذانهم – رغم العتراضات المتكررة في‬
‫كل الندوات والمؤتمرات – عن سماع ذلك‪ .‬و سمحوا بإنشاء المدارس ال تي تعلم‬
‫باللغات الجنبيبة على مسبتوى التعليبم العام وهبو المبر المحرم لدى الدول‬
‫المتقدمبة‪ .‬كمبا سبمحوا بفتبح الشعبب والقسبام التبي تعلم باللغات الجنبيبة على‬
‫م ستوى التعل يم العالي‪ .‬غ ير ناظر ين إلى التجر بة الم صرية القدي مة ال تي كا نت‬
‫تعلم الطب باللغة العربية‪ ،‬وخرجت الفذاذ النادرين الذين ل يثق معظم الناس إل‬
‫بطبهم وعلمهم‪ .‬وغير مهتمين بالتجربة السورية الرائعة السائدة حاليا!‬
‫ول قد أدى الهتمام بالتعل يم باللغات الجنب ية إلى إهمال حر كة التعر يب بل‬
‫وإلى معارض ته من ق بل كثير ين من الكاديمي ين‪ ،‬بل و من ب عض رواد الحدا ثة‬
‫وما بعدها!‪.‬‬
‫إن نا بحا جة إلى إثارة و عي القيادات ال سياسية في الو طن العر بي بخطورة‬
‫المشكلة اللغويبة‪ .‬التبي هبي مبن الخطورة والهميبة بحيبث يصبعب علجهبا أو‬
‫تناول ها من دون إ ستراتيجية واض حة لل صلح اللغوي الشا مل‪ ،‬وذلك في إطار‬
‫خ طة قوم ية أك ثر شمول لعداد القطار العرب ية للدخول إلى ع صر المعلومات‬
‫(‪)3‬‬
‫والمعرفة‪.‬‬

‫‪107‬‬

‫إن رسم الخطة القومية سالفة الذكر يتطلب الجابة عن السئلة التية‪:‬‬
‫كيف نهيئ لغتنا العربية لمطالبة عصر المعلومات؟‬‫كيبف نبعبث الحياة فبي كيان هذه اللغبة العظيمبة تنظيرا‪،‬‬‫وتعليما‪ ،‬واستخداما؟‬
‫كيف نحررها من احتكارية بعض المتخصصين فيها الذين‬‫يدورون حولها ول يردون حوضها؟‬
‫كيف نخرجها من دائرة اهتمام المتخصصين فقط إلى الدائرة‬‫الوسع والشمل‪ .‬وخاصة بعد أن صار علم اللغة الحديث‬
‫يستند – فيما يستند ‪ -‬إلى الرياضيات‪ ،‬والهندسة‪،‬‬
‫والحصاء‪ ،‬والمنطق‪ ،‬والبيولوجي‪ ،‬والفسيولوجي‪،‬‬
‫والسوسيولوجي‪ ،‬وأخيراً علم الحاسوب ونظم المعلومات؟‬
‫كيبف نهتبم بالمعالجبة الليبة للغبة العربيبة‪ ،‬ونعرّب نظبم‬‫التشغ يل‪ ،‬ونن تج لغات برم جة عرب ية‪ ،‬ون ستعد للدخول إلى‬
‫(‪)4‬‬
‫عصر الترجمة اللية عن طريق اللغة العربية‪.‬‬
‫إن التقاعس في هذه المور في غاية الخطورة؛ حيث إن إسرائيل قد تقدمت‬
‫إلى منظمة الوحدة الوروبية لتطوير نظم الترجمة اللية من لغات دول السوق‬
‫إلى الل غة العرب ية (ل العبر ية)؛ وذلك ح تى تتأ هل لدخول ال سواق العرب ية من‬
‫هذا الباب‪ ،‬وحتى تستطيع النفاذ المباشر إلى التفاصيل الفنية الدقيقة لتعريب نظم‬
‫المعلومات‪ ،‬والحتفاظ بالسبرار التكنولوجيبة الدقيقبة لتعريبب نظبم المعلومات‪.‬‬
‫فإذا سمحنا لسرائيل أن تتولى نيابة عنا مهمة معالجة اللغة العربية آلياً‪ ،‬فعندئذ‬
‫( ‪)5‬‬
‫تكون قد حلت بنا كارثة ثقافية كبرى‪.‬‬
‫ضرورة تعليم الناشئة مبادئ البرمجة‪:‬‬
‫إن نظم التشغيل تتعامل حاليا مع اللغة العربية مثلها مثل غيرها من اللغات‬
‫الخرى على مسبتوى عنصبر الحرف ‪ .‬لكبن مبع تقدم نظبم التشغيبل التبي ل‬
‫‪108‬‬

‫محالة‪ ،‬سوف ترت قي هذه الن ظم للتعا مل مع الكل مة العرب ية‪ ،‬أي على الم ستوى‬
‫الصبرفي‪ ،‬ثبم مبع الجملة العربيبة؛ أي المسبتوى النحوي‪ .‬لكبن هذا يحتاج إلى‬
‫جهود المسبتثمرين‪ ،‬ومسباهمة الباحثيبن والخببراء والمطوريبن؛ لن شركات‬
‫المايكروسوفت الجنبية ليس لديها الدافع للنفاق على اللغة العربية‪ ،‬وليس لديها‬
‫الخببراء فبي هذه اللغبة أيضاً‪ .‬لذا يحتاج المبر إلى جهود المخلصبين مبن أبناء‬
‫الوطن العربي في كل هذه المجالت‪.‬‬
‫كمبا أننبا فبي أمبس الحاجبة إلى أن نعلم صبغارنا مبادئ البرمجبة باللغبة‬
‫العرب ية؛ نظراً إلى العل قة الوثي قة ب ين البرم جة والف كر من جا نب‪ ،‬وب ين الف كر‬
‫والل غة من جا نب آ خر‪ .‬و قد عر بت لغات سهلة لل صغار م ثل ل غة "الل جو" ول غة‬
‫"البي سك" إل أن جهود التعر يب قد توق فت – لل سف – هي الخرى‪ ،‬في ظل‬
‫غياب الحماس للتعريب عموماً إضافة إلى أسباب أخرى‪.‬‬
‫النحو منهج للتفكير ونظام للتعبير والتصال ‪:‬‬
‫ول كن أ ين مو قع الن حو من كل هذا؟ و ما دوره في تدر يس العرب ية وح فظ‬
‫نظامها؟‬
‫إن الغاية من تدريس النحو إرساء النظام اللغوي في الذهن‪ ،‬وإقامة اللسان‪،‬‬
‫وتجنب اللحن في الكلم؛ فإن تحدث المتعلم أو قرأ أو كتب كان واضح المعنى‪،‬‬
‫مستقيم العبارة‪ ،‬جميل السلوب‪.‬‬
‫إن تعلم الل غة العرب ية إن ما هو عمل ية ذهن ية واع ية لكت ساب ال سيطرة على‬
‫النماط ال صوتية والنحو ية والمعجميبة‪ ،‬من خلل درا سة هذه النماط وتحليلهبا‬
‫بوصفها محتوى معرفياً‪ .‬فتعلم اللغة يستند إلى الفهم الواعي لنظام اللغة كشروط‬
‫(‪)6‬‬
‫لتقانها‪ .‬فالكفاية المعرفية سابقة على الداء اللغوي وشرط لحدوثه‪.‬‬

‫‪109‬‬

‫النظريات اللغوية وموقفها من النحو‪:‬‬

‫لكن تدريس النحو قد خضع لنظريات لغوية حددت موقفها عبر التاريخ‪.‬‬

‫إن الن حو العر بي من ح يث محتواه وطرائق تدري سه ب ك ما يعلم عند نا ب‬
‫ليبس علماً لتربيبة الملكبة اللسبانية العربيبة‪ ،‬وإنمبا هو علم تعليبم وتعلم صبناعة‬
‫القوا عد النحو ية! و قد أدى هذا مع مرور الز من‪ ،‬إلى النفور من دار سته‪ ،‬وإلى‬
‫ضعف الناشئة في اللغة ذاتها‪.‬‬
‫إن جو هر المشكلة ل يس في الل غة ذات ها‪ ،‬إن ما هو في كون نا نتعلم العرب ية‬
‫قوا عد صنعة‪ ،‬وإجراءات تلقين ية‪ ،‬وقوالب صماء‪ ،‬نتجرع ها تجرعا عقي ما‪ ،‬بدل‬
‫(‪)7‬‬
‫من تعلمها لسان أمة‪ ،‬ولغة حياة‪.‬‬
‫إ نه ل يم كن ف هم دور الن حو في تدر يس الل غة العرب ية‪ ،‬دون ف هم النظريات‬
‫التي تفسر نظام اللغة‪ ،‬وتحكم طرائق تعليمها وتعلمها على مر العصور‪.‬‬

‫ويمكبن القول بب بصبفة عامبة بب إن تفسبيرَ نظام اللغبة وطريق َة تعليمهبا‬
‫وتعلم ها‪ ،‬والوقو فَ على دور الن حو في ذلك‪ ،‬قد مر عبر الع صور من خلل‬
‫ثلث نظريات رئيسية هي ‪:‬‬
‫النظرية البنيوية‬‫والنظرية السلوكية‬‫والنظرية المعرفية‬‫وسبنعرض لكبل نظريبة مبن هذه النظريات‪ ،‬ولدور النحبو فيهبا مبن حيبث‬
‫المبنى والمعنى والتعليم والتعلم فيما يأتي من هذه الورقة‪.‬‬
‫النظرية البنيوية‬
‫يرى البا حث أن "البنيو ية" ا سم حد يث ن سبياً لطروحات قدي مة‪ .‬بدأ ها المام‬
‫عبدالقاهر الجرجاني ب المتوفى سنة ‪471‬هب ب فيما يسمى بنظرية "النظم" التي‬
‫تناول ها بالتفصيل في كتا به‪ :‬دلئل العجاز‪ .‬ثم أعاد طرحها ب بشكل أو بآ خر‬
‫بب دي سبوسير تحبت اسبم "البنيويية"‪ .‬ثبم أعاد الحديبث عنهبا تشومسبكي فبي‬
‫الستينات من القرن العشرين تحت اسم النظرية "التحويلية التوليدية" أو "النحو‬
‫التوليدي"‪ ،‬الذي ظبن كثيبر مبن الباحثيبن أنهبا ثورة فبي كيفيبة تعلم اللغبة غيبر‬
‫مسبوقة!‬
‫‪110‬‬

‫البنيوية بين عبدالقاهر‬
‫ودي سوسير وتشومسكي‬
‫نظرية النظم عند عبدالقاهر‪:‬‬
‫اهتم السابقون على المام عبدالقاهر الجرجاني باللفاظ وجعلوا لها شأنا‬
‫كببيرا فبي تحقيبق بلغبة الكلم‪ .‬ورفبض عبدالقاهبر ذلك بشدة‪ ،‬على اعتبار أن‬
‫اللفاظ عنده تاب عة للمعا ني‪ ،‬وأ نه "ل يت صور أن تعرف لل فظ موضعاً من غ ير‬
‫أن تعرف معناه‪ ،‬ول أن تتوخبى فبي اللفاظ مبن حيبث هبي ألفاظ ترتيبا ونظما‪،‬‬
‫وإن ما تتو خى الترت يب في المعا ني‪ ،‬وتع مل الف كر هناك‪ ،‬فإذا تم لك ذلك اتبعت ها‬
‫اللفاظ وقفوت ب ها آثار ها‪ .‬وإ نك إذا فر غت من ترت يب المعا ني في نف سك‪ ،‬لم‬
‫تح تج إلى أن ت ستأنف فكراً في ترت يب اللفاظ؛ بل تجد ها تتر تب لك بح كم أنها‬
‫خدم للمعاني‪ ،‬وتابعة لها‪ ،‬ولحقة بها‪ .‬إن العلم بمواقع المعاني في الن فس‪ ،‬علم‬
‫( ‪)8‬‬
‫بمواقع اللفاظ الدالة عليها في النطق‪.‬‬
‫فالعجاز في النص القرآني أو النص الدبي البليغ عند عبدالقاهر ل يكمن‬
‫في اللفاظ بالدرجة الولى‪ ،‬وإنما يكمن في الفكار‪ .‬فطريقة بناء الفكرة وترتيبها‬
‫وإخراج ها هي أ ساس البل غة‪ .‬والبل غة ال تي تر جع إلى الف كر أك ثر من الل فظ‬
‫تج عل لغت ها عالم ية‪ ،‬ي ستمتع ب ها أ صحاب اللغات الخرى ح ين تتر جم ل هم‪ .‬فلن‬
‫يستمتع غير العربي ب مثل ب بنص عربي يترجم له‪ ،‬إذا كان كل ما يميزه هو‬
‫مجموعة من اللفاظ العرب ية الجميلة لن الترجمة لن تستطيع مهما بلغت دقتها‬
‫( ‪)9‬‬
‫نقل جمال اللفاظ العربية‪ ،‬وإنما يستمتع حيث يكون النص ذا قيمة فكرية‪.‬‬
‫إن ال ّنظْم عند عبدالقاهر ذو مستويين‪ :‬مستوى فكري نفسي‪ ،‬ومستوى لفظي‬
‫صوتي‪ ،‬والول هو الذي يستدعي الثاني ويؤلفه‪ ،‬وليس العكس‪ .‬فهو يربط بين‬
‫البلغبة ‪ -‬باعتبارهبا فناً قوليا ‪ -‬وبيبن الفنون الجميلة الخرى‪ ،‬مثبل الرسبم‬
‫والن حت والت صوير والن قش‪ .‬ويرى أن الفنان هو الذي ي هب المادة الخام وجوداً‬
‫جديداً‪ ،‬ف قد يتناول اثنان قط عة من الح جر‪ ،‬فيش كل وا حد منه ما من هذه المادة‬
‫‪111‬‬

‫تمثالً رائع الدقة والجمال‪ ،‬يكاد ينطق بالمعاني التي أودعها فيه الفنان‪ ،‬في حين‬
‫يصنع منها الخر مسخا مشوها ل يعبر عن شيء‪ .‬وهنا تجد الفارق كبيراً بين‬
‫الصبورتين مبع أنهمبا فبي الصبل مبن مادة واحدة‪ .‬وكذلك الحال بيبن الشاعبر‬
‫(‪)10‬‬
‫والشاعر الخر في توخيهما معاني النحو ووجوهه التي هي محصول ال ّنظْم‬
‫والعمل البلغي الجميل في نظرية عبدالقاهر ل يمكن الفصل فيه بين الشكل‬
‫والمضمون‪ .‬ول يم كن الن ظر ف يه إلى كل جزئ ية على حده‪ .‬ولك نه ي جب الن ظر‬
‫إليه باعتباره كلً متماسكاً‪ .‬فالنظم من النظام‪ .‬فلو أخذنا مثل جزءاً من التمثال‬
‫الجميبل كأنبف التمثال‪ ،‬وفصبلناه عبن بقيبة الجسبم‪ ،‬فإنبه ل يمكبن الحكبم عليبه‬
‫بالجمال أو عدمه‪ ،‬إنما يحكم عليه بموضعه من التمثال وتناسقه معه‪.‬‬
‫كذلك المر في الفن القولي؛ فال ّنظْم أن تكون كل جزئية فيه في خدمة النظام‬
‫العام‪ .‬وأن تكون كل جزئية في مكانها من التعبير تقديماً أو توسطا أو تأخيرا‪.‬‬
‫وأن تكون هناك علة وسببب يقتضبي وضبع كبل جزئيبة فبي مكانهبا‪ ،‬حتبى لو‬
‫وضعت جزئية في غير مكانها لختل ال ّنظْم‪ .‬وهذا ل يمكن أن تحققه اللفاظ ول‬
‫غراببة الكلمات ول خفتهبا‪ ،‬وإنمبا يكون بمراعاة المعانبي النحويبة للكلمات‪،‬‬
‫وموافقة هذه المعاني النفسية‪.‬‬
‫فالنظم إذن عند عبدالقاهر هو إدراك المعاني النحوية والملءمة بينها وبين‬
‫المعا ني النف سية في ن سج الكلم وتركي به‪ .‬أو بمع نى آ خر‪ :‬هو إدراك المعا ني‬
‫(‪)11‬‬
‫النحوية‪ ،‬واستغلل هذا الدراك في حسن الختيار والتأليف‪.‬‬
‫وليس المقصود بالمعاني النحوية هنا المعنى الشائع للنحو‪ ،‬الذي هو إعراب‬
‫أواخبر الكلم‪ ،‬ونطبق الكلم حسبب القواعبد العرابيبة‪ .‬وإنمبا المقصبود بقيبة‬
‫القرائن النحويبة مبن الذكبر والحذف‪ ،‬والتقديبم والتأخيبر‪ ،‬والبتداء والخبار‪.‬‬
‫فتنظر في وجوه كل باب وفروقه‪ .‬فتعرف لكل حال موضعها‪ .‬وتجيء بها حيث‬
‫ينبغي لها‪ ،‬وتوضع في معناها الخاص الذي يلئم المعاني النفسية في نسج الكلم‬
‫وتركيبه‪ .‬فالسم ‪ ،‬أي اسم‪ ،‬قد تجيء به فاعل مرة‪ ،‬وقد تجيء به مفعول مرة‬
‫أخرى‪ ،‬وقد تقدمه مرة ثالثة‪ ،‬وقد تؤخره مرة رابعة‪ ،‬لنه يدل على معنى نفسي‬
‫‪112‬‬

‫خاص في ن ظم الكلم وتركي به في كل حالة‪ .‬فهناك فوارق ب مثل ب ب ين أن‬
‫تقول ‪ :‬زيبد ينطلق وينطلق زيبد‪ ،‬وزيبد المنطلق‪ ،‬والمنطلق زيبد ‪ ...‬وهناك‬
‫فوارق فبي وجوه الشرط والجزاء بب مثل بب بيبن أن تقول ‪ :‬إن تخرج أخرج‪،‬‬
‫وإن خرج تَ خرج تُ‪ ،‬وإن تخرج فأ نا خارج‪ .. ،‬وكذلك ال مر في الحال‪ ،‬و في‬
‫الفاعل والمفعول ‪ ..‬إلخ‬
‫إذن لكي يتحقق ال ّنظْم ل يكتفى بالدراك الواعي للمعاني النحوية‪ ،‬بل لبد‬
‫مبن إدراك كيفيبة اسبتغلل هذه المعانبي فبي بناء العبارة ونسبجها‪ ،‬فبناء العبارة‬
‫ونسبجها عنبد عبدالقاهبر‪ -‬يتطلب أمريبن‪ :‬الول الختيار والثانيي التألييف‪ .‬أميا‬
‫الختيار فيراد به اختيار الكلمة المناسبة للمعنى النفسي لدى الديب‪ .‬وهنا ينبغي‬
‫إدراك أ نه ح تى في المترادفات‪ ،‬هناك كل مة أف ضل من كل مة في سياق مع ين‪،‬‬
‫بينما الخرى قد تكون هي الفضل في سياق آخر‪ .‬أما التأليف فيراد به وضع‬
‫كل كل مة في مكان ها المنا سب من العبارة وف قا لمعنا ها النحوي؛ فو ضع الكل مة‬
‫موضع البتداء يختلف عن وضعها موضع الخبار‪ .‬ومجيء الخبر مقدما يختلف‬
‫عبن مجيئه فبي موضعبه مؤخرا‪ .‬ومجيبء المفعول مقدماً على الفعبل والفاعبل‬
‫يختلف عن مجيئه في موض عه بعده ما ‪ ..‬وهكذا ‪ ..‬فال عبرة بمدى وفاء الكل مة‬
‫(‪)12‬‬
‫للمعاني النفسية في نسج الكلم وتركيبه‪.‬‬
‫اللغويون المحدثون‪:‬‬
‫وقد حاول الباحثون ب على نحو ما فعل عبدالقاهر ب بناء ماسماه بنظرية‬
‫إ سلمية لل غة‪ ،‬تقوم على أ ساس أن الل غة عمل ية عقل ية معقدة تتجلى في تو خي‬
‫معا ني الن حو ب ين معا ني الكلمات بناء على مقتضيات الع قل ‪ ،‬لبناء تراك يب في‬
‫الذهبن متطابقبة مبع مقاصبد المتكلم وأغراضبه‪ .‬هذه التراكيبب أسباسها المعانبي‬
‫النحويبة والمعانبي المعجميبة‪ ،‬حيبث إن عمليات التفكيبر العقليبة ل تتعامبل مبع‬
‫معاني الكلمات مفردة‪ ،‬بل تتعامل معها عندما تكون مرتبطة بمعاني النحو‪ .‬هذه‬
‫العمليات العقلية تربط أغراض المتكلم بهذه التراكيب في داخل الذهن‪ ،‬ثم تربط‬
‫‪113‬‬

‫هذه التراكيبب مبع شكلهبا الصبوتي بب اللفاظ بب فبي خارج الذهبن‪ ،‬فبي الفبم‬
‫(‪)13‬‬
‫واللسان والبلعوم‬
‫وعلى هذا ترى هذه النظر ية أن المعا ني هي ال ساس في ترك يب الكلم‪،‬‬
‫بينما تبقى الصوات ب أي اللفاظ ب تابعة لهذه المعاني وخادمة لها‪ .‬كما ترى‬
‫هذه النظرية أن اختلف اللسن بين البشر آية من آيات ال‪ ،‬قال تعالى‪ " :‬ومن‬
‫آياتبه خلق السبموات والرض واختلف ألسبنتكم وألوانكبم إن فبي ذلك ليات‬
‫للعالمين"‪( .‬الروم‪)22 :‬‬
‫ويرى صاحب هذه الفكرة أن ال قد أودع في جهاز اكتساب اللغة وإنتاجها‬
‫قوانيبن أسباسية لي لغبة إنسبانية فبي كبل زمان ومكان‪ .‬فمعانبي الكلم‪ :‬الخببر‬
‫وال ستفهام والتع جب وال مر والن هي‪ ،‬و ما إلى ذلك‪ ،‬كل ها متوفرة لجم يع الب شر‪.‬‬
‫إضا فة إلى ذلك فقانون ال سناد من م سند وم سند إل يه هو الركيزة ال ساسية في‬
‫بناء الكلم الن ساني‪.‬وعمل ية ال سناد هذه تقوم على قوا عد التعل يق ال تي ذكر ها‬
‫الجرجاني‪ .‬وهي قواعد فطرية وضعها ال في ذهن النسان‪ .‬وترى أن السم له‬
‫أهميبة كببيرة فبي عمليبة السبناد مقارنبة بالفعال والحروف التبي ل تقوم بهذا‬
‫الدور‪ .‬قال تعالى ‪" :‬وعلم آدم السبماء كلهبا ثبم عرضهبم على الملئكبة فقال‬
‫أنبئوني بأسماء هؤلء إن كنتم صادقين" (البقرة‪)31:‬‬
‫وترى هذه النظريبة أن قواعبد التعليبق السبابق الشارة إليهبا تسباعد على‬
‫وصبف الختلف بيبن اللغات‪ .‬كمبا يرى صباحب هذه الدراسبة أن النظريبة‬
‫ال سلمية لل غة والفكار ال تي ا ستندت إلي ها‪ ،‬ل ها إمكانات هائلة لم تتح قق ب عد‪.‬‬
‫(‪)14‬‬
‫ويمكن تحقيقها إذا توفرت لها الهمم والعزائم والرغبات الصادقة‪.‬‬

‫العمومية اللغوية والعمومية في لغة الجينات‪:‬‬
‫ويم كن الر بط ب ين القوان ين ال ساسية لكت ساب الل غة وإنتاج ها في الت صور‬
‫السلمي السابق‪ ،‬وبين ماسماه بعض الباحثين ب وهو بصدد بيان أوجه اللتقاء‬
‫والفتراق ب ين الل غة الن سانية ول غة الجينات ب بالعموم ية اللغو ية‪ )15(.‬ف قد ث بت‬
‫نظرياً‪ ،‬ومبن خلل البحوث الميدانيبة للنثربولوجيبا اللغويبة‪ ،‬أن جميبع اللغات‬
‫‪114‬‬

‫ال ساسية تشترك في خ صائص عديدة‪ ،‬سواء على م ستوى ال صوتيات‪ ،‬أو بن ية‬
‫الكلمات‪ ،‬أو تراكيب الجمل وأنماطها‪ .‬أما لغة الجينات فهي ل غة عامة مشتر كة‬
‫بين جميع الكائنات‪ .‬وهي تتسم بدرجة عالية من العمومية‪ ،‬حيث تستخدم نفس‬
‫البجد ية الرباع ية‪ ،‬ون فس الكود الورا ثي‪ ،‬أو مع جم الكلمات (الكودونات)‪ ،‬ال تي‬
‫تشفر لنفس مجموعة الحماض المينية‪.‬‬
‫وتفيبد القراءة فبي سبفر النسبان أو الجينوم البشري (‪ )16‬أن المادة الوراثيبة‬
‫ل كل الناس سواء‪ .‬ن حن الب شر جمي عا نشترك في ‪ %99.9‬من مادت نا الوراث ية؛‬
‫بت ضئيلة جدا‪،‬‬
‫بن الشعوب ضئيلة جداً‪ .‬وهذه الفروق‪ ،‬وإن كانب‬
‫فالختلفات بيب‬
‫موجودة‪ .‬وسبتجد مبن يضخبم فيهبا مبن العنصبريين وأنصبار تميبز الجناس‪،‬‬
‫وخاصة ممن يمتلكون العلم في زماننا؛ فمن يمتلك العلم هو صاحب القوة‪.‬‬
‫ولكن ينبغي الحاطة بأنه رغم العمومية اللغوية والعمومية في لغة الجينات‪،‬‬
‫إل أن عمومية لغة الجينات تفوق عمومية اللغات النسانية‪ ،‬نظراً لوحدة أبجدية‬
‫لغة الجينات‪ ،‬واختلف أبجدية اللغات النسانية واختلف معاجمها‪ .‬إل أنه يبقى‬
‫أنهما يشتركان في صفة العموم ية‪ ،‬ول ينب غي استبعاد أن العموم ية اللغوية هي‬
‫نتاج العموم ية في ل غة الجينات‪ ...‬وذلك يحتاج إلى المز يد من الب حث بالتعاون‬
‫مع العلماء المهتمين بكشف أسرار خريطة الجينوم البشري‪ ،‬والعلقة بين اللغة‬
‫وبين البيولوجيا الجزيئية‪.‬‬
‫الخاصية التوليدية عند عبدالقاهر‪:‬‬
‫لقبد واجبه اللغويون قديمبا وحديثبا سبؤالً مهما هبو‪ :‬كييف للغية النسيانية‬
‫المحدودة من ح يث عدد الحروف والكلمات أن تولد هذه العداد اللنهائ ية من‬
‫التعاب ير اللغو ية؟ وجاءت الجا بة من ق بل على يد عبدالقا هر الجرجا ني‪ ،‬في‬
‫سياق حديثه عن المعاني النحوية التي هي الساس في تشكيل ال ّنظْم‪ .‬فهو يرى‬
‫أن النظم إنما يكون بمراعاة المعاني النحوية للكلمات وموافقتها للمعاني النفسية‪.‬‬
‫فالمقصود بالمعنى النحوي هو الدور الذي تؤديه الكلمة في التركيب‪ ،‬واختلف‬
‫هذا الدور للكلمة الواحدة باختلف التراكيب التي توضع فيها هذه الكلمة‪.‬‬
‫‪115‬‬

‫إذن فالكل مة الواحدة تكت سب معا ني كثيرة بح سب المكا نة ال تي تأخذ ها في‬
‫التراكيب‪ ،‬فإن جاءت فاعلً يكون لها معنى‪ ،‬وإن جاءت مفعول يكون لها معنى‬
‫آ خر‪ ،‬وإن جاءت ظرفاً يكون ل ها معنبى ثالث‪ ،‬وإن جاءت حالً‪ ،‬أو تمييزا‪ ،‬أو‬
‫مضافا إل يه‪ ،‬أو مبتدأ‪ ،‬أو خبراً‪ ،‬أو ا سما لن أو خبرا لكان ‪ ...‬الخ فإن ها ت عبر‬
‫عن معان مختلفة‪ .‬وأحيانا تأتي نفس الكلمة مصاغة في صيغة معينة‪ ،‬كصيغة‬
‫المبال غة‪ ،‬أو ا سم الفا عل‪ ،‬أو ال صفة المشب هة‪ ،‬أو ا سم المفعول؛ فيختلف المع نى‬
‫النحوي لهبا فبي كبل حالة‪ .‬وكذلك المبر إذا جاءت على وزن فعَل بفتبح العيبن‬
‫فإنهبا تختلف عنهبا هبي نفسبها إذا جاءت على وزن فعُل بضبم العيبن ‪ ..‬وهكذا‬
‫وهلم جراً‪.‬‬
‫والجد ير بالملح ظة ه نا أن اختلف و ضع الكل مة في الترك يب يولد معا ني‬
‫نحو ية كثيرة‪ .‬والعرب ية ه نا من أغ نى لغات العالم‪ .‬ل كن الجدر بالملح ظة ه نا‬
‫أيضاً هبو أن إدراك الفوارق الدقيقبة التبي يحدثهبا تغييبر مكانبة كبل كلمبة فبي‬
‫الجملة‪ ،‬وإدراك الوضع المناسب للكل مة بحيث تغطي المعنى النفسي المطلوب‪،‬‬
‫هو الذي يحقق معنى ال ّنظْم‪ ،‬وهو سر البلغة في القول البليغ‪.‬‬
‫وقبد عببر المام عببد القاهبر عبن هذا "التوليبد النحوي" الذي يحدث نتيجبة‬
‫الوضبع الدقيبق للكلمبة فبي الجملة أو العبارة‪ ،‬وقبد أعطبى مثالً لذلك بقوله‪:‬‬
‫"فلين ظر في ال خبر إلى الوجوه ال تي ترا ها في قولك ز يد منطلق‪ ،‬وز يد ينطلق ‪،‬‬
‫وينطلق زيبد‪ ،‬ومنطلق زيبد‪ ،‬وز يد المنطلق‪ ،‬وز يد هو المنطلق‪ ...‬ولننظبر في‬
‫الشرط والجزاء إلى الوجوه ال تي ترا ها في قولك إن تخرج أخرج‪ ،‬وإن خرج تَ‬
‫خرجتبُ‪ ،‬وإن تخرج فأنبا خارج‪ ،‬وأنبا خارج إن خرجبت‪ ،‬وأنبا إن خرجبت‬
‫خارج‪.‬كما يمكن النظر في الحال إلى الوجوه التي تراها في قولك‪ :‬جاءني زيد‬
‫م سرعاً‪ ،‬وجاء ني ي سرع‪ ،‬وجاء ني و هو م سرع‪ ،‬وجاء ني و قد أ سرع (‪ )17‬وهكذا‬
‫ي تم تول يد المعا ني النحو ية الكثيرة من ألفاظ قليلة وذلك باختلف مو ضع الكل مة‬
‫في الجملة‪ ،‬وبإدراك المعاني الدقيقة للكلمة في السياق‪ ،‬مما يولد المعاني النحوية‬
‫المختلفة‪.‬‬
‫‪116‬‬

‫النحو التوليدي لدى عبدالقاهر وتشومكسي‪:‬‬
‫وقد جاءت الجابة عن السؤال السابق‪ .‬وهو كيف للغة النسانية المحدودة‬
‫الحروف والكلمات أن تولد هذه العداد اللنهائيية مين التعابيير اللغويية؟ على‬
‫ل سان تشوم سكي صاحب نظر ية "النحيو التوليدي" فبي الع صر الحد يث‪ ،‬ال تي‬
‫تتناول كيفيبة توليبد الصبيغ اللغويبة المتعددة مبن الكلمات وأشباه الجمبل والتبي‬
‫تلخصها مقولته الشهيرة‪ :‬اللغة هي الستخدام اللمحدود لموارد محدودة‪.‬‬
‫ويو جه نب يل علي الن ظر إلى العل قة في الخا صية التوليد ية ب ين البيولوج يا‬
‫الجزيئ ية وب ين الل غة‪ .‬فإذا كا نت الل غة ت ستطيع أن تولد معا ني نحو ية كثيرة من‬
‫مفردات وحروف قليلة‪ ،‬ف قد أظ هر مشروع الجينوم خ طأ التقديرات ال سابقة لعدد‬
‫جينات النص الوراثي البشري‪ ،‬والتي تقدر حاليا بمال يزيد عن ‪ 35‬ألف جين‪،‬‬
‫إذ ل ببد أن يكون هذا الرقبم غيبر دقيبق‪ ،‬وإل فكيبف لهذا العدد المحدود مبن‬
‫الجينات أن يولد كببل هذه البروتينات والنزيمات والوظائف الفسببيولوجية‪،‬‬
‫والخصائص البيولوجية والغرائز النفسية؟ لكن الجابة جاءت عن طريق نظرية‬
‫النحبو التوليدي التبي تتناول توليبد الصبيغ اللغويبة المتعددة مبن حروف وكلمات‬
‫ومقاطع محدودة‪.‬‬
‫و في ظل ماطرحناه من "التول يد النحوي" الذي بدأه عبدالقا هر‪ ،‬وب نى حوله‬
‫تشومكسبي نظريتبه اللغويبة‪ ،‬ل يبدو غريببا أن يكون عنوان المحاضرة التبي‬
‫ألقا ها أ حد علماء البيولو جي في ح فل من حه جائزة نو بل هو ‪ :‬التول يد النحوي‬
‫(‪)18‬‬
‫للحياة‬
‫ثنائية البنية اللغوية‪:‬‬
‫لقد أقام المام عبدالقاهر نظريته في ال ّنظْم على ثنائية المعاني واللفاظ‪ .‬إل‬
‫أنه قد أعلى من شأن المعاني وجعلها الساس في اختيار اللفاظ وتركيبها‪ ،‬حيث‬
‫قال‪ :‬إ نه ل يت صور أن تعرف لل فظ موضعاً من غ ير أن تعرف معناه‪ ،‬ول أن‬
‫تتوخى في اللفاظ‪ ،‬من حيث هي ألفاظ ترتيباً ونظما‪ ،‬وإنما تتوخى الترتيب في‬
‫المعا ني‪ ،‬وتع مل الف كر هناك‪ .‬فإذا تم لك ذلك اتبعت ها اللفاظ وقفوت ب ها آثار ها‪.‬‬
‫‪117‬‬

‫وإ نك إذا فر غت من ترت يب المعا ني في نف سك لم تح تج إلى أن ت ستأنف فكراً في‬
‫ترتيب اللفاظ‪ ،‬بل ستجدها تتر تب لك بحكم أن ها خدم للمعاني وتابعة لها‪ ،‬ولحقة‬
‫بهبا‪ .‬وإن العلم بمواقبع المعانبي فبي النفبس‪ ،‬علم بمواقبع اللفاظ الدالة عليهبا فبي‬
‫(‪)19‬‬
‫النطق‪.‬‬

‫على النسبق نفسبه تقريبا أقام تشومكسبي نظريتبه اللغويبة على أسباس أن‬
‫منظومة اللغة ذا تُ بنية ثنائية‪ .‬ويقصد بذلك أن الجملة اللغوية لها بنية سطحية‬
‫ظاهرة هي تلك التي ننطق بها (أي اللفاظ)‪ ،‬وبن ية منطق ية عمي قة‪ ،‬وهي البن ية‬
‫ال تي تتش كل في مخ صاحب الجملة ق بل الن طق ب ها (أي المعا ني المرت بة)‪...‬‬
‫وعملية الخراج الصوتي هي عملية تحول هذه البنية العميقة‪ ،‬أي البنية الفكرية‪،‬‬
‫وقبد تجسبدت ألفاظاً‪ ،‬وأصبواتا‪ ،‬ونببراً وتنغيما‪ ،‬وتقديما وتأخيرا‪ ،‬وإظهاراً‪،‬‬
‫وحذفا‪ ،‬وإضماراً ‪ ...‬إلخ‪.‬‬
‫وهكذا نرى أن الثنائيبة اللغويبة لدى العالميبن واضحبة‪ .‬ولكننبا نرى أن‬
‫عبدالقاهر كان مبدعاً في تأكيده أن بنية اللغة إنما تبدأ في الذهن بالوقوف على‬
‫المعاني وترتيبها‪ ،‬والعلم بمواقعها في النفس‪ ،‬وما يستتبع ذلك من دقة الختيار‬
‫والترت يب لللفاظ المنطو قة‪ .‬ورب ما كان ذلك هو ال سبب في أن دي سوسير قد‬
‫سمى الفكار والمعاني "البنية العميقة"‪.‬‬
‫لكن نا ب مع ذلك ب نف هم من مع نى "النّظْم" أن عبدالقا هر قد ج عل الثنائ ية‬
‫تتلشبى فبي عنصبر ثالث هو النّظْم‪ .‬وجعبل البل غة كل متكاملً مبن المعنبى‬
‫واللفظ معاً‪ .‬وبما أن الكل أكبر من مجموع الجزاء‪ ،‬فالنظم ب إذن ب عنصر‬
‫(‪.)20‬‬
‫ثالث‪ .‬فالثنائية اللغوية قد تحولت على يديه إلى ثلثية‬
‫دي سوسير والبنيوية‪.‬‬
‫جاء اللغوي السويسري فردينان دي سوسير في بداية القرن العشرين ليؤكد‬
‫ما قاله عبدالقا هر من ق بل ثمان ية قرون؛ فالل غة في رأ يه "نظام" من العنا صر‬
‫القواعد ية والمعجم ية المتراب طة‪ .‬ف هي لي ست تلك الظاهرة المتمثلة في التجليات‬
‫ال سطحية من اللفاظ والعبارات والن صوص؛ فت حت ظا هر سطحها‪ ،‬تر قد بن ية‬
‫‪118‬‬

‫عمي قة متعددة العنا صر والم ستويات؛ ن سق معر في من العلقات الفكر ية ال تي‬
‫تربط بين الفكار واللفاظ؛ وبين مكونات تركيب الجمل والفقرات؛ وبين المعنى‬
‫وال سياق؛ وب ين أ صل الل فظ ومشتقا ته؛ وب ين تنغ يم الكلم ون ية المتكلم ‪ ..‬وهلم‬
‫جراً‪ .‬وهذه العلقات في طبيعتها ليست علقا تٍ اعتباطية عشوائية‪ ،‬بل يحكمها‬
‫عدد من المبادئ العامة التي تشترك فيها جميع اللغات‪ ،‬كما سبق القول‪.‬‬
‫ل قد قا مت البنيو ية لدى دي سوسير على ثنائ ية الر مز ومدلوله‪ ،‬ليم هد بهذه‬
‫الثنائية للقاء اللغة مع المعلوماتية وجوهوها الثنائي المعروف‪.‬‬
‫ولما كانت اللغة هي "سندريل"(‪ )21‬العلوم ورابطة العقد في خريطة المعرفة‬
‫الن سانية‪ ،‬ف قد امتدت البنيو ية إلى مجالت معرف ية أخرى ‪ .‬وكان أن طب قت في‬
‫مجالت علم النفبس‪ ،‬ونقبد الدب والشعبر‪ ،‬والتنظيمات السبياسية والجتماعيبة‪.‬‬
‫وقد يكون من المناسب في هذا المجال القول بأن عبدالقاهر كان أول من وضع‬
‫أسسا علمية لنقد الدب والشعر‪ ،‬وهي تلك التي أشار إليها في نظريته لل ّنظْم التي‬
‫سبقت الشارة إليها‪.‬‬
‫وتقوم البنيويبة لدى دي سبوسير على ركيزتيين ‪ :‬الولى وجود علقبة‬
‫عضوية بين الرمز اللغوي ومعناه‪ ،‬والثانية ضرورة الفصل في التحليل البنيوي‬
‫ب ين الموضوع‪ ،‬وب ين وج هة الن ظر الذات ية للش خص القائم بعمل ية التحل يل؛ وذلك‬
‫ضمانا للموضوعية في التحليل‪ .‬سواء كان موضوع التحليل موضوعاً أدبياً أو‬
‫أسطورة أو تنظيماً اجتماعياً‪.‬‬
‫العولمة تستخدم التفكيكية في هجومها الحالي ‪:‬‬
‫تختلف التفكيكية مع التوجيهين السابقين ؛ فالرمز اللغوي أو اللفظ ل يحيل‬
‫إلى معنى بعينه‪ ،‬كما في البنيوية‪ ،‬بل يحيل إلى رمز آخر‪ ،‬والرمز الخر يحيل‬
‫إلى ر مز آ خر ‪ ..‬وهكذا ت سلم الرموز بعض ها إلى ب عض بطري قة ي ستحيل مع ها‬
‫الوصول إلى معنى نهائي‪ .‬فالمعنى ب بالتالي ب مرجأ دوماً ‪ ..‬ليظل الكاتب أو‬
‫(‪)22‬‬
‫القارئ يدور في حلقة مفرغة يستحيل معها الوصول إلى معنى نهائي‪.‬‬
‫‪119‬‬

‫وبناء على هذا الرجاء والسبتحالة فبي الوصبول إلى المعنبى‪ ،‬أطلقبت‬
‫التفكيكيبة حريبة قراءة النصبوص‪ ...‬حتبى النصبوص المقدسبة‪ .‬فهناك عدد ل‬
‫نهائي مبن القراءات المحتملة لكبل نبص‪ ،‬وفقبا لخلفيبة القارئ وهدفبه مبن وراء‬
‫القراءة‪ .‬وعلى هذا الساس جاءت نظرية القراءة التي أسسها جاك دريدا‪ ،‬والتي‬
‫اسبتحدثت منهجاً لتفكيبك النبص المكتوب‪ ،‬والكشبف عبن تناقضاتبه الكامنبة‪،‬‬
‫(‪.)23‬‬
‫وثغرات فكر مؤلفه‪ ،‬ومناوراته اللغوية‪.‬‬
‫والن تسبتخدم العولمبة السبلوب التفكيكبي فبي هجومهبا على الثقافات‬
‫الخرى‪ ،‬وخاصبة الثقافبة العربيبة السبلمية‪ ،‬بقصبد تقطيبع أوصبالها ‪ ،‬وعزل‬
‫ثوابتها عن متغيراتها‪ ،‬ثم إعادة بنائها على نحو جديد لخدمة أغراض المعولِمين!‬
‫البنيوية وتدريس النحو‪:‬‬
‫ما دور النحو في الحفاظ على اللغة؟ وكيف يدرس وفقا لهذه النظرية؟‬
‫إن المد خل في تدر يس الل غة ب وفقاً لهذه النظر ية ب هو شرح النظام النحوي‬
‫والصرفي ( البنية العميقة) ثم النطلق من هذه المعاني النحوية وقواعدها إلى‬
‫المهارات اللغويبة الخرى والتطببيق عليهبا‪ ،‬مبن خلل اللفاظ والجمبل والمثلة‬
‫والشوا هد والن صوص ‪ ..‬إلخ و هو مان سميه حال يا بالطري قة "القيا سية" في تعل يم‬
‫الل غة العرب ية للناطق ين ب ها‪ ،‬وطري قة "الن حو والترج مة" في مجال تعل يم الل غة‬
‫العربية لغير الناطقين بها‪.‬‬
‫لقبد ظبن البعبض أن الطريقبة القياسبية تعود إلى عصبر النهضبة فبي البلد‬
‫الورب ية‪ ،‬كأ ثر من آثار الممار سة في اللغت ين اليونان ية واللتين ية‪ .‬ل كن التار يخ‬
‫يروي ل نا أن هذه الطري قة عمي قة في ممار سة تعل يم الل غة في التار يخ العر بي‬
‫السبلمي‪ ،‬خاصبة فبي كتاب سبيبويه‪ ،‬وكتبب اببن عقيبل‪ ،‬وشذور الذهبب‪،‬‬
‫والشمو ني وغير ها من الك تب ال تي تب عت الطري قة القيا سية في تعل يم العرب ية‬
‫لبنائها وطريقة النحو والترجمة في تعليم العربية لغير الناطقين بها‪.‬‬

‫‪120‬‬

‫والطريقية القياسيية هبي إحدى طرق التفكيبر التبي يسبتخدمها العقبل فبي‬
‫الو صول من المعلوم إلى المجهول‪ .‬والف كر في القياس ينت قل من القاعدة العا مة‬
‫إلى الحالت الجزئيببة بناء على القاعدة؛ أي مببن القانون العام إلى الحالت‬
‫الخاصة‪.‬ولما كانت الجزيئات قد ل تنطوي كلها تحت القاعدة العامة ؛ فقد أدى‬
‫هذا إلى الحذف ‪ ،‬والتقدير‪ ،‬والتأويل‪ ،‬واختلف الراء في المسألة الواحدة‪ .‬لكن‬
‫المشكلة أن تدر يس الن حو صار غا ية في ذا ته لدى المتأخر ين؛ ح يث ن ظر إل يه‬
‫على أنبه وسبيلة لتنميبة ملكات العقبل وطريقبة التفكيبر‪ ،‬بصبرف النظبر عبن‬
‫الممارسة اللغوية الصحيحة!‬
‫وتقوم طري قة الن حو والترج مة في التدر يس على شرح القوا عد والنطلق‬
‫منهبا إلى تعليبم قراءة النصبوص العربيبة وترجمتهبا إلى اللغات الم أو اللغات‬
‫المحل ية‪ .‬و قد اعت مد على هذه الطري قة في تعل يم العرب ية في جنوب شرق آ سيا‪،‬‬
‫وفبي أفريقيبا‪ .‬حيبث كان الطلب يحفظون سبور القرآن‪ ،‬وتشرح لهبم اللفاظ‬
‫والمعا ني‪ ،‬ثم تشرح القوا عد ال تي ت ساعد على ف هم التراك يب‪ ،‬ثم يدربون على‬
‫قراءة النصوص وكتابتها وترجمتها إلى اللغات المحلية‪.‬‬
‫ومن أهم منطلقات هذه النظرية في تدريس اللغة ما يأتي‪:‬‬
‫‪.1‬اللغة نظام من القوا عد النحو ية التي ل بد من فهم ها‬
‫كشرط لممارسة اللغة على نحو صحيح‪.‬‬
‫‪.2‬الل غة نشاط ذه ني‪ ،‬وتدر يب عقلي‪ ،‬يشت مل على تعلم‬
‫نظام الل غة‪ ،‬وتذ كر قواعد ها‪ ،‬والتفر يق ب ين المعا ني‬
‫النحوية‪ ،‬ثم القياس عليها من المثلة والنصوص‪.‬‬
‫‪.3‬نظام الل غة وقواعد ها النحو ية وال صرفية هو الطار‬
‫المرجعي لتعليمها وتعلمها‪.‬‬
‫‪.4‬سبيطرة الدارسبين وفقاً لهذه النظريبة يكون على‬
‫مهارات القراءة والكتابة قبل الستماع والكلم‪.‬‬
‫‪121‬‬

‫طرائق التدريس وفقا للنظرية البنيوية‪:‬‬
‫الطرائق المتبعية فيي تدرييس العربيية وفقيا للنظريية البنيويية كالطريقية‬
‫القياسية وطريقة النحو والترجمة‪ ،‬تسير غالباً على النحو التي‪:‬‬
‫‪.1‬يلم الدارس بقوا عد الل غة العرب ية ويتعرف على أ صواتها وقواعد ها‬
‫وخصائصها أولً‪.‬‬
‫‪.2‬تقدم القواعبد النحويبة حسبب الترتيبب المنطقبي لهبا‪ ،‬ثبم يتبم القياس‬
‫عليها عن طريق الشواهد والنصوص البلغية‪.‬‬
‫‪.3‬تقدم المثلة والنصبوص والتراكيبب حسبب مبا يقتضيبه نظام اللغبة‬
‫وقواعدهبا؛ فاللفاظ تابعبة للمعانبي النحويبة‪ .‬والطلب ‪ -‬بمسباعدة‬
‫ببد على‬
‫ببول ويطبقون القواعب‬
‫المعلم ‪ -‬يردون الفروع إلى الصب‬
‫النصوص‪.‬‬
‫‪.4‬ضببط النصبوص والمثلة والشواهبد مرتببط بمعرفبة النظام اللغوي‬
‫والقواعد النحوية والصرفية‪.‬‬
‫‪".5‬إذن فتنميبة قدرات الطالب العقليبة هدف أسباسي مبن أهداف هذه‬
‫الطريقة حتى يستطيع مواجهة مواقف التعلم المختلفة بمشكلتها غير‬
‫المتوق عة‪ .‬من ه نا يتدرب الطالب كثيرا على القياس النحوي‪ ،‬وعلى‬
‫(‬
‫استقراء القاعدة النحوية" في المثلة والشواهد والنصوص البلغية‪.‬‬
‫‪)24‬‬

‫النظرية السلوكية‬
‫أرى أن النظر ية ال سلوكية لم تبدأ حدي ثا مع ال سلوكيين في القرن العشر ين‬
‫وإنما تمتد جذورها عبر التاريخ إلى العلمة ابن خلدون المتوفي سنة ‪727‬هب‪،‬‬
‫وإلى نظريته المسماة "الملكة اللسانية"‪.‬‬
‫‪122‬‬

‫تقوم نظرية الملكة اللسانية عند ابن خلدون على أسس ثلثة‪:‬‬
‫أولها ‪ :‬أن "السمع أبو الملكات اللسانية"‬

‫(‪)25‬‬

‫ثانيها‪ :‬أن اللغة هي "عبارة المتكلم عن مقصوده‪ .‬وتلك العبارة فعل لساني‪.‬‬
‫(‪)26‬‬
‫فل بد أن تصير ملكة متقررة في العضو الفاعل لها وهو اللسان"‪.‬‬
‫ثالثهيا‪ :‬أن تربيبة الملكبة ل يحتاج إلى النحيو‪ ،‬الذي هبو علم صبناعة‬
‫العراب‪.‬‬
‫أما السلوكيون المحدثون فقد تمثلت آراؤهم في كتاب "السلوك اللغوي" الذي‬
‫أصدره عالم النفس السلوكي المشهور سكنر عام ‪1957‬م‪ .‬فقد لجأ السلوكيون في‬
‫محاولتهم تفسير السلوك اللغوي إلى العوامل الخارجية التي تؤثر فيه‪ .‬فالسلوك‬
‫اللغوي في نظرتهم عبارة عن مثير واستجابة‪.‬‬
‫وقبد شبن تشومسبكي هجومبا عنيفاً فبي مقالة له عام ‪ 1959‬ينتقبد فيهبا‬
‫كتاب سكنر سالف الذكر ورؤيته السطحية للسلوك اللغوي‪.‬‬
‫وبعبد السبتينيات انتقبل الهتمام إلى المتعلم ذاتبه باعتباره عاملً أسباسيا‬
‫وفاعلً فبي عمليبة تعلم اللغبة‪ .‬ومبن ثبم بدأ التركيبز على المتعلم وحاجاتبه‬
‫والغراض التي يتعلم اللغة من أجلها‪.‬‬
‫كيف يكتسب النسان اللغة؟‬
‫ولكن كيف يكتسب النسان اللغة؟ سؤال طرح كثيراً دون إجابة شافية في‬
‫معظبم الحالت‪ .‬نحبن ندرك المدخلت إلى الموقبف التعليمبي؛ لن هذا نصبنعه‬
‫بأيدينا‪ .‬ونحن قادرون على قياس المخرجات عن طريق أساليب القياس المختلفة‪.‬‬
‫لكن نا لندري ح تى الن ماذا يحدث دا خل العمليات‪ ،‬أي دا خل ال مخ الن ساني‪،‬‬
‫هذه المعجزة المحيرة‪ ،‬صنع ال الذي أحسن كل شيء‪.‬‬

‫‪123‬‬

‫سكنز والسلوكيون‪:‬‬
‫للجاببة عبن السبؤال الذي بدأنبا ببه هذا الحديبث‪ ،‬وهيو كييف يكتسيب‬
‫الصيغار اللغية الم؟ على نفبس النمبط تقريبا الذي قال ببه اببن خلدون اسبتحالت‬
‫اللغة في نظر سكنر‪ ،‬صاحب النزعة السلوكية المحضة في علم النفس المعرفي‬
‫إلى نظام لكت ساب العادات‪ .‬ف هي نوع من أنواع ال سلوك الشفاهي ل يختلف عن‬
‫غيره مبن أنواع السبلوك الخرى‪ ،‬التبي يكتسببها الفرد مبن خلل الخببرة‪،‬‬
‫والتجرببة‪ ،‬والمحاولة والخطبأ‪ .‬وبذلك تحولت اللغبة إلى مجرد نوع مبن أنواع‬
‫السلوك السمعي الشفاهي! كما رأينا عند ابن خلدون‪.‬‬
‫وبهذا التف سير حاول سكنر أن يخ ضع الل غة ق سرا لثنائ ية المث ير وال ستجابة‪.‬‬
‫أي أن الل غة مدخلت ومخرجات‪ .‬وأغ فل بذلك جو هر القض ية‪ ،‬ح يث يك من ال سر‬
‫اللغوي‪ ،‬أي العمليات التبي تحدث بيبن المثيبر والسبتجابة‪ .‬باختصبار لقبد افترض‬
‫سكنر عدم وجود عل قة أو و سيط ب ين المث ير وال ستجابة‪ ،‬ور بط ب ين المث ير ورد‬
‫الف عل مباشرة دون اعتبار ل ما يحدث بينه ما دا خل ال مخ الن ساني‪ )27(.‬وذلك خل فا‬
‫للفهم البنيوي الذي يفترض وجود بنية عميقة داخل المخ البشري لمعالجة المعلومات‬
‫اللغوية وغير اللغوية‪ .‬وبذلك وضعت البنيوية أساس علم النفس المعرفي‪.‬‬

‫المدخلت‬

‫‪124‬‬

‫العمليات‬

‫المخرجات‬

‫مثير‬

‫الموقف‬

‫؟‬

‫الستماع والتكرار والحفظ‬

‫استجابة‬

‫حصول الملكة اللسانية‬

‫اكتساب اللغة ‪ :‬نموذج ابن خلدون وسكنر‬
‫فلو أخضعنبا هذا النموذج لمفهوم النّظُيم المكون مبن مدخلت وعمليات‪،‬‬
‫ومخرجات‪ ،‬فإننبا نجبد أن نموذج سبكنر قبد قفبز فوق العمليات ولم يعترف‬
‫بوجودها أصلً‪ .‬أما ابن خلدون فقد حاول وصف ما يحدث داخل النفس نتيجة‬
‫الحفظ والتكرار فقال‪" :‬إن الملكات ل تحصل إل بتكرار الفعال؛ لن الفعل يقوم‬
‫أولً وتعود منبه للذات صبفة‪ ،‬ثبم يتكرر فتكون حالً‪ .‬ومعنبى الحال أنهبا صبفة‬
‫غير راسخة‪ .‬ثم يزداد التكرار فتكون ملكة أي صفة راسخة"‪.‬‬
‫وعلى العكس من ذلك‪ ،‬فقد تأثر كل من دي سوسير وتشومكسي بافتراض‬
‫كا نط وجود قدرة ذات ية كام نة في الع قل الن ساني‪ ،‬أو "غريزة" لغو ية تتوارث ها‬
‫أجيال البشبر أو بنيبة عميقبة قوامهبا نسبق معرفبي كامبن فبي العقبل يرببط بيبن‬
‫المدخلت والمخرجات‪.‬‬
‫وفبي غياب البحبث العلمبي التطببيقي لثبات صبحة هذه الفرضيبة لجبأ‬
‫تشومسكي إلى التجريد الفلسفي لثبات وجود هذه الغريزة لكي يفسر الكيفية التي‬
‫يكتسبب بهبا الطفال لغتهبم الم‪ ،‬وذلك بتطويبع هذه الغريزة للمطالب الخاصبة‬
‫للبيئة اللغويبة التبي ينشأون فيهبا‪ ...‬وهكذا اسبتحالت اللغبة وفقبا لهذا النموذج‬
‫الفترا ضي إلى غريزة بشر ية أو إن سانية عا مة‪ ،‬مثل ها م ثل غير ها من الغرائز‬
‫بم‬
‫بم وبيئاتهب‬
‫بهم ولغاتهب‬
‫با الناس جميعاً على اختلف أجناسب‬
‫بي يشترك فيهب‬
‫التب‬
‫الجتماعية‪.‬‬
‫المدخلت‬

‫العمليات‬

‫والمعاني‬
‫الفكار‪125‬‬

‫البنية العميقة‬

‫النفسية والنحوية‬

‫؟‬

‫المخرجات‬
‫التعبير البليغ‬

‫اكتساب اللغة ‪ :‬نموذج عبدالقاهر ودي سوسير وتشومسكي‬
‫وفبي إطار المنحبى المعرفبي‪ ،‬طرح تشومسبكي مجموعبة مبن السبئلة‬
‫المحور ية ال تي تحتاج إلى جهود علم الن فس المعرفي‪ ،‬ومن أ هم هذه ال سئلة ما‬
‫يأتي‪:‬‬
‫‪ .1‬ما هذا النسق المعرفي أو البنية العميقة‪ ،‬وماذا بداخل عقل النسان من‬
‫معارف لغوية؟‬
‫‪ .2‬كيف ينشأ هذا النسق ‪ .‬أو بمعنى آخر كيف يكتسب الطفال اللغة الم؟‬
‫كيف توظف هذه المعرفة في الستماع والفهم‪ ،‬وفي النطق والحديث‪3. ،‬‬
‫وفي التعرف على الرموز في القراءة والفهم؟‬
‫‪ .4‬وما السر وراء الخاصية البداعية للغة التي تجعلها قادرة على توليد‬
‫(‪)28‬‬
‫عدد ل نهائي من التعابير النحوية واللغوية؟‬
‫لقد اقترض علم النفس من علم اللغة هذا التوجه البنيوي التوليدي‪ ،‬بافتراض‬
‫وجود بنية عميقة داخل المخ البشري‪ ،‬لمعالجة المعلومات اللغوية وغير اللغوية‪.‬‬
‫ويتو قع أن تت خذ هذه البن ية العمي قة أو آليات الذ هن اللغوي مدخلً لف هم طبي عة‬
‫ع مل طاقات الدراك الخرى كالدراك ال سمعي‪ ،‬والدراك الب صري‪ ،‬والحدس‪،‬‬
‫والبصيرة النافذة‪ ،‬والقدرة على التخيل‪ ،‬وحسن التوقع‪...‬إلخ‪.‬‬
‫لذلك يأمبل علماء النفبس (السبيكولوجي) وعلماء دراسبة وظائف العضاء‬
‫بان‬
‫بخ النسب‬
‫بن النشاط اللغوي لمب‬
‫بف النقاب عب‬
‫بيولوجي) أن يؤدي كشب‬
‫(الفسب‬
‫(أي العمليات) ولو جزئياً إلى إلقاء الضوء على السبر الذي أودعبه ال فبي هذه‬
‫المعجزة المستعصية على الفهم ‪ ...‬أي المخ البشري‪.‬‬
‫‪126‬‬

‫طريقة تربية الملكة اللسانية‪:‬‬
‫قد يكون من المنا سب أن نع يد طرح سؤال تشوم سكي‪ :‬ك يف يتعلم الط فل‬
‫اللغة؟ وكيف ينشأ هذا النسق المعرفي؟ أو كيف تبنى هذه الغريزة أو الملكة؟‬
‫يقول العلمة ابن خلدون‪" :‬السمع أو الملكات اللسانية"‪ .‬وهذا يعني أن بناء‬
‫الغريزة والملكة اللغوية يبدأ بالستماع الجيد إلى النصوص الجميلة‪.‬‬
‫اللغة ملكة ‪:‬‬
‫سبق أن قلنا إن دي سوسير وتشومسكي قد خالفا سكنر الذي اختصر‬
‫العملية المعرفية في المثير والستجابة – بإقرار أن هناك بنية معرفية عميقة في‬
‫مرحلة العمليات ‪ ،‬هي التي تربط بين المثيرات اللغوية وبين الستجابات أو‬
‫ردود الفعال ‪ ،‬وقد استحالت هذه البنية العميقة ‪ ،‬عن طريق التجريد الفلسفي ‪،‬‬
‫إلى "غريزة " بشرية" ‪ ،‬أو " ملكة" إنسانية" ‪ ،‬موجودة لدى كل البشر ‪ ،‬وأن‬
‫المخ النساني يقوم ببناء هذه الغريزة أو الملكة على نحو ما لم يستطع أحد‬
‫تفسيره حتى الن ‪.‬‬
‫وهنا نصل إلى ابن خلدون الذي قدم لنا في بداية القرن الثامن الهجري‬
‫نظريته في بناء الملكة اللسانية ‪ ،‬والذي يرى أن أهداف تعلم اللغة ل تتحقق إل‬
‫إذا اكتسب المتعلم " ملكة اللغة " ‪.‬‬
‫فاللغة في المتعارف – كما يقول ابن خلدون – هي " عبارة المتكلم عن‬
‫مقصوده‪ .‬وتلك " العبارة " فعل لساني‪ .‬فل بد أن تصير ملكة متقررة في‬
‫العضو الفاعل لها " وهو اللسان " ‪.‬‬
‫تتكون الملكة بالستماع ‪:‬‬
‫يقول ابن خلدون " " فالمتكلم من العرب حين كانت ملكة اللغة العربية‬
‫موجودةً فيهم يسمع كلم أهل جيله ‪ ،‬وأساليبهم في مخاطباتهم ‪ ،‬وكيفية تعبيرهم‬
‫عن مقاصدهم ‪ ..‬فيلقنها كذلك ‪ ،‬ثم ل يزال سماعه لذلك يتجدد في كل لحظة ‪،‬‬
‫‪127‬‬

‫ومن كل متكلم ‪ ،‬واستعماله يتكرر إلى أن يصير ذلك ملكة وصفة راسخة ‪،‬‬
‫ويكون كأحدهم ‪ ،‬وهكذا تصيرت اللسن واللغات من جيل إلى جيل " ‪ ،‬وأبرز‬
‫مثال على ذلك أن أبناءنا يتعلمون اللهجات العامية ويستخدمونها مثلنا تماما بدون‬
‫منهج أو معلم ‪.‬‬
‫إذن ‪ ،‬فالملكة اللسانية التي كان يتمتع بها العرب قديما لم تكن جبلة وطبعا ‪،‬‬
‫وإنما حصلت لمن حصلت له نتيجة للعرف والعادة ‪ ،‬والمعايشة المستمرة للنطق‬
‫الفصيح في بيئة الفرد اللغوية‪ .‬فالملكة الصحيحة تتكون بتكرار الستماع إلى‬
‫اللغة الفصيحة ‪ ،‬وممارستها كلما وتحدثا ‪.‬‬
‫كيف تفسد الملكة ؟‬
‫كيف فسدت " الملكة " ؟ يقول ابن خلدون ‪ " :‬فسدت هذه الملكة لمضر‬
‫بمخالطتهم العاجم ‪ ،‬وسبب فسادها أن الناشئ من الجيل صار يسمع في‬
‫العبارة عن المقاصد كيفيات أخرى غير الكيفيات التي كانت للعرب ‪ ،‬فيعبر بها‬
‫عن مقصوده ‪ ...‬ويسمع كيفيات العرب أيضا ‪ ،‬فاختلط عليه المر ‪ ،‬وأخذ من‬
‫هذه وهذه ‪ ،‬فاستحدث ملكة ( ثانية) وكانت ناقصة عن الولى‪ .‬وهذا هو معنى‬
‫فساد اللسان العربي‪ .‬ولهذا كانت لغة قريش أفصح اللغات العربية وأصرحها‬
‫لبعدهم عن بلد العجم من جميع جهاتهم"‪ .‬ولذلك كان أهل صناعة العربية‬
‫يحتجون بها‪ .‬لكن فساد اللسان العربي استمر في عصر ابن خلدون ‪ ،‬وازداد‬
‫فساداً واضطرابا مع تقدم الزمن حتى عصرنا الحاضر ‪.‬‬
‫كيف وضع النحو أو علم صناعة العراب ؟‬
‫يقول ابن خلدون ‪ " :‬لما جاء السلم وفارقوا ( أي المسلمون ) الحجاز‬
‫لطلب الملك الذي كان في المم والدول ‪ ،‬وخالطوا العجم ‪ ،‬تغيرت تلك الملكة‬
‫بما ألقي إليها السمع من المخالفات التي للمستعربين – والسمع أبو الملكات‬
‫اللسانية – ففسدت بما ألقى إليها مما يغايرها ‪ ،‬لجنوحها إليه باعتياد السمع‪.‬‬
‫وخشي أهل العلوم منهم أن تفسد تلك الملكة رأسا ‪ ،‬ويطول العهد بها ‪ ،‬فينغلق‬
‫القرآن والحديث على الفهوم ‪ ،‬فاستنبطوا من مجاري كلمهم قوانين لتلك الملكة‬
‫‪128‬‬

‫مطردة ‪ ،‬شبه الكليات والقواعد يقيسون عليها سائر أنواع الكلم ‪ ،‬ويلحقون‬
‫الشباه بالشباه ‪ ،‬مثل أن الفاعل مرفوع ‪ ،‬والمفعول منصوب ‪ ،‬والمبتدأ مرفوع‪.‬‬
‫ثم رأوا تغير الدللة بتغير حركات هذه الكلمات ‪ ،‬فاصطلحوا على تسميته‬
‫إعرابا‪ .‬وتسمية الموجب لذلك التغير عاملً ‪ ،‬وأمثال ذلك‪ .‬وصارت كلها‬
‫اصطلحات خاصة بهم‪ .‬فقيدوها بالكتاب وجعلوها صناعة لهم مخصوصة ‪،‬‬
‫واصطلحوا على تسميتها بعلم النحو‪ .‬وأول من كتب فيها أبو السود الدؤلي من‬
‫بني كنانة‪ .‬ويقال بإشارة من علي رضي ال عنه‪ .‬إلى أن انتهت إلى الخليل بن‬
‫أحمد الفراهيدي أيام الرشيد‪ .‬فهذب الصناعة ‪ ،‬وكمل أبوابها‪ .‬وأخذ عنه سيبويه‬
‫فكمل تفاريعها واستكثر من أدلتها وشواهدها‪ ،‬ووضع فيها كتابه المشهور‪ ،‬الذي‬
‫صار إماما لكل ما كتب فيها من بعد ‪.‬‬
‫تربية الملكة ل يحتاج إلى النحو ‪:‬‬
‫ثم يدخل ابن خلدون إلى جوهر المشكلة ‪ ،‬ويتحدث عن صلة النحو بهذه‬
‫الملكة اللسانية‪ ،‬فيقول عن صناعة العربية وقوانين العراب إنها‪ " :‬علم بكيفية‬
‫ل نفس كيفية " ثم يشرح الفكرة بالتفريق بين " الملكة " و " قوانين الملكة "‪ ،‬أي‬
‫بين العلم النظري ‪ ،‬والممارسة العملية ‪ ،‬ويقدم تمثيلً لذلك بمن يجيد " علم‬
‫ل ‪ ،‬أو بمن يجيد " علم التجارة " ول يقدر على‬
‫الخياطة " ول يمارسها عم ً‬
‫ممارستها‪ .‬فإذا سألته عنها شرحها لك خطوة خطوة ‪ ،‬ولو طالبته بتنفيذ ما شرح‬
‫أو شيء منه لم يحكمه‪ .‬ويؤكد ابن خلدون رأيه هذا بتمثيل آخر أقرب إلى واقع‬
‫القضية وهي العلقة بين النحو والملكة اللسانية فيقول‪ :‬إن كثيرا ممن درسوا‬
‫النحو وتعمقوا أصوله وفروعه وأفنوا أعمارهم في البحث عن مسائله ومشاكله‬
‫ولم يجيدوا هذه الملكة اللسانية‪ ،‬ل يستطيعون التعبير اللغوي الصحيح‪ .‬بينما‬
‫كثير من الكتاب والشعراء ممن أجادوا هذه الملكة يعبرون عما يريدون بطلقة‬
‫وسلسة وإن لم يتعمقوا النحو وقضاياه ‪.‬‬
‫يوضح ابن خلدون هذه القضية في فصل في المقدمة بعنوان ‪ " :‬فصل في‬
‫أن ملكة هذا اللسان غير صناعة العربية ومستغنية عنها في التعليم " والسبب‬
‫‪129‬‬

‫في ذلك أن صناعة العربية إنما هي معرفة قوانين هذه الملكة ومقاييسها‬
‫خاصة ‪ ،‬فهي علم بكيفية ‪ ،‬ل نفس كيفية‪ ،‬فليست نفس الملكة ‪ ،‬وإنما هي‬
‫بمثابة من يعرف صناعة من الصنائع علماً ‪ ،‬ول يحكمها عملً‪ .‬مثل أن يقول‬
‫بصير بالخياطة غير محكم لملكتها – في التعبير عن بعض أنواعها ‪ : -‬الخياطة‬
‫هي أن يدخل الخيط في خرت البرة ‪ ،‬ثم يغرزها في لفق الثوب مجتمعين ‪،‬‬
‫ويخرجها من الجانب الخر بمقدار كذا ‪ ،‬ثم يردها إلى حيث ابتدأت ويخرجها ‪..‬‬
‫الخ ‪ ،‬وهو إذا طولب أن يعمل ذلك بيده ل يحكم منه شيئا‪ .‬وكذا لو سئل عالم‬
‫بالنجارة عن تفصيل الخشب فيقول ‪ :‬هو أن تضع المنشار على رأس الخشبة ‪،‬‬
‫وتمسك بطرفه ‪ ،‬وآخر قبالتك ممسك بطرفه الخر وتتعاقبانه بينكما ‪ ...‬إلخ‪،‬‬
‫وهو إن طولب بهذا العمل أو شيء منه لم يحكمه ‪.‬‬
‫" وهكذا العلم بقوانين العراب مع هذه الملكة في نفسها ‪ ،‬فإن العلم‬
‫بقوانين العراب ‪ ،‬إنما هو علم بكيفية العمل ( وليس العمل نفسه )‪ .‬وكذلك‬
‫تجد كثيرا من جهابذة النحاة والمهرة في صناعة العربية المحيطين علما بتلك‬
‫القوانين ‪ ،‬إذا سئل في كتابة سطرين إلى أخيه ‪ ،‬أو ذي مودته ‪ ،‬أو شكوى‬
‫ظلمة ‪ ،‬أو قصدا من قصوده ‪ ،‬أخطأ فيها عن الصواب‪ ،‬وأكثر من اللحن ‪ ،‬ولم‬
‫يجد تأليف الكلم لذلك ‪ ،‬والعبارة عن المقصود على أساليب اللسان العربي‪،‬‬
‫وكذا نجد كثيرا ممن يحسن هذه الملكة ‪ ،‬ويجيد الفنين من المنظوم والمنثور ‪،‬‬
‫وهو ل يحسن إعراب الفاعل من المفعول ‪ ،‬ول المفعول من المجرور ول شيئا‬
‫من قوانين صناعة العربية‪ .‬فمن هذا تعلم أن تلك الملكة هي غير صناعة‬
‫العربية ‪ ،‬وأنها مستغنية عنها بالجملة‪. )29( .‬‬
‫إذن فكيف تربّى الملكة اللغوية في رأي ابن خلدون ؟‬
‫لكن المتعلم العربية الن – كما كان المر في عهد ابن خلدون – ل يملك‬
‫هذا المناخ اللغوي الصافي ‪ ،‬وذلك المشرب العذب المتاح الذي كان ميسورا‬
‫لجيال العرب قبل تسرب اللكنة وحدوث الخلط والضطراب في اللسان العربي‪.‬‬
‫بل العكس هو الصحيح‪ .‬إذ يحيط به من كل جانب ما يدفعه دفعا عن صحة اللغة‬
‫وجمالها اجتماعيا وثقافيا ‪ :‬استماعا ‪ ،‬وقراءة ‪ ،‬وكتابة‪ .‬ولم يعد في متناول يده‬
‫‪130‬‬

‫ذلك النموذج المثالي الطيع الصيل الذي يلفته له المجتمع فيحاكيه ويحتذيه دون‬
‫تعمد ! إذا كان هذا هو حال المجتمع عموما ‪ ،‬فماذا نعمل على مستوى المناهج‬
‫الدراسية على وجه الخصوص ؟‬
‫يرى ابن خلدون أنه بعد أن انتهى العهد الذي كانت فيه تربية الملكة اللسانية‬
‫طبعا وسليقة ‪ ،‬فإنه ل بد من اصطناع المناخ اللغوي اصطناعا متعمدا ‪ ،‬واتخاذ‬
‫الوسائل التي توصل إلى إجادة الملكة اللسانية‪ .‬فيقول ‪ " :‬ووجه التعليم لمن‬
‫يبتغي هذه الملكة ويروم تحصيلها ‪ ،‬أن يأخذ نفسه بحفظ كلمهم ( العرب) القديم‬
‫الجاري على أساليبهم من القرآن والحديث ‪ ،‬وكلم السلف ‪ ،‬ومخاطبات فحول‬
‫العرب في أسجاعهم وأشعارهم ‪ ،‬وكلمات المولدين أيضا في سائر فنونهم ‪ ،‬حتى‬
‫يتنزل لكثرة حفظه لكلمهم من المنظوم والمنثور منزلة من نشأ بينهم ‪ ،‬ولقن‬
‫العبارة عن المقاصد منهم ‪ ،‬ثم يتصف بعد ذلك في التعبير عما في ضميره على‬
‫حسب عبارتهم ‪ ،‬وتأليف كلماتهم ‪ ،‬وما وعاه وحفظه من أساليبهم ‪ ،‬وترتيب‬
‫ألفاظهم ‪ ،‬فتحصل له هذه الملكة بهذا الحفظ والستعمال ‪ ،‬ويزداد بكثرتها‬
‫رسوخا ‪ ،‬وقوة‪.‬‬
‫ثم يربط بين كثرة المحفوظ والستعمال وبين قوة التعبير بلغة ونقدا ‪،‬‬
‫فيقول ‪ " :‬وعلى قدر المحفوظ وكثرة الستعمال تكون جودة المقول المصنوع‬
‫نظما ونثرا ‪ ،‬ومن حصل على هذه الملكات فقد حصل على لغة مضر ‪ ،‬وهو‬
‫الناقد البصير بالبلغة فيها ‪ ،‬وهكذا يجب أن يكون تعلمها ‪ ،‬وال يهدي من يشاء‬
‫(‪)30‬‬
‫بفضله وكرمه"‪.‬‬
‫تكوين العادات اللغوية‪:‬‬
‫يقول ابن خلدون ‪ :‬إن " الملكات ل تحصل إل بتكرار الفعال ‪ ،‬لن الفعل‬
‫يقوم أول وتعود منه للذات صفة ‪ ،‬ثم يتكرر فتكون حالً ‪ ،‬ومعنى الحال أنها‬
‫(‪)31‬‬
‫صفة غير راسخة ‪ ،‬ثم يزيد التكرار فتكون ملكة أي صفة راسخة‪.‬‬
‫ك ما يري أن الن صوص المختارة للدرا سة والح فظ ي جب أن ت بث في ثنايا ها‬
‫مسائل اللغة والنحو‪ ،‬بحيث يتعرف الدارس من خللها على أهم قوانين العربية ‪،‬‬
‫‪131‬‬

‫ويؤكد أن الملكة ل تربى من خلل نصوص تحفظ دون فهم ‪ " ،‬فالملكة لتحصل‬
‫من الحفظ دون الفهم " ‪.‬‬
‫ل قيمة لقواعد العراب وحدها ‪:‬‬
‫إذن فترب ية المل كة ل يتو قف على ح فظ القوا عد ومعر فة العراب وأوا خر‬
‫الكلم ‪ .‬فا بن خلدون نف سه يقرر أن العراب قد ف قد من الل غة العرب ية في عهده‪.‬‬
‫وأن فقدان هذا العراب لم يهدم أداء الل غة لمعنا ها ال صحيح البل يغ‪ .‬بل يم كن أن‬
‫يعتاض عنه بما أسماه " قرائن الكلم "‪.‬‬
‫كما يقرر أن اللغة العربية على عهده " لم يفقد منها إل دللة الحركات على‬
‫تعيين الفاعل من المفعبول‪ .‬فاعتاضوا عنها بالتقديم والتأخير وبقرائن تدل على‬
‫خصوصيات المقاصد‪ .‬لن اللفاظ بأعيانها دالة على المعاني بأعيانها‪ .‬ويبقى ما‬
‫تقتضيه ‪ ،‬ويسمى " بساط الحال " محتاجا إلى ما يدل عليه‪ .‬وكل معنى لبد أن‬
‫تكتن فه أحوال تخ صه‪ .‬في جب أن تع تبر تلك الحوال في تأد ية المق صود ‪ ،‬لن ها‬
‫صبفاته‪ .‬وتلك الحوال فبي جميبع اللسبن أكثبر مبا يدل عليهبا بألفاظ تخصبها‬
‫بالوضع ‪ .‬وأما في اللسان العربي ‪ ،‬فإنما يدل عليها بأحوال وكيفيات في تركيب‬
‫اللفاظ وتأليف ها من تقديبم وتأخيبر أو حذف أو حركبة إعراب ‪ ،‬و قد يدل عليهبا‬
‫بالحروف غير المستقلة "‪.‬‬
‫ويؤكد ابن خلدون أن البلغة والبيان كانت ما تزال ديوان العرب ومذهبهم‬
‫فبي عهده‪ .‬وأنبه ل يجبب اللتفات " إلى خرفشبة النحاة أهبل صبناعة العراب‬
‫القاصرة مداركهم عن التحقيق‪ .‬حيث يزعمون أن البلغة لهذا العهد ( عهد ابن‬
‫خلدون ) ذه بت‪ .‬وأن الل سان العر بي ف سد اعتباراً ب ما و قع في أوا خر الكلم من‬
‫ف ساد العراب الذي يتدار سون قواني نه‪ .‬و هي مقالة د سها التش يع في طباع هم ‪،‬‬
‫(‪)23‬‬
‫وألقاها القصور في أفئدتهم " ‪.‬‬
‫مايستفاد من النصوص السابقة ‪:‬‬
‫‪132‬‬

‫من العرض السابق لتصور ابن خلدون في تربية الملكة اللسانية يمكن استنباط ما‬
‫يأتي ‪:‬‬
‫أول ً‪ :‬ل قد قرر ا بن خلدون فكر ته ‪ ،‬و هي أن ترب ية المل كة الل سانية ل يضر ها‬
‫عدم حفبظ القواعبد النحويبة ‪ ،‬وفقدان العراب ‪ ،‬إذ تغنبي عنبه القرائن ‪ ،‬وهبي‬
‫فكرة جريئة ‪ ،‬لم يجرؤ أحد قبله أو بعده على القول بها على هذا النحو المتكامل‬
‫‪ .‬فهبو – إذن – يرى أن فقدان العراب مبن لغات المصبار فبي عهده – وكمبا‬
‫هبو الحال فبي لغتنبا الن – ليبس بضائر لهبا‪ ،‬مادامبت تؤدي مهمتهبا فبي الفهبم‬
‫والفهام وتوضيح المراد‪.‬‬
‫ثانياً ‪ :‬قدم ابن خلدون تصوره في إطار نظرته الجتماعية للغة على أنها " ملكة‬
‫" تكتسبب بالتعليبم والمران والدرببة ‪ ،‬ومادامبت هذه " الملكبة " قبد تحققبت‬
‫للمسبتخدمين للغبة فبي المصبار فبي عهدة ‪ ،‬فإنهبا تكون صبحيحة بليغبة بدون‬
‫العراب ‪ ،‬إذ فيها من القرائن ما يغني عنه‪.‬‬
‫ثالثاً ‪ :‬يرى ابن خلدون أن تربية " الملكة اللسانية " يمكن أن يستغنى عن حفظ‬
‫القواعبد والعلمات العرابيبة فبي أداء المعنبى‪ ،‬بمبا أسبماه " القرائن الدالة على‬
‫خصوصيات المقاصد " كالتقديم والتأخير ‪ ،‬والحذف ‪ ،‬والحروف غير المستقلة ‪.‬‬
‫رابعاً ‪ :‬إن تربية " الملكة اللسانية " ل تتم إل من خلل حفظ النصوص الصلية‬
‫الراقيبة والشواهبد الحيبة المتطورة " وعلي قدر المحفوظ ‪ ،‬وكثرة السبتعمال ‪،‬‬
‫تكون جودة المصنوع نظما ونثرا ‪ ،‬وهكذا ينبغي أن يكون تعلمها " ‪.‬‬
‫خام ساً ‪ :‬أن ي تم تناول الن صوص ك ما تن طق فعل ‪ ،‬وأن ت تم درا ستها من ح يث‬
‫مسبتوى الصبوات ‪ ،‬والحروف ‪ ،‬وبنيبة الكلمبة ‪ ،‬والتركيبب والدللة ‪ ،‬فهذا هبو‬
‫المفهوم الحديث للنحو ‪.‬‬
‫سادساً ‪ :‬إن " المل كة الل سانية " ل تر بى من خلل ن صوص تح فظ دون ف هم ‪،‬‬
‫فالملكة ل تحصل من الحفظ دون الفهم ‪.‬‬
‫تحويل فكرة ابن خلدون إلى منهج وطريقة متكاملين ‪:‬‬
‫‪133‬‬

‫إن ترب ية " المل كة الل سانية " وف قا لنظر ية ا بن خلدون ‪ ،‬يم كن أن ت تم من‬
‫خلل ت طبيق أ سلوب في تخط يط المن هج ‪ ،‬وتنفيذه ‪ ،‬وتقوي مه ‪ ،‬ومتابع ته ‪ ،‬على‬
‫النحو التالي ‪:‬‬
‫النظرية السلوكية في التدريس ‪:‬‬
‫أثرت النظرية السلوكية ببعديها القديم والحديث في المداخل التي اتبعت‬
‫فبي تدريبس اللغات الم عمومبا ‪ ،‬وفبي تدريبس اللغات الثانيبة على وجبه‬
‫الخصبوص‪ .‬حيبث نرى التأثيبر واضحبا فيمبا يسبمى " الطريقية المباشرة "‪،‬‬
‫والطريقة "السمعية الشفوية" في تعليم اللغات لغير الناطقين بها ‪.‬‬
‫ فالنظرية السلوكية ترى أن عملية تعلم اللغة عبارة عن استقبال مثير ‪،‬‬‫وإ صدار ا ستجابة‪ .‬وأن تعز يز ا ستجابات معي نة يؤدي إلى تكرار ها ح تى تتكون‬
‫العادات اللغوية على حد تعبير سكنر وأنصاره ‪ ،‬أو حتى تتكون الملكة على حد‬
‫تعبير ابن خلدون ‪.‬‬
‫ الل غة نظام صوتي كل مي‪ ،‬ولي ست كتا بة‪ .‬والن سان يتعلم الل غة بدءاً‬‫بال ستماع إلي ها‪ ،‬ثم ن طق أ صواتها ق بل التعرض لشكل ها المكتوب‪ .‬فالفرد يتعلم‬
‫اللغة بدءاً بالستماع فالكلم ‪ ،‬ثم القراءة فالكتابة ‪.‬‬
‫ تعلم الل غة يبدأ بالمحاكاة‪ ،‬والتذ كر‪ ،‬والح فظ‪ ،‬واكت ساب العادات بم ثل‬‫اكتساب العادات الجتماعية عن طريق التدريب والتعزيز ‪.‬‬
‫ تعليم اللغة هو تعليم " النفس كيفية " أولً وليس " العلم بكيفية " أولً‪،‬‬‫حسب تعبير ابن خلدون‪ .‬أو هو " تعليم اللغة " وليس " عن اللغة "‪ ،‬حسب التعبير‬
‫السلوكي الحديث ‪ .‬ولذلك يجب تدريب المتعلم على الممارسة اللغوية وليس على‬
‫تعلم القواعد ‪.‬‬
‫ تعليم اللغة مستغن عن تعليم النحو الذي هو معرفة أواخر الكلم‪ ،‬في‬‫عبارة اببن خلدون ‪ .‬وهبو أمبر يمكبن أن يؤجبل إلى المسبتويات العليبا أو‬
‫‪134‬‬

‫المتخ صصة في درا سة الل غة ‪ .‬فالفرد يم كن أن يتعلم الل غة الثان ية بالمحاكاة ك ما‬
‫يتعلم الطفل لغته الم‪.‬‬
‫ الفرد يتعلم ثقافبة اللغبة مبن خلل النصبوص والعبارات التبي تحكبي‬‫عادات الشعوب وتقاليدها وأساليب حياتها ‪ ،‬وفنونها وآدابها وكل ما يميزها عن‬
‫غيرها‪.‬‬
‫ الل غة تعلم من خلل الل غة ذات ها‪ ،‬ول يس من خلل لغات أخرى ‪،‬‬‫فالمتعلم لببد أن يفكبر باللغبة التبي يتعلمهبا مبن خلل منهجهبا الفكري ونظامهبا‬
‫الدللي‪.‬‬
‫ لبد من اصطناع بيئة لغوية طبيعية؛ حيث تدرس النصوص والمثلة‬‫والشوا هد في موا قف طبيع ية ترت بط بمدلولت الن صوص‪ ،‬أو عن طر يق تمث يل‬
‫الدوار‪ ،‬أو عن طر يق تعلم الشياء الموجودة بالف عل في البيئة ال تي يو جد في ها‬
‫المتعلم‪ ،‬كما في الطريقة المباشرة لتعليم اللغات لغير الناطقين بها‪.‬‬
‫ إن الفرد يتعلم لغ ته الثان ية ك ما يتعلم الط فل لغ ته الولى‪ ،‬أي عن‬‫طريبق الرببط المباشبر بيبن السبماء والمسبميات ‪ .‬فالسبتخدام الفعلي للغبة فبي‬
‫الحياة أساس التعلم ‪.‬‬
‫ ي تم تعل يم الن حو بأ سلوب غ ير مبا شر من خلل الت عبيرات المحك مة‬‫والنصوص الجميلة التي يتم تكرار الستماع إليها وممارستها‪.‬‬
‫تنميببة قدرة المتعلم على المحاكاة‪ ،‬والنطببق الصببحيح‪،‬‬‫واكتسباب مهارات الكلم‪ ،‬يفوق الهتمام بتنميبة المهارات‬
‫(‪)33‬‬
‫العقلية ‪ ،‬والقدرة على القياس والستقراء والستنتاج‪.‬‬
‫طريقة التدريس ‪:‬‬
‫يترتب على المنطلقات السابقة أن تسير طريقة التدريس غالبا كما يأتي ‪:‬‬

‫‪135‬‬

‫‪ – 1‬تدر يب المتعلم على مهارات ال ستماع الج يد ثم مهارات الكلم ال سليم ‪ .‬ثم‬
‫تدريبه على قراءة ما استمع إليه وتحدث به ‪ ،‬ثم كتابة ما قرأه ‪.‬‬
‫‪ – 2‬تدريبب المتعلم على عادات السبتماع الجيبد‪ ،‬والكلم السبليم‪ ،‬وتعزيبز هذه‬
‫العادات‪.‬‬
‫‪ – 3‬يعلم النحو من خلل النماط اللغوية التي استمع إليها وتكلم بها ‪ ،‬وليس عن‬
‫طر يق عزل القوا عد النحو ية عن الن صوص الواردة ب ها‪ .‬ول تعلم إل القوا عد‬
‫الواردة في النصوص‪ ،‬حتى لوحدث إغفال لبعض القواعد النحوية؛ على اعتبار‬
‫أن القواعد التي ل ترد في لغة الحياة لضرورة لدراستها لغير المتخصصين‪.‬‬
‫النظرية المعرفية‬
‫تش ير النظر ية المعرف ية "إلى ت صور نظري لتعل يم اللغات ‪ 0000‬ي ستند‬
‫إلى الفهم الواعى لنظام اللغة كشرط لتقانها ‪ .‬وأن الكفاية اللغوية سابقة على‬
‫(‪)34‬‬
‫الداء اللغوي وشرط لحدوثه "‪.‬‬
‫وهذا يعني أن يتوافر لدى المتعلم درجة من السيطرة الواعية على النظام‬
‫ال ساسي لل غة‪ ،‬ح تى تن مو لد يه امكانات ا ستعمالها بسبهولة وي سر فبي مواقبف‬
‫طبيعية ‪.‬‬
‫فتعلم الل غة وف قا لهذه النظر ية هو عمل ية ذهن ية واع ية لكت ساب القدرة‬
‫على السيطرة على النماط الصوتية والنحوية والمعجمية للغة ‪ ،‬وذلك من خلل‬
‫( ‪)35‬‬
‫تحليل هذه النماط باعتبارها محتوى معرفيا ‪.‬‬
‫فالتعلم – إذن – نشاط ذهنبي ‪ .‬يعتمبد على قدرة الفرد البتكاريبة فبي‬
‫اسبتخدامه للقليبل الذي تعلمبه فبي مواقبف جديدة ‪ .‬وهكذا نحبس بمذاق النحبو‬
‫التحويلي التوليدي لتشومسكي في هذه النظرية ‪.‬‬
‫منطلقات هذه النظرية ‪:‬‬

‫‪136‬‬

‫تعتمد هذه النظرية كما يذكر رشدي طعيمة على عدة منطلقات ‪ ،‬من أهمها‬
‫ما يأتي ‪:‬‬
‫‪ – 1‬اللغة الحية محكومة بقواعد أو نظم ثابتة ‪ .‬وتعلم اللغة عملية إدراك عقلي‬
‫واع لنظامها ‪ .‬واستخدام اللغة يعتمد على قدرة الفرد على ابتكار جمل وعبارات‬
‫لم يسبق له سماعها أو استخدامها‪.‬‬
‫‪ -2‬إن قواعد اللغة ثابتة في نفوسنا‪ .‬فقدرتنا على استعمال اللغة ليس سببه هو‬
‫أن نا نكرر ما سمعناه بش كل آلي ب حت ‪ ،‬ول كن في قدرت نا الذهن ية على ت طبيق‬
‫قواعد ثابتة على أمثلة متغيرة ‪ .‬فقواعد اللغة مثل قواعد الشطرنج ‪ ،‬يتقنها الفرد‬
‫إن تعلمها في موقف طبيعي يمارس فيه بالفعل هذه القواعد‪.‬‬
‫‪ – 3‬النسان خاصة مزود بالقدرة على تعلم اللغات ‪ .‬إن تعلم اللغة صفة إنسانية‬
‫فهو موجود في النساق البيولوجية للنسان ‪ .‬فتعلم اللغة أمر يمكن أن يحدث في‬
‫أي وقت من حياة النسان مادام قد أخذ مكانة في موقف ذي معنى لديه ‪.‬‬
‫‪ – 4‬إن تعلم اللغة يتضمن التفكير بها ‪ .‬وإن الممارسة الواعية للغة هي تلك التي‬
‫(‪)36‬‬
‫تتم في إطار من المعنى وليس في مجرد التدريب اللى عليها ‪.‬‬
‫‪ – 5‬تولى هذه النظر ية المعرف ية اهتماماً خا صا بتعل يم المهارات اللغو ية الر بع‬
‫في وقت واحد‪.‬‬
‫‪ – 6‬تعتببر السبيطرة على نظام اللغبة شرطبا لممارسبتها ‪ .‬وهذا يعنبى ضرورة‬
‫السيطرة على النظمة الصوتية والمعجمية بالضافة إلى نظام القواعد النحوية‪.‬‬
‫‪ – 7‬تعتمبد هذه النظريبة على عنصبر الفهبم ‪ ،‬الذي يعنبى أن تكون الممارسبة‬
‫اللغوية ممارسة واعية‪ ،‬وليست تكراراً آليا لتدريبات نمطية مكررة دون معرفة‬
‫للسباب الحقيقية وراءها‪.‬‬
‫‪ – 8‬الممارس للغبة مبن خلل هذه النظريبة لديبه مصبفاة ‪ ،‬تمبر مبن خللهبا‬
‫(‪)37‬‬
‫الممارسة اللغوية قبل وقوعها‪.‬‬
‫دور النحو في التدريس ‪:‬‬
‫‪137‬‬

‫‪ – 1‬يتح تم على الطالب اللمام بالنظام ال صوتي والنحوي وال صرفي والمعج مي‬
‫كي يتمكن من ممارسة اللغة العربية وهو على وعي بنظامها ‪.‬‬
‫‪ – 2‬يسير الدرس وفق الطريقة الستنباطية ‪ ،‬أو وفق ما يسمى "بالمنظّم المتقدم"‬
‫أو "المنظّمات المتقدمة" التي تهدف إلى "مساعدة الطالب على تحقيق بنية معرفية‬
‫تت صف بالثبات ‪ ،‬والوضوح‪ ،‬والتنظ يم‪ ،‬ور بط المادة التعليم ية بال خبرات ال سابقة‬
‫للطالب‪ .‬وتهيئة كل الظروف الممكنة التي تجعل التعليم ذا معنى‪ ،‬وتسهل مهمة‬
‫ن مو المفاه يم الوظيف ية ‪ ،‬وإيضاح المفاه يم الغام ضة ‪ ،‬وربط ها بالبن ية المعرف ية‬
‫للمتعلم ‪.‬‬
‫‪ – 3‬تعتمبد هذه الطريقبة على أمريبن ‪ :‬أولهميا العتماد على صبيغ منظمبة‬
‫وملئمة لتفكير المتعلم عند تقديم المفاهيم المعرفية‪ ،‬وتقديم المفاهيم بشكل متدرج‬
‫في عموميت ها وشمول ها‪ ،‬وال مر ال خر‪ ،‬ر بط المادة التعليم ية بحياة المتعلم‪ ،‬أي‬
‫(‪)38‬‬
‫تقديمها من خلل ما هو مفيد عنده‬
‫‪ - 4‬تقدم النصبوص فبي مواقبف ذات معنبى لدى المتعلم ‪ ،‬ويحتوي على‬
‫المفاهيم المراد شرحها‪ .‬عن طريق شرح هذه النصوص يتم عرض هذه المفاهيم‬
‫والقواعد‪ ،‬وتوضيح أبعاد النظام اللغوي للغة العربية‪ .‬ثم يأتي التطبيق في مواقف‬
‫تشتمل على نصوص وحوارات وألعاب لغوية ‪ ..‬إلخ‪.‬‬
‫‪ - 5‬إن الهدف ل يس هو ح صر الموا قف ال تي يم كن أن ي مر ب ها الطالب ثم‬
‫التدر يب علي ها ك ما في النظر ية ال سلوكية‪ .‬ل كن الهدف هو تدر يب المتعلم على‬
‫السبتخدام الواعبي للقاعدة فبي مواقبف جديدة يصبعب توقعهبا أو التنببؤ بهبا‬
‫أوحصبرها‪ .‬وهنبا تلتقبي النظريبة المعرفيبة مبع نظريبة النّظ ْم ونظريبة النحبو‬
‫التوليدي؛ حيبث يتبم تطببيق القاعدة الواحدة فبي مواقبف غيبر محدودة وغيبر‬
‫متوقعة‪ .‬وهنا يكون القياس والتحويل والبتكار‪.‬‬
‫‪ -6‬التركيبز فبي التدريبس وفقاً لهذه النظريبة على تنميبة القدرة الذهنيبة عنبد‬
‫الطالب‪ ،‬وتدريبه على قواعد الستنتاج والستقراء وعلى مبادئ التعميم والتطبيق‬
‫من خلل شرح مف صل للقوا عد وتف سيرها ح تى تت ضح في ذ هن المتعلم‪ .‬فالتعلم‬
‫‪138‬‬

‫الواعبي لقواعبد اللغبة شرط أسباسي لممارسبتها‪ .‬وفهبم القواعبد ل ببد أن يسببق‬
‫التطبيق عليها‪.‬‬
‫‪ -7‬بما أن التعليم في هذه النظرية يبدأ بالفهم الواعي للمفاهيم النحوية فالممارسة‬
‫عليها‪ ،‬فإن الكتب المقررة على الطلب تسير على أساس المنهج الستنباطي أو‬
‫القياسي‪ ،‬الذي يبدأ بعرض المفاهيم ثم التدريب عليها‪.‬‬
‫‪ -8‬الدرس يبدأ بعرض مادة جديدة‪ ،‬وتمرينات عليها‪ ،‬ثم أنشطة لغوية تطبيقية‪.‬‬
‫‪ -9‬كل المهارات تعلم في و قت وا حد‪ .‬تبدأ بعرض المادة المراد تعلم ها‪ ،‬ثم‬
‫ال ستماع إلى ال نص أو المو قف الت صالي‪ ،‬والتدر يب على ا ستنتاج ما ف يه من‬
‫مفاهيم‪ ،‬ثم تطبيق هذه المفاهيم على مواقف جديدة مناسبة لنوعية المتعلمين‪.‬‬
‫طريقة التدريس وموقع النحو فيها‪:‬‬
‫نعرض فيميا يلي طريقية مقترحية تقوم على أسياس السيتفادة مين‬
‫مميزات النظريات البنيوية‪ ،‬والسلوكية‪ ،‬والمعرفية‪ .‬وتتكون من ثلث مراحل ‪:‬‬
‫التخطيط‪ ،‬والتنفيذ‪ ،‬والمتابعة‪.‬‬
‫أول مرحلة التخط يط‪ :‬ي تم تحد يد القوا عد النحو ية المقررة لفئة المتعلم ين‬
‫حسب الهدف من التعلم‪ ،‬وحسب نوعية الدارسين وخبراتهم السابقة‪ ،‬وبما يتسق‬
‫مع منطق النظام في اللغة العربية‪ .‬يتم اختيار النصوص الجميلة المناسبة‪ ،‬والتي‬
‫تتسق مع حركة الحياة وثقافة اللغة العربية‪ .‬ويتم الربط بين هذين على اعتبار أن‬
‫تعلم القواعبد المقررة سبيتم اسبتنباطا واسبتنتاجا واسبتقراء مبن خلل هذه‬
‫النصوص‪.‬‬
‫ثان يا‪ :‬التنف يذ ي تم تناول الن صوص المنا سبة‪ -‬ل كل مرحلة أو ل كل صف‬
‫دراسبي ‪ -‬بالدراسبة والفهبم‪ ،‬والتحليبل‪ ،‬والتفسبير‪ ،‬والنقبد والتقويبم‪ ،‬واسبتنباط‬
‫القواعد المقررة‪ ،‬من خلل الجراءات التية‪:‬‬
‫‪-1‬السببتماع إلى النببص منطوقاً نطقا جيدا ممثلً‬
‫للمع نى‪ ،‬مرة أو مرت ين‪ ،‬ثم مناق شة فكر ته العا مة‪،‬‬
‫‪139‬‬

‫وأفكاره الرئيسببية‪ ،‬والتعرف على قائل النببص‬
‫ومناسبة قوله‪.‬‬
‫‪-2‬التدريبب على قراءة النبص قراءة جهريبة‪ ،‬مبع‬
‫الترك يز على معال جة الجوا نب ال صوتية‪ ،‬واللفظ ية‪،‬‬
‫والتركيبية من حيث معناها ومبناها‪.‬‬
‫‪-3‬الوقوف على نظام اللغة وقوانين العراب المناسبة‬
‫لهذه المرحلة أو لهذا ال صف ك ما هي موجودة في‬
‫النبص مبع التركيبز على أسبس السبتنتاج وقواعبد‬
‫ال ستقراء‪ ،‬وقوا عد التعم يم لنظام الل غة‪ ،‬ومجالت‬
‫التطبيق‪.‬‬
‫‪-4‬قراءة النبص قراءة صبامتة‪ ،‬دفعبة واحدة‪ ،‬أو على‬
‫دفعات‪ ،‬بحيبث تحمبل كبل دفعبة فكرة رئيسبية‪ ،‬ثبم‬
‫بد‬
‫بير‪ ،‬والنقب‬
‫بل‪ ،‬والتفسب‬
‫بة‪ ،‬والتحليب‬
‫تناوله بالدراسب‬
‫والتقويم‪.‬‬
‫‪-5‬الوقوف على المعاييبر والقيبم ونواحبي الجمال فبي‬
‫النص وقواعد ذلك‪.‬‬
‫‪-6‬حفبظ النبص حفظاً جيدا (إن كان مبن القرآن أو‬
‫السبنة أو الدب شعره ونثره)‪ ،‬بحيبث ينطببع فبي‬
‫ن فس المتعلم‪ ،‬فيقت بس م نه‪ ،‬وين سج على منواله في‬
‫كلمه وكتابته‪.‬‬
‫‪-7‬التعببير كتاببة عبن موضوع النبص بعبد دراسبته‬
‫والقراءة حوله‪.‬‬
‫ثال ثا‪ :‬التقو يم والمتاب عة‪ ،‬وي تم في خطوت ين ‪ :‬الولى وتتم ثل في تقو يم‬
‫تعبير التلميذ وفقا للمعايير التالية‪:‬‬
‫‪140‬‬

‫أ‪ -‬سلمة النطق واللقاء‬

‫ب ‪ -‬سلمة الكتابة ووضوح الخط‪.‬‬

‫ج‪ -‬سلمة السلوب (كل ما يتصل بالنحو والصرف)‬
‫د‪ -‬سلمة المعاني‪.‬‬

‫هب‪ -‬تكامل المعاني‪.‬‬
‫و‪ -‬منطقية العرض‪.‬‬

‫ز‪ -‬جمال المعنى والمبنى‪.‬‬
‫الخطوة الثان ية‪ :‬وتتم ثل في معال جة الخطاء اللغو ية الشائ عة في ت عبير‬
‫التلميبذ مبن حيبث المبنبى والمعنبى أثناء التدريبس وفيمبا يلي ذلك مبن‬
‫دروس‪ .‬وهنا يجب ملحظة عدة أمور مهمة‪:‬‬
‫‪.1‬أنه يجب التعرض لبعض قضايا النحو ذات الهمية‬
‫للدراسبين مبن خلل إطار لغوي متكامبل‪ ،‬سبواء‬
‫كانبت قضايبا متصبلة بالصبوات ودللة اللفاظ‬
‫والتراكيبب أو كانبت متصبلة ببعبض السباليب‬
‫النحوية أو البلغية‪.‬‬
‫‪.2‬أنبه يجبب الكتفاء فبي المرحلة البتدائيبة بدراسبة‬
‫مكونات الجملة العربيبة عامبة‪ ،‬وكمبا ترد فبي‬
‫الن صوص‪ ،‬على أن ي تم تف صيل ذلك في المرا حل‬
‫التالية‪.‬‬
‫‪.3‬ل يخصبص لكبل مفهوم نحوي نبص قائم بذاتبه‪،‬‬
‫ح تى ل تلوى أعناق الن صوص أو ت صطنع لخد مة‬
‫الن حو‪ ،‬وإن ما يدرس في كل نص ما يحتو يه من‬
‫الساليب النحوية والبلغية المنشودة‪.‬‬

‫‪141‬‬

‫‪.4‬أن ي تم درا سة ال ساليب النحو ية ك ما هي منطو قة‬
‫فبي النبص‪ ،‬دون التعرض للحذف أو التقديبر أو‬
‫عوامل العراب في مراحل التعليم العام‪.‬‬
‫‪.5‬أن يحاط المتعلم ببيئة لغو ية عرب ية سليمة في كل‬
‫جوانب المؤسسة التعليمية التي ينتمي إليها‪.‬‬
‫وآخر دعوانا أن الحمد ل رب العالمين‪.‬‬

‫الهوامش‬
‫‪.1‬محمبد حسبنين زيدان "أيهمبا زرياب" الشرق الوسبط‪،8121/1984 ،‬‬
‫ص ‪13‬‬
‫‪.2‬نبيل علي ‪ :‬الثقافة العربية وعصر المعلومات‪ :‬رؤية لمستقبل الخطاب‬
‫الثقافي العربي‪ ،‬الكويت‪ ،‬سلسلة عام المعرفة‪ ،‬المجلس الوطني للثقافة‬
‫والفنون والداب‪ ،‬العدد (‪ )265‬يناير ‪2001‬م‪ ،‬ص ‪.227‬‬
‫‪.3‬نبيل علي‪ :‬المرجع السابق‪ ،‬ص ‪.231‬‬
‫‪.4‬نبيل علي‪ :‬العرب وع صر المعلومات‪ ،‬الكويت‪ ،‬سلسلة عالم المعرفة‪،‬‬
‫المجلس الوطنببي للثقافببة والفنون والداب‪ ،‬العدد (‪ ،)148‬شوال‬
‫‪4141‬هب‪ ،‬أبريل ‪1994‬م‪ ،‬ص ‪.135‬‬
‫‪.5‬نبيل علي‪ :‬الثقافة العربية وعصر المعلومات‪ ،‬مرجع سابق‪،‬ص ‪.55‬‬

‫‪142‬‬

‫‪.6‬رشدي طعيمبه‪ :‬المرجبع فبي تعليبم اللغبة العربيبة‪ ،‬جامعبة أم القرى‪،‬‬
‫الجزء الول ص ‪.399‬‬
‫‪.7‬أنظر‪ :‬علي أحمد مدكور‪ :‬تدريس فنون اللغة العربية‪ ،‬الطبعة الشرعية‬
‫الثالثة‪ ،‬دار الفكر العربي‪1423،‬هب‪،2002،‬ص ‪.287‬‬
‫‪.8‬عبدالقاهبر الجرجانبي‪ :‬دلئل العجاز‪ ،‬بيروت‪ ،‬دار المعرفبة‪ ،‬بدون‬
‫تاريخ‪ ،‬ص ‪.44‬‬
‫‪.9‬أحمد درويش‪ :‬دراسة في السلوب بين المعاصرة والتراث‪ ،‬القاهرة‪،‬‬
‫دار غريب للطباعة والنشر والتوزيع‪،1988 ،‬ص ‪.98‬‬
‫‪.10‬المرجع السابق ‪،‬ص ‪. 102‬‬
‫‪.11‬المرجع السابق ص ‪.104‬‬
‫‪.12‬انظبر‪ :‬علي أحمبد مدكور‪ :‬التربيبة وثقافبة التكنولوجيبا‪ ،‬القاهرة‪ ،‬دار‬
‫الفكبر العرببي‪ ،‬الطبعبة الولى‪1423 ،‬هبب‪2003 ،‬م‪ ،‬ص ‪ 160‬بب‬
‫‪.163‬‬
‫‪.13‬سعود بن حميد السبيعي "نحو نظرية إسلمية للغة" في مجلة جامعة أم‬
‫القرى للعلوم التربويبة والجتماعيبة والنسبانية‪ ،‬العدد الثانبي‪ ،‬المجلد‬
‫عشر‪ ،‬ربيع ‪121‬هب‪ ،‬يوليو ‪2000‬م‪.20-5،‬‬
‫‪.14‬المرجع السابق‪ ،‬ص ‪.5‬‬
‫‪.15‬نبيبل علي‪" :‬وراثبة اللغبة ولغبة الوراثبة" فبي الكتبب وجهات نظبر‪،‬‬
‫القاهرة‪ ،‬دار الشروق‪ ،‬العدد(‪ ،)27‬أبريل ‪2001‬م‪ ،‬ص ‪.26‬‬
‫‪.16‬أح مد م ستجير "الجينوم‪ :‬قراءة في سفر الن سان"‪ ،‬في الك تب وجهات‬
‫نظر‪ ،‬القاهرة‪ ،‬دار الشروق‪ ،‬العدد (‪ ،)18‬يوليو ‪2000‬م‪ ،‬ص ‪.14‬‬
‫‪.17‬عبدالقاهر الجرجاني‪ ،‬دلئل العجاز‪ ،‬مرجع سابق‪،‬ص ‪.302‬‬
‫‪.18‬نبيل علي‪" :‬وراثة اللغة ولغة الوراثة" مرجع سابق‪ ،‬ص ‪.26‬‬

‫‪143‬‬

‫‪.19‬عبدالقاهر الجرجاني‪ ،‬دلئل العجاز‪ ،‬مرجع سابق‪ ،‬ص‪44.‬‬
‫‪.20‬علي أحمبد مدكور‪ :‬التربيبة وثقافبة التكنولوجيبا‪ ،‬مرجبع سبابق‪ ،‬ص‬
‫‪.168‬‬
‫‪.21‬د‪.‬هبب‪ .‬روبنبز‪ :‬موجبز تاريبخ علم اللغبة‪ ،‬عالم المعرفبة رقبم ‪،227‬‬
‫الكويبت‪ .‬المجلس الوطنبي للثقافبة والفنون والداب‪ ،‬الكويبت رجبب‬
‫‪1418‬هب‪ ،‬نوفمبر ‪1997‬م ص ‪ 321 -318‬وانظر أيضا نبيل علي‪:‬‬
‫"وراثة اللغة ولغة الوراثة"‪ ،‬مرجع سابق‪ ،‬ص ‪.22‬‬
‫‪.22‬نب يل علي ‪:‬الثقا فة العرب ية وع صر المعلومات رؤ ية م ستقبل الخطاب‬
‫العرببي‪ ،‬الكويبت‪ ،‬سبلسلة عالم المعرفبة‪ ،‬المجلس الوطنبي للثقافبة‬
‫والفنون والداب‪ ،‬العدد ‪ ،265‬يناير ‪2001‬م‪ ،‬ص ‪.167‬‬
‫‪.23‬المرجع السابق‪ ،‬ص ‪.177‬‬
‫‪.24‬رشدي أح مد طعي مه‪ :‬المر جع في تعل يم الل غة العرب ية للناطق ين بلغات‬
‫أخرى‪ ،‬جامعة أم القرى اللغة العربية‪ ،‬العدد (‪ ،)18‬ص ‪.351‬‬
‫‪.25‬أن ظر‪ :‬علي أح مد مدكور‪ :‬تدر يس فنون الل غة العرب ية‪ ،‬مر جع سابق‪،‬‬
‫الفصل الخامس بتدريس النحو‪.‬‬
‫‪.26‬ابن خلدون‪ :‬مقدمة ابن خلدون‪ ،‬بيروت‪ ،‬لبنان‪ ،‬دار القلم‪ ،‬ط ‪، 1978 ،1‬‬
‫ص‪546:‬‬

‫‪Salkie, Raphael, linguistics and Politics, Unwin.27‬‬
‫‪Hyman, Ltd. Great Britain, 1990, P.85‬‬
‫‪.28‬المرجع السابق‪ ،‬ص ‪.19‬‬
‫‪.29‬ابن خلدون‪ :‬المقدمة‪ ،‬مرجع سابق‪ ،‬ص‪.558:‬‬
‫‪.30‬المرجع السابق‪ ،‬ص ‪.559‬‬
‫‪.31‬المرجع السابق‪ ،‬ص ‪.554‬‬

‫‪144‬‬

‫‪.32‬مح مد عب يد‪ :‬في الل غة ودرا ستها‪ ،‬القاهرة‪ ،‬عالم الك تب‪ ،1974 ،‬ص‬
‫‪ 55‬وما بعدها‪.‬‬
‫‪.33‬رشدي أح مد طعي مه‪ :‬المر جع في تعل يم العرب ية‪ ،‬مر جع سابق‪ ،‬ص‬
‫‪.360‬‬
‫‪.34‬رشدي أحمد طعيمه‪ ،‬مرجع سابق‪ ،‬ص ‪.398‬‬
‫‪.35‬المرجع السابق‪ ،‬ص ‪.399‬‬
‫‪.36‬المرجع السابق‪ ،‬ص ‪.401 – 400‬‬
‫‪.37‬المرجع السابق‪ ،‬ص ‪.408 -407‬‬
‫‪.38‬رياء المنذري "فاعل ية ا ستخدام المن ظم المتقدم في تح صيل الن حو لدى‬
‫طالبات الصف الثاني العدادي" رسالة ماجستير‪ .‬كلية التربية‪ ،‬جامعة‬
‫السلطان قابوس‪ ،2004 ،‬ص ‪.7-6‬‬

‫‪145‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful