‫ال الخالق‬

‫المطران كيرلس سليم بسترس‬
‫توطئة‬
‫قانون اليمان‬
‫مقّدمة‪ :‬قانون اليمان أنشودة المجد‬
‫الفصل الول‪ :‬اليمان بالله الواحد‬
‫‪ -1‬أسماء ال في مختلف الحضارات‬
‫‪ -2‬من تعّدد اللهة إلى الله الواحد‬
‫‪ -3‬البراهين على وجود ال أو السُبل إلى ال‬
‫‪ -4‬بين اللحاد واليمان‬
‫‪ -5‬خبرة اليمان‬
‫الفصل الثاني‪ :‬ال الب في العهد الجديد‬
‫‪ -1‬الله الوحيد‬
‫‪ -2‬الله القريب من النسان‬
‫‪ -3‬إله الملكوت‬
‫‪ -4‬إله النعمة والرحمة‬
‫‪ -5‬كمال ال في كمال المحّبة‬
‫‪ -6‬ال والنسان‬
‫الفصل الثالث‪ :‬ال الخالق‬
‫توطئة‬
‫القسم الول‪ :‬الخلق في الكتاب المقّدس‬
‫أ‪ -‬في العهد القديم‬
‫‪ -1‬روايتا الخلق بين العلم والدين‬
‫‪ -2‬الخلص والخلق‬
‫‪ -3‬تفسير روايَتي الخلق‬
‫‪ -4‬ماذا نستنتج من تعاليم العده القديم في الخلق‬
‫ب‪ -‬في العهد الجديد‬
‫‪ -1‬ال الخالق‬
‫‪ -2‬الخلق بالمسيح‬
‫القسم الثاني‪ :‬مفهوم الخلق في اللهوت المسيحي‬
‫أ‪ -‬تصّورات خاطئة عن الخلق‬
‫‪ -1‬الخلق ليس بداية في الزمن‬
‫‪ -2‬الخلق ليس انبثاقًا من ال‬
‫‪ -3‬الخلق ليس صنعًا من مادة سابقة‬
‫ب‪ -‬المفهوم الصحيح للخلق‬
‫ج‪ -‬الخلق والتطّور‬
‫‪1‬‬

‫‪ -1‬نظرّية التطّور‬
‫‪ -2‬هل من تناقض بين نظرّية التطّور وعقيدة الخلق؟‬
‫الفصل الرابع‪ :‬الشّر والخطيئة الصلّية‬
‫توطئة‬
‫القسم الول‪ :‬تفسيرات خاطئة‬
‫‪ -1‬تفسير ميثولوجي في الديان التي تعتقد بتعّدد اللهة‬
‫‪ -2‬تفسير الغنوصّيين والمانوّيين‪ :‬الشّر في الماّدة‬
‫‪ -3‬تفسير الشّر بالعودة إلى العناية اللهّية‬
‫القسم الثاني‪ :‬هل يكون الشّر نتيجة الخطيئة الصلّية؟‬
‫‪ -1‬الخطيئة الصلّية في كتابات القديس أوغوسطينوس‬
‫‪ -2‬الخطيئة الصلّية في سفر التكوين‬
‫‪ -3‬الخطيئة الصلّية في العهد الجديد‬
‫‪ -4‬تساؤلت حول الخطيئة الصلّية‬
‫القسم الثالث‪ :‬هل من تفسير للشّر؟‬
‫ي‬
‫‪ -1‬الشّر الطبيع ّ‬
‫ي‬
‫‪ -2‬الشّر الدب ّ‬
‫الفصل الخامس‪ :‬يسوع المسيح ابن ال في العهد الجديد‬
‫توطئة‬
‫‪ -1‬قيامة يسوع نقطة انطلق إيمان الرسل به‬
‫‪ -2‬كيف ظهر يسوع في حياته؟‬
‫‪َ -3‬من هو يسوع؟‬
‫أ‪ -‬يسوع هو "المسيح"‬
‫ب‪ -‬يسوع هو "ابن البشر"‬
‫ج‪ -‬يسوع هو "الرب"‬
‫د‪ -‬يسوع هو "ابن ال"‬
‫هـ‪ -‬يسوع هو "البن"‬
‫و‪ -‬يسوع هو "الكلمة"‬
‫خاتمة‬
‫الفصل السادس‪ :‬يسوع المسيح الله والنسان في تعاليم المجامع المسكونية‬
‫توطئة‬
‫القسم الول‪ :‬يسوع المسيح إنسان حقيق ّ‬
‫ي‬
‫سد‬
‫‪ -1‬يسوع هو الكلمة المتج ّ‬
‫سد يفرض وجود نفس بشرّية في المسيح‬
‫‪ -2‬التج ّ‬
‫‪2‬‬

‫القسم الثاني‪ :‬يسوع المسيح إله حقيق ّ‬
‫ي‬
‫‪ -1‬الشكلنّية‬
‫‪ -2‬التبّنوّية‬
‫‪ -3‬الريوسّية‬
‫القسم الثالث‪ :‬يسوع المسيح شخص واحد في طبيعتين‬
‫أ‪ -‬البدعة النسطورّية‬
‫ب‪ -‬بدعة "الطبيعة الواحدة في المسيح"‬
‫ج‪ -‬بدعة "المشيئة الواحدة في المسيح"‬
‫الفصل السابع‪ :‬الخلص والفداء بيسوع المسيح‬
‫القسم الول‪ :‬ما هو الخلص؟‬
‫‪ -1‬حالة النسان‬
‫‪ -2‬الخلص من ال‬
‫‪ -3‬مرادفات الخلص‬
‫‪ -4‬إختبار الخلص في العهد القديم‬
‫القسم الثاني‪ :‬الخلص بيسوع المسيح‬
‫سده‬
‫صنا بتج ّ‬
‫‪ -1‬يسوع المسيح خّل َ‬
‫صنا بأعماله‬
‫‪ -2‬يسوع المسيح خّل َ‬
‫صنا بموته‬
‫‪ -3‬يسوع المسيح خّل َ‬
‫صنا بقيامته‬
‫‪ -4‬يسوع المسيح خّل َ‬
‫الفصل الثامن‪ :‬من قيامة المسيح إلى مجيئه الثاني‬
‫القسم الول‪ :‬شهود قيامة المسيح‬
‫‪ -1‬أعمال الرسل‬
‫‪ -2‬رسائل بولس‬
‫‪ -3‬الناجيل‬
‫القسم الثاني‪ :‬أبعاد قيامة المسيح‬
‫‪ -1‬قيامة المسيح اعتلن لقدرة ال‬
‫‪ -2‬قيامة المسيح تصديق لرسالته من قبل ال‬
‫‪ -3‬القيامة بتمجيد يسوع‪ :‬صعوده إلى السماء وجلوسه عن يمين ال الب‬
‫‪ -4‬قيامة المسيح عربون قيامتنا‬
‫‪ -5‬قيامة المسيح حدث الخلص وبدء الحياة البدية‬
‫القسم الثالث‪ :‬المجيء الثاني‬
‫‪3‬‬

‬كثيرون من المسيحيين يجهلون المبادئ الولّية للديانة‬ ‫التي ُولدوا فيها‪ ،‬وكثيرون يتساءلون عّما بقي من الدين المسيحي عقب اكتشافات‬ ‫المذهلة التي شاهدها القرن العشرون في مختلف ميادين العلم والتاريخ والدروس‬ ‫الكتابية‪.‬‬ ‫ن فيه النسان أن مشكلته ناتجة عن رزوحه تحت نير العبودية‬ ‫وكان يوٌم ظ ّ‬ ‫والطغيان والستعمار وان الثورات هي السبيل الوحيد للبلوغ بالبشر الى الحرية‬ ‫والخّوة والمساواة‪ .‬فتطّوَر العلم وبلغ‬ ‫ن فيه النسان أن العلم سيح ّ‬ ‫لقد كان يوٌم ظ ّ‬ ‫بالنسان ولسيَما في البلدان الراقية قمَة الرفاهية وبحبوحة العيش‪ .‬إل أ ّ‬ ‫ل في حياته الجتماعية والسياسية‬ ‫النسان الجتماعية ول في عمق كيانه‪ .‬‬ ‫ل كل مشكلته‪ .‫ي للمحّبة‬ ‫‪ -1‬المجيء الثاني هو تأكيد النتصار النهائ ّ‬ ‫‪ -2‬المجيء الثاني والدينونة‬ ‫‪ -3‬خلصة‬ ‫ــــــــــــــــــــــــــ‬ ‫توطَئة‬ ‫تشهد المسيحية في نهاية هذا القرن العشرين ظاهرتين متناقضتين‪ .‬‬ ‫فل بّد والحالة هذه من إعادة طرح موضوع اليمان والدين بشكل جذري‪ .‬إل أنه لم يتمّكن‬ ‫من مساعدة النسان على إزالة ما يشعر به في أعماق كيانه من فراغ وضياع‪.‬فقد ظ ّ‬ ‫سف وكبت الحريات وشتى المظالم‪ ،‬وبقي في أعماق كيانه حائرًا ضائعًا‬ ‫عرضة للتع ّ‬ ‫غريبًا عن ذاته‪.‬فمن جهة وعند‬ ‫فئات كثيرة من الشعب فتور في الممارسات الدينية وابتعاد عن اليمان وإلحاد‪ ،‬ومن‬ ‫ل عددًا عن الولى عودة إلى القيم الروحية‬ ‫جهة أخرى وعند فئات من الشعب ل تق ّ‬ ‫ورغبة متزايدة في التعّمق في مختلف أبعاد اليمان والدين‪.‬فقات الثورات وتبّدلت الحكومات وُأنشئت أنظمة جديدة حاولت‬ ‫ن شيئًا لم يتغّير ل في حياة‬ ‫ضمان الحريات والحقوق للفراد والجماعات‪ .‬‬ ‫هذا ما سنحاول تحقيقه في سلسلة من المقالت اللهوتية نوجز فيها العقيدة المسيحية‬ ‫في مختلف جوانبها وتعاليمها‪ .‬فالبتعاد‬ ‫عن اليمان ورفض الدين هل هما ابتعاد عن اليمان الحقيقي ورفض للدين الصحيح‪،‬‬ ‫أم إّنهما ليسا في الواقع سوى ابتعاد عن إيمان مزّيف ورفض لدين خاطئ؟‬ ‫ان التحّديات التي يجابها الدين المسيحي اليوم إن من قبل الفلسفات الملحدة التي‬ ‫ترفض وجود ال‪ ،‬وإن من قبل الديان الخرى التي يحسب كل مها ذاته الدين القويم‪،‬‬ ‫ن من قبل ما أحرزه العقل البشري في ميادين العلم والتقنية‪ ،‬تحّتم علينا العودة إلى‬ ‫وإ ْ‬ ‫السس التي ُبني علها إيماننا للتأكد من قوة ثباتها ومدى ملءمتها للنسان المعاصر‪.‬‬ ‫‪4‬‬ .

‬إ ّ‬ ‫اللهوت النهج العقلني الذي كان قد تسّرب إلى مسيحيي المبراطورية في الشرق‬ ‫‪5‬‬ .‬فالبراهين التي تستند‬ ‫إلى العقل لظهار صحة الدين المسيحي وضلل سائر الديانات لم تعد مقبولة في‬ ‫اللهوت المعاصر‪ .‬سيقتصر عملنا إذًا على عرض موضوعي لما نؤمن به نحن‬ ‫سك بهذا اليمان‪.‬‬ ‫سنعالج في هذا الجزء الول المواضيع الثلثة الولى‪ ،‬على أمل معالجة سائر‬ ‫المواضيع في أجزاء لحقة من هذه السلسلة‪.‬‬ ‫المسيحيين وعلى إيضاح السباب التي تدفعنا إلى التم ّ‬ ‫ــــــــــــــــــــــــــ‬ ‫قانون اليمان‬ ‫أما التصميم الذي سنّتبعه فهو تصميم "قانون اليمان" الذي ل يزال المسيحيون‬ ‫يتلونه منذ القرن الرابع معّبرين فيه عن مجمل العقائد التي يؤمنون بها‪ .‬‬ ‫* العتراف بالمعمودية والسرار المقدسة‪.‫هدفنا إذًا في هذه المقالت هو هدف مزدوج‪ .‬فمن جهة عرض شامل‪ ،‬وان بإيجاز‬ ‫واقتضاب‪ ،‬لجميع عقائد اليمان المسيحي‪ ،‬ومن جهة أخرى إظهار ما يتمّيز به‬ ‫اليمان المسيحي عن الديان الخرى وعن العلم واليديولوجبات المختلفة‪ ،‬ومن ثّم‬ ‫إبراز موافقة الدين المسيحي للنسان المعاصر في بعده الشخصي وبعده الجماعي‪.‬‬ ‫ــــــــــــــــــــــــــ‬ ‫مَقّدمة‬ ‫قانون اليَمان أنشودة المجد‬ ‫الِقسم الول لمحة تاريخية‪ ،‬من بدعة آريوس إلى مجمع نيقية‬ ‫‪ -1‬البدعة الريوسية‬ ‫في بداية القرن الرابع كان يعيش في اسكندرية مصر كاهن فيلسوف ومعلم مقتدر‬ ‫يدعى آريوس‪ .‬‬ ‫ول نقصد من هذه المقالت أن نبرهن عقليًا للملحدين وأتباع الديانات الخرى انهم‬ ‫على ضلل وأن الديانة المسيحية هي وحدها الديانة الحقيقية‪ .‬وكان هذا الكاهن الفيلسوف قد أفلح في إشاعة الفكر المسيحي بين‬ ‫ل أنه في الوقت نفسه أدخل إلى‬ ‫عامة الشعب في تعابير ومصطلحات فلسفية‪ .‬‬ ‫* رجاء قيامة الموتى والحياة في الدهر التي‪.‬فنعالج على‬ ‫التوالي‪:‬‬ ‫* اليمان بال الواحد الب الضابط الكل‪.‬‬ ‫* اليمان بالكنيسة الواحدة الجامعة المقدسة الرسولية‪.‬‬ ‫* اليمان بال خالق السماء والرض‪.‬‬ ‫* اليمان بالروح القدس والثالوث القدس‪.‬‬ ‫* اليمان بيسوع المسيح ابن ال الوحيد‪.

‬فاليهودية تعلن‪:‬‬ ‫"اسمع يا اسرائيل ان الرب إلهنا هو رب واحد‪ ،‬وإله واحد" )تثنية ‪ .‬لقد حاولوا أن يف ّ‬ ‫يفوق قدرة العقل البشري‪ ،‬فتقّلص الوحي اللهي عندهم إلى أفكار بشرية محض‪ .‬‬ ‫ان المسيحيين واليهود والمسلمين قد أّكدوا على الدوام وحدانية ال‪ .‬‬ ‫سسها لوقيانوس‬ ‫تخّرج آريوس في مدرسة انطاكية الشهيرة واقتبس من أساليب مؤ ّ‬ ‫ث العقلنية الريوسية‪ .‬ولما بلغ وحي الثالوث كماله في وعي الكنيسة‪ ،‬حاول‬ ‫المسيحيون تفسير التناقض الظاهر بين تأكيد وحدانية ال والعتراف بالقانيم الثلثة‪،‬‬ ‫ل اهتمام المسيحيين في بداية القرن الرابع‬ ‫الب والبن والروح القدس‪ .‬فالعقيدة الجوهرية في المسيحية هي اليمان‪ ،‬ليس بوحدانية ال وحسب‪ ،‬بل‬ ‫بوحدة ثلثة أقانيم في ال‪ .(4 :6‬والسلم‬ ‫يشهد‪" :‬ال أكبر! ل إله إل ال"‪ .‬ويعترف كذلك أن البن‬ ‫هو إله‪ .‬‬ ‫إل أنه بالقتصار على استخدام مفاهيم الفلسفة البشرية لم يكن من سبيل منطي‬ ‫يمّكن من القول "إن ال واحد‪ ،‬وفي الوقت نفسه آب وابن وروح قدس"‪ ،‬كما تقول‬ ‫المسيحية‪ .‫والغرب‪ ،‬كما أنه استخدم‪ ،‬في عرض اليمان المسيحي وتفسيره‪ ،‬المناهج الفلسفية‬ ‫اليونانية التي كانت آنذاك قد اجتاحت الوساط المسيحية وبدأت تنخر قلب الكنيسة‪.‬فبتأثير من‬ ‫آريوس ومن مدارس التعليم الديني في انطاكية والسكندرية‪ ،‬انتشرت المناقشات‬ ‫والمجادلت الفلسفية بين الساقفة والكهنة وعامة الشعب‪ ،‬وسيطرت على الجميع‬ ‫الرغبة في عرض أسرار الديانة المسيحية عرضًا عقليًا‪.‬لذلك‬ ‫ضّلوا وتاهوا في الهرطقة‪.‬ويضيف انه قد يص ّ‬ ‫‪6‬‬ .‬لقد أخذ آريوس‬ ‫الذي رأى فيه اسكندر أسقف السكندرية باع َ‬ ‫عن لوقيانوس‪ ،‬إل أنه فاق معلمه فصاحة في الجدل واتساعًا في النفوذ‪ .‬والمسيحيون يعترفون‪" :‬نؤمن بإله واحد"‪.(15 :3‬لكن بعضًا منهم‪ ،‬من أمثال آريوس‪ ،‬ذهبوا بعيدًا في هذا‬ ‫سروا تفسيرًا عقلّيا ما‬ ‫الميدان حتى طغى العقل عندهم على اليمان‪ .‬وقد كان ج ّ‬ ‫تبيين النسجام بين الوحدانية والثالوث‪.‬‬ ‫فالديانات الثلث تعّلم إذًا العقيدة نفسها في وحدانية ال‪ .‬‬ ‫ل أن وحدانية ال في اليمان المسيحي تختلف عما هي عليه في اليهودية‬ ‫إّ‬ ‫والسلم‪ .‬‬ ‫ان الغيرة والمحبة لوحي المسيح تحملن المسيحيين على أن "يكونوا دومًا مستعّدين‬ ‫جة عن الرجاء الذي فيهم"‪ ،‬حسب قول القديس بطرس‬ ‫ليجيبوا كل من يسألهم ح ّ‬ ‫الرسول )‪ 1‬بط ‪ .‬وكان آريوس يقبل المبدأ القائل ان ال واحد في ثلثة أقانيم‪ ،‬آب وابن‬ ‫وروح قدس‪ ،‬غير أن تفكيره الفلسفي العقلي قاده إلى القول انه‪ ،‬من بين القانيم الثلثة‬ ‫في ال‪ ،‬الب وحده هو حقًا وجوهريًا إله منذ الزل‪ ،‬أما البن فليس إلهًا ول الروح‬ ‫ت ُوجد فيه الب وحده‪ .‬ويزعم آريوس أنه كان وق ٌ‬ ‫هو "قبل كل الدهور"‪ ،‬ويعتقد أنه أعظم من كل خليقة مادية وغير مادية‪ ،‬لكنه يعتبره‬ ‫ح القول عن البن انه إلهي وفي صورة الب‪،‬‬ ‫خليقة محضًا‪" .‬فال فيها كلها هو واحد‪ ،‬وليس‬ ‫من إله آخر سواه‪.

‬ويتابع آريوس تفسيره‬ ‫بالتأكيد أنه عندما نقوك إن المسيح هو ابن ال‪ ،‬فاننا ل نعتي البنّوة بالمعنى الحقيقي‬ ‫الكياني‪ ،‬بل بالمعنى المجازي الدبي‪.‫ولكن ل يجوز القول انه "من جوهر الب"؛ فالبن مختلف في جوهره عن الب‪،‬‬ ‫لذلك لم يكن المسيح إلهًا حقًا‪ ،‬بل انه مخلوق ومن صنع الب‪ .‬الله المتج ّ‬ ‫اللهية الولى‪ ،‬ويؤلهنا حقًا‪ .‬قد تبدو تلك الحقيقة أروع ما يمكن تصديقه‪ .‬‬ ‫فجوهر الدين المسيحي يقوم على أن المصالحة بين ال والبشر لم تتّم على يد‬ ‫ي ملهم‪ ،‬بل على يد الكلي القدرة نفسه‪ ،‬صانع الكون‬ ‫مرسل من العلء ول على يد بن ّ‬ ‫والخالق الذي أبدع الشياء كلها‪ ،‬ما ُيرى منها وما ل ُيرى‪ .‬لم يستطع‬ ‫‪7‬‬ .‬‬ ‫اننا‪ ،‬بسبب حدود عقلنا البشري‪ ،‬نميل إلى تقريب ما هو متساٍم وإلهي إلى مستوانا‬ ‫البشري ليسهل علينا تحليله وإدركه‪ .‬فهو ليس‬ ‫إلهًا من إله‪ ،‬إنما هو فقط من أصل إلهى‪ .‬‬ ‫وينتج من ذلك‪ ،‬في رأي آريوس وأتباعه‪ ،‬ان المسيح غير مساٍو للب‪ .‬انه لسهل بكثير على عقلنا البشري أن نقول ان‬ ‫ال لم يصبح هو نفسه كائنًا بشر‪ ،،‬بل أرسل باسمه إنسانًا إلى العالم‪ .‬وهو‬ ‫صْنع الب‪ ،‬كذلك‬ ‫الذي‪ ،‬في لحظة من الزل‪ ،‬خلق الروح القدس‪ .‬إ ّ‬ ‫لوعينا ما نحن عليه من ضعف وعجز‪ ،‬نحاول أن ننزل به إلى مستوانا‪ .‬‬ ‫الروح القدس هو ُ‬ ‫لقد كانت لتلك التعاليم نتائج خطيرة فإنها تهدم كل ما أوحى ال به إلينا عن حياة‬ ‫الثالوث فيه‪ ،‬وتنكر على الجنس البشري التأّله والتحاد الحقيقي بال‪ ،‬ول تعترف‬ ‫للفداء بأي مفعول جذري في الطبيعة البشرية‪ ،‬بل تقّر فقط بتأثير له أدبي وروحي‪.‬ولكننا نحن‪،‬‬ ‫اننا نخاف من سمّو كياننا‪ .‬لذلك كان ل بّد من أن يكون المسيح "إلهًا من إله‪ ،‬نورًا‬ ‫من نور‪ ،‬إلهًا حقًا من إله حق"‪ ،‬وبالتالي "مولودًا من الب وغير مخلوق"‪.‬فقد يصعب جدًا إقناع البشر بأنهم من أصل إلهي‪ ،‬وبأن كيانهم الراهن هو‬ ‫ن مصيرهم كذلك هو إلهي‪ ،‬كما يعّلم المسيح‪ .‬‬ ‫ن قصد ال هو الرتقاء بنا إلى مستواه‪ .‬‬ ‫إن المسيحية تؤمن بأنه ليس في مقدور إنسان أن يعيد إلى البشر صورة ال إل إذا‬ ‫سد يمكنه وحده أن يعيد إلى جنسنا الساقط صورته‬ ‫كان هذا النسان إلهًا‪ .‬إن فداء البشرية وتأّلهها‬ ‫قد حققهما ال نفسه ينبوع الكائنات الوحد وغير المنقسم‪.‬انها رائعة‪ ،‬ولكنها أيضًا واقعة‪.‬كما انه لسهل‬ ‫بكثير أن نقول اننا لم نؤّله بل رفعنا إلى درجة أدبية أما‪.‬‬ ‫وهكذا تناقض الريوسية مناقضة صريحة الحقائق الجوهرية في الدين المسيحي‪.‬‬ ‫ان صراع المسيحية في هذا الميدان من اليمان ليس فلسفيًا وحسب‪ ،‬بل هو نفس ّ‬ ‫ي‬ ‫أيضًا‪ .‬فهو الوسيط بين الب والخلئق‪ ،‬وهو أيضًا الوسيط في الخلق‪ .‬لقد اؤتمن الدين المسيحي على‬ ‫إلهي‪ ،‬وبأ ّ‬ ‫الحقيقة القائلة ان ال نفسه أصبح انسانًا لنصبح نحن إلهيين ونجلس عن يمين ال‬ ‫الب‪ .‬فكما أن البن هو ُ‬ ‫صْنع البن‪ .‬إل أن كأنه من أصل إلهي يعطيه مركزًا‬ ‫رفيعًا لدى الب‪ .‬تلك بإيجاز تعاليم الريوسية‪.

‬ورَأ َ‬ ‫والبلغة اللهوتية‪ ،‬فنشأت كنيسة دعاها مسيحيو السكندرية "الكنيسة المتفلسفة"‪.‬‬ ‫نشر آريوس وأتباعه أفكارهم في كل مكان بالمناقشات الفلسفية العلنية ول سيَما‬ ‫بالترانيم الشعبية‪ ،‬بحيث انه في نهاية القرن الرابع أفاقت الكنيسة المسيحية في الشرق‬ ‫والغرب من كابوس المجادلت الفلسفية وإنشاد الترانيم الهرطوقية لتجد نفسها على‬ ‫شفير الريوسية‪.‬هذا كان موقف المسيح والنجيل من حرية المعتقد‪،‬‬ ‫"فالعابدون الحقيقيون يعبدون الب بالروح والحق" )يو ‪.‬‬ ‫وقد عّبر الكاتب اللتيني أمانيوس ببضع كلمات عن شعور الشعب المسالم حيال‬ ‫الصراع الشديد الذي أّدى بالمسيحيين إلى المعاداة والضطهاد بعضهم لبعض‪ ،‬فقال‪:‬‬ ‫"ان الوحوش المفترسة ل تظهر عداءها للبشر بقدر ما يظهر المسيحيون بعضهم‬ ‫لبعض الحقد المميت"‪.‬‬ ‫‪ -2‬مجمع نيقية‬ ‫ن تفاقم التصّلب في المواقف الدينية واشتداد حّدة الضطهادات دفعا المبراطور‬ ‫إّ‬ ‫خل بحزم وشّدة‪ ،‬فدعا إلى مجمع مسكوني يعقد في نيقية في آسية‬ ‫قسطنطين إلى التد ّ‬ ‫‪8‬‬ .(24 :4‬‬ ‫في حين كانت الريوسية تمّزق الشرق‪ ،‬كان النشقاق الدوناتي شمالي أفريقية‬ ‫صب العمى وأنماه الصراع‬ ‫كالجرح المفتوح فيجسم الكنيسة الغربية‪ ،‬وقد غّذاه التع ّ‬ ‫الطبقي والحقد العرقي‪ .‬لقد قال ترتوليانوس‪" :‬ل يجوز أن ننكر‬ ‫على النسان ما أنعمت به عليه الطبيعة‪ ،‬أعني الحق في عبادة ال عبادة حّرة"؛‬ ‫والقول السائد كان‪" :‬يجب الدفاع عن الدين ل يقتل الخرين بل بالموت لجلهم"‪،‬‬ ‫ي الفم‪ ،‬في‬ ‫وكذلك‪" :‬ليس من أمر كالدين هو قضية الرادة الحّرة"؟ وأما يوحنا الذهب ّ‬ ‫ي للمبراطورية‪ ،‬فقد كان يرّدد باستمرار ‪" :‬لم يلجأ المسيح إلى القتل بل‬ ‫العصر الذهب ّ‬ ‫مات في سبيل الحقيقة"‪ .‬وهكذا كانت المسيحية في القرن الرابع تنزف في‬ ‫صب‬ ‫المبراطورية الرومانية من جرحين بليغين‪ :‬العقلنية الريوسية في الشرق والتع ّ‬ ‫الدوناتي في الغرب‪.‫آريوس أن يؤمن بقصد ال السامي تأليه الكائنات البشرية‪ ،‬فاختلق إلهًا على صورة‬ ‫البشر ‪.‬‬ ‫على خلف ذلك كانت الكنيسة في القرنين الثاني والثالث تؤكد على الدوام ضرورة‬ ‫عدم وضع أن حّد لحرية المعتقد والتسامح‪ .‬‬ ‫فالكاثوليك والهراطقة والمنشّقون وتلميذ اثناسيوس وأتباع آريوس وأتباع دوناتيوس‪،‬‬ ‫جميع هؤلء دخلوا في صراع محموم اختلطت فيه الراء وتباينت المذاهب‪.‬‬ ‫وكلما كان آريوس وأتباعه يمضون في محاولتهم تفسير الثالوث القدس تفسيراً‬ ‫فلسفيًا‪ ،‬كانت الراء تتشّعب وتزداد الفوضى بين المسيحيين‪ ،‬وتّتسع شّقة الخلف في‬ ‫س تلك المجادلت بعض الساقفة مّمن ُأوتوا الفصاحة الفلسفية‬ ‫جسم الكنيسة‪ .

‫الصغرى‪ ،‬بغية تحديد عقائد اليمان تحديدًا جلّيا ووضع حّد لهذا التصّلب‪ .‬وتوافد‬
‫الساقفة من الشرق والغرب‪ ،‬من الشمال والجنوب‪ ،‬من جميع أطراف المبراطورية‬
‫الرومانية الشاسعة‪ ،‬ومن خارجها‪ ،‬من بلد فارس‪ ،‬والتأموا‪ ،‬بما ُأوتوه من عم‬
‫وقداسة‪ ،‬في نيقية "مدينة النصر"‪.‬‬
‫من ‪ 20‬أيار حتى ‪ 19‬حزيران من سنة ‪ 325‬تناقش الساقفة عقائد الدين‬
‫ل أن‬
‫المسيحي‪ .‬وقد زاد حّدة النقاش ما كانوا عليه من اختلف في التعابير الفلسفية‪ .‬إ ّ‬
‫سروا طبيعة‬
‫ما صدر عن مداولتهم تجّنب كل المفاهيم الفلسفية العقلية‪ .‬وبدل أن يف ّ‬
‫ال‪ ،‬أنشدوا أنشودة مجد تعظيمًا له‪.‬‬
‫أما اللفظة الفلسفية الوحيدة التي نسبوها إلى المسيح فهي لفظة ‪ ،‬التي تعني "من‬
‫ذات جوهر" الب‪ .‬إل أن كلمة لم تكن تعني الجوهر في ذلك الوقت‪ .‬فالفلطونية‬
‫الحديثة والغنوصية استعملتاها في القرن الثالث للدللة على الكائن أو الكائن العاقل أو‬
‫الشخص‪ .‬وكانت تستعمل أيضًا للشياء المادية‪ .‬فقطعتان من المادة نفسها كانت تطلق‬
‫عليهما لفظة ‪ ،‬يعني أنهما من كيان واحد‪.‬‬
‫إل أنه في المجمع تغّير فجأة معنى الكلمة‪ ،‬وُأعلم الباء أن تعني "الجوهر" وليس‬
‫"الكيان"‪ .‬فإطلقها على المسيح يعني أن المسيح هو من جوهر الب ذاته‪ .‬وقد أحدث‬
‫تغيير معنى هذه اللفظة بلبلة في الكنيسة كلها‪ .‬فالساقفة والفلسفة الذين لم يحضروا‬
‫المجمع اغتاظوا لسماعهم أن المجمع قد نسب تلك اللفظة إلى المسيح‪ ،‬وراحوا‬
‫يتساءلون‪ :‬من أعطى لفظة معنى "الجوهر" عوضًا عن "كيان"؟ ومن الذي أقّر أن‬
‫تعني "الوحدة في الجوهر"‪ ،‬وليس‪ ،‬كما يقول الهراطقة‪" ،‬الوحدة في الكيان"‪ ،‬أي في‬
‫القنوم؟ فلفظة تعني "كائن"‪ .‬فالشخص هو كائن‪ ،‬كما ان الجوهر كائن‪ .‬وخافوا من‬
‫أن ينتقل البعض بسهولة من "وحدة المسيح مع الب في الجوهر" إلى "وحدته معه‬
‫في الكيان" أي في القنوم‪ ،‬وعندئٍذ يصبح البن أقنومًا واحدًا مع الب كما كان يقول‬
‫الهرطوقي سابيليوس‪.‬‬
‫لقد كان الغرب مهد الهرطقة التي تقول ان في ال أقنومًا واحدًا‪ ،‬فوقعت الشبهة‬
‫على الكنيسة الغربية واتهمت بأنها هي التي نسبت الى المسيح لفظة ‪ ،‬وذلك لدخال‬
‫بدعة سابيليوس في الكنيسة الشرقية‪ .‬ورغم ضآلة عدد ممّثلي الكنيسة الغربية في‬
‫مجمع نيقية وربما بسبب ضآلة عددهم‪ ،‬اّتهموا بأنهم كانوا من أتباع سابيليوس‪ ،‬لسّيما‬
‫ان المبراطور قسطنطين الذي دعا إلى المجمع ورأسه كان هو نفسه غربّيا وكان‬
‫يناصرهم‪ .‬فلهذا السبب ولسباب أخرى‪ ،‬راح أساقفة الشرق‪ ،‬بعد عودتهم من نيقية‬
‫إلى كنائسهم‪ ،‬يرفعون إمضاواتهم عن قانون اليمان‪ .‬وما زاد البلبال قرار أصدره‬
‫المبراطور يفرض فيه لفظة بالقوة‪.‬‬
‫لقد كان مجمع نيقية رومانيًا غربّيا في تنظيمه فقط‪ ،‬أما في روحه فكان له نفحة‬
‫كتابية شرقية ويهودية‪ ،‬ولقد عّبر عن عقائد اليمان بألفاظ يونانية‪ .‬إل أن آباء المجمع‬
‫‪9‬‬

‫لم يقبلوا أن يفرض أي من المفاهيم الفلسفية‪ .‬وبهذا تمّيزت عبقريتهم‪ ،‬بأنهم حموا فوق‬
‫الفلسفة البشرية وابتعدوا عن جميع المناهج الفلسفية الخاصة‪ ،‬فأعطوا لفظة معن ً‬
‫ى‬
‫مسيحّيا‪ ،‬بحيث اتخذت كلمة المعنى الجديد التالي‪" :‬بما أن البن هو من جوهر الب‪،‬‬
‫فالبن إله كما أن الب إله‪ .‬وبالتالي يجب القول إن المسيح هو أي من الجوهر الواحد‬
‫مع الب"‪.‬‬
‫الِقسم الَثاني قانون اليمان أنشودة تأليه النسان‬
‫في قانون اليمان أعلن الباء بوضوح كّلي فكرتين أساسيتين متماسكتين‪ :‬الفكرة‬
‫الولى هي أن ال واحد‪ ،‬آب وابن وروح قدس‪ ،‬خلق الكون كله‪ ،‬ما يرى منه وما ل‬
‫سد اّتحد هو نفسه بخليقته‪ ،‬وبصعوده إلى السماء أصعد معه الخليقة‬
‫يرى‪ ،‬وبالتج ّ‬
‫وأجلسها على عرش اللوهة‪ .‬والفكرة الثانية هي أن الجنس البشري قد اشترك اشتركًا‬
‫حقيقيًا في حياة ال ومحبته ومجده الزلي‪ .‬قال أحد الشعراء‪" :‬ل يقبل وحي إل إذا‬
‫ط الوحي‬
‫كان مخطوطًا بأحرف من نور على كبد الشمس"‪ .‬وقانون إيمان نيقية خ ّ‬
‫المسيحي أنشودة على كبد شمس اللوهة‪.‬‬
‫‪ -1‬التعابير اللهوتية وخبرة ال‬
‫لم يكن قانون إيمان نيقية مجموعة من الصيغ الفكرية الجامدة‪ ،‬بل كان أنشودة مجد‪.‬‬
‫فالمجمع لم َيُرم باللفاظ والتعابير التي استخدمها احتواء ال وتفسير سّره اللمتناهي‪،‬‬
‫بل كان مرامه توجيه التفكير اللهوتي اللحق‪ .‬فالتعابير العقلية تعجز عن الحاطة‬
‫ل ما يمكن التعابير‬
‫بال الحق الذي ل حّد له ول نهاية‪ .‬ول شيء يسعه الحاطة به‪ .‬ج ّ‬
‫البشرية القيام به هو تقريبنا إلى َمن لن نتمكن أبدًا من التعبير عنه‪ ،‬ومساعدتنا على‬
‫التحاور بعضنا مع بعض‪ .‬أما أن نعتبرها تحديدات مطلقة فهذا يؤدي بنا إلى التصّلب‬
‫ويقتل كل حوار وكل انسجام في علقاتنا‪ .‬وقد حدث هذا مرارًا في تاريخ الكنيسة كما‬
‫حدث في تاريخ سائر الديانات‪.‬‬
‫الستخدام المفرط للفلسفة في الدين ورفض كل تعبير فلسفي كلهما يقود إلى‬
‫صب والضطهاد‪ .‬فالتعابير البشرية عن‬
‫التصّلب في الرأي‪ ،‬وعن التصّلب ينجم التع ّ‬
‫حقائق ال ليست مطلقة بحيث تقّدم لها العبادة‪ .‬إنما هي اشارات استدلل هدفها جعل‬
‫سُبل الحوار والتناغم‪ .‬والدين‬
‫الحوار ممكنًا‪ ،‬فل يجوز أن تكون السبب في قطع ُ‬
‫المسيحي هو في جوهره دين الحوار والتناغم‪.‬‬
‫نحن المسيحيين ل نؤمن بصيغ وتعابير‪ .‬إيماننا ارتباط بحدث‪ .‬وهذا الحدث هو‬
‫ي نختبر صداقته ونلتزم محبته‪ .‬المرحلة الولى في مسيرة إيماننا هي‬
‫شخص ح ّ‬
‫ب من بحر حياته‪ ،‬لشخص هو القانيم اللهية الثلثة‪.‬‬
‫مرحلة اختبار لشخص نع ّ‬
‫وخبرتنا هذه هي التي نعّبر عنها في كلمات بشرية‪ .‬فالصيغ نحن نخلقها‪ ،‬والتعابير‬
‫نحن نصنعها‪ .‬لذلك فالصيغ والتعابير ل تفي من خبرتنا إل بالنزر اليسير‪ .‬خبرة‬
‫إيماننا هي خبرة حياة في حركة دائمة‪ ،‬هي ريح تعصف بنهجنا دون توّقف‪ .‬فان‬
‫اقتصر إيماننا على الصيغ والتعابير‪ ،‬سكنت الريح وأمست خبرتنا في ركود‪ .‬خبرتنا‬
‫‪10‬‬

‫هي التي تعطي التعابير معناها‪ ،‬ونقيض ذلك انحراف وضلل‪ .‬والذي نختبره هو‬
‫ي الذي يخلق‪ ،‬وشخص البن الحياة التي تخّلص وتفتدي‪،‬‬
‫شخص الب الينبوع الح ّ‬
‫وشخص الروح القدس الشعلة التي تحيي‪.‬‬
‫قانون إيمان نيقية ليس مجموعة من عقائد‪ .‬انه بالحري إعلن لحقيقة ال واعتراف‬
‫بما صنع لنا‪ .‬انه إعلن لملقاتنا القانيم اللهية التي تؤّله شخصنا البشري‪ .‬وهذه‬
‫الملقاة ل نعّبر عنها بألفاظ عقلية بل نعلنها كحدث‪ :‬ال يسعى إلينا ونحن نجد أنفسنا‬
‫قد تأّلهنا بمجد يفوق كل توّقع بشري‪.‬‬
‫ان حقيقة ال‪ ،‬كما يعّبر عنها قانون اليمان‪ ،‬ليست صفة مبهمة "كالصلح" أو‬
‫"الفضيلة"‪ ،‬ول فكرة مجّردة اختلقها العقل البشري "كالطبيعة" أو "المحّرك الول"‪.‬‬
‫وال ليس "العجوز العزب" ول "الفرد المنعزل" الذي "يسكن في أعالي السماء‪،‬‬
‫ف الملحد نيتشه إله المسيحيين‪.‬‬
‫ن ما"‪ ،‬على ما يظن به الفيلسو ُ‬
‫هناك‪ ،‬بعيدًا‪ ،‬في مكا ٍ‬
‫ال‪ ،‬في عرفنا‪ ،‬إله شخصي‪ ،‬آب وابن وروح قدس‪ .‬الشخص وحده يستطيع أن يتكلم‬
‫ويوحي بنفسه‪ .‬الشخص هو في جوهره علقة مع شخص آخر‪.‬‬
‫‪ -2‬ال محبة في ثلثة أقانيم‬
‫تعلن المسيحية أن ال محبة‪ .‬وتلك المحبة ليست فكرة محضًا‪ .‬انها حقيقة قائمة في‬
‫ي‪ .‬ولنها تقوم في شخص‪ ،‬ندعو هذا الشخص "القنوم" أي الذي تقوم فيه‬
‫شخص ح ّ‬
‫المحبة‪ .‬والقانيم في ال ثلثة‪ .‬أي ان المحبة تقوم في ال على ثلثة أوجه‪ :‬الحب‬
‫الذي يعطي وهو أقنوم الب‪ ،‬والحب الذي يتلقى عطاء الب وهو أقنوم البن‪ ،‬والحب‬
‫الذي يصل الب بالبن والبن بالب وهو أقنوم الروح القدس‪ .‬فالقنوم الول ندعوه‬
‫"الب" لنه في ذاته فيض من الحب‪ .‬والقنوم الثاني ندعوه "البن" لنه يقوم في‬
‫ذاته على محبة الب له‪ ،‬لذلك نقول ان البن "مولود من الب قبل كل الدهور"‪ ،‬أي‬
‫ن يفيض‬
‫ان ال منذ الزل هو محبة وعطاء‪ .‬ول وجود للمحبة إن "لم يكن أقنوم ثا ٍ‬
‫عليه الب محبته‪ ،‬وتلك المحبة التي تنبثق من الب لتفيض على البن هي القنوم‬
‫الثالث‪ ،‬الروح القدس "المنبثق من الب"‪.‬‬
‫فال في المسيحية ليس إلهًا جامدًا‪ .‬انه في ذاته علقة حب أزلية وحركة عطاء‬
‫دائمة بين الب والبن والروح القدس‪ .‬إله واحد‪ ،‬طبيعة إلهية واحدة‪ ،‬أي محبة واحدة‬
‫في ثلثة أقانيم‪ .‬هذا هو سّر السرار‪ ،‬سّر حياة ال الباطنة التي ل تستطيع خليقة من‬
‫سرها‪ .‬لهذا السبب ل نتلو قانون اليمان في ليتورجيا‬
‫الملئكة والبشر أن تدركها أو تف ّ‬
‫الموعوظين حيث يمكن اللجوء إلى تفسيرات عقلية‪ ،‬بل في قلب الصلة الفخارستية‪،‬‬
‫طي كل تفسير عقلي والدخول في علقة‬
‫في ليتورجيا المؤمنين التي تفرض تخ ّ‬
‫صميمة مع ال‪ .‬ول نتلوه إل بعد أن تغلق جميع البواب في وجه الذين لم يستنيروا‬
‫بعد بنور اليمان ولم يدخلوا في سّر ال‪.‬‬
‫‪ -3‬اليمان علقة شخصية مع ال‬
‫‪11‬‬

‬‬ ‫الروح الذي فيه يتحقق لي الوجود "لعبد وُأم ّ‬ ‫ان خبرتنا الشخصية ل هي خبرة علقة "النا" و"النت" بين الوجود اللهي‬ ‫والوجود البشري‪ .‬نقبل وحي الحياة وننفتح بكل جوارح ذاتنا على الحياة‪ ،‬فنمتلئ‬ ‫من ملء الحياة‪ ،‬ونقبل وحي المحبة فنصبح دفقًا من محبة‪ ،‬ونقبل وحي النور فنضحي‬ ‫أشعة من نور‪ .‬هناك عبارة كتابية يرّددها الشرق المسيحي‬ ‫في صلته‪" :‬بنورك نعاين النور"‪ .‬‬ ‫"ُأومن بإله واحد آب ضابط الكل‪ .‬فال يوحي بذاته ملء الحياة والنور والمحبة‪ ،‬ونحن نقبل وحي‬ ‫الحياة والنور والمحبة‪ .‬وتعني تلك الصلة الشعبية اننا بنور الب ‪-‬ونور‬ ‫الب هو الروح القدس‪ -‬نستطيع أن نرى المسيح النور الحقيقي‪.‬‬ ‫النسان المؤمن وال الذي به يؤمن توحيدًا مباشرًا كام ً‬ ‫ليس اليمان علقة عقلية وحسب‪ ."..‬وهكذا نتخطى نحن البشر كل حدودنا البشرية وندخل في لنهاية ال‬ ‫ونشترك في ُألوهته‪.‬وال قد كشف عن ذاته انه آب يرسل البن‬ ‫للخلص وبواسطة البن يمنح الروح للحياة‪ ..‫هذا السّر ل يدركه إل اليمان‪" ..‬أقول هذا وأغرق في بحر النور‪ ،‬في‬ ‫جد الب والبن"‪.‬أقول هذا وأغرق في بحر الحب‪ ،‬في البن‬ ‫"الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلصنا نزل من السماء‪ .(19 :2‬إنما اليمان ارتباط حياتي يطال الشخص البشري بكامله بما يفوق‬ ‫إدراك البشر‪ ..‬اليمان هو جواب النسان عل ِ‬ ‫والبن والروح القدس عن ذاته شخصًا حيًا وحضورًا محييًا‪ ..‬وصار إنسانًا"‪.‬اننا نعبد‬ ‫نح ِ‬ ‫جد شخصًا هو الحدث‪ .‬‬ ‫باليمان ل يعتنق المسيحي عقيدة مجّردة‪ ،‬بل يّتحد بأشخاص أحياء‪ ،‬بحضور‬ ‫ى دعوة شخصية يكشف له فيها كل من الب‬ ‫حقيقي‪ .‬فاليمان‪ ،‬في عرفنا نحن المسيحيين‪،‬‬ ‫ل فكريًا‪ ،‬إنما هو دخولنا في حياة القانيم اللهية لتتحقق فيها كل ممكنات‬ ‫ليس تحلي ً‬ ‫كياننا‪...‬عندما يتلو المؤمن قانون اليمان ل يكتفي‬ ‫بترداد كلمات‪ ،‬بل يغرق في بحر الحياة‪ ،‬في الب الذي منه يولد البن وينبثق الروح‪.‬لذلك يرى الباء القديسون أن اليمان ل يكون إيمانًا حقيقيًا إل اذا شمل‬ ‫الشخص كله وحّوله إلى صورة المسيح‪ .‬‬ ‫ن المسيحيين نلجأ إلى أفكار ونصيغ تعابير‪ ،‬لكننا نحتفل بشخص‪ .‬فالشياطين أيضًا قد يكون لهم مثل هذا اليمان‬ ‫)يعقوب ‪ .‬فاليمان قوة‪ .‬انه قوة خاصة تو ّ‬ ‫ل يفوق الطبيعة البشرية"‪.".‬والحدث يعني‪ ،‬في التعبير المسيحي‪ ،‬الحقيقة القصوى التي‬ ‫ونم ّ‬ ‫‪12‬‬ ..‬وجواب المؤمن على‬ ‫تلك الدعوة يقوم بأن يرتمي في أحضان كل من الب والبن والروح القدس ليغرف‬ ‫من بحر حضور ال كما كشف عن ذاته‪ .‬‬ ‫"ُأومن بالروح القدس الرب المحيي‪ .‬إذ ما من سبيل‪ ،‬بحسب قول القديس مكسيموس‪،‬‬ ‫حد‬ ‫إلى عقد علقة بين النسان وال إل باليمان‪ .".‬‬ ‫"ُأومن برب واحد يسوع المسيح‪ .

‬لذلك‬ ‫نحن بحاجة إلى سماع قانون اليمان كل يوم وعّدة مرات في اليوم‪ ،‬صباحًا وظهرًا‬ ‫وفي صلة النوم وفي صلة الليل‪ .‬‬ ‫‪ -4‬قانون اليمان سمفونية بحركتين‬ ‫إن أردنا تحليل قانون اليمان وجدنا انه سمفونية بحركتين‪ .‬ل بّد من ترنيمه مرارًا لنعلن ارتباطنا بال وتعّلق عقلنا ونفسنا تعّلقا‬ ‫مطلقًا بمن هو عمق حياتنا‪ ،‬قيل بكياننا إلى مماثلة كيانه‪ .‬أل ترتدي ثوبك كل يوم؟ انك عندما تتلو قانون اليمان يرتدي قلبك رداء‬ ‫ال"‪..‬ان جوهر الحقيقة هو حدث‪.‬عندما تبحث المسيحية‬ ‫عن تعابير فلسفية‪ ،‬ل تعّلق إيمانها ول ترتاب في يقين ما تؤّكده‪ .‬أما الحركة الثانية فهي حركة ارتقاء‪" ،‬ذبيحة تسبيح"‪،‬‬ ‫عودة النسان والكون إلى ال‪ .‬‬ ‫ولن تتوقف المسيحية عن السعي ليجاد طرق عقلية ونفسية وعلمّية تعّبر بها عن‬ ‫خبرة سّر ال‪ .‬‬ ‫وجوهر ال هو هذا الحدث المزدوج المتكامل‪ :‬ال في صميم ذاته آب وابن وروح‪،‬‬ ‫سد والفداء والقيامة‬ ‫وفي علقته بالنسان استمرار وحي ودفق عطاء في الخلق والتج ّ‬ ‫والصعود‪ .‬ولكنها في الوقت نفسه ستتمسك بيقين مطلق بالوحي الذي يعّبر عنه‬ ‫قانون اليمان‪ ،‬بتلك "الحقيقة المخطوطة على كبد الشمس"‪ .‬في الحركة الولى نعترف بأن كل شيء يأتي من ال‪،‬‬ ‫"وان كل عطية صالحة وكل هبة كاملة تنحدر من فوق‪ ،‬من لدن أبي النوار"‬ ‫‪13‬‬ ..‬‬ ‫يعلن قانون اليمان أن ديانتنا ليست مجرد أقوال‪ ،‬بل هي يقين وموقف حياة‪ .‬‬ ‫نحن المسيحيين على يقين من أقانيم ال‪ .‬فال ذات وجودنا وخلصنا‪ .‫بها يعّبر الشخص عن ذاته في علقة حياة مع الغير‪ .‬انها تتقّلب في‬ ‫مختلف الفكار القديمة والتعابير المستحدثة بغية استجلء خبرتها لسّر ال‪ ،‬ولكن‬ ‫دونما خوف من أن ما سيبلغه العقل قد يناقض إيمانها‪..‬قانون اليمان هو ترنيمة‬ ‫يجب إنشادها على الدوام‪ ،‬كما يقول اغوسطينوس أسقف ايبونة في شيلي أفريقية‪:‬‬ ‫ل قانون اليمان كل يوم‪ ،‬صباحًا ومساًء‪ .‬انها "رحمة سلم" كما‬ ‫تدّفق هذه الحياة في الخلق والتج ّ‬ ‫نرّنم في الليتورجيا البيزنطية‪ .‬الحركة الولى هي‬ ‫حركة انحدار تبسط سّر حياة ال الباطنة‪ ،‬حياة الب والبن والروح القدس‪ ،‬وتصف‬ ‫سد والفداء والقيامة والصعود‪ ..‬وقد تجّمعت لديها تلل‬ ‫ضخمة من المفاهيم الفلسفية ومتاحف برّمتها من النظريات اللهوتية‪.‬لسنا بحاجة إلى براهين عقلية لثبات يقيننا‬ ‫أو تفسيره‪ .‬رّدده دون‬ ‫"ُأت ُ‬ ‫انقطاع‪ .‬ل شك في أن المسيحية في العصور السابقة‬ ‫لجأت إلى براهين فلسفية وتفسيرات عقلية لثبات وجود ال‪ .‬يقول القديس غريغوريوس النزينزي‪" :‬ال هو استمرار كشف ودوام وحي‬ ‫لذاته‪ ،‬يحّرك دون انقطاع الوجدان البشري وينير ظلماته"‪.‬فال ليس فكرة بل حدث‪ :‬انه في‬ ‫صميم ذاته علقة حياة بين الب والبن والروح‪ ،‬ومن صميم تلك الحياة‪ ،‬حياة الب‬ ‫سد والفدأء‪ .‬ل غنية لنا عن ترداده مرارًا إن أردنا تأكيد‬ ‫وجودنا الديني‪ .‬أتله لنفسك أو بالحري ل‪ .‬الحدث هو تلك العلقة‬ ‫والبن والروح‪ ،‬يتدفق ال في الخلق والتج ّ‬ ‫الجوهرية التي تصل ال بخليقته صلة حياة ومحبة‪ .

‬‬ ‫لقد نظم ال عددًا ل يحمى من القصائد‪ .‬ل بّد لنا لمعرفة شاعر من درس شعره وأعماله‪ .‬تلك هي الحقائق‬ ‫الثلث التي تتكّرر في كل صفحة من صفحات النجيل والتي نحن بحاجة إلى سماعها‬ ‫والعيش بمقتضاها‪ .‬‬ ‫ال هو الشاعر السمى‪ .‬بتج ّ‬ ‫ال‪ ،‬وبقيامة المسيح تحّولنا إلى حياة أبدية ال‪ ،‬وبصعود المسيح جلسنا عن يمين ال‬ ‫على عرش المجد والكرامة‪.‬العاِلم‬ ‫والفّنان والباحث هم الدارسون لشعر ال‪ .‬انه شاعر يخلق الحياة ويبدع الجمال‪.‬وهذا العجاب‪ ،‬وما يرافقه من تنّهدات‪ ،‬هو الطريقة الفضلى لعبادة ال‬ ‫والسجود له‪ .‬العاِلم والفنان والباحث هم اللعبون الملهمون للعاب ال والمرّنمون‬ ‫لموسيقاه وشعره‪ .‬المسيحي يعيش في‬ ‫ألفة إله شاعر‪ .‬عندما نفكر بال نفكر به دومًا كشاعر مبدع‪" :‬أومن بإله واحد‪،‬‬ ‫الخالق الشاعر‪ ،‬مبدع السماء والرض‪ ،‬كل ما يرى وما ل يرى"‪.‬لذلك نعلن‪" :‬نؤمن بإله واحد‪،‬‬ ‫آب ضابط الكل‪ ،‬خالق السماء والرض‪ ،‬كل ما ُيرى وما ل ُيرى"‪ .‬‬ ‫أ‪ -‬الحركة الولى‪ :‬انحدار ال إلى النسان‬ ‫في القسم الول من قانون اليمان نعلن أن ال حقيقي‪ ،‬بل هو جوهر الحقيقة‪ .‬علينا تذكير البشرية أن بشريتنا هي من أصل إلهي‪ ،‬وأن وضع‬ ‫سد المسيح أصبحت بشريتنا واحدًا مع‬ ‫كياننا الراهن هو إلهي‪ ،‬وأن مصيرنا إلهي‪ .‬بقولنا ان ال‬ ‫خالق نؤكد أنه فّنان ومبدع وشاعر‪ .‬الشاعر يخلق ما هو نفسه عليه‪ .‬‬ ‫فانه قد أبدع الكون كما يبدع الشاعر الشعر‪.‬وكل‬ ‫ل به ل حقيقة له ول وجود‪ .‬‬ ‫انه شاعر ينير كل ما يلمسه بالمجد والبهاء‪ .‬‬ ‫إلهنا ليس ساحرًا يقوم بأعمال سحر وبراعة‪ .‬فلفظة "خَلق" في اليونانية تعني "أبدع الشعر"‪.‬كل قصيدة من قصائد ال هي‬ ‫سع إمكاناتنا وتملنا إعجابًا وابتهاجًا‪.‬نظٍم قصيدة ودعاها "السماء"‪ ،‬ونظم‬ ‫قصيدة أخرى ودعاها "الرض"‪ ،‬ونظم أيضا قصائد أخرى دعاها "النجوم"‬ ‫و"الكواكب" و"الماء" و"الحيوان" و"الملك" و"الشجر" و"الزهر" و"الزرع"‪ .‬ثم ان من يعاشر شاعرًا يتشّرب شعره ويمتلئ منه‪ .‬كل الموجودات "ما يرى منها‬ ‫ما ليس منه أو ليس متص ً‬ ‫وما ل يرى" هي من أصل إلهي ويحيط بها جّو إلهي‪ .‬‬ ‫ينبوع مفاجآت تو ّ‬ ‫‪14‬‬ .‬انه في‬ ‫بالمفاجآت لنه في شعره يعّبر عن أعماق ذاته‪.‫)يعقوب ‪ ،(17 :1‬وفي الحركة الثانية نعلن أن كل شيء يعود إلى قلب ال في‬ ‫المجد‪.‬وحصيلة درسهم تنّهدات أعجاب ورهبة أمام‬ ‫روعة عمله‪ .‬‬ ‫في قانون اليمان نعلن تلك الحقيقة‪ ،‬بصوت جهير‪ ،‬حتى يستطيع العالم أجمع‬ ‫سماعنا‪ ،‬اننا من ال جئنا‪ ،‬واننا في ال نستريح‪ ،‬واننا إلى ال سنعود‪ .‬كل‬ ‫قصيدة من قصائد ال هي مصدر مفاجأة ومدعاة فرح‪ .

‬نقول في قانون اليمان‪:‬‬ ‫أن يّتحد هو نفسه بالجسد البشري فيلبسه ويؤّلهه في تج ّ‬ ‫سد‪ .‬البذور الصغيرة والحيتان الضخمة جاءت إلى‬ ‫والز ّ‬ ‫الوجود‪ ،‬وكلها كانت "حسنة"‪ .‬‬ ‫مقصده الخير‪ .‬فخلق ال النسان على صورته‪ ،‬على صورة ال خلقه‪ ،‬ذكرًا وُأنثى‬ ‫ل وامرأة‪.‬القصيدة النسان هي موجز روائع الخلق‬ ‫وأسمى تعبير لحب ال‪ .‬لذلك يرى علماؤنا المعاصرون "ان الكائنات البشرية هي أولد النجوم"‪.‬‬ ‫الكائن البشري هو حقًا آية في الحسن والجمال‪ ..‬فعندما أنهى ال صنع الخليقة المادية‪،‬‬ ‫ف السماء والرض‪ ،‬اضطراب عظيم مل‬ ‫حدث توّقف في الزل‪ ،‬صمت عميق ل ّ‬ ‫الخليقة كلها‪ ،‬وسرت في أرجاء الكون رعشة من ترّقب‪ .‬انها قصيدة حياته الخاصة يرغب في أن يشرك فيها الخرين‪.‬يا للمفخرة إذًا أن يكون كائن إنسانًا ويحيا في الجسد! ا ّ‬ ‫ن‬ ‫"وتج ّ‬ ‫سد ال قد جعل تأّله البشرية المرتكز الساسي للمسيحية‪ ،‬إذ إن هذا التأّله كان‬ ‫تج ّ‬ ‫ي‪.‫صنع ال السماوات والرض بكلمة واحدة منه‪ ،‬بفعل واحد من إرادته‪ .‬وباركهم‬ ‫واذ رأى ال أ ّ‬ ‫ال وقال‪ُ :‬أنموا واكثروا واملوا البحار والمحيطات والرض والسماء‪ .‬فأصل النسان إذًا هو في قلب ال‪ .‬و ُ‬ ‫النور في السماء والشجر على الرض والعصافير في الفضاء والحيوانات‬ ‫حافات‪ .‬ال ينظم ُأنشودة خاصة‪،‬‬ ‫يكتب أروع قصائده‪ .‬إن أصل الكون هو في قلب ال‪ ،‬ان أصل العالم‬ ‫إلهي‪..‬وكانت قصيدة النسان رج ً‬ ‫إن أروع قصائد ال كلها وأعجب عجائب خلقه هو بل مراء الكائن البشري الذي‬ ‫وضع فيه ال بعضًا من قدرته وجماله‪ .‬وبعد أن خلق ال النسان لم يقل‪ ،‬كما قال بعد سائر أعمال‬ ‫الخلق‪" :‬انه حسن"‪ ،‬بل‪ ،‬لدى مشاهدته معجزة النسان‪ ،‬الرجل والمرأة‪ ،‬هتف هتاف‬ ‫النتصار والمجد‪" :‬انه حسن جدًا"‪.‬انه‬ ‫مكّون من مليارات الذّرات التي توّلدت في الفران السماوية‪ ،‬في النجوم‪ ،‬منذ مليين‬ ‫السنين‪ .‬‬ ‫لقد أراد أن يعكس ذاته في شخص يمكنه بدوره أن يعكس وجه ال‪ .‬وقال ال‪:‬‬ ‫"لنصنع النسان على صورتنا ومثالنا‪ ،‬وليتسّلط على سمك البحر وطير السماء وكل‬ ‫حيوانات الرض‪ .‬وهو أثمن من الكون بأسره‪ .‬إنه إله ّ‬ ‫‪15‬‬ .‬وكل ما كان "كان حسنًا"‪ .‬قال ال‬ ‫ب ال عمله‪:‬‬ ‫سّر ال بما صنع‪ .‬كل ذلك كان "حسنًا"‪ .‬وكلما نظر ال‬ ‫إلى ما نظمه من شعر‪ ،‬كانت ترد على شفَتي الب والبن والروح القدس كلمة‬ ‫إعجاب‪" :‬ورأى ال ذلك أنه حسن"‪ .‬‬ ‫والمسيحية تعطي تاريخ الجنس البشري ملء معناه بقولها "ان أولد النجوم هم الن‬ ‫أولد ال"‪.‬جمال في الصنع وروعة في العمل!‬ ‫ن ما صنعه على جانب كبير من الجمال‪ ،‬أراد أن يتكاثر‪ .‬‬ ‫خلقهم"‪ .‬‬ ‫تروي كتبنا المقّدسة أيضًا قصة خلق النسان‪ .‬وصار إنسانًا"‪ .‬‬ ‫لقد خرجت الطبيعة البشرية من يد ال على جانب كبير من الجمال بحيث انه قّرر‬ ‫سده‪ .‬لقد أح ّ‬ ‫"ليكن"‪ ،‬فكان‪ .

‬هذا هو بالذات عمل العبادة‪ .(15 :6‬وجميع الذين اعتمدوا هم جسد واحد )‪ 1‬كور ‪ (13 :12‬رأسه‬ ‫ن َمن يقبل سّر‬ ‫المسيح "الذي منه ينال الجسد كله التنسيق والوحدة" )أف ‪ .‫خلق النسان على صورة ال‪ .‬والنسان المؤمن هو النسان الذي يختبر الخليقة فينشأ فيه‬ ‫الشتياق الى ال الخالق "الشاعر المبدع"‪ .‬‬ ‫نعلن في قانون اليمان أن الكنيسة واحدة لن رأسها واحد وهو المسيح‪ ،‬ولن الب‬ ‫واحد وجميع أعضاء الكنيسة هم أبناؤه‪ ،‬ولن الروح فيها واحد وهو الذي يحيي‬ ‫الجميع‪ .‬قوام عبادة ال‬ ‫العجاب بخلئقه‪ .(16 :4‬إ ّ‬ ‫العماد يدخل في ُأسرة سّرية هي الكنيسة‪ ،‬ويحيا في المسيح كما في سائل سماوي‬ ‫يستقي منه النعمة والقداسة وبه يصبح ابنًا ل ووارثًا للملكوت‪.‬‬ ‫نقول في الليتورجيا اللهية إن جسد المسيح "يجّزأ ول ينقسم‪ ،‬يؤكل كل حين ول ينفد‬ ‫أبدًا"‪ .‬فهو يملك حرية العقل والخيال‪ .‬‬ ‫فالمعمودية‪ ،‬بحسب قول بولس الرسول‪ ،‬تجعل من كل إنسان عضوًا في المسيح )‪1‬‬ ‫كور ‪ .‬تشير هذه اللفظة اليونانية الصل إلى‬ ‫شمولية اليمان‪ ،‬وتعني "ما هو موضوع اليمان لدى كل إنسان في كل مكان وفي‬ ‫كل آن"‪ .‬الكنيسة جامعة لنها تجمع الشرق والغرب‪،‬‬ ‫الصينيين والسكيمو‪ .‬إن له الحرية أن‬ ‫ُ‬ ‫ب كل شيء‪ ،‬ويهوى بنوع خاص نبض الحياة في‬ ‫يجعل من كل شيء عيدًا‪ ،‬ويج ّ‬ ‫عروقه‪ ،‬ويشغف باللعبة العظيمة‪ ،‬لعبة الحياة‪ ،‬ويعيش في العجاب الدائم بروعة‬ ‫أعمال ال‪.‬إنها مشّرعة على جميع الناس من أقاصي الشرق إلى أقاصي‬ ‫الغرب‪ .‬فالكنيسة‪ ،‬رغم تجزئتها وانقسامها‪ ،‬تبقى واحدة‪ ،‬لن معموديتنا واحدة تجعل منا‬ ‫جميعًا أعضاء في جسد المسيح الواحد‪ ،‬ومن خلل المسيح تصّيرنا واحدًا في الثالوث‬ ‫القدس‪.‬الكائن‬ ‫ل وامرأة‪ ،‬هو حقًا منشد قصائد ال‪.‬ان الذين يعتمدون في‬ ‫المسيح يصبحون واحدًا معه وواحدًا بعضهم مع بعض‪ ،‬ويكّونون الكنيسة الواحدة‪.‬‬ ‫النسان‪ ،‬رج ً‬ ‫ب‪ -‬الحركة الثانية‪ :‬ارتقاء النسان إلى ال‬ ‫سط في‬ ‫الحركة الثانية في سمفونية قانون اليمان هي حركة ارتقاء الى ال تتب ّ‬ ‫المجاد التي يحصل عليها النسان ميراثًا من ال‪" :‬ونؤمن بكنيسة واحدة جامعة‬ ‫مقدسة رسوِلية‪ ،‬ونعترف بمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا"‪ .‬ليست الكنيسة محصورة في موضع أو بلد‪ ،‬في الشرق أو في الغرب‪،‬‬ ‫وحياتها ليست مرتبطة بثقافة معّينة‪ .‬مصير النسان أن يحيا في استمرار من‬ ‫التسبيح والعجاب‪ ،‬لمشاركته في المغامرة الحياة التي من خللها يختبر ال‪ .‬ورغم انقسام المسيحيين كنائس مختلفة‪ ،‬فالكنيسة مع ذلك ل تزال واحدة‪.‬‬ ‫انها مفخرة النسان تلك القدرة التي له على العجاب بمغامرات ال في الكون‬ ‫وعلى التعبير عن إعجابه ورهبته حيالها‪ .‬‬ ‫الكنيسة أيضًا "جامعة" أو "كاثوليكية"‪ .‬انها أوسع من البيزنطيين والرومانيين‪ ،‬أي إنه ل يجوز اعتبار هاتين‬ ‫‪16‬‬ .

‬آمين"‪.‬‬ ‫"ونتر ّ‬ ‫انه لضلل وانحراف أن تهمل بعض الكنائس المسيحية في عصرنا ترتيل قانون‬ ‫اليمان‪ ،‬ول سيَما في أثناء الليتورجيا اللهية‪ ،‬فتستبدله ببعض الترانيم المستحدثة التي‬ ‫تعطي غذاًء عقليًا جافًا وينقصها الملء والصالة‪ .‬وهكذا غاب عن‬ ‫وعبارات تف ّ‬ ‫بالنا أن قانون اليمان ل يعرض اليمان المسيحي في عبارات عقلية وعقائدية بل في‬ ‫شهادة حياتية تجعل المسيحي يهتّز حياًة وفرحًا ومجدًا‪ .‬ولك ّ‬ ‫‪ ،(453‬فأصبحت نعتًا للكنيسة التي قبلت قرارات هذا المجمع وسارت على "رأيه‬ ‫القويم وعقيدته القويمة"‪ .‬لذلك كانت لفظتا "ارثوذكسية" و"كاثوليكية" مترادفتين‬ ‫تستعملن الواحدة بدل الخرى‪ ،‬وظّلتا تنسبان إلى الكنيستيين البيزنطية والرومانية‬ ‫معًا إلى ما بعد المجمع النيقاوي الثاني )‪ .‬إ ّ‬ ‫منهما اّدعت ول تزال تّدعي أنها في جوهرها "كاثوليكية وأرثوذكسية معًا"‪.‬‬ ‫والكنيسة أخيرًا "رسولية" لنها تأسست على إيمان الرسل وكرازتهم‪ ،‬ولنها ل‬ ‫شر بتلك الكرازة‪.‬لقد فقد قانون اليمان النيقاوي فتنته‬ ‫ومجده في الوساط المسيحية منذ أن جعل منه المجمع التريدنتيني مجموعة عقائد‬ ‫سر براهين فلسفية في "التعليم المسيحي" الذي وضعه‪ .‬‬ ‫ل المجد‪،‬‬ ‫ن لفظة "ُذكسا" تعني في اليونانية أو ً‬ ‫تدعى الكنيسة أيضًا "أرثوذكسية"‪ .‬فعلى الرغم من خطايا أعضائها‪ ،‬تبقى الكنيسة‬ ‫مقدسة لنها جسد المسيح وقد افتداها وغسلها بدمه‪ ،‬ولن الب أحّبها وتبّناها وأرسل‬ ‫إليها روحه القدوس ليمكث فيها ويحييها‪.‬‬ ‫ــــــــــــــــــــــــــ‬ ‫‪17‬‬ .‫صب في الكنيسة ول تسّلط من قبل‬ ‫الكنيستين التعبير الوحيد عن كنيسة المسيح‪ .(787‬ولدى انقطاع الشركة بين بطريركية‬ ‫القسطنطينية وبطريركية الغرب في القرن الحادي عشر‪ ،‬اختصت الكنيسة الغربية‬ ‫ن كل واحدة‬ ‫لأّ‬ ‫بلفظة "كاثوليكية"‪ ،‬وانفردت الكنيسة الشرقية بلفظة "أرثوذكسية"‪ .‬انه ل يدخلنا في أمان العقل وطمأنينته الهنيئة‬ ‫الزائفة‪ ،‬بل يرمي بنا في بحر اللنهاية‪ ،‬في عالم ال‪.‬ل تع ّ‬ ‫ثقافة على أخرى‪ ،‬ول حصر في نمط واحد ضّيق‪ .‬اليمان المسيحي يصلنا صلة‬ ‫مباشرة بالحياة‪ ،‬بالمجازفة‪ ،‬بالمغامرة‪ .‬الكنيسة جامعة لنها تفسح لكل‬ ‫إنسان المجال للتعبير عن ذاته‪ ،‬ولن جميع الثقافات تأتلف فيها ائتلفًا تامًا منسجمًا‪.‬‬ ‫الكنيسة واحدة جامعة و"مقّدسة"‪ .‬‬ ‫تزال تعلن هذا اليمان وتب ّ‬ ‫ويختم النشيَد بمجد ترنيمٌة لمصير البشرية الهي‪ ،‬أي للقيامة والحياة البدية‪:‬‬ ‫جى قيامة الموتى والحياة في الدهر التي‪ .‬إ ّ‬ ‫ل الجماعة التي تنشد التسابيح لمجد‬ ‫وتعني ثانيًا الرأي‪ .‬فالجماعة الرثوذكسية هي أو ً‬ ‫ى خاصًا بعد المجمع المسكوني الخلقيدوني )‬ ‫ن تلك اللفظة قد اتخذت معن ً‬ ‫ال‪ .‬‬ ‫الكنيسة تنسج وحدتها من مختلف إسهامات الفراد والثقافات‪.

‬ماذا نعني بذلك؟‬ ‫‪ -1‬أسماء ال في مختلف الحضارات‬ ‫ن كلمة "إله" مشتّقة من كلمة "إيل" وهو السم الذي كانت جميع الديانات السامّية‬ ‫إّ‬ ‫تدعو به آلهتها‪ ،‬ويعني "القوة والقدرة"‪ ..‬نكتفي الن بالقول أن المسيحية هي من الديانات التي تؤمن بالله‬ ‫الواحد‪ ..‬ونجد تفسيرًا لهذا السم في رواية ظهور ال لموسى في‬ ‫العّليقة المحترقة على جبل سيناء‪ .‫الفصل الّول‬ ‫حد‬ ‫اليَمان بالله الوا ِ‬ ‫"نؤمن بإله واحد‪".‬أما كلمة "ال" فناتجة من إدخال ال التعريف‬ ‫على كلمة إله‪ ،‬فأصبحت "الله"‪ ،‬ثم من إدغام اللف في وسط الكلمة باللم التي قبلها‬ ‫وتشديد اللم‪ ،‬فأصبحت "ال"‪ .‬فاليمان بالله الواحد هو اذًا عنصر مشترك بين‬ ‫هذه الديانات الثلث‪ .‬‬ ‫أخذت المسيحية عن اليهودية إيمانها بالله الواحد‪ ،‬ثم أخذ السلم عن المسيحية‬ ‫واليهودية معًا إيمانه بالله الواحد‪ .(14 :3‬‬ ‫وفي الية التالية يضيف النص‪" :‬وقال ال لموسى ثانية‪ :‬كذا قل لبني اسرائيل يهوه‬ ‫إله آبائكم إله ابراهيم وإله اسحق وإله يعقوب بعثني إليكم‪ .‬فال هو الله العظم بين سائر اللهة‪ ،‬عند العرب‬ ‫قبل السلم‪ .‬‬ ‫أسماء ال في اللغات اليونانية واللتينية )‪ (Deus‬واللغات الوروبية المشتّقة من‬ ‫اللتينية‪ ،‬كالفرنسية )‪ (Dieu‬واليطالية )‪ (Dio‬والسبانية )‪ ،(Dios‬مشتّقة من‬ ‫السنسكريتية وهي أقدم اللغات الهندية الوروبية؛ ففي هذه اللغة "ديو" تعني "النور"‪.‬‬ ‫في العهد القديم استعمل الشعب اليهودي كلمتين للشارة إلى ال‪ ،‬كلمة "ايلوهيم"‬ ‫وهي اسم جمع أو تفخيم لكلمة "إيل" التي استعملتها مختلف الشعوب السامّية للدللة‬ ‫على ال‪ ،‬وكلمة "يهوه" وهي مشتّقة من فعل "هيا" ويعني في العبرية "كان"‪ .‬فعندما سأل موسى ال عن اسمه أجابه "أكون الذي‬ ‫أكون"‪ ،‬ثم قال له‪" :‬كذا قل لبني اسرائيل‪ :‬أكون أرسلني إليكم" )خروج ‪.‬فاسم‬ ‫"يهوه" يعني "الذي يكون"‪ .‬‬ ‫‪18‬‬ .‬أما في اليهودية والمسيحية والسلم‪ ،‬فال هو الله الوحيد‪.‬هذا اسمي إلى الدهر وهذا‬ ‫ذكري إلى جيل فجيل"‪.‬أما أن يقول بعض المسلمين عن المسيحيين إنهم مشركون لنهم‬ ‫يؤمنون بالثالوث القدس فهذا دليل جهل مطبق للمبادئ الولية في الديانة المسيحية‪،‬‬ ‫سنرّد عليه في الجزء الثاني من هذه المقالت‪ ،‬في معرض حديثنا عن الروح القدس‬ ‫والثالوث القدس‪ .‬‬ ‫وحتى يومنا هذا كلمة "ديوا" تعني "المصباح الصغير" في بعض اللغات الهندية‪.‬‬ ‫أما أسماء ال في اللغة النكليزية )‪ (God‬واللمانية )‪ (Gott‬وسائر اللغات‬ ‫الجرمانية‪ ،‬فمشتّقة من كلمة "غوتو" التي تعني في اللغات الهندية الوروبية "الذي‬ ‫ندعوه أو نبتهل إليه"‪.

‬وأيضًا قد سمعت أنين بني‬ ‫اسرائيل الذين استعبدهم المصريون‪ ،‬فذكرت عهدي‪ .‬أنا الذي تجّليت لبراهيم واسحق ويعقوب‬ ‫ل شيء‪ .‬ان ال "يكون مع" شعبه‬ ‫ليخّلصهم‪ .‬أما اسمي يهوه فلم ُأعلنه لهم‪ .‬وسُأدخلكم الرض التي رفعت يدي ُمقسمًا أن‬ ‫ُأعطيها لبراهيم واسحق ويعقوب‪ ،‬فُأعطيها لكم ميراثًا‪ ،‬أنا يهوه" )خروج ‪-2 :6‬‬ ‫‪.‬وأقمت معهم عهدي على أن‬ ‫إلهًا قادرًا على ك ّ‬ ‫ُأعطيهم أرض كنعان أرض غربتهم التي نزلوا بها‪ .(2 ،1 :12‬‬ ‫أجعلك أّمة كبيرة وُأباركك وُأع ّ‬ ‫ومع موسى ظهر ال إله الخلص الذي أخرج شعبه من أرض العبودية إلى أرض‬ ‫الحرية‪" :‬كّلَم ال موسى وقال له‪ :‬أنا يهوه‪ .‫‪ -2‬من تعّدد اللهة إلى الله الواحد‪:‬‬ ‫خبرة الشعب اليهودي في العهد القديم‬ ‫نشأت الديانة اليهودية وسط شعوب وحضارات كانت العقيدة السائدة فيها اليمان‬ ‫صل الشعب اليهودي إلى‬ ‫بتعّدد اللهة‪ ،‬كالبابلية والمصرية والفينيقية واليونانية‪ .‬فمع ابراهيم ظهر ال للشعب إله الوعد وإله الحياة‪ .‬‬ ‫وإيمان اليهود بال‪ ،‬في العهد القديم‪ ،‬لم يكن إيمانًا نظريًا فلسفيًا‪ ،‬بل كان إيماناً‬ ‫ن الله الوحيد الذي خلق السماوات والرض قد اختارهم له شعبًا‬ ‫وجوديًا عمليًا بأ ّ‬ ‫‪19‬‬ .(8‬‬ ‫في كلم ال هذا لموسى يأخذ اسم "يهوه" كل معناه‪ .‬وتكّرس هذا اليمان في الوصية الولى من وصايا ال‪" :‬أنا يهوه )الرب(‬ ‫إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من دار العبودية‪ .‬فبينما كان ابرام‬ ‫بعد في حاران دعاه ال ووعده بأن يعطيه أرضًا جديدة ويجعل منه أّمة كبيرة‪" :‬قال‬ ‫الرب لبرام‪ :‬انطلق من أرضك وعشيرتك وبيت أبيك الى الرض التي أريك‪ ،‬وأنا‬ ‫ظم اسمك وتكون بركة" )تكوين ‪.‬وقد تو ّ‬ ‫اليمان بوحدانية ال تدريجيًا مع ابراهيم وسائر الباء وبشكل واضح ونهائي مع‬ ‫موسى‪ .(3 ،2 :20‬‬ ‫أ‪ -‬إله الحياة وإله الخلص‬ ‫لم يكن وصول الشعب اليهودي الى اليمان بوحدانية ال نتيجة تفكير فلسفي في‬ ‫صل إلى ذلك بعض فلسفة‬ ‫ضرورة وجود كائن مطلق يملك كمال الكيان‪ ،‬كما تو ّ‬ ‫اليونان كأفلطون وأرسطوطاليس‪ ،‬بل كان نتيجة خبرة حياتية عرفها الشعب في‬ ‫تاريخه الطويل‪ .‬ل يكن لك آلهة أخرى تجاهي"‬ ‫)خروج ‪.‬لذلك قل لبني اسرائيل‪ :‬أنا يهوه‪،‬‬ ‫لخرجّنكم من تحت أثقال المصريين وُأخّلصكم من عبوديتكم‪ ،‬وأفديكم بذراع مبسوطة‬ ‫وأحكام عظيمة‪ ،‬وأّتحذكم لي شعبًا‪ ،‬وأكون لكم إلهًا‪ ،‬وتعلمون أني أنا يهوه إلهكم‪،‬‬ ‫الخرج لكم من تحت أثقال المصريين‪ .‬فال هو‪ ،‬في العهد القديم‪ ،‬إله الوعد والحياة والقدرة وإله الخلص والفداء‪.

.‬نحن الطين وأنت جابلنا‪ ،‬ونحن جميعًا عمل‬ ‫يديك" )اشعيا ‪16 :63‬؛ ‪.‬وتلك الخبرة قد قادتهم إلى رفض تعّدد‬ ‫اللهة وإلى اليمان بوجود إله واحد خلق الكون والبشر جميعًا واختار الشعب‬ ‫اليهودي ليصنع بواسطته عهدًا مع جميع ُأمم الرض وشعوبها‪.‬‬ ‫ج‪ -‬اليمان بالله الواحد في عصرنا الحاضر‬ ‫‪20‬‬ .‫وصنع معهم عهدًا أبديًا‪ ،‬وانه سيبقى معهم إله الحياة وإله الخلص مهما انتابهم من‬ ‫محن ومصائب‪.‬اّنك لي‪ ..(3 -1 :11‬‬ ‫ان اليمان بوحدانية ال‪ ،‬الذي نعّده اليوم أمرًا طبيعيًا‪ ،‬لم يصل إليه الحدود إلّ من‬ ‫خلله خبرة عاشوها على مدى تاريخهم‪ .‬يقول‬ ‫النبي ملخيا‪" :‬أليس أب واحد لجميعنا؟ أليس إله واحد خلقنا؟" )ملخيا ‪.‬فالله الوحيد هو أيضًا الب الوحيد لشعبه‪ .(6 :32‬‬ ‫وقد أّكد النبياء على تلك الفكرة‪ .(10 :2‬‬ ‫ويقول النبي اشعيا مخاطبًا ال في صلته‪" :‬انك أنت‪ ،‬يهوه‪ ،‬أبونا وفادينا‪ .‬نقرأ في تثنية‬ ‫ص الذي يعود إلى القرن السابع قبل المسيح‪" :‬أبهذا تكافئ يهوه‪ ،‬أيها‬ ‫الشتراع هذا الن ّ‬ ‫الشعب الحمق الذي ل حكمة له؟ أليس انه هو أبوك الذي فطرك وأبدعك؟" )تثنية‬ ‫‪.(6 ،5 :42‬هكذا قال يهوه‪ ،‬خالقك يا‬ ‫يعقوب وجابلك يا اسرائيل‪ :‬ل تخف فاّني قد افتديتك ودعوتك باسمي‪ .‬أنا دّرجت افرائيم وحملتهم على ذراع ّ‬ ‫‪..‬‬ ‫لذلك في أثناء سبيهم في بابل نسمع أشعيا الثاني يعدهم بالخلص‪" :‬هكذا قال ال‪،‬‬ ‫يهوه‪ ،‬خالق السماوات وناشرها‪ ،‬باسط الرض مع ما ينبت ما‪ ،‬الذي يعطي الشعب‬ ‫عليها نسمة والسالكين فيها روحًا‪ .‬منذ‬ ‫الدهر اسمك‪ .‬اذا‬ ‫اجتزت في المياه فاّني معك‪ ،‬أو في النهار‪ ،‬فل تغمرك‪ ،‬واذا سلكت في النارفل‬ ‫ُتلَذع‪ ،‬ول يلفحك اللهيب" )اشعيا ‪.‬أنا‪ ،‬يهوه‪ ،‬دعوتك لجل البّر وأخذت بيدك وحفظتك‬ ‫وجعلتك عهدًا للشعب ونورًا للمم" )اشعيا ‪" .‬الن‪ ،‬يهوه‪ ،‬أنت أبونا‪ .(2 ،1 :43‬‬ ‫ب‪ُ -‬أبّوة ال‬ ‫على هذا اليمان باختيار ال لشعبه بنى العهد القديم فكرة "ُأبّوة ال"‪ ..(8 :64‬‬ ‫ويصف هوشع ُأبّوة ال بتعابير مليئة بالعطف والحنان‪" :‬إذ كان اسرائيل صبياً‬ ‫ي" )هوشع‬ ‫أحببته ومن مصر دعوت ابني‪ .

‬فال هو كمال الكيان‪ ،‬ول يمكن أن يكون الكمال منقسمًا بين‬ ‫اثنين‪ .‬وكل ما يقوله النسان عن ال خارجًا عن وحي ال لذاته في الكتاب المقّدس‬ ‫ليست سوى صورة مزّيفة للله الحقيقي‪ ،‬لنه مجّرد انعكاس لرغبة النسان في‬ ‫الرتفاع من واقع ضعفه وحدوده إلى المطلق السمى‪.‬وقد تّم هذا الوحي في الكتاب‬ ‫المقّدس الذي هو وحده كلم ال وفيه وحده يستطيع النسان أن يعرف ال معرفة‬ ‫حقيقية‪ .‬‬ ‫ان الخوف من أن يؤّله النسان صورة رغباته البشرية هو الذي حمل كارل بارت‬ ‫على رفض كل معرفة ل خارج الوحي‪ .‬‬ ‫لذلك ينقسم الناس اليوم‪ ،‬بالنسبة إلى اليمان بال‪ ،‬إلى فئتين‪ :‬فئة تؤمن بوجود ال‪،‬‬ ‫وهم المؤمنون‪ ،‬وفئة ترفض وجود أي إله‪ ،‬وهم الملحدون‪.‬‬ ‫غير أن اليمان بال‪ ،‬وان ارتكز على الوحي‪ ،‬ل بّد له من الستناد أيضًا إلى خبرة‬ ‫‪21‬‬ .‬‬ ‫وغاية ومعنى‪ ،‬وتظهر أ ّ‬ ‫أ‪ -‬البراهين التي ترتكز على وحي ال‬ ‫يرى بعض اللهوتيين البروتستنتيين من أمثال كارل بارت ورودولف بولتمن ان‬ ‫النسان ل يمكنه معرفة ال إل إذا أوحى ال له بذاته‪ .‫ق اليوم أي مشكلة بالنسبة إلى العتقاد بتعّدد اللهة‪ .‬فمن يؤمن بال يؤمن‬ ‫بأن الخلئق كلها متعّلقة بكائن مطلق كامل هو أصل جميع الكائنات ومبدأها وغايتها‪.‬‬ ‫َمن ِمن الفئتين على حق وَمن منهما على ضلل؟ هل يستطيع المؤمن أن يبرهن‬ ‫للملحد بالبراهين العقلية الجازمة انه على ضلل وان ال موجود؟ ومن جهة أخرى‬ ‫هل يستطيع الملحد أن يبّين للمؤمن بالبراهين العقلية الجازمة انه على ضلل‪ ،‬وان ل‬ ‫وجود لي إله؟‬ ‫‪ -3‬البراهين على وجود ال أو السُبل إلى ال‬ ‫هناك ثلثة أنواع من البراهين لجأ إليها اللهوت المسيحي عبر القرون لثبات‬ ‫ل للوصول إلى ال‪:‬‬ ‫وجود ال‪ ،‬يمكن أن يكون كل منها سبي ً‬ ‫‪ -1‬براهين ترتكز على وحي ال نفسه‪ ،‬إذ ترى أن العقل البشري ل يمكنه بقواه‬ ‫المجّردة إثبات أي شيء أكيد عن ال‪.‬وال هو مبدأ الكون‪ ،‬ول يمكن أن يكون للكون مبدأان‪ .‬ل ريب في أن هذا الخوف له ما يبّرره‪.‬‬ ‫‪ -2‬براهين تنطلق من الطبيعة والعالم وترى أن العقل يستطيع من خلل الكون‬ ‫إثبات وجود ال‪.‬‬ ‫‪ -3‬وبراهين وتنطلق من النسان ومن شعوره الكياني بأن لحياته مبدًأ وأساسًا‬ ‫ن ال هو مبدأ حياته وأساسها وغايتها‪.‬فجميع الذين يؤمنون اليوم‬ ‫لم يب َ‬ ‫بال يؤمنون بإله واحد‪ .

‬‬ ‫ظمها وتو ّ‬ ‫نّ‬ ‫وقد عالج المجمع الفاتيكاني الول )سنة ‪ (1870‬هذا الموضوع وأخذ بنظرّية توما‬ ‫الكويني بعد أن أدخل عليها بعض التعديل‪ .‬فالتأّمل بالمخلوقات وبما فيها من جمال‬ ‫ونظام يمكن أن يقود إلى العتراف بوجود إله خالق خلقها ووضع ما فيها من جمال‬ ‫ونظام‪.‬‬ ‫فاليمان ل يمكن أن يكون إيمانًا أعمى بل هو إيمان مسؤول‪ .‬‬ ‫ب‪ -‬البراهين التي تستند إلى الطبيعة والعالم والمخلوقات‬ ‫صل إلى معرفة ال من‬ ‫يعتقد اللهوت الكاثوليكي التقليدي أن النسان يستطيع التو ّ‬ ‫خلل الكون والطبيعة وسائر المخلوقات‪ .‬‬ ‫ويرتكز اللهوتيون الكاثوليكيون في تحليلهم على البراهين الفلسفية لوجود ال التي‬ ‫وضع ُأسسها أرسطوطاليس وأفلطون‪ ،‬وأدخلها القديس اغوسطينوس في اللهوت‪ ،‬ثم‬ ‫سع فيها القديس توما الكويني‪.(6‬‬ ‫ل وسط بين موقف العقلنيين‬ ‫ان هذا الموقف‪ ،‬الذي ُدعي باللهوت الطبيعي‪ ،‬هو ح ّ‬ ‫ل عقليًا‪ ،‬وموقف الذين يرفضون‬ ‫الذين ينكرون الوحي ول يرون في اليمان إل عم ً‬ ‫الرتكاز على أي معرفة عقلية ل ول يرون في اليمان إل استسلمًا ل ولكلمه‪.‬فبينما يقول توما الكويني إن العقل‬ ‫البشري يمكنه مبدئيًا أن يبرهن عن وجود ال‪ ،‬اكتفى المجمع بالقول إن النسان يمكنه‬ ‫مبدئيًا أن يعرف ال‪ ،‬ويضيف أن هذه المكانية المبدئية قد أصبحت واقعًا بفضل وحي‬ ‫ال‪.‬‬ ‫وتبّنى المجمع الفاتيكاني الثاني أيضًا هذا الموقف في "الدستور العقائدي في الوحي‬ ‫اللهي" )سنة ‪ ،(1965‬الذي يعلن فيه "ان العقل البشري يستطيع بنوره الطبيعي أن‬ ‫يعرف ال مبدأ كل شيء وغايته معرفة أكيدة‪ ،‬وذلك عن طريق المخلوقات"‪.‬لذلك ل يفرض‬ ‫اليمان على النسان من فوق‪ ،‬بل يّتخذ كل مؤمن قرار اليمان انطلقًا من خبرة‬ ‫شخصية مّتصلة بواقع حياته‪.‬‬ ‫‪22‬‬ .‬ثم يضيف المجمع‪" :‬إل أنه من الواجب أن ُيعَزى إلى الوحي أن المور‬ ‫اللهية التي ليست في حّد ذاتها صعبة المنال على عقل النسان‪ ،‬يستطيع الجميع‪،‬‬ ‫حتى في ظروف الجنس البشري القائمة‪ ،‬أن يعرفوها بسهولة‪ ،‬وأن يتيّقنوا منها يقينًا‬ ‫ثابتًا ل يخالطه غلط" )رقم ‪.‬‬ ‫ويستشهد بما يقوله بولس الرسول في رسالته الى الرومانيين )‪" (20 :1‬ان صفات‬ ‫ال غير المنظورة‪ ،‬ول سيَما قدرته الزلية وُألوهته‪ ،‬تبصر منذ خلق العالم‪ ،‬مدركة‬ ‫بمخلوقاته"‪ .‫انسانية ومعرفة بشرية‪ ،‬وإل أصبح افتراضًا ل أساس له أو مجّرد وهم أو شريعة‬ ‫تفرض من الخارج ويحّتم على النسان القبول بها دون محاولة تفّهمها‪.

‬‬ ‫غير أن تلك المسّلمات‪ ،‬كما يرى بعض اللهوتيين المعاصرين‪ ،‬هي أيضًا بحاجة‬ ‫إلى إثبات‪ ،‬ول يمكنها بالتالي أن تقود إلى تأكيد وجود ال‪.‬يريد كيانًا مطلقًا ووجودًا خالدًا ول يختبر إل كيانًا محدودًا ووجودًا‬ ‫مائتًا‪ ،‬يريد حياة مليئة بالقيم ول يختبر إل الفراغ والعبث‪ ،‬يريد عمل الخير وراحة‬ ‫الضمير ويصطدم بالشّر والشعور بالذنب‪ .‬عندئٍذ ينتقل من‬ ‫المعرفة العقلية إلى اليمان‪.‬ونتيجة لتلك الخبرة يساوره الخوف وينتابه‬ ‫القلق‪.‬‬ ‫لقد أوجز اللهوتي اللماني "بول تيليخ" )‪ (1965 -1886‬حالة النسان هذه‬ ‫في كتاب دعاه "الجرأة على الكيان"‪ ،‬مّيَز فيه ثلثة أنواع من الخاطر تهّدد كيان‬ ‫النسان في أبعاده الثلثة‪:‬‬ ‫ فالمصائب والموت تهدد النسان في حياته ووجوده‪،‬‬‫ والشعور بالفراغ والعبث يهّددان كيانه الروحي‪،‬‬‫ والشعور بالذنب والهلك البدي يهّددانه في كيانه الدبي‬‫‪23‬‬ .‬إل أن كثيرين غيرهم‪ ،‬وعددهم يزداد يومًا بعد‬ ‫يوم‪ ،‬يرون أن البراهين العقلية عن وجود ال قد ضعفت قدرتها على القناع‪ ،‬ول‬ ‫سيَما بعد ما أظهر الفيلسوف اللماني كانط حدود العقل البشري وعدم قدرته على‬ ‫تأكيد أي شيء يخرج عن نطاق الطبيعة والخبرة النسانية‪ .‬والرغبة في السعادة غير ممكنة إن لم يكن هناك إله يشبع تلك الرغبة‬ ‫ويكافئ بالسعادة البدية من يصنع الخير في حياته على الرض‪.‬فيقول إن تأكيد‬ ‫وجود ال هو من المسّلمات التي يفترضها النسان ويقبل بها انطلقًا ما يشعر به في‬ ‫داخله من واجب يدفعه إلى عمل الخير ومن رغبة في السعادة اللمتناهية مرتبطة‬ ‫بتتميم هذا الواجب‪ .‫ويؤكد اللهوت الطبيعي أن هناك نوعين من المعرفة‪ :‬معرفة طبيعية ترتكز على‬ ‫العقل البشري‪ ،‬ومعرفة فائقة الطبيعة ترتكز على الوحي واليمان‪ .‬‬ ‫ل شك أن كانط يصل إلى اليمان بوجود ال عن طريق أخرى‪ .‬‬ ‫ج‪ -‬السبيل إلى ال من خلل خبرة النسان‬ ‫* القلق الوجودي‬ ‫ان من ينظر إلى ما يختبره النسان في واقع حياته يرى أن النسان يعجز دومًا عن‬ ‫تحقيق ما تصبو إليه نفسه‪ ،‬وأن هناك تباينًا مستمرًا بين ما يريد أن يكون وما هو‬ ‫عليه في الواقع‪ .‬‬ ‫ان السبيل إلى ال من خلل الكون والطبيعة والتفكير العقلي ل يزال يعتمده‬ ‫الكثيرون من اللهوتيين المعاصرين‪ .‬فالعقل ل يمكنه‪ ،‬في نظر‬ ‫كانط‪ ،‬أن يقّدم براهين جازمة عن وجود ال ول عن عدم وجوده‪.‬فالشعور بالواجب غير ممكن إن لم يكن هناك إله يفرض هذا‬ ‫الواجب‪ .‬فالمعرفة الطبيعية‬ ‫هي نقطة النطلق التي يوجد فيها النسان عندما يسمع كلم الوحي‪ .

‬فيرى أن النسان ل يمكن أن يبقى في الوجود رغم ما يهّدد كيانه من‬ ‫مخاطر إل إذا كانت له "الجرأة على الكيان"‪ .‬‬ ‫فالنسان يشعر بأنه جزء في مجتمع يتفاعل معه فيعطيه ويأخذ منه ويجد فيه الراحة‬ ‫لنفسه والمعنى لحياته‪ .‬‬ ‫والقلق الذي يعانيه النسان ينتج ما يشعر به من خوف حيال تلك الخاطر‪ .‬‬ ‫* التغّرب والضياع‬ ‫ان هذا القلق الوجودي العميق‪ ،‬إن لم يتمّكن النسان من السيطرة عليه‪ ،‬ل بّد من‬ ‫أن يقوده إلى التغّرب‪ .‬‬ ‫‪24‬‬ .‬والضياع‪.‬فأي قوة يستطيع النسان أن يجدها في ذاته أو في‬ ‫المجتمع للسيطرة على القلق الذي يشعر به إزاء الموت والعبث والهلك البدي؟‬ ‫في تلك الحالت القصوى‪ ،‬يقول تيليخ‪ ،‬ل يبقى للنسان إل ملجأ واحد يلجأ إليه‪،‬‬ ‫ن بوجود حقيقة قصوى تفوق الطبيعة وتسمو على الكون‪ ،‬والعترا ُ‬ ‫ف‬ ‫وهو اليما ُ‬ ‫بوجود كائن مطلق يستطيع أن يرتمي في أحضانه بثقة كاملة‪ .‬لذلك‬ ‫يكون هو أيضًا إما قلقًا نسبيًا وإما قلقًا مطلقًا‪.‬كما يشعر النسان انه شخص له كرامته وهدف يسعى إليه‬ ‫وفيه يحّقق ذاته‪ .‬وحده اليمان بالكائن‬ ‫المطلق يمّكن النسان من التغّلب على القلق المطلق الذي يعانيه حيال المخاطر التي‬ ‫تهّدد كيانه تهديدًا مطلقًا في مختلف أبعاده‪.‬وبقدر ما يندمج النسان في المجتمع ويحّقق فيه ذاته بقدر ذلك يمكنه‬ ‫أن يتغّلب على ما يهّدد وجوده من مخاطر وما يعانيه في كيانه من قلق‪.‬وتلك الجرأة يستمّدها النسان من‬ ‫مصادر ثلثة‪ :‬من المجتمع ومن ذاته ومن ال‪.‫وتكون هذه المخاطر نسبية أو مطلقة وفقًا لما تحدثه من دمار في كيان النسان‪:‬‬ ‫فالمصائب والمراض تهّدد حياة النسان تهديدًا نسبيًا‪ ،‬أما الموت فيقضي عليها نهائيًا‪،‬‬ ‫والفراغ يهّدد كيان النسان الروحي تهديدًا نسبيًا‪ ،‬وأما العبث فيقضي عليه نهائيًا؛‬ ‫والشعور بالذنب يهّدد كيان النسان الدبي تهديدًا نسبيًا‪ ،‬أما الهلك البدي فيقضي‬ ‫عليه نهائيًا‪.‬‬ ‫إل أن تلك الجرأة التي يستمّدها النسان من المجتمع ومن ذاته ل تقوى على‬ ‫السيطرة إل على المخاطر النسبية التي تهّدد كيان النسان في مختلف أبعاده وعلى ما‬ ‫ينتج عن ذلك من قلق نسبي‪ .‬‬ ‫* السيطرة على القلق‬ ‫بعد هذا التحليل للوضع النساني‪ ،‬يصف تيليخ كيف يتمّكن النسان من السيطرة‬ ‫على القلق‪ .

‬فمن القيم ما هو أساسي في حياة‬ ‫سّلم من القيم يبنيه هو نفسه‪ ،‬وفي‬ ‫النسان ومنها ما هو ثانوي‪ .‬وهذه القيمة القصوى هي‬ ‫التي تعطي معنى لوجود النسان وتساعده على تحّمل صعوبات الحياة والتغّلب على‬ ‫جه إليها كل قواه‪ ،‬ول ينظر إلى الحياة إل من‬ ‫ما يعانيه من حيرة وقلق‪ .‬‬ ‫يقول شارل مالك في وصف تغّرب النسان‪" :‬غريب هو الكائن النسان ‪-‬غريب‬ ‫في امتلئه سرًا وغرابة‪ ،‬وغريب هو في كونه متغّربا‪ -‬غريب متغّرب‪ .‬لذلك نسأل‪ :‬متغّرب عن ماذا؟ متغّرب عن َمن؟ ونجيب‬ ‫انه متغّرب عن شيء كانه أو بإمكانه أن يكونه‪ ،‬لكنه‪ ،‬وهو في حالة التغّرب هذه‪،‬‬ ‫يكون دون ذلك الشيء أو بعيدًا عنه‪ ،‬وحنينه الخير هو في الرجوع إليه‪ .‬وسّر أسراره‬ ‫يكمن في ذلك التغّرب إياه‪ .‬وهذا هو الغرب‪ .‬غرابتك انك‬ ‫أعرف تمامًا أ ّ‬ ‫طافح بالسرار التي أجهل‪ ،‬بل‪ ،‬والتي تجهل أنت أيضًا‪ ..‬ان سّرك الدفين هو أنك تريد‪ ،‬مثلي‪ ،‬إنهاء تغّربك والعودة‬ ‫إلى كيانك‪ ،‬وتفّتش‪ ،‬مثلي‪ ،‬عن طريق العودة‪ .‬وفي الواقع لكل إنسان ُ‬ ‫سّلم يضع قيمة أساسية قصوى‪ ،‬كالحب‪ ،‬والصداقة‪ ،‬والمال‪ ،‬والشرف‪،‬‬ ‫أعلى هذا ال ُ‬ ‫والسلطة‪ ،‬والمكانة الجتماعية‪ ،‬والحزب‪ ،‬والوطن‪ ،‬الخ‪ .‬لذلك يو ّ‬ ‫خللها‪ ،‬ول يبحث عن سائر القيم إل بقدر ما تتيح له تحقيق تلك القيمة القصوى‪ ،‬لنه‬ ‫‪25‬‬ .‬‬ ‫التغّرب اذًا هو حالة النسان العائش غريبًا عن غاية وجوده‪ ،‬بعيدًا عن معنى حياته‪.‬غرابتك‬ ‫انك تجيش بالمهام التي لست واثقًا منها أنت نفسك‪ .‬كّلنا غرباء‪ .‬‬ ‫وتختلف هذه القيم باختلف الحاجات والرغبات والطباع والميال‪ .‬انك مثلي‪ ،‬تتلّمس أسرارك ومعنى‬ ‫حياتك كلها في هذا التلّمس‪ ...‬‬ ‫ولن يستطيع إنهاء تغّربه والعودة إلى كيانه ما لم يجد غاية وجوده ومعنى حياته‪ .‬فغرابة‬ ‫ن للرجوع إليه‪ .‬أنا‬ ‫النسان‪ ،‬إذن‪ ،‬هي في كونه متغّربا عن شيء يح ّ‬ ‫ي غريب‪ ،‬وأزعم‪ ،‬أيها القارئ‪ ،‬أنك أنت أيضًا غريب‪ .‬فهناك حاجات‬ ‫بيولوجية ل بّد من إشباعها كالحاجة إلى الطعام والكسوة والمسكن‪ ،‬وهناك حاجات‬ ‫فكرية كالحاجة الى المعرفة والجمال؛ وهناك حاجات اجتماعية كالحاجة إلى عائلة‬ ‫ومجتمع ووطن‪..‬‬ ‫ويختلف البحث عن تلك القيم باختلف أهميتها‪ .‬متى نعود؟ وكيف نعود؟ وإلى أين‬ ‫بالذات؟ وإلى َمن؟ ثم هل نستطيع العودة؟ أم انه ُقضي علينا بالتغّرب طيلة العمر؟‬ ‫وهل من طبيعة كياننا أن نبقى غرباء‪ ،‬نعاني حسرات الغربة؟ تلك هي السئلة‬ ‫الخيرة الحاسمة‪" .‫التغّرب والضياع كلمتان لمفهوم واحد تردان كثيرًا في الفلسفة المعاصرة للتعبير‬ ‫عن حالة النسان الذي يعيش غريبًا عن نفسه وعن الخرين‪ ،‬ضائعًا في عالم ُوجد‬ ‫فيه دون أن يعرف من أين أتى وإلى أين هو ذاهب‪.‬كيف‬ ‫السبيل إلى ذلك؟‬ ‫* اكتشاف القيمة القصوى‬ ‫في وجود كل انسان قيم متعّددة يسعى إلى تحقيقها لنه يرى في ذلك تحقيقًا لذاته‪.

‬لذلك يستحيل علينا إقناع الملحدين بالبراهين العقلية أ ّ‬ ‫‪26‬‬ .‬لذلك ان اكتفى بها النسان‬ ‫ووضع فيها رجاءه الخير‪ ،‬ل بّد له من الشعور بخيبة المل وبالتغّرب عن غاية‬ ‫وجوده ومعنى حياته‪.‬ولكن هل من سبيل للتأكد من وجود هذا الكائن المطلق؟‬ ‫‪ -4‬بين اللحاد واليمان‬ ‫أ‪ -‬اليمان واللحاد كلهما ممكن‬ ‫ل اننا ل نستطيع أن نثبت بالبراهين العقلية الجازمة التي ل‬ ‫ل بّد لنا من القرار أو ً‬ ‫تقبل الشك لوضوحها وصفائها وجود هذا الكائن المطلق وتلك الحقيقة القصوى‪ .‬فكثافة‬ ‫الجسد الذي نحن فيه وكثافة المادة التي تكتنفنا تحولن دون ظهور هذا الكائن ظهورًا‬ ‫ن إلحادهم خاطئ‪.‬‬ ‫معظم الناس يختارون لذواتهم قيمة قصوى يسعون لتحقيقها في حياتهم‪ ،‬ولكن المهم‬ ‫في المر ليس الختيار بل حسن الختيار‪.‬‬ ‫ومشكلة النسان الكبرى‪ ،‬التي هي في أساس تغّربه‪ ،‬هو انه‪ ،‬في معظم الحيان‪،‬‬ ‫يخطئ في اختياره‪ .‬‬ ‫جليًا‪ .‫يرى في تحقيقها تحقيقًا لذاته‪ ،‬وفي فقدانها فقداناً وضياعًا لذاته‪ ،‬فهي محور نظرته الى‬ ‫الكون والواقع‪ ،‬ومركز ائتلف كيانه وشخصيته‪.‬يختار لنفسه قيمة قصوى من بين هذه المور التي تشبع رغباته‬ ‫الوقتية وحاجاته الزمنية‪ ،‬ولكنها ل تقوى على إشباع رغبته في المطلق وعطشه وإلى‬ ‫اللمتناهي‪ ،‬ول تستطيع من َثّم إزالة الخاطر المطلقة التي تهّدد النسان في عمق‬ ‫كيانه‪ :‬خطر الموت وخطر العبث وخطر الهلك البدي‪ .‬‬ ‫ان المر الوحيد الذي يستطيع أن يكون الغاية القصوى الحقيقية للنسان يجب أن‬ ‫ح فيه ما يقوله أيضًا شارل مالك عن الحقيقة‪" :‬انه شيء موجود‪ ،‬شيء حقيقي‬ ‫يص ّ‬ ‫ش فيه ول زيف‪ ،‬شيء ل يخدع ول يغالط‪ ،‬وهو‪ ،‬على بعده‬ ‫ثابت وأكيد‪ ،‬ل غ ّ‬ ‫ن تمامًا‪ ،‬بل‬ ‫وخفيته‪ ،‬شيء متاح‪ ،‬ممكن الخذ والمنال‪ ،‬شيء يرتاح إليه العقل ويطمئ ّ‬ ‫ك فيه‪ ،‬أو يتساءل عنه‪ ،‬أو يدور حوله‪ ،‬انه شيء يقنع‬ ‫ليس في مقدور العقل أن يش ّ‬ ‫ن إليه‪،‬‬ ‫ي من جوانبه كافة‪ ،‬يمل النفس‪ ،‬فتطمئ ّ‬ ‫ويشبع‪ ،‬شيء مضبوط ل عطب في أ ّ‬ ‫ق أركن إليه بسلم‪ ،‬وهو حين أجده أقول انه كان موجودًا‬ ‫وتجد فيه سعادتها‪ ،‬شيء با ٍ‬ ‫ي شيء آخر إن‬ ‫منذ الزل وهو الذي كنت أبحث عنه طيلة حياتي؛ شيء يغنيني عن أ ّ‬ ‫أنا وجدته ومكثت فيه؛ شيء مباح عمومي بمقدار ما هو خصوصي أمتلكه شخصيًا‪،‬‬ ‫شيء إن أنا حزته واعتنقته تمّكنت من شرحه ونقله إلى غيري‪ ،‬وتمّكن غيري من‬ ‫حيازته واعتناقه هو أيضًا‪ ،‬دون أن ينتقص مثقال ذّرة من حيازتي له واعتناقي إياه‪،‬‬ ‫ي تمّكنا‬ ‫شيء بقدر ما أشرحه وأكونه وأشهد له‪ ،‬وأشرك فيه غيري‪ ،‬بقدر ما يزداد ف ّ‬ ‫ووثوقًا"‪ .

‬‬ ‫اما الملحد فبرفضه ال يرفض أن يكون للحياة مبدأ دائم ومعنى مطلق وغاية أخيرة‪.‫ولكن من جهة أخرى ل بّد للملحدين من القرار بأنهم هم أيضًا ل يستطيعون أن‬ ‫ك ان هذا الكائن المطلق الذي نؤمن‬ ‫يبرهنوا بالبراهين العقلية الجازمة التي ل تقبل الش ّ‬ ‫بوجوده هو وهٌم محض وصنع خيال‪.‬‬ ‫يرتكز اللحاد على نظرة سلبية‪ ،‬نظرة ش ّ‬ ‫ب‪ -‬اليمان واللحاد موقفان من الحياة‬ ‫المؤمن يرى ان للحياة مبدأ ومعنى وغاية‪ ،‬وان ال هو مبدأ الكائنات ومعناها‬ ‫وغايتها‪ .‬لذلك يستطيع ان يتغّلب على ما يشعر به من قلق‪ .‬وإن رأى في الكون ما يبّرر الحياة‬ ‫ل مجمل ألغازها والجابة على التساؤلت‬ ‫ويجعلها حلوة في نظره‪ ،‬فلن يتمّكن من ح ّ‬ ‫القصوى التي ل بّد له من طرحها يومًا في ميادين المعرفة والعمل والرجاء‪:‬‬ ‫ ماذا نستطيع أن نعرف؟ لَم الحياة ولَم الكون؟ من أين يأتي النسان؟ وإلى أين هو‬‫ذاهب؟ ولَم هذا العالم؟‬ ‫ ماذا يجب علينا أن نعمل؟ لماذا نحن مسؤولون وأمام َمن؟ ما هو المصير الذي‬‫يجب أن يتوق إليه النسان؟ وما هو المصير الذي يجب أن يجتنبه؟ ما الذي يقّرر‬ ‫مصير النسان؟ وما معنى المانة والصداقة؟ لماذا العذاب؟ لماذا الخطيئة؟‬ ‫ ماذا يمكننا أن نرجو؟ ما هي غاية وجودنا؟ ماذا سيحدث للكون؟ ما هو مصيرنا‪:‬‬‫الموت النهائي الذي سوف يقضي على كل شيء؟ ما الذي يحملنا على البقاء بجرأة‬ ‫على قيد الحياة؟ وما الذي يحملنا أيضًا على قبول الموت بجرأة؟‬ ‫إن تلك السئلة تهّم الناس جميعًا‪ :‬الجّهال والحكماء‪ ،‬الضعفاء والقوياء‪ ،‬المرضى‬ ‫حاء‪ ،‬المائتين والحياء‪ .‬‬ ‫فمن الناحية المبدئية اذًا اليمان ممكن واللحاد ممكن‪ ،‬وكلهما ل يرتكز على‬ ‫براهين عقلية‪ .‬‬ ‫فهو يكتفي بأن يحيا في النسبي من المور‪ .‬فالموت لن يعود في نظره‬ ‫نهاية كل شيء بل دخول في حياة ال؛ والحياة لن تعود فراغًا وعبثًا‪ ،‬بل اشتراك مع‬ ‫ال في متابعة خلق العالم؛ والخطيئة لن تقوده إلى اليأس والخوف من الهلك البدي‪،‬‬ ‫ل ال الذي ينشده‬ ‫بل تحمله على الرجاء برحمة ال اللمتناهية‪ .‬انهما موقفان يختارهما النسان انطلقًا من نظرة أساسية شاملة إلى‬ ‫الكون والحياة فاليمان يرتكز على نظرة إيجابية‪ ،‬نظرة ثقة بالكون والحياة‪ ،‬بينما‬ ‫ك وتشاؤم بالكون والحياة‪.‬في وسط كل ما هو معّرض للتحّول والتغّير والزوال‬ ‫والص ّ‬ ‫والفناء‪ ،‬هل من حقيقة ثابتة تسند الكون وتسند النسان وتمنعه من النقياد إلى اليأس؟‬ ‫ل جواب لي من تلك السئلة عند الملحدين‪.‬‬ ‫ولكنه برفضه النفتاح على ما يتجاوز العقل والحواس‪ ،‬يحصر النسان في حدود‬ ‫‪27‬‬ .‬‬ ‫فالملحد ل يرى إل ما تقع عليه حواسه‪ ،‬ول يقبل إل ما يدركه عقله إدراكًا مباشرًا‪.‬وهكذا يجد في ال الح ّ‬ ‫للخروج من قلقه والسيطرة على تناقضات حياته والعيش في أمان وسلم‪.

‬‬ ‫إن لم نتمّكن من إثبات وجود ال بالبراهين العقلية الجازمة‪ ،‬فإننا نستطيع أن نظهر‬ ‫أن إيماننا ل يناقض العقل‪ ،‬بل‪ ،‬على العكس من ذلك‪ ،‬يجيب على تساؤلته وقلقه‬ ‫وتطلباته أكثر من اللحاد‪.‬حسابهم‬ ‫أن يشهدوا على ما يؤمنون به وعلى ما يختبرونه في إيمانهم‪.‬‬ ‫وتلك الخبرة هي الناحية اليجابية لما يختبره النسان سلبيًا في التغّرب‪ .‬باليمان يدرك‬ ‫وانه بامكانه التحاد بتلك الحقيقة‪ ،‬وإ ْ‬ ‫النسان ان ما يبحث عنه ليس مجرد سراب ووهم خيال‪ ،‬بل هو كائن حقيقي‪ ،‬هو‬ ‫‪28‬‬ .‬أما المؤمن فيرى ان المادة‪ ،‬إن لم يكن هناك روح‬ ‫يحّركها‪ ،‬ل يمكن أن يخرج منها الروح‪ .‬‬ ‫ق ليموت" بعد فترة من الوقت يقضيها على الرض‪.‬أصل كل شيء وكل فكر وكل روح؛ انها أزلية ل شيء‬ ‫قبلها ول كائن آخر أوجدها‪ .‬‬ ‫‪ -5‬خبرة اليمان‬ ‫أ‪ -‬اليمان والتغّرب‬ ‫ل لبعض العقائد الموضوعية‬ ‫ليس اليمان اعتناقًا لبعض المبادئ النظرية أو قبو ً‬ ‫البعيدة عن حياة النسان‪ .‫ضيقة هو مدعو الى تجاوزها‪ ،‬ويغلق على العقل في آفاق قصيرة المدى هو مدعو‬ ‫الى الذهاب أبعد منها‪ .‬‬ ‫يرى الملحد أن المادة‪ .‬‬ ‫ل يّدعي اليوم المؤمنون أنهم يستطيعون إقناع الملحدين بالبراهين العقلية‪ .‬الملحد يعيش دون‬ ‫خِل َ‬ ‫أما المؤمن فيعّد النسان "كائنًا ُ‬ ‫رجاء‪ ،‬أما المؤمن فيحيا في الرجاء‪.‬ويرى ان النسان‪ ،‬ذاك الكائن الضعيف‬ ‫المعّرض للموت‪ ،‬ل يمكن أن يكون هو أصل كيانه‪ ،‬إذ ل يملك في ذاته ما يجعله‬ ‫يكتفي بذاته‪ .‬النسان متعّلق بالكائن السمى المطلق الذي يملك كل شيء وهو أصل‬ ‫كل شيء وغاية كل شيء‪.‬إنما اليمان خبرة حياتية تشمل نظرة النسان إلى الكون‬ ‫بأسره وإلى وجوده في هذا الكون‪.‬ولكن بينما يغلق الملحد على ذاته في تلك الخبرة ويضيع فيها كيانه‪،‬‬ ‫يتجاوزها المؤمن ليرى فيها دعوة الى التحاد بمن ل حدود لكيانه ول نهاية لحياته‪.‬‬ ‫الملحد والمؤمن كلهما يختبر ضعف النسان وحدود كيانه في المرض واللم‬ ‫والشقاء والموت‪ .‬فباليمان‬ ‫يدرك النسان أن ما يشعر به من تغّرب ليس سوى غشاء يحجب الحقيقة الخيرة‪،‬‬ ‫ن من خلل الغشاء الذي يحجبها‪ .‬‬ ‫خِل َ‬ ‫الملحد يعّد النسان "كائنًا ُ‬ ‫ق ليحيا" مع ال إلى البد‪ .‬وبذلك يجرم الى النسان والى العقل النساني ويبقيهما في‬ ‫حيرة وخوف وقلق‪.

‬‬ ‫‪29‬‬ .‬‬ ‫ب‪ -‬أبعاد اليمان‬ ‫هكذا يبدو اليمان نظرة إلى الكون وموقفًا من الحياة يتيحان للنسان اكتشاف عمق‬ ‫الشياء وأصلها ومستقبلها في نظرة شاملة تحيط بكل أبعاد الواقع‪.‬‬ ‫تلك النظرة إلى عمق الشياء من شأنها مساعدة النسان في محاولته السيطرة على‬ ‫ما يشعر به من حيرة وقلق وتغّرب وضياع‪.‬فل يغدو‬ ‫ظم أبدع الكون من ل شيء‬ ‫الكون عمل الصدفة أو السحر‪ ،‬بل عمل مبدع خالق من ّ‬ ‫وخلق النسان من العدم ودعاه إلى مشاركته في تنظيم الخلق وإلى متابعة عمل‬ ‫الخلق‪.‬فيدرك من جهة انه مرتبط بالكون وبالخرين‬ ‫وبال بعلئق ل يستطيع أن يحيا من دونها‪ ،‬ويعرف من جهة أخرى انه حر‪ ،‬غير انه‬ ‫ل يحسب حريته قائمة على رفض تلك العلئق‪ ،‬بل بالحرى على تحويلها إلى علئق‬ ‫تكامل وصلت محبة‪.‬ل يتعامى المؤمن عن‬ ‫النواحي السلبية والجوانب الشاقة التي ل بّد لكل كائن بشري من أن يصطدم بها في‬ ‫الكون‪ .‫الكيان بالذات‪ ،‬أصل كل الكائنات ومبدأها وغايتها‪ ،‬هو الموجود الول الذي لوله ما‬ ‫ُوجد شيء‪.‬‬ ‫بموجب تلك النظرة اليمانية يرى المؤمن في معطيات الكون والواقع والعالم‬ ‫والتاريخ نعمًا ُأعطيت له من قبل ال لتحقيق ذاته ونمّو كيانه‪ .‬من خلل ما ُيرى‬ ‫يكتشف ما ل ُيرى‪ ،‬من خلل الرمز يكتشف المعنى‪.‬‬ ‫تلك النظرة إلى عمق الشياء توصل النسان إلى اكتشاف أساسها الراسخ الثابت‬ ‫المين‪ ،‬وبالتالي إلى اكتشاف قيمتها‪ .‬‬ ‫* نظرة إلى عمق الشياء‬ ‫ل يتوقف المؤمن عند القشرة من الشياء بل ينفذ إلى لّبها وجوهرها‪ ،‬ل يكتفي‬ ‫بالنظر إلى سطحيات المور‪ ،‬بل يسبر غورها وعمق معناها‪ .‬إنما ل يتوقف عندها ول يبقى أسيرها‪ ،‬بل يرى في وجودها دعوة إلى‬ ‫تجاوزها وتحقيق حريته أن خللها‪ .‬‬ ‫ومن خلل وجود هذا الكائن المطلق ينظر المؤمن إلى الكون وإلى نفسه‪ .‬فهي ليست نتيجة الصدفة بل عمل ال الذي‬ ‫خلقها ليحّقق النسان ذاته من خللها‪.‬‬ ‫فكما ان النسان يرى في ابتسامة أوفي باقة ورد ُتهدى له علمة صداقة‪ ،‬هكذا في‬ ‫جمال الخلئق يرى جمال الخالق‪ ،‬وفي الكون والحياة يشاهد وجه الكائن والله الحي‬ ‫الذي خلق النسان ليشركه في كيانه ويمله من حياته‪.

(26 :19‬‬ ‫مستحي ً‬ ‫* نظرة شاملة إلى الكون والحياة‬ ‫‪30‬‬ .‬عندئٍذ ينفتح الكائن المطلق ويرى فيه أصل كل كيان‬ ‫وكل وجود‪ .‫* نظرة إلى أصل الشياء‬ ‫في حياتنا اليومية تتبادر دومًا إلى أذهاننا أسئلة عن أصل الشياء وأصل النسان‪:‬‬ ‫َمن صنع هذا الشيء وما هو مصنوع؟ من أين أتى هذا النسان؟ َمن هم ذووه؟ أين‬ ‫ُولد وأين تعّلم؟ من خلل ماضي النسان نحاول أن نكتشف حاضره‪ .‬فالخلق عمل دائم‪،‬‬ ‫لن العلقة بين ال والكون هي علقة دائمة‪ .‬فالمؤمن موقن انه ل يعمل وحده‪ ،‬يل يعمل مع ال الساكن فيه‪ ،‬وانه‬ ‫بقوة ال يستطيع أن يحّقق ما ل يستطيع النسان تحقيقه وحده‪ .‬‬ ‫فاليمان هو إذًا نظرة إلى الكون والنسان كما يريدهما ال أن يكونا‪ ،‬وفي آن معًا‬ ‫التزام للسهام مع ال في تحقيق تصميمه وإرادته في الكون والنسان‪.‬لذلك ل يكتفي المؤمن بالنظر إلى‬ ‫الماضي والحاضر‪ ،‬بل يتجاوزهما إلى المستقبل‪ .‬وفي كل نقص يختبره في الحاضر‬ ‫يرى دعوة من ال للعمل في سبيل بناء مستقبل يحّقق فيه كل انسان ما تصبو إليه‬ ‫انسانيته‪.‬وللتعّمق في‬ ‫معرفة ذواتنا نحاول أن نتذّكر نحن أيضًا تاريخنا الماضي وحياتنا السالفة‪.‬ويدرك إّذاك ان حياته هي نعمة ُأعطيت له من قبل ال‪.‬‬ ‫كل انسان يختبر حدود وجوده في المكان والزمان‪ ،‬ول سيَما في أوقات الضيق‬ ‫والمرض والضعف والموت‪ .‬فاذا كان هذا العمل‬ ‫ل عند الناس‪" ،‬فعند ال كل شيء ممكن" )متى ‪.‬وتلك العقيدة ليست‬ ‫نظرية علمّية تهدف إلى تفسير الطريقة التي خلق ال بها الكون‪ ،‬بل تعبير عن إيمان‬ ‫النسان بعلقته بال أصل كيانه وعّلة وجوده‪.‬انه‬ ‫الركيزة الثابتة التي يستطيع النسان أن يعتمد عليها للحفاظ على تفاؤله بانتصار الخير‬ ‫على جميع قوى الشر المعادية‪ ،‬وللثبات في جهاده لبناء أرض تسود فيها المحبة‬ ‫ويسود السلم‪ .‬‬ ‫هذا ما تؤمن به مختلف الديانات وتعّبرعنه في عقيدة الخلق‪ .‬‬ ‫ل يكتفي اليمان بتلك العودة في الزمن إلى ماضي الشياء وماضي النسان‪ ،‬بل‬ ‫يحاول اكتشاف الصل اللزمني لجميع الكائنات‪ ،‬أي عّلة وجودها ومبدأ كيانها‪.‬‬ ‫استنادًا إلى هذا اللتزام الذي هو من صميم اليمان‪ ،‬ندرك أن اليمان ليس من‬ ‫مخّلفات العصور السابقة‪ ،‬كما يّدعي الملحدون‪ ،‬بل هو أساس لبناء المستقبل‪ .‬‬ ‫* نظرة إلى مستقبل الشياء‬ ‫اليمان بأن ال هو خالق الكون ل يقتصر على الزمن الماضي‪ .‬من خلل تلك الخبرة يكتشف المؤمن أن الكائن المحدود‬ ‫ل يمكن أن يكون هو أصل ذاته‪ .

‬‬ ‫ج‪ -‬اليمان بال هو اليمان بالمحبة‬ ‫ل شك في أن تلك النظرة لن تزيل من حياته كل ألم‪ .‬‬ ‫لذلك ل يغلق المؤمن على ذاته ضمن ما يجري في حياته من أحداث فردية‪ ،‬بل‬ ‫يضعها دومًا في إطار نظرة شاملة لحياته ومصيره‪.‬فال قد أحّبه واختاره وقبله‪.‬وتلك العلقة هي علقة محبة‪.‬‬ ‫فإزاء موت قريب له أو صديق‪ ،‬وما يسّببه له هذا الحدث المفجع من حزن وألم‪،‬‬ ‫يتساءل المؤمن ليس عن نهاية حياة هذا النسان وحسب‪ ،‬بل عن نهاية حياته هو‬ ‫ونهاية حياة كل انسان‪ .‬‬ ‫ولكنه يؤمن ان ال أعظم منها‪ ،‬وان محبة ال له أقوى من الموت وأقوى من كل ما‬ ‫يمكن أن يحدث له‪.‬فالفواجع التي تنتابه‬ ‫والمصائب التي تلّم به تبقى أحداثًا ل يمكنه كإنسان إل أن يشعر بمرارتها وقسوتها‪.‬من خلل تلك الخبرة يدرك أن النسان لم يخلق فقط لبضع‬ ‫خلق للحياة الدائمة مع ال‪ .‬فمن ثبت في المحبة ثبت في ال وثبت ال فيه" )‪ 1‬يو ‪ .‬أي ان النسان ل يمكنه‬ ‫أن يختبر الواقع كّله‪ .‫واليمان هو أخيرًا نظرة شاملة إلى الكون والحياة‪ .‬‬ ‫شرنا بها يسوع المسيح في كلمه عن ال‪ ،‬وفي‬ ‫تلك هي البشرى الصالحة التي ب ّ‬ ‫حياته كلها وموته وقيامته‪.(10 :4‬لقد عّرفنا يوحنا بال من خلل‬ ‫علقة ال بالبشر‪ .‬عندئٍذ ل يعود‬ ‫سنوات يقضيها على هذه الرض‪ ،‬بل ُ‬ ‫الموت في نظره نهاية كل شيء بل مرورًا إلى حياة ال‪.‬‬ ‫هذا هو موقف المؤمن الحقيقي إزاء الحياة والكون وكل ما يمكن أن يحدث له في‬ ‫اليسر والضيق‪ ،‬في الفرح والحزن‪ ،‬في السعادة والشقاء‪ ،‬في الحياة والموت‪ ،‬يؤمن انه‬ ‫ليس وحيدًا في هذا الكون ول غريبًا في هذه الحياة‪ .‬‬ ‫ي‪ ،‬بل قال‪:‬‬ ‫ي نظر ّ‬ ‫عندما أراد يوحنا النجيلي التعريف بال لم يلجأ إلى تعبير فلسف ّ‬ ‫"ان ال محبة‪ .‬‬ ‫ويجد هذا التعريف بال صدى في قول جبران خليل جبران‪" :‬أما أنت إذا أحببت‬ ‫فل تقل‪ :‬ال في قلبي‪ ،‬لكن قل‪ :‬أنا في قلب ال"‪.‬‬ ‫انه في قلب ال إلى البد‪.‬ل ريب في أن الخبرة البشرية‪،‬‬ ‫بسبب حدود النسان وحدود معرفته‪ ،‬هي دومًا خبرة جزئية‪ .(16 :4‬وفي‬ ‫تعريفه بالمحبة يقول‪" :‬على هذا تقوم المحبة‪ :‬ل أّنا نحن أحببنا ال‪ ،‬بل هو نفسه أحّبنا‬ ‫وأرسل ابنه كّفارة عن خطايانا" )‪ 1‬يو ‪ .‬إنما كل حدث فردي من أحداث الواقع يمكن أن يحيلنا إلى الكل‪.‬‬ ‫كيف ظهر لنا ال في شخص يسوع المسيح؟‬ ‫‪31‬‬ .

(18 :1‬‬ ‫ان الله الذي يتوق كل إنسان إلى معرفته والذي ظهر للنبياء في العهد القديم‪ ،‬قد‬ ‫ظهر لنا في ملء الزمنة في شخص ابنه يسوع المسيح‪ .‬وقد سأل يومًا أحد الكتبة‬ ‫يسوع عن أولى الوصايا‪ ،‬فأجابه يسوع مرّددا كنت العهد القديم‪ُ" :‬أولى الوصايا هي‪:‬‬ ‫اسمع يا اسرائيل‪ :‬الرب إلهنا هو الرب الوحيد‪ .‫ــــــــــــــــــــــــــ‬ ‫الفصل الّثاني‬ ‫جديد‬ ‫ال الب في الَعْهد ال َ‬ ‫ط الكل‪".‬‬ ‫‪ -1‬الله الوحيد‬ ‫ل في العهد الجديد اللَه الوحيد الذي له وحده‬ ‫فعلى غرار العهد القديم‪ ،‬يبدو لنا ا ُ‬ ‫يجب السجود والعبادة‪ ،‬والله القريب من النسان‪ ،‬الذي يعتني بجميع الناس ويدعوهم‬ ‫إلى دخول ملكوته‪.‬وقد رسمت لنا الناجيل‬ ‫المقدسة‪ ،‬في لوحات رائعة‪ ،‬صورة ال كما تجّلت من خلل تعاليم يسوع وأعماله‬ ‫وموته وقيامته‪ ،‬ونجد في تلك الصورة خطوطًا اعتدناها في العهد القديم وخطوطًا‬ ‫جديدة برزت لنا في المسيح‪.‬فأحبب الرب إلهك بكل قلبك وكل‬ ‫نفسك وكل ذهنك وكل قّوتك" )مر ‪30 ،29 :12‬؛ راجع تثنية الشتراع ‪،4 :6‬‬ ‫‪..‬‬ ‫ب ضاب ِ‬ ‫"نؤمن بإلٍه واحٍد آ ٍ‬ ‫"ال لم يره أحد قط‪ ،‬الله‪ ،‬البن الوحيد الذي في حضن الب هو نفسه قد أخبر"‬ ‫)يو ‪..‬فيبدو‬ ‫ال‪ ،‬في تعاليم يسوع‪ ،‬قريبًا من العالم والنسان‪ ،‬على خلف آلهة الفلسفة القدمين‪.‬‬ ‫فال‪ ،‬عند أفلطون‪ ،‬هو الفكرة المطلقة المجّردة للخير‪ ،‬وهو بعيد كل البعد عن هذا‬ ‫العالم‪ ،‬عالم الظواهر الحسية والمادة الفاسدة‪ .‬‬ ‫‪32‬‬ .(5‬‬ ‫وللتعريف بهذا الله ل يلجأ يسوع إلى لغة فلسفية وتعابير نظرية تصف ال في‬ ‫ذاته‪ ،‬بل يستخدم‪ ،‬على مثال أنبياء العهد القديم‪ ،‬لغة حياتية وتعابير واقعية وأمثا ً‬ ‫ل‬ ‫شعبّية ل تعّرف بال في ذاته بقدر ما تعّرف به في علقته بالعالم والنسان‪ .‬وينتج من تلك النظرة إلى ال موقف‬ ‫عداء للمادة ورذل للجسد‪.‬‬ ‫شر بإله جديد‪ ،‬بل بالله الوحيد الذي ظهر في العهد‬ ‫فعندما يتكلم يسوع عن ال ل يب ّ‬ ‫القديم لبراهيم واسحق ويعقوب وموسى وسائر النبياء‪ .

‫وال‪ ،‬عند أرسطوطاليس‪ ،‬وان كان قد أبدع الكون‪ ،‬إل أنه يحيا منذ الزل بعيداً عن‬ ‫الكون‪ .‬ومن خلل تلك العلقات يريد ال‬ ‫ويتحدث إليه في الصلة داعيًا شاكرًا ساجدًا مبته ً‬ ‫من النسان أن يزيل من نفسه كل خوف وقلق يمكنه أن يشعر بهما في هذا العالم‪،‬‬ ‫ويثق بال ثقة الصديق بصديقه ويحبه محبة البن لبيه‪.‬فالقصد منها إظهار قرب ال من‬ ‫النسان وعنايته الدائمة به وغيرته المستمرة عليه‪.‬‬ ‫أحداث التاريخ‪ ،‬يلطفه مّرة ويداعبه‪ ،‬ويؤّنبه مّرة ويقا ّ‬ ‫هذا الله يصّوره لنا الكتاب المقّدس منذ سفر التكوين في ملمح بشرية‪ .‬وهذا الكائن الشخصي الحي المحب‬ ‫هو الذي أخذ المبادرة وأوحى بنفسه إلى النسان داعيًا إياه إلى أن ينشى معه علقات‬ ‫شخصّية وحّية‪ ،‬وعلقات محبة‪.‬‬ ‫فال ليس كائنًا مبهمًا ول حقيقة مجّردة‪ .‬ال في تعليم يسوع‪ ،‬كما في العهد‬ ‫القديم‪ ،‬يظهر لنا كائنًا شخصيًا يمكن التحّدث إليه‪ ،‬وكائنًا حيًا أعطى الحياة للنسان‪،‬‬ ‫وكائنًا محبًا يعتني بالبشر كما يعتني الب بأبنائه‪ .‬ويتحّتم من ثم على‬ ‫النسان الذي يريد الوصول إلى ال أن يبتعد عن المادة ويتحّرر منها‪.‬‬ ‫‪33‬‬ .‬فال‪،‬‬ ‫منذ العهد القديم‪ ،‬هو الذي خلق الكون والمادة وخلق النسان روحًا وجسدًا‪" ،‬ورأى‬ ‫ل عنهما بل بقي ملتزمًا ما‬ ‫ذلك كله انه حسن"‪ .‬ومهما ابتعد النسان عن ال‪ ،‬يبقى ال قريبًا من‬ ‫النسان يخاطبه ويذّكره بعهده ووصاياه‪ ،‬تارة في كلم النبياء وطورًا من خلله‬ ‫صه‪.‬‬ ‫‪ -2‬الله القريب من النسان‬ ‫هذا التناقض بين ال والكون ل وجود له في العهد القديم ول في تعليم يسوع‪ .‬وليس هو بالفراغ المظلم الذي ل يمكن‬ ‫التعريف به ول الهاوية التي ل يمكن تحديدها‪ .‬‬ ‫فال هو الذي يقترب من النسان ويريد أن يقترب منه النسان بثقة ومحبة فيخاطبه‬ ‫ل‪ .‬‬ ‫وقد أعلن للنسان مشيئته القدوسة في ما رسم له من أحكام ووصايا‪ ،‬وطلب منه‬ ‫الطاعة لحكامه والمانة لوصاياه‪ .‬فهو سّيد التاريخ وسّيد النسان‪ ،‬وهو الذي يقود البشرية جمعاء إلى الخلص‪.‬وبعد أن خلق الكون والنسان لم يتخ ّ‬ ‫خلق‪ .‬فهو العقل الذي يعقل ذاَته ول يبالي بالعالم‪ :‬ل علقة له بشؤون البشر‪ ،‬فل‬ ‫يعتني بهم ول يطلب منهم شيئًا‪.‬لذلك‪ ،‬بينما الله الواحد‬ ‫هو إله الخير‪ ،‬ل يرى أفلوطين في المادة إل الشر والفساد‪ .‬‬ ‫وال‪ ،‬عند أفلوطين‪ ،‬هو الواحد المنفصل عن الكون‪ ،‬الذي منه انبثق عالم المادة‪ .‬إل‬ ‫أن العالم‪ ،‬بانبثاقه من الواحد‪ ،‬سقط في فساد الكثرة والتعّددية‪ .‬فنراه يتكلم‬ ‫ص ويسامح ويتطّلب ويغار ويغضب ويندم‪ ،‬يشعر بالفرح‬ ‫ويأمر وَيِعد ويهّدد ويقا ّ‬ ‫والحزن‪ ،‬بالمحبة والكره‪ .‬ل تعني تلك التصاوير البشرية أن ال هو على مثال‬ ‫النسان في تقّلب عواطفه وتغّير طبعه ومزاجه‪ .

‬لوقا ‪(8 -4 :18‬‬ ‫ويشّبه يسوع ال بالب الذي يعرف أن يعطي العطايا الصالحة لولده‪:‬‬ ‫ل من يسأل ُيعطى‪ ،‬ومن‬ ‫"إسألوا فتعطوا‪ ،‬اطلبوا فتجدوا‪ ،‬إقرعوا فيفتح لكم‪ .‬‬ ‫فال‪ ،‬في نظر يسوع‪ ،‬ل يهمل الناس بل يعتني بهم جميعًا كما يعتني بطيور السماء‬ ‫ل يعيش في الخوف والقلق والضطراب‪.‬ل يرى يسوع العالم إل في نور ال‪ ،‬فاذا به عالم حسن يستطيع النسان‪،‬‬ ‫دون خوف وقلق‪ ،‬أن يحّقق فيه ذاته ويصل من خلله إلى سعادته وغاية وجوده‪.‬لذلك يجب على النسان أ ّ‬ ‫وهذا معنى عدم الهتمام المفرط بأمور الحياة الذي يطلبه يسوع بقوله‪:‬‬ ‫"ل تهتموا لنفسكم بما تأكلون‪ ،‬ول لجسادكم بما تلبسون‪ .‬متى ‪(34 -25 :6‬‬ ‫وهذا ما يعنيه يسوع أيضًا في َمَثل القاضي الجائر الذي كانت تأتي إليه أرملة قائلة‪:‬‬ ‫أنصفني من خصمي‪.‬ثم قال الرب‪" :‬اسمعوا ما يقول القاضي الجائر! وال‪ ،‬ترى‪ ،‬أفل ينصف‬ ‫ل؟ وهل يتوانى عنهم؟ أقول لكم‪ :‬انه ينصفهم‬ ‫مختاريه الذين يصرخون إليه نهارًا ولي ً‬ ‫سريعًا"‪).‬‬ ‫ل أنه عندما‬ ‫فيسوع ل ينطلق من الكون والنسان ليبرهن من خللهما عن وجود ال‪ .‬فإن ك ّ‬ ‫يطلب يجد‪ ،‬ومن يقرع ُيفتح له‪ .‬‬ ‫وزنابق الحقل‪ .‬أي إنسان منكم يسأله ابنه خبزًا فيعطيه حجرًا؟ أو‬ ‫‪34‬‬ .‬فاذا كان عشب الحقل‪ ،‬الذي‬ ‫يكون اليوم‪ ،‬وُيطَرح في التّنور غدًا‪ ،‬يلبسه ال هكذا‪ ،‬فكم بالحرى يلبسكم أنتم‪ ،‬يا‬ ‫قليلي اليمان؟ فل تقلقوا إذن قائلين‪ :‬ماذا نأكل؟ أو‪ :‬ماذا نشرب؟ أو‪ :‬ماذا نلبس؟ فهذا‬ ‫كله يطلبه الوثنيون‪ ،‬وأبوكم السماوي عالم بأنكم تحتاجون إلى هذا كله‪ .‬بل اطلبوا أو ً‬ ‫ل‬ ‫ملكوت ال وبّره‪ ،‬وهذا كّله ُيزاد لكم"‪).‬أليست النفس أفضل من‬ ‫الطعام‪ ،‬والجسد أعظم من اللباس؟ انظروا إلى طيور السماء‪ ،‬فإنها ل تزرع ول‬ ‫تحصد‪ ،‬ول تجمع إلى الهراء‪ ،‬وأبوكم السماوي يقوتها؛ أفلستم أنتم أفضل منها‬ ‫بكثير؟ َمن منكم يستطيع‪ ،‬مع الجهد‪ ،‬أن يزيد على عمره ذراعًا واحدة؟ ولماذا تقلقون‬ ‫بشأن اللباس؟ تأّملوا زنابق الحقل كيف تنمو‪ ،‬إنها ل تتعب ول تغزل؛ وأنا أقول لكم‪:‬‬ ‫ان سليَمان نفسه‪ ،‬في كل مجده‪ ،‬لم يلبس كواحدة منها‪ .‬إ ّ‬ ‫يتكلم عن الكون والنسان يظهرهما دومًا مرتبطين بكائن آخر هو مبدأ كيانهما وثبات‬ ‫وجودهما‪ .‬‬ ‫ل‪ ،‬ثم قال في نفسه‪ :‬اني وإن كنت ل أّتقي ال‪ ،‬ول أرعى للناس‬ ‫"فامتنع زمانًا طوي ً‬ ‫حرمة‪ ،‬أنصف هذه المرأة بما أنها تبرمني‪ ،‬لئل تعود‪ ،‬على غير نهاية وتوجع‬ ‫رأسي"‪ .‬‬ ‫وهكذا يظهر وجود ال في تعليم يسوع جوابًا ليس على رفض الملحدين ول على‬ ‫صي أسرار الكون‪ ،‬بل على حاجة وجودية كامنة في أعماق‬ ‫فضولية علمية تحاول تق ّ‬ ‫كيان النسان‪.‫لذلك ل نجد ل في العهد القديم ول في تعاليم يسوع براهين فلسفية عن وجود ال‪.

‬‬ ‫ت يسوع ليشبع فضولية النسان ويكشف له عن أسرار الكون‪ ،‬بل جاء ليعطيه‬ ‫لم يأ ِ‬ ‫موقفًا جديدًا من الحياة‪ ،‬موقف إيمان بأن الحياة هي عطية من ال الب المحبّ القريب‬ ‫من النسان‪.‬فالسامرية‬ ‫شار وبطرس‪ ،‬جميعهم دخلوا‬ ‫شار ونيقوديمس ومتى الع ّ‬ ‫والمرأة الزانية وزّكا الع ّ‬ ‫الملكوت عندما آمنوا أن ال قد حضر اليهم في شخص يسوع‪ .‬ول يستطيع أحد أن يلقي ال ويدخل ملكوته إل بتجديد حياته‪ .(28 :12‬‬ ‫وبينما كان يوحنا المعمدان في السجن أرسل اثنين من تلميذه يسألن يسوع‪ :‬أأنت‬ ‫التي أم ننتظر آخر؟ فأجابهما يسوع‪" :‬انطلقوا وأعِلموا يوحنا المعمدان بما تسمعون‬ ‫وترون‪ :‬العمي يبصرون والعرج يمشون والبرص يطهرون والصّم يسمعون والموتى‬ ‫ي" )متى ‪.‬‬ ‫‪35‬‬ .‬التقوا ال في اليمان‬ ‫بالمسيح ومن ثم جّددوا حياتهم ليحيوا حياة ال فيهم‪.‬‬ ‫عندما باشر يسوع كرازته بدأها بالتبشير مجيء الملكوت‪ :‬لقد تّم الزمان واقترح‬ ‫ملكوت ال‪ ،‬فتوبوا وآمنوا بالنجيل‪ .‬والدّلة على قرب الملكوت أعطاها يسوع في ما‬ ‫ل على‬ ‫اجترح من معجزات‪ .‬ففي نقاش مع الفريسيين قّدم لهم يسوع معجزاته دلي ً‬ ‫قرب الملكوت‪" :‬اذا كنت أنا بروح ال ُأخرج الشياطين‪ ،‬فقد اقترب منكم ملكوت ال"‬ ‫)متى ‪.‬كان اليهود في العهد القديم ينتظرون زمنًا يملك فيه ال على البشر ملكًا‬ ‫مباشرًا فيزيل من الرض الشقاء والظلم‪ ،‬ويحيا الناس مّتحدين اتحادًا صميمًا بال‬ ‫الحاضر في العالم حضورًا دائمًا ومتّممين على الدوام إرادته المقدسة‪.‫يسأله سمكة فيعطيه حّية؟ فاذا كنتم‪ ،‬مع ما أنتم عليه من الشّر‪ ،‬تعرفون أن تعطوا‬ ‫العطايا الصالحة لولدكم‪ ،‬فكم بالحرى أبوكم الذي في السماوات يمنح الصالحات‬ ‫للذين يسألونه!")متى ‪(11 -7 :7‬‬ ‫في تلك التصاوير والتشابيه والمثلة يجد النسان الجواب على ما يلقيه في حياته‬ ‫من صعوبات ومضايق‪ :‬في الشّدة والعذاب‪ ،‬في الضيق واللم‪ ،‬في الحزن والحرمان‪،‬‬ ‫يعلم أن ال ل يهمله‪ ،‬بل هو قريب منه‪ ،‬وانه باستطاعته في كل لحظة أن يلتجئ إلى‬ ‫ال فيجد الراحة والسلم والفرق والحياة‪.‬‬ ‫‪ -3‬إله الملكوت‬ ‫ن ُقرب ال من النسان قد تحقق بشكل خاص بمجيء الملكوت في شخص يسوع‬ ‫إّ‬ ‫المسيح‪ .(6 -4 :11‬‬ ‫كفّ‬ ‫شرون وطوبى لمن ل يش ّ‬ ‫ينهضون والمساكين يب ّ‬ ‫كل تلك المعجزات هي آيات‪ ،‬أي أعمال رمزية تظهر حضور ال وعمله في العالم‬ ‫بشكل نهائي في شخص يسوع المسيح‪ ،‬وتدعو الناس إلى اليمان بالمسيح ودخول‬ ‫الملكوت‪ .

‬‬ ‫"لما بلغ ملء الزمان أرسل ال ابنه مولودًا من امرأة‪ ،‬مولودًا تحت الناموس ليفتدي‬ ‫الذين تحت الناموس وننال التبّني" )غل ‪" ،(5 ،4 :4‬وكل الذين قبلوه آتاهم سلطانًا‬ ‫أن يصيروا أبناء ال" )يو ‪.‬ففي المسيح يسوع يملك ال على البشر ل كما يملك ملك على عبيده‪،‬‬ ‫بل ل يملك الحق في قلب عاشق الحق‪ .‬‬ ‫نضيف هنا أن ال ليس وهمًا ول صنع مخّيلة البشر ول انعكاسًا لرغباتهم كما‬ ‫يّدعي الملحدون من أمثال وماركس وفويرباخ فال‪ ،‬في نظر يسوع حقيقة تسبق‬ ‫النسان وكائن ل يستسلم لرغبات النسان بل يدعوه إلى تجديد حياته للولوج إلى حياة‬ ‫ال‪ .‬‬ ‫‪ -4‬إله النعمة والرحمة‬ ‫"إن الناموس قد ُأعطي لنا بموسى‪ ،‬وأما النعمة والحق فبيسوع المسيح قد حصل"‬ ‫)يو ‪.‬وأصبح الناموس في العهد القديم الطريق الذي يقود النسان‬ ‫إلى ال‪.‬وقد أصبح ذلك ممكنًا بمجيء المسيح‪.‬وفي المسيح يسوع يحيا الناس مع ال‪ ،‬ل كما‬ ‫يحيا عبيد مع أسيادهم بل كما يحيا أبناء مع أبيهم‪ .‬فنراه ينقض الناموس ليجري الشفية يوم السبت‪ ،‬فيشفي‬ ‫اليابس اليد )متى ‪ ،(14 -1 :12‬والمرأة الحدباء )لوقا ‪ ،(17 -10 :13‬ويرفض‬ ‫أن تطّبق شريعة موسى القائلة برجم المرأة الزانية ويستبدلها بالرحمة والمغفرة )يو‬ ‫‪.‬‬ ‫ان ال الذي هو قريب من النسان منذ أن خلقه‪ ،‬والذي التزم محبة النسان منذ أن‬ ‫أوجده‪ ،‬قد أصبح حاضرًا في الكون ومع الناس حضورًا خاصًا وممّيزا في شخص‬ ‫يسوع المسيح‪ .‬‬ ‫فهناك أبرم ال عهدًا مع بني اسرائيل وهناك أعطاهم الناموس ووعدهم بأن يكون‬ ‫معهم إن حفظوا وصاياه‪ .‫قلنا في الفقرة الثانية إن يسوع ل يبرهن عن وجود ال فلسفيًا بل يرى كل شيء في‬ ‫نور ال‪ ،‬فيبدو وجود ال أساسًا لوجود الكون ووجود النسان‪.(17 :1‬‬ ‫إن قمة كشف ال عن ذاته في العهد القديم هي في ظهوره لموسى على جبل سيناء‪.(12 :1‬‬ ‫لذلك في العهد الجديد يبدو لنا ال إله والملكوت وإله النعمة والرحمة في آن واحد‪.‬‬ ‫أما في العهد الجديد فال ليس إله الناموس بل إله النعمة والرحمة‪ .‬فبيسوع ابن ال يستطيع الجميع أن‬ ‫يصبحوا أبناء ال‪.(11 -3 :8‬‬ ‫‪36‬‬ .‬وهذا ما أظهره‬ ‫يسوع في عمله وفي تعليمه‪ .

(10 -1 :19‬‬ ‫وتفسيرًا لموقفه من الخطأة يصف في عدة أمثال موقف ال نفسه من الخطأة‪ .‫شارون والخطأة جميعاً‬ ‫لقد أظهر يسوع بنوع فائق رحمة ال للخطأة‪" .‬‬ ‫أ‪َ -‬مَثل الخروف الضالّ‬ ‫فال يشبه الراعي الصالح الذي ل يرضى بأن يهلك أحد من خرافه‪" ،‬فاذا كان له‬ ‫مئة خروف وأضاع واحدًا منها‪ ،‬يترك التسعة والتسعين في البّرية ويمضي في طلب‬ ‫ل حتى يجده‪ ،‬واذا ما وجده يحمله على منكبيه فرحًا‪ ،‬ويعود إلى بيته ويدعو‬ ‫الضا ّ‬ ‫ل"‪ .‬فكان الع ّ‬ ‫يقبلون إليه ليسمعوه‪ ،‬ما جعل الفريسيين والكتبة يتذّمرون قائلين‪ :‬ان هذا الرجل يقبل‬ ‫الخطأة ويأكل معهم" )لوقا ‪.(50 -36 :7‬‬ ‫ل‪" :‬اليوم قد حصل الخلص لهذا البيت‪ ،‬فإنه هو أيضًا ابن‬ ‫شار قائ ً‬ ‫ويغفر لزّكا الع ّ‬ ‫لبراهيم‪ .(2 ،1 :15‬‬ ‫فيغفر لمخّلع كفرناحوم‪" :‬يا رجل مغفورة لك خطاياك"‪ ،‬ثم يشفيه‪" :‬لك أقول‪ :‬قْم‬ ‫ض إلى بيتك" )لوقا ‪.(10 -8 :15‬‬ ‫‪37‬‬ .(26 -17 :5‬‬ ‫واحمل فراشك وام ِ‬ ‫ل رجليه‬ ‫وفي بيت سمعان الفّريسي يغفر للمرأة الخاطئة التي جاءت إليه تبكي وتب ّ‬ ‫بالدموع وتمسحهـا بشعر رأسها‪ ،‬ويقول لسمعان‪" :‬إن خطاياها‪ ،‬خطاياها الكثيرة‪،‬‬ ‫مغفورة لها‪ ،‬بما أنها أحّبت كثيرًا" )لوقا ‪.‬لن ابن البشر قد جاء ليطلب ما قد هلك ويخّلصه" )لوقا ‪.(14 -9 :18‬‬ ‫ب‪َ -‬مَثل الدرهم المفقود‬ ‫وال يسعى أيضًا وراء الخاطئ كما تسعى المرأة الفقيرة وراء درهم أضاعته من‬ ‫دراهمها العشرة‪" ،‬فتوقد سراجًا وتكّنس البيت‪ ،‬وتطلبه في اهتمام حتى تجده؛ واذا ما‬ ‫ن‪ :‬افرحن معي‪ ،‬فاني قد وجدت الدرهم‬ ‫وجدته تدعو الصديقات والجارات وتقول له ّ‬ ‫الذي أضعت"‪ .‬ثم يضيف يسوع‪" :‬أقول لكم‪ ،‬إنه هكذا يكون الفرح عند ملئكة ال‬ ‫بخاطئ يتوب" )‪.‬ثم‬ ‫الصدقاء والجيران ويقول لهم‪ :‬افرحوا معي‪ ،‬فإني قد وجدت خروفي الضا ّ‬ ‫يردف يسوع منتقدًا الفريسيين والكتبة الذين كانوا يتذّمرون لقبوله الخطأة ومؤاكلتهم‪،‬‬ ‫ومنتقدًا الصورة المشّوهة التي كانوا يرون ال من خللها‪" :‬أقول لكم‪ :‬هكذا في‬ ‫السماء يكون فرح بخاطئ يتوب أكثر ما يكون بتسعة وتسعين صّديقا ل يحتاجون إلى‬ ‫توبة" )‪ .(7 -4 :15‬ويعني بهؤلء التسعة والتسعين الفريسيين الذين يعتقدون أنهم‬ ‫شار‪ ،‬لوقا‬ ‫صّديقون وأنهم ليسوا بحاجة إلى توبة )راجع في ذلك َمَثل الفريسي والع ّ‬ ‫‪.‬وقد‬ ‫جمع لوقا في الفصل الخامس عشر من إنجيله ثلثة من هذه المثال‪ :‬الخروف الضا ّ‬ ‫ل‬ ‫والدرهم المفقود والبن الشاطر‪.

(32 :15‬‬ ‫ل فُو ِ‬ ‫"الذي كان ميتًا فعاش وكان ضا ّ‬ ‫فالبن الكبر يمّثل الفريسيين في كبريائهم وقسوتهم تجاه موقف يسوع من الخطأة‪.‬‬ ‫كل ما عَرف البن الكبر عن أبيه الخدمة والوامر‪ .(29 :15‬وكل ما عرف الفريسيون‬ ‫عن ال الناموس والوصايا‪ .‬ولدى عودته‪" ،‬وإذ كان بعد بعيدًا‪،‬‬ ‫ل" )‪:15‬‬ ‫أبصره أبوه‪ ،‬فتحّركت أحشاؤه وبادر إليه وألقى بنفسه على عنقه وقّبله طوي ً‬ ‫ل‪" :‬يا أبتاه‪ ،‬قد خطئت إلى السماء‬ ‫‪ .(20‬ولما أراد البن أن يعتذر عّما صنعه‪ ،‬قائ ً‬ ‫ل لغلمائه‪" :‬هلّموا سريعًا‬ ‫عى لك ابنًا" قاطعه الب قائ ً‬ ‫ق بعد أن ُأد ِ‬ ‫وإليك‪ ،‬ول أستح ّ‬ ‫بأفخر حّلة وألبسوه وضعوا في يده خاتمًا وفي رجليه حذاء‪ ،‬وْأتوا بالعجل المسّمن‬ ‫جد" )‪:15‬‬ ‫ل فُو ِ‬ ‫واذبحوه‪ ،‬ولنأكل ونفرح‪ ،‬لن ابني هذا كان ميتًا فعاش‪ ،‬وكان ضا ّ‬ ‫‪.‬‬ ‫ال‪ ،‬في نظر يسوع‪ ،‬ليس إله الكبت والضغط والكراه‪ ،‬بل إله التحّرر الذي يحّرر‬ ‫النسان من حواجز التقاليد الجتماعية والحكام البشرية التي تفصل السامريين عن‬ ‫شارين عن الفريسيين‪ ،‬وتغلق على الخطأة في خطيئتهم وعلى المنبوذين‬ ‫اليهود والع ّ‬ ‫في انتباذهم وعلى المحرومين في حرمانهم وعلى الضعفاء في ضعفهم‪.‬‬ ‫صته من الميراث‬ ‫فال هو ذلك الب الذي ينتظر عودة ابنه الصغر الذي أخذ ح ّ‬ ‫وقصد إلى بلد بعيد وأتلفها هناك عائشًا في التبذير‪ .‬فيقول لبيه‪" :‬كم لي من السنين‬ ‫في خدمتك‪ ،‬ولم أتعّد قط أمرًا من أوامرك" )‪ .‬فال الملك‬ ‫يصبح ال الب‪ ،‬وعلقة ال مع الناس لم تعد علقة ملك مع عبيده‪ ،‬بل علقة أب مع‬ ‫أبنائه‪ ،‬الخطأة والصّديقين‪ ،‬الشرار والصالحين‪.‬‬ ‫‪38‬‬ .‬وهذا ما لم يستطع أن يفهمه الفريسيون المتعلقون تعّلقًا أعمى‬ ‫بحرف الناموس‪.‫ج‪َ -‬مَثل البن الشاطر أو الب الرحيم‬ ‫أما قّمة الوحي النجيلي بصورة ال فنجدها في َمَثل البن الشاطر‪ .‬‬ ‫ال‪ ،‬في نظر يسوع‪ ،‬هو إله الممكنات الذي يفتح أمام النسان آفاق المستقبل‪،‬‬ ‫فيحّرره من قيود نفسه ويدعوه إلى تجاوز ذاته باستمرار؛ ال فيض من العطاء‬ ‫المجاني ل نستطيع أن ندرك عمقه أو سعة امتداده‪.‬ولكن ال‪ ،‬في نظر يسوع‪ ،‬ليس إله الوامر والنواهي‬ ‫والناموس والوصايا‪ ،‬بل ال هو إله الرحمة والمحبة‪ ،‬وبقدر ما يبتعد أبناؤه عنه‪ ،‬بقدر‬ ‫ذلك تزيد محبته لهم‪ .‬فالب يغفر لبنه الصغر ويعيده إلى بيته مكّرمًا‪ ،‬ثم يدعو ابنه الكبر‬ ‫الذي يغضب ويرفض الدخول إلى البيت‪ ،‬إلى مشاركته الفرح بعودة أخيه الصغر‬ ‫جد" )‪.(24 -22‬‬ ‫يجب أن يدعى هذا الَمَثل‪ ،‬ل َمَثل "البن الشاطر"‪ ،‬بل َمَثل "الب الرحيم"‪ ،‬لنه ل‬ ‫يرّكز على موقف البن الشاطر بقدر ما يرّكز على موقف الب من ابنه الصغر ثم‬ ‫من ابنه الكبر‪ .

‬ان الله الحقيقي قد ظهر لنا في شخص يسوع‬ ‫المسيح‪ .‬إلهنا محبة‪ ،‬فينبغي أن نكون‬ ‫نحن محبة‪ .‬وال هو الذي بادرنا بالمحبة‪ .‬والرسل والتلميذ الذين آمنوا بيسوع وعاشوا معه اختبروا من خلله ال‬ ‫وعرفوا وجهه الحقيقي‪.‬أما أنا فأقول لكم‪ :‬أحّبوا أعداءكم‪،‬‬ ‫وصّلوا لجل الذين يضطهدونكم‪ ،‬لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات‪ ،‬فانه‬ ‫يطلع شمسه على الشرار والصالحين‪ ،‬ويمطر على البرار والثمة‪ .‬ذلك لنه أوجز جميع صفات ال في صفة واحدة هي في متناول النسان‪ ،‬وتلك‬ ‫الصفة هي المحبة‪:‬‬ ‫"سمعتم أنه قيل‪ :‬أحبب قريبك وأبغض عدّوك‪ .(16 :4‬‬ ‫‪ -5‬كمال ال في كمال المحبة‬ ‫في نهاية الفصل الخامس من انجيل متى‪ ،‬يطلب يسوع من مستمعيه أن يتشّبهوا‬ ‫ن أباكم السماوي هو كامل" )متى ‪.‬فإنكم إن أحببتم‬ ‫ل على‬ ‫شارون أنفسهم يفعلون ذلك؟ وإن لم تسّلموا إ ّ‬ ‫ي أجر لكم؟ أليس الع ّ‬ ‫من يحبكم فأ ّ‬ ‫ي عمل خارق تصنعون؟ أَوليس الوثنيون أنفسهم يفعلون ذلك؟ فأنتم‬ ‫اخوانكم فقط‪ ،‬فأ ّ‬ ‫ن أباكم السماوي هو كامل"‪).‬ونتساءل‪ :‬كيف يسعنا‪ ،‬نحن البشر الضعفاء المحدودين في‬ ‫الوجود والمعرفة‪ ،‬أن نتشّبه بكمال ال؟‬ ‫ان يسوع يعلم ضعف البشر وحدودهم‪ ،‬ومع ذلك يطلب منهم أن يكونوا كاملين مثل‬ ‫ال‪ .‬‬ ‫وعندما أراد يوحنا النجيلي أن يعّرف بال كما ظهر له من خلل تعاليم يسوع‬ ‫وحياته‪ ،‬ومن خلل خبرته الشخصية وخبرة سائر الرسل‪ ،‬لم يجد أجمل وأعمق‬ ‫وأصدق من هذا التعبير ‪" :‬ان ال محبة" )‪ 1‬يو ‪.(48 :5‬‬ ‫بكمال ال‪" :‬فأنتم اذًا كونوا كاملين كما أ ّ‬ ‫قد يتبادر إلى أذهاننا أن كمال ال هو في قدرته المطلقة على كل شيء‪ ،‬وعلمه‬ ‫الكامل بكل شيء‪ ،‬وتنّزهه عن المادة‪ ،‬وأزليته التي ل يستطيع أحد أن يدرك مداها‪،‬‬ ‫وعدم تحّوله وتغّيره‪ .‬وانطلقًا من تلك المحبة التي أحّبنا‪ ،‬يطلب‬ ‫ب بعضنا بعضًا‪ .‬فنحن البشر كلنا نشبه ذلك العبد الذي ُقّدمَ‬ ‫ان ال قد أحّبنا أو ً‬ ‫إلى سّيده وعليه عشرة آلف وزنة‪ ،‬وإذ لم يمن له ما يوفي به‪ ،‬تحّنن عليه سّيده وترك‬ ‫‪39‬‬ .‬متى ‪(48 -43 :5‬‬ ‫إذن كونوا كاملين كما أ ّ‬ ‫لن يصل النسان إلى كمال ال‪ ،‬في نظر يسوع‪ ،‬إل بالتشّبه بمحبة ال الشاملة‬ ‫لجميع الناس‪" .‬قل لي َمن هو إلهك‪ ،‬أُقل لك َمن أنت"‪ .‫واليمان بهذا الله ل يستطيع النسان أن يصل إليه عن طريق التحليل الفكري بل‬ ‫عن طريق الختبار الشخصي‪ .(16 :4‬‬ ‫ل وغفر لنا خطايانا‪ .‬بهذا فقط نستطيع أن نصل إلى ال‪" :‬ان ال محبة‪ ،‬فمن‬ ‫منا أن نح ّ‬ ‫ثبت في المحبة ثبت في ال وثبت ال فيه" )‪ 1‬يو ‪.

‬ان إله المسيحية لم‬ ‫يخترعه المسيحيون كما يّدعي الملحدون‪ .‬وعدله ل يعني‬ ‫مجازاة كل واحد بحسب أعماله وفقًا لنظام لزمني‪ ،‬بل هو فيض من المحبة والرأفة‬ ‫والخلص‪.‬فله المجد إلى الدهور‪ ،‬آمين")روم ‪.‬فال هو الذي أظهر لنا ذاته في شخص‬ ‫سدة‪ .‬‬ ‫أ‪ -‬صفات ال‬ ‫بهذا تتمّيز المسيحية عن سائر الديانات‪ ،‬في نظرتها إلى ال‪ .‬‬ ‫وعدم تحّوله ل يعنى الجمود بل المانة الكاملة لذاته ولمحبته‪ .‬راجع الَمَثل في متى ‪ .‬‬ ‫وروحانيته ل تعني تنّزهه عن المادة الفاسدة‪ ،‬بل سلطته المطلقة على الخليقة كلها‬ ‫ب في كل مكان ول يستطيع أحد أن يوقف‬ ‫وشمول محبته الكون بأسره؛ فالروح يه ّ‬ ‫عمله‪.‫له الّدين‪) .(36 -33 :11‬‬ ‫‪40‬‬ .‬‬ ‫وعدم ادراكنا له ل يعني اننا أمام كائن مبهم وحقيقة غامضة‪ ،‬بل ان ال يسمو على‬ ‫كل ما يستطيع النسان أن يتصّوره‪ ،‬وان محبته ل يمكن أحدًا أن يسبر عمقها‪ ،‬حسب‬ ‫قول بولس الرسول‪:‬‬ ‫"يا لعمق غنى حكمته وعلمه! ما أبعد أحكامه عن التنقيب وطرقه عن الستقصاء!‬ ‫فمن عرف فكر الرب؟ وَمن كان له مشيرًا؟ من سبق فأعطاه‪ ،‬فيرّد اليه؟ ان كل شيء‬ ‫هو منه وبه وإليه‪ .‬وقد ظهر لنا محبة متج ّ‬ ‫وانطلقًا من هذا التحديد تأخذ صفات ال التي تتحّدث عنها الفلسفة ومختلف الديانات‬ ‫معاني جديدة‪:‬‬ ‫فأزلية ال ل تعني ابتعاده عن الزمن‪ ،‬بل حضور محبته حضورًا دائمًا ومعاصرًا‬ ‫لجميع الزمنة‪.‬‬ ‫وصلحه ليس إشعاعًا طبيعيًا لما فيه من خير بقدر ما هو عمل اختيار عطوف‬ ‫ومحبة حرة‪.‬فالمحبة هي التي تحّدد ال في المسيحية‬ ‫يسوع وتعليمه‪ .(35 -21 :18‬وكما غفر لنا ال دون حّد‪ ،‬كذلك‬ ‫لتنا‪ ،‬وذلك ليس فقط إلى سبع مّرات بل إلى‬ ‫يطلب منا أن نغفر بعضنا لبعض ز ّ‬ ‫سبعين مّرة سبع مرات أي دون أي حد‪.

‬ان هذا التصّور البشري بعيد كل البعد عن الموقف اللهي‪ .(32 ،31‬‬ ‫بموت يسوع ظهرت صورة ال الحقيقية‪ .‬ويسوع في وسط عذابه يستعمل لفظة يا أبتاه )بالعبرية‬ ‫"أّبا"(؛ ففي لحظة عذابه وموته‪ ،‬كما في كل حياته‪ ،‬نرى ان إرادته مّتحدة بإرادة ال‬ ‫الب لخلص البشر بالمحبة حتى الموت في سبيلهم‪.(8‬‬ ‫إن إله ابراهيم ليس إلهًا سفاحًا كآلهة الوثنيين العطشى إلى دم البشر‪ ،‬وإله يسوع‬ ‫كان بإمكانه أن يرسل لنصرته اثنتي عشرة جوقة من الملئكة‪ .(42 :22‬الكأس هنا هي كأس العذاب‬ ‫ولكنها في الوقت نفسه كأس الخلص‪ .‬‬ ‫ان حوار يسوع مع أبيه في بستان الزيتون يذّكرنا بحوار اسحاق مع أبيه ابراهيم‬ ‫عندما أصعده ابراهيم إلى جبل مورّيا ليقّدمه ذبيحة ل‪" :‬فكّلم اسحاق ابراهيم أباه‬ ‫حَمل للمحرقة؟ فقال‬ ‫ي! قال‪ :‬هذه النار والحطب‪ ،‬فأين ال َ‬ ‫وقال‪ :‬يا أبتاه! قال‪ :‬لّبيك يا ُبن ّ‬ ‫ي‪ .‬ولكن إله يسوع‪ ،‬كإله‬ ‫ابراهيم‪ ،‬ليس إله الحرب والقتل والدمار‪ ،‬إنه أب لبن وحيد‪ .‬‬ ‫ل‪" :‬يا أبتاه‪ ،‬إن شئ َ‬ ‫في بستان الزيتون كان يخاطب ال قائ ً‬ ‫ولكن ل تكن مشيئتي بل مشيئتك" )لوقا ‪ .‬فيسوع‬ ‫ت فَأجْز عني هذا الكأس‪.(13 :15‬‬ ‫لتلميذه‪" :‬ليس لحد ح ّ‬ ‫والبن في بذل ذاته حتى الموت هو صورة ل الب‪َ" :‬من رآني فقد رأى الب" )يو‬ ‫‪ .‬ويسوع ابن ال بذل ذاته لجل العالم متممًا ما قاله‬ ‫ب أعظم من أن يبذل الحياة عن أصدقائه"‪) .‬يو ‪.‬ومضيا كلهما معًا" )تكوين ‪،7 :22‬‬ ‫حَمل له للمحرقة يا ُبن ّ‬ ‫ابراهيم‪ :‬ال يرى ال َ‬ ‫‪.‬‬ ‫ن غضب ال الثائر على البشر من‬ ‫يتصّور البعض أن يسوع على الصليب قد سّك َ‬ ‫جّراء خطاياهم‪ .‬ومشيئة ال ليست في النتقام من الخطأة بل‬ ‫في خلصهم وتبريرهم‪ .‬‬ ‫‪41‬‬ .(9 :14‬ان يسوع المسيح هو صورة ل الب ليس فقط في حياته ومعجزاته‬ ‫وموقفه تجاه الخطأة‪ ،‬بل أيضًا وبنوع خاص في موته‪ .‫ب‪ -‬المحبة حتى الموت‬ ‫ولقد ظهرت محبة ال في أقصى حدودها في موت يسوع على الصليب‪" :‬فانه هكذا‬ ‫ب ال العالم حتى انه بذل ابنه الوحيد لكي ل يهلك كل من يؤمن به بل تكون له‬ ‫أح ّ‬ ‫الحياة البدية" )يو ‪.(16 :3‬‬ ‫فال الب بذل ابنه لجل العالم‪ .‬فال ليس إله القدرة والتسّلط والعظمة‬ ‫والنتقام‪ .‬فالبن في محبته لنا حتى‬ ‫الموت هو صورة حقيقية للب الذي أحبنا حتى أقصى حدود المحبة‪.‬إنه إله العطاء والمحبة الذي بذل ابنه الوحيد للموت ليظهر للبشر محبته لهم‬ ‫ويمنحهم الفداء والخلص‪.‬وهذا البن قد أسلمه‬ ‫لجلنا نحن‪ ،‬حسب قول بولس الرسول‪" :‬اذا كان ال معنا‪ ،‬فَمن علينا؟ هو الذي لم‬ ‫يشفق على ابنه الخاص بل أسلمه عنا جميعًا‪ ،‬كيف ل يهبنا معه كل شيء؟" )روم ‪:8‬‬ ‫‪.

‬‬ ‫أ‪ -‬يسوع المسيح طريق النسان إلى ال‬ ‫هكذا في العهد الجديد أيضًا عرفنا ال من خلل ابنه يسوع الذي هو حضور ال‬ ‫بالجسد‪.‬‬ ‫"ان ال‪ ،‬بعد إذ كّلَم الباء قديمًا بالنبياء مرارًا عديدة وبشتى الطرق‪ ،‬كّلمنا نحن‪،‬‬ ‫في هذه اليام الخيرة‪ ،‬بالبن الذي جعله وارثًا لكل شيء كما وبه أيضًا أنشأ العالم‪،‬‬ ‫الذي هو ضياء مجده‪ ،‬وصورة جوهره‪ ،‬وضابط كل شيء بكلمة قدرته"‪).(32 :22‬ثم "ان المسيح قد قام من بين الموات‪ ،‬باكورة للراقدين"‬ ‫)‪ 1‬كور ‪.‬فلما أخرج ال شعبه من عبودية مصر‪ ،‬عرف‬ ‫موسى ان ال هو إله الخلص والمحبة والحرية‪.‬اننا نبقى إزاء سّر ال كموسى الذي ظهر له ال على جبل‬ ‫سيناء فطلب إليه أن يريه وجهه فقال له ال‪" :‬ل يستطيع انسان أن يراني ويبقى‬ ‫حيًا"‪ .‬‬ ‫جميع الذين يؤمنون بالله الواحد يعترفون بأن ال هو خالق الكون وخالق النسان‪.(20 :15‬‬ ‫‪ -6‬ال والنسان‬ ‫هل انكشف لنا‪ ،‬من خلل ما قلناه‪ ،‬وجه ال الحقيقي؟ لربما لم يتضح لنا وجه ال‬ ‫في ذاته بقدر ما اتضح لنا وجه ال في علقته بالنسان‪ .‬فال في ذاته ل يستطيع‬ ‫انسان أن يراه ويبقى حيًا‪ .‬فال الذي أظهر أقصى محبته للعالم ببذل ابنه‬ ‫إلى الموت لجل حياة العالم‪ ،‬أظهر أيضًا أقصى محبته لبنه وللعالم بإقامته يسوع من‬ ‫بين الموات وإدخاله البشرية إلى مجده السماوي‪" .‬فإله الكون‬ ‫ومرسليه‪ .‬‬ ‫وجميع الذين يؤمنون بالوحي يعترفون بأن ال قد أوحى بذاته للنسان بواسطة أنبيائه‬ ‫سَمة خاصة‪ .‬لم يقدر موسى أن يشاهد وجهه‪ ،‬لكنه شاهد مجده أي بعضًا من حضوره‪ ،‬لم‬ ‫يعرف موسى ال إل من خلل عمله‪ .‬فال ليس إله أموات‪ ،‬بل إله‬ ‫أحياء" )متى ‪ .‫إل أن الموت ليس نهاية كل شيء‪ .‬ال لم يره أحد قط‪ ،‬الله‪،‬‬ ‫البن الوحيد الذي في حضن الب‪ ،‬هو نفسه قد أخبر" )يو ‪(18 ،17 :1‬‬ ‫‪42‬‬ .‬عبرانيين‬ ‫‪(3 -1 :1‬‬ ‫بهذا يتمّيز اليمان المسيحي عن إيمان اليهودية والسلم‪" :‬ان الناموس قد ُأعطي‬ ‫بموسى‪ ،‬وأما النعمة والحق فبيسوع المسيح قد حصل‪ .‬إل أن اليمان بالله الواحد يّتسم في المسيحية ب ِ‬ ‫وخالق الدنيا الذي يؤمن بوجوده المسيحيون والمسلمون واليهود معًا هو‪ ،‬تبعًا لليمان‬ ‫ف بإظهار وجوده في الكون والطبيعة وإعلن إرادته‬ ‫المسيحي‪ ،‬إله المحبة الذي لم يكت ِ‬ ‫لبعض النبياء المختارين كإبراهيم وموسى عند اليهود ومحمد عند المسلمين‪ ،‬بل ظهر‬ ‫شخصيًا في تاريخ البشر وأوحى بذاته في شخص ابنه وكلمته يسوع المسيح‪ ،‬ليشرك‬ ‫البشر جميعًا في حياته اللهية‪.

‬‬ ‫عندما يعتمدون بالمسيح يلبسون المسيح ويصبحون خلئق جديدة‪" :‬أنتم الذين للمسيح‬ ‫اعتمدتم المسيح قد لبستم" )غل ‪(27 :3‬؛ "إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة‪،‬‬ ‫ل شيء قد تجّدد" )‪ 2‬كور ‪.‬ان الكائن الجديد قد ظهر في‬ ‫تغّل َ‬ ‫شخص يسوع المسيح‪ .‬وهذا الكائن الجديد وحده يطابق جوهر النسان ما يجب أن‬ ‫يكون‪.‬فيسوع المسيح هو ابن ال الذي أظهر لنا الله الحقيقي‪ ،‬وهو‬ ‫النسان الكامل الذي كان‪ ،‬في عمق كيانه وفي كل حياته‪ ،‬مّتحدا اتحادًا تامًا بال الب‪.‬فالكون الذي يرى فيه كل مؤمن وجه ال الخالق يرون هم فيه أيضًا‬ ‫وجه ال المخلص‪ ،‬بيسوع المسيح الكائن الجديد الذي حقق في الكون الخليقة الجديدة‬ ‫وصالح النسان مع ال ومع نفسه ومع الخرين‪.‫ان الناموس الموسوي هو الطريق الذي يقود اليهود إلى ال‪ ،‬والقرآن المحّمدي هو‬ ‫الطريق الذي يقود المسلمين إلى ال؛ أما الطريق الذي يقود المسيحيين إلى ال فهو‬ ‫سد‪ ،‬الذي هو "الطريق والحق والحياة ول يأتي‬ ‫شخص يسوع المسيح‪ ،‬ابن ال المتج ّ‬ ‫أحط إلى الب إل به" )يو ‪.‬‬ ‫لذلك حّقق في ذاته وفي حياته حلم النسان الدائم ببلوغ التحاد الكياني بال‪.‬‬ ‫‪43‬‬ .‬‬ ‫وعلى هذا اليمان نرتكز لنؤكد أن النسان يستطيع أن يتغّلب على ما يشعر به من‬ ‫تغّرب وضياع وقلق ويحّقق ما يصبو إليه في عمق كيانه‪ .‬‬ ‫ان المسيحيين‪ ،‬بقبولهم يسوع المسيح واتحادهم به‪ ،‬يكرزون برؤية جديدة للكون‬ ‫وللواقع النساني‪ .‬‬ ‫نؤمن نحن المسيحيين أن الكيان النساني قد ظهر في الوجود والتاريخ دون نقص‬ ‫أو اعوجاج في شخص يسوع المسيح الذي‪ ،‬باتحاده العميق بال في كيانه وحياته‪،‬‬ ‫ب على المخّرب والضياع وبلغ كمال النسانية‪ .(6 :14‬‬ ‫ماذا يعني شخص يسوع المسيح بالنسبة إلى البشر؟ لقد تّم في شخص يسوع المسيح‬ ‫اتحاد ال والنسان‪ .‬‬ ‫فل شعور من بعد بالفراغ والعبث عندما نعلم أن لحياتنا قيمة لمتناهية‪ ،‬إذ ان ال‬ ‫أحّبنا إلى حّد أنه بذل ابنه الوحيد لجلنا‪.‬وقد أظهر لنا يسوع في حياته وأعماله وموته وقيامته ا ّ‬ ‫مّتحدا به ل يمكن أن يخاف من بعد أو يقلق إزاء أي من تلك الخاطر‪.‬فالبشر ل يطلبون جوابًا‬ ‫نظريًا على تغّربهم وقلقهم‪ ،‬بل يطلبون السيطرة على تغّربهم والخلص من قلقهم‪،‬‬ ‫وهذا ما يجدونه في الشتراك في الكيان الجديد الذي ظهر في شخص يسوع المسيح‪.(17 :5‬‬ ‫ل وك ّ‬ ‫فالقديم قد اضمح ّ‬ ‫لقد رأينا في الفصل الول أن هناك ثلثة أنواع من الخاطر تهّدد النسان في أبعاد‬ ‫كيانه الثلثة‪ :‬فالشعور بالفراغ والعبث يهّددانه في كيانه الروحي‪ ،‬والشعور بالذنب‬ ‫والهلك البدي يهّددانه في كيانه الدبي‪ ،‬والمصائب والموت تهّدده في وجوده‬ ‫ن من يؤمن بال ويحيا‬ ‫وحياته‪ .

(23‬‬ ‫الهدف من اليمان بال هو البلوغ بالنسان إلى أن يحيا في ذاته حياة ال‪ ،‬فيقيم ال‬ ‫فيه ويقيم هو في ال‪ .‬فكما ان المعرفة بين الشخاص تزيد بقدر ما‬ ‫تزيد محبتهم بعضهم لبعض‪ ،‬كذلك تنمو معرفتنا ل بقدر ما تنمو محبتنا له‪" :‬إن‬ ‫أحّبني أحد يحفظ كلمتي‪ ،‬وأبي يحّبه‪ ،‬وإليه نأتي‪ ،‬وعنده نجعل مقامنا" )يو ‪:14‬‬ ‫‪.(12 :4‬‬ ‫‪44‬‬ .‬عندئٍذ يسيطر على قلقه وضياعه وتغّربه‪ ،‬ويجّدد كيانه على‬ ‫ي" )يو ‪.(10 :14‬‬ ‫صورة المسيح يسوع ابن ال القائل‪" :‬أنا في الب والب ف ّ‬ ‫"إن ال لم يشاهده أحد قط‪ ،‬ولكن إن نحن أحببنا بعضنا بعضًا‪ ،‬أقام ال فينا‪ ،‬وكانت‬ ‫محبته كاملة فينا" )‪ 1‬يو ‪.‬اليمان بال‪ ،‬في المسيحية‪ ،‬هو اليمان بأن ال‬ ‫هو أب لجميع البشر‪ ،‬وبأن هذا الب قد أوحى لنا بذاته في شخص ابنه يسوع المسيح‬ ‫ليصبح كل إنسان في المسيح ابنًا ل‪.‬لذلك فاليمان بال هو أو ً‬ ‫بادرنا بالمحبة وأعطانا ابنه الوحيد ليظهر لنا عمق تلك المحبة ويكون هو نفسه‬ ‫العلقة بيننا وبين ال‪ ،‬وهو ثانيًا الدخول إلى تلك المحبة والحياة بموجبها‪.‫ول شعور من بعد بالذنب ول خوف من الهلك البدي عندما نعلم أن ال هو إله‬ ‫الرحمة والمغفرة الذي ل يريد موت الخاطئ بل يسعى إليه كالراعي الصالح ليعيد إليه‬ ‫ل‪.‬فما الحاجة بعد إلى اليمان بال؟‬ ‫ل يهدف اليمان بال إلى كشف أسرار الكون للنسان ول إلى تلبية حاجاته المادية‪.‬‬ ‫"نؤمن بإله واحد آب ضابط الكل"‪ .‬‬ ‫الحياة‪ ،‬وينتظر عودته كما ينتظر الب الرحيم عودة ابنه الضا ّ‬ ‫ول خوف من بعد أمام المصائب ول قلق أمام الموت‪ ،‬عندما نعلم أن ال نفسه‬ ‫يمنحنا قوته لنتغلب على المصائب ونزيل الشّر من العالم‪ ،‬وننتصر أخيرًا على الموت‬ ‫وندخل مع ابنه القائم من بين الموات إلى الحياة البدية‪.‬‬ ‫طد أواصر العلقة بينه‬ ‫وبقدر ما يحيا المسيحي بموجب تلك المحبة‪ ،‬وبقدر ما تتو ّ‬ ‫وبين المسيح‪ ،‬بقدر ذلك ينكشف له ال‪َ" :‬من كانت عنده وصاياي وحفظها‪ ،‬يقول‬ ‫يسوع‪ ،‬فهو الذي يحبني‪ ،‬والذي يحبني يحّبه أبي‪ ،‬وأنا ُأحّبه وُأظهر له ذاتي" )يو‬ ‫‪ .(21 :14‬لن يظهر ال ذاته للنسان ولن يعرف النسان ال إل بقدر ما يحفظ‬ ‫النسان وصايا ال ويحيا في المحبة‪ .‬‬ ‫ل اليمان بأن ال‬ ‫ال محبة‪ ،‬والمحبة علقة بين أشخاص‪ .‬‬ ‫ب‪ -‬حياة النسان مع ال‬ ‫يتساءل بعض الناس اليوم‪ :‬ماذا يفيد النسان أن يؤمن بال في عصر الذّرة والعلم‬ ‫والتقنية؟ لقد توصل العلم إلى اكتشاف أسرار الكون وتوصلت التقنية المعاصرة إلى‬ ‫تلبية معظم حاجات النسان المادية‪ .

‬ففي‬ ‫العهد القديم اختبر اليهود محبة ال المخّلص الذي أنقذهم من عبودية مصر‪ ،‬وانطلقًا‬ ‫من تلك الخبرة راحوا يتأملون في الله الخالق‪ .‬‬ ‫بعد قسم كتابي نتطّرق فيه الى اليمان بال الخالق كما عّبر عنه العهد القديم ثم‬ ‫العهد الجديد‪ ،‬ننتقل إلى المفهوم اللهوتي للخلق ونعالج المشكلت التي نتجت من‬ ‫مختلف اكتشافات المعاصرة‪.‬‬ ‫ن ال محبة‪ .‬‬ ‫ان اليمان بال الخالق هو نتيجة لقاء بين كشف ال عن ذاته وخبرة النسان لمحبة‬ ‫ال‪ .‬‬ ‫لذلك نعتبر أن اليمان بال الخالق هو اليمان بأن محبة ال هي التي أوجدت الخلئق‬ ‫ب‪.(16 :4‬إ ّ‬ ‫محبًا من فيض محبته يعطي الوجود لجميع الكائنات‪.‬‬ ‫كذلك في العهد الجديد‪ :‬فلقد ظهر خلص ال في شخص يسوع المسيح؟ وانطلقاً‬ ‫من ال يمان بال الذي خّلصنا بالمسيح يعّبر الرسل والمسيحيون الّولون عن إيمانهم‬ ‫بال الذي خلقنا بالمسيح‪.‬‬ ‫كلها‪ ،‬وان العالم ليس وليد صدفة بل ثمرة اختيار ال وقصده المح ّ‬ ‫لقد أوجز يوحنا النجيلي فحوى اليمان المسيحي بقوله‪" :‬نحن قد عرفنا المحبة‬ ‫ن في أصل الكون وفي أصل النسان كائنًا‬ ‫التي ل فينا وآمّنا بها" )‪ 1‬يو ‪ .(16 :4‬‬ ‫"إ ّ‬ ‫ــــــــــــــــــــــــــ‬ ‫الفصل الثالث‬ ‫خالق‬ ‫ال ال َ‬ ‫توطَئة‬ ‫ل ما ُيرى وما ل ُيرى"‪.‬‬ ‫فالله الذي نؤمن بأنه خلق السماء والرض ليس الله المتجّبر المتسّلط بل ال الب‪.‬وهذا اللقاء نقرأ حكايته في الكتاب المقّدس في كل العهَدين القديم والجديد‪ .‬‬ ‫ق السماِء والرض‪ ،‬ك ّ‬ ‫"خال ِ‬ ‫في التعبير عن اليمان المسيحي بال الخالق نجد صلة وثيقة بين الخلق وُأبّوة ال‪.‬فمن ثبت في المحبة ثبت في ال وثبت ال فيه" )‪ 1‬يو ‪.‬‬ ‫‪45‬‬ .‫ال لم يره أحد قط‪ ،‬ولكن من يحيا في المحبة على مثال المسيح وبالتحاد معه‬ ‫يستطيع أن يختبر ال‪ ،‬ولن نقوى نحن المسيحيين على أن نقود الناس إلى اليمان بال‬ ‫وإلى اختبار ال في ذواتهم إل عن طريق المحبة‪.‬فالله الذي أحّبهم وخّلصهم هو نفسه‬ ‫الله الذي أحّبهم وخلقهم وخلق الكون بأسره‪.

(25 -‬وبعد العودة من جلء بابل جمعت الروايتان وُدّونتا الواحدة تلو الخرى‬ ‫في الفصلين الّولين من سفر التكوين‪.‬وهنا‪ ،‬من الناحية التاريخية‪ ،‬ل بّد لنا من التمييز بين الحوادث التي‬ ‫يرويها الكتاب المقدس ابتداًء من ابراهيم )أي ابتداًء من الفصل الثاني عشر من سفر‬ ‫التكوين(‪ ،‬والحوادث التي سبقت ابراهيم والتي نقرأ روايتها في الفصول الحد عشر‬ ‫الولى من سفر التكوين‪ .‬‬ ‫ل أن تاريخهم ل يعود إلى أبعد من ابراهيم أي إلى القرن التاسع عشر قبل المسيح‪.‬‬ ‫ماذا كان قصد كاتبي هاتين الروايتين؟‬ ‫عندما استقّر الشعب اليهودي في فلسطين بعد خروجهم من مصر مع موسى‪،‬‬ ‫راحوا يكتبون تاريخهم استنادًا إلى روايات شفوية وصلت إليهم من الجيال السالفة‪.‬فهل ُيعَقل والحالة هذه أن تكون‬ ‫روايات الكتاب المقّدس للحوادث التي جرت منذ إنشاء العالم تاريخية بالمعنى الحديث‬ ‫للكلمة؟ وهل ُيعقل أن يكون وصفها لتكوين الرض والسماء وصفًا علميًا؟‬ ‫ان الكتاب المقّدس ليس كتابًا علميًا يهدف إلى وصف كيفية تكوين الكون‪ ،‬ول كتابًا‬ ‫تاريخيًا‪ ،‬بالمعنى الحديث للكلمة‪ ،‬يروي بالتدقيق سيرة البشر منذ ظهور أول إنسان‬ ‫على الرض‪ .‬فاذا كانت رواية حوادث ابراهيم على جانب كبير من‬ ‫الموضوعية التاريخية‪ ،‬فالفصول الحد عشر الولى من سفر التكوين هي مجموعة‬ ‫‪46‬‬ .‬‬ ‫إّ‬ ‫ن الذي دعا ابراهيم "ليجعل منه أّمة عظيمة" )تك ‪:12‬‬ ‫ولكن ماذا جرى قبل ذلك؟ إ ّ‬ ‫‪ ،(2‬ألم تكن له علقات مع البشر قبل ابراهيم؟ وسائر الشعوب التي تدين بأديان‬ ‫أخرى وتؤمن بآلهة أخرى هي في الواقع "أصنام من ذهب وفضة من صنع أيديهم"‬ ‫)مز ‪ ،(15 :134‬ما هي علقتها بهذا الله الوحد؟ والرض وما عليها من نبات‬ ‫جَلدها من كواكب ونجوم‪ ،‬ما هي علقتها بال أيضًا؟‬ ‫وحيوان‪ ،‬والسماء وما في َ‬ ‫لقد عاش ابراهيم في القرن التاسع عشر قبل المسيح‪ ،‬ولكن العلم قد بّين لنا اليوم أن‬ ‫ظهور أول إنسان على الرض يعود إلى أكثر من مليون سنة‪ ،‬وان تكوين الرض‬ ‫يرجع إلى ما يقارب العشرة مليارات من السنين‪ .‫الِقسم الول‬ ‫الخلق في الكتاب المقدس‬ ‫أ‪ -‬في العهد القديم‬ ‫‪ -1‬روايتا الخلق بين العلم والدين‬ ‫ان رواية الخلق في العهد القديم نجدها في الفصلين الّولين من سفر التكوين‪ .‬إل أ ّ‬ ‫ن‬ ‫علماء الكتاب المقدس يجمعون اليوم على أن هذه الرواية تضّم في الواقع روايتين‬ ‫مختلفتين‪ :‬رواية أولى تعود إلى القرن السادس قبل المسيح )تك ‪ ،(4 :2 -1 :1‬وقد‬ ‫كتبت في محيط كهنوتي في أثناء جلء بابل؛ ورواية ثانية أقدم من الولى ترجع إلى‬ ‫القرن العاشر قبل المسيح‪ ،‬وضعها كتبة وحكماء من بلط سليمان الملك )تك ‪4 :2‬‬ ‫ب‪ .

‬‬ ‫قلنا إن رواية خلق العالم كما نجدها في سفر التكوين قد اتخذت شكلها النهائي في‬ ‫القرن السادس بعد عودة الشعب اليهودي من جلء بابل‪ .‬وقد انطلقوا من هذا الختبار لخلص‬ ‫ال على مدى تاريخهم لتأكيد عمل ال الخالق في بدء الزمنة‪ .‬فالله المخّلص الذي‬ ‫يصنع المعجزات مع شعبه وينقذهم من أعدائهم هو نفسه الله الخالق الذي في بدء‬ ‫الزمنة خلق الكون مسيطرًا على جميع قوى الشّر المعادية‪.‬‬ ‫‪ -2‬الخلص والخلق‬ ‫لقد تأثرت كتابة واضعي السفار المقدسة لكل التاريخين ليس بالداب المجاورة‬ ‫فحسب بل أيضًا بما اختبروه في حياة شعبهم طيلة الزمن الذي دّونوا فيه تلك السفار‪.‬ففي بابل اختبر اليهود الذ ّ‬ ‫ل‬ ‫والعبودية وراحوا ينتظرون خلصهم وتحريرهم متذّكرين إنقاذ ال لهم من مصر على‬ ‫يد موسى‪ ،‬ومعّبرين عن إيمانهم بال مخّلصهم‪ .‬‬ ‫فالكتاب المقّدس هو قبل أي شيء آخر كتاب ديني‪ .‬لذلك ل يعنى بتفسير كيفية‬ ‫تكوين الشياء بقدر ما يعنى بإظهار معنى وجودها‪ .‬فال خالق‬ ‫اشعيا من الشعب أ ّ‬ ‫السماوات والرض هو وحده سّيد الكون والتاريخ‪:‬‬ ‫‪47‬‬ .‬لذلك يطلب‬ ‫ل يخافوا ممن يعتبرون ذواتهم أسياد الكون والتاريخ‪ .‬‬ ‫تلك الصلة بين الله المخّلص والله الخالق يعّبر عنها أجمل تعبير سفر اشعيا‬ ‫النبي‪ ،‬ول سيَما في القسم الثاني منه‪ ،‬الذي ُكتب في أثناء السبي في بابل‪ .‬فبينما يحاول العلم أن يعرف‬ ‫كيف نشأ العالم كيف تكّونت الرض كيف ظهر النسان‪ ،‬يبّين الدين معنى تكوين‬ ‫ل كيميائيًا وتحليل الجسم‬ ‫العالم وغاية حياة النسان‪ .‫أساطير استقاها الشعب اليهودي من آداب الشعوب المجاورة ول سيَما الدب البابلي؛‬ ‫صُده في روايتها إل إظهار علقة شعوب العالم أجمع وارتباط الكائنات جميعها‬ ‫وما َق ْ‬ ‫بالله الوحد الذي هو وحده خالق الكون وسّيد جميع الشعوب‪.‬‬ ‫هذا اليمان بال وبمحبته هو ما أراد كاتبو السفار المقدسة التعبير عنه في روايتهم‬ ‫لتاريخ الكون منذ خلقه ولتاريخ الشعوب منذ نشأتها‪.‬يستطيع العلم تحليل المادة تحلي ً‬ ‫ل بيولوجيًا‪ ،‬إل أنه ل يقوى على إدراك غاية وجود المادة‪ ،‬ويعجز عن‬ ‫البشري تحلي ً‬ ‫الدخول إلى أعماق النفس البشرية وفهم علئق المحبة واليمان التي تربط النسان‬ ‫بال‪.‬فقد كان‬ ‫اليهود عندئٍذ بحاجة إلى سلطة تقوى على سلطة بابل‪ ،‬فاتخذ اليمان بال الخالق أهمية‬ ‫كبري‪ ،‬إذ جمع أول عمل خارق قام به ال في خلقه العالم‪ ،‬والعمل الخارق الذي كان‬ ‫الشعب ينتظره منه الن أي نصرته على أعدائه الذين كانوا يستعبدونه‪ .

‬وسم ّ‬ ‫واحد‪.‬‬ ‫جَلد سماء‪ .‬فكان‬ ‫وأوقات وأيام وسنين‪ ،‬وتكون نّيرات في َ‬ ‫كذلك‪ .‬ورأى ال النور أنه حسن‪ .‬فكان كذلك‪ .‬‬ ‫جَلد‬ ‫اليوم الثاني‪ :‬خلق ال َ‬ ‫جَلد‬ ‫ل بين مياه ومياه‪ .‬وكانت خربة وخالية وعلى وجه الغمر‬ ‫ف على وجه المياه‪.‬وكان مساء‬ ‫وكان صباح يوم ثالث‪.‬‬ ‫ى ال اليبس أرضًا ومجتمع المياه سّماه بحارًا‪ .‬وكان مساء وكان صباح يوم ثا ٍ‬ ‫ال َ‬ ‫اليوم الثالث‪ :‬خلق اليبس والبحار والنبات والشجر المثمر‬ ‫"وقال ال لتجتمع المياه تحت السماء إلى موضع واحد وليظهر اليبس‪ .‬فصنع ال ال َ‬ ‫"وقال ال‪ :‬ليكن جلد في وسط المياه وليكن فاص ً‬ ‫جَلد‪ ،‬فكان كذلك‪ .‬ورأى ال ذلك انه حسن‪ ..‬فأخرجت الرض نباتًا وعشبًا يبزر بزرًا بحسب صنفه‬ ‫وشجرًا يخرج ثمرًا بزره فيه بحسب صنفه‪ .‬وفصل ال بين النور‬ ‫ل‪ .‬وكان مساء وكان صباح يوم‬ ‫ى ال النور نهارًا والظلم سّماه لي ً‬ ‫والظلم‪ ..‬فكان كذلك‪.‫"هكذا قال الرب صانعك وجابلك الذي أعانك منذ البطن‪ :‬ل تخف يا يعقوب‬ ‫عبدي‪ .‬وسّمى ال‬ ‫جَلد والمياه التي فوق ال َ‬ ‫ل بين المياه التي تحت ال َ‬ ‫وفص َ‬ ‫ن‪.‬أنا الرب صانع الكل‪ ،‬ناشر السماوات وحدي وباسط الرض بنفسي‪ ،‬مبطل‬ ‫آيات الكذبة ومحّمق العّرافين‪ ،‬وراّد الحكماء إلى الوراء ومسّفه علمهم‪ ،‬مثّبت كلم‬ ‫عبده ومتّم مشورة رسله‪ ،‬القائل لورشليم ستعمرين ولمدن يهوذا سُتبنين‪ ،‬وأنا ُأقيم‬ ‫المتهّدم منها" )اشعيا ‪.‬فصنع ال النّيرين العظيمين النّير الكبر لحكم النهار والنّير الصغر لحكم الليل‬ ‫‪48‬‬ .(26 -24 ،1 :44‬‬ ‫هذا الله صانع الكل‪ ،‬ناشر السماوات وحده وباسط الرض بنفسه‪ ،‬كيف يروي‬ ‫سفر التكوين خلقه للعالم؟‬ ‫‪ -3‬تفسير روايَتي الخلق‬ ‫الرواية الولى )تك ‪ 4 :2 -1 :1‬أ(‬ ‫"في البدء خلق ال السماوات والرض‪ .‬وقال ال‬ ‫وسم ّ‬ ‫لتنبت الرض نباتا عشبًا يبزر بزرًا وشجرًا مثمرًا يخرج ثمرًا بحسب صنفه بزره فيه‬ ‫على الرض‪ .‬‬ ‫ظلم وروح ال ير ّ‬ ‫اليوم الول‪:‬خلق النور‬ ‫وقال ال ليكن نور فكان نور‪ .‬ورأى ال ذلك أنه حسن‪ .‬‬ ‫اليوم الرابع‪ :‬خلق الشمس والقمر والكواكب‬ ‫جَلد السماء لتفصل بين النهار والليل‪ ،‬وتكون ليات‬ ‫"وقال ال لتكن نّيرات في َ‬ ‫جَلد السماء لتضيء على الرض‪ .

‬فكان كذلك‪ .‬وكان مساء وكان صباح يوم سادس‪.‬وفرغ ال في اليوم السابع من عمله‬ ‫الذي عمل‪ ،‬واستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل‪ .‬فكان كذلك‪ .‬ورأى ال ذلك انه حسن‪.‬وجعلها ال في َ‬ ‫والليل وتفصل بين النور والظلم‪ .‬فالنور يخلق في اليوم الول‪ ،‬بينما ل تخلق الشمس إل في اليوم الرابع‪.‬وبارك ال اليوم‬ ‫السابع وقّدسه لنه فيه استراح من جميع عمله الذي خلقه ال ليصنعه‪.‫جَلد السماء لتضيء على الرض‪ ،‬ولتحكم على النهار‬ ‫والكواكب‪ .‬وباركهم ال وقال‬ ‫لهم انموا واكثروا واملوا الرض وأخضعوها وتسّلطوا على سمك البحر وطير‬ ‫ب على الرض‪ .‬وقال ال لنصنع النسان على صورتنا كمثالنا‪ ،‬وليتسّلط على سمك البحر‬ ‫وطير السماء والبهائم وجميع الرض كل الدبابات الداّبة على الرض‪ .‬‬ ‫وباركها ال قائ ً‬ ‫وكان مساء وكان صباح يوم خامس‪.‬وتقول لنا هذه الرواية أن الكون ُ‬ ‫‪49‬‬ .‬‬ ‫جَلد السماء‪،‬‬ ‫ونحن نعلم اليوم أن النور مرتبط بالشمس‪ .‬فصنع ال وحوش الرض بحسب أصنافها‬ ‫والبهائم بحسب أصنافها وكل دبابات الرض بحسب أصنافها‪ .‬ورأى ال ذلك انه‬ ‫حسن‪ .‬ثم هناك ذكر لمياه علوية فوق َ‬ ‫خِلق في‬ ‫والعلم يؤكد لنا أن ل وجود لمثل هذه المياه‪ .‬ولجميع‬ ‫ب على الرض ما فيه نفس حية‪،‬‬ ‫وحش الرض وجميع طير السماء وجميع ما يد ّ‬ ‫ل‪ .‬‬ ‫"هذه مبادئ السماوات والرض اذ خلقت"‪.‬‬ ‫* تناقضات بين هذه الرواية والعلم‬ ‫إن أول ما يصدمنا في قراءة هذه الرواية أنها تناقض في بعض عناصرها معطيات‬ ‫العلم الولية‪ .‬ورأى ال جميع ما صنعه فاذا هو حسن‬ ‫جميع بقول العشب جعلتها مأك ً‬ ‫جدًا‪ .‬‬ ‫اليوم السابع‪ :‬فيه استراح ال‬ ‫"فأكملت السماوات والرض وجميع جيشها‪ .‬فخلق ال الحيتان العظام وك ّ‬ ‫وجه َ‬ ‫ل طائر ذي جناح بحسب أصنافه‪ .‬وكان مساء وكان صباح‬ ‫يوم رابع‪.‬‬ ‫المياه بحسب أصنافه وك ّ‬ ‫ل انمي واكثري واملي المياه في البحار وليكثر الطير على الرض‪.‬وقال ال ها قد أعطيتكم كل عشب يبزر‬ ‫السماء وجميع الحيوان الدا ّ‬ ‫على وجه الرض كلها وكل شجر فيه ثمر يبزر بزرًا يكون لكم طعامًا‪ .‬‬ ‫اليوم الخامس‪ :‬خلق الحيوانات البحرية والطيور‬ ‫"وقال ال لتفض المياه زحافات ذات أنفس حّية وطيورًا تطير فوق الرض على‬ ‫ل ذي نفس حية فاضت به‬ ‫ب من ك ّ‬ ‫ل دا ّ‬ ‫جَلد السماء‪ .‬ورأى ال ذلك انه حسن‪ .‬‬ ‫اليوم السادس‪ :‬خلق الحيوانات البرية والبهائم وخلق النسان‬ ‫"وقال ال لتخرج الرض ذوات أنفس حية بحسب أصنافها بهائم ودبابات ووحوش‬ ‫أرض بحسب أصنافها‪ .‬فخلق ال‬ ‫النسان على صورته‪ ،‬على صورة ال خلقه‪ ،‬ذكرًا وُأنثى خلقهم‪ .

‬وتحت ال َ‬ ‫ال َ‬ ‫ل عن الشمس‪ ،‬والدليل على ذلك ظهور النور حتى عند احتجاب الشمس وراء‬ ‫مستق ّ‬ ‫الغيوم‪.‬أما النور فهو‬ ‫جَلد أثبت ال الكواكب وخ ّ‬ ‫جَلد‪ .‬‬ ‫نلحظ أو ً‬ ‫"خلق ال"‪" ،‬قال ال"‪" ،‬رأى ال"‪" ،‬سّمى ال"‪" ،‬فصل ال"‪" ،‬صنع ال"‪" ،‬باركها‬ ‫ال"‪ ،‬الخ‪ .‬ل ريب في أن العلم قد تقّدم‬ ‫وأننا ل نستطيع بعُد قبول تلك التفسيرات‪ ..‬‬ ‫* تعاليم هذه الرواية‬ ‫نجد في هذه الرواية أجوبة دينية على أسئلة طرحت البشر منذ أقدم العصور ول‬ ‫تزال ُتطرح اليوم‪ :‬ما أصل الكون؟ ما علقة النسان بالشمس والقمر والكواكب‪ ،‬وهل‬ ‫هي آلهة أم خلئق؟ ما علقة النسان بسائر الخلئق‪ ،‬وهل له سلطة على كل ل في‬ ‫الرض من نبات وحيوان؟ ما علقة الرجل بالمرأة‪ ،‬وهل المرأة مساوية للرجل؟ ِلَم‬ ‫الراحة يومًا في السبوع‪ ،‬وما شأن ال والصلة في يوم الراحة هذا؟‬ ‫ال الخالق‬ ‫ل أن لفظة ال هي التي تتكرر تقريبًا في كل آية من آيات هذا الفصل‪..‬‬ ‫"ورأى ال ذلك أنه حسن"‬ ‫‪50‬‬ .‬وعندما يعمد إلى وصف‬ ‫عمل ال الخالق ل يستطيع أن يصفه إل في إطار الصورة التي كان البشر في القديم‬ ‫يرون فيها العالم‪ :‬فالرض في نظرهم صفحة منبسطة تعوم على وجه المياه‪ ،‬والدليل‬ ‫جَلد‬ ‫جر من هنا ومن هناك من جوف الرض‪ .‬‬ ‫قد نبتسم ابتسامة الستهزاء لتلك التخّيلت البدائية‪ .‬‬ ‫س والعلم‪ ،‬ل بّد لنا من التأكيد من جديد أن‬ ‫ل تلك التناقضات بين الكتاب المقد ِ‬ ‫لح ّ‬ ‫الكتاب المقدس ليس كتابًا علميًا يحوي دروسًا في علم الكون أو في علم الحياة؛ إنما‬ ‫هو كتاب ديني يحتوي تعاليم عن علقة الكون بال خالقه‪ .‬فل بّد اذًا من فهم تلك العقلية وتلك‬ ‫التصورات لكتشاف إرادة ال وإدراك تعاليمه المقدسة‪.‬لكن ال ل يكلمنا إل عن طريق البشر‪،‬‬ ‫والكتاب المقدس الذي هو كلم ال ل يمكنه أن يعطينا تعاليمه إل في لغة الشعب الذي‬ ‫نشأ فيه‪ ،‬وفي عقليته وتصوراته للكون‪ .‬ل يقصد الكاتب المقدس في رواية الخلق هذه وصف الخلئق وتكوينها‬ ‫وميزاتها بقدر ما يقصد إظهار علقتها بال الخالق؛ فال وحده هو أصل جميع‬ ‫الكائنات ومبدع كل الخلئق‪ ،‬هو وحده خالق الرض وما فيها من نبات وحيوان‬ ‫وبشر‪ ،‬وهو وحده خالق السماء وما يدور فيها من كواكب ونجوم‪.‬‬ ‫وفوقه وضع ال المياه العلوية التي تنزل مطرًا على الرض عندما يفتح لها سدود‬ ‫ط للشمس والقمر مسيرهما‪ .‫ستة أيام‪ ،‬بينما يؤكد لنا العلم أن تكوين "الرض والسماء" استغرق مليارات من‬ ‫السنين‪.‬وال َ‬ ‫على ذلك ظهور الينابيع التي تتف ّ‬ ‫)أي الفضاء( الذي فوق الرض هو نصف كرة ترتكز أطرافها على حدود الفق‪.

‬فال أو‬ ‫الري أرادها‪ ،‬لذلك لها قيمة كبرى في ذاتها‪ .‫تعاد هذه العبارة ست مرات في النص‪ ،‬وفي المرة السادسة يؤكد الكاتب أن "جميع‬ ‫ما صنعه ال‪ .‬وهذا التركيز على حسن الخلئق هو في‬ ‫الوقت نفسه شهادة على وحدانية ال الخالق ورفض للزدواجية التي نجدها في بعض‬ ‫الديانات القديمة والتي تؤكد وجود إلهين في أصل الخلئق‪ ،‬إله الخير وإله الشر‪ .‬تقوم صورة ال في النسان‬ ‫على اشتراك النسان في سيادة ال على سائر الخلئق‪ .‬ففي البدء‬ ‫لم يكن سوى أرض خربة خالية وعلى وجه الغمر ظلم‪ .‬‬ ‫ترتيب خلق الكائنات لهميتها‬ ‫نلحظ أن الكائنات قد برزت للوجود في تدّرج تصاعدي وفقًا لهميتها‪ .‬أما‬ ‫موضوع الشّر فسنعالحه في القسم الثاني من هذا البحث‪.‬‬ ‫"وكان مساء وكان صباح‪".‬‬ ‫تعود تلك العبارة ست مرات أيضًا‪ ،‬في نهاية كل يوم من أيام الخلق‪ ،‬مذكّرة الشعب‬ ‫بالذبيحتين اللتين كانتا تقامان كل مساء وكل صباح‪ .‬فذبيحة المساء كانت تقام "نحو‬ ‫مغيب الشمس" معيدة إلى الذهان العمل الخلصي الذي قام به ال عندما أخرج شعبه‬ ‫من مقصر )تثنية ‪(6 :16‬؛ وذبيحة الصباح كانت تقّدم بالغداة "محرقة دائمة كما‬ ‫قدمت في سيناء" )العدد ‪ ،(6 :28‬معيدة ذكرى العهد الذي أبرمه ال مع شعبه على‬ ‫يد موسى في سيناء‪.‬‬ ‫فالنسان هو على صورة ال ولكنه ليس مساويًا له في اللوهة‪ ..‬فقد خلق النسان "ليتسّلط على سمك البحر وطير السماء والبهائم‬ ‫وجميع الرض" )‪ .(28 ،26 :1‬أما لفظة كمثالنا في قوله تعالى‪" :‬لنصنع النسان‬ ‫على صورتنا كمثالنا"‪ ،‬فيقصد الكاتب بها إلغاء المساواة التامة بين النسان وال‪.‬‬ ‫‪51‬‬ .‬أما‬ ‫هنا فالكتاب المقدس يعلن وجود إله واحد قد خلق جميع الكائنات؛ لذلك هي حسنة‪ .‬وتلك السيادة تفرض العقل‬ ‫والحرية والرادة‪ .‬‬ ‫النسان صورة ال‬ ‫ل بحسب صنفه" )‪:1‬‬ ‫بينما تأتي النباتات والشجار والحيوانات إلى الوجود "ك ّ‬ ‫‪ُ ،(24 ،11‬يخلق النسان "على صورة ال كمثاله"‪ .‬ثم خلق ال النور فالمياه‬ ‫فاليابسة فالنبات فالعشب فالشجر فالكواكب‪ ،‬فالحيوانات البحرية فالطيور فالحيوانات‬ ‫البرية فالبهائم‪ ،‬ثم تّوج عمله بخلق النسان على صورته كمثاله ليتسّلط على جميع‬ ‫الخلئق‪..‬وفي ذلك اسم إعلن لمجال الحمل الذي قام به ال‬ ‫وتركيز على قيمة الخلئق‪ ،‬ليس في تكوينها البيولوجي‪ ،‬بل في علقاتها بال‪ .‬وقد رأى بعض الباء‬ ‫خلق عليها النسان‪ ،‬وفي المثال الدعوَة‬ ‫القديسين الشرقيين في الصورة الطبيعة التي ُ‬ ‫خلق على صورة ال‪ ،‬ولكنه مدعو إلى أن يصبح على‬ ‫التي هو مدعو لبلوغها‪ .‬فقد ُ‬ ‫مثال ال في قداسته‪.‬هو حسن جدًا"‪ ...

‬في ستة أيام تعمل وتصنع جميع أعمالك‪ .‬يجب أ ّ‬ ‫سم الكاتب المقدس‬ ‫العدد تحديدًا علميًا للمدة الزمنية التي استغرقها تكوين العالم‪ .‬‬ ‫خلق النسان‬ ‫ل النسان ترابًا من الرض ونفخ في أنفه نسمة حياة‪ ،‬فصار‬ ‫ب الله جبَ َ‬ ‫"وان الر ّ‬ ‫النسان نفسًا حّية‪.‫والمرأة هل هي مساوية للرجل في تلك الصورة؟ جوابًا على هذا السؤال يؤكد‬ ‫خلق على صورة ال‪" :‬فخلق ال‬ ‫الكاتب المقدس مساواة الرجل والمرأة‪ .‬‬ ‫وصية ال للنسان‬ ‫‪52‬‬ .‬‬ ‫غرس الجنة‬ ‫"وغرس الرب الله جنة في عدن شرقًا وجعل هناك النسان الذي جبله‪ .‬وكان نهر يخرج من عدن فيسقي الجنة‪،‬‬ ‫ومن ثم يتشعب فيصير أربعة رؤوس‪ :‬اسم أحدها فيشون وهو المحيط بجميع أرض‬ ‫الحويلة حيث الذهب‪ ،‬وذهب تلك الرض جيد‪ ،‬هناك المقل وحجر الجزع‪ .‬فكلهما ُ‬ ‫النسان على صورته‪ ،‬على صورة ال خلقه‪ ،‬ذكرًا وُأنثى خلقهم" )‪.(27 :1‬‬ ‫اليام الستة‬ ‫ل نرى في هذا‬ ‫ان الكاتب وّزع على ستة أيام عمل الخلق الذي قام به ال‪ .‬وما ذلك إل طريقة تعليمية تظهر في عمل ال مثا ً‬ ‫ضرورة تقديس يوم السبت كما جاء في الوصية الثالثة من وصايا ال‪" :‬اذكر يوم‬ ‫السبت لتقّدسه‪ .‬واسم النهر الثالث حّداقل وهو‬ ‫الجاري في شرقي أشور‪ .‬واليوم السابع سبت للرب‬ ‫ل لك‪ ،‬أنت وابنك وابنتك وعبدك وأمتك وبهيمتك ونزيلك الذي‬ ‫إلهك‪ ،‬ل تصنع فيه عم ً‬ ‫في داخل أبوابك‪ .‬فقد ق ّ‬ ‫الكائنات كّلها ستة أقسام‪ ،‬وبّين أن ال قد خلقها في ستة أيام‪ ،‬ثم استراح في اليوم‬ ‫ل لعمل النسان وتؤكد‬ ‫السابع‪ .‬وأنبت‬ ‫الرب الله من الرض كل شجرة حسنة المنظر وطيبة المأكل‪ ،‬وشجرة الحياة في‬ ‫وسط الجنة‪ ،‬وشجرة معرفة الخير والشّر‪ .‬واسم النهر‬ ‫الثاني جيحون وهو المحيط بجميع أرض الحبشة‪ .‬لن الرب في ستة أيام خلق السماوات والرض والبجر وجميع ما‬ ‫فيها‪ ،‬وفي اليوم السابع استراح‪ ،‬ولذلك بارك الرب يوم السبت وقّدسه" )خروج ‪:20‬‬ ‫‪(11 -8‬‬ ‫الرواية الثانية )تك ‪ 4 :2‬ب‪(25 -‬‬ ‫الرض الجافة‬ ‫ل شجر البرية لم يكن بعد في الرض‬ ‫"يوم صنع الرب الله الرض والسماوات‪ ،‬ك ّ‬ ‫ل عشب البرية لم ينبت بعد‪ ،‬لن الرب الله لم يكن قد أمطر بعد على الرض‪ ،‬ولم‬ ‫كّ‬ ‫يكن انسان ليحرث الرض‪.‬والنهر الرابع هو الفرات‪.

‬‬ ‫"فأوقع الرب الله سباتًا على آدم فنام‪ ،‬فاست ّ‬ ‫وبنى الرب الله الضلع التي أخذها من آدم امرأة‪ ،‬فأتى بها آدم‪ ،‬فقال آدم‪ :‬ها هذه‬ ‫المرة عظم من عظامي ولحم من لحمي‪ .‬هذه تسمى امرأة لنها من امرئ ُأخذت‪.‬وأما آدم فلم يوجد له عون بإزائه‪.‬وكانا كلما‬ ‫عريانين آدم وامرأته وهما ل يخجلن"‪.‬وجبل‬ ‫الرب الله من الرض جميع حيوانات البرية وجميع طير السماء وأتى بها آدم ليرى‬ ‫ل ما سّماه به آدم من نفس حية فهو اسمه‪ .‬وأمر الرب الله‬ ‫ل‪ :‬من جميع شجر الجنة تأكل‪ ،‬أما شجرة معرفة الخير والشر فل تأكل‬ ‫النسان قائ ً‬ ‫منها‪ ،‬فانك يوم تأكل منها تموت موتًا‪.‬‬ ‫ولذلك يترك الرجل أباه وُأمه ويلزم امرأته‪ ،‬فيصيران جسدًا واحدًا‪ .‬فدعا آدم جميع البهائم‬ ‫ماذا يسّميها‪ ،‬فك ّ‬ ‫وطير السماء وجميع وحش الصحراء بأسماء‪ .‬فيصف أو ً‬ ‫الجنة وما فيها من أشجار ول سيَما شجرة الحياة وشجرة معرفة الخير والشر‪ .‬ثم‬ ‫يتكلم عن وصية ال بالمتناع عن الكل من شجرة معرفة الخير والشر )‪-9 :2‬‬ ‫‪ .‫"وأخذ الرب الله النسان وجعله في جنة عدن ليفلحها ويحرسها‪ .‬وفي الفصل الثالث نراه "يتم ّ‬ ‫الجنة عند نسيم النهار" )‪ ،(8 :3‬ويصنع لدم وحواء بعد الخطيئة "أقمصة من جلد‬ ‫ليكسوهما" )‪ .‬‬ ‫تعود هذه الرواية إلى القرن العاشر قبل المسيح‪ .(17‬ثم يتابع هذا التقليد روايته في الفصل الثالث فيروي قصة التجربة وعصيان آدم‬ ‫وحواء أوامر ال )‪.‬‬ ‫خلق الحيوانات‬ ‫"وقال الرب الله ل يحسن أن يكون النسان وحده‪ ،‬فأصنع له عونًا بإزائه‪ .‬‬ ‫خلق المرأة‬ ‫ل إحدى أضلعه وسّد مكانها بلحم‪.(21 :3‬تظهر هذه الرواية قرب ال من النسان وعطفه عليه‪ ،‬إل أنها‬ ‫ل تقّلص شيئًا من قدرته‪ ،‬فهو وحده الخالق‪ ،‬وهو وحده السيد الذي يعطي النسان‬ ‫وصاياه وفي يده الحياة والموت‪.‬إل أنها‬ ‫ليست من كاتب واحد؛ فهي بدورها تجمع تقليدين مختلفين‪ ،‬تقليدًا أول يتكلم عن خلق‬ ‫النسان )‪ 4 :2‬ب‪ (8 -‬وخلق المرأة )‪ ،(24 -18 :2‬وتقليدًا ثانيًا يدور حول‬ ‫ل الطار الذي ستجري فيه تلك الحوادث‪ ،‬أي‬ ‫حوادث الخطيئة الولى‪ .‬‬ ‫خلق النسان‬ ‫‪53‬‬ .‬فهي اذًا أقدم من الولى‪ .(24 -1 :3‬‬ ‫ال الخالق‬ ‫يبدو لنا ال في هذه الرواية أيضًا الله الوحيد الذي خلق وحده كل شيء‪ ،‬النسان‬ ‫والجنة والحيوانات والمرأة‪ .‬وتتمّيز صورة ال في هذه الرواية بأنها تنسب إلى ال‬ ‫ل انسانية‪ ،‬فتصفه وهو يغرس الجنة ويجبل ترابًا ليصنع النسان‪ ،‬ثم يأخذ ضلعًا‬ ‫أعما ً‬ ‫شى في‬ ‫من أضلعه ليصنع المرأة‪ ،‬ويسّد مكانها بلحم‪ .

‬ان نتيجة الخطيئة ستكون المشّقة في‬ ‫العمل‪ ،‬كما ورد في قول ال لدم‪" :‬إذ سمعت لصوت امرأتك فأكلت من الشجرة التي‬ ‫ل ل تأكل منها‪ ،‬فملعونة الرض بسببك‪ ،‬بمشقة تأكل منها طول أيام حياتك‪،‬‬ ‫نهيتك قائ ً‬ ‫ل في‬ ‫وشوكًا وحسكًا ُتنبت لك" )تك ‪ .‬من‬ ‫البديهي أن ال روح وليس له جسد ول يدان ليجبل التراب‪ .‬‬ ‫الجنة‬ ‫ان الطار الذي ستجري فيه حوادث الخطيئة الولى هو "جنة في عدن شرقًا"‪.‬‬ ‫خلق المرأة‬ ‫يتصّور الكاتب أن ال خلق المرأة من ضلع الرجل‪ .‬‬ ‫وهذه السيادة عّبرت عنها الرواية الولى بقوله تعالى للنسان‪" :‬تسّلطوا على سمك‬ ‫ب على الرض" )‪ .‬أما العمل فهو في ذاته‬ ‫من صلب الطبيعة النسانية‪.‬وفي هذه الصورة أيضًا إصرار‬ ‫‪54‬‬ .‬‬ ‫سيادة النسان على الحيوانات‬ ‫بعد أن خلق ال الحيوانات "أتى بها آدم ليرى ماذا يسّميها‪ .(18 ،17 :3‬فالخطيئة‪ ،‬أيًا كانت‪ ،‬تحدث خل ً‬ ‫طبيعة النسان وفي علقاته مع ال ومع الخرين ومع الكون‪ .‬وكذلك القول عن النهر الربعة التي كانت تخرج من الجنة‪ ،‬وعن أسماء‬ ‫البلدان التي تسقيها‪ ،‬فانها ليست مواضع جغرافية نستطيع تحديدها‪ ،‬إنما تعني أن‬ ‫النهار التي تسقي جهات الرض الربع تخرج من الجنة‪ ،‬فهي اذًا من صنع ال‪.‬‬ ‫العمل‬ ‫"وأخذ الرب الله النسان وجعله في جنة عدن ليفلحها ويحرسها" )‪.‫تصف هذه الرواية خلق النسان بطريقة بدائية‪ .‬فال يجبل ترابًا وينفخ فيه‪ .‬‬ ‫يستحيل على علماء الكتاب المقدس اليوم تحديد هذا الموضع جغرافيًا‪ .‬هذه صورة شعبية للدللة على‬ ‫أن المرأة والرجل هما من جبلة واحدة‪" :‬هذه تسمى امرأة‪ ،‬لنها من امرئ أخذت" )‬ ‫‪ ،(23 :2‬وانهما متساويان في الطبيعة النسانية‪ .‬لقد استخدم الكاتب صورة‬ ‫معروفة في عمره ليعطي من خللها تعليمًا دينيًا‪ .(28 :1‬أما هذه الرواية‬ ‫الحر وطير السماء وجميع الحيوان الدا ّ‬ ‫الثانية فتعّبر عن الفكرة عينها بقولها ان ال قد ترك للنسان نفسه تسمية الحيوانات‪.‬فمن خلل تلك الصورة يؤكد‬ ‫الكاتب ان النسان هو من صنع ال في جسده وروحه‪.(19 :2‬ان ال قد أعطى النسان السيادة على الحيوانات‪.‬فبعد أن خلقه وضعه في "جنة نعيم" فيها كل ما كان‬ ‫النسان القديم العائش في الصحراء يتمناه‪ :‬واحة ظليلة مليئة بالشجر المثمر والمياه‬ ‫الغزيرة‪ .‬فكل ما سّماه به آدم من‬ ‫نفس حية‪ ،‬فهو اسمه" )‪ .‬فالساطير المصرية القديمة كانت‬ ‫تصّور الله الكبش يكّون الملك على آلة الخزاف‪ .‬إل أن لفظة‬ ‫"عدن" مشتّقة بالعبرّية من أصل يعني "النعيم"‪ .(15 :2‬‬ ‫يعتبر الكاتب عمل النسان أمرًا أراده له ال منذ أن خلقه‪ .‬وبما ان الرواية ليست رواية‬ ‫تاريخية بل تعليمية‪ ،‬نكتفي بهذا المعنى لنستنتج منه هدف الكاتب المقدس‪ ،‬أل وهو‬ ‫التشديد على محبة ال للنسان‪ .‬فليس العمل في ذاته‬ ‫قصاصًا على الخطيئة الولى‪ ،‬كما يقال أحيانًا‪ .

‬ويمكننا أن نجد أوجه‬ ‫قطع مع البشرية جمعاء عهدًا مماث ً‬ ‫شبه متعددة بين عهد الخلص وعهد الخلق‪:‬‬ ‫ فكما ان ال خّلص اسرائيل إذ أخرجه من مصر وقاده عبر الصحراء ليقيمه في‬‫ل"‪ ،‬هكذا خلق ال النسان الول على أرض "لم يكن‬ ‫أرض خصبة "تدّر لبنًا وعم ً‬ ‫فيها أي شجر أو عشب" )‪ ،(5 :2‬ثم غرس له جنة وأقامه فيها ليفلحها ويحرسها‪.‬‬ ‫فالكل من شجرة معرفة الخير والشر هو إذًا رفض ل والستقلل عنه في كل ما‬ ‫يتعّلق بالخير والشر‪ ،‬والتخّلي عن وصاياه‪ ،‬انه رفض النسان أن يكون خليقة‪ ،‬أي‬ ‫كائنًا مرتبطًا بال‪.‬‬ ‫ وفي عهد سيناء وعد ال بالبركة من يتبع وصاياه وهّدد بالموت من يخالفها‪:‬‬‫"انظر‪ ،‬اني قد جعلت اليوم بين يديك الحياة والخير والموت والشر‪ .‬وان زاغ قلبك ولم تسمع وملت وسجدت للهة أخرى‬ ‫وعبدتها‪ ،‬فقد أنبأتكم اليوم أنكم تهلكون هلكًا" )تثنية ‪ .(24 :2‬وهذا النص سيعود إليه يسوع في حديثه‬ ‫عن الزواج وشجبه الطلق )متى ‪.(6 -3 :19‬‬ ‫الخلق والعهد وشجرة معرفة الخير والشر‬ ‫نلحظ إذًا في هذه الرواية أيضًا ان الكاتب المقدس لم يقصد أن يروي بالتدقيق ما‬ ‫جرى من حوادث في فجر البشرية‪ ،‬بل أن يبرز علقة ال بالنسان وعلقة النسان‬ ‫بالكون وعلقة الرجل بالمرأة‪ ،‬كما أرادها ال منذ خلق الكون والنسان والرجل‬ ‫والمرأة‪.‬‬ ‫ وكما ان ال أعطى شعبه على جبل سيناء بواسطة موسى وصاياه وأحكامه‬‫انطلقًا من الوصية الساسية "ل يكن لك آلهة تجاهي" )خروج ‪ ،(3 :20‬هكذا‪ ،‬منذ‬ ‫خلق النسان‪ ،‬أوصاه أل يأكل من شجرة معرفة الخير والشر‪ .‬وترمز تلك الشجرة‪ ،‬ل‬ ‫إلى التمييز بين الخير والشر‪ -‬لن هذا من صلب طبيعة النسان العاقل‪ ،‬وال قد‬ ‫أعطى النسان هذا التمييز منذ أن خلقه‪ -‬إنما إلى السلطة على تحديد الخير والشر‪.‬‬ ‫وتلك السلطة هي بيد ال وحده‪ ،‬فهو الذي يحّدد الخير والشّر‪ ،‬وهو الذي يعطي‬ ‫الوصايا التي توضح ما الخير الذي يجب فعله وما الشر الذي يجب البتعاد عنه‪.‫على أن الزواج أمر مقّدس أراده ال نفسه‪" :‬ل يحسن أن يكون النسان وحده‪ ،‬فأصنع‬ ‫له عونًا بإزائه" )‪ .‬فال الذي‬ ‫قطع مع الشعب اليهودي عهدًا بأن يكون معهم ويخّلصهم من أعدائهم‪ ،‬هو نفسه قد‬ ‫ل منذ خلق النسان الول‪ .‬‬ ‫ان علقة ال بالنسان هي علقة عهد على مدى التاريخ منذ بدء الكون‪ .(18 :2‬ويضيف الكاتب‪" :‬لذلك يترك الرجل أباه وُأمه ويلزم‬ ‫امرأته فيصيران جسدًا واحدًا" )‪ .‬بما اني آمرك‬ ‫اليوم أن تحب الرب إلهك وتسير في طرقه وتحفظ وصاياه ورسومه وأحكامه لتحيا‬ ‫وتكثر ويباركك الرب إلهك‪ .(18 -15 :30‬وفي الجنة‬ ‫أيضًا هّدد ال النسان بالموت إن لم يتبع وصاياه‪" :‬أما شجرة معرفة الخير والشر فل‬ ‫تأكل منها‪ ،‬فانك يوم تأكل منها تموت موتًا" )‪ .(15 :2‬ليس القصد من الموت في‬ ‫‪55‬‬ .

‫هذه الجملة الموت الجسدي‪ ،‬لن الموت الجسدي هو طبيعي للنسان‪ ،‬بل موت النفس؛‬ ‫فعبارة "تموت موتًا" هي مرادفة لعبارة "تهلكون هلكًا" التي نقرأها في سفر تثنية‬ ‫الشتراع‪ .‬‬ ‫‪ (4‬ان عمل الخلق هذا تصفه تقاليد مختلفة من سفر التكوين في عبارات وتصاوير‬ ‫وتشابيه متأثرة بالمحيط الذي نشأت فيه تلك التقاليد وبالبيئة التي كتب فيها سفر‬ ‫التكوين‪ ،‬ول سيَما بالحضارتين البابلية والمصرية‪.‬‬ ‫‪ -1‬ال الخالق‬ ‫إزاء العالم الوثني الذي كان يعبد الصنام أّكد الرسل في كرازتهم عبادة ال الوحد‬ ‫"خالق السماء والرض"‪ .‬والكون الذي ينتج من عمله ل يتعّلق إل به‪.‬فبولس الرسول‪ ،‬في خطابه في لسترا‪ ،‬طلب من مستمعيه‬ ‫‪56‬‬ .(7 :3‬وما طرد آدم وحواء من الجنة )تك ‪ (23 :3‬إل صورة‬ ‫رمزية للموت الروحي الذي حصل لهما بعد الخطيئة‪ ،‬أي لفقدانهما بركة ال وحياة‬ ‫اللفة معه‪.‬إل أن‬ ‫اليمان بال الخالق هو الساس الذي يرى من خلله العهد الجديد علقة ال بالنسان‪.‬لذلك يؤكد‬ ‫العهد الجديد من جهة ُأبّوة ال الشاملة لجميع خلئقه ومن جهة أخرى وساطة يسوع‬ ‫في الخلق كما في الخلص‪.‬‬ ‫ب‪ -‬في العهد الجديد‬ ‫ل نجد في العهد الجديد كما في سفر التكوين روايات خاصة بخلق العالم‪ .‬‬ ‫‪ -4‬ماذا يمكننا أن نستنتج من تعاليم العهد القديم في موضوع الخلق؟‬ ‫من كل ما سبق يمكننا استخلص التعاليم التالية‪:‬‬ ‫‪ (1‬ان ال هو الله الوحيد الكائن منذ الزل‪ ،‬الذي لم يأخذ كيانه من أي كائن آخر‪.‬‬ ‫كل ما يستطيع بلوغه من دون ال إنما هو اكتشاف عريه وبؤسه‪ ،‬وهذا ما عّبر عنه‬ ‫الكاتب المقدس بقوله ان آدم وحواء بعد خطيئتهما "انفتحت أعينهما فعلما أنهما‬ ‫عريانان" )تك ‪ .‬‬ ‫ثم ان الذين عاشوا مع المسيح أدركوا باليمان أنهم يحضرون في شخص يسوع‬ ‫المسيح تحقيق مواعيد ال ومقاصده التي سبق فحّددها منذ إنشاء العالم‪ .‬وعمل الخلق هو فيض من‬ ‫محبته‪ ،‬فال حاضر مدى الدهر مع النسان بصلحه ومحبته وقدرته‪.‬‬ ‫‪ (3‬ان عمل الخلق هو عمل حر‪ ،‬لم يكن فيه ال مرغمًا ول مقّيدا بأي عامل‬ ‫خارجي‪ .‬‬ ‫‪ (2‬ان ال هو الخالق الوحيد للكون كله وللنسان‪ .‬ان النسان الذي يرفض ال ويريد أن يكون هو إله نفسه ل محالة هالك‪.

‫أن يرجعوا "إلى ال الحي الذي صنع السماء والرض والبحر وجميع ما فيها"‬ ‫)أعمال ‪(15 :14‬؛ وفي خطابه في أثينا في الريوباغس‪ ،‬قال للجموع المحتشدة‬ ‫لسماعه‪:‬‬ ‫"ان الله الذي صنع العالم وجميع ما فيه ل يسكن‪ ،‬إذ هو رب السماء والرض‪،‬‬ ‫في هياكل صنعتها اليدي‪ ،‬ول تخدمه أيدي البشر كأنه محتاج إلى شيٍء ما‪ ،‬إذ هو‬ ‫ل أمة من البشر‪،‬‬ ‫يعطي الجميع حياًة ونفسًا وكل شيء‪ ..‬فهو إذًا خالق الكون وجميع البشر‪ ،‬وبه نحيا ونتحرك‬ ‫ونوجد‪.‬فبعد الشادة بدور المسيح‬ ‫في الخلق يتابع بولس‪" :‬الذي هو أيضًا رأس الجسد‪ ،‬أي الكنيسة‪ ،‬انه المبدأ‪ ،‬البكر من‬ ‫ل الملء كله‪،‬‬ ‫بين الموات ‪-‬لكي يكون هو الول في كل شيء‪ -‬ففيه ارتضى ال أن يح ّ‬ ‫وأن يصالح به‪ ،‬لنفسه‪ ،‬كل ما على الرض وفي السماوات‪ ،‬بإقراره السلم بدم‬ ‫صليبه" )‪.(17 -15 :1‬‬ ‫يبدو أن هذا المقطع هو جزء من نشيد مسيحي قديم كان ُينشده المسيحيون الّولون‬ ‫مؤكدين إيمانهم بدور المسيح في الخلق كما في الخلص‪ .(20 -18 :1‬‬ ‫)‪ 1‬كورنثس ‪" (6 :8‬فنحن إنما لنا إله واحد‪ ،‬الب‪ ،‬الذي منه كل شيء ونحن‬ ‫إليه‪ ،‬ورب واحد يسوع المسيح‪ ،‬الذي به كل شيء ونحن به"‪.‬‬ ‫‪ -2‬الخلق بالمسيح‬ ‫يضيف العهد الجديد إلى اليمان بال الخالق فكرة جديدة‪ ،‬وهي أن ال خلق كل‬ ‫شيء بالمسيح‪ .‬‬ ‫‪57‬‬ .‬وهو الذي صنع من واحد ك ّ‬ ‫ليسكنوا على وجه الرض كلها‪ ،‬محددًا لهم مدى الزمنة وتخوم مساكنهم‪ ،‬لكي يطلبوا‬ ‫ال‪ ،‬لعّلهم يجدونه متلّمسين‪ ،‬مع انه غير بعيد من كل واحد منا‪ ،‬إذ به نحيا ونتحّرك‬ ‫ونوجد‪ ،‬كما قال أيضًا بعض شعرائكم‪" :‬إّنا نحن ذرّيته" )أعمال ‪..‬ترد هذه الفكرة عند ثلثة كّتاب‪ :‬بولس الرسول ويوحنا النجيلي وفي‬ ‫الرسالة إلى العبرانيين التي َتبّين أنها ليست من وضع بولس الرسول‪.‬به وإليه خلق كل شيء‪ ،‬انه قبل كل شيء‪،‬‬ ‫وفيه يثبت كل شيء" )‪.(28 -24 :17‬‬ ‫فال‪ ،‬بحسب تعليم بولس‪ ،‬هو الذي صنع السماء والرض‪ ،‬وهو الذي صنع من‬ ‫واحد جميع ُأمم الرض‪ .‬‬ ‫* النصوص‬ ‫)كولسي ‪ (20 -12 :1‬يقول بولس في رسالته إلى الكولسّيين إن المسيح هو‬ ‫خلق جميع ما في السماوات‬ ‫"صورة ال غير المنظور‪ ،‬المولوُد قبل كل خلق‪ ،‬إذ فيه ُ‬ ‫وعلى الرض‪ ،‬ما ُيرى وما ل ُيرى‪ .

‬‬ ‫وفي الية الرابعة يبدو لنا الكلمة‪ ،‬الذي ُوصف بأنه الوسيط في الخلق‪ ،‬الوسيط‬ ‫أيضًا في الخلص‪" :‬فيه كانت الحياة والحياة كانت نور الناس‪ ،‬والنور يضيء في‬ ‫الظلمة‪ ،".‬والمسيح هو "ضابط كل شيء بكلمة قدرته"‪ .‫يعلن بولس إيمانه بال الب الخالق كل شيء‪ ،‬ثم إيمانه بالبن الذي هو الوسيط في‬ ‫الخلق‪" :‬به كل شيء"‪ .‬فالحياة والنور لفظتان تعنيان في انجيل يوحنا الخلص‪ ،‬وكأنك في الية‬ ‫‪" :16‬ومن امتلئه نحن كلنا أخذنا ونعمة فوق نعمة"‪.‬ماذا يعني هذا التعبير‪ ،‬وما هو مصدره؟‬ ‫كلمة ال الذي به ُ‬ ‫ان المسيحيين الّولين قد رأوا في شخص يسوع المسيح تحقيق كل ما ورد في‬ ‫العهد القديم في الحكمة اللهية‪ ،‬وعّبروا عن إيمانهم بتعابير استقوها من الفلسفة‬ ‫ظم العالم‪.‬‬ ‫اليونانية ول سيَما من أقوال فيلون السكندر في العقل اللهي الذي ن ّ‬ ‫‪58‬‬ .‬‬ ‫)الرسالة إلى العبرانيين ‪" (3 -1 :1‬ان ال‪ ،‬بعد أن كّلَم الباء قديمًا بالنبياء مراراً‬ ‫عديدة وبشتى الطرق‪ ،‬كّلمنا نحن‪ ،‬في هذه اليام الخيرة‪ ،‬بالبن الذي جعله وارثًا لكل‬ ‫شيء‪ ،‬وبه أيضًا أنشأ العالم‪ ،‬الذي هو ضياء مجده وصورة جوهره وضابط كل شيء‬ ‫بكلمة قدرته‪ ،‬الذي بعد أن طّهرنا من خطايانا‪ ،‬جلس عن يمين الجلل في العالي"‪.‬‬ ‫في هذه اليات التي قد تكون أيضًا مستقاة من نشيد مسيحي قديم يجمع الكاتب عمل‬ ‫المسيح الخلصي الذي به "طّهرنا من خطايانا"‪ ،‬ووساطته في الخلق‪ ..‬فبالمسيح "أنشأ‬ ‫ال لعالم"‪ .‬ومعروف أن الناشيد والصلوات تعّبر عن‬ ‫اليمان‪ .‬فنستنتج من هذا كله ان فكرة الخلق بالمسيح قد ظهرت في السنوات الولى‬ ‫للمسيحية‪ ،‬وهي تعّبر عن إيمان الرسل والمسيحيين الّولين بأن يسوع المسيح هو‬ ‫خلق كل شيء‪ .‬وهو الوسيط أيضًا في الخلص‪" :‬فنحن به" أي به افتدينا‬ ‫وتقّدسنا وأصبحنا خليقة جديدة‪.‬‬ ‫جح‪،‬‬ ‫)يوحنا ‪ (18 -1 :1‬ان الفصل الول من انجيل يوحنا هو أيضًا‪ ،‬على ما ير ّ‬ ‫مستقى من نشيد مسيحي قديم يشيد بدور المسيح كلمة ال في الخلق والخلص‪ ،‬فيعلن‬ ‫أن المسيح هو الكلمة الذي‪ ،‬خلق ال الب الكون‪ ،‬وأّنه مساٍو ل‪" :‬في البدء كان‬ ‫الكلمة‪ ،‬والكلمة كان لدى ال‪ ،‬وكان الكلمة ال" )‪ ..‬ومعظم المقاطع التي ترد فيها تلك الفكرة هي بقايا من أناشيد كان‬ ‫المسيحيون الولون يتلونها في صلواتهم‪ .‬فالخلق بالكلمة‪ ،‬الذي هو من‬ ‫عمل ل في سفر التكوين‪ ،‬تؤد هذه الرسالة أنه أيضًا من عمل البن كلمة ال والوسيط‬ ‫الوحيد في الخلق كما في الخلص‪.(1 :1‬ثم تشير الية الثالثة إلى‬ ‫وساطة الكلمة في الخلق‪" :‬به كّون كل شيء وبدونه لم يكن شيء واحد مما كُّون"‪،‬‬ ‫وتعود الفكرة عينها في الية العاشرة‪" :‬العالم به ُكَون"‪.‬‬ ‫* مصادر فكرة "الخلق بالمسيح"‬ ‫ان المراجع الثلثة التي يعّبر فيها العهد الجديد عن "الخلق بالمسيح" هي مستقّلة‬ ‫بعضها عن بعض‪ .

‬ان معك الحكمة العليمة بأعمالك والتي‬ ‫ي في عينيك والمستقيم في‬ ‫كانت حاضرة إذ صنعت العالم وهي عارفة ما المرض ّ‬ ‫وصاياك" )الحكمة ‪.‬من الزل‬ ‫مسحت ومن الول من قبل أن كانت الرض‪ُ .‬فالكلمة‪،‬‬ ‫خلق الكون كله"‪ .(35 -22 :8‬‬ ‫"كل حكمة فهي من الرب ول تزال معه إلى البد‪ .‬فهو مولود‬ ‫كالحكة قبل كل خلق "حين لم تكن الغمار والينابيع الغزيرة"‪ .‬وهذه بعض‬ ‫اليات التي نجدها في السفار الحكمية‪:‬‬ ‫"أنا الحكمة‪ ..‬‬ ‫وهكذا نشأت في الكنيسة الولى تلك الناشيد التي تستخدم الثقافة اليونانية للتعبير‬ ‫عن سّر المسيح وإظهار علقته الفريدة بال الب‪ ..‬قبل كل شيء حيزت الحكمة‪،‬‬ ‫ومنذ الزل فهم الفطنة‪ .‬وهو "من الرب"‪ ،‬وهو‬ ‫"كلمة ال"‪ ،‬وهو "الجالس إلى عرش ال"‪ ،‬وهو "حاضر مع ال عند خلق العالم"‪.(9 ،4 :9‬‬ ‫نجد في هذه النصوص تعابير سيرى العهد الجديد تحقيقها في المسيح‪ .(5 ،4 :1‬‬ ‫"هب لي الحكمة الجالسة إلى عرشك‪ ..‬فهو وحده ابن ال الكائن منذ الزل‬ ‫مع ال‪ ،‬وبه وحده تّم خلق العالم‪ ،‬كما انه به وحده تّم الخلص الذي هو"خلق جديد"‪:‬‬ ‫ل وكل شيء قد تجّدد" )‬ ‫"إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة‪ ..‬ففي الخلق كما في الخلص ل وساطة غير وساطة المسيح الذي هو كلمة ال‬ ‫المولود من ال منذ الزل‪.‬الرب حازني في أول طريقه قبل ما عمله منذ البدء‪ .‬فالقديم قد اضمح ّ‬ ‫‪ 2‬كور ‪..‫الحكمة في العهد القديم‬ ‫ان العهد القديم قد تصّور الحكمة موجودة مع ال منذ خلق العالم‪ .‬كذلك يتكلم فيلون عن الحكمة‬ ‫حسب قوله‪" ،‬صورة ال التي بها ُ‬ ‫خلق كل شيء"‪.‬‬ ‫التي "بها ُ‬ ‫فالجماعة المسيحية اليونانية الصل نسبت تلك العبارات إلى المسيح الذي رأت فيه‬ ‫سدة وكلمة ال الذي ظهر في العالم وكان منذ البدء مع ال قبل خلق‬ ‫حكمة ال المتج ّ‬ ‫العالم‪ .‬حين وضع للبحر رسمه فالمياه ل تتعدى أمره‪ ،‬وحين رسم ُأسس‬ ‫الرض‪ ،‬وكنت عنده مهندسًا" )المثال ‪...‬ينبوع الحكمة كلمة ال ومسالكها الوصايا الزلية" )يشوع بن‬ ‫سيراخ ‪.‬واعتبر فيلون السكندري الكلمة إلهًا أدنى بواسطته خلق ال الكون‪ ..‬‬ ‫"الكلمة" في الفلسفة اليونانية‬ ‫ظم‬ ‫وردت لفظة "الكلمة" في الفلسفة اليونانية للدللة على العقل اللهي الذي ن ّ‬ ‫العالم‪ .(17 :5‬‬ ‫‪59‬‬ .‬ولدت حين لم تكن الغمار والينابيع‬ ‫الغزيرة المياه‪ .

‬‬ ‫يعتبر هذا التصّور للخلق ان الخلق هو "بداية في الزمن"‪ .‬لذلك فان المسيح هو في الوقت ذاته مبدأ الخلق‬ ‫البدء مو ّ‬ ‫وغايته الخيرة‪ ،‬والهدف الذي يجب أن يسير إليه كل انسان‪ .(16 :1‬ان لفظة "به" تعني أنه المبدأ‪ ،‬ولفظة‬ ‫"إليه" تعني انه الغاية‪ .‬وكما‬ ‫ان كل عمل يسير نحو غاية أخيرة‪ ،‬هكذا أيضًا المسيح هو الغاية الخيرة التي يسير‬ ‫إليها الخلق‪ ،‬لذلك "فيه يثبت كل شيء"‪.‬لذلك يقول بولس‪" :‬به‬ ‫وإليه خلق كل شيء" )كولسي ‪ .(17 :1‬فكما أن كل عمل يقوم به كائن عاقل يسبقه دومًا الفكر والتصميم‬ ‫والمبدأ‪ ،‬هكذا فان المسيح هو المبدأ الذي سبق خلق العالم‪" ،‬انه قبل كل شيء"‪ .‬وإذا عدنا إلى معظم‬ ‫تصاوير الكتاب المقدس نرى أنها تتصّور الخلق على هذا النحو‪ :‬قبل الخلق لم يكن‬ ‫‪60‬‬ .‬‬ ‫ويمّيزون على هذا النحو الزمن الذي قبل الخلق والزمن الذي بعد الخلق‪.‬‬ ‫هذا اليمان بما للمسيح من دور فريد في الخلق كما في الخلص‪ ،‬عّبَر عنه أخيرًا‬ ‫يوحنا في سفر الرؤيا بقوله إن المسيح هو "اللف والياء‪ ،‬الول والخر‪ ،‬المبدأ‬ ‫والغاية" )رؤيا ‪.‬‬ ‫ان هذا تصّور بشري يرى النسان من خلله عمل ال في الخلق على مثال أعمال‬ ‫ل بالتصميم‬ ‫البشر‪ .‫المسيح هو المبدأ والغاية‬ ‫ان الخلق الجديد هو الذي يعطي الخلق الول ملء معناه‪ .‬ويردف بولس‪" :‬انه قبل كل شيء‪ ،‬وفيه يثبت كل شيء"‬ ‫)كولسي ‪ .‬منهم من رأى الخلق بداية في الزمن‪،‬‬ ‫عّده انبثاقًا من ال‪ ،‬وآخرون صنعًا من مادة سابقة‪.‬فعندما يريد انسان أن يبني بيتًا يمتلك أرضًا ل بناء عليها‪ ،‬فيقوم أو ً‬ ‫والتخطيط‪ ،‬ثم ينّفذ تصميمه فيبني البيت؛ في المرحلة الولى لم يكن على الرض‬ ‫بيت‪ ،‬وفي المرحلة الخيرة ُوجد البيت‪.‬فالخلق الول كان منذ‬ ‫جها ليجد كماله في المسيح‪ .‬‬ ‫ومنهم َمن َ‬ ‫‪ -1‬الخلق ليس بداية في الزمن‬ ‫ل تّم على مراحل في الزمن‪ :‬مرحلة أولى‬ ‫كثيرون من الناس يتصّورون الخلق عم ً‬ ‫ل وجود فيها لي كائن غير ال‪ ،‬ومرحلة ثانية يقصد فيها ال خلق العالم‪ ،‬ومرحلة‬ ‫ثالثة ينّفذ فيها قصده فيخلق العالم الذي ينتقل هكذا من اللوجود والعدم إلى الوجود‪.(13 :22‬‬ ‫الِقسم الَثاني‬ ‫مفهوم الخلق في اللهوت المسيحي‬ ‫أ‪ -‬تصورات خاطئة عن الخلق‬ ‫ل بعض تصورات خاطئة رأى‬ ‫لكي نوضح المفهوم الصحيح للخلق‪ ،‬سنعرض أو ً‬ ‫من خللها الناس الخلق على مّر العصور‪ .

‫شيء سوى العدم‪ ،‬وبعد الخلق ظهرت الخلئق إلى الوجود‪ .‬وهذا التصّور هو الذي‬
‫يعّبر بواسطته آباء الكنيسة ومعّلموها عن إيمانهم بال الخالق‪.‬‬
‫إل أننا نعم أن عمل ال ل يمكن أن يكون على مثال عمل النسان‪ ،‬لن النسان‬
‫عائش في الزمن وفي النسبي‪ ،‬فيتقّلب ويتحّول ويتغّير‪ ،‬وينتقل من الماضي إلى‬
‫الحاضر ثم إلى المستقبل‪ .‬وهكذا كل ما يصنعه النسان ينتقل معه من مرحلة‬
‫اللوجود في الزمن إلى مرحلة الوجود‪ :‬قبل مدة من الزمن لم يكن هناك بيت‪ ،‬وبعد‬
‫ن ال فوق الزمن؛ انه المتعالي المتسامي عن الزمن وعن‬
‫جد البيت‪ .‬بيد أ ّ‬
‫قليل ُو ِ‬
‫التغّير‪ ،‬إذ "ليس فيه ظل تحّول ول دوران"؛ انه "هو هو أمس واليوم وإلى الدهور"‪،‬‬
‫لذلك ل نستطيع أن نتصّور عمله على مثال أعمال البشر ‪.‬‬
‫ن لفظَتي "قبل"‬
‫ثم كيف يمكننا أن نتكلم عن "قبل الخلق" و"بعد الخلق"‪ ،‬في حين أ ّ‬
‫جدتا مع الزمن‪ ،‬ول وجود للزمن‬
‫و"بعد" هما لفظتان تعّبران عن الزمن؟ فهما إذًا ُو ِ‬
‫قبل الخلق‪.‬‬
‫ل يستخدم اللفاظ والتعابير‬
‫ولكن هل بإمكان النسان‪ ،‬في كلمه عن ال وعمله‪ ،‬أ ّ‬
‫نفسها التي يستخدمها للكلم عن المور الزمنية؟ نحن العائشين في الزمن وفي‬
‫ي‪ ،‬اذا أردنا التفكير والكلم عن ال‪ ،‬ل نستطيع أن نفكر ونتكلم إل بموجب‬
‫النسب ّ‬
‫مفاهيم وتعابير تتلءم وعقلنا البشري‪ ،‬وإل أرغمنا على الصمت‪ .‬غير أننا‪ ،‬في‬
‫تفكيرنا وكلمنا عن جميع أمور ال‪ ،‬ل بّد لنا من التنّبه إلى عجز مفاهيمنا وتعابيرنا‬
‫البشرية عن الحاطة بسّر ال وبعمله‪.‬‬
‫ثم ان مسألة قدم العالم‪ ،‬أي أن يكون العالم قد ابتدأ في زمن محدد أم أن يرجع‬
‫وجوده إلى ما ل نهاية له في الزمن‪ ،‬هي اليوم مسألة يترك اللهوت للعلم أمر الب ّ‬
‫ت‬
‫فيها‪ .‬ل شك أن معظم العلماء اليوم ل يرون كيف يمكن الرجوع بالعالم إلى ما ل‬
‫نهاية له؛ فالمادة لها قوة محددة‪ ،‬ول بّد انها بدأت في زمن محدد‪.‬‬
‫ولكن مهما يكن من أمر‪ ،‬فإنه يعود للهوت أن يبّين أن العالم‪ ،‬وان افترضنا وجوده‬
‫منذ زمن ل نهاية له‪ ،‬إنما هو متعلق بال على مدى الزمن وعلى مدى اللنهاية‪ ،‬وإ ّ‬
‫ن‬
‫جوده النسبي مرتبط بوجود كائن مطلق هو ال‪ ،‬منه يأخذ الوجود ويستقي الكيان‪.‬‬
‫ان جميع التصاوير البشرية التي يرى الكتاب المقدس من خللها الخلق ل تهدف‬
‫إلى الجابة عن مسألة بدء الخلق في الزمن بقدر ما تقصد إظهار الرتباط الوثيق بين‬
‫الخلئق وال‪ ،‬فالخلئق مرتبطة كلها بال على مستوى كيانها ووجودها‪.‬‬

‫‪61‬‬

‫‪ -2‬الخلق ليس انبثاقًا من ال‬
‫كان بعض الفلسفة القدمين يعتبرون الخلق انبثاقًا من ال‪ .‬إن تلك النظرة خاطئة‪،‬‬
‫لن النبثاق يعني المساواة بين جوهر ال وجوهر الخلئق وهذا ما ل يمكننا قبوله‪.‬‬
‫فجوهر ال مختلف تمام الختلف عن جوهر الخلئق‪ :‬ال مطلق أما الخلئق فنسبية؛‬
‫كيان ال هو من ذاته‪ ،‬أما كيان الخلئق فهو من ال؛ ال ل يتغّير ول يتحّول‪ ،‬أما‬
‫الخلئق فهي عرضة للتغّير والتحّول‪ .‬وهذا ما يعّبر عنه الكتاب المقدس‪ ،‬عندما يتكلم‬
‫عن قداسة ال إزاء خطيئة النسان‪ ،‬وعن النور إزاء الظلمة‪ ،‬وعن ثبات ال وأمانته‬
‫لنفسه ولخلئقه إزاء تقّلب النسان وخيانته‪.‬‬
‫‪ -3‬الخلق ليس صنعًا من مادة سابقة‬
‫ان عملنا البشري هو دومًا عمل على مادة سابقة‪ .‬فالمادة نجدها قبلنا‪ ،‬فل نخلقها بل‬
‫سمها أجزاء مستغّلين كل طاقاتها الدفينة‪ .‬أما‬
‫نطّورها ونضيف إليها مواد أخرى أو نق ّ‬
‫الخلق فهو‪ ،‬في النظرة المسيحية‪" ،‬خلق من العدم"‪ .‬وهذا التعبير يعني أن ل وجود‬
‫لي شيء خارجًا عن ال‪ ،‬فكل ما هو موجود يأخذ من ال‪ ،‬وجميع الكائنات تأخذ‬
‫كيانها من ال‪.‬‬
‫يصعب على الفكر البشري تصّور" الخلق من العدم"‪ ،‬لنه يفوق اختبار النسان‪،‬‬
‫ن في كل عمل إنساني أربعة عناصر‪ :‬العامل والمادة السابقة التي سيعمل عليها‬
‫إذ إ ّ‬
‫العامل وتحول المادة إلى مادة أخرى والنتيجة النهائية‪ .‬اما في عمل ال‪ ،‬في الخلق‪،‬‬
‫فالعنصر الثاني والعنصر الثالث ل وجود لهما‪ ،‬إذ ل وجود لمادة سابقة ول وجود‬
‫بالتالي لي تحول من مادة إلى أخرى‪ ،‬فل يبقى إذًا في مفهوم الخلق سوي عنصرين‪:‬‬
‫ال والخليقة‪ ،‬وبين الخليقة وال علقة ارتباط دائم‪.‬‬
‫ب‪ -‬المفهوم الصحيح للخلق‬
‫هذا هو في النهاية المفهوم الصحيح للخلق‪ :‬إن بين الخليقة وال ارتباطًا دائمًا‪،‬‬
‫فالكائنات كلها متعّلقة بال تعّلقها بمبدإ وجودها ومصدر كيانها‪.‬‬
‫ان عقيدة الخلق في اليمان المسيحي ل تقصد تفسير كيفية وجود العالم وكيفية‬
‫ل قصدها إظهار معنى وجود العالم والتأكيد أن هذا الوجود يستقيه من‬
‫تكوينه‪ .‬بل ج ّ‬
‫ال ينبوع كل وجود ومصدر كل كيان‪ .‬واذا استطاع العلم يومًا تفسير كيفية تكوين‬
‫العالم تفسيرًا أكيدًا ونهائيًا ‪-‬كل التفسيرات التي يعطيها اليوم العلم إنما هي مجرد‬
‫نظريات قابلة للنقاش‪ -‬فاليمان وحده يستطيع اكتشاف العلقة الحميمة التي تربط هذا‬
‫العالم بال‪.‬‬
‫وتلك العلقة هي علقة محبة‪ ،‬فالعالم هو فيض من محبة ال اللمتناهية وعطّية‬
‫مجانية من إله العطاء والمحبة‪.‬‬
‫‪62‬‬

‫الن يتضح لنا بأجلى بيان ما قلناه في القسم الول من هذا البحث عن العلقة التي‬
‫يراها الكتاب المقدس في العهَدين والقديم والجديد بين الخلق والخلص‪ .‬فال المخلص‬
‫هو نفسه ال الخالق؛ وكل الخلق والخلص فيض من محبة ال‪.‬‬
‫لتفسير كيفية خلق العالم وخلق النسان‪ ،‬تستخدم الرواية الولى من سفر التكوين‬
‫عبارة "وقال ال‪ ."...‬وتعود تلك العبارة عشر مرات في النص مذكرة بوصايا ال‬
‫العشر‪ .‬فكلمة ال في الوصيايا تمنح النسان الخلص والحياة‪ ،‬وكلمة ال في الخلق‬
‫تمنح النسان الوجود والكيان‪ .‬وكل كلمة وقول علقة حوار بين أشخاص‪ .‬فالنسان‬
‫الذي أتى إلى الوجود بكلمة من ال‪ ،‬إنما هو في صميم كيانه علقة حوار مع ال‪،‬‬
‫والحوار يفترض الحرية‪ ،‬فالخلق إذًا ليس استعبادًا للنسان ول احتقارًا لكيانه ول‬
‫امتهانًا لكرامته‪.‬‬
‫لقد رفض ماركس وجود ال الخالق لنه اعتبر ان مثل هذا الوجود ينقص من قيمة‬
‫النسان‪ .‬ولكن ماركس لم يفهم معنى الخلق الصحيح‪ ،‬وما رفضه ل الخالق إل رفض‬
‫لصورة خاطئة عن ال الخالق‪ .‬فبالخلق يعطي ال النسان الوجود‪ ،‬إل أن عطاءه هذا‬
‫ليس عطاء سّيد لعبد ول عطاء محسن لمستجدي‪ ،‬بل عطاء صديق لصديقه وأب لبنه‬
‫وحبيب لحبيبه‪" .‬ان ال محبة"‪ ،‬والخلق هو أول أعماله التي بها أظهر محبته‪ .‬يبقى‬
‫أن يفتح النسان قلبه لتلك المحبة‪ ،‬لتكون حياته وكلها جوابًا على محبته تعالى له‪.‬‬
‫في تلك النظرة العميقة لمفهوم الخلق ندرك أن عمل ال في الخلق ل يقتصر على‬
‫منح الكائنات وجودها في بدء الزمن‪ ،‬بل هو عمل دائم أبد الدهر‪ ،‬وعلقة المحَبة التي‬
‫تربط ال وخلئقه دائمة كذلك إلى البد‪.‬‬
‫ج‪ -‬الخلق والتطّور‬
‫هناك إذًا نظرتان متمّيزتان إلى الكون‪ ،‬نظرة لهوتية تسبر أعماق الكون للبحث‬
‫عن معنى وجوده وتظهر ما بين الخلئق وال من علقة حميمة على صعيد الكيان‬
‫والوجود‪ ،‬ونظرة علمية تحاول العودة إلى أصل الكائنات لتبّين كيف برزت إلى‬
‫الوجود‪ .‬ماذا يقول لنا العلم اليوم عن أصل الكائنات‪ ،‬وهل يتفق ما وصل إليه مع‬
‫معطيات الوحي واليمان؟‬
‫‪ -1‬نظرية التطّور‬
‫ان نظرية التطور هي نظرية علمية ترى التطور في جميع مرافق الكون‪ ،‬من‬
‫المادة‪ ،‬في جميع أصنافها على الرض والكواكب‪ ،‬إلى الحياة في مختلف فروعها‬
‫النباتية والحيوانية والبشرية‪ .‬وقد حدث هذا التطّور على ثلث مراحل‪:‬‬
‫‪63‬‬

‬وبدأ ذلك منذ‬ ‫سبعين مليون سنة‪ ،‬عندما أخذت بعض أنواع القردة التي لم يعد لها الن أي أثر‬ ‫تنتصب على قدميها‪ ،‬ثم واصلت تطورها‪ ،‬فراحت تستخدم اللت من حجارة وعظام؛‬ ‫وظهر عندئٍذ النسان القديم الذي اكتشف النار منذ مليوني سنة؛ ومنذ مئة ألف سنة بدأ‬ ‫يدفن موتاه ويضع في مدافنهم بعضًا من آلتهم الحجرية وطعامًا زادًا لهم لحياة ما بعد‬ ‫الموت التي أخذ يؤمن بها‪.‫ففي البدء لم يكن سوى أولى انفجرت فأعطت غازات محرقة‪ ،‬ولما خّفت حرارة‬ ‫تلك الغازات تحّولت إلى مليارات من النجوم‪ .‬والشمس هي إحدى تلك النجوم‪ ،‬تكّونت‬ ‫حولها فيَما بعد الكواكب وظهرت الرض‪ .‬‬ ‫ومنذ خمسة وثلثين ألف سنة ظهر "النسان العاقل" آخر حلقة من مرحلة طويلة‪.‬ولكن أل تناقض عقيدة الخلق؟‬ ‫سر تفسيرًا علميًا كيف ظهر الكون وتكّون النبات والحيوان‬ ‫ان تلك النظرية تف ّ‬ ‫ل انها ل تجيب على السؤال الذي ل بّد من طرحه‪ :‬هل تلك الكائنات التي‬ ‫والنسان؛ إ ّ‬ ‫اكتشف العلم تطورها هي نفسها مبدأ وجودها‪ ،‬أم أنها مرتبطة بكائن آخر أعطاها‬ ‫الوجود؟ وهذا السؤال ل بّد من طرحه‪ ،‬سواء تكّون العالم في لحظة واحدة أم على‬ ‫مراحل استغرقت مليارات من السنين؛ وهذا السؤال ل يستطيع العلم الجابة عليه‪،‬‬ ‫صى تطورها‪ ،‬غير انه ليس من شأنه‬ ‫لن العلم يحّلل المادة ويدرس تركيبها ويتق ّ‬ ‫البحث في مبدإ وجودها‪.‬‬ ‫بدأ هذا النسان باستخدام عقله وذكائه في رسوم يرسمها على جدران المغاور للتعبير‬ ‫ن أفكاره ومعتقداته في‬ ‫عن أفكاره ورغباته؛ ومنذ خمسة آلف سنة اخترع الكتابة ودّو َ‬ ‫أساطير ل نزال نقرأها حتى اليوم‪.‬‬ ‫اما الحياة النسانية فلم تظهر إل نتيجة تطور بعض أنواع القردة‪ .‬‬ ‫وهذا ما يجيب عليه اليمان والوحي‪ .‬لذلك ل تناقض بين اليمان والعلم‪ .‬‬ ‫‪ -2‬هل من تناقض بين نظرية التطّور وعقيدة الخلق؟‬ ‫هذه النظرية هي اليوم النظرية الشائعة بين العلماء‪ .‬‬ ‫* النتقال من الحياة الحيوانية إلى الحياة البشرية‬ ‫‪64‬‬ .‬فالحياة النباتية بدأت في أعماق البحار حيث وجدت غذاًء ملئمًا‪ ،‬ثم‬ ‫تحّولت إلى حياة حيوانية‪ ،‬فتكّونت قبل كل شيء السماك‪ ،‬ومن البحر انتقلت الحياة‬ ‫الحيوانية إلى البّر‪ ،‬وتطّورت الحيوانات وتنّوعت‪.‬وكان ظهورها منذ خمسة مليارات سنة‪.‬‬ ‫وفي المرحلة الثانية ظهرت الحياة على الرض من جّراء إشعاعات الشمس على‬ ‫جّو الرض‪ .‬لن لكل‬ ‫منهما ميدان بحث خاصًا به‪ :‬العلم يبحث عن كيفية ظهور الشياء‪ ،‬أما اليمان فيرى‬ ‫أن هذه الشياء والخلئق كلها ليست هي بذاتها مبدأ وجودها‪ ،‬إنما هي مرتبطة بال‬ ‫الذي يعطيها الكيان والوجود‪.

‬‬ ‫سر تلك النظرية التحّول من الحياة الحيوانية إلى الحياة النسانية‪ ،‬ترى‬ ‫فعندما تف ّ‬ ‫أقرب إلى الواقع أن يكون هذا التحّول قد حدث في فترات متقاربة في الزمن وفي‬ ‫مواضع عديدة من الكرة الرضية؟ فليس البشر إذًا من أصل واحد بل من أصول‬ ‫متعّددة‪ .‬أما اليوم‪ ،‬فإذا استطاع العلم أن يبّين ان انحدار البشر من‬ ‫أكثر من إنسان هو أقرب إلى الصواب‪ ،‬فل شيء يمنع من قبول تلك النظرة العلمية‪،‬‬ ‫شرط المحافظة على جوهر التعليم الكتابي‪ ،‬أل وهو أن الكائنات كلها‪ ،‬من جماد‬ ‫ونبات وحيوان وبشر‪ ،‬تستقي وجودها وكيانها من ال‪ ،‬وان النسان الول‪ ،‬أفردًا كان‬ ‫أم عّدة أفراد‪ ،‬لم يصل إلى الحياة النسانية إل بقوة ال‪.‫ولكن اذا قبلنا نظرية التطور‪ ،‬فكيف يمكننا تفسير النتقال من جسد حيواني تحّركه‬ ‫روح غير عاقلة إلى جسد بشري تحييه روح عاقلة؟‬ ‫طيا‬ ‫ان تطّور الكون والنتقال من مستوى حياة إلى مستوى حياة أرقى يتطّلب تخ ّ‬ ‫للذات وازديادًا في الكيان؛ وهذا الزدياد في الكيان ل يمكن الكائنات أن تحصل عليه‬ ‫بقواها الخاصة‪ ،‬لذلك ل بّد من القرار بوجود كائن يملك الكيان المطلق ويستطيع أن‬ ‫طي ذاتها والنتقال من حياة‬ ‫يعطي الكائنات هذا الزدياد في الكيان ويساعدها على تخ ّ‬ ‫نباتية إلى حياة حيوانية ثم من حياة حيوانية إلى حياة انسانية‪.‬‬ ‫* أصل واحد للبشر أم ُأصول عديدة؟‬ ‫هناك مشكلة أخيرة تعترضنا إذا قبلنا نظرية التطّور‪.‬‬ ‫ــــــــــــــــــــــــــ‬ ‫‪65‬‬ .‬‬ ‫لذلك ل نزال‪ ،‬اليوم‪ ،‬في عصر العلم والكتشافات الحديثة‪ ،‬نعلن قائلين‪" :‬نؤمن بإله‬ ‫واحد آب ضابط الكل خالق السماء والرض‪ ،‬كل ما ُيرى وما ل ُيرى"‪.‬‬ ‫خل مباشر من قبل ال في لحظة النتقال‬ ‫يرى بعض اللهوتيين ضرورة القول بتد ّ‬ ‫من حياة إلي حياة‪ ،‬ول سيَما من الحياة الحيوانية إلى الحياة البشرية ليخلق النفس‬ ‫النسانية في الجسم الحيواني المتطّور؛ ولكننا نقول مع البعض الخر من اللهوتيين‬ ‫ان هذا التدخل المباشر غير ضروري‪ ،‬فعمل ال يرافق التطور منذ بدايته؛ لذلك يجب‬ ‫ل موازيًا لعمل الخلئق‪ ،‬به يتدخل ال من الخارج‬ ‫أل نتصّور عمل ال في التطّور عم ً‬ ‫وفي فترات متقطعة‪ ،‬بل هو عمل من الداخل وعمل دائم‪ ،‬فال هو المبدأ والقوة‬ ‫والسبب في بلوغ الكائنات قمة تطّورها في النسان‪.‬ولكن سفر التكوين يتكلم عن أصل واحد هو آدم؛ أفل نجد هنا تناقضًا بين‬ ‫الكتاب المقدس والعلم؟‬ ‫ان لفظة "آدم" في العبرية ليست اسمًا لشخص معّين‪ ،‬بل تعني "النسان"‪ ،‬فكل ما‬ ‫يريد الكاتب المقدس تعليمنا إياه هو ان ال قد خلق "النسان"؛ وقد أعطانا هذا التعليم‬ ‫في إطار نظرة قديمة هي أقرب إلى السطورة منها إلى العلم‪ ،‬تعتبر أن البشر كلهم‬ ‫ينحدرون من أصل واحد‪ .

.‬أما‬ ‫الشّر الدبي فهو الخلل الذي يحدثه النسان بملء ارادته في نفسه وفي الخرين؛ وهذه‬ ‫هي الخطيئة على مختلف أنواعها‪.‬‬ ‫‪ -1‬تفسير ميثولوجي في الديان التي تعتقد بتعّدد اللهة‬ ‫ن الخير هو من صنع الله العظم‪،‬‬ ‫كان العتقاد السائد عند اليونانيين والبابليين أ ّ‬ ‫ن الشّر هو من عمل اللهة الدنين‪ .‬وتلك هي السطورة التي نقرأها في كتاب‬ ‫وأ ّ‬ ‫ل ما في الكون صالحًا‬ ‫ي الصلح قد أراد أن يكون ك ّ‬ ‫طيَماوس لفلطون‪ :‬ان ال الكل ّ‬ ‫‪66‬‬ ..‬والشّر على نوعين‪ ،‬طبيعي وأدبي‪.‬‬ ‫ي الصلح‪ ،‬أما في سائر الكائنات فنجد جنبًا إلى جنب الخير والشّر‪ .‬فعندما يقتل إنسان أخاه‪ ،‬أو يظلمه‪ ،‬أو يستعبده‪ ،‬أو يستغّله كأداة لتحقيق‬ ‫مآربه النانية‪ ،‬ل يخطر على بال أحد أن يّتهم ال ويعزو إليه مسؤولية ذلك‪ ،‬فالنسان‬ ‫هو المسؤول عما يحدث في العالم من جرائم ومظالم‪.‬‬ ‫ل في جسمه أو‬ ‫ن الشّر الطبيعي‪ ،‬الذي يقع من دون إرادة النسان‪ ،‬فُيحدث خل ً‬ ‫ولك ّ‬ ‫في نفسه‪ ،‬ويسّبب له المرض واللم أو يقوده إلى الموت‪َ ،‬من المسؤول عنه؟ واذا كان‬ ‫النسان يخطأ‪ ،‬أفليس لنه من طبيعته يميل إلى الخطيئة؟ وإن كان باستطاعة النسان‬ ‫أن يقتل أخاه‪ ،‬أفليس لن النسان من طبيعته مائت؟ وطبيعته هذه من خلقها؟ أليس‬ ‫ال؟ فلماذا إذًا الله الكلي الصلح خلق في طبيعة النسان الميل إلى الشّر؟ ولماذا‬ ‫الله الكلي المحبة وضع في طبيعة النسان إمكان اللم وحتمّية الموت؟‬ ‫الِقسم الول‬ ‫تفسيرات خاطئة‬ ‫لقد أعطيت‪ ،‬على مّر العصور‪ ،‬وفي مختلف الديان‪ ،‬تفسيرات للشّر لم تعد مقبولة‬ ‫اليوم‪.‫الفصل الرابع‬ ‫الشّر َوالخطيَئة الصلية‬ ‫توطَئة‬ ‫رأينا في الفصول السابقة أن ال هو الله الوحد‪ ،‬الب الضابط الكل‪ ،‬الذي بفيض‬ ‫من محبته خلق السماء والرض وكل ما فيها من جماد ونبات وحيوان‪ ،‬وجعل من‬ ‫النسان قمة الخلئق‪ .‬‬ ‫فالشّر الطبيعي هو الذي يحدث من دون إرادة النسان‪ ،‬كالمرض والموت والكوارث‬ ‫الطبيعية التي تسّبب للنسان الذى والضرر‪ ،‬كما لزلزل والفيضانات والوبئة‪ .‬ورأينا كذلك أن الكائنات كلها تستقي من ال وجودها وكيانها‪.‬فمن‬ ‫ن ال كل ّ‬ ‫لأّ‬ ‫إّ‬ ‫ن كان ال ينبوع الخير والصلح؟‬ ‫أين الشر إذًا‪ ،‬إ ْ‬ ‫يمكننا تعريف الشّر بقولنا انه خلل في الكائنات‪ .‬‬ ‫ل ريب في أنه بإمكاننا تفسير الشّر الدبي‪ ،‬أي الخطيئة‪ ،‬بالعودة إلى حرية‬ ‫النسان‪ .

‬أّما ال فل وجود للشّر فيه‪ ،‬لنه روح محض؛ فهو إذًا الخير والصلح في‬ ‫ذاته‪.‬وفي كل انبثاق كان الخير‬ ‫يتقّلص والشّر يزيد‪ ،‬إلى أن انبثقت المادة الحالية التي هي شّر كّلها‪.‬إل أن الظلمة كانت أقوى من‬ ‫النسان‪ ،‬فسجنته في المادة‪ .‬أما المادة فهي ظلمة‪ ،‬أي شّر‪ .‬‬ ‫أما المانويون ‪-‬وهم أتباع الفيلسوف الفارسي ماني‪ ،‬الذي توفي في فارس سنة‬ ‫‪ 273‬بعد المسيح‪ -‬فل يعتقدون بوجود إله واحد خالق للكون‪ ،‬بل بوجود مبدأين‬ ‫أزليين وغير مخلوقين‪ ،‬النور والظلمة‪ ،‬أحدهما صالح والخر شرير‪ .‬‬ ‫وهذا التفسير قد تأّثر به بعض آباء الكنيسة‪ ،‬كالقديس أوغوسطينوس الذي يرى أ ّ‬ ‫ن‬ ‫ن كل شّر ينتابنا‪ ،‬علينا أن نقبله بفرح لنه‬ ‫ظم كل شيء بحكمة‪ ،‬وا ّ‬ ‫العناية اللهية تن ّ‬ ‫يقودنا إلى الخير العام‪.‬‬ ‫عن خلق الشّر‪ ،‬وتلقي المسؤولية على اللهة الدنين‪ ،‬تجد ح ً‬ ‫‪ -2‬تفسير الغنوصّيين والمانوّيين‪ :‬الشّر في المادة‬ ‫لتفسير وجود الشّر يقول الغنوصيون ‪-‬وهم بدعة ظهرت في القرون المسيحية‬ ‫الولى‪ -‬ان المادة انبثقت من ال ولكن على مراحل متعّددة‪ .‬وإ ّ‬ ‫ل لمعضلة الشّر‪.‬‬ ‫ان ما يجمع بين الغنوصّيين والمانوّيين‪ ،‬في تفسير الشّر‪ ،‬هو أنهم يرون الشّر كّله‬ ‫في المادة‪ .‬فالنور هو إله‬ ‫الخير‪ ،‬والظلمة إله الشّر‪ .‫على مثاله‪ ،‬فكّون هو نفسه اللهة الدنين‪ ،‬وأزال عنها كل شّر‪ ،‬ومنحها الخلود‪ ،‬ووكل‬ ‫إليها مهّمة صنع سائر المخلوقات‪ ،‬فجبلتها مزيجًا من روح وجسد‪ ،‬من خلود وموت‪،‬‬ ‫ن هذه السطورة إذ تنّزه الله العظم‬ ‫من خير وشّر؛ ونشأ هكذا أصل كل الشرور‪ .‬ومن هذا النسان المقهور ُولَدت النسانية الحالية التي ل‬ ‫تستطيع التحّرر من قيود المادة إل بالمعرفة الحقيقية‪.‬وفي أساطيرهم انه حدث‬ ‫يومًا أن أشرق إله الخير بنوره على المادة المظلمة‪ ،‬فأرادت أن ترتفع إلى مستواه‪،‬‬ ‫فصّدها‪ ،‬وخلق النسان الول لمساعدته على مقاومتها‪ .‬‬ ‫‪ -3‬تفسير الشّر بالعودة إلى العناية اللهية‪:‬‬ ‫الشّر الجزئي يقود إلى الخير العام‬ ‫ن في العالم "نفسًا شاملة" هي عناية ال التي تنتشر من تلقاء ذاتها‬ ‫يقول أفلوطين إ ّ‬ ‫في العالم وتقوده إلى الخير‪ ،‬لذلك ل وجود للشّرفي العالم‪ .‬‬ ‫‪67‬‬ .‬أما ما نعتبره شّرا‪ ،‬من‬ ‫لد في‬ ‫زاويتنا الضيقة‪ ،‬فهو في الحقيقة خير ضروري للنظام العام ضرورَة الج ّ‬ ‫الدولة‪.

‬‬ ‫يقول القديس أوغوسطينوس ان آدم هو‪ ،‬كما يروي سفر التكوين‪ ،‬أول إنسان خلقه‬ ‫ال على الرض‪ .‬وهذا يقودنا إلى التفسير التقليدي في المسيحية‪:‬‬ ‫الشّر هو نتيجة الخطيئة الصلية‪.‬وقد نسمع‪ ،‬لدى موت‬ ‫شاب في ريعان العمر‪ ،‬أن ال قد أراد له هذا الموت المبّكر لنه يعلم بعلمه السابق أّنه‬ ‫لو بقي على قيد الحياة لعاش في اللم والشّر‪ .‬وبسبب وضعه الممّيز في الفردوس ومسؤوليته الشاملة كجّد‬ ‫للبشرية كلها‪ ،‬فقد انتقلت الخطيئة بالوراثة منه إلى جميع الناس‪ .‬فموته هو في نظرنا شّر؛ أما في نظر‬ ‫ال الذي يعلم كل شيء علمًا سابقًا‪ ،‬فإنما هو خير‪.‫هذا التفسير نجده أيضًا في القرن الثامن عشر عند الفيلسوف اللماني ليبنيتز الذي‬ ‫ل لمجده الخاص‪ .‬‬ ‫إن تفسير الشّر بالرجوع إلى العناية اللهية ل يزال التفسير السائد مختلف الوساط‬ ‫ي شّر‪ .‬لذلك‪ ،‬وان كانت هناك عّدة عوالم‬ ‫ممكنة‪ ،‬فالعالم الذي خلقه ال هو أفضلها‪.‬وفي رأي‬ ‫صلب الطبيعة البشرية‪ ،‬أي ان ال لم‬ ‫أوغوسطينوس أن الهوة الجنسّية ليست من ُ‬ ‫يضعها في النسان عندما خلقه‪ ،‬بل هي نتيجة خطيئة آدم وحواء‪ .‬وأكثر‬ ‫معضلة الشّر‪ ،‬أ ّ‬ ‫من ذلك‪ ،‬فان قباحة تلك التفاصيل تزيد روعة البناء وتضاعف إعجابنا بحكمة ال‬ ‫الذي يستخدم الشّر ليخرج منه الخير العظم‪ .‬وهذا النسان قد ارتكب الخطيئة الولى التي يروي الفصل الثالث‬ ‫من سفر التكوين أحداثها‪ .‬وبما أنها نتجت من‬ ‫الخطيئة فهي تقود حتمًا إلى الخطيئة‪ .‬لذلك كل انسان يولد إنما هو ثمرة الشهوة‬ ‫‪68‬‬ .‬‬ ‫الِقسم الَثاني‬ ‫هل يكون الشّر نتيجة الخطيئة الصلية؟‬ ‫‪ -1‬الخطيئة الصلّية في كتابات القديس أوغوسطينوس‬ ‫هناك تفسير للشّر بدأ في المسيحية في القرن الخامس مع القديس أوغوسطينوس‪،‬‬ ‫وساد الفكر المسيحي الغربي طوال قرون عديدة‪ ،‬وتأثرت به عقليتنا الشرقية‪ ،‬في حين‬ ‫كان في البداية غريبًا عن تفكير آباء الكنيسة الشرقية القدامى‪.‬فتقول إن ال َيعلم‬ ‫المسيحية التي تؤمن بصلح ال ول تريد أن تعزو إليه أ ّ‬ ‫خيرنا أكثر مّنا‪ ،‬فاذا سمح بالشّر‪ ،‬فما ذلك إل ليقودنا إلى الخير‪ .‬لذلك نسمع‬ ‫بعض الناس يتذّمرون وينتقدون ال قائلين‪ :‬ماذا فعلت من إثم لكي يعاقبني ال؟ أ ّ‬ ‫ي‬ ‫ذنب اقترفت ليميت ال ولدي؟‬ ‫ل عن الشّر‪ ،‬حتى عن الشّر‬ ‫وفي هذه النظرة يصبح النسان هو نفسه مسؤو ً‬ ‫الطبيعي‪ :‬فالشّر هو عقاب الخطيئة‪ .‬‬ ‫وفي نظرة مماثلة يرى البعض أن الشرور الطبيعية‪ ،‬من أمراض وأوبئة وفيضانات‬ ‫وزلزل‪ ،‬إنما هي "ضربات" يرسلها ال للبشر عقابًا على خطاياهم‪ .‬ويقول انه يجب علينا‪ ،‬لتفسير‬ ‫يتصّور ال مهندسًا يبني قصرًا جمي ً‬ ‫ل ننظر إلى قباحة بعض التفاصيل بل إلى روعة البناء بجملته‪ .

‬فبعد رواية خلق النسان‪ ،‬يقول الكاتب‪:‬‬ ‫في الفصل الثاني م ّ‬ ‫"وغرس الرب الله جنة في عدن شرقًا‪ ،‬وجعل هناك النسان الذي جبله‪ .‬وأمر الرب الله النسان قائ ً‬ ‫شجر الجنة تأكل‪ ،‬وأما شجرة معرفة الخير والشّر فل تأكل منها‪ ،‬فانك يوم تأكل منها‬ ‫تموت موتًا" )‪.‬‬ ‫ل يمكننا فهم تفسير أوغوسطينوس هذا إل إذا وضعناه في إطاره التاريخي‪ .‬فآدم هو الصل الذي كان الجنس البشري بجملته حاضرًا‬ ‫فيه عندما ارتكب خطيئته‪ .‬فهذا‬ ‫التفسير ليس إل جوابًا على تعاليم المبتدع بيلجيوس‪ ،‬الذي كان يّدعي أن طبيعة‬ ‫ن كل إنسان بالتالي يستطيع الحصول على‬ ‫النسان ليست خاطئة ول فاسدة‪ ،‬وأ ّ‬ ‫ل الملكوت بأعماله البشرية‪ ،‬دون أي حاجة إلى فداء المسيح‪ ..‬ل ريب في أن تعاليم بيلجيوس هذه‬ ‫تقتلع سّر الفداء من جذوره‪ ،‬إذ تزيل عن المسيح كل وساطة في الخلص؛ لذلك ثار‬ ‫عليها أوغوسطينوس؛ إل أن تفسيره للخطيئة الصلية كان متطّرفا إذ حّمل آدم وحده‬ ‫مسؤولية كل ميل إلى الخطيئة في النسان‪.‬‬ ‫ماذا يقول لنا الكتاب المقّدس عن خطيئة آدم هذه؟‬ ‫‪ -2‬الخطيئة الصلية في سفر التكوين‬ ‫ان رواية خطيئة آدم وحواء في الفردوس متعلقة بالرواية الثانية للخلق‪ ،‬التي نجدها‬ ‫ن سفر التكوين‪ .‬فالمسيح‬ ‫الخلص ودخو َ‬ ‫لم يفتِد الناس‪ ،‬بل كان لهم مجّرد معّلم ومثال‪ .‬‬ ‫وتبع معظم اللهوتيين الغربيين نهج أوغوسطينوس وأضافوا إليه‪ ،‬فلم يكتفوا‬ ‫بتحميل آدم مسؤولية الميل إلى الخطيئة وحسب‪ ،‬بل حّملوه فوق ذلك مسؤولية المرض‬ ‫والموت وسائر الشرور الطبيعية التي اعتبروها أيضًا من نتائج الخطيئة الصلية‪.‬فقالت الحّية للمرأة‪ :‬لن تموتا! إنما ال عالم أنكما في يوم تأكلن منه تنفتح‬ ‫‪69‬‬ .‫وبالتالي ثمرة الخطيئة‪ .(17 ،16 ،9 ،8 :2‬‬ ‫ثم يتابع الكاتب في الفصل الثالث رواية الخطيئة‪:‬‬ ‫التجربة‬ ‫حَيل جميع حيوان البرية الذي صنعه الرب الله‪ ،‬فقالت للمرأة‪:‬‬ ‫"وكانت الحّية أ ْ‬ ‫أيقينًا قال ال ل تأكل من جميع شجر الجّنة؟ فقالت المرأة للحّية‪ :‬من ثمر شجر الجّنة‬ ‫ساه كي ل‬ ‫نأكل‪ ،‬وأما ثمر الشجرة التي في وسط الجّنة‪ ،‬فقال ال ل تأكل منه ول تم ّ‬ ‫تموتا‪ ..‬بخطيئة آدم لم تصبح البشرية خاطئة وحسب‪ ،‬بل فوق ذلك‬ ‫أصبحت توّلد ُأناسًا خاطئين‪ .‬فخطيئته هي الصل والسبب لجميع الخطايا التي ارتكبها‬ ‫البشر على مدى التاريخ‪ .‬وأنبت‬ ‫الرب الله من الرض كل شجرة حسنة المنظر وطّيبة المأكل‪ ،‬وشجرة الحياة في‬ ‫ل‪ :‬من جميع‬ ‫وسط الجنة‪ ،‬وشجرة معرفة الخير والشر‪ .‬لذلك يدعو أوغوسطينوس خطيئة آدم "الخطيئة الصلية"‪.

‬وصنع الرب الله لم وامرأته أقمصة‬ ‫لحّ‬ ‫"وسّمى آدم امرأته حّواء لنها ُأّم ك ّ‬ ‫من جلد وكساهما‪ .‬ورأت المرأة أن الشجرة طيبة للمأكل‬ ‫وشهّية للعيون‪ ،‬وان الشجرة منية للعقل‪،‬‬ ‫السقوط في التجربة‬ ‫"فأخذت من ثمرها وأكلت‪ ،‬وأعطت بعلها أيضًا معها فأكل‪ ،‬فانفتحت أعينهما فعِلما‬ ‫أنهما عريانان‪ ،‬فخاطا من ورق التين وصنعا لهما منه مآزر‪.‬‬ ‫‪70‬‬ .‬وقال الرب الله‪ :‬هوذا آدم قد صار كواحد منا يعرف الخير‬ ‫والشر‪ ،‬والن لعّله يمّد يده فيأخذ من شجرة الحياة أيضًا فيحيا إلى البد‪ .‬‬ ‫)تك ‪(3‬‬ ‫أ( فن أدبي خاص‬ ‫إن أول ما يسترعي انتباهنا‪ ،‬لدى قراءتنا تلك الرواية‪ ،‬هو أنها تجعل الحية تنطق‬ ‫وتقود النسان إلى الخطيئة‪ .‬والغريب في المر أيضًا أن أحداثها تدور حول شجرة‬ ‫في وسط الجنة يدعوها الكاتب "شجرة معرفة الخير والشّر"‪ ،‬يأكل منها النسان‪،‬‬ ‫خلفًا لوصية ال‪ .‬فقال الرب الله للحية‪ :‬اذ صنعت هذا‬ ‫فأنت ملعونة من بين البهائم وجميع وحش البرية‪ ،‬على صدرك تسلكين وتراًبا تأكلين‬ ‫طول أيام حياتك‪ ،‬وأجعل عداوة بينك وبين المرأة وبين نسلك ونسلها‪ ،‬فهو يسحق‬ ‫ن مشقات حملك‪ ،‬باللم تلدين البنين‬ ‫رأسك وأنت ترصدين عقبه‪ .‬فقال الرب الله للمرأة‪ :‬ماذا‬ ‫فعلت؟ فقالت المرأة‪ :‬الحية أغوتني فأكلت‪ .‬فطرد آدم وأقام شرقي جنة‬ ‫عدن الكروبين وبريق سيف متقّلب لحراسة طريق شجرة الحياة"‪.‬ونحن نعلم‬ ‫أن الحية ل تتكلم‪ ،‬وأنه ل وجود لشجرة معرفة الخير والشّر‪ ،‬ول لشجرة الحياة‪.‬‬ ‫الطرد من الفردوس‬ ‫ي‪ .‬فأخرجه‬ ‫الرب الله من جنة عدن ليحرث الرض التي ُأخذ منها‪ .‬وقال لدم‪ :‬اذ سمعت لصوت امرأتك‬ ‫ل ل تأكل منها‪ ،‬فملعونة الرض بسببك‪ ،‬بمشقة تأكل‬ ‫فأكلت من الشجرة التي نهيتك قائ ً‬ ‫منها طول أيام حياتك‪ ،‬وشوًكا وحسًكا تنبت لك‪ ،‬وتأكل عشب الصحراء‪ .‬فنادى الرب الله آدم وقال له‪:‬‬ ‫أين أنت؟ قال‪ :‬إني سمعت صوتك في الجّنة فخشيت لني عريان فاختبأت‪ .‬بعرق وجهك‬ ‫تأكل خبًزا حتى تعود الى الرض التي ُأخذت منها‪ ،‬لنك تراب والى التراب تعود‪.‫أعينكما وتصيران كآلهة عارفي الخير والشّر‪ .‬وكذلك تتكلم الرواية عن شجرة أخرى هي شجرة الحياة‪ ،‬ل‬ ‫يستطيع النسان الوصول إليها‪ ،‬ويطرده ال من الجنة قبل أن يأكل منها‪ .‬‬ ‫قصاص ال‬ ‫ش في الجّنة عند نسيم النهار‪ ،‬فاختبأ آدم‬ ‫"فسمعا صوت الرب الله وهو متم ّ‬ ‫وامرأته من وجه الرب الله في ما بين شجر الجّنة‪ .‬قال‪ :‬فَمن‬ ‫أعلمك أنك عريان‪ ،‬هل أكلت من الشجرة التي نهيتك عن أن تأكل منها؟ فقال آدم‪:‬‬ ‫المرأة التي جعلتها معي هي أعطتني من الشجرة فأكلت‪ .‬وقال للمرأة‪ :‬لكثر ّ‬ ‫والى بعلك تنقاد أشواقك وهو يسود عليك‪ .

‬كل إنسان يسأل‪ :‬ما هي الخطيئة؟ ما هي علقتها‬ ‫ن أدبي‬ ‫بال؟ ما هي نتائجها؟ للجابة على تلك السئلة يلجأ الكاتب المقدس إلى ف ّ‬ ‫معروف في الدب العبري وفي مختلف الداب القديمة والحديثة‪ ،‬وهو فن "المثال"‪.‬يقول ال للشعب على لسان موسى‪:‬‬ ‫"إن هذه الوصية التي أنا آمرك بها اليوم ليست فوق طاقتك ول بعيدة منك‪ .‬‬ ‫ل شك في ان اختيار الكاتب المقدس للحية قد تأّثر بالداب المجاورة‪ .‬وكأن يسوع يشير في هذا الَمَثل إلى أن مسؤولية مغادرة الجنة والبتعاد عن‬ ‫ال تقع كلها على عاتق النسان الذي بملء إرادته غادر البيت البوي‪ .‬ومن أشهر أمثاله َمَثل البن‬ ‫الشاطر‪ ،‬وهو نقيض حكاية آدم وحواء‪ .‬‬ ‫وتحت تأثير الدب السطوري القديم‪ ،‬أدخل الكاتب على فمن المثال عناصر من‬ ‫فمن "السطورة"‪ ،‬فأعطى الحية دورًا هامًا في روايته‪ .‬فبينما يرى البابليون أن اللهة هم‬ ‫الذين خلقوا البشر خطأة وأشرارًا‪ ،‬يعتبر سفر التكوين أن الخطيئة ليست من طبيعة‬ ‫النسان‪ ،‬بل بدأت بتجربة من الخارج في مقدوره أن يرفضها‪ .‬فهو إذًا المسؤول عن‬ ‫الخطايا التي يرتكبها‪..‬وان زاغ قلبك ولم تسمع وملت وسجدت للهة‬ ‫أخرى وعبدتها‪ ،‬فقد أنبأتكم اليوم أنكم يكون تهلكون هلكًا‪ ،‬ول تطول مّدتكم في‬ ‫الرض التي أنتم عابرون الردن لتدخلوها وتمتلكوها‪ ..‬‬ ‫ب( الخطيئة رفض ال‬ ‫لتعريف الخطيئة يتكّلم سفر التكوين بأسلوب روائي‪ ،‬في حين يتكّلم سفر تثنية‬ ‫الشتراع بأسلوب تشريعي‪ .‫من هنا نستخلص أن الرواية ليست رواية لحدث تاريخي جرى مرة في بدء‬ ‫الخليقة‪ ،‬إنما هي رواية رمزية تعليمية هدفها تفسير واقع الخطيئة‪ ،‬الذي يختبره‬ ‫النسان في ذاته وفي الخرين‪ .‬‬ ‫وهذا الفن الدبي هو الذي سيلجأ إليه يسوع في تعليمه‪ .‬أما ال فل‬ ‫ب الرحيم الذي ينتظر عودة أبنائه إليه ليغفر لهم وُيعيد إليهم‬ ‫يزال ذلك الب المح ّ‬ ‫الحياة‪.‬ولكن تعليمه‬ ‫عن الخطيئة وأسبابها مخالف لتعاليم الديان القديمة‪ .‬بل‬ ‫الكلمة قريبة منك جدًا في فيك وفي قلبك لتعمل بها‪ .‬ل هي‬ ‫في السماء فتقول َمن يصعد لنا إلى السماء فيتناولها ويسمعنا إياها فنعمل بها‪ .‬ول هي‬ ‫في عبر البحر فتقول َمن يقطع لنا هذا البر فيتناولها ويسمعنا إياها فنعمل بها‪ .‬أنظر اني قد جعلت اليوم بين‬ ‫يديك الحياة والخير والموت والشّر‪ .‬فالدب المصري كان يتصّور‬ ‫الحية تعترض سبيل اللهة الشمس لمنعها من الظهور؛ والحية عند الكنعانيين كانت‬ ‫رمزًا للجنس في بعض العبادات؛ وفي أسطورة جلجامش البابلية تلعب الحية دورًا‬ ‫ل للدور الذي تلعبه في قصة آدم وحواء‪ ،‬فهي التي تسرق من البطل جلجامش‬ ‫مماث ً‬ ‫"نبتة الحياة" التي استطاع الحصول عليها بعد عناء كثير‪.‬فبينما يخرج آدم وحواء من الجنة‪ ،‬أي من‬ ‫الحياة مع ال‪ ،‬يعود البن الشاطر إلى بيت أبيه بعد أن اختبر أن ل حياة له إل بالقرب‬ ‫من ال‪ .‬وقد أشهدت عليكم اليوم السماء‬ ‫‪71‬‬ .

‬‬ ‫ج( نتائج الخطيئة‬ ‫أما النتائج التي تقود إليها الخطيئة فيعّبر عنها الكاتب في ثلثة تصاوير‪:‬‬ ‫الخجل من العري‬ ‫"فانفتحت أعينهما فعلما أنهما عريانان‪ ،‬فخاطا من ورق التين وصنعا لهما منه‬ ‫مآزر"‪ .‬لذلك مخالفة وصايا ال هي في الوقت نفسه مخالفة‬ ‫ما يقود النسان إلى الخير ويمنحه الحياة‪.‬وقال لدم‪ .(20 -11 :30‬‬ ‫نرى في هذا النص التشريعي العبارات نفسها التي ترد في حكاية آدم وحواء‪.‫والرض بأني قد جعلت بين أيديكم الحياة والموت‪ ،‬البركة واللعنة‪ ،‬فاختر الحياة لكي‬ ‫نحيا أنت وذريتك" )تثنية ‪.‬‬ ‫فخطيئة النسان إذًا تقوم على التمّرد على ال ورفض وصاياه‪ ..‬ثم ان كلمة عريان في العبرية )عيروم(‬ ‫قريبة من كلمة محتال )عاروم(‪ ،‬وقد قيل في أول الرواية إن الحية "أحيل جميع‬ ‫حيوان البرية"؛ فالنسان الذي يسمع كلمة الشرير المحتال يصبح على مثاله شريرًا‬ ‫ن الخجل من العري هو أخيرًا تعبير واقعي عن سيطرة الشهوة على‬ ‫ل‪ .‬ملعونة الرض بسببك‪ ،‬بمشّقة تأكل منها طول أيام‬ ‫حياتك‪ ،‬وشوكًا وحسكًا ُتنبت لك‪ ،‬وتأكل عشب الصحراء‪ ،‬بعرق وجهك تأكل خبزًا‬ ‫ن النتيجة الثانية التي تقود إليها الخطيئة‬ ‫حتى تعود إلى الرض التي ُأخذت منها"‪ .‬فال ل يوصي إل بما يقود‬ ‫النسان إلى الخير ويمنحه الحياة‪ .‬وإ ّ‬ ‫محتا ً‬ ‫ل من‬ ‫النسان‪ .‬فان سمع وصية ال‬ ‫حصل على الحياة‪ ،‬وإل نال الموت واللعنة وهلك هلكًا‪.‬ان البتعاد عن ال ل يقود النسان إلى المعرفة والحكمة‪ ،‬كما قالت الحية‪:‬‬ ‫"تنفتح أعينكما وقصيران كآلهة عارفي الخير والشّر"‪ ،‬بل يقوده إلى اكتشاف عريه‪.‬وهنا ل بّد من‬ ‫الشارة إلى أنه ل تناقض بين وصايا ال وخير النسان‪ .‬إ ّ‬ ‫هي الخلل في العلقات بين النسان ونفسه‪ ،‬وبين النسان والخرين‪ ،‬وبين النسان‬ ‫‪72‬‬ .‬‬ ‫"فالحياة والموت"‪ ،‬و"الخير والشّر" هي بين أيدي النسان‪ ..‬فالنتيجة الولى التي تقود إليها الخطيئة هي أنها تجعل النسان خج ً‬ ‫ل وشريرًا إزاء الخرين‬ ‫نفسه‪ ،‬عاجزًا إزاء شهوته‪ ،‬محتا ً‬ ‫التعب والمشّقة‬ ‫ن مشّقات حملك‪ ،‬باللم تلدين البنين وإلى بعلك تنقاد أشواقك‬ ‫قال الرب للمرأة‪ :‬لكثر ّ‬ ‫وهو يسود عليك‪ .‬‬ ‫والعري هنا يعني ضعف النسان وعجزه‪ .‬‬ ‫ان "شجرة معرفة الخير والشّر" التي يتكلم عنها سفر التكوين ل تعني مجرد‬ ‫التمييز بين الخير والشّر‪ ،‬فهذا من ميزات النسان العاقل‪ ،‬بل بالحرى السلطة على‬ ‫تقرير ما هو خير وما هو شّر‪ ،‬وهذا أمر محفوظ ل الذي يعّلم النسان ما هو خير‬ ‫وما هو شّر في ما يعطيه من وصايا‪.

‫وعمله‪ .‬وقد رأى الكاتب أمثلة عن هذا الخلل في اللم الذي يرافق الولدة‪ ،‬والتعب‬ ‫الذي يرافق العمل‪ ،‬وعدم النسجام في العلقات بين الرجل والمرأة‪.‬ان هذه العبارة قد نقلها آباء الكنيسة اللتينية‬ ‫يردف قائ ً‬ ‫سروا نتائج‬ ‫إلى‪" :‬ففيه )أي في آدم( جميعهم قد خطئوا"‪ .‬‬ ‫يظهر أن بولس يرى في آدم أول انسان خلقه ال‪ ،‬بينما رواية سفر التكوين ترى في‬ ‫آدم رمزًا لكل إنسان‪ .‬ثم يقارن بين آدم‬ ‫والمسيح‪ ،‬فيقول‪" :‬كما انه بانسان واحد دخلت الخطيئة إلى العالم‪ ،‬وبالخطيئة الموت‪،‬‬ ‫وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس‪ ،‬لن جميعهم قد خطئوا‪ .‬فل عجب من ثّم أن يشعر بأنه قد أصبح بعيدًا عن ال‪ ،‬وبأن ال قد‬ ‫أصبح عنه غريبًا‪.‬لنه‬ ‫جعل الكثيرون خطأة بمعصية انسان واحد‪ ،‬كذلك بطاعة واحد ُيجَعل الكثيرون‬ ‫كما ُ‬ ‫أبرارًا"‪..‬ينطلق بولس من تفسير معاصريه اليهود الذين كانوا يعتبرون‬ ‫لفظة "آدم" اسم علم لول انسان على الرض‪ ،‬ويبني برهانه عليه فيقول‪ :‬كما انه‬ ‫بانسان واحد دخلت الخطيئة إلى العالم‪ ،‬كذلك بانسان واحد دخل البّر إلى العالم‪ .‬‬ ‫أ( روم ‪19 -12 :5‬‬ ‫ان الفصل الخامس هو القسم الرئيسي من الرسالة إلى الرومانيين‪ ،‬فيه يبّين بولس‬ ‫الرسول أن بّر ال ونعمته قد ظهرا للناس في موت يسوع وقيامته‪ .‬‬ ‫فقدان الحياة مع ال‬ ‫ن "جنة‬ ‫"أخرج الرب الله النسان من جّنة عدن ليحرث الرض التي أخذ منها"‪ :‬إ ّ‬ ‫عدن"‪ ،‬أو "جنة النعيم"‪ ،‬هي صورة لحياة النسان مع ال‪ ،‬والخروج من الجنة تعبير‬ ‫عن فقدان النسان صداقة ال‪ .‬ثم‬ ‫ل‪" :‬لن جميعهم قد خطئوا"‪ .‬فآدم يصبح في هذا‬ ‫التفسير المسؤول الوحيد عن دخول الخطيئة إلى العالم‪.‬‬ ‫‪ -3‬الخطيئة الصلية في العهد الجديد‬ ‫ل نجد في العهد الجديد روايات خاصة عن الخطيئة الصلية‪ :‬إنما هناك مقطعان‬ ‫من رسالة القديس بولس إلى الرومانيين‪ ،‬يقارن الول منها بين الخطيئة التي دخلت‬ ‫إلى العالم مع آدم والنعمة التي حصل عليها البشر بالمسيح‪ ،‬ويصف الثاني حالة‬ ‫النسان الخاطئ الذي تسيطر عليه الخطيئة‪..‬‬ ‫‪73‬‬ .‬واستنادًا إلى هذه الترجمة ف ّ‬ ‫الخطيئة الصلية بقولهم إن جميع الناس قد خطئوا في شخص آدم‪ .‬كما انه بَزّلة واحدة‬ ‫كان القضاء على جميع الناس‪ ،‬كذلك ببّر واحد يكون لجميع الناس تبرير الحياة‪ .‬لقد رفض النسان شريعة ال التي تحّدد له "الخير‬ ‫والشر"‪ ،‬وأراد أن يكون هو إله نفسه وشريعة نفسه‪ ،‬فقطع العلقة الشخصية التي‬ ‫كانت تربطه بال‪ .

‬‬ ‫لذلك بينما ينظر أوغوسطينوس وآباء الكنيسة اللتينية إلى الخطيئة في أصلها‬ ‫التاريخي‪ ،‬فيتكلمون عن "خطيئة أصلية" اقترفها آدم وانتقلت منه بالوراثة إلى جميع‬ ‫البشر‪ ،‬ينظر آباء الكنيسة اليونانية إلى الخطيئة في واقعها النساني الشامل‪ .‬وهذا الوصف نجده من الية ‪ 14‬إلى الية ‪ ،25‬وكّلها تدور حول‬ ‫العبارة التالية‪" :‬اني ل أعرف ما أفعل‪ .(15 :7‬والية ‪ 21‬تعود فتوضح المر‪" :‬أريد أن أفعل الخير‪ ،‬وإذا الشّر حاضر‬ ‫ي"‪ .‬فالنظرة الولى ترى أن المعمودية ضرورية للطفال لتنزع عنهم‬ ‫الخطيئة الصلية التي ورثوها عن آدم؛ أما النظرة الثانية فتؤّيد معمودية الطفال‪ ،‬ل‬ ‫لنزع الخطيئة عنهم‪ ،‬بل لدخالهم في حياة النعمة‪ .‬فما ُأريده ل أفعله‪ ،‬وما أكرهه إياه أفعل" )‬ ‫‪ .‬‬ ‫ب( روم ‪25 -7 :7‬‬ ‫في القسم الذي يضّم الفصول السادس والسابع والثامن‪ ،‬يبّين بولس كيف يستطيع‬ ‫المسيحي‪ ،‬باليمان والمعمودية‪ ،‬الدخول شخصّيا في الخلص الذي يقّدمه المسيح‬ ‫لجميع البشر‪ .‬وفي هذه‬ ‫النظرة تصبح مسؤولية الخطيئة مسؤولية شخصية يتحّملها جميع الناس كما تحّملها‬ ‫النسان الول‪.‬‬ ‫ولظهار جمال تلك الحالة الجديدة‪ ،‬يصف بولس بكل دّقة حالة الضياع والعبودية التي‬ ‫يقع فيها الخاطئ‪ .‬لذلك يختم‬ ‫بولس وصفه بقوله‪" :‬الشكر ل بيسوع المسيح ربنا" )‪.‬ففي المعمودّية يحّرر الروح القدس النسان من عبودية الخطيئة‪.(25 :7‬‬ ‫ولكن تلك الحالة ما هو سببها؟ وكيف يصل إليها النسان؟ على هذا السؤال يجيب‬ ‫بولس في اليات ‪:13 -7‬‬ ‫‪74‬‬ .‬من ينقذني من‬ ‫تلك الحالة اليائسة التي تجعل بولس يصرخ‪" :‬يا لي من إنسان شق ّ‬ ‫جسد الموت هذا؟" )‪ ،(24 :7‬ل أحد يستطيع أن ينقذنا منها إل المسيح‪ .‬وهذا أيضًا رأي‬ ‫القديس يوحنا الذهبي الفم‪" :‬وإن كان الطفال بل خطايا‪ ،‬فإننا نعّمدهم ليزداد فيهم البّر‬ ‫والقداسة ويصبحوا هياكل للروح القدس"‪.‬‬ ‫وهذا الختلف في النظرة إلى الخطيئة الصلية يبدو واضحًا عندما يتكّلم الباء عن‬ ‫معمودية الطفال‪ .‬فالخطيئة الصلية مكّونة إذًا‪ ،‬في نظرهم‪ ،‬ليس من خطيئة‬ ‫آدم وحسب‪ ،‬بل أيضًا من خطايا جميع الناس‪.‫ن الجميع‬ ‫أما آباء الكنيسة اليونانية فرأوا أن خطيئة آدم كانت الخطيئة الولى‪ ،‬وأ ّ‬ ‫خطئوا بعد النسان الول‪ .(17‬‬ ‫ي‪َ .‬ففي النسان نزعتان‪ :‬نزعة إلى الخير تحمله على أن "يسّر بناموس ال" )‪:7‬‬ ‫لد ّ‬ ‫‪ ،(22‬ونزعة نحو الشّر تجعله "أسيرًا لناموس الخطيئة الذي في أعضائه" )‪:7‬‬ ‫‪.‬وبينما يتساءل ترتوليانوس‪ :‬لماذا‬ ‫نعّمد الطفال‪ ،‬إذا كانوا أبرارًا وبل خطيئة؟ يجيب القدسي كبريانوس‪ :‬وِلَم ل نعّمدهم؟‬ ‫إنهم بل خطيئة‪ ،‬لذلك تستطيع النعمة أن تعمل فيهم بدون عائق‪ .

..‬وهذه الوصية هي‪ ،‬كما يقول بولس‪" ،‬مقّدسة وعادلة وصالحة"‪ ،‬لك ّ‬ ‫ن‬ ‫المجّرب يصّورها للنسان كأنها وصية ظالمة‪ ،‬فُيدخل في قلبه الشك وفي نفسه‬ ‫الشهوة‪ ...‬فاذ اتخذت‬ ‫ي كل شهوة‪ ،‬لن الخطيئة بدون الناموس ميتة‪ .‬وبشكل فلسفي وتحليلي‪ ،‬يعطي‬ ‫بولس هذا العمل التفسير نفسه الذي يعطيه سفر التكوين بشكل روائي وُأسطوري في‬ ‫صين نجد العناصر ذاتها‪ :‬حياة النسان قبل الخطيئة‪،‬‬ ‫قصة آدم وحواء‪ .‬م ّ‬ ‫ت‪ .‬وهذا أيضًا ما يعنيه بولس بقوله‪" :‬الخطيئة )أي المجّرب( اتخذت بالوصية‬ ‫ي كل شهوة‪ .‬فاني ما كنت عرفت الشهوة لو لم يقل الناموس‪ :‬ل تشتِه‪ .‬‬ ‫شخص الحّية في سفر التكوين‪ ،‬والخطيئة المش ّ‬ ‫صين إلى السلوب نفسه‪ :‬يستخدم الوصية لغواء‬ ‫وهذا المجّرب يلجأ في كل الن ّ‬ ‫النسان واجتذابه إلى الشّر‪ .‬‬ ‫فموضوع الحديث هو النسان عامًة‪ ،‬ممّثل‪ ،‬في تحليل بولس‪ ،‬بضمير المتكلم‪:‬‬ ‫ت‪ ،".‬فانك يوم تأكل منها تموت موتًا"؛ وفي تحليل بولس فهي‪:‬‬ ‫"ل تشتِه"‪ .‬كن ُ‬ ‫"عرف ُ‬ ‫المقدس باللغة العبرية آدم )أي النسان( وحواء )أي التي تعطي الحياة(‪ .‬وفي كل الن ّ‬ ‫التجربة والسقوط فيها‪ ،‬نتائج الخطيئة وانكشاف خداع التجربة‪.‬‬ ‫صين عامل شّرير خارج عن إرادة النسان‪ ،‬يرمز إليه‬ ‫أما المجّرب فهو في كل الن ّ‬ ‫خصة عند بولس‪.‬والوصية التي لي للحياة ُوجَدت هي نفسها للموت‪ ..‬إنما ال عاِلم أنكما في يوم تأكلن‬ ‫منه تنفتح أعينكما وتصيران كآلهة عارفي الخير والشّر"؛ كما أدخلت في نفسيهما‬ ‫الشهوة‪" :‬ورأت المرأة أن الشجرة طيبة للمأكل وشهية للعيون وان الشجرة منية‬ ‫للعقل"‪ .‬فالناموس إذًا مقّدس والوصية مقّدسة وعادلة‬ ‫بالوصية سبي ً‬ ‫وصالحة‪ .‬‬ ‫خطيئة‪ ،‬عملت ف ّ‬ ‫يدور هذا النص حول عمل الخطيئة في النسان‪ .‬ففي كل‬ ‫النصين ليس المقصود شخص بولس‪ ،‬ول أول رجل وأول امرأة ظهرا في التاريخ‪،‬‬ ‫ن بولس‪ ،‬بقوله "لقد‬ ‫بل كل إنسان يعيش على هذه الرض ويسقط في الخطيئة‪ .‬‬ ‫ل‪ ،‬وفعلت ف ّ‬ ‫سبي ً‬ ‫‪75‬‬ ...‬فما هو صالح إذًا صار لي موتًا؟ كل‪ ،‬وحاشا‪ .‬بل هي الخطيئة‪ ،‬لكي تظهر‬ ‫ي بالصلة موتًا‪ ،‬حتى تصير الخطيئة بالوصية خاطئة للغاية"‪.‬بيد أني ما عرفت الخطيئة إل‬ ‫بالناموس‪ .‬وفي سفر التكوين بشخصين رمزيين يدعوهما الكاتب‬ ‫ت‪ ..‬فأغوتني وقتلتني بها"‪..‫"ماذا نقول؟ أَو يكون الناموس خطيئة؟ كل‪ ،‬وحاشا‪ .‬وهذا ما صنعته الحية إذ أدخلت في قلب آدم وحواء الشك في صدق نّية ال‪:‬‬ ‫"أيقينًا قال ال ل تأكل من جميع شجر الجنة؟‪ .‬وإ ّ‬ ‫كنت عائشًا من قبل‪ ،‬إذ لم يكن ناموس"‪ ،‬يعيد إلى الذهان حالة آدم وحواء اللذين‪،‬‬ ‫قبل الخطيئة‪ ،‬كانا في جنة نعيم‪ ،‬أي في الحياة الحقيقية‪ ،‬ويعيد بالتالي حالة النسان‬ ‫قبل الخطيئة‪.‬فالوصية‪ ،‬في سفر التكوين‪ ،‬هي‪" :‬أّما شجرة معرفة‬ ‫الخير والشّر فل تأكل منها‪ .‬لن الخطيئة قد اتخذت‬ ‫فم ّ‬ ‫ل فأغوتني وقتلتني بها‪ ..‬أجل‬ ‫تفّ‬ ‫ل‪ ،‬فعل ْ‬ ‫الخطيئة بالوصية سبي ً‬ ‫لقد كنت عائشًا من قبل إذ لم يكن ناموس‪ ،‬ولكن لما جاءت الوصية عاشت الخطيئة‪،‬‬ ‫ت أنا‪ .

‬‬ ‫فالرأي الول على خطإ‪ ،‬لن آدم ليس اسم علم لشخص محدد عاش في بدء‬ ‫التاريخ؛ فكلمة "آدم" لفظة عبرية تعني "النسان"‪ ،‬كما ان حواء تعني "التي تعطي‬ ‫الحياة"؛ لذلك آدم وحواء هما رمز لكل انسان‪ ،‬وقصة خطيئتهما هي قصة خطيئة كل‬ ‫إنسان‪.‬‬ ‫أ( هل آدم اسم علم لشخص عاش في التاريخ؟‬ ‫تتكّلم رواية سفر التكوين عن خطيئة آدم وحواء‪ ،‬ويقارن بولس الرسول بين خطيئة‬ ‫ن لفظة "آدم" هي اسم علم لشخص عاش في‬ ‫آدم وقداسة المسيح‪ .‬المقصود هنا هو أو ً‬ ‫ل‬ ‫الموت الروحي‪ ،‬أي البتعاد عن ال والضياع‪ .‫صين‪ :‬يسقط النسان في‬ ‫وأّما الرحلة التي تلي التجربة فهي أيضًا نفسها في كل الن ّ‬ ‫خدع و"اغوي"‪ ،‬وان وصية ال كانت في الواقع "مقدسة‬ ‫التجربة‪ ،‬ويكتشف انه قد ُ‬ ‫وعادلة وصالحة"‪ .‬وحواء تقول‪" :‬ان‬ ‫طردا من الجنة‪ ،‬وتحقق كلم‬ ‫الحية قد أغوتني فأكلت"‪ .‬‬ ‫كل الرأيين‪ ،‬في نظرنا‪ ،‬على خطإ‪ ،‬لنهما ل ينظران النظرة الصحيحة إلى الخطيئة‬ ‫الصلية‪.‬يقول بولس‪" :‬ان الخطيئة قد أغوتني وقتلتني"‪ .‬وفي رأي البعض أ ّ‬ ‫ل في الكون والنسان‪،‬‬ ‫زمن محدد من التاريخ‪ ،‬وارتكب خطيئة كبرى أحدثت خل ً‬ ‫وجّرت على البشر العذاب والموت‪ ،‬وقد كما نوا قبل خطيئة آدم غير خاضعين لهما‪،‬‬ ‫ن قصتهما هي‬ ‫بينما يرى البعض الخر اّنه ل وجود لدم وحواء في التاريخ‪ ،‬وا ّ‬ ‫أسطورة خيالية‪ ،‬ويستنتجون من ذلك أّنه ل وجود للخطيئة الصلية‪ :‬ليس إل خطايا‬ ‫شخصية يرتكبها الناس بشكل فردي‪ ،‬وكل إنسان هو مسؤول عن خطيئته‪.‬‬ ‫‪76‬‬ .‬وبولس أيضًا يتكلم عن الموت الذي‬ ‫ي بالصلح )أي عن‬ ‫ينتج من الخطيئة‪" :‬هي الخطيئة‪ ،‬لكي تظهر خطيئة‪ ،‬عملت ف ّ‬ ‫طريق الوصية الصالحة( موتًا؛ ثم يردف‪" :‬حتى تصير الخطيئة‪ ،‬بالوصية‪ ،‬خاطئة‬ ‫للغاية"‪ .(25‬‬ ‫‪ -4‬تساؤلت حول الخطيئة الصلية‬ ‫بعد هذا التفسير لرواية الخطيئة الصلية كما وردت في سفر التكوين وفي رسالة‬ ‫بولس إلى الرومانيين‪ ،‬سنعرض الن بعض السئلة التي يطرحها المؤمنون وغير‬ ‫المؤمنين حول هذه الخطيئة‪ ،‬ثم نحاول تحديدها‪.‬آدم وحواء‪ ،‬بعد سقوطهما‪ُ ،‬‬ ‫ال‪" :‬إن أكلت من شجرة معرفة الخير والشّر تموت موتًا"‪ .‬وتلك الحالة يصفها بولس في اليات التي بدأنا بتفسيرها )‪-14‬‬ ‫‪.‬فالموت الروحي الذي يسقط فيه النسان الخاطئ يكشف خداع التجربة‪،‬‬ ‫ويظهر حقيقة الخطيئة التي ل تقود إلى التأّله‪ ،‬كما اّدعت الحية بقولها لدم وحواء‬ ‫"تصيران كآلهة"‪ ،‬بل تقود إلى الموت والعبودية والضياع‪ ،‬فيصبح النسان "مبيعًا‬ ‫للخطيئة وتحت سلطان الخطيئة"‪ ،‬وهذه هي العبودية‪ ،‬و"ل يعود يعرف ما يفعل"‪،‬‬ ‫وهذا هو الضياع‪ .

‬الجميع قد خطئوا‪ ،‬يقول‬ ‫بولس الرسول‪ ،‬وأعوزهم مجد ال" )روم ‪ .‬فالنسان هو‬ ‫مسؤول عن خطيئته‪.‬وعندما ُأوَلد أنا‪،‬‬ ‫إنما ُأوَلد في عالم خاطئ هو بحاجة إلى خلص ال ونعمته‪" .‬ومهما تنّوعت‬ ‫خطاياهم فهي كلها إنكار ل ورفض لتعاليمه ووصاياه‪.‬ان ال قد‬ ‫ان النسان لم ُيخَلق خاطئًا وا ّ‬ ‫وضع أمامه "الحياة والموت والخير والشّر"‪ ،‬ومنحه الحرية والرادة‪ .‬‬ ‫ب( أسئلة خاطئة‬ ‫من رّدنا على الرأي الول نستنتج أن هناك أسئلة خاطئة ل تزال ُتطَرح اليوم‪ ،‬كل‬ ‫مرة يؤتى على ذكر الخطيئة الصلية‪ .(23 :3‬فالخطايا التي يرتكبها كل إنسان‬ ‫هي خطايا شخصية‪ ،‬أما الوضع الذي يولد فيه فإنما هو وضع عالم خاطئ‪.‬ماذا كانت خطيئة آدم وحواء في الفردوس‪،‬‬ ‫أخطيئة زنى أم خطيئة من نوع آخر؟ كم من السنين عاش آدم وحواء في الفردوس‬ ‫قبل الخطيئة الصلية؟ أين كان الفردوس؟ هل كان آدم وحواء معّرضين للعذاب‬ ‫والموت قبل الخطيئة الصلية؟‬ ‫‪77‬‬ .‬‬ ‫وهذا الختيار يقوم به الناس على مدى التاريخ منذ النسان الول‪ .‬‬ ‫لذلك يجب التمييز بين جوهر الجواب الذي يعطيه سفر التكوين‪ ،‬والسلوب الذي‬ ‫جاء فيه هذا الجواب‪ .‬‬ ‫والرأي الثاني على خطٍإ كذلك لنه ل يمّيز بين الخطيئة الشخصية التي يرتكبها كل‬ ‫انسان‪ ،‬ووضع العالم الخاطئ الذي يوجد فيه النسان منذ ولدته‪ .‬‬ ‫ثم ان النسان ليس فردًا عائشًا وحده في جزيرة؛ انه عضو في مجتمع؛ والعضاء‬ ‫ل إل عن الخطايا التي أرتكبها‬ ‫في الجسد الواحد يتأثر بعضها ببعض‪ .‫إن كاتب سفر التكوين يتحّدث من الفصل الرابع حتى الفصل الحادي عشر عن‬ ‫الفساد والقتل والعنف ومختلف الجرائم والمظالم التي اجتاحت البشرية حتى كارثة‬ ‫الطوفان‪ .‬متى بدأ؟ وكيف بدأ؟ هذا من شأن العلم‪ ،‬ل من‬ ‫شأن الدين‪ ،‬البحث عنه‪ .‬اني لست مسؤو ً‬ ‫أنا نفسي‪ ،‬ولكن الخطايا التي أرتكبها تؤّثر في غيري‪ .‬لهن خلل هذا "الَمَثل" يكشف لنا الكتاب المقدس عن حقيقة دينية ثابتة‪ ،‬وهي‬ ‫ن الخطيئة ليست من صلب طبيعته البشرية‪ .‬والخطايا التي ارتكبها البشر‬ ‫على مدى الجيال خلقت في العالم وضعًا خاطئًا مناقضًا لرادة ال‪ .‬ول بّد لنا من العتراف بأن هذا النسان‪ ،‬في جميع العصور‬ ‫وعلى مدى التاريخ‪ ،‬قد خطئ‪ ،‬فل يمكننا إنكار خطيئته‪.‬فإذا رفضنا أن‬ ‫تكون لفظتا "آدم" و"حواء" إسَمي علم لشخصين عاشا في بدء التاريخ‪ ،‬إل أنه ل بّد‬ ‫من العتراف بأن النسان قد بدأ يومًا‪ .‬فقصة آدم وحواء هي قصة أسطورية‪ ،‬إل أن تعليمها تعليم‬ ‫إلهي‪ .‬ثم يسأل‪َ :‬من المسؤول عن تلك المظالم؟ هل يريد ال كل هذا الشر؟ ويجيب‬ ‫على السؤال‪ ،‬في الثلثة الفصول الولى‪ ،‬بقوله إن ال قد خلق كل شيء صالحًا‪ ،‬وإ ّ‬ ‫ن‬ ‫البشر هم الذين يجنون على أنفسهم باختيارهم الشّر بدل الخير والموت بدل الحياة‪.

‫ان جميع تلك السئلة نعتبرها اليوم أسئلة خاطئة‪ ،‬لنها ُتطرح من نقطة انطلق‬ ‫خاطئة هي أن آدم وحواء هما إسما علم للشخصين اللذين عاشا في بدء التاريخ‬ ‫وارتكبا خطيئة كبرى‪ .‬إن ما ينتاب النسان من أمراض وأوجاع‪ ،‬والموت المحّتم الذي يسير إليه‬ ‫جميع البشر‪ ،‬ل يمكن أن يكون نتيجة لخطيئة انسان واحد عاش في فجر التاريخ؛ فكل‬ ‫هذه الشرور الطبيعية هي من صلب طبيعة النسان المحدودة‪ .‬‬ ‫ج( الخطيئة الصلية حالة تضامن مع خطيئة العالم‬ ‫ن الخطيئة الصلية ل يمكن أن تكون فقط خطيئة أول رجل وأول امرأة‬ ‫اذا قلنا إ ّ‬ ‫ظهرا على الرض‪ ،‬فكيف اذًا نحّددها؟ ان عبارة "الخطيئة الصلية" لم تستعمل في‬ ‫ن العهد الجديد يتكلم عن "خطيئة‬ ‫اللهوت إل ابتداًء من القديس اوغوسطينوس‪ .‬عندئٍذ ل بّد من التساؤل‪ :‬ماذا كانت خطيئتهما؟ وكم من الزمن‬ ‫عاشا قبل الخطيئة؟ وكيف يرضى ال أن يخلق إنسانًا ل يتعّذب ول يموت‪ ،‬ثم يحكم‬ ‫عليه بالعذاب والموت لجل خطيئة واحدة ارتكبها؟ والسئلة تزداد إلحاحًا وإحراجًا‬ ‫بعد ان اكتشف العلم أن النسان لم تكتمل إنسانيته إل على مدى مليين من السنين‪.‬‬ ‫ح إل جزئيًا‪ ،‬أي‬ ‫فالتفسير التقليدي الذي يرى في الموت عاقبة الخطيئة ل يص ّ‬ ‫بالنسبة إلى الموت الروحي‪ .‬أما الموت الجسدي فهو أمر متعلق بطبيعة النسان المحدودة‪ ،‬وهو‪،‬‬ ‫للمؤمن بقيامة المسيح‪ ،‬انتقال من حياة مائتة إلى حياة خالدة مع ال‪.‬لذلك ما ينتج من الخطيئة‬ ‫إنما هو الموت الروحي والقلق الوجودي‪ .‬فالخطيئة تبعد النسان عن ال‪ .‬‬ ‫ففي أي مرحلة من التطور النساني ارتكب تلك الخطيئة الكبرى التي جّرت الويلت‬ ‫على البشرية جمعاء؟‬ ‫ان هذه السئلة كّلها تسقط‪ ،‬إذا فهمنا رواية سفر التكوين على حقيقتها‪ :‬انها ليست‬ ‫رواية لحدث تاريخي محّدد جرى في زمن معّين من التاريخ‪ ،‬بل رواية رمزية تروي‬ ‫ما يجري للنسان ‪-‬لكل إنسان‪ ،‬منذ النسان الول‪ -‬عندما يرفض ال ويرفض‬ ‫وصاياه‪ .‬‬ ‫لذلك ل يمكننا القول إن آدم وحواء قد عاشا فترة من الزمن قبل الخطيئة الصلية‪،‬‬ ‫ول إنهما‪ ،‬بخطيئتهما‪ ،‬سّببا لذرّيتهما المرض والعذاب والموت‪ ،‬وقلبا نظام الكون‬ ‫بأسره‪ .‬إذ ليس من فرق‪ ،‬فالجميع قد خطئوا‬ ‫‪78‬‬ .‬إ ّ‬ ‫العالم"‪ :‬فالمسيح هو‪ ،‬حسب قول يوحنا النجيلي‪" ،‬حمل ال الذي يرى خطيئة العالم"‬ ‫)‪(29 :1‬؛ وبولس يصف‪ ،‬في الفصول الثلثة الولى من رسالته إلى الرومانيين‪،‬‬ ‫كيف شملت الخطيئة جميع الناس‪ ،‬يهودًا ويونانيين‪ ،‬ويختم بقوله‪" :‬ان اليهود‬ ‫واليونانيين جميعًا هم تحت سلطان الخطيئة‪ .‬وهذا أّول ما يريد سفر التكوين وبولس‬ ‫الرسول تأكيده‪ .‬والتطور الذي أظهر‬ ‫العلُم أنه شمل العالَم والنسان‪ ،‬ل يمكن أن يتّم دون وجود الموت الذي يفسح المجال‬ ‫أمام التغّير والتقّدم‪.‬ومن خلل تلك الرواية يدو ال إله القداسة والمحبة والصلح‪ ،‬الذي ل يريد‬ ‫أن يعيش النسان في الخطيئة ويسّبب لنفسه الهلك‪ ،‬بل أن يرجع إليه ويجد فيه الحياة‬ ‫والخلص‪.

‬وتلك الدعوة يلّبيها‬ ‫النسان بقبوله المعمودية؛ فالذين يعتمدون للمسيح يجّددون في ذواتهم موت المسيح‬ ‫وقيامته‪" :‬فكما ان المسيح بموته قد مات للخطيئة إلى البد‪ ،‬وبحياته يحيا ل‪ ،‬كذلك‬ ‫أنتم أيضًا‪ ،‬احسبوا أنفسكم أمواتًا للخطيئة‪ ،‬أحياء ل في المسيح يسوع" )روم ‪:6‬‬ ‫‪.‬فعندما يولد النسان‪ ،‬يولد ضمن تلك البشرية الخاطئة‪ ،‬أي في حالة‬ ‫تضامن معها‪ ،‬وهذا أيضًا واقع ل يمكننا تجاهله‪ .‬ثم يردف‪" :‬والجميع بنعمته ُيبّررون مجانًا‪ ،‬بالفداء الذي بالمسيح‬ ‫يسوع‪ ،‬الذي سبق ال فأقامه أداة تكفير باليمان بدمه‪ ،‬لظهار بّره ‪-‬بعد أن تغاضى‬ ‫عن الخطايا السالفة في عهد صبره اللهي‪ -‬لظهار بّره‪ ،‬اذًا‪ ،‬في الزمان الحاضر‬ ‫بإعلنه باّرا ومبّررا من آمن بيسوع" )روم ‪.‬فالبشرية خاطئة‪ ،‬وهذا واقع ل‬ ‫ن الحروب الكثيرة التي نسجت تاريخ البشر بجرائمها ومظالمها‬ ‫يمكننا إنكاره‪ ،‬وإ ّ‬ ‫أفصح دليل عليه‪ .‬فل يمكننا‬ ‫إذًا أن نفهم الخطيئة الصلية إل بالمقارنة مع الفداء بالمسيح‪ .‬‬ ‫ليست الخطيئة الصلية إذًا خطيئة انسان واحد عاش في بدء التاريخ‪ ،‬ويرثها كل‬ ‫ل لكان كل انسان يسأل‪ :‬ما ذنبي أنا لكي يعاقبني ال على‬ ‫انسان يولد من ذريته؛ وإ ّ‬ ‫خطيئة ارتكبها النسان الول؟ إنما الخطيئة الصلية حالة نتجت من خطايا جميع‬ ‫البشر الذين عاشوا عبر التاريخ منذ النسان الول‪ .‫وأعوزهم مجد ال"‪ .(26 -23 ،9 :3‬‬ ‫ي بقوله في‬ ‫ن الخطايا السالفة التي صبر عليها ال‪ ،‬هي التي ينّدد بها اشعيا النب ّ‬ ‫اّ‬ ‫ب قد تكلم‪:‬‬ ‫مطلع نبوءته‪" :‬استمعي أيتها السماوات وأنصتي أيتها الرض‪ ،‬فان الر ّ‬ ‫ي‪ .‬إل أن هذا التضامن ليس أمرًا‬ ‫محتومًا على النسان البقاء فيه‪ ،‬فالمسيح قد افتدانا وبّررنا‪ ،‬وهو يدعونا إلى النتقال‬ ‫من حالة التضامن مع البشرية الخاطئة إلى حالة التضامن معه‪ .(11 ،10‬‬ ‫الِقسم الَثالث‬ ‫هل من تفسير للشر؟‬ ‫ل بحثنا‪ :‬إذا كان ال ينبوع الصلح‬ ‫نعود الن إلى السؤال الذي طرحناه في مسته ّ‬ ‫والخير‪ ،‬فِمن أين الشر؟ إذا لم يكن الشر عمل إرادة إله شرير‪ ،‬كما بيّنا في القسم‬ ‫الول‪ ،‬ول نتيجة خطيئة النسان الول‪ ،‬كما أظهرنا في القسم الثاني‪ ،‬فمن أين يأتي؟‬ ‫‪79‬‬ .‬ولتعريف الخطيئة الصلية يجب أن نقارن‪ ،‬مع بولس الرسول‪ ،‬بين‬ ‫البنين الف ّ‬ ‫حالة البشرية الخاطئة‪ ،‬لن "الجميع قد خطئوا"‪ ،‬والفداء الذي حصلت عليه البشرية‬ ‫بالمسيح يسوع‪ ،‬لن "الجميع يبّررون مجانًا بالفداء الذي بالمسيح يسوع"‪ .(4 -2 :1‬‬ ‫بالثم‪ ،‬ذرية المجرمين‪ ،‬البنين الف ّ‬ ‫لقد جاء المسيح ليفتدي من الخطيئة هذا "الشعب الموّقر بالثم‪ ،‬ذرية المجرمين‪،‬‬ ‫جار"‪ .‬ويل للمة الخاطئة‪ ،‬الشعب الموّقر‬ ‫صاحبه‪ ،‬لك ّ‬ ‫جار" )اشعيا ‪.‬فالخطيئة الصلية هي‬ ‫حالة التضامن مع خطيئة العالم‪ ،‬أي مع جميع الذين خطئوا عبر التاريخ منذ النسان‬ ‫الول؛ والفداء بالمسيح يدخلنا في حالة جديدة هي حالة النعمة والبّر‪.‬عرف الثور قانيه والحمار معلف‬ ‫اني رّبيت بنين ورفعتهم‪ ،‬لكنهم قد تمّردوا عل ّ‬ ‫ن اسرائيل لم يعرف‪ ،‬وشعبي لم يفهم‪ .

‬أما الخلئق فليست مولودة ول منبثقة من‬ ‫جوهر ال‪ ،‬بل هي مخلوقة‪ ،‬لذلك فهي مختلفة عن ال اختلفًا جوهريًا‪.‬نؤمن‪ ،‬نحن المسيحيين‪ ،‬ان كلمَة ال مولوٌد من الب منذ‬ ‫الزل‪ ،‬لذلك فهو واحد مع الب في الجوهر؛ وكذلك نؤمن أن الروح القدس منبثق من‬ ‫الب قبل كل الدهور‪ ،‬لذلك هو أيضًا واحد مع الب في الجوهر‪ .‬وإ ّ‬ ‫عندئٍذ يرفض النسان حدود طبيعته وارتباطه بال‪.‬فالتمييز بين القانيم‬ ‫اللهية ل ينتج منه اختلف في الطبيعة‪ .‬والنسان معّرض لكل الشّرين؛ فهو من‬ ‫طبيعته خاضع للمرض والموت‪ ،‬ومن طبيعته معّرض للخطيئة‪ ،‬إذ انه ليس إلهًا بل‬ ‫خليقة‪ .‬‬ ‫‪ -1‬الشّر الطبيعي‬ ‫أ( حدود الطبيعة البشرية‪ :‬الخلق ليس ولدة ول انبثاقًا‬ ‫لماذا لم يخلق ال طبيعة غير معّرضة للمرض والموت؟ ذلك مستحيل‪ ،‬لنه لو‬ ‫ُوجدت تلك الطبيعة‪ ،‬لما كانت طبيعة مخلوقة‪ ،‬بل طبيعة إلهية غير منفصلة عن‬ ‫طبيعة ال‪ ،‬ولما كان بالتالي ُوجد خلق‪ ،‬بل كان ال وحده في ذاته اللهية‪ .‬أما الخلئق‬ ‫إّ‬ ‫فمحدودة في الزمان والمكان وخاضعة للمرض والموت‪ .‫قلنا ان الشر على نوعين‪ ،‬طبيعي وأدبي‪ .‬‬ ‫ب( اللحاد هو رفض النسان أن يكون انساناً‬ ‫هذا الختلف بين طبيعة النسان وطبيعة ال قد يبدو لنا أمرًا جائرًا‪ ،‬فنثور عليه‪،‬‬ ‫ي‪ .‬وقد‬ ‫ونرفض إلهًا يخلقنا محدودين ومعّرضين للمرض والموت‪ ،‬بينما هو كامل أزل ّ‬ ‫يقود هذا الرفض إلى اللحاد؛ فكثيرون من الملحدين يرفضون وجود ال لنهم ل‬ ‫يستطيعون التوفيق بين صلح ال ووجود الشّر في العالم‪.‬إن في أعماق النسان رغبة في الرتفاع إلى مستوى ال‪ ،‬ترمز إليها‬ ‫"شجرة معرفة الخير والشّر" و"شجرة الحياة"‪" :‬تصيران كآلهة عارفي الخير‬ ‫ن الخطيئة تكمن في محاولة النسان تحقيق تلك الرغبة خارجًا عن ال‪،‬‬ ‫والشّر"‪ .‬‬ ‫ج( بالتجسد شارك ال بطبيعة النسان ليرفعها إليه‬ ‫‪80‬‬ .‬‬ ‫ان هذا اللحاد هو في الواقع رفض النسان أن يكون انسانًا‪ ،‬أي خليقة محدودة في‬ ‫طبيعتها‪ .‬ومن هذا النقص ينتج ضعف النسان ومرضه وموته‪.‬‬ ‫ن ال ل حدود لكيانه ول نهاية لذاته؛ انه منذ الزل وإلى البد‪ .‬فالشّر الطبيعي ناتج من كون النسان خليقة محدودة‪ ،‬والشّر الدبي من كونه‬ ‫خليقة حّرة‪.‬فالفرق‬ ‫جوهري بين الولدة والخلق‪ .‬وكما ان كمال ال هو فيه‬ ‫صفة جوهرية وأمر متعلق بجوهره‪ ،‬كذلك نقص الخلئق هو فيها أمر جوهري أي‬ ‫مرتبط بجوهرها‪ .

‬‬ ‫ل لللم والعذاب‪ ،‬ليزيل بألمه‬ ‫سه اللم والعذاب قد أصبح مثلنا قاب ً‬ ‫ن َمن ل يم ّ‬ ‫إّ‬ ‫ن َمن ل يعرف الموت قد دخل في عالمنا المائت ليقضي على‬ ‫وعذابه ألمنا وعذابنا؛ إ ّ‬ ‫ن َمن ل حّد لكيانه قد اتخذ طبيعتنا المحدودة‬ ‫الموت الذي‪ ،‬بدون ال‪ ،‬يقضي علينا؛ إ ّ‬ ‫ن الموت ل يقطع علقة النسان بال‪ ،‬بل‬ ‫ليرفعها إلى التحاد بكيانه غير المحدود‪ .‬فما دام‬ ‫ل‪ .‬فمضى واغتسل ورجع وهو يبصر بجلء‪.‬لماذا ُولد‬ ‫هذا الرجل أعمى؟ هل مرضه نتيجة خطيئة أبويه؟ ويمكننا أن نطرح السؤال بشكل‬ ‫عام‪ :‬هل المرض والموت وسائر الشرور الطبيعية هي نتيجة خطيئة أبوينا الّولين؟‬ ‫على هذا السؤال يرّد يسوع بالنفي‪ :‬الشّر الطبيعي ليس نتيجة خطيئة النسان ول‬ ‫ن يسوع ل يعطي جوابًا نظريًا‪ ،‬إنما جوابه عملي‪ ،‬وكأنه‬ ‫خطيئة الجّدين الولين‪ .‬وأعمال ال هي شفاء المرض‪ ،‬وهذا ما صنع يسوع إذ "كان يجول‬ ‫في جميع المدن والقرى‪ ،‬يعّلم في المجامع‪ ،‬ويكرز بانجيل الملكوت‪ ،‬ويشفي كل‬ ‫مرض وكل سقم" )متى ‪.(35 :9‬‬ ‫قيامة يسوع هي الجواب الخير على وجود الشّر الطبيعي‬ ‫ان يسوع‪ ،‬في شفائه المرضى‪ ،‬عمل على إزالة المرض‪ ،‬وفي آلمه وموته وقيامته‬ ‫انتصر على اللم والموت‪ .‬‬ ‫ط تفسيرًا للشّر بل عمل على إزالته‬ ‫يسوع لم ُيع ِ‬ ‫يروي يوحنا‪ ،‬في الفصل التاسع من انجيله‪ ،‬أن يسوع "فيَما كان مجتازًا رأى رج ً‬ ‫ل‬ ‫أعمى منذ مولده‪ .‬ما‬ ‫النهار ينبغي أن نعمل أعمال من أرسلني‪ .‬فسيأتي الليل حيث ل يستطيع أحد عم ً‬ ‫دمت في العالم فأنا نور العالم"‪ .‬ويسوع‪ ،‬في حياته‪ ،‬عمل على إزالة الشّر‪ ،‬وفي‬ ‫موته وقيامته انتصر على الموت وأقام معه النسان المائت إلى حياة ال‪.‬‬ ‫ان سؤال التلميذ يسوع يطرح معضلة وجود الشّر الطبيعي في العالم‪ .‬ولك ّ‬ ‫ن الجواب الوحيد على مشكلة الشّر هو العمل على إزالته‪" :‬يجب أن تظهر‬ ‫يقول إ ّ‬ ‫أعمال ال فيه"‪ .‬فسأله تلميذه قائلين‪ :‬يا معّلم‪َ ،‬من خطئ‪ ،‬هذا الرجل أم أبواه‪ ،‬حتى‬ ‫ُولد أعمى؟ أجاب يسوع‪ :‬ل هذا خطى ول أبواه‪ ،‬وإنما لُتظهر أعمال ال فيه‪ .‬ا ّ‬ ‫هو الطريق الذي ل بّد للنسان أن يسلكه لتتحّول طبيعته من طبيعة مائتة محدودة إلى‬ ‫ن النسان كحّبة الحنطة التي‪،‬‬ ‫طبيعة تشارك ال في حياته الخالدة وكيانه اللمحدود‪ .‬‬ ‫‪81‬‬ .‫ن ما لم يستطع النسان تحقيقه خارجًا عن ال قد حّققه ال نفسه‪ ،‬إذ أخذ جسداً‬ ‫إّ‬ ‫بشريًا في شخص يسوع المسيح‪ .‬إ ّ‬ ‫إن لم تمت‪ ،‬تبقى وحدها‪ ،‬معزولة في حدودها الضّيقة‪ ،‬وأّما إن ماتت فتأتي بثمر كثير‬ ‫وتدخل في ل نهاية ال‪.‬ثم طلى بالطين عيَني العمى وأرسله يغتسل في‬ ‫بركة سلوام‪ .‬لذلك‪ ،‬وإن لم نستطع إيجاد تفسير نظري للشّر الطبيعي في‬ ‫العالم‪ ،‬إل أنه يمكننا التوفيق بين صلح ال ووجود العذاب والموت‪ ،‬لننا نؤمن أن‬ ‫يسوع بقيامته انتصر على العذاب والموت‪.

‬‬ ‫‪ -2‬الشّر الدبي‬ ‫أ( في الحرية إمكان الخطيئة‬ ‫اذا كان الشّر الطبيعي ناتجًا من طبيعة النسان المحدودة‪ ،‬فالشّر الدبي ناتج من‬ ‫سوء استعمال النسان حريته‪ .‬وإن كان المسيح لم يقم‪ ،‬فإيمانكم باطل وأنتم بعد في‬ ‫خطاياكم؛ ومن ثّم فالذين رقدوا في المسيح قد هلكوا‪ .(34 :8‬‬ ‫وإّنما جاء المسيح ليحّررنا من تلك العبودية‪" :‬فان حّرركم البن‪ ،‬كنتم في الحقيقة‬ ‫أحرارًا" )يو ‪.‬يقول القديس كيرلس السكندري‪" :‬لقد صار الله انسانًا لكي‬ ‫يصير النسان إلهًا"؛ والقديس اثناسيوس‪" :‬لقد أصبح الكلمة جسدًا لكي نستطيع نحن‬ ‫أيضًا‪ ،‬بما نناله من روحه‪ ،‬أن نتأّله"؛ واكليمنضوس السكندري‪" :‬ان كلمة ال قد‬ ‫صار انسانًا لكي نتعّلم من النسان كيف يستطيع النسان أن يصير إلهًا"؛‬ ‫وغريغوريوس النزينزي‪" :‬فلنصْر آلهة به‪ ،‬بما انه‪ ،‬لجلنا‪ ،‬صار إنسانًا"‪.‬تلك هي الحرية‪.‫ل‪ ،‬إن لم ترتكز على قيامة المسيح‪ .‬‬ ‫الحرية ليست مجرد إمكان الختيار بين الخير والشّر‪ ،‬بل هي بالحرى إمكان‬ ‫ن َمن يختار الشّر يظن نفسه حرًا‪ ،‬إل أنه في الواقع مستعبد‬ ‫السهام في بناء الذات‪ .‬فالشر الطبيعي الذي يختبره النسان في نفسه وفي الكون ليس‬ ‫نهاية كل شيء‪ .‬وهذا التأّله بواسطة المسيح‬ ‫الله قد تحّدث عنه آباء الكنيسة الشرقية بطريقة رائعة‪ ،‬وفيه وحده يمكن النسان أن‬ ‫يتحّمل لغز الشّر وسّره‪ .‬فقد أخذ كلمُة ال طبيعة البشر ليؤّلهها‪ .‬فكما انه في آدم يموت الجميع‪ ،‬كذلك أيضًا في المسيح سيحيا الجميع" )‪1‬‬ ‫كور ‪.(36 :8‬‬ ‫ب( في المسيح النتصار على الخطيئة‬ ‫"حيث كثرت الخطيئة طفحت النعمة" )روم ‪(20 :5‬؛ "وأما النعمة والحق‬ ‫فبيسوع المسيح قد حصل" )يو ‪.‬إ ّ‬ ‫للشّر‪ ،‬بحسب قول يسوع‪" :‬كل من يعمل الخطيئة هو عبد للخطيئة" )يو ‪.‬فال ل يستطيع‬ ‫أن يصنع النسان إلهًا على رغمه‪ ،‬لذلك على النسان أن يشارك في بلوغ كماله في‬ ‫ال‪ .(22 -16 :15‬‬ ‫التأّله بواسطة المسيح الله‬ ‫سد المسيح‬ ‫وهكذا ل يستطيع النسان أن يفهم نفسه ويفهم الكون إل على ضوء تج ّ‬ ‫وحياته وموته وقيامته‪ .(17 :1‬‬ ‫‪82‬‬ .‬وفي‬ ‫الحرية يكن إمكان الخطيئة؛ ولكن في الحرية أيضًا يكمن إمكان التأّله‪ .‬إن ال لم يخلق النسان خاطئًا‪ ،‬بل خلقه حرًا‪ .‬لذلك‬ ‫ان آمال النسان بالخلود تبدو وهمًا وخيا ً‬ ‫يرى بولس الرسول في قيامة المسيح أمانة لقيامة الموات‪" :‬إن كان الموات ل‬ ‫يقومون‪ ،‬المسيح أيضًا لم يقم‪ .‬لف‪ ،‬بما ان الموت كان بانسان‪ ،‬فبانسان أيضًا قيامة‬ ‫الموات‪ .‬ان كان رجاؤنا في المسيح في‬ ‫ن المسيح قد قام من بين‬ ‫هذه الحياة فقط‪ ،‬فنحن أشقى الناس أجمعين‪ .‬ولكن ل‪ ،‬فإ ّ‬ ‫الموات‪ ،‬باكورة للراقدين‪ .

‬فنحن المسيحيين نؤمن أن الشّر‪ ،‬في مختلف مظاهره‪ ،‬في الموت الذي هو‬ ‫نتيجة طبيعة النسان المحدودة‪ ،‬وفي الخطيئة التي هي نتيجة إرادته الضعيفة‪ ،‬لم يعد‬ ‫‪83‬‬ .‬‬ ‫فالمسيح يكشف للنسان انه لن يستطيع تحقيق ذاته برفض ال والتنّكر لوصاياه‪ ،‬بل‬ ‫ن حياة المسيح كلها كانت حياة اتحاد بال‪" :‬إن طعامي‬ ‫بالتحاد به وبتتميم وصاياه‪ .‬‬ ‫لقد خلق ال النسان حرًا؛ وفي هذه الحرية إمكان السقوط في الخطيئة؛ إل أن ال‬ ‫ف بخلق النسان‪ ،‬بل أرسل إليه ابنه يسوع المسيح مخلصًا وفاديًا‪ ،‬لينتصر على‬ ‫لم يكت ِ‬ ‫الشّر والخطيئة‪ ،‬ويكون هو نفسه القوة التي بها يستطيع النسان أن يتغّلب بملء‬ ‫حريته على الشّر والخطيئة‪.‬‬ ‫أما يسوع‪ ،‬آدم الثاني والنسان الجديد‪ ،‬فقد قبل الموت في التحاد بال ووجد الحياة‬ ‫في القيامة‪ ،‬ولشى هكذا خطيئة آدم الول‪ ،‬وجّدده من الداخل‪ ،‬مظهرًا وجه ال‬ ‫الحقيقي‪ ،‬مبّينا السبيل الوحيد الذي ل بّد للنسان أن يسلكه إذا أراد تحقيق ذاته‪ ،‬ومن‬ ‫خلل الموت الذي هو للنسان حجر عثرة وسب شك‪ ،‬بّين للنسان أن ال هو أبدًا‬ ‫الب الذي يعطي الحياة‪.‬‬ ‫خلصة‬ ‫هل يجد القارئ في ما قلناه تفسيرًا لوجود الشّر في العالم؟ ربما ل‪ .‬ويجيب‪" :‬لو كان ال قد امتنع عن خلق الكون والنسان بسبب ما سيحدث‬ ‫فيهما‪ ،‬لكان أظهر أنه أضعف من الشّر"‪.‫يسأل يوحنا الدمشقي‪" :‬لماذا خلق ال الكون‪ ،‬مع علمه أن الشّر سوف يحدث‬ ‫فيه؟"‪ .‬‬ ‫ان خطيئة آدم الول‪ ،‬النسان القديم‪ ،‬تكمن في نظرته الخاطئة إلى ما يعطي الحياة‬ ‫وما يجلب الموت‪ ،‬إذ قد ظن أنه بالتحاد بال يجد الموت‪ ،‬وبمقاومته يحصل على‬ ‫الحياة‪.‬ولكن‪ ،‬ل تكن مشيئتي بل مشيئتك"‬ ‫اللهية‪" :‬يا أبتاه‪ ،‬إن شئت فأ ِ‬ ‫)لوقا ‪(42 :22‬؛ وصلته الخيرة إلى الب‪" :‬يا أبتاه‪ ،‬في يديك أستودع روحي"‬ ‫)لوقا ‪ ،(46 :23‬قالها وهو على الصليب‪ ،‬وفي قلبه ملء الثقة واليمان بأن ال ل‬ ‫يزال أباه حتى في الموت‪ ،‬وانه من الموت سيبعث الحياة‪.‬‬ ‫لقد قضى المسيح على الشّر والخطيئة دون القضاء على حرية النسان‪ ،‬وذلك‬ ‫بتجديد النسان من الداخل‪ ،‬وتصحيح نظرته إلى ال‪ ،‬بحيث يرى فيه الخير العظم‬ ‫ويحبه ويّتحد به بملء حريته‪ .‬وهكذا افتدى المسيح النسان وقّوَم ما في الطبيعة‬ ‫البشرية المحدودة من ضعف وميل إلى الخطيئة والشّر‪.‬غير ان الشّر‪،‬‬ ‫على ضوء المسيح وحياته وموته وقيامته‪ ،‬ل يعود ذلك اللغز الخانق الذي يقود إلى‬ ‫اليأس‪ .‬إ ّ‬ ‫هو أن أعمل مشيئة الذي أرسلني" )يو ‪(34 :4‬؛ ولقد قبل الموت تتميمًا لتلك المشيئة‬ ‫جْز عني هذه الكأس‪ .

‬ان شوكة الموت هي الخطيئة‪،‬‬ ‫أين غلبت َ‬ ‫وقوة الخطيئة هي الناموس‪ ..(28 :15‬‬ ‫ــــــــــــــــــــــــــ‬ ‫الفصل الخامس‬ ‫جديد‬ ‫ن ال في الَعهد ال َ‬ ‫سيح اب ُ‬ ‫سوع الم ِ‬ ‫َي ُ‬ ‫توطَئة‬ ‫ل الدهور‪،‬‬ ‫ن ال الوحيد‪ ،‬المولوِد من الب قبل ك ّ‬ ‫ع المسيح‪ ،‬إب ِ‬ ‫ب واحٍد يسو َ‬ ‫"‪ .‬أما في القسم الثاني فنعلن إيماننا بابن ال يسوع المسيح‪ .‬فاليمان بالله الواحد‬ ‫خالق السماء والرض هو‪ ،‬في جوهره‪ ،‬إيمان مشترك بين معظم الديانات ول سيَما‬ ‫المسيحية واليهودية والسلم‪ .‬ولكن الشكر ل الذي يؤتينا الغلبة بربنا يسوع المسيح" )‬ ‫‪ 1‬كور ‪.‬ففي المسيح الذي سحق الموت وانتصر على‬ ‫الخطيئة وحّررنا من عبودية الشّر‪ ،‬انكشف لنا عجز الشّر‪ ،‬وأصبح في مقدورنا‪،‬‬ ‫باتحادنا بالمسيح‪ ،‬السيطرة على الموت والنتصار على الخطيئة‪ ،‬بحسب قول بولس‬ ‫الرسول في كلمه عن القيامة‪" :‬متى لبس هذا الجسد الفاسد عدم الفساد‪ ،‬ولبس هذا‬ ‫الجسد المائت عدم الموت‪ ،‬فحينئٍذ يتم القول الذي كتب‪" :‬لقد ابُتلع الموت في الغلبة‪.‬‬ ‫ح الُقد ِ‬ ‫سد من الرو ِ‬ ‫وتج ّ‬ ‫بهذه الكلمات يبدأ القسم الثاني من قانون اليمان‪ .‬وقد يقبل العقل دون ارتياب هذا اليمان بالله الواحد‪،‬‬ ‫ولكن اليمان بأن يسوع المسيح النسان الذي ُولد من مريم العذراء بالجسد هو نفسه‬ ‫"ابن ال الوحيد المولود من الب قبل كل الدهور"‪ ،‬وانه بالتالي "إله حق من إله حق‬ ‫ومساٍو للب في الجوهر"‪ ،‬قد يبدو لول وهلة مناقضًا للعقل البشري‪ ،‬جهالًة‬ ‫لليونانيين وعثرة لسائر المؤمنين من يهود ومسلمين‪ ،‬يعتبره العقلنيون جنونًا وبهتانًا‪،‬‬ ‫ويرى فيه اليهود والمسلمون تجديفًا على اسم ال وتحقيرًا لعظمته‪ .‬ففي القسم الول نعلن إيماننا بال‬ ‫الب الخالق‪ ..(57 -54 :15‬‬ ‫ولئن بقي الشّر سرًا‪ ،‬إل أنه لم يعد عائقًا لنا وليماننا بال الب الضابط الكل الخالق‬ ‫كل شيء؛ بل إنه‪ ،‬على العكس‪ ،‬يعطي النسان كرامة أوفر‪ ،‬إذ يتيح له أن يسهم مع‬ ‫ال في إكمال عمل الخلق‪ ،‬ويسهم مع المسيح في تجسيد الفداء في ذاته وفي الخرين‬ ‫ل" )‪1‬‬ ‫ل في الك ّ‬ ‫وفي الكون كله‪ ،‬حتى يزول الشّر وتزول الخطيئة "ويصير ال ك ً‬ ‫كور ‪.‫ذلك السّيد المتسّلط الذي يستعبد النسان‪ .‬وبر ّ‬ ‫نوٍر من نور‪ ،‬إلٍه حق من إلٍه حق‪ ،‬مولوٍد غيِر مخلوق‪ ،‬مساٍو للب في الجوهر‪ ،‬الذي‬ ‫ل خلصنا‪ ،‬نزل من السماء‬ ‫ن البشر ومن أج ِ‬ ‫ل شيء‪ ،‬الذي من أجلنا نح ُ‬ ‫به كان ك ّ‬ ‫س ومن مريم العذراء وتأّنس"‪.‬وفي هذا القسم‬ ‫يظهر بأجلى بيان ما يمّيز الديانة المسيحية عن سائر الديانات‪ .‬فكيف ُيعَقل أن‬ ‫ُيقال عن إنسان ُوجد في الزمن انه هو بدء الزمن؟ وعن كائن فرد ُولد من كائن آخر‬ ‫انه خالق كل الكائنات وأساسها منذ الزل؟ وكيف ينحصر معنى التاريخ كله في‬ ‫إنسان واحد عاش في حقبة محددة من التاريخ؟‬ ‫‪84‬‬ .‬‬ ‫ك أيها الموت؟ أين شوكتك أيها الموت؟"‪ .

‬‬ ‫‪85‬‬ .‬يستند البعض إلى ما رواه انجيل متى عن اعتراف بطرس في‬ ‫المسيح ابن ال الح ّ‬ ‫قيصرية فيلبس ليؤكدوا أن الرسل‪ ،‬حتى في أثناء حياة يسوع‪ ،‬آمنوا بأن يسوع هو ابن‬ ‫ال‪ .‬وهذا‬ ‫ي" قد أضافها كاتب إنجيل متى‪ ،‬معلنًا ليس إيمان‬ ‫دليل على أن عبارة "ابن ال الح ّ‬ ‫بطرس في أثناء حياة يسوع‪ ،‬بل إيمان بطرس والرسل والكنيسة الولى بُألوهية‬ ‫المسيح من بعد قيامته‪.‬والموضوع نفسه يعالجه اليوم‬ ‫بإسهاب اللهوتيون المعاصرون في مختلف البلدان المسيحية محاولين التقّرب من‬ ‫إدراك سّر ظهور ال في الزمن في شخص ابنه يسوع المسيح‪.‬فبعد أن يروي متى كيف "مشى‬ ‫يسوع على الماء"‪ ،‬يضيف‪" :‬ولما صعد إلى السفينة سكنت الريح‪ ،‬فسجد له الذين‬ ‫كانوا في السفينة قائلين‪" :‬أنت حقًا ابن ال" )‪ .(17 -15 :16‬إل أن إنجيل مرقس‪ ،‬القدم عهداً من إنجيل متى‪ ،‬لدى روايته‬ ‫الحدث نفسه‪ ،‬يضع على لسان بطرس العتراف التالي الموجز‪" :‬أنت المسيح"‪ .‬‬ ‫‪ .‬‬ ‫فالنجيل هو‪ ،‬بحسب القديس مرقس‪" ،‬إنجيل يسوع المسيح ابن ال" )‪.‫ان هذا اليمان بُألوهية يسوع المسيح‪ ،‬الذي أنكره اليهود ورفضه المسلمون‪ ،‬بقي‬ ‫على مدى التاريخ حجر عثرة لكثيرين من المسيحيين أنفسهم‪ .(1 :1‬‬ ‫ومعظم المجامع المسكونية‪ ،‬ول سيَما في القرنين الرابع والخامس‪ ،‬كان موضوعها‬ ‫المسيح في شخصه وفي طبيعته اللهية والنسانية‪ .‬ويمكننا اختصار تاريخ‬ ‫اللهوت المسيحي بقولنا إنه تاريخ مّد وجزر حول تحديد هوية شخص يسوع المسيح‪.(33 :14‬فلو كان متى يذكر حرفيًا‬ ‫ل بطرس على سائر الرسل في‬ ‫ق لنا أن نتساءل‪ :‬ما َفضْ ُ‬ ‫اعتراف بطرس والرسل‪ ،‬ح ّ‬ ‫العتراف بأن يسوع هو ابن ال‪ ،‬إذ إن الرسل اعترفوا بذلك قبله؟ من هنا نستنتج أن‬ ‫ما يضعه النجيل على فم بطرس وسائر الرسل ليس ما فاهوا به في أثناء حياة‬ ‫يسوع‪ ،‬بل ما وصل إليه إيمانهم به من بعد قيامته‪.‬فانجيل متى يذكر أنه لّما سأل يسوع تلميذه‪" :‬في نظركم‪ ،‬أنتم‪َ ،‬من أنا؟"‪ ،‬أجاب‬ ‫ي"‪ ،‬فقال له يسوع‪" :‬طوبى لك يا‬ ‫سمعان بطرس وقال‪" :‬أنت المسيح ابن ال الح ّ‬ ‫سمعان بن يونا‪ ،‬فانه ليس اللحم والدم أعلنا لك هذا‪ ،‬بل أبي الذي في السماوات‪) ".‬‬ ‫‪ -1‬قيامة يسوع نقطة انطلق إيمان الرسل به‬ ‫ل ثابتًا بأن يسوع هو‬ ‫لقد كانت قيامة المسيح نقطة النطلق ليمان الرسل إيمانًا كام ً‬ ‫ي‪ ..‬‬ ‫ولدينا دليل آخر على صحة هذا التفسير‪ ،‬وهو ما يقوله متى في الفصل الرابع عشر‬ ‫عن اعتراف الرسل بيسوع قبل اعتراف بطرس‪ .‬‬ ‫سنتطّرق في هذا الفصل إلى اليمان بالمسيح كما يظهر من خلل أسفار العهد‬ ‫الجديد‪ ،‬ثم نعالج في الفصل السادس تعاليم المجامع المسكونية والعقائد التي أعلنتها‬ ‫عن شخص المسيح وعن طبيعته اللهية والنسانية‪ ،‬وفي الختام نخلص إلى ما يعنيه‬ ‫لنا اليوم شخص يسوع المسيح ابن ال الوحيد‪..

..(36 -22‬‬ ‫لم يصل إيمان الرسل بيسوع المسيح إلى كماله إل بعد حلول الروح القدس عليه‪.‫شروا به بعد حلول الروح القدس عليهم‪ .(15 ،14 :1‬يعّبر هذا القول الذي وضعه انجيل مرقس على فم‬ ‫يسوع عن مضمون رسالته الساسي‪ ،‬أل وهو قرب مجيء ملكوت ال‪ .‬ونحن جميعًا شهود بذلك"‪ .‬ففي الخطاب الول‬ ‫وهذا اليمان هو ما ب ّ‬ ‫الذي ألقاه بطرس أمام الجموع المحتشدة يوم العنصرة‪ ،‬نشمعه يعلن دون ترّدد‪" :‬إن‬ ‫يسوع الناصري‪ ،‬النسان الذي أّيده ال لديكم بالعجائب والمعجزات واليات‪ ،‬التي‬ ‫أجراها على يديه في ما بينكم ‪-‬كما أنتم تعلمون‪ ،-‬ذاك الذي ُأسلم بحسب مشيئة ال‬ ‫المحدودة وعلمه السابق‪ ،‬فقتلتموه صلبًا بأيدي الثمة‪ ،‬قد أقامه ال ساحقًا قيود‬ ‫الموت‪ .‬يرونه يشفي المرضى ويغفر للخطأة فيروحون يتساءلون من ُترى هذا‬ ‫الرجل‪ ،‬ألعّله هو المسيح الذي كانوا ينتظرون مجيئه في آخر الزمنة؟‬ ‫‪ -2‬كيف ظهر يسوع في حياته؟‬ ‫أ( رسالة يسوع‪ :‬التبشير بملكوت ال‬ ‫ل إنجيله‪" :‬بعدما ُألقي يوحنا في السجن‪ ،‬أتى يسوع إلى‬ ‫يقول مرقس في مسته ّ‬ ‫الجليل وهو يكرز بإنجيل ال‪ ،‬ويقول‪ :‬لقد تّم الزمان واقترب ملكوت ال‪ ،‬فتوبوا‬ ‫وآمنوا بالنجيل" )‪ .‬‬ ‫ويروي لوقا في سفر أعمال الرسل أنهم‪ ،‬حتى بعد أن قام يسوع "وتراءى لهم مدة‬ ‫أربعين يومًا يكّلمهم عن شؤون ملكوت ال"‪ ،‬سألوه في ظهوره الخير لهم‪" :‬يا رب‪،‬‬ ‫أفي هذا الزمان ترّد الُملك لسرائيل؟" )أعمال ‪ .(32 -16 :24‬‬ ‫الطريق‪ ،‬ويف ّ‬ ‫سر لهم الكتب‬ ‫هكذا سار الرسل مع يسوع طوال حياته العلنية يستمعون إليه يف ّ‬ ‫ويكّلمهم عن ملكوت ال فتضطرم فيهم القلوب‪ ،‬ويشاهدون عجائبه فتمل الحيرة‬ ‫أذهانهم‪ .‬مع ملكوت‬ ‫ال وسيادته العالم كان اليهود ينتظرون أن ينتشر السلم بين الفراد والجماعات‬ ‫والشعوب وتسود العدالة علقات الناس بعضهم ببعض ويحظى الفقراء بالحماية‬ ‫‪86‬‬ ..‬لقد تبع الرسل يسوع وعاشوا معه حياة ألفة وصداقة مدة ثلث سنوات‪،‬‬ ‫ورأوا عجائبه واستمعوا إلى أقواله‪ ،‬واختبروا بعضًا من سّره‪ ،‬إل أن عيونهم لم تنفتح‬ ‫ل الغشاء عن بصائرهم إل من بعد قيامته‪ ،‬كما حدث لتلميَذي عماوس‬ ‫تمامًا ولم ينج ِ‬ ‫اللذين ظهر لهما يسوع "وسار معهما‪ ،‬إل أن أعينهما ُأمسكت عن معرفته‪ .‬ولكنه غاب‬ ‫عنهما‪ .‬ثم ينهي خطابه بقوله‪" :‬فليعلم إذًا يقينًا جميع‬ ‫بيت اسرائيل أن ال قد جعل يسوع هذا الذي صلبتموه رّبا ومسيحًا" )أعمال ‪:2‬‬ ‫‪..‬وبعد أن‬ ‫اتكأ معهما وأخذ الخبز وبارك وكسر وناولهما‪ ،‬انفتحت أعينهما وعرفاه‪ .(6 -3 :1‬لقد بقيت نظرتهم إليه‬ ‫نظرة دنيوية خاطئة حتى آخر لحظة من وجوده معهم‪.‬‬ ‫لكننا نجد جذور إيمان الرسل بيسوع في مشاهدتهم أعماله وسماعهم تعاليمه طوال‬ ‫حياته العلنية‪ .‬فقال أحدهما للخر‪ :‬أَولم تكن قلوبنا مضطرمة فينا‪ ،‬إذ كان يخاطبنا في‬ ‫سر لنا الكتب!" )لوقا ‪.

‬فأجابهم‪" :‬لقد رأيت الشيطان‬ ‫هابطًا من السماء كالبرق" )لوقا ‪ .(29 -22 :12‬‬ ‫ي أو ً‬ ‫يربط القو ّ‬ ‫يبدأ ملكوت ال بتدمير مملكة الشيطان وتحرير النسان من جميع أنواع الشر‪ :‬من‬ ‫الخطيئة والمرض والجنون واستحواذ الرواح الشريرة‪ .‬ان طريق الحرية في اّتباع يسوع‪ ،‬واّتباع يسوع يعني أ ّ‬ ‫ل‬ ‫يستسلم النسان لُملك آخر غير مُلك ال الوحد الذي أعلنه يسوع وسيلة نهائية‬ ‫للخلص‪.‬في هذا المعنى‪ ،‬بدل لفظة "الملكوت" يستعمل يوحنا لفظة "الحياة"‬ ‫وبولس لفظة "البر"‪ .‬‬ ‫واذ أدرك يسوع أفكارهم‪ ،‬قال لهم‪ :‬كل مملكة تنقسم على ذاتها تخرب‪ ،‬وكل مدينة أو‬ ‫بيت ينقسم على نفسه ل يثبت‪ ..‬واللفاظ الثلث مرادفة للفظة "الخلص"‪.‬لذلك ل يقتصر ملكوت ال‬ ‫ل في هذه الحياة‪ .‬‬ ‫في نظر الكتاب المقّدس ال وحده هو سّيد الحياة والتاريخ‪ ،‬وهو وحده يستطيع أن‬ ‫يسحق جميع القوى الشريرة المعادية للنسان ويمنح النسان الخلص والحرية‬ ‫والحياة‪ .‬فملكوت ال ينشئ في قلب العالم القديم عالمًا جديدًا‬ ‫يجتاح العالم القديم ويحّرر من عبودّية إبليس كل إنسان يقبل في ذاته حياة ال ويتبع‬ ‫يسوع ويصبح له تلميذًا‪ .‬فان كان الشيطان يخرج الشيطان فقد انقسم على نفسه‪،‬‬ ‫فكيف إذًا تثبت مملكته؟‪ .‬وليس هو حقيقة روحية وحسب‪،‬‬ ‫على حياة ما بعد الموت‪ ،‬بل يبدأ أو ً‬ ‫بل يشمل النسان كله في روحه وجسده‪ .‬‬ ‫‪87‬‬ .‬‬ ‫منذ أقدم العصور يتوق البشر إلى السلم والعدالة والحياة والخلص‪ ،‬لكنهم ل‬ ‫يستطيعون بلوغ تلك القيم‪ ،‬فيعتقدون وجود قوى معادية تمنعهم من ذلك‪ ،‬تلك القوى‬ ‫التي يدعوها الكتاب المقدس "الشياطين"‪ ..‬فُبهت الجموع كلهم‪ ،‬وقالوا‪ :‬أفل يكون هذا ابن داود؟ وسمع‬ ‫الفريسيون‪ ،‬فقالوا‪ :‬هذا الرجل ل ُيخرج الشياطين إل ببعل زبول‪ ،‬رئيس الشياطين‪.‬‬ ‫بعد أن أرسل يسوع تلميذه الثنين والسبعين للتبشير بملكوت ال عادوا إليه‬ ‫يقولون‪" :‬ان الشياطين أنفسها تخضع لنا باسمك"‪ .‬‬ ‫يروي انجيل متى انه "ُقّدم إلى يسوع مجنون أعمى وأخرس‪ ،‬فشفاه‪ ،‬حتى ان‬ ‫الخرس تكّلم وأبصر‪ .‬من خلل هذا المفهوم المستقى من الثقافات‬ ‫القديمة الميثولوجية‪ ،‬يعّبر الكتاب المقّدس عن خبرة النسان القديمة بعدم تمّكنه بقواه‬ ‫البشرية من تحقيق ما تصبو إليه نفسه من سلم وعدالة وحرية وحياة‪.‬وان كنت أنا بروح ال ُأخرج الشياطين‪ ،‬فذلك أن ملكوت‬ ‫ي‪ ،‬وينهب أمتعته‪ ،‬إلّ أن‬ ‫ال قد انتهى إليكم‪ .‬وهل يستطيع أحد أن يدخل بيت القو ّ‬ ‫ل؟ عندئٍذ فقط‪ ،‬ينهب بيته" )‪.‫والمساندة‪ .‬وليس هو وعدًا لمستقبل بعيد‪ ،‬إنما يبدأ الن‬ ‫وهنا في كل انسان يقبل رسالة المسيح فيتوب وينفتح لعمل ال في داخله‪.(18 ،17 :10‬وهذا يشير إلى أن ُملك الشيطان‬ ‫ل يمكنه أن يثبت أمام ُملك ال‪ .‬هذا هو مضمون ملكوت ال الذي بدأ يسوع رسالته بالتبشير بقرب مجيئه‪.

‬والشعب‬ ‫الذي ينشئه يصبح شعب ال النهائي‪ .‬فهي‬ ‫ل على أن ال أصبح قريبًا من النسان بمحبته‪ ،‬قريبًا من كل إنسان‪ ،‬ول سيَما‬ ‫تد ّ‬ ‫الفقراء والضعفاء والمرذولين والخطأة‪ .(43 -24 :13‬‬ ‫وما شأن يسوع في هذا كله؟ "ان الذي يزرع الزرع الجّيد هو ابن البشر" )متى‬ ‫ي ولكن في الوقت ذاته بشكل‬ ‫‪ .(37 :13‬وقّوة ال هي التي تنمي الزرع بشكل خف ّ‬ ‫ثابت ومستمّر‪َ" :‬مَثل ملكوت ال كَمَثل إنسان ألقى الزرع في الرض‪ .‬فالرض من‬ ‫ل‪ ،‬ثم السنبلة‪ ،‬ثم الحنطة ملء السنبلة‪ ،‬فإذا أدرك الثمُر‬ ‫ساق أو ً‬ ‫ذاتها تثمر‪ :‬تخرج ال ّ‬ ‫ل‪ ،‬في الحال‪ ،‬لنه قد أحصد" )مر ‪.‬فكيف يمكن أن ينشأ ملكوت ال على يد رجل‬ ‫إّ‬ ‫شارين‬ ‫وضيع قادم من قرية حقيرة في الجليل‪ ،‬يتبعه بعض التلميذ ورهط من الع ّ‬ ‫والخطأة والزواني‪ ،‬ويقول عنه ذووه أنفسهم "انه متهّوس"؟ )مر ‪.‬وكل من يقبل اّتباع يسوع والنضمام إلى شعب‬ ‫ال يحصل على المصالحة والمسامحة والسلم والخلص والحرية التي يّذخرها ال‬ ‫للذين يخضعون لملكه‪.(29 -26 :4‬‬ ‫أعمل فيه المنج َ‬ ‫‪88‬‬ .‬هكذا ملكوت السماوات يبدأ صغيرًا ومختبئًا‪ ،‬ولكنه يكبر كما تكبر حّبة‬ ‫الخردل ويمتّد امتداد الخميرة في العجين‪ ،‬وينمو نموّ الزرع فيثمر ثلثين وستين ومئة‬ ‫)َمَثل الزارع‪ :‬مرقس ‪ .(21 :3‬‬ ‫لذلك يتكلم يسوع عن ملكوت ال بأمثال تظهر أن ال هو الذي يعمل من خلل عمل‬ ‫يسوع الوضيع‪ ،‬وان ما يبدو الن صغيرًا سوف ينمو ويكبر بقوة عمل ال‪ :‬وهكذا‬ ‫"يشبه ملكوت ال حّبة خردل أخذها انسان وزرعها في حقله‪ :‬إنها أصغر البذور‬ ‫جميعًا؛ بيد أنهما اذا نمت تصير أكبر البقول جميعًا؛ ثم تصبح شجرة حتى ان طيور‬ ‫شش في أغصانها"‪ .(20 -3 :4‬ول أحد يستطيع أن يمنع ملكوت ال من النمو‪،‬‬ ‫فكما أن القمح ل يزال ينمو حتى في وسط الزؤان‪ ،‬هكذا ملكوت ال ينمو في وسط‬ ‫الشر )َمَثل الزؤان‪ :‬متى ‪.‬‬ ‫ان جميع أعمال يسوع‪ ،‬من شفاء المرضى ومسامحة الخطايا وطرد الشياطين‪،‬‬ ‫يدعوها النجيل المقدس "آيات"‪ ،‬أي علمات تشير إلى بدء تحقيق الملكوت‪ .‬وهذا هو معنى جواب يسوع عندما أرسل إليه‬ ‫يوحنا المعمدان بعضًا من تلميذه يسألونه‪" :‬أأنت َمن يأتي‪ ،‬أم ننتظر آخر؟ فأجاب‬ ‫يسوع وقال لهم‪ :‬انطلقوا وأعلموا يوحنا بما تسمعون وترون‪ :‬الُعمي يبصرون‪،‬‬ ‫صّم يسمعون‪ ،‬والموتى ينهضون‪ ،‬والمساكين‬ ‫والُعرج يمشون‪ ،‬والُبرص يطهرون‪ ،‬وال ُ‬ ‫ي!" )متى ‪.(33 -31 :13‬‬ ‫هناك تناقض بين صغر البذرة وعبر الشجرة وبين اليسير من الخميرة والكية الكبيرة‬ ‫من الدقيق‪ .‬وكذلك يشبه ملكوت ال "خميرة أخذتها امرأة‬ ‫السماء تأتي وتع ّ‬ ‫وخّبأتها في ثلثة أكيال من الدقيق‪ ،‬حتى اختمر الجميع" )متى ‪.(6 -2 :11‬‬ ‫كفّ‬ ‫شرون‪ ،‬وطوبى لمن ل يش ّ‬ ‫يب ّ‬ ‫ن الدواعي كثيرة للشك في يسوع‪ .‫وهكذا يظهر يسوع نفسه مرسل ال وممثله ووكيله في تحقيق الملكوت‪ .‬فسواء أنام أم‬ ‫استيقظ‪ ،‬في الليل وفي النهار‪ ،‬فالزرع ينبت وينمو‪ ،‬ول يدري كيف‪ .

‬واهتمام يسوع بالخطأة والفقراء‬ ‫والمهملين والمنبوذين دليل على مجيء الملكوت في شخص يسوع‪.(17 :5‬لذلك يردف‪" :‬اني أقول لكم‪ :‬إن لم يزد بّركم على ما للكتبة‬ ‫ُ‬ ‫والفريسيين‪ ،‬فلن تدخلوا ملكوت السماوات" )متى ‪.‬اني لم آ ِ‬ ‫الص ّ‬ ‫)مر ‪ .(48 :7‬ومن‬ ‫خطاياك"‪) .‬‬ ‫أعمال يسوع‬ ‫هذا ما يبدو بوضوح في جميع أعمال يسوع‪ ،‬ول سيَما في موقفه من شرائع‬ ‫ص عليها الناموس هي شرائع ال‬ ‫الناموس ومن الخطأة‪ .(17 ،16 :2‬لقد كان الطعام المشترك عند اليهود رمزًا للوليمة السماوية أي‬ ‫شارين‬ ‫للتحاد بال في دار الخلود‪ .‬لذلك يدعو يسوع الخطأة والع ّ‬ ‫شارين والخطأة؟"‪ ،‬يجيبهم يسوع‪" :‬ليس‬ ‫الفريسّيون قائلين‪" :‬ماذا؟ يأكل مع الع ّ‬ ‫ت لدعو الصّديقين بل الخطأة"‬ ‫حاء في حاجة إلى طبيب بل المرضى‪ .‬إ ّ‬ ‫ن‬ ‫يسوع هو ممّثل ال في أعماله وفي تعاليمه‪.‬لذلك لم يكن تناول يسوع الطعام مع الخطأة والع ّ‬ ‫تعبيرًا عن سعة أفكاره الجتماعية وعن تفّهمه البشري لضحايا المجتمع بقدر ما هو‬ ‫تعبير عن بدء تحقيق ملكوت ال‪ ،‬ملكوت المحبة والمسامحة والخلص‪ ،‬ملكوت‬ ‫الخّوة التي تجمع في شركة واحدة جميع أبناء ال‪ .‬فيسوع إذًا هو ممّثل ال وعمله انعكاس لعمل ال‪.(7 :2‬إ ّ‬ ‫مبّينا أن عمله هو عمل ال وارادته إرادة ال‪ .‬يقول للمخّلع‪" :‬يا ابني مغفورة لك‬ ‫ك" )لو ‪ .(23 -1 :7‬ونراه خصوصًا يغفر الخطايا وهو يعلم أن "ما من أحد يقدر أن يغفر‬ ‫ل خاصة بال‪،‬‬ ‫ن يسوع يعمل على الرض أعما ً‬ ‫الخطايا إل ال وحده" )مر ‪ .‬‬ ‫طى الناموس‪ ،‬أو بالحرى يوصل الناموس إلى كماله‪ ،‬كما يقول هو‬ ‫أما يسوع فيتخ ّ‬ ‫نفسه‪" :‬ل تظّنوا أني جئت لنقض الناموس أو النبياء؛ إني ما جئت لنقض بل‬ ‫لكّمل" )متى ‪ .‬‬ ‫تعاليم يسوع‬ ‫يظهر يسوع في تعاليمه‪ ،‬كما في أعماله‪ ،‬أنه ممّثل ال وأنه أعظم من الكتبة‬ ‫والنبياء‪ .‬مر ‪ ،(5 :2‬وللمرأة الخاطئة‪" :‬مغفورة خطايا ِ‬ ‫خلل صيغة المجهول يدرك المستمعون أن ال هو الذي يغفر الخطايا في شخص‬ ‫يسوع‪ .‬واذ يتذّمر‬ ‫الخطيئة‪ .‬لكننا نرى يسوع ينقض شريعة‬ ‫ب السبت" )مر ‪ ،(29 :2‬ونراه ينقض شرائع الصوم )مر‬ ‫السبت معلنًا انه هو "ر ّ‬ ‫‪ (22 -18 :2‬وجميع المراسيم المتعلقة بغسل اليدي وغسل الكؤوس والجرار )مر‬ ‫‪ .‬فالشرائع والوصايا التي ين ّ‬ ‫ووصاياه‪ ،‬ول أحد يستطيع أن ينقضها إل ال وحده‪ .(20 :5‬‬ ‫‪89‬‬ .‫ب( سّر يسوع من خلل أعماله وتعاليمه‬ ‫لقد ظهر ملكوت ال في أعمال يسوع‪ ،‬ول سيَما في شفائه المرضى وطرده‬ ‫الشياطين وموقفه من الخطأة‪ .‬فالمعلمون والكتبة كانوا يقتصرون‪ ،‬في تعليمهم‪ ،‬على تفسير ناموس موسى‪.‬‬ ‫في شخص يسوع ظهر ملكوت ال‪ ،‬ملكوت المسامحة والسلم والتحّرر من‬ ‫شارين إلى تناول الطعام معه‪ .‬وظهر في الوقت نفسه بعض الشيء من سّر يسوع‪ .

(7 :12‬والمسحة بالزيت‬ ‫هي رمز منح الروح القدس‪ ،‬كما يوضح ذلك سفر الملوك‪ :‬فعندما "أخذ صموئيل قرن‬ ‫ب على داود من ذلك اليوم فصاعدًا"‬ ‫ل روح الر ّ‬ ‫الدهن ومسح داود من بين اخوته‪ ،‬ح ّ‬ ‫)‪ 1‬ملوك ‪.(13 :7‬عاش اليهود على مدى أجيال العهد القديم وهم‬ ‫سح" كسائر ملوك اسرائيل‬ ‫ينتظرون تحقيق تلك النبوءة بمجيء ملك من نسل داود "ُيم َ‬ ‫‪90‬‬ .(13 :16‬‬ ‫وقد وعد ال داود على لسان ناتان النبي انه سيقيم له من نسله ملكًا "وسيقّر عرش‬ ‫ملكه إلى البد" )‪ 2‬ملوك ‪ .‫كذلك النبياء كانوا يتكلمون باسم ال‪ ،‬فيبدأون نبوءاتهم بالعبارة التالية‪" :‬هكذا يقول‬ ‫الرب"‪ .‬ل نجد أي أثر لتلك العبارة في أقوال يسوع‪ ،‬بل إنما يتكلم بسلطته الخاصة‪،‬‬ ‫كما نسمعه يرّدد في عظته على الجبل في الفصل الخامس من انجيل متى‪" :‬سمعتم‬ ‫أنه قيل للقدمين‪ .‬‬ ‫‪َ -3‬من هو يسوع؟‬ ‫ن ملكوت ال قد أتى في شخصه وفي أعماله‪ ،‬فيعمل أعمال‬ ‫شر أ ّ‬ ‫إن انسانًا كيسوع يب ّ‬ ‫ي" ل يكفي للتعبير عن رسالته‪..(42 ،41‬لقد رأى فيه الرسل والمسيحيون الّولون "المسيح" و"ابن البشر"‬ ‫و"الرب" و"ابن ال" و"كلمة ال"‪.‬‬ ‫وهذا دليل على أن يسوع يدرك أن كلمه ليس كلم إنسان بل كلم ال نفسه‪ ،‬وانه‪،‬‬ ‫في تعليمه‪ ،‬يوصل كلم ال الذي أعطي في العهد القديم إلى كماله‪ ،‬معلنًا هكذا إرادة‬ ‫ال الخيرة والنهائية‪.‬‬ ‫ال‪ .‬وأنا أقول لكم"‪" ..(29 :8‬ويروي انجيل‬ ‫يوحنا أن أندراوس الرسول‪ ،‬بعد أن تعّرف إلى يسوع‪ ،‬لقي أخاه سمعان فقال له‪" :‬لقد‬ ‫وجدنا ماسّيا‪ ،‬أي المسيح" )‪ .(41 :1‬ثم "صادف فيلّبس نثنائيل‪ ،‬فقال له‪ :‬ان الذي‬ ‫كتب عنه موسى في الناموس والنبياء أيضًا قد وجدناه‪ .(45 :1‬‬ ‫فَمن هو هذا المسيح الذي كتب عنه موسى والنبياء والذي كان ينتظره اليهود؟‬ ‫كانت لفظة "المسيح" في العهد القديم نعتًا للنبي والكاهن والملك‪ ،‬لنهم كانوا‬ ‫ُيمسحون بالزيت دللة على تكريسهم لخدمة ال وخدمة شعب ال‪ .‬ويعّلم تعاليم ال‪َ ،‬من تراه يكون؟ ان لقب "نب ّ‬ ‫لذلك يقول عنه النجيل انه "أعظم من يونان" و"أعظم من سليمان" )متى ‪:12‬‬ ‫‪ .‬‬ ‫أ( يسوع هو "المسيح"‬ ‫يروي انجيل مرقس انه عندما سأل يسوع تلميذه في قيصرية فيلبس‪" :‬في نظركم‪،‬‬ ‫أنتم‪َ ،‬من أنا؟" أجاب بطرس وقال له‪" :‬أنت المسيح" )‪ .‬ومن يستطيع أن يزيد كلم ال شيئًا أو أن يّدعي الوصول‬ ‫بهذا الكلم إلى كماله إل ال نفسه؟ ومع ذلك نسمع يسوع يضيف‪" :‬وأنا أقول لكم"‪.‬فموسى مسح‬ ‫هارون وبنيه ليكونوا كهنة ال )خروج ‪ ،(30 :30‬وصموئيل مسح داود "ليكون‬ ‫ملكًا على اسرائيل" )‪ 1‬ملوك ‪13 -1 :16‬؛ ‪ 2‬ملوك ‪ .‬قيل للقدمين"‪ :‬صيغة المجهول في تلك الجملة‬ ‫تعبير مألوف يشير إلى ال‪ .‬فهو يسوع بن يوسف من‬ ‫الناصرة" )يو ‪.

‬وعندئٍذ راح النبياء يصفون ملمح هذا المسيح الذي سوف يأتي في آخر‬ ‫طد مملكة اسرائيل إلى البد‪.‬فشرع يقول لهم‪" :‬اليوم تّمت هذه الكتابة التي ُتليت‬ ‫على مسامعكم" )‪.‬فُدفع إليه سفر أشعيا النب ّ‬ ‫شر المساكين‪ ،‬وأرسلني‬ ‫لب ّ‬ ‫ي‪ ،‬لنه مسحني ُ‬ ‫ب عل ّ‬ ‫الموضع المكتوب فيه‪ :‬روح الر ّ‬ ‫لنادي للمأسورين بالتخلية‪ ،‬وللعميان بالبصر‪ ،‬وأطلق المرهقين أحرارًا‪ ،‬وأعلن سنة‬ ‫ُ‬ ‫نعمة للرب‪ .‬‬ ‫الزمنة ممتلئًا من الروح القدس‪ ،‬نبيًا وملكًا يو ّ‬ ‫ويطّبق انجيل لوقا على يسوع إحدى تلك النبوءات‪ .(19‬‬ ‫ولقد رأى الرسل أن نبوءة موسى هذه وسائر نبوءات العهد القديم المتعلقة بالمسيح‬ ‫قد تّمت كلها في شخص يسوع )راجع أعمال الرسل ‪.(36 :18‬ولذلك‬ ‫عندما أراد اليهود أن يقيموه عليهم ملكًا توارى عنهم‪ ،‬كما يروي يوحنا النجيلي بعد‬ ‫آية تكثير الخبزات‪" :‬فلما عاين الناس الية التي صنعها يسوع‪ ،‬أخذوا يقولون‪ :‬هذا‬ ‫ي التي إلى العالم‪ .‬فمملكته ليست من هذا العالم" كما قال لبيلطس )يو ‪ .‬وكانت عيون الذين في‬ ‫المجمع شاخصة إليه بأجمعها‪ .‬ثم طوى السفر‪ ،‬ودفعه إلى الخادم‪ ،‬وجلس‪ .‬فقد دخل يسوع يوم سبت مجمع‬ ‫ي؛ فلما نشر السفر وقع على‬ ‫اليهود في الناصرة‪" ،‬وقام ليقرأ‪ .(11 -1 :4‬فهذه التجارب ليست رواية لما جرى ليسوع‬ ‫مرة قبل البدء بكرازته بقدر ما هي تفسير بشكل روائي للعراك الذي قام به يسوع‬ ‫طوال حياته العلنية ليقاوم نظرة اليهود إلى المسيح المنتظر‪ .(26 -17 :3‬‬ ‫ت‪ ،‬كما كان يتوّقعه اليهود‪ ،‬ملكًا‬ ‫جاء المسيح ممتلئًا من الروح القدس‪ ،‬ولكنه لم يأ ِ‬ ‫زمنيًا‪" .(16 -14 :6‬‬ ‫وهذا هو المعنى العميق للتجارب التي يروي النجيليون أن يسوع تعّرض لها في‬ ‫بدء حياته العلنية )متى ‪ .‬وازداد رجاؤهم إلحاحًا بعد تدمير مملكتهم وسبيهم إلى‬ ‫بابل‪ .‫ولكن ل يكون لُملكه انقضاء‪ .‬‬ ‫‪91‬‬ .‬واذ علم يسوع أنهم مزمعون أن يأتوا‬ ‫الرجل هو في الحقيقة النب ّ‬ ‫ويختطفوه ليقيموه ملكًا‪ ،‬اعتزل أيضًا في الجبل وحده" )يو ‪.‬فبينما كان اليهود‬ ‫ينتظرون مسيحًا يبهر الناس بالعجائب الخارقة‪ ،‬فيحّول الحجارة إلى خبز‪ ،‬ويرمي‬ ‫بنفسه من قمة جناح الهيكل دون أن ُيصاب بأذى‪ ،‬ويستعبد نفسه للقوى الشيطانية‬ ‫للحصول على ممالك الدنيا ومجدها‪ ،‬جاء يسوع مسيحًا ممتلئًا من الروح القدس يحيي‬ ‫الجائعين بكلمة ال ومسيحًا متألمًا يقّدم ذاته على الحب ذبيحة فداء لتحقيق ملكوت ال‬ ‫في قلوب الناس‪.(21 -16 :4‬‬ ‫وقد تلقت نبوءة ناتان وسائر النبياء من بعده مع ما أعلنه الرب على لسان‬ ‫موسى‪" :‬سيقيم لكم الرب الله من بين إخوتكم نبّيا مثلي؛ فله تسمعون في جميع ما‬ ‫ي ُيقطع من بين الشعب" )تثنية ‪،15 :18‬‬ ‫يكّلمكم به؛ وكل من ل يسمع لذلك النب ّ‬ ‫‪.

‬ولنا مثال ذلك في ن ّ‬ ‫ما رواه سفر أعمال الرسل عن كرازة فيلبس لقّيم ملكة الحبشة‪" :‬كشاة سيق إلى‬ ‫الذبح‪ ،‬وكحمل صامت أمام الذي يجّزه‪ ،‬هكذا ل يفتح فاه‪ .‬ويرجع هذا اللقب‬ ‫مف ّ‬ ‫إلى الفصل السابع من نبوءة دانيال‪" :‬ورأيت في رؤى الليل فإذا بمثل ابن البشر آتيًا‬ ‫على سحاب السماء‪ ،‬فبلغ إلى القديم اليام وُقّرب إلى أمامه‪ ،‬وُأوتي سلطانًا ومجدًا‬ ‫ي ل يزول‪،‬‬ ‫وملكًا‪ .(14 ،13 :7‬‬ ‫تشير هذه النبوءة إلى مجيء انسان ملكي وسماوي يظهر في آخر الزمنة‪ ،‬فيزيل‬ ‫سلطان سائر الملوك‪ ،‬ويملك إلى البد‪ .‫لذلك عندما أنبأ يسوع تلميذه بأنه سيتألم وُيقتل "اجتذبه بطرس إليه وطفق يزجره‬ ‫ل‪ :‬معاذ ال‪ ،‬يا رب‪ ،‬ل‪ ،‬لن يكون ذلك البّتة‪ ..(28‬كذلك يقول يسوع في حديثه عن مجيئه الخير‪" :‬كما أن البرق ينبثق من‬ ‫المشرق ويلمع حتى المغرب‪ ،‬كذلك يكون مجيء ابن البشر‪ .‬لن أفكارك ليست أفكار ال‪ ،‬بل أفكار الناس )متى‬ ‫‪ ..(26‬‬ ‫بعد آلم يسوع وموته وقيامته‪ ،‬فهم الرسل أقوال النبياء في المسيح المتألم‪ ،‬وراحوا‬ ‫ص من اشعيا النبي ورد في‬ ‫يكررون أن تلك القوال قد تّمت فيه‪ .‬فجميع الشعوب والمم واللسنة يعبدونه‪ ،‬وسلطانه سلطان أبد ّ‬ ‫وملكه ل ينقرض" )‪.‬‬ ‫أما كان ينبغي للمسيح أن يكابد هذه اللم ويدخل إلى مجده؟" )لوقا ‪،25 :24‬‬ ‫‪.(23 -21 :16‬أفكار الناس في المسيح المنتظر هي‪ ،‬في نظر يسوع‪ ،‬أفكار‬ ‫شيطانية لنها ترى طريق المجد في السلطة الزمنية والملك المادي‪ .‬ويعتبره‬ ‫سرو الكتاب المقّدس أقدم لقب ُأطلق على يسوع في العهد الجديد‪ .‬أما طريق المجد‪،‬‬ ‫بحسب منطق ال‪ ،‬فهي طريق المحبة والتضحية والعطاء حتى الموت‪ ،‬كما قال يسوع‬ ‫للتلميذين اللذين صادفهما في الطريق إلى عماوس وقد قطعا كل رجاء بعد موت‬ ‫يسوع‪" :‬ما أقصر أبصاركما‪ ،‬وما أبطأ قلوبكما في اليمان بكل ما نطقت به النبياء‪.‬في مذّلته ألغي قضاؤه‪ ،‬وأما‬ ‫مولده فَمن يصفه؟ لن حياته قد انُتزعت من الرض" )اشعيا ‪ .‬لقد رأى الرسل في يسوع هذا النسان‬ ‫السماوي الذي أرسله ال في آخر الزمنة لينشى ملكوت ال الذي ل ينقرض‪ .‬أما هو فالتفت وقال لبطرس‪ :‬إذهب‬ ‫قائ ً‬ ‫خلفني‪ ،‬يا شيطان! انك لي معثرة‪ .(8 ،7 :53‬ويتابع‬ ‫ي وقال لفيلبس‪ :‬أرجو منك أن تخبرني عّمن يقول‬ ‫سفر أعمال الرسل‪" :‬أجاب الخص ّ‬ ‫شره‬ ‫ي هذا؟ أعن نفسه أم عن رجل آخر؟ ففتح فيلبس فاه وابتدأ من تلك الكتابة وب ّ‬ ‫النب ّ‬ ‫بيسوع" )أعمال ‪.(34 -32 :8‬‬ ‫ب( يسوع هو "ابن البشر"‬ ‫ينسب هذا اللقب إلى يسوع في ‪ 38‬مقطعًا مختلفًا من الناجيل الزائية‪ .‬عندئٍذ تظهر علمة ابن‬ ‫‪92‬‬ .(9 ،8 :12‬الحق أقول لكم‪ :‬إ ّ‬ ‫القائمين ههنا َمن ل يذوقون الموت حتى يروا ابن البشر آتيًا في ملكوته" )متى ‪:16‬‬ ‫‪ .‬وتجدر‬ ‫الشارة إلى أن معظم المقاطع التي يدعى فيها يسوع "ابن البشر" ترد في إطار‬ ‫الحديث عن آخر الزمنة وعن الدينونة‪" :‬أقول لكم‪ :‬ان كل َمن يعترف بي قّدام الناس‬ ‫ن في‬ ‫يعترف به ابن البشر قّدام ملئكة ال" )لوقا ‪" .

(28 :20‬وكل مّرة ينبئ يسوع تلميذه بآلمه يدعو نفسه "ابن‬ ‫البشر" )مر ‪31 :8‬؛ ‪31 :9‬؛ ‪ .‬ويقيم الخراف عن يمينه‬ ‫والجداء عن يساره" )متى ‪ .‬ويرى انجيل يوحنا علقة وثيقة بين موت ابن البشر ودينونة العالم‪ .(30 :24‬‬ ‫ويبدأ يسوع وصفه للدينونة الخيرة بقوله‪" :‬متى جاء ابن البشر بمجده وجميع‬ ‫الملئكة معه‪ ،‬حينئٍذ يجلس على عرش مجده‪ ،‬وتحشر لديه جميع المم‪ ،‬فيفصل‬ ‫بعضهم عن بعض كما يفصل الراعي الخراف عن الجداء‪ .(28 :2‬‬ ‫ما قد هلك ويخّلصه" )لو ‪ ،(10 :19‬و"ابن البشر هو ر ّ‬ ‫غير أن سلطة ابن البشر على هذه الرض ليست سلطة للسيادة بل للخدمة‪.‬فملكوت ال قد‬ ‫بدأ بمجيء يسوع‪ ،‬لذلك يمارس يسوع سلطة ابن البشر في أثناء حياته‪" .‬فعندما‬ ‫يتنّبأ يسوع عن موته في الفصل الثاني عشر من انجيل يوحنا يقول‪" :‬الن دينونة هذا‬ ‫العالم‪ ،‬الن رئيس هذا العالم يلقى خارجًا‪ .(41‬ولما دنا يهودا من يسوع ليقّبله قال له يسوع‪" :‬يا يهوذا‪ ،‬أبقبلة تسلم ابن‬ ‫البشر!" )لو ‪.‬فكيف إذًا تقول‬ ‫أنت‪ :‬ينبغي أن ُيرفع ابن البشر؟ َمن هو ابن البشر هذا؟" فقال لهم يسوع‪" :‬ان النور‬ ‫معكم بعد إلى حين‪ ،‬فسيروا ما دام النور معكم‪ ،‬لئل يغشاكم الظلم" )‪-31 :12‬‬ ‫‪93‬‬ .(48 :22‬‬ ‫ان يسوع بآلمه وموته وقيامته قد حقق نبوءة دانيال وأنشأ ملكوت ال الذي ل‬ ‫ينقرض‪ .(21 :14‬وعندما يأتي يهوذا ليقبض عليه يقول لتلميذه‪" :‬لقد‬ ‫سَلم إلى أيدي الخطأة!" )مر ‪:14‬‬ ‫قضي المر وأتت الساعة! هوذا ابن البشر ُي ْ‬ ‫‪ .‬هناك‬ ‫يكون البكاء وصريف السنان‪ .(33 :10‬وكذلك عندما ينبئ بخيانة يهوذا له‪" :‬ان‬ ‫سِلم‬ ‫ابن البشر يمضي‪ ،‬على حسب ما هو مكتوب عنه‪ ،‬ولكن‪ ،‬ويل لذلك الرجل الذي ُي ْ‬ ‫ابن البشر" )مر ‪ .‬ثم يردف‪" :‬وسترون ابن البشر جالسًا‬ ‫عن يمين القدرة‪ ،‬وآتيًا على سحاب السماء" )مر ‪.‬‬ ‫الجميع"‪ .(20 :8‬وابن البشر لم يأ ِ‬ ‫كثيرين" )متى ‪ .‬وأنا متى ُرفعت عن الرض اجتذبت إل ّ‬ ‫ي‬ ‫ل على أية ميتة كان مزمعًا أن يموتها‪.(43 -40 :13‬وعندما يسأل رئيس الكهنة يسوع في أثناء المحاكمة‪" :‬أأنت‬ ‫المسيح ابن المبارك؟" يجيبه يسوع‪" :‬أنا هو"‪ .‫البشر في السماء‪ ،‬وعندئٍذ أيضًا ينوح جميع قبائل الرض ويشاهدون ابن البشر آتيًا‬ ‫على سحاب السماء في كثير من القدرة والمجد" )متى ‪.‬ويوضح يوحنا‪" :‬قال يسوع هذا ليد ّ‬ ‫فأجابه الجمع‪" :‬لقد علمنا من الناموس أن المسيح يثبت إلى البد‪ .(33 -31 :25‬وفي تفسير َمَثل الزؤان يقول يسوع‪:‬‬ ‫"فكما أن الزؤان ُيجمع وُيحَرق‪ ،‬كذلك يكون في منتهى الدهر‪ :‬يرسل ابن البشر‬ ‫ملئكته فيجمعون من مملكته كل المعاثر وفاعلي الثم‪ ،‬ويلقونهم في أتون النار‪ .‬عندئٍذ يضيء الصّديقون في ملكوت أبيهم" )متى‬ ‫‪ .(62 ،61 :14‬‬ ‫ان سلطة ابن البشر ل تقتصر على يوم الدينونة في آخر الزمنة‪ .‬‬ ‫"فالثعالب لها أوجرة‪ ،‬وطيور السماء أوكار‪ ،‬أما ابن البشر فليس له موضع يسند إليه‬ ‫ت لُيخدم بل لَيخدم ويبذل نفسه فداء عن‬ ‫رأسه" )متى ‪" .‬فابن البشر‬ ‫له على الرض سلطان مغفرة الخطايا" )مر ‪ ،(10 :2‬و"ابن البشر قد جاء ليطلب‬ ‫ب السبت" )مر ‪.

‬يدعى سيدًا على وجه‬ ‫العموم كل صاحب سلطة على الشخاص أو على الشياء‪ .‬فعندما خرج يهوذا‬ ‫جد ال فيه"‬ ‫جد ابن البشر‪ ،‬وتم ّ‬ ‫من العشاء الفصحي ليسلم يسوع‪ ،‬قال يسوع‪" :‬الن تم ّ‬ ‫ن موسى قد رفع الحّية في البرّية‪ ،‬كذلك ينبغي أن ُيرَفع ابن‬ ‫)‪" .‬‬ ‫‪94‬‬ .‬وتترجم بالعربية بلفظة "سّيد"‪ .‬ومن ثم أصبحت لفظة "الرب" مرادفة لسم الجللة "يهوه"‪.‬في تلك المقاطع تعني لفظة‬ ‫"كيريوس" الرب بالمعنى المطلق‪ .‬فالمرأة السامرية تخاطب يسوع بقولها‪" :‬يا سيدي‪ ،‬أرى انك نب ّ‬ ‫)يو ‪(19 :4‬؛ ومخّلع بركة بيت حسدا يقول ليسوع‪" :‬يا سيدي‪ ،‬ليس لي من يلقيني‬ ‫في البركة اذا تحّرك الماء" )يو ‪(7 :5‬؛ ومريم المجدلية‪ ،‬لدى مشاهدتها يسوع بعد‬ ‫ل لي‬ ‫قيامته سألته‪ ،‬وقد ظنت أنه البستاني‪" :‬يا سيدي‪ ،‬إن كنت أنت قد ذهبت به‪ ،‬فق ْ‬ ‫أين وضعته وأنا آخذه" )يو ‪(15 :20‬؛ وفي المعنى ذاته يخاطب بعض اليونانيين‬ ‫فيلبس‪" :‬يا سّيد‪ ،‬نرغب في أن نرى يسوع" )يو ‪..(36‬ويؤكد يوحنا في موضع آخر العلقة بين النور والدينونة‪" :‬على هذا تقوم‬ ‫الدينونة‪ :‬ان النور قد جاء إلى العالم‪ ،‬والناس آثروا الظلمة على النور‪ ،‬لن أعمالهم‬ ‫كانت شريرة" )‪ .‬لذلك‬ ‫في قراءاتهم العمومية للكتاب المقدس‪ ،‬كلما كانوا يشاهدون اسم "يهوه"‪ ،‬كانوا يقرأونه‬ ‫"أدوناي" أي "الرب"‪ .(31 :13‬وكما أ ّ‬ ‫البشر" )‪ .‬‬ ‫وعندما ترجم يهود السكندرية كتب العهد القديم من العبرية إلى اليونانية في القرن‬ ‫الثالث قبل المسيح في الترجمة المعروفة "بالسبعينية"‪ ،‬ترجموا اسم "يهوه" بكلمة‬ ‫"كيريوس" التي تعني "الرب"‪.‬ونجد هذا الستعمال في عّدة مقاطع من‬ ‫ي‪"..‬والسّيد‬ ‫والرب بالمعنى المطلق هو ال‪ ،‬لنه خالق الكون بأسره‪ ،‬والخليقة كلها خاضعة‬ ‫لسيادته‪.‬وهذا اللقب هو ترجمة‬ ‫اللفظة اليونانية "كيريوس" التي تعني "السّيد" و"الرب"‪ .‬ولفهم هذا الستعمال ل بّد لنا من العودة إلى العهد‬ ‫القديم‪.‫‪ .(21 :12‬‬ ‫إل أن هناك مقاطع أخرى من العهد الجديد يدعو فيها الرسل يسوع بلقب‬ ‫"كيريوس" ويعنون به أكثر من مجرد الكرام والحترام‪ .‬‬ ‫ج( يسوع هو "الرب"‬ ‫يدعو العهد الجديد يسوع في مواضع كثيرة بلقب "الرب"‪ .(14 :3‬فيسوع المرفوع على الصليب هو نفسه ابن البشر المرتفع في‬ ‫مجد ال‪.‬فسّيد مكان أو قطعة من‬ ‫الرض هو الشخص الذي يملك ذلك المكان أو تلك القطعة من الرض‪ .(19 :3‬ويرى يوحنا في موت يسوع تمجيده‪ .‬‬ ‫العهد الجديد‪ .‬‬ ‫لقد كان اليهود في العهد القديم يمتنعون عن لفظ اسم ال "يهوه" احترامًا له‪ .‬‬ ‫وتطلق أيضًا لفظة "كيريوس" على أي من الناس‪ ،‬وذلك في معرض الكرام‬ ‫والحترام‪ .

(36 -34 :2‬‬ ‫ان إعلن يسوع رّبا ل يعني أن يسوع بقيامته قد نال من ال ما لم يكن يملكه من‬ ‫قبل‪ ،‬أي كان مجّرد انسان ثم أصبح رّبا بعد قيامته‪ .‬قال الرب" أي ال‪" ،‬لرّبي" أي للمسيح‪" ،‬اجلس عن يميني"‪،‬‬ ‫ل‪" :‬فليعلم‬ ‫والجلوس عن يمين ال يعني الحصول على سلطة ال‪ ..‬وفي قيامة يسوع واعتلنه‬ ‫رّبا وجد الرسل الجواب كل السؤال الذي طرحه يسوع على الفريسيين قبل آلمه‪ :‬ان‬ ‫المسيح هو ابن داود‪ ،‬فكيف اذًا يدعوه داود رّبه؟ )راجع متى ‪ .‬فاذهبوا وتلمذوا جميع المم‪ ،‬وعّمدوهم باسم الب والبن والروح القدس‪".(11 -6‬‬ ‫يصف هذا النشيد في ست فقرات المراحل المتعّددة التي مّر بها شخص يسوع‪:‬‬ ‫سد‬ ‫وجوده قبل التج ّ‬ ‫هو القائم في صورة ال لم يعتّد مساواته ل حالة مختلسة‬ ‫سده‬ ‫تج ّ‬ ‫بل لشى ذاته آخذًا صورة عبد‪ ،‬صائرًا شبيهًا بالبشر‪ ،‬فُوجد كبشر في الهيئة‪،‬‬ ‫تنازله حتى الموت‬ ‫‪95‬‬ .‬لذلك ترد لفظتا الرب والله جنبًا إلى جنب كمترادفين‪ .‬إن قيامة يسوع هي كشف‬ ‫وإعلن أمام المل لسّر شخص يسوع كما هو في ذاته منذ الزل‪ .(28 ،27‬‬ ‫ان هذا اللقب مع ما يحمله من معنى اللوهة لم يطلقه الرسل على يسوع إل بعد‬ ‫ن الصلب لم يكن بالنسبة إليه‬ ‫قيامته‪ .‬فعندما‬ ‫ت يدك وضعها في جنبي‬ ‫ي؛ وها ِ‬ ‫ت إصبعك إلى ههنا وانظر يد ّ‬ ‫قال يسوع لتوما‪" :‬ها ِ‬ ‫ول تكن غير مؤمن‪ ،‬بل مؤمنًا"‪ ،‬أجاب توما وقال له‪" :‬ربي! وإلهي!" )يو ‪:20‬‬ ‫‪.‬ولنا مثال‬ ‫مخت ّ‬ ‫على ذلك في إعلن توما إيمانه بيسوع لدى ظهوره له في اليوم الثامن لقيامته‪ .‬فعندئٍذ فقط انكشف لهم سّر شخصه وأدركوا أ ّ‬ ‫صلب ومات قد قام وظهر لهم وأوكل إليهم مهّمة تبشير‬ ‫نهاية كل شيء‪ ،‬لن الذي ُ‬ ‫ي كل سلطان في السماء وعلى‬ ‫جميع المم بقوة السلطان الذي ُدفع إليه‪" :‬لقد ُدفع إل ّ‬ ‫الرض‪ ..‬ثم يختم بطرس قائ ً‬ ‫اذًا يقينًا جميع بيت اسرائيل ان ال قد جعل يسوع هذا الذي صلبتموه أنتم رّبا‬ ‫ومسيحًا" )أعمال ‪.(45 -41 :22‬وهذا‬ ‫ما قاله بطرس الرسول في خطابه الول يوم العنصرة‪" :‬ان داود لم يصعد قط إلى‬ ‫السماوات‪ ،‬ومع ذلك فإنه يقول‪ :‬قال الرب لرّبي‪ :‬اجلس عن يميني حتى أجعل أعداءك‬ ‫موطئًا لقدميك"‪" .‫من هنا نستنتج أن الرسل‪ ،‬باعترافهم بأن يسوع هو "الرب"‪ ،‬يعترفون له بلقب‬ ‫ص بال نفسه‪ .(20 -18 :28‬وراحوا يب ّ‬ ‫وأجلسه عن يمينه وجعله رّبا ومسيحًا ومنحه كل سلطان‪ .‬‬ ‫شرون أن يسوع الذي صلبه اليهود قد أقامه ال‬ ‫)متى ‪ .‬وهذا ما يوضحه‬ ‫نشيد قديم يعود إلى المسيحيين الّولين‪ ،‬وقد أدخله بولس في رسالته إلى الفيليبيين )‪:2‬‬ ‫‪.

‬‬ ‫تمجيده‬ ‫لذلك رفعه ال رفعة فائقة‪ ،‬وأنعم عليه بالسم الذي يفوق كل اسم‪،‬‬ ‫سجود الخلئق له‬ ‫لكي تجثو لسم يسوع كل ركبة مّما في السماوات وعلما الرض وتحت الرض‬ ‫إعلنه رّبا‬ ‫ب لمجد ال الب‪.(12 :4‬‬ ‫ويصبح لقب "الرب" اللقب الممّيز ليسوع في العهد الجديد‪ .‫ووضع نفسه‪ ،‬وصار طائعًا حتى الموت‪ ،‬بل موت الصليب‪.‬كما ينهيها بالتحية نفسها‪" :‬نعمة ربنا‬ ‫يسوع المسيح مع روحكم" )‪ 1‬كور ‪23 :16‬؛ غل ‪18 :6‬؛ فيليبي ‪،(23 :4‬‬ ‫"نعمة ربنا يسوع المسيح ومحبة ال‪ ،‬وشركة الروح القدس معكم أجمعين" )‪ 2‬كور‬ ‫‪.‬‬ ‫ويعترف كل لسان بأن يسوع هو ر ّ‬ ‫ان السم الذي يفوق كل اسم والذي أنعم ال به على يسوع هو اسم ال نفسه‪ ،‬اسم‬ ‫"الرب"‪ .‬‬ ‫د( يسوع هو "ابن ال"‬ ‫ابن ال في العهد القديم والحضارات القديمة‬ ‫ان عبارة ابن ال كانت مستعملة في العهد القديم وعند المصريين والبابليين‬ ‫والرومانيين‪ ،‬ولكن ليس بالمعنى الذي يحّملها إياه العهد الجديد‪ ،‬ول سيَما بعد قيامة‬ ‫يسوع‪.‬‬ ‫‪96‬‬ .‬لذلك يقول‬ ‫ب‪ ،‬وآمنت في‬ ‫بولس في رسالته إلى الرومانيين‪" :‬ان اعترفت بفمك أن يسوع هو ر ّ‬ ‫قلبك أن ال قد أقامه من بين الموات‪ ،‬فإنك تخلص" )‪ .‬فيبدأ بولس معظم‬ ‫رسائله بالتحية التالية‪" :‬نعمة لكم وسلم من ال أبينا والرب يسوع المسيح" )روم ‪:1‬‬ ‫‪6‬؛ ‪ 1‬كور ‪3 :1‬؛ ‪ 2‬كور ‪2 :1‬؛ الخ‪ ،(...‬فبينما كان الوثنيون يعلنون امبراطور رومة‬ ‫"رّبا" و"إلهًا"‪ ،‬كان المسيحيون‪ ،‬مقابل ذلك‪ ،‬يعلنون أن يسوع وحده هو الرب‪ ،‬ول‬ ‫إنسان فينه يستحق هذا اللقب اللهي‪.(13 :13‬‬ ‫ل خاصًا في القرون‬ ‫ب مدلو ً‬ ‫وقد اتخذت الشهادة المسيحية على أن يسوع هو الر ّ‬ ‫الولى في إطار المبراطورية الرومانية‪ .‬ويصل العهد الجديد في هذا اللقب إلى قّمة اليمان بالمسيح‪ .‬‬ ‫وهذا ما أراد آباء مجمع نيقية تأكيده عندما أعلنوا في قانون اليمان‪" :‬وبربّ واحٍد‬ ‫يسوع المسيح"‪.(9 :10‬ويؤكد بطرس في‬ ‫أعمال الرسل أمام محفل رؤساء كهنة اليهود‪" :‬ما من خلص بأحد غيره‪ ،‬إذ ليس‬ ‫تحت السماء اسم آخر أعطي في الناس‪ ،‬به ينبغي أن نخُلص" )‪.

‫لمم ميراثاً‬
‫نقرأ في المزمور الثاني‪" :‬أنت ابني‪ ،‬أنا اليوم ولدتك‪ ،‬سْلني فُأعطيك ا ُ‬
‫لك وأقاصي المسكونة ِملكًا لك" )‪ .(8 ،7‬كانت هذه العبارة تستخدم في حفلة تتويج‬
‫ملوك اسرائيل‪ ،‬وقد أخذها اليهود عن البابليين والمصريين‪ .‬فعند هؤلء الشعوب كان‬
‫الملك‪ ،‬يوم تنصيبه‪ُ ،‬يعلن "ابن ال"‪ .‬ولكن بينما كان المصريون يعتبرون ملوكهم‬
‫أبناء ال بالجسد بطريقة أسطورية‪ ،‬كان البابليون يعتبرون تلك البنّوة بمعنى التبّني‬
‫القانوني‪ .‬وهذا المفهوم البابلي هو الذي تبّناه البلط الملكي السرائيلي‪ ،‬وهو الذي‬
‫نجده في مختلف أسفار العهد القديم‪ .‬فالملك هو ابن ال ليس لن ال ولده بالجسد‪ ،‬بل‬
‫لقة وكلمته كلمة مبدعة‪ ،‬يريد فيتّم‪ ،‬يقول‬
‫ن إرادة ال إرادة خ ّ‬
‫لن ال اختاره وتبّناه‪ ،‬فإ ّ‬
‫فيكون؛ يقول ال للملك‪" :‬أنت ابني‪ ،‬أنا اليوم ولدتك"‪ ،‬فيصبح الملك منذ تلك اللحظة‬
‫ابن ال‪.‬‬
‫إن فكرة تبّني ال للنسان فكرة قديمة نجدها في أسفار الكتاب المقّدس الولى‪ .‬وقد‬
‫كان الشعب اليهودي بجملته يعتبر نفسه ابنًا ل‪ .‬ففي سفر الخروج نقرأ قول ال‬
‫لموسى‪" :‬قل لفرعون‪ :‬كذا قال الرب‪ :‬اسرائيل ابني البكر‪ ،‬فلذلك أطلق ابني ليعبدني‪،‬‬
‫وان أبيت أن تطلقه فهاءنذا قاتل ابنك البكر" )‪ .(23 ،22 :4‬وكذلك يقول النبي‬
‫هوشع‪" :‬إذ كان اسرائيل صبيًا أحببته‪ ،‬ومن مصر دعوت ابني" )‪.(1 :11‬‬
‫ن الملك هو ابن ال بنوع فائق‪ ،‬فهو‬
‫لقد كان الشعب اليهودي كله اذًا ابنًا ل‪ .‬ولك ّ‬
‫يمّثل الشعب كله‪ ،‬وفي شخصه تتجّمع وعود ال لشعبه‪ .‬وتوجز تلك الوعوَد اليُة‬
‫الثامنة من المزمور الذي أتينا على ذكره‪" :‬سلني فُأعطيك المم ميراثًا وأقاصي‬
‫ح في ملوك مصر وبابل العظماء الذين‬
‫المسكونة ِملكًا لك"‪ .‬إن هذا القول الذي يص ّ‬
‫ل عندما ُيلفظ لدى تنصيب ملوك‬
‫ترتجف المسكونة أمامهم‪ ،‬قد يبدو حلمًا وخيا ً‬
‫اسرائيل‪ ،‬تلك المملكة الضعيفة التي كانت دومًا عرضة لهجمات الممالك المجاورة‪.‬‬
‫لذلك كان هذا القول يعتبر وعدًا لمستقبل زاهر يرسل فيه ال إلى شعبه ملكًا قويًا يسود‬
‫المم ويمتّد ُملكه إلى أقاصي المسكونة‪ .‬ويّتفق هذا الوعد مع الوعد الذي وعد به ال‬
‫ضجعت مع آبائك‪ ،‬سُأقيم من يليك‬
‫داود على لسان ناتان النبي‪" :‬متى تّمت أيامك وا ّ‬
‫صلبك وأقّر ُملكه‪ .‬فهو يبني بيتًا لسمي‪ ،‬وأنا أقّر عرش‬
‫من نسلك الذي يخرج من ُ‬
‫ُملكه إلى البد‪ .‬أنا أكون له أبًا‪ ،‬وهو يكون لي ابنًا" )‪ 2‬ملوك ‪.(14 -12 :7‬‬
‫لقد كانت تلك النبوءة نقطة النطلق لترّقب مجيء المسيح ملكًا من نسل داود‪.‬‬
‫ويشير المزمور ‪ 88‬إلى تلك النبوءة ويضع علمة واضحة بين "المسيح" و"البن"‪.‬‬
‫ت لداود‬
‫يبدأ المزمور بذكر وعود ال لداود‪ .‬فقد اختاره ال وجعله ابنًا له‪" :‬حلف ُ‬
‫ت داود عبدي‪،‬‬
‫ن عرشك إلى جيل فجيل‪ ...‬وجد ُ‬
‫ن نسلك إلى البد‪ ،‬ولثبت ّ‬
‫عبدي‪ ،‬لثبت ّ‬
‫بدهن قداستي مسحُته‪ ...‬يدعوني‪ :‬انك أبي وإلهي وصخرة خلصي‪ ،‬وأنا أجعله بكرًا‬
‫علّيا فوق ملوك الرض"‪ .‬ثم يقابل تلك الوعود بالحالة التي وصل إليها ملوك‬
‫لَول أيها‬
‫اسرائيل‪" :‬لكنك أقصيت ورذلت‪ .‬استشطت على مسيحك‪ ...‬أين مراحمك ا ُ‬
‫ت لداود بأمانتك؟"‪ .‬ويطلب إلى ال أن يرسل دون إبطاء المسيح‬
‫السّيد التي لجلها حلف َ‬
‫‪97‬‬

‫عّير به أعداؤك يا رب‪،‬‬
‫الحقيقي الموعود به‪" :‬اذكر أيها السّيد عار عبيدك‪ ،‬الذي َ‬
‫عّيروا بإبطاء مسيحك"‪.‬‬
‫َ‬
‫ابن ال في العهد الجديد‬
‫ن الرسل والمسيحيين الّولين قد رأوا في شخص يسوع تحقيق وعود ال بإرسال‬
‫إّ‬
‫هذا الملك "المسيح" و"ابن ال"‪ ،‬الذي سوف يملك على المسكونة كلها ولن يكون‬
‫عّبر عنه لوقا في روايته بشارة الملك جبرائيل للعذراء مريم‬
‫لُملكه انقضاء‪ .‬هذا ما َ‬
‫بولدة المسيح‪ .‬وقد وضع على لسان الملك القوال الحرفية التي جاءت فيها وعود‬
‫ت تحبلين وتلدين ابنًا‪ ،‬وتسّمينه يسوع‪ .‬انه يكون‬
‫ال بالمسيح في العهد القديم‪" :‬ها أن ِ‬
‫ي يدعى‪ .‬وسُيعطيه الرب الله عرش داود أبيه؛ ويملك على بيت‬
‫عظيمًا‪ ،‬وابن العل ّ‬
‫يعقوب إلى الدهر‪ ،‬ولن يكون لملكه انقضاء" )لوقا ‪.(33 -31 :1‬‬
‫إل أن تحقيق نبوءات العهد القديم في المسيح لم يكن تحقيقًا ماديًا بل روحيًا‪ ،‬كما‬
‫رأينا في حديثنا عن "ملكوت ال"‪ .‬فالمسيح لم يصعد على عرش ملك زمني ليسود‬
‫العالم‪ ،‬بل صعد على الصليب ليجتذب إليه الجميع وينشئ ملكوت ال‪" :‬وأنا متى‬
‫ي الجميع" )يو ‪.(32 :12‬‬
‫ارتفعت عن الرض اجتذبت إل ّ‬
‫في انتقال لقب "ابن ال" من العهد القديم إلى العهد الجديد نلحظ تغييرًا جذريًا في‬
‫ل للتغيير الذي حصل للقَبي "المسيح" و"ابن البشر"‪ .‬ان هذه‬
‫المدلول والمعنى‪ ،‬مماث ً‬
‫اللقاب‪ ،‬بانتقالها من عهد التهيئة إلى عهد الكمال‪ ،‬ومن عهد الرمز إلى عهد التحقيق‪،‬‬
‫قد تحّول معناها من الملك المادي البشري المحصور في بقعة ضيقة من الرض‪،‬‬
‫أرض اسرائيل‪ ،‬إلى الملك الروحي اللهي الذي يتخطى حدود الممالك الرضية ويمتّد‬
‫امتداد ال في الكون بأسره‪.‬‬
‫إن لقب ابن ال يرد في مواضع كثيرة من العهد الجديد إلى جانب لقب المسيح‬
‫وكأنهما مترادفان‪ .‬فمرقس يبدأ انجيله بقوله‪" :‬بدء انجيل يسوع المسيح ابن ال" )‪:1‬‬
‫ل‪" :‬أنت المسيح ابن ال‬
‫‪ .(1‬وفي انجيل متى يعترف بطرس الرسول بيسوع قائ ً‬
‫ي" )‪ .(16 :16‬ويوحنا ينهي إنجيله بالشهادة ليسوع المسيح ابن ال‪" :‬وصنع‬
‫الح ّ‬
‫يسوع أمام التلميذ آيات أخرى كثيرة لم تدّون في هذا الكتاب‪ ،‬وإنما دّونت هذه لكي‬
‫تؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن ال" )‪ .(31 ،30 :20‬وفي رسالته الولى يتكلم‬
‫عن اليمان تارة بأن "يسوع هو المسيح"‪ ،‬وطورًا بأن "يسوع هو ابن ال"‪ ،‬وكأ ّ‬
‫ن‬
‫ل يقول في الية الثانية‪" :‬ان كل روح يعترف‬
‫الّلقبين مترادفان‪ .‬ففي الفصل الرابع مث ً‬
‫بأن يسوع المسيح قد أتى في الجسد‪ ،‬هو من ال" ثم يضيف في الية ‪" :15‬من‬
‫اعترف بأن يسوع هو ابن ال‪ ،‬فال يقيم فيه وهو يثبت في ال"‪ .‬كذلك في الفصل‬
‫الخامس‪ ،‬يقول في الية الولى‪" :‬كل من يؤمن أن يسوع هو المسيح فهو مولود من‬
‫ل الذي يؤمن أن يسوع‬
‫ال"‪ .‬ثم يضيف في الية الخامسة‪َ" :‬من ذا الذي يغلب العالم إ ّ‬
‫هو ابن ال؟"‪.‬‬
‫‪98‬‬

‫ترد هذه الشهادة على أن يسوع هو "ابن ال" في الناجيل الربعة وفي جميع‬
‫مراحل حياة يسوع وعلى لسان ال الب ويسوع نفسه والملئكة والرسل وكثيرين‬
‫مّمن شفاهم يسوع أو رأوا أعماله وعجائبه وموته وقيامته‪.‬‬
‫فمنذ البشارة يقول الملك جبرائيل للعذراء مريم‪" :‬ل تخافي يا مريم‪ ،‬فلقد نلتِ‬
‫ت تحبلين وتلدين ابنًا وتسّمينه يسوع‪ .‬انه يكون عظيمًا وابن‬
‫حظوة عند ال‪ .‬وها أن ِ‬
‫ل؟"‪ ،‬يجيب‬
‫ي يدعى"‪ .‬وعلى سؤال مريم‪" :‬كيف يكون ذلك وأنا ل أعرف رج ً‬
‫العل ّ‬
‫ي تظّللك‪ ،‬ومن أجل ذلك فالقّدوس الذي‬
‫الملك‪" :‬الروح القدس يأتي عليك وقدرة العل ّ‬
‫يولد منك يدعى ابن ال" )لوقا ‪.(35 -30 :1‬‬
‫يضع لوقا علقة بين لقب يسوع "ابن ال" والحبل به من الروح القدس في أحشاء‬
‫مريم العذراء دون مباشرة رجل‪ .‬وهذا الحبل العجيب من الروح القدس لم ُيذكر عن‬
‫إنسان آخر غير يسوع في الكتاب المقدس كله‪ .‬ويّتفق متى مع لوقا في ذكر الحبل‬
‫خطبت مريم ُأمه ليوسف‪،‬‬
‫بيسوع من الروح القدس‪" :‬أما مولد يسوع فكان هكذا‪ :‬لما ُ‬
‫ُوجَدت من قبل أن يسكنا معًا‪ ،‬حبلى من الروح القدس" )‪.(19 ،18 :1‬‬
‫ل‪" :‬هذا هو ابني الحبيب الذي به‬
‫وفي أثناء معمودية يسوع يشهد الب ليسوع قائ ً‬
‫سررت" )متى ‪ .(17 :3‬والشهادة ذاتها يعطيها الب ليسوع في أثناء تجّليه على‬
‫جبل ثابور )متى ‪.(5 :17‬‬
‫ويسوع نفسه‪ ،‬عندما يسأله رئيس الكهنة في أثناء محاكمته‪" :‬هل أنت المسيح ابن‬
‫ال؟"‪ ،‬يجيب‪" :‬أنت قلت!" )متى ‪.(64 ،63 :26‬‬
‫ويوضح يسوع في َمَثل "الكّرامين القتلة" الفرق الجوهري بينه وبين من سبقه من‬
‫شروا الشعب ويجنوا من كرمه ال‬
‫النبياء‪ .‬فجميع النبياء الذين جاءوا قبل يسوع ليب ّ‬
‫ثمار التوبة وأعمال اليمان لم يكونوا سوى خّدام ل‪ .‬أما يسوع فهو ابن ال‪ .‬فبعد أن‬
‫يروي الَمَثل كيف قتل الكّرامون جميع الخّدام الذين أرسلهم ال إليهم‪ ،‬يضيف‪" :‬وبقي‬
‫ل‪ :‬انهم سيهابون ابني‪ .‬غير‬
‫له أيضًا واحد‪ ،‬ابن حبيب‪ ،‬فَأرسله إليهم في الخير‪ ،‬قائ ً‬
‫ن أولئك الكّرامين قالوا في ما بينهم‪ :‬هذا هو الوارث‪ .‬هلّموا فلنقتله فيكون الميراث‬
‫أّ‬
‫لنا‪ .‬فقبضوا عليه وقتلوه وطرحوا به خارج الكرم" )مر ‪.(8 -1 :12‬‬
‫وترد الشهادة على أن يسوع هو ابن ال على فم يوحنا المعمدان‪" :‬ها هوذا حمل‬
‫ال‪ ،‬الذي يرفع خطيئة العالم‪ .‬هذا هو الذي قلت عنه انه يأتي بعدي انسان قد تقّدم‬
‫لعّمد بالماء هو قال لي‬
‫ن الذي أرسلني ُ‬
‫لأّ‬
‫ي لنه كان قبلي‪ ...‬انا لم أكن أعرفه‪ ،‬إ ّ‬
‫عل ّ‬
‫إن الذي ترى الروح ينزل ويستقّر عليه هو الذي يعّمد بالروح القدس‪ .‬فذلك ما قد‬
‫عاينت وأشهد أن هذا هو ابن ال" )يو ‪.(34 -29 :1‬‬

‫‪99‬‬

(6 -4 :4‬ثم إ ّ‬ ‫ال إلى الموت كما قّدم ابراهيم ابنه اسحق‪" :‬اذا كان ال معنا‪ ،‬فَمن علينا؟ هو الذي لم‬ ‫يشفق على ابنه الخاص بل أسلمه عنا جميعًا‪ ،‬كيف ل يهبنا معه كل شيء؟" )روم ‪:8‬‬ ‫‪ .(41‬‬ ‫وترد مرارًا في رسائل بولس الرسول الشهادة على أن يسوع ابن ال‪ ،‬في إطار‬ ‫ل ابن ال الذي أرسله ال‬ ‫رسالة يسوع الخلصية‪ ،‬وعلى أوجه ثلثة‪ .(32 :14‬‬ ‫ويضع النجيليون الشهادة نفسها على فم الرواح النجسة‪" :‬وكانت الرواح النجسة‬ ‫إذا رأته تخّر له وتصرخ قائلة‪ :‬أنت ابن ال" )مر ‪11 :3‬؛ راجع أيضًا لوقا ‪:4‬‬ ‫‪.‫كما ترد الشهادة نفسها على فم نثنائيل‪" :‬رابي‪ ،‬أنت ابن ال‪ ،‬أنت ملك اسرائيل"‬ ‫)يو ‪ ،(49 :1‬وسائر الرسل الذين بعد أن عاينوا يسوع يمشي على الماء سجدوا له‬ ‫قائلين‪" :‬أنت حقًا ابن ال" )متى ‪.‬‬ ‫هـ( يسوع هو "البن"‬ ‫لتوضيح العلقة الفريدة التي تربط يسوع بال‪ ،‬يدعو العهد الجديد أيضًا يسوع‬ ‫"البن" دون إضافة ال‪ .‬ويعتبر بعض علماء الكتاب المقدس ان هذا اللقب يختلف‪،‬‬ ‫في أصله وفحواه‪ ،‬عن لقب "ابن ال"‪ .‬‬ ‫وتلتقي لفظة "ابن ال" مع لفظة "الرب" التي كانت تطلق أيضًا‪ ،‬كما رأينا‪ ،‬على‬ ‫المبراطور الروماني‪.‬‬ ‫وهكذا استقى الرسل والمسيحيون الّولون من العهد القديم‪ ،‬الذي تأّثر‪ ،‬في التعبير‬ ‫عن إيمانه‪ ،‬بالديانات والحضارات القديمة المجاورة‪ ،‬اللقاب الربعة‪ :‬المسيح‪ ،‬ابن‬ ‫البشر‪ ،‬الرب‪ ،‬ابن ال‪ ،‬ليعّبروا بواسطتها عن إيمانهم بشخص يسوع‪ ،‬هذا النسان‬ ‫صلب ومات ثم أقامه ال من بين الموات‪ ،‬وليدّلوا على‬ ‫الذي عرفوه على الرض و ُ‬ ‫العلقة الفريدة في تاريخ البشرية كلها‪ ،‬التي تربطه بال‪.‬والدليل على أنكم أبناء‪ ،‬كون ال أرسل إلى قلوبنا روح ابنه‪ ،‬ليصرخ‬ ‫ن يسوع هو ابن ال الخاص الذي قّدمه‬ ‫فيها‪ :‬أّبا! أيها الب!" )غل ‪ .(32‬ويسوع هو أخيرًا ابن ال بمعنى أنه "صورة ال غير المنظور" )كولسي ‪:1‬‬ ‫‪ ،(25‬و"صورة جوهر الب" )عب ‪.‬فالمبراطور‬ ‫الروماني كان يدعى "ابن ال"‪ ،‬وكان الشعب كّله يقّدم له السجود والعبادة كإلى إله‪.‬فبينما لقب "ابن ال" هو لقب مرادف لسائر‬ ‫‪100‬‬ .‬‬ ‫أما المسيحيون فقد رفضوا العتراف بلقب "ابن ال" للمبراطور‪ ،‬وأعلنوا أن يسوع‬ ‫هو "ابن ال الوحيد" الذي له ينبغي السجود والعبادة‪.(3 ،2 :1‬‬ ‫ان الشهادة على أن يسوع هو ابن ال قد أصبحت في القرون المسيحية الولى‬ ‫الداعي الكبر لستشهاد المسيحيين في المبراطورية الرومانية‪ .‬فيسوع هو أو ً‬ ‫في ملء الزمنة ليفتدي العالم ويصبح بواسطته الناس أبناء ال‪" :‬لما بلغ ملء الزمان‬ ‫أرسل ال ابنه مولودًا من امرأة‪ ،‬مولودًا تحت الناموس‪ ،‬ليفتدي الذين تحت الناموس‪،‬‬ ‫وننال التّبني‪ .

‬ثم‬ ‫يردف‪" :‬فكما أن الب له الحياة في ذاته‪ ،‬كذلك أعطى البن أن تكون له الحياة في‬ ‫ذاته‪ ،‬وآتاه سلطانًا أن يدين لنه ابن البشر" )‪.‬فالنسان الذي يدعو ال "أّبا"‬ ‫هو "البن" بالمعنى المطلق‪.(18 :1‬‬ ‫ويؤّكد يوحنا الوحدة بين الب والبن‪ .‬‬ ‫ب البن ويريه جميع ما يفعل‪ ،‬وسيريه أعما ً‬ ‫الب يح ّ‬ ‫فكما أن الب ينهض الموات ويحييهم‪ ،‬كذلك البن أيضًا يحيي َمن يشاء" )يو ‪:5‬‬ ‫‪.‬‬ ‫سرين أن لقب "البن" هو صيغة مختصرة للقب "ابن‬ ‫ويرى البعض الخر من المف ّ‬ ‫ال"‪ .‬فبعد أن أبرأ يسوع المخّلع يوم سبت‪ ،‬أخذ‬ ‫ن أبي يعمل بل انقطاع‪ ،‬وأنا أيضًا أعمل‪ .‬ففي الفصل الخامس من‬ ‫ل يقول يسوع لليهود‪" :‬الحق الحق أقول لكم‪ :‬انها تأتي الساعة ‪-‬وها هي ذي‬ ‫انجيله مث ً‬ ‫حاضرة‪ -‬التي يسمع فيها الموات صوت ابن ال‪ ،‬والذين يسمعون يحيون"‪ .‬ويوحنا يستعمل الذين جنبًا إلى جنب كأنهما مترادفان‪ .(22 :10‬ويسوع هو البن الوحيد الذي في حضن الب‪ ،‬كما‬ ‫يقول يوحنا‪" :‬ال لم يره أحد قط؛ الله‪ ،‬البن الوحيد الذي في حضن الب‪ ،‬هو نفسه‬ ‫قد أخبر" )يو ‪.‬فازداد‬ ‫اليهود يضطهدونه‪ ،‬فأجابهم‪" :‬إ ّ‬ ‫اليهود لذلك طلبًا لقتله‪ ،‬ليس فقط لنه كان ينقض السبت بل أيضًا لنه كان يدعو ال‬ ‫أباه‪ ،‬مساويًا نفسه بال‪ .(27 -25 :5‬‬ ‫مهما يكن من أصل هذا اللقب‪ ،‬فالمهم بالنسبة إلى إيماننا بالمسيح هو التأكيد الذي‬ ‫نجده في العهد الجديد على تلك العلقة الفريدة التي تربط يسوع بال‪ .‬وقد تفّرد يسوع عن‬ ‫باليونانية‪ .(2 ،1 :17‬‬ ‫‪101‬‬ .‬ويرى هؤلء المف ّ‬ ‫وثيقة بين لقب "البن" ولفظة "أّبا" التي كان يسوع في صلته يخاطب بها ال‪ .‬وهذا يد ّ‬ ‫العهد القديم كله وعن جميع معاصريه صن المعّلمين في استعمال تلك اللفظة في‬ ‫صلته إلى ال‪ ،‬ما يشير إلى ألفة خاصة بينه وبين ال‪ .‬وتلك‬ ‫لفظة آرامية ينادي بها الطفل أباه‪ ،‬وقد نقلتها إلينا بلفظها الرامي الناجيل المكتوبة‬ ‫ل على أن يسوع كان يستعملها في صلته‪ .‬لن‬ ‫ل أعظم من هذه فتأخذكم الدهشة‪.‬فيسَوع هو البن‬ ‫الذي دفع اليه الب كل شيء‪ ،‬وهو وحده يعرف الب ويستطيع أن يقود الناس إليه‪،‬‬ ‫ي أبي كل شيء‪ ،‬وليست أحد يعرف البن إ ّ‬ ‫ل‬ ‫كما يقول في انجيل متى‪" :‬لقد دفع إل ّ‬ ‫ل البن ومن يريد البن أن يكشف له" )‪27 :11‬؛‬ ‫الب‪ ،‬ول أحد يعرف الب إ ّ‬ ‫راجع أيضًا لوقا ‪ .‫اللقاب الماسوية‪ ،‬كالمسيح وابن البشر‪ ،‬ويرجع إلى العهد القديم‪ ،‬وله مقابل في‬ ‫ن لقب "البن" يعود إلى يسوع ذاته‪،‬‬ ‫الديانات القديمة وفي المبراطورية الرومانية‪ ،‬فإ ّ‬ ‫سرون صلة‬ ‫ويكشف لنا سّر يسوع وعلقته الجوهرية بال الب‪ .(21 -17‬‬ ‫جد‬ ‫ونسمع يسوع يقول في بدء صلته لجل الوحدة‪" :‬يا أبتاه‪ ،‬لقد أتت الساعة! فم ّ‬ ‫جدك ابنك‪ ،‬ويعطي ‪-‬وقد قّلدته السلطان على كل بشر‪ -‬الحياة البدية‬ ‫ابنك لكي يم ّ‬ ‫لجميع الذين أعطيتهم له" )يو ‪.‬فأجاب يسوع وقال لهم‪ :‬الحق أقول لكم‪ :‬ان البن ل يستطيع‬ ‫من نفسه أن يعمل شيئًا إل ما يرى الب يعمله‪ ،‬فما يفعله هذا‪ ،‬يفعله البن كذلك‪ .

‬فكما أن "البن" هو أصدق صورة "للب"‪ ،‬كذلك "كلمة" ال أصدق تعبير ل‬ ‫ولفكره ولرادته‪ .‬لذلك يقول يسوع‪َ" :‬من نبذني ولم يقبل أقوالي فله دّيانه‪ :‬الكلمة التي‬ ‫نطقت بها هي تدينه في اليوم الخير‪ ،‬لني لم أتكلم من نفسي‪ ،‬بل الب الذي أرسلني‬ ‫شر به‪ ،‬وأعلم أن وصيته حياة أبدّية‪ .‬انه "كلمة‬ ‫الحياة"‪ ،‬انه "الحياة التي ظهرت" )‪ 1‬يو ‪" .(34 :3‬وبعد‬ ‫إتمام رسالته سيعود إلى الب )‪...‬وقد‬ ‫جمع في هذا اللقب كل ما قاله العهد القديم عن "كلمة ال" و"حكمة ال"‪ ،‬ول سيَما‬ ‫في سفر الحكمة )‪30 -21 :7‬؛ ‪ ،(12 -9 :9‬وسفر المثال )‪،(36 -22 :8‬‬ ‫وسفر يشوع بن سيراخ )‪ .(50 -48 :12‬إ ّ‬ ‫وسمعوه وعاشوا معه ليس مجّرد إنسان تلّقى رسالة خاصة من ال‪ .‫ل إرادة‬ ‫ان الب قد أعطى البن السلطان على كل بشر‪ .(14 ،2 ،1 :1‬‬ ‫إلى جانب اللقاب التي يستعملها سائر النجيليين‪ ،‬يدعو يوحنا يسوع "الكلمة"‪ .(40 -38 :6‬‬ ‫ويوجز يسوع وحدته مع الب بالعبارتين التاليتين‪" :‬أنا والب واحد" )يو ‪:10‬‬ ‫‪ ،(38‬و"َمن رآني فقد رأى الب" )يو ‪.(9 :14‬‬ ‫و( يسوع هو "الكلمة"‬ ‫"في البدء كان الكلمة‪ ،‬والكلمة كان لدى ال‪ ،‬وكان الكلمة ال‪ .‬وقد شاهدنا مجده‪ :‬مجدًا من الب لبنه الوحيد‪ ،‬الممتلئ‬ ‫نعمة وحقًا" )يو ‪.‬مشيئة أبي أن‬ ‫تكون لكل من يرى البن ويؤمن به الحياة البدية‪ ،‬وأنا ُأقيمه في اليوم الخير" )يو‬ ‫‪.‬‬ ‫‪102‬‬ .‬فما أقول إذًا إّنما‬ ‫هو حّدد لي ما أقول‪ ،‬وما ُأب ّ‬ ‫ن الذي رآه الرسل‬ ‫أقوله على حسب ما أوصاني به أبي" )يو ‪ .(3 -1 :1‬والكلمة هي ال" )يو ‪:1‬‬ ‫‪ ،(1‬والحياة مرادف ل‪ .‬فيسوع اذًا هو ظهور ال في الجسد‪.(17 :3‬والذي أرسله ال ينطق بكلمة ال" )‪ .‬والكلمة صار‬ ‫جسدًا وسكن في ما بيننا‪ .(37 -21 :8‬‬ ‫ما يعنيه يوحنا في لقب "الكلمة" مماثل لما أراد إظهاره العهد الجديد في لقب "ابن‬ ‫ال"‪ .‬‬ ‫خلق كل شيء"‪ .‬ومشيئة‬ ‫الذي أرسلني أن ل أتلف شيئًا ما أعطاني‪ ،‬بل ُأقيمه في اليوم الخير‪ .‬لذلك ل يصنع البن إ ّ‬ ‫الب‪" :‬اني قد نزلت من السماء‪ ،‬ل لعمل مشيئتي بل مشيئة الذي أرسلني‪ .(25 -1 :24‬فحكمة ال كانت لدى ال قبل خلق الكون‪،‬‬ ‫وقد أرسلها ال إلى الرض لتكشف أسرار إرادته اللهية‪ ،‬ثم تعود إليه بعد إتمام‬ ‫رسالتها كما يقول أشعيا النبي‪" :‬كما ينزل المطر والثلج من السماء ول يرجع إلى‬ ‫هناك بل يروي الرض ويجعلها تنشئ وتنبت لتؤتي الزارع زرعًا والكل طعامًا‪،‬‬ ‫ي فارغة بل تتّم ما شئت وتنجح في‬ ‫كذلك تكون كلمتي التي تخرج من فمي ل ترجع إل ّ‬ ‫ما أرسلتها له" )‪ .‬وقد أرسله ال إلى‬ ‫"فالكلمة كان لدى ال" قبل خلق العالم‪" ،‬وبه ُ‬ ‫العالم ليخّلص العالم )‪" .(11 ،10 :55‬هكذا يعّبر يوحنا عن دور المسيح الكلمة‪.

‬فال عمل في‬ ‫شخص ابنه الذي فيه ظهرت محبة ال اللمتناهية‪ ،‬وال تكّلم في شخص كلمته الذي‬ ‫فيه عرفنا إرادة ال النهائية وفيه سبرنا أعماق الوجود‪ .‬فكل إنسان له كيانه الخاص به‪ ،‬ثم يتلّقى من ال رسالة مستقّلة عن كيانه‪،‬‬ ‫فإّما يرفضها وإّما يقبلها‪ .‬وهذا ما ل يص ّ‬ ‫النبياء‪ .‫خاتمة‬ ‫في ختام هذا البحث عن سّر شخص يسوع كما يبدو لنا من خلل العهد الجديد‪ ،‬نوع‬ ‫الصرار مرة أخرى على ما يؤّكده العهد الجديد في كل سفر من أسفاره وفي كل‬ ‫صفحة من صفحاته بالنسبة إلى يسوع‪ ،‬أعني العلقة الوثيقة التي تربطه بال‪ .‬أما في يسوع فالرسالة والكيان أمران متماثلن‪ .‬‬ ‫إلى هذا الحّد يصل مفهوم العهد الجديد لشخص يسوع المسيح‪ .‬ان رسالته‬ ‫ن كيانه هو تعبير عن‬ ‫هي إعلن إرادة ال وإظهار محبة ال وإنشاء ملكوت ال‪ ،‬وإ ّ‬ ‫إرادة ال وإظهار محبة ال وهو نفسه ملكوت ال‪ .‬إل أن هذا‬ ‫التمييز ل يدخل انقسامًا في ال‪ ،‬وهذا ما تعنيه العبارة‪" :‬وكان الكلمة ال"‪.‬ول فرق‪ ،‬في شخص يسوع‪ ،‬بين رسالته وكيانه‪ .‬‬ ‫فال إذًا قد أوحى بذاته إلى العالم بشكل نهائي في شخص ابنه يسوع المسيح الذي‬ ‫هو صورة جوهره وكلمته الزلي‪ ،‬والذي يعّبر عن كيانه أصدق تعبير‪ .‬هذا هو المعنى العميق لللقاب التي‬ ‫يدعو بها العهد الجديد يسوع‪ :‬المسيح ابن البشر‪ ،‬ول سيَما الرب وابن ال والبن‬ ‫والكلمة‪.‬‬ ‫ــــــــــــــــــــــــــ‬ ‫‪103‬‬ .‬وتلك‬ ‫العلقة هي التي توجز في النهاية سّر يسوع وشخصه‪ .‬فيسوع إنسان مرتبط بال في‬ ‫صميم رسالته وعمق كيانه‪ .‬فرسالته‬ ‫ح عند سواه من البشر ول حتى عند‬ ‫هي كيانه وكيانه هو رسالته‪ .‬وانطلقًا من هذا‬ ‫صيها لسّر المسيح‪ ،‬لتعلن في وجه البدع‬ ‫المفهوم ستتابع المجامع المسكونية تق ّ‬ ‫والهرطقات أن يسوع انسان حق وإله حق‪ ،‬وان فيه طبيعتين‪ ،‬طبيعة إلهية وطبيعة‬ ‫انسانية‪ ،‬وان كلتا الطبيعتين مّتحدة في أقنوم واحد هو أقنوم البن‪ ،‬القنوم الثاني من‬ ‫الثالوث المقدس‪ .‬لذلك يقول يسوع‪َ" :‬من رآني‬ ‫فقد رأى الب" )يو ‪ ،(9 :14‬و"أنا والب واحد" )يو ‪ ،(38 :10‬ولذلك يقول‬ ‫يوحنا النجيلي‪" :‬كل من ينكر البن ليس له الب‪ ،‬ومن يعترف بالبن له الب‬ ‫أيضًا" )‪ 1‬يو ‪ ،(23 :2‬ولذلك يسوع هو "الطريق والحق والحياة" )يو ‪(6 :14‬‬ ‫والنور والفداء والخلص‪ ،‬و"اللف والياء‪ ،‬والول والخر‪ ،‬والمبدأ والغاية" )رؤيا‬ ‫‪ .‬كيف وصلت المجامع المسكونية إلى تلك التحديدات والعقائد؟‬ ‫هذا ما سيكون موضوع بحثنا في الفصل السادس‪.(13 :22‬تلك الوحدة في الرسالة بين البن والب تصبح في انجيل يوحنا وحدة‬ ‫في الكيان‪" :‬في البدء كان الكلمة‪ ،‬والكلمة كان عند ال‪ ،‬وكان الكلمة ال" )يو ‪:1‬‬ ‫‪ .(1‬فوجود "الكلمة عند ال" يعني تمييزًا في الشخاص بين الكلمة وال‪ .

‫سادس‬ ‫الفصل ال ّ‬ ‫سكونّية‬ ‫جاِمع الم ْ‬ ‫سان في تَعاليم الم َ‬ ‫سيح الله َوالن َ‬ ‫سوع الم ِ‬ ‫يُ‬ ‫توطَئة‬ ‫حِبل به من الروح‬ ‫رأينا في الفصل السابق أن العهد الجديد يرى في يسوع إنسانًا ُ‬ ‫صِلب ومات‬ ‫القدس في أحشاء مريم العذراء وُولد وترعرع وعّلم وصنع المعجزات ثم ُ‬ ‫وقام‪ .‬إ ّ‬ ‫جديدة‪ .‬ولحسم الخلفات القائمة بين هؤلء وأولئك عقدت‬ ‫المجامع المسكونية‪ ،‬وهي مؤتمرات دينية يجتمع فيها أساقفة من كنائس المسكونة كلها‬ ‫في الشرق والغرب لتحديد عقائد اليمان المسيحي‪ .‬‬ ‫ل بد من الشارة إلى أن المجامع المسكونية لم تدخل شيئًا جديدًا على إيمان المسيح‬ ‫طُرق‬ ‫ل أّنها عّبرت عن هذا اليمان ب ُ‬ ‫والرسل كما ورد في أسفار العهد الجديد‪ .‬‬ ‫فيسوع إذًا هو إله وإنسان في آن واحد‪ .‬إ ّ‬ ‫ى توضيح تعاليم المسيح والرسل في صيغ وتعابير جديدة‪.‬وكان كل مجمع مسكوني يصدر‬ ‫وثائق يعلن فيها إيمان الكنيسة القويم وعقائدها الثابتة‪ ،‬ويرشق بالحرم تعاليم المبتدعين‬ ‫والهراطقة‪.‬ولو لم تقم في الكنيسة ِبَدع‬ ‫كلها‪ ،‬في صياغتها وتعابيرها‪ ،‬مو ّ‬ ‫وهرطقات لكتفت الكنيسة في تعاليمها بتعاليم المسيح والرسل كما وردت في مختلف‬ ‫ن البدع والهرطقات التي ظهرت منذ نشأة الكنيسة أرغمت‬ ‫لأّ‬ ‫أسفار العهد الجديد‪ .‬وتبّين للبعض أن تعاليم البعض الخر حول المسيح يسوع قد حادت عن‬ ‫اليمان القويم‪ ،‬فاتهموهم بالهرطقة‪ .‬وقد حدث مرارًا أن اتهمت الكنائس بعضها بعضًا بالهرطقة‪،‬‬ ‫‪104‬‬ .‬وتعلن جميع أسفار العهد الجديد أن هذا النسان هو نفسه المسيح المنتظر وابن‬ ‫البشر الذي أرسله ال في ملء الزمنة لينشئ ملكوت ال‪ ،‬وتشهد أن هذا النسان الذي‬ ‫عاش في الزمن هو ابن ال وكلمة ال الكائن منذ الزل مع ال‪.‬ولكن كيف يّتحد النسان والله في شخص‬ ‫واحد؟ هذا هو السؤال الجوهري الذي حاول اللهوتيون وآباء الكنيسة الجابة عليه‬ ‫منذ القرون المسيحية الولى‪ ،‬فكتبوا مقالت كثيرة وعّلموا في جميع كنائس الشرق‬ ‫والغرب‪ .‬‬ ‫ن تلك اللفاظ لم يكن لها المعنى ذاته في جميع المدارس الفلسفية المنتشرة في‬ ‫لأّ‬ ‫إّ‬ ‫أنحاء العالم المسيحي‪ .‬‬ ‫أساقفة الكنيسة ومعّلميها عل ِ‬ ‫وقد كان هذا التوضيح ضروريًا للحاطة بسّر يسوع المسيح النسان والله وتحديد‬ ‫أبعاد إنسانيته وُألوهيته‪.‬‬ ‫لذلك يمكننا القول ان عقائد اليمان التي أعلنتها المجامع المسكونية الولى كانت‬ ‫جهة ضد الهراطقة‪ .‬فبينما اقتصر العهد الجديد على إظهار يسوع يتصرف في حياته كإنسان وإله‪،‬‬ ‫أوضحت المجامع المسكونية كيف يّتحد العنصران النساني واللهي في شخص يسوع‬ ‫الواحد‪ ،‬فأدخلت في العقائد اليمانية ألفاظًا فلسفية استقتها من الفلسفة اليونانية السائدة‬ ‫آنذاك‪ ،‬كالقنوم والشخص والطبيعة والجوهر‪ ،‬وقالت ان المسيح هو شخص واحد في‬ ‫طبيعتين‪ ،‬طبيعة إلهية وطبيعة إنسانية‪.

‬فتلك اللفاظ والتعابير يمكن مجامع مسكونية أخرى إعادة النظر فيها‬ ‫وتطويرها وفقًا لتطّور المفاهيم الفلسفية على مدى التاريخ‪.‬بهذا تعرفون‬ ‫روح ال‪ :‬ان كل روح يعترف بأن يسوع المسيح قد أتى في الجسد‪ ،‬هو من ال؛ وكل‬ ‫جال الذي سمعتم أنه‬ ‫روح ل يعترف بيسوع ليس من ال‪ ،‬بل هذا روح المسيح الد ّ‬ ‫يأتي؛ إنه‪ ،‬الن‪ ،‬في العالم" )‪ .‬‬ ‫لذلك يجب التمييز‪ ،‬في ما أعلنته المجامع المسكونية‪ ،‬بين أمرين‪ :‬فهناك أولً‬ ‫اليمان الذي ل يمكن أن نحيد عنه‪ ،‬وهو نفسه إيمان المسيح والرسل في جميع أسفار‬ ‫العهد الجديد‪ ،‬وهناك ثانيًا اللفاظ والتعابير التي فرضتها المجامع المسكونية‪ ،‬وقد‬ ‫ح من بين جميع اللفاظ والتعابير المتداولة في زمانها للتعبير‬ ‫ق والص ّ‬ ‫اعتبرتها الد ّ‬ ‫عن هذا اليمان‪ .(1‬ويجعل اليمان بتج ّ‬ ‫ال‪ .‬فيقول في رسالته الولى‪" :‬أيها الحباء‪ ،‬ل تركنوا الى كل روح‪ ،‬بل اختبروا‬ ‫الرواح هل هي من ال‪ ،‬لن أنبياء كذبة كثيرين قد خرجوا الى العالم‪ .‬فما يريد يوحنا تأكيده هو أن كلمة ال الكائن منذ‬ ‫"َب َ‬ ‫الزل عند ال قد دخل في عالمنا وأصبح بشرًا وإنسانًا مثلنا‪" ،‬فسمعناه‪ ،‬ورأيناه‬ ‫ل رسالته الولى الجامعة )‪:1‬‬ ‫بأعيننا‪ ،‬وتأملناه‪ ،‬ولمسته أيدينا"‪ ،‬كما يقول في مسته ّ‬ ‫سد الكلمة العلمة الممّيزة لليمان الذي يسير بحسب روح‬ ‫‪ .‬‬ ‫ما هو إيمان المجامع المسكونية في ما يختص بيسوع المسيح؟ وما هي اللفاظ‬ ‫والتعابير التي اختارتها للتعبير عن هذا اليمان؟‬ ‫الِقسم الول يسوع المسيح إنسان حقيقي‬ ‫سد‬ ‫‪ -1‬يسوع هو الكلمة المتج ّ‬ ‫"الكلمة صار جسدًا وسكن في ما بيننا" )يو ‪ .‬‬ ‫المظهرية )‪(docétisme‬‬ ‫يبدو أن يوحنا يشير في قوله هذا الى فريق من "الغنوصيين" أو "أصحاب‬ ‫المعرفة"‪ ،‬الذين انتشروا بين المسيحيين منذ نهاية القرن الول‪ .(3 -1 :4‬ويعود الى الفكرة ذاتها في رسالته الثانية‬ ‫فيقول‪" :‬انه قد انتشر في العالم مضّلون كثيرون‪ ،‬ل يعترفون بيسوع المسيح الذي أتى‬ ‫في الجسد"‪.‬ولفظة "جسد" تعني هنا النسان بكامله‪ ،‬وليس فقط جسد‬ ‫ق‪" ،‬صار‬ ‫النسان دون نفسه‪ .‬إلى جانب هذا‬ ‫ع حقيقية وتّيارات فكرية خاطئة‬ ‫الختلف في اللفاظ‪ ،‬ل شك أنه كانت هناك ِبد َ‬ ‫حرمتها المجامع المسكونية في إعلنها عقائد اليمان القويم‪.‬فإن اللفظة اليونانية المستعملة هنا هي لفظة ‪ ،‬وهي ترجمة اللفظة العبرية‬ ‫سر" التي يقابلها بالعربية "بشر"‪ .(14 :1‬بهذه العبارة يؤكد يوحنا أن‬ ‫يسوع هو إنسان حقيقي‪ .‫مع أن الخلف بينها لم يكن على اليمان بل على اللفاظ والتعابير‪ .‬فعبارة "صار جسدًا" تعني صار إنسانًا أو‪ ،‬بترجمة أد ّ‬ ‫بشرًا"‪ .‬والمعرفة‪ ،‬في رأي‬ ‫هؤلء المبتدعين الذين يعود أصلهم الى ما قبل المسيحية‪ ،‬ل يصل إليها النسان إل‬ ‫‪105‬‬ .

‫إذا تخّلى عن عالم المادة والجسد‪ ،‬الذي كانوا يعتبرونه عالمًا فاسدًا في جذوره‪ .‬لذلك‬
‫ن المسيح كان له جسد حقيقي‪ ،‬بل كانوا يعتقدون أنه اتخذ "مظهر‬
‫رفضوا اليمان بأ ّ‬
‫جسد" أو "شبه جسد"‪ ،‬لذلك دعوا "بالمظهريين" أو "الشبهيين" )‪(doctes‬‬
‫ان تجربة المظهرية رافقت الفكر المسيحي على مدى العصور‪ ،‬ول تزال قائمة في‬
‫أذهان كثيرين من المسيحيين‪ ،‬حتى في عصرنا الحاضر‪ .‬فيسوع‪ ،‬في نظر هؤلء‬
‫المسيحيين‪ ،‬إله يمشي على الرض مستترًا في شبه جسد بشري‪ .‬لذلك لم يحتمل‬
‫ق الطبيعة البشرية كما يحتملها سائر الناس‪ .‬وإن جاع وعطش وتعب وتعّذب‪،‬‬
‫مشا ّ‬
‫ي ألم‪.‬‬
‫فكونه إلهًا يجعله يحتمل كل تلك المصاعب دون أ ّ‬
‫القديس اغناطيوس النطاكي‬
‫لقد قاوم آباء الكنيسة منذ القرون الولى ذلك التيار الفكري في مختلف مظاهره‪.‬‬
‫فالقديس اغناطيوس النطاكي يؤّكد أن إنكار حقيقة بشرية المسيح هو في الوقت نفسه‬
‫إنكار حقيقة الفداء‪ ،‬لنه إن لم يكن ليسوع سوى جسد ظاهري‪ ،‬فهو لم يتأّلم إلّ‬
‫ل في الظاهر؛ وكذلك تصبح الفخارستيا مجّرد‬
‫ظاهريًا‪ ،‬ونحن لم نحصل على الفداء إ ّ‬
‫مظهر؛ ويصبح بذلك مناقضًا للعقل أن نتألم في الجسد لجل يسوع ونحتمل لجله‬
‫الضطهاد‪ ،‬فكل شيء يتلشى في تلك الظواهر‪ .‬لذلك يدعو اغناطيوس المسيح‬
‫"حامل الجسد"‪.‬‬
‫القديس ايريناوس‬
‫يعود القديس ايريناوس‪ ،‬أسقف ليون‪ ،‬الى الموضوع نفسه‪ ،‬ويستند في تفكيره الى‬
‫المبدأ التالي الذي سوف عبده في كل التقليد اللحق‪" :‬إن المسيح‪ ،‬لجل محبته‬
‫اللمتناهية‪ ،‬قد صار مثلنا لكي يجعلنا مثله"‪ .‬فالمسيح هو قمة التاريخ البشري ومثال‬
‫النسان الجديد‪ .‬لذلك عاش في جسده وفي حياته البشرية جميع مراحل تطور الحياة‬
‫البشرية من الطفولة حتى كمال ال‪.‬‬
‫سد يفرض وجود نفس بشرية في المسيح‬
‫‪ -2‬التج ّ‬
‫ل نجد في العهد الجديد أي تساؤل أو شك حول وجود نفس بشرية في المسيح‪ .‬على‬
‫العكس من ذلك فالناجيل تؤكد وجود تلك النفس في المسيح‪ ،‬ول سيَما عندما تصفه‬
‫وهو يعّبر عن عواطفه‪ ،‬كالفرح )لو ‪ ،(21 :10‬والصداقة )يو ‪3 :11‬؛ مر ‪:10‬‬
‫‪ ،(21‬والشفقة )مّتى ‪36 :9‬؛ ‪ ،(32 :15‬والحزن حتى البكاء )لو ‪،41 :19‬‬
‫‪42‬؛ يو ‪ ،(33 :11‬والغضب )مّتى ‪23 :16‬؛ مر ‪5 :3‬؛ يو ‪ ،(15 :2‬وكلها‬
‫عواطف تصدر عن النفس البشرية‪.‬‬
‫وكذلك يتحّدث النجيليون عن طاعة يسوع وخضوعه لرادة الب‪ .‬فالكلمة الولى‬
‫التي يضعها إنجيل لوقا على فمه هي قوله لمريم ويوسف عندما طلباه ووجداه في‬
‫الهيكل وسط العلماء‪" :‬لَم تطلبانني؟ ألم تعلما أني ملتزم بشؤون أبي؟" )لو ‪.(49 :2‬‬
‫‪106‬‬

‫والكلمة الخيرة قبل موته هي صلته للب‪" :‬يا أبتاه‪ ،‬في يديك أستودع روحي" )لو‬
‫‪ .(46 :23‬ويذكر النجيليون انه كان يصّلي مرارًا )مر ‪ ،(35 :1‬بل يقضي ليالي‬
‫في الصلة )لو ‪ (12 :6‬ويصفونه في نزاعه في بستان الزيتون "يرتاع ويكتئب"‬
‫ن كل شيء‬
‫ل أنه يستسلم بملء حريته لرادة الب‪" :‬أّبا‪ ،‬أبتاه! إ ّ‬
‫)مر ‪ ،(33 :14‬إ ّ‬
‫جْز عني هذه الكأس! ولكن‪ ،‬ليس ما أريد أنا‪ ،‬بل ما تريد أنت!" )مر‬
‫ممكن لديك‪ ،‬فأ ِ‬
‫‪.(36 :14‬‬
‫لقد عرف يسوع كل شيء من الطبيعة البشرية ما عدا الخطيئة‪ ،‬كما تقول الرسالة‬
‫الى العبرانيين‪" :‬ان الحبر الذي لنا ليس عاجزًا عن الرثاء لسقامنا‪ ،‬بل هو مجّرب‬
‫ل شيء‪ ،‬على مثالنا‪ ،‬ما خل الخطيئة" )عب ‪.(15 :4‬‬
‫في ك ّ‬
‫إن إنكار النفس البشرية في المسيح قد دعا اليه في القرن الرابع آريوس السكندري‬
‫وأبوليناريوس أسقف اللذقية‪ .‬فآريوس قد اشتهر برفضه أزلية الكلمة وبالتالي ألوهية‬
‫ل في المسيح‬
‫ل أّنه اّدعى أيضًا أن الكلمة قد ح ّ‬
‫المسيح ومساواته للب في الجوهر‪ ،‬إ ّ‬
‫ل النفس البشرية‪ .‬أما أبوليناريوس أسقف اللذقية فكان يؤمن بألوهية المسيح‪ ،‬إ ّ‬
‫ل‬
‫مح ّ‬
‫أّنه في تفسيره لوحدة الطبيعة اللهية والطبيعة البشرية في شخص المسيح‪ ،‬اعتقد أن‬
‫ل اذا اعتبرنا أن الكلمة قد اتخذ جسدًا بشر دون نفس‬
‫تلك الوحدة ل يمكن أن تتّم إ ّ‬
‫بشرية‪ .‬ثم عّدل موقفه في كتاباته الخيرة فاستخدم تقسيم أفلطون للنسان ثلثة‬
‫عناصر‪ :‬الجسد‪ ،‬والنفس الحسّية المشتركة بين النسان والحيوان ) (‪ ،‬والنفس‬
‫الروحية أو العاقلة الخاصة بالنسان ) (‪ .‬وقال ان الكلمة اتخذ من الطبيعة النسانية‬
‫سّية‪ ،‬لكنه لم يتخذ النفس الروحية‪ .‬واستشهد بقول يوحنا النجيلي‪:‬‬
‫الجسد والنفس الح ّ‬
‫ل إلى‬
‫"الكلمة صار جسدًا"‪ ،‬وليس "الكلمة صار روحًا"‪ .‬وفي تفسير نظريته استند أو ً‬
‫مبدأ فلسفي يقول بأنه يستحيل على جوهرين كاملين أن يتحدا فيصيرا كائنًا واحدًا‪.‬‬
‫ن المسيح لو كان له نفس بشرية روحية‪،‬‬
‫ودعم حجته ببرهان لهوتي يذهب إلى أ ّ‬
‫لتعّرض للخطيئة واستحال عليه فداء البشرية‪.‬‬
‫فلضمان قداسة المسيح‪ ،‬اعتبر أبوليناريوس الله الكلمة المبدأ والمحّرك الوحد‬
‫لجميع أعمال المسيح وتصّرفاته البشرية‪ .‬فالفداء‪ ،‬في نظره‪ ،‬هو فقط عمل الله الكلمة‬
‫في المسيح‪ ،‬أما الطبيعة النسانية فكانت مجّرد ثوب لبسه الكلمة ليقوم بعمله‬
‫الخلصي‪.‬‬
‫سد والفداء مبني على نظرة خاطئة لعلقات ال والنسان‬
‫إن تفسير أبوليناريوس للتج ّ‬
‫في العالم‪ .‬فبموجب تلك النظرة‪ ،‬هناك تناقض جذري بين عمل ال وعمل النسان‬
‫ل ال مح ّ‬
‫ل‬
‫وبين حرية ال وحرية النسان‪ ،‬بحيث ل يمكن أن يوجدا معًا‪ .‬وعندئٍذ يح ّ‬
‫النسان‪ ،‬ويفقد النسان حريته وقيمة عمله‪.‬‬
‫لقد رفضت الكنيسة نظرة أبوليناريوس وحرمت تعاليمه في عّدة مجامع ول سّيما‬
‫في مجمع خلقيدونية المنعقد سنة ‪ ،451‬حيث أعلنت أن المسيح "إله حق وإنسان حق‬
‫‪107‬‬

‫مكّون من نفس عاقلة وجسد‪ ،‬وانه مساٍو للب في اللهوت ومساٍو لنا في الناسوت‪،‬‬
‫ص العام في‬
‫وقد صار بشرًا مثلنا في كل شيء ما خل الخطيئة"‪ .‬وسنعود الى هذا الن ّ‬
‫القسم الثالث من هذا البحث‪.‬‬
‫سر آباء الكنيسة رفضهم لتعاليم أبوليناريوس بقولهم ان فداء الجسد ل يمكن أن‬
‫وقد ف ّ‬
‫يتّم إل بواسطة جسد المسيح‪ ،‬وكذلك فداء النفس ل يمكن أن يتّم إل بواسطة نفس‬
‫ل‪ ،‬لستحال خلص‬
‫المسيح‪ .‬في هذا يقول أوريجانيس‪" :‬لو لم يكن المسيح إنسانًا كام ً‬
‫ي شيء فينا ل‬
‫النسان بكامله"‪ .‬وكذلك يقول القديس غريغوريوس النزينزي‪" :‬ان أ ّ‬
‫يمكن أن يشفى ويخلص إل باتحاده بال"‪ .‬لذلك لو لم يّتخذ كلمة ال في شخص يسوع‬
‫المسيح نفسًا بشرية روحية‪ ،‬لَما خلصنا في كياننا الروحي‪.‬‬
‫وعلى برهان أبوليناريوس الفلسفي من أن جوهرين كاملين‪ ،‬أي الطبيعة اللهية‬
‫والطبيعة النسانية‪ ،‬ل يمكن أن يتحدا في كائن واحد‪ ،‬أجاب آباء الكنيسة واللهوتيون‬
‫ن الطبيعة النسانية ليست جوهرًا منغلقًا على ذاته‪ ،‬إنما تتضّمن‬
‫على مدى العصور أ ّ‬
‫طاها‪ ،‬وهذا النفتاح هو من خصائص النفس ل‬
‫من صلب كيانها انفتاحًا على ما يتخ ّ‬
‫من خصائص الجسد‪ ،‬لذلك ل يمكن أن يّتحد الكلمة بجسد بشري تنقصه نفس بشرية‪،‬‬
‫طاه؛ فالنفس البشرية هي‬
‫لن الجسد وحده دون النفس ل يستطيع أن ينفتح على ما يتخ ّ‬
‫إذًا عنصر أساسي ل بّد من وجوده في المسيح لكي يتّم فيه اتحاد الكلمة بالطبيعة‬
‫النسانية‪.‬‬
‫الِقسم الَثاني يسوع المسيح إله حقيقي‬
‫سنة ‪ 325‬أعلن الباء الملتئمون في مجمع نيقية إيمانهم "برب واحد يسوع‬
‫المسيح‪ ،‬إبن ال الوحيد‪ ،‬المولود من الب قبل كل الدهور‪ ،‬نور من نور‪ ،‬إله حق من‬
‫إله حق‪ ،‬مولود غير مخلوق‪ ،‬مساٍو للب في الجوهر"‪ .‬وكان هذا العلن للوهية‬
‫المسيح جواب الكنيسة الرسمي في أول مجمع مسكوني على نقاشات حاّدة دارت بين‬
‫اللهوتيين حول تعاليم آريوس السكندري الذي كان يقول ان كلمة ال الذي صار‬
‫إنسانًا في شخص يسوع المسيح ليس أزليًا ول مساويًا للب في الجوهر‪ ،‬إنما هو أول‬
‫خليقة خلقها ال‪.‬‬
‫لم تكن بدعة آريوس البدعة الوحيدة التي أنكرت ألوهية المسيح في القرون‬
‫المسيحية الثلثة الولى‪ ،‬لكنها حلقة هامة من سلسلة طويلة رافقت تاريخ المسيحية‬
‫سط في تاريخ كل تلك البدع وتعاليمها‪ ،‬لن‬
‫منذ نشأتها‪ .‬ل نستطيع في هذا البحث التب ّ‬
‫صائيين‪ .‬فرأينا أن نجمع تعاليم المبتدعين‬
‫هذا يتطّلب عّدة مجّلدات ول يهّم إل الخ ّ‬
‫الذين أنكروا ألوهية المسيح في ثلثة تيارات أو اتجاهات عقائدية خاطئة حرمتها‬
‫الكنيسة إذ رأت أنها‪ ،‬في عرضها لسّر المسيح وعلقته بال الب‪ ،‬قد شّوهت تشويهًا‬
‫جسيمًا وجه المسيح ووجه الب‪.‬‬

‫‪108‬‬

‬ويذكر المؤّرخ افسافيوس أسقف قيصرية في‬ ‫كتابه "تاريخ الكنيسة" )‪ (6 :7‬أن ديونيسيوس أسقف السكندرية )‪(264 -190‬‬ ‫كان ينعت أصحاب تلك البدعة بالتجديف والكفر وعدم الحترام للب والبن والروح‬ ‫القدس‪ .‬اعترفت بألوهية المسيح‪ ،‬لكنها قالت ان المسيح هو نفسه ال الب‪ .‬وينتج من‬ ‫سد في الزمن في أحشاء مريم العذراء وُولد منها‬ ‫هذا القول أن الب نفسه هو الذي تج ّ‬ ‫صلب ومات وقام‪ ،‬مّما يناقض مناقضة صريحة كل تعاليم العهد الجديد‬ ‫ل وتأّلم و ُ‬ ‫طف ً‬ ‫حول المسيح والب‪ .‬‬ ‫نجد دحضًا لتعاليم نوئيطوس في كتاب "دحض جميع الهرطقات" المنسوب إلى‬ ‫القديس ايبوليتوس الروماني )‪ ،(235 -170‬ودحضًا لتعاليم براكسياس في كتاب‬ ‫لترتوليانوس عنوانه "ضد براكسياس"‪ .‬كما نجد ذكر الصابيلية بين البدع التي يجب نبذها‪ ،‬في القانون الول من‬ ‫قوانين المجمع المسكوني الثاني المنعقد في القسطنطينية سنة ‪ ،381‬وكانت تلك‬ ‫ن آراءها كانت ل تزال شائعة عند‬ ‫لأّ‬ ‫البدعة قد فقدت عندئٍذ قّوتها كتنظيم خاص‪ ،‬إ ّ‬ ‫بعض فئات من الناس‪.‫‪ -1‬الشكلنية )‪(Modalisme‬‬ ‫التجاه الول أراد المحافظة على وحدانية ال ووحدانية مبدأ الكون‪ ،‬لكنه رأى أن‬ ‫تلك الوحدانية ل يمكن أن تثبت إذا آمّنا بوجود ثلثة أقانيم في ال؛ لذلك اعتقد أن‬ ‫الثالوث القدس ليس في الواقع إل أقنومًا واحدًا ظهر لنا في ثلثة أشكال أو أحوال‪:‬‬ ‫حال الب‪ ،‬وحال البن‪ ،‬وحال الروح القدس‪ .‬لذلك نستطيع أن نخلع عليه ثلثة‬ ‫سد وصار‬ ‫أسماء‪ ،‬فندعوه تارة الب لنه مبدأ الكون وخالقه‪ ،‬وتارة البن لنه تج ّ‬ ‫إنسانًا‪ ،‬وتارة الروح القدس لنه يملنا بحضوره‪.‬وعليه دعيت تلك البدعة "الشكلنية"‬ ‫أو "الحالنية" )‪ ،(modalisme‬أو بدعة المبدأ الواحد )‬ ‫‪(Monarchianisme‬‬ ‫فالتمييز في ال‪ ،‬بموجب تلك البدعة‪ ،‬ليس بين أقانيم متساوية في الجوهر؛ بل بين‬ ‫أحوال وأشكال ثلثة اتخذها الله الواحد في الزمن‪ .‬‬ ‫لماذا حرمت الكنيسة تلك البدعة؟ وماذا نستطيع أن نستنتج من هذا الحرم بالنسبة‬ ‫الى إيماننا بالمسيح؟‬ ‫يقوم ضلل تلك البدعة على أنها لم تمّيز في ال بين القانيم الثلثة والجوهر‬ ‫الواحد‪ .‬ومن أهم دعاتها نوئيطوس الذي ب ّ‬ ‫أزمير بين سنة ‪ 180‬وسنة ‪ ،200‬وبراكسياس الذي نشر تعاليمه في قرطاجة‬ ‫ورومة‪ ،‬وصابيليوس أسقف بطوليَمائيس في الخمس المدن‪ ،‬وقد كان له تلمذة‬ ‫كثيرون في رومة‪ ،‬وُدعيت البدعة نفسها أيضًا باسمه‪ :‬الصابيلية‪.‬‬ ‫لقد انتشرت هذه البدعة في آسية الصغرى ورومة وشمالي أفريقية في أواخر القرن‬ ‫شر في‬ ‫الثاني وفي النصف الول من القرن الثالث‪ .‬فالمسيح الذي عاش على الرض هو ابن ال الذي جاء ليتّمم في‬ ‫حياته إرادة أبيه؛ والبن والب أقنومان أو شخصان متميزان؛ والبن هو الذي‪ ،‬تتميمًا‬ ‫‪109‬‬ .

‬‬ ‫وفي أواخر القرن الثاني‪ ،‬دعا أيضًا إلى إنكار ألوهية المسيح ثيوذوتس البيزنطي‬ ‫الذي جحد إيمانه في أثناء اضطهاد حدث ضد المسيحيين‪ ،‬فهرب من بيزنطية والتجأ‬ ‫إلى رومة؛ ولتبرير جحوده قال انه لم ينكر إلهًا‪ ،‬بل أنكر إنسانًا‪ ،‬لن المسيح ليس‬ ‫سوى إنسان‪.‬‬ ‫لقد سار في هذا التجاه منذ القرن الول بعض النصارى من اليهود‪ ،‬الذين آمنوا أن‬ ‫يسوع هو المسيح‪ ،‬لكنهم رفضوا العتراف بأنه ابن ال المولود من الب منذ الزل‪.‬وفي هذا تّتفق مع سائر الديانات التي‬ ‫تعلنه المسيحية في رفضها القول بتج ّ‬ ‫ل أّنها تدخل كثر من تلك الديانات في سّر‬ ‫تؤمن بالله الواحد‪ ،‬كاليهودية والسلم‪ ،‬إ ّ‬ ‫ال‪ ،‬فتؤّكد‪ ،‬إلى جانب سمّو ال وتعاليه‪ ،‬قربه من النسان‪ .‬‬ ‫‪ -2‬التبّنوّية )‪(Adoptianisme‬‬ ‫سك‬ ‫التجاه الثاني الخاطئ الذي يؤّدي إلى إنكار ألوهية المسيح انطلق أيضًا من التم ّ‬ ‫بوحدانية ال‪ ،‬فأنكر الثالوث القدس‪ ،‬واعتقد أن يسوع المسيح ليس سوى إنسان تبّناه‬ ‫ال ومنحه سلطة إلهّية لتتميم رسالته‪.‬فكلمة ال‬ ‫هو نفسه صار بشرًا‪ ،‬والكلمة هو شخص في ال‪ :‬انه القنوم الثاني من الثالوث‬ ‫القدس‪ .‬وهذا القنوم هو الذي أخذ من مريم العذراء طبيعة بشرية وصار إنسانًا‬ ‫خاضعًا مثلنا لللم والموت‪.‬وهذا ما ستوضحه الكنيسة في‬ ‫المجامع اللحقة التي سنأتي على ذكرها في القسم الثالث من هذا البحث‪.‬فال "هو هو أم ِ‬ ‫هو سمّو ال وتعاليه في سّر التج ّ‬ ‫أن يتحّول فيصير من حال إلى حال‪ ،‬ول أن يتغّير فينتقل من شكل الى شكل‪ .‬هذا ما‬ ‫سد الب‪ .‬وال لم يقترب من النسان‬ ‫فقط‪ ،‬كما في اليهودية والسلم‪ ،‬بما أوحاه إلى أنبيائه وبالكلم الذي تكّلم به على‬ ‫ألسنتهم‪ ،‬فالمسيحية تؤمن أن اقتراب ال من النسان هو اقتراب شخصي‪ .‬‬ ‫ل أن المسيحية تعود فتؤّكد‪ ،‬في شخص المسيح أيضًا‪ ،‬سمّو ال‪ ،‬فتقول ان المسيح‬ ‫إّ‬ ‫لم يخضع لللم والموت إل في طبيعته البشرية‪ .‬‬ ‫‪110‬‬ .‬‬ ‫ومن بين هؤلء اليهود النصارى يذكر القديس ايريناوس في القرن الثاني بدعة‬ ‫البيونيين الذين كانوا يقولون ان يسوع هو مجّرد إنسان ُولد من مريم ويوسف‪ ،‬وانه‬ ‫ل عليه في أثناء معموديته كائن سماوي هو المسيح‪.‫لرادة الب‪ ،‬قبل اللم والصلب والموت؛ أما الب فبقي منّزها عن الجسد واللم‬ ‫والموت‪.‬‬ ‫ن ما أّكدته الكنيسة في رفضها تعاليم تلك البدعة‪ ،‬وما يجب أن نؤّكده اليوم أيضًا‪،‬‬ ‫إّ‬ ‫س واليوم وإلى البد"‪ ،‬ل يمكن‬ ‫سد‪ .‬‬ ‫كان أقدس جميع الناس‪ ،‬وقد ح ّ‬ ‫وتلك البدعة لم تكن تعترف إل بإنجيل مّتى‪ ،‬وكانت تعتبر بولس الرسول كافرًا‬ ‫وترفض كل رسائله وتعاليمه‪ ،‬وتلتزم جميع تعاليم الناموس الموسوي ووصاياه‪.

‫وأشهر القائلين ببدعة التبنوية‪ ،‬وقد ُدعيت كذلك لنها تقول ان يسوع هو مجّرد‬ ‫إنسان تبّناه ال‪ ،‬بولس السميساطي الذي نشأ في "ساموساطة" في ما بين النهرين‬ ‫على الفرات‪ ،‬ثم صار أسقفًا على انطاكية من سنة ‪ 260‬حتى سنة ‪ ،272‬حين‬ ‫حرمه مجمع محّلي وأقاله عن كرسّيه‪ .‬وانتشرت أفكاره وتعاليمه في مختلف كنائس الشرق والغرب‪ ،‬وانقسم‬ ‫المسيحيون بين مساند له ومناوئ‪ .‬‬ ‫بإكليروس القسطنطينية‪ ،‬إ ّ‬ ‫ن تعاليم آريوس يمكن إيجازها في النقاط التالية‪:‬‬ ‫إّ‬ ‫ن ال واحد أحد‪ ،‬أزلي غير مولود‪ ،‬وكل ما سواه من الكائنات مخلوق من العدم‬ ‫أ( إ ّ‬ ‫بإرادته الحرة‪.‬أما يسوع فاعتبره مجّرد إنسان مّتحد‬ ‫بال اتحادًا عرضيًا‪ .‬وكان يقول ان ال والكلمة شخص واحد‬ ‫كالنسان الذي يكّون هو وفكره شخصًا واحدًا‪ .‬لذا كان أتباع بولس‬ ‫السميساطي يذكرون اسم الب والبن والروح القدس في إتمام سّر المعمودية‪ ،‬ولكنهم‬ ‫لم يستعملوا تلك الكلمات بمعناها الحقيقي‪ .‬فل مانع إذًا من أن ندعوه إلهًا‪ ،‬ولكن ليس بصورة بيانية‪ .‬‬ ‫‪111‬‬ .‬لو كان يسوع فقط إنسانًا مثلنا‪ ،‬لكان أيضًا مثلنا في علقته بال‪ .‬وعندئٍذ‬ ‫شر به وندعو الناس‬ ‫يمكننا أن نتسائل‪ :‬لماذا نتبعه هو‪ ،‬ول نتبع معلمًا آخر؟ ولماذا نب ّ‬ ‫إلى أن يعتمدوا باسمه؟ يعلن اليمان المسيحي أن علقة النسان بال يجب أن تمّر‬ ‫ي كسائر‬ ‫ن المسيح لم يكن مجّرد إنسان كسائر الناس‪ ،‬ول مجّرد نب ّ‬ ‫بالمسيح‪ ،‬ل ّ‬ ‫النبياء‪ ،‬واتحاده بال لم يكن اتحادًا عرضيًا‪ ،‬بل كان اتحادًا جوهريًا‪ :‬انه من ذات‬ ‫جوهر الب‪ .‬كان ليب ّ‬ ‫مدرسة انطاكية لدى لوكيانوس الشهير‪ ،‬ثم انتقل إلى مصر حيث ُرسم كاهنًا سنة‬ ‫‪ ،310‬وأصبح خادمًا لحدى كنائس السكندرية‪ ،‬وبسبب تعاليمه المناقضة لليمان‬ ‫عقد في السكندرية سنة ‪ 320‬برئاسة السكندر أسقف‬ ‫القويم‪ ،‬حرمه مجمع محّلي ُ‬ ‫تلك المدينة‪ ،‬فالتجأ الى نيقوميذية حيث كان أسقفًا صديقه أوسابيوس المؤرخ‪ ،‬وأّلف‬ ‫هناك‪ ،‬لنشر تعاليمه‪ ،‬كتاب "الوليمة"‪ ،‬وهو مزيج من النثر والشعر والناشيد الدينية‬ ‫الشعبية‪ .‬‬ ‫ن يسوع ليس‬ ‫إن ما أرادت الكنيسة تأكيده في رفضها تعاليم بدعة التبّنوية هو أ ّ‬ ‫مجّرد إنسان‪ .‬‬ ‫‪ -3‬الريوسية‬ ‫بدعة آريوس‬ ‫ي المنشأ‪ ،‬وتعّلم في‬ ‫اتخذت الريوسية اسمها من الكاهن المبتدع آريوس‪ .‬وهذا ما ستؤكده الكنيسة بوضوح في رفضها تعاليم آريوس‪.‬فالتأم في نيقية سنة ‪ 325‬المجمع المسكوني الول‬ ‫ل أّنه عاد فعفا عنه بعد بضع‬ ‫وحرم بدعته‪ ،‬فنفاه عندئذ المبراطور قسطنطين‪ ،‬إ ّ‬ ‫سنوات‪ .‬فال قد مله‪ ،‬اكثر من سائر النبياء‪ ،‬من الحكمة اللهية والقوة‬ ‫اللهية‪ .‬لذلك حّدد القانون ‪ 19‬من قوانين المجمع‬ ‫المسكوني الول المنعقد في نيقية سنة ‪" :325‬ان أتباع بولس السميساطي اللجئين‬ ‫الى الكنيسة الجامعة‪ ،‬يجب أن تعاد معموديتهم"‪.‬لكن اثناسيوس أسقف السكندرية رفض استقباله‪ ،‬فحصل له أتباعه أن يلتحق‬ ‫ل أنه توفي سنة ‪ 336‬قبل دخوله المدينة‪.

‬والجوهر هنا هو جوهر اللوهة أو‬ ‫ترجمة أد ّ‬ ‫الطبيعة اللهية‪ .‬‬ ‫والفرق كبير بين الخلق والولدة‪ .‬‬ ‫هـ( إ ّ‬ ‫مجمع نيقية‬ ‫سنة ‪ 325‬التأم في نيقية حوالى ‪ 300‬أسقف‪ ،‬وحكموا على آريوس وأعلنوا‬ ‫تعاليمه مناقضة لليمان القويم‪ ،‬وأوجزوا إيمانهم في القسمين الول والثاني من قانون‬ ‫اليمان الذي ل نزال نتلوه اليوم‪ ،‬أي من أّوله حتى عبارة "وبالروح القدس"‪ .‬فهو أدنى من ال‪،‬‬ ‫ولكنه أقدس جميع الخلئق‪ ،‬ول يمكن أن ُيخلق كائن أعلى منه‪.‬فالطبيعة النسانية مث ً‬ ‫يمكن أن توجد دون إنسان فرد‪ ،‬دون شخص بشري يحملها‪ ،‬فتقوم به إلى الوجود‪.‬‬ ‫لذلك يضيف قانون اليمان أن يسوع المسيح هو "مساٍو للب في الجوهر"‪ ،‬أو‪،‬‬ ‫ق‪" ،‬واحد مع الب في الجوهر"‪ .‬والقنوم كلمة‬ ‫فالبن واحد مع الب في الجوهر‪ ،‬إ ّ‬ ‫سريانية ترجم بها الباء كلمة اليونانية‪ ،‬وتعني الشخص‪ ،‬أي الكائن الذي يقوم به‬ ‫لل‬ ‫الجوهر‪ .‬‬ ‫ن تلك البنّوة‬ ‫لأّ‬ ‫ج( كذلك نستطيع أن ندعو الكلمة "ابن ال" أو "مولودًا من ال"‪ ،‬ا ّ‬ ‫اللهية ليست في الواقع إل تبّنيا‪ .‬ونلحظ‬ ‫في معظم التعابير المتعلقة بيسوع المسيح دحضًا لتعاليم آريوس‪.‬فالجوهر ل يمكن أن يقوم دون كائن فرد يحمله‪ .‬وبينما كان يقول‬ ‫آريوس ان الكلمة قد خلقه ال من العدم‪ ،‬يعلن المجمع أنه "مولود غير مخلوق"‪.‬‬ ‫فيسوع هو "ابن ال الوحيد‪ ،‬المولود من الب قبل كل الدهور"‪ .‬‬ ‫ن تلك الطبيعة تقوم في‬ ‫لأّ‬ ‫كذلك جوهر ال هو واحد‪ ،‬والطبيعة اللهية هي واحدة‪ .‬‬ ‫ن الروح القدس هو أّول خلئق الكلمة‪ ،‬وهو أيضًا ليس من جوهر ال‪.‬وفكرة التبّني هذه أخذها آريوس عن بولس السميساطي‪.‫ن الكلمة كائن وسط بين ال والخلئق؛ فال قد خلقه من العدم قبل سائر‬ ‫ب( إ ّ‬ ‫الخلئق‪ ،‬ثم أعطاه أن يخلق جميع المخلوقات؛ لذلك نستطيع أن ندعوه إلهًا‪ ،‬فهو إله‬ ‫ن أدنى من ال‪ .‬فالخلق يعني اختلفًا في الجوهر والطبيعة‪ ،‬أّما‬ ‫الولدة فتعني أن ابن ال هو من ذات جوهر ال‪.‬وهذا التمييز بين الله الول والله الثاني‪ ،‬استقاه آريوس من‬ ‫ثا ٍ‬ ‫الفلسفة الفلطونية‪.‬إ ّ‬ ‫ثلثة أشخاص ندعوهم أقانيم‪ ،‬لنه بهم يقوم جوهر ال أو الطبيعة اللهية الواحدة‪:‬‬ ‫‪112‬‬ .‬‬ ‫ل أنه متمّيز عنه في القنوم‪ .‬‬ ‫ن الكلمة‪ ،‬بما أّنه مخلوق‪ ،‬فهو معّرض من طبيعته للخطيئة‪ ،‬لكنه في الواقع‬ ‫د( إ ّ‬ ‫استطاع أن يحيا حياة قداسة وكمال ولم يسقط قط في الخطيئة‪ .‬فكما أن الب إله‪ ،‬هكذا البن أيضًا إله‪ ،‬والب والبن لهَما جوهر‬ ‫واحد‪ ،‬أي طبيعة إلهية واحدة‪.‬فالكلمة ليس من جوهر ال‪ ،‬إنما تبّناه ال منذ خَلقه‪،‬‬ ‫استباقًا لستحقاقاته‪ .

‬‬ ‫الِقسم الَثالث يسوع المسيح شخص واحد‬ ‫في طبيعتين طبيعة إلهية وطبيعة إنسانية‬ ‫ن مريم وإبن ال؟ لقد‬ ‫ن معًا إنسانًا وإلهًا‪ ،‬إب َ‬ ‫كيف يمكن أن يكون شخص واحد في آ ِ‬ ‫عا من القرن‬ ‫أجابت الكنيسة على هذا السؤال في رّدها على ثلث بدع ظهرت تبا ً‬ ‫الرابع حتى القرن السابع‪ :‬بدعة نسطوريوس وبدعة أوطيخا وبدعة "المشيئة الواحدة"‬ ‫أ‪ -‬البدعة النسطورية‬ ‫‪ -1‬نسطوريوس ولقب "والدة الله"‬ ‫‪113‬‬ .‬ولكن‪ ،‬بما أن يسوع إله‪ ،‬فهو يستطيع أن يوصلنا إلى ال‪ .‬‬ ‫إن الفرق في النظرة الى يسوع المسيح بين آريوس وآباء نيقية أن آريوس يعتبر‬ ‫سد‬ ‫سد ال‪ .‬هذا هو‬ ‫سد‪ ،‬القنوم الثاني‬ ‫المعنى العميق للعقيدة المسيحية القائلة ان يسوع نفسه الكلمة المتج ّ‬ ‫من الثالوث القدس‪ ،‬وانه إله حق وإنسان حق‪ ،‬وانه شخص واحد في طبيعتين‪ ،‬طبيعة‬ ‫إلهية وطبيعة إنسانية‪.‬فلو اعتبرنا يسوع مجّرد إنسان لستحال عليه‬ ‫أن يوصلنا إلى ال‪ .‬فالذي تج ّ‬ ‫المسيح خليقة‪ ،‬فينكر الوهيته وينكر معًا الثالوث القدس وتج ّ‬ ‫وصار إنسانًا‪ ،‬في رأي آريوس‪ ،‬ليس ال‪ ،‬بل كائن وسط بين ال والنسان‪ ،‬وفي‬ ‫الواقع كائن أقرب إلى النسان منه إلى ال‪ ،‬لنه مخلوق من ال‪.‬‬ ‫أما آباء نيقية فقد أعلنوا أن الذي ظهر لنا في يسوع المسيح ليس كائنًا وسطًا بين ال‬ ‫والنسان‪ ،‬بل ال نفسه في شخص كلمة الب الزلي وابنه الوحيد‪ ،‬الواحد معه في‬ ‫الجوهر‪.‬هذا هو‬ ‫البرهان الذي رّدده مرارًا آباء الكنيسة‪ .‫سد في‬ ‫أقنوم الب‪ ،‬وأقنوم البن‪ ،‬وأقنوم الروح القدس‪ .‬أن مثل هذا العتقاد نجده في بعض الديانات القديمة‪،‬‬ ‫ت إلى المسيحية بشيء‪ .‬‬ ‫كيف يجب أن نفهم العلقة بين الطبيعتين في شخص يسوع الواحد؟ هذا ما تطّرقت‬ ‫إليه المجامع المسكونية التي تلت مجمع نيقية‪.‬‬ ‫وهذا ما يجب أن نرّكز عليه اليوم‪ ،‬عندما نتكّلم عن ألوهية المسيح‪ .‬‬ ‫ولن ال نفسه قد حضر إلينا في شخص يسوع‪ ،‬فيسوع يستطيع أن يؤّلهنا‪ .‬فَمن رأى يسوع رأى ال‪ ،‬وَمن‬ ‫اتحد بيسوع اتحد بال‪ ،‬وَمن اعتمد باسم يسوع اعتمد باسم ال‪.‬إيماننا المسيحي هو اليمان بأن ال نفسه‪ ،‬في كيانه‬ ‫وهو ل يم ّ‬ ‫وشخصه‪ ،‬قد حضر إلينا في شخص يسوع المسيح‪ .‬إيماننا بألوهية‬ ‫المسيح ليس اعتقادًا أسطوريًا بكائن وسط بين ال والنسان‪ ،‬نزل في أحد اليام من‬ ‫أعالي السماء ودخل في إنسان‪ .‬وأقنوم البن هو الذي تج ّ‬ ‫شخص يسوع المسيح‪.

‬ولد نسطوريوس في مرعش من اعمال سورية على الفرات‪ ،‬ودرس‬ ‫في انطاكية وترّهب فيها‪ .‬ورأى في‬ ‫لقب "والدة الله" الذي كان يطلق على مريم العذراء في القسطنطينية لقبا خاطئا يقود‬ ‫ن مريم هي "والدة الله" يسوع يعني أمرين‪ :‬إّما‬ ‫الى تعاليم هذين المبتدعين‪ :‬فالقول بأ ّ‬ ‫ن يسوع هو ال‬ ‫ن يسوع ليس انسانا كامل‪ ،‬وهذا ما كان يقوله ابوليناريوس‪ ،‬وإّما أ ّ‬ ‫أّ‬ ‫مخلوق‪ ،‬وهذا ما كان يقوله آريوس‪.‬إ ّ‬ ‫ن لفظة الشخص‪ ،‬بحسب الفلسفة النطاكية التي كانوا متشّربينها‪ ،‬تعني‬ ‫تلك العبارة‪ ،‬ل ّ‬ ‫ن "كل طبيعة كاملة هي‬ ‫"الطبيعة"‪ ،‬والمبدأ السائد في الفلسفة النطاكية كان أ ّ‬ ‫ن الله والنسان اتحدا في يسوع "اتحادا شخصيا" يعني‪،‬‬ ‫شخص"‪ .‬وإ ّ‬ ‫‪114‬‬ .‬فيمكننا القول بأ ّ‬ ‫ن ابن‬ ‫مريم‪ ،‬ونعني بذلك أنه ولد منها بحسب طبيعته البشرية‪ ،‬كما يمكننا القول بأ ّ‬ ‫مريم قد خلق الكون‪ ،‬ونعني بذلك انه خلقه بحسب طبيعته اللهية‪ .‬فقول كيرلس بأ ّ‬ ‫في نظر نسطوريوس وأتباعه‪ ،‬انهما أصبحا طبيعة واحدة؛ لذلك كانوا يّتهمون كيرلس‬ ‫بالسقوط في بدعة ابوليناريوس‪ .(Communication des idiomes‬‬ ‫ن مريم هي والدة الله‪ ،‬ل لّنها خلقت ال‪ ،‬أو‬ ‫ح القول بأ ّ‬ ‫وانطلقا من هذا المبدأ يص ّ‬ ‫ن هذا الشخص كائن منذ الزل مع ال وهو الذي‬ ‫لّنها خلقت شخص ابن ال‪ ،‬إذ إ ّ‬ ‫ن هذا الشخص الذي اعطته جسدا‪ ،‬وحملته في احشائها مدة تسعة‬ ‫خلق مريم‪ ،‬بل ل ّ‬ ‫أشهر ثّم ولدته‪ ،‬هو نفسه ابن ال الكائن منذ الزل مع ال والذي صار منها انسانا‪.‬فقد رأى‬ ‫ن رفض هذا اللقب لوالدة يسوع ينتج منه رفض لوحدة الشخص في يسوع‪.‬‬ ‫أّما رفض نسطوريوس وأتباعه تطبيق خصائص الطبيعتين على شخص يسوع‬ ‫ن يسوع ليس شخصا واحدا بل فيه شخصان‪،‬‬ ‫فيعني‪ ،‬في نظر كيرلس‪ ،‬العتقاد أ ّ‬ ‫شخص إلهي وشخص بشري‪ ،‬مّتحدان معا اتحادا خارجيا عرضيا‪ .‬لذلك اراد كيرلس‬ ‫ان يفرض على خصومه القبول بعبارة "التحاد الشخصي" في المسيح بين‬ ‫ن نسطوريوس وأتباعه رفضوا‬ ‫لأّ‬ ‫العنصرين‪ ،‬العنصر اللهي والعنصر النساني‪ .‬ثّم انتخب بطريركا على القسطنطينية سنة ‪ ،428‬وراح في‬ ‫عظاته يدافع عن اليمان القويم‪ ،‬ول سّيما ضد اتباع ابوليناريوس وآريوس‪ .‬‬ ‫ن افكار نسطوريوس لم تكن خاطئة‪ ،‬وأ ّ‬ ‫ن‬ ‫لذلك يرى بعض مؤّرخي اللهوت اليوم أ ّ‬ ‫ن ما نبذه مجمع أفسس في‬ ‫خلفه مع كيرلس لم يكن سوى خلف على اللفاظ‪ .‬وهذا ما يدعوه‬ ‫اللهوتيون "اتصال الخصائص" )‪.‬‬ ‫بلغ الخبر القديس كيرلس أسقف السكندرية‪ ،‬وكان لقب "والدة الله" يستعمل أيضًا‬ ‫في تلك المدينة‪ ،‬فراح يداه عن هذا اللقب ويّتهم نسطوريوس بالهرطقة‪ .‬أّما تطبيق خصائص ابن على شخص واحد فقد‬ ‫ن المسيح تأّلم ومات في طبيعته‬ ‫رفضوه أيضًا لنه يقود‪ ،‬في زعمهم‪ ،‬الى القول بأ ّ‬ ‫اللهية‪.‬‬ ‫كيرلس ا ّ‬ ‫فيسوع هو شخص واحد‪ ،‬ووحدة الشخص فيه تفرض ان تطلق عليه خصائص‬ ‫ن ابن ال ُولد من‬ ‫الطبيعتين معا‪ :‬الطبيعة اللهية والطبيعة النسانية‪ .‫ان موضوع وحدة الشخص في المسيح قد طرح بشكل دقيق في معرض النقاش‬ ‫الذي احتدم مع نسطوريوس بطريرك القسطنطينية حول استعمال لقب "والدة الله"‬ ‫لمريم العذراء‪ .

‬‬ ‫‪ -3‬قانون الوحدة )‪(433‬‬ ‫‪115‬‬ .‬وهذا ما صنعوه في المجمع المسكوني‬ ‫الثالث الذي عقد في َأفسس‪ ،‬مدينة العذراء‪ ،‬سنة ‪ ،431‬وأعلنوا خلله موافقتهم على‬ ‫الرسالة التي كان كيرلس قد بعث بها الى نسطوريوس‪ .‬‬ ‫وفي ‪ 26‬حزيران حكموا على كيرلس لكونه تصّرف خلفا للشرع الكنسي‪ ،‬ورأوا‬ ‫في اقواله سقوطا في ضلل ابوليناريوس وآريوس‪.‬‬ ‫وفي أّول تموز وصل مندوبو البابا‪ .‬‬ ‫ول ندعو الكلمة المولود من ال مسيحا آخر غير المسيح المولود من امرأة‪ .‬فنعبد الشخص‬ ‫نعترف بأ ّ‬ ‫الواحد‪ ،‬البن‪ ،‬والرب‪ ،‬يسوع المسيح‪ .‬ففي أواسط حزيران سنة ‪ ،431‬وصل الى‬ ‫َأفسس حوالي مئتي أسقف يمّثلون جميع الكنائس‪ ،‬ما عدا وفد أنطاكية الذي كان يرئسه‬ ‫يوحنا بطريرك انطاكية‪ ،‬ومندوبي بابا رومة الذين تأخروا في السفر‪ .‬اننا ل نفرق بين ال والنسان ول نفصل بينهما‬ ‫وكأّنهما اتحدا الواحد بالخر اتحاد كرامة وسلطة‪ .‬فقرئ قانون ايمان نيقية ثم رسالة كيرلس الى نسطوريوس فجواب‬ ‫نسطوريوس فوافق الباء على رسالة كيرلس وحكموا على نسطوريوس واعلنوا في‬ ‫اليوم نفسه إقالته عن كرسّيه‪.‬‬ ‫وبعد بضعة ايام قدم يوحنا مع اساقفة انطاكية‪ ،‬وقد كانوا من محّبذي نسطوريوس‪.‬انما‬ ‫نعترف بمسيح واحد هو الكلمة المولود من الب وهو الذي اتخذ جسدا"‪.‬وأهّم ما جاء فيها‪" :‬اننا‬ ‫ن الكلمة صار واحدا مع الجسد‪ ،‬اذ اّتحد به اتحادا شخصيا‪ .‬فهذا القول ليس سوى كلم فارغ‪.‬أّما نسطوريوس فنفي الى ديره الّول قرب أنطاكية ثم الى احد أديرة صعيد‬ ‫مصر‪.‬‬ ‫ن العذراء القديسة قد ولدت بالجسد الله الذي‬ ‫أّما عن العذراء فتقول الرسالة‪" :‬بما أ ّ‬ ‫صار واحدا مع الجسد بحسب الطبيعة‪ ،‬فإننا ندعوها والدة الله"‪.‫البدعة النسطورية ليس بتعاليم نسطوريوس بل التفسير الذي اعطاه كيرلس لتلك‬ ‫التعاليم‪.‬وبعد سماعهم محضر جلسة ‪ 22‬حزيران‬ ‫وافقوا على كل ما جاء فيها وثّبتوا الحكم على نسطوريوس‪ .‬إ ّ‬ ‫كرسّيه‪ .‬وفي ‪22‬‬ ‫حزيران‪ ،‬إذ كان موعد افتتاح المجمع قد انقضى‪ ،‬دعا كيرلس السكندري الساقفة‬ ‫الحاضرين الى مباشرة اعمال المجمع‪ .‬ومن ثّم حرم المجمع‬ ‫يوحنا بطريرك انطاكية‪ .‬وإزاء هذا البلبال أمر المبراطور بإقفال المجمع وتوقيف‬ ‫ن كيرلس استطاع بعد بضعة اشهر العودة الى‬ ‫لأّ‬ ‫كيرلس ونسطوريوس معا‪ .‬ودعي نسطوريوس الى الحضور ثلث‬ ‫مرات‪ ،‬فرفض‪ .‬‬ ‫لقد رافقت هذا المجمع أحداث معّقدة‪ .‬‬ ‫‪ -2‬مجمع أفسس )‪(431‬‬ ‫مهما يكن من أمر تلك النظرة‪ ،‬فالزمة النسطورية أرغمت آباء الكنيسة على‬ ‫توضيح إيمانهم في وحدة الشخص في المسيح‪ .

‬واعيدت الوحدة سنة ‪ 433‬بعد أن تّم التفاق على قانون اليمان التالي‬ ‫ن ربنا‬ ‫الذي دعي بقانون الوحدة وهو من وضع لهوتي أنطاكية‪" :‬اننا نعترف بأ ّ‬ ‫يسوع المسيح‪ ،‬البن الوحيد ل‪ ،‬هو ال حق‪ ،‬وانسان حق مؤّلف من نفس عاقلة‬ ‫وجسد؛ وانه ولد من الب قبل كل الدهور بحسب الوهيته؛ وانه هو نفسه‪ ،‬في الزمنة‬ ‫الخيرة‪ ،‬ولد‪ ،‬لجلنا ولجل خلصنا‪ ،‬من مريم العذراء بحسب بشرّيته؛ وأنه مساٍو‬ ‫للب في الجوهر بحسب اللوهية‪ ،‬وكذلك مساٍو لنا بحسب البشرّية‪ .‬إ ّ‬ ‫كان يقول ان يسوع هو "طبيعة واحدة" مكّونة من عنصرين‪ ،‬عنصر الهي وعنصر‬ ‫انساني‪ ،‬أي ان يسوع هو "كائن فرد"‪" ،‬شخص واحد"‪ ،‬اله وانسان معا‪.‬‬ ‫ن ما رفضه مجمع أفسس هو أن يكون يسوع مجّرد انسان متحد بكلمة ال اتحاد‬ ‫إّ‬ ‫حرية واختيار‪ .‬‬ ‫قبل كيرلس هذا النص والعبارة الواردة فيه والتي تتكلم عن "التحاد من طبيعتين"‪.‬ولتبرير موقفه كان يستند الى عبارة استعملها القديس كيرلس‬ ‫السكندري‪" :‬الطبيعة الواحدة المتجسدة للله الكلمة"‪.‬فقد صار اتحاد‬ ‫ل بمسيح واحد وابن واحد ورب واحد‪ .‫بعد الحداث الليمة التي جرت في َأفسس ومّزقت الكنيسة‪ ،‬عمل يوحنا بطريرك‬ ‫أنطاكية مع بعض الساقفة على إعادة السلم الى الكنيسة ولسّيما بين أنطاكية‬ ‫والسكندرية‪ .‬‬ ‫ن انها من القديس اثناسيوس‬ ‫ن كيرلس كان يستعمل تلك العبارة التي ظ ّ‬ ‫ل شك أ ّ‬ ‫ل اّنه كان يعني بلفظة "طبيعة" الشخص الفرد‪ ،‬إذ‬ ‫وهي في الواقع من ابوليناريوس‪ .‬فهذه النظرة "تنقض سّر التجسد من أساسه"‪ ،‬كما كتب المجمع في‬ ‫ن التجسد ل يعني اتحادا خارجيا‬ ‫خلصة اعماله التي أرسلها الى البابا كلستينوس‪ .‬وبسبب هذا‬ ‫من طبيعتين؛ لذلك ل نعترف إ ّ‬ ‫ن الله‬ ‫ن العذراء القديسة هي والدة الله‪ ،‬ل ّ‬ ‫ي اختلط‪ ،‬نعترف بأ ّ‬ ‫التحاد المنزه عن أ ّ‬ ‫الكلمة قد صار جسدا‪ ،‬قد صار انسانا‪ ،‬واتحد‪ ،‬منذ‪ ،‬لحظة الحبل به‪ ،‬بالهيكل الذي‬ ‫أخذه منها"‪.‬‬ ‫‪116‬‬ .‬ل ّ‬ ‫ن الله الكلمة نفسه صار انسانا‪ ،‬اي اتخذ الى جانب طبيعته‬ ‫بين ال وانسان‪ ،‬بل ا ّ‬ ‫اللهية طبيعة بشرية دون دمج أو اختلط بين الطبيعتين‪.‬وسنة ‪ 448‬بدا أ ّ‬ ‫ن طبيعتي المسيح‪ ،‬الطبيعة اللهية والطبيعة النسانية‪ ،‬اتحدتا وصارتا بعد‬ ‫يقول ا ّ‬ ‫التجسد طبيعة واحدة‪ .‬‬ ‫هذا ما سيعالجه بوضوح المجمع الخلقيدوني في رّده على بدعة القائلين بالطبيعة‬ ‫الواحدة‪.‬‬ ‫ن بعضا من أتباعه رفضوا تلك العبارة‪ ،‬وهم الذين سيرفضون في ما بعد قرار‬ ‫لأّ‬ ‫إّ‬ ‫مجمع خلقيدونية وسيدعون "القائلين بالطبيعة الواحدة"‪.‬‬ ‫ب‪ -‬بدعة الطبيعة الواحدة في المسيح" )‪(Monophysisme‬‬ ‫‪ -1‬اوطيخا‬ ‫نشأت هذه البدعة مع اوطيخا الذي كان رئيس دير في القسطنطينية يضّم ثلث مئة‬ ‫ن تعليمه حول سّر التجسد كان مناقضا لليمان القويم‪ ،‬إذ‬ ‫راهب‪ .

‬‬ ‫وقد وافق كيرلس على استعمال تلك اللفظة في هذا المعنى بموافقته على قانون الوحدة‬ ‫سنة ‪ 433‬كما رأينا‪ .‬ففي هذا المعنى تتميز الطبيعة النسانية عن‬ ‫الطبيعة الحيوانية بخصائص محددة كالعقل والحرية‪ .‬فاتضاع النسان وسمو ال حاضران معا في علقة تبادل‪ .‬‬ ‫وهنا يتساءل المؤّرخون‪ :‬عندما كان أوطيخا يقول ان المسيح "طبيعة" واحدة بعد‬ ‫التجسد‪ ،‬فماذا كان يعني بلفظة "طبيعة"؟ فاذا كان يعني بها "الشخص"‪ ،‬على غرار‬ ‫كيرلس‪ ،‬يكون تعليمه قويًما؛ أما اذا كان يعني بها خصائص الشخص‪ ،‬فعندئذ يصبح‬ ‫تعليمه خاطًئا‪ ،‬لن الخصائص النسانية والخصائص اللهية في المسيح تبقى كما هي‬ ‫بعد تجسد الكلمة‪ ،‬وتنسب الى شخص واحد‪ ،‬كما رأينا في الزمة النسطورية‪.‬وليس في هذا التحاد اي‬ ‫ن الله ل‬ ‫خداع‪ .‬‬ ‫‪ -2‬مجمع اللصوص في أفسس )‪(449‬‬ ‫ن تعليمه مناقض لليمان القويم‪ .‬‬ ‫‪ -3‬مجمع خلقيدونية )‪(451‬‬ ‫سنة ‪ 450‬توفي المبراطور تيوذوسيوس وخلفه مركيانوس‪ ،‬فدعا الى مجمع‬ ‫جديد‪ .‬وسنة ‪ 451‬التأم في خلقيدونية المجمع المسكوني الرابع برئاسة موفدي البابا‬ ‫لون‪ .‬‬ ‫وللتعبير عن طبيعتي المسيح كان يستعمل لفظة التي تعني "العنصر" أو "الشيء"‪،‬‬ ‫أو لفظة التي تعني "القنوم" أو "الشخص"‪ ،‬وقد استعملها كيرلس بمعنى "الجوهر"‪.449‬وأهّم ما جاء في هذه الرسالة قول البابا عن‬ ‫طبيعتي المسيح‪" :‬ان الذي هو ال حق هو نفسه انسان حق‪ .‬فحرم هذا المجمع اوطيخا لتعاليمه الخاطئة وذيوسقورس لتصّرفه الشاذ في‬ ‫مجمع أفسس‪ ،‬وقرئت الرسالة التي كان البابا لون قد بعث بها الى فلبيانوس‬ ‫بطريرك القسطنطينية سنة ‪ .‫اما في لغة انطاكية والقسطنطينية فكانت لفظة "طبيعة" تعني الخصائص التي تحّدد‬ ‫الكائنات وتمّيزها بعضها عن بعض‪ .‬وكما أ ّ‬ ‫‪117‬‬ .‬وهذا ما نعنيه‬ ‫اليوم أيضًا بلفظة طبيعة‪ ،‬فنقول ان في المسيح طبيعتين‪ ،‬طبيعة الهية وطبيعة انسانية‪.‬وكذلك تتمّيز الطبيعة اللهية عن‬ ‫الطبيعة النسانية بالزلية والقدرة والتنزه عن اللم والفساد والموت‪ .‬أما في كتاباته السابقة فكانت لفظة "طبيعة" تعني الكائن الفرد‪.‬فهرب موفدو البابا‬ ‫لون حاملين رسائل الستدعاء من ضحايا هذا المجمع الذي دعي بحق "مجمع‬ ‫اللصوص"‪.‬فطلب اوطيخا الى المبراطور‬ ‫تيوذوسيوس أن يدعو الى مجمع للبحث في تعاليمه‪ ،‬فدعا المبراطور الى مجمع‬ ‫ن ذيوسقورس‪ ،‬الذي كان قد انتخب اسقفا‬ ‫لأّ‬ ‫مسكوني عقد في َأفسس سنة ‪ .‬لذلك‬ ‫مهما يكن من أمر اوطيخا ونواياه‪ ،‬فقد بدا أ ّ‬ ‫حرمه سنة ‪ 449‬فلبيانوس بطريرك القسطنطينية‪ .449‬إ ّ‬ ‫على السكندرية سنة ‪ 444‬بعد وفاة كيرلس‪ ،‬ترأس المجمع‪ ،‬وبمؤازرة اساقفة مصر‬ ‫صبين وضربات عصّيهم‪ ،‬فرض رأيه على جميع‬ ‫وقوة سواعد زمرة من الرهبان المتع ّ‬ ‫آباء المجمع‪ ،‬وكان عددهم ‪ ،135‬وبّرر اوطيخا من كل الّتهم التي ألصقت به‪ ،‬وحرم‬ ‫بعض مناوئيه من الساقفة‪ ،‬ولسّيَما فلبيانوس بطريرك القسطنطينية الذي توفي بعد‬ ‫ثلثة ايام متأثرا بجراح الضربات التي انهالت عليه في المجمع‪ .

‬واحد هو‪ ،‬وهو نفسه ‪-‬وهذا ما يجب ترداده مرارا‪-‬‬ ‫حقا ابن ال وحقا ابن النسان‪ .‬إّنه مساٍو للب في اللوهية ومساٍو لنا في البشرية‪ ،‬شبيه بنا في‬ ‫كل شيء ما خل الخطيئة‪ .‬فولدة الجسد هي ظهور الطبيعة البشرية‪،‬‬ ‫والولدة من عذراء هي علمة القدرة اللهية"‪.‬ثم أعلنوا تحديدهم للعقيدة القويمة‪ .‬فانه من الكفر القول بأ ّ‬ ‫سد ليس فيه سوى طبيعة واحدة"‪.‫ن كلتا‬ ‫يتغّير عندما يتحنن على الجموع‪ ،‬كذلك النسان ل يذوب في الكرامة اللهية‪ .‬إني اتعجب من ان هذا العتراف الفاسد والقول الكافر لم يشجبه احد‬ ‫ن ابن ال الوحيد كان مؤلفا قبل التجسد من طبيعتين؛‬ ‫منكم‪ .‬‬ ‫ل عن ذلك كفرا القول الخر انه بعد التج ّ‬ ‫ول يق ّ‬ ‫وافق آباء المجمع على رسالة البابا لون هاتفين‪" :‬هذا هو إيمان الرسل‪ ،‬هكذا كلنا‬ ‫نؤمن‪ ،‬وهكذا يؤمن المستقيمو الرأي‪ ،".‬هو‬ ‫اله لنه "به كّون كل شيء‪ ،‬وبدونه لم يكن شيء واحد مّما كّون"‪ ،‬وهو انسان لنه‬ ‫"مولود من امرأة‪ ،‬مولود تحت الناموس"‪ .‬فهو ال لنه "في البدء كان الكلمة‪ ،‬والكلمة كان عند‬ ‫ال‪ ،‬وكان الكلمة ال"‪ ،‬وهو انسان "لن الكلمة صار جسدا وسكن في ما بيننا"‪ ..‬‬ ‫ثم تتابع الرسالة‪" :‬وبسبب وحدة الشخص هذه التي تجمع بين الطبيعتين نقول ان‬ ‫ابن النسان نزل من السماء‪ ،‬عندما نتكلم عن اتخاذ ابن ال جسدا من العذراء التي‬ ‫ولد منها‪ .‬احدهما يشرق بالعجائب والخر يخضع‬ ‫جه اليه‪ ..‬وعلى العكس من ذلك نقول ان ابن ال صلب ودفن‪ ،‬بينما لم يتعّذب في‬ ‫الوهيته نفسها ‪-‬تلك اللوهية التي بها ولد من ال منذ الزل وبها هو مساٍو للب في‬ ‫الجوهر‪ -‬انما في ضعف الطبيعة البشرية‪ .‬قبل كل الدهور ولد من الب بحسب اللوهية‪ ،‬وفي اليام‬ ‫الخيرة هو نفسه‪ ،‬لجلنا ولجل خلصنا‪ ،‬ولد من مريم العذراء والدة الله‪ ،‬بحسب‬ ‫البشرية‪ ..‬وأهم ما‬ ‫سك باتباع الباء القديسين في العتراف بمن هو واحد‬ ‫جاء في هذا التحديد‪" :‬اننا نتم ّ‬ ‫وهو نفسه البن )ابن ال( وربنا يسوع المسيح‪ .‬لهذا السبب نعلن في قانون اليمان‬ ‫ونعترف ان ابن ال الوحيد صلب ودفن"‪.‬فالكلمة يعمل ما هو خاص‬ ‫بالكلمة‪ ،‬والجسد يحّقق ما هو خاص بالجسد‪ ..‬فا ّ‬ ‫الطبيعتين تعمل‪ ،‬بالتحاد مع الخرى‪ ،‬ما هو خاص بها‪ .‬‬ ‫ن اتحاد الطبيعتين لم ُيزل ولم ُيلغ بأي شكل من الشكال ما فيهما من تباين‪ ،‬بل‬ ‫"ا ّ‬ ‫حفظت سالمة جميع خصائص الطبيعتين اللتين اتحدتا في‬ ‫على العكس من ذلك‪ ،‬قد ُ‬ ‫‪118‬‬ .‬‬ ‫أّما عن اوطيخا فيقول البابا في رسالته‪" :‬ان اوطيخا قد أجاب على سؤالكم بقوله‪:‬‬ ‫ن ربنا مؤّلف من طبيعتين قبل التجسد‪ ،‬أّما بعد التجسد فل أقّر ال‬ ‫اني اعترف بأ ّ‬ ‫بطبيعة واحدة‪ .‬وكما أن الكلمة لم ينفصل عن مساواة مجد الب‪ ،‬كذلك‬ ‫للساءات التي تو ّ‬ ‫الجسد لم يفارق طبيعتنا البشرية‪ .‬وبصوت واحد مّتفق نعلن أنه هو‬ ‫نفسه تاّم في اللوهية وتاّم في البشرية‪ ،‬ال حق وانسان حق‪ ،‬وهو نفسه مكّون من‬ ‫نفس عاقلة وجسد‪ .‬واحد هو‪ ،‬وهو نفسه المسيح‪ ،‬البن الوحيد‪ ،‬الرب‪ ،‬الذي يجب العتراف به‬ ‫في طبيعتين متحدتين دون اختلط ول تحّول ول انقسام ول انفصال‪.

.‬فالمفاهيم‬ ‫سك به‪:‬‬ ‫الفلسفية كان ل بّد منها لتوضيح جوهر العقيدة‪ .‬‬ ‫"هكذا تكّلم عنه النبياء قديًما‪ ،‬وهكذا عّلمنا يسوع نفسه‪ ،‬وهذا ما سّلمنا اياه الباء‬ ‫في قانون اليمان"‪.‬فابن ال صار انسانا وأخذ كل شيء من الطبيعة‬ ‫البشرية‪ ،‬ما خل الخطيئة‪ ،‬دون ان يتغّير شيء في ألوهيته‪.‬‬ ‫سد كما عّبر عنها مجمع خلقيدونية بتعابير فلسفية‪ ،‬بينما اكتفى‬ ‫تلك هي عقيدة التج ّ‬ ‫العهد الجديد باظهار يسوع انسانا تاما وابن ال الكائن منذ الزل مع ال‪ .325‬وقد‬ ‫أّكدوا أمرين هاّمين في ما يتعّلق بشخص يسوع المسيح‪ :‬المر الول هو وحدة‬ ‫الشخص في المسيح‪ ،‬وهذا هو معنى العبارة التي ترد عّدة مّرات في النص‪" :‬واحد‬ ‫هو‪ ،‬وهو نفسه‪".‫شخص واحد وأقنوم واحد‪ .‬ال أنه يسخذ أيضا طبيعة بشرية‪،‬‬ ‫فيصبح شخصا واحدا بطبيعتين‪.‬‬ ‫بهذه الكلمات اوضح آباء خلقيدونية ما جاء في قانون إيمان نيقية سنة ‪ .‬‬ ‫كيف يمكن ان يكون شخص واحد بطبيعتين؟‬ ‫ل بّد أّول من إدراك الفرق بين الطبيعة والشخص‪ ..‬والمر الثاني هو محافظة كل من الطبيعتين على‬ ‫خصائصها في وحدة الشخص‪ ..‬أّما بعد التج ّ‬ ‫فيبقى الشخص هو نفسه‪ ،‬وطبيعته اللهية ل تتغّير‪ .‬وهو لم ينقسم ولم ينفصل الى شخصين‪ ،‬بل واحد هو‪،‬‬ ‫وهو نفسه البن الوحيد‪ ،‬الله الكلمة‪ ،‬الرب يسوع المسيح‪.‬‬ ‫‪119‬‬ .‬فالطبيعة هي الجواب على‬ ‫السؤال الذي نطرحه أمام كل كائن‪" :‬ما هذا؟"‪ ،‬فنقول‪ :‬هذا إله‪ ،‬هذا إنسان‪ ،‬هذا‬ ‫ل من الكائنات طبيعته الخاصة التي يتمّيز بها عن غيره‪.‬ول وجود ل ّ‬ ‫بشرية‪.‬؛ فيسوع المسيح هو شخص واحد‪ ،‬وهذا الشخص هو نفسه كلمة‬ ‫ال‪ ،‬القنوم الثاني من الثالوث القدس‪ ،‬ابن ال المولود من الب قبل كل الدهور‪ ،‬وقد‬ ‫ولد من مريم العذراء في الجسد‪ .‬وهذا الشخص هو‪ ،‬قبل التج ّ‬ ‫سد‬ ‫معنى لفظة أقنوم( في الطبيعة اللهية الواحدة مع الب والروح القدس‪ ..‬‬ ‫ن الطبيعة البشرية منفتحة لتقّبل الشخص البشري وتقّبل عدد ل يحصى من‬ ‫وهكذا فإ ّ‬ ‫ي شخص بشري قبل بروزه الى الوجود بطبيعة‬ ‫الشخاص البشرية‪ .‬‬ ‫حيوان‪ ،‬هذا نبات‪ .‬‬ ‫أّما في المسيح فالطبيعة البشرية يتقّبلها شخص موجود منذ الزل هو شخص ابن‬ ‫سد‪ ،‬شخص قائم )وهذا‬ ‫ال الكائن منذ الزل مع الب‪ .‬وهذا الجوهر هو ما يجب التم ّ‬ ‫ل أنه ليس مجّرد‬ ‫فيسوع المسيح هو انسان شبيه بنا في كل شيء ما خل الخطيئة‪ ،‬إ ّ‬ ‫انسان تبّناه ال‪ ،‬كما قال بولس السميساطي‪ ،‬ول إلًها أدنى كما قال آريوس‪.‬ولك ّ‬ ‫والطبيعة ل يمكن ان تقوم في الوجود دون شخص أو فرد يحملها؛ لذلك هي منفتحة‬ ‫لتقّبل الشخاص‪ .‬وانفتاح الطبيعة هذا أمر ل بّد منه لكي تبرز الكائنات الى الوجود‪.

‬‬ ‫وانسان تام وا ّ‬ ‫وقد تحاشى النص استعمال لفظة "الطبيعتين"‪ ،‬التي نشأ بسببها الشقاق‪ ،‬فلم يتكلم عن‬ ‫‪120‬‬ .‬إّنها تشفع فينا‪ .‬هو الله الزلي وغير المنظور قد أصبح منظورا في الجسد‬ ‫آخذا صورة عبد‪ ،‬وبقيت فيه سالمة جميع خصائص اللوهية وجميع خصائص‬ ‫البشرية‪ ،‬متحدة معا اتحادا حقيقيا كامل غير منقسم ول منفصل‪.‬وقد تبّين بعد‬ ‫لأّ‬ ‫إّ‬ ‫خمسة عشر قرنا أن الخلف بين تلك الكنائس والكنائس التي تبعت مجمع خلقيدونية‪،‬‬ ‫كالكنيسة الرومانية والكنيسة البيزنطية والكنيسة الملكية‪ ،‬لم يكن خلفا على العقيدة بل‬ ‫جَمَع لهوتيين من مختلف تلك الكنائس‬ ‫على اللفاظ‪ .‬والوهيته لم تنفصل عن بشريته لحظة واحدة حتى‬ ‫ول زهاء طرفة عين‪ .‬وعقب هذا اللقاء الخير الذي تّم في ‪ 10‬أيار ‪،1973‬‬ ‫ن ربنا والهنا ومخلصنا وملكنا‬ ‫وّقع المجتمعان بيانا مشتركا جاء فيه‪" :‬اننا نعترف بأ ّ‬ ‫جميعا‪ ،‬يسوع المسيح‪ ،‬هو ال تام من حيث ألوهيته وانسان تام من حيث بشريته‪.‬فبعض الكنائس الشرقية‪،‬‬ ‫السريانية والرمنية والقبطية‪ ،‬رفضت تحديد هذا المجمع اذ رأت في تلك العبارة‬ ‫سكة‬ ‫عودة الى النسطورية التي تعتقد بوجود "شخصين في المسيح"‪ ،‬وبقيت متم ّ‬ ‫بعبارة القديس كيرلس‪" :‬الطبيعة الواحدة المتجسدة للله الكلمة"؛ ولذلك دعيت‬ ‫بالكنائس "القائلة بالطبيعة الواحدة" )‪(Monophysites‬‬ ‫ك في أّنه كان في تلك الكنائس متطّرفون يعتقدون بطبيعة واحدة في المسيح‪،‬‬ ‫لشّ‬ ‫ن السواد العظم من الساقفة واللهوتيين فيها كان إيمانه قويًما‪ .‬فيسوع المسيح النسان هو نفسه ابن ال وكلمته الذي صار انسانا ليرفع‬ ‫النسان الى ال‪ .‬انه عمانوئيل‪ ،‬أي ال‪-‬معنا‪ ،‬وحضور ال في ما بيننا‪ ،‬فيه التزم ال‬ ‫التزاما نهائيا حياة البشر ليسير بها الى التأّله‪.‬‬ ‫والوهيته متحدة فيه ببشريته اتحادا حقيقيا كامل دون امتزاج ول اختلط ول تشّوش‬ ‫ول تغّير ول انقسام ول انفصال‪ .‬‬ ‫ن يسوع هو ال تام‬ ‫يظهر بوضوح من خلل هذا النص التفاق الجوهري على أ ّ‬ ‫ن الوهيته وبشريته قد اتحدتا فيه دون ان تفقدا شيًئا من خصائصهما‪.‬وقد ُأعلن ذلك في لقاء مسكوني َ‬ ‫ولهوتيين من الكنيسة الكاثوليكية الرومانية في فيينة عاصمة النمسة سنة ‪،1970‬‬ ‫كما ْأعلن رسميا في لقاءين هامين تّما‪ ،‬الّول بين البابا بولس السادس والبطريرك‬ ‫اغناطيوس يعقوب الثالث‪ ،‬والثاني بين البابا بولس السادس والبابا شنودا الثالث‬ ‫بطريرك القباط الرثوذكس‪ .‬وبما أنها والدة الله‪ ،‬فاّنها تفوق كرامة جميع طغمات‬ ‫الملئكة"‪.‬‬ ‫"واننا نكّرم مريم العذراء أم النور الحقيقي‪ ،‬ونعترف بأنها والدة الله والعذراء‬ ‫الدائمة البتولية‪ .‫لسنا هنا إزاء أساطير هي من نسج الخيال‪ ،‬إنما ازاء سّر محبة ال التي ل تدرك‬ ‫أبعادها‪ .‬هكذا أحب ال العالم حتى انه أرسل ابنه الوحيد الى العالم ليشرك العالم في‬ ‫حياته اللهية‪ .‬‬ ‫‪ -4‬الكنائس غير الخلقيدونية‬ ‫ل أّنه لم يفلح في جمع الكنائس‬ ‫لقد عمل مجمع خلقيدونية على توضيح العقيدة‪ ،‬إ ّ‬ ‫حولها‪ ،‬بسبب استعماله عبارة "الطبيعتين في المسيح"‪ .

‫"الطبيعة اللهية والطبيعة البشرية في المسيح"‪ ،‬بل عن الوهية المسيح وبشريته‪ ،‬وفي‬ ‫ترجمة أخرى‪ ،‬عن لهوت المسيح وناسوته‪ .‬وهذا في الواقع ما كان يعنيه مجمع‬ ‫خلقيدونية بلفظة "الطبيعتين"‪ .‬فبَما أ ّ‬ ‫بّد ان يكون له قّوتان فاعلتان‪ ،‬قوة الهية بها يعمل العمال اللهية وقوة انسانية بها‬ ‫يعمل العمال النسانية‪.‬فارتأى سرجيوس ان يعيد الوحدة معها حول عبارة "الفعل الواحد‬ ‫للمسيح"‪ ،‬أو‪ ،‬بصيغة أخرى‪" ،‬القوة الفاعلة الواحدة للمسيح"‪ .‬‬ ‫ج‪ -‬بدعة "المشيئة الواحدة في المسيح" )‪(Monothélisme‬‬ ‫‪ -1‬مبادرة سرجيوس‬ ‫في بداية القرن السابع كانت المبراطورية البيزنطية مهّددة من كل صوب بخطر‬ ‫اجتياح الفرس ثم العرب‪ .‬اننا نقّر بتواضع انه ليس بوسع كنائسنا ان تشهد‬ ‫شهادة اكمل لتلك الحياة الجديدة في المسيح‪ ،‬بسبب النقسامات الحالية التي ل تزال‬ ‫تحمل ثقل اجيال من التاريخ العصيب‪ .‬وهذا ما سيرفضه‬ ‫ن القوة الفاعلة في النسان مرتبطة ل بالشخص‪ ،‬كما رأى‬ ‫اليمان القويم الذي سيحّدد ا ّ‬ ‫ن في المسيح طبيعتين‪ ،‬طبيعة الهية وطبيعة انسانية‪ ،‬ل‬ ‫سرجيوس‪ ،‬بل بالطبيعة‪ .‬‬ ‫‪121‬‬ .‬لذلك أطلق على نظريته اسم "بدعة الفعل الواحد" )‬ ‫‪(Monoénergisme‬‬ ‫ففي رأي سرجيوس ان المسيح‪ ،‬لكونه شخصا واحدا‪ ،‬جميع اعماله اللهية‬ ‫والنسانية صادرة عن فعل واحد أو عن قوة فاعلة واحدة فيه‪ .‬غير‬ ‫س لها ميراث مشترك‪ ،‬ونعمل جاهدين‪،‬‬ ‫أننا‪ ،‬بالرغم منها‪ ،‬نكتشف ذواتنا من جديد كنائ َ‬ ‫بتصميم وثقة بالرب‪ ،‬للوصول الى الملء والكمال من تلك الوحدة التي هي هبة منه"‪.‬فجمع أفسس حدد‬ ‫ن فيه‬ ‫ن يسوع شخص واحد ل شخصان‪ ،‬ومجمع خلقيدونية حدد أ ّ‬ ‫ضد النسطورية ا ّ‬ ‫طبيعتين‪ .‬فالكنائس التي رفضت قرار خلقيدونية رفضته لنها رأت فيه عودة الى‬ ‫النسطورية‪ .‬فمن حيث العقيدة لم يعد أ ّ‬ ‫الكاثوليكية والرثوذكسية الخلقيدونية‪.‬وهذه الخلفات ل يمكن تجاهلها‪ .‬‬ ‫ن استعادة الوحدة الكاملة بين كل تلك الكنائس يلزمها بعض الوقت‪ ،‬كما جاء‬ ‫لأّ‬ ‫إّ‬ ‫في ختام هذا البيان المشترك‪" :.‬لذلك لم تعد اليوم الكنائس التي رفضت مجمع‬ ‫خلقيدونية تدعى بالكنائس "القائلة بالطبيعة الواحدة"‪ ،‬بل فقط بالكنائس غير‬ ‫ي داع لبقاء النقسام بين تلك الكنائس والكنائس‬ ‫الخلقيدونية‪ .‬وقد استعمل اللفظة‬ ‫اليونانية التي تعني "فعل الشخص" أو "القوة الفاعلة فيه" أو "القوة التي بها يفعل‬ ‫جميع افعاله"‪ .‬فاقترح البطريرك على المبراطور عبارة‬ ‫لهوتية جديدة ظن أنها تستطيع اعادة الوحدة بين شطري الكنيسة‪ .‬فمنذ سنة ‪ 451‬بعد المسيح برزت خلفات‬ ‫لهوتية غّذتها وأثقلتا عناصر غير لهوتية‪ .‬وأدرك هرقل المبراطور وسرجيوس بطريرك القسطنطينية‬ ‫ضرورة توحيد المسيحيين في جميع أقاليم المبراطورية على الصعيدين السياسي‬ ‫والديني‪ ،‬إذ كانت الكنيسة مقسومة شطرين من حين رفض جزء من كنائس الشرق‪،‬‬ ‫كما رأينا‪ ،‬قرارات مجمع خلقيدونية‪ .

‬لهذا السبب‪ ،‬يقول البيان‪ ،‬نقّر ونعترف‬ ‫بمشيئة واحدة في ربنا يسوع المسيح الله الحقيقي‪ ،‬بحيث انه لم يحدث مرة واحدة ا ّ‬ ‫ن‬ ‫جسده الذي تحييه نفس عاقلة تبع ميله الطبيعي وعمل ما يناقض رغبة الله الكلمة‬ ‫‪122‬‬ .634‬عندئذ‬ ‫سد‪ ،‬وبعث بها‬ ‫كتب رسالة أوجز فيها كل العقيدة المسيحية في الثالوث القدس والتج ّ‬ ‫الى هونوريوس بابا رومة والى البطاركة الشرقيين‪ .‬ثم يضيف البند‪" :‬ان‬ ‫المسيح الواحد نفسه قد عمل العمال اللهية والعمال النسانية بفعل واحد الهي‪-‬‬ ‫انساني"‪.‬إ ّ‬ ‫ن المسيح واحد وهو‬ ‫بانسجام في العمل دون انقسام‪ ،‬وفي الوقت نفسه دون اختلط‪ ،‬ل ّ‬ ‫نفسه يقوم بالعمال اللهية والنسانية‪.‬وين ّ‬ ‫إّنما نعني بذلك أّنه هو نفسه تام في اللوهية وتام في البشرية"‪ .‬ويختم بقوله إ ّ‬ ‫بطبيعتين لكل منهما فعلها الخاص الذي به تعمل العمال المناسبة لها‪ .‬ل ّ‬ ‫‪ -3‬جواب صفرونيوس‬ ‫نمى خبر تلك المداولت الى راهب يدعى صفرونيوس كان قيم في أحد اديرة بيت‬ ‫ن الفعل‬ ‫لحم وله من العمر ثمانون سنة‪ ،‬فرأى فيها تعاليم مناقضة لمجمع خلقيدونية‪ ،‬ل ّ‬ ‫ل كائن يعمل بحسب طبيعته‪ ،‬وبما أن للمسيح‬ ‫مرتبط بالطبيعة ل بالشخص‪ ،‬وك ّ‬ ‫طبيعتين فل بّد أن يكون له أيضًا قّوتان يعمل بهما‪ .‬فعاد الى فلسطين فانتخب بطريركا على اورشليم سنة ‪ .‬وكما اننا ل نرى تناقضا بين كونه الها وكونه هو نفسه انسانا‪ ،‬كذلك يجب‬ ‫ن المسيح‬ ‫ال نرى تناقضا بين اعماله اللهية واعماله النسانية‪ .‬ومما جاء في جوابه‪:‬‬ ‫"ان المسيح الواحد نفسه هو الذي يعمل العمال اللهية والعمال النسانية بفعل‬ ‫ن كل فعل الهي وانساني ينبثق من واحد هو نفسه الكلمة المتجسد"‪.‬فسافر الى السكندرية وارتجى‬ ‫س أن يعدل عن هذا التعليم الجديد فلم يقتنع‪ .‫‪ -2‬صيغة الوحدة )‪(633‬‬ ‫سنة ‪ 631‬عّين المبراطور السقف كيروس بطريركا على السكندرية‪ ،‬فعقد هذا‬ ‫فيها سنة ‪ 633‬مجمعا محّليا تّم التفاق فيه على صيغة تعيد الوحدة الى الكنائس‬ ‫ص البند السابع من تلك الصيغة أّنه "يمكننا اعتبار المسيح بطبيعتين‪،‬‬ ‫المنقسمة‪ .‬وفي تلك الرسالة يبّين‬ ‫ن يسوع هو شخص واحد وهو نفسه يقوم بالعمال اللهية والعمال‬ ‫صفرونيوس ا ّ‬ ‫النسانية‪ .‬فالفعل اللهي‬ ‫ن ذلك يتّم‬ ‫لاّ‬ ‫يعمل العمال اللهية‪ ،‬والفعل النساني يعمل العمال النسانّية‪ .‬وقصد القسطنطينية وحاول عبثا‬ ‫كيرو َ‬ ‫اقناع سرجيوس‪ .‬فالقول‬ ‫في المسيح‪ ،‬ويح ّ‬ ‫بالفعل الواحد ينتج منه انكار الطبيعتين‪ ،‬والقول بالفعلين يقود الى العتقاد بوجود‬ ‫ارادتين متناقضتين في المسيح الواحد‪" .‬‬ ‫وأرسلت هذه الصيغة الى سرجيوس‪ ،‬فأجاب بالموافقة عليها‪ .‬‬ ‫واحد‪ .‬‬ ‫‪" -4‬المشيئة الواحدة" وتفاقم الزمة‬ ‫سنة ‪ 638‬عّلق المبراطور هرقل في كنيسة آجيا صوفيا في القسطنطينية بيانا‬ ‫عقائديا كتبه البطريرك سرجيوس بمؤازرة معاونه بيروس‪ ،‬وفيه يوجز اليمان القويم‬ ‫ظر استعمال عبارتي "الفعل الواحد" و"الفعلين" في المسيح‪ .

‬وترأس البابا نفسه المجمع واعلن أنه كما ا ّ‬ ‫المسيح طبيعتين كذلك فيه مشيئتان‪ ،‬مشيئة الهية ومشيئة انسانية‪ ،‬وفعلن‪ ،‬فعل الهي‬ ‫وفعل انساني‪.‬‬ ‫ظر فيه التكلم عن‬ ‫سنة ‪ 648‬أصدر المبراطور قسطنديوس الثاني قرارا عقائديا يح ّ‬ ‫هذا الموضوع مكتفًيا بأقوال الكتاب المقّدس وقرارات المجامع المسكونية السابقة‪.‬‬ ‫حد الكنيسة فخلق أزمة جديدة أحدثت بلبلة دامت زهاء نصف‬ ‫اراد سرجيوس ان يو ّ‬ ‫قرن حتى المجمع المسكوني السادس الذي عقد في القسطنطينية سنة ‪ .‫الذي كان متحدا به اتحادا جوهريا‪ ،‬بل انه عمل دوما ما اراده الله الكلمة نفسه ومتى‬ ‫اراده ومثلما اراده"‪.‬وصلت‬ ‫الرسالة الى رومة بعد انتخاب البابا اغاثوس سنة ‪ ،679‬فأراد البابا استشارة اساقفة‬ ‫الغرب في الموضوع‪ ،‬فعقد سنة ‪ 680‬مجمعا في رومة اشترك فيه ‪ 125‬أسقفا‬ ‫أعلنوا ايمانهم بالطبيعتين والمشيئتين والفعلين في المسيح الواحد‪.662‬‬ ‫سنة ‪ 678‬بعث المبراطور الجديد قسطنطين الرابع برسالة الى بابا رومة يطلب‬ ‫إليه ارسال مندوبين من قبله الى القسطنطينية للتداول في أمر المشيئتين‪ .‬‬ ‫سنة ‪ 649‬عقد البابا مرتينوس المنتخب حديثا مجمعا في كنيسة اللتران في رومة‪،‬‬ ‫غير آبه لقرار المبراطور‪ .‬حضر المجمع ‪ 105‬أساقفة معظمهم من ايطالية وصقّلية‬ ‫ن في‬ ‫وسردينية وبعضهم من أفريقية‪ .‬‬ ‫‪ -5‬المجمع المسكوني السادس )‪(681‬‬ ‫‪123‬‬ .‬‬ ‫سنة ‪ 653‬أمر المبراطور بتوقيف البابا‪ ،‬فقبض عليه ونفاه الى القسطنطينية ثم‬ ‫الى بلد القرم حيث توفي سنة ‪ .655‬وقبض أيضًا على الراهب اللهوتي مكسيموس‬ ‫المعترف الذي دافع دفاعا مستميتا عن عقيدة المشيئتين في المسيح‪ ،‬ونفاه الى القفقاز‬ ‫هو واثنين من تلميذه‪ ،‬فتوفي هناك سنة ‪.‬‬ ‫سنة ‪ 647‬اعلن بولس‪ ،‬بطريرك القسطنطينية الجديد‪ ،‬ايمانه بمشيئة واحدة في‬ ‫المسيح‪.681‬ونكتفي‬ ‫هنا بذكر المراحل الهاّمة التي مرت بها تلك الزمة‪:‬‬ ‫سنة ‪ 640‬توفي البابا هونوريوس وخلفه يوحنا الرابع‪ ،‬فعقد مجمعا في رومة‬ ‫وحرم بدعة "المشيئة الواحدة"‪.‬‬ ‫سر له موضوع البيان‪ ،‬فأجاب البابا‬ ‫ثم كتب سرجيوس الى البابا هونوريوس يف ّ‬ ‫بالموافقة على كل ما جاء فيه‪.

‫عقد هذا المجمع في القسطنطينية سنة ‪ 681‬واعلن بشكل رسمي عقيدة المشيئتين‬ ‫في المسيح‪:‬‬ ‫"نصّرح ان في المسيح مشيئتين طبيعّيتين وفعلين طبيعّيين بل انقسام أو تحول أو‬ ‫انفصال أو اختلط‪ ،‬كما جاء في تعليم الباء القديسين‪ ..‬‬ ‫‪ -6‬أهمية هذا الموضوع‬ ‫قد يتساءل المرء لماذا أثيرت تلك الضجة وعقدت المجامع المحلية والمسكونية‬ ‫واستشهد القديسون‪ ،‬والمر يبدو لنا اليوم وكأنه ل أهمية له؟ ألم يكن من الفضل‪ ،‬كما‬ ‫قال البابا هونوريوس في رسالته الى سرجيوس‪" ،‬تحاشي التحدث عن مسألة "الفعل‬ ‫والفعلين"‪ ،‬وترك الموضوع لساتذة علم القواعد والفلسفة الذين ل عمل لهم سوى‬ ‫مناقشة أمور وهمية‪ .‬وان اجتمعت الطبيعتان معا‪ ،‬فكل طبيعة منهما تشاء وتعمل ما تخت ّ‬ ‫بدون انقسام ول اختلط ول امتزاج‪ .‬‬ ‫جد فعلين طبيعّيين في ربنا يسوع المسيح الهنا الحقيقي نفسه‪ ،‬فعلين غير‬ ‫"واننا نم ّ‬ ‫منقسمين وغير متحدين وغير مختلطين وغير منفصلين‪ ..‬فالسؤال المطروح مرتبط بمفهوم الطبيعة‬ ‫سد‪ ،‬وفيها افتدى الجنس البشري‪ .‬ولذلك نعترف بمشيئتين وفعلين مّتفقين احسن‬ ‫اتفاق لخلص الجنس البشري"‪.‬أي ا ّ‬ ‫طبيعة تعمل‪ ،‬بالشتراك مع الخرى‪ ،‬ما تخت ّ‬ ‫ص به الجسد"‪ ،‬لننا ل تسّلم بعمل طبيعي واحد في ال‬ ‫الكلمة‪ ،‬والجسد يعمل ما يخت ّ‬ ‫ط من قدر مجد‬ ‫وفي المخلوق‪ ،‬كما اننا ل نرفع الى الجوهر اللهي ما قد خلق‪ ،‬ول نح ّ‬ ‫الطبيعة اللهية الى درجة معادلة للمخلوق‪.‬فمشيئته البشرية تخضع‬ ‫بدون مقاومة او تلّكؤ للمشيئة اللهية الكلية القدرة‪.‬‬ ‫متعلق اًذا بسّري التج ّ‬ ‫سد‬ ‫المشيئة البشرية والتج ّ‬ ‫ن المسيح لم يكن له سوى مشيئة واحدة هي المشيئة اللهية‪ ،‬فهذا يعني ان‬ ‫إن قلنا ا ّ‬ ‫سده طبيعة بشرية ناقصة‪ .‬‬ ‫ليس المر على هذا القدر من البساطة‪ .‬وهاتان المشيئتان ل تعارض‬ ‫احداهما الخرى‪ ،‬كما يزعم باصرار المبتدعون الجاحدون‪ .‬وحسبنا القرار بأ ّ‬ ‫يعمل في طبيعته اللهية وطبيعته النسانية؟"‪.‬نعني بذلك فعل الهيا وفعل‬ ‫بشريا كما يقول الواعظ اللهي لون مؤّكدا بكل صراحة وعلى النحو التالي‪" :‬ان كل‬ ‫ص به‬ ‫ن الكلمة يعمل ما يخت ّ‬ ‫ص به‪ .‬اما تلميذ الصياد بطرس فيجدر بهم ال ينجّروا الى تلك‬ ‫ن ربنا يسوع المسيح هو شخص واحد وهو نفسه الذي‬ ‫الوهام‪ .‬‬ ‫"اننا نعترف بصدور العجائب واللم عن الشخص الواحد نفسه‪ ،‬ولكننا نعترف‬ ‫بأّنها إّما لهذه الطبيعة وإّما للطبيعة الخرى‪ ،‬وهو كائن بكلتيهما‪ ،‬كما يقول كيرلس‬ ‫ص به‪،‬‬ ‫بحق‪ .‬وبهذا القول نسقط في بدعة مماثلة لبدعة‬ ‫الكلمة اتخذ بتج ّ‬ ‫‪124‬‬ .‬فالموضوع‬ ‫البشرية التي اتخذها الله الكلمة حين تج ّ‬ ‫سد والفداء‪...

‬وفي كلتا البدعتين انقاص لبشرية المسيح وافساد لمعنى التج ّ‬ ‫يقال ان الكلمة صار انسانا دون ارادة انسانية وحرية انسانية‪.‬‬ ‫ن في يسوع طبيعتين تاّمتين‬ ‫هذا ما نستنتجه من تحديد المجامع المسكونية أ ّ‬ ‫ومشيئتين تاّمتين‪ .‬فهو "ابن ال الوحيد‪ ،‬المولود‬ ‫من الب قبل كل الدهور‪ ،‬نور من نور‪ ،‬ال حق من ال حق‪ ،‬مولود غير مخلوق‪،‬‬ ‫مساو للب في الجوهر"‪.‬‬ ‫ن التأليه ل يعني الستعاضة عن‬ ‫ن الهدف من التجسد والفداء هو تأليه النسان‪ ،‬لك ّ‬ ‫اّ‬ ‫عمل النسان بعمل ال ول عن حرية النسان بحرية ال ول عن إرادة النسان بإرادة‬ ‫ال‪ ،‬بل يعني تجديد طبيعة النسان وارادته ليتجاوب بملء حريته مع نعمة ال التي‬ ‫تعمل فيه‪.‬فلقد اعتقد هذا ا ّ‬ ‫والقائلون بالمشيئة الواحدة يعتقدون ان الكلمة اتخذ جسدا ونفسا بشرية تنقصها الرادة‬ ‫ح ان‬ ‫سد‪ .‬ل ش ّ‬ ‫ن هذا العمل لم يتّم خارج ارادة النسان بل في‬ ‫لأّ‬ ‫تاريخ البشر واعلن محبته للعالم‪ ،‬إ ّ‬ ‫ارادة النسان يسوع المسيح ممثل البشرية كّلها‪.‬‬ ‫ن القول بالمشيئتين في المسيح يعني الخلف‬ ‫اما تخّوف مؤّيدي المشيئة الواحدة من أ ّ‬ ‫ن الخلف‬ ‫بين هاتين المشيئتين‪ ،‬فقد أجاب عليه القديس مكسيموس المعترف بقوله ا ّ‬ ‫ل بسبب خطيئة النسان؛ أما المسيح فطبيعته‬ ‫بين ارادة النسان وارادة ال ل يحدث إ ّ‬ ‫البشرية كانت كاملة ومقّدسة بسبب اتحادها بالطبيعة اللهية‪ .‬فكل شيء في هذا‬ ‫ن تأليه النسان ل يمكن ان يتّم‬ ‫العمل هو من ال وكل شيء هو من النسان‪ .‬‬ ‫‪125‬‬ .‬‬ ‫ابوليناريوس‪ .‬فكما ان الحديد‪ ،‬عندما‬ ‫يوضع في النار‪ ،‬يّتحد بطبيعة النار فيحمّر دون ان يفقد شيئا من جوهره‪ ،‬هكذا طبيعة‬ ‫المسيح وارادته البشرية‪ ،‬باتحادهما بشخص الكلمة وطبيعته اللهية‪ ،‬قد تقّدستا دون ان‬ ‫تفقدا شيئا من جوهرهما البشري‪.‬لذلك فا ّ‬ ‫ل ما فيها من قوى‪ ،‬العقل والحرية‬ ‫ال اذا أسهمت طبيعته النسانية بهذا العمل بك ّ‬ ‫والرادة‪.‫ن الكلمة اّتخذ من الطبيعة البشرية الجسد دون النفس‪.‬فالمسيح هو انسان حقيقي أخذ كل شيء من الطبيعة البشرية‪ ،‬الجسد‬ ‫والنفس والرادة والحرية‪ ،‬وعاش في تلك الطبيعة دون خطيئة‪ .‬‬ ‫الفداء والحرّية البشرية‬ ‫ن تأكيد المسيحية أّنه ل بّد‪ ،‬لكي يكون التجسد حقيقيا‪ ،‬ان يكون للمسيح مشيئة‬ ‫اّ‬ ‫بشرية‪ ،‬وبالتالي حرية بشرية‪ ،‬لهو أمر له نتائج هامة أيضًا بالنسبة الى مفهوم الفداء‬ ‫ن كلمة ال اتخذ‬ ‫ومفهوم الحرية النسانية في الفكر المسيحي‪ .‬فالفداء لم يتّم فقط ل ّ‬ ‫جسدا واحتمل فيه اللم والموت‪ ،‬بل لنه أيضًا بملء حريته البشرية قبل اللم وصار‬ ‫ك ان الخلص هو أول عمل ال الذي دخل‬ ‫طائعا حتى الموت‪ ،‬موت الصليب‪ .‬فل يص ّ‬ ‫البشرية‪ .‬‬ ‫هذا هو المفهوم المسيحي للعلقة بين عمل ال وعمل النسان‪ .‬وقد كان متحدا بال‬ ‫ليس في عمله وحياته فحسب‪ ،‬بل أيضًا في عمق كيانه‪ .

‬‬ ‫يدرك النسان النقص في ذاته‪ :‬يرغب في النسجام مع ذاته وفي السلم الداخلي‪،‬‬ ‫ال أنه غالًبا ما يعاني القلق والتمّزق الداخلي‪ .‬يريد الصحة الدائمة والحياة الخالدة‬ ‫فيصطدم بالمراض والمصائب والموت المحتوم‪ .‬هذا ما عرضناه في الفصل السابق‪.(30 :68‬هناك خبرتان‬ ‫يختبرهما النسان طوال حياته‪ :‬خبرة ايجابية من النسجام مع ذاته ومع الخرين ومع‬ ‫الكون‪ ،‬وخبرة سلبية من النقص في ذاته وفي المجتمع وفي الكون‪ .‬‬ ‫‪126‬‬ .‬‬ ‫صِل َ‬ ‫"و ُ‬ ‫يتضّمن إيماننا بيسوع المسيح ناحيتين متكاملتين‪ :‬يسوع في شخصه‪ ،‬ويسوع في‬ ‫ن ال الوحيد المولوُد من الب قبل ك ّ‬ ‫ل‬ ‫عمله الخلصي‪ .‬‬ ‫سد وحياة يسوع‬ ‫أما في هذا الفصل‪ ،‬فسننظر إلى يسوع في عمله الخلصي‪ .‬لذلك يقضي‬ ‫النسان حياته متقلًبا بين الفرح والحزن‪ ،‬بين الصحة والمرض‪ ،‬بين السلم والحرب‪،‬‬ ‫بين السعادة والشقاء‪.‬يريد سعادة كاملة دائمة فل يحصل ال‬ ‫على أفراح جزئية ممزوجة بالحزن والشقاء‪ .‬فالتج ّ‬ ‫النسان وصلبه وموته وقيامته‪ ،‬كل هذه الحداث نعلن في قانون اليمان أنها تّمت‬ ‫"من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلصنا"‪ .‬‬ ‫جميع الناس يدركون بؤس النسان وضعفه وقلقه‪ ،‬ولكن المؤمن وحده ينظر الى ال‬ ‫ويقول‪" :‬اني بائس فليعضدني خلصك يا أل"‪.‬‬ ‫ويدرك النسان النقص في علقاته مع الخرين وفي جميع المجتمعات‪ :‬يرغب في‬ ‫النسجام مع الخرين‪ ،‬ويريد أن يسود السلم وتسود المحبة علقات الناس بعضهم‬ ‫ببعض وعلقات المجتمعات بعضها ببعض‪ ،‬وغالًبا ما يرى حوله الخصومات‬ ‫والمنازعات والحروب‪.‫ــــــــــــــــــــــــــ‬ ‫سيح‬ ‫سابع الخلص َوالفداء بَيسوع الم ِ‬ ‫الفصل ال ّ‬ ‫ب عّنا على عهد بيلطس البنطي‪ ،‬وتأّلم وُقبر"‪.‬فيسوع‪ ،‬في شخصه‪ ،‬هو "اب ُ‬ ‫ق‪ ،‬مولوٌد غيُر مخلوق ومساٍو للب في‬ ‫ق من إلٍه ح ّ‬ ‫الدهور‪ ،‬نوٌر من نور‪ ،‬إلٌه ح ّ‬ ‫الجوهر"‪ .‬يريد عمل الخير وراحة الضمير‬ ‫فيسقط في عمل الشر ويشعر بتوبيخ الضمير‪.‬ماذا نعني بالخلص؟ وكيف خّلصنا يسوع‬ ‫سده وحياته وموته وقيامته؟‬ ‫المسيح بتج ّ‬ ‫الِقسم الول ما هو الخلص‬ ‫‪ -1‬حالة النسان‬ ‫"اني بائس ومسكين‪ ،‬فليعضدني خلصك يا أل" )مز ‪ .

‬‬ ‫ويدعوه الفداء والتحرير‪ ،‬لنه به يفتدي ال النسان ويحّرره كما يفتدى السرى‬ ‫ويحّرر العبيد‪.‬والنسان الذي‬ ‫يحصل على الخلص هو كالمريض الذي تعاد اليه عافيته‪ ،‬وكالعمى الذي يعاد اليه‬ ‫بصره‪ ،‬وكالمخّلع الذي تعاد اليه قدرته على السير‪ ،‬وكالبرص الذي تعاد اليه نقاوته؛‬ ‫انه كالذهب الذي ينّقى من الوحال والتربة وجميع الشوائب العالقة به فيعود الى‬ ‫خلوصه وصفائه ولمعانه؛ انه كالعبد الذي يحّرر من عبوديته ويعود الى حريته‪.‬هذا ما يعّبر عنه الكتاب المقدس بقوله ان ال‬ ‫قد خلق النسان على صورته ومثاله‪ .‬‬ ‫‪127‬‬ .‬‬ ‫ويدعوه النعمة‪ ،‬لنه عطية مجانية ينعم بها ال على النسان‪.‬‬ ‫ن في عمق القلب البشري نزعة نحو المطلق‪ ،‬لذلك ل يكتفي النسان بالمور‬ ‫اّ‬ ‫الجزئية العابرة‪ :‬ل يكتفي بالحب الوقتي بل يسعى نحو الحب المطلق‪ ،‬ول يقبل‬ ‫بتجزئة كيانه بل يريد الوحدة مع ذاته ومع الخرين ومع الكون اجمع‪ ،‬ويدرك ميله‬ ‫الى الشر ويشعر أن الشّر هو دمار لذاته وهلك لنفسه فيرغب في الخير الثابت‬ ‫المطلق‪.‬‬ ‫ويدعوه الحياة‪ ،‬لنه به يدخل النسان في الحياة الحقيقية‪ ،‬حياة ال‪.‬من خلل هذا الختبار البشري‪ ،‬اختبار الضعف والقلق‬ ‫والضياع‪ ،‬يدخل ال الى قلب النسان ويظهر ذاته الكائن الوحيد الذي يستطيع ان يمل‬ ‫فراغ النسان ويعيد اليه أصالته وملء كيانه‪ ،‬اي أن يمنحه الخلص‪ .‬‬ ‫هذا الفراغ الذي يشعر به النسان في مختلف أبعاد كيانه انما هو نداء يوجهه ال‬ ‫الى النسان للرتقاء اليه‪ .‬‬ ‫ويدعوه الملكوت‪ ،‬لنه به يملك ال ملًكا دائًما على قلوب البشر‪.‬ال أن النسان شّوه تلك الصورة بالخطيئة‪ .‬وال‬ ‫وحده الذي خلق النسان يستطيع ان يعيد اليه بهاء الصورة الصلية‪ ،‬أن يخّلصه‪.‫‪ -2‬الخلص من ال‬ ‫ن سبب حالة النسان هذه هو بعده عن ال وبعده عّما يجب ان يكون‪.‬‬ ‫يرى المؤمن أ ّ‬ ‫فالنسان خلق لجل ال وهو كائن ينسم فيه روح ال‪ ،‬فان ابتعد عن ال انما يبتعد عن‬ ‫ذاته وينفصل عن جوهره ويفقد هويته‪ .‬‬ ‫‪ -3‬مرادفات الخلص‬ ‫هذا التغيير الذي يحدثه ال في النسان بحضوره اليه يعّبر عنه الكتاب المقدس‬ ‫بألفاظ مختلفة‪:‬‬ ‫فيدعوه الخلص‪ ،‬لنه به يخّلص النسان من ضياعه وتغّربه‪.

‬ولقد اختبر الشعب‬ ‫اليهودي بشكل فائق خلص ال في العمل العظيم الذي عمله لجلهم عندما خّلصهم‬ ‫ت أنين بني‬ ‫على يد موسى من عبودية المصريين‪" :‬قال الرب لموسى‪ :‬لقد سمع ُ‬ ‫اسرائيل الذين استعبدهم المصريون‪ ،‬فذكرت عهدي‪ ..‬وهذا الحضور هو ثمرة استمرار حب ال الم ّ‬ ‫والنسان منذ خلقهما‪ .(14 :12‬‬ ‫الِقسم الَثاني الخلص بيسوع المسيح‬ ‫لقد انحنى ال على البشر عندما أخذ تراًبا وجبله وخلق النسان‪ ،‬ثم انحنى عليهم‬ ‫عندما كّلمهم بواسطة انبيائه‪ ،‬ولما بلغ ملء الزمان انحنى عليهم في شخص ابنه يسوع‬ ‫المسيح الذي جاء مخلصا للنسان في شخصه وحياته وموته وقيامته‪.‬‬ ‫وقد حفظ اليهود ذكرى هذا العمل الخلصي رمًزا لكل اعمال الخلص التي‬ ‫يصنعها ال للنسان‪" :‬ويكون هذا اليوم لكم ذكرًا‪ ،‬فتعّيدونه عيدًا للرب‪ ،‬تعّيدونه مدى‬ ‫أجيالكم فريضة أبدّية" )خروج ‪.‬خروج ‪..‬‬ ‫هذا ما نقرأه في كل صفحة من صفحات الكتاب المقدس‪ .‬وما كتب في السفار‬ ‫المقدسة لم يكن نتيجة تفكير نظري او تحليل فلسفي لسّر ال‪ ،‬بل نتيجة اختبار حياتي‬ ‫لعمل ال في التاريخ ولظهوره‪ ،‬عند بلوغ ملء الزمان‪ ،‬في شخص ابنه يسوع‬ ‫المسيح‪.‫تشير هذه التعابير الى جوانب مختلفة لحقيقة واحدة هي حضور ال حضوًرا محًبا‬ ‫محيًيا في كل انسان وفي الجماعات البشرية وفي التاريخ بأسره‪ ،‬لتجديد النسان‬ ‫جاني للكون‬ ‫والبشرية والتاريخ‪ .‬‬ ‫‪ -4‬اختبار الخلص في العهد القديم‬ ‫لقد اختبر الشعب اليهودي في العهد القديم محّبة ال المجانية لهم وحضوره الدائم‬ ‫معهم على مدى تاريخهم‪ ،‬منذ ان اختار ابراهيم ووعده بأن "يجعل منه أمة كبيرة"‬ ‫)تكوين ‪ (2 ،1 :12‬الى أن أصبح أمة كبيرة مع داود وسليمان‪ .‬الخلص والفداء هما أمر واحد يتضّمن عنصرين متكاملين‪:‬‬ ‫شا فيها‪ ،‬والعنصر‬ ‫العنصر الول هو انقاذ الشعب من حالة العبودية التي كان عائ ً‬ ‫الثاني الملزم للول هو ادخاله في صداقة ال‪" :‬اتخذكم لي شعًبا واكون لكم الًها"‪.(7 -5 :6‬‬ ‫"أخّلصكم‪ .‬وأفديكم"‪ .‬فكما أحّبنا ال وخلقنا‪ ،‬هكذا أيضا أحّبنا وخّلصنا من ضياعنا‪،‬‬ ‫أحبنا وأشركنا في حياته‪ ،‬أحّبنا وأدخلنا في ملكوته‪ ،‬احّبنا وحضر فينا بنعمته‪ ،‬احبنا‬ ‫وافتدانا من خطيئتنا وحّررنا من عبوديتنا‪..‬‬ ‫وهذا الخلص هو عمل مجاني يصنعه ال لشعب دون اي استحقاق‪ ،‬كالخلق‪ ،‬فيضا‬ ‫من محبة ال للنسان‪.‬‬ ‫‪128‬‬ ..‬لذلك قل لبني اسرائيل‪ :‬أنا‬ ‫الرب‪ ،‬لخرجّنكم من تحت أثقال المصريين‪ ،‬وُأخّلصكم من عبوديتهم‪ ،‬وأفديكم بذراع‬ ‫خذكم لي شعًبا‪ ،‬وأكون لكم الًها‪ ،‬وتعلمون اني أنا الرب‬ ‫مبسوطة وأحكام عظيمة‪ ،‬وأت ّ‬ ‫الهكم‪) " .

‬فلفظة "يسوع" تعني بالعبرية "ال‬ ‫ضا في انجيل متى الذي يروي بشارة الملك ليوسف بميلد‬ ‫يخّلص"‪ .‬فال نفسه هو الذي أتى الينا في شخص‬ ‫يسوع‪ ،‬وال نفسه هو الذي خّلصنا في شخص يسوع‪.‬انه "عمانوئيل"‪ ،‬اي "ال معنا"‪ ،‬فليس هو انساًنا وحسب‪،‬‬ ‫وليس الخلص الذي جاءنا به من انسان‪ .‬بتج ّ‬ ‫ابن ال القدوس‪" ،‬فتجّددت وتأّلهت"‪ .‬انها نظرة ضّيقة لسر الخلص‪ .‬‬ ‫سد الكلمة في احشاء امرأة‪ ،‬بظهور يسوع المسيح ابن ال في الجسد‪ ،‬ظهر في‬ ‫بتج ّ‬ ‫البشرية النسان الجديد الذي ل نقص فيه ول اعوجاج‪ ،‬ل ضياع ول تغّرب‪ ،‬ل ذنب‬ ‫سد الكلمة حصلت الطبيعة البشرية على الخلص واتحدت بشخص‬ ‫ول خطيئة‪ ..‬لقد كان لباء‬ ‫الكنيسة الولى نظرة اوسع واشمل للخلص‪ ،‬اذ رأوا علقة وطيدة بين الخلص‬ ‫خذ‬ ‫ل في احدى عظات القديس كيرلس السكندري‪" :‬منذ ان ات ّ‬ ‫والتجسد‪ ،‬كما جاء مث ً‬ ‫الكلمة جسًدا‪ ،‬انطفأ في الجسد سّم الحية‪ ،‬وقّوة الشر أزيلت منه‪ ،‬وقضي على الموت‬ ‫الذي نتج من الخطيئة‪ .‬وهذا ما جاء اي ً‬ ‫ن الذي حبل به فل‬ ‫يسوع‪" :‬يا يوسف ابن داود‪ ،‬ل تخف أن تأخذ امرأتك مريم‪ ،‬فا ّ‬ ‫انما هو من الروح القدس‪ .(17 ،16 ،14 :1‬والنعمة والحق في انجيل يوحنا‬ ‫مرادفان للخلص‪..‬فان الناموس قد اعلي بموسى‪ ،‬وأما النعمة والحق فبيسوع‬ ‫المسيح قد حصل" )يو ‪ .‬وستلد ابًنا فتسميه يسوع‪ ،‬لنه هو الذي يخّلص شعبه من‬ ‫خطاياهم"‪.‬في شخص يسوع المسيح ُوجدت طبيعة بشرية‬ ‫‪129‬‬ .‬‬ ‫سد كلمة ال في احشاء مريم العذراء‪ .‬قد‬ ‫ان خلص ال قد بدأ يتحقق للبشرية بتج ّ‬ ‫عاظ‪ ،‬في حديقهم عن الفداء والخلص‪ ،‬يحصرون‬ ‫نسمع احياًنا بعض اللهوتيين والو ّ‬ ‫الفداء والخلص في موت المسيح‪ ..‬لقد أخذ الكلمة جسًدا مخلوًقا ومائًتا‪ ،‬وبما أنه الخالق جّدده‬ ‫وأّلهه في ذاته‪ ،‬ليقودنا جميًعا على مثاله الى ملكوت السماوات"‪.‬اجل‪ ،‬من امتلئه نحن كلنا‬ ‫قد أخذنا‪ ،‬ونعمة فوق نعمة‪ .(11 ،10 :2‬تلك هي الكلمات التي وضعها‬ ‫مخّلص‪ ،‬هو المسيح الر ّ‬ ‫لوقا على لسان الملئكة في روايته لتبشيرهم الرعاة بميلد يسوع‪ .‬‬ ‫لم يولد يسوع كما يولد سائر الناس من رجل وامرأة‪ ،‬بل "ولد من الروح القدس‬ ‫ومن مريم العذراء"‪ ،‬كما نقول في قانون اليمان‪ .‬‬ ‫في هذا يقول انجيل يوحنا‪" :‬الكلمة صار جسًدا وسكن في ما بيننا‪ ،‬وقد شاهدنا‬ ‫مجده‪ ،‬مجًدا من الب لبنه الوحيد الممتلئ نعمة وحًقا‪ .‬هكذا يعّرف لوقا‬ ‫المولود الجديد‪ :‬انه "المخلص"‪ ،‬وهذا معنى اسمه‪ ..‬وهذا يعني أنه في عمق كيانه‬ ‫حضوُر ال على الرض‪ .‫‪ -1‬يسوع المسيح خّلصنا بتجسده‬ ‫"اني أبشركم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب‪ :‬اليوم‪ ،‬في مدينة داود‪ ،‬ولد لكم‬ ‫ب‪) "،‬لوقا ‪ .

(22 -14 :4‬‬ ‫كان اليهود يحتفلون كل خمسين سنة بسنة يوبيل يريحون في اثنائها الرض‬ ‫ويطلقون السرى ويحّررون العبيد‪ .‬‬ ‫يروي لوقا ان يسوع دخل المجمع يوم سبت وقام ليقرأ‪" ،‬فُدفع اليه سفر أشعيا النبي؛‬ ‫ي‪ ،‬لنه مسحني‬ ‫فلما نشر السفر وقع على الموضع المكتوب فيه‪" :‬روح الرب عل ّ‬ ‫شر المساكين‪ ،‬وأرسلني لنادي للمأسورين بالتخلية‪ ،‬وللعميان بالبصر‪ ،‬وأطلق‬ ‫لب ّ‬ ‫المرهقين أحراًرا‪ ،‬وأعلن سنة نعمة للرب"‪ .‬ثم طوى السفر‪ ،‬ودفعه الى الخادم‪،‬‬ ‫وجلس‪ .‬وكانت عيون الذين في المجمع شاخصة اليه بأجمعها‪ .‬‬ ‫‪130‬‬ .‬فشرع يقول لهم‪:‬‬ ‫"اليوم تّمت هذه الكتابة التي تليت على مسامعكم وكانوا جميًعا يشهدون له‪ ،‬ويعجبون‬ ‫بكلم النعمة الخارج من فيه" )لو ‪.‬وقد أظهر لنا يسوع في حياته واعماله عمق‬ ‫تلك المحبة التي ليست محبة انسان لخر بل محبة ال نفسه التي تنسكب على جميع‬ ‫الناس فتحيي نفوسهم وتخّلصهم من عبوديتهم‪.‬لقد كانت تلك السنة سنة نعمة للرب‪ .‬وبمجيء‬ ‫ن المسيح هو نعمة ال التي انسكبت‬ ‫المسيح اصبحت سنة النعمة هذه سنة دائمة‪ ،‬ل ّ‬ ‫على جميع البشر ول سيما على الفقراء والمرهقين والخطأة‪.‫ي‪ .‬‬ ‫‪ -2‬يسوع المسيح خّلصنا بأعماله‪.‬وهذا الخلص‬ ‫ن خلص النسان هو قبل كل شيء خلص كيان ّ‬ ‫خالصة كاملة‪ ،‬فإ ّ‬ ‫يتم باتحاده في كيان المسيح‪ ،‬النسان الجديد‪ ،‬النسان المّتحد بال اتحاًدا جوهرًيا‪.‬‬ ‫ان يسوع المسيح الذي هو المخّلص في كيانه قد حّقق لنا هذا الخلص في اعماله‪.‬‬ ‫ولقد جاء المسيح مخلصا للنسان ينقذه ويحّرره من سطوة تلك الخاطر‪ :‬جاء يغفر‬ ‫الخطايا ويظهر للخطأة ان محبة ال اعظم من خطاياهم‪ ،‬وجاء يظهر بأقواله واعماله‬ ‫ان الخطأة والغرباء والفقراء هم أقرب الى قلب ال من الفريسيين والمتسّلطين‬ ‫ن محبة ال تشمل جميع الناس على السواء‪ ،‬وجاء يشفي المرضى‬ ‫والغنياء‪ ،‬ويؤكد أ ّ‬ ‫وينهض المخّلعين ويقيم الموتى‪ ،‬مظهًرا ان محبة ال أقوى من مخاطر المرض‬ ‫والموت‪.‬‬ ‫يعيش النسان في القلق والعبودية والخوف عندما تسيطر عليه مخاطر من ذاته‪،‬‬ ‫من شهواته وامياله‪ ،‬فيسقط في الخطيئة ويصبح عبًدا لها‪ ،‬وبالتالي في حاجة الى من‬ ‫يخّلصه من خطيئته؛ ومخاطر من المجتمع‪ ،‬عندما يدرك ان المجتمع يرذله ويحتقره‬ ‫ويستعبده‪ ،‬فيمسي في حاجة الى من ينقذه من قيود المجتمع‪ ،‬ومخاطر من الطبيعة‬ ‫والكون‪ ،‬كالمراض والمصائب والموت‪.‬‬ ‫المحبة وحدها هي‪ ،‬التي تخّلص النسان في جميع ابعاده‪ :‬في ذاته وفي علقته‬ ‫بالخرين وفي ارتباطه بالحياة والكون‪ .

(37 :18‬جاء يسوع ليشهد للحق وبقي أميًنا لرسالته حتى الموت‪ .‬وكل من هو للحق يسمع صوتي" )يو‬ ‫‪ .‬لقد أظهر في تعاليمه واعماله محبة ال لجميع الناس على‬ ‫السواء وخّلص النسان من استعباد الخطيئة ومن تعاليم الفريسيين المبنية على تفسير‬ ‫حرفي للناموس‪ ،‬فأثار بذلك حقد الفريسيين والكتبة وحنق رؤساء الكهنة والشيوخ‬ ‫الذين رأوا في تعاليمه خطًرا على الناموس وفي اعماله ومعجزاته خطًرا على‬ ‫سلطتهم‪ ،‬فعقدوا العزم على قتله وقبضوا عليه‪ ..(12‬‬ ‫وهّيج رؤساء الكهنة الشعب للمطالبة بصلب يسوع‪" .(13 :15‬لقد‬ ‫خّلصنا يسوع في حياته عندما أظهر لنا بأقواله واعماله وفرة محبة ال‪ .(15 :15‬‬ ‫لقد كان بإمكان يسوع تجّنب الموت بالهرب من اليهود الذين كانوا يطلبون قتله‪ ،‬أو‬ ‫بالتوقف عن التعليم‪ .(42 :22‬‬ ‫لم يرد يسوع الموت والعذاب‪ ،‬ال أنه لم يتهّرب منهما ولم يتراجع أمامهما بل بقي‬ ‫أميًنا لرسالته حتى الموت‪ .‬وقد ظهرت‬ ‫تلك المحبة في اقصى حدودها في موت يسوع‪ .(2 :23‬لم‬ ‫يقتنع بيلطس باتهاماتهم وشكاياتهم‪ ،‬بل "كان يعلم أنهم قد أسلموه عن حسد" )متى‬ ‫ل أن اليهود هددوه قائلين‪" :‬ان أنت‬ ‫‪18 :27‬؛ مر ‪ .(10 :15‬واراد أن يطلقه‪ ،‬ا ّ‬ ‫ن كل من يجعل نفسه ملًكا يقاوم قيصر" )يو ‪:19‬‬ ‫ت موالًيا لقيصر‪ ،‬ل ّ‬ ‫أطلقته‪ ،‬فلس َ‬ ‫‪.‬واذ كانت اليهودية ولية خاضعة‬ ‫للمبراطورية الرومانية‪ ،‬وكانت رومة قد حرمت المحاكم اليهودية حق الحكم‬ ‫بالعدام‪ ،‬اسلموه الى بيلطس الوالي الروماني وطلبوا منه ان يحكم عليه بالموت‬ ‫بحجة انه جعل نفسه "ملك اليهود" وانه "يفتن الشعب"‪" :‬لقد وجدنا هذا الرجل يثير‬ ‫أّمتنا‪ ،‬ويمنع من أداء الجزية لقيصر‪ ،‬ويّدعي أنه المسيح الملك" )لوقا ‪ .‬فلو كانت مملكتي من هذا‬ ‫‪131‬‬ .‫‪ -3‬يسوع المسيح خّلصنا بموته‬ ‫"ليس لحد حب اعظم من ان يبذل الحياة عن اصدقائه" )يو ‪ .‬وعندما سأله‬ ‫بيلطس في أثناء محاكمته‪" :‬أنت اًذا ملك؟"‪ ،‬أجابه‪" :‬أنت قلت‪ ،‬اني ملك‪ ،‬لقد ولدت‬ ‫وجئت الى العالم لجل هذا‪ :‬أن أشهد للحق‪ .‬‬ ‫أ( بقي يسوع أميًنا لرسالته حتى الموت‪ :‬مات موت النبياء‬ ‫لِم يرد يسوع الموت لجل الموت ول العذاب لجل العذاب‪ ،‬فالعذاب يبقى شًكا‬ ‫وجنوًنا‪ .‬لذلك ترى المسيحية في موت يسوع‬ ‫قمة عمله الخلصي‪.‬ال أنه لم يرد التراجع امام تطلبات رسالته‪ ..‬وشاء بيلطس ان يرضي‬ ‫الجمع‪ .‬لم يّتبع منطق‬ ‫ملوك العالم ونهجهم‪" :‬ان مملكتي ليست من هذا العالم‪ .‬ويسوع‪ ،‬في بستان الزيتون‪ ،‬حيال الموت الذي كان يتوقعه‪" ،‬طفق يحزن‬ ‫ويكتئب" )متى ‪" ،(37 :26‬وصار عرقه كقطرات دم نازلة على الرض" )لوقا‬ ‫‪ ،(44 :22‬وراح يصلي‪" :‬يا أبتاه! ان شئت فأجزعني هذه الكأس! ولكن‪ ،‬ل تكن‬ ‫مشيئتي بل مشيئتك" )لوقا ‪.‬فأسلم اليهم يسوع‪ ،‬بعد أن جلده‪ ،‬لُيصلب" )مر ‪.

(37 :23‬ا ّ‬ ‫اورشليم "قاتلة النبياء وراجمة المرسلين اليها‪ .(32 ،31 :8‬‬ ‫ولدى ظهوره لتلميذي عماوس اللذين كانا منذهلين من موته‪ ،‬قال لهما‪" :‬ما أقصر‬ ‫أبصاركما‪ ،‬وما أبطأ قلوبكما في اليمان بكل ما نطقت به النبياء‪ ،‬أما كان ينبغي‬ ‫للمسيح ان يكابد هذه اللم ويدخل في مجده؟" )لو ‪.‬ولكن‪ ،‬ل‪ ،‬ان مملكتي ليست من‬ ‫هذا العالم" )يو ‪..(26 ،25 :24‬‬ ‫لم يكن موت يسوع على الصليب أمًرا محتوًما‪ .‬‬ ‫ت سائر النبياء والمرسلين الذين استشهدوا‬ ‫ت يسوع مو َ‬ ‫على هذا الصعيد يشبه مو ُ‬ ‫ن يسوع "اعظم من نبي" )متى ‪ .(42 ،41 :12‬انه المسيح‪.‬‬ ‫ب( يسوع هو المسيح الذي افتدانا بموته من الخطيئة‬ ‫يسوع غفر لقاتليه‬ ‫كان الشعب اليهودي ينتظر مجيء مسيح ملك يخّلصه من عبوديته ويحّرره من‬ ‫سيطرة الرومان ويعيد مملكة داود‪ ،‬منشئًا مملكة دنيوية كسائر الممالك مبنية على‬ ‫ن يسوع هو المسيح المنتظر‪ ...‬‬ ‫فالظلم ل يحتمل قوة العدل‪ ،‬والباطل ل يصبر على تحدي الحق‪ .‬هذا ما تعّبر عنه‬ ‫مختلف أسفار العهد الجديد عندما تظهر موت يسوع أمًرا ضرورًيا‪ .‬لم يريدوا"‪ ،‬بل قبضوا عليه‬ ‫ن ما اعتبره يسوع أمًرا ضرورًيا ورأى فيه مشيئة ال‪ ،‬كما قال في‬ ‫وأسلموه للموت‪ .‬انه لم يأت صوت على الصليب‬ ‫ويحّقق تصميمًا الهًيا حّدده له الب بمعزل عن ارادته‪ ،‬بل جاء ليجمع ابناء اورشليم‬ ‫ل أن ابناء‬ ‫"كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها" )راجع متى ‪ .‬وهذا‬ ‫ما بقي اميًنا له حتى الموت‪.‬لك ّ‬ ‫لذلك كان لموته‪ ،‬الى جانب معنى الشهادة‪ ،‬معنى آخر هو معنى الفداء‪.‬‬ ‫للدفاع عن الحق‪ .‬ولقد حقق يسوع‬ ‫القوة والسيادة‪ .(36 :18‬‬ ‫وعندما قبض اليهود على يسوع في بستان الزيتون‪ ،‬وأراد بطرس ان يدافع عنه‬ ‫بالسبيل الذي يلجأ اليه معظم الناس‪ ،‬اي بالسيف والقتل‪ ،‬قال له المعّلم‪" :‬رّد سيفك الى‬ ‫ن أني ل أستطيع ان‬ ‫ن جميع الذين يأخذون السيف يهلكون بالسيف‪ .‫العالم لكان رجالي يقاتلون عني فل أسلم الى اليهود‪ .‬أَو تظ ّ‬ ‫موضعه‪ ،‬ل ّ‬ ‫اسأل أبي فيقيم لي‪ ،‬في الحال‪ ،‬ما ينيف على أثنتي عشرة كتيبة من الملئكة‪ ..‬لذلك رفض العتراف بأ ّ‬ ‫رغبة الجيال السابقة ونبوءات النبياء‪ ،‬وجاء ليخّلص النسان ويحّرر الشعب‪ ،‬لكنه‬ ‫ن الخطيئة ل تزيلها خطيئة‬ ‫رفض تحقيق ذلك باللجوء الى طرق ملّوثة بالخطيئة‪ ،‬ل ّ‬ ‫‪132‬‬ .(54 -52 :26‬‬ ‫ان النهج الذي اّتبعه يسوع في تعليمه وفي اعماله كان ل بّد أن يقوده الى الموت‪.‬فكيف‬ ‫اًذا تتّم الكتب القائلة‪ :‬ان هذا ما ينبغي أن يكون؟" )متى ‪.‬فيسوع أنبأ‬ ‫تلميذه ثلث مرات قبل آلمه "أنه ينبغي لبن البشر أن يتألم كثيًرا‪ ،‬وأن ينتبذه‬ ‫الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة‪ ،‬وأن ُيقتل ويقوم بعد ثلثة أيام" )مر ‪.‬ا ّ‬ ‫صلته في بستان الزيتون "يا أبتاه‪ ،‬ان شئت فأجز عني هذه الكأس! ولكن ل تكن‬ ‫مشيئتي بل مشيئتك" )لو ‪ ،(42 :22‬هو مجابهة عالم الخطيئة والشهادة للحق‪ .

(34 :23‬‬ ‫أوصى يسوع تلميذه بأن تكون محّبة العداء العلمة الممّيزة لهم‪ ،‬لنها العلمة‬ ‫الممّيزة للب السماوي‪" :‬أحبوا اعداءكم‪ ،‬وصّلوا لجل الذين يضطهدونكم‪ ،‬لكي‬ ‫تكونوا ابناء ابيكم الذي في السماوات‪ ،‬فإنه يطلع شمسه على الشرار والصالحين‪،‬‬ ‫ويمطر على البرار والثمة" )متى ‪ .‬‬ ‫مبادرة الخلص تأتي من ال‬ ‫لقد وردت في تاريخ اللهوت بعض تفسيرات لموت المخلص الفدائي تظهره عم ً‬ ‫ل‬ ‫قام به المسيح لتسكين غضب ال أو فدية دفعها المسيح عن النسان لتحريره من‬ ‫ن غضب ال على الخطأة وعبودية الخطأة للشيطان هما صورتان‬ ‫عبودية الشيطان‪ .‬لقد استطاع الحقد ان يعّلق يسوع على‬ ‫الصليب‪ ،‬ولكنه وقف عاجًزا أمام المغفرة التي منحها يسوع لصالبيه‪" :‬يا أبتاه! اغفر‬ ‫لهم‪ ،‬لنهم ل يدرون ما يعملون" )لوقا ‪.‬وبما أ ّ‬ ‫سلطان مغفرة الخطايا" )مر ‪ ،(10 ،9 :2‬وبما أنه "ابن ال الذي ل يستطيع من‬ ‫ل ما يرى الب يعمله" )يو ‪ ،(19 :5‬و"كما أن الب له الحياة‬ ‫نفسه أن يعمل شيًئا‪ ،‬ا ّ‬ ‫ن ان تكون له الحياة في ذاته‪ ،‬وآتاه سلطاًنا أن يدين لنه ابن‬ ‫في ذاته‪ ،‬كذلك اعطى الب َ‬ ‫ن الب ل يدين احًدا‪ ،‬بل فّوض الى البن كلّ‬ ‫البشر" )يو ‪" ،(27 ،26 :5‬ل ّ‬ ‫دينونة" )يو ‪ ،(22 :5‬فالمغفرة التي منحها يسوع وهو على الصليب تعّبر عن‬ ‫المغفرة التي منحها ال لقاتلي يسوع ومن خللهم لجميع القتلة والخطأة على مدى‬ ‫التاريخ كّله‪.‬ا ّ‬ ‫أدبيتان هدفهما اظهار البعد السحيق والتناقض العميق ص بين الخطيئة وال‪ .‬‬ ‫ن من يرفض الدخول في مسلسل القتل والثم والخطيئة يوقف انحطاط البشرية‪،‬‬ ‫اّ‬ ‫ومن يرفضه أن يسيطر عليه الحقد يسيطر على الخطيئة‪ ،‬ومن يغفر لعدائه يزيل‬ ‫ن يسوع هو مسيح ال "وابن البشر الذي أعطاه ال على الرض‬ ‫العداوة‪ .‬‬ ‫كان النسان في العهد القديم يحاول هو التقّرب من ال لرضائه والتصالح معه‪ .‫أخرى‪ :‬فالحقد ل يزيله الحقد‪ ،‬والثم ل يمحيه الثم‪ ،‬والقتل ل يبطله القتل‪ .‬اما‬ ‫لقة الى‬ ‫في العهد الجديد فالمبادرة تأتي من ال نفسه‪ .‬فال هو الذي يبادر برحمته الخ ّ‬ ‫تبرير من كان خاطًئا واحياء من كان مائًتا‪ .‬ل يقول العهد الجديد ان النسان هو الذي‬ ‫يتصالح مع ال‪ ،‬بل "ان ال هو الذي صالح‪ ،‬في المسيح‪ ،‬العالم مع نفسه" )‪ 2‬كور‬ ‫‪133‬‬ .‬المحبة‬ ‫وحدها تستطيع ان تزيل الحقد‪ ،‬والمغفرة وحدها تستطيع ان تمحي الثم‪ ،‬والموت في‬ ‫سبيل القاتل يستطيع وحده ان يبطل القتل‪ .‬وذبائح‬ ‫الحيوانات التي كانت شعوب العهد القديم تقدمها ل كانت تعّبر عن ادراك النسان لهذا‬ ‫البعد الذي تنشئه الخطيئة بينه وبين ال‪ ،‬وعن اقتناع النسان بأن الموت وحده يمكنه‬ ‫التكفير عن الخطيئة‪ ،‬لن الخطيئة هي اهانة قصوى ل‪.(45 ،44 :5‬تلك المحبة التي تقوم‪ ،‬ل على‬ ‫اقامة الحواجز وتدمير الخرين بحجة أنهم أعداء وأثمة‪ ،‬بل على رفع كل حاجز‬ ‫يفصل النسان عن أخيه النسان‪ ،‬والنسان عن ال‪ ،‬قد حّققها يسوع في حياته‪ ،‬عندما‬ ‫غفر للخطأة‪ ،‬وحققها الى أقصى حّد في موته عندما غفر لقاتليه‪.

(46 :12‬‬ ‫لقد افتدانا يسوع من الخطيئة مظهًرا ان العبادة الحقيقية ليست تقدمة ذبائح‬ ‫سره بولس‬ ‫الحيوانات بل تقدمة الذات لتتميم ارادة ال في البّر والقداسة‪ .‬وهكذا أتّم فينا البّر الذي كان‬ ‫ال يطلبه منا في الناموس ولم يستطع الناموس ان ينجزه‪.‬ا ّ‬ ‫أرسل ابنه‪ ،‬من اجل الخطيئة‪ ،‬في شبه جسد الخطيئة‪ ،‬فقضى على الخطيئة في الجسد‪،‬‬ ‫لكي يتّم بّر الناموس فينا" )روم ‪ .(29 :1‬وقد مات يسوع في الساعة الثالثة من بعد ظهر يوم‬ ‫الجمعة السابق عيد الفصح‪ ،‬وهي الساعة التي كانت تذبح فيها امام هيكل اورشليم‬ ‫الحملن الفصحية‪ .‬واذ أصبح الناموس القديم عاجًزا عن ذلك "بسبب‬ ‫الجسد"‪ ،‬أي بسبب خطيئة النسان‪ ،‬أرسل ال ابنه "في شبه جسد الخطيئة"‪ ،‬اي ا ّ‬ ‫ن‬ ‫ابن ال صار انساًنا مثلنا في كل شيء ما خل الخطيئة‪" ،‬فقضى على الخطيئة في‬ ‫جسده"‪ ،‬اي انه عاش في هذا الجسد حياة بّر وقداسة‪ .‬لم ترتض محرقات ول‬ ‫‪134‬‬ .(31 :8‬ويقول في موضع‬ ‫اسلمه عنا جميًعا‪ ،‬كيف ل يهبنا معه ك ّ‬ ‫آخر من الرسالة عينها‪" :‬ان ال قد برهن عن محبته لنا بأن المسيح قد مات عّنا‬ ‫ونحن خطأة" )روم ‪.‬لذلك يقول المسيح عند‬ ‫دخوله العالم‪ :‬ذبيحة وقرباًنا لم تشأ‪ ،‬غير أنك هيأت لي جسًدا‪ .‬ويؤكد انجيل يوحنا هذا الشبه بين يسوع والحمل الفصحي عندما‬ ‫يشير أيضا الى ان يسوع وهو على الصليب "لم ُيكسر له عظم" )يو ‪،(36 :19‬‬ ‫على مثال الحمل الفصحي )خروج ‪.(14 ،13 :9‬وترى هذه الرسالة في ذبائح العهد القديم رموًزا لذبيحة العهد‬ ‫الجديد‪" :‬اذ انه من المحال ان دم ثيران وتيوس يزيل الخطايا‪ .‬‬ ‫سع الرسالة الى العبرانيين في هذا الفداء فتقول‪" :‬ان كان دم ثيران وتيوس‬ ‫وتتو ّ‬ ‫جسين‪ ،‬فيقّدسهم لتطهير الجسد‪ ،‬فكم بالحرى دم المسيح‪ ،‬الذي بروح‬ ‫ش على المن ّ‬ ‫ير ّ‬ ‫أزلي قّرب ل نفسه بل عيب‪ ،‬يطّهر ضميرنا من العمال الميتة لنعبد ال الحيّ"‬ ‫)عب ‪ .(8 :5‬‬ ‫يسوع المسيح حمل ال‬ ‫شا عوضا من ابنه اسحق )تكوين ‪:22‬‬ ‫في العهد القديم قّدم ابراهيم ذبيحة ل كب ً‬ ‫‪ .(4 -2 :8‬أراد ال ان يحّرر البشرية من الخطيئة‬ ‫وأن يفتديها ويخّلصها ويقّدسها‪ .(13 ،12‬اما في العهد الجديد فيسوع كان هو نفسه الحمل الذي رخ خطيئة العالم‬ ‫بتقدمة ذاته على الصليب‪ ،‬كما يصفه انجيل يوحنا‪" :‬ها هوذا حمل ال‪ ،‬الذي يرفع‬ ‫خطيئة العالم" )يو ‪ .‫‪ .‬هذا ما يف ّ‬ ‫الرسول بقوله‪" :‬ان ناموس روح الحياة التي في المسيح يسوع قد أعتقك من ناموس‬ ‫ن ما لم يستطعه الناموس لعجزه بسبب الجسد قد انجزه ال اذ‬ ‫الخطيئة والموت‪ .(16 :3‬ويشّبه بولس الرسول ال بابراهيم الذي لم يذخر ابنه بل اسلمه الى‬ ‫المحرقة‪ ،‬فيقول‪" :‬اذا كان ال معنا فمن علينا؟ هو الذي لم يذخر ابنه الخاص‪ ،‬بل‬ ‫ل شيء؟" )روم ‪ .(19 :5‬ويعّبر العهد الجديد عن هذه الفكرة بأمثال وتشابيه متنوعة‪ :‬فال هو‬ ‫الراعي الصالح الذي يمضي هو نفسه في طلب الخروف الضال حتى يجده ويحمله‬ ‫ب العالم‬ ‫حا )لوقا ‪(7 -4 :15‬؛ وال "هكذا أح ّ‬ ‫على منكبيه‪ ،‬ويعود به الى بيته فر ً‬ ‫حتى انه بذل ابنه الوحيد لكي ل يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة البدية" )يو‬ ‫‪ .

‬انتظر‬ ‫رأى يسوع ا ّ‬ ‫ل أنه جعل من موته لحظة المغفرة والمسامحة للّذين سيقتلونه‪ .‬وبقّوة هذه المشيئة ُقّدسنا‬ ‫نحن بتقدمة جسد يسوع مّرة ل غير" )‪.‫ت‪ :‬ها أنا ذا آتي ‪-‬اذ عني قد ُكتب في درج الكتاب‪ -‬لعمل‪ ،‬يا‬ ‫ذبائح خطيئة‪ ..‬لقد اعطى‬ ‫الموت‪ ،‬ا ّ‬ ‫موَته معنى الفداء "في الليلة التي اسلم فيها"‪ ،‬وبينما كان معه على العشاء "يهوذا‬ ‫الذي سيسلمه" )متى ‪ ،(25 -21 :26‬ممّثل حقد اليهود وخطايا العالم أجمع‪ .‬بعلمه يبّرر الصديق عبدي كثيرين حام ً‬ ‫نصيًبا مع الكثيرين وغنيمة مع العظماء‪ .‬بعد عناء نفسه‪ ،‬سيرى النور وُتحّقق‬ ‫ذّرّية وتطول أيامه‪ ،‬وارادة الرب تتّم عل ِ‬ ‫ل هو نفسه آثامهم‪ .‬وهو‬ ‫الذي قال‪" :‬انا الراعي الصانع‪ .‬قّدم وهو خاضع‬ ‫ولم يفتح فاه‪ .‬حينئذ قل ُ‬ ‫ل‪ :‬انك لم تشأ ذبيحة وقرابين‪ ،‬ول محرقات‪ ،‬ول ذبائح‬ ‫أل‪ ،‬بمشيئتك‪ ..‬‬ ‫الرب رضي ان يسحقه بالعاهات‪ .‬لنه بذل نفسه للموت وأحصي مع الثمة‪،‬‬ ‫وهو حمل خطايا الكثيرين وشفع في العصاة" )أشعيا ‪..‬‬ ‫‪135‬‬ .‬كّلنا‬ ‫وُ‬ ‫ضللنا كالغنم‪ ،‬كل واحد مال الى طريقه‪ ،‬فألقى الرب عليه إثم كّلنا‪ُ .‬عليه وقع القصاص الذي يعيد الينا السلم‪ ،‬وبجراحه شفينا‪ .(24 ،23 :11‬ويوضح لوقا‬ ‫عبارة "الذي هو لجلكم" بقوله "هذا هو جسدي الذي ُيبَذل لجلكم" )لو ‪.‬فلذلك أجعل له‬ ‫رغباته‪ .‬‬ ‫سحق لجل آثامنا‪ ..‬ولم تر َ‬ ‫آتي لعمل بمشيئتك‪ .(19 :22‬‬ ‫ل‪ :‬هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي الذي‬ ‫"وكذلك اخذ الكأس من بعد العشاء قائ ً‬ ‫يهراق من أجلكم" )لو ‪ .‬ل احد‬ ‫ينتزع مني حياتي‪ ،‬وانما أنا أبذلها باختياري" )يو ‪ ،(18 -11 :10‬يستبق الن‬ ‫موته ويعطيه معنى الفداء‪ ،‬فيبذل حياته‪ ،‬جسده ودمه‪ ،‬لجل أصدقائه واعدائه‪ ،‬ويكسر‬ ‫الخبز ويقول‪" :‬هذا هو جسدي الذي يبذل لجلكم"‪ ،‬وَيسكب الخمر في الكأس ويقول‪:‬‬ ‫"هذا هو دمي الذي يهراق عن الكثيرين"‪.‬كشاة سيق الى الذبح‪ ،‬وكحمل صامت أمام الذين يجّزونه ولم يفتح فاه‪.‬فلقد قال او ً‬ ‫ض بها ‪-‬مع أنها كلها تقّرب بموجب الناموس‪ ،-‬ثم يقول‪ :‬ها أنا ذا‬ ‫خطيئة‪ .‬فإنه اذا جعل نفسه ذبيحة تكفير عن الخطايا‪ ،‬يرى‬ ‫ى يده‪ .(10 -4 :10‬‬ ‫وقد رأى العهد الجديد أيضًا في موت يسوع تحقيق النبوءات القديمة‪ ،‬ول سيما‬ ‫نبوءة النبي أشعيا عن عبد الرب الذي سيحمل خطايا الكثيرين‪" :‬لقد أخذ عاهاتنا‬ ‫جرح لجل معاصينا‬ ‫وحمل أوجاعنا‪ ،‬فحسبناه ذا برص‪ ،‬مضروًبا من ال ومذّلل‪ُ .(12 -4 :53‬‬ ‫العشاء الفصحي والعهد الجديد بدم يسوع‬ ‫ن هذا المعنى الذي نجده في العهد الجديد وفي الكنيسة الولى لموت المسيح‪ ،‬قد‬ ‫اّ‬ ‫عّبر عنه يسوع نفسه في العشاء الفصحي الخير الذي تناوله مع تلميذه‪" ..‬ففي الليلة‬ ‫التي ُأسلم فيها‪ ،‬يقول بولس الرسول‪ ،‬أخذ خبًزا وشكر وكسره وقال‪ :‬هذا هو جسدي‬ ‫الذي هو لجلكم؛ اصنعوا هذا لذكري" )‪ 1‬كور ‪ ..‬والراعي الصالح يبذل حياته عن خرافه‪ .(28 :26‬‬ ‫ن رفض اليهود رسالته وحقدهم عليه سيقودانهم الى قتله‪ .(20 :22‬ويضيف انجيل متى‪" :‬الذي يهراق عن الكثيرين‬ ‫لمغفرة الخطايا" )متى ‪.‬فهو اًذا ُيبطل النظاَم الول ليقيم الثاني‪ .

‬ولفظة‬ ‫الكثيرين تعني هنا الجميع‪ ،‬كما جاء في رسالة بولس الولى الى تيموثاوس‪" :‬ان ال‬ ‫واحد‪ ،‬والوسيط بين ال والناس واحد‪ ،‬النسان يسوع المسيح الذي بذل نفسه فداء عن‬ ‫الجميع" )‪ 1‬تيم ‪.‫شأ عهد جديد بين‬ ‫"هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي"‪ ."..‬‬ ‫‪136‬‬ .(24 :9‬وفي العشاء السري طلب يسوع من تلميذه ان‬ ‫يأكلوا جسده ويشربوا دمه‪" :‬خذوا كلوا‪ ،‬هذا هو جسدي‪ .‬والعهد يتضّمن طقو ً‬ ‫وشعًبا‪ ...(32 :12‬لم يمت يسوع "عن‬ ‫عن الرض‪ ،‬يقول يسوع‪ ،‬اجتذبت ال ّ‬ ‫الّمة اليهودية وحسب‪ ،‬بل ليجمع أيضا في الوحدة أبناء ال المتفّرقين" )يو ‪:11‬‬ ‫‪ .‬من البشرية التي‬ ‫ع حياته لجلهم‪،‬‬ ‫ل جماعة التلميذ الذين بذل يسو ٍ‬ ‫قتلته ُبعث شعب جديد مقّدس هو أو ً‬ ‫كما جاء في انجيل لوقا‪" :‬هذا هو جسدي الذي يبذل لجلكم"‪ ،‬وهو أيضا العالم أجمع‪،‬‬ ‫بحسب ما جاء في متى ومرقس‪" :‬هذا هو دمي الذي يهراق عن الكثيرين"‪ ..‬لقد اعطى يسوع حياته لين َ‬ ‫ال والناس‪ .‬اشربوا من هذا كلكم‪ ،‬هذا‬ ‫هو دمي‪ .‬فمن يأكل ذبيحة المسيح يدخل في جميع معاني تلك الذبيحة ويلتزم‬ ‫ب المسيح‪ ،‬وهكذا يتحقق‬ ‫ب كما غفر وأح ّ‬ ‫تطلباتها‪ ،‬فيقّدم حياته مع المسيح‪ ،‬ويغفر ويح ّ‬ ‫فيه العهد الجديد الذي أنشأه المسيح بدمه بين ال والنسان‪ ،‬عندما تسري في عروقه‬ ‫حياة ال‪ ،‬حياة المحبة والمغفرة‪ ،‬وهكذا يتحقق على مدى الزمن والتاريخ الخلص‬ ‫الذي حققه يسوع بموته على الصليب‪.(6 ،5 :2‬‬ ‫سا وشريعة‬ ‫ان تقدمة يسوع ذاته للموت تنشئ عهًدا جديًدا‪ .(52‬وعندما "طعن أحد الجنود جنب يسوع بحربة فخرج منه للوقت دم وماء" )يو‬ ‫‪ ،(34 :19‬رأى آباء الكنيسة في الماء والدم رمًزا لسّري المعمودية والفخاريستيا‬ ‫ورمًزا لولدة الكنيسة التي تنشأ بالمعمودية وتترعرع وتتوحد بالفخاريستيا‪ .‬إ ّ‬ ‫ن‬ ‫الكنيسة‪ ،‬شعب العهد الجديد‪ ،‬ولدت من فيض محبة ال التي ظهرت لنا في موت‬ ‫يسوع المسيح‪ ،‬وهي تترعرع وتنمو بقدر ما تشترك في تلك المحبة وتحققها في‬ ‫حياتها‪.‬‬ ‫من صليب المسيح نبع الغفران للجميع وتصالح الجميع مع ال‪" :‬وانا متى ارتفعت‬ ‫ي الجميع" )يو ‪ .‬‬ ‫عاش يسوع تلك المحبة بتقدمة ذاته على الصليب‪ ،‬ويطلب من كل من يريد اّتباعه‬ ‫والتتلمذ له ان يدخل في تيار محبته‪" :‬من أراد ان يتبعني فلينكر نفسه وليحمل صليبه‬ ‫كل يوم ويتبعني" )لوقا ‪ .‬وهكذا كان موته نقطة انطلق لحياة جديدة في العالم‪ .‬فالعهد القديم أنشئ بين ال وشعبه على يد موسى بواسطة دم الحيوانات‬ ‫شه على الشعب وقال‪ :‬هوذا دم العهد‬ ‫)راجع الخروج ‪" 8 :24‬واخذ موسى الدم ور ّ‬ ‫الذي عاهدكم به الرب على جميع هذه القوال"(‪ ،‬اما يسوع فينشئ عهًدا جديًدا بدمه‬ ‫الخاص؛ والعهد القديم كان مبنيًا على شريعة ال التي اعطيت لموسى‪ ،‬أما العهد‬ ‫ي على تعاليم يسوع ومحبته التي جعلته بسكب دمه عن أحّبائه‪ :‬وفي العهد‬ ‫الجديد فمبن ّ‬ ‫القديم نشأ مع موسى شعب ال المكّون من الشعب اليهودي‪ ،‬أما في العهد الجديد فنشأ‬ ‫مع المسيح شعب ال الجديد المنفتح على جميع الشعوب‪.

‬رأينا في مقطع‬ ‫ن النظرة الى الفداء كإلى عمل قام به المسيح تسكيًنا لغضب ال هي نظرة‬ ‫سابق ا ّ‬ ‫ل عمل محبة ال‪ ،‬فالب احبنا وبذل ابنه الى الموت لجلنا‪،‬‬ ‫وثنية‪ .‬فالفداء هو او ً‬ ‫والبن أحبنا وبذل نفسه الى الموت لجلنا‪.‬فمن يؤمن‬ ‫ي من تلك المحبة يجد الخلص على هذه الرض‬ ‫بيسوع وبما يمّثله يخلص‪ ،‬ومن يح َ‬ ‫ي مع ال الى البد‪.‬انه "الكائن لجل ال"‪ .‬لم يصنع في حياته ال مشيئة الب‪ ،‬وبذلك حّقق "كيانه‬ ‫لجل ال"‪ .(4 -1 :17‬‬ ‫يحصل النسان على الحياة والخلص عندما يعرف ال كما هو‪ .‬‬ ‫هنا يبلغ اللهوت المسيحي قمة الوحي في موضوع الفداء والخلص‪ .‬لذلك كانت حياته حياة انفتاح وعطاء ومحبة‬ ‫للناس‪ .‬لذلك لم يكن موته‬ ‫ل غريبًا عن كيان الثالوث القدس ول خارجًا عن حياته‪ ،‬إنما كان‬ ‫على الصليب عم ً‬ ‫تعبيرًا عن ذلك الكيان وتلك الحياة‪.‬انه ليس أقنوًما قائًما بذاته ومنفص ً‬ ‫جوهر الب‪ .‬والخلص يقوم‬ ‫في النهاية على اعتناق النسان هذا اليمان بال المحبة اعتناًقا وجودًيا‪ ،‬وليس اعتناًقا‬ ‫عقلًيا وفكرًيا فقط‪ ،‬فيثّبت عليه اساس كيانه ويحيا به‪ ،‬ويقوم على انفتاح النسان على‬ ‫ال مبدأ وجوده وينبوع حياته‪.‬‬ ‫اّ‬ ‫ل عن‬ ‫والبن ل وجود له ال من الب وفي الب‪ .‬وما تأّنسه ال تعبير لبنّوته اللهية‬ ‫وتجسيد لجوهره الذي هو انفتاح وعطاء‪ .‬انه والب جوهر واحد‪ .‬انه‪ ،‬في انفتاحه على الب‪" ،‬الكائن لجل ال"‪ ،‬وفي انفتاحه على الخرين‪،‬‬ ‫"الكائن لجل الخرين"‪ .‬والحياة البدية هي ان يعرفوك‪ ،‬أنت الله‬ ‫الحقيقي الوحيد‪ ،‬والذي أرسلته‪ ،‬يسوع المسيح" )يو ‪.‬انه في صميم كيانه وفي عمق جوهره انفتاح‬ ‫دائم وعطاء مستّمر للب‪ .‬‬ ‫ويح َ‬ ‫اليمان في المسيحية هو اليمان بأن ال محبة‪ .‬‬ ‫في نهاية العشاء الفصحي "رفع يسوع عينيه الى السماء وقال‪ :‬يا أبتاه‪ ،‬لقد أتت‬ ‫جدك ابنك‪ ،‬ويعطي ‪-‬وقد قّلدته السلطان على كل بشر‪-‬‬ ‫جد ابنك لكي يم ّ‬ ‫الساعة! فم ّ‬ ‫الحياة البدية لجميع الذين اعطيتهم له‪ .‬وبموت يسوع على‬ ‫الصليب انكشف لنا سّر ال‪ :‬ال محبة‪ .‬وتلك المحبة قد ظهرت لنا في حياة يسوع‬ ‫واعماله‪ ،‬وظهرت لنا في أقصى حدودها في موت يسوع على الصليب‪ .‬‬ ‫ن قمة الوحي في التعريف بيسوع المسيح هو القول انه "ابن ال" أو "البن"‪.‫ج( يسوع هو ابن ال الذي كشف لنا بموته سر ال‬ ‫تؤمن المسيحية ان يسوع الذي قّدم ذاته على الصليب ليس بمجّرد في ول المسيح‬ ‫الملك وحسب‪ ،‬بل هو ابن ال‪ ،‬القنوم الثاني من الثالوث القدس‪ .‬لقد حصلت‬ ‫ن يسوع مات موت النبياء وحسب‪ ،‬وليس ل ّ‬ ‫ن‬ ‫البشرية على الفداء والخلص ليس ل ّ‬ ‫المسيح قّدم حياته كحمل فصحي تكفيًرا عن خطايا البشر وحسب‪ .‬وهذا اليمان هو كالصخرة الثابتة‬ ‫غير المتزعزعة التي تعطي من يبني بيته عليها المان والطمئنان‪ .‬وفي بذل ذاته الى الموت حقق "كيانه لجل الخرين"‪ ،‬وحقق رسالته‬ ‫‪137‬‬ .

(45 :10‬‬ ‫ل ثم له رسالته‬ ‫عند سائر الناس رسالة الشخص منفصلة عن كيانه‪ ،‬فهو انسان او ً‬ ‫التي يعمل على تحقيقها‪ .(22 -17 :15‬‬ ‫سا يسأل نفسه‪ :‬ما نفع حياٍة نهايُتها الموت‬ ‫حيال الموت يقف النسان حائًرا يائ ً‬ ‫والفناء؟ قيامة المسيح انقذت النسان من الحيرة واليأس امام الموت‪ .‫التي حّددها هو نفسه بقوله‪" :‬ان ابن البشر لم يأت لُيخَدم بل لَيخُدم ويبذل نفسه فداء‬ ‫عن كثيرين" )مر ‪.‬ل يخلص‬ ‫النسان من التغّرب والضياع ول يجد نفسه ال اذا أضاع نفسه لجل المسيح‪ ،‬أي اذا‬ ‫تخّلى عن ذاته الضّيقة وعن حياته النانية ودخل في ذات ال وانفتح على حياته التي‬ ‫ل نهاية لها‪.‬فمن آمن واعتمد يخلص" )مرقس ‪ .‬‬ ‫يجد النسان الخلص عندما يتحد بيسوع المسيح ويحيا حياته في هذين البعدين‪:‬‬ ‫انفتاحه على ال وانفتاحه على الخرين‪" .(36 -34 :8‬‬ ‫يجد النسان الخلص عندما يتوب عن خطاياه ويتخّلى عن انانيته ويعتنق رسالة‬ ‫يسوع المسيح ابن ال ويحيا حياة ابن ال في جميع ابعادها‪" :‬من أراد أن يتبعني‬ ‫ن من اراد ان يخلص نفسه يهلكها؛‬ ‫فلينكر نفسه‪ ،‬ويحمل صليبه كل يوم‪ ،‬ويتبعني‪ .‬ان كان رجاؤنا في المسيح‪ ،‬في هذه الحياة فقط‪،‬‬ ‫ن المسيح قد قام من بين الموات‪ ،‬باكورة‬ ‫فنحن أشقى الناس أجمعين‪ .‬فكما أنه في‬ ‫للراقدين‪ ،‬لنه‪ ،‬بما أ ّ‬ ‫آدم يموت الجميع‪ ،‬كذلك أيضا في المسيح سُيحيا الجميع" )‪ 1‬كور ‪.‬والمعمودية هي السّر الذي يعّبر‬ ‫المسيح وبإنجيله وبرسالته ويح َ‬ ‫بواسطته المؤمن عن إيمانه بالمسيح وعن رغبته في الموت عن الخطيئة والتحرر من‬ ‫عبوديتها للحياة مع ال كابن مع أبيه‪" :‬ان كل من يعمل الخطيئة‪ ،‬يقول يسوع‪ ،‬هو‬ ‫عبد للخطيئة‪ .‬اذهبوا في العالم أجمع‪ ،‬واكرزوا بالنجيل‬ ‫للخليقة كلها‪ .(16 :16‬فمن يؤمن بيسوع‬ ‫ي حياته يخلص‪ .(24 ،23 :9‬فمن أراد ان يخّلص‬ ‫نفسه بعيًدا عن ال وعن المسيح يهلكها ويعيش في التغّرب والضياع‪ .‬اما البن فيقيم على الدوام‪ .‬‬ ‫‪ -4‬يسوع المسيح خّلصنا بقيامته‬ ‫"ان كان المسيح لم َيُقم‪ ،‬فإيمانكم باطل‪ ،‬وانتم بعد في خطاياكم؛ ومن ثّم فالذين‬ ‫رقدوا في المسيح أيضا قد هلكوا‪ .‬لقد خّلصنا‬ ‫المسيح بموته من الخطيئة وبقيامته من الموت‪ .‬اما في يسوع المسيح فالرسالة والكيان أمر واحد‪ ،‬فهو في‬ ‫كيانه البن الذي ل وجود له ول حياة ال من الب وللب؛ وقد كانت رسالته تعبيًرا‬ ‫وظهوًرا لكيانه‪ ،‬فعاش ومات لجل ال ولجل الخرين‪.‬فإ ّ‬ ‫وأما من أهلك نفسه من أجلي يخّلصها" )لوقا ‪ .‬والعبد ل يقيم في البيت على الدوام‪ .‬فان‬ ‫حّرركم البن كنتم في الحقيقة أحراًرا" )يو ‪.‬ولكن‪ ،‬ل‪ ،‬فإ ّ‬ ‫ن الموت كان بإنسان‪ ،‬فبإنسان أيضًا قيامة الموات‪ .‬لو لم يقم المسيح لبقيت الخطيئة‬ ‫ن الكلمة الخيرة‬ ‫مسيطرة والموت سيًدا‪ .‬لكن ال أقام يسوع مصّدقا رسالته ومعلًنا أ ّ‬ ‫‪138‬‬ .

‬وهو الذي يجددنا تجديًدا دائًما ويقود الى الكمال الخلص الذي حققه‬ ‫المسيح في حياته وموته وقيامته‪.‬‬ ‫ما هي سائر أبعاد قيامة المسيح؟ وما هو عمل الروح القدس في امتداد خلص‬ ‫المسيح في الكنيسة وفي العالم أجمع؟ هذا ما سنعالجه في الفصل الثامن‪.‬لقد اختبروا أنه‬ ‫خاصًا يجدر الموت في سبيله‪ .‬لقد‬ ‫عاش الرسل مع يسوع في حياته وشاهدوا صلبه‪ .‬فمن هم‬ ‫اّ‬ ‫شهود القيامة وكيف عّبروا عن إيمانهم بقيامة المسيح في مختلف أسفار العهد الجديد؟‬ ‫ثّم ما هي أبعاد قيامة المسيح وعلقتها بصعوده الى السماء وجلوسه عن يمين الب؟‬ ‫وأخيرًا ما هي علقة هذين الحدثين بالمجيء الثاني المجيد؟‬ ‫الِقسم الول شهود قيامة المسيح‬ ‫ان الحدث التاريخي الذي يرتكز عليه إيماننا بقيامة المسيح هو إيمان الرسل بها‪ .‬وتلك الحداث الثلثة مرتبطة‬ ‫بعضها ببعض بحيث ل يمكن أن ُيفَهم الواحد منها دون الخَرين‪.‬‬ ‫ي؟ انه ليس ههنا‪ ،‬لكنه قد قام" )لو ‪.‬ل يمكن أحدًا أن يش ّ‬ ‫آمنوا بقيامة المسيح‪ .‫هي للمغفرة ل للخطيئة‪ ،‬للمحبة ل للحقد‪ ،‬للحياة ل للموت‪" :‬فليس اًذا بعد من قضاء‬ ‫على الذين في المسيح يسوع‪ ،‬لن ناموس روح الحياة في المسيح يسوع قد حّررك‬ ‫من الخطيئة والموت" )روم ‪.(2 ،1 :8‬‬ ‫لقد قام المسيح وأرسل الينا روحه القدوس الذي يستّمر حضوره مدى التاريخ في ما‬ ‫بيننا وفي داخلنا‪ .(5 :24‬‬ ‫ن بين الموات َمن هو ح ّ‬ ‫"ِلَم تطلب َ‬ ‫بهذه الكلمات أعلن الملئكة بشرى قيامة المسيح للنسوة اللواتي جئن قبره مع فجر‬ ‫اليوم الول من السبوع‪ .‬‬ ‫حّ‬ ‫‪139‬‬ .‬‬ ‫ن يسوع "من بعد تألمه أرى نفسه حّيا" )أعمال ‪ (3 :1‬لشهود كثيرين‪ .‬وقد يقدم أحد على التهّوس لمر يتخّيله‪ ،‬ولكنة ل ُيعَقل أن يقدم‬ ‫الرسل كلهم على الشهادة حتى الموت لمٍر ما‪ ،‬إن لم يختبروا في هذا المر اختبارًا‬ ‫ن المسيح قد "أرى نفسه حّيا لهم"‪ .‬ا ّ‬ ‫ي وسمعوه يرسلهم الى التبشير وراحوا يعلنون ما اختبروا ويكرزون بما سمعوا‪.‬ا ّ‬ ‫الى السماء ومجيئه الثاني المجيد هي ثلثة أحداث تعّبر من خللها المسيحية عن‬ ‫إيمانها بمصير يسوع الناصري من بعد موته ودفنه‪ .‬وبعد أن ارتفع يسوع عن أبصار التلميذ ظهر لهم ملكان‬ ‫ن يسوع هذا‪ ،‬الذي ارتفع عنكم الى‬ ‫وقال‪" :‬ما بالكم واقفين تنظرون الى السماء؟ إ ّ‬ ‫ن قيامة المسيح وصعوده‬ ‫السماء‪ ،‬سيأتي هكذا‪ ،‬كما عاينتموه منطلقًا الى السماء"‪ .‬ومن بعد موته نسمعهم يعلنون‬ ‫ن الرسل‬ ‫ك بأ ّ‬ ‫إيمانهم بقيامته ويشهدون لهذا اليمان حتى الموت‪ .‬‬ ‫ــــــــــــــــــــــــــ‬ ‫صل الثامن ِمن قَيامة المسيح إلى مجيِئه الثاني‬ ‫الف ُ‬ ‫ل الب‪،‬‬ ‫"وقام في اليوم الثالث كما في الكُتب‪ ،‬وصعد إلى السماء وجلس عن يمين ا ِ‬ ‫وأيضًا يأتي بمجٍد عظيم ليدين الحياَء والموات‪ ،‬الذي ل فناء لملكه"‪.

.‬‬ ‫ب( الخطبة الثانية‬ ‫‪140‬‬ .‫صدة خوفًا من اليهود" )يو ‪:20‬‬ ‫قبل القيامة كانوا "مختبئين في منزل أبوابه مو َ‬ ‫‪ ،(19‬وبعد القيامة نراهم يشهدون ليمانهم أمام اللوف من اليهود المجتمعين في‬ ‫ن يسوع الذي صلبه اليهود قد أقامه ال‪ .‬كتب لوقا سفر‬ ‫أعمال الرسل حول سنة ‪ .‬لذلك يجمع‬ ‫لوقا‪ .‬ومن تلك‬ ‫أورشليم لعيد العنصرة‪ ،‬معلنين أ ّ‬ ‫ن يسوع قد‬ ‫البشارة نشأت الكنيسة التي يمكن التعريف بها انها جماعة الذين يؤمنون بأ ّ‬ ‫قام ويبنون حياتهم على هذا اليمان‪.‬فاعتمد‬ ‫الذين قبلوا كلم‪ ،‬وانضّم الى الكنيسة في ذلك اليوم ثلثة آلف نفس" )‪-22 :2‬‬ ‫‪..‬‬ ‫‪ -1‬أعمال الرسل‬ ‫نجد في سفر العمال كرازة الرسل الولى‪ .‬فلما سمعوا ذلك انصدعت قلوبهم وقالوا لبطرس ولسائر‬ ‫الرسل‪ :‬ماذا علينا أن نصنع‪ ،‬أيها الرجال الخوة؟ فقال لهم بطرس‪ :‬توبوا وليعتمد كل‬ ‫واحد منكم باسم يسوع المسيح لمغفرة خطاياكم‪ ،‬فتنالوا موهبة الروح القدس‪ ..‬لك ّ‬ ‫ن لوقا لم يختلقها اختلقًا بل استند في وضعها الى وثائق‬ ‫أهل الختصاص على أ ّ‬ ‫قديمة كتابية أو شفوية‪ .‬‬ ‫ل منها يشهد لها‬ ‫ن الكرازة بقيامة المسيح قد وصلت الينا في ثلثة مصادر‪ ،‬ك ّ‬ ‫اّ‬ ‫بطريقة خاصة‪ :‬أعمال الرسل ورسائل بولس والناجيل‪..‬في خمس خطب‪ ،‬وفي أوضاع‬ ‫وظروف مختلفة‪ ،‬نسمع بطرس ويوحنا وبولس يعلنون البشرى نفسها‪ .(41‬‬ ‫ن يسوع قد صلبه اليهود؛ ثانيًا‪ ،‬لك ّ‬ ‫ن‬ ‫ل‪ ،‬ا ّ‬ ‫يمكننا إيجاز هذه البشرى في أربع نقاط‪ :‬أو ً‬ ‫ال قد أقامه؛ ثالثًا‪ ،‬والرسل جميعا هم شهود بذلك؛ رابعًا‪ ،‬فتوبوا واعتمدوا باسمه‪..‬‬ ‫فيسوع هذا قد أقامه ال‪ ،‬ونحن جميعًا شهود بذلك‪ .‬‬ ‫أ( الخطبة الولى‬ ‫فاه بها بطرس يوم العنصرة‪" :‬ان يسوع الناصري‪ ،‬النسان الذي أّيده ال لديكم‬ ‫بالعجائب والمعجزات واليات‪ ،‬التي أجراها على يده في ما بينكم‪ ،‬كما أنتم تعلمون‬ ‫ذاك الذي أسلم بحسب مشيئة ال المحدودة وعلمه السابق‪ ،‬فقتلتموه صلبًا بأيدي‬‫الثمة‪ ،‬قد أقامه ال‪ ،‬ساحقًا قيود الموت‪ ،‬اذ لم يكن في وسع الموت أن يضبطه‪.‬فيمكننا إذن اعتبارها صدى أمينًا لكرازة الرسل في السنوات‬ ‫الولى لكنيسة أورشليم‪.‬ان يسوع هذا الذي صلبتموه أنتم‬ ‫قد جعله ال رّبا ومسيحًا‪ ..80‬فيمكننا أن نتساءل‪ :‬هل الخطب التي يضعها لوقا على‬ ‫ن دراسة نص الخطب وتصميمها‬ ‫لسان الرسل قد فاهوا بها حقًا أم هي من تأليفه هو؟ ا ّ‬ ‫ن الصيغة التي وردت فيها إلينا هي من وضع‬ ‫سع وخاتمة تشير الى أ ّ‬ ‫من استهلل وتو ّ‬ ‫ن النقد الدبي أظهر أنها تحوي عبارات مترجمة من الرامية‪ .

‬وسألوهما‪ :‬بأ ّ‬ ‫يسوع المسيح الناصري ‪-‬الذي صلبتموه أنتم‪ ،‬وأقامه ال من بين الموات‪ -‬به وقف‬ ‫هذا الرجل أمامكم متعافيًا‪ ..‬أيها البّناؤون‪ ،‬الذي قد‬ ‫صار رأسًا للزاوية‪ ،‬وما من خلص بأحد غيره‪ ،‬اذ ليس تحت السماء اسم آخر أعطي‬ ‫في الناس‪ ،‬به ينبغي أن نخلص‪ ..(19 -15 :3‬‬ ‫ج( الخطبة الثالثة‬ ‫فاه بها بطرس ويوحنا أمام رؤساء الكهنة والشيوخ والكتبة الذين قبضوا عليهما بعد‬ ‫شفائهما الُمقَعد‪" ،‬مستائين لتعليمهما الشعب وندائهما في يسوع بالقيامة من بين‬ ‫ي قّوة وباسم َمن فعلتما هذا؟ فقال لهم بطرس‪ :‬انه باسم‬ ‫الموات‪ .‬فذاك هو الحجر الذي ازدر يتموه‪ .‬فاندموا اذًا وتوبوا لكي تمحى خطاياكم" )‪.‬فقد مسحه ال بالروح القدس‬ ‫اليمان المسيحي‪ :‬ا ّ‬ ‫ن اليهود قتلوه معّلقين إّياه على خشبة‪....(39 -27 :13‬‬ ‫لقد عّبر الرسل في خطاباتهم هذه الولى عّما اختبروه بعد موت يسوع‪ ،‬عن تلك‬ ‫الحقيقة التي كانت ول تزال أساس إنشاء الكنيسة‪ ،‬والتي كّونت ول تزال تكّون جوهر‬ ‫ن يسوع المسيح هو مخّلص العالم‪ ..‬فبه قد ُب ّ‬ ‫كل ما لم تستطيعوا أن ُتبّرروا منه بناموس موسى" )‪.‬فهذا قد أنهضه‬ ‫ال في اليوم الثالث‪ ،‬وآتاه أن يظهر‪ ،‬ل للشعب كّله‪ ،‬بل لشهود قد اصطفاهم ال من‬ ‫قبل‪ ،‬لنا‪ ،‬نحن الذين أكلوا وشربوا معه بعد نهوضه من بين الموات‪ ،‬وقد أوصانا أن‬ ‫نكرز للشعب‪ ،‬ونشهد بأنه هو الذي أقامه ال دّيانا للحياء والموات‪ ،‬وله يشهد جميع‬ ‫النبياء‪ ،‬بأن كل من يؤمن به ينال باسمه مغفرة الخطايا" )‪.(20‬‬ ‫د( الخطبة الرابعة‬ ‫فاه بها بطرس أمام كرنيليوس قائد المئة‪" :‬أنتم تعلمون بما قد جرى في اليهودية‪...(43 -37 :10‬‬ ‫هـ( الخطبة الخامسة‬ ‫ألقاها بولس في مجمع اليهود في انطاكية بيسيذية‪" :‬ان القاطنين في أورشليم‬ ‫ورؤساءهم‪ ،‬اذ لم يعرفوه‪ ،‬أتّموا‪ ،‬بالقضاء عليه‪ ،‬أقوال النبياء التي تتلى في كل‬ ‫سبت‪ ،‬ومع أنهم لم يجدوا عليه عّلة للموت‪ ،‬التمسوا من بيلطس أن ُيقتل‪ ،‬واذ أتّموا‬ ‫كل ما كتب عنه‪ ،‬أنزلوه عن الخشبة‪ ،‬وجعلوه في قبر‪ ،‬لكن ال أنهضه من بين‬ ‫الموات‪ ،‬وتراءى أيامًا كثيرة للذين صعدوا معه من الجليل الى أورشليم‪ ،‬الذين هم‬ ‫شرتم بمغفرة الخطايا‪ ،‬وبه يتبّرر كل مؤمن‪ ،‬من‬ ‫الن شهوده عند الشعب‪ ...‬ونحن شهود بكل ما صنع‬ ‫في أرض اليهود وفي أورشليم‪ ،‬هو الذي قتلوه معّلقين إياه على خشبة‪ ..‫ألقاها بطرس أيضًا أمام الشعب‪ ،‬بعد شفائه مقعدًا أمام الهيكل‪ ،‬وبهد فيها النقاط‬ ‫الربع ذاتها‪" :‬لقد قتلتم ُمبِدئ الحياة‪ ،‬الذي أقامه ال من بين الموات‪ ،‬ونحن شهود‬ ‫بذلك‪ ..‬‬ ‫لأّ‬ ‫والقدرة‪ ،‬فاجتاز وهو يحسن الى الجميع‪ ،‬إ ّ‬ ‫ن ال قد أقامه‪ ،‬والرسل شهود لقيامته‪ ،‬فقد تراءى لهم وأوصاهم أن يكرزوا به‬ ‫لك ّ‬ ‫‪141‬‬ .‬‬ ‫كيف مسح ال بالروح القدس والقدرة يسوع الناصري‪ .‬إّنا ل نقدر أن ل نتكّلم بما عايّنا وسمعنا" )‪-2 :4‬‬ ‫‪.

‫ويعّمدوا باسمه لمغفرة الخطايا ومنح الروح القدس‪ .‬ثم يضيف شهادته‬ ‫الخصية‪ :‬فالمسيح القائم من بين الموات تراءى آخر الكل له أيضًا‪ .(14 :4‬‬ ‫‪ -3‬الناجيل‬ ‫نجد أيضًا شهادات كثيرة لقيامة المسيح في الناجيل الربعة التي تعود الى الثلث‬ ‫الخير من القرن الول‪ .‬‬ ‫‪ -2‬رسائل بولس‬ ‫ن أقدم شهادة لقيامة المسيح نجدها في رسالة بولس الولى الى الكورنثيين التي‬ ‫اّ‬ ‫شرتكم‬ ‫ُكتب في ربيع سنة ‪ ..‬فالثنا عشر وبولس يقتصرون على تأكيد تلك القيامة‬ ‫كحقيقة ل جدل فيها‪ ،‬بها يحيون ولها يشهدون حتى الموت‪ ،‬ويعلنون معناها استنادًا‬ ‫الى الكتاب المقدس‪ .‬فإني قد سّلمت اليكم ما قد تسّلمت أنا نفسي‪ :‬ان المسيح قد مات‬ ‫من أجل خطايانا‪ ،‬على ما في الكتب؛ وانه ُقِبر‪ ،‬وانه قام في اليوم الثالث على ما في‬ ‫الكتب‪ ،‬وانه تراءى لكيفا ثم للثني عشر؛ ثم تراءى لكثر من خصص مئة أخ معًا‬ ‫ق حتى الن وبعضهم رقدوا‪ -‬ثم تراءى ليعقوب‪ ،‬ثم لجميع الرسل؛ وآخر‬ ‫أكثرهم با ٍ‬‫سقط )‪ 1‬كور ‪.‬النجيل الذي ب ّ‬ ‫به‪ ..56‬يقول فيها‪ُ" :‬أذّكركم‪ ،‬أيها الخوة‪ .‬‬ ‫ل لحداث قيامة‬ ‫صً‬ ‫ل نجد في سفر أعمال الرسل ول في رسائل بولس وصفًا مف ّ‬ ‫المسيح وظهوراته لتلميذه‪ .‬فإنجيل مرقس ُكتب سنة ‪67‬؛ وانجيل لوقا بين ‪ 70‬و ‪،80‬‬ ‫وانجيل متى اليوناني الذي بين أيدينا‪ ،‬وقد ُترجم عن انجيل آرامي مفقود‪ُ ،‬كتب حول‬ ‫ن هذه الناجيل قد دّونت ما‬ ‫لأّ‬ ‫سنة ‪ ،80‬وأخيرًا انجيل يوحنا ُكتب حول سنة ‪ .‬تلك الشهادة قد تسّلمها بولس في دمشق عند ارتداده‪،‬‬ ‫وكان ذلك سنة ‪ 35 -34‬أي خمس سنوات بعد قيامة المسيح‪ .‬كل من يؤمن به ينال البّر‬ ‫والخلص‪.‬وهذا الترائي‬ ‫يرويه سفر أعمال الرسل )‪ :(9 -3 :9‬نور من السماء أبرق حول بولس وسمع‬ ‫صوت المسيح يقول له‪" :‬أنا يسوع الذي تضطهده!"‪.(9 :10‬إن كنا نؤمن أن‬ ‫يسوع قد مات ثم قام‪ ،‬فلنؤمن كذلك أن الذين رقدوا في يسوع سيحضرهم ال معه" )‬ ‫‪ 1‬تسا ‪.‬‬ ‫تلك هي الشهادة الجوهرية التي نجدها أيضًا في رسائل بولس‪.‬وبه تخّلصون‪ .‬فقيامة المسيح هي ينبوع خلص للنسان على هذه الرض‬ ‫ب‪ ،‬وآمنت في قلبك‬ ‫ن يسوع هو ر ّ‬ ‫وعربون قيامته بعد الموت‪" :‬ان اعترفت بفمك أ ّ‬ ‫أن ال قد أقامه من بين الموات‪ ،‬فإنك تخلص" )روم ‪" .(8 -1 :15‬‬ ‫الكل‪ ،‬تراءى لي أنا أيضًا كأّنما لل ّ‬ ‫ن المسيح مات وُقبر وقام‬ ‫يقول بولس انه سّلم الى الكورنثيين ما تسّلمه هو نفسه‪" :‬ا ّ‬ ‫وتراءى لبطرس وسائر الرسل"‪ .95‬إ ّ‬ ‫‪142‬‬ ...

(12 :16‬وتذكر‬ ‫الناجيل الربعة ترائي يسوع للرسل كلهم معًا‪ ،‬وينفرد لوقا في ذكر ظهور خاص‬ ‫لبطرس )‪.(34 :24‬‬ ‫ن هذه الختلفات تبقى ثانوية بالنسبة الى ما يتفق عليه النجيليون الربعة في‬ ‫اّ‬ ‫ن يسوع قد تراءى‬ ‫كرازتهم بقيامة المسيح‪ .‬‬ ‫ل اختلف في تحديد النسوة اللواتي ذهبن الى القبر‪" :‬مريم المجدلية‬ ‫فهنالك أو ً‬ ‫ومريم الخرى"‪ ،‬حسب متى )‪" ،(1 :28‬مريم المجدلية ومريم أِم يعقوب‬ ‫وصالومي"‪ ،‬حسب مرقس )‪(1 :16‬؛ "مريم المجدلية وحنة ومريم أم يعقوب وُأخر‬ ‫ن"‪ ،‬حسب لوقا )‪ (10 :24‬الذي يضيف أيضًا بطرس الرسول )‪:24‬‬ ‫ن معه ّ‬ ‫كّ‬ ‫‪(12‬؛ "مريم المجدلية" وحدها‪ ،‬ثم "بطرس والتلميذ الخر"‪ ،‬حسب يوحنا )‪،1 :20‬‬ ‫‪.‬‬ ‫سع في هذه المور الثلثة لنرى كيف عّبر النجيليون عن إيمان الكنيسة‬ ‫سنتو ّ‬ ‫الولى بقيامة المسيح‪.‬وتلك الكرازة تشمل ثلثة أمور‪ :‬أّول‪ ،‬ا ّ‬ ‫ن الرسل قد آمنوا أ ّ‬ ‫ن‬ ‫من بعد موته للرسل الحد عشر وبعض النسوة والتلميذ‪ ،‬ثانيًا؛ ا ّ‬ ‫ي مع الب؛ ثالثًا‪ ،‬القبر الذي ُدفن فيه يسوع‬ ‫يسوع قام من بين الموات وهو الن ح ّ‬ ‫ُوجد في اليوم الثالث فارغًا من جسده‪.(3‬‬ ‫هناك أيضًا اختلف في تحديد الشخاص الذين ظهر لهم المسيح‪ :‬النسوة‪ ،‬حسب‬ ‫متى )‪(9 :28‬؛ مريم المجدلية وحدها‪ ،‬حسب مرقس )‪ (9 :16‬ويوحنا )‪:20‬‬ ‫‪(14‬؛ تلميذا عّماوس‪ ،‬حسب لوقا )‪ (13 :24‬ومرقس )‪ .(23 -19 :20‬في هذه النصوص يبّين النجيليون أن‬ ‫الكرازة بقيامة المسيح مبنية على ترائي المسيح للرسل الحد عشر‪ ،‬فهم الشهود‬ ‫‪143‬‬ .‬‬ ‫أ( يسوع تراءى لتلميذه‬ ‫نوعان من الترائيات‬ ‫يذكر النجيليون نوعين من ترائيات يسوع لتلميذه من بعد قيامته‪ :‬ترائيات‬ ‫شخصية لبعض الفراد‪ ،‬كتلميذي عّماوس )لو ‪ (35 -13 :24‬ومريم المجدلية )يو‬ ‫‪ ،(18 -11 :20‬وهذه الترائيات تعّبر عن الختبار الشخصي لقيامة المسيح الذي‬ ‫يختبره المؤمنون لدى سماعهم كلمة ال وتناولهم عشاء الرب في الفخارستيا؛ ثّم‬ ‫ترائي جماعي للرسل الحد عشر )متى ‪20 -16 :28‬؛ مر ‪18 -15 :16‬؛ لو‬ ‫‪53 -36 :24‬؛ يو ‪ .‬‬ ‫ل بما فيها من اختلف‬ ‫ن من يقرأ سيرة قيامة المسيح في هذه الناجيل يصطدم أو ً‬ ‫اّ‬ ‫في سرد الحداث التي رافقت هذا الحدث الساسي في اليمان المسيحي‪.‫شرون به منذ قيامة المسيح‪ ،‬مستندة في ذلك الى تقاليد شفوية والى‬ ‫كان الرسل يب ّ‬ ‫مجموعات كتابية من أقوال يسوع وأحداث حياته وسيرة آلمه وقيامته‪.

‬وهذا يذّكرنا‬ ‫ن يسوع هو‬ ‫بعظة يسوع على الجبل التي أعلن فيها شريعته الجديدة )متى ‪ .‬‬ ‫ن الب‬ ‫فالرسالة التي يكلها يسوع إلى تلميذه هي ذاتها التي تلّقاها من الب‪" :‬كما أ ّ‬ ‫أرسلني كذلك أنا ُأرسلكم"‪ .‬‬ ‫التلميذ هنا ليسوع‪ ،‬فإنه هو ر ّ‬ ‫ن يسوع‬ ‫أّما في لوقا )‪ (49 -36 :24‬فالمر الهام الذي يرّكز الهتماُم عليه هو ا ّ‬ ‫سر لتلميذه الكتب ويزيل الشك من قلوبهم ويعدهم بأن يرسل اليهم الروح القدس‪.‬وفي رواية هذا الترائي‬ ‫يؤّكد كل انجيلي ناحية خاصة من سّر المسيح‪.‬‬ ‫وهذه اللفظة يستعملها لوقا في ترائي المسيح لبطرس )لو ‪ ،(34 :24‬وترد في‬ ‫مواضع مختلفة من العهد القديم‪ :‬في الحديث عن ترائي ال لبراهيم )"يتراءى الرب‬ ‫لبرام"‪ :‬تك ‪7 :12‬؛ ‪ ،(1 :17‬ولمنوح وزوجته في سفر القضاة )"ولم يعد ملك‬ ‫الرب يتراءى لمنوح وزوجته"‪ :‬قض ‪ ..‬‬ ‫يف ّ‬ ‫وبواسطة حضور الروح القدس يتحقق وعد يسوع‪ ،‬الذي تحدث عنه انجيل متى‪" ،‬بأن‬ ‫يكون مع تلميذه كل اليام الى انقضاء الدهر"‪.‬ثم يعطيهم الروح القدس وسلطان مغفرة الخطايا‪ ..‬ثم ترائى ليعقوب ثم لجميع الرسل‪،‬‬ ‫وآخر الكل تراءى لي أنا أيضًا" )‪ 1‬كور ‪ .‬‬ ‫ففي متى )‪ (20 -16 :28‬يتراءى يسوع لتلميذه على جبل الجليل‪ .‬ولكن بينما سجد موسى ل على جبل سيناء‪ ،‬يسجد‬ ‫ب المجد وابن البشر الذي دفع اليه ال كل سلطان‪.‬‬ ‫تبدو رسالة الكنيسة دخو ً‬ ‫كيف تراءى يسوع لتلميذه؟‬ ‫ان اللفظة التي استعملها بولس للتعبيرعن اتصال المسيح بتلميذه من بعد قيامته هي‬ ‫فعل "تراءى"‪" :‬تراءى لكيفا ثم للثني عشر‪ .(21 :13‬ونجد أيضًا هذه اللفظة في مختلف‬ ‫أسفار العهد الجديد‪ :‬فلك الرب تراءى لزخريا وهو في الهيكل )لو ‪ ،(11 :1‬وفي‬ ‫تجلي يسوع على جبل ثابور تراءى موسى وايليا في مجد للتلميذ )لو ‪31 :9‬؛ مر‬ ‫‪4 :9‬؛ متى ‪(3 :17‬؛ وفي نزاع يسوع في بستان الزيتون تراءى له ملك من‬ ‫السماء ليشّدده )لو ‪(43 :22‬؛ ويوم العنصرة تراءت للرسل ألسنة منقسمة كأنها من‬ ‫نار )أعمال ‪ ،(3 :2‬وهناك نشيد قديم يستخدمه بولس في رسالته الولى الى‬ ‫تيموثاوس يتكلم عن يسوع الذي تراءى للملئكة )‪ 1‬تيم ‪.‬وهكذا‬ ‫ل في سّر الثالوث القدس‪.(1 :5‬فإ ّ‬ ‫موسى الجديد الذي يطلب من تلميذه أن يعّلموا جميع المم وصاياه الجديدة ويعّمدوهم‬ ‫باسم الب والبن والروح القدس‪ .(16 :3‬‬ ‫‪144‬‬ .‫الرسميون للقيامة وإليهم وكل المسيح رسالة التبشير باسمه‪ .‬‬ ‫وأّما في يوحنا )‪ (39 -19 :20‬فيدور الموضوع حول متابعة رسالة المسيح‪.(8 -1 :15‬وصيغة الفعل اليونانية‬ ‫المستعملة هنا تعني بالحرى "أرى نفسه"‪.

‬فهل‬ ‫يختلف هذا الترائي عن سائر الترائيات التي يذكرها الكتاب المقدس في العهد القديم‬ ‫وفي العهد الجديد؟ وهل يختلف عن ترائيه لبولس على طريق دمشق؟ ففي رواية هذا‬ ‫الترائي يذكر سفر أعمال الرسل ان مرافقي بولس "سمعوا صوتًا‪ ،‬لكنهم لم يروا‬ ‫ل أّنهم لم يفقهوا صوت‬ ‫أحدًا" )أعمال ‪ ،(7 :9‬وفي موضع آخر اّنهم "رأوا النور‪ ،‬إ ّ‬ ‫الذي يكّلمه" )أعمال ‪ .(43 -41 :24‬وفي‬ ‫ي‪ ،‬وهات‬ ‫انجيل يوحنا‪ ،‬عندما يظهر لتوما يقول له‪" :‬هات إصبعك الى ههنا وانظر يد ّ‬ ‫يدك وضعها في جنبي‪ ،‬ول تكن غير مؤمن بل مؤمنًا" )يو ‪.‬‬ ‫نفسه الذي ُ‬ ‫ن يسوع قد قام‬ ‫ب( الرسل آمنوا أ ّ‬ ‫اليمان اختبار شخصي‬ ‫‪145‬‬ .‬فأخذ وأكل أمامهم" )لو ‪ .‬فيسوع هو صاحب المبادرة في إظهار نفسه‪.‬‬ ‫قد يعترض البعض قائلين‪ :‬ولكن هناك مقاطع في النجيل تدل على عكس ذلك‪:‬‬ ‫"واذ كانوا بعد غير مصّدقين من الفرح‪ ،‬منذهلين‪ ،‬قال لهم‪" :‬هل عندكم ههنا طعام؟"‬ ‫فقّدموا له قطعة من السمك المشوي‪ .‬‬ ‫ن استعمال هذه اللفظة في ترائيات يسوع لتلميذه من بعد قيامته يشير الى أمرين‪:‬‬ ‫اّ‬ ‫ن ظهور المسيح لتلميذه من بعد قيامته ليس توهمًا‬ ‫المر الول هو الصرار على أ ّ‬ ‫حصل للتلميذ ول نسجًا من خيالهم‪ .(27 :20‬‬ ‫ل يمكننا قراءة هذه النصوص قراءة مادية حرفية‪ ،‬بل يجب البحث من خللها عن‬ ‫ن الرسل ليسوا أمام وهم‬ ‫ل على أ ّ‬ ‫هدف النجيليين وهو هدف مزدوج‪ :‬الصرار أو ً‬ ‫جماعي ول أمام تخيل شخصي‪ ،‬فقد يتخّيلون وجود روح أمامهم ولكّنهم ل يستطيعون‬ ‫ن يسوع حقًا أمامهم في روحه وفي‬ ‫ان يتخّيلوا انسانًا له لحم وعظم ويأكل أمامهم‪ ،‬فإ ّ‬ ‫ن يسوع الذي ظهر للرسل هو‬ ‫جسده أي في كامل شخصه؛ والصرار ثانيًا على ا ّ‬ ‫صلب‪ ،‬وهذا معنى الشارة الى آثار المسامير في يديه والحربة في جنبه‪.‬‬ ‫أّما المر الثاني فيتعّلق بكيفّية تصّور الحالة التي تراءى فيها يسوع لتلميذه‪ .‫وهناك تفسير لترائي ال لبراهيم نقرأه في كتابات الفيلسوف اليهودي فيلون‬ ‫ن ال هو الذي أرى نفسه‬ ‫السكندري يقول فيه‪" :‬ليس ابراهيم هو الذي رأى ال‪ ،‬بل ا ّ‬ ‫لبراهيم"‪.(9 :22‬فهل كان ترائي المسيح ترائيًا ماديًا بحيث يمكن‬ ‫التقاطه بآلة تصوير أو يستطيع أي انسان غير مؤمن أن يشاهده؟‬ ‫ن ترائيات يسوع لتلميذه من‬ ‫سري الكتاب المقدس الى القول بأ ّ‬ ‫يتجه اليوم معظم مف ّ‬ ‫بعد قيامته لم تكن ترائيات مادية يمكن تيّقنها بأعين الجسد المادي‪ ،‬بل ترائيات روحية‬ ‫ل يمكن رؤيتها إل بأعين اليمان‪.‬فالتلميذ اذًا لم يكونوا ضحية أوهام وتخيلت عندما شهدوا أ ّ‬ ‫لهم حيًا بعد قيامته‪.‬‬ ‫ن ال الحي قد أرى نفسه‬ ‫ي‪ ،‬كما أ ّ‬ ‫وبما أنه قد أرى نفسه للتلميذ فهذا يعني أنه ح ّ‬ ‫ن يسوع تراءى‬ ‫لبراهيم‪ .

(46 -44 :24‬‬ ‫ان اليمان ل يستند الى وقائع مادية يمكن تحققها بالوسائل العلمية الخارجة عن‬ ‫النسان‪ ..‬‬ ‫ن الرسل آمنوا بقيامة المسيح‪ ،‬ونحن أيضًا نؤمن اليوم بقيامته‪ .‬ففي‬ ‫يؤّكد جميع النجيليين أ ّ‬ ‫ترائي يسوع لتوما يقول له‪" :‬أفلنك رأيت آمنت؟ طوبى للذين يؤمنون ولم يروا!"‬ ‫)يو ‪ ،(29 -27 :20‬وفي إنجيل لوقا يفتح يسوع أذهان تلميذه ليؤمنوا استنادًا الى‬ ‫الكتاب المقدس‪" :‬ثم قال لهم‪ :‬ذلك ما قلت لكم اذ كنت بعد معكم‪ ،‬اّنه ل بد أن يتّم‬ ‫جميع ما كتب عني في ناموس موسى‪ ،‬وفي النبياء والمزامير"‪ ..‬هذا الوحي ل ولمجده هو الساس‬ ‫ن اليمان هو اختبار ال غاية الحياة‬ ‫الحقيقي لليمان الفصحي ولليمان بوجه عام‪ ،‬ل ّ‬ ‫وهدفها‪ .‬فالرسل لم يتحققوا‬ ‫حدث القيامة استنادًا الى براهين علمية خارجية‪ .‬‬ ‫لقد آمنوا بحضور ال في شخص يسوع المسيح‪ ،‬وآمنوا أن ال قد أقام يسوع وسحق‬ ‫الموت‪.‬ا ّ‬ ‫ن ما تراءى للرسل هو ضياء مجد ال على‬ ‫بشكل نهائي في يسوع المسيح بموته‪ .‬فهل من فرق بين‬ ‫إّ‬ ‫إيمان الرسل وإيماننا نحن؟‬ ‫اليمان اختبار شخصي‪ ،‬والختبار الشخصي يصعب التعبير عنه‪ .‬فإن دخل انسان غير مؤمن ل‬ ‫يعرف شيئًا عن المسيحية الى مكان يؤّدي فيه المسيحيون شعائر العبادة‪ ،‬شعر‪ ،‬من‬ ‫ن الرب يسوع حاضر‬ ‫ن أمرًا ما يجري‪ .‬‬ ‫كل ما نستطيع قوله عن اختبار الرسل لقيامة المسيح هو أنهم لقوا المسيح من بعد‬ ‫ي وأنه حاضر بينهم‪.‬وهذا اليمان ل يمكن أن يستند الى أحداث وبراهين خاصة‪ ،‬بل الى أمانة ال‬ ‫وحقيقته اللتين تفرضان نفسيهما على النسان"‪.‬ترائيات يسوع هي الوحي السكتولوجي‪ ،‬الوحي الخير‪ ،‬الذي به‬ ‫يوحي ال بذاته‪ .‬فال هو الذي يكشف ذاته‪ ،‬ويكشف مجده على وجه يسوع المسيح‪ .‬انه نور داخلي يمل النسان يقينًا بحضور ال وقدرته‪ .‬وبقدر ما يكون‬ ‫الختبار شخصيًا وعميقًا‪ ،‬بقدر ذلك يصعب التعبير عنه وإبلغه بكل أبعاده للخرين‪.‬ما‬ ‫رآه التلميذ هو مصلوب البارحة في مجد ال‪ .‬ا ّ‬ ‫‪146‬‬ .‬ا ّ‬ ‫وجه المصلوب‪ .‬انهم أوائل َمن آمنوا بقيامة المسيح‪.‬وان سألهم عنه أجابوا‪ :‬ا ّ‬ ‫خلل موقفهم‪ ،‬أ ّ‬ ‫ن هذا‬ ‫بيننا‪ ،‬وهو يدعونا الى مائدته‪ ،‬ونحن نأكل معه ونستمع إليه ونخاطبه‪ .‬‬ ‫ن المسيح ح ّ‬ ‫موته في لقاء شخصي واختبروا اختبارًا جديدًا ا ّ‬ ‫اختبارنا نحن ل يختلف في أبعاده عن إيمان الرسل‪" .‬عندئذ فتح أذهانهم‬ ‫ليفهموا الكتب‪ ،‬وقال لهم‪" :‬هكذا ُكِتب‪ :‬انه ينبغي للمسيح أن يتأّلم‪ ،‬وأن يقوم من‬ ‫الموات في اليوم الثالث" )لو ‪.‬‬ ‫يقول أحد اللهوتيين المعاصرين‪" :‬ان اللقاء مع المسيح القائم هو‪ ،‬في نظر العهد‬ ‫ن ما ظهر للرسل هو حقيقة ملكوت ال الذي جاء‬ ‫الجديد‪ ،‬لقاء مع ال واختبار ل‪ .‬‬ ‫اننا نجد بعض الصعوبة للتعبير عن اختبارنا التعبير الملئم‪ ،‬فكم بالحرى يصعب‬ ‫علينا إدراك اختبار الرسل والتعبير عنه تعبيرًا مطابقًا تمام المطابقة للواقع‪.‫ن اليمان عنصر أساسي في ترائي المسيح لرسله‪ .

‬وهذا المر ل نقدر عليه نحن‪ .‬فلكي نتحقق صدق‬ ‫ن الختبار نفسه هو واحد في كلتا‬ ‫كأّ‬ ‫اختبارنا ل بّد لنا أن نقارنه باختبار الرسل‪ .‬ولك ّ‬ ‫ن الختبار‬ ‫ل أصبح توهمًا وتخّيل‪ .‬ل ش ّ‬ ‫ن الرجوع الى الماضي الذي يثّبته‬ ‫الحالتين ول يختلف أساسًا في عمق أبعاده‪ ،‬لك ّ‬ ‫ويصّدقه يختلف‪ :‬إّنه حياة يسوع بالنسبة الى الرسل‪ ،‬واختبار الرسل بالنسبة إلينا"‪.‬إ ّ‬ ‫أن يكون اختبارًا لشيء خارج عن النسان‪ ،‬وإ ّ‬ ‫هو حتمًا لقاء بين النسان وموضوع متمّيز عنه‪.‬فترائي المسيح وإيمان‬ ‫ن المسيح تراءى للرسل‪ ،‬والرسل آمنوا بأّنه ح ّ‬ ‫قلنا ا ّ‬ ‫الرسل هما أمران يجب التمييز بينهما‪ ،‬ولكن دون فصل أحدهما عن الخر‪.‬لقد سبقوا وتعّرفوا اليه مدة حياته الرضية‪ ،‬فبإمكانهم أن‬ ‫اّ‬ ‫ن اختبار القائم من بين الموات الذي يختبرونه الن يطابق اختبار يسوع‬ ‫يتحّققوا أ ّ‬ ‫الرضي الذي اختبروه من قبل‪ .‬بين هذين‬ ‫التفسيرين‪ :‬التفسير الذي ل يرى في القيامة إل إيمان الرسل بها‪ ،‬والتفسير الذي‬ ‫يفصل القيامة عن إيمان الرسل‪ ،‬هناك مجال لتفسير آخر يمّيز ظهورات المسيح عن‬ ‫إيمان الرسل دون أن يفصل بينهما‪ .‬‬ ‫ن المسيح ح ّ‬ ‫نؤمن أ ّ‬ ‫ن الكنيسة هي جماعة المؤمنين الذين يتناقلون شهادة الرسل بقيامة المسيح‬ ‫إّ‬ ‫ي وأّنه بروحه حاضر في‬ ‫ويحّققونها في حياتهم‪ ،‬ويشهدون بدورهم أن المسيح ح ّ‬ ‫العالم وفي تاريخ البشر ‪.‬وعلى عكس ذلك‪ ،‬دون قيامة يسوع نفسه ل‬ ‫ن الحدث الفصحي هو الختبار الفصحي الذي اختبره‬ ‫وجود لختبار فصحي‪ .‫ن هناك فرقًا‪ :‬يقال في هذه الروايات‬ ‫الجواب يشبه شبهًا مدهشًا روايات النجيليين‪ .‬‬ ‫ن المسيح لم يتراَء لرسله‪ ،‬إنما هم آمنوا‬ ‫نقرأ في بعض كتب اللهوت المعاصرة أ ّ‬ ‫به وآمنوا أّنه قد قام‪ ،‬وما ظهورات المسيح إل تعبير بأسلوب روائي عن إيمان الرسل‬ ‫بقيامته‪ .‬دون اختبار اليمان المسيحي ينقصنا‬ ‫العنصر القادر على إدراك المسيح القائم‪ .‬‬ ‫ن إيماننا نحن يستند الى إيمان الرسل‪ :‬استنادًا الى إيمانهم واختبارهم نحن أيضًا‬ ‫إّ‬ ‫ي‪ ،‬ونفتح قلوبنا لنلقيه ونحيا من حياته‪.‬‬ ‫ن الختبار ل بّد‬ ‫يرتكز هذا التفسير على اعتبار اليمان اختبارًا روحيًا شخصيًا‪ .‬ان هذا التفسير هو رّدة فعل على التفسير الذي يعتبر ظهورات المسيح أمورًا‬ ‫موضوعية يمكن فصلها عن اليمان وتحّققها ببراهين علمية ثابتة‪ .‬وهذا التفسير يبدو لنا أقرب الى حقيقة ال وحقيقة‬ ‫النسان في آن واحد‪.‬إ ّ‬ ‫‪147‬‬ .‬‬ ‫العلقة بين الظهورات واليمان‬ ‫ي‪ .‬‬ ‫في هذا يقول أحد اللهوتيين المعاصرين‪" :‬يجب أل نفصل "الموضوع" )أي قيامة‬ ‫يسوع وارتفاعه الى عند الب اللذين حدثا في الواقع( عن "الذات" )أي اختبار‬ ‫اليمان كما تعّبر عنه روايات الظهورات(‪ .‬لك ّ‬ ‫ن الرسل عرفوا انه يسوع‪ .

..(1 :20‬‬ ‫ثم يّتفق النجيليون في ذكر القبر الفارغ‪ :‬لّما وصلت النسوة الى القبر وجدن الحجر‬ ‫الذي كان على باب القبر قد ُدحرج‪ ،‬ودخلن القبر ولم يجدن جسد يسوع‪ .‬وهذا يفرض أن تكون قيامة يسوع هي في الوقت نفسه حضوره السماوي في‬ ‫صائه الذين على الرض هما‬ ‫ن قيامة يسوع وحضوره السماوي بين أخ ّ‬ ‫ما بيننا‪ .(5 :16‬هذا الشاب يقول عنه متى انه "ملك الرب انحدر من السماء‪،‬‬ ‫وأتى ودحرج الحجر وجلس عليه‪ ،‬وكان منظره كالبرق ولباسه أبيض كالثلج" )متى‬ ‫‪ .‬‬ ‫ج( القبر الفارغ‬ ‫وهذان الوجهان هما ما تؤّكدهما الناجيل في إطار روائي في روايات القبر الفارغ‪.‬‬ ‫ن بعض النسوة أتين القبر "في اليوم الول من السبوع"‪ .‫ن يسوع الذي عاشوا معه هو وحده المسيح المخّلص‬ ‫التلميذ )أي إّنهم اختبروا أ ّ‬ ‫ن منبع هذا الختبار هو المسيح القائم‪.(3 -2 :28‬أما لوقا فيتكلم عن "رجلين عليهما ثياب بّراقة" )لو ‪ ،(4 :24‬ويوحنا‬ ‫عن "ملكين بثياب بيض" )يو ‪.‬أّما‬ ‫يروي النجيليون ا ّ‬ ‫ن النسوة أتين‬ ‫سبب مجيئهن الى القبر فيختلف حسب الروايات‪ :‬فمرقس يقول‪" :‬ا ّ‬ ‫"ليحّنطن يسوع" )مر ‪ ،(1 :16‬وكذلك لوقا‪" :‬جئن مع الفجر الى القبر يحملن‬ ‫الحنوط الذي أعددنه" )لو ‪(1 :24‬؛ أّما متى فيقول‪" :‬لما انقضى السبت‪ ،‬عند فجر‬ ‫اليوم الولى من السبوع‪ ،‬جاءت مريم المجدلية ومريم الخرى لتنظرا القبر" )متى‬ ‫‪ ،(1 :28‬وكذلك يوحنا ل يذكر شيئًا عن الحنوط )يو ‪.‬فالوجه الخر الملزم لتلك الخبرة هو أ ّ‬ ‫مجد الب‪.‬‬ ‫‪148‬‬ .‬ا ّ‬ ‫ن التلميذ ل يعرفون ما حدث ليسوع نفسه‪ ،‬أي انه قد‬ ‫وجهان لحقيقة واحدة‪ ،‬بحيث إ ّ‬ ‫ل من خلل حضوره من جديد في ما بينهم وبواسطة هذا الحضور"‪.‬‬ ‫النهائي للبشر(‪ ،‬ولك ّ‬ ‫ن ال‬ ‫ن ال قد أقامه من بين الموات‪ ،‬بل أيضًا ا ّ‬ ‫"وقيامة المسيح ل تعني فقط ا ّ‬ ‫صاؤه الذين يجتمعون من جديد ويصبحون‬ ‫يعطيه جماعة يكون فيها حاضرًا‪ :‬أخ ّ‬ ‫كنيسته‪ .‬‬ ‫قام‪ ،‬إ ّ‬ ‫يرى هذا اللهوتي ان ترائيات المسيح للرسل تعني في الواقع خبرة إيمان الرسل‬ ‫ن تلك الخبرة ليست سوى وجه واحد لحقيقة‬ ‫ل أنه يضيف ا ّ‬ ‫لحضور المسيح بينهم‪ ،‬إ ّ‬ ‫ن يسوع قد قام‪ ،‬أي اّنه قد دخل في‬ ‫القيامة‪ .‬ولتفسير‬ ‫ن "شاب جالس الى اليمين‪ ،‬عليه لباس أبيض"‪ ،‬يقول‬ ‫حدث القبر الفارغ‪ ،‬يظهر له ّ‬ ‫مرقس )مر ‪ .(12 :2‬‬ ‫هل هذه الرواية تاريخية بكل تفاصيلها؟ هل أتت النسوة الى القبر لتحنيط جسد‬ ‫ن ملئكة‪ ،‬بثياب بيض؟ هل وجدن القبر حقًا فارغًا‬ ‫يسوع أم لرؤية القبر؟ هل ظهر له ّ‬ ‫من جسد يسوع؟ في الجابة على هذه السئلة يجب التمييز بين فراغ القبر من جسد‬ ‫يسوع ورواية هذا الحدث كما ورد في الناجيل‪.

‬‬ ‫جون الى قبر يسوع‪ ،‬الى قبر فارغ‪،‬‬ ‫تمشيًا مع هذه العادة كان المسيحيون الّولون يح ّ‬ ‫ويعلنون إيمانهم بقيامته‪ .‬لكن هذا التحنيط يتخذ معناه الحقيقي اذا فهمناه كتمهيد أدبي لعلن قيامة‬ ‫ي قد‬ ‫المسيح‪ :‬جاءت النسوة الى القبر ليحّنطن يسوع أي ليبقينه في الموت‪ ،‬فاذا هو ح ّ‬ ‫ن لبعض "من يدحرج لنا الحجر عن باب‬ ‫ن بعضه ّ‬ ‫تغّلب على الموت‪ .‬كذلك قوله ّ‬ ‫ن المسيح لم ُيغَلق عليه في‬ ‫القبر" ليس سوى صيغة أدبية وسؤال تمهيدي للتأكيد أ ّ‬ ‫القبر بل ُأخرج بقدرة ال الى الحياة‪ ،‬إذ ل حجر مهما كان كبيرًا ول حاجز مهما كان‬ ‫عظيمًا يستطيع أن يمنع قدرة ال من أن تعتلن وتنهض يسوع من الموت‪.‬‬ ‫ن فراغ القبر ليس في ذاته برهانًا على قيامة المسيح‪ .‬انه ل يأخذ هذا المعنى إلّ‬ ‫ثّم ا ّ‬ ‫ن تلميذه جاءوا لي ً‬ ‫ل‬ ‫على ضوء اليمان‪ .‬لّم وانظرن الموضع الذي كان مضجعًا فيه‪ .(13 :20‬‬ ‫ان فراغ القبر يحتاج الى تفسير‪ ،‬وهذا التفسير يصفه النجيليون على لسان‬ ‫الملئكة‪ .‬من هنا نشأت رواية أولى‪ ،‬أعاد كل من النجيليين النظر فيها‬ ‫على طريقته وعّبر من خللها عن فكره اللهوتي‪ .(7‬‬ ‫‪149‬‬ .‬فرسالة الملئكة في الكتاب المقدس تقوم على إعلن ارادة ال وتفسير معنى‬ ‫خل ال في حياة البشر‪ .‬متى ‪ ،(13 :28‬أو كما قالت مريم المجدلية‪" :‬أخذوا سيدي ول‬ ‫أدري أين وضعوه" )يو ‪.‬انها ليست روايات تاريخية بقدر‬ ‫ما هي روايات لهوتية‪ .‬فهناك ترونه" )متى ‪-5 :28‬‬ ‫‪.‬هذا ما يقوم به الملئكة الى جانب‬ ‫الحداث والتشديد على تد ّ‬ ‫ن تبشير الرسل بذلك‪:‬‬ ‫قبر المسيح‪ :‬يعلنون للنسوة قيامة يسوع ويطلبون منه ّ‬ ‫ن! اني أعلم أّنكن تطلبن يسوع المصلوب‪ .‬لذلك تتضّمن‪ ،‬الى جانب شهادة اليمان بقيامة المسيح‪،‬‬ ‫عناصر ل يمكن تفسير ها تفسيرًا ماديًا وحرفيًا‪.‫ن فراغ القبر من جسد يسوع تقليد قديم في أورشليم وأمر يجمع عليه النجيليون‬ ‫اّ‬ ‫سري الكتاب المقدس اليوم ل يقّرون بتاريخية هذا‬ ‫الربعة‪ .‬ثم امضين في سعة‪ ،‬وقلن لتلميذه‪:‬‬ ‫انه قد قام من بين الموات‪ ،‬وانه يسبقكم الى الجليل‪ .‬أّما غير المؤمن فقد يقول كما قال اليهود‪" :‬ا ّ‬ ‫وسرقوه!‪) ".‬لذلك‪ ،‬وان كان بعض مف ّ‬ ‫ل أن معظم‬ ‫التقليد ويعتبرونه أمرًا رمزيًا للدللة على دخول المسيح في حياة ال‪ ،‬إ ّ‬ ‫سرين واللهوتيين يقولون انه لو لم يوجد القبر في الواقع فارغًا لما نشأ هذا التقليد‬ ‫المف ّ‬ ‫القديم ول استطاع أن يثبت ويصمد‪.‬‬ ‫فمجيء النسوة الى القبر ليحّنطن ميتًا ُدفن منذ ثلثة أيام‪ ،‬كما يقول مرقس ولوقا‪،‬‬ ‫يناقض كل التقاليد اليهودية ول يتلءم مع ما هو معروف عن المناخ الحار في‬ ‫فلسطين‪ ..‬انه ليس ههنا‪ :‬فقد قام كما‬ ‫"ل تخفن أنت ّ‬ ‫قال‪ ..‬‬ ‫سرين أنها نشأت من عادة قديمة عند‬ ‫اما رواية هذا الحدث فقد افترض بعض المف ّ‬ ‫اليهود كانت تقضي بزيارة قبور النبياء والصّديقين والقرباء للذكرى والصلة‪.

‬فاذهبن الن‪ ،‬وقلن لتلميذه‪ ،‬ولبطرس‪ :‬انه يسبقكم‬ ‫دونك ّ‬ ‫الى الجليل؛ فهناك ترونه‪ ،‬كما قال لكم" )مر ‪.‬‬ ‫"ل ترتعدن‪ .‬فمن أورشليم سينطلق الرسل للكرازة بالنجيل‬ ‫"في جميع اليهودية والسامرة والى أقاصي الرض" )أعمال ‪.(7 -6 :16‬‬ ‫ي؟ انه ليس ههنا‪ ،‬لكنه قد قام‪ .‬تلك الجملة الخيرة تصبح في انجيل لوقا‪" :‬تذّكرن ما قال‬ ‫ن اذ كان بعد في الجليل‪ ..‬وبقولهما "قلن لتلميذه انه يسبقكم الى الجليل‪ ،‬فهناك ترونه" يمّهدان لترائي‬ ‫المسيح لتلميذه في الجليل‪ .‬فلوقا ل يروي ترائي يسوع لتلميذه في الجليل‪ ،‬بل‬ ‫لك ّ‬ ‫في أورشليم التي هي محور لهوته‪ .".(8 -5 :24‬‬ ‫ن تطلبن يسوع‬ ‫تؤّكد النصوص الثلثة التناقض بين طلب النسوة وقيامة المسيح‪ :‬انك ّ‬ ‫المصلوب‪ ،‬انه ليس ههنا‪ ،‬فقد قام‪ .‬‬ ‫جهها النجيليون من خلل النسوة الى جميع الذين عرفوا‬ ‫تلك الرسالة السماوية يو ّ‬ ‫يسوع وآمنوا به في حياته وراحوا يتساءلون متحيرين لماذا انتهت حياته بالصلب‬ ‫والموت‪ ،‬ويوجهونها كذلك الى جميع المؤمنين بيسوع على مدى الجيال‪ .‬انك ّ‬ ‫ن المكان الذي قد وضعوه فيه‪ .‬تذّكرن ما قال لكنّ‬ ‫"ِلَم تطلبن بين الموات َمن هو ح ّ‬ ‫اذ كان بعد في الجليل‪ :‬انه ينبغي لبن البشر أن ُيسلم الى أيدي الخطأة وُيصلب‪ ،‬وأن‬ ‫يقوم في اليوم الثالث‪ .‬والرسالة نفسها يضعها لوقا على فم يسوع في ترائيه‬ ‫لتلميذي عّماوس وللرسل‪" :‬أما كان ينبغي للمسيح أن يكابد هذه اللم ويدخل في‬ ‫نجده؟" )لو ‪" ،(26 :24‬هكذا كتب‪ :‬انه ينبغي للمسيح أن يتأّلم‪ ،‬وأن يقوم من بين‬ ‫الموات‪ ،‬في اليوم الثالث‪ ،‬وأن يكرز باسمه‪ ،‬بالتوبة لمغفرة الخطايا‪ ،‬في جميع المم‪،‬‬ ‫ابتداء من أورشليم" )لو ‪.‫ن تطلبن يسوع الناصري‪ ،‬المصلوب‪ :‬انه قد قام‪ ،‬ليس هو ههنا‪.(2 :28‬فالزلزال هو من دلئل نهاية العالم‬ ‫‪150‬‬ ..(3 :9‬‬ ‫أّما متى فيستخدم في روايته الصَور التقليدية التي تشير الى القيامة العامة في نهاية‬ ‫ن ملك الرب انحدر من السماء‪ ،‬وأتى‬ ‫العالم‪" :‬واذا زلزال عظيم قد انبعث‪ ،‬ل ّ‬ ‫ودحرج الحجر‪ ،‬وجلس عليه" )متى ‪ .‬ويشير متى ومرقس الى المكان الذي كان مضجعًا‬ ‫فيه‪ .‬فتذكرن كلمه" )لو ‪.‬فيسوع لم‬ ‫يمت لكنه قام الى مجد ال‪ .(47 -46 :24‬‬ ‫ن دخول يسوع الى مجد ال تعّبر عنه أيضًا تفاصيل أخرى في روايات القبر‬ ‫اّ‬ ‫الفارغ تجدر الشارة اليها‪ .‬فالشاب الذي يظهر في رواية مرقس يوحي بالحالة‬ ‫جد الجالس‬ ‫الجديدة التي أصبح فيها يسوع‪" :‬انه جالس الى اليمين" مثل المسيح المم ّ‬ ‫الى يمين الب وعليه "ثوب أبيض" يذّكر بالثوب الذي ظهر فيه يسوع في تجّليه أمام‬ ‫تلميذه على جبل ثابور )مر ‪.(8 :1‬‬ ‫سرها‬ ‫ن كلم الملئكة يسّلط الضواء على جميع مراحل حياة يسوع ويف ّ‬ ‫وهكذا فا ّ‬ ‫للنسوة‪ :‬ففي الماضي أنبأ يسوع تلميذه أنه سُيصَلب ويقوم‪ ،‬وفي الحاضر إنه ليس في‬ ‫القبر‪ ،‬لكنه قد قام‪ ،‬وفي المستقبل سيظهر لتلميذه ويرسلهم للكرازة‪.

‬ففي نبوءة هوشع نقرأ‬ ‫الجملة التالية‪" :‬يحيينا )ال( بعد يومين‪ ،‬وفي اليوم الثالث يقيمنا فنحيا أمامه" )هو ‪:6‬‬ ‫‪ .(31 :19‬في انجيل لوقا نسمع الملك يقول للنسوة‪" :‬تذّكرن ما قال لك ّ‬ ‫ن‬ ‫اذ كان بعد في الجليل‪ :‬انه ينبغي لبن البشر أن يسلم الى أيدي الخطأة وُيصلب‪ ،‬وأن‬ ‫يقوم في اليوم الثالث" )لو ‪ .(7 :24‬وهذا الزلزال يذكره متى أيضاً‬ ‫لدى موت يسوع‪" :‬الرض تزلزلت‪ ،‬والصخور تشققت‪ ،‬والقبور تفتحت‪ ،‬كثيرون من‬ ‫القديسين الراقدة أجسادهم فيها قاموا وخرجوا من القبور بعد قيامته‪ ،‬ودخلوا المدينة‬ ‫المقدسة‪ ،‬وتراءوا لكثيرين" )متى ‪ .‬وهذا اليوم هو اليوم الثالث لموت المسيح الذي حدث نهار الجمعة )مر ‪:15‬‬ ‫‪42‬؛ يو ‪ .‬‬ ‫‪151‬‬ .‬‬ ‫فعبارة اليوم الثالث لم تكن تعني عند اليهود في أيام المسيح وقتًا زمنيًا بل وقتاً‬ ‫لهوتيًا" هو وقت تدخل ال لعادة الحياة الى الموات‪ .‬‬ ‫د( اليوم الثالث‬ ‫أتت النسوة الى القبر "في اليوم الول من السبوع‪ ،‬عند الفجر"‪ ،‬أي صباح نهار‬ ‫الحد‪ .‬فال لن يبطئ في‬ ‫إحياء شعبه وإقامته من الموت‪.(3‬تعني عبارة "اليوم الثالث" في هذا النص "المّدة القصيرة"‪ .‬‬ ‫سر الترجوم آية هوشع بقوله‪" :‬سيعيدنا الى الحياة في يوم التعزيات التية‪،‬‬ ‫وقد ف ّ‬ ‫سر الترجوم أيضًا‬ ‫وفي اليوم الذي يعيد فيه الموات الى الحياة سيقيمنا معه"‪ .‬فالحجر الذي يختم القبر ويرمز الى سلطة الموت قد ُأزيل‬ ‫وُدّمرت معه سلطة الموت‪.(27 :24‬وقد "دحرج‬ ‫الحجر وجلس عليه"‪ .‬كما ف ّ‬ ‫آية سفر التكوين التالية "وفي اليوم الثالث رفع ابراهيم طْرفه فأبصر الموضع من‬ ‫بعيد" )تك ‪ ،(4 :22‬بقوله‪" :‬اليوم الثالث هو اليوم الذي ُتَرّد فيه الحياة الى الموات‪،‬‬ ‫كما ورد في هوشع‪ :‬في اليوم الثالث يقيمنا فنحيا أمامه"‪.‬فعبارة "القيامة في اليوم‬ ‫ن ال‬ ‫الثالث" هي اذًا مرادف لعبارة "القيامة العامة"‪ ،‬لنّ اليهود لم يتصّوروا قط أ ّ‬ ‫سيقيم انسانًا من الموت بمفرده وبمعزل عن الخرين‪ ،‬بل كانوا يتوّقعون قيامة عامة‬ ‫لجميع الراقدين‪.‬ويشير الى ذلك أيضًا مجيء الملك الذي "كان‬ ‫منظره كالبرق" )كمجيء ابن البشر في نهاية العالم‪ ،‬متى ‪ .(63 :27‬‬ ‫لقد اتخذت عبارة "القيامة في اليوم الثالث" معنى زمنيًا بمجيء النسوة الى القبر في‬ ‫ن فراغه من جسد يسوع‪ ،‬وبظهور يسوع حيًا لتلميذه في هذا‬ ‫اليوم الثالث وتحّققه ّ‬ ‫ن هذه‬ ‫لأّ‬ ‫اليوم عينه‪ ،‬حسب لوقا )‪ ،(36 ،33 ،13 :24‬ويوحنا )‪ .(19 :20‬إ ّ‬ ‫العبارة تتضّمن معنى آخر‪ ،‬معنى لهوتيًا يجدر التنبه له‪ .(7 -6 :24‬في هذا تذكير بما تنّبأ به يسوع أمام تلميذه‬ ‫ن يسوع سيقوم‪ ،‬يضيفون أنه‬ ‫ل مرة يذكر النجيليون أ ّ‬ ‫عن آلمه وموته وقيامته‪ ،‬وك ّ‬ ‫"سيقوم في اليوم الثالث" )لو ‪ (33 :18‬أو "بعد ثلثة أيام" )مر ‪34 :10‬؛ متى‬ ‫‪.(53 -51 :27‬فموت يسوع وقيامته هما نهاية‬ ‫العالم القديم وبدء الزمنة الجديدة‪ .‫)راجع خطاب يسوع في منتهى العالم‪ ،‬متى ‪ .

‬ففي هذا الحدث يعلن ال عن قدرته‬ ‫ويكشف عن ذاته اّنه إله الحياة والمحبة؛ وفي هذا الحدث أيضًا يظهر ال صدق رسالة‬ ‫يسوع ويرفعه إلى المجد؛ وفي هذا الحدث أخيرًا ينكشف للنسان بعض الشيء من‬ ‫مصيره في هذه الحياة وبعد الموت‪.‬اليمان بالقيامة ليس أمرًا يضاف إلى اليمان بال وبيسوع المسيح؛ اّنه موجز‬ ‫هذا اليمان وجوهره"‪.‬لذلك عندما تنغلق في وجه المؤمن ك ّ‬ ‫ل المال والمكانات البشرية‪ ،‬ويشعر أّنه يسير نحو الموت والتلشي‪ ،‬عندئذ يظهر‬ ‫كّ‬ ‫له ال في أزلية محبته ودوام حضوره‪.‬‬ ‫ن ال جدير بأن يثق به النسان الثقة التاّمة‬ ‫ن ال أقام يسوع يؤمن ا ّ‬ ‫من يؤمن أ ّ‬ ‫ل الفاق الزمنية وتزول من أمام عينيه‬ ‫المطلقة‪ .‫ن المسيح قام في اليوم الثالث كانوا‬ ‫شرون أ ّ‬ ‫من هنا نستنتج أّنه عندما كان التلميذ يب ّ‬ ‫ن القيامة الى حياة ال التي يرجوها جميع الموات في الزمنة‬ ‫ل التأكيد أ ّ‬ ‫يقصدون أو ً‬ ‫الخيرة قد حدثت ليسوع‪ ،‬فبدأت معه الزمنة الخيرة‪.‬فما هي أبعاد هذا‬ ‫إّ‬ ‫ن المسيح قد قام ونشهد‬ ‫اليمان وهاتين الشهادة والكرازة؟ واليوم عندما نعلن إيماننا بأ ّ‬ ‫لهذا الحدث ونكرز به‪ ،‬ماذا نعني في الواقع؟ ما هو مضمون إيماننا بقيامة المسيح؟‬ ‫ن قيامة المسيح تحمل في جنباتها ثلثة أبعاد ُيلقى من خللها الضوء على ثلثة‬ ‫اّ‬ ‫أسرار‪ :‬سّر ال وسّر المسيح وسّر النسان‪ .‬‬ ‫‪ -2‬قيامة المسيح تصديق لرسالته من قبل ال‬ ‫ن ال قد أهمله‬ ‫ن موت يسوع على الصليب كان‪ ،‬في أعين الناس‪ ،‬الدليل على أ ّ‬ ‫اّ‬ ‫عّلق على خشبة" )غل ‪ .‬‬ ‫ن ال‪ ،‬في قيامة يسوع‪ ،‬يكشف بصورة نهائية عن ذاته اّنه الله الذي تشمل قدرته‬ ‫اّ‬ ‫لقة والمانة‬ ‫الحياة والموت والكيان والعدم‪ ،‬واّنه قّوة الحياة الجديدة والمحّبة الخ ّ‬ ‫الدائمة‪.‬‬ ‫الِقسم الَثاني أبعاد قيامة المسيح‬ ‫ن الرسل قد آمنوا بقيامة المسيح وشهدوا لها وكرزوا بها‪ .(13 :3‬لذلك‬ ‫ل من ُ‬ ‫ونبذه‪ ،‬على ما هو مكتوب‪" :‬ملعون ك ّ‬ ‫"كان المجتازون أمام صليبه يجّدفون عليه‪ ،‬ويقولون‪ ،‬وهو يهّزون رؤوسهم‪ :‬أنت يا‬ ‫‪152‬‬ .‬‬ ‫‪ -1‬قيامة المسيح اعتلن لقدرة ال‬ ‫ن ال بإقامة يسوع من بين الموات ل يقوم بعمل خارق يناقض نواميس الطبيعة‪،‬‬ ‫"ا ّ‬ ‫بل يظهر ذاته إلهًا‪ ،‬ويظهر قدرته‪ ،‬ويكشف المعنى الخير‪ ،‬السكتولوجي‪ ،‬للحياة‬ ‫بّرمتها‪ .

‬‬ ‫ن كل ما ب ّ‬ ‫اّ‬ ‫فالملكوت هو حياة ال تدخل عالمنا المائت وتبعث فيه حياة جديدة‪ ،‬وقد انبعثت تلك‬ ‫الحياة الجديدة من قبر المسيح‪ .(31 :26‬‬ ‫شروا معه بقرب مجيء‬ ‫في الجليل دعا يسوع رسله دعوة أولى ليتبعوه ويب ّ‬ ‫ن ملكوت‬ ‫شروا أ ّ‬ ‫الملكوت‪ ،‬وفي الجليل ظهر لهم من بعد قيامته ودعاهم دعوة ثانية ليب ّ‬ ‫ال قد تحقق في قيامته‪ :‬بالقيامة ظهر يسوع ابن البشر الذي أنبأ عنه دانيال انه‬ ‫"سُيعطى سلطانًا على ملوك الرض" )دانيال ‪ ،(14 :7‬وقد أعطي هذا السلطان‪،‬‬ ‫ي كل سلطان في‬ ‫كما قال لتلميذه في ترائيه لهم على جبل في الجليل‪" :‬لقد ُدفع إل ّ‬ ‫السماء وعلى الرض" )متى ‪.‬لقد أظهر ال‪ ،‬بإقامة يسوع من الموت‪ ،‬ا ّ‬ ‫ن موته على الصليب‬ ‫ل ما فعله في حياته قد فعله باسم ال‪ ،‬وا ّ‬ ‫شر به باسم ال‪ ،‬ك ّ‬ ‫قد ب ّ‬ ‫كان اظهارًا لمحبة ال‪ .(43 -39 :27‬‬ ‫لذلك بعد موت يسوع هرب الرسل ورجعوا إلى الجليل‪ ،‬وتحققت فيهم كلمة يسوع‪:‬‬ ‫"كّلكم ستضعفون بسببي‪ ،‬لنه مكتوب‪ :‬سأضرب الراعي فتتبّدد الخراف‪ .(8 ،7 :5‬ا ّ‬ ‫ن‬ ‫ال استجاب ابتهالت يسوع ابنه عندما أقامه من الموت‪.(18 :28‬‬ ‫وبالقيامة ظهر يسوع حقًا "ابن ال"‪ ..‬‬ ‫هذا ما يقوله أيضًا بولس الرسول في خطبته في مجمع اليهود في أنطاكية‪" :‬انّ‬ ‫الوعد الذي صار لبائنا قد حققه ال لنا نحن أولدهم‪ ،‬اذ أقام يسوع‪ ،‬على ما هو‬ ‫مكتوب في المزمور الثاني‪ :‬أنت ابني وأنا اليوم ولدتك" )أعمال ‪ ..:‬لقد‬ ‫توّكل على ال‪ ،‬فلينقذه الن‪ ،‬إن كان راضيًا عنه‪ ،‬فإنه قد قال‪ :‬أنا ابن ال" )متى‬ ‫‪.‬ولكن متى‬ ‫قمت أسبقكم الى الجليل" )مر ‪27 :14‬؛ متى ‪.‬لذلك يسوع نفسه هو ملكوت ال‪ :‬ففي حياته وفي موته وفي‬ ‫قيامته ظهرت حياة ال وظهرت محبة ال وظهرت قدرة ال‪.‬‬ ‫وكذلك أيضًا رؤساء الكهنة كانوا يسخرون منه مع الكتبة والشيوخ ويقولون‪ .(4 ،3 :1‬‬ ‫شر به يسوع في حياته عن ملكوت ال قد صّدقه ال بإقامة يسوع‪.(33 :13‬وفي‬ ‫شر "بيسوع المسيح ربنا ابن ال‪ ،‬المولود بحسب الجسد من‬ ‫رسالته الى الرومانيين يب ّ‬ ‫ذّرية داود‪ ،‬المقام بحسب روح القداسة‪ ،‬في قدرة ابن ال‪ ،‬بقيامته من بين الموات"‬ ‫)روم ‪.‫هادم هيكل وبانيه في ثلثة أيام‪ ،‬أنقذ نفسك! إن كنت ابن ال‪ ،‬فانزل اذًا عن الصليب‪.‬ومع كونه ابنًا‪ ،‬تعّلم مّما تاّلمه أن يكون طائعًا" )عب ‪ .‬في قيامة يسوع أجاب ال على تساؤلت‬ ‫الناس‪ :‬ان كان ابن ال فلينزل عن الصليب‪ ،‬إذ قّرب‪ ،‬وهو على الصليب‪" ،‬تضرعات‬ ‫وابتهالت‪ ،‬في صراخ شديد ودموع‪ ،‬الى القادر أن يخّلصه من الموت‪ ،‬فاستجيب له‬ ‫بسبب ورعه‪ .‬الملكوت هو محبة ال تشرق على عالمنا المظلم وتزيل‬ ‫عنه عتمة الحقد وظلمة الخطيئة‪ ،‬وقد أشرقت تلك المحبة في قيامة يسوع‪ ،‬كما أشرقت‬ ‫شر به يسوع في حياته‬ ‫ن كل ما ب ّ‬ ‫في حياته‪ .‬‬ ‫‪153‬‬ .

‬واذ قد ارتفع بيمين ال‪ ،‬وأخذ من الب الروح‬ ‫ن داود لم يصعد قط الى‬ ‫القدس الموعود به‪ ،‬أفاض ما تنظرون وما تسمعون‪ .‬فإ ّ‬ ‫ب لربي‪ :‬اجلس عن يميني حتى أجعل أعداءك‬ ‫السماوات‪ ،‬ومع ذلك فإّنه يقول‪ :‬قال الر ّ‬ ‫ن ال قد جعل يسوع الذي صلبتموه‬ ‫موطئًا لقدميك‪ ..(53 -50 :24‬‬ ‫ن يسوع بقي "يتراءى لتلميذه مدة أربعين‬ ‫أّما في سفر أعمال الرسل فيذكر لوقا أ ّ‬ ‫يومًا ويكّلمهم عن شؤون ملكوت ال‪ .‬‬ ‫أما الربعون يومًا فهي المدة التي كان يسوع يتراءى فيها لتلميذه ويهّيئهم لنوع جديد‬ ‫من حضوره بينهم؛ انها الفترة الولى من حياة الكنيسة التي عّمق فيها الرسل إيمانهم‬ ‫بقيامة المسيح وادراكهم للرسالة التي أوكلها اليهم‪.(10 -3 :1‬‬ ‫ن عدد الربعين في الكتاب المقّدس هو عدد رمزي يدل على مدة طويلة تمّهد‬ ‫اّ‬ ‫لحدث عظيم‪ .‬ولما قال هذا ارتفع على مرأى‬ ‫منهم‪ ،‬وأخذته سحابة عن عيونهم" )أعمال ‪.‬وفيَما هم يأكلون أوصاهم بالبقاء في أورشليم‬ ‫وانتظار موعد الب‪ .‬لم ينتظر يسوع أربعين يومًا للصعود‬ ‫إلى السماء والدخول في مجد الب‪ ،‬فقيامته "وصعوده الى السماء هما حدث واحد‪.‬‬ ‫‪154‬‬ .‬فليعم اذًا يقينًا جميع بيت اسرائيل أ ّ‬ ‫أنتم رّبا ومسيحًا" )أعمال ‪.(36 -32 :2‬‬ ‫أ( الصعود إلى السماء بعد أربعين يوماً‬ ‫ن ارتفاع يسوع ودخوله في مجد الب يتحّدث عنهما لوقا في موضعين مختلفين‪:‬‬ ‫اّ‬ ‫في الفصل الخير من انجيله وفي الفصل الّول من سفر أعمال الرسل‪ .‬فال ل‬ ‫يمكن أن ُيرى بأعين الجسد‪ ،‬لذلك ُيرَمز اليه دومًا في الكتاب المقدس بالسحابة )في‬ ‫التجلي يقول لنا النجيل‪" :‬واذا سحابة قد ظَللتهم‪ ،‬وصوت من السحابة يقول‪ :‬هذا ابني‬ ‫الحبيب‪ ،‬فاسمعوا له" مر ‪ .‬‬ ‫أّما السحابة التي أخذت يسوع عن عيون التلميذ فهي رمز لحضور ال‪ .‬فبعد ترائيه لتلميذه‬ ‫يذكر لوقا ا ّ‬ ‫"خرج بهم نحو بيت عنيا‪ ،‬ورفع يديه وباركهم‪ ،‬وفيَما هو يباركهم انتحى عنهم‪،‬‬ ‫وصعد الى السماء‪ .(7 :9‬فدخول المسيح في السحابة يعني دخوله في مجد‬ ‫ال‪.‬أما هم فسجدوا له‪ ،‬ورجعوا الى أورشليم بفرح عظيم؛ وكانوا بل‬ ‫انقطاع في الهيكل يباركون ال" )لو ‪..‫‪ -3‬القيامة تمجيد يسوع‪ :‬صعوده الى السماء وجلوسه عن يمين ال الب‬ ‫ن صعود يسوع الى السماء وجلوسه عن يمين ال الب أمران مرتبطان ارتباطًا‬ ‫اّ‬ ‫وثيقًا بالقيامة‪ ،‬كما يقول بطرس الرسول في خطبته الولى يوم العنصرة‪" :‬فيسوع هذا‬ ‫قد أقامه ال‪ ،‬ونحن جميعًا شهود بذلك‪ .‬حلول الروح القدس عليهم‪ .‬فاليهود ساروا أربعين سنة في الصحراء قبل الدخول الى أرض الميعاد‪،‬‬ ‫ويسوع صام أربعين يومًا قبل البدء برسالته‪ .‬ففي النجيل‬ ‫ن يسوع ارتفع الى السماء في اليوم نفسه الذي قام فيه‪ .

(5 :17‬ويعّبر عنه بولس الرسول في النشيد‬ ‫الذي نجده في رسالته الى الفيليبيين‪" :‬هو القائم في صورة ال‪ .(11 -6 :2‬فيسوع قد رفعه ال اليه وأنعم عليه بالسم‬ ‫ب"‪.‬لذلك رفعه ال رفعة فائقة‪ ،‬وأنعم عليه بالسم الذي يفوق‬ ‫ن يسوع هو ر ّ‬ ‫ب‬ ‫ل ركبة‪ .‬ونعتقد‪ ،‬مع معظم الشهادات‬ ‫شن هذا العالَم الجديَد منذ يوم قيامته‪ ،‬عندما انُتزع من القبر‬ ‫المسيحية القديمة‪ ،‬أنه د ّ‬ ‫جد مع الب"‪.‬فالقيامة والرتفاع الى عند ال والجلوس عن يمينه هي نوا ٍ‬ ‫واحد هو سّر تمجيد يسوع‪ ،‬وكذلك إعلنه رّبا ومسيحًا‪ .(64‬‬ ‫ن الجلوس عن يمين القدرة‪ ،‬أي عن يمين ال‪ ،‬يعني اشتراك يسوع في سلطة‬ ‫اّ‬ ‫ح مختلفة من سّر‬ ‫الب‪ .‬‬ ‫ن المسيح‬ ‫سري الكتاب المقدس‪" :‬عندما نقول ونؤمن مع الكنيسة ا ّ‬ ‫يقول أحد مف ّ‬ ‫جد صعد الى السماء حيث يقيم مع أبيه‪ ،‬نعني بذلك أنه دخل الى البد في عالم‬ ‫المم ّ‬ ‫سنا ومخيلتنا‪ ،‬ولكنه عالم‬ ‫روحي‪ ،‬جديد‪ ،‬نهائي‪ ،‬هو أول خلّية فيه‪ ،‬عالم ل تدركه حوا ّ‬ ‫حقيقي ثابت أكثر حقيقة وثباتًا من عالمنا الحالي‪ .‫كذلك القول عن "السماء" و"الصعود الى السماء"‪ .‬صار طائعاً حتى‬ ‫الموت‪ ،‬بل موت الصليب‪ ..‬ويعترف كل لسان بأ ّ‬ ‫ل اسم‪ ،‬لكي تجثو لسم يسوع ك ّ‬ ‫كّ‬ ‫لمجد ال الب" )فيل ‪ .‬فالسماء ليست الفضاء الخارجي‬ ‫الذي يحيط بالرض‪ ،‬وليست مكانًا يمكن الصعود إليه‪ ،‬انها لفظة رمزية تشير الى‬ ‫ال‪ .‬وأيضًا أقول لكما‪ :‬انكم منذ الن‬ ‫تبصرون ابن البشر جالسًا عن يمين القدرة‪ ،‬وآتيًا على سحاب السماء" )متى ‪:26‬‬ ‫‪..‬‬ ‫اللهي‪ ،‬اسم "الر ّ‬ ‫ن ال قد أظهر قدرته في المسيح "إذ أنهضه من‬ ‫وفي رسالته الى الفسسّيين يقول إ ّ‬ ‫بين الموات‪ ،‬وأجلسه عن يمينه في السماوات‪ ،‬فوق كل رئاسة وسلطان وقوة وسيادة‪،‬‬ ‫وفوق كل اسم ُيسّمى‪ ،‬ليس في هذا الدهر فقط‪ ،‬بل في التي أيضًا" )أف ‪،20 :1‬‬ ‫‪(21‬‬ ‫فالرتفاع والجلوس الى يمين ال ليسا اختطافًا من الرض الى سماء بعيدة عن‬ ‫عالمنا؛ إنهما دخول المسيح في مجد ال واشتراكه في قدرته وسيادته‪..‬وهذا السّر يعّبر عنه انجيل‬ ‫جدني أنت عندك بالمجد الذي‬ ‫يوحنا في صلة يسوع قبيل وفاته‪" :‬فالن‪ ،‬أيها الب‪ ،‬م ّ‬ ‫كان لي من قبل كون العالم" )يو ‪ .‬فالصعود إلى السماء يعني اذًا الدخول في مجد ال‪.‬‬ ‫‪155‬‬ ..‬‬ ‫بالروح القدس ليم ّ‬ ‫ب( الجلوس عن يمين الب‬ ‫ي أن تقول لنا‬ ‫عندما سأل رئيس الكهنة يسوع في أثناء محاكمته‪" :‬استحلفك بال الح ّ‬ ‫هل أنت المسيح ابن ال" قال له يسوع‪" :‬أنت قلت‪ .

(23 -19 :8‬‬ ‫"ولكن‪ ،‬قد يقول قائل‪ :‬كيف يقوم الموات؟ وبأي جسد يرجعون؟" هذا السؤال الذي‬ ‫طرحه المسيحيون الولون على بولس‪ ،‬ل نزال نطرحه اليوم أيضًا‪ .‬يجيب بولس‬ ‫ل إذا مات‪ .‬وهذا النسان هو مستقبل العالم‪ .‬فالكرازة‬ ‫اّ‬ ‫بقيامة المسيح هي اذًا أمر خاص بالمسيحية‪ :‬انسان واحد‪ ،‬يسوع المسيح‪ ،‬قام من بين‬ ‫الموات ودخل في مجد ال‪ .‬لذلك ل بّد للنسان أن يتحّول‪،‬‬ ‫‪156‬‬ .‬لك ّ‬ ‫الموات‪ُ :‬يزرع الجسد بفساد ويقوم بل فساد‪ُ ،‬يزرع بهوان ويقوم بمجد‪ُ ،‬يزرع‬ ‫بضعف ويقوم بقوة‪ُ ،‬يزرع جسد حيواني ويقوم جسد روحاني" )‪ 1‬كور ‪-39 :15‬‬ ‫‪.(36 :3‬‬ ‫ن لجله‬ ‫ن قيامة المسيح هي حدث منفتح على المستقبل‪ ،‬انها تحقيق مسّبق لما تئ ّ‬ ‫اّ‬ ‫الخليقة كّلها )روم ‪.(22 -20‬يسوع القائم هو "البكر من بين الموات" )كولسي ‪18 :1‬؛ رؤيا ‪:1‬‬ ‫‪.‫‪ -4‬قيامة المسيح عربون قيامتنا‪:‬‬ ‫يسوع القائم "البكر من بين الموات"‬ ‫ينظر بولس الرسول الى قيامة المسيح في إطار رجائه بقيامة الموات‪" :‬إن لم تكن‬ ‫ن المسيح قد قام من بين الموات‪،‬‬ ‫قيامة أموات‪ ،‬فالمسيح اذًا لم يقم‪ .‬لنه‪ ،‬بما أ ّ‬ ‫أّنه في آدم يموت الجميع‪ ،‬كذلك أيضًا في المسيح سيحيا الجميع" )‪ 1‬كور ‪،13 :15‬‬ ‫‪ .‬وما نزرعه ليس‬ ‫ن ما تزرعه‪ ،‬أنت‪ ،‬ل يحيا إ ّ‬ ‫بتشبيه فيقول‪" :‬يا جاهل! ا ّ‬ ‫لأّ‬ ‫ن‬ ‫ل‪ ،‬أو غيرها من البذور‪ .‬فكما‬ ‫باكورة للراقدين‪ .‬‬ ‫يسوع هو النسان الجديد‪ .‬هذا‬ ‫الجسد خاضع للفساد والنحلل‪ ،‬ولكن بالقيامة يتحول الجسد الفاسد الى جسد روحاني‬ ‫ن اللحم والدم ل يستطيعان‬ ‫ل يسيطر عليه الفساد والنحلل‪ .‬ولكن ل‪ ،‬فإ ّ‬ ‫ن الموت كان بإنسان‪ ،‬فبإنسان أيضًا قيامة الموات‪ ...‬النسان الول كان بدء الحياة المائتة‪ ،‬أما يسوع‪ ،‬النسان‬ ‫الجديد‪ ،‬فهو بدء الحياة الخالدة‪ .(44‬‬ ‫الجسد‪ ،‬في كلم بولس كما في العقلّية الكتابّية السامّية‪ ،‬ل يعني فقط العنصر المادي‬ ‫في الكائن البشري؛ الجسد هو النسان بكامله‪ ،‬في جسده وروحه‪ ،‬ولكن من حيث‬ ‫ظهوره في العالم وعلقته بالخرين؛ الجسد هو في النسان ما يمّكنه من التصال‬ ‫بالكون وبالخرين؛ الجسد هو ما تستطيع به الروح أن تنشئ علئق مع الغير‪ .‬لذلك "من يؤمن به فله الحياة البدية" )يو ‪.‬فهكذا قيامة‬ ‫ل من البذور جسمه المخت ّ‬ ‫ال يؤتيها جسمًا على ما يريد‪ .‬يقول بولس الرسول‪" :‬ا ّ‬ ‫أن يرثا ملكوت ال‪ ،‬ول الفساد أن يرث عدم الفساد"‪ .‬إ ّ‬ ‫الجسم الذي سيكون‪ ،‬بل مجّرد حّبة من الحنطة‪ ،‬مث ً‬ ‫ص به‪ ..(5‬‬ ‫ن الرجاء اليهودي لم يكن ينتظر قيامة شخص واحد قبل القيامة العامة‪ ..‬ما حدث له سيحدث‬ ‫أيضًا لجميع الذين يؤمنون به‪.

‬يقول بولس الرسول‪:‬‬ ‫يمكننا القول ا ّ‬ ‫ن ال‪ .(53 -50 :15‬‬ ‫الجسد الذي سيتحّول ليس" الجّثة المائتة"‪ ،‬بل النسان بكامله‪ ،‬في ذاته وفي علقته‬ ‫بالخرين‪ ،‬العنصر الشخصي الذي يجعل من النسان فردًا متميزًا عن غيره من‬ ‫الفراد‪ .‬قد أحيانا مع المسيح‪ .‬الليتي(‪.‬الغروب(‪.‬‬ ‫مّ‬ ‫إيماننا بقيامة المسيح وبقيامتنا نحن مع المسيح يخلع على حياتنا الحاضرة معنى‬ ‫جديدًا‪ ،‬كما يقول بولس الرسول‪" :‬عندما نعم أن الذي أقام الرب يسوع سيقيمنا نحن‬ ‫أيضًا معه‪ .(16 -14 :4‬‬ ‫قيامة المسيح تجّدد نظرتنا الى الكون‪" :‬وعليه‪ ،‬فمنذ الن ل نعرف أحدًا بحسب‬ ‫الجسد‪ ،‬وان كّنا قد عرفنا المسيح بحسب الجسد‪ ،‬فالن ل نعرفه كذلك‪ .‬هذا "النا" الروحي والجسدي سيصبح بالقيامة على صورة المسيح القائم من‬ ‫بين الموات‪.‬عندئذ ل نفشل‪ ،‬بل ولئن كان انساننا الظاهر ينهدم‪ ،‬فإنساننا الباطن‬ ‫يتجّدد يومًا فيومًا" )‪ 2‬كور ‪...‬اذًا‪ ،‬ان كان‬ ‫ل‪ ،‬وكل شيء قد تجّدد" )‪ 2‬كور‬ ‫أحد في المسيح‪ ،‬فهو خليقة جديدة‪ ،‬فالقديم قد اضمح ّ‬ ‫‪.....(17 ،16 :5‬‬ ‫‪157‬‬ ..‬وبما أ ّ‬ ‫ن البشرية كّلها قد دخلت في رأسها الى مجد ال‪ .‫"ول بّد لهذا الجسد الفاسد أن يلبس عدم الفساد‪ ،‬ولهذا الجسد المائت أن يلبس عدم‬ ‫الموت" )‪ 1‬كور ‪..‬‬ ‫"أيها الله‪ ،‬لقد جّددت في ذاتك طبيعة آدم )أي النسان( الهابطة الى أسافل‬ ‫الرض‪ ،‬وأصعدتها اليوم فوق كل رئاسة وسلطة‪ .‬ومعه أقامنا‪ ،‬ومعه أجلسنا في السماوات في‬ ‫"ا ّ‬ ‫المسيح يسوع" )أف ‪(6 ،5 :2‬؛ "موطننا نحن هو في السماوات" )في ‪.(20 :3‬‬ ‫والليتورجيا تؤكد بقوة تلك الحقيقة‪ ،‬كما نقرأ في صلوات عيد الصعود في الطقس‬ ‫البيزنطي‪:‬‬ ‫"يا يسوع الحلو‪ ،‬غير المنفصل من الحضان البوية‪ ،‬يا من عاش انسانًا على‬ ‫الرض‪ ،‬لقد صعدت اليوم من جبل الزيتون‪ ،‬وأصعدت بمحبتك طبيعتنا الهابطة‬ ‫وأجلستها مع الب‪) ".‬لّنك‪ ،‬لحّبك إياها‪ ،‬أجلستها معك‪،‬‬ ‫حدتها بك‪ ،‬ولتحادك بها تألمت فيها‪ ،‬ولتألمك بها أنت العادم التألم‬ ‫ولتحننك عليها و ّ‬ ‫جدتها معك‪) "..‬‬ ‫‪ -5‬قيامة المسيح حدث الخلص وبدء الحياة الجديدة‬ ‫ن يسوع هو النسان الجديد ورأس البشرية‪،‬‬ ‫بالقيامة دخل يسوع في مجد ال‪ ..

‬يقول المجمع الفاتيكاني الثاني‪:‬‬ ‫"اننا نجهل الزمان الذي تبلغ فيه الرض والبشرية نهايتهما‪ ،‬كما أننا نجهل طريقة‬ ‫تحويل هذا الكون‪ .(11 -8 :4‬‬ ‫ن محبة ال التي سيطرت على الموت وتغّلبت على‬ ‫من يؤمن بقيامة المسيح يؤمن ا ّ‬ ‫ل في‬ ‫ن ال "سيكون ك ّ‬ ‫الخطيئة في قيامة المسيح هي التي سوف تسيطر في النهاية‪ ،‬وأ ّ‬ ‫ل" )‪ 1‬كور ‪.‬انه يزول حّقا شكل هذا العالم الذي شّوهته الخطيئة‪ ،‬ولكّنا نعلم أن‬ ‫ل من أن‬ ‫ضا جديدة‪ .(39 ،‬‬ ‫الِقسم الَثالث المجيء الثاني‬ ‫"وأيضًا يأتي بمجٍد عظيم ليدين الحياَء والموات‪ ،‬الذي ل فناء لملكه"‪..‬ففي هذه‬ ‫الرض ينمو جسد العائلة البشرية الجديدة‪ ،‬راسًما الخطوط الولى للعالم التي‪ .(4 -1 :3‬‬ ‫من يؤمن بقيامة يسوع ل يمكن أن يتسّرب اليأس الى قلبه‪" :‬نحن مضاَيقون من كل‬ ‫جانب‪ ،‬ولكّنا ل ننحصر؛ حائرون‪ ،‬ولكن على غير يأس؛ مضطَهدون‪ ،‬ولكن على‬ ‫ل حين موت‬ ‫ش؛ نحمل في الجسد ك ّ‬ ‫غير انخذال؛ مطروحون‪ ،‬ولكن على غير تل ٍ‬ ‫يسوع‪ ،‬لتظهر حياة يسوع أيضًا في جسدنا‪ ..‬‬ ‫ن يسوع الذي مات وقام وصعد الى السماوات سوف يأتي‬ ‫نعلن في قانون اليمان أ ّ‬ ‫من جديد ليدين الحياء والموات‪ .‬ومتى ظهر المسيح الذي هو حياتنا‪ ،‬فحينئٍذ تظهرون أنتم معه في‬ ‫المجد" )كولسي ‪..‬فقيامة المسيح هي النور‬ ‫ولك ّ‬ ‫الذي يضيء حياة المسيحي والقوة التي تدفعه الى السهام في إحلل ملكوت ال على‬ ‫الرض‪ .‬فإّنما‬ ‫‪158‬‬ .‬ماذا يعني‬ ‫هذا اليمان بالمجيء الثاني؟‬ ‫ن اليمان ليس علمًا‬ ‫ل بّد لنا أّول من التذكير بما قلناه مرارًا في الفصول السابقة ا ّ‬ ‫يكشف لنا بالتدقيق غوامض الماضي فيعلمنا كيف نشأ الكون ووجد النسان‪ ،‬ول‬ ‫غوامض المستقبل فينبئنا كيف ستكون نهاية العالم وحياة النسان بعد الموت‪ .‬غير أن انتظار الرض الجديدة‪ ،‬بد ً‬ ‫ال يعّد لنا مسكًنا جديًدا وأر ً‬ ‫يضعف فينا الهتمام باستثمار هذه الرض‪ ،‬يجب بالحرى أن يوقظه فينا‪ .‬فاطلبوا اذًا ما‬ ‫هو فوق حيث يقيم المسيح جالسًا عن يمين ال‪ ...‬هذا ما يدعوه التقليد الكنسي "المجيء الثاني"‪،‬‬ ‫بالنسبة إلى المجيء الّول أي إلى الزمن الذي قضاه يسوع على الرض‪ .‬ان‬ ‫الملكوت حاضر الن بشكل سّري على الرض‪ ،‬وسيبلغ كماله عند عودة الرب"‬ ‫)الكنيسة في عالم اليوم‪..‫قيامة المسيح تدفعنا الى السلوك سلوكًا جديدًا‪" :‬لقد قتم مع المسيح‪ .(28 :15‬‬ ‫الك ّ‬ ‫ن هذا لن يتّم دون مشاركة كل الذين يؤمنون بالمحبة‪ .‬لّنكم قد مّتم للعالم‪ ،‬وحياتكم مستترة‬ ‫مع المسيح في ال‪ .‬لّنا‪ ،‬نحن الحياء‪ ،‬نسلم دائمًا الى الموت‬ ‫من أجل يسوع‪ ،‬لتظهر حياة يسوع أيضًا في جسدنا المائت" )‪ 2‬كور ‪.

(32 ،31 :13‬‬ ‫طيور السماء تأني وتع ّ‬ ‫ن تاريخ العالم القاتم سيصل الى نهايته حيث‬ ‫إيماننا بالمجيء الثاني هو اليمان بأ ّ‬ ‫ستشرق عليه محبة ال‪ .‬وحتى العذاب الذي ل‬ ‫معنى له‪ ،‬والشّر الذي كثيرًا ما يهدم إرادة الخير‪ ،‬يأخذان معنى على ضوء صليب‬ ‫المسيح‪ .‬اّنها أصغر‬ ‫البذور جميعًا؛ بيد أّنها اذا نمت تصير أكبر البقول جميعًا؛ ثم تصبح شجرة حتى ا ّ‬ ‫ن‬ ‫شش في أغصانها" )متى ‪.‬فِلَم اذًا المجيء‬ ‫ن يسوع سيأتي ليدين الحياء‬ ‫الثاني؟ ماذا نعني بهذه العبارة؟ ماذا نعني بقولنا ا ّ‬ ‫والموات؟ وكيف يصّور الكتاب المقدس هذا المجيء؟‬ ‫‪ -1‬المجيء الثاني هو تأكيد النتصار النهائي للمحبة‬ ‫لفهم معنى المجيء الثاني ل بّد من تذكار تلك الحقيقة الساسية في إيماننا‪ :‬ا ّ‬ ‫ن‬ ‫ب ال العالم‬ ‫ل من قبل ال‪ ،‬مخّلصًا ومنقذًا العالم‪" :‬فلقد أح ّ‬ ‫يسوع قد جاء أّول مرس ً‬ ‫ل من يؤمن به‪ ،‬بل تكون له الحياة البدّية"‬ ‫حتى اّنه بذل ابنه الوحيد‪ ،‬لكي ل يهلك ك ّ‬ ‫ن المسيح قد مات‬ ‫)يو ‪ .‬‬ ‫رجاء العالم ورجاء التاريخ ورجاء ك ّ‬ ‫أ( المسيح رجاء العالم والتاريخ‬ ‫المجيء الثاني هو ترّقب ما سيصنعه ال للعالم في المستقبل على ضوء ما صنعه‬ ‫لجله في الماضي‪ .‬ايماننا بالمجيء الثاني هو تفسير للتاريخ انطلقًا من اليمان‪،‬‬ ‫ولكن هذا التفسير ليس تفسيرًا اعتباطيًا‪ ،‬بل يستند الى التاريخ‪ :‬الى حياة يسوع التي‬ ‫‪159‬‬ .‬فال قد أقام المصلوب ورفعه اليه وجعله راعي الحياة والبكر الّول من بين‬ ‫ن يسوع المسيح‪ ،‬المصلوب والقائم من بين الموات‪ ،‬هو‬ ‫اخوة كثيرين‪ .(13 :22‬لذلك تبدأ‬ ‫السختولوجيا‪ ،‬أي الزمنة الخيرة والنهائية‪ ،‬بمجيء المسيح الّول‪ .‬في مجيء يسوع الّول وفي كل أحداث حياته وموته أظهر لنا ال‬ ‫محبته ظهورًا خفيًا وجزئيًا في بقعة من الرض وفي قلوب عدد يسير من المؤمنين‪.‬‬ ‫ل‪:‬‬ ‫ن تلك المحبة ستظهر ظهورًا علنيًا نهائيًا شام ً‬ ‫إيماننا بالمجيء الثاني هو اليمان بأ ّ‬ ‫"يشبه ملكوت السماوات حّبة خردل أخذها انسان وزرعها في حقله‪ .(16 :3‬وبولس يؤّكد‪" :‬ان ال قد برهن على محبته لنا بأ ّ‬ ‫عّنا ونحن بعد خطأة‪ .‬‬ ‫عندما ننظر اليه تستنير النواحي القاتمة من الحياة البشرية‪ .‬لذلك نشهد أ ّ‬ ‫ل مؤمن‪.‫ن ال مبدأ وجوده ومصير‬ ‫اليمان علقة حياة بين النسان وال‪ .‬فكم بالحرى‪ ،‬وقد ُبّررنا الن بدمه‪ ،‬نخلص به من الغضب"‬ ‫)روم ‪.(8 :5‬‬ ‫ن حياة يسوع وموته هما الدليل الثابت على محبة ال وأمانته‪ .‬قد يبدو القول ان ال‬ ‫اّ‬ ‫ب‪ ،‬وتعّذب واحتمل الظلم‪،‬‬ ‫ن يسوع الذي عاش بين البشر وأح ّ‬ ‫لأّ‬ ‫ل نظريًا‪ ،‬إ ّ‬ ‫محبة قو ً‬ ‫وبقي محبًا للجميع‪ ،‬ليس كائنًا نظريًا‪ ،‬بل هو الحقيقة الحّية والمحسوسة لمحبة ال لنا‪.‬فالمسيح هو‬ ‫"اللف والياء‪ ،‬الّول والخر‪ ،‬المبدأ والغاية" )رؤيا ‪ .‬فالمؤمن يرى أ ّ‬ ‫ن ال قد ظهر في العالم ظهورًا نهائيًا )أو‪ ،‬حسب التعبير‬ ‫حياته؛ والمسيحي يؤمن أ ّ‬ ‫اللهوتي اليوناني‪ ،‬ظهورًا إسختولوجيًا( في شخص يسوع المسيح‪ .

‬لقد أظهر لنا‬ ‫ل منا‪ .‬بموت يسوع وقيامته‬ ‫ن المحّبة أقوى من الموت وأقوى من الحقد‪ .‬الغلبة هي في النهاية للحياة على الموت‬ ‫التي خ ّ‬ ‫وللمحبة على الحقد والشر‪ ..‬ذلك هو اليقين الذي يرسخ في كياننا من بعد قيامة‬ ‫المسيح‪ .‫أظهرت قوة الخير‪ ،‬والى موته الذي أعلن قوة المحبة الفدائية‪ .‬وهذا اليقين هوما يؤّكده اليمان بالمجيء الثاني‪.‬فكل الذين خطئوا بمعزل عن الناموس‪ ،‬فبمعزل عن الناموس أيضًا‬ ‫ل الذين خطئوا وهم تحت الناموس‪ ،‬فبمقتضى الناموس ُيدانون؛ لّنه ليس‬ ‫يهلكون؛ وك ّ‬ ‫السامعون للناموس هم أبرارًا عند ال‪ ،‬إنما العاملون بالناموس يبّررون" )روم ‪:2‬‬ ‫‪.‬اّنه أخونا البكر الذي فتح لنا طريق‬ ‫ال في مصير يسوع المسيح مصير ك ّ‬ ‫الحياة التي ل نهاية لها‪" :‬منيتي اذًا‪ ،‬يقول بولس الرسول‪ ،‬هي أن أعرفه هو‪ ،‬وأعرف‬ ‫قدرة قيامته‪ ،‬والشركة في آلمه‪ ،‬فأصير على صورته في الموت‪ ،‬على رجاء البلوغ‬ ‫الى القيامة من بين الموات" )في ‪.‬إّنك بنصّلبك وقساوة قلبك الغير التائب تّدخر لنفسك غضبًا ليوم‬ ‫ل واحد بحسب أعماله‪ :‬بالحياة‬ ‫الغضب واعتلن دينونة ال العادلة‪ ،‬الذي سيجازي ك ّ‬ ‫البدية للذين‪ ،‬بالصبر على العمل الصالح‪ ،‬يطلبون المجد والكرامة والخلود‪،‬‬ ‫وبالغضب والسخط على الذين هم من أهل المخاصمة‪ ،‬الذين ل ينقادون للحق بل‬ ‫ينقادون للشّر‪ .‬‬ ‫ب( المسيح رجاء كل مؤمن‬ ‫يسوع هو اذًا رجاء العالم ومستقبل التاريخ‪ ...‬من سيدين العالم؟ ماذا سيكون مضمون‬ ‫ولك ّ‬ ‫الدينونة؟ وكيف يصّور العهد الجديد الدينونة؟‬ ‫أ( من سيدين العالم؟‬ ‫ال الب‬ ‫يصف العهد الجديد الدينونة كأّنها أّول عمل ال؛ فال هو الذي سيدين جميع الناس‪..‬تلك هي العقيدة‬ ‫دّمرت سلطة الشر‪ ،‬وبدا أ ّ‬ ‫طها المسيح بدمه على أخاديد التاريخ‪ .‬‬ ‫يقول بولس الرسول‪:‬‬ ‫ن أيها النسان الذي يدين من يعمل مثل هذه العمال‪ ،‬وهو يفعلها‪ ،‬أنك تنجو‬ ‫"أَو تظ ّ‬ ‫من دينونة ال؟‪ .(13 -3‬‬ ‫‪160‬‬ .(11 ،10 :3‬‬ ‫مجيء يسوع الثاني يعني لكل من يؤمن بيسوع النتصارعلى مصيرالموت‪ ،‬ورجاء‬ ‫حياة تكتمل فيها الحياة التي نقضيها على الرض‪.‬وهو أيضًا رجاء كل واحد منا‪ ،‬في‬ ‫حياته وموته نجد معنى حياتنا وموتنا‪ ،‬وفي قيامته نضع رجاء قيامتنا‪ .‬‬ ‫‪ -2‬المجيء الثاني والدينونة‬ ‫ن المجيء الثاني هو أيضًا دينونة‪ .

(10 :5‬‬ ‫الرسل والقديسون‬ ‫ُيسَند أيضًا عمل الدينونة في بعض مقاطع من العهد الجديد الى الرسل‪ ،‬كما جاء‬ ‫ل في قول يسوع لرسله الثني عشر‪" :‬الحق أقول لكم‪ :‬إنكم‪ ،‬أنتم الذين تبعوني‪،‬‬ ‫مث ً‬ ‫متى جلس ابن البشر‪ ،‬في عهد التجديد‪ ،‬على عرش مجده‪ ،‬تجلسون أنتم أيضًا على‬ ‫اثني عشر كرسيًا‪ ،‬لتدينوا أسباط اسرائيل الثني عشر" )متى ‪.(23 -21 :7‬‬ ‫ن الذي سيدين العالم هو الرب‪ .‫ويسوع في حديثه عن الصدقة والصلة والصوم يطلب أن يقوم النسان بهذه‬ ‫العمال في الخفية‪ ،‬ثم يضيف‪" :‬وأبوك الذي يرى في الخفية هو الذي يجازيك"‪ ،‬أي‬ ‫يوم الدينونة )متى ‪.‬كثيرون سيقولون لي‬ ‫دنن ذلك اليوم‪ :‬يا رب‪ ،‬يا رب! ألم نكن باسمك قد تنّبأنا؟ وباسمك قد أخرجنا‬ ‫الشياطين؟ وباسمك صنعنا عجائب كثيرة؟ فحينئٍذ اعلن لهم‪ :‬اني ما عرفتكم قط؛‬ ‫أبعدوا عني‪ ،‬يا فاعلي الثم!" )متى ‪.(3 -1 :6‬‬ ‫‪161‬‬ .‬وبتلك اللفظة يعني‬ ‫وبولس الرسول يذّكر مرارًا ا ّ‬ ‫يسوع المسيح‪" :‬ل تحكموا بشيء قبل الوان‪ ،‬الى أن يأتي الرب‪ .(28 :19‬‬ ‫ن جميع القّديسين‪ ،‬ويعني بالقديسين جميع المسيحيين‪،‬‬ ‫وبولس الرسول يضيف ا ّ‬ ‫سيدينون العالم والملئكة‪" :‬أيجترئ أحدكم‪ ،‬وله دعوى على آخر‪ ،‬أن يحاكمه لدى‬ ‫الخطأة‪ ،‬ل لدى القديسين؟ أَو ما تعلمون أن القديسين سيدينون العالم؟ وإن كان العالم‬ ‫بكم ُيدان‪ ،‬أفتكونون غير أهل لن تقضوا في الدعاوى الصغرى؟ أَو ما تعلمون أّنا‬ ‫سندين الملئكة؟ فكم بالحرى نقضي في شؤون هذه الحياة" )‪ 1‬كور ‪.‬فالمسيح هو ابن البشر الذي‬ ‫سيدين جميع المم في الدينونة العامة‪ ،‬كما يقول انجيل متى‪" :‬متى جاء ابن البشر‬ ‫بمجده‪ ،‬وجميع الملئكة معه‪ ،‬حينئٍذ يجلس على عرش مجده‪ ،‬وتحشر لديه جميع‬ ‫المم‪ ،‬فيفصل بعضهم عن بعض‪ ،‬كما يفصل الراعي الخراف عن الجداء‪ ،‬ويقيم‬ ‫الخراف عن يمينه والجداء عن يساره" )متى ‪.‬فانه هو الذي سينير‬ ‫خفايا الظلم‪ ،‬ويوضح أفكار القلوب‪ ،‬وحينئٍذ يكون لكل واحد مدحه من ال" )‪ 1‬كور‬ ‫‪" ،(5 :4‬إذ ل بّد أن نظهر جميعًا أمام منبر المسيح‪ ،‬لينال كل واحد على حسب ما‬ ‫صنع بالجسد‪ ،‬خيرًا كان أم شرًا" )‪ 2‬كور ‪.(33 -31 :25‬‬ ‫ن الزؤان ُيجَمع وُيحَرق بالنار‪،‬‬ ‫وكذلك في تفسير َمَثل الزؤان يقول يسوع‪" :‬كما أ ّ‬ ‫كذلك يكون في منتهى الدهر‪ ،‬يرسل ابن البشر ملئكته‪ ،‬فيجمعون من مملكته كل‬ ‫المعاثر وفاعلي الثم‪ ،‬ويلقونهم في أتون النار" )متى ‪ .(18 ،15 ،6 ،4 :6‬‬ ‫يسوع المسيح‬ ‫في مقاطع أخرى ُيسَند عمل الدينونة الى المسيح‪ .(42 -40 :13‬وفي حديثه‬ ‫عن ضرورة العمل بارادة الب يقول‪" :‬ليس كل من يقول‪ :‬يا رب‪ ،‬يا رب! يدخل‬ ‫ملكوت السماوات‪ ،‬بل الذي يعمل إرادة أبي الذي في السماوات‪ .

‬والحقيقة‬ ‫الرسل أو جميع المسيحيين‪ ،‬ل ّ‬ ‫واحدة‪ :‬انها حقيقة ال التي يحملها يسوع‪ ،‬كلمة ال‪ ،‬في كيانه وفي تعاليمه‪ ،‬والتي آمن‬ ‫بها الرسل والقديسون وجميع المسيحّيين‪ ،‬وعاشوا بموجبها‪.‬ا ّ‬ ‫الن في النور‪ .(21‬‬ ‫وفي موضع آخر يقول يسوع‪" :‬لقد جئت الى العالم‪ ،‬أنا النور‪ ،‬لكي ل يمكث في‬ ‫ل من يؤمن بي‪ .‬إن كان أحد يسمع أقوالي ول يحفظها‪ ،‬فلست أنا أدينه‪ ،‬لني‬ ‫الظلم ك ّ‬ ‫ت لدين العالم‪ ،‬بل لخّلص العالم‪ .‬ل ّ‬ ‫من يفعل الشر يبغض النور‪ ،‬ول يقبل البتة الى النور لئل تفضح أعاله‪ .‬وأّما من يعمل‬ ‫ن أعماله مصنوعة في ال" )يو ‪-17 :3‬‬ ‫الحق فانه ُيقِبل الى النور‪ ،‬لكي يثبت أ ّ‬ ‫‪.‬وأّما الذي يرفض كلمه ول يؤمن به "َفَقْد ِدي َ‬ ‫ن الدينونة تبدأ منذ هذه الحياة بمجّرد رفض اليمان‬ ‫التي يستعملها يوحنا تعني ا ّ‬ ‫بالمسيح‪ .‬فمن نبذني ولم يقبل أقوالي‪ ،‬فله دّيانه‪ :‬الكلمة‬ ‫لم آ ِ‬ ‫التي نطقت بها هي تدينه في اليوم الخير‪ ،‬لّني لم أتكّلم من نفسي‪ ،‬بل الب الذي‬ ‫شر به" )يو ‪.‫النسان يدين نفسه‬ ‫في انجيل يوحنا تأخذ الدينونة طابعًا ذاتيًا‪ .‬فمن‬ ‫ن‪ ،‬لنه لم يؤمن باسم ابن ال الوحيد"‪ .‬ودينونته تبدأ على هذه الرض في موقفه‬ ‫تجاه الحقيقة‪ .‬‬ ‫ب( ما هي الدينونة؟‬ ‫الدينونة في هذه الحياة‬ ‫نستطيع الن تحديد الدينونة‪ .‬كلمه‪.‬ولكن ما هي الحقيقة؟‬ ‫ن اليمان المسيحي يرى أنّ‬ ‫ن الحقيقة أمر مهبهم غامض‪ ،‬ولك ّ‬ ‫قد يبدو للبعض أ ّ‬ ‫الحقيقة ليست لفظة مبهمة؛ انها ال نفسه‪ ،‬وال ليس كائنًا مبهمًا‪ ،‬فلقد ظهر في واقع‬ ‫‪162‬‬ .‬ثم‬ ‫آمن به فل ُيدان‪ ،‬ومن ل يؤمن به فقد ِدْي َ‬ ‫ن النور قد‬ ‫يتابع انجيل يوحنا معّرفا بمضمون الدينونة‪" :‬وعلى هذا تقوم الدينونة‪ :‬ا ّ‬ ‫ن كل‬ ‫جاء الى العالم‪ ،‬والناس آثروا الظلمة على النور‪ ،‬لن أعمالهم كانت شريرة‪ .(49 -46 :12‬‬ ‫أرسلني هو حّدد لي ما أقول وما ُأب ّ‬ ‫ت للدينونة بل للخلص‪ .‬من خلل تعابير مختلفة نصل إلى فكرة أساسية‬ ‫ن النسان‪ ،‬في كل لحظة من لحظات حياته أّول‪ ،‬ثم لدى موته أخيرًا‪،‬‬ ‫واحدة‪ ،‬وهي ا ّ‬ ‫يواجه الحقيقة التي تدعوه الى التزام الخير‪ .‬‬ ‫ن المسيح لم يتكلم من نفسه‪ ،‬بل هو‬ ‫وبانفصاله عن المسيح ينفصل معًا عن ال‪ ،‬ل ّ‬ ‫كلمة ال‪َ" :‬من آمن بي فليس بي يؤمن‪ ،‬بل بالذي أرسلني‪ .‬فمن يقبل كلمه ويؤمن به يخلص‪ :‬انه منذ‬ ‫ن المسيح لم يأ ِ‬ ‫اّ‬ ‫ن صيغة الماضي‬ ‫ن"‪ .‬فالنسان اذًا هو الذي يدين نفسه بانفصاله عن المسيح وعن‪ .‬فالنسان هو الذي يدين نفسه برفضه‬ ‫كلمة المسيح‪" :‬ان ال لم يرسل ابنه الى العالم ليدين العالم‪ ،‬بل ليخّلص به العالم‪ .(44 :12‬‬ ‫هكذا يتضح لنا ان ل تناقض بين اسناد عمل الدينونة الى ال أو الى المسيح أو‬ ‫ن الحقيقة هي التي في الواقع ستدين العالم‪ .‬ومن رآني فقد رأى الذي‬ ‫أرسلني" )يو ‪.

‫الزمن والتاريخ في شخص يسوع المسيح الذي نؤمن به ابن ال وكلمة ال وصورة‬ ‫ال‪ .‬‬ ‫المسيح كلمة ال‪ ،‬ل ُيدان‪ ،‬ومن ل يؤمن فقد ِدْي َ‬ ‫لذلك أيضًا ل تقتصر الدينونة على نهاية العالم‪ ،‬ول حتى على موت النسان‪ ،‬ل ّ‬ ‫ن‬ ‫الموت الحقيقي ليس موت الجسد بل رفض اليمان بالمسيح‪ .‬انهم قد أخطأوا هدفهم‪ ،‬وحياتهم‪ ،‬التي فقدت معناها‪ ،‬قد آلت الى العدم‪ .‬حياة كهذه تنتهي وفق ما جاء في المزمور‪:‬‬ ‫‪163‬‬ .‬‬ ‫نظر المسيحية‪ ،‬هي أو ً‬ ‫لذلك ل نستطيع الفصل بين مجيء يسوع الّول وموته وقيامته ومجيئه الثاني؛ انها‬ ‫مراحل متعددة من سر واحد هو سر محبة ال التي تنسكب على النسان لتمنحه الحياة‬ ‫ن يسوع هو‬ ‫والفداء والخلص‪ .‬ا ّ‬ ‫حياة ُقضيت في الشر لهو أردأ عقاب‪ .‬فالذين عملوا الصالحات‬ ‫ينهضون للحياة‪ ،‬والذين عملوا السّيئات ينهضون للدينونة" )يو ‪.‬ففي‬ ‫المسيحية‪ ،‬الحقيقة التي ستدين العالم في نهاية الزمنة قد أتت في الزمن لتخّلص‬ ‫ن الدينونة‪ ،‬في‬ ‫العالم‪ ،‬وقد أعطت ذاتها حتى الموت في سبيل هذا الخلص‪ .‬عندئٍذ تنزع عن عينيه الغشاوة التي كانت‬ ‫تفسد أمامه الرؤية‪ ،‬ويسقط من أمام وجهه القناع الذي كان مستترًا وراءه‪ ،‬فينكشف‬ ‫كما هو أمام الحقيقة‪ .‬فل تدهشوا من هذا‪ ،‬لنها تأتي الساعة‬ ‫التي يسمع فيها جميع من في القبور صوته‪ ،‬فيخرجون منها‪ .‬والدينونة ترافق كسل مراحل هذا السّر‪ .‬فمن يؤمن بأ ّ‬ ‫ن‪.‬ومن يؤمن بيسوع ل‬ ‫يموت‪ .‬وتلك ستكون دينونته‪ .‬‬ ‫الدينونة بعد الموت‬ ‫ن الدينونة بعد الموت ستقتصر على "الذين عملوا السّيئات"‪ .‬قال يسوع‪" :‬أنا القيامة والحياة‪ .‬بهذا تتمّيز المسيحية عن سائر الديانات التي تؤمن أيضًا بالدينونة الخيرة‪ .‬اّما المؤمنون‬ ‫اّ‬ ‫بالمسيح "فلن يخضعوا للدينونة"‪ ،‬حسب قول يسوع في انجيل يوحنا‪" :‬الحق الحق‬ ‫أقول لكم‪ :‬إن من يسمع كلمي ويؤمن بالذي أرسلني له الحياة البدية‪ ،‬ول يخضع‬ ‫لدينونة‪ ،‬لكّنه قد انتقل من الموت الى الحياة‪ .‬هذا ما يصفه أحد اللهوتيين المعاصرين‬ ‫بلغة وجودية‪ ،‬فيقول‪:‬‬ ‫"ان مجّرد انتصار الخير على الشر يكّون الحكم الساحق على الذين يمارسون‬ ‫ن عبث‬ ‫الشر‪ .(26 ،25 :11‬ك ّ‬ ‫ل من‬ ‫ن إيمانه بيسوع يمنحه الحياة‪ ،‬ولن يكون موته ال انتقا ً‬ ‫لن يعرف الموت‪ ،‬ل ّ‬ ‫الحياة الحاضرة الى الحياة البدية‪.‬لذلك فا ّ‬ ‫ل محبة وخلص‪.‬من آمن بي‪ ،‬وان مات‪ ،‬فسيحيا؛ وكل من كان‬ ‫ل من يؤمن بيسوع في حياته‬ ‫حيًا وآمن بي فلن يموت أبدًا" )يو ‪ .‬فكما أن الب له الحياة في ذاته‪ ،‬كذلك أعطى البن أن تكون له الحياة في‬ ‫ذاته‪ ،‬وآتاه سلطانًا أن يدين لّنه ابن البشر‪ .(29 -24 :5‬‬ ‫ي شيء ستقوم دينونة الذين عملوا السّيئات؟ ان النسان‪ ،‬لدى موته‪ ،‬يواجه‬ ‫على أ ّ‬ ‫الحقيقة مواجهة صريحة ل مواربة فيها‪ .‬الحق الحق أقول لكم‪ :‬انها تأتي الساعة‬ ‫وها هي ذي حاضرة‪ -‬التي يسمع فيها الموات صوت ابن ال‪ ،‬والذين يسمعون‬‫يحيون‪ .

‬ان امكان رفض ال رفضًا مطلقًا‪ ،‬ومن‬ ‫ثّم امكان اختيار طريق الهلك والعدم في ما يدعوه التقليد "جهّنم"‪ ،‬يجب أن يبقى‬ ‫امكانًا مفتوحًا أمام النسان‪ ،‬كما يقول اللهوتي اللماني المعاصر كارل راهنر‪ ،‬وذلك‬ ‫لضمان اختياره ال اختيارا حّرا‪ .‬اّنه "يوم ظلمة" )عاموس ‪" ،(20 :5‬يوم غمام" )حزقيال ‪،(2 :30‬‬ ‫س ذو سخط واضطرام‬ ‫"يوم نار تأكل جميع الرض" )صفنيا ‪" ،(18 :1‬يوم قا ٍ‬ ‫‪164‬‬ ..‬فهو اذًا الوقت المناسب‬ ‫ن النسان‪ ،‬بموجب‬ ‫الذي يستطيع فيه النسان ملقاة ال وتقرير مصيره البدي"‪ .‬أّما الخلص بالمسيح‪،‬‬ ‫الخلص الشخصي للنسان‪ ،‬والخلص للبشرية بمجملها‪ ،‬فهو يقين ثابت‪ .‫"كحلم عند الستيقاظ‪ ،‬أيها السّيد‪ ،‬تحتقر خيالهم في المدينة" )مز ‪ .‬‬ ‫يتكلم العهد القديم عن "يوم الرب" ويعني بذلك يوم الدينونة الذي فيه سيكافئ ال‬ ‫شعبه وأبراره‪ .‬الموت وحده يتيح‬ ‫للنسان امكان أّول عمل له يقوم به بملء حّريته واختياره‪ .‬‬ ‫إمكانية جهنم‬ ‫في لحظة الحقيقة هذه‪ ،‬هل من مجال بعد للتوبة والختيار؟ يرى بعض اللهوتيين‬ ‫ن الموقف الذي يقفه النسان من الحقيقة في هذه الحياة موقف معّرض‬ ‫المعاصرين ا ّ‬ ‫للخطأ‪ .‬فإنه هو الذي سينير خفايا الظلم‪ ،‬ويوضح‬ ‫أفكار القلوب‪ ،‬وحينئٍذ يكون لكل واحد مدحه من ال )‪ 1‬كور ‪ .(5 :4‬فلنترك ل أن‬ ‫يحكم على سلوك النسان وعلى مدى حريته‪ ..‬ا ّ‬ ‫تلك النظرية‪ ،‬ل يمكنه‪ ،‬في أثناء حياته على الرض‪ ،‬أن يرى الحقيقة رؤية واضحة‪.‬‬ ‫موضوع إيماننا بالمجيء الثاني‪ .‬‬ ‫تعليقًا على هذا الفتراض اللهوتي‪ ،‬نكتفي بالعودة الى قول بولس الرسول الذي‬ ‫ذكرناه سابقًا‪" :‬ل تحكموا بشيء قبل الوان‪ 1) ".‬ولكّنه يبقى امكانًا نظريًا‪ .‬‬ ‫ثم يضيف الكاتب‪" :‬ولكن ما العلقة بين هذا كّله ومجيء المسيح الذي يترقّبه‬ ‫المؤمنون؟ ربّما تتضح لنا تلك العلقة‪ ،‬اذا تأّملنا قول بولس الرسول‪ :‬ل تحكموا‬ ‫بشيء قبل الوان‪ ،‬الى أن يأتي الرب‪ .‬ذاك هو‬ ‫مصير الذين يرفضون محبة ال ويرفضون دعوته الى الحياة"‪.‬ا ّ‬ ‫ج( تصّورات المجيء الثاني‬ ‫تلك الحقيقة اليمانية يصّورها الكتاب المقّدس بتصاوير مختلفة‪ ،‬ل يهدف منها إلى‬ ‫وصف نهاية الزمنة وصفًا علميًا دقيقًا‪ ،‬بقدر ما يقصد إظهار رهبة هذا الحدث‬ ‫الخير وخطورته بالنسبة إلى مصير النسان‪.‬كور ‪ .‬والحّرية التي بها يختار الشّر حّرية ناقصة مجّزأة مشّوهة‪" .‬وهذا هو‬ ‫ن تاريخ البشرية والعالم صائر الى الحياة مع ال‪.(20 :72‬ان‬ ‫إدراك النسان ذاته قد سقط في أقصى العبث وغرق في العدم والتلشي‪ .‬‬ ‫ع‪ ،‬ول يمكنه من ثّم تقرير مصيره‬ ‫ن اختياره الشّر اختيار غير حّر وغير وا ٍ‬ ‫لذلك فا ّ‬ ‫البدي استنادًا الى هذا الختيار‪.(5 :4‬بقولنا ا ّ‬ ‫ن‬ ‫المسيح سيأتي ليدين الحياء والموات نؤكد يقيننا ان كل ما هو خفي سيظهر كل ما‬ ‫هو مكتوم سيعلن )متى ‪ (26 :10‬بواسطة المسيح الذي هو نور ال وحقيقة ال"‪.

‬انه يوم فدائنا البدي‪" :‬ومتى ظهر‬ ‫المسيح الذي هو حياتنا‪ ،‬فحينئٍذ تظهرون أنتم أيضًا معه في المجد" )كو ‪.‬‬ ‫وسوف يعود بغتة دون أن يعرف أحد زمن عودته‪" :‬في المساء أم في منتصف الليل‪،‬‬ ‫أم عند صياح الديك أم في الصباح" )مر ‪.(9 :13‬فمن يحتمل‬ ‫حص" )ملخي ‪.(14 ،13 :7‬ويرسل ملئكته بالبوق العظيم‪ ،‬فيجمعون مختاريه من‬ ‫مهاب الريح الربعة‪ ،‬من أقصى السماوات الى أقصاها" )متى ‪..(4 :3‬‬ ‫ومجيء المسيح يصفه العهد الجديد بطرق مختلفة‪ .(45 -31 :25‬وفي سفر الرؤيا تأخذ‬ ‫الدينونة صورة قتال ينشب في السماء ينتصر فيه المسيح على أعداء ال )رؤيا ‪.(44 -42 :24‬‬ ‫مستعّدين‪ ،‬ل ّ‬ ‫‪165‬‬ .‬فهو تارة "يأتي على سحب السماء‬ ‫في كثير من القدرة والمجد"‪ ،‬وفي ذلك اشارة الى تحقيق نبوءة دانيال في شخص‬ ‫المسيح ابن البشر‪" :‬ورأيت في رؤى الليل فاذا بمثل ابن البشر آتيًا على سحاب‬ ‫السماء‪ ،‬فبلغ الى القديم اليام وُقّرب الى أمامه‪ ،‬وأوتي سلطانًا ومجدًا وملكًا‪ ،‬فجميع‬ ‫الشعوب والمم واللسنة يعبدونه‪ ،‬وسلطانه سلطان أبدي ل يزول‪ ،‬وملكه ل ينقرض"‬ ‫)دانيال ‪" .(31 ،30 :24‬‬ ‫وفي بعض المثال‪ ،‬كظهر يسوع كالعريس الذي يأتي الى العرس )مثل وليمة‬ ‫العرس‪ :‬متى ‪ ،14 -1 :22‬مثل العذارى العشر‪ :‬متى ‪(13 -1 :25‬؛ أو "كإنسان‬ ‫كريم العنصر قصد الى بلد بعيد ليتوّلى ملكًا ثم يعود" )لو ‪(12 :19‬؛ أو "كرجل‬ ‫مسافر ترك بيته وصّرف عبيده كل واحد في عمله‪ ،‬وأوصى البّواب بالسهر‪".(12‬‬ ‫ل أنها تبقى صورًا‬ ‫تهدف كل من هذه التصاوير الى تأكيد وجه من حقيقة المسيح‪ ،‬إ ّ‬ ‫صل أحُد عناصرها وتحاك‬ ‫سر تفسيرًا حرفيًا‪ ،‬أو ُيف َ‬ ‫ل ُيساء فهمها‪ ،‬فتف ّ‬ ‫رمزية يجب أ ّ‬ ‫حوله قصة تّدعي وصف نهاية العالم وصفًا علميًا دقيقًا‪..(3:24‬يجيبهم يسوع‬ ‫بإلقاء بعض الضواء على ما ينتظرهم من حروب ومجاعات وزلزل‪ .(2 :3‬‬ ‫يوم مجيئه ومن يقوم عند ظهوره‪ ،‬فاّنه مثل النار المم ّ‬ ‫هذا اليوم أصبح في العهد الجديد "يوم المسيح"‪ .‬فكونوا اذًا‪ ،‬أنتم أيضًا‪،‬‬ ‫ن ابن البشر يأتي في ساعة ل تظنونها" )متى ‪.‬ا ّ‬ ‫يثيران فضولية النسان‪ ،‬وقد أثارا فضولية الرسل أنفسهم‪ ،‬فسألوا يسوع‪" :‬قل لنا متى‬ ‫بكون هذا‪ ،‬وما تكون علمة مجيئك ومنتهى الدهر؟" )متى ‪ .‬‬ ‫ن هذين المرين ل يزالن‬ ‫كذلك القول عن زمن مجيء المسيح وزمن نهاية العالم‪ .‬وينهي بقوله‪:‬‬ ‫"أما ذلك اليوم وتلك الساعة‪ ،‬فل يعلمهما أحد‪ ،‬ول ملئكة السماوات‪ ،‬ول البن‪ ،‬إل‬ ‫الب وحده" )متى ‪ ،(36 :24‬ثم يخلص الى القول‪ ،‬وهذا هو المهّم بالنسبة الينا‪:‬‬ ‫"فاسهروا اذًا‪ ،‬لنكم ل تعلمون في أي وقت يأتي سّيدكم‪ .‫غضب‪ ،‬ليجعل الرض خرابًا ويبيد خطأتها منها" )اشعيا ‪" .(36 -34 :3‬‬ ‫وتارة يصّور لنا المسيح الدينونة كمحكمة يجلس فيها الملك على عرشه ويعلن‬ ‫حكمه على الصّديقين والشرار )متى ‪ .‬وتيّقنوا أنه‪ ،‬لو علم رب‬ ‫البيت في أي هزيع يأتي السارق‪ ،‬لسهر ولم يدع بيته ُينَقب‪ .

‬‬ ‫وخلص البشرية لن يتحقق إ ّ‬ ‫لذلك بعد أن قام المسيح وارتفع الى مجد الب أرسل للعالم من عند الب الروح‬ ‫القدس‪ .‬‬ ‫‪ -3‬خلصة‬ ‫المجيء الثاني هو العمل الخير الذي سيقوم به ال خاتمًا به سلسلة أعمال محبة‬ ‫بدأت بخلق العالم وتتالت عبر التاريخ وبلغت ذروتها في حياة يسوع المسيح وموته‬ ‫وقيامته‪ .‬وقصة ارتفاعه يوم الصعود الى السماء تعني‬ ‫فالمسيح لم يتل َ‬ ‫ن تاريخ البشر سيكتمل فيه‪ .(12 -11 :1‬ان يسوع هو هو أمس واليوم والى‬ ‫الدهور" )عب ‪ ،(8 :13‬ومجيئه الثاني يعني ان ال سيكمل فيه عمل الفداء‬ ‫والخلص الذي بدأه فيه‪.‬‬ ‫ن لهذه العقيدة نتائج خطيرة بالنسبة الى علقات البشر بعضهم ببعض والى‬ ‫اّ‬ ‫ن خلص العالم والبشرية لن يتحّقق‬ ‫علقاتهم بالعالم‪ .‬فالعالم والتاريخ بحاجة إلى‬ ‫ن تلك القّوة قد دخلت العالم والتاريخ؛ انها ضمن‬ ‫قّوة تفوقها وتمنحها الملء والكمال‪ .‬ال ليس عنصرًا من عناصر العالم‪ ،‬انه‬ ‫خالق العالم‪ .‬ا ّ‬ ‫العالم والتاريخ‪ ،‬ولكنها تسمو العالم والتاريخ‪ .‬‬ ‫لقد جاء المسيح ليبني لذاته جسدًا‪ ،‬ويصل هذا الجسد الى ملئه وكماله‪ .‬وال ليس شريعة من شرائع التاريخ‪ ،‬انه مستقبل التاريخ وانفتاحه الى‬ ‫اللنهاية‪.‬ال محبة‪ ،‬وقد ظهرت تلك المحبة في العالم والتاريخ‪ ،‬وستظهر ظهورًا نهائيًا‬ ‫ن العالم لن يجد ملئه بقّوته‬ ‫في كمال العالم والتاريخ‪ .‬‬ ‫‪166‬‬ .‬هذه النظرية ممكنة‪ ،‬ولكن شرط أل ننسى أ ّ‬ ‫ل يحّقق فقط مصير كل انسان‪ ،‬بل يعني أيضًا اكتمال تاريخ البشر في المسيح‪.‬فخلص العالم لن يتحقق إ ّ‬ ‫ل اذا نسمت فيها روح ال‪.‬جسده هو‬ ‫جميع الذين يؤمنون به؛ جسده هو العالم الجديد الممتلئ من ال‪ ،‬جسده هو الكنيسة‪،‬‬ ‫شعب ال الجديد‪.‬إيمانا بالمجيء الثاني هو يقيننا أ ّ‬ ‫الذاتية‪ ،‬والتاريخ لن يجد اكتماله بتطّور شرائعه ونواميسه‪ .‬‬ ‫ش في غياهب الموت‪ .‬‬ ‫كيف يعمل الروح في العالم؟ وكيف تتكّون الكنيسة‪ ،‬جسد المسيح وشعب ال؟ هذا‬ ‫ما سيكون موضوع مقالتنا القادمة‪.‬والنتيجة الكبرى هي اقتناعنا ا ّ‬ ‫ل اذا تجاوز العالم ذاته‪،‬‬ ‫بمجّرد اّتباع شرائع التاريخ‪ .‬وهذا الروح هو الذي يستقّر في داخل النسان وفي داخل البشرية وفي داخل‬ ‫العالم ليبلغ بكل تلك العناصر البشرية والدنيوية الى التأّله‪ ،‬الى حياة ال‪.‬هذا معنى قول‬ ‫أنه دخل في مجد الب وأنه ل يزال حيًا وا ّ‬ ‫الملئكة للرسل في رواية الصعود‪" :‬أيها الرجال الجليليون‪ ،‬ما بالكم واقفين تنظرون‬ ‫الى السماء؟ ان يسوع هذا‪ ،‬الذي ارتفع عنكم الى السماء‪ ،‬سيأتي هكذا‪ ،‬كما عاينتموه‬ ‫منطلقًا الى السماء" )أعمال ‪" .‫ن المجيء الثاني سيتحقق لكل انسان في ساعة موته‪،‬‬ ‫يرى معظم اللهوتيين اليوم ا ّ‬ ‫ن المجيء الثاني‬ ‫لّنه إّذاك يلقي المسيح‪ .

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful