‫فضيةل ا‬

‫العّلمة الكبري‬
‫ِح ّّذ أِ‪ ٓ١‬ش‪١‬خ‪ٛ‬‬
‫سره‬
‫ق ّدس اهلل ّ‬

‫اٌحغ‪١‬ت إٌغ‪١‬ت‬
‫(‪ )8051-8035‬ىػ‬
‫(‪ )8631-8563‬ـ‬

‫نسبه الشريف‪:‬‬
‫ينسب العبلمة ؿبمد أمْب شيخو إُف السبللة اؽبامشية‪ ..‬سبللة رسوؿ اهلل ‪ ،‬فقد قَ ِد َـ جدُّه (شيخو) مع أخي جدّْه‬
‫وتفرعت عنهما‪:‬‬
‫(يوسف) من اغبجاز إُف مصر‪ ..‬فما طاب ؽبما اؼبقاـ إال يف دمشق مهد األنبياء‪َّ ،‬‬
‫ أسرة بيت (اليوسف) الشهّبة بالغُب والثراء‪.‬‬‫ وأسرة بيت (شيخو) الٍب ربدَّر منها فضيلة عاؼبنا الكبّب ؿبمد أمْب شيخو‪.‬‬‫احملمدية من نسل اغبسْب ‪ ..‬فهو عريب األصل ىامشي‬
‫وكلمة (شيخو) نسبة إُف أسم ج ّده (شيخو) اؼبنسوب للشجرة َّ‬
‫النسب‪.‬‬

‫نسب شريفٌ طاه ٌر ساد الورى‬
‫ٌ‬

‫عـساً وإجـالالً ومجداً فـاخـرا ً‬

‫‪www.amin-sheikho.com‬‬
‫‪info@amin-sheikho.com‬‬

‫ثغُ هللا اٌشحّٓ اٌشح‪ُ١‬‬
‫ِمذِخ‬
‫من ذلك السيد اؼبتهادي حبلل البهاء والنور يبوج يف العزـ والقوة والشباب والفتوة والشجاعة والبأس واإلباء حاسراً عن‬
‫متفوقاً على أقرانو ويتميَّز جبماؿ ُؿبيَّاه فضبلً عن طهارتو وعفتو ونبالة وجهو‪.‬‬
‫ذراعيو ّْ‬
‫لنكن مع صفحات ىذا آّد اػبالد يف رحلة تضحياتو الطويلة آّيدة الٍب دفعت مسّبة اإلنسانية كبو اػبّب والعدؿ‬
‫والسبلـ وجنَّبتها الوقوع يف مهاوي الظلم والظبلـ‪.‬‬
‫"إنو العالَّمة الكبير محمد أمين شيخو َّ‬
‫سره العالي العظيم"‬
‫قدس اهلل َّ‬
‫* * *‬
‫ِ‪ٌٛ‬ذٖ اٌشش‪٠‬ف‪:‬‬
‫ىل ىبلؿ بدره يف دمشق ‪8035‬ىػ يف يوـ مبارؾ ألب دمشقي يبتهن التجارة فأحبو حبّاً عظيماً وىاـ يف صبالو وطلعة‬
‫َّ‬
‫بدره وطيب حضرتو الذكي‪.‬‬

‫يتفجر باغبركة واؼبرح ليبعث يف قلوب من حولو صفاء اغبياة ؤّجتها‪ ،‬وكلما مضى يف نشأتو‬
‫كاف يف طفولتو نشيطاً ذكياً َّ‬
‫وتطوره يوـ كاف يبدو عليو اؼبزيد من الذكاء وقوة الشخصية وىذا ما جعل مكانتو لدى والديو كبّبة يكرمانو ويرعيانو‬
‫بكل ؿببة وعطف وحناف‪ ،‬ولكن ما لبثت يد اؼبنية أف اختطفت ذلك الوالد اغبنوف وأخذتو وىو يف سن الشباب بعد أف‬
‫أهنكو اؼبرض وأعياه األَف‪.‬‬
‫كاف لوفاتو أثر كبّب يف قلب كل من علم األمر‪ ،‬إذ خلَّف وراءه أرملة وولدين‪.‬‬
‫َف يكن السيد ؿبمد أمْب قد أمت السابعة من عمره بعد‪ ،‬عندما ضبل اؼبسؤولية‪ ،‬مسؤولية والدتو وضبايتها والدفاع عنها‬
‫واغبفاظ عليها من الشرور الٍب ظهرت من حوؿ عائلتو بعد رحيل والده عن الوجود وسفر أخيو الكبّب سليم إُف تركيا‪.‬‬
‫حٌب يف يتمو كاف متميزاً‪ ،‬ويف صربه على مشاؽ اغبياة والعسر بعد اليسر‪ ،‬وصربه صرباً ال يطيقو اعببابرة من الرجاؿ‪ ،‬ويف‬
‫كونو فرداً من أفراد العائلة الصغّبة الكريبة الٍب أؼبت ّٔا ظروؼ صعبة‪.‬‬
‫وبسبب نسبو الشريف إُف سبللة الرسوؿ الكرٔف ‪ ‬حاز على تقرب من قبل كبار اؼبسؤولْب األتراؾ فبا َّ‬
‫مكن أسرتو أف‬
‫ّ‬

‫تقطن حبي ساروجة الٍب ظبُّوىا "استانبوؿ الصغّبة" والٍب كاف يقطنها مسؤولوا الدولة الَبكية اغباكمة إذ ذاؾ َّ‬
‫ومكنو من‬
‫أف يدرس يف الكلية اؼبلكية العثمانية بدمشق "عنرب"‪ ،‬وأهنى دراستو فيها عندما بلغ الثامنة عشر من عمره‪.‬‬

‫زبرج منها برتبة ضابط أمن‪َّ ،‬‬
‫بذ أصدقاءه وأقرانو بالشجاعة الفائقة وباألمانة والصدؽ واالجتهاد والدأب على العمل‬
‫َّ‬
‫اؼبتواصل والنبوغ فيو‪ ..‬ولقد َّ‬
‫توُف العديد من أقساـ الشرطة يف مناطق دمشق ومديراً لنواحيها فكاف القدوة اؼبثلى‪ ،‬إذ ما‬
‫يلبث أف َّ‬
‫يعم األمن ويرفرؼ فوؽ منطقة عملو ضباـ السبلـ‪.‬‬
‫يتوُف قيادهتا حٌب َّ‬

‫لقد كاف العْب الٍب ال تناـ‪ ..‬والسهم الذي ال ُىبطئ يف كنانة الدولة‪ ،‬فما كاف يعجزىا ؾبرـ أو جريبة إالَّ وتلجأ إليو‪ ،‬وال‬
‫ووبرر الرقاب‪.‬‬
‫يسود اػبوؼ والقتل والفساد واإلجراـ يف منطقة ما إالَّ وكاف األمل اؼبنقذ فيدرأ اػبطر ّْ‬

‫عم الفساد وامتدت جذور الفوضى يف كل أرجاء‬
‫حل الوىن يف جسد الدولة الَبكية وطبدت فيها شعلة اإلسبلـ َّ‬
‫وعندما َّ‬

‫الببلد وبلغ اإلجراـ ح ّداً ال يُوصف وال يُطاؽ حٌب صار العيش صعباً واألياـ ؿبفوفة باألخطار والليل ّٔيماً ومرعباً إالَّ يف‬

‫يكرس السبلـ‪.‬‬
‫دمشق وريفها وضواحيها‪ ،‬حيث كانت عينو الساىرة ترعى األمن وقلبو الرحيم ّْ‬

‫فتوجت‬
‫وبعملو وشجاعتو وإقدامو واجو أعاصّب آّرمْب وأحاط بالكثّب من العصابات وقبض على كبارىا وزعمائها‪ّ ،‬‬
‫أعمالو كلها بالنصر والتأييد حٌب لُقّْب "بأصبلف" أي‪ :‬األسد لِما عُ ِرؼ من بسالتو وعدـ مهابتو للصعاب‪ ،‬فكاف‬
‫باعتماده على ربّْو رجل األمن الوحيد الذي وقف يف وجو الظلم واإلرىاب‪ ،‬حٌب وصل األمر أف آّرمْب والسارقْب كانوا‬
‫يلجؤوف إليو ويأتوف إليو خوفاً من بطشتو والتماساً لعدلو ورضبتو ورضاه‪.‬‬
‫تدرج يف اؼبناصب وتنقَّل بْب األقساـ إُف أف عُ ّْْب مديراً لقلعة دمشق دبا فيها اؼبستودعات والسجوف‪ ،‬وبقي فيها‬
‫وىكذا َّ‬

‫ردحاً من الزمن َّ‬
‫قدـ أثناءه من روائع البطوالت واألؾباد ما َف َتر الشاـ مثيلو إُف اآلف‪ ،‬حيث جازؼ بإطبلؽ سراح آالؼ‬
‫وزجهم يف الصفوؼ األمامية للدفاع عن الببلد ضد العدو الكافر‪ ،‬وكاف السبب يف إزالة أعواد‬
‫احملكوـ عليهم باإلعداـ َّ‬

‫تعسفاً يف أسواؽ الببلد وأحيائها والٍب كانت تبتلع كل يوـ اؼبئات من‬
‫اؼبشانق من الببلد الٍب زرعها صباؿ باشا السفاح ُّ‬
‫تعرض يف سبيل ذلك إُف اؼبوت مرات ومرات فأقباه اهلل بعظمتو ورضبتو ونصرتو‪.‬‬
‫أبناء الشعب‪ .‬وكم َّ‬
‫ويف عهد فرنسا ودبا أنو ضابط أمن مدٓف أُعيد إُف تسنُّم منصبو كمدير ناحية أو رئيس قسم‪ ،‬وحْب اندلعت الثورة‬
‫للثوار‪ ،‬وشرياهنا األّٔر‪ ،‬فكاف خاسبها بيده‬
‫السورية الكربى كاف حببو لربّْو ورغبتو النبيلة يف خدمة وطنو العضد والساعد َّ‬
‫الثوار أكرب صفقة من األسلحة مصدَّرة‬
‫أميناً عليو َّ‬
‫فأقض مضاجع الفرنسيْب دبحاوالتو الرىيبة لقلب اؽبزيبة نصراً مسلّْماً َّ‬
‫من فرنسا إُف ببلد الشاـ‪ ،‬وؼبا قاـ بتسليم ىذه األسلحة الٍب كاف الفرنسيوف يضعوهنا يف ـبازف قلعة عنجر يف لبناف إُف‬
‫الثوار ليبلً طاش صواب اعبنراؿ "كاترو" فأصدر القرار بإعداـ السيد ؿبمد أمْب‪ .‬ولكن اهلل العلي قبَّاه ومعاونو بكلماتو‬
‫َّ‬
‫التامات وانقلب لديهم مكيناً أميناً "على ظنّْهم اػباطئ"‪.‬‬
‫* * *‬

‫لزـ الشيخ أمْب كفتارو قرابة إحدى وعشرين سنة وتفاْف يف خدمتو واإلخبلص لو والدفاع عنو‪ ،‬ويف األربعْب من عمره‬
‫الغاِف فتح اهلل عليو من علمو فبدأ بتبلوة سورة الفاربة شهوداً‪ ،‬فأضحى ُّ‬
‫يبد شيخو بالعلوـ الربَّانية العليا بشهادة شيخو‪،‬‬
‫فضبلً عن مساعدتو إيَّاه من جاىو ومالو‪.‬‬
‫وبعد وفاة الشيخ اؼبذكور حزف عليو كثّباً وتأثَّر لوفاتو‪ ،‬فلقد كاف خّباً عميماً هبري على يد ذلك الشيخ الطيب‪ ،‬وَف‬
‫ينس غبظات الصفاء الٍب صبعتهما والٍب كانت سبباً ليسلك ُسػبُل اؽبداية والدعوة إُف اهلل وفق كتاب اهلل وسنة رسولو ‪‬‬
‫َ‬

‫وال وبيد‪.‬‬

‫وبعد وفاتو خلفو يف تسليك اؼبريدين فحمل لواء اإلرشاد بكل قوة وجدارة‪.‬‬
‫وىو يدعى "أمْب بك"‪ ،‬وكلمة "بك" أصلها تركي وىي تعِب‪ :‬الطاىر‪.‬‬
‫كاف يرتاد ؾبالسو زىرة شباب الشاـ ولبناف والعراؽ طالبْب الري من ينبوعو احملمدي الثري اؼبعطاء لِما فيها من جو اؼبهابة‬
‫واعببلؿ والقدسية‪.‬‬
‫فئّٔبثـن ف‪ٕ١‬ب ‪ُ٠‬عشة اٌّثً‬

‫إرا اٌّىبسَ ف‪ ٟ‬آفبلٕب روشد‬
‫* * *‬

‫وتفرده وكماؿ اؼبعُب ووضوحو وحضور اغبقيقة وكماؽبا‪ ،‬فكانت كلماتو تقع يف نقطة‬
‫سبيَّزت ؾبالسو القدسية بروعة البياف ّ‬
‫اؽبدؼ وتكوف يف قلوب السامعْب برداً وسبلماً ونوراً يأخذ بألبأّم تطّب بنفوسهم إُف عليْب‪.‬‬

‫ومزؽ التناقضات وقضى قضاءً مربماً على مدارس الدسوس واعبدؿ العقيم الذي أقاـ يف عقوؿ الناس فجوة‬
‫بدَّد الظلمة َّ‬
‫متفضبلً يستحق‬
‫فعرؼ الناس حقيقة اإللۤو وكماؿ صفاتو‪ ..‬ربّاً رحيماً حكيماً عادالً مْنعِماً ّْ‬
‫كربى بينهم وبْب رّّْٔم‪َّ ،‬‬
‫العبادة لذاتو وكونو صاحب اعبماؿ والكماؿ‪ ،‬فهو الذي ال ُوبمد على مكروه سواه لِما يعود على اؼبرء بالشفاء والعطاء‪،‬‬
‫وىو الغِب عن العباد وعن والئنا لو وطاعتنا إيّاه‪ ،‬فنحن كبتاج إُف الدخوؿ عليو يف حصن اإليباف النورآف فنتَّقي بو كل‬

‫مكروه وسوء‪.‬‬

‫لقد كاف سفر حياتو الشريفة ترصبةً عالية ودستوراً واضحاً ؼبا أتى بو من بياف ُمذىل تنطوي فيو حقائق مدىشة صاعقة‬
‫تدير الرؤوس وربِب اعبباه‪ ،‬فكانت اغبقيقة نوراً والصورة برىاناً وكاف اؼبثل والتطبيق العملي الصحيح عنواناً‪ ..‬بياف قد‬

‫عجزت عن مثيلو وإُف اآلف حضارات العاَف وقوانْب الدنيا الوضعية‪..‬‬
‫َِفَ ُخلِقنا؟‪ .‬وَِفَ ىذا الكوف العظيم‪ ،‬ما فائدة طقوس الدين؟‪.‬‬
‫َِفَ اعبوع فاألكل برمضاف؟‪ .‬ما مردود وفائدة الصبلة؟‪.‬‬

‫َِفَ اغبج يف صحا ٍر‪ ،‬ال ماء فيها وال شجر؟‪.‬‬

‫َِفَ وجدنا؟‪ .‬وأين كنّا؟‪َِ .‬فَ اؼبوت وماذا ح ّقاً بعده؟‪.‬‬
‫ما ىي النفس؟‪ .‬ما ىي الروح؟‪ .‬وما العقل؟‪.‬‬
‫ماىية اعبنَّة؟‪ .‬ماىية جهنم؟‪.‬‬
‫القضاء والقدر؟‪ .‬عا ََف األزؿ؟‪.‬‬
‫ويتعرفوا على‬
‫حقائق وأسئلة غابت عن أذىاف الناس‪ ،‬إذ انشغلوا بالدنيا وزخرفها ونسوا أف يبحثوا يف ملفات الوجود َّ‬
‫أسراره‪.‬‬
‫حٌب لقد قاؿ فيو ِ‬
‫عاَف العصر اإلنكليزي الشهّب السّب "جوف بينت" قوؿ حق إباف اجتماعو بعلماء الغرب‪:‬‬
‫توصلنا إليو من علوم ال يعدل بحر ذلك العالِم الكبير في الشرق"‪.‬‬
‫"إن كل ما َّ‬
‫* * *‬
‫لقد كانت دعوتو إُف اهلل انطبلقاً من منهج ال يعرؼ اػبطأ أبداً‪:‬‬
‫{لًُْ َ٘ ِز ِٖ َعج‪ ٍِٟ١‬أَ ْد ُػ ْ‬
‫‪ٛ‬ا إٌَِ‪َ ٝ‬‬
‫هللا َ‪َِ ٚ‬ب أََٔب َِِٓ ْاٌ ُّ ْش ِش ِو‪.)8(} َٓ١‬‬
‫ص‪َ ١‬شح أََٔب َ‪ ِٓ َِ ٚ‬ارَجَ َؼِٕ‪ُ َٚ ٟ‬ع ْج َحبَْ َ ِ‬
‫هللاِ َػٍَ‪ ٝ‬ثَ ِ‬
‫على ضوء ىذه اآلية الكريبة قاـ يدعو إُف اهلل ما ينوؼ عن ثبلثْب عاماً بصورٍة يدور فيها حوؿ النقاط التالية‪:‬‬
‫ورد كل ما علق باألذىاف وما دار على األلسنة فبا‬
‫‪ -‬تعريف الناس بكماؿ اهلل تعاُف وبياف رضبتو بعباده وعدلو يف خ ْلقو‪ّ ،‬‬

‫يتناىف مع العدالة والرأفة والرضبة وسائر الكماالت اإل ۤؽبية ونرباسو يف ذلك قولو تعاُف‪:‬‬

‫{ َ‪َ ِ ٚ‬لِلِ األَ ْع َّب ُء ْاٌ ُح ْغَٕ‪ ٝ‬فَب ْد ُػ‪ِ ُٖٛ‬ث‪َٙ‬ب َ‪َ ٚ‬رسُ‪ٚ‬ا اٌَ ِز‪ِ ٍُْ ٠ َٓ٠‬ح ُذ‪ َْٚ‬فِ‪ ٟ‬أَ ْع َّبئِ ِٗ َع‪ُ١‬جْ َض‪َِ َْ ْٚ‬ب َوبُٔ‪ٛ‬ا ‪ْ َ٠‬ؼ ٍَُّ‪.)2(} َْٛ‬‬
‫ بياف كماؿ الرسل عليهم الصبلة والسبلـ الذين شهد اهلل تعاُف يف كتابو الكرٔف بطهارة نفوسهم وعصمتهم وجعلهم‬‫ُمثُبلً عليا للعاؼبْب يقتدوف ّٔم‪ ،‬كما ورد يف كتابو الكرٔف "عصمة األنبياء" وذلك ما َف تستطعو األوائل‪ .‬ودحض كل‬
‫متمسكاً يف ذلك بقولو تعاُف‪:‬‬
‫افَباء أو تفسّب يتناىف مع ّْ‬
‫ظبوىم ورفيع مكانتهم ّْ‬
‫ه اٌَ ِز‪َ٘ َٓ٠‬ذَ‪َ ٜ‬‬
‫هللاُ فَ ِج‪ُٙ‬ذَاُ٘ ُُ ا ْلزَ ِذ ْٖ‪.)0(}..‬‬
‫{أُ‪ٌَ ْٚ‬ئِ َ‬

‫) سورة يوسف‪ :‬اآلية (‪.)835‬‬

‫(‪8‬‬

‫) سورة األنعاـ‪ :‬اآلية (‪.)63‬‬

‫(‪0‬‬

‫) سورة األعراؼ‪ :‬اآلية (‪.)853‬‬

‫(‪2‬‬

‫التمسك بأىداب الشرع الشريف‪ ،‬وتقوى اهلل حق تقاتو مع ربذير اإلنساف من أف يُتبع نفسو ىواىا ويتمُب‬
‫‪ -‬الدعوة إُف ُّ‬

‫على اهلل األمآف راجعاً إُف قولو تعاُف‪:‬‬

‫هللا َ‪ّ١ٌِ ٚ‬ب َ‪ٚ‬ال‬
‫{ٌَ‪َ ١‬‬
‫ة َِ ْٓ َ‪ْ ٠‬ؼ ًَّْ عُ‪ٛ‬ءا ‪ُ٠‬جْ َض ثِ ِٗ َ‪ٚ‬ال ‪ِ َ٠‬ج ْذ ٌَُٗ ِِ ْٓ ُد‪ِ َ ِْ ٚ‬‬
‫ْظ ثِؤ َ َِب ِٔ‪ُ ِّ١‬ى ُْ َ‪ٚ‬ال أَ َِب ِٔ ِّ‪ ٟ‬أَ ْ٘ ًِ ْاٌ ِىزَب ِ‬
‫ص‪١‬شا}(‪.)8‬‬
‫َٔ ِ‬
‫أتبع نفسو ىواىا وتمنَّى على اهلل‬
‫الموت‪ ،‬والعاجز من َ‬
‫نفسو وعمل لما بع َد ْ‬
‫وقوؿ رسوؿ اهلل ‪« :‬الكيِّس َم ْن دا َن َ‬
‫األماني»‪.‬‬

‫‪ -‬إرشاد الناس إُف خطوات اإليباف الصحيح وفق ما بيَّنو رسوؿ اهلل‬

‫ألصحابو الكراـ أخذاً عن كتاب اهلل‪ ،‬إذ ما من‬

‫ادع من نفسو‪ ،‬وقد أشار تعاُف إُف ذلك بقولو‬
‫امر ٍئ خالطت بشاشة اإليباف قلبو إال استقاـ على أمر اهلل وكاف لو ر ٌ‬
‫الكرٔف‪:‬‬
‫{‪ُْ ٠ ْٓ َِ َٚ ..‬ؤ ِِ ْٓ ثِ َ‬
‫بلِلِ ‪ِ ْٙ َ٠‬ذ لَ ٍْجَُٗ‪.)2(}..‬‬
‫‪ -‬توقّب رسوؿ اهلل ‪ ‬وتعظيمو وبياف شأنو العاِف عند اهلل ثَّ اإلرشاد إُف طريق ؿببتو ‪ ،‬وبياف ما تثمره ؿببة تلك النفس‬

‫ٍ‬
‫بكماؿ من اهلل تأسياً بقولو تعاُف‪:‬‬
‫الزكية الطاىرة من إقباؿ بصحبتها على اهلل واصطباغ النفس اؼبؤمنة اؼبستشفعة ّٔا‬
‫ُ‬
‫{‪..‬فَبٌَ ِز‪ َٓ٠‬آ َُِٕ ْ‬
‫ٔض َي َِ َؼُٗ أُ‪ٌَ ْٚ‬ئِهَ ُ٘ ُُ ْاٌ ُّ ْفٍِحُ‪.)0(} َْٛ‬‬
‫‪ٛ‬ا ثِ ِٗ َ‪َ ٚ‬ػ َضسُ‪َ ََٔٚ ُٖٚ‬‬
‫صشُ‪َٚ ُٖٚ‬ارَجَؼُ‪ٛ‬ا إٌُّ‪َ ٛ‬س اٌَ ِز‪ ٞ‬أ ِ‬

‫التقرب من اهلل‪ ..‬ؤّذا القرب ناؿ ما ناؿ من درجات‬
‫كاف عمراً غالياً شبيناً قضاه ىذا اإلنساف الطاىر باعبهاد والرغبة يف ُّ‬
‫وكماؿ‪ ..‬وحقَّق ما حقَّق من أؾباد وأعماؿ مشحونة باعبهاد اإلنسآف اؼبقدَّس‪ ..‬وبالتضحيات اإلنسانية الكربى‪ ..‬حٌب‬
‫ٍ‬
‫لسلوؾ أظبى من أجل نصرة اغبق‪ ..‬ببطوالت ال مثيل ؽبا ىزمت الباطل وجعلتو زىوقاً‪.‬‬
‫كانت حياتو مثبلً أعلى‬
‫ربوؿ‬
‫لقد رىن حياتو الثمينة بأصبعها ػبدمة أخيو اإلنساف‪ ..‬يُسابق عجلة األياـ يف جريها ويُضاىي الشمس بنورىا‪ ..‬وقد َّ‬

‫على يديو ليل الشاـ إُف هنار ؼبا يسطع عليها من أنوار أعمالو وبركات تضحياتو حٌب كاف يواصل الليل بالنهار متجاوزاً‬

‫وهباىد يف سبيل إنقاذ أخيو‬
‫عن راحتو ولو َف يطرؽ النوـ لو جفناً عدة لياؿ متواليات باستثناء غفوات وىو وباوؿ ُ‬
‫اإلنساف من مستنقعات اغبزف واآلالـ غّب ٍ‬
‫مباؿ دبا يعَبضو من أخطار اؼبوت أو اإلعداـ وال دبا يتكبده يف سبيل اهلل من‬
‫ماؿ أو تنازالت‪ ..‬وكثّباً ما كاف يبقى خاوي الوفاض على الرغم من سابق غناه اؼبادي‪ ..‬وىنا فبل غرابة وال غرور أف‬
‫يفتح اهلل عليو بليلة مباركة ذلك الفتح اؼببْب حٌب يُشاىد ملكوت اإللۤو ويعرج بنفسو يف تلك العواَف القدسية العليّة‬
‫) سورة النساء‪ :‬اآلية (‪.)820‬‬

‫(‪8‬‬

‫) سورة األعراؼ‪ :‬اآلية (‪.)824‬‬

‫(‪0‬‬

‫) سورة التغابن‪ :‬اآلية (‪.)88‬‬

‫(‪2‬‬

‫احملمدية الٍب ىيَّأ اهلل لو والٍب حصل عليها بصدقو وؾبهوده وتضحياتو‪ ..‬كذلك فكل من جاىد ألجلها وصدؽ يف حبّْو‬
‫َّ‬
‫وطلبو هلل وللرسوؿ ‪ ‬فالباب مفتوح لو ولكل سالك مريد صادؽ‪.‬‬
‫فعلى ىذا اؼبنواؿ الرائع قضى حياتو الغالية الزاخرة باؼبعرفة باهلل الٍب ال يطمئن القلب إالَّ ّٔا وال تسعد البشرية إالَّ إذا‬
‫حصلت عليها‪ ..‬فكاف السراج الذي يُضيء لؤلجياؿ طريقها إُف السعادة بكتاب اهلل والنرباس الذي يهدي البشرية إُف ما‬
‫غرة شهر ربيع اآلخر عاـ‬
‫تصبو إليو من الكماؿ والسعادة والفضيلة واغبياة الطيبة من اهلل إُف أف التحق بالرفيق األعلى يف َّ‬
‫ووري جثمانو الطاىر الشريف دبقربة نيب اهلل "ذي الكفل" يف حي الصاغبية‪.‬‬
‫‪ 8051‬ىػ‪ُ ،‬‬
‫صبٌِحب َ‪ٚ‬لَبي إَِِٕٔ‪ َِِٓ ٟ‬اٌ ُّ ْغٍِ ِّ‪.)8(} َٓ١‬‬
‫{ َ‪ ْٓ َِ ٚ‬أَحْ َغ ُٓ لَ‪ ْٛ‬ال ِ َّٓ َدػَب إٌَِ‪ ٝ‬هللاِ َ‪َ ٚ‬ػ ِّ ًَ َ‬

‫رمــــذ‪ُ٠‬‬
‫اٌّشثّ‪ ٟ‬األعزبر‬
‫ػجذ اٌمبدس ‪٠‬ح‪ ٝ١‬اٌش‪١ٙ‬ش ثبٌذ‪٠‬شأ‪ٟ‬‬

‫) سورة فصلت‪ :‬اآلية (‪.)00‬‬

‫(‪8‬‬

‫ذاؾ الزماف ومنذ أكثر من مئة عاـ عاش الناس حياة البساطة سعداء‪ ..‬بيوهتم عربية البناء واسعة الفناء مصنوعة من‬
‫الطْب "الَباب" ينّب غرفَها ليبلً ُسرج الزيت‪ ..‬فبل كهرباء آنذاؾ‪..‬‬
‫جداوؿ رقراقة‬
‫البساتْب واألشجار ربف اؼبنازؿ اؼبزدانة باحتها بأحواض األزىار والورود البديعة واؼبزروعات والٍب ترفدىا‬
‫ُ‬
‫وتقر ّٔا األعْب متفرعة من األهنار الرئيسية العذبة الشديدة اعبرياف‪ ..‬فاػبّب عميم واألمطار‬
‫بديعة دفَّاقة ُربيي النفوس ُّ‬
‫غزيرة واألرض معطاء‪ .‬يناـ الناس باكراً ويستيقظوف على صبلة الفجر باكراً‪ ..‬فبل ضجيج لسيارات وال دخاف ؼبعامل وال‬
‫حوادث ومصائب السّب‪ ..‬فاؽبدوء ساري واألماف عاـ والناس متحابْب متآلفْب‪ ..‬بذلك الوقت حدثت أحداث قصتنا‪..‬‬
‫* * *‬
‫كاف اغباج اظباعيل يذرعُ أرض الديار جيئةً وذىاباً ينتظر بفارغ الصرب قدوـ مولوده اعبديد‪" ..‬واغباج اظباعيل تاجر كبّب‬
‫صاحب دين وأخبلؽ فاضلة يتمتع بسّبة ضبيدة‪ ..‬شهم كرٔف شجاع"‪.‬‬

‫وما ىي إالَّ ساعات قليلة حٌب َولَ َدت أـ سليم "زوجة اغباج اظباعيل" والدة يسّبة‪.‬‬
‫ذكر‪...‬‬
‫إنو ٌ‬
‫قل مثيلو وندر‪..‬‬
‫حل على الدنيا ولي ٌد ىبجل البدر بطلعتو‪ ..‬صبالو صاعق َّ‬
‫لقد َّ‬
‫فرح اغباج اظباعيل كثّباً كثّباً عندما زفُّوا لو اػبرب‪:‬‬
‫لقد رزقك اهلل بطفل ذكر‪ ..‬كالقمر‪ ..‬فماذا ستسميو؟‪.‬‬

‫قاؿ‪ :‬اغبمد هلل‪ ..‬اغبمد هلل‪ ..‬اغبمد هلل‪ ..‬إف شاء اهلل إف اظبو ؿبمد أمْب‪..‬‬
‫* * *‬
‫وترّب بعطف أبيو حيا ًة ملؤىا الدالؿ وكثرة اػبّب والنعم‪ ..‬فلقد أحبَّو والده‬
‫نشأ الصغّب السيد ؿبمد أمْب يف حضن أمو َّ‬
‫كثّباً‪ ..‬حٌب إنو يف صباح كل ٍ‬
‫يوـ وقبل مغادرتو اؼبنزؿ لعملو يَبؾ مع والدة الصغّب ؾبيدياً كامبلً‪ ،‬أي ما يعادؿ نصف‬
‫لّبة ذىبية‪ ..‬قائبلً‪:‬‬
‫خذي يا أـ سليم ىذا آّيدي (مصروؼ اعبيب) خرجية الصغّب ؽبذا اليوـ‪ ..‬أعطو إيَّاه عندما ىبرج لِلَّعب يف اغبي‪..‬‬
‫وزببئو‪..‬‬
‫فتتناولو ُ‬
‫ول َّػما وبْب موعد خروج الغبلـ البطل َوبضر لوالدتو و ُّ‬
‫يبد يده ؽبا بدوف أي كبلـ فتخرج آّيدي وتضعو يف يده اغبُلوة‬
‫الصغّبة ث تنحِب فتقبّْلو وتوصيو باغبرص على نفسو لكي ال يؤذى أو ُهبرح‪ ..‬أو‪..‬‬
‫أما ىو فينطلق من بعد نوالو (اػبرجية) إُف رفاقو الصغار أمثالو فّبحبوف بو َّ‬
‫أشد الَبحاب‪ ..‬كيف ال وىو زعيمهم الكرٔف‬
‫وقائدىم العبقري الذكي‪..‬‬
‫ينظر السيد ؿبمد أمْب إُف الفقراء منهم فيشعر برضبة تتدفق يف قلبو عليهم‪ ..‬يرى ما ىم حباجة لو‪ ..‬وما يتطلبونو ويشَبيو‬
‫ؽبم وآخرين يعطيهم قطعاً صغّبة نقدية‪ ..‬وىكذا يصرؼ معظم ( ِ‬
‫خرجيَّتو) اليومية ىذه على رفاقو وأصدقائو‪ ..‬نِ ْع َم‬
‫الصديق والرفيق الرحيم الكرٔف‪..‬‬
‫ال يعود للبيت إالَّ وقد خوى جيبو من النقود بعد أف أنفقها كلها أو معظمها عليهم‪ .‬وىكذا حٌب أصبح عمر ىذا‬
‫اللطيف الكرٔف سبع سنوات‪..‬‬
‫* * *‬
‫ٍ‬
‫وبيوـ من األياـ عاد اغباج اظباعيل باكراً من عملو على غّب عادتو مريضاً يئن أنيناً‪ ..‬وؼبا حضر حبيبو اللطيف ناداه‬
‫فحضر ماثبلً بْب يديو‪:‬‬
‫نعم يا أبٍب دباذا تأمرٓف؟‪.‬‬
‫إِف‪ ،‬ث نظر إليو نظرة ملؤىا اغبب والرضبة واغبناف‪ ..‬بعينْب مؤلهتما الدموع‪،‬‬
‫فقاؿ اغباج اظباعيل‪ :‬بِب حبيػبػي‪َ ..‬‬
‫تعاؿ َّ‬
‫متوسبلً‪:‬‬
‫فضم صغّبه اغببيب إُف صدره ودعا ربَّو راجياً ّْ‬
‫َّ‬
‫يا رب‪ ..‬أما سليم (ابنو الثآف الشاب) فأنا ربَّيتو‪ ..‬وىذا (أي السيد ؿبمد أمْب) فربّْو أنت يا رب!!‪ .‬أنا َف أستطع أف‬
‫أربّْيو‪.‬‬

‫لقد أدرؾ اغباج اظباعيل أف هناية أجلو باتت قريبة‪ ..‬وما ىي إالَّ فَبة قليلة حٌب انتقل اغباج اظباعيل إُف جوار ربّْو‪ ..‬لقد‬
‫مات‪..‬‬
‫غادر اغبياة تاركاً وراءه اليتيم الصغّب ووالدتو وحيدين يف اؼبنزؿ بعد أف سافر االبن األكرب سليم إثر زبرجو من الكلية‬
‫اؼبلكية العسكرية‪..‬‬
‫حزنت األـ كثّباً لفراؽ رب األسرة وجلست مع يتيمها الصغّب تنظر إليو بعيوف تؤلألت بالدموع‪ ..‬دموع اغبزف‪ ..‬رأت‬
‫ب عليها كثّباً أف تراه ّٔذا اغباؿ‪ ،‬مع أنو َف يكن‬
‫صورة ىذا اغبزف مرتسمة يف عيِب صغّبىا اػبضراوتْب اعبميلتْب َ‬
‫فص ُع َ‬

‫حزيناً‪ ،‬إذ ما كاف ليدرؾ حجم اؼبصاب لصغر سنّْو لكنها ظنتو يُقاسي مرارة فراؽ اؼبرحوـ سباماً مثلها‪ ..‬ولذا راحت األـ‬
‫سري عن نفسو ما حسبتو عنده من‬
‫اغبنوف تبحث بذاكرهتا عن قصة أو حكاية‪ُّ ..‬‬
‫لتقصها على مسامع عزيزىا الصغّب لِتُ ّْ‬
‫حزف‪ ،‬وىو "أي اغبزف" عند نفسها على فراؽ اؼبرحوـ‪ ..‬حبثت وحبثت يف ذاكرهتا‪ ..‬حٌب وأخّباً َّ‬
‫تذكرت ولكن ذكرياهتا‬

‫للمرحوـ َف تغب عن خاطرىا‪ ..‬ولذا َف َّ‬
‫أسرتا اؼبرحوـ كثّباً كثّباً‪ ..‬عندىا أخذت الصغّب إُف فراشو‬
‫تتذكر إالَّ حادثتْب َّ‬
‫األوؿ قائلة‪:‬‬
‫وجلست جبانب رأسو وراحت تسرد لو اغبادث َّ‬
‫بِب اغببيب‪َّ ..‬قرة عيِب‪ ..‬منذ سن ٍ‬
‫ت حامل ًة بك يف األشهر األخّبة من ضبلي‪ ..‬ذات مرة خرجت إُف‬
‫ْب سبع ؼبا ُكْن ُ‬
‫السوؽ قاصدةً شراء بعض اغباجيات واللوازـ‪ ..‬وتابعت حديثها اللطيف اغبزين تسرد اغبادث‪..‬‬
‫* * *‬
‫ىائم‬
‫رجل ؾبذوب ّْ‬
‫ل َّػما كانت تسّب يف السوؽ لتشَبي بعض اغباجيات َّ‬
‫حبب اهلل ٌ‬
‫رجل يُدعى "ابن عابدين"‪ ..‬إنو ٌ‬
‫مر ٌ‬
‫مذىوؿ مأخوذٌ دبشاىدتو القلبية عن تفكّبه‪..‬‬
‫ٌ‬
‫وابن عابدين ىذا أحد آّاذيب بذاؾ الزماف صيتو سا ٍر يف كل أكباء الشاـ يعرفونو كباراً وصغاراً‪ ..‬فبينما ىو يركض وما‬
‫أف أصبح دبحاذاهتا حٌب رفع يده باؽبواء وىوى براحة يده بضربة خفيفة على ظهر ىذه اؼبرأة اغبامل!‪ .‬وىو يقوؿ‪:‬‬
‫وِف كبّب(‪ ..)8‬كبّب‪ ..‬كبّب!!‪.‬‬
‫معك ٌ‬
‫يتكرر‪:‬‬
‫وانفتل عائداً مسرعاً يف السوؽ من حيث أتى وما يزاؿ صدى صوتو َّ‬
‫كبّب‪ ..‬كبّب‪ ..‬كبّب!!‪.‬‬

‫) كبير‪ :‬كبّب اؼبقاـ عند اهلل‪.‬‬

‫(‪8‬‬

‫تابعت األـ حديثها‪ :‬وابن عابدين ىذا يا بِب ؾبذوب معروؼ عند الناس َّ‬
‫ك ينطق بلسانو‪..‬‬
‫أف ما يقولو يتحقَّق‪ ..‬فالػ َملَ ُ‬
‫إِف‬
‫كوِف كبّب‪ ..‬وشاع اػبرب بْب نساء اغبي وتناقلنو‪ ،‬ث قَ ِد ْم َن َّ‬
‫ت كثّباً ببشاريت بك ي‬
‫وأفعالو كلها مباركة‪ ..‬ولقد ُس ِرْر ُ‬
‫توسم فيك اػبّب الكبّب‪..‬‬
‫مهنئات‪ .‬أما والدؾ رضبة اهلل عليو فلقد طار فؤاده فرحاً‪ ،‬إذ َّ‬
‫* * *‬
‫ٍ‬
‫وتفهم ذكي‪ ،‬وىو ينظر بعينيو اعبميلتْب إُف ّْأمو اغببيبة سعيداً حبديثها‬
‫كاف الصغّب أمْب بفراشو‪ ،‬يستمع يف‬
‫صمت ُّ‬
‫اؽبادئ العذب اللطيف‪ ...‬أال تذكر يا بِب اغببيب ذلك اليوـ‪ ..‬منذ سنوات ثبلث ؼبا خرجت من غرفة والدؾ‪ ..‬وأيضاً‬
‫تابعت األـ حديثها تسرد اغبادث الثآف الذي َّ‬
‫تذكرتو‪..‬‬
‫لقد ذبلَّت يف ىذا اغبادث بوضوح أمآف بطلنا الصغّب ؿبمد أمْب وأحبلمو الٍب كانت تفوؽ سنو بكثّب‪ ،‬فلقد خرج ل َّػما‬
‫كاف عمره سنوات أربع من غرفة والده‪ ..‬قد َّ‬
‫لف على رأسو قطعة قماشية بيضاء جعلها كعمامة أصحاب الدين‪ ..‬إذاً‬
‫يتمُب أف يصبح مرشداً يرشد الناس إُف اهلل!!‪.‬‬
‫ولكن األغرب من ذلك أنو قد وضع من فوؽ العمامة البيضاء قبعة عسكرية (قبعة أخيو سليم الذي كاف يدرس يف‬
‫الكلية اؼبلكية العسكرية)‪ ..‬إهنا قبعة ضابط‪ ،‬ويركب فرساً‪ ..‬كاف ىذا الفرس عصاً وقد وضعها بْب رجليو!!‪ .‬إذاً وبلم بأف‬
‫يصبح ضابطاً!!‪.‬‬
‫وعندما رآه اغباضروف ّٔذا الشكل الغريب اؼبثّب‪ ..‬التفتوا إليو بذىوؿ‪ ،‬وقاؿ لو أبوه "اؼبرحوـ"‪:‬‬
‫بِب حبيبنا‪ ..‬ولكن كيف لك أف توفّْق وذبمع اثنتْب ال يبكن صبعهما سوياً‪..‬‬
‫(‪)8‬‬
‫داع إُف اهلل‪ ،‬وإما ضابط‪ ..‬أما االثنتاف معاً فبل ذبتمعاف‪.‬‬
‫فإما مرش ٌد ٍ‬
‫َّ‬

‫سره‪:‬‬
‫لكن عيناه كانتا تربقاف ثقةً باألمل اؼبشرؽ وكأنو يرى أمامو مستقبلو اإلشراقي ويقوؿ يف ّْ‬
‫نعم سأصبح مرشداً داعياً إُف اهلل وضابطاً باألمن أقيم اغبق وأنصف الناس "أعطيهم حقوقهم" وأقضي على الظلم‬
‫والشرور‪ ..‬أقرف القوؿ بالعمل!!‪.‬‬
‫َصبح شاباً‬
‫اغباضروف استبعدوا أف يتحقَّق ذلك ولكن األياـ أثبتت صحة تنبُّئو الغييب البلشعوري باؼبستقبل‪ ..‬فعندما أ َ‬
‫َصبح ضابطاً ث داعياً مرشداً كبّباً‪ ..‬عبلَّمة جليبلً‪ ..‬ذلك الوِف الكبّب الكبّب‪ ..‬حقاً ظهر أنو عب ٌد هلل‪ ..‬إذ أقاـ اغبق‬
‫أ َ‬
‫والعدؿ بْب الناس وقضى على اإلجراـ واألشرار‪.‬‬

‫)‬
‫يدؿ ويدعو الناس ليسّبوا بدين اهلل‪.‬‬
‫المرشد‪ :‬رجل دين ّ‬

‫(‪8‬‬

‫أسى‬
‫تابعت األـ مسَبسلة يف حديثها اللطيف وىي ترسم على شفتيها ابتسامة حزينة والذكريات ُّ‬
‫سبر أماـ عينيها فتزيدىا ً‬
‫فظل ينبعث منو ضوءٌ خافت ُمريح‪،‬‬
‫حٌب استسلم صغّبىا للنوـ وناـ‪ ،‬عندىا اطمأنت عليو وقامت إُف السراج لتهدّْئو َّ‬
‫استمر األمّب الصغّب يف نومو بأماف وراحة‪.‬‬
‫بينما َّ‬

‫‪‬‬

‫ظبع ىذا الطفل السيد ؿبمد أمْب ذات مرة حديثاً كاف هبري بْب والدتو وإحدى النساء الٍب راحت تروي ؽبا قصة غريبة‬
‫كلهن قد علمن ّٔا وربدَّثن عنها وتناقلوىا‪.‬‬
‫زعمت أهنا ربدث يف كل ليلة‪ ،‬وأف نساء اغبي َّ‬
‫ىل ظبعت يا أـ سليم عن "اعبنيّة"؟!‪.‬‬
‫ماذا "اعبنيّة"!!!‪.‬‬
‫نعم "اعبنيّة" الٍب تظهر يف كل يوـ يف اغبظّبة(‪.)8‬‬
‫ال واهلل َف أظبع عنها‪ ،‬ولكن من قاؿ لك ومن أين ظبعت؟‪.‬‬
‫نساء اغبي كلهن قد ظبعن عنها‪ ،‬يقولوف إهنا تظهر إذا ذىب أحدىم إُف ىناؾ بعد منتصف الليل‪ ،‬وأهنا زبرج على من‬
‫يناديها ويطلبها‪ ،‬فّباىا رباكيو وتكلمو‪ ،‬ولقد قالوا أف أحدىم قد أمسك ّٔا فراحت تتوسل إليو أف يدعها وشأهنا وعندما‬
‫رفض عرضت عليو أف يطلب منها ثبلث أمنيات‪ ،‬فإذا حققتها لو يَبكها تذىب وشأهنا‪.‬‬
‫ولقد توسعت أصداء مثل ىذه القصص‪ ،‬وانتشرت أخبارىا فانشغل الناس ّٔا حٌب استحوذت على اىتمامهم وتفكّبىم‪،‬‬
‫صار الكل يتحدث عنها‪ ،‬ومنهم من راح ىبتلق قصصاً ونبية ووباوؿ إقناع الناس أهنا حدثت معو فعبلً‪.‬‬

‫) اغبظّبة‪ :‬االسطبل أو "البايكة" وكاف سابقاً لكل دار حظّبة للحيوانات‪.‬‬

‫(‪8‬‬

‫تردد أحداث ىذه القصة إُف مسامع صغّبنا السيد ؿبمد أمْب الذي َف يكن قد بلغ من العمر بعد سوى‬
‫ومن كثرة ُّ‬
‫قر ّٔا سباماً قبل أف يتأكد بنفسو فبا ظبع وعلم‪.‬‬
‫ثبلث سنوات ونصف تقريباً‪ ،‬صدَّقها ولكن َف يشأ أف يُ َّ‬
‫* * *‬
‫فلما كاف الليل‪ ،‬خلد صغّبنا إُف سريره وتظاىر بالنوـ ليُقنع أىلو أنو نائم فيطمئنوا عليو‪ ،‬ولكن ما أف انتصف الليل‪،‬‬
‫َّ‬
‫حٌب غادر سريره‪ ،‬وتوجو ليهبط الدرج خبفة وىدوء متوجهاً إُف خارج اؼبنزؿ‪ ،‬قاصداً تلك اغبظّبة‪ ،‬حيث اؼبكاف الذي‬
‫توجد فيو "اعبنيّة"‪.‬‬
‫ليتعرؼ على "اعبنيّة" عن قرب‪ ،‬وقد كاف ينوي إذا رآىا أف‬
‫لقد دعاه فضولو وحبو لبلكتشاؼ إُف خوض ىذه اؼبغامرة‪َّ ،‬‬
‫يبسك ّٔا‪ ...‬ويشَبط عليها حٌب يَبكها أف ذبلب لو ملوؾ األرض كافة ليعرض عليهم دين اإلسبلـ‪ ،‬وإذا رفضوا فإنو‬
‫سيقطع رقأّم‪.‬‬
‫وبالفعل وصل إُف اؼبكاف اؼبقصود‪ ،‬وجلس ىناؾ ينتظر أف ربضر تلك "اعبنية"‪.‬‬
‫وؼبا تأخرت أخذ يناديها ويناجيها‪ ،‬ويضرب بيده الصغّبة على األرض داعياً إياىا أف زبرج وتظهر لو‪ ،‬ولكن ما من أحد‬
‫هبيب نداءه أو يرد عليو!!‪.‬‬
‫ويف الليل استفاؽ أبوه من النوـ ليطمئن على صغّبه النائم فلم هبده يف فراشو فاستفاؽ كل من يف البيت وأخذوا يبحثوف‬
‫عنو يف كل مكاف‪ ،‬وَف يدعوا غرفة إال ذىبوا إليها على أمل أف يكوف موجوداً فيها‪ ...‬لكنهم َف يعثروا لو على أثر‪.‬‬
‫يدب إُف قلؤّم‪ ،‬وراح كل واحد منهم يتساءؿ يف نفسو‪ :‬أين عساه يكوف يا ترى؟‪ .‬لقد مضى على انتصاؼ‬
‫وبدأ القلق ّ‬

‫الليل بعض الوقت‪ ،‬ىذا شيء ـبيف حقاً‪.‬‬

‫وؼبا فقدوا األمل من العثور عليو داخل اؼبنزؿ اقَبح أحدىم أف دعونا نبحث يف اغبديقة أو ردبا وجدناه يف اغبظّبة‪ :‬إذاً ىيا‬
‫بنا لنرى ما إذا كاف موجوداً ىناؾ‪.‬‬
‫وخرجوا باذباه اغبظّبة مصطحبْب معهم اؼبشاعل لتضيء ؽبم عتمة الطريق‪ ،‬وما أف اقَببوا حٌب ظبعوا صوتو الشجاع اغباد‬
‫يرتد إُف مسامعهم‪ ،‬وىو يقوؿ‪:‬‬
‫علي؟‪.‬‬
‫أيتها "اعبنية"‪ :‬ؼبا ال ذبيبيِب؟‪ .‬ىيا‪ ...‬أنا أناديك وأدعوؾ َفَ ال ّْ‬
‫تردين ّ‬
‫أسرعوا باذباه الصوت‪ ،‬وإذا بو جالس ىناؾ على األرض‪ ،‬وىو يردد ىذه الكلمات وال ينفك يضرب على األرض بقوة‬
‫طالباً إياىا بإغباح وجرأة خفقت ؽبا قلؤّم إكباراً‪ ،‬وهتافتوا عليو‪ ...‬ماذا تفعل يا صغّبي؟‪ .‬وأي شيء ىذا الذي أتى بك‬
‫إُف ىنا يف ىذا الوقت اؼبتأخر من الليل؟‪.‬‬

‫فرد عليهم‪ :‬أريد مقابلة "اعبنيّة" الٍب تتحدثوف عنها‪...‬‬
‫َّ‬
‫ىيا‪ ...‬ىيا بنا يا بِب نعود إُف البيت ودعك من ىذا األمر‪ ،‬أنت ما زلت صغّباً وما زالت ىذه األشياء بعيدة عنك‬
‫وخارجة عن اىتمامك‪( .‬لكنهم يف نفوسهم ىزؤوا من تصديقهم ؼبثل ىذه القصص وأنَّبهم ضمّبىم‪ ،‬فهذه خرافات)‪.‬‬
‫خاؼ أىلُو عليو وقالوا على مسم ٍع منو "وىو يسمع" فيما بينهم‪:‬‬
‫لقد َ‬
‫ترقد على ِ‬
‫معلف ِ‬
‫َّ‬
‫تعض من هبلس ىناؾ وتقتلو‪ ،‬فذىب معهم مرغماً‪ ،‬لكن ذلك األمر ال‬
‫اػبيل وىي ُّ‬
‫إف حيّةً كبّبة ُمرعبة ُ‬
‫يزاؿ يشغلو ويؤرقو ويهمو أف يتأكد من صحتو‪.‬‬

‫* * *‬
‫ويف اليوـ التاِف‪ ،‬وربت ستار الليل عاد إُف ؿباولة جديدة‪ ،‬ويف قلبو تصميم أال يدع ىذا األمر يبر عابراً دوف أف يكوف قد‬
‫كوف فكرة منطقية عنو ال يصادرىا أدْف شك والتحقيق بالعمل عْب اليقْب‪.‬‬
‫ّ‬
‫وبالفعل‪ ،‬توجو إُف اؼبكاف ذاتو وفعل ما فعلو باألمس‪ ،‬فلم ربصل لو أية نتيجة تثبت صحة ما يقولوف سوى صمت‬
‫وسكوف ال يتخللو إال بعض األصوات االعتيادية‪ ،‬صرصر من ىنا‪ ،‬وكلب من ىناؾ‪ ،‬أما "اعبنية" فبل أصل ؽبا وال وجود‪.‬‬
‫وىنا عرؼ أف أحاديث النساء عن ىذا األمر إف ىي إال كذباً فليس ؽبا بالواقع أية صلة‪ ،‬وتوطَّد يقينو بكذب ىذه‬
‫القصة عندما أعاد الكَّرة يف الليلة الثالثة وذىب إُف ىناؾ يف نفس الوقت وللهدؼ ذاتو‪.‬‬
‫وقد َّقرر بعد ىذه القصة أف ال يصدّْؽ شيئاً فبا يسمعو أو فبا يُقاؿ لو مهما كاف ىذا األمر‪ ،‬وأياً كاف دوف أف يتأكد‬
‫بذاتو من صحة ما يُقاؿ لو‪ ،‬ودوف أف يسعى إُف خوض التجربة‪ ،‬حٌب يعود بالنتيجة األكيدة الٍب يرتاح ؽبا ويطمئن ؽبا‬

‫قلبو‪.‬‬

‫‪‬‬

‫كاف السيد ؿبمد أمْب منذ طفولتو مولعاً بركوب اػبيل‪ ،‬ولقد خاؼ عليو أبوه من السقوط من على ظهر الفرس ألف‬
‫عمره َف يتجاوز اػبمس سنوات إذ ذاؾ‪ ،‬فجلب سايساً للخيل ألجل ىذا األمر وأعطاه تعليمات بأف ال يسمح لولده‬
‫بأخذ الفرس‪.‬‬
‫جاء الطفل الذكي وأخذ يسامر السايس بأحاديثو ويتظاىر بالنعاس ويتثاءب أمامو كي يناـ السايس حٌب ناـ فأخذ‬
‫اؼبفاتيح منو خلسةً وفتح باب اإلسطبل‪ ،‬ولئبل يصحو السايس على صوت حوافر الفرس أثناء خروجها من اإلسطبل ربط‬
‫حوافر الفرس األربعة بقماش وأخرجها دوف أف يُشعر السايس ّٔا وانطلق يسابق الريح بعد أف امتطاىا من على ظهر‬
‫جدار منخفض‪.‬‬
‫وبعد فَبة من الزمن قضاىا باؼبطاردة رجع وأدخلها إُف اإلسطبل بنفس الطريقة الٍب أخرجها ّٔا ث أغلق بابو وأعاد‬
‫اؼبفاتيح إُف حزاـ السايس وكأف شيئاً َف يكن‪.‬‬
‫أفاؽ السايس على أصوات غريبة داخل اإلسطبل فلما فتحو فوجئ بالفرس يتصبب منها العرؽ ففهم أنو أخرجها عندىا‬
‫تسلل رعب قاتل إُف أعماقو وتصبب العرؽ غزيراً من جبهتو وذلك عندما رأى أف الفرس على وشك الوالدة وىي ّٔذه‬
‫اغبالة من اإلهناؾ‪ ،‬أي إف والدهتا غّب طبيعية‪.‬‬
‫اشت ّد بو الذعر خوفاً من والد الطفل وتوبيخو لو كيف ظبح البنو الطفل بأخذ الفرس منو وىو الناضج الكبّب!‪.‬‬

‫تعسرت والدة الفرس حيث ظهر قسم من اعبنْب وتوقفت عملية الوالدة بسبب النصب من اؼبطاردة‪ ،‬ولش ّدة خوفو‬
‫فعبلً َّ‬
‫توقف‪ ،‬ث‬
‫ىم ّْ‬
‫َّ‬
‫بشد اعبنْب بدوف وعي إلخراجو من بطن الفرس "ويف ذلك قتلها وقتل جنينها"‪ ،‬فصاح بو الطفل أف ْ‬
‫جلب بعض الثياب البالية وجعلها على شكل حبل وربط طرفها األوؿ باعبنْب والطرؼ اآلخر ربط بو حجراً ودالَّه باذباه‬
‫األرض‪ ،‬حيث ساعد ىذا الثقل البسيط اعبنْب على اؽببوط الطبيعي من دوف أف تتأثر الفرس أو يتأثر اعبنْب وبذلك‬
‫ولدت الفرس والدة طبيعية‪.‬‬
‫* * *‬
‫وعندما خاؼ والد السيد ؿبمد أمْب عليو من ركوب اػبيل وكاف آنذاؾ قد بلغ السادسة من عمره‪ ،‬أوصى السايس الذي‬
‫كاف يعمل عنده بعدـ السماح لطفلو الصغّب بركوب اػبيل فما كاف من ىذا الطفل النابغة إالَّ أف ذىب إُف اؼبكاف الذي‬
‫كاف أىل ذلك الزماف يسرجوف فيو خيلهم ُمصطحباً معو كلبو الضخم الػ ُمطيع ليسرجو كما تُسرج اػبيل‪.‬‬
‫السراج وقاؿ لو‪:‬‬
‫السراج أف يسرج لو الكلب ضحك َّ‬
‫وعندما طلب من َّ‬
‫يا بِب إف ىذا كلباً وليس فرساً حٌب أسرجو!‪.‬‬
‫فرد عليو‪ :‬أولست تريد أجراً على ىذا!‪.‬‬
‫ودفع لو األجر الوافر‪ ،‬عندىا سرج لو كلبو كما تُسرج اػبيل‪.‬‬
‫وىكذا استطاع ىذا الصغّب السيد ؿبمد أمْب أف هبعل من الكلب السريع حصاناً ألَّفو للركوب وامتطاه وسابق بو عناف‬
‫الريح‪ ،‬فسبق األصايل الضامرة فبا أوغر صدر الرجاؿ‪ ،‬فضربوا الكلب اؼبذكور بعد فَبة من الزمن ببندقية صيد ؿبشوة‬
‫بالبارود على عينيو فأعموه‪.‬‬

‫‪‬‬

‫وًف السيد ؿبمد أمْب باب الدار ووقف خلفو وىو يبسك "العشرة بيشلي"‪ ،‬رنا إليو قلبُو ث قذفو يف اؽبواء ث تلقَّاه ووضعو‬

‫يف جيبو‪...‬‬

‫وقرر أمراً؟؟؟‪.‬‬
‫لقد أدرؾ شيئاً َّ‬
‫يفيض حيويَّة ويقطر الب ْشر من وجنتيو‪ ،‬ترتسم على ُؿبيَّاه ـبايل الرجولة وتسمو‬
‫كاف يف السابعة من العمر بُرعماً يتفتَّح‪ُ ،‬‬
‫وتطل من عينيو نظرة تستشرؼ اؼبستقبل وربكي قصة اؼباضي‪ ،‬يبوج الشذى يف حركاتو ويتألَّق الذكاء من‬
‫النبالة ْدبي َس ِمها‪ُّ ،‬‬
‫يبل اػبفق أبداً‪.‬‬
‫حملاتو‪ ،‬تكلّْلو الطهارة ّْ‬
‫يتو ُجو الشرؼ‪ ،‬تراه بْب أقرانو علَماً ال ُّ‬
‫كاف والده رجبلً صاغباً عُ ِرؼ بأمانتو وحسن خلقو‪ ،‬امتهن التجارة‪ ،‬ونظراً ؼبا ربلَّى بو من ؿبامد صبَّة ذاع صيتو واشتهرت‬

‫ذبارتو حٌب غدا من أكابر التجار وفتح اهلل عليو باب الرزؽ فانساؿ عليو من كل ٍ‬
‫حدب وصوب‪.‬‬

‫لقد اعتاد ومع مولد كل صباح أف يَبؾ للسيد ؿبمد أمْب مع والدتو "اػبرجية" مصروؼ اعبيب "ؾبيدي كامل" وقت‬
‫ؾبيديْب بلّبة ذىبية يأخذه ويبضي إُف حيث ينتظره الرفاؽ فينفق على ىذا ويشَبي ؽبذا ويعطي ىذا حٌب‬
‫كاف فيو كل‬
‫ْ‬
‫ويؤدّٔم‪ ،‬وبنو عليهم و ُّ‬
‫يبد يد العوف ؽبم‪،‬‬
‫عطاؤه‬
‫الكل نوالو‪ ،‬وكيف ال وىو الزعيم وىو القائد يربُّىم ّْ‬
‫ُ‬
‫ويطاؿ َّ‬
‫يغمر َّ‬
‫الكل ُ‬

‫جادة الفضيلة أو يزاور عن ناموس األخبلؽ‪.‬‬
‫والويل ث الويل ؼبن ينحرؼ عن َّ‬
‫* * *‬

‫امتدَّت يد اؼبنوف إُف والده ذلك الرجل الطيب الطاىر وأغمض اؼبوت عينيو وواراه الَباب‪ ،‬حزنت زوجتو عليو كثّباً‪،‬‬
‫وجلست ىي وابن األعواـ السبعة تذرؼ الدمع مهطاالً وتئن أنيناً يقطّْع نيا َط القلوب‪.‬‬
‫أَ رسفذ إر ْ‬
‫خٍذ ِٓ أٍ٘‪ٙ‬ب اٌذاس‬

‫لز‪ ٜ‬ثؼ‪ٕ١‬ـن أَ ثبٌؼ‪ ٓ١‬ػــ َ‪ٛ‬ا ُس‬

‫ىزىا الػ ُمصاب وآؼبها ىذا الغبلـ إذ ظنَّت أنو ُّ‬
‫يغز اغبزف على والده‬
‫لقد َّ‬
‫يقد اغبزف معها على عمود البيت وَف تد ِر أنو َف ُ‬
‫قلبو‪ ،‬لقد رأت صورة حزهنا يف ُؿبيّاه لكنو كاف ينظر إُف أمو باستغراب ودىشة‪.‬‬
‫* * *‬
‫يف اليوـ التاِف وعندما أطلَّت غَُّرةُ الصباح أقبل إُف والدتو وكعادتو َّ‬
‫مد يده لتضع فيها "اػبرجية" مصروؼ اعبيب اليومي‬
‫وتلوت وانثنت إُف أف‬
‫تشاغلت عنو قليبلً غّب أنو بقي واقفاً ينتظر‪ ،‬فما كاف منها إال أف مدَّت يداً ّْ‬
‫مَبددة إُف صدرىا َّ‬
‫اعتصرت "عشرة بيشبلت(‪ ")8‬ناولتو إيَّاىا بعد أف تصبَّب العرؽ منها‪.‬‬

‫تناولو وظلّّ من الغرابة يكسو وجهو‪...‬‬
‫ؼباذا عشرة بيشلي وأين البقية؟‪ .‬أين آّيدي؟‪ .‬عجباً ؼباذا؟‪.‬‬
‫لكنو أخذه ومضى‪.‬‬
‫َّ‬
‫تأم ٌل صارـ‪ ،‬لقد‬
‫س اللطيفة ُّ‬
‫وما أف زبطى عتبة الدار حٌب لفَّتو سحابةٌ من التفكّب العميق وغزا ىذا الكياف الواسع والن ْف َ‬
‫قاؿ لنفسو‪:‬‬

‫إف كاف من ُّ‬
‫ويزوده دبا وبتاج إليو ويفرد لو يداً سخية قد غادر مسرح اغبياة ذاؾ كاف يعمل وهبتهد ويكدح‬
‫يبد البيت ّْ‬
‫ليؤمن ألسرتو العيش الرغيد‪ ،‬أما ىذه اؼبسكينة فمن أين ؽبا باؼباؿ وىي امرأة ال تستطيع اػبروج من البيت فكيف بالعمل‪،‬‬
‫ّْ‬
‫ناىيك عن أف اؼبرأة مقَبةٌ بطبعها‪.‬‬
‫عض على شفتيو ومضى حٌب اختفى خلف الزقاؽ‪.‬‬
‫نظر إليو ث قذفو يف اؽبواء ث تلقاه ووضعو يف جيبو‪َّ ،‬‬
‫لقد كاف ذاؾ "العشرة بيشلي" آخر عهد ؼبا يأخذه من أمو‪.‬‬
‫ومر األسبوع‪ ،‬قالت لو‪:‬‬
‫لقد‬
‫ذباىلت يف اليوـ التاِف حاجتو إُف "اػبرجية"‪ ،‬ومضى اليوـ الثالث والرابع َّ‬
‫ْ‬
‫أي بِب أال تريد خرجية؟‪.‬‬
‫أجأّا‪ :‬أمي اغببيبة ىذه "العشرة بيشلي" ما زالت معي َف أصرفها وعندما أصرفها سأطلب منك ما أحتاج إليو‪.‬‬
‫) مبلحظة‪" :‬المجيدي والبيشلي" عملة نقدية من العمبلت الَبكية سابقاً‪.‬‬

‫(‪8‬‬

‫ُسَّرت األـ كثّباً فقد أذىب عن كاىلها ما كانت ربسبو ؽبذا اؼبوقف من عناء‪ ،‬لكن ىذا اإلنساف القانع النبيل سكت‬

‫على اؼبعاناة وصرب على القلَّة‪ ،‬وما أصعبها وما أقساىا فهو الذي كاف يصرؼ على أوالد اغبي قاطبة ناىيك عن أنو‬
‫زعيمهم ىبرج خاوي الوفاض إليهم!‪.‬‬
‫والكل يرقب ِىباتو وأُعطياتو يقرؤىا يف العيوف وقد تُفصح األلسنة عنها!‪.‬‬
‫بقيت "العشرة بيشلي" يف جيبو حٌب بلغ سنَّوُ الثامنة عشر‪ ،‬لقد أمضى أحد عشر عاماً يف التقشف واغبرماف صابراً‬
‫الكل من حولو يتقلَّبوف يف النعمة‪.‬‬
‫ؿبتسباً و ُّ‬
‫‪‬‬

‫صبيل يف إحدى روايب وادي بردى بغوطة دمشق الغربية"‪..‬حيث‬
‫حدثت ىذه القصة يف أحد بساتْب اؽبامة "وىو منتزهٌ ٌ‬
‫ب السيد الصغّب اؼبوىوب‬
‫الطقس صبيل واألغصاف متمايلة سبيس مع النسيم العليل والشمس مبتسمةٌ تنّب الوجود وتَػ ْرقُ ُ‬
‫وىو على صهوة حصانو احملبوب يدوس "ينهب" األرض الٍب اكتست بثؤّا العشيب األخضر اعبميل‪:‬‬

‫يبق يف‬
‫فبعد أف رحل والد الصغّب عن اغبياة وكاف ال يزاؿ البطل يف سن الطفولة يرتع وَف يتجاوز السابعة من عمره‪َ ،‬ف َ‬

‫البيت إالَّ ىو وأمو اغبنوف بعد سفر أخيو الكبّب سليم‪..‬‬

‫أما فرس األب فما زالت باغبظّبة‪ ،‬فلقد غاب عنها فارسها إُف األبد‪ ..‬إالَّ أف الفارس الصغّب َف يغب عنها‪ ،‬فعندما كاف‬
‫الوالد على قيد اغبياة كاف ال يستطيع ركؤّا إالَّ خفية أو بتدبّب حيلة ذكية‪ ..‬واآلف وبعد موت والده بقيت أمو ذات‬
‫القلب اغبنوف والعواطف الرقيقة فلم يعد وبتاج لكثّب من التفكّب‪ ،‬بل بقليل من التدبّب‪ ..‬يأيت لوالدتو فيستعطفها بكلماتو‬
‫لح عليها برجائو الػ ُملح تارًة أخرى وىذا ما يدفعها يف أغلب األحياف لِتمنحوُ مفتاح اغبظّبة‪ ،‬وتسمح لو‬
‫الرقيقة تارة ويُ ُّ‬
‫بإخراج الفرس‪ ..‬عندىا يا لعظيم فرحتو وبالغ سروره وسعادتو الٍب تطغى على والدتو فتسعدىا‪ ،‬ولكن لؤلسف فقلبها‬
‫أشد اػبوؼ واغبذر عليو‪ ..‬فهو ما يزاؿ صغّب السن ولذا كانت زباؼ عليو أف يسقط من على ظهر األصيلة‪،‬‬
‫يبقى يف ّْ‬
‫تتصوره‪ ..‬ولذا‬
‫وإف حدث ذلك "ال ظبح اهلل" حتماً سيدفع الثمن من صحتو وعافيتو وىذا ما ال تطيقو وال يبكن ؽبا أف َّ‬
‫فأحياناً ال تسمح لو بإخراج الفرس رغم أنو سيغضب وسيحزف‪ ..‬ويبضي وقتاً طويبلً ال يلعب وال يتكلَّم وحالُو ىذا يُقطّْع‬
‫قلبها حزناً وأؼباً عليو أيضاً‪ ..‬وتبقى بْب نارين‪ ،‬فإف َف تعطو الفرس ستحزف غبزنو الشديد‪ ،‬وإف أعطتو الفرس فستبقى بغاية‬

‫اػبوؼ واغبذر الشديد عليو‪ ،‬وستضطر للخروج معو لَباقبو عندما يكوف ببستاهنما الكبّب "باؽبامة بوادي بردى اعبميل"‪.‬‬

‫* * *‬
‫ذات مرة بينما كاف يبتطي صهوة الفرس ويسابق ّٔا الريح العاصف يف البستاف بنسمة لطيفة منعشة ربفُّهما األشجار‬
‫وىو بغاية السرور والنشوة يشعر بأف الدنيا ال تسعو واألـ بْب اغبذر واػبوؼ وبْب الفرحة بفرحة الفارس الصغّب‪ ..‬وفجأة‬
‫حدث ويا ؽبوؿ ما حدث‪..‬‬
‫مر ربت شجرة كبّبة‬
‫كاف البطل الصغّب مسرعاً يُطارد بالفرس كالربؽ اػباطف كعادتو فبل هباريو أمهر الفرساف الكبار َّ‬
‫أحد أغصاهنا "فروعها" وىو ما يزاؿ بأقصى سرعتو فاصطدـ‬
‫الفارس‬
‫فروعها متشعبةٌ وفبتدةٌ‪ ..‬ىنالك اعَبض‬
‫الصغّب ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫بالغصن بشكل عرضآف "أفقي" ببطنو بغتة وخطفو من على ظهر فرسو‪.‬‬

‫صَر التشاؤـ قلبها‬
‫عندما رأت األـ ىذا اؼبنظر اؼبريع كادت تغيب عن وعيها وما استطاعت إحتماؿ ما حملتو ببصرىا‪ ،‬إذ َع َ‬
‫اغبنوف فبا سيصّب إليو مصّب ابنها اغببيب فوضعت يديها على عينيها ال تريد رؤية ىذه الكارثة الكربى وجلست على‬

‫األرض عندما َف تعد ربملها قدماىا ث خفضت رأسها ال تريد أف ترى ىبلؾ ابنها وفلذة كبدىا‪.‬‬
‫غبظات عصيبةٌ أليمةٌ‪ ،‬وىوؿ كبّب انتأّا‪ ..‬فلقد أيقنت بنهاية صغّبىا اغببيب وىبلكو حينما صدـ الغصن بطنو معَبضاً‬
‫ٌ‬
‫اندفاعو على ظهر فرسو الٍب تابعت اندفاعها جارية ؼبسافة أمتار توقفت بعدىا عن اعبري لفقداهنا فارسها‪.‬‬

‫حوؿ قوة الصدمة الناذبة عن‬
‫أما ىو فدار جبسمو حوؿ الغصن دورة كاملة‬
‫َّ‬
‫فامتص بذلك قوة الضربة الٍب تلقاىا فلقد َّ‬
‫سرعة إنطبلقو بفرسو إُف حركة دورانية حوؿ الغصن بعد أف أمسكو بيديو مرتفعاً بقدميو لؤلعلى ىابطاً برأسو ث بالعكس‪،‬‬
‫امتص قوة الصدمة بالدوراف وتبلىف ما كاف سينتج عنها من‬
‫فدار بذلك دورة كاملة شاقولية حوؿ ىذا الغصن وبذلك َّ‬
‫أذى بال ٍغ خطّب‪.‬‬
‫ً‬
‫ث سقط إُف األرض على رجليو القويتْب واقفاً (كاف ح ّقاً مرف اعبسم قوي البنية)‪ ،‬ث انطلق راكضاً إُف فرسو الٍب توقفت‬
‫على بعد عدة أمتار لؤلماـ وقفز قفزة استوى ّٔا على ظهرىا فانطلقت بو ثانيةً تسابق الريح العاصف‪..‬‬
‫كل ذلك حدث خبلؿ غبظات ال أكثر كانت خبلؽبا ُّأمو مغمضة العينْب من األسى واغبسرات عبليل مصأّا‪.‬‬
‫وؼبا انطلقت بو الفرس ثانية تابع ّٔا ػ وكأف شيئاً َف يكن ػ متَّجهاً كبو والدتو اؼبسكينة الٍب ما تزاؿ غائبة عن وجودىا‬
‫فيداىا على عينيها ورأسها ي‬
‫ربس أف األرض زلزلت ربت قدميها‪ ،‬بتلك األثناء وصل الفارس الصغّب السيد ؿبمد‬
‫متدؿ‪ُّ ..‬‬

‫أمْب وىو ٍ‬
‫فبتط فرسو لقرّٔا‪ ..‬وعندما شعرت حبركة الفرس رفعت رأسها وأنزلت يديها عن عينيها وقد مؤلهتما دموع اغبزف‬
‫العظيم فتفاجأت دبا أرهتا عيناىا‪ ،‬فالفارس الصغّب ما يزاؿ على فرسو!!‪.‬‬
‫ىنالك سأؽبا السيد ؿبمد أمْب‪ :‬أمي‪ ..‬ما بِ ِ‬
‫ك يا أمي؟‪.‬‬

‫ٍ‬
‫بصوت ٍ‬
‫َّ‬
‫خافت حزين‪:‬‬
‫شكت دبا تراه وتسمعو لكنها قالت‬
‫ال شيء يا بِب‪ ..‬ال شيء‪ ..‬وأخذت تفرؾ عينيها غّب مصدّْقة ما تراه‪ ..‬أىي حبلم من أحبلـ اليقظة؟!‪ .‬فولدىا اغببيب‬
‫يركب الفرس سليماً معاىف‪ ..‬و َّ‬
‫كأف شيئاً َف وبدث فبا رأتو قبل قليل!!‪.‬‬
‫ث قالت ثانية والذىوؿ قد سيطر على كلماهتا‪ :‬ال‪ ..‬ال شيء يا بِب‪ ..‬ال شيء‪.‬‬
‫و َّ‬
‫كذبت ما أرهتا عيوهنا‪ :‬فبل حادث جرى وال سواه واألمور واغبمد هلل طبيعية على خّب ما يراـ‪ ..‬فهذا ابنها معاىف سليم‬
‫بأشد قواه وصحتو‪ ،‬فهل ّْ‬
‫تكذب رؤياىا لو اآلف!!‪ .‬طبعاً ال‪ ،‬فهو أمامها ىباطبها وزباطبو‪..‬‬
‫يبتطي فرسو أمامها وىو ّْ‬
‫وعلِم أهنا َّ‬
‫َّ‬
‫وؼبا‬
‫كذبت عينيها وبدت الراحة على وجهها والسعادة تتدفق إليها شيئاً‬
‫اطمأف البطل الصغّب على والدتو َ َ‬
‫فشيئاً حٌب غمرهتا ألف اغبادث الذي رأتو قبل قليل إف ىو إالَّ سراب ِ‬
‫وخداع بَص ٍر وكابوس هنا ٍر وانقضى‪ ،‬ىذا ما ظنَّتو‬
‫ٌ‬

‫و َّ‬
‫كذبت ما أرهتا عيناىا وعادت ؽبا البسمة ثانية عندىا تركها ابنها الرحيم وانطلق بفرسو ثانية وىو يعرؼ سباماً ما حصل‬
‫ومر ّٔا من موقف عسّب شديد‪ .‬فمن ش ّدة رضبتو ّٔا وىو يعلم مدى ُحبّْها لو وشديد خوفها وحرصها عليو‪ ،‬لذا َف‬
‫َّ‬
‫يشعرىا ٍ‬
‫كذب رؤيتها حٌب ال َّ‬
‫بشيء فبا حدث حقيقةً لو وتركها تُ ّْ‬
‫تتأَف وتعيش يف قلق دائ ٍم عليو‪.‬‬
‫ُ‬

‫غبلـ يتمتَّع ٍ‬
‫اعبباؿ‪ٍ ُّ ،‬‬
‫ٍ‬
‫رسوخ ِ‬
‫فيا لو من ٍ‬
‫وبديهية حاضرٍة وحضوِر ٍ‬
‫بذكاء خارؽ‬
‫قلب ر ٍ‬
‫ذكي حذؽ‪ ،‬بل رضبةً‬
‫وتصرؼ ي‬
‫اسخ َ‬

‫تظن خداع البصر لكيبل تتأَف‪.‬‬
‫ّْ‬
‫بأمو وحناناً‪" ،‬ألنو يعلم رضبتها بو" تركها ُّ‬

‫ِ‬
‫أكرب بو من غبلـ ُحير علي ٍم‪ ..‬رحي ٍم‪ ..‬با ير بوالدتو‪ ..‬ومثلُو فلتكن الغلماف‪..‬‬
‫‪‬‬

‫كاف السيد ؿبمد أمْب يف التاسعة من عمره يقطن يف حي الورد(‪ )8‬يتيماً مع والدتو وذات يوـ وأثناء مروره بالغرفة لفت‬
‫يتعرض بالكبلـ الرذيل واؼبنايف للحشمة واألخبلؽ إلحدى‬
‫ظبعو حو ٌار بْب أمو وجارهتا أف بائع اػبضار يف اغبي أخذ َّ‬
‫سبر من الطريق الكائن أماـ الدكاف آّربة للسّب عليو فيُسمعها من تفاىات الكبلـ متع ّدياً على حرمتها‪،‬‬
‫النساء وىي ُّ‬
‫ويتمادى يف الطلب‪.‬‬

‫فأخذ بعض القرارات ذباه ىذا اؼبوضوع فبَّا تقتضيو الشجاعة والشرؼ‪...‬‬
‫بد ِف أف َّ‬
‫(ال َّ‬
‫أتأكد أوالًبنفسي من ىذا الكبلـ‪ ،‬وإف كاف صحيحاً فالويل لك أيُّها اػبضري)‪.‬‬
‫وذىب يف نفس اليوـ يراقب ذلك البائع وبقي على ىذا اؼبنواؿ واؼبراقبة ؼبدة أسبوع وذات يوـ وبالفعل جاءت تلك اؼبرأة‬
‫مارة جبانب ذلك البائع (وىي ؾبربة على اؼبرور من ذاؾ الطريق ألنَّو الطريق الوحيد اؼبؤدي لبيتها)‪.‬‬
‫مساءً َّ‬
‫تعرب عما يف نفسو من سفاالت إُف تلك اؼبرأة اؼبسكينة‪.‬‬
‫بدأ الرجل فاقد الشرؼ بتوجيو كلماتو اؼبنحطّة الٍب ّْ‬
‫عندىا َّ‬
‫تأكد فبا ظبع وانطلق كالربؽ إُف بيتو وعاد والعصا معو‪.‬‬
‫اقَبب من بائع اػبضار الذي توقف ظانّاً أنو سيشَبي منو‪ ،‬فبادره السيد ؿبمد أمْب قائبلً‪:‬‬

‫) حي الورد‪ :‬حي تابع لسوؽ ساروجة يقطع بو كبار مسؤوِف األتراؾ‪ ،‬ولذلك كانت سوؽ ساروجة تعترب استانبوؿ الصغّبة بعهد األتراؾ‪.‬‬

‫(‪8‬‬

‫التهجم على عرض امرأة طاىرة شريفة أيها الوحش البشري‪..‬‬
‫يا فاقد الشرؼ والعرض واؼبروءة واألخبلؽ كيف ذبرؤ على ُّ‬
‫تبّاً لك‪ ..‬يا وقح‪.‬‬
‫ث ضرب الفانوس بعصاه‪ ،‬وأخذ يدوس بكلتا قدميو على فَػ ْرش العنب الفاخر‪ ،‬واالجاص النادر اؼبثاؿ‪.‬‬
‫صعق الرجل وراح يصرخ‪ :‬ماذا تفعل‪ ...‬ماذا تفعل؟!‪.‬‬
‫ُ‬
‫وأقبل كبوه فما كاف من الثائر للحق إالَّ أف فاجأه بالعصا على رأسو ووجهو واهناؿ عليو ضرباً مربحاً حٌب ناؿ منو ما ناؿ‬

‫من التعب واألَف فأدمى وجهو‪ ،‬وبسرعة انقضاضو وحركاتو النشيطة اؼبتبلحقة َف ّْ‬
‫يبكنو من الدفاع عن نفسو‪ ،‬بل صعقو‬
‫باؼبفاجأة وأذىلو باؼبباغتة‪.‬‬
‫والبائع ىذا ىو شيخ شباب اغبي وكانت السهرات تنعقد يومياً عنده مع التُّبَّع من الشبَّاف‪.‬‬
‫تناوؿ البائع صندوقاً خشبياً وضرب بو الغبلـ لكنو راح عن طريقو وَف يصبو‪ ،‬عندىا قاـ الغبلـ والعصا معو فأشبعو ّٔا‬

‫ضرباً فأذىلو وطاش صوابو‪ ،‬و َّاذبو بعدىا كالربؽ إُف بيتو‪ ،‬يكلّْل ىامتو النصر والفخار بانتصار اغبق وإزىاؽ الباطل‪.‬‬

‫سكت البائع عن ذلك الفصل اؼبؤَف على مضض ؛ ألف ىناؾ فارقاً كبّباً بالسن بينو وبْب ىذا الغبلـ الشريف‪ .‬وألنو إف‬
‫تكلَّم فسيُ ْحتَقر ألف غبلماً صغّباً بطش بو‪ ،‬وىو الذي يتفاخر بعزمو وجربوتو وىذا الصغّب ىدَّه ى ّداً وىزمو أبشع ىزيبة!‪.‬‬
‫* * *‬
‫وراح البائع "شيخ شباب اغبي" هبمع أوالد اغبي ويعطيهم تعليماتو وإكراماتو وأُعطياتو ويغريهم بضرب الصيب الزعيم‬
‫الشريف الذي سيطر حبكم شجاعتو على أوالد اغبي بأكملو كبّبىم وصغّبىم فأخذوا وبسبوف لو ألف حساب‪.‬‬
‫بالعصي يف‬
‫لكن البائع تكفَّل النتائج وضمنهم ليلتفوا صبعاً مع بعضهم ضده‪ .‬وفعبلً حشدوا لو حشداً كبّباً مسلحاً‬
‫ّْ‬
‫ربّب العقوؿ دبا امتازت بو من خ ّفة‬
‫الطريق اؼبؤدي لبيتو‪ ،‬ووقفوا ينتظرونو حٌب عاد وىو يبشي مشيتو اعبريئة اؼبعروفة الٍب ّْ‬
‫ورشاقة وإباء‪ ،‬ثبات اػبطى النابعة عن شرؼ وظبو نفسو وطهارهتا‪.‬‬
‫حٌب اقَبب من حارتو فشاىد صبهور األوالد (إذ كاف عددىم حواِف العشرين ولداً) ورأى يف أعينهم الشر الئحاً وتقطر‬
‫اغبماـ‪ ،‬فظنُّوا أنو‬
‫منها الكراىية واؼبكيدة ففهم األمر و َّ‬
‫القميم" أي مكاف نفايات موقد َّ‬
‫انقض كاألسد راكضاً باذباه " ّْ‬
‫سيضرّٔم باغبجارة فأحدقوا بأعينهم على يديو كي وبتموا من اغبجارة فرمى ما بيديو من رماد على أعْب القريبْب منو‬
‫فأعمت أبصارىم ىنيهةً‪ ،‬وانقض كاألسد باذباه أحدىم وأخذ منو عصاه واهناؿ عليهم بالضرب ففروا أمامو ىاربْب ذباه‬
‫حانوت اػبضري اػببيث‪.‬‬

‫وأخذ يعدو وراءىم كاألسد حٌب أخرجهم من اغبي مهزومْب مذعورين وعاد إُف بيتو ساؼباً ؿبقّْقاً النصر يف كلتا اؼبعركتْب‬
‫اغبد عليو‪.‬‬
‫ُمنفّْذاً أمر اإللۤو يف تأديب العاصي والرذيل وإقامة ّْ‬
‫‪‬‬

‫لقد عفى الزماف على العفَّة وطلَّق الناس اآلداب وشيَّعوا الشرؼ فدفنوه وراحوا يبحثوف عن سبل لتحقيق شهواهتم‬
‫يب ز ٍ‬
‫ض قر ٍ‬
‫ٍ‬
‫اىق ٍ‬
‫وعَر ٍ‬
‫متاع ز ٍ‬
‫منقض يعقبو األَف‪.‬‬
‫ماض‬
‫فسخروا ما أعدَّه اهلل ؽبم ولرقيّْهم يف الدار اآلخرة بغية ٍ‬
‫الرخيصة َّ‬
‫ائل َ‬

‫وودعوا الفضائل وحلَّت ؿبلها الرذائل ذلك حاؿ أىل ىذا الزماف‪" ،‬زمان كأىلو وأىلو كما‬
‫زخرفوا األرض وزيَّنوا النساء َّ‬
‫ترى"‪.‬‬
‫ىامة ىي أف ىذه الشهوات الٍب ثبَّتها اهلل ؽبم على صفحات النفوس‬
‫لقد غفلوا بسبب عدـ تفكّبىم عن حقيقة َّ‬
‫وأوجدىا ال من أجل استهبلكها عبثاً فضياع قيمتها َّ‬
‫للذة عارضة يعقبها األَف وإمبا من أجل أف ْيرقوا ّٔا وذلك بَبكها‬
‫ؼبرضاة اهلل باغبراـ فيمنحهم اهلل تعاُف إياىا باغببلؿ وباعبنات غداً(‪.)8‬‬

‫فقد وعد اهلل خلقو إذا َهنوا النفس عن اؽبوى جنَّات عدف ذبري من ربتها األهنار خالدين فيها‪.‬‬
‫ظ َػ ِٓ ْاٌ‪ ، َٜٛ َٙ‬فَئ ِ َْ ْاٌ َجَٕخَ ِ٘ َ‪ْ ٟ‬اٌ َّؤْ َ‪.)2(}ٜٚ‬‬
‫{ َ‪ٚ‬أَ َِب َِ ْٓ َخبفَ َِمَب ََ َسثِّ ِٗ َ‪ ََٝٙٔٚ‬إٌَ ْف َ‬
‫فقبل سبعْب سنة خلت َف تكن األوضاع كما ترى اآلف من تدىوٍر واكبطاط يف ِ‬
‫متمسكْب‬
‫القيَم فقد كاف الناس ّْ‬
‫َْ‬
‫بالشرائع والدين ظاىريّاً يف اؼبنزؿ والشارع حٌب مشل صدقهم وؿببتهم يف تطبيق ظاىر شرع اهلل باقي األدياف من يهود‬
‫ومسيحيْب‪ ،‬فاغبجاب مطبَّق من قبل اعبميع وال سفور وال فسوؽ وال خروج عن شرع اهلل تعاُف‪.‬‬
‫)‬
‫سره‪.‬‬
‫انظر حبث (أثر الشهوة يف رقي النفس) يف كتاب عصمة األنبياء ّ‬
‫للعبلمة ؿبمد أمْب شيخو ق ّدس ّ‬

‫(‪8‬‬

‫) سورة النازعات‪ :‬اآلية (‪.)18-13‬‬

‫(‪2‬‬

‫وىذه القصة تكشف لنا عن مبوذج رائع ّٓريات األمور بذاؾ العهد‪ ...‬واغبقبة من تارىبنا‪.‬‬
‫جسد فيو ىذا اإلنساف السيد ؿبمد أمْب الغّبة واغبميَّة اإلسبلمية فتجلّى فيها بأجلى معانيها واكتسح‬
‫وىاؾ عمل آخر َّ‬
‫الشر من ٍ‬
‫نفوس أسعر الشيطاف لظاىا فأطفأىا‪.‬‬
‫قوى ّْ‬

‫* * *‬
‫فحْب أهنى السيد ؿبمد أمْب ذو التاسعة من العمر لعبو مع أقرانو يف اغبي‪ ،‬عاد ؼبنزلو وسار معو رفاقو يتحادثوف معو وىم‬
‫بغاية السرور حٌب وصلوا للطريق الفرعي الذي يؤدي ؼبنزلو "مقابل ضبَّاـ الورد" حبيّْو حي سوؽ ساروجة بدمشق‪..‬‬
‫أحس بفتح ىذا الباب فتحاً بسيطاً لتظهر منو فتاة يف الثانية عشرة من عمرىا‬
‫ويف الطريق وبالقرب من أحد األبواب َّ‬
‫حاسرًة عن رأسها كاشفة وجهها الصبوح تبحث عن أخيها الصغّب خارج اؼبنزؿ‪ ،‬عندىا غلت يف صدره مراجل الغّبة‬
‫والشهامة والشرؼ‪ ،‬إذ َف يكن ىذا الكشف موجوداً يف ؾبتمع هنايات القرف التاسع عشر الػ ُمحافظ على الشعارات‬
‫اإلسبلمية‪ ،‬فما كاف منو وقد شاىد ىذا اؼبشهد إالَّ أف ضبل حجراً كبّباً وضرّٔا بو على رأسها فأغلقت الباب بسرعة‬
‫فانشق بقوة صدمة اغبجر‪ ،‬وتابع‬
‫لعلمها أهنا ىي اؼبقصودة حتماً لتلك اؼبخالفة الٍب ارتكبتها‪ ،‬فأصاب اغبجر الباب‬
‫َّ‬
‫دب الرعب بقلب تلك الفتاة الٍب كاف ذلك ؽبا رادعاً عن العودة ؼبثل ىذا‬
‫الغبلـ الطاىر الشريف اؼبسّب إُف بيتو بعد أف َّ‬
‫اػبرؽ واالنتهاؾ للحرمات‪.‬‬
‫وحْب عاد صاحب البيت على صهوة حصانو وكاف من شجعاف اغبي وشاىد باب بيتو اؼبكسور وأخربه صبية اغبي أف‬
‫غبلمنا السيد ؿبمد أمْب شاىد ابنتو ُّ‬
‫سبد رأسها فضرّٔا وأصاب الباب‪ ،‬على الفور ربط فرسو حبلقة بابو اؼبعدَّة لربط زماـ‬
‫اػبيل وانطلق إُف دار غبلمنا السيد ؿبمد أمْب‪.‬‬
‫وشاءت األقدار أف يفتح لو الباب غبلمنا الطاىر نفسو السيد ؿبمد أمْب فاحتضنو وقبَّلو يف جبينو قائبلً‪:‬‬
‫لم تصبها وتكسر رأسها"!‪.‬‬
‫لم ْ‬
‫"سلمت يداك يا شبل الحي ولكن َ‬
‫* * *‬
‫نعم لقد بارؾ ىذا العمل‪ ..‬وحْب غادر متَّجهاً إُف اؼبقهى الذي اعتاد رجاؿ اغبي على ارتيادىا ليبحثوا بأمورىم‪ ،‬دخلها‬
‫ث صعد إُف مكاف مرتفع وأعلن بصوت مسموع‪:‬‬
‫"اغبمد هلل يا رجاؿ اغبي كبن ما نزاؿ خبّب فأوالدنا إذا غبنا ربمي أعراضنا"‪.‬‬
‫ث سرد ؽبم ما حدث بإكبار‪.‬‬
‫‪ٚ‬إّٔب األُِ األخالق ِب ثم‪١‬ذ‬

‫فئْ ٘ ُُ ر٘جذ أخالل‪ ُٙ‬ر٘ج‪ٛ‬ا‬

‫تبْب طرفاً من بعض صفاتو الرائعة عندما بلغ اثِب عشر ربيعاً‪.‬‬
‫ىذه إحدى قصص السيد ؿبمد أمْب الٍب ّْ‬
‫دعاه أقرانو الصبية للذىاب إُف حلبة الصراع ؼبشاىدة بعض العروض يف الصراع الٍب تقاـ فيها وأغروه جبماؿ البطوالت‬
‫ومتعتها‪.‬‬
‫وؼبا دخلوا اؼبكاف وكانت قد انتهت جولة اؼبصارعة بْب الكبار جاء دور الصغار من سن ‪ /82/‬عاماً فما دوف‪ ،‬وكعادهتم‬
‫بذاؾ الزماف‪.‬‬
‫صعد اؼبتباري األوؿ إُف اغبلبة وكاف وبسد السيد ؿبمد أمْب على زعامتو لكافة أوالد اغبي‪.‬‬
‫اغبكم أين خصمك؟‪.‬‬
‫وؼبا َف يصع ْد خصمو صاح‬
‫ُ‬
‫فأشار إُف إنساننا قائبلً‪ :‬ذاؾ خصمي‪ُ ،‬مشّباً إُف السيد ؿبمد أمْب‪ ،‬يريد بذلك أف يكسر شوكتو بأف يتغلّب عليو ويذلو‬

‫أماـ أعْب صبيع األوالد وبالتاِف تتغّب نظرهتم إليو وىبسر مكانتو اؼبرىوبة يف قلؤّم‪.‬‬

‫ظن أف خسارة الغبلـ اؼبرىوب ستكوف على يده بسبب فارؽ السن بينهما "حواِف ثبلث سنْب" وإتقانو فنوف الصراع‬
‫َّ‬
‫وإنساننا ال يتقنها وال يعرفها‪.‬‬
‫ىنا أدرؾ إنساننا مطلب وقصد ىذا الصراع‪ ،‬ولكن اؼبشكلة إف َف يصعد اغبلبة سيعتربوف ذلك منو جبناً‪ ،‬وإف صعد‬
‫اغبلبة فهو ال هبيد فنوف اؼبصارعة أبداً‪.‬‬

‫ولكنو خبلؿ غبظات وضع خطّة متناسبة مع الوضع وصعد إُف اغبلبة واقَبب اغبكم وتصافح اؼبتبارزاف وسباسكا باأليدي‬
‫ليصرع القوي األضعف منو فاغتنم فرصة تقارّٔما ونبس يف أذف خصمو الباغي‪:‬‬
‫"إف خرجنا من جولة الصراع متعادلْب فلك مِب ؾبيديْب"‪ ،‬أي دبقدار لّبة ذىبية‪ ،‬فساؿ لعاب خصمو الذي كاف أجّباً‬
‫لبائع خضار‪ ،‬وخار عزمو أماـ إغراء اؼباؿ ونسي حب التعاِف واإلذالؿ‪.‬‬
‫وكاف اػبصم يعرؼ ِص ْد َؽ إنساننا وأمانتو لذلك صدَّؽ ما ظبع واستجاب لو‪ .‬فاسَبخى وتظاىر بالصراع الصوري‬
‫ليكسب اؼباؿ فاغتنم إنسانُنا السيد ؿبمد أمْب الفرصة ووضع ِر ْجلَو أماـ رجلي خصمو الباغي الذي تعرقل ووقع أرضاً‬
‫وخسر اعبولة وانتصر الصغّب بذكائو وحسن زبلُّصو على من حاوؿ إذاللو واالعتداء عليو دوف حق {‪َٚ ..‬الَ َ‪ِ ٠‬ح‪ُ ١‬‬
‫ك‬
‫ئ إِالَ ثِؤ َ ٍِْ٘ ِٗ‪ .)1(}..‬وعلى الباغي تدور الدوائر‪ ،‬إذ ِ‬
‫مِب باؽبزيبة وبذا فَػ َق َد الغنيمة‪ ،‬أي آّيديْب الٍب لو‬
‫ْاٌ َّ ْى ُش اٌ َغ‪ُ ِّ١‬‬

‫تعادال لرحبها‪.‬‬
‫وخرج بطلُنا من اؼبباراة مرفوع الرأس موفور الكرامة وقد زاده اهلل رفعة شأف على شأنو العاِف وقد صدؽ من قاؿ‪:‬‬
‫٘‪ ٛ‬أ‪ٚ‬ي ‪ ٟ٘ٚ‬اٌّحً اٌثبٔ‪ٟ‬‬

‫اٌشأ‪ ٞ‬لجً شجبػخ اٌشجؼبْ‬

‫عندىا َّقرر السيد ؿبمد أمْب أالَّ يدخل حلبة صراع للّهو الفارغ بعدىا أبداً‪.‬‬
‫‪‬‬

‫) سورة فاطر‪ :‬اآلية (‪.)10‬‬

‫(‪8‬‬

‫كاف السيد ؿبمد أمْب يعيش ووالدتو مع خالو الذي أتى إُف دارىم بعد وفاة والده‪ ،‬وىا ىو اػباؿ يصغي ألقاويل زوجتو‬
‫وثرثرهتا طالبة االنتقاؿ إُف الغرفة العلوية الواسعة األرجاء ذات نوافذ النور اؼبتدفق عليها‪ ،‬الٍب يقيم ّٔا الطفل الصغّب‬
‫ووالدتو‪.‬‬
‫وبالفعل لقد نقل اػباؿ أثاث الغرفة لؤلسفل لغرفة صغّبة منزوية يف الدار ال تصلح للسكن ألف الشمس ال تدخلها‬
‫والرطوبة تقتلها‪ .‬وىا ىو أثاث وأمتعة الطفل واألـ قد أصبحا يف ىذه الغرفة اؼبهجورة‪.‬‬
‫وعندما عاد السيد ؿبمد أمْب (الذي يبلغ من العمر اثِب عشر ربيعاً) للبيت ورأى ما رأى من حاؿ والدتو اؼبكسورة‬
‫اعبناح واػباطر وما فعلو األخ الظاَف معها‪ ،‬خطرت لو فكرة أكنَّها بنفسو ليُصلح ىذا اغباؿ ويضع للظاَف ح ّداً‪.‬‬
‫ويف سكوف اؼبساء وىدوئو وبينما اػباؿ جالس بأرض فناء الدار خلف "النرجيلة" ينفثها بطرب‪ ،‬وإذ بالغبلـ اؼبقداـ‬
‫جاراً الفرس وؿبدثاً ضوضاء وأصوات مزعجة مرتفعة ناذبة عن ارتطاـ حوافر الفرس على ببلط الدار‬
‫يدخل من باب الدار ّ‬
‫فخرج اػباؿ بسرعة غاضباً يريد أف يعرؼ من الذي يقوـ ّٔذا العمل لكي يؤنبو ويزجره بل ويضربو‪ ،‬فرأى ابن أختو!‪ .‬قاؿ‬

‫لو غاضباً والسخط والشرر يضطرـ يف عينيو‪:‬‬
‫أَفَػَرس وتُدخلها الدار!‪ .‬أعدىا إُف مكاهنا‪( .‬قاؿ ذلك بنربة عالية متعجرفة تغلي دبراجل الغضب)‪.‬‬
‫حادة مشّباً إُف الغرفة اؼبهجورة‪:‬‬
‫فرد الغبلـ األيب بصوت كالرعد القاصف وبنظرات َّ‬
‫َّ‬
‫األصيلة ىنا سوؼ تناـ‪.‬‬

‫صعِ َق اػباؿ وَف يعرؼ ما الذي جرى لو فهو يعرفو الطفل الوديع اعبميل ذا الشعر السبل األشقر والعيوف اػبضراء‬
‫ىنالك ُ‬
‫اعبميلة‪ ...‬وىذه ىي اؼبرة األوُف الٍب يراه دبوقف كهذا‪.‬‬

‫فلقد رأى بوجهو غضباً صارخاً ونظرات حادة نفذت ألعماقو فخفق قلبو وبدا رعب غريب رىيب يتسلل ألعماقو انقلب‬

‫ىيمن عليو فلو حيّْزت لو الدنيا بأسرىا لتنازؿ عنها ليزوؿ عنو ما ألػ َّم بو‪ ..‬أمر غريب َف يد ِر كنهو‪.‬‬
‫لفزع ىائل عجيب َ‬

‫وصرح بأنو سيعيد أختو لغرفتها‪ ،‬أماـ تلك العزيبة الصادقة يف طلب اغبق وتقؤف اػبلل‬
‫وببساطة واستسبلـ خضع للحق َّ‬
‫عاد إُف نفسو مَباجعاً عن فعلتو وظلمو وأرجع األمتعة واألثاث للغرفة الواسعة األرجاء اؼبشرقة بالضياء والعليلة اؽبواء‬
‫مرغماً‪.‬‬
‫وبالفعل كاف مدىوشاً من ىذا الطفل حٌب إنو ربدَّث لبعض األقارب عنو بأنو قد فوجئ ّٔذا اؼبنظر اؼبرعب اؼبخيف فهو‬
‫يعرفو الطفل الناعم اللطيف اعبميل لكن مشهده بلحظة اؼبصادمة كاف أكرب من أف يدرؾ كنهو‪:‬‬
‫ىيبة مقرونة بعظمة ُّ‬
‫هتد اعبباؿ ى ّداً‪..‬‬
‫أحس أنو ليس ابن أختو‬
‫ما ُّ‬
‫سره؟‪ .‬ما حقيقتو؟‪ .‬ال يدري‪ ،‬ال بل ال هبرؤ على ذكراه‪ ..‬اكتنفو ذعر مريع من مرآه حٌب َّ‬
‫الذي يعرفو‪.‬‬

‫ىذا ىو الشعور الطاغي الذي َّ‬
‫ىد طغيانو وجربوتو‪.‬‬
‫* * *‬
‫المغزى من إدخالو الحصان إلى الغرفة‪ ،‬ولسان الحال يقول‪:‬‬
‫"يا خاؿ لقد فقدت إنسانيتك ورضبتك على مذبح شهواتك حٌب جعلت من أختك وابنها بنظرؾ ّٔائم أسكنتهم‬
‫إسطببلً فنحن إنساف واإلسطبل للحيواف"‪.‬‬
‫فلما تصادـ اغبق الذي بنفسو بالباطل الذي بنفس خالو بطش صدقو للحق بباطل خالو فأزىقو‪ ،‬وأعاده لصوابو وللحق‬
‫وَف هبرؤ على التمادي األرعن بعدىا أبداً‪.‬‬
‫‪‬‬

‫قصتنا ىذه حدثت بأحد شهور رمضاف اؼببارؾ حيث يصوـ الناس سعداء مسرورين ؼبا ينالونو من لذة ونعيم لشعورىم‬
‫بالقرب من اهلل ألهنم أرضوه بتأديتهم ؽبذه الفريضة اإل ۤؽبية‪ ..‬ول َّػما وبْب موعد اإلفطار توضع موائد الطعاـ الشهي بعبق‬
‫سموف باهلل ويبدأوف الطعاـ‪..‬‬
‫روائحها الطيّْبة الزكية وينتظر الصائموف وىم بشوؽ أذاف اؼبغرب‪ ،‬فما أف يؤذّْف اؼبؤذّْف حٌب يُ ُّ‬
‫وىذه الواقعة ستصور لنا جانباً مضيئاً عظيماً من حياة ذاؾ العهد‪ ،‬العصر الذي سبقنا ومن حياة السيد ؿبمد أمْب وقد‬

‫متفوقاً على كافة أقرانو‪ ..‬ال يسّب باألكثرية‬
‫أصبح ّْ‬
‫فٌب يتألَّق ذكاءً وإدراكاً‪ ..‬فتوةً وشباباً ّْ‬
‫بسن السادسة عشر من عمره‪ً ،‬‬
‫كما تسّب أكثرية الناس بالتقليد األعمى‪ ،‬بل يريد أف يتمتَّع دبا وىبو اهلل من ملكات ويكتشف بذاتو َّ‬
‫ويتأكد من صحة‬

‫كل ما يسمعو ويبس حياتو ليتيقَّن من صحتو قبل أف يتبنَّاه ويتكلَّم فيو‪.‬‬
‫لقد شاع بْب الناس وسرى وصف ليلة القدر تلك الليلة اؼبباركة الٍب ربدث يف شهر رمضاف وبآخر عش ِر ٍ‬
‫لياؿ منو‪ ،‬ذكرىا‬
‫وحض الناس عليها لنواؽبا كمكافأة للصائمْب اؼبستحق منهم‪ ،‬وذلك حسب جدّْه ومدى طاعتو‬
‫اهلل تعاُف بالقرآف الكرٔف‬
‫َّ‬
‫فتصوروا بأف اهلل تعاُف ينزؿ يف ىذه الليلة عن عرشو من السماء‬
‫لربّْو فغالوا بوصفها‪ ..‬يظنُّوف الظُّنوف ويتخيلوف التخيُّبلت َّ‬
‫جل جبللو واستقراره يف السماء الدنيا ولشدة نوره تعاُف تضيء السماء كاملة‬
‫السابعة إُف السماء الدنيا‪ ،‬وبلحظة ىبوطو َّ‬
‫وتتمُب ما تشاء‬
‫وتشع نوراً كنور القمر وىو بدر‪ ..‬ؤّذه اللحظة العظيمة تستطيع أف تطلب أيها اإلنساف َّ‬
‫على األرض ُّ‬
‫جل جبللو)‪ ،‬إذ صار بالسماء الدنيا يسمع نداءؾ وطلبك وأنت ما عليك إالَّ الطلب‪،‬‬
‫فأنت تطلب من قريب ؾبيب ( َّ‬
‫فطلبك مستجاب‪.‬‬

‫مدعمْب ظنوهنم ىذه برواية أف َّ‬
‫جد "بيت العظم" (العائلة اؼبَبعة بالغُب يف دمشق) رأى ىذه الليلة (ليلة‬
‫وزعموا قائلْب ّْ‬
‫وعزاً ال يبيل‪ ..‬وقد ربقَّق لو ذلك وىا ىي عائلة بيت العظم ما تزاؿ غنية لِ َما ترؾ ؽبم‬
‫القدر) فدعا اهلل طالباً ماالً وبنْب ّ‬
‫جدُّىم من ثروة طائلة كاف قد ُرزقها بعد دعائو إثر مشاىدتو لليلة القدر‪..‬‬
‫وىكذا فقد ذىب كل واحد منهم يتكلَّم ويذكر ما يعرفو أو ما ظبعو أو ما يعتقد أنو حصل معو أو مع فبلف من الناس‬
‫يف ىذه الليلة (ليلة القدر) حٌب أصبح الكبلـ عنها كثّباً ج ّداً يبلغ اػبياؿ والبلمعقوؿ‪.‬‬
‫وسَّر كثّباً بذلك وراح وبدّْث نفسو ويرسم‬
‫َّأما الفٌب اغبر السيد ؿبمد أمْب فقد ظبع ىذا اغبديث قبل شهر رمضاف ُ‬
‫أحبلمو العذبة وأمانيو العظيمة يف ظباء ليلة القدر ىذه قائبلً‪:‬‬
‫يا لكبّب سعاديت‪ ،‬يا لعظيم روائع ما سيتحقَّق ِف ولبِب اإلنساف أصبع‪ ،‬ح ّقاً سأكوف سعيداً جداً إف ربقَّق أملي وطموحي‬
‫ريب يف ليلة القدر‪.‬‬
‫يف ىذه اغبياة بالذي سأطلبو من ّْ‬
‫ريب ليحقّْق ِف ىديف ومبتغاي يف حيايت‪..‬‬
‫وبمل معو ليلة القدر فأدعو ّْ‬
‫وما ىي إالَّ أياـ معدودة ُّ‬
‫ووبل رمضاف ُ‬

‫ٍ‬
‫وصدؽ عظيم دوف أدْف كسل‬
‫ّٔم ٍة عالية‬
‫وىكذا َّقرر السيد ؿبمد أمْب أف يُراقب اللياِف العشر األخّبة من شهر رمضاف َّ‬

‫أو ملل حٌب يشهد ما وصفوا لو من ليلة القدر ويدعو ربَّو فيحقّْق مبتغاه‪ ..‬فهو أوؿ من صدر للتحقيق العلمي العصري‬
‫اؼبهمة‪.‬‬
‫اغبديث والتجربة العملية الواقعية الرائدة‪ّٔ ،‬ذه القضية ّ‬

‫أي مبتغى ىذا اؼببتغى!‪ .‬وأي ٍ‬
‫ىدؼ وطموح ىذا الطموح!‪.‬‬
‫ولكن ُّ ً‬

‫إنو ليس للماؿ وال للجاه‪ ..‬ال اؼبنصب وال البنْب‪ ،‬ليس فبَّا يف الدنيا من نعي ٍم وزينة‪َّ ،‬إمبا ىو طلب إنسآف عظيم دبا‬

‫يفيض بو اغبب السامي ويتناثر من ثنايا قلبو فيتناثر على بِب اإلنساف‪..‬‬
‫* * *‬
‫ٍ‬
‫وبلهفة واىتماـ بالغ قاؿ‪:‬‬
‫ذىب السيد ؿبمد أمْب إُف صاحبو‬
‫صديقي أما ظبعت عما ظبعتو أنا؟‪.‬‬
‫قاؿ صديقو‪ :‬خّباً يا سيد أمْب‪ ..‬ماذا ظبعت‪ ،‬أخربٓف؟‪.‬‬
‫بدأ السيد ؿبمد أمْب يشرح لو بشوؽ وتأثُّر عظيم ما كاف قد ظبعو عن ليلة القدر وما يزعمو الناس فيها وكيف وبقّْق‬
‫جل‬
‫اإلنساف فيها أمنياتو الثبلث بدعائو إُف اهلل حينما يهبط من السماء السابعة إُف السماء الدنيا َّ‬
‫فتتنور وتُضيء حبلولو َّ‬
‫جبللو فيها‪.‬‬

‫رد الصديق‪ :‬أح ّقاً ما تقوؿ يا أمْب؟‪.‬‬
‫َّ‬
‫قاؿ السيد ؿبمد أمْب‪ :‬ىذا ما ظبعتو بأذٓفَّ من الناس‪ ،‬ومٌب حضر موعد اللياِف العشر األخّبة من رمضاف سأراقب ىذه‬
‫الليلة وأطلب أمنيٍب من اهلل‪ ،‬إف كاف ما ظبعتو صحيحاً‪.‬‬
‫قاؿ الصديق‪ :‬وما ىي أمنيتك يا صديقي؟‪.‬‬
‫قاؿ الفٌب أمْب‪ :‬أمنيٍب‪ ..‬أمنيٍب أف أرى ليلة القدر وأطلب من اهلل أف هبمع ِف ملوؾ األرض ألعرض عليهم دين‬
‫اإلسبلـ‪ ،‬فإف أسلموا سينتشر دين اغبق يف بقاع األرض كامل ًة فيسود اغبب واألماف‪ ،‬فكل بِب اإلنساف أخوة أحباب‪،‬‬
‫سعادة وسبلـ ال شقاء بعدىا وال دمار‪ ،‬ال قتل وال سلب وال هنب‪ ،‬أما إف َف يُسلموا فسأقطع رقأّم صبيعاً‪ ..‬ومن بعدىا‬

‫سأحبث عن طريقة ثانية لنشر اإلسبلـ والسبلـ بْب الناس صبيعاً‪.‬‬

‫رد الصديق قائبلً‪ :‬مثلك سأنتظر ليلة القدر ىذه لعلَّو يتحقَّق أملي وطليب‪.‬‬
‫َّ‬
‫قاؿ السيد ؿبمد أمْب‪ :‬وما ىو طلبك أنت يا صديقي؟‪.‬‬
‫رد الصديق ؛ وبدا كأنو وبلم بطلبو قد ربقَّق‪ ،‬إذ قاؿ بصوت ىادئ فبدود‪:‬‬
‫َّ‬
‫عزاً ال يبيل‪ ،‬سأصبح ذا ماؿ كثّب وجاه واسع‪ ..‬سأملُك ملكاً كما ملك األغنياء‬
‫سأطلب ماالً‪ ..‬سأطلب بنْب وأطلب ّ‬
‫أفوهتا‪.‬‬
‫األثرياء وىذه فرصٍب ولن ّْ‬

‫* * *‬
‫طلب إنسآفٌ عظيم ُىبلّْد طالبو جبناف‬
‫طلب السيد ؿبمد أمْب ٌ‬
‫لقد كاف الفرؽ شاسعاً بْب طلبيهما‪ ،‬فأين الثرى من الثريا‪ُ ،‬‬
‫ٍ‬
‫امتد ال ُّ‬
‫منقض زائل‪ ..‬مهما َّ‬
‫يبتد معو‬
‫اػبلد األبدية ويعيش حياة السعادة دنيا وآخرة‪ ،‬أما طلب صديقو فأنآف دنيوي‬

‫أكثر من بضع سنْب ث ينتهي باؼبوت والرحيل عن ىذه الدنيا الفانية‪.‬‬
‫وترصدىا ليطلب كلّّ منهما مطلبو واتفقا أف تكوف مراقبتهما صباعية‬
‫وىكذا‪ ..‬فقد اتفق الفتياف على مراقبة ىذه الليلة ُّ‬
‫حٌب إذا غفل أحدنبا أو أخذتو غفوة من النوـ فيوقظو الثآف لكي ال تفوهتما ىذه الليلة فيخسرا ىذه الفرصة الثمينة‪.‬‬
‫بدأ شهر رمضاف وتوالت األياـ واللياِف والسيد ؿبمد أمْب وصديقو يعداهنا بفارغ الصرب وبدقَّة حٌب انقضت العشروف ليلةً‬
‫األوُف‪.‬‬
‫ول َّػما بدأت اللياِف العشر األخّبة وحبلوؿ ليلة الواحد والعشرين من رمضاف وقبل اإلفطار أسرع الفٌب أمْب وىو بغاية‬
‫اغبيوية والنشاط‪ ،‬يزداد شوقو ؽبذه اللياِف‪ ..‬ويعظم‪ ،‬فلقد آف األواف ليناؿ عظيم طموحو ومناه‪.‬‬

‫أسرع لصديقو ّْ‬
‫يذكره قائبلً‪ :‬اليوـ‪ ..‬اليوـ ومن بعد اإلفطار مباشرة نصعد معاً إُف سطح دارنا ونبدأ مراقبتنا بدءاً من ىذه‬
‫الليلة‪.‬‬
‫ولقد ظبعت أف موعد حدوثها من بعد أذاف العشاء حٌب أذاف الفجر ولكن وللحيطة سنراقبها من بعد اإلفطار حٌب‬
‫شروؽ ضوء الصباح‪.‬‬
‫ول َّػما حاف موعد اإلفطار وأذَّف اؼبؤذف لصبلة اؼبغرب أفطرا سوياً ث صعدا مع ظهور أوؿ قبمة يف السماء‪ ،‬لسطح البيت‪.‬‬
‫كاف اعبو لطيفاً والسماء صافية والسكوف ـبيّْماً على األرجاء‪..‬‬
‫وبل الليل رويداً رويداً فيمتزج سواده بلوف الشفق البديع يف جهة الغروب فيبدي للعياف لوناً ساحراً َّ‬
‫جذاباً‪..‬‬
‫ُّ‬
‫ىناؾ وعلى سطح البيت استلقى كل واحد منهما على ظهره ووجهو للسماء جبوار بعضهما حٌب يشعر أحدنبا باآلخر‬
‫صمت وسكوف تاماف‪ ..‬عيو ٌف مفتوحة على أشدىا ربدّْؽ إُف‬
‫إذا ناـ فيوقظو‪ ..‬ومضيا يراقباف السماء بدوف أي كبلـ‪..‬‬
‫ٌ‬
‫وبل ّٔا اهلل‬
‫وبل شيئاً فشيئاً والنور يغادر رويداً رويداً والسيد ؿبمد أمْب يراقب اللحظة الٍب ُّ‬
‫السماء الصافية حيث الليل ُّ‬

‫حل بكل بقاع األرض‪ ،‬أما صديقو فكاف وبلم باؼباؿ والبنْب‪.‬‬
‫يف السماء الدنيا وىو وبلم بانتشار اإلسبلـ وقد َّ‬
‫* * *‬
‫بأشد ظبلمو وما يزاال على وضعيهما‪..‬‬
‫حل ّْ‬
‫مضت الساعات والليل قد َّ‬
‫صدؽ وإصر ٌار يف الوصوؿ باألصوؿ لغايتو‬
‫فالفٌب أمْب يراقب يقظاً َف يزغ بصره عن السماء ولو لفَبة قصّبة‪ ..‬كلو ٌ‬
‫ويتأخر ربقيق طموحو سنةً كاملة‪..‬‬
‫السامية‪ ،‬فالغفلة يبكن أف تقابلها خسارة عظيمة إذا حدثت أثناء ليلة القدر َّ‬
‫مغرد ًة حبلوؿ‬
‫فبل للنوـ وال للخموؿ‪ ،‬حٌب اقَببت الشمس من البزوغ وانتشر ضوء النهار يف السماء وحلَّقت الطيور فرحةً ّْ‬

‫هنار جديد و َّاذبهت العصافّب تبحث عن أرزاقها مزقزقةً‪ ..‬عندىا قاؿ السيد ؿبمد أمْب‪:‬‬

‫وحل النهار وَف ربدث ليلة القدر فلعلَّها ربدث الليلة القادمة إف شاء اهلل‪.‬‬
‫لقد انقضت أوُف اللياِف َّ‬
‫وأعادا ذلك ليلة إثر ليلة حٌب انقضت تسع ٍ‬
‫لياؿ من اللياِف العشر األخّبة‪ ..‬وَف يتحقَّق شيءٌ من الوصف الذي ظبعوه‬

‫ؽبا‪..‬‬

‫عجيب وإصر ٌار‬
‫يب‬
‫وؼبا شارفت الليلة العاشرة واألخّبة أقبل السيد ؿبمد أمْب على صديقو وقد َّلوف وجهو ٌ‬
‫ٌ‬
‫صدؽ غر ٌ‬
‫ٍ‬
‫بصوت مصبوغ جبدية‪:‬‬
‫عظيم على ربقيق مبتغاه وقاؿ ـباطباً صديقو‬
‫ٌ‬
‫ّٔذه الليلة حتماً ستظهر ليلة القدر وسيتحقَّق مطليب‪ ..‬ث استلقى على ظهره واستلقى صديقو جبانبو وتابع الفٌب اؼبشرؽ‬
‫ٍ‬
‫بصحوة ونشاط واىتماـ عظيم أكرب من كل ليلة مضت‪..‬‬
‫باألمل ينظر‬

‫ولكن ويا لؤلسف فلقد اقَبب الفجر وَف وبدث شيئاً‪ ،‬وعندما أشرقت الشمس وتعالت أصوات تكبّبات العيد هنض‬
‫السيد ؿبمد أمْب وقد أدرؾ أف كل ما ظبعو عن ليلة القدر من وصف ال أساس لو من الصحة‪ ،‬فهذا الزعم الذي يزعمو‬
‫الناس عن ليلة القدر وكيفية حدوثها واالستفادة منها بالدعاء فيها ليس بصحيح أبداً‪ ..‬أبداً‪.‬‬
‫ث التفت إُف صاحبو بنظرات مزروعة باألمل والطموح وقاؿ‪:‬‬
‫عما ظبعناه وبإذف‬
‫يا صاحيب إف ليلة القدر حتماً بغّب ىذا الوصف وحتماً ىنالك طريقة أخرى لنواؽبا وىي زبتلف سباماً َّ‬
‫اهلل ال بد أف أقطفها‪.‬‬
‫* * *‬
‫ٍ‬
‫مكانة أوصلو صدقو العجيب‬
‫فإُف أية منزلة ظبت بو اغبرية بالرأي منذ نعومة أظافره وتفتُّحو على ىذه اغبياة!‪ .‬وإُف أية‬
‫متحرراً من أيَّة أفكار ومعتقدات جامدة ال أساس ؽبا فاستطاع دبغامراتو الذكية الرائعة‬
‫لينطلق ويُبحر باحثاً يف عاَف اغبقيقة ّْ‬

‫رد األقاويل الكاذبة والبدع اػبرافية‪.‬‬
‫َّ‬

‫تُرى ما أشبن معدنو السامي الذي يدفعو إلعطاء التفكّب حقَّو واػبوض يف ميادين اكتشاؼ اغبقيقة ذلك الفٌب ّْ‬
‫اؼبفكر اغبر‬

‫الذي َف ىبضع للمعتقدات اعبامدة الٍب يبكن أف ربط من شأف اإلنساف (الكائن ّْ‬
‫اؼبفكر) وتقلّْل من إنسانيتو بإنبالو‬
‫لتفكّبه وىو اعبوىرة الثمينة الٍب أيَّده اهلل ّٔا ليُميّْز بو النافع من الضار والصحيح من اػبطأ ويسلك السبيل القؤف!‪.‬‬
‫فأجدر باإلنساف أف يتحقَّق فبا يسمعو من الناس قبل أف يتبنَّاه فيو‪ ..‬فإف كاف صحيحاً سار فيو َّ‬
‫ودؿ الناس إليو {‪..‬إِ َْ‬
‫ه َوبَْ َػ ُْٕٗ َِ ْغئُ‪ٛ‬ال}(‪ )8‬بعد أف ربقَّق من صحتو بتجربتو العملية الواقعية‪ ،‬أما‬
‫ص َش َ‪ْ ٚ‬اٌفُ َؤا َد ُوًُّ أُ‪ٌَ ْٚ‬ئِ َ‬
‫اٌ َغ ّْ َغ َ‪ْ ٚ‬اٌجَ َ‬
‫إف َف يكن ما ظبعو صحيحاً وال حقيقة لوجوده فليضرب بو عرض اغبائط ويتربأ‪.‬‬
‫بأـ أعيننا لنشهدىا بقلوبنا‬
‫قاؿ الرسوؿ العريب ‪« :‬نحن أمة أمية نؤمن بما نرى ونشهد» أي نكتشف اغبقيقة دبا نرى ّْ‬
‫وبصائرنا‪.‬‬

‫‪‬‬

‫) سورة اإلسراء‪ :‬اآلية (‪.)03‬‬

‫(‪8‬‬

‫أخي القارئ يف قصتنا ىذه من صفحات آّد اػبالد سنعود للوراء قليبلً‪ ،‬حيث السيد ؿبمد أمْب وقد أهنى دراستو يف‬
‫بأوؿ مهمة رظبية يف مواجهة الشر واإلجراـ‪ ...‬ىل سينجح؟‪ .‬ىل‬
‫وزبرج حديثاً كضابط أمن‪ ،‬ىنالك ُكلّْف َّ‬
‫كلية عنرب َّ‬
‫الشر؟‪.‬‬
‫سينتصر اػبّب ويندحر ّ‬

‫ٍ‬
‫ساعات عاشها وبأخطار فادحة كيف واجهها!‪.‬‬
‫لنتابع ونعيش مع السيد ؿبمد أمْب‬
‫* * *‬
‫عاش يف منطقة األكراد "اعببلية" بدمشق أمة من األكراد كثّب منهم كانوا متكاتفْب متضامنْب ولكن مع من؟‪َّ .‬‬
‫ضد‬
‫من؟‪ .‬متكاتفْب متضامنْب مع زعيم كبّب ؾبرـ جبَّار فهو الشجاع بنظرىم‪ ،‬وىو الذي يستحق التقدير‪ ،‬لذا كانوا ينصرونو‬
‫دوماً ضد كل ؿباوالت الدولة العثمانية للقضاء على ىذا آّرـ واإلجراـ ىناؾ‪.‬‬
‫اؼبنطقة جبلية وـبابئ ومغاور اعببل وتضاريسو معروفة لديهم شرباً بشرب فاؼبنطقة منطقتهم‪ ،‬وقد اعتادوا على اغبياة اعببلية‬
‫للقضاء على ىذا ِ‬
‫ِ‬
‫وقساوهتا‪ ،‬أما فِر ُؽ اعبيش الٍب تُ ِ‬
‫آّرـ فهم هبهلوف اؼبنطقة سباماً وال يعرفوف‬
‫رسلها الدولة العثمانية‬
‫َ‬
‫تضاريسها وـبابئها ومغاورىا وكوامنها‪ ،‬وكذا ليسوا معتادين على قساوة اعبباؿ من صعود وىبوط مثلهم و‪ ...‬و‪...‬‬
‫والتعامل مع اؼبنطقة‪ ،‬لذلك كانوا يفشلوف وىبسروف أماـ ىذا آّرـ خصوصاً وأف صباعتو هتب وربت إمرتو دائماً لنصرتو‪.‬‬

‫وتوالت األياـ وعبل آّرـ وازدادت شروره وإجرامو كثّباً ووقفت الدولة العثمانية ؿبتارة أماـ ىذه اؼبنطقة وىذا آّرـ اػبطّب‬

‫حٌب راح قائد اعبيش العثمآف يف سوريا يضرب أطباسو بأسداسو ّْ‬
‫يفكر ٍ‬
‫حبل ؽبذا األمر‪ ،‬كيف وظبعتو وظبعة دولتو باتت‬
‫يف خطر‪ ،‬فهل قائد جيش األتراؾ يف سوريا وجبيوشو الكبّبة وضباطو الكثّبين ال يستطيع القضاء على ىذا آّرـ!!‪.‬‬
‫وفكر‪َّ ...‬‬
‫وفكر كثّباً باألمر‪َّ ...‬‬
‫َّ‬
‫وفكر‪ ..‬إُف أف طرقت خاطره فِكَْرةٌ‪:‬‬
‫ِ‬
‫اؼبتفوؽ على أقرانو بالكلية اغبربية اؼبلكية‪ ،‬فواهلل ىو اؼبناسب ؽبذا آّرـ وأظنّو يستطيع‬
‫نعم وَفَ ال أعبأ لذلك الضابط الفٌب ّْ‬
‫حل ىذه اؼبشكلة‪.‬‬
‫َّ‬
‫زبرجو من كلية "عنرب" فنوناً يف التخطيط وحسن‬
‫لقد رأى ىذا القائد يف الطالب الضابط العريب السيد ؿبمد أمْب وقبل ُّ‬
‫التصرؼ وألواناً من الشجاعة والبطوالت وإبداعاً يف التفكّب والتدبّب‪.‬‬
‫ُّ‬
‫أرسل يف طلبو فوراً‪...‬‬
‫تشع منو اغبياة واألمل‪ ،‬أدى التحية لقائده‪ ،‬ث سأؿ‪ :‬ما األمر يا سيادة القومنداف؟‪.‬‬
‫حضر الضابط الشاب بوجو نض ٍر ُّ‬
‫األيب‪( ...‬جلس)‪.‬‬
‫فأجاب القائد‪ :‬اجلس أيها الضابط ّ‬
‫تابع القائد حديثو‪ :‬أما ظبعت أيها الضابط دبجرـ األكراد‪ ،‬بل دبنطقة األكراد وما تسببو من إزعاجات "وشوشرة" ومن‬
‫فرمل نساءَىم ويتَّم أطفاؽبم‪،‬‬
‫إجراـ وفوضى؟‪ .‬طبعاً السبب ىو رأس األفعى ذاؾ آّرـ الزعيم الذي قتل عشرات الرجاؿ َّ‬
‫وال تزاؿ صبيع ؿباوالتنا للقضاء عليو فاشلة ونريد اػببلص منو مهما كلَّفنا األمر حيّاً أو ميتاً ال يهم‪ ،‬اؼبهم التخلُّص منو‬

‫ومن شروره‪ .‬وأنا كقائد جيش أطرح عليك ىذه اؼبهمة واضعاً ربت إمرتك العدد الذي ترغب بو من اعبنود‪ ،‬بل‬
‫"والطابور" الفرقة الٍب ترغب ّٔا من اعبيش‪ ،‬اؼبهم أف زبلّْصنا منو حياً أو ميتاً‪ ،‬فما رأيك أيها الضابط؟‪.‬‬
‫رد الضابط السيد ؿبمد أمْب‪ :‬دعِب ّْ‬
‫أفكر باألمر يا سيادة القومنداف‪ ،‬أعطِب مهلة‪.‬‬
‫َّ‬
‫رد القومنداف‪ :‬لك ما تريد‪.‬‬
‫َّ‬
‫ّْ‬
‫يتفحصو ملياً‪ ،‬فهل هبوز قتل ىذا آّرـ أـ ال؟‪.‬‬
‫ِح عليو َّ‬
‫خرج ضابطنا مفكراً دبا طُر َ‬
‫ىل ىذا العمل يُرضي اهلل؟!‪.‬‬
‫إنو ؾبرـ وقتل عشرات الرجاؿ‪ ...‬وسلب‪ ...‬وهنب‪ ...‬فهل يُقتل يف شرع اهلل؟‪ .‬ألذىب إُف السادة العلماء أسأؽبم عن‬
‫رأيهم يف ىذه القضية‪.‬‬

‫* * *‬

‫اذبو إُف علماء الدين وأخربىم‪:‬‬
‫ورمل نساءَىم وال يزاؿ يبتد بِشروره‪ ،‬فهل هبوز‬
‫يا أيها الشيخ ذاؾ آّرـ جببل األكراد قتل عشرات الرجاؿ فيتَّم أطفاؽبم َّ‬
‫قتلو وىل يرضى اهلل ىذا العمل؟‪.‬‬

‫ظ‪ .)8(}..‬وأنت‬
‫َّ‬
‫رد الشيخ‪ :‬يا بِب‪ ،‬إف كاف قد قتل شخصاً واحداً بدوف حق فيجوز قتلو‪ ،‬قاؿ تعاُف‪..{ :‬إٌَ ْف َ‬
‫ظ ثِبٌَٕ ْف ِ‬
‫تقوؿ أنو قتل العشرات و‪ ...‬فهذا قتلو حبلؿ ويؤجر ويثاب قاتلو‪.‬‬
‫وكذا اذبو إُف عاَف ٍ‬
‫صمم‪:‬‬
‫ثاف وثالث‪ ...‬فلقي نفس اعبواب‪ ،‬عندىا َّ‬
‫إذاً هبوز قتلو "قتلو حبلؿ" بل وِف أجر وثواب كبّب من اهلل على قتلو‪...‬‬
‫إذاً فاؼبهمة مهمٍب وسأخلّْص الناس من شروره وإجرامو بإذف اهلل تعاُف‪...‬‬
‫واذبو مباشرة إُف قائد اعبيش ليخربه‪ :‬سيادة القومنداف‪ ،‬أنا موافق وجاىز لتنفيذ ىذه اؼبهمة‪.‬‬
‫ُسَّر قائد اعبيش كثّباً ّٔذه اؼبوافقة وقاؿ‪ :‬لك ما تشاء "أيها الضابط الشهم" من عناصر الشرطة واعبيش‪ ،‬والكل ربت‬

‫إمرتك ورىن إشارتك وزبطيطك‪.‬‬

‫رد الضابط الشجاع‪ :‬سيادة القومنداف‪ ،‬أريد شبانية عناصر من الرجاؿ فقط أختارىم بنفسي‪.‬‬
‫َّ‬
‫ِ‬
‫وؾبهزة باألسلحة‬
‫مدربة َّ‬
‫ش القومنداف واستغرب ما ظبع وأجاب‪ :‬أيها الضابط إف ؾبموعات كبّبة من اعبيش منظَّمة َّ‬
‫ُدى َ‬

‫أمت وجو َف تستطع عدة مرات ودبحاوالت عديدة باءت كلها بالفشل وعادت‪ ،‬وأنت تقوؿ اآلف‪ :‬شبانية رجاؿ‬
‫على ّْ‬
‫فقط!‪.‬‬
‫إعلم أيها الضابط‪ :‬أنك ستواجو اؼبنطقة كاملة ولن تواجو فقط ؾبرماً واحداً‪ ،‬بل إف معظم سكاف اؼبنطقة وبأسلحتهم‬
‫يقفوف عبانب آّرـ الزعيم فبن ىم على شاكلتو‪ ،‬قلت لك مسبقاً خذ ما تريد من الرجاؿ‪.‬‬
‫رد الضابط‪ :‬سيادة القومنداف أريد شبانية رجاؿ فقط ال غّب واترؾ األمر ِف‪.‬‬
‫َّ‬
‫اضطر القومنداف مع ىذا اإلصرار للموافقة على طلب الضابط خوفاً من تغيّب رأيو وتراجعو عن اؼبهمة قائبلً‪:‬‬
‫افعل ما تشاء وتصرؼ دبا تريد فاػبَيَ ُار لك‪ ،‬وذلك معناه االنتحار‪ ،‬ولكن أنت وشأنك!‪ .‬وبقي متعجباً‪.‬‬
‫* * *‬

‫) سورة اؼبائدة‪ :‬اآلية (‪.)12‬‬

‫(‪8‬‬

‫اؿ بنظره العناصر‪ ،‬ث اختار سبعة جنود أقوياء تبدو على وجوىهم‬
‫مقر الرجاؿ "جنود اعبيش" َج َ‬
‫ذىب الضابط إُف ّْ‬
‫الشجاعة ال يتكلموف إالَّ اللغة الَبكية حصراً وال يتقنوف شيئاً من اللغة العربية مطلقاً‪.‬‬
‫أما الثامن فاختاره كدليل ليد ّؽبم على بيت آّرـ "فهو يعرؼ اؼبنطقة سباماً ويعرؼ بيت آّرـ الذي كاف فوؽ كل بيوت‬
‫اؼبنطقة بأعلى اعببل"‪ ،‬وىذا الدليل اختاره الضابط ألنو ال هبيد إال اللغة العربية وال يعرؼ عن اللغة الَبكية شيئاً‪ .‬فيا ترى‬

‫ؼباذا اختار السبعة يتكلَّموف باللغة الَبكية فقط والدليل يتكلَّم بالعربية فقط؟‪.‬‬

‫لقد اختار ضابطنا ىذا االختيار بعد تفكّبه اؼبلي بأمر آّرـ وكيفية االنتصار عليو‪ .‬فضابطنا السيد ؿبمد أمْب يعرؼ أف‬
‫ِ‬
‫ب الرعب يف قلوب الرجاؿ‪ ،‬فخوفاً من أف يسمع ىؤالء الرجاؿ‬
‫يت ىذا آّرـ وخربه منتشر يف الببلد وذكر اظبو يُ ِد ُّ‬
‫ص َ‬
‫حبد ذاتو فيسيطر الرعب عليهم وهببّْنوف‪ ،‬فإف‬
‫سيدؿ الضابط على بيت آّرـ أو على آّرـ ّْ‬
‫السبعة كلمات الدليل عندما ّ‬
‫حصل ىذا ػ ال ظبح اهلل ػ َّ‬
‫فإهنم سيفشلوف يف القضاء عليو واػببلص من شروره‪ ،‬فلذلك اختارىم ال يعرفوف إال الَبكية‬
‫والدليل بالعكس ال يعرؼ إال العربية فبل يفهموف على الدليل وال الدليل دبستطيع أف يفهمهم‪.‬‬
‫ض ِم َن الضابط تنفيذ اعبنود السبعة ؽبذه اؼبهمة بثبات وشجاعة ودبعنويات قوية فبل خذالف وال فشل إف‬
‫ؤّذه الطريقة َ‬
‫شاء اهلل تعاُف‪.‬‬
‫كل يبتطي صهوة حصانو يسّبوف وراء قائدىم‬
‫وبعد أف اختار الضابط رجالو ويف الوقت اؼبعْب صبعهم وانطلق ّٔم ٌ‬
‫بشجاعة وقوة‪ ،‬وكاف الوقت بعد منتصف الليل‪ ،‬حيث تبدو قبوـ السماء ظاىرة بوضوح وما من أحد يسّب يف الشوارع‬
‫فالكل نياـ إالَّ ضابطنا اؼبغوار وجنوده الشجعاف يسّبوف وراءه ترقبهم قبوـ السماء إُف أف وصلوا إُف مقاـ "الست‬
‫حفيظة" الواقع يف وسط ساحة "اؼبيسات" بدمشق حالياً‪ ،‬وكانت اؼبنطقة كلها زروع وبساتْب غنَّاء‪.‬‬
‫بذاؾ الزماف كاف ىناؾ ـبفر مهجور للشرطة "الدرؾ"‪ ،‬دخل الضابط وجنوده والدليل إُف اؼبخفر وقد َش َعَر أنو حباجة‬
‫زبرجو كضابط‪ ،‬فلقد أمضى يوماً ُؾبهداً بالتفكّب والتدبّب ألمر ىذا آّرـ‪،‬‬
‫ليناـ قليبلً قبل تنفيذ ىذه اؼبهمة األوُف بعد ُّ‬
‫فأوصى عنصر حرس اؼبخفر بأف يوقظو عند أذاف الفجر وذىب ليناـ‪.‬‬
‫وأثناء نومو شاىد حلماً‪...‬‬
‫شاىد نفسو يف عراؾ قوي شاؽ مع آّرـ وأخّباً استطاع بأف يطرح ذلك الشرير أرضاً وارسبى فوقو بقوة اندفاع كبّبة‪،‬‬
‫وبالفعل فلقد صحا ضابطنا على نفسو عندما اصطدـ باألرض ىاوياً من سريره اؼبرتفع‪ ،‬نظر حولو فرأى اغبارس داخبلً‬
‫الغرفة يريد إيقاظو‪ ،‬فنهض واقفاً مستبشراً بالنصر‪.‬‬
‫لقد أدرؾ من ىذه الرؤيا أف اهلل سينصره على آّرـ‪ ،‬نعم‪ ،‬إف ىذه الرؤيا بشارة من اهلل بنصره على آّرـ الشرير‪.‬‬

‫* * *‬
‫وعلى الفور وبقوة كبّبة ومعنويات عالية جبَّارة صبع ِرجالوُ األقوياء األشاوس وامتطى كل واحد منهم صهوة حصانو‪،‬‬
‫وانطلقوا مع قائدىم متفائلْب بتفاؤلو بقوة وعزيبة صادقة‪.‬‬
‫صعدوا اعببل وراء قائدىم والدليل قاصدين بيت آّرـ وعلى مقربة من بيت آّرـ كاف الظبلـ قد اختلط بنور الصباح‬
‫وانكشفت اؼبعاَف‪ ،‬فأصبحت واضحة‪ ...‬ظبع آّرـ أصوات حوافر اػبيل وضجيجهم‪ ...‬إنو إنذار خطر‪...‬‬
‫دب الرعب بقلبو وعلى الفور خرج من غرفتو بسرعة كبّبة راكضاً باذباه جدار جّبانو‪ ،‬ىنالك وما إف أصبح فوؽ اعبدار‬
‫َّ‬
‫حبد ذاتو" فأشار للضابط الشجاع باذباه آّرـ (قاصداً أف ىذا ىو)‪،‬‬
‫يبغي الفرار حٌب أصبح واضحاً للدليل "إنو ىو آّرـ ّْ‬
‫ىنالك صاح الضابط "باللغة الَبكية" جبنوده‪:‬‬
‫نار‪ ...‬نار‪( ...‬مشّباً باذباه آّرـ)‪.‬‬
‫وبلمح البصر كاف الرجاؿ السبعة قد أطلقوا النار على آّرـ فسقط على أرض الطريق عكس اعبهة الٍب تسلق منها‬
‫اعبدار مقتوالً يتخبَّط بدمو‪.‬‬
‫أجل‪ ،‬آّرـ مات وحلَّت بو اآلفات‪.‬‬
‫وبسرعة الربؽ أخرج الضابط مديتو (سكينو) وقفز كاألسد من صهوة حصانو راكضاً باذباه آّرـ فقطع رأسو وعلَّقو على‬
‫زنَّاره ث صاح "باللغة الَبكية"‪:‬‬
‫لقمة اعببل بسرعة‪ ،‬سارعوا للنجاة بأرواحنا قبل الفوات‪.‬‬
‫ىيا بنا يا رجاؿ‪ ،‬لنصعد َّ‬
‫* * *‬
‫كاف طريق الصعود عبارة عن فبير جبلي ضيّْق متعرج وعر وىو مسيل يش ُّق عُباب اعببل‪ ،‬ؤّذه األثناء شعر سكاف اؼبنطقة‬
‫مدججْب بأسلحتهم‪ ،‬رأى بعضهم آّرـ الزعيم فاقد الرأس‬
‫أعواف آّرـ باألمر‪ ،‬إذ ظبعوا أزيز الرصاص فخرجوا مسرعْب َّ‬
‫فأخربوا اآلخرين باألمر‪:‬‬
‫لقد قُتل الزعيم‪ ،‬لقد مات‪ ..‬إنو جسد ببل رأس ىيا لنثأر لو ولنذيقهم الويبلت‪ ،‬ىيا ىيا‪ ...‬وخرجوا صعوداً‪.‬‬
‫ومثَلِها األعلى‪ ،‬وغبقوا بالضابط ورجالو الذين أصبحوا بعيدين عنهم‪.‬‬
‫لقد ىبَّت اؼبنطقة بأسرىا تقريباً لتثأر لزعيمها‪َ ...‬‬
‫متعرجة َف تعد اػبيل تستطيع صعودىا‪...‬‬
‫تابع ضابطنا السيد ؿبمد أمْب وجنوده صعود اعببل إُف أف وصلوا ؼبنطقة ّْ‬
‫ىنالك صاح الضابط الػ ُملهم‪:‬‬

‫ىيا يا رجاؿ اتركوا اػبيل ولنركض صاعدين باذباه القمة "قمة اعببل"‪.‬‬
‫أما سكاف منطقة جبل األكراد اؼبوالْب للزعيم آّرـ اؼبقتوؿ فقد أحاطوا بالقمة اؼبنبسطة الٍب صعدوا إليها من كافة‬
‫جهاهتا‪ ،‬إحاطة السوار باؼبعصم‪.‬‬
‫ووضع األخرى وذبهيزىا لئلطبلؽ بعد إطبلؽ األوُف يستغرؽ وقتاً‬
‫"بذلك الزماف كانت البندقية ال تتسع إالَّ لطلقة واحدة ْ‬
‫من اعبندي اؼبطْلِق"‪.‬‬
‫* * *‬
‫اآلف أصبح وضع الضابط وجنوده حرجاً خطّباً‪ ،‬وما ىي إالَّ غبظات حٌب ينهاؿ الرصاص عليهم من األطراؼ كافة‪،‬‬
‫حيث سكاف اؼبنطقة صاعدين وراء قتلة زعيمهم‪ ،‬فلذلك عبأ ضابطنا ػبطة ذكية لفتح ثغرة للنجاة من اغبصار فأمر‬
‫(‪)8‬‬

‫جنوده بأف يطبّْقوا لعبة األطفاؿ اؼبعروفة (قطف الرمانة)‬

‫بأف يستلقوا وىم منبطحوف‪ ،‬وخبلؿ استلقائهم منبطحْب‬

‫يلقّْموف السبلح لئلطبلؽ أثناء إطبلؽ العدو رصاصهم ويركض األخّب بعد إطبلقو النار مع الرفاؽ وإسكات نار العدو‬
‫ويقفز فوؽ صبيع اعبنود اؼبنبطحْب أثناء فَبة السكوف وتلقيم السبلح من قبل العدو‪ ،‬ث يأخذ وضعية االنبطاح بآخر‬
‫اعبميع باذباه االنسحاب‪ ،‬وأثناء انبطاحو يضع الطلقة األخرى ىو وصبيع الرفاؽ ويهيء البندقية لئلطبلؽ‪ ،‬يكوف خبلؿ‬
‫ذلك اعبندي األخّب فيهم من اذباه مساكن العدو جاىزاً لئلطبلؽ فيطلق رصاصتو مع الرفاؽ ث يركض قافزاً فوؽ اعبميع‬
‫لينبطح بآخرىم ويهيء بندقيتو لئلطبلؽ أثناء إطبلؽ العدو للرصاص فتنتقل آّموعة كلّها باذباه حي الصاغبية‪ ،‬وىكذا‬
‫يسميها أىل الشاـ (قطف الرمانة) من قِبَل اعبميع حٌب يصلوا‬
‫تُ َكَّرر ىذه العملية وإف شئت فقل‪ :‬لعبة االنبطاح وما ّْ‬
‫منسحبْب إُف مكاف األماف الذي ىو منطقة الصاغبية الٍب تلي منطقة األكراد‪ ،‬وبذلك يكوف ىذا الضابط ببعض الوقت‬
‫أو الزمن قد َّأمن سرعة اغبركة باالنسحاب بعيداً عن منطقة األكراد وكذا شا َغ َل العدو بإطبلؽ العيارات النارية على‬
‫األعداء َّ‬
‫فشكل بذلك تغطية نارية تضمن سبلمة صبيع أفراده أثناء التنقُّل(‪.)2‬‬

‫) قطف الرمانة‪ :‬تُعرؼ يف مصر باسم "حطة نطة" ‪ ،‬وىي لعبة شعبية واسعة االنتشار ذبري يف اؼبدف والقرى والساحات العامة يف البلداف العربية‪ ،‬ويف مصر خاصة‪ ،‬وليس ؽبا ملعب ؿبدَّد أو‬

‫(‪8‬‬

‫مقاييس‪ ،‬وال ربتاج إُف َّ‬
‫معْب من األخبلؽ واعبدية حٌب تسّب اللعبة‪ .‬أما طريقة اللعب فتقوـ على القفز من فوؽ الظهر‪ ،‬وال تتقيد بعدد‬
‫حكاـ أو مباريات رظبية‪ ،‬يكفي أف يتَّصف البلعبوف حبد َّ‬
‫ؿبدود من البلعبْب‪ ،‬ويفضَّل أف يكوف العدد سبعة‪ ،‬يبدأ اللعب فيها باإلقَباع النتقاء النازؿ أي الذي وبِب ظهره أوالً‪ ،‬فيقف ىذا يف أوؿ اؼبلعب ويضع يديو على ركبتيو‪ ،‬ووبِب ظهره‪ ،‬ويأيت أوؿ‬
‫العب وىو عادة رئيس الفريق ويقفز من فوؽ ظهره‪ ،‬ث يبتعد القافز بعد ذلك كبو اؼبَبين عن النازؿ وينحِب أيضاً وفق الطريقة الٍب اكبُب ّٔا النازؿ فيأيت البلعب الثآف ويقفز من فوؽ األوؿ‪ ،‬ث‬
‫من فوؽ الثآف‪ ،‬ث يبتعد عن الثآف ويأخذ مكانو يف االكبناء‪ .‬وىكذا كل من البلعبْب يقوـ بالدور نفسو‪ .‬إف ىذه اللعبة حلقة متصلة‪ ،‬ويظل األوالد يلعبوهنا إُف ما شاؤوا من الوقت‪ .‬ىذا‬
‫ٍ‬
‫مسافات على طريق النزىة مشياً فبل يشعروف دبسافة الطريق‪ .‬وقد أجرى ضابطنا اؼبلهم ىذه اللعبة للنجاة وىم حبالة انبطاح لكيبل يقتلهم رصاص العدو‪.‬‬
‫ويلعبها األوالد وحٌب الرجاؿ لقطع‬
‫) انظر اؼبخطط القتاِف رقم (‪ )0-2-8‬ؽبذه اؼبعركة اعببارة يف هناية القصة‪.‬‬

‫(‪2‬‬

‫طبَّق اعبنود خطة االنسحاب الذكية بدقة ومهارة وسرعة كبّبة وَف يهدأ إطبلؽ النار من اعبانبْب حٌب وصل ضابطنا‬
‫وجنوده منسحبْب إُف منطقة الصاغبية فانفتحت ثغرة تعادؿ ربع اإلحاطة الدائرية حوؽبم قبوا ّٔا عند منحدر اعببل‬
‫السفلي‪.‬‬
‫كانت دمشق قد استيقظت على أصوات أزيز الرصاص وظبع القومنداف ما ظبعو أىل الشاـ من لعلعة الرصاص‪ ،‬وفوراً‬
‫جهز جيشاً ؼبساعدة الضابط وخرج بو للنجدة إالّ أف الضابط كاف قد وصل ؼبنطقة الصاغبية يف دمشق وَف يستطع‬
‫َّ‬
‫األكراد ُّ‬
‫التقدـ‪ ،‬إذ ليست ؽبم سيطرة وسطو ّٔذه اؼبنطقة‪ ،‬وعندما شاىدوا وصوؿ جيش القومنداف ؼبؤازرة الضابط‬
‫الشجاع قاتل بطلهم‪ُّ ،‬فروا إُف منطقتهم ـبذولْب خاسرين حزينْب لفقداهنم آّرـ الزعيم ولفشلهم الذريع‪ ،‬إذ َف وبققوا أية‬
‫نتيجة تطفئ شيئاً من حقدىم ونار ثأرىم‪.‬‬
‫كاف النصر والظفر حليف الضابط‪ ،‬وَف يصب أح ٌد من رجالو بأذى‪ ،‬لقد ِ‬
‫حفظَهم اهلل بنية قائدىم الضابط العالية وخطّتو‬
‫العظيمة‪.‬‬
‫ىدأت األمور وانتهت األزمة‪ ...‬ىنالك تقدَّـ الضابط الشجاع السيد ؿبمد أمْب ىابطاً اعببل كبو قائد اعبيش‬
‫"القومنداف" وعند اللقاء حيَّاه‪ ،‬ث رمى برأس آّرـ عند أقداـ قائد اعبيش وىو مرفوع الرأس‪.‬‬
‫رد القومنداف بربودة َف تكن متوقَّعة قائبلً‪:‬‬
‫وللغرابة َّ‬
‫ت ؾبرماً واحداً وجلبت رأسو‪ ،‬ىل تظن أف ىذا عمل‬
‫ما ىذا العمل الذي قمت بو؟‪ .‬بل‪ ،‬وماذا فعلت؟‪ .‬لقد قَػتَػ ْل َ‬
‫ضخم!‪.‬‬
‫وحق فأنا َف أفعل شيئاً يستحق الفخر‪.‬‬
‫عندىا َف يُصعق ضابطنا بقوؿ القومنداف‪ ،‬بل قاؿ بنفسو‪ :‬ىذا كبلـ‬
‫صحيح ٌ‬
‫ٌ‬

‫ولكن وباغبقيقة ىل انتصاره بثمانية أنفار على ٍ‬
‫أمة كاملة وبطشو بكبّبىم وانسحابو دبن معو ساؼبْب ىو عمل بسيط!‪.‬‬
‫ولكن جبلئل األعماؿ اإلنسانية الكربى ىي يف َغيَابة اؼبستقبل اؼبشرؽ اؼبونق القريب‪.‬‬
‫رؼجذ ف‪ِ ٟ‬شاد٘ب األجغبَ‬

‫‪ٚ‬إرا وبٔذ إٌف‪ٛ‬ط وجبسا‬

‫‪‬‬



‫ُكلّْف السيد ؿبمد أمْب وىو ضابط على رأس قوة من رجاؿ األمن بالذىاب إُف إحدى اؼبناطق اعببلية من مناطق جبل‬
‫سنوي للسادة اؼبسيحيْب والدروز‬
‫الشيخ دبهمة اغبفاظ على األمن ىناؾ‪ ،‬حيث يُقاـ يف إحدى قرى ىذه اؼبنطقة‬
‫ٌ‬
‫احتفاؿ ٌ‬
‫والزوار اؼبسلمْب يؤـ إليو معظم سكاف القرى‪ ،‬ويف ىذا االحتفاؿ ربدث جرائم يف كل عاـ‪.‬‬

‫وعندما انطلق السيد ؿبمد أمْب إُف قيادة اؼبنطقة خرج قائد اؼبنطقة وىو برتبة قيادية لتوجيهو لتنفيذ مهمتو‪ ،‬فتقدـ منو‬
‫و ّأدى لو التحية العسكرية وقدَّـ نفسو إليو وكانت اؼبفاجأة بأف القائد َف يعجبو مظهر ىذا الضابط السيد ؿبمد أمْب‪ ،‬إذ‬

‫ليس لو شوارب مفتولة عريضة وكبّبة (ويف عهد األتراؾ كانوا يعتربوف كثافة شارب الرجل دليل قوتو ورجولتو وشاربا ىذا‬
‫قوؿ القائد إالّ أف قاؿ بتعجرؼ ظاىر‪:‬‬
‫الضابط عادياف)‪ ..‬فما كاف ُ‬
‫ىل أرسلوا ِف بنات!‪...‬‬
‫وتوجو على صهوة حصانو لتنفيذ مهمتو‪.‬‬
‫فغضب الضابط النزيو وأدار عناف جواده باحتقار ودوف أداء ربيّة ؽبذا القائد ّ‬
‫* * *‬
‫ويف الغد بدأ االحتفاؿ واختلط اغبابل بالنابل وإذ بأحد األشخاص وكاف ـبموراً يتق ّدـ من شخص آخر ّْ‬
‫ويوجو لو طعنةً‬
‫قويّة خبنجر فّبديو قتيبلً‪.‬‬
‫وعلى الفور أصدر الضابط أوامره إُف رجاؿ األمن للقبض على ىذا آّرـ‪ ،‬ألف اغبشد من ازدحاـ البشر كاف وبوؿ بْب‬
‫ضابطنا وبينو فطلب مؤازرَة رجاؿ األمن‪.‬‬

‫وقبضنا عليو يعِب أف سكاف اؼبنطقة‬
‫فأجابوه بَب ٍاخ واضح‪" :‬سيدي ىذا ال نستطيع القبض عليو‪ ،‬إنو زعيم اؼبنطقة كلّْها ْ‬

‫سيقضوف علينا صبيعاً"‪.‬‬

‫فَ ِه َم عندىا أف ىؤالء مرتشوف من ىذا الزعيم‪ ،‬وأثناء الكبلـ بينو وبينهم كاد آّرـ أف ىبتفي يف زحاـ االحتفاؿ‪.‬‬

‫ِ‬
‫ض ّْم الزحاـ واغبشود البشرية الكثيفة‬
‫حاوؿ القبض عليو دوف معونة من ىؤالء اؼبرتشْب‪ ،‬ولكنو َف يعثر لو على أثر يف خ َ‬
‫الٍب حالت بينو وبْب آّرـ فثارت ثائرتو وغلت براكْب الغضب يف صدره فانطلق إُف اؼبخفر "قسم الشرطة" ودخل الغرفة‬

‫اؼبخصصة لو وأقفل بأّا وكلمات القائد اؼبتعجرؼ اؼبغرور باؼبظاىر اػب ّداعة ترف يف مسامعو‪..‬‬
‫َّ‬
‫ىل أرسلوا ِف بنات!‪...‬‬
‫* * *‬
‫ضاقت بو األرض دبا رحبت وضاقت عليو نفسو لِتقاعُ ِ‬
‫بوض ٍع‬
‫وجهو على األرض ْ‬
‫س رجاؿ األمن وقوؿ القائد‪ ،‬فأطبق َ‬
‫كوضع السجود وىو مصعوؽ واألَف يعصر نفسو فمضى النهار وتبعو الليل وىو على وضعو اؼبؤَف حٌب ضحى اليوـ التاِف‬
‫فانقض كاألسد اؽبصور ؼبكاف االحتفاؿ وغبسن اغبظ صبعو اهلل دبجرـ األمس‪ ،‬ويا للغرابة لقد فاجأ آّرـ باالبتساـ‬
‫ّ‬
‫والتسليم‪ ،‬سبلـ األصدقاء واحملبْب فظنَّها اػببيث أف األمور حسب ما يشتهي وأف ىذا الضابط أيضاً يبغي الرشوة‬
‫كمرؤوسيو وبالتاِف سيتم التغاضي عن جريبتو النكراء‪.‬‬
‫وقدَّـ لو الضابط لفافة تبغ فأخذىا ذلك الزعيم آّرـ بكل سرور وازدادت االبتسامات بينهما‪ ،‬وأشعلها الضابط الشهم‬
‫لو والحظ ذلك معظم رجاؿ الزعيم فبا بعث االطمئناف يف نفوسهم وأف األمور تسّب على ما يراـ‪.‬‬
‫ظن‬
‫وجره ألحد األزقة اؼبنحدرة للقرية ضاحكاً مبتعداً بو عن مكاف االحتفاؿ وقد َّ‬
‫وضع ضابطنا يده بيد الزعيم آّرـ َّ‬
‫الزعيم آّرـ أف الضابط يريد االنفراد بو ليساومو على الرشوة فأطاعو عن طيب خاطر‪ ،‬وما أف تواريا عن األنظار حٌب ثُب‬
‫يد آّرـ على يده األخرى وكبَّلو بالقيد وساقو إُف اؼبخفر ذليبلً‪.‬‬
‫وعلى الفور أصدر أوامره لرجاؿ األمن بتجهيز عربة اػبيوؿ بأقصى سرعة ؤّذه األثناء شاع خرب القبض عليو فسبقو‬
‫ووضع آّرـ ّٔا وانطلقت‬
‫رجاؿ الزعيم آّرـ ليقطعوا عليهم الطريق وينقذوا زعيمهم‪ ،‬وفعبلً متّ ذبهيز العربة دبنتهى السرعة ُ‬
‫زبب األرض خبّاً متّجهة إُف قيادة اؼبنطقة‪ ،‬ترافقها مفرزة قوية من الدرؾ‪.‬‬
‫العربة بالسرعة القصوى ُّ‬

‫وصلت العربة اآلف إُف فبر جبلي ضيق وإجباري‪ ،‬فأصبح الطريق مسدوداً نظراً لوجود نّباف مشتعلة َّ‬
‫شكلت حاجزاً نارياً‬
‫ال يبكن للعربة اجتيازىا‪ ،‬أشعلها أعواف آّرـ لسد الطريق وإنقاذ زعيمهم بقوة السبلح‪.‬‬

‫وىنا أمر الضابط السيد ؿبمد أمْب رجالو دبشاغلة الذين يُطلقوف النار للتغطية دببادلة إطبلؽ النار الغزيرة عليهم باؼبثْل‪.‬‬

‫وأخذ الزعيم من العربة وضبلو على اغبصاف الذي يبتطيو كما وبمل كيساً من القمح أو الشعّب على الراحلة وانطلق بو‬
‫قافزاً بفرسو ُؾبتازاً حاجز النّباف وَف يُصب بالعيارات النارية‪.‬‬

‫جهز قوةً بقيادتو للذىاب إُف اؼبنطقة ؼبؤازرة‬
‫واستمر بانطبلقو السريع إُف قيادة اؼبنطقة‪ ،‬ول َّػما وصلها وجد أف القائد قد َّ‬
‫ضابطنا ورجالِِو ىناؾ بعد أف وصلت األخبار باؽباتف عن القبض على الزعيم القاتل‪.‬‬
‫وقبل أف يتفوه القائد بأية كلمة أخرج الضابط السيد ؿبمد أمْب إحدى قدميو من الر ِ‬
‫كاب وركل آّرـ ّٔا فوقع عند قدمي‬
‫القائد قائبلً‪:‬‬
‫ىذا شغل البنات!‪.‬‬
‫ح ّقاً‪ ،‬أبت النفوس األبيَّة إالَّ أن تتجلَّى بأجلى معانيها‪...‬‬
‫‪‬‬

‫نُقل الضابط السيد ؿبمد أمْب من مكاف عملو إُف منطقة الزبدآف‪ ،‬حيث ُع ّْب مدير ناحية فيها‪.‬‬
‫ويف اليوـ اؼبوعود الستبلـ مهاـ عملو اعبديد اصطحب اثنْب من عناصر الشرطة (الدرؾ) لّبشداه إُف مكاف ـبفر الديباس‬
‫لقضاء ليلة فيها ث االنطبلؽ ؼبركز قيادتو‪.‬‬
‫فمروا بأرض مزروعة بالبطيخ‪ ،‬وإذ بأحد العنصرين يق ّدـ لضابطنا شطراً من‬
‫كب حٌب وصل منطقةَ الديباس ُّ‬
‫سار الر ُ‬
‫أحدنبا بأف ىذه‬
‫بطيخة‪ ،‬فتوقف وسأؽبما عن صاحب األرض وىل يسمح ّٔذا حٌب يكوف على بيّنة من أمره‪ ،‬فأخربه ُ‬
‫َّ‬
‫اطمأف وأكل من البطيخة‪.‬‬
‫األرض م ْلك لو‪ .‬عندىا‬

‫وبعد ىذه الوقفة البسيطة َّقرر السيد ؿبمد أمْب متابعة السّب لكن الشرطياف طلبا السماح معتذرين عن متابعة السّب معو‬
‫وقاال لو‪:‬‬
‫سيدي‪ :‬لقد أصبح اؼبخفر قريباً من ىنا فهو وراء تلك اؽبضبة فهل تسمح لنا بالذىاب إُف بيوتنا وأشارا إُف ىضبة تبعد‬
‫حواِف ‪ /2333/‬مَباً "وعلى اؼببدأ العامي أطعم الفم تستحي العْب"‪.‬‬
‫قَبِل طلبهما وتابع اؼبسّب وحيداً ّْ‬
‫باالذباه اؼبشار إليو حٌب وصل اؽبضبة‪ ،‬لكنو َف هبد القسم خلفها‪ ،‬وىنا أخذ ظبلـ الليل‬
‫يغشي وجو األرض آخذاً بالتزايد شيئاً فشيئاً حٌب خيَّم على كل األرجاء‪.‬‬
‫فاجأ بضبع كبّب اغبجم ـبيف اؼبنظر يتطاير الشرر من عينيو‪ ،‬أطلق‬
‫ويف تلك األثناء وبينما ىو جادّّ يف البحث وإذ بو يُ َ‬
‫صرخة قوية دوت ؽبا الروايب واآلكاـ يريد ّٔا أف يهيمن عليو ويزرع الرعب بقلبو حٌب يستسلم بْب يديو فيصبح لقمة‬

‫يتصرؼ بانفعاؿ رغم أف حبوزتو‬
‫يتسرع وَف َّ‬
‫سائغة وفريسة سهلة بعد سيطرة اعبنب عليو‪ ،‬لكن ضابطنا السيد ؿبمد أمْب َف َّ‬

‫مسدساً ملقَّماً وبندقية جاىزة وَف ّْ‬
‫يفكر باستعماؿ إحدانبا‪ ،‬ذلك ألف ظلمة الليل الشديد ال تسمح بتصويب دقيق‪ ،‬وإف‬
‫َّ‬
‫أي خطأ أو إصابة دبكاف غّب قاتل فيُجرح ذبعل من الضبع وحشاً كاسراً إذا استدمى‪ ،‬وبالتاِف يصبح ضابطنا عرضةً‬
‫ووضع‬
‫ؽبجوـ خطّب من ىذا الوحش وخصوصاً أف البنادؽ يف ذلك الزماف َف تكن لتستوعب أكثر من طلقة واحدة‪ْ ،‬‬
‫فيتعرض ػبطر الوحش آّروح الكاسر‪ ،‬فما كاف من ضابطنا إال أف جلس على مسافة قصّبة‬
‫طلقة أخرى وبتاج لوقت َّ‬
‫من ىذا الضبع الذي كاف وبدؽ بضابطنا بعيوف تطلق الشرر والغيظ والقهر‪ ،‬فبادلو بنظرات ُّ‬
‫تدؿ على الثقة والثبات يف‬
‫ىذا اؼبوقف العصيب‪ ،‬فبدالً من أف يبؤل اػبوؼ والرعب قلبو ثبَّت اهلل الشجاعة يف قلبو وغمره باألنس والسعادة والسرور‬
‫سبؤلُ جواكبو‪.‬‬
‫وبالفعل وضع بندقيتو احملشوة اعباىزة لئلطبلؽ على حضنو مَببّْصاً وأخرج من جيبو حافظة التبغ وصنع لنفسو لفافة تبغ‬
‫دوت‬
‫وبدأ بتدخينها بشغف ولذة‪ ،‬وما كاف من الضبع إال أف هنض بقوة متوثباً للهجوـ وأطلق صرخة كزئّب األسد َّ‬

‫رد فعل ضابطنا إالَّ أف صرخ بو بكلمة‪:‬‬
‫لرجعها أعاِف اؽبضاب‪ ،‬فما كاف ُّ‬
‫"ورصاص"‪...‬‬

‫يا للغرابة!‪ .‬لقد ىدأ الضبع اؼبفَبس وأقعى على قدميو ويديو ساكناً ىادئاً سكوناً غريباً وعيناه تلمعاف وربدقاف يف ظبلـ‬
‫الليل الرىيب‪.‬‬
‫لقد كاف ضخماً كبّب الرأس شديد اؼبراس‪ ،‬وحبجم اغبمار‪.‬‬
‫سكن لفَبة تقارب النصف ساعة وأنفاسو النجسة تنطلق من منخريْو الضخمْب كفحيح األفاعي‪ ،‬ث وفجأ ًة وبدوف سابق‬
‫توقُّ ٍع قفز بعنف على قدميو متوثباً للهجوـ وأطلق صوتاً كالزئّب متهيئاً لبلنقضاض اؼبريع‪ ،‬لكن ضابطنا بطمأنينة وبصوت‬

‫كقصف الرعد أجابو بلفظة "ورصاص"‪ ،‬فسكن وىدأ وأقعى مَببعاً على أربع‪ ،‬بينما تابع ضابطنا نفث لفافتو ّٔناء وحبور‬
‫وبغاية البسط والسرور‪.‬‬
‫مدوياً والضابط هبيبو بكلمة كقذيفة قتالية‪" :‬ورصاص" حٌب أخذ الصبح بالتنفس‪،‬‬
‫وظل اغباؿ كذلك‪ :‬الضبع يصرخ ّْ‬
‫َّ‬
‫وبدأ نوره يبزغ شيئاً فشيئاً وحٌب بدا وكأف كل شيء قد أصبح واضحاً للعياف يف تلك القمم اعببلية الشاىقة الرائعة‪.‬‬
‫وصوب ببندقيتو باذباه الضبع‬
‫وىنا نظر الضابط السيد ؿبمد أمْب فرأى كوـ حجارة مرتفعاً سرعاف ما قفز إليو واعتبله َّ‬
‫وظن أنو حقَّق ىدفو‪ ،‬وعلى الفور صرخ الضبع‬
‫الذي كاف يتقدَّـ منطلقاً لبلنقضاض عليو‪ ،‬عندىا أطلق النار على جبهتو َّ‬
‫دوي قصف ىائل‪ ،‬ث‬
‫صرخة مؤؼبة مزقت سكوف اؼبنطقة وذباوبت ألصدائها النجود والودياف وكأهنا رعد قاصف أو ُّ‬
‫استدار وانطلق ىارباً ال يلوي على شيء‪ ،‬ىيّأ بندقيتو ثانيةً لئلطبلؽ‪ ،‬ويف ىذه األثناء ظبع ضابطنا وقع أقداـ وضجيج‬

‫رجاؿ فالتفت‪ ،‬فرأى بعض ٍ‬
‫رجاؿ مسلَّحْب ببنادؽ م ْشهرة‪ ،‬فإذا ّٔم رجاؿ شرطة من اؼبخفر الذي كاف ربت اؽبضبة‬
‫مباشرًة من جهة غّب الٍب حبث عن اؼبخفر منها‪.‬‬
‫ُّأدوا لو التحية وعجبوا ؼبرآه على زبم اؽبضبة والبندقية بيده ودخاف اإلطبلؽ يتصاعد يف اعبو‪ ،‬فسألوه عما جرى‪:‬‬
‫فقص عليهم ما جرى معو طيلة الليل‪ ،‬عندىا أخربوه بأف ىذا الضبع قد أرعب وأعجز سكاف اؼبنطقة كلَّها‪ ،‬وأنو قد‬
‫َّ‬
‫افَبس اثنْب من أىاِف قرية الديباس آّاورة‪.‬‬
‫عناصر الشرطة آثار الدـ فوجدوا الضبع قد ارسبى على األرض جثة ىامدة ال حياة فيها أسفل اؼبنحدر‪.‬‬
‫ث تتبَّ َع‬
‫ُ‬
‫وىكذا حقَّق اهلل على يد ضابطنا السيد ؿبمد أمْب َّأو َؿ عمل أمِب يف ىذه اؼبنطقة يف الساعات األوُف من حضوره فأراح‬
‫أىلها من ىذا الوحش اػبطّب‪.‬‬
‫* * *‬
‫وسبب سرد ىذه القصة المطربة الغريبة‪:‬‬
‫أف ضابطنا يف أحد األياـ كاف واقفاً مع ثبلثة أشخاص يتسامروف قرب أقفاص سّبؾ غبديقة حيواف متنقلة بدمشق‪ ،‬وإذ‬
‫يزع ُق زعقة بزئّب قوي‬
‫فيحس بالذعر يسري يف أعصابو والفزع يغمر فؤاده ويرجف لو قلبو وزبتلج لو كافَّةُ‬
‫ُّ‬
‫بأسد أو مبر َ‬
‫أعصابو من فرع رأسو إُف راحة قدميو فبل تكاد رجبله ربمبله‪ ،‬وارذبف جسده‪.‬‬
‫ىنالك التفت إُف صحبو لّبى ىل شاىدوا ما حدث لو‪ ،‬فرآىم مشغولْب باغبديث‪ ،‬عندىا عجب كيف أف اهلل ثبَّتو‬
‫ذلك الثبات العجيب لليلة كاملة مع ضبع مفَبس ووضع يف قلبو الشجاعة واألماف والبسط والسرور‪ ،‬وىنا ويف وسط‬
‫ووبل بو الفزع‪.‬‬
‫اؼبدينة الصاخبة والنساء واألطفاؿ َّ‬
‫يتفرجوف على أقفاص اغبيوانات يرتعب ىذا الرعب ُّ‬
‫إذاً فالشجاعة واػبوؼ بيد اهلل يبثُّها كيف يشاء وؼبن يشاء وال قوة وال حوؿ إال بو تعاُف‪َٚ { ،‬أََُٔٗ ُ٘ َ‪َ ٛ‬سةُّ‬
‫(‪)8‬‬
‫رب اؼبشاعر كلّها‪.‬‬
‫اٌ ِّش ْؼ َش‪ ... }ٜ‬فهو تعاُف ُّ‬
‫‪‬‬

‫) سورة النجم‪ :‬اآلية (‪.)16‬‬

‫(‪8‬‬

‫كاف عصراً ذىبياً رائعاً أدىش العا ََف حينما فتح العثمانيوف ببلداً شاسعة وواسعة وقادوا بالعدؿ والرضبة ربت لوائهم لواءَ‬
‫اغبق شعوباً ـبتلفة األلواف واألجناس وذلك عندما أقاموا حدود اهلل وشرعو وتعاليمو بْب الناس بأف طبَّقوا القرآف الكرٔف‪،‬‬
‫وعم الرضى واحملبة واإلخاء بْب البشر وال فضل لعريب على أعجمي إال بالتقوى‪.‬‬
‫وساد االطمئناف َّ‬
‫فانتشر األماف َ‬
‫ولكن ويف الفَبة األخّبة من حكمهم حيث إهنم استبدلوا حكم وقوانْب اإللۤو بقوانْب البشر منذ عهد السلطاف سليماف‬
‫القانوٓف‪ ،‬بدأت ىذه اؼبنارة بالنوصاف ومن ث االنطفاء‪.‬‬
‫وساد التذمر وطغت السرقة واإلجراـ يف الببلد والعباد‪.‬‬
‫يف آخر عهدىم أخذت الفوضى تشيع‪َ ،‬‬
‫* * *‬
‫وىا ىي منطقة من مناطق حكمهم يسود فيها اإلجراـ والقتل والسرقة أصبحت وكأهنا صحراء مقفرة بعد أف كانت جنَّة‬
‫غنّاء‪ ...‬أال وىي منطقة الزبدآف اغبدودية مع لبناف‪ ...‬انتشر فيها اإلجراـ وآّرموف بشكل ال يُوصف وكاف على رأسهم‬
‫ؾبرـ ٍ‬
‫عات‪ .‬حاولت الدولة العثمانية مراراً القضاء عليهم بإرساؿ طوابّب عسكرية لكنها كانت تبوء بالفشل والسبب يف‬
‫ذلك كاف يعود ّٓاورة ىذه اؼبنطقة للبناف حيث إف آّرمْب كانوا يهربوف إُف منطقة اؼبوارنة بلبناف‪ .‬وكاف ىناؾ قوانْب‬
‫دولية سبنع التدخل واؼببلحقة ضمن دولة ؿبميَّة من األوروبيْب‪.‬‬
‫وبعد ىذا العجز والفشل الواضح عادوا دبحاوالت جديدة سعياً للخبلص من ىؤالء آّرمْب الذين جلبوا القبلقل والبلبلة‬
‫للدولة بأسرىا‪" ...‬فعادوا كما اعتادوا" إُف ىذا الضابط السيد ؿبمد أمْب وأرسلوه كمدير ناحية منطقة الزبدآف حيث‬

‫اإلجراـ وآّرموف وذلك ؼبا شاىدوه من بسالتو اػبارقة وما ؼبسوه من شجاعتو النادرة اؼبثاؿ‪ ،‬وحكمتو الرائعة بتصريف‬
‫األمور على أمتّْ وجوىها‪.‬‬
‫يتعرؼ على أحواؿ اؼبنطقة فعلم َّ‬
‫أف ىناؾ ؾبرماً يتزعَّم حواِف سبعْب‬
‫ولدى استبلمو َّ‬
‫مهاـ وظيفتو يف مركزه اعبديد‪ ،‬أخذ َّ‬
‫ؾبرماً‪ ،‬فأصدر أوامره لرجاؿ األمن بالقبض على ىذا آّرـ ومن ثَّ اآلخرين‪ .‬فكاف جوأّم‪:‬‬
‫الدولة عاجزة عن القياـ ّٔذا العمل وتريدنا أف نقوـ بو!‪.‬‬
‫وىنا فهم أف رجاؿ األمن جبناء ولن يستطيعوا تنفيذ اؼبهمة‪ .‬فقاؿ ؽبم‪:‬‬
‫إذا كاف األمر كذلك فاذىبوا إُف بيوتكم بإجازات مفتوحة إُف حْب أستدعيكم وستصل رواتبكم لكم‪ ،‬وفعبلً أجاز‬
‫مسمى وكاف يبنحهم رواتبهم الشهرية‪ .‬لكن ما ىو البديل؟‪.‬‬
‫رجاؿ األمن إجازة مفتوحة َ‬
‫ألج ٍل غّب ّ‬
‫لقد جاء جبماعة من آّرمْب كاف قد َّ‬
‫سبكن من القبض عليهم وتأديبهم‪ ،‬ث أطلق سراحهم بعد خضوعهم وإعبلهنم‬
‫توبتهم وجعلهم رجاؿ أمن من قبلو وفرض األتاوة على اؼبنطقة ليمنح ىؤالء رواتبهم‪.‬‬
‫وحل الرعب ّٔم‪ ،‬وقالوا كذلك ال‬
‫بعد فَبة أعطاىم أيضاً أوامر بالقبض على آّرـ وصباعتو‪ ...‬فاصفرت وجوىهم َّ‬
‫نستطيع‪ .‬وىؤالء آّرموف يعرفوف كبّبىم ويهابونو فَبكهم وشأهنم وامتطى صهوة حصانو وانطلق وحيداً فريداً إُف بلدة‬
‫سرغايا مقر آّرـ األكرب حٌب وصل بساتْب القرية فربط فرسو بشجرة وخلع ُرتَبو ووضعها يف جيبو ودخل بصفة جندي‬
‫عسكري على القرية ال ُبرتَبِ ِو كضابط حٌب دلف اؼبقهى الٍب اعتاد آّرـ الزعيم ارتيادىا‪ ،‬لكنو منذ دخولو ألقى نظرة‬
‫مدججوف بالسبلح‪.‬‬
‫سريعة يف اؼبقهى فشاىد آّرـ على كرسي مرتفع كالعرش وأعوانو الباقْب ربتو على طاوالهتم وكلَّهم َّ‬
‫نعم دخل اؼبقهى فلم يعبأ بوجوده أحد‪ ،‬إذ إنو كاف وحيداً بصفة رجل أمن عادي "دركي" وردبا ظنّوه أنو ُمرسل بإحدى‬
‫التبليغات أو األمور العادية لصاحب اؼبقهى‪.‬‬

‫انقض عليو من اػبلف بلمح البصر‬
‫سار باذباه صاحب اؼبقهى وعلى القرب منو هبلس آّرـ الكبّب‪ ،‬فما كاف منو إالَّ أف َّ‬
‫صوبو م ْل ِ‬
‫ص َقاً إيَّاه بظهر آّرـ وباذباه القلب قائبلً‪:‬‬
‫كاألسد وحضنو مباشرة بيده واليد األخرى فيها مسدسو وىو مل ّقم‪ُ َّ ،‬‬
‫ك وألُقتل بعدىا‪.‬‬
‫حذا ِر أف تتحرؾ‪ ،‬فأية حركة تكلّْفك حياتك‪ ،‬وإٓف لقاتلُ َ‬
‫سرت يف نفس آّرـ رىبة كبّبة عجيبة انقلبت إُف ذعر ورعب قاتل وسرت قشعريرة تبعها عرؽ بارد غمر جسمو‪ ،‬ىنالك‬
‫اكبلَّت فرائص ىذا آّرـ واستسلم‪ ،‬وحولو سبعوف ؾبرماً ىم رىن إشارتو وقد سددوا أسلحتهم على جسم الضابط وعلى‬
‫رأسو ولكن ال يستطيعوف اإلطبلؽ فأية رصاصة يقابلها قتل زعيمهم حاالً‪ ،‬وزعيمهم قيمتو عندىم أغلى بكثّب من‬
‫شرطي أمن "دركي"‪ .‬ولكن ما ىو اغبل؟‪.‬‬

‫أنا قاتلك ولو قتلت‪ :‬أو ِ‬
‫امش معي‪..‬‬
‫* * *‬
‫كلمة صدرت من ضابطنا السيد ؿبمد أمْب فلقد قاؽبا كلم ًة من قلب ال يتزعزع‪ ،‬جبل راسخ شامخ باغبق وإصرار على‬
‫نصرة اغبق أينما كاف ولو أطبق عليو أىل الثقلْب‪ ،‬حٌب ولو استشهد ولو ىلك دونو‪.‬‬
‫نعم قاؽبا بكل َّقوة ورباطة جأش وإباء "أنا قاتلك ولو قُتلت‪ :‬أو ِ‬
‫امش معي"‪.‬‬
‫تصرؼ ألف الكبلـ‬
‫وىنا خيَّم الصمت فجأة وبدأت لغة النفوس تتكلَّم‪ ،‬لكن آّرـ أيقن باؼبوت احملتَّم إذا بدر منو أي ُّ‬
‫اعبمع وانتظروا إشارة من سيّْدىم اؼبنهار قلبو ذباه ص ْدؽ‬
‫الصادر عن القلب يدخل القلب‪ ،‬فأمره بالسّب أو اؼبوت‪ ،‬وتبلبل ْ‬

‫ضابطنا السيد ؿبمد أمْب والذي خاطبهم بقولو اؼبفاجئ‪:‬‬
‫حدسي أنو قاتلي فدعوه وشأنو ولننظر ماذا يريد‪.‬‬

‫وبدأ باػبروج من اؼبقهى وتابعا السّب واؼبوكب خلفهم مشهري األسلحة بانتظار أمر سيدىم آّرـ‪ ،‬حٌب وصبل مكاف‬
‫الفرس‪ ...‬عندىا طلب منو أف يأمر آّرمْب بالرجوع‪ ...‬فالتفت إليهم وقاؿ‪:‬‬
‫ىذا الرجل ال شك قاتلي فاذىبوا ودبّْروا أمري مع الدولة‪ ،‬أما ىذا فبل جدوى معو‪ ،‬أنقذوٓف عن طريق آخر‪.‬‬
‫فعاد آّرموف على أعقأّم خاسئْب مكرىْب‪ .‬وبعد انصرافهم وبلمح البصر وضع الضابط مسدسو يف خصره بعد أف‬
‫أخرج القيد وقيّد آّرـ من كلتا يديو وأركبو على فرسو وامتطى ظهرىا خلفو وعاد ربفُّو اعببللة واؼبهابة والنصر‪ ،‬ضارباً‬
‫بذلك أروع األمثلة لكل شهم وبطل ومغوار‪ ،‬حٌب وصل القسم فأنزؿ آّرـ وقاده وىو مكبَّل حٌب وصبل الباب حيث‬
‫فصعقوا من ىذا اؼبشهد ػ لِ َما رأوه‪..‬‬
‫رجالو جلوس يف أماف واطمئناف ُ‬
‫ىل يعقل ىذا!‪.‬‬
‫كيف استطاع ىذا الضابط إحضار كبّب آّرمْب موجوداً؟‪.‬‬
‫بأـ أعينهم‪.‬‬
‫يرونو ّْ‬
‫أىم يف حقيقة أـ حلُم وأخذوا يفركوف أعينهم غّب مصدّْقْب ما ْ‬
‫* * *‬
‫ومنذ تلك الفَبة نظروا إليو نظرة إعجاب وتقدير وأصبحوا رىن إشارتو (قلباً وقالباً‪ ،‬أي بقلؤّم وأرواحهم)‪ ،‬وفيما بعد‬
‫استطاع أف يقضي على اإلجراـ بواسطة آّرمْب الذين غدوا رجاؿ األمن يف اؼبنطقة‪.‬‬

‫وقد اعتاد بعدىا كلَّما أراد القبض على ؾبرـ فا ير ٍ‬
‫اعبدد من الدرؾ‬
‫الئذ دبغاور اعبباؿ َّ‬
‫وىم دببلحقتو بأف يُقسم عليو رجالُو ُ‬

‫بدآف ٍ‬
‫تفاح ز ٍ‬
‫وعنب على‬
‫(والذين كانوا ؾبرمْب وتابوا) بأف يبقى ىو ليقوموا ىم جبلب آّرـ‪ ،‬وكانوا يضعوف لو الفواكو من ٍ‬
‫الفار من الكهوؼ اعببلية بعد بضع ساعات موجوداً مقيَّداً‪.‬‬
‫طاولة ويَبكونو وينطلقوف كالصواعق فيُحضروا آّرـ ّ‬
‫فلم ِ‬
‫حل األمن واألماف يف منطقة‬
‫سبض فَبة اإلصبلحات األمنية على أيدي ىؤالء األشاوس من الرجاؿ األشداء حٌب َّ‬
‫الزبدآف بأسرىا سهوؽبا وجباؽبا‪ ،‬بلداهنا وحقوؽبا وبدأت اغبياة تعود إُف ؾبراىا الطبيعي والناس ىبرجوف إُف بساتينهم‬
‫وأعماؽبم واستصبلح أراضيهم آمنْب مطمئنْب بعد أف كانت خاوية على عروشها‪ .‬وبعد فَبة من الزمن أصبحت اؼبنطقة‬
‫عمت خّباهتا وشبارىا‬
‫تعم أسواؽ دمشق كما َّ‬
‫جنة غناء كما كانت يف سابق عهدىا وبدأت اؼبواسم والغبلؿ واألشبار ّ‬
‫على اؼبنطقة‪.‬‬
‫وىنا ُشده الواِف واؼبسؤولوف ّٔذا التبديل اعبذري الكبّب فأرسل قائد اعبيش واألمن ليستطلع اػبرب وهبتلي وجو اغبقيقة‪،‬‬
‫فقاـ بزيارة مفاجئة للمنطقة حيث الضابط وجنوده "آّرموف التائبوف األنصار"‪ ،‬واجتمع بالضابط على انفراد وعلم‬
‫تشع على وجوىهم‬
‫دورىم يقبضوف رواتبهم وأف ىؤالء الرجاؿ األشاوس الذين ُّ‬
‫خبططو وكيف أحاؿ رجاؿ األمن إُف ُ‬
‫مظاىر الشجاعة والبسالة إف ىم إالّ ؾبرموف عريقوف باإلجراـ‪ :‬قد تابوا وأنابوا للحق على يديو وىم اآلف يصلُّوف‬
‫ووبفظوف أرواح الناس بيد من فوالذ وأف رواتبهم ال تكلّْف اػبزينة شيئاً‪.‬‬

‫تركو وشأنو وعاد وقد سيطر اإلعجاب بعبقرية ىذا اإلنساف على قلبو ومشاعره حامداً ُمثنياً عليو عظيم الثناء‪.‬‬
‫* * *‬
‫وحل األماف واالطمئناف واغبياة واغبركة من جديد ورفلوا باغبرية والسعادة والرضى على‬
‫وىكذا دانت لو اؼبنطقة بأسرىا َّ‬
‫حساب أ َْمنِو وراحتو وحياتو وىكذا كاف دائماً‪ .‬والعزة هلل ولرسولو وؼبن أيَّد اغبق ونصره من اؼبؤمنْب‪.‬‬
‫‪‬‬

‫لقد ظبع السيد ؿبمد أمْب عندما كاف ضابطاً يف اعبيش الَبكي أف ضابطاً أؼبانياً ماىراً بالرمي الغريزي باستطاعتو أف‬
‫يصيب أي ىدؼ بدقٍَّة وإتقاف بشكل غريزي دوف تصويب أو تسديد‪ ،‬وىو يقوـ بعرض مهاراتو يف قطاعات اعبيش‬
‫ط منهم‬
‫الَبكي‪ ،‬حْب كانت تركيا حليفة أؼبانيا باغبرب العظمى األوُف‪ .‬وقد ذاع صيتو وأبدى الناس‬
‫وخاصة الضبا ُ‬
‫ّ‬
‫إعجأّم بو‪ ،‬وحيث إف ؽبذا الضابط السيد ؿبمد أمْب خربة يف ىذا اؼبضمار فقد كاف يعلم أنو من اؼبستحيل أف يكوف‬
‫الرمي الغريزي دوف تسديد ٍ‬
‫دقيق أو تصويب ؾبدي ّٔذه الدقّة وإُف ىذا اغبد‪.‬‬
‫لكنو عندما رأى ىذا االىتماـ الكبّب والتقدير البالغ ؽبذا الرامي األؼبآف النازي واإلعجاب البالغ بو بالرغم من أف نفسو‬
‫خبيثة منحطة كلها شهوات ورذيلة‪ .‬عندىا ثارت غّبة الضابط السيد ؿبمد أمْب على دينو وأبناء قومو‪ ،‬فقرر الذىاب‬
‫ؼببلقاة ذلك الرامي األؼبآف وربويل أنظار وقلوب الناس عنو وتفنيد أالعيبو‪.‬‬
‫َّ‬
‫ب‬
‫كاف ضابطنا السيد ؿبمد أمْب قد أمضى شطراً كبّباً من حياتو يف مبلحقة آّرمْب وقاطعي الطرؽ وىذا األمر يتطل ُ‬
‫خفَّة ودقَّة فائقة يف التصويب ألف أي غلطة قد تكلّْفو حياة‪ ،‬فكاف سبَّاقاً ؾبلّْياً يف مضمار التصويب الدقيق باؼبسدس‬
‫وماىراً باإلصابة لطوؿ اؼبراس وكثرة التمرف على ىذا النوع من الرماية‪.‬‬
‫وعندما وصل إُف مكاف العرض حيث الرامي األؼبآف وؾبموعة من الضباط‬
‫ربدى الرامي األؼبآف وأعلمو بأنو مستعد للنزاؿ‪ .‬وقاؿ لو‪:‬‬

‫ِ‬
‫ارـ أنت أوالً‪ ،‬ورمى الضابط األؼبآف ويف ىذه األثناء التجأ السيد ؿبمد أمْب إُف اهلل فبلحظ طريقة الرمي الٍب يقوـ ّٔا‬
‫ىذا األؼبآف‪ ،‬واكتشف أنو يقوـ بالتسديد اػباطف أثناء الرمي ولكن بسرعة كبّبة ال تبدو للعياف لكثرة فبارستو ؽبذه‬
‫الرماية حٌب ظهرت وكأهنا رمي غريزي وىذا يتطلَّب تدريباً طويبلً ومستمراً‪.‬‬
‫لقد أدرؾ الضابط الفطن بلحظات ما تعلّمو ىذا األؼبآف بسنْب وبتدريب طويل شاؽ‪ ...‬حٌب إف ىذه الرماية السريعة‬
‫بالتسديد اػباطف الغّب ملحوظ أصبحت عقبلً يف نفسو‪.‬‬
‫قاؿ الضابط السيد ؿبمد أمْب ىذا شيء بسيط بالنسبة لنا‪ ،‬ث أخرج مسدسو ورمى على اؽبدؼ وفعل كما يفعل‬
‫األؼبآف‪.‬‬
‫أدؽ من إصابة الرامي األؼبآف فقاؿ لو‬
‫يا للعجب لقد حدثت اؼبعجزة‪ ،‬فمن أوؿ مرة حقَّق ىدفو اؼبطلوب وكانت اإلصابة ّ‬
‫كرر‪.‬‬
‫األؼبآف‪ّْ :‬‬
‫فأعادىا ثبلثاً‪ِ ،‬‬
‫هبر أذياؿ خيبتو ومرير‬
‫وحطّْم كِربه فحزـ أمتعتو وعاد إُف ببلده ُّ‬
‫ُ‬
‫فصعق الضابط األؼبآف من ىذا اؼبوقف ُ‬
‫ىزيبتو‪ ،‬وقَطَع اعبولة الٍب كاف سيقوـ ّٔا إُف بقية الدوؿ اإلسبلمية والعربية‪.‬‬

‫ح ّقاً لقد كاف النصر حليف الضابط اؼبسلم العريب الغيور الذي سعى إلنقاذ إخوتو ونصرهتم وربويلهم عن ذلك‬
‫األخطبوط اؼبستعمر اؼباكر‪.‬‬
‫«واهلل في عون العبد ما دام العبد في عون أخيو»‪.‬‬
‫{ َ‪ٚ‬لَ ْذ َِ َىشُ‪ٚ‬ا َِ ْى َشُ٘ ُْ َ‪ِ ٚ‬ػ ْٕ َذ َ‬
‫هللاِ َِ ْى ُشُ٘ ُْ‪.)8(}..‬‬

‫‪‬‬

‫) سورة إبراىيم‪ :‬اآلية (‪.)13‬‬

‫(‪8‬‬

‫كاف السيد ؿبمد أمْب يف اعبيش الَبكي برتبة ضابط يف الشرطة عندما قدـ قائد اعبيش والدرؾ العاـ الَبكي وأوكل لو‬
‫مهمة قيادة استعراض عسكري دبجموعات من فرؽ اعبيش أماـ اؼبسؤوؿ "اؼبفتش العاـ عبيوش االمرباطورية" اؼببعوث من‬
‫قِبَل الصدر األعظم وعدد من كبار الضباط األؼباف اؼبعروفْب آنذاؾ بتفوقهم وخربهتم العسكرية العظيمة أماـ العاَف وىذا‬
‫رده َّ‬
‫لكن‬
‫ليس من اختصاصو‪ ،‬فكاف ُّ‬
‫ؿبط استغراب للقائد العاـ الَبكي‪ :‬كيف َف ىبْطر ىذا الوضع الصحيح على بالو‪َّ ،‬‬
‫أمِب ال عسكري‪.‬‬
‫إعجابو بو أنساه أف اختصاصو ٌ‬
‫ىذه ليست مهمٍب‪ ،‬إذ ليس ِف خربة ّٔا فاختصاصي بالشرطة وليس باعبيش ومهمة كهذه ربتاج أيضاً إُف عدة أشهر‬
‫أتلق أية دورات أو حٌب دراسات على ىذا‬
‫من التدريب فكيف يُطلب مِب القياـ ّٔا فوراً وىي ليست من اختصاصي وَف َّ‬
‫اؼبهمات العسكرية!‪( .‬فهو ال يُقدـ على أمر مقدَّر عليو الفشل)‪.‬‬
‫النوع من َّ‬

‫ولكن ؼبا عُ ِرؼ عنو من شجاعة وقدرات عظيمة وموضع ثقة كلّْية من قبل قادتو ولنجاحاتو الباىرة دوماً بكل ما أُوكل‬

‫أصر ىذا القائد على تكليفو وأخربه أف تلك اؼبهمة الكربى الٍب تقيّْم ظبعة اعبيش الَبكي يف‬
‫إليو من مهمات جسيمة ّ‬
‫سوريا قد متَّ التوقيع عليها باظبو من قبل الواِف(‪.)8‬‬
‫َف يعد ىناؾ ؾباؿ لبلستئناؼ والَباجع‪ .‬وىنا وبنظرة بعيدة اؼبدى وحيث إف اؼبهمة قد أصبحت باظبو وال ؾباؿ أماـ‬
‫القائد العاـ للنكوص فقد قبلها وتوَّكل على اهلل الفعَّاؿ الذي بيده مقاليد كل شيء‪.‬‬
‫) الواِف دبثابة رئيس صبهورية‪.‬‬

‫(‪8‬‬

‫نفسو وامتطى صهوة جواده و ّاذبو إُف ساحة العرض العسكري وقد حضر‬
‫ويف صبيحة اليوـ التاِف َّ‬
‫جهز السيد ؿبمد أمْب َ‬
‫اؼبوكب اؼبنتظر كلّّ من "الواِف واؼبفتش واػبرباء الضباط األؼباف وحش ٌد من اؼبسؤولْب والقائد العاـ للجيش الَبكي‬

‫وضباطو"‪.‬‬
‫اؼبنصة‪ ،‬وىا ىو الضابط السيد ؿبمد أمْب يبتطي جواده ويتقدَّـ‬
‫ومتَّ تواجدىم يف الساحة اؼبطلوبة وأخذوا أماكنهم على َّ‬
‫اؼبنصة القيادية اػباصة بو أمسك‬
‫الساحة على رأس ؾبموعة من فرؽ الفرساف اؼبسلَّحة‪ ،‬وعند دخولو الساحة واعتبلئو ّ‬
‫البوؽ العسكري وبدأ بإصدار اإليعازات العسكرية ّٓموعة الفرؽ الذين َّاذبهوا إليو بكلّْيتهم لتنفيذ العرض اؼبهيب‪.‬‬
‫* * *‬
‫وفعبلً بدأ االستعراض وبدأت اغبركات والعروض العسكرية لكل فرقة بالقياـ بعروض رائعة مدىشة على وتّبة إيقاعية‬

‫متناسقة متكاملة بتجاوب ف يذ غريب وكأهنم أوتار آلة موسيقية بيد بارعة َف يشهد مثيلها تاريخ األمم من قبل‪ ،‬وبأرتاؿ‬
‫منسقة وحركات متقنة إُف درجة اإلبداع‪.‬‬
‫َّ‬

‫ـبتص يف تدريبات االستعراض على رأس فرقة وكاف قد سبقها تدريبات عدَّة أشهر ؼبا َّ‬
‫سبكن‬
‫وفعبلً لو أنو كاف ىناؾ أكرب ي‬

‫من تقدٔف غيض من فيض من ىذه العروض الرائعة الٍب أشدىت اػبرباء األؼباف وأخذ اإلعجاب والدىشة يستحوذاف على‬
‫فصعقوا من جدَّة وروعة ما رأوا‪ ،‬ث وعوا ألنفسهم وبدأوا بتسجيل القسم األخّب من تلك اغبركات‬
‫مشاعرىم صبيعاً ُ‬
‫والعروض الٍب قُدّْمت من الضابط الناجح السيد ؿبمد أمْب وفرقو‪ ،‬لكن العرض واالستعراض كاف قد انتهى‪.‬‬
‫ورغم كل ىذه العروض الٍب ما شهدت ىذه الساحة وال اؼبشاىدين وال حٌب اػبرباء العسكريْب األؼباف مثيبلً ؽبا الحظ‬
‫تعاؿ غّب م ٍ‬
‫ظل م ٍ‬
‫باؿ‪.‬‬
‫ُ‬
‫السيد ؿبمد أمْب أف اؼبفتش اؼبسؤوؿ َف يكَبث ؽبذه العروض وَف يعرىا أي انتباه‪ ،‬بل َّ ُ‬
‫ت لدى ضابطنا أف ذلك اؼبفتش َف يكن ىذا اختصاصو وليس لديو معرفة بتلك األمور العسكرية‪ ،‬إذ كاف‬
‫عندىا ثػَبَ َ‬
‫مبعوثاً بالوساطة لكونو من أقرباء السلطاف "فبل يعرؼ الفضل إالَّ ذووه"‪ ...‬فأراد ضابطنا السيد ؿبمد أمْب أف ىبفض من‬
‫اؼبتكرب بغّب اغبق فالتجأ لربّْو وأجاؿ فكره وقرر خطَّة عظيمة أظهرىا غبيّز الوجود عند انتهاء‬
‫ُّ‬
‫تكرب وتعجرؼ ىذا اعباىل ّْ‬

‫العرض وتقدٔف نفسو لو‪ :‬فقد بدأ عرض اػبتاـ لنهاية ىذا االستعراض بأف أطلق العناف لفرسو السبَّاقة حٌب دار ّٔا حوؿ‬
‫لرد ربيتو العسكرية‬
‫اؼبنصة‪ ،‬حيث وقف اؼبفتش اؼبسؤوؿ ّْ‬
‫الساحة بسرعة رىيبة ث َّ‬
‫انقض وبنفس السرعة باذباه مستقيم إُف َّ‬
‫وتقدٔف العرض لو‪.‬‬
‫أحس‬
‫زادت سرعة الفرس ونقصت اؼبسافة بينها وبْب اؼبفتش العاـ‪ ،‬وانقضاض اغبصاف يتزايد واؼبسافة تتبلشى حٌب َّ‬
‫خطر اؼبوت الداىم أماـ عينيو‬
‫اؼبفتش العاـ أف زماـ الفرس قد أفلت من يد صاحبها وأهنا ستدنبو وتقضي عليو‪ ،‬وتر َ‬
‫اقص ُ‬
‫باؼبنصة فوقع‬
‫منقض ًة بشكل مرعب‪ .‬وبَباجعو للخلف تعثَّرت قدماه‬
‫َّ‬
‫فَباجع للوراء لتفادي الفرس الٍب كانت ال تزاؿ ّ‬

‫مستلقياً على ظهره يرتعد فزعاً‪ ،‬لكن الفارس قاـ بلعبتو البهلوانية والٍب يعرفها جيداً رؤساؤه فلم يبالوا وَف يتحركوا فيَباجعوا‬
‫كما تراجع اؼبفتش اؼبغرور‪ ،‬إذ قاـ فارسنا السيد ؿبمد أمْب ّٔمز فرسو نبزة قوية أسالت قطرة دـ من بطنها (كانت اؽبمزة‬
‫أقوى من نبزات لعبتو البهلوانية العادية بسبب خطورة اؼبوقف وضرورة قباح التأديب والردع ؽبذا األضبق اعباىل باألمور‬
‫العسكرية) فتوقفت عن العدو السريع دبسافة أمتار قليلة توقُّفاً تاماً‪ ،‬أما الضابط الفارس فبقوة اندفاع سرعتها اؽبائلة وكاف‬
‫قد أفلت نفسو من على ظهرىا ارتفع يف اؽبواء من فوؽ رأسها ىابطاً لؤلرض على رجليو الفوالذيتْب ّْ‬
‫ومؤدياً التحيةَ‬
‫العسكرية للمفتش العاـ اؼبستلقي على ظهره والذي هنض وقد تكلل بعار اػبجل ينفض كربه وصلَفو ّْ‬
‫بالذؿ واؽبواف‪.‬‬
‫ح ّقاً لقد كاف درساً قاسياً‪ ،‬بل عربة لكل متعجرؼ جاىل جبّار‪.‬‬
‫غض من كربياء اعباىل حبركتو العظيمة بعد إشعاره إياه خبطر اؼبوت‪ ،‬ومتَّ االنتصار وكسب ؾباالً جديداً يف‬
‫نعم لقد َّ‬
‫اعتز‬
‫تعرفو على االستحقار واإلذالؿ‪ ،‬كل ذلك ألف اهلل حليفو وألنو دوماً مع اهلل ومن َّ‬
‫إثبات جدارتو وشجاعتو وعدـ ُّ‬
‫بغّب اهلل َّ‬
‫ذؿ‪.‬‬

‫‪‬‬

‫أحل صباؿ باشا السفاح الرعب يف قلوب الناس بعصره لشدة قسوتو وجربوتو وكاف يعمل بك يد الستبلـ زماـ األمور‬
‫لقد َّ‬
‫ّٔذه البقعة من العاَف واالنفصاؿ عن تركيا آنذاؾ وَف يَباجع حبياتو قط عن قرار أصدره لدرجة أنو يف أحد األياـ أصدر‬
‫حكمو على أحد األشخاص اؼبرموقْب بعصره مع ابنو باإلعداـ وتشفَّعت ّٔما أغلب دوؿ العاَف ورؤسائها فلم يقبل‬
‫الَباجع عن قراره ولشدة الضغوطات السياسية والدولية عليو قبِ َل أخّباً أف يُعدـ واحد منهما االبن أو األب‪ ،‬وأخّباً متَّ‬
‫إعداـ االبن‪.‬‬
‫* * *‬
‫كاف أغلب الضباط األتراؾ وبسدوف ذلك الضابط العريب السيد ؿبمد أمْب على منصبو وقدراتو الفائقة يف القضاء على‬
‫مهمة قط ُكلّْف ّٔا طواؿ حياتو فناؿ إعجاب‬
‫اإلجراـ وآّرمْب وحنكتو الكربى يف ضبط األمور حبيث إنو َف يفشل بأية ّ‬
‫قائد اعبيش ومعظم الضباط القادة األتراؾ‪.‬‬

‫وكاف من عادة األتراؾ أف ينفوا كل الضباط العرب إُف سّباميك بَبكيا (بعهد التَبيك)‪ ،‬وعندما استلم السفاح قطاعاً‬
‫من الدوؿ العربية ال سيما ببلد الشاـ‪ ،‬ولدى وصولو إُف السرايا يف دمشق أخربه اؼبغرضوف بوجود ضابط "عريب" يف‬
‫دمشق ما يزاؿ على رأس عملو إُف اآلف‪.‬‬
‫فوجئ السفاح باألمر وقاؿ‪ :‬أنا موجود‪ ،‬وال يزاؿ ضابط عريب ىنا إُف اآلف!‪ .‬فأصدر أوامره باغباؿ بنفي ذلك الضابط‬
‫العريب إُف سّباميك‪.‬‬
‫ِ‬
‫لتهيء لو أمتعة السفر وأصبح ينتظر تنفيذ القرار‪.‬‬
‫َعل َم ضابطنا باألمر وأدرؾ النتائج مباشرة وأخرب والدتو باألمر ّْ‬

‫ويف اليوـ التاِف ذىب إُف مركز عملو‪ ،‬ولدى دخولو السرايا شاىد القائد العاـ للجيش مقطباً وجهو وساخطاً‪ ،‬فحيَّاه فلم‬
‫يرد التحية وكاف وجهو متجهماً فانكسر خاطر ضابطنا السيد ؿبمد أمْب َّ‬
‫وتذكر اؼبثل "إذا وقعت البقرة كثرت‬
‫سكاكينها"‪ ،‬فجلس وراء مكتبو بائساً ّْ‬
‫يص ُح لنفسو إالَّ على صوت أحد العناصر ىبربه بأف القائد العاـ‬
‫يفكر باألمر وَف ْ‬
‫متأخراً ووقف يف آخر الصف‪.‬‬
‫عقد اجتماعاً مع الضباط فذىب إُف ساحة االجتماع ّْ‬
‫للجيش َ‬
‫كاف قائد اعبيش قد أهنى ؿباضرتو وحديثو قبل انضماـ السيد ؿبمد أمْب إُف الصف فسمع القومنداف يُصدر أوامره‬
‫تأخره وىو ال يدري شيئاً عن االجتماع وسببو وال إُف‬
‫للضباط باؼبسّب‪ ،‬فساروا وسار السيد ؿبمد أمْب بآخرىم بسبب ُّ‬
‫أين اؼبسّب وَف يعرؼ أف االجتماع كاف من أجلو وبسببو‪.‬‬
‫لقد صبع قائد اعبيش الَبكي الضباط ليبحث أمر نفي ذلك الضابط العريب السيد ؿبمد أمْب قائبلً ؽبم‪:‬‬
‫إذا كاف ىذا الضابط العريب الذي خدمنا خدمات جليلة والذي َف نكلّْفو دبهمة عسّبة جداً إالَّ ونفَّذىا بالتماـ والكماؿ‬
‫ضحى بكل‬
‫لنا‪ ،‬وكبن ندرؾ عجزنا على أف نقوـ بعمل واحد من أعمالو اعبليلة‪ ،‬فإف كاف جزاء من ىبدـ دولتنا بعد أف ّ‬

‫ٍ‬
‫غاؿ وشبْب ذباىنا يلقى ىذا اعبزاء واؼبصّب وإنكار اعبميل فماذا سنبلقي كبن وَف نعمل شيئاً من جليل اػبدمات الٍب‬
‫قدَّمها ىذا الضابط‪ .‬ما سيكوف مصّبنا؟‪.‬‬
‫لذا عقدت ىذا االجتماع ولنقدّْـ إُف صباؿ باشا استقالة صباعية أو يَباجع صباؿ باشا عن قراره بالنفي‪ ...‬فما رأيكم؟‪.‬‬
‫يبق أمامهم إالّ اؼبوافقة لكوف قائدىم موافقاً مع أغلبية الضباط‪.‬‬
‫وافق كافَّة الضباط دبا فيهم الساخطْب َّ‬
‫اغبساد الذين َف َ‬
‫وفعبلً وبعد أف وصلوا إُف مقر السفاح صعد القائد العاـ للجيش الَبكي وقدَّـ إليو معروض استقالة صباعيَّة لكافة الضباط‬
‫دبا فيهم القائد العاـ نفسو ليوافق على استقالتهم‪.‬‬
‫بالتمرد عليو (الكل يعرؼ من ىو‬
‫فوجئ السفاح بذلك مفاجأة كربى‪ ،‬إذ َف يتوقع حبياتو أبداً أف يقوـ كافة ضباطو ُّ‬
‫ب العواقب‪ ،‬إذ إف القائد‬
‫السفاح)‪ ،‬ومن أجل من؟‪ .‬من أجل ضابط عريب!‪َّ .‬‬
‫اىتز كيانو و ّ‬
‫اصفر وجهو ولكنو َح َس َ‬
‫بضباطو وجنوده ومن دوهنم كيف يسود؟‪.‬‬
‫وأجاب السفاح قائد جيشو‪ :‬أنتم صبيعاً تريدوف تقدٔف استقاالتكم من أجل ضابط عريب واجتمعتم ؽبذا األمر؟‪.‬‬
‫بأجل اػبدمات وأخلص لنا أكثر من أف لبلص‬
‫فأجابو قائد اعبيش‪ :‬نعم‪ .‬إذا كاف ىذا الضابط الذي خدـ دولتنا ّْ‬
‫ألنفسنا يػُ ْف َع ُل بو ىكذا فنحن أيضاً سيأيت يوـ يُفعل بنا مثلو‪ ،‬لذا ومن األفضل لنا أف نذىب وبشرؼ إُف بيوتنا قبل ذلك‬
‫اليوـ‪.‬‬

‫عندىا تراجع صباؿ باشا عن قراره ُمرغماً‪ ،‬حيث إنو كاف ىبطّْط إلجراء انقبلب على اغبكومة الَبكية واستبلـ زماـ‬
‫السلطة يف ىذه البقعة الكربى من االمرباطورية الَبكية‪.‬‬

‫ث خاطبو قائبلً‪ :‬إذا كاف ىذا طلبكم صبيعاً إلبقاء الضابط العريب فأنا معكم موافق على إبقائو وال أخالفكم ما داـ ىذا‬
‫رأيكم فهو رأيي‪.‬‬
‫مقره وأخذ‬
‫َّ‬
‫رد صباؿ باشا السفاح طلب االستقالة اعبماعية‪ .‬ث نزؿ برفقة القائد العاـ للجيش إُف الضباط اؼبصطفْب أماـ ّْ‬
‫يتجوؿ بْب األرتاؿ وكاف ذا نظرة ثاقبة ال يستطيع أعٌب الرجاؿ مواجهتها بنظره‪ ،‬حٌب وصل إُف ذلك الضابط العريب‬
‫َّ‬
‫َّ‬
‫األيب بالتحية العسكرية‪ ،‬بينما ضغط صباؿ باشا على زر‬
‫السيد ؿبمد أمْب فعرفو دوف أف يدلو عليو أحد فحيَّاه الضابط ّ‬

‫َّبزة ضابطنا العسكرية الذي على صدره بيده وأخذ يدير الزر بشدة مع الضغط على الصدر‪ ،‬حبيث إف الضابط العريب‬
‫أحس أف أضبلع صدره تكاد تتكسر‪ ،‬عندىا قاؿ لو السفاح بصوت أجش‪:‬‬
‫السيد ؿبمد أمْب َّ‬
‫"أبو شاـ" لقد نلت اليوـ شرفاً عظيماً‪.‬‬
‫أجابو ضابطنا‪ :‬ذلك بفضلكم‪.‬‬
‫فأجابو السفاح‪ :‬ال‪ ...‬بل بعملك‪.‬‬
‫وعاد ضابطنا العريب إُف مزاولة عملو سيّْداً على اعبميع وكاف ذلك َّأوؿ قرار يَباجع عنو السفاح حبياتو كلّْها‪.‬‬
‫* * *‬
‫ص ُشُٖ إِ َْ َ‬
‫ص َش َْ َ‬
‫َض‪٠‬ض}(‪.)8‬‬
‫هللاُ َِ ْٓ ‪ُ َٕ٠‬‬
‫قاؿ تعاُف‪ُ َٕ١ٌََٚ ..{ :‬‬
‫هللاَ ٌَمَ ِ‪ ٞٛ‬ػ ِ‬
‫قاؿ رسوؿ اهلل ‪« :‬واعلم أن الخلق لو اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إالَّ بشيء قد كتبو اهلل‬
‫لق اػبّب‪.‬‬
‫عليك»‪ .‬فاكتب بنفسك اػبّب ت َ‬
‫ىذا الضابط العريب السيد ؿبمد أمْب َف ينصر يف حياتو إالَّ اغبق وأىلو وحرباً على الشر وأىلو‪ ،‬وإف تنصروا اهلل ينصركم‪.‬‬
‫فكيف ال ينصره اهلل؟‪.‬‬
‫وبعد ذلك أخذ صباؿ باشا كلما التقى بالسيد ؿبمد أمْب يف السرايا يبادره بالتحية ويبتسم لو قبل أف وبيّْيو ىو‪ ،‬بقولو‪:‬‬
‫ن َ‬
‫مرحباً أبو شاـ فتزداد ىيبة ضابطنا يف قلوب الضباط اآلخرين ألف الذي وبييو ىو دكتاتور الببلد‪ُ ْٕ َ٠َٚ { .‬‬
‫ص َش َ‬
‫هللاُ‬

‫َض‪٠‬ضا}(‪.)8‬‬
‫َٔصْ شا ػ ِ‬
‫) سورة اغبج‪ :‬اآلية (‪.)13‬‬

‫(‪8‬‬

‫‪‬‬

‫) سورة الفتح‪ :‬اآلية (‪.)0‬‬

‫(‪8‬‬

‫سبر جبانبهما‬
‫كاف السيد ؿبمد أمْب ذات يوـ يسّب وأخوه اعبنراؿ سليم بك يف استانبوؿ عاصمة تركية‪ ...‬وإذ بامرأة ُّ‬
‫وتقوؿ‪:‬‬
‫"تفو" عليكم يا عرب أنتم ال توفوف بالعهد‪...‬‬
‫ُّٔت اعبنراؿ سليم وقاؿ ألخيو الضابط الشريف‪ :‬أليست ىذه أخت صباؿ باشا‪ ...‬فهل تقصدنا بكلماهتا ىذه‪...‬‬
‫وؼباذا؟!‪.‬‬
‫عندىا ابتسم السيد ؿبمد أمْب ابتسامة لطيفة وقاؿ‪ :‬نعم يا أخي فهي تقصدٓف‪.‬‬
‫قاؿ اعبنراؿ سليم‪ :‬وؼباذا؟‪.‬‬
‫قاؿ الضابط‪ :‬اظبع يا أخي سأقص عليك ما سبب ىذه الكلمات‪.‬‬
‫وقص لو ما جرى معو عندما كلَّفو صباؿ باشا السفاح (واِف الشاـ) دبهمة‪...‬‬
‫َّ‬
‫فلقد ِ‬
‫قد َمت شقيقة صباؿ باشا السفاح وابنتها يف زيارة إُف الشاـ حيث إقامة الواِف صباؿ باشا السفاح‪ ...‬قدمتا من‬
‫استنبوؿ "بلدنبا" ويف هناية الزيارة‪ ،‬طبعاً ستعود األـ وابنتها إُف بلدنبا "استنبوؿ" وبالقطار وىذه الرحلة طويلة نوعاً ما‪...‬‬
‫وحراس و‪ ...‬ومتَّ ذلك لو ولكن بقي عليو اختيار الضابط‬
‫أمر صباؿ باشا بتجهيز طاقم السفر البلزـ من طباخْب وخدـ َّ‬
‫القائد اؼبناسب اؼبوثوؽ بو ليقود الرحلة‪...‬‬

‫وقع اختياره من بْب ضباطو على الضابط العريب الشريف السيد ؿبمد أمْب وأوكل إليو اؼبهمة بعد أف وقَّعها باظبو‪...‬‬
‫اؼبهمة أصبحت مهمتو وليس باإلمكاف التربُّؤ منها‪ ...‬فهذا الواِف وما عُ ِرؼ عنو أف كلمتو ال يبكن أف تصبح اثنتْب‪،‬‬
‫فمستحيل أف يَباجع عن قرار أصدره‪ ...‬حٌب إف قتل حشد من الناس وألتفو األسباب ال يعِب لديو إالَّ كقتل ؾبموعة‬
‫من الذباب أو ما شأّها‪...‬‬
‫* * *‬
‫ويف اليوـ احملدَّد للسفر‪ ،‬قَ ِد َـ ضابطنا فاستلم مهمتو‪...‬‬
‫كانت الرحلة جاىزة لبلنطبلؽ بكل عددىا وعناصرىا‪َّ ...‬اذبو ضابطنا القائد إُف ؿبطة القطار‪ ...‬صعد القطار‪ ...‬أطلق‬
‫القطار صافرتو ث دارت عجبلتو وسار حٌب غاب عن األنظار‪.‬‬
‫تفحصو‪ ،‬وخبربتو الرائعة‬
‫يبر حٌب َّ‬
‫الضابط القائد‪ ...‬قائد الرحلة يف القطار يشرؼ على كل صغّبة وكبّبة‪ ،‬فلم يَبؾ أمراً ُّ‬
‫أصدر أوامره فيو‪ ...‬ث أشرؼ على أمور اؼبطبخ يراقب النظافة‪ ...‬نظافة الطعاـ‪ ...‬يراقب الطباخْب واػبدـ‪ ...‬وال يسمح‬
‫بأي خلل أو تقصّب‪.‬‬
‫إنو قائد مدرؾ حجم ىذه اؼبسؤولية وما وراءَىا من عقاب إف َف ينل رضا االثنتْب‪ ...‬ف ِرضانبا يعِب رضاء صباؿ باشا‬
‫السفاح‪...‬‬
‫كاف يراقب الوضع ويقود الرحلة بأفضل ما يبكن‪ ...‬فجماؿ باشا ما أسهل أف يُنزؿ العقاب بأ ٍي كاف وألي تقصّب‪ ،‬وىو‬
‫بطبيعتو ال يقبل التقصّب وال اإلنباؿ أبداً‪.‬‬

‫سارت األمور على ما يراـ داخل القطار‪ ...‬وضابطنا الشريف يقوـ دبهامو‪ ،‬ولكنو ال هبالس االثنتْب وال يبادؽبن اغبديث‬
‫ىن فيو‪ ...‬فهذا ما يقتضيو شرفو وطهارتو وكمالو‪.‬‬
‫أبداً‪ ...‬بل ال يدخل اؼبكاف الذي َّ‬
‫عنهن انفصاالً تاماً ولكنو يؤدي واجباتو كقائد رحلة على أمتّْ وجو‪.‬‬
‫كاف مفصوالً َّ‬
‫مر‬
‫توالت الساعات على القطار الذي يطوي اؼبسافات طيّاً‪ ...‬هبتاز الببلد عرب الطبيعة اعبميلة والطقس اؼبعتدؿ إُف أف َّ‬

‫بإحدى اؼبناطق وكانت كاغبديقة الغنَّاء ذات خضرة وصباؿ‪ ،‬أزىارىا ملونة أرهبها يعبق اؼبسك‪ ...‬وأغباف عصافّبىا‬
‫ٍ‬
‫وطيورىا َّ‬
‫كنزىة قصّبة‪ ،‬فطلبتا‬
‫ؽبن اؼبقاـ لفَبةٍ وجيزٍة‬
‫جذابة‪ ...‬لقد حازت ىذه اؼبنطقة إعجاب البنت قبل أمها وطاب َّ‬
‫أف تكوف االسَباحة ّٔذه اؼبنطقة وؼبدة معينة‪.‬‬
‫وحسب الطلب نزؿ الركب بعد أف أُوقف القطار ّٔذه اؼبنطقة‪ ،‬وبنوا اػبياـ‪ :‬خيمة األـ وابنتها‪ِ ...‬خيَ ُم الدرؾ واػبدـ‪...‬‬

‫َخيمة ضابطنا القائد السيد ؿبمد أمْب‪ ...‬وسارت األوضاع ّٔدوء ونظاـ‪.‬‬

‫اؼباسة‪ ...‬إُف أف بلغو نبأ غضب األـ عليو!‪.‬‬
‫وال يزاؿ ضابطنا يؤدي مهامو بعيداً يتحاشى اللقاء باألـ وابنتها إال بالضرورة َّ‬
‫ستخ ُّ‬
‫ط األـ تقرير‬
‫كانت مفاجأة صاعقة لو‪ ...‬ولكن األمر وبتاج لتدارؾ ألهنا إذا بقيت على غضبها فعند وصوؽبن طبعاً ُ‬

‫الرحلة وما واجهها فيها من َمسا ير وؿباسن أو انزعاجات ومساوئ‪ ،‬وكذا وبمل ىذا التقرير تقديرىن لقائد الرحلة ىل‬
‫َّأدى مهامو على أمتّْ وجو‪ ،‬ىل كاف حريصاً على راحتهن‪ ...‬ىل‪ ...‬ىل‪.‬‬
‫ىذا التقرير الذي ستخطو األـ عند الوصوؿ وبدّْد مصّب ضابطنا "قائد الرحلة" فإما أف يناؿ رضى صباؿ باشا أو العكس‬
‫مر وقاسي‪ ...‬أال إنو دوف ريب اغبكم‬
‫وبالتاِف سيبلقي عقابو بأمر يصدره السفاح وما داـ األمر من السفاح فهو ٌ‬
‫باإلعداـ‪.‬‬
‫لتوه بسرعة إليهن‪ ...‬وفهم من‬
‫كاف ىذا الضابط الفطن ُمدرؾ لكل ىذه األمور ولذلك عليو أف يتدارؾ اؼبوقف‪ ،‬فانطلق ّْ‬
‫األـ سبب غضبها‪ ...‬لقد كاف السبب عدـ جلوسو معهن ورباشيو اغبديث واللقاء ّٔن!‪.‬‬

‫ِ‬
‫نت بو فتوناً‬
‫لقد كاف ضابطنا قد شغف ابنتها حبّاً بو عبماؿ مظهره بعينيو اػبضراوتْب الطاىرتْب وطلعتو البهية‪ ،‬ف ُفت ْ‬
‫وأثارت والدهتا عليو وأؽببت مشاعرىا ضده لتجذبو إليهن فثارت ثائرة أمها‪.‬‬
‫عندىا وحبكمة ضابطنا ودرايتو َّاذبو ألمها بالتدبّب التاِف‪:‬‬
‫أيتها السيدة كبن العرب من عاداتنا إذا خطب أحدنا فتاة فتقاليدنا تقضي أال يرى الرجل خطيبتو حٌب ليلة الزفاؼ‪ ،‬هبب‬
‫أف ربجب عنو لليلة الزفاؼ وطيلة فَبة اػبطوبة ال يراىا‪ ،‬على مبدأ كل فبنوع مرغوب ليشتد الشوؽ ويُبُب مركب الزوجية‬
‫على احملبة القوية عند اللقاء الزوجي‪.‬‬

‫وما أف ظبعت االبنة وأمها ىذا التعليل وبأنو سيخطبها ويتزوجها حٌب طغى الفرح والسرور فأطفأ ؽبيب غضبهن‪ ،‬بل‬
‫فرحتهن غامرة باػبطيب اعبديد الضابط الفتَّاف‪ ...‬ذلك القائد‬
‫انقلب السخط رضى واعبفاء وفاء والبعد قرباً‪ ...‬فكانت‬
‫َّ‬
‫الرائع السيد ؿبمد أمْب‪.‬‬
‫أهنن‬
‫حل الليل بسكونو وخلد اعبميع للنوـ حٌب انطلقت الفتاة الَبكية (واؼبعروؼ عن األتراؾ َّ‬
‫ويف ذلك اليوـ وما أف َّ‬
‫ات بشرة بيضاء لضعف مشس ببلدىن الباردة إضافة إُف أهنا كانت ذات قسط من اعبماؿ واغبسن عظيم وصبعت‬
‫ذو ُ‬
‫الغُب واعباه فربت على الرفاه وكثرة النعم) إُف خيمة القائد زبطو على األرض على رؤوس أصابعها بْب اػبياـ لكي ال‬
‫يستيقظ أح ٌد من العناصر فيدري بأمرىا‪...‬‬
‫كانت تسّب وتسبقها رائحة عطرىا اؼبلكي الشذي عابقاً باؽبواء العليل الرخيم‪ ...‬إُف أف دخلت اػبيمة "خيمة الضابط"‬
‫وسبقتها رائحة عطرىا النفاذ‪...‬‬

‫أحس ضابطنا حبركات على باب خيمتو واستنشق عبّب العطر‪ ...‬عطرىا الساحر‪ ...‬أدرؾ األمر فالتفت باذباه الباب‬
‫لقد َّ‬
‫شاىدىا على مقربة من السرير وبسرعة ألقت بنفسها عليو فوؽ السرير‪ ،‬فما كاف من ذلك الضابط الطاىر الشريف إال‬
‫أف ألقى بنفسو من الطرؼ اآلخر من السرير إُف األرض واستبقها باب اػبيمة‪.‬‬
‫عندىا قفزت من السرير اػباوي وتبِعتو من حيث رمى بنفسو باذباه الباب وركضت وراءه بعد أف خرج من خيمتو فهرب‬
‫منها بْب خياـ الدرؾ‪.‬‬
‫معرفاً إياه بنفسو وأمره أف يناـ يف خيمة أخرى‪.‬‬
‫وصل خيمة بعيدة دخلها وأيقظ اعبندي من نومو العميق ّْ‬
‫ىي‪ ...‬ىي يا جندي استيقظ‪ ...‬فاستيقظ الدركي مذىوالً ال يعرؼ ما الذي حدث ووبدث‪َّ ...‬‬
‫إف قائده يُوقظو‪...‬‬
‫وبذاتو ويف ىذا الوقت اؼبتأخر من الليل!‪.‬‬

‫اندس‬
‫قاؿ القائد‪ :‬اذىب أيها "الدركي" واحبث عن مأوى آخر لك‪ ...‬ىيا بسرعة وما أف فارؽ "الدركي" فراشو حٌب َّ‬
‫القائد بفراش الدركي وغطَّى رأسو متخفّْياً‪.‬‬
‫ىنالك استنشق رائحة الفراش الكريهة العفنة فبزوجة مع رائحة تبغ متخمر رديء فكانت أبشع رائحة مشَّها حبياتو‪ ...‬كاد‬
‫يتقيّأ‪ ...‬كاد ىبتنق‪ ...‬لكنو صرب ونفسو تقوؿ‪َّ :‬‬
‫إِف فبا تدعوٓف إليو‬
‫إف ىذه الرائحة الكريهة وىذا الفراش الوسخ ُّ‬
‫أحب َّ‬
‫تلك الفتاة‪ ...‬وىكذا أمضى ليلتو‪...‬‬

‫* * *‬
‫ويف صباح اليوـ التاِف كاف الغضب يف صدر االبنة قد بلغ ذروتو‪ ،‬لكن ضابطنا عبأ ألسلوب آخر أطفأ بو غضبها وأمها‬
‫كهن لعب الورؽ "الشدَّة" ودبجالستهن وحفاظاً على التقاليد العربية وأمبلً بالزواج السريع‬
‫الٍب غضبت لغضبها‪ ...‬إذ شار َّ‬
‫رضْب منو وغدا الصهر احملبوب على قلبهما‪.‬‬
‫ؽبن اللعب‪ ،‬كاف هبلس معهن وكلو حياءٌ فبل ينظر عبماؿ خطيبتو فكانت تزداد بو ىياماً‬
‫ولعدة مرات أعاد مشاركتو ّ‬
‫وتغلي مراجل اغبب بقلبها غبيائو‪ ...‬كانت الفتاة تنظر إليو فَباه يزداد حياءً بوسامة فريدة‪ ...‬فتلتهب شوقاً ليوـ عرسها‬
‫القادـ‪.‬‬

‫وما أسعد األـ خبطيب ابنتها فهو ضابط ليس ككل الضباط‪ ،‬بل فخر الضباط‪ ...‬وسيم لطيف‪ ...‬وذو حياء عظيم‪.‬‬
‫وىكذا استمرت الرحلة إُف أف وصلوا استنبوؿ‪ ،‬ىنالك بادرت األـ الراضية عن خطيب ابنتها عظيم الرضا‪ ...‬فخطَّت‬
‫تقرير الرحلة الرائع ووقَّعتو وسلَّمتو لضابطنا قائد الرحلة‪.‬‬
‫كاف تقريراً وبوي عظيم الثناء واالمتناف على "صهرىا" قائد الرحلة "الضابط الشريف السيد ؿبمد أمْب"‪.‬‬

‫وما أف استلم ضابطنا التقرير حٌب انطلق لزيارة أخيو اعبنراؿ سليم اؼبقيم ىناؾ يف استانبوؿ عاصمة تركيا ونسي أمرىن‬
‫كلو‪.‬‬
‫مرت جبانبنا وقالت لنا "تفو عليكم يا عرب أنتم ال توفوف‬
‫وتابع ضابطنا حديثو ألخيو‪ :‬أرأيت يا أخي ىذه اؼبرأة الٍب َّ‬
‫بالعهد"‪ ...‬إف سبب غضبها أٓف َف أتزوج بابنتها‪ ،‬ابنة أخت صباؿ باشا السفاح بعد أف حصلت على تقرير الثناء منها‬
‫هتن حامداً اهلل الذي خلَّصِب من ىذه الورطة على خّب قباح‪.‬‬
‫وقبوت من كيدىا‪ ...‬وىكذا يا أخي غادر َّ‬
‫رد األخ سليم بك وىو مذىوؿ وبأش ّد االستغراب قائبلً‪ :‬ابنة أخت صباؿ باشا وتقدّْـ نفسها لك فَبفضها‪...‬‬
‫َّ‬
‫آه يا أخي آه كيف ذلك!‪ .‬ترفضها!‪ .‬أال تعرؼ أف صباؿ باشا ىو الواِف‪...‬‬
‫َوأالَ تعرؼ أنو يسعى اآلف لبلنفصاؿ بواليتو عن السلطة العثمانية‪ ...‬أي سيصبح ملكاً على سوريا ولبناف والعراؽ‬
‫التقرب عبماؿ باشا السفاح‪ ...‬ترفض من يتمناىا اعبميع‪...‬‬
‫واغبجاز واليمن‪ ...‬ىكذا ترفض السلطة‪ ،‬ترفض ُّ‬
‫ترفض السلطة واغبكم على ىذه الببلد!‪.‬‬
‫ترفض العز واعباه!!! آه‪ ...‬آه يا أخي‪...‬‬
‫أليست من أصبل فتيات استنبوؿ فكيف ال ترضاىا!‪.‬‬
‫رد الضابط الشريف‪ :‬اظبع يا أخي‪ ...‬ال يهمِب اعبماؿ واؼبنصب واعباه‪ ...‬أنت تعلم أف تلك الفتاة‪ ...‬وإف كنت ال‬
‫َّ‬
‫اؼبخصصْب ػبدمتها فّباىا الرجاؿ‪ ...‬وىذا ال‬
‫تعلم فأُعلمك بأهنا تكشف عن وجهها أماـ اػبدـ واغبشم والدرؾ‬
‫َّ‬
‫يناسبِب‪ ،‬فأنا بغُب عنها وعن اعباه والعز والسلطاف الذي أجنيو من ورائها‪ ...‬الشرؼ والعفاؼ ىو الذي يهمِب‪.‬‬
‫ىنالك صمت األخ اعبنراؿ سليم مصعوقاً بشرؼ ىذا األخ الغيور على عرضو فبل يرضى االقَباف إالَّ بزوجة طاىرة عفيفة‬
‫تدسها عْب باغبراـ‪.‬‬
‫شريفة َف تطأىا أو ُ‬
‫وضحى ألجلها بالصبا واعبماؿ‪ ،‬باعباه‬
‫أعظم وأ ْك َرب طهارة ونُبل مقصد أخيو الذي مثَّل الطهارة بأظبى معانيها‬
‫َّ‬
‫لقد َ‬
‫بأـ الدنيا بغية رضاء اهلل‪.‬‬
‫والعز الدنيوي الفآف وبالغُب ّْ‬
‫يكرر نفسو‪.‬‬
‫قاؿ اعبنراؿ سليم‪ :‬ح ّقاً إف قصة يوسف النيب ‪ ‬يف عصره َّ‬
‫تتكرر إذف يف ىذا العصر والتاريخ ّْ‬
‫‪‬‬

‫يف يوـ من األياـ "أثناء خدمتو يف اعبيش الَبكي" دعاه قائد اعبيش الَبكي للشهادة على أحد الرجاؿ األرمن أماـ احملكمة‬
‫يف اليوـ التاِف وقاؿ لو‪ :‬ما عليك إالَّ أف تقوؿ ىذه الكلمات‪:‬‬
‫احملل العمومي‪ .‬وىذه شهادتك فحسب"‪.‬‬
‫"لقد رأيتو يف ّْ‬
‫فأجاب ضابطنا السيد ؿبمد أمْب وعلى الفور كما اعتاد‪ :‬حاضر سيادة القومنداف‪ ،‬حيث إنو اعتاد على أف ال يرفض لو‬
‫أمراً‪ .‬وانطلق خارج اؼبكتب‪.‬‬
‫ولكن وبنفس اللحظة حدَّثتو نفسو أي ؿبل؟‪ .‬أنا ال أعرؼ احملل العمومي كما ال هبوز شهادة الزور وإيقاع بريء بدوف‬
‫حق‪.‬‬
‫ورد على القائد العاـ‪ :‬لكنِب ال أعرؼ أين ذلك احملل العمومي وؿبل ماذا؟‪.‬‬
‫فَباجع باغباؿ ودلف ثانيةً َّ‬
‫فأجابو القائد العاـ‪ :‬ما عليك من ذلك فاألمور كلها مدبَّرة يف احملكمة ومع القضاة‪.‬‬
‫نعم إنو إثر مغادرتو غرفة القيادة وسب ُّعنو جبوىر القضية وأف األمر يتعلَّق بتدمّب إنساف أيّاً كاف بشهادة زور عاد إُف القائد‬
‫العاـ يُفاجئو بريد قطعي عندما قاؿ‪ :‬رافض‪.‬‬

‫فقاؿ القائد العاـ مصعوقاً بتعجب‪ :‬رافض؟‪.‬‬
‫الضابط األمْب‪ :‬نعم رافض‪ ...‬رافض‪....‬‬
‫كاف دائماً يقوؿ‪ :‬نعم حاضر‪ ...‬أما اآلف يقوؽبا‪" :‬رافض"!‪.‬‬

‫انصرؼ‪ ...‬ىذا ما قالو القائد وقد سبيَّز غيظاً وغضباً‪.‬‬
‫إذف‪:‬‬
‫ْ‬
‫* * *‬
‫ذىب إُف البيت وىو يتوقَّع كل النتائج اؼبَبتّْبة على ىذا الرفض لؤلمر العسكري اعبائر الظاَف‪ .‬وأخرب والدتو باألمر وقاؿ‬
‫ؽبا‪ :‬احزمي أمتعٍب يا أماه فقد ربتَّم النفي حبقي وأنا اآلف حبكم اؼبنفي من الببلد‪.‬‬
‫فقد كاف الضابط العريب الوحيد اؼبتواجد يف السرايا بعد أف نفى األتراؾ كافة الضباط العرب إُف "سّباميك" بَبكيا‪.‬‬
‫تذرعت بو قوؽبا‪" :‬يا بِب ىذا كافر مشرؾ‬
‫حاولت والدتو وبشٌب الوسائل أف تثنيو عن رفضو لشهادة الزور ومن صبلة ما َّ‬
‫فلم ال تشهد ضدَّه‪ ،‬ىم أوقعوه ال أنت‪ ،‬أليس ذلك بأفضل من النفي"‪.‬‬
‫ذمياً فقد‬
‫فأجأّا السيد ؿبمد أمْب‪ :‬ولكن يا والديت َف أره فكيف أشهد ضده؟‪ .‬والنيب الكرٔف ‪ ‬يقوؿ‪« :‬من آذى ِّ‬
‫آذاني»‪.‬‬
‫كاف الكثّب من الضباط األتراؾ وبسدونو على منصبو ومكانتو اؼبرموقة يف قلوب القادة ومن بينهم معاونو يف اؼبنصب وىو‬
‫ضابط تركي فقد انتهز الفرصة وأدُف بتلك الشهادة أماـ احملكمة َّ‬
‫ضد ذلك الرجل بكل خيَبلء وسرور بعد أف طلب منو‬
‫القائد العاـ ذلك‪ ...‬وبذا حظي برضى قائد اعبيش الَبكي‪.‬‬

‫وشهادتو الزور كانت فرصتو ليناؿ منصبو إثر رفض ضابطنا لشهادة الزور‪.‬‬
‫ك َ‬
‫هللاَ‬
‫وؽبذا فقد استلم شاىد الزور ىذا منصب ضابطنا السيد ؿبمد أمْب وضابطنا ينتظر قرار النفي‪ ،‬ولكن {‪َ٠ ْٓ َِ َٚ ..‬زَ ِ‬
‫‪َ٠‬جْ َؼًْ ٌَُٗ َِ ْخ َشجب‪ .)8(}..‬إذ َف ِ‬
‫ضبط ذلك الشاىد للزور جبرـ خيانة كبّبة لقادتو‪ ،‬ودبا أنو خاف‬
‫سبض أياـ قليلة حٌب ُ‬
‫قبل ربَّو وخاف ضمّبه فبل يُستبعد أف ىبوف من أحسن إليو‪.‬‬
‫من ُ‬

‫* * *‬
‫ويف اليوـ التاِف حضر ضابطنا إُف عملو واغبزف يكسو وجهو‪ ،‬وبعد دخولو اؼبكتب بقليل دخل القائد عليو وأمره‪:‬‬
‫(أصالن) اقبض على ىذا اػبائن وألقو يف السجن " ُمشّباً إُف ذلك الضابط الَبكي شاىد الزور"‪.‬‬
‫ظن أهنا سبثيلية ولعبة من اإلثنْب ضدَّه يريداف ّٔا أف يستهزءا بو ويسخرا منو قبل أف يُنفى‪ .‬ولكن ماذا‬
‫ولكن ضابطنا َّ‬
‫يستطيع أف يفعل‪ ،‬عليو أف ينفّْذ األمر‪.‬‬

‫) سورة الطبلؽ‪ :‬اآلية (‪.)2‬‬

‫(‪8‬‬

‫ينقض غاضباً على الضابط‬
‫توجو إُف الضابط الَبكي وقاؿ لو‪ :‬ىيا تفضل معي وسار معو بلطف لكنو شاىد القائد العاـ ُّ‬
‫َّ‬
‫الَبكي من اػبلف وىو يصيح‪:‬‬
‫وجو ضربةً شديدةً مفاجئةً على ظهر الضابط الَبكي من اػبلف فوقع على وجهو عندىا صاح‬
‫ليس ىكذا يُساؽ آّرـ ث َّ‬
‫القائد‪:‬‬

‫ىكذا يُساؽ آّرـ إُف السجن‪ ..‬خذه موجوداً أنت لست مثلو‪ ،‬أنت ضابط شريف‪ .‬عندىا أيقن ضابطنا السيد ؿبمد‬
‫أمْب أف اؼبسألة ج ّد وليست بتمثيلية من أجل ُّ‬
‫التهكم بو‪.‬‬
‫عاد الستبلـ منصبو كما كاف بعد أف كسب تقدير وؿببة رؤسائو إلنسانيتو السامية‪ :‬فمن أجل أخيو اإلنساف وليكن‬
‫ضحى بكل غاؿ وشبْب‪.‬‬
‫أرمنياً أو مسلماً‪ّ ،‬‬
‫ومثل ضابطنا الشريف كمثل من قاؿ ‪ ‬حبقّْو‪:‬‬
‫«من أسخط الناس برضا اهلل كفاه اهلل مؤنة الناس»‪.‬‬
‫ومثل الضابط الَبكي اػبائن إلنسانيتو ولرضاء أسياده كما قاؿ ‪:‬‬
‫«من أرضى الناس بسخط اهلل وَّكلو اهلل إلى الناس»‪.‬‬

‫‪‬‬

‫كاف إنساننا السيد ؿبمد أمْب يسّب واؼبختار‪ ،‬يرافقو الدركي اؼبخلص "أبو ؿبمد" عائدين بعد إقباز إحدى اؼبهاـ‬
‫مارين دبحاذاة بستاف السيد "طالب عرفة" وكاف هبري إُف جواره هنر تورا أحد فروع هنر بردى وتقوـ‬
‫القانونية‪ ،‬وبينما ىم ّْ‬

‫عليو مطحنة "أبو ؿبمود"(‪.)8‬‬

‫لقد كاف ىذا البستاف كبّباً وبوي بداخلو بستاناً صغّباً ُزرعت فيو أندر وأغلى النباتات واألزىار‪ ،‬وبذلت لو أروع ما‬
‫تكوف العناية‪ ،‬حٌب إف البستاف الكبّب احمليط بو كاف لو درءاً وسوراً وبميو من عبث العابثْب‪.‬‬
‫فجأة توقف الضابط السيد ؿبمد أمْب وأصاخ السمع‪ ...‬لقد طرقت أذنيو أصوات ٍ‬
‫ٍ‬
‫وضحكات صاخبة‬
‫غناء وموسيقى‬
‫ُ‬
‫وصرخات ؾبوف وعبث!!!‪.‬‬
‫وجهو غضباً والتمعت يف عينيو بوارؽ الغّبة وخفق فؤاده أؼباً‪ ،‬ىتف قائبلً‪:‬‬
‫َّ‬
‫اضبر ُ‬
‫إنو "شكار"‪...‬‬
‫اب القوـ ضبّباً تكاد تبلغ يف حجمها مبلغ البغاؿ وىي ما تشتهر بو منطقة "حلبوف"‪.‬‬
‫نظر يبنةً ويسرًة فإذا بو يرى بْب دو ّْ‬
‫لقد أدرؾ أف " ْتوليفة" كبّبة من آّرمْب قد تنادوا من كل حدب وصوب وىم اآلف ؾبتمعوف حوؿ مائدةٍ للفجور‬
‫عديدىم فضربوا بالكتماف عرض اغبائط‪.‬‬
‫والفساد والعبث تُدار عليهم كؤوس اػبنا وآّوف َّ‬
‫وغرىم ُ‬

‫) مكاف ملعب الفيحاء جبانب اؼبيسات‪.‬‬

‫(‪8‬‬

‫التفت إُف اؼبختار قائبلً‪ :‬سألقي القبض عليهم صبيعاً‪.‬‬
‫ائص اؼبختار وامتقع وجهو حٌب حاكت صفرتو األموات وسبتم‪:‬‬
‫ارتعدت فر ُ‬
‫ربَّاه‪ ..‬كيف يكوف لو ذلك وىو وحي ٌد فريد وىم كثر ومسلَّحوف ومن دىاقنة اإلجراـ وعتاة القتلة!‪ .‬وأيقن باؼبوت احملتم‪.‬‬
‫* * *‬
‫َّاذبو ضابطنا إُف الباب‪ ...‬فصادؼ شاباً يف الثامنة عشر من عمره ىبرج منو‪ ،‬وبسرعة الربؽ كانت يد السيد ؿبمد أمْب‬
‫انقض عليو وأمسك بتبلبيبو وصرخ بو‪ :‬ماذا يوجد ىنا؟‪.‬‬
‫هتوي على وجهو بصفعتْب قويتْب فارسبى على األرض‪َّ ،‬‬
‫فصعقتو اؼبفاجأة وانطلق لسانُو ينطق دوف وعي‪ :‬إنو "شكار" يا سيدي‪.‬‬
‫سألو‪ :‬وكم عددىم؟‪.‬‬
‫قاؿ‪ :‬إهنم بْب الستْب والسبعْب ؾبرماً يا سيدي!‪ .‬فأطلقو وسرعاف ما أسلم لرجليو العنا َف حٌب غاب عن العياف‪.‬‬
‫ٍ‬
‫التأمل والتفكّب العميق‪ ،‬وما ىي إالَّ‬
‫عبس وارتسم على ُؿبياه أبلغ آيات اإلصرار والتصميم وغرؽ‬
‫للحظة يف سحابة من ُّ‬
‫برىة حٌب علت شفتيو ابتسامةٌ تكشفت عنها معاَف الظفر‪ ،‬لقد ارتسم يف ـبيلتو اؼبخطط‪.‬‬
‫ضابطنا‪ :‬أبو ؿبمد كيف أنت واإليعازات العسكرية؟‪.‬‬
‫أبو ؿبمد‪ :‬كما تريد وتشتهي يا سيدي‪ ،‬فإطبلؽ اإليعازات ىوايٍب‪.‬‬
‫التحرؾ حبيث تُوحي ؼبن يسمع‬
‫ضابطنا‪ :‬اغبمد هلل‪ ،‬إذاً َّ‬
‫تصور أف لديك ثبلثة طوابّب عسكرية وأنك تُصدر ؽبا إيعازات ُّ‬
‫كل جهاتو‪ ،‬وإياؾ أف تبدأ قبل أف تتوقف أصوات الضوضاء والصخب هنائياً‪ .‬مفهوـ؟‪.‬‬
‫بأف البستاف ّْ‬
‫تطوقو العساكر من ّْ‬
‫أمرؾ سيدي‪.‬‬
‫* * *‬
‫كاف أبو ؿبمد "دركياً" شرطياً قد اكتسب الشجاعة واإلقداـ من صحبتو الطويلة وؿببَّتو لقائده‪ ،‬وكاف يبلك صوتاً جهورياً‬
‫قوياً إذا طرؽ أذف النائم فإنو يهب من فوره كاؼبلسوع‪.‬‬
‫وًف الضابط إُف البستاف واذبو إُف مكاف آّرمْب خبطى ٍ‬
‫ثابتة وأقداـ راسخة‪ ،‬وفجأة رأى صاحب البستاف وبمل صينية‬
‫ً‬
‫اؼبكسرات يقصد ّٔا اؼبدعوين‪ ،‬وقبل أف يفيق الرجل من ىوؿ اؼبفاجأة كاف الضابط السيد‬
‫تنوء بالفاكهة واؼبشروبات و َّ‬
‫ؿبمد أمْب قد عاجلو بلطْ ٍ‬
‫مة قوية على وجهو أطاشت دماغو وصرخ بو أين "الشكار"؟‪ .‬كل ىذا جرى مع أف صوت‬
‫آّرمْب وضجيجهم يكشف مكاهنم بوضوح‪.‬‬

‫َف ينتظر الرد‪ ،‬وبذلك أفسح لو آّاؿ للذىاب إلعبلـ آّرمْب بقدومو ذلك أف ضابطنا أسرع باالذباه الذي أتى منو‬
‫صاحب البستاف أي عكس ّْاذباه الشكار ّْ‬
‫ليمكنو من إببلغهم بأف رجاؿ األمن تُداىم اؼبكاف‪.‬‬
‫لقد أفضى االذباه الذي سار فيو الضابط إُف غرفة ل َّػما فتحها شاىد أكداس الفاكهة وأكياس اؼبكسرات وزجاجات‬
‫الشرابات والشراب‪ ،‬و ُّأـ صاحب البستاف وأبوه يقوماف بتنسيقها على أطباؽ سبهيداً لتقديبها للمجرمْب‪.‬‬
‫انفتل وعاد كالربؽ اػباطف باذباه بستاف الزىور حيث آّرموف يأكلوف ويشربوف‪ ،‬يطربوف ويغنوف‪.‬‬
‫كاف الطريق إليو ُمنحدراً‪ ،‬أسرع فوجد صاحب البستاف يف أعبله ما يزاؿ وبمل السفرة وقد بلَّغ آّرمْب بقدوـ األمن‪ ،‬فما‬
‫وجو لو ركلةً قوية طرحتو على وجهو ىبوطاً وأطاحت بالسفرة ش َذر م َذر فتكسر الزجاج وتناثرت‬
‫كاف منو إال أف َّ‬
‫صعق آّرمْب فالتفتوا‬
‫اؼبشروبات و َّ‬
‫اؼبكسرات وحدث من جراء ذلك ضجيج ساد معو سكوف رىيب وصمت عجيب َ‬
‫صبيعاً‪.‬‬
‫لقد عرفوه إنو "أصبلف" كاف مسد ُسو يف يده ونظراتوُ الناريَّة تُرسل الرعدة والرعب يف فؤاد أعٌب الرجاؿ‪.‬‬
‫جنبات البستاف من ّقوتو‪ ،‬صوت‬
‫صوت اىتزت‬
‫صمت مطبق‪ ،‬سكوف مشحوف بالقلق‪ ،‬ىدوء يُنذر بالعاصفة‪ ،‬ىنا انطلق ٌ‬
‫ٌ‬
‫ُ‬
‫يوزع طوابّبه "اػبيالية" حوؿ البستاف‪.‬‬
‫ُؾبَْل ِج ٌل زرع اؽبلع وحصد الطمأنينة‪ ،‬إنو صوت أبو ؿبمد ّْ‬
‫وتوجو إُف آّرمْب قائبلً‪:‬‬
‫الروع واػبوؼ والوىم َّ‬
‫انتهز الضابط ىذه الفرصة‪ ،‬فرصة ْ‬
‫ىذا القومنداف "قائد اعبيش والدرؾ" قد جاء بذاتو يف ركابو ثبلثة طوابّب من العساكر مدججْب بأحدث األسلحة اغبربية‬
‫يفر من النار فلن يسلم من بنادؽ اعبنود‪ ،‬لكِب رجوتو لكم‬
‫وكلو إصرار‬
‫ٌ‬
‫وتصميم على إحراؽ البستاف دبن فيو ومن ّ‬
‫وأخذت منو موثقاً َّ‬
‫يبر وليس أمامكم سوى التسليم أو‬
‫أف من‬
‫يستسلم منكم فسيظفر بالنجاة ووبوز السبلمة فالوقت ُّ‬
‫ْ‬
‫اغبرؽ أو القتل فاختاروا؟‪.‬‬

‫أحسوا أف الشرؾ الذي نُصب ؽبم ُؿبكم‪ ،‬وفجأة بادر أحدىم وىرع إُف الضابط وارسبى‬
‫باغبقيقة لقد اهنارت معنوياهتم و ُّ‬
‫على قدميو مقبّْبلً متوسبلً والدموع تنفر من عينيو بصوت متهدّْج‪ ...‬والسبب أف عليو إجراـ وأحكاـ فإف قبض عليو‬
‫فسجنو طويل‪.‬‬
‫أرجوؾ أبو فتحي "وىو لقب ضابطنا السيد ؿبمد أمْب"‪ ...‬إٓف أستجّب بك وأحتمي حبماؾ‪ ...‬عندي أوالد‪ ،‬وىا أنذا‬
‫استسلم وألقى سبلحو‪.‬‬
‫كما أف ىذا آّرـ ال يزاؿ يذكر طعم السوط الذي ذاقو منذ أياـ قبلئل من يد ضابطنا السيد ؿبمد أمْب حٌب إف آثاره َف‬
‫ِ‬
‫زبتف بعد‪.‬‬

‫حل الوىن فيهم وأصاب‬
‫اػبور يف أقسى النفوس‪ ...‬لقد َّ‬
‫لقد كانت دموع ىذا آّرـ تقطع نياط القلوب وتوسبلتو تزرع ْ‬
‫هبنب بعضهم بعضاً إُف الضابط يُعلنوف لو استسبلمهم ويؤّْكدوف على ذلك‬
‫العطب قلؤّم فتقاطروا واحداً إثر اآلخر ّْ‬
‫بإلقاء أسلحتهم جانباً وىم يطلبوف الرضبة والعفو‪ ،‬ىنا نادى بأعلى صوتو القوي‪:‬‬
‫سيادة القومنداف "قائد اعبيش"‪ ...‬لقد أعلن اعبميع استسبلمهم وىم يطلبوف العطف والرضبة‪ ،‬لذا أرجو أف تُرسل ِف نفراً‬
‫واحداً فقط‪" :‬أبو ؿبمد" فَػ ُه ْم مستسلموف وال داعي للحرؽ والنار‪.‬‬

‫برج ِلو بقوة وعنف قتاِف‬
‫ىنالك ىروؿ أبو ؿبمد مسرعاً وما ىي إال غبظات حٌب كاف يقف بْب يدي الضابط يضرب ْ‬
‫مؤدياً التحية العسكرية‪ :‬حاضر سيدي!‪.‬‬
‫ضابطنا‪ :‬ىيا اصبع األسلحة بسرعة وضعها يف ُخ ْرِج الدابّة‪ ،‬ث انظر إُف تلك اغبباؿ اؼبربوطة بْب األشجار ىات منها‬
‫كمية كافية لتقييدىم صبيعاً‪ ،‬وليساعدؾ اؼبختار وصاحب البستاف‪.‬‬
‫أمرؾ سيدي‪.‬‬
‫وما ىي سوى غبظات حٌب كاف الضابط واؼبختار وأبو ؿبمد وصاحب البستاف يشَبكوف صبيعاً يف شد وثاؽ آّرمْب‬
‫اؼبستسلمْب‪.‬‬
‫لقد كاف اؼبشهد رائعاً ح ّقاً‪ ...‬فكل ؾبرـ غُلَّت يداه خلف ظهره وعُلّْق دبن يليو من أقرانو فكانوا سلسلة طويلة من البهائم‬
‫ليجرىا‪ ،‬ىنا صرخ الضابط آمراً‪ ...‬ىيا اخلعوا نعالكم‪.‬‬
‫ال ينقصها سوى صيب صغّب َّ‬

‫وأنت أيها البستآف اصبعها وضعها يف خرج الدابة اآلخر‪ ،‬وما ىي غّب ثواف حٌب امتثل اعبميع ألمره صاغرين‪.‬‬
‫ىنا التفت فرأى امرأة يهوديةً عاىرًة كانت تشاركهم حفل اػبنا بالغناء والطرب والعزؼ على العود‪ ،‬إذ ال بد للداخل يف‬
‫ىن حبائل‬
‫كب والدليل ومثيبل ُهتا َّ‬
‫عاَف الدناءة واغبقارة والقذر "عاَف الشياطْب" من وسيلة تنقلو إليو واؼبرأة الفاجرة ىي اؼبر ُ‬
‫الشيطاف‪.‬‬

‫كانت اؼبرأة ترذبف ىلعاً وترتعد خوفاً ودمعها الغزير ينسكب من عينيها‪.‬‬
‫صرخ ّٔا‪ :‬و ِ‬
‫أنت ىيَّا اركيب على اغبمار‪.‬‬
‫وجهك إُف اػبلف‪ :‬ناوؽبا الطبلة‪.‬‬
‫فأسرعت لتنفيذ أمره ونبَّت بالركوب فقاؿ ؽبا‪ :‬ال بل تركبْب باؼبقلوب ُ‬
‫سأؽبا‪ :‬ىل ربفظْب أغنية "يا مبهدل يا أبو رنِّو"؟‪.‬‬
‫غُب ؼبن يُراد إذاللو وربقّبه والنيل منو‪،‬‬
‫كانت تلك األغنية شائعة بْب الناس وتُ َّ‬

‫قالت لو‪ :‬أمػ‪ ...‬أمرؾ نعم‪ ...‬نعم‪.‬‬
‫رددوا خلفها‪.‬‬
‫فأمرىا أف تضرب على الطبلة وتغنّْيها وصاح بآّرمْب آمراً أف ّْ‬
‫لقد َّ‬
‫التوس ُل والرجاء‪ ...‬وأخّباً‪:‬‬
‫سبكن من السيطرة على اعبميع وفرض عليهم جواً َّلونو اػبوؼ والرعب‪ ،‬امبزج معو ُّ‬
‫ٍ‬
‫بشكل مقلوب‬
‫ب من البستاف‪ :‬إنو منظر مدىش كل الدىشة غريب كل الغرابة‪ ...‬امرأة عجوز سبتطي ضباراً‬
‫خرج الرْك ُ‬
‫يرددوا بصوت واحد ما تغنّْيو‬
‫مثّب ورتْل طويل من الرجاؿ اؼبسلسلْب يسّبوف خلف اغبمار حفا ًة وىم مرغموف على أف ّْ‬
‫عليهم تلك اؼبرأة الفاجرة‪" ،‬حٌب أف اػببيثة َف تعد سبلك نفسها من الضحك عليهم"‪.‬‬
‫ٍ‬
‫بأسلوب صباِف نادر اؼبثاؿ حٌب إف‬
‫إهنا صورة يهوى الفناف رظبها ويربع كل الرباعة يف تلوينها وإبراز ما فيها من مفاتن‬
‫اؼبراقب كاف يلحظ الناس والنظارة فاغري األفواه مأخوذين مشدوىْب!‪ .‬وؽبم اغبق فلم يشهدوا قط جيشاً َعَرْمَرماً من‬
‫اؼبزرية‪َّ ،‬‬
‫إف أحدىم كاف دبفرده يثّب الرعب والفزع يف حي كامل فكيف بكل ىؤالء ؾبتمعْب‬
‫آّرمْب يُقاد ّٔذه الصورة ْ‬
‫يسوقهم شخص واحد ومرافقو!‪.‬‬

‫لقد كانت صاعقة عظيمة وأمراً يستعصي على اإلدراؾ عندما اكتشف آّرموف أف اثنْب فقط َّ‬
‫سبكنا من القبض عليهم‬
‫صبيعاً‪ ،‬فبل قومنداف وال طوابّب وال ّقوات!‪ .‬لقد طغى اغبنق والغيظ على نفوسهم حٌب انطلق صوت أحدىم ليَبجم ثورة‬
‫اغبقد الٍب تغلي يف نفوسهم‪:‬‬

‫أفهل كبن قطط‪ ،‬فقط اثناف يقبضوف علينا صبيعاً؟‪.‬‬
‫فأجابو الضابط‪ :‬بل أنتم كبلب‪ ،‬وأرسل سوطو يقرقع على جسده‪.‬‬
‫لقد أمر الضابط الدركي أبو ؿبمد أف يسّب يف مؤخرة الركب وأىاب بو أف يُطلق الرصاص فوراً على من ىبل بالنظاـ وعند‬
‫أية ؿباولة للفرار‪.‬‬

‫* * *‬
‫أىم شوارع منطقٍب األكراد والصاغبية الرئيسية بدمشق وكانوا كلما مروا على دركي من رجاؿ األمن‬
‫كب َّ‬
‫وىكذا جاب الر ُ‬

‫يضمو ضابطنا إليو ليساعده يف حفظ النظاـ وضبط األمور حٌب وصلوا يف اػبتاـ إُف مقامهم (إُف السجن)‪.‬‬

‫ظل ىذا اؼبنظر ؿبفوراً يف ذاكرة الناس أمداً طويبلً وَف يزؿ كبار السن منهم يتندروف بو يف أمسيات ظبرىم ويف أنديتهم‬
‫َّ‬
‫ويسردوه على مسامعنا ليكوف لنا أمثولة نستقي منها مبلحم العظمة واإلكبار والتقدير‪.‬‬

‫‪‬‬

‫استدعاه القومنداف باؽباتف وما ىي إالَّ برىة حٌب دلف الباب رجل مديد القامة نوعاً ما‪ ،‬ترتسم على ؿبيّاه ـبايل اعبد‬

‫واإلصرار ببزتو العسكرية األنيقة تلتمع على كتفيو أربع قبوـ ىبطو كأمبا وقع قدميو دقات ساعة إُف أف وقف قبالة ىاتفو‬
‫ورد القائد التحية وابتدره قائبلً‪:‬‬
‫وأمسك بالسماعة‪ ،‬وحيّا القائد بعزـ ومشم‪َّ ،‬‬
‫السكُب إُف جوارؾ يف اغبي الذي فيو تقطن‪ ،‬فاحبث ِف عن بيت مناسب‪.‬‬
‫أود ُ‬
‫َف يكن ضابطنا السيد ؿبمد أمْب يتوقَّع مثل ىذا الطلب بتاتاً‪...‬‬
‫يتقوض أمامو‪...‬‬
‫تصور جهد األياـ السالفة َّ‬
‫لقد فوجئ سباماً‪ ...‬إذ رأى يف ذلك الطلب مشكلة حقيقية‪َّ ،‬‬
‫تعج بالفساد واإلجراـ والفوضى‪ ...‬وكيف غدت اآلف يرفرؼ على ربوعها طائر‬
‫لقد دار يف خلده كيف كانت اؼبنطقة ُّ‬
‫األمن والسبلـ‪.‬‬
‫لقد كاف اؼبرء بالسابق ال يأمن على نفسو بعد غروب الشمس مطلقاً‪ ،‬فهو إما مقتوؿ أو مسلوب‪..‬‬
‫أما اآلف فلو أف امرأة ربمل على رأسها مكتبلً فبلوءاً ذىباً سبشي بو يف منتصف الليل ؼبا اعَبض طريقها أحد‪ ،‬إذ بذؿ يف‬
‫سبيل ربقيق ذلك الكثّب من اعبهد والعظيم من التعب‪ ،‬فلم يكن يغمض لو جفن إال فيما ندر‪ ،‬وكاف يف كل واقعة‬
‫يقتحم اػبطر غّب ىيَّاب وال ِ‬
‫وجل‪ ،‬إذ كاف باستمرار وبمل دمو على ك ّفو يف مقارعة األشرار وأساطْب اإلجراـ‪ ،‬وأخّباً‬
‫استطاع أف هبِب شبرة أتعابو‪.‬‬

‫أما يف تلك اللحظة الٍب طلب فيها قائده منو ذلك الطلب فلقد رأى بفكره الثاقب وبصّبتو النفَّاذة منطقة عملو عادت‬
‫أحس كأمبا األرض تزلزلت ربت قدميو‪ ،‬حتماً إنو بيت للبغاء والفسق‪.‬‬
‫سّبهتا األوُف فغلى الدـ يف عروقو و ّ‬
‫ىل يضيع ىذا الصرح الذي بناه‪ ...‬ىل يهوي ذلك البنياف الشامخ؟‪.‬‬
‫مر على ـبيلة السيد ؿبمد أمْب‪ ،‬ولكنو كاف كالطود رسوخاً ال يباِف‬
‫غبظات مؤؼبة عصيبة‪ ...‬أال إهنا الكارثة‪ ،‬كل ذلك َّ‬
‫بالرياح العاصفة‪.‬‬
‫رد على قائده بعد أف أظهر الغبطة والفرح‪:‬‬
‫َّ‬
‫سيادة القومنداف‪ :‬تعلموف أف منطقة عملي تزدحم بالفقراء واؼبساكْب وىؤالء ال يكادوف يبلغوف َّ‬
‫سد أودىم‪ ،‬فكيف ببناء‬
‫يؤجرونو‪ ،‬وحٌب إف ُوجد فبل أظن أنو يناسب مقامكم العاِف‪.‬‬
‫بيت ّْ‬
‫أصر على طلبو بالرغم من كل ما بيَّنو لو‪ ،‬فما كاف من ىذا الضابط إالَّ أف قاؿ‪ :‬أمرؾ سيادة القومنداف‪،‬‬
‫لكن القائد َّ‬
‫سأعمل ما بوسعي ألحقّْق لك طلبك‪.‬‬
‫* * *‬
‫عما إذا كاف قد عثر على البيت اؼبطلوب‪.‬‬
‫وبعد مضي عدة أياـ سألو قائده‪َّ :‬‬
‫فأجابو ِ‬
‫بدعة ولطف‪ :‬إنو َف يعثر عليو بعد‪.‬‬
‫ويف صبيحة يوـ آخر ىاتفو القومنداف بطلبو‪ ،‬ول َّػما رفع السماعة ظبع نربات الغضب بادية على هتدجات صوتو الساخط‬
‫سخطاً كبّباً‪ ،‬إذ قاؿ‪:‬‬
‫لقد بلغِب أنو يوجد يف منطقتك يف اغبي بيت خاِف يويف بغرضي منو‪ ،‬وىو مع ّد لئلهبار‪ .‬وأمره بالذىاب فوراً إُف صاحب‬
‫ىذا البيت لبلتفاؽ معو على كل شيء‪.‬‬
‫لقد كاف ذلك بوشاية فبَّن أكل اغبسد قلبو وأعمى اغبقد بصّبتو‪ ،‬إذ وجدىا فرصة ليقطع حبل الثقة واالحَباـ بْب‬
‫عجب بباىر أعمالو‪.‬‬
‫ضابطنا ؿبمد أمْب وقائده ال ُػم َ‬
‫فما كاف منو إال أف سارع إُف العنواف الذي وضعو القائد‪ ،‬فوجد الوصف مطابقاً للحقيقة والبيت ُمهيَّأ الستقباؿ مستأجر‬

‫جديد‪.‬‬

‫عمن يشغل ىذا البيت حٌب عثر على بغيتو دبساعدة اؼبختار وبعض ؿببلت آجار‬
‫انفتل بسرعة الربؽ وجرى يبحث َّ‬
‫العقارات‪ .‬وما ىي إال فَبة وجيزة حٌب كاف إنساننا اؼبخلص يساىم بنفسو مع النازؿ اعبديد يف نقل أمتعتو وترتيبها يف‬
‫أرجاء اؼبنزؿ بنفسو‪ ،‬وحْب نفض يديو من تركيب الستائر كاف كل شيء قد أصبح على ما يراـ‪.‬‬

‫َّ‬
‫بالسكاف‪،‬‬
‫سارع بالعودة إُف قائده ليزجي لو باؽباتف أف ىناؾ من سبقو إُف استئجار اؼبنزؿ وىو اآلف لؤلسف عامر‬
‫فشكره على جهده وطلب منو مواصلة البحث عن بيت سواه‪.‬‬
‫ِ‬
‫حساده بالوشاية السابقة‪ ،‬بل إهنم أحاطوه علماً بأنو أسكن بيديو مستأجراً وساعده يف تركيب الستائر بيده‬
‫َف‬
‫يكتف َّ‬
‫على سبيل السرعة لكي يفشل استئجاره للبيت‪.‬‬
‫ُدىش القائد وسبلكتو اغبّبة وارتسم يف ـبيلتو تساؤؿ سرعاف ما جرى على لسانو‪:‬‬
‫أال تريدٓف أف أقطن يف منطقتك؟‪.‬‬
‫انتصب السيد ؿبمد أمْب َّ‬
‫ورد يف إباء ومشم‪ :‬سيادة القومنداف‪ ،‬إذا كنت مصراً على ىذا األمر فأىيب بك أف تصدر أمراً‬
‫بنقلي من ىذه اؼبنطقة أوالً‪.‬‬
‫اتسعت حدقتا القائد دىشةً وانطلقت من فمو كلمة "ؼباذا" كالرصاصة‪.‬‬
‫أجاب الضابط الغيور‪ :‬تعلم أيها القائد "يا سيادة القومنداف" ومنذ أوؿ غبظة تسلَّمت فيها ىذه اؼبنطقة كيف أظبعت‬
‫يبق من األرض موطن قدـ يستعتبنا‪،‬‬
‫صم اعبباؿ‪َّ ،‬‬
‫ورددت وقع أقدامهم واسع الودياف حٌب َف َ‬
‫حوافر خيل جنود األمن ّ‬
‫ودع الكرى مقلنا‪ ،‬وكم كنا من اؼبوت قاب قوسْب أو أدْف وكم وكم‪...‬‬
‫ربوؿ ليل أيامنا هناراً‪ ،‬حٌب لقد َّ‬
‫وكيف ّ‬
‫فاستؤصلت شأفة الفساد واإلجراـ من ىذه اؼبنطقة وطُبّْق النظاـ بدقة‪ ،‬فتدفق الدـ يف شرايْب العدالة وجرى هنر الطمأنينة‬

‫يف الربوع‪ ،‬حٌب ناـ الناس ألوؿ مرة ومنذ عهد بعيد قريري العيوف خلواً من كل ىاجس أو خاطر مؤرؽ‪.‬‬
‫يرد عليك عليّةُ القوـ ضيوفاً وسوؼ يزورؾ كبار اؼبسؤولْب‪ ،‬وقد تربز من بعضهم‬
‫فإذا قطنتم سيادتكم يف حيّنا فسوؼ ُ‬
‫ٍ‬
‫ساعتئذ سأكوف يف موقف ال أحسد عليو مطلقاً فبل أستطيع‬
‫وتصرفات ُزبل باألمن وتشرخ النظاـ‬
‫شذوذات أخبلقية ُّ‬
‫قمعها والقضاء عليها أو الضرب على أيدي مرتكبيها إكراماً لكم‪.‬‬
‫وإذا ضربت عنها صفحاً ضاعت ىيبٍب كممثل للعدالة والقانوف بْب أبناء اغبي ألنِب وكما يُقاؿ‪ :‬أس ٌد عليهم ونعامة على‬

‫وبل الفساد واإلجراـ‪ ،‬فنعود من حيث بدأنا‪ ،‬أما إذا‬
‫ؿبل النظاـ‪ ،‬كما ُّ‬
‫وربل الفوضى َّ‬
‫غّبىم‪ ،‬فيختلط اغبابل بالنابل ُّ‬
‫نُقلت من اؼبنطقة ُرفعت اؼبسؤولية عن كاىلي وأكوف قد َّأديت واجيب‪.‬‬
‫يبق لقائد اعبيش‬
‫أماـ ىذا اؼبنطق الصاعق واعبرأة اؼبدىشة وىذا اغبس اإلنسآف العميق وىذا اغبرص الراقي على القيم َف َ‬
‫ما يسَب طلبو‪ .‬لقد وجد نفسو تقوؿ‪:‬‬

‫ِ‬
‫فامض فيما أنت ماض من حفظ األمن والشرؼ ورعاية‬
‫لتبق مكانك ولتهنك اغبظوة‬
‫َف أعد أرغب بالسكن عندؾ و َ‬
‫وظبو نفسو‬
‫شؤوف األمة‪ ...‬فما أخفى لسانو ما طوت جواكبو من إعجاب جبليل أعماؿ ىذا اإلنساف ونبل مقاصده ّ‬
‫وعزهتا‪.‬‬
‫َّ‬

‫"من المؤمنين رجال صدقوا ما عاىدوا اهلل عليو ولم يخشوا في الحق لومة الئم"‪.‬‬

‫‪‬‬

‫قاؿ رسوؿ اهلل ‪:‬‬
‫«إنما األعمال بالنيات‪ ،‬وإنما لكل امرئ ما نوى»‪.‬‬
‫ِ‬
‫وتنل سعادة الدارين‪.‬‬
‫فانو النيَّة اغبسنة كي توفَّق إُف كل حسن وطيب ْ‬
‫* * *‬
‫غسالة لقاء أجر معلوـ‪ ،‬وىكذا كانت العادة بالنسبة‬
‫دخلت امرأة عجوز بيت الباشا الَبكي بدمشق تعمل دبثابة امرأة َّ‬
‫للح ّكاـ واألغنياء بأف يستخدموا ذوات اغباجة للعمل يف ىذا آّاؿ‪.‬‬
‫اؼبرات كانت ىذه اؼبرأة العجوز تقوـ بواجبها وعملها يف بيت الباشا الَبكي‪ ،‬فجلست إُف جانبها زوجة‬
‫ويف إحدى َّ‬
‫الباشا تريد أف تتسلّى معها وتبادؽبا اغبديث‪ ،‬إالّ أف اؼبرأة العجوز كانت تغسل والدموع تنساب من عينيها بغزارة‪،‬‬
‫وتقص لزوجة الباشا عن أؼبها وحزهنا‪ ،‬قالت‪:‬‬
‫فسألتها زوجة الباشا عن سبب بكائها الشديد‪ ،‬فبدأت سبسح دموعها‬
‫ُّ‬
‫فبت أحيطو بأروع ما تكوف الرعاية وأُغدؽ عليو أعظم ما يكوف من‬
‫مات زوجي منذ أمد بعيد وخلَّف ِف ولداً وحيداً ُّ‬
‫سبر األياـ والسنوف ويكرب األمل أف يكوف عوناً ِف يف كربي وسنداً ومعيناً ِف يف ىذه‬
‫حناف‪ ،‬وقليب عليو يوماً بعد يوـ‪ ،‬و ُّ‬
‫اغبياة‪.‬‬
‫محاتو‬
‫وآنست من َح َدبِو َّ‬
‫ُ‬
‫وما أف أصبح شاباً يافعاً يف نضرة شبابو وحْب مشْ ُ‬
‫طواهُ‬
‫اػبّب من لَ َ‬
‫ت َ‬
‫علي وعطفو آية الرشد َ‬
‫الردى عِب بأشنع ْمي ٍتة وقتلو الظاؼبوف‪ ،‬فبقيت وحيدة فريدة اجَب نبي وألوؾ عجزي أشكو شيخوخٍب وىذا ما دفعِب إُف‬

‫العمل َّ‬
‫ألسد رمقي يف ىذه اغبياة‪ ،‬إذ ال ُمعْب ِف إال اهلل‪ ،‬ومسحت دموع اغبزف واغبسرة وىي تتنهد ىذه الثكلى‬
‫اؼبسكينة حبرقة‪.‬‬
‫نعم‪ ،‬لقد بكت فأبكت زوجة السلطاف واِف الشاـ الٍب كفكفت دموعها وسألتها‪ :‬من ىم القتلة؟‪.‬‬
‫ُعوض بفدية‬
‫وىدر دـ ابِب وَف أ َّ‬
‫فقالت‪َ :‬ف يُعرفوا‪ ...‬وأُرسلت ع ّدة دوريات للتحري يف ىذا اؼبوضوع ولكن دوف جدوى ُ‬

‫العيش‪.‬‬
‫لعدـ عثورىم على القاتل اعبآف وتركوٓف بعجزي أعمل للقمة ْ‬

‫تقص القصة للباشا‬
‫ىنالك انطلقت زوجة الباشا إُف زوجها مباشرة زبربه بقصة ىذه اؼبرأة العجوز‪ ،‬ولشدة تأثُّرىا كانت ُّ‬
‫وىي تبكي فتأثَّر الباشا بالغ التأثُّر واتصل مباشرة بقائد اعبيش والدرؾ العاـ آمراً إياه باؼبثوؿ بْب يديو حاالً‪.‬‬
‫* * *‬
‫وعند حضوره خاطبو بغضب‪ :‬أين رجالك رجاؿ األمن‪ ،‬ما ىذا التهاوف والتقاعس واإلنباؿ‪ ،‬أجريبة ويف قرية صغرى‬
‫للتحري يف‬
‫وسبضي أشهر ستة وال يُكتشف اعبآف القاتل؟‪ .‬بئس الرجاؿ رجاؿ األمن اؼبتقاعسْب‪ ،‬وطلب منو أف يذىب ّ‬

‫ىذا اؼبوضوع‪ ،‬وشدَّد وأٌفّ بغضب لكشف اعبريبة مهما كلَّف ذلك من جهود‪ ،‬فحيَّاه وخرج ّْ‬
‫مفكراً‪:‬‬

‫التحري ولكن‬
‫ما ىو السبيل؟‪ .‬لقد اختفت آثار اعبريبة منذ ستة أشهر‪،‬‬
‫ْ‬
‫وذىبت عدَّة دوريات من رجاؿ األمن للتحقيق و ّ‬

‫ال جدوى‪.‬‬

‫فتنحل على‬
‫آّرب السيد ؿبمد أمْب وأهنم اعتادوا أف يلتجئوا إليو أثناء الشدائد واحملن‬
‫ُّ‬
‫وىنا تذ ّكر القائد العاـ ضابطنا ّ‬
‫يديو العُقد وتنكشف اعبرائم ويبطش بالشر وأىلو وىو "بعوف اهلل" ال يؤمن باؼبستحيل‪ .‬فاتَّصل بو مباشرة للحضور وكاف‬
‫التحري عن ىذه‬
‫يوـ صبعة أي يوـ راحتو‪ ،‬فجاء فوراً يستطلع اػبرب‪ .‬فأخربه قائد اعبيش دبا‬
‫حدث‪ ،‬وأف الباشا طلب ّْ‬
‫َ‬
‫اعبريبة مباشرة‪.‬‬
‫فقاؿ لو‪ :‬سيادة القومنداف‪ ،‬ىذا يوـ راحٍب‪ .‬وإذا كاف باإلمكاف تأجيل ىذا اؼبوضوع للغد‪.‬‬
‫ذلك ألف ضابطنا كاف قد نوى أف يصلّْي ىذا اليوـ صبلة اعبمعة يف اعبامع‪ ،‬لكن قائد اعبيش رفض ذلك وطلب منو‬
‫الكل ربت إمرتو وأف يتعاونوا معو‬
‫الذىاب وفوراً بأف يأخذ معو ما يشاء من رجاؿ األمن‪َّ ،‬‬
‫وزوده دبهمة رظبية بأف هبعل َّ‬
‫حٌب ولو كانوا أعلى منو بالرتبة‪.‬‬
‫فأجابو‪ :‬حاضر‪ ،‬وحيَّاه وخرج متَّجهاً إُف القسم عن كره وعدـ الرضا ألنو نوى الصبلة ألوؿ مرة وسيضيّْع وقت‬
‫الصبلة‪ ...‬صبلة اعبمعة‪.‬‬
‫اكتفى بسبعة من رجاؿ األمن ٍ‬
‫ودليل و َّاذبو ّٔم إُف قرية "كفر سوسة" قرب مدينة دمشق‪ ،‬حيث اعبريبة الغامضة‪.‬‬

‫ويف الطريق طلب من الدليل أف ىبربه عند وصوؽبم غبدود بساتْب البلدة‪ ،‬وأثناء الطريق أطرؽ رأسو ّْ‬
‫مفكراً باغبل واستعاف‬
‫باهلل بصدؽ وتصميم‪.‬‬
‫* * *‬
‫كل‬
‫وعند وصوؽبم حدود بساتْب البلدة أخربه الدليل بأهنم قد وصلوا إُف حدود القرية‪ .‬فطلب منهم أف يتوزَّعوا على ّْ‬
‫كل من يشاىدوه يف الطرقات والبساتْب من الناس إُف ساحة البلدة‪.‬‬
‫اعبهات والطرؽ ّْ‬
‫اؼبؤدية إُف البلدة‪ ،‬وأف يقودوا معهم َّ‬
‫ولدى وصوؽبم البلدة عليهم أف يتعاونوا مع رجاؿ األمن اؼبوجودين يف البلدة وهبمعوا أىاِف البلدة كلّها من ُدورىم يف‬
‫كل الرجاؿ الذين تَباوح أعمارىم بْب ‪ /43-83/‬سنة‪.‬‬
‫الساحة العامة‪ ،‬وأف ُوبضروا َّ‬
‫وفعبلً‪ ،‬قاـ رجاؿ األمن دبهمتهم على أمت وجو وصبعوا الناس صبيعاً يف ساحة البلدة‪ ،‬وعندما وصل ضابطنا السيد ؿبمد‬
‫أمْب إُف ساحة البلدة أخربىم بأنو قادـ الكتشاؼ جريبة الشاب اؼبغدور ابن اؼبرأة العجوز وذكر اظبو بعد أف صبع الناس‬
‫كلَّهم باؼبقهى بعد إخراج الكراسي والطاوالت وطلب شيخ البلد "اإلماـ" واؼبختار واألعضاء االثنْب للبلدة‪ ،‬كما طلب‬
‫من أصحاب أربع ؿببلت مواجهة للمقهى بأف يفتحوا ؿببلهتم ويرجعوا للمقهى وقوفاً‪ ،‬وأجلس شيخ البلد واؼبختار‬
‫واألعضاء كل واحد منهم على الكرسي وراء طاولة البائع صاحب اغبانوت‪ ،‬وضبل كرسياً من كراسي اؼبقهى بعنف‬
‫متفرساً بعيوف الشيخ متأمبلً‬
‫وعصبية وبسرعة وضعو أماـ شيخ البلد وجلس عليو وظهره إُف أىاِف البلد وراح ُوبدّْؽ عينيو ّْ‬
‫فصعق الشيخ من ىذا اؼبشهد‪ ،‬واستمر ىكذا‬
‫والشيخ ينظر إليو بفزع بانتظار الكبلـ‪ ،‬لكنو َف يسأؿ وَف يتكلم بأية كلمة ُ‬

‫حٌب مضى من الوقت طبس دقائق‪ ،‬ث ضبل كرسيو وبسرعة وضعو أماـ اؼبختار وكأنو َّ‬
‫توصل لنتيجة وراح ينظر إليو ملياً‬
‫واؼبختار ينتظر السؤاؿ وقد ُظبّرت عينا اؼبختار بعيِب الضابط ف ِزعاً مرعوباً وال سؤاؿ‪ ،‬لكنو فعل كما فعل مع سابقو حٌب‬

‫مضى من الوقت أيضاً طبس دقائق‪ ،‬ث ضبل كرسيو بسرعة ووضعو أماـ العضو األوؿ وفعل معو سباماً كما فعل مع‬
‫سابقيو‪ ...‬حٌب مضى من الوقت طبس دقائق‪ ،‬ث ضبل كرسيو أخّباً ووضعو أماـ العضو الثآف وجلس عليو وأىاِف البلد‬
‫تصرؼ مع العضو‬
‫ينظروف إُف ىذه اؼبشاىد‪ ،‬وىم يظنوف أف األحاديث تدور بينهما‪ ،‬إال أف ضابطنا السيد ؿبمد أمْب ّ‬

‫تصرؼ مع أسبلفو‪ ...‬ربديق بالعينْب ببل كبلـ‪ ،‬حٌب مضى من الوقت طبس دقائق‪ ،‬ث قاـ بسرعة‬
‫الثآف سباماً كما ّ‬
‫وبعنف وىيجاف ملتفتاً إُف أىاِف البلد وفجأة صرخ بصوت كالزئّب‪:‬‬
‫اخرج "كشفتك"‪ ،‬وإذا بصوت شاب يقوؿ‪ :‬أنا سيدي؟‪.‬‬
‫فابتعد عنو الناس مباشرة‪ ،‬قاؿ لو‪ :‬نعم أنت أيها اػببيث اخرج‪.‬‬
‫فانكشف الناس عن الشاب‪ ،‬وما أف خرج حٌب قاده رجاؿ الشرطة إُف أحد الدكاكْب األربعة اؼبفتوحة وألقوه أرضاً بناء‬
‫على أمر ضابطنا اؼبقداـ ووضعوا حبل "الفلقة" يف رجليو ورفعونبا‪.‬‬

‫ضبل ضابطنا السيد ؿبمد أمْب سوطو وبدأ بضرب ىذا الشاب ضرباً مربحاً حٌب بلغت طبسْب جلدة‪ ،‬عندىا أيقن‬
‫الشاب باؼبوت‪ .‬فقاؿ لو ضابطنا‪:‬‬
‫اعَبؼ باغبقيقة وإالَّ ستموت ربت السوط‪ ،‬فصاح الشاب مَبجياً‪ :‬سيدي واهلل َف أقتلو أنا‪ ،‬بل قتلو ابن اؼبختار‪.‬‬
‫فنادى ضابطنا على ابن اؼبختار‪.‬‬
‫فأجابوه‪ :‬بأف ابن اؼبختار يف مثل ىذا الوقت يكوف نائماً‪ ،‬ألنو يسهر الليل كلو بشرب بنت اغباف "اػبمر"‪.‬‬
‫فأرسل رجاؿ األمن إُف بيت اؼبختار إلحضاره‪ ،‬وفعبلً وجدوه نائماً يف فراشو‪ ،‬فأجلسوه وساقوه مقيداً إُف ساحة البلد‬
‫حيث ضابطنا وأىاِف البلد صبيعاً‪ ،‬فرأى ابن اؼبختار ىذا اؼبشهد والشاىد عليو وشاىد ثاف سيحضر للشهادة ضده‪ ،‬وأنو‬
‫ال ؾباؿ لئلنكار‪ ،‬فاعَبؼ باغبقيقة‪ ،‬بأهنم كانوا جالسْب بأحد البساتْب ومعهم شاب ثالث من قرية داريا يتسامروف‬
‫ويشربوف اػبمر‪ ،‬وإذا بالشاب ابن اؼبرأة العجوز قادـ على دابتو قرب البستاف‪ ،‬فبدأ ابن اؼبختار يسمعو من الكلمات‬
‫النابية‪ ،‬وحيث إنو سكراف وفاقد وعيو َف ِ‬
‫يكتف بذلك‪ ،‬بل قاـ واستل خنجره وطعن الشاب يف ظهره فأرداه قتيبلً وعاد‬
‫يتابع جلستو مع رفاقو مسروراً ـبموراً وكأنو قتل فأراً‪ ،‬أو َّ‬
‫كأف شيئاً َف يكن‪.‬‬

‫ىنا قيَّده ضابطُنا وساقو معو إُف قائد اعبيش ومعو رفيقو كشاىد‪ ،‬وأرسل دورية من رجاؿ األمن ليأتوا بالشاىد الثآف من‬
‫قرية داريا ويلحقوا ّٔم على جناح السرعة‪.‬‬
‫وعند وصولو إُف قائد اعبيش سلَّمو آّرـ ومعو شاىد ضدَّه وأعلمو بأف الشاىد الثآف سيصل بعد قليل‪ ،‬وىنا بدأت‬
‫اؼبهمة واكتشفت اعبريبة خبلؿ ساعتْب‬
‫عبلئم الفرح الصاعق والسرور الكبّب يظهراف على وجو قائد اعبيش‪ ،‬حيث سبّت َّ‬
‫ونصف تقريباً‪ ،‬ولفرحتو الغامرة استعجل وانطلق مباشرة يبشّْر الباشا دبا حدث‪ ،‬وأف آّرـ قد ُكشف‪.‬‬
‫وىنا كانت اؼبفاجأة اؼبذىلة كبّبة لقائد اعبيش عندما أجابو الباشا جريبة ُزبفى منذ شهور وكأف شيئاً َف وبدث‪ ،‬واآلف‬
‫وخبلؿ ساعتْب ونصف تظهر اعبريبة‪ ،‬ال شك أنكم كنتم ترتشوف من اؼبختار وتتسَبوف عليو حٌب ضغطت عليكم‪،‬‬
‫أىكذا هتدروف حقوؽ الناس يف سبيل اؼباؿ بئس رجاؿ األمن أنتم هتدروف حقوؽ الناس ألطماعكم الزائلة‪ ،‬أغرب عن‬
‫وجهي‪.‬‬
‫وقوات األمن "الشرطة" وأصبح يف حّبة تامة وضياع فما ظنَّها بشارة وظفر انقلبت‬
‫ىنا طاش صواب القائد العاـ للجيش َّ‬
‫عليو جرماً واهتاماً وقاؿ‪:‬‬
‫سيدي‪ ..‬لن تقتنع مِب ولن تصدّْقِب ولكن ِف طلب واحد‪ ،‬وىو أف تسمع قصة اكتشاؼ اعبريبة من الضابط الذي‬
‫اكتشفها‪.‬‬

‫فأجابو‪ :‬أحضره‪ ،‬ولكن بلهجة عدـ االكَباث واالمتهاف‪.‬‬
‫متجهماً إُف ضابطنا السيد ؿبمد أمْب ىبربه بالذي حدث مع الباشا‪ ،‬وبأنو طلب منو أف وبضر ليُسمعو‬
‫فحيَّاه وخرج ّْ‬
‫تفصيبلت اكتشاؼ اعبريبة‪ ،‬وسألو‪ :‬أتستطيع مقابلتو وشرح تفاصيل كشفك اعبريبة؟‪.‬‬
‫فأجابو جبرأة وشجاعة وال مباالة‪ :‬نعم‪ ،‬وَِفَ ال؟‪.‬‬
‫فعادا إُف الباشا وعندما بدأ ضابطنا السيد ؿبمد أمْب بسرد حديثو للباشا عن اػبطط واألساليب الٍب اتبعها أثناء كشف‬
‫اعبريبة كاف الباشا غّب مكَبث وال مهتم حبديثو‪ ،‬ولكن عندما وصف لو كيف أنو صبع أىل البلد يف الساحة العامة‬
‫تصرؼ معهم‪ ،‬بدأ الباشا يُصغي وينتبو للحديث‪ ،‬وضابطنا يتابع حديثو حٌب‬
‫وأحضر الشيخ واؼبختار واألعضاء وماذا َّ‬
‫استمر إُف هناية الوصف‪.‬‬
‫أصبح الباشا كتلةً من اإلصغاء واالىتماـ البالغ‪ ،‬وىكذا َّ‬
‫مقدراً ومعظماً وسألو‪ :‬من أين جئت ّٔذه اػبطة العظيمة!‪.‬‬
‫ىنا التفت إليو الباشا ّْ‬
‫مضيفاً القوؿ‪ :‬أنا درست يف أؼبانيا يف علم اعبرائم واكتشاؼ آّرمْب ولكِب َف أظبع قط دبثل ىذه اػبطة اإلبداعية بعاَف‬
‫اعبريبة وآّرمْب‪.‬‬
‫فأجابو ضابطنا‪" :‬من ىنا" مشّباً إُف رأسو‪ ،‬أي بالتفكّب‪.‬‬
‫فقاؿ الباشا‪ :‬فعبلً ىذه اػبطَّة ال تكوف أبداً إال بالتفكّب وال تصدر من الكتب‪.‬‬
‫وىنا زاد الباشا يف تقديره ؽبذا الضابط وأصبح لديو من اؼبقربْب‪ ،‬فحيّاه ضابطنا السيد ؿبمد أمْب وخرج مع قائد جيشو‬

‫منتصراً مرفوع الرأس‪ ،‬كما أف الغمامة السوداء الٍب حلَّت بقائد اعبيش زالت وزاد يف قربو من الباشا أيضاً‪.‬‬
‫* * *‬

‫وحيث إف ضابطنا كاف قد نوى أف يصلّْي اعبمعة ؽبذا اليوـ فقد قاـ بتنفيذ مهمتو وقاـ دبا قاـ بو قبل موعد صبلة‬
‫اعبمعة‪ ،‬فذىب مباشرة إُف الصبلة‪.‬‬
‫ويضحي من أجل‬
‫التقرب إليو بالصبلة‬
‫ّْ‬
‫وىذه أفعالو سبحانو وتعاُف دائماً يفتح آّاؿ وييسر الطريق لكل إنساف ينوي ُّ‬
‫راحة الناس وسعادهتم‪.‬‬

‫‪‬‬

‫ِ‬
‫ِ‬
‫قاؿ رسوؿ اهلل ‪« :‬من رأى منكم منكراً فلْيغيره ِ‬
‫وذلك‬
‫فبقلبو‬
‫فبلسانو‪ ،‬فإ ْن لم يستطع‬
‫بيده‪ ،‬فإ ْن لم يستطع‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫أضعف اإليمان»‪.‬‬
‫* * *‬
‫ذات يوـ جاء بعض الدرؾ وأخربوا رئيس قسم حي الصاغبية‪ ،‬أي ضابطنا السيد ؿبمد أمْب بأهنم رأوا ضابطاً تركياً برتبة‬
‫يتحرش بالنساء ويضرب من يعارضو بوحشية واضعاً مسدسيو على‬
‫مبلزـ أوؿ سكراناً معربداً يتمايل يف طرقات الصاغبية َّ‬
‫جنبيو‪.‬‬
‫فما كاف من ذلك الضابط السيد ؿبمد أمْب إالّ أف أمر الدرؾ بإحضار ذلك السكراف العربيد إُف اؼبخفر (القسم)‪ ،‬ولو‬
‫اضطروا الستخداـ القوة‪.‬‬
‫وبالفعل متَّ التنفيذ فأ ِ‬
‫ُحضر الضابط السكراف اؼبعربد وىو يهدّْد ويرعد‪ ،‬وقاـ الضابط السيد ؿبمد أمْب وعلى الفور غّب‬

‫ٍ‬
‫مسّب البشر قانوف اهلل ليُقيم َّ‬
‫اغبد عليو‪ ،‬فضربو ضرباً شديداً تأديباً لو دوف أف يَبؾ أي أثر‬
‫مباؿ بقانوف البشر ذباه قانوف ّْ‬
‫على جسمو وش ّده وربطو بعمود وسط قسم األمن وكاف يشبعو ضرباً كلما ثار للباطل وأطلق العناف للتهديد والوعيد‬
‫والشتائم "لكونو من الطبقة اغباكمة إذ ذاؾ" حٌب ىبمد‪ ،‬وكلما عاد لثورة الباطل عاد لتأديبو وردعو حٌب طبد باطلو‬
‫واستكاف‪.‬‬
‫* * *‬

‫فك وثاقو اؼبشدود بو إُف ذاؾ العمود طيلة الليلة‪ ،‬فرفض األكل‪.‬‬
‫ويف الصباح جلب لو طعاـ اإلفطار بعد أف َّ‬
‫فرد عليو الضابط "اؼبتحلي بأمر اهلل"‪ :‬إف كنت تريد اػبروج بسبلـ عليك أف تأكل أو سأعود إلىانتك يا ُمهاف‪ ،‬فعد‬
‫َّ‬
‫عن باطلك واجنح إُف السبلـ وتقبّل اإلكراـ‪.‬‬
‫وبالفعل أكل ذلك الضابط الَبكي الطعاـ والغيظ يكاد يقتلو‪ ،‬ث أطلق سراحو وأخرجو من القسم ف َّاذبو على الفور إُف‬
‫قادتو وأعلمهم بأَم ِر ضربو وإىانتو من قبل ضابط عريب وىو الضابط الَبكي اغباكم‪.‬‬
‫ولكن الضابط السيد ؿبمد أمْب توقَّع ذلك كلَّو وأخذ باألسباب فأوصى كافة رجاؿ األمن لديو أف ينكروا أمر الضرب‬
‫الذي قاـ بو ذباه الَبكي مٌب ُسئِلوا‪ ،‬ورتَّب خطَّة‪.‬‬
‫وبالفعل قَ ِدـ قائد اعبيش الَبكي بنفسو للتحقيق ّٔذا األمر اػبطّب اػبارؽ للقوانْب العسكرية‪ ،‬فبالعرؼ العسكري ال هبوز‬
‫ضرب ضابط مهما كانت األسباب السيما من ضباط اغبكم إذ ذاؾ‪.‬‬
‫وعند وصوؿ احملقّْق الكبّب وقيامو بالتحقيق الدقيق مع رجاؿ أمن القسم‪ ،‬أنكر األفراد صبيعاً شكوى الضابط الَبكي من‬
‫وضرب‪ ،‬وأثبتوا فقط أهنم ربطوه إُف عمود القسم‪ ،‬إذ كاف سكراناً يعربد ويضرب كل من يتقرب منو‪ ،‬فأوثقوه‬
‫أنو أُىْب ُ‬

‫حٌب يصحو من سكرتو‪ ،‬فلما صحى يف الصباح أكرمو رئيس القسم وسامره وآ َكلَو وطيَّب خاطره‪ .‬ىذه كانت شهادة‬
‫اعبميع مع رئيسهم "ضابطنا السيد ؿبمد أمْب"‪.‬‬
‫وبعد التحقيق اقتنع بكذب الضابط الَبكي اؼبشتكي‪ ،‬بعدىا قاـ ضابطنا العريب اغبكيم بإكراـ القائد فجلب لو الطعاـ‬
‫الفاخر‪ ...‬وتناوال فطورنبا ونبا يتسامراف بطرب وىناء‪.‬‬
‫مقرباً إُف قلبو‪:‬‬
‫عند ذلك قاؿ ضابطنا السيد ؿبمد أمْب للقائد وكاف ؿببوباً لديو َّ‬
‫أربب بأف أُخربؾ بوجو من اغبقيقة السافرة حبّياً أـ قانونياً عسكرياً؟‪.‬‬
‫ُّ‬
‫اغبيب‪ ،‬وما ىو القانوٓف العسكري؟‪.‬‬
‫فتساءؿ القائد العاـ‪ :‬ما ىو ّ‬
‫ويتحرش باألعراض‪ ،‬فقبضنا‬
‫أجابو‪ :‬القانوٓف العسكري‪ :‬إنّا وجدنا الضابط الَبكي ـبموراً سكراناً يضرب الناس ويعتدي‬
‫َّ‬
‫فضربػَنَا بشراسة فبا اضطرنا إُف ربطو بعمود القسم حٌب يصحو‪ ،‬ث أكرمناه وانصرؼ‪.‬‬
‫عليو َ‬

‫ِ‬
‫اغبيب؟‪.‬‬
‫عم ُّ‬
‫تصرفكم اغبكيم الذي تستحقوف عليو ثناءنا‪ .‬واآلف ما األمر ّْ‬
‫التصرؼ ّ‬
‫قاؿ القائد العاـ للجيش الَبكي‪ :‬ن َ‬

‫يتحرش بالنساء ويضرب الناس وىو ـبمور‪ ،‬فلما قاوـ القبض عليو وحاوؿ الضرب‬
‫أجابو ضابطنا‪ّ :‬‬
‫اغبيب‪ :‬أننا وجدناه ّ‬
‫وشره‪ ،‬ث ثار وشتم فأوسعناه‬
‫بعنف‪ ،‬أمسكنا بتبلبيبو وألقينا بو أرضاً وجلدناه و َّأدبناه حٌب تراجع عن جربوتو األعمى ّْ‬

‫ضرباً وربطناه بالعمود حٌب الصباح‪ ،‬عندىا ارتدع عن طغيانو و َّ‬
‫كن واستكاف‪ ،‬فأكرمناه وأطعمناه فاستسلم صابراً متظاىراً‬
‫بالعودة إُف الرشد ولكن على مضض‪.‬‬
‫وىب واقفاً وزأر‪ :‬أضربتم ضابطاً تركياً؟‪.‬‬
‫ثار القائد العاـ َّ‬
‫أجابو الضابط‪ :‬كبلّ سيادة القومنداف‪ ،‬أبداً َف يضربو وَف يهنو أحد‪ ،‬بل ربطناه ألنو َف يكن بوعيو بسبب شربو اػبمر‬
‫بإفراط يضرب ويشتم‪ ،‬فلما صحا أكرمناه وأطعمناه وَف نقم إال بتدابّب وقائية غبفظو والعناية بو‪.‬‬
‫القائد العاـ وقد ىدأ روعو وسكنت نفسو وجلس‪ :‬ولكن أَف تقل ِف بأنك ضربتو وأىنتو؟‪.‬‬
‫أجاب ضابطنا‪ :‬كبلّ‪ ،‬إف ذلك اإلخبار كاف حبّْياً‪ ،‬فمن ؿببٍَّب لك قلت ما قلت‪ ،‬أما ؼبا ثرت أخربتك بالواقع القانوٓف‬
‫العسكري‪.‬‬
‫تأمل وقاؿ‪ :‬فهمت اآلف‪ :‬وأجيبك قانونياً‪ :‬أنكم فعلتم واجبكم على الوجو األمت‪ ،‬ربطتموه‬
‫عندىا ابتسم القائد الكبّب بعد ّ‬
‫تفهمو لؤلمر واكبيازه للحق ولو على قومو‬
‫اتقاء ّْ‬
‫شر سكره‪ ،‬فلما صحا أكرمتموه ولكم ثناؤنا‪ .‬وغمز بعينو رامزاً عن ّ‬
‫َّ‬
‫اغبكاـ‪.‬‬
‫* * *‬
‫اؼبطهرة بأعمالك وإقبازاتك الكربى بعد ىذا الدرس‬
‫أما ذاؾ اػببيث الشرير فلقي جزاءه ولن هبرؤ على إفساد منطقتك َّ‬
‫الصارـ أبداً‪ .‬ث غادره وىو يغالب ابتساماتو وسروره القليب وذىب قرير العْب راضياً‪.‬‬
‫صشُ‪ٚ‬ا َ‬
‫هللاَ ‪َٕ٠‬صُشْ ُو ُْ َ‪ُ٠ٚ‬ثَج ْ‬
‫ِّذ أَ ْلذَا َِ ُى ُْ}(‪.)8‬‬
‫{‪..‬إِ ْْ رَٕ ُ‬

‫‪‬‬

‫) سورة ؿبمد‪ :‬اآلية (‪.)4‬‬

‫(‪8‬‬

‫خلق اهلل تعاُف اإلنساف وجاء بو ؽبذه الدنيا ليسعده ويفيض عليو من ّبره وكرمو دنيا آخرة‪ ،‬لكن اإلنساف ل َّػما جاء وأُعطي‬
‫كسبو وراح يرتع ويتمتع يف شهواتو البهيمية الرخيصة‪ ،‬ولذلك ومن رضبتو تعاُف َف يَبؾ‬
‫اختياره حاد عن طريق سعادتو و ْ‬

‫اؼبتأمل بالزائل يضيع كرامتو وكسبو على أرض اؼبذلة واػبسراف وس ْفح وجوده العظيم‪ ،‬وليفيق من سباتو العميق‬
‫ىذا الغافل ّْ‬
‫ويعود لطريق سعادتو اغبقيقية ومكاسبو اليقينية الٍب ال نضوب ؽبا فبن ال يضل وال ينسى‪.‬‬
‫وىنا بدأ اهلل تعاُف يرسل ؽبذا اإلنساف من اإلكراـ والعطاء تارةً‪ ،‬ومن الفقر واعبوع واغبرماف تارةً‪ ،‬ومن األمراض والشدائد‬
‫واؼبصائب تارة أخرى‪ ،‬كل ذلك ليعود ىذا اإلنساف عبادة الصواب وليسّب يف طريق سعادتو وكسبو‪.‬‬
‫* * *‬
‫وأمامنا حادثة وقعت بأواخر عهد األتراؾ يف ببلدنا عندما سلَّط اهلل تعاُف اعبراد على مزارع وزروع الناس بسبب إعراضهم‬
‫يبق عود أخضر يف الببلد‪.‬‬
‫عن منهج اهلل‪ ،‬حٌب َف َ‬
‫فلقد ىجمت أسراب اعبراد بأعداد كبّبة جداً‪ ،‬ولكثافتو كاف يشكل سحابة ربجب نور الشمس أثناء طّبانو وانتقالو‬
‫من مكاف آلخر‪ ،‬فبدأ يأكل األخضر واليابس "حٌب التهم غباء الشجر"‪ ،‬ونتيجة لذلك حدثت ؾباعة كبّبة يف الببلد‬
‫زجوف باؼبعركة‬
‫بسبب فقداف احملاصيل واؼبواسم الزراعية‪ .‬ىذا ُ‬
‫وظبّْيت تلك الفَبة العصلَّة القاسية بزمن "سفر ّبر"‪ ،‬إذ كانوا يُ ّ‬

‫ض ّد اغبلفاء باغبرب العظمى ّبراً حٌب ترعة السويس‪.‬‬

‫وخبلؿ ىذه الفَبة جاء أحد اؼبزارعْب بقرية "داريا" قرب مدينة دمشق إُف السرايا يشكو مزارعاً يف بلدتو أف حبوزتو نوعاً‬
‫من اؼببيدات القاضية على اعبراد قضاء مربماً وَف ِ‬
‫يعط منو أحداً‪ ،‬أو يُعلم الدولة لتأمينو للمزارعْب‪ ،‬ودليلو على ذلك‬
‫ً‬
‫بستانو األخضر وأشجاره اؼبونقة الوارفة الظبلؿ‪ ،‬والٍب َف يقرّٔا اعبراد‪ :‬فهي ذات أشبار متدلية وفّبة وأعناب غاية يف اعبودة‬
‫وطيّْب اؼبذاؽ‪.‬‬
‫وىنا امتطى ضابطنا السيد ؿبمد أمْب صهوة حصانو وتبعو عدد من الشرطة "الدرؾ" للتحقيق ّٔذا اؼبوضوع و ُّ‬
‫التأكد من‬
‫صحة أقواؿ ىذا اؼبزارع‪ ،‬وانطلقوا مع الواشي إُف مكاف البستاف‪ ،‬وعند وصولو رأى األشجار اػبضراء واألشبار اليانعة سباماً‪،‬‬
‫كما ُوصفت لو‪ ،‬فطلب صاحب البستاف‪ ،‬وحْب حضر ثار عليو والسوط يف يده يبغي ضربو الضرب اؼبربح‪ ،‬قائبلً لو‪:‬‬
‫يهمك أمر نفسك‬
‫ؼباذا تكتم ىذا الدواء اؼببيد للحشرات عن اؼبزارعْب كما َف تُعلم الدولة كي ّْ‬
‫تؤمنو للمزارعْب‪ ،‬فقط ُّ‬
‫أيها األنآف وعلى البشر اؽببلؾ!‪ .‬يا ويلك غداً بْب يدي اهلل‪.‬‬
‫فأجابو قائبلً‪ :‬سيدي الدواء الذي استعملو كلّهم يعرفونو وال يستعملونو‪ ،‬بل يرفضونو بازدراء‪ ..‬وكانت صبهرة من أىاِف‬
‫ذبمعت‪ ،‬فنظر إليهم ضابطُنا‪ ،‬وإذا ّٔم قد طأطأوا رؤوسهم وَف ينبسوا ببنت شفة خجلْب مذلولْب‪،‬‬
‫القرية ووجهائها قد َّ‬
‫سوطو وقاؿ لو‪ :‬ما ىو ىذا الدواء؟‪.‬‬
‫عندىا خفض ْ‬
‫فأجابو اؼبزارع‪ :‬الزكاة ػ سيدي‪ ،‬إٓف أتصدَّؽ بع ْشر ؿبصوِف سنوياً طواؿ حيايت فحفظو اهلل ِف‪ ،‬فقاؿ لو ضابطنا‪ :‬ماذا‬
‫تقوؿ؟‪.‬‬
‫فكرر‪ :‬الزكاة‪ ،‬سيدي‪.‬‬
‫ّ‬
‫وىنا خاطب صاحب البستاف قائبلً‪ :‬وىل يفهم اعبراد ويبيّْز بْب بستاف مزّكى وآخر غّب مزّكى؟‪.‬‬
‫جرب‪ ،‬و ِ‬
‫ألق اعبراد على الزرع‪.‬‬
‫فأجابو‪ّْ :‬‬
‫ّٔمة ونشاط وصبع بكلتا يديو صبعاً كبّباً من اعبراد من األرض‪ ،‬وألقاه‬
‫عندىا قفز ضابطنا من صهوة حصانو إُف األرض ّ‬

‫تبق جرادة واحدة يف‬
‫يف البستاف‪ ،‬وإذا باعبراد يرتطم بأرض البستاف وزرعو قافزاً جبناحو مرتداً القهقرى خارج البستاف وَف َ‬
‫فكرر ذلك ثبلث مرات‪ ،‬ويف كل مرة‬
‫البستاف‪ ،‬بل كاف اعبراد يرتطم ويعود إُف مكانو دوف أف يقضم ورقة من البستاف‪ّ ،‬‬

‫يعود اعبراد من حيث أتى وكأنو اصطدـ جبدار منيع أو بنار ؿبرقة قذفت بو خارج البستاف‪.‬‬
‫وىنا َّ‬
‫حصنوا أموالكم بالزكاة»‪.‬‬
‫تذكر ضابطنا حديث حبيبو اؼبصطفى ‪ِّ « :‬‬

‫فتتقرب نفوسنا زلفى بوجو أبيض بعملها من ىذا الكامل العظيم‬
‫ؽبذا أمرنا تعاُف ّٔا كي ربصل لنا ثقة برضاء اهلل عنا‪َّ ،‬‬

‫وتتشرب منو تعاُف صفات الكماؿ ونصبح إنسانيْب ونعمل اإلحساف أيضاً ونعود إليو بعد ىذه اغبياة وىو ر ٍ‬
‫اض عنا‪،‬‬
‫ّ‬
‫وندخل جناتو كما وعدنا‪:‬‬
‫{‪..‬ا ْد ُخٍُ‪ٛ‬ا ْاٌ َجَٕخَ ِث َّب ُوٕزُ ُْ رَ ْؼ ٍَُّ‪.)8(} َْٛ‬‬
‫وبب الغِب ألنو سبب يسره‬
‫اغبب و َّ‬
‫الود والعطف بْب أفراد آّتمع‪ :‬الفقّب ُّ‬
‫فهو تعاُف وبثُّنا على الزكاة وأدائها ألهنا تولّد َّ‬
‫وكفافو‪ ،‬واألغنياء وببوف الفقراء ألهنم قدَّموا ؽبم اؼباؿ الغاِف على نفوسهم عن رضى إلرضاء اهلل وأسعفوىم من شدَّهتم‬
‫وسروا قلؤّم بعطاءاهتم‪.‬‬
‫ُّ‬
‫وىكذا سبحانو وتعاُف أحكامو وقوانينو كاملة وشاملة وفيها سعادة البشرية يف الدنيا واآلخرة‪ ،‬وىي الٍب ذبمع البشر كافة‬
‫ربت لواء اإلنسانية وتدفع عن اؼبرء وعن أموالو حدثاف الزماف‪ ،‬وبذا يصدؽ القوؿ‪:‬‬
‫(المال المزّكى ال يحرق وال يغرق)‬
‫فالكل بيده تعاُف‪.‬‬
‫بل وبميو اهلل من غوائل األحداث‪،‬‬
‫ُّ‬
‫«ما نقص مال من صدقة»‪.‬‬
‫«باكروا بالصدقة فإن البالء ال يتخطَّى الصدقة»‪.‬‬

‫‪‬‬

‫) سورة النحل‪ :‬اآلية (‪.)02‬‬

‫(‪8‬‬

‫اضطر ضابطنا السيد ؿبمد أمْب ؼبغادرة داره بلباس الراحة لشراء حاجة اضطر ؽبا أىل البيت وكاف قد صرؼ العنصر‬
‫السماف حٌب وقع نظره على رأس آّرمْب الكبار‬
‫اؼبرافق اؼبكلّف خبدمتو‪ ،‬وما أف سار مسافة قصّبة عن اؼبنزؿ باذباه ّ‬
‫والذي كاف مضرباً لؤلمثاؿ باإلجراـ والقوة والبطش والصبلبة واعبسم العمبلؽ‪ ،‬إنو فعبلً ؾبرـ ال كآّرمْب بسطوتو‬
‫وجربوتو وبطشو‪ ،‬قضى على عشرات من رجاؿ األمن واؼبواطنْب بطشاً وتنكيبلً‪ ،‬حٌب إف عتاة آّرمْب كانوا وبسبوف لو‬
‫أيبا حساب‪ ،‬بل وىبشوف ذكره إال باإلكبار واإلجبلؿ‪.‬‬
‫ىذا وقد عجزت كل ؿباوالت الدولة يف إلقاء القبض عليو فذاع صيتو وغدا عنَبة زمانو وبطل أبطاؿ آّرمْب‪.‬‬
‫مدججاً بالسبلح والعصا الغليظة اؼبدبَّبة الرأس الٍب ال تفارؽ‬
‫إنو "حمو جمو" بذاتو ال سواه وجبسمو الضخم العمبلؽ َّ‬
‫يده وخنجره الذي كاف بطوؿ سيف قصّب‪.‬‬
‫ىم أ ْف يلوذ بالفرار منو لكونو القائد اؼبسؤوؿ عن األمن‬
‫وقع نظر ىذا آّرـ العايت اعببّار على ضابطنا‪ .‬وللوىلة األوُف َّ‬
‫وقرر اغتناـ الفرصة‪،‬‬
‫ومبلحقة آّرمْب باؼبنطقة‪ ،‬وؼبا الحظ أنو بلباس الراحة وأعزؿ من السبلح واؼبرافقة‪ ،‬أقلع عن اؽبروب ّ‬

‫وىم دبهاصبتو للقضاء عليو وقتلو‪ ،‬لقد وجدىا فرصةً مواتية لذلك وردبا ربدَّث بنفسو‪:‬‬
‫َّ‬

‫"إنِب ّٔذا أخلّْص آّرمْب منو‪ ،‬لقد الحقنا يف كل مكاف وشتَّت مشلنا وقضى علينا وَف يفلت منو إال القليل وىو ال يزاؿ‬
‫لعل ىذا ما دار خبلد آّرـ وما نوى عليو ألف أسارير وجهو‬
‫يتابعنا ليقضي علينا صبيعاً‪ ،‬أال إهنا فرصة العمر للبطش بو"‪ .‬و َّ‬

‫اؼبستبشرة مبَّت عن ذلك‪.‬‬

‫لكنها اؼبفاجأة الكبّبة والرىيبة‪ ،‬إذ ما كاف من ضابطنا إالَّ أف قاـ باالنقضاض الصاعق اؼبباغت مستفيداً من خفَّتو‬
‫ورشاقتو فبا أذىل آّرـ وجعلو يلجأ للعصا الغليظة رافعاً إياىا دوف اؼبسدس واػبنجر ولكنو عجز وَف َّ‬
‫يتمكن من استعماؽبا‬

‫ألف ضابطنا كاف قد قفز من على بػُ ْعد عدة أمتار قفزًة عاليةً خاطفة على آّرـ‪ ،‬وبضربة قوية على وجو آّرـ العايت من‬

‫كفو ىدَّت فرائص آّرـ فخارت قواه وضاع صوابو وطاش سهمو ووقع على األرض جبسمو الضخم وكأنو فيل ىا ٍو‪ ،‬لقد‬
‫حطَّم عنفوانو الطائش وكربياءه الطاغي وجربوتو العاِف‪.‬‬
‫بأـ أعينهم‪:‬‬
‫فلما شاىد الناس ذلك اؼبنظر ما كادوا ليصدّْقوا ما شاىدوه ّْ‬
‫ٍ‬
‫مستلق على ظهره فاقداً لوعيو‪ ،‬ح ّقاً إنو أمر غريب وعجيب!‪ .‬إهنا معجزة العصر‪..‬‬
‫ىل يعقل ىذا!‪ .‬إنو "حمو جمو"‬
‫مدجج بالسبلح؟‪ .‬كيف تأتّى لو ذلك؟‪.‬‬
‫رجل أعزؿ من السبلح يقضي على "حمو جمو" وىو َّ‬
‫أسئلة دارت يف ـبيلة كل من شاىد اغبادثة أو ظبع ّٔا!‪.‬‬
‫جراً على األرض حٌب وصل إُف قسم األمن‪.‬‬
‫وعلى الفور سحبو من قدمو وساقو ّ‬
‫* * *‬
‫وشره ونصره اهلل عليو‬
‫وىكذا كانت هناية جربوتو اإلجرامي على يد ىذا الضابط الشريف‪ ،‬فأراح بذلك الناس من بطشو ّْ‬
‫نصراً عزيزاً‪.‬‬
‫‪‬‬

‫ستدور عجلة الزمن للوراء قليبلً عائدين إُف أواخر عهد الدولة العثمانية عندما َّ‬
‫شذ الناس وهتاونوا يف تطبيق أوامر اإللۤو‬

‫وفرائضو‪ ،‬عندىا اقتضت حكمة اهلل تعاُف أف يضيّْق على أولئك البشر ويبعث ؽبم من اؼبصائب والشدائد علَّهم يصحوا‬
‫فعمت الفوضى يف جهاز اغبكم وبالتاِف بْب الرعية‪ ...‬تلك الفَبة ُظبّْيت بػ "سفر ّبر"‪ ،‬حيث ُس ّّْبت‬
‫ويعودوا لرشدىم‪َّ ،‬‬
‫اعبيوش للَبعة للقتاؿ‪ ،‬واتَّصفت بآّاعة الكربى من قلة اؼبواد الغذائية لتواِف سنوات القحط واعبفاؼ واعبراد واغبرب‬

‫العاؼبية األوُف‪ ،‬فعاْف الناس اعبوع واغبرماف‪ ...‬لذا عمدت الدولة الزباذ إجراءات صارمة فأصدرت ما يُعرؼ بإسم‬
‫القسائم‪ :‬تستطيع كل أسرة أف ربصل دبوجبها على كمية ؿبدَّدة من اػببز يومياً تبعاً لعدد القسائم اؼبمنوحة ؽبا وتبعاً‬
‫لعدد أفرادىا‪ ،‬أي أف عدد القسائم بعدد أفراد األسرة‪ ،‬ودبوجب كل قسيمة عدد ؿبدد من اػببز لؤلسرة "رغيفْب أو‬
‫ثبلثة" فقط وال تستطيع اغبصوؿ على أكثر من ـبصصاهتا‪.‬‬
‫تعرض ؼبوقف رىيب‪ ...‬كيف‬
‫تعاؿ أخي القارئ لنعيش يف تلك الفَبة قليبلً من الزمن مع السيد ؿبمد أمْب عندما َّ‬
‫تصدَّى ؼبشكلة خطّبة‪...‬لنتابع سوياً‪.‬‬
‫* * *‬
‫يف أحد أحياء دمشق كاف ىناؾ فرف "ـببز" يشغلو َّفراف "خبَّاز" شرير فاقد اؼبروءة‪ ،‬فاقد الدين والشرؼ‪ ...‬كاف ىذا‬
‫الطاغية يستعلي على الناس‪ ...‬وعلى أبناء َحيّْو فهو من عائلة غنية ذات جاه عريض ومكانة مرموقة يف جهاز حكم‬

‫الدولة‪ ،‬وىو صاحب ىذا الفرف والناس كلها حباجتو‪ ...‬فيستغل ما ىم فيو من حاجة للرغيف!‪ .‬كاف ال ىبشى أحداً ؼبا‬
‫ظن أنو‬
‫ظن أف كل أولئك الناس ربت إمرتو ألهنم حباجتو‪ ...‬فهو يعطي وىو يبنع‪َّ ...‬‬
‫يلقاه من دعم عائلتو وغناىا‪ ،‬حٌب َّ‬

‫ونسي أف اهلل ملِك الناس‪ ،‬كلهم يف قبضتو وكلهم يف يده فبل يسلّْط الظاَف إال على‬
‫يستطيع النيل من الفتاة الٍب يرغب َ‬

‫ظاَف‪ ،‬وال يطوؿ الزآف إال زانية على شاكلتو‪ ...‬أما الطاىرة العفيفة ُمستحيل أف يطوؽبا‪ ،‬فاهلل قاىره ال ؿبالة‪.‬‬

‫ذات يوـ بلغتو بعض األخبار الٍب تناقلتها ألسنة بعض نساء اغبي الغبيات وىو أف بنت "فبلف" فتاة شابة ال مثيل عبماؽبا‬
‫يف اغبي كلو‪ ...‬فجماؽبا منقطع النظّب وىي يف ريعاف الصبا‪ ،‬بلغو اػبرب عن طريق عائلتو "أمو أو أختو أو‪."..‬‬
‫أما ىو فيعرؼ أف بنت فبلف تأتيو يومياً لتأخذ خبز أسرهتا الٍب ال معْب ؽبا‪ ،‬فأب األسرة "والدىا" رجل طاعن بالسن‬
‫وعاجز وإخوهتا صغار أطفاؿ‪ ،‬أما أمها فقد فارقت اغبياة منذ سنوات ع ّدة‪ ،‬فما من أحد يستطيع اػبروج وشراء حاجات‬
‫البيت إالَّ تلك الفتاة‪.‬‬

‫طبعاً اغبجاب كاف مطبَّقاً على كافة النساء اؼبسلمات بذاؾ العهد‪ ،‬فكانت تلك الفتاة زبرج فبل تُعرؼ أىي شابة أـ‬
‫عجوز‪ ..‬صبيلة أـ قبيحة‪ ..‬ال تظهر إالَّ كقبة سوداء‪.‬‬

‫للفراف بإسم "فبلف" والدىا‪ ،‬ىذه األنثى الٍب تأيت الفرف وربمل قسائم "فبلف" ىي ابنة فبلف‪ ...‬إذاً‬
‫القسائم الٍب تقدّْمها َّ‬
‫الفراف اػببيث‪ ،‬ث أضمر بنفسو نيةً خبيثة‪.‬‬
‫ىا ىي الفتاة الٍب ذاع صيت صباؽبا‪ ...‬ىذا ما أدركو َّ‬
‫* * *‬
‫ـبصصات عائلتها اليومية من‬
‫ويف صبيحة اليوـ التاِف وكالعادة وبعد شروؽ الشمس جاءت الفتاة لفرف اغبي لتأخذ َّ‬
‫الفراف فيو‪ ...‬إنو بإسم‬
‫اػببز‪ ،‬وقفت تنتظر أماـ النافذة‬
‫َّ‬
‫اؼبخصصة للنساء إُف أف حاف دورىا فمدت دفَب القسائم‪ ...‬نظر َّ‬
‫"فبلف" والدىا‪ ...‬فعرفها‪ ...‬إهنا ىي‪ ...‬إهنا الفتاة الشابة‪ ...‬فريستو الٍب نوى عليها‪ ...‬ذباىلها وَف يستلم الدفَب منها‪،‬‬
‫الفراف ما السبب ال تدري‪ ...‬لكنها وقفت‬
‫التصرؼ من َّ‬
‫فلم يسلّْمها حقَّها من اػببز‪ ...‬فوقفت تنتظر مستغربة ىذا ُّ‬
‫تبق إال تلك اؼبسكينة "مكسورة اعبناح" بقرب النافذة الكبّبة‬
‫وغّبىا يأخذ اػببز‪ ...‬إُف أف خبل الفرف من الناس وَف َ‬
‫ؿبتارًة ما األمر ال تدري!!!‪.‬‬
‫وقفت وكلها حياء تود لو تذىب ولكن عليها أف تأخذ اػببز ألبيها العاجز‪ ،‬وإخوهتا الصغار ينتظروهنا لطعاـ اإلفطار‬
‫الفراف اػببيث ٍ‬
‫بعيوف فبلوءة باػبيانة والعصياف‪ :‬لن أعطيك اػببز حٌب أناؿ منك ما أبغي‪...‬‬
‫فقاؿ ؽبا َّ‬
‫مرة قاسية صدمت قلبها الطاىر العفيف فأدارت ظهرىا وأسرعت خطاىا للبيت فبل خبز‬
‫َف ربتمل ما ظبعت‪ ...‬صدمة َّ‬
‫يتوجها وعند اهلل يرفعها‪ ...‬ونفسها تقوؿ‪ :‬ال وألف ال‪.‬‬
‫وطهرىا ّْ‬
‫معها‪ ،‬ولكن شرفها ْ‬
‫وىكذا باتت الفتاة الطاىرة وأىلها يعانوف اعبوع‪ ...‬ومضى اليوـ وأطلَّت مشس صباح اليوـ التاِف وعادت الفتاة الطاىرة‬
‫الفراف البلإنسآف قد تراجع عن إجرامو وغيّْو‪ ...‬ولكن‬
‫لتطلب حقَّها وحق أبيها وإخوهتا من اػببز فعسى أف يكوف ذلك َّ‬

‫كرر ذلك آّرـ ما كاف طلبو منها يف اليوـ اؼباضي‪ ...‬لقد عاد لطلب الفاحشة‬
‫يا ؼبصيبة تلك الطاىرة اؼبسكينة‪ ،‬لقد َّ‬
‫منها مقابل إعطائها ح ّقها من اػببز‪ ...‬رغم اعبوع واغبرماف تركت الفرف وغادرت بسرعة خبطاىا ؿبتقرةً ذلك الوحش‬
‫آّرـ‪ ...‬قلبها يتقطع أؼباً على إخوهتا وأبيها‪ ...‬تثور ثورة الشرؼ فيو على ذلك الطاغية‪.‬‬
‫عادت البيت وعيوهنا سبلؤىا الدموع‪...‬‬
‫يتضوروف جوعاً‪ ...‬أين اػببز يا أخٍب‪ ...‬أين اػببز يا أخٍب‪.‬‬
‫استقبلها إخوهتا فلم هبدوا خبزاً بيدىا فانفجروا بكاءً وىم َّ‬
‫ردت وىي ربتضنهم وسبسح دموعهم‪ ...‬أما دموعها فتجري بغزارة‪ ...‬أما قلت لكم يا إخويت فالفرف ما زاؿ معطبلً عن‬
‫َّ‬
‫العمل‪.‬‬
‫ـبصصة ّٔذا الفرف والفرف اآلخر لن يعطيها اػببز‬
‫ولكن ما اغبل‪ ...‬تذىب لفرف اغبي الثآف؟‪ ...‬ال تستطيع فقسائمها َّ‬
‫فمخصصاهتا ليست من عنده‪ ،‬بل من فرف حيّْها‪ ...‬ولكن ما العمل؟‪...‬‬
‫َّ‬
‫* * *‬
‫عادت يف اليوـ الثالث واألَف يعصر قلبها‪ ...‬ويا لؤلسف فآّرـ ما زاؿ مصراً على إجرامو‪ ...‬فلقد طغت شهوتو عليو‬
‫فحولتو لوحش مفَبس ال ّْ‬
‫يفكر بالصغار الذين يكابدوف اعبوع‪ ...‬يكتب بيده مصّب أسرة فقّبة للهبلؾ مقابل شهوتو‬
‫َّ‬
‫اغبقّبة ووحشيتو الطاغية‪.‬‬
‫ورجبلىا ال ربمبلىا‪ ،‬بل تتهادى كالسكارى وما ىي من السكارى‬
‫تركت الفرف ورجعت يف طريقها سبؤل الدموع مقلتيها ْ‬

‫ولكنو اعبوع الكافر َّ‬
‫ىد قواىا وجعلها كأهنا شبح تتبلشى قواه‪.‬‬

‫فحز األَف واغبزف بقلبو لوضع‬
‫كاف يرقب ىذا الوضع طيلة األياـ الثبلث شيخ مسن طيّْب القلب‪ ،‬فلقد أدرؾ ما يف األمر َّ‬
‫تلك اؼبسكينة وأسرهتا فاقَبب منها وقاؿ‪:‬‬
‫وبل لك مشكلتك ويُعيد لك حقَّك‪ ،‬فادخلي ىذا القسم‬
‫يا ابنٍب اذىيب إُف رئيس قسم حيّْنا واشتكي لو‪ ...‬فهو الذي ُّ‬

‫وقصي عليو األمر‪.‬‬
‫اؼبقابل للفرف ّْ‬

‫كاف ذاؾ ضابطنا السيد ؿبمد أمْب‪ ...‬إنو رئيس قسم الشرطة يف ىذا اغبي‪.‬‬
‫ظبعت الفتاة ما قالو الشيخ الكبّب‪ ،‬فمشت بصعوبة وإعياء إُف القسم اؼبواجو للفرف قاصدة الضابط الرئيس‪ ...‬دخلت‬
‫بثياب السَب والعفاؼ تغطيها من رأسها لقدمها‪ ،‬ـبفية جبلؿ صباؽبا الشاحب احملتار اؼبَبع بالشرؼ‪.‬‬
‫طرقت باب اؼبكتب‪ ...‬كاف رئيس القسم يف مكتبو جالساً وراء طاولتو‪ ،‬صاح‪:‬‬

‫مَبددة من بالغ اغبياء والشرؼ الذي بقلبها‬
‫تفضل‪ ...‬ادخل‪ ...‬فُتح الباب ّٔدوء ُّ‬
‫وتردد ودخلت تلك الفتاة خبطاً بطيئة ّْ‬

‫مع ضعف جسدي واهنيار ظاىر‪ ،‬ولكن ما تزاؿ أصوات بكاء الصغار اعبياع تدؽ أذنيها‪ ...‬وما بقي ؽبا إالَّ ىذا األمل‬
‫الوحيد‪.‬‬
‫سارت إُف أف وقفت قبالة رئيس القسم‪ ،‬ولكن َف تتكلَّم بأية كلمة‪ ...‬صعب عليها أف تنطق بكلمة أمامو إالَّ أف‬
‫دموعها كانت تسيل بغزارة‪...‬‬
‫أحس إنساننا ببكائها‪ ...‬فسأؽبا ما األمر يا أخٍب‪ ...‬تكلَّمي‪ ...‬ولكن َف تستطع الكبلـ‪ ،‬بل زادت بكاءً‪.‬‬
‫َّ‬
‫أدرؾ إنساننا كبّب معاناهتا فقاؿ ؽبا‪ :‬أخٍب تكلَّمي ما األمر‪ ...‬ىيا تكلَّمي‪.‬‬
‫فاعتصرت بنفسها إُف أف استطاعت أف تبوح بكلمات ثبلث‪:‬‬
‫الفراف‪ ...‬ال يعطيِب خبزاً‪...‬آه آه‪ ...‬الفاحشة‪...‬‬
‫آه‪ ...‬آه‪َّ ..‬‬
‫مردداً بنفسو‪:‬‬
‫فهب كاإلعصار‪ ،‬ث اندفع كالعاصفة حامبلً سوطو بيده ّْ‬
‫عند ذلك فهم ضابطنا ما يف األمر َّ‬
‫ىكذا إذاً أيها الفراف النذؿ‪ ...‬أيها آّرـ اغبقّب‪ ...‬سَبى‪ ...‬اندفع خبطوات مسرعة تكاد ال تبلمس األرض‪.‬‬
‫تفرؽ الناس عن الفرف يبنة ويسرة ؼبنظره الغاضب وثورتو الرىيبة وبسرعة انقض من فوؽ طاولة‬
‫وما أف وصل الفرف حٌب َّ‬
‫البيع إُف الداخل‪...‬‬
‫ؾبرور من شعر رأسو وكتفيو ػبارج الفرف ويف وسط الشارع وأماـ‬
‫ذُىل َّ‬
‫الفراف وضاع صوابو اػباطئ فلم يد ِر بنفسو إالَّ وىو ٌ‬
‫كل الناس أصبح مذلوالً ؿبتقراً‪ ...‬ليس دبقدوره أف يبدي أية مقاومة ربت بطشة السيد ؿبمد أمْب الػ ُم ِحقَّة وثورتو للحق‬
‫حل عليو‪ .‬اهناؿ عليو الضابط الشريف الثائر ضرباً‬
‫ب اهلل َّ‬
‫القوية‪ ،‬فقد طاش صوابو وخارت قواه‪ ...‬ويف قسم الشرطة َغ َ‬
‫ضُ‬
‫بيديو فارسبى أرضاً فاهناؿ عليو ركبلً ووطءاً بقدميو‪ ،‬ث ضربو بسوطو وَف يَبكو حٌب أضحى وكأنو جثة ىامدة تسيل دماؤه‬

‫من كل موضع جبسمو‪ ،‬وأضحى حبالة تعيسة جداً ال ُوبسد عليها أبداً‪ ،‬لقد تضخمت قدماه من الضرب تغطيها‬
‫الدماء‪...‬‬
‫لقي قصاصو على يد الضابط الشجاع‪ ،‬لقي ما عانتو تلك الطاىرة من آالـ بقلبها وآالـ إخوهتا وأبيها‪ ...‬إذ كاد أف‬
‫لقد َ‬
‫يهلكهم جوعاً باستغبللو وطغيانو‪ ...‬بوحشيتو وإجرامو‪.‬‬

‫ث أمر الضابط جنوده قائبلً‪:‬‬
‫ىيا خذوه‪ ...‬خذوا ىذا الوحش وأسعفوه ألقرب مركز طيب إلجراء البلزـ لو وإف مات فإُف جهنم وبئس اؼبصّب‪.‬‬

‫ـبصصات األياـ الثبلثة اؼباضية‪ ،‬وَف ِ‬
‫يكتف‬
‫ث خرج ضابطنا وما تزاؿ آلثار ثورتو اؽبدَّارة بقية باقية‪ ،‬عاد للفرف ثانية فأخذ َّ‬
‫عْب ؽبذه األسرة عنصراً من أشرؼ عناصره فكلَّفو بإيصاؿ اػببز يومياً إُف بيتها‪.‬‬
‫بذلك بل َّ‬
‫اقتص منو‪ ،‬بل ؿبى صورة من أبشع صور اإلجراـ وَف ِ‬
‫يباؿ‬
‫لقد َّ‬
‫أحق اغبق بقوة وشجاعة فضرب على يد اعبآف الظاَف و َّ‬
‫بكل ما يبكن أف ينتج عن ىذا العمل اغبكيم‪َ ،‬ف ِ‬
‫الفراف من عائلة غنية ؽبا مكانتها اؼبرموقة يف جهاز‬
‫يباؿ كوف ىذا َّ‬

‫الفراف‪ ،‬فلقد نشأت يف نفسو ثورة قوية للحق‪...‬‬
‫اغبكم‪َ ...‬ف يعبأ دبا سينتج عنهم وما سيكيدوف لو انتقاماً منو لنصرة َّ‬
‫للشرؼ‪َ ...‬ف هتدأ إالَّ حٌب يأخذ اغبق ؾبراه ويضرب بشدة على ِ‬
‫يد الظاَف اعبآف‪.‬‬
‫* * *‬
‫لقي جزاء عملو وإجرامو حبق الفتاة الشريفة واألبرياء الصغار‪ ...‬فبقي طريح‬
‫لقي عقابو‪َ ...‬‬
‫أما ذلك الظاَف الطاغي فقد َ‬
‫الفراش مدة شهرين يُعآف آالماً مربحة وأوجاعاً رىيبة‪.‬‬

‫والسيد ؿبمد أمْب وبَبتيب اهلل انتدبتو اغبكومة الَبكية للسفر إُف تركيا يف مهمة رظبية عاجلة فسافر‪ ،‬وبذلك غاب عن‬
‫مسو بش ٍر‪ ،‬وبذلك ضباه اهلل من كل مكيدة كانت َستُكاد لو‪.‬‬
‫األنظار ّٔذه اؼبهمة وَف يستطع أحد النواؿ منو‪ ،‬بل وال َّ‬
‫الفراف يكابد آالمو‪ ...‬يُعآف أوجاعو‪ ...‬يشتعل قلبو حقداً‪ ...‬ال تربح ـبيلتو صورة ذلك الضابط كيف أذلَّو وسط‬
‫بقي َّ‬
‫أحل بو‬
‫الشارع بْب كل الناس وىو العزيز الوجيو‪ ...‬كيف ضربو يف القسم حٌب جعلو من سكاف اؼبستشفى‪ ...‬كيف َّ‬
‫ويرد لو الصاع صاعْب وكأنو ُوبدّْث نفسو‪:‬‬
‫ىذه اآلالـ واألوجاع فيغلي قلبو حقداً‪ ...‬فكيف سيقتص منو ُّ‬
‫علي أف ال أستسلم لو‪ ...‬ربت يديو‪ ...‬ىو رجل وأنا رجل فما الذي دىآف حٌب خارت قواي‪ ...‬األياـ قادمة وال‬
‫كاف َّ‬
‫الر ُجل فينا‪...‬‬
‫بد أف أُشفى وأعود لك أيها الضابط‪ ...‬يا رئيس القسم‪ ...‬عندىا سَبى من َ‬

‫َف يستطع أف ينساه ولو للحظة‪ ...‬حٌب إنو كاف وبلم بو يف نومو‪.‬‬
‫الفراف يف هنايتهما ومع شفائو من آالمو وجروحو بأف قلبو‬
‫حس َّ‬
‫وما إف انقضى الشهراف األليماف على ىذا اغباؿ حٌب أ َّ‬

‫أيضاً قد ُشفي من إجرامو‪ ...‬من حقده‪ ...‬من باطلو‪ ...‬راجع نفسو وناقشها فوجد أنو كاف يف ؿبض اإلجراـ وأي عمل‬
‫ٍ‬
‫قاس حبق الفتاة وعائلتها أقدـ عليو‪ ...‬أي نّباف كاف سيجلبها لنفسو‪ ...‬يبكي توبة نصوحاً‪ ...‬فلم يعد يستطيع أف‬
‫يتصور ما كاف غارقاً فيو من أعماؿ منحطَّة وعصياف‪ ...‬فيحمد اهلل أف بعث لو ذلك الضابط الشريف السيد ؿبمد أمْب‬
‫َّ‬

‫نبَّهو دبا آؼبو فخلَّصو فبا ىو فيو من إجراـ‪ ...‬فصار يصلّْي‪ ...‬يقرأ القرآف‪ ...‬يعامل الناس باإلحساف وبتواضع حقيقي‬
‫يتمُب أف يرى ذلك الضابط اإلنساف ليقبل يديو‪ ،‬بل قدميو على ما فعلو معو واقتصو منو‪ ،‬فكاف‬
‫نابع من أعماقو التائبة َّ‬

‫سبباً يف عودتو لرشده وتوبتو ورجوعو هلل‪ ،‬بل كاف منقذاً لو من نّباف اآلخرة إُف جناهنا ومن شقاء الدنيا إُف النعيم‬
‫والسعادة بالقرب من اهلل‪.‬‬
‫* * *‬
‫وسبضي األياـ والشهور والسنوات وذات يوـ وبينما كاف ضابطنا السيد ؿبمد أمْب "وكاف إذ ذاؾ قد أُحيل على التقاعد"‬
‫ينقض على تقبيل يده ودموعو تنساؿ بغزارة على وجنتيو اؼبشرقتْب فسحب‬
‫يعرب أحد الطرقات وإذ بشيخ ذي ىيبة ووقار ُّ‬
‫يده بسرعة خاطفة‪ ،‬كاف ىذا الشيخ الوقور جالساً على كرسي أماـ باب داره بعد صبلة العصر (كعادة أىل الشاـ‬
‫قديباً) يقرأ القرآف عندما شاىد ضابطنا الذي َف يتذكره‪.‬‬
‫رفع ىذا الشيخ وجهو وبعيوف سبلؤىا الدموع نظر بإنساننا وقاؿ‪:‬‬
‫اهلل‪ ...‬اهلل‪ ...‬أال تذكرٓف يا سيدي‪ ...‬باهلل عليك دعِب أقبّْل يديك الطاىرتْب السخيتْب ثانية‪ ...‬أُقبّْل رجليك فما أنا وما‬
‫فيو من نعمة وسعادة إالَّ بعضاً فبا تفضلت بو علي‪.‬‬
‫ك أوصلِب للجنة" أيها احملسن‬
‫إٓف أنا َّ‬
‫ض ْربُ َ‬
‫الفراف الذي كنت قد ضربتِب فكنت سبب توبٍب وأوبٍب إُف الرشاد واغبق‪َ " ،‬‬
‫الػ ُمقاصص الرحيم‪ ،‬جزاؾ اهلل عِب خّب اعبزاء أيها اؼبنقذ الكرٔف‪.‬‬

‫فأع ِظ ْم ّٔذا اإلنساف الرحيم ذي القلب الكبّب والذي إف ضرب امرءاً هلل كاف ضربو سبباً يؤدي بو إُف اعبناف‪.‬‬
‫ْ‬
‫‪‬‬

‫لقد تقلّد ضابطنا السيد ؿبمد أمْب ع ّدة مناصب قيادية إبَّاف ُحكْم الدولة العثمانية‪ ،‬فها ىو ذا يتسنَّم منصباً رفيع‬
‫اؼبستوى‪ ،‬حيث ُع ّْْب مديراً لسجن قلعة دمشق اؼبركزي ورئيساً للقلعة بأسرىا دبا يف ذلك قسم التسليح واإلمداد للجيش‬
‫الَبكي بالقلعة‪.‬‬

‫ويف ىذه األثناء كانت اغبرب العاؼبية األوُف تشتد استعاراً لتشمل كافة أكباء اؼبعمورة‪ ،‬ودبا أف الدولة العثمانية ىي أحد‬
‫األطراؼ اؼبتصارعة يف ىذه اغبرب فهي تزج جبحافل اؼبقاتلْب يف ساحات الوغى وخاصة على اعببهة اؼبصرية فيما ُظبّْي‬
‫"حبرب الَبعة" آنذاؾ‪ ،‬ضد بريطانيا العظمى يف ذلك اغبْب‪ ،‬ويف سنوات ٍ‬
‫قياديي‬
‫قحط وقُ َّم ٍل وجراد وفقر وشقاؽ بْب‬
‫ّْ‬
‫االمرباطورية الَبكية‪ ،‬فنتج عن ذلك العجز عن إمكانية تزويد اؼبقاتلْب يف صفوؼ الدولة الَبكية باؼبؤف والعتاد البلزـ‬
‫ػبوض غمار مثل ىذه اغبرب الضروس‪ ،‬فبا يضطر اعبنود وربت وطأة اعبوع والعطش إُف التخلي عن مواقعهم القتالية‬
‫واالنسحاب منها إُف اؼبكاف الذي يتوفر ؽبم فيو األمن والطعاـ واؼبأوى‪.‬‬
‫فارين من اؼبعركة‪ ،‬وعقوبة الفرار أثناء العمليات اغبربية ىي‬
‫وىؤالء حسب القوانْب النافذة يف الدولة آنذاؾ يُعتربوف ّْ‬
‫اإلعداـ رمياً بالرصاص‪.‬‬
‫وبينما كاف ضابطنا يقوـ بتسيّب األعماؿ اؼبنوطة بو داخل القلعة من تفق ٍ‬
‫ُّد ألقسامها وتدب ِّب شؤوهنا‪ ،‬وإذا بقافلة من‬
‫الرجاؿ يُقارب تعدادىم السبعْب رجبلً يُقدَّموف لو من قِبَل رئيس اؼبفرزة اؼبكلَّفة حبراستهم قائبلً‪:‬‬
‫ىؤالء َّ‬
‫ليتم إعدامهم يف‬
‫شكلوا فراراً من ميداف اؼبعركة وصدر اغبكم عليهم باؼبوت رمياً بالرصاص وجئنا ّٔم إليك َّ‬
‫السجن كاؼبعتاد‪.‬‬

‫* * *‬
‫"ومن اؼبعلوـ بأف ىذا الرقم ال يبثل كامل اعبنود الفارين إمبا ىو العشر فقط ألف أعداد الفارين كانت كبّبة جداً وإعداـ‬
‫الفارين ويتم‬
‫كامل ىذه األعداد يعِب القضاء على معظم قطعات اعبيش ووحداتو فكاف َّ‬
‫يتجزأُ الرقم سلفاً لعُشر اؼبقاتلْب ّْ‬
‫إعداـ العُشر ليكونوف عربة لغّبىم كي ال يعاودوا الفرار‪ ،‬ولكن دوف جدوى"‪.‬‬
‫* * *‬
‫عما كاف يفعل الضابط الذي سبقو يف شغل ىذا اؼبنصب مع‬
‫وبعد استبلمهم من قبل ضابطنا أصوالً‪ ،‬سأؿ من حولو ّ‬

‫أمثاؿ ىؤالء‪ ،‬فأُجيب‪ :‬بأنو كانت تُوضع لو منصة ويشرع بشرب القهوة واؼبرطبات مع نرجيلة التبغ على أصوات أزيز‬
‫مضرجْب بدمائهم ببل حراؾ‪ ،‬وىذا فعلو كل يوـ‪.‬‬
‫الرصاص وتساقط ىؤالء الرجاؿ جثثاً ىامدة َّ‬
‫وعلى الفور َّازبذ ضابطنا اؼبقداـ قراراً حاظباً وجريئاً بنفسو وَف يُطْلع عليو َم ْن حولو يقضي بعدـ إعداـ ىؤالء‪ ،‬وىو يعلم‬

‫سره ما أنا إال‬
‫ما يف ىذه اؼبخالفة من خطورة بالغة وكم سيكوف شبنها باىظاً‪ ،‬إذ ستكلّْفو حياتو حتماً‪ .‬إالَّ أنو قاؿ يف ّْ‬
‫ُسرىم صبيعاً‪.‬‬
‫كأحدىم وما حيايت بأفضل من حياة واحد منهم فما َّ‬
‫علي إالَّ أف أقدّْمها فداءً إلنقاذىم وأ َ‬

‫وسّب ىؤالء اؼبعدمْب إُف القلعة‪ ،‬حيث قاـ بتجهيزىم‬
‫سيتم خارج ؾباؿ السجن بل بالقلعة‪َّ ،‬‬
‫ث أذاع بأف تنفيذ إعدامهم ُّ‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫كرديف‬
‫ضموا‬
‫بالسبلح والذخّبة والعتاد واللباس وأمتّ إغباقهم جببهات القتاؿ بعد أف نُظّْمت ّٔم لوائح اظبية جبنود ُ‬
‫اؼبقاتل أُرسلت ىذه اللوائح إُف القيادة مع لوائح اؼبلحقْب اآلخرين باعبيش بشكل طبيعي عادي‪.‬‬
‫للجيش‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫يفد إليو عدد من الرجاؿ يَباوحوف بْب ‪ /43-33/‬معدماً فيُعاملهم‬
‫وَف ينتو األمر عند ىذا اغب ّد بل أصبح ويف كل يوـ ُ‬
‫دبا عامل بو سابقيهم‪.‬‬

‫وىكذا إُف أف مضت فَبة زمنية تُقارب الشهرين حيث بلغ عدد من أنقذىم حبدود ‪ /1333/‬من اؼبعدمْب تقريباً‬
‫وطبيعي أف مثل ىذا األمر ال يبكن إخفاؤه عن أنظار وأظباع السلطة العثمانية السيَّما إذا علمنا أف من وبسده على ىذا‬
‫اؼبنصب اؼبرموؽ ىم ُكثُر ويتمنػ َّْوف زوالو وربطيمو ونواؿ ىذه الوظيفة العالية بدلو‪.‬‬
‫وصل ذلك النبأ الصاعق إُف أعلى اؼبصادر يف الوالية الشامية‪ ،‬ويف ذات يوـ وبينما كاف يقوـ بتنفيذ مهامو وواجباتو‪ ،‬فإذا‬
‫تسم على قسمات وجهو ثائراً على غّب عادتو‬
‫بقائد اعبيش الَبكي يدخل عليو بصورة مفاجئة والغضب الشديد مر ٌ‬
‫اؼبألوفة‪ ،‬قائبلً‪:‬‬
‫"أصبلف" (وتعِب بالَبكية األسد‪ ،‬لُقّْب بذلك نتيجة لنجاحو اؼبنقطع النظّب يف تنفيذ كل ما أُوكل إليو من مهاـ رغم‬
‫جسامتها واستحالة تنفيذىا من قبل غّبه)‪.‬‬

‫ظبي بْب صبيع الضباط قاطبة‪ ،‬فحاز على تقدير وثقة رؤسائو ومرؤوسيو على ح ّد سواء فبا جعلهم‬
‫فلم يكن لو بذلك ٌ‬
‫يطلقوف عليو ىذا اللقب‪.‬‬
‫وتابع قائد اعبيش كبلمو دبنتهى اغبدَّة البالغة وبصوت متهدّْج ماذا فعلت؟‪ .‬وكيف ذبرؤ على ـبالفة أمر الواِف؟‪.‬‬
‫ي كاف‪ ،‬أما اآلف وإزاء ما أقدمت عليو‬
‫إنِب وفيما سبق وطيلة خدمتك العسكرية عندي أقف دائماً مدافعاً عنك بوجو أ ي‬
‫من عمل فظيع ال يبكنِب الوقوؼ إُف جانبك أبداً ألنِب إف أقدمت على مثل ىذا سيكوف معناه تقدٔف نفسي لئلعداـ‬
‫معك‪ ،‬لذا ؤّذا اغباؿ ال يبكنِب الدفاع عنك أبداً‪.‬‬
‫تصور أو خطة مسبقة ؼبواجهة مثل ذلك اؼبوقف‬
‫وىنا وحٌب ىذه اللحظة َف يكن لدى ضابطنا السيد ؿبمد أمْب أي ُّ‬
‫ورد عليو قائبلً وبعنف َف يسبق‬
‫اغبرج اؼبرعب‪ ،‬ولكنو شعر كأف براكْب مفاجئة تفجرت بعنف يف صدره وثار ثورة جاؿبة َّ‬

‫لو مثيل ولعلَّها اؼبرة األوُف يف حياتو العسكرية الٍب يعلو فيها صوتو فوؽ صوت ذلك القائد ؤّذه اللهجة العاصفة قائبلً‪:‬‬

‫إذا دخل العدو الكافر ببلدنا وفتكوا بنا وبأعراضنا فما ستفعلوف أنتم؟‪ .‬أنتم لكم بلد آخر‪ ،‬سيحمل كل واحد منكم‬
‫ؿبفظتو ويرحل لبلده وكبن نبقى ربت نّب الطاغية الكافر نذوؽ العذاب ألواناً‪ ...‬أليس كذلك يا سيادة القومنداف؟‪.‬‬
‫ويدمروف أقدس اؼبقدسات دوف أي‬
‫أي مصّب سيء سنؤوؿ إليو؟‪ .‬إهنم حتماً سينتهكوف اغبرمات ويفتكوف باألعراض ّْ‬
‫َّ‬
‫وازع أخبلقي أو إنسآف‪ ،‬وبذا سنعآف ونكابد ما ال تُعانوف وال تُكابدوف ألنكم عندىا ستحزموف حقائبكم وتغادروف إُف‬
‫ببلدكم آمنْب مطمئنْب‪ ،‬تَبكوننا ومصّبنا اؼبرعب مع ىؤالء األعداء احملتلّْْب‪.‬‬

‫وىنا ظهرت عبلمات الدىشة واالستغراب على وجو قائد اعبيش‪ ،‬فأجابو بدىشة مفاجئة غامرة‪ :‬وماذا تعِب ّٔذا‬
‫الكبلـ؟‪.‬‬
‫قاؿ‪ :‬أعِب أنِب اآلف وضعت جيشاً قوامو ‪ /1333/‬عنصراً يقاتلوف فيقتُلوف ويقتَلوف فإذا قُتل فرد منهم قَػتَل باؼبقابل‬
‫عنصراً من العدو فهذا اعبيش ّْ‬
‫يشكل اآلف جبهة ضاربة لردع العدو كنتم ستقتلوهنم بأيديكم بدؿ العدو‪ ،‬وىم اآلف‬
‫يقتُلوف عدو اهلل وعدوكم‪ ...‬فلماذا تعدموهنم إذف؟‪.‬‬
‫فأجابو القومنداف‪ :‬ألهنم "فرار" من اػبدمة العسكرية‪.‬‬
‫عمن كاف سيُنفَّذ ّٔم حكم‬
‫وىنا سألو القومنداف‪ :‬ولكن ما عبلقة ىذا الكبلـ دبا سألتك عنو من إقدامك على اإلفراج َّ‬
‫اإلعداـ‪.‬‬

‫إِف ليتم تنفيذ حكم اإلعداـ فيهم والذي بلغ‬
‫فأجابو ضابطنا السيد ؿبمد أمْب‪ :‬أكرر‪ ...‬إف ىؤالء الذين ترسلوف ّٔم َّ‬
‫عددىم ‪ /1333/‬مقاتل تقريباً حٌب اآلف‪( .‬مع التنويو بأف ىذا الرقم اؼبذكور وصل إُف ىذا اغبد يف زمنو فقط‪ ،‬فما بالك‬
‫دبن أُعدـ على مدار عامْب)‪.‬‬
‫وتابع قائبلً‪ :‬أما يف حْب اإلفراج عنهم وذبهيزىم وإرساؽبم إُف جبهات القتاؿ فإهنم سيشكلوف جبهة منيعة يصعب على‬
‫لتم القضاء‬
‫كل مقاتل منهم قضى على اعبندي اؼبعادي الذي يقابلو َّ‬
‫العدو الكافر اخَباقها‪ ،‬وعلى سبيل االفَباض لو أف َّ‬
‫على جيش كامل من األعداء و َّ‬
‫لشكل ذلك تغيّباً جذرياً وحاظباً يف ؾبرى وسّب األعماؿ القتالية لصاغبِكم ولصاغبنا‪.‬‬
‫تقصينا أسباب فرار ىؤالء لوجدنا أف فرارىم ليس ُجبناً أو زباذالً وإمبا بدافع اعبوع وعدـ منحهم ما يستحقوف‬
‫ث إننا لو َّ‬
‫زجوف يف أتوف اؼبعارؾ وؽبيبها دوف إمداد‬
‫من إجازات إطبلقاً رغم مكوثهم ُمدداً طويلةً بعيدين عن أسرىم وذويهم‪ ،‬فهم يُ ُّ‬
‫منكم دبا وبتاجوف إليو من طعاـ وغّبه‪.‬‬

‫إذاً ما ىو الذنب الذي اقَبفوه ليُحكم عليهم باإلعداـ؟‪.‬‬

‫اؼبقصرين منهم‬
‫ِأمدُّوىم دبا وبتاجوف إليو ودبا يقتضيو سّب األعماؿ القتالية وقباحها وعلى ضوء ذلك تتم ؿباسبة ّْ‬
‫واؼبتخاذلْب‪.‬‬
‫* * *‬
‫وىنا وإزاء ىذا الرد اؼبنطقي اؼبعقوؿ أجاؿ قائد اعبيش "القومنداف" فكره يف جديَّة ومنطقية كبلمو فوجده سليماً‪ ،‬فرجع‬
‫إُف نفسو إنا لنحن الظاؼبوف وما فعلو ىذا األسد "السيد ؿبمد أمْب" إمبا ىو ح ّقاً لصاغبنا وىو عْب الصواب‪ ،‬عندىا‬
‫سألو السؤاؿ التاِف‪:‬‬
‫أتستطيع أف ُذبيب الواِف دبا أجبتِب بو؟‪.‬‬
‫قاؿ ضابطنا السيد ؿبمد أمْب‪ :‬نعم‪ ...‬وَِفَ ال!‪.‬‬
‫ىلم معي ؼبقابلتو لنشرح لو األخطاء الٍب تقع دوف علم جبللتو‪.‬‬
‫قاؿ القومنداف‪ :‬إذف َّ‬
‫كرر أمامو ما قاؿ بصراحة وجرأة ال تعرؼ الضعف غّب ٍ‬
‫وجل وال ىيَّاب‪ ،‬وشرح تفاصيل ما شرحو‬
‫وعند اؼبثوؿ أماـ الواِف َّ‬

‫ذباه قائد اعبيش‪.‬‬
‫ولدى ظباع الواِف بذلك الرقم ‪ُ /1333/‬معدـ ىالو ما ظبع وأدرؾ عندىا حجم ىذه اعبريبة ّٔذا آّموع الضخم وألف‬

‫ذبزيء ذلك الرقم أي ما بْب ‪ /43-33/‬معدماً يومياً َف يكن يعِب شيئاً بالنسبة ؽبؤالء اؼبسؤولْب‪ ،‬أما حاصل صبعو على‬
‫مسوغ ػبسارهتا‪.‬‬
‫مدى شهرين أو أكثر فهذه خسارة كربى من َّقواهتم ال ّْ‬

‫اؼبدمر‪.‬‬
‫عمن أصدر مثل ذلك األمر األضبق ّْ‬
‫ومن فوره التفت الواِف إُف قائد جيشو مستفسراً ّ‬
‫فأجابو قائبلً‪ :‬إنو صباؿ باشا "السفاح" سيدي‪.‬‬
‫وىنا استشاط ىذا الواِف غضباً وقاؿ‪ :‬أنا موجود وأوامر صباؿ باشا ال تزاؿ سارية اؼبفعوؿ ويُعمل ّٔا يف واليٍب؟!‪ .‬منذ‬
‫ووجو األمر لقائد اعبيش وطلب منو إلغاء أوامر اإلعداـ‬
‫ىذه اللحظة وعلى الفور يُعترب ىذا األمر الغياً وال يعمل بو أبداً‪َّ .‬‬
‫فوراً وإصدار تعميم عاجل بذلك‪.‬‬

‫"وال ىبفى علينا بأنو وكما ىو معروؼ عن الوالة بأف الواِف الذي يلي من سبقو ال تروؽ لو سياستو ووباوؿ النيل منو‬
‫يكن لو ىذا الواِف أي تقدير أو ؿببة"‪.‬‬
‫وخاصة إذا كاف السابق ىو صباؿ باشا الطاغية اعببَّار الذي َف َّ‬
‫توجو إُف الواِف بالقوؿ‪:‬‬
‫وىنا َف يكتف ضابطنا باستصدار ما يلغي ذلك األمر اعبائر فقط‪ ،‬بل َّ‬
‫سيادة الباشا (الواِف) إف مثل تلك األحكاـ اعبائرة َف تكن وقفاً على العسكريْب فقط‪ ،‬إمبا مشلت اؼبدنيْب أيضاً‪ ،‬فهنالك‬
‫العديد من أبرياء اؼبواطنْب يومياً إُف أعواد اؼبشانق وينفَّذ ّٔم حكم اإلعداـ أيضاً‪ ،‬ولو ألتفو‬
‫أمر عريفّّ يُساؽ دبوجبو‬
‫ُ‬
‫ٌ‬
‫األسباب وذلك طبقاً لؤلحكاـ العرفية النافذة واؼبعموؿ ّٔا‪.‬‬
‫وىنا أيضاً سأؿ الواِف قائد اعبيش‪ :‬من أصدر ذلك؟‪.‬‬
‫فأُجيب‪ :‬بأنو صباؿ باشا أيضاً‪.‬‬
‫كذلك أصدر الواِف مرسوماً يقضي بإلغاء األحكاـ السابقة‪ ،‬وندب ضابطنا السيد ؿبمد أمْب لتنفيذ إبطالو‪.‬‬
‫* * *‬
‫توجو فوراً بعد أف أخذ مفرزة من رجاؿ األمن إلزالة كافة أعواد اؼبشانق الٍب كانت‬
‫ومنذ خروج ضابطنا من مقر القيادة َّ‬
‫قد نُصبت يف معظم ساحات مدينة دمشق وأحيائها ودبقتضى ىذا اؼبرسوـ أيضاً أُزيلت كافة أعواد اؼبشانق من صبيع‬
‫أكباء والية ببلد الشاـ بأسرىا‪.‬‬
‫يتم‬
‫وبذلك متَّ إنقاذ آالؼ اؼبدنيْب أيضاً فبَّن كانوا سيقضوف كببهم على أعواد اؼبشانق‪ ،‬وزاؿ اغبيف والظلم عنهم‪ ،‬وَف َّ‬
‫أي إعداـ ألي عريب بعدىا وحٌب زواؿ االمرباطورية الَبكية‪.‬‬
‫عمت األحزاف‬
‫وىكذا وبعد أف خيَّ َم‬
‫كابوس من الرعب والظلم على أبناء والية ببلد الشاـ حيناً من الدىر حيث َّ‬
‫ٌ‬
‫شبح اؼبوت جاشباً يف بيوهتم وخطره ؿبدقاً ّٔم وماثبلً أماـ أبصارىم وأظباعهم حٌب قاـ ضابطنا بعملو‬
‫عوائلهم وأضحى ُ‬

‫اػبلق‬
‫وىب لنصرة من ال ناصر ؽبم وال معْب معتمداً ومتوّْكبلً على ّْ‬
‫اعبليل ىذا َّ‬
‫رب العاؼبْب فأيَّده اهلل بالنصر اؼببْب‪ .‬و ُ‬
‫عياؿ اهلل وأحبُّهم إُف اهلل أنفعُهم لعيالو‪.‬‬
‫كلهم ُ‬

‫حث اهلل سبحانو وتعاُف عباده على اإليباف ببل إلۤو إال اهلل‪ ،‬قاؿ تعاُف‪:‬‬
‫لقد َّ‬
‫{فَب ْػٍَ ُْ أََُٔٗ الَ إٌََِٗ إِالَ َ‬
‫هللاُ‪.)8(}..‬‬
‫فما ىو ىذا اإليباف اؼبطلوب منا‪.‬‬
‫ليس اؼبراد باإليباف الذي ذكره اهلل تعاُف يف كتابو العزيز باإليباف الذي يتناقلو السامع عن ؿبدّْثو ويتلقاه الطالب عن كتابو‬
‫نسميو إيباناً‪ ،‬بل ىو ؾبرد اعتقاد وتصديق‪.‬‬
‫ومعلّْمو‪ ،‬ويتوارثو الولد عن ّْأمو وأبيو‪ ،‬فهذا النوع من اإليباف ال نستطيع أف ّْ‬
‫سرىا‪ ،‬فإذا ىو حقيقة مستقرة فيها زبالطها‬
‫فاإليباف الصحيح‪ :‬علم نفسي وشهود يقيِب تشهده النفس ذاهتا وتعقلو يف ّْ‬
‫تنفك عنها‪...‬‬
‫وسبازجها وال ُّ‬
‫اإليمان‪ :‬شيء معنوي يسري يف النفس سرياف الكهرباء يف األسبلؾ‪ ،‬واؼباء يف األغصاف واغبياة يف األجساد‪ ،‬يُشرؽ يف‬
‫فيشع فيها النور والعلم واغبياة‪ ،‬تدلُّك عليو الصفات اغبسنة واؼبعاملة الطيبة واألخبلؽ الكريبة واألعماؿ الصاغبة‬
‫النفس ُّ‬
‫الشبو وتنمحي بو الظلمات‪ ...‬اإليباف‬
‫ويشعر بو اؼبرء يف صميمو فيطمئن باالً وترتاح إليو نفسو وتنقشع أمامو الشكوؾ و ُ‬

‫حبث ذايت وسبحيص مرفق بالنظر باآليات الكونية إثر ُّ‬
‫تتوصل النفس للوجود اإل ۤؽبي‬
‫التفكر باؼبوت واػبشية منو‪ ،‬عندىا َّ‬
‫وتعقل طرفاً من نوره تعاُف وكماالتو‪ ،‬كما حبث سيدنا إبراىيم ‪.‬‬

‫) سورة ؿبمد‪ :‬اآلية (‪.)86‬‬

‫(‪8‬‬

‫يبوه على نفسو ويونبها وسيسّب باألمآف والظنوف وسيحتاؿ على نفسو وعلى‬
‫فإذا َف يؤمن اإلنساف ىذا اإليباف فسوؼ ّْ‬

‫غّبه ويدَّعي بأف اغبيَ َل الٍب وبتاؽبا على اهلل تعاُف شرعية‪ ،‬وما ىبدعوف إالَّ أنفسهم ومن ىم على شاكلتهم والسبب يف‬
‫ه ثِؤََٔ‪َ ُْ ُٙ‬و َزثُ‪ٛ‬ا ثِآ‪َ٠‬ب ِرَٕب َ‪َ ٚ‬وبُٔ‪ٛ‬ا َػ ْٕ‪َٙ‬ب َغبفٍِِ‪.)8(} َٓ١‬‬
‫ذلك كلو‪ ،‬ما قالو تعاُف‪َ ..{ :‬رٌِ َ‬

‫يفكروا بالكوف وَف يعظّْموا اهلل تعاُف‪ ،‬فإف َف ّْ‬
‫َف ّْ‬
‫تفكر بالكوف وببدايتك وهنايتك فلن تسّب باغبق مهما ظبعت من بياف‬
‫ومنطق‪ :‬فهؤالء بنوا إسرائيل عندما َف يؤمنوا ىذا اإليباف وَف يقدّْروا رسوؽبم أخذوا يعملوف حيبلً شرعية‪.‬‬
‫ففي يوـ السبت يوـ االنقطاع عن العمل يفتحوف اغبُفر فتدخل ؽبا اغبيتاف‪ ،‬ويوـ األحد يصطادوهنا‪ ،‬ولو آمنوا ببل إلۤو إال‬

‫اهلل لرأوه قريباً رقيباً شهيداً عليهم وؼبا فعلوا ذلك‪ ،‬قاؿ تعاُف‪ْ َٚ { :‬عئَ ٍْ‪َ ُْ ُٙ‬ػ ِٓ ْاٌمَشْ ‪ِ َ٠‬خ اٌَزِ‪َ ٟ‬وبَٔ ْ‬
‫ظ َشحَ ْاٌجَحْ ِش إِ ْر‬
‫ذ َحب ِ‬
‫ه َٔ ْجٍُ‪ ُْ ُ٘ٛ‬ثِ َّب‬
‫ذ إِ ْر رَؤْرِ‪ِ ُْ ِٙ ١‬ح‪١‬زَبُٔ‪َ ََ َْٛ٠ ُْ ُٙ‬ع ْجزِ ِ‪ُ ُْ ٙ‬ششَػب َ‪ ََ َْٛ٠ٚ‬الَ ‪ْ َ٠‬غ ِجزُ‪ َْٛ‬الَ رَؤْرِ‪َ ُْ ِٙ ١‬و َزٌِ َ‬
‫‪ْ َ٠‬ؼ ُذ‪ َْٚ‬فِ‪ ٟ‬اٌ َغ ْج ِ‬
‫َوبُٔ‪ٛ‬ا ‪ْ َ٠‬ف ُغمُ‪.)2(} َْٛ‬‬
‫حيث إف نفوسهم خبيثة ابتبلىم اهلل ّٔذا ليُخرج ما فيهم‪ ،‬كذلك كل إنساف ال يؤمن من ذاتو بذاتو ىذا اإليباف فسيفعل‬

‫مثلما فعلوا‪.‬‬

‫والذين مكروا ىذا اؼبكر من بِب إسرائيل ُمسخوا قردة وخنازير‪ ،‬ث بعد ثبلثة أياـ ماتوا‪ ،‬وكذلك الذين يسلكوف مثل ىذه‬

‫اؼبسالك فسيلقوف اؼبهالك فهم يف أعماؽبم يشبهوف صفات القردة واػبنازير واغبيات عافانا اهلل منها‪.‬‬
‫يتبْب لنا دبثاؿ عملي ما كنا أسلفناه‪.‬‬
‫فمن وقائع ذلك اإلنساف الطاىر السيد ؿبمد أمْب‪َّ ...‬‬
‫* * *‬

‫توفيت قريبة ثريّة من أقرباء السيد ؿبمد أمْب وكانت قد أوصت وصيَّها السيد أمْب بذاتو لثقتها بأمانتو بالتصدُّؽ دببلغ‬
‫كبّب من أمواؽبا‪ ،‬قربات عند اهلل ورسولو ‪ ‬كصدقة عن روحها الطاىرة‪.‬‬
‫فقرر الذىاب إُف أحد رجاؿ الدين ليدفع لو تلك الصدقة ألنو أعرؼ منو بذوي اغباجة واالستحقاؽ‪.‬‬
‫َّ‬
‫ويوزعاه على الفقراء واحملتاجْب حسب‬
‫وفعبلً ذىب ومعو كيس النقود الذىبية وطلب من رجل الدين أف يأخذا اؼباؿ ّْ‬
‫ب عليو النطق وقاؿ‬
‫معرفتو‪ ،‬وعندما رأى ذلك الرجل ثقل كيس النقود باألصفر الرنَّاف ازدرد ريقو بصعوبة حٌب َ‬
‫ص ُع َ‬
‫بدىشة بالغة‪:‬‬
‫ىل ىذا كلّو ذىباً وتريد إنفاقو بكاملو؟‪.‬‬
‫فأجابو‪ :‬نعم وَِفَ ال؟‪ .‬ىيَّا بنا‪...‬‬
‫) سورة األعراؼ‪ :‬اآلية (‪.)813‬‬

‫(‪8‬‬

‫) سورة األعراؼ‪ :‬اآلية (‪.)830‬‬

‫(‪2‬‬

‫فما كاف جواب مدَّعي التقوى والدين إالَّ أف قاؿ‪ :‬ما رأيك بطريقة تنفق ّٔا مالك ىذا وبنفس الوقت يعود إليك؟‪ .‬على‬
‫أف تدفع مقابل ذلك عشر لّبات ورقية فقط‪ ،‬إذ كانت العشر لّبات تساوي لّبتاف ذىبيتاف إذ ذاؾ‪.‬‬
‫فدىش السيد ؿبمد أمْب من كبلمو وسألو فرحاً مستفسراً وكيف ذلك؟‪.‬‬
‫معوزاً فقّباً من ذوي اغباجة فتعطيو اؼباؿ وتقوؿ لو‪ :‬خذ ىذا اؼباؿ صدقة عن روح اؼبرحومة‪،‬‬
‫فأجابو قائبلً‪ :‬اآلف أُرسل لك ْ‬
‫فيأخذ الرجل اؼباؿ ويقوؿ‪ :‬قبلتو منك ووىبتو إليك‪ ،‬وباؼبقابل تدفع لو اللّبات العشر فيأخذ الفقّب اللّبات العشر ويصرفها‬

‫على عيالو عدة أياـ "وقد كانت قيمة العملة أغلى من اآلف بكثّب"‪ ،‬وبذلك تكوف قد ّأديت ما عليك من صدقة وعاد‬
‫اؼباؿ إليك وكسبت جزيل األجر والثواب وال ينقص من مالك شيء‪.‬‬

‫ورد على الرجل صاحب اغبيلة الشرعية‪ .‬قائبلً‪:‬‬
‫فدىش ذلك اإلنساف الطاىر َّ‬
‫حاضر أـ غائب؟‪ .‬أي ىل حضرة اهلل موجود مشاىد ورقيب يرانا ويرى‬
‫ولكن ىذا الذي رباوؿ خداعو يا ترى ىل ىو‬
‫ٌ‬

‫خداعنا‪ ،‬أـ ليس موجوداً؟‪.‬‬

‫فصعق "رجل الدين" من تلك اإلجابة وَف ينبس ببنت شفو‪ ،‬فاسَبد الرجل الطاىر كيس اؼباؿ منو‪ ،‬إذ َف يثق بأمانتو‬
‫ُ‬
‫بسبب اؼبكر واػبداع الذي دلَّو عليو‪.‬‬
‫وقرر توزيعو بنفسو على ذوي اغباجة واالستحقاؽ‪ ،‬وطفق يبحث عن اؼبكاف الذي يتواجد فيو ىؤالء احملتاجوف‪ ،‬فأرشدوه‬
‫َّ‬
‫إُف إحدى اؼبناطق الٍب يتواجد ّٔا أمثاؿ ىذه العائبلت الفقّبة اؼبدقعة بالفقر اؼبستحقة ح ّقاً للصدقات‪ ،‬فوزع اؼباؿ بيده‬
‫على اؼبستحقْب اؼبعوزين‪.‬‬
‫* * *‬
‫وىكذا فمن كانت غايتو رضاء اهلل وحده فاهلل مؤيده ومرشده ودليلو إُف سبل الصواب واغبق الذي ال يُعاب‪ ،‬وحافظو‬

‫من مكر الظبلَّـ وأوالد اغبراـ‪.‬‬

‫‪‬‬

‫ومشاىد رائع ًة من‬
‫انب مضيئة ّبراقة‪ ...‬من حياة السيد ؿبمد أمْب‪...‬‬
‫َ‬
‫قصتنا ىذه حوت بصدرىا عدة قصص تعرض جو َ‬
‫سلوكيتو الذكية يف البيت‪...‬‬

‫لنتابع ىذه اغبلقة مستمتعْب مستفيدين سوياً برفقتكم‪...‬‬
‫* * *‬
‫إغالٌــخ‪:‬‬
‫ذاؾ الزماف‪ ...‬زماف الطيب‪ ...‬واإلنسانية وإف ص َّح ِف التعبّب دعوٓف أقوؿ زمن الدراويش‪ ...‬فيو سرت تعاليم الدين‬
‫اإلسبلمي فطبَّقها الناس رغبة ورىبة حٌب ولو َف يعرفوا حكمتها‪ ،‬لكنهم طبَّقوىا‪ ،‬فبل مكر وكاد ينعدـ اػبداع والغش‬
‫وعاش الناس آمنْب مطمئنْب حياة البساطة والبسطاء‪ ،‬على مبدأ من يقوؿ‪:‬‬
‫"من قلَّ َد عاؼباً لقي اهلل ساؼباً"‪ ...‬فبل سفور‪ ...‬وال فسوؽ‪ ...‬وال خروج عن حدود اهلل‪ ،‬بل سار الناس ضمن أوامر اهلل‬

‫مقلّْدين تقليداً‪.‬‬

‫قدوا بتاتاً ّٔذا الزماف زمن اؼبكر والغش‪ ...‬زمن‬
‫كاف بذاؾ الزمن رجاؿ أطلق عليهم تسمية "آّاذيب" أولئك الذين فُ ُ‬
‫كل ج ْذب ّٔذا الزماف إمبا ىو جذب شيطآف‪.‬‬
‫اػبداع والبعد عن اهلل‪ :‬إذ ُّ‬
‫* * *‬

‫عو ٌد علي بدء‬
‫ثشـــــبسح!!‪.‬‬
‫ٍ‬
‫مر جبانبها "ؾبذوب" يف‬
‫بينما كانت تلك اؼبرأة تسّب مثلها مثل بقية النساء يف‬
‫جلباب أسود غطَّاىا من رأسها لقدمها َّ‬
‫طريقها وىي حامل يف أشهرىا األخّبة‪ ،‬فانفتل إليها ث أردفها ضربةً‪ ...‬براحة يده على ظهرىا وصرخ بصوت ٍ‬
‫عاؿ‪:‬‬
‫وِف كبّب‪ ...‬كبّب‪ ...‬كبّب‪...‬‬
‫معك ٌ‬
‫يصيح بأعلى صوتو وىو مشدوه من مشاىد غيبيّة ىو يراىا وثابر يصرخ‪ :‬كبّب‪ ...‬كبّب‪ ...‬كبّب‪...‬‬
‫وتابع ركضو مسرعاً ُ‬

‫كبّب‪.‬‬

‫ظبعت نساءُ اغبي بقصتها وبالبشارة‪ ...‬فأتينها مهنئات ّٔذه البشارة‪ .‬إذ إف مثل ىذا "آّذوب" وكاف يُدعى ابن عابدين‬

‫رضو بالتفصيل"‪.‬‬
‫ال يكذب‪ ،‬بل إف اؼبلَ َ‬
‫ينطق بلسانو‪ .‬كل الناس يعرفوف ذلك ومؤمنوف بو‪" .‬وىذا ما سبق َع ُ‬
‫ك ُ‬

‫ىل شهرىا التاسع حٌب وضعتو‪ ...‬غبلماً زكياً‪ ..‬صبالو فتَّاف ال مثيل لو‪ ..‬ذلك اليوـ كاف مولد العبلَّمة الكبّب‬
‫وما أف َّ‬
‫السيد ؿبمد أمْب اإلنساف الطاىر‪.‬‬
‫روـبء أَ إٌ‪ٙ‬ـبَ‪:‬‬
‫نشأ الطفل يف أحضاف أمو وأبيو‪ ،‬وكانت تصدر عنو ُّ‬
‫تصرفات عجيبة مدىشة‪ ،‬فهو يتألَّق حيويَّةً ونشاطاً ويفيض خفةً‬
‫وذكاء‪ ...‬حديثو‪ ...‬لطيف صبيل َّ‬
‫جذاب حٌب إنو وذات مرة ّٔذا اغبديث اللطيف وحبركاتو الذكية اغبلوة أناـ سايس‬
‫اػبيل ليُخرج الفرس اؼبمنوع من ركؤّا من قبل والده‪ ،‬إذ ال يزاؿ يف السن صغّباً‪ ...‬تعرفوف قصتو ىذه‪.‬‬

‫وبس ٍن أصغر ذىب لئلسطبل ليبلً ليجتمع باعبن ِ‬
‫ّْية الٍب ظبع ّٔا ويطرح عليها أمنيتو‪ ...‬تعرفوف ماذا كانت أمنيتو؟‪ .‬كاف‬
‫سيفرض على ِ‬
‫اعبنية أف ذبمع لو ملوؾ األرض ليطرح عليهم اإلسبلـ!!‪.‬‬
‫احتار والده بأمره فأي طفل ىذا الطفل؟!‪ .‬فازداد حباً وىياماً بو وكذلك والدتو‪.‬‬
‫* * *‬
‫نظر صبيع اغبضور ؽبذا الطفل ذي السنوات الثبلث‪...‬‬
‫خرج ذات يوـ من غرفة والده دبنظر عجيب َ‬
‫لفت َ‬
‫تُرى ماذا شاىدوا حٌب التفتوا إليو بذىوؿ واستغراب!؟‪.‬‬
‫لف على رأسو قطعة ٍ‬
‫قماش بيضاء فظهرت "كلَف َِّة" علماء الدين ث أتبع فوقها قبَّعة "عسكرية" كانت‬
‫لقد ر ْأوهُ وقد َّ‬
‫ألخيو سليم وبيده عصا‪...‬‬
‫قالوا لو ىذا ال يبكن أف يكوف‪ ...‬اإلثناف ال هبتمعاف عاَف دين وضابط‪( ،‬عاَف ودركي)!!‪.‬‬

‫* * *‬
‫اٌ‪١‬ز‪١‬ـــــــُ‪:‬‬
‫وتصرفات وكأهنا تصدر عن رجل‬
‫أمور ُّ‬
‫عاش الطفل الرائع يوماً بعد يوـ يزداف تألُّقاً وحياة ويزداد ذكاء وعبقرية تبدو منو ٌ‬
‫سرىا‪.‬‬
‫ناضج خبّب وأمور أخرى َف تَ ْدر أمو َّ‬

‫مودعاً الدنيا دبا فيها إُف األبد‪ ،‬وما ىي إال َّ‬
‫مدةٌ من الزمن حٌب‬
‫فبعد أف انطفأت مشعة حياة "الوالد" الرجل الطيّْب ورحل ّْ‬
‫شب األخ الكبّب "سليم" ورحل إُف استنبوؿ حيث مقر عملو فتزوج ىناؾ من ابنة وزير اػبارجية لبلمرباطورية الَبكية‬
‫َّ‬
‫وبقي ذاؾ الطفل الرائع الشاغل الوحيد لوالدتو‪ ...‬قلبها معلَّق بو فهو وحيدىا األوحد وما ؽبا سواه يف البيت‪ ...‬ىبرج‬
‫للحي وبمل بيده جنزيراً "زرد حديد" يسوؽ أوالد اغبي أمامو صاغرين خاضعْب‪ ...‬كالشبل بينهم بصولتو وجولتو يسيطر‬
‫مقدرين خاضعْب‪...‬‬
‫بشجاعتو وذكائو عليهم أصبعْب‪ ...‬وآخرين منهم جذبتهم إليو لطيف معاملتو وعطاؤه فباتوا لو ّْ‬
‫أما األـ فتخاؼ عليو وتبقى مشغولة الباؿ طيلة غيابو عن البيت‪ .‬فهو اليتيم الوحيد‪ ،‬وما من أحد ليدافع عنو إف دخل‬
‫ؿبجبة جبلبأّا الذي يغطّْي وجهها كمثيبلهتا من نساء‬
‫بشجا ٍر وعراؾ أو اعتدى عليو أحد‪" ...‬ىكذا ظنُّها" فهي امرأة َّ‬
‫ذاؾ العصر‪ ،‬لذلك ال تستطيع اػبروج لتدفع عنو الشرور‪.‬‬
‫لعل صدقو العظيم ما جعل منو أسداً على أقرانو "األوالد" كافَّةً‪ ،‬وىذا االنشغاؿ واػبوؼ عليو زادىا تعلُّقاً بو وميبلً‬
‫و َّ‬
‫بعلو عدة‬
‫إليو‪ ...‬فما أف ينتهي من اللعب حٌب يعود للبيت فيتسلق جدار اؼبنزؿ الذي كاف وال زاؿ مشيَّداً "حبي الورد" ّْ‬
‫تعاؿ‪...‬‬
‫أمتار ث يناـ على ظهر اعبدار اؼبرتفع!!‪ .‬فتصرخ األـ خائفة مرعوبة‪ ...‬أي عمل ىذا يا ولدي!!‪ .‬أرجوؾ انزؿ‪َ ...‬‬
‫وبأقل حر ٍ‬
‫كة قد يهوي من ىذا االرتفاع‬
‫وتزداد لو حبّاً وروحها بو تتعلَّق أكثر‪ ...‬فأكثر‪ ...‬كيف ال ّْ‬
‫تَػتَ َّلوع عليو خوفاً َ‬
‫الكبّب‪ ،‬وإف حصل ىذا ال ظبح اهلل فبل َّ‬
‫تَبجاه‪ ...‬تتوسل إليو بأف‬
‫بد من اؼبوت‪ ...‬عندىا سيَبكها للوحدة اؼبوحشة‪َّ ...‬‬
‫ينزؿ‪ ...‬فبل ؾبيب‪ ،‬لقد ناـ قرير العْب‪ ...‬تثور ثورهتا وتقوؿ‪:‬‬
‫قاؿ ِف آّذوب بأنو سيأتيِب وِف كبّب‪ ...‬ولكِب أراه ّٔلواناً ال وليّاً‪.‬‬
‫لقد مؤل عليها حياهتا حبركاتو وحيويتو الفائقة الٍب تطفح بالبش ِر واؽبناء والسرور‪...‬‬
‫ح ّقاً لقد كاف مالئ الدنيا حولو وشاغل الناس‪...‬‬
‫* * *‬

‫سظـبػـخ ‪ٚ‬ػاللــخ؟‪.‬‬

‫صبٌُُٗ فِ‪ ٟ‬ػَب َِ ْ‪.)8(}..ِٓ ١‬‬
‫قاؿ تعاُف‪َٚ ..{ :‬فِ َ‬
‫السنتْب تكفي ألف يصبح جسم اؼبولود قادراً على االعتماد على اؼبأكوالت‪ ...‬فحليب ىاتْب السنتْب فيو كافة العناصر‬

‫واؼبرَّكبات الضرورية لبناء جسم الرضيع حيث يصبح قادراً على ىضم وسبثل اؼبأكوالت اؼبناسبة لو بأسناف الرضاع‪ ،‬ومن‬
‫جهة ثانية فهاتاف السنتاف من الرضاعة كافية إلقامة عبلئق اؼبودة واغبناف بْب األـ وابنها‪.‬‬
‫فبهذه اؼبدَّة تتوثَّق الروابط النفسية‪ ...‬من رضبة‪ ...‬وحناف‪ ...‬وؿببة بْب الطرفْب وذلك ما يريده اهلل تعاُف‪.‬‬
‫وإف رضاع ما بعد السنتْب تتوقف الفائدة للَبكيب اعبسدي والبنيوي نوعاً ما وتنمو الروابط وعبلئق اؼبودة القلبية "بْب‬

‫األـ وابنها"‪ ،‬إذ تزداد تعلُّقاً وحبّاً بو‪ ...‬ويزداد ىو حبّاً ووفاء ؽبا ورضبة ّٔا‪ ...‬فاهلل تعاُف وضع قانوناً عاماً مدة سنتْب‬
‫عبسد االبن وذلك كاؼ لبنائو اعبسمي‪.‬‬
‫أما السيد ؿبمد أمْب‪ ...‬دبا أنو اليتيم الوحيد فقد بقي يرضع من والدتو حٌب أصبح بسنواتو الثمآفَ‪ ...‬كاف يأيت من‬
‫اؼبدرسة فّبمي ؿبفظتو ويركض إُف والدتو لّبضع ثديها‪ ...‬فزادت بو حبّاً وىياماً‪ ...‬ولو تعلّقاً أكثر‪ ...‬فأكثر‪...‬‬
‫* * *‬
‫ص‪ٚ‬اج ِجبسن ‪ٚ‬رذث‪١‬ش رو‪:ٟ‬‬
‫تتمُب‬
‫وما أف َّ‬
‫شب السيد ؿبمد أمْب‪ ...‬ورأتو أمو وقد أصبح شاباً يافعاً حٌب زادت بو حبّاً وتعلُّقاً‪ ...‬فَما ؽبا باغبياة سواه ّ‬
‫أف ربل ّٔا أمراض الدنيا وال تصيبو شوكة يف قدمو‪.‬‬
‫وكأي أـ وخصوصاً إف كاف ابنها وحيداً ربب أف تفرح بو وتُزوجو‪ ،‬وال ىبفى على اعبميع الغّبة الطبيعية الٍب تنشأ بْب‬
‫األـ وزوجة ابنها‪ ،‬وال َّ‬
‫ظ ذلك‪.‬‬
‫بد أف اعبميع الح َ‬
‫متشوقة‪ ...‬وعندىا طلب كبّب ليتزوج ابنها‪ ...‬وخصوصاً عندما يكوف الذي ستزوجو ىو ابنها‬
‫فالعادة أف تكوف األـ ّْ‬
‫الفريد ووحيدىا‪ ...‬وإف قاؿ ؽبا غداً يا أمي ستنشأ اػببلفات والصراعات بينك وبينها‪ ،‬فلماذا تستعجلْب ىذا األمر‬
‫تقوؿ‪:‬‬
‫أضعها يف قليب‪ ...‬أو‪ ...‬فوؽ رأسي‪" ...‬ؽبا صدر البيت وِف العتبة"‪ ...‬ال عليك أنت يا حبيبػي‪ ...‬فبل ربسب ىذا‬
‫اغبساب أبداً‪ ...‬ودعو من فكرؾ‪.‬‬
‫تتمُب أف ال يكوف‪ ...‬ولكن ال ذبد‬
‫وما أف يتزوج حٌب تنشأ اػببلفات والصراعات "الطبيعية" وذلك ليس بيدىا فهي ّ‬
‫نفسها إال معادية‪ ...‬وبسبب الغّبة ربمل على زوجة ابنها‪.‬‬
‫) سورة لقماف‪ :‬اآلية (‪.)81‬‬

‫(‪8‬‬

‫وتظن أف ابنها فُِق َد من يدىا‪ ...‬فهي الٍب رببّو أكثر من‬
‫ربس يف قرارة نفسها ُّ‬
‫أما تأويل ىذه الظاىرة فهو أف األـ ُّ‬
‫زوجتو‪ ...‬وتأيت زوجتو الغريبة فتسرقو منها؟!!‪ .‬ىذا اإلحساس والشعور يُنشئ يف نفسها غّبة‪ ...‬فعداوة للزوجة‪ ،‬وتقف‬
‫ؽبا كن ّد دائماً باؼبرصاد‪ ...‬وتنشأ اػببلفات‪...‬‬

‫* * *‬
‫جاءت األـ البنها الشاب السيد ؿبمد أمْب‪ ...‬معيلها الوحيد يف اغبياة‪ ...‬ونور عينها وقالت‪ :‬يا روح قليب‪ ...‬يا‬
‫أزوجك‪ ...‬أريد أف أرى "كتاكيتك" صغارؾ قبل انتقاِف من ىذه‬
‫أملي‪ ...‬يا مناي‪ ...‬يا رجائي‪ ...‬أريد أف أفرح بك و ّْ‬
‫اغبياة الفانية‪.‬‬
‫عند ذلك‪ ...‬استجاب لرغبتها "فاألمر ال َّ‬
‫بد منو"‪:‬‬
‫أمي‪ ...‬لَ ِ‬
‫ك ما تريدين‪ ،‬فما ِف بالدنيا سواؾ "يا حنونة قليب"‪.‬‬
‫ث اكبُب ليقبّْل يدىا‪.‬‬
‫عما قريب‪ ،‬فخاطبتو قائلةً‪ :‬اهلل يرضى عليك‬
‫فقالت لو‪ ...‬ودموعها تنهمر كاؼبطر الغزير من شدة الفرح‪ ...‬إذ ستفرح بو ّ‬

‫يا عيوٓف‪ ...‬يا قلب أمك‪.‬‬

‫وما ىي إال مدة من الزمن حٌب متَّ االختيار اؼبناسب لشريكة اغبياة وجرت األمور البلزمة‪ ،‬ث وبعد هناية مراسيم الزواج‬
‫انفض األحباب واألصحاب‪.‬‬
‫اؼببارؾ أحضروا العروس وكاف الزفاؼ‪َّ ...‬‬
‫ودخلت األـ (السعيدة بزواج ابنها)‪ ...‬غرفتها تكاد تطّب فرحاً فلقد َّزوجت أملها‪ ...‬وحبيبها‪ ...‬ونور حياهتا‪ ...‬وكانت‬
‫قد أدخلت الزوجة اعبديدة لغرفتها اعبديدة‪ ...‬اؼبفروشة بالفرش واألثاث اعبديد ُمباركةً ؽبا بألطف وأعذب الكبلـ‪...‬‬
‫أما السيد ؿبمد أمْب ذلك اؼبلهم الذي يطفح بشراً ويتوقَّ ُد ذكاءً ّْنّباً‪ ...‬فقد خالف العادة والقانوف فلم يدخل كأي زوج‬
‫ُ‬
‫جديد‪ ...‬على زوجتو‪ ...‬بل ذىب لغرفة والدتو‪ ...‬فتح الباب‪ ...‬ودخل ال تبدو عليو أية فرحة وسرور ّٔذا الزواج‪.‬‬
‫نظرت إليو والدتو مستغربة مستفسرة‪ :‬ابِب حبيبػي ؼباذا أتيت إُف ىنا‪ ...‬تركت "ؿببوبتك" زوجتك وجئت لعندي؟‪ .‬فهل‬
‫تريد شيئاً؟‪.‬‬
‫قاؿ السيد ؿبمد أمْب‪ :‬ال يا أمي‪ ،‬ولكِب أحب أف أجلس معك ال أفارقك‪...‬‬
‫ردت األـ‪ :‬ال يا بِب‪ ...‬ىذا ال هبوز‪ ...‬تَبؾ زوجتك ؤّذه الليلة؟!‪ .‬ىيا اهنض واذىب إليها‪...‬‬
‫َّ‬
‫فرد السيد ؿبمد أمْب‪ :‬لن أذىب ؽبا يا أمي لن أذىب‪ ...‬فأنا ال أريدىا‪ ...‬رائحتها نتنة‪ ...‬قذرة‪ ...‬ال أريدىا‪ ...‬ال أريد‬
‫َّ‬
‫أحداً من ىذه الدنيا سواؾ يا غاليٍب‪ ...‬أريدؾ أنت فقط‪ ...‬وال أريد بديبلً عنك‪...‬‬

‫فقالت وىي خائفة من كبلـ الناس‪ :‬فماذا سيتكلَّم عنَّا الناس؟‪ .‬فهل بنات الناس لعبة نلعب ّٔا!‪.‬‬
‫قالت واػبوؼ قد بدا على وجهها‪ :‬ابِب حبيبػي‪ ...‬يا نور عيوٓف قد طفح الكيل‪ ...‬فماذا سيتكلَّم الناس حبقّْنا إزاء ىذا‬
‫التصرؼ‪ ...‬يا ابِب اهلل يرضى عليك اذىب لزوجتك وغداً تعاؿ عندي‪...‬‬
‫ُّ‬
‫أحب ّٔذه الدنيا سو ِ‬
‫اؾ يا أمي اغببيبة‪.‬‬
‫َّ‬
‫رد عليها السيد ؿبمد أمْب‪ :‬ال يا أمي لن أذىب ؽبا فأنا ال أحبُّها‪ ...‬ال ُّ‬
‫صمتت إذ رأت أف ال جدوى من النقاش‪ ...‬ث هنضت فتناولت يده تشدُّه لؤلعلى‪ ...‬فنهض وما أف هنض حٌب وضعت‬
‫راحتيها على كتفيو تدفعو للباب‪ ...‬فقاومها ُمظهراً بأنو ال يريد اػبروج من غرفتها‪ ...‬فثابرت على دفعو وقاومها حٌب‬

‫أخرجتو من الباب‪ ...‬وحاولت إغبلقو بكل ما أوتيت من قوة‪ ،‬أظهر بأنو لن يستسلم واستمر مقاوماً‪ ...‬يدفع الباب‬
‫ؿباوالً العودة‪ ...‬وىكذا‪ ...‬وأخّباً استطاعت أف تُغلق الباب وتوصده‪ ...‬وبقي السيد ؿبمد أمْب على الباب‪ ...‬يدقُّو‬
‫ويطلب راجياً بأف تفتح لو الباب فأبت‪ ...‬عندىا غادر لغرفتو اعبديدة‪...‬‬
‫ضابطنا الشجاع الذي َّ‬
‫وزبرجو خارج‬
‫ىد‪ ...‬عروش اإلجراـ والباطل‪ ...‬فصرعهم وغلبهم الواحد تلو اآلخر‪ ...‬أموُ تغلبو ُ‬
‫الغرفة!!‪.‬‬

‫كرره لعدَّة أياـ متواصلة جعل َّأمو تشعر يف قرارة نفسها أف ابنها ؽبا‪َ ...‬ف ولن تستطيع الزائرة‬
‫التصرؼ اغبكيم الذي َّ‬
‫ّٔذا ُّ‬
‫اعبديدة‪" ...‬أي زوجتو" أف تسرؽ قلبو منها‪ ...‬فهو ال وبب بالدنيا سوى أمو‪ ...‬وبذلك َف ينشأ ذلك الشعور اؼبعاكس‬
‫ُ‬
‫الطبيعي‪ ...‬وبالتاِف َف تظهر الغّبة‪ ...‬وال اػببلفات‪...‬‬
‫* * *‬
‫جانب اللوازم واأللبسة‪:‬‬
‫ومرت األياـ وانقضت بتخطيط ذكي لكل شاردة وواردة ليتحاشى أي موقف ال ُربمد عقباه بْب ّأمو وزوجتو‪ ...‬إلدراكو‬
‫َّ‬

‫اغبق بأف ما وراء الشجار إال التعاسة‪ ...‬والكآبة‪ ...‬واألحزاف وبالوفاؽ واحملبة أماف‪ ...‬وسعادة‪ ...‬واطمئناف‪ ...‬والسيد‬
‫ّ‬
‫ؿبمد أمْب ال وبب الشقاء ألحد‪ ،‬بل يريد الكل أف يرفل بثياب السعادة‪ ...‬واؽبناء‪.‬‬
‫ولكي يزيد من ىذه احملبّة الٍب أنشأىا بتخطيطو اؼبحكم وتدبّبه العبقري‪ ...‬ولكي ال تتخللها الغّبة‪ ،‬غّبة أمو "الطبيعية"‬
‫ُ‬
‫عليو من زوجتو فتفسدىا‪ ...‬شرع إُف تنفيذ ـبطّطو الرئيسي الثآف فبادر إُف السوؽ واشَبى ألمو من صبيل األلبسة‬
‫واللوازـ وغّبىا وعاد حبقيبة من ىذه اؼبشَبيات‪ ...‬فدخل البيت على حْب غفلة من أىلو ودخل إُف غرفة والدتو ليتحفها‬
‫دبا اشَبى ؽبا من ىدايا‪ُ ...‬سَّرت األـ كثّباً‪ ...‬كثّباً وطارت حبّاً وفرحاً دبا قدَّـ ؽبا‪ ...‬وعلمت كم ىي غالية على قلب‬
‫ابنها اغببيب‪...‬‬

‫ولكن وبعد غبظات وما أف صحت من سعادهتا وفرحتها حٌب سألتو‪:‬‬
‫ابِب‪ ...‬وزوجتك أ ََما اشَبيت ؽبا؟‪.‬‬
‫رد السيد ؿبمد أمْب عليها‪ :‬أمي‪ ...‬غاليٍب‪ ...‬حبيبٍب اؼبهم أنت يا أغلى الغواِف‪ ...‬وأعز أـ يف الدنيا‪َّ ،‬أما ىي‪ ...‬فأنا ال‬
‫َّ‬
‫ُ‬
‫أحبّها رائحتها مقرفة فهي وشأهنا‪.‬‬
‫وما أف خرج من غرفة ّأمو حٌب أسرع لزوجتو ليعطيها نقوداً قائبلً ؽبا‪:‬‬
‫خذي ىذه النقود وأوصي والدتك لتشَبي لك ما يلزـ من أغراض ولوازـ‪...‬‬
‫عندىا‪ ...‬طار قلبها فرحاً وسروراً دبا قدَّـ ؽبا وباىتمامو البالغ ّٔا‪ ...‬فهذا ما تريده‪ ...‬إذ أمها ىي الٍب ستشَبي ؽبا‬
‫لوازمها‪.‬‬
‫ويف اليوـ الثآف خرجت األـ‪ ...‬من غرفتها تراقب الوضع‪ ...‬فلم تبلحظ على زوجة ابنها أية قطعة جديدة من ثياب‬
‫"أرواب" أو غّبىا‪ ...‬حٌب َّ‬
‫يتغّب فهو القدٔف وال جديد‪ ...‬على الساحة أبداً‪ ...‬فمضى اليوماف والثبلثة وما‬
‫إف حذاءىا َف َّ‬

‫من جديد‪ ...‬عندىا أدركت األـ بأنو َف يش َِب لزوجتو شيئاً‪ ...‬فثارت عاطفتها وشعرت برضبة كبّبة يف قلبها على تلك‬
‫اؼبسكينة اؼبظلومة "زوجة ابنها"‪.‬‬
‫قالت بنفسها‪ :‬أنا أنعم بكل جديد وصبيل؟‪ .‬وتلك اؼبسكينة ما تزاؿ بالقدٔف وال قطعة لباس جديدة!‪ .‬وال غّبىا‪...‬‬
‫مسكينة‪.‬‬
‫باغبب و ِ‬
‫اغبزف على زوجتو‪ ،‬ث قالت‪ :‬يا ابِب ىذه ابنة الناس‬
‫فبتلئ‬
‫ّْ‬
‫عندىا أسرعت البنها السيد ؿبمد أمْب حزينة وقلبها ٌ‬
‫تتصرؼ معها ىكذا ربرمها من كل جديد‪ ...‬ال‪ ...‬ال‪ ...‬ال يا ولدي الغاِف‪ ...‬اهلل يرضى عليك‬
‫فبل هبوز لك أف َّ‬
‫اشَبي ؽبا ما يلزمها‪...‬‬
‫رد عليها السيد ؿبمد أمْب بلطف‪ :‬اؼبهم أنت يا ست اغببايب‪ ...‬يا أمي الغالية فدعيها وىي وشأهنا‪ ...‬فهي ال تستحق‬
‫َّ‬
‫شيئاً‪ ،‬أنا ال أحبها رائحتها مقرفة‪...‬‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ب‪.‬‬
‫فسألتو‪ :‬إذف َفَ تزوجتها؟‪ .‬فلم ُهب ْ‬
‫وَف ِ‬
‫أياـ قبلئل‪ ...‬حٌب ذىبت الزوجة إُف بيت أىلها وأوصت أمها لتشَبي ؽبا ما يلزمها من ألبسة وأغراض‪...‬‬
‫سبض إالَّ ٌ‬
‫وأعطتها اؼباؿ‪.‬‬

‫ىنالك وعدهتا أمها بأهنا ستأتيها دبا ستشَبيو غداً بعد العصر‪.‬‬

‫عادت الزوجة لبيتها بعد أف أهنت زيارهتا ألمها‪ ...‬سأؽبا إنساننا الرحيم السيد ؿبمد أمْب‪ :‬ىل أوصيت أمك باللوازـ‪...‬‬
‫واألغراض؟‪.‬‬
‫قالت‪ :‬نعم‪...‬‬
‫ستحضرىن لك؟‪.‬‬
‫قاؿ‪ :‬ومٌب‬
‫َّ‬
‫قالت‪ :‬غداً بعد العصر‪.‬‬
‫ويف اليوـ الثآف وقبل اؼبوعد بقليل َد َخ َل السيد ؿبمد أمْب لغرفة والدتو‪ ...‬فجلس معها‪ ...‬وما ىي إالَّ برىة من الزمن‬
‫حٌب قُرع الباب‪ ...‬فقاؿ لوالدتو‪:‬‬
‫تُرى‪ ...‬من على الباب؟‪.‬‬
‫هنضت األـ قائلةً‪ :‬سأذىب وأستطلع‪ ...‬أما الزوجة فخرجت ُمسرعة ؼبعرفتها بقدوـ ّأمها اآلف‪ ...‬فهذا موعدىن‪.‬‬
‫صرًة كبّبة من األغراض‪ ...‬وعندما أطلَّت الوالدة من شرفة الدور الثآف اؼبطلَّة‬
‫فتحت الباب واستقبلت َّأمها الٍب ربمل َّ‬

‫على ِ‬
‫صرة كبّبة من اللوازـ من الثياب‪ ...‬عندىا عادت‬
‫أرض الديار العريب‪ ...‬فشاىدت زوجة ابنها وأمها الٍب ربمل ؽبا َّ‬
‫البنها "الذي يعرؼ من أتى"‪ ،‬وقالت لو‪:‬‬
‫صّرًة من الثياب الضرورية‪ ...‬وضمناً كانت فرحة ألف ذلك يوفّْر اؼباؿ على‬
‫إهنا امرأة ّْ‬
‫عمك‪ ...‬وقد أحضرت البنتها ُ‬
‫ابنها‪.‬‬
‫ىنالك وما أف ظبع ذلك حٌب انتفض منزعجاً غاضباً ؽبذا األمر قائبلً‪:‬‬
‫وىم غاضباً يريد النزوؿ ؽبن ليُ ّْ‬
‫هن على ىذا العمل ويكيل ؽبم الشتائم‬
‫وخب َّ‬
‫ىل كبن حباجتهم حٌب ُوبضروا لنا ذلك!‪َّ .‬‬
‫ويطردىا من البيت‪ ...‬فأمسكْتو‪ ...‬فبانع ًة قائلةً‪:‬‬

‫بِب أنت ال ربضر ؽبا لوازمها‪ ،‬وفوؽ كل ذلك ال تريدىم أف يأتوا ؽبا بلوازمها وأغراضها‪ ...‬فهل ىذا معقوؿ منك يا‬
‫َّ‬
‫بِب!؟‪.‬‬
‫عندىا ىدأت ثورتو وعاد ليجلس غاضباً‪.‬‬
‫* * *‬
‫بتصرفاتو‬
‫لقد أصبحت ُّأمو من ّْ‬
‫أشد اؼبناصرين واحملبّْْب لزوجتو اؼبظلومة بنظرىا ودبا أثار بقلبها من رضبة وعطف وحناف ُّ‬
‫كررىا مراراً بوجوه ـبتلفة‪ ...‬وبذلك َف يسمح للغّبة بالنشوء‪ ،‬بل أنشأ عبلئق رضبة وؿببة‪،‬‬
‫اإلنسانية الذكية ىذه والٍب َّ‬

‫وحناف‪ ...‬انعكست بأفضل معاملة عاملتها لزوجة ابنها الٍب رأت ذلك‪ ...‬وشعرت بعظيم لطفها وؿببتها ؽبا فبادلتها‬
‫باغبب‪ ...‬ؤّذا كانت تزداد عبلقة احملبة والتآلف والَباحم بْب االثنتْب فبل تظهر إالَّ عبلقة أـ‬
‫دبعاملة راقية لطيفة طافحة‬
‫ّْ‬
‫بابنتها الوحيدة‪...‬‬
‫* * *‬
‫ِٓ ج‪ٙ‬ــخ اٌطؼــبَ‪:‬‬
‫ٍ‬
‫صينية‬
‫ألمو والباقي على‬
‫ذات يوـ ذىب للسوؽ وأحضر ‪/2/‬كغ غبمة مشوية ث قسمها قسمْب‪ ...‬كيلو غلَّفو دبفرده ّْ‬
‫مزداف باؼبقببلت واللنب وبملو خادـ اؼبطعم الصغّب‪.‬‬
‫حصتها‪ .‬وقاؿ ؽبا‪:‬‬
‫فأمو بغرفتها "وقت الظهّبة" وزوجتُو بغرفتها فأعطى زوجتو َّ‬
‫دخل اؼبنزؿ وقت الغداء‪ُّ ...‬‬
‫ِ‬
‫شعرت بقدوـ والديت‬
‫أحضري بعض النواشف من زيتوف وزعَب وزيت وما شأّو فبا يف البيت وضعيو ربت السرير‪ ...‬فإف‬
‫فأخفي اللحمة واؼبقبّْبلت واللنب ربت السرير‪ ،‬واسحيب اؼبائدة البسيطة "من زيتوف وغّبه‪ "...‬وأظهري ؽبا بأنك تأكلْب‬
‫ىذه اؼبأكوالت البسيطة‪...‬‬
‫أجابت زوجتو‪ :‬كما تريد‪ ،‬أيها العزيز‪.‬‬
‫ث دخل غرفة والدتو فسلَّم عليها وقبَّل يدىا وقاؿ ؽبا‪ :‬ىيا يا أمي لنأكل معاً‪ ...‬فقد أحضرت لك غبم ًة مشوية‬
‫ومقبّْبلت‪.‬‬
‫هنضت األـ فرأت مائدة شهية وجلسا على الطعاـ لكنها َّ‬
‫أين زوجتك يا ولدي أال تناديها لتُشاركنا ىي‬
‫تذك ْ‬
‫رت قائلة‪َ :‬‬
‫وابنها الصغّب!‪.‬‬
‫فرد السيد ؿبمد أمْب‪ :‬دعيها وشأهنا يا أمي فاؼبهم أنت‪...‬‬
‫َّ‬
‫ردت‪ :‬ولكن يا بِب ماذا ستأكل ىي‪...‬‬
‫َّ‬
‫قاؿ السيد ؿبمد أمْب‪ :‬لتأكل ما تشاء من البيت وما فيو‪...‬‬
‫قالت األـ‪ :‬ال يا بِب ال هبوز أف تعمل ىكذا بِبنت الناس‪ ...‬فما أجاب‪ ،‬بل أكبل سوياً‪ ...‬ث تركتو وهنضت ذاىبةً لغرفة‬
‫زوجة ابنها‪ ...‬وما أف شعرت الزوجة بقدوـ والدة زوجها‪ ...‬حٌب دفعت بصينية اللحمة ربت السرير وسحبت اؼبائدة‬
‫البسيطة لتأكل منها‪...‬‬
‫فتحت األـ الباب ونظرت فرأت تلك "اؼبسكينة"‪ ...‬تأكل الزيت والزيتوف‪ ...‬عندىا ثارت مشاعر الرضبة بقلبها‪...‬‬
‫والعطف‪ ...‬فأغلقت الباب ّٔدوء عائدة‪ ...‬حزينة‪ ...‬متأؼبة لوضع ىذه اؼبسكينة‪ ...‬فهل ىذا هبوز أف آكل اللحمة‬

‫اؼبشوية من تلك السفرة الفاخرة‪ ...‬دبا فيها من فواكو ومقبّْبلت‪ ...‬وتلك الكنة اؼبسكينة مقتصرة على الزعَب والزيت‬
‫والزيتوف!‪.‬‬
‫قالت البنها‪ :‬ال هبوز ىذا يا ولدي‪ ...‬واهلل ال هبوز أف ربرـ زوجتك اؼبسكينة‪ ...‬قالتها وقد فاض قلبها دبشاعر كبّبة من‬
‫الرضبة واغبب لزوجة ابنها الٍب أصبحت دبثابة ابنتها الوحيدة بفضل تدبّبات ابنها اغبكيم ذي القلب الرحيم السيد ؿبمد‬
‫أمْب‪.‬‬
‫وبب سواىا‪ ...‬بل إنو لشدة ؿببتو ؽبا وبرـ زوجتو‬
‫ىنا زاد يقينها أف ابنها َف تسرؽ زوجتو قلبو منها فهو ألمو‪ ...‬وال ُّ‬
‫وحسبُها أف ىذا ال هبوز‪ ...‬فتثور مدافعة عنها دبواقع كثّبة وعديدة‪ ...‬وىذا دائماً ما يفعلو السيد ؿبمد‬
‫ويظلمها‪ْ ...‬‬
‫أمْب بتدبّباتو اإلنسانية‪.‬‬
‫وىذا غيض من فيض من ِ‬
‫التصرؼ الرائع ذي النتائج اؼبدىشة‪ ...‬حٌب جعل العبلقة بْب االثنتْب عبلقة أـ‬
‫أمثاؿ ذلك ُّ‬
‫ودية راقية بْب االثنتْب وعاشتا‬
‫بأمها‪ ...‬فسادت احملبة والرضبة بينهن‪ ...‬وظهرت دبعاملة لطيفة ّْ‬
‫بابنتها‪ ،‬وعبلقة ابنة ّْ‬
‫يتكرر‪:‬‬
‫متآلفتْب بغاية السعادة ال ينغّْص‬
‫َّ‬
‫حياهتن منغّْص‪ ...‬فبل خبلؼ وال نزاع‪ ...‬إال ذاؾ النزاع الذي وقع من قبل وَف َّ‬
‫* * *‬
‫بالتدخل‪ ،‬أما‬
‫تدخلت الوالدة اؼبسنَّة يف أمور ال تعنيها‪ ...‬ىذا ال هبوز‪ ...‬وذاؾ ال هبوز‪ ...‬ث أفرطت‬
‫ُّ‬
‫اؼبرات َّ‬
‫يف إحدى َّ‬
‫عمها‬
‫الزوجة اؼبسكينة فصربت وصربت‪ ...‬حٌب ضاقت ذرعاً بصربىا‪ ...‬لقد "طفح الكيل" وَف تعد ربتمل من امرأة ّ‬

‫فردت عليها ؿباولة ثنيها عن تدخلها‪:‬‬
‫تدخلها َّ‬
‫ُّ‬

‫مالَ ِ‬
‫ك وماِف يا ضبايت‪ ...‬اتركيِب وشأٓف أرجوؾ‪ ...‬من أجل اهلل اتركيِب‪ ...‬ومن كلمة ألخرى زادت األمور ح ّد ًة واؼبشكلة‬
‫تضخم ىذا اػببلؼ‬
‫عقد ًة‪ ...‬رجل البيت غائب فما يزاؿ بدوامو اليومي وما من أحد وبوؿ بْب الطرفْب ويقضي أو يبنع ُّ‬
‫اؼبشؤوـ‪...‬‬
‫السب والشتم‪.‬‬
‫وأخذت اؼبشكلة َّ‬
‫تتضخم أكثر فأكثر إُف أف وصل األمر إُف ّْ‬
‫تسب وتشتم زوجةَ ابنها‪ ...‬يا إ ۤؽبي‪ ...‬يا إ ۤؽبي ىذا أمر ال يُطاؽ‪َ ...‬ف تعد الزوجة ربتمل ذلك الوضع‬
‫لقد بدأت اغبماةُ ُّ‬
‫بتاتاً‪.‬‬

‫سب وشتائم كبّبة‪...‬‬
‫عند ىذا اغبد اندلعت ثورهتا وانفجرت براكْب غضبها وكوامن صربىا َّ‬
‫وردت على ضباهتا بكلمات ي‬
‫علي وتشتمِب‪ ...‬أنا ضباهتا الكبّبة وتشتمِب!!‪.‬‬
‫فكرب على ضباهتا األمر ىكذا إذاً إهنا ُّ‬
‫ترد َّ‬
‫ُ‬

‫زادت الشتائم واؼبسبَّات بْب الطرفْب وتصاعدت حدة اػبصومة إُف األوج فقد وصلتا غب يد أُفلت فيو زماـ نفسيهما‬
‫وانفجرت ثورة غضبهما على أشدىا‪ ،‬فما عادتا وفَّرتا أي كلمة ٍ‬
‫سباب وشتيمة رديئة إال ونعتت ّٔا كل واحدة منهما‬
‫األخرى‪ ...‬وما بقي إالَّ االشتباؾ‪.‬‬
‫إهنا اؼبرة األوُف واألخّبة الٍب يصل ّٔما األمر ؽبذا اغب ّد!!‪.‬‬
‫اب وصل السيد ؿبمد أمْب البيت عائداً من دوامو‪...‬‬
‫السبَ ْ‬
‫عندىا ويف ذروة اػببلؼ و ْأو ِج الشتائم و ُ‬
‫ؽبوؿ ما استقبلت بو أذناه من كبلـ وصراخ َف يعهده قط‬
‫فتح الباب وما أف وضع رجلو داخل عتبة الديار حٌب ويا ْ‬
‫منهما‪ ...‬إهنا شتائم!!‪ .‬وبكل أنواعها وأقساىا!!‪.‬‬
‫صاعْب لؤلخرى‬
‫ترد الصاع‬
‫نظر فرأى َّأمو وزوجتو وقد فلتت زماـ األمور لديهما فوقفتا لبعضهما باؼبرصاد كل منهما ُّ‬
‫ْ‬
‫بثورة وعصبية استوقفت التفكّب وأطاحت بالقيَ ِم واؼببادئ واؼبعايّب!!‪.‬‬
‫متحّباً ؽبذا اؼبشهد الغريب الذي ما عهده من قبل‪ ،‬خبلؿ ذلك ومن‬
‫ىالو ما ظبع بأذنو ورأى بعينو فوقف للحظات ّْ‬
‫بعض كلمات االهتاـ وإلقاء الذنب الٍب ظبعها من الطرفْب أدرؾ حقيقة األمر‪ ...‬فاالعتداء قد بدر من والدتو و َّ‬
‫الذنب يف‬
‫ىذا اػببلؼ ىو ذَنبها ولكنها تبقى والدتو وال يستطيع أف يوجو ؽبا أي كلمة ٍ‬
‫بالسن‪ ،‬بل يستحيل‬
‫إدانة و ّْاهتاـ وىي كبّبة‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ذلك‪.‬‬

‫أحست بظلم كبّب وأنو اعتداء واضح‪ ،‬عندىا َف تعد ربتمل ذلك‬
‫أما زوجتو فلقد ضاقت ذرعاً بواقع االعتداء ىذا و َّ‬
‫وفجرت حبق ّأمو للمرة األوُف‪ ،‬ولذا ال يستطيع أيضاً أف يظلمها فوؽ ظلمها ويؤنّْبها أو يزجرىا ويردعها أماـ أمو‪.‬‬
‫وما ىي إالَّ غبظات قضاىا حٌب وبنباىتو اؼبعهودة وعبقريتو الرائعة وصل ٍ‬
‫غبل سريع‪ ...‬كانت اػبصومة ال تزاؿ قائمة على‬
‫فانقض باذباه زوجتو وبسرعة كبّبة ضبلها قسراً وجرى ّٔا إُف غرفتو‪ ...‬دخل باب الغرفة فوضعها على السرير‪ ،‬ث‬
‫أشدّْىا‬
‫َّ‬
‫أوصد الباب‪.‬كاف ال يزاؿ بلباسو العسكري الكامل والسوط بيده‪.‬‬
‫عندما أصبحت داخل الغرفة صمتت ولكنها ما تزاؿ بثورة غضب كبّبة وعصبية شديدة‪ .‬نظر إليها قائبلً‪ :‬أضرب ضربة‬
‫واحدة ّٔذا السوط‪ ...‬وباؼبقابل لك لّبة ذىبية‪...‬‬
‫وردت ؽبا الصاع صاعاً إال إلحساسها بظلم وتع يد كبّب من‬
‫حبق ضباهتا ذاؾ االنفجار َّ‬
‫ولكن َّ‬
‫أْف ؽبا أف تقبل‪ ،‬فما فجرت ّْ‬
‫قبل ضباهتا ذاؾ الذي أفقدىا السيطرة على نفسها الثائرة‪ ،‬فقابلت ضباهتا دبا قابلتها بو‪ ...‬واآلف وفوؽ كل ذلك يريد منها‬
‫ٍ‬
‫كعقاب وىي اؼبظلومة‪ ،‬لذلك رفضت ىذا العرض‪ ،‬فما تعانيو من إحساس بالظلم ومن‬
‫أف تصرخ على أهنا تلقت جلد ًة‬
‫غضب وأحزاف ال يزيلو الذىب بنظرىا‪.‬‬

‫زاد عرضو وقاؿ‪ :‬خذي لّبتْب ذىبيتْب مقابل ضربتْب‪ ...‬ىا‪ ...‬فما رأيك؟‪.‬‬
‫مصرة على رفضها ؽبذا العرض‪ ...‬عند ذلك وبدرايتو وحكمتو الرائعة قاؿ مهدّْداً‪ ...‬طيّْب‪ ...‬إف َف ِ‬
‫ترض دبا‬
‫وكذا بقيت َّ‬
‫أقوؿ فسأعمل بأىلك مثلما تعملْب بأمي‪.‬‬
‫بأمو!!‪ .‬النت خائفة وتراجعت عن رفضها ُمعلنة قبوؽبا‬
‫عندما ظبعت ذلك التهديد‪ ...‬أىلي‪ ...‬يعمل ّٔم مثلما‬
‫عملت ّْ‬
‫ُ‬
‫بسرعة‪:‬‬

‫موافقة‪ ...‬موافقة ولكن ىل سبنحِب اللّبتْب الذىبيتْب؟‪.‬‬
‫أجاب باإلهباب‪ :‬نعم‪.‬‬
‫ضبل السوط وبكل ما أويت من قوة ضرب على السرير فصدر صوت َج ْل ٍد قوي دوى صداه يف البيت كلو‪.‬‬
‫ظبعت الوالدة صوت السوط‪ ...‬تبعو صوت الزوجة‪ ...‬كاف ُ ّْ‬
‫أفرغت ّٔذا الصوت شحنةً كبّبة‬
‫صوت متألمة حقيقي‪ ،‬لقد َ‬

‫من ثورة غضب قوية وحزف وانزعاج شديد معنوي ذلك الذي كاف يقطّْع نفسها أؼباً واآلف وجدت تفريغاً وتصريفاً ؼبا يؤَف‬
‫نفسها ّٔذا الصوت فصدر صوت ردبا لو كاف ناشئاً عن أ َِف تلقي ٍ‬
‫سوط حقيقي ال أَف إحساس بالظلم واألحزاف‪...‬‬
‫ٌ‬
‫أخف ولكاف صدى وقعو باآلذاف أخف بكثّب‪.‬‬
‫لكاف ّ‬
‫ظبعت األـ صوت سوط اعبلد القوي فوضعت يدىا على فمها ُمستغربة َّ‬
‫أشد االستغراب مذىولة وقد ارتسم على وجهها‬
‫قوي‪ :‬أَمعقوؿ أف يعملها؟‪( .‬أي أَمعقوؿ أف يضرّٔا بالسوط؟!‪.).‬‬
‫ٌ‬
‫تساؤؿ ّّ‬

‫فجاء اعبواب بنفس اللحظة وذلك عندما تبعو صوت اؼبقهورة اؼبؤثر القوي ذاؾ الذي صرختو الزوجة‪ :‬يا للهوؿ!!‪ .‬يا‬
‫للهوؿ!!‪ .‬لقد ضرّٔا إذاً‪ ...‬بالسوط!!‪.‬‬
‫يا إ ۤؽبي‪ ...‬يا إ ۤؽبي‪ ...‬إهنا كارثة وقد ربقَّقت‪ ...‬أ ََوصل بو األمر ليضرّٔا!!‪.‬‬

‫آه‪ ...‬ليت لسآف قُ ِطع قبل أف أكلّْمها أي كلمة وعتاب‪ ...‬ليت‪ ...‬ليت‪ ...‬وزعقت صارخةً‪ :‬ال يا بِب‪ ..‬ىذه بنت‬
‫الناس ال هبوز أف تُضرب‪.‬‬
‫(فاؼبعروؼ قديباً بالشاـ أنو ال هبوز ضرب الزوجة أبداً مهما كانت األسباب‪ ..‬فهذه شريكة حياة‪ ...‬فإف َف يتم االتفاؽ‬
‫بْب الطرفْب فالطبلؽ ال الضرب‪ ...‬فالضرب للحيواف ال لئلنساف‪ ،‬وىذه الزوجة إنسانة ال تُضرب "كاف ىذا بقاموس‬
‫ضرس بأنياب ويوطأ دبيسم فكل الناس ستكرىو وتتكلَّم عنو بأذـ‬
‫أىل الشاـ ال ُقدامى" والذي يضرب زوجتو سوؼ يُ َّ‬
‫مكررة‪:‬‬
‫الصفات وأشنعها ويصبح ُؿبتقراً من قبل اعبميع)‪ ،‬فركضت مسرعة تناديو ّْ‬

‫يا بِب توقف‪ ،‬فابنة الناس ال تُضرب‪ ...‬ىذا ال هبوز‪ ...‬بنت الناس ال تُضرب‪.‬‬

‫ركضت وىي تكاد ال ترى طريقها إُف باب الغرفة اؼبوصد وبطريقها طرؽ مسامعها صوت السوط الثآف الذي تبعو صوت‬
‫يقل عن الصوت األوؿ قوًة وتأثّباً‪ ،‬فلقد خرج من ٍ‬
‫قلب تنفَّس عما كاف فيو‪...‬‬
‫الزوجة اؼبكبوتة‪ ،‬وكاف ال ُّ‬
‫سيت‬
‫عندىا َف تعد ربتمل ما تسمع‪ ...‬يا إ ۤؽبي‪ ...‬يا إ ۤؽبي أ ََوصل بو اغبد أيضاً ليضرّٔا ثانيةً‪ ...‬ماذا سيقوؿ الناس‪ ...‬نَ ْ‬
‫سيجره‬
‫َّ‬
‫كل خصاـ حدث منذ غبظات وباتت تريد زبليص الزوجة اؼبسكينة من يد ابنها الظاَف بنظرىا لزوجتو وزبليصو فبَّا ّ‬
‫سيشوه ظبعتو‪ ...‬كيف سيواجو الناس!!‪.‬‬
‫لنفسو بفعلو ىذا‪ ...‬أىكذا يضرّٔا‪ ...‬يضرب زوجتو!!‪ .‬وبالتاِف ّْ‬

‫تصورت" قد‬
‫وصلت الباب باندفاعها لتتدارؾ اؼبوقف وكانت عندما ظبعت بقرقعة صوت السوط على جسد كنَّتها "كما َّ‬
‫أطلقت من فمها دعوة على ابنها‪ ،‬عندىا فتح الباب بقوة وانزعاج وخرج من الغرفة بسرعة شديدة كاألسد اؼبزؾبر حامبلً‬
‫بيده السوط وترؾ ؽبا آّاؿ لتواسي زوجتو وخرج من الدار‪.‬‬
‫دخلت أمو إُف الزوجة اؼبسكينة الٍب انفجرت بكاءً زفرت بو اآلالـ واألحزاف الٍب كانت مشحونة بقلبها‪...‬‬
‫أقبلت ضباهتا عليها ُمسرعة وبقلب حنوف رحيم رباوؿ إرضاءىا بألطف الكبلـ وأعذبو‪ ...‬يا ابنٍب ىذا ال ّْ‬
‫يفكر‪...‬‬
‫علي فأنا اؼبخطئة حبقّْك أنا‪ ...‬ساؿبيِب‪ ...‬ث ضمتها إليها ربنو عليها وتواسيها بأرؽ الكبلـ‬
‫َّ‬
‫فتحمليو‪ ...‬يا ابنٍب ح ّقك ّ‬
‫وأحسنو‪.‬‬

‫كانت الزوجة ال تزاؿ تبكي وتبكي‪ ،‬تسمع كلمات ضباهتا اللطيفة فينشفي قلبها النكسارىا والنتصارىا عليها بالتمثيل‪:‬‬
‫يا ابنٍب ال تؤاخذيو‪ ...‬ـبطئ‪ ...‬وصارت تسعى إلرضائها بكل أسلوب لْب بأعذب الكبلـ وأحبله خشية أف تذىب‬
‫فتقص عليهم ما جرى من ضرب زوجها ؽبا‪ ،‬وبالتاِف ينتشر ىذا اػبرب بْب الناس وتتشوه ظبعة ابنها اؼبعروؼ‬
‫ألىلها‬
‫َّ‬
‫بصبلحو وطيب صيتو العطر وظبعتو العالية‪...‬‬
‫وؼبدة طويلة من الزمن بقيت جبانبها تواسيها‪ ...‬تبلطفها‪ ...‬ربنو عليها‪...‬‬
‫ستتم على خّب ما‬
‫أما السيد ؿبمد أمْب فكاف قد خرج من البيت مباشرة وعلى ثقة تامة باهلل بأف نتائج خطّتو ىذه ُّ‬
‫يراـ‪...‬‬
‫وبالفعل فقد مسحت وأزالت تلك الكلمات اللطيفة الرقيقة مع الدموع السخية الٍب ذرفتها "الزوجة" كل حزف وأَف‬
‫وأدركت أهنا ساعة غضب ومرت‪ ...‬واغبمد هلل‪ ...‬فقد عادت األمور ّٓاريها الوديَّة وتدفقت اغبياة ثانية باحملبة بْب‬
‫االثنتْب بعد ىذا التوادد واؼببلطفة‪.‬‬
‫عاد السيد ؿبمد أمْب من بعد عصر ذلك اليوـ فوجد أهنما أصبحتا وكما يُقاؿ‪" :‬كالسمن على العسل" فحمد اهلل‬
‫كثّباً‪ ،‬أما أمو فكانت تنظر إليو نظرات حادة‪ ...‬لعلَّها نظرات تأنيب على ما فعل!!‪.‬‬

‫يفضل‬
‫ولقد أدركت من بعد ذلك أف ابنها رجل قاسي على زوجتو وظاَف ؽبا‪ ...‬فهو ال يُطعمها مثلما يُطعم أمو فدائماً ّْ‬

‫ّأمو بألذ الطعاـ وأشهاه‪ ،‬أما تلك اؼبسكينة فبعيدة كل البعد عن ذلك الدالؿ!!‪ .‬وكذا يشَبي ألمو أجود وأفخر األلبسة‪،‬‬
‫أما ىي فمحرومة ولوال أىلها لكانت ٍ‬
‫حبالة يُرثَى غبالتها!!‪.‬‬
‫فأي ظلم وقسوة تلك الٍب‬
‫فهل ىو زوج وبب زوجتو ُّ‬
‫ويودىا!!‪ .‬وفوؽ كل ذلك يصل اغبد دبعاملتو ليضرّٔا وبالسوط!!‪ّ .‬‬

‫يُعاملها ّٔا‪ ...‬إنو ح ّقاً ال وببّها ُمطلقاً‪ ...‬و َّ‬
‫كأف والدتو أجربتو ّٔا كزوجة عندما اختارهتا لو؟!‪ .‬فهذه بنت الناس ومن‬
‫الواجب عليو أف يُعاملها اؼبعاملة اغبسُب اعبيدة‪ ...‬ولكن؟!‪.‬‬
‫كل تلك النتائج والتساؤالت اكتشفتها وأدركتها سباماً وأدركت أيضاً أهنا إف َف تقم دائماً دبناصرة تلك اؼبسكينة ( زوجة‬
‫وبب والدتو فقط وال وببّها‪.‬‬
‫ابنها ) ودعمها والدفاع عنها فستلقى ظُلماً كبّباً من زوجها الذي ّ‬
‫وبذلك صارت دائماً رباوؿ ربصيل صبيع حقوؽ ىذه الزوجة من ابنها وتساندىا دائماً وربنو عليها ودائماً تقف معها‬
‫موقف اؼبدافع‪ ،‬وإف رأت منها أخطاءً صدرت فتعفو عنها صفحاً‪ :‬مسكينة فوؽ ما ىي فيو من ظلم ومعاناة رباسبها‬
‫ُ‬
‫على أخطائها؟!‪ .‬ال‪ ...‬لن رباسبها أبداً‪...‬‬
‫وبذلك سادت احملبة بْب الطرفْب وأصبحتا كاألـ وابنتها سباماً‪ ...‬أصبحت "ضباهتا" عن حق "ربميها وتدافع عنها"‪...‬‬
‫ؤّذه العبقرية وىذا التفكّب اؼببدع ألَّف بْب (الكنَّة واغبماة) وأصبحت األـ تنادي‪ ...‬زوجة ابنها "يا ابنٍب"‪ ....‬والزوجة‬
‫ُ‬
‫تُنادي ضباهتا "يا أمي"‪...‬‬
‫‪‬‬

‫وقرروا القضاء على ضابطنا السيد ؿبمد أمْب‪ ...‬فهل ستكوف هناية‬
‫ناقوس اػبطر يدؽ فآّرموف قد أصبعوا أمرىم َّ‬
‫ضابطنا‪ ...‬أـ أف اهلل سيعصمو ووبميو؟‪.‬‬
‫تابع معنا عزيزي القارئ ىذه القصة اؼبثّبة‪...‬‬
‫* * *‬
‫كرس ضابطنا الشجاع وقتو للقضاء على آّرمْب وتطهّب الشاـ منهم واػببلص من سيء أفعاؽبم وأعماؽبم‬
‫لقد َّ‬
‫البلإنسانية‪...‬‬
‫زبرج من كلية عنرب العسكرية كضابط‪ ،‬أقسم على أف لن يهنأ لو‬
‫أقسم ذلك اليمْب بينو وبْب نفسو ُمعاىداً ربَّو منذ أف َّ‬
‫فسيُ َس ّْخر كل ما أُويت يف سبيل القضاء عليو ناصراً اغبق ُمقيماً العدؿ‪ ،‬ومضى يعمل‬
‫عيش ما داـ الباطل يسري ويرتع َ‬
‫بذلك‪...‬‬

‫كانت تلك الفَبة ىي عصر آّرمْب واإلجراـ الذىيب وال يأمن اؼبرء على نفسو بعد غروب الشمس واختفاء النور إالَّ أف‬
‫يلزـ بيتو‪...‬‬
‫وما أف استلم السيد ؿبمد أمْب منصبو واستلم كافة الصبلحيات ليزاوؿ عملو حٌب ىجر اؼبناـ‪ ،‬فكاف ىبرج صباحاً إُف‬
‫عملو وال يعود إال بعد الفجر بقليل ليناؿ قسطاً بسيطاً من النوـ بعد أف أمضى سحابة هناره وليلو دببلحقة آّرمْب‬
‫يبق منهم إالَّ القليل ‪ 23/‬أو ‪ 03‬ؾبرـ‪،/‬‬
‫يقتحم عليهم ـبابئهم ّْ‬
‫ويدمر ـبططاهتم‪ ،‬يُبطل أعماؽبم اإلجرامية حٌب َّأدّٔم وَف َ‬

‫يؤدّٔم بنفسو‪ ،‬إذ وجد أنو عندما يبعثهم للسجن يلجؤوف للرشاوي والوساطات واؼبعارؼ ليتم إطبلؽ سراحهم‬
‫كاف ّْ‬
‫بالقضاء‪ ،‬وبالتاِف يبقوف على ما ىم عليو من ببلء مسلّط على ِ‬
‫الناس وعلى أنفسهم‪.‬‬
‫وعلى سبيل اؼبثاؿ ال اغبصر كاف ينصب الكمائن على طرؽ آّرمْب عندما يعودوف ـبمورين ُسكارى‪ ،‬فيُفاجئ السكراف‬
‫تنقض عناصره عليو فّبموه أرضاً ويضعوا "الفلقةَ" يربطوف ّٔا ِ ِ‬
‫تسيل الدماءُ من قدميو‪ ،‬عندىا‬
‫حيث ُّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫قد ْميو فيجلده حٌب َ‬
‫يفك وثاقَو وىباطبُو‪ :‬عزيزي أيها ّْ‬
‫كل يوـ وأنا يف انتظارؾ ألرحب بك مثل ىذا‬
‫ُّ‬
‫السكّب اػببيث أرجوؾ أف زبْمر وت ْسكر َّ‬
‫كف أذاه عن الناس‪.‬‬
‫وقل أف يعود‪ .‬وبذلك يكوف قد َّ‬
‫الَبحاب اعبميل‪ ...‬وآّرـ يتأوه ويبكي ولكن ىيهات ىيهات َّ‬
‫فهذا مثاؿ بسيط من أساليب ضابطنا الٍب يتبعها مع أمثاؿ أولئك‪.‬‬
‫نعم لقد حاصرىم بكل مكاف َّ‬
‫قسم‬
‫وسد عليهم الدروب واقتحم عليهم دور الفجور حٌب َّ‬
‫َّت َمشْلَهم َّ‬
‫دوخهم وشت َ‬
‫ففر ٌ‬
‫شتات َمشْلِ ِه ْم‬
‫منهم إُف العر ِاؽ وآخروف قابعو َف يف السجوف‪ ،‬وآخرو َف تائبوف‪ .‬عندىا صبع البقيَّةُ الباقيةُ من آّرمْب‬
‫َ‬
‫بوضعهم الراىن التعيس علَّهم هبدوا حبلِّ‪.‬‬
‫ليتدارسوا أمرىم‪ ،‬إذ باتوا خبط ٍر عظيم يتناقشوف‬
‫ُ‬
‫أحدنا إُف‬
‫ويف االجتماع دار‬
‫أين أياـ ؾبدنا وبطوالتنا الٍب ما عدنا كبلم ّٔا!‪ .‬أياـ كنا إذا خرج ُ‬
‫ُ‬
‫النقاش بْب آّرمْب‪َ :‬‬
‫أحدنا‪ ...‬آه على تلك األياـ‪ ...‬أياـ عيز وقوة‪ ...‬أما اآلف أصبحنا يا‬
‫الناس ُزبلي الشارع إذا رأت َ‬
‫السوؽ فيغلقو‪ .‬كانت ُ‬

‫رجاؿ نريد "سلتنا ببل عنب" فهل ىذا الوضع يُطاؽ‪ ...‬يا حيف على الرجاؿ‪ ...‬يا حيف‪.‬‬

‫ويهد َّقوتنا ِ‬
‫ّْت مشْلَنَا ُّ‬
‫اليوـ‬
‫يكس ُر َش ْوَكتَنا ال‪ ...‬ال‪ ...‬ال نكاد نصد ُ‬
‫ّْؽ ما وبدث‪ ،‬نر ُ‬
‫رجل واح ٌد يشت ُ‬
‫يد حبلً ؽبذا الوض ِع َ‬
‫ٌ‬
‫وقبل ِ‬
‫الغد‪ ،‬سنقتلو مهما كلَّفنا األمر ولو ذىبت منا الضحايا يف سبيل اػببلص منو فبل يهم‪ ،‬اؼبهم أف نتخلَّص منو ولو‬
‫وؾب ِدنا‬
‫ىدفنا ونعود ّْ‬
‫ّْق َ‬
‫لعزنا َْ‬
‫كلَّف ذلك قتل رجل أو اثنْب أو ثبلثة وحٌب أربعة‪ ،‬فهو واحد وكبن كثّبوف فاؼبهم أف كبق َ‬
‫العزة لنا‪.‬‬
‫أسياداً على الناس ال َم ُسودين و َّ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫االطمئناف يف ربوع‬
‫العدالة و‬
‫وتآمرىم على قتل ضابطنا بآف صرِح‬
‫توصلوا إُف ىذا القرا ِر‬
‫َ‬
‫منتصف ليلة انعقاد مؤسبََِرىم ُ‬
‫الشاـ‪ ،‬مهبط األنبياء ومهد الرساالت السماوية‪.‬‬
‫* * *‬
‫مستتب وال حاجة الستنفاره كالعادة‬
‫كاف السيد ؿبمد أمْب قد عاد لبيتو وأوى إُف فراشو‪ ،‬إذ شاىد أف األمن واألماف‬
‫ّ‬
‫طواؿ الليل‪ِ ...‬‬
‫وساد االطمئنا ُف‪.‬‬
‫صروح‬
‫فقد اهندَّت‬
‫آّرمْب َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫بضيق ٍ‬
‫أحس ٍ‬
‫شديد كأف حببلً يضيّْق اػبناؽ على رقبتو‪.‬‬
‫لكن يا للغرابة‪ ...‬فلق ْد َّ‬
‫و ْ‬

‫أذىب مباشرةً ألطَّلع على األمور‬
‫علي أف‬
‫لعل ىناؾ خطأً قد‬
‫ضابطنا‪ :‬خّباً إف شاء اهلل‪ ...‬خّب!‪َّ .‬‬
‫َ‬
‫حدث بالقس ِم؟‪َّ .‬‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ت‪.‬‬
‫و َ‬
‫أتدارؾ األخطاءَ إف ُوج َد ْ‬
‫ِ‬
‫سبلحو ومشى إُف القسم مسرعاً وزوجتو نائمة َف تعلم بذىابو‪.‬‬
‫لبس َّبزتوُ العسكرية مصطحباً َ‬
‫هنض من فراشو و َ‬

‫ِ‬
‫برجل ـبموٍر ٍ‬
‫ويف الطريق التقى ٍ‬
‫يقع ث‬
‫تطم بذي اعبدا ِر‪ ،‬ث يصطَد ُـ جبدا ٍر آخر وىو يتمايل يبن ًة ويسرة ويكاد ُ‬
‫متثاقل ير ُ‬
‫يتماسك مَباقصاً ٍ‬
‫مهب الريح‪ ...‬إنو نفس الشخص الذي َّأدبو منذ بضعة أياـ مضت‪ ...‬صفعوُ صفعةً أتبعها‬
‫كورقة يف ّْ‬
‫ُ‬
‫بأقوى منها حٌب صحا قليبلً من س ْك ِره وعاد إُف صو ِ‬
‫عندىا كلَّمو ّْ‬
‫تتب وتعاىدٓف على‬
‫ابو فوعى ما يقوؿ‪َ ،‬‬
‫موخباً‪ :‬أَف ْ‬
‫ُ‬
‫التوبة‪ ،‬أَرجعت ِ‬
‫لشرب اػبمور والسكر؟‪.‬‬

‫ِ‬
‫ليطمئِ َّن على األوضاع ىناؾ‪.‬‬
‫للقسم َ‬
‫ث تركو وتابع طريقو مسرعاً يف مشيتو ْ‬

‫أما آّرموف فقد أهنوا اجتماعهم وخرجوا لتنفيذ قرا ِرِىم ِ‬
‫اغباسم ولو كلَّفهم ذلك ما كلَّف من وقوع ضحايا منهم‪ ،‬ذلك‬
‫خربه‬
‫أنو واحد وىم اثناف وعشروف‪ ،‬فليُقتل واحداً واثنْب ونكو ُف قتلناه‪ ...‬فبعثوا َ‬
‫يبهم يستقصي َ‬
‫أحدىم ليبحث عن غر ْ‬
‫امهم‬
‫البعض‪...‬‬
‫موجود أـ ال؟‪ .‬فإف كاف بالقسم ىجموا عليو صبيعاً وقتلوه‪ ،‬ولو قُتِ َل منهم‬
‫أَبِالْ ِق ْس ِم‬
‫ٌ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫فسّبتع الباقوف بإجر ْ‬
‫آمنْب مطمئنْب‪.‬‬
‫َ‬

‫* * *‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫عبماعتو وأخربىم‬
‫اؼببعوث‬
‫رجع آّرـ‬
‫ُ‬
‫وصل مبعوثُهم إُف القسم قبل وصوؿ ضابطنا "رئيس القسم"‪ ،‬وؼبَّا َف هب ْدهُ بالقسم َ‬
‫بأنو يف بيتو ال بالقس ِم‪.‬‬
‫البيت أسهل فهو ِ‬
‫سروا كثّباً ّٔذه األخبا ِر‪ ،‬فهذا ما كانوا يتمنػَّوه‪ ...‬إذ يف ِ‬
‫دبفرده وىم صباعةٌ‪.‬‬
‫ُّ‬
‫ُْ‬
‫ُ‬

‫َسلِ َحت ِه ْم‬
‫ين أ ْ‬
‫ودبشيئة القدرة اإل ۤؽبية انطلقوا بطريق ـبالف للٍب سلَ َكها‪ ...‬ولدى وصوؽبم إُف بيتو‪ ،‬ىجموا صبيعاً شاىر َ‬
‫مكشرين عن ِ‬
‫اياى ُم السوداءُ اػببيثة‪.‬‬
‫أنياب ّْ‬
‫الشر واإلجراـ‪ ،‬تطغي على وجوى ِهم نو ُ‬
‫ّْ َ‬
‫ِ‬
‫القسم‪ .‬إنو ليس يف البيت‪.‬‬
‫وصل‬
‫وكما سبق‪ ،‬بتلك األثناء كاف ضابطنا قد َ‬
‫َ‬

‫دبشيئة اهللِ‬
‫بيت السيد ؿبمد أمْب و ِ‬
‫باذباهِ ِ‬
‫ىجم آّرموف ّْ‬
‫أخطأوا بابَو‪ ،‬فبَ َ‬
‫دؿ أف ىبْلَعوا بابَو خلعوا َ‬
‫ُ‬
‫باب دار جاره‪ ...‬وأثناءَ‬
‫ِ‬
‫فصاح‬
‫للتو ضابطنا‪ ...‬ىنالك ثارت ثورةُ اػبمرِة يف رأسو‬
‫وص َل ذلك الرجل السكراف اؼبخمور الذي َّأدبو ّْ‬
‫الباب َ‬
‫خ ْلع ِه ُم َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ٍ‬
‫كالرعد‪:‬‬
‫بصوت‬
‫ّٔم‬
‫ْ‬
‫شتائم السكارى فظنُّوهُ غريبَُه ُم الضاب َط‬
‫الشتائم‪،‬‬
‫ؽبم‬
‫َ‬
‫َ‬
‫يا كبلب‪ ..‬ماذا تعملوف؟‪ .‬يا قليلي الشرؼ‪ ..‬حقراء‪ ...‬وكاؿ ُ‬
‫ِ‬
‫الليل‪ .‬إذاً ىو الذي‬
‫الباب‬
‫ئيس القس ِم الذي يع ِرفُونَو بأنَّو قلَّما ُ‬
‫الشهم‪ ..‬تركوا َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫يناـ َ‬
‫وىجموا عليو‪ ..‬ظنُّوه ويف ظلمة الليل ر َ‬

‫يدافع عن ِ‬
‫مضرجاً بدمو‪ ،‬ث أفرغوا‬
‫بيتو ال سواهُ‪ ...‬فلقد أصبح بْب أيديهم فريسةً سهلةً‪ ...‬وأطلقوا عليو الرصاص فوقع َّ‬
‫ُ‬
‫ـباز َف مسدساهتِِم بو‪ :‬بقدميو ورجليو بر ِ‬
‫األدبار‪،‬‬
‫لْب‬
‫أس ِو وصد ِرهِ‪ ،‬عندىا أفرغُوا َ‬
‫حقدىم وش ُفوا غليلَهم‪ ...‬تركوه ىاربْب مو َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫وأما السكراف فكاف َم ْرِمياً على األرض فاقد اغبياة‪.‬‬
‫* * *‬
‫عاد ضابطنا بعد فَبة من الزمن وذلك بعد أف زار القسم وتفقَّد أوضاعو ورأى أف األمن مستتب‪ ...‬اؽبدوء واألماف بكل‬
‫مكاف‪ ،‬وكل األمور ذبري طبيعيَّة وعلى ما يراـ‪ ...‬وزاؿ ما بو من ى يم وغ يم وضيق كاف قد أَفَّ بو‪ ...‬أجل رجع ففوجئ‬
‫ملقى على األرض‬
‫بالضجيج حوؿ منزلو ُّ‬
‫يشق عنا َف السماء والناس يف ىرج ومرج‪ ...‬استغرب ؼبشهد السكراف الذي َّأدبو ً‬
‫ِ‬
‫بالدماء وفاقد اغبياة‪.‬‬
‫مضرجاً‬
‫كل ىذا الضجيج واألصوات من أزيز الرصاص وصراخ آّرمْب وركضهم ما كانت لتوقظ زوجة السيد ؿبمد أمْب حبكمة‬
‫ٍ‬
‫اهلل‪ ،‬بل بقيت ُّ‬
‫تسمع وَف تَػَر‪.‬‬
‫تغط يف سبات عميق فلم ْ‬
‫رعبها وؽبَفها عليو!‪.‬‬
‫لقد شاء اهلل الرحيم ذلك‪ ،‬فلو أهنا استيقظت وَف تشاىد زوجها فيا ترى ماذا ُّ‬
‫وبل ّٔا بسبب ْ‬
‫ِ‬
‫ت‬
‫وهتدـ أركاف ّْ‬
‫الشر وأىلو‪ ،‬وإف تنصروا اهلل ينصركم ويثبّْ ْ‬
‫أبت اؼبشيئة اإل ۤؽبيةُ إال أف تنق َذ السيد ؿبمد أمْب ناصر اغبق َ‬
‫ويسعوف يف األرض‬
‫أقدامكم‪َّ ...‬‬
‫وردىم فاشلْب َف ينالوا منو سوءاً وكفاه اهلل قتا َؽبم "كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأىا اهلل ْ‬
‫فساداً واهلل ال وبب اؼبفسدين" ولساف حالو يقوؿ للمجرمْب‪:‬‬

‫للشر وأىلو"‪.‬‬
‫"موتوا بغيظكم أو توبوا عن جرائمكم‪ ...‬وإالَّ فالويْل ِّ‬
‫‪‬‬

‫لقد بُِرعت فئة من الناس بالسحرة واؼبشعوذين ؼبا رأوا منهم بعض التخيبلت الٍب أساسها والقائم ّٔا ىم شياطْب اعبن‬
‫َّ‬
‫قاؿ تعاُف‪:‬‬
‫ٔظ ‪َ٠‬ؼُ‪ُ ٛ‬ر‪ َْٚ‬ثِ ِش َجبي َِِٓ ْاٌ ِجِّٓ فَ َضا ُد‪َ ُْ ُ٘ٚ‬سَ٘مب} (‪.)8‬‬
‫{ َ‪ٚ‬أََُٔٗ َوبَْ ِس َجبي َِِٓ ِ‬
‫اإل ِ‬
‫وعلى سبيل اؼبثاؿ أصحاب الشيش الذين يبثلوف وىبدعوف بعض أصحاب العقوؿ القاصرة من الناس مظهرين بأفعاؽبم‬
‫السحرية التخيلية أهنم من أىل اهلل وأهنا ىذه كرامات من اهلل ؽبم‪ ...‬وباغبقيقة ىم أشد الناس بعداً وكفراً باهلل وأشدىم‬
‫بغضاء هلل ورسولو ألهنم قارنوا عدو اهلل "شياطْب اعبن" ونزلوا لعواؼبهم القذرة بنفوسهم‪ ...‬ولو سأؽبم إنساف ما ىذا الفعل‬
‫لنع ْد إُف ما ذكره الرحالة ابن بطوطة(‪ )2‬قائبلً يف ذكر أخبار السحرة يف ببلد‬
‫لقالوا‪ :‬إنو برىاف أماـ الكفَّار ليسلموا‪ ،‬ولكن ُ‬
‫اؽبند‪:‬‬

‫مرةٍ دخل على سلطاف أحد الببلد يف اؽبند وكاف عنده رجبلف من‬
‫أنو ظبع ورأى منهم العجائب‪ ،‬فبزيارتو للهند وذات َّ‬
‫"اعبوكيو" يلتحفوف باؼببلحف ويغطوف رؤوسهم ألهنم ينتفوهنا بالرماد كما ينتف الناس إباطهم‪ ،‬فأمرىم السلطاف بأف يُريا‬
‫ابن بطوطة العجائب‪ ،‬فَببع أحدنبا ث ارتفع عن األرض حٌب صار باؽبواء فوؽ رؤوس اعبالسْب وىو مَببع‪ ،‬فغمي على‬
‫ابن بطوطة ألنو َف يشهد من ىذه العجائب من قبل‪.‬‬

‫) سورة اعبن‪ :‬اآلية (‪.)3‬‬

‫(‪8‬‬

‫) راجع كتاب رحلة ابن بطوطة‪.‬‬

‫(‪2‬‬

‫وؼبا صحى من إغمائو كاف الشخص ال يزاؿ مرتفعاً باؽبواء مَببعاً‪ ...‬وضبل الرجل اآلخر نعاالً وضرب ّٔا األرض‬
‫فصعدت إُف عنق اؼبَببع وجعلت تضربو وىو ينزؿ قليبلً قليبلً حٌب عاد وجلس على األرض‪.‬‬
‫"فإذا كاف أولئك عبدة البقرة والنار يفعلوف ىذه األفعاؿ الٍب حبقيقتها زبيلية‪ ،‬فاأل َْوَُف أف يكوف دينهم ىو الدين الصحيح‬

‫إف كاف اؼبقياس ّٔذه األمور الٍب حقيقتها سحر وشعوذة"‪.‬‬
‫الرحالة الشهّب ابن بطوطة‪ ،‬إذ قاؿ‪:‬‬
‫وكما روى َّ‬

‫‪...‬ث يف ببلد الصْب روى لنا عن عجيبة شاىدىا من أحد اؼبشعوذين "وىو من عبيد القاف(‪ ..")8‬أمره األمّب بأف يُريهم‬
‫العجائب فرمى حببل طويل يف اؽبواء َّ‬
‫فامتد بنهايتو حٌب غاب فبتداً يف السماء عن األبصار‪ ،‬ث أمر طفبلً ليصعد اغببل‬
‫فصعده يف اؽبواء حٌب اختفى عن األبصار‪ ،‬ث دعاه لينزؿ ثبلث مرات فلم يفعل فأخذ اؼبشعوذ سكيناً ضبلها بفمو وصعد‬
‫اغببل اؼبنصوب باؽبواء خلف الولد حٌب غاب أيضاً‪ ،‬ث رمى بيد الصيب إُف األرض ث برجلو ث بيده األخرى ث‪ ...‬ث‬
‫برأسو‪ ..‬لقد قطَّعو بالسكْب ث نزؿ اؼبشعوذ لؤلرض وىو يلهث وثيابو ملطخة بالدـ‪ ،‬وقبَّل األرض بْب يدي األمّب وكلَّمو‬
‫ورَكلَو برجلو فقاـ سوياً‪.‬‬
‫بالصيِب فأمر لو األمّب بشيء من اؼباؿ‪ ،‬ث أخذ أعضاء الصيب فألصقها َ‬
‫وكاف ىناؾ ٍ‬
‫قاض اظبو "فخر الدين" قاؿ البن بطوطة‪:‬‬
‫"واهلل ما كاف من صعود وال نزوؿ وال قطع عضو إمبا شعوذة وخداع بصر"‪.‬‬
‫َظ‪.)2(}ُ١‬‬
‫بط َ‪ٚ‬ا ْعزَشْ َ٘جُ‪َ َٚ ُْ ُ٘ٛ‬جب ُء‪ ٚ‬ثِ ِغحْ ش ػ ِ‬
‫قاؿ تعاُف‪َ ..{ :‬ع َحشُ‪ٚ‬ا أَ ْػ‪ َُٓ١‬إٌَ ِ‬
‫إذاً فهذه األعجوبة أعظم من أعاجيب ُمدَّعي اإلسبلـ واإليباف "أصحاب الشيش والشعوذات‪ "..‬وىي تصدر عن أناس‬
‫يعبدوف النار والبقر‪ ..‬فهل الديانة البوذية الٍب ينحدر منها أولئك اؼبشعوذوف صحيحة إف كاف ما يدَّعيو اؼبشعوذوف بأهنم‬

‫ىم من أىل اهلل وىذه كرامات ؽبم!!‪.‬‬
‫إذاً فهذه األمور اإلسبلـ بريءٌ منها وبريءٌ من أصحأّا أعداء اهلل ورسولو‪.‬‬
‫* * *‬
‫ث لنروي ما كاف يعملو بعض السحرة الروسيْب يف السّبؾ‪ ،‬كيف أف أحدىم وبدّْؽ بعيِب فتاة ويُشّب بأصابعو على‬
‫وجهها فيُغمى عليها وتقع فيتناوؽبا بكلتا يديو ويبدّْدىا على طاولة على مرأى من اعبمهور وىو على اؼبسرح فيتمتم فَبتفع‬
‫الطاولة دبقدار نصف مَب باؽبواء‪ ،‬ويأخذ حببلً ثخيناً فّببطها باغببل ربطاً ؿبكماً بالطاولة ث يسكب عليها البنزين ويُشعلو‬

‫) القان‪ :‬إحدى قبائل الصْب‪.‬‬

‫(‪8‬‬

‫) سورة األعراؼ‪ :‬اآلية (‪.)883‬‬

‫(‪2‬‬

‫عن ٍ‬
‫بعد فتحَبؽ الطاولة والفتاة‪ ،‬بعد ذلك يصفق بكلتا يديو فتخرج نفس الفتاة من باب خلفي باؼبسرح لتحيي اعبمهور‬
‫وىي سليمة معافاة‪.‬‬
‫الكثّب من الناس شاىد منذ عدة سنوات أولئك الذين كانوا يسّبوف يف الشوارع واألسواؽ ويبارسوف أماـ الناس ألعأّم‬
‫"أبواب سيما" كيف ُىبرجوف من أفواىهم البيض ولّبات الذىب وشفرات اغببلقة والطيور و‪ ...‬ث بنهاية العرض يبدُّوف‬
‫يدىم للناس ليعطوهنم النقود لقاء عرضهم‪.‬‬
‫أما اآلف َف يعد الناس يروف مثل ىذه العروض يف الشوارع ألف اغبكومة منعتهم على اعتبارىم متسولْب عندما منعت‬
‫التسوؿ‪.‬‬
‫ظاىرة ُّ‬
‫ث لنذىب إُف أولئك الذين يقضوف األياـ ربت اؼباء يف ٍ‬
‫حبّبة ما‪ ،‬هبلسوف أياماً أو أسابيع‪ ..‬ومتَّ تصويرىم وىم ربت اؼباء‪،‬‬
‫فهل أولئك ىم بديانتهم البوذية ىم أصحاب حق ودي ٍن صحيح!!‪.‬‬
‫وقد راح عدد من ال ُكتَّاب والناس الساذجْب يتناقل بعض القصص اػبرافية اؼبدسوسة والٍب ال أصل ؽبا ظانْب أهنم بذلك‬
‫يدعموف وينصروف اإلسبلـ واغبقيقة ىي العكس سباماً‪.‬‬
‫وما ىذه القصص إالَّ دعم للسحرة واؼبشعوذين بأهنم يضربوف أنفسهم بالسيوؼ والسكاكْب "شيش" من أجل إثبات‬
‫صحة دين اإلسبلـ أماـ غّب اؼبسلمْب ولكن ما يدَّعونو كذباً فما يفعلونو كلو ؿبض خياالت شيطانية وليس لو أدْف‬
‫اتصاؿ باغبقيقة والواقع ونواياىم يف ذلك حقّبة لتوجيو الناس إُف نفوسهم الرذيلة اؼبمتزجة بنفوس الشياطْب اؼبظلمة‪...‬‬
‫وال يقبل العقل السليم بأف إنساناً يضرب ذاتو بسكْب وال يؤذى‪ ،‬ولو كاف ذلك صحيحاً لكاف أسبقهم يف ىذا اؼبضمار‬
‫رسوؿ اهلل ‪ ‬ولكن حاشاه من كل ما ذكر‪ ،‬وحٌب اؼبعجزات واآليات فآخر عهدىا ىو زماف سيدنا عيسى إذ يقوؿ تعاُف‬
‫لرسولو الكرٔف ؿبمد ‪:‬‬
‫ة ثِ‪َٙ‬ب األَ َ‪.)1(}.. ٌَُْٛٚ‬‬
‫د إِالَ أَ ْْ َو َز َ‬
‫{ َ‪َِ ٚ‬ب ََِٕ َؼَٕب أَ ْْ ُٔشْ ِع ًَ ثِب‪َ٠٢‬ب ِ‬
‫* * *‬
‫ٍ‬
‫ومعاص‪...‬‬
‫ث لو تتبعنا أفعاؿ السحرة ىذه وسّبهتم لوجدناىا غشاً وخداعاً‪ ،‬كذباً ونفاقاً‪ ،‬قسوة قلب‬
‫وىذه قصتنا نفي عملي لكل ما ذكر خاضها السيد ؿبمد أمْب واستنتج منها أموراً كثّبة‪ ...‬إهنا تبْب أولئك اؼبنجمْب‬
‫وتبْب أف البعيد عن اهلل ال ينتج على يديو إالَّ الشرور واألذى‪.‬‬

‫) سورة اإلسراء‪ :‬اآلية (‪.)26‬‬

‫(‪8‬‬

‫* * *‬
‫ماراً بأحد الشوارع يلبس َّبزتو العسكرية‬
‫ذات يوـ وأثناء خدمة السيد ؿبمد أمْب يف األمن برتبة ضابط‪ ...‬بينما كاف ّ‬
‫األنيقة يظهر بصورٍة الئقة يتهادى خبطواتو الواثقة على سحب من اؽبيبة واللطف والوقار َف يُر مثلها‪ ..‬فجأ ًة لفت انتباىو‬

‫حشد من الناس كانوا قد التفوا ؾبتمعْب‪ ..‬تُرى على ماذا اجتمعوا؟‪ .‬وما حسبهم؟‪ .‬عندما اذبو إليهم‪ ..‬وؼبا صار على‬
‫مقر ٍبة منهم توقف إُف جانب شخص ث قاؿ لو‪:‬‬
‫رد الرجل وماتزاؿ آثار‬
‫أنت أيها الرجل أخربٓف ما ىناؾ‪ ...‬ماباؿ ىؤالء البشر قد التموا والتفوا؟‪ .‬حوؿ ماذا التفوا؟‪َّ .‬‬
‫الدىشة بادية عليو‪ :‬سيدي‪..‬سيدي‪ ..‬ىناؾ رجل يعمل العجائب‪ ..‬أتصدؽ يا سيدي أنو وبمل األفاعي والعقارب بْب‬
‫يديو وال تلدغو‪ ..‬وىا ىو وبمل عقرباً كبّباً يف راحة كفو‪.‬‬
‫تركو السيد ؿبمد أمْب قائبلً‪ :‬ال بأس‪..‬ال بأس‪ ..‬اندفع يف ازدحاـ الناس يشق طريقو إُف اؼبنتصف‬
‫فبراً ضيّْقاً ليمر إُف حيث يشاء‪،‬‬
‫وؼبا رآه الناس عرفوه بأنو الضابط الشريف الشجاع السيد ؿبمد أمْب‪ ...‬عندىا فسحوا لو َّ‬
‫التف حولو الناس مذىولْب مدىوشْب دبا‬
‫تابع طريقو إُف أف وصل منتصف اعبمع فرآه‪ ،‬رأى رجبلً يقف يف اؼبنتصف وقد ّ‬
‫يشاىدونو من غّب اؼبألوؼ واؼبعهود‪ ،‬نظر إليو السيد ؿبمد أمْب فرأى براحة كفو عقرباً كبّباً‪.‬‬

‫تقدَّـ منو ووقف إُف جانبو ث نظر يف يده‪ ...‬وىو يعلم سباماً أنو ال يبكن إلنساف أف وبمل عقرباً دوف أف يلدغو‪ ،‬إالَّ أف‬
‫سر يف العقرب ذاتو ال الشخص‪ ،‬ث قاؿ ـباطباً الرجل "اؼبدعي أنو يعمل العجائب"‪:‬‬
‫يكوف ىناؾ ّّ‬
‫أنت أيها الرجل كيف ربمل ىذا العقرب دوف أف يلدغك؟‪.‬‬
‫قاؿ الرجل بثقة وافتخار‪ :‬سيدي أنا ابن ج ّد‪ ،‬أنا رفاعي‪ ...‬إنِب منسوب للرفاعي "الشيخ أحمد الرفاعي"‪.‬‬
‫قاؿ السيد ؿبمد أمْب "وىو مدرؾ سباماً أف السر بالعقرب وكل ما ظبعو تفاىات أقواؿ ال أصل ؽبا‪ ،‬فاهلل ال هتمو األنساب‬
‫وحٌب لو كاف الرفاعي بذاتو فهو اليعمل ىذا العمل وىو بريءٌ من كل ما نُ ِسب إليو من أمور ال يقبل ّٔا اؼبنطق‬
‫والتفكّب السليم"‪.‬‬
‫ضع العقرب بيدي‪َّ ،‬‬
‫ومد السيد ؿبمد أمْب يده باسطاً راحة كفو‪ ،‬فوجئ الرجل واتسعت حدقتاه قائبلً‪ :‬ال‪ ...‬ال ياسيدي‬
‫فإهنا تلدغك‪...‬‬
‫قاؿ السيد ؿبمد أمْب‪ :‬وأنا ابن ج يد أيضاً أيها الرجل فضع العقرب بكفي‪...‬‬
‫ىناؾ َّ‬
‫مد الرجل يده مرغماً إُف جوار كف السيد ؿبمد أمْب ووضع العقرب بيده‪ ..‬نظر السيد ؿبمد أمْب إُف العقرب‬
‫استقر يف راحة كفو وما توقعو رآه ووجده سباماً‪...‬‬
‫الذي َّ‬

‫لقد الحظ أنو بدوف اإلبرة السامة فلقد نزع ىذا الرجل إبرة العقرب "هناية ذيلو" ٍ‬
‫بأداة وبقي العقرب بدوف سبلح ولو‬
‫حاوؿ أف يلدغ غريبو فبل يبكن لو ذلك‪.‬‬
‫* * *‬
‫وىاؾ ذبربة ثانية خاض غمارىا السيد ؿبمد أمْب‪...‬‬
‫كاف السيد ؿبمد أمْب فبدَّداً على فراشو يئن ٍ‬
‫أنات خافتة‪ ...‬وبْب اغبْب واآلخر يشهق شهيقاً عميقاً‪...‬‬
‫ث يسكن تنفسو لفَبة من الزمن‪ ...‬لقد كست وجهو و َّلونتو ضبرةٌ قانئة شديدة وسالت من جبينو قطرات من العرؽ بلَّلت‬
‫ٍ‬
‫لدرجة وصلت بو إُف مرحلة َف يعد يعي ما حولو‪ ...‬غائباً عن وجوده‪...‬‬
‫وسادتو‪ ،‬إنو مصاب باغبمى‬
‫استقر يف جانبها األيبن سريره‪ ،‬أ ََّما من اعبانب اآلخر خزانة متوسطة‬
‫كانت الغرفة الٍب رقد فيها متوسطة اؼبساحة‪،‬‬
‫َّ‬
‫اغبجم‪ ...‬ويف أحد زوايا الغرفة استندت سجادةٌ من النوع العجمي "التربيزي" فخمةٌ شبينةٌ للغاية‪ ،‬إهنا ما تزاؿ بِلَفَّتِها فلقد‬
‫أياـ ٍ‬
‫اشَباىا السيد ؿبمد أمْب منذ ٍ‬
‫قليلة مضت قبل أف يسقط طريح الفراش ؽبذه اغبمى الشديدة الٍب أصابتو‪.‬‬

‫كاف قد مضى يوماف‪ ..‬ثبلثة‪ ..‬عندما صحى السيد الفاضل ؼبا حولو بعد أف البفضت درجة حرارتو وعادت ضبرة وجهو‬
‫طبيعية‪ ...‬وبدأ تناوؿ الطعاـ اليسّب إُف ٍ‬
‫حد ما‪ ،‬لقد بػَ ُرَؤ من اغبمى ولكن ما تزاؿ آثار ىذه الوعكة الصحية بادية‬
‫عليو‪...‬‬
‫يوـ آخر ومستوى التحسن كاف قد ارتفع وأمكن للسيد ؿبمد أمْب أف هبلس ويبشي‪ ...‬يبارس حياتو االعتيادية‪.‬‬
‫مضى ٌ‬
‫بعد ٍ‬
‫أياـ قليلة وبينما ىو جالس على سريره يتناوؿ طعاـ الفطور اػبفيف‪ ...‬لفت انتباىو عدـ وجود السجادة اعبديدة يف‬
‫زاوية الغرفة الٍب كانت ىناؾ قبل مرضو ولكن أين ىي يا ترى؟‪ .‬تُراىا زوجتو الطاىرة أنزلتها وفرشتها بأرض إحدى‬
‫الغرؼ؟‪ .‬وإالَّ فأين ستكوف ذىبت؟‪.‬‬
‫بعد أف انتهى من افطاره هنض واقفاً ث ضبل مائدتو الصغّبة ونزؿ إُف اؼبطبخ‪ ...‬كانت زوجتو ماتزاؿ تُعُب بنظافة اؼبطبخ‪..‬‬
‫ناوؽبا اؼبائدة الصغّبة ث سأؽبا قائبلً‪:‬‬
‫"أـ فتحي" أين وضعت السجادة اعبديدة؟‪.‬‬
‫ردت بدىشة‪ :‬أ ََو ليست يف زاوية غرفتك؟‪.‬‬
‫َّ‬
‫قاؿ باستغراب‪ :‬ال‪ ...‬إهنا غّب موجودة يف الغرفة‪.‬‬
‫قالت‪ :‬آخر ما أعلمو عنها أهنا عندؾ يف الغرفة‪.‬‬

‫قاؿ‪ :‬ىذا صحيح إٓف أتذكر أهنا كانت يف الغرفة وذلك قبل مرضي ولكِب اآلف َف أجدىا‪ ،‬تُرى أين ىي؟‪.‬‬
‫وأخذ ىو وزوجتو يفتشاف عن السجادة يف كل أكباء اؼبنزؿ‪ ...‬ولكن لؤلسف دوف جدوى‪.‬‬
‫إذاً فالسجادة قد ُس ِرقت‪ ..‬ولكن كيف؟‪ .‬ومن ىذا الذي ذىبت بو جرأتو ليَس ِر َؽ سجادة مدير القلعة والسجن!‪.‬‬
‫من وسط غرفتو؟‪ .‬لبس السيد ؿبمد أمْب َّبزتو وىو مشغوؿ الباؿ ث خرج مسرعاً إُف مقر عملو يف القلعة‪ ..‬وىناؾ عاد‬
‫شك بو وحقق مع اعبميع ولكن َف‬
‫إُف جداوؿ كاف قد نظمها بأظباء آّرمْب وأصحاب األسبقيات وأحضر كل من َّ‬
‫تُ ِ‬
‫أي نتيجة توخاىا‪ ،‬كاف السيد ؿبمد أمْب يزداد انشغاالً واىتماماً ّٔذه القضية‪ ...‬فهو َف تعد‬
‫سفر التحقيقات عن ّْ‬
‫لِتَػ ُه ّموُ السجادة حبد ذاهتا إمبا أصبح موضع اىتمامو أف كيف استطاع اللص دخوؿ منزلو وسرقة السجادة دوف أف يشعر‬
‫بو أحد‪.‬‬

‫لقد أتعبتو ىذه القضية ولكن دوف ٍ‬
‫وصوؿ لنتيجة تُرجى‪...‬‬
‫* * *‬
‫وذات ٍ‬
‫رد السيد ؿبمد أمْب وكيف ذلك؟‪.‬‬
‫يوـ ذكر لو أحدىم أنو باستطاعتو أف يكشف اللص باستخداـ اؼبندؿ‪َّ ...‬‬
‫قاؿ الرجل‪ :‬يا سيادة الضابط ما عليك إالَّ أف تذىب لصاحب اؼبندؿ وىو عن طريق تسخّب اؼبندؿ ؽبذا األمر يكشف‬
‫السارؽ وحٌب كيف استطاع أف ينفذ السرقة‪.‬‬
‫ىنالك طلب السيد ؿبمد أمْب من ىذا الشخص أف يدلو على صاحب اؼبندؿ وذىبا سوياً إليو وىنالك دخل السيد‬
‫وقص لصاحب اؼبندؿ القصة‪ ...‬وأخربه صاحب اؼبندؿ بأالَّ يهتم فمشكلتو ؿبلولة ثّ نادى ولداً يلعب يف‬
‫ؿبمد أمْب ّ‬

‫أرض الدار فحضر إليو‪ ...‬قاؿ لو "صاحب اؼبندؿ"‪ :‬ىيا اجلس على اؼبندؿ‪...‬‬

‫وعاء ٍ‬
‫جلس الولد مكباً وجهو على ٍ‬
‫فبلوء باؼباء ينظر إُف اؼباء‪ ،‬ث عمد صاحب اؼبندؿ إُف ٍ‬
‫قطعة من القماش فغطى ّٔا‬
‫ّ‬

‫رأس الصغّب والوعاء‪ ،‬وجلس جبانبو يتمتم بكلمات غّب مفهومة مبهمة‪:‬‬
‫َىري‪ ...‬بَري‪ ...‬اظهري‪ ...‬جاي‪ ...‬ماي‪...‬‬

‫كاف قد مضى من الوقت غبظات عندما انقطع الرجل عن سبتمتو ُثَ سأؿ الولد‪:‬‬
‫ماذا ترى اآلف؟‪.‬‬
‫يقص واصفاً رؤياه‪ ...‬وىا قد خرجت من سوؽ اغبميدية وإٓف أرى اآلف‪..‬‬
‫أجاب‪ :‬إٓف أرى سوؽ اغبميدية‪ ..‬وبدأ الولد ُّ‬
‫ىا قد وصلت إُف زقاؽ يؤدي إُف مقاـ‪ ...‬وىاىو اؼبقاـ "السيدة جابية"‪.‬‬

‫وىا ىو سوؽ الصوؼ‪ ..‬ث ىذا زقاؽ يبدأ من سوؽ الصوؼ فبت ّداً‪ ...‬ومن ىذا الزقاؽ إُف ٍ‬
‫يضم جبهتو اليسرى‬
‫زقاؽ آخر ُّ‬

‫عدداً من اؼبنازؿ ذات أبواب خشبية‪ ،‬أحد ىذه األبواب (السادس) ىو باب خوخة(‪.)8‬‬

‫وتابع الولد واصفاً رؤياه على صفحة اؼباء إف ىذا الباب يػُ ْغلَ ُق على دا ٍر عربية واسعة الفناء بأرض ىذه الدار بئر معطلة‬

‫مرص ٌع ومزيَّن‬
‫قديبة يقع إُف يبْب الباب يليو در ٌج قدٔف يصعد إُف غرفة كبّبة علوية وضمن ىذه الغرفة صندوؽ خشيب كبّب َّ‬
‫بأصداؼ بيضاء‪ ..‬وىا ىي‪ ...‬ىا ىي سجادة ملفوفةٌ جديدة تربؽ دبظهرىا بريقاً يدؿ على جد ِ‬
‫ٍ‬
‫َّهتا‪.‬‬
‫قاؿ صاحب اؼبندؿ وماذا بعد ترى ياولد‪ ...‬ىل ترى شيئاً آخر؟‪.‬‬
‫قاؿ الولد‪ :‬ال‪ ..‬اآلف ال أرى إالَّ السجادة الٍب يف قلب الصندوؽ‪ ...‬اآلف ال أرى شيئاً‪.‬‬
‫ؼبا استقرت رؤيا الولد على السجادة‪ ...‬رفع صاحب اؼبندؿ الغطاء عن رأس الولد‪...‬‬
‫عندىا قاؿ السيد ؿبمد أمْب بسروٍر ودىشة‪ :‬إذاً ىي سجاديت اؼبسروقة ضمن ىذا الصندوؽ‪...‬‬
‫قاؿ صاحب اؼبندؿ‪ :‬نعم‪ ...‬نعم‪ ...‬إهنا ىي‪.‬‬
‫ونبس لصاحب اؼبندؿ‪ :‬ىيا‪ِ ...‬‬
‫ىات الولد واؼبندؿ و ِ‬
‫امش معي لنذىب إُف‬
‫ىناؾ هنض السيد ؿبمد أمْب متفائبلً دبا ظبع ََ َ‬
‫اؼبوقع احملدَّد‪.‬‬

‫هنض اعبميع واذبهوا‪ ..‬مشوا بنفس اؼبخطط السابق لرؤياه باؼبندؿ من منطقة ألخرى من زقاؽ آلخر حٌب وصلوا الزقاؽ‬
‫اؼبقصود‪ ..‬وىناؾ فيو بدت األبواب وكاف الباب (السادس) ىو باب خوخة‪...‬‬
‫إذاً فكل ما رآه الولد صحيحاً وىذا اؼبندؿ ال يكذب‪ ،‬أرسل يف طلب ـبتار اغبي وأمره أف يفتش اؼبنزؿ وحصراً الصندوؽ‬
‫يف داخل الغرفة‪.‬‬
‫بتلك األثناء كاف ـبتار اغبي لو الكبّب من الصبلحيات مع أىل اغبي وعموماً معظم أىاِف اغبي وببونو فهو كاألب‬
‫الرحيم بأبناء اغبي كافة‪.‬‬
‫ف من السيد ؿبمد‬
‫حضر اؼبختار عند السيد ؿبمد أمْب واذبهوا صبيعاً إُف اؼبنزؿ‪ ..‬وىناؾ أماـ باب اؼبنزؿ وقف اعبَ ْم ُع اؼبؤلَّ ُ‬

‫أمْب واثنْب من عناصر األمن واؼبختار وصاحب اؼبندؿ والولد‪ ...‬طرؽ اؼبختار باب الدار "باب خوخة" وكاف يقف إُف‬
‫يبْب الباب ؾباوراً ضابطنا السيد ؿبمد أمْب‪.‬‬

‫)‬
‫باب صغّبٌ لدخوؿ األشخاص‪.‬‬
‫باب خوخة‪ :‬كلمة خوخة تطلق قديباً على الباب الكبّب اؼبع ّد للحيوانات الكبّبة كاعبماؿ واألبقار والذي يتوسطو ٌ‬

‫(‪8‬‬

‫ردت امرأة من خلف الباب بعد أف فتحتو قليبلً وىي واقفةٌ خلفو وإُف اليمْب قليبلً كي ال يراىا أحد "زمن سَب"‪ :‬من‬
‫َّ‬
‫الطارؽ؟‪.‬‬
‫فأجأّا‪ :‬أنا اؼبختار "أبو فبلف"‪ ...‬يا ابنٍب نريد أف ندخل فخذوا لنا طريقاً‪.‬‬
‫شق الباب على البئر الواقعة إُف يبْب الباب وؼبا رأى البئر تأكد من أنو‬
‫بتلك األثناء وقع نظر السيد ؿبمد أمْب من خبلؿ ّْ‬
‫نفس اؼبنزؿ الذي رآه الولد يف اؼبندؿ بادر السيد ؿبمد أمْب "خوفاً من أف تُغلِق اؼبرأة الباب وال تفتحو إف علمت بقدوـ‬
‫وعنصري أمن لتفتيش اؼبنزؿ" إُف وضع قدمو بْب أسفل الباب اؼبفتوح قليبلً وبْب عتبتو‪ ،‬بينما تابع اؼبختار حديثو‬
‫ضابط‬
‫ْ‬

‫مع اؼبرأة فاستَبت اؼبرأة فيما بعد يف إحدى الغرؼ مع باقي نساء البيت‪ ،‬ىناؾ انتظر اؼبختار غبظات ث دخل ىو ومن‬
‫معو‪...‬‬
‫كاف السيد ؿبمد أمْب يزداد ؽبفةً لّبى بقية التفاصيل الٍب رآىا الولد يف اؼبندؿ فما أف دلف الباب حٌب أسرع باذباه البئر‬
‫ونظر إُف األماـ فرأى الدرج اػبشيب القدٔف‪ ...‬إنو در ٌج بنفس اؼبوقع اؼبوصوؼ‪ ،‬قدٔفٌ بنفس الصفات الٍب وصفها اؼبندؿ‪.‬‬
‫تتبعو اؼبختار وبقية اعبمع مسرعْب ال يدروف ما دافع ىذه السرعة إالَّ فباشاة مع مايريده ضابطنا السيد ؿبمد أمْب‪ ،‬أما‬
‫ضابطنا فكاف يزداد يقيناً بصدؽ اؼبندؿ وكشفو العظيم كلما رأى على الواقع تفاصيل ما وصفو اؼبندؿ‪ ...‬دخلوا الغرفة‬
‫فوجدوا فيها صندوؽ الصدؼ مغلقاً‪.‬‬
‫ذىب اؼبختار إُف اؼبكاف الذي فيو نساء البيت ث نادى من أماـ الباب‪ :‬نريد أف نفتح صندوؽ الصدؼ فهل من مانع أو‬
‫أشياء الهبب أف نراىا؟‪.‬‬
‫قالت اؼبرأة‪ :‬ال‪ ..‬ال فالصندوؽ على حسابكم فما فيو إالَّ بعض األلبسة الشتوية‪ ،‬ث شقَّت باب غرفَتِ ِه َّن قليبلً ورمت من‬
‫دبفتاح كبّب قائلة‪ :‬ىاؾ مفتاحو‪.‬‬
‫داخلو ٍ‬
‫مشى اؼبختار خطو ٍ‬
‫ات قليلة إُف األماـ ث اكبُب إُف األرض فالتقط اؼبفتاح وعاد إُف الغرفة ليفتح الصندوؽ وؼبا رفع غطاءه‬
‫صعق صاحب اؼبندؿ لؤلسف فقد أسفر الصندوؽ على بعض األلبسة وليس ىناؾ شبة سجادة‪ ،‬فلقد خابت رؤيا الولد‬
‫ُ‬

‫كل صفات الواقع السابقة مع ما شاىده الولد‬
‫يف اؼبندؿ َف يكن يتوقَّع السيد ؿبمد أمْب ما رآه اآلف بعد ما توافقت ُّ‬
‫سباماً‪ ...‬فكيف حدث ىذا اآلف والسجادة غّب موجودة؟‪.‬‬
‫ىناؾ التفت إُف صاحب اؼبندؿ قائبلً‪ :‬ىيا‪ ...‬ىيا بسرعة استخدـ مندلك واعرؼ ِف أين ذىبت السجادة‪...‬‬
‫فكب الولد على اؼبندؿ وبدأ بقراءاتو السحرية ث سأؿ الولد‪ :‬واآلف ماذا ترى؟‪.‬‬
‫أسرع صاحب اؼبندؿ ونفذ األمر َّ‬
‫قاؿ الولد‪ :‬إنِب أرى سوؽ اغبميدية‪...‬‬

‫أردؼ صاحب اؼبندؿ‪ :‬ومابعد‪ ،‬تابع الولد واصفاً رؤياه إنِب أرى متجراً كبّباً ضخماً مليئاً بشٌب أنواع السجاد اعبديد‪...‬‬
‫لقد مؤل السجاد كافة أكباء احملل ص ّفاً ص ّفاً جبانب بعضو البعض على طوؿ اعبدراف‪.‬‬
‫قاؿ صاحب اؼبندؿ‪ :‬وىل ترى شيئاً غّبه؟‪.‬‬
‫رد‪ :‬ال‪ ...‬إنو متجر السجاد فقط‪.‬‬
‫َّ‬
‫ؼبا ظبع ذلك الضابط ؿبمد أمْب أحبر على مًب أفكاره يستقصي بعض النتائج‪ ،‬ث استقرت بو أفكاره على ٍ‬
‫نتيجة قائبلً‬
‫للمختار‪ :‬وىل صاحب ىذا اؼبنزؿ تاجر سجاد؟‪.‬‬
‫قاؿ اؼبختار‪ :‬واهلل ياسيدي لست أذكر‪ ...‬ولكن انتظر قليبلً‪.‬‬
‫نزؿ اؼبختار مسرعاً إُف النسوة ونادى من أماـ الباب اؼبغلق‪ :‬وماذا يعمل رب ىذا اؼبنزؿ‪ ...‬أ َُى َو تاجر سجاد؟‪.‬‬
‫قالت إحداىن‪ :‬نعم‪ ...‬إنو كذلك ومتجره بسوؽ اغبميدية‪.‬‬
‫ظن الضابط ؿبمد أمْب‪ ...‬لقد أدرؾ الضابط حقيقة األمر بتفاصيلو‪...‬‬
‫عاد اؼبختار وبمل تصديق ّْ‬
‫أدرؾ سباماً سر تاجر السجاد ىذا‪ ،‬إنو يبيع السجاد ويرسل من يتتبَّع اؼبشَبي ليعرؼ منزلو سباماً ويف نفس الليلة أو مٌب‬
‫سنحت الفرصة يقوـ رجاؿ التاجر اللصوص بسرقتها وإعادهتا للمحل‪.‬‬
‫نظر اؼبختار إُف السيد ؿبمد أمْب وقد غرؽ بأفكاره ولَو ُف اعبديَّة يصبغ شكلو وأقوالو ث قاؿ‪ :‬وماذا ستعمل اآلف يا‬
‫ٍ‬
‫بصوت فبدود اآلف‪ ...‬اآلف‪...‬‬
‫سيدي‪ ،‬التفت الضابط ببطء إُف اؼبختار بعد أف قَطَ َع سلسلة أفكاره وقاؿ‬
‫ِ‬
‫اتبعوف بسرعة‪ ...‬نزؿ الدرج بسرعة ومن خلفو العنصرين يركضاف ث‬
‫ث انطلق مسرعاً آمراً عنصريو وبقية اعبمع‪ :‬ىيا ىيا‬
‫اؼبختار‪ ..‬ث صاحب اؼبندؿ وبمل مندلو بعد أف َّفرغو من اؼباء‪...‬‬
‫مشى السيد ؿبمد أمْب من زقاؽ إُف آخر حٌب وصل سوؽ اغبميدية فقصد أكرب متجر للسجاد‪ ...‬والذي منو اشَبى‬
‫السجادة وؼبا وصل كاف اؼبتجر سباماً كما وصفو الولد إذاً إنو متجر صاحب اؼبنزؿ‪.‬‬
‫وىا ىو صاحب اؼبنزؿ واؼبتجر هبلس على كرسيّْو خلف طاولة كبّبة‪ ..‬يشرب فنجاناً من الشاي األخضر وؼبا رأى‬
‫اآلخ ِرين هنض مسرعاً واذبو إُف السيد ؿبمد أمْب فبادره ضابطنا قائبلً بانزعاج‪:‬‬
‫الضابط ؿبمد أمْب ومن ورائو َ‬
‫أي‬
‫أىكذا تعمل؟‪ .‬أىذا هبوز؟‪ .‬تبيع سجادؾ للمشَبي ث تبعث من يسرقو من منزؿ اؼبشَبي‪ ...‬أىذه التجارة اغببلؿ؟‪ُّ .‬‬
‫ذبارة ىذه التجارة أيها الرجل؟‪ .‬ؼباذا سرقت سجاديت بعد أف بعتِب إياىا؟‪.‬‬

‫تلعثم التاجر واعَبتو صفرةٌ كصفرة اؼبوت ث قاؿ باضطر ٍ‬
‫اب وصعوبة‪ :‬أنا؟‪ .‬ال‪ ..‬ال ياسيدي فأنا َف أسرؽ شيئاً‪ ..‬أنا ال‬
‫أسرؽ‪.‬‬
‫رد السيد ؿبمد أمْب بقوةٍ‪ :‬بل سرقت‪ ...‬سرقتها‪ ...‬سجاديت‪ ،‬وىذا اؼبندؿ يشهد‪ ،‬ىل ّْ‬
‫تكذب اؼبندؿ؟‪.!.‬‬
‫ّ‬
‫َف يكن بوسع التاجر إالَّ أف يُقسم باهلل نافياً عنو ىذا الفعل الشنيع‪...‬‬
‫لص كبّب أل ّف اؼبندؿ أ ّكد ذلك فهل رؤيا الولد وكشفو السرقة‬
‫لكن السيد ؿبمد أمْب كاف متأكداً بأ ّف ىذا التاجر ّّ‬
‫و ّ‬
‫أْف للولد أف يراه ويكشفو ىو السواه؟‪.‬‬
‫بأـ عينو؟‪ .‬إ ّف ىذا التاجر حتماً ىو السارؽ وإالَّ َّ‬
‫عبثاً؟‪ .‬ىل يكذب ما رآه الولد ّْ‬
‫صرخ ضابطنا بعنصريْو‪ :‬ىيا ألقياه أرضاً ث مد يده على سوطو فحملو متأىباً ليضرب كبّب التجار ويؤدبو على أعمالو‬
‫البلأخبلقية ىذه‪...‬‬
‫خبلؿ غبظات كاف التاجر الكبّب ملقى على األرض مرفوع الرجلْب‪.‬‬
‫فوج من التجار كانوا قد ظبعوا أصواتاً وضجيجاً فقدموا‬
‫بتلك األثناء وقبل أف يبتد السوط ليصل إُف ْ‬
‫قدميو دخل ٌ‬
‫مسرعْب لّبوا ما ىناؾ ولَ َّما رأوا كبّبىم ملقى على األرض اعَبهتم بالغ الدىشة ونطقوا بف ٍم واحد‪ :‬ما األمر‪ ...‬ما األمر‬
‫يا سيدي؟‪.‬‬
‫ىناؾ نزلت يد السيد ؿبمد أمْب بعد أف ارتفعت حاملةً السوط عادت دوف أف يضرب التاجر والتفت إليهم قائبلً‪ :‬إنو‬
‫أياـ قليلة حٌب عاد وسرقها‪.‬‬
‫سارؽ لقد باعِب سجادة وما ىي إالَّ ٌ‬

‫قاؿ التجار‪ :‬واآلف يا سيدي ما تريد؟‪ .‬تريد سجادة بدؽبا‪ ...‬خذ أية سجادة تريد وأخل سبيل التاجر‪ ..‬عندىا تركو‬
‫العنصراف فنهض التاجر ينفض الغبار عن مبلبسو‪.‬‬
‫َف يكن يتوقَّع مثل ىذا اؼبصّب أبداً فلقد استطاع اؼبندؿ كشفو وأحاط السيد ؿبمد أمْب خرباً‪.‬‬
‫فبصر بسجادة سباماً مثل سجادتو اؼبفقودة ولردبا ىي فأمر العنصراف حبملها‪ ..‬ضبلها‬
‫مشى السيد ؿبمد أمْب بْب السجاد ُ‬
‫العنصراف ث خرج من اؼبتجر ومن ورائو صاحب اؼبندؿ واؼبختار‪.‬‬

‫صل حقوؽ كل الناس من ىذا التاجر السارؽ ويكتب ضبطاً يف ىذه الواقعة‬
‫كاف ضابطنا السيد ؿبمد أمْب َّ‬
‫يتمُب أف ُوب ّْ‬
‫حصلو وَف تعد نفس التاجر‬
‫وبصل حقَّو‪ ،‬وىا قد َّ‬
‫ولكن اغبكومة ال تقبل باؼبندؿ كشاىد عياف ولذا فما بيده حيلة إالَّ أف ّْ‬
‫تسوؿ لو دخوؿ منزؿ السيد ؿبمد أمْب‪.‬‬
‫تتجرأ على أف ّْ‬
‫خارج اؼبتجر ارتسم بالغ السرور على وجو ضابطنا‪ ...‬كاف مسروراً دبا حقَّق اؼبندؿ من نتائج مستحيلة التحقيق بدونو‪،‬‬
‫رد صاحب اؼبندؿ‪ :‬لك ما تريد‬
‫حٌب إنو طلب من صاحبو أف يُعلّْمو كيف يستخدمو يف كشف آّرمْب واللصوص وكاف ُّ‬

‫يا سيدي وتابعا السّب جنباً إُف جنب‪ ،‬خبلؿ ذلك كاف صاحب اؼبندؿ يعلّْم السيد ؿبمد أمْب أصوؿ استخداـ اؼبندؿ‬
‫والكلمات الٍب هبب أف وبفظها أثناء استخدامو للمندؿ‪.‬‬
‫ث أعطاه اؼبندؿ وقاؿ‪ :‬ىو لك وأنا آيت بغّبه‪.‬‬
‫ودعو السيد ؿبمد أمْب وافَبقا‪ ،‬ث تابع ضابطنا مسّبه إُف منزلو ومن خلفو عنصراف وبمبلف السجادة‪...‬‬
‫َّ‬
‫* * *‬
‫َمَّرت األياـ والشهور ث السنة والسنتاف‪ ،‬وذات يوـ طلب أحد السجناء مقابلة مدير سجن القلعة السيد ؿبمد أمْب ىبربه‬
‫قائبلً بصوتو األجش‪:‬‬

‫سيدي‪ ...‬سيدي‪ ...‬أريد أف أخربؾ ٍ‬
‫بقصة جرت منذ سنتْب‪...‬‬
‫َّ‬
‫إف فبلناً آّرـ‪ ...‬سرؽ سجادة من منزلك منذ سنتْب‪ ...‬نزؿ على بيتك وسرقها‪...‬‬
‫ُد ِىش السيد ؿبمد أمْب فبا يسمع وقاؿ باىتماـ بالغ‪ :‬أ ََوأَنت متأكد فبا تقوؿ؟‪.‬‬
‫قاؿ‪ :‬واهلل يا سيدي ال أقوؿ إال اغبق‪ ،‬وعبلمة ذلك أنَّك كنت مريضاً غائباً عن وعيك من شديد اغبمى‪.‬‬
‫حاد جاء األخّب ىبرب عنو‬
‫سره وؼبا نشأ بينهما‬
‫ٌ‬
‫أسر لو َّ‬
‫ذاؾ آّرـ الكبّب كاف صديقاً ؽبذا آّرـ اؼبخرب بالقصة و َّ‬
‫خبلؼ ٌ‬
‫ؼبدير السجن السيد ؿبمد أمْب‪.‬‬
‫لقد أدىش ذلك اػبرب السيد ؿبمد أمْب وفاجأه مفاجأة كبّبة‪ ،‬فهل كاف اؼبندؿ كاذباً؟‪ .‬ولكن كيف ذلك؟‪ .‬كيف‬
‫رأى الولد كل ما رآه؟‪ .‬وتطابق كل ىذا مع الواقع‪ ،‬واآلف زبرج النتيجة خاطئة‪ ...‬ىل يعقل؟‪ .‬لكن ىذا ما حدث‪.‬‬
‫أحضر السيد ؿبمد أمْب آّرـ اؼبتهم بالسرقة وحقَّق معو‪ :‬أنت منذ سنتْب سرقت سجادة من بيٍب‪.‬‬
‫رد آّرـ بذىوؿ‪" :‬فكيف استطاع معرفتو بعد طوؿ ىذه اؼبدة"‪ ...‬ال يا سيدي ىذا َف وبدث‪.‬‬
‫َّ‬
‫قاؿ السيد ؿبمد أمْب‪ :‬اعَبؼ‪ ...‬فأنت السارؽ‪ ...‬وعندي شهود على ذلك وعندما َف يعَبؼ أمر السيد ؿبمد أمْب‬
‫انصب عليو خبمسْب جلدة من سوطو دومبا رأفة مهدّْداً إيّاه بأف ىذا نصيبو اليومي فطوراً وغداء وعشاء‪،‬‬
‫بإلقائو أرضاً ث‬
‫َّ‬
‫متوسبلً بأنو سيعَبؼ‬
‫وأنو سيسجنو يف سجن السجن "السيلوؿ" ربت األرض حٌب يعَبؼ باغبقيقة‪ ،‬عندىا صرخ ّْ‬
‫باغبقيقة‪.‬‬
‫عف عنو الضابط ؿبمد أمْب وتركو العناصر فنهض وجلس مكسور الشوكة‪ ،‬ث تكلَّم ّٔدوء‪ :‬صحيح ذلك ياسيدي فمنذ‬
‫َّ‬
‫سنتْب مضتا سرقت سجادة من بيتك‪.‬‬

‫قاؿ السيد ؿبمد أمْب‪ :‬وكيف متَّ ذلك؟‪.‬‬
‫تابع قائبلً‪ :‬بينما كنت يف منزِف دانبتِب دورية مؤلفة من عدد من العناصر "الدرؾ" وبسرعة قفزت على السطح ث ركضت‬
‫من سطح آلخر ىرباً من دوريتك يا سيدي‪ ،‬ىكذا حٌب وصلت لسطح قربو شجرة ليموف امتدت مرتفعة حٌب طالتو‪،‬‬
‫ت على ىذه الشجرة أكتوي بآالـ أشواكها إُف أف صرت قبالة نافذة مفتوحة‪ ،‬نظرت منها للداخل فرأيت شخصاً‬
‫فَػنَػَزلْ ُ‬

‫نائماً‪ ،‬ولذا قفزت من الشجرة إُف النافذة وتسللت ّٔدوء منها لداخل الغرفة وما يزاؿ النائم نائماً فبادرت باؼبشي على‬
‫رؤوس أصابعي‪ ...‬وإذ بو أنت يا سيدي فخفق قليب يف بداية األمر خوفاً‪ ،‬لكِب سبالكت نفسي ؼبا رأيت وجهك بلوف‬
‫أضبر قانئاً‪ ...‬لقد كنت تعآف من ضبى غيَّبتك عن وجودؾ‪ ...‬إذاً الدورية الٍب كانت تبلحقِب كانت بدونك‪.‬‬
‫ٍ‬
‫ؼبسدس وبسرعة مددت يدي إليو وانتشلتو ثّ ل ّقمتو وسددت على رأسك‬
‫نظرت إُف وسادتك فلمحت ربت طرفها قبض ًة‬

‫وأطلقت فلم يطلق!‪ .‬حاولت ثاني ًة وثالثةً اإلطبلؽ ولكن دوف جدوى "لقد تعطلت حركة سّب اإلطبلؽ فيو"‪ ...‬نظرت‬
‫يف الغرفة فرأيت سجادة جديدة ملفوفة فحملتها وخرجت وما أف وصلت الشارع حٌب صرخت سجاد سجاد "إنِب بائع‬
‫سجاد" وؼبا ابتعدت عن منزلك وبلغت اغبقوؿ أخرجت اؼبسدس وأطلقت ومن أوؿ ؿباولة خرج اؼبقذوؼ‪ ،‬لقد مت‬
‫اإلطبلؽ!!‪.‬‬
‫لقد أطلق اؼبسدس مباشرة‪ ،‬غريب ذلك يا سيدي َف أد ِر َِفَ ََفْ يطلق عندما حاولت اإلطبلؽ عليك‪ ،‬ويف اػبارج ومن‬
‫أوؿ ؿباولة أطلق!!‪.‬‬
‫"كاف منزؿ السيد ؿبمد أمْب عريب البناء بدورين علوي وأرضي يف منطقة اؼبهاجرين اعببلية ودبا أهنا جبلية مائلة كاف‬
‫الدور العلوي ينفتح مباشرة على الشارع بباب الدار الرئيسي أما الطابق األرضي فهو أدْف من الشارع‪ ،‬ولذا يؤدي إليو‬
‫درج نازؿ من بعد الباب الرئيسي‪ ،‬فاللص نزؿ على غرفة الضابط ؿبمد أمْب العلوية‪ ،‬وؼبا َخر َج‪َ ،‬خرج مباشرة من الغرفة‬

‫إُف باب الدار دوف أف يشعر بتسلُّلو أح ٌد يف اؼبنزؿ"‪.‬‬

‫اآلف‪ ...‬اآلف لقد َّ‬
‫سراً وىو اختفاء اؼبسدس لكنو َف يكن يتوقَّع أنو اختفى بنفس الوقت الذي‬
‫تذكر السيد ؿبمد أمْب ّ‬
‫اختفت فيو السجادة بل ودبا أف مستودع األسلحة والذخّبة ربت مسؤوليتو فهو ىبتار ما يريد لنفسو من قطع السبلح‪،‬‬
‫ظن أنو أخذه للتبديل ونسيو يف القلعة‪ ،‬نسي أف يأخذ البديل‪ ،‬ليس أكثر‪ ،‬ولكن اآلف ظهر لو أين‬
‫ولذا لػ َّما فقد اؼبسدس َّ‬
‫فُقد مسدسو‪.‬‬
‫رد آّرـ عند أخٍب يف قرية "دوما"‪.‬‬
‫قاؿ السيد ؿبمد أمْب‪ :‬وأين السجادة اآلف؟‪َّ .‬‬
‫تتجرأ على فرشها خوفاً من أف يغضب‬
‫فرد بعد‪َ ...‬ف َّ‬
‫ىناؾ أخذه ضابطنا وانطلقوا إُف أختو ووجدوا السجادة ملفوفة َف تُ ْ‬
‫عليها ذات ٍ‬
‫يوـ فيطلب السجادة وعندما هبدىا فبدودة متسخة يضرب أختو‪ ،‬ولذا َف تفرشها‪ ،‬بل تركتها غبْب الطلب‪.‬‬

‫ضبل العناصر السجادة وعادوا ّٔا ؼبنزؿ السيد ؿبمد أمْب‪ ،‬وأحيل آّرـ حملاكمة ثانية وىو يف سجن القلعة بعد أف سلَّم‬
‫اؼبسدس لصاحبو أيضاً ريثما يتم اغبكم عليو‪.‬‬
‫منجماً فقد َّ‬
‫كذب األنبياء‪.‬‬
‫ب اؼبندؿ وصاحبو‪ ...‬فمن صدَّؽ ّْ‬
‫لقد َك َذ َ‬
‫عاد السيد ؿبمد أمْب مباشرة باى ٍ‬
‫تماـ عظيم فدعا بعض ذبار سوؽ اغبميدية إُف طعاـ الغداء ومن صبلتهم تاجر السجاد‬
‫الكبّب‪ ،‬و َّ‬
‫أكد على بقية التجار اؼبدعوين بإحضار تاجر السجاد على الغداء‪.‬‬
‫رحب ّٔم أشد الَبحاب وأجلسهم‪ ...‬ث ومن مبدأ‬
‫حاف وقت الغداء فحضر التجار ومعهم كبّب ذبار السجاد‪َّ ...‬‬
‫العدالة القائمة عليو نفسو الشريفة جلس على األرض ورفع قدميو على الكرسي ولف رجليو بالفلقة ورمى بالسوط لتاجر‬
‫السجاد وقاؿ‪:‬‬
‫اؼبنجم‪.‬‬
‫ىيا قم واضربِب‪ ،‬فأنت رجل بريء‪ ...‬وأنا اهتمتك ظلماً‪ ...‬فلقد ظهرت براءتك وظهر كذب اؼبندؿ وصاحبو ّْ‬
‫ذُىل اغباضروف فبا يرونو فالضابط ؿبمد أمْب رئيس قلعة دمشق وسجنها يستلقي أرضاً ويرفع قدميو ليضربو التاجر!‪.‬‬
‫ذُىل التاجر ورفض ضربو فأجابو‪ :‬إف َف تضربِب فسأضربك أنا‪ ،‬ىيا وكما أقوؿ لك اضربِب‪.‬‬
‫التجار وقالوا‪ :‬ولكن يا سيدي كبن نذكر سباماً أنك ألقيتو أرضاً ىكذا مثل وضعك اآلف ولكنك َف‬
‫ىناؾ َّ‬
‫تدخل َّ‬
‫تضربو‪ ...‬وىا قد استلقيت أنت أرضاً فَلِ َم يضربك؟‪.‬‬
‫السجاد‪ :‬ىذا صحيح يا سيدي فأنت َف تضربِب‪ ،‬وأنا لن أضربك‪.‬‬
‫قاؿ تاجر َّ‬
‫ىنالك هنض السيد ؿبمد أمْب واعتذر ؾبدَّداً من تاجر السجاد وأعلن براءتو أماـ صبيع اغبضور‪ ...‬أكل اعبميع طعاـ‬
‫الغداء ّٔناء وسرور وخرجوا بعد أف أعطاه شبن السجادة الٍب أخذىا من احملل منذ سنتْب وانطلقوا صبيعاً فرحْب مسرورين‬
‫راضْب دبا فيهم تاجر السجاد الكبّب‪.‬‬
‫لقد أدرؾ السيد ؿبمد أمْب من بعد ذلك اغبادث أف كل ما يعتمد على الشعوذة والسحر إف ىو إالَّ ؿبض خياؿ وخداع‬
‫بصر كاذب وإنو دجل ال أساس لو من اغبقيقة والصحة بل ىو من وحي الشيطاف الرجيم عدو اإلنساف ومستحيل أف‬
‫يصدر من أولئك اؼبشعوذين وإخواهنم الشياطْب إالَّ الضرر والشرور‪ ،‬إالَّ التفرقة والبغضاء‪ ،‬يلقوهنا بْب الناس باهتاـ‬
‫دجبلً وظلماً وعدواناً‪.‬‬
‫األبرياء‪َ ،‬‬
‫‪‬‬

‫جلس أحد البشوات "أثناء اغبكم الَبكي للببلد" بعد أف التف حولو عدد من وجوه اغبُكم يستمعوف إليو بإصغاء ومتعة‬
‫قاصاً ؽبم أحداث حادث َجرى معو يف اليوـ اؼباضي‪...‬‬
‫بينما تابع حديثو ّ‬

‫قاؿ‪ :‬يا شباب‪ ...‬البارحة ثارت ثائريت وغلت براكْب غضيب بشكل كبّب ال يُوصف‪ ...‬ىل تعرفوف ؼباذا؟‪.‬‬
‫بت أرعاىا‪ ...‬أربّْيها ال يوماً وال يومْب‪ ،‬بل ع ّدة شهور أصعد يومياً إليها أُمتّْع‬
‫لقد‬
‫وضعت على سطح بيٍب ضبامة و ُّ‬
‫ُ‬
‫ناظري جبماؽبا‪ ،‬تسلب قليب دبشيتها عندما تتبخَب يبنة ويسرة‪ ،‬وغدا قليب معلَّقاً ّٔا ولؤلسف الشديد فالبارحة قَ ِد َـ قط‬
‫"ابن حراـ" إُف البيت فأكلها‪ ...‬ولقد أمسكتو باعبرـ اؼبشهود‪ ...‬ىا‪ ...‬ىا ىا‪ ...‬وكاف انتقامي منو رىيباً‪ ...‬رىيباً‪...‬‬
‫لقد أطفأ ىذا االنتقاـ شيئاً من نار حقدي وغضيب‪ ...‬ىل تعرفوف كيف انتقمت منو؟‪.‬‬
‫ىا‪ ...‬ىا‪ ...‬ىا "ضحك"‪ ...‬لقد أمسكتو وربطت رأسو حببل‪...‬‬
‫تعرفوف ماذا؟‪ .‬ىا‪ ...‬ىا ىا‪ ...‬لقد نفَّذت بو حكم اإلعداـ شنقاً إُف شجرة يف البيت علَّقتو ّٔا‪.‬‬
‫ىنالك ضحك اعبميع وبدأوا يعلّْقوف بعض التعليقات السخيفة‪ ...‬كاف يسمع ىذا اغبديث السيد ؿبمد أمْب "أصبلف"‬
‫ويبدو بعينيو حزف وتأثُّر قوي دبا يسمع‪...‬‬
‫ث قطع حفل التهريج ىذا صوتو القوي قائبلً‪:‬‬
‫روح‪ ...‬كائن حي‪ ...‬ـبلوؽ فيو حياة‪ ...‬إحساس‪...‬‬
‫يا سيادة الباشا‪ ...‬يا سيادة الباشا‪ ...‬إف ىذا القط الذي شنقتو ٌ‬
‫وتعمد‪ ،‬أما بالنسبة لكونو قد أكل‬
‫يشعر‪ ...‬يتأَف‪ ...‬وقد قتلتَو أنت‪ ...‬قتلت نفساً بعملك ىذا وعن سابق إصرار ُّ‬

‫ضبامتك فهذا األمر عادي طبيعي‪ ...‬فهذه سنَّة الكوف‪ ،‬وكل مربّْيي اغبماـ وبتاطوف فيضعوف ضبامهم دبعزؿ عن وصوؿ‬
‫صيد الفئراف والطيور الٍب انتهى أجلها‪ ...‬ىذه فطرتو‪ ...‬فما عملك ىذا إالَّ خطأ‬
‫الصيد‪ْ ،‬‬
‫القطط إليو‪ ...‬والقط وظيفتو ْ‬
‫وعليك أف تتوب وتدفع كفَّارة كدليل على صدؽ توبتك‪ ...‬عندىا يقبل اهلل توبتك ويبحو عنك ما استحققت من‬
‫تتعرض ؼبا فعلت بذاؾ القط "فكما تدينوا تدانوا"‪ ...‬وما أقولو لك ّّ‬
‫جد‪...‬‬
‫قصاص‪ ،‬وإالَّ فأخشى عليك ال ظبح اهلل أف َّ‬
‫صدّْقِب‪...‬‬
‫أحس باػبوؼ يتسلل ألعماقو‪ ...‬فازدرد ريقو وعدَّؿ جلستو على‬
‫ظبع الباشا تلك الكلمات اؼبؤثّْرة اغبزينة فتأثَّر ّٔا آنياً و َّ‬
‫الكرسي ث قاؿ‪:‬‬

‫"أصبلف" إف كاف كبلمك صحيحاً وال بد‪ ...‬فأنا ال أُعدـ شنقاً‪ ،‬إمبا أ ُْع َد ُـ رمياً بالرصاص‪ ،‬فأنا عسكري وكما تعلم‬
‫يتم بالرصاص ال شنقاً‪.‬‬
‫فبالقانوف إعداـ العساكر ُّ‬
‫ِ‬
‫مهيمنةٌ على اعبميع فوؽ‬
‫َّ‬
‫رد الضابط السيد ؿبمد أمْب‪ :‬ولكن يا حضرة الباشا القائد عدالة اهلل سارية يف الوجود ويده ْ‬
‫وحكمو فوؽ كل األحكاـ‪.‬‬
‫الكل ُ‬

‫ٍ‬
‫ضخمت األمر‬
‫صفن القائد ىنيهةً ث انفجر‬
‫بضحكة قوية‪ ...‬ىا ىا ىا‪ ...‬وقاؿ وىو يفتّْل شواربوُ‪ :‬عزيزي "أصبلف" َّ‬
‫مسخر لنا ػبدمتنا نفعل بو ما نشاء وما تفضَّلت بو وقلتَو يا‬
‫كثّباً وأعطيتو فوؽ ح ّقو وحجمو‪ ...‬ىا ىا ىا‪ ...‬فهذا القط َّ‬
‫"أصبلف" ال يكوف أبداً‪ ...‬ولن يكوف‪ ...‬ىا ىا ىا‪...‬‬

‫بض ِح ِكو ؛ لقد استهزأ بقانوف اهلل الذي ىو فوؽ كل قانوف وقلب األمر ؼبز ٍاح وهتريج‪.‬‬
‫ضحك وشاركو اعبميع َ‬
‫انفض آّلس وغادرت الشخصيات البارزة‪...‬‬
‫وما ىي إالَّ مدة بسيطة حٌب َّ‬
‫خرج ضابطنا يُساور نفسو اغبزف واألسى لعدـ مباالة القائد (الباشا) ّٔذا التحذير‪ ...‬بإنذار اهلل لو‪ ...‬وبالتاِف فلن يتوب‬

‫قاصص‪ ...‬وىذا ما أحزف ىذا الضابط اإلنسآف السيد ؿبمد أمْب عليو غببّْو لو‪.‬‬
‫راجعاً إُف اهلل فبل بد إالَّ وأف يُ َ‬
‫* * *‬
‫ومضت األياـ تَبى‪ ...‬وزالت االمرباطورية الَبكية‪...‬‬

‫وذات يوـ أصدر الرئيس الَبكي "مصطفى أتاتورك" قانوناً (فرمان) يقضي دبنع لبس القبعات اغبمراء (الطرابيش‬
‫يلوم َّن إالَّ نفسو‪...‬‬
‫األلبانية) وكل من ُىبالف ىذا القانوف فبل َ‬
‫قانوف غريب‪ ...‬عجيب وـبالفتو َج ُّد قاسية‪ ...‬بات لو صبيع الناس حذرين َّ‬
‫يتجرأ على لبس‬
‫أشد اغبذر وَف يعد أحدىم َّ‬
‫الزي كاف سائداً بتلك األياـ)‪.‬‬
‫القبعة اغبمراء (الطربوش) مهما كاف ىذا الزي ؿببّباً لو (ىذا ُّ‬

‫إالَّ أف الباشا الذي كنَّا بصدد اغبديث عنو فقد بقي يلبسو ىو وبعض كبار اؼبسؤولْب‪ ،‬إذ ال أحد يستطيع أف ينفّْذ بو‬
‫ؾبرد سؤاؿ‪ ...‬فهو اغباكم وىو الذي ينفّْذ بالناس األحكاـ‪ ،‬إذ أصبح الباشا اؼبذكور‬
‫يتجرأ على سؤالو َّ‬
‫أي حكم‪ ،‬بل وال َّ‬
‫أثناء حكم مصطفى أتاتورؾ ُؿبافظاً ؼبدينة استانبوؿ العاصمة إذ ذاؾ‪.‬‬
‫* * *‬
‫ص ِدر القرار" وكعادتو كاف طربوشو فوؽ رأسو‬
‫وذات َّ‬
‫مقر الرئيس الَبكي " ُم ْ‬
‫مرة كاف يسّب بأحد شوارع استانبوؿ حيث ّ‬

‫التفوه معو ولو بكلمة حٌب ولو كاف يف استانبوؿ فهو احملافظ‪..‬‬
‫تامة بأنو ال يبكن أف َّ‬
‫وىو على ثقة ّ‬
‫يتجرأ أحد على ّ‬
‫مودة وصداقة قوية قديبة‪ ...‬والقانوف يسري على اؼبرؤوسْب‪.‬‬
‫وتربطو بالرئيس عبلقة ّ‬
‫اػبّب العادؿ بأف ىبرج يف تلك‬
‫وبينما كاف يسّب يف إحدى الطرقات ليبلً يلبس "طربوشو" شاءت مشيئة اهلل وتسيّبه ّْ‬
‫العامة يف الطريق نفسو رب ّفو مرافقة كبّبة من الدرؾ‪.‬‬
‫اللحظات الرئيس الَبكي من أحد احملبلت َّ‬
‫شك أنو سكراف‪ ،‬بل بأوج سكره‪...‬‬
‫خرج يتمايل يبنة ويسرة‪ ...‬ويصدر ما يشاء من أوامر بصوت مر ٍ‬
‫تج فبدود‪ ...‬ال ّ‬
‫نظر يف الطريق فرأى شخصاً عن ٍ‬
‫بعد يسّب بالطريق مرتدياً "طربوشو" فتوقف الرئيس مباشرة وأمعن النظر بو‪ ...‬ث قاؿ‬
‫بعد أف بدا الغضب بوجهو‪:‬‬
‫ذبرأ على ـبالفٍب؟‪ .‬ىنا يف العاصمة!!!‪.‬‬
‫من ذاؾ اغبقّب الذي َّ‬
‫ىيا وبسرعة اعدموه‪ ...‬حاالً حاالً‪ ...‬ىنا اعدموه‪.‬‬
‫وعزة‪ ...‬وإذ بعدد من عناصر األمن‬
‫َّ‬
‫انقض رجاؿ أمنو "اؼبرافقة" ويا ؽبوؿ (مصّب الباشا)‪ ...‬فقد كاف يسّب بكل ثقة َّ‬
‫ينقضُّوف ليلقوا القبض عليو!!‪ .‬رجاؿ أمن يقبضوف على السيد احملافظ!‪ .‬ىذا ما ال يتوقعو أبداً‪ ...‬واؽبوؿ األكرب عندما‬
‫عرؼ ماذا سينفّْذوف بو من حكم‪...‬‬
‫قبضوا عليو وَف يعبؤوا باحتجاجاتو للتوضيح والتعريف بنفسو‪ ،‬بل قيَّدوه وىو يُنادي ويصرخ‪ ...‬دعوٓف‪ ...‬اتركوٓف‪ ...‬أيها‬
‫اعببناء‪ ...‬أال تعرفوف من أنا‪ ...‬اتركوٓف‪ ...‬أنا‪ ...‬أنا‪ ...‬فبلف‪...‬‬

‫يتجرأوف‬
‫لكنهم َف يلتفتوا وَف يبالوا بكبلمو أبداً (فَأ َْم ُرُىم تَػلَقَّوه وبقوة وغضب من الرئيس األكرب حاكم الببلد كلها‪ ،‬وال َّ‬

‫على اإلبطاء يف التنفيذ)‪.‬‬

‫وانطلق أحدىم ليعود ُمسرعاً وبيده حبل‪ ...‬لفوا ّٔا عنقو‪ ...‬وعلَّقوه إُف أقرب شجرة جبنب الطريق منفّْذين بو حكم‬
‫اإلعداـ شنقاً‪ ،‬فما خرج صوتو ثانية‪ ،‬بل اهنالت دموعو بغزارة وحسرة‪ ...‬فلعلَّو َّ‬
‫تذكر يوـ أ َْع َدـ القط شنقاً إُف شجرة‬

‫بأرض دياره‪ ...‬ث َّ‬
‫تذكر نصيحة الضابط "أصبلف" بالتوبة ودفع الكفَّارة وكيف أخذ األمر بالتكذيب‪ ...‬والتهريج‬
‫والضحك‪ ...‬فيا ليتو تاب وعاد لربّْو طالباً اؼبغفرة وأناب‪ ...‬يا ليتو أخذ النصيحة جبديّة ال ىزالً‪...‬‬
‫وما ىي إالَّ مدة قليلة حٌب انقلب الوجو إُف زرقة شديدة الدكوف وجحظت العيناف وساؿ الزبد من فمو‪ ...‬ث إثر غبظات‬
‫أخرى لفظ أنفاسو مفارقاً اغبياة‪ ...‬لقد مات‪...‬‬
‫وؼبا استيقظ الرئيس من سكرتو‪ ...‬لصحوتو نظر إُف اؼبعدوـ فعرفو‪ ...‬إنو يا للهوؿ‪...‬لقد تندـ كثّباً على فعلتو ىذه‬
‫وبات يقوؿ حبسرة وندـ‪:‬‬
‫يا ليتِب ما فعلت ذلك‪ ...‬آه‪ ...‬آه يا ليتِب ما نفَّذت بصاحيب ما نفَّذت‪ ...‬لقد قتلتو بيدي!‪.‬‬
‫ولكن ما ينفع الكبلـ؟‪ .!.‬ىل يُعيده للحياة ثانية؟‪ .!.‬فقد سبق السيف العزؿ‪ ،‬لقد فعلت اػبمرة ما فعلت‪.‬‬
‫وباغبقيقة‪ ،‬الفعَّاؿ اغبقيقي ىو اهلل يده ُمهيمنة على اعبميع وكلّّ يأخذ ح ّقو وهبِب شبرة عملو‪ ...‬وليس اهلل بظبلَّـ للعبيد‪...‬‬
‫* * *‬
‫ظبع ىذا اػبرب الغريب العجيب كل الضباط الذين حضروا اؼبناقشة مع السيد ؿبمد أمْب "أصبلف" بشأف القط اؼبشنوؽ‬
‫فكاف ؽبم من ىذا اغبادث عربة كبّبة وعرفوا سباماً أف قانوف اهلل وحكمو فوؽ كل حكم وقانوف‪...‬‬
‫ِب ٘ــزٖ اٌذٔ‪١‬ب ثـذاس لشاس‬

‫حىُ اٌؼذاٌخ ف‪ ٟ‬اٌجش‪َ٠‬خ عبس‪ٞ‬‬

‫‪‬‬

‫ىبرجوا "ىؤالء‬
‫بعد أف َّ‬
‫غّب العثمانيوف كتاب اهلل وتركوه واستبدلوه بقوانْب ْ‬
‫وضعية‪ ...‬وضعها البشر‪ ...‬شاء اهلل أف ُ‬
‫األتراؾ" من الببلد الٍب حكموىا‪ ،‬إذ أصبح بقاؤىم فيها للخراب ال لئلصبلح‪ ...‬وبعد خروجهم من الببلد َف يعد السيد‬
‫ؿبمد أمْب يشغل رتبتو كضابط لزواؿ الدولة‪ ...‬لقد فَػ َق َد سلطتو كرئيس قسم أو كمدي ٍر للقلعة وسجوهنا وصبلحياتو يف‬
‫حفظ األمن والسبلـ ضد آّرمْب واإلجراـ‪ ،‬وأصبح مواطناً مدنياً كغّبه من اؼبواطنْب العاديْب ببل رتبة وال وظيفة‪.‬‬
‫* * *‬
‫وذات يوـ وبينما كاف يسّب يف أحد شوارع دمشق لشراء بعض لوازـ بيتو التقى صدفةً بأحد آّرمْب اغباقدين فوجدىا‬
‫ِ‬
‫يتأدب وضربو وسجنو‪ ...‬فما أف عرفو ىذا آّرـ حٌب‬
‫الح َقوُ يف كل مكاف و َّأدبو فلم َّ‬
‫األخّب فرصتو للنيل من كر َامة َم ْن َ‬
‫وجو ؽبذا اإلنساف الطيّْب السيد ؿبمد‬
‫أفلت زماـ لسانو القذر بكلمات ال ّْ‬
‫تعرب إالَّ على إجرامو واكبطاطو‪ ،‬ومن صبلة ما َّ‬
‫أمْب عبارة ( َولّْت أيَّامك يا بندورة)‪ ...‬مستهزئاً يريد إذاللو وإف اقتضى األمر للشجار فبل يهم‪ ...‬فالضابط َف يعد‬
‫ضابطاً‪ ،‬بل مواطناً عادياً‪.‬‬

‫أما السيد ؿبمد أمْب فقد ظبع الكلمات وعرؼ آّرـ سباماً ولكنو أسرع اػبطى للسوؽ والعبارات البذيئة تبلح ُقو حٌب‬
‫توارى بالزحاـ‪.‬‬
‫ينقض على آّرـ‪ ...‬وبضربة واحدة ال أكثر يرديو كما فعل مع ِ‬
‫كبّبى ْم " َحمو َجمو"‪ ...‬فهذا ؾباؿ‬
‫فهو باستطاعتو أف َّ‬

‫عملو وال أحد يستطيع أف يسبقو يف فنوف القتاؿ والصراع عدا عن الشجاعة الكبّبة الٍب يبلكها‪ ...‬فهو ال يهاب أحداً‬
‫إالَّ اهلل‪ ،‬ولكنو أدرؾ أنو إف أرداه فسيدخل السجن وإيَّاه‪ ،‬وىذا ال يُبلئم مقامو أبداً أف يذؿ نفسو بدخوؿ السجن‬

‫حل‬
‫ويساؽ مع آّرمْب‪ ...‬واغبشاشْب‪ ...‬والسارقْب و‪ ...‬و‪ ...‬لذلك قاؿ ال‪ ...‬لن أضربو ولن ّْ‬
‫أؤدبو اآلف ّْ‬
‫فلكل أمر ّ‬
‫حل‪...‬‬
‫وىذا األمر‪ ،‬بإذف اهلل‪ ،‬لو ّ‬
‫وبسرعة تابع السيد ؿبمد أمْب طريقو للبيت عائداً‪ ...‬ويف البيت جلس وحيداً ّْ‬
‫يفكر باألمر ويناقشو من كل اعبوانب علَّو‬
‫غبل قائبلً بنفسو‪:‬‬
‫يصل ي‬
‫َّ‬
‫ض لو مراراً عديدة‪ ...‬فآّرموف كثّبوف وىم مكبوتوف مكسوروا الشوكة‪ ،‬واآلف ستقوى‬
‫إف ما‬
‫تعرضت لو اليوـ سوؼ َّ‬
‫ُ‬
‫أتعر ُ‬
‫فكر مليّاً باألمر‪َّ ...‬‬
‫شوكتهم ووباولوف االنتقاـ‪ ...‬أو القتل‪َّ ...‬‬
‫غبل كتمو بنفسو‪ ...‬وانطلق ثانية‬
‫وفكر‪ ...‬إُف أف وصل ي‬

‫من البيت بنشاط األسد حٌب شاىد أحد كبار آّرمْب‪.‬‬

‫ورد السبلـ باحَباـ وقد‬
‫وعلى الفور أسرع السيد ؿبمد أمْب ذباىو وبادره السبلـ والَبحاب‪ ...‬ففوجئ آّرـ وذىل َّ‬
‫استولت عليو الدىشة قائبلً‪:‬‬
‫ويؤدّٔم‪.‬‬
‫أىبلً بك يا سيدي‪ ...‬إذ ما يزاؿ متأثّْراً بشخصيتو اؼبرسومة بذىنو كضابط مرىوب‪ ...‬يبلحقهم ّْ‬
‫زادت دىشتو واحَبامو عندما قاؿ لو السيد ؿبمد أمْب‪ :‬أين أنتم يا رجاؿ فلقد اشتقت إليكم كثّباً‪ ...‬فأنا ال أستطيع أف‬

‫أعيش إالَّ بقربكم‪ ...‬لقد ضاقت يب اغبياة مع ىؤالء القمامة "يعِب الناس" كما ىم بنظر آّرمْب‪ ،‬فلقد خاطبو على‬
‫حسب مفهومو وأضاؼ‪:‬‬
‫تشرفِب غداً مع بقية رفاقك على طعاـ الغداء‪ ...‬أريدؾ‬
‫ال تطيب ِف اغبياة بدوف مشاىدتكم "للمجرمْب"‪ ...‬أريدؾ أف ّْ‬
‫أف ُربضر ِف رفاقك الرجاؿ اغبقيقيْب‪ ...‬ال أريد رجبلً قتل شخصاً وشخصْب ويدَّعي باؼبرجلة‪ ،‬بل من صنف األبطاؿ‬
‫الذين قتلوا طبسة أو عشرة‪ ،‬نعم‪ :‬أريد من الرجاؿ الشجعاف "القبضايات" أمثالك‪...‬‬
‫رد آّرـ وقد استوُف عليو السرور والفرح باإلكراـ بالطعاـ‪:‬‬
‫َّ‬
‫أمرؾ سيدي‪ ...‬أمرؾ‪ ...‬على رأسي (فلقد ظبع بالغداء‪ ...‬فاألمر فيو طعاـ وإكراـ‪ ...‬فطعاـ غداء الغد الفاخر قد‬
‫تأمن‪ )...‬ث أتبع قائبلً‪:‬‬
‫َّ‬
‫غداً يا سيدي سآتيك مع ثبلثة‪ ...‬أو أربعة من الرجاؿ "القبضايات" الذين سينالوف إعجابك‪.‬‬
‫رد السيد ؿبمد أمْب ّْ‬
‫اؼبفكر‪ :‬ماذا تقوؿ ثبلث أو أربع رجاؿ‪ ...‬ال‪ ...‬ال‪...‬‬
‫َّ‬
‫فسألو آّرـ‪ :‬كم "قبضاي" تريد سيدي؟‪.‬‬
‫أتشرؼ دبعيَّتك بعشرين قبضاي ضيوفاً أعزاء‬
‫قاؿ السيد ؿبمد أمْب‪ :‬طبسة عشر أو أكثر‪ :‬عشرين‪ ...‬غداً أريد أف َّ‬
‫كرمْب‪ ،‬فأنا بشوؽ كبّب للشباب "القبضايات"‪.‬‬
‫ُم َ‬

‫انطلق آّرـ فرحاً مسروراً يزؼ اػبرب السار ؼبعظم كبار آّرمْب‪ ...‬فهم مدعووف للغداء الفاخر غداً عند صاحبهم الكرٔف‬
‫وصبَ َع عشرين ؾبرماً من كبار آّرمْب يف البلد‪.‬‬
‫الويف‪َ ...‬‬
‫* * *‬
‫ويف البيت‪َّ :‬‬
‫أعد ؽبم السيد ؿبمد أمْب خاروفْب كاملْب ؿبشيْب بالرز والطيبات ومطبوخْب من قبل أساطْب معلمي‬
‫الطبخ‪ ...‬وكذلك عدَّد ؽبم صنوؼ الفواكو الفاخرة‪ ...‬واؼبواٌف‪ ...‬وضع ؽبم كل ىذه األصناؼ بَبتيب راقي على أرض‬
‫حديقة البيت‪ ،‬وكذا أحضر ؽبم شبآف شدَّات "للَّعب" (ؾبموعات من أوراؽ اللعب)‪ ...‬ث وضع كرسيّو العاِف "كالعرش"‬

‫خلف طاولة صغّبة يف مكاف مرتفع قرب جدار الغرفة‪ ...‬وجلس وأمامو نرجيلتوُ‪ ...‬الٍب ىيأىا ؽبذه اؼبناسبة‪.‬‬

‫لدى قدومهم‪ ...‬وقد حضر اغبشد الكبّب من آّرمْب‪ ...‬والذين بلغ تعدادىم العشرين‪ ...‬وىم بغاية السعادة والسرور‪.‬‬
‫وما أف قرعوا الباب‪ ...‬حٌب فتح ؽبم واستقبلهم حبفاوة بالغة‪ :‬أىبلً بكم يا رجاؿ "يا قبضايات" يف بيتكم‪ ...‬فلقد‬
‫اشتقت إليكم كثّباً ىكذا أريدكم‪ ...‬ال تقطعوٓف فأنا حيايت بدونكم ال تساوي شيئاً‪ ...‬وال أستطيع العيش بدونكم‪.‬‬
‫ىذه الكلمات زادت من قابليتهم على الطعاـ الشهي الفاخر‪ ...‬فاؼبسألة فيها خواريف‪ ...‬فيها فواكو‪ ...‬فيها ورؽ‬
‫لعب‪ ...‬قضاء وقت باؼبتعة والسرور‪ ...‬كل ذلك ببل مقابل!‪.‬‬
‫فلقد كانوا بغاية السرور‪ ...‬جلسوا على الطعاـ ال يكادوف يصدّْقوف ما يروف أمامهم‪ ...‬بل وما يذوقوف بأفواىهم‪...‬‬
‫وىكذا حٌب‪ ...‬شبعوا سباماً‪...‬‬
‫ويدخن نرجيلتو‪ ...‬وما أف شبعوا حٌب هنض بعضهم (فهم معتادوف‬
‫أما السيد ؿبمد أمْب فما يزاؿ جالساً على كرسيّو ّْ‬
‫على اػبدمة الذاتية ىبدموف أنفسهم بأنفسهم)‪ ...‬فنظَّفوا األوآف والصحوف صبيعها ورتَّبوىا باؼبطبخ على أمتّْ وجو ورتَّبوا‬
‫اؼبطبخ وغسلوا أرضو‪ ،‬ث عادوا ليجلسوا يف اغبديقة‪ ...‬وليلعبوا بالورؽ‪ ...‬وىم بغاية السعادة والنشوة‪ ...‬وبتسوف القهوة‬
‫اؼبرة‪ ...‬وىكذا إُف أف قاربت الشمس على اؼبغيب‪ ...‬عند ذلك أشار ؽبم آّرـ الذي كاف سبباً يف إكرامهم‪ ...‬علينا أف‬
‫َّ‬
‫نغادر ونَبؾ سيدنا لّبتاح‪.‬‬
‫فقاموا صبيعاً واستأذنوا‪ :‬بالذىاب‪.‬‬
‫فقاؿ ؽبم "سيدىم" السيد ؿبمد أمْب‪ :‬اظبعوا يا رجاؿ‪ ...‬فأنا ال أستطيع أف أعيش بدونكم فمن ليس عنده شغل أو‬
‫عمل ِ‬
‫أحب أف أبقى‬
‫فليأت للسهرة عندي "علماً أهنم كلهم ال عمل ؽبم سوى اإلجراـ"‪...‬فأنا أسهر الليل أتسلَّى وال ُّ‬
‫لوحدي بدوف "قبضايات"‪ ،‬إذ ال يطيب ِف العيش دوف مشاىدتكم‪.‬‬
‫أجابوا‪ :‬أمرؾ سيدي‪ ...‬وخرجوا‪.‬‬

‫يَبددوف للسهرة عند السيد ؿبمد أمْب كل ليلة وبعدد كبّب‪ ...‬يقضوف الليل بلعب الش ّدة واحتساء القهوة‬
‫وىكذا كانوا َّ‬
‫اؼبرة‪.‬‬
‫َّ‬
‫* * *‬
‫خرج السيد ؿبمد أمْب للطريق‪ ...‬ألمر ما‪ ...‬خرج معو "مرافقة" طبسة عشر من الرجاؿ القساة العتاة‪ ...‬على يبينو‬
‫حواِف سبعة أو شبانية رجاؿ وعلى يساره سبعة أو شبانية من الرجاؿ اعببابرة‪ ...‬يتوسطهم كالقمر وىم ىالتو‪ ،‬أو األسد‬
‫وىم كأشبالو‪ ...‬والكل خاضعوف لو رىناً إلشارتو‪ ...‬لقد أعاد سلطتو ونفوذه‪ ...‬لكن عوضاً عن رجاؿ األمن برجاؿ‬
‫آخرين فأصبح يُقيم ّٔم العدؿ واألمن يف البلد الذي كاف يُعآف أوضاعاً صعبة نتيجةً للتغّبات واالضطرابات السياسية‬
‫واألمنية الكثّبة يف بداية خروج الدولة الَبكية من الببلد ودخوؿ الفرنسيْب‪ ...‬فلقد فُِق َد األمن يف تلك الفَبة الزمنية َوفُِق َد‬
‫االستقرار‪.‬‬
‫عربت عن استغرأّا‬
‫اغبي ذلك‪ ...‬مرافقتو كبار آّرمْب وىو عليهم سيداً وزعيماً‪ ،‬حٌب إف جارهتم َّ‬
‫نعم شاىد أىل ّْ‬
‫وتعجبها بعد ذلك لزوجة السيد ؿبمد أمْب قائلة‪:‬‬
‫ُّ‬
‫لقد احَبنا يف أمر زوجك‪ ...‬فتارًة مع اؼبشايخ رجل دين (إذ إف كل أىل الدين يكنُّوف لو عظيم التقدير واالحَباـ‪ ...‬أما‬
‫ىو فكاف يُكرمهم عظيم اإلكراـ) وتارًة مع آّرمْب وىو سيّْدىم‪ ...‬فهل ىو رجل دين أـ شيخ شباب؟‪.!!!.‬‬
‫* * *‬
‫وذات يوـ وكالعادة كاف السيد ؿبمد أمْب يبشي ومعو مرافقتو من الرجاؿ "آّرمْب" فالتقى بآّرـ الذي كاؿ لو الشتائم‬
‫انقض عليو السيد ؿبمد أمْب مثل الربؽ ـبلّْفاً رجالو وراءه خبف ٍَّة ورشاقة وسرعة‪ ...‬ولطمو على وجهو‬
‫أوالً‪ ،‬وعلى الفور‪َّ ...‬‬
‫لطمتْب‪ ...‬قائبلً لو‪ :‬ؼباذا شتمتِب؟‪.‬‬
‫وبسرعة الربؽ أخرج آّرـ مسدسو ولقَّمو ُمشهراً إيَّاه على إنساننا ّْ‬
‫اؼبفكر‪ ...‬ولكن يا للمفاجأة فخبلؿ غبظات َف َيره‬
‫َّ‬
‫ملقى على األرض‪ ،‬إذ انقضوا عليو ونزعوا منو السبلح‬
‫السيد ؿبمد أمْب إال وىو مرفوعاً فوؽ رؤوس ؾبموعة الرجاؿ ث ً‬

‫وضبلوه إُف حافة النهر "هنر يزيد أحد فروع هنر بردى"‪ُ ...‬مشهرين سكاكينهم ليذحبوه ويرموه بالنهر وكأنو شيءٌ َف يكن‬

‫(فأَ ْم ُر ذبح شخص عندىم أمر ال قيمة لو)‪.‬‬
‫ىنالك صرخ السيد ؿبمد أمْب قائبلً‪:‬‬

‫تنجسوا سكاكينكم بو‪ ...‬بدمو القذر‪ ...‬اتركوه فهذا ال يستحق أف تت ِ‬
‫َّس َخ‬
‫ال‪ ...‬ال يا رجاؿ‪ ...‬ال أريدكم أف ّْ‬
‫سكاكين ُكم بو وبدمو‪...‬‬

‫"فإنساننا ذكي‪ّْ ...‬‬
‫مفكر‪ ...‬ال يريدىم أف يقتلوه‪ ،‬لذا خاطبهم باللغة الٍب يفهموهنا‪ ...‬وعلى قدر عقوؽبم"‪.‬‬
‫تركوه يقف متعجبْب من عدـ ذحبو‪ ،‬فما صدَّؽ ذاؾ آّرـ بالنجاة‪ ،‬إذ وقف يرتعش كقش ٍ‬
‫َّة يف ريح عاصف‪.‬‬
‫ث تابع قائبلً‪ :‬ولكن يا رجاؿ أخربوا كل "القبضايات" أف ىذا دمو أصبح مهدوراً‪ ...‬واغباضر يُعلم الغائب منكم بذلك‪.‬‬
‫فالذي يراه بعد اليوـ ّٔذا البلد فليذحبو (فدمو مباح)‪ ...‬وما أف تركوه‪ ...‬وما كاد يصدّْؽ بالنجاة‪ ...‬حٌب اختفى إُف‬
‫األبد من أرض الشاـ ببل رجعة‪.‬‬

‫‪‬‬

‫تاب ؾبرـ ٍ‬
‫عات‪ ،‬وأخذ يرتاد اؼبسجد يف أحد أحياء الشاـ ويُصلّْي وراء إماـ اؼبسجد (الشيخ) يومياً وبكل أوقات الصبلة‬

‫ال يضيّْع منها وقتاً مدة أربعْب يوماً متتالياً‪ ،‬وكاف ينهض لصبلة الفجر فيدخل اؼبسجد قبل دخوؿ اإلماـ ذاتو‪.‬‬

‫ِ‬
‫الصادقة‪ ،‬فاؼبعروؼ عند اؼبشايخ أنو "إف ثابر اإلنساف على صبلة‬
‫ذُىل إماـ اؼبسجد ؽبذا التغيّب اعبذري وىذه التوبة َ‬
‫اعبماعة ؼبدة أربعْب يوماً فهو من أىل اإليباف"‪ ،‬وإف رأيتم الرجل يرتاد اؼبساجد فاشهدوا لو باإليباف‪.‬‬
‫فأي توبة عظيمة ىذه التوبة الٍب تأّا ذلك آّرـ‪ ...‬من اإلجراـ‪ ...‬من القتل‪ ...‬والسلب والنهب‪ ...‬إُف الصبلة‬
‫وباؼبسجد "صباعة"وبكل األوقات‪...‬‬
‫توبة نصوحة واستقامة عُظمى‪ ...‬قد سلَ َكها ىذا الشاب‪ ،‬بل فخر الشباب‪...‬‬
‫وسَّر كثّباً بو ولو ّٔذه التوبة وىذه العبادة‪.‬‬
‫ىذا ما أدركو الشيخ وؼبسو من الشاب فأبدى لو رائع إعجابو ُ‬
‫اؼبهم‪ :‬ما إف انتهت األربعوف يوماً حٌب بادر ىذا الشاب التائب العابد إُف شيخو فطرؽ باب البيت‪ ...‬فتح لو الشيخ‬
‫الباب واستقبلو استقباالً خاصاً وحاراً‪ ،‬إذ إنو إنساف قد خرج من الضبلؿ واإلجراـ إُف اؽبدى واؽبداية‪...‬‬
‫دخل البيت‪ ...‬وىنالك طلب يد ابنة الشيخ‪ ...‬يريد أف يكوف صهراً للشيخ‪.‬‬

‫ُسَّر الشيخ كثّباً بطلبو وفوراً وافق حبّاً بتوثيق عرى العبلقة بينهما كي يستمر يف توبتو وال يعود لضبللو‪ ...‬أي قَبِ َل الشيخ‬

‫حبّاً بتثبيتو على طريقو اعبديد الذي مشى فيو أال وىو طريق الدين والعبادة‪ ،‬فبهذه اؼبصاىرة سيبقى تائباً ولربّْو عابداً‪...‬‬
‫فامرأتو ىي ابنة الشيخ وعمو الشيخ اإلماـ ال سواه‪.‬‬

‫ولكن لؤلسف الشديد‪ ...‬فالنوايا كانت سيئة للغاية وكما يقوؿ اؼبثل (ظللت أصلي حٌب حصل ِف ول َّػما حصل ِف‬
‫بطَّلت أصلي)‪ .‬وباغبقيقة فإنو إمبا سبسكن َّ‬
‫ليتمكن‪.‬‬
‫َ‬

‫أخاذ‪ ...‬ىذا الوصف تناقلتو ألسنة بعض النساء الغبيَّات اعباىبلت يف اغبي‪ ...‬من‬
‫فابنة الشيخ ذات حسن وصباؿ َّ‬
‫واحدة ألخرى حٌب وصل وصفها ؽبذا الثعلب اؼباكر‪ ...‬ىنالك دارت يف ـبيلتو أفكار شيطانية ونوى نيَّتوُ اػببيثة‪ ،‬فبادر‬

‫لتوبتو الكاذبة اػبدَّاعة ليصل ؼبطلبو وغايتو‪ ،‬فما أف أصبحت تلك الفتاة "ابنة الشيخ" حبللو ويف بيتو‪ ،‬حٌب خلع قناع‬
‫مكشراً عن أنيابو الوحشية‪.‬‬
‫الصبلح والعبادة وظهر على حقيقتو‪ّْ ...‬‬
‫لقد انكشفت نواياه‪ ،‬إذ َف ِ‬
‫سبض إالَّ أياـ قليلة على زواجو حٌب دخل وبصحبتو عدد من آّرمْب اؼبنحطْب فبَّن ىم على‬
‫شاكلتو‪ ،‬ووضعت اػبمور وظهرت طويَّتو‪ ...‬يريد أف يتاجر بزوجتو باغبراـ‪ ...‬دبا ال يُرضي اهلل ليكسب من ورائها‬
‫األمواؿ‪...‬‬
‫فصرح إنو يريد منها أف تدخل إليهم‪ ...‬طار صوأّا وَف تعد‬
‫دخل إليها ُىبربىا بقدومهم!‪ .‬استغربت منو ىذا اإلخبار‪َّ ...‬‬
‫ترى بعيوهنا‪ ...‬ماذا؟‪.‬؟‪.‬‬
‫ىذا ما يريد منها!‪ .‬يا للهوؿ إهنا إنسانة طاىرة عفيفة تربَّت عند رجل طاىر مستقيم‪ ...‬تربية طهارة وعفَّة‪ ...‬لقد كانت‬
‫الصدمة قاسية عليها‪ ...‬ث كبتتها بذكائها فإظهارىا لو فيو دمارىا ربت براثنو الوحشيَّة‪.‬‬
‫باغبماـ فدخلتو‪ ...‬وما إف ذىب لرفاقو حٌب تسللت لغرفتها‬
‫قالت لو‪ :‬انتظرٓف غبظة‪ ،‬وتظاىرت بأهنا ستقضي حاجة َّ‬
‫وفرت ىاربة من البيت ال تكاد ترى طريقها من خوفها وعظيم صدمتها‪...‬‬
‫فتناولت غطاءً َّ‬
‫وصلت بيت أىلها تكاد ال تصدّْؽ بالنجاة من ىذا الوحش‪ ...‬وقصت القصة لوالدىا وىي تبكي فصدمتو دبا حدث‪...‬‬
‫لقد خاب ظنُّو وَف تصدؽ فراستو‪ ...‬ظَنَّو شاباً تائباً ولربّْو عابداً فأسرع بتزويج تلك اؼبسكينة لو ليزداد صدقاً وعبادة لربّْو‬
‫فبل ينكث بتوبتو‪ ،‬وإذ تفاجأ بو خبيثاً َّ‬
‫مكاراً‪.‬‬
‫لقد خاب ظنّو وازداد دبا فعل نبّو فقاؿ البنتو بصوت حزين وعيونو تكاد تقطر دمعاً‪ :‬ساؿبيِب يا ابنٍب ساؿبيِب‪ ...‬اهلل‬
‫ينتقم منو‪ ...‬اهلل يأخذ ح ّقنا منو‪.‬‬

‫تأخرت عليهم‪...‬‬
‫أما آّرـ فبل يوجد من يردعو ويضع لو ح ّداً‪ ...‬فما أف دخلت بيت أىلها‪ ...‬فَػ َق َد وجودىا بالبيت‪ ،‬إذ َّ‬
‫ظن أهنا لن تُفلت من قبضتو‪ ،‬فقصد بيتها بيت‬
‫نادى يف البيت فبل ُؾبيب‪ ...‬طار صوابو‪ ...‬لقد فعلتها وىربت‪ ...‬لكنو َّ‬

‫عمو وأخذ يطرؽ الباب طرقاً مزعجاً عرفوه فانتأّم اػبوؼ‪ ،‬فبل رجل بالبيت ليُدافع عنو إالَّ ىذا الشيخ اؼبسن اؼبسكْب‪.‬‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫َف يفتحوا الباب‪ ،‬بل أوصدوا باب الغرفة زيادة يف اغبيطة فانطلق صراخ آّرـ اؼبتمادي يف باطلو وإجرامو‪ ...‬كاف يصرخ‬
‫فيُسمع اغبي صراخو‪:‬‬
‫أريد زوجٍب‪ ...‬أريد زوجٍب‪ ...‬أنا أقوؿ لكم أعيدوا ِف زوجٍب وإالَّ ستندموف‪.‬‬
‫وىذا فعلو يومياً‪ ...‬يأيت فيمؤل اغبي صراخاً‪ :‬أريد زوجٍب‪ ...‬أريد زوجٍب‪...‬‬
‫عمو‪ ،‬ال يَبؾ كلمة وسخة إالَّ وينعتو ّٔا أماـ كل الناس يصيح بو يهدّْد يزؾبر‪...‬‬
‫وإف التقى ّْ‬
‫بعمو يف الشارع فيا ويل ّ‬
‫بأوسخ وأبشع الكبلـ‪ ...‬طالباً زوجتو‪ ...‬حٌب وصل بو األمر إُف أف يشدَّه من ذقنو‪...‬‬
‫أما الشيخ اؼبسكْب فبل يعرؼ كيف يتخلَّص منو؟‪.‬‬
‫كيف يهرب منو ويتوارى عن أنظاره؟‪.‬‬
‫أحل الرعب باألسرة بكاملها ونغَّص عليهم حياهتم فجعلها مريرة بقسوتو‪.‬‬
‫لقد َّ‬
‫أشار البعض على الشيخ بأف يشتكي للسلطة‪ ...‬فاشتكى وال جدوى حٌب تدخلت ال ِوساطات يف ىذه القضية‬
‫فأوصلوىا إُف اؼبندوب السامي الفرنسي يف سوريا (ولكن تارؾ الصبلة ال خّب فيو)‪ .‬فقاؿ‪ :‬إذا َف يكن ىناؾ ضرب أو‬
‫جرح‪ ...‬خروج دـ‪ ،‬فبل نستطيع معاقبتو وحسب القانوف ال نستطيع أف نعمل شيئاً ضدَّه!!‪.‬‬
‫حبد ذاتو إجراـ!‪.‬‬
‫ولكن أليس ما يفعلو يومياً وما نوى على فعلو مع ابنة الشيخ الطاىر ّْ‬
‫ث ولئلغباح يف ىذه القضية قاـ اؼبندوب السامي بنفيو مدة شهر ال أكثر!‪ .‬قضى مدة الشهر يف لبناف!!‪ .‬وىذا مدى ما‬
‫ظبح بو القانوف الفرنسي‪.‬‬
‫انقضى الشهر وعاد آّرـ اللعْب‪ ...‬عاد وقد ازداد إصراراً وعناداً‪ ...‬ازداد شروراً وبشاعة أضعاؼ ما كاف عليو قبل‬
‫النفي‪ ...‬لقد عاد للتهديد والوعيد طالباً زوجتو ويومياً‪ ...‬بل أصبح ع ّدة مرات باليوـ َّ‬
‫يَبدد ؾبلجبلً بأعلى صوتو مهدّْداً‬
‫متوعداً‪ ...‬يطالب بزوجتو‪ ...‬بصوت كالزئّب‪...‬‬
‫ّْ‬
‫بقلق عظي ٍم ورعب رىيب يتوقعوف بْب اغبْب واآلخر أف يتسلَّق اعبدار فيتسلَّل ِ‬
‫عاشت األسرة ٍ‬
‫للبيت ويأخذىا غصباً‬
‫َ‬
‫عنهم‪ ...‬يأخذىا ألغراضو اغبقّبة منتهكاً عرضها فاضحاً سَبىا مع اغبقراء من أمثالو‪...‬‬
‫* * *‬

‫ومضت األياـ وما يزاؿ آّرـ على ىذا اؼبنواؿ فبا جعل حياة ىذه األسرة جحيماً ال يُطاؽ بعد أف كانوا يف نعيم‪ ...‬وما‬

‫من رادع يردعو ويوقفو عند حدّْه‪:‬‬

‫‪ٚ‬إرا ِب خال اٌججبْ ثؤسض‬

‫غٍت اٌطؼٓ ‪ٚ‬حذٖ ‪ٚ‬إٌضا َي‬

‫حٌب إف الشيخ َف يعد يطيق األكل والشراب‪ ،‬بل كاف يبكي وحيداً متوارياً عن أنظار أسرتو ضارعاً هلل باػببلص من ىذا‬
‫اللعْب الشرير‪:‬‬
‫رحبت‪ ...‬والفرج منك يا رب‪ ...‬ربَّاه أنا ضعيف وأنت القوي فاصرفو‪...‬‬
‫ربَّاه‪ ...‬ما ُّ‬
‫اغبل‪ ...‬ربَّاه قد ضاقت الدنيا دبا ُ‬
‫اصرؼ ىذا الشرير عنّا‪ ...‬أبعده‪ ...‬خلّْصنا من كيده‪ ...‬دبا شئت وكيف شئت‪.‬‬
‫الشيخ اؼبسكْب أياماً عصيبة مريرة حٌب إنو فقد نصف وزنو‪ ،‬بل أكثر ّٔذه احملنة القاسية‪...‬‬
‫ذاؽ ىذا‬
‫ُ‬
‫أحد أصحابو َّ‬
‫ليمد يد اؼبساعدة‪ ...‬فأوصل اػبرب ؼبن ظبع عنو أو لعلَّو يعرفو بشجاعتو وتصديو‬
‫وبعد كبّب اؼبعاناة َّ‬
‫ربرؾ ُ‬
‫لشيخ بأف األمور ؿبلولة‬
‫ّْ‬
‫للشر وبطشو باإلجراـ وآّرمْب‪ ...‬للسيد ؿبمد أمْب الذي طمأنو قائبلً‪:‬دعوا األمر ِف‪ ...‬وبشّْر ا َ‬

‫إف شاء اهلل سأجعلو يطلّْقها شاء أـ أّب‪...‬‬

‫ث دعى والدىا الشيخ واثناف من إخوانو اؼبشايخ للغداء باليوـ التاِف‪.‬‬
‫ىنالك حدَّث الشيخ نفسو‪ :‬ىل معقوؿ ذلك‪ ...‬ىل يستطيع أف يُقنع ذلك الشرير اللعْب بطبلقها وقد عجز اؼبندوب‬
‫السامي اإلفرنسي عن ذلك؟‪.‬‬

‫أما السيد ؿبمد أمْب فما أف غادر صاحب الشيخ حٌب اختار اثنْب من أشجع رجالو "آّرمْب" وأقواىم‪ ...‬فهو يعرؼ‬
‫"آّرـ" زوج ابنة الشيخ أثناء خدمتو باعبيش كضابط‪ ...‬وىذا آّرـ ليس من رجالو اآلف ألنو ليس من وزهنم باإلجراـ‪.‬‬
‫اختار الرجلْب االثنْب وقاؿ ؽبما‪ :‬غداً تدعواف "فبلناً" إُف طعاـ الغداء عندي تبلغانو دعويت وربضراف أنتما أيضاً‪...‬‬
‫فهمتم ما أقوؿ؟‪ .‬ث كشف ؽبم عن خطَّتو ض ّده‪.‬‬
‫رد االثناف‪ :‬كما تريد يا سيدنا‪...‬‬
‫َّ‬
‫* * *‬
‫ويف اليوـ الثآف أقاـ السيد ؿبمد أمْب مأدبة سلطانية حوت أفخر وألذ الطعاـ والفواكو‪ ...‬وعند الغداء حضر الشيخ‬
‫"والد الفتاة" وشيخاف آخراف من معارفو‪...‬‬
‫رحب ّٔم السيد ؿبمد أمْب حبفاوة واستقبلهم ضيوفاً مكرمْب‪.‬‬
‫َّ‬

‫عمو أبا زوجتو بالداخل‬
‫وبعد فَبة ليست بالطويلة حضر آّرـ "زوج ابنة الشيخ"‪ ...‬فما أف دخل باب الغرفة وشاىد ّ‬
‫تسمر بالباب يريد الرجوع قائبلً‪:‬‬
‫حٌب َّ‬
‫ال أطلّْق‪ ...‬لن أطلّْق زوجٍب‪ ...‬ال أطلّْق‪...‬‬
‫فقاؿ لو السيد ؿبمد أمْب‪ :‬ىذا معيب‪ ...‬فهل سألتك شيئاً من ىذا القبيل حٌب تقوؿ ذلك؟‪ .‬أنا دعوتك عندي‪.‬‬
‫عمو والد زوجتو" ما‬
‫لكن آّرـ اللعْب َف يقتنع دبا ظبع بل قاؿ‪ :‬لن أطلّْق‪ ...‬لن أطلّْق‪ ...‬وإالَّ فوجود ىذا " ُمشّباً إُف ّ‬
‫معناه؟‪.‬‬
‫فرد عليو ضابطنا بقوة‪ :‬أال تسمعِب أنت أيها الرجل‪ ...‬ىل قلت لك طلّْق حٌب تقوؿ ذلك؟‪.‬‬
‫َّ‬
‫قاؿ آّرـ‪ :‬ال‪...‬‬
‫فقاؿ السيد ؿبمد أمْب‪ :‬إذاً ؼباذا تقوؿ ىذا الكبلـ‪ ...‬فالذي ال وبَبـ الرجاؿ ليس منهم‪ ...‬ىيا ادخل واجلس‪.‬‬
‫ىنالك صمت ودخل وجلس قائبلً‪ :‬ولكن لن أطلّْق‪.‬‬
‫وما ىي إالَّ فَبة وما أف شعر السيد ؿبمد أمْب ّٔدوئو وانطفاء ثورتو حٌب قاـ وجلس جبانبو وفتح اغبديث معو بشأف‬
‫زوجتو وطبلقها‪ ...‬ولكن لؤلسف كاف كالصخر يف تصلبو وسبسكو بباطلو‪ ...‬مصراً على عدـ الطبلؽ‪...‬‬
‫قاؿ لو بانزعاج‪:‬‬
‫أغراه السيد ؿبمد أمْب باؼباؿ كي يطلّْق فأّب‪ ...‬أّب أف يطلّْق تلك اؼبسكينة الطاىرة‪ ...‬ىنالك َ‬
‫إذاً ىكذا األمر‪ ...‬فلن تطلّْق؟‪.‬‬
‫فرد اػببيث آّرـ‪ :‬ال لن أطلّْق‪ ...‬أبداً‪.‬‬
‫َّ‬
‫للمجرمْب اآلخرين "رجالو" بإشارة خفيفة‪ ،‬كاف على اتفاؽ ُمسبق معهما على خطّة ذكية‬
‫فأشار السيد ؿبمد أمْب‬
‫ْ‬
‫عليهما تنفيذىا بإشارة من بنانو‪...‬‬
‫واآلف آف األواف لتنفيذىا‪...‬‬
‫انقضا باذباه ذلك آّرـ "الزوج"‪ ...‬فانتزعا منو سبلحو بالقوة‪ ،‬ث أمسك كل واحد منهما‬
‫فما إف تلقيا تلك اإلشارة حٌب ّ‬

‫كتفاً من أكتافو وكانا أقوى منو وأشجع‪.‬‬

‫حاوؿ اؼبقاومة فقهراه وَف يعد باستطاعتو اغبركة‪ ،‬إذ أصبح كصوص الدجاج بْب أيديهما الضخمة القوية‪...‬‬
‫عندىا قاؿ آّرـ‪ :‬اقتلوٓف ولن أطلّْق‪ِ .‬‬
‫إرـ جريبة يف دارؾ يا بك‪.‬‬
‫وتوجو باألمر للرجلْب قائبلً ؽبما‪:‬‬
‫فأجابو‪ :‬ال لن أقتلك َّ‬

‫عرى‬
‫ىيا " ّْ‬
‫عروه من ثيابو أماـ اغبضور‪ ،‬فبقانُوف آّرمْب وفبا يعتربونو أشد عار وأكرب نقيصة ومذلة أف يُ َّ‬
‫سخموه" (أي ُّ‬

‫أحدىم أماـ اآلخرين‪ ،‬فالذبح والقتل أىوف عليو من تنفيذ ىذه الكلمة "التسخيم")‪...‬‬

‫عندما ظبع آّرـ ىذه الكلمة طاش صوابو وربطَّمت صبلبتو وجربوتو وانقهر وذؿ ذالِّ ما بعده ذؿ وصرخ‪:‬‬
‫يا سيدي دخيلك‪ ...‬أنا داخل عليك‪ ...‬أنا بعرضك يا سيدي‪.‬‬
‫رد عليو السيد ؿبمد أمْب‪ :‬أنت ما عندؾ عرض يا قليل الشرؼ‪ ...‬وبدأ آّرماف دبحاولة تعريتو‪ ،‬فصرخ آّرـ وكأف الدنيا‬
‫َّ‬
‫أطبقت على صدره‪:‬‬
‫دخيلك "رح طلّْقها"‪ ...‬فهي طالقة‪ ...‬طالقة‪ ...‬طالقة‪...‬‬
‫ىنالك صاح السيد ؿبمد أمْب بالشيوخ الثبلثة الغائبْب عن الوجود بذىوؿ كبّب تاـ‪ ...‬وسبب ىذا الذىوؿ والضياع أهنم‬
‫عم آّرـ"‪ :‬ال أريد أف يطلّْق‪...‬‬
‫عندما ظبعوا بتلك الكلمة " ّْ‬
‫سخموه"‪ ،‬صاحوا صبيعاً‪ :‬ال‪ ...‬ال‪ ...‬وصاح أبو الزوجة " ّ‬
‫خبلص اتركو‪ ...‬فبل أريده أف يطلّْق‪...‬‬
‫وىبرب عليو خطّتو الذكية الرائعة الٍب دبَّرىا ونسجها‪...‬‬
‫فما بدر من الشيوخ كاد أف يُفشل ّْ‬
‫عندما واجهوه ّٔذه اؼبعارضة العلنية صاح ثانية للمجرمْب‪ :‬بعد انتهائكم منو عليكم ّٔؤالء الثبلثة أيضاً ُمشّباً للشيوخ‪...‬‬
‫نظر الشيوخ الثبلثة برعب وىلع للسيد ؿبمد أمْب فرأوا منظر وجهو كوجو األسد جب ّدية ال تُوصف‪ ،‬عندىا أيقنوا دبا ظبعوا‬
‫فانصعقوا وَف يعودوا ليعوا ويدركوا شيئاً فبا يدور‪.‬‬
‫ولكن عندما قاؿ آّرـ طالقة‪ ...‬طالقة‪ ...‬طلقتها بالثبلث ببل رجعة‪.‬‬
‫ىزىم بيده ليصحوا من سكرهتم‬
‫أراد السيد ؿبمد أمْب أف يُسمع الشيوخ "اؼبصعوقْب" يبْب الطبلؽ‪ ...‬فصاح ّٔم بعد أف َّ‬
‫وذىوؽبم قائبلً ؽبم‪:‬‬

‫اظبعوا‪ ...‬اظبعوا ما يقوؿ‪...‬‬
‫عندىا وعوا لكبلمو‪ ،‬فقاؿ لو‪ :‬أعد يبْب الطبلؽ‪...‬‬
‫فقاؿ آّرـ وىو ال يصدّْؽ أف ىل سينجو من ىذا األمر‪ :‬زوجٍب طالقة‪ ...‬طالقة‪ ...‬طالقة‪ ...‬طلقتها بالثبلث ببل رجعة‪،‬‬
‫وبذلك خلعها من عصمتو‪ ،‬وىم صبيعاً على ما قاؿ شهود‪.‬‬

‫توجو السيد ؿبمد أمْب دبنظره الذي يبعث الرعب يف أعٌب القلوب كبو آّرمْب اآلخرين قائبلً‪ :‬اظبعوا ما‬
‫عند ذلك َّ‬
‫أقوؿ‪ ...‬أخربوا صبيع الشباب "آّرمْب" َّ‬
‫أف دـ ىذا الكلب ُمباح من اآلف فصاعداً‪ ،‬فالذي يراه بعد اليوـ فليقتلو‬
‫ففر ىارباً ِ‬
‫بروحو "حبياتو" من أرض الشاـ وببل رجعة‪...‬‬
‫مباشرة‪ ...‬أطلقوا الكلب اغبقّب فأطلقوه‪َّ ...‬‬
‫توجو السيد ؿبمد أمْب للشيوخ الثبلثة قائبلً‪:‬‬
‫ث انصرؼ آّرماف اآلخراف بعد أف استأذنا من سيّْدىم بعد الغداء‪َّ ...‬‬
‫ىل صدَّقتم أٓف كنت سأظبح دبا قلت ؽبما!!‪ .‬إف ىي إالَّ لعبة وخطّة كي يطلّْق‪ ...‬فو اهلل لن أظبح بذلك ولو كانت‬
‫بنٍب زوجتو‪ ...‬ولكن ىذا آّرـ اػببيث وأمثالو ال يفهموف إال ّٔذه اللغة‪ ...‬وحٌب ولو أنو َف يطلّْق فما كنت ألظبح ّٔذا‬
‫العمل أبداً‪ ،‬بل أتَّبع تدبّباً آخراً وخطّة ثانية كي يطلّْق‪ ...‬ولكن كل ما رأيتم وظبعتم كاف خطّة كي لبلّْص تلك‬
‫اؼبسكينة من براثن ىذا الوحش‪ ...‬أَف يعجز اؼبندوب السامي اإلفرنسي عن تطليقها؟‪.‬‬
‫عند ذلك وبعدما ظبعوا ما ظبعوا نظر الشيوخ الثبلثة نظرة خجل فبا بدر منهم وإعجاب وتقدير ؽبذا ّْ‬
‫اؼبفكر اإلنسآف‬
‫ويرد لو صنيعو‪ ،‬بل طلب من اهلل‬
‫الرحيم‪ ...‬وخرج الثبلثة حامدين ال يعرؼ والد الفتاة كيف يشكر ذلك اإلنساف الرحيم َّ‬
‫أف هبزيو عنو ما ىو أىلو‪...‬‬

‫‪‬‬

‫ىذا موقف من أحد اؼبواقف انطلق فيو السيد ؿبمد أمْب ٍ‬
‫يومئذ لعمل من األعماؿ حبّاً باهلل وبعباده‪.‬‬
‫إهنا واقعة جرت لو مع أخيو حْب كاف أخوه ٍ‬
‫بضيق مادي وىو جريح ويف فراشو طريح منذ ع ّدة أشهر‪ ،‬فطلب منو قبض‬
‫بتلهف ؼبساعدتو ولفرج كربو‪ ،‬فوقع دبا َف يكن‬
‫غبل ضائقتو اؼبادية‪ ..‬فسارع ُّ‬
‫راتبو اؼبكسور‪ ،‬على ىويَّتو العسكرية ّْ‬
‫باغبسباف‪.‬‬
‫* * *‬
‫إثر انتهاء اغبرب العاؼبية األوُف دفعت الدوؿ اغبليفة َّ‬
‫ضد أؼبانيا اليوناف من أجل ضرب تركيا حليفة أؼبانيا وعدوهتا اللدود‪،‬‬
‫وقد دعمتها بالسبلح واألعتدة اغبربية من أجل ربقيق ذلك اؽبدؼ وبغية القضاء على الدولة الَبكية‪ .‬وكانت اليوناف تُعترب‬
‫قبل ذلك إحدى فبتلكات تركيا الصغرى‪.‬‬
‫الغّب ُمتوقَّع‪ ،‬وكاف أخو السيد ؿبمد أمْب اعبنراؿ "سليم بك" يف مقدمة اعبيش الَبكي ىو‬
‫العدواف ْ‬
‫فوجئت تركيا ّٔذا ُ‬
‫اؼبعْب على إحدى الفرؽ العسكرية الَبكية الضاربة‪.‬‬
‫القائد َّ‬
‫وظل ثابتاً وتعرض‬
‫وقد دافع دفاعاً عنيداً وقوياً‪ ،‬وثبت أماـ العدو وتشبَّث باألرض بإصرار وعناد حٌب ُد ّْمرت فرقتو تقريباً َّ‬

‫عدة مرات للموت وجرح أكثر من مرة يف أرض اؼبعركة وىو ثابت‪ ،‬وبذلك أنقذ الدولة الَبكية من اؽبزيبة احملقَّقة وتلقَّى‬
‫ظل ثابتاً حٌب وصوؿ القوات الَبكية وزج أرتاؿ كبّبة من اعبيش يف اؼبعركة بعد أف‬
‫الصدمة األوُف ورغم كل ما َّ‬
‫تعرض لو ّ‬

‫القوات اعبديدة الزاحفة بإرغاـ اعبيش اليونآف على الَباجع واؽبزيبة‪.‬‬
‫أوقف تقدُّـ العدو‪ .‬بعدىا قامت َّ‬

‫ولوال ثباتو ومقاومتو العنيدة الستطاعت اليوناف دخوؿ العاصمة واحتبلؽبا من ىذه الثغرة‪ .‬ؤّذا العمل وىذا النجاح قدَّـ‬
‫وح ِف َظ ؽبا آخر ر ٍ‬
‫مق من مكانتها بْب الدوؿ‪ ،‬بعد زواؿ امرباطوريتها‪.‬‬
‫نصراً كبّباً وأقبز عمبلً جبّاراً رفع رأس تركيا َ‬
‫َ‬
‫ىذا وبعد اؼبعركة حصل على نقاىة مرضية يف البيت ؼبدة ستة أشهر نتيجة للجروح الٍب أصيب ّٔا أثناء اؼبعركة‪.‬‬
‫* * *‬
‫ويف تلك األثناء كاف السيد ؿبمد أمْب يف تركيا بزيارة عند أخيو اعبنراؿ الذي قاؿ لو‪ :‬أرجوؾ أف تذىب وتقبض ِف‬
‫الراتب اؼبكسور عن عدَّة شهور ّٔويٍب‪ ،‬فقد أصبحت مديوناً‪.‬‬
‫قاؿ السيد ؿبمد أمْب‪ :‬حبّاً وكرامة‪ ...‬ث ذىب الستبلـ الراتب على ىويَّة أخيو العسكرية‪.‬‬
‫تعرض ألحد اؼبواقف الصعبة اغبرجة ووقع يف ورطة رىيبة‪ ،‬إذ فوجئ باغبرس يقوؿ لو‪:‬‬
‫وبعد أف استلمو بدؿ أخيو اعبنراؿ َّ‬
‫سيدي اعبنراؿ سليم بك تفضل‪...‬‬
‫وفجأة فُتح لو باباف على مصراعيهما‪ :‬طالبكم الصدر األعظم‪ ،‬وإذ بو أماـ الصدر األعظم وجهاً لوجو "والذي كاف‬
‫منظره يُرعب كل من رآه ؼبهابتو وشخصيتو اعببَّارة وشاربيو اؼبفرطْب بالضخامة"‪ ،‬فكيف بو وىو أمامو يظنُّو صاحب تلك‬
‫الصفة العسكرية والرتبة الكبّبة اعبنراؿ سليم بك قائد إحدى الفرؽ الَبكية والذي حقَّق النصر على العدواف!‪.‬‬

‫دبا أف الصدر األعظم ىو اغباكم الفعلي لبلمرباطورية الَبكية فقد شعر ضابطنا باؼبوقف الرىيب اغبرج وبوضع ليس سهبلً‬
‫أبداً‪ ،‬إذ َّ‬
‫أف الصدر األعظم ظنَّو بأنو ىو القائد اعببَّار قد أتى الستبلـ راتبو وكاف قد أوصى ؿباسبة اعبيش بإعبلمو عن‬
‫قدومو الستبلـ الراتب مسبقاً‪ ،‬ولكن وخبلؿ غبظات من احملاكمات الفكرية العاصفة وبقوة صاعقة وبصدؽ عظيم‬
‫انقض بسرعة ذباه الصدر األعظم مؤدياً التحية العسكرية‪ ،‬وقدَّـ اسم أخيو القائد ورتبتو‬
‫كبداىتو يف اؼبواقف الصعبة‬
‫َّ‬
‫اؼبعِب ُمنقذ الدولة الَبكية‪.‬‬
‫العسكرية على أساس أنو ىو القائد اعبنراؿ ُّ‬
‫لذرة شك "بسرعة بديهيَّتو وثبات جنانو‬
‫ذلك األداء القوي جعل الصدر األعظم يندىش ويُ َ‬
‫عجب بو‪ ،‬إذ َف يسمح ّ‬
‫وتصرفو الرائع" ُّ‬
‫تدؿ على أنو يبثّْل تلك الشخصية العسكرية الكبّبة‪.‬‬
‫ّ‬
‫ىنالك قاؿ لو الصدر األعظم‪ :‬أنت يا بِب قدَّمت نصراً عظيماً لَبكيا ونلت شرفاً كبّباً‪ ،‬واآلف أريد أف أظبع منك وصف‬
‫اؼبعركة البطولية الٍب خضتها مع العدو‪ ،‬وَف يكن قد ظبع من أخيو اعبنراؿ شيئاً من التفاصيل‪.‬‬
‫وبالفعل أصبح أماـ موقف صعب آخر ولكن‪:‬‬

‫ك َ‬
‫هللاَ ‪َ٠‬جْ َؼًْ ٌَُٗ َِ ْخ َشجب}(‪.)8‬‬
‫{‪َ٠ ْٓ َِ َٚ ..‬زَ ِ‬
‫تصورت‬
‫سره‪ :‬واهلل ال أعلم شيئاً عن اؼبعركة إال أخباراً بسيطةً جداً ال تفي باؼبطلوب‪ ،‬ولكن َّ‬
‫قاؿ السيد ؿبمد أمْب يف ّْ‬
‫ألتف‬
‫فعبلً لو كنت أنا قائداً للفرقة فماذا أعمل إذا فوجئت ّٔجوـ!‪ .‬وبدأت أتكلَّم واصفاً لو معركة خيالية كيف كنت ُّ‬

‫على العدو مرة إثر مرة‪ ،‬أىجم وأنقض بألويٍب القتالية صاداً ىجماتو الشرسة وفرقو الكثّبة " ٍ‬
‫أصورىا وأصفها‬
‫خبطط ونبية ّْ‬
‫ّ‬

‫وحبكها من ىجوـ جانيب‬
‫لو من ـبيلٍب ُّ‬
‫وصعق لرباعة خططي ْ‬
‫ىش ُ‬
‫وتصورايت اغبربية"‪ ،‬فكاف كلما ظبع عن خطة قتالية ُد َ‬
‫وص يد ؽبجوـ جبهي وإفشاؿ كافّة ؿباوالت االلتفاؼ‪ ،‬ث إشغاؿ العدو ّٔجمات ثانوية خلفية لقوى خفيفة َح ِسبَها العدو‬
‫ىجمات رئيسية شتّتت قواه الضاغطة اعببهية فبا أفشلت اؽبجوـ الكاسح حٌب وصلت فرؽ اعبيش الَبكي النظامية‬
‫فأمكن اإلجهاز على قوى العدو وصدّْه‪.‬‬
‫أما الصدر األعظم فقد عاش سباماً جبو اؼبعركة وأصبح كتلة استماع وإعجاب‪ ،‬وبقيت أتكلَّ ُم عن معاركي ودفاعايت آّيدة‬
‫ما يربو على الساعة وفعبلً شعر الصدر األعظم بأنو يعيش يف جو اؼبعركة سباماً‪.‬‬

‫وبعد االنتهاء من وصف اؼبعركة البالغ بالروعة واؼبفاجآت التكتيكية اغبربية وقد عاد للصدر األعظم ْروعو من ىوؿ ما‬
‫ظبع وأثُب على ىذا اإلنساف عظيم الثناء وقاؿ لو‪:‬‬
‫كيف أنت اآلف؟‪.‬‬
‫فرد بشجاعة وقوة‪ :‬إنِب على استعداد تاـ اآلف أف أذىب للقتاؿ وأخوض اؼبعركة‪ ،‬فقاؿ لو الصدر األعظم حينما شاىد‬
‫َّ‬
‫معنوياتو العالية‪:‬‬
‫ال‪ ..‬ال‪ ..‬هبب أف ترتاح حٌب انتهاء النقاىة الطبية فهي من األطباء اؼبختصْب‪ ،‬فعليك بإسبامها فلقد َّأديت أعظم خدمة‬
‫للوطن وأنت لدينا مكْب ؿبمود‪.‬‬
‫* * *‬
‫فاصفر وجو أخيو‬
‫وقص عليو ما جرى معو‬
‫وبذلك انتهت اؼبقابلة‪ ،‬فحيّا الصدر األعظم بنشاط وقوة وانصرؼ إُف أخيو‪َّ ،‬‬
‫َّ‬

‫رعباً وىلعاً وبدت عليو الدىشة واػبوؼ من النتائج‪ ،‬فتابع السيد ؿبمد أمْب حديثو قائبلً‪:‬‬

‫ال زبف قبح ِ‬
‫ت اػبطة وقبح اؼبوقف أماـ الصدر األعظم وقد تكلَّمت لو بعد أف استعنت باهلل تعاُف عن اؼبعركة اؼبوىومة‬
‫َ‬
‫الفر‪ ،‬باػبطط كذا وكذا‪..‬‬
‫الكر و ّْ‬
‫وعن خطط اؽبجوـ والدفاع و ّْ‬

‫وىنا قاؿ لو أخوه وىو مصعوؽ‪:‬‬
‫) سورة الطبلؽ‪ :‬اآلية (‪.)2‬‬

‫(‪8‬‬

‫مت عنو من بطوالت وخطط عسكرية إبداعية‪.‬‬
‫واهلل َف أنفّْذ واحداً باؼبئة فبا تكلَّ َ‬
‫‪‬‬

‫سجى الليل فاستفاؽ السكوف وأضاء مصباح اؽبدوء وكسا اؼبدينة رداء اؽبيبة والوقار وغ ِرؽ الناس يف ٍ‬
‫سبات عميق انقلب‬
‫أكثر من نصف الليل‪...‬‬
‫وفجأة شرخ ىذا الصمت وأذىل ىذه السكينة صوت أقداـ تدب على ببلط الشارع إنو وقع منتظم رتيب‪ ...‬توقفت‬
‫اػبطى‪...‬‬
‫رفع يديو وربركت شفتاه بتمتمات استمرت ىنيهة‪...‬‬
‫لقد كاف يقف قبالة باب مسجد الشيخ األكرب ؿبي الدين بن عريب‪ ،‬وجرياً على عادة أىل الشاـ فقد توقف يتلو الفاربة‬
‫لو لكنو ما كاد يلفظ عبارة‪:‬‬
‫ىذه الفاربة أىبها لسلطاف‪...‬‬
‫حٌب لفَّتو سحابة من التفكّب العميق‪ ،‬إذ قفز إُف ذىنو تساؤؿ‪:‬‬
‫تُرى من أين أتتو ىذه السلطنة (سلطاف العارفْب) وكيف حاز عليها؟‪.‬‬
‫جرى فكره يقلّْب األمر ويغربل االحتماالت حٌب ؼبع يف خاطره ما أثلج صدره‪.‬‬
‫لقد أدرؾ السيد ؿبمد أمْب أف السر كاف يف متابعتو لسيّد ولد آدـ‪ ...‬ؿبمداً رسوؿ اهلل ‪.‬‬
‫‪٠‬ب خ‪١‬ش ِٓ ‪ َُّ ٠‬اٌؼبف‪ ْٛ‬عبحزٗ‬

‫عؼ‪١‬ب ‪ٚ‬ف‪ٛ‬ق ِز‪ ْٛ‬األ‪ْٕ٠‬ك اٌشعُ‬

‫‪ ٛ٘ ِٓ ٚ‬ا‪٠٢‬خ اٌىجش‪ٌّ ٜ‬ؼزجـش‬

‫‪ ٛ٘ ِٓٚ‬إٌؼّخ اٌىجش‪ٌّ ٜ‬غزٕـُ‬

‫تردد‪ ،‬عندىا عاىد ربّو يف نفسو قائبلً‪:‬‬
‫لقد تولَّد اآلف يف نفسو طلب عظيم‪َ...‬ف يَػعُ ْزهُ الطموح‪ ،‬وَف يثنو ُّ‬
‫أنا‪ ،‬إن شاء اهلل سأتابع سيدنا رسول اهلل محمداً ‪...‬‬
‫* * *‬
‫لقد كاف ضابطنا يشغل رئيس قسم الشرطة يف حي الصاغبية واألكراد‪ ...‬وبينما ىو جالس يف مكتبو جلب إليو ظبعُو‬
‫يردد ٍ‬
‫بثقة وأنفة‪" :‬أنا ال أضرب"‪.‬‬
‫أصوات جلبة وضوضاء وصياح‪ ،‬دخل بعدىا الدرؾ يقبضوف على رجل ّْ‬
‫ويردد‬
‫أما ىم فقالوا‪ :‬لقد اعتدى على رجل وضربو وَف يكتف بذلك وإمبا شتم الدولة أيضاً وىو ما يفتأ يهدّْد ويوعد ّْ‬
‫عبارة "أنا ال أضرب"‪.‬‬
‫فأجابو ضابطنا "رئيس القسم" وعلى الفور‪ :‬أنت ال تُضرب!‪ .‬وأنا سأضربك‪.‬‬
‫تسور رجليو‪ ،‬تناوؿ السوط ورفعو بيده فوؽ رأسو‪ ،‬وما أف‬
‫وبإشارة من بنانو‪ ...‬ألقاه الدرؾ أرضاً وسرعاف ما كانت الفلقة ّْ‬
‫ىم جبلده حٌب اقتحم باب القسم وجهاء اغبي وأكابره وعلى رأسهم العارؼ باهلل إماـ جامع الشيخ "ؿبي الدين بن‬
‫َّ‬
‫عريب"‪ ،‬الشيخ "ؿبمد أمْب خربطلي" ولساهنم وحاؽبم يرجو الصفح والعفو عن ىذا الرجل‪ ...‬قائلْب‪:‬‬
‫ىذا الرجل ال يُضرب‪...‬‬
‫قاؿ ؽبم مستغرباً‪ :‬لكنو اعتدى على فبلف!‪.‬‬
‫رددوا صبيعاً‪ :‬ىذا فبلف اؼبعتدى عليو معنا وقد أسقط ح ّقو‪...‬‬
‫َّ‬
‫تبسم قائبلً‪ :‬ما دمتم ساؿبتموه حبقكم‪ ...‬وأنا كممثل للدولة أغفر لو شتمو ؽبا إكراماً ػباطركم‪.‬‬
‫فما كاف منو إالَّ أف َّ‬
‫خرجوا والب ْشر يطفح من وجوىهم‪ ...‬شيَّعهم إُف الباب‪ ،‬إالَّ أف عبلمات الدىشة واالستغراب كانت واضحة على‬
‫حبب اعبميع والذي ال يُضرب!‪.‬‬
‫سر ىذا اإلنساف الذي وبظى ّْ‬
‫ؿبيّاه!‪ .‬متسائبلً عن ّْ‬
‫* * *‬
‫ويف اليوـ التاِف استأذف عليو رجبلف تبدو عليهما مظاىر الفخامة واألّٔة واألناقة ما يدؿ على أهنما من عليَّة القوـ‪ ،‬بعد‬
‫يشرؼ الباشا بزيارتو يف قصره‪.‬‬
‫التحية وبأدب جم طلب إليو أحدنبا أف ّْ‬
‫عرتو الدىشة وتواله االستغراب‪ ،‬أيكوف يف منطقة عملي باشا وال أعلم!!!‪.‬‬

‫لقد كاف لقب الباشا ال يُطلق إال على الوالة "رؤساء اعبمهوريات" كواِف الشاـ أو العراؽ وال بد أف ىذا الواِف متقاعد‬
‫وإالَّ لكاف قد ظبع بو ومع ذلك فالباشا يبدو ذا خطر عظيم وشأف كبّب ألنو طلّق السياسة واغبكم وىو على قمة آّد‬
‫ُِ‬
‫فَب َؾ لو جاىو وىيبتو‪.‬‬
‫وصل الركب إُف قصر الباشا‪ ...‬أسواره تطاوؿ عناف السماء يتوسطها باب كبّب عليو من النقوش والزخارؼ ما يدىش‬
‫العقوؿ ويسلب األلباب‪ ،‬فُتح الباب‪:‬‬
‫ويسر اػباطر‪...‬‬
‫ماذا؟‪ .‬لقد كشف عن منظر ىبلب األرواح‪ ،‬يبهج العْب ُّ‬
‫ربف‬
‫فبر طويل أرضيَّتو من اغبجر الثمْب واؼبصقوؿ حٌب يكاد اؼبرء يرى رظبو على صفحتها ُّ‬
‫ربَّاه‪ ...‬ىل فتح باب اعبنة!‪ّّ .‬‬

‫بو أشجار شذبت بأشكاؿ ىندسية رائعة‪ ،‬يغطي اؼبمر عرائش الكرمة وقد تدلَّت عناقيدىا كثريَّات الذىب‪ ...‬تسللت‬
‫فت من الشمس البهاء ينبعث منها أريج ينعش األنوؼ‪ ،‬ويف الوسط كانت ىناؾ حبرة‬
‫األنظار إُف اغبديقة ورود قد استلَ ْ‬

‫واسعة تناثرت على صفحاهتا نقوش وزخارؼ أبدعت يد الفناف صوغها ويف وسطها نوفرة يتدفق منها اؼباء رذاذاً يعانق‬
‫الوجوه فتصحو على ىذا اعبماؿ‪ ،‬وعلى األفناف ِأمنت الطيور فراحت تصدح ٍ‬
‫بأغباف تأخذ دبجامع القلوب‪.‬‬
‫ُ‬
‫عبقري التكوين ذكي البناء‪ ،‬زخارفو تكاد تنطق بالفتنة والروعة‪َ ،‬و َعبنا إُف قاعة‬
‫دلف الركب اؼبنزؿ فاستقبلنا ّٔو واسع‬
‫ُّ‬
‫المضافة"‪:‬‬
‫االستقباؿ " َ‬
‫الضوء يتسلَّل من كل ناحية ينعكس على األشياء فتبدو وليمة األلواف والظبلؿ ساحرة خبلَّبة‪ ،‬وعلى اعبوانب اصطفت‬
‫اؼبطعمة بأحجار الزينة اؼبلونة‪ ،‬وفُرشت األرض بأنواع السجاد العجمي الوثّب وازَّينت اعبدراف‬
‫اؼبقاعد ذات اػبشب الثمْب ّ‬
‫بلوحات فنية رائعة‪ ،‬ويف وسط القاعة كانت ىناؾ فستقية صغّبة يتفجر اؼباء من وسطها يتقلَّب إُف أعمدة تعكس ألواف‬

‫قوس قزح‪ ،‬ومن السقف تدلت الثريات الضخمة الفخمة ذات التصاميم النادرة والكريستاؿ النقي العزيز حٌب إف اؼبرء ال‬
‫يبلك حْب النظر إليها إال أف يُؤخذ مبهوراً مشدوىاً‪.‬‬
‫ويف صدر القاعة‪ ...‬كاف ىناؾ عرش كبّب يَببَّع عليو رجل وحولو عدد من أكابر الرجاؿ‪ ،‬وما أف وقعت عيناه علينا حٌب‬
‫ىب واقفاً‪ ...‬وأسرع كبونا وكلمات الَبحيب تسبقو‪.‬‬
‫َّ‬
‫يا للمفاجأة‪ ...‬يا اهلل أىذا ىو الباشا!‪.‬‬
‫إنو نفس الرجل الذي طرحو الدرؾ أرضاً ووضعوا الفلقة يف قدميو‪...‬‬
‫إنو نفس الرجل الذي أمسك السوط ليوسعو بو جلداً‪ ...‬إنو الباشا!‪.‬‬

‫ناداه بصوت قوي‪ ...‬إذاً أنت "أصبلف" الذي نسمع ببطوالتو وشجاعتو وشرؼ نفسو وشهامتو وَف نره‪ ...‬كم يسعدٓف‬
‫أنك ضيفي‪...‬‬
‫رد على ترحيبو بكلمات القت استحساف الباشا وطيَّبت خاطره‪.‬‬
‫وبلباقتو اؼبعهودة َّ‬
‫كل مأخذ‪...‬‬
‫أجلسو الباشا إُف جنابو واغببور يأخذ منو َّ‬
‫لقد سيطر على اعبو الرضا والتفاىم وكاف اإلعجاب واإلجبلؿ والتقدير الذي كنَّوُ الباشا يف نفسو ؽبذا الليث اؽبُماـ ىو‬
‫الذي أضفى على ىذه اعبلسة ىذا اللوف الفريد من الشاعرية الراقية‪.‬‬

‫وبينما ىم كذلك دخل أحد اػبدـ يُعلن للباشا بأف الطعاـ جاىز ينتظر اآلكلْب‪.‬‬
‫دعا الباشا ضيفو الكبّب لبلنتقاؿ إُف صالة الطعاـ والسعادة تكاد تطفح من عينيو والبسمة ال تُفارؽ ثغره وشفتيو‪.‬‬
‫عبقت رائحة زكيَّة جعلت لعأّم يسيل شغفاً ومعدهتم تتلوى شوقاً وطلباً‪ ،‬وما أف ذباوزوا باب الغرفة حٌب تبدَّت السفرة‬

‫حبلَّتها اؼبَبفة وزينتها اؼبنقطعة النظّب‪ ...‬فمن اؼبشوي أنواع ومن اؼبقلي أصناؼ ومن السمك واللحوـ حدّْث وال حرج وكلّو‬
‫مكلل باألخبرة وتفوح من شذاه اللذة ضمن تر ٍ‬
‫تيب وتنسيق ال يبلك اإلنساف حالو إال أف يتمُب التهاـ كل ما على اؼبائدة‬
‫ويذرىا قاعاً صفصفاً‪.‬‬
‫لقد كاف الطعاـ وافراً حٌب إنو ليكفي أربعمائة رجل مع قلة اؼبوجودين‪ .‬ومع كلمة تفضلوا‪ :‬أقبل اعبميع على السفرة‬
‫بعدما ُج َّن الشوؽ وطاؿ اغبنْب فكاف اؼبظهر يدؿ على اعبوىر ح ّقاً فما ىذه الطعوـ الزكية وما ىذا اؼبذاؽ الشهي‬
‫الطيب!‪ .‬إف كل لقمة تنافس نظّبهتا أشد اؼبنافسة وكل صنف يغريك منو باؼبزيد فتقع فريسة اغبّبة والَبدد‪.‬‬
‫وبعد الطعاـ اؽبِبء اؼبريء انتقلوا إُف صالة أخرى فشخصت األبصار وحارت العقوؿ‪ ،‬فلم يكن ما يُرى إالَّ يف اػبياؿ‪:‬‬
‫ُظباط عامر بشٌب أنواع الفاكهة وأجودىا وأندرىا‪ ،‬إهنا لوحة مأكولة مثّبة َّ‬
‫جذابة‪ ،‬فإُف جوار الفاكهة اصطفت أنواع‬
‫تبق زيادة‬
‫اغبلوى الفاخرة وقد كلَّلها القطُْر وزينتها‬
‫اؼبكسرات ومن ث دارت أنواع األشربة وسبازجت الطعوـ حٌب َف َ‬
‫ّ‬
‫ؼبستزيد‪.‬‬
‫لقد استجلب الباشا إُف مطبخو أمهر وأشهر الطهاة بالعاَف وأكثرىم ذيوعاً وشهرًة وإتقاناً‪ ،‬وكاف يدفع ؽبم رواتب وأجوراً‬
‫ينسق لو سفرتو السلطانية كل ذلك حٌب يقدّْموا لو أجود وأرقى وأفخر أنواع الطعاـ بصورة رائعة‬
‫باىظة واستقدـ أبرع من ّْ‬
‫أخاذة‪ ،‬لذ ًة لآلكلْب‪.‬‬
‫َّ‬
‫عاد اعبمع إُف قاعة االستقباؿ تغمرىم البهجة ويطفح من وجوىهم السرور‪.‬‬

‫وعندما استوى كل منهم إُف ؾبلسو أشار الباشا إشارة لطيفة فإذا ّٔؤالء السادة والٍب كانت تبدو عليهم مظاىر األ َُّّٔة‬
‫والفخامة قد َّ‬
‫مد كل منهم يده ليتناوؿ من طرؼ األريكة الٍب هبلس عليها آلة موسيقية "أال إهنم أرباب صنعة"!‪ .‬فهذا‬
‫شرع الكماف‪ ،‬وىذا قعدت يف حجره آلة اإليقاع حٌب اكتملت اعبوقة‪ ،‬وحينما‬
‫تصدَّر بالناي وذاؾ احتضن العود واآلخر َّ‬

‫بدأ العزؼ بدأت القلوب تتجاوب بدقَّات النشوة حٌب كاد اؼبوجودوف يغيبوف عن وجودىم اعبسدي ليعيشوا يف عواَف‬
‫النشوة الرائعة ويذوبوا يف ٍ‬
‫أغباف ما طرقت أظباعاً إال وشدىتها ومؤلهتا جبلالً وىياماً وشجوناً‪ ،‬نعم لقد ىاجت اؼبشاعر‬
‫وزاد اؽبياـ‪.‬‬
‫ص ْدح موسيقاه‪ ،‬ف ّذاً يف تغريد أغبانو‪ ،‬وما ىي إال فَبة وجيزة حٌب بدأت لغة اؼبوسيقى‬
‫كاف كلّّ منهم عبقرياً يف َ‬
‫بانتصاراهتا اؼبظفَّرة على القلوب تتكلَّم مع ىياـ النفوس الٍب تشنَّفت آذاهنا بروائع اإليقاع‪.‬‬
‫تصور أف من فقد ىذه الفرصة فقد فَػ َق َد أغلى نعيم يف حياتو‪ ،‬وغبظة قلَّما هبود الزماف دبثلها‪.‬‬
‫لقد َّ‬
‫وفجأة اختفى شدو اؼبوسيقى ولكن وقعها يف النفوس سيطر سارياً وعبيقها يف القلوب ىيمن آخذاً دبجامعها‪.‬‬
‫رؼ اؼبِلَح‬
‫عند ذلك برز من اعبالسْب رجل خفيف الظل ظريف العبارة حلو النكتة أخذ يُطلق النكات وينتقي الظُ َ‬
‫وبرؾ يديو أو رجليو أو أذنيو حسب ما يقتضيو اغباؿ حٌب غشيَنا‬
‫والقصص النادرة‪ ،‬فَباه تارة يبكي وتارة يضحك ّْ‬
‫الضحك وتعالت أصوات قهقهتنا‪ ،‬ومن فرط ما ضحكنا صارت تسيل دموعنا‪.‬‬

‫مر‬
‫لقد بدا ِف أنو لو كاف معنا رجل ثُكل بأمو وىو وحيدىا وليس لو غّبىا وبثلث ساعة فقط يكوف قد نسي َّأمو وما َّ‬
‫يتوجو لكل ٍ‬
‫فرد منا ويبنحو ما يسره‬
‫اؼبهرج ذا تأثّب مغناطيسي على القلوب َّ‬
‫عليو من اؼبصائب واألحزاف‪ ،‬لقد كاف ىذا ّْ‬
‫ويناسبو‪.‬‬
‫لقد بدا أف لو تأثّباً سحرياً بالنفوس حٌب إف اإلنساف ال هبد نفسو إال وقد انغمس يف عاصفة من الضحك واغببور‬
‫والبهجة والسرور وقد زاؿ ما بو من كروب ونبوـ‪.‬‬
‫لقد كاف ؾبلساً حاؼباً تتناغم فيو األضواء وسبوج فيو روائح البخور والعطور واؼبسك األزفر وخالص العنرب‪.‬‬
‫زمن األنس زمامو "عناف اغبياة عليهم صيب"‪ ...‬ح ّقاً إهنا ليلة من‬
‫قضى ليلة كأهنا لياِف األندلس اغباؼبة حينما أرخى ؽبم ُ‬

‫لياِف العمر‪...‬‬

‫كل شيء وتُقاـ الصبلة‪ ...‬ما أصبل الدين والدنيا إذا اجتمعا "ال بارك‬
‫وقت الصبلة كاف يوقف ُّ‬
‫ولكن عندما كاف وبضر ُ‬
‫اهلل في دنيا بال دين"‪.‬‬

‫ويف ىذه الغمرة حملت عينا السيد ؿبمد أمْب الساعة فبُهت‪ ،‬إذ إهنا كانت تُشّب إُف الثانية بعد منتصف الليل‪ ...‬يا اهلل‬

‫مر ىذا الوقت الطويل قصّباً؟‪.‬‬
‫ىل قضى شبآف ساعات؟‪ .‬كيف َّ‬

‫إنو َف يشعر بو سوى دقائق معدودات‪ ...‬فبلحظ الباشا ذلك فتثاءب وكانت تلك إشارة للموجودين إيذاناً باالنصراؼ‪،‬‬
‫ىب واقفاً َّ‬
‫مودعاً‪ ،‬لكن الباشا استوقفو قائبلً‪:‬‬
‫ومد للباشا يده ّْ‬
‫جم وإجبلؿ بالغ‪ ،‬فما كاف منو إال أف َّ‬
‫فانسحبوا بأدب ّ‬
‫"أصبلف" (باللغة الَبكية تعِب األسد) أنت ضيفي غداً!‪.‬‬
‫حاوؿ التملُّص لكن الباشا قاؿ بلهجة قاطعة‪ :‬إذا َف ربضر من تلقاء نفسك فسوؼ أذىب إليك وأصحبك بنفسي‪...‬‬
‫عندىا وعده خّباً‪...‬‬
‫* * *‬
‫منذ ذلك اليوـ أصبح نديباً للباشا ال يفارقو ليلة واحدة‪ ...‬ومع مرور األياـ ومن صبلة األحاديث أدرؾ ضابطنا أف ىذا‬
‫وتؤمن لو حياة مطمئنة‬
‫الباشا طلَّق اغبياة السياسية وزبلى عن منصبو بعد أف أصبحت لديو ثروة تكفيو طيلة حياتو برغد ّْ‬

‫مرفَّهة بعيداً عن حلبات السياسة وصراعاهتا‪.‬‬
‫بعد يف القمة فبقيت لو مكانتو وىيبتو وثروتو الطائلة‪ ...‬لقد فضَّل حياة اؽبدوء والدعة‬
‫وىكذا فقد نزؿ عن اؼبسرح وىو ُ‬
‫وبذؿ ؽبم من اؼباؿ ما كانوا ينالونو إبَّاف فَبة‬
‫وحٌب يتم لو ما يريد أبقى لديو من كانوا من طهاة وموسيقيْب وعبيد َ‬
‫حكمو‪.‬‬
‫لقد كاف لديو أربع زوجات دوماً على عصمتو‪ ،‬إذ كاف يتزوج الفتاة يف الثامنة عشرة من عمرىا حٌب إذا ما بلغت الثانية‬
‫َّ‬
‫غُب‪ ،‬لقد كاف الناس يف فاقة وفقر مدقع فيا سعادة من ربظى‬
‫والعشرين خلى سبيلها وتزوج بغّبىا بعد أف يوسعها ً‬
‫بالزواج من الباشا‪ ،‬إذ سيخلّْصها من الشقاء والبؤس فضبلً عن أف خّبه ونوالو سيغمرىا وأسرهتا حٌب إذا ما طلَّقها فإهنا‬
‫ستخرج من بيتو ربمل كنزاً ال يُفنيو بذخ وال كثرة إنفاؽ‪ ،‬كما كاف يف خدمتو عبد أسود مديد القامة ضخم اعبثة ىائل‬

‫حل وارربل‪ ،‬كانت وظيفة ىذا العبد أنو أثناء نزىة الباشا وحينما كاف يلفت انتباىو منظر من مناظر‬
‫اؼبنظر يرافقو حيثما َّ‬
‫األخاذ ويأخذ رونقها ؤّاؤىا دبجامع قلبو ويفتًب ّٔا لبُّو أنو يأمر سائق العربة بالوقوؼ‬
‫الطبيعة اػببلّبة وهبذبو سحرىا ّ‬
‫فيقوـ العبد الضخم بتقدٔف "النرجيلة" لو بعد ذبهيزىا وىو واقف على مداس العربة باحَباـ والباشا جالس دبقعد العربة‬
‫يدخن وىو ُيبتع ناظريو دبا أبدعتو يد القدرة اإل ۤؽبية من صباؿ وروعة وجاذبية وصفاء‪.‬‬
‫الوثّب ّْ‬
‫وكاف حينما يعاود إُف قصره اؼبنيف يكوف بانتظاره أربعة من الرجاؿ األشداء وظيفتهم أف ُيب ّْسدوا لو عضبلت جسمو‬
‫سبسيداً رياضياً!‪.‬‬

‫ىذا ىو الباشا‪ ،‬لقد كانت حياتو مزهباً فريداً من اللذائذ واؼبتع حٌب كأمبا الدنيا قد ملَّكتو زمامها ومن جانب آخر كاف‬
‫اتب شهرية‬
‫العديد من األسر الفقّبة ينتظر وبشكل يومي فائض سفرتو السلطانية الفاخرة فضبلً عن أنو كاف ُهبري رو َ‬
‫ثابتة لعوائل وأُسر معوزة‪.‬كاف الطعاـ الفاخر اؼبتوفّْر يُوزَّع يومياً على عشرات العوائل الفقّبة بشكل منظم يومي رتيب‪.‬‬
‫الرب واإلحساف فيَدهُ كانت مبسوطة لكل ىذا على‬
‫ناىيك ّ‬
‫عما كاف يدفعو من زكاة وصدقات وما يقوـ بو من أعماؿ ّ‬

‫يؤديها كلها بشكل كامل إال أنو وبسبب إفراطو يف السهر كانت‬
‫يقصر بطقوس العبادة مطلقاً‪ ،‬فهو ّْ‬
‫الدواـ‪ ،‬وَف يكن ّْ‬
‫تفوتو صبلة الفجر على وقتها دوماً فيصلّْيها بعد طلوع الشمس ضحى‪.‬‬
‫* * *‬
‫اب ونغم وطُرؼ‪ ،‬وقد أرخى ؽبم الزماف زمامو‬
‫سنتاف انقضتا على ضابطنا والباشا على ىذا اؼبنواؿ اعبميل‪ٌ :‬‬
‫طعاـ وشر ٌ‬
‫بسطاً وسروراً وحبوراً حٌب كاف ذلك اليوـ!‪.‬‬
‫ْ‬
‫بينما كاف ضابطنا السيد ؿبمد أمْب هبلس يف مكتبو بالقسم بلغو خرب موت الباشا؟!!‪.‬‬
‫لقد وقع عليو النبأ كالصاعقة‪ ...‬الباشا مات!!!‬
‫صاحب القصر اؼبنيف واعباه العريض‪ ...‬واػبدـ واغبشم‪ ...‬واألمواؿ والزوجات والكيف والبسط!!‬
‫أمر يعي على التصديق فمنذ ساعات َتركوُ والدـ يبوج يف وجنتيو ويلتمع بريق اغبياة يف عينيو‪ ،‬يشتعل حيوية‬
‫يا إ ۤؽبي إنو ٌ‬
‫ونشاطاً ويتفجر حركة وانبعاثاً يومض حديثو باألمآف العِذاب وتربؽ من ـبططاتو اآلماؿ الوردية واألحبلـ الذىبية‪.‬‬
‫لكن كيف مات الباشا؟؟؟‪.‬‬
‫أخربوه بأنو آب بعد ذبوالو لنزىتو اليومية بعربتو الفخمة‪ ،‬وما أف وصل القصر حٌب طلب كأساً من مغلي األزىار لدوا ٍر‬
‫بسيط أَفَّ برأسو وحْب عادوا بالكأس وجدوه وقد أسلم روحو لبارئها‪.‬‬
‫* * *‬
‫يضجوف بالبكاء ولكن بكاءىم‬
‫سبَّت مراسم تشييع جثماف الباشا كاؼبعتاد‪ ،‬وسار خلف التابوت موكب مهيب كلهم ُّ‬
‫كل يبكي نفسو ويندب حظو واػبّبات‬
‫كاف باغبقيقة على اػبّبات الٍب انقطع واردىا عنهم دبوت الباشا الكرٔف‪ ،‬فكاف ّّ‬
‫اؼبقطوعة‪.‬‬
‫وبعد أف جرى الدفن أسرع ضابطنا بالعودة إُف مكتبو‪ ،‬أوصد خلفو الباب وجلس إُف طاولتو‪.‬‬
‫يتأمل يسائل نفسو ّْ‬
‫يفكر يف‬
‫لقد بدا على ُؿبياه أعظم ما يكوف من االىتماـ وارتسمت يف عينيو نظرة ج يد رىيب‪ ...‬راح َّ‬
‫اؼبستقبل تصطرع يف ذىنو األفكار يفنّْدىا يقلّْبها يقرهنا مع الوقائع واألحداث‪.‬‬

‫تقض اؼبضاجع وتذىل الكرى عن العيوف‪:‬‬
‫لقد كاف موت الباشا بدايةً ألسئلة كثّبة ُّ‬
‫ربَّاه‪ ...‬ربَّاه أىذا ىو اؼبصّب؟‪.‬‬
‫أيف ىذه اغبفرة ينحصر اؼبستقبل؟‪.‬‬
‫وتتصاغر األمآف وتطوش اػبطط؟‪.‬‬
‫أمرىا من وحشة!‪.‬‬
‫ربَّاه‪ ...‬ما َّ‬
‫ظبلـ كثيف مطْبق‪...‬‬
‫أال مٌب ينجلي ىذا األدىم‪ ...‬أال أين األخلَّة‪ ...‬أال أين األصحاب‪...‬‬
‫السرج‪ ...‬أين القصور‪...‬‬
‫أال أين ؾبالس األنس والسمر‪ ...‬أال أين األضواء و ُ‬
‫َف ىذه الدنيا!‪ .‬أين بريقك اػببلَّب الذي يسحر ؾبامع القلوب‪...‬‬
‫اؼبفر‪ ...‬أين اؼبفر!‪ .‬ذاؾ رجع بعيد‪.‬‬
‫أين ّ‬
‫ْ‬
‫اٌّ‪ٛ‬د ال شـ ّ‬
‫‪ٚ‬أ‪٠‬مٓ َ‬
‫َ‬
‫نََ آر‪١‬ــب‬
‫ثؤْ‬

‫رــض َ‪ٚ‬د ِٓ اٌذٔ‪١‬ــب ألٔـن ساحـ ًُ‬

‫‪ِٛ٠ٚ‬ب ػج‪ٛ‬عب شبثذ ٌٗ إٌ‪ٛ‬اص‪١‬ب‬

‫ٔض‪ٚ‬ي اٌمجش ‪ٚ‬اٌٍحذ ‪ٚ‬اٌثش‪ٜ‬‬
‫أرٕغ‪ٝ‬‬
‫َ‬

‫الباشا مات‪ ،‬السبلطْب واؼبلوؾ سبوت‪ ،‬الرسل واألنبياء سبوت‪ ،‬فهل يف شك من اؼبوت‪ ،‬أفبل سبوت‪ ،‬من ىرب من اؼبوت‬
‫إذا جاء َملَك اؼبوت؟‪ .‬ىل من مهرب؟‪.‬‬
‫* * *‬
‫اٌمغُ اٌثبٔ‪ٟ‬‬
‫مر على وفاة الباشا أسبوع‪ ،‬كاف ضابطنا يف القسم حينما دخل رجبلف يصحبهما اؼبختار‪ ...‬كاف أحدنبا طبيباً واآلخر‬
‫َّ‬
‫حي الصاغبية‪.‬‬
‫مساعداً لو يرافقهما ـبتار ّْ‬
‫طلب منو أف يُرسل معهم بعضاً من رجالو لّبافقوىم إُف اؼبقربة بغية الكشف على جثة الباشا‪ ،‬إذ أسفرت التحقيقات الٍب‬

‫أجرهتا سلطات األمن أف الباشا ردبا مات مسموماً بناءً على شكوى قُدّْمت من أقاربو‪ ،‬وىم ساعوف عبمع األدلة‪...‬‬
‫وتُشّب أصابع ّْ‬
‫دست لو السم‪.‬‬
‫االهتاـ إُف إحدى زوجاتو الٍب حاف موعد طبلقها وطمعاً بثروة الباشا الضخمة ردبا َّ‬
‫فشتَّاف بْب ما تأخذه (ترثو) من الباشا يف حاؿ موتو وما تأخذه منو عند طبلقها خصوصاً أف ال أوالد للباشا‪.‬‬
‫ىنا قاؿ ضابطنا ؽبم‪ :‬أنا معكم ذاىب فهو صديقي اغبميم‪.‬‬

‫وانطلقوا صبيعهم إُف اؼبقربة وؼبا وصلوا كاف اغبفَّار قد أزاؿ الَباب عن حفرة الدفن وكشف عن الباب الذي كانت تسده‬
‫مروع فظيع‪:‬‬
‫ببلطة كبّبة‪ ،‬طلبوا منو رفعها‪ ،‬وعندما وًف ضوء الشمس إُف القرب أسفر عن مشهد ّْ‬
‫تسمرت العيوف على‬
‫لقد بدا الباشا بصورة تُفزع أشجع الرجاؿ وتُرسل القشعريرة يف األبداف وتبعث الرعدة يف األوصاؿ‪ّ .‬‬
‫الفتحة واشرأبَّت األعناؽ‪.‬‬

‫لقد بدا اعبسد منتفخاً حٌب كاد القرب يضيق بو‪...‬‬
‫بطن منتفخ كالضرؼ‪ِ ،‬ر ْجبلف مشدودتاف مدفوعتاف على جدار القرب‪...‬‬
‫ؿباجر خلت من العيوف‪...‬‬
‫يبق من آثاره سوى فتحتاف‪...‬‬
‫ٌ‬
‫أنف ؾبدوع َف َ‬
‫فم مفتوح كاؼبغارة واللساف قد اختفى‪...‬‬
‫جرارة من الديداف واغبشرات تكسو جسم الباشا‪ ...‬إهنا تُعمل أسلحتها فيو‪ ...‬إهنا أرتاؿ دائبة اغبركة‪ ،‬فرقةٌ‬
‫جيوش َّ‬
‫وبرؾ ساكناً!!! وفوؽ كل‬
‫وفوج ىبرج من عينيو والباشا ال حراؾ بو‪ ...‬كل ىؤالء اؼبهاصبْب والباشا ال ّْ‬
‫تدخل يف أنفو ٌ‬
‫ذلك كانت تنبعث من القرب رائحةٌ شنيعة فظيعة غشيت اؼبقربة وضبلت اؼبوجودين على الفرار‪ ...‬لقد أصأّم الغثياف‪.‬‬
‫مهمتهم‪،‬‬
‫سارع الطبيب إُف توزيع قط ٍع صغّبة من القطن على اؼبوجودين الذين وضعوىا يف أنوفهم ريثما ينتهوف من ّ‬

‫معْب من‬
‫وأخرج الطبيب مبضعاً (مشرط) وغمسو حٌب اختفى نصلُو بْب أمواج الديداف‪ :‬كشطها يبن ًة ويسرة ويف موقع َّ‬
‫سائل أبيض َّفوار‪ ،‬أخذ الطبيب منو‬
‫البطن طعنو فشقَّو فانفجر ُْؿبدثاً صوتاً قوياً كأمبا ىو ضربة طبل‪ ،‬ث َّ‬
‫شق البطن فخرج ٌ‬
‫سم‬
‫دبلعقتو الطبيّة لعق ًة ووضعها يف علبة خاصة‪ ،‬أمر بعدىا اغبفَّار بردـ القرب "ث َّ‬
‫تبْب من بعد ذلك أف موتو طبيعي وال َّ‬

‫وال اغتياؿ"‪.‬‬

‫انكب على منضدتو وأرسل العناف لفكره‪...‬‬
‫وعلى جناح السرعة‪ ...‬عاد ضابطنا إُف مكتبو و َّ‬
‫لقد فتحت ىذه الرؤية آفاقاً فكرية جديدة وتركت يف نفسو عبلمات استفهاـ عديدة وثورة عارمة قوية ذبلَّت على شكل‬
‫دوت يف أعماقو‪.‬‬
‫صرخة َّ‬
‫أىكذا يكوف مصّبي اؼبرعب‪ ،‬كبل ث كبل ال أريد ىذا اؼبصّب القذر اؼبخيف‪.‬‬
‫ىم عظيم‪.‬‬
‫وبعد وصولو إُف ىذه النقطة عافت نفسو كل شيء وزبلَّت عن كل ما كاف يشغل ساحتها‪ ،‬فقد نبَّها ّّ‬
‫الدوامة أياماً ع ّدة‪ ،‬وفجأة وإذا برجاؿ األمن لديو يدخلوف القسم مسرعْب‪:‬‬
‫لبث ضابطنا غارقاً يف ىذه ّ‬

‫سيدي‪ ...‬سيدي‪ ...‬يف اؼبقربة سيقع أمر على جانب كبّب من اػبطورة يهدّْد األمن ووبدث البلبلة يف اؼبنطقة‪ ،‬فالناس‬
‫سباسكوا باأليدي وىم على وشك االشتباؾ دبعركة ال تُعرؼ لنتائجها هناية‪.‬‬
‫انقض كالصاعقة وبقفزة واحدة ذباوز درجات القسم اػبمس والسوط يقرقع يف يده‪ ..‬أواه لقد‬
‫ىب واقفاً واندفع مسرعاً و َّ‬
‫َّ‬
‫نسي أف يضع سيدارتو "قبعتو" على رأسو‪ ،‬أسرع خلفو رجاؿ أمن القسم وباولوف إدراكو‪ ...‬دخل اؼبقربة شاىد الناس‪...‬‬
‫عم الصمت وساد اؽبدوء‪.‬‬
‫جلج َل يف أرجاء اؼبقربة فانتبو الناس وك ّفوا عن اػبصاـ‪َّ ،‬‬
‫صاح بصوت كالزئّب َ‬
‫يتحوؿ‬
‫تابوت على األرض وحولو انقسم الناس إُف فريقْب‪ ،‬سأؽبم عن سبب ىذا اػبصاـ الذي كاد أف َّ‬
‫لقد كاف ىناؾ ٌ‬
‫إُف عراؾ‪ ،‬فهتفت صباعة من الناس لنُنزؿ اؼبيت وصباعة أخرى صرخت‪:‬‬

‫ال‪ ...‬لن ننزلو ال هبوز‪ ،‬ث عادوا للتماسك باأليدي‪.‬‬
‫دوى صوتو مرة أخرى آمراً إياىم بالتزاـ الصمت واؽبدوء‪ ،‬ث أردؼ قائبلً‪:‬‬
‫ىنا َّ‬
‫رجل منكم ألسألو عن سبب اػببلؼ واؼبشاحنة؟‪.‬‬
‫ليتقدَّـ ٌ‬
‫مسن وقاؿ‪ :‬سيّدي‪ ،‬إف ىذا اعبثماف ٍ‬
‫لرجل تُ ّْ‬
‫ويف والدهُ منذ أربعْب سنة خلت ويريدوف اآلف دفنو مع‬
‫فتقدَّـ إليو رجل ّ‬
‫والده‪...‬‬
‫تساءؿ الضابط‪ :‬ولكن ؼباذا ال‪ ،‬طاؼبا أف والده قد ُدفن منذ تلك اؼبدة‪ ،‬فبل َّ‬
‫بد وأنو قد أضحى رفاتاً؟‪.‬‬
‫ىنا برز رجل طاعن يف السن تبدو عليو سيما الطيبة والوقار من الفريق اآلخر وقاؿ‪:‬‬
‫إف ىذا الرجل الذي تروف جثتو بالنعش كاف من ذوي السمعة السيّْئة والسّبة الػ ُمشينة‪ ،‬كاف مستهَباً بالقيم واألخبلؽ ال‬
‫َّ‬
‫عمل خّب أو‬
‫يبس قلبو نعيم ولده ُ‬
‫يرعى ذمة وال يصوف عهداً‪َ :‬ف يعرؼ للصبلة طعماً وَف يذؽ حبلوة الصياـ وَف ّ‬
‫إحساف‪.‬‬
‫شراً إالَّ اقَبفو وال إشباً إالَّ ارتكبو‪.‬‬
‫إنو رجل ؾبرـ شقي ؿبروـ‪ ،‬إنو َف يدع ّ‬
‫كات‬
‫بينما كاف والده رضبو اهلل وِرعاً تقيّاً‪ ...‬سبَّاقاً إُف اػبّب ّتواقاً لعمل اؼبعروؼ واإلحساف يفيض بالبش ِر وترافقو الرب ُ‬
‫يفَب عن ذكر اهلل‪ ،‬ال ربزبو شدة وال يربكو كثرة اػبصوـ‪.‬‬
‫حيثما َّ‬
‫حل وارربل ال ُ‬
‫وحب اػبّب وإغاثة اؼبلهوؼ ونصرة الضعيف والكرـ‪.‬‬
‫لقد كاف اؼبثاؿ احملتذى يف الكماؿ واإلنسانية واؼبروءة ّْ‬
‫أضاؼ الرجل‪ :‬فكيف ندفنهما معاً يا سيدي؟‪.‬‬
‫رد الضابط‪ :‬لكن ما اؼبانع أف يُدفن ىذا الرجل مع رفات أبيو!‪.‬‬
‫َّ‬

‫ىزاً‪:‬‬
‫وجهو وأرسلها كلمة ُّ‬
‫ىنا َف يعد الرجل الطاعن يف السن يتمالك نفسو فانتفخت أوداجو و َّ‬
‫هتز اعبباؿ ّ‬
‫اضبر ُ‬
‫يفن وَف يصبح رفاتاً‪ ...‬وَف يصر تراباً‪ ...‬إف جسده كما تركناه حينما دفناه أوؿ‬
‫يا سيدي‪ ...‬ولكن والده رضبو اهلل َف َ‬
‫مرة!!!‬
‫الغضب على وجو الضابط وقاؿ‪:‬‬
‫با َف‬
‫ُ‬
‫يفن؟‪.‬‬
‫كيف تدَّعي أنكم دفنتموه منذ أربعْب سنة خلت وتقوؿ اآلف أنو َف َ‬
‫وىم جبلده‪" .‬إذ َّ‬
‫تذكر الباشا وحالو اعبسدي بعد مضي أسبوع فقط"‪.‬‬
‫أهتزأ يب!‪ .‬ورفع يده بالسوط عالياً َّ‬
‫ىنالك قاؿ الرجل وبنربات التأثُّر واالنفعاؿ ُّ‬
‫يدؿ عليها ارذباؼ صوتو‪:‬‬
‫سيدي‪ :‬أرجوؾ قبل أف تضربِب انظره بنفسك‪ ،‬وأجهش بالبكاء فانسابت العربات على وجنتيو واخضلَّت غبيتو ؼبا أثارتو‬
‫يف نفسو رؤيا ىذا الرجل الطاىر‪ ،‬وأردؼ وىو يُشرؽ بدمعو‪:‬‬
‫سيدي‪َّ ...‬‬
‫مر على وفاة ىذا الرجل أربعوف عاماً وأنا ال زلت أذكره‬
‫تأكد بنفسك وربقَّق بذاتك‪ ،‬وأقسم لك بأنو قد َّ‬
‫مرة لقلت أنو اآلف قد مات‪.‬‬
‫بشكلو وحديثو وحركاتو‪ ،‬ولوال أٓف شهدت دفنو أوؿ ّ‬
‫أبصر رجبلً فبدَّداً والبسمة ظاىرة على وجهو‪،‬‬
‫فلم يتمالك الضابط نفسو‪ ،‬بل قفز إُف أرضية القرب اؽبامشي البناء‪ ،‬ىنالك َ‬

‫بل ُخيّْل إليو أنو حي يتظاىر بالنوـ إال َّ‬
‫أف شبة أمر غريب لفت انتباىو وأثار اىتمامو‪ ،‬إذ كاف الكفن بالياً‪ ،‬بل كاف رماداً‬
‫كر األعواـ‪.‬‬
‫قد أفناه دوراف األياـ و ُّ‬

‫حركها فاستجابت لتحريك يده‪ ،‬بسطها‬
‫جلس القرفصاء‪ ،‬أمسك بيد اؼبيت فإذا ّٔا غضَّة طرية وكأف اغبياة تتدفق منها‪َّ ،‬‬
‫فتساقط رماد الكفن الفآف على األرض‪ ،‬نظر إُف وجو ىذا اؼبيت فشاىده وكأنو وجو رجل يتظاىر بالنوـ ينطق بالبشر‬
‫حي!‪.‬‬
‫حي يطْبق جفنيو مازحاً‪ ...‬يا إ ۤؽبي أميّْت أـ ّّ‬
‫واغببور بل وكأنو ّّ‬
‫فحصو فكأنو نائم ولكن يظهر بأنو ح ّقاً ميت!‪.‬‬
‫أطل من القرب وما تزاؿ بذور الشك يف نفسو‪ ،‬فصرخ بالرجل الباكي‪:‬‬
‫عندىا هنض على قدميو و َّ‬
‫أيها الكاذب ىل مضى على ىذا اؼبيت حْب من الدىر يبلغ األربعْب سنة كما تدَّعي؟‪ .‬أـ أنو ميت اآلف أنزلتموه يف‬
‫غبده وتزعم اختبلقاً ىذه اؼبدة اؼبديدة من األعواـ!‪ .‬واهلل ألوسعنَّك ضرباً‪ ،‬ألؤدبنك كيبل تعود ؼبثلها أبداً‪.‬‬
‫ىنالك ساد صمت عميق مشل كل اعبماىّب احملتشدة وبدا كأف على رؤوسهم الطّب‪.‬‬

‫صرخ الشاىد الطيب الطاعن يف السن‪ :‬سيدي إف كنت ال تصدّْقِب فاسأؿ وجوه اغبي وكرباءىم الطاعنْب يف السن‬
‫أمثاِف إف كاف ىذا ىو الرجل الطاىر الشريف العفيف فبلف الذي انتقل إُف ِ‬
‫كنف الرضبن الرحيم منذ أربعْب عاماً‪ ،‬أـ‬
‫ال؟‪.‬‬
‫ىنا أخذ الكبار من أىل اغبي هبهشوف بالبكاء وىم يبروف تِباعاً ؼبشاىدة وجو اؼبيت اؼبنّب‪.‬‬
‫صعق ؽبذه الرؤيا ىذا اغبشد الذاىل اؼبنصت وقد أخذت رىبة اؼبشهد تستوِف على قلؤّم وزبشع لو جلودىم وتفيض‬
‫ُ‬
‫أعينهم بالدمع خشية وىيبة وَف يقطع ىذا السكوف الرىيب إال صوت الرجل الطاعن يف السن يصرخ‪:‬‬
‫سيدي!‪ .‬انظر إُف شاىدة قربه وتاريخ إنزالو يف غبده رضبو اهلل‪.‬‬
‫بأـ عينو فشاىد ويا لعظيم ما شاىد!‪.‬‬
‫ىنالك نظر ضابطنا ّْ‬
‫ح ّقاً لقد أنبأتو شاىدة اللحد بصدؽ الرجل‪ ،‬وىنالك انطلق بعد أف خرج من حفرة القرب شاقاً طريقو بْب ىذا اغبشد‬
‫اػباشع وىو مذىوؿ مصعوؽ فبا رأى‪ ،‬أىذا فبكن!‪ .‬أىذا صحيح؟‪ .‬بلى صحيح‪ ،‬ولكن كيف؟‪.‬‬
‫دوامة أسبوع واحد يغدو "فطيسة" منتنة تقشعر ؽبوؿ منظره األبداف وترتعد لنًب رائحتو القلوب وىذا‬
‫ذاؾ الباشا ويف َّ‬
‫اإلنساف الطاىر يبقى ىو‪ ...‬ىو برائحتو العبقة كاؼبسك األزفر‪ ،‬وجو ُمشرؽ منّب ينيب عن نفس مطمئنة وكأنو متظاىر‬
‫ناؿ رضى مواله!‪.‬‬
‫بالنوـ قرير العْب قد َ‬

‫َف يُوقظو من وادي ذىولو إال صرخة رجل‪ :‬سيدي‪ ،‬لكنك غادرتنا وَف ربكم ِ‬
‫وتقض بيننا‪ ،‬ىل ننزلو يف غبد أبيو‪ ،‬أـ ال؟‪.‬‬
‫رد ضابطنا آمراً‪ :‬ال‪ ...‬بل ادفنوه يف مكاف آخر‪.‬‬
‫َّ‬
‫سر الفناء وعدمو‪ ...‬لقد ىالو ما رأى وسيطر عليو ما أيقن‬
‫ومضى مسَبسبلً يف تعجبو غارقاً يف حّبتو ينشد كشف ّ‬
‫عما سواه‪.‬‬
‫فشغلو َّ‬
‫* * *‬
‫َّ‬
‫تعرضا لنفس الظروؼ وكانا ربت نفس اؼبؤثرات‪ ،‬لكن اختلفت‬
‫لقد ُ‬
‫كرب السؤاؿ ومبت اغبّبة غذهتا اؼبقارنة بْب اثنْب ّ‬
‫النتيجة وَف يقف االختبلؼ عند شيء بسيط يبكن ذباوزه‪ ،‬بل كاف التباين كلّْياً والفرؽ شاسعاً‪ ،‬أضناه التفكّب و ّأرقو ىذا‬
‫اللغز‪ ،‬لقد أضحى شغلو الشاغل ونبّو الذي ال يفَب وال يغيب‪ ،‬فليطرؽ كل األبواب ولّبود كل اآلفاؽ علَّو يظفر دبا‬
‫يشفي غليلو ويروي ظمأه إُف الظفر باغبقيقة‪.‬‬

‫حزـ حقائبو ويبَّم شطر الطب علَّو هبد يف واحتو ينبوعاً ثرياً يستطيع أف ينهل منو‪.‬‬
‫ووبّب فؤاده فأجابو الطبيب‪:‬‬
‫اجتمع إُف طبيب حاذؽ صادؽ شهّب وىو كبّب األطباء يف القطر أفضى إليو دبا يشغل لبّو ّْ‬

‫تفن ولكن ذلك نادر وأندر من النادر‪ ،‬وأصدقك القوؿ وأُلقي إليك فلذة‬
‫أي بِب لقد عُثر على جثث كما وصفت َف َ‬
‫اغبقيقة‪:‬‬

‫إف العلم والطب واالكتشاؼ ما زاؿ عاجزاً حٌب عن اػبوض يف ىذا األمر فكيف باستدراؾ غايتو‪ ،‬كبن يا بِب يف عصر‬
‫نتقرب من اغبقيقة وَف نبلغها‪ .‬ث سأؿ غّبه من مشاىّب األطباء فما زادوه إال غموضاً‬
‫التكنولوجية (يف فجر العلم) َف نزؿ َّ‬
‫ِ‬
‫لتذوؽ اغبقيقة قد تعاظم‬
‫َّي ُحنَػ ْْب" إالَّ أف شوقو وشغفو ُّ‬
‫وعجزاً‪ ...‬أواه‪ ...‬لقد خذلو العلم والطب وعاد من دياره "خبف ْ‬
‫ومبا‪ ،‬فأصبح أكثر طلباً وأعظم إصراراً‪.‬‬
‫* * *‬
‫اٌمغُ اٌثبٌث‬
‫ألقى اؼبرساة على شاطئ اؼبشايخ ورجاؿ الدين وبذوه األمل وتدفعو ِعذاب األمآف ىل سيشرب؟‪ .‬ىل سّبتوي؟‪.‬‬
‫مضى إُف ؾبالسهم‪ ...‬إُف خلواهتم‪ ...‬إُف زواياىم َف يوفّْر منهم أحداً‪:‬‬
‫باهلل عليكم كيف ال سبتد يد الفناء إليو؟‪ .‬كلهم يقوؿ‪:‬‬
‫يا بِب ألنو من أىل اهلل‪ ...‬ألنو تقي‪ ،‬وأعمالو طيّْبة صاغبة‪.‬‬
‫ولكن ىل سبلك الديداف واغبشرات واعبرذاف القدرة على التمييز فتدع التقي وتأكل الشقي وسبيّْز أعماؿ ىذا وأعماؿ‬
‫ذاؾ؟‪.‬‬
‫الَبدد ويغرقوف يف حبار الدىشة‪ ،‬فبل هبدوف مندوحةً وال مناصاً أقبى من‬
‫ذبحظ عيوهنم َع َجبَاً وتتملَّكهم اغبّبة وينتأّم ُّ‬
‫الفرار‪.‬‬

‫أعياه السؤاؿ وأمضَّو كثرة تقليبو األمر حٌب كاد أف يقع فريسة للقلق واالضطراب‪.‬‬
‫التقاه رجل من معارفو فعرض لو ما بداخل سريرتو وشكى لو ضالتو فحدَّثو عن شيخ جليل‪ ،‬إالَّ أف مكاف إقامتو متواضع‬
‫وال يليق دبقامكم العاِف‪.‬‬
‫رد عليو وقد غلب عليو الشوؽ‪ :‬دلِب عليو وال تتوا َف‪ ...‬فإٓف واهلل َف ولن أعبأ ّٔذا أبداً‪.‬‬
‫َّ‬
‫حي األكراد بزاوية أبي النور" وأف اظبو الشيخ "أمين كفتارو" حٌب ىرع إُف زاويتو‬
‫فما أف قاؿ الرجل أنو يقطن يف " ّ‬
‫بسرعة الربؽ‪.‬‬
‫ربلَّل من َّبزتو العسكرية وخلع عليو ثياباً مدنية وقصد اؼبكاف وما أف عثر عليو حٌب طرؽ الباب واستأذف بالدخوؿ‪.‬‬

‫كاف يشق العتمة رفيف من ضياء مشوع توزَّعت يف اؼبكاف مع مصباح زيٍب بسيط كشفت عن شيخ تبدو على قسمات‬
‫وجهو النبالة واإلخبلص يتلو حديثاً ىادئ النربات واضح اؼبعآف يتحلَّق حولو رجاؿ ثبلثة وقد أخذهتم قراءتو وشرحو‬
‫آليات القرآف‪.‬‬
‫كانت الزاوية تنخفض عن مستوى سطح األرض وىذا ما دعا أف يكوف ؽبا درج يُفضي إليها‪ ،‬كما أهنا كانت ؿبرومة‬

‫من أي نافذة‪ ...‬فبل عجب أف الشموع كانت مضاءة بالرغم من أف الشمس كانت ؿبلّْقة يف كبد السماء‪.‬‬

‫لقد رأى مظاىر البؤس والفاقة والفقر اؼبدقع على الرجاؿ الثبلثة بالزاوية‪ ،‬إذ إف اثنْب منهم كانا يعمبلف بتنظيف الطرقات‬
‫بغية اكتساب اللقمة اغببلؿ وهبلس اعبميع على حصّب قد أكل الدىر عليو وشرب وعلى جلد خروؼ قد تبلال مهَبئاً‪.‬‬
‫كاف ىذا حاؿ الشيخ الكرٔف وصحبو عند أوؿ لقاء‪...‬‬
‫درس الشيخ واستأذف اؼبريدوف الثبلثة باالنصراؼ وغادروا‪.‬‬
‫انتهى ُ‬
‫ىنا ابتدره الشيخ قائبلً‪ :‬أي بِب ىل أتيت تطلب العلم أـ أنت سائل؟‪.‬‬
‫رد عليو‪ :‬بل أنا سائل‪.‬‬
‫َّ‬
‫قاؿ الشيخ‪ :‬ىات ما عندؾ‪.‬‬
‫عما شاىد ورأى من وفاة الباشا وكيف أنو وبعد أسبوع واحد فقط أصبح مرتعاً خصباً لديداف يعلم اهلل عديدىا‬
‫فحدَّثو َّ‬
‫يقر أف ىذا‬
‫ناىيك عن رائحتو ومنظره اؼبريع وكيف أف الرجل اآلخر قد مضى على دفنو أربعوف عاماً وال يبلك اؼبرء إال أف َّ‬
‫لتوه لطيب رائحتو وسنا ُؿبيَّاه‪.‬‬
‫الرجل قد ُدفن ّْ‬
‫ابتسم الشيخ الطيّْب ابتسامةً حانيةً رقيقة وقاؿ‪:‬‬
‫يا بِب إف األمر ّْبْب‪ ،‬فأعماؿ الباشا ىي سبب فنائو‪ ،‬والثآف‪ :‬تقي وأعمالو الرفيعة ىي سبب عدـ فنائو‪.‬‬
‫رد الضابط‪ :‬إف ىذا اعبواب قد ظبعتو كثّباً ولكن ىل تدري الديداف واغبشرات أف أعماؿ ىذا صاغبة فتدعو وأف أعماؿ‬
‫َّ‬
‫الرب واإلحساف؟‪.‬‬
‫ذاؾ طاغبة فتأكلو؟‪ .‬علماً بأف لو العديد من أعماؿ ّْ‬
‫سكت الشيخ ىنيهة ث قاؿ‪:‬‬
‫يا بِب‪ ...‬فهمت اآلف قصدؾ‪ ...‬إنك تبحث عن رد منطقي ُمقنع ال يقبل اعبدؿ أو اؼبناقشة‪ ،‬أي عن اغبقيقة‪.‬‬
‫رد الضابط‪ :‬بالتأكيد يا حضرة الشيخ الفاضل‪.‬‬
‫َّ‬
‫اعتدؿ الشيخ يف جلستو وؼبعت يف عينيو نظرة ملؤىا الثقة واإليباف باهلل وديدهنا ؿببة رسوؿ اهلل ‪.‬‬

‫أي بِب‪ ...‬ىب أنك تسّب يف أحد الشوارع وقد أُلقيت فيو جيفة منتنة تعج باألوخاـ وسبؤل رائحتها الكريهة اؼبنتنة اؼبكاف‬
‫تُراؾ ماذا تصنع؟‪.‬‬
‫أجاب الضابط‪ُّ :‬‬
‫أحث خطاي حٌب أبتعد فراراً عنها‪.‬‬
‫أدير وجهي و ُّ‬
‫أسد أنفي و ُ‬
‫قاؿ الشيخ‪ :‬وإذا صادفتك يف الطريق حديقةٌ غنَّاء وارفة الظبلؿ تسبح يف طبائلها الفتنة ويسكن يف تنوع ورودىا وأزىارىا‬
‫اعبماؿ البديع‪ ،‬سبوج بعطر شذي ينعش اؼبهج ووبيي القلوب؟‪.‬‬
‫أجاب الضابط‪ :‬أقف فبتثبلً ألمر الروعة واعبماؿ واعببلؿ أستنشق من أعماقي أريج الورود وشذى األزىار وأغذي عيناي‬
‫يد القدرة اإل ۤؽبية فيها من صفاء اػب ْل ِق ونقاوةِ التكوي ِن وأرنو مسلوباً مأخوذاً بعبقرية التكوين وصبالية التشكيل‪.‬‬
‫دبا أبدعتو ُ‬
‫* * *‬
‫نقف اآلف قليبلً لنضيف أمثلة حٌب تكوف الصورة واضحة واغبقيقة منشورة فنقوؿ‪:‬‬
‫‪ )8‬فلو أنَّو كاف لدينا رغيفْب من اػببز وضعنا أحدنبا يف موضع تغمره الشمس الساطعة‪ ،‬ال بد أنو سوؼ هبف وييبس‬
‫ولكنو يبقى كما ىو صاٌف للطعاـ إذا بػُلّْل على مدى األياـ‪ ،‬وكذلك فاؼبؤمن بإيبانو وأعمالو الطيّْبة وتعلّقو النفسي برسوؿ‬

‫اهلل ‪ ‬يسري لنفسو نور إ ۤؽبي يرافقو بالربزخ واآلخرة‪ ،‬وىذا النور يف عا ََف اغبقائق أسطع بكثّب من نور الشمس اؼبادية‪.‬‬
‫{‪ُ ُٛٔ..‬سُ٘ ُْ ‪ْ َ٠‬غ َؼ‪ ٝ‬ثَ ْ‪ َٓ١‬أَ ْ‪ِ ٠‬ذ‪َٚ ُْ ِٙ ٠‬ثِؤ َ ْ‪َّ ٠‬بِٔ ِ‪.)8(}..ُْ ٙ‬‬

‫{‪َ٠‬بأَ‪َُّٙ٠‬ب اٌَ ِز‪ َٓ٠‬آ َُِٕ‪ٛ‬ا ارَمُ‪ٛ‬ا َ‬
‫هللاَ َ‪ٚ‬آ ُِِٕ‪ٛ‬ا ثِ َشعُ‪ُْ ٠ ِٗ ٌِٛ‬ؤ ِر ُى ُْ ِو ْفٍَ‪َ ْٓ ِِ ِْٓ ١‬سحْ َّزِ ِٗ َ‪َ٠ٚ‬جْ َؼًْ ٌَ ُى ُْ ُٔ‪ٛ‬سا رَ ّْ ُش‪َْٛ‬‬
‫ثِ ِٗ‪.)2(}..‬‬
‫التحوؿ والتبدُّؿ‬
‫وإذا وضعنا الرغيف الثآف يف غرفة مظلمة رطبة ال تدلف إليها الشمس مطلقاً‪ ،‬ال بد وأف يطرأ عليو ُّ‬
‫نتيجة ما يصيبو من العفونة الٍب ستؤدي بو حتماً إُف البلى والزواؿ‪.‬‬
‫هبره الفشل يف هناية العاـ من اػبزي والعا ِر فدفعتو اػبشية‬
‫صب عينيو ما ُّ‬
‫‪ )2‬وىذا مثل آخر‪ :‬طالب أعمل فكره ووضع نُ ْ‬
‫فانكب على دراستو‪.‬‬
‫على مصّبه واػبوؼ على مستقبلو من الضياع‬
‫َّ‬

‫فناؿ أعلى الدرجات وحقَّق أروع النتائج‪ ،‬تُرى إذا ما أخذ ىذا الطالب صحيفة‬
‫بيسر وسهولة َ‬
‫وؼبا حضر االمتحاف ذباوزه ْ‬

‫درجاتو ىل ىبفيها؟‪.‬‬

‫) سورة التحرٔف‪ :‬اآلية (‪.)5‬‬

‫(‪8‬‬

‫) سورة اغبديد‪ :‬اآلية (‪.)25‬‬

‫(‪2‬‬

‫كل من يعرفو فتكوف مصدر فخ ٍر واعتزاز لو ويعود إُف أىلو‬
‫على العكس سباماً سّبفعها على رؤوس األشهاد كي يراىا ُّ‬

‫منتصب القامة مرفوع اؽبامة َّ‬
‫ليزؼ ؽبم خرب قباحو وفبلحو‪ ..‬نعم لقد علّق الصحيفة يف صدر البيت لتستقطب كل‬
‫األنظار إليها‪.‬‬
‫وكالطالب آّتهد تعتز نفسو وتزدىي بصحيفة قباحو "اعببلء" كذلك اؼبؤمن ترى نفسو بنور اهلل صحيفة أعمالو الطيبة‬
‫على جسدىا الطاىر اؼبزداف بفعل اػبّب واإلحساف فبل تنفك عن التوجو ببصّبهتا إليو‪ ،‬إذ َّ‬
‫يتذكر حسناتو وطيّْب أعمالو‬
‫يبيض وجهو فتُقبل نفسو على اهلل ومن‬
‫فتزدىي نفسو بإقباؽبا على رّّْٔا دبا نفعت ّٔذا اعبسد عباد اهلل‪ ،‬فبعملو الطيب ّ‬
‫كاف دوماً مع اهلل فمن ضدَّه؟‪.‬‬
‫وىذا طالب أنبل فكره ومضى إُف ميادين اللهو يزجي أوقاتو رخيصةً على مذحبها غّب عابئ باؼبستقبل وال ٍ‬
‫مباؿ بالنتيجة‪،‬‬
‫هبر أذياؿ اػبيبة والفشل اؼبريع‪ ،‬تُرى إذا أخذ‬
‫فلم ينتبو إال واالمتحاف يطرؽ بابو فوجف قلبو وارتعدت فرائصو وخرج منو ُّ‬
‫ىذا الطالب صحيفة أعمالو ىل يربزىا؟‪.‬‬
‫هبر أذياؿ خذالنو وخيبتو‪.‬‬
‫كبل‪ ...‬كبل‪ ،‬بل سيثِب صدره وىبفي أمره و ّْ‬
‫ويفر بعاره ُّ‬
‫يبزؽ صحيفتو ُّ‬
‫‪ )0‬وإذا ما كانت حاجياتك وأشياؤؾ أماـ بصرؾ ىل يستطيع أي لص أف يسرقها أو ىبفيها أو يعتدي عليها؟‪.‬‬
‫بالطبع ال طاؼبا أنت مشرؼ بناظريك عليها‪.‬‬
‫ىنا ويف ىذه اؼبرحلة وطاؼبا ىذه النفس اؼبؤمنة مشرفة ببصّبهتا ونورىا على جسدىا فبل ذبرؤ نفوس الديداف أو اؽبواـ أو‬
‫اعبرذاف على االقَباب من ىذا اعبسد الطاىر ألف نفس صاحبو مشرفة عليو دوماً لرقيو وارتقائو بسببو وكذلك األنبياء‬
‫حرـ على األرض أكل أجسادىم اؼبقدَّسة وكذلك شهداء الصحابة الذين أَخرجوا أفباً من‬
‫والرسل الكراـ كافة‪ ،‬فاهلل َّ‬
‫الظلمات إُف النور فنجوا ّٔم من عذاب الدنيا ونّباف اآلخرة فبأعماؽبم الكربى نالوا أنواراً كالشموس غطَّت ماضيهم يف‬
‫اعباىلية فبل يروهنا أبداً وأعماؽبم وأعماؿ الصاغبْب من األمم الٍب فتحوىا بصحائفهم ىذه تكسبهم ثقة فيقبلوا ّٔا على‬
‫خالقهم فيزدادوا نوراً‪ ،‬لذا تبقى أجسادىم غّب قابلة للفناء‪ ،‬وكذلك كل إنساف بلغ سن الرشد وسلك اغبق مع أىل اغبق‬
‫وَف يقَبؼ سيئات ومات على ىذه السّبة الطيبة فعينو َف تطرؼ غبراـ‪ ،‬كذا يده َف تبطش إالَّ باغبق‪ ،‬ورجلو َف ِ‬
‫سبش‬

‫لضبلؿ فبل شيء ىبجلو أماـ اهلل‪ ،‬بل كل فعلو الطيّْب يرفعو وىذا أيضاً ال يفُب وقليل جداً من البشر من يناؿ ىذه‬
‫التعرض للمعاصي واألخطاء‪ ،‬لذا فالَباب الطهور‬
‫اؼبرتبة‪ ،‬ويف زماف الفساد يكاد يكوف بقاء األجساد مستحيبلً بسبب ُّ‬
‫يطهر ىذه األجساد بالفناء‪.‬‬
‫ّْ‬
‫وأما إف كاف ىناؾ رجل أعمى أو غّب منتبو أو مشغوؿ عن حاجياتو وأغراضو أال يبكن أل ٍي كاف أف يسلبها منو أو‬
‫يواريها عنو؟‪.‬‬

‫العامي يقوؿ‪" :‬اؼباؿ الداشر يعلّْم الناس السرقة"‪.‬‬
‫بالتأكيد إذ اؼبثل ّْ‬
‫كذلك اإلنساف يُولد طفبلً خلواً من أي شيء كالصفحة البيضاء النقية فتنمو حواسو وتكرب مداركو ويتَّسع وعيو وتتفتح‬
‫لو آفاؽ اؼبعرفة وتنجلي أمامو األمور شيئاً فشيئاً حٌب إذا ما أمتَّ السادسة عشرة من عمره يكوف قد استوى وصلب عوده‬
‫ونضج ذىنوُ وبلغ اعباىزية الفكرية العُليا ألف صحتو اعبسدية تكوف بأشد فاعلياهتا وآلية الدماغ جزء من آلية اعبسم فهو‬

‫يف أوج فاعليتو وجاىزيتو ونشاطو‪.‬‬

‫عتبة ٍ‬
‫ىنا يقف اؼبرء على ِ‬
‫السمو ويناؿ ؾبداً تليداً‪ ،‬وإما أف تزؿ بو إُف اغبضيض قدمو‪،‬‬
‫عهد جديد‪ ،‬فإما أف يرتقي سلَّم ُّ‬
‫طرؽ الغي مع‬
‫كل ذلك موكوؿ أو متوقّْف أمره على سلوؾ ىذا اإلنساف وانتقائو سبل اػبّب مع أىل اغبق أو اتّْباعو ُ‬
‫الغاوين‪.‬‬
‫أما من سلك ُسػبُل االستقامة مع أىل اغبق واستنارت نفسو بنور رسوؿ اهلل ‪ ‬السراج اؼبنّب داـ لو ىذا النور ساطعاً على‬
‫تتمسك بو أو تتخلى عنو وىو يعبق‬
‫نفسو وىي ملتفتة إُف جسدىا الذي ىو صحيفة أعماؽبا الطيبة اإلنسانية‪ ،‬فكيف ال َّ‬
‫بالشذى ويُشرؽ بالعبّب‪ ،‬إنو اغبديقة الغنَّاء‪.‬‬
‫فسينكب‬
‫أما إذا ألقى ىذا اإلنساف الغاوي حبلو على غاربو وأتبع نفسو ىواىا وعطَّل ملكاتو الفكرية وطاقاتو الذىنية‬
‫ُّ‬
‫ويعب من شهواهتا البهيمية الرخيصة فتخلع عليو ثوب اغبقارة والدناءة والوضاعة‬
‫على الدنيا الدنيّة يشرب من مستنقعها ُّ‬
‫والسفالة واعبنب والبخل يبتلئ ّٔا إناؤه "واإلناء ينضح دبا فيو"‪ ..‬فتغدو أعمالو ذميمة مَبعة بالشرور طافحة باألذى مليئة‬

‫باألضرار‪.‬‬
‫وىكذا حٌب يأتيو ىاذـ َّ‬
‫ضل السبيل‪ ،‬عندىا‬
‫وم ّْ‬
‫فرؽ اعبماعات فيهوي يف مكاف سحيق أعمى يف الظلمات‪ ،‬لقد َّ‬
‫اللذات ُ‬
‫ويشتم ما‬
‫يرى بنفسو تفريطو وتكوف أعمالو منصوبة أماـ عيِب بصّبتو‪ .‬يرى ىذا اعبسد صحيفة نكراء فيزداد خزيو وعاره‬
‫ُّ‬

‫مقززة عفنة فتشيح نفسو عن جسدىا‪ ،‬ىنا تتجلّى رضبة اهلل العارمة ورأفتو اؼبذىلة وحبّو‬
‫ينبعث منها من نًب وروائح ّْ‬
‫العظيم ؽبذا اإلنساف آّرـ‪ ..‬العاصي‪ ..‬اعباحد‪ ..‬العاؽ ُفّبسل لو جراثيم األرض وحشراهتا زبلّْصو وتروبو من منظره وما‬

‫يُثّب يف نفسو من ذكريات أعمالو اػببيثة والٍب تسبب لو األَف العظيم‪ .‬نعم لقد غدت أعمالو اػببيثة الٍب اقَبفها جبسده‬

‫وتفر منها معرضة عن جسده الذي يُ ّْ‬
‫ذكره ّٔا فيفُب‪.‬‬
‫ذات رائحة نتنة تنفر نفسو ُّ‬

‫يفن فإف أعمالو اغبسنة وإحسانو تنقلب عليو نوراً "والعمل الصاٌف نور اغبياة" وذلك عندما يبيض بو وجهو‬
‫أما الذي َف َ‬
‫ذباه خالقو بعد اؼبوت ويُقبل على اهلل فتستنّب النفس بنور رّّٔا الذي يسري من اهلل تعاُف عليها فعلى جسدىا "كنور‬
‫الشمس على رغيف اػببز" وتبقى مناظرة عبسدىا الذي ىو جبلء أعماؽبا الطيّْبة لَبقى بأعماؽبا ويسري النور دوماً على‬
‫اعبسد والنفس دبراقبة دائمة عبسدىا فبل ذبرؤ نفس اغبشرات وغّبىا على الدنو من اعبسد وسرقتو منها وإفنائو‪.‬‬

‫لقد كاف اعبسد ىو اؼبطيَّة والوسيلة ؼبن سلك ُسبُل اغبق‪ ،‬فكيف ال تتمسك بو النفس وقد سطرت عليو أعماؽبا الطيّْبة‪،‬‬
‫َّ‬
‫يفن‬
‫وكيف تتخلى عنو وىو كاغبديقة الفيحاء يعبق بالشذى‪ ...‬ويشرؽ بالعبّب‪ ،‬إنو اغبديقة الغنَّاء‪ ،‬والرجل الذي َف َ‬
‫ينطبق عليو ىذا الكبلـ‪.‬‬
‫* * *‬
‫سحائب الذىوؿ والدىشة تتفجر من‬
‫غادر ضابطنا السيد ؿبمد أمْب الشيخ مستعظماً مثاؿ "اغبديقة واعبيفة" تلفُّو‬
‫ُ‬
‫اغبب اإل ۤؽبي اؼبقدَّس ينتثر من ثناياه عبق التقدير البلؿبدود ؽبذا اإللۤو العظيم الرحيم‪:‬‬
‫فؤاده‪ ،‬أمواج ّْ‬
‫حق‬
‫صدؽ وتصميم على الوصوؿ إُف اعبناب العاِف واغبضرة السرمدية‪،‬‬
‫فجاىد يف اهلل َّ‬
‫ومنذ ذاؾ اغبْب تولَّد يف نفسو ٌ‬
‫َ‬
‫حق السعي فأعطى للتفكّب حقَّو ومكانتو اؼبرموقة فوجد نفسو تسبح يف عبج اعبماؿ والكماؿ والفضل‬
‫اعبهاد وسعى إليو َّ‬
‫اإل ۤؽبي وتغرؼ من معينو‪ :‬غرفاً جعلو وبب للناس ما نالتو نفسو فهداه اهلل سبل اإلرشاد وغدا مرشداً‪ ،‬بل سلطاف العلماء‬
‫العالِمْب العاملْب‪.‬‬

‫‪‬‬

‫ذات يوـ وبينما كاف إنساننا السيد ؿبمد أمْب جالساً مع أحد أصدقائو حدَّثو الصديق قائبلً‪ :‬عزيزي ؿبمد أمْب‪ ،‬أما‬
‫ظبعت بصاحبك "فبلف"؟‪.‬‬
‫قاؿ السيد ؿبمد أمْب‪ :‬أعرفو سباماً‪ ،‬ما حسبو؟‪.‬‬
‫ٍ‬
‫مصر على طلبو‪ ،‬يطلب من اهلل أف يرزقو مولوداً ذكراً ولكن‬
‫قاؿ الرجل‪ :‬مسكْب فقد تزوج منذ سنوات ع ّدة ولآلف فهو ٌ‬

‫مشيئة اهلل اقتضت بأف يبقى بدوف أوالد‪.‬‬

‫ولقد َّ‬
‫عقمو ورغم ذلك تراه دائم الطلب بإصرار وإغباح على ربّْو‪ ...‬يريد مولوداً ذكراً بالتحديد‪.‬‬
‫أكد ُّ‬
‫الطب َ‬

‫إذف‪ ...‬لقد َعلِ َم السيد ؿبمد أمْب بقصة صديقو العقيم ولكنو كاف يعلم عنو شهرتو بالبخل الشديد‪.‬‬
‫* * *‬

‫قصتو منذ ٍ‬
‫وما ىي إالَّ أياـ حٌب التقى بو وبدوف سابق موعد‪ ...‬نظر إليو إنساننا َّ‬
‫أياـ قليلة‪،‬‬
‫فتذكر أنو الرجل الذي وردت َّ‬
‫ّأما ىذا الرجل العقيم فقد عرؼ نبل وطيب أخبلؽ إنساننا الرحيم وعرؼ عن حبّْو وسبسكو العظيم بأوامر ربّو‪ ،‬ولذلك‬
‫فما أف رآه حٌب أقبل عليو قائبلً ٍ‬
‫بتوسل وإغباح‪:‬‬

‫فادعُوُ ِف بأف يرزقِب ولداً ذكراً‪ ...‬أرجوؾ‪...‬‬
‫يا بك‪ ...‬يا بك‪ ...‬أرجوؾ‪ ...‬أنت إنساف قريب من اهلل ودعوتك مستجابة ْ‬

‫تقر بو عيِب‪ ...‬أرجوؾ‪ ...‬يكوف ِف ُمعيناً وسنداً يف شيخوخٍب‪...‬‬
‫علي حيايت‪ُّ ...‬‬
‫أريد غبلماً يبؤل َّ‬
‫كاف يطلب ذلك ودمعتو حبيسة عينيو‪.‬‬

‫رد إنساننا الرحيم بلطف وحناف‪ :‬أخي "فبلف" ما داـ ىذا طلبك ومرادؾ فانذر لربّْك ن ْذراً خالصاً لوجهو الكرٔف‪ ،‬عندىا‬
‫َّ‬
‫انظر أال وبقّْقو لك‪.‬‬
‫رد الرجل بلهفة وشوؽ‪ :‬صحيح ما تقوؿ!‪ .‬إف كاف األمر كذلك فمنذ اآلف وأمامك أعاىد ريب إف رزقِب دبو ٍ‬
‫لود ذك ٍر‬
‫َّ‬
‫ّ‬
‫ٍ‬
‫خباروؼ‪ ،‬بل خباروؼ معلوؼ‪.‬‬
‫علي أف أتصدَّؽ‬
‫فنذراً َّ‬
‫تلو األياـ وظهر اغبمل واضحاً على زوجتو‪ ،‬عندىا َف يعد يتمالك‬
‫ولقد استجاب اهلل ؽبذا الرجل وبسرعة‪ ،‬ودارت األياـ َ‬

‫كاد يطّب فرحاً‪ ...‬مرحاً‪ ...‬عاش بقية الشهور التسعة ينتظر مولوده اعبديد على أحير من اعبمر وبشوؽ‬
‫نفسو‪َ ...‬‬
‫عظيم‪ ...‬فلقد بات يف طلبو وانتظاره السنْب واألعواـ‪ ...‬واآلف‪ ...‬اآلف شارؼ على اغبلوؿ‪ ...‬انقضت الشهور التسعة‬
‫مثيل صبالو ونَ َدر‪.‬‬
‫ووضعت الزوجة غبلماً يتيو صباالً وفتنة‪َّ ،‬‬
‫قل ُ‬

‫كانت الفرحة كبّبة‪ ...‬فبعد انتظا ٍر ٍ‬
‫طويل‪ ...‬بعد حرماف‪ ...‬شاء اهلل وحقَّق للزوج وزوجتو طلبهما‪...‬‬
‫وباتا يرعيانو ويربيانو‪ ...‬يوماً إثر ٍ‬
‫يوـ‪ ...‬ولكن أين الن ْذر؟!‪.‬‬
‫ضحى خباروؼ معلوؼ‪ ،‬بل وال‬
‫ما إف رأى األب غبلمو الوسيم ذا اعبماؿ الرائع حٌب تناسى عهده مع خالقو ونسيو فبل َّ‬
‫صوص دجاج‪ ...‬مسكْب ىذا الرجل الشحيح‪.‬‬
‫كلما توالت األياـ وترعرع الغبلـ بأحضاف أمو وأبيو كلما زاد األب ُّ‬
‫توؽباً بو وىياماً‪ ،‬ولو عشقاً‪...‬‬
‫غرؽ بالنعمة ونسي اؼبنعم‪ ...‬نسي عهده‪ ...‬فما َّ‬
‫وىف بشكره لربّْو‪.‬‬
‫* * *‬
‫َعلِ َم السيد الفاضل السيد ؿبمد أمْب دبا بعث اهلل ؽبذا الشحيح‪ ...‬ومضت األياـ وبأحدىا التقيا‪ ...‬فبارؾ لو إنساننا‬
‫الفاضل وىنَّأه دبولوده اعبديد‪ ،‬ث أراد أف ّْ‬
‫يذكره قائبلً‪ :‬عزيزي ىل ذحبت اػباروؼ اؼبعلوؼ؟‪.‬‬
‫أطهره‪ ...‬وأفرح‬
‫َّ‬
‫رد البخيل‪ :‬ال‪ ...‬ولكِب سأذحبو‪ ...‬نعم سأذحبو‪ ...‬ال بد إال وأف أذحبو‪ ،‬ولكن بعد قليل‪ ،‬أي‪ :‬بعد أف ّْ‬
‫بطهوره‪...‬‬
‫يرب بعهده مع اهلل‪ ،‬لقد رأى بذبح خاروؼ معلوؼ‬
‫وما ىي إالَّ مدة بسيطة حٌب َّ‬
‫طهر الرجل وليده‪ ...‬ولكن لؤلسف َف َّ‬
‫خسارة ُعظمى وغرامة ثقيلة مع غناه فتناسى ذلك‪.‬‬
‫وبعد ٍ‬
‫أياـ قليلة أخرى التقى ثانية بإنساننا الرحيم فقاؿ لو إنساننا السيد ؿبمد أمْب‪:‬‬
‫ىا‪ ...‬أخربٓف ىل وفَّيت بعهدؾ وذحبت اػباروؼ؟‪.‬‬

‫رد الرجل‪ :‬يا بك‪ ...‬وىل ينتظر اهلل ذبيحٍب!؟‪ .‬ىل ىو حباجة ؽبا!‪ .‬إنو ىو الغِب ولو شاء ألطعم الفقّب‪ ...‬وما ىو‬
‫َّ‬
‫حباجة ال ِِف وال لذبيحٍب‪...‬‬
‫وشحو‪...‬‬
‫مسكْب ىذا البخيل فماذا يفعل بنفسو وأي عمل يعمل‪ ...‬أؽبذا اغبد وصل بو جحوده ُّ‬
‫ىْب وىو عند اهلل عظيم!‪ .‬ىكذا تنقض عهدؾ وترجع عن ن ْذرؾ!‪ .‬اظبع‬
‫َّ‬
‫رد إنساننا منفعبلً ثائراً‪ :‬أربسب النكوث بالعهد ّْ‬
‫يا "فبلف" إف َف تذبح اػباروؼ فو اهلل‪ ،‬واهلل‪ ،‬طبسة عشر يوماً ولن يتع ّداىا وليدؾ ستفقده‪ ...‬سيموت‪ ...‬فأنت نذرت‬
‫جد وليس باؽبزؿ وأنا ّْ‬
‫ن ْذراً وىذا األمر ّّ‬
‫أحذرؾ‪ .‬نطق إنساننا ىذه اعبملة وىو بثورة غضبو‪.‬‬

‫أْف لو أف يَعِيها ويدركها‪ ...‬يدرؾ‬
‫ظبع الرجل كلمات قوية كانت ربمل يف طياهتا رضبة كبّبة وخوفاً عليو عظيماً‪ ..‬ولكن َّ‬
‫ٍ‬
‫بكلمات خفيفة غّب مفهومة منسحباً مغادراً ولعلو‬
‫قيمتها؟‪ .‬بل حٌب إنو َف يعر ذلك أدْف انتباه واىتماـ وأخذ وبدّْث‬
‫يقوؿ‪ :‬من أجل خاروؼ؟‪ .‬معقوؿ‪ ...‬اهلل يأخذ َّقرة عيوٓف؟!‪ .‬إنو بتماـ الصحة والعافية!‪.‬‬
‫* * *‬
‫مضت أربعة عشر يوماً‪ ...‬يوماً بعد يوـ والطفل يرفل يف ريعاف الصحة واغبياة‪ ...‬يتألق نضارة وصباالً‪ ...‬كالبدر‪...‬‬
‫سبحاف اػبالق العظيم‪.‬‬
‫وتغّب بشكل جذري‬
‫اصفر وجو الطفل َّ‬
‫وأشرقت مشس اليوـ اػبامس عشر‪ ،‬وما أف قاربت الظهّبة على اغبلوؿ حٌب َّ‬
‫مفاجئ‪ ...‬إنو أمر خطّب‪ ...‬فمنذ ساعات كانت اغبياة والنضارة سبوج بوجنتيو يبتسم ابتسامات عذبة وأبواه من حولو‬
‫يتمرغاف بو يستنشقاف رائحتو ال تسعهما الفرحة‪...‬‬
‫عرب إالَّ عن آالـ‬
‫لكن اآلف ولؤلسف فقد أصبح وجهو أصفر كالليمونة صفرة ال توحي إال باؼبوت يُرافقها صراخ قوي ال يُ ّْ‬
‫كبّبة تعصف بو‪...‬‬

‫روع ىذا اؼبشهد‪ ،‬وقبل وصوؿ‬
‫وقف األبواف ضائعاف وَف يعد دبقدورنبا فعل شيء‪ ...‬فلقد انتأّما ذىوؿ كبّب من ِ‬
‫حركو فلم يعقّْب بعينْب مفتَّحتْب‬
‫الطبيب بلحظات لفظ الطفل أنفاسو األخّبة وفارؽ اغبياة بْب يدي والده الذي َّ‬
‫ساكنتْب ساحرتْب بالفتنة وصدر ال يعلو وال يهبط‪ ...‬إذاً مات‪!!...‬‬
‫ىنالك انبعث من األب صوت قوي يع ّْرب عن حسر ٍ‬
‫ات كبّبة الذعة‪:‬‬
‫ٌ‬
‫مات‪ ...‬مات‪ ...‬وانفجر باكياً‪...‬‬
‫تذكر نصيحتو وحرصو فيها ّْ‬
‫تذكر اآلف كلمات صاحبو الرحيم‪َّ ...‬‬
‫لقد َّ‬
‫كرت األياـ بذاكرتو فوجدىا طبسة عشر‬
‫ؿبذراً‪َّ ،‬‬
‫يوماً بالتماـ!!‪.‬‬

‫خرج مسرعاً ال يدري إُف أين سيذىب‪ ...‬وال ماذا سيعمل‪ ...‬مشى يبنة الطريق ويسراه كالسكراف‪ ...‬مسكْب لقد جُب‬
‫على نفسو‪...‬‬
‫يردد ويُعيد قائبلً‪ :‬واهلل إنو نيب‪ ...‬واهلل‬
‫لكن لسانو ما ىدأ أبداً‪ ،‬بل كاف ّْ‬
‫ساقتو قدماه ألصحابو فواسوه وىدَّأوا من روعو‪َّ ،‬‬

‫إنو نيب‪ ...‬واهلل نيب‪ ،‬فلقد حدَّد ِف طبسة عشر يوماً‪ ...‬ووقعت نبوءتو‪.‬‬

‫أما إنساننا الرحيم السيد ؿبمد أمْب قاؿ‪" :‬واهلل لقد نطقت ّٔذا الرقم وكنت ال أدري دباذا نطقت" فتحقَّق قوِف وأنا ال‬
‫أدري‪.‬‬

‫‪‬‬

‫تتفصد من جبينو حبَّات من‬
‫جلس على طرؼ األريكة وجهو يتدفق نضارة ؤّاء‪ ،‬وجنتاه قد اصطبغتا بلوف وردي فاتن َّ‬
‫العرؽ كلما ربرؾ تراىا كالآللئ تتم َّوج بالنور‪ ،‬لقد وصل للتو بعد أف قضى يوماً حافبلً بالعمل‪ ...‬بالتضحية‪ ...‬باإليثار‪.‬‬
‫كانت مشس الظهّبة قد اشتعل أوارىا وضبي وطيسها‪ ،‬حْب يبَّم شطر البيت وجلس ىبلع حذاءه الطويل "اعبزمة" ليضع‬
‫قدميو يف اؼباء البارد عساه ينفض عن كاىلو بعض التعب والعناء الذي أَفَّ بو‪...‬‬
‫قُ ِرع الباب وإذ بصاحب قدٔف تغمره اللهفة وعلى شفتيو يقف الرجاء‪ ،‬قاؿ لو بتوسل‪:‬‬
‫فتحّب األفهاـ فتهفو القلوب لدالؽبا‪ ،‬وأريد‬
‫يا بك‪ ،‬لقد شاىدت يف سوؽ شراء اػبيل أصيلة تسيب العقوؿ ببهائها وسبيس ّْ‬
‫منك أف تنظرىا بعْب خربتك وتقيسها دبيزاف معرفتك‪ ،‬فبل أثق إال بك كيما أشَبيها!‪.‬‬
‫حل النصب بَبحالو على كافة أوصالو وأخذ اعبهد منو كل مأخذ‪ ،‬فهل سيعتذر أو ماذا‬
‫أما إنساننا فكاف منهكاً وقد َّ‬
‫يعمل؟‪.‬‬
‫فعل خّب وعوف ومساعدة‪ ،‬ىل يبكن أف ال يلبيها؟‪.‬‬
‫لكنو ُ‬
‫كبل وأٔف اغبق إنو رغم اإلرىاؽ واإلهناؾ سيجيب داعي اؼبروءة واللهفة رغم ضعف أواصر الصحبة‪ ،‬بل سيضحي رغم‬
‫اإلجهاد اعبسدي ويليب دعوة اؼبستغيث للعوف‪.‬‬
‫عاد جاىداً واتشح ثيابو العسكرية وانطلق معو وؼبا يزاؿ القيظ مستَعِراً حٌب وصبل إُف السوؽ‪ :‬رآىا‪ ...‬ح ّقاً إهنا فرس‬
‫نادرة اؼبثاؿ‪:‬‬

‫صدر عريض وجسم متناسق صبيل وعنق طويل وقوائم مستقيمة قوية وخواصر مضمرة اعتلى السيد ؿبمد أمْب صهوهتا‪،‬‬
‫وما أف نبزىا حٌب انطلقت تسابق الريح وتطوي األرض طيّاً‪ ،‬وما أف ش ّد زمامها حٌب وكوميض الربؽ توقفت‪.‬‬
‫ترجل من على ظهرىا وقد ارتسمت يف عينيو آيات اإلعجاب والتعجب‪.‬‬
‫ّ‬
‫سأؿ البائع عن الثمن فأجاب‪ :‬أربعْب لّبة ذىبية!‪.‬‬
‫يبحضو النصح قائبلً‪ :‬أنصحك بعدـ شرائها فبل َّ‬
‫بد أف فيها عيباً خفياً حٌب رضي البائع‬
‫عندىا التفت إُف صاحبو وىو ّْ‬
‫دبثل ىذا الثمن البخس‪ ،‬فمثل ىذه األصيلة يزيد شبنها عن مئة لّبة ذىبية‪.‬‬
‫قاؿ للبائع‪ :‬ىل تضمنها إذا ما بدا لنا فيها شيء؟‪.‬‬
‫أتعرؼ عليكم وال عليها‪.‬‬
‫َّ‬
‫رد البائع‪ :‬من ىنا لنهر بردى‪ ،‬أي لكم اختبارىا اآلف وبعد البيع ال َّ‬
‫قاؿ لصاحبو‪ :‬أنصحك بأالَّ تشَبيها‪ ،‬فهذه ال تقل قيمتها عن مئة لّبة ذىبية وال َّ‬
‫بد من علَّة عصفت بسعرىا‪.‬‬
‫حب الشيء‬
‫قاؿ صاحبو بلهفة‪ :‬ىذا أدعى ألف تشَبيها ِف‪ ...‬أرجوؾ اشَبيها ِف على كل الوجوه فقد نبت ّٔا‪ُّ " ..‬‬
‫ويصم"‪.‬‬
‫يعمي ّ‬
‫قاؿ لو‪ :‬إٓف نصحتك فيما قلتو وكفى‪.‬‬
‫لكنو نقد البائع الثمن والغبطة تغمره والدنيا تضيق بفرحتو‪.‬‬
‫متحّباً‪.‬‬
‫تركو الناصح األمْب وعاد إُف البيت ّْ‬
‫ع الباب بإغباح وظهر صاحب الفرس خلف الباب تكسو وجهو صفرة اؼبوت‪ ،‬والغضب‬
‫وما ىي إالَّ نصف ساعة حٌب قُ ِر َ‬

‫حوؿ عينيو إُف صبرتْب‪.‬‬
‫َّ‬

‫كانت الفرس رائعة ح ّقاً إالَّ أف الرجل بعد أف اشَباىا من السوؽ قد امتطى ظهرىا وأطلق ؽبا العناف حٌب وصل إُف طلعة‬
‫اعبسر األبيض بسفح جبل قاسيوف فصادؼ أف مرت اغبافلة الكهربائية مسرعة بفرقعتها وضجيجها‪ ،‬فما كاف من الفرس‬
‫إالَّ أف جفلت وثارت ثائرهتا واشت ّد ىلعها وأطلقت صهيبلً قوياً‪ ،‬ث أرسلت قائمتيها األماميتْب يف اؽبواء مستندة على‬
‫قائمتيها اػبلفيتْب فاستوُف الرعب القاتل على الرجل وألقى بنفسو من على مًب الفرس غّب مصدّْؽ بالنجاة إال حينما‬
‫رد فعلها‪ ،‬فلو‬
‫المست قدماه األرض‪ ،‬لقد عرؼ عيبها وسبب تدٓف شبنها اآلف‪ ،‬فإذا خافت أو استطابت يكوف ىكذا ُّ‬
‫قَػلَبَت ل َقتلَت خيَّاؽبا‪.‬‬
‫وؼبا وقعت عيناه على السيد ؿبمد أمْب لدى الباب أرسلها كلمة صاعقة‪:‬‬

‫لقد غدرتِب!!!‬
‫ُّٔت الناصح األمْب وقاؿ‪ :‬أنا!؟؟‪ .‬مكانك ال تنبس ببنت شفو‪ ،‬تركو ووًف إُف داخل اؼبنزؿ‪َ ،‬ف يكن لديو سوى أربعْب‬

‫لّبة ذىبية كاف قد َّادخرىا‪ ،‬ضبلها وعاد مسرعاً إُف صاحبو وقاؿ لو‪ :‬تفضل‪...‬‬

‫وتغرـ بالفرس غرامة وأخذىا منو وقادىا إُف اإلسطبل عنده‪.‬‬
‫نعم لقد َّ‬
‫ضحى بالذىب َّ‬
‫َف يكن حباجة إُف ىذه الفرس أبداً‪ ،‬إذ إف اغبكومة كانت تقدّْـ لو األصايل من اعبياد وكذلك ما ربتاجو من السيّاس وما‬
‫ليجب‬
‫يضحي باؼباؿ‬
‫تأكلو من العلف‪ ،‬إذ إنو كاف ضابطاً يف الدرؾ‪ ،‬ولكن حرصو الكبّب على صوف كرامتو َدفَػ َعوُ ألف ّْ‬
‫َّ‬
‫اؼبغيبة عن نفسو‪.‬‬

‫* * *‬
‫هبر وراءه الفرس الشَّموس يتبعو مرافقو اػباص‪ ،‬وفيما ىو يقدح زناد أفكاره‪،‬‬
‫بعد العصر بقليل انطلق ضابطنا من داره ُّ‬
‫وما ىي إالَّ ىنيهة حٌب أشرؽ وجهو فالتفت إُف مرافقو وسألو‪:‬‬
‫اغبوجلة‪ ،‬اذىب واحضر ِف‬
‫ىل تعرؼ "الشربات الحلبية"‪ ،‬إهنا ذات بطن منتفخ ورقبة طويلة وىي من الفخار تشبو ْ‬
‫أربعة منها وأنا سأسبقك إُف "مرجة الحشيش"(‪.)8‬‬
‫تلك اآلونة كاف الناس أىل خّب وإحساف وؼبا تسمهم اغبضارة بوسم الشح والقسوة واألنانية‪ ،‬لذا فإهنم كانوا إذا ما‬
‫َّ‬
‫عجزت إحدى الدواب لديهم عن العمل أو تقدَّـ ّٔا السن يُشفقوف عليها ويذىبوف ّٔا إُف مرجة اغبشيش على ضفاؼ‬
‫بردى "مكاف معرض دمشق الدوِف حالياً"‪ ،‬ففوؽ ىذه األرض هنر "بانياس" وربتها هنر "بردى"‪.‬‬

‫ضراء أو ربل‬
‫لقد كاف اؼبكاف يغطيو العشب الطري طواؿ العاـ‪ ،‬ناىيك عن أف أىل الشاـ عندما كاف أحدىم تصيبو َّ‬
‫بساحتو شدة فإهنم يأتوف دبكاييل الشعّب طافحة للدواب اؼبعطوبة واؽبرمة صدقة ؽبم تدفع عنهم السوء‪.‬‬
‫كل ىذا كاف يكفل للدابَّة العيش الرغيد حٌب توافيها اؼبنية ؿبفوفة بعْب الرضى للرضبة اإلنسانية الٍب تلقاىا‪.‬‬
‫وكاف يؤـ مرجة اغبشيش ىذه اػبيَّالة يتدربوف على فنوف الفروسية‪ ،‬فهي ميداف فسيح هبدوف فيو فرصة الكتساب اؼبهارة‬
‫واػبربة‪.‬‬
‫ؼبح ضابطنا مرافقو وبمل الشربات األربع ناداه وقاؿ لو‪:‬‬
‫كل منها‪ .‬فلىب مسرعاً‪.‬‬
‫امؤل ىذه الشربات من ماء بردى حٌب منتصف ي‬
‫) مرجة الحشيش ‪ :‬غريب دمشق بْب هنري بردى وبانياس‪ ،‬واآلف أُقيم عليها معرض دمشق الدوِف منذ عاـ ‪ 8620‬ولتارىبو‪ ،‬وكانت سابقاً مأوى العجزة للدواب اؽبرمة واؼبكسورة تتجع فيها‬

‫(‪8‬‬

‫حٌب انقضاء أجلها لديبومة عشبها وحشيشها‪.‬‬

‫أخذىا ضابطنا وثبَّتها بالقرب منو على عنق الفرس‪ ،‬وما أف نبز الفرس باؼبهماز حٌب انطلقت تنهب األرض هنباً حٌب‬
‫لتكاد أف تطّب وكلما أوغلت يف اؼبسّب كلما زادت سرعتها وبدت رشاقتها‪.‬‬
‫لقد ُّٔت الناظروف واستوُف اإلعجاب عليهم فأسر قلؤّم وتعلَّقت عيوهنم بالفارس والفرس وبدأت قلؤّم زبفق بالتعظيم‬
‫والتقدير‪.‬‬

‫فجأة ضغطت الفرس على قدميها اػبلفيتْب بقوة فتوقفت دبسافة قياسية‪ ،‬أمسك فارسنا باللجاـ بقوة وتثبت على‬
‫صهوهتا‪ ،‬فصهلت بصوت عظيم وأطلقت يف اؽبواء قائمتيها األماميتْب فطاولت السماء‪.‬‬
‫كانت ىذه ىي اللحظة الٍب ينتظرىا فارسنا‪ ،‬أمسك برقبة إحدى الشربات وىوى ّٔا على رأس الفرس وبْب أذنيها فدوى‬
‫بأذٓف الفرس صوت كالرعد أصم ظبعها‪ ،‬تناثرت بعده حبَّات اؼباء كاؼبطر فنزلت الفرس بقائمتيها األماميتْب على األرض‬
‫مرعوبة‪.‬‬
‫أرخى ؽبا الزماـ فانطلقت مرة أخرى تسابق الريح‪ ،‬وما أف وقفت وتعاُف صهيلها تبغي رفع قائمتيها عاجلها بالشربة الثانية‬
‫تفر من أسد‪ ،‬وما أف شعرت مرة‬
‫فتابعت سّبىا وخضوعها مرة أخرى وَف ترفع قائمتيها األماميتْب وأسرعت تعدو كأمبا ُّ‬
‫ثالثة بالنشوة وطابت نفسها ونبهرت بصهيلها وحاولت الوقوؼ كانت الشربة الثالثة هتوي على رأسها بقرقعتها ومياىها‬
‫فبل تدع ؽبا فرصة للتمادي بعدىا أبداً‪.‬‬
‫ظل ضابطنا هبري ّٔا روحة وغدوة زمناً طويبلً حٌب َّ‬
‫تأكد أهنا قد برئت من ِعلَّتها وزاؿ عنها عيبها‪ ،‬إذ بطلت‬
‫بعد ذلك َّ‬
‫عادهتا السيئة بدافع خوفها‪.‬‬
‫لقد برع السيد ؿبمد أمْب يف االستفادة من ميزاف الفكر ىذا فكانت النتائج باىرة ومذىلة‪ ،‬التفت إُف مرافقو ومنحو‬
‫ٍ‬
‫ابتسامة مبعثها الثقة دببدع السموات واألرض الذي ىداه ؽبذا التدبّب وما كاف ليهتدي‬
‫الشربة الرابعة وشفتاه تنفرجاف عن‬
‫لوال أف ىداه اهلل‪.‬‬
‫* * *‬
‫بعد أياـ ذىب إُف السوؽ بالفرس وعرضها على َّرواده‪ ،‬وما ىي إالَّ فَبة قصّبة حٌب بيعت دبئة لّبة ذىبية‪ ،‬فحمد اهلل‬
‫وأثُب عليو‪.‬‬
‫درؾ‪ ،‬ساؿبك اهلل‪ ،‬كيف قلت أٓف قد غدرتك فلقد أؽبمِب اهلل فأدركت عيبها وأصلحتو‬
‫وعندما التقى بصاحبو قاؿ لو‪ :‬هلل ُّ‬
‫وبعتها دبئة لّبة فآتآف رحباً ستْب لّبة ذىبية بأسبوع واحد‪ .‬عندىا اصفر وجو صاحبو ُمْن ِكر الفضل وأكل قلبو الغيظ‬
‫ومؤلتو اػبسارة حسرة وندامة‪.‬‬

‫أحد َّ‬
‫اعبزارين من منطقة اؼبيداف واستأجر منو دكاناً‬
‫السيد ؿبمد أمْب يف منطقة اؼبهاجرين جببل قاسيوف ُ‬
‫ص َد َ‬
‫ذات يوـ قَ َ‬

‫كاف يبلكها وراثةً‪ ،‬وسبب ؾبيء ىذا اللحاـ إُف ىذه اؼبنطقة وتركو منطقتو السابقة ىو خبلؼ حصل بينو وبْب أىل حيّْو‬
‫باؼبيداف‪.‬‬
‫أحسن الذبائح من اػبرفاف اؼبعلوفة والصغّبة‬
‫أخذ ىذا اللحاـ يبارس مهنتو بنزاىة واستقامة عالية فكاف هبلب إُف دكانو‬
‫َ‬
‫ىبّب الزبائن فيقوؿ للمشَبي مثبلً‪:‬‬
‫ذات اللحم الطري الفاخر‪ ،‬أي الٍب غبمها "كالفستق" وكاف ّْ‬

‫من أي مكاف من الذبيحة تريد اللحمة؟‪ .‬فيشّب اؼبشَبي من الذبيحة إُف اؼبكاف الطيّْب الذي يريد أف تكوف غبمتو منو‬
‫فيقطع لو كما يشاء ووبلو لو ويعطيو طلبو الغاِف ويأخذ أرخص األسعار‪.‬‬
‫َّ‬
‫أفضل ما عنده وبأرخص شبن‪.‬‬
‫حٌب وإف جاءه طفل فبل يعطيو إال َ‬
‫ونتيجة لذلك ذاع صيتو يف اغبي وأصبح الناس يقفوف أماـ دكانو صفاً طويبلً كبلِّ بدوره مهما كاف التفاوت يف اؼبستوى‬
‫االجتماعي بينهم‪ ،‬ضابط كبّب يقف بدوره وراء عامل أو طفل‪ ،‬فالعدالة اؼبثلى رائدهُ وبذا كاف يبيع عدداً من الذبائح يف‬
‫اليوـ الواحد‪ ،‬وإف كاف رحبو قليبلً ولكن مع حجم البيع الكبّب كانت غلَّتو عالية‪.‬‬

‫أما ما يتبقى من اللحوـ الرديئة والشحوـ فكاف يبيعها آخر النهار للمزارعْب الذين يبروف بو بعد العصر باعبملة (مشايلة)‪.‬‬
‫* * *‬

‫ذات يوـ َف َير إنساننا السيد ؿبمد أمْب إالَّ وصبهرة غفّبة من شباب حي اؼبيداف يهتفوف ىتافات عالية ُوبيُّوف ّٔا ىذا‬
‫اللحاـ قد أتوا لَبضيتو ومصاغبتو‪ ،‬وليأخذوه معهم بعد االعتذار منو وتطييب خاطره‪.‬‬

‫وانطلق فريق منهم هبمع عدة العمل من الدكاف والبعض اآلخر ضبلو على األكتاؼ ليعودوا بو إُف حي اؼبيداف‪ .‬فصرخ‬
‫اللحاـ قائبلً ؽبم‪ :‬انتظروٓف فقط ألدفع أجرة الدكاف لصاحبها‪.‬‬
‫فأجابو أحدىم‪ :‬دع عنك ذلك‪ ،‬فأنا سأدفع لصاحب احملل ما يريد‪.‬‬
‫وفعبلً َّاذبو إُف صاحب احملل السيد ؿبمد أمْب وسألو كم تريد ودفع لو األجرة‪.‬‬
‫وىكذا عادوا بصاحبهم ؿبموالً على األكتاؼ ؼبا عرفوه من نزاىتو وكرٔف أخبلقو‪.‬‬
‫وَف ِ‬
‫سبض إالَّ أياـ قليلة حٌب جاء غباـ آخر فاستأجر ذلك احملل‪ ،‬كاف ىبتلف عن اللحاـ األوؿ سباماً‪ :‬فقد كاف غشاشاً‬
‫هبلب أسوأ الذبائح إُف ؿبلو‪ ،‬وكاف إذا جاءه طفل صغّب أو خادمة صغّبة فإنو يعطيها أردأ ما عنده من اللحم‪ ،‬ولذلك‬
‫كاف يبقى طواؿ اليوـ حٌب اؼبساء وال يبيع إال شقة واحدة أي نصف الذبيحة الٍب هبلبها‪ .‬نتيجة لذلك فقد تباعد الناس‬
‫عنو شيئاً فشيئاً لغشو وعدـ جلبو إالَّ األنواع السيئة من اللحوـ‪.‬‬
‫ىذا ما الحظو إنساننا صاحب الدكاف فأراد وكعادتو إسداء النصح ؽبذا الرجل لعلَّو يستقيم يف تعاملو مع الزبائن ودبا‬
‫يرضوف بو فينفع وينتفع ويربح‪.‬‬
‫غباـ آخر كاف هبلب أحسن الذبائح وأفخر اللحوـ واهلل وفَّقو ُّأيبا‬
‫فقاؿ لو‪ :‬يا أخي لقد َشغَ َل ىذا احملل قبل ؾبيئك إليو ٌ‬
‫توفيق ألمانتو وحسن معاملتو فكل ذبائحو تُباع خبلؿ ساعات قليلة ورحبو كاف معقوالً بسيطاً ولكن ببيع الكثّب كاف‬

‫يربح الكثّب‪ ،‬فلماذا ال سباثلو بذلك وربذو حذوه فتعامل الناس معاملةً طيّبة ونزيهة دوف سبييز وذبلب أجود أصناؼ‬
‫اللحوـ؟‪.‬‬
‫* * *‬
‫ويف صباح اليوـ التاِف وبينما كاف إنساننا ذاىباً إُف عملو ألقى نظرة على احملل فرأى أف ذلك اللحاـ وألوؿ مرة قد أتى‬
‫اعبزار إُف النصيحة وعمل ّٔا‪.‬‬
‫بذبيحة من أجود األنواع وأحسنها غبماً فقاؿ يف نفسو‪ :‬اغبمد هلل لقد أصغى ىذا َّ‬
‫ولكن ما إف عاد ضابطنا السيد ؿبمد أمْب من عملو حٌب كانت اؼبفاجأة الكربى تنتظره‪ ،‬فبالتفاتة منو ذباه ذاؾ الدكاف‬
‫رأى أف الذبيحة ال تزاؿ معلقة بتمامها وكماؽبا َف يقرّٔا مش ٍَب واحد‪ ،‬فهي كما رآىا صباحاً واللحاـ يقلّْب كفَّيو ندماً‬
‫ويتميَّز غيظاً وحنقاً على ذاؾ الذي نصح لو‪.‬‬

‫يَبصد قدومو بصرب نافذ‬
‫أْف لو ذلك فقد كاف َّ‬
‫حاوؿ الناصح األمْب اؼبرور دوف أف يُشعر بو اللحاـ الغشاش ولكن ّ‬
‫وكانت دكانو جبانب باب دار ضابطنا‪ ،‬وما أف وقع بصره عليو حٌب اعَبضو قائبلً الئماً‪:‬‬
‫حل يب نتيجةً لسماع نصيحتك‪ ...‬انظر اػبطب الفادح الذي أحللتو يب!‪ .‬قاؿ ذلك بتهدُّج وسخط وىو‬
‫انظر ماذا َّ‬
‫مغيظ‪.‬‬
‫عندىا أؽبم اهلل السيد ؿبمد أمْب أف يضع يده على رأس اللحاـ قائبلً‪ :‬استحلفك باهلل ورسولو‪ ...‬أَف تقل يف نفسك إف‬
‫حالفِب الربح سأستمر يف ىذه اؼبسّبة الطيّبة‪ ،‬وإف كاف عكس ذلك سأعود إُف ما قد سلف من عاديت وأجلب رديء‬

‫الذبائح وأغش؟‪.‬‬

‫ٍ‬
‫ساعتئذ وفوجئ حبدس إنساننا الصحيح فأجابو متسائبلً‪ :‬يا للغرابة من قاؿ لك ذلك!‪ .‬وكيف عرفت مع‬
‫ُدىش اللحاـ‬

‫سري!‪.‬‬
‫أٓف قلتو يف ّْ‬

‫تنح عن سبيلي‪ ،‬تريد إذاً اختبار ربّك وامتحانو تعاُف؟‪ .‬إف اهلل تعاُف ال ُيبتحن‪ ،‬بل يُطاع عندىا‬
‫َّ‬
‫فرد عليو إنساننا قائبلً‪َّ :‬‬
‫ترى النتائج الطيبة‪.‬‬

‫قاؿ ذلك ودخل منزلو ّْ‬
‫مفكراً يف أمر ذلك اللحاـ الذي لن يُباع عنده شيءٌ من الذبيحة وكم ستكوف خسارتو كبّبة من‬
‫اضبل ذبيحتك على دابٍَّة واتبعِب‪.‬‬
‫جراء ذلك‪ ،‬وبعد أف تناوؿ الطعاـ وناؿ قسطاً من الراحة أشفق عليو وعاد إليو قائبلً‪ْ :‬‬
‫كل و ٍ‬
‫احد منهم قسماً من الذبيحة وأعيد لو رأس مالو بعد أف كانت‬
‫ذىب بو إُف عدد من معارفو أصحاب اؼبطاعم فباع َّ‬

‫خسارتو ؿبتمة ألف الذبيحة لو بقيت عنده لفسدت وتَلِ َفت نظراً لعدـ وجود برادات يف ذلك الزماف غبفظ اؼبواد الغذائية‪.‬‬

‫مر كعادتو من أماـ اللحاـ وإذ باللحاـ قد عاد إُف سّبتو األوُف‬
‫ويف اليوـ التاِف وبينما كاف إنساننا يف طريقو إُف عملو َّ‬

‫جبلب اللحمة الرديئة وعادت إليو زبائنو الٍب على شاكلتو‪" ،‬الطيبوف للطيبْب واػببيثوف للخبيثْب"‪ .‬وأبت النفوس اػببيثة إالَّ‬
‫أف تتجلَّى خببثها وباؼبثل العامي "كل حبّة مسوسة وؽبا كيَّاؿ أعور"‪.‬‬
‫‪‬‬

‫ه َ‪َ ِٔٚ‬غب ِء ْاٌ ُّ ْؤ ِِ ِٕ‪ْ ُ٠ َٓ١‬ذِٔ‪َ َٓ١‬ػٍَ ْ‪َ ْٓ ِِ َٓ ِٙ ١‬جال ِث‪ِ ١‬ج ِ‪َ َٓ ٙ‬رٌِهَ أَ ْدَٔ‪ ٝ‬أَ ْْ ‪ْ ُ٠‬ؼ َش ْفَٓ‬
‫ه َ‪ٚ‬ثََٕبرِ َ‬
‫اج َ‬
‫{‪َ٠‬بأَ‪َُّٙ٠‬ب إٌَ ِج ُّ‪ ٟ‬لًُْ ألَ ْص َ‪ِ ٚ‬‬
‫فَال ‪ُْ ٠‬ؤ َر ْ‪َ َٚ َٓ٠‬وبَْ َ‬
‫هللاُ َغفُ‪ٛ‬سا َس ِح‪ّ١‬ب}(‪.)8‬‬
‫ىذا ىو القانوف اإل ۤؽبي والتشريع الربآف الذي أتى بو سيدنا ؿبمد رسوؿ اهلل ‪ ‬ومن سبقو من الرسل واألنبياء عليهم‬
‫الصبلة والسبلـ اؼبوصل للسعادة‪ ...‬ألف ىذا الرب رحيم ذو حناف ال يرضيو سوى سعادة عباده دنيا وآخرة‪ ...‬لكنها‬
‫الشهوات البهيمية اعبهنمية ىي الٍب جعلت البشر يبتعدوف عن ىذه القوانْب‪ ...‬ظانْب أف قوانْب شهواهتم ىي اؼبوصلة‬
‫لسعادهتم‪ ...‬إذ َف ّْ‬
‫سر ىذه القوانْب اإل ۤؽبية واغبكمة العظيمة منها والٍب تكمن سعادة البشرية‬
‫يفكػروا‪ .‬أما من أدرؾ َّ‬
‫احملب لربّْو وكلما ازداد اؼبرء قرباً وحبّاً زاد فهماً وإدراكاً للمراد اإل ۤؽبي من أحكامو‪.‬‬
‫بتطبيقها فهو القريب ّ‬
‫وعلى سبيل اإليضاح نضرب لك مثبلً واقعياً بالقصة التالية‪:‬‬
‫* * *‬
‫ّْد موعد لبلجتماع بْب السيد ؿبمد أمْب وبْب رجل ذي مكانة اجتماعية وثقافية "دكتوراه" بزمن الكتاتيب وال مدارس‬
‫ُحد َ‬

‫إذ ذاؾ‪ ،‬وكاف االجتماع يتعلَّق بتنصيب األمّب عبد آّيد حيدر ملكاً على سوريا الكربى بعهد االنتداب الفرنسي عليها‪.‬‬

‫وباليوـ التاِف ويف الساعة احملددة حضر السيد ؿبمد أمْب إُف بيت ذلك الرجل وقرع الباب ففتحت زوجة الدكتور الباب‬
‫وطلبت منو الدخوؿ "عن طريق ابنتها" ألهنا ذات جنسية فرنسية وال ذبيد اللغة العربية‪.‬‬
‫) سورة األحزاب‪ :‬اآلية (‪.)26‬‬

‫(‪8‬‬

‫وحاؼبا شعر أف امرأة على الباب أدار ظهره فاضطرت إلعبلمو بأف زوجها اتصل منذ قليل وأخربىا بأنو سيتأخر عن‬
‫اؼبوعد ‪ /83/‬دقائق ألمر ىاـ عند اعبنراؿ سراي اؼبندوب السامي الفرنسي لسوريا‪.‬‬
‫فهبط الدرج وانتظر يف الشارع قرب البيت‪.‬‬
‫تأخراً إف حدث‪ ،‬ث دخبل البيت‬
‫التأخر مدة عشرة دقائق ال يُعترب ُّ‬
‫حضر الدكتور واعتذر عن تأخره فأجابو إنساننا بأف ُّ‬
‫وجلسا يف الصالوف‪ ،‬وقبل اغبديث الذي من أجلو عقد االجتماع وإذ بزوجة الدكتور ربضر لتجلس معهما بصحبة‬
‫ابنتها‪.‬‬
‫نظر السيد ؿبمد أمْب إُف زوجها الذي يعلم بأنو ال هبالس النساء فالتفت الزوج ث أطرؽ رأسو وَف هبرؤ على الكبلـ ألنو‬
‫شاىد زوجتو والغضب يكسو وجهها‪ ،‬ابتدأت اغبديث قائلةً‪:‬‬
‫بلغِب عنك مسموعات عالية جداً يف لبناف واآلف شاىدت العكس سباماً "فهي واغبالة ىذه تذمو بقوؽبا" فبا اضطره‬
‫إلجابتها عن طريق ابنتها‪.‬‬
‫فقاؿ البنتها‪ :‬أرجو أف زبربي أمك بأهنا "ؾبنونة"‪.‬‬
‫وعندما أبلغتها ذلك النبأ الصاعق ثارت ثائرهتا ألف حدَّة الطبع من الصفات الٍب يتميز ّٔا الفرنسيوف عن غّبىم وهنضت‬
‫ثائرة تقوؿ‪ :‬أنا ؾبنونة؟‪.‬‬
‫قاؿ ؽبا‪ :‬طبعاً‪ ...‬ألف من وبكم على رجل حكمْب متناقضْب سباماً دوف معرفتو واالجتماع بو‪َ ،‬أو ليس ىذا دبجنوف؟‪.‬‬
‫علي ىذين اغبكمْب؟‪.‬‬
‫فهل شاىدتيِب قبل اآلف‪ ...‬لتحكمي َّ‬
‫فأجابتو‪ :‬بلى‪ ،‬ؼباذا َف تدخل دارنا عندما دعوتك للدخوؿ‪...‬‬
‫ألست صبيلة؟‪ .‬مع أف زوجي يعلم أٓف من فاتنات باريس‪ ،‬أـ ىل ظبعت عِب بأٓف غّب شريفة حٌب إنك َف تدخل؟‪ .‬فهذا‬
‫علي شيئاً من ىذا القبيل طيلة حيايت معو؟‪.‬‬
‫زوجي أمامك اسألو ىل الحظ َّ‬
‫ؿبرـ‪.‬‬
‫فأجأّا إنساننا‪ :‬أنا مسلم‪ ،‬ومن أسس شريعتنا اغبنيفة أف الرجاؿ ؽبم ؾباؿ والنساء ؽبن ؾباؿ آخر واالختبلط عندنا ّ‬
‫فأجابت‪ :‬أنتم اإلسبلـ قد غاليتم كثّباً مع العلم بأف اليهود أقدـ منكم يف الدين وكذلك فإف النصارى أقوى منكم‪ ،‬فمن‬
‫أين أتيتم دبسألة اغبجاب ىذه؟‪.‬‬
‫فأجأّا‪ :‬وىل اؼبسألة بالقدـ أو القوة‪ ،‬أـ باؼبنطق واغبجة واغبق؟‪.‬‬
‫قالت‪ :‬ال‪ ...‬بل باغبجة والربىاف‪.‬‬

‫أبْب لك سبب اغبجاب بْب الرجل واؼبرأة يف اإلسبلـ‪:‬‬
‫قاؿ‪ :‬إذف‪ ،‬فاظبحي ِف أف ّْ‬
‫إنِب حْب ال أجلس مع النساء‪ ،‬بل اجتمع باعبنس اػبشن (جنس الرجاؿ) طواؿ النهار‪ ،‬ث أعود من عملي إُف بيٍب أرى‬
‫زوجٍب بنظري أصبل النساء يف العاَف‪ ،‬فتزداد ؿببٍب ؽبا‪ ...‬كما تزداد وشائج الَبابط َّقوة بيننا‪ ،‬وىذا أمر لو شأنو على نشوء‬
‫أوالدي‪ ،‬أي على الصعيد األُسري‪ ...‬وحْب لبتلط مع بعضنا علماً بأنك أنت شريفة‪ ...‬وأنا شريف‪ ...‬وال َّ‬
‫بد أف فيك‬
‫ؿباسن ومزايا رائعة سبيّزؾ عن زوجٍب تستهويِب‪ ،‬وعندما أعود إُف البيت أبدأ باؼبقارنة بصورة ال شعورية بْب ما رأيت‬
‫واستحسنت من صفات كاملة فيك أفتقدىا بزوجٍب‪ ...‬فأندب حظي األسود وأنسب الظلم لقسمٍب‪ ،‬ؼباذا كانت ىذه‬
‫نصيبػي وَف تكن تلك ذات اغبسن واعبماؿ أو اغبديث ذي اعبرس اؼبوسيقي أو األناقة وخفة الروح واعباذبية‪ ،‬وىذا ما‬
‫يُقلّْل من حيب لزوجٍب فتسود الكراىية بيننا بدؿ احملبَّة واإللفة‪ ...‬فحينما تبلطفِب زوجٍب بكلمة "يا حبيبػي" أشعر وكأهنا‬

‫ربوؿ والنَّفس سبيل مع‬
‫تقوؿ ِف "ورصاص" ألف القلب قد تبدَّؿ‪" ،‬وما جعل اهلل لرجل من قلبْب يف جوفو"‪ ،‬فاغبب قد َّ‬
‫األصبل أو األفًب أو األكثر جاذبية ورقَّة‪ ،‬عندىا يسود التنافر بدؿ التعاوف‪ ،‬والظلم بدؿ العدؿ وقد تتحمل زوجٍب‬
‫معاملٍب السيئة ىذه مرة أومرتْب ولكن ال َّ‬
‫بد أف ينفذ صربىا وتتساءؿ بنفسها ما سر ىذا االنقبلب العجيب الذي جعلو‬
‫يُعاملِب ىكذا بالرغم من قيامي بواجبايت كبوه وكبو أوالدي وبيٍب على الوجو األكمل فتثور ثائرهتا وتقابلِب باؼبثل‪ ،‬وىنا‬
‫تغّبت‪...‬‬
‫الطامة الكربى‪ ،‬ىنالك تتوتر العبلقة بيننا وتبدأ اؼبشاحنات واػبصومات ألتفو األسباب ألف النفوس قد َّ‬
‫تتحوؿ اغبياة إُف جحيم ال يُطاؽ فيكوف الطبلؽ الوسيلة الوحيدة للخبلص منو‪ ،‬وال وبصد كبلنا نتائج‬
‫وبسبب ىذا َّ‬
‫الطبلؽ السيئة فقط وإمبا تنعكس أيضاً على األوالد الذين يفقدوف يف غبظة من يرعاىم ووبنو عليهم‪ ،‬ليصبحوا مع‬

‫أصدقاء السوء يف الشارع "اؼببلذ الذي ينهلوف منو ويتعلَّموف فنوف الرذيلة واإلجراـ"‪ ،‬كما وبصل انشقاؽ بْب أفراد عائلٍب‬
‫وعائلتها وال ىبفى ما ؽبذا االكببلؿ من أثر سيء على بناء آّتمع فيصبح آّتمع من جراء السفور واالختبلط ُمهلهبلً‬
‫ّْ‬
‫متفككاً يسهل القضاء عليو‪ ،‬فهذا كلو إمبا حصل نتيجة اختبلطنا ببعضنا البعض بالرغم من كونك أنت شريفة وأنا‬
‫شريف‪.‬‬
‫ىذا بالنسبة للرجل أما بالنسبة للمرأة فإهنا من خبلؿ اجتماعها برجل غريب قد تستحسن فيو صفات جيدة مثل‪:‬‬
‫اغبديث‪ ،‬اؼبعاملة‪ ،‬اؽبيئة‪ ،‬اؼبنصب‪ ..‬اٍف‪ ..‬غّب متوفرة يف زوجها‪ ،‬ويؤدي ىذا مع مرور الزمن إُف النفور من زوجها وبدء‬
‫اػبصومات واؼبشاحنات‪.‬‬
‫ث التفت إليها السيد ؿبمد أمْب وقاؿ‪:‬‬
‫يف صفات حسنة صبيلة‪ ...‬أال رببْب أف تكوف ىذه الصفات متوفرة يف زوجك؟‪.‬‬
‫إف شاىدت َّ‬
‫قالت‪ :‬أريد أف يكوف زوجي أحسن ـبلوؽ يف العاَف‪.‬‬

‫قاؿ‪ :‬إذف‪ ..‬وبفقداف ىذه الصفات من زوجك فإنو سيصغر يف عينك وتتضاءؿ قيمتو يف نظرؾ وسبب ذلك كلو‬
‫اختبلطك بغّبه‪ ،‬حيث يدفعك ىذا االختبلط الستحساف بعض الصفات يف الغّب والٍب يفتقدىا زوجك فيكوف من‬
‫نتيجتها االمشئزاز والنفور بدؿ احملبة والسرور وتُفتقد السعادة‪.‬‬
‫* * *‬
‫أقرت بذلك ونظرت إُف‬
‫فما لبثت بعد أف ظبعت ىذا الكبلـ اؼبنطقي الذي ىو دبثابة ربليل علمي لواقعنا العملي أف َّ‬
‫ابنتها وقالت ؽبا‪:‬‬
‫أما اآلف فأريدؾ أف تكوٓف مسلمة‪ ،‬ولكن كهذا الرجل ال كأبيك‪ .‬فطأطأ زوجها رأسو خجبلً "ؼبا تعرؼ عن سلوكو من‬
‫فبارسات تتناقض مع روح الرجل اؼبسلم"‪.‬‬
‫وبعد ىذا اإلقرار استأذف السيد ؿبمد أمْب باػبروج والذىاب إُف بيتو‪...‬‬
‫* * *‬
‫وَف ِ‬
‫سبض سوى أياـ قليلة بعد ىذا اللقاء‪ ...‬حٌب جاء زوج ىذه اؼبرأة الفرنسية ليُعلم السيد الشريف بأف زوجتو ترجو‬
‫اللقاء بو مرة ثانية ؼبا وجدتو فيو من صدؽ وواقعية ومنطقية اغبديث‪ ...‬ويبكن أف تكوف لديها رغبة حقيقية يف دخوؿ‬
‫اإلسبلـ إف اجتمع ّٔا ثانية‪.‬‬
‫للرد عليها فيما‬
‫فاعتذر السيد ؿبمد أمْب قائبلً‪ :‬أما اجتماعي ّٔا يف اؼبرة األوُف فكاف اضطرارياً كما كنت مضطراً ّْ‬
‫تعصب للحجاب‪.‬‬
‫َّاهتمت بو اإلسبلـ من ُّ‬
‫أما اآلف فأنا ال أذىب إليها بكلتا رجلي ودبحض إراديت‪ ،‬ففي اؼبرة األوُف رأيتها دوف شهوة ولكن يف اؼبرة الثانية‬
‫وباختياري سوؼ أرغب وأشتهي فأنا بشر يا أخي ؤّذا أضر نفسي وىذا ال هبوز‪ .‬إف كانت تريد أف تُسلم فهي‬
‫وشأهنا‪.‬‬
‫وبعد أقل من شهر عاد الدكتور برفقتو زوجتو الفرنسية الٍب ارتدت لباساً طويبلً وأسدلت غطاءً على شعرىا إُف بيت‬
‫ورحب ّٔما أصبل ترحاب أماـ ىذا الواقع‪ ،‬إذ َف يسعو إالَّ أف‬
‫السيد ؿبمد أمْب الذي فتح ؽبما الباب على غّب موعد َّ‬
‫يأذف ؽبما بالدخوؿ ومن بعد أف حدَّثتو بأهنا قد رأت يف نومها الرسوؿ ؿبمداً ‪ ‬بنورانية ؤّاء وصباؿ سبت عقلها‬
‫وأذىلتها عن الوجود‪ ،‬فلقد عاشت يف عواَف قدسية وغبطة علوية حٌب طلَّقت نفسها دنياىا وعافت شهواهتا‪ 3‬فغدت ال‬
‫تبغي حوالً عن حاؽبا السامي‪.‬‬

‫وأضافت‪ :‬ومنذ ذلك الوقت أصبحت أعيش حياة ملؤىا السعادة والسرور حيث انقلب أؼبي وشقائي نعيماً ال يُضاىى‬
‫أسلمت‪.‬‬
‫وما زلت أعيش ىذه اغبالة حٌب اآلف ولذلك قررت أف أُعلن إسبلمي على يديك‪ ،‬و‬
‫ْ‬
‫فأجأّا‪ :‬بعد إسبلمك بقي عليك أف تضعي غطاءً على وجهك لتستمري حبياتك القلبية الراقية‪ ،‬إذ الفتنة ال نرضى ّٔا‪.‬‬
‫فقالت‪ :‬ال أستطيع اآلف أف أطبّْق ىذا دفعة واحدة ألنِب كنت طيلة عمري معتادة على كشف وجهي فهذا يصعب‬
‫علي قليبلً‪.‬‬
‫علي اآلف فاصرب َّ‬
‫َّ‬
‫وحالت بْب لقائهما أمور سياسية عصفت بالشاـ ولكنو اطمأف لصدقها بأهنا بإذف اهلل على ما يُراـ‪.‬‬
‫‪‬‬

‫يرمم غرفةً ضمن باحة مسجد "أبو‬
‫جليل‪ ،‬يف ذات يوـ أراد ىذا الشيخ أف ّْ‬
‫كاف ؽبذا اإلنساف السيد ؿبمد أمْب ش ٌ‬
‫يخ ٌ‬
‫النور" دبنطقة األكراد على حافة هنر يزيد‪ ،‬وىو فرع من فروع هنر بردى‪ .‬وقد أشار عليو أصحاب اػبربة واالختصاص‬
‫بالبناء بأنو ال يبكن ترميم الغرفة حٌب يتم ربويل ؾبرى النهر مؤقتاً ولبضع ساعات خبلؿ فَبة الَبميم‪.‬‬
‫حوؿ الشيخ ؾبرى النهر و ٍ‬
‫لفَبة ال تتجاوز الساعتْب ريثما ينتهي العمل‪ ،‬فما لبث‬
‫وفعبلً على ىذه النية وؽبذا اؽبدؼ‪َّ ...‬‬
‫اغبساد وأوالد اغبراـ واؼببغضوف حٌب أشاعوا خرباً بْب أصحاب البساتْب واؼبزارعْب وأىاِف اؼبنطقة‪ ...‬بأف الشيخ "أمْب‬
‫ّ‬
‫حوؿ النهر ؼبصلحة صباعتو وقطعو عنكم وعن بساتينكم ليسقي أراضي من يلوذوف بو من مريديو‪ ...‬وقد‬
‫كفتارو" قد َّ‬
‫سرى ىذا النبأ الصاعق بْب أولئك اؼبزارعْب سرياف النار يف اؽبشيم فما أف ظبعوا بذلك حٌب ىرعوا كآّانْب يتنادوف‬
‫للهجوـ على الشيخ وقتلو وإعادة النهر ّٓراه‪.‬‬
‫ذبمع اؼبئات من‬
‫العصي وغّب ذلك‪ ،‬وقد َّ‬
‫وأخذوا هبتمعوف من كل حدب وصوب ومن كل مكاف وىم وبملوف اؼبعاوؿ و ّ‬
‫الرجاؿ والشباب جبمهرة غفّبة َّ‬
‫وشكلوا مسّبة شعبية عارمة ىوجاء وىجموا باذباه بيت الشيخ يريدوف اقتحاـ داره وحرقها‬

‫وقتلو ومن معو من اؼبريدين وقد مكر ّٔم اؼبغرضوف‪.‬‬
‫ِ‬
‫بل لو باؼبواجهة والوقوؼ‬
‫لقد أيقن الشيخ باؼبوت احملتم عندما رأى اغبشد من بعيد‪ ،‬إذ ال مناص لو وال مفر كما ال ق َ‬
‫صمت آذاهنم عن التحقيق ُّ ِ‬
‫وتبْب وجو اغبقيقة وظباع سبب التحويل‪ ،‬فما كاف منو إالَّ أف استسلم لؤلمر‬
‫بوجههم وقد َّ‬

‫صمموا على اؼبوت‬
‫الواقع للموت احملتم الذي بدأ يقَبب منو شيئاً فشيئاً وكاف حولو أربعةٌ من اؼبريدين اؼبخلصْب احملبّْْب َّ‬
‫معو ولن يَبكوه يواجو اؼبوت وحيداً‪.‬‬

‫يبق إالَّ وقت قصّب بْب الشيخ وموتو على يد ىذه اغبشود‬
‫ويف ىذه األثناء وىذا الظرؼ العصيب واػبطّب حيث َف َ‬
‫الغاضبة‪ ،‬وصل النبأ إُف إنساننا السيد ؿبمد أمْب بينما كاف قادماً على نفس الطريق‪ ،‬فقالوا لو‪ :‬إف شيخك قد قُتل‪...‬‬
‫وما أف ظبع ذلك النبأ الذي وقع عليو كالصاعقة‪ ...‬فانتفض كاألسد اؽبصور وانطلق بسرعة كبّبة يهدر ويزؾبر وىو‬
‫يردد العبارات التالية‪:‬‬
‫ّْ‬
‫"شيخي يُقتل وأنا ال أزاؿ على قيد اغبياة‪ ،‬ىذا ال يكوف أبداً"‪.‬‬
‫تصم اآلذاف وىم‬
‫وخبلؿ وقت قصّب قطع اؼبسافة ووصل فشاىد الرجاؿ والشباب يركضوف ويهتفوف اؽبتافات اؼبعادية الٍب ُّ‬
‫يرددوف‪" :‬قطع األعناؽ وال قطع األرزاؽ نطلب روح من سلبنا ماءنا"‪ ...‬وقد قاربوا داره ودنوا منها‪.‬‬
‫ما يفتأوف ّْ‬
‫دوت صرخة اغبق منو‪ ...‬فجلجلت كالرعد القاصف‪.‬‬
‫وصلوا ىم والسيد ؿبمد أمْب‪ ،‬فكاف لقاؤه واعبمع الغفّب‪ ،‬عندىا َّ‬
‫مدوية سرت بينهم ووقعت عليهم وعلى مسامعهم كأهنا قنبلة انفجرت بينهم‪ ،‬بل شعروا بالدنيا قد أطبقت‬
‫صرخة ّ‬
‫عليهم‪...‬‬
‫فدب بقلؤّم رعب وىلع غريب وشعروا صبيعاً باكببلؿ‬
‫و َّ‬
‫استمر ىذا اإلنساف يكيل ؽبم الشتائم بأوصافهم اػببيثة‪ّ ...‬‬
‫عزائمهم وطبود ثورهتم‪ ،‬وَف يلبثوا حْب انقض عليهم بعصاه كالقضاء اؼب َع َّجل أف تطايروا رعباً وىلعاً‪ ...‬حٌب وصل ّٔم‬
‫ُ‬
‫األمر إُف حد َف تعد ربملهم أرجلهم وشعروا بأف اؼبوت قد خيَّم عليهم وأطبقت الدنيا فوقهم فلم هبدوا خبلصاً من‬
‫ذلك الرعب إال الفرار واؽبروب‪.‬‬
‫وفعبلً الذ ىؤالء والذي يُقدَّر عددىم باؼبئات صبيعاً باؽبزيبة والتواري عن أنظار ىذا اإلنساف الذي جلجل صوتو اؼبرعب‬

‫فأحل يف قلؤّم اؽبلع فاختفوا بْب األشجار والسواقي وىو متابعهم كاألسد اؽبصور وىم ال يدروف ما أصأّم‬
‫يف آذاهنم َّ‬
‫وما ىذا اغباؿ من اػبوؼ اؼبريع الذي انتأّم‪.‬‬
‫* * *‬
‫سبزؽ شذر مذر‪ ،‬ىنا عادت‬
‫كاف الشيخ قد شاىد ىذا اإلنساف من مسافة وىو قادـ يصرخ بالقوـ‪ ،‬وكيف تشتَّت اعبمع و َّ‬
‫إليو اغبياة وإُف من معو وزاؿ عنو كابوس اؼبوت فأرسل باثنْب من مريديو ليحضراه بْب يديو‪.‬‬
‫وعندما دخل السيد ؿبمد أمْب إُف شيخو‪ ...‬والزبد األبيض يقطر من فيو وىو يف ثورة بركاف الغضب الٍب َف يهدأ عنفها‬
‫إالَّ بعد ساعة كاملة من الزمن‪ ،‬ومنظره ُّ‬
‫يهد اعبباؿ ى ّداً‪ .‬عندىا قاؿ لو شيخو‪:‬‬
‫واهلل عندما رأيتك قادماً بتلك الثورة العظيمة ونظرت إليك شعرت بالرعب واػبوؼ أكثر فبا كنت أخاؼ من اؼبوت‬
‫احملتم‪ ،‬فلم أسبالك النظر إليك حيث َف َأر مثل تلك الثورة قط وال مثل مشهدؾ اؼبهيب‪...‬‬

‫فما ىذا السر العظيم بذلك الصوت الذي أودعو اهلل بك!‪.‬‬
‫ما ىذا الثوب من العظمة واؼبهابة الذي ألبسك اهلل إياه!‪.‬‬
‫ما ىذه الشجاعة الٍب ذابت يف عظمة شدَّهتا كل شجاعة!‪.‬‬
‫سلمت يداؾ وجزاؾ اهلل عِب كل خّب‪...‬‬
‫أما أنا فبل أستطيع أف أجزيك بل اهلل وحده هبزيك‪...‬‬

‫‪‬‬

‫كاف السيد ؿبمد أمْب يقطن يف منطقة اؼبهاجرين جببل قاسيوف اؼبشرؼ على دمشق الفيحاء وروابيها الغنَّاء والٍب تبعد‬
‫عن اؼبدينة ع ّدة كيلومَبات فكاف يضطر أحياناً الستخداـ اغبافلة الكهربائية كوسيلة نقل يف ذىابو وإيَّابو‪.‬‬
‫ربركت اغبافلة وأثناء‬
‫ويف إحدى اؼبرات وكعادتو أثناء عودتو للبيت صعد مع ولده اغبافلة اؼبوصلة ؼبنطقة السكن‪ ،‬وبعد أف َّ‬
‫السّب صبعو اهلل بأحد معارفو داخل اغبافلة‪ ،‬فسلَّم عليو وسألو عن أحوالو وسارت األمور طبيعية‪.‬‬

‫مر اعبايب ّٔم طالباً األجرة وبكل طيب دفع السيد ؿبمد أمْب مقداراً من النقود يعادؿ أجرة ثبلثة‬
‫ويف تلك اللحظات َّ‬
‫ركاب‪ :‬ىو وولده الذي كاف يصطحبو معو ليساعده يف بعض األمور وذلك الصاحب‪ ،‬وَف ينتبو ؼبا فعل اعبايب بعد ذلك‪.‬‬
‫وعند الوصوؿ للموقف اؼبطلوب نزؿ مع ولده و َّاذبو باذباه البيت‪...‬‬
‫لكن الفٌب أوقفو‪ :‬أيب‪ ..‬أيب ؼباذا دفعت للجايب عن صاحبك؟‪.‬‬
‫أجاب‪ :‬دفعت عنو ألنو صاحيب‪.‬‬
‫فرد عليو الفٌب‪ :‬لقد أخذ منو اعبايب مرًة أخرى‪ .‬فسألو باىتماـ‪ :‬ىل أنت ّْ‬
‫متأكد من ذلك؟‪.‬‬
‫َّ‬
‫قاؿ‪ :‬نعم‪ ،‬يا أيب ألنو قطع تذكرة الكبار ذات اللوف األخضر‪.‬‬
‫وبالفعل كانت تذكرة أجرة الصغار ضبراء‪ ...‬بنصف قيمة التذكرة اػبضراء للبالغْب الكبار‪.‬‬
‫ىم باللحاؽ باغبافلة الٍب ّٔا أخذ اعبايب األجر مرتْب‪ ،‬لكنها كانت قد توارت عن األنظار‪ ،‬عندىا أوصل ابنو لباب داره‬
‫َّ‬
‫وانتظر قدوـ اغبافلة التالية ليصعد ّٔا قاصداً اغبافلة األوُف وإُف آخر اػبط فاختلفت اغبافلتاف باالذباه‪ ،‬كانت اغبافلة‬

‫الٍب ّٔا اعبايب اػببيث راجعة للمدينة من آخر اػبط والٍب ىو فيها متجهة بالعكس لنهاية اػبط‪ ،‬فلم َّ‬
‫يتمكن من إمساؾ‬
‫اعبايب وكاف قد دفع قيمة تذكرة آلخر اػبط ث عاد باغبافلة للمدينة ودفع أجرة بطاقة عودة للمدينة مرة ثانية‪ ،‬حيث وجد‬
‫اغبافلة دبركز اؼبدينة "اؼبرجة" مركز انطبلؽ اغبافبلت الكهربائية‪ ،‬صعد إليها باحثاً عن اعبايب وؼبا رآه ىجم عليو وأمسكو‬
‫بكلتا يديو من ياقتو "قبَّتِ ِو" وأراد أف يبطش بو فاستوُف الذعر والرعب عليو وأخذ يتوسل إليو طالباً العفو ومظهراً التوبة‬
‫عن مثيبلهتا وخاطبو قائبلً‪:‬‬
‫ؼباذا فعلت ذلك أيها السارؽ‪ ،‬كيف تأخذ األجرة من صاحيب بعد أف دفعتها لك‪.‬‬
‫وبكلمات تليق بو ودبا فعل وحبكمة ٍ‬
‫اسَبد منو النقود وعاد للبيت حبافلة أخرى متَّجهة ؽبناؾ‪ ،‬ودفع أجرة‬
‫بالغة أنَّبو و َّأدبو و َّ‬
‫العودة ببطاقة ثالثة‪.‬‬
‫* * *‬
‫اسَبده‪ :‬فما كانت غايتو النقود أبداً لكن العربة والغاية من ذلك ىو منع‬
‫لقد كلَّفتو ىذه اؼببلحقة ثبلثة أضعاؼ ما َّ‬
‫يرض أف ىبدعو اعبايب مهما كانت التكاليف‪.‬‬
‫اػبداع‪ ،‬فما كاف ليخدعو أحد أبداً وَف َ‬
‫ب وال ال َخب يخدعني)‪.‬‬
‫(لست بال َخ ِّ‬
‫كما أف ىذا التمادي من اعبايب وىذا التبلعب لسلب اغبق هبعلو يتمادى أكثر وأكثر وكيبل يكوف مفتاحاً للشر فيعتاد‬
‫على السلب والنهب ويستمر اغبراـ ويسري بدمو وما غذي باغبراـ فالنار أوُف بو‪ ،‬لذلك أخذه ّٔذه الشدة والعنف ؿببة‬
‫بو وضباية لو‪.‬‬
‫تسوؿ لو‬
‫ؤّذا ُّ‬
‫التصرؼ اغبكيم ؤّذا العمل من ىذا اإلنساف الرحيم جعل منو لغّبه عربةً وردعاً وأعاده للحق وَف تعد ّْ‬
‫نفسو بالتمادي والسرقة بعد ىذا الدرس وىذه الفضيحة واإلذالؿ‪.‬‬
‫التصرؼ‪ ...‬فيا ترى ما ىي نتائج ىذا التمادي؟‪.‬‬
‫يتصرؼ السيد ؿبمد أمْب معو ىذا ُّ‬
‫ولو َف َّ‬
‫وماذا سيحل بصاحب ىذا العمل "اعبايب" ومن سار على مسراه إف َف يُؤخذ على يده ويػُ َه ُّد باطلو ى ّداً ويكوف عربة‬
‫للمجتمع ودرساً لن ينساه‪.‬‬
‫إنو الشقاء والسلب والنهب والتباغض والتنافر يف الدنيا وجهنم باآلخرة إف َجبَّنا وتقاعسنا فلم ننو عن اؼبنكر وَف نأمر‬
‫باؼبعروؼ‪.‬‬
‫فليقومو بيده‪ ،‬وإن لم يستطع فبلسانو وإن لم يستطع فبقلبو وذلك‬
‫قاؿ رسوؿ اهلل ‪« :‬من رأى منكم منكراً ِّ‬
‫أضعف اإليمان»‪.‬‬

‫تسنَّم السيد ؿبمد أمْب منصب قيادة القلعة وسجنها اؼبركزي‪ ،‬وما أف استلم ذلك اؼبنصب اؼبرموؽ الذي يتمنَّاه كل‬
‫مروعة‪ ...‬يريدوف‬
‫اح بعضهم متعاونْب يف اػبفاء ليحيكوا مؤامرة ّْ‬
‫ور َ‬
‫اغبساد تتمزؽ أؼباً وغّبة‪َ ...‬‬
‫ضابط حٌب كادت قلوب ّ‬

‫ّٔا اػببلص منو بفصلو عن منصبو ىذا‪.‬‬

‫ومنذ األياـ األوُف رأى السيد ؿبمد أمْب اؼبكر واػبيانة بعيوهنم فأدرؾ صعوبة ما ىو فيو من موقف‪ ...‬وأدرؾ ضرورَة‬
‫ِ‬
‫التعامل معهم بتفك ٍّب وزبطيط‪ ...‬فاألمر ليس سهبلً‪ ...‬فما تراىم يدبّْروف ويكيدوف لو؟‪ .‬ساد جو القلعة نوعٌ غامض من‬
‫الَبقُّب واغبذر‪.‬‬

‫كل من يف ِ‬
‫القلعة ضباطاً ودركيْب‪ ...‬فما وجد فيها من يبكن االعتماد‬
‫فبحصاً ّْ‬
‫َّت السيد ؿبمد أمْب حولو ّْ‬
‫متفحصاً َّ‬
‫تلف َ‬

‫عليو والوثوؽ بو سوى شرطي اجتمعت فيو كل معآف الطيبة والبساطة وقد نُقل بصحبتو للخدمة بالقلعة وكاف مرافقاً لو‪.‬‬

‫أماـ ضابطنا ّْ‬
‫ناداه إُف مكتبو فلىب فرحاً وىروؿ إُف اؼبكتب ّْ‬
‫مؤدياً‬
‫تردد حجارة ّْ‬
‫اؼبمر صدى وقْع حذائو الثقيل‪ ...‬وقف َ‬
‫التحية بقوة وعنفواف قائبلً‪:‬‬
‫احَبامي سيدي‪...‬‬
‫رد ضابطنا بلطف‪ :‬أىبلً بأيب ؿبمد‪ ...‬تفضَّل اجلس‪.‬‬
‫َّ‬
‫فجلس وىو بغاية الفرح والسرور لشديد ؿببَّتو وتقديره لقائده ذلك الضابط الشجاع‪.‬‬

‫ابتسم السيد ؿبمد أمْب ث قاؿ‪ :‬يا أبا ؿبمد‪ ...‬أريدؾ أف تذيع وتنشر يف كل أرجاء القلعة بْب رجاؿ الدرؾ والضباط‬
‫ط ليس لسطوتو ّّ‬
‫حد وال عبربوتو ن ّد‪ ،‬فلقد كاف يعمل قائداً لفرقة‬
‫واؼبساجْب‪( :‬أف اؼبدير اعبديد للقلعة ضاب ٌ‬
‫"الكوماندوس" الفدائيْب‪ ،‬واآلف سلَّمتو اغبكومة الفرنسية ىذا اؼبنصب مستعينة بو لتضرب بقوة على أيدي السجناء‬
‫السوريْب وتُذيقهم على يديو الويْبلت‪ ،‬قل ؽبم‪ :‬فعبلً إنو ضابط ليس ككل الضباط‪ ،‬إذ إف لقبضتو اغبديدية من البأس‬

‫والقوة ما أف يضرب ّٔا أحداً حٌب يُفارؽ عاَف األحياء‪ ،‬فكما يُقاؿ ضربتو والقرب‪.)..‬‬

‫اتَّسعت حدقتا أبو ؿبمد دىشةً دبا ظبع من قائده وبدا االستغراب على وجهو ُمستنكراً ما ظبع ث قاؿ‪ :‬معاذ اهلل يا‬
‫سيدي أف أتكلَّم حبقّْكم ىذا الكبلـ‪ ...‬والذي ال أصل لو‪ ،‬فأنتم مثاؿ األخبلؽ والرضبة والرجولة اغبقَّة‪.‬‬
‫رد ضابطنا‪ :‬أيها الرجل الطيّْب اؼبخلص‪ ،‬بل على العكس إنك وبقدر تصويرؾ ِف اليوـ ّٔذا اؼبظهر تنفعِب غداً‪.‬‬
‫َّ‬
‫ُ‬
‫خرج أبو ؿبمد ُمذعناً ألمر القائد‪ ،‬لكن ال يزاؿ ُؿبتاراً ُمستغرباً ىذا األمر‪ ...‬إذ َف يفهم بَػ ْعد ما يرمي إليو سيده من وراء‬
‫أحس من خبلؿ نظرات قائده ونربات صوتو جبديَّة األمر وخطورتو وأنو على حسب ما ينفّْذ‬
‫نشر تلك القصة ولكنو َّ‬
‫اؼبرجوة‪ ،‬فاقتنع ونفَّذ‪.‬‬
‫تعليمات سيده سوؼ تَبتب وتُبُب النتائج َّ‬
‫* * *‬
‫بدأ أبو ؿبمد يُذيع ما أراده منو سيّْده يف كل مكاف يف القلعة والسجن بْب الضباط‪ ...‬الدرؾ‪ ...‬السجناء‪...‬‬
‫ذاع صيت السيد ؿبمد أمْب وشهرتو بالعنف والقسوة وشاع بْب كل األفراد يف القلعة وسجنها وتناقلو اعبميع بشيء من‬
‫اؽبيبة واغبذر‪ ...‬فبا َّ‬
‫أكد ؽبم صحة ىذا الكبلـ جدّْية ىذا الضابط‪ ،‬وأف مظهره ح ّقاً كاف كاألسد الكاسر‪.‬‬
‫ولكن ورغم كل ذلك الَبتيب العبقري والتدبّب الذي دبَّره السيد ؿبمد أمْب فذووا النوايا السوداء من امتطى الشيطا ُف‬
‫استمروا يف غيّْهم ومكرىم سادرين‪ ...‬إذ اجتمعوا وأصبعوا أمرىم على افتعاؿ وخلق‬
‫ظهورىم فأشعل اغبسد يف قلؤّم‬
‫ُّ‬
‫َ‬
‫ٍ‬
‫وزبل بالنظاـ العاـ وتشيع الفوضى فبا يُظهر ضابطنا "اؼبدير" دبظهر العجز‬
‫أحداث يف القلعة أو السجن تُثّب البلبلة ُّ‬
‫والفشل وبالتاِف ما يكشف عن عدـ كفاءتو القيادية وعدـ صبلحيَّتو ؽبذا اؼبنصب الرفيع‪.‬‬
‫وإف متَّ تنفيذ مؤامرهتم فستضطر اغبكومة الفرنسية إلقالتو من منصبو ىذا‪ ...‬وىذا ما قصدوه من أفعاؽبم‪ ...‬وما حسب‬
‫لو ضابطنا وتوقعو منهم‪.‬‬
‫* * *‬
‫أياـ قليلة وبينما كاف السيد ؿبمد أمْب هبلس دبكتبو‪ ...‬اقتحم بعض رجاؿ األمن بالسجن "الدرؾ" غرفتو‬
‫فما ىي إالَّ ٌ‬

‫ُمصفري الوجوه فبتقعْب وقالوا وىم يلهثوف‪:‬‬

‫سيدي‪ ...‬سيدي‪ ...‬إف أحد السجناء يف الزنزانة رقم (‪ )23‬الػ ُمع ّدة إلقامة احملكومْب باإلعداـ قد حصل على خنجر‬
‫دسو إليو أحد رجاؿ الدرؾ اؼبتآمرين وطعن بو سجيناً آخر وىو ال يزاؿ اآلف يهدّْد ويتوعد‪.‬‬
‫كاف قد ّ‬
‫فأمرىم بالقبض عليو فأجابوا‪ :‬إنو يطعننا إف اقَببنا منو‪ ...‬فهل تأمرنا بإطبلؽ النار عليو‪( .‬ىنا فهم اؼبؤامرة‪ :‬يريدوف قتل‬
‫آّرـ بأمره ليثبتوا عجزه عن ضبط السجناء وإيقاع جرـ قتلو برقبتو)‪.‬‬
‫ب لو سباماً وتوقَّع حدوثو‪ ،‬فما نسب صيت القسوة والبطش والعنف‬
‫لقد ربقَّق ظن ضابطنا وصدقت فراستو ووقع ما َح َس َ‬
‫إليو وذاعو يف القلعة والسجن إالَّ كإجراء إف َف يقف بوجو اؼبكر والتبلعب ويبنعو فسيكوف خطوة ومرحلة أساسية من‬
‫ترتيب وخطّة يبنع ّٔا الفوضى ويضبط النظاـ يف القلعة وسجنها دائماً وأبداً‪.‬‬
‫اغبساد عن افتعاؿ ىذه األفعاؿ‪ ...‬فقد عبؤوا إليصاؿ سك ٍ‬
‫ْب عن‬
‫وبالفعل فهذا اإلجراء الذي َّازبذه ما كاف وحده لّبدع َّ‬
‫طريق أحد أتباعهم من الدرؾ اؼبتآمرين إُف ذلك السجْب الذي طعن بو سجيناً آخر طعناً قاسياً فسقط أرضاً وسط‬
‫الزنزانة يسبح بربكة من دمائو‪ ،‬بينما تراجع صبيع السجناء والذوا باعبدراف خوفاً من سطوة وإجراـ ىذا السجْب الذي بقي‬
‫متنعماً دبنظر الدـ وأنْب اعبريح‪ ،‬وَف يعلموا أنو مدعوـ ومدفوع الفتعاؿ ىذا‬
‫حامبلً السكْب يضحك ضحكات ىستّبية ّْ‬
‫اعبرـ وإليقاع مدير السجن السيد ؿبمد أمْب ّٔذا الشرؾ‪.‬‬
‫وقوة َف يتفاجأ دبا ظبعو فصرفهم غاضباً‪ ،‬ونظر إُف أبو ؿبمد نظرات مبعثها‬
‫تقبَّل القائد السيد ؿبمد أمْب ىذا النبأ بثبات َّ‬
‫الثقة بالنصر على من أراد شيوع الفوضى وإخبلؿ النظاـ‪ .‬ث قاؿ‪:‬‬
‫أبو ؿبمد أيها الػ ُمخلص األمْب إذىب ومن فورؾ إُف تلك الزنزانة وقل لذلك آّرـ إف مدير السجن يأمرؾ بالقدوـ إليو‬
‫فوراً‪.‬‬

‫أْف ؼبثل ذلك آّرـ أف يستجيب وقد سبادى يف طغيانو‬
‫أجاب أبو ؿبمد‪ :‬ىيهات‪ ...‬ىيهات‪ ...‬سوؼ يرفض يا سيدي و َّ‬
‫وإجرامو!‪.‬‬
‫تتحرؾ من مكانك‬
‫َّ‬
‫رد عليو‪ :‬ما عليك أيها اؼبخلص‪ ...‬أنت بلّْغو ما أمرتك بو وانتظر قدومي ىناؾ طبس دقائق فقط وال َّ‬
‫حٌب أصل إليك‪.‬‬
‫ودسو يف القفل‬
‫فحيا قائده وىروؿ ُمسرعاً لتنفيذ األمر‪ ...‬وما أف وصل إُف الزنزانة حٌب أخرج من وسطو اؼبفتاح الضخم َّ‬
‫اغبديدي‪ ...‬فصرصر الباب وفتح‪ ...‬ونادى على آّرـ الشرس بصوت جهوري‪َّ :‬‬
‫إف مدير السجن يأمرؾ باغبضور إُف‬

‫مكتبو فوراً‪.‬‬
‫ظبع السجْب آّرـ كلمات "أيب ؿبمد"‪ ...‬فانفجر ضاحكاً كآّنوف‪...‬‬

‫ث قاؿ بكربياء وغرور‪ :‬يريدٓف أنا‪ ...‬أنا‪ ...‬أف آيت إليو!!‪ .‬ىا‪ ...‬ىا ىا‪.‬‬
‫تعالت قهقهاتو ثانية‪ ...‬يا للعار‪ ...‬يا للعار‪ ...‬أنا آيت إليو؟!‪ .‬ث بدأ يشتم ويسب مدير السجن بأقذع كلمات‬
‫السباب‪ ...‬وبعبارات نابية ُّ‬
‫تدؿ على سلوكيَّتو اؼبنحطة ودناءتو البلمتناىية‪...‬‬
‫أبو ؿبمد بقي واقفاً قرب باب الزنزانة‪ ...‬صامتاً‪ ...‬كابتاً ثورتو القوية ضد ىذا آّرـ اؼبتمادي‪ ...‬وذلك حسب تعليمات‬
‫ظن السجناء أف أبا ؿبمد ليس معو أمر بإطبلؽ النار على آّرـ كما ال هبرؤ على العودة إُف مدير السجن‬
‫قائده‪ ...‬وقد َّ‬
‫وجنب خوفاً من ىذا اؼبدير الذي كاف مدرباً للفدائيْب "الكوماندوس"‬
‫اعببَّار القوي رعباً من جربوتو بدوف آّرـ‪َّ ...‬‬
‫الرىيب فجمد يف أرضو‪...‬‬
‫وقوة كأنو يتقلَّع من صخر‬
‫َّ‬
‫مرت طبس دقائق ثقيلة على اعبميع حٌب ظبعوا صدى وقع جزمة ضابطنا األيب يبشي برجولة ّ‬
‫دبسدسيو وعيناه تقدح شرراً‪ُ ...‬منتصباً كأنو جبل يتحدَّى الرسوخ يف‬
‫إُف أف دخل الزنزانة والسيف على جنبو معلَّق و‬
‫ْ‬
‫رسوخو‪...‬‬

‫ح ّقاً كاف منظره ُمهيباً‪ ...‬ث جلجل صوتو كالرعد القاصف يف اؼبكاف ُـباطباً الدركي أبا ؿبمد‪ :‬ووبك‪ ...‬ووبك‪...‬أما‬
‫أمرتك أف ُربضر ِف ذلك الكلب اػبسيس اغبقّب وعلى الفور؟‪ .‬أَفعصيت أمري!‪.‬‬
‫ملقى على األرض على بعد‬
‫وبسرعة الربؽ وبراحة يده لطمو لطم ًة قويةً على وجهو كاف لصدى وقعتها طنْب‪ ...‬قذفتو ً‬

‫مَبين ُمنكباً على وجهو بعدما انتثر من فمو زوج من األسناف‪ ...‬واصطبغت شفتاه حبمرة الدماء‪ ...‬كانت صدمة‬
‫رىيبة‪َ ...‬ف هبلس بعدىا‪ ،‬بل بقي فبدَّداً من أثر الصدمة اؼبعنوية ال اؼباديَّة ح ّقاً مصعوقاً وقد سيطر عليو الذىوؿ‬
‫واالستغراب‪ ...‬يكاد ال يصدّْؽ ما حدث‪...‬‬
‫بينما ساد اؼبكاف صمت رىيب وبدا االستغراب والدىشة على وجوه صبيع الشهود من السجناء والدرؾ‪...‬‬
‫َف يكن ذلك باغبسباف أبداً أبداً‪ ...‬ناىيك عن أف األعراؼ العسكرية السائدة يف ذلك الوقت تعترب شتم دركي أماـ اؼبؤل‬
‫"الناس" جريبة نكراء مهما كانت الدواعي واألسباب‪ ...‬فكيف بضربو؟‪.‬‬
‫لقد أدرؾ اعبميع اآلف قيمة الكلمات الٍب ظبعوىا عنو وأيقنوا دبصداقيَّتها‪ ...‬عندما شاىدوا ىذه اغبادثة الرىيبة‬
‫تأخره يف تنفيذ األوامر‪ ...‬ورغم أف ىذا التأخّب كاف خارجاً عن‬
‫وحبق من؟!‪ّْ .‬‬
‫العجيبة‪ّْ ...‬‬
‫حبق رجل أمن (دركي)!‪َّ .‬‬
‫وّٓرد ّ‬

‫إرادتو!!‪ .‬فكيف سيكوف عقاب سجْب ُمستحق ويف القلعة‪ ...‬إف َف يطع األوامر؟‪.‬‬

‫إذاً صحيح ما ُروي عن قسوتو وبطشو‪ ...‬إف ضربتو والقرب ال يعرؼ أحداً عند ـبالفة األوامر‪ ،‬وال يكَبث بقانوف وإنو‬
‫مدعوـ!!‪ .‬صحيح إنو قائد فرقة "كوماندوس"‪ ...‬أال إنو أشد وأقسى قائد!‪.‬‬

‫وفعبلً‪ ...‬الويل‪ ...‬الويْل ؼبن ُىبالفو‪ ...‬ال َّ‬
‫بد أف ىذا ما دار ِخبَلَ ِد كل واحد من الذين شاىدوا ىذه اغبادثة من‬
‫السجناء‪...‬‬
‫ساد اؼبكاف صمت رىيب‪ ...‬فلقد أخرس ىوؿ ىذا اغبادث اعبَ ْم َع‪ ...‬وأخذت منهم اؼبفاجأة كل مأخذ وسيطر اؽبلع‬
‫َ‬
‫والرعب عليهم صبيعاً‪...‬‬
‫كل ىذا وَف ينظر السيد ؿبمد أمْب إُف آّرـ القاتل‪ ،‬لكنو كاف يلمحو بطرؼ عينو بدقَّة‪...‬‬
‫بعدىا وكقصف الرعد انطلق صوتو آمراً السجناء باػبروج من الزنزانة‪ ...‬فامتثلوا لؤلمر مرعوبْب‪ ...‬صاغرين‪ ...‬وراحوا‬
‫ىبرجوف‪ ...‬الواحد تلو اآلخر‪.‬‬
‫يفر‪ ...‬بأف يندس بْب صبهرة السجناء وبذلك يتوارى عن أنظار ضابطنا اؼبهاب‪،‬‬
‫بتلك األثناء أشار بعضهم للمجرـ أف َّ‬
‫ُ‬
‫وكانوا أصدقاءه‪ ...‬ففعل‪.‬‬
‫ىبف عن ثاقب بصر السيد ؿبمد أمْب وعظيم نباىتو فقد كاف يُرافقو بطرؼ بصره ِخ ْفيةً وبدقٍَّة متناىية‬
‫لكن ذلك َف َ‬
‫وبشكل غّب مباشر من قبل أف يرمي السكْب إُف أف رماىا‪...‬‬
‫واندس بْب صبهرة آّرمْب‪ ...‬اؼبتتالْب باػبروج‪ ...‬إُف أف جاء دوره باػبروج‪.‬‬
‫مر أماـ ضابطنا وذباوزه خبطوة أو اثنتْب حٌب تبعو ضابطنا السيد ؿبمد أمْب وسار خلفو كظلّْو وحبركة خاطفة َّ‬
‫مد‬
‫وما أف َّ‬
‫قدمو من خلفو إُف أماـ كلتا رجليو "للمجرـ" اؼبتحركتْب فاشتبكت باالثنتْب‪ ...‬عندىا وبنفس اللحظة كانت يده هتوي‬
‫بقوة على ظهر ىذا آّرـ فانطرح على األرض قطعة واحدة‪ ...‬فهل ىذه قوة بشرية!‪ .‬ىذا ما تناقلو آّرموف السجناء وىم‬
‫َّ‬
‫مصعوقوف‪.‬‬
‫عندىا اهناؿ عليو ضابطنا السيد ؿبمد أمْب ضرباً وركبلً‪ ..‬ووطءاً فأغمي عليو‪ ،‬ث نادى رجاؿ الدرؾ اعببناء اؼبتآمرين‪...‬‬
‫وأمرىم بسحب ذلك آّرـ إُف سجن السجن "السيلوؿ"‪.‬‬
‫* * *‬
‫استقرت حقيقة اؽبلع يف قلوب اعبميع‪ ...‬فلقد أيقنوا سباماً أف‬
‫عم اػبوؼ والفزع القلعة دبن فيها بعد أف شاع اغبدث‪ ...‬و َّ‬
‫َّ‬
‫كل من يقع ربت بطش قبضة ىذا اؼبدير اعبديد ال تقوـ لو بعدىا قائمة‪.‬‬
‫ؾبرد الضربة اؼبرعبة‪...‬‬
‫إذ َف يلحظوا اشتباؾ رجلي آّرـ برجل الضابط الٍب َّأدت لسقوطو دفع ًة واحدة على وجهو وظنّوىا َّ‬
‫الرىيبة ىي الٍب َّأدت إُف سقوطو القاسي ىذا‪.‬‬
‫فقالوا يا اهلل ما أقواه!‪.‬‬

‫وكمرحلة أخرى يف ىذا التدبّب العبقري‪ ...‬قاـ بعدىا بزيارة لزنزانات القلعة وسجنائها‪ ،‬وكانت بعض زنزاناهتا تتسع غبواِف‬
‫وتوجو كبوىم بوجو جدي‬
‫مئة سجْب‪ ...‬فبدأ يصوؿ وهبوؿ يف ميداهنا‪ ...‬نزع رتبتو العسكرية ث مشَّر عن ساعديو َّ‬
‫كاألسد اؼبستنفر وقاؿ‪:‬‬
‫ُ‬
‫إنِب أضع العسكرية وقواعدىا جانباً‪ ،‬ومعلوـ يا شباب أف ‪ %66‬فبَّن يدخل السجوف ىم من الشرفاء األبطاؿ ( مع أنو‬
‫يعلم أف اغبقيقة ىي العكس )‪ ...‬ومضى يقوؿ‪ :‬ولكن ىا أنا ذا أنزع رتبٍب لنلعب بروح رياضية وكشباب‪ ...‬واآلف أي‬
‫يتحمل من قبضٍب ضربة واحدة ويبقى ثابتاً فسأمنحو االمتياز على كافّة السجناء وأجعلو طليقاً يف القلعة كلّْها على‬
‫من َّ‬
‫السواء طواؿ النهار كما وأغمره باإلكراـ واإلنعاـ‪.‬‬
‫يتجرأ أحدىم أف يقبل‬
‫ظبع اعبميع ىذا التحدي واإلغراء‪ ...‬لكنهم َجبَّنوا صبيعاً ذباه ما رأوا منو وما ظبعوا عنو‪ ،‬وَف َّ‬
‫بطشو‪.‬‬
‫التحدي‪ ،‬إذ صعقتهم ىيبتو وأفزعهم ُ‬
‫ؤّذه اػبطّة الغاية يف االتقاف واغبنكة‪ ...‬واغبكمة البالغة استأصل ىذه الفتنة من جذورىا وحفر ؽبا قرباً أودعها فيو‪...‬‬
‫األمن فيها وساد النظاـ وبقي السيد ؿبمد أمْب غيظاً يف قلؤّم‪.‬‬
‫ومن بعدىا دانت لو القلعة و َّ‬
‫استتب ُ‬
‫* * *‬
‫جاء اآلف دور أيب ؿبمد اؼبسكْب‪ ...‬فقد أرسل إليو يدعوه إُف اؼبكتب‪.‬‬
‫أتى حزيناً‪ُ ...‬منكسر القلب‪ ...‬بائساً‪ُ ...‬متسائبلً‪ ...‬مستغرباً‪ُ ...‬مستنكراً ما حدث‪ ...‬ولساف حالو يقوؿ‪:‬‬

‫أنا من أحبُّك‪ ...‬وأ ِ‬
‫كنت لك أطوع من بنانك‪ ...‬أنا يا سيدي‪ ...‬أنا يا‬
‫ْ‬
‫ُخلص لك اإلخبلص كلّو وأتفاْف يف خدمتك و ُ‬
‫سيدي‪ ...‬تفعل يب ما فعلت!!‪ .‬وَف ِ‬
‫أعص لك أمراً؟‪.‬‬

‫قاؿ لو ضابطنا بلهجة تقطر حناناً وتفيض رضبة ولطفاً‪:‬‬
‫من اؼبؤَّكد أنك حزين ؼبا جرى‪ ...‬فلم ُِهبب أبو ؿبمد بكلمة‪ ...‬ث تابع ضابطنا بلهجتو اللطيفة‪ ،‬الٍب غمرتو باغبناف‪:‬‬
‫يا أخي قد كنا أنا وأنت يف شرؾ وكارثة ؿبقَّقة وخط ٍر رىيب وَف يكن بوسعي الجتياز ىذا اػبطر والقضاء على الفتنة الٍب‬
‫بدأت تظهر يف القلعة دبك ِر و ِ‬
‫كيد اغباسدين‪ ...‬إال أف أفعل ما فعلت‪...‬‬
‫كل ما بو من سوء‪ ...‬وأخرج من جيبو لّبتْب ذىبيتْب ناولو لّبة ذىبية عن‬
‫ث الطفو بأعذب الكبلـ وأرقَّو حٌب مسح عنو َّ‬
‫سجل‪...‬‬
‫كل سن فقده‪ ...‬وَف يكتف بذلك‪ ،‬بل منحو إجازة طويلة مفتوحة إلصبلح أسنانو لشهر كامل ال تُ َّ‬
‫البشر وبدا‬
‫السرور يطفح من عينيو وانطلق صوتُو جزوالً يفوح أمبلً‬
‫ُ‬
‫عندىا اتَّسعت حدقتاه من الرضا والفرح وغمره ُ‬
‫وحبوراً‪ :‬إذا كاف األمر كذلك يا سيدي فاضربِب أيضاً وزدٓف ذىباً وإجازات‪ ...‬فضحك ضابطنا اغبكيم‪.‬‬

‫ث حيَّاه وخرج من عنده يتهادى يف مشيتو طرباً وفرحاً‪ ...‬وىكذا استوت األمور يف القلعة على اعبودي‪ ...‬وخيَّم فوؽ‬
‫أسوارىا‪ ...‬طائر األمن والسبلـ حٌب حْب‪.‬‬

‫‪‬‬

‫ونطل اآلف على واقعة أخرى من وقائع السيد ؿبمد أمْب جديدة كل اعب ّدة غريبة كل الغرابة‪ ،‬فحينما كاف ذلك اإلنساف‬
‫ُّ‬
‫اؼبخصصة لزيارة السجناء من قبل عائبلهتم وذويهم‬
‫يشغل منصب مدير لسجن القلعة يف دمشق ويف يوـ من األياـ‬
‫ّ‬
‫السجانْب بالسماح لزوجات السجناء باالختبلء بأزواجهن لفَبة قصّبة من الزمن يف غرؼ انفرادية‬
‫أصدر أمره للدرؾ َّ‬
‫مغلقة‪.‬‬
‫وىذا األمر ليس وارداً يف قوانْب السجوف سابقاً أو الحقاً فأعرب الدرؾ عن استنكارىم واستيائهم الشديد ؽبذا األمر‪،‬‬
‫اجهن‪.‬‬
‫واعتربوه انتقاصاً من كرامتهم أف يقوموا حبراسة السجناء بينما ىم يف خلوهتم مع أزو َّ‬
‫فما كاف من ذلك اإلنساف الشهم‪ ،‬الضابط الكبّب إالّ أف أخذ سبلحاً وقاـ بنفسو بدور حارس (جندي صغّب)‪ :‬متنكباً‬
‫بندقيتو يذرع اؼبكاف جيئة وذىاباً أماـ غرؼ السجن االنفرادية الٍب استعملها للخلوات بْب األزواج السجناء ونسائهن‬
‫مدة الزيارة خبطوات عسكرية نظامية رتيبة إُف أف انقضى وقت الزيارة وعاد السجناء إُف مهاجعهم‪ ،‬عندىا صبع رجاؿ‬
‫السجانْب وخاطبهم بلهجة آمرة عسكرية قائبلً‪:‬‬
‫األمن َّ‬
‫سجاف وِف الفخر باألمر باؼبعروؼ والنهي عن الفحش‪ ،‬بدعم‬
‫ىا أنا مدير السجن والقلعة قمت بذايت بدور حارس َّ‬
‫اغببلؿ وإزىاؽ اغبراـ‪ .‬فمن منكم اآلف يَبفَّع عن ىذه اغبراسة سيكوف نصيبو العقوبات الصارمة‪.‬‬
‫ِ‬
‫لعل الزوج حباجة ألف ترتق لو لباسو أو ربدّْثو بأمور عائلية‬
‫َفَ تنظروف دبعيا ٍر منحط ؽبذه اػبدمة اإلنسانية الٍب حلَّلها اهلل‪ ،‬و َّ‬

‫السجانْب وعلى مسمع من السجناء!‪.‬‬
‫البوح ّٔا أماـ َّ‬
‫خاصة ال تستطيع ْ‬

‫ىناؾ ُح َّق اغبق ورجعوا إُف تأدية ىذه الوظيفة اإلنسانية راضْب أو راغمْب‪.‬‬
‫إذ بعد ىذه احملاضرة وبعد أف رأى الدرؾ أف قائدىم قاـ بنفسو بذلك الدور رضخوا لؤلمر الواقع‪.‬‬
‫ولقد أدرؾ ذلك الضابط السيد ؿبمد أمْب بفطنتو البالغة واستنارتو بربّْو أبعاد ذلك العمل اإلنسآف‪ ،‬إذ إف ىناؾ أمور‬
‫عائلية بْب الزوج والزوجة ال يستطيع السجْب البوح ّٔا أثناء الزيارة وعلى مرأى ومسمع من الناس‪.‬‬
‫كما أف ىذا العمل ال يتناىف مع اؽبدؼ الذي من أجلو ُوضعت السجوف اإلصبلحية وال يتناىف مع الرضبة اإل ۤؽبية‪ ،‬حيث‬

‫إف السجن وضع باألصل لغاية اإلصبلح وليس ؽبدـ األسرة وىدـ النفوس البشرية‪.‬‬

‫كما أف عدـ السماح للسجْب باػبلوة بزوجتو فَبة من الزمن ينتج عنو يف أغلب األحياف شيوع الفاحشة بْب السجناء‬
‫صن السجْب‬
‫واالكببلؿ األخبلقي والشذوذ اعبنسي والتدىور اؼبريع يف الدين واألخبلؽ‪ ...‬بينما ىذه الصلة البسيطة ُرب ّْ‬
‫وتنمي‬
‫من تلك البشاعات‪ ...‬وربفظ أيضاً زوجات السجناء من الشطط واالندفاع وراء الفاحشة فَبة ابتعاد األزواج‪ّْ ...‬‬
‫وتشد السجْب ألسرتو واإلقبلع عن كل ما يبعده عنها من إجراـ أو ار ٍ‬
‫األمل يف نفوس الطرفْب على السواء‪ُّ ...‬‬
‫تكابات‬
‫ُ‬
‫مشينة فتفتح باب التوبة على مصراعيو ح ّقاً‪.‬‬
‫‪‬‬

‫وفُتح الباب ليسفر عن ٍ‬
‫غرفة يف منتهى اعبماؿ والروعة‪...‬‬
‫َ‬
‫كل ما فيها وازدىر‪...‬‬
‫وقد اخَبقت أشعة الشمس نوافذىا فَباقص ُّ‬
‫اعبو فيها خفيفاً ولطيفاً‪...‬‬
‫وتفاعل نورىا مع خضرة النبات فجعل َّ‬
‫لتبلمس الضياءَ‪...‬‬
‫أعناؽ الورود‬
‫وعلت ُ‬
‫َ‬
‫ففاح عبّبُىا وعانَق السماء‪.‬‬
‫وتقطف منو دفئاً ّْ‬
‫يلو ُف خدودىا ويقوي َ‬
‫َ‬
‫عود َىا‪َ ...‬‬
‫عصافّب رشيقةٌ اشَبكت يف تغريد غب ِن العذوبة وأنشودة اللقاء‪...‬‬
‫وذبمعت‬
‫ٌ‬

‫وخطا السجْب داخل ِ‬
‫الغرفة خطوتو األوُف‪...‬‬
‫ُ َ‬

‫* * *‬
‫وترو وال يلبث أف يلفَّنا بردائو ويسَبنا‬
‫يف كل يوـ عندما يأيت اؼبساء‪ ...‬ويبدأ الظبلـ بالزحف إلينا من ناحية الشرؽ ببطء ي‬
‫حامبلً معو اؽبدوء والسكوف‪ .‬لنناؿ قسطاً من الراحة واالسَبخاء فيجدّْد كل واحد منا نشاطو وينفض عنو عناء اليوـ‬
‫وتعبو‪ ،‬وتبدأ النسمات اللطيفة بالعبور إلينا مشبعة بالرطوبة والنقاء‪ ...‬فننتعش ومبؤل صدورنا من ىوائها العذب الصايف‪...‬‬
‫اؼبخصص‬
‫حي يف عاؼبو‬
‫َّ‬
‫وىبلد الكل إُف النوـ بأماف وسبلـ‪ :‬الطيور يف أعشاشها‪ ...‬واغبشرات يف أوكارىا‪ ...‬وىكذا كل ّ‬
‫لو والذي فُ ِطَر على التكيُّف معو‪...‬‬

‫وينزؿ علينا سلطاف النوـ فنستسلم لو برغبة وشوؽ ألف فيو راحتنا ومن بعده نقطة انطبلقنا لنكمل حياتنا جبد ونشاط‬
‫متجدد وروح منطلقة حرة‪...‬‬
‫وتشرؽ الشمس علينا من جديد‪ ...‬مشس متَّقدة منذ آالؼ السنْب‪ ،‬دافئة منّبة‪ ،‬وتعود األرض إُف حركتها ونشاطها‬
‫وىبَبؽ الدؼء كل ذراهتا متسلّْبلً إُف أعماقها‪ ...‬وتسقط أشعة الشمس على األرض فتحيا وعلى الشجر فيخضر وينمو‬
‫وعلى الَباب فيتغذى وعلى الثمر فينضج‪ ...‬وعلى البحر فتتبخر مياىو ويتصاعد خبارىا على جناح الرياح خبفة ورشاقة‬
‫ليتوضَّع يف السماء وتتشكل الغيوـ على طبقات‪ ...‬وما أف تكتمل ضبولتها حٌب سبسك الرياح بلجامها فتسّب يف رحاب‬
‫جل وعبل أف تُروى وتُسقى أرضها العطشى‪...‬‬
‫اهلل بسهولة ويسر إُف بلد شاءت إرادتو َّ‬
‫وتشتد زرقة السماء ويزداد صفاؤىا‪ ...‬وتعود الطيور ربلّْق فرحةً جذول ًة بالنور‪ ...‬تعيش يف نعيم تغرد يف سرور‪ ...‬ما أبدع‬
‫الضياء‪ ،‬ما أعظم اػببلؽ!‪.‬‬
‫معربة عن حبها ووالئها ؽبذا اإللۤو القادر اؼبقتدر العظيم‪ ...‬ساجدة‬
‫وتسبّْح الكائنات حبمد اهلل‪ ...‬مقدّْسة ىذا العطاء ّْ‬
‫على أعتاب العزيز مؤدية وظيفتها طمعاً بالرضا والعيش اؽبِب الكرٔف وىكذا دواليك‪ ...‬أرض تدور ساحبة يف الفضاء‪...‬‬
‫الوىاج الذي ال ينطفئ أبداً‪ ،‬بل ال يغيب وال ىبيب‪ ...‬ومن حوؽبا‬
‫ترفدىا بالعطاء ىذه الشمس العظيمة ذلك السراج َّ‬
‫سبر األرض بالفصوؿ األربعة لتعود‬
‫قمر وكواكب وأجراـ‪ ،‬والكل مرتبط ببعضو فبل خلل وال اعتداء‪ ...‬حٌب تكتمل الدورة و ُّ‬

‫َّ‬
‫لتخط سنة جديدة يف كوهنا العظيم وتتواُف علينا نعم اهلل دوف انقطاع أو تقصّب‬
‫من جديد حيث بدأت أوؿ مرة‪...‬‬
‫ويعيش الكل اغبياة كأمبا خلقنا بعد النوـ من جديد‪.‬‬
‫وأنت أيها اإلنساف ألست ـبلوقاً مثل باقي اؼبخلوقات الٍب خلقها اهلل نفساً ؾبردة‪ ،‬ث خلق ؽبا ىذا اعبسد وألبسها‬
‫إياه‪ ...‬وجعل لك ىذه اغبواس لتستطيع بواسطتها التأقلم مع الطبيعة والتعايش مع ماديَّاهتا وؿبسوساهتا‪ ...‬فعينك الٍب‬
‫تُبصر ّٔا‪ ،‬وأذنك الٍب تسمع ّٔا‪ ،‬وأنفك الذي تشم بو‪ ،‬ولسانك الذي تتذوؽ بو وتستطيع أف تعرب بواسطتو عما هبوؿ‬
‫يف نفسك من أحواؿ وىكذا إذا ذىبت تفكر يف كل ىذا‪ ،‬يف آلية اعبسد وتركيبو لوجدت خلقاً وتركيباً عجيباً‪.‬‬
‫وتتعرؼ على كل ىذا لتستطيع‬
‫أال هبدر بك أيها اإلنساف الضعيف اؼبفتقر دوماً إُف راعيك وفبدؾ أف تفكر يف كل ىذا َّ‬
‫من خبلؿ تفكّبؾ واىتمامك الوصوؿ إُف عظمة اهلل وقدرتو العالية اغبكيمة الٍب صاغتك على أبدع حاؿ وأصبل صورة‪،‬‬
‫مسخرات بأمر‬
‫مكرـ عند ربك مَبفع على كل ـبلوقات األرض والكائنات!‪ .‬والٍب كلها لك َّ‬
‫سوي َّ‬
‫فإذا أنت إنساف ّ‬
‫ؿببّْك بارئك!‪.‬‬
‫تتعرؼ ّٔا على ما وبيط‬
‫وىذه النفس الٍب َف تكن شيئاً مذكوراً‪ .‬من أوجدىا وأبرزىا إُف حيّْز الوجود وجعل ؽبا اغبواس َّ‬
‫جهزىا بتلك اؼبلكات من تفكّب وذاكرة وزبيُّل وإدراؾ!‪.‬‬
‫ّٔا‪ ،‬ومن َّ‬

‫ومن الذي جعل فيها تلك الغرائز والطباع من خوؼ وسرور‪ ...‬وفرح وحزف‪ ...‬ورضا وغضب‪ ...‬وجعل ؽبا الشعور‬
‫باللذائذ واآلالـ‪ ..‬وىذا العقل الذي تعقل بو اػبّب من الشر‪ ،‬والنافع من الضار!‪.‬‬
‫جل وعبل حْب خلق النفس البشرية خلق فيها الشهوة والذوؽ‪ ،‬وىذه الشهوة تُعترب من سباـ نعمة اهلل على اإلنساف‬
‫إف اهلل َّ‬
‫وكماؿ فضلو وإحسانو إليو‪ ...‬إذ أنو لوال الشهوة ؼبا عرؼ نعمة اهلل وؼبا ذاؽ اإلنساف لذة وؼبا وجد للحياة طعماً‪ ،‬بل‬
‫كاف أشبو باعبماد‪.‬‬
‫يف اغبقيقة كل شهوة يبكن الوصوؿ إليها عن طريقْب طريق ملتوية يستعجل فيها اإلنساف للحصوؿ على ما يريد ولو‬
‫سلك إُف ذلك طريقاً دنيئة حقّبة غّب مكَبث بالقوانْب واغبُرمات‪ :‬يعود فيها األذى والضرر على صاحبو بالشقاء وعلى‬
‫آّتمع اإلنسآف بالتخريب والفساد‪.‬‬

‫وطريق شريفة مفيدة يبشي ّٔا اإلنساف بنور اهلل وتقواه فتعود على صاحبها بالسعادة والسرور وعلى آّتمع باػبّب‬
‫والصبلح‪.‬‬
‫يتخل عنها ويدعها تتيو يف غيابة الشهوات الٍب‬
‫إف اهلل سبحانو وتعاُف عندما خلق األنفس وأخرجها إُف حيّز الوجود َف َّ‬
‫تضل عن سعادهتا وخّبىا وال تعود تستطيع الرجوع‬
‫قد تقودىا إُف اؽببلؾ إذا ىي سلكت طريق الباطل والرذيلة وبذلك ُّ‬

‫أو اإلقباؿ على بارئها وموجدىا‪.‬‬
‫وتتعرؼ على‬
‫بل إنو صبغها على حب الكماؿ الذي بو تستطيع التمييز بْب اػبّب والشر وتدرؾ طريق اغبق والفضيلة ّ‬
‫الطريق السوي الذي هبب أف تسلكو لتحصل على شهوهتا فتُجنَّب كل ضرر وأذى وتعيش يف غُب عن الشقاوة‬
‫والعذاب‪.‬‬
‫وما من إنساف إال ويف نفسو ىذه احملكمة الداخلية اؼبعنوية الٍب تساعده على اغبكم على األشياء الٍب تصدر عنو أو عن‬
‫الغّب وتصنيفها ضمن األعماؿ الفاضلة أو األعماؿ الرذيلة‪.‬‬
‫قاؿ تعاُف‪{ :‬ثَ ًِ ا ِإلٔ َغ ُ‬
‫ص‪َ ١‬شح ‪ ٌََْٛٚ ،‬أَ ٌْمَ‪َ َِ ٝ‬ؼب ِر‪َ ٠‬شُٖ}(‪.)8‬‬
‫بْ َػٍَ‪ْ َٔ ٝ‬ف ِغ ِٗ ثَ ِ‬
‫وبذلك يكوف اإلنساف قد ُخلق يف أحسن تقؤف دبا فطره اهلل عليو من استعداده الشتقاؽ الصفات الكاملة من ربو‬
‫اشتقاقاً عظيماً‪ .‬وجعل لو القابلية للتحلّي بالفضيلة والكماؿ‪ ،‬وزيَّنو بالفكر واؼبلكات ومنحو من البصائر وساؽ لو من‬
‫ربمبلً من أنفس صبيع الكائنات واؼبخلوقات على ربمل‬
‫اآليات فكانت بذلك نفسو أشد قدرة وأصلب عوداً وأكثر ُّ‬

‫) سورة القيامة‪ :‬اآلية (‪.)82-81‬‬

‫(‪8‬‬

‫التجلّيات اإل ۤؽبية وشهود الكماالت الٍب فُ ِطَر على حبّْها وبذلك يستطيع السمو بنفسو والفوز بالسعادة األبدية واغبياة‬
‫اغبقيقية اػبالدة‪.‬‬
‫فالذي خرج عن طريق اغبق وحاد عن سبيل سعادتو باهلل تتولّد يف نفسو الشهوات اػببيثة وتبدأ ربدّْثو بالشرور واػبطايا‬
‫اؽبم‪ ،‬وما لو يف‬
‫حٌب ينغمس بالرذيلة ويعود عليو إعراضو وعملو اؼبنحط باػبيبة واػبسارة فما لو يف الدنيا إال التعاسة و ّ‬
‫اآلخرة إال اػبزي والعار‪.‬‬
‫وإنك لتجد اؼبقبل على ربّْو مطمئن القلب ال يباِف بشيء وال ىباؼ اؼبوت لعلمو وثقتو أنو غّب مقَبؼ عمبلً دنيئاً‬
‫فتعرؼ على الذات العلية معرفة عالية‬
‫يستحق القصاص‪ ،‬وظبو سّبه الذي قاده إُف التقوى والبعد عن كل ضرر وأذى‪َّ ،‬‬
‫قصرت عنها باقي اؼبخلوقات فبل السماء وال األرض وال اعبباؿ وال األهنار‪ ...‬وال الشمس وال القمر حٌب وال اؼببلئكة‬
‫ربمل التجلّْيات اإل ۤؽبية وشهود الكماالت الٍب انطوت ربتها أظباء الذات العلية كما استطاع‬
‫اؼبقربوف استطاعوا ُّ‬
‫الكراـ َّ‬
‫اإلنساف الكامل أف ينالو منها‪.‬‬
‫ويف اغبديث القدسي الشريف‪:‬‬
‫عبدي المؤمن»‪.‬‬
‫«ما وسعني أرضي وال سمائي‪ ،‬ولكن وسعني قلب‬
‫َ‬
‫حراً‪ُ ...‬خلقت لتكوف‬
‫فمن أجل ذلك ُخلقت أيها اإلنساف‪ ...‬من أجل العزة والطهارة واإلنعاـ‪ُ ...‬خلقت لتكوف ّ‬
‫سلطاناً‪.‬‬
‫إُف ذلك ُخلقت‪ ...‬من أجل شهودؾ الكماؿ والتنعم برؤية األظباء اغبسُب رؤية ذبعلك تسبح يف ذلك اعببلؿ‪ ...‬والتمتُّع‬
‫بذلك الكنز العاِف أبد اآلباد‪.‬‬

‫وعرفتهم بي‪ ،‬فبي عرفوني»‪.‬‬
‫ويف اغبديث القدسي الشريف‪« :‬كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق َّ‬
‫وإُف ذلك دعى الرسل الكراـ صلوات اهلل عليهم أصبعْب‪ ...‬إُف ذلك ضبلوا الرسالة وأُرسلوا رضبة للعاؼبْب‪ ...‬ليدعوا إُف‬
‫الدين اغبق وىو طاعة اهلل وحده واتّْباع أوامره‪ ...‬واالنتهاء عما هنى عنو‪ ،‬فالرسل صبيعاً أدالّء على اغبق‪ ...‬واغبق واحد‪.‬‬
‫جل وعبل ىو اػبالق العليم‪ ...‬ولو وحده اغبق يف ىداية خلقو‪ ...‬وعلى الناس أف يعبدوه ـبلصْب لو الدين ويق ّدموا‬
‫فاهلل َّ‬
‫بْب يديو من األمواؿ واألعماؿ ما هبعلهم مائلْب إُف رّٔم باحملبة اػبالصة الصادقة طمعاً حبنانو ورأفتو واغبصوؿ على حبو‬
‫ومغفرتو ونواؿ فضلو العاِف الرفيع وجنَّاتو‪.‬‬

‫وكذلك أمر اهلل الناس على لساف رسلو الكراـ أف ينتظموا يف ٍ‬
‫صف واحد فيعبدوا ويطيعوا إ ۤؽباً واحداً‪ ...‬ويطيعوا رسولو‬
‫َ‬
‫الذي ما جاء إال باغبق‪ ...‬وما يبغي للناس إالَّ اػبّب‪ ...‬وما غايتو إالَّ سعادهتم وإرشادىم إُف رّٔم وتذكّبىم بالعهد الذي‬
‫تطوع اإلنساف حبملها واإلخبلص ؽبا‪.‬‬
‫قطعوه لرّٔم يوـ خلق األنفس صبيعاً وعرض عليها األمانة الٍب َّ‬
‫اغبرة اغبقيقية ومن أعرض عنو خسر نفسو وما أعدَّه اهلل‬
‫وتعرؼ إليو فقد فاز بالسعادة األبدية واغبياة َّ‬
‫فمن أقبل على ربو ّ‬

‫لو من عطاء يف اعبناف وأصبح مع أسفل السافلْب وسبتد بو ىذه السفالة ويستمر عليو ذلك اغباؿ إُف أف يُصار بو إُف‬
‫النار‪ ...‬إُف حيث اؼبعاعبة واؼبداواة‪ ...‬فخسارتو‪ ،‬وىذا حالو‪ ..‬ما بعدىا خسارة‪.‬‬

‫أما اآلف فأنتم معنا يف جديد إُف وقفة مع اغبق‪ ...‬مع صاحب النزاىة والشرؼ‪.‬‬
‫* * *‬
‫قاـ ضدَّه رجل عنكبوت استحوذ على قلبو الشيطاف‪ ...‬وراح وبيك لو مؤامرات وخططاً مزيناً لو أعمالو‪ ...‬ؿبلّْبلً لو‬
‫ِ‬
‫حل‬
‫بالعزة واغبياة‪ ...‬حٌب أصبح يسّب يف األرض فيعيث فيها فساداً ويوقع األذى والضرر أينما َّ‬
‫اػبطايا والذنوب‪ ...‬يَع ُده ّ‬
‫وارربل‪.‬‬
‫واستسلم بكلّْيتو ؽبذه الشرور‪ ..‬وأضحى م ْلكاً للشيطاف وسبلحاً بْب يديو لتنفيذ مآربو يف تضليل بِب اإلنساف وإبعادىم‬
‫عن مصادر اػبّب واغبق والسرور وامتؤل قلبو حقداً وبغضاً‪ ،‬وصار يرى النعمة على غّبه فيستهويها‪ ،‬يتمُب لو أف ما يف‬
‫وعز عليو أف يتنازؿ عن شهوات‬
‫األرض من نِع ٍم وماؿ وملذات تصبح م ْلكاً لو يصرفها كيفما يشاء وأراد‪ ،‬وأعجبتو نفسو َّ‬
‫دنيئة غلبتو و َّ‬
‫وعف عن كل إحساف‬
‫سبكنت من قلبو الذليل‪ ،‬وعاش يف الظبلـ‪ ،‬وازداد قلبو يف االسوداد وكره كل معروؼ َّ‬

‫حٌب حجبتو شهواتو ىذه عن النور الذي بو يرى اغبق وأصبح ال يبيّْز بْب اػببيث والطيب‪ ،‬بل يفعل كل ما يُطلب منو‬
‫يأمره بو ىواه السقيم‪ .‬قاؿ تعاُف‪:‬‬
‫وكل ما ُ‬

‫ذ رَ ُى ُ‬
‫ْذ َِ ِٓ ارَ َخ َز إٌَِ‪َٛ َ٘ َُٗٙ‬اُٖ أَفَؤ َ ْٔ َ‬
‫{أَ َس َء‪َ ٠‬‬
‫‪َ ْٛ‬ػٍَ ْ‪ِ َٚ ِٗ ١‬و‪١‬ال}(‪.)8‬‬
‫وَفَ ال أكوف أنا السيد‪ ..‬سيد ىذا الزماف‪ ..‬أوليس دبقدوري أف أصبح رجبلً المعاً مشهوراً يتحدَّث التاريخ عِب‪ ..‬سأعمل‬

‫اياي ومواىبو أظبى من مواىيب‪ ،‬إنو‬
‫كل ما بوسعي ألحطّْم ذلك الرجل الذي يفوقِب ومزاياه اغبسُب خّب بكثّب من مز َ‬
‫العقبة الوحيدة الٍب تعَبض طريق قباحي‪ ،‬إٓف أحسده‪.‬‬
‫* * *‬

‫) سورة الفرقاف‪ :‬اآلية (‪.)10‬‬

‫(‪8‬‬

‫وبالفعل َف يدع ىذا فرصة تفوتو إال واستغلّها لصاغبو ؿباوالً فيها اإلساءة إُف اإلنساف الوحيد الذي يعتقد أنو يقف يف‬
‫وتطوره‪ ،‬فصارت مهاصبتو وحياكة األكاذيب عنو شغلو الشاغل‪ ،‬وتشويو نزاىتو وصدقو نبّو ومبتغاه‪.‬‬
‫وجو سعادتو ّ‬
‫ولقد م ّده اهلل يف طغيانو وختم على قلبو فإذا ىو يف ضبلؿ مبْب وعاش يف قصره العاجي الذي بناه‪ ..‬بناه بأحبلمو‬
‫كل مأْخذ ومؤلت عليو لبَّو ورفعتو عالياً كبو السلطة واعباه‪.‬‬
‫بأطماعو الٍب أخذت منو َّ‬

‫فكانت أيامو كلها عثرات‪ ،‬وأعمالو كلها ذنوب‪ ،‬وحياتو إُف غروب‪.‬‬
‫حي كغّبه من األحياء الذين على شاكلتو‪ ،‬فهو يأكل ويشرب‪ ،‬هبوع ويشبع‪ ،‬يشتهي‬
‫كاف كل شيء فيو يوحي بأنو ّ‬
‫َّ‬
‫ويتلذذ‪ ،‬يثور‪ ..‬يغضب‪ ..‬ينتقم‪ ،‬ولكن ؼبن؟‪.‬‬
‫يثور ؼبصلحتو‪ ،‬يغضب لنفسو‪ ،‬ينتقم إرضاءً لطموحو وغروره‪.‬‬
‫ولكن ىل من اؼبمكن لنا أف نعترب أف حياةً جسدية كهذه ىي اغبياة اغبقيقية الٍب خلقنا اهلل تعاُف من أجل أف نعيشها؟‪.‬‬
‫اؼبرجوة ىي بالطعاـ والشراب‪ ،‬والتمتُّع دبا يف ىذه الدنيا من لذائذ وماديّات وشهوات ّٔيمية؟‪.‬‬
‫وىل السعادة َّ‬
‫وىل نبض القلب ورفَّة العْب تُعترب حياة؟‪ .‬أـ أف صعود الصدر وىبوطو أثناء عملية التنفس ىي دليل على وجودىا‬
‫واستمرارىا؟‪.‬‬
‫أعصاب‪ ..‬تبلفيف‪ ..‬عظاـ‪ ..‬شرايْب‪ ..‬ويكمل الدـ دورتو دوف توقُّف أو ملل‪.‬‬
‫لكن يا ترى ىل ستستمر ىذه العجلة يف الدوراف إُف ما ال هناية؟‪ .‬أـ أنو سيكوف ؽبا ّّ‬
‫حد فتقف عنده؟‪.‬‬
‫كل ىذه الظواىر تشّب إُف حياة جسدية حبتو‪.‬‬
‫فلقد َّ‬
‫مسمى عندىا ستدور عجلة السنْب باذباه عكسي فتسحق ىذا الغافل وربملو‬
‫غط يف سبات عميق‪ ،‬إُف أجل َّ‬
‫ُمرغماً كارىاً‪ ،‬وتلقيو يف زاويتو ُمكبَّبلً بالظبلـ والندـ واػبسراف‪ ،‬ساعتئذ لن يكوف ىناؾ ؾباؿ للراحة أو النوـ‪ ،‬وتعود‬
‫الشهوات أدراجها إُف بارئها حيث انتهت وظيفتها وَف يعد ؽبا من فائدة تُرجى‪ ،‬ويعود اؼبرء إُف فطرة كمالو‪ ...‬والناس‬
‫نياـ إذا ماتوا انتبهوا‪ :‬عندىا ينتبو على القارعة لتبدأ نفسو بالتأنيب والتقريع‪.‬‬
‫ويصحو ىذا اؼبسكْب على أوجاع وآالـ َف تكن لتخطر لو على باؿ‪ ،‬ويتيو يف ظلمات سحيقة ىو صنعها‪ ،‬ىو اختار أف‬
‫يصّب إليها بعد أف عصب عينيو دبنديل أسود وسار يف اغبياة كبهيمة األنعاـ‪ ،‬وسار وراء شهوات حقّبة ومتع زائلة وآؽبة‬
‫عاجزة فقّبة‪.‬‬
‫ضل عن الصواب‪ ،‬وحاد عن طريق اغبق وباع سعادتو بثمن زىيد‪ ،‬باعها بدراىم‪ ،‬بلحظات‪ ،‬فكانت‬
‫وىكذا كل إنساف َّ‬
‫خسارتو كبّبة ليس يساويها ما يف الكوف من كنوز وثروات‪.‬‬

‫لكن إرادة اهلل سبحانو وتعاُف والرضبة الٍب كتبها على نفسو والٍب مشلت كل البشر حكمت أال يدع أمثاؿ ىؤالء يسّبوف‬
‫يف األرض وىم على ىذا اغباؿ‪ ،‬ويبضوف إُف أجلهم وىم يف غفلة من أمرىم‪ ،‬فتُغلق يف وجوىهم األبواب ويُطبق عليهم‬
‫اغبجر والَباب عند اؼبوت والفوات وحلوؿ البليات واآلفات والت ساعة مندـ‪ ،‬بل إف رأفتو وحنانو اقتضت أف ينبّْو كل‬

‫ضل عن خّبه‪ّْ ،‬‬
‫سيجر لو أذياؿ اػبيبة والشقاء‪ ،‬ومن ث إُف الندـ واػبسراف‬
‫ووبذره من نتائج سباديو يف طغيانو الذي‬
‫ُّ‬
‫من َّ‬
‫اؼببْب‪ ،‬وذلك بأف يسوؽ لو من الشدائد واؼبصائب ما وبيط بو ويلهيو قليبلً عن الشهوة والرغبة اعباؿبة الدنيئة‪ ،‬فلعل ىذه‬
‫الشدة تدفعو لبللتجاء والدعاء الصادؽ الذي يتجسد بالشعور بالذنب وحجم اػبطيئة‪ ،‬عندىا يلتجئ ح ّقاً إُف اهلل‬
‫اؼبودة الٍب تكشف لو حقيقة الدنيا وقذارة أعمالو‪ ،‬ورضبة ربّو وواسع فضلو‬
‫فيمضي يف رحلة الغفراف والتوبة متعلّْقاً حبباؿ َّ‬

‫وحنانو عليو وعلى اؼبخلوقات‪.‬‬

‫اؼبادة‪ ،‬فامتطى جنح اػبياؿ‬
‫مت يف نفسو ّ‬
‫وعظُ ْ‬
‫وىذا ما حدث مع ىذا الرجل الذي تغلغل يف إعراضو وَكبُػَر بأطماعو َ‬
‫متنقبلً على متنو من ظبلـ إُف ظبلـ‪ ،‬معتقداً أنو يستطيع الوصوؿ إُف القمر ويكوف ؿبطّاً لئلعجاب والتقدير‪.‬‬
‫ذراتو يف الفضاء‪ ،‬حٌب‬
‫كربه الذي أخلص لو‪ ،‬واهنار قصره العاجي وتناثرت َّ‬
‫وفجأة ربطَّم ذلك الغرور يف قلبو‪ ،‬وتبدَّد ْ‬
‫ىوة سحيقة‪ ،‬سقط يف اغبفرة الٍب حفرىا لغّبه‪ ،‬أُصيب بالسهم الذي أطلقو قاصداً قلباً عظيماً‪،‬‬
‫سقط ىذا اؼبسكْب يف َّ‬
‫قلباً ما أراد لو إالَّ اػبّب والصبلح‪ ،‬وما دعى لو إالَّ باؽبداية والسعادة األبدية اؼبطلقة يف الدنيا واآلخرة‪.‬‬

‫وكاف أف عاد السهم مرت ّداً ليسقط يف صدره‪ ،‬ويثقب قلبو الذي أخذ يقطر أؼباً وحسرة‪ ...‬فاستسلم لليأس بعد ؿباولة منو‬
‫سبر أماـ ـبيلتو مَباقصة فتثّب يف قلبو‬
‫للتماسك والظهور بعدـ اؼبباالة واالكَباث‪ ،‬وانقاد وراء ـباوفو ُّ‬
‫وتصوراتو الٍب راحت ُّ‬
‫الوجل والرعب فبا سيبلقيو من عقاب‪ ،‬وما سيحل بو من ذؿ وعذاب‪...‬‬
‫در اغبسد ما أعدلو بدأ بصاحبو فقتلو‪.‬‬
‫هلل ُّ‬
‫شعور بالذنب وإدراكو الباطن بأنو على خطأ واغبكم الذايت الذي أصدره على نفسو‬
‫أساس فهو ٌ‬
‫وإف كاف ؽبذه اؼبخاوؼ ٌ‬

‫مسَبداً كرامتو ؿبطّْماً غروره‬
‫بأنو مسيء مذنب‪ .‬وأف ؽبذا اإلنساف الطاىر ح ّقاً عنده‪ ،‬وىا قد حاف الوقت ليأخذ بثأره‬
‫ّ‬

‫وصلفو‪.‬‬

‫متجرد من أسلحٍب وق َّويت ُمدا ٌف جبريبٍب وفعلٍب‪ ،‬وليس ىذا فقط بل إنِب أعلنت‬
‫ويبله ويبله‪ ...‬ىا أنا ذا أسّب بْب يديو‬
‫ٌ‬

‫أقصر يف مهاصبٍب لو وؿباربتو‪ ،‬ليتِب أستطيع النيل منو وقتلو‪.‬‬
‫عليو عدائي‪ ،‬وَف ّْ‬

‫ولكن ال‪ ..‬لن استسلم للخوؼ واليأس هبب أف أكوف ثابتاً راسخاً مستجمعاً قواي ؼبواجهتو والتصدي لو ولبطشو‪.‬‬

‫مر ّٔا ذلك التعيس يف حياتو على اإلطبلؽ عندما قُبض عليو‬
‫وىكذا كانت تلك الليلة اؼبشؤومة من أفظع اللياِف الٍب َّ‬
‫وز َّج بو يف غرفة مظلمة حقّبة يف ـبفر الشرطة ريثما يتم ترحيلو إُف سجن القلعة (قلعة دمشق) لقضاء‬
‫متلبّْساً بفعلتو‪ُ ،‬‬
‫مدة اغبكم فيها‪ ،‬ذلك السجن الكبّب الذي كاف يرحل إليو كل يوـ مئات اؼبعتقلْب وآّرمْب من كل أكباء ببلد الشاـ‬
‫وضواحيها‪.‬‬
‫إضافة لذلك فإف تلك القلعة الكبّبة كانت ربوي يف ـبازهنا أسلحة وذخّبة تابعة للدولة الفرنسية الٍب كانت ربكم‬
‫ببلدنا آنذاؾ‪.‬‬
‫فكاف ذبهيز اعبيوش وتزويدىم بالعتاد واؼبؤف يتم فيها وربت إشراؼ مديرىا العاـ السيد ؿبمد أمْب الذي كاف يَبأس كل‬
‫أمورىا وأقسامها‪ ،‬وانطبلؽ اعبيوش منها‪ ،‬وبذلك ترى أف ضابطنا اؼبدير العاـ يشغل منصباً ليس بالقليل لدى الدولة‪.‬‬
‫وبالطبع قلعة دبكانتها من اؼبفَبض أف يكوف مديرىا جديراً باؼبسؤولية وأىبلً لثقة َّ‬
‫اغبكاـ على اختبلؼ مراكزىم‬
‫ومناصبهم‪.‬‬
‫ط مها يـ كبّبة ودقيقة ربتاج إُف َّقوة شخصية وحكمة وفطنة عالية لنجاحها‬
‫وبذلك كاف ضابطنا السيد ؿبمد أمْب ؿب ّ‬
‫وإسبامها‪.‬‬
‫وكذلك أوكلوا إليو كل ما استعصى عليهم حلُّو من أمور إف كاف ضمن القلعة أو حٌب خارجها‪ ،‬ويف صبيع أكباء ببلد‬
‫الشاـ‪ ،‬وقد نفَّذىا على أكمل وجو وأروع صورة‪.‬‬
‫وكاف أف استحق لقب "أصالن"(‪ )8‬واجتذب اىتمامهم وأضحى وكأنو ىو الرئيس وىم مرؤوسيو لشدة ُحبّْهم لو‬
‫وإعجأّم بنزاىتو وجليل أعمالو اإلنسانية الكربى وتضحياتو اعبلّى‪.‬‬
‫وىذا ما دفع كثّباً من الناس إُف الغّبة من ضابطنا والعمل على منافستو وؿباربة صدقو وإخبلصو وؿباولة ربطيم ذلك‬
‫الصرح الذي تصدى لقبلع كفرىم وضبلؽبم وقضى على أحبلمهم وأطماعهم‪ ،‬وب ّدد آثار السوء واؼبنكر وقبَّح أعماؽبم‪.‬‬
‫يتورعوا عن اإلساءة إليو‪ ،‬والتشكيك يف شرفو وخدمتو وتدبّب اؼبؤامرات واؼبكائد الٍب إف وقع ّٔا فلن يكوف مصّبه إال‬
‫فلم َّ‬
‫النفي أو اإلعداـ‪ ،‬ومع ذلك فلقد نصره اهلل وم ّده بالقوة والسلطاف ورزقو من األعماؿ الصاغبات واؼبهمات الناجحات ما‬
‫ساعد يف ضبايتو وحفظ مكانتو‪.‬‬
‫* * *‬

‫) أصالن‪ :‬كلمة تركية تعِب‪ :‬األسد‬

‫(‪8‬‬

‫وذبسد طرفاً من ذلك الواقع اؼبؤسف الذي يؤكد أف‬
‫واغبالة الٍب كبن بصددىا اآلف تعرض صورة من تلك الصور‪ّْ ،‬‬
‫اإلنساف من دوف اهلل يعيش يف شقاء وظبلـ ويقضي حياتو فيها وىو أعمى عن النور أصم عن اغبق‪ ،‬وينتهي بو اؼبطاؼ‬
‫إُف منزلة أدْف من اغبيواف‪ ،‬أبعد مع الشيطاف إال ما رحم ريب‪.‬‬
‫ذلك الرجل سلك طريقاً بعيدة وراء أىوائو طمعاً باغبصوؿ على شهرة قوية ومكانة عالية ربملو إُف السلطة لتنفيذ مآربو‬
‫الدنيئة يف الغُب والسيطرة اغبمقاء فصار ىبطو خطوتو يظن أف األرض ترتعش من ربتو ويتطاوؿ بعنقو حٌب ىباؿ أنو يبلغ‬
‫السماء‪ ،‬أما صدره فلقد انتفخ وضاؽ ؽبوؿ عظمتو اؼبوىومة‪ ،‬وسبادى يف عصيانو واعتدائو حٌب صار لزاماً عليو أف يناؿ‬
‫جزاءه ونصيبو من العذاب حينما أصبح سجيناً هبلس حبزف واندىاش يف زاوية مكاف مظلم يَبقّب غبظة ترحيلو إُف‬
‫السجن الفظيع‪ ،‬والوقوع بْب براثن َس ّجاهنا الظاَف بظنو‪.‬‬
‫يرد عن نفسو حراً أو برداً‪ ...‬عطشاً أو جوعاً‪.‬‬
‫وخر صريعاً ضعيفاً ال يستطيع أف َّ‬
‫حقاً لقد تبلشت أحبلمو َّ‬
‫رث‪،‬‬
‫ومضى عليو الوقت بطيئاً مقيتاً وىو جالس على العارض اػبشيب الذي ُوضع يف وسط الغرفة مفروشاً ببساط فقّب ّ‬
‫نور خافت من نافذة وحيدة توضَّعت يف وسط اغبائط وأعبله‪ ،‬وانعكس النور على ظهره فسقط على األرض‬
‫وقد سلك ٌ‬

‫وصوت أقداـ اغبارس الذي أخذ يروح وهبيئ يف اػبارج خبطوات بطيئة أزعجو وأيقظ يف‬
‫راظباً سجيناً بظل أسود ـبيف‪،‬‬
‫ُ‬
‫نفسو ثورةً عنيفة‪.‬‬

‫وبدأ الربد يتسلل إُف عظامو‪ ...‬إنو برد اػبوؼ والشعور بالوحدة وقسوة اؼبرحلة القادمة الٍب توقّع بأنو سيعيشها‪ ،‬بل‬
‫سيُدفن فيها وىو على قيد اغبياة‪.‬‬
‫تصطك‪ ،‬وأصابعو ترذبف‪ ،‬وجعل ينظر إُف قدميو متصوراً حجم اآلالـ الٍب ستنزؿ عليو‪ ...‬ورأى الورـ‬
‫وبدأت أسنانو‬
‫ُّ‬
‫يزحف إليها‪ ،‬وقطرات الدـ الساخن يصبغها‪ ،‬وأشعلت اللهيب يف قلبو وعقلو‪ .‬وبدأ العرؽ البارد يتصبّب بغزارة من جبينو‬

‫الشاحب وىو ال يزاؿ يراقب ظلَّو األسود الذي ارتسم على األرض‪ ،‬والذي َّ‬
‫ذكره بسواد ليلو وقُبح أعمالو‪.‬‬
‫ىزت أركاف اؼبكاف فار َّ‬
‫تد صداىا وعاد ليسقط يف أذنيو‪.‬‬
‫وصرخ صرخة عالية ّ‬

‫اغرب عن وجهي أيها األسود‪ ،‬اذىب من ىنا ال أريد أف أراؾ‪ ،‬إنك ّْ‬
‫تذكرٓف بنفسي‪ ،‬عليك لعنة اهلل‪ ،‬اذىب يكفيِب ما‬
‫حل يب من شقاء‪.‬‬
‫َّ‬
‫ينفك يذكره بسواد قلبو وعتمة قربه‪.‬‬
‫ّْص عليو عيشو‪ ،‬وال ُّ‬
‫وىكذا كل عمل أسود يبلزـ صاحبو مثل ظلو‪ّْ ،‬‬
‫يؤرقو وينغ ُ‬
‫وظل سجيناً على ىذه اغباؿ حٌب أهنكو اػبياؿ‪ ،‬واستحوذ عليو اػبوؼ من العذاب فتمدد مسَبخياً ؿباوالً النوـ واؽبروب‬
‫َّ‬
‫من ذلك الواقع الذي صار إليو والتصورات الٍب راحت زبَبؽ عليو وحدتو وتبدد ىدوءه وسكونو‪.‬‬

‫وما أف أغمض عينيو حٌب شعر أف السوط يهوي عليو ويكيل لو ضرباً مربحاً دوف رضبة أو رأفة‪ ،‬فانتفض مذعوراً مبتعداً‬
‫عن ذلك العارض اؼبشؤوـ‪ ،‬ونظر حواليو يف أرجاء الغرفة فلم هبد أحداً معو سوى ذلك الظل األسود اللعْب‪ ،‬نظر إليو‬
‫فرآه ىادئاً‪ ،‬كلَّمو فلم هبب‪ ،‬صرخ يف وجهو فلم يعبأ فتجاىلو وراح يتمشى يف الغرفة خبطوات متعبة مبتعداً عن النوـ‬

‫وؿباوالتو الفاشلة مستجمعاً قواه النفسية لعلو يستطيع التماسك وعدـ االهنيار‪.‬‬
‫جن‪،‬‬
‫ربَّاه ما الذي أصابِب‪ ،‬ىل جننت‪ ،‬أوَف يعد دبقدوري الثبات واحملافظة على أعصايب وقوة إراديت‪ ،‬وماذا يعِب أف أ ْ‬
‫ُس َ‬
‫السجن من شيم الرجاؿ‪.‬‬

‫وإنِب عندما قمت بتنفيذ فعلٍب كنت أعلم سباـ العلم بأنِب إف ُكشفت سأسجن ؼبدة ما‪ ،‬وأف عقوبٍب ستكوف يف التوقيف‬
‫لتحمل ذلك يف سبيل شهويت الطاغية‪.‬‬
‫وقد ىيأت نفسي ُّ‬
‫ولكن َفَ كل ىذه اؼبخاوؼ؟‪ .‬أرآف ضعيفاً وقد امتلكِب اعبنب والرعب‪.‬‬
‫تعرضت لذلك‪ ...‬إف ىي إال أياـ وشهور سأقضيها يف‬
‫ال‪ ...‬ال‪ ...‬هبب أف أعود إُف اغباؿ الذي تصورت ذايت عليو‪ ،‬لو َّ‬
‫التحمل والصرب ريثما تنقضي بأماف‪.‬‬
‫عبارات أطلقها يف اؽبواء علَّها هتدّْئ من روعو‪ ،‬لكن ما أف َّ‬
‫سّبحل إُف القلعة‬
‫تذكر أف اظبو وضع ضمن البلئحة وأنو َّ‬
‫حيث يكوف ضابطنا السيد ؿبمد أمْب مديراً فيها ينتظره‪ ،‬حٌب طار صوابُو وعاد إُف حالة االضطراب والقلق من جديد‪.‬‬
‫لكن‪ ...‬ذلك الرجل ىل سيدعِب أعيش بسبلـ‪ ،‬أـ أنو سينتهزىا فرصة ويكيل ِف ألواف العذاب بعد أف أجرمت حبقو‬
‫للتفوؽ عليو ومهاصبتو‪ ،‬بالطبع لن يتنازؿ ولن يساؿبِب‪ ،‬بل على العكس سيتَّخذ مكانتو وسيلة‬
‫وعملت كل ما بوسعي ُّ‬
‫ليحطمِب وهبعلِب عربة لكل معترب‪ ،‬نعم سوؼ هبلدٓف ويظلمِب ويرميِب بالعذاب‪.‬‬
‫سيمزؽ‪ ،‬جلدي الذي سيحرؽ بأعقاب لفافات تبغو‪...‬‬
‫َشعري الذي سيُحلق وأظافري الٍب ستُنتزع وظهري الذي ّ‬
‫أسنآف‪ ...‬قدماي‪ ...‬عيناي‪ ...‬صحٍب‪ ...‬شبايب‪ ...‬ظبعٍب‪...‬‬
‫ودارت الدنيا بو‪ ،‬وتزلزلت األرض من ربتو‪ ،‬وىو ال يزاؿ يعيش ىذه اغبالة اؽبستّبية السوداء‪َّ ،‬أما ظلُّو فلم يتوقف عن‬
‫مبلحقتو واستفزاز أعصابو فاستشاط غضباً َّ‬
‫وشد على أسنانو وبدأ يتقرب من اغبائط ليقتل ذلك الرسم األسود ويصرعو‬
‫كل اغبائط بقدمو‪ ،‬ث ىوى عليو بقبضتو‪ ،‬ولكن دوف جدوى فلم هبد مهرباً‬
‫على األرض ّْ‬
‫متصوراً أنو يستطيع النيل منو‪ .‬ور َ‬

‫من االستسبلـ لو‪ ،‬واالعَباؼ بوجوده‪ ،‬ووقع صريع اػبيبة واألَف‪.‬‬

‫وربمل كل األعباء‪.‬‬
‫وبات على يقْب أنو ال مهرب من اعبزاء‪ ،‬وما عليو إالَّ الصرب ُّ‬

‫نعم إنو تارىبي واؼباضي الذي صنعتو بعملي‪ ،‬بل بأعماِف الفظيعة‪ .‬لقد أخطأت يف حيايت كثّباً‪ ،‬أخطأت حبق نفسي‬
‫أقصر عن اإلساءة والتكذيب‪ ،‬كم من اللياِف سهرت وأنا أرسم وأخطط‪ ،‬كم من األياـ قضيت وأنا أحبث‬
‫أوالً وَف ّْ‬
‫للتقرب من الناس وؿباولة العبور إُف عقوؽبم‪.‬‬
‫واستفسر‪ ،‬كم باباً طرقت‪ ،‬كم نادياً‪ ،‬كم قهوة َّازبذهتا وسيلة ِف ُّ‬
‫عقلي الذي دار وقليب الذي نبض‪ ،‬لسآف الذي نطق‪ ،‬وقلمي الذي كتب‪.‬‬
‫اؼبفر من كل ىذا‪ ،‬ىل ِف إُف الراحة من سبيل!‪.‬‬
‫أواه‪ ...‬أواه‪ ...‬أين ُّ‬
‫مت قبل ىذه الكارثة‪ ،‬اؼبوت‬
‫التحمل‪ ...‬رضباؾ إ ۤؽبي‪ ،‬رضباؾ‪ ...‬ليتِب ُّ‬
‫ىل إُف النوـ من دليل‪ ،‬ربَّاه َف يعد ِف طاقة على ُّ‬
‫أىوف عندي من ذلك العار الذي سيلحق يب وأنا واقف أمامو مكبَّبلً ذليبلً ؿبطَّم النظرات‪.‬‬
‫* * *‬
‫واآلف دعونا نبحث يف السبب الذي أدى بذلك السجْب اؼبذنب إُف الوقوع يف ىذه اؼبخاوؼ واألحواؿ الفظيعة الٍب‬
‫عاشها وراح يتخيل نتائجها‪.‬‬
‫نراه أوالً قد شعر باػبطأ‪ ،‬وحبجم إساءتو‪ ،‬ومعرفتو اليقينية أف نواياه َف تكن صاغبة‪ ،‬إمبا كانت َّ‬
‫ضد اغبق وأىلو يف سبيل‬
‫غاية ذاتية ومنفعة شخصية متَّخذاً وسيلتو إُف ذلك بالطعن بسمعة ذلك السيد الطاىر ومكانتو االجتماعية بْب رؤسائو‬
‫وبشرفو العاِف ونواياه السامية اغبميدة‪ ،‬حيث إف ضابطنا َف يكن ىبشى يف اغبق لومة الئم‪ ،‬بل يفعل ما يأمره بو صدقو‬
‫ووِف أمرىم إُف اهلل‪ ،‬واألخذ بيدىم‬
‫وحبُّو لربّْو وخوفو على مصلحة عباده‪ .‬لقد كاف يعترب نفسو كأنو مسؤوؿ عن البشر‪ّ ،‬‬

‫للسّب على خطى حبيب اؼبرسلْب وإماـ العاؼبْب الطاىر العظيم سيدنا ؿبمد عليو أفضل الصبلة والتسليم‪.‬‬
‫(‪) 8‬‬

‫وإُف ذلك كاف إنساننا السيد ؿبمد أمْب يرفض اؼبوافقة على األمور أو الطلبات‬

‫الٍب يتق ّدـ ّٔا أمثاؿ ىؤالء الناس‬

‫ؼبعرفتو بعواقبها الوخيمة وإدراكو بالنتائج السيئة الٍب ستخلّْفها ليس على الشخص فقط بل على آّتمع بشكل عاـ‪ .‬كم‬
‫وكم صارع اإلقطاعيْب واؼبتنفذين لصاٌف اؼبستضعفْب‪.‬‬
‫وىكذا فعندما وقف من قبل يف وجو أطماع ذلك الذي أصبح اآلف سجيناً رضبة بو وخوفاً على مصلحتو‪ ،‬اعتربىا إىانة‬
‫لو وعزـ على ؿباربتو ونوى قتلو ودبا أف ذلك اؼبذنب اعَبؼ ضمنياً يف قرارة نفسو بأنو كاف على خطأ‪ ،‬وأف ادعاءاتو َف‬
‫يكن ؽبا أساس سليم تقوـ عليو‪ ،‬بل ىو ىواه وشهوتو الٍب استحوذت على قلبو وأعمتو عن الصواب‪ ،‬بالتاِف فإف ذلك‬
‫الضابط يبلك الصبلحية يف تعذيبو واالنتقاـ لنفسو مسَبداً حقو وكرامتو‪ ،‬ذلك ما أوقعو يف تلك األىواؿ واؼبخاوؼ الٍب‬

‫(‪ )8‬الطلبات الٍب تنطوي على ٍ‬
‫تعد على حقوؽ اآلخرين وسلب أراضيهم وأمواؽبم مقابل الرشوة تقدـ لرجاؿ السلطة لدعمهم‪ ،‬فكاف يرفض ىذا النوع إطبلقاً‪ ،‬بل ووباربو‪.‬‬

‫سبُب لو يبت قبل أف ذبمعو اللحظات‬
‫ستلم بو وتُنزؿ عليو أقصى درجات العذاب حٌب وصلت بو لدرجة أف َّ‬
‫زبيَّل أهنا ّ‬
‫وجهاً لوجو مع ذلك الضابط اؼبدير العاـ للقلعة والسجن‪.‬‬
‫* * *‬
‫وىنا ويف نفس اليوـ وصلت البلئحة بأظباء السجناء اعبدد يف موعدىا احملدَّد واليومي‪ ،‬وكعادتو جلس السيد ؿبمد أمْب‬
‫اؼبدونة فيها‪.‬‬
‫للتعرؼ على األظباء َّ‬
‫وراء مكتبو يف غرفة القيادة اػباصة بو وأخذ يطَّلع عليها ُّ‬
‫تسمرت عيناه على ذلك االسم الذي استغرب لو‪ ،‬إنو يعلم سباـ العلم‬
‫وفجأة ؼبع يف عينيو الطاىرتْب بريق رائع بعد أف َّ‬
‫وليس ىو من ىبطئ التقدير‪...‬‬
‫اهلل‪ ...‬اهلل يا دنيا‪ ...‬دارت دواليبك القذرة حاملة على ِ‬
‫ِ‬
‫ظهرؾ مئات اػباسرين‪ ،‬الذين اطمأنوا ِ‬
‫بأذيالك‪ ،‬وىذا‬
‫لك وتعلَّقوا‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫أنيابك‪ ،‬ولكن ىنا يف قلعٍب وربت سلطٍب‪ ،‬ىذا ما َف يكن ليخطر على باؿ أحد من‬
‫افَبست‬
‫لفظت و‬
‫واحد فبن‬
‫ْ‬
‫سكانك‪.‬‬
‫معركة جديدة يف قلعة ؾبيدة كبو غاية ضبيدة ربت رعاية رحيمة ونوايا سامية كريبة‪.‬‬
‫خد الزماف وارتفع صدر آّد بتنهيدة عطرة مؤلت اؼبكاف‪ ،‬وهتدَّج الصوت اغبنوف بكلمات‬
‫دموع عذبة انسكبت على ّْ‬
‫اغبمد والشكر العظيم ؽبذا اإللۤو الكرٔف الذي غمره باغبب واغبناف‪.‬‬
‫كم أنت رحيم يا إ ۤؽبي‪ ...‬فعلى الرغم من إعراضو الكبّب وشدَّة عدائو للحق وظلمو لنفسو‪ ،‬مع ذلك َف تُغلِ ْق يف وجهو‬
‫أبواب اغبب واؼبغفرة‪ ،‬بل إٓف أراه من أكثر الناس حظّاً وعناية‪.‬‬

‫من يصدّْؽ أف القدر ساقو إُف ىنا‪ ،‬يا ؽبا من مفاجأة كبّبة‪ ،‬من اؼبؤكد أنو اآلف يف ذىوؿ عجيب‪ ،‬وىو يتصور حجم‬
‫فرحٍب ورغبٍب يف الثأر منو‪ ،‬أو لعلو يرتعش خوفاً ويذوب خجبلً وأؼباً‪ ،‬مسكْب ىذا الرجل‪ ...‬مسكْب‪.‬‬
‫عربت عن سعادتو وبالغ ضبده وشكره هلل‬
‫فارتسمت على وجهو مبلمح الرأفة واغبب القدسي وعلت شفاىو بسمة رقيقة َّ‬
‫تعاُف أف منحو ىذه الفرصة‪.‬‬
‫وبلهفة رحيمة نادى الدرؾ وقبل أف ير َّ‬
‫تد إليو صوتو كاف أمامو يف الغرفة ثبلثة من العناصر اؼبخلصْب لو واؼبتعشّْقْب‬
‫لشخصو النبيل الذي غمرىم بالعناية واالىتماـ‪ ...‬وكاف دائماً عوناً ؽبم وسنداً على العيش بسبلـ دوف الوقوع يف اؼبآزؽ‬
‫أو األخطار ضمن القلعة وخارجها‪.‬‬
‫ستتشرؼ غداً بقدوـ ٍ‬
‫ضيف كب ٍّب وعزيز علينا وإٓف نويت أف أستضيفو لبعض الوقت ىنا يف قلعتنا فما عليكم‬
‫إف القلعة‬
‫َّ‬
‫إال اإلسراع يف ذبهيز أفضل الغرؼ لدينا على اإلطبلؽ‪ ..‬من حيث اغبجم واإلطبللة واؼبكاف‪.‬‬

‫وإٓف أريد أف ُذب َّهز بأفضل األثاث وأفخره‪ ،‬وعليكم بطبلء جدراهنا باألبيض الناصع وتنظيف نوافذىا وأبوأّا وأرضها‪ ،‬وال‬
‫تنسوا أف تزينوا أركاهنا بالنباتات اػبضراء والورود اعبميلة‪ ،‬وىيّْئوا فيها كل أسباب اإلنارة والراحة واالستجماـ يف الليل ويف‬
‫بالسجاد الفاخر اعبميل‪ ...‬أي باختصار هبب أف يتم ذبهيز أروع غرفة بأفًب صورة‬
‫النهار‪ ،‬وال بأس أف تفرشوا أرضها‬
‫َّ‬

‫وأّٔى ُحلَّة وأسبُب أف يتم ىذا اليوـ وقبل صباح الغد‪.‬‬

‫ىيا سارعوا إُف تنفيذ اؼبهمة استعداداً الستقباؿ ضيف الشرؼ الكبّب‪.‬‬
‫فانطلق رجاؿ الدرؾ بعد تأدية التحيَّة العسكرية بكل قوة واحَباـ إُف الغرفة احملددة والٍب ذبتمع فيها كل اؼبواصفات الٍب‬
‫ذكرىا القائد الرحيم‪.‬‬
‫وتقاظبوا العمل‪ ،‬فمنهم من أحضر الدىاف وبدأ بطبلء اعبدراف برشاقة ومنهم من راح يكنس ويغسل‪ ،‬وؼبا انتهى اعبميع‬
‫من عمل ىذه البدائيات الٍب ستكوف أساساً يف ظهور صباؿ األثاث وتناسقو مع اؼبكاف ذىبوا إلحضار قطع األثاث‬
‫السجاد وأحواض اػبضرة اليانعة اؼبزينة بالورود الفتية‬
‫الفخمة ليضعوىا يف الغرفة بشكل أنيق ومريح‪ ،‬ث بدأوا بإحضار ّ‬
‫اعبميلة الٍب ساعدت يف استكماؿ اؼبظهر العاـ للغرفة‪.‬‬
‫* * *‬
‫وخبلؿ ساعات كاف كل شيء قد مت على أبدع طريقة وىنا توجو أحد الدركيْب إُف غرفة اؼبدير القائد العاـ إلعبلمو‬
‫بانتهاء العمل وأف الغرفة ال ينقصها إال تشريف سيادتو إللقاء نظرة عليها‪.‬‬
‫توجو ضابطنا السيد ؿبمد أمْب وصعد إُف الربج الذي فيو مت اختيارىا وهتيئتها‪ ،‬وؼبا اطلع عليها ومسح موجوداهتا‬
‫وفعبلً ّ‬
‫بنظرة سريعة وثاقبة‪ ،‬أسدى بعض اؼببلحظات اإلضافية الٍب الحظ أهنا َف تكتمل لكنها ال زبفى عليو وىو صاحب‬

‫الذوؽ الرفيع والدقَّة والكماؿ‪.‬‬
‫َّ‬
‫يتجوؿ يف أرجاء القلعة يراقب اغبراسة ويطَّلع على‬
‫وبعد أف‬
‫اطمأف ضابطنا لكل األوضاع‪ ،‬وكما اعتاد كل يوـ‪ ،‬أخذ َّ‬
‫أحواؿ سجنائها‪ ،‬ويتأكد من الدقة واألمانة يف تنفيذ كل األوامر الٍب يصدرىا والٍب مشلت كل اؼبوجودين فيها‪.‬‬
‫وبات الصرح العظيم‪ ،‬صرح الفخامة والنور بانتظار قدوـ ذلك الضيف ونزولو يف كرـ الضيافة وحسن التعامل وفائق‬
‫العناية‪.‬‬
‫فخ ذكي نصبو اؼبدير القائد ليوقع ىذا السجْب بْب أنياب الظلم ووبيطو‬
‫ىل تعتقد أخي القارئ أف ىذه مغاالة‪ ،‬أو أنو ٌ‬
‫بألواف القسر والتعذيب والسخرية‪.‬‬

‫ظل يكابد اآلىات واؼبخاوؼ طيلة تلك الليلة دوف أف تغمض لو عْب أو يهدأ لو باؿ‪،‬‬
‫أما ذلك الرجل السجْب فلقد َّ‬
‫مفر منو‪ ،‬كلما سبكن منو الرعب وتغلغل‬
‫وكاف كلما مضت عليو ساعة وشعر أف وقت الَبحيل قد اقَبب وأف ذلك ال َّ‬
‫إُف عظامو اػبوؼ حٌب شعر أنو يف كابوس فظيع ال صحوة منو أبداً‪.‬‬
‫وىا قد جاء الصباح حامبلً معو كل جديد‪ ،‬وىنا كاف قد وصل إُف درجة انعدـ فيها إحساسو وتوقَّف ذىنو عن التفكّب‬
‫فانصاع ألوامر الشرطي مسلّماً لو يديو ليضع فيها السبلسل‪ ...‬وسار وراءه خبطوات ثقيلة مَبددة‪ ،‬ليصعد العربة الٍب‬
‫غصت بالسجناء الذين سيتم ترحيلهم إُف سجن‬
‫كانت تنتظر أماـ احملكمة جبانب قسم الشرطة بساحة اؼبرجة والٍب َّ‬
‫القلعة أيضاً‪.‬‬
‫وراحت العربة تشق الطريق بصعوبة‪ ،‬فلقد أثقلها تعب القلوب والعجبلت الكبّبة الٍب أخذت تدور وترسم يف قلب كل‬
‫مر السنْب رظبتو حبرب الظبلـ وأعماؽبم الدنيئة الٍب ساقتهم إُف ىذه‬
‫واحد من ىؤالء اؼبساكْب خطّاً بليغاً لن ينساه على ّْ‬
‫احملنة‪.‬‬
‫وراح كل واحد منهم يودع اغبرية والنور‪ ،‬ناظراً إُف خارج العربة بأسى‪ ،‬معلّْقاً بصره بالبيوت والطرقات تاركاً وراءه ذكريات‬
‫األياـ اؼباضية‪.‬‬
‫ما الذي أدى بكم إُف ىنا؟!‪.‬‬
‫أَف تكن لكم عيوف فتبصروف ّٔا؟!‪.‬‬
‫أَف تكن لكم آذاف فتسمعوف ّٔا؟!‬
‫أَف ينعم اهلل عليكم بقلوب فتفقهوف ّٔا؟!‪.‬‬
‫مسكْب ابن آدـ‪ ...‬فعندما يرى نفسو قوياً يتمتع بالصحة والشباب‪ ،‬وينسى أنو ـبلوؽ ضعيف فيستغِب عن اهلل وال يعود‬
‫يتمرد على‬
‫يلتجئ إال إُف نفسو ومالو وشبابو فيسّب كما وبلو لو طلباً إلرضاء الناس وإرضاء نفسو‪ ،‬ويعادي اغبق‪َّ ،‬‬
‫اؼببادئ ويغوص يف بؤرة األقذار إُف أف يأيت يوـ يسلبو اهلل إرادتو وقوتو بلمحة عْب‪ ،‬ويعود ال يبلك لنفسو نفعاً أو خّباً‬
‫فيوضع يف صندوؽ اؼبوت ووبمل على األكتاؼ عائداً إُف الَباب الذي منو ُخلق‪ ،‬وإليو يعود‪.‬‬
‫وىناؾ ستكوف بانتظاره الئحة أعمالو الٍب أدانتو وغرست يف قلبو الندـ واغبسرات‪.‬‬
‫غصت قلؤّم وطأطأت رؤوسهم وانتظموا يف طابور طويل يف‬
‫وصلت العربة إُف مدخل القلعة‪ ،‬وىبط السجناء منها وقد َّ‬
‫ساحة سجن القلعة الٍب استعدَّت الستقباؽبم واحتوائهم‪ ،‬يف حْب وقف رجاؿ الدرؾ على جانيب الطابور منتظرين الئحة‬
‫األظباء الٍب سيتلوىا أحدىم ووبدّْد أرقاـ الزنزانات وأماكنها الٍب سيقضي كل سجْب فيها مدة حكمو‪.‬‬

‫ولقد كانت القلعة العتيدة ربوي ضمن أقسامها أنواعاً ـبتلفة من السجوف وفق األحكاـ اؼبختلفة‪ ،‬فاألحكاـ القصّبة الٍب‬
‫ال تتجاوز مدهتا السنة إُف اعبنح كاف قد ُخصص ؽبا سجوف األبراج‪ ،‬وىي تعترب ال بأس ّٔا بالنسبة للسجوف األخرى‬
‫الٍب كانت تتجلى فيها الزنزانات بأقسى معانيها وأكثرىا تأثّباً على نفوس احملكومْب وخاصة أف نزالءىا كانوا من‬

‫كل سجْب ىناؾ يضطر‬
‫أصحاب األحكاـ الطويلة وأحياناً مع األشغاؿ الشاقة "سجوف ضمن سجوف"‪ ،‬وهبلس ُّ‬
‫السجاف مألوفاً لديو‪ ،‬وتغدو الوحدة رفيق ًة‬
‫للخضوع إُف ىذه الظروؼ الصعبة القاسية‪ ،‬ويعتاد على القسوة ويصبح وجو ّ‬
‫لو ريثما يأيت فرج اهلل‪.‬‬

‫اؼبخصص لو‪ ،‬فمنهم يف سجوف‬
‫توجو السجناء حبراسة رجاؿ الدرؾ كلّّ إُف مكانو‬
‫َّ‬
‫وبعد االنتهاء من الئحة األظباء َّ‬
‫انفرادية‪ ،‬ومنهم يف سجوف صباعية‪ ،‬منهم يف القلعة وىم اؼبعدموف واؼبؤبَّدوف واحملكوموف باألحكاـ الطويلة اؼبدى أصحاب‬
‫اعبنايات واعبرائم والشذوذ‪ ،‬وسجن األبراج ألحكاـ اعبنح األخف جرماً وغّبىا‪.‬‬
‫اػباصة بو‪ ،‬حاف موعد اللقاء وغبظة‬
‫واستجار سجيننا باهلل‪ ،‬عندما نودي عليو‪ ...‬ىيا أيها الدركي‪ ،‬اصعد بو إُف غرفتو َّ‬
‫الصفر قد اقَببت‪.‬‬
‫وصل إُف الغرفة وىو ال يدري كم من الدرجات صعد وال كم من اؼبمرات اؼبظلمة عرب‪ ،‬خطوة بعد خطوة‪ ،‬وَف يشعر‬
‫بنفسو إالَّ أماـ الباب حيث الظبلـ والتعذيب والرعب‪.‬‬
‫* * *‬
‫وفُتح الباب ليسفر عن غرفة يف منتهى اعبماؿ والروعة وقد اخَبقت أشعة الشمس نوافذىا فَباقص كل ما فيها وازدىر‪،‬‬
‫وتفاعل نورىا مع خضرة النبات فجعل اعبو فيها خفيفاً ولطيفاً‪.‬‬
‫ويقوي عودىا ففاح عبّبىا وعانق السماء‪...‬‬
‫وعلت أعناؽ الورود لتبلمس الضياء‪ ،‬واستقرضت منو دفئاً ي ّْلوف خدودىا ّْ‬
‫وذبمعت عصافّب رشيقة واشَبكت يف تغريد غبن العذوبة وأنشودة اللقاء‪.‬‬
‫وخطا السجْب داخل الغرفة خطوتو األوُف وقلبو وبدثو بأشياء كثّبة‪ ،‬لقد توقَّع أنو سّبى السوط بانتظاره‪ ،‬أو لعل ذلك‬
‫دوامة جديدة‬
‫اؼبدير جالساً ىناؾ يَبقَّب وصولو‪ ،‬وعاد إليو اضطرابو عندما كشف على طبيعة اؼبكاف‪ ،‬وشعر أنو وقع يف ّ‬

‫لن يستطيع النجاة منها أبداً‪.‬‬

‫ىذا ما كنت أتوقع وأخشى‪ ،‬ىنا ويف غرفة اؼبدير العاـ الفخمة سيكوف اللقاء آف أوانك أيها الضابط لتثأر مِب وربيطِب‬
‫بكل ألواف الذؿ والشقاء‪.‬‬
‫وراح ينتظر نصيبو ويلعن حظَّو العاثر الذي قاده إُف ىنا‪.‬‬

‫ومضى عليو بعض الوقت‪ ،‬وىو ال يزاؿ على ىذه اغباؿ فتارًة يتمشى وتارة يقف مستنداً إُف اغبائط‪ ،‬وتارة هبلس على‬
‫يصور لو أشياء وأشياء فيمؤل الغيظ قلبو السقيم‪ُّ ،‬‬
‫ويشد على قبضتو‬
‫كرسي قريب من الباب‪ ،‬ومع كل وضعية كاف خيالو ّْ‬
‫ؿباوالً عصر اؽبواء‪ ،‬بينما تسارعت نبضات قلبو واشتدت رياح أنفاسو حٌب صار صدره يعلو ويهبط بقوة خوفاً من ؾبهوؿ‬
‫آت‪.‬‬
‫وتسمرتا على الباب ّْ‬
‫بئ بقدوـ السيد اؼبدير‪.‬‬
‫وجحظت عيناه َّ‬
‫متحفزاً لكل حركة تػُْن ُ‬

‫وجاء صوت وقع أقداـ ٍ‬
‫قادـ من اػبارج‪ ،‬وىا ىو ذا يقَبب‪ ،‬لقد اقَبب كثّباً‪ ،‬وفعبلً فُتح الباب وشعر السجْب أف رأسو‬
‫وفر الدـ من رأسو حٌب صار وجهو أصفر وكأف بدت عليو عبلئم اؼبوت‪ ،‬وىنا سطع‬
‫فتح معو‪ ،‬وشهق شهقة من أعماقو َّ‬
‫عليو ضابطنا السيد ؿبمد أمْب بوجهو اؼبشرؽ وقد ربلّى خداه حبمرة يانعة وأسفرت شفاىو عن بسمة حنونة صبيلة‪ ،‬ويف‬
‫عينيو بدت نظرة كريبة‪:‬‬
‫السبلـ عليكم ورضبة اهلل‪ ..‬مرحباً بك يا أخي ضيفاً يف قلعتنا اؼبتواضعة‪ ..‬واندفع كبوه مرحباً واحتواه برضبتو كما ربتوي‬
‫السماء األرض وربيط ّٔا‪.‬‬
‫َف يكن السجْب يتوقع أف يصل إُف درجة يشعر معها أف ىذا اإلنساف وبمل بْب جنبيو كل ىذه الرضبة الٍب احتوتو‬
‫وانتزعت من نفسو اػبوؼ والبغض والكراىية‪ ،‬لقد عاد إُف اغبياة وغمرتو الغبطة واغبناف‪ ،‬شعر بأعضائو كلها كأهنا‬
‫أغصاف تسري فيها مياه اغبياة فَبتوي ريّاً منعماً كريباً وطابت نفسو وغمرهتا اغبياة‪ .‬وجلسا معاً وجهاً إُف وجو‪ ،‬كلّّ على‬
‫كرسي يف تلك الغرفة الٍب اكتملت فخامتها بقدوـ ضابطنا السيد ؿبمد أمْب وأضحت وكأهنا جنّة وارفة الظبلؿ‪.‬‬
‫يتأمل الضابط وقد أصابتو دىشة كبّبة وفر ٌح صاعق عميق استحوذ على مشاعره‪:‬‬
‫وراح سجيننا َّ‬
‫أنا؟‪ .‬أنا من كرىت وأسأت‪ ...‬وأفنيت عمري سعياً وراء أىوائي الٍب دفعتِب ألعمل كل مكروه وأقطع كل خّب‬
‫ومعروؼ‪..‬‬
‫ما الذي يدفعك أيها اإلنساف السامي أف تعاملِب بكل ىذه الرأفة والتسامح‪ ...‬ما الذي يبنعك من قتلي واسَبجاع‬
‫حقك‪ ،‬واهلل إٓف ال أرى سبباً هبعلك تتقرب مِب وتستضيفِب وكأٓف حبيب أو صديق القلب اغبميم‪.‬‬
‫اؼبودة والَبحاب‪،‬‬
‫حوار داخلي دار بْب السجْب وذاتو‪ ،‬وباوؿ فيو العثور على سبب هبعل الضابط يستقبلو بكل ىذه ّ‬
‫ووبيطو بكل ىذه العناية‪ ،‬الٍب أخجلتو واستحوذت على قلبو‪ ،‬حٌب بدأت جذوة النار يف قلبو تنطفئ رويداً‪ ...‬رويداً‬
‫لتنمو مكاهنا شجرة اغبب اؼبقدَّس والوالء لو‪ ...‬وؽبذا اإللۤو القادر اؼبقتدر العظيم‪ ،‬لك اغبمد يا اهلل لك حيب وثنائي‬
‫وىيامي ؼبا أوليتِب‪.‬‬

‫َسَرتو وسلبتو مشاعره وقادتو كبو التوبة والندـ‪ ،‬وىو الذي َف يكن وبمل بْب ثنايا صدره‬
‫من اؼبؤَّكد أف معاملة مثل ىذه أ َ‬
‫ٍ‬
‫ماديات ومنافع ذاتية أراد الوصوؿ إليها بأي شبن‪.‬‬
‫إال اغبسد والضغينة وىو الذي جرى وراء‬
‫وبدأ معو مشوار الصفاء‪...‬‬
‫كانت أوُف خطواتو ىذا اللقاء‪ ،‬ث تبعها خطوات أعظم وأبلغ‪...‬‬
‫وتابع السيد ؿبمد أمْب معو ىذا اؼبشوار‪ ،‬وتنازؿ عن أشياء كثّبة مقابل سعادة ىذا اإلنساف مقابل قباتو اغبقيقية‪ ،‬وراح‬
‫وبضرىا لو خصيصاً من بيتو ووبملها لو‬
‫يؤانسو ويبلطفو ويقضي معو أصبل األوقات‪ ،‬ويقدّْـ لو أفخر الوجبات الٍب كاف ّْ‬

‫بنفسو ليتأكد ويطمئن من أنو حباؿ جيد‪ ،‬وأنو ٍ‬
‫ماض يف رحلتو الٍب بدأىا معو‪ ،‬أال وىي رحلة العودة إُف الصواب لّبسم‬
‫لنفسو طريقاً جديدة برعاية إلۤو ضبيد ؾبيد‪.‬‬
‫وبدأ ىذا السجْب يُفًب بالسيد ؿبمد أمْب ويتشوؽ إليو وللجلوس معو وؿبادثتو‪ ،‬وصار يتمُب لو أنو يبقى معو طيلة النهار‬
‫الود‪ ،‬ويروي عطش القلب الذي خلَّفو جفاؼ السنْب اؼباضية‪ ،‬وأضحت حياتو بصحبتو‬
‫والليل ليغرؼ بوجوده من نبع ّ‬

‫عشق ٍ‬
‫ساـ وامتناف بعد أف اختفت من نفسو تلك الشرور واآلثاـ‪.‬‬
‫كلها ّ‬
‫ود ووئاـ‪ ،‬بل ٌ‬

‫غّب نواياه وقرر أف يثور على حياتو السابقة‪ ،‬ووبطم ؾبراه‬
‫ودبا أنو فهم الدرس‪ ،‬واستفاد من ىذه األزمة الٍب نزلت بو‪ ،‬فقد ّ‬
‫اؼبزري الذي كاف يسّب فيو‪ ،‬لذلك خفف اهلل عنو‪ ،‬وانقضت مدة توقيفو بسرعة َف تتجاوز العشرين يوماً وخرج بسند‬

‫كفالة عزيزاً مكرماً‪ ،‬وفتحت لو اغبريّة ذراعيها من جديد ليعود إُف العيش طليقاً سعيداً‪ ،‬ولكن بقلب جديد وفكر جديد‪.‬‬

‫ودع مدير القلعة حبرارة بالغة شاكراً إياه حسن ضيافتو العلية‪ ،‬وكرـ ِشيَمو معَبفاً بفضلو عليو‪ ،‬صبيل لن ينساه‬
‫وبعد أف َّ‬
‫مدى اغبياة‪.‬‬

‫لقد دعى لو السيد ؿبمد أمْب من صميم قلبو باػبّب وحسن اػبتاـ‪ ،‬مؤّْكداً أف السعادة والنجاة يف تقوى اهلل‪ ...‬ودواـ‬
‫عما هنى عنو وح ّذر منو‪ ،‬وكانت آخر دعواه أف اغبمد هلل رب العاؼبْب‪.‬‬
‫السّب حسب أوامره وقوانينو واالنتهاء ّ‬
‫وبذلك اتَّبع اغبق‪ ،‬وصار من أنصاره وواحداً من أىلو‪ ،‬وعاد إنساناً بنَّاءً يسعى إُف اغبصوؿ على مرضاة اهلل والتأكيد بأف‬

‫ىذا اإلنساف الشهم الذي استضافو ما كاف إال صادقاً ونزيهاً‪ ،‬وما أتى إال باغبق واليقْب‪ ،‬يف حْب أنو "أي سجيننا" كاف‬
‫سابقاً من أشد احملاربْب لو وألىدافو السامية‪.‬‬
‫ه َ‪ٚ‬ثَ ْ‪َ َُٕٗ١‬ػذَا َ‪ٚ‬ح َوؤََُٔٗ َ‪َ ٌِٟٚ‬ح ِّ‪}ُ١‬‬
‫{ َ‪ٚ‬الَ رَ ْغزَ ِ‪ْ ٞٛ‬اٌ َح َغَٕخُ َ‪ٚ‬الَ اٌ َغ‪ِّ١‬ئَخُ ا ْدفَ ْغ ثِبٌَزِ‪ َٟ ِ٘ ٟ‬أَحْ َغ ُٓ فَئ ِ َرا اٌَ ِز‪ ٞ‬ثَ ْ‪َ َٕ١‬‬
‫(‪.)8‬‬
‫) سورة فصلت‪ :‬اآلية (‪.)01‬‬

‫(‪8‬‬

‫* * *‬
‫ولعل الذي ىبطر على بالنا بسبب ىذه القصة "والشيء بالشيء يذكر" ذكرى ٍ‬
‫يوـ عظيم يف عهد قدوتنا األظبى سيدنا‬
‫ُ‬

‫ؿبمد ‪ ،‬ذلك اليوـ الذي فيو متّ نصر اؼبؤمنْب بقيادتو اغبكيمة وعلى أياديو حينما دخل مكة فارباً على رأس قوة كبّبة‬

‫اؼبنورة ذبنُّباً ألذى الكفار من أىلها وظلم زعمائها الذين حاولوا تكذيبو وقتل‬
‫من جيش اؼبسلمْب الذين ىاجروا إُف اؼبدينة ّ‬
‫اؼبؤمنْب واقتحاـ حرماهتم وسلب أمواؽبم‪ ...‬فكاف ىذا الفتح ؽبم دبثابة نصر كبّب‪ ،‬أعاد للحق مكانتو ورفع راية اإلسبلـ‬

‫عالياً فوؽ كل راية‪.‬‬
‫وىناؾ وقف سيدنا وحبيبنا ‪ ‬ـباطباً‪ ،‬وقد ذبمع الناس يف صبهرة كبّبة قائبلً‪:‬‬
‫أخ كرٔف وابن أخ كرٔف‪...‬‬
‫ما تظنوف أٓف فاعل بكم!‪ .‬فأجابوه‪ٌ :‬‬
‫فقاؿ بكل تواضع وبكل قوة‪ :‬اذىبوا فأنتم الطلقاء‪.‬‬
‫مع أنو كاف يف مركز اغبكم والسلطة ودبقدوره أف ينتقم للمؤمنْب ويعاملهم دبثل ما عاملوىم بو‪ ،‬ولكن ليست ىذه غايتو‬
‫وليس من شيمو أف يثأر ويزأر‪.‬‬
‫ِ‬
‫خصص الغنائم‬
‫فخضعوا لو وبدأت قلؤّم تلْب ؽبذه الرضبة واإلنسانية الٍب أخجلتهم‪ ،‬وَف‬
‫يكتف الكرٔف بذلك‪ ،‬بل إنو َّ‬
‫الٍب جناىا جيش اؼبسلمْب بعد أف متَّ انتصارىم يف غزوة حنْب للكفار وأكرمهم ّٔا بأف أعطى لكل واحد منهم مئتا‬
‫شب يف قلبو‬
‫ليقربو منو وينتزع ما َّ‬
‫ناقة‪ ،‬وأربع مائة ناقة ؼبن كاف زعيماً للكفر وإماماً للضالْب أبا سفياف تفضَّل عليو ّٔا ّْ‬
‫من عداء وحقد وكفر وظبلـ‪ ..‬غدا بعدىا وذريتو منارات اإلسبلـ وملوؾ اغبق ورفع راية اإلسبلـ على العاَف بأسره‬
‫بالعصر الذىيب لئلسبلـ‪.‬‬
‫فيتقرب منهم‪،‬‬
‫غِب عنهم‪ ،‬وليس لو حاجة ّٔم َّ‬
‫وبذلك فإنو يكوف قد بادؿ اإلساءة باإلحساف والبغض باغبب‪ ،‬مع أنو ٌ‬
‫بل ىو ص ْدؽ ٍ‬
‫وتفاف ورغبة عظيمة للصعود بالبشر إُف اؼبنزلة الٍب تليق ّٔم وتعيد ؽبم إنسانيتهم وليوفوا بالعهد الذي التزموا‬
‫بو أماـ اػببلئق أصبعْب‪ ،‬بأهنم قادروف على ضبل "األمانة" وأهنم جديروف بالعودة إُف اعبنة اػبالدة‪.‬‬
‫هللاُ ‪ْ َ٠‬ذ ُػ ْ‬
‫{ َ‪َ ٚ‬‬
‫ص َشاغ ُِ ْغزَ ِم‪.)8(}ُ١‬‬
‫َالَ َ‪ِ ْٙ َ٠ٚ‬ذ‪َ َ٠ ْٓ َِ ٞ‬شب ُء إٌَِ‪ِ ٝ‬‬
‫َاس اٌغ ِ‬
‫‪ٛ‬ا إٌَِ‪ ٝ‬د ِ‬
‫اؼبنورة ليست فقط اؼبوجودة يف اغبجاز‪...‬‬
‫وىكذا نرى أف اؼبدينة َّ‬
‫اؼبنورة أصبحت ىنا يف الشاـ أيضاً واألعماؿ‬
‫وأف األعماؿ العظيمة َف تنقطع بعد رحيل رسوؿ اهلل ‪ ‬عنا‪ ،‬بل إف اؼبدينة َّ‬
‫آّيدة اؼبضيئة سبت على أرضها وبْب أىلها ولقولو ‪:‬‬
‫) سورة يونس‪ :‬اآلية (‪.)22‬‬

‫(‪8‬‬

‫«عليكم بالشام»‪ ،‬وكما أطلق عليها تعاُف‪" :‬األرض اؼبقدَّسة"‪ ،‬إذ ىي مهبط الرساالت ومهد األنبياء‪...‬‬
‫اسألوا تراب الشاـ إف كنتم ال تصدّْقوف‪...‬‬
‫اسألوا ظباءىا إف كنتم يف شك فبا تسمعوف‪...‬‬
‫وىا ىي أحجار القلعة تشهد‪...‬‬
‫ىا ىو هنر الفرات يسجد‪...‬‬
‫وىا ىم أىلها أحياء يُرزقوف‪...‬‬
‫فلم ال ندخل البيوت من أبوأّا بدؿ أف كباوؿ تسلق اعبدراف العالية الٍب ستودي بنا إُف السقوط‪ ،‬وردبا ربطَّمت نفوسنا‬
‫وال نعود قادرين على الوقوؼ مرة أخرى‪ ...‬فنمضي ما تبقى من عمرنا زاحفْب على األرض مندثرين بْب أحجارىا‪...‬‬
‫يتصور أف األرض ىي دار القرار لو‪ ...‬وأنو سيلقى فيها كل‬
‫وغيب ىو الذي َّ‬
‫كبن خلقنا ىنا‪ ...‬ولكننا عائدوف إُف ىناؾ‪ٌ ،‬‬
‫ما يشتهي ويبغي‪.‬‬

‫ٍ‬
‫ساعتئذ لن يكوف‬
‫صحيح إننا بشر‪ ...‬لكنا أُعطينا ملكات عالية‪ ...‬وفكراً عظيماً‪ ...‬لنصل بواسطتو إُف التقوى‪...‬‬
‫ألحد سلطاف علينا‪ ...‬وسيكوف ىوانا تبعاً ؼبا جاء بو اؼبرسلوف صلوات اهلل عليهم وسبلمو أصبعْب‪.‬‬
‫‪‬‬

‫تبوأ الضابط السيد ؿبمد أمْب عدة مناصب قيادية أثناء فَبة االنتداب الفرنسي على سورية ولبناف‪ ...‬فها ىو يتسنَّم‬
‫لقد ّ‬
‫منصب مدي ٍر لسجن القلعة (قلعة دمشق) اؼبركزي ٍ‬
‫وقائد غباميتها‪.‬‬
‫مل حياة اؼبكاتب الروتينية‪ ،‬إذ ىو بطل ميادين القتاؿ‪ ،‬وإذا بقائد اعبيش يتصل بو‬
‫وبينما ىو قائم على رأس عملو وقد َّ‬

‫دبهمة القياـ جبولة أمنية مع كثافة من اعبند على قرى الغوطة الشرقية‬
‫ىاتفياً ويكلّْفو بتجهيز قوة من رجاؿ األمن بقيادتو ّ‬
‫وذلك أثناء فَبة الثورة السورية الكربى‪ ،‬وما أف تناىى ذلك النبأ إُف مسامعو حٌب عصف بقلبو السرور واالبتهاج ألنو منذ‬

‫فَبة طبسة عشر يوماً تقريباً وىو يزاوؿ أعماالً مكتبية ْحبتة وَف يكلَّف بأية مهمة خارج حدود القلعة‪ ،‬فهو يأنف حياة‬
‫اؼبكاتب ومن طبعو عدـ الركوف إُف حياة الدعة والرخاء كما سبق وتقدَّـ‪.‬‬
‫ىم بامتطاء صهوة‬
‫وعلى الفور أمر بتجهيز اغبملة‪ ،‬وفعبلً متّ ذبهيزىا بأقصى سرعة فبكنة وىو بغاية الطرب‪ ،‬وما أف ّ‬
‫جواده خبفة ونشاط واتز ٍاف واضعاً إحدى قدميو يف الركاب حٌب جاءه أحد العناصر ليخربه بأف القائد العاـ على اؽباتف‬
‫يريد التحدُّث معو‪.‬‬
‫فعاد إُف مكتبو‪ ،‬فإذا بالقائد العاـ يطلب منو أف يبقى مناوباً يف القلعة على أف ىبلفو يف قيادة اغبملة معاونو اؼببلزـ أوؿ‪.‬‬
‫كل احملبة والتقدير نتيجة أعمالو الباىرة‪ ،‬ولكوف‬
‫فقاؿ لو ضابطنا بلهجة ّْ‬
‫الود والصداقة الٍب تربطهما (ىذا القائد يُ ُّ‬
‫كن لو َّ‬

‫ذلك القائد أيضاً صديقاً ضبيماً لشقيق ضابطنا "اعبنراؿ سليم" منذ كاف األخّب مديراً للكلّية اغبربية يف استانبوؿ)‪ ،‬ؤّذه‬
‫اللهجة الودود حاوؿ أف يثنيو عن قراره وقاؿ لو‪:‬‬

‫بت معها‬
‫يا سيادة القومنداف "اعبنراؿ" إنو ينتابِب ضيق شديد كوٓف وؼبدة طويلة أزاوؿ أعماالً مكتبية مقيتة ولدرجة أنِب ُّ‬
‫لمِب م ْغرـ‬
‫أشعر بأف روحي ستغادرٓف لطوؿ مكوثي ىذا وأنت تعرفِب بأٓف ال ُّ‬
‫أحب ذلك‪ ،‬بل أؾبُّو كثّباً ولكوٓف كما ْتع ُ‬

‫بالقتاؿ والنضاؿ على سرج ٍ‬
‫سابح (أي على صهوة اغبصاف)‪ ،‬فدعِب أذىب ؼبا كلّفتِب ويبقى ذلك الضابط مناوباً بدالً‬

‫عِب‪.‬‬
‫أصر على تنفيذ قراره وَف تفد معو كافة احملاوالت للعدوؿ عن رأيو‪ ،‬بل أهنى حديثو بصراحة قائبلً‬
‫ولكن ىذا القائد ّ‬
‫اؼبودة بعد أف وضع الصداقة جانباً‪:‬‬
‫وبلهجة عسكرية حازمة ملقياً حبباؿ َّ‬
‫إنِب آمرؾ أمراً عسكرياً باؼبناوبة ويقود معاونك اغبملة التفتيشية‪" ...‬مفهوـ"؟‪.‬‬
‫كل مأْخذ بقولو‪:‬‬
‫وىنا َّ‬
‫رد عليو ضابطنا بعد أف انفعل كثّباً وأخذ منو الغضب َّ‬
‫(أمرؾ)!‪ .‬ضارباً بالقبضة اؽباتفية على جهاز اؽباتف بقوة وعنف فبا جعلها تنكسر وتنشطر نصفْب‪ ،‬وخرج من مكتبو‬
‫آمراً‪ :‬انطلقوا للمسّب بإمرة فبلف لتنفيذ ما أُوكل من مهاـ‪ ،‬وعاد أدراجو بعد أف أل َّػمت بو ثورة عارمة من الغضب‬
‫واالنفعاؿ ال يعرؼ إُف التخلُّص منها وكبح صباحها سبيبلً‪ ...‬فاستدعى أحد مرؤوسيو وطلب منو أف ُوبضر لو قالباً كبّباً‬
‫يكسر الثلج بأسنانو من شدة الغضب علّو يتخلّص من حالتو ىذه ولكن دوف‬
‫من الثلج‪ ،‬وعندما أحضر لو ما يريد‪ ،‬أخذ ّْ‬
‫يسكت عنو الغضب وَف يغادره االنفعاؿ‪ ،‬عندىا ترؾ اؼبناوبة والوظيفة‪.‬‬
‫جدوى‪ ،‬فلم‬
‫ْ‬
‫يكن من بعده الطوفاف‪،‬‬
‫وفعبلً امتطى صهوة حصانو وغادر القلعة منطلقاً إُف بيتو غّب عابئ إثر موجة الغضب العارمة ولْ ْ‬
‫قائبلً يف نفسو‪ :‬تبّاً ؽبم وؽبذه القلعة والوظيفة‪.‬‬

‫* * *‬
‫الوضاء‬
‫ولكن ما أف مضت فَبة من الوقت وأخذت الشمس تتهادى ّْ‬
‫مودعة حبلل اعبماؿ وآّد واعببلؿ‪ ،‬تكنس نورىا ّ‬
‫للغرب ُمعلنة عن اؼبغيب وأخذ الليل يُهاجم جبحافل ظبلمو النور مهيمناً على ذلك الضياء‪ ،‬ومع ىذا التبدؿ واالنقبلب‬

‫ما بْب الليل والنهار أخذ انفعالو يهدأ وغضبو يتبلشى إُف أف ذىبت عنو تلك اغبالة سباماً وىنا بدأ ّْ‬
‫يفكر ويقدّْر ويدرؾ‬
‫همتو دوف تعيْب من ىبلفو فيها وأخذ يسائل نفسو بأنو على‬
‫حجم اؼبسؤوليات الكربى اؼبلقاة على عاتقو وكيف أنو ترؾ ُم َّ‬
‫سبيل االفَباض لو طرأ أي طارئ مع السجناء داخل القلعة‪ ،‬أو أي أمر آخر من األمور فهذا يعِب مسؤوليٍب أوالً وأخّباً‪،‬‬

‫علي إذاً إال العودة لبلضطبلع دبسؤوليٍب‬
‫وال هبوز حباؿ من األحواؿ االستمرار دبا أقدمت عليو وأنا غضباف‪ ،‬فما َّ‬
‫وواجبايت وعسى الكرب الذي أمسيت فيو يكوف وراءه فر ٌج قريب‪.‬‬

‫مهامو بعد أف أبدؿ جهاز ىاتفو اؼبكسور‪ ،‬وما أف شارؼ‬
‫مقر عملو وأخذ يبارس َّ‬
‫وفعبلً امتطى صهوة جواده عائداً إُف ّْ‬
‫بتلهف بالغ‪ ،‬وذلك لشديد‬
‫الليل على االنتصاؼ حٌب اتصل بو القومنداف "القائد العاـ للشرطة والدرؾ العاـ" وخاطبو ُّ‬
‫ؿببتو لو والٍب أحيتها رىبة اؼبأساة اؼبروعة‪ :‬أأنت موجود؟‪.‬‬
‫فأجابو‪ :‬نعم موجود‪ .‬أوليس أمر سيادتك الذي أبقآف؟‪" .‬قاؽبا دبرارة"‪.‬‬
‫فأردؼ القومنداف قائبلً‪ :‬إف ما عنيتو بسؤاِف بأنك َف تذىب مع اغبملة؟‪.‬‬
‫أجابو‪ :‬كيف يكوف ِف ذاؾ وقد منعتِب أنت‪ ،‬وحلت بيِب وبْب ىذه اؼبهمة وأمرتِب جرباً فأطعت؟‪.‬‬
‫حل ّٔم؟‪.‬‬
‫فقاؿ القومنداف‪ :‬اغبمد هلل على عدـ وجودؾ معهم‪ ...‬أتعلم ماذا حصل ؽبؤالء وما َّ‬
‫أجابو‪ :‬بالنفي ال أعلم‪...‬‬
‫الثوار‪ ،‬ومتَّ‬
‫قاؿ القومنداف‪ :‬ما أف وصلت اغبملةُ مع ضبَّاطها إُف قرية "اؼبليحة" بغوطة دمشق حٌب وقعوا بكمْب نصبو ؽبم َّ‬
‫أسر كامل القوة مع قادهتا‪ ،‬وإُف اآلف ما زاؿ مصّبىم ؾبهوالً لدينا وال نعلم عنهم شيئاً‪ ،‬كما أننا ال نعلم أىم على قيد‬
‫اغبياة‪ ،‬أـ أصبحوا يف عداد األموات!‪.‬‬
‫الثوار‪ ،‬إذ استضافوا الضباط وأكرموىم وفرشوا ؽبم الفرش حٌب ناموا وسحبوا‬
‫لقد كاد ؽبم أىل قرية "اؼبليحة" دبؤامرة مع َّ‬
‫منهم أسلحتهم‪ ،‬فدخل الثوار واعتقلوىم صبيعاً وأخذوىم أسرى ومصّبىم اآلف ؾبهوؿ‪ ،‬وقد نقل ىذا التقرير لنا أحد‬
‫أعيننا ىناؾ‪.‬‬
‫فما رأيك اآلف دبا فعلت معك‪ ،‬أَف يكن خّباً؟‪.‬‬
‫فرد عليو قائبلً‪ :‬إذاً‪ ...‬أنت يا سيادة اعبنراؿ على علم ُمسبق بذلك حٌب حلت بيِب وبينو‪.‬‬
‫َّ‬
‫فأجابو برعب‪ :‬أعوذ باهلل‪ ،‬إنِب ما كنت أعلم شيئاً‪ ،‬حاشا وكبلَّ‪ .‬وارتعدت فرائص القائد الكبّب رعباً‪ ،‬إذ لو كاف لو علم‬
‫فمعُب ذلك أنو متآمر معهم ومصّبه اؼبوت‪.‬‬
‫يعرضِب لذلك اؼبأزؽ ال أنت‪.‬‬
‫قاؿ‪ :‬إذاً اهلل ىو الصانع وىو الذي َف ّْ‬
‫فقاؿ اعبنراؿ‪ :‬نعم اهلل‪ ...‬اهلل ىو الصانع حقاً‪ ،‬اهلل أنطقِب وأنا ال أعلم‪.‬‬
‫* * *‬
‫ونعود اآلف إُف قرية اؼبليحة لنرى ماذا حصل بالتفصيل ىناؾ‪.‬‬

‫إنو بعد وصوؿ تلك آّموعة إليها قاـ أىاِف ىذه القرية الكريبة باستقباؽبم استقباالً حافبلً‪ ،‬وبالغوا يف إكرامهم وأحسنوا‬
‫مثواىم‪.‬‬
‫وعند حلوؿ اؼبساء متَّ توزيع العناصر على معظم منازؿ القرية‪ ،‬وبعد أف أُخذ الضباط ووضعوا كل ضابط يف منزؿ‬
‫وألبسوىم لباس النوـ "بيجامات" وعلّقوا أسلحتهم على اعبدراف وىم يف غاية االطمئناف واإلكراـ‪ ،‬وبعد أف أَخلدوا إُف‬
‫النوـ وقعوا يف اؼبصيدة الٍب نصبها الثوار ؽبم باالتفاؽ مع أىل القرية‪ ،‬فجاؤوىم يعتقلوهنم ليلتقطوىم واحداً واحداً‪ ،‬ودوف‬
‫أدْف عناء‪.‬‬
‫قبضوا عليهم صبيعاً وأوثقوىم بالقيود بعد أف أصبحت أسلحتهم الٍب َف َّ‬
‫يتمكنوا من استخدامها غنيمة سهلة بأيدي‬
‫الثوار‪ ،‬وساقوىم حفاة وبلباس النوـ إُف مدينة السويداء جببل العرب حيث اشتعل فتيل الثورة السورية الكربى فيها ليمتثلوا‬
‫أماـ قائد الثورة ىناؾ آنذاؾ "سلطاف باشا األطرش"‪.‬‬
‫وال ىبفى علينا صعوبة اؼبسالك اؼبؤدية إُف جبل العرب والٍب تتميز بكثرة الصخور واألشواؾ وخاصة أف اؼبسّب نػُفّْذ سّباً‬
‫على األقداـ فبا جعل الدماء تنزؼ من أقدامهم والسياط تنهاؿ عليهم ضرباً‪.‬‬
‫اختصو قائد ؾبموعة‬
‫تعرض للضرب واإلىانة ىو الضابط اؼبكلَّف بقيادة اغبملة وكاف جسيماً بديناً‪ ،‬حيث َّ‬
‫وكاف أكثر من َّ‬
‫الثوار بالتعذيب من قِبَلِو دوف غّبه وكاف طيلة مدة مسّبه ينهاؿ على ظهره بالسوط وعلى كافة أكباء جسده‪ ،‬وكانت‬
‫َّ‬
‫الثوار لو خصيصاً بسبب بدانتو‪.‬‬
‫ترافق كل جلدة على ظهر ىذا الضابط عبارةٌ بذيئة ومنحطة من قبل قائد ؾبموعة َّ‬
‫مع العلم أف ىذا الضابط كاف لو يف يوـ من األياـ موقف مغاير سباماً مع ىذا الشخص الذي ىو اآلف أسّب بْب يديو‬
‫مقر قيادة الثورة بالسويْداء يفقد نصف وزنو تقريباً‪.‬‬
‫يذيقو من ألواف العذاب وصنوفو ما جعلو بعد وصولو إُف ّْ‬
‫وبعد مضي فَبة من الزمن متَّ التفاوض بْب حكومة االنتداب الفرنسي وقيادة الثورة‪ ،‬حيث أُطلق سراح ىؤالء األسرى وفق‬
‫شروط معيَّنة متَّ االتفاؽ عليها بْب الطرفْب‪.‬‬
‫وعودة ثانية إُف ذلك الضابط األسّب البئيس الذي ُكلّْف بقيادة الدورية اؼبكثفة بدؿ ضابطنا السيد ؿبمد أمْب وموقفو‬
‫نقص ذلك منذ بادئ ذي بدء‪:‬‬
‫الثوار‪ ...‬تُرى ما ىو ىذا اؼبوقف؟‪ُّ .‬‬
‫اؼبغاير الذي سلف ذكره مع قائد ؾبموعة َّ‬
‫لقد كاف الضابط األسّب ىذا معاوناً لضابطنا السيد ؿبمد أمْب يف قيادة القلعة بعهد األتراؾ كما ىو عليو اآلف‪ .‬وذات‬
‫ْب بالقلعة والذي أصبح اآلف أشهر قا ٍ‬
‫سجانوا القلعة على سج ٍ‬
‫ئد ّٓموعة الثوار كما رأينا وقدَّموه لضابطنا‬
‫يوـ قبض َّ‬
‫ضبط متلبساً دبحاولة ارتكاب جرـ شنيع ومناؼ لؤلخبلؽ واغبشمة مع أحد األشخاص اآلخرين‪ ...‬وما‬
‫احملبوب على أنو ُ‬

‫أف ظبع ضابطنا بذلك وربقَّق َّ‬
‫وتأكد لو صحة ؿباولتو اعبرـ‪ ،‬حٌب أمسك بتبلبيبو وطرحو أرضاً على مرأى من كافّة‬

‫وبقدميو تارةً أخرى إُف أف أخذت الدماء تسيل من كافة أكباء‬
‫السجناء يف ساحة القلعة واهناؿ عليو ضرباً بسوطو تارةً‬
‫ْ‬

‫يبزؽ جلده بأسنانو‪.‬‬
‫جسده‪ ،‬وَف يشفو ذلك‪ ،‬بل أخذ ّْ‬

‫الَبجي لكي يوقف عنو العذاب إُف أف‬
‫وذاؾ الضابط اؼبعاوف من شدة تأؼبو عليو أخذ يطلق سيبلً من عبارات التوسل و ّْ‬
‫غالبتو العربات وأخذ هبهش بالبكاء حزناً عليو وضابطنا السيد ؿبمد أمْب ال يأبو بو وال يصغي إليو‪.‬‬
‫لقد َرِح َم الضابط اؼبعاوف ىذا آّرـ ولكن رضبتو تلك َف تكن مبنية على علم بأف ما يبلقيو ىذا آّرـ اآلف من ضرب مؤَف‬
‫ذمهم رب العاؼبْب بقولو‪:‬‬
‫باطنو فيو الرضبة وظاىره من قِبَلِ ِو العذاب‪ ،‬وكيف ال وىو فبن َّ‬
‫ْشفُ‪.)8(} َْٛ‬‬
‫{إَِٔ ُى ُْ ٌَزَؤْرُ‪ َْٛ‬اٌشِّ َجب َي َش ْ‪َٛ ٙ‬ح ِِ ْٓ ُد ِ‬
‫‪ ْٚ‬إٌِّ َغب ِء ثًَْ أَ ْٔزُ ُْ لَ‪ُِ َ ْٛ‬غ ِ‬
‫شرع اهلل هبب أف يعاقب عقاباً شديداً‪ ،‬وإف ما يلقاه ىذا آّرـ من العذاب اآلف على يد ذلك‬
‫فاػبارج عن حدود ما َّ‬
‫اإلنساف الطاىر ىو ؿبض الرضبة واػبّب ألنو ؿباولة إلنقاذه من براثن االكبطاط واالكببلؿ األخبلقي والشذوذ اعبنسي‬
‫ومعرضاً للعذاب األكرب يف اآلخرة إف َف يتب ويرجع‬
‫الذي هبعلو خاسراً ؼبا أعدَّه اهلل لو من خّبات يف اآلخرة غداً‪ ،‬بل َّ‬
‫تسوؿ لو نفسو مثيل ىذا اعبرـ لكي يرتدع آّتمع‪.‬‬
‫عن غيّْو فبل بد من التأديب للردع والتوبة‪ ،‬وعربة ؼبن ّْ‬
‫وسبضي اللياِف واألياـ وتنقضي الشهور وينتمي ىذا الشخص االنتهازي اؼبنحط إُف صفوؼ الثورة السورية الكربى وىذا‬
‫شيء طبيعي بالنسبة لكافة الثورات واغبركات فقد يتسلَّل إُف صفوفها بعض االنتهازيْب والوصوليْب واؼبنحطْب الذين ىم‬
‫دبعزؿ ومنأى عما هتدؼ إليو الثورة من أىداؼ ومرٍاـ سامية‪ ،‬ومبتغاىم وأىدافهم ىو ربقيق غاياهتم الشخصية اؼبنحطة‬
‫متَّخذين من مبادئ وشعارات الثورة سلَّماً لبلرتقاء كبو آّد الكاذب‪ ،‬وسرعاف ما يصلوف إُف ما يطمحوف ألهنم ال‬
‫سبر إالَّ ويغتنموهنا للظهور باؼبظهر الداؿ على منتهى إخبلصهم ووالئهم ووفائهم لتلك الثورة‪ .‬ويتسنَّموف‬
‫يدعوف فرصة ُّ‬
‫بالتاِف اؼبراكز القيادية الٍب وبقّْقوف من خبلؽبا ما يعجزوف عن ربقيقو لو كانوا دبعزؿ عنها‪ ،‬وىذا ما انطبق على ذلك‬
‫الشخص اؼبنحط الذي ىو اآلف وكما رأينا قد أصبح قائداً علَماً لتلك آّموعة من الثوار‪ ،‬وضحيتو الٍب بْب يديو اآلف‬
‫ىو نفسو الضابط اؼبعاوف الذي كاف قد أبكتو رضبتو عليو يف السجن وىو الذي وقع اآلف أسّباً بْب يديو‪ ،‬أليس ذلك‬
‫موقفاً مغايراً حبسب صورتو!‪َّ .‬أما حقيقتو فهي عكس ذلك سباماً بدليل قاطع على أف تلك الرضبة غّب اؼببنية على علم َف‬
‫تشفع ؽبذا الضابط اؼبعاوف عندما أصبح اآلف يف قبضة ىذا آّرـ يذيقو شٌب ألواف العذاب‪.‬‬
‫أما إنساننا السيد ؿبمد أمْب الذي ضربو ضرباً مربحاً رضبة بو فغايتو‪ :‬مرضاة اهلل والنهي عن اؼبنكر والفحش جعلتو غايتو‬
‫يف حرز منيع وحصن حصْب باهلل من أف ينالو ذلك آّرـ أو غّبه دبكروه طواؿ حياتو ألف ما قاـ بو من جليل األعماؿ‬

‫) سورة األعراؼ‪ :‬اآلية (‪.)58‬‬

‫(‪8‬‬

‫وجل قصده من ورائها رضى اػبالق وإنقاذ عباده وإقالة عثراهتم واألخذ‬
‫وعظيم التضحيات الٍب اتَّسمت بالرضبة واإلنسانية َّ‬
‫بيدىم وإسعافهم ولو أدى ذلك لسخط اؼبخلوؽ‪ ،‬لذلك كاف اهلل مؤيّْده وناصره وعاصمو جرباً من الوقوع بْب براثن عدو‬
‫اغبق وعدوه كما يف واقعتنا ىذه‪ ...‬فاؼبقيموا حدود اهلل‪ :‬اهلل وليهم وحافظهم‪.‬‬
‫{‪..‬فَ َ‬
‫بلِلُ َخ‪ْ١‬ش َحبفِظب َ‪ َٛ ُ٘ٚ‬أَسْ َح ُُ اٌشَا ِح ِّ‪.)8(} َٓ١‬‬

‫‪‬‬

‫) سورة يوسف‪ :‬اآلية (‪.)31‬‬

‫(‪8‬‬

‫يف عهد االحتبلؿ الفرنسي لسوريا أصبح ضابطنا السيد ؿبمد أمْب مديراً لناحية "قلعة عنجر" على اغبدود اللبنانية‬
‫السورية كقائد ومسؤوؿ ىناؾ‪ ،‬وكانت ىذه القلعة دبثابة مستودع مؤقت انتقاِف لؤلسلحة اؼبرسلة حبراً عن طريق لبناف‬
‫ُ‬
‫الثوار السوريْب‪.‬‬
‫وتُعترب مركزاً ىاماً ومعقبلً قوياً ضد َّ‬
‫ويف ىذه األثناء أرسلت اغبكومة الفرنسية صفقة كبّبة من األسلحة ومن ـبتلف صنوؼ السبلح لتمويل قواهتا العاملة يف‬
‫سوريا ولبناف ضد الثوار وضد الوطن لتقمع اغبركات الثورية التحررية أينما وجدت بواسطة باخرة من فرنسا نقلت شحنتها‬
‫من الذخّبة والعتاد ؽبذه القلعة اغبدودية مؤقتاً‪.‬‬
‫القوات الفرنسية يف سوريا‪ ،‬وبالطبع أضحت ىذه األسلحة صبيعها‬
‫ومتَّ زبزينها يف القلعة اؼبذكورة ريثما يتم توزيعها على َّ‬
‫صمم ىذا الضابط السيد ؿبمد‬
‫ربت مسؤولية وإشراؼ ىذا الضابط باعتباره اؼبسؤوؿ عن القلعة‪ ،‬ولكن وبنظر ثاقب َّ‬
‫الثوار السوريْب أعداء اغبكومة الفرنسية ولو كلَّفو ذلك العمل حياتو‪.‬‬
‫أمْب على تسليم األسلحة إُف َّ‬
‫الثوار باألمر وأوعز إليهم بأف يبدأوا باستبلـ األسلحة ربت جنح الليل‪ ،‬وقد صرؼ بعض رجاؿ األمن‬
‫ىذا وقد أعلم َّ‬
‫الغّب مرغوب يف وجودىم بشكل طبيعي بإجازات ليلية وأبقى اؼبخلصْب باإلضافة إُف معاونو اؼبخلص لو أيضاً‪ ،‬وما أف‬
‫الثوار وبدأوا استبلـ األسلحة ونقلها من القلعة ربت جنح الليل‪.‬‬
‫حل الظبلـ وأسدؿ الليل ستاره حٌب جاء َّ‬
‫َّ‬
‫* * *‬
‫وبعد منتصف الليل اتصل الضابط ّْ‬
‫اؼبفكر بالقائد العاـ قائبلً‪:‬‬

‫الثوار بأعداد كبّبة وبقوة رىيبة واآلف تدور رحى معركة كبّبة بيننا وبينهم وىم يريدوف االستيبلء على‬
‫لقد ىاصبنا َّ‬
‫القلعة‪ ...‬فالعجل العجل‪ ...‬النجدة النجدة‪.‬‬
‫وكاف قد أمر رجاؿ األمن لديو بإطبلؽ النار يف اؽبواء وبكثافة حٌب يسمع أىل القرية‪ ،‬كما اتفق مع ـبتار القرية على‬
‫القوات القتالية‪ ،‬وأىل‬
‫القوؿ أنو قد طلب منو اؼبعونة فأجابو اؼبختار‪ :‬بأنو ال يستطيع أف يقدّْـ أيَّة مساعدة ألنو يفتقر إُف َّ‬
‫القرية فبلحوف ال سبلح لديهم‪.‬‬
‫القوات الفرنسية "الٍب أعلمها ضابطنا السيد ؿبمد أمْب بعد فوات األواف" إُف القلعة‪ ،‬وجدت أف ـبازف‬
‫ولدى وصوؿ َّ‬
‫الثوار "غامبْب ساؼبْب"‪.‬‬
‫وفر َّ‬
‫القلعة قد فُػّْرغت َّ‬
‫ما أف وصل اػبرب للمندوب السامي الفرنسي اعبنراؿ "كاترو" بوقوع الكارثة العظمى حٌب طار صوابو وكاد يفقد وعيو‬
‫وامتؤل قلبو غيظاً وحقداً على الضابط السيد ؿبمد أمْب‪ ،‬فاعترب أهنا خيانة عظمى بنظره‪ ،‬وكيف هبرؤ ىذا الضابط على‬
‫للثوار‪ ،‬إذ تُعترب من أكرب صفقات األسلحة الٍب ترسلها اغبكومة‬
‫تسليم ضبولة باخرة كاملة من األسلحة والذخّبة َّ‬
‫الثوار‪.‬‬
‫الفرنسية إُف سورية نظراً الستنفاد اعبيش الفرنسي معظم ذخائره ومعداتو القتالية مع َّ‬
‫ثانياً ما ىو موقفو أماـ حكومتو؟‪ .‬فكاد يفقد رشده وأصدر ُحكماً باإلعداـ مع التنفيذ الفوري على ىذا الضابط ومعاونو‬

‫ليلة إحضارنبا موجودين لدمشق لتنفيذ حكم اإلعداـ ّٔما فجراً كاؼبعتاد‪ ،‬لكن العجيب أف ضابطنا َف يقابل ىذا اغبكم‬
‫بضعف أو جنب أو خوؼ بل كأف شيئاً َف يكن‪ .‬فما كاف العمل الذي قاـ بو إالَّ نصرة للحق وما قد يقع من نتائج ال‬

‫َّ‬
‫بد أف ّٔا اػبّب العميم للجميع فالفعَّاؿ ىو اهلل‪.‬‬
‫وبالفعل وبكل أماف واطمئناف اضطجع السيد ؿبمد أمْب يف غرفة النظارة وغالبو النوـ فناـ‪ ،‬قاؿ تعاُف‪{ :‬إِ ْر ‪َ ُ٠‬غ ِّش‪ُ ١‬ى ُُ‬
‫بط أَ ََِٕخ ِِ ُْٕٗ‪.)8(}..‬‬
‫إٌُّ َؼ َ‬
‫فأيقظو معاونو الضابط قائبلً‪ :‬كبن معدومْب وتناـ أال تدري أننا بعد ساعات سنساؽ للموت‪ ،‬كيف ىبطر على بالك‬
‫النوـ!‪.‬‬
‫وأخذ يضرب يداً بيد وىو يصرخ ويصيح‪ :‬يا أوالدي من لكم من بعدي!‪ .‬وىو يذرع أرض الغرفة ذىاباً وإياباً بعصبية‬
‫بالغة فاقداً صوابو ث يلتفت باذباه ضابطنا ويقوؿ لو‪ :‬كيف تستطيع أف تناـ وعند الفجر سينفَّذ بنا حكم اإلعداـ‬
‫"اؼبوت"؟‪.‬‬

‫) سورة األنفاؿ‪ :‬اآلية (‪.)88‬‬

‫(‪8‬‬

‫فرد عليو بسرور وىو يغالب النوـ وبثقة مطمئنة‪ :‬ال أدري سوى أنِب أشعر بنعيم والنوـ حلو وثقيل على جفوٓف وال ىبطر‬
‫ّ‬
‫بباِف إال النوـ فدعِب أناـ‪.‬‬

‫وما أف ظبع منو ذلك ورآه قد ناـ حٌب انفجر باكياً نادباً‪ :‬يا أوالدي يا زوجٍب ما حالكم من بعدي‪ ،‬وكاف يُكابد األسى‪،‬‬
‫واػبوؼ واغبزف يبؤل قلبو وقد أظلمت الدنيا بعينيو وعلى ىذه الوتّبة األليمة استمر حٌب الفجر وعلى ىذا اغباؿ‪.‬‬

‫أما ضابطنا السيد ؿبمد أمْب َّ‬
‫فغط يف سبات عميق بنعيم وىو غّب عابئ باغبكم وكأنو ال يوجد شبَّة إعداـ ح ّقاً‪.‬‬
‫* * *‬
‫سوقهم لتنفيذ حكم اإلعداـ ّٔم وكاف القائد العاـ للجيش الفرنسي مستنفراً فخرج من باب "السرايا"‬
‫وعند الفجر متَّ ْ‬
‫عدوىم‪.‬‬
‫كي يشاىد احملكومْب باإلعداـ الذين ضيّعوا َّ‬
‫ودمروا ذخّبة وعتاد فرنسا بسوريا‪ ،‬بل وسلّموىا أليدي ّْ‬
‫(‪)8‬‬
‫أحب أف يشاىد شخصيَّة‬
‫مروا من أماـ "السرايا" كاف وبدّْؽ فيهم بعينيو الساخطتْب ولكنو استحضرىم إذ َّ‬
‫وعندما ُّ‬

‫ىذا الضابط السيد ؿبمد أمْب ويعلم كيف سبّت تلك اػبسارة الفادحة ووقعت الواقعة قبل أف يُعدـ وكيف بلغت بو‬
‫للحد الذي أقدـ فيو على ىذا العمل الفظيع‪ ،‬ولبالغ الغرابة واالستنكار شاىده قادماً رافع الرأس ثابت اعبناف‬
‫اعبرأة ّْ‬
‫افَب ثغره عن ابتسامة عذبة وكأنو ينطلق إُف عرسو وىو مشوؽ فكاد القائد‬
‫يتهادى يف خطواتو العسكرية الرشيقة‪ ،‬قد ّ‬
‫هبن جنونو ويفقد صوابو وال يكاد يصدّْؽ ما تُريو عيناه وَف يبلك نفسو إال أف صرخ بلهجة (ىستّبية) متهدجة‪:‬‬
‫الفرنسي ُّ‬
‫ووبك‪ ...‬ما دىاؾ‪ ...‬وما ىذه اػبيانة العظمى حٌب سلّمت أسلحتنا ألعدائنا يا عدو فرنسا؟‪.‬‬
‫فأجابو بكل ثقة وبكبلـ متزف ال يبدو عليو أي اضطراب أو خوؼ‪:‬‬
‫الثوار ودارت معركة كبّبة بيننا وبينهم استمرت ساعات طويلة وقد طلبت النجدة من القائد العاـ السوري‬
‫لقد ىاصبنا َّ‬
‫الثوار كبّبة وال نستطيع أف نستمر بالدفاع عن القلعة‪ ،‬وؼبا تأخرت النجدات عبأت إُف‬
‫لديكم وأخربتو باألمر وبأف قوة َّ‬
‫الثوار‪ ،‬وعندما َف تصلنا أي َّقوات أو‬
‫مساعدة ـبتار القرية الذي أجاب بأنو ال يبلك السبلح والرجاؿ ؼبقاومة َّقوات َّ‬
‫الثوار بعد معركة كبّبة غّب متكافئة من االستيبلء على القلعة‬
‫قبدات‪ ،‬بل وال أية مساعدة وبعد قتاؿ انتحاري استطاع َّ‬
‫وإثر انسحابنا القسري من اؼبمر السري األرضي مرغمْب‪ ،‬وكاف القائد العاـ السوري جالساً يسمع الكبلـ بالقرب من‬
‫اعبنراؿ اإلفرنسي قائد َّقوات فرنسا بسوريا‪ ،‬فالتفت إليو اعبنراؿ وقاؿ لو‪:‬‬
‫ىل أخربؾ ىذا الضابط باألمر وطلب النجدة؟‪.‬‬

‫) السرايا ‪ :‬قصر اؼبندوب السامي اغبكومي قرب اؼبرجة بدمشق‪ ،‬والسرايا ال تزاؿ حٌب اآلف مقر وزارة الداخلية السورية‪.‬‬

‫(‪8‬‬

‫للقوات‪ :‬نعم‪ ..‬وىو ال يدري عن ماذا هبيب ألنو كاف بضياع تاـ من ىوؿ اؼبوقف وؼبا َّ‬
‫تأكد اعبنراؿ‬
‫َّ‬
‫فرد القائد العاـ َّ‬
‫ِ‬
‫بتأمل ج ّدي عميق‪...‬‬
‫القائد من ذلك عاد إليو صوابو وىدأت ثورتو وحدَّتو وعاد إليو تفكّبه واستغرؽ ّ‬
‫إذاً ليس على ىذا الضابط أي ح يق دبا جرى وقد َّأدى واجبو بشكل كامل وبإخبلص كبّب‪ ،‬وتابع السيد ؿبمد أمْب‬
‫حديثو بعد أف طلب اعبنراؿ غاضباً رأيو بقائد رجاؿ األمن السوري لديو فأجاب ـباطباً اعبنراؿ القائد‪:‬‬
‫أنت عندؾ قائد عاـ؟‪ .‬ىذا ال يصلح إالَّ أف يكوف "بائع فول نابت" فكيف يكوف قائداً عاماً للشرطة والقوى‬
‫اؼبسلحة؟‪.‬‬
‫عندىا التفت اعبنراؿ إُف اؼبَبجم وسأؿ مستفسراً‪:‬‬
‫ماذا يقصد بقولو‪" :‬بائع فول نابت"؟‪.‬‬
‫رث الثياب وطاعناً يف السن‬
‫فأجابو اؼبَبجم‪ :‬أتذكر سيدي حينما كنا نتجوؿ بعيد األضحى بالبلد وشاىدنا رجبلً عجوزاً ّ‬

‫على رأسو طربوشاً وسخاً وأمامو حلّة الفوؿ اؼبسلوؽ وجبانبو طاولة حوؽبا كر ٍ‬
‫اس صغّبة وأطفاؿ يأكلوف الفوؿ كيف‬
‫ضحكت من منظره العجيب‪ ،‬ىذا ىو من يقصده ىذا الضابط ببائع الفوؿ النابت‪.‬‬
‫وحيث كاف منظر ىذا البائع العجوز مضحكاً جداً وكاف اعبنراؿ قد شاىده يبيع الفوؿ على عربة سابقاً وضحك منو‪،‬‬
‫فما أف َّ‬
‫ووصف القائد العاـ لؤلمن والقوى اؼبسلحة ّٔذا البائع حٌب ضحك ضحكة‬
‫تذكر اعبنراؿ الفرنسي منظر البائع ْ‬

‫من أعماقو وانفردت أساريره وبدا السرور والغبطة على وجهو‪.‬‬

‫واغبقيقة أنو ّٔذه الضحكة انفرجت األزمة الرىيبة وزاؿ اػبطر العظيم‪ ،‬وبذا زاؿ خطر حكم اإلعداـ‪ :‬إذ تناوؿ ظباعة‬
‫اؽباتف واتصل باؼبندوب السامي الفرنسي الذي كاف مستنفراً أيضاً وَف تغمض لو عْب بسبب ىذه الكارثة وخاطبو بقولو‪:‬‬
‫سيادة اعبنراؿ "كاترو" كدنا أف نقتل أفضل اؼبخلصْب لنا بفورة غضبنا مع أنو ال غبار عليهما وأخربه بالواقعة كما ظبعها‬
‫يتفحص ضابطنا السيد ؿبمد أمْب‪:‬‬
‫وجو اعبنراؿ الفرنسي ىذا السؤاؿ الذكي فجأة وىو َّ‬
‫من ضابطنا‪ ،‬ث َّ‬
‫بشرفك العسكري اصدقِب‪ ...‬ىل أنت ر ٍ‬
‫اض باحتبللنا لبلدكم حقاً؟‪.‬‬
‫فأجابو‪ :‬إنِب أسبُب أف أكوف عوضك حاكماً على بلدؾ فرنسا وجالساً مكانك يف باريس وبلدي وبكم بلدكم‪.‬‬
‫لكنو وبعد ىذه اإلجابة الصاعقة أردؼ قائبلً وؾبامبلً للجنراؿ‪:‬‬
‫ولكن ودبا أننا كبن العرب متخلّْفْب وقد انتدبتكم صبعية األمم علينا للنهوض بنا للتقدُّـ والتطور ولنشر اؼبدنية واغبضارة‬
‫يف ببلدنا ومساعدتنا على النهوض فقد رضيت‪.‬‬

‫أُعجب اعبنراؿ ّٔذا اعبواب وقاؿ‪ :‬جوابك حق‪ ،‬وحقاً إنك مواطن شريف وـبلص لبلدؾ ولنا عن علم وإنك اليوـ لدينا‬
‫مكْب أمْب‪ ...‬واآلف ع ْد لوظيفتك ولك شكرنا وثناؤنا على ما قمت بو من دفاع مستميت‪ ...‬ولكن ضابطنا طلب منو‬
‫أف يعفيو من اػبدمة‪.‬‬
‫فسألو اعبنراؿ متعجباً‪ :‬ؼباذا ىذا الطلب؟‪.‬‬
‫فأجاب‪ :‬إذا استمرت خدمٍب لديكم جبهاز األمن فإف ىذا القائد العاـ وبعد أف تكلَّمت حبقّْو ما تكلَّمت سوؼ يكيد‬
‫ِف ويدبّْر ِف مقلباً ليسَبد ىيبتو ومكانتو وىو أعلى مرتبة مِب فتصدّْقوه‪.‬‬
‫لكن اعبنراؿ رفض إعفاءه من اػبدمة قائبلً‪ :‬سوؼ تستمر باػبدمة‪ .‬ولن أظبع من ٍ‬
‫أحد عنك شيئاً أبداً‪.‬‬
‫عندىا خرج ىذا الضابط من عنده‪ ،‬وما أف سار قليبلً مبتعداً ومعاونو عن "السرايا" وشعرا باألماف التاـ حٌب عانقو‬
‫معاونو وىو يقوؿ والدموع تذرؼ من عينيو‪:‬‬
‫أنقذت حياتنا‪ ...‬يا عزيزي‪.‬‬
‫وما أف ظبع ضابطنا السيد ؿبمد أمْب ذلك حٌب سقط على ركبتيو وىو يقوؿ بنفسو‪:‬‬
‫اهلل‪ ...‬اهلل ىو الذي أنقذنا‪ ..‬فواهلل لقد أرآف اهلل بأحرؼ من نور ُكتبت على اعبدار خلف وفوؽ اعبنراؿ القائد كِبلَ‬
‫السؤاؿ واعبواب‪ :‬ما سأُسأؿ وبَ أجيب‪.‬‬
‫ومن ِ‬
‫يتق اهلل هبعل لو ـبرجاً‪ ،‬وهبعل لو من عسره يسراً‪ ،‬واتقوا اهلل ويعلمكم اهلل‪.‬‬
‫‪‬‬

‫أخي القارئ‪ :‬أما ظبعت قوؿ رسوؿ اهلل ‪ ،‬إذ قاؿ‪:‬‬
‫«حب الوطن من اإليمان»‪.‬‬
‫* * *‬
‫أثناء العدواف الفرنسي على ببلدنا قاـ السيد ؿبمد أمْب بتدبّبات رائعة فريدة من نوعها وخطط ُؿبكمة ؾبيدة ضرب ّٔا‬
‫الباطل وأىلو من حيث ال يشعروف ويتوقعوف‪ ،‬مناصراً بذلك اغبق وأىلو ؿباوالً إحبلؿ العدؿ واألماف رافعاً الظلم والفساد‬
‫اؼبشرفة الرائعة الٍب وقفها‪...‬‬
‫عن الببلد‪ .‬لنتابع معاً ىذه الوقفة ّْ‬
‫كاف ىناؾ أمر وسيُنفَّذ‪َّ ،‬‬
‫فكر ضابطنا السيد ؿبمد أمْب "كاف برتبة مبلزـ أوؿ" باألمر فوجد أنو من البلزـ أف يتم‬
‫مرجوة‪ ...‬لكن وللغرابة‪ ،‬فالضابط الفرنسي (الذي كاف أيضاً‬
‫ويتحقَّق‪ ،‬فتحقيق مثل ىذا األمر فيو خّب ونتائج جيدة َّ‬
‫أصر رغم ما َّبْب لو السيد ؿبمد أمْب من حسنات إسبامو وأف‬
‫برتبة مبلزـ أوؿ) وقف فبانعاً إسباـ ىذا األمر القانوٓف!‪ .‬و َّ‬
‫األمر ضمن القانوف‪ ،‬بقي فبانعاً رافضاً‪ :‬ىذا األمر ال يبكن أف يتم‪...‬‬
‫ؼباذا ىذا التعنُّت والرفض األعمى؟‪ .‬فقط ألنو ضابط فرنسي!‪ .‬من ضباط اغبكم!‪ .‬فضابطنا السيد ؿبمد أمْب ِمثْػلُو يف‬
‫الرتبة العسكرية لكنو عريب‪ ،‬أي ليس من ضباط اغبكم الفرنسي‪ ،‬ولذا أراد ذاؾ الفرنسي أف يفرض سيطرتو الغامشة جدالً‬
‫وفوقيَّةً على الضابط العريب بالرغم من عدـ مطابقة أمره للقانوف الفرنسي ذاتو‪.‬‬

‫َّ‬
‫ّٓرد التعاِف‬
‫علي َّ‬
‫فكر ضابطنا السيد ؿبمد أمْب باألمر قليبلً‪ ...‬لقد أدرؾ بنفسو‪ :‬ىكذا إذاً يريد أف يفرض رأيو وسيطرتو َّ‬

‫وأنو من ضباط الدولة اغباكمة وأنا عريب فقط!!‪ .‬رغم أٓف بيَّنت لو َّ‬
‫أف ىذا األمر ال يعنيو وال عبلقة لو فيو‪ ...‬إذاً مكابرة‬
‫ومعاندة باحملسوس اؼبلموس‪ ...‬ىكذا إذاً‪ ...‬طيّْب سَبى أيها الضابط اؼبتكرب‪...‬‬
‫كاف ضابطنا ما يزاؿ فبتطياً صهوة حصانو ساكناً فبعناً النظر ّٔذه النتائج الٍب أدركها‪ ،‬ث وبسرعة رفع رأسو ونبز فرسو‬
‫جرد مسدسو من‬
‫لتتقدَّـ بضع خطوات وانقض على الضابط الفرنسي الواقف بكرب وتعجرؼ‪ ،‬أثناء انقضاضو كاف قد َّ‬
‫غمده ملقّْماً إياه بسرعة الربؽ وواضعاً وملصقاً فوىتو برأس الضابط الفرنسي غّب مباؿ بو وال بدولتو‪ ،‬ث قاؿ لو‪:‬‬
‫أنت‪ ...‬يا حضرة الضابط الفرنسي ىذا األمر سيتم (وبلهجة قاسية سريعة أكمل قائبلً) وإيَّاؾ أف تتدخل فيما ال‬
‫يعنيك‪ ...‬فهمت وإال‪...‬‬
‫رجف قلب الضابط الفرنسي ىلعاً ورعباً وقد َمثَ َل اؼبوت بْب عينيو وتصاغر كربه وعجرفتو اغبمقاء وقاؿ بصوت يهتز‬
‫متقطعاً‪ :‬كمػ‪ ...‬كما تريد‪ ...‬كما تريد‪...‬‬
‫* * *‬
‫وبالفعل متَّ األمر القانوٓف على ما يراـ‪ ...‬وكانت نتائجو كما يرجوىا السيد ؿبمد أمْب سباماً‪ ،‬ولكن ىل تذىب ىذه‬
‫اإلىانة لضابط حاكم من ضباط اغبكم الفرنسي سدى؟‪ .‬ىل تذىب ىباء منثوراً دوف ٍ‬
‫رد ٍ‬
‫قاس عليها‪ ،‬وخصوصاً أهنا‬
‫ً‬

‫صدرت عن ضابط عريب!!‪ .‬ولكنها صدرت ضمن اغبق والقانوف‪.‬‬

‫فما متَّ من إذالؿ ىذا الضابط الفرنسي "تُعترب رتبة مبلزـ أوؿ يف تلك األثناء رتبة ؽبا قيمتها وىيبتها وصبلحياهتا الكبّبة"‬
‫من قبل الضابط العريب يعِب إذالؿ فرنسا‪ ،‬ىكذا اعتربىا‪ ،‬بل رب ّدياً للحكم بنظره األعوج‪.‬‬
‫وقد كانت ىيبة ضابطنا وشجاعتو رادعةً صاعق ًة للضابط الفرنسي وذلك ما جعلو دائماً يف بعد وتباعد عن السيد ؿبمد‬

‫أمْب فلم ّْ‬
‫يفكر باالنتقاـ لنفسو وجهاً لوجو بتاتاً‪ ،‬بل عبأ إُف جهاز حكمهم يف سوريا فأوصل خرب ما حدث معو إُف‬
‫القواد الفرنسيْب يف سوريا فغلى اغبقد يف دمهم‪ ...‬حٌب‬
‫القواد الفرنسيْب وتناقل ىذا اػبرب معظم كبار الضباط و َّ‬
‫بعض َّ‬
‫وصل اػبرب للجنراؿ "كاترو" ولكن قانوهنم وتشريعهم ال يسمح ؽبم بعقوبة السيد ؿبمد أمْب أبداً وال توجيو أي كلمة‪...‬‬
‫حبقّْو‪ ...‬فالسيد ؿبمد أمْب إمبا قاـ بواجبو وىذا األمر الذي نفَّذه من مهامو من صلب القانوف‪ ،‬واػبطأ الواضح ىو‬
‫تدخل ضابطهم الفرنسي!‪.‬‬
‫ُّ‬
‫أذى أو‬
‫لقد كاف ُّ‬
‫تدخل الضابط الفرنسي ّ‬
‫تدخبلً فضولياً‪ ،‬بل تعدّْياً ظاىراً وبوضوح وبذلك ال يستطيعوف إغباؽ أي ً‬
‫حبق السيد ؿبمد أمْب بصورة غّب قانونية وإف كاف فسيشوىوف ظبعتهم وىذا ما تنعكس نتائجو اػبطّبة عليهم‪،‬‬
‫"عقوبة" ّْ‬

‫فما قَ ِد ُموا لببلدنا واستعمروىا إال بشكل انتداب من صبعية األمم إذ ذاؾ‪ ،‬فقد جاؤوىا لتطويرىا والنهوض ّٔا ؼبسايرة‬
‫موكبة التقدُّـ واغبضارة يف كل آّاالت‪ ،‬ىذا كاف ادعاؤىم‪ ،‬وإف أخلُّوا بالقانوف فتُفقد ىيبتهم وتنعكس اآلثار السلبية‬
‫فكروا بعقوبة السيد ؿبمد أمْب أو بالتخلُّص منو بفكرة ذكية وخصوصاً أهنم ُّ‬
‫عليهم ولذا َّ‬
‫يشكوف بازدواجيتو‪ ...‬لكنهم‬

‫مكروا بو‪ ،‬إذ أرسلوه إُف منطقة الدروز يف جبل العرب‪ ،‬منطقة التمرد الثوري‪ ،‬حيث كانت الثورة السورية الكربى ُمشتعلة‬
‫وبأشد أوارىا‪.‬‬

‫ِ‬
‫عيَّنوه مدير ٍ‬
‫وقرروا تزويده بسريّة من العناصر ليتم األمر بشكل طبيعي‪ ،‬غّب ملفت للنظ ِر وبذلك‬
‫ناحية لتلك‬
‫اؼبنطقة َّ‬
‫الثوار ولؤلبد‪ ،‬وىذا ما كادوه لو فبعثوا أمر التعيْب‪.‬‬
‫يكونوف قد زبلَّصوا منو على يد َّ‬
‫* * *‬
‫ويف اليوـ احملدَّد لبلنطبلؽ للمنطقة‪ ...‬امتطى السيد ؿبمد أمْب فرسو وكانت السرية جاىزة لبلنطبلؽ‪ ،‬فانطلقت ربت‬
‫قيادتو‪َ ...‬ف يكن ليخفى عليو "مكرىم" أي حقيقة سر ىذا التعيْب‪ ،‬ولكنو َف يأبو باألمر‪ ،‬بل كانت ثقتو باهلل كبّبة‬
‫مطمئن لتحقيقو‪.‬‬
‫مدرؾ سباماً ىدفو الذي يسعى لو‬
‫وىو ٌ‬
‫ٌ‬
‫سارت السرية وراء قائدىا متَّجهْب إُف منطقة الدروز‪ ...‬ساروا‪ ...‬وساروا‪ ...‬إُف أف اقَببوا من حدود اؼبنطقة حيث‬
‫الثوار الدروز الذين سارعوا لنصب كم ٍ‬
‫ْب ؽبذه السرية‬
‫وصلوا لو ٍاد فاصل بْب جبلْب‪ ...‬ىذا الوادي ُم َسيطٌَر عليو من قبل َّ‬
‫بعد أف وصلتهم أخبارىا‪...‬‬
‫مرت السرية بالوادي حٌب اهناؿ الرصاص عليها بغزارةٍ‪...‬‬
‫وما إف َّ‬
‫ولكن ما اغبل؟‪ .‬فبل ساتر ىناؾ ليقيهم من طلقات الدروز إف استمروا باؼبسّب‪ ...‬واألمر بات جد خطّب‪.‬‬
‫نظر القائد السيد ؿبمد أمْب إُف اؼبنطقة نظر ٍ‬
‫ات سريعة مستكشفاً متفحصاً الوضع الذي أصبحوا فيو‪ ...‬فرأى أف أفضل‬
‫عمل وآمنوُ يف مثل ىذه اغبالة أف يلتجئ بسريتو لسفح اعببل وربت صخوره‪.‬‬
‫وبسرعة أمر السريَّةَ باالذباه ربت الصخور الساترة‪ ،‬فاذبهت واستقرت بسفحو‪ ...‬عندىا أصبح الوضع أكثر أمناً وانعدـ‬
‫الثوار الدروز إليهم‪.‬‬
‫وصوؿ رصاص َّ‬
‫بعد ذلك خاطب ضابطنا سريتو قائبلً‪ :‬ابقوا مكانكم وال تغادروه فهو َآم ُن من غّبه‪ ...‬انتظروٓف بينما أستكشف بقية‬
‫ربركوا ساكناً‪.‬‬
‫فبراً ؿبمياً من الرصاص فأعود مسرعاً إليكم وال ّْ‬
‫الوادي عسآف أجد ّ‬
‫وبسرعة نبز فرسو فانطلقت بو تشق طريقها الوعر بْب الصخور واغبجارة يف ذلك الوادي‪ ...‬وسلك طريقاً ضيقاً وعراً‬
‫للثوار‬
‫للثوار‪ ،‬ولكن قبل ظهوره َّ‬
‫الثوار إُف أف ابتعد عن السرية وخرج من جهة ثانية مكشوفاً َّ‬
‫بسفح اعببل ـبفياً عن أنظار َّ‬

‫يلوح ّٔا‬
‫ربط قطعة قماش بيضاء كاف قد انتزعها من ثيابو‪ ...‬ربطها حبربة بندقيتو اغبربية‪ ،‬ث ظهر َّ‬
‫للثوار وقد رفع البندقية ّْ‬
‫بالقطعة القماشية‪ ...‬وذلك إشارة السبلـ واؼبساؼبة‪.‬‬
‫الثوار ذلك من الضابط القائد وبسرعة أرسلوا طبسة أو ستة عناصر منهم فنزلوا اعببل إُف قائد السريّة ُمشهرين‬
‫رأى َّ‬
‫أسلحتهم والتقوا بالقائد السيد ؿبمد أمْب‪ ،‬عندىا بادرىم السيد ؿبمد أمْب قائبلً‪ :‬صحيح أنِب ضابط عند العدو‪ ،‬لكِب‬
‫ثائر‪ ...‬أنا منكم‪ ...‬وىذا خامت الثورة‪ ...‬وتكلَّم ؽبم عن بعض الرموز واإلشارات والكلمات السرية الشائعة بينهم‬
‫الثوار‪ ،‬عندىا صدَّقوا كبلمو‪.‬‬
‫واؼبتعارؼ عليها فقط من قِ ِبل َّ‬

‫الثوار‪...‬‬
‫السرية وبعض األمور الٍب ال يعرفها إالَّ َّ‬
‫سر وصدَّقوه بعدما ظبعوا بعض الكلمات ّْ‬
‫ظبعوا منو ىذا الكبلـ اؼبُ ّ‬
‫وسُّروا بو ونظروا ببعضهم نظرات تفاؤؿ وإقرار دبصداقيَّ ِة ما ظبعوا‪ ،‬ث تكلَّم‬
‫وأحسوا بنربات الصدؽ و َّ‬
‫القوة فاطمأنوا لو ُ‬
‫أحدىم "ويبدو أنو زعيم ىذه آّموعة الصغّبة" قائبلً‪:‬‬

‫فعاؿ‪...‬‬
‫إذاً علينا يا رجاؿ أف نوقف إطبلؽ النار‪ ...‬فهذا الضابط الشهم ىو ثائر حقيقي ذو شأف خطّب َّ‬
‫فقاطعو السيد ؿبمد أمْب قائبلً‪:‬‬
‫تشك بازدواجيٍب وبتعاملي معكم ضدَّىم‪ ،‬فعليكم أف تتابعوا إطبلؽ‬
‫علي‪ ،‬إذ ُّ‬
‫ال‪ ،‬أيها الرجل الشجاع فلفرنسا عيو ٌف ّ‬
‫العيارات النارية بأىداؼ خاطئة وذلك حٌب اؼبساء‪ ...‬عندىا تفسحوا لنا آّاؿ ليبلً‪ .‬وأماـ عيوف فرنسا نلقى اؼبقاومة‬
‫تامة وقباح‪...‬‬
‫منكم وىذا أسلم ِف وللثورة وأسَب عن عيوف فرنسا فبا يُبيح ِف أف أتابع زبطيطي خبفاء وسهولة ّ‬
‫الثوار قائبلً‪ :‬ىذا صحيح‪ ...‬إذاً اتفقنا أيها الضابط الشجاع‪ ...‬وتصافحا‪.‬‬
‫التفت قائد ؾبموعة َّ‬
‫عندىا َ‬
‫رد السيد ؿبمد أمْب‪ :‬اتفقنا وتبادال ابتسامة السبلـ والتعاوف اؼبشَبؾ‪ ...‬ث التفت الرجل إُف بقية ؾبموعتو قائبلً‪ :‬ىيا بنا‬
‫َّ‬
‫الثوار يف األعلى‪.‬‬
‫يا رجاؿ لنعد ظافرين‪ ...‬وبسرعة انفتلوا متفائلْب وصعدوا اعببل عائدين لينضموا لبقية َّ‬
‫وبالفعل متَّ ما اتفق عليو السيد ؿبمد أمْب معهم‪ ...‬إذ تابعوا إطبلؽ النار ّْ‬
‫باذباىات خاطئة بينما عاد ىو لسريَّتو وأمرىم‬
‫باؼبسّب عند ُحلوؿ الظبلـ من حيث سار فساروا وراءه وأصوات الرصاص قد زالت وتوقفت‪ ...‬إُف أف وصلوا القسم‬
‫الثوار وعياراهتم النارية‪.‬‬
‫وسبركزوا فيو بعد مرورىم بعدَّة أماكن وؿباولتهم التغطية واالختفاء عن عيوف َّ‬
‫الثوار‪...‬‬
‫وَف يَبؾ السيد ؿبمد أمْب أيّة ثغرة تدينو أماـ فرنسا بتعاملو مع َّ‬
‫وباليوـ الثآف وبينما ىو جالس دبكتبو اعبديد يف إدارة الناحية جاءه رجل من الدروز سكاف البلد فدخل اؼبكتب وقاؿ‪:‬‬
‫َّ‬
‫سرياً ضرورياً وىاماً‪...‬‬
‫سيدي الضابط أريد أف أتكلم معك كبلماً ّ‬
‫قاؿ السيد ؿبمد أمْب‪ :‬تفضل وتكلَّم دبا عندؾ‪.‬‬

‫فقاؿ القروي‪ :‬سيدي‪ ،‬ىناؾ قافلة من اؼبهربْب على اعبماؿ ستمر من قرب اؼبنطقة‪ ...‬وقبل أف يُكمل حديثو‪ ...‬وقبل أف‬
‫فهب واقفاً وكاألسد اؼبزؾبر‬
‫يفهم كفاية اغبديث فإف السيد ؿبمد أمْب َف يشعر إالَّ وثورة عارمة اندلعت يف صدره‪َّ ...‬‬

‫صاح بالرجل غاضباً‪:‬‬
‫اآلف العدو هبثم على أرضنا فوؽ صدورنا يستغل خّبات ببلدنا وينشر الظلم والفساد يف قلوب العباد وأنت تأتيِب‬
‫لتخربٓف بقافلة اؼبهربْب‪ ،‬وماذا تعِب قافلة مهربْب؟‪ .‬أال ترى ما يُعآف شعبنا من ىذا احملتل الظاَف!‪.‬‬
‫باذباه القروي‪ ...‬نظر القروي بوجو‬
‫بقوة وعصبية ويتقدَّـ خطوة إثر خطوة أثناء حديثو ّ‬
‫كاف السيد ؿبمد أمْب يتكلَّم َّ‬
‫اؽبيبة الٍب رآىا‬
‫ضابطنا فرآه يقَبب منو بوجو كوجو األسد الغاضب فارذبفت أعصابو و َّ‬
‫اصفر وجهو فزعاً وخوفاً من شدة ْ‬
‫ِ‬
‫انقض عليو الضابط القائد السيد ؿبمد‬
‫بوجو الضابط وَف يد ِر بنفسو إال وىو يَباجع للوراء خطوة إثر األخرى‪ ،‬ث وبسرعة َّ‬
‫وفر ىارباً وىو ال يكاد يصدّْؽ بأنو سينجو من بطشة ىذا الضابط الثائر‪ ...‬وباندفاعو ىارباً‬
‫أمْب‪ ،‬فانفتل القروي َّ‬
‫وبسرعة قصوى سقطت عصابة رأسو "مشاخو" من على رأسو وتابع راكضاً بسرعتو القصوى حٌب خرج من كل إدارة‬
‫الناحية ُمبتعداً متوغبلً داخل البلد‪.‬‬
‫* * *‬
‫حل مساء ىذا اليوـ وىو مساء اليوـ الثآف لدخوؿ السيد ؿبمد أمْب ىذا البلد حٌب أُشعلت النّباف على رؤوس‬
‫وما أف َّ‬
‫اعبباؿ يف تلك اؼبنطقة وانطلقت األدخنة وألسنة اللهب مرتفعة يف السماء ظاىرة للعياف وبالتتاِف أوقدت على القمم‪ ،‬قمة‬
‫إثر األخرى‪.‬‬
‫الثوار يف تلك اؼبنطقة ُّ‬
‫للتأكد من صحة‬
‫فلقد كاف ىذا القروي الذي َّفر ىارباً‪ ...‬رجل من رجاؿ الثورة وقد بعثو قادة َّ‬
‫للثوار وثورتو معهم ضد فرنسا‪ ،‬وما أف متَّ ؽبم ذلك َّ‬
‫اؼبهربْب‬
‫كبلـ مدير الناحية اعبديد ومن إخبلصو َّ‬
‫وتأكدوا بتمثيلية ّْ‬
‫تلك حٌب أشعلوا النّباف إشارة منهم لكافة دروز اؼبنطقة كلّها بأف مدير الناحية اعبديد ثائر‪ ...‬منا‪ ...‬ومتضامن معنا‪،‬‬
‫فتعاونوا معو‪.‬‬
‫وبذلك علم َّثوار اؼبنطقة بأكملها أف ىذا القائد الضابط العريب السيد ؿبمد أمْب إمبا ىو ثائر وطِب ُـبلص للثورة‪ ...‬بل‬
‫ثائر خطّب الشأف ودعم حقيقي ؽبم بوجو فرنسا‪.‬‬
‫بعدىا أصبحوا على وفاؽ كامل معو واستسبلـ لو‪ ،‬فما كانوا ليقدموا على عملية قتالية إالَّ بتخطيط وتدبّب ُؿبكم من‬

‫عبقريتو الرائعة الف ّذة‪ ،‬فأي عملية مدانبة لقوات فرنسية أو ؼبخازف ذخّبة وأسلحة فرنسية إالَّ وكاف ىبطّْط ؽبا وبالتعاوف‬
‫الثوار ىجوماً ما إالَّ ويُرسل السيد ؿبمد أمْب خرباً للقادة اؼبسؤولْب الفرنسيْب يُعلمهم بأمر ىجوـ‬
‫معهم‪ .‬فما أف َّ‬
‫يشن َّ‬
‫الثوار قد أقبزوا عمليتهم‬
‫الثوار ولكن بتوقيت مغالط وال يصل ىذا اػبرب لكي وبشدوا قواىم للمؤازرة والدفاع إال ويكوف َّ‬
‫َّ‬

‫وفروا غامبْب ساؼبْب ُمنتصرين‪ ،‬عندىا تصل قوات اؼبؤازرة والدفاع الفرنسية‪ ...‬ولكن متأخرة!!‪ .‬فلقد فات األواف وتعود‬
‫ُّ‬

‫جارة وراءىا أذياؿ اػبيبة واػبسارة‪.‬‬
‫َّ‬

‫الثوار فوراً و َّأدى واجبو وما عليو من‬
‫وبذا كاف الفرنسيوف وبمدونو إلخبارىم باؽبجوـ‪ ،‬فلقد أخربىم عند علمو ّٔجوـ َّ‬
‫القواد‬
‫تصور َّ‬
‫مهمة‪ ،‬وال غبار عليو أبداً‪ ...‬بل ىو مواطن يقوـ بواجبو على أمتّْ وجو ذباىهم ُـبلص ؽبم "كاف ىذا ُّ‬
‫الفرنسيْب"‪.‬‬
‫الثوار وبنفس الوقت‬
‫واستطاع ىذا الضابط الشجاع اؼبخلص لوطنو أف ينصر وطنو ويعمل لصاٌف شعبو‪ ...‬فساعد بذلك َّ‬
‫ُ‬
‫َك ِسب رضاء فرنسا بتدبّبه اغبريب وزبطيطو الذكي‪.‬‬
‫القوات الفرنسية دوماً ولكن بعد فوات األواف‬
‫الثوار ولكن بتوقيت مغالط فتصل َّ‬
‫لقد كاف ىبرب فرنسا بكل ىجوـ يشنُّو َّ‬
‫الثوار وىزـ اؼبستعمرين يف مواقع ع ّدة‪ ،‬وإمبا اغبرب خدعة‪.‬‬
‫بقليل‪ ،‬وبذا نصر َّ‬
‫‪‬‬

‫تأمل ثاقب دقيق‪،‬‬
‫التفت فبدا على ُؿبيَّاه ظلّّ وارؼ من التفكّب العميق وطغى على قسمات وجهو‬
‫سحاب مركوـ من ُّ‬
‫ٌ‬

‫والتمعت يف عينيو نظرة صدؽ مهوؿ وتصميم ال يعرؼ األفوؿ‪ ،‬استغراؽ مهيب امتص كل َّ‬
‫ذرات نفسو‪ ،‬اعتصر فيضاً‬
‫ٍ‬
‫وسب ٍح واسع‬
‫عرمرماً من الرضبة اإلنسانية الكربى فنامت على جبينو العريض الناصع البياض ذبعيدات تنبئ عن اسَبساؿ ْ‬
‫يقارنو عزيبة تتخطى الزمن وتسبق األحداث وترسم على صفحات التاريخ خطوط فجر تليد أغر‪.‬‬
‫كاف ىناؾ جندي تفضحو تنهداتو وتكشف عما يتفاعل يف صدره زفراتو‪ ،‬تتعثر أنفاسو وتضطرب أمارات وجهو يدنو‬
‫منو‪ ،‬اقَبب ملهوفاً‪ ...‬سيدي‪ ...‬سيدي أريد إجازة‪ :‬انتبو السيد ؿبمد أمْب من استغراقو وَف يصدّْؽ ما تسمعو أذناه‪...‬‬
‫إجازة!‪.‬‬
‫انصرؼ‪ ...‬فانصرؼ وعاد إُف أفكاره‪.‬‬
‫كبن نسّب إُف القتاؿ وأنت تريد إجازة ىل ُجننت؟‪.‬‬
‫ْ‬
‫كر إليو‬
‫ووثق بو وما ىي إالَّ برىة حٌب َّ‬
‫كاف ىذا اعبندي يرى يف قائده َّ‬
‫كل معآف البطولة والرجولة واإلنسانية لذلك أحبَّو َ‬
‫على مًب فرسو من جديد‪:‬‬

‫سيدي أتوسل إليك دعِب أذىب اآلف ويف الصباح التحق بكم فأنا أعرؼ اؼبوقع الذي فيو تتمركزوف يف هناية غوطة‬
‫لدي من شرؼ بأنِب لن أُخلف أبداً‪.‬‬
‫دمشق "وجعل يصفو لو"‪ ..‬وأعدؾ بكل ما َّ‬
‫فأجابو‪ :‬أيها آّنوف‪ ...‬إف طلبك اإلجازة يعِب أنك جباف خائف من اؼبوت وإذا أجبتك طلبك فإٓف أمنح إجازة من‬
‫اؼبوت‪ ،‬وإذا مبا اػبرب إُف قيادة اعبيش فبل بد وأهنم سيتهموٓف باػبيانة العظمى وأُعدـ وإياؾ‪.‬‬

‫قاؿ لو‪ :‬سيدي أسألك بكل ما يف قلبك من رضبة وأستجّب بنخوتك وشهامتك فإٓف وكما ال ىبفى عليك غريب عن‬
‫تتعسر والدهتا فمن ؽبا؟‪.‬‬
‫ىذه الديار النائية فبل أىل وال أصدقاء وزوجٍب قد دانبها‬
‫اؼبخاض وىي بْب أمواج األَف وعاد ًة َّ‬
‫ُ‬
‫رد عليو‪ :‬أيها اعبندي قلت لك انصرؼ فبل أنا أستطيع وال أحد غّبي يقدر على تلبية طلبك‪.‬‬
‫َّ‬
‫يتحرؽ ولكنو ما لبث أف عاد إُف موئلو وسنده وغوثو وقبل أف ي ِ‬
‫صل أشرقت الفكرة‬
‫ذىب اعبندي وعيناه تزوغاف وقلبو َّ‬
‫َ‬
‫شبلؿ من العرفاف هلل ال يُوصف‪.‬‬
‫سرور طاغ طلعتو وانثاؿ من مقلتيو ٌ‬
‫والتمعت يف ذاكرة ضابطنا السيد ؿبمد أمْب فغزا ٌ‬

‫اعبندي منو حٌب غمز لو بعينو فهمز كل منهما جواده وسارا جنباً إُف جنب مبتعدين عن مسار اغبملة‬
‫وما أف اقَبب‬
‫ُّ‬
‫عن جيش االستطبلع اؼبختلط وعن عيوف الرقباء‪:‬‬
‫أيها اؼبسكْب قد تأثَّرت غبالتك وأشفقت فبا أنت فيو من ٍ‬
‫قلق وحّبة لذلك َّقررت منحك إجازة مديدة تذىب إُف‬
‫زوجتك الٍب تناديك وقد تكوف الدموع يف عينيها فبل سند وال معْب واػبطر ؿبدؽ ّٔا‪ ،‬وال تقطع إجازتك حٌب أُرسل يف‬
‫مهم ٍة أكلّْفك ّٔا‪.‬‬
‫لكن ىذا األمر يتطلَّب منك تنفيذ َّ‬
‫طلبك و َّ‬
‫فرد عليو وصوتو يقطر ؽبفةً‪ُ :‬مرٓف يا سيدي وستجدٓف أطوع لك من بَنانِك‪.‬‬
‫َّ‬

‫ٍ‬
‫انطبلؽ استطبلعية وأنت تعرفو جيداً ومضى يشرح لو‬
‫ىنا قاؿ لو‪ :‬بعد قليل سوؼ نصل إُف اؼبوقع الذي سيكوف قاعدة‬
‫شرح اػبطَّة سألو‪:‬‬
‫تفاصيل اؼبهمة واعبندي ينصت باىتماـ بالغ‪ ،‬وحْب أهنى ضابطنا حديثو من ْ‬
‫ولكن ما اؼبهمة الٍب تأمرٓف بتنفيذىا؟‪.‬‬
‫قاؿ لو‪ :‬أقوؿ لك حينما أُرسل يف طلبك‪...‬‬
‫ظن أنو يريده ألمر شخصي فَبكو على ظنو وصرفو قائبلً‪ :‬واآلف اذىب والتحق بفصيلتك‪.‬‬
‫لقد َّ‬
‫ودموع الفرح سبؤل عينيو‪.‬‬
‫َّسع لسروره‬
‫ُ‬
‫ىروؿ اعبندي والدنيا ال تكاد تت ُ‬
‫* * *‬
‫كاف ضابطنا السيد ؿبمد أمْب نائباً لقائد طليعة اعبيش الفرنسي االستطبلعية ولوال خشية قيادة اعبيش لسلَّمتو القيادة‪،‬‬
‫عبي من الدىشة واإلعجاب فبل‬
‫فلقد ر ْأوا من عبقريتو وفنونو ما أذىلهم وزرع اغبّبة يف أفئدهتم وتركهم يغرقوف يف خض يم ي‬
‫يزاؿ يف ذاكرهتم أنو كاف الضابط اؼبسؤوؿ يف قضية االستيبلء على أسلحة قلعة "عنجر"(‪ ،)8‬ولكن كانت ىذه كلَّها‬

‫ربسباً وحيطة‪.‬‬
‫ظنوف لديهم َف َ‬
‫ترؽ إُف مستوى اليقْب لذلك جعلوا منو نائباً للقائد ال قائداً ُّ‬

‫وحينما انطلق النفّب سارت الطليعة وسار السيد ؿبمد أمْب يف ركأّا‪ ،‬كانت ابتسامة الظفر والرضا ترتسم على ثغره‪ ،‬ويف‬
‫يهيم باإللۤو العظيم الذي ىيَّأ لو الظروؼ اؼبواتية ليُكتب‬
‫وحب ٍ‬
‫جواكبو ضب ٌد ال مزيد عليو ّّ‬
‫طاغ عصف بنفسو وجعلو ُ‬
‫ػبطَّتو النجاح ومن ث اػبلود‪.‬‬
‫َّت مضجعها ضرباهتم فلم يغمض ؽبا جفن وَف يستكن ؽبا‬
‫لقد نفذ صرب فرنسا َّ‬
‫وضجت من مناوشات َّ‬
‫الثوار لقواهتا وأقض ْ‬
‫مدججْب بأحدث صنوؼ السبلح تبغي‬
‫ساعد وال ذراع‪ ،‬فحشدت تلك اغبملة حٌب بلغ طليعتها "ثبلثة آالؼ جندي" َّ‬

‫الثوار عن بكرة أبيهم بعد كشف وربديد مكاهنم وعددىم‪.‬‬
‫إبادة َّ‬
‫وجوـ وحّبة وقلق‪ ،‬فما كاف من قادة الثورة إالَّ أف‬
‫طار نبأ ىذه اغبملة االستطبلعية إُف ّْ‬
‫كل األوساط فانتاب الرأي العاـ ٌ‬
‫ِ‬
‫ّْ‬
‫وخّب حرٍز أمْب‪.‬‬
‫عم اغبصن َ‬
‫ىرعوا إُف من يُستظل بظلو فيُظلهم‪ ،‬إُف من يلتجؤوف إليو فيكوف ن َ‬
‫وىكذا كل مرة كاف يرى منهم العجب العجاب‪ :‬فكم ألقى بنفسو يف أتوف النار‪ ،‬وكم استهاف بروحو وَف ِ‬
‫يباؿ جبسمو‬
‫ّ‬
‫قباح‬
‫وىم دوماً ىبذلوه ويَبكوه وحيداً هبابو مصّبه‬
‫فتتدخل يف الوقت اؼبناسب العناية اإل ۤؽبية وتسعفو فينقلب الفشل إُف ٍ‬
‫َّ‬
‫منقطع النظّب‪ ،‬لكن ىذه اؼبرة األمر ُّ‬
‫قاب قوسْب أو أدْف وَف يكن يف ِو ْسعهم إالَّ االلتجاء إليو فبذلوا لو‬
‫جد ـبتلف والفناء َ‬
‫ظن رّٔم وظنّْو فيهم فوعدىم‪ :‬إف َّ‬
‫أقصر‪ ،‬ولكنِب لست‬
‫مكنِب اهلل فلن ّْ‬
‫العهود وأقسموا ْ‬
‫األيباف أف يكونوا عند حسن ّْ‬
‫القائد فَ ِكلوا األمر هلل‪.‬‬
‫* * *‬
‫نظر قائد اغبملة االستطبلعية إُف معاونو السيد ؿبمد أمْب نظرة ضبلت من الثقة أكثر فبا ربمل من اإلعجاب فقد َعلِ َم‬
‫وبرُؾ ساكناً إالَّ‬
‫يقطع أمراً وال ّْ‬
‫من درايتو وحنكتو وخططو ما جعلو يسلّْمو َ‬
‫قياده‪ ،‬ال بل ويتكئ على عبقريتو بالكلية فبل ُ‬
‫تطرؼ ضابطنا عن طريق مسّب اعبيش مع أحد عناصره لكنو‬
‫من بعد الرجوع إليو لذلك انتابو القلق واالنزعاج عندما َّ‬
‫سرعاف ما أقبل راجعاً واقَبب منو "وعلى مسمع من اعبنود" قاؿ بصوت مرتفع َِظب َعوُ اعبنود حوؽبم وعبلمات األَف تكسو‬
‫وجهو‪:‬‬
‫فت جانباً للبحث‬
‫إٓف ليأخذٓف‬
‫العجب العجاب ويقتلِب القلق فقد حبثت يف اؼبنطقة وسألت الرعاة واستجوبتهم حْب َّ‬
‫تطر ُ‬
‫ُ‬
‫التقصي لدراسة القتاؿ على أرض اؼبعركة القادمة فعلمت َّ‬
‫تنادوا من كل حدب وصوب فمن حلب‬
‫العملي و ّْ‬
‫بأف َّ‬
‫الثوار قد ْ‬

‫وإدلب وضبص وضباة وجبل العرب وحشدوا حشوداً ضخمة وبلغ تعدادىم عشرة آالؼ ثائر وما زاؿ العدد بازدياد‬
‫ؾبرد إشاعات‪ ،‬وكلّهم زحفوا تلقاء دمشق ولست‬
‫فاإلشاعات الٍب بلغت أظباع اغبكومة ىي اغبقيقة اليقينية وليست َّ‬
‫أدري كيف يرسلوف ّٔذا العدد الضئيل‪ ،‬أما كاف من اؼبفروض كدولة َّ‬
‫ضد عصابة ثوا ٍر أف يكوف عديدنا ثبلثة أمثاؽبم‬

‫لئبل ُوباط بنا‪ ،‬أال ترى أنو ال يوجد معنا فرنسي واحد ولكن ليس بيدنا حيلة فقد فُرض علينا القتاؿ وال بد أف نقاتل وأف‬
‫ؾبرد استطبلعية‪ ،‬بل قتالية‪.‬‬
‫ننتصر‪ ،‬واغبقيقة لن تكوف ىذه الطليعة َّ‬
‫شخصت عينا القائد وامتقع وجهو وانتصب شعر رأسو فمن يعتمد على حنكتو ىو الذي يتكلَّم‪.‬‬
‫سرى اػبرب بْب اعبنود سرياف النار يف اؽبشيم ووصلت اغبملة إُف اؼبوقع اؼبراد وجرى اعبنود إلعداده للتعسكر فنصبوا اػبياـ‬
‫فبر عريض يقسم اؼبعسكر شطرين وتركوا أسلحتهم يف‬
‫َّ‬
‫وجهزوىا وجعلوا خيمة القائد إُف جوار خيمة معاونو وبينهما ّّ‬
‫وسط اؼبعسكر تستند على بعضها على أشكاؿ ىرمية ليسهل تناوؽبا‪.‬‬
‫أسرع القائد خلف ضابطنا السيد ؿبمد أمْب عندما وًف إُف خيمتو وقاؿ لو‪:‬‬
‫ماذا ستفعل اآلف؟‪ .‬وما اػبطّة القتالية؟‪.‬‬
‫فرد عليو‪ :‬أنا متعب‪ ،‬بل مرىق جداً وأريد أف أناـ ساعتْب على األقل ألنفض عن كاىلي ىذا العناء‪ ،‬وبعدىا لبطّْط‬
‫َّ‬
‫الثوار على مقربة منَّا!‪.‬‬
‫ؾبهود كبّب وىل تظن أف يغمض لنا جفن الليلة!‪ .‬و َّ‬
‫فأمامنا ٌ‬
‫فقاؿ القائد مستغرباً‪ :‬وىل يطرؽ النوـ لك جفناً يف ىذه الظروؼ العصيبة؟‪.‬‬
‫قاؿ لو‪ :‬نعم وَِفَ ال‪ ،‬واستلقى على سريره العسكري وأغمض عينيو‪.‬‬

‫كل مأخذ وىو ال‬
‫أخرج القائد زجاجة طبر وراح يعب منها حٌب أتى على آخرىا ورماىا بنَػَزٍؽ وعصبية والرعب يأخذ منو َّ‬
‫يفتأ يذرع األرض أماـ خيمة الضابط السيد ؿبمد أمْب جيئة وذىاباً‪ :‬عند ذلك ابتهج قلب ضابطنا فرحاً وأمبلً وسروراً‪.‬‬
‫* * *‬
‫بع اؼبعسكر خلفها وؼبا وصل إُف‬
‫يف ىذه األثناء انفرد ذلك اعبندي وىو يبتطي جواده وسار اؽبويْنا باذباه التلَّة الٍب ي ْق ُ‬
‫ٍ‬
‫انقض كالسهم ىبوطاً جهة اؼبعسكر فثار الغبار حٌب طاوؿ السحاب‬
‫قمتها ما لبث أف لوى عناف جواده‬
‫بسرعة رىيبة و َّ‬
‫وعبل صهيل اعبواد وظبع اعبنود وقع حوافره ُّ‬
‫تدؽ األرض وكأمبا تنذر خبطر يوشك أف يقع‪.‬‬
‫الذعر وجهو ويسكن الوجل يف عينيو وىو يصرخ‬
‫شخصت األبصار ويبست اغبركة وأقبل اعبندي ّْ‬
‫يلو ُح بكلتا يديو يبؤل ُ‬
‫ٍ‬
‫بصوت متحشرج كحشرجة نزاع اؼبوت وأثناء عبوره اؼبمر الفاصل بْب خيمة القائد ومعاونو بذلك الصوت الراعد يبؤل‬
‫النفوس ىلعاً ورعباً فتوضَّحت الكلمات‪:‬‬
‫"انذبحنا يا عرب‪ ...‬انذبحنا يا عرب‪ ...‬انذبحنا يا عرب"‪.‬‬
‫وظل ىارباً ال يلوي على أحد ورنْب صوتو اؼبرعب يُرجع الرباري صداهُ‪.‬‬
‫َّ‬

‫رجل الساعة اؼبنتَظر" فإذا بو يندفع‬
‫جفل قائد اغبملة وجحظت عيناه وبدا تأثّب اػبمر عليو واضحاً‪ ،‬نظر إُف ضابطنا " َ‬
‫من خيمتو ويقفز ُمعتلياً صهوة حصانو ويرخي ؽبا العناف ىارباً فانطلقت تسابق الريح وتطوي الزمن‪ ،‬تعلَّقت عيوف اعبنود‬
‫اػبمر والفزعُ مأخذنبا إال أف أسرع بامتطاء حصانو ونبزه بعنف وبثُّو على‬
‫بقائدىم‪ ...‬فما كاف من اآلخر وقد أخذ منو ُ‬

‫الفرار وىو غّب مصدّْؽ بالنجاة‪.‬‬

‫ساد سكوف مشوب بذعر قاتل وجحظت األعْب رعباً وىلعاً ماذا!‪.‬‬
‫أما وقد َّفر القائد ومعاونو فماذا على اعبنود إالَّ الفرار‪ ،‬فجأة كثر اؽبرج واؼبرج حٌب بدا منظرىم كأهنم قطيع من الغنم ّفر‬
‫من بطشة األسد‪.‬‬
‫وُف اعبيش بأكملو األدبار جنوداً وضباطاً والذوا بالفرار‪..‬‬
‫ّ‬
‫(‪)1‬‬

‫وؤٔ‪َ٘ ُٙ‬شثَب أثطب ُي أثـش٘ــخ‬

‫(‪)2‬‬

‫أ‪ٚ‬ػغىش ثبٌحص‪ ِٓ ٝ‬ساحز‪ ٗ١‬سُِ‪ٟ‬‬

‫تئن ربت ِ‬
‫ح ّقاً لقد أدى ذلك اعبندي دوره برب ٍ‬
‫وطأة اؼبخاض وال‬
‫تصوره عن منظر زوجتو الٍب ُّ‬
‫اعة ال مثيل ؽبا فلقد كاف ُّ‬
‫ّ‬
‫ْ‬

‫أحد إُف جوارىا وردبا ُخيّْل إليو أف حياة زوجتو اؼبسكينة يف خط ٍر ؿبدؽ وأنو إف َف يدركها اآلف فسوؼ ىبسرىا إُف األبد‪،‬‬
‫اؼبشهد قطعةً من اغبقيقة‪.‬‬
‫فكاف‬
‫ُ‬

‫ما برح ضابطنا السيد ؿبمد أمْب معاوف القائد العاـ ينهب األرض بفرسو هنباً ث بدأ ينحرؼ عن خط سّب الفلوؿ اؽباربة‬
‫الكرة إُف مكاف اؼبعسكر فوجد السكينة تغمر‬
‫قليبلً قليبلً‪ ،‬وعندما صار بعيداً منفرداً ويف مأمن من أنظارىم رجع عائداً َّ‬
‫اؼبكاف واؽبدوء يلقي ظبللو على األوابد واػبياـ‪ ،‬واػبياـ تشكو فراؽ ساكنيها‪ ،‬طاؼ حوؽبا وجاس بناظريو جوفها فرآىا‬
‫ملقى على األرض‪ ،‬لقد تركوا كل شيء وراءىم إال النجاة‪.‬‬
‫خاوية على عروشها ويف الساحة كاف جبل األسلحة ً‬
‫اؼبيدآف وؼبا عثر عليو أدار الساعد عدَّة دورات‪ ،‬ث أمسك بالسماعة وطلب القيادة فألغيت اؼبكاؼبات‬
‫حبث عن اؽباتف ْ‬
‫وخلت اػبطوط فأخبار اعببهة ؽبا األفضلية واألولوية وما ىي إال ىنيهة حٌب كاف الضابط اؼبَبجم على الطرؼ اآلخر‬
‫ينقل اغبديث إُف قائد اعبيش الفرنسي‪ ،‬وعلى الفور بادره بالسؤاؿ بلهفة ما األخبار عندكم؟‪.‬‬
‫فالثوار يُطبقوف علينا من كل ناحية وينوؼ‬
‫قاؿ لو ضابطنا‪ :‬مع األسف سيئة للغاية وكبن يف وضع ال كبسد عليو أبداً‪َّ ،‬‬

‫عددىم على عشرة آالؼ وىم يف كل ثانية يزيدوف كأمبا ينبعوف من األرض نبعاً وننفّْذ اآلف عملية انسحاب منظَّم‬
‫الثوار علينا وحٌب لبرج بأقل ما يبكن من اػبسائر‪.‬‬
‫لنتفادى التفاؼ َّ‬
‫)‬
‫فارين منها ال يلووف على شيء‪.‬‬
‫تشبيو ّٔرب أصحاب الفيل حينما أُرسلت عليهم الطيور الضعيفة وىم ّ‬

‫(‪8‬‬

‫)‬
‫ووُف اعبيش مدبراً وَف يُعقب‪.‬‬
‫يشبَّو فرار طليعة اعبيش العريب اؼبختلط بوقعة حنْب حينما رمى الرسوؿ ‪ ‬جيش العدو بالَباب وأصابت كل عْب ّ‬

‫(‪2‬‬

‫فسألو‪ :‬وأنت كيف استطعت البقاء وأنت تكلّْمِب؟‪.‬‬
‫فأجابو‪ :‬إف فرسي سبَّاقة‪.‬‬
‫جز ّٔا سلك اؽباتف الذي لفظ أنفاسو وبقي القائد اؼبَبجم ينادي بصوت يكدُّه‬
‫وكانت بيده موس مرىفة وبسرعة الربؽ َّ‬
‫الفزع‪:‬‬
‫آلو‪ ...‬آلو‪ ...‬آلو‪ ..‬وما من ؾبيب‪.‬‬
‫* * *‬
‫فلوؿ اؼبنهزمْب بدأ كل منهم يروي الواقعة كما ىبيّْل لو فزعو ورعبو أحداثاً مليئة بقسوة وعنف‬
‫وعندما‬
‫وصلت إُف دمشق ُ‬
‫ْ‬

‫تعيا على االصطبار والقسم األكرب منهم َف يلتحق بالثكنات ألهنم أيقنوا بزواؿ االحتبلؿ الفرنسي عن الببلد باجتياح‬
‫الثوار الطامي‪ ،‬وشعروا أف الفرار خّب من اؼبوت احملتم فاعتُربوا يف عداد القتلى‪.‬‬
‫َّ‬
‫كاؼبسن اؽبرـ‪.‬‬
‫وتقوضت أركاف سلطتها وأصبحت‬
‫ّْ‬
‫لقد انقصم ظهر فرنسا َّ‬
‫نظر اعبنراؿ سراي "اؼبندوب السامي الفرنسي يف سوريا" إُف اإلفادات والتقارير الواردة إليو فهالو األمر كثّباً وشعر باؼبرارة‬
‫تغزو حلقو وبالقنوط يعتصر فؤاده وبصفرة الوجل تصبغ وجهو‪ ،‬فقد ذىب يف ٍ‬
‫الثوار يتقدَّموف بأعداد‬
‫موقعة أكثر جنده و َّ‬

‫رىيبة كبو دمشق ويف سواعدىم عزيبة ويف ُمقلِهم تصميم أكيد ومن جباىهم تتفجر إرادة ال تعرؼ النكوص‪ ،‬وكانت‬
‫ِ‬
‫رحبت ال سيَّما‬
‫ىذه خبلصة تقارير اؼبعركة فانسدَّت السبل أماـ عينيو وأظلم النهار من حولو وضاقت عليو األرض دبا ُ‬
‫الثوار قد استولوا على باخرة أسلحة وذخائر مرسلة للجيش الفرنسي بسوريا من قلعة "عنجر"‪ ،‬فما‬
‫وقبل فَبة يسّبة كاف َّ‬

‫كاف منو إال أف التفت إُف معاونيو وأركاف حربو وصرخ دبرارة وصوت رىيب‪:‬‬
‫انسحبوا‪ ...‬انسحبوا‪..‬‬
‫كل شيء‪ ...‬الثكنات‪ ،‬مستودعات السبلح والذخّبة‪ ..‬نقاط‬
‫انسحبت القوات الفرنسية إُف لبناف تاركة وراءىا َّ‬
‫االستناد‪ ...‬اؼبدافع اغباكمة على مفارؽ الطرؽ والقذائف إُف جوارىا‪ ...‬والبنادؽ ىنا وىناؾ‪ .‬لقد ُّفروا بأرواحهم طلباً‬
‫للنجاة وىم يغبطوف أنفسهم ّٔا‪.‬‬
‫ولكن اعبنراؿ سراي عندما وصل إُف بّبوت خشي أف تصل عدوى اؼبقاومة إليها فيستنزؼ األىاِف قواىم فيصبح من‬
‫تتمخض عنو األحداث وىكذا بقيت‬
‫اؽبالكْب فآثر اللجوء إُف إحدى البوارج اغبربية الٍب تقبع يف البحر اؼبتوسط ينتظر ما َّ‬
‫الضيم‬
‫سورية خلواً من اؼبغتصبْب واألعداء تنتظر الشرفاء أف يأخذوا زماـ اؼببادرة وينتهزوا الفرصة ويغسلوا العار ويزيلوا ْ‬

‫ولكن‪...‬‬

‫غبي إٌّب َُ ػٍ‪ ٝ‬اٌـ‪ٙ‬ـ‪ٛ‬ا ِْ‬
‫‪ٚ‬اعزٕصشد ػصت اٌجغـبح‬
‫ل‪١‬ذ اٌؼج‪١‬ذ ِٓ اٌخـٕـ‪ٛ‬ع‬

‫فؤ‪ ٓ٠‬صِجشح األعــ‪ٛ‬د‬
‫‪ٔٚ‬حـٓ فـ‪ ٟ‬ري اٌؼج‪١‬ـذ‬
‫‪١ٌٚ‬ظ ِٓ صسد اٌحذ‪٠‬ـذ‬

‫لقد انكشفت النيَّة وبانت الطوية‪َ ..‬أو ليس ىذا ما طلبتم؟‪.‬‬
‫َأو ليس ىذا ما تريدوف؟‪.‬‬
‫لقد رضي أف يذىب مع ربّْو فيقاتبل وما عليكم بعد ىذا الفتح اؼببْب سوى استبلـ الثكنات الٍب يصفر اؽبواء فيها والعتاد‬
‫الذي عبلهُ الغبار‪.‬‬
‫لكنهم بدالً من ذلك ذىبوا يقتّْلوف بعضهم ويعملوف يف ِ‬
‫سلب وهنب احملبلت التجارية حٌب إف أحد قادة الثورة اؼبزيفْب‬
‫قُتل يف سوؽ البزورية وىو يسطو على أحد ىذه احملبلت التجارية‪.‬‬
‫الثوار‬
‫وبرؾ دماغو َّ‬
‫ذرة من تفكّب من ىؤالء القادة من َّ‬
‫تفتح صدورىا للقادمْب وال من ّْ‬
‫ثبلثة أياـ وثبلث لياؿ واؼبعسكرات ُ‬

‫الذين َف يكونوا على مستوى القضية‪...‬‬
‫أين أنتم‪...‬‬
‫أال تسمعوف‪..‬‬
‫تتصرفوف!‪.‬‬
‫مالكم ال َّ‬

‫* * *‬
‫ونامت أعْب الدراويش فعادت الثعالب رويداً رويداً بعد أف اكتشف الفرنسيوف بواسطة عمبلئهم أف أماكنهم‬
‫مر بسبلـ‪.‬‬
‫ؾبرد كابوس ّْ‬
‫مروع َّ‬
‫ومعسكراهتم وسبلحهم الثقيل َف يبسسو أحد وأف األمر َف يكن أكثر من َّ‬
‫جاـ غضبو على دمشق مفرغاً حقده الدفْب كاشفاً عن وجهو‬
‫أفاؽ اعبنراؿ "سراي" من ىذا الكابوس الثقيل صابّاً َ‬
‫حي اؼبيداف آّاىد فاهنارت البيوت واختفت ضحكة األطفاؿ ورظبت‬
‫الوحشي األثيم‪ ،‬فأمر مدفعيتو الثقيلة بضرب ّْ‬
‫التشرد فأحرؽ البسمة وغطّى أَف اليُْتم األبرياء وباتت دمشق منارًة على‬
‫دـ ُّ‬
‫الدماءُ على الوجوه أفظع آيات اؽبمجية وساؿ ُ‬

‫طوفاف من ؽبب حي اؼبيداف الشجاع‪.‬‬

‫‪‬‬

‫عيَّنت الدولة الفرنسية الضابط السيد ؿبمد أمْب مديراً لناحية يف إحدى مناطق جبل الشيخ الٍب يقطنها السادة الدروز‬
‫واؼبسيحيوف‪ .‬وذىب بكل ثقة باهلل الستبلـ مهمتو‪.‬‬
‫وعند مدخل الناحية التقى بأحد أفراد رجاؿ األمن ىناؾ "برتبة عريف" كانت تبدو عليو مبلمح التحدّْي والتشامخ‬
‫والتعاِف‪ ،‬أما ىندامو العسكري اؼبتهلهل فقد كاف ُّ‬
‫يدؿ على الفوضى وتدىور النظاـ لديو‪ ...‬واألدىى من ذلك أف ىذا‬
‫هببو‪ ،‬بل‬
‫التافو بدأ بتوجيو التهديدات والكلمات النابية الستثارة الضابط اعبديد ومن ث ؿباولة إذاللو‪ ،‬ولكنو ذباىلو وَف ْ‬

‫تظاىر بأنو ال يسمع وَف يُعره أي التفات فبا شجعو على مزيد من الوعود والتهديدات إف َف ىبضع إلرادهتم (أي إرادة‬

‫أحد الفريقْب السادة اؼبسيحيْب أو الدروز)‪.‬‬

‫إهنا اؼبواجهة األوُف وفعبلً تبدو اؼبشكلة كبّبة ولكنو ما أقدـ على أمر إالَّ وقبح ذلك ألنو استند للذي بيده مقاليد‬
‫األمور‪ ،‬إنو استند إُف اهلل‪...‬‬
‫نعم ذباىل أمر العريف اؼبشاغب‪ ،‬ولكن دواليب التفكّب كانت بالغة اعباىزية القصوى لديو‪.‬‬
‫وعند وصولو قسم الشرطة العائد لو وجده حبالة يرثى ؽبا‪ :‬دار علوية قديبة والغبار يبؤل اؼبكاتب‪ ،‬واإلنباؿ ٍ‬
‫باد على ثنايا‬
‫كل ما شاىده ورآه‪.‬‬
‫صعد إُف مكتبو العتيق على درج خشيب يتأرجح‪ ...‬دخل اؼبكتب فوجد الغبار على الطاولة واغبرب أضحى ناشفاً مسحوقاً‬
‫جافاً فجلب اؼباء وصبَّو باحملربة على اغبرب الناشف حٌب أصبح سائبلً‪ ،‬وكانت السجبلت يكسوىا الغبار وكل شيء ُّ‬
‫يدؿ‬

‫على اإلنباؿ كما ُّ‬
‫يدؿ على اؼبواجهة الٍب سيلقاىا يف ىذا اؼبكاف‪ ،‬ال َّ‬
‫بد أف يف األمر سراً وال ب ّد من التعامل مع الواقع‬
‫بذكاء كي يتم التغيّب اعبذري مع أف الوضع ُّ‬
‫جد عسّب على ما يبدو‪ ،‬نعم وكيف ال فقد كاف اػبوري يف تلك الناحية قد‬
‫ضرب الضابط "مدير تلك الناحية" الذي كاف قبلو وسط الكنيسة "فلقة" على قدميو ونُقل مدير الناحية ذاؾ‪ .‬وال َّ‬
‫بد‬
‫لسبب مهْب اقَبفو ذاؾ اؼبدير‪ ،‬ولكن يف ذلك ما فيو من نقص ؽبيبة الدولة يف نفوس الناس ىناؾ‪ .‬بذلك حدَّثتو نفسو‪،‬‬
‫ولقد كاف القسم يضم العريف اؼبشاغب شاىده ثانية من نافذة اؼببُب القدٔف يتقدَّـ عدة عناصر لدى علمهم بقدوـ مدير‬
‫الناحية اعبديد للوظيفة َّ‬
‫وذبمعوا بساحة القسم‪ ،‬ث انطلق ىذا العريف باستهتار ودبفرده مرتقياً الدرج اػبشيب العتيق قادماً‬
‫إُف ضابطنا يف غرفتو‪.‬‬
‫كاف ىذا العريف "ىو رأس الفتنة" يتصدر الزعامة‪ ،‬وكاف كعادتو مسؤوالً عن إفشاؿ الضابط اعبديد والسيطرة عليو‬
‫فتستمر الفوضى ويتدىور النظاـ‪ ،‬وبالتاِف تضطر الدولة الفرنسية لنقلو وإلعادتو ذليبلً مقهوراً ؤّذه الطريقة فعبلً تكوف‬
‫اغبر السيد ؿبمد أمْب "الذي تشك يف إخبلصو ؽبا ولكن ببل دليل"‪.‬‬
‫اغبكومة الفرنسية قد انتقمت من ىذا الضابط ّ‬
‫وفعبلً صعد ىذا العريف الدرج ودخل غرفة الضابط اعبديد ّٔيئة عدـ اؼبكَبث‪ ،‬أزرار َّبزتو غّب َّ‬
‫مبكلة‪ ،‬حاسر الرأس‪ ،‬فارباً‬
‫معُب أبداً‪ ،‬فتجاىل‬
‫عن صدره‪ ،‬حبذاء عسكري َف يربط انشوصاتو " َّ‬
‫شواطاتو" متسخاً وكأنو يهزأ ىزءاً وال يعرؼ للنظاـ ً‬
‫الضابط اعبديد رؤيتو اؼبسبقة أو أنو عرؼ أنو نفس العريف الذي أظبعو األلفاظ النابية قبل قليل على الطريق العاـ‪ ،‬بل‬

‫تظاىر بالقراءة وىو مطرؽ الرأس يتظاىر باالهنماؾ بقراءة جدوؿ أظباء بْب يديو‪:‬‬
‫العريف فبلف نفس اسم العريف اغباضر‪" ...‬سبتم بصوت مرتفع عفوي مسموع"‪:‬‬
‫ؼباذا َف يُرفَّع!‪ .‬إنو يستحق الَبفيع‪ ،‬عريف نشيط انضباطي يطيع رؤساءه‪ ،‬سأُرسل اظبو ُلّبفَّع لرقيب‪ ،‬حيث كاف بيد‬
‫الضابط اعبديد سجل الَبفيع وأظباء رجاؿ األمن يف القسم‪ ،‬ومنو عرؼ اسم العريف‪.‬‬
‫سّبفَّع لرقيب‪ ،‬بدأ فوراً يرتّْب ىندامو ويربط‬
‫ولدى ظباع ىذا العريف ىذه البشارات وىذا اؼبدح والثناء عليو وبأنو ُ‬
‫شواطات) حذائو وصدَّارتو العسكرية حٌب أصبح ّٔيئة نظامية رائعة ووقف أماـ الضابط بكل انضباط‪.‬‬
‫انشوصات ( َّ‬
‫كاف الضابط يلحظو بطرؼ عينو ولكنو يُظهر اهنماكو جبدوؿ األظباء بْب يديو وإثر انتهاء العريف من ترتيب ىندامو‪،‬‬
‫رفع الضابط رأسو قائبلً‪:‬‬
‫ما اظبك؟‪" .‬وأمعن النظر بو ُمظهراً أنو َف يعرؼ أنو الشخص الذي كاؿ لو األلفاظ النابية"‪...‬‬
‫العريف فبلف سيدي الضابط‪.‬‬
‫وبلهجة عسكرية ج ّدية استخدمها الضابط قاؿ‪:‬‬

‫ما قرأتو عنك من االنضباط والطاعة فإف مظهرؾ يدؿ عليو سباماً‪ ،‬بل يظهر ِف أنك أفضل من الوصف‪ ،‬لذا‪ :‬سوؼ‬
‫أُرسل اظبك للَبفيع وبعد فَبة سأرسلو ثانية لَبفيع ٍ‬
‫ثاف‪.‬‬
‫وتابع ضابطنا السيد ؿبمد أمْب بعد أف سيطر عليو حديثو آنياً‪ :‬الشرطة ربت إمرتك اآلف‪ ،‬اصبع الشرطة حاالً وأنت منذ‬
‫اآلف نائيب ومسؤوؿ عن قيادهتم يف فَبات غيايب‪.‬‬
‫بتحية عسكرية نظامية رائعة َّأداىا باحَباـ أجابو‪ :‬حاضر‪ ،‬سيدي‪.‬‬
‫أشرىم وعليهم مسيطراً‪ ،‬وعاد‪:‬‬
‫وباغباؿ انصرؼ وصبع رجاؿ األمن َّ‬
‫وجهز االجتماع على أفضل ما يبكن ألنو كاف َّ‬
‫االجتماع جاىز سيدي‪.‬‬
‫نزؿ الضابط اعبديد واجتمع بعناصره وأعطاىم التعليمات كعادة أي ضابط يستلم واجباتو باؼبنصب اعبديد‪.‬‬
‫إالّ أف تلك الواقعة مع ىذا العريف َف ِ‬
‫تنتو بعد‪ ،‬إذ من خربتو العسكرية يعرؼ أف الذي نشأ على الشغب واإلجراـ ال‬
‫يُصلح بلطيف العبارة وصبيل الكبلـ فبل َّ‬
‫بد من التأديب والسوط وشديد اإلىانة واإلذالؿ‪ ،‬فهو يعرؼ أمثاؿ أولئك الناس‬
‫اػببثاء‪ ،‬لقد قضى حياتو دبطاردة آّرمْب وتأديبهم واالنتصار عليهم وَف يذؽ طعم الفشل حبوؿ اهلل أبداً‪.‬‬

‫استعمل اغبكمة والتفكّب يف كل اؼبواقف‪ :‬واآلف ال ب ّد من خطَّة يسّب عليها لتأديب ذلك العريف‪ ،‬اؼبخدَّر آنياً بالوعود‬
‫اؼببشّْرة‪.‬‬
‫استماؿ ثبلثة من الشرطة عبانبو وأصبحوا لو ـبلصْب ويبكن االعتماد عليهم يف العمل‪ .‬إذ امتازوا بإخبلصهم وتفانيهم‬
‫لقائدىم اعبديد‪.‬‬
‫* * *‬
‫سراً ىبربوف القائد "الضابط" السيد ؿبمد أمْب‪:‬‬
‫وذات يوـ وبعد انقضاء شهر كامل جاء الثبلثة ّ‬
‫سيدي‪ ،‬ىناؾ مؤامرة ُرباؾ ضدؾ بقيادة العريف‪ ،‬لقد اتّفق اعبميع على رفض أوامرؾ واستثارتك كي ينقضوا عليك‬
‫بالضرب‪.‬‬
‫نعم ىكذا اتفق اعببناء ذباه القائد اغبكيم‪ ،‬لكن ما ىي النتائج!‪.‬‬
‫أجاب القائد‪ :‬أصغوا ؼبا أقولو لكم‪ :‬عند االجتماع الصباحي "واالجتماع يكوف بشكل مربع ناقص ضلع" تصطفوف‬
‫متوزعْب ويقف كل واحد منكم بضلع‪.‬‬
‫اجتمع العناصر على شكل مربع ناقص ضلع بأوامر من القائد‪ ،‬وسبت خطوات اػبطَّة من قبل الثبلثة‪ ،‬ث أصدر األوامر‬
‫فرد العريف الظاَف‪:‬‬
‫الوظيفية‪َّ ،‬‬

‫اعبميع رافضوف أوامرؾ‪.‬‬
‫أظهر ضابطنا الدىشة ث التفت إليو قائبلً‪:‬‬
‫سنرى من الذي يرفض‪ ..‬اعبميع أـ أنت فقط‪ ،‬سنرى ىذا الصف‪ ...‬وال على التعيْب "وبصوت صارـ"‪:‬‬
‫أنت أيها اعبندي وأشار على أحد الثبلثة اؼبخلصْب لو‪:‬‬
‫ىل أنتم ترفضوف أوامري؟‪.‬‬
‫فأجابو بصوت كالرعد‪ :‬ال‪ ..‬يا سيدي‪.‬‬
‫أوه‪ .‬حسناً‪ ،‬سنرى الصف الثآف‪ :‬أنت أيها اعبندي‪:‬‬
‫ىل أنتم ترفضوف أوامري؟‪.‬‬
‫فأجابو بصوت كالزئّب‪ :‬ال‪ ..‬يا سيدي‪.‬‬
‫سنرى الصف الثالث‪ :‬أنت أيها اعبندي "وىو اؼبخلص الثالث لو"‪:‬‬
‫ىل أنتم ترفضوف ىذه األوامر؟‪.‬‬
‫فأجابو كصاحبيو‪ :‬ال‪ ..‬يا سيدي‪ .‬ومن يرفض األوامر العسكرية إالَّ اعبباف!‪.‬‬
‫عندىا سأؿ فرداً من غّبىم فجنب وقاؿ‪ :‬ال‪ ..‬يا سيدي ال أرفض‪.‬‬
‫يتفوىوا ولو بكلمة" ألهنم ظنُّوا أهنم صبيعاً قد‬
‫أحس بقية العناصر باعبنب وَف هبرؤوا أف َّ‬
‫ث سأؿ سواه فأطاعو "وىنا َّ‬
‫تراجعوا‪.‬‬
‫كرر السؤاؿ للمجموع أجابوا‪ :‬كبن صبيعاً ربت أمرؾ سيدي‪.‬‬
‫عندىا وحْب َّ‬
‫أحس بفشل اؼبؤامرة وخيانة العناصر لو‪ ،‬وأنو أضحى‬
‫فح َّق اغبق وبطلت اؼبؤامرة وفوراً ارتعدت فرائص العريف اػببيث‪ ،‬و َّ‬
‫ُ‬

‫وحيداً ال ناصر لو ولقد حاف األواف لتأديبو‪ ،‬إهنا فرصة الضابط السيد ؿبمد أمْب وزبطيطو العظيم لكبح صباح ىذا‬
‫العريف اؼبتآمر وتأديبو وأمثالو حق التأديب على يديو‪:‬‬
‫إذف الرفض من قبلك فقط‪ ،‬أتعصي األوامر العسكرية "ارموه أرضاً"وبلحظة ألقوه على األرض وكبَّلوا قدميو بالبندقية‬
‫واهناؿ عليو ىذا الضابط بسوطو بالضرب الشديد حٌب أخذ يصرخ ويستجّب من األَف‪ ،‬فأمر بو إُف السجن ذليبلً مقهوراً‪.‬‬
‫وطوع اعبميع لواجباهتم األمنية‪.‬‬
‫لقد حطَّم طغيانو وعنفوانو األرعن وأزاؿ سيطرتو الغامشة َّ‬
‫* * *‬

‫كاف يعلم أف أىاِف اؼبنطقة ينتموف لطائفتْب‪:‬‬
‫أوالنبا السادة اؼبسيحيوف والثانية السادة الدروز‪ .‬ولقد كانت فرنسا سبيل للسادة اؼبسيحيْب‪ ،‬فماؿ ىو معهم أوالً ضد‬
‫طائفة الدروز حٌب َّأدّٔم بشذوذىم وضمن اغبق فخضعوا خضوعاً تاماً للقانوف‪.‬‬
‫وبذلك كانت تُرسل تقارير اؼبدح والثناء للدولة الفرنسية على ىذا الضابط من قبل اإلخوة اؼبسيحيْب‪.‬‬
‫ث بدأ اؼبوقف يبيع من قبل اإلخوة اؼبسيحيْب وظهرت عبلئم الشذوذ عن القانوف واضحة حٌب كاد األمن الذي استتب‬
‫على الدروز يفقد وينهار عند اؼبسيحيْب‪ ،‬عندىا ماؿ مع الدروز ضد اؼبسيحيْب بشذوذىم أيضاً‪ ،‬وبدأ باإلصبلح‬
‫طوعهم صبيعاً للقانوف وردعهم وىيمن بالنظاـ وسلطتو على اعبميع‪ ،‬حٌب إنو ضرب اػبوري الشاذ‬
‫االجتماعي إُف أف َّ‬
‫بذنب كبّب اقَبفو على رجليو يف الكنيسة مكاف ضربو الضابط السابق "الذي كاف مديراً للناحية قبلو"‪.‬‬
‫لقد ضربو بناءً على عمل صدر منو وال يستطيع أحد أف يدافع عنو‪ ،‬إذ عاقبو جبرـ مشهود‪.‬‬

‫وبذلك تواردت تقارير اؼبدح والثناء على ىذا الضابط إُف الدولة الفرنسية من قِبَل الدروز‪ ،‬فناؿ السيطرة على الطرفْب‪،‬‬

‫وحيث إف اؼبسيحيْب َف يستطيعوا مناقضة أنفسهم ليبعثوا بتقارير معاكسة‪.‬‬

‫ّٔذه النتائج العظيمة وأمثاؽبا فرض ىيبة السلطة على اعبميع وخضعوا كلهم ؽبيمنة القانوف والنظاـ بإمرتو وعادت الناس‬
‫ألعماؽبا وغبقوؽبا وبلغ اإلنتاج ذروتو واحملاصيل غطّت األسواؽ حٌب غمرت أسواؽ العاصمة دمشق بعد الفوضى‬
‫واإلفبلس‪.‬‬
‫عندىا قاـ بنقل قسم األمن من البناء القدٔف اؼبتداعي إُف بناء حديث كاف أحد قصور اإلقطاعيْب الطغاة والذي ضبطو‬
‫بث اؽبيبة للقانوف يف نفوس الناس‬
‫وىو يستوِف على أراضي الفبلحْب اؼبستضعفْب باإلجبار‪ ،‬واستحلَّو بالقوة العسكرية فبا َّ‬
‫صبيعاً‪.‬‬
‫ُدىشت اغبكومة الفرنسية كيف استطاع ىذا الضابط أف يقيم النظاـ ويضبط األمور ّٔذا الشكل الرائع‪ ،‬والدىشة‬
‫األعظم عندما أرسلوا أحد كبار قادهتم ليطَّلع على األمور وؾبرياهتا‪ ...‬فبعد أف استقبلو ىذا الضابط الناجح وجد أف‬
‫تغّبت جذرياً‪ .‬فالقسم قد تغّب دبكانو وأوضاعو ونظامو إُف قسم فبتاز يبؤل العيوف ويُدخل اؽبيبة يف النفوس‪،‬‬
‫األوضاع َّ‬
‫فسأؿ القائد الفرنسي‪ :‬كيف متَّ ذلك!‪ .‬ح ّقاً لقد أقبزت معجزة كربى!‪.‬‬
‫قاؿ السيد ؿبمد أمْب‪ :‬أربب أف أُطبّْق منع التجوؿ ّٔذه الناحية‪...‬‬
‫كيف ستمنعو؟‪ .!.‬ىل يبكن ؽبذه اؼبنطقة اؼبضربة أمنياً اػبضوع؟‪.‬‬

‫تعج بالناس والعربات واػبيوؿ والدواب‪ ،‬واغبوانيت مَبعة‬
‫وكاف القائد الفرنسي الكبّب عندما عرب األسواؽ وجدىا ُّ‬
‫بالبضائع والبيع والشراء‪ ،‬والضجيج يبؤل اآلفاؽ‪.‬‬
‫عندىا أمر رجل أم ٍن واحد لديو بإعبلف منع التجوؿ‪ ،‬فأخذ ىذا الشرطي طببلً وضرب عليو بأسواؽ البلدة‪ .‬وبعد مضي‬
‫التجوؿ‪ ،‬فرأيا أف اغبركة يف األسواؽ‬
‫‪ /83/‬دقائق فقط احتسيا فيها القهوة طلب ضابطنا السيد ؿبمد أمْب من القائد ُّ‬
‫اؼبليئة بالنشاط والضجيج قد توقفت سباماً‪ ،‬وأُغلقت النوافذ وكأف البلدة خاوية على عروشها‪ ،‬ث اصطحب القائد الفرنسي‬
‫الكبّب جبولة يف السوؽ الرئيسي للبلدة‪ .‬فوجد أف اؽبدوء ُىبيّْم عليو والشوارع خاوية من الناس وكأهنم يسّبوف بْب القبور‪.‬‬
‫والغريب أف ىذه البلدة كانت تُؤـ من قبل كافة القرى آّاورة‪ .‬وبعد التجواؿ وبأمر واحد من ىذا الضابط متَّ رفع حظر‬
‫التجوؿ بقرع الطبل أيضاً فخرج الناس كأهنم اعبراد اؼبنتشر‪ ،‬وعاد الضجيج واغبركة الصاخبة كما كانت‪ ،‬والبيع والشراء‬
‫على أشدّْه‪.‬‬
‫ذُىل القائد الفرنسي واستغرب كيف استطاع ىذا الضابط السيطرة على أفراد الدرؾ (الشرطة) وعلى البلدة العاصية‬
‫والقرى احمليطة ّٔا‪ ،‬وقد أعجزت ىذه اؼبناطق الدولة الفرنسية‪.‬‬
‫* * *‬
‫نعم إف ىذا العمل عجزت عنو الدولة للتناقضات الطائفية اؼبتضاربة‪.‬‬
‫لقد خابت مساعي الدولة الفرنسية وخططها‪ ،‬إذ كاف إرسالو ؽبذه اؼبناطق ألىداؼ مرسومة لظنهم بازدواجيتو دوف دليل‬
‫اؼبهمة‪ ،‬وبالتاِف يتم تسروبو أو طرده حبجة قانونية منطقية‬
‫ظاىر‪ ،‬فأرسلوه ؽبذه اؼبنطقة اؼبضطربة لكي يفشل ّٔذه ّ‬
‫ليتخلّصوا منو بعد إذاللو‪.‬‬
‫يودوف أف يُقتل على أيدي أىل ىذه اؼبنطقة‪ ،‬وبذلك يتخلّص‬
‫"وحاشى هلل أف يذؿ عبداً أميناً رحيماً مستقيماً"‪ ،‬كانوا ُّ‬

‫منو الفرنسيوف‪.‬‬

‫ولقد أرادوا اػببلص منو بأي طريقة قانونية وغابت عنهم حقيقة ىذا اؼبلقب قبلهم عند ضباط األتراؾ ومسؤوليهم الكبار‬
‫بػ "أصبلف" أي‪ :‬األسد‪...‬‬
‫ىبش من أحد إالَّ من الفرد الواحد الصمد‪.‬‬
‫ىذا الذي َف َ‬
‫‪‬‬

‫الثوار السوريْب على أف يقوموا بانقبلب عسكري على العدو الظاَف بعد أف قاسوا ما قاسوا من‬
‫اتفق السيد ؿبمد أمْب مع َّ‬
‫يؤمن ؽبم االنقبلب‪ ،‬ويف حاؿ فشلو أو انكشاؼ اػبطة تعهدوا‬
‫ىذا العدو الكافر من فساد وظلم وقسوة فطلبوا منو أف ّْ‬
‫بتأمْب طائرة تنقلو إُف العراؽ‪.‬‬
‫فتم لو ما أراد‪ ،‬ليس ذلك فحسب بل عاىدوه‬
‫بدأ السيد ؿبمد أمْب باستمالة أصدقائو اؼبخلصْب من الضباط األحرار َّ‬
‫على الشهادة أو النصر‪ ،‬ث اتَّبع أسلوب إرساؿ الرسائل للضباط الكبار من السوريْب واؼبغاربة‪ .‬فكاف يدخل للمقاىي‬
‫اػباصة بارتياد كبار الضباط وهبلس على كرسي مقابل الضابط الذي يبعث لو برسالة بريدية وبدوف أف يشعره دبراقبتو لو‬
‫انسر وبدت الدىشة على وجهو وعبلئم القبوؿ يقوـ من مكانو‬
‫ينظر إُف مبلمح وجهو أثناء قراءة الرسالة‪ ،‬فإف رآه قد َّ‬

‫ويبْب لو خطَّة العمل‪.‬‬
‫وهبلس مع الضابط الكبّب ويبدأ معو اغبديث حوؿ اػبطَّة االنقبلبية على ىؤالء الظبلّـ الكفرة ّْ‬

‫أما إذا شاىد أف الضابط وأثناء قراءتو للرسالة اغتاظ وظهرت على مبلمح وجهو دالئل السخط والغضب فكاف السيد‬
‫ؿبمد أمْب يَبؾ اؼبقهى وينسحب ّٔدوء‪.‬‬
‫يؤمن العدد اؼبطلوب من الضباط بعد فَبة‪ ،‬حٌب بلغ عدد الضباط القادة الكبار ‪/82/‬‬
‫ؤّذا األسلوب استطاع أف ّْ‬
‫ضابطاً عدا أصدقائو‪.‬‬
‫* * *‬
‫ويف تلك الفَبة كاف قائد الفرقة اؼبغربية مشهوراً بتبعيَّتو التامة للفرنسيْب معروفاً بقسوتو البالغة وبطشو باؼبواطنْب‪.‬‬

‫ويف يوـ من األياـ بينما كاف السيد ؿبمد أمْب يف داره طرؽ الباب ففتحو وفوجئ بالقائد العسكري اؼبغريب يقوؿ‪:‬‬
‫كشفناؾ‪ّْ ،‬‬
‫أتفكر بأنك غّب مكشوؼ‪.‬‬
‫فعرؼ ضابطنا أف اػبطة قد ُكشفت وجاء الببلء األعظم‪.‬‬
‫دخل القائد اؼبغريب الدار وبرفقتو أربعة مسلَّحْب وباقي القوة العسكرية حوؿ الدار وطلب من ضابط االنقبلب السيد‬
‫ؿبمد أمْب االستسبلـ وأعلن إلقاء القبض عليو‪ ،‬فطلب ضابطنا الَبيث حٌب يلبس بَّزتو العسكرية وقاؿ لو‪:‬‬
‫أتأخذٓف بثياب النوـ "بالبيجاما"؟‪.‬‬
‫وأثناء ارتدائو ثيابو العسكرية كاف ّْ‬
‫يفكر حبل ُىبرجو من ىذا اؼبأزؽ‪ ،‬لقد دارت دواليب فكره بسرعة رىيبة حبثاً عن طريقة‬

‫للنجاة فهداه اهلل إُف خطة َّ‬
‫فذة أثناء ارتدائو اغبذاء العسكري "اعبزمة" فقاؿ للقائد اؼبغريب‪:‬‬

‫للثوار أنك خائن وستأخذ الثبلثْب ألف لّبة ذىبية‪ ،‬ث ترتد علينا واغبمد هلل أننا َف نعطك الذىب لتكوف ُمعيناً لنا‬
‫قلت َّ‬
‫باالنقبلب وَف نغَبَّ بك‪ ،‬كما َف نضيّْع الذىب‪.‬‬

‫وتغّبت‬
‫وما أف لفظ ىذه العبارة "ثبلثْب ألف لّبة ذىبية" على مسامع القائد اؼبغريب حٌب ساؿ لعاب القائد اػببيث َّ‬
‫اؼبودة‪ ،‬ومن العبوس إُف االبتساـ‪ ،‬عندىا أمر اؼبسلَّحْب األربعة باالنضماـ إُف‬
‫مبلمح وجهو وتبدَّؿ حديثو من اعبفاء إُف َّ‬
‫القوة خارج الدار ث قاؿ للضابط األمْب‪:‬‬
‫أصدَّقت أنِب جئت ألُلقي القبض عليك‪ ،‬ال أبداً‪ ،‬بل آلخذؾ ؼبكتيب ونتعاوف على االنقبلب ضد الكفرة إف كاف فبكناً‪،‬‬
‫ولكن مٌب قبضنا الذىب َّ‬
‫نتمكن‪ ،‬فمٌب سيكوف موعد قبض الثبلثْب ألف لّبة ذىبية من أجل أف نستخدمها يف تيسّب‬
‫السبل وتكوف دعماً مادياً يُساىم يف إقباح االنقبلب؟‪.‬‬
‫ُ‬
‫التقرب لدى‬
‫فأجابو السيد ؿبمد أمْب "وقد علم أف إغراء الذىب أساؿ لعابو وأنو خائن يريد قبض الذىب لنفسو و ُّ‬
‫الفرنسيْب بكشف االنقبلب‪ ،‬ح ّقاً لقد كاف ىذا القائد يبيل للفرنسيْب ميبلً عظيماً"‪.‬‬
‫َأو يبكن ؼبثلك أف يتخلّى عن الفرنسيْب ويتعاوف معنا!‪ .‬ال أصدّْؽ‪.‬‬
‫فما كاف جواب القائد اؼبغريب اػببيث إال أف قاؿ‪ :‬بشريف العسكري إٓف ـبلص لكم ولن أخونكم‪ ،‬بل سأكوف معكم‬
‫حٌب النصر‪.‬‬
‫"أصبلف" يا عزيزي إٓف مسلم ودـ اإلسبلـ يغلي يف عروقي وكنت مضطراً ؼبسايرهتم وأترقب الفرص لبلنقبلب عليهم‬
‫تؤمن ِف الذىب لننجز االنقبلب‪ ،‬وىا أنا أقدّْـ يدي‬
‫مثلك‪ ،‬وىا قد آف األواف وجاء الفرج فما عليك يا عزيزي إال أف ّْ‬
‫لتصافح يدؾ ولنكمل الطريق بسرعة‪ ،‬و ّْأمن ِف الذىب بسرعة لنخلص من ىؤالء الكبلب‪.‬‬

‫َّ‬
‫بَبدد قائبلً‪ :‬أخشى أف زبوننا‪.‬‬
‫ومد يده للمصافحة فتقبلها ضابطنا ُّ‬
‫فأجابو القائد اؼبغريب خببث‪ :‬حاشا وكبل‪.‬‬
‫ضابطنا‪ :‬إف كنت لن زبوننا فسأحضر الذىب لك بعد أسبوع‪.‬‬
‫َّ‬
‫الغمة والببلء مؤقتاً‪.‬‬
‫القوة باؼبسّب وانصرفوا وزالت َّ‬
‫فوافق القائد اػببيث اؼبكار وخرج من الدار وأمر ّ‬
‫* * *‬
‫وىنا بدأ الضابط ّْ‬
‫يفكر باغبل والعمل قبل أف يأيت موعد تسليم الثبلثْب ألف فيلقي عليو القبض ويكوف مصّبه اإلعداـ‬
‫رمياً بالرصاص‪.‬‬
‫الثوار ىبربىم دبا حدث لكي يُسفّْروه بالطائرة الٍب وعدوه بأهنا مهيئة حباؿ كشف االنقبلب لتنقلو إُف خارج‬
‫ذىب إُف َّ‬
‫الثوار َّ‬
‫يؤمنوا الطائرة وَف وبسبوا لو حساباً‪ ،‬بل يبغوف‬
‫كذابوف وَف ّْ‬
‫البلد‪ ،‬حيث إف أمره قد َك َشفو اػبائن‪ :‬لكنو فوجئ بأف َّ‬

‫ب على حساب تضحياتو وحياتو‪ ،‬ىنالك ثار غضبو فقاؿ ؽبم مهدّْداً متوعداً‪:‬‬
‫فحس ْ‬
‫الرئاسة ْ‬
‫أجركم معي صبيعاً‪.‬‬
‫واهلل‪ ...‬واهلل إٓف لن أصل إُف اؼبشنقة إالَّ و َّ‬

‫وتركهم يرذبفوف رعباً ورجع إُف بيتو وأخرج ّأمو وزوجو وذىب ّٔم إُف مكاف أمْب‪ ،‬ودبا أف األمر ُّ‬
‫جد خطّب وقد ينكشف‬

‫االنقبلب بأية غبظة‪ ،‬لذا عبأ إُف ُّ‬
‫التنكر بزي النساء زبفياً ودرءاً ػبطر اإلعداـ اؼبتوقَّع رمياً بالرصاص وذىب إُف دار أحد‬
‫وقص عليو ما جرى لو وأنو أصبح مبلحقاً وحبكم اؼبطلوب لئلعداـ‪ ،‬فأجابو صديقو‪:‬‬
‫أصدقائو اؼبخلصْب َّ‬
‫على الرحب والسعة‪ :‬ىذه الدار واسعة وىي قسمْب علوي وأرضي "وىكذا كانت الدور الدمشقية علوي للشتاء وأرضي‬
‫للصيف"‪ .‬فخذ القسم العلوي واسكن بو ريثما تنحل األمور وتستطيع مغادرة القطر وكبن يكفينا الدور السفلي‪.‬‬
‫ناـ تلك الليلة وعند الصباح ذىب صديقو صاحب الدار إُف عملو وبقيت زوجتو فقط يف القسم السفلي غادية رائحة‬
‫تقوـ بعملها اؼبنزِف اؼبعتاد والضابط يف القسم العلوي‪ ،‬لقد كبُػَر عليو األمر وأبت نفسو الطاىرة العفيفة البقاء وأنثى يف‬
‫دار واحدة‪َّ ،‬‬
‫وفكر يف نفسو كيف أسكن يف دار ال يوجد فيها إال اغبرٔف!‪.‬‬

‫أّب البقاء وغادر الدار ّْ‬
‫متنكراً بلباس النساء إُف ـببأ آخر يتوارى فيو عن األنظار‪.‬‬
‫ويوـ اعبمعة ذىب إُف اعبامع الذي يلقي فيو شيخو أمْب كفتارو دروسو‪ ،‬وصعد السدَّة وجلس يف داخل غرفة اػبلوة‬
‫يستمع إُف درس شيخو‪ ،‬وإذا بو يسمع الشيخ يقوؿ‪:‬‬
‫الفعاؿ‪ ،‬القضية انتهت فلِ َم اػبوؼ‪ ،‬اخرج وال زبف"‪.‬‬
‫"ؼباذا ىذا التخفي اخرج واهلل متوِف األمور‪ ،‬اهلل ىو ّ‬

‫فما أف ظبع ىذه الكلمات حٌب خلع ثياب النساء التنكرية ونزؿ إُف آّلس جهرة وجلس يسمع درس شيخو وقد كشف‬
‫حالو للناس صبيعاً‪ ،‬وبعد انتهاء الدرس ذىب إُف أمو وزوجو وأخذنبا إُف البيت‪ ،‬لكن أمو سألتو‪:‬‬
‫ما الذي حدث حٌب عدت بنا إُف البيت؟‪.‬‬
‫فأجأّا‪ :‬لقد قاؿ شيخي‪ :‬بأف اهلل متوِف األمور‪ ...‬واؼبسألة انتهت‪.‬‬
‫قالت لو‪َ :‬أو على ىذا األساس أعدتنا إُف البيت؟‪ .‬يا بِب‪ ،‬اهلل يرضى عليك ىذا ال يكوف وال هبوز‪.‬‬
‫قاؿ ؽبا‪ :‬ال زبايف شيخي قاؿ ذلك‪.‬‬
‫فسكتت ّأمو على مضض وظلُّوا على ىذا اغباؿ حٌب جاء اؼبوعد‪ ،‬أي يوـ االثنْب موعد تسليم الثبلثْب ألفاً‪.‬‬
‫* * *‬
‫وقرع حوافر خيل كثّبة‪ ،‬فعرؼ أف اؼبوعد‬
‫وبينما كاف الضابط األمْب جالساً يف داره ُ‬
‫ضحى فإذا بو يسمع ضجة وصياحاً ْ‬
‫قد حاف وأف الببلء األعظم قد أتى‪ ،‬وإف َف يستلم القائد اػبائن اؼببلغ فبل بد أف يقبض عليو ويسوقو إُف اإلعداـ مباشرًة‪.‬‬

‫َّ‬
‫استقر على اعبدار الفاصل بينهما َّ‬
‫تذكر‬
‫ليفر ىارباً عن طريق دار جّبانو‪ ،‬فلما َّ‬
‫فما كاف منو إالَّ أف تسلق شجرة بالدار ّ‬

‫ّأمو وزوجتو وكيف أف ىؤالء آّرمْب قد اعتادوا إذا ىرب من يبغوف إلقاء القبض عليو يقوموف بأعماؿ انتقامية من سلب‬
‫وهنب وقد يعتدوف على األعراض‪ ،‬فغاض الدـ من رأسو وعصفت بقلبو عاصفة غضب ثوري عنيف وغّبة ؿبمدية فألقى‬
‫مصمماً على القتاؿ حٌب الشهادة دفاعاً عن شرفو وعرضو‪ .‬فلقَّم مسدسو‬
‫بنفسو ثانية من على الشجرة عائداً القهقرى ّْ‬
‫واندفع كبو الباب قافزاً من فوؽ رأس والدتو الٍب كانت جالسة بصحن الدار تنقّْي صحن العدس من البحص الصغّب‬
‫فسمع عويلها وشتائمها الٍب أخذت تكيلها لشيخو الذي أودى حبياة ابنها بتنبؤاتو الكاذبة وتلعنو بكل نعوت اللعن‪.‬‬
‫أما ىو فقد انطلق إُف الطريق شاىراً مسدسو مستعداً لئلطبلؽ ليَقتُل فيُقتل‪ ،‬وإذا جباره يناديو‪:‬‬
‫"أبو فتحي" مالك وماؽبم‪ ،‬ال تتدخل‪ ،‬ىؤالء اؼبغاربة قائدىم قُتل‪...‬‬
‫فلم ربملو قدماه لروعة ما ظبع فسقط على ركبتيو فرحاً بالنجاة‪.‬‬
‫َّ‬
‫العزة لنفسو عند الفرنسيْب بكشفو‬
‫سره ال يعلمو إالَّ القائد اؼبغريب الذي كاف يبغي َّ‬
‫تذكر ضابطنا الثائر للحق بأف َّ‬
‫سره دفيناً‪ ،‬فشكر اهلل وضبده على زبليصو من ىذا‬
‫االنقبلب بعد قبضو ‪ /03/‬ألف لّبة ذىبية‪ ،‬واآلف قُتل القائد فأصبح ُّ‬
‫اؼبأزؽ اغبرج‪.‬‬
‫* * *‬

‫بعد فَبة من الزمن اجتمع بشيخو ( الشيخ أمْب كفتارو ) وذكر لو الكبلـ الذي ظبعو منو عندما كاف متخفياً‪ ،‬فأجابو‬
‫الشيخ‪:‬‬
‫يا بِب واهلل ال علم ِف بذلك وما ظبعتو مِب فاهلل أنطقِب بو وأنا ال أعلم أٓف نطقت بتلك الكلمات وال أذكر أٓف فهت‬
‫ّٔا‪ ،‬بل ال أعلم شيئاً عن االنقبلب‪.‬‬
‫ومنذ تلك الفَبة بدأت والدتو تدفع صدقة أسبوعية ضخمة للفقراء واؼبساكْب على يد ذلك الشيخ الصادؽ‪ ،‬إذ َّ‬
‫قدرتو‬
‫ونظرت إليو بسبب ربقُّق قولو بعْب اإلكبار واإلعجاب فأيقنت أنو يستقي من منبع اغبق فسلكت مع أىل اغبق‪ ،‬فكانت‬
‫بسبب ىذه اغبادثة الرىيبة مع الص ّديقْب وأىل اليقْب وبلغت مراتب عالية باإلخبلص والصدؽ ونالت النجاة والنجاح‬
‫والفبلح‪.‬‬
‫اللهم اجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر‬

‫‪‬‬

‫اؼبوجو لو ؼبا شاىد منو من اغبكمة والذكاء‪ ...‬من الشجاعة والدىاء‪ ...‬من‬
‫قائد فرقة من اعبند يثق كثّباً بقائده األعلى ّْ‬
‫التخطيط العبقري العسكري السليم‪ ...‬ونتائج توجيهاتو الباىرة النجاح‪ ،‬فَباه عندما يدخل معركة بفرقة اعبنود يبقى على‬
‫ضم اؼبعركة وعندما يشتد الوضع اغبريب تأزُّماً وتصاعداً وتضيق بو وبفرقتو‬
‫اتصاؿ دائم بالقائد األعلى‪ ...‬وخصوصاً يف ِخ ّْ‬

‫التحرؾ واؼبناورة ويشعر باػبطر اغبقيقي وقد ىيمن على الفرقة ساريا‪ ...‬فبل هبد نفسو إالَّ وقد أمسك جبهاز‬
‫ؾباالت ُّ‬
‫اؽباتف اؼبيدآف واتصل بقائده اغبكيم الرحيم ىبربه بالواقع العسكري األليم‪ ...‬طالباً رأيو الثاقب اغبكيم لينفذه فوراً‪...‬‬
‫مدمرة‬
‫يوجهو قائده ػبطة فينفذىا مباشرة ويكوف النجاح والنصر اؼببْب وتنقلب الكفة سباماً من خسارة ّْ‬
‫ؤّذا االتصاؿ ّْ‬
‫لنصر ساحق‪ ...‬كل ذلك بفضل ىذا االتصاؿ الذي أجراه مع قائده األعلى‪ ...‬سباماً كما اتَّصل القائد العريب بعد عجزه‬
‫اغبجاج بن يوسف الثقفي فأرسل لو خريطة الفتوح وفتحها مباشرة‪.‬‬
‫عن فتح "خبارى" اغبصينة بقائده األعلى َّ‬
‫تذوؽ‬
‫فإف اتصل اإلنساف بربّْو ح ّقاً صارت لو الصبلة اغبقيقية باهلل (تلك الٍب يطلبها اهلل من كل عباده ومن أجلهم)‪َّ ،‬‬
‫وشاىد اؼبصلي فيها طرفاً من أظباء اهلل اغبسُب‪ ،‬طرفاً من الرضبة‪ ...‬اغبناف‪ ...‬اللطف العدؿ‪ ...‬اإلحساف‪ ...‬اعبماؿ‪...‬‬
‫عندىا يذوؽ حقيق ًة ؿببتو تعاُف ألف النفوس مفطورة على حب الكماؿ‪ ،‬وبذا تتولد بقلب ىذا اؼبصلي حياةٌ حقيقية من‬
‫اهلل‪ ،‬إذ يسقيو اهلل ّٔذه الصلة ماءَ اغبياة اغبقيقي الذي ينفًب فيو عما سواه وبذا تنهاه صبلتو ىذه عن الفحشاء واؼبنكر‪.‬‬

‫ْشضْ ػ َْٓ ِر ْو ِش َسثِّ ِٗ‬
‫قاؿ تعاُف‪َٚ { :‬أٌََ ِ‪ ٛ‬ا ْعزَمَب ُِ‪ٛ‬ا َػٍَ‪ ٝ‬اٌطَ ِش‪٠‬مَ ِخ ألَ ْعمَ ْ‪َٕ١‬بُ٘ ُْ َِبء َغذَلب ‪ْ ٌَِٕ ،‬فزَِٕ‪ ُْ ُٙ‬فِ‪ُ٠ ْٓ َِ َٚ ِٗ ١‬ؼ ِ‬
‫ص َؼذا}(‪.)8‬‬
‫‪ْ َ٠‬غٍُ ْىُٗ َػ َزاثب َ‬
‫يفرؽ بو بْب اػبّب والشر‪ ...‬وبْب اغبق والباطل‪.‬‬
‫ؤّذه الصبلة ينصب يف قلبو نور ّْ‬
‫فما داـ واصبلً نفسو باهلل متَّجهاً إليو اذباىاً صادقاً يصلّْي الصبلة الٍب ال يرى فيها مع ربّْو سواه داـ لو ىذا النور اإل ۤؽبي‬
‫يضيء للنفس طريق اغبق ويُريها اػبّب من الشر‪ ،‬كما قاؿ تعاُف‪:‬‬
‫{‪َ٠‬بأَ‪َُّٙ٠‬ب اٌَ ِز‪ َٓ٠‬آ َُِٕ‪ٛ‬ا ارَمُ‪ٛ‬ا َ‬
‫هللاَ َ‪ٚ‬آ ُِِٕ‪ٛ‬ا ثِ َشعُ‪ُْ ٠ ِٗ ٌِٛ‬ؤ ِر ُى ُْ ِو ْفٍَ‪َ ْٓ ِِ ِْٓ ١‬سحْ َّزِ ِٗ َ‪َ٠ٚ‬جْ َؼًْ ٌَ ُى ُْ ُٔ‪ٛ‬سا رَ ّْ ُش‪َْٛ‬‬
‫ثِ ِٗ‪.)2(}..‬‬
‫واؼبؤمن الصادؽ يستهدي ربو يف سائر شؤونو ويستلهمو الرشد والصواب يف كل أمر من أموره‪ ...‬ويف اغبديث القدسي‬
‫يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبَّو فإذا أحببتو كنت سمعو الذي يسمع بو وبصره الذي‬
‫الشريف‪« :‬ال يزال عبدي َّ‬
‫يبصر بو‪.»..‬‬
‫ومن كاف كبلـ اهلل دليلو يف كل أمر من أموره فسّبه كلو يف أماف واطمئناف ومن كاف نور خالقو سراجو وضياءه فحياتو‬
‫كلها سعادة وسبلـ‪.‬‬
‫ومعظم خططو اغبربية ‪ ‬وصحابتو الكراـ من بعده هبنيها يف صبلتو يريها اهلل لو وبتطبيقها يكوف النجاح الباىر بأقل عدد‬
‫من الضحايا من الطرفْب‪ ،‬إذ ىو ‪ ‬رسوؿ الرضبة بالعاؼبْب‪.‬‬
‫تبْب لنا مصداؽ ىذا الكبلـ لعاؼبنا الرحيم والعلماء ورثة األنبياء‪ ...‬وقعت بإحدى قرى الشاـ‪.‬‬
‫وأمامنا قصة ّْ‬
‫* * *‬
‫تبق مدينة وال قرية إال‬
‫كانت براكْب الثورة السورية الكربى قد اجتاحت كل قطر يف سوريا كالسيل العارـ الطاغي‪ ،‬إذ َف َ‬

‫وانضمت لنصرة الثورة السورية فالصراع دائر يف كل مكاف وقد زاد الطْب بلَّ ْو أهنا وصلت أنباء للحكومة الفرنسية عن‬
‫طريق عيوهنا بأف ىناؾ بلدة سورية ّْ‬
‫للثوار‪...‬‬
‫مقر خطّب وملجأ كبّب َّ‬
‫تشكل عبئاً كبّباً أيضاً على فرنسا يف سوريا‪ ...‬وأهنا ّّ‬
‫سبوهنم فتساعدىم ليستطيعوا تنفيذ أعماؽبم الثورية يف ضرب اؼبصاٌف الفرنسية يف سوريا‪ ...‬عدا عن كل ذلك فمعظم‬
‫ّْ‬
‫الثوار‪...‬‬
‫الثوار‪ ...‬إذف‪ :‬إهنم قلباً وقالباً مع َّ‬
‫شبأّا ينضم لصفوؼ َّ‬
‫فقرر اؼبندوب السامي‬
‫ازدادت حدة األخبار تصاعداً‪ ...‬وازداد معها غضب اغبكومة الفرنسية إُف أف بلغ‬
‫السيل الزّب‪َّ ،‬‬
‫ُ‬

‫أججت األخبار اؼبنقولة فيو نار اغبقد والغضب‪ ...‬وقرر بقسوتو اؼبعهودة حياؿ الظروؼ القاسية الٍب تواجهو‬
‫بعد أف َّ‬
‫) سورة اعبن‪ :‬اآلية (‪.)84-83‬‬

‫(‪8‬‬

‫) سورة اغبديد‪ :‬اآلية (‪.)25‬‬

‫(‪2‬‬

‫مكشراً عن أنيابو الوحشية اؼبفَبسة مقابل أف يريح بالو من ىذه البلدة وما تزعم عيونو فيها من أهنا مصدر للشغب‬
‫ّْ‬
‫واغبركات الثورية الٍب ّْ‬
‫تعكر صفو فرنسا وأمنها‪ ...‬عفواً أمن ظلمها واستغبلؽبا يف سوريا قائبلً بصوت ىبرج من أعماؽ‬

‫الظلمات‪:‬‬
‫دمروىا‪...‬‬
‫اضربوا ىذه البلدة‪ّْ ...‬‬
‫جهزوا فرقة من اعبيش باؼبعدات الثقيلة واضربوىا بقسوة‪ ...‬ال ترضبوىا فاغبرب ال ترحم‪ّْ ...‬‬
‫نكلوا بأىلها‪ ...‬ليمت حٌب‬
‫األبرياء‪ ...‬ليُحرؽ األطفاؿ‪ ...‬لتقتل الشيوخ والنساء‪ ...‬فكلهم أعداء لنا‪ ...‬ال يهم ليقتل من يُقتل‪ ،‬بل اؼبهم القضاء‬
‫على ىذه الفتنة اؼبلعونة‪.‬‬
‫الثوار عن طريق بعض اؼبخلصْب للوطن واؼبتمثلْب صورةً دبواالهتم لفرنسا ضمن‬
‫وصل اػبرب احملزف ألىاِف البلدة وزعمائها َّ‬
‫صفوفها‪..‬‬
‫وقع اػبرب على مسامعهم كالصاعقة القوية فاىتزت لو قلؤّم ىلعاً وباتوا مذىولْب حيارى وكأهنم وبوقوع النبأ على‬
‫يتشرد األبرياء‪ ...‬يُقتل األطفاؿ‪ ...‬تُذبَّح النساء‬
‫مسامعهم يروف تنفيذه العملي أماـ أعينهم ؛ كيف ُربرؽ البيوت‪َّ ...‬‬
‫ودمرت قرية "اؼبليحة" قرب دمشق عن بكرة أبيها‪.‬‬
‫والشيوخ‪ ...‬نعم لقد سبق ّْ‬
‫ثار البعض منهم مزؾبراً إثر ىذا النبأ‪ ،‬تتفجر بقلبو براكْب وبراكْب من الغضب وهتزه ىزات األَف الثوري‪ ...‬لكن اآلخرين‬
‫أي ريد‬
‫منهم وقفوا حيارى فلقد أدركوا سباماً أهنم أماـ ىذا اإلعداد والتجهيز العسكري الذي سيُشن عليهم عاجزين عن ّْ‬
‫ردوا فلن يكوف لردىم أدْف اعتبار أماـ القوات الفرنسية ومعداهتا الثقيلة‪ ،‬بل ستثور ثائرهتم وتزداد قوة بطشتهم‬
‫ولو ُّ‬
‫وتنكيلهم بأىاِف البلدة األبرياء ومصاغبهم الزراعية‪ ...‬فماذا ستشكل بلدة صغّبة أماـ دولة من الدوؿ العظمى؟!‪.‬‬
‫شيوخ‬
‫أمر ٍ‬
‫ولكن ما اغبل‪ ...‬ما العمل؟‪ .‬فلو أف األمر فقط أمرنا ؼبا ْ‬
‫بالينا ولواجهنا‪ ،‬ولتكن الشهادة نصيبنا‪ ،‬لكن األمر ُ‬
‫ونساء‪ ...‬أمر أوالد وأطفاؿ أبرياء‪ ،‬ال نريد لقساة القلوب أف يكتبوا مصّب أبريائنا بيدىم‪ ...‬رباه‪ ...‬رضباؾ‪ ...‬رضباؾ يا‬
‫اهلل‪.‬‬
‫حائر‪...‬‬
‫صمت اعبميع وببسوف دموع األَف واغبزف وكأف آّزرة تقع أمامهم اآلف‪ ...‬ساد البلدة صمت حزين‪ ...‬سكوف ٌ‬
‫أكف الضراعة هلل متوسلْب بقلؤّم راجْب أف يرفع عنهم ىذه آّزرة‪ ...‬رضباؾ يا اهلل ففينا شيوخ رَّكع‪ ...‬رضباؾ‬
‫فرفعوا َّ‬

‫أطفاؿ رتَّع‪...‬‬
‫صغار رضع‪ ...‬و ٌ‬
‫ففينا ٌ‬

‫اؼبتأوه اغبزين قائبلً‪:‬‬
‫قطع ىذا الصمت اؼبشحوف‬
‫ُّ‬
‫بالتوسل والدعاء القليب اػبفي صوت أحدىم ّْ‬

‫تعرفوف الضابط السيد ؿبمد أمْب‪ ...‬ذلك الضابط السوري الثائر‪ ...‬أما ظبعتم ورأيتم أطواراً من إخبلصو وتضحياتو‬

‫الثوار ضد فرنسا الظاؼبة‪ ...‬وما من أحد إال وظبع كيف سلَّم أسلحة قلعة عنجر كاملة‬
‫لشعبو ووطنو وتعاونو اػبفي مع َّ‬
‫ف مسّب ع ّدة ضببلت لببلد عدة بتدبّبه وزبطيطو‬
‫لنا‪َّ ...‬‬
‫للثوار خفية وأقباه اهلل وسلَّمو من كيد فرنسا دبعجزة‪ ...‬وكذا أوقَ َ‬
‫فلم ال نلجأ لو‪ ...‬عسى أف ىبلّْصنا من ىذا اؼبأزؽ‪ ...‬ويرفع عنا ىذه آّزرة الوحشية‪...‬‬
‫الذكي‪َ ...‬‬

‫رد آخروف‪ :‬وماذا يستطيع أف يفعل دبثل ىذا اؼبوقف وما إمكانياتو دبفرده ذباه فرنسا مهما دبَّر وخطَّط علماً أنو ال يبكن‬
‫َّ‬
‫لو الظهور ّٔذا الوجو اغبقيقي أمامهم واؼبواجهة وجهاً لوجو‪ ،‬نظن أف األمر عقيم‪...‬‬
‫قبرب واهلل يتوُف األمور فإف َف نستفد من إمكانياتو‬
‫َّ‬
‫رد األوؿ‪ :‬ولكن عسى اهلل أف هبعل الفرج على يديو‪ ...‬فلماذا ال ّْ‬
‫الرائعة فلن يضرنا األمر أكثر فبا كبن فيو‪.‬‬
‫وافق اعبميع وبعثوا بأحدىم وعلى وجو السرعة ليخرب الضابط الثوري السوري السيد ؿبمد أمْب‪.‬‬
‫* * *‬
‫وصل الرسوؿ ؼبنزؿ السيد ؿبمد أمْب مساءً فطرؽ الباب واستقبلو ضابطنا وبكلماتو الٍب تبعث يف القلوب الظمأى روحاً‬
‫وروباناً فتطفئ لظى اليأس والقنوط‪ ،‬ظبع قصتو وكبّب معاناة زعماء البلدة و َّثوارىا من ىذا اػبطر اعبسيم الذي اقَبب‬

‫موعده‪...‬‬
‫وثوارىا من كابوس ىذا اػبرب‬
‫أحس دبا يعانيو قادة البلدة َّ‬
‫نظر السيد ؿبمد أمْب بواقع األمر فأدرؾ سباماً حقيقتو اؼبَّرة و َّ‬
‫ُ‬
‫القاسي اؼبرير وما سيؤوؿ إليو حاؿ البلدة وأىاليها إف حدث (ال ظبح اهلل) ىذا االجتياح العسكري ؽبا حبجة ضرب مواقع‬
‫الثوار اإلرىابيْب يف البلدة (على حد زعمهم) فهم سيحرقوف األخضر واليابس‪ ...‬سيهدروف الكثّب الكثّب من دماء‬
‫َّ‬
‫األبرياء‪ ...‬ولكن ما العمل جراء ىذا القرار النهائي الذي َّازبذتو اغبكومة الفرنسية القاسية‪َّ ..‬‬
‫فكر قليبلً باألمر‪ ...‬وعاْف‬
‫عما لو‬
‫الثوار ال ذبدي وإف حدثت فسيكوف ىناؾ‬
‫أضعاؼ مضاعفة من الضحايا والتدمّب َّ‬
‫ٌ‬
‫مرارة اػبرب ىذا‪ ...‬فمواجهة َّ‬
‫اتَّبع أسلوباً ٍ‬
‫ثاف‪.‬‬
‫حق االلتجاء‪ ...‬فلقد كاف وقْع اػبرب عليو ثقيبلً مراً‪ ،‬إذ يعلم سباماً ما ستقوـ بو فرنسا ّْ‬
‫بازباذ ىذا القرار‪...‬‬
‫التجأ إُف اهلل َّ‬
‫ُّ‬
‫توسل كبّب وتضرعٌ عظيم هلل إال واػبطة‬
‫التجأ إُف اهلل طالباً‪ :‬كيف النجاة!‪ .‬وما ىي إال غبظات صمت‪ ...‬حقيقتها ٌ‬
‫تطرؽ بالو‪ ...‬فلقد برقت يف ـبيّْلتو‪ ...‬ؤّا إف شاء اهلل اػببلص‪...‬‬
‫نظر نظرة يبلؤىا األمل والثقة باهلل وقد طفح البِ ْش ُر بوجهو والتفاؤؿ‪َّ ...‬‬
‫سّبد أولئك القساة اؼبعتدين ولن ينالوا من‬
‫بأف اهلل ُّ‬

‫ىذه البلدة‪ ...‬قاؿ‪:‬‬

‫اظبع أيها الرجل‪ ...‬من فورؾ اذىب ألصحابك وأخربىم بأف الضابط ؿبمد أمْب يبلّْغكم السبلـ ويقوؿ لكم بأف تبحثوا‬
‫رساـ رائع لّبسم أفضل صورة وأتقنها وحبجم ضخم‪ ،‬سبثّْل القدس الشريف‬
‫رساـ ماىر يف البلدة فإف َف يوجد فعندنا َّ‬
‫عن َّ‬
‫وليتعاوف اعبميع ويثبتوىا دبدخل البلدة وعلى جدار البيت األوؿ اؼبكشوؼ للقادمْب ؽبذه البلدة‪ ...‬وبشكل صبيل‪...‬‬
‫وبإذف اهلل اؼبشكلة ؿبلولة‪.‬‬
‫رد الرجل‪ :‬فقط يا سيدي وستنحل اؼبشكلة‪ ...‬كيف؟‪.‬‬
‫َّ‬
‫قاؿ السيد ؿبمد أمْب‪ :‬كما قلت لك‪ ...‬وأسرعوا بالتنفيذ وال تتوانوا‪...‬‬
‫الرساـ أف ينفّْذ ذلك بأبدع ما لديو من مهارة وأسرع ما عنده واهلل يتوُف األمور‪.‬‬
‫اطلبوا من َّ‬
‫عاد الرجل مسرعاً ُّ‬
‫يزؼ الرسالة للقادة والزعماء‪...‬‬
‫لقد فهموا مراد السيد ؿبمد أمْب‪ ...‬فأسرعوا بتنفيذ الوصية‪.‬‬
‫* * *‬
‫وما ىي إالَّ فَبةٌ حٌب كانت اللوحة الفنية الكبّبة الرائعة تستقبل داخلي البلدة على جدار أوؿ بيت تغطيو بكاملو عند‬
‫مدخلها صورةٌ سبثّْل القدس الشريف تُرى وتشاىد من مسافات بعيدة بسبب ضخامة حجمها الكبّبة‪.‬‬
‫حاف موعد انطبلؽ التجهيز العسكري لضرب البلدة‪...‬‬
‫القواد الفرنسيْب‪ ...‬وقد كشَّر عن حقيقتو الوحشية وكلو‬
‫انطلقت اغبملة بضباطها ومعداهتا الثقيلة وعُ َددىا يرأسها أحد َّ‬

‫الثوار اإلرىابيْب يف ـبابئهم ومبلجئهم ومواقعهم‪.‬‬
‫إصرار على ضرب البلدة دبن فيها َّ‬
‫حبجة ضرب َّ‬

‫وما أف شارؼ على البلدة عن بعد حٌب لَ َم َح الصورة‪ ...‬كاف ينظر دبنظاره اغبريب اؼبيدآف ليُصدر أوامره للمدفعية الثقيلة‬
‫والدبابات بقصف القرية حينما استدعى معاونيو الضباط وطلب منهم ربويل مناظّبىم اؼبيدانية اغبربية ؼبدخل البلدة‬

‫وسأؽبم أال تشاىدوف ما أُشاىد؟‪ .‬قالوا‪ :‬بلى‪ ..‬أىل القرية حتماً منَّا‪.‬‬
‫ندمرىم‪ ...‬إهنم من أبناء ديننا‪ ...‬ومستحيل أف يصدر منهم ما‬
‫إذاً ىذه البلدة مسيحية‪ ...‬معظم أىاليها ينتموف لنا فَلِ َم ّْ‬
‫ظبعنا من أخبار‪...‬‬

‫إف ىي إال أخبار مغلوطة أو كاذبة وهبب القصاص فبَّن نقلها‪.‬‬
‫أحس القائد بربودة أعصابو‪ ...‬فعليو االنسحاب وعدـ قصف البلدة مطلقاً‪.‬‬
‫انطفأت نار ثورة غضبهم و َّ‬

‫ىنالك مباشرة اتصل بقائده يف السرايا مركز اغبكومة بالقائد العاـ للجيش الفرنسي ينبئو باألمر‪ ...‬فما كاف جوابو إال أف‬
‫قاؿ‪:‬‬
‫ىكذا‪ ...‬إذاً بلدة مسيحية!!‪ .‬وال بد أف ما وصلنا من أخبار ُـبِربينا خاطئة حتماً‪ ...‬إذاً تراجعوا‪ ...‬وال تدخلوىا‪ ،‬بل‬
‫دعوىا بسبلـ‪...‬‬
‫قائد اغبملة‪ :‬حاضر سيدي‪ ...‬فهذا أيضاً من رأيي‪ ...‬حاالً سننسحب‪.‬‬
‫وبسرعة أصدر أوامره للفرقة العسكرية باالنسحاب‪ ...‬فَباجعوا دبعداهتم الثقيلة اؼبرعبة إُف موقع عسكري لصد ىجمات‬
‫الثوار‪...‬‬
‫َّ‬
‫فيدمرىا‪...‬‬
‫لم ّٔا ّْ‬
‫وبذلك قبت البلدة من خط ٍر جسيم كاف سيُ ُّ‬
‫لقد عاد األمن واألماف واالطمئناف لؤلىاِف‪ ...‬وخلصوا من ىذا الكابوس اؼبرعب اؼبخيف‪ ...‬خلصوا من جرائم وحرائق‬
‫مراً قاسياً والكثّب سَبديهم‪ ...‬فلقد استجاب اهلل ؽبم وأقباىم من‬
‫كانت ستحيل عيش من يبقى منهم على قيد اغبياة ّ‬
‫ىذه اعبرائم واألخطار‪ ...‬من ىذه اغبرائق واآلالـ‪ ...‬من الدماء الٍب ستهدر وتراؽ من احملاصيل الٍب ستحرؽ وتذروىا‬
‫ستخر على رؤوس أىاليها فتغدوا قبوراً ؽبم‪ ...‬ؾبزرة كبّبة وأزاؽبا اهلل دبا أؽبم عبده الصادؽ من‬
‫الرياح‪ ...‬من البيوت الٍب‬
‫ُّ‬
‫خطة مهيبة‪ ...‬دبا أؽبم ذلك اإلنساف الثائر الفدائي الصاعق على الباطل دائماً وأبداً واؼبناصر للحق‪ ...‬لشعبو‪ ...‬لوطنو‬
‫اغببيب‪...‬‬
‫فهذا إنساننا اغبكيم قد استغل حكمتو البالغة ىذه لنصرة اغبق وأىلو ضد الظلم والفساد‪ ...‬ضد زبريب قلوب العباد‬
‫للثوار ضد فرنسا‪.‬‬
‫ـبفياً حقيقتو ىذه عن أنظار فرنسا متوكبلً على اهلل يف عملياتو ودعمو َّ‬
‫نعم َّ‬
‫شكت فرنسا بازدواجيتو ولكن ال برىاف وال دليل وحاولوا مراراً التخلُّص منو ولكن أّب اهلل إال أف وبقّْق مبتغاه يف‬
‫اػبّب ونصرة اغبق وكانت عنايتو تعاُف الرحيمة تتدخل يف كل مأزؽ عسّب فتنجيو من اؼبوت احملتم‪ ...‬تنجيو من كيد‬
‫فرنسا بأعجوبة‪ ...‬فالفعاؿ ىو اهلل وحاشا أف يُذؿ عبداً ـبلصاً لو‪ ...‬صادقاً معو‪.‬‬

‫فبنور اهلل ودبا يف قلبو من فرقاف‪ ...‬من ب ٍ‬
‫صّبة ثاقبة استطاع أف يدِف ألىاِف البلدة باػبطة الٍب ضمنت سبلمتهم‪ ...‬فكم‬
‫وفَّر شبلالت ٍ‬
‫دماء ٍ‬
‫وآالـ وحسرات‪ ...‬حرائق ودمار‪.‬‬
‫أال إهنا شبرة الصبلة اغبقيقية‪ ...‬شبرة اغبب اإلؽبي واإليباف العاِف‪:‬‬
‫اٌشأ‪ ٞ‬لجً شجبػخ اٌشجؼبْ‬

‫٘‪ ٛ‬أ‪ٚ‬ي ‪ ٟ٘ٚ‬اٌّحً اٌثبٔ‪ٟ‬‬



‫(‪)1‬‬

‫{ َ‪ٚ‬إِ ْْ غَبئِفَزَب ِْ َِِٓ ْاٌ ُّ ْؤ ِِِٕ‪ َٓ١‬ا ْلزَزٍَُ‪ٛ‬ا فَؤَصْ ٍِحُ‪ٛ‬ا ثَ ْ‪َّ َُٕٙ١‬ب‪}..‬‬

‫لقد جرت العادة يف الشاـ بأف يكوف لكل حي من أحيائها زعيم يَبأس اغبي بالقوؿ واؼبشورة والرأي يف أي أمر كاف‬
‫كبّباً أو صغّباً‪ ،‬يتصف بصفات الشجاعة والكرـ إُف غّب ذلك من الصفات احملببة لدى الناس‪.‬‬
‫وجرت العادة أف يلتقي التجار والزعماء والوجهاء يف القهوة لتبادؿ اآلراء واؼبشورات أو للمسامرات‪.‬‬
‫حي الشيخ ؿبي الدين يف إحدى اؼبقاىي الٍب كانوا يرتادوهنا دائماً وكانوا على‬
‫وذات يوـ كاف زعيم حي الصاغبية وزعيم ّْ‬

‫حل وارربل‪.‬‬
‫عبلقة طيّبة وجيدة مع بعضهم البعض وكاف لكل زعيم مرافقتو اػباصة من الرجاؿ تكوف معو دائماً أينما َّ‬

‫كل‬
‫وشاءت األقدار والظروؼ بأف‬
‫ينشب خبلؼ بينهما ونبا يف اؼبقهى وزادت حدة اػببلؼ إُف التهديد والوعيد‪ ،‬كاف ُّ‬
‫َ‬

‫زعيم منهما ربت إمرتو أكثر من ‪ /8233/‬شاب وقد أشعل الشيطاف بينهما فتيل اػببلؼ ونفخ يف رأسيهما كرباً‬
‫وإصراراً فلم يتنازؿ أحدنبا لآلخر وقد انتقل اػببلؼ واػبصاـ من الكبلـ إُف االشتباؾ باأليدي ومشّر كل واحد منهما‬

‫بالقوة والصبلبة‪ ،‬أما مرافقة كل واحد منهما فليس ؽبا أف تتدخل‬
‫عن ساعديو‪ ،‬لقد كانوا من عداد الرجاؿ اؼبشهورين َّ‬
‫بْب الرجلْب ألف األمر موكوؿ إُف الزعيمْب‪.‬‬

‫) سورة اغبجرات‪ :‬اآلية (‪.)6‬‬

‫(‪8‬‬

‫وأخّباً وبعد فَبة من العراؾ والضرب استطاع أحدنبا أف يطعن اآلخر خبنجره طعنة قوية ألقتو أرضاً دوف حراؾ والدماء‬
‫تتدفق منو‪ ،‬وما أف شاىد الضارب خصمو قد سقط والدـ يسيل منو حٌب َّفر ىارباً مع مرافقتو قبل االنقضاض عليو‬
‫ومهاصبتو والثأر للزعيم اؼبطعوف‪.‬‬
‫وبسرعة متَّ إسعاؼ الزعيم اؼبطعوف إُف اؼبشفى من أجل إنقاذ حياتو‪.‬‬
‫* * *‬
‫وعم يف الشاـ ما حصل بْب الزعيمْب و َّ‬
‫أف أحدنبا مشرؼ على اؼبوت فبدت عبلئم اػبوؼ والرعب‬
‫شاعت األخبار َّ‬
‫تظهر جليةً على وجوه الناس توقعاً ؼبا سيحل وما ستؤوؿ إليو نتائج ذلك من عواقب وخيمة ال ُربمد عقباىا‪...‬‬
‫ولكن َف يقابل الناس ذلك النبأ بأي رد فعل غبل اػببلؼ سوى الكبلـ الفارغ الذي ال وبل أي عسّب‪ ،‬بل تكهرب اعبو‬
‫وجهزوا السبلح لبلصطداـ القادـ الرىيب‪.‬‬
‫وبدأ اغبيَّاف االستعداد بنشاط فتزودوا بالعتاد َّ‬
‫وما أف بلغ النبأ مسامع السيد ؿبمد أمْب حٌب أسرع كالربؽ اػباطف إُف اؼبشفى كي يتدارؾ األمور قبل وقوع الكارثة‬
‫الكبّبة بْب اغبيّْب حيث استنفرت صباعة الزعيم اؼبطعوف وىيأوا أنفسهم بالرجاؿ والسبلح لبلنقضاض على اغبي اآلخر‬

‫صمموا على القتاؿ‬
‫والثأر لزعيمهم‪ ،‬وىم اآلف ينتظروف النتائج وما سيؤوؿ إليو مصّب زعيمهم‪ ...‬وعلى كل األحواؿ َّ‬
‫والثأر ورد االعتبار لزعيمهم اؼبطعوف‪.‬‬
‫الزـ إنساننا الزعيم اؼبطعوف مبلزمة الظل وأخذ يرعاه ووبنو عليو بالليل والنهار كاألـ اغبنوف‪ ...‬مقدّْماً لو كل ما وبتاجو‬
‫من خدمات‪ ...‬وبذؿ كل جهوده يف اؼبشفى ولفت أنظار كل األطباء ؽبذا الزعيم فأحاطوه بالرعاية وقدَّموا ما يلزمو من‬
‫عبلج وقد شاىد ذلك معظم رجاؿ الزعيم وأىلو وقدَّروا لو ىذا اؼبعروؼ واعبميل‪.‬‬
‫كما أف الزعيم بعد أف عادت إليو صحوتو شعر بذلك والحظ خدمة ىذا اإلنساف الكبّبة لو فحفظ لو ىذا العمل‬
‫استمر السيد ؿبمد أمْب على مبلزمة الزعيم فلم يَبكو أبداً‪.‬‬
‫و َّ‬
‫وما ىي إالَّ أياـ عديدة حٌب بدت عبلئم الشفاء تظهر على الزعيم‪ ...‬وأعلن األطباء َّ‬
‫أف اػبطر قد زاؿ‪ ،‬وسبَّت اؼبوافقة‬
‫على زبرهبو من اؼبستشفى بعد أف خلَّفت الطعنة القاتلة على رقبتو ندبة سَبافقو مدى اغبياة‪.‬‬
‫* * *‬
‫ويف يوـ خروجو من اؼبشفى َف يكن أحد يعرؼ ما يدور يف خلد ىذا الزعيم من زبطيطات وتدبّبات ليثأر لنفسو من‬
‫خصمو‪ ...‬إالَّ أف السيد ؿبمد أمْب عاجلو وقطع عليو وساوس الشيطاف وقاؿ لو‪ :‬أنت ضيفي اليوـ‪.‬‬

‫يرد طلبو بعدما رأى منو ما رأى من كبّب العناية وبالغ اغبفاوة واإلكراـ والرعاية عندما‬
‫لقد فاجأه بذلك وَف يستطع أف َّ‬
‫كاف يف أشد اغباجة للرعاية والعناية‪ ،‬وكيف أنو وضع جاىو العريض يف خدمتو وكبّب االىتماـ بو‪.‬‬
‫ف َقبِ َل الدعوة شاكراً فبتناً‪ ،‬ذىب معو إُف بيتو‪ ،‬لكن ما زاؿ اغبيَّاف يعيشاف حالة استنفار كامل استعداداً للمواجهة اؼبتوقعة‬

‫بإشارة من زعيمهم‪.‬‬

‫َّ‬
‫أعد لو ىذا اإلنساف يف بيتو ما يليق بو كزعيم حي وأكرمو وسامره وطيَّب خاطره والطفو حٌب أنساه وجوده ؼبا القى من‬
‫بشاشة ولطف ىذا اإلنساف‪.‬‬
‫ويف ىذه األثناء أرسل السيد ؿبمد أمْب ابنو األكرب فتحي لدعوة الزعيم اآلخر إُف بيتو دوف أف يُعلمو بشيء على‬
‫اإلطبلؽ سوى‪ :‬والدي يدعوؾ إُف البيت‪.‬‬
‫وفعبلً ذىب الغبلـ ودعا الزعيم اؼبتواري عن األنظار واؼبتلثم دوماً خوفاً على حياتو من اؼبوت والقتل‪ ،‬لقد بقي طواؿ ىذه‬
‫الفَبة مستَباً ال يعرؼ أحد لو مكاف باستثناء إنساننا الرحيم‪.‬‬
‫وعندما أقبل الرجل الطاعن خصمو باػبنجر استقبلو السيد ؿبمد أمْب باغبفاوة والتكرٔف وبعد أف الطفو وآنسو وطمأنو‬
‫انتقبل إُف الغرفة الٍب يوجد فيها خصمو‪.‬‬
‫وما أف دخل الغرفة حٌب وجد نفسو وجهاً لوجو أماـ غريبو‪ ،‬ولدىشة ولغرابة ما شاىد وقف شاخص البصر ال يصدّْؽ ما‬
‫رأى‪ ،‬أىو باليقظة أـ يف اؼبناـ ولكنها اغبقيقة وخصمو أمامو‪ ،‬إهنا ح ّقاً مفاجأة كربى ال زبطر على األذىاف وال تدور يف‬
‫األفكار‪.‬‬
‫وكما حصل مع ىذا الزعيم كذلك حصل مع الزعيم اآلخر فحدَّؽ االثناف ببعضهما البعض كالصقور اعبارحة بصمت‬
‫رىيب‪ ،‬وكاف السيد ؿبمد أمْب يرقب االثنْب عن كثب وعيناه ينابيع الرضبة تفيضاف باغبناف والعطف‪.‬‬
‫ويف ىذه األثناء ال يدري الزعيم اؼبطعوف ماذا حصل بو وجرى لو على اإلطبلؽ سوى أنو شعر بالصفاء واغبلم والرضبة‬
‫تدخل قلبو وقد انتُ ِزع من نفسو كل حقد وبغض وصفى قلبو وال يعلم مصدر ذلك‪ ،‬فلم هبد إال قلبو يهفو للصلح‪.‬‬
‫وفعبلً هنض على رجليو والتفت إُف السيد ؿبمد أمْب وقاؿ لو‪:‬‬
‫"أىكذا تريد يا بك"؟‪.‬‬

‫وفجأة فتح يديو إُف خصمو ُمعلناً الصلح وأقبل باذباىو باالبتسامة والسبلـ‪ ،‬فبادره اآلخر مشدوىاً بالسبلـ وتصافحا‬
‫وتعانقا‪ ،‬ح ّقاً لقد وقعت اؼبعجزة‪ ،‬إذ عادت اؼبياه إُف ؾباريها بْب الزعيمْب(‪ )8‬بفضل ىذا اإلنساف الكرٔف‪.‬‬

‫وحل الوداد والوئاـ وتقاربت القلوب حٌب كأف شيئاً من اػبصاـ َف يكن‪.‬‬
‫لقد زاؿ ما بينهما من اغبقد واعبفاء َّ‬
‫وبعد أف قاـ بواجب الضيافة وما يليق ّٔما من حفاوة وإكراـ‪ ،‬كاف ال بد من إكماؿ الصلح ومتابعة اؼبشوار معهما‬
‫ليشهد الناس ذلك‪.‬‬
‫وفعبلً خرج معهما ووقف بينهما ومشى الثبلثة وىم يتسامروف ويضحكوف وقد شاىد الناس صبيعاً ىذا اؼبشهد العجيب‪:‬‬
‫إنو اؼبستحيل يتحقَّق!‪.‬‬
‫وأخذ الناس يتساءلوف أيبكن ىذا؟‪.‬‬
‫وىل ىذا معقوؿ؟‪.‬‬
‫إنو ألمر غريب وعجيب؟‪.‬‬
‫ولكن كيف متَّ ذلك؟‪.‬‬
‫فالكل كاف يتوقع بْب اغبْب واآلخر القتاؿ واؼبوت هبثم بكابوسو على األلوؼ اؼبؤلفة من الضحايا اؼبرتقبة‪ ،‬وإذ وبدث‬
‫العكس سباماً!‪.‬‬
‫استمروا باؼبسّب حٌب بيت الزعيم اؼبطعوف حيث دخلوا مضافتو وكاف أىلو وصباعتو بانتظاره بفارغ الصرب ليثأروا لزعيمهم‬
‫وىم على استعداد دمو ٍي تاـ‪ ،‬وإذا خبصمو برفقتو!‪ .‬وليس بينهما أي عداء واألمور على ما يراـ فانصعق الناس وساد‬
‫سكوف عميق وصمت مطبق رىيب اجتاح النفوس اغبّبى اؼبذىولة‪ ،‬جلسوا فَبة من الزمن وقد علم اعبميع بأف اػببلؼ‬
‫ح ّقاً قد زاؿ على يد اإلنساف الذي معهم وعادت اغبياة إُف طبيعتها بعد استنفار كامل مشحوف بالرعب طواؿ تلك‬
‫الفَبة‪.‬‬
‫ثَّ صحبهما ىذا اإلنساف إُف اغبي اآلخر ليُكمل ما عزـ عليو منذ البداية وىو حل اػببلؼ بسبلـ وإهناء األزمة الرىيبة‬
‫الٍب كانت ستقع لوال تلطف اهلل ّٔما على يد احملسن السيد ؿبمد أمْب وحبكمتو الٍب استطاع ّٔا إنقاذ الطرفْب من ببلء‬

‫عظيم‪.‬‬
‫حل اػببلؼ‪.‬‬
‫دخلوا اؼبضافة "قاعة الضيافة" واجتمعوا جبماعتو وشاىد اعبميع اؼبعجزة‪ :‬معجزة انتهاء األزمة و ّْ‬
‫) الزعيمْب‪ :‬أضبد الرماؿ وؿبي الدين مللي‪.‬‬

‫(‪8‬‬

‫حل ّٔم منذ اؼبشاجرة واػبصاـ وكانوا ال يدروف بأي وقت تلهب‬
‫لقد زالت الغمامة السوداء واػبطر العظيم الذي َّ‬
‫النّباف‪ ...‬وفجأة وإذ بالسبلـ والطمأنينة وانتهاء اػبصاـ وعودة اغبياة إُف طبيعتها‪.‬‬
‫* * *‬
‫وىكذا أهنى السيد ؿبمد أمْب اػببلؼ وخلّص أىل اغبيَّػ ْْب من ؾبزرة رىيبة ما كانت لتشهد مثيلها ببلد الشاـ من قبل‬

‫وأنقذنبا من ببلء عظيم قد يطوؿ األعواـ والسنْب‪...‬‬

‫ح ّقاً‪ ...‬وللعجب العجاب لقد عادت اغبياة إُف طبيعتها‪ ...‬حٌب بدوف إراقة وال نقطة دماء‪...‬‬
‫جزاه اهلل عن أىل الشاـ خّب اعبزاء‪...‬‬

‫‪‬‬

‫ظبع عن السمو والرفعة‪ ،‬وأف أُناساً علوا حٌب وصلوا الشمس‪...‬‬
‫القهار‪ ...‬وشاىدوا أظباءه اغبسُب‪.‬‬
‫فتعرفوا على اهلل الواحد َّ‬
‫والشمس ضبلتهم إُف األعلى‪َّ ...‬‬
‫وغرتو اؼبظاىر فراح يبِب برجاً عالياً‪ ،‬يضع األحجار فوؽ األحجار‪ ،‬طمعاً بالوصوؿ إُف الشمس الٍب ستحملو إُف العلياء‪،‬‬
‫إنو يرغب يف آّد‪ ..‬ويظن أنو يستطيع الوصوؿ إليو باؼباؿ أو األحجار‪ ،‬أو حٌب بالذىب يريد العزة‪ ،‬لكنو ال يصدؽ بأنو‬
‫العزة بأعماؿ اؼبعروؼ واإلحساف‪.‬‬
‫إذا ىجر الدنيا َّ‬
‫وعف عن ؿبرماهتا سيحصل عليها‪ ،‬أو أنو سيحصل على ّ‬
‫وكيف ِف أف أكوف عزيزاً دوف أف أكوف ثرياً؟!‪.‬‬
‫وىل سيمدٓف إيبآف وجهادي بالقوة!!‪.‬‬
‫والناس ىل عساىا تقدّْرٓف إالَّ وأنا أملك اؼببليْب‪ ،‬إٓف معَبؼ بوجود اهلل وأرغب فعبلً بالتعرؼ عليو‪ ،‬سأصعد الربج الذي‬
‫بنيتو بنفسي وماِف‪ ،‬لعلي أصل إُف السماء‪.‬‬
‫ض َ‪ٚ‬الَ فَ َغبدا َ‪ْ ٚ‬اٌ َؼبلِجَخُ ٌِ ٍْ ُّزَمِ‪.)8(} َٓ١‬‬
‫{رِ ٍْ َ‬
‫ه اٌ َذا ُس ا‪ِ ٢‬خ َشحُ َٔجْ َؼٍُ‪َٙ‬ب ٌٍَِ ِز‪ َٓ٠‬الَ ‪ُِ ٠‬ش‪ُ ٠‬ذ‪ُ َْٚ‬ػٍُ ّ‪ٛ‬ا فِ‪ ٟ‬األَسْ ِ‬
‫وراح وباكي طواحْب اؽبواء وىو يعتقد أهنا ستجدي نفعاً‪ ،‬وىو ال يدري بأف اؽبواء يبقى ىواء‪ ،‬وأنو يسّب كبو السراب‪...‬‬
‫حٌب كاف الليل‪ ،‬وأظلمت الدنيا بوجهو‪ ،‬وكشرت عن أنيأّا اؼبخفيّة وراء حجاب مادي رخيص‪.‬‬

‫) سورة القصص‪ :‬اآلية (‪.)50‬‬

‫(‪8‬‬

‫ال نور اليوـ وال ضياء‪ ...‬فاغبلم قد تبدد‪ ،‬واؼباؿ فَػ َق َد معناه‪ ،‬والشهوة انتهت وظيفتها‪ ...‬وكرسي الوزارة قد أصبح فارغاً‪.‬‬
‫يبق سوى مكاف صغّب ربت الَباب‪ ،‬سيوارى فيو جسد اؼبذكور شاء أـ أّب‪ ،‬وتوضع شطائح اغبجر لتحجب عن‬
‫وَف َ‬
‫اعبثة النور واؽبواء‪ ،‬ـبلّْفاً وراءه األىل واألحباب‪.‬‬
‫وإٓف ألعجب من أناس ال يعتربوف من اؼبوت!‪ .‬وال يتأثروف بو‪ ،‬مع أنو دائماً يتخطف األحباب واألصحاب‪.‬‬
‫ورسوؿ اهلل ‪ ‬قاؽبا بكلمة‪« :‬كفى بالموت واعظاً»‪ .‬وَف يقلها ‪ ‬عبثاً‪ ،‬إمبا قاؽبا عن حق وعلم‪.‬‬
‫فإذا كبن َف ّْ‬
‫نفكر باؼبوت ونع ّد لو العدة‪ ،‬ونضع على الدواـ نصب أعيننا اليوـ الذي ال بد آت‪ ،‬وإف كل نفس منا ذائقة‬
‫اؼبوت ال ؿبالة‪ ...‬فبل خّب فينا‪ ،‬وال يف أمة تنسى موتاىا‪ ،‬وتطوي على ذكراىم صفحات السنْب‪ ،‬بل على العكس‪ ،‬ترى‬
‫يفروف من ذكره‪ ،‬وإذا اضطروا غبضور جنازة لقريب أو صديق ال يلبثوف إالَّ دقائق‪ ،‬وما أف تصبح اعبثة ربت‬
‫الناس اليوـ ُّ‬
‫الثرى حٌب يتسابقوف ؼبغادرة اؼبقربة‪ ،‬ث يتنفسوف الصعداء‪ ،‬ويبقى اؼبسكْب وحيداً بعيداً عن قلؤّم‪ ...‬منتظراً منهم أف‬
‫لعل نسمة ىواء تأيت من ىنا‪ ،‬أو نقطة ماء تروي ظمأه‬
‫يعودوا‪ ،‬ردبا يهوف عليو الظبلـ‪ ،‬أو ترؽ جدراف القرب غبالتو‪ ،‬أو َّ‬
‫يتعرؼ على ربّْو ويستأنس بو‬
‫تسقط عليو من ىناؾ‪ ،‬ولكن يبقى الظبلـ ظبلماً والوحدة وحدة‪ ،‬والناس قد فلّوا‪ ،‬ومن َف َّ‬
‫كيف يبحث عن أنس بعده أو زاد!‪.‬‬
‫بكل ما يف‬
‫وىذه اؼبقدّْمة اآلنفة الذكر تعرض لنا سّبة رجل كاف من اؼبفَبض أف يكوف إنساناً عاش حياة رغيدة‪ ،‬سبتع ّْ‬
‫ظل يداعب ـبيلتو أعواماً‪.‬‬
‫دنياه من متع وشهوات َ‬
‫وبذؿ قصارى جهده ليصل إُف كرسي الوزارة‪ ،‬ذلك اغبلم الذي َّ‬
‫وألنو صدؽ يف طلبو‪ ،‬حيث إف الشهوة قد مؤلت ساحة نفسو وشغلتها ووصل جرثومها إُف سويداء نفسو وتسربت إُف‬
‫كل ذرة من ذراهتا اؼبعرضة‪ ،‬لذلك حصل عليها بإمداد من اهلل سبحانو وتعاُف‪ ،‬ذلك ولو أف اهلل منع عنو ىذه الرغبة‬
‫وحاؿ دوف حصولو عليها لفتك جرثومها بنفسو وأحاط ّٔا من صبيع جهاهتا‪ ،‬فبل يستطيع منها ـبرجاً وال هبد إُف الرجوع‬
‫إُف ربّْو سبيبلً‪ ،‬بل تظل نفسو مشغولة بشهوهتا‪.‬‬
‫ولكن ما أف تصل ىذه النفس إُف ما أصرت عليو‪ ،‬حٌب هبتمع جرثوـ تلك الشهوة يف مكاف واحد وزبلو ساحة النفس‬
‫فبا كاف يشغلها بكليتها‪ ،‬بعد ذلك ينزؿ اهلل األمراض بذلك العاصي ويسلّْط عليو اؼبصائب لعلو يستفيد ويقبل على ربو‬
‫ويطهرىا‪.‬‬
‫حٌب يسري النور اإل ۤؽبي إُف نفسو ّْ‬
‫أما إذا َف تقبل النفس عليو سبحانو فإف جرثوـ الشهوة يظل عالقاً ّٔا ؾبتمعاً يف جهة من جهاهتا‪ ،‬وال تزاؿ على ذلك‬
‫حٌب يوافيها أجلها‪ ،‬فيكوف عذاب القرب أو سعّب النار سبباً يف تطهّبىا‪ ،‬نعم حصل ىذا الرجل على حلمو وكاف ىو آخر‬

‫ما حصل عليو‪ ،‬إذ َف يلبث فيو إال قليبلً حٌب جاءه الببلء "ببلء عظيم" كاف دبثابة إنذار أخّب لو‪ ،‬قبل أف وبق عليو‬
‫اؼبوت وتتخطفو يد القدرة اإل ۤؽبية‪ ،‬ويتخطف جسده الفناء‪.‬‬
‫* * *‬
‫وفجأة خطر ىذا الرجل "رئيس ؾبلس الوزراء" على قلب السيد ؿبمد أمْب وىو أحد أصدقائو القدامى‪ ،‬وقد ساقتو‬
‫قدماه‪ ،‬فرأى نفسو أماـ بناء فخامة رئيس ؾبلس الوزراء السابق‪ :‬صاحبو القدٔف أياـ خدمتو يف اعبيش الَبكي عندما كانا‬
‫ضابطْب‪.‬‬
‫ورأى البؤس والكآبة زبيّْم على تلك اؼبنطقة‪ ،‬وـبلوقات تعيسة ترتدي أثواب الفرح والسعادة‪.‬‬
‫دخل البناء الفخم وىو ال يدري ما ىذا الكرب واالستياء الذي أَف بو‪ ...‬ألقى السبلـ على البوابْب يف القصر وسأؿ عن‬
‫صديقو‪ ،‬فكاف اعبواب أنو مريض مقعد يف غرفة الطابق األرضي "القبو"‪ ...‬وَف يندىش ؼبرض سيادة الرئيس األسبق بقدر‬
‫ما اندىش ؽبذا الواقع!‪ .‬صاحب كل ىذا العز واعباه‪ ...‬يناـ يف طابق أرضي "القبو"!‪ .‬ىذا مقاـ اػبدـ!‪.‬‬
‫وتوجو بصحبة أحد اػبدـ إُف الغرفة اؼبعينة‪ ،‬وقبل أف يصلها فاحت روائحها وروائح اؼبريض الذي يقطنها!‪.‬‬
‫َّ‬
‫إ ۤؽبي ما ىذا الشقاء؟!‪ .‬يا حسرة على ٍ‬
‫عباد خسروا الداريْن‪...‬‬
‫يا حسرة على رئيس ؾبلس وزراء وبمل كل ىذه األوزار‪...‬‬
‫إيو‪ ...‬يا صاحيب مرحباً بك‪ ،‬قاؽبا رئيس الوزراء السابق بصعوبة عندما دخل إنساننا السيد ؿبمد أمْب وألقى السبلـ‬
‫عليو‪...‬‬
‫قاؽبا وىو يكاد ىبتنق من شدة اإلحراج والندـ والتزـ الصمت بضع دقائق ليتماسك‪ ،‬لكنو َف يستطع إُف ذلك سبيبل‪.‬‬
‫أخذت عيناه تذرؼ دموعاً غزيرة‪ ،‬كل قطرة منها كانت صبرة نار تسقط يف قلبو فينزؼ دماً‪ ،‬يا ليتِب ظبعت كبلمك يا‬
‫صديقي عندما تكلَّمت معي عن اؼبوت وعن بشاعة الدنيا‪ ،‬لكِب كنت طفبلً الىياً‪ :‬أعجبتِب لعبٍب‪ ،‬وأخذتِب غفويت‪،‬‬
‫وىا أنذا على وشك النزوؿ يف حفريت‪.‬‬
‫واطّلع السيد ؿبمد أمْب على واقع ىذا الرجل‪ ،‬وعلم أنو تزوج من امرأة جديدة يف سن الصبا وأهنا ىجرتو عندما مرض‬
‫وأصيب بالشلل‪ ،‬ورمت بو يف ىذه الغرفة اغبقّبة واستأجرت لو فبرضة لتقوـ خبدمتو ورعايتو‪.‬‬
‫ولوال اغبياء واػبوؼ من كبلـ الناس لرمت بو وزبلَّت عنو كقطعة أثاث قديبة‪ ،‬ث أعطت لنفسها اغبرية اؼبطلقة يف العيش‬
‫الرغيد‪ ،‬والتمتُّع دباؿ زوجها اؼبريض واللهو مع أوالده الشباب على مرآه ومسمعو‪...‬‬

‫فلقد كانت أصوات اللعب والرقص تنبعث من غرفة يف الطابق العلوي وىم يرتعوف يف لظى شهواهتم احملرقة ويدوسوف‬
‫بأقدامهم اؼببادئ والعواطف غّب عابئْب ّٔذا اؼبسكْب الذي غرؽ يف حبر دموعو وىو ال ينفك يناجي وينادي ويرسل يف‬
‫طلب زوجتو اغببيبة متمنياً منها نظرة أو التفاتة‪ .‬لكنها وكأف يف أذنيها وقر َف تُقم لذلك وزناً‪ ،‬وَف تُعر اىتمامها ؽبذا الزوج‬
‫اؼبقعد اؼبسن‪ ،‬العجوز اؼبتصايب‪:‬‬
‫دع اػباّف وشأهنا‪ ،‬ماذا تريد منها وأنت على ىذه اغباؿ!؟‪ .‬وىل بقي فيك ما يفتح نفس اػباّف!؟‪ .‬إف السيدة َف تعد‬
‫تصلح لك يا عزيزي‪ ،‬وإف كاف لك حاجة فهاؾ اؼبمرضة اطلب منها ما تريد‪.‬‬
‫كلمات دبنتهى القسوة تفوىت ّٔا باستهزاء وقرؼ وكأهنا تكلّْم خادماً‪ ،‬أو جرواً مريضاً‪ ،‬وَف تتنازؿ وتدخل الغرفة‪ ،‬بل‬
‫وقفت على عتبة بأّا‪ ،‬ووضعت يدىا على خصرىا تتلوى بثوب الذؿ والعار‪ ،‬ثوب ال يصلح إالَّ للغوآف القذرات‪،‬‬
‫تعرب عن استهتارىا وقرفها‪ ،‬مشّبة إليو حبركة صدودية ببطن كفّْها وكأهنا تريد أف تبعده عنها قائلة‪ :‬ىذا‬
‫واستطاعت أف ّْ‬
‫ليس دبقاـ اػباّف‪ ،‬ماذا بقي فيك ما ينفع للخاّف!‪.‬‬
‫طفق بالبكاء بصوت متهدّْج وقلب ؿبطَّم‪ .‬وانصرفت عائدة إُف وكرىا لتتابع ما يليق بقدرىا ومكانتها اؼبنحطة وكانت‬
‫إرادة اهلل أف ال تنزؿ ىذه الزوجة ملبية طلب زوجها‪ ،‬إال بوجود صاحبو السيد ؿبمد أمْب عنده!‪ .‬ولو كاف ىذا اؼبريض‬
‫على درجة جيدة من التفكّب والتمييز الستطاع وقتها أف وبسم ويقرر ما بْب النجاة أو االستمرار يف طريق النهاية اؼبزرية‬
‫الٍب وصل إليها‪.‬‬
‫إنو على الرغم من كل ما حدث‪ ،‬ومن بشاعة حالتو الٍب وصل إليها ال يزاؿ قلبو معلَّقاً بزوجتو الصبيّة‪ ،‬وال يزاؿ ينتظر‬
‫منها العطف واالىتماـ‪ ،‬وىو ال يعلم بأف مرضو آت عن طريقها‪ ،‬عذابو يزداد أضعافاً بسبب توجهو إليها‪ ،‬ولو أنو عزؿ‬
‫نفسو عنها وأدرؾ أف قباتو فبكنة بشرط أف يرميها من نفسو وهبعل وجهتو إُف اهلل‪ ...‬ؼبا كانت ىذه حالتو‪ ،‬ولفتح اهلل لو‬
‫أبواب رضبتو ومغفرتو‪ ،‬وأعانو على التخلُّص من أمراضو ومتعلقاتو النفسية واعبسدية‪.‬‬
‫* * *‬
‫وتبكي األياـ على رئيس ؾبلس الوزراء‪ ...‬ويبكي الزماف عليو وعلى أناس حاؽبم مثل حالو‪ُ ،‬ولِدوا غرباء‪ ،‬وعاشوا أيامهم‬

‫يتعرفوا على اهلل‪.‬‬
‫يف ضبلؿ‪ ،‬ورحلوا عنها وىم غرباء‪ ،‬حرموا أنفسهم وَف َّ‬

‫ويعود الوزير إُف صمتو‪ ،‬وعيناه معلَّقتاف يف البلشيء‪ ،‬ويطل من شباؾ ذكرياتو يستعرض حياتو يف ىذه الدنيا‪ ،‬وتطالعو‬
‫أعمالو اؼبنحطة الٍب أحاطت بو وتوضعت كاألغبلؿ يف عنقو‪.‬‬

‫فهو إف استطاع أف يغفو قليبلً تراه يصحو مذعوراً وكأنو رأى شبحاً أو ظبع انفجاراً‪ ،‬فينتفض ؿباوالً اؽبروب والنسياف‪،‬‬
‫لكن ال سبيل‪ ...‬فاعبسد أصبح عاجزاً والنفس أضحت مكبلة بعملها وبُعدىا عن خالقها‪.‬‬
‫أياـ قد خلت‪.‬‬
‫وتداعت الذكريات‪َّ ...‬‬
‫ومرت ببالو ٌ‬
‫لقد ذىب يف يوـ ما لزيارة إنساننا السيد ؿبمد أمْب بنفسو‪ ،‬وحدث أف جلس معو وىو يعرؼ مكانتو يف آّتمع وبْب‬
‫الناس‪ ،‬ويعرؼ أنو بعد أف تقاعد تفرغ سباماً لنشر اغبق وإرشاد الناس‪ ،‬وأف رجاالً كثّبين التفوا حولو وق ّدروه وتتلمذوا على‬
‫يده‪ ،‬لكنو عندما ذىب َف تكن ىذه غايتو وليس الذي دفعو ىو التقدير أو حب ألىل اغبق والبحث عن اغبقيقة‪ ،‬إمبا‬
‫كاف يريد منفعة شخصية‪ ،‬وطلبو كاف بعيداً سباماً عن اىتماـ وتوجو السيد ؿبمد أمْب‪.‬‬
‫لقد حاوؿ استغبلؿ مكانة وشعبية السيد ؿبمد أمْب وطلب اؼبساعدة منو‪ ،‬إذ كاف ذلك عندما ترشَّح ّٓلس النواب‪،‬‬
‫ألنو يعلم بأف النجاح يتطلّب أكرب عدد فبكن من األصوات الٍب تؤيد مرشحاً ما وتؤىلو للرئاسة‪.‬‬
‫إذاً ىذا ما جاء بك إُف ىنا‪ ،‬جئت لتطلب مِب أف أذكرؾ أماـ صباعٍب‪ ،‬وألفت نظرىم أف ينتخبوؾ‪ ،‬حسناً إنو أمر‬
‫بسيط‪ ،‬ولك يا صديقي ما تريد إف شاء اهلل‪...‬‬
‫ينس ذلك اؼبرشَّح أف يعرض استعداده الكامل لتسهيل أي أمر أو خدمة وبتاجها إنساننا إذا ىو قبح باالنتخاب‪.‬‬
‫وَف َ‬
‫وجاء وقت الدرس وحضر اؼبريدوف وتواجدوا كلّهم يف صالة االجتماع‪ ،‬وازبذ اؼبرشد مكانو يف آّلس‪ ،‬ويف قلوب‬
‫يقص عليهم ما جرى معو ويعلمهم بطلب ىذا اؼبرشَّح وسبب قدومو للزيارة‪ .‬ث أردؼ قائبلً‪:‬‬
‫أصحاب آّلس‪ ،‬وراح ُّ‬
‫ونبْب صفاتو اػبلقية وسلوكيتو يف اغبياة إالَّ حبالتْب اثنتْب فقط‪:‬‬
‫ودبا أنو ال يتوجب علينا أف نفضح أمر إنساف ّْ‬
‫غرر ّٔا‪.‬‬
‫وم َّ‬
‫أوالىما‪ :‬يف حالة اػبطبة والزواج‪ ،‬ألف ذلك يتعلق دبصّب إنسانة َّ‬
‫مكرمة عند اهلل ُ‬
‫يضرمصلحة األمة ودبستقبل ىذا البلد‪.‬‬
‫وثانيهما‪ :‬يف حالة الرئاسة‪ ،‬وىي اغبالة الٍب كبن بصددىا اآلف‪ ،‬ألف ذلك ُّ‬
‫شرؼ وال يليق بو أف ينجح باالنتخاب‪ ،‬إنو رجل‬
‫ُصرح و ّْ‬
‫أبْب بأف تاريخ ىذا اؼبرشح غّب ُم ّْ‬
‫لذلك وبناءً على ما تقدَّـ أ ّْ‬
‫معروؼ بتعاطي اػبمر والكذب والتعدي على مصاٌف اآلخرين‪ ...‬و‪...‬‬
‫وكشف ؽبم عن ٍ‬
‫طرؼ من صفاتو اؼبخجلة وسّبتو اؼبزرية‪ ،‬ث ترؾ ؽبم اغبق يف اغبكم‪ ،‬واغبرية اؼبطلقة ؼبن أراد أف ينتخبو‬
‫وىو يعلم سباـ العلم أف أحداً منهم لن يقوـ بذلك‪ ،‬وكيف يفعلها من كانت قدوتو ّٔذا الكامل الطاىر العفيف!‪.‬‬
‫* * *‬

‫ذكريات أيضاً أخذت تطرؽ ـبيلة السيد ؿبمد أمْب وىو جالس بقربو يؤانسو ويبلطفو ويبؤل عليو وقتو باغبب والعطف‬
‫والرعاية متمنياً أف هبد لو مدخبلً لّبشده إُف النجاة‪ ،‬لكن زوجتو قد أخذت منو كل مأخذ وَف يعد يستطيع االنسبلخ‬
‫عنها‪.‬‬
‫وىذا ما جعل إنساننا َّ‬
‫يتذكر يوماً كاف فيو دبنزلو عندما أتت سيارة حديثة فخمة‪ ،‬يقودىا رجل عليو ىيئة الَبؼ واأل َُّّٔة‬
‫بصحبة آخر على شاكلتو‪ ،‬كانا قد طرقا باب داره‪ ،‬وعندما فتح اكبنيا أمامو بكل هتذيب وأدب وبلَّغاه دعوة سيدنبا لو‬

‫غبضور اجتماع سيُقاـ لتهنئة رئيس ؾبلس الوزراء دبناسبة قباحو وتقلده ىذا اؼبنصب الرفيع‪.‬‬
‫تساءؿ السيد ؿبمد أمْب وقتها وبكل لطف‪ ،‬من يكوف رئيس ؾبلس الوزراء الذي يدعوٓف غبضور ىذا آّلس‪.‬‬
‫ودىش عندما عرؼ اسم الرئيس!‪.‬‬
‫ُ‬
‫إنو صديقو القدٔف الذي طرؽ بابو ذات مرة طالباً مساعدة‪ ،‬وعندما تساءؿ كيف تسُب لو أف ينجح باالنتخاب؟‪.‬‬
‫النواب‪ ،‬لذلك فقد استحق‬
‫فعلِ َم منهما أنو حاز على أكرب عدد من األصوات دوناً عن أصدقائو اؼبرشحْب َّنواب ؾبلس َّ‬
‫َ‬
‫الرئاسة "رئاسة الوزراء"‪.‬‬

‫أطرؽ ّْ‬
‫مفكراً‪ ،‬ث دخل غرفتو بعد أف استأذف منهما بضع دقائق‪ ..‬وىو إذ اندىش‪َ ،‬ف يندىش ألف فبلناً من أصدقائو قد‬
‫أصبح ّٔذه اؼبكانة‪ ،‬فإف اؼبناصب والكراسي ال هتمو‪ ،‬وليس ىو من يقيم لذلك وزناً‪ .‬إمبا لنجاح إنساف ّٔذه الصفات‬
‫اؼبنحطة‪.‬‬
‫ونظر فرأى أفباً تنهار أماـ عينيو‪ ،‬وأفباً كبو اؽباوية‪ ،‬وشعوباً تاىت معاؼبها حٌب غدت بينها وبْب اؽببلؾ شعرة ال سيما‬
‫ِ‬
‫يوُف عليكم‪.‬‬
‫واغبرب العاؼبية الثانية تأكل بطغياهنا كل أخضر ويابس‪ ..‬زما ٌف‬
‫كأىلو وأىلو كما ترى‪ ..‬كما تكونوا ّ‬
‫استقل مكانو يف السيّارة الفاخرة الٍب ستنقلو بصحبة اؼببعوثْب إُف حرـ القصر اعبمهوري‪ ،‬بعد أف ارتدى أفخم َّبزة‬
‫وأروعها‪ ،‬وقد تبدَّت عبلئم العز والفخامة عليو بأجلى صورىا وأروعها‪.‬‬
‫واخَبقت السيارة بوابة القصر قاصدة القاعة الكربى الٍب أسفرت عن حديقة واسعة مَبامية األطراؼ غناء غاية يف التنظيم‬
‫صرفت عليها مبالغ كبّبة وجهود طائلة حٌب غدت تليق أف تكوف ملحقة بقصر الرئاسة‪ ،‬ولقد كانت الزىور‬
‫والعناية‪ُ ...‬‬
‫االفرقبية والورود الدمشقية ؿبيطة ّٔا تزينها متناثرة ىنا وىناؾ بألواف زاىية غريبة‪ ،‬وصفوؼ من شجر الصنوبر والسرو‬

‫تسورىا وبعض شجّبات من النخيل وأنواع أخرى متفرقة ومنمقة بشكل ىندسي صبيل‪ ،‬واؽبواء العليل يتخلل األوراؽ‬
‫واألزىار وهبعل اعبو اعببلي لطيفاً نقيّاً‪.‬‬

‫أما نوافّب وبرؾ اؼباء‪ ،‬فلقد كانت عجباً‪ ،‬فكل بركة كاف وبرس أطرافها األربعة سباثيل ذبسد األسود وىي يف وضعية‬
‫التأىب فاغرة فاىها معلنة ثوريتها والغضب واضح على عينيها‪.‬‬
‫واؼباء يعزؼ غبناً حزيناً وىو يتدفق مسَبسبلً من األعلى إُف األسفل متدرجاً حسب تنظيمو‪ ...‬وبعض الطيور اختارت ؽبا‬
‫مكاناً أميناً فوؽ الشجر لتعيش عليو وتغرد بسبلـ‪.‬‬
‫وصلت السيارة إُف موقفها‪ ،‬وبسرعة نزؿ أحد اغباجبْب منها وفتح الباب للضيف الكرٔف مردداً أحلى العبارات الٍب اعتاد‬
‫أف يلقيها على مسامع أسياده‪.‬‬
‫ىبط السيد ؿبمد أمْب منها وتوجو بصحبتهما لصعود السلم متجهْب كبو قاعة االستقباؿ الفخمة‪.‬‬
‫كاف الدرج من الرخاـ وجدراف القصر مبنية من اغبجر الثقيل‪ ،‬مدبب من اػبارج ومصقوؿ من الداخل دببلسة وخفة‬
‫ومطلي باللوف األبيض البهيج اللماع‪ ...‬وبساط أضبر طويل مزين بنقوش صغّبة‪ ،‬فُرش على طوؿ اؼبمر من السلم وحٌب‬
‫عتبة الصالة الكربى‪ ،‬ومصابيح النور تدلت من السقف معلقة بسبلسل ذىبية تضيء اؼبمر ليل هنار‪.‬‬
‫وفُتح الباب الكبّب ليكشف عن القاعة واؼبوجودين فيها‪ ،‬لقد كاف عدد اؼبهنئْب كبّباً‪ ،‬جاؤوا من ـبتلف أكباء اعبمهورية‬
‫للتعرؼ على صاحب اغبظ السعيد الذي استحق ىذا الكرسي‪ .‬وكاف لو نصيب للحصوؿ على الرئاسة‪.‬‬
‫ُّ‬
‫يدخن غليونو‬
‫وقد كاف فخامتو متّخذاً كرسياً يف صدر الغرفة واألنظار كلها معلّقة عليو‪ ،‬ويتحدَّث بطبلقة وفوقية وىو ّْ‬
‫اػبشيب الكبّب‪.‬‬
‫وما أف وقعت أنظاره على إنساننا النبيل ورآه ىبطو داخل الغرفة خطوتو األوُف بوقار وىيبة متناىيتْب‪ ،‬حٌب أسرع كبوه‬
‫ويعرؼ‬
‫وبادره السبلـ وأخذه بكل ترحاب وود‪ ،‬وأجلسو جبانبو‪ ،‬وىو ال ينفك يرحب بو ويشكره على قبوؿ الدعوة‪ّْ ،‬‬
‫اؼبوجودين بو ويعلمهم بفضلو ومسانبتو الكبّبة الٍب كانت سبباً بفوزه وقباحو‪.‬‬
‫كاف ذلك االستقباؿ اغبافل سبباً يف لفت األنظار‪ ،‬وش ّد النفوس إليو‪ ...‬حٌب راح اؼبهنئوف يتساءلوف ويتهامسوف من‬
‫يكوف صاحب ىذه الشخصية‪ ،‬وما ىي مكانتو حٌب استحوذ على اىتماـ الرئيس إُف ىذه الدرجة؟‪ .‬وىذا بيت القصيد‪،‬‬
‫ولقد وصلنا إُف سبب ىذه الزيارة األساسي‪.‬‬
‫* * *‬
‫واآلف ينظر السيد ؿبمد أمْب إُف الرئيس وىو ملقى على فراشو ذليبلً ضعيفاً واقفاً على عتبة اؼبوت‪ ،‬ويعود َّ‬
‫ليتذكر منظره‬
‫اؼبؤسف اؼبؤَف وىو يهروؿ خارج القاعة ؿباوالً اؽبروب وعدـ السماح لشبح اؼبوت أف يطرؽ مسمعو ويبدد فرحتو‪.‬‬

‫يقص على اؼبوجودين يف تلك اعبلسة حادثة جرت معو وىو يف‬
‫حدث ذلك عندما كاف رئيس ؾبلس الوزراء ىذا ُّ‬
‫"استانبوؿ" يف شبابو‪ ،‬ويشرح ؽبم عن الصدمة الٍب أؼبت بو‪ ،‬وىو هبري وراء امرأة ذات طوؿ فارع وق يد فبشوؽ تتبخَب‬
‫وتتمايل يف شوارع اؼبدينة متنقلة بْب ؿببلهتا ومتاجرىا زبتار ما يناسبها وتشَبي ما يلزمها من حاجيات وأمتعة‪ ،‬حٌب‬
‫دخلت تلك الفتاة يف أحد األزقة القديبة الضيقة فاعتقد أهنا وقعت يف اؼبصيدة وأنو وصل إُف ما يريد‪ ،‬وفرؾ كفاً بكف‬
‫وؼبعت يف عينيو نظرة اػببث واؼبكر وكأنو ذئب يتأىب لبلنقضاض على فريستو‪ ،‬وكلو رغبة يف اغبصوؿ عليها‪.‬‬
‫ودبا أف اغبجاب الكامل كاف يف ذلك الزماف قانوناً ولزاماً مفروضاً على كل امرأة مسلمة أف ترتديو تسَب بو مفاتنها‬
‫ووجهها‪ ،‬فإف ذلك كاف مطبقاً يف دولة تركيا الٍب كاف قباحها يف القدٔف على أسس الدين القؤف‪.‬‬
‫فأخذ وبمحم ويصفر ؽبا بنعومة وِرقَّة ليلفت نظرىا ويبيل قلبها‪ ...‬ولكن يا ػبيبتو فلقد طار صوابو وولت رغبتو أدراج‬
‫الرياح عندما كشفت تلك اللعينة عن سَبىا ضاحكة مستبشرة معتقدة أهنا نالت إعجابو وحازت قلبو ولبو قائلة‪:‬‬
‫ىل أعجبتك‪ ..‬أو ما زلت تبلحقِب وتضايقِب‪ ،‬ويبله ما ىذا‪( ..‬زقبية)‪ ،‬لقد كانت ذات فم كبّب وشفاه عريضة ضبراء‪،‬‬
‫أما أسناهنا فمع شدة سواد فاتنتو بدت بيضاء ناصعة ودلَّت لساهنا األضبر‪.‬‬
‫اسودت‪ ،‬وبصق على األرض العناً نفسو وقاؿ‪:‬‬
‫لقد دارت الدنيا بو و َّ‬
‫تفو ِ‬
‫عليك‪ ،‬زقبية سوداء ضيَّعت ساعتْب ونصف من وقٍب وأنت زقبية!‪ .‬وتأسف على وقتو الذي ىدره راكضاً الىثاً‬
‫وراءىا متخيبلً أنو ذكي وماىر‪.‬‬
‫يفرؽ‪.‬‬
‫يفرؽ بْب األبيض واألسود إالَّ بالتقوى‪ .‬ولكن ىذا األعمى ّْ‬
‫ح ّقاً إنو أعمى القلب‪ ،‬فاإلسبلـ َف ّْ‬
‫ىذه القصة الشنيعة أضحكت اؼبوجودين وأمتعْتهم وتعالت أصواهتم مقهقهْب غّب مدركْب قذارة ما حدث‪...‬‬
‫واحد فقط فبن كانوا أدرؾ أبعاد ىذا األمر‪ ،‬وَف يطاوعو قلبو الرحيم أف يظل صامتاً‪ ،‬بل استغلها فرصة‪ ،‬وأوقف ىذه‬
‫اؼبهزلة حينما رفع يده واستأذف للكبلـ وطفق يتحدث بكلمات جديّة وتعابّب قوية موضحاً بشاعة الدنيا أال وىو السيد‬

‫ؿبمد أمْب قائبلً‪:‬‬

‫وىكذا الدنيا‪ ...‬يا صديقي كبيا فيها وقبري وراء مادياهتا وزخرفها ومتعها الىثْب‪ ،‬يسابق كل واحد منا اآلخر طمعاً بنيل‬
‫أكرب قدر فبكن من اؼباؿ واؼبتعة‪ ،‬ونبيع يف سبيلها مبادءنا وإنسانيتنا ونتخلى عن عهودنا وشرفنا‪ ،‬مقابل لعبة أعجبتنا‬
‫فسلبت قلوبنا وأذىلت عقولنا‪ ...‬حٌب يأتينا اؼبوت يتخطفنا فنصحو على واقع مرير مؤَف‪ ،‬وإذا باؼباؿ قد ذىب والشهوة‬
‫يبق سوى عمل مظلم يبلحقنا ويبلزمنا مثل ظلنا‪ ..‬الناس نياـ إذا ماتوا انتبهوا‪.‬‬
‫انقطعت عنا‪ ،‬وَف َ‬
‫فتساءؿ رئيس ؾبلس الوزراء برعب‪:‬‬

‫ماذا!؟‪ .‬ماذا تقوؿ!؟‪ .‬اؼبوت؟!!‪.‬‬
‫اصمت‪ ...‬اصمت يا عزيزي‪ ،‬ال تذكر ىذا اللفظ أمامي ويف ؾبلسي‪...‬‬
‫علي عندما أظبع بسّبتو اؼبقيتة‪.‬‬
‫ال‪ ..‬ال أريد السماع‪ ...‬وال أسبُب أف تعود لذكره‪ ...‬يكاد يغمى ّ‬
‫ووضع يده على فم السيد ؿبمد أمْب النزيو ؿباوالً ثنيو عن التحذير من اؼبوت أو اغبساب فأبعد يده عن فمو واستمر‬
‫بالكبلـ‪ .‬وعندما فشل َف هبد بداً من الفرار ومغادرة القاعة دبن فيها غّب عابء ّٔيبة الوزارة وال بكرسيها‪ ...‬ومضى‬
‫متماً وعظو وبيانو‪.‬‬
‫السيد ؿبمد أمْب ّ‬
‫جرة ضخمة "خابية" ذات عنق قصّبة‪ ،‬وبطن‬
‫ونظراً لكرب سن رئيس ؾبلس الوزراء وشكل جسمو الذي َّازبذ منظر َّ‬
‫منتفخة مدورة‪..‬‬
‫فاراً من ذكر اؼبوت وسّبتو الٍب ترعبو‪ ،‬فبا جعل كافة‬
‫لذلك كاف منظره وىو يركض مضحكاً للغاية‪ ،‬وىو يتدحرج ّ‬
‫اغبضور يضحكوف على مظهره‪.‬‬
‫ولكن ىل كاف يعتقد السيد رئيس ؾبلس الوزراء ىذا أنو سيخلد فيها‪ ،‬أو أنو سينجو من ىذا اليوـ‪ ،‬أـ أنو يتصور أف‬
‫ىذا اليوـ بعيد بعد األرض عن النجم؟!‪.‬‬
‫{أَ ْ‪َّ َٕ٠‬ب رَ ُى‪ُٛٔٛ‬ا ‪ْ ُ٠‬ذ ِسو ُّى ُُ ْاٌ َّ‪ُ ْٛ‬‬
‫د َ‪ُ ٌَْٛٚ‬وٕزُ ُْ فِ‪ ٟ‬ثُشُ‪ٚ‬ج ُِ َش‪َ١‬ذَح‪.)8(}..‬‬
‫وما كاف من السيد ؿبمد أمْب بعد الذي حدث إالَّ أف تابع حديثو مع اؼبوجودين بعد عاصفة الضحك واالستصغار‬
‫للسيد الرئيس‪ ،‬ولقد أصغوا إُف السيد ؿبمد أمْب باىتماـ بالغ وتأثُّر كبّب‪ ،‬بعد أف كانت نفوسهم قد توجهت إليو‬
‫بكليتها ؼبا رأوا منو من اتزاف ووقار‪ ،‬وخاصة أف الوزير الرئيس الذي وقَّره َف يستجب لطلبو ورغبتو بتغيّب منهج الكبلـ‬
‫حسبما وبب ويرتاح‪.‬‬
‫يهمو أو يعنيو وىو يعلم سباـ العلم مغبَّة السّب وراء‬
‫وكيف لو أف يصمت!‪ .‬وكيف لو أف يشيح بوجهو ويعترب ىذا األمر ال ُّ‬
‫ىذه الشهوات واؼباديات‪ ،‬و َّ‬
‫أف ىؤالء الذين يتَّبعوف الشهوات الرخيصة ماضوف يف طريق مسدودة ال سبيل للعودة منها‪،‬‬
‫والظبلـ يلفُّهم ويبؤل نفوسهم غبلً وضبلالً‪.‬‬
‫كيف ال يتكلَّم!‪.‬‬

‫) سورة النساء‪ :‬اآلية (‪.)45‬‬

‫(‪8‬‬

‫تؤمن ؽبم السبلـ‬
‫ردىم واألخذ بيدىم وإرشادىم إُف الطريق األسلم‪ ،‬الٍب ّْ‬
‫وىل سيطاوعو قلبو أف ينصرؼ دوف ؿباولة ّ‬
‫واألماف وتوفّْر ؽبم العز والنعيم يف دنياىم ومن ثَّ بعد موهتم‪.‬‬
‫ليس ىو من يفعلها‪ ،‬وليس ىو من يعرض عن فعل اػبّب‪ ،‬أو يتواْف عن إرضاء ربّو‪ ،‬والعمل ألجل مصلحة عباده‪،‬‬
‫وتقواىم الٍب ستمنع شرودىم يف صحراء قاحلة دوف زاد أو دليل‪ ،‬وىذا ما فيو ىبلكهم وضياع ؼبعاَف إنسانيتهم‪.‬‬
‫ونعود لنلقي نظرة على فخامة رئيس الوزراء لنعرؼ شيئاً عن حالتو بعد أف غادر القاعة دبن فيها‪ ...‬نراه قد شعر بالندـ‪،‬‬
‫تصرفو كاف عشوائياً فقرر أف يعود‬
‫وأنو فقد شيئاً من ىيبتو ومكانتو‪ ،‬وراجع ما حدث فرأى اػبطأ واضحاً أماـ عينيو‪ ،‬وأف ُّ‬
‫ويعتذر مربراً ما حدث لصديقو وللسادة اغبضور‪.‬‬
‫واستجمع قواه وحشدىا ورسم على وجهو الثبات والوقار ؿباوالً الدخوؿ جبرأة لفرض ىيبتو على اعبو واسَبجاع قلوب‬
‫اؼبوجودين‪ ،‬وعاد إُف مكانو وأبدى أسفو للضيف الكرٔف‪ ،‬ووضح لو أماـ اآلخرين أنو اندفع بشكل ال شعوري‪ ،‬ذلك ألف‬
‫حب اآلس" النبات الذي‬
‫ذكر اؼبوت ىبيفو ويقلق راحتو‪ ،‬وحٌب عندما يضطر للمرور من أماـ اؼبقربة بسيارتو ويشاىد " َّ‬
‫يُوضع على القبور فإف جسده يقشعر‪ ،‬وضربات قلبو تتسارع‪ ،‬ويبضي بقية هناره َّ‬
‫معكراً عصيب اؼبزاج‪ ،‬وإذا أتى الليل فإف‬
‫النوـ ال يعود تلك الليلة ليطرؽ جفنيو أبداً‪.‬‬

‫إف ىي إالَّ حيايت الدنيا سأعيشها وأعطي لنفسي اغبرية اؼبطلقة للتمتُّع ّٔا‪ ،‬وبعد اؼبوت فليكن ما يكوف‪ ،‬وال أظن أنو‬
‫سيكوف ِف من بعدىا بعث أو نشور‪ ،‬ولكن ما مصّبي إف كاف ىناؾ سؤاؿ وحساب!‪.‬‬
‫وىذه ىي النتيجة‪ ...‬رئيس الوزراء أضحى عاجزاً عن الشعور باؼبتعة‪ ،‬وىا ىو ذا ملقى على فراشو كبعوضة‪ ،‬وقد‬
‫أشاحت الدنيا بوجهها الصبوح عنو‪ ،‬فبدا وجهها اآلخر‪ ،‬وجو أسود مظلم ـبيف‪ ،‬وليس ينفعو اليوـ من عملو وملكو‬
‫وولده‪.‬‬
‫وظلَّت القدماف مشلولتْب‪ ،‬واليداف معرضتْب‪ ،‬أما الوجهة فلقد كانت كبو النسياف‪ ،‬وما لبث أف زبلى اعبسد عن‬
‫وظيفتو‪ ،‬وعادت الروح إُف بارئها بعد نزاع طاؿ أياماً‪ ،‬ووقع ما َف يكن باغبسباف‪...‬‬
‫أين أنا‪ ...‬ومن أنا‪ ...‬وكيف أتيت إُف ىنا‪.‬‬
‫فالنفس غريبة‪ ...‬واعبسد غريب‪ ...‬واؼبكاف مظلم ورىيب‪...‬‬
‫أما الصاحب واغببيب‪ ...‬فبل يوجد‪ ...‬وليس ىناؾ بنت أو ولد وال حٌب زوجة أو قريب‪ ،‬بل قيود وأغبلؿ‪ ...‬أعماؿ‬
‫وأعماؿ سبر بالباؿ وتفتك باألوصاؿ‪.‬‬
‫مفر اليوـ وال ـبرج‪ ...‬إف ىو إالَّ سجن أبدي حكم على نفسو بو ولكن مع األشغاؿ الشاقة اؼبؤبدة‪.‬‬
‫ال َّ‬

‫لقد حاوؿ السيد ؿبمد أمْب أف يظل عنده لبعض الوقت‪ ،‬فبسكاً بطرؼ آخر خيط بينو وبْب اغبياة‪ ،‬وباوؿ جاىداً‬
‫وبصدؽ أال ينقطع ىذا اػبيط وىو على ىذه اغباؿ متمنياً لو يستطيع أف يطرؽ قلبو أو يَ ِلفتَو إليو منتظراً أف تقع عيناه‬
‫لعل ىذا القلب يستطيع االنسبلخ عن ماضيو وستصبح قباة السيد الرئيس فبكنة‪ ...‬ولكن حٌب اعبفن كاف قد‬
‫بعينو‪ ،‬أو َّ‬
‫استسلم للخجل وظلت مرسومة على اعببْب وصمة العار الٍب لطَّخت اغباضر واؼباضي‪.‬‬

‫لذلك انقطع آخر خيط‪ ،‬وانطفأت آخر شعلة يف اؼبصباح وتصدع أساس ذلك الربج الذي بناه على الرماؿ‪ ،‬عندما كاف‬
‫وبلم بالوصوؿ إُف آّد واػبلود‪ ،‬وغارت أركانو يف األعماؽ وأطبقت على جدرانو ظلمة وعتمة ونّباف‪ .‬أما اآلف فليس‬
‫ينفعو رجاء أو ندـ‪ ...‬وليس يعيده ماؿ أو خدـ‪.‬‬
‫ص‪ُ ١‬ش ‪َٚ ،‬الَ ُّ‬
‫اٌظٍُ َّ ُ‬
‫بد َ‪ٚ‬الَ إٌُّ‪ُ ٛ‬س ‪َٚ ،‬الَ اٌظًُِّّ َ‪ٚ‬الَ ْاٌ َحشُ‪ُ ٚ‬س ‪َِ َٚ ،‬ب ‪ْ َ٠‬غزَ ِ‪ٞٛ‬‬
‫{ َ‪َِ ٚ‬ب ‪ْ َ٠‬غزَ ِ‪ ٞٛ‬األَ ْػ َّ‪ْ َٚ ٝ‬اٌجَ ِ‬
‫اد إِ َْ َ‬
‫األَحْ ‪َ١‬ب ُء َ‪ٚ‬الَ األَ ِْ َ‪ُ ٛ‬‬
‫هللاَ ‪ْ ُ٠‬غ ِّ ُغ َِ ْٓ ‪َ َ٠‬شب ُء َ‪َِ ٚ‬ب أَ ْٔ َ‬
‫ُ‪ٛ‬س}(‪.)8‬‬
‫ذ ثِ ُّ ْغ ِّغ َِ ْٓ فِ‪ْ ٟ‬اٌمُج ِ‬
‫ويف اغبقيقة إف اؼبوت اغبقيقي ىو موت النفس وصدودىا عن خالقها وبارئها‪ ،‬وليس اؼبوت ىو ؾبرد مفارقة الروح‬
‫للجسد‪ ،‬ألف اغبياة ىي حياة النفس والعمل ىو عملها والكسب إمبا يعود ؽبا‪ ،‬ونتائج توجهها ينعكس على صفحاهتا‪.‬‬
‫توجو إُف اػبالق‪ ،‬إُف اغبي الذي ال يبوت‪ ،‬والنور الذي ال ينقطع ظلت نفسو حيّة‪ ...‬ؿباطة باألنوار‪ ...‬خالدة يف‬
‫فمن َّ‬

‫جنَّات العزيز الرضبن‪.‬‬

‫‪‬‬

‫) سورة فاطر‪ :‬اآلية (‪.)22-86‬‬

‫(‪8‬‬

‫الشاب صاحب سوؽ اػبجا بدمشق خّبَة علماء الشاـ لوليمة غداء‪ ،‬وكاف من صبلة اؼبدعوين للحضور عاؼبنا السيد‬
‫دعا‬
‫ُّ‬
‫ؿبمد أمْب‪.‬‬
‫وفعبلً قاـ ىذا الشاب الكرٔف بواجبو على أمتّْ وجو باستقباؿ وإكراـ الضيوؼ األعزاء‪ ،‬وعندما ُو ِض َعت اؼبائدة وفرش‬
‫الطعاـ الفاخر دعاىم ليتناولوا طعامهم فأجابوه‪ :‬ال يُؤكل الزاد إالَّ بأىلو‪.‬‬
‫وبْب ؽبم أف غذاءه مقتصر على السوائل ألنو ال يستطيع تناوؿ الطعاـ مثلهم‪ ،‬فأغبوا عليو‬
‫فاعتذر عن مشاركتهم الطعاـ َّ‬
‫أف يأكل معهم ولو لقمة واحدة فاعتذر أيضاً وبأنو سيزعجهم إذا أكل معهم‪...‬‬
‫ولكنو أخّباً استحى منهم وتناوؿ لقمة واحدة حاوؿ مضغها وبلعها لكنو َف يستطع‪ ،‬بل اضبر وجهو وهتدَّج صوتو‬
‫وظهرت عليو بوادر االختناؽ ووقع على األرض يتخبط من أَف فقداف التنفس حٌب أشرؼ على اؽببلؾ‪ ،‬وبعد نصف‬
‫ٍ‬
‫ساعة ذىب عنو األَف سباماً وبقي اصفرار وجهو فقط‪.‬‬
‫وؼبا شاىدوا ذلك تأثَّروا من ىذا اؼبشهد وفقدوا شهيتهم للطعاـ‪.‬‬
‫سبر ىكذا‪ ،‬بل حدثتو نفسو قائلة‪:‬‬
‫َف يدع عاؼبنا اعبليل ىذه اغبادثة ُّ‬
‫إف ىذا الشاب طيّْب وكرٔف وحسن اػبُلُق ديّن‪ ،‬يده طوُف يف أعماؿ الرب واػبّب واهلل عادؿ ورحيم فكيف يبتليو ّٔذا الواقع‬
‫اؼبؤَف!!‪ .‬أواه ال بد من أنو قد أصاب أمراً‪ ،‬فما أصابكم من مصيبة إالَّ وقد أصبتم مثليها‪ ،‬وتعاُف اهلل علواً كبّباً عن‬

‫الظلم‪.‬‬

‫ودعوه وانصرفوا إُف بيوهتم وَف يهتم أحد‬
‫وعند انتهائهم من تناوؿ الطعاـ وبعد زواؿ آالـ الشاب وإصراره على إكرامهم َّ‬
‫سبر عليو ىذه اغبادثة دوف أف يعرؼ السبب‪،‬‬
‫منهم أو يعبأ دبا حدث مع ىذا الشاب إال السيد ؿبمد أمْب الذي أّب أف َّ‬
‫فهذا الشاب اؼبؤمن شاكر مستقيم فَلِ َم آلَ َمو الطعاـ‪ ،‬وماذا فعل حٌب يناؿ ىذا القصاص‪ ،‬كيف يعرؼ وما ىو اغبل مع‬
‫أف اآلية تقوؿ‪:‬‬
‫{ َِب ‪ْ َ٠‬ف َؼ ًُ َ‬
‫هللاُ ِث َؼ َزاثِ ُى ُْ إِ ْْ َش َىشْ رُ ُْ َ‪َ ٚ‬ءا َِ ْٕزُ ُْ‪.)8(}..‬‬
‫بتقصي ومعرفة السبب‪،‬‬
‫ب ىذا الشاب مدة طويلة من الزمن واحتك بو مراراً فوجده نزيهاً وكريباً وشريفاً فزاد شغفو ّْ‬
‫َ‬
‫ص َ‬
‫اح َ‬

‫لكن سر ىذا الشاب دفْب فلم يبُح لو بشيء‪.‬‬

‫لكنو تابع معو الصحبة والصداقة سنوات عديدة‪ ،‬وبعد ‪ /82/‬عاماً َّ‬
‫سره ألمْب‬
‫تأكد من نزاىة إنساننا الرحيم وأنو على ّْ‬
‫سرىا‪ ،‬إذ قاؿ‪ :‬سأخربؾ بسبب مصايب‪:‬‬
‫فاستسلمت لو نفسو‪ ،‬عندىا باح دبكنوناهتا وعميق ّْ‬
‫لقد كنا أسرة تتألف من عدَّة أفراد وكاف أيب يبلك كافة اغبوانيت يف سوؽ اػبجا الكبّب وكاف غنياً واسع الثراء‪ ،‬لكنو‬
‫كاف خبيبلً جداً ألبعد اغبدود حٌب إنو كاف يطعمنا اػببز فقط‪...‬‬
‫سيء اػبُلق قبيح‬
‫وحاولنا معو مراراً كي يُنفق علينا مثل ما ينفق عامة الناس‪ ،‬لكنو رفض بل زاد يف خبلو و ُّ‬
‫سبسكو‪ ،‬وكاف ّْ‬

‫وسيء معاملتو لنا‪ .‬كنا نتوجو بالدعاء كبّبنا وصغّبنا هلل‬
‫اؼبعاملة حٌب أصبحت حياتنا جحيماً ال يُطاؽ بوجوده وخبلو ّْ‬
‫كي ىبلّْصنا منو وعشنا فَبة طويلة على ىذا اغباؿ اؼبضِب اؼبَبع بالشقاء‪.‬‬
‫فقرر األطباء أف هبروا لو عملية جراحية خطّبة‪ ،‬وفعبلً قاـ الطبيب ومعو العدَّة‬
‫ويف يوـ من األياـ مرض مرضاً شديداً َّ‬
‫الكاملة إلجراء العملية لو‪ ،‬ويف فَبة حرجة وخطّبة أثناء إجراء العملية احتاج الطبيب إلحدى األدوات الطبيّة الضرورية‬

‫لكِب كنت قد أخفيتها فبحث عنها الطبيب وفتش وصاح ولكن دوف جدوى‪ ،‬وخبلؿ ىذه الفَبة كاف والدي قد مات‬
‫وغادر اغبياة‪.‬‬
‫تبْب لعاؼبنا اعبليل السبب وعلم بعد استقصاء‬
‫حبق والده‪ ،‬وىنا َّ‬
‫نعم لقد ندـ ىذا الشاب بعد ذلك على فعلتو الٍب فعلها ّْ‬
‫وحبث على مدى ‪ /82/‬سنة حقيقة األمر وبأف اهلل تعاُف َحَرَـ ىذا الشاب من ورثة أبيو عدالً وبعملو‪.‬‬
‫ولو أنو صرب على والده لفارؽ اغبياة بنفس اللحظة الٍب مات فيها حٌب لو كانت ع ّدة الطبيب كاملة‪ ،‬لو صرب القاتل‬
‫أجلو‪.‬‬
‫على القتيل ؼبات دوف قتل أي يف َ‬

‫) سورة النساء‪ :‬اآلية (‪.)814‬‬

‫(‪8‬‬

‫ظن ىذا العاَف اعبليل السيد ؿبمد أمْب طواؿ حياتو بربّْو عالياً وأنو عادؿ ورحيم خبلقو وعباده ال يسوؽ ؽبذا‬
‫وىكذا كاف ُّ‬
‫اإلنساف إالَّ ما فيو خّبه وإصبلحو يف الدنيا قبل اآلخرة بناءً على ما كسبت يبينو‪ ،‬فحكم العدالة يف الربيَّة جاري‪.‬‬
‫{‪َِ َٚ ..‬ب ظٍََ َّْٕبُ٘ ُْ َ‪ِ ٌَٚ‬ى ْٓ َوبُٔ‪ٛ‬ا أَٔفُ َغ‪ْ َ٠ ُْ ُٙ‬‬
‫ظٍِ ُّ‪.)8(} َْٛ‬‬
‫تصرفات اغبضرة اإل ۤؽبية وأنو أجرى على جسد ىذا الشاب ما أجراه كي يشفيو نفساً ويكوف عربة‬
‫كما ازداد يقيناً بنزاىة ُّ‬
‫ؼبن يلهث وراء اؼباؿ على مذبح اإلنسانية مهما كاف نوع واكبطاط اإلنساف فقيمتو اإلنسانية عند ربّو أغلى من الدنيا وما‬
‫فيها‪ ،‬فبل تكن غايتك من جهادؾ ضد أخيك اإلنساف اؼبنحرؼ الضاؿ من أجل ماؿ وال من أجل ٍ‬
‫عرض وال أرض‬

‫ورده إُف اغبق واهلل يف عوف العبد ما داـ العبد يف عوف أخيو‪.‬‬
‫السمو بو ّْ‬
‫ولكن ّْ‬
‫لرده إُف الصواب و ّْ‬
‫* * *‬
‫نعم لقد ِ‬
‫حبق والده من أجل اؼباؿ فسلك ُسبُل االستقامة‬
‫ندـ ىذا الشاب ندماً كثّباً بعد ذلك على فعلتو الٍب فعلها ّْ‬
‫وبرىم‪ ،‬فبل شك‬
‫والطاعة وأخذ يُنفق ماؿ والده بوجوه اػبّب وإسعاؼ ذوي اغباجة والعجزة وإكراـ أىل الدين وعلمائهم ّْ‬
‫أف اهلل قَبِ َل توبتو لسلوكو السامي النبيل‪ ،‬لكنو تعاُف حرمو من ماؿ والده قِصاصاً لو يف دنياه فقط‪ ،‬وحاشا هلل الرحيم‬
‫العادؿ أف هبلب ٍ‬
‫لعبد من عباده السوء‪ :‬إال دبا قدَّمت يبْب ىذا العبد‪.‬‬
‫ه ثِظَالََ ٌِ ٍْ َؼجِ‪ِ ١‬ذ}(‪.)2‬‬
‫{‪َِ َٚ ..‬ب َسثُّ َ‬

‫‪‬‬

‫) سورة النحل‪ :‬اآلية (‪.)885‬‬

‫(‪8‬‬

‫) سورة فصلت‪ :‬اآلية (‪.)13‬‬

‫(‪2‬‬

‫لقد ُدعي السيد ؿبمد أمْب من قِبَل "أحد الباشوات" من معارفو إُف وليمة‪ ،‬وكاف ىذا الباشا يقطن يف قصره يف منطقة‬
‫الزبدآف‪ ،‬ولقد كاف ذا جاه عريض إبَّاف اغبكم الَبكي تسنَّم منصباً رفيعاً يف اغبكومة الَبكية "إذ ىو تركي األصل" ولو‬

‫اطبلع واسع على أعماؿ ىذا اإلنساف الذي كانت أعمالو الشغل الشاغل يف جهاز اغبكم الَبكي فلقبوه "بأصبلف" أي‬
‫حب مرؤوسيو ورؤسائو وتقديرىم‬
‫األسد‪ ،‬إذ كاف ال ىبشى يف اغبق لومة الئم وبذلك أذىلت أعمالو كل إنساف فناؿ َّ‬
‫وخاصة قائد اعبيش الَبكي "القومنداف" الذي كاف وببّو ؿببة فائقة حٌب جعلو من أقرب اؼبقربْب إليو فبا أثار حفيظة بعض‬
‫َّ‬
‫الضباط األتراؾ عليو كونو عريب األصل ويشغل ىذه اؼبكانة وىذا االحَباـ من أعلى ٍ‬
‫سلطة يف جهاز اغبكم‪ ،‬ولكنهم َف‬
‫وظبواً ألصالتو وطيب عنصره‪.‬‬
‫ينالوا منو‪ ،‬بل زاده اهلل رفعةً ّ‬
‫حل األمور والقياـ بكل األعماؿ‬
‫كاف ؽبذا اإلنساف معارؼ كثّبة والكل يكنُّوف لو كل االحَباـ ؼبقدرتو الفائقة على ّْ‬
‫اؼبوكلة إليو على أكمل وجو‪ ،‬لقد أذىل اعبميع بأعمالو وخططو الرائعة فحاز احَبامهم أصبعْب‪.‬‬
‫انطلق ىذا الضابط على فرسو من دمشق إُف منطقة الزبدآف واستغرؽ من الصباح حٌب الظهر وعند وصولو استقبلو الباشا‬
‫"اؼبتقاعد عن العمل" والذي انزوى عن آّتمع وعن السياسة ولكنو عرؼ ما عرؼ عن ىذا الضابط من تكريس حياتو‬
‫ػبدمة اػب ْلق ونصرتو للحق يف كل آّاالت‪ ...‬لذلك ناؿ إعجابو وحبو الكبّب وحاز على تقديره‪.‬‬
‫وبعد أف استقبلو االستقباؿ اغبافل قاـ بإكرامو ُّأيبا إكراـ وربادث معو بأطيب الكبلـ‪ ،‬ث تناوؿ ىذا الضابط احملبوب‬
‫حديثو الرائع ودامت اعبلسة اؼبباركة إُف ما بعد منتصف الليل‪ ،‬وحْب آف األواف للذىاب إُف النوـ وبعدما أمر الباشا‬
‫اؼبخصص لو‪.‬‬
‫بتهيئة مكاف اإلقامة لضيفو الكرٔف بأفضل وسائل الراحة‪ ،‬دعاه إُف اؼبكاف‬
‫َّ‬

‫لكن الضيف السيد ؿبمد أمْب توقف قليبلً وقاؿ‪ :‬أريد أف أتفقَّد الفرس‪.‬‬
‫فرد الباشا‪ :‬اترؾ عنك ىذا األمر وسوؼ آمر اػبدـ باالىتماـ ّٔا‪.‬‬
‫َّ‬
‫َّ‬
‫وتقر عيِب‪.‬‬
‫لكن الضابط الضيف رفض قائبلً‪ :‬ال يسعِب إال أف أذىب بنفسي ألطلع على أوضاعها‪ ،‬ويطمئن قليب ّ‬
‫فكرر قولو‪ :‬اترؾ عنك ىذا األمر‪ ،‬وأخذ بيده يقوده لغرفة‬
‫استغرب الباشا منو ذلك اإلصرار على الذىاب الصطبل اػبيل َّ‬
‫النوـ‪.‬‬
‫عندىا التفت إليو ضابطنا وقاؿ‪ :‬إف َف تدعِب‪ ،‬فاظبح ِف بالذىاب اآلف إُف الشاـ‪.‬‬
‫من أجل خاطر فرس!‪.‬‬
‫ولقد كاف الوقت متأخراً "بعد منتصف الليل"‪ ،‬فقاؿ‪ :‬ىل ستذىب اآلف؟!‪َ .‬أو ْ‬
‫فأجابو‪ :‬نعم‪ ...‬واهلل إف َف تدعِب سوؼ أذىب اآلف إُف الشاـ‪.‬‬
‫فاستغرب ىذا اإلصرار منو على قيامو خبدمة الفرس بنفسو‪ ،‬واضطر إُف اؼبوافقة على طلبو‪ ،‬فأمر اػبدـ بإحضار اؼبشاعل‬
‫ونزؿ السيد ؿبمد أمْب إُف مكاف اػبيوؿ‪ ،‬فوجد أرض االصطبل مرصوفة باغبجارة وبعضها ذات رؤوس شبو مدببة فبا‬
‫يُعيق جلوس الفرس ونومها براحة تامة‪ ،‬فتضطر إُف الوقوؼ طوؿ الليل‪ ،‬وإذا جلست فإهنا ال تستطيع التحرؾ فاألوجاع‬

‫واآلالـ تنتظرىا‪ ،‬وبذا تبقى طواؿ الليل تكابد التعب واؼبشقة‪.‬‬

‫وحزت بنفسو األحزاف على ىذه اؼبخلوقات اؼبسكينة ومعاناهتا‪.‬‬
‫وعندما رأى ىذه اؼبشاىد تأثَّر كثّباً َّ‬
‫فوراً طلب من اػبدـ إحضار كيس تنب فجعل يفرشو فرشاً من أجل راحة فرسو ونومها‪ ،‬وىنا أمسك الباشا بيد ىذا‬
‫دع اػبدمة للخدـ‪.‬‬
‫الضابط ؿباوالً َّ‬
‫رده عن ىذا العمل قائبلً‪ِ :‬‬
‫أصر على استكماؿ خدمة الفرس‪.‬‬
‫لكنو َّ‬
‫فقاؿ الباشا‪ :‬ال حوؿ وال قوة إال باهلل‪ِ ،‬أم ْن أجل فرس ُهت ُّم نفسك وتتعبها دعها وإف فطست فأنا أعطيك خّباً منها من‬

‫أصايل ىذه اػبيل واخَب ما تشاء‪.‬‬

‫يرض‪ ،‬لقد كانت رضبتو عظيمة باغبيواف وباإلنساف‪.‬‬
‫لكن الضابط َف َ‬
‫وبعد أف ىيَّأ ؽبا ْفرشها على الوجو التاـ عاد وطلب من اػبدـ كمية من العلف مع غرباؿ لتنقيتها من اغبجارة "البحص‬

‫الصغّب" إلطعاـ الفرس‪.‬‬

‫التصرفات الغريبة غّب اؼبألوفة من األسياد‪ ،‬إذ َف يعهد من قبل أف قائداً ّٔذه اؼبنزلة يطعم تلك‬
‫انشد َه الباشا من ىذه ُّ‬
‫َ‬
‫اغبيوانات ويهتم بنومها وتشغل بالو وىبدمها بنفسو إنو ألمر غريب بنظره‪ ،‬واألكثر غرابةً أف اػبيوؿ كثّبة لدى الباشا‬
‫ومن أروع اػبيوؿ وعرض عليو أف ىبتار أصبل ما عنده بدؽبا لكنو رفض‪.‬‬
‫أحضر اػبدـ غرباالً من أجل تنقية طعاـ الفرس بناءً على طلبو‪ ،‬فوضع التنب والشعّب بالغرباؿ وقاـ بغربلتها فأخرج منها‬

‫كمية كبّبة من اغبجارة الصغّبة كانت موجودة ضمن "التنب" والٍب كانت ستؤَف فرسو كثّباً أثناء مضغها طعامها وتكاد‬
‫تكسر أضراسها‪.‬‬
‫األمريْن حْب تقع اغبجارة الصغّبة بْب أضراسها ويعصف ّٔا األَف‪.‬‬
‫وفعبلً كانت خيوؿ الباشا األصيلة تقاسي َّ‬
‫وفرشها قاؿ ضابطنا السيد ؿبمد أمْب‪ :‬اآلف أذىب إُف النوـ قرير العْب خاِف الباؿ‪.‬‬
‫وعندما ىيَّأ لفرسو طعامها وماءىا ْ‬
‫عصفت بقلبو رضبة غامرة سرت من أعماؽ نفسو وجرت على لسانو نصائح للباشا لكي يصدر تعاليمو لساسة اػبيوؿ‬
‫يهتموا دبكاف نومها وطعامها واؼباء الذي تشربو وأف تكوف العناية شاملة‪.‬‬
‫بأف ُّ‬
‫وقد َّ‬
‫أكد عليو بعدـ االستهتار ّٔذه النصائح وإالَّ فاهلل تعاُف باؼبرصاد وسوؼ يُرسل لو عبلجات‪ :‬مصائب وببلءات يف‬
‫الدنيا قبل اآلخرة ولو أجر عظيم إف أوالىا ح ّقها من العناية والرعاية وال يكلّْفو ذلك إالَّ إصدار أوامر الرضبة‪.‬‬

‫وأخربه بأف تلك اؼبخلوقات ستقف ُؿباسبة إيَّاه تريد حقَّها يوـ القيامة منو إف ظلمها رغم أف ذلك ال يكلّْفو إالَّ أف‬
‫يُصدر تعليماتو للخدـ‪.‬‬

‫لكن الباشا َف يهتم وَف ِ‬
‫يباؿ ّٔذا األمر وما كاف جوابو إالَّ أف قاؿ‪:‬‬
‫معقوؿ أف اهلل وباسبِب من أجل اػبيل فهي ال قيمة ؽبا وإف ماتت ِ‬
‫مسخرة لنا وػبدمتنا‪.‬‬
‫نأت بغّبىا‪ ،‬بل ىي َّ‬
‫ودع ضابطنا السيد ؿبمد أمْب صاحبو وقلبو مَبع باغبزف عليو بسبب قسوتو وعدـ إصغائو للنصيحة‪ ،‬تلك‬
‫ويف الصباح َّ‬
‫النصائح الرحيمة الٍب تسمو باإلنساف إُف السعادة دنيا وآخرة‪.‬‬
‫* * *‬
‫حل بو من آالـ مرىقة‪ ،‬فكاف ال‬
‫بعد فَبة من الزمن مرض ىذا الباشا وؼبدة سنوات طواؿ‪ ،‬ولقد علم ىذا الضابط دبا َّ‬
‫يستطيع النوـ على أي جنب من جسمو العليل طوؿ اللياِف يصرخ ويتقلّب ذات اليمْب وذات الشماؿ ال يستطيع النوـ‬
‫وبشق النفس وكيفما ربرؾ يعصر بو األَف حٌب إنو ما كاف ليستطيع األكل إالَّ النذر‬
‫ال ليبلً وال هناراً اللهم إالَّ غفوات ّْ‬
‫القليل من الطعاـ‪ ،‬بل وبصعوبة بالغة‪ ،‬لقد أصابتو آالـ ال تُطاؽ يف فكو وأسنانو فما كاف ليستطيع مضغ شيء‪ ،‬وكل‬
‫لقمة طعاـ كاف يُدخلها بفمو ذبعلو يصيح من بعدىا من شدة األَف‪ .‬وبقي على ىذا اغباؿ حٌب وافتو اؼبنية‪.‬‬

‫عملو عاد عليو "ما عانتو تلك اغبيوانات عاد عليو"‪ ،‬وذاؽ آالمها قبل الفراؽ‪.‬‬
‫وىكذا فكل ظاَف ال ب ّد أف يعود عليو عملو مهما طاؿ بو األجل‪.‬‬
‫ولقد دفن الباشا يف منطقة الزبدآف قبل مدخل البلدة وظبّْيت اؼبنطقة باسم اعبرجانية وما زاؿ ضروبو ماثبلً أماـ قصره‬
‫"قصر اعبرجانية" عربًة ؼبن كاف لو قلب أو ألقى السمع وىو شهيد‪.‬‬
‫‪‬‬

‫قصتنا ىذه يبكن أف تكوف غريبةً على مسامعك‪...‬‬
‫قصها علينا ابن السيد ؿبمد أمْب وذلك عندما كاف ىذا االبن يف العاشرة من العمر‪ ...‬خرج يومها مع‬
‫لكنها حقيقةٌ َّ‬
‫والده غبضور ٍ‬
‫كبار اؼبسؤولْب آنذاؾ واألغنياء يف دمشق‪.‬‬
‫دعوة َّ‬
‫ضمت َ‬
‫كاف السيد ؿبمد أمْب وأخوهُ اعبنراؿ سليم بك الذي قَ ِد َـ من استنبوؿ زائراً أخاه يف دمشق قد ُدعيا غبضور ذلك‬
‫اغبفل‪...‬‬
‫ِ‬
‫مضي أكثر من ستْب‬
‫وحْب َّ‬
‫يومها‪ ،‬إذ ما يزاؿ بعد ّْ‬
‫ابن السيد ؿبمد أمْب وعاد لو استغرابو وذىولو ل َما حدث َأمامو َ‬
‫قصها ُ‬
‫ٍ‬
‫سنة على اغبادثة‪ ...‬مستغرباً ّْ‬
‫ومتذكراً ما حدث‪.‬‬
‫* * *‬
‫ِمـذِــخ‬
‫حقيقة‪ :‬منذ سنوات كثّبة بدت ظاىرة غريبة بْب أقلّْية من الناس وىي اىتمامهم بالسحرة ومتابعتهم ومشاىدةِ‬
‫ِ‬
‫ِج من فمو لّبات‬
‫أفانينهم‪ ...‬أالعيبو وزبييبلتو أمامهم فَباه أحياناً ىبر ُج طيوراً كثّبة من جيبو فتطّب يف السماء‪ ،‬أو ُىبر ُ‬
‫ٍ‬
‫ذىب أو‪ ...‬أو‪ ...‬بيض دجاج‪ ...‬اٍف‪...‬‬
‫الساحر بعا ََِف نفوس‬
‫سبت لعا ََف اغبقيقة بصلة‪ ،‬بل كلُّها خياالت وزبييبلت يستعْب‬
‫من ىذه التخييبلت واػبياالت الٍب ال ُّ‬
‫ُ‬
‫اعبن ليُخيّْل أماـ أع ِ‬
‫الشياط ِ‬
‫ْب الناس ما ىبيّْلو‪.‬‬
‫ْب من ّْ‬

‫{‪َ ُ٠..‬خ‪ ًُ َ١‬إٌَِ ْ‪ِ ْٓ ِِ ِٗ ١‬عحْ ِش ِ٘ ُْ أََٔ‪َٙ‬ب رَ ْغ َؼ‪.)8(}ٝ‬‬
‫تسوؿ اؼباؿ من الناس بعد إهنائو عروضو‪ ،‬إذ أين‬
‫ولو كاف ىناؾ شيءٌ يتعدَّى اػبياؿ للحقيقة ؼبا احتاج‬
‫الساحر أف ي َّ‬
‫ُ‬
‫كل تلك اللّب ِ‬
‫ات الذىبية الٍب أخرجها من فمو أثناء العرض حٌب أصبح بنهاية العرض حباجة للَّّبات الورقية من‬
‫ذىبت ُّ‬
‫تسوالً؟‪.‬‬
‫يتسوؽبا منهم ُّ‬
‫الناس َّ‬
‫* * *‬
‫حلقتنا‪ ...‬بينما كاف هبلس إنسانُنا السيد ؿبمد أمْب‪ ...‬وأخوه اعبنراؿ سليم وبينهما الطفل الصغّب ذو العاشرة من‬
‫العمر‪ ...‬ابن إنساننا السيد ؿبمد أمْب‪ ،‬وكاف ىناؾ عدد من كبا ِر اؼبسؤولْب و ِ‬
‫الضباط واألغنياء يف تلك الدعوة‪ ،‬وطبعاً‬
‫معروؼ على مستوى ِ‬
‫الشرؽ‬
‫ساحر كبّب‬
‫ٌ‬
‫كالعادة بذاؾ الزماف وخصوصاً يف مثل ىذه الدعوة الٍب وبضرىا األثرياءُ‪ ...‬يأيت ٌ‬
‫الكبار اآلف يذكرونو إف ذُ ّْكروا بو فقد ذاع صيتُو وانتشر بالشاـ لكثرة أفانينو وأالعيبو‬
‫األوسط ليس‬
‫َّ‬
‫سوري األصل‪َّ ...‬‬
‫لعل َ‬
‫اػبيالية(‪.)2‬‬

‫ستقدـ لنا‬
‫بعضهم‪ :‬ماذا ّْ‬
‫وبالفعل‪ ...‬ما ىي إالَّ مدةٌ زمنية قصّبة حٌب حضر ىذا‬
‫صبيع ّْ‬
‫اؼبدعوين فخاطبو ُ‬
‫الساحر‪ ...‬رآه ُ‬
‫ُ‬

‫اليوـ أيها "العاَف اؼبغناطيسي"؟‪.‬‬

‫فقاؿ‪ٍ ُّ :‬‬
‫ك ّٔا‬
‫بكل ما أويتَ من َّقوةٍ وعزـ َّ‬
‫يضعها بكفّْو ويُطْبِق على يده عليها ّْ‬
‫يتمس ُ‬
‫كل واحد منكم ىبرج لّبًة ذىبية ولْ ْ‬
‫ِ‬
‫ألفتحها بدوف أف ألْمسها‪ ،‬فإف فتحتُها أخذت اللّبة الذىبية ِف‪ ،‬فهل أنتم موافقوف؟‪.‬‬
‫ْ‬
‫وضمن قبضتو وأنا سأقرأ على يده َ‬
‫معظمهم‪ :‬موافقوف‪ ...‬فهم يريدوف أف يضيّْعوا وقتهم ويقضوه باللهو واللعب ورؤية الغرائب والعجائب الٍب ال يعرفوف‬
‫َّ‬
‫رد ُ‬
‫ّٓرد التسلية‪.‬‬
‫َّ‬
‫سرىا ّ‬

‫متمسكاً ّٔا َّ ٍ‬
‫ىنالك َّ‬
‫داخل قبضتو‪،‬‬
‫أحد كبار األغنياء يده إُف جيبو فأخرج لّبًة ذىبية ووضعها بيده وأطْبَ َق عليها ّْ‬
‫مد ُ‬
‫بقوة َ‬
‫اعبميع‪ ...‬كيف بدأت يد‬
‫الساحر منو ووقف أماـ يده وبدأ حبركاتو وسبَْتَ َماتو‪ ،‬وما ىي إالَّ غبظات‪ ...‬حٌب شاىد‬
‫اقَبب‬
‫ُ‬
‫ُ‬

‫اؼبتحدّْي تنفتح وبذاهتا‪...‬‬

‫فبدأ ُّ‬
‫يشد بيده بكل ما أُويتَ من َّقوةٍ ؿباوالً إبقاءىا مطبقة فبانعاً فتحها‪ ،‬ولكن ال فائدة فما تزاؿ يده تػُ ْفتَح بطريقة سحرية‬

‫غامضة وكأف ىنالك عدداً من األشخاص قد أمسكوىا وبدؤوا يفتحوهنا‪.‬‬

‫ِ‬
‫يقاوـ ُّ‬
‫أكثرىم‬
‫لكن َّ‬
‫ويشد ؿباوالً فبانعة فْتحها ولؤلسف فما تزاؿ تػُ ْفتَح وببطء‪ ..‬ذُىل اغبضور ل َما رأ َْوا وكاف ُ‬
‫الغِب أخذ ُ‬
‫ذىوالً ذلك الضحيَّة الذي وباوؿ فبانعاً فتح ِ‬
‫يده‪ ...‬ولكن ال فائدة‪ ...‬فقد فُتحت يده قسراً وجرباً عنو فاستسلم لؤلمر‬
‫َ‬
‫) سورة طو‪ :‬اآلية (‪.)33‬‬

‫(‪8‬‬

‫(‪ )2‬لقب ذاؾ الساحر "الحاوي أو الجاوي"‪.‬‬

‫الواقع‪ ...‬عندىا َّ‬
‫كسب اعبولَة‬
‫يده وتناوؿ لّبة الذىب (ولعابو يسيل) ليضعها جبيبو‪ ...‬إذاً لقد‬
‫مد‬
‫الساحر احملتاؿ َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫الكثّب‪ ...‬وبسحره اػببيث ولعبتو اؼباكرة‪.‬‬
‫األوُف‪...‬‬
‫الكثّب َ‬
‫وسيكسب اليوـ َ‬
‫ُ‬
‫َّفق عليها‪.‬‬
‫إهنا سرقة برخصة‪ ...‬وبأسلوب جديد "سرقة‪ ...‬علنية" مت ٌ‬
‫دور الثآف‪ ...‬إنو أغُب ٍ‬
‫رجل بالشاـ يف ذلك العصر‪ ،‬فهو يبلك عدداً من اؼبصانع يف‬
‫انتهى اؼبتحدي األوؿ‪ ...‬وجاء اآلف ُ‬

‫ُد ٍ‬
‫وؿ أجنبية‪ ...‬ع ّدة مثل تركيا‪ ...‬إيطاليا‪ ...‬فرنسا‪ ...‬سويسرا‪.‬‬

‫احة كفّْو وأطبق عليها قبضتو َّ ٍ‬
‫ِ‬
‫أخرج لّبًة ذىبية ووضعها بر ِ‬
‫عضبلتو‪َّ ،‬‬
‫بكل‬
‫بضخامة جسمو َّ‬
‫معتزاً‬
‫شد يده ّْ‬
‫وقوة َ‬
‫بقوة كبّبة ّ‬
‫ُ‬
‫يده بارزة‪ ،‬وانتفخت عضبلتُو ظاىرةً‪ ،‬اقَبب الساحر‪ ...‬من ِ‬
‫عروؽ ِ‬
‫يد ذلك ِ‬
‫الرجل وبدأ‬
‫ما أويتَ من َّقوة حٌب ظهرت ُ‬
‫ُ‬

‫سبتمات غامضة‪ ...‬وما ىي إال غبظ ٍ‬
‫كات و ٍ‬
‫حبر ٍ‬
‫اليد اؼبطْبَػ َقة تػُ ْفتح شيئاً فشيئاً‪ ...‬وكأمبا ىنالك َّقوةٌ خفية عن‬
‫ات حٌب بدأت ُ‬
‫ُ‬
‫شد صاحبِها الكبّبة‪ ...‬فقد بدأ ُّ‬
‫يشد معتصراً قواهُ عساه يُقاوـ‬
‫األنظار لكنَّها موجودةٌ تفتح ىذه اليد ُمتغلّْب ًة على َّقوِة ّْ‬
‫القوة اػبفيَّ َة الٍب ما تزاؿ ُذبِرب يده على االنفتاح‪.‬‬
‫َّ‬
‫وجهو‪ ...‬ومن اؼبؤكد أهنا ارتفعت درجةُ حرارتو من شدَّة ما َّ‬
‫شد‪ ...‬بقبضتو‪.‬‬
‫ولؤلسف فقد احتقن ُ‬
‫يده كاملةً منبسطة وبدت لّبة‪ ...‬الذىب‪ ...‬ظاىرةً‪.‬‬
‫وبدأ التعب يتسلَّل إليو‪ ...‬وال فائدة فما قبح‪ ،‬بل فشل وفُتحت ُ‬
‫ٍ‬
‫ىنالك َّ‬
‫مظلمة كسواد الليل البهيم‪ ،‬نظرات‬
‫يده فتناوؽبا ليضعها مبتسماً ابتسامةً ِم ْلؤىا اؼبكر بعيوف‬
‫مد ُّ‬
‫اللص اؼبتحدي َ‬
‫حادة‪ ...‬إهنا ثآف لّبة ذىبية يكسبها‪.‬‬
‫َّ‬
‫سر عمل ذلك الساحر‪ ...‬عاؼباً أف ال سلطاف لو إال‬
‫السيد ؿبمد أمْب كاف يػَ ْرقب الوضع سباماً مدركاً بإيبانو العميق باهلل َّ‬
‫على مستح يق ٍ‬
‫بعيد عن اهلل‪ ،‬فلو كاف اإلنسا ُف ملتجئاً ٍ‬
‫حبق هلل وعائذاً بو ؼبا كاف لو سلطاف عليو‪...‬‬
‫الثالث يده إُف ِ‬
‫ىنالك وقبل أف َّ‬
‫اللص اؼباكر كما وقع من قبلو اثناف وبالتاِف‪ ...‬سيتابع جولتَو‬
‫يبد‬
‫جيبو ليقع بيد ىذا ّْ‬