‫السلم والعلم‬

‫الصولية الدينية ومعركة العقلنية‬
‫تأليف‪:‬‬
‫برفيز أميرالى هودبهوي‬
‫‪PERVEZ AMIRALI HOODBHOY‬‬

‫المؤلف‬
‫برفيز أميرالى هودبهوي‬
‫‪PERVEZ AMIRALI HOODBHOY‬‬

‫‪1‬‬

‫ولد فى عام ‪ 1950‬وحصل على ماجستير الهندسة الكهربائية ثم ماجستير فى الرياضيات‬
‫وماجستير فى فيزياء الحالة الصلبة‪ ،)Solid State Physics( 1‬ثم الدكتوراة فى الفيزياء النووية‬
‫من معهد ماساشوستس للتكنولوجيا (‪.)Massachusetts Institute of Technology, MIT‬‬
‫حصل على جائزة بيكر فى الليكترونيات من الجمعية البريطانية للراديو والهندسة الليكترونية فى‬
‫عام ‪ ،1968‬وبدأ التدريس فى جامعة القائد عزام (‪ )Quaid-e- Azam‬بإسلم أباد فى عام‬
‫‪ ،1973‬حيث كان يجري بحوثه فى فيزياء الجسيمات الدقيقة‪ ،‬ثم نال جائزة عبد السلم فى‬
‫الرياضيات عام ‪ ،1984‬كما حصل فى عام ‪ ،1990‬على جائزة فايز أحمد فايز عن اسهاماته فى‬
‫مجال التعليم بباكستان‪ .‬كما حصل على منحة أستاذ زائر من جامعة واشنطن بأمريكا حيث عمل‬
‫كأستاذ زائر بجامعة كارنيجي ميلون (‪ ،)Carnegie Mellon‬ومازال يشغل وظيفة عالم ابحاث‬
‫زائر بمعهد ماساشوستس للتكونولوجيا‪ ،‬حيث يقضى فيه شهرين من كل عام‪.‬‬
‫وتشغله عدة مسائل عامة‪ ،‬بجانب اهتمامته المهنية فى تخصصه‪ ،‬مثل تبسيط العلوم‪ ،‬والمور‬
‫التعليمية والجتماعية‪.‬‬

‫تصدير للكتاب‬
‫"ل شك أن العلم أضعف ما يكون اليوم فى المناطق السلمية‪ ،‬وذلك مقارنة بمختلف‬
‫الحضارات المعاصرة‪ .‬ولم يعد مقبول اغفال ذلك أو الستهانة به‪ ،‬حيث أصبحت الحياة‬
‫الكريمة للمجتمعات المعاصرة‪ ،‬مرتبطة ارتباطا مباشرا بمدى قوتها العلمية‬
‫والتكنولوجية "‪.‬‬

‫‪ 1‬فرع الفيزياء الذى يدرس الخواص الفيزيائية للمادة فى الحالة الصلبة‪ .‬تشمل الخواص الفيزيائية الخواص‬
‫الميكانيكية‪ ،‬الكهربية‪ ،‬الحرارية‪ ،‬المغناطيسية‪ .‬وتشمل حالت المادة‪ ،‬الحالة الصلبة والسائلة والغازية‪( .‬المترجم)‬

‫‪2‬‬

‫حين طلب منى الدكتور برفيز هودبهوى‪ ،‬أن أقدم لهذا الكتاب‪ ،‬ذكرنى بوعدي السابق له بذلك‪،‬‬
‫وقال ‪ :‬أذكرك بأنك كنت قد وافقت على هذا العمل‪ ،‬بشرط أن تكون الراء المطروحة مقبولة‬
‫لديك‪ ،‬وأرجو أن ل تكون هناك خلفات جوهرية‪ .‬أما فى حالة وجود خلفات حول بعض‬
‫الجزاء‪ ،‬فإنى أفضل أن تكتب نقدك المستفيض‪ ،‬بدل من المتناع كلية عن الكتابة‪ ،‬كما اعتقد أن‬
‫الكتاب يحتاج الى وجهة نظر مخالفة‪ ،‬حتى تصل به الى درجة من التوازن المناسب"‪.‬‬
‫فى البداية‪ ،‬أنا ل أختلف مع د‪ .‬هودبهوي على أى مما كتبه فى هذا الكتاب‪ ،‬فعلى العكس‪ ،‬أنا‬
‫أتفق معه تماما على أن حال العلم فى العالم السلمي متدني للغاية‪ ،‬وإنى أكرر الفقرة المقتبسة من‬
‫كتاباتى السابقة‪ ،‬المذكورة على رأس هذه الصفحة‪ ،‬والتى استعملها الكاتب فى استهلله للفصل‬
‫الرابع‪.‬‬
‫ثانيا‪ ،‬أنا أتفق معه‪،‬على أن الصولية العقائدية‪ ،‬بالضافة الى روح عدم السماحة‪ ،‬هما من أهم‬
‫عوامل قتل مسيرة الزدهار فى السلم‪ .‬ولعل من شروط ازدهار العلم وتقدمه‪ ،‬وجود تجمع‬
‫عددي مناسب من العلماء‪ ،‬ليشكل مجتمعا علميا قادرا على العمل فى صفاء وهدوء‪ ،‬وبدعم كامل‬
‫من بنية تحتية حرة تمده بما قد يحتاجه من اختبارات‪ ،‬وتجارب‪ ،‬وقراءات‪ ،‬كذلك يحتاج الى التمتع‬
‫بمطلق الحرية فى إبداء رأيه فى المناقشات المفتوحة‪ ،‬وفي نقد الراء الخرى‪ .‬وهذه المتطلبات‬
‫غير متوفرة فى السلم المعاصر‪.‬‬
‫ثالثا‪ ،‬هو مصيب فى رأيه أن " نصر(‪ ")Nasr‬و"ساردار(‪ 2")Sardar‬يقومان بعمل عظيم ضد‬
‫العلم فى الدول السلمية‪ ،‬فهم ينادون بعلم اسلمى– أيما كان المقصود بهذا التعريف‪ -‬منبثقا من‬
‫السلم‪ ،‬وليس من الحضارة كلها‪ .‬هناك علم واحد عالمى‪ ،‬ومشاكله وأشكاله عالمية‪ ،‬ول يوجد ما‬
‫يسمى بالعلم السلمي‪ ،‬كما ل يوجد علم هندي‪ ،‬ول علم يهودي‪ ،‬ول كونفوشيوسي‪ ،‬ول مسيحي‪.‬‬
‫أوافق أيضا على مقولته‪ ،‬بأن العلم السلمي ‪-‬كما أوضح الرئيس الباكستاني ضياء الحق‪-‬‬
‫كان مزيفا‪ ،‬أما الباحثين الذين باشروا هذا العلم – الذين تندر بهم الدكتور هودبهوي‪ -‬فعليهم أن‬
‫يخجلوا مما كتبوا بإسم هذا العلم‪.‬‬
‫أخيرا‪ ،‬أوافق على أن المنهج العملي (البرجماتى)‪ ،‬قد يوفر الأسلوب الوحيد لعادة الحياة للعلم‬
‫الحقيقي فى البلد السلمية‪ ،‬تماما كما قد يكون الحال مع مسألة الديمقراطية فى السلم‪ .‬أما ما‬
‫‪ 2‬سياتى الحديث عنهما لحقا فى الفصل السادس من الكتاب‪( .‬المترجم)‬

‫‪3‬‬

‫يمكن ان اوجهه من نقد للستاذ هودبهوي‪ ،‬فهو أنه لم يتوسع وينمى الجزء الخير من الكتاب‬
‫بالقدر الذى كنت أتوقعه منه‪.‬‬
‫وفيما يتعلق بالكتاب‪ ،‬فيمكننا تقسيمه الى جزئين‪ ،‬يتكون الجزء الول من الفصول التى تناولت‬
‫الوضع الراهن للعلم والتعليم فى العالم السلمى‪ ،‬أما الجزء الثاني ففيه يسرد تاريخ العلم فى‬
‫السلم‪ ،‬كما يتناول مفهوم العلوم إبان فترة حكم ضياء الحق فى باكستان‪.‬‬
‫دعونى فى البداية‪ ،‬أؤكد على بعض نقاط القوة فى الكتاب‪ ،‬لقد اتسم الفصل الذى تناول صراع‬
‫الكنيسة الكاثوليكية مع العلم‪ ،‬على مر العصور (مع تسجيل عشرة أدلة من الخلفات) بالتميز‬
‫الشديد كما برع الكاتب فى سرده لقصة العلم فى السلم‪.‬‬
‫كذلك استعان الكاتب‪ ،‬واقتبس عن بحوث كل من ستيفن فاينبرج (‪)Steven Weinberg‬‬

‫‪3‬‬

‫المعروف بإلحاده‪ ،‬ومن بحوثى وأنا المعروف بإسلمي‪ .‬وخلص الى عدم وجود خلفات جوهرية‬
‫بين أعمالنا البحثية‪ ،‬وأود أن أؤكد أنه على صواب‪ .‬فقد كنا متباعدين تماما ‪-‬جغرافيا وعقائديا –‬
‫عندما تناولت بحوثنا نقطة واحدة مشتركة‪ ،‬وهى نظرية توحيد القوى الكهرومغناطيسية والقوى‬
‫النووية الضعيفة‪ ،‬وإذا كان هناك بعض التشكك من ناحيتي تجاه مسالة أحادية القوى‪ ،‬فلعله كان‬
‫بسبب دوافعي السلمية الدفينة‪.‬‬
‫كما سبق وقلت‪ ،‬فإن نقدى الوحيد‪ ،‬ينصب على أن المؤلف لم يكن واضحا حول أساليب علج‬
‫الموقف المعاصر‪ ،‬فلم يرجع الى التساؤل الذى طرحه بنفسه فى البداية ‪ :‬هل سيظل العلم مغبونا‬
‫الى البد فى السلم؟ أم أنه سيظل هكذا‪ ،‬الى حين ان ينهج المسلمون نهجا غير أصوليا‪.‬‬
‫أشعر شخصيا بأن العالم السلمي اليوم‪ ،‬ليس قويا ومتجانسا كالصخرة الواحدة‪ ،‬فهو منقسم‬
‫بطبيعة الحال الى مناطق متعددة تختلف حضاريا‪ ،‬خاصة من حيث نظرتها وتناولها لمسألة العلوم‬
‫والتكنولوجيا‪ .‬ودعونى أوضح تلك النقطة‪ ،‬فلقد كان على العرب الخليجيين‪ ،‬الغارقين فى الثراء‬
‫الكبير‪ ،‬أن يأخذوا على عاتقهم استثمار تلك الثروات فى دعم بناء العلم فى كل العالم السلمي‪،‬‬
‫‪3‬‬

‫ستيفن فاينبرج ‪ :))Steven Weinberg‬من ابرز علماء الفيزياء‪ .‬حصل على جائزة نوبل فى الفيزياء‬

‫عام ‪ ،1979‬بالمشاركة مع اثنين آخرين‪ ،‬أحدهم الستاذ محمد عبد السلم (صاحب هذا التقديم) عن‬

‫انجازاتهم فى مجال توحيد نظريات القوى فى الكون وضمها فى نظرية واحدة‪ .‬والمعروف أن القوى الحالية‬

‫تنقسم الى أربعة أنواع ‪ :‬قوة الجاذبية‪ ،‬القوى الكهرومغناطيسية‪ ،‬القوى النووية الضعيفة‪ ،‬والقوى النووية‬
‫القوية‪ ،‬ولكل منهم نظرياته وقوانينه المنفصلة حتى الن‪( .‬المترجم)‬

‫‪4‬‬

‫ومازال بإمكانهم فعل ذلك‪ ،‬لكنهم لم يفعلوا‪ ،‬ول حتى مع اشقائهم المسلمين العرب‪ ،‬ثانيا ‪ :‬هناك‬
‫مصر وايران وباكستان ونيجيريا وتركيا وماليزيا ولبنان‪ ،‬وكلهم من الدول السلمية‪ ،‬وهم بترتيبهم‬
‫التنازلى‪ ،‬من أكبر المنتجين للكتابات العلمية فى السنوات الخيرة‪ ،‬ولكن فى حين أن مصر تمتلك‬
‫عددا كبيرا من العلماء‪ ،‬إل أن المعايير العلمية المصرية‪ ،‬متفاوتة ومتواضعة بدرجة كبيرة‪،‬‬
‫باستثناء بعض المجالت الهندسية والتكنولوجية البسيطة‪ .‬ثالثا أصبحت ايران – بعد انتهاء الحرب‬
‫مع العراق‪ -‬فى موقف جيد لستعادة تميزها وتسيدها التاريخي للمسيرة العلمية فى العالم‬
‫السلمي‪ ،‬وقد زرت ايران مؤخرا‪ ،‬ورأيت تعطشا لدى شبابها‪ ،‬مدعوما من الطائفة الشيعية‬
‫(الطائفة الوحيدة المتميزة بتنظيمها شبه الكنسي فى السلم )‪ ،‬اما فيما يتعلق بباكستان‪ ،‬فهى‬
‫بانتظار حاكم مثل جواهر لل نهرو فى الهند‪ ،‬يتمتع بنفس توجهاته نحو العلم والتكنولوجيا‪ .‬وأما‬
‫أندونيسيا‪ ،‬فل أعلم عنها ما يكفي لبداء رأى فيها‪ ،‬وللسف‪ ،‬فإن بنجلدش‪ ،‬ل تستطيع أن تفعل‬
‫شيئا فى مجال العلم نظرا لفقرها الشديد‪ ،‬وبالرغم من ذلك‪ ،‬فلدى شبابها من الرجال والنساء رغبة‬
‫شديدة فى جعل المشروع العلمي جزءا من حياتهم‪ ،‬أما باقي الدول السلمية‪ ،‬فهم قليلى الوزن‬
‫فيما عدا السودان‪ ،‬حيث يوجد بعض العلماء العرب المكافحين‪ ،‬وايضا تركيا‪ ،‬حيث تحاول التأهل‪،‬‬
‫لرغبتها فى النضمام لوروبا‪ ،‬وكذلك الجزائر‪ ،‬بمجتمعها المضطرب‪ ،‬مع بعض الحتمالت لكل‬
‫من المغرب والعراق‪.‬‬
‫ولعل من أكثر أبواب الكتاب تميزا‪ ،‬هذا الجزء الذى يتعلق بموقف شيوخ السلم وفقهائهم من‬
‫العلم‪ ،‬فكما يقول الكاتب ‪ :‬ل كنيسة فى السلم‪ ،‬ول استبداد لسلطة مركزية رسمية‪ ،‬على الرغم‬
‫من ذلك‪ ،‬وعلى عكس المتوقع‪ ،‬فإن المكانة المعنوية السامية المتمثلة فى حق الفرد فى الجتهاد‪،‬‬
‫وفى التفسير والتأويل دون اللجوء بالضرورة الى كبار رجال الدين‪ ،‬قد انتجت ضغطا منهجيا‬
‫منظما‪ ،‬أثبتت اليام قدرته على قتل القوة السياسية‪ ،‬والقوة القتصادية‪ ،‬ناهيك عن النواحي العلمية‬
‫والتكنولوجية‪ ،‬على المدى البعيد‪ .‬وقد حدث هذا فى رأيي من خلل الستخدام البارع لسلح‬
‫التكفير‪ .‬حيث اشتملت قائمة المكفرين على العديد من الشخصيات المشهورة‪ ،‬امثال المام على‬
‫الذى كفره الخوارج‪ ،‬والمام أبو حنيفة والمام مالك بن أنس‪ ،‬وهما مؤسسي مذهبين كبيرين من‬
‫المذاهب الربعة فى مدرسة الفقه السلمى‪ .‬وكذلك المام الغزالى والشيخ الكبر بن عربي‬
‫والمام ابن تيمية وسيد محمد جونبوري ( ‪ ،)Sayyid Mohammad Jonpuri‬وبضعة من‬
‫العلماء أمثال ابن رشد وابن سينا وابن الهيثم وغيرهم‪ .‬غالبا ما كان حكم التكفير حكما طائفيا‪،‬‬
‫منحرفا‪ ،‬لكن الحكام بالقتل تم تنفيذها‪ ،‬وممن استشهد فعل على هذا الطريق كان بعض المتصوفة‪،‬‬

‫‪5‬‬

‫مثل منصور الحلج وشيخ الشرق شهاب الدين سهروردى والشيخ علئي وسرمد‪ .4‬حدث كل‬
‫هذا‪ ،‬رغم عدم وجود كهنوت فى السلم‪ ،‬وقد كتب أبو الكلم أزاد‪ )Abul-Kalam Azad( 5‬فى‬
‫سرده لستشهاد سرمد (‪:)Sarmad‬‬
‫"على مدى اللف وثلثمائة عام الماضية‪ ،‬عملت أقلم القضاة عمل السيف المشهر‪ ،‬لم‬
‫يقف الستشهاد على الصوفية وأحرار الفكر فقط‪ ،‬بل امتد أيضا الى كبار رجال‬
‫الصولية السلمية"‬
‫على ذلك فإن عدم وجود نظام كهنوتى فى السلم السنى‪ ،‬لم يساعد كثيرا‪ ،‬بسبب ميل الئمة‬
‫لستعمال سلح التكفير ببراعة‪ ،‬وما كان على الحكام والشعوب ال الستماع والذعان لهم‪ .‬فما هو‬
‫العلج اذا‪ ،‬حتى ل يعود سلح التكفير مهددا ‪ -‬على أقل تقدير‪ -‬للفكار والمعتقدات العلمية ؟‪.‬‬
‫قد يكمن أحد الساليب‪ ،‬فى التعامل مع كل شريحة من شريحتي الملقبين بعلماء الدين على‬
‫حدة‪ .‬تتمثل الشريحة الولى‪ ،‬فى الئمة العاديين‪ ،‬الذين يتلخص دورهم فى امامة الصلة فى‬
‫المساجد بالقرى‪ ،‬ويرتزقون من خلل أدائهم لبعض الوظائف‪ ،‬مثل توثيق عقود الزواج وإحياء‬
‫المآتم وحفلت الطهور‪ .‬ليس لهذه الشريحة اهتمام يذكر بمضايقات الصوليين وفتاويهم المزعجة‪،‬‬
‫طالما توفرت لهم أسباب الرزق (مثلهم مثل طبقة القساوسة)‪ ،‬ول يتوقع أن يعوقوا مسيرة العلم‬
‫والتكنولوجيا‪ ،‬متى تم تأمين لقمة العيش لهم‪.‬‬
‫أما الطبقة الثانية من الئمة‪ ،‬وهى الطبقة المخربة‪ ،‬فهؤلء رجال ‪ -‬بل ذريعة روحانية‪-‬‬
‫يزعمون امتلك فهم القرآن الكريم وتفسيره ويصدرون فتاوى التكفير‪ ،‬وهو شئ لم يفعله النبي‬
‫عليه السلم نفسه‪ .‬كما يُدلون فى خطبهم أيام الجمعة بآرائهم فى كل شئ‪ ،‬من السياسة والقتصاد‪،‬‬
‫الى القضاء وغير ذلك‪.‬‬

‫‪ 4‬محمد سعيد سرمد‪ :‬ولد فى كاشان لسرة يهودية‪ ،‬ال انه اعتنق السلم ورحل الى الهند‪ .‬كان شاعرا صوفيا‬
‫وله رباعيات مشهورة قال فى احداها ما معناه ان الفقهاء يزعمون ان محمدا قد دخل الجنة‪ ،‬لكن سرمد يقول ان‬
‫الجنة دخلت محمد‪ .‬اتهمه المبراطور المغولى المسلم شاه جيهان بالزندقة‪ ،‬وتم اعدامه فى عام ‪ 1658‬بعد تولى‬
‫المبراطور "اورانجزيب" الحكم (أنظر الهامش بالفصل الحادى عشر)‪( .‬المترجم)‬

‫‪ 5‬الشيخ أبو الكلم أزاد ‪ :‬هندي الصل‪ ،‬ولد فى مكة فى عام ‪1888‬م‪ ،‬ثم توجه إلى الهند حيث اصبح رمزا من‬
‫رموز السلم هناك‪ ،‬وبطل من أبطال حركة التحرير من الستعمار البريطاني‪ ،‬وله مركزا للدراسات الهندية‬
‫باسمه فى شارع طلعت حرب فى القاهرة‪( .‬المترجم)‬

‫‪6‬‬

‫قد تثور بعض العتراضات القائلة بعدم وجود كهنوت وقساوسة فى السلم السني‪ .‬وفى هذا‬
‫الصدد‪ ،‬لبد من القول بأن السلم‪ ،‬قد إبتلى بأسوأ آفة دون الديان جميعا فى تاريخ البشرية‪ .‬ففى‬
‫معظم البلدان السلمية‪ ،‬توجد طوائف تكاد تكون أمية تماما‪ ،‬لكن جرت العادة فى الممارسة الفعلية‬
‫أن يسندوا الى أنفسهم مكانة الكهنة دون أى وعي بسيط متبق لديهم بمدى سماحة دينهم‪ .‬إن‬
‫غطرسة هؤلء وجشعهم‪ ،‬بالضافة الى ضعف مستواهم الفكرى والمنطقي‪ ،‬كان موضع سخرية‬
‫ذوى الشأن من الكتاب والشعراء‪ ،‬من بلد فارس الى الهند وآسيا الوسطى وتركيا‪ .‬هذه الشريحة‬
‫هى المسئولة عن اثارة الجماهير والدهماء على مر التاريخ السلمي‪ ،‬كذلك كانت مسئولة عن‬
‫الكبت والقمع فى السلم‪ ،‬الذى يتشابه الى حد بعيد مع ما حدث فى بعض المجتمعات المسيحية‪،‬‬
‫من ارتكاب قمع منظم من خلل محاكم التفتيش‪ .‬إن العلج الوحيد الناجح على المدى الطويل‪ ،‬هو‬
‫منع هؤلء الشخاص‪ ،‬وتجريدهم من منبع قوتهم لصدار الذى‪ ،‬وذلك من خلل تجمعات صلة‬
‫الجمعة‪ ،‬التى يحولونها عن هدفها الساسى ‪-‬وهو التسامي الروحاني‪ -‬الى خطب سياسية‪ .‬ل بد‬
‫من وقف هذا التسييس‪.‬‬
‫ولقد سألت علماء الدين عن سبب عدم استغللهم لخطبة صلة الجمعة واستعمالها كأداة‬
‫لستنفار همم المسلمين وحثهم على التوجه نحو العلم والتكنولوجيا‪ ،‬خاصة وأن ثُمن (واحد على‬
‫ثمانية) القرآن يتحدث عن التفكر والتدبر ‪ -‬العلم والتكنولوجيا‪ .-‬وقد أجابني معظمهم‪ ،‬بأنهم يودون‬
‫فعل ذلك‪ ،‬لول عدم درايتهم الكافية بالعلوم الحديثة‪ ،‬حيث ل تصل معرفتهم بالعلم الى ابعد من‬
‫عصر بن سينا‪ .‬تجدر الشارة إلى محاولت أكاديمية العالم الثالث للعلوم لمعالجة الموقف عن‬
‫طريق دعم الكتب والصدارات – كما ساهمت فى دعم هذا الكتاب‪ -‬التى يمكن لهؤلء الستعانة‬
‫بها فى خطبهم‪.‬‬
‫فى الخلصة‪ ،‬أرى فى النقاط الهامة التالية‪ ،‬ما قد يساعد على الرتقاء بالعلوم والتكنولوجيا فى‬
‫بلدنا السلمية ‪:‬‬
‫‪-1‬زيادة عدد العلماء والتكنولوجيين الكفاء‪ ،‬وتنميتهم حتى تصل أعدادهم الى نسب‬
‫مؤثرة‪ .‬كما يجب دعمهم من حكوماتهم كي يؤسسوا تجمعات علمية للبحوث‬
‫والتقدم حسب القواعد التى يرتأونها (العلماء)‪.‬‬
‫‪-2‬نحن فى مسيس الحاجة الى العلماء فى مجال العلوم الساسية‪ ،‬فنحن ‪-‬على أقل‬
‫تقدير‪ -‬نحتاجهم كمرجعيات للعلوم التطبيقية والتكنولوجية‪.‬‬

‫‪7‬‬

‫‪-3‬فى ظل الظروف المعاصرة‪ ،‬فلبد ان نتذكر دائما‪ ،‬أن العلوم التطبيقية‪،‬‬
‫والتكنولوجيا العالية‪ ،‬هما المحرك الساسي للقتصاد‪ .‬فاذا تحقق نجاح بعض‬
‫المثلة فى مجتمعاتنا‪ ،‬فستقل بالتبعية رغبة الحكام وعلماء الدين‪ ،‬فى العبث‬
‫بأعمال العلماء والتكنولوجيين‪.‬‬
‫‪-4‬على رجال العلم ونسائه (من المسلمين)‪ ،‬الحفاظ على تواصلهم مع أقرانهم فى‬
‫المجتمع الدولى‪ ،‬حتى تتوحد المعايير العلمية‪ ،‬كما هو حادث الن خارج مجموعة‬
‫الدول السلمية‪.‬‬
‫‪-5‬أخيرا‪ ،‬مازال هناك أمل‪ ،‬فبعد ‪ 25‬سنة من المطالبات وارتفاع الصوات‪ ،‬ظهرت‬
‫لول مرة‪،‬بعض البوادر اليجابية‪ ،‬متمثلة فى تخصيص منح مالية لدعم العلوم من‬
‫بعض دول الخليج‪ .‬وقد حصل مركز تريستا هذا العام على ربع مليون دولر‬
‫مخصصا للعرب من خلل المنحة العربية للتطوير القتصادي والجتماعي‬
‫ومقرها الكويت‪ .‬فاذا استطعنا الحصول على منح مماثلة للمسلمين بصفة عامة‬
‫فلعل ذلك يؤدى الى حدوث تغيير كبير فى مستقبل العلوم الطبيعية فى الدول‬
‫السلمية‪.‬‬
‫محمد عبد السلم‬
‫‪1990‬‬

‫‪6‬‬

‫تمهيد‬
‫لم تتم كتابة هذا الكتاب بناءا على تخطيط طويل مسبق‪ ،‬لكنه جاء كنتيجة للظروف والملبسات‬
‫التى مررت بها‪ ،‬واثارتنى حتى دفعتنى لكتابته‪.‬‬
‫بدأت المسألة – التى تطورت بعد ذلك‪ -‬من محاضرة ألقيتها فى عام ‪ 1984‬بناءا على دعوة‬
‫من جمعية لهور للتعليم وكان موضوعها "السلم والعلم"‪ .‬كانت تلك الفترة‪ ،‬فترة عصيبة على‬
‫البلد ( باكستان) وخاصة فيما يتعلق بالعلوم الكاديمية‪ .‬ففى أعقاب النقلب المزدوج (عسكريا‬
‫‪6‬محمد عبد السلم‪ ،‬باكستانى الصل‪ ،‬ومن ابرز علماء الفيزياء فى العالم‪ ،‬واول مسلم يحصل على جائزة نوبل‬
‫فى الفيزياء فى عام ‪ 1979‬بالمشاركة مع كل من ستيفن فاينبرج و شيلدون جلشو‪ ،‬وقد منح الدكتوراة الفخرية‬

‫من ‪ 36‬جامعة من مختلف انحاء العالم‪ .‬وتوفى فى نوفمبر من عام ‪ .1996‬ومن أشهر مؤلفاته ‪ :‬القران الكريم‬
‫والعلم‪ ،‬مستقبل العلم فى الدول السلمية‪ ،‬العصر الذهبي للعلم فى السلم‪ .‬ومؤسس المركز الدولي للفيزياء‬

‫النظرية‪( .‬ملحوظة‪ :‬تشمل قائمة المصريين الحاصلين على جائزة نوبل‪ ،‬كل من‪ :‬نجيب محفوظ فى الدب عام‬

‫‪ ،1988‬أنور السادات للسلم فى ‪ ،1978‬أحمد زويل ‪ 1999‬فى الكيمياء)‪(.‬المترجم)‬

‫‪8‬‬

‫وعقائديا) فى عام ‪ ،71977‬أصبح الختلف فى الرأى مع الخط الرسمي للدولة غير محتمل‪ ،‬وقد‬
‫استقبلت السجون العديد من العلماء وأساتذة الجامعة – ومنهم بعض زملئي من جامعة القائد‬
‫عزام– وتم تعذيبهم بسبب التعبير عن آرائهم التى لم تكن على هوى الحكام‪ .‬وفى تلك الثناء‪ ،‬كثر‬
‫عدد الدجالين والمتملقين‪ ،‬ممن استجابوا لخطاب الحكومة بالسلمة‪ ،‬وأمسكوا بزمام المور وأخذوا‬
‫على عاتقهم أسلمة كل شئ من حولهم‪ ،‬بما فى ذلك العلوم‪ .‬وتسابق العديد من أعضاء المؤسسة‬
‫العلمية الباكستانية لمساندة هذا التيار وقيادته‪ ،‬وفي سبيل تسلقهم للوصول الى مراتب مرموقة‪ ،‬فقد‬
‫أغفلوا وداسوا‪ ،‬ليس فقط على متطلبات العقل والمنطق‪ ،‬ولكن أيضا على كل رؤية مستنيرة فى‬
‫العقيدة السلمية ذاتها‪ .‬وزعموا بكل وقاحة‪ ،‬تَوصلهم الى اكتشافات عجيبة وشاذة فى غرابتها‪،‬‬
‫تراوحت ما بين قياس سرعة الجنة‪ ،‬مستخدمين فى ذلك النظرية النسبية لينشتاين‪ ،‬الى التوصل‬
‫الى التكوين الكيميائي للجن‪ .‬ولم يقف المر عند هذا الحد‪ ،‬بل تمادوا فى مزاعمهم الى استخلص‬
‫الطاقة من تلك المخلوقات النارية‪ ،‬وتوظيفها لحل مشاكل الطاقة فى باكستان‪.‬‬
‫ومن المدهش حقا أنه على الرغم من غرابة تلك الدعاءات بنتائج العلوم السلمية‪ ،‬فقد قاموا‬
‫بعرض والقاء هذه البحوث على أوسع نطاق‪ ،‬سواء فى المؤتمرات المحلية اوالدولية‪ ،‬كما قاموا‬
‫بنشرها فى المجلت العلمية‪ .‬هذا‪ ،‬ويتضمن الفصل الخير (الملحق) من هذا الكتاب نسخة من احد‬
‫هذه البحوث بعنوان ‪ :‬ويسمونه علما اسلميا‪ .‬وهو البحث الذى تم نشره أصل فى المجلة‬
‫الباكستانية الشهرية "هيرالد"‪ ،‬فى عددها الصادر فى يناير ‪ ،1988‬وأُلقى البحث فى المؤتمر الدولى‬
‫الول لمعجزات القرآن والسنة وهو المؤتمر الذى عقدته الجامعة السلمية فى اسلم أباد أثناء‬
‫فترة حكم ضياء الحق‪ .‬وقد أثار البحث – على مدى عام كامل‪ -‬كثيرا من الجدل الساخن‪ ،‬بين‬
‫أنصار تيار "العلم السلمي"‪ ،‬كما استغلته أيضا التيارات المعارضة للدللة على مدى اساءة‬
‫استخدام السلم بواسطة الحكام فى الدول السلمية‪ .‬وعلى الصعيد القضائي فقد تم استخدام‬
‫البحث ‪-‬بالضافة الى مستندات اخرى‪ -‬في بعض القضايا التى طعنت فى مصداقية النظام‬
‫السلمي لحكومة ضياء الحق‪ .‬جدير بالذكر أن البحث المنشور هنا‪ ،‬قد تم تحقيقه ومراجعته مع‬
‫اضافة أسماء بعض المراجع اليه‪.‬‬
‫لقد حفزتني الظروف العامة المحيطة الى مناقشة محاولت أسلمة العلم‪ ،‬وشجعتني على المزيد‬
‫من التفكير فى المر‪ ،‬ودفعتنى لزيادة الطلع على ما يتعلق بالموضوع‪ ،‬ولم يمض وقت طويل‬
‫‪ 7‬النقلب الذى اطاح بحكومة ذو الفقار على بوتو‪ ،‬واتهم فيه بالخروج عن السلم‪ ،‬وقاد النقلب‪ ،‬الجنرال‬
‫ضياء الحق‪ ،‬قائد القوات المسلحة فى ذالك الوقت‪ ،‬بدعم من المؤسسة السلمية‪( .‬المترجم)‬

‫‪9‬‬

‫حتى تبينت مدى ما للموضوع من روعة وابهار بأبعاده المترامية واسقاطاته المتعددة‪ .‬وكانت هذه‬
‫بدايتي على طريق معرفة المزيد عنه‪ .‬كما اكتشفت أن للموضوع جوانب هامة للغاية ومعقدة‪ ،‬لم‬
‫أكن وحدى جاهل بها‪ ،‬بل إن العديد من الخرين‪ ،‬الكثر تعمقا فى تاريخ السلم‪ ،‬لم يعلموا شيئا‬
‫عنها‪ ،‬وعلى ذلك‪ ،‬فقد بدا ليس فقط منطقيا‪ ،‬بل أيضا من المفيد‪ ،‬أن أقوم بجمع ما تعلمته‪ ،‬وأضعه‬
‫فى صورة مناسبة لصدار الكتاب‪.‬‬
‫وأود أن أقرر بوضوح تام‪ ،‬انى ل اتوهم‪ ،‬ول أزعم‪ ،‬تفوقي وسيادتي فى موضوع هذا الكتاب‬
‫"السلم والعلم"‪ ،‬ول حتى فى موضوع فلسفة العلم‪ ،‬كما لم يستقر عزمي على الكتابة بسهولة‪ ،‬فلم‬
‫أكن أصل راغبا فى الكتابة فيه‪ ،‬كذلك ساورني الكثير من الخوف والتردد‪ ،‬فالموضوع بعيد تماما‬
‫عن مجال تخصصى العلمي‪ ،‬وهو الفيزياء النووية‪ ،‬لكن الهمية العظمى لفهم العلقة بين السلم‬
‫والعلم‪ ،‬خاصة فى زمننا المعاصر‪ ،‬الذى ترتبط فيه المسألة ارتباطا وثيقا بحياة خُمس سكان‬
‫الرض‪ ،‬كشفت عن الحتياج الشديد لمن يتولى هذه المهمة‪ .‬وكنت أتمنى أن يتولى المهمة شخص‬
‫غيرى من ذوى الكفاءة المهنية المتخصصة‪ ،‬ولكن بدا من غير المنطقى النتظار الى البد لحدوث‬
‫ذلك‪ .‬وعلى أية حال‪ ،‬وبإفتراض أحسن الفرضيات وأسوأها‪ ،‬فإن القارئ يحمل بين يديه‪ ،‬نتائج‬
‫محاولة للنظر فى وضع العلم فى السلم‪ ،‬سواء فى الماضي أو الحاضر‪ ،‬وأما الحكم على قيمة‬
‫المحاولة ومدى فائدتها‪ ،‬فانه امر متروك لحكم القارئ‪.‬‬
‫أود أن أتوجه بالشكر والمتنان الى كثيرين ممن حولى‪ ،‬خاصة زملئي فى قسم الفيزياء‪ ،‬فى‬
‫جامعة القائد عزام بإسلم أباد‪ ،‬حيث أحاطوني بمناخ مناسب‪ ،‬فى وقت بدا فيه المجتمع بكل أبعاده‪،‬‬
‫واقعا فى براثن المعاناة والهذيان‪ ،‬ومن بين هؤلء‪ ،‬أذكر ثلثة أشخاص بالتحديد‪ ،‬وهم أول صديقي‬
‫عبد الحميد نيار (‪ ،)Abdul Hameed Nayyar‬فطالما تبادلنا الراء حول ما جاء بالكتاب من‬
‫أفكار‪ ،‬وكان لنقاء فكره‪ ،‬واخلصه ودقته الشديدة‪ ،‬أكبر الثر فى تنقيح عدة أجزاء‪ .‬ثانيا ‪ :‬زميلي‬
‫الكبر عارف الزمان (‪ ،)Arifuzzaman‬الذى أفادني كثيرا بمعلوماته الموسوعية فى التاريخ‪،‬‬
‫كما ان تشاؤمه المستمر الذى ل يلين‪ ،‬أمدني بروح التحدى المستمر‪ ،‬وأخيرا خورشيد حسنين (‬
‫‪ ،)Khurshid Hasnain‬الذى إطلع على أقسام كثيرة من الكتاب‪ ،‬وكانت مقترحاته بالتحسين بالغة‬
‫الثر‪ .‬أيضا أدين بالشكر لإقبال أحمد (‪ ،)Eqbal Ahmed‬لتشجيعه ومقترحاته‪ ،‬ومراجعته الدقيقة‬
‫لفصول الكتاب‪ ،‬ولعله من المناسب هنا أن أسجل مدى استفادتي منه ومن كتاباته‪ ،‬التى كان لها‬
‫أكبر الثر فى تشكيل أفكاري ورؤيتي‪.‬‬

‫‪10‬‬

‫وصلني عبر المحيطات‪ ،‬العديد من المراجع‪ ،‬والمقالت‪ ،‬والتحليلت‪ ،‬والنقد البناء‪ ،‬من‬
‫صديقي ضياء ميان (‪ ،)Zia Mian‬كذلك أشكر النور دانانى (‪ ،)Al-Noor Dhanani‬من قسم‬
‫تاريخ العلوم بجامعة هارفارد‪ ،‬لرشادي الى مرجعيات هامة‪ ،‬ولقراءته الحريصة للنص‪،‬‬
‫ولصلح بعض الخطاء التاريخية‪ .‬وأتوجه بالشكر الى الستاذ قدرة ال فاطمى (‪Qudrutallah‬‬
‫‪ ،)Fatimi‬لملحظاته على النص الصلى‪ ،‬وقد ضمنتها ضمن النص الحالى‪ .‬كذلك أذكر‬
‫بالعرفان‪ ،‬المنحة المقدمة من أكاديمية العالم الثالث للعلوم‪ ،‬لدعمها لشراء عدد من المراجع الهامة‬
‫فى مجالت التاريخ والفكر والعلوم‪.‬‬
‫كما أشكر الناشر‪ ،‬على شديد حرصه ودقته فى شتى التفاصيل‪ ،‬ومقترحاته بالتحسين‪.‬‬
‫ختاما‪ ،‬أدين بالعرفان اللمتناهي‪ ،‬لوالديَ وعائلتي‪ ،‬وأخيرا أشكر هاجرة (‪ ،)Hajra‬وعائشة (‬
‫‪ ،)Asha‬وعليا(‪ ،)Alia‬فحبهم ودعمهم المستمر لى‪ ،‬أسعدني جدا‪ ،‬وجعل لحياتي معنى‪.‬‬
‫برفيز أميرالى هودبهوى‬
‫اسلم اباد‪1991،‬‬

‫الفصل الول‬

‫السلم والعلم‪ :‬هل هما متوافقان؟‬
‫لنتخيل سويا أن فريقا من علماء النثروبولوجيا (علم النسان) من كوكب المريخ قام بزيارة‬
‫لكوكب الرض فيما بين القرنين التاسع الميلدي والثالث عشر ( ‪ .) 1200 – 800‬وانصبت‬
‫مهمتهم على دراسة النواحي الحضارية‪ ،‬وتطور مختلف مناحي الحياة للنسان‪ .‬ستكشف‬
‫ملحظاتهم أن بعض المجتمعات فى حركة ديناميكية نشطة وفي تطور واعد نحو أشكال حضارية‬
‫أرقى وأسمى‪ .‬على حين يتميز غيرها من المجتمعات‪ ،‬بالسكون والخمول وتبدو معاقة ومقيدة‬
‫بالتقاليد والخرافات‪ .‬وفى التقرير المقدم من بعثة زوار الفضاء الى مقر قيادتهم‪ ،‬نجدهم يسجلون أن‬
‫الحضارة الواعدة هى الحضارة السلمية‪ ،‬بما تملك من "بيت الحكمة"‪ ،‬والمراصد الفلكية‪،‬‬
‫والمستشفيات‪ ،‬والمدارس‪ .‬كما تبدو بغداد‪ ،‬بمن يؤمها من الدارسون من كل بقاع الرض‪ ،‬كألمع‬
‫نقطة على سطح الكرة الرضية‪ ،‬بصفتها مركز الحضارة فى العالم‪ .‬كذلك يرصد علماء المريخ‪،‬‬
‫شخصيات بارزة‪ ،‬مثل ابن الهيثم‪ ،‬وعمر الخيام‪ ،‬بصفتهم اللبنات الولى لبناء العلم الحديث‪،‬‬

‫‪11‬‬

‫وكوعاء حامل للذكاء العالمي والكوني‪ .‬فى المقابل نجد أوروبا بمن فيها من الباباوات ورجال الدين‬
‫من حارقى السحرة‪ ،‬تبدو بربرية ومتخلفة وغارقة فى ظلمات العصور السوداء‪.‬‬
‫لنفترض أن نفس مجموعة العلماء‪ ،‬القادمة من الفضاء عادت الى الرض مرة أخرى هذه‬
‫اليام لمتابعة الحوال‪ .‬سنجدهم بل شك عاكفين على كتابة تقريرهم بحرج شديد‪ ،‬فعليهم أن يبرروا‬
‫خطأ توقعاتهم السابقة‪ .‬فاذا بالمجموعة البشرية التى بدت يوما قوية فاعلة مبشرة بالتقدم‪ ،‬تبدو الن‬
‫عاجزة تماما‪ ،‬وقد تحجرت فى متاهة العصور الوسطى المظلمة‪ ،‬واذا بها رافضة للحداثة‪ ،‬ومتشبثة‬
‫بيأس بالماضي القديم‪ .‬على الناحية الخرى‪ ،‬فإذا بالقوام المتخلفة سابقا قد ركبت قطار التطور‬
‫والتقدم حتى باتوا مستهدفين النجوم والكواكب‪ .‬وسيرى علماء التاريخ‪ ،‬أن صعود وانهيار‬
‫الحضارة السلمية من أكثر المور تشويشا وبلبلة للفكر‪ ،‬وتراهم يتساءلون عما اذا كان هذا‬
‫التحول العكسي الفاضح فى الدوار‪ ،‬جاء نتيجة لسوء حظ البعض وحسن حظ البعض الخر؟ ام‬
‫أن السبب يكمن فى بعض الهزائم العسكرية والغزوات؟ أم أنه كان بسبب تحول آخر أساسي فى‬
‫الرؤى والسلوك ؟‪.‬‬
‫فقدت الحضارة السلمية‪ ،‬بشكل شبه كامل‪ ،‬عزمها‪ ،‬وقدرتها على صناعة العلم منذ حوالى‬
‫‪ 700‬سنة‪ .‬ومنذ ذلك الحين‪ ،‬باستثناء بعض المحاولت التى تمت فى ظل الدولة العثمانية‪ ،‬وفى‬
‫مصر‪ -‬فى عهد محمد على‪ -‬فلم تتواجد على الساحة اية محاولت ذات قيمة للنهوض‪ .‬يقر كثير‬
‫من المسلمين بهذا الواقع مع إبداء أسفهم البالغ‪ .‬ورغم أن هذا المر يمثل الشغل الشاغل لشريحة‬
‫معينة من المسلمين المعاصرين من أنصار الحداثة‪ .‬إل أن الشريحة العظمى‪ ،‬المتمثلة فى المسلمين‬
‫التقليديين‪ ،‬فل يشعرون بأى أسف‪ ،‬بل على العكس‪ ،‬يبدو اكثرهم سعداء بحالهم‪ ،‬ومرحبين‬
‫بخسارتهم‪ .‬فمن وجهة نظرهم‪ ،‬أن البتعاد عن العلم يساعد على الحفاظ على السلم ووقايته من‬
‫التأثيرات الفاسدة للمدنية‪.‬‬
‫يرتبط التقدم العلمى ارتباطا وثيقا بالمعتقدات‪ ،‬ول يمكن الفصل بينهما‪ .‬من ثم يبرز السؤال‬
‫الهام "هل يوجد توافق بين المعتقد السلمي وبين علوم العالم الطبيعية؟ أم أن هناك تنافر وتعارض‬
‫غير قابل للتوفيق‪ ،‬بين نظام غيبي مبني على اليمان‪ ،‬وبين متطلبات المنطق والتساؤلت‬
‫الموضوعية؟ لقد تناول فلسفة المسلمين وفقهائهم تلك المسألة بالبحث والجتهاد منذ أكثر من ألف‬
‫عام‪ ،‬لكن الشكالية مازالت قائمة حتى عصرنا هذا‪ ،‬عصر غزو الفضاء والسفر بين الكواكب‪،‬‬
‫وعصر معرفة الجينات ودقائق تركيبها‪ ،‬ومازالت القضية مثار كثير من الجدل والختلف‪ .‬كذلك‬

‫‪12‬‬

‫يبدو أن الجدل الذى دار بين أنصار التجديد والحداثة من ناحية‪ ،‬وبين السلميين الصوليين من‬
‫ناحية أخرى‪ ،‬حول مدى توافق السلم مع العلم‪ ،‬قد وصل بهم الى أقصى درجات العياء‪ ،‬استمد‬
‫الجميع ذخيرتهم من نفس المنبع‪ ،‬وهو التراث السلمي‪ ،‬واستخدموا نفس الساليب‪ ،‬من تفسير‬
‫وتأويل للحداث والنصوص‪ ،‬وانتقى كل جانب منهم ما شاء من أمثلة‪ ،‬ليدعم بها ما شاء من‬
‫مواقف يعتبرها‪-‬من وجهه نظره‪ -‬صحيحة فى المقام الول‪ .‬يُبنى الجدل فى جوهره‪ ،‬حول مسألة‬
‫أساسية‪ ،‬فالعلم بطبيعته ل يمكن أن يكون إل مسألة انسانية مدنية (علمانية) بما ل يحتم الغاء‬
‫عنصر المقدس الغيبي‪ ،‬ذلك لن إثبات الحقائق العلمية ل يعتمد على أى نوع من أنواع السلطة‬
‫الروحية‪ .‬فالمشاهدات والملحظات والتجربة والمنطق‪ ،‬هى الحكم الوحيد للفصل بين الصحيح‬
‫والزائف‪ ،‬فللعلماء أن يتدينوا كيف شاءوا‪ ،‬فى الوقت الذى يظل فيه العلم غير معترفا بأية قوانين‬
‫سوى قوانينه الخاصة‪.‬‬
‫إذا وضعنا حقيقة استمرار هذا الجدل طوال هذه العصور فى عين العتبار‪ ،‬فيبدوا أن الوصول‬
‫الى أى حل يرضى جميع الطراف من المستحيلت‪ .‬وعلى ذلك فمن السذاجة منى افتراض أن أية‬
‫مناقشة اضافية ‪-‬مهما كانت حجتها قوية – يمكن أن تضع حدا للقضية‪ .‬كذلك يوضع فى عين‬
‫العتبار‪ ،‬أنه مهما بلغت شدة الرغبة‪ ،‬فى ارجاع المسألة الى منابع الوعي والفكر النساني‪ ،‬فإن‬
‫مبلغ أهمية المشكلة وعمقها‪ ،‬ل يسمح بإيجاد مخرج سهل‪ .‬ومع القتراب السريع لنهاية القرن‬
‫العشرين وقرب حلول عام ‪ 2000‬فإن موقف السلم من العلم بشقيه النظرى والتطبيقي‪ -‬يتخذ‬
‫أهمية فائقة‪ ،‬غير مسبوقة فى المجتمع السلمي‪ .‬حيث لم يعد العلم‪ ،‬كما كان يمارس فى الردهات‬
‫الفخمة لقصور هارون الرشيد والمأمون‪ ،‬مجرد وسيلة لتسلية المراء المتفتحين أو لتبادل الراء‬
‫والجدل بين العلماء والمثقفين‪ ،‬بل تغير الحال وأصبح العلم‪ ،‬شئنا أم لم نشأ‪ ،‬الوسيلة الساسية‬
‫المرتبطة وبل رجعة‪ ،‬بتحول وتقدم الحضارة النسانية جمعاء‪ .‬لقد أصبحت القوة العسكرية‪ ،‬والقوة‬
‫السياسية‪ ،‬ودرجة النتعاش القتصادي‪ ،‬امور وثيقة الصلة‪ ،‬ونابعة من مدى قدرة المم المعاصرة‬
‫على فهم العلوم الحديثة واستيعابها‪ ،‬والتحكم فيها‪ ،‬ثم الخروج منها بالبتكارات الرائدة‪ .‬ولعل‬
‫الحرب المشبعة بالتكنولوجيا العالية‪ ،‬التى شنها الغرب ضد العراق‪ ،‬والتى بثتها أجهزة العلم‬
‫والتليفزيون لحظة بلحظة ليتابعها الناس فى شتى أنحاء العالم‪ ،‬لهى أصدق تمثيل على ذلك‪.‬‬
‫دفعت الحضارة السلمية ثمنا فادحا على مر التاريخ‪ ،‬بسبب فشلها فى الستحواذ على مقاليد‬
‫العلم‪ ،‬مما تسبب فى تراجعها وتخلفها‪ ،‬مقارنة بتقدم الغرب وارتقائه‪ .‬كانت علقة السلم بالغرب‪،‬‬
‫فى العصور الوسطى‪ ،‬ذات طبيعة مختلفة‪ ،‬حيث كانت هناك أوقات من التعاون المثمر‪ ،‬كما كانت‬

‫‪13‬‬

‫هناك ايضا أوقات من المواجهة والعنف‪ .‬كما أن سبعمائة عام من حكم المسلمين لسبانيا قد منحت‬
‫للوروبيين – بالضافة الى أشياء أخرى‪ -‬منافذ واسعة‪ ،‬للحصول على الكنوز المتراكمة للتراث‬
‫اليوناني والسلمي‪ .‬على صعيد آخر فإن المواجهات المستفحلة والمريرة أثناء الحروب الصليبية‪،‬‬
‫وما تلها من سيطرة العثمانيين على مناطق البلقان‪ ،‬تركت لدى كل من الطرفين موروثا ضخما‬
‫من الستياء والتضرر‪ .‬وتسبب الشعور بالعداء‪ ،‬فى زيادة الفوارق بين الحضارتين‪ ،‬ولكن كما‬
‫يشير اقبال احمد (‪ ،)Eqbal Ahmed‬فقد كانت هناك أوجه للتشابه بين الجمعين السلمي‬
‫والغربي‪ ،‬حيث يقول‪:‬‬
‫"فى ذلك الوقت‪ ،‬كانت حضارتانا متشابهتين‪ ،‬فكل منهما تقليدية‪ ،‬زراعية ومنتمية الى‬
‫العصور الوسطى‪ ،‬مما أتاح درجة مناسبة من التقارب والمساواة فى تبادل الراء‬
‫والمنتجات‪ .‬كل من الرابح والخاسر منهما‪ ،‬استعمل نفس السلحة‪ ،‬وتاجر فى سلع‬
‫متماثلة‪ ،‬وتحاوروا على أرضية ثقافية مألوفة لكل منهما‪ ،‬كما كان هناك قدر من التوافق‬
‫فى المصالح الطبقية‪ ،‬وتماثل فى الميول والتجاهات‪ ،‬لدى شرائح المجتمعين المتناظرة‪،‬‬
‫مثل طبقات الرستقراطيين‪ ،‬وطبقة العاملين‪ ،‬والتجار‪ ،‬والمثقفين‪(".‬مرجع ‪)1‬‬
‫ثم جاء عصر النهضة فى اوروبا‪ ،‬وانهار النظام القتصادي القطاعي‪ ،‬وبزغت الرأسمالية‬
‫على نطاق واسع‪ ،‬ومن الشكل الجتماعي الناتج‪ ،‬تولد العلم الحديث منذ حوالى ‪ 400‬سنة‪ ،‬وأصبح‬
‫القياس العياري‪ ،‬والتجربة‪ ،‬والتوقع‪ ،‬والتحكم‪ ،‬نموذجا ومنهجا للحضارة الجديدة‪ .‬جاء العلم‬
‫الحديث‪ ،‬وبحث عن فهم عقلني لطبيعة الكون المادية‪ ،‬أتى بمبادئ التأكد والتيقن‪ ،‬ونبذ كل ما هو‬
‫مريب ومثير للشكوك‪ .‬هذا السلوب البحثي‪ ،‬المستمد من مجموعة متجانسة من السس والقواعد‪،‬‬
‫المستقلة عن نفوذ السلطة ورأس المال‪ ،‬أصبح بل شك أكثر معقولية وارسخ فهما للمور‪ ،‬إذ انه‬
‫مبنى على أسس من الحقائق التى يمكن لى فرد التحقق من سلمتها‪ .‬وأصبح منهج التحقق من‬
‫الصواب‪ ،‬فى حاجة فقط لتباع نفس الوسائل والخطوات البحثية والعلمية‪ ،‬ولم يعد معتمدا على‬
‫الفتاوى الدينية أو الهيمنة العليا لى فرد‪ .‬لقد أصبح في مقدورنا اليوم‪ ،‬ولول مرة في تاريخ‬
‫البشرية‪ ،‬أن نفهم هذا الكون الهائل المحيط بنا‪ ،‬بكل غموضه وتقلباته‪ ،‬كعملية ميكانيكية مرتبة‪،‬‬
‫تتحكم فيها الرقام والمعادلت الرياضية في كل حركة أو تيار‪ .‬كذلك اصبحت لمن يمتلكون‬
‫المعرفة العلمية ووسائلها‪ ،‬قوة كبيرة‪ ،‬ما كان لهم أن يحلموا بها من قبل‪ .‬ل شك‪ ،‬من وجهه نظر‬
‫معينة‪ ،‬انه تم استغلل قوة المعرفة‪ ،‬لفهم اعمق لقوانين الطبيعة‪ ،‬مما تأسس عليه خلق تكنولوجيات‬

‫‪14‬‬

‫كثيرة جديدة‪ .‬من ناحية أخرى‪ ،‬تحول العلم إلى سلح لخضاع واستعمار الشعوب القل امتلكا‬
‫للمعرفة‪.‬‬
‫ويوضح لنا التاريخ كيف وقف المجتمع السلمي عاجزا‪ ،‬بل حول ول قوه‪ ،‬فى مواجهة‬
‫الهجوم الشرس للستعمار التجاري فى القرن الثامن عشر‪ ،‬وكيف تم احتلل معظم الدول‬
‫السلمية من غرب إفريقيا إلى شرق أسيا‪ .‬لم تكن الهزيمة العسكرية المهينة‪ ،‬رغم قسوتها‪ ،‬هي‬
‫الهزيمة الوحيدة فى الفق بالنسبة لحضارة تعودت على الفتوحات والنتصارات‪ .‬لم يعتمد‬
‫الستعمار الحديث في قوته على الكثرة العددية بقدر ما اعتمد على القدرات العلمية والوسائل‬
‫التحليلية‪ ،‬مما ترك المسلمين تائهين‪ ،‬ومخدرين‪ ،‬وفاقدى الثقة فى أنفسهم‪ .‬في الواقع‪ ،‬كانت المنافسة‬
‫غير متكافئة‪ .‬فالنظام الستعمارى‪ ،‬كنظام مركب متعدد الوجه والركان‪ ،‬يبدو مثل آلة كبيرة‬
‫معقدة‪ ،‬تتحرك أجزائها بدقة فائقة‪ .‬ولعل قوة تلك اللة بدت كاوضح ما يكون فى البنادق والمدافع‬
‫الحديثة كما حدث في موقعة "بلسى" (‪ 8)Battle of Plassey‬فى عام ‪ ،1757‬إل أن التفوق‬
‫التكنولوجي بصفة عامة‪ ،‬ممثل فى التلغراف‪ ،‬والسفن البخارية‪ ،‬والمصنوعات اللية‪ ،‬وكذا‬
‫استعمال الساليب التنظيمية الحديثة‪ ،‬هى التى وقفت خلف كل النتصارات العملقة‪ .‬يلحظ أن‬
‫هذه العناصر جميعا‪ ،‬كانت غريبة تماما على حضارة زراعية رعوية‪ .‬ومما ل شك فيه أن‬
‫الجيوش المحلية الهائلة‪ ،‬قد قاتلت بكل بسالة ونبل‪ ،‬لكنها‪ ،‬ببساطة‪ ،‬لم تكن على دراية كافية‬
‫بأساليب الحرب الحديثة‪ ،‬فتمت هزيمتها على يد فرق إنجليزية وفرنسية ل تزيد عن عُشرها فى‬
‫العدد‪ .‬وانتهى بذلك عصر التكافؤ الذي ميز العلقة بين السلم والغرب لعدة قرون‪ .‬لم يكن هناك‬
‫مجال للشك فى نتيجة المواجهة‪ ،‬وشكل نهايتها‪ ،‬بين الغرب بنظامه الصناعي والرأسمالي من‬
‫ناحية‪ ،‬وبين مجتمع تقليدى‪ ،‬ما زال غارقا فى نظم ما قبل الرأسمالية‪ .‬لقد زخرت المسيرة بالعديد‬
‫من المآسي‪ ،‬خاصة وان الستعمار الجديد كان قد عقد العزم فى مخططه‪ ،‬على إدخال المدنية‬
‫والحضارة إلي المجتمعات البدائية‪ ،‬مدمرا فى طريقه لحضارتهم التقليدية‪ ،‬ومحدثا بذلك جراحا‬
‫عميقة لم تلتئم آثارها حتى الن‪.‬‬
‫بعد ذلك‪ ،‬ومع ختام الحرب العالمية الثانية‪ ،‬بدأ عصر إنهاء وتصفية المستعمرات‪ .‬وكانت‬
‫العلقات التقليدية مع الغرب‪ ،‬سواء منها العلقات التجارية التقليدية‪ ،‬أو الجتماعية‪ ،‬أو الثقافية‬
‫‪ 8‬موقعة بلسى ((‪ Battle of Plassey‬تعتبر أهم معركة فى تاريخ التدخل البريطاني فى الهند‪ ،‬حيث قامت‬

‫مجموعة مكونة من ‪ 3500‬جندي‪ ،‬بقيادة "كليف ‪ "Clive‬النجليزي‪ ،‬بهزيمة جيش قوامه ‪ ،50000‬وبهذا‬

‫تمت لنجلترا السيطرة على مناطق البنجال وغيرها‪ ،‬مما مهد لفرض سيادتها على الهند بعد‬

‫‪15‬‬

‫ذلك‪( .‬المترجم)‬

‫والسياسية‪ ،‬قد تآكلت وضعفت من جراء المواجهات المتعددة مع قوى الغرب الستعمارية‪ .‬كما‬
‫كانت الحكومات السلمية مفتتة‪ ،‬وغير آمنة‪ ،‬حيث وجدت نفسها منخرطة فى عالم ذو طابع جديد‪،‬‬
‫لم تتح لها الفرصة فى المشاركة فى تشكيلة‪ ،‬فحتى الحدود الجغرافية الحالية للعديد من البلدان‬
‫المسلمة‪ ،‬رُسمت لهم حسب أهواء ومصالح السادة المحتلين السابقين‪ .‬ثم استقلت تلك الدول‪ ،‬وجاء‬
‫الستقلل بكثير من التفاؤل والنشوة‪ ،‬إل أن احتلل فلسطين وطرد أهلها من موطنهم‪ ،‬ثم ما تل‬
‫ذلك من هزائم عسكرية‪ ،‬إضافة إلى فشل الدول السلمية في تحقيق مؤسسات ديموقراطية قوية‬
‫في بلدهم‪ ،‬كل هذا جعل التفاؤل المنشود أقصر عمرا مما كان متصورا‪ .‬تسبب الفشل المتكرر‪،‬‬
‫إضافة إلى أفول الحكومات المدنية القومية الشتراكية ‪-‬كما حدث مع مصدق فى إيران‪ ،‬وعبد‬
‫الناصر فى مصر‪ ،‬وسوكارنو في إندونيسيا‪ ،‬وذو الفقار على بوتو فى باكستان‪ -‬فى ظهور درجة‬
‫عالية من الحباط وخيبة المل‪ ،‬كما مهد الطريق لظهور التيارات الصولية الحديثة‪.‬‬
‫بعد ذلك‪ ،‬ساد فى الدول السلمية الحديثة‪ ،‬إما حكم البيروقراطية العسكرية‪ ،‬او حكم النخبة‬
‫القطاعية القبلية‪ ،‬ممن ل يشغلهم شاغل اكثر من احتفاظهم بمناصبهم‪ ،‬وعلى غير ما كان مرجوا‪،‬‬
‫فقد انتهج هؤلء الحكام نهجا استبداديا‪ ،‬بعيدا كل البعد عن الخلقيات الجتماعية للسلم ومُثله‬
‫العليا‪ ،‬ولكن‪ ،‬استنادا على قوتهم الذاتية ‪ -‬وبالتالي قوة الدولة المعنية‪ -‬اعتمدت هوية المجتمع‬
‫السلمي وتماسكه‪ .‬لقد أظهرت النخب الحاكمة للدول السلمية المعاصرة‪ ،‬قدرة محدودة للغاية‪،‬‬
‫ولم يبدوا أية رغبة ولو بسيطة‪ ،‬لمواجهة وحل المشاكل المتعددة‪ ،‬او التحديات التي فرضها العالم‬
‫الحديث‪ .‬وعلى رأسها تقف مسألة تنمية وتطوير العلوم وتنمية المجتمع الواعي العقلني‪ .‬حتى‬
‫اصبح من الواضح تماما أن إنجازات الدول السلمية اقل كثيرا‪ ،‬مقارنة بغيرها من الدول‬
‫الخرى غير السلمية‪ ،‬حتى تلك الدول التي تشابهها من ناحية الموارد ومستوى الثقافة‪ .‬وهذه‬
‫نقطة هامة جدا‪ ،‬وإشكالية عظمى‪ ،‬يتمحور حولها هذا الكتاب‪ ،‬وسأحاول فى الفصول القادمة‬
‫تحقيقها وإظهار صحتها كمًا وبالرقام‪.‬‬
‫ل شك فى ان تخلف البنية العلمية‪ ،‬يعد من أهم أركان الزمة التى تغلف العالم السلمي‪ ،‬وتشير‬
‫بقوة إلى أن الغرب سيستمر فى تفوقه السياسي‪ ،‬والقتصادي‪ ،‬والثقافي‪ ،‬على امتداد المستقبل‬
‫المنظور‪ .‬وإذا كان العالم يقف الن على عتبات القرن الواحد والعشرين‪ ،‬إل أنة ما زال من‬
‫الصعب رؤية أية حركة‪ ،‬ولو واحدة‪ ،‬فى اتجاه حضارة مبنية على العلم في أي من الدول‬
‫السلمية‪.‬‬

‫‪16‬‬

‫وعلى الرغم من أن الزمة العلمية فى تلك البلد‪ ،‬هي الشاغل الساسي لهذا الكتاب‪ ،‬إل أنها ل‬
‫تمثل في الواقع‪ ،‬إل بعدا واحدا من أبعاد العلة المتفشية‪ ،‬والناجمة من فشل الحكومات فى تأمين‬
‫سيادة بلدهم‪ ،‬ودعم مواردها لتلبية الحتياجات الساسية لشعوبها‪ ،‬وإخفاقها فى تأسيس نظام حكم‬
‫جماهيري سليم‪ .‬حقا‪ ،‬إن الزمة في جوهرها‪ ،‬أزمة سياسية‪ ،‬فلم يحدث أبدا فى السابق‪ ،‬ول فى أية‬
‫حضارة أخرى‪ ،‬ان‪:‬‬
‫" بلغت العلقات بين الثراء والضعف‪ ،‬او بين الموارد المادية والفلس الخلقي‪ ،‬الى‬
‫ذلك المستوى المأسوي المشهود حاليا‪ .‬لم يحدث أبدا من قبل فى تاريخ الشعوب‬
‫السلمية‪ ،‬ان انفصمت تماما كل الصلت بين السلطة السياسية والمجتمع المدني‪ .‬فمن‬
‫المغرب الى سوريا‪ ،‬ومن العراق الى باكستان وإندونيسيا‪ ،‬يتم حكم المسلمين بواسطة‬
‫أقليات مسلحة‪ ،‬برغم وصف بعضهم لذاته بأنهم حكومات اشتراكية ديمقراطية‪ ،‬حين‬
‫يزعم آخرون بأنهم إسلميون‪ ،‬والبعض الخر يصفون حكوماتهم بانها إسلمية‬
‫اشتراكية ديموقراطية‪ .‬فى الواقع فان جميع الحكومات السلمية‪ ،‬مكونة من نخبة‬
‫فاسدة متحجرة‪ ،‬برعت فى قمع شعوبها أكثر مما برعت فى حماية مواردها الطبيعية‬
‫اوسيادتها القومية‪ .‬كما أن ارتباطهم بسادة اجانب‪ ،‬يبدو أكثر قوة‪ ،‬من اهتمامهم بإدارة‬
‫شئون شعوبهم"‪( .‬مرجع ‪)2‬‬
‫ان قلة المكانيات والتجهيزات‪ ،‬والتخلف عن مسيرة النمو الصناعى‪ ،‬والوقوف موقف المتفرج من‬
‫السباق العالمى المحموم‪ ،‬للوصول الى مزيد من الكتشافات والختراعات‪ ،‬وهو كله يعتبر سيئا‪،‬‬
‫لكن الدهى‪ ،‬هو الحرمان من التعليم الجاد‪ ،‬ووجود حكومات ل تلبى متطلبات الشعوب‪ ،‬مع‬
‫استمرار ممارسة امتهان الكرامة النسانية‪ ...‬حقا انها لمأساه‪.‬‬
‫المهمة القادمة‬
‫لمباشرة البحث عن فهم للعملية العلمية وتطورها‪ ،‬يحتاج النسان إلى تفهم أساسي للبناء العلمي‪،‬‬
‫وماهية الفلسفة العلمية‪ ،‬وآليات عمل العلم الحديث‪ ،‬ومدى اعتماده على طبيعة ونوعية النظام‬
‫التعليمي‪ ،‬وماهية الفكار والقيم التى ينتجها‪ ،‬حيث تعد هذه العوامل بدورها‪ ،‬مسألة حيوية‪ ،‬ل غنى‬
‫عنها إذا قُدر للعلم أن يزدهر‪ .‬وفى هذا السياق فمن الضروري الشارة إلى ظاهرة القتران الغير‬
‫قابل للفصل‪ ،‬بين الحضارة السلمية والماضى‪ .‬فى البداية‪ ،‬وقبل القدام على أية محاولة جادة‬
‫لتحليل الموقف الحالي للعلم فى المجتمع السلمي‪ ،‬ل بد لنا من فهم عميق لكيفية دخول العلم إلى‬
‫عالم الحضارة السلمية‪ ،‬وازدهاره فيها لما يقرب من الخمسمائة عام‪ .‬يصطدم الباحث مباشرة‬

‫‪17‬‬

‫بتساؤلت صعبة‪ ،‬اهمها‪ :‬هل كان علم السلميين‪ ،‬علما إسلميا في طبيعته؟ ثم ما مدى تقبله‬
‫واستيعابه ضمن منظومة الثقافة العامة السائدة بين الجماهير المحيطة به آنذاك‪ ،‬وما هى القوى‬
‫الجتماعية التي ساندته‪ ،‬وكذا طبيعة‪ ،‬ومدى تأثير التيارات العقائدية المعارضة‪ .‬من المهم أيضا‬
‫فهم القوى التي أدت إلى انهيار العلم والتعليم في المجتمع السلمي‪ ،‬بعد أن بلغ ذروته منذ قرن‬
‫مضى‪ .‬بل شك‪ ،‬فجميع تلك القوى‪ ،‬ما زالت مهمة حتى اليوم‪ .‬على صعيد أخر‪ ،‬يحتاج الفرد إلى‬
‫استكشاف العلقة الحميمية‪ ،‬بين العلم والتكنولوجيا وأثرهما على قوى النتاج فى المجتمع‪ ،‬ونمط‬
‫توزيع السلطة السياسية والقتصادية‪ ،‬التى تؤثر بدورها على نمط اختيار التكنولوجيا وطابع‬
‫التصنيع‪.‬‬
‫قد يستاء بعض القراء‪ ،‬من تقديري للحالة الكئيبة للعلم في البلدان السلمية اليوم‪ ،‬ونظرتي‬
‫الموحشة لما ستكون علية الحوال لسنوات قادمة‪ ،‬لكن تجب الشارة إلى أن الهدف هنا‪ ،‬هو‬
‫الموضوعية‪ ،‬وليس بالضرورة الرضاء‪ .‬فل أمل في تغيير بنًاء‪ ،‬ما لم يتم تفهم عميق للواقع‪.‬‬
‫فبدون ذلك سيظل المسلمون ‪-‬وهم يمثلون خمس ( ‪ ) 1/5‬سكان الرض‪ -‬فى معاناتهم من واقع‬
‫مهين‪ ،‬كما سيستمر ذلك طالما اعتبروا العلم‪ ،‬وخاصة المعالجة الموضوعية للمشاكل النسانية‪،‬‬
‫مسألة غريبة بالنسبة للثقافة السلمية‪.‬‬
‫رغم كل ذلك‪ ،‬فما زال هناك أمل فى المستقبل‪ ،‬حيث تتنامى أعداد المسلمين المدركين بمدى‬
‫الحتياج لحدوث تغيير فى هذا الموقف‪ ،‬هذا‪ ،‬إذا كان للعلم أن ينمو من جديد فى الراضى‬
‫السلمية‪.‬‬
‫ـــــــــــــــ‬
‫المراجع ‪:‬‬
‫‪Eqbal Ahmed, "Islam and Politics" , and the State, ed. Mohammad Asghar Khan -1‬‬
‫‪.(London, Zed Press, 1985). p. 14‬‬
‫‪Ibid., pp. 15-25 -2‬‬

‫‪18‬‬

‫الفصل الثاني‬
‫العلم ‪ :‬طبيعته ومنابعه‬
‫ما زالت مسألة العتقاد بان الطبيعة مرتبة ومنتظمة‪ ،‬مسألة جدلية‪ ،‬وغير متفق‬
‫عليها عالميا‪ .‬سمعنا ان بعض الهمج يعيشون فى عالم مليىء بالهواء والنزوات‪،‬‬
‫فما زالت بعض الجماعات والمحافل تصلى من اجل نزول المطر‪ ،‬فى الوقت الذى‬
‫يترددون فيه اذا كانت الصلة من أجل أن تقف الشمس مكانها‪ ،‬والسبب فى ذلك ان‬
‫علم الفلك قد تقدم كثيرا عن علم الرصاد الجوية‪.‬‬
‫ج‪ .‬و‪ .‬ن سوليفان‪J.W.N Sullivan 9‬‬
‫ـــــــــــــ‬
‫جاء العلم ليبقى‪ .‬واصبح مستقبل البشرية مرتبطا برباط وثيق بالعلم‪ ،‬ويحكى لنا التاريخ أن وجود‬
‫الحضارة والتمدين النساني الحالى‪ ،‬اصبح معتمدا فى اساسه على العلم‪ ،‬ومستعينا فى طريقه بالقيم‬
‫الخلقية العالمية‪ .‬بدون العلم‪ ،‬وقفت البشرية فى الماضى عاجزة أمام الرياح والعواصف‪ ،‬طحنتها‬
‫المراض ودمرها الطاعون‪ .‬أرعبتها الخرافات‪ ،‬حيث غابت قوى اللة الفريدة التي يمتلكها‬
‫النسان‪ ،‬أل وهى العقل البشرى‪ .‬ثم أوجد النسان العلم الذى حرر البشر من الخرافات‪.‬‬
‫وعلى أى الحوال‪ ،‬فقد بات واضحا فى أيامنا هذه‪ ،‬ان العلم يتعرض لهجوم مرير‪ ،‬وهو أمر ليس‬
‫بجديد‪ ،‬فقد كانت هناك دائما تيارات معارضة للعلم على مدى التاريخ‪ ،‬خاصة من قبل أنصار‬
‫المعتقدات الدينية على اختلف مذاهبهم‪ ،‬الذين كثيرا ما قاموا بتحقير العلم وإهانته باعتباره عمل‬
‫شيطانيا موجها نحو تدمير القيم والخلق المستلهمة من التعاليم اللهية المقدسة‪ .‬من ناحية أخرى‬
‫‪ 9‬جـ‪ .‬و‪ .‬ن سوليفان ‪ J.W.N Sullivan‬أحد علماء الرياضيات والطبيعة والفلسفة‪ ،‬ومن أشهر كتبة‪ ،‬كتاب‬
‫"حدود العلم ‪ ،" Limitations Of Science 1933‬وكتاب " نواحي العلم ‪Aspects Of Science‬‬

‫‪(." 1926‬المترجم)‬

‫‪19‬‬

‫فقد تكشفت ‪-‬على نطاق واسع‪ -‬كثير من الوهام المتعلقة بالعلم‪ ،‬اذ لم تتحقق كثير من الوعود‬
‫التي أعطاها العلم بشأن وضع أفضل للعالم‪ ،‬فمثل افلح العلم فى تحويل العالم إلى قرية عالمية‪ ،‬لكن‬
‫بقى عليه أن يعلم القرويين كيف يتكلمون ويتفاهمون مع بعضهم‪ .‬أيضا نحن نحيا في عالم ملوث‬
‫إلى حد خطير‪ ،‬حيث قامت مخلفات الحضارة الصناعية –وبل رجعة‪ -‬بتدمير العديد من أنظمة‬
‫البيئة الطبيعية الهشة‪ .‬كذلك‪ ،‬وفى كثير من الحيان‪ ،‬نجد أن العسكريون‪ ،‬هم اكثر من استوعب‬
‫قيمة العلم بتصميماتهم ومنتجاتهم الخطيرة‪ .‬على صعيد أخر‪ ،‬يتواجد التفكير العلمي الختزالى‪،‬‬
‫الذى يختزل جمال براعم الربيع المتفتحة‪ ،‬إلي مجرد علم النبات‪ ،‬كما يختزل غروب الشمس‬
‫بروعته‪ ،‬إلى علم الرصاد الجوية‪ .‬يبدو أيضا اننا لن نفلت أبدا من ظلل الخطيئة الذرية‬
‫لوبنهايمر‪ .)Oppenheimer( 10‬حقا‪ ،‬لقد أصبح استمرار الجنس البشرى فى الوجود‪ ،‬شيئا ل‬
‫يمكن ضمانه‪.‬‬
‫تركز كثير من الجدل‪ ،‬حول ما إذا كانت مشاكل النسانية البارزة‪ ،‬التى تُعزى عاده إلى العلم‪ ،‬قد‬
‫ولًدها سوء استخدام العلم‪ ،‬أم أنها من صميم طبيعة العلم ذاته‪ .‬يذهب الخلف الى أبعد من مجرد‬
‫الجدل القائل بان بعض تطبيقات العلم‪ ،‬خلقت للنسان مشاكل فى منتهى الخطورة‪ ،‬إن لم تكن قاتلة‬
‫فى بعض الحيان‪ ،‬وهذا أمر متفق عليه من الجميع تقريبا‪ ،‬إل ان المعارضين للعلم يذهبون الى‬
‫خطوة ابعد من ذلك‪ ،‬اذ يصرون على ان فلسفة العلم ذاتها‪ ،‬وهى طبيعة المعرفة العلمية وأساليب‬
‫استقصائها‪ ،‬معيبة بشكل قاتل من الساس‪ .‬من ثم تقام الحجة على ان الوقت قد أزف‪ ،‬للبحث عن‬
‫تحرير للنفس البشرية من قيود المعتقدات الخانقة‪ ،‬ولخلق بدائل علمية مبتكرة لم تخطر على بال‬
‫أحد من قبل‪.‬‬
‫لكن قبل الدخول فى أية نقاش يتعلق بالعلم البديل‪ ،‬سأقوم اول بمحاولة موجزة لتحديد معالم العلم‬
‫التقليدي (المتعارف عليه)‪ .‬فى سبيلي الى ذلك‪ ،‬سأستعرض المفاهيم المستعملة بين العلماء‪ ،‬ولن‬
‫اتعرض للمور أوالمفاهيم الغامضة‪ ،‬القاصر تداولها على مناقشات فلسفة العلم‪.‬‬
‫ما هو العلم‬
‫‪ 10‬روبرت أوبنهايمر (‪ )Robert Oppenheimer‬المعروف بلقب " أبو القنبلة الذرية "‪ ،‬عالم أمريكي بارز‬
‫فى الطبيعة ورئيس فريق الباحثين الذي صمم القنابل الذرية الولى التي ألقيت على هيروشيما وناجازاكى باليابان‬
‫فى الحرب العالمية الثانية‪ ،‬ومن مقولته المشهورة أن "علماء الطبيعة قد تعلموا الخطيئة "‪(.‬المترجم)‬

‫‪20‬‬

‫للجابة على السؤال ‪ " :‬ما هو العلم " ؟ قمت بوضع مجموعة من المفردات المناسبة للمفاهيم‬
‫والفكار التي تقبع فى قلب التفكير العلمي الحديث‪.‬‬

‫الحقائق (‪)Facts‬‬
‫يبدأ العلم بافتراض وجود حقائق‪ .‬فعلى سبيل المثال‪ ،‬يقبل العالم ما تسجله الحواس‪ ،‬أو قراءات‬
‫مؤشرات الجهزة كحقائق‪ .‬تكتسب تلك الحقائق مصداقيتها بشرط أن يتفق عليها راصدون‬
‫مستقلون‪ ،‬أو اذا أجريت المشاهدات فى أوقات مختلفة وأماكن مختلفة‪ ،‬وتطابقت النتائج‪ .‬بهذا‬
‫السلوب فقط يمكن استبعاد الراء الشخصية والمعتقدات الفردية‪.‬‬
‫مثال على ذلك‪ ،‬اذا توافقت بالجماع‪ ،‬نتائج عدد من الراصدين المجهزين بأكفأ الجهزة‬
‫والتليسكوبات‪ ،‬على عدد أقمار كوكب الزهرة‪ ،‬ومدار كل منها‪ ،‬وحجمه‪ ،‬وشكله‪ ،‬فى هذه الحالة‬
‫يمكن قبول نتائجهم كحقائق صحيحة‪ .‬أما كون بعض هؤلء‪ ،‬أو كلهم‪ ،‬من المعروفين بسوء الطبع‪،‬‬
‫او من ذوى التصرفات غير المقبولة أخلقيا‪ ،‬مثل تناولهم للكحوليات بكثرة‪ ،‬أو ممن يضربون‬
‫زوجاتهم‪ ،‬فهذا ل يمس صحة نتائجهم‪ .‬الشيئ الوحيد المهم‪ ،‬الذى يجب عمل كل حساب لمنعه‪ ،‬هو‬
‫عدم السماح بتواجد مؤامرة بينهم‪ ،‬والتاكد من أنهم توصلوا الى نتائجهم باستقللية تامة‪ ،‬وبعيدا عن‬
‫الخرين‪ .‬من ناحية أخرى‪ ،‬فإن أحلم وإلهامات الدراويش‪ ،‬الذين يتمتعون بل شك بقدر كبير من‬
‫الحترام والجلل‪ ،‬ل يمكن قبولها كحقائق علمية باى حال من الحوال‪ ،‬حيث أنها ل تعدو كونها‬
‫تجارب شخصية بحتة‪ ،‬كما انها غير قابلة للختبار والتكرار والتحقق‪.‬‬
‫القوانين (‪)Laws‬‬
‫ترتب الحقائق فى مجموعات‪ ،‬والعلقة الرابطة بين مجموعة من الحقائق المندرجة تحت نفس‬
‫المجموعة تسمى قانونا أو قاعدة‪ ،‬وهي مجرد تنظيم وترتيب لما يتم رصده‪ .‬ونسوق مثالين على‬
‫ذلك ‪:‬‬
‫•ان الضغط الذى تشكله كمية معينة من الغاز على جدران وعاء مغلق يحوى هذا‬
‫الغاز‪ ،‬يتناسب طرديا مع درجة الحرارة (قانون بويل)‪.‬‬

‫‪21‬‬

‫•أن توارث الصفات لبد أن يتم من خلل وحدات (جينات) تنتقل من الباء الى البناء‪،‬‬
‫والتى تتفرق ثم يعاد اتحادها مع بعضها بشتى الشكال أثناء عملية التناسل ( قانون‬
‫مندل)‪.‬‬
‫لبد من وجود حقائق حتى يمكن التوصل الى القوانين وصياغتها‪ .‬فالحقائق المجردة تظل‬
‫عقيمة‪ ،‬حتى يأتي العقل الذى يستطيع أن يميز بينها‪ ،‬العقل القادر على ان ينظر تحت سطح‬
‫الحقائق المجردة‪ ،‬ليرى أصل وروح الحقيقة‪ .‬هذا ما يفرق بين العالِم القدير والمدعى الزائف‪.‬‬
‫الفتراضات (‪)Hypotheses‬‬
‫الفتراضات ما هى ال تخمينات محتملة‪ ،‬تمثل فهما مبدئيا لموضوع البحث‪ .‬وهى توضع بعد‬
‫ذلك موضع التجربة والختبار‪ .‬وهاهنا مثالن لهذه الفتراضات‪:‬‬
‫•يتناسب احتمال الصابة بسرطان الرئة تناسبا طرديا مع عدد السجائر المدخنة يوميا‪.‬‬
‫•تزداد كمية المطر فى مكان ما‪ ،‬كلما زاد عدد المصلين وزادت دعواتهم بنزول‬
‫المطر‪.‬‬
‫للتحقق من صحة اى من الفرضيتين السابقتين‪ ،‬لبد من جمع البيانات باعداد كافية‪ ،‬حتى‬
‫يصبح احتمال حدوث تذبذب نتيجة الصدفة‪ ،‬ابعد ما يكون‪ .‬وإل توصل النسان الى استنتاجات‬
‫غريبة‪ ،‬مثل تزايد عمر النسان كلما زادت كمية السجائر التى يدخنها يوميا أو تناقص كمية المطر‬
‫كلما زاد عدد المصلين‪.‬‬
‫النظرية (‪)Theory‬‬
‫النظرية مفهوم واسع‪ ،‬يقبع فى جوهر الفكر‪ ،‬والنظرية تعطي صورة متكاملة للمور الواقعة‬
‫فى مجالها‪ .‬اضافة الى ذلك‪ ،‬فلبد للنظرية العلمية أن تستوفى بعض الشروط الصارمة‪:‬‬
‫•لبد وأن تتمشي مع كل المشاهدات ونتائج الختبارات المعروفة‪.‬‬
‫•لبد وأن تتضمن مفهوما جديدا‪ ،‬يتيح لها توقع نتائج وحقائق غير معروفة مسبقا‪،‬‬
‫ولكن يمكن اختبار مصداقيتها‪.‬‬
‫حتى ترتفع النظرية من كونها مجرد افتراض مطلى بطلء اليمان‪ ،‬فلبد وأن تكون شمولية‬
‫وغير قاصرة على مجموعة ضئيلة من المشاهدات‪ .‬فمن اكبر محددات النظرية الحقيقية‪ ،‬ان تكون‬
‫شاملة لعدد واسع من الظواهر‪.‬فنجد مثل‪ ،‬ان نظرية الجاذبية لنيوتن‪ ،‬تنطبق تماما على حالة نملة‬
‫جالسة على كرة صغيرة‪ ،‬كما تنطبق على قذيفة منطلقة فى طريقها الى هدفها‪ ،‬كذلك تنطبق على‬

‫‪22‬‬

‫حركة القمر حول الرض‪ ،‬وعلى مسار الرض حول الشمس‪ ،‬وعلى حركة الشمس بدورها‬
‫بالنسبة لباقي النجوم‪ .‬النقطة الساسية فى مسألة النظرية‪ ،‬هى ان تكون عامة‪ ،‬وجامعة‪ ،‬بحيث ل‬
‫يضطر الفرد‪ ،‬الى اللجوء للستشهاد بنظريات أخرى‪ ،‬كلما أراد تفسير حدوث كل حقيقة جديدة‪.‬‬
‫من ناحية أخرى علينا أن نقر بعدم وجود تعريف شامل كامل للنظرية العلمية‪ .‬فكما اكد كارل‬
‫بوبر (‪ ،)Sir Karl Popper‬أحد فلسفة العلم المرموقين‪ ،‬حين اشار بأن النظرية‪ ،‬فى أساسها‪،‬‬
‫يجب أن تكون قابلة للنقض‪ ،‬حتى ترقى لمستوى النظرية (مرجع ‪ ،)1‬معنى ذلك أن على النسان‪،‬‬
‫أن يكون قادرا على التعرف بوضوح‪ ،‬على الموقف الذى اذا طبقت فيه النظرية‪ ،‬قادته المحاولة‬
‫الى اجابة محددة للسؤال عما اذا كانت النظرية صحيحة أم ل؟ فالنظرية التى يمكنها تفسير بعض‬
‫الشياء‪ ،‬دون التنبؤ بشئ جديد‪ ،‬ل يمكن بالتالى دحضها ونقضها‪ ،‬ول يمكن استخدامها كنظرية‪.‬‬
‫ان عنصر النقض مهم جدا وذو فائدة كبيرة‪ ،‬فهو يساعدنا على الفصل بين العلم واللعلم‪ ،‬ال‬
‫ان المر ل يخلو من بعض العيوب‪ .‬وللتمثيل على عدم فائدة ذلك العنصر في بعض الحيان‪،‬‬
‫نتناول نظرية الوتار الفائقة للجسيمات الولية (‪Superstring Theory of Elemetary‬‬
‫‪ .)Particles‬هدف هذه النظرية فى النهاية توحيد كل القوى الساسية فى الكون‪ ،‬وكذلك التنبؤ‬
‫بجميع أنواع الجسيمات الممكن وجودها‪ .‬وبالمناسبة فان النظرية معروفة ايضا بإسم نظرية كل‬
‫شئ (‪ .) Theory Of Everything, TOE‬للسف‪ ،‬فبالرغم من أن أقوى العقول تتصارع حاليا‬
‫مع النظرية فى محاولة لستخلص تنبؤ ما يمكن اخضاعه للتجربة والختبار‪ ،‬إل أن جميع‬
‫المحاولت قد باءت بالفشل حتى اليوم‪ ،‬ذلك لن النظرية على درجة عالية جدا من التعقيد‬
‫الرياضي‪ .‬كما ان التنبؤات الوحيدة للنظرية‪ ،‬فتتعلق بكم الطاقة المهولة التى تواجدت وقت بداية‬
‫خلق الكون‪ .‬بناءا على ذلك‪ ،‬فل يوجد فيها حتى الن‪ ،‬شئ محدد يمكن اخضاعه للختبار‪ ،‬ول‬
‫حتى فى أكبر المفاعلت النووية فى العالم‪ .‬معنى ذلك ان النظرية تفتقر الى عنصر النقض‪ .‬ومع‬
‫هذا لم يتم الستغناء عنها واعتبارها غير علمية‪ ،‬لعدة أسباب‪ ،‬منها‪ ،‬انها مبنية على اسس القواعد‬
‫النظرية الراسخة‪ ،‬التى اثبتت نجاحها فى السابق‪ ،‬إضافة لكونها ل تتعارض مع أى من الظواهر‬
‫المعروفة‪ ،‬وكذا فإنها تعطي أمل معقول‪ ،‬لتوحيد كل المعرفة المتوفرة حاليا‪ ،‬كما انها تعطى أمل‬
‫للوصول فى النهاية‪ ،‬الى اكتشاف شيئ جديد تماما‪ .‬بناءا على كل ذلك‪ ،‬فبالرغم من أنها نظرية‬
‫غير قابلة للختبار‪ ،‬إل أن عنصر الختبار قد يتوفر فى المستقبل‪.‬‬

‫‪23‬‬

‫الستقراء والستنتاج (‪)Induction and Deduction‬‬
‫ان التأمل فى المتشابهات ضمن مجموعة ما من البيانات‪ ،‬يمكٍن الفرد من تجميع المعلومات‬
‫باسلوب استقرائي‪ ،‬مما يتيح الفرصة لوضع قوانين بسيطة‪ .‬على سبيل المثال‪ ،‬فإننا برؤيتنا‬
‫للشمس تشرق كل يوم من الشرق وتغرب فى الغرب‪ ،‬نسطتيع أن نستقرئ أن الشمس ستفعل نفس‬
‫الشئ غدا‪ .‬أما الستنتاج فيعمل بطريقة أخرى‪ ،‬حيث نبدأ ببعض القواعد العامة‪ ،‬ثم نخلص منها‬
‫باستنتاج معين باستعمال وتطبيق الحجج المنطقية‪.‬‬
‫السلوب العلمي (‪)The Scientific Method‬‬
‫بعد النتهاء من تعريف المفاهيم الساسية للعلم‪ ،‬يمكن الن النتقال الى تعريف السلوب‬
‫العلمي‪ ،‬الذى يتضمن فى جوهره الخطوات المتتابعة التالية ‪:‬‬
‫•تحديد الشكالية‪ ،‬التى قد تكون شيئا غير معروف فى طبيعته أو تكوينه أو تركيبه‪ ،‬أو‬
‫تأثيراته وتفاعلاته مع أشياء أخرى‪..‬الخ‪ .‬كما قد تكون واحدة‪ ،‬أو أكثر من العلقات‬
‫الغير معروفة فى السابق‪ ،‬أو ذات التفسير الضعيف غير الكاف‪ ،‬كذلك قد تكون علقة‬
‫بين أشياء‪ ،‬أو أحداث‪ ،‬او رموز‪ ..‬إلخ‪ .‬والمقصود بتعبير"غير معروف" هنا‪،‬اى انه‬
‫غير معروف فى ظل ماهو معلوم من نظريات وقوانين‪.‬‬
‫•تحديد ودراسة كل المراجع المتعلقة بالمشكلة‪ ،‬ثم ترتيب البيانات وتحليلها حسب ماهو‬
‫متوفر من درجات المعرفة والفهم‪ .‬بهذا يتم توضيح ما اذا كانت هذه البيانات تشير الى‬
‫شيئ جديد أو أننا بصدد شيئ معروف فى ظل الطار المتعارف عليه‪.‬‬
‫•اذا كانت المشكلة أصيلة‪ ،‬بمعنى أنها جديدة وتبدو غير مفهومة‪ ،‬يتم تصميم اطار‪ ،‬أو‬
‫سلسلة من الختبارات والملحظات التى قد تقود الى أدلة جديدة هامة‪.‬‬
‫•بعد الحصول على أدلة كافية لتشكيل فرضية منطقية‪ ،‬يتم اختيار ما يبدو أنه أبسط‬
‫الفرضيات وأكثرها جاذبية وقبول‪.‬‬
‫•استنتاج مختلف السقاطات والحتمالت الناتجة عن تطبيق الفرضية بعد ذلك يجرى‬
‫تصميم مجموعة من المشاهدات والختبارات المناسبة لختبار مصداقيتها‪.‬‬
‫•اذا تم الحصول على مجموعة من المؤشرات الدالة على صحة النظرية‪ ،‬بحيث تبقى‬
‫بعض الستثناءات بل تفسير‪ ،‬فيتحتم بالتبعية التشكيك فى النظرية ويجب وضع‬
‫نظريات بديلة واختبارها‪.‬‬

‫‪24‬‬

‫•اما إذا ثبت نجاح النظرية الى درجة ل يبدو معها وجود أية استثناءات‪ ،‬فتُرفع النظرية‬
‫الى مستوى القانون‪.‬‬
‫•تُقبل صحة القانون حتى ياتى الوقت الذى يعجز فيه عن تفسير مشاهدات او تجارب‬
‫جديدة‪ .‬فى هذه الحالة يفقد مكانته كقانون‪ ،‬ولبد من البحث عن نظريات جديدة لتمر‬
‫مرة أخرى عبر جميع الخطوات السابقة‪.‬‬
‫فى واقع المر‪ ،‬ل يمر التقدم العلمي الفعلى بالضرورة بكل تلك الخطوات بهذا التسلسل‪،‬‬
‫فأحيانا تقوم الصدفة‪ ،‬أو البداع الفائق‪ ،‬بتخطى المراحل المرسومة مسبقا فى تحد سافر‪ .‬ول يغيب‬
‫عنا أن نذكر ان مجرد التعرف على مشكلة ما‪ ،‬وتحديدها‪ ،‬واختيار الفرضيات الملئمة‪ ،‬ثم تصميم‬
‫مجموعة الختبارات اللزمة‪ ،‬كل ذلك يجعل منه فنا رفيعا‪ ،‬أكثر من كونه علما‪ .‬يوضع فى عين‬
‫العتبار انه بغض النظر عن السبيل المتبع للوصول الى نظرية معينة‪ ،‬فإن الحكم النهائي على‬
‫صحتها‪ ،‬يرتكزعلى اللجوء الى الختبارات والملحظات‪ ،‬وفى النهاية‪ ،‬فان مدى فائدة النظرية‬
‫يكمن فى عدد الحقائق المعروفة سابقا التى يمكنها تفسيره‪ ،‬اضافة الى كم الشياء الجديدة التى‬
‫يمكنها أن تخبرنا بها‪.‬‬
‫يجوز تشبيه العلم‪ ،‬بمبني دائم التطور‪ ،‬ل تنقطع فيه اعمال التجديد‪ ،‬فالبناء دائما فى اتساع‪،‬‬
‫مضيفا الى نفسه أجزاء وملحقات كثيرة‪ .‬ناقدا لنفسه‪ ،‬ومهدما لنفسه احيانا‪ .‬لقد نما العلم بثبات من‬
‫طور الملحظة البدائية الولية للطبيعة‪ ،‬حتى وصل الى تكوينه المعقد الهائل‪ ،‬الذى نعرفه اليوم‪.‬‬
‫اما أفراد العلماء‪ ،‬فهم مثل النملة الشغالة‪ ،‬الكادحة‪ ،‬مسخرون لبناء صرح المعرفة النسانية‬
‫العملقة‪ ،‬يأخذون من المخزون المتوفر فى أية لحظة من التاريخ‪ ،‬ويضيفون اليه قدرا ضئيل من‬
‫عندهم‪ .‬لكن سرعان ما قد يتم استيعاب أعمالهم واستهلكها‪ ،‬ثم يمضى زمانها‪ ،‬وقد تُفقد او تضيع‪،‬‬
‫مثلها فى ذلك مثل أى من النجازات الفردية الخرى‪ .‬أما أعمال أساتذة العلم البارزين‪ ،‬فتمتزج فى‬
‫كيان العلم المعاصر‪ .‬من ثم يندر أن يحتاج المرء للعودة الى دراسة الأعمال الصلية الولى‪ .‬على‬
‫سبيل المثال‪ ،‬فان خريج الجامعة الذى يتراءى له ان يدرس الضوء والبصريات من كتاب‬
‫"المناظير" لبن الهيثم‪ ،‬أو قواعد الميكانيكا من كتب نيوتن‪ ،‬فله ان يختار ويفعل ما يشاء‪ ،‬لكنه بذلك‬
‫يضع مستقبله وفهمه للعلم‪ ،‬فى موقف غاية فى الحرج‪ ،‬واكبر نصيحه له‪ ،‬ان يقوم بدراسة بعض‬
‫المراجع الحديثة‪ ،‬التى تضم خلصة خبرات وأعمال اللف من الباحثين‪ ،‬الذين عملوا بكل جهد‪-‬‬
‫منذ زمن هؤلء العلماء العظماء الوائل ‪ -‬من أجل تحسين وزيادة وتعميم وتبسيط الموضوع‪.‬‬

‫‪25‬‬

‫يأتى التقدم العلمى من داخل العلم ذاته‪ ،‬ويعد كتاب توماس كون(‪ )Thomas Kuhn‬المعنون "‬
‫تكوين الثورات العلمية" (مرجع ‪ ،)2‬علمة مميزة فى دراسة السلوب العلمي‪ .‬وفيه يفرق بين العلم‬
‫العادى الذى تمارسه أعداد هائلة من معظم العاملين فى مجال العلم‪ ،‬والعلم الثورى المتطور‪ .‬العلم‬
‫العادى‪ ،‬هو ممارسة العلم داخل أُطر من المعتقدات والممارسات المتعارف عليها مسبقا‪ .‬ويصف‬
‫توماس كون هذا السلوب بانه نمطى او نموذجي‪ ،‬بمعنى انه يتبع نموذجا معينا‪ .‬والعاملون فى هذا‬
‫النموذج‪ ،‬يدفعون بجبهه العلم حتى اقصاها داخل حدود النموذج‪ ،‬يستمر ذلك حتى يفقد النموذج‬
‫قدرته على مزيد من التفسير والتوقع‪ ،‬فعلى سبيل المثال أثبتت قوانين نيوتن فى الميكانيكا‪ ،‬كفائتها‬
‫كنموذج للظواهر الواقعة فى حدود أية سرعات اقل من سرعة الضوء‪ ،‬ولكنها بدأت فى التهاوي‬
‫عند تجاوز هذا الحد‪ .‬وهنا حدثت قفزة كبرى فى المفاهيم حين انتقل العلم من الميكانيكا العادية الى‬
‫الميكانيكا الثورية التى وضحها ونماها أينشتين‪ .‬ومع مرور الزمن أصبحنا ننظر اليوم الى نظريات‬
‫أينشتاين على أنها مجرد علم عادى‪ .‬من المعروف أن عمر العلم الثوري قصير‪ ،‬ففور ثبوت تفوقه‬
‫وتخطيه للعلم العادي‪ ،‬يقوم العلماء بتبنيه واحتضانه كنموذج‪ ،‬بالتالى يتحول تدريجيا الى علم‬
‫نمطى‪.‬‬
‫هذه الصفة التراكمية‪ ،‬والمؤقتة‪ ،‬لطبيعة العلم‪ ،‬تميزه تماما عن صفات باقى المؤسسات النسانية‬
‫العظيمة مثل المؤسسات الدينية والفلسفية والفنية‪ .‬ذلك لن الدين يقوم على أساس الوجود البدي‬
‫والحقائق الثابتة‪ ،‬التى ل تقبل اى إضافة‪ ،‬أو اى نقصان من ِقبَل الجيال المتعاقبة‪ .‬والحكمة فى‬
‫الدين ليست متراكمة ولكنها قائمة منذ البداية‪ .‬اما الحكم النهائى فى المور ‪-‬مثل ما يجرى فى‬
‫محكمة الستئناف‪ -‬ل يتم فى هذا العالم بل فى الخرة‪ .‬كل هذا ل يعني أن العلم والدين غير‬
‫متوافقين من الساس‪ ،‬بل يشير الى أنهما يقعان فى ميدانين مختلفين‪ ،‬ول يمكن المزج بينهما‪.‬‬
‫نظرية ما قبل العلم‬
‫حتى تكون التفرقة بين السلوب العلمي والسلوب اللعلمي فى التفكير واضحة تماما‪ ،‬نسوق‬
‫الرواية المسلية التالية عن مخلوقات البلوجلايز (‪ )Plogglies‬الخرافية من مؤلفات الكاتب وندل‬
‫جونسون (‪ ،)Wendell Johnson‬والتى تبين الفرق بوضوح بالغ ‪:‬‬
‫فى يوم من اليام‪ ،‬ظهر لغزان محيران‪ ،‬حيرا أهل البلد وشغل احكم حكماء القرية‬
‫لسنوات طويلة‪ ،‬فكلما بحثوا عن قلم رصاص‪ ،‬لم يجدوه‪ ،‬وكلما بحثوا عن مبراة‪،‬‬
‫وجدوها محشوة بنفايات برى الاقلم‪ .‬لقد كان الموقف مزعجا للجميع‪ ،‬فلما بلغ قلق‬
‫الجماهير أشده وثارت الناس‪ ،‬شكلت الحكومة لجنة من المفكرين والفلسفة المرموقين‬

‫‪26‬‬

‫لبحث المر‪ ،‬ولعداد تبرير مناسب لتهدئة الجماهير الثائرة‪ .‬اجتمع الفلسفة‬
‫وتشاوروا تحت ظروف مرهقة وشاقة للغاية‪ ،‬فالضطرابات فى ازدياد‪ ،‬كما وان صبر‬
‫الناس آخذ فى النفاذ‪ ،‬حتى عل صخبهم مطالبين بالنتائج‪ .‬وأخيرا وبعد ما بدا للجميع‬
‫أنه وقت طويل جدا‪ ،‬مثلت اللجنة امام رئيس الدولة‪ ،‬للفصاح عن نتيجة مشاوراتهم‬
‫بشأن اللغزين المرتبطين‪.‬‬
‫فى النهاية‪ ،‬كان المر بسيطا للغاية‪ .‬فنظريتهم تقول بأنه يعيش تحت الرض أعداد‬
‫كبيرة من القزام إسمهم البلوجلايز‪ ،‬يصعدون فى المساء والناس نيام‪ ،‬وينطلقون‬
‫بسرعة‪ ،‬فيجمعون كل القلم الرصاص‪ ،‬ثم يسرعون الى البرايات‪ ،‬حيث يقومون‬
‫ببري القلم حتى آخرها‪ ،‬يعودون بعدها الى باطن الرض‪.‬‬
‫وبهذا هدأت ثورة الجماهير‪ .‬من البديهى ان هذه النظرية العبقرية جاءت بالجابة عن‬
‫اللغزين بضربة واحدة (مرجع ‪.)3‬‬
‫لماذا يا ترى تعتبر نظرية البلوجليز نظرية غير علمية؟ الجابة واضحة وبديهية‪ ،‬فالنظرية‬
‫مخططة لتتلءم مع مجموعة واحدة من المعطيات ول يمكن تطبيقها فى أى مكان آخر‪ ،‬ثم أنها ل‬
‫تتنبأ بشئ جديد‪ .‬من المعروف فى السابق أن النظريات المشابهة لنظرية البلوجليز‪ ،‬لم تنتج أية‬
‫معرفة جديدة‪ ،‬كما لم تعط اية قواعد أو مؤشرات يمكن الرجوع اليها لتخبرنا متي يمكننا الشتباه‬
‫فى تورط هذه المخلوقات فى اى حدث من الحداث الخرى‪.‬‬
‫ل يجب نسيان أن البلوجليز– بالتعريف‪ -‬مخلوقات ليمكن مراقبتها‪ ،‬فهم يصعدون فى الليل‬
‫حيث ل يراهم أحد‪ ،‬كما أننا ل نعلم شيئا عن طباعهم وميولهم الخرى‪ .‬على ذلك فل ندرى ماذا‬
‫يمكن أن نتوقع منهم عند خروجهم فى المساء‪ ،‬بخلف مسألة القلم الرصاص‪ .‬بمعنى آخر ل‬
‫توجد نواتج يمكن اختبارها فى نظرية البلوجلايز‪ ،‬وعليه فل يستطيع أحد حتى أن يفكر فى تصميم‬
‫تلك الختبارات‪ ،‬ومن الطبيعي فى هذه الحالة أن يستمر الناس فى العتقاد بوجود البلوجليز –‬
‫كموضوع ايماني – كيفما شاءوا‪ ،‬طالما رغبوا فى ذلك‪.‬‬
‫مولد العلم الحديث‬

‫‪27‬‬

‫جدير بالذكر ان اسلوب العلم ‪-‬كما تم توضيحه فى الجزء السابق‪ -‬قد تواجد بصفة متقطعة‬
‫على مر الزمنة‪ ،‬بما فيها الحقبة السلمية‪ ،‬وكانت تلك الممارسات المتفرقة مهمة للغاية فى سبيل‬
‫تنميته وتطوره‪ .‬فى واقع المر‪ ،‬تبلور السلوب العلمي مع الثورة الشاملة التى بدأت فى أوروبا فى‬
‫القرن السادس عشر‪ ،‬والتى أفرزت في نهضتها‪ ،‬عالما متحول من الناحيتين الثقافية والمادية‪ .‬من‬
‫ثم اصبحت التجربة‪ ،‬والقياس المعياري‪ ،‬والتوقع‪ ،‬والتحكم‪ ،‬مثال ونموذجا للحضارة الجديدة‪.‬‬
‫وتلشت الفكار القديمة القائلة بوجود عوالم منفصلة للمادة‪ ،‬وللحياة‪ ،‬وللروح‪ .‬وبدل من ألغاز‬
‫الغيبيات غير المدركة‪ ،‬اصبح من الممكن الن فهم الكون كآلة ضخمة منظمة تحكمها قوانين‬
‫الفيزياء‪ .‬من بعد كوبرنيكوس (‪ ،)Copernicus‬لم تعد الرض مركزا للكون كما كان متصورا من‬
‫قبل‪ ،‬بل مجرد كوكب مثل كثيرين غيره‪ ،‬يدور فى فلك نجم غير ذي شأن‪ ،‬على حافة المجرة‪ .‬كما‬
‫تغيرت نظرة النسان الى نفسه‪ ،‬فبدل من اعتقاده السابق بانه حجر الساس فى الخلق‪ ،‬بدأ وعيه‬
‫بمدى ضآلته وتفاهته الكونية‪ .‬ال ان عصر العقل والمنطق وضعه فى قلب الكون الواعي والمفكر‪.‬‬
‫وبتحرر النسان من سجون لهوت مسيحية القرون الوسطى‪ ،‬انطلق الفكر الحر نحو أعماق‬
‫الفضاء وأغوار الزمن‪ .‬ولم يعد هناك صغيرة أو كبيرة مهما بلغت‪ ،‬خارجة عن نطاق استيعاب‬
‫الذكاء النساني‪ ،‬ولم يعد هناك ماهو بعيد جدا فى الزمان أو المكان‪ ،‬إل واُعطى له وزنه المناسب‬
‫فى تركيب وتشكيل الكون‪ .‬مما ل شك فيه ان الانسان قد تحول الى كائن ذاتى المعرفة بالتاريخ‪،‬‬
‫كما أصبح واعيا بذاتيته البشرية‪.‬‬
‫جاء الوعى الجديد‪ -‬الى حد بعيد‪ -‬من خلل ثوار الفلسفة فى عصر ثورة العلم‪ ،‬ومن هؤلء‬
‫نذكر‪ ،‬رينيه ديكارت ((‪( Rene Descartes‬مرجع ‪ ،)4‬ولعله أكثرهم أهمية‪ ،‬ولعل أسمى اكتشافاته‬
‫يكمن فى وضع هيكل ونظام للفكر‪ ،‬وهو ما يسمى الن بالطار الديكارتي او المنهج الديكارتي‪.‬‬
‫الذى يفسح المجال لوجود علم متكامل للطبيعة‪ ،‬يتميز باليقينية التامة‪ ،‬كما يرتكز على قواعد أولية‬
‫قابلة للتحقق والتثبت‪ .‬يتسم هذا السلوب بكونه تحليليا‪ ،‬حيث يحتم تجزئة وتفتيت الفكار‬
‫والمشكلت المركبة الى عناصرها الولى‪" .‬الطبيعة ذكية " كما يقول ديكارت ويمكن الكشف عن‬
‫أسرارها من خلل اكتشاف القوانين‪ ،‬وعن طريق التجارب والختبارات‪ .‬ولعل ما تلى ذلك من‬
‫استفاضة وتطوير لعلوم الميكانيكا‪ ،‬بما فيها نظرية نيوتن الكبرى‪ ،‬لم يكن إل تطويرا لهذه الفكرة‬
‫الساسية‪ .‬وهو ما يؤكد ان علم الرياضيات‪ ،‬بلغته الدقيقة‪ ،‬ل غني عنه كمتطلب اساسى لفهم‬

‫‪28‬‬

‫الطبيعة‪ .‬على الرغم من كل التطور والتقدم وانجازات علوم ميكانيكا الكم‪Quantum(( 11‬‬
‫‪ ،mechanics‬والنسبية‪ ،‬ونظرية الشواش ((‪ ،Theory of Chaos‬التى حدثت خلل الثلثة قرون‬
‫الماضية‪ ،‬فمازال الرتباط الوثيق قائما بين علوم القرن العشرين والديكارتية‪ .‬فلولها لما وُجد‬
‫البنسلين‪ ،‬والمضادات الحيوية الخرى‪ ،‬ولما هبط النسان على سطح القمر‪.‬‬
‫جاءت فكرة الآلة الحيوانية‪ ،‬مع الختزالية الديكارتية‪ .‬كانت الساعة مثال لللة الوتوماتيكية فى‬
‫عصر ديكارت‪ ،‬لذا نجده يقارن بين الحيوان والساعة المركبة من بضعة تروس ويايات‪ ،‬ثم امتدت‬
‫مقارناته الى جسم النسان‪ ،‬فيقول ما معناه "انا أنظر الى النسان على أنه آلة‪ ..‬ورأيى‪ ،‬أن يقارَن‬
‫النسان العليل بساعة سيئة الصنع‪ ،‬فى مقابل النسان السليم الذى يشبه الساعة جيدة الصنع‪ .‬فما‬
‫الهيكل العظمى‪ ،‬إل مجموعة من الروافع‪ ،‬واما القلب فيعمل كمضخة"‪ .‬تتالت بعد ذلك الكتشافات‬
‫بسرعة كبيرة‪ ،‬وكما يقول فلسفة المنطق بكل صدق فان كل علم الحياء ماهو ال كيمياء‪ ،‬وكل‬
‫الكيمياء فى نهايتها‪ ،‬ماهى ال فيزياء‪ .‬وضحت نتائج المنهج التحليلى الديكارتى تماما فى النصف‬
‫الخير من القرن العشرين‪ ،‬حيث أصبح علم الحياء الجزيئي (‪ ،)Molecular Biology‬والهندسة‬
‫الوراثية‪ ،‬بمثابة التعبير الخير عن النظرة الديكارتية‪.‬‬
‫ولعل من أكثر عناصر الرؤية الديكارتية عمقا وأصالة‪ ،‬نظرته للمرض كخلل فى النظام‬
‫الحيوى‪ ،‬وحالة من حالت الكائن الحي‪ ،‬ناشئة من أسباب محددة‪ ،‬كالقاذورات‪ ،‬والطعام الفاسد‪،‬‬
‫والحشرات‪ ،‬إلخ‪ .‬وكما سنرى فى الفصل القادم‪ ،‬فقد لطمت هذه الفكار وجه المواعظ التى رددها‬
‫بكل قوة‪ ،‬كبار رجال الكنيسة المسيحية وزعمائها على مر العصور السابقة‪.‬‬
‫أطاحت الثورة العلمية فى طريقها لهدم نظام القرون الوسطى‪ ،‬بالتسلط المركزى وهيمنة‬
‫الكنيسة‪ .‬ليس هذا فقط‪ ،‬بل إنها غيرت أيضا مفهوم الله فى العقيدة المسيحية بشكل جذرى‪.‬‬
‫قد يبدو متناقضا للوهلة الاولى‪ ،‬أن هذا التغيير جاء على أيدى الكثيرين ممن عُرفوا بشدة التدين‬
‫وعمقه من مؤسسى العلم الحديث‪ ،‬والسلوب العلمي فى التفكير‪ .‬من البديهي أن بعضهم لم يكونوا‬
‫متدينين‪ ،‬مثل ل بلس (‪ )Laplace‬عالم الرياضيات الفرنسي الشهير فى القرن الثامن عشر‪ ،‬الذى‬
‫‪ 11‬ميكانيكا الكم‪ :‬هو فرع العلوم الذى يدرس سلوك الجسيمات الدقيقة والقوانين التى تحكمها وتصف التفاعلت‬

‫التى تتم بينها‪ .‬تختلف ميكانيكا الكم أنها ل تعطى نتائج عددية مجددة ولكن تعطى إحتمالت‪ ،‬ولكنها عالية بدرجة‬

‫أنها تقارب تماما ما نتوقعه فى التجارب العملية‪.‬‬

‫(المترجم)‬

‫‪29‬‬

‫عقًب يوما على تساؤل لنابليون عن حركة الكواكب بقوله "يا الهى‪ ،‬نحن لسنا فى حاجة الى هذه‬
‫النظرية"‪ .‬اما بالنسبة لديكارت ‪-‬فكما كان الحال مع جاليليو‪ ،‬ونيوتن‪ -‬فإن وجود ال كان ركنا‬
‫أساسيا لفلسفة تعترف بوجود كل من العقل والمادة‪ .‬وفى حقيقة المر‪ ،‬فإن النظرة الى الكون‬
‫باعتباره عملقا ذاتى الحركة‪ ،‬كانت منقوصة‪ ،‬وغير مرضية أو مقبولة‪ ،‬بدون وجود خالق‪ .‬لكن‬
‫تغيرت صفات هذا الخالق‪ ،‬ولم يعد كما كان فى العقيدة المسيحية فى السابق‪ .‬فبعكس إله العصور‬
‫الوسطى‪ ،‬الذى تميز بكونه متفاعل ومتداخل مع الحداث‪ ،‬ومستجيبا لفعال وصلوات مخلوقاته‪،‬‬
‫اصبح دور الله فى الكون الميكانيكي‪ ،‬هو وضع الكون فى مكانه‪ ،‬متلزما مع القوانين البدية‪،‬‬
‫التى أصبحت من ساعتها فصاعدا‪ ،‬محددة لمصير الكون‪ .‬وعلى حد تعبير فولتير‪ :‬خلق ال الكون‬
‫كما يصنع الصانع الساعة‪ ،‬فمتى تم الصنع انتهت علقته بها‪ ،‬وستجعلها قوانين الفيزياء تعمل بكل‬
‫دقة حسب ما اسبغته عليها المشيئة الالهيه"‪.‬‬
‫دأب فلسفة المنطق على انكار التدخل اللهي الواعي وما يستتبعه من وقوع المعجزات‪ ،‬ولقد‬
‫استقرت هذه النقطة بالذات فى قلب النزاع العتيق‪ ،‬بين رؤية العالم العلمي الناشئ حديثا‪ ،‬وبين‬
‫الرؤية الدينية التقليدية‪ .‬فاتجه بعض الفلسفة‪ ،‬فى محاولة لفض الخلف‪ ،‬الى إعادة تعريف لفظ‬
‫المعجزة‪ ،‬بحيث يصبح معناها ببساطة "شيئ رائع"‪ .‬من هذا المنظور تصبح كل الشياء رائعة‬
‫ومعجزة‪ .‬وبناءا على ذلك‪ ،‬يمكن النظر الى دقة المدارات الفلكية‪ ،‬وأبعاد الفضاء الشاسعة‪،‬‬
‫والتوازن الدقيق لنظم البيئة على الرض‪ ،‬والتركيب المعقد لعقل النسان ‪-‬الذى ل يمكن سبر‬
‫أغواره‪ -‬على كونها كلها معجزات سرمدية‪ .‬لعل اكبر المعجزات قاطبة ‪ -‬من خلل نفس‬
‫المنظور‪ -‬هى أن كل شئ فى الكون‪ ،‬من أدق مكونات الذرة الى أكبر النجوم العملقة‪ ،‬وحتى‬
‫الكون نفسه‪ ،‬محكوم بنفس قوانين الفيزياء الصارمة‪ .‬اما العلم فل يمتلك تفسيرا لتلك القوانين‪ ،‬ول‬
‫يمكنه أن يعارض او يدحض من يقول بأنها من عند ال‪.‬‬
‫تجوز مقارنة هذا المفهوم‪ ،‬بالستعمال التقليدي للفظ معجزة‪ ،‬الذى يُعنَي به خرق أو إيقاف‬
‫مؤقت لقوانين الفيزياء السرمدية الصارمة‪ .‬فكما يقول فولتير "اذا حدث كسوف للشمس والقمر فى‬
‫اكتمال‪ ،‬أو اذا سار الميت بضعة أميال حامل رأسه بين يديه‪ ،‬فنستطيع آنذاك أن نسمى ذلك معجزة‬
‫"‪ .‬مما يذكر‪ ،‬أن فولتير اتخذ موقفا معاكسا لتعريف المعجزة المذكور‪ ،‬فيرى أن ال ل يمكن أن‬
‫يوقف العمل بقوانين وضعها هو بنفسه‪ ،‬فيقول " أليس من أسخف الحماقات تصور قيام الكائن‬
‫الولى (ال) بعكس المسرحية البدية ذات الليات المهولة التى تحرك الكون بأكمله‪ ،‬من أجل ثلثة‬
‫أو أربعة مائة نملة على رأس كومة الطين هذه؟"‬

‫‪30‬‬

‫منذ عهد فولتير‪ ،‬لم يتغير بتاتا موقف العلم الحديث ‪-‬ما بعد نيوتن‪ -‬حيال امر حدوث‬
‫المعجزات‪ .‬بالتأكيد يمكن لأى عالم جاد‪ ،‬ان يؤمن بال الذى خلق ورتب الكون‪ ،‬لكن طبيعة العلم‬
‫الحديث‪ ،‬ل تسمح باليمان بإله يتدخل بمحض مشيئته‪ ،‬ليغير من مسار كوكب ما‪ ،‬أو يؤجل‬
‫الكسوف‪ ،‬أو يغير النماط المناخية‪ ،‬وسقوط المطار بما يتعارض مع ما تمليه القوانين الفيزيائية‬
‫المعروفة‪ ،)Hydromechanics( 12‬او أن يُغير من قوانين اللعبة الكونية بأى شكل آخر‪ .‬ان تُقلَب‬
‫قوانين الطبيعة بناءا على رغبة الهية وليدة لحظتها‪ ،‬ل يكشف لنا عن شيئ أكثر من نواياه الآنية‪،‬‬
‫التى قد تكون مؤقتة‪ .‬ان هذه المتاهه المطروحة‪ ،‬والممثلة فى وجود تداخلت إلهية‪ ،‬لهى من النوع‬
‫الذى ل يستطيع العلماء مواجهته‪ ،‬وتصبح معه كل الختبارات والتجارب العلمية مستحيلة‪ .‬انما‬
‫ياتى التساؤل‪ ،‬فيا ترى ماذا يجب أن يفعل العلماء اذا واجهتهم ظواهر غامضة بل تفسير؟‬
‫ولنفترض أنهم ووجهوا بمرض قاتل او انحراف غير مُبرر لمسار بعض الكواكب‪ ،‬أو بظهور‬
‫جزيئ ذرى غير متوقع؟ هل عليهم ‪-‬بعد شيئ من الوقت‪ -‬أن يتوقفوا عن البحث عن المسببات‬
‫المادية ويُسلموا بحدوث الظاهرة كنوع من الستجابة للرغبة اللهية؟‪ .‬اذا فعلوا ذلك‪ ،‬فالحتمال‬
‫الكبر‪ ،‬أنه سيأتى زملء اخرين‪ ،‬أكثر براعة منهم ليتوصلوا فى النهاية الى حل المسألة‪،‬‬
‫ويحصلون بذلك على كل الشرف والفخر بدل منهم‪.‬‬
‫لقد حررَنا العلم من قوى الطبيعة المتقلبة‪ ،‬كما يبدو أنه أعطانا اليقين‪ ،‬وهذا فى النهاية كل ما‬
‫كانت الثورة العلمية تدور حوله‪ .‬لكن هل هناك احتمال في كون كل الثوابت العلميه التى قدمتها لنا‬
‫النجازات العلمية الحديثة‪ ،‬ماهى فى حقيقتها ال ضربا من الوهام؟‬
‫هل دمرت الفيزياء الكمية‪ )Quantum physics( 13‬العلم‬
‫ازدادت فى السنوات الخيرة الصوات الكلينيكية الحماسية‪ ،‬مطالبة بإعلن وفاة العلوم الحديثة‬
‫التقليدية ‪-‬على القل من الناحية الفلسفية‪ -‬مع اشاعة أن سبب الوفاة كان النتحار‪ ،‬وان الداة‬
‫المستعلمة ‪-‬واسمها فيزياء الكم‪ -‬كانت من محض اختراع العلم نفسه‪.‬‬
‫من الممكن تخيل الحوار على النحو التالى‪ :‬بدأ العلم الحديث مرتكزا على قاعدة من المنطق‬
‫العام وملحظة الطبيعة‪ .‬كذلك كان من المفترض‪ ،‬أن البدء بذات الوليات فى أية تجربة‪ ،‬سيقود‬
‫‪ 12‬ميكانيكا السوائل‪ :‬فرع العلم الذى يدرس اتزان وانسياب السوائل والقوانين التى تحكمها‪.‬‬

‫(المترجم)‬

‫‪ 13‬الفيزياء الكمية‪ :‬فرع العلوم الذى يدرس الظواهر الفيزيائية‪ ،‬ويحاول تفسيرها بناء على قوانين ميكانيكا الكم التى جرى تعريفها فى‬
‫هامش سابق‪( .‬المترجم)‬

‫‪31‬‬

‫دوما الى نفس النتائج‪ ،‬مع عدم اعطاء أهمية خاصة لموقف المراقب ذاته واحتمال تاثيره على‬
‫النتائج‪ ،‬نظرا لن للعالم المادي حقيقة موضوعية ثابتة‪ ،‬ل تتغير بتغيير شخصية الراصد‪ .‬فى‬
‫النهاية‪ ،‬ادت اجراءات الرصد والستخلص وبناء النظريات الى مولد الفيزياء الكمية‪ .‬ويستطرد‬
‫الحوار‪ ،‬الفيزياء الكمية تشير بعدم وجوب الثقة والطمئنان الى المنطق‪ ،‬فالطبيعة على مستوى‬
‫أصولها البحتة‪ ،‬ليست مثل الطبيعة التى نراها ونعايشها فى حياتنا اليومية‪ .‬وبناءا عليه فهذه‬
‫التلميحات واليحاءات تحطم وتبعثر مفهوم الواقع‪ ،‬الذى يُبنى عليه تقدم وتطور العلوم الفيزيائية‪،‬‬
‫كما تُنقض الفرضية الديكارتية القائلة بأن "الكل ماهو ال محصلة لجزائه الصغرى"‪ .‬على ذلك‬
‫يبدو أن الوقت قد أزف لترك سفينة العلوم الحديثة الغارقة‪ .‬وعلى النسان أن يبحث لنفسه عن‬
‫وسيلة للنجاة‪ .‬ولعلها تكمن فى البدائل التى أمدتنا بها الفلسفات الشرقية‪ ،‬وغيرها من الفلسفات‪ .‬اذا‬
‫ينبغى علينا ان نخلق وحدات جديدة للعلم‪ ،‬كالعلم التاوى‪ 14‬وعلم العالم الثالث‪ ،‬والعلم السلمي‪.‬‬
‫الخ‪.‬‬
‫على اية حال‪ ،‬ان العتقاد بان العلم الحديث‪ ،‬راقد على سرير الموت‪ ،‬ماهو سوى ضرب من‬
‫التصورات والوهام المعسولة‪ ،‬ال انه يمنح بعض العزاء‪ ،‬لمن ينظرون الى العلم الحديث كمحور‬
‫للشر فى العالم‪ .‬لكن نادرا ما يؤدى تمنى الموت للعدو الى وفاته‪ .‬وفى حقيقة المر فإن العلم‬
‫الحديث اليوم‪ ،‬وبعيدا عن كونه شعلة متأججة‪ ،‬فهو غاية النشاط ويتمدد وينمو بسرعة كبيرة‪ ،‬كما‬
‫انه اصبح آمنا ومحصنا بقوته الذاتية وتعدد مجالته‪ ،‬أكثر من أى وقت مضى‪ .‬ذلك الى الحد الذى‬
‫أصبحت فيه الذرة ‪-‬بفضل الفيزياء الكمية‪ -‬مفهومة الى حد بعيد بكل تفاصيلها الدقيقة‪ ،‬حتى كاد‬
‫يُسدل الستار على دراستها‪ .‬وبدل منها‪ ،‬تحول البحث فى مجال المكونات الصلية للمادة‪ ،‬نحو‬
‫المفاعلت العملقة‪ ،‬التى يمكنها فحص جزيئات أصغر مليون مرة من الذرة‪ .‬على الطرف الخر‬
‫من المسألة‪ ،‬نحن نقف فى مأمن معقول فيما يتعلق بمعرفتنا لكيفية بداية الكون منذ حوالى ‪15‬‬
‫بليون سنة‪ ،‬ومعرفتنا للحداث الساسية التى حدثت فى اللحظات القليلة التالية ( التى تقاس‬
‫بالميكروثانية)‪ .‬ليس هذا ادعاءًا بمعرفة كل جوانب تطور الكون‪ ،‬لكن الثقة فى صواب القوانين‬
‫الفيزيائية الحالية قد تنامى بثبات‪ ،‬حيث توافرت للبشرية مشاهدات ومعلومات أكثر تفصيل عن‬
‫الضوء والصوت والشعة السينية والشعة الكونية‪ ..‬إلخ‪.‬‬
‫ل يمكن انكار أن ميكانيكا الكم‪ ،‬قد أدت الى أفكار مثيرة للقلق وغاية فى الزعاج‪ ،‬فبعضها‬
‫مثل ينفى المنطق العام‪ .‬ويتحتم علينا ان نتسائل‪ :‬ماهى طبيعة التحدى الذى تمثله تلك الفكار تجاه‬
‫‪ 14‬العلم التاوى‪ )Taoist Sience (:‬من "تاو" ‪ ،Tao‬أحد أديان الصين الثلثة الكبار‪( .‬المترجم)‬

‫‪32‬‬

‫نظرية المعرفة العلمية؟ وهل يتطلب المر أن ننبذ وسائل البحث العلمي التى شكلت حتى الن‬
‫القواعد الساسية للعلم؟‪ .‬ونظرا للهمية العظمى للاشكاليات الفلسفية التى تطرحها النظرية الكمية‪،‬‬
‫اضافة الى كون تلك الشكاليات فى منتهى الصعوبة الفنية‪ .‬ففيما يلى مجرد محاولة لتقديم عرض‬
‫سريع‪ ،‬قد يكون غير واف‪ ،‬لها‪.‬‬
‫وُلدت الفيزياء الكمية فى الربع الول من القرن العشرين‪ ،‬وتتسيد علم الفيزياء الحديثة اليوم‪،‬‬
‫وقد نشأت من محاولة تفسير العديد من الحقائق المرصودة تجريبيا والتى تدور حول الذرة‬
‫والشعاعات‪ ،‬تلك الحقائق التى عجزت قوانين الطبيعة النيوتونية بجدارة عن استيعابها‪ .‬وصاحب‬
‫نجاح الفيزياء الكمية‪ ،‬ثورة فى مضمون مفهومنا لدراكنا للعالم المادى‪ .‬فمثل هى تتنبأ بأن أى‬
‫جسم مادي فى مثل حجم الذرة ‪-‬او ايا كان صغره‪ -‬يمكن النظر اليه اما كجسيمات او كموجات‪،‬‬
‫يعتمد الختيار فيما بينهما على نوع الجهزة المستخدمه فى المشاهده والختبار‪ .‬السوأ من ذلك‪،‬‬
‫أن قاعدة هايزنبرج (‪ )Heisenberg‬المشهورة عن "التشكك"‪ ،‬او"الليقين" (‪)Uncertainty‬‬
‫تقول بأن مكان وسرعة أى جسيم ل يمكن تحديدهما سويا فى نفس اللحظة‪ ،‬وهو شيئ مربك‬
‫للغاية‪ ،‬فقبل الفيزياء الكمية‪ ،‬كان ينظر الى العالم كله على أنه ممكن التنبأ به‪ ،‬هذا على القل من‬
‫ناحية المبدأ‪ .‬بمعنى أن أحداث الماضي تحدد الوضع الحالى وأن أحداث الحاضر تحدد تماما أشكال‬
‫المستقبل‪ .‬إن نفى هذا النوع من الحتمية كان محبطا للغاية‪ ،‬حتى انه ‪-‬على سبيل المثال‪ -‬تسبب‬
‫فى اطلاق إينشتين لتعليقه المشهور " إن ال ل يلعب النرد مع الكون" وأن يعلن معارضته للميكانيكا‬
‫الكمية‪ .‬ولكن بالرغم من القرار العام والعتراف بأينشتين‪ ،‬كرائد الفيزياء الول فى حينه‪ ،‬إل أنه‬
‫لم يكن محبوبا من أقرانه ومعاصريه‪ .‬كما كانت الدلة قوية ضد نظريته البديلة عن "المتغير‬
‫الخفى" (‪ ،)Hidden Variable‬والتى كان حريا بها ان تعيد للحتمية مكانتها‪.‬‬

‫‪15‬‬

‫ل شك أن الفيزياء الكمية قد أجبرتنا على قبول فكرة أن ادراكنا الحسي للحقيقة ساذج الى حد‬
‫كبير‪ .‬ولنأخذ مثل‪ ،‬مضمون بديهية أساسية من الفيزياء الكمية‪ ،‬والتى تقول بأن الاسلوب المتبع فى‬
‫مراقبة ورصد نظام ما‪ ،‬غالبا ما يغيره‪ .‬هذه الحقيقة من السهل استيعابها عندما يكون النظام‬
‫المقصود عبارة عن إليكترون أو ذرة‪ ،‬فى الواقع فإن الليكترون قد يكون فى اى حال من عدة‬
‫‪ 15‬يعيب الميكانيكا الكمية‪ ،‬انها ل تملك التنبؤ بتحديد اى ناتج من نواتج بعض التفاعلت الجسيمية‪ ،‬رغم قدرتها‬
‫على التنبؤ بالحتمالت الممكنة‪ .‬وقد تنبه اينيشتاين لذلك‪ ،‬ومن هنا جاء التساؤل عن وجود عامل مجهول‬

‫(خفى)‪ ،‬اذا ما تم التعرف عليه‪ ،‬والتحكم فيه‪ ،‬يصبح فى المكان الجزم بنتائج اى تفاعل‪ .‬وهذا العامل هو عماد‬
‫نظرية الحتمية‪.‬‬

‫(المترجم)‬

‫‪33‬‬

‫أحوال محتملة حتى تنتهى عملية الرصد‪ ،‬ول يمكن التعرف بدقة اوتحديد أى الحوال كان فيها‬
‫لحظة القياس‪ ،‬إل بعد اتمام الرصد‪ ،‬ذلك لننا نلجأ الى توجيه الليكترون‪ ،‬واجباره على اتخاذ حالة‬
‫معينة‪ ،‬ومسار محدد‪ ،‬من بين بضعة اختيارات وبدائل فى أثناء محاولة القياس‪ ،‬وبذلك نكون قد‬
‫غيرنا من حالته الولى‪.‬‬
‫اذا استبدلنا كلمة اليكترون ووضعنا بدل منها كلمة "الكون المادي"‪ ،‬هنا تكمن المتاهة الحقيقية‪.‬‬
‫فقد كان الكون بعد مولده‪ ،‬خليطا من الحالت الكمية‪ ،‬ورغم وجود عدد لنهائي من الحتمالت‪ ،‬ال‬
‫ان منظومة فرعية‪ ،‬ضئيلة جدا من بين هذه الحتمالت هى التى تحققت‪ .‬فهل نتج هذا لأن عملية‬
‫المراقبة والرصد‪ ،‬أجبرتنا على رؤية بعض النواحي والتحقق منها فى الوقت الذى اُغفلت فيه‬
‫احتمالت أخرى ؟ اذا كان الحال كذلك‪ ،‬فمن الذى قام بالرصد وماذا استعمل؟ بناءا على ما قاله‬
‫عالم الفيزياء يوجين فيجنر( (‪ Eugene P. Wigner‬الحائز على جائزة نوبل‪":‬إن هذا لبد وأن‬
‫يشرك وعي النسان‪ ،‬كأحد العوامل المحدِدة لفهمنا اليوم لحالة الكون الكمية"‪ .‬ما زال مثل هذا الفهم‬
‫لمضمون الفيزياء الكمية مثار جدل واسع‪ ،‬ال انه يعطي مثل لنوع التفكير الجاري فى الشكاليات‬
‫المتعلقة بالوجود والواقع‪ .‬وللقارئ المهتم أن يستمتع بقراءة مقال بعنوان " هل يوجد القمر حين ل‬
‫ينظر أحد؟‪ ،‬الواقع والنظرية الكمية" ضمن مجموعة أخرى من المراجع المذكورة فى نهاية هذا‬
‫الفصل‪( .‬مرجع ‪)5‬‬
‫على درجة أكبر من الغرابة‪ ،‬نجد تفسير "الكوان المتعددة" للفيزياء الكمية‪ .‬هذا التفسير الذى‬
‫اقترحه هيو ايفيريت (‪ )Hugh Everett‬فى عام ‪ ،1957‬وفيه يؤكد على أن كل عملية من‬
‫عمليات رصد نظام معين تؤدى بالتبعية الى خلق كون مواز‪ ،‬يشغل نفس المكان والزمان كالكون‬
‫الصلى‪ ،‬لكن غير قادر على التواصل معه‪ .‬على ذلك‪ ،‬ل يمثل الكون الحالى الذى نشغله‪ ،‬ال‬
‫واحدا فقط من بين عدد ل يحصى من الكوان المماثلة‪ .‬من شان هذه النظرية ان تحل مشكلة‬
‫القياس فى الفيزياء الكمية‪ ،‬ولكن على حساب أشياء أخرى كثيرة‪ ،‬فكما يقول برايس ديويت (‬
‫‪ )Bryce Dewitt‬وهو من أنصار نظرية "الكوان المتعددة " فى تفسيره‪:‬‬
‫"ان كل تحول كمى(‪ )Quantum transition‬يحدث فى أى نجم من النجوم‪ ،‬وفى‬
‫كل مجرة‪ ،‬وفى كل ركن من اركان الكون المتناهى‪ ،‬فأنه يُ َقسِم عالمنا المحلى على‬
‫الرض الى عدد فائق من الاشباه المتماثلة"‪ ....‬وهنا نصل بالتاكيد الى درجة مستفزة‬
‫من الفصام‪( .‬مرجع ‪)6‬‬

‫‪34‬‬

‫ل شك أن الفيزياء الكمية‪ ،‬غريبة‪ ،‬ومدهشة‪ ،‬وغير معتادة‪ ،‬وهى بالتأكيد تمثل نافذة نطل منها‬
‫على بعض نواحي الكون غير المدركة بحواسنا العادية‪ .‬فهى تبدو لغير المعتادين على معادلتها‬
‫الرياضية‪ ،‬مزعجة وغير قابلة للستيعاب‪ ،‬وأما بالنسبة للذين يريدون التخلص من العلم‪ ،‬فإن‬
‫صوت الخلفات القائمة حول تفسيرها الصحيح‪ ،‬يطرب آذانهم‪.‬‬
‫لكن دعنا ل نفقد رؤيتنا الشاملة للغابة أثناء بحثنا عن الشجار‪ ،‬فمما ل شك فيه اننا مرتبطون‬
‫بقوة بمنظومة من الخبرات المشتركة‪ .‬فالغالبية العظمى من علماء الفيزياء يستعملون الن آليات‬
‫الميكانيكا الكمية بصفة روتينية وبكل ثقة‪ ،‬ولم تخرج علينا تلك الآليات بأية تناقض‪ ،‬ول فى مشاهدة‬
‫واحدة من بين مليين المشاهدات الموجودة‪ .‬ايضا ل يجوز اعتبار الجدل علمة على قرب النهيار‬
‫القاتل‪ ،‬بل إن الخلفات فى واقع المر‪ ،‬ل تمثل ال وجها من اوجه النشاط الصحي فى مجال العلم‪.‬‬
‫وحتى اذا انتهى المر بإحلل نظرية جديدة محل النظرية الكمية ‪ -‬ربما تكون أصدق منها‪ ،‬وتحمل‬
‫خلفات أقل‪ ،‬وذات مفاهيم أكثر تحديدا واعمق فهما‪ -‬فهذا ل ينفي ما نعلمه اليوم عن العالم‬
‫المادي‪ .‬ولنا أمثلة سابقة من التاريخ‪ ،‬فنظرية النسبية لينشتاين‪ ،‬لم تلغ ميكانيكا نيوتن‪ ،‬بل وسعتها‬
‫وهذبتها‪.‬‬
‫من المؤكد أن اشكالية التفسير مازالت بدون حل‪ .‬من ناحية أخرى‪ ،‬فكثيرا ما يساء فهم‬
‫المشاكل وتضخيمها‪ ،‬بما ل يتناسب مع حجمها الحقيقى‪ ،‬وعلى سبيل المثال‪ ،‬فبالرغم مما يقال من‬
‫أن الميكانيكا الكمية تنفى نظرية الحتمية‪ ،‬ال اننا لبد وان ندرك أن هذا مهم فى حالة بعض‬
‫الظواهر المحدودة للغاية‪ ،‬وفى نطاق ضيق يتعلق فقط بالجسام الصغيرة كالذرات وغيرها‪ ،‬وليس‬
‫له اية علقة بما عدا ذلك‪ ،‬باستثناء مراحل التكوين الولى للكون‪ .‬نعود مرة أخرى الى مسألة ما‬
‫اذا كانت الجسام الموضوعة تحت الدراسة تتغير تبعا لجراءات الدراسة والمراقبة‪ ،‬فنجد انها‬
‫ايضا متعلقة فقط بذات المجال الصغير‪ ،‬وحتى فى هذه الحالة‪ ،‬فلدينا "تفسير كوبنهاجن" للفيزياء‬
‫الكمية‪ ،‬الذى يشير فى المقام الول الى أن بامكان الميكانيكا الكمية أن تستوعب وتتوافق مع‪ ،‬كل‬
‫المواقف المتعلقة بمفاهيم تتصل بأية اختبارات حقيقية او نظرية‪ .‬على ذلك ل يجوز طرح أسئلة من‬
‫نوع " ماهى الحقيقة"‪ ،‬أو "ماهى حالة هذا النظام اوذاك"‪ ،‬وبدل من ذلك يمكن للفرد أن يتساءل "‬
‫ماذا يمكن أن يحدث‪ ،‬اذا فعلت كذا وكذا تحت ظروف كذا وكذا؟"‪.‬‬
‫عندما يتعقد النقاش حول ماهية الحقيقة‪ ،‬فلعله من المُجدى ان يقرص النسان نفسه ليشعر بأن‬
‫تلك المشكلة حقيقية‪ .‬ورغم أن التحليق فيما وراء الطبيعة شيئ جميل‪ ،‬لكن دعونا لننسى أن‬

‫‪35‬‬

‫الفيزياء الكمية‪ ،‬التى كونتها مليين التجارب‪ ،‬تقف على ارض صلبة‪ .‬كما يبقى السلوب العلمي‬
‫سليما فى تماسكه وقوته‪ ،‬وتظل الفيزياء الكمية‪ ،‬كناتج من نواتج هذا الاسلوب‪ .‬اما إذا قدر يوما‬
‫إحلل ماهو أفضل من الفيزياء الكمية‪ ،‬فلعلها ستكون عن طريق ثورة من نوع ثورة "كون" (‬
‫‪ ،)Kuhn‬ومن خلل مشكلت تنشأ وتُفهم من خلل تكوينها الذاتي‪ .‬فالعلم‪ ،‬يُحَسٍن وينقي نفسه‬
‫بصفة دورية دائمة‪ ،‬كذلك فإنه لم يلق أبدا‪ ،‬أى تدخل ذو معنى من شتى الدعاءات بالبدائل‪ ،‬فهذه‬
‫البدائل تقبع فى الحدود الضيقة لنظم المعتقدات‪ ،‬كما أنها غير واضحة‪ ،‬ول أمل فيها‪ ،‬حتى أن‬
‫المدافعين عنها انفسهم‪ ،‬ليست لديهم أية فكرة‪ ،‬ولو تلميحا عن كيفية تأثيرها عليهم‪.‬‬
‫فى النهاية‪ ،‬يمكننا القول بكل اطمئنان أن لدينا علما واحدا‪ ،‬وأما مسألة انه حكر على الغرب؟‬
‫فهذه قضية جدلية وسؤال وثيق الصلة بموضوعنا‪ ،‬وعلينا اللتفات اليه‪.‬‬
‫ببساطة‪ ،‬هل العلم الحديث‪ ،‬علم غربى؟‬
‫فى احد الكتب المنشورة حديثا‪ ،‬قام اثنان من العلماء البارزين فى الغرب‪ ،‬وهما ميكاييل مورافشيك‬
‫(‪ ،)Michael Moravcsik‬و جون زيمان (‪ ،)John Ziman‬بتناول موضوع نقل العلم الى دول‬
‫العالم الثالث‪ ،‬وبدأوه بفظاظة واضحة‪:‬‬
‫"تاتى الحضارة الصناعية الوروبية‪ ،‬مع العلم الوروبى‪ ،‬فى منظومة واحدة‪.‬‬
‫واما التساؤل عما اذا كان لحدى الحضارات المتخلفة‪ ،‬او المقهورة‪ ،‬شكل خاص من‬
‫العلم‪ ،‬فهذا موضوع نظرى بحت‪ ،‬ان طريقة النمو القتصادى‪ ،‬والتطور الجتماعى‪،‬‬
‫مبنى تماما على "المادية المنطقية" لوروبا ‪ -‬ما بعد عصر النهضة‪ -‬ومستعمراتها فى‬
‫شمال امريكا‪ ...‬فى الستعراض التالى‪ ،‬سيُعتَبر من المسلمات‪ ،‬ان العلم الوروبى‪ ،‬يجب‬
‫ان يكون القوة الحضارية المتسيدة فى العالم‪( ".‬مرجع ‪)7‬‬
‫ل املك الحكم على رأى‪ ،‬او احساس‪ ،‬باقى القراء لهذا الكتاب‪ ،‬ولتلك الفقرة‪ ،‬خاصة اذا كانوا من‬
‫الدول السابق احتللها‪ .‬ولكنى بالتاكيد‪ ،‬قد احسست شخصيا بسريان البرودة في اطرافى عند‬
‫مطالعتها‪ .‬ففيها شيئ خبيث‪ ،‬آذى اعتزازى بنفسى‪ .‬وحتى اكون اكثر وضوحا‪ ،‬فها هنا‪ ،‬عالِمان‬
‫غربيان‪ ،‬ليست لديهما ايه نزعة لستر احساسهما بالتسيد الخلقى‪ ،‬وهما فى اتفاق واضح مع قيم‬
‫حضارتهما‪ ،‬التى يعتبرونها جديرة بالتصدير‪ .‬من وجهه نظر مهمة‪ ،‬هم ل يختلفون كثيرا عن‬
‫ارساليات التبشير القديمة‪ ،‬التى آمنت ‪-‬بحماس شديد‪ -‬بمسالة الخلص المسيحية‪ .‬لتأتى الرساليات‬

‫‪36‬‬

‫الحديثة‪ ،‬وتضع نصب اعينها‪ ،‬اقتباس نفس السلوب‪ ،‬مرددة هذه المرة‪ ":‬يجب على العلم‬
‫الوروبى ان يكون قوة حضارية‪ ،‬سيادية‪ ،‬فى العالم اجمع"‪ .‬على ذلك‪ ،‬وبقدر ما يتضمنه خطاب‬
‫هذه الرساليات‪ ،‬فل قيمة للتاريخ الحضارى او العلمى للحضارات " المتخلفة او المقهورة "‪ ،‬ول‬
‫مكان لها ال فى سلة القمامة‪.‬‬
‫يدين كثير من الباحثين من دول العالم الثالث بالولء للتكنولوجيا‪ ،‬وفلسفة العلم الحديث‪ ،‬ويشعرون‬
‫بنوع من السعادة والعرفان‪ ،‬لكونها وجدت تربتها الخصبة فى اوروبا‪ .‬لكن سرعان ما ياتى‬
‫التساؤل "هل يجوز الستغناء بالكامل‪ ،‬عن اسهامات كل الحضارات العظيمة السابقة مثل الحضارة‬
‫الصينية والسلمية‪ ،‬والهندية؟ ثم هل كان بامكان العلم الحديث ان ينمو‪ ،‬ما لم تكن تلك الحضارات‬
‫قد ارست له القواعد ليتطور؟‪ .‬تمتد جذور شجرة العلم بعمق الى حضارات شتى‪ .‬وحتى‬
‫اليونانيون‪ -‬الذين كثيرا ما ياتى ذكرهم باعتبارهم الجد الكبر للعلم المعاصر‪ -‬ما كان لهم ان‬
‫ينتجوا كل هذا الكم الهائل من البتكارات والفكار‪ ،‬دون المساهمات المادية والثقافية‪ ،‬المستمدة من‬
‫مختلف البلد السيوية والفريقية‪ .‬على ذلك‪ ،‬فمن الخطأ اعتبار العلم والتكنولوجيا غربيين‪ ،‬فى‬
‫الجوهر ومن الساس‪ .‬ثم‪ ،‬افلم تكن اوشفتس‬

‫‪16‬‬

‫(‪ ،)Auschwitz‬وهيروشيما‪ ،‬من توابع نفس‬

‫الحضارة؟ كيف يا ترى نقوم بتقييم حضارة خلقت مفهوم البادة الجماعية‪ ،‬والدمار المتبادل الكيد‬

‫‪17‬‬

‫(‪)Mutual assured destruction, MAD‬‬
‫ل جدال ان المصدر المباشر للعلم الحديث‪ ،‬كان من خلل النهضات الحضارية فى اوروبا‪ ،‬ممثل‬
‫فى عصر النهضة والثورة العلمية‪ .‬كذلك ل شك فى ان ما حدث‪ ،‬لم يكن مسبوقا‪ ،‬ل فى مجالته‪،‬‬
‫ول فى طبيعه التغيير الناتج عنه‪ .‬كما ل شك ايضا فى صحة ان النجازات العلمية السابقة‪ ،‬التى‬
‫تمت فى كثير من البلدان البعيدة‪ ،‬ومن مختلف الشعوب‪ ،‬كانت لها ادوار فى منتهى الهمية‪ .‬إل أن‬
‫العلم‪ ،‬لم يصبح جزءا من الحضارة‪ ،‬ول مؤثرا هاما فى حياة النسان اليومية‪ ،‬ال بعد مولد‬
‫الحضارة الصناعية‪ .‬كان هذا مثل من امثلة الجدل الذى يُستعمل كثيرا‪ ،‬للبرهنة على ان العلم‪،‬‬
‫ظاهرة اوروبية خالصة‪.‬‬

‫‪16‬‬

‫اكبر المعسكرات النازية للبادة الجماعية فى غرف الغاز وكان يقع بجوار الحدود البولندية‪.‬‬

‫(المترجم)‬

‫‪ 17‬الدمار المتبادل الكيد‪ :‬تعبير عسكرى يفيد بالتدمير الشامل لكل من المعتدى والمدافع فى حالة نشوب حرب بين‬
‫القوى التى تمتلك وتستعمل السلحة النووية‪.‬‬

‫(المترجم)‬

‫‪37‬‬

‫اذا وضعنا باقى الجدل جانبا‪ ،‬فلعله من المناسب هنا إلقاء نظرة سريعة على تاريخ المعرفة (‬
‫‪- ،)Knowledge‬التى ل يمثل تاريخ العلم (‪ )Science‬ال جزءا منها‪ -‬لنرى كيف انها ظاهرة‬
‫حديثة الى حد بعيد‪ .‬ويلحظ فى البداية ان التاريخ المسجل للبشرية‪ ،‬ل يزيد عمره عن العشرة‬
‫آلف سنة‪ ،‬فى حين يعود تاريخ الوعى (‪ - )Consciousness‬ولو فى صورة بدائية جدا‪ -‬الى‬
‫بضعة مليين من السنين على اقل تقدير‪ .‬كما يوضع فى العتبار عدم وجود اية معرفة من‬
‫الساس خلل عصور سابقة ل يمكن حصرها‪ ،‬كما ستأتى عصور متعددة فى المستقبل بل‬
‫معرفة‪ .‬من ثم فل يبدو لتاريخ المعرفة والعلم أية أهمية تذكر من المنظور الكونى الواسع‪ .‬ويبدو‬
‫لى ان تقدم العلم عبر السنين السابقة‪ ،‬وخلل الاربعمائة عام الماضية فى اوربا‪ ،‬انما تم بالكامل عن‬
‫طريق الصدفة البحتة‪ .‬على ذلك فإن الكبرياء التافه للحضارات التاريخية المتعاقبة‪ ،‬التى نرتبط به‬
‫بمحض الصدفة ؛ يبدو غير عقلني الى حد بعيد‪.‬‬
‫ليس من المستبعد‪ ،‬أن تقوم فى النهاية‪ .‬بعض النواع الحية الموهوبة بالذكاء‪ ،‬ببناء وتطوير علم‬
‫خاص بها‪ ،‬وسينبع دافعها الساسى من واقع متطلبات الحياة وحب البقاء‪ ،‬واما عن حقيقة قدرة‬
‫العقل البشرى على التفكير والتمييز والتجريد‪ ،‬فانما معناها ان تطور العلم كان سيأتى آجل او‬
‫عاجل عبر مسيرة تقدم النسان‪ .‬من هنا ياتى السؤال "إذا كان العلم فى جوهره ناتج من نواتج‬
‫الذكاء فهل يرجع مولد العلم الحديث فى اوربا الى تفوق فى جينات الروبيين؟"‪ .‬يريد منا بعض‬
‫واضعى النظريات مثل ماكس فيبر‪) 18‬‬

‫( ‪Max Weber‬وغيره ان نصدق هذا الكلم‪ .‬لكن برغم‬

‫الكم الهائل من الختبارات التى اجريت حتى الن‪ ،‬ال ان علم النفس الحديث لم يجد اى سند علمى‬
‫يؤيد ذلك‪.‬‬
‫يرتبط موضوع وجود ذكاء انسانى عام‪ ،‬بواحد من اعمق اسئلة العصر الحديث‪ ،‬وهو‬
‫السؤال الذى طرحه المفكر المعروف برتراند راسل (‪ ،)Bertrand Russell‬ممثل فى الكلمات‬
‫التالية "كيف تسنى للبشر ان يعرفوا كل هذا الكم من المعرفة ؟ بالرغم من أن اتصالهم بالعالم‬
‫وجيز‪ ،‬وشخصى‪ ،‬ومحدود"‪ .‬الذى عناه راسل هو ان كمية المعرفة التى يمتلكها كل فرد منا ؛‬
‫كبيرة لدرجة مذهلة بالرغم من اننا نادرا ما نعيش لكثر من ستين او سبعين عاما‪ .‬ولعل اقدر‬
‫الناس على فهم مدى عمق مقولة راسل ؛ هم ممن حاولوا تصميم برامج للكمبيوتر ليجعلوة قادرا‬
‫على تمييز الشياء‪ ،‬وعلى فهم ابسط القواعد‪.‬‬
‫‪ 18‬ماكس فيبر (‪ )1920-1864‬عالم المانى‪ ،‬له كتابات ونظريات متعددة فى القتصاد‪ ،‬والسياسة‪ ،‬والديان‪ ،‬واحد‬
‫مؤسسى علم الجتماع الحديث‪.‬‬

‫(المترجم)‬

‫‪38‬‬

‫يمكن الجابة على تساؤل راسل؛ على اساس من البحوث العلمية ‪ -‬التى كثيرا ما انتقصت من‬
‫اهمية ملكة اللغة كمرآة رائعة للعقل ولقدرتنا على الستيعاب‪ -‬فحسبما تشير النظرية الحديثة لعلوم‬
‫اللغة‪ ،‬يطرح نوام تشومسكى ((‪( Noam Chomsky‬مرجع ‪ ،)8‬عالم فلسفة اللغات المشهور‬
‫برأيه فى هذا المجال‪ ،‬حيث يرى اننا انما نعرف كل هذا القدر من المعرفة‪ ،‬لننا ولدنا من الساس‬
‫لنعرف‪ .‬ان ما يقوله‪ ،‬وبالدليل الذى ل يحتاج الى مناقشة هنا‪ ،‬ان النسان يولد وتولد معه ملكة‬
‫اللغة‪ .‬فقد ظهر النسان العاقل الرشيد من بين ابهامات مراحل التطور البيولوجى‪ ،‬وقد مُنح عقل‬
‫فطريا‪ ،‬قادر على التفكير التجريدى (‪ .)Abstract thinking‬وفى جوهر المر فهو مثل جهاز‬
‫كمبيوتر معقد جاهز للتشغيل‪ ،‬ولكنة بحاجة فقط الى بعض الشارات الخارجية لتنبيهه‪ ،‬ليطلق من‬
‫بعدها العنان لتفعيل ملكاته المعرفية والخلقة‪ ،‬ثم ان اكتشاف تشومسكى لعالمية قواعد اللغة‪،‬‬
‫يعطينا دللة واضحة على مدى عالمية الفكر والسلوك النسانى‪ .‬بذلك تتحطم كل النظريات‬
‫العنصرية او العرقية المتعلقة بالتطور‪ ،‬ويتأسس بذلك مبدأ تماثل البشر جميعا (وهو ما يمكن ان‬
‫يطلق عليه وحدوية البشر‪.)The oneness of us all .‬‬
‫فى الخلصة‪ ،‬فإن العلم ملكية فكرية للبشرية جمعاء‪ ،‬وجزءا ل يتجزأ من التراث الحضارى‬
‫العالمى‪ ،‬ولسنا بحاجة لللتفات لى من المنادين بغير ذلك‪.‬‬
‫___________‬
‫المراجع‬
‫‪1- K. R. Popper, Conjectures and Refutations, (London, Routledge and‬‬
‫‪Kegan Paul, 1963).‬‬
‫‪2- T. S. Kuhn, The structure of Scientific Revolutions, 2nd edition, Chicago,‬‬
‫‪University of Chicago Press, 1970).‬‬
‫‪3- Wendell Johnson, People in Quandries, (New York, Harper Brothers,‬‬
‫‪1946).‬‬
‫‪4- A good discussion of Cartesianism can be found in P. J. Davis and R. J‬‬
‫‪Hersh, Descartes' Dream, (Boston, Houghton Mifflin, 1986) and‬‬
‫‪Fritjof Capra, The Turning Point, (Bantam Books, 1983).‬‬
‫‪5- N. D. Mermin, 'Is the moon really there when nobody looks? Reality and‬‬
‫‪the Quantum theory', in Physics Today, April 1985, 38-47.‬‬
‫‪6- P. C. W. Davies and J. R. Brown, The ghost in the Atom, (Cambridge,‬‬
‫‪Cambridge University Press, 1986).‬‬

‫‪39‬‬

‫‪7- Michael Moravcsik and John Ziman, in "Problems of Science‬‬
‫‪Development', to be published by World Scientific, Singapore.‬‬
‫‪8- Noam Chomsky, Language and problems of Knowledge – The Managua‬‬
‫‪Lectures, (Cambridge, Mass., MIT Press, 1988).‬‬

‫الفصل الثالث‬

‫الصراع بين العلم ومسيحية القرون الوسطى‬
‫عندما علمت زوجة أسقف كنيسة وورسستر ( ‪ )Worcester‬بأمر نظرية‬
‫دارون‪ ،‬عقبت بقولها ‪ " :‬يا الهى‪ ،‬أينحدر أصل النسان من القردة العليا ؟ دعونا‬
‫نأمل أن ل يكون هذا صحيحا‪ ،‬أما اذا كان‪ ،‬فدعونا نصلى كى ل يصبح المر‬
‫معلوما للجميع"‪.‬‬
‫ل شك أن صرامة التشدد الصولى فى كل المعتقدات ‪ -‬بما فى ذلك الصولية السلمية‬
‫المعاصرة‪ -‬لم تكن يوما على وفاق مع وسائل العلم واكتشافاته‪ .‬أما من الناحية التاريخية‪ ،‬فلعل‬
‫الصولية المسيحية‪ ،‬هى التى خاضت أطول المعارك وأشدها مرارة ضد العلم‪ .‬لقد حكمت الكنيسة‬
‫المسيحية أوروبا بيد من حديد على مدار ألف عام قبل عصر النهضة‪ .‬كان التعليم العلمي المنهجي‬
‫مستحيل آنذاك‪ ،‬خاصة فى ظل ما اتسم به النظام العام من عدم السماحة‪ ،‬والتحيز‪ ،‬والتحامل‬
‫المسبق على أى رأى معارض‪ ،‬بالضافة الى تشبعه بالشك والرتياب‪ .‬وفى ظل ارتياب الكنيسة‬
‫الشديد فى أية محاولة حرة للتفكير‪ ،‬تم قمع كل وسائل التعليم‪ ،‬مالم تكن متفقة تماما مع أهوائها‬
‫وخطابها الديني‪ .‬لقد أصدرت منابر المحاكم الدينية عشرات اللف من الحكام بالتعذيب حتى‬
‫الموت‪ ،‬على المشتبه فيهم بالسحر والخروج عن الدين (الزندقة‪ ،‬الهرطقة)‪ .‬فكان يتم ربط المتهمين‬
‫الى الخيول لتمزيق أجسادهم‪ ،‬وتنزع أحشائهم‪ ،‬ويجرى شنقهم‪ ،‬أو يحرقون وهم مشدودون الى‬
‫الخوازيق‪ .‬حتى الموتى‪ ،‬لم يسلموا من التعسف والعنف‪ .‬فى واقعة مشهورة‪ ،‬خلص رئيس الساقفة‬

‫‪40‬‬

‫أوشر( ‪ 19) Ussher‬من دراسته للنجيل‪ ،‬الى أن بداية خلق العالم كانت فى الساعة التاسعة من‬
‫صباح يوم الحد الموافق ‪ 23‬اكتوبر عام ‪ 4004‬قبل الميلد‪ .‬هذا بالرغم من ان وايكلف ((‬
‫‪Wycliffe‬‬

‫‪20‬‬

‫كان قد قدم الدليل المبنى على الحفريات الجيولوجية‪ ،‬على أن عمر الرض يقدر‬

‫ببضعة مئات الآلف من السنين على أقل تقدير‪ .‬على أية حال‪ ،‬لم تتحمل الكنيسة تلك المفارقة‪ ،‬فيما‬
‫اعتبرته نوعا من الوقاحة‪ ،‬وعليه‪ ،‬فقد أصدرت أوامرها باستخراج رفات وايكلف‪ ،‬وتفتيت ما تبقى‬
‫من عظامه‪ ،‬وحرقها‪ ،‬والقائها فى مياه النهار والبحار حتى ل تظل الرض ملوثة بزندقته وجراثيم‬
‫أفكاره وتشككاته‪.‬‬
‫لماذا يا ترى اتخذت الكنيسة هذا الموقف المتشدد‪ ،‬والمعادي بكل قسوة‪ ،‬لرجال حملوا أفكارا‬
‫جديدة مثل بيكون ( ‪ ،21)Bacon‬ووايكلف‪ ،‬وبرونو (‪ ،22)Bruno‬وجاليليو (‪،23)Galileo‬‬
‫‪ 19‬السقف جيمس أوشر (‪ James Ussher ) 1581-1656‬رئيس اساقفة كنائس أيرلنده توصل الى نتائجه‬
‫فى عام ‪ 1658‬م‪ ،‬من واقع دراسته لنسخة الملك جيمس من النجيل‪.‬‬

‫(المترجم)‬

‫‪ 20‬جون وايكلف ( انجليزي ) ‪John Wycliffe 1384-1328‬؟ كانت له مواجهات قوية مع الكنيسة وكرس‬
‫كثير من وقته لترجمة النجيل من اللتينية الى النجليزية‪ ،‬ومن رواد حركة الصلح الدينى فى اوروبا‪ ،‬التى ادت‬

‫الى قيام الكنيسة البروتستانتينية بعد ذلك‪ .‬وبعد وفاته بسنين عديدة‪ ،‬أمرت الكنيسة باستخراج رفاته وحرقها‬
‫وبعثرتها فى مياة نهر السويفت بانجلترا‪.‬‬
‫‪21‬‬

‫(المترجم)‬

‫روجر بيكون (‪ )1294-1214‬فيلسوف إنجليزى‪ ،‬لقبوه بالطبيب المذهل‪ .‬كان من أشهر الرهبان الفرنسيسكان‬

‫فى وقته ومن رواد الدفاع عن المنهج العلمى العقلنى وحث الرهبان على تحصيل العلم‪ .‬وضعوه فى باريس فى‬

‫مرتبة أرسطو وإبن سينا وإبن رشد‪ .‬رفض النقياد العمى وراء السلطات السابقة‪ ،‬وأجري تجارب عديدة‪،‬‬

‫خاصة فى الكيمياء متبعا قواعد الكيمياء القديمة وألف عدة مؤلفات بناءا على رغبة البابا كليمنت الرابع‪ ،‬مهمل‬
‫بذلك قواعد كنيسته التى تحظر النشر إل بعد موافقتها‪ .‬هاجمته الكنيسة بعد وفاة البابا وسُجن لمدة تزيد عن‬

‫العشرة أعوام‪ .‬وله تمثال مشهور بمتحف جامعة أكسفورد‪( .‬المترجم)‬
‫‪22‬‬

‫جيوردانو برونو (‪ Giordano Bruno) 1548‬ــ ‪ ،1600‬تميز بذاكرته الحديدية وله بصمات فى الفلسفة‬

‫والفلك وكان من رأيه أن الكون ل متناهى‪ ،‬ويشمل عدد من العوالِم وأنها عامرة بالكائنات الذكية‪ ،‬وإستمر حبسه‬
‫أثناء محاكمته لمدة ثمانى سنوات وأحرق بعدها على خازوق‪( .‬المترجم)‬
‫‪23‬‬

‫جاليليو جاليلى ( ‪ Galileo Galilei) 1564‬ــ ‪ ،1642‬اليطالى الشهير وكان عالما فى الرياضيات والطبيعة‬
‫والفلك ومصمم أول تليسكوب لدراسة النجوم‪ ،‬وأسس لكثير من النظريات التى قام عليها العلم الحديث ونادى‬
‫بدوران الرض حول الشمس وحوكم لختلفه مع الكنيسة التى كان من رايها ان الرض هى مركز الكون‪،‬‬

‫وإضطر للتنازل عن أرائه اثناء المحاكمة‪ ،‬للفلت من الموت ونفى بعد ذلك‪ ،‬نفيا انعزاليا حتى توفى‪ .‬وقد أصدر‬

‫‪41‬‬

‫وعشرات اللف غيرهم؟‪ .‬لعله من الممكن الوصول الى سبب هذا التعنت البالغ من خلل‬
‫استعراض التسلسل الجدلى التالى‪:‬‬
‫‪-1‬كان النظام الجتماعي العام‪ ،‬قائما على اللتزام الحرفى بالقواعد الموضوعة‬
‫بواسطة الكنيسة‪ .‬كانت هناك قواعد لكل شئ‪ ،‬بداية من أصول ممارسة الطقوس‬
‫الدينية‪ ،‬الى ما يتعلق بالطعام والشراب‪ ،‬الى الزواج والجنس‪..‬الخ‪ .‬حقا‪ ،‬كانت‬
‫مسيحية العصور الوسطي تمثل منظومة كاملة للحياة‪.‬‬
‫‪-2‬اعتمدت قدرة الكنيسة فى املء وفرض قواعدها الجامدة‪ ،‬على تسليم الناس الكامل‬
‫بمعتقدات الكنيسة‪ ،‬غير القابلة للتساؤل‪.‬‬
‫‪-3‬شيوع العتقاد بأن رفض او نقض ولو واحدة من معتقدات الكنيسة – سواء عن‬
‫طريق العلم او غيره – قد يترتب عليه انهيار شامل وتفتت كامل للبنية الجتماعية‬
‫ونظامها‪.‬‬
‫‪-4‬بناء على ذلك‪ ،‬أصبح العلم والتفكير الحر يمثل تهديدا خطيرا وكان لبد من‬
‫تحريمه‪.‬‬
‫يجب النظر الى ادانة جاليليو‪ ،‬من هذا المنظور‪ .‬فلم يكن العقاب الكنسي لجاليليو الشد قسوة‬
‫من نوعه‪ ،‬حيث كانت له أهميته الخاصة بصفته مثًل أول قمع فعال للرأى العلمى‪ ،‬الذي ثبتت‬
‫صحته بعد ذلك‪ .‬وفى هذا الصدد علق برنارد شو بذكاء‪:‬‬
‫"ان موضوع جاليليو من المواضيع المفضلة لدى علمائنا‪ ،‬ولكنهم يخطئون القصد باعتبار‬
‫جوهر المشكلة يكمن فى مسألة‪ :‬هل تدور الرض حول الشمس أم أنها ثابتة فى المركز‬
‫والشمس تدور من حولها؟ لو كان المر بهذه البساطة‪ ،‬لما خرج عن كونه وصفا لحقائق‬
‫الطبيعة‪ ،‬وبل اى مدلول معنوى او عقائدى‪ ،‬ولما ثارت الكنيسة‪ .‬لكن الواقع كان غير‬
‫ذلك‪ ،‬فقد رأت سلطات الكنيسة من ناحيتها‪ ،‬أن العقيدة المسيحية‪ ،‬يقوم عليها‪ ،‬ليس فقط‬
‫كيانهم الخاص‪ ،‬بل ايضا كيان الحضارة فى العالم أجمع‪ ،‬كما انها‪ -‬الكنيسة‪ -‬قد سبق‬
‫وقبلت‪ ،‬واعتمدت‪ ،‬النصوص اليهودية والعهود اليونانية كوحي مقدس‪ ،‬وعليه فالكنيسة ل‬
‫تستطيع تحمل صدمة اكتشاف ان الكثير من مروياتها‪ ،‬بدءا من محاورات جوشوا فى‬

‫البابا يوحنا الثانى فى اكتوبر ‪ ،1992‬إعتذارا باسم الكنيسة ‪ -‬وان كان سبق له التلميح مرارا الى هذا‬
‫الموضوع‪ -‬عن التهم الموجهه لجاليليو ومحاكمته‪( .‬المترجم)‬

‫‪42‬‬

‫معركة جيديون‪ ،‬ونهاية بمسألة صعود المسيح‪ ،‬لبد وان تكون قد كُتبت بواسطة من ل‬
‫علم له بحقيقة الكون المادية"‪(.‬مرجع ‪)1‬‬
‫لقد تناول العديد من الباحثون تلك الحقبة بالدراسة المستفيضة‪ ،‬باعتبار ان فترة قمع الرأى‬
‫العلمي بواسطة الكنيسة كانت من أحلك عصور التاريخ البشرى‪ ،‬ولعل من أبرز العمال فى هذا‬
‫الشأن‪ ،‬تلك المعالجة التى نشرت فى عام ‪ ،1896‬بعنوان " تاريخ حرب العلم مع اللهوت " والتى‬
‫كتبها أندرو ديكسون وايت ( ‪( )Andrew Dickson White‬مرجع ‪ ،)2‬الذى تقلد فيما بعد‬
‫منصب أول رئيس لجامعة كورنيل بالوليات المتحدة‪ .‬ومن هذا المجلد الرائع اخترنا المقتطفات‬
‫التالية ‪:‬‬
‫•إن مبدأ كروية الرض وبالتالى وجود نقاط متقابلة على سطح الكرة الرضية لم يكن‬
‫مقبول فى الفكر الديني‪ ،‬وقد هوجمت الفكرة بشدة من رجال الدين الذين تسائلوا‬
‫باستنكار "هل يوجد من فقد التمييز والدراك الى هذا الحد‪ ،‬حتى يُعتقد بأن المحاصيل‬
‫والشجار تنمو لسفل وبأن المطار والجليد يسقطون الى أعلى؟"‪ .‬لقد استطاعت‬
‫الهيمنة العليا للقديس أوجستين أن تجعل الكنيسة‪ ،‬ولمدة ألف عام‪ ،‬تقف بحزم وقوة‪،‬‬
‫ضد فكرة وجود نقاط متقابلة على سطح الرض‪ ،‬وقالت بأنه حتى بافتراض وجود‬
‫النقاط المتقابلة‪ ،‬فانه يستحيل وجود النسان بها‪ .‬فى القرن السادس فتح بروكوبيوس‬
‫الغزاوى‪ )Procopius of Gaza( 24‬نيران مدافعه العقائدية‪ ،‬معلنا استحالة وجود‬
‫النقاط المتقابلة‪ ،‬وإل‪ ،‬فإنه كان على السيد المسيح الذهاب الى تلك المناطق المجهولة‬
‫ليعاني مرة أخرى‪ ،‬كما يستلزم المر وجود صورة طبق الصل من "عدْن" ثانية‪،‬‬
‫وغير ذلك من متطابقات اخرى كثيرة‪ ،‬مثل أدم‪ ،‬والثعبان‪ ،‬والطوفان‪ ..‬الخ‪ .‬وعلى ذلك‬
‫فمسألة النقاط المتقابلة خطأ واضح واستحالة اكيدة‪.‬‬
‫•أعلن القديس بول أن المراض فى حقيقتها‪ ،‬ماهى إل أعمال خبيثة للشياطين‪ ،‬ويقول‬
‫أوريجون (‪ ،)Origen‬بصفته ممثل للسلطة الكنسية "إنها العفاريت‪ .‬هى التى تسبب‬
‫المجاعات‪ ،‬والبوار‪ ،‬والعقم‪ ،‬وفساد الهواء‪ ،‬والوبئة‪ ،‬وهى تحوم وتنتقل متخفية فى‬
‫السحاب‪ ،‬خاصة فى الطبقات السفلى من الجو‪ ،‬وتنجذب نحو الدماء والبخور التى‬
‫يقدمها لهم الوثنيون الذين يعتبرون العفاريت آلهة"‪ .‬ويكتب أوجستين (‪،)Augustine‬‬
‫‪ 24‬بروكوبيوس الغزاوى (من غزة) (‪ )528-465‬يعتبر من رواد الصوفية فى المسيحية‪ ،‬ومن اهم المعبرين عن‬
‫فكر المنطقة فى حينه‪.‬‬

‫(المترجم)‬

‫‪43‬‬

‫باعتباره أقوى سلطة فى الكنيسة المبكرة ‪ " :‬تتسبب تلك الرواح الشريرة (العفاريت)‬
‫فى جميع أمراض المسيحيين‪ ،‬خاصة من كان منهم من حديثي التعميد‪ ،‬نعم‪ ،‬وحتى‬
‫الطفال البرياء"‪ .‬ثم‪ ،‬بأمر من البابا بيوس الخامس (‪ ،)Pius V‬اصبح لزاما على‬
‫جميع الطباء الستعانة بما اسماه "طبيب الروح"‪ ،‬على اساس ان العتلل البدنى‪ ،‬ينشا‬
‫على الرجح كنتيجة لرتكاب المعاصى‪ .‬وباستقرار المر‪ ،‬على ان الشياطين‬
‫والرواح الشريرة‪ ،‬هى مصدر المراض‪ ،‬اصبح من الطبيعى ان يكون العلج عن‬
‫طريق طردها باستخدام وسائل التراث المقدس‪ ،‬تبعا لذلك‪ ،‬انهالت التبرعات على‬
‫الكنائس والديرة‪ ،‬خاصة ما اشتهر منها بامتلكه لسباب الشفاء‪ .‬وفى الواقع‪ ،‬اصبحت‬
‫الكنيسة‪ ،‬راعية ليس فقط لرواح المسيحيين‪ ،‬بل ايضا لصحة ابدانهم‪.‬‬
‫• أقرت الكنيسة بأن الوبئة مثل الجدرى والكوليرا‪ ،‬إنما هى عقاب من السماء‪ ،‬وبالتالى‬
‫أصبح التدخل البشرى للوقاية منها بالتطعيم عمل مرفوضا بشدة‪ ،‬وكانت وجهة نظر‬
‫الكنيسة أن الجدرى "عقاب إلهى على خطايا البشر‪ ،‬وأن أيه محاولة للتدخل لمنعه‪ ،‬لن‬
‫تتسبب إل فى زيادة نقمة ال "‪ .‬وعلى ذلك القيت قنبلة مشتعلة داخل منزل أحد‬
‫المواطنين‪ ،‬بسبب إيوائه للدكتور‪ /‬بويلستون (‪Zabdiel 1679 - 1766‬‬
‫‪ )Boylston‬أحد رواد التطعيم ضد الجدرى‪ .‬هذا بالضافة إلى إنطلق سيل من‬
‫الخطب المنبرية‪ ،‬الشاجبة لنصار التطعيم‪ .‬لكن الحق كان واضحا وقويا‪ ،‬فبالتطعيم‬
‫عاش الناس‪ ،‬وبدونه زادت الوفيات‪ ،‬وانتهى المر اخيرا‪ ،‬بقبول الكنيسة على مضض‬
‫بالتطعيم وإن كانت معارضتها لم تختف تماما‪.‬‬
‫• كانت معارضة الكنيسة للتشريح‪ ،‬من العقبات الكبرى فى سبيل التطور العلمى للطب‪،‬‬
‫وقد شجب القديس أوجستين هذه الممارسات‪ ،‬ووصف الذين يمارسون التشريح‬
‫بالجزارين‪ .‬وكانت هناك فكرة مرعبة سائدة مفادها‪ ،‬ان العبث بأجساد الموتى‪ ،‬قد‬
‫يجازى عليه بأهوال فوق حد التصور يوم البعث‪ .‬وأضافت الكنيسة بقولها " إن الكنيسة‬
‫تمقت إسالة الدماء " وهى مقولة جميلة حقا فى حد ذاتها‪ ،‬ولكنها تبدو فى مفارقة‬
‫صارخة عند مقارنتها بالسعادة البالغة للكنيسة التى قتلت وأحرقت اللف ممن إتهمتهم‬
‫بالسحر والزندقة‪ ،‬مما يوضح أنها فى الحقيقة لم يكن لديها مانع من إسالة الدماء‪ ،‬طالما‬
‫كان ذلك فى سبيل مصلحتها المقدسة‪.‬‬
‫•فى حوالى عام ‪ ،1770‬حدثت ظاهرة غاية فى الغرابة فى أجزاء كثيرة من أوربا‪،‬‬
‫حيث إصطبغت المياه بلون الدم الحمر‪ ،‬وأرسلت تقارير عديدة إلى الكاديمية الملكية‬

‫‪44‬‬

‫للعلوم‪ ،‬تفيد أن المياه تحولت إلى دماء‪ .‬وعلى الفور رأى رجال الكنيسة أن ذلك يشير‬
‫إلى غضب ال الشديد‪ .‬وعندما إمتدت الظاهرة إلى السويد‪ ،‬قام أحد علماء الطبيعة‬
‫البارزين وهو ليناوس ( ‪ Linnaeus(25‬بفحص الظاهرة‪ ،‬حيث تبين له أن تحول لون‬
‫المياه‪ ،‬كان بسبب وجود كميات غزيرة من حشرة دقيقة حمراء اللون‪ .‬وفور وصول‬
‫تلك المعلومة إلى السقف‪ ،‬رفضها بشدة وإعتبرها من الفكار الشيطانية‪ ،‬وأعلن أن‬
‫إحمرار المياه ليمكن أن يكون لسباب لها أية علقة بالطبيعة‪ .‬ولم يكن ليناوس من‬
‫الغفلة لينسى ما حدث لجاليليو من قبله‪ ،‬فتراجع عن رأية العلمي فى النهاية معلنا أن‬
‫حقيقة المر‪ ،‬أبعد من قدرته على الفهم‪.‬‬
‫• روج رجال اللهوت وكنيسة العصور الوسطى‪ ،‬لفكرة ان الجرام السماوية المذيلة‪،‬‬
‫والمعروفة بإسم المذنبات‪ ،‬ما هى ال كرات من اللهب يقذف بها ال معبٍرا عن غضبه‬
‫على العالم الشرير‪ .‬وقد عبر رجال الكنيسة عن المغزى الخلقي لذلك‪ ،‬بتصويرهم‬
‫لحد تلك الجرام مرسل من عند الله‪ ،‬الى قاض يجلس فى قاعة المحكمة‪ ،‬واضعا‬
‫سيف القصاص على منضدة تفصل بينه وبين المتهمين‪ .‬كما أعلن آخرون‪ ،‬عن نبذ‬
‫الكنيسة لكل من تُسول له نفسه النظر الى تلك الجرام ‪-‬التى تتضمن اشارات الهية‪-‬‬
‫وشبهوهم ببهائم تقف مشدوهه على ابواب الحظائر‪ .‬وحتى قرب نهاية القرن السابع‬
‫عشر‪ ،‬كان على أساتذة الفلك أن يقسموا قسما‪ ،‬يمنعهم من تدريس تلك الجرام‪،‬‬
‫باعتبارها أجسام سماوية تخضع لقوانين الطبيعة‪ .‬على أية حال‪ ،‬فى النهاية ل يمكن‬
‫كبح جماح العلم الى البد‪ ،‬فقد قام العالم "هاللى"‪ ،)Halley( 26‬مستعمل نظريات نيوتن‬
‫وكبلر‪ ،‬برصد مسار مذنب "خطير" وتنبأ بأنه سيعود للظهور بعد ‪ 76‬عاما‪ .‬كما حدد‬
‫بدقة متناهية موعد عودته مرة أخرى الى الرض‪ ،‬وأفضل الماكن لمشاهدته فى‬
‫السماء‪ .‬وكانت تنبؤاته مذهلة‪ ،‬وتكاد تكون خرافية فى ذلك الوقت‪ ،‬إل أنه بعد مرور‬
‫‪ 76‬عاما وبعد وفاة كل من هاللى ونيوتن بوقت طويل‪ ،‬عاد مذنب هاللى للظهور‪ ،‬كما‬
‫توقع تماما‪.‬‬
‫‪ 25‬ليناوس ( (‪ Linnaeus Carolus 1707-1778‬سويدى‪ ،‬من اشهر علماء النبات فى العالم‪ ،‬وواضع اسس‬
‫التسميات الثنائية العلمية‪ ،‬ووضع السس لتصنيف النباتات والحيوانات وهو النظام المستعمل حتى اليوم‬

‫والمعروف باسمه ( ‪.(Linnaean taxonomy‬‬

‫(المترجم)‬

‫‪ 26‬هاللى (‪ : Edmond Halley ) 1656- 1742‬فلكى وعالم فيزياء ورياضيات إنجليزى‪ .‬قابل إسحق نيوتن‬
‫بمدينة كيمبريدج وأقنعه بضرورة نشر بعض نتائجه حيث قام هاللى بتحمل تكاليف النشر‪ .‬صمم ناقوس كبير‬

‫للغوص فى البحر‪ .‬نشر بحوثه المتعلقة برؤية المذنب المشهور فى عام ‪ ،1705‬وتوقع موعد عودته‪.‬‬

‫‪45‬‬

‫(المترجم)‬

‫•كذلك نظرت الصولية المسيحية الى علم الجيولوجيا‪ ،‬واعتبرته احد أدوات الشيطان‪،‬‬
‫ووسائله المدمرة‪ .‬فعلوة على ما أظهرته الجيولوجيا من خطأ تأكيد القس أوشر بشأن‬
‫حساباته المتعلقة بعمر الرض‪ ،‬فانها ايضا‪ ،‬أثبتت استحالة خلق الكون كله فى ستة‬
‫أيام‪ .‬وقد نبذت الصولية‪ ،‬علم الجيولوجيا واعتبرته فسوقا‪ ،‬ووصفته بالـ " فن‬
‫السود"‪ ،‬كما أسمته بالـ "مدفعية الشيطانية"‪ ،‬كما أعلنت‪ ،‬أن الجيولوجيين خونة‪،‬‬
‫ومكذبين للسجل المقدس‪ .‬وتمشيا مع هذه الفكار قام البابا بيوس التاسع ( ‪،)Pius IX‬‬
‫بمنع اقامة مؤتمر ايطاليا العلمي‪ ،‬الذى كان من المزمع عقده فى بولونيا فى عام‬
‫‪.1850‬‬
‫• فى العصور الوسطى ساد العتقاد بأن العواصف من عمل الشيطان‪ ،‬وحظيت تلك‬
‫الفكار بدعم من السلطات الكنسية العليا‪ ،‬مثل القديس أوجستين‪ .‬وفى مواجهة تلك‬
‫القوى غير العادية للرياح‪ ،‬أقيمت الطقوس والشعائر لطرد الرواح الشريرة‪ ،‬ولعل من‬
‫أكثر تلك الطقوس انتشارا كانت الممارسات السابقة للبابا جريجورى الثالث عشر‪.‬‬
‫حيث تمثلت اساليب طرد الرواح فى اطلق الناشيد ودق أجراس الكنائس أثناء‬
‫العواصف‪ ،‬لكن فى القرن الخامس عشر‪ ،‬نشأ مفهوم مأساوي‪ ،‬ذلك بأن لبعض النساء‬
‫قدرة على تسخير القوى الشيطانية‪ ،‬وتوجيهها لستحداث الزوابع الدوامية‪ ،‬والثلوج‪،‬‬
‫والجليد‪ ،‬والفيضانات‪ ،‬وغير ذلك‪ .‬وفى السابع من ديسمبر‪ ،‬عام ‪ 1484‬أصدر البابا‬
‫إنوسنت الثامن (‪ )Innocent VIII‬مرسوما باباويا مستلهما من النص المقدس‪":‬ل‬
‫تدع ساحرة تعيش"‪ ،) Thou shalt not suffer a witch to live( 27‬حث فيه‬
‫قساوسة ألمانيا‪ ،‬للتعرف على المشعوذات‪ ،‬والساحرات‪ ،‬ممن يتسببون فى احداث‬
‫الزوابع الشريرة‪ ،‬التى تدمر الحدائق والحقول والمزارع‪ .‬كانت النتيجة أن آلف‬
‫السيدات وجدن أنفسهم مقيدات الى آلت التعذيب‪ ،‬يصاحبهن فى رعب‪ ،‬اقرب الناس‬
‫اليهن‪ ،‬ول يتمنين شيئا غير الموت لنقاذهن من المعاناة واللم‪.‬‬
‫•نادى الخطاب الديني الكنسي‪ ،‬بأن الصواعق تحدث كنتيجة لخمسة خطايا‪ :‬عدم‬
‫التوبة‪ ،‬والشك‪ ،‬واهمال اصلح الكنائس‪ ،‬والتزوير فى دفع العشور (مستحقات‬
‫الكنيسة من دخل الفرد)‪ ،‬واضطهاد المرؤسين والخدم‪ .‬وجاء البابا بعد البابا‪،‬‬
‫ليشرح ويستفيض فى الدفاع عن هذا الرأى‪ ،‬وعن هذ السلوب من أساليب‬
‫‪ 27‬التوراة‪ ،‬سفر الخروج‪ ، 22:18 ،‬وهناك بعض الخلف حول معناها‪ ،‬وتعنى فى بعض التفاسير انه ل يجوز‬
‫المحافظة على ارواح السحرة (الناث فى المقام الول)‪.‬‬

‫(المترجم)‬

‫‪46‬‬

‫الجزاء الربانى‪ ،‬مطلقين على الصواعق اسم "إصبع ال"‪ .‬وفى عام ‪،1752‬‬
‫أطلق بنيامين فرانكلين طائرته الورقية المشهورة‪ ،‬أثناء احدى العواصف‬
‫المصحوبة بالبرق‪ ،‬ليكتشف الطبيعة الكهربائية للصواعق‪ .‬وتبع ذلك مباشرة‬
‫استخدام القضبان المعروفة بموانع الصواعق‪ ،‬والقادرة على الحماية المؤكدة‬
‫من أى عاصفة برقية‪ .‬فى البداية‪ ،‬رفضت الكنيسة التسليم بوجودها‪ ،‬ولكن مع‬
‫ازدياد استعمالها‪ ،‬والتأكد من جدواها ( موانع الصواعق) لجأت الكنيسة الى‬
‫استخدام أسلوب مغاير فى المناورة‪ ،‬فعندما وقع زلزال كبير فى ولية‬
‫ماساشوستس بأمريكا عام ‪ ،1755‬زعموا أنه حدث بسبب انتشار استعمال‬
‫موانع الصواعق فى مدينة بوسطن‪ ،‬واشتعلت خطب الوعاظ ضد هؤلء الذين‬
‫يحاولون التدخل فى المشيئة اللهية والحد من المدفعية اللهية (الصواعق)‪.‬‬
‫وقد كان من الممكن ان يستمر الجدل والصراع لمدد طويلة حول هذا‬
‫الموضوع‪ ،‬لول أن الكنائس التى لم تستعمل مانعات الصواعق‪ ،‬كثيرا ما‬
‫تأثرت‪ ،‬أو دُمرت بفعل الصواعق‪ .‬ففى ألمانيا على سبيل المثال‪ ،‬تم تدمير‬
‫حوالى ‪ 400‬برج كنيسة‪ ،‬وتوفى ‪ 120‬من قارعى الجراس بفعل الصواعق‬
‫فى الفترة من ‪ 1750‬الى ‪ .1783‬فى المقابل صمد بيت للدعارة ‪-‬بما تم‬
‫تركيبه فيه من مانع للصواعق‪ -‬ضد أسوا العواصف والزوابع‪ ،‬كما لم تصب‬
‫بسوء‪ ،‬اى من الكنائس القليلة التى كانت قد قامت بتركيب الموانع بها‬
‫وبأبراجها‪ .‬بناء على هذا‪ ،‬وافقت السلطات المقدسة‪ ،‬بكل أسى ومرارة‪ ،‬على‬
‫استعمال موانع الصواعق‪ ،‬ولم تأت نهاية القرن‪ ،‬ال وكانت معظم الكنائس قد‬
‫استعملتها‪.‬‬
‫•عندما تقدم ايمانويل كانت‬

‫‪28‬‬

‫(‪ ،)Immanuel Kant‬بنظرية وجود سديمات‬

‫‪29‬‬

‫بالفضاء‪ ،‬بالضافة الى النجوم‪ ،‬تعالت الصوات فى العالم العقائدى‪ ،‬اعتراضا‬
‫‪ 28‬إيمانويل كانت (‪ )1804-1724‬فيلسوف ألمانى من بروسيا‪ .‬يعتبر من أكثر المفكرين الوروبيين تأثيرا وآخر‬

‫فلسفة التنوير‪ .‬كانت أعماله المنطلق الساسى لهيجل من بعده‪ ،‬كما كان أول من اقترح نظرية السديمات فى عام‬

‫‪ 1755‬ووضع اسس النظرية التى عُرفت بعد ذلك بإسم كانت‪-‬لبلس ( ‪.) Kant-Laplace Theory‬‬
‫(المترجم)‬

‫‪ 29‬السديم عبارة عن تجمع ضخم لبعض الغازات والتربة ويشبه النجوم من بعيد ولكنه يختلف عنها لعدم وجود‬
‫كتلة صلبة‪،‬متماسكة به‪.‬‬

‫(المترجم)‬

‫‪47‬‬

‫على ما اعتبروه زندقة وكفرا‪ .‬فقد ارتأت الصولية المسيحية أن عدم وجود‬
‫نص صريح‪ ،‬فى الكتب المقدسة عن السديمات ينفى احتمال وجودها‪ .‬ولقد‬
‫غمرت السعادة النسبية بال هؤلء‪ ،‬عندما أظهرت التليسكوبات المحسنة فى‬
‫ذلك الوقت‪ ،‬ان بعض المناطق فى تلك السديمات‪ ،‬يمكن ايعازه الى وجود‬
‫نجوم‪ ،‬لكن مع التطور العلمي وابتكار الجهزة الحدث‪ ،‬مثل أجهزة التحليل‬
‫الطيفي‪ ،‬اتضح بما ل يدع مجال للشك‪ ،‬أن الضوء القادم من السديمات‪،‬‬
‫مصدره الغازات فقط‪ ،‬وعلى ذلك اضطرت الصولية الى التراجع‪.‬‬
‫ان قائمة الممارسات التى اتبعتها مسيحية القرون الوسطى‪ ،‬لمتهان الروح النسانية وتعذيبها‪،‬‬
‫ولقمع وتحطيم التساؤلت العلمية‪ ،‬لهى أطول بكثير من الأمثلة القليلة المذكورة أعله‪ .‬ولقد أعفيت‬
‫نفسي عناء الدخول فى مناقشة المعركة الكبيرة‪ ،‬التى دارت بين الأصولية المسيحية والعلم‪ ،‬والتى‬
‫أعقبت نشر كتاب داروين (‪ )Charles Darwin‬عن "نشأة النواع" فى عام ‪ ،1859‬وهى‬
‫المعركة التى فاقت كل ما سبقها من معارك‪ ،‬بما فى ذلك معركة جاليليو‪ .‬فلقد كان أصعب كثيرا‬
‫على النسان‪ ،‬أن يكون علميا تجاه المور المتعلقة بالحياة نفسها‪ ،‬من اقراره بالعلم المتعلق‬
‫بالصخور المتساقطة او الجسام السماوية‪ .‬جدير بالذكر‪ ،‬ان قدرة الجسام الحية على الحركة‬
‫التلقائية‪ ،‬والنمو‪ ،‬مازالت محل كثير من الخرافات المستفحلة‪.‬‬
‫يلحظ أن الجدل بين العلم والصولية المسيحية‪ ،‬مازال محتدما حتى اليوم‪ ،‬ولعل ذلك يتمثل‬
‫بوضوح فى ذلك التيار المعروف بإسم "مجموعة الخلق"‪ ،‬أو "حركة الخلق" (‪Creationist‬‬
‫‪ .)movement‬وُلد التيار فى الثمانينيات‪ ،‬أثناء فترة رئاسة رونالد ريجان‪ ،‬ومازال‪ -‬فى كثير من‬
‫الوليات المريكية‪ -‬يمثل قوة مؤثرة فى المجتمع حتى اليوم‪ .‬وانصار هذا التيار‪ ،‬يؤمنون بأن كل‬
‫الحياة فى الكون‪ ،‬بدأت من العدم‪ ،‬منذ ستة آلف سنة فقط‪ ،‬وفى سبعة أيام بالتحديد‪ ،‬وذلك تمشيا مع‬
‫حرفية النص كما جاء فى الفصول الولى من سفر التكوين‪ .‬وهم ينظرون على سبيل المثال‪ ،‬الى‬
‫الطوفان العظيم‪ ،‬على أنه حقيقة تاريخية‪ ،‬وليس كقصة رمزية‪ ،‬وهم يهاجمون كل ركن فى علم‬
‫الفلك او الجيولوجيا‪ ،‬يشير بما يتعارض مع وضع حد لعمر الرض يزيد عن ‪ 000,10‬سنة‪ ،‬كما‬
‫يرفضون اى تقدير للعمار مبنى على استخدام الكربون المشع‪ .‬وعلى أية حال فإن نظرية داروين‬
‫للنشوء والرتقاء تحظى لديهم بأكبر قدر من الذم والهجاء‪ .‬ومما يذكر ان القاضى براسويل دين (‬
‫‪ )Braswell Deen‬قاضى محكمة ولية جورجيا للستئناف‪ ،‬كتب مؤخرا‪ ،‬ان "خرافة قرد‬
‫داروين" تسبب الباحية‪ ،‬والختلط الجنسى بل تمييز‪ ،‬والقراص (بمعنى انتشار المخدرات)‪،‬‬

‫‪48‬‬

‫وانتشار استعمال اساليب الوقاية (المتعلقة بالجنس)‪ ،‬والنحرافات الجنسية‪ ،‬والحمل‪ ،‬والجهاض‪،‬‬
‫والعلج بالجنس‪ ،‬والتلوث‪ ،‬والتسمم‪ ،‬وانتشار الجرائم‪.‬‬
‫ورغم عودة ظهور اللعقلنية الدينية فى دول الغرب‪ ،‬ال ان المعركة من اجل التعقل لم تُخسر‬
‫بعد‪ .‬ومن المؤلم رؤية العديد من التراجعات والرتدادات التى يعانى منها المسيحيين الصوليين‪،‬‬
‫خاصة عدم قدرتهم على غزو المؤسسة العلمية فى الغرب بأى حجم يذكر‪ .‬فلم يفلحوا فى جهودهم‬
‫لجبار المدارس على تخصيص وقت متماثل لتدريس كل من وجهتى النظر‪ ،‬العلمية والعقائدية‪،‬‬
‫فيما يتعلق بالخلق‪ .‬ومما ل شك فيه‪ ،‬فقد عانت "حركة الخلق" خسائر فادحة منذ انتهاء فترة رئاسة‬
‫ريجان‪.‬‬
‫علوة على ما سبق‪ ،‬فان العلم الحديث‪ ،‬لم يسمح للكنيسة الكاثوليكية الرومانية‪ ،‬بنسيان فظائعها‬
‫الماضية‪ ،‬ولعل اكثرها تعبيرا هى محاكمة جاليليو وادانته‪ ،‬واجباره على التنازل عن ارائه العلمية‪.‬‬
‫ولقد كان حقا حدثا مشهودا‪ ،‬ذلك الذى وقع فى التاسع من مايو ‪ ،1983‬ففى احتفال خاص‬
‫بالفاتيكان‪ ،‬اصدر البابا يوحنا الثانى‪ ،‬ما يفيد بالتاكيد‪ ،‬بانه اول اعتذار رسمى‪:‬‬
‫" ان تجربة الكنيسة‪ ،‬فى اثناء‪ ،‬وبعد مسألة جاليليو‪ ،‬قد ادت الى موقف اكثر رشدا‪....‬فقط من خلل‬
‫الدراسة الدؤوبة‪ ،‬المتواضعة‪ ،‬يتسنى لها (الكنيسة) ان تتعلم كيف تفصل ما بين لزوميات اليمان‪،‬‬
‫ومعطيات النظمة العلمية فى وقت ما"‪.‬‬
‫جاء العتذار متاخرا ‪ 350‬عاما‪ ،‬كما أنه يغفل اكثر مما يبدى ويقر‪ .‬وعلى اية حال‪ ،‬فمن اجل‬
‫اعلن نوايا قداسة البابا الطاهر‪ ،‬يمكننا جميعا ان نقول باخلص عميق‪ :‬آميــن‪.‬‬
‫______________‬

‫المراجع‬
‫‪1- The Complete Prefaces of Bernard Shaw, (London, Paul Hamlyn, 1965), p.‬‬
‫‪369.‬‬

‫‪49‬‬

‫‪2- Andrew Dickson White, A History of the Warfare of Science with‬‬
‫‪Theology, 1896. (Reprinted by Peter Smith, Gloucester, Mass., 1978).‬‬
‫‪3- Creationism, Science, and the Law- The Arkansas Case, edited by M. C.‬‬
‫‪La Follette, (Cambridge, Mass., MIT Press, 1983).‬‬

‫الفصل الرابع‬
‫حال العلم اليوم فى البلد السلمية‬
‫"ل شك أن العلم أضعف ما يكون اليوم فى المناطق السلمية‪ ،‬وذلك مقارنة بمختلف‬
‫الحضارات المعاصرة‪ .‬لم يعد مقبول اغفال ذلك أو الستهانة به‪ ،‬حيث أصبحت الحياة‬
‫الكريمة للمجتمعات المعاصرة‪ ،‬مرتبطة ارتباطا مباشرا بمدى قوتها العلمية‬
‫والتكنولوجية "‪.‬‬
‫الستاذ عبد السلم‬

‫‪30‬‬

‫لعل منظر المدن من كراتشى إلى طهران‪ ،‬أو من دبى إلى الرياض‪ ،‬ليختلف كثيرا بالنسبة‬
‫للمسافر بالطائرة‪ .‬ليأتى هذا التشابه بسبب العقيدة المشتركة للمواطنين‪ ،‬ولكن من إستعمالهم جميعا‬
‫لنفس التكنولوجيا الغربية‪ ،‬يتمثل ذلك فى ناطحات السحاب المنشأة من القضبان الفولذية والزجاج‪،‬‬
‫وكذا فى المطارات الحديثة‪ ،‬بما فيها من طائرات براقة‪ ،‬رابضة فوق الرمال والحصى‪ ،‬وفى‬
‫الطرق السريعة المزدحمة بالسيارات‪ ،‬وهوائيات التليفزيون المنبثقة من كل بناية‪ .‬فمن الخارج تأتى‬
‫التكنولوجيات التى تستمد منها كل تلك المجتمعات أقواتهم الساسية‪ .‬من المثلة الهامة فى هذا‬
‫الشأن‪ ،‬نجد البحث عن البترول‪ ،‬وأعمال الحفر‪ ،‬والتنقية‪ ،‬والتكرير‪ ،‬والنقل‪ ،‬فهم يسمحون لدول‬
‫مثل السعودية وإيران‪ ،‬بمبادلة ثرواتهم الطبيعية مقابل بضائع مصنعة‪ ،‬تتراوح ما بين طائرات‬
‫الواكس للنذار المبكر ((‪ AWACS‬إلى رصاص البنادق‪ ،‬وما بين محطات تكرير البترول إلى‬
‫فتاحات العلب‪ .‬من المتوقع أن يستمر المخزون البترولى فى إمداد تلك البلد بأقواتها وتكاليف‬
‫حروبها لفترة من الزمن‪ ،‬كما قد يسمح بالخوض فى بعض التجارب لنظمة إجتماعية جديدة‪ ،‬كما‬
‫‪30‬‬

‫الستاذ محمد عبد السلم‪ ،‬صاحب التصدير فى بداية هذا الكتاب‪.‬‬

‫‪50‬‬

‫(المترجم)‬

‫انه يضمن الستثناء المؤقت ‪ -‬والمؤقت فقط‪ -‬من قانون التاريخ الذى ليعرف الرحمة‪ ،‬حيث تُنفى‬
‫المجتمعات غير المنتجة‪ ،‬وتُدفع إلى الدمار أو الى التهميش‪ .‬لقد أصبح من الشائع الن أن يكثر‬
‫العويل على هذا العتماد الحرج على البترول وعلى تكنولوجيا الغرب‪ ،‬كما أصبحت عادة المطالبة‬
‫بنقل التكنولوجيا من الدول المتقدمة إلى الدول النامية وكأنها من الطقوس‪ ،‬كذلك أصبح من المعتاد‬
‫طرح نظريات شيطانية عن مؤامرات دولية‪ -‬بدرجات متفاوتة من المصداقية ‪ -‬لتبرير التخلف‬
‫العلمى السلمى‪ ،‬فى الواقع لم تعد هذه الساليب والتبريرات مقبولة على الطلق‪ ،‬وفى الحقيقة‪،‬‬
‫فإن مسألة الضرر الواقع على العتداد بالنفس الجماعى‪ ،‬ليمكن حلها بهذه الساليب‪ ،‬وعلى‬
‫المفكرين السلميين‪ ،‬البحث عن أسباب أكثر منطقية‪.‬‬
‫فى سبيل البحث عن تبرير للتخلف العلمى‪ ،‬فل بد فى البداية‪ ،‬من القرار بأن المناخ العلمى‬
‫المعاصر فى الدول السلمية‪ ،‬مليئ بالمتناقضات‪ .‬فمن ناحية‪ ،‬نجد كل هذه الدول واقعة تماما فى‬
‫قبضة تكنولوجيا الغرب‪ ،‬وآليات السوق الستهلكية‪ ،‬وكلهما من نواتج الثورة العلمية‪ ،‬التى‬
‫أعطت الشرعية ليصبح العلم معرفة اساسية‪ ،‬ولتكون السيطرة عليه ضرورية للنمو القتصادى‬
‫وللقوة القومية‪ ،‬على ذلك لم يعد ممكنا لى جماعة تسعى لكتساب دعم الجماهير‪ ،‬أن تنبذ العلم‬
‫تماما‪ ،‬من ناحية أخرى‪ ،‬فإن مطحنة التكنولوجيا وطبيعة السوق‪ ،‬أصبحا مهددين للهويات القديمة‪.‬‬
‫ولعل السلوب الذى يملية العلم‪ ،‬وهو موقف النقد الدائم وفحص الراء‪ ،‬يشكل تهديدا كبيرا للنماط‬
‫والفكار التقليدية السائدة‪ .‬دأب أنصار تحديث السلم وأصحاب المنهج العلمى‪ ،‬على البحث عن‬
‫وسيلة لدمج الجديد مع القديم‪ ،‬لكن موقفهم تجاه العلم إتسم‪ -‬فى أكثر الحيان‪ -‬بالنفصام وعدم‬
‫الترابط‪ ،‬خاصة فى تلك البلدان السلمية التى تسيطر فيها الصولية على سلطة الدولة‪.‬‬
‫وتتضح هذه النقطة‪ ،‬من خلل الراء التى طرحها مندوبوالسعودية فى مؤتمر رفيع المستوى‪ ،‬عقد‬
‫فى الكويت فى عام ‪ 1983‬وحضره رؤساء ‪ 17‬جامعة عربية‪ .‬كان الهدف المزعوم للمؤتمر‪،‬‬
‫تحديد وازالة المعوقات التى تواجه تطوير العلم والتكنولوجيا فى العالم العربى‪ .‬لكن نقطة واحدة‬
‫هيمنت على اعمال المؤتمر‪ ،‬وهى ‪ :‬هل العلم إسلمى؟‪ .‬كانت وجهة نظر السعوديون ان العلم‬
‫يتعارض مع المعتقد السلمى‪ ،‬حيث أن العلم يميل الى افراز نزعات مثل المعتزلة‪ ،‬كما انه‬
‫مخرب للعقيدة‪ ،‬وهو دنس لنه مدنى (علمانى‪ ! Secular( ،‬وبهذا فى رأيهم‪ ،‬فانه يتعارض مع‬

‫‪51‬‬

‫المعتقدات السلمية‪ .31‬وعلى ذلك اوصى السعوديون بأنه‪ ،‬بالرغم من اهمية تنمية التكنولوجيا‪،‬‬
‫لمنافعها الواضحة‪ ،‬ال ان العلم الخالص‪ ،‬فيجب عدم اللتفات اليه‪.‬‬
‫اذا عدنا الى موضوع موقف البلد السلمية اليوم من خريطة العلم والتكنولوجيا‪ ،‬فلبد اول من‬
‫التساؤل عن ماهية المعايير التى يجب استعمالها فى هذا القياس‪ .‬يستلزم المر اول تحديد اطار‬
‫نظرى‪ ،‬على ان يكون من التساع والدقة بحيث ييسر التقييم السليم‪.‬‬
‫قياس العلم‬
‫من البديهى ان اسلوب قياس العلم‪ ،‬او تقدم العلم يعتمد على مفهومنا للعلم ( مرجع ‪ .)1‬وعلى‬
‫عكس المتوقع‪ ،‬فهذه ليست بالمهمة السهلة‪ ،‬فقد تغلغل العلم فى حياتنا بشتى الطرق والوسائل‪ ،‬كما‬
‫تغيرت صورته بشكل كبير على مدار التاريخ‪ .‬ال انه من المفيد‪ ،‬تحديد اربعة اوجه رئيسية‪،‬‬
‫يظهر فيها العلم نفسه فى الحياة المعاصرة‪:‬‬
‫‪ - 1‬كعامل اكبر فى البقاء على‪ ،‬ولتطوير العملية النتاجية اللزمة لدعم المجتمع؛‬
‫‪ – 2‬كتشكيل جماعى منظم لمجموعة من العلماء المشغولين مهنيا بملحقته الدائمة؛‬
‫‪ -3‬كعنصر اكبر فى النظام التعليمى داخل المجتمع؛‬
‫‪ - 4‬كواحد من اكبر المؤثرات على عملية تشكيل معتقدات الناس‪ ،‬وتحديد مواقفهم وميولهم تجاه‬
‫الكون بالنظرة العلمية العالمية‪ ،‬تلك التى تستخدم الجراءات المنهجية‪ ،‬والتى تُستعمل فيها‬
‫المشاهدة‪ ،‬والتجربة‪ ،‬والتصنيف‪ ،‬والقياسات‪ ،‬واستخلص المعرفة المتعلقة بالعالم المادى‪.‬‬
‫وبافتراض وجود معايير اخرى بديلة قابلة للستعمال ال انى اعتبر ان هذا التوصيف للعلم‬
‫بالرحابة الكافية لدراسة موقف العلم فى البلد السلمية‪.‬‬

‫انتاج العلم‬

‫تشير إحدى وجهات النظر الى أن العلم يتواجد فى عالمنا المعاصر‪ ،‬بسبب وجود احتياج اقتصادى‬
‫اليه‪ .‬يؤكد الماركسيون‪ ،‬على ان التطور العلمى قد حدث كإستجابة للقوى القتصادية‪ ،‬وليس بسبب‬
‫قوى قاهرة داخل النسان‪ ،‬تحثه على بحث واستكشاف بيئته‪ .‬ويؤكد فريدرش إنجلز‪Friedrich( 32‬‬
‫‪31‬‬

‫يلحظ ان مجرد ذكر لفظ "مدنى" او "علمانى"‪ ،‬يثير كثير من الحساسية فى تلك المجتمعات‪ .‬وتختلط المفاهيم‬

‫لدى البعض فيخلطون بين معناها ومعنى عدم اليمان‪.‬‬
‫‪32‬‬

‫(المترجم)‬

‫فريدريش إنجلز (‪ )1895-1820‬ألمانى الصل‪ ،‬فيلسوف سياسى إشتراكى‪ ،‬كرس حياته لتأسيس النظرية‬

‫الشيوعية والدفاع عنها مع شريك كفاحه كارل ماركس‪( .‬المترجم)‬

‫‪52‬‬

‫‪ )Engels‬هذا المفهوم بقوة فى خطاب كتبه الى ستاركنبورج ((‪ Starkenburg‬بالمانيا فى عام‬
‫‪ ،1894‬يقول فيه‪ " :‬من شأن الحتياج التكنولوجى للمجتمع أن يساعد على تقدم العلم اكثر مما‬
‫تفعله عشرة جامعات‪ .‬ففى القرنين السادس عشر والسابع عشر‪ ،‬تم استدعاء كل خبراء الطاقة‬
‫المائية (توريتشيللى ‪Toricelli‬‬

‫‪33‬‬

‫وآخرين)‪ ،‬للتحكم فى مياه الجداول بالجبال فى ايطاليا‪ ....‬لكن‬

‫للسف‪ ،‬فقد اصبحت العادة فى المانيا‪ ،‬ان يكتب فيها تاريخ العلوم كما لو كانت قد هبطت من‬
‫السماء" ( مرجع ‪.)2‬‬
‫فى نفس السياق تأتى اطروحات كارل ماركس‪ ،‬بشأن اكتشاف اليونانيون لطاقة البخار‪ ،‬دون ان‬
‫يُنشئوا أية مركبات بخارية‪ ،‬حيث انها فى رأيه‪ ،‬لم تكن تمثل حاجة اقتصادية للمجتمع‪ ،‬الذى‬
‫استعاض عن المركبات بوفرة العبيد‪ .‬هناك مثل اخر فى قصة لوبلن ( (‪ Leblanc‬العالم‬
‫الفرنسى الذى عاش فى القرن السابع عشر‪ ،‬وابتكر طريقة لصناعة الصودا (كربونات الصوديوم)‬
‫مستعمل فى ذلك الملح العادى (ملح الطعام) وحمض الكبريتيك‪ ،‬والجير‪ ،‬والفحم‪ .‬والطريقة فى حد‬
‫ذاتها تعتبر علمة مميزة فى تاريخ التكنولوجيا الصناعية‪ ،‬لكن لوبلن قاسى المرين وعانى من‬
‫الفقر لعدة سنوات‪ ،‬وانتهت به خيبة المل والحباط الى النتحار باطلقه الرصاص على رأسه‪،‬‬
‫حيث لم تكن الصناعات الكيميائية قد تطورت بعد الى الحد الذى يسمح لها باستغلل هذا البتكار‪.‬‬
‫هناك أمثلة كثيرة ‪-‬إلى جانب المثلة المتفرقة السابقة‪ -‬للدللة على تقدم العلم بناءا على احتياجات‬
‫المجتمع القتصادية‪ ،‬ال انه ليس لزاما القرار بهذا الرأى على اطلقه‪ .‬فهذه النظرية لم تعط‬
‫تفسيرا مقبول لدوافع نيوتن لكتشاف قوانين الحركة‪ .‬او حالة اينشتاين ونظرية النسبية‪ .‬ثم ما هى‬
‫الحالة القتصادية التى ادت الى اكتشاف الرقام التخيلية‪ .Immaginary numbers(( 34‬إن‬
‫امكانية ان يكون هناك جذر تربيعى للرقام السالبة‪ ،‬مثل ناقص واحد‪ ،‬فهذا اخر ما كان يمكن ان‬
‫يخطر على بال إنسان‪ ،‬فيما قد يكون له علقة بالمجتمع‪ ،‬هذا بالرغم مما تطور اليه المر بعد‬
‫ذلك‪ ،‬واكتشاف اهميته البالغة‪ .‬فبدونه‪ ،‬ما كان تطور الراديو ممكنا (شرح )‪ .‬وعلى اية حال‪ ،‬فمن‬
‫الواضح ان العلم يمتلك ديناميكية داخلية ذاتية‪ ،‬تدفعه للتقدم من اكتشاف الى اخر‪ ،‬وبدون اى اسباب‬
‫‪33‬‬

‫توريتشيللى ( ‪Evangelista Toricelli ( 1647-1608‬عالم فيزياء ايطالى‪ ،‬بحث سبب فشل مضخات رفع‬

‫المياه الى الرتفاعات العالية بالجبال‪ ،‬فاكتشف تاثير الضغط الجوى وابتكر البارومتر (مقياس الضغط الجوى)‪.‬‬
‫(المترجم)‬
‫‪34‬‬

‫الرقام التخيلية هى الرقام التى ل وجود مادى لها فى الحياة وإنما تعبر عن مدلول رياضى تجريدى يحمل‬

‫معنى "التجاه" مثل الرقام السالبة (ناقص واحد مثل)‪.‬‬

‫(المترجم)‬

‫‪53‬‬

‫خارجية ظاهرة‪ .‬وبدون ذلك ل يمكن تفسير الدوافع التى قادت العباقرة لتحقيق تلك الكتشافات‬
‫الساسية‪ ،‬والتى بدت فى حينها فى منتهى السذاجة‪ ،‬وبل اية مردود على المجتمع النسانى‪.‬‬
‫من ثم‪ ،‬يبدو جليا ان هناك شقين للقوى الدافعة لتقدم العلم‪ ،‬احداهما قوى داخلية ذاتية‪ ،‬والخرى‬
‫خارجية‪ .‬وفى ايامنا المعاصرة‪ ،‬يرتبط نشاط النمو العلمى‪ ،‬بوجود احتياج ملموس للمجتمع لتطوير‬
‫قواه النتاجية‪ ،‬خاصة عندما يكون لذلك مردود اقتصادي واضح‪ .‬من المؤكد ان شركات كبرى‬
‫مثل شركة آى بى إم (‪ ،) IBM‬ومعامل "بِل" (‪ ،) Bell Labs‬ل تحتفظ بمعاملها الضخمة لمجرد‬
‫التسلية‪ .‬وعلى ذلك يبرز التساؤل‪ ،‬الى اى مدى يتواجد اليوم‪ ،‬احتياج تكنولوجى للعلم فى البلد‬
‫السلمية؟‪ .‬ويجب البحث عن الجابة فى ضوء الحقائق التالية‪:‬‬
‫•يعد حجم ما تمثله الصناعة والتصنيع‪ ،‬من اجمالى اقتصاد الدول‪ ،‬احد اهم المؤشرات‬
‫الدالة على تطور العلم والتكنولوجيا بها‪ ،‬يقاس هذا بدوره بالـ"قيمة المضافة" اثناء‬
‫عملية التصنيع‪ .‬على سبيل المثال‪ ،‬يمكن استيراد خامات الحديد وفحم الكوك وتحويلهما‬
‫محليا الى صلب ( فولذ) مما يؤدى للحصول على منتج يفوق فى قيمته‪ ،‬قيمة المواد‬
‫الولية المستعملة‪ .‬تشمل تكاليف التصنيع‪ ،‬من الناحية القتصادية‪ ،‬كل ما يستعمل من‬
‫انواع اللت المختلفة‪ ،‬ووسائل النقل‪ ،‬والكيماويات‪ ،‬والمنسوجات‪.‬الخ‪ .‬يعطى الجدول‬
‫التالي ‪-‬المستخلص من البيانات الصادرة من البنك الدولى (مرجع ‪ -) 3‬مؤشرا لدور‬
‫التصنيع فى اكبر البلد السلمية ( من ناحية تعداد السكان ) بالمقارنة بالدول‬
‫الصناعية الكبرى‬
‫جدول ‪1‬‬
‫القيمة المضافة فى التصنيع‪ ( 1986 ،‬دولرا للفرد )‬
‫الدولة‬

‫القيمة المضافة‬

‫بنجلديش‬

‫‪11‬‬

‫السودان‬

‫‪23‬‬

‫باكستان‬

‫‪49‬‬

‫اندونسيا‬

‫‪61‬‬

‫مصر‬

‫‪87‬‬

‫تركيا‬

‫‪253‬‬

‫الجزائر‬

‫‪320‬‬

‫‪54‬‬

‫الوليات المتحدة‬

‫‪3428‬‬

‫اليابان‬

‫‪4697‬‬

‫• يتمثل مؤشرا آخر من مؤشرات التصنيع‪ ،‬فى نوعية البضائع المصدرة‪ ،‬ويبين الجدول‬
‫التالى نسبة ما تمثله صادرات اللت وادوات النقل‪ ،‬من اجمالى الصادرات فى الدول‬
‫المختارة ( مرجع ‪) 3‬‬
‫الدولة‬

‫النسبة المئوية من اجمالى الصادرات‬

‫بنجلديش‬
‫السودان‬
‫باكستان‬

‫صفر ‪%‬‬
‫‪%3‬‬
‫‪%3‬‬

‫اندونسيا‬

‫‪%3‬‬

‫مصر‬

‫‪% 17‬‬

‫تركيا‬

‫‪%7‬‬

‫ماليزيا‬

‫‪% 27‬‬

‫الهند‬

‫‪% 32‬‬

‫الوليات المتحدة‬

‫‪% 47‬‬

‫اليابان‬

‫‪% 65‬‬

‫•من بين ‪ 46‬دولة اسلمية‪ ،‬تقوم ‪ 24‬منهم فقط بانتاج السمنت‪ ،‬و ‪ 11‬دولة فقط تنتج‬
‫السكر‪ ،‬وخمس دول تنتج صناعات هندسية ثقيلة‪ ،‬وست دول تنتج المنسوجات‪ ،‬وخمس‬
‫دول تنتج اسلحة خفيفة ( مرجع ‪.)4‬‬
‫•تقوم الدول السلمية بشكل عام‪ ،‬بانتاج المواد الخام ويمثل البترول اهم تلك المنتجات‪.‬‬
‫فهذه الدول تنتج ‪ %56‬من صادرات العالم من البترول‪ ،‬و ‪ % 37‬من الغاز الطبيعى‪،‬‬
‫و ‪ %80‬من القنب (الجوت)‪ ،‬و ‪ %70‬من المطاط‪ ،‬و ‪ %75‬من زيت النخيل‪ ،‬و ‪25‬‬
‫‪ %‬من الحبوب الغذائية‪ ،‬و ‪ %13‬من القطن‪ ،‬و ‪ %10‬من قصب السكر‪ ( .‬مرجع ‪) 4‬‬

‫‪55‬‬

‫•يصل حجم التجارة مع الدول غير السلمية‪ ،‬الى ‪ %94‬من اجمالى التجارة الخارجية؛‬
‫فى حين يصل حجم التجارة بين الدول السلمية وبعضها الى ‪.%6‬‬
‫•يبين الجدول التالى مقارنة بين نصيب الفرد من اجمالى النتاج القومى فى البلد‬
‫السلمية وباقى دول العالم الثالث‪ .‬حيث يتضح أن البلد السلمية تعد اغنى كثيرا‪،‬‬
‫وأن أغناها قاطبة‪ ،‬دول المارات (حيث يصل الى ‪ 15.830‬دولر) وهو ما يزيد عن‬
‫مثيلة حتى فى اليابان (‪ 15.760‬دولر)‪ .‬فى الجانب المقابل‪ ،‬تشير الرقام الى ان‬
‫المعدلت الولية للولدة فى عام ‪ 1986‬كانت معظمها فى المدن؛ وان التمدين بصفة‬
‫عامة‪ ،‬يتبعة انخفاض فى معدلت الولدة‪.‬‬
‫جدول ‪3‬‬
‫البلد السلمية والعالم الثالث‪ :‬مؤشرات مختارة‬
‫المؤشر‬

‫العالم الثالث‬

‫البلد السلمية‬

‫متوسط دخل الفرد‬

‫‪ 300‬دولر‬

‫‪ 856‬دولر‬

‫التمدين‬

‫‪%34‬‬

‫‪%40‬‬

‫معدل الولدة الولى‬

‫‪%3.1‬‬

‫‪%4.1‬‬

‫إن الرسالة التى تحملها هذه الحصاءات واضحة تماما‪ :‬ان قوام القتصاد فى البلد السلمية‪،‬‬
‫خاصة فى البلد المنتجة للبترول‪ ،‬مبنى اما على المستخرجات‪ ،‬او على الزراعة‪ .‬وحتى من بين‬
‫الدول المتقدمة نسبيا والغير مصدرة للبترول‪ ،‬مثل مصر وباكستان‪ ،‬فإن القيمة المضافة فى عمليات‬
‫التصنيع‪ .‬ل تمثل ال قدرا ضئيل من القتصاد العام‪ .‬وبل شك‪ ،‬يحتاج استخراج البترول‪،‬‬
‫والتعدين‪ ،‬والزراعة الى قدر من الساليب العلمية‪ ،‬مما يخلق مجال لبعض الطلب على تعلم‬
‫الوسائل الفنية الجديدة وتطويرها‪ .‬لكن التكنولوجيا المطلوبة لستخراج البترول فى اساسها‬
‫مستوردة‪ ،‬وكذلك الحال مع البحوث الزراعية المتعلقة بالحاصيل الجديدة واصنافها‪ .‬وعلى ذلك فإن‬
‫الهمية العامة للعلم وعلقتة بالنتاج‪ ،‬علقة هامشية فى البلد السلمية‪ ،‬وحوافز النمو الحالية‪،‬‬
‫النابعة من الداخل‪ ،‬قليلة جدا‪.‬‬
‫العلم كمؤسسة‬

‫‪56‬‬

‫تجب الشارة الى ان كلمة عالِم‪ ،Scientist(( 35‬لم يكن لها وجود قبل ابتكارها فى عام ‪1840‬‬
‫بواسطة ويويل ((‪ .Whewell‬فلم يكن عدد العلماء حينها بالكثرة اللزمة لتستوجب ادخال كلمة‬
‫جديدة الى اللغة النجليزية‪ .‬لكن تحول العلم فى القرن العشرين الى مؤسسة كبيرة‪ ،‬ضمت اليها‬
‫مئات اللف من الرجال والنساء الذين جعلوا من العلم مهنتهم‪ .‬ينمو المجتمع العلمى العالمى‬
‫بسرعة كبيرة جدا سواء على مستوى العالم اجمع او على مستوى الدول النامية‪.‬‬
‫يلحظ ان معدل نمو المجتمع العلمى بطيئ فى البلد السلمية‪ .‬فحجم مجتمعها العلمى‪ ،‬وكذلك‬
‫انتاجية علمائها‪ ،‬اقل بكثير من بقية العالم‪ ،‬ويبدو ذلك واضحا حتى لو تمت المقارنة بالمتوسط العام‬
‫لدول العالم الثالث‪ .‬وفيما يلى بعض الرقام المستخلصة من تقرير مورافشك (‪)Moravcsik‬‬
‫(مرجع ‪:)5‬‬
‫جدول ‪4‬‬
‫عدد المؤلفين العلميين‪1976.‬‬
‫العالم اجمع‬

‫‪352.000‬‬

‫العالم الثالث‬

‫‪19.000‬‬

‫البلد السلمية‬

‫‪3.300‬‬

‫اسرائيل‬

‫‪6.100‬‬

‫(تقربيا)‬

‫يلحظ ان أكبر المنتجين للكتابات العلمية من بين مختلف البلد السلمية هم‪ :‬مصر؛ وايران؛‬
‫وباكستان؛ ونيجيريا؛ وماليزيا؛ ولبنان (مرجع ‪ .)5‬والقائمة التالية تبين مدى مساهمة المؤلفين‬
‫العلميين فى كل من الدول المختارة‪:‬‬
‫جدول ‪5‬‬
‫المؤلفين العلميين فى الدول المختارة كنسبة مئوية من النتاج العالمى ‪1976‬‬
‫الدولة‬
‫‪35‬‬

‫النسبة المئوية‬

‫يلحظ ان لفظ عالم كان موجودا فى اللغة العربية منذ زمن بعيد‪ ،‬مع الختلف الجوهرى البديهى فى المعنى‪.‬‬

‫(المترجم)‬

‫‪57‬‬

‫مصر‬

‫‪.21‬‬

‫ايران‬

‫‪.043‬‬

‫العراق‬

‫‪.022‬‬

‫ليبيا‬

‫‪.002‬‬

‫باكستان‬

‫‪.055‬‬

‫السعودية‬

‫‪.008‬‬

‫سوريا‬

‫‪.001‬‬

‫الهند‬

‫‪2.260‬‬

‫•تتمثل طريقة اخرى بسيطة‪ ،‬لتقدير النتاج العلمى للعلماء المسلمين‪ ،‬فى حساب عدد‬
‫المؤلفين من اصحاب السماء الدالة على انهم من المسلمين‪ ،‬فى المجلت العلمية‬
‫الرائدة‪ ،‬وقد قمت بإجراء دراسة استطلعية محدودة‪ ،‬عن البحوث العلمية الدولية فى‬
‫عام ‪ 1989‬وقد حصلت على النتائج المبينة فى جدول ‪ .6‬فإذا وضعنا فى العتبار ان‬
‫بعض المسلمين قد ل يحملون اسماءا عربية او فارسية او تركية‪ ،‬فيجوز على ذلك‪،‬‬
‫زيادة الرقام المذكورة‪ ،‬الخاصة بعدد اصحاب البحوث المسلمين‪ ،‬بنسبة حوالى ‪30‬‬
‫الى ‪ 40‬بالمائة‪ ،‬وعلى اية حال‪ ،‬فهذا لن يؤثر كثيرا على الستنتاج العام‪ ،‬بان الرقام‬
‫صغيرة بدرجة مثيرة للسى‪ .‬جدير بالذكر‪ ،‬ان عناوين المراسلة المسجلة بالبحوث‪،‬‬
‫لنصف المؤلفين المسلمين‪ ،‬تابعة لمؤسسات غربية‪.‬‬
‫جدول ‪6‬‬
‫المؤلفون العلميون فى الفيزياء‪ ،‬والرياضيات‪ ،‬والكيمياء ‪1989‬‬
‫اجمالى عدد المؤلفين‬

‫عدد المؤلفين المسلمين‬

‫الفيزياء‬

‫‪4168‬‬

‫‪46‬‬

‫الرياضيات‬

‫‪5050‬‬

‫‪53‬‬

‫الكيمياء‬

‫‪5375‬‬

‫‪128‬‬

‫وتبرز صورة مماثلة لدى فحص فهرست الستشهادات العلمية (‪( )Citation Index‬وهو يمثل‬
‫دليل شامل للمقالت العلمية المنشورة حديثا)‬
‫جدول ‪7‬‬

‫‪58‬‬

‫المؤلفات الواردة فى فهرست الستشهادات العلمية ‪1988‬‬
‫الدولة‬

‫تعداد السكان بالمليون (‪)1987‬‬

‫العدد النسبى للمقالت‬

‫الرجنتين‬

‫‪31‬‬

‫‪25‬‬

‫بنجلديش‬

‫‪104‬‬

‫‪1.8‬‬

‫البرازيل‬

‫‪141‬‬

‫‪33‬‬

‫مصر‬

‫‪49‬‬

‫‪17‬‬

‫الهند‬

‫‪700‬‬

‫‪90‬‬

‫اندونسيا‬

‫‪150‬‬

‫ايران‬

‫‪50‬‬

‫‪2‬‬

‫العراق‬

‫‪17‬‬

‫‪4‬‬

‫اسرائبل‬

‫‪4.5‬‬

‫‪72‬‬

‫ماليزيا‬

‫‪16.5‬‬

‫‪4‬‬

‫باكستان‬

‫‪102‬‬

‫‪4‬‬

‫تركيا‬

‫‪51‬‬

‫‪10.5‬‬

‫(المصدر أ‪ .‬صادق‪ ،‬و ن ‪.‬أ‪ .‬ختاك‬

‫‪2.5‬‬

‫‪.) A. Sadiq and N.A. Khattak‬‬

‫ل تتعارض النتائج المذكورة عالية مع التقديرات الخرى‪ ،‬ففى مقارنة بين اسرائيل والعرب‪ ،‬لما‬
‫يخص الفرد فى كل منهما من النتاج العلمى‪ ،‬وجد أ‪ .‬ب‪ .‬زحلن ‪ ،)A. B. Zahlan(36‬ان‬
‫انتاج العرب يساوى ‪ %1‬فقط من انتاج اسرائيل (مرجع ‪ .)6‬وواضح ان المشكلة ل تكمن فى‬
‫الموارد المادية‪ ،‬حيث ارتفع اجمالى النتاج القومى العربى من ‪ 25‬بليون دولر فى عام ‪1967‬‬
‫الى اكثر من ‪ 140‬بليون دولر فى ‪ 1976‬ومع هذا ارتفع النتاج العلمى‪ ،‬فى نفس الفترة‪ ،‬بنسبة‬
‫متواضعة جدا‪ .‬ومن المثير للهتمام‪ ،‬ملحظة ان هزيمة العرب فى عام ‪ ،1967‬اُعزيت بشكل‬
‫كبير الى الفجوة التكنولوجية الكبيرة بين اسرائيل والعرب‪ ،‬وكانت هناك بعض التوقعات آنذاك‪ ،‬ان‬
‫ذلك قد يحث العرب للبحث عن المزيد من العلم الحديث والتكنولوجيا‪ ،‬ولكن البيانات المتاحة ل تدل‬
‫على تحقق هذا التوقع (مرجع ‪.)7‬‬

‫‪36‬‬

‫انطوان زحلن (‪ )Antoine Zahlan‬استاذ الفيزياء السابق بالجامعة المريكية فى بيروت‪ ،‬ومستشار‬

‫العلوم والتكنولوجيا‪ ،‬وله كتابات عديدة فى الفيزياء‪ ،‬والسياسة العلمية‪.‬‬

‫‪59‬‬

‫(المترجم)‬

‫سأتطرق الن لبداء بعض الملحظات عن المؤسسة العلمية فى باكستان بإعتبارها اكثر البلدان‬
‫السلمية قربا الى معرفتى‪ .‬يوجد ‪-‬على الورق‪ -‬بباكستان ‪ 133‬مؤسسة علمية وتكنولوجية‪،‬‬
‫تتراوح احجامها ما بين مؤسسات كبيرة للبحوث والتنمية مثل البرنامج الباكستانى للطاقة الذرية‬
‫(‪ ،)The Pakistan Atomic Energy Commission PAEC‬و مركز الفيزياء التطبيقية‪،‬‬
‫والكمبيوتر‪ ،‬والجهزة (‪)Applied Physics, Computers and Instrumentation, PCSIR‬‬
‫للبحوث الصناعية‪ ،‬وبرنامج سوباركو لبحوث الفضاء‪Space and Upper Atmosphere( ،‬‬
‫‪ )Research Commission, SUPARCO‬الى وحدات صغيرة تشغل عددا قليل من غرف‬
‫المكاتب‪ .‬وبها جميعا‪ ،‬وفرة من الجهزة بصفة عامة‪ ،‬والمرتبات اعلى بنسبة تتراوح بين ‪ %30‬و‬
‫‪ %50‬من الهند المجاورة‪ ،‬اضافة لوجود مخصصات اضافية للسفر للخارج‪ .‬وهذه المؤسسات‬
‫تمتلك مكاتب للعلقات العامة‪ ،‬ولها اتصالت جيدة بالوساط الحكومية‪ ،‬وترسل العاملين بها‬
‫للتدريب بالخارج‪ ،‬كما تنظم المؤتمرات على مدار السنة‪ .‬من على السطح‪ ،‬يبدو كل هذا كأنه‬
‫علمة دالة على كثرة العمل والنتاج والنشاط الفعال‪ .‬ولكن‪-‬مع وجود بعض الستثناءات‪ -‬فإن‬
‫ناتج بحوثهم العلمية ضئيل جدا اذا قيس بأى مقياس‪ .‬كما ان تأثيرها غير ملموس سواء على‬
‫التكنولوجيا الموجودة او على القتصاد القومى‪ .‬اما البرنامج النووى الباكستانى‪ ،‬والمشار اليه كثيرا‬
‫بصفته رمزا للبراعة التكنولوجية الوطنية‪ ،‬فانجازه الوحيد المعروف هو النجاح فى تشغيل‪،‬‬
‫وصناعة الوقود اللزم للمفاعل الموجود بكراتشى‪ ،‬والذى امدتهم به كندا والمعروف باسم كانوب‬
‫(‪ ، )Karachi Nuclear Power Complex, KANUPP‬وعلى عكس الهند فباكستان ل تملك‬
‫ان تحلم بتصميم وبناء مفاعل خاص بها فى المستقبل المنظور‪ ،‬وهو السبب الذى من اجله عقدت‬
‫صفقة مع فرنسا عام ‪ 1970‬لشراء مفاعل كامل‪ ،‬جاهز للتشغيل ( تسليم مفتاح )‪.‬‬
‫تُعزى اسباب عدم فعالية مؤسسات البحوث والتنمية بباكستان الى سياسة باب الستيراد المفتوح‪،‬‬
‫المفروضة من وكالت المعونة الجنبية‪ ،‬فهى تعرقل توطين التكنولوجيا كما اعاقت اى زيادة‪،‬‬
‫مهما كانت ضئيلة‪ ،‬فى عدد العلماء والمهندسيين من ذوى الكفاءة العالية‪ .‬يمكن الحكم على‬
‫مصداقية تلك المقولة الخيرة من ملحظة ان اجمالى عدد الحاصلين على الدكتوراة فى البلد‪ ،‬فى‬
‫العلوم الطبيعية‪ ،‬يقع فى حدود اللف‪ ،‬فى حين يقدر العدد المقابل فى الهند بحوالى ‪80 -70‬‬
‫الفا !‪.‬‬

‫‪60‬‬

‫فإذا كان متوسط دخل الفرد فى باكستان ‪ ،350‬دولر‪ ،‬وهو ل يختلف كثيرا عنه فى الهند (‪300‬‬
‫دولر)‪ ،‬فل مناص من البحث عن اسباب اخرى لتفسير الفارق الكبير فى النجازات العلمية‪.‬‬
‫ويكمن السبب فى التعليم‪.‬‬
‫العلم فى التعليم‬
‫يرتبط التعليم برباط وثيق بالبحث العلمى والتنمية‪ ،‬وهما يعتمدان عليه لنمو او انهيار العلم كمؤسسة‬
‫فى المجتمع‪ ،‬وفى الحقيقة فإن غاية التعبيرعن الفلسفة التى يمت اليها اى مجتمع‪ ،‬انما تتمثل فى‬
‫السلوب الذى يتبعه فى تعليم النشىء‪ .‬وهنا بالتحديد وبكل حق‪ ،‬يواجهنا السؤال عما اذا كان يجب‬
‫على التعليم ان يكون وسيلة لتطوير وتحديث المجتمع‪ ،‬ام ان هدفه الساسى يجب ان يكون الحفاظ‬
‫على التقاليد؟ ولنضع الن جانبا باقى البعاد مثل الهداف‪ ،‬والنوعية‪ ،‬والساليب‪ ،‬ولنؤجلها الى‬
‫مناقشة لحقة‪ ،‬ودعنا ننظر الى المقياس الحالى للتعليم فى البلدان السلمية‪ ،‬ويحتوى جدول ‪8‬‬
‫(مرجع ‪ )3‬على بعض الحصائيات المتعلقة بالموضوع‬
‫جدول ‪8‬‬
‫‪ ( 1986‬النسبة المئوية )‬

‫القيد للتعليم فى الدول المختارة‬

‫مرحلة ثانية‬

‫مرحلة اولى‬
‫بنين بنات‬

‫مرحلة ثالثة‬

‫بنين‬

‫بنات‬

‫اجمالى‬

‫بنجلديش‬

‫‪69‬‬

‫‪50‬‬

‫‪24‬‬

‫‪11‬‬

‫‪5‬‬

‫السودان‬

‫‪59‬‬

‫‪41‬‬

‫‪23‬‬

‫‪71‬‬

‫‪2‬‬

‫باكستان‬

‫‪55‬‬

‫‪32‬‬

‫‪25‬‬

‫‪10‬‬

‫‪5‬‬

‫اندونسيا‬

‫‪116 121‬‬

‫‪45‬‬

‫‪34‬‬

‫‪7‬‬

‫مصر‬

‫‪96‬‬

‫‪77‬‬

‫‪77‬‬

‫‪54‬‬

‫‪21‬‬

‫المغرب‬

‫‪96‬‬

‫‪62‬‬

‫‪39‬‬

‫‪27‬‬

‫‪9‬‬

‫تركيا‬

‫‪121‬‬

‫‪113‬‬

‫‪56‬‬

‫‪33‬‬

‫‪10‬‬

‫العالم الثالث‬

‫‪113‬‬

‫‪92‬‬

‫‪42‬‬

‫‪27‬‬

‫‪3‬‬

‫( ملحوظة نسبة القيد لشريحة عمرية معينة قد تتعدى الـ ‪ %100‬فى بعض الحيان‪ ،‬حيث تختلف‬
‫معايير القياس والوسائل المستخدمة انظر مرجع ‪.) 3‬‬

‫‪61‬‬

‫يتضح من الرقام المذكورة‪ ،‬عدم وجود اى فروق صارخة بين الدول السلمية من ناحية‪ ،‬وبين‬
‫دول العالم الثالث‪ ،‬رغم انه كان من الطبيعى ان يتوقع النسان‪ ،‬ان تكون الدول السلمية متقدمة‬
‫بشكل واضح نظرا للرتفاع الواضح فى نصيب الفرد فيها من اجمالى النتاج القومى‪ .‬الهم من‬
‫ذلك ان تلك الرقام ل تذكر شيئا عن نوعية التعليم او عن اهداف النظام التعليمى‪.‬‬
‫ونظرا لعدم توافر المعلومات الكافية لدى عن موقف التعليم فى باقى الدول السلمية‪ ،‬فساقتصر‬
‫فى الجزء التالى على حالة باكستان فقط‪ .‬ويعطى التقرير الذى اصدره البنك الدولى حديثا‪ ،‬صورة‬
‫قاتمة ولكنها محددة للموقف‪:‬‬
‫"ان معدل النجازات التعليمية بطىء بشكل غير عادى بين سكان باكستان‪ ،‬الذين يتزايد عددهم‬
‫بسرعة كبيرة خاصة الناث‪ ،‬مما سيشكل معوقا كبيرا للتنمية على المدى البعيد‪ ...‬وكذا ان ضعف‬
‫قاعدة الموارد البشرية التى تنبنى عليها تنمية اقتصاد باكستان‪ ،‬يهدد خطط التنمية على المدى‬
‫البعيد‪ ،‬ويؤثر سلبا على الفوائد المستمدة من هذا النمو‪.‬‬
‫يوجد حوالى ‪ 75‬مليون باكستانى ل يستطيعون القراءة والكتابة‪ ،‬وتقدم الحكومة الباكستانية ارقاما‬
‫تشير الى ان متوسط نسبة المتعلمين من الجنسين ‪ % 26‬وان نسبة المتعلمين من الناث ‪%15‬‬
‫فقط‪ .‬برغم ان هذه الرقام منخفضة‪ ،‬حتى لو قورنت بمعدلت العالم الثالث‪ ،‬ال ان الوضع الحقيقى‬
‫قد يكون اسوأ من ذلك بكثير‪ ،‬وتقدر المصادر غير الحكومية ان الرقام الحقيقية قد تقل عن الرقام‬
‫المذكورة بحوالى ‪ .% 40 – 30‬في حين يصل معدل القيد للتعليم في باكستان إلي ‪ %55‬بالنسبة‬
‫للمرحلة الولي‪ ،‬فانه يصل في الدول السيوية المجاورة‪ ،‬إلي معدلت تتراوح بين ‪ .%90-70‬هذا‬
‫في الوقت الذي تخصص فيه باكستان ‪ %2‬من إجمالي الناتج القومي للتعليم مقارنة بـ ‪ %2.4‬في‬
‫نيبال‪ ،‬و ‪ %2.6‬في الهند‪ ،‬و ‪ %6.7‬في ماليزيا‪ .‬أما ما يمثله النفاق علي التعليم كنسبة مئوية من‬
‫ميزانية الدولة فنجده ‪ %6‬في باكستان‪ ،‬في مقابل ‪ %9‬في نيبال‪ ،‬و ‪ %11.2‬في الهند‪ ،‬و ‪ %26‬في‬
‫ماليزيا‪ .‬جدير بالذكر‪ ،‬انه سبق للحكومة الباكستانية ان دعمت دراسة عن عادات القراءة ونشر‬
‫الكتب فى دول المنطقة‪ ،‬فجاء ترتيب باكستان الخير في قائمة دول جنوب آسيا‪.‬‬
‫لم تضع أي حكومة في باكستان سواء الحكومات الديمقراطية او العسكرية‪ ،‬أية ثقل مناسب‬
‫للتعليم ضمن قائمة الولويات القومية‪ .‬وهنا يبرز نظام الجنرال ضياء الحق بشكل خاص‪ .‬كما‬
‫تظهر إدانته المؤكدة فيما يتعلق بمنجزات التعليم فيما يلي‪ ،‬ففي عام ‪ 1986‬اتفقت الحكومة‬

‫‪62‬‬

‫الباكستانية مع أمريكا لجراء بعض الدراسات لتحليل موقف التعليم في باكستان‪ ،‬وقد خلص التقرير‬
‫إلي النتيجة التية‪:‬‬
‫"من ابرز المفارقات‪ ،‬كان الفرق بين توقعات الخطة الخمسية الخامسة (‪ ،)1983-1978‬والواقع‬
‫الفعلي الذي اظهر قصورا بنسبة ‪ %50‬عما كان مخططا له‪ ،‬مما يعكس اقل مستوي من الجهد‬
‫القومي لدعم التعليم في تاريخ الدولة المستقلة"‪( .‬مرجع ‪)9‬‬
‫وصلت المعدلت إلي مستويات مشابهة في السابق‪ ،‬وقد تم القرار بها فى حينه علي خجل شديد‪،‬‬
‫لكنها على القل‪ ،‬تضمنت أن يكون هدف التعليم في جوهره‪،‬عاما وحديثا‪ .‬علي أية حال فبعد‬
‫انقلب ‪ 1977‬الذي أتي بالجنرال ضياء الحق إلي السلطة‪ ،‬قامت الحكومة العسكرية‪ ،‬بالتحالف مع‬
‫الحزاب السياسية ذات الميول الصولية‪ ،‬بإعلن نواياها بخلق مجتمع إسلمي وهوية قومية جديدة‬
‫مرتكزة بالكامل علي أسس الدين‪ .‬وظهرت علي الفور أهمية التعليم كوسيلة لتحقيق الهدف‬
‫المنشود‪ ،‬بناءا على ذلك اتخذت الحكومة القرارات التالية‪:‬‬
‫•فرض الحجاب علي الطالبات في المؤسسات التعليمية؛‬
‫•تنظيم إقامة صلة الظهر أثناء ساعات الدراسة؛‬
‫•فرض تعليم اللغة العربية كلغة ثانية‪ ،‬ابتداء من الصف السادس وما يليه؛‬
‫•إدخال قراءة القران كشرط من شروط التأهل الدراسي؛‬
‫•استبدال تعريف لفظ "تعلم" (المقصود هنا بمعني القراءة والكتابة ) بحيث يصبح معناه‬
‫المعرفة الدينية؛‬
‫•رفع درجة العتراف بالكتاتيب ومساواتها بالمدارس العادية؛‬
‫•اعتماد شهادة المدرسة ومعادلتها بما يساوي درجة الماجستير؛‬
‫•منح ‪ 20‬درجة إضافية للمتقدمين لكليات الهندسة لمن يحفظ القرآن؛‬
‫•إنشاء الجامعة الدولية السلمية في إسلم أباد؛‬
‫•تنظيم العديد من المؤتمرات المحلية والدولية عن مختلف أوجه السلمة؛‬
‫•إدخال عنصر المعرفة الدينية كأحد عناصر اختيار المدرسين سواء مدرسي المواد‬
‫العلمية أو غيرها؛‬
‫•مراجعة المواد التقليدية للتأكيد علي القيم السلمية‪.‬‬
‫وقد تابع الجنرال ضياء الحق وأتباعه فكرتهم عن أسلمة التعليم بجدية كبيرة‪ ،‬كما تم تطبيق معظم‬
‫البنود الواردة بدرجات متفاوتة‪ ،‬لكن واقع الحياة العملى‪ ،‬خفف من شدة الحماس‪ ،‬خاصة عندما‬

‫‪63‬‬

‫بدأت بعض المصالح الكبيرة تتعرض للخطر‪ .‬فمثل لم تقترب الحكومة كثيرا من المدارس‬
‫النجليزية المتوسطة (العدادية) الخاصة‪ ،‬ذات المصاريف الباهظة‪ ،‬التي يلتحق بها أبناء الضباط‪،‬‬
‫وكبار الموظفين‪ ،‬والطبقة الثرية‪ .‬تتباهي تلك المدارس المتميزة‪ ،‬مثل مدرسة كراتشي للنحو(‬
‫‪ ،)Karachi Grammar School‬ومدرسة ايتشسون (‪ ،)Aitchison College‬وبيرن هال (‬
‫‪ ،)Burn Hall‬وكثيرين غيرهم‪ ،‬بمحتوي ونوعية مناهجهم التي تضاهي ما هو موجود في أفضل‬
‫مدارس الغرب‪ .‬وبعكس المدارس الهلية الناطقة بلغة البلد الـ اوردو‪ ،‬التى تتولى تعليم غالبية‬
‫الجماهير‪ ،‬نجد ان تلك المدارس المتميزة تمد حوالي ‪ %1‬فقط من إجمالي التعداد بالتعليم الحديث‬
‫ذو الطابع المدني‪ ،‬وباستثناء اجراء بعض التعديلت الطفيفة‪ ،‬فقد استمرت تلك المدارس في العمل‬
‫أثناء فترة ضياء الحق كما كانت في السنوات السابقة‪.‬‬
‫إذا وضعنا الموقف الخاص بمدارس الصفوة جانبا‪ ،‬فل جدال حول ما كان لسياسات السلمة التى‬
‫اتبعتها حكومة ضياء الحق‪ ،‬من أثر كبير علي التعليم بصفة عامة في باكستان‪ .‬وأما حكومة بنازير‬
‫بوتو التالية‪ ،‬التي لم تُعرف بسعيها نحو اتخاذ أية مبادرات شجاعة‪ ،‬فلم تجرؤ علي عمل أي تغيير‬
‫ذو معني طوال فترة توليها الحكم‪ .‬ومع انقضاء زمن حكومتها‪ ،‬ثم استلم التحالف السلمي‬
‫الديمقراطي لمقاليد السلطة‪ ،‬أصبح السراع في أسلمة التعليم شبه مؤكد‪ .‬لقد أحدثت الجهود‬
‫المخلصة المبذولة لحلل التعليم الديني التقليدي محل التعليم المدني الحديث‪ ،‬أثارا داخلية في‬
‫النظام العام ككل‪ ،‬وستظل أثارها محسوسة علي مدي الجيال القادمة‪ .‬كان من المفترض منذ أيام‬
‫الحتلل وما تلها‪ ،‬أن يُعتبر التعليم الحديث ضروري لتقدم المجتمع‪ ،‬وأن تقدم المجتمع شيء‬
‫مرغوب فيه‪ ،‬ال انه تم التخلي عن ذلك بوضوح فى عام ‪ ،1977‬وعلي النقيض‪ ،‬تم العلن عن‬
‫إعادة إحياء المجاد السلمية واعتبارها الهدف المنشود‪ .‬في سبيل تحقيق ذلك‪ ،‬كان من‬
‫الضروري القيام بأسلمة كل التخصصات الحديثة مثل العلوم النسانية‪ ،‬والعلوم الجتماعية‪ ،‬والعلوم‬
‫الطبيعية وسيأتي الحديث عن ذلك لحقا‪.‬‬
‫نلقي الن نظرة إلي نوعية وماهية تعليم العلوم في باكستان‪ .‬سنجدها قد ابتعدت عن روح العلم‬
‫الناقدة‪ ،‬بجميع المقاييس‪ .‬ويروى الكيمائي ج‪ .‬ب‪ .‬س‪ .‬هالدين (‪)J. B. S. Haldane‬‬
‫المولد واقعة مثيرة تركت لديه انطباعا قويا عن كيفية تعليم وتعلم العلم في باكستان‪:‬‬

‫‪64‬‬

‫الهندي‬

‫"كنت امشي يوما بالقرب من منزلي بعد ظهر أحد أيام الحد‪ ،‬عندما تطرق إلي سمعي صوت‬
‫شاب يرتل شيئا بصوت عال‪ ،‬فافترضت أني استمع إلي بعض الـ مانترا‬

‫‪37‬‬

‫(‪ ،)Mantras‬وسألت‬

‫مرافقي إن كان بإمكانه تمييزها‪ ،‬حيث أن عادة ترديد المقاطع الدينية منتشرة في أوروبا كما هي‬
‫منتشرة في باكستان‪ .‬أفادني زميلي بان الصوت كان ينطق بالنجليزية وأن موضوع الترتيل كان‬
‫الكيمياء العضوية‪ .‬عدنا أدراجنا‪ ،‬وتأكدت من صحة ما قال‪ ،‬وإذا بالترتيل يدور فعل حول تحضير‬
‫بعض المركبات الدهنية‪ ،‬والحتياطات الواجب اتخاذها أثناء مراحل التحضير‪( .‬مرجع ‪)10‬‬
‫سيطر أسلوب المذاكرة بطريقة الستظهار‪ ،‬علي تعليم العلوم في باكستان لفترة طويلة تزيد عن‬
‫الخمسة والعشرون عاما‪ ،‬حين ابدي هالدين ملحظته السابقة‪ .‬ويمكن إرجاع السبب ولو جزئيا إلي‬
‫خلل في نظام المتحانات‪ ،‬أو الى قلة كفاءة وأجور المدرسين‪ ،‬أو الى الفساد المتفشي في الجهاز‬
‫التعليمي‪ ،‬فل تجب الستهانة بكل تلك العوامل‪ .‬إل انه يمكن ‪-‬الي حد بعيد‪ -‬تتبع جذور مسألة‬
‫الستظهار في التعليم المعاصر‪ ،‬إلي العادات والمواقف المتوارثة عن التعليم التقليدي‪ ،‬الذي اعتبر‬
‫المعرفة شيئا يمكن تحصيله واكتسابه‪ ،‬ل بصفتها شيئا يلزم استكشافه‪ .‬هذا السلوب التقليدى الذى‬
‫يتحول فيه العقل إلي السلبية والستقبال‪ ،‬بدل من أن يكون خلقا ومتسائل‪ .‬ثم إن التشكيل‬
‫الجتماعي لمناخ عام‪ ،‬تقليدي وسلطوي‪ ،‬يعني ول مفر‪ ،‬النظر إلي كل المعارف علي أنها ثوابت‪،‬‬
‫وان كل الكتب يجب حفظها وتوقيرها‪ ،‬أما المفهوم المدني للمعرفة باعتبارها أداة دائمة التطور‪،‬‬
‫قائمة على اساس البحث لستكشاف حلول المشاكل‪ ،‬فهو مفهوم غريب تماما علي الفكر التقليدي‪.‬‬
‫يُعد التقييم الكمي لتدريس العلوم في باكستان مشكلة في حد ذاته نظرا لقلة ما تم من دراسات‬
‫وقياسات‪ .‬الصعب من ذلك‪ ،‬محاولة تقييم أية تغييرات في المستوي علي مرور الزمن‪ .‬علي أية‬
‫حال‪ ،‬فل ريب في ضياع الكثير من الفائدة‪ ،‬إذا ما تناول الحديث موضوع التعليم في باكستان‪ ،‬دون‬
‫الشارة إلي نوعيته‪ .‬بناءا علي ذلك‪ ،‬وواضعا في العتبار غيبة المعايير الكمية‪ ،‬فقد قمت بمحاولة‬
‫جمع شتات ما هو متاح من قياسات متعلقة بنوعية تعليم العلوم‪.‬‬
‫توجد ضمن المحفوظات الغارقة في التراب بمكتبة هارفارد وايدينر (‪)Harvard Widener‬‬
‫رسالة تقدم بها صاحبها الباكستاني واسمه والي محمد زكي (‪ )Wali Muhammad Zaki‬في‬
‫‪ 37‬المانترا في المعتقدات الهندوسية والبوذية‪ ،‬تتكون من أصوات وكلمات غامضة‪ ،‬تستعمل إما فرادي أو في ما‬

‫يشبه الجُمل‪ ،‬تُرتل برتابة أثناء ممارسه طقوس التعبد‪ ،‬لتساعد علي السمو والتوحد وعمق التأمل‪ .‬ومنها أنواع‬

‫متعددة‪ ،‬كذلك فإن منها ما يتضمن اسم المقدس‪.‬‬

‫(المترجم)‬

‫‪65‬‬

‫عام ‪ 1964‬للحصول علي درجة الدكتوراة‪ .‬عنوان الرسالة "موقف مدرسى العلوم الباكستانيين تجاه‬
‫الدين والعلم"‪ .‬وعلي حد علمي فلم تُنشر نتائج هذا البحث حتى الن‪ ،‬كما لم يُشر إليها طيلة الخمسة‬
‫والعشرين عاما الماضية‪ .‬حاول زكي في بحثه أن يكشف مدي فهم وتقدير مدرسي المدارس‬
‫الثانوية في غرب باكستان‪ ،‬لطبيعة المؤسسة العلمية‪ ،‬ثم حاول الكشف عن وجود أية علقة بين‬
‫مفهومهم للعِلم‪ ،‬وميولهم الدينية‪ .‬اُجري البحث علي عينة عشوائية من المدرسين‪ ،‬طُلب منهم‬
‫الجابة علي استمارة استبيان مصممة خصيصا لقياس موقفهم من الدين ومن العلم ومفهومهم عن‬
‫العلم وجاءت النتائج كالتالي‪:‬‬
‫‪.1‬يفهم تلميذ المدارس العليا بأمريكا طبيعة المؤسسة العلمية‪ ،‬والوسائل العلمية وأهداف‬
‫العلم‪ ،‬أفضل كثيرا من مدرسي مدارس المراحل العليا في باكستان‪.‬‬
‫‪.2‬يتناسب فهم المدرسين للعلم وموقفهم تجاهه‪ ،‬تناسبا عكسيا واضحا مع موقفهم تجاه‬
‫الدين‪ .‬كما تَبين أن لدي الذين تلقوا تدريبهم في فترة ما بعد الستقلل‪ ،‬ميول اقوي‬
‫تجاه الدين‪ ،‬واقل تجاه العلم‪ ،‬هذا بالمقارنة بينهم وبين الذين تلقوا تدريبهم في فترة ما‬
‫قبل الستقلل‪.‬‬
‫‪.3‬سجلت الطوائف المذهبية الحمدية والبروتستانتية مواقف أكثر ايجابية تجاه العلم عند‬
‫مقارنتهم بزملئهم من السنًة‪.‬‬
‫‪.4‬لوحظت أيضا نتائج مشابهة عند دراسة المدرسين المنتمين إلي مناطق جغرافية ذات‬
‫طابع حضاري وثقافي مختلف‪ ،‬حيث سجل المنتمين إلي منطقة السِند أفضل التوجهات‪.‬‬
‫‪.5‬تميز المدرسون‪ ،‬ممن لهم خلفية قوية في علوم الحياء‪ ،‬بتفهم أفضل لطبيعة المؤسسة‬
‫العلمية بالمقارنة مع زملئهم في مجال العلوم الفيزيائية‪.‬‬
‫يلحظ وجود العديد من نقاط الضعف في الدراسة المذكورة‪ ،‬من أهم تلك النقاط كان عنصر عدم‬
‫سهولة استيعاب اللغة النجليزية بالنسبة لبعض المشاركين‪ ،‬كذلك احتمال عدم ملءمة بعض‬
‫السئلة لحتمال تضمنها –ثقافيا‪ -‬ما قد يثير الحيرة‪ ،‬هذا بالضافة إلي عيوب إجراء الستبيان عن‬
‫طريق المراسلت البريدية‪ .‬لكن‪ ،‬هل كانت تلك السباب هي التي دفعت برسالة زكي إلي مصيرها‬
‫المظلم في طي النسيان؟‬
‫اجري المعهد القومي لعلم النفس اختبارا في العلوم والرياضيات في عام ‪ 1983‬وتم تصميم‬
‫الختبار بحيث يتيح مقارنة مهارات تلميذ المدارس من مختلف البلد الجنبية بأقرانهم من‬
‫باكستان (مرجع ‪ .)11‬بعد مراجعة السئلة المتعددة الختيارات‪ ،‬ثم تعديلها بما يلئم الظروف‬

‫‪66‬‬

‫المحلية‪ .‬وُزع الختبار على ‪ 420‬تلميذا من منطقة راولبندي (‪ .)Rawalpindi‬فلما أظهرت‬
‫النتائج الخاصة بتلميذ الصف السادس مقارنات غير مرضية‪ ،‬امتد نطاق الختبار ليضم فرق‬
‫الصف السابع‪ ،‬والثامن‪ ،‬والتاسع‪ ،‬والعاشر‪ ،‬والحادي عشر‪ ،‬وتوضح الرسوم البيانية التالية بعض‬
‫هذه النتائج‬

‫‪67‬‬

‫وفيما يلي أهم ما خلص اليه الباحثون بالمعهد‪:‬‬
‫‪.1‬لوحظ ان اقل مجموع درجات حصل عليه تلميذ الفرقة السادسة الجانب‪ ،‬كان افضل‬
‫بكثير‪ ،‬من مثيله مقارنة بالتلميذ الباكستانيين في أي من الصف السادس‪ ،‬أو السابع‪ ،‬أو‬
‫الثامن‪ ،‬أو التاسع‪ .‬في الواقع فان اعلي مجموع درجات في الرياضيات‪ ،‬حصل عليه‬
‫تلميذ الصف السادس في اليابان (‪ ،)50.2‬تخطي ما حصل عليه التلميذ الباكستانيين‬
‫من الصف الحادي عشر (‪ ،)38.8‬ويخلص التقرير إلي "فى النهاية‪ ،‬يظل الكثير من‬
‫تلميذنا في الصف الحادي عشر‪ ،‬اقل كفاءة في العلوم والرياضيات‪ ،‬من تلميذ الصف‬
‫السادس في البلد الجنبية‪.‬‬
‫‪.2‬ينمو المنطق العقلي ببطء شديد في الفصول الدراسية المتعاقبة‪ .‬وحسب ما جاء في‬
‫التقرير‪ ،‬وما قد يكون علي قمة الهمية‪ ،‬فإن التعليم يسير بمعدل غاية في البطء‪ ،‬ول‬
‫توجد زيادة ذات دللة في تعلم الرياضيات والعلوم علي مدي السنوات الثلثة الوسطي‬
‫بالمدرسة ( من الصف السادس الى الثامن)‪.‬‬

‫‪68‬‬

‫‪.3‬علي عكس العتقاد بان مستوي التعليم أفضل بكثير في المدارس النجليزية‬
‫المتوسطة‪ ،‬مقارنة بمدارس الـ "اوردو" الهلية‪ ،‬فلم يجد التقرير أية فروق كبيرة‬
‫بينهما فيما يتعلق بتعلم العلوم والرياضيات‪ .‬وفي الحقيقة فلقد لوحظ فرق طفيف غير‬
‫ذو دللة إحصائية في صالح المدارس الهلية‪.‬‬
‫•دأبت وزارة العلوم والتكنولوجيا منذ عام ‪ ،1985‬علي إرسال مئات‬
‫من الطلب إلي كل من الوليات المتحدة وبريطانيا للحصول علي‬
‫الدكتوراة في المجالت العلمية والتكنولوجية‪ .‬يفترض أن المبعوثين‬
‫للخارج يمثلون صفوة مواهب الدولة‪ .‬خاصة وان كل مبعوث يكلف‬
‫الحكومة مابين ثلثين‪ ،‬وخمسة وثلثين ألف دولر سنويا ولكن اتضح‬
‫الفشل الذريع للبرنامج بسبب ضعف مستوي الطلب المختارين‪ .‬فعلي‬
‫سبيل المثال‪ ،‬تم إرسال ‪ 187‬طالبا إلي أمريكا للحصول علي‬
‫الدكتوراة‪ ،‬فيما بين عامي ‪1985‬و ‪ ،1986‬وبعد مضي خمسة سنوات‪،‬‬
‫إذا بتسعة فقط ينجحون فى الحصول علي الدكتوراة‪ ،‬وتسعة وثلثون‬
‫منحوا درجة الماجستير‪ .‬وفي نفس العام تم إرسال ‪ 191‬طالبا إلي‬
‫بريطانيا ومن بين هؤلء حصل ‪ 65‬علي الدكتوراة‪ .‬ولعل هذا العدد‬
‫الكبير نسبيا يعكس الطبيعة القل تشددا للنظام التعليمي في بريطانيا‪.‬‬
‫•اجرى مركز العلوم الساسية في إسلم أباد‪ ،‬في ‪ 29‬يناير ‪،1986‬‬
‫اختبارا عن مختلف أوجه الفيزياء‪ ،‬مصمما اصل من قبل احد‬
‫الحاصلين علي جائزة نوبل‪ ،‬وهو صامويل تينج (‪،)Samuel Ting‬‬
‫لمائة وعشرون طالبا من مختلف أنحاء باكستان من الحاصلين علي‬
‫درجات تتراوح بين الماجستير والدكتوراة‪ ،‬كما سُمح للطلب بإحضار‬
‫ما يشاءون من مذكرات وكتب معهم‪ .‬استمر المتحان لمدة خمس‬
‫ساعات‪ ،‬واشتمل علي ‪ 200‬سؤال متعدد الختيارات‪ ،‬ووُضع لكل‬
‫سؤال‪ ،‬ثلثة بدائل فقط لختيار الجابة الصحيحة من بينها‪ ،‬مما يتيح‬
‫الفرصة لوصول إجمالى نسبة الجابات الصحيحة الى ‪ ،%67‬لو تمت‬
‫الجابة بطريقة الختيار العشوائي البحت‪ .‬كذلك اُعلن أن حق اللتحاق‬
‫بمعهد ماساشوستس للتكنولوجيا‪ ،‬قد تقرر كحافز‪ ،‬لمن يحصل‬
‫علي درجات أعلى من ‪ 160‬درجة‪.‬‬

‫‪69‬‬

‫لم ينجح احد‪ ،‬ولم تصل بأية حال درجات أيا منهم لما يقترب من درجة النجاح‪ .‬فاعلي‬
‫الدرجات المسجلة كانت ‪ 113‬درجة‪ ،‬أما إجمالي تسجيل الجابات الصحيحة فكان ‪70‬‬
‫فقط‪ ،‬أي اعلي بثلث نقاط هزيلة عما كان متوقعا في حال أذا ما قامت مجموعة من‬
‫الميين بإجراء الختبار‪ ،‬وبالختيار العشوائي للجابة‪ .‬ولقد فكرت السلطات‬
‫المسئولة التي سمحت بالختبار في إخفاء النتائج‪ ،‬ولكن بعد فوات الوان‪.‬‬
‫•تعد نوعية السئلة الموضوعة لفئة ما من الطلب‪ ،‬بالضافة إلي نتائج المتحان‪ ،‬من‬
‫المؤشرات الهامة الدالة علي نوعية تعليم العلوم‪ .‬وبالنظر إلي أوراق المتحان لمستوي‬
‫الصف المتوسط‪ ،‬وللمتحان التأهيلي الخير‪ .‬والمُعدة بواسطة المكتب الفيديرالي‬
‫للتعليم‪ ،‬علي مدي الثلث سنوات الماضية‪ ،‬فيمكن التعرف علي الخصائص البارزة‬
‫التالية‪:‬‬
‫‪.1‬وجود درجة عالية من التكرار في أسئلة جميع المواد العلمية‪ ،‬فعلي مدار السنوات‬
‫الثلث الماضية‪ ،‬وصلت نسبة تكرار نفس السؤال‪ ،‬في السنوات المتتالية‪ ،‬من ‪ 40‬إلي‬
‫‪ .% 70‬وفي بعض الحالت تكررت ورقة المتحان بالكامل وبدون تعديل‪.‬‬
‫‪.2‬خصصت نسبة ما بين ‪ 60‬و ‪ %80‬من الدرجات‪ ،‬لسئلة من نوعية "اكتب ما تعرفه‬
‫عن" أو "ناقش موضوع كذا"‪ ،‬ومن المعروف ان هذا النوع من السئلة قادر علي‬
‫اختبار القدرة على التذكر فقط ل الفهم‪.‬‬
‫‪.3‬حتى في الحالت التي طُلب فيها إجراء عملية حسابية معينة‪ ،‬فكانت إما تكرارا حرفيا‬
‫للنص المذكور في الكتب الدراسية‪ ،‬أو مع تعديل بسيط لها في كثير من الحالت‪.‬‬
‫‪.4‬يطلب من الطالب الجابة عن ما يقرب من نصف السئلة الواردة بورقة المتحان‬
‫اختياريا‪ ،‬مما يتيح للطالب إهمال استذكار جزء ل يستهان به من المقرر الدراسي‪.‬‬
‫•تم إجراء اختبار مفاجئ لمجموعة من المدرسين من الحاصلين علي‬
‫الماجستير‪ ،‬ومن المنخرطين في التدريس في المدارس العليا أو‬
‫الجامعات لفترة طويلة‪ ،‬وممن أتي عليهم الدور للشتراك في الدورات‬
‫التنشيطية بجامعة القائد عزام في عام ‪ ،1984‬ووضعت السئلة‬
‫بالكامل‪ ،‬اما علي مستوي شهادة التأهل (مثل الثانوية العامة)‪ ،‬أو علي‬
‫مستوي السنوات المتوسطة‪ ،‬ورغم أن هؤلء المدرسين يقومون‬

‫‪70‬‬

‫بالتدريس لمستويات اعلي بكثير‪ ،‬كالبكالوريوس أو الماجستير‪ ،‬إل أن‬
‫نسبة من تمكنوا من الجابة علي السئلة لم تتعدي ‪ .%10‬اُجري‬
‫اختبار مماثل في عام ‪ 1988‬للطلب الجدد الحاصلين علي درجات‬
‫الماجستير والمتقدمين لشغل وظائف فنية في مؤسسة الطاقة الذرية‬
‫الباكستانية‪ ،‬وكذا للطلب المتقدمين للعمل بالمعاهد العلمية المتميزة في‬
‫باكستان‪ ،‬والتابعة لجامعة القائد عزام‪ .‬لم يختلف مستوي الداء كثيرا‬
‫عما سبق وان كانت النتائج أفضل قليل‪ .‬وفي هذا دليل ل يمكن إغفاله‬
‫على أن الغالبية العظمي من المدرسين والطلب ل يستوعبون مادتهم‬
‫ول يُعملوا عقولهم بالقدر الكافي‪.‬‬
‫شجع هذا النمط المستتب من نوعية أسئلة المتحانات‪ ،‬علي انتشار ظاهرة مراكز الدروس‬
‫الخصوصية‪ ،‬التي تتعاقد مع الطلب علي ضمان حصولهم علي نسبة معينة من الدرجات‪ ،‬فى حال‬
‫انتظامهم فى التعامل معهم‪ ،‬ودفع المبالغ المتفق عليها‪ .‬هذا وتقوم الجرائد بصفة دورية بفضح‬
‫حالت بيع الدرجات‪ ،‬والشهادات‪ ،‬وكشوف الدرجات‪ ،‬وكذلك حالت الغش المنتشرة في‬
‫المتحانات‪ .‬ولكن ل توجد إحصائيات واضحة المعالم‪ ،‬عن حجم هذه النشطة‪ .‬أصبحت تلك‬
‫المور‪ ،‬بعد نشرها‪ ،‬بمثابة المعلومات العامة‪ ،‬مما اصاب الطلب بصفة عامة‪ ،‬بدرجة عالية من‬
‫الحباط‪ ،‬واصبحوا ل يبذلون أي مجهود يُذكر للوصول إلي أي انجاز حقيقى ذو معني في التعلم‪.‬‬
‫إن تهميش المواد المدنية‪ ،‬وضعف مستوي الداء فيها‪ ،‬انما جاء كنتيجة للتغيرات الساسية في‬
‫أوليات التعليم‪ ،‬كما تسبب الهتمام الزائد بتلقين المواد الدينية‪ ،‬في استبدال معظم العمال الدبية‪،‬‬
‫بمقالت الوعظ‪ ،‬كذلك استبدل الشعر الكلسيكي بالشعر الديني‪ ،‬كما اقتصرت مقررات التاريخ‬
‫والجغرافيا علي الماكن والزمنة السلمية‪ .‬واما مفهوم الحضارة العالمية المتوحدة‪ ،‬فما زال‬
‫غائبا عن نظر الطلب‪ .‬والهم من هذا وذاك‪ ،‬يأتي تشويه دور المنطق والبداع في العملية‬
‫التعليمية‪.‬‬
‫لم تنجح الحتجاجات والمعارضة فى التصدى لسياسة التلقين في التعليم‪ ،‬وبدل من ذلك اتجه أولياء‬
‫المور الميسورون‪ ،‬والقادرون على تحمل اعباء المصاريف الضافية‪ ،‬إلي إلحاق أبنائهم بالمدارس‬
‫المتوسطة الخاصة النجليزية‪ .‬حيث تتيح مناهج تلك المدارس قدرا اكبر من التعليم المدني‬
‫وتستعمل كتبا أجنبية‪ .‬ومما ل شك فيه‪ ،‬فقد كانت سياسة الحكومة بأسلمة التعليم ‪ -‬سواء بقصد أو‬

‫‪71‬‬

‫بدون علم‪ -‬من أهم اسباب انتعاش القطاع الخاص في التعليم‪ .‬واستطاعت هذه المدارس –دون‬
‫غيرها‪ -‬ان توفر بعض وسائل الفلت من القواعد المفروضة من جهاز الدولة في أثناء فترة‬
‫باكستان الضيائية‪ .‬وأما الحكومة المدنية التالية‪ ،‬فكانت علي درجة عالية من الضعف بحيث لم‬
‫تحدث اى تغيير يذكر‪.‬‬
‫كذلك شهدت سنوات حكم الجنرال ضياء الحق‪ ،‬إبادة حقيقية للنشاط الثقافي في الجامعات‬
‫الباكستانية‪ ،‬حيث مُنعت المحاضرات العامة‪ ،‬والحوارات‪ ،‬والمسرحيات‪ ،‬وحتى اللقاءات الشعرية‪.‬‬
‫ويرجع احد أسباب المنع‪ ،‬الى السلطات الجامعية‪ ،‬التي تملكتها الرغبة في فرض القانون والنظام‪،‬‬
‫وأما السبب الخر فجاء نتيجة التهديدات الساخنة من مجموعات الطلب المتدينين‪ ،‬الذين اعتبروا‬
‫التمثيل والموسيقي من المور اللإسلمية‪ .‬ويلحظ ان هذه القوة الخيرة‪ ،‬لم تتلشي بوفاة ضياء‬
‫الحق‪.‬‬
‫تبعا لذلك‪ ،‬وكنتيجة لقلة النتاج الفكري والعلمي‪ ،‬صارت الجامعات الباكستانية من اضعف‬
‫الجامعات في جنوب آسيا‪ .‬وتكفى المقارنة بين الجامعات الهندية ومثيلتها في باكستان‪ .‬وهذا أمر‬
‫علي جانب خاص من الهمية‪ ،‬نظرا للتشابه الواضح بين البلدين من الناحية التاريخية والحضارية‪.‬‬
‫فيوجد بالهند أكثر من اثنتى عشر مؤسسة متخصصة في العلوم الفيزيائية والهندسة‪ .‬وهذه‬
‫المؤسسات تشمل خمس معاهد للتكنولوجيا‪ ،‬إضافة لمركز بهابها للبحوث الذرية (‪Bhabha‬‬
‫‪ ،)Atomic Research Centre‬ومعهد تاتا للبحوث الساسية (‪Tata Institute Of‬‬
‫‪ ،)Fundamental Research‬ومعهد ساها (‪ ،)Saha Institute‬والمعهد الهندى للعلوم (‬
‫‪ ،)Indian Institute Of Science‬الخ‪ .‬ويلحظ ان النتاج التعليمي و البحثي لواحد فقط من هذه‬
‫المؤسسات‪ ،‬وهو معهد التكنولوجيا بمدينة كانبور‪ ،‬يزيد بكثير عن إجمالي إنتاج كل المؤسسات‬
‫الباكستانية‪.‬‬
‫منحت الجامعات الباكستانية ‪ 37‬درجة دكتوراة في الفترة من ‪ 1982‬إلي ‪ ،1985‬ومعظمها في‬
‫العلوم البيولوجية‪ ،‬ولم تمنح حتى الن درجة دكتوراة واحدة في الهندسة‪ .‬في نفس الفترة الزمنية‪،‬‬
‫منح المعهد الهندي للتكنولوجيا بـ كانبور منفردا ‪ 202‬دكتوراة في العلوم والهندسة‪ .‬كما زاد‬
‫إجمالي ما منحته الهند من درجات الدكتوراة فى العلوم‪ ،‬خلل عام ‪ 1980‬عن ‪ 2000‬درجة‪.‬‬

‫‪72‬‬

‫في ظل حالة الفقر الثقافي هذه‪ ،‬فقد تجنب أذكياء الشباب النخراط في السلك الجامعي‪ ،‬ولجأ‬
‫بعضهم للسفر إلي الخارج‪ ،‬حيث أصبحوا من المرموقين هناك‪ ،‬وشغلوا مناصب يحسدوا عليها‪.‬‬
‫من آن لخر‪ ،‬يمكن إقناع احد الندرة البارعة من الرجال أو النساء بقبول المخاطرة‪ ،‬والتقدم‬
‫لللتحاق بالسلك الكاديمي الجامعي‪ ،‬رغما عن الحتمالت الكبيرة في رسوبهم علي أيدي بعض‬
‫لجان الختيار الجامعية‪.‬‬
‫بهدف الحفاظ علي الجامعات‪ ،‬وحمايتها من اجراء أي تعديل غير مرغوب فيه‪ ،‬فقد طورت النظم‬
‫الدارية الجامعية‪ ،‬لختيار المتقدمين للعمل بطريقة متقنة‪ ،‬بحيث تمنع بقدر المكان‪ ،‬احتمال تلوث‬
‫الجامعة بجراثيم المثقفين والكفاءات المهنية‪ .‬وتوكل مهمة التطهير تلك‪ ،‬إلي لجان الختيار‬
‫الجامعي‪ .‬وأما عن الوسائل التي تستعملها هذه اللجان لنجاز مهامها‪ ،‬فتشمل علي سبيل المثال‪،‬‬
‫إجبار المتقدمين علي الجابة علي أسئلة ل علقة لها بالمرة بتخصصهم‪ ،‬ول تمت بأي صلة لي‬
‫نشاط مهني محتمل للمتقدم‪.‬‬
‫و تتضح تلك النقطة من الجتماعات المتعددة للجنة الختيار‪ ،‬بجامعة القائد عزام ‪-‬التي تعتبر‬
‫الجامعة الولي في باكستان‪ -‬في الفترة ‪ .1988 - 1987‬كان من بين المتقدمين أخصائيين‬
‫متميزين من حاملي درجة الدكتوراة في المواد العلمية‪ .‬ولدي مثولهم أمام اللجنة ووجهوا بأسئلة‬
‫مثل‪:‬‬
‫ ما هي أسماء زوجات الرسول؟‬‫ إتل دعاء القنوت؛‬‫ متى طبقت اتفاقية باكستان؟‬‫ ما الفرق بين الذانات المختلفة؟‬‫ ما معني اسمك؟‬‫ إتل أسماء ال الحسنى‪.‬‬‫استقر امر استجواب المتقدمين‪ ،‬في المور السلمية‪ ،‬وحول باكستان‪ ،‬وتحول الى قاعدة رسمية‬
‫في عهد ضياء الحق‪ .‬كذلك جرت العادة علي رفض طلبات المتقدمين‪ ،‬إذا رفضوا المثول أمام تلك‬
‫اللجان‪ .‬ولم ترفض حكومة بنازير هذه السياسة‪ ،‬كما ان الحكومة التالية اكدت عليها‪.‬‬
‫ترتبط نوعية الكفاءات المطلوب توافرها في أعضاء هيئة التدريس بالجامعة‪ ،‬برباط وثيق بنوعية‬
‫الدور المرغوب أن تؤديه الجامعة في المجتمع بصفة عامة‪ .‬والجامعات في المجتمعات النشطة‪،‬‬

‫‪73‬‬

‫مثلها كمثل المغناطيس الذي يشد إليه أكثر العقول إبداعا‪ .‬فالجامعات ل تقوم فقط بنقل المعرفة بين‬
‫الجيال‪ ،‬بل إنها توسع أفاق المعرفة‪ ،‬وتعطي قوة الدفع اللزمة لنمو المجتمع‪ .‬حيث يعتمد‬
‫المجتمع الحديث بشكل حاسم علي حيوية وصحة جامعاته‪ ،‬وبدونها يتحول إلي التراخى والخمول‪.‬‬
‫علي الجانب الخر‪ ،‬فيبدو أن المجتمع الباكستاني لم ينمي شيئا في جامعاته سوي الذعان‬
‫والخنوع‪ ،‬ول يعني هذا الذعان‪ ،‬التخلي عن العنف المادي‪ ،‬فقد أصبح من المألوف استعمال بنادق‬
‫الكلشينكوف‪ ،‬والسلحة الوتوماتيكية‪ ،‬داخل الحرمات الجامعية‪ .‬انما هو في الواقع خنوعا ثقافيا‪.‬‬
‫مما يعكس عدم القدرة المزمن علي التفكير المستقل‪ ،‬أو التحليل‪ ،‬أو البداع‪ .‬وبناءا علي ذلك فقد‬
‫أصبحت الجامعة مركزا جاذبا لقل عناصر المجتمع كفاءة‪ ،‬وهم الطلب والمدرسين الذين فشلوا‬
‫في كل المجالت الخري‪ .‬فحقيقة‪ ،‬أينما سُدت وسائل التعبير عن الرأى‪ ،‬فل يتبقى على السلطة‬
‫سوى فجاجة الحق والخطأ المطلق‪ ،‬و يصبح العنف هو رد الفعل الطبيعي‪ ،‬إن لم يكن الحتمى‪.‬‬
‫العلم كمنظور عالمي‬
‫تصبح التفرقة بين العلم والتكنولوجيا غامضة وغير محددة كلما تقدمنا نحو نهايات حدود‬
‫التكنولوجيا‪ .‬فالهندسة الوراثية‪ ،‬والروبوتات‪ ،‬وأنظمة الذكاء الصناعي‪ ،‬والكومبيوتر‪ ،‬واللتحام‬
‫النووي‪ ،‬ورحلت الفضاء‪ ،‬كلها خرجت الى الوجود عن طريق العلم النظري المعقد‪ ،‬الذى تعتمد‬
‫عليه بشدة كل النجازات التكنولوجية‪ ،‬من اجل مزيد من التقدم‪ .‬ومن الخطأ اعتبار العلم‬
‫والتكنولوجيا لفظين مترادفين‪ ،‬أو أن بالمكان تبادلهما‪ ،‬فهما موجهان نحو أهداف مختلفة‪،‬‬
‫ومتطلباتهما مختلفة تماما‪ ،‬سواء كان ذلك علي المستوي الفلسفي أو الدراكي‪ .‬وعلي سبيل المثال‪،‬‬
‫ففي الوقت الذي يقل فيه الهتمام بالقيم والمعتقدات‪ ،‬كما قد يحدث اثناء عمليات تصميم وانشاء‬
‫محطات تكرير البترول‪ ،‬او مجمعات تصنيع السيارات‪ ،‬ال ان الوضع يختلف تماما عند محاولة‬
‫تقدير العلم او عند محاولة اتقانه والتحكم فيه‪ .‬على صعيد آخر‪ ،‬فحقيقة ان العلم ل يمكنه الستغناء‬
‫عن النقد‪ ،‬تعنى بالضرورة ان الصطدام مع النماط الفكرية التقليدية شيئ حتمى ومن المستحيل‬
‫تجنبه‪.‬‬
‫ولقد صادفتنا مواقف كثيرة‪ ،‬ظهر فيها عدم ارتياح بعض المسئولين السعوديين الكبار‪ ،‬وهم ليسوا‬
‫وحدهم‪ ،‬الذين يرون تعارضا شديدا‪،‬بين رؤى العالم العلمية من ناحية‪ ،‬ومتطلبات اليمان من ناحية‬
‫اخرى‪ ،‬جدير بالملحظة ان هذه هى نفس المخاوف التي دأب الصوليون من مختلف الديان علي‬
‫ترديدها‪ .‬وسأحاول ان اوضح‪ ،‬فيما تبقي من هذا الفصل‪ ،‬ان المناخ الثقافي المعاصر في كثير من‬

‫‪74‬‬

‫البلد السلمية ل يبشر بالخير فيما يتعلق بالتفكير الحر والعلم‪ ،‬ولعل هذا يتضح من خلل‬
‫استعراض الحالت التية‪:‬‬
‫•ل يوجد مجال تظهر فيه الخلفات بوضوح‪ ،‬أكثر من دائرة الخلف حول‬
‫المعجزات‪ .‬ومن اجل ابراز اهمية اليمان بوجود المعجزات‪ ،‬وبمدى فاعليتها‪،‬‬
‫فقد عُقد مؤتمر دولي واسع بعنوان "المعجزات العلمية في القران والسنة" في‬
‫أكتوبر ‪ ،1987‬في العاصمة الباكستانية إسلم أباد‪ ،‬ووُضع المؤتمر تحت‬
‫رعاية رئيس باكستان السابق الجنرال ضياء الحق‪ .‬وشارك في تنظيمه كل من‬
‫الجامعة الدولية السلمية‪ ،‬و"منظمة المعجزات العلمية" ومقرها مكة‪ .‬وحضره‬
‫بضعة مئات من التقياء الورعين من مختلف الدول السلمية‪ .‬لقد مثل‬
‫المؤتمر حدثا هاما‪ ،‬بصفته واحدا من النشطة المماثلة الكثيرة‪ ،‬التي دعمتها‬
‫الدولة الباكستانية في الماضي القريب‪ ،‬وكذا لنه صور بوضوح‪ ،‬النمط‬
‫الفكري للقابضين علي مقاليد السلطة في باكستان‪ .‬وتوجهت دفة مناقشات‬
‫المؤتمر للتاكيد على‪:‬‬
‫‪.1‬التأكيد علي وجود معجزات "علمية"؛‬
‫‪.2‬إثبات أن كل الحقائق العلمية‪ ،‬يمكن تتبع آثارها وإرجاعها‪ ،‬إما‬
‫إلي القرآن واما الى السنة؛‬
‫‪.3‬التاكيد على ان النظريات الحديثة فيما يتعلق بالظواهر‬
‫الفيزيائية‪ ،‬تستند بوضوح إلي النصوص المقدسة؛‬
‫‪.4‬إدانة العلم المدني "الغربي"‪.‬‬
‫وسيجد القارئ بعض المثلة من المقالت التى عرضت فى المؤتمر‪ ،‬فى الملحق المُعنون "يسمونه‬
‫علما اسلميا" بنهاية هذا الكتاب‪.‬‬
‫•مازال تحديد هلل رمضان‪ ،‬مثار جدل مرير‪ ،‬بين ذوي الميول العلمية‪ ،‬وبين‬
‫علماء الدين‪ ،‬وحتى بين علماء الدين وبعضهم البعض‪ .‬كثيرا ما تسبب‬
‫الخلف‪ ،‬حول ظهور الهلل من عدمه إلي بدء المسلمين فى الصيام في أوقات‬
‫مختلفة‪ ،‬أو احتفالهم بعيد الفطر في أيام مختلفة‪ ،‬اعتمادا علي المجتمع الذى‬
‫يعيشون فيه‪ ،‬وعلى رأى السلطة الدينية التى يتبعونها‪ ،‬وفي محاولة لتخطي‬
‫الخلفات‪ ،‬يؤكد ذوو الميول العلمية علي استطاعة علم الفلك الحديث التنبؤ‬

‫‪75‬‬

‫بمكان وزمن مولد الهلل بدقة فائقة‪ .‬وبناءا عليه ‪-‬من وجهة نظرهم‪ -‬فيمكن‬
‫التخلص من الخلفات بين مختلف المراقبين‪ ،‬ويمكن تحديد موعد العيد مسبقا‪.‬‬
‫لكن معظم علماء الدين يختلفون مع هذا الرأى بشدة ويصرون علي عدم إمكان‬
‫وجود بديل للرؤية البصرية‪ .‬وحرصا علي تجنب أية خلفات محتملة‪ ،‬حول‬
‫مسألة حساسة كهذه‪ ،‬قد تتسبب في حدوث نوع من الشقاق‪ ،‬فقد قامت الحكومة‬
‫الباكستانية بتشكيل لجنة خاصة لرؤية الهلل‪ ،‬على ان تصعد اللجنة عاليا‬
‫علي متن طائرة‪ ،‬لستطلع الهلل في الوقت المناسب‪ .‬لكن حتى هذا الجراء‬
‫لم يحظ بإتفاق جماعي من علماء الدين‪.‬‬
‫•توقع التغييرات الجوية مسألة أخري تدور حولها المصادمات بين وجهات‬
‫النظر الحديثة والصولية‪ ،‬فأنصار الحداثة من المسلمين يرون أن القوانين‬
‫الفيزيائية تحكم المناخ بصفة عامة‪ ،‬وخاصة نزول المطر‪ ،‬ولكنهم‪ ،‬فى نفس‬
‫الوقت‪ ،‬حريصون علي التوفيق بين هذا الرأى وبين المعتقدات السلمية‬
‫المتعلقة بهذا الشأن‪ ،‬خاصة تلك المستمدة من سور القرآن الكريم‪ ،‬والتي تصف‬
‫نوعا خاصا من الصلوات يُعرف بصلة الستسقاء‪ ،38‬وفي تفسير أنصار‬
‫الحداثة أن الصلة من اجل المطر‪ ،‬تعبر فقط عن الرغبة القوية في نزول‬
‫المطر‪ ،‬ولكن ل يجب‪ ،‬على حد قولهم‪ ،‬أن نتوقع من ال أن يوقف العمل‬
‫بقوانين الطبيعة‪ ،‬بناءا علي مثل تلك الصلوات‪ .‬لبد من الشارة الى ان معظم‬
‫الدول السلمية تمتلك مراصدا حديثة‪ ،‬أو على القل‪ ،‬لديها أقساما للرصاد‬
‫الجوية‪ ،‬تعطي البيانات الخاصة بالتغيرات الجوية المتوقعة‪ ،‬بما فيها نزول‬
‫المطر‪ ،‬معتمدة علي البيانات المستمدة من القمار الصناعية‪ ،‬وعلى الحسابات‬
‫الدقيقة القائمة على اساس معادلت الفيزياء الخاصة بالسوائل ثم تذاع هذه‬
‫البيانات بصفة منتظمة من خلل أجهزة العلم‪ ،‬تمشيا مع الممارسات‬
‫الطبيعية المشابهة في باقى بلدان العالم‪.‬‬

‫‪38‬‬

‫﴿وإذ إستسقى موسى لقومه…" سورة البقرة ‪ " ،2 -‬فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا * يرسل السماء‬

‫عليكم مدرارا﴾ سورة نوح ‪ .11-10 -‬هذا بالضافة الى عدد آخر من اليات الدالة على قدرة ال على إنزال‬
‫المطر (الزخرف‪ 11-‬والفرقان ‪ 49-48‬وغيرها)‪ .‬كذلك وردت الممارسة بكتب السنة والحديث‪( .‬المترجم)‬

‫‪76‬‬

‫يتبنى الصوليون وجهة نظر أخري في هذه المسالة‪ ،‬تختلف بشدة مع رأي الحداثيين‪.‬‬
‫فكثير من‪ ،‬ان لم يكن معظم علماء الدين الصوليون‪ ،‬يزعمون بقوة‪ ،‬أن توقع نزول‬
‫المطر‪ ،‬يقع خارج الحدود الشرعية لمعرفة النسان‪ ،‬بل‪ ،‬والكثر من ذلك‪ ،‬فإنه يعد خرقا‬
‫للمجالت فوق الطبيعية‪ .‬استنادا علي ذلك‪ ،‬توقفت وسائل العلم فى باكستان بهدوء عن‬
‫اذاعة ونشر النشرات الجوية فيما بين عامي ‪ 1983‬و ‪ ،1984‬مع ملحظة أن تلك‬
‫النشرات عادت للظهور بعد ذلك‪ .‬يتواجد اليمان بالتدخل المباشر لما هو فوق الطبيعة‬
‫للتأثير علي المناخ‪ ،‬ليس فقط على مستوى الفراد‪ ،‬لكن ايضا علي المستوي الرسمي‬
‫للدولة‪ .‬بناءا علي ذلك‪ ،‬فعندما يشتد الجفاف تقوم الحكومة في المملكة العربية السعودية‪،‬‬
‫بتنظيم الصلوات الخاصة لنزول المطر‪ .‬كما قامت حكومة ضياء الحق في باكستان بإحياء‬
‫تلك الممارسات في عام ‪ ،1981‬جدير بالذكر أن مثل تلك الصلوات يقيمها عادة عشرات‬
‫اللف من المؤمنين‪.‬‬
‫•بالنظر إلي الداروينية (نسبة إلي نظرية داروين) كتهديد للعقيدة‪ ،‬فل تخفى‬
‫السلبية الشديدة التى ينظر بها المسلمون في العالم السلمي الى نظرية‬
‫التطور في علم الحياء‪ ،‬بل صارت المسألة‪ ،‬منذ دخولها إلي العلم العربي‬
‫في عام ‪ 1910‬بواسطة شبلى شمايل (‪ ،39)Shibli Shumayyil‬محل‬
‫شجب شديد وجدل متأجج من قبل التقليديين الذين أعلنوا الجهاد ضد سموم‬
‫الداروينية‪ ،‬حتى جمال الدين الفغاني ‪-‬الذي دافع عموما عن العلم‬
‫الغربي‪ -‬فقد كان رد فعله قويا‪ ،‬وكان في الواقع أول الرموز السلمية‬
‫الكبيرة التي هاجمت الداروينية‪ .‬للفغاني‪ ،‬ككثير من المعارضين‪ ،‬مقولة‬
‫غريبة في هذا الشأن‪ ،‬حيث يقول "‪...‬وعلى زعم داروين يمكن أن يصير‬
‫البرغوث فيل بمرور القرون وكر الدهور‪ ،‬او ينقلب الفيل برغوث كذلك"‬
‫(مرجع ‪ .)12‬وقد تناول عادل زيادات (‪ )Adel Ziadat‬موقف العالم‬
‫العربى من الداروينية فى احد كتبه الحديثة (مرجع ‪.)13‬‬

‫‪ 39‬شبلى شمايل (‪ ،)1917-1860‬لبنانى الصل‪ ،‬من اوائل الرواد المدافعين عن العلم فى العالم العربى‪ ،‬واول من‬

‫ترجم كتاب اصل النواع لداروين عن الترجمة اللمانية التى قام بها "بوخنر" ‪ ،‬ليقدمه للقارئ العربى‪ ،‬فى محاولة‬

‫للتنبيه الى اهمية العلم ‪ .‬كما الف كتابا بعنوان"فلسفة النشوء‬

‫‪77‬‬

‫والرتقاء"‪(.‬المترجم)‬

‫وحتى يومنا هذا‪ ،‬فان التمسك بوجهات نظر تدعم علم الحياء التطوري‪ ،‬يمثل خطرا في‬
‫كثير من البلد السلمية‪ ،‬وهناك بعض القوانين التي تمنع تدريسه‪ ،‬وقد تم حديثا (‪)1990‬‬
‫سجن فاروق محمد إبراهيم‪ ،‬وهو متخصص بارز في علم الحياء بجامعة الخرطوم‪ ،‬لقيامه‬
‫بتدريس نظرية داروين لطلبه‪ ،‬وفي خطاب له ‪-‬تم تهريبه من السجن‪ -‬شرح بالتفصيل‬
‫كيف تم جَلده‪ ،‬وركله‪ ،‬وضربه‪ ،‬في حضور أحد أعضاء مجلس الثورة هناك‪ .‬وقد أثار هذا‬
‫النوع من التعامل ثائرة قطاع من المجتمع السلمي في بريطانيا‪ ،‬فقد قال زكي بدوى‬
‫معقبا‪ ،‬وهو رئيس المدرسة السلمية بلندن ورئيس اتحاد أئمة المساجد هناك‪ :‬أنا ل‬
‫اصدق‪ ،‬فلبد أن السلطات السودانية قد أصابها الجنون‪ ....‬فقد يكون مبَررا اعتقال الناس‬
‫لرائهم السياسية ل لرائهم العلمية (مرجع ‪.)14‬‬
‫•حتى الن‪ ،‬تواظب الجامعات السلمية على تدريس علم الفلك‬
‫البطلميوسي‬

‫‪40‬‬

‫(‪ ،)Ptolemaic System‬داخل إطار علم الفلك القديم‪،‬‬

‫الذى يضع الرض فى مركز الكون (‪.)Geocentric Cosmology‬‬
‫اما علم الفلك الحديث‪ ،‬فيشار اليه كمجرد نظرية بديلة محتملة‪.‬‬
‫•يمتد النظام الفلكى البطلميوسي‪ ،‬ليستلهم منه الشيخ عبد العزيز بن باز‪،‬‬
‫من السعودية‪ ،‬وهو الرئيس المشهور بجامعة المدينة‪ ،‬الحاصل علي‬
‫جائزة الملك فيصل الدولية لخدمة السلم في عام ‪ ،1982‬وهو الذي‬
‫ألف كتابا بعنوان "جريان الشمس والقمر وسكون الرض"‪ .‬يقول‬
‫الشيخ الموقر‪ :‬إن الرض مركز الكون‪ ،‬وان الشمس والقمر يدوران‬
‫حولها‪ .‬جدير بالذكر‪ ،‬انه قام في كتاب سابق له‪ ،‬بتهديد المختلفين معه‬
‫فى الرأى‪ ،‬بفتاوى التكفير المفزعة‪ ،‬إل انه‪ ،‬فى الحقيقة‪ ،‬لم يكرر‬
‫دعاوي التكفير في كتابه الحدث‪ .‬والن يُعد الشيخ بن باز من‬
‫الشخصيات المرموقة في المملكة العربية السعودية‪ ،‬حيث تؤخذ أراؤه‬
‫هناك بمنتهي الجدية‪.‬‬
‫‪40‬‬

‫علم الفلك البطلميوسي‪ ،‬نسبة الى العالم "كلوديوس بطلميوس (‪ Claudius Ptolemaeus) (150-87‬قبل‬

‫الميلد)‪ ،‬عاش فى السكندرية حيث اجرى بحوثه الفلكية‪ ،‬وكان عالما فى الفلك‪ ،‬والرياضيات‪ ،‬والجغرافيا‪ .‬تمت‬
‫ترجمة ابرز اعماله الى العربية‪ ،‬ايام هارون الرشيد‪ ،‬فى مجلد عرف باسم "الماجست" (‪ .)Almagest‬وظلت‬
‫نظريته القائلة بان الرض هى مركز الكون‪ ،‬وان باقى النجوم والكواكب تدور حولها‪ ،‬سائدة لكثر من الف‬
‫وأربعمائة عام‪ ،‬حتى مجئ كوبرنيكوس بنظريته الحدث فى عام ‪( .1543‬المترجم)‬

‫‪78‬‬

‫وقد يوحي ذلك إلي بعض القراء بان التقدم ل يعتبر من الفضائل هناك‪ ،‬ولكن يوضع في‬
‫العتبار أن السعودية كانت اول دولة‪ ،‬بل الوحيدة حتى الن‪ ،‬التي أرسلت برائد فضاء إلي‬
‫الفضاء الخارجى‪ .‬ومن البعد ومحمول علي متن سفينة الفضاء الخاصة بوكالة الفضاء‬
‫المريكية "ناسا" (‪ ،)NASA‬فقد كان بإمكان رائد الفضاء المسلم بكل تأكيد أن يعقب علي‬
‫فتاوى الشيخ‪ ،‬ما لم يكن منشغل في مهمته الملحة بتحديد اتجاه القِِبلة لصلواته‪.‬‬
‫رغم القول بان انتصار العلم علي الخرافة يكاد يكون مؤكدا‪ ،‬ال ان المعركة لم تحسم‬
‫بالفوز حتى اليوم‪ .‬ونادرا ما تجد المآسي الناجمة‪ ،‬طريقها للنشر والعلم‪ .‬وعلي أية حال‪،‬‬
‫فهناك بعض الستثناءات‪ ،‬مثل حادثة خليج هاوكس (‪ )Hawkes Bay‬المشهورة عام‬
‫‪ .1983‬ففي صباح يوم ممطر‪ ،‬تدفق المئات من القرويين من شمال باكستان‪ ،‬مستلهمين‬
‫حُلم إحدي عذراوات المدينة‪ ،‬وقفزوا إلي المياه العاصفة للخليج العربي‪ ،‬وكان أملهم الحج‬
‫إلي مدينة كربلء المقدسة في العراق‪ .‬وقد أُكد لهم أن من شأن البحر أن يمنحهم طريقا‬
‫آمنا لبلوغ غايتهم‪ .‬فكانت النتيجة ان تم انتشال أكثر من ‪ 30‬جثة‪ .‬وقد تصرفت قوات‬
‫المن‪ ،‬التي لم تكن متأكدة من كيفية التعامل في مثل هذه الحالت‪ ،‬ببيروقراطية كلسيكية‪،‬‬
‫حيث قامت بالقبض علي الناجين ووجهت إليهم تهمة محاولة مغادرة البلد بدون جوازات‬
‫سفر‪ ،‬ثم تم الفراج عنهم بعد ذلك بوقت قليل‪ ،‬هذا‪ ،‬وقد اثني بعض علماء الدين المرموقين‬
‫علي محاولة الحج هذه‪ .‬أما ما له دللة عميقة‪ ،‬فكان كم الدعم المجتمعي‪ ،‬الذي حصدته هذه‬
‫المحاولة المشئومة من الجماهير بوجه عام‪ ،‬فبعد حملة لجمع التبرعات‪ ،‬تمكن الناجون من‬
‫السفر للحج باستعمال الطائرات‪.‬‬

‫‪79‬‬

:‫المراجع‬
What follows is similar to the criteria devised by J. D. Bernal in his classic work, -1
.Science in History, Vol. 1, (Cambridge, MIT Press, 1971), pp. 27-53
F. Engels in The Origens of the Scientific Revolution, ed. H. Kearny, -2
.(LondonLongmans Green, 1964), pp. 64-6
.(World Development Report, (Oxford, Oxford University Press, 1989 -3
Data on trade and technology in Muslim countries has been collected in useful form in -4
the International Conference on Science in Islamic Polity, Vol. 1. (Islamabad, Ministry of
.(Science and Technology, 1982
.Michael Moravcsik, In Reference 4 above, pp. 340-54 -5
A. B. Zahlan in Science and Science Policy in the Arab World, (London, Croom Helm, -6
.1980), Chapter 2
.A. B. Zahlan, Journal of Palestine Studies, I(1972), pp. 17-36 -7
.World Bank Report, 1986 -8
Development Associates Report on Primary Education in Pakistan, prepared for USAID -9
.and the Government of Pakistan, p. 5
J. B. S. Haldane, 'Is Science a Misnomer?', The Hindu Weekly Review, August 31, -10
.1959
National Institute of Psychology, Quaid-e-Azam University, Islamabad, unpublished -11
.report, 1983
Nikkie Keddie, An Islamic Response to Imperialism, (University of California Press, -12
.1983), p. 15
Adel A. Ziadat, Western Science in the Arab World- The Impact of Darwinism, 1860- -13
.(1930, (London, Macmillan Press, 1986
.New Scientist, 17 March 1990, p. 21 -14
G. Sanitillana in the preface to Science and Civilization in Islam, by S. H. Hossein, -15
.(Cambridge, Mass. Harvard University Press, 1968), p. xi

80

‫الفصــل الخامــس‬
‫ثلثة ردود إسلمية حول تخلف النمو‬
‫"ل تعتبر حقيقة عدم تطور العلم والتكنولوجيا‪ ،‬بشكلهما الحالي‪ ،‬مؤشرا على التخلف كما يدعي‬
‫البعض‪ ،‬ولكنه رفض السلم للقرار بالطبيعة المدنية لكل شكل من أشكال المعرفة"‬
‫السيد حسين نصر ) ‪(Sayed Hussein Nasr‬‬
‫من المستحيل إخفاء النمو البطيء للعلم وللفكار الحديثة في معظم البلد السلمية‪ ،‬حتى‬
‫بمقارنتها مع مثيلتها من بين الدول غير السلمية‪ .‬كما ل يظهر أي أثر محسوس لنشاطهم في مجال‬
‫البحوث العلمية‪ ،‬رغم أنهم يمثلون خُمس سكان العالم‪ .‬كما يتميزون عن بقية الدول النامية باعتمادهم‬
‫المُخزي على التكنولوجيا وخبرة المعرفة الكيفية )‪ (Know How‬الغربية‪ .‬ظهرت تلك الحقيقة‬
‫الساطعة‪ ،‬واستمرت لكثر من ‪ 200‬سنة‪ ،‬وتمثلت بوضوح شديد في حرب الخليج الحديثة‪ .‬وسيان‬
‫الن أن يُمتدح هذا الواقع – كما تشير الفقرة المذكورة في مستهل هذه الصفحة‪ ،‬وهى مقتبسة من نصر‬
‫– كأسلوب لظهار التماسك تجاه التأثيرات المفسدة للغرب‪ ،‬أو أن يُُشجب‪ .‬ففي كل الحالتين‪ ،‬لن يؤثر‬
‫هذا كثيرا على مصداقية الحقيقة‪ .‬وبدل من الدخول في جدل عقيم لنقض الواقع المرير‪ ،‬فيبدو أفضل‬
‫كثيرا لنا أن نحاول فهم أسباب بطء نمو العلم والحداثة في الدول السلمية‪.‬‬
‫لعل من أبسط المور إلقاء اللوم على العقيدة السلمية ذاتها‪ .‬حيث يكاد أن يكون من‬
‫المسلمات أن ينظر معظم الغرب إلى السلم على أنه مجموعة متحجرة من المعتقدات‪ .‬كما يعتبرون‬
‫التخلف العلمى للمم السلمية دليل على أن السلم فى أساسه تخلفى وغير قادر على إستيعاب‬
‫الحضارة العلمية الحديثة‪ .‬ويؤكد كثير من كبار المستشرقين منذ زمن طويل على أن السلم يُولٍد‬
‫الجبرية واليمان بالقضاء والقدر‪ ،‬وتوجهاته نحو الماضي ل إلى المستقبل‪ ،‬كما أنه مثبط للتجارب‬
‫الجديدة وللبداع ويذهبون إلى أبعد من ذلك فيقولون أن السلم والحداثة متناقضين من الساس‪ ،‬حيث‬
‫تتداخل حدود العالم الدنيوي مع حدود العالم الخر بصورة مربكة‪ ،‬ذلك لن السلم يرفض الحضارة‬
‫المدنية والمنطقية ) مرجع ‪.(1‬‬
‫وعلى حد زعم دانييل ليرنر )‪ ،(Daniel Lerner‬وهو من رواد علم الجتماع الغربيين‬
‫)مرجع ‪ " (2‬يقف السلم عاجزا تماما في مواجهة الحداثة "‪ .‬أما مانفريد هالبرن )‪Manfred‬‬
‫‪ ،(Halpern‬وهو مستشرق اخر‪ ،‬فيكتب ان النظام السلمي الذي ربط يوما بين النسان وال‬

‫‪81‬‬

‫والمجتمع‪ ،‬يتهاوى الن ممزقا بأنياب الحداثة‪ ،‬التي تمزق نماذجه المتكررة من توازنات القوى"‬
‫) مرجع ‪ .(3‬إضافة إلي ذلك نجد أحد المثقفين البارزين ممن لهم ثقلهم في المجتمع وهو عالم الجتماع‬
‫اللماني ماكس فيبر‪ ،‬الذي ليخفى تحيزه العنصرى والعرقـى حيث يخلص في إحدى مناقشاته‬
‫الساسية الى أن السلم ‪-‬كدين للمقاتلين‪ -‬قد أنتج خُلُقا ل يتفق مع مجتمع رأسمالى عقلنى‪ ،‬وأنه‬
‫محكوم على المجتمع بحياة العصور الوسطي‪ ،‬إذا تخلى عن هذا الخُلُق‪ .‬وسأتعرض لوجهات نظر "‬
‫فيبر" لحقا‪.‬‬
‫تحمل تحليلت المستشرقين أحيانا بعضا من عناصر الحقيقة‪ ،‬لكنها كثيرا ما تتميز بالسطحية‬
‫الشديدة‪ ،‬وتحتاج إلي النظر إليها بشيء من الشك‪ .‬ففي المجالت النسانية التي ل تنطبق عليها معايير‬
‫الموضوعية العلمية المحكمة‪ ،‬يتسع المجال لسوء القصد والتلعب‪ .‬فعلى سبيل المثال قامت جامعة‬
‫مانيتوبا)‪ ، (University Manitoba‬بناءا على توصية من أحد المستشرقين المشهورين‪ ،‬بدعم‬
‫مؤتمر بعنوان مستفز "الرهاب السلمي فى التسعينيات" هذه الساءات تدل على أن لدى الكثير من‬
‫المستشرقين دوافع نفسية عدائية تجاه موضوع دراساتهم‪ .‬جدير بالذكر أن أحد السلميين البارزين‬
‫وهو مونتجمرى وات )‪ (Montgomery Watt‬توجه بالنصيحة لدارسى السلم الغربيين حتى‬
‫يكونوا على وعى بالنحيازات الموجودة خوفا من إقحامها فى أعمالهم المهنية مما قد يؤثر على‬
‫جودتها‪:‬‬
‫" تكمن الصعوبة فى أننا توارثنا انحيازات راسخة ترجع إلي " الدعاية الحربية" منذ أزمنة العصور‬
‫الوسطي‪ ...‬فمنذ القرن الثامن الميلدى‪ ،‬بدأت أوروبا فى الوعى والنظر إلى السلم كعدوها العظم‬
‫مهددا إياها فى المجالين العسكرى والروحانى‪ ...‬وظلت الصورة المرسومة عن السلم فى القرنين‬
‫الثانى عشر والثالث عشر مسيطرة على تفكير أوروبا‪ ،‬وما زالت أثارها باقية حتى النصف الثانى من‬
‫القرن العشرين‪ .‬وبناءا على تلك الصورة فقد إع ُتبِر السلم انحرافا عن الحقيقة المسيحية وأنه عبادة‬
‫وثنية كما أنه دين العنف الذى انتشر بالسيف وعبادة بل نسك ورهبنة‪ ،‬كما انه يكتسب أتباعه بتقديم ما‬
‫يلبى رغباتهم الجنسية فى هذا العالم وفى الخرة " )مرجع ‪.(4‬‬
‫لن أحاول هنا أن أناقش بالتفصيل ظاهرة الستشراق بكل أبعادها فقد قام آخرون مثل إدوارد‬
‫سعيد )‪) ( Edward Said‬مرجع ‪ ،(5‬بمثل هذا العمل بكفاءة بالغة‪ ،‬وقد أكد بشدة على مدى قسوة‬
‫الدراسات التى تتم بدون فهم عميق لموضوع الدراسة‪ .‬إن المشكلة الساسية فى كثير من وجهات نظر‬
‫المستشرقين‪ ،‬أنها تُركز على بعض النقاط الشكلية والنصية متجاهلة المناخ الثقافى المتشعب للحضارة‬
‫السلمية الذى واكب تلك الحداث‪ ،‬وبدل من ذلك إستمر التركيز على بعض النماذج السلمية‬

‫‪82‬‬

‫المتخلفة دون وضع اعتبار مناسب لطول الممارسات الثقافية المشرفة فى السلم‪ ،‬وكنتيجة متوقعة‬
‫لهذا الخلط وتلك الساءة‪ ،‬نشأ رد فعل دفاعى من بين المسلمين وظهرت التيارات المتشددة‪.‬‬
‫كانت النتيجة أن جميع الدراسات النقدية أصبحت مشوشة بفعل الدراسات سيئة النية مما أدى‬
‫إلى نوع من النغلق الفكرى لدى كثير من المسلمين وأنقص من قدرتهم على تقدير ضخامة حجم‬
‫المشكلة التى تغلف العالم السلمى اليوم ‪.‬‬
‫فى مواجهة الزمة السياسية والتدهور الفاضح تبلور التساؤل ‪ :‬كيف ينظر المسلمون إلى‬
‫موقفهم من هذا العالم وما السباب التى أدت لذلك ؟‬
‫برزت ثلثة إتجاهات مختلفة من داخل الحضارة السلمية منذ زمن الحتلل وإلى ما بعد‬
‫الستقلل‪ ،‬وهى كما حددها إقبال أحمد‪ -1:‬التيار الترميمى‬
‫‪ -2‬تيار إعادة البناء‬
‫‪ -3‬التيار العملى‬

‫‪Restorationist‬‬
‫‪Reconstructionist‬‬
‫‪Pragmatist‬‬

‫يعطى هذا التصنيف هيكل مفيدا‪ ،‬يمكن من خلله فحص المشاكل وإحتمالت بناء مجتمع علمى فى‬
‫العالم السلمى‪.‬‬
‫الخط الترميمى‬
‫يبدو أن الخط الصلحى هو الكثر شيوعا بين المسلمين الن‪ ،‬وهو يهدف إلى بناء نسخة‬
‫مثالية من الماضى‪ ،‬ويُعزى كل صنوف الفشل والهزائم فى الماضى إلى النحراف عن‬

‫" الطريق‬

‫الحق" وأكثر مظاهر هذا التجاه وضوحا هو إنتشار وتشعب الحركات السلمية الصولية فى‬
‫السبعينات والثمانينيات‪ ،‬فمن مصر – المدنية إسما – إلى المملكة العربية السعودية الوهابية‪ ،‬ومن‬
‫دولة الشيعة الثورية لية ال خومينى إلى جمهورية باكستان السلمية‪ ،‬إرتفعت أصوات البواق بل‬
‫إنقطاع‪ ،‬داعية إلى الحرب المقدسة‪ ،‬الحرب المقدسة ضد النموذج العلمانى والعقلنى والعالمانى‪.‬‬
‫الحرب المقدسة ضد الرأسمالية والشتراكية والشيوعية دون تمييز‪ ،‬الحرب المقدسة من أجل تحقيق‬
‫أى من الرؤى لتأسيس دولة إسلمية مثالية‪ ،‬الحرب المقدسة ضد مبادىء الحتكام إلى المنطق‬
‫بإعتباره الوسيلة الوحيدة التى يجب أن تقود المجتمع البشرى وهى نفس المبادئ التى عبر عنها إبن‬
‫رشد منذ حوالى ‪ 800‬سنة‪ ،‬والحرب المقدسة ضد المؤسسات الحديثة للمجتمع المدنى والفكر العلمى‬
‫ووسائله‪.‬‬
‫سأتناول حالة باكستان فى الجزء التالى نظرا لما لموقفها تجاه العلم والحداثة من أهمية خاصة‪.‬‬

‫‪83‬‬

‫الجماعة السلمية الباكستانية‬
‫تعد الجماعة السلمية الباكستانية طليعة الحركة السلمية فى باكستان وهى حركة دينية‬
‫سياسية تستمد دعمها من الطبقة المتوسطة فى المدن ومن الطلب‪ ،‬وهى بل جدال أفضل الجبهات‬
‫تنظيما وهى مماثلة لجماعة الخوان المسلمين العاملة فى عدد من البلد العربية والتى حصلت مؤخرا‬
‫على تمثيل كبير فى انتخابات البرلمان الولية في الردن‪ ،‬ورغم أن الجماعة لم تحصل على عدد كبير‬
‫من الصوات فى أى إنتخابات قومية فى باكستان إل أن لها تأثير قوى على السياسة‪ ،‬خاصة بين‬
‫صفوف الطبقة المتوسطة فى المدن‪ ،‬حيث تمكنوا من إجراء تغييرات كبيرة فى محتوى المناهج‬
‫التعليمية وذلك بإختراقهم للمؤسسة التعليمية فى زمن ضياء الحق ولم تتمكن الحكومات التالية الكثر‬
‫حرية من إلغائها‪ ،‬وأما الخلفات مع باقى الحزاب السياسية فهى خلفات حول الفرعيات ولم تتطرق‬
‫إلي المور الساسية مثل الدور الذى يجب أن يلعبه العلم فى مجتمع إسلمي‪.‬‬
‫ولعل أكثر المتحدثين لباقة بإسم الجماعة خاصة فيما يتعلق بالعلم والحداثة‪ ،‬هى مريم جميلة )‬
‫‪ (Maryam Jameelah‬وهى أمريكية يهودية الصل‪ ،‬إعتنقت السلم‪ ،‬وجميلة تقارن بين العلم‬
‫والحداثة‪ ،‬وعبادة الصنام ‪:‬‬
‫" تتميز كل مذاهب الحداثة بعبادتها للنسان‪ ،‬وكثيرا ما تتخفى عبادة النسان تحت ستار‬
‫العلم‪ ،‬كما يقتنع أنصار الحداثة بأن التقدم فى المعرفة العلمية سيمنحهم قوى ال "‪) .‬مرجع ‪.(6‬‬
‫والعلم فى رأيها شيطانى فى جوهره نظرا لطبيعته اللحادية ‪:‬‬
‫" ليس للعلم الحديث مُثل أخلقية عليا سوى المادية المجردة والعجرفة‪ .‬إن كل فروع المعرفة‬
‫واستخداماتها ملوثة بالشر‪ ،‬كما يعتمد العلم والتكنولوجيا بالكامل على مجموعة من المثل والقيم التى‬
‫يرعاها رجالها‪ .‬إذا كانت جذور الشجرة فاسدة‪ ،‬فالشجرة فاسدة وعليه فكل ثمارها فاسدة " )مرجع ‪.(7‬‬
‫وفى رأى مريم جميلة أن كل الخير وحلول جميع المشاكل‪ ،‬توجد فى التقاليد القديمة وهى تنتقد‬
‫المقولت التى تؤكد أن الفضل في التقدم وإستمرار التطور‪ ،‬إنما يرجع إلي فعل العلم الحديث‪ " :‬لم‬
‫يحدث أبدا فى المجتمع السلمي أن جرى دعم الصالة والبتكار والتغيير كقيم نابعة من الداخل‪ ،‬فلم‬
‫يكن التقدم اللى المتطور دائما‪ ،‬هو المثل العلى للحضارة السلمية‪ ،‬ولكنها كانت المثل المستديمة‬
‫والقيم المتسامية المستلهمة من القيم العقائدية والروحية للقرآن والسنة"‬

‫) مرجع ‪.(8‬‬

‫على ذلك فمن وجهة نظر مريم جميلة وتأسيسا على الطبيعة الشريرة والملحدة لعلم الغرب‪،‬‬
‫فليس من الضرورى ول من المرغوب فيه أصل أن يلحق العلم السلمى بالغرب‪ .‬وتسترسل بقولها‬

‫‪84‬‬

‫أن الزمن القديم كان أفضل كثيرا فالحداثة لم تات بشيء سوى فساد الروح ثم تدعم موقفها بطبع‬
‫بعض الحاديث النبوية ‪-‬كالحديث التالى‪ -‬على غلف كتابها ‪:‬‬
‫" من أحدث فى أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردُ"‪ ،‬رواه مسلم والبخارى عن عائشة‪.‬‬
‫كذلك ينقد مولنا أبو العلء مودودى ) ‪ (Maulana Abul Ala Maudoodi‬مؤسس الجماعة‬
‫السلمية ومن أكثر المفكرين السلميين تأثيرا فى ايامنا هذه‪ ،‬حيث ينتقد العالم الغربى بمرارة فيقرر‬
‫فى محاضرة له عن التعليم السلمى أن الجغرافيا والفيزياء والكيمياء وعلم الحياء وعلم الحيوان‬
‫وعلم الجيولوجيا وعلم القتصاد‪ ،‬تدرَس بدون مرجعية إلى ال ورسوله‪ ،‬وعليه فهى ) تلك العلوم (‬
‫مصدر للشطط والنحراف عن الحق ‪:‬‬
‫" بتأمل طبيعة التعليم الحديث وعاداته‪ ،‬يتضح على الفور تعارضه مع طبيعة التعليم السلمي‬
‫وعاداته‪ ،‬فأنتم تُعلمون العقول الشابة الفلسفة وتهدفون لشرح الكون بدون إرجاع المور إلى ال‪،‬‬
‫تعلموهم العلم الخالى من المنطق والعابد للحواس‪ .‬تعلموهم القتصاد والقانون وعلم الجتماع وكلهم‬
‫مختلفون عن تعاليم السلم فى الروح والمادة‪ ،‬ثم تتوقعون منهم بعد ذلك أن يكون لهم وجهة نظر‬
‫إسلمية ؟") مرجع ‪(9‬‬
‫ولتجنب هذا الشر يقدم مولنا حل مثاليا بتحويل كل التعليم إلي التعليم السلمي فيكتب ‪:‬‬
‫" يقع كل اللوم ‪-‬لهذه الحالة المؤسفة‪ -‬على الفصل بين الدينى والدنيوى فى التعليم " وكما سبق‬
‫واشرت فهذا الفصل غير إسلمى برمته‪ .‬وفى ظل النظام الجديد فليس مطلوبا إضافة منهج جديد عن‬
‫الدين‪ ،‬وبدل من ذلك فإن جميع المقررات يجب أن تتحول إلي مقررات دينية"‪) .‬مرجع ‪(10‬‬
‫ومع إقرار الجهات التشريعية والبرلمان الباكستانى لمشروع تطبيق الشريعة فى مايو ‪1991‬‬
‫أصبح حلم " العلماء" ) علماء الدين( بنظام تعليمى إسلمي نقى بل تلوث من العلم الحديث‪ ،‬قريبا من‬
‫التحقيق‪.‬‬
‫وبوحى من حكمة مولنا‪ ،‬قام معهد الدراسات السياسية فى إسلم اباد ‪-‬وهو بمثابة مركز إشعاع ثقافى‬
‫للجماعة السلمية‪ -‬بمهمة إعادة تعريف العلم‪ ،‬ووضع خطوطا إرشادية عامة لكتابة المراجع المناسبة‬
‫للعلوم المؤسلمة‪ .‬وفيما يلى عينة من توصيات المعهد ‪:‬‬
‫‪-1‬ل تُذكر ظاهرة أو حقيقة دون إرجاعها إلي المشيئة اللهية‪ ،‬فمثل فى كتاب العلوم لتلميذ‬
‫الصف الثالث ل يجب سؤال الطفل عن ‪ :‬ماذا يمكن أن يحدث إذا لم يتناول الحيوان‬
‫الطعام ؟ وبدل عنه يكون السؤال ‪ :‬ماذا يمكن أن يحدث إذا لم يعط ال الطعام للحيوان ؟‬

‫‪85‬‬

‫‪-2‬يجب قصر تأليف مراجع العلوم على من يؤمن بقوة بأن السلم هو الشفرة الوحيدة للحياة‬
‫وممن لهم دراية واسعة بالقرآن والسنة ولهذه النقطة أن تحظى بكل الهتمام‪) .‬مرجع‬
‫‪(12‬‬
‫‪-3‬ليجب إرجاع "التأثير " إلي أى مسبب مادى فهذا الطريق يقود إلى اللحاد فمثل تقول‬
‫التوصيات ‪ :‬يكمن السم فى بعض العناوين الفرعية في الكتب مثل " الطاقة ُتحْدث تغيرات‬
‫" لنها تعطى النطباع بأن الطاقة هى المصدر الحقيقى بدل من ال‪ .‬كذلك فليس من‬
‫السلم أن نقوم بتعليم أن الماء ينتج بطريقة أوتوماتيكية من خلط الوكسيجين‬
‫والهيدروجين‪ .‬فالسلوب السلمي يقول‪ :‬يتولد الماء بمشيئة ال‪ ،‬عندما تقترب ذرات‬
‫الهيدروجين من ذرات الوكسيجين" )مرجع ‪(13‬‬
‫‪-4‬الفصل الول من أى كتاب وليكن كتاب الكيمياء‪ ،‬فل بد وأن يكون عنوانه " القرآن‬
‫الكريم والكيمياء" وكل فصل بعد ذلك يجب أن يبدأ بما يناسبه من أية قرآنية أوحديث‪.‬‬
‫)مرجع ‪(14‬‬
‫‪-5‬ليجب تسمية أية قوانين أو قواعد بإسم أشخاص ) علماء( فمثل يعتبر ذكر قوانين نيوتن‬
‫أو بويل‪ ..‬الخ‪ ،‬ممارسة غير إسلمية‪ ،‬لن هذا مساو للشرك فتسمية القوانين بهذا الشكل‬
‫يعطى النطباع أن القوانين خُلقت بالعلماء بدل من مجرد اكتشافها‪) .‬مرجع ‪(15‬‬
‫‪-6‬يجب إدخال ال فى حصص تعليم العلوم " يجب على مراجعنا العلمية أن تعرض مسألة‬
‫الوجود الزلى والخرة فدراسة هذه المواضيع يجب النظر إليها كدراسات علمية وليس‬
‫على أنها من السلميات‪ ).‬مرجع ‪(16‬‬
‫‪-7‬يجب إستعمال كتاب مولنا مودودى " تفهيم القرآن " فى بداية مقرر علم الحيوان‬
‫للسترشاد بة‪ ). .‬مرجع ‪(17‬‬
‫‪-8‬يجب إسناد مولد كل العلوم إلى الحقبة السلمية فالفيزياء النووية تدين بجذورها إلي إبن‬
‫سيناء وكيمياء جابر بن حيان إلخ وأما اليونانيون فل يستحقون أى تقدير فهم لم يعرفوا‬
‫شيئا عن العلم التجريبى‪) .‬مرجع ‪(18‬‬

‫تستحق التوصيات معهد الدراسات السياسية هذه تعليقين موجزين ‪:‬‬

‫‪86‬‬

‫أول‪ :‬يجب ملحظة رفض الفرضية الساسية للعلم والقائلة بأن لكل أثر مادى مسبب مادى وبدل من‬
‫القوى الفيزيائية تأتى المشيئة اللهية المستمرة التى تحرك المادة‪ .‬ثانيا ‪ :‬ل يوجد فى أى مكان من‬
‫التوصيات ما يستثير حب الستطلع عن الطفل لتنمية ميول التساؤل أو لغرس فكرة أن المرجعية قد‬
‫تكون على خطأ‪ .‬ومن وجهة النظر الصولية فل لزوم للعلم الحقيقى فى ظل عالمهم المنغلق‪ ،‬الساكن‬
‫والمُقدرة أحواله مسبقا‪.‬‬
‫إن موقف الجماعة السلمية من العلم والحداثة لهو موقف يميز وجهة النظر الصولية بصفة عامة‪.‬‬
‫لقد أوضح سيد قطب من الخوان المسلمين ‪-‬والذى تم إعدامه مع مجموعة أخرى من الصوليين فى‬
‫عهد جمال عبد الناصر فى مصر‪ -‬رؤيتة عن العلم فى كتابه " فى ظلل القرآن " فأراؤه تبدو متماثلة‬
‫مع آراء الجماعة المذكورة وعليه فل تستدعى مناقشة منفصلة‪.‬‬
‫تيار إعادة البــناء‬
‫على النقيض من التيار الصولى المعارض للعلم والحداثة‪ ،‬يتميز تيار إعادة البناء بمناداته‬
‫بإعادة تفسير التراث حتى يتم التوفيق بين متطلبات الحضارة الحديثة‪ ،‬وتعاليم وتقاليد السلم‪ .‬من‬
‫وجهة نظر هذا التجاه فإن السلم فى عصر النبوة والخلفة الراشدة كان ثوريا‪ ،‬متقدما‪ ،‬حرا‬
‫وعقلنيا‪ ،‬واما النحدار التالى نحو الجمود المرذول والعقيدة غير المتفاعلة مع الحداث فمردها إلي‬
‫انتصار التقليد على الجتهاد‪.‬‬
‫على صعيد شبه القارة الهندية فكان سيد أحمد خان‪ ،‬وسيد أمير على‪ ،‬من أبرز الرواد الوائل‬
‫لهذا التيار‬
‫السيد سيد أحمد خان )‪(Sir Syed Ahmed Khan ) (1817-1898‬‬
‫تزعم سيد أحمد خان محاولة التحول من إسلم العصور الوسطى إلي السلم الحديث‪ ،‬فى‬
‫القرن التاسع عشر‪ ،‬وكان لفشل ثورة ‪ 1857‬ضد النجليز وما تلها من جراح للهنود وخاصة الهنود‬
‫المسلمين‪ ،‬أكبر الثر فى دفعه للبحث عن تفسير جديد للسلم‪ ،‬ومن بين المفكرين السلميين فى‬
‫الزمن الحديث فيعد أكثرهم راديكالية ) أصولية ( ومازالت شخصيتة تثير الكثير من الجدل بعد مضى‬
‫قرن من الزمان‪.‬‬
‫ولد سيد أحمد خان فى عائلة أرستقراطية من سللة المغول وقد اقتنع بضرورة إيجاد علج‬
‫جذرى إذا كان لمسلمى الهند أن يتحولوا إلى أى شيء له قيمة بدل من كونهم مجرد عاملين فى‬
‫السطبلت أو طهاة أو خدم وحطابين وسقايين‪ ،‬ومن وجهة نظره‪ ،‬فقد حدث التخلف كنتيجة مباشرة‬
‫للمعتقدات الخرافية وتفضيل إتباع المقولت التقليدية المتوارثة على العقلنية‪ .‬على ذلك قام بالعداد‬

‫‪87‬‬

‫لمهمة إعادة تفسير التراث السلمى حتى يتمشى مع الفكار النسانية والعلمية لما بعد النهضة فى‬
‫الغرب ويستخلص السلم النقى من المعتقدات المتحجرة ‪ " :‬لم يتركنى عقلى المتسائل أبدا‪ ....‬وقد‬
‫جعلنى هذا أصل إلى الحقيقة التى أؤمن بأنها ذات السلم فى حين قد يراها المسلمون التقليديون على‬
‫أنها ذات الكفر"‪) .‬مرجع ‪(19‬‬
‫لقد كانت المهمة صعبة لمسلمى الهند‪ ،‬حيث تميزت الفترة التالية لحكم "أكبر" )‪ ( Akbar‬بالتوجه‬
‫المحافظ‪ ،‬المقاوم للتغيير‪ ،‬وضد العلم والمنطق‪ .‬يلحظ أنه فى السابق‪ ،‬ومنذ حوالى ‪ 200‬سنة قبل‬
‫زمن سيد أحمد خان‪ ،‬أصدر الشيخ أحمد سيرهندى وغيره من الرموز الدينية المؤثرة فتاوى ضد‬
‫الرياضيات والعلوم المدنية‪ ،‬وطالبوا بقصر تعليم المسلمين على المناهج الدينية فقط‪ .‬ويقول سيد أحمد‬
‫خان فى ثورته على ذلك ‪:‬‬
‫"أسأل الن‪ ،‬وبتواضع شديد ‪ :‬فى أى من الكتب الدينية المختلفة‪ ،‬المتواجدة والمستعملة فى‬
‫التعليم‪ ،‬نجد من يناقش الفلسفة الغربية أو المور العلمية الحديثة‪ ،‬مستعمل مبادئ الدين ؟ من أين يجب‬
‫أن أبحث عن تأكيد أو رفض لحركة الرض‪ ،‬أو لمدى قربها من الشمس ؟ إذا ومن الفضل ألف مرة‬
‫عدم قراءة هذه الكتب‪ .‬حقا‪ ،‬إذا كان للمسلم أن يكون مقاتل حقيقيا ويؤمن بصدق دينه‪ ،‬فدعوه يذهب بل‬
‫خوف إلى أرض المعركة‪ ،‬ولينكب على المعرفة الغربية‪ ،‬والبحوث الحديثة‪ ،‬كما فعل أجداده مع‬
‫الفلسفة اليونانية‪ .‬فحينها فقط‪ ،‬تصبح للكتب الدينية فائدة حقيقية‪ .‬ول فائدة ترجى من مجرد الترديد‬
‫كالببغاوات‪) .‬مرجع ‪(20‬‬
‫لقد احتلت مهمة التفسير العلمى‪ ،‬أعلى درجات الهمية لدى سيد أحمد خان بصفته عالما دينيا‪ .‬فى‬
‫معارضة مذهلة للتقاليد‪ ،‬يقترح إعادة تفسير القرآن حتى يتسنى حذف كل التناقضات الظاهرية مع‬
‫الحقيقة المادية‪ .‬وفى إستعراضه لتلك النقطة‪ ،‬يطرح جدله بأنه إذا كان القرآن هو كلمة ال‪ ،‬وطالما‬
‫كانت صحة الحقائق العلمية واضحة‪ ،‬فإن أية تعارض ل بد وأن يكون ظاهريا وليس حقيقيا‪ .‬وعلى‬
‫ذلك فقد اقترح تفسير القرآن بناء على السلوب التالى )مرجع ‪.(21‬‬
‫‪-1‬إجراء دراسة عميقة عن معانى وإستخدامات وأصل وإشتقاقات لغة القرآن حتى يتسنى‬
‫الوصول إلي المعنى الحقيقى للكلمات والفقرات المعنية‪.‬‬
‫‪-2‬إن المقياس المستعمل لتقرير ما إذا كانت بعض الفقرات تحتاج إلى تفسير مجازى‪ ،‬وأى‬
‫التفسيرات يجب إنتقائه‪ ،‬فهو الحقيقة المثبتة بالعلم‪ ،‬ويمكن الوصول إلي هذه الحقيقة بالدليل‬
‫العقلى المنطقى ويستوجب إيمانا قويا‪.‬‬

‫‪88‬‬

‫‪-3‬إذا تعارض المعنى الظاهرى للنص مع الستنتاجات المثبتة‪ ،‬فل بد من الخذ بالتفسير‬
‫المجازى‪ .‬وهنا يتبع سيد أحمد خان منهج إبن رشد فى مسألة التوفيق بين المعقول والمنقول‪.‬‬
‫إل أنه يرى أن مثل هذه التفسيرات المجازية والستعارية هى بالضبط ما أراده صاحب‬
‫النص‪.‬‬
‫قادت هذه الوسائل بسيد أحمد خان إلي إعادة تفسير جذرى للعقيدة ولبعض المواقف غير التقليدية‬
‫المتعلقة ببعض المسائل الكبرى‪ .‬فعلى سبيل المثال‪ ،‬فهو قد قبل بنظرية داروين‪ ،‬مجادل بأن هبوط‬
‫آدم وحواء كان فى الواقع رمزا للنسان ليفرق بين الخير والشر وليصبح مكلفا‪ ،‬بعكس باقى‬
‫الكائنات الحية‪ .‬وهو يقترح أيضا تفسيرا مجازيا للطوفان‪ ،‬ومعجزات المسيح والصعود‪ ،‬وظواهر‬
‫أخرى رأها تتعارض مع الطبيعة‪ .‬والقرآن‪ ،‬بالنسبة لسيد أحمد خان‪ ،‬كتابا للرشاد الخلقى‪ ،‬وليس‬
‫كتاب للبحث فيه عن المعرفة العلمية‪.‬‬
‫ولعل أكثر ما أثار إعتراضات المتدينين ضد فلسفات سيد أحمد خان الدينية‪ ،‬هو نظرته إلي‬
‫الشريعة ‪-‬وهى النموذج الفتراضى لسلوب حياة المسلمين‪ -‬بإعتبارها غير ذات صلة بمسلمى الهند‬
‫الحديثة‪ .‬وقد قوبلت أراؤه تلك بشجب شديد‪ .‬جدير بالذكر أن سيد أحمد خان لم يحاول أن يضع‬
‫شريعة جديدة‪ .‬وعلى رأى وليام كانتويل سميث )‪ ،(William Cantwell Smith‬أحد المستشرقين‬
‫البارزين‪ ،‬فإن هذا الهجوم على الجبهة المامية للسلطات التقليدية‪ ،‬كان عنصرا لزما‪ ،‬ول مفر‬
‫منه‪ ،‬للتحول من مجتمع ما قبل الطبقات المتوسطة ) ما قبل البرجوازية ( إلي مجتمع الطبقات‬
‫المتوسطة ‪:‬‬
‫" كانت السلطات المعنية فى ذلك الوقت قد بَليت وبلغت درجة عالية من الل موضوعية‪،‬‬
‫حيث كانت تتعرض لمسائل وقضايا ل تُطرح من أساسه فى المجتمعات الرأسمالية‪ ،‬هذا فى الوقت‬
‫الذى شاع فيه تجاوز كل النظم الخلقية‪ ...‬أصبح كل فردفى المجتمع مسئول بذاته وصار عليه أن‬
‫يتخذ القرارات بنفسه‪ ....‬رفض السيد سيد أحمد خان الشريعة القديمة‪ ،‬لكن لم يقدم شريعة بديلة‬
‫عنها‪ ،‬مثله فى هذا مثل الذين جاءوا من بعده‪ ،‬بذلك تلخصت جهوده فقط فى إبراز مبادئ‬
‫الخلقيات العامة فى القرآن‪) .‬مرجع ‪.(22‬‬
‫بالرغم من توقير سيد أحمد خان فى باكستان بإعتباره اول مؤسس للقومية السلمية‪ ،‬إل‬
‫أن أراؤه فيما يتعلق بالدين والعلم‪ ،‬لم تجد إل قليل من التابعين‪ .‬وفى الحقيقة فهو شخصية مثيرة‬
‫للجدل‪ .‬فإن إجلله الذليل للمبراطورية النجليزية ومواقفه ضد المرأة‪ ،‬لم تقربه إلى قلوب الكثيرين‬

‫‪89‬‬

‫من القوميين والتقدميين‪ .‬على أية حال وبلشك‪ ،‬فهو أهم الشخصيات التى حاولت بناء جسور بين‬
‫السلم والحداثة‪.‬‬
‫سيد أمير على ‪1924-1849‬‬

‫) ‪(Syed Ameer Ali‬‬

‫تلقى تعليمه فى إنجلترا وهو تابع حميم لـ سيد أحمد خان‪ ،‬وقد كتب سيد أمير على رائعته‬
‫الفنية " روح السلم " بهدف واضح محدد فى ذهنه‪ ،‬ليثبت أن السلم فى حقيقتة ثورى وعقلنى‬
‫وتقدمى‪ ،‬صدر الكتاب أول فى عام ‪ ،1891‬ثم أضاف إليه عدة إضافات حتى عام ‪ ،1922‬وتكرر طبع‬
‫الكتاب عدة مرات‪ ،‬وقرأه المسلمون من شتى البقاع‪ .‬بالنسبة لمسلم من أنصار الحداثة وتعلم فى‬
‫الغرب‪ ،‬فقد كان كتابه بالفعل عمل وافيا‪ ،‬قوياً‪ ،‬تصدى به للفتراءات العدوانية على التاريخ‬
‫السلمى‪ ،‬وصورالقيم والعقيدة السلمية‪ ،‬التى يرددها معظم المستشرقين‪ .‬ولكنه كان عمل تسبب فى‬
‫كثرة إتهام صاحبه بأنه متعاطف مع أفكار الغرب الحديثة على حساب الفكار السلمية الحقة‪.‬‬
‫تتغلغل أفكار سيد أمير على ‪ -‬فيما يتعلق بموضوع التقدم العلمى فى السلم‪ -‬فى أجزاء‬
‫كثيرة من كتابه ويمكن تلخيص أراؤه كما يلى ‪:‬‬
‫•يُعطى القرآن الكريم والحديث النبوى الشريف‪ ،‬قيمة عظيمة للمعرفة‪ .‬وتُفهم المعرفة على‬
‫أنها تتضمن العلم‪ .‬فقد كان هذا هو الدافع الساسى للمسلمين الوائل لدراسة العلم‪.‬‬
‫•إن فلسفة أرسطو‪ ،‬والتفكير المنطقى‪ ،‬على وفاق تام مع السلم‪ ،‬وحتى المعتزلة‪ ،‬فيمكن‬
‫التعاطف معهم وإن كانوا قد ذهبوا بعيدا في بعض الحيان‪ ،‬كما يجب النظر إلي فلسفة‬
‫وعلماء المسلمين مثل الكندى والفارابى‪ ،‬وابن سينا‪ ،‬وابن الهيثم‪ ،‬وإبن رشد‪ ،‬على أنهم‬
‫من أبطال السلم الحقيقيين‪.‬‬
‫•تسبب المتطرفون والمتشددون فى إنهيار العلم والحضارة السلمية‪ .‬ويلقى سيد أمين‬
‫على بالمسئولية الساسية على كل من الشعرى‪ .‬وإبن حنبل‪ ،‬والغزالى‪ ،‬وإبن تيمية‪.‬‬
‫•يجب إستعادة العلم من الغرب إلي السلم‪ ،‬فالعلم ليس بغريبا على السلم وليس بأى‬
‫حال من الحوال غير إسلمى‪.‬‬
‫طرح سيد أمير على السؤال التالى بلباقة شديدة ‪ :‬لماذا مات العلم والفلسفة بين المسلمين‪ ،‬وخلف‬
‫محلهما السفسطة واللعقلنية‪ .‬وفى رأية أنه يجب إنقاذ السلم من المجددين والئمة‪ ،‬وتحرير‬
‫عقل المسلمين من قيود التفسيرات الحَرفية‪ .‬ويستطرد فى جدله‪ ،‬فيرى أن الموقف الحالى ل‬

‫‪90‬‬

‫يختلف كثيرا عن أزمنة العصور الوسطى فى أوروبا‪ ،‬حيث أرسلت الكنيسة بالعديد من الناس إلي‬
‫النيران بتهمة الهرطقة‪ ،‬وأثبتت بذلك أنها العدو القاتل للعلم‪ ،‬حتى جاءت ثورة لوثر‪ .‬وهكذا‬
‫فالسلم يحتاج إلي إعادة تشكيل كما حدث فى المسيحية‪ .‬فى فقرة أثارت عليه بعض زملئه‬
‫المتدينين‪ ،‬قارن بين ما أسماه " الكنيسة السنية" وبين الكنيسة فى روما‪ ،‬ووصف المعتزلة بانهم‬
‫نوع من البروتستانتية السلمية‪:‬‬
‫" ساعد السلم‪ ،‬وعلى مدى خمسة قرون‪ ،‬على تنمية الثقافة الحرة للبشرية‪ .‬ولكن جاءت حركة‬
‫رجعية‪ ،‬وعلى الفور تغير مجرى كل الفكر النسانى‪ .‬حيث تقرر أن المنتجين للعلم والفلسفة‬
‫خارجين عن حظيرة السلم‪ .‬هل يمكن للـ " كنيسة السنية " أن تأخذ درسا من كنيسة روما ؟ أمن‬
‫المستحيل عليها أن تتسع بالمثل وتُعدٍد جوانبها ؟ فل يوجد شيء فى تعاليم محمد عليه السلم يمنع‬
‫ذلك‪ .‬إن البروتستانتية السلمية فى إحدى صورها – المعتزلة – قد مهدت الطريق‪ .‬فماذا ل‬
‫تتخلص الكنيسة السنية الكبيرة من القيود العتيقة وتنهض لحياة جديدة ؟") مرجع ‪( 23‬‬
‫اقترن الدفاع الحماسى عن العلم والفلسفة لسيد أحمد خان وسيد أمير على‪ ،‬بتحرير عام لبعض‬
‫المور ذات الهمية الجتماعية‪ .‬فلقد نبذوا تعدد الزيجات والحجاب علي إعتبار أنهما غير ملئمين‬
‫للعصر الحديث‪ .‬كما فسروا الجهاد بمعنى الحرب الثقافية‪ ،‬وأكدوا أن الرسول قاتل أعدائه فقط من أجل‬
‫الدفاع عن النفس‪ ،‬وأن قطع اليد بسبب السرقة‪ ،‬أو الرجم حتى الموت بسبب الزنا كان مناسبا فقط‬
‫للمجتمعات ال َقبَلية التى تفتقر إلي وجود سجون‪ .‬وهم يعتقدون أيضا أن القرآن قد كتب بلغة مناسبة لقوم‬
‫الصحراء‪ .‬فإن حوريات الجنة‪ ،‬على سبيل المثال‪،‬مخلوقات مجوسية الصل‪ ،‬فى حين أن الجحيم‪ ،‬مع‬
‫قسوة عقابه‪ ،‬تلمودى الصل‪.‬‬
‫فى ظل تصميمهم على العودة إلي السلم النقى للرسول‪ ،‬ولثبات " حداثة " السلم‪ ،‬سار‬
‫المسلمون من أنصار الحداثة وإعادة البناء على خيط رفيع‪ .‬ولن يتضح أبدا بصفة مرضية‪ ،‬ما إذا‬
‫كانت محاولتهم لعادة تفسير السلم‪ ،‬كانت بدافع من إيمان عميق أو بدافع عملى يهتم أساسا بمصير‬
‫المم المسلمة‪ .‬يبدو أن قوى متعددة قد تداخلت وتفاعلت مع بعضها فى ذات الوقت مثل ‪ :‬اليمان‬
‫العميق‪ ،‬الخوف من الصولية‪ ،‬العتقاد بأن المسلمين محكوم عليهم بالفشل إذا إستمر رفضهم‬
‫للحضارة الحديثة ونبذهم للتقدم‪ ،‬والرغبة الشديدة فى تحسين صورة السلم فى عيون الغرب‪ .‬وترمز‬
‫جهود سيد أحمد خان لهذه المعركة‪ ،‬فقد إنهالت عليه الصولية بجام غضبها‪ ،‬حيث قوطعت جامعة‬
‫أليجار) ‪ (Aligarh‬السلمية التى أنشأها وصدرت ضده فتاوى اللحاد والكفر من العديد من الفقهاء‪،‬‬

‫‪91‬‬

‫كما وصفه " ُمتَولى الكعبة الشريفة " بأنه عدو للسلم وأحل سفك دمه‪ .‬وعلى أية حال فإن دفاعه‬
‫عن مصالح المسلمين قد أبقى على إسمه للجيال من بعده‪.‬‬
‫الخـط العملي )البرجـماتى (‬
‫هناك دليل غامر على أن المسلم البرجماتى ) العملى( يمثل الغالبية العظمى الصامتة من‬
‫مسلمى اليوم‪ .‬وهو يفضل أن يتعامل مع متطلبات الدين والعقيدة على أساس منفصل تماما عن‬
‫الهتمامات السياسية والقتصادية‪ ،‬وعن العلم والمعرفة المدنية‪ .‬كما يقنع بإعتقاد مبهم بعدم وجود‬
‫تناقض بين السلم والحداثة‪ ،‬لكنه ل يميل إلى التعمق في بحث المسألة‪ .‬ويعتبر إنهماك الصحلحيين‬
‫فى بحثهم عن تفاسيير جديدة للقرآن زائدة عن اللزم ول معنى لها‪ ،‬ومع ذلك فهو يوافق على بعض‬
‫المسائل الجوهرية مثل معارضة الفكر الصولى‪.‬‬
‫ومن المثلة المدهشة للخط العملى‪ ،‬نجد جمال الدين الفغانى )‪ ،(1897-1838‬وأعتقد أنه‬
‫يمكن فهم الكثير عن موقف السلم المعاصر من تأثيرات الحداثة الغربية من خلل دراسة الفغانى‬
‫كممثل للخط العملى‪.‬‬
‫يُعتبر الفغانى مهماً حيث كانت لفكاره أعمق الثر فى المسلمين فى كفاحهم ضد الستعمار‬
‫الغربى‪ .‬كذلك فإن تأكيده على السلم كقوة للكفاح المسلح ضد الستعمار‪ ،‬مازال مصدرا للهام‬
‫الحرار والصوليين على حد سواء‪ .‬كما يشار الى الفغانى أحيانا بصفته رائدا لبعث السلم فى‬
‫العالم المعاصر‪ ،‬ويطلق عليه "حكيم الشرق " في بعض العمال العربية‪ .‬على درجة خاصة من‬
‫الهمية‪ ،‬تأتى دراسة أرائه عن العلم والحداثة‪ ،‬لنه على النقيض من أنصار تيار إعادة البناء مثل سيد‬
‫أحمد خان )الذى كان من معاصريه ومنافسيه(‪ ،‬لم يقم الفغانى بأية محاولة جادة لعادة تفسير المعتقد‬
‫السلمى‪ .‬بل على العكس‪ ،‬أبرز السلم كقوة موحدة ضد المستعمر الغربى‪ .‬وتكمن مساهمته الحقيقية‬
‫فى إلهامه لجماهير المسلمين للتصدى لنير الستعباد الجنبي‪ ،‬وبث فيهم الحساس بالغاية والكرامة‪.‬‬
‫بناءا على ما كتبته المؤرخة نيككي كيدى ‪) ( (Nikki Keddie‬مرجع ‪ ،(24‬فلم يولد‬
‫الفغاني فى أفغانستان كما يدعى البعض‪ ،‬ولكن فى أسدأباد ) ‪ (Asadabad‬في إيران‪ ،‬وتأثر كثيرا‬
‫خلل السنوات الولى فى تعليمه بأعمال فلسفة السلم العقلنيين مثل إبن سينا‪ ،‬رغم أن هذه‬
‫العمال كانت محظورة فى معظم العالم السنى بإعتبارها من البدع‪ .‬ولم يكن مستغربا أن تثير أراء‬
‫الفغانى المعروف بميوله الشديدة نحو التراث العقلنى‪ ،‬كثيرا من عدم الرتياح لدى الصوليين‪ .‬وفى‬
‫عام ‪ 1870‬تم إبعاد الفغانى من إسطنبول تحت ضغط رجال الدين‪ .‬وأما جريمته فكانت تأييد "دار‬
‫الفنون"‪ ،‬وهى فى ذلك الحين جامعة جديدة مكرسة لتعليم العلم الحديث‪.‬‬

‫‪92‬‬

‫لشك في أن الفغاني كان مفتونا بشدة بقوة العلم الحديث وكان شديد الرغبة فى التعرف على‬
‫أسرار قوة الغرب‪ .‬وفى محاضرة ألقاها فى كلكتا فى عام ‪ 1882‬يقول ‪:‬‬
‫" إذاً أنا أقول‪ ،‬إذا تمعن النسان فى السؤال‪ ،‬سيرى أن العلم يحكم العالم‪ .‬فلم يوجد حاكم فى‬
‫العالم‪ ،‬ل بالمس‪ ،‬ول اليوم ول فى المستقبل‪ ،‬إل العلم‪ ....‬أن فوائد العلم ل تحصى‪ ،‬ول تقاس‪ ،‬وأن‬
‫هذه الفكار المحدودة ل يمكنها أن تحيط باللنهائى‪) .‬مرجع ‪(.25‬‬
‫ويقول أيضا‪ ،‬أن السلم أتى معه بروح التساؤل ‪:‬‬
‫"لم يكن لدى المسلمين الوائل أى علم‪ ،‬ولكن بفضل العقيدة السلمية‪ ،‬ظهرت الروح الفلسفية‬
‫من بينهم‪ ....‬لهذا‪ ،‬وفى وقت قصير‪ ،‬أكتسبوا كل العلوم فى مختلف المواضيع التى ترجموها من‬
‫السريانية والفارسية واليونانية الى اللغة العربية‪ ،‬فى زمن المنصور دافاناقى ‪(Mansur Davanaqi‬‬
‫"‪) .‬مرجع ‪(26‬‬
‫فى نفس المحاضرة‪ ،‬راح الفغانى يتأسف على حال المسلمين المعاصرين‪ ،‬الذين استخفوا‬
‫بالفلسفة والداب والمنطق والعلوم‪ .‬هذا فى الوقت الذى بحث فيه المسلمون الوائل‪ ،‬وبكل حماس‪ ،‬عن‬
‫العلم وعن المعرفة‪ ،‬حتى أصبح الركود التام سمة المسلمين المعاصرين‪ ..‬كذلك أطلق هجوما لذعا‬
‫على فقهاء الهند قائل‪:‬‬
‫" من الغريب أن يقرأ فقهاؤنا ا لـ سـدرة )‪ (Sadra‬و "شمس البرية" ) ‪Shams Al-‬‬
‫‪ (Baria‬ويصفون أنفسهم بزهو بأنهم حكماء‪ ،‬وهم ‪-‬برغم ذلك‪ -‬ل يستطيعون التفرقة بين يدهم اليمنى‬
‫واليسرى‪ ،‬ول يتساءلون " من نحن ؟ وما الذى يناسبنا؟‪ .‬لم يتساءلوا يوما عن الكهرباء أو المراكب‬
‫البخارية أو السكك الحديدية‪ ...‬إن فقهاؤنا الن‪ ،‬كمثل فتيلة رفيعة‪ ،‬تحمل لهبا خافتا جدا‪ ،‬ل يضيء‬
‫حوله ول ينيرالطريق للخرين‪ ..‬أما أعجب المور جميعا‪ ،‬فهو أنهم قسموا العلم إلى قسمين الول‬
‫يسمونه علما إسلميا‪ ،‬والخر يسمونه علما أوروبيا‪ .‬ولهذا يمنعون الخرين من تحصيل بعض العلوم‬
‫النافعة " )مرجع ‪(27‬‬
‫ل يظهر الجانب العملى )البرجماتى( لجمال الدين الفغانى‪ ،‬أكثر مما تبينه الحوارات التى‬
‫دارت بينه وبين إرنست رنيان )‪ (Ernest Renan‬الفرنسى المسلم المشهور فى القرن التاسع عشر‪.‬‬
‫وبل شك‪ ،‬تُعد هذه الحوارات بمثابة علمة على الطريق‪ ،‬حيث أنها جرت بين بطل إسلمى متحمس‬
‫للسباب السلمية‪ ،‬ورجل غربى عرف عنه إلحاده ومعاد لكل المعتقدات‪ .‬ولكن كما تشير المؤرخة‬
‫كيدى‪ ،‬تم تشويه هذا الحوار فى العالم السلمى‪ .‬فيفترض أنه طالما قال رينان إن السلم معاد للعلم‪،‬‬
‫فل بد أن يكون الفغانى قــد رد بسرعة بكون السلم صديقا للروح العلمية‪ ،‬وهذا خطأ‪ ،‬فقد أظهرت‬

‫‪93‬‬

‫الترجمات الحديثة لوراق الفغانى‪ ،‬أنه كان يظهر بوجه معين أمام الجماهير السلمية‪ ،‬ولكن بوجه‬
‫أخر امام الغرب‪.‬‬
‫بدأ الحوار المشهور‪ ،‬فى مارس ‪ ،1883‬حيث ألقى إرنست رينان محاضرة عن السلم‬
‫والعلم‪ ،‬نُشرت بعدها فى " مجلة الحوارات "‪ ."Journal des Debats‬وفيها‪ ،‬قام بتجريح كل‬
‫المعتقدات‪ ،‬إل أنه اختص السلم بالقدر العظم‪ ،‬لنه‪ ،‬من وجهة نظره‪ ،‬لم يفصل بين الميدانين‪،‬‬
‫الروحى‪ ،‬والدنيوى وقد جعل هذا من العقيدة السلمية أثقل الغلل التى حملتها البشرية " ) مرجع‬
‫‪(.28‬‬
‫وفى مقال لحق‪ ،‬أبدى وجهة نظر قوية أخرى ‪:‬‬
‫"يجب تحرير العقل النسانى من كل المعتقدات المتجاوزة للطبيعية )‪ .( Supernatural‬إذا‬
‫أريد له أن يؤدى عمله الساسى‪ ،‬وهو بناء علم إيجابى‪ .‬ل يحتم ذلك بالضرورة‪ ،‬التدمير العنيف ول‬
‫القطيعة الجافة‪ .‬فليس على المسيحيين أن يهجروا مسيحيتهم‪ ،‬ول على المسلمين هجر السلم‪ ،‬وعلى‬
‫القطاعات المستنيرة من المسيحيين والمسلمين الوصول إلى حالة عدم الختلف وديا‪ ،‬بحيث تصبح‬
‫المعتقدات الدينية غير مؤذية‪ .‬وقد حدث ذلك فى حوالى نصف الدول المسيحية‪ ،‬ودعونا نأمل أن‬
‫يحدث هذا أيضا فى السلم " )مرجع ‪(29‬‬
‫هل رد الفغانى بروح الغضب على هذا العتداء السافر؟ وهو بالتأكيد ما كان الكل يتوقعه‬
‫منه‪ ،‬ولكن ل ! فى الواقع وعلى العكس تماما فقد وافق الفغانى على تلك الجزئية من جدل رينان قائل‬
‫‪:‬‬
‫" كل الديان غير سمحة وكل بطريقته‪ ...‬ول أستطيع أن أكف عن المل فى أن ينجح‬
‫المجتمع السلمي يوما‪ ،‬فى كسر قيوده وأن يسير بثبات فى طريق التمدين والحضارة كما فعل‬
‫المجتمع الغربى‪ ...‬وأنا أناشد السيد رينان فهى ليست قضية العقيدة السلمية وحدها‪ ،‬ولكنها قضية‬
‫عدة مئات من مليين البشر الذين قد يحكم عليهم بالحياة فى جهل وهمجية‪ ،‬فى الحقيقة فإن العقيدة‬
‫السلمية حاولت خنق العلم ووقف تقدمه "‪ ) .‬مرجع ‪(30‬‬
‫لم يكن هناك خلف جذرى بين الفغانى ورينان حول مسألة أن العقيدة العمياء تقتل العلم‬
‫والتساؤل‪ .‬وفى الواقع‪ ،‬فهو يردد نفس الفكار ‪:‬‬
‫"لبد للمؤمن الحق‪ ،‬أن يبتعد فى دراساته عن أى مسار‪ ،‬يكون هدفه فى النهاية الحقيقة‬
‫العلمية‪ ...‬مشدود إلى العقيدة‪ ،‬كما يربط الثور إلى المحراث فيصير عبدها‪ ،‬وعليه أن يسير إلى البد‬
‫فى الخدود الذى أُعد له مسبقا بواسطة مفسرى القانون‪ .‬إضافة إلى ذلك‪ ،‬فباقتناعه بإشتمالها‪ ،‬في‬

‫‪94‬‬

‫ذاتها‪ ،‬على كل الخلقيات والعلوم‪ ،‬يربط نفسه إليها بثبات وعزم‪ ،‬ول يبذل أى جهد ليذهب أبعد من‬
‫ذلك‪ ...‬فما فائدة البحث عن الحقيقة إذا كان مؤمنا بإمتلكه لها كلها ؟‪ ...‬وعلى ذلك فهو يحتقر العلم‬
‫") مرجع ‪(.31‬‬
‫هناك مزاعم بأن الخطاب الموجه إلي رينان‪ ،‬لم يكتبه جمال الدين الفغانى‪ ،‬بل بواسطة‬
‫أفغانى آخر‪ ،‬كذلك طُرح إحتمال أن الراسل شخصا مجهول أراد تشويه سمعة الفغانى‪ .‬ولكن هذا يبدو‬
‫قليل الحتمال لن خطاب الفغانى إلى رينان‪ ،‬أثار عداءا وجدل شديدا بين شباب المسلمين فى‬
‫باريس‪ ،‬وكان الفغانى على دراية بذلك بكل تأكيد‪ ،‬ولكنه لم ينكر الخطاب‪ .‬ومن المعروف كذلك أنه‬
‫رفض طلبا لتابعه الشيخ محمد عبده لعادة نشره فى مصر‪.‬‬
‫ربما كان متوقعا أن يكون السيد جمال الفغانى والسيد أحمد خان حلفاء‪ ،‬ولو إلى درجة ما‪ ،‬حيث أن‬
‫كلهما كان من أنصار الحداثة والعقلنية‪ ،‬ولكن على النقيض‪ ،‬فالفغانى كان عدوا مشهورا للسيد‬
‫أحمد‪ ،‬وقد إتهمه كثيرا بالهرطقة والنحراف عن السلم‪ .‬يشن الفغانى هجوما كاسحا فى إحدى‬
‫مقالته ‪:‬‬
‫"‪ ...‬فاتفق أن رجل اسمه أحمد خان بهادور )‪ ( Ahmed Khan Bahadur‬كان يحوم حول‬
‫النجليز لينال فائدة منهم‪ ،‬فعرض نفسه عليهم وخطا بعض خطوات لخلع دينه والتدين بالمذهب‬
‫النجليزى‪ ،‬وبدأ سيره بكتابة كتاب يثبت فيه أن التوراة والنجيل ليسا محرفين ول مبدلين لينال بذلك‬
‫الزلفى عندهم‪ ...‬فراق لحكام النجليز مشربه ورأوا فيه خير وسيلة لفساد قلوب المسلمين‪ ،‬فاخذوا فى‬
‫نعزيزه وتكريمه وساعدوه على بناء مدرسة فى اليجار وسموها مدرسة المحمديين‪ ،‬لتكون فخا‬
‫يصيدون به أبناء المؤمنين ليربوهم على أفكار هذا الرجل‪ .‬وكتب أحمد خان تفسيراً على القرآن‬
‫فحرف الكلم عن مواضعه‪ ،‬وبدل ما أنزل ال‪....‬وجهر بالدعوة لخلع الديان كافة"‪) 41‬مرجع ‪(32‬‬
‫لعله يكون واضحا الن للقارئ لماذا يجب على الفرد أن يعتبر جمال الدين الفغانى عمليا‬
‫)برجماتيا( من الطراز الول‪ .‬وليس لنا أن نحكم على حقيقة إيمانه كمسلم‪ ،‬ولكن الكم الهائل من الدلة‬
‫المتوفرة‪ ،‬تشير الى أنه كان بعيدا عن الصولية فى معتقداته‪ .‬كان واعيا بقوة العلم الحديث‪ .‬كما أدرك‬
‫أن تقدمه كان مختنقا بالصولية الموجودة أيامها ولكنه كرجل عملى فلم يطلق مدافعه على الفقهاء فى‬
‫المقام الول‪ ،‬على العكس‪ ،‬فقد إستعمل الرمزية الدينية على أوسع نطاق‪ ،‬كلما كان ذلك فى خدمة‬
‫أغراضه السياسية فكما رأينا فى الفقرة المقتبسة السابقة‪ ،‬فقد إختار أن يهاجم سيد أحمد خان مستعمل‬
‫‪ 41‬تحقيق المترجم من كتاب "العروة الوثقى والثورة التحريرية الكبرى" إصدار دار العرب للبستانى‪ ،‬القاهرة‪،‬‬
‫الطبعة الثالثة ‪ 1993‬ص ‪( .384-383‬المترجم)‬

‫‪95‬‬

‫لغة الصوليين‪ .‬والسبب فى ذلك واضح ‪ :‬ففى منظوره ان أى متعاون مع المبراطورية النجليزية‪،‬‬
‫خائن حقير وتجوز مهاجمته بأى وسيلة متاحة ولقد كانت مهاجمة السيد أحمد خان بالزندقة وسيلة‬
‫فعالة لذلك‪ ،‬وضمنت للفغانى الحصول على دعم الفقهاء الهنود الصوليين‪ ،‬المعارضين للنجليز‪.‬‬
‫ولعل الفغانى كان أول برجماتى كبير من المعاصرين الذين عرفوا القوة الهائلة للوجدان‬
‫الدينى وقدرتها على تحريك الجماهير‪ .‬فأما غيره‪ ،‬فلم يستغلوا الدين كقوة سياسية‪ ،‬مؤكدين بدل عن‬
‫ذلك على فصل الدين عن الحياة القتصادية والسياسية‪ ،‬ولعل أبرز أمثلة العمليين تتمثل فى تركيا‬
‫واتاتورك‪ .‬وجدير بالذكر أن أحد الشعارات الرسمية‪ ،‬إبتكره ضياء جوكالب )‪ (Zia Gokalp‬أيام‬
‫الثورة التركية حيث يقول " انتمى للدولة التركية‪ ،‬والديانة السلمية‪ ،‬والحضارة الوروبية "‪.‬‬
‫الخلصــــــــة ‪:‬‬
‫لقد شهدت فترة ما بعد الستعمار ظهور عدد من البرجماتيين كزعماء شعبيين فى العالم‬
‫السلمى‪ .‬وكان من بين بين هؤلء‪ ،‬ممن دعوا شعوبهم للحركة والعمل بدل من مجرد العجاب‬
‫بالسلم‪ ،‬كل من ‪ :‬محمد على جناح‪ ،‬وجمال عبد الناصر‪ ،‬وأحمد سوكارنو‪ ،‬والحبيب بورقيبه‪ ،‬وذو‬
‫الفقار على بوتو‪ ،‬وحتى صدام حسين‪ .‬ورغم أن تصاعد التوجهات الصلحية‪ ،‬المنادية بإعادة البناء‪،‬‬
‫تبدو الكثر وضوحا فى السلم المعاصر‪ ،‬إل أن المسلمين العمليين ما زالوا يمثلون الغلبية‪ .‬إن فشل‬
‫الحزاب الصولية فى النتخابات فى العديد من الدول السلمية‪ ،‬يشير بقوة إلى أنه فى حالة وجود‬
‫بدائل‪ ،‬فإن غالبية المسلمين لن يقبلوا بالشكال الصولية للعقيدة‪.‬‬
‫وعلى أية الحوال فيستحيل إخفاء حقيقة أن كل من قدرة ورغبة المجتمعات السلمية‪ ،‬على‬
‫قبول تحديات الحداثة‪ ،‬قد ضعفت وتآكلت فى القرن الماضى‪ .‬وإن مستقبل العلم والحضارة فى السلم‬
‫مرهون إلى حد كبير بما إذا كانت الغلبية الصامتة ستستعيد ثقتها وتنتزع التحكم فى المجتمع المدنى‪،‬‬
‫أم أنها ستنثنى وتتعثر أمام الهجوم الضارى للتيارات المتجددة لعادة إحياء التراث‪.‬‬

‫المراجع‪:‬‬

‫‪1- An interesting and detailed discussion of Islam and modernity from an Islamic‬‬
‫‪modernist point of view is given by Ghulam Nabi Saqib in Modernization of Muslim‬‬
‫‪Education, (Lahore, Islamic Book Service, 1983).‬‬

‫‪96‬‬

2- Daniel Lerner, The Passing of Traditional Society: Modernizing the Middle East,
(Illinouis, Free Press of Glencoe, 1958), p. 199.
3- Manfred Halpern, The Politics of Social Change in the Middle East and North Africa,
(New Jersey, Princeton University Press), p. 25.
4- William Montgomery Watt, quoted in Ref.1 above.
5- Edward W. Said, Orientalism, (New York, Vintage Books, 1979)
6- Maryam Jameelah, Islam and Modernism, (Lahore, Muhammad Yousuf KhanPublisher,
1977), pp. 16-17.
7- Maryam Jameelah, Modern Technology and the Dehumanization of Man, (Lahore, ElMatbaat-ul-Arabi, 1983), p. 8.
8- Ibid.
9- Abul Ala Maudoodi, Taalimat, (Lahore, Islamic Publishers, N. d.) p. 20.
10- Ibid.
11- Planning Curricula for Natural Sciences: The Islamic Perspective, (Islamabad,
Institute of Policy Studies, 1983), p. 8.
12- Ibid. p. 10.
13- Kimiya Ki Tadrees Ka Nazriati Pehloo, (Islamabad, Institute of Policy Studies, 1982),
p. 27.
14- Ibid. p. 10.
15- Ibid. p. 27.
16- 'Knowledge For What?', Proceedings of the Seminar on the Islamizatin of Knowledge,
Islamic University, Islamabad, 1982, p. 73.
17- See Ref. 13, p. 65.
18- See Ref. 11, p. 31.
19- Syed Ahmed Khan, Tasnif-e-Ahmadia, Vol.1, (Aligarh, 1983), p. 2.
20- Syed Ahmed Khan, Maaqulat-e-Sir Syed, Vol. 1, (Lahore, Maijlis-e Taraqi-e-Adab,
1962), pp. 97-8.
21- C. W. Troll, Sayyid Ahmad Khan, A reinterpretation of Muslim Theology, (Karachi,
Oxford University Press, 1978), pp. 168-70.
22- William Cantwell Smith, Modern Islam in Insdia, (Lahore, Shaikh Muhammed Ashraf,
1963), p. 70.
23- Syed Ameer Ali, The Spirit of Islam, (Karachi, Pakistan Publishing House, 1976), p.
454.
24- The authoritative work on Syed Jamaluddin's political and religious views is by Nikki
R. Kiddie, An Islamic Response to Imperialism, (Berkeley, University of California Press,
1983), Most of the comments on Afghani in this section are derived from Keddie, and
from Afghani's original writings which are contained in its Appendix.
25- Ibid., p. 102.
26- Ibid., p. 103.
27- Ibid., pp. 106-7.
28- Ernest Renan, L'Islamisme wt la science, (Paris, 1883), P. 17, quoted in Keddie, op.
cit., p. 85.
29- Ernest Renan, Ouvres completes, 1, (Paris, 1947), pp. 960-5, quoted in Keddie, op.
cit., p. 93.
30- Syed Jamaluddin Afghani in 'Reponse de Jamal ad-Din al-Afghani a Renan', Quoted in
Keddie, op. cit., p. 86.
31- Ibid., p. 87.

97

‫‪32- Syed Jamaluddin Ahmed, 'The Materialists in India', Published in al-Urwa al-Wuthqa,‬‬
‫‪August 28, 1884, quoted in Keddie, op. cit.,pp. 176-7.‬‬

‫الفصــل الســادس‬
‫ثلثة ممثلين للعالم السلمي ‪ :‬بوكاى‪ ،‬نصر وسادار‬
‫تدور الصولية في أساسها حول ظاهرة الوحي التي تحدث مرة ولتحدث ثانية إلى البد‪،‬‬
‫تتساوى في ذلك الهندوسية‪ ،‬والمسيحية‪ ،‬واليهودية‪ ،‬والسلم‪ .‬يترتب على ذلك أن تصبح افاق‬
‫المعرفة محدودة بما أنزله ال من وحى في السابق‪ .‬يرى الصوليون استحالة زيادة المعرفة ال من‬
‫خلل الوصول إلى تفسيرات جديدة للوامر اللهية‪ .‬كذلك كثيرا ما يزعم الصوليون أن كل‬
‫الكتشافات الكبيرة في العلم الحديث‪ ،‬قد نُص عليها‪ ،‬وتم توقعها ضمن نصوص معتقدهم المقدسة‪.‬‬
‫اذ يقولون اقرأ النص بعناية وستجدها مذكورة هناك‪ ،‬فإذا لم تجدها‪ ،‬فإما إنك لم تقرأ النص بالعناية‬
‫الكافية‪ ،‬وإما فإن ما يقال أنه حقيقة علمية هو في الواقع خطأ أكيد‪ .‬ل بد من مقارنة هذا النوع من‬
‫المنطق بمثيله لدى المؤمنين العاديين‪ ،‬الذين ل يرون بصفة عامة أي تناقض بين أية معرفة جديدة‬
‫وبين النص اللهي‪ ،‬كما أن بعض المعرفة الجديدة قد يدعم المعتقد القديم‪.‬‬
‫يلحظ أن المزاعم والحجج التي يستعملها الصوليون‪ ،‬ل علقة لها بديانة معينة‪ .‬أقتبس‬
‫على سبيل المثال شيئا من كتاب نشر حديثا‪ ،‬عن العلوم في الهند القديمة ( مرجع ‪ .)1‬من الواضح‬
‫أن المؤلف شخص مؤمن ومتحمس لعقيدته الهندوسية‪ ،‬ومؤمن بتفوقها‪ ،‬فهو يطلب من القارئ أن‬
‫يتأمل النص ‪ 16-2‬من الـ بهاجافاد جيتا‪ ) Bhagavad Gita( 42‬الذي يقول ما معناه "ل يمكن‬
‫إيجاد ما هو غير موجود‪ ،‬ول يمكن إفناء الموجود‪ .‬ثم يعلن المؤلف بكل فخر‪ ،‬أن أحد العمدة‬
‫الساسية للفيزياء الحديثة ( يعنى قانون بقاء المادة والطاقة)‪ -43‬كان معروفا للقدماء منذ آلف‬
‫السنين‪ .‬على ذاك تتأكد الطبيعة اللهية للـ جيتا‪ ،‬ويثبت عدم إضافة شيء جديد إلى رصيد الحكمة‬
‫النسانية منذ وضعت النصوص المقدسة‪.‬‬
‫وهناك أمثلة هندية أخرى‪ ،‬فقد وصف بعض الهندوس الصوليون الرؤية الفيدية‬

‫‪44‬‬

‫(من‬

‫الصل فيدا‪ ) Veda ،‬لخلق الكون من "المادة الولية " المعروفة لهم باسم براكريتى (‪)Prakriti‬‬
‫‪ 42‬تعتبر الـ بهاجافاد جيتا بمثابة نصوص الكتاب المقدس للديانة الهندوسية‪ ،‬كتبت منذ أكثر من ‪ 5000‬سنة‪،‬‬
‫تتكون من حوارات مباشرة بين النسان وال المتجسد فى هيئة إنسان آخر‪(.‬المترجم)‬
‫‪ 43‬بقاء المادة والطاقة ‪ :‬المادة ل تفنى ول تستحدث من العدم‪( .‬المترجم)‬
‫‪ 44‬الصل فيدا ‪ Veda‬جزء من الكتب المقدسة للبوذية والهندوسية‪ .‬والكلمة معناها المعرفة او الحكمة‪( .‬المترجم)‬

‫‪98‬‬

‫عبر عدة كالبا‪ ،)Kalpas( 45‬وتوصلوا إلى الخلصة السعيدة بأن هذا بالضبط ما تقوله الفيزياء‬
‫الحديثة ونظرية النفجار الكبير ( ‪ )Big Bang‬لبداية الكون‪ .‬بعض الهندوس الصوليون‬
‫الخرون‪ ،‬يرى أن قوانين "مانو"‪ )Manu( 46‬ما هى إل حقائق فيزيائية‪ ،‬ويجادلون بأن الختلف‬
‫في المواد المختلفة ينشأ بسبب إختلف كميات الـ جونا (‪( )Gunas‬بمعنى النوعية) والـ تانماترا‬
‫(‪( )Tanmatras‬الحالت الملطفة)‪ ،‬المتواجدة في كل مادة‪ .‬كذلك هناك من غمرهم الرضاء‪ ،‬حيث‬
‫ثبتت لديهم مسألة تناسخ الرواح كحقيقة علمية‪ ،‬فقد إختاروا تصديق أقوال بعض العاملين في‬
‫مجال متشابه مع مجال علم النفس (علم نفس الظواهر الخارقة‪ Parapsychologists( ،‬الذين‬
‫يدعون أن لديهم دليل على فقد الجسم فجأة لحوالى ‪ 50‬جراما عند الوفاة‪ .‬وفى رأيهم أن هذا دليل‬
‫قاطع على ترك الروح للجسد‪ ،‬إستعدادا لمولد كائن آخر في مكان ما‪ ،‬جدير بالذكر أن جميع هذه‬
‫المزاعم‪ ،‬ثبت عدم إمكانية التحقق منها‪ ،‬إما لكونها غير قابلة للتكرار‪ ،‬أو أنها فشلت عند محاولة‬
‫إخضاعها للختبار الدقيق‪ .‬وبناءا على ذلك فقد رُفضت برمتها من قبل العلماء‪.‬‬
‫يستطيع النسان أن يجد أعدادا كبيرة من هذه المثلة المشبوهة‪ ،‬ولكن نظرا لهميتها‬
‫كممثلة لنوعية الجدل الصولى‪ ،‬فأود الرجوع إلى المثال الول المطروح عاليه لفحصه عن قرب‪.‬‬
‫هناك سؤالن يجب سؤالهما‪ .‬أول‪ ،‬هل النص المقدس " ل يمكن إيجاد ما هو موجود ول يمكن‬
‫إفناء الموجود " نص صحيح ؟ ثانيا ‪ :‬هل تقام بذلك الحجة على إتهام قانون الفيزياء الحديثة ببقاء‬
‫المادة والطاقة‪ ،‬واعتباره ادعاءا زائفا ؟‪.‬‬
‫الجابة على السؤال الول هى " من الجائز"‪ .‬فالمر برمته مرهون بكيفية تفسير كلمة‬
‫"موجود"‪ .‬خذ‪ ،‬مثل قصاصة ورق وإحرقها في النار من الواضح انتهاء وجودها كقطعة ورق بعد‬
‫حرقها‪ .‬وللنسان أن يجادل‪ ،‬بأن الصل في وجود الورقة هى الذرات المكونة لها‪ ،‬وأما عملية‬
‫الحرق فل تفعل اكثر من تحويل الورقة إلى غازات‪ ،‬في حين تبقى الذرات الصلية على حالتها‬
‫الولى‪ .‬على ذلك فبشرط حسن وملءمة التفسير‪ ،‬فل تعارض بين جيتا ‪ 16-2‬وبين التجربة‪.‬‬
‫وبأسلوب أخر يتميز النص المتعلق بتفسير الوجود بدرجة عالية من عدم الوضوح والدقة‪ ،‬مما‬
‫يجعل نقضه مستحيل‪.‬‬

‫‪ 45‬الـ كالبا تمثل المراحل الزمية التى يمر بها الوجود حسب الديانة البوذية‪ ،‬وتتكون بعضها من حوالى ‪16‬‬
‫مليون سنة‪ .‬كما يمكن تقسيمها الى أجزاء أصغر‪( .‬المترجم)‬
‫‪46‬‬

‫قوانين مانو‪ ،‬في الديانة الهندوسية تمثل الحكام التى ترشد النسان والمجتمعات فى مسيرة الحياة‪ ،‬وهى من‬

‫وضع النسان ول تعتبر بمثابة كلم ال‪( .‬المترجم)‬

‫‪99‬‬

‫وأما إجابة السؤال الثانى فهى " ل بكل تأكيد" فل يوجد فيزيائى واحد له أي قدر من‬
‫الهمية يقبل بالـ جيتا ‪ 16-2‬كنص سليم لى قانون فيزيائى بالرغم من أن بعض الفيزيائيين قد‬
‫يؤمنون بأن النص يجسد بعض التعاليم السابقة لما بعد الطبيعة (‪ .)Metaphysical‬ياترى هل‬
‫تشير نصوص الـ جيتا ‪ 16-2‬إلى الرواح ؟ أم إلى الفكار ؟‪ ،‬أم إلى ماذا ؟ لم يستطع أحد على‬
‫الطلق إستعمال ذلك النص في أي شيئ له أي علقة بالفيزياء‪ .‬فالفيزياء الحديثة محددة جدا‪ .‬ول‬
‫تحتمل النصوص غير المحددة أو المبهمة‪ ،‬فكل نص له قيمة بالنسبة للفيزياء‪ ،‬ل بد أن يكون قابل‬
‫للتحقق وقابل للقياس الكمى‪ .‬يقف نص " المادة والطاقة ليفنيان ول يستحدثان من العدم" عاجزا‬
‫وبل أي فائدة‪ ،‬ما لم توجد طرق واضحة متاحة لقياس كتلة المادة بجانب تعريف واضح لمفهوم‬
‫كنه الطاقة‪ ،‬ووسيلة لقياس معدلت إشعاعها أو إنتاجها فإذا لم يكن لدينا وسيلة دقيقة ورياضية‬
‫لحساب وتوثيق هذه الكميات‪ ،‬فإن أي مقولة تحاول الربط بينهم يمكن أن تعنى أمورا مختلفة جدا‬
‫وكثيرة بحيث تصبح بل فائدة للفيزيائيين‪ .‬بأسلوب آخر فإن المقولت الهلمية غير المحددة مثل "‬
‫ل يمكن إيجاد ما هو غير موجود" التى ل تتوقع شيئا ول تتنبأ بشيء‪ ،‬فل يمكن بإستعمالها ان‬
‫نتوقع حدوث أي ظاهرة فيزيائية أو بناء آلت جديدة أو إقتراح أية تجارب جديدة‪ .‬من البديهى انه‬
‫متى تم التعرف على شيء وتحديده كحقيقة علمية فمن الممكن دائما بشيئ من التفسير والتأويل‪،‬‬
‫العمل على إعادة تشكيل مفهوم أحد النصوص المقدسة أو غيره ليعطى فى النهاية المعنى المناسب‪.‬‬
‫تؤدى أحيانا الرغبة الشديدة في إرجاع كل نواحى العلم إلي مختلف النصوص الدينية‪ ،‬إلى‬
‫الضطرار للقيام ببعض التمارين العقلية الطريفة‪ .‬فها هو ذا‪ ،‬ج‪.‬ف‪ .‬نارليكار (‪)J.V.Narlikar‬‬
‫الفلكى الهندى المحترم يسجل ما حدث في الوقت الذي شاعت فيه نظرية خلق الكون فى حالة‬
‫ثابتة مع الزمن‪ )Steady state theory of creation( 47‬حيث قام رجال الدين الهندوس بجمع‬
‫أدلة نصية مقدسة عديدة لظهار التوافق الكامل بين النظرية ونصوص الـ "فيدا" المقدسة‪ .‬على أية‬
‫حال لم تصمد النظرية طويل وتم الستغناء عنها وحلت محلها نظرية النفجار الكبير‪ .‬وبل أي‬
‫شعور بالخجل أو الهزيمة‪ ،‬سرعان ما وجد رجال الدين الصوليون عبارات أخرى من الفيدا‬
‫تتمشي مع نظرية الخلق الجديدة ليعلنوها مرة أخرى بكل زهو وإعتزاز باعتبارها إنتصار آخر‬
‫للحكمة القديمة‪.‬‬
‫حاول بعض المفسرين والمؤولين للقرآن الكريم القيام بمحاولت مشابهة لما سبق ومن‬
‫أبرز هؤلء وأكثرهم شهرة نجد موريس بوكاى (‪.)Maurice Bucaille‬‬
‫موريـس بوكاى‬
‫‪ 47‬نظرية خلق الكون فى حالة ثابتة مع الزمن اى خلق ال الكون على حالته هذه منذ الزل‪( .‬المترجم)‬

‫‪100‬‬

‫الستاذ بوكاى طبيب جراح فرنسى تحول إلى الروحانيات وبزغ في سماء العالم السلمي‬
‫بتفسيراته التى ضمنها في كتابه " النجيل والقرآن والعلم" (‪The Bible the Qur'an and‬‬
‫‪ ) Science‬وقد تُرجم الكتاب الى عدة لغات وطبعت منه مئات اللف من النسخ‪ ،‬كما وُزعت‬
‫أعداد كبيرة منه مجانا عن طريق المنظمات الدينية السلمية من مختلف أنحاء العالم‪ .‬وهو السلح‬
‫المفضل لدى الدعاة إلي السلم‪ ،‬حيث كانوا يوزعونه في المطارات كما يوزعونه في حرم‬
‫الجامعة المريكية آملين من خلله الى تحويل الناس إلي السلم‪ ،‬ومعظم من قابلتهم من المثقفين‬
‫المسلمين‪ ،‬إما قرأوه أو على القل سمعوا به‪ .‬وأما عن المؤلف فإن شهرته ل تُجارى ولعل للون‬
‫بشرته البيضاء بصفته "خواجة" دخل في سبب شهرته‪ .‬خاصة في ظل رواسب زمن الستعمار‪.‬‬
‫على أية حال‪ ،‬راجت سوق الستاذ بوكاى وزاد الطلب عليه في المؤتمرات مثل " المؤتمر الدولى‬
‫الول للمعجزات العلمية في القرآن والسنة"‪ ،‬حيث قامت الهيئة التنظيمية بتكريمه ومنحه شرف‬
‫رئاسة بعض النشطة بالمؤتمر‪.‬‬
‫يتسم أسلوب بوكاى بالبساطة‪ ،‬فهو يطلب أول من القارئ أن يتمعن في احدى اليات‬
‫القرآنية‪ ،‬ثم يستعرض المعانى المختلفة التى قد يحتملها نص الية‪ ،‬وينتقى من بينها التفسير الذى‬
‫يتمشي مع بعض الحقائق العلمية‪ .‬ويستخلص من ذلك‪ ،‬أنه على عكس النجيل الذى كثيرا ما‬
‫يخطئ في وصف الظواهر الطبيعية‪ ،‬فالقرآن دائما على حق‪ ،‬كما أنه قد تنبأ بكل الكتشافات‬
‫الكبيرة للعلم الحديث‪ .‬ومن هنا يبدأ في سرد عدد ل بأس به من المثلة القرآنية المختلفة‪ ،‬المتعلقة‬
‫بأمور شتى مثل النحل‪ ،‬والعناكب‪ ،‬والطيور‪ ،‬وبعض النباتات والخضروات‪ ،‬واللبن‪ ،‬والجنًة‪،‬‬
‫والتكاثر البشرى‪ .‬وأما استعراضه للجماد فيتراوح من كواكب المجموعة الشمسية إلى المجرات‬
‫وما بين النجوم‪ ،‬وتمدد الكون وغزو الفضاء‪ .‬وفى نهاية عرضه لكل جزئية يصل إلى إستنتاج أن‬
‫التوافق المدهش بين الوحى القرآنى والحقائق العلمية إنما هو دليل قاطع على طبيعتة العجازية‪.‬‬
‫في الوقت الذى يبدو فيه الستاذ بوكاى راضيا تماما عن أسلوبه فإن المسلمين المغرمين‬
‫بمزج المنطق باليمان‪ ،‬يلحظون بسهولة وجود مفارقتين اساسيتين بالرغم من قبولهم للطبيعة‬
‫اللهية للقرآن‪.‬‬
‫أول‪ :‬يلحظ أن الدليل على صحة فرضية معينة ل يصح إل بإستعراض وبحث إحتمالت خطئها‬
‫ومناقشتها‪ ،‬فل معنى للبدء باقرار أن مجموع زوايا المثلث يساوى ‪ 180‬درجة ثم السعى بعد ذلك‬
‫لمحاولة إثباته‪ .‬فطالما يؤمن المؤمنون باستحالة وجود أى خطأ في القرآن بأى طريقة كانت‪ ،‬فكل‬
‫المحاولت الهادفة لثبات طبيعته اللهية فهى محاولة مغرضة من الساس‪.‬‬

‫‪101‬‬

‫ثانيا‪ :‬من الخطورة بمكان تعليق اليمان بالحقيقة الزلية‪ ،‬بنظريات العلم المتغيرة فمفهومنا للكون‬
‫قد يتغير جذريا مع الوقت‪ ،‬كما أن العلم ل يستحى من هجر نظرياته القديمة وإعتناق ما هو أحدث‪.‬‬
‫أليس مثيرا للخراب‪ ،‬إرساء المسألة العقائدية على مثل تلك الرمال المتحركة ؟‬
‫نلقى نظرة إلى ما يلى‪ :‬يزعم الستاذ بوكاى أنه إكتشف أن القرآن يتحدث عن الكون الذى‬
‫يتمدد بإستمرار‪ .‬ودعونا – مؤقتا – نتجاوز عن الواقع المعروف بأن المشاهدات والدراسات الفلكية‬
‫أثبتت حقيقة ظاهرة تمدد الكون قبل الكتشاف المزعوم المفاجئ بأنها حقيقة دينية معروفة منذ‬
‫أمـد بعيد‪ ،‬وبدل من ذلك دعونا نتساءل عما يمكن حدوثه إذا دلت نتائج دراسات فلكية أحدث على‬
‫أن الكون آخذ في النكماش بدل من التمدد‪ .‬فى واقع المر فإن بعض علماء الفلك يعتقدون بأن هذا‬
‫سيحدث بالتأكيد بعد مرور فترة زمنية ما‪ ،‬قد تمتد إلى بضعة بليين من السنين‪ ،‬حينها سيتوقف‬
‫الكون عن التمدد ويأخذ في النكماش‪ .‬فإذا أخذنا بالحتمال البعيد‪ ،‬وإستمرت الحياة كما نعرفها‬
‫اليوم إلي ذلك المستقبل البعيد فيا ترى ماذا ستكون الختيارات المتاحة لحد أنصار الستاذ بوكاى‬
‫حين يواجه بالكون الخذ في النكماش‪ .‬لعله سيرفض الدلة الفلكية مفضل ما يعتقد بأنه حقيقة‬
‫دينية‪ .‬وعلى الرجح فإنه قد يكتشف فروعا لم تكتشف بعد في اللغة العربية تكفى لقناعه بأن‬
‫التفسيرات السابقة قد جانبها الصواب‪ ،‬ثم يجد نصا آخر أكثر ملءمة ليتوافق مع الحقائق الجديدة‪.‬‬
‫يلحظ في كتاب بوكاى‪ ،‬عدم وجود آية توقع – ولو واحد – لى حقيقة فيزيائية غير معلومة‬
‫بالفعل‪ ،‬ويمكن ملحظتها واختبارها في المستقبل‪.‬‬
‫إن المحاولت المتشبهة بالعلم والتى تشمل المثلة السابقة الساعية الى إستخلص علوم‬
‫فيزيائية من القرآن‪ ،‬قد أدينت بشجاعة وقوة من قِبل بعض المسلمين المعاصرين العظماء‪ .‬حيث‬
‫توجد وجهات نظر معارضة تماما للفكار الصولية المشابهة لفكار بوكاى‪ .‬فهناك مثل أعمال‬
‫الستاذ أحمد خان‪ ،‬مؤسس جامعة أليجار بالهند‪ .‬ويعتقد السيد أحمد خان بعقم اسلوب النظر إلي‬
‫القرآن بإعتباره عمل علميا‪ .‬وقد كرس جزءا كبيرا من أعماله بصفته عالما دينيا لحل اللتباس‬
‫الواقع بين ما يعتبره الرسالة الساسية للقرآن وبين بعض المعتقدات الزائفة والمربكة للراء الفلكية‬
‫اليونانية‪ .‬وبرغم أنه من المؤمنين بأن القرآن منزل من لدن الله‪ ،‬إل أنه يرى أن جميع المحاولت‬
‫الهادفة لستخلص الحقائق العلمية من القرآن قد جانبها الصواب‪ .‬وقد كتب في ذلك يقول‪:‬‬
‫" لم يثبت القرآن أن الرض ثابتة ل تتحرك‪ ،‬ولم يثبت أيضا أنها تتحرك‪ .‬وبالمثل فل يمكن‬
‫بالقرآن إثبات أن الشمس ثابتة‪ .‬فلم تكن هذه المشاكل من بين إهتمامات القرآن حيث ترك تقدير تلك‬
‫المسائل للتقدم المعرفى للنسان‪ ....‬الهدف الحقيقي للدين هو الحث على الفضيلة‪ ...‬وأنا مقتنع‬

‫‪102‬‬

‫تماما بإستحالة تعارض فعل ال مع كلمة ال‪ .‬فقد نخطئ أحيانا في فهمنا لمعنى كلمات ال من‬
‫خلل خطأ في معرفتنا‪( .‬مرجع ‪)2‬‬
‫نصل إلي النقطة الساسية في حديثه حيث يقول‪" :‬الهدف الحقيقى للدين هو الحث على‬
‫الفضيلة"‪ .‬دع إثبات الحقائق العلمية يخضع للملحظة والتجربة وليس لمحاولت تفسير النص‬
‫الدينى‪ ،‬كما لو كان كتابا في العلوم‪ .‬لقد إستطاع أحمد خان بتفسيره للمعتقدات بهذا الوضوح‪،‬‬
‫إضافة إلى دوره المعروف كمدافع عن السلم في أيام الحتلل النجليزى للهند‪ ،‬أن يقدم من‬
‫خلل فلسفته العقلنية‪ ،‬ترياقا ناجعا لعلج الجراثيم المختلفة التى بثها بوكاى وانتشرت على نطاق‬
‫واسع في العالم السلمي المعاصر‪.‬‬
‫الستاذ حسين نصــر ‪Seyeed Hossein Nasr‬‬
‫في خضم الجدل القائم حول مدى توافق السلم والعلم‪ ،‬تبرز حجة المسلمين المعاصرين‬
‫القائلة بأن السلم بل شك ل يتعارض مع‪ ،‬بل يدعم العلم‪ .‬بدليل نمو العلم وإزدهاره في الراضى‬
‫السلمية على مدى ما يقرب من الخمسمائة عام‪ .‬لم تسلم هذه الحجة من إعتراضات العلماء‬
‫الصوليين ولعل الستاذ حسين نصر من أكثر هؤلء حنكة وتأثيرا وبلغة‪.‬‬
‫جدير بالذكر أن السيد حسين نصر‪ ،‬إيرانى شيعى بالمولد‪ ،‬تلقى تعليمه الولى في إيران ثم‬

‫إرتحل إلي الوليات المتحدة للدراسة التأهيلية في الفيزياء من معهد ماساشوستس للتكنولوجيا ((‬
‫‪ ،Massachusetts Institute of Technology‬ثم حصل على الدكتوراة في التاريخ من‬
‫جامعة هارفارد‪ .‬نال شهرته الواسعة عن جدارة كعالم من علماء تاريخ العلم السلمي من خلل‬
‫العدد الكبير لمؤلفاته المثيرة للعجاب في هذا المجال‪ .‬ل يرجع السبب في نجاح كتاباته إلي الراء‬
‫التى يطرحها‪ ،‬بل إلي براعته الفائقة والوضوح البالغ في أسلوب عرضه للمور‪ .‬هذا السلوب‬
‫البلغى السلس‪ ،‬جعله من أكثر المؤرخين المسلمين في مجال تاريخ العلوم تواصل مع القراء‬
‫وتأثيرا فيهم‪ .‬ولعل مكانته كانت ستزداد لول توليه لرئاسة منظمة إيرانية للكتاب في الماضى‪،‬‬
‫وإعلنه لدعمه لشاه إيران قبل الثورة هناك مما اضطره للحياة خارج ايران حيث يعمل حاليا أستاذا‬
‫بإحدى الجامعات المريكية‪.‬‬
‫تلشت سبل التواصل بين الستاذ نصر‪ ،‬وأعضاء الحداثة ممن يزعمون بعدم وجود خلف‬
‫بين السلم والعلم الحديث‪ .‬ففى رأيه انهم يقومون بتشويه السلم لملءمة وخدمة أغراضهم‬
‫ويهاجمهم بعنف قائل ‪ " :‬قد تذهب الكتابات التبريرية لهم إلي أى مدى لسترضاء الحداثة ولعلهم‬
‫مستعدون لدفع أى ثمن في سبيل إظهار حداثة السلم وأنه ‪ -‬على عكس المسيحية ‪ -‬ل يختلف‬
‫بتاتا مع العلم‪( .‬مرجع ‪)3‬‬

‫‪103‬‬

‫يرى نصر أن كتابات أنصار الحداثة هؤلء‪ ،‬التى تزعم أن السلم متوافق مع العلم‬
‫الحديث – بمعنى العلم المبنى على السس التى وضعها جاليليو ونيوتن – خاطئة ومعيبة بشكل ل‬
‫يمكن فهمه‪ .‬الخطأ السائد في هذه الكتابات كما يرى نصر‪ ،‬أن المقصود بلفظ " علم " في اللغة‬
‫العربية‪ ،‬هو القضية العقائدية‪ ،‬قد جرى تحريفه عن عمد وتحويل معناه إلي العلم المدنى‪ .‬يسترسل‬
‫نصر فيرى في هذا خطأ شديدا‪ ،‬حيث أن معنى لفظ " علم " يعود على المعرفة اللهية‪ ،‬ل على‬
‫المعرفة النجسة‪ ،‬كما يؤكد نصر على أهمية تعريف أنصار الحداثة بذلك‪ ،‬لن العلم الحديث‬
‫كالسرطان الخذ في تدمير نخاع العقيدة السلمية‪.‬‬
‫"ل يمكن منع هذا النوع من العلم – المبنى على أساس نسيان ال – من إحداث تآكل فى‬
‫قلعة العقيدة السلمية‪ ،‬مهما بلغ حجم النكار بوجود المشكلة ومهما إرتفعت الشعارات القائلة بأن "‬
‫الطبيعة العلمية " للسلم قادرة على وقف إنتشاره"‪ (.‬مرجع ‪)4‬‬
‫ل مناص في النهاية – على حد قول نصر – للعالِم المسلم الورع الذى يستعمل أدوات‬
‫العلم الحديث وتقنياته من إتلف نسيج العقيدة السلمية لن‪:‬‬
‫" بغض النظر عما يعتقده أفراد العلماء المسلمين التقياء‪ ،‬فهم ل يستطيعون منع نتيجة‬
‫نشاطهم كعلماء عصريين‪ ،‬التى تؤدى الى تفريغ العالم الثقافى السلمي من محتواه‪ ،‬مالم يتم‬
‫إجتثاث هذا العلم من جذوره الضاربة في النسيج المدنى والنسانى منذ نشأته في عصر النهضة"‪.‬‬
‫(مرجع ‪)5‬‬
‫يتضح من وجهة نظر هذا النوع من الصولية السلمية‪ ،‬الرفض الكامل لمبدأ إعتماد‬
‫الحقيقة بالكامل – في العلم الحديث– على أحكام العقل والمنطق والملحظة‪.‬‬
‫أما فيما يتعلق بالعلوم القديمة‪ ،‬فيذكرها نصر بطريقة لطيفة‪ ،‬ويقول‪ ":‬إنها لم تمثل أى تحد‬
‫للسلم كما يفعل العلم الحديث‪ .‬إن التلميذ في المدرسة التقليدية درسوا الرياضيات والجبر لعمر‬
‫الخيام‪ ،‬والكيمياء القديمة من مجلدات جابر بن حيان‪ ،‬دون أن يمنعهم ذلك من آداء صلواتهم‪ ،‬كما‬
‫يفعل طلب اليوم الذين يفقدون روابطهم الدينية عند دراسة الرياضيات الحديثة والكيمياء‪.‬‬
‫(مرجــع ‪)6‬‬
‫يا ترى ما مدى صحة هذا الفرق المزعوم بين علوم القرون الوسطى والعلوم الحديثة؟‬
‫يجب التعمق في فهم هذا السؤال‪ ،‬لما له من أهمية خاصة‪ .‬في واقع المر‪ ،‬يختلف المفهوم الضمنى‬
‫للطار المعرفى‪ ،‬إختلفا جذريا لكل من العلم القديم‪ ،‬والعلم الحديث‪ .‬في الماضى‪ ،‬إشتغل العلماء‬
‫سواء من المسلمين أو المسيحين‪ -‬داخل حدود نموذج‪ ،‬تشابكت فيه كل من المعتقدات فوق‬‫الطبيعية‪ ،‬والمعتقدات الجتماعية الشائعة‪ ،‬والنظريات العقلنية‪ .‬كانت وظيفة العلوم الطبيعية‪،‬‬

‫‪104‬‬

‫السعي لفهم النظام اللهى للكون‪ ،‬حسبما تحددت ملمحه بالمشيئة اللهية‪ .‬بمعنى أنه كان ينظر إلي‬
‫العلم كأداة لتوضيح الحقائق العقائدية‪ ،‬والتأكيد على الحتياج للنظر إلى ما هو أبعد من مجرد‬
‫الوجود المادى‪ ،‬كانت الجابات معروفة مسبقا‪ ،‬فعلى العلم‪ ،‬كخادم للعقيدة‪ ،‬أن يثبت تأييد العقلنية‬
‫والحقائق الفيزيائية لمسألة اليمان‪.‬‬
‫حتى الرياضيات‪ ،‬التى ينظر إليها اليوم بصفتها المجردة والمنفصلة تماما عن المعتقدات‪،‬‬
‫تم دمجها بقوة في نسيج المعتقدات الدينية‪ .‬لسيما وأن معظم أنظمة الترقيم الولى‪ ،‬نسبت مصدر‬
‫الرقام إلى القوى فوق الطبيعية‪ .‬من ثم أصبح يُنظر إلى علم الحساب على أنه من المتيازات‬
‫الخاصة برجال الدين‪ ،‬ومن ممتلكات المعابد والقصور‪ .‬فاليونانيون مثل مجدوا الهندسة‪ ،‬وربطوا‬
‫بين الشكال المتساوية الضلع والزوايا‪ ،‬واللهة‪ .‬ل شك أن تحويل الرياضيات إلي علوم مدنية‪،‬‬
‫ثم تحريرها من نماذجها العقائدية‪ ،‬قد إستغرق من البشرية آلف السنين‪.‬‬
‫نعم كانت هناك محاولت للبحث عن القواعد العلمية العامة لتفسير بعض الشياء‪ ،‬مثل ظاهرة‬
‫سقوط الجسام‪ ،‬لكن كان من المستحيل تقدير أو فهم أهميتها وعالميتها في ظل حجم المعرفة‬
‫المتاحة في ذلك الحين‪ .‬لم تخل التأملت من المخاطرة‪ ،‬إذ كان حجم المعرفة المختبرة ضئيل جدا‪،‬‬
‫بحيث ل يسمح باستخلص قانون فيزيائى قادر على تفسير أو حتى توقع أى من الحداث المهمة‪.‬‬
‫لم يتمكن علم القرون الوسطى من تفسير أسباب وقوع الزلزل أو ثورة البراكين‪ ،‬او كيفية شروق‬
‫الشمس ودوران الرض حولها‪ ،‬أو سبب هبوب الرياح وسقوط المطر أو أسباب حدوث الوبئة أو‬
‫كيفية مجابهتها‪ ،‬وغير ذلك أمثلة كثيرة‪ .‬ل يمكن إغفال دور حالة الجهل الباطش السائدة آنذاك‪ ،‬إذ‬
‫يتضح دوره تماما مما حدث في أوروبا من وقوع المذابح المتكررة لليهود على أيدى المسيحيين‪،‬‬
‫كلما ظهر وباء بالبلد‪ ،‬نظرا للفكار السائدة بان اليهود مسئولون عن حلول نقمة ال على أى‬
‫مجتمع يعيشون فيه‪ .‬في ظل هذا المناخ‪ ،‬كان مجرد التأمل‪ ،‬شيئًا ل يمكن التكهن بعواقبه‪.‬‬
‫نستطيع أن نرى‪ ،‬بعد شيء من التمعن‪ ،‬صعوبة احتمال أن تكون المور على غير ما‬
‫كانت عليه حيث لم يكن فن الملحظة – ناهيك عن فن إجراء التجارب – قد تطور إلى أى حد‬
‫يسمح بمقارنته بالعلم المعاصر أو يصلح ليكون أداة للتوقع والتحكم‪ .‬تشير ملحظات سارتون‬
‫‪ : ))Sarton‬إلى هذا المعنى‪:‬‬
‫" مهما بلغت إيجابية المعرفة لدى أسلفنا‪ ،‬فإنها كانت من النوع الذى ل يعتد به‪ ،‬حتى‬
‫أصبح من السهل معارضة أى من مقولتهم العلمية‪ .‬هذا في الوقت الذى بدت فيه التركيبة‬
‫العقائدية‪ ،‬قوية‪ ،‬متماسكة‪ ،‬وغير قابلة للهتزاز‪ ،‬من ثم لم يكن متاحا لى كم من المشاهدات أن‬

‫‪105‬‬

‫يمس المعتقدات أو يهدمها‪ .‬لم تكن المعتقدات قائمة على الستنتاج‪ ،‬وبذلك تحصنت ضد أى‬
‫تجريح محتمل من قبل العقلنية مهما بلغ حجمه"‪( .‬مرجع ‪)7‬‬
‫في تلك اليام‪ ،‬استقر إستعمال التبريرات العقائدية كبديل للتبريرات العلمية‪ ،‬نظرا لعدم توافر‬
‫الخيرة‪ .‬فنجد البيرونى مثل‪ ،‬يشتبك في معركة ضارية ضد محاورات أرسطو المتعلقة بأبدية‬
‫العالم‪ ،‬مدافعا في المقابل بنظرية الخلق من العدم‪( .‬يلحظ أننا نقف اليوم على مشارف الجابة‬
‫لتحديد ذلك علميا )‪.‬‬
‫لم تقتصر هذه الملحظة على المسلمين فقط‪ ،‬بل شملت المسيحيين أيضا‪ ،‬حيث نشأت لديهم‬
‫(المسيحيين) إشكالية النقاط المتقابلة على سطح الكرة الرضية‪ ،‬التى احتلت مساحة كبيرة من‬
‫الجدل‪ ،‬حتى تم فى النهاية رفض الفكرة تماما‪ ،‬على أساس أن وجود تلك النقاط‪ ،‬يستوجب وجود‬
‫مسيح آخر على الجانب الخر من الرض‪ ،‬مما يعنى ضرورة تعرضه للصلب مرة أخرى‪ .‬حتى‬
‫بالنسبة لـ روجر بيكون‪ )Roger Bacon ( 48‬المعروف براديكاليته‪ ،‬الذى حاكمته الكنيسة‬
‫وأودعته السجن‪ ،‬بسبب إجرائه بعض التجارب العلمية‪ ،‬رغم أن هدفه في النهاية كان تأييد ودعم‬
‫مسألة الوحى اللهى‪.‬‬
‫كانت صورة العالم‪ ،‬في العصور الوسطى‪ ،‬كاملة‪ ،‬ومتدرجة‪ ،‬مبنية على أساس نظام أثيرى‬
‫مكون من مجالت وأفلك‪ .‬يحتل القمر والشمس المكانة الولى في هذا النظام الجليل‪ ،‬ثم يليهما‬
‫مجالت باقى الكواكب‪ ،‬ثم تأتى مجالت النجوم الثابتة‪ ،‬ومن بعدها الملكوت اللهى‪ .‬إرتبط علم‬
‫الفلك بالملئكة‪ ،‬التى لعبت دورا هاما في تحريك السماوات‪ .‬وقد إمتل علم الفلك عند إبن سينا بهذه‬
‫المفاهيم‪ .‬إقتضى النظام الكونى الذى تصونه الملئكة على هذا النحو‪ ،‬وجود نظام إجتماعى معين‬
‫بل ونظام خاص داخل جسم النسان بما يتمشى مع التصور العام للكون‪ .‬على سبيل المثال وضع‬
‫إخوان الصفا الذين كونوا جماعة سرية للمفكرين السماعيليين العقلنيين في القرنين العاشر‬
‫والحادى عشر‪ ،‬علقات بين الكواكب وأمراض الجسد ( مرجع ‪ )8‬على النحو التالى ‪:‬‬
‫العينين‬

‫المشترى‬

‫الذن‬

‫عطــارد‬

‫النف وحلمة الثدى‬

‫الزهرة‬

‫قنوات الخراج‬

‫زحــــل‬

‫الفـــــم‬

‫الشمس‬

‫الســرة‬

‫القمـــر‬

‫‪ 48‬سبقت الشارة اليه في هامش بالفصل الثالث‪( .‬المترجم)‬

‫‪106‬‬

‫بناءا على هذه التصورات‪ ،‬وُصفت المراض على أنها ظواهر مرتبطة بخسوف الجرام السماوية‪.‬‬
‫في الخلصة إمتد نظام الرتباط بالجسام الفلكية ليشمل تقريبا كل شيء في الحياة‪.‬‬
‫يتمثل أحد الفروق الكبرى الخرى‪ ،‬بين العلم القديم والعلم الحديث‪ ،‬في النظرة إلى مفهوم‬
‫التقدم‪ .‬حيث أصبحنا في زمننا المعاصر‪ ،‬نقبل ظاهرة التراكم المعرفى والتقدم المستمر للجيال‬
‫المتعاقبة بشيء من التلقائية ونعتبر ذلك من الشياء الطبيعية‪ .‬أما في القرون الوسطى‪ ،‬فكان من‬
‫الصعب تصور أن الحياة آنذاك‪ ،‬تختلف عما كانت عليه عند الجيال الضاربة فى القدم‪ ،‬أو أن‬
‫معرفة القدماء كانت أقل‪ .‬فقد آمن البيرونى مثل بأن القدماء (البيزنطيون‪ ،‬والمصريون‪،‬‬
‫واليونانيون) إمتلكوا معرفة أكثر من معاصريه‪ ،‬فكتب في هذا يقول ‪ " :‬إن مانملكه من علمنا‬
‫الخاص‪ ،‬ليس إل الفضلت القليلة المتبقية من الزمنة الغابرة" (مرجع ‪ .)9‬رغم إيمان علماء‬
‫القرون الوسطى بأحادية إتجاه التقدم‪ ،‬إل أن نظرتهم إلى التاريخ كانت مختلفة‪ ،‬حيث رأوه يسير‬
‫في دورات‪ .‬من ثم مر تاريخ البشرية بشكل منتظم‪ ،‬بفترات من الصعود والهبوط‪ ،‬فكلما إزدادت‬
‫قوة الناس أو مهارتهم أنزل ال عليهم غضبه في صورة الوبئة أو الزلزل‪ ،‬او الفياضانات التى‬
‫تدمر الرض بصفة دورية‪ .‬أصابت هذه الرؤية للكوارث‪ ،‬هدفين في نفس الوقت أولهما التأكيد‬
‫على معاقبة الناس على خطاياهم‪ ،‬وثانيهما التذكير بان ال ل يتوقف أبدا عن التدخل الفاعل في هذا‬
‫العالم‪.‬‬
‫بناءا على ذلك‪ ،‬فل يستطيع المرء الختلف مع نصر بشأن تحديد مفهوم إطار علم القرون‬
‫الوسطى عن طريق المعتقدات‪ .‬من ناحية أخرى‪ ،‬فيبدو أنه ل يُقدر حقيقة أن النجازات الوحيدة‬
‫المتبقية من هذا العلم‪ ،‬سواء تمت على ايدى اليونانيين أو المسلمين أو المسيحيين‪ ،‬كانت النجازات‬
‫التى تميزت بما لها من طبيعة عالمية‪ ،‬ومدنية‪ ،‬وهذه بالتحديد هى العناصر المشتركة بينها وبين‬
‫العلم المعاصر‪ .‬فمثل في سبيل تحقيق الثراء والمنفعة الشخصية البحتة‪ ،‬إندفع المشتغلون بالكيمياء‬
‫القديمة في محاولت تحويل المعادن المختلفة إلى ذهب‪ .‬لكن برغم فشلهم الذريع في مسعاهم‪ ،‬إل‬
‫أن العديد من القواعد الكيميائية الهامة تم اكتشافها من خلل أعمالهم‪ .‬كذلك جرت دراسة آليات‬
‫الجسام المتساقطة‪ ،‬والروافع‪ ،‬واللت البسيطة‪ ،‬وخصائص العدسات‪ ،‬وحياة النبات والحشرات‪،‬‬
‫والجغرافيا وطبيعة سطح الرض‪ ...‬الخ بهدف إستخلص القواعد العامة‪ .‬نبع الحافز بوضوح من‬
‫حب الستطلع الطبيعى للنسان ول يمكن تعليقه بالضرورة على المراسيم اللهية‪.‬‬
‫لتلخيص المناقشة التى تدور حول الفروق بين نظريات المعرفة والفتراضات الفلسفية للعلم‬
‫الحديث‪ ،‬وبين علم القرون الوسطى السلمية‪ ،‬فأعتقد أن نصر قد أثار نقطة في غاية الهمية‪،‬‬
‫بمناقشته لفرضية تقبع في قلب الطروحة السلمية المعاصرة‪ ،‬ونادرا ما نالت حظها من الشرح‪.‬‬

‫‪107‬‬

‫لكن رفضه الصارخ للعلم المعاصر بإعتباره ضد السلم فل يمكن قبوله إل من قبل الصوليين‬
‫المتزمتين‪.‬‬
‫يعرف عن نصر‪ ،‬أنه ليس فقط مؤرخ للعلم‪ ،‬بل أيضا من الدعاة للعلم السلمي الجديد‪،‬‬
‫الذى ل يجب أن يخضع لستبداد المنطق‪ ،‬فكما يقول ‪:‬‬
‫" ل يمكن إستخلص العلم السلمي الحقيقى من المنطق النسانى‪ ،‬بل يجب أن يكون‬
‫مستمدا من الذكاء اللهى‪ ...‬إن مكان العقل في القلب‪ ،‬ل فى الرأس‪ ،‬وما المنطق إل إنعكاس للعقل‬
‫على مستوى الذهن‪( .‬مرجع ‪ .)10‬كلمات شاعرية جميلة‪ ،‬تصور لنا مشهدا للمعرفة الكاملة‪ ،‬لكن‬
‫للسف‪ ،‬فإن معنى الكلمات في الحقيقة‪ ،‬واضح تماما كالطين‪ .‬ل شك في تَميز ذلك العلم الذى يزعم‬
‫أنه مستمد من الذكاء اللهي‪ ،‬ل من المنطق النسانى‪ ،‬بشرط ان يكون لمن يمارسه إتصال مباشر‬
‫مع الذكاء اللهى‪ ،‬فبدون ذلك‪ ،‬يصبح علما محيرا جدا ومثيرا للمشاكل بكل تأكيد‪ .‬ولعل نجاح علِم‬
‫نصر السلمي الجديد يعتمد على العثور على مفسرين للذكاء اللهى‪ ،‬الذين يفترض أن سيجرى‬
‫إختيارهم من بين التقياء الورعين‪.‬‬
‫مع إنشغال الدكتور نصر الشديد في الدعاية لنموذجه الثيرى من العلم السلمي‪ ،‬الذى‬
‫"يجب أن يجتث من جذوره الضاربة في النسيج المدنى والنسانى"‪ ،‬والذى يتميز بـ ‪ " :‬مكان‬
‫العقل في القلب‪ ،‬ل في الرأس"‪ .‬فل يجد الدكتور نصر وقتا كافيا لللتفات إلى بعض المسائل‬
‫العملية ذات الطبيعة الدنيوية‪ ،‬التى قد تتسبب في حدوث مشاكل كثيرة كما سنرى فى المثل التالى‪:‬‬
‫•مثل ‪ : 1‬ينتمى كل من العالم "أ" والعالم "ب"‪ ،‬إلى رؤية دكتور نصر الخاصة بالعلم‪.‬‬
‫ينشغل كلهما بالبحث عن أصل تكوين القارات‪ ،‬وكلهما مقتنع بأن العقل‪ ،‬مكانه القلب‪ ،‬ل‬
‫في الرؤوس‪ .‬يستلهم العالم "أ" نصا مقدسا يرى فيه ما يدعم العتقاد بأن القارات كانت‬
‫متصلة ببعضها منذ زمن بعيد‪ .‬لكن يقتنع العالم "ب" بأن القارات برزت بتلقائية من البحار‪،‬‬
‫ثم يقتبس نصا مقدسا آخر‪ ،‬يرى فيه ما يدعم إعتقاده‪ ،‬ل ترقى أدلة أى منهما لدحض‬
‫الرأى الخر تماما‪ .‬مما يستلزم رفع المر إلى "المجلس الدينى العلى "‪ .‬حيث يتشاور‬
‫أعضاء المجلس التقياء بشأن هذا الموضوع الهام‪ ،‬وبعد كثير من الدراسة والصلوات‬
‫وقراءة التعاويذ‪ ،‬يُصدر المجلس قراره بأن القارات تكونت عن طريق كذا او كذا‪ .‬في‬
‫نفس الوقت‪ ،‬بعيدا في بلد روسيا الشيوعية‪ ،‬تُذيع مجموعة من علماء الجيولوجيا‪ ،‬أنهم قد‬
‫توصلوا إلى نتائج حاسمة‪ ،‬تمثل طفرة في علم القشرة الرضية وتكوينها‪ ،‬بحيث أمكنهم‬
‫أخيرا حل المسألة علميا‪ .‬يشـجب المجلس الدينى العلى نتائجهم بإعتبارها عمل من‬
‫أعمال الكفار‪.‬‬

‫‪108‬‬

‫لم الدكتور نصر على العلم الغربى‪ ،‬بإعتباره علما مدمرا للنسان وللطبيعة‪.‬‬
‫ول يستطيع النسان أن يختلف معه كثيرا في تلك النقطة‪ .‬لكنه يستطرد ليبنى رؤية‬
‫أثيرية لعلم إسلمى متناغم وسلمى‪ ،‬خال تماما من الخطأ‪ ،‬كما هو خال من أى‬
‫منظومة قواعد حاكمة ذات معنى‪ .‬يتضح مـدى خواء رؤية نصر من المثل غير‬
‫المستبعد التالى‪.‬‬
‫‪o‬مثل ‪ :2‬يعيش العالم الكيميائى "جـ" في بلد إسمها " إيرنا"‪ ،‬أما العالم الكيميائى‬
‫الخر "د" فيعيش في بلد إسمها " عرقا"‪ .‬كلهما قرأ كتاب الدكتور نصر عن مأزق‬
‫النسان المعاصر‪ ،‬ويتفق كلهما معه على مدى إنحطاط الحضارة الغربية وعلى‬
‫الطبيعة التدميرية للعلم الحديث‪ .‬كذلك إقتنعا بحجج دكتور نصر القائلة بأن‬
‫أخلقيات العلم المبنى على العقيدة‪ ،‬لن تسمح للعلم بتدميرالحياة النسانية‪ .‬لكن تبدأ‬
‫حرب بشعة بين إيرنا وعرقا‪ ،‬ويصبح غاز العصاب مطلوبا في كل من‬
‫البلدين‪ ،‬تطلب حكومة ايرنا من العالم "جـ"‪ ،‬كما تطلب عرقا من العالم "د"‪ ،‬أن‬
‫يبدأ كل منهما أبحاثه وتجاربه لنتاج المركب الكيميائى " ثنائى فينايل‬
‫الكلوروتتراسين" (‪ .)Diphenyl Chlorotetrasine‬من المعروف أن النسان‬
‫تحت تأثير هذا الغاز‪ ،‬يفقد قدرته على التحكم في التبرز وتنتابه التشنجات قبل أن‬
‫يسلم الروح‪ .‬يعتبر الغـاز مطلبا عسكريا مرغوبا فيه‪ ،‬نظرا لما يُحدثه إستعماله‬
‫من انهيار شديد في الروح المعنوية لجنود العدو‪ ..‬في البداية يتراخى كل من‬
‫العالمين‪ ،‬خاصة وأن البلدين ينتميان لنفس الديانة‪ .‬لكن يصدر بيان رسمى من‬
‫المجلس الدينى العلى بمدينة " مق"‪ ،‬معلنا أن الخصوم كفرة‪ .‬في نفس الوقت يعلن‬
‫مجلس الصالحين والتقياء بمدينة "دادبغ"‪ ،‬أن أبواب الجنة قد فُتحت لمن يبيد الشر‬
‫المجسد فى هذا العالم‪ ....‬في اليوم التالى‪،‬وبعد إفطار لطيف‪ ،‬وبضمير صاف‬
‫تماما‪ ،‬وبشيء من السعادة‪ ،‬يعمل كل من العالم "جـ"‪ ،‬والعالم "د"‪ ،‬في معمله‬
‫الخاص‪ ،‬بهدف إنتاج الغاز المطلوب‪.‬‬
‫ضـياء الدين ساردار ‪Ziauddin Sardar‬‬
‫يقف الصوليون اليوم‪ ،‬موقف القزم الجريئ‪ ،‬المحاصر في معركة ضد عملق العلم‬
‫المعاصر‪ .‬ل شك في أن المر يحتاج إلى شجاعة فائقة للمطالبة بهدم صرح العلم الحديث وإستبداله‬
‫ببناء آخر‪ ،‬لم توضع حتى مسودته المبدئية إلى الن‪ .‬هذه الصفاقة‪ ،‬ليست دائما محمودة العواقب‪.‬‬
‫فمن النادر أن يوجد عالم حقيقى واحد‪ ،‬من بين هؤلء القزام المسلحون بسيف اليمان‪ ،‬والفاقدين‬

‫‪109‬‬

‫لباقى ترسانة المنطق‪ .‬كما أنهم غير قادرين حتى على تقدير حجم المهمة التى يبشرون بها‪ .‬أما‬
‫بالنسبة للقلة النادرة منهم‪ ،‬التى تستند إلى تنشأة علمية‪ ،‬فيلحظ عدم وجود ولو واحد منهم من‬
‫أصحاب العمال العلمية البارزة‪ .‬لكن هذه المسألة الصغيرة ل تسبب أية إحباط لهؤلء المشحونين‬
‫باليمان‪ ،‬الذين لم يقلقهم الشك في يوم من اليام‪.‬‬
‫في مرتبة تالية من العجاب‪ ،‬نجد طبقة المنتحلين للعلم‪ ،‬يبدأ جدل المنادين منهم بتديين‬
‫العلم‪ ،‬بنقد العلم الحديث‪ ،‬من خلل التشكيك في طبيعة العلم غير المبنى على القيم‪ ،‬مبرزين الثار‬
‫المدمرة لبعض منتجاته‪ ،‬كذلك يؤكدون على أن تطبيقه العملى قد جرد المجتمع من إنسانيته‪ ،‬وحوله‬
‫الى مجرد آلت متحركة‪ .‬ورغم التفاق الى حد بعيد على صحة هذه النقاط الهامة‪ ،‬إل أنها ل‬
‫ترتبط ول تنبثق بالضرورة من أعماق أية عقيدة معينة‪ .‬إن اكتشاف ما ترتب على ممارسة العلم‬
‫الحديث من مشاكل متعددة‪ ،‬لم يكن أبدا من إكتشافات الصوليين الجدد‪ .‬ففي واقع المر‪ ،‬جاءت‬
‫أقسى النتقادات للعلم في الحضارة الصناعية من ناحية الماركسيين والفوضويين من أمثال‬
‫ماركيوس (‪ ،)Marcuse‬وكون (‪ )Kuhn‬ـ و إيللول (‪ ، )Ellul‬و فييرابند‪)Feyerabend( .‬‬
‫يبدو كأن القزام قد وضعت السيف على صدر العملق بتوجيههم لتلك التهامات‬
‫المذكورة‪ ،‬ولم يبق للقزام إل الضغط علي السيف لنهاء المعركة‪ .‬ولكن لكل قزم نموذجه‬
‫الخاص من العلم الذي يعتقد أنه مستند إلى صحيح التعليمات اللهية‪ .‬لقد استعرضنا نموذج الدكتور‬
‫نصر وموقفه من العلم السلمي‪ .‬وهو ليس النموذج الوحيد المطروح على الساحة‪ ،‬حيث توجد‬
‫ايضا منظومة الراء‪ ،‬التى يطرحها ضياء الدين ساردار‪ ،‬الباكستانى المولد‪ ،‬الذى هاجر إلى‬
‫انجلترا‪ ،‬ومؤلف ما ل يقل عن ستة كتب عن السلم والعلم‪ .‬يعلن ساردار‪ ،‬في مقال بعنوان‪ :‬لماذا‬
‫يحتاج السلم إلى علم إسلمي" (مرجع ‪ .)11‬نشرته له مجلة " العالِم الجديد" (‪New‬‬
‫‪ ،)Scientist‬وهى من أكثر المجلت العلمية إحتراما‪ ،‬أن البحث عن علم إسلمى‪ ،‬هو أكثر‬
‫القضايا الملحة التى يواجهها المسلمون اليوم‪ .‬وأما المسائل الخرى‪ ،‬مثل ضآلة وضعف مستوى‬
‫تعليم المسلمين‪ ،‬وجهلهم الفاضح بأساسيات العلم‪ ،‬وإعتمادهم الكامل على التكنولوجيا الغربية‪ ،‬فليس‬
‫لدى الستاذ ساردار أى إهتمام يذكر بها‪ .‬أما ما يزعم بأنه "علم غربى"‪ ،‬فيراه غير مناسبا‪ ،‬ليس‬
‫فقط للضرار الناجمة عن استخدامه‪ ،‬بل لن نظريته المعرفية‪ ،‬تتعارض من الساس‪ ،‬مع الرؤية‬
‫السلمية‪ .‬لنؤجل الحديث عن مفهوم ساردار للعلم السلمي‪ ،‬فجدير بالذكر أنه ل يشعر بالرضاء‬
‫بأطروحات دعاة العلم السلمي الخرون‪ .‬حيث يتوجه باللوم والتوبيخ إلى المرحوم الفاروقى‬

‫‪49‬‬

‫‪ 49‬إسماعيل راجى الفاروقى (‪ :)Ismail Raji Al-Faruki‬فيلسوف فلسطينى‪-‬أمريكى‪ ،‬من مرجعيات السلم‬
‫والديان المقارنة‪ .‬قُتل طعنا هو وزوجته فى أمريكا عام ‪( .1986‬المترجم)‬

‫‪110‬‬

‫الذي كان من المسلمين المحافظين‪ ،‬الداعين بقوة إلي أسلمة العلوم‪ ،‬إذ كان يرى أن أسلمة‬
‫المعارف‪ ،‬تحتاج في المقام الول إلي تحديد وتأسيس العلقة بين السلم وبين كل فرع من فروع‬
‫المعرفة الحديثة‪ .‬من ثم يعقب ساردار قائل بأن مثل ذلك‪ ،‬مثل وضع العربة أمام الحصان‪ ،‬فليس‬
‫السلم هو الذى يحتاج إلى ايجاد صلة بينه وبين المعارف‪ ،‬لكنها المعارف الحديثة التى تحتاج إلي‬
‫إيجاد علقة لها بالسلم (مرجع ‪ .)12‬ثم ينتقد أسلوب الفاروقى باعتباره ل يزيد عن كونه‬
‫تصريح ورع‪ ،‬فيقول‪" :‬للسف‪ ،‬إن أسلوب الفاروقى ل يساوى الكثير" (مرجع ‪ ،)13‬أما بالنسبة‬
‫لحسين نصر‪ ،‬فإن آرائه عن العلم السلمى تستحق العجاب بصفة عامة‪" ،‬إل أنه يخطئ بالمبالغة‬
‫فى تقدير النواحى الغيبية للعلم السلمى‪ ،‬على حساب جوانبه النوعية"‪( .‬مرجع ‪)14‬‬
‫رغم كتابات ساردار العديدة عن " العلم السلمى "‪ ،‬وتأييده له‪ ،‬إل أنه ل يضيف شيئا‬
‫يذكر عما يعنيه بهذا اللفظ الضبابى‪ .‬فالعلم والتكنولوجيا‪ ،‬على حد قوله‪ ،‬مرتبطان بمجموعة مكونة‬
‫من عشرة قيم إسلمية‪ ،‬تشتمل على التوحيد‪ ،‬والعبادة‪ ،‬والخلفة‪ .‬كذلك فالسلم يتعارض مع مفهوم‬
‫" العلم من أجل العلم‪ ،‬كما يتعارض مع العلم والتكنولوجيا الظالمين‪ .‬إذا أراد القارئ استعراض‬
‫المزيد من التفاهات‪ ،‬فسيصاب بالحباط بكل تأكيد‪.‬‬
‫يحلق ساردار فى رحلته الفخمة فى سماء الوهام‪ ،‬مستعيرا الكثير من مفردات العلم‬
‫الحديث وزينته الخارجية‪ ،‬دون اللتفات الى شيء من حكمته‪ ،‬ومستعينا بالعديد من الرسوم البيانية‬
‫والرسوم التوضيحية‪ ،‬وخرائط النسياب (‪ )Flow charts‬المكونة من سبعة خانات‪( ،‬مرجع ‪)15‬‬
‫لتصميم مشروع متكامل‪ ،‬أسماه " مشروع عمران" (‪ )Project Umran‬لعادة تشييد النظام‬
‫السلمى بالكامل‪ ،‬بما يتلءم مع اعداده لدخول القرن الواحد والعشرين‪.‬‬
‫يبدأ المشروع من الخانة الولى فى الخارطة‪ ،‬وعنوانها " نموذج دولة المدينة‪ ،‬وينتهى‬
‫بخانة تحمل عنوانا جذابا " سداد دين المسلم " ‪ Moslem PAYOFF"50 .PAYOFF‬تساوى‬

‫‪ 50‬أود أن أوجه نظر القارئ إلي أن الكتابة الصلية باللغة النجليزية‪ ،‬تم إستعمالها بحنكه شديدة‪ .‬فظاهر الكلمة‬
‫‪ PAYOFF‬بكامل حروفها تعطى معنى " تمام سداد الديون" ول يخفى على أحد ما قد تحمله من معنى وجدانى‬
‫مؤثر‪ .‬إل أن الكاتب أوضح مقصده فما كل حرف من حروف الكلمه‪ ،‬إل إختصار لكلمة أخرى‪ ،‬ورُتبت حروف‬
‫الختصارات ببراعة شديدة‪ ،‬ليتكون منها اللفظ المستعمل ‪ .PAYOFF‬بهذا يتغير مفهوم الكلمة تماما وتحل‬

‫محلها جملة كاملة كالتى "‪ ." Plans and Assessment to Yield Options For the Future‬وتعنى‬
‫بالعربية " خطط وتقييم لنتاج إختيارات للمستقبل"‪ .‬هذا النوع من التلعب باللفاظ شائع في اللغات الغربية‬

‫اللتينية الصل ويطلق عليه لفظ ‪( .Acronyms‬المترجم)‬

‫‪111‬‬

‫ وتعنى بالعربية " خطط وتقييم‬Plans and Assessment to Yield Options For the Future
."‫لنتاج إختيارات للمستقبل‬
‫ لكان مشروع‬،‫ هو كل ما نحتاجه لنجعل مشاريعنا تنطلق‬،‫لو كانت طرافة التلعب باللفاظ‬
‫ لضرورة إحتياجنا إلى بعض الفكار المادية‬،‫ لول الحقيقة المحزنة‬،‫عمران الن يطاول السحاب‬
.‫ فإن مستقبله يبدو موحشا للغاية‬،‫ خاو فى محتواه‬،"‫ وحيث أن "عمران‬،‫والموضوعية‬
‫ فهناك قضايا‬،‫مهما كانت فضائل أو مميزات مقترحات الفراد من أمثال نصر وساردار‬
‫هل من الممكن وجود علم إسلمى للعالم الفيزيائى؟ وطالما‬:‫ يبقى السؤال‬.‫أوسع لنوليها إهتمامنا‬
‫ فهل يمكن‬،‫ فمن المشوق طرح أسئلة أخرى عديدة‬،‫نتعامل هنا مع أرض تقع بين المعتقد والعلم‬
‫ مختلف عن العلم العادى الغربى أو العلم الرأسمالى؟ ثم لماذا ليكون‬،‫وجود علم خاص بالماركسية‬
‫هناك علم فريد من نوعه خاص بالعالم الثالث ؟‬
:‫المراجع‬
1- Nem Kumar Jain, Science and Scientists in India, (Delhi, Indian Book Gallery, 1985),
p. 1.
2- W. T. Bary, Sources of Indian Traditions, (New York, Columbia University Press,
1958), p. 743.
3- H. S. Nasr in Islam and Contemporary Society, (London, Longman Group, 1982). p.
176.
4- Ibid., p. 179.
5- Ibid., p. 180.
6- Ibid., p. 179.
7- G. Sarton, Introduction to the History of Science, Vol.1, (New York, Krieger
Publishing, 1975), p. 5.
8- S. H. Nasr, An Introduction to Islamic Cosmological Doctrines, (Bath, Thames and
Hudson, 1978), p. 101.
9- Al-Biruni, Quoted in Nasr, op. cit., p121.
10- Nasr in Ref. 3, p. 179.
11- Ziauddin Sardar,'Why Islam needs Islamic Science' New Scientist, April 1982.
12- Ziauddin Sardar, Islamic Futures- The Shape of Ideas to Come, (New York, Mansell
Publishing), p. 101.
13- Ibid., p95.
14- Ibid., p.174.
15- Ziauddin Sardar, The Future of Muslim Civilization, (New York, Mansell Publishing),
pp 122-36.

112

‫الفصــل الســابع‬

‫هل يمـكن تواجد علم إســلمى ؟‬
‫ببساطة شديدة‪ ،‬أرى الجابة عن هذا السؤال بالنفى‪ ،‬ل يمكن وجود علم إسلمى للعالم‬
‫المادى الذى نعيش فيه‪ ،‬كما أن اية محاولة لخلق مثل هذا العلم‪ ،‬إنما تمثل إهدارا للجهود‪ .‬ولست‬
‫أرى فى هذا أى مساس بالسلم‪ ،‬فكما أشار الستاذ أحمد خان‪ ،‬إن هدف الدين‪ ،‬تحسين‬
‫الخلقيات‪ ،‬ل تحديد الحقائق العلمية‪.‬‬
‫عـلم إســلمي ؟‬
‫سأحاول توضيح أسباب عقم محاولة خلق علم فيزيائى جديد‪ ،‬مبنى على أسس دينية‪.‬‬
‫•أول‪ ،‬ليوجد علم إسلمى الن‪ ،‬كما أن جميع المحاولت لصنع علم إسلمى‪ ،‬قد مُنيت‬
‫حتى الن بالفشل‪.‬‬
‫يتميز العلم الحديث بأنه محدد المعالم وملموس‪ .‬فبدونه‪ ،‬تتوقف المصانع عن النتاج‪ ،‬كما ل‬
‫تستطيع الجيوش القتال‪ ،‬كذلك ل يمكن مجابهة المراض‪ ،‬أما بواسطته‪ ،‬فتنتقل الصور فى‬
‫لحظات عبر آلف الميال‪ ،‬كما تعبر الطائرات النفاثة القارات‪ ،‬وتُعالج عيوب القلب الخلقية‬
‫بأجزاء صناعية‪ ،‬هذا بالضافة إلى القدرة على إنتاج أصناف جديدة من النباتات والحيوانات‬
‫فى المعامل البحثية‪ .‬فى المجتمعات الصناعية‪ ،‬يفرض العلم على الناس أسلوب حياتهم كما‬
‫يشكل رؤيتهم للعالم وعاداتهم الفكرية‪ ،‬بل أكثر من ذلك‪ ،‬أصبح يتدخل حتى فى العلقات‬
‫النسانية‪ .‬قد تثير بعض هذه المورالشعور بالسف‪ ،‬فى حين قد يتم الترحيب بغيرها‪ .‬وعلى‬
‫كل الحوال‪ ،‬فل يستطيع المرء إنكار قوة العلم الحديث او حقيقيته أو ضخامته‪.‬‬
‫أما فيما يتعلق بالعلم السلمى‪ ،‬فبالرغم من الصوات الحماسية التى تكررت كثيرا خلل‬
‫العقود الماضية للمطالبة بإيجاده‪ ،‬وبرغم إقامة العديد من المؤتمرات المحلية والدولية لتحقيق‬
‫هذا الغرض‪ ،‬إل أن جميع الجهود الرامية إلي خلق هذا العلم قد فشلت‪ ،‬مما يشير بشدة إلي‬
‫هشاشة محتوى كل تلك الطروحات‪ .‬وعلى حد علمى‪ ،‬فلم يفلح العلم السلمى حتى الن في‬
‫إنتاج آلة واحدة‪ ،‬أو جهاز واحد‪ ،‬كما لم ينتج مادة كيميائية واحدة أو دواء واحد ولم يقدم‬
‫تصميما لية تجربة جديدة‪ ،‬كذلك لم يؤد إلي اكتشاف حقيقة فيزيائية‪ ،‬لم تكن معلومة من قبل‬
‫ويمكن إختبارها‪ .‬على العكس‪ ،‬قام العاملون بالعلوم السلمية بتوجيه نشاطهم نحو مسائل تقع‬
‫خارج نطاق العلم المعتاد‪ ،‬حيث تضمنت إهتماماتهم أشياء ل يمكن إختبارها‪ ،‬مثل سرعة‬
‫الجنة‪ ،‬ودرجة حرارة جهنم‪ ،‬والتركيب الكيميائى للجن‪ ،‬وكذا معادلت لقياس النفاق‪ ،‬وتفسيرات‬

‫‪113‬‬

‫للسراء والمعراج مبنية على أساس نظرية النسبية‪ ،‬وأشياء أخرى عديدة‪ ،‬مشار إليها فى‬
‫الفصل الخير من هذا الكتاب (الملحق)‪ ،‬بعنوان ‪" :‬يسمونه علما إسلميا"‪ .‬أما فيما يتعلق بمدى‬
‫تمشى تلك الكتشافات المزعومة للعلم السلمى مع العقيدة السلمية ذاتها‪ ،‬فالمر موضع‬
‫تساؤل‪ ،‬وأما عن تمشيها مع مقومات النظريات العلمية‪ ،‬فهى بكل تأكيد‪ ،‬ل تستوفى أيا منها‪.‬‬
‫•ثانيا ‪ :‬إن تحديد اى مجموعة من الخلقيات والقواعد الدينية – مهما بلغت – ل يتيح‬
‫للفرد بناء علم جديد من ل شيء‪.‬‬
‫لنفرض أن العالم "أ" من الموحدين بال‪ ،‬والعالم "ب" من المؤمنين بتعدد اللهة‪ ،‬أما العالم "جـ"‬
‫فمن الملحدة‪ ،‬وجميعهم من العاملين فى مجال فيزياء الجسيمات الولية‪ ،‬الذى يتميز بنظرياته‬
‫المتعددة ومعادلته الرياضية المعقدة‪ .‬بغض النظر عن إختلف معتقدات العلماءالثلثة الدينية‪،‬‬
‫فسيتم فى النهاية الحكم علي نتائج جهودهم العلمية بمقياس واحد‪ ،‬أل وهو قابلية النتائج لتخطى‬
‫عقبة الختبارات‪ .‬أشرت في مقدمة الكتاب إلى المثل الخاص بعبد السلم وستيفن فا ينبرج‪،‬‬
‫حيث نجد عالميين من علماء الفيزياء‪ ،‬تقاسموا جائزة نوبل فى الفيزياء عام ‪ ،1979‬لنظريتهما‬
‫عن توحيد القوى الضعيفة والقوى الكهرومغناطيسية الموجودة فى الطبيعة‪ .‬كان كل من عبد‬
‫السلم المعروف بإسلمه‪ ،‬وفاينبرج المعروف بالحاده‪ ،‬بعيدين عن بعضها تماما سواء من‬
‫الناحية الجغرافية أو العقائدية‪ ،‬ولم يقف ذلك عائقا دون توصلهما لنفس النظرية الفيزيائية‬
‫الناجحة‪.‬‬
‫تأتى إستحالة القدرة على الحكم بوجوب وجود هذا النوع من العلم أو ذاك من واقع وجود‬
‫منطق خاص‪ ،‬داخلى للعلم‪ ،‬ل يمكن التلعب به من خارجة‪ .‬حتى أن العالم نفسه ل يملك‬
‫الختيار‪ .‬على سبيل المثال‪ ،‬كان كل من جاليليو ونيوتن من المسيحيين التقياء ولم تكن لديهما‬
‫رغبة لتغيير المعتقدات الدينية السائدة أيامها‪ .‬كان نيوتن يقلق بعض الحيان بسبب الختلف‬
‫مع العقيدة المسيحية السائدة‪ ،‬ولكنه سلم فى نهاية المر للموضوعية العلمية‪ .‬أحدثت إكتشافاتهم‬
‫فى النهاية‪ ،‬موجات عالية من النمو العلمى‪ ،‬إكتسحت فى طريقها الكثير من سلطان الكنيسة‪ .‬لو‬
‫علم نيوتن – المتدين‪ -‬مسبقا بما كان سيحدث لكنيسته من جراء إنجازاته‪ ،‬فلعله ما كان أفصح‬
‫عن أفكاره وما كان نشر كتابه الشهير "القواعد" (‪.)Principia‬‬
‫فشلت كل المحاولت الهادفة لتحديد المعالم العملية للعلم السلمى بالرغم من كل الدعم‬
‫العقائدى‪ ،‬وكل الدفع السياسي‪ .‬يبدو ذلك بوضوح من تجربة باكستان‪ ،‬فقد قضت إحدى عشرة‬
‫سنة فى ظل نظام ضياء الحق‪ ،‬الذى وضع مسألة أسلمة التعليم ضمن أهدافه الساسية‪ .‬كما‬
‫أولها كل الهتمام‪ ،‬وأنشأ لها العديد من المؤسسات الثقافية‪ ،‬ونظم ما ل حصر له من‬

‫‪114‬‬

‫إجتماعات ومؤتمرات‪ .‬لم تفرز كل هذه الجهود إل قدرا مؤسفا من التقدم‪ .‬فل توجد حتى اليوم‬
‫إجابة معقولة عن التساؤل عن محتوى منهج العلم المؤسلم‪ ،‬كما يتفادى المدافعين عن السلمة‬
‫مناقشة هذا الموضوع‪ .‬يمكن الحكم على مدى الفشل الذريع لتجربة السلمة من النظر إلي‬
‫الموقف من نظرية داروين عن النشوء والرتقاء‪ ،‬التى نالت كل أنواع الهجوم‪ ،‬حتى تقرر‬
‫إسقاطها تماما من مقررات علم الحياء فى باكستان فى عام ‪ ،1977‬مع عدم تغيير باقى‬
‫المنهج‪.‬‬
‫إن الضرر الواقع على تشكيل المنهج التعليمى ونوعيته‪ ،‬كان كبيرا جدا حتى أصبح‬
‫الموقف في حاجة إلى سنوات عديدة من الجهود الصبورة لعادة البناء إلى ما كان عليه‪.‬‬
‫والذى كان فى أصله‪ ،‬ليس متميزا بحال من الحوال‪.‬‬
‫من الشيق إستعراض تسلسل محاولت أسلمة العلم فى باكستان أثناء فترة حكم ضياء‬
‫الحق‪ .‬جاءت أول إشارة جادة بشأن إعلن قرب أسلمة كل المعارف‪ ،‬بما فيها العلم فى عام‬
‫‪ ،1982‬عندما قامت كل من الجامعة الدولية السلمية فى إسلم أباد‪ ،‬والمعهد الدولى للفكر‬
‫السلمى بأمريكا بتنظيم ندوة تحت رعاية ضياء الحق‪ ،‬لمناقشة أسلمة المعارف‪.‬‬
‫ألقى الستاذ الراحل أ‪.‬ك‪ .‬بروهى ( ‪ )A. K. Brohi‬الخطاب الرئيسى فى اللقاء‪ .‬يجب‬
‫التنويه إلي أن الستاذ بروهى من المتحدثين المفوهين ومن خريجى المدرسة النجليزية القديمة‬
‫ثم أصبح من الرموز القومية بعد إنقلب ‪ ،1977‬ترجع شهرته إلى مذهبه العبقرى عن‬
‫الضرورات‪ ،‬الذى أعلن فيه عن شرعية‪ ،‬بل ضرورة النظام العسكرى الجديد الذى جاء لينقذ‬
‫البلد من الفوضى والتسيب‪ .‬شيع جثمانه فى عام ‪ 1987‬فى جنازة رسمية حملت كل معانى‬
‫التكريم‪ ،‬إعترافا بخدماته للحكومة العسكرية‪ .‬أبدى الستاذ بروهى فى خطابه المشار إليه‬
‫أعله‪ ،‬عدم رضائه عن "السهام المريب للفكر المعاصر‪ ،‬الذى ينعكس على علوم مثل الكيمياء‬
‫والفيزياء" (مرجع ‪ .)1‬انصب غضبه على الكتب والمراجع المستعملة في الجامعات‪ ،‬لنها‬
‫تحمل على اوجه صفحاتها‪ ،‬بصمات ل تُمحى للنتائج التى توصل إليها بعض المفكرين‬
‫البارزين اللدينيين من أمثال داروين وفرويد وكارل ماركس‪ (،‬مرجع ‪.)2‬‬
‫توصل الستاذ بروهى إلى أن نظرية النسبية لينشتاين‪ ،‬نظرية مكروهة ومتعارضة مع‬
‫السلم فيقول ‪" :‬فى إعتقادى الراسخ‪ ،‬أن رأى أينــشتاين فيما يتعلق بحركة الجزيئات‪ ،‬أو‬
‫المكونات الساسية للمادة‪ ،‬رأى خاطئ من الناحية السلمية "‪( .‬مرجع ‪.)3‬‬
‫تجدر الشارة إلي أن أى عالِم فيزياء‪ ،‬يستقطع عدة سنوات من عمره حتى يتمكن من‬
‫إستيعاب المعادلت الرياضية التى تؤهله لفهم نظرية النسبية‪ ،‬ناهيــك عما يحتاجه المر‬

‫‪115‬‬

‫للتأهل للعتراض عليها والطعن فيها‪ .‬أما الستاذ بروهى‪ ،‬فلم يكن يوما من اليام عالما‬
‫فيزيائيا‪.‬‬
‫عندما يكون هناك مجال للشك أو عدم الدراية بشئ فالناس القل مقاما من الستاذ بروهى‬
‫يمتنعون عن إبداء ملحظاتهم على أمور خارج نطاق تخصصهم خوفا من أن يظهروا بمظهر‬
‫الحمقى‪ .‬لكن‪ ،‬مثل السقف أوشر الموقر الذى إستخلص من دراسته للنجيل أن العالم بدأ فى‬
‫الساعة التاسعة من صباح يوم الحد الموافق ‪ 23‬أكتوبر عام ‪ 4004‬قبل الميلد‪ ،‬كذلك كان‬
‫أيضا الستاذ بروهى‪ ،‬رجل مؤمنا ورِعا‪ ،‬أعطى الولوية لتفسيراته العقائدية فى مقابل‬
‫متطلبات المنطق العلمى‪.‬‬
‫تأكيد آخر على مبدأ تبعية العلم للدين‪ ،‬جاء من الدكتور م‪ .‬أ‪ .‬قاضى ( ‪) M.A. Kazi‬‬
‫مستشار الرئيس للعلم والتكنولوجيا‪ ،‬الذى لم يمنعه مركزه الرفيع من التعبير عن إشمئزازه من‬
‫أساليب العلم الحديث‪ .‬أعلن الدكتور قاضى فى خطاب بعنوان "أسلمة المعارف العلمية الحديثة"‬
‫عن الحاجة الملحة إلى كتابة مرجعيات علمية جديدة لجميع مستويات الدراسة بحيث " كلما‬
‫أردنا إثبات أى نظرية علمية‪ ،‬أو قاعدة‪ ،‬على أساس ما هو متاح من معلومات وبراهين‪ ،‬فيجب‬
‫إضافة دليل آخر‪ ،‬مستمد من القرآن والسنة كلما توفر ذلك " (مرجع ‪.)4‬‬
‫ل يبدو أن فشل الجهود السابقة فى تعريف العلم السلمى‪ ،‬ستمثل أى رادع لهؤلء‬
‫المصممين‪ .‬فشعارهم ببساطة‪ ،‬أن عليهم أن يبذلوا جهدا أكبر‪ .‬من المؤكد أن الموافقة على‬
‫مشروع القانون المستلهم من الشريعة فى باكستان فى عام ‪ ،1991‬الذى ينص على أسلمة‬
‫التعليم بالكامل‪ ،‬سيدفع بهم لتجديد البحث عن الدلة الدينية مرة أخرى‪.‬‬
‫•ثالثا‪ :‬لم يتواجد أبدا‪ ،‬لفى الماضى ول في الحاضر‪ ،‬تعريف للعلم السلمى تقبله جموع‬
‫المسلمين‪ .‬كان هناك جدل شديد بين المسلمين حول مضمون العلم الشرعى‪ ،‬حتى قبل‬
‫حلول العلم المعاصر بزمن بعيد‪ ،‬حيث اشتبك العقلنيون من المسلمين مثل إبن سينا‪ ،‬وإبن‬
‫الهيثم‪ ،‬وإبن رشد فى خلفات مع أعضاء المدرسة الشعرية (‪ .) Asharite School‬لكن‬
‫من حسن الحظ‪ ،‬أن الصوليون لم يتمكنوا من السلطة السياسية لعدة قرون‪ ،‬من ثم لم تكن‬
‫لهم سيادة تذكر فوق العقلنية‪ .‬فلو إختلفت المور‪ ،‬لما كان هناك عصر ذهبى لنجازات‬
‫المسلمين العلمية‪.‬‬
‫يكاد يكون من المستحيل فى ظل الوضاع الحالية الوصول إلي إتفاق على مفهوم موحد للعلم‬
‫السلمى‪ .‬فالخلفات المذهبية ما زالت بالشدة التي كانت عليها فى السابق‪ .‬أضف إلي ذلك‬

‫‪116‬‬

‫تراكم الخلفات القومية بين الدول السلمية وبعضها‪ ،‬مما أدى إلي قيام إيران مؤخرا بمقاطعة‬
‫كل الجتماعات الخاصة بأسلمة العلوم‪.‬‬
‫إضافة لما سبق‪ ،‬وبجانب مشاكل العلم السلمى‪ ،‬توجد إشكاليات التكنولوجيا السلمية‬
‫الفتراضية‪ .‬حيث يتوقع منا أصحاب الوهام الوردية مثل الستاذ حسن نصر‪ ،‬أن نصدق أنه‬
‫بالرغم من قدرة المسلمين فى القرون السالفة على صناعة اللت المعقدة والبنادق‪ ،‬إل أنهم لم‬
‫يقدموا عليه‪ ،‬نظرا لما ينطوى عليه ذلك من إخلل بالميزان الدقيق بين النسان والطبيعة‪ ،‬كما أنه‬
‫قد يعكر صفو تسامي النسان الروحى‪ .‬حتى لو كانت هذه النظرة النسكية صحيحة ‪-‬وأنا أراها‬
‫أكثر من مجرد مشكوك فيها‪ -‬فل يُعتقد أنها ستكون محل قبول من جموع المسلمين اليوم‪ ،‬الذين‬
‫يريدون اللت المعقدة من كل نوع‪ ،‬ويبتغون الحصول على أعقد أنواع السلحة‪ .‬ثم أنها ليست‬
‫بالنظرة البديهية الساذجة‪ ،‬أن إستعمال الدول السلمية لتلك التكنولوجيات المتقدمة سيكون مختلفا‬
‫عن استعمالها بواسطة الدول الغير إسلمية‪ .‬فلعلة كان من حسن حظ المسلمين جميعا عدم إمتلك‬
‫ل العراق ول إيران‪ ،‬لسلحة نووية خلل فترة خلفاتهم‪.‬‬
‫هل فى المكان وجود علم ماركسي ؟‬
‫إن عملية إستكشاف المواجهة بين العلم والمعتقدات‪ ،‬فى ظل سياق مختلف‪ ،‬لهو على‬
‫إرتباط وثيق بموضع إهتمامنا الول الذى ينصب حول مسألة العلم السلمى‪ .‬أوحت فلسفة كارل‬
‫ماركس فى الفترة من ‪ ،1960-1930‬إلى الكثير من العلماء السوفييت‪ ،‬والعلماء الغربيين‪ ،‬بالبحث‬
‫عن علم للعالم المادى‪ ،‬تقوم نظريته المعرفية على أساس الجدلية المادية‪ .‬كان فى ظنهم‪ ،‬وهم‬
‫مسلحون بكتب "جدليات الطبيعة لـ "إنجلز‪ ،‬و"المادية ونقد المبريالية" لـ "لينين"‪ ،‬أنهم قادرون‬
‫علي إيجاد علم ماركسي‪ ،‬مختلف عن‪ ،‬ومتفوق على العلم البورجوازى الذى يتعامل به المجتمع‬
‫الرأسمالى‪.‬‬
‫بحثوا ونقبوا بكل جهد‪ ،‬عن الطروحات وما يعارضها وما يبنيها‪ ،‬نظروا فى تطابقاتها‬
‫العقائدية‪ ،‬ولم يتركوا منطقة من مناطق العلم إل وخاضوا فيها‪.‬‬
‫لم تسفر جهودهم عن فشل ذريع فقط‪ ،‬بل كارثة تامة‪ .‬يتمثل ذلك بوضوح فى نموذج‬
‫ليسينكو (‪ )Lysenko‬لعلم البيولوجيا الشتراكى‪ ،‬الذى تشكل أيام حكم ستالين‪ .‬تعتبر هذه الظاهرة‬
‫من المور البالغة الهمية فى تاريخ الفكر الشتراكى‪ ،‬لذلك جرت دراستها على نطاق واسع‪.‬‬
‫وتعددت الكتب المكرسة لها (مرجع ‪ .) 5‬فيما يلى محاولة لتقديم مجرد موجز سريع عنها‪ .‬لم يكن‬
‫لـ ليسينكو أية خلفية علمية‪ ،‬فهو رجل ريفى يعمل في الزراعة في أحد المشاتل‪ .‬ظهر على‬
‫مسرح أحداث علم البيولوجيا في روسيا فى أوائل الثلثينيات ‪ 1930‬وعمل على مناهضة علماء‬

‫‪117‬‬

‫الوراثة الذين كانوا ينتمون حينها إلى الطبقات الثرية‪ .‬تبنت الدولة الروسية فى عصر ستالين‪،‬‬
‫إدعاءات ليسينكو العلمية‪ ،‬حتى أصبحت بمثابة خطابها الرسمى فى هذا المجال‪ ،‬نظرا لما اتسمت‬
‫به لهجة مقولته من تقارب شديد مع لهجة الصراع الطبقى والجدلية القائمة آنذاك‪ .‬لم يمض وقت‬
‫طويل حتى تمكن مناصروه من الوصول إلي المراكز القيادية فى جهاز الرهاب الحكومى‪ .‬ثم‬
‫بدأت بعد ذلك مرحلة إبعاد المعارضين العلميين من جميع المراكز‪ ،‬وتجريدهم من جميع السلطات‪.‬‬
‫كما حدث مع العالم نيكولى فافيلوف (‪ )Nicolai Vavilov‬الذى تُعد قصته من أقل الحالت‬
‫شهرة‪ .‬كان فافيلوف من رواد علم الوراثة فى النبات‪ ،‬وهو فى نفس الوقت من المعروفين بميولهم‬
‫الشتراكية‪ .‬حوكم فافيلوف أمام محكمة عسكرية بتهم متعددة‪ ،‬منها تهمة التخريب الزراعى‪ .‬صدر‬
‫الحكم عليه بالعدام‪ .‬خفف الحكم بعد ذلك إلي السجن لمدة عشرة أعوام‪ ،‬إل أنه توفى فى سجنه‬
‫بعد مضى ثلث سنوات‪.‬‬
‫أستندت حركة ليسينكو على البيانات المغلوطة‪ ،‬والحجج المشبوهة‪ ،‬فى محاولة لهدم نظرية‬
‫مندل للوراثة‪ ،‬إدعت فى المقابل أن الوراثة لتعتمد على التركيبات الجينية‪ ،‬بل إنها تحدث كنتيجة‬
‫للتفاعل بين الكائن والبيئة‪ ،‬حيث تنتقل خبرة الكائن عبر مشوار حياته‪ ،‬إلي ذريته‪ .‬إن النتيجة‬
‫الطبيعية لهذا التصور‪ ،‬أن النسان قادر على تحديد ذاته بنفسه‪ .‬بل شك‪ ،‬هذه النظرة تبدو طرحا‬
‫عقائديا‪ ،‬جذابا جدا من وجهة النظر الشتراكية‪ .‬من البديهي خطأ تلك النظرية وباستطاعة العديد‬
‫من علماء علم الحياء‪ ،‬تقديم تلل من الدلة القاطعة بعدم إمكانية توارث الصفقات المكتسبة‪ .‬من‬
‫بين إدعاءات ليسينكو الزائفة الخرى‪ ،‬أن النباتات التى تنتمى الى نفس النوع‪ ،‬تُظهر نوعا من‬
‫الـ"تكاتف الشتراكى"‪ ،‬فهى ل تتنافس مع بعضها من أجل البقاء‪ ،‬كما أنه أكد وأصر على أن‬
‫زراعة نفس النوع من الشجار بالقرب من بعضها‪ ،‬يساعد على نموها‪ .‬ولقد عانت زراعة الغابات‬
‫بشدة من جراء هذا الزعم الخاطئ‪.‬‬
‫لقد تسببت خطط ليسينكو فى العودة بعلم الحياء السوفييتى عشرين عاما للوراء‪ ،‬ناهيك‬
‫عن مدى معاناة البشر من جراء خطوات تخلصه من معارضيه‪ .‬بالضافة إلي الخسائر الفادحة فى‬
‫الزراعات السوفيتية‪ .‬لم تتعرض هذه الخطط والسياسات لجراءات سحب الثقة إل فى عهد‬
‫خروشوف‪ .‬وكما كان من المتوقع فقد سارع المعارضون للشتراكية لوضع يدهم على هذا‬
‫الخراب‪ ....‬كشاهد على مدى عدم عقلنية‪ ،‬واستبداد الماركسية‪.‬‬
‫تفاوتت ردود فعل الشتراكيين تجاه مبادئ ليسينكو‪ ،‬فمن ناحية‪ ،‬وبعد فترة طويلة من‬
‫سحب الثقة بها فى روسيا‪ ،‬تلقفها الصينيون من أتباع ماو‪ ،‬وتغنوا بها باعتبارها قمة التجسيد‬
‫لجدليات إنجلز‪ ،‬ليس هذا فحسب‪ ،‬بل عابوا على السوفييت تركهم لمبادئ ليسينكو التجديدية‪ ،‬من‬

‫‪118‬‬

‫ناحية أخرى توجه عدد من الباحثين لتقصى السباب المادية لضعف حالة الزراعة فى روسيا‬
‫وفشل ستالين فى إقامة الزراعات المجمعة‪ ،‬مما دفع بهم إلي البحث بيأس عن حل سحرى‪ ،‬ل‬
‫عقلنى‪ ،‬لنقاذ الموقف‪ ،‬من ثم كان التوجه لتبنى افكار ليسينكو‪ .‬على صعيد آخر‪ ،‬أسقط أخرون‬
‫المسألة برمتها بإعتبارها حالة فردية طموحة‪ ،‬لشخص انتهازى يعمل وسط مناخ سلطوى‪ ،‬ونظرا‬
‫لكونها حالة فردية – حسب قولهم – فليس فيها ما يستحق الهتمام‪.‬‬
‫ل يجب إسقاط تجربة ليسنكو بهذه البساطة‪ ،‬فبرغم كونها أكثر المثلة إمتهانا للعلم الماركسي‪ ،‬إل‬
‫أنها لم تكن الحالة الفريدة فى هذا السياق‪ .‬إن تعدد الحتمالت‪ ،‬وإفتقاد الحتمية (الليقين) فى‬
‫ميكانيكا الكم‪ ،‬إضافة إلي السقاطات الفلسفية لنظرية النسبية لينشتاين‪ ،‬وضعهما موضع الريبة فى‬
‫روسيا الستالينية‪ ،‬حيث ثارت مخاوف فلسفة الحزب من احتمال امتداد الليقين الكامن فى قلب‬
‫مكيانيكا الكم‪ ،‬الى عالم السياسة‪ ،‬من ثم قد تتعارض مع نظرية حتمية تطور المجتمعات التى‬
‫طرحها كارل ماركس‪ .‬كذلك اعتُبرت نظرية النسبية لينشتاين‪ ،‬كتمهيد لنسبية الخلقيات والمثل‬
‫العليا‪ .‬يستطيع أى انسان‪ ،‬بإطلعه على الكتب والمقالت المطولة التى كُتبت فى ذلك الحين أن‬
‫يرى مدى السخف الذى تضمنته‪ ،‬خاصة وأن بعضها كُتب بواسطة بعض علماء الطبيعة المحترمين‬
‫من أمثال "فوك" ( ‪ )V. Fock‬الذين أسهبوا فى كتاباتهم لشرح طبيعة أعمالهم بصفتها مستمدة من‬
‫مبادئ ماركس ولينين‪.‬‬
‫لعبت هذه الممارسات والتجارب دورا محوريا فى إخراج العلماء التقدميين من وهم مقولة‬
‫إمكانية إجبار الطبيعة لقبول الفكار العقائدية‪.‬‬
‫وماذا عن علم خاص بالعالم الثالث ؟‬
‫إنه حقا عالم غير عادل‪ ،‬هذا الذى نعيش فيه‪ ،‬حيث تشير الرقام إلي أن ثلثة أرباع سكان‬
‫العالم‪ ،‬يكسبون أقل من ‪ %20‬من اجمالى النتاج العالمى‪ ،‬فى الوقت الذى يستهلكون فيه ‪%22‬‬
‫فقط من الموارد الطبيعية فى العالم‪ .‬على سبيل المثال‪ ،‬يستهلك المواطن المريكى ألف ضعف‬
‫الطاقة التى يستهلكها المواطن الفريقى‪ ،‬كما تنتج الدول النامية أربعة أضعاف ما تستهلكه من‬
‫الخامات الطبيعية غير المتجددة‪ ،‬بهذا تُستنزف أراضيها الخاصة من أجل صالح العملء الجانب‪.‬‬
‫كذلك يتفشى اعتمادهم على الدول الصناعية فى كل جانب من جوانب وجودهم‪.‬‬
‫يبدو ذلك واضحا فى المجال القتصادى‪ ،‬حيث قامت دول العالم الثالث فى عام ‪1989‬‬
‫بدفع مبلغ ‪ 150‬بليون دولر للبنوك فى الدول الصناعية تحت بند مصاريف خدمة الديون فقط‪.‬‬
‫لم يأت هذا العتماد عن طريق المصادفة بأى حال من الحوال‪ .‬حيث أن بقاء الوضع‬
‫على ما هو عليه‪ ،‬يأتى فى مصلحة الدول الصناعية فى المقام الول‪ ،‬بالرغم من إدعاءاتهم‬

‫‪119‬‬

‫المتكررة بغير ذلك‪ .‬يبدو ذلك واضحا من فحص السياسات المدمرة للعالم الثالث‪ ،‬التى وضعتها‬
‫الدول الصناعية‪ ،‬وطرحتها من خلل الوكالت الدولية والمؤسسات المانحة للقروض كالبنوك‬
‫وغيرها‪ .‬على سبيل المثال‪ ،‬يُوحَى عن عمد إلى طبقة الصفوة فى تلك البلد بسياسات جشعة‪ ،‬غير‬
‫مكبوحة الجماح‪ ،‬لستيراد البضائع الستهلكية‪ ،‬كما يجرى تشجيع و إشباع نزواتهم للخوض فى‬
‫مغامرات عسكرية‪ ،‬عن طريق إمدادهم بأكثر السلحة تعقيدا من المخازن الحربية للدول الصناعية‪.‬‬
‫لتنظر الدول الصناعية إلي تلك المسائل على أنها من المور الجديرة بإثارة الهتمام‪ ،‬إل عندما‬
‫تقوم بعض الدول‪ ،‬مثل العراق‪ ،‬بإستخدام هذه السلحة ضد الغرب وعملئه‪ ،‬كذلك يتم نهب‬
‫الموارد الطبيعية بواسطة المؤسسات متعدية الجنسيات التى تقوم بقطع اشجار الغابات وتلويث‬
‫النهار من أجل الربح‪ .‬علوة على ذلك تتعرض بعض الدول الى اساءة استخدام أراضيها فى دفن‬
‫الكيماويات الضارة والمبيدات الحشرية‪ ،‬مما يهدد بتدمير بيئتها المحلية ويعرضهم ليكونوا ضحايا‬
‫لمثل كارثة بهوبال‬

‫‪51‬‬

‫(‪.)Bhopal‬‬

‫لشك أن المؤمنين بعالم عادل‪ ،‬يشعرون بالسى من استعراض هذه الوقائع مما يولد شعورا‬
‫معارضا لكل ما هو غربى‪ ،‬بما فى ذلك العلم الغربى‪ .‬بناءا على ذلك يكثر الجدل هذه اليام حول‬
‫وجوب مقاطعة دول العالم الثالث للعلم الحديث‪ .‬كما يشار الى ان العلم‪ ،‬كما يمارس اليوم فى العالم‬
‫الثالث‪ ،‬ليس إبداعيا او اصيل‪ ،‬كما أنه يعمل فى معظم الحيان‪ ،‬بعيدا عن المجتمع ككل‪ .‬كما أنه‬
‫من ناحية الشكل فقط‪( ،‬ل المضمون ول النوعية)‪ ،‬يتشابه مع علم الغرب‪ ،‬وبوضعه الحالى فهو‬
‫منفصل تماما من ناحية الروح والمادة‪ ،‬عن المعارف والفلسفات التى تواجدت فى أزمنة ما قبل‬
‫الستعمار‪ .‬و يستطرد الجدل قائل بأنه على ذلك‪ ،‬وبما أن العلم صنيعة استعمارية‪ ،‬فمن الخطأ‬
‫توقع أن ينمو فى البلد غير الغربية‪.‬‬
‫هل يعنى ذلك أن العالم الثالث يحتاج إلي علم خاص به ؟‬
‫يرى البعض ضرورة ذلك‪ ،‬مثل السيد سوسانتا جوناتيليك ( ‪ )Susantha Goonatilake‬المثقف‬
‫السريلنكى المفوه‪ .‬يشترك السيد جوناتيليك مع معاصريه مثل نصر وساردار‪ ،‬فى عشقه للفكرة‬
‫الرومانسية القائلة بأن أعمق مصادر الحكمة ل توجد إل فى تراث الماضى البعيد (مرجع ‪.) 6‬‬
‫مع الفارق الواضح‪ ،‬أنه يبحث عن هذه المصادر فى حضارات ما قبل الستعمار فى دول جنوب‬
‫آسيا‪ ،‬بدل من البحث عنها فى الزمنة السلمية‪ .‬هذا بالضافة إلي تشابهه مع نصر وساردار فى‬
‫‪ 51‬بهوبال مدينة هندية‪ ،‬بها مصنع لشركة يونيون كاربايد للمبيدات الحشرية‪ .‬حدث تسرب لحوالى ‪ 40‬طن من‬
‫أحد مستحضرات غاز السيانور القاتل في ديسمبر ‪ 1984‬مما أسفر عن أكبر كارثة صناعية في تاريخ العالم‪.‬‬

‫حيث تدل الحصاءات على أن عدد القتلى الجمالى حتى عام ‪ 2002‬بلغ ‪( .20.000‬المترجم)‬

‫‪120‬‬

‫اعتقاده بأن العلم الحديث يقترب بسرعة من مرحلة النهيار التام‪ ،‬ول يوجد لنقاذه سوى الحكمة‬
‫العميقة القديمة فقط‪ .‬على ذلك يمكن البحث فى أساليب الطب القديم المعروفة بإسم "أيورفيديك" (‬
‫‪ )Ayurvedic‬عن نقاط معينة لتنميتها‪ ،‬كما يمكن الربط بينه وبين المعرفة العلمية المعاصرة‪.‬‬
‫كذلك يمكن العثور على التوجهات الحديثة فى علوم فيزياء الذرة والفلك‪ ،‬بالعودة إلي ‪ " :‬التقاليد‬
‫التاريخية الغنية علما وفكرا‪ .‬مثل تلك التقاليد الخاصة بجنوب أسيا أو الصين" (مرجع ‪ .)7‬بدون‬
‫ذلك كما يقول جوناتيليك‪ ،‬سنظل‪ ،‬نحن سكان العالم الثالث‪ ،‬محكومون بعلوم مقلدة‪ .‬يقع مركزها فى‬
‫الغرب‪.‬‬
‫تصْدُر من آن لخر تصريحات شاعرية مماثلة من المدافعين عن علم العالم الثالث‪ ،‬مما‬
‫أدى إلي إجتماع بعضم فى عام ‪ 1986‬بمدينة بينانج (‪ )Penang‬فى مؤتمر دولي بعنوان ‪ :‬أزمة‬
‫العالم المعاصر"‪ .‬أعلن المؤتمر أن العلم والتكنولوجيا المعاصران مؤسسان على الخبرة والنظريات‬
‫المعرفية الغربية‪ ،‬بالتالى فهما ل يصلحان لتلبية إحتياجات العالم الثالث‪ .‬كما تم التأكيد على أن‬
‫أصعب جوانب المعركة‪ ،‬هو اجراء عملية عكسية للتخلص من غسيل المخ الواقع على شعوب‬
‫العالم الثالث من جراء اختراقات العالم الول‪ ،‬وكذا‪ ،‬محاربة " العلماء المدربون بالخارج " حيث‬
‫أنهم أكبر حاملى الجراثيم والفيروسات الغربية‪ ،‬التى تبحث مجتمعاتنا عن أساليب للوقايه منها‪(.‬‬
‫مرجع ‪) 8‬‬
‫رغم إختلف الدوافع تماما بين المطالبة بعلم مبنى على أساس سياسى‪ ،‬وعلم مبنى على‬
‫أساس عقائدى‪ ،‬إل أننى أرى أن كلهما يتساويان فى عدم العقلنية‪ .‬كل العتراضات على العلم‬
‫العقائدى تنطبق بالكامل على العلم السياسى‪ .‬وأكرر‪ ،‬ل يوجد علم كهذا‪ ،‬كل المقترحات التى قدمت‬
‫حتى الن يشوبها الكثير من عدم الوضوح‪ ،‬كذلك فإن الكثير منها متعارض مع نفسه كما أنها ل‬
‫تلقى أى قبول جماعى‪ ،‬إل داخل مجموعات صغيرة من الفراد‪ ،‬ل علقة لمعظمهم بالعلم‪،‬‬
‫بالضافة إلي إلغائها لروح العالمية ول داع لتكرار المناقشات المطولة بهذا الشأن‪ ،‬حيث سبقت‬
‫الشارة اليها فى فصول سابقة‪.،‬‬
‫لهذه السباب‪ ،‬أعتقد أنه إذا نُظر إلي علم العالم الثالث كمبحث عن نظرية معرفية جديدة‪،‬‬
‫فهو مفهوم غير شرعى ول يعدو كونه مضيعة للوقت‪ ،‬ولن تسفر ملحقته إل إلى السراع‬
‫بمعدلت التخلف والفقر‪ ،‬وتدمير بيئة العالم الثالث‪ .‬يختلف المر تماما‪ ،‬عند النظر إلي دور العلم‬
‫المعاصر كعنصر أساسى فى تشكيل عدم المساواة بين الحضارات المختلفة‪ .‬هذا التفاوت لم يتواجد‬
‫في الزمنة السابقة‪ ،‬حيث لم تكن هناك حضارة مفردة‪ ،‬قوية بالدرجة التى تجعلها تتسيد وتقلل من‬
‫الخرين‪ ،‬حتى ولد العلم الحديث فى أوروبا‪ .‬أصبح واضحا الن‪ ،‬أن العلم‪ ،‬بإعتباره أحد عناصر‬

‫‪121‬‬

‫ حيث أن العدالة‬.‫ لكنه سيء للغاية فيما يتعلق بالتوزيع‬،‫ فهو ممتاز حقا فى العملية النتاجية‬،‫النتاج‬
‫ إن الطبيعة التراكمية للعلم تشير إلي أن من يملك سيستمر فى إمتلك‬.‫مفهوم يقع خارج دائرة العلم‬
‫هذا الوضع يجعل من الضرورى خلق صيغة لتدخل‬.‫ ومن ل يملك سيتجه إلى القل فالقل‬،‫الكثر‬
‫ أما بالنسبة‬.‫ بمساعدة القطاعات التى ل تملكه‬،‫واع يقوم بموجبه القطاع النسانى الذى يملك العلم‬
‫ ليس لهم‬.‫ بدل من المطالبة بهجره‬،‫ فل بد لها من إمتلك أدوات العلم والتمكن منه‬،‫للدول النامية‬
‫ وإستمرار تواجد الحضارة‬،‫ إذا أرادوا تأكيد إحتمال إستمرارهم فى البقاء‬،‫سبيل آخر غير هذا‬
.‫العالمية‬
:‫المراجع‬
1- A. K. Brohi in 'Knowledge For What', Proceedings of the Seminar on the Islamization
of Knowledge, Islamic University, Islamabad, 1982, p. xv.
2- Ibid.
3- Ibid.
4- M. A. Kazi in 'Knowledge For What', op. cit.,pp. 67-8.
5- Z. Medvedev, The Rise and Fall of T. D. Lysenko, (New York, Columbia University
Press, 1969), Also R. Lewontine and Richard Levins.' The Problem Of Lysenkoism', In
The Radicalisation of Science, eds. Hillary Rose and Steven Rose,(London, Macmillan
Press, 1976), pp. 32-64.
6- Susantha Goonatilake, Aborted Discovery- Science and Creativity in the Third World,
(London, Zed Books, 1984).
7- Ibid.
8- Modern Science in Crisis- A Third World Response, (Penang, Third World Network and
Consumers Association of Penang, 1988).

‫الفصل الثامن‬
‫نهضة العلم السلمى‬

122

‫يصور علماء التاريخ‪ ،‬العصور الوسطى على أنها حالة استثنائية من الظلم في تاريخ البشرية‪،‬‬
‫لكن يبدو هذا التعبير قاصرا جدا حيث انه يعبر فقط عن وجهه نظر بعض ابناء الحضارة الغربية‪.‬‬
‫فالعصور السوداء كانت عصور أوروبا السوداء‪ ،‬ل العصور السوداء للبشرية كلها‪ .‬في الحقيقة أن‬
‫الحضارة السلمية كانت في أبهى صورها فى الوقت الذى كانت أوروبا مشغولة فيه بحرق‬
‫الساحرات ونزع أحشاء الهراطقة‪ ،‬وقد أقر كل المؤرخين المحترمين بالنجازات السلمية‬
‫المدهشة في تلك الحقبة‪ .‬كما أوضح ذلك بجلء المؤرخ جورج سارتون (‪ )George Sarton‬في‬
‫موسوعته عن تاريخ العلم‪:‬‬
‫" كانت اللغة العربية هي لغة العلم ولغة التقدم للبشرية‪ ،‬من النصف الثاني للقرن الثامن وإلى نهاية‬
‫القرن الحادي عشر‪ ....‬يكفى هنا الشادة ببعض السماء اللمعة التي لم يكن هناك من يضاهيها‬
‫في الغرب مثل جابر بن حيان والكندي والخوارزمي والفرغنى والرازى وثابت بن قرة والبطانى‬
‫وحنين بن اسحق والفارابي وابن سنان والمسعودى والطبري وأبو الوفا وعلى بن عباس وأبوالقاسم‬
‫وابن الجزار والبيرونى وابن سينا وابن يونس وابن الهيثم وعلى بن عيسى والغزالى والزرقلى‬
‫وعمر الخيام‪..........‬إذا قال لك أحد أن العصور الوسطى كانت عقيمة علميا فاذكر له هؤلء‬
‫الرجال‪ ،‬كلهم بزغوا في فترة قصيرة ما بين عام ‪ 750‬و ‪( 1100‬مرجع ‪)1‬‬
‫كذلك نشرت مجلة نيتشر "الطبيعة " (‪ (Nature‬المحترمة في أحد أعدادها الحديثة مقال يحمل نفس‬
‫وجهة النظر‪:‬‬
‫"أضاف العلم السلمي الكثير إلى العلم حين كان في ذروته منذ حوالي ألف عام‪ .‬خاصة في‬
‫مجال الرياضيات والطب‪ .‬شُيدت الجامعات التي توافد عليها اللف‪ ،‬في بغداد أثناء ازدهارها وفي‬
‫جنوب أسبانيا‪ .‬أحاط الحكام أنفسهم بحلقات العلماء والفنانين كما سمحت روح الحرية بعمل اليهود‬
‫والمسيحيين جنبا الي جنب‪ ،‬أما اليوم فقد اصبح كل ذلك في عداد الذكريات " (مرجع ‪)2‬‬
‫جدير بالذكر أن كل هذا الثناء والطراء المستحق عن جدارة‪ ،‬إنما هو ظاهرة قاصرة على زمن‬
‫القرن العشرين فقط‪ ،‬حيث يخلو ما سبق كتابته عن الشرق في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر‬
‫من أي شئ مشابه‪ .‬كان السبب في ذلك واضحا‪ ،‬إذ ظل السلم حتى الوقت الذي تحققت فيه‬
‫السيادة الوروبية بشكل حاسم‪ ،‬مصدرا للتهديد الكبر ‪-‬عقائديا وعسكريا‪ -‬للمسيحية‪ .‬بناءا على‬
‫ذلك ظهرت الفرضية المسيحية الدفاعية القائلة بأن النجاح السلمي ما جاء إل كنتيجة لما يتضمنه‬
‫من عنف وشهوانية وخداع‪ .‬كان هذا القول ملئما جدا في عصر بزوغ الستعمار التجاري‪ ،‬حيث‬
‫ساعد على تخفيف وطأة شعور الوروبيين بالذنب‪ .‬كما أن تصوير الدول المقهورة على أنها دول‬
‫بربرية وجاهلة علميا وثقافيا ساعد المهام الستعمارية وأظهرها (المهام) بمظهر الضرورة‬

‫‪123‬‬

‫الخلقية‪ .‬من ثم كان القمع الشديد لي مقولة نزيهة تحمل في طياتها ما قد يشكك في الفرضية‬
‫المطروحة‪.‬‬
‫مع إحساس المسلمين المعاصرين العام بالنظرة الغربية المتزمتة تجاههم‪ ،‬تولدت لديهم رغبة شديدة‬
‫في البحث عن صورة بديلة مستمدة من تاريخهم الثقافى والحضاري‪ .‬تحول تاريخ العصور‬
‫الوسطى لديهم ‪-‬بعد استخلصه من كتب التاريخ الجافة‪ -‬إلى قصة للمجاد السلمية السابقة‪،‬‬
‫خاصة فيما يتعلق بالمنجزات العلمية‪ ،‬ثم اصبح بعد ذلك جزءا ل يتجزأ من الخيالت الحية‬
‫للمسلمين المعاصرين في العالم اجمع‪ .‬رغم مرور الف عام‪ ،‬إل أن البعض ما زال يعتقد بكل جدية‬
‫بوجود مفتاح الباب المؤدى إلى طريق عصر ذهبي جديد مُلقى في مكان ما على الطريق المظلم‬
‫المؤدى إلى الماضي‪ .‬تمضى حجتهم قائلة بأننا إذا عرفنا ماذا حدث في الماضي من أخطاء‪،‬‬
‫فسنعرف كيف نتصرف في المستقبل‪.‬‬
‫لهذا السبب استمر النشاط المتأجج عبر المائتى سنة الماضية وحتى الن‪ ،‬للبحث عن اسباب‬
‫النهيار الحضارى‪ .‬لكن كما هى العادة فى حالة حدوث اية خلفات مبنية على التحليل المنطقى‬
‫للتاريخ فأن النتائج ل تعدو كونها مُصدقة لما هو معروف بالفعل‪.‬‬
‫ينظر الصوليون من انصار مذهب الترميم (‪ )Restoration‬الى العصر الذهبى على أنه نوع من‬
‫المكافاة الإلهية على السلوك القويم للمسلمين‪ ،‬حيث تفلح امورهم وتزدهر دنياهم طالما اقاموا‬
‫صلواتهم فى مواعيدها‪ ،‬وأدوا حجهم وصاموا شهر رمضان واخرجوا زكاتهم وحرصوا على‬
‫اللتزام بشعائر دينهم‪ .‬وعلى النقيض‪ ،‬يُعزى التراجع والنهيار الى ارتكاب المعاصى والرذائل فى‬
‫قصور الخلفاء كشرب الخمر والغناء والرقص والنحلل الجنسى‪ .‬على ذلك فأن استعادة امجاد‬
‫الماضى تقتضى العودة لفرض الشريعة واللتزام الصارم بشعائر الدين‪ .‬من المؤسف فى المر ان‬
‫أزهى ازمنة التقدم الثقافى‪ ،‬جاءت فى وقت حكام مثل هارون الرشيد والمأمون من المعروفين‬
‫بتحررهم الذى كان موضع إستياء شديد من الصوليين المعاصرين لهم‪.‬‬
‫فى المقابل نجد المسلم المعاصر من انصار اعادة البناء (‪ ،(Reconstruction‬يبحث عن قيم‬
‫مختلفة اذ يرى فى النجازات العلمية السلمية السالفة دليل قويا على توافق السلم والعلم‪ ،‬إذ‬
‫يرى فى العصر الذهبى حجة قوية مؤيدة للعديد من المواقف التى يحث فيها القرأن ‪-‬كما تحث‬
‫الحاديث‪ -‬على البحث عن المعرفة‪ .‬اما هذا الحث‪ ،‬فيُفهم تحديدا كتعليمات لنيل المعرفة العلمية‬
‫كما نعرفها اليوم بالمفهوم المعاصر‪ ،‬علما بأنه اصبح من المألوف التأكيد على أن ‪ 750‬آية من‬
‫القرآن ( ما يقرب من ‪ 8/1‬منه ) تحث المؤمنين على دراسة الطبيعة وملحقة العلم الحديث‪.‬‬

‫‪124‬‬

‫تستطرد المناقشات فتقول بأن النجاح العلمى فى العصر الذهبى يثبت ان السلم يدعم العلم تماما‪،‬‬
‫كما ان السعى وراء العلم يعتبر من الواجبات الدينية‪ ،‬اضافة الى كونه حاجة عملية‪.‬‬
‫نظرا للهمية التى يمثلها تاريخ العلم فى العالم السلمى القديم فى تشكيل مستقبل العلم فى‬
‫الحضارة السلمية المعاصرة‪ ،‬فمن الضرورى مناقشة عدد من المسائل المختلف عليها‪.‬‬
‫توجد ثلثة من بين هذه المسائل على درجة خاصة من الهمية‪:‬‬
‫*‪ -‬هل كان العلم الذى نماه المسلمون علما ذا طابع إسلمي‪ ،‬وعليه تحق تسميته علما‬
‫إسلميا ؟‪ .‬ام انه كان علما عالميا وبالتالى تصبح تسميته بعلم المسلمين اكثر ملءمة‪.‬‬
‫*‪ -‬ما مدى صحة الطروحة بأن العصر الذهبى للعلم تمت تنميته فى المقام الول‬
‫على ايدى العرب ؟ ثم ما مدى اهمية الدور الذى لعبه العلماء من غير المسلمين ومن‬
‫غير العرب ؟‬
‫*‪ -‬هل قامت فعل المؤسسات الكبرى للمجتمع السلمى فى عصوره الوسطى بقبول العلوم‬
‫العقلنية واستوعبتها واندمجت معها ؟‬
‫سيشغل الهتمام بهذه التساؤلت‪ ،‬الجزء المتبقى من هذا الفصل‪.‬‬
‫هل كان علما إسلميا ام علم المسلمين ؟‪.‬‬
‫ليس هذا تلعبا باللفاظ بأى حال من الحوال‪ .‬فهل كان العلم الذى نماه المسلمون فى العصور‬
‫الوسطى فريدا فى ارتباطه بالعقيدة السلمية ام ان فرضياته واساليبه كانت من أساسها نفس‬
‫فرضيات وأساليب الحضارات النسانية الخرى‪ .‬هذه المحاولة لتمييز الحدود بين الخصوصية‬
‫والعالمية تتساوى مع السؤال عما اذا كان يجب تسمية علم العصر الذهبى علما إسلميا ام علم‬
‫المسلمين‪.‬‬
‫يرجع السبب فيما تحدثه هذه المسألة من لبس وارتباك إلى ان مفهوم العلم فى العصور الوسطى لم‬
‫يكن بحال من الحوال هونفس مفهوم اليوم‪ .‬فعلى سبيل المثال عرًف الغزالى العلم بأنه دراسة‬
‫الشريعة‪ ،‬وهو ما يتعارض تماما مع استعمال اللفظ الن‪ .‬فى الواقع كانت هناك علوم كثيرة وقام‬
‫العديد من علماء العصور الوسطى بتصنيفها فى طبقات متفاوتة‪ .‬إستنادا الى كتاب "إحصاء العلوم"‬
‫للفارابى‪ ،‬يأتى علم الكلم والغيبيات فى نفس مرتبة علم الهندسة والبصريات‪ .‬كذلك كان الحال مع‬
‫شمس المولى (‪ )Shams Al-Muli‬الذى قسم العلوم الى قسمين علوم الوائل (كاليونانيون والهنود‬
‫) وتشمل الخلقيات والمنطق والموسيقى والفلسفة والرياضيات والفلك وغيرها‪ ،‬وعلوم الواخر‬
‫وتشمل الشريعة والصوفية والتاريخ‪....‬الخ‪ .‬واما بالنسبة للغزالى فقد كانت له طريقته الخاصة فى‬
‫تصنيف المعرفة‪ .‬وفى جميع الحوال ل تتسق اى من تلك التصنيفات مع مفهومنا الحالى للعلم‪.‬‬

‫‪125‬‬

‫لذلك وقبل الدخول في مزيد من المناقشات‪ ،‬فلبد من التفاق من البداية على مفهوم موحد عن‬
‫العلم‪ ،‬وليكن المفهوم السائد فى زماننا‪ .‬ساعتها يكون هناك معنى للسؤال عما اذا كانت انجازات‬
‫المسلمين فى الرياضيات والبصريات والميكانيكا والفلك والكيمياء والطب‪ ،‬يمكن الخذ بها كتقدم‬
‫للعلوم السلمية ام لعلوم المسلمين‪.‬‬
‫فى الرياضيات مثل‪ ،‬هل كانت المشاكل الرياضية التى اعتبرها عظماء الرياضيين المسلمين‬
‫جديرة بالهتمام‪ ،‬مختلفة عن المشكلت الرياضية التى تناولها غيرهم من المصريين الوائل‬
‫اوالبابليين اوالهنود اواليونانيين من قبلهم بالف السنين‪ ،‬اواختلفت عما تلها لعدة قرون؟‪ .‬ان‬
‫طبيعة النجاز فى هذا المجال تقف شاهدا على الحقيقة‪ .‬فمثل استغل المسلمون معرفتهم باساليب‬
‫الترقيم الهندية ليبتكروا النمط المعروف والمستعمل حتى الن للتعبير عن الرقام العشرية‪ .‬ولقد‬
‫توصل جامشيد الكاشانى‬

‫‪52‬‬

‫(‪ )Jamshid Kashani‬الى النظرية ذات الحدين (‪Binomial‬‬

‫‪ ) theorem‬وبذلك سبق نيوتن ب ‪ 700‬سنة ثم ان عبد الوفا (‪ ( Abdul Wafa‬قام بتأسيس‬
‫قانون جيوب الزوايا (‪ ( Sines‬فى حساب المثلثات‪ ،‬اما الخوارزمى فقام بتنظيم دراسة المعادلت‬
‫الرياضية من خلل دراسته للجبر‪ ،‬كما ابتكر عمر الخيام حل هندسيا للمعادلت التكعيبية‪ ،‬وهلم‬
‫جرا‪( .‬مرجع ‪ .)3‬فأما الدعاء بأن الميل الى الرياضيات مرتبط مباشرة بمسألة التوحيد اللهى‬
‫فتتصدى لها بديهية ان الحضارات الخرى تناولت نفس الموضوع وتوصلت الى رياضيات مماثلة‬
‫ومن المؤكد ان فيثاغورس‪ ( Pythagorus( 53‬او ديوفانتس‪ ( Diophantus( 54‬لم يكونا من‬
‫الموحدين بأى حال من الحوال‪.‬‬

‫‪ 52‬غياث الدين جامشيد الكاشانى‪ :‬المتوفى ‪ 1429‬ولد بكاشان بإيران‪ ،‬إرتحل إلى سمرقند حيث انضم الى حلقة‬
‫من العلماء هناك‪ .‬عمل بأحد المراصد وأول من حدد قيمة النسبة بين محيط الدائرة وقطرها "ط" (‪ )pi‬بدقة بالغة‪.‬‬
‫عقدت جامعة كاشان مؤتمرا دوليا فى عام ‪ 2000‬خصيصا للحتفال‬

‫بذكراه‪(.‬المترجم)‬

‫‪ 53‬فيثاغورس (‪ ) Pythagorus‬ولد بجزيرة ساموس باليونان حوالى عام ‪ 570‬قبل الميلد‪ .‬إرتحل الى مصر‬

‫فى سن الثالثة والعشرين حيث قضى بها ‪ 21‬سنة‪ ،‬عاد بعدها الى بلده ليؤسس مدرسة كبيرة‪ .‬ربط بين اللهة‬

‫والرقام‪ ،‬وتوفى فى سن الـ‬

‫‪( .99‬المترجم)‬

‫‪ 54‬ديوفانتس (‪ ) Diophantus of Alexandria‬من علماء السكندرية‪ .‬توفى حوالى عام ‪ 284‬قبل الميلد‪.‬‬
‫سجل اكثر من ‪ 100‬معادلة رياضية مازالت مستعملة ومعروفة حتى الن بإسمه (‪Diophantine equations‬‬

‫) ويلقب بـ أبو الجبر‪ .‬لم يبق من أعماله الـ ‪ 13‬سوي ‪ 6‬مجلدات وضاعت او احرقت باقى المجلدات أثناء‬
‫حرق مكتبة السكندرية‪.‬‬

‫(المترجم)‬

‫‪126‬‬

‫ل شك ان بعض اعمال الباحثين المنتمين للعصور الوسطى كان مرتبطا بأمور نابعة من المعتقدات‬
‫الدينية مثل اعمال الخوارزمى الذى خصص نصف كتاباته عن الجبر لمسألة الميراث‪ ،‬لكن لم يكن‬
‫لتلك العمال قيمة استمرارية حيث انها كانت محددة للغاية‪.‬‬
‫فى الخلصة ل يوجد فى الرياضيات التى مارسها المسلمون ما يمكن تسميته رياضيات إسلمية‪.‬‬
‫اما اذا كان هناك فرق يذكر فهو ان حضارة المسلمين تقدمت افضل من غيرها على مدى‬
‫الخمسمائة عام من عصرها الذهبى‪.‬‬
‫تنطبق نفس المقولة العامة السابقة على علم البصريات‪ ،‬ذلك ان اعمال ابن الهيثم المتعلقة بالعدسات‬
‫وانعكاس الضوء كانت من بين المور التى شغلت بال العلماء من قبله ومن بعده‪ .‬لكن ستظل‬
‫مكانته محفوظة فى التاريخ حيث كان اول من اكتشف بعض الظواهر البصرية‪ .‬ل شك فى ان‬
‫الفضل فى ظهور رجال من هذا النوع يرجع الى الحضارة السلمية ولكن ل علقة له مطلقا بأية‬
‫تعاليم دينية‪ .‬من المؤكد كذلك ان هذه الحقيقة ل تلقى ترحيبا من الصوليين حتى فى ايامنا هذه‪.‬‬
‫تمشيا مع ذلك نشرت احدى المجلت الممولة من السعودية والتى تصدر فى لندن‪ ،‬مقال تصف فيه‬
‫اعمال ابن الهيثم وغيره من المسلمين العقلنين‪ ،‬بأنها مجرد " امتداد طبيعى ومنطقى للفكر اليونانى‬
‫" فل عجب أن ابن الهيثم كان معتبرا من الزنادقة وكاد ان يُنسى تماما فى العالم السلمى"‬
‫( مرجع ‪.)4‬‬
‫لعله من السخف ان يُنظر الى الراء العلمية لحد العلماء المسلمين على انها مرتبطة بالضرورة‬
‫بعقيدته الدينية او بأنه يستمد إلهاماته العلمية من وحى ايمانه‪ .‬يصح هذا القول على ما كان من الف‬
‫سنة مضت‪ ،‬كما يصح الن‪ ،‬ويتمثل ذلك جيدا فى مجال الكيمياء القديمة (‪ )Alchemy‬التى تعتبر‬
‫من اهم المجالت التى اسهم فيها المسلمون‪ .‬حيث قام جابر ابن حيان والرازى بتطويرها استنادا‬
‫على الخرافات السابقة التى تعود الى آريوس‪ ( Arius( 55‬وفيثاغورس‪ .‬اصبح بديهيا النظر الى‬
‫الكيمياء القديمة كضرب من ضروب الهراء العلمى‪ ،‬فل يمكن وجود شئ كحجر الفلسفة‪ ،‬كذلك‬
‫من المستحيل تحويل بعض المعادن مثل النحاس والقصدير الى ذهب او فضة باستعمال الساليب‬
‫الكيميائية‪ .‬على اية حال مع مضى الزمن‪ ،‬ظهرت الهمية البالغة للكيمياء القديمة باعتبارها جنينا‬
‫للكيمياء الحديثة‪ .‬حيث تَعرًف العلماء القدماء على اهمية خلط المواد بمقادير محددة‪ ،‬كما تعرفوا‬
‫‪ 55‬آريوس‪ )336-256 ( :‬يعتقد أنه من أصل ليبي من البربر مؤسس المذهب الريانى المسيحي الذى نبذته‬
‫الكنيسة‪ .‬تم تدمير معظم أعماله بواسطة أعدائه من الكنيسة الكاثوليكية واتهم بالهرطقة‪ .‬ألف كتابا يضم بعض‬

‫الغانى لنشر مذهبه وكان له مؤيدين كثيرين من بين النساء بصفة خاصة‪ .‬توفى بطريقة مريبة وهو فى طريقه‬
‫لمقابلة المبراطور قنسطانطين‪.‬‬

‫(المترجم)‬

‫‪127‬‬

‫على خصائص الحماض والقلويات‪ ،‬وقابلية بعض العناصر لبعضها البعض‪..‬الخ‪ .‬جدير‬
‫بالملحظة ان كل ذلك جاء كمنتجات ثانوية عن طريق المصادفة السعيدة لعمال كانت تهدف‬
‫اساسا الى اشياء اخرى‪ .‬تأسيسا على ذلك يصبح من المؤكد خطأ مقولة ان كيمياء المسلمين القديمة‬
‫استمدت وحيها من السلم‪.‬‬
‫هل كان العلم فى العصر الذهبى علما عربيا؟‬
‫خلل الجدل المشهور الذى دار فى القرن التاسع عشر بين الفرنسى السلمى إرنست رينان‬
‫وجمال الدين الفغانى المعروف بإسلمه العصرى‪ ،‬العملى‪ .‬احتج رينان بأن العلم والفلسفة لم يتم‬
‫فقط ادخالهما الى العالم السلمى بواسطة العلماء غير العرب‪ .‬بل اليهم ايضا يرجع الفضل فى‬
‫رعاية تلك العلوم واستمراريتها‪ .‬كما ابرز حقيقة ان الكندى‪ – 56‬الفيلسوف الشهير – كان العربى‬
‫الوحيد بالميلد‪ .‬على ذلك يؤكد رينان خطأ استعمال تعبير " علم عربى " اما الصحيح فالقول بأن‬
‫منبع العلم والفلسفة يرجع الى اليونانيين والفرس‪( .‬مرجع ‪).5‬‬
‫ترددت مقولت مشابهة في مواقف اخرى كثيرة‪ .‬على ذلك يصح بحث المسألة بشئ من التفصيل‬
‫خاصة فيما يتعلق بكيفية دخول العلم الى المجتمع السلمى وكيفية تطوره بعد ذلك كما سنعرض‬
‫رد الفغانى على مقولة رينان السابقة‪.‬‬
‫تمهيدا لما سيلى من مناقشة‪ ،‬يفضل تقسيم تاريخ العصور الوسطى السلمية الى اربعة فترات ‪ :‬ما‬
‫قبل عام ‪ ( 750‬فترة التكوين ) من عام ‪ 750‬الى عام ‪ ( 1000‬الفترة العباسية التقليدية ) من‬
‫عام ‪ 1000‬الى ‪ ( 1250‬العصور الوسطى ) ثم من عام ‪ ( 1500 – 1250‬العصور الوسطى‬
‫المتأخرة )‪.‬‬
‫لم يكن هناك علم اوفلسفة خلل فترة التكوين‪ ،‬حيث كان دخولهما اساسا فى العصر العباسى‬
‫التقليدى‪ ( .‬يراعى ان بعض الترجمات لعلوم الكيمياء القديمة والفلك والطب تمت بناء على مبادرة‬
‫من المير خالد بن زياد ( المتوفى عام ‪ ) 704‬فى العصر الموى‪ ،‬حيث حوًل اهتمامه الى‬
‫الكيمياء القديمة عندما فشلت مطالبته بالخلفة )‪ .‬كانت تلك الفترة‪ ،‬فترة انشغل السلم فيها بشدة‬
‫فى التوسع القليمى والنمو التجارى‪ .‬كذلك خلق النتعاش القتصادى الناتج من النشاط التجارى‬
‫والنتصارات الحربية‪ ،‬طبقة من الثرياء المستقرين فى ديارهم ممن ل تشغلهم المهام الدنيوية‬
‫‪56‬‬

‫الكندى (‪ )873-796‬تعلم بالكوفـة على يـد المام ابـى حنيفـة النعمان ويعتـبر اول فلسـفة العرب والمسـلمين‬

‫و هو اول من عارض الشتغال بالكيمياء من ا جل الح صول على الذ هب‪ ،‬ك ما ب حث فى نشأة الحياة على الرض‬

‫وفى اسباب زرقة لون السماء وأول من وضع سلما موسيقيا للموسيقى العربية‪ ،‬وألف ما يربو على ال ـ ‪270‬‬
‫مؤلفا‪( .‬المترجم)‬

‫‪128‬‬

‫لكسب لقمة العيش‪ ،‬وبالتالى اصبحوا قادرين على الخوض فى مسائل تحتاج الى درجة اعلى من‬
‫التعقيد الثقافى‪ .‬هنا بدأت رعايتهم للفنون والعلوم‪.‬‬
‫بدأ الحدث التاريخى على ايدى علماء‪ ،‬معظمهم من غير المسلمين‪ ،‬حيث قاموا بترجمة وتصنيف‬
‫اعمال اليونانيون فى العلم والفلسفة والطب‪ .‬كانت الخطوة الولى فى مدينة جونديشابور‪Jundi( 57‬‬
‫‪ ) shapur‬بفارس‪ ،‬ثم انتقل النشاط بعد ذلك الى بغداد‪ .‬يشير "صبره" ‪( Sabra‬مرجع ‪ )6‬الى ان‬
‫معظم المترجمين كانوا من المسيحين النسطوريين الذين حملوا معهم عادة التعليم فى المدارس‬
‫والديرة المنتشرة فى الشرق الوسط ووسط اسيا‪ .‬من اعظم المترجمين وقتها كان حنين بن‬
‫اسحق‪ 58‬الذى قاد مجموعة من المترجمين‪ ،‬ضمت ابنه اسحق الذى تولى ترجمة جزء كبير من‬
‫العمال اليونانية فى الطب والفلسفة والرياضيات‪ ،‬كما كان هناك ثابت بن قرة‪ 59‬من صابئة حران‪،‬‬
‫الذى جاء بثقافه وثنية متأثرة بالتنجيم والغاز فيثاغورس‪ .‬هذا بالضافة الى عدد من المترجمين‬
‫الكبار مثل ابو بشر متى ويحيى بن عدى من اليعاقبة‪ ،‬كما كان هناك غيرهم من الهنود من الصل‬
‫البوذى‪ ،‬الذين شكلوا الروح الدافعة لتأسيس بيت الحكمة وادخلوا علوم الطب والرياضيات والفلك‬
‫الهندية قبل اجراء الترجمات من اليونانية‪ .‬اتسمت تلك المرحلة الولى لنمو العلم فى السلم‬
‫باستيعابها للمعرفة المستوردة ولعب فيها المسلمون ادوارا ثانوية كمترجمين فقط‪.‬‬
‫يمكن اعتبار مقولة رينان صحيحة الى حد بعيد اذا كان المقصود بأشارته السابقة‪ ،‬تلك الفترة‬
‫الولى التى لم تكن اسهامات علماء المسلمين فيها ذات وزن يذكر‪ .‬جدير بالذكر انه ما كان‬
‫لعمال الترجمة ان تتم لول الدعم الكامل والتشجيع المستمر من النخبة المسلمة الحاكمة‪ .‬مما ل‬
‫شك فيه ان بلط الخليفة وبيوت النبلء استقبلت العديد من الحكماء والعلماء من مختلف المذاهب‬
‫واعتبرتهم من الوجهاء‪ .‬لم يكن المر قاصرا على مجرد استقبالهم وتحملهم‪ ،‬بل جرت العادة على‬

‫‪57‬‬

‫جونديشابور‪ :‬مدينة فارسية بالهواز‪ ،‬أسسها الملك شابور الول‪ .‬رحل اليها الكثير من علماء اليونان‬

‫وفلسفتهم عندما أمر جستنيان بإغلق مدرسة أثينا فى عام ‪ ،529‬جعل منها الملك شابور الثانى عاصمة له‪،‬‬
‫وذاع صيتها ايام حكم خسرو أنو شروان الذى دعا إليها الفلسفة والعلماء والطباء‪ .‬وبها تمت ترجمة كتاب‬

‫كليلة ودمنة من السنكريتية الى الفارسية‪ ،‬وبها جُمعت كل الكتب الطبية التى كانت معروفة ايامها‪ ،‬كما أُنشئ بها‬

‫أول مستشفى تعليمى‪( .‬المترجم)‬
‫‪58‬‬

‫حنين بن اسحق ( ‪ ) 877 -809‬ولد بالحيرة وتعلم العربية على يد الفراهيدى وبرز فى طب العيون وسمى‬

‫بأبو طب العيون وكان من كبار المترجمين حتى ان الخليفة المأمون كان يمنحة من الذهب ما يساوى وزن ما‬

‫يقوم بترجمتة‪( .‬المترجم)‬
‫‪59‬‬

‫ثابت بن قرة (( ‪ ) 901-836‬بزغ فى الرياضيات حتى سمى برائد علم التكامل والتفاضل‪( .‬المترجم)‬

‫‪129‬‬

‫احترامهم وتوقيرهم‪ ،‬ثم امتدت بعد ذلك جذور العلم بسرعة فى الراضى السلمية التى احاطتها‬
‫بمناخ مناسب من الحرية والفكر الدينى المنفتح‪.‬‬
‫دخل العلم مرحلته الثانية من النمو فى العصور الوسطى العليا التى اكتملت فيها أعمال الترجمة‬
‫واصبحت اللغة العربية حينذاك‪ ،‬ل اليونانية‪ ،‬وعاءا للفكر الثقافى‪ .‬وعلى النقيض من المراحل‬
‫السابقة‪ ،‬اصبح معظم العلماء فى الراضى السلمية من المسلمين‪ .‬افرزت الحضارة السلمية‬
‫وهى فى قمتها‪ ،‬علماء مسلمين مثل ابن الهيثم (‪ )1039-965‬والبيرونى (‪ )1051-973‬وعمر‬
‫الخيام (‪ )1123-1038‬ونصير الدين الطوسى (‪ )1274-1201‬ول تتسع المساحة هنا لسرد‬
‫اسهاماتهم العلمية‪.60‬‬
‫انتقل الكثير من تلك المعارف الى اوروبا فى عصر النهضة حيث ان روجر بيكون ( السابق‬
‫الشارة اليه ) بدأ تجاربه ‪-‬رغم عدم رضاء الكنيسة – اعتمادا على ابحاث ابن الهيثم فى‬
‫البصريات‪ .‬كذلك يذكر ان الترجمة اللتينية لكتاب ابن سينا " القانون فى الطب " كان بمثابة‬
‫المرجعية الساسية للطب فى اوروبا ودام العمل به وتدريسه فى الجامعات الوروبية لعدة قرون‪،‬‬
‫كما يُعد ابن رشد اول فلسفة الصلح‪ .‬تجدر العودة الن الى رد جمال الدين الفغانى على مقولة‬
‫رينان‪.‬‬
‫فى البداية اشار الفغانى الى انه بالرغم من الصول الجاهلة والبربرية للعرب‪ ،‬ال انهم نهضوا‬
‫واخذوا ما تركته المم المتحضرة واوقدوا جذوة العلوم‪ .‬لم يهتم الوربيون بأرسطو حين كان‬
‫جارا يونانيا لهم‪ ،‬ورحبوا عندما هجرهم وتوجه الى العرب‪ .‬ثم يستطرد الفغانى قائل بأنه لجدال‬
‫فى ان انهيار مملكة العرب فى الشرق تسبب فى وقوع مراكز العلم الشامخة ‪-‬كما فى العراق‬
‫والندلس‪ -‬فى قبضة الجهالة مرة اخرى‪ ،‬حيث تحولت تلك الماكن الى مراكز للهوس الدينى‪.‬‬
‫بالرغم من ذلك فل يمكن انكار ان التقدم العلمى والفلسفى فى العصور الوسطى‪ ،‬إنما تم على أيدى‬
‫العرب الذين حكموا البلد فى ذلك الوقت‪ .‬ثم يتحول الفغانى للرد على ادعاءات رينان بشأن قلة‬
‫عدد علماء المسلمين العظام ممن يرجعون بأصولهم لجذور عربية‪:‬‬
‫" قال رينان ان الفلسفة فى القرن الول للسلم‪ ،‬وكذلك رجال الدولة المشهورين جاءوا من‬
‫حران ومن الندلس ومن إيران‪ ،‬كما كان بينهم رهبان من خراسان ومن سوريا‪ .‬ل اود ان انكر‬
‫القيمة العالية للعلماء الفرس ول الدور الكبير الذى لعبوه فى العلم العربى ولكن إسمح لى بأن اذكر‬
‫‪ 60‬اوجة نظر القارئ الراغب فى الستزادة فى تلك الناحية الى كتاب الستاذ سليمان فياض بعنوان عمالقة العلوم‬

‫التطبيقية وانجازاتهم العلمية فى الحضارة السلمية ‪ ,‬الصادر عن الهيئة المصرية للكتاب ضمن مجموعة مكتبة‬

‫السرة فى عام ‪( .2001‬المترجم)‬

‫‪130‬‬

‫ان الحرانيين عرب‪ ،‬كما ان العرب لم يفقدوا قوميتهم عند احتللهم لسبانيا والندلس‪ ،‬وظلوا‬
‫عربا‪ .‬كانت اللغة العربية هى لغة اهل حران لعدة قرون قبل السلم‪ ،‬اما حقيقة انهم حافظوا على‬
‫عقيدتهم السابقة فل يعنى اعتبارهم اغرابا عن القومية العربية‪ .‬كذلك كان الوضع ايضا مع الرهبان‬
‫السوريين‪ ،‬فقد كان معظمهم من الغساسنة العرب الذين اعتنقوا المسيحية‪.‬‬
‫اما بالنسبة لبن باجه وابن رشد وابن طفيل والكندى‪ ،‬فل احد يستطيع القول بأنهم ليسوا عربا‬
‫بسبب مولدهم فى اراضى غير الجزيرة العربية‪ ...‬واذا صح الزعم بإنتماء كل الوروبيون الى‬
‫نفس القطيع‪ ،‬فمن العدل النظر الى السوريين والحرانيين ‪-‬وكلهما من اصل سامى واحد‪ -‬على‬
‫انهم ينتمون بحق الى العائلة العربية الكبيرة (مرجع ‪.)7‬‬
‫تجدر اضافة جزئية هامة هنا اغفلها الفغانى فى مقاله وهى ان لغة العلم كانت اللغة العربية بغض‬
‫النظر عن المكان الذى جاء منه العالِم‪ ،‬أما الكتابات الفارسية فكانت ‪-‬بشكل عام‪ -‬تحمل طابع‬
‫التقديم للعمال حيث كانت كل العمال الجادة بالعربية‪.‬‬
‫رد رينان على الفغانى ونُشر رده فى نفس الجريدة فى اليوم التالى كما أُعيد نشره من خلل‬
‫الكتاب الذى الفته كيتى عن الفغانى‪ .‬يقر رينان فى مجمل رده‪ ،‬بعدالة رأى الفغانى المبنى على‬
‫الحجج العقلنية المتوازنة‪ ،‬ويفوز الفغانى ببراعة فى هذه الجولة من الجدل على رينان‪ ،‬خاصة‬
‫وانه (الفغانى) لم ينكر إسهامات غير العرب اوغير المسلمين‪.‬‬
‫فى ظل الخلف المشهور الذى كان قائما بينهما تجدر الشارة الى توافقهما المدهش عندما تناول‬
‫مسألة اخرى _ سبق التعرض لها‪ -‬حول عرقلة المعتقدات الدينية للفكر الحر ومسيرة العلم‪.‬‬
‫هل كان العلم مقبول من مجتمع العصور الوسطى السلمية ؟‬
‫تقف على درجة كبيرة من الهمية مسألة استكشاف مدى تقبل المؤسسات فى مجتمع العصور‬
‫الوسطى السلمية للعلم العقلنى‪ ،‬ومدى استيعابة والمتزاج به ونقله‪ .‬حيث تتيح لنا تلك المور‬
‫التعرف على الحجم الذى شغله العلم كجزء من المجتمع‪.‬‬
‫فى البداية تجب الشارة الى ان العلم قد لعب ادوارا مختلفة تماما فى كل المجتمعات التقليدية بما‬
‫فى ذلك مجتمع القرون الوسطى المسيحية‪ .‬تعودنا فى زمننا المعاصر على النظر الى العلم ككيان‬
‫كبير يضم العديد من الخصائيين المتفرغين لداء مهام غاية فى التخصص‪ ،‬يتواصلون عادة بلغة‬
‫ل يفهمها احد من خارج مجال التخصص‪ .‬يَخلق هذا الكيان كما يُخلق بواسطة المؤسسات الكبيرة‬
‫فى المجتمع المعاصر‪ .‬كل المؤسسات القتصادية والجتماعية والسياسية نشأت وتطورت حول‬
‫المنجزات التكنولوجية الكبرى‪ ،‬كما يتم تعريف الحضارة الى حد بعيد بالعلم‪.‬‬

‫‪131‬‬

‫لم يكن المر كذلك فى الزمنة الولى من التاريخ‪ .‬من الملحظ ان جميع الحضارات السابقة بما‬
‫فيها الحضارة السلمية‪ ،‬اختلفت دوافعها لممارسة العلم‪ ،‬كما اختلفت اساليبها فى استخدامه عن‬
‫النمط الذى نمارسه اليوم‪ .‬بطبيعة الحال توجد بعض المساحات المشتركة‪ ،‬فكل من العلم القديم‬
‫والحديث يبدآن من خاصية بشرية واحدة‪ ،‬ال وهى غريزة حب الستطلع‪ .‬ظواهر كثيرة ادهشت‬
‫النسان منذ الزمنة الغابرة‪ ،‬مثل خواص الرقام الغريبة والخسوف وموجات المد والجذر‪،‬‬
‫والتساع الفائق للمجرات‪ ،‬وتعقيدات الجسم البشرى‪ .‬لشك ان الرغبة الملحة للمعرفة‪ ،‬بالضافة‬
‫لقدرة العقل البشرى على التحليل والتجريد كونا الركائز الساسية لكل العلوم‪ .‬وبما ان هذه القوة‬
‫المحركة كانت موجودة عبر العصور‪ ،‬وغذتها كل المجتمعات‪ ،‬فلبد وان يصح القول بأن العلم‬
‫موجود منذ وجود النسان ذاته‪.‬‬
‫من الملحظ عدم وجود علقة قوية بين العلم والتكنولوجيا فى الحضارات القديمة بما فيها‬
‫الحضارة السلمية‪ .‬يبدو ذلك واضحا من ندرة وجود مردود واضح للعلم القديم فى صورة ادخال‬
‫اى تحسين على اساليب الزراعة اوالمساكن اوالملبوسات اوحتى السلحة الحربية‪ .‬يرجع السبب‬
‫فى ذلك الى طبيعة التكنولوجيا التى كانت مستعملة آنذاك حيث كانت فى الساس تكنولوجيا‬
‫تجريبية مصممة لخدمة غرض معين وبل خلفية علمية راسخة‪ .‬اقتصر دور العلم الى حد بعيد‬
‫على مجرد تعلم الكتب ومناقشتها‪ ،‬دون البحث عن اختبارات قابلة للستعمال العملى‪ .‬يشير ذلك‪،‬‬
‫بالضافة الى امور اخرى‪ ،‬الى ان التقدير العميق لمكانيات العلم السلمى لم يكن متاحا فى اطار‬
‫الحضارة التى افرزته واحتضنته‪ .‬مما ل شك فيه ان تنظيم الجبر الذى انجزه الخوارزمى كان‬
‫رائعا فى حد ذاته كما اصبح علمة تاريخية من علمات الطريق الى الفكر التجريدى‪ .‬لكن‬
‫الستعمالت المحتملة لذلك العلم وتلك الرياضات لم تكن واضحة بأى شكل من الشكال فى ظل‬
‫تلك الفترة الجنينية للنمو الثقافى والمعرفى‪ .‬استمر المر على ذلك حتى مولد الحضارة الحديثة فى‬
‫اوروبا‪ ،‬حين تم الربط المباشر بين الرياضيات والتكنولوجيا‪ .‬اقرارا للحق فان التكنولوجيا الحديثة‬
‫اعتمدت فى بدايتها على العبقرية التجريبية‪ ،‬اما التكنولوجيا المبنية على اساس تطبيق العلم فلم تنشأ‬
‫حتى القرن التاسع عشر‪ .‬معظم الختراعات التجريبية سبقت تطور العلوم النظرية خلل القرنين‬
‫السابع عشر والثامن عشر‪ .‬على سبيل المثال جاءت اللة البخارية اول ثم تلها تطور علوم‬
‫الديناميكا الحرارية‪ .‬بناءا على ذلك لم يكن للعلم والرياضيات تطبيق مباشر على مجالت اهتمام‬
‫مجتمع العصور الوسطى السلمى‪ .‬كانت هناك بعض الستثناءات لكنها فى مجملها هامشية الى‬
‫حد بعيد‪ ،‬مثل ظهر الحتياج الى بعض الرياضيات الساسية فى بعض المجالت مثل المسائل‬
‫التجارية وحصر الراضى ورسم الخرائط‪ ،‬على ذلك تم ادخالها ضمن مناهج التعليم فى المدارس‪.‬‬

‫‪132‬‬

‫كذلك ظهرت الحاجة الى استعمال بعض الرياضيات لتحديد اتجاه القِبلة ( مكة ) من مختلف بقاع‬
‫الرض ولوضع الجداول الخاصة بتحديد مواعيد الصلة‪ ،‬إذ ان " المُؤقت " ( الرجل المنوط به‬
‫تحديد اوقات الصلة ) كان يلجأ احيانا الى حساب المثلثات والجبر لمعاونته فى مهمته‪ .‬توجد ايضا‬
‫بعض المثلة العابرة فى مجال الهندسة والحياة المدنية كما حدث عندما طلب الخليفة الحاكم من‬
‫ابن الهيثم اقامة السدود على نهر النيل للتحكم فى مياهه والقضاء على مشكلة الفيضان والتحاريق‪.‬‬
‫للسف باء هذا المشروع بالفشل بسبب عدم وجود تكنولوجيا مناسبة فى ذلك الوقت لنقل التربة‪.‬‬
‫مع الغاء الحتمال بأن تكون التكنولوجيا هى الدافع الساسى لنمو العلم فى مجتمع العصور‬
‫الوسطى السلمى‪ ،‬يبقى السؤال قائما عن الساب التى يمكن ارجاع ازدهار العلم اليها فى ظل‬
‫السلم‪.‬‬
‫يتمثل احد أهم السباب فى رعاية الخلفاء والمراء الذين فتنهم التعليم والعلم بدرجة تفوق التصور‪،‬‬
‫ولم يمكن تقدير مدى جديتها‪ ،‬حتى من قبل الفرنسين الرستوقراطيين فى عصر النهضة الوربية‪،‬‬
‫حيث تنافس الحكام فى استقطاب افضل العلماء وضمهم الى بلطهم‪ ،‬انضم الكندى الى بلط‬
‫الخليفة المأمون‪ ،‬وفخر الدين الرازى الى بلط السلطان محمد بن طقوش‪ ،‬وابن سينا كطبيب‬
‫لمراء كثيرين‪ ،‬وابن الهيثم كمستشار للحاكم وابن رشد فى رعاية المنصور‪...‬الخ‪.‬‬
‫ارتبط عمليا جميع العلماء فى ذلك الوقت بالبلط الحاكم‪ ،‬الذى اضفى عليهم الشهرة المهنية‬
‫والمكانة الجتماعية الرفيعة‪ ،‬كما هيأ لهم المكتبات والمراصد واخيرا ولعله اهم المور‪ ،‬أمدهم‬
‫بالرواتب المالية السخية‪ .‬إضافة الى ذلك كانت رعاية الخلفاء مهمة للغاية لبعاد مضايقات‬
‫المتطرفين الذين رأوا فى اعمال العلماء ضربا من البدع والزندقة‪ .‬يحق القول بأنه لم يكن ممكنا‬
‫ظهور العصر الذهبى للسلم دون تلك الحماية‪.‬‬
‫على جانب اخر كانت تلك الرعاية من اخطر نقاط الضعف فى تشكيل العلم السلمى حيث تدخلت‬
‫الميول الخاصة للرعاة‪ ،‬وحظ ومستقبل السللة الحاكمة حينها‪ ،‬ومكائد حياة البلط‪ .‬فعلى اساس كل‬
‫ذلك‪ ،‬تحددت توجهات تنمية التعليم ومصائر العلماء‪ .‬كان تغيير الحكام يمثل كارثة لحاشية وعلماء‬
‫البلط السابق‪ .‬على سبيل المثال‪ ،‬اضطر الكندى واقرانه من العلماء العقلنينين الذين ترعرعوا فى‬
‫بلط الخليفة المأمون الى الفرار للنجاة بحياتهم عندما تولى الخلفة من بعده الخليفة المحافظ‬
‫المتوكل‪ ،‬حيث أُغلقت كل المدارس ومجالس العلماء‪ ،‬كما أُدين الدب والعلم والفلسفة‪ ،‬وجرى‬
‫تعقب العقلنيين فى كل مكان بأوامر من بغداد‪ .‬يُذكر ان فرار العلماء لم يكن دائما بسبب خلفات‬
‫عقائدية‪ ،‬يبدو ذلك واضحا من تاريخ ابن سينا الذى يُظهر ان حياة الطبيب تتعلق بخيط رفيع‬
‫خاصة اذا اصيب احد افراد العائلة الحاكمة بمرض ل شفاء منه‪ .‬اما مسألة هروب ابن سينا‬

‫‪133‬‬

‫ممتطيا فرسه فى منتصف الليل متخفيا احيانا فى زى الدراويش‪ ،‬ثم رحلته متنقل من بلط الى‬
‫اخر‪ ،‬فتشبه رواية قصصية مليئة بالحداث المثيرة‪.‬‬
‫فى الخلصة يبدوان العلم وكل ما يتبعة من تعليم مدنى ظل قاصرا على الطبقة العليا المستنيرة فى‬
‫المجتمع السلمى ويبدو هذا الستنتاج معقول فى ظل ما يلى‪:‬‬
‫‪ -1‬كانت التطبيقات العملية المحتملة للعلم‪ ،‬بمعنى الساليب المبنية على السس‬
‫النظرية‪ ،‬قليلة جدا بحيث لم يكن لها اية مردود ذو قيمة على التكنولوجيا فى ذلك‬
‫الحين‪ .‬كذلك لم يخلق العلم اية مؤسسات لها قيمة اقتصادية‪ ،‬او ُيوَلد اية نشاط‬
‫اقتصادى محسوس‪ ،‬كما لم ينتج عنه اى تجمع لذوى الخبرة‪ .‬بالتالى لم تكن هناك‬
‫حاجة حقيقية لنتقاله الى الناس‪.‬‬
‫‪-2‬رغم ان الرعاية المكفولة من البلط تستحق كل الشادة‪ ،‬ال انها عنت ان‬
‫المهمة الساسية للعالِم كانت ارضاء راعية فى المقام الول‪ .‬حيث لم تكن‬
‫هناك قيمة ترجى من الناس العاديين‪.‬‬
‫‪-3‬لم يترك إبعاد العلوم العقلنية من مناهج التعليم فى المدارس التقليدية اية آلية‬
‫مؤسسية قادرة على نشر العلوم فى المجتمع‪.‬‬
‫‪-4‬حَوت كتابات الفلسفة العظام مثل الكندى وابن سينا والرازى وابن رشد الخ ازدراءا‬
‫مقرونا بالخوف من الجماهير الجاهلة‪ .‬حيث جرت عادة هؤلء الفلسفة على مناصرة‬
‫بعض الحقائق بطريقتين مختلفتين‪ ،‬تتناسب إحداهما مع ميول الجماهير فى حين‬
‫تتناسب الخرى مع ميول النخبة الحاكمة‪ .‬كان ذلك ضروريا للبقاء على انفسهم‪،‬‬
‫وتطبيقا محسوبا لمبادئ التُقية‪ ،‬حيث لم يكن من الصعب على المشايخ المتطرفين‬
‫استثارة الجماهير ضدهم‪ .‬لكنهم فى ذات الوقت كانوا مقتنعين بأن السلم يملى عليهم‬
‫دراسة العلم والفلسفة‪ .‬رغم ان هذا الرأى كان رأى القلية ال انه كانت له اهميته‬
‫الخاصة فى سياق ذلك المجتمع‪.‬‬
‫فى ظل ما سبق من مناقشات يصبح من المقبول استخلص ان العلم كان قائما على دوافع شخصية‬
‫للعلماء كأفراد‪ ،‬كما كان مدعوما بالنخبة الحاكمة المستنيرة‪ .‬اما الجماهير فكانت بعيدة تماما عن‬
‫ذلك الطار‪ .‬يبقى بعد ذلك اللغز المحير وراء بقاء هذه العلوم لما يقرب من الستمائة عام‪ ،‬وهى‬
‫فترة تزيد كما اشار سارتون عن بقاء اى من العلوم اليونانية او علوم القرون الوسطى المسيحية‬
‫اوحتى العلوم الحديثة‪ .‬اما كيف استطاع الفراد دعم استمرارية هذا العلم طوال هذه السنين فشئ‬
‫غير مفهوم حقا‪.‬‬

‫‪134‬‬

:‫المراجع‬

1- George Sarton, Introduction to the History of Science, Vol. 1, (New York, Krieger,
1975), p. 17.
2- Francis Ghiles, ' What is Wrong With Muslim Science' Nature, 24 March 1983.
3- For references, see S. H. Nasr, Islamic Science-An Illustrated Study, (Kent, World of
Islam Publishing Company, 1976), p. 81.
4- Javed Ansari, This is a Formula for Islamic Scientific Impotence', Arabia: The Islamic
World Review, London, 20 April 1983.
5- Ernest Renan, L'Islame et la science, (Paris, 1883),p.17, quoted in Nikkie R. Keddie,
An Islamic Response to Imperialism, (Berkeley University of California Press, 1983), p.
85.
6- A.I. Sabra,' Greek Science In Islam', History of Science, XXV, (1987), p.223.
7- Jamaluddin Afghani, 'Journal des Debats', May 18, 1883, quoted in Kiddie, op. cit. p.
185.

‫الفصـــل التاســـع‬
‫الصولية الدينية فى مواجهة علم المسـلمين‬

135

‫ليس التاريخ علما بأى حال من الحوال‪ ،‬فعلى عكس الفيزياء‪ ،‬التي تتحدد فيها النتائج‬
‫بمعرفة المعطيات والبيانات الولية‪ ،‬فى التاريخ مهما بلغ حجم المعلومات التاريخية السابقة‪ ،‬فل‬
‫يمكن التنبؤ‪ ،‬بأى قدر من التأكيد‪ ،‬بما يمكن حدوثه في المستقبل‪ .‬كما أن منهج السببية في التاريخ‬
‫محفوف بالمخاطر ( السببية هو العتقاد بأن لكل علة أو حدث سبب) حيث أن القاعدة الرئيسية‬
‫تفترض أن توفر السباب المتماثلة سيؤدى حتما لنفس النتائج (الحداث)‪ .‬من ناحية أخرى‪ ،‬ترتفع‬
‫بعض الصوات المنادية بعدم جدوى دراسة أسباب التاريخ‪ ،‬أو تفسيراته‪ ،‬وأنه ليس للتاريخ‬
‫دروسا‪ .‬يحتم القبول بهذا الرأى‪ ،‬لفظ كل التجارب النسانية المتراكمة‪ .‬كما يحتم إرجاع كل‬
‫الحداث ‪-‬صغرت أو كبرت‪ -‬إلي المشيئة اللهية‪ ،‬أو إهمالها تماما باعتبارها نوعا من أنواع‬
‫المصادفة‪ .‬بناءا على ذلك يصبح الماضي‪ ،‬بل والحاضر أيضا‪ ،‬بل ترابط‪ ،‬وبل معنى‪.‬‬
‫إذا أخذنا في العتبار حالة الضعف والنهيار التي حدثت للعلم أثناء الحضارة السلمية –‬
‫وخصوصا‪ ،‬فيما يمكن أن يكون له علقة بحالة العلم الحالية في السلم – فإن المرء يستطيع أن‬
‫يجزم أن هذه الحلقة التاريخية المحددة تقع خارج إطار التحليل والنقد‪ ،‬أو ببساطة شديدة هي تعبير‬
‫عن وحى إلهي مقدس‪ .‬إذا كانت تلك هي الحالة‪ ،‬فل جدوى من المزيد من المناقشة‪ .‬من ناحية‬
‫أخرى‪ ،‬قد يرغب المرء في البحث عن أسباب النهيار‪ ،‬واضعين في العتبار أنه من غير المتوقع‬
‫أن تتفق جميع الراء على أسباب معينة‪ .‬فمن المعروف أنه إذا طُرح سؤال محدد على مجموعة‬
‫من أساتذة التاريخ وطُلبت منهم إجابة‪ ،‬فسوف يقوم كل منهم بإلقاء شباكه في نفس بحر وقائع‬
‫التاريخ‪ ،‬ليخرج كل منهم بمنظومة مختلفة‪ ،‬سيتركز تفسير البعض حول العوامل الخارجية والهزائم‬
‫الحربية‪ ،‬مثل غزوات المغول‪ ،‬أو سلب بغداد أو الحروب الصليبية إلخ‪ ...‬أما وجة نظر الساتذة‬
‫الصوليين‪ .‬فالسباب ترجع في المقام الول لختفاء القيم السلمية‪.‬‬
‫بدل من إرجاع أسباب النهيار إلى سبب واحد‪ ،‬سأبدى ملحظة يبدو أن لها سندا قويا من‬
‫التاريخ‪ ،‬حيث تزامن انهيار العلم في الحضارة السلمية مع تصاعد التيارات الدينية المتكلسة‪،‬‬
‫التي أعاقت وجود المؤسسات المدنية واستمراريتها‪ .‬هذا ل يعنى تحديد رد الفعل الصولى ضد‬
‫العلم‪ ،‬كسبب منفرد‪ ،‬خاصة أنه ل يمكن استبعاد العناصر القتصادية و السياسية من المشكلة‪ .‬لكن‬
‫من المؤكد أنه بتعالي أصوات عدم السماحة‪ ،‬والتعصب العمى‪ ،‬تراجعت العلوم المدنية أكثر‬
‫فأكثر‪ .‬حتى انتهى العصر الذهبي للنبوغ السلمي في القرن الرابع عشر‪ ،‬وتحول صرح العلم‬
‫السلمي إلي أنقاض‪ ..‬ثم صارت الحضارة السلمية من حينها‪ ،‬وجودا لزجا متشبثا بماضيه‬
‫الذي كان يوما ما رائعا وجديدا‪.‬‬

‫‪136‬‬

‫يحتاج الوصول إلي جذور رد الفعل الصولى ضد العلم‪ ،‬إلى عودة سريعة إلى القرن‬
‫الول للسلم منذ ‪ 1300‬سنة‪.‬‬
‫أمدت ديانة السلم الجديدة العرب بهوية واحدة‪ ،‬ووعى جديد‪ ،‬ونظرة عالمية‪ ،‬متخطية‬
‫بذلك الفواصل القبلية والعرقية الضيقة‪ .‬استحوذ المسلمون في ظل الثورة الحضارية التالية‪ ،‬على‬
‫العديد من الكنوز الثقافية الخلبة من مختلف الحضارات القديمة‪ ،‬مثل الفلسفة والعلم اليونانيين‪،‬‬
‫والدب الفارسي‪ ،‬وعلوم الطب والرياضيات الهندية‪ ،‬بالضافة إلي بعض جوانب العلوم المصرية‬
‫والبابلية‪ ،‬ومنها ما لم يعلم به حتى اليونانيون أنفسهم‪ .‬عُرفت تلك العلوم‪ ،‬بعلوم ما قبل السلم‪ ،‬أو‬
‫علوم الوائل‪ ،‬واشتملت على كل ما كان متاحا من معرفة‪ ،‬في الطب والفلك والفلسفة والرياضيات‬
‫والعلوم الطبيعية ونظرية الموسيقى وعلوم السحر والتنجيم‪ .‬كان علم الوائل بمثابة مخزونا ضخما‬
‫للكنوز الثقافية‪ ،‬من ثم تمثل التحدى في القدرة على إستيعاب عناصر العلوم المدنية بواسطة العقيدة‬
‫السلمية‪ ،‬وقد تم هذا في وقت قصير بالفعل‪ .‬سارع العلماء المسلمون في البداية وهم في غمرة‬
‫نشوتهم من تمكنهم من اللغة اليونانية ومنطقهم القياسى‪ ،‬باستعمال ذلك في مجادلتهم الدينية‪ ،‬ظهر‬
‫اول تطبيق لذلك في الجدل الذي اشتعل بين أنصار حرية الرادة (القدرية) من ناحية وبين أنصار‬
‫فكرة أن كل شيء مقدر مسبقا ( مذهب الجبرية) من ناحية أخرى‪.‬‬
‫وقف المناصرون لمبدأ حرية الرادة في جانب‪ ،‬وهم الذين إستعملوا تفسيراتهم الخاصة‬
‫للنصوص المقدسة مدعومة بأسلوب أرسطو القياسى بخوض معركة الرادة الحرة للنسان وقدرتة‬
‫على الختيار‪ .‬قام جدلهم‪ ،‬مدعوما باليات القرآنية‪ ،‬على أساس أن النسان قادر على إختيار ما‬
‫يشاء من بين العديد من البدائل المتاحة له‪ .‬لم يكن لتلك المحاورة هدف دينى فقط‪ ،‬بل كانت لها‬
‫أبعاد سياسية أيضا‪ ،‬فالعتقاد بأن النسان مفطور على حرية الرادة والقدرة على الختيار قد‬
‫يعنى‪ ،‬بجانب أشياء أخرى‪ ،‬أن حكم الطغاة – وتعنى هنا حكم الخلفاء المويين – ل يجوز قبوله‬
‫كنوع من القدر‪ .‬كان ذلك في حد ذاته خطابا ثوريا‪ ،‬كما أنه أعطى مثل مبكرا واضحا عن‬
‫السلم‪ ،‬كأداة للعصيان والتمرد من أجل العدالة‪ .‬في الجانب الخر من الخلف وقفت ثلثة‬
‫قطاعات مذهبية‪ ،‬الجهمية‪ ،‬والنجارية‪ ،‬والزرارية‪ .‬معروفون في مجملهم بالجبرية‪ .‬آمن أنصار‬
‫الجبرية بأن كل حدث وتصرف فمرجعه إلى المشيئة اللهية‪ .‬حتى أن الغتيال القاسى للحسين في‬
‫معركة كربلء‪ ،‬كان بالنسبة لهم عمل مقدرا‪ ،‬وعلى ذلك تصبح التهامات الموجهة لقتلته غير ذات‬
‫معنى‪.‬‬
‫نظرا لن الختيارات أمام الحكام المويين‪ ،‬تلخصت في إحتمال خسارتهم لكل ما يملكون‪،‬‬
‫في مقابل لشيء يمكن كسبه من وراء ذلك الجدل المخرب‪ ،‬المنادى بحرية الرادة‪ ،‬فقد تكالبوا‬

‫‪137‬‬

‫بشدة ضد المنادين بالقدرية‪ ،‬فتم قطع رأس كبيرهم‪ ،‬معبد جهينه في عصر مروان بن عبد الملك‪.‬‬
‫كذلك تم إما تعذيب أو شنق عدد من المنادين بحرية الرادة‪ .‬لكن الخطاب ذاته لم يمكن إخماده‪ .‬فلم‬
‫يمض وقت طويل حتى تولدت حركة المعتزلة‪.‬‬
‫تمرد المعتزلة ضد الصولية ‪:‬‬
‫وقعت في شوارع البصرة وبغداد‪ ،‬خلفات دموية بين أنصار القدرية من ناحية وأنصار‬
‫الجبرية من ناحية أخرى‪ ،‬ظهرت المعتزلة من وسط تلك الخلفات كفرقة من العلماء العقلنيين‬
‫التحليليين‪ ،‬كان تأثير هذه الحركة قويا على الفكر والمجتمع السلمي‪ ،‬وترددت أصداؤها عبر‬
‫القرون (مرجع ‪ ،) 1‬حتى أن كل من الخليفة المأمون‪ ،‬والمعتصم‪ ،‬تبنوا افكارها‪ ،‬وإعتبروها بمثابة‬
‫الخطاب الرسمى للدولة‪ .‬كذلك لعبت تلك الفكار دورها المحورى في تشكيل فكر الصلحيين‬
‫المسلمين في زمن إنتشارهم في أوروبا‪ ،‬كما ان آثارها مازالت محسوسة في فكر مسلمى اليوم من‬
‫أنصار الحداثة‪.‬‬
‫يرجع الفضل في تأسيس مذهب المعتزلة‪ ،‬في أوائل القرن الثامن‪ ،‬إلى واصل بن عطاء‪،‬‬
‫احد تلميذ المام حسن البصرى‪ .‬إختلفت أراء بن عطاء عن الفكار المستقرة حينها‪ ،‬مما إضطره‬
‫إلى النشقاق وتأسيس مدرسته الخاصة‪ .‬في البداية‪ ،‬لم تأخذ الحركة شكل مذهب منفصل‪ ،‬حيث‬
‫ضمت بين أنصارها عناصر من الشيعة‪ ،‬كما ضمت عناصر من أنصار السنة‪ .‬إل أنها إكتسبت‬
‫صفات المذهب مع تطورها بعد ذلك‪ .‬بحث المعتزلة في مواجهتهم مع الجبرية الصولية المتزمتة‪،‬‬
‫عن صيغة للتوفيق بين اليمان والمنطق‪ .‬أفرز مزج العقيدة السلمية مع العقلنية اليونانية‪ ،‬علما‬
‫عقائديا‪ ،‬سمى بـ "علم الكلم"‪ ،‬الذي ساد الفكر السلمي لعدة قرون بعد ذلك‪ ،‬كما شكل الساس‬
‫الذي قامت عليه المدرسة السلمية‪ .‬كان الفكر العقائدى المدرسى في بدايته‪ ،‬من أهم وسائل دعم‬
‫العقيدة السلمية‪ ،‬والدفاع عنها بالمجادلت العقلنية‪ ،‬خاصة في مواجهة أنصار المادية والمانوية‬

‫‪61‬‬

‫المذهب المانوى (‪.)Manicheanism‬‬
‫خرج المعتزلة من بحثهم عن أسانيد عقلنية وفلسفية للعقيدة السلمية‪ ،‬بجدليات مؤسسة‬
‫على القيم والمنطق‪ ،‬مستعينين في ذلك باليات القرآنية المناسبة‪ .‬توصلوا في بعض الحيان‪ ،‬إلى‬
‫إستنتاجات غريبة لم تكن مألوفة من قبل‪ ،‬مما جعل الصوليين ينظرون إليها كنوع من الهرطقة من‬
‫بين هذه المعتقدات نذكر ما يلى ‪:‬‬
‫‪ 61‬المانوية‪ :‬ديانة قديمة تابعة لمؤسسها "مانى" الذى ظهر فى القرن الثالث الميلدى فى غرب فارس وكان يهدف‬
‫الى توحيد الديان الكبرى آنذاك‪ .‬وكان لتباعه الفضل فى المحافظة على بعض العمال المسيحية الهامة‪ .‬آمن‬
‫بوجود إله للخير وآخر للشر‪( .‬المترجم)‬

‫‪138‬‬

‫•من المور التي شغلت المعتزلة الى حد بعيد‪ ،‬كانت مسألة الرادة الحرة للنسان‪ .‬إنصب‬
‫إهتمامهم على المأزق الخلقى الناجم من التأكيد على أن ال تعمد خداع المخطئين‪،‬‬
‫بتقريره المسبق بأفعالهم السيئة‪ ،‬ثم إرساله إياهم بعد ذلك إلى جهنم بسبب خطاياهم‪.‬‬
‫فتساءلوا كيف يمكن لله يتصف بأنه رحمن رحيم‪ ،‬أن يعاقب الناس على أفعال‪ ،‬أمرهم هو‬
‫بفعلها ؟‪ .‬قادهم العتقاد بأن مبدأ الجبرية ما هو إل تشويه للعدالة اللهية‪ ،‬إلى النعام على‬
‫أنفسهم بلقب ‪ :‬أبطال العدالة اللهية‪ .‬إقتضى تحليلهم لمسألة الخطيئة والعقاب‪ ،‬النظر إلى‬
‫الله على أنه واضع للقوانين‪ ،‬وليس كملك لسلطة استبدادية منقطعة النظير‪ .‬كذلك رأوا أنه‬
‫حتى يكون للحاكم اللهى معنى‪ ،‬فقد أعطى ال للناس الحرية الكاملة غير المقيدة‬
‫للختيار‪ .‬رأى الصوليون في تلك الفكار نوعا من الوثنية‪ ،‬إذ كيف يتسنى للنسان أن‬
‫يكون صاحب القرار بشأن أفعاله‪ ،‬بدون أن يكون هو نفسه خالقا وإلها‪.‬‬
‫•رفضت المعتزلة النظرة الشائعة في ذلك الوقت‪ ،‬التي شبهت ال بالنسان فقالوا في ذلك ‪:‬‬
‫"إنه ( ال) ليس بجسد‪ ،‬ول بشيء ول حجم‪ ،‬ول شكل‪ ،‬ل لحم ول دم‪ ،‬ول شخص ول‬
‫مادة‪ ....‬ل تدركه الحواس‪ ،‬ول يستطيع أحد أن يصفه بأى شكل من القياس‪ ....‬ل تراه‬
‫عين ول تدركه البصار‪( .‬مرجع ‪) 2‬‬
‫تناقضت تلك الراء مع أراء معارضيهم بقيادة أبو الحسن الشعرى ( ‪Abu-Al-Hasan Al-‬‬
‫‪ ،)Ashari‬الذي إنتمى قبل ذلك إلى العقلنيين‪ ،‬ثم إنقلب عليهم وعلى هرطقات معلميه‪ .‬يصر‬
‫الشعرى على التمسك بحرفية النص وبتجسيد صورة الله‪ ،‬وهو الموقف الذي اتفقت حوله‬
‫آراء الصوليين السنيين‪ .‬كتب الشعرى ما معناه ‪ " :‬نحن نقر بأن ال يجلس مستقرا على‬
‫عرشه‪ ....‬نحن نقر أن ل يدين‪ ،‬دون أن نسأل كيف‪ ....‬نحن نقر أن ل عينين دون أن نسأل‬
‫كيف‪ ...‬نحن نقر أن ل وجه‪ ...‬نحن نؤكد السمع والرؤية" (مرجع ‪.) 3‬‬
‫بناءا على رفض هذه الصفات مع التأكيد على وجود ذات ال‪ ،‬تم إتهام المعتزلة‬
‫بتفريغ الذات اللهية من محتواها‪ ،‬مما يجعل فهمه وعبادته أمرا صعبا على الناس‪.‬‬
‫•إرتاب المعتزلة في صحة الحاديث والسنة لشكهم في صحة إعتماديتها فلم يستعملوها‬
‫كثيرا‪ .‬كذلك قالوا بأن أهمية العقل ل تقل عن أهمية الوحى‪ ،‬ثم إبتدعوا أسلوبا لغويا معقدا‬
‫لتأويل القرآن‪ ،‬لشرح بعض النقاط التي يبدو ظاهرها منافيا للمنطق‪ .‬لم تلق هذه الراء‬
‫قبول من الكثيرين ممن حولهم‪ ،‬فاتهموهم بالتجريف والضلل‪ ،‬إل أن ذلك بدا قليل امام‬
‫تأكيد المعتزلة أن القرآن ليس أزليا‪ ،‬إنما خلقه ال ( قضية خلق القرآن)‪ .‬ساقوا في سبيل‬
‫إثبات ذلك العديد من المبررات‪ ،‬فقالوا على سبيل المثال أن القرآن إن لم يكن مخلوقا‪ ،‬إذا‬

‫‪139‬‬

‫يتحتم كونه إله آخر‪ ،‬مما يتنافى مع وحدانية الله‪ .‬من ضمن ما جادلوا به ايضا‪ ،‬اشارتهم‬
‫الى احتواء القرآن على حوارات موسى‪ ،‬لكن موسى كان مخلوقا مؤقتا‪ ،‬على ذلك ل يجوز‬
‫إعتباره أزليا‪.‬‬
‫لم يكن هناك منافس حقيقى للمعتزلة في زمنها الول‪ ،‬قبل أن يستوعب الصوليون قوة المنطق‬
‫القياسى‪ .‬من ثم إنتشرت مبادئهم في بلط النبلء حتى دخلت الندلس‪ .‬مما يذكر أن الخليفة‬
‫المنصور‪ ،‬أيد الحركة‪ ،‬دون التزامه شخصيا بها‪ ،‬لكن فرضت مبادئ المعتزلة نفسها على‬
‫الخطاب الرسمى للدولة في زمن حكم المأمون والمعتصم‪ .‬مما ل شك فيه أن الخليفة المأمون‬
‫كان أبرز راع للفلسفة والعلم في تاريخ السلم‪ ،‬حيث أنشأ بيت الحكمة‪ ،‬وجعل منه علمة‬
‫مميزة في التاريخ‪ .‬أرسل المأمون ببعثاته في شتى الرجاء‪ ،‬حتى إلى بيزنطة‪ ،‬للحصول على‬
‫مخطوطات العلم والفلسفة‪ ،‬ليجعل من بيت الحكمة مؤسسة رسمية ومكتبة موسوعية للبحث‬
‫والترجمة‪.‬‬
‫أصبحت تعاليم العقلنية من المظاهر البارزة للثقافة‪ ،‬دارت حولها الخطب في المساجد‪ ،‬كما‬
‫دخلت مناهج المدارس‪ .‬قبلتها الطبقات المؤثرة والطبقات المثقفة في المجتمع – المراء ورجال‬
‫الحاشية والقضاة والساتذة والطباء والتجار‪ -‬كعقيدتهم الساسية‪ .‬حدث تقدم غير عادى في‬
‫العلوم المدنية في ظل حكم المعتزلة‪ ،‬حيث اعلن معظم الساتذة الكبار والعلماء إما عن تحالفهم‬
‫الصريح مع العقلنية‪ ،‬أو تأثرهم الشديد بها‪.‬‬
‫جدير بالذكر أن مذهب المعتزلة كان حركة ثورية من داخل السلم‪ ،‬ل من خارجه‪ ،‬ول‬
‫ضده‪ ،‬إل أنه هزم في النهاية‪ ،‬ونُبذ من المسار الرنيسي للعقيدة‪ .‬هنا يبرز السؤال الهام‪ ،‬لماذا حدث‬
‫ذلك ؟ من الجائز أن المعتزلة‪ ،‬بضمها لكل من أنصار الشيعة والسنة إضافة إلي استنادهم الى‬
‫المنطق المرتب‪ ،‬حملوا عناصر القدرة على إنهاء ممارسة تلفيق العقيدة الذي نشأ واستمر بعد‬
‫عصر الخلفاء الراشدين‪ .‬من الجائز ايضا العتقاد بأنه كان يمكن للمعتزلة أن يقدموا أساسا عقلنيا‬
‫للعقيدة‪ ،‬على أية حال‪ ،‬فقد تم في النهاية رفضهم ونبذهم لسببين رئيسيين‪:‬‬
‫السبب الول‪ ،‬أن الوصول الى السلطة مهد الطريق أمام المعتزلة للفساد وممارسة القهر‪ .‬حيث أن‬
‫مضمون ممارسة الديمقراطية لم يكن موجودا في مجتمع تُؤخذ فيه سلطة الخلفة الحاكمة إما‬
‫بالتآمر وإما بالنتصار الحربى‪ ،‬وكانت ممارسة القهر والقمع حسب أهواء الحاكم‪ ،‬من بين الوسائل‬
‫الطبيعية للسلطة الحاكمة‪ .‬على ذلك إستعمل الخلفاء من المعتزلة نفس الوسائل بحرية تامة‪ ،‬يبدو‬
‫ذلك واضحا من اضطهاد المأمون لى من القائمين على القضاء او الفتاء‪ ،‬أو الفقهاء الذين‬

‫‪140‬‬

‫رفضوا التسليم بخلق القرآن‪ .‬مما أسفر عن انشاء دواوين خاصة‪ ،‬مثل محاكم التفتيش‪ ،‬للتعامل مع‬
‫من يشتبه في ولئهم للمذهب‪.‬‬
‫جاء العتراض على المعتزلة من بعض المحافظين مثل المام أحمد بن حنبل‪ ،‬الذي كان‬
‫من بين الذين عُذبوا بتهمة خروجهم عن العقيدة حتى إستشهد في النهاية‪ .‬كان بن حنبل من‬
‫المتمسكين بحرفية النص‪ ،‬فيُذكر قوله ما معناه "من الخطأ مناقشة أى شيء مما لم يناقشه الرسول"‬
‫‪ ،‬وقد تمسك بهذا الرأى حتى النهاية‪ .‬يعتبر إبن حنبل من الرموز الموقرة بين المحافظين‪ ،‬لثباته‬
‫على رأيه ورفضه النحناء أمام مذهب خلق القرآن‪ .‬ل ينظر كل المسلمين إلي بن حنبل كبطل أو‬
‫قديس‪ ،‬فعلى سبيل المثال‪ ،‬يتخذ الستاذ أمير على في القرن التاسع عشر – وهو من أنصار الحداثة‬
‫– موقفا آخر‪ ،‬فينتقد إبن حنبل وغيره من المتطرفين‪ ،‬و يتخذ من تجاوزات المعتزلة وسيلة‬
‫لستمالة جماهير المسلمين البسيطة وتحريكها لقتال العقلنية‪:‬‬
‫"ظهر المام بن حنبل في هذا الوقت‪ ،‬ثائرا متزمتا‪ ،‬نافثا الجحيم على كل من يختلف معه‬
‫في الرأى‪ ...‬شجب التعليم والعلم‪ .‬كما أعلن الحرب المقدسة ضد العقلنية‪ .‬استجابت الجماهير‬
‫لبلغته‪ ،‬أو لشدته‪ ...‬تفجرت المنابر وصبت نيرانها على المؤمنين بالعقلنية ودعاة الفلسفة والعلم‪.‬‬
‫تحولت شوارع بغداد إلى مسرح للمظاهرات والعنف وإسالة الدماء" (مرجع ‪.)4‬‬
‫من الجائز إرجاع سبب فشل العقلنيين للتغلغل في أعماق المجتمع السلمي‪ ،‬إلى التعاطف‬
‫الشديد بين معارضيهم‪ .‬على أية حال‪ ،‬يقال أن حجم المشيعين لجنازة بن حنبل تجاوز الـ‬
‫‪ 150.000‬شخص‪ ،‬وهو رقم ضخم جدا بالنسبة لذلك الوقت‪.‬‬
‫هناك سبب آخر‪ ،‬قد يكون اكثر أهمية‪ ،‬في فشل بقاء العقلنية‪ ،‬التى أعطت الولوية للمنطق على‬
‫الوحى مع التأكيد على عدم تعارضهما‪ .‬أدى ذلك في بعض الحيان إلى خلق تحديات غير محتملة‪.‬‬
‫يبدو ذلك كأوضح ما يكون في مسألة خلق القرآن‪ ،‬حيث شكلت العقلنية تهديدا جوهريا للعقيدة‬
‫الدينية السائدة‪ ،‬وحسب رأى ا‪.‬ج‪ .‬أربيرى ( ‪ " :) A.J. Arberry‬كان ل بد من الحفاظ على مبدأ‬
‫العجاز الذي ل يضاهى للقرآن‪ ،‬بأى ثمن‪ ،‬وإل رضخ الوحى لعمال المنطق‪ .‬تتضح الخطورة‬
‫الكبيرة‪ ،‬الكامنة في السماح بقبول فكرة خلق القرآن‪ ،‬من إحتمال ذهاب أتباع الفلطونية الحديثة (‬
‫‪ ،) Neoplatonist‬إلي القول بأن كلمة ال‪ ،‬كما أوحى بها‪ ،‬تشترك مع كل الشياء المخلوقة في‬
‫عدم كما لها "‪.‬‬
‫بدأت التصفية المادية الجادة للمعتزلة‪ ،‬بالضافة الي الشيعة‪ ،‬بتولى المتوكل للخلفة‪ ،‬كان‬
‫المتوكل من السنيين المحافظين‪ ،‬وكان كما وصفه أمير على "كان سكيرا فظا‪ ،‬متحالفا مع القضاة‬
‫والفقهاء"‪ .‬من ثم تم إبعادهم من جميع المناصب الحكومية كما تم إتهامهم بالهرطقة كما تعرضوا‬

‫‪141‬‬

‫للتعذيب والبادة الجماعية‪ .‬فر الساتذة والعلماء من بغداد نظرا لن معظمهم كانوا من العقلنيين‪.‬‬
‫وهكذا إنتهت أكبر محاولة في السلم للتوفيق بين الوحى والمنطق‪ .‬بإستثناء بعض المحاولت‬
‫الفردية في القرن التاسع عشر‪ ،‬على أيدى دعاة الصلح في السلم‪ ،‬فقد تم الفصل الكامل بين ما‬
‫هو دينى‪ ،‬وما هو مدنى (علمانى) منذ ذلك الحين‪.‬‬
‫الصـولية تــرد الهجـوم‬
‫يبدو واضحا أن الفكر العقلنى والميول المدنية ذات الجذور اليونانية‪ ،‬التي أشعلت جذوة‬
‫العلم والتعليم في المراحل الولى للسلم‪ ،‬قوبل بالمعارضة والتحدى في نهاية المر‪ .‬لم يمض‬
‫وقت طويل‪ ،‬حتى ساوت الصولية بين "علوم الوائل" والزندقة‪ ،‬كما أدينت الفلسفة‪ .‬من البديهى أن‬
‫ذلك لم يكن الحال في جميع الفترات‪ ،‬بدليل إستيعاب الحضارة السلمية في بدايتها لكل العلوم‬
‫المدنية‪ ،‬وإل لما ولد العلم السلمى من الساس‪ .‬لكن اشتدت الميول المعارضة للتعاليم المدنية‬
‫تدريجيا‪ ،‬حتى إكتمل القضاء على نفوذ وتأثير حركة المعتزلة في القرن الثانى عشر‪ ،‬على أيدى‬
‫المدارس الفكرية المحافظة والمعارضة للعقلنية‪ .‬كان ذلك قاسيا‪ ،‬حتى أصبح ينظر إلي الشعرى‪،‬‬
‫على أنه معتدل إلى حد بعيد إذا ما قورن بإبن حنبل‪ ،‬ثم جاء الوهابيون الذين لم يسمحوا باى قدر‬
‫من التأمل والتفكر‪ .‬تعتبر الدراسة التي أجراها إجناز جولدزايهر (‪)Ignaz Goldziher ) (1916‬‬
‫المسلم‪ ،‬المجرى الصل‪ ،‬من أهم الدراسات الشاملة حول موقف الصولية الدينية من علوم الوائل‪.‬‬
‫حيث استمد مادته من مختلف المراجع العربية الصلية‪ ،‬كما غطى مساحة كبيرة في تاريخ‬
‫السلم‪ ،‬ووثق للخصومة الشديدة بين الصولية والعلوم الفلسفية‪ .‬هذا وقد ترجمت أعماله حديثا من‬
‫اللغة اللمانية إلي اللغة النجليزية‪ .‬يشير جولدزايهر الى الهتمام البالغ بعلوم الوائل فى الوساط‬
‫السلمية وبين الخلفاء العباسيين‪ ،‬إل أن الصولية كانت دائما تنظر بعين الرتياب إلى" هؤلء‬
‫الذين يتركون علم الشافعي ومالك‪ ،‬ويرفعون من رأى إمبيدوكليس ‪ )Empedocles (62‬إلي‬
‫مستوى القانون فى السلم"(مرجع ‪ .)6‬مع نمو نفوذ تلك الصولية القليلة‪ ،‬إزدادت شدة الرتياب‪،‬‬
‫التى انعكست على نواحى متعددة ‪:‬‬
‫•كثيرا ما يشار إلى علوم الوائل بوصفها بـ "العلوم المهجورة" من قبل الساتذة‬
‫الصوليون كما وصفوها بأنها "حكمة مشوبة بالكفر"‪ ،‬مما دعا إبراهيم بن موسي المتوفى‬
‫‪ 62‬إمبيدوكليس ‪( Empedocles‬المتوفى ‪ 433‬قبل الميلد تقريبا) فيلسوف يونانى سابق لسقراط‪ ،‬أفترض أن‬
‫عناصر الوجود أربعة‪ ،‬النار والماء والرض والهواء‪ ،‬وأشار بأن الهواء مادة وليس فراغا يرتبطون ببعض أو‬
‫ينفصلون بناءا على أساس قوتين متنافرتين‪ ،‬القابلية والتنافر‪ ،‬عاش فى صقلية ورفض تولى الحكم بها‪.‬‬
‫(المترجم)‬

‫‪142‬‬

‫‪ 1398‬السبانى الصل إلي استخلص " يَعتبر الفقهاء الصوليون أن لتلك العلوم قيمة فقط‬
‫فيما يرونه مهما أو مفيدا لممارسة العقيدة‪ .‬كل ما عدا ذلك فبل قيمة‪ ،‬ويذهب بالناس بعيدا‬
‫عن الصراط المستقيم‪ .‬كذلك ينظر ابن تيمية‪ ،‬الحنبلى‪ ،‬إلي العلم بمعنى المعرفة المستمدة‬
‫من الرسول‪ ،‬وكل ما عدا ذلك فل قيمة له‪ ،‬ول يجوز إعتباره علما من الساس‪ ،‬بالرغم‬
‫من تسميته بذلك السم‪( .‬مرجع ‪.)7‬‬
‫•بعد أن يُسهب الذهبى‪ ،‬وهو من الحنابلة فى مديح بعض الساتذة‪ ،‬يضيف هذه العبارة‬
‫الحزينة‪ " :‬ليته أحجم عن إستعمال علم الوائل فهى ل تنتج شيئا غير السقم وفساد أمور‬
‫الدين‪ ،‬عدد قليل جدا ممن استعملوها استطاعوا تجنب هذا المصير" (مرجع ‪)8‬‬
‫•تشكك الصوليون بشدة فيمن لوثوا أنفسهم بالفلسفة ومناقشة علوم الوائل‪ .‬لذلك كان‬
‫سرورهم بالغا عندما وافت المنية أحد فلسفة الشيعة‪ ،‬هو حسن بن محمد بن نجا العربى‪،‬‬
‫المتوفى (‪ )1268‬فأعلن تخليه عن أخطاء الفلسفة وأدار ظهره لمعلميه الذين وضع ثقته‬
‫فيهم طوال حياته‪ .‬كان رجل ضريرا‪ ،‬يجتمع المسلمون وأهل الكتاب والفلسفة فى منزله‬
‫بدمشق لسماع دروسه ‪-‬ذكروا بلهجة المنتصر‪ -‬أن آخر ما تفوه به قبل وفاته كان " صدق‬
‫ال العظيم‪ ،‬وكذب إبن سينا"‪.‬‬
‫•فُرض القسم على كل الكتبة والنساخ فى عام ‪ 885‬فى بغداد بأل ينسخوا شيئا من كتب‬
‫الفلسفة‪ .‬يشير الطيباوى (مرجع ‪ ، )Tibawi ( )10‬أنه بالرغم من أن العرب أدخلوا‬
‫الورق إلي أوروبا‪ ،‬إل أنهم تجنبوا استخدامه فى طباعة الكتب لمدة حوالى ثلثة قرون‪.‬‬
‫حيث صورت لهم الوساوس أن نسخ لفظ ال بطريقة آلية‪ ،‬يشوبه الكثير من عدم الحترام‪.‬‬
‫•عقد أعداء عبد السلم الحفيد الكبر للمام إبن حنبل‪ ،‬العزم على تدميره لهتمامه بالفلسفة‪.‬‬
‫وفى أثناء تفتيش بيته‪ ،‬وجدوا بعض أعمال الفلسفة مثل رسائل اخوان الصـفا‪ ،‬إلى جانب‬
‫بعض كتب السحر والفلك‪ ،‬وعبادة النجوم‪ ،‬وكتب أخرى تحتوى على صلوات موجهة‬
‫للكواكب إلخ‪ ،‬وكلها بخط يده‪ .‬فما كان منه إل أن قدم إعتذاره الضعيف بأنه ل يؤمن بهذه‬
‫الشياء وإنما نسخها ليفندها‪ .‬مثل أمام القضاة والفقهاء‪ ،‬حيث نصبت محرقة جنائزية فى‬
‫الساحة الرئيسية أمام مسجد الخليفة‪ .‬ألقيت كتبه فى النار من منصة بالمسجد‪ ،‬حيث جلس‬
‫وجهاء القوم المثقفون‪ .‬حدث هذا بمرآة من الحشد الذى إجتمع فى ساحة المسجد‪ ،‬ثم وقف‬
‫رجل‪ ،‬ليقرأ بعض المقتطفات من الكتب‪ ،‬ثم يأمر في حضور عبد السلم‪ ،‬بلعنة من كتبها‪،‬‬
‫ومن آمن بما جاء فيها‪ .‬إستجابت الجماهير للنداء‪ ،‬وإمتدت اللعنات لتنال من الشيخ عبد‬
‫القادر وحتى المام احمد بن حنبل ذاته‪ .‬لعتبار الزنديق المتهم من تلميذهم ثم أُلقى بعض‬

‫‪143‬‬

‫الشعر الساخر من عبادة النجوم‪ ،‬تل ذلك إعلن الحكم على عبد السلم بالزندقة‪ ،‬ونزعت‬
‫عمامته تحقيرا له‪ ،‬وأما مدرسة عبد القادر‪ ،‬التى كان يقوم بالتدريس بها‪ ،‬فأوكلت إلي إبن‬
‫الجوزى‪ .‬فى النهاية وبعد إطلق سراحه من السجن‪ ،‬أقر عبد السلم‪ ،‬إقرارا إسلميا‬
‫مناسبا وتبرأ من أخطائه السابقة‪( .‬مرجع ‪)11‬‬
‫•أقلقت الهندسة عقول الصوليون‪ ،‬بإعتبارها من تخصصات علوم الوائل‪ ،‬كما أزعجتهم‬
‫الشكال الهندسية بصفة خاصة‪ .‬فى إحدى الحالت الموثقة‪ ،‬أُدين شخص بالهرطقة لقتنائه‬
‫كتابا يحتوى على بعض الرسوم الهندسية‪ .‬وكذا هناك حالة ذلك المتطرف الذى اصابه‬
‫الرعب من كتب الفلك لبن الهيثم‪ ،‬التى رأى فيها نوعا من الغراءات المخجلة‪ ،‬ونكبة ل‬
‫توصف‪ ،‬وفاجعة تُذهب البصر‪( .‬مرجع ‪)12‬‬
‫إضافة إلى ذلك‪ ،‬كانت الطبيعة التجريدية للرياضيات‪ ،‬مصدر إستفزاز للعقلية الصولية‪ .‬يبدو‬
‫ذلك من إمتعاض أبو الحسين إبن فارس ( ‪ ،)Abul Husayn Ibn Faris‬مؤلف القواميس‪،‬‬
‫من التجريد وإدانته لهؤلء الناس من غير العرب‪ " :‬الذين يدعون فهمهم لساسيات طبيعة‬
‫الشياء من خلل إستعمال الرقام والخطوط والنقاط‪ ،‬التي ل أرى لها أي علقة‪ .‬في الواقع‬
‫هم يُضعفون اليمان ويتسببون في حالت‪ ،‬ندعو ال أن يقينا منها" (مرجع ‪)13‬‬
‫•لم تكن الصولية أبدا في إتفاق مع علوم الفلك‪ ،‬حتى ولو ان بعض جوانبها‪ ،‬كان مهما‬
‫لتحديد مواعيد الصلة وإتجاه القبلة‪ .‬رأت الصولية أن بعض فرضيات علم الفلك متجاوزة‬
‫لكل الحدود‪ ،‬مثل تقرير أحد الرحالة‪ ،‬الذى وصل إلي السلطان الصولى‪ ،‬خوارزم شاه‪،‬‬
‫عن وجود بلد تطلع فيها الشمس فى منتصف الليل‪ ،‬فأعتبر التقرير بمثابة هرطقة كاملة (‬
‫إلحاد وقرمطة)‪ ،‬إذ كان من شأن ذلك أن يضع القواعد التى تحدد مواعيد الصلة‪ ،‬موضع‬
‫تساؤل‪ .‬ولول وجود البيرونى‪ ،‬الذى عاش فى ذلك العصر فى بلط السلطان‪ ،‬لما كان‬
‫لحد أن يقنع السلطان بمدى دقة تقرير الرحالة المذكور‪( .‬مرجع ‪)14‬‬
‫•يقف مثل أبو معشر البلخى‪ 63‬المشار إليه كثيرا‪ ،‬كدليل على التأثيرات السيئة لعلم الفلك‬
‫والتنجيم‪ .‬فهذا المنجم المشهور‪ ،‬الذى كان فى صباه متدينا ورعا‪ .‬تصادف أن كان فى‬
‫طريقه من خوراسان إلى مكه‪ ،‬حيث شاءت الصدفة أن يزور مكتبة الوزيرالمعروف باسم‬
‫الوزيرالـ" منجم" (‪، ) Munajgeim‬هناك‪ " :‬شغلته مسائل التنجيم ( وعلم الفلك بالتأكيد)‬
‫‪ 63‬جعفر إبن محمد أبو معشر البلخى (‪ )886-787‬فارسى ورياضى من مدينة البلخ‪ ،‬وهى مدينة صغيرة فى‬
‫مقاطعة البلخ فى أفغانستان‪ ،‬تبعد حوالى ‪ 20‬كيلو متر شمال غرب مزار الشريف‪ .‬تُرجمت أعماله الى اللتينية‬
‫مثل كتاب المدخل الكبير إلى علم احكام النجوم"‪(.‬المترجم)‬

‫‪144‬‬

‫إلي حد أنه أصبح من الهراطقة‪ ،‬وكان فى هذا نهاية رحلة الحج بالنسبة له‪ ،‬وكذلك نهاية‬
‫السلم كعقيدة " (مرجع ‪)15‬‬
‫•عندما سئل إبن الصلح (المتوفى ‪ )1251‬عن مدى السماح بدراسة أو تدريس الفلسفة‬
‫والمنطق‪ ،‬أصدر الفتوى التى يصف فيها الفلسفة بأنها‪" :‬مؤسسة الحماقة‪ ،‬وسبب كل الخلط‪،‬‬
‫وكل الخطاء‪ ،‬وكل الهرطقة‪ .‬فالشخص الذى يشغل نفسه بها ‪-‬وهى مدعومة بالبراهين‬
‫البراقة‪ -‬يصبح كأعمى اللوان‪ ،‬فل يرى جمال قانون العقيدة‪ .‬أما فيما يتعلق بالمنطق‪ ،‬فهو‬
‫وسيلة للوصول إلي الفلسفة‪ .‬على ذلك‪ ،‬فإن الوسائل المؤدية الي شيء فاسد‪ ،‬فهى أيضا‬
‫فاسدة‪ ...‬على كل من يحاول أن يبرهن على تتبع تعاليم الفلسفة‪ ،‬أن يواجه أحد الحتمالين‬
‫"فإما القتل بالسيف‪ ،‬أو التحول إلي السلم‪ ،‬ذلك حتى يمكن حماية الرض واستئصال آثار‬
‫هؤلء الناس وعلومهم"‪( .‬مرجع ‪.)16‬‬
‫•صرح تاج الدين السبكى ( المتوفى ‪ )1271‬وهو من أعلم المذهب الشافعي‪ ،‬بأنه يجوز‬
‫التعامل مع المنطق بشرط التمكن أول من علوم الدين حتى يصل الدارس إلي مرتبة الفقيه‬
‫أو المفتى‪ .‬أما بالنسبة لمن لم يصل بدراساته إلى هذه المرتبة‪ ،‬فل بد من إعتبار دراسة‬
‫المنطق من باب المحرمات‪( .‬مرجع ‪)17‬‬
‫•كثيرا ما يلجأ المسلمون من أنصار الحداثة‪ ،‬إلي الشارة إلي الصولية كأهم أسباب‬
‫النهيار‪ ،‬ففى رده على رينان‪ ،‬يقول جمال الدين الفغانى‪ " :‬يقول السيوطى‪ ،‬أن الخليفة‬
‫الهادى قام بقتل خمسة آلف من الفلسفة حتى يجتث العلوم من أساسها فى البلد‬
‫السلمية‪ ،‬أُقر بداية أن هذا الرقم الكبير للضحايا‪ ،‬مبالغا فيه‪ ،‬على أية حال‪ ،‬يبقى ثابتا أن‬
‫واقعة العدام ذاتها‪ ،‬قد حدثت‪ ،‬ويالها من لطخة دموية فى تاريخ الدين‪ ،‬كما هى بالنسبة‬
‫لتاريخ البشر‪ .‬كذلك أستطيع أن أجد أمثلة مشابهة فى تاريخ المسيحية‪ .‬على ذلك فإن‬
‫الديان جميعها متشابهة بغض النظر عن مسمياتها‪( .‬مرجع ‪)18‬‬
‫•أصيب إبن خلدون‪ ،‬المحافظ فى بعض نواحى معتقداته‪،‬بالفزع من ميول المسلمين السلبية‬
‫نحو التعليم‪ ،‬فكتب‪ .. " :64‬ولما فتحت أرض فارس ووجدوا فيها كتبا كثيرة‪ ،‬كتب سعد بن‬
‫أبى وقاص إلي عمر بن الخطاب ليستأذنه فى شأنها وتلقينها للمسلمين‪ .‬فكتب إليه عمر أن‬
‫اطرحوها فى الماء‪ ،‬فإن يكن ما فيها هدى فقد هدانا ال بأهدى منه‪ ،‬وإن يكن ضلل فقد‬
‫كفانا ال؛ فطرحوها فى الماء أو النار‪ ،‬وذهبت علوم الفرس‪( ."..‬مرجع ‪.)19‬‬

‫‪ 64‬مقدمة أبن خلدون‪ ،‬إصدار دار الشعب بالقاهرة‪ ،‬فصل العلوم العقلية وأصنافها‪ ،‬ص ‪( .453‬تحقيق المترجم)‬

‫‪145‬‬

‫لشك فى أن الصولية القديمة وقفت موقفا معارضا صريحا لعلوم الوائل والعلوم العقلنية‪،‬‬
‫لكن لم يكن لكل هذا وزن يذكر‪،‬ولم يكن ليؤثر فى إستيعاب المجتمع السلمي للعلم‪ .‬أما نقطة‬
‫التحول الحقيقية فجاءت عندما تولى المام الغزالى بما له من نفوذ سياسى كبير – قيادة‬
‫الصوليين إلى نصرهم الحاسم‪ .‬من ثم يصح اللتفات الن إلي تعاليم هذا الفقيه الكبير‪.‬‬
‫الغزالى يقهر العقلنيين‪:‬‬
‫بدأت‪ ،‬كما شاهدنا‪ ،‬العتراضات الهادرة لطبيعة العلوم المدنية للمعرفة اليونانية‪ ،‬منذ بداية‬
‫دخولها إلي الحضارة السلمية‪ .‬لكن لم تظهر المعارضة الدءوبة الحاسمة ضد العقلنية لعدة‬
‫أسباب‪ ،‬منها عدم وضوح وتحديد أوجه الخلف مع المعتقدات الدينية‪ ،‬وقلة الخبرة بآليات العلم‬
‫والمنطق‪ ،‬وإستمرار المنازعات‪ .‬حتى جاء الغزالى‪ ،‬الذى يصفه حسين نصر بكل إجلل فيقول أنه‬
‫" انقذ الصولية بكبحه العلم"‪ .‬بدأت حينها المحاولت المنسقة لرفض الفلسفة العقلنية‪ .‬عمل‬
‫الغزالى بل كلل لتنقية الحضارة السلمية من شوائب الفكار اليونانية الدخيلة‪ .‬ولد أبو حامد‬
‫الغزالي فى عام ‪ 1058‬ودرس علوم الدين فى سن مبكرة حتى ذاع صيته لتمكنه الموسوعى من‬
‫مختلف تعاليم السلم وعين استاذا للعلوم الدينية فى المدرسة النظامية بجامعة بغداد‪ ،‬حيث درس‬
‫أعمال العلم والفلسفة المشائين‪ 65‬الكبار(‪ ،)Peripatetic‬وتمكن من وسائلهم‪ .‬دخل الغزالي بعد هذا‬
‫فى حالة عميقة من النسك والتقشف‪ ،‬عاد بعدها إلي المجتمع خصما عنيدا لكل الفلسفة العقلنيين‪.‬‬
‫إعتَبر الغزالي أرسطو أفضل الجميع‪ ،‬إذ أنه هاجم بلتو وسقراط‪ ،‬بالرغم من أنه مُبتلى بالكفر‬
‫والهرطقة‪ ،‬كما يعلن الغزالى إدانته لتباع أرسطو من المسلمين قائل‪ " :‬ل بد من اعتبار هؤلء‬
‫الفلسفة انفسهم‪ ،‬وكل من يتبعهم من فلسفة المسلمين‪ ،‬المتناقلين لفلسفة أرسطو مثل إبن سينا‬
‫والفارابى وغيرهم‪ ،‬فى عداد الملحدين"‪( .‬مرجع ‪)20‬‬
‫اتسمت تعاليم الغزالي بغزارتها‪ ،‬وتناولها لشتى المور الهامة مما كان يشغل عقول العصور‬
‫الوسطى‪ .‬على درجة خاصة من الهمية‪ ،‬تقف أراؤه عن السبب والعلة‪ ،‬والعقل والرياضيات‬
‫والمنطق‪ ،‬لما كان لها من تأثير قوى على تشكيل مواقف المسلمين تجاه العلوم‪.‬‬
‫الغزالي والسببية ( الثر والسبب)‬

‫‪ 65‬المشائين (‪ :)Peripatetic‬من أتباع أسلوب أرسطو الذى كان من عادته إلقاء دروسه وحواراته وهو يمشى‬
‫فى أروقة مدرسته الثقافية التى تأسست عام ‪ 335‬قبل الميلد فى أثينا القديمة‪ .‬يطلق السم أحيانا على أتباع‬
‫فلسفة أرسطو‪( .‬المترجم)‬

‫‪146‬‬

‫تقع العلقة بين الثر ( العلة) والسبب فى قلب السلوب العلمى للتفكير‪ ،‬فمثل تحدث الحرائق‬
‫بسبب النيران‪ ،‬والرعد ينتج عن البرق إلخ‪ .‬نبذت تعاليم الشاعرة هذه العلقة بوجه خاص كما كان‬
‫الغزالي أبرز المعارضين لها وأكبرهم تأثيرا‪.‬‬
‫رأى الغزالي عدم العتقاد بأن العالم يجرى حسب قوانين الفيزياء‪ ،‬فال يُفنى العالم ثم يُعيد‬
‫خلقه فى كل لحظة من الزمن‪ .‬على ذلك فل يمكن وجود تواصل بين أية لحظة وأخرى‪ ،‬بالتالى ل‬
‫يمكن إفتراض أن أى فعل سيؤدى بالتأكيد إلي إحداث اثر معين‪ .‬على العكس أيضا فمن الخطأ‬
‫إرجاع أى ظاهرة إلي أسباب فيزيائية‪ ،‬ففى رأيه أن كل الظواهر والحداث انما تحدث كنتيجة‬
‫مباشرة للتدخل اللهى الدائم فى العالم‪ .‬يضرب الغزالى مثل فيقول خذ قطعة قطن تحترق بالنار‪،‬‬
‫يستنتج الفلسفة العقلنيين‪ ،‬المهرطقين أن النار هى التى تحرق القطن‪ ،‬ولكن‪:‬‬
‫"نحن ننفى ذلك بقولنا‪ :‬أن الفاعل فى الحتراق هو ال بخلقه السواد فى القطن وفصله لجزاءه‪ ،‬كما‬
‫أن ال هو الذي جعل القطن يحترق‪ ،‬وصنع رماده‪ ،‬إما بواسطة ملئكته أو بدونهم‪ .‬ذلك لن النار‬
‫فى حـد ذاتها جسم ميت وليس لها فعل‪ ،‬ثم‪ ،‬أين الدليل على أنها السبب؟‪ .‬حقا‪ ،‬ليس للفلسفة دليل‬
‫سوى ملحظة حدوث الحتراق عند ملمسة القطن للنار‪ .‬تثبت تلك الملحظة فقط تزامن الحداث‪،‬‬
‫ل سببيتها‪ ،‬وفى الحقيقة فل سبب إل ال"‪( .‬مرجع ‪)21‬‬
‫الغـزالي والرياضـيات والعـلم‬
‫تميز الغزالي عن غيره من علماء زمانه‪ ،‬بدراسته لعلوم عصره‪ ،‬مما منحه الفرصة‬
‫لصدار احكامه المرجعية عن العلقة بين العلم والدين‪ ،‬ولم تكن معارضته أبدا‪ ،‬مجرد معارضة‬
‫عمياء‪ .‬يقول الغزالي أنه ل علقة للدين بنتائج الرياضيات‪ ،‬وعلى ذلك فالرياضيات ليست محرمة‪.‬‬
‫بالرغم من ذلك‪:‬‬
‫"هناك مشكلتان فى مسألة الرياضيات‪ ،‬تتمثل أولهما فى إعجاب الدارس الشديد بدقتها ووضوح‬
‫أدلتها‪ ،‬مما يقوده إلي اليمان بالفلسفة‪ ،‬والعتقاد بأن كل علومهم على نفس الدرجة من الوضوح‬
‫وقوة البرهان‪ .‬إضافة إلى ذلك‪ ،‬فإنه قد سمع ما يتردد على ألسنة الجميع عن إلحادهم‪ ،‬وإنكارهم‬
‫لصفات ال‪ ،‬وإستخفافهم بالحقيقة الملهمة‪ ،‬فمجرد قبوله إياهم كمرجعيات‪ ،‬يجعل منه كافرا‪( .‬مرجع‬
‫‪)22‬‬
‫القول هنا واضح بأن الرياضيات تحمل فى طياتها مواطن للخطر‪ ،‬دون أن تكون‬
‫بالضرورة خطيرة‪ ،‬أما الخطر ذاته فيكمن فى احتمال أن تُسكر الدارس بقوتها وجمال ودقة‬
‫منطقها‪ ،‬مما يجعله عرضة لهجر الوحى المنزل‪ .‬فى موقف آخر‪ ،‬يصرح الغزالى برأى أكثر‬
‫تشددا‪ ،‬حيث يدين الرياضيات بقوة وبل تحفظ‪ ،‬رافضا إحتمال تضمنها لى شيئ جيد‪ ،‬فيسوق‬

‫‪147‬‬

‫حججة قائل بأنه ل شك فى أن الخمر تقوى البدن‪ ،‬ولكنها قطعا محرمة‪ .‬كذلك يمكن المجادلة بأن‬
‫اللعاب والميسر والشطرنج تشحذ العقل‪ ،‬لكن هذا ليس مبررا لممارستها‪ ،‬ثم يستطرد قائل ‪:‬‬
‫" ينطبق نفس الشيئ على علوم إقليدس‪ ،‬والماجيست‪ 66‬والرياضيات والهندسة‪ ،‬فهم أيضا‬
‫يُقومون العقل ويغذون الروح‪ ،‬لكننا ننبذهم لسبب واحد‪ ،‬لنهم من إفتراضات علوم الوائل‪ ،‬التى‬
‫تحمل علوما أخرى غير ذلك‪ ،‬تتضمن القبول بالتعاليم الخطيرة‪ .‬حتى لو لم تحمل الهندسة‬
‫والرياضة إشارات ضارة بالعقيدة‪ ،‬إل اننا نخشى أن ينساق احد من خللهم إلي مذاهب خطيرة‪.‬‬
‫(مرجع ‪)23‬‬
‫بعكس معظم العلماء الصوليون فى ذلك الوقت‪ ،‬فلم يكن الغزالى معارضا – من ناحية‬
‫المبدأ – للمنطق‪ .‬ولعله إضطر إلي أسلوب المواربة فى الكلم‪ ،‬حتى ل يُتهم بأنه من أتباع‬
‫أرسطو‪ ،‬لذلك لجأ إلي إستعمال عناوين مبهمة لكتبه عن المنطق حتى يتحاشى استعمال لفظ‬
‫"منطق"‪ .‬دافع محمد بن طملس( ‪ ، )Mohammad Ibn Tumlus‬الذى كتب أيضا عن المنطق‪،‬‬
‫مدافعا عن نفسه‪ ،‬ومستدعيا سلطة الغزالى قائل ‪:‬‬
‫" لقد غير الغزالي من عناوين كتبه‪ ،‬كما بدل فى اللفاظ التى إستعملها بداخلها‪ .‬فبدل من‬
‫استعمال اللفاظ المعتادة للتعبير فى تلك المجالت‪ ،‬لجأ الى استعمال ألفاظ كانت مألوفة للفقهاء فى‬
‫عصره‪ .‬لقد فعل هذا ليحمى نفسه ويفلت من مصير العلماء السابقين الذين نادوا بأشياء غريبة‬
‫وغير معتادة‪ ،‬فل قوا ما ل قوا عن تعذيب وإمتهان‪ ،‬ولقد حماه ال منها‪( .‬مرجع ‪)24‬‬
‫من المفارقات الجديرة بالذكر أن الغزالي‪ ،‬فى قيادته للهجوم على أصحاب الفكر الحر‬
‫وأنصار المنطق‪ ،‬اضطر إلى استخدام نفس اسلحة أعدائه‪ .‬ل شك فى أن شبح الجدليات اليونانية‬
‫العنيد‪ ،‬تحمل وصمد أمام كل تعاويذ أعظم عظماء الشاعرة‪.‬‬
‫الغزالى والمعــرفة التجريدية‪:‬‬
‫من وجهة نظر عالَم يعتبر الوحى اللهى مصدرا لكل المعرفة‪ ،‬يصبح الغرض من كل‬
‫تساؤل معرفى‪ ،‬هو دعم وتأييد الكلمة المقدسة‪ ،‬وتتحول فيه المعرفة من أجل إرضاء الفكر‪ ،‬أو‬
‫المعرفة من أجل الوصول الى التميز والمكافأة‪ ،‬الى أمور غير مقبولة‪ ،‬ول يسمح بها‪ .‬اذ وبخ‬
‫الغزالى صراحة أحد شباب الدارسين لتعلقه بالمعرفة التجريدية قائل‪:‬‬

‫‪ 66‬الماجيست‪ :‬ويسمى أيضا كتاب المجسطى (‪( )Almagest‬بمعنى الكبر) مجلد كبير عن النجوم وحركة‬

‫الكواكب‪ ،‬كتبه بطلميوس (السكندرى) ‪ 150‬سنة قبل الميلد‪ ،‬وسجل فيه الرض بصفتها مركزا للكون‪ .‬ترجم الى‬
‫العربية فى عصر الخليفة المأمون فى القرن التاسع‪( .‬المترجم)‬

‫‪148‬‬

‫" يا فتى‪ ،‬كم سهرت الليالى‪ ،‬مرددا للعلم‪ ،‬منكبا على الكتب‪ ،‬ناكرا النوم على نفسك‪ .‬ل أدرى‬
‫السبب فى هذا كله‪ ،‬فإن كان لدراك غايات دنيوية‪ ،‬وضمان زهوها‪ ،‬والحصول على شرفها‬
‫وجللها‪ ،‬أو للتفوق على زملئك وما ماثل ذلك‪ ،‬فالويل لك‪ ،‬الويل لك"‪( .‬مرجع ‪)25‬‬
‫بما أن العلم والرياضيات‪ ،‬ينبنيان على أساس من الفكر التجريدى‪ ،‬كما أن حب الستطلع‬
‫البشرى يمثل مصدرا للتساؤلت غير المجدية‪ .‬على ذلك تصبح تحذيرات الغزالى‪ ،‬بكل تأكيد‪ ،‬غير‬
‫مشجعة على الطلق على دراسة هذه المور‪.‬‬
‫سنرى فى الفصل القادم‪ ،‬كيف واجه بعض أبطال المسلمين هذه العقبات فى طريق الفكر والتساؤل‪.‬‬

‫المراجع‪:‬‬
‫‪1- A. J. Arberry, Revelation and Reason in Islam, (London, George Allen & Unwin, 1965),‬‬
‫‪Passim, Alfred Guillaume, Islam, (New York, Penguin, 1954), pp. 128-42; Syed Ameer‬‬
‫‪Ali, The Spirit of Islam, (Karachi, Pkistan Publishing House, 1976). Passim, Majid‬‬

‫‪149‬‬

Fakhry, A History of Islamic Philosophy, (New York, Columbia University Press, 1983),
Passim.
2- Arberry, op. cit. p. 23.
3- Ibid., p. 22.
4- Syed Ameer Ali, op. cit., p. 438.
5- Arberry, op. cit., p. 24.
6- Ignaz Goldziher in Studies on Islam, Translated and edited by Merlin L. Swarts,
(Oxford University Press, 1981), pp. 185-6, References to the original Arabic sources can
be found therein, and are not indicated here.
7- Ibid., pp. 186-7.
8- Ibid., p. 189.
9- Ibid., p. 190.
10 A. L. Tibawi, Islamic Education, (London, Luzac, 1979), pp. 49-50.
11- Goldziher, op. cit., p. 192.
12- Ibid., p. 193.
13- Ibid., p. 194.
14- Ibid., pp.196-7.
15- Ibid.
16- Ibid., p. 205.
17- Ibid., p. 207.
18- Syed Jamaluddin Afghani in 'Reponse de Jamal ad-Din al-Afghani a Renan', quoted in
Nikkie R. Keddie, An Islamic Response to Imperialism, (Berkeley, University of
California Press, 1983), p. 187.
19- Ibn Khaldun, The Moqaddima: An Introduction to History, (London, Routledge and
Kegan Paul, 1978), p. 373.
20- W. Montgomery Watt, The Faith and Practice of Al-Ghazzali, (London, George Allen
& Unwin, 1953), pp. 32-3.
21- Quoted by Ibn Rushd in'Tahafut al-Tahafut', (The Incoherence of the Incoherence)
translated by S. Van den Bergh (London E. J. W. Gibb Memorial Series, Vol. 1), pp. 316317.
22- W. Montgomery Watt, op.cit. p.33.
23- Fatihat al-Ulum,(Cairo 1322), P.56. translated by Goldziher, op.cit.
24- Goldziher, op.cit., p.201.
25- Al-Gazzali, Ayyuha-al-Walad, Translated by G. H. Scherer, (Beirut, The American
Press, 1932), p.57.

150

‫الفصــل العاشــر‬
‫خمس زنادقة كــبار‬
‫على نفس درجة أهمية النتصارات العسكرية للنتشار المبكر بعد السلم‪ ،‬وقفت‬
‫النجازات المدهشة لساتذة المسلمين وراء تأسيس سيادة الحضارة السلمية على من عاصرها‪.‬‬
‫يجدر بالذكر‪ ،‬أن غزوات المغول‪ ،‬التي شابهت النتصارات السلمية من الظاهر فقط‪ ،‬أفرزت‬
‫إمبراطورية مؤقتة‪ ،‬لكن بدون حضارة‪ ،‬فلم تخلف فلولهم وراءها‪ -‬بعد إنسحابهم إلى مواطنهم‬
‫الصلية في صحراء جوبى ( شمال الصين) ‪ -‬سوى الخراب والدمار‪ .‬في المقابل‪ ،‬أوجدت‬
‫النتصارات السلمية‪ ،‬حضارة عالمية‪ ،‬نمت وازدهرت حتى بعد تراجع السيادة العسكرية بزمن‬
‫طويل‪.‬‬
‫أضاءت شعلة المعرفة سماء الحضارة السلمية على مدى خمسة قرون‪ .‬ضمت المجرة‬
‫المتللئة‪ ،‬كواكب مضيئة كثيرة مثل الكِندى وإبن سينا‪ ،‬وعمر الخيام‪ ،‬وإبن الهيثم‪ ،‬وإبن رشد وإبن‬
‫خلدون وغيرهم‪ .‬ما كان لنسيج الحضارة السلمية ان يتلون بكل تلك اللوان الزاهية‪ ،‬لول وجود‬
‫أمثال هؤلء الرجال العظام‪ .‬تحولت تلك السماء اللمعة في ايامنا هذه إلي مجرد رموز مبجلة‬
‫للنجازات السالفة‪ .‬لبد من تعريف أطفال المدارس في البلد السلمية بهؤلء العمالقة‪ ،‬ول بد‬
‫من أن تُبرز كتب التاريخ والعلوم إنجازاتهم‪ ،‬كما يجب إطلق أسمائهم على المؤسسات والجمعيات‬
‫الخ‪ .‬لم يأت التهديد والخطر لهؤلء من أسراب المغول أو المسيحيين غير الوفياء‪ ،‬بل جاء من‬
‫أخوتهم من أنصار الصولية الدينية‪.‬‬
‫وضح من إستعراضنا في الفصل السابق‪ ،‬أن التوتر بين المتطرفين والعلمانية(المدنية)‪ ،‬بدأ‬
‫منذ اللحظة التي دخلت فيها العلوم اليونانية إلى الحضارة السلمية‪ .‬أحيانا كان التوتر مستترا‬

‫‪151‬‬

‫ومكبوتا‪ ،‬وأحيانا أخرى سافرا وعنيفا‪ .‬وكثيرا ما شكلت المعارضة الصولية تهديدا قاتل لدارسي‬
‫العلم والفلسفة والمنطق‪ ،‬مما دفع الجاحظ للتساؤل بغيظ عن ورع الفقهاء المزعوم المتمثل في‬
‫مسارعتهم بإدانة المختلفين معهم والمنشقين وإتهامهم باللحاد (مرجع ‪ .)1‬لذلك إعتمد العلماء الكبار‬
‫على دعم الخلفاء‪ ،‬والولة المنتفعين لحمايتهم من بطش الشخصيات الصولية القوية‪ ،‬التي رأت فى‬
‫أعمالهم ضربا من ضروب الزندقة‪ .‬ول يخفى أن هذه الحماية فتحت الباب للغيرة الشديدة من‬
‫جانب الفقهاء الذين ل حظوا كيف أن الوصول إلى أروقة السلطة وحتى إلى الخليفة ذاته كان ايسر‬
‫بالنسبة لهؤلء الشخاص (الساتذة)‪ ،‬والمفترض أنهم أقل منهم مرتبة‪ .‬فرض هذا الوضع بعض‬
‫القيود الهامة على كم وطبيعة النشاط الثقافى والعلمى‪ ،‬فقد جعل مهمة وصول العلم إلى عامة الناس‬
‫أمرا صعبا‪ ،‬وبالتالى أصبح العلم قاصرا على الطبقة العليا فقط للمجتمع‪ ،‬ولعل هذا كان السبب‬
‫وراء مقولة إبن رشد المأثورة لما معناه "يجب على الحكام منع وصول كتب العلماء إلى العامة"‪.‬‬
‫(مرجع ‪.)2‬‬
‫الكِـندى (‪)873-801‬‬
‫مؤسس مدرسة المشائيين‪ 67‬الفلسفية السلمية‪ ،‬وله ‪ 270‬مؤلف‪ ،‬تتراوح ما بين المنطق‬
‫والرياضيات‪ ،‬إلى الفيزياء والموسيقى‪ ،‬ولقب بفيلسوف العرب إعترافا بجهوده التي لم تعرف الكلل‬
‫من اجل جعل الفلسفة مستساغة للفقهاء‪ ،‬وهو أول الفلسفة العرب‪ ،‬ولكونه من المعتزلة البارزين‬
‫فقد كتب عن سمو الحق وشموليته الكونية‪ ،‬وبأن الفلسفة ما هى إل شكل من اشكال الرسالة التي‬
‫جاء بها الرسول‪ .‬تجب الشارة إلى أن لفظ" الحق"‪ -‬كما استعمله الكِندي – كان له معنى محددا‬
‫جدا‪ ،‬حيث كان يشير إلى تفسيرات الحكماء اليونانيون مثل بلتو وأرسطو وغيرهم‪ .‬أما عن دور‬
‫الساتذة‪ ،‬فكان رأيه " لستكمال ما لم يوضحه السلف بقدر المكان وطبقا لستخدامنا للغة زماننا‬
‫وتقاليدنا"‪( .‬مرجع ‪)3‬‬
‫كرجل عقلنى‪ ،‬رأى الكِندي أنه يمكن النظر إلى بعض اليات القرآنية التي يبدو ظاهرها متناقضا‬
‫مع الواقع‪ ،‬على أنها مجازية ليسترشد بها العقلء‪ .‬آمن الفلسفة الوائل‪ ،‬بما فيهم الكِندي‪ ،‬بوجود‬
‫حقيقتين‪ ،‬واحدة لعامة الجماهير غير المتعلمة‪ ،‬واخرى للمتعلمين والمثقفين‪ .‬فأما الجماهير الساذجة‬
‫التي ل يمكنها إل تقدير المور البسيطة‪ ،‬فوجب استمالتها باستعمال أمور مثل حوريات الجنة‬

‫‪ 67‬المشائين‪ :‬أنظر الهامش بالفصل التاسع‪( .‬المترجم)‬

‫‪152‬‬

‫وغير ذلك من المغريات المادية‪ .‬أما المتعلمين من أصحاب العقل والمنطق فيرى أن بإمكانهم‬
‫الوصول إلى معان أعمق من ذلك بكثير‪.‬‬
‫من منطلق التفسير المجازى المنطقي الذي اشتمله الكِندي‪ ،‬تناول الية ﴿ ألم تر أن ال‬
‫يسجد له من فى السموت ومن فى الرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب‪...‬‬
‫﴾ سورة الحج‪ ،‬الية ‪ .18‬يعطى نص الية صورة للبسطاء بان كل الشياء " تنحني" أثناء‬
‫الصلة‪ ،‬تقدم الكِندي في هذا الموضوع بجدل لغوى مفصل بما يفيد بأن النحناء والسجود معناه‬
‫الطاعة في حقيقة المر‪ .‬على ذلك يتحول مفهوم السجود الساذج في العبادة‪ ،‬إلى معنى الطاعة‬
‫الكاملة لمشيئة ال‪ .‬ثم يخطو الكِندي خطوة أخرى لتصحيح هذا المفهوم‪ ،‬بما يفيد بوجود قانون‬
‫كوني عام ل بد ان تطيعه من كل أشكال المادة‪ ،‬حية كانت‪ ،‬أو جماد‪ ،‬وبهذا كما يقول الكِندي‪،‬‬
‫تتحول أمور تبدو متناقضة‪ ،‬إلى شيء له معنى ومقبول إذا حسن تأويله‪.‬‬
‫بزغ نجم الكِندي في بلط المأمون‪ ،‬كألمع نجم في أكثر المراكز الثقافية تقدما في العالم‪ .‬كما ظلت‬
‫اطروحاته الكاديمية على حيوتها ونشاطها في زمن الخليفة العقلني التالي‪ ،‬المعتصم‪ ،‬ثم الواثق‬
‫وأخيرا جاء النحسار في عصر الخليفة السني الصولي‪ ،‬الخليفة المتوكل الذي أتى معه بنهاية‬
‫عصر طويل من الحرية‪ .‬لم يكن عسيرا على الفقهاء‪ ،‬إقناع الخليفة بخطورة معتقدات الكِندي‪ .‬فلم‬
‫يمض وقت طويل حتى أمر بمصادرة مكتبته الخاصة‪ ،‬المعروفة للجميع آنذاك بالمكتبة الكِندية‪ .‬ولم‬
‫يكن ذلك كافيا‪ ،‬فقد تلقى الشيخ المناهز للستين عاما‪ ،‬المسلم‪ ،‬الفيلسوف خمسين جلده أمام حشد من‬
‫الناس‪ .‬شهد المعاصرون للواقعة أن الحشد كان يهتف بالموافقة على العقاب مع كل جلدة‪( .‬مرجع‬
‫‪)4‬‬
‫رغم أن احد اصدقائه تمكن من استعادة مكتبته‪ ،‬إل أن الكِندي اصيب بحالة شديدة من‬
‫الكتئاب نتيجة الهانة البالغة التي نالته من واقعة جلده العلنى‪ ،‬فاعتزل الحياة حتى توفى عام ‪873‬‬
‫وقد ناهز الثنين وسبعين عاما‪ .‬كان الكِندي أول الرموز العلمية السلمية البارزة التي تقع ضحية‬
‫لرد فعل الصولية تجاه العقلنية‪.‬‬
‫الـرازى (‪)925-830‬‬
‫إشتهر محمد بن زكريا أبو بكر الرازى‪ ،68‬الفارسى الصل كأبرز الطباء في الحضارة‬
‫السلمية‪ ،‬ولقب بأبو علم الطب‪ ،‬وجالينوس العربى‪ ،‬كما وُصف بانه أكبر عباقرة العصور‬
‫‪ 68‬عاش الرازى في عصر إمارة منصور بن اسحق على مدينة الــرى بحيران في زمن الخليفة المكتفى (‪-902‬‬
‫‪.)907‬‬

‫‪153‬‬

‫الوسطى لنجازاته الهائلة في مجال الطب‪ .‬تلقى تدريبه في بغداد‪ ،‬ثم عاد إلى مسقط رأسه بمدينة‬
‫الرى بايران ليتولى ادارة البيمارستان (المستشفى) بها‪ ،‬حيث اشتهر برعايته الحريصة لجميع‬
‫مرضاه‪ ،‬سواء الفقير منهم أو الغنى‪.‬‬
‫بجانب انجازاته فى مجال الطب‪ ،‬فقد كان فيلسوفا حر التفكير‪ ،‬وكان أكثر راديكالية من‬
‫الكِندي في ارتباطه بالعقل نية اليونانية‪ .‬قيل عنه أنه معارض للنبوة‪ ،‬حيث تناول أهمية الوحى‬
‫بخفة‪ ،‬وفى المقابل كان يؤكد أن ال خلق النسان ومنحه جزءا من منطقه‪ ،‬ليصبح النسان قادرا‬
‫على فهم طبيعة الكون المادى‪ .‬إقتضت نظرية الرازى في خلق الكون‪ ،‬أن تكون البداية قاصرة‬
‫على وجود ال والروح والمادة والفضاء والزمن‪ .‬خرج بعدها الكون المادى إلى الوجود بتدخل ال‬
‫في بعض خصائص الروح‪ ،‬ثم يرى نهاية الوجود بعد ذلك عندما تعود جميع الرواح إلى مستقرها‬
‫في السماء‪ .‬من البديهى أن هذا المفهوم لمصير الكون وارتحال الرواح‪ ،‬لم يتماشى تماما مع‬
‫المعتقدات الشائعة عن الخلق‪.‬‬
‫كانت أفكار الرازى‪ ،‬غير التقليدية عن الدين‪ ،‬سببا في عدم شيوع محبته بين كل‬
‫المسلمين‪ .‬فرغم اعجاب الكتاب المتأخرين بعلمه الواسع‪ ،‬إل أنهم أدانوه بالتجديف لوضعه المنطق‬
‫في مرتبة أعلى من الوحى‪ .‬حتى أن بعض أصحاب البدع من السماعيليين‪ ،‬مثل نصرى خسراو (‬
‫‪ )Nasr-i-Khusrau‬إتهموه بالزندقة‪ ،‬دفع الرازى ثمنا غاليا لرائه الراديكالية‪ ،‬حيث ذهبت معظم‬
‫أعماله إلى طى النسيان‪.‬‬
‫في محاولة على ما يبدو لرضاء راعيه الصولى‪ ،‬قام البيرونى بمهاجمة الرازى‪ ،‬حيث‬
‫أرجع سبب اصابتة بفقد البصر في آخر ايامه‪ ،‬إلى الجزاء اللهى‪ .‬كذلك يقال أن فقده للبصر جاء‬
‫نتيجة للعقاب الذي وقع عليه من أحد المراء المحافظين من عائلة المنصور في بخارى (مرجع‬
‫‪ ،)5‬حيث أمر المير بأن يُضرب الرازى على رأسه بكتبه‪ ،‬فإما أن تنفلق الكتب أو تُهشم رأس‬
‫الرازى‪ .‬على ذلك فقد الرازى إبصاره وكذا رغبته في الحياة‪ .‬جدير بالذكر أن أحد جراحى العيون‬
‫عرض على الرازى إجراء عملية جراحية له لستعادة البصر‪ ،‬فرفض الرازى قائل‪ " :‬لقد رأيت‬
‫ما يكفى من هذا العالم‪ ،‬ول أرحب بفكرة اجراء العملية بهدف رؤية المزيد منه" ثم توفى الرازى‬
‫بعد ذلك بوقت قصير‪.‬‬
‫ابـن ســـينا (‪)1037 – 980‬‬

‫‪154‬‬

‫يشابه الحسين بن عبد ال بن الحسن بن سينا ابو على‪ ،‬نوربرت فاينر‪Norbert) 69‬‬
‫‪ )Weiner‬في أيامنا المعاصرة‪ ،‬فقد كان عبقريا‪ ،‬غزير العلم وغطت أعماله مساحات شاسعة من‬
‫المعرفة‪ .‬أتم حفظ القرآن في سن العاشرة‪ ،‬ثم أصبح طبيبا في سن السابعة عشر‪ ،‬ثم تمكن من‬
‫علوم الغيبيات لرسطو في زهاء عام‪ .‬أكبر أعماله كتاب "القانون في الطب" الذى ترجم إلى اللغات‬
‫الوربية واستمر كالمرجعية الساسية في تدريس وممارسة الطب فى اوروبا لكثر من خمسمائة‬
‫عام‪ ،‬وحتى مولد الطب الحديث‪ .‬لم يكن لقب الـ"حكيم" وقتها قاصرا على ممارسة الطب‪ ،‬وكان‬
‫ابن سينا مثل ل يبارى في الحكمة‪ .‬امتدت اعماله المذهلة أيضا إلى مجالت الفلسفة والمنطق‪.‬‬
‫كان التزام ابن سينا بالسلم ثابتا‪ ،‬ولكن غير تقليديا‪ ،‬ويتضح ذلك من قوله‪ ،‬في أثناء فترة‬
‫نشاطه الدراسى ‪:‬‬
‫" كنت‪ ،‬إذا قابلتنى مشكلة عويصة‪ ،‬اتوجه إلى المسجد للصلة‪ ،‬واعكف على الدعاء ل‬
‫خالق كل شيء‪ ،‬حتى تنفرج البواب المغلقة على‪ ،‬وحتى يسهل الصعب‪ .‬كما كنت كلما اقبل الليل‪،‬‬
‫اعود إلى دارى‪ ،‬اوقد المصباح أمامى‪ ،‬ثم ادفن نفسى في القراءة والكتابة‪ ،‬فإذا غالبنى النوم‪،‬‬
‫واحسست الوهن‪ ،‬الجأ الي كاس من النبيذ لستعادة قواى "‪( .‬مرجع ‪)6‬‬
‫يتضح اسلوبه المميز وغير التقليدى هنا‪ ،‬في طريقته لستعادة نشاطه‪ .‬كان ابن سينا‪-‬‬
‫كالكِندى ‪ -‬فيلسوفا قويا متميزا بحرية الفكر‪ ،‬ومؤكدا بإصرار على أولوية المنطق‪ ،‬بالرغم من‬
‫إعتراضه على أمور كثيرة من أمور المعتزلة‪ .‬وقد تولى منصب الوزارة للمير حمَدان‪ ،‬حيث‬
‫اشتبك في جدل دينى مباشر مع بعض رجال الجيش المتدينين‪ ،‬الذين طالبوا بإعدامه‪ .‬ذهب الجنود‬
‫إلى داره‪ ،‬فلما لم يجدوه‪ ،‬سلبوا ممتلكاته‪ ،‬ثم طلبوا من المير قطع رأسه‪ .‬كان ابن سينا قد علم‬
‫بالمؤامرة‪ ،‬فأختبأ عند صديقه ابو سعيد دفداق (‪ ) Abu Said Dafdaq‬حيث عكف على كتابة‬
‫مؤلفه " القانون"‪ .‬هرب ابن سينا عـدة مرات من العدام ومن حنق الولة‪ .‬فى ضوء مصادرة‬
‫كتبه ومنعها‪ ،‬ومع قوة أعدائه وكثرة مؤامراتهم ضده‪ ،‬قام اصدقاؤه بإقتراح نوع من التسوية‬
‫للمور‪ ،‬فكان رد ابن سينا عليهم "إنى أفضل حياة قصيرة واسعة‪ ،‬عن حياة طويلة ضيقة"‪ ،‬ثم‬
‫واصل اعماله في بسالة‪ .‬كثيرا ما أثار ابن سينا غيظ الفقهاء بمحاولته المتكررة للتوفيق بين‬
‫المعتقدات الدينية والعلم والمنطق‪ .‬ومما يذكر أنه نظم شعرا يدافع به عن نفسه ويدرأ إتهامه‬
‫باللحاد فيقول ما معناه‪:‬‬
‫ليس من السهل إتهامى الزندقة‪،‬‬
‫‪69‬‬

‫فل إيمان بالدين أقوى من إيمانى‪،‬‬

‫نوربرت فاينر (‪ )1964-1894‬من علماء الرياضيات‪ ،‬المريكيين‪ .‬إرتحل الى اوروبا وتوفى بالسويد‪ .‬حصل‬

‫على العديد من الجوائز الكبرى‪.‬‬

‫‪155‬‬

‫فإذا كنت الزنديق الوحيد في العالم كله‪ ،‬فل مسلم واحد بعدى‪( .‬مرجع ‪)7‬‬
‫رغم كل إحتجاجات إبن سينا‪ ،‬إل أن سمعته كزنديق‪ ،‬شاعت بين الصوليين في عصره‪،‬‬
‫كما استمرت من بعده لعدة قرون‪ .‬حتى أن الغزالى‪ ،‬المام المعتدل‪ ،‬وصمة باللحاد‪ ،‬خاصة فيما‬
‫يتعلق بنقله لفلسفة أرسطو‪( .‬مرجع ‪)8‬‬
‫فيما يتعلق بحكم الساتذة والعلماء المسلمين‪ ،‬فل تختلف فظاظة وخشونة الصوليون في‬
‫الزمنة الغابرة‪ ،‬عنها في أيامنا هذه‪ ،‬حيث نشرت إحدى المجلت الصادرة في لندن بتمويل‬
‫سعودى‪ ،‬مقال عاصفا جاء فيه‪:‬‬
‫" إن قصة مشاهير العلماء المسلمين من القرون الوسطى‪ ،‬كالكِندى والفارابى‪ ،‬وابن الهيثم‪ ،‬وابن‬
‫سينا‪ ،‬توضح أنه إذا وضعت مسألة كونهم من المسلمين جانبا‪ ،‬فلن يبقى فيهم ول في أعمالهم شيء‬
‫يمت للسلم بصلة‪ .‬على العكس‪ ،‬فقد كانت حياتهم – على وجه الخصوص‪ -‬ل إسلمية‪ .‬أما‬
‫إنجازاتهم في الطب والكيمياء والفيزياء‪ ،‬والرياضيات والفلسفة‪ ،‬فما هى ال امتداد طبيعى ومنطقى‬
‫للتعاليم اليونانية‪( .‬مرجع ‪.)9‬‬
‫كتب محمد كاليمار رحمن ( ‪ ، )Mohammed Kalimur Rehman‬وهو هندى مسلم‪،‬‬
‫في إحدى المجلت المتخصصة في العالم السلمى‪ ،‬شيئا مماثل‪:‬‬
‫" كان معظم الفلسفة إما من المعتزلة أو من الملحدة‪ .‬كثير منهم مارس الموسيقى‪ ،‬والتنجيم‬
‫والسحر‪ ،‬وكلها اما محرمة او مكروهة في السلم‪ ....‬الرازى لم يؤمن بالوحى‪ ،‬والفارابى اعتمد‬
‫على المنطق وحده ‪-‬ل الشريعة‪ -‬للتفرقة بين الخير والشر‪ .‬أما الكِندي فلم يعترف بصفات ال‪،‬‬
‫واخيرا ابن سينا الذي لم يؤمن بالبعث‪ ...‬هكذا حدثت خسارة المجتمع تدريجا للقيم السلمية‪.‬‬
‫(مرجع ‪)10‬‬
‫إن تواصل الخط الفكرى بين الصولية الحديثة والقديمة‪ ،‬واضح تماما‪ .‬إذ يلحظ أن مرور‬
‫كل تلك القرون‪ ،‬لم يسفر عن العفو عن اى من فلسفة السلم‪ .‬كذلك يلحظ اسلوب رفض‬
‫انجازاتهم باعتبارها كلها "إمتداد طبيعى ومنطقى للتعاليم اليونانية"‪ ،‬وهو موقف في الحقيقة‪ ،‬مشابه‬
‫إلى حد كبير لزدراء أبناء الغرب للنجازات العلمية السلمية‪ .‬على فرض أن احدا من غير‬
‫المسلمين‪ ،‬زعم بأن العلم السلمى‪ ،‬ما هو إل استرجاع للعلوم اليونانية‪ ،‬فكان يُتوقع أن يهاجمه‬
‫المسلمون بغضب شديد‪ ،‬أما وأن الزعم قادم في الساس من زعماء حماة العقيدة‪ ،‬فل عجب ان‬
‫حظيت إهاناتهم للعِلم السلمى‪ ،‬باقل قدر من الهتمام‪.‬‬
‫ابن رشـــد (‪)1198 – 1126‬‬

‫‪156‬‬

‫يعد أبو الوليد محمد بن رشد‪ ،‬بل منازع‪ ،‬اشهر فلسفة المسلمين في الغرب لدوره الرائد‬
‫في الربط بين الفلسفات الرسطية‪ ،‬وفلسفات عصر النهضة‪ .‬كما أنه أحد اساتذة الصف الول على‬
‫مستوى العالم أجمع‪ ،‬اعتُبرت كتبه من كتب الزندقة في فترة الثورات الفكرية والفلسفية التي واكبت‬
‫عصر النهضة في أوروبا‪ ،‬مما تسبب في تكرار مشهد حرقها عدة مرات‪ ،‬إما من قبل الكنيسة‪،‬‬
‫وإما من قبل الفقهاء الصوليون المسلمين‪ .‬تُرجمت أعمال ابن رشد إلى اللتينية والعبرية‪ .‬سريعا‬
‫ما ظهرت تعقيبات على تعقيباته‪ ،‬نظرا لهميتها البالغة من حيث إحتوائها على شروح تفصيلية‬
‫وتعقيبات على فلسفات أرسطو‪ .‬تعتبر الترجمات لبعض أعمال ابن رشد بمثابة الثر الساسى‬
‫الموجود حاليا‪ ،‬اذ أُحرقت الصول المكتوبة بالعربية‪ .‬ويشير ذلك في حـد ذاته إلى مدى تأثير ابن‬
‫رشد‪ ،‬كفيلسوف عقلنى على عقول من حوله في ذلك الوقت‪ .‬أثار ابن رشد كغيره من العقلنيين‬
‫السابقين‪ ،‬غضب معارضيه‪ ،‬لقوله بأن ل بد للوحى من السترشاد بالمنطق‪ .‬ففى رأيه أن أسمى‬
‫اشكال العبادة تكمن في دراسة ال من خلل أعماله باستعمال العقل‪ .‬كذلك صمم اسلوبا مفصل‬
‫لتأويل القرآن‪ ،‬معتمدا على الخصائص الدقيقة للغة العربية‪ .‬على أية حال‪ ،‬يظل تفنيده لراء وحجج‬
‫الغزالى‪ ،‬على قمة السباب في شهرته‪.‬‬
‫تتضح من ردود ابن رشد على الغزالى‪ ،‬الذي سبقه بحوالى سبعين عاما كثير من المور‬
‫التي شغلت بال المفكرين في ذلك الحين‪ .‬لقد استعرضنا فيما سبق رؤية الغزالى لمسألة السببية‪،‬‬
‫حيث تتلخص في أن كل الشياء والحداث‪ ،‬إنما ترتبط مباشرة بالتدخل اللهى المستمر‪ ،‬فقطعة‬
‫القطن المحترقة‪ ،‬ل تحترق لن طبيعة النار أن تحرق‪ ،‬لكن لسباب فوق طبيعية كتدخل الملئكة‬
‫في المسألة‪.‬‬
‫يرى ابن رشد في هذا نوعا من الهراء‪ ،‬حيث ل يعقل أنه كلما احترقت قطعة قطن‪ ،‬وجب‬
‫هبوط عدد من الملئكة أو غيرهم من المخلوقات اللهية لنجاز المهمة‪ ،‬وفي رأيه أن السبب‬
‫المادى يؤدى إلى تأثير مادى‪ .‬سجل الغزالى أراؤه في كتابه " تهافت الفلسفة" فرد عليه ابن رشد‬
‫بكتابه "تهافت التهافت"‪ ،‬وفيه يقول ما معناه‪:‬‬
‫" من باب السفسطة‪ ،‬إنكار وجود أسباب فاعلة في الشياء الملموسة‪ ....‬إن انكار السبب‬
‫يعنى انكار المعرفة‪ ،‬وانكار المعرفة يعنى عدم امكانية معرفة اى شيء في العالم"‪( .‬مرجع ‪)11‬‬
‫تحولت اليام‪ ،‬فبعد أن كان ابن رشد قاضيا لشبيلية‪،‬ثم لقرطبة‪ ،‬أصبح الن ضحية للمؤامرات‬
‫السياسية‪ ،‬وهدفا للصولية الدينية تضاءل ثقل ابن رشد بعد وفاة الخليفة ابو يعقوب في عام ‪،1184‬‬
‫وتولى ابنه أبو يوسف الخلفة من بعده‪ ،‬حيث صدرت أوامر الخليفة بمنع دراسة المنطق والعلم‪.‬‬
‫في النهاية‪ ،‬اُبعد ابن رشد من قرطبة‪ ،‬ورحل مع بعض الدارسين في صمت إلى احدى القرى‬

‫‪157‬‬

‫القريبة‪ ،‬وصدرت الوامر بإحراق كل كتبه‪ ،‬باستثناء الكتب ذات الطبيعة العلمية البحتة‪ ،‬ثم ارتحل‬
‫في نهاية القرن الثانى عشر إلى مراكش حيث توفى هناك‪ .‬أما حقيقة ان معظم أعماله المتبقية ‪-‬بعد‬
‫ضياع وحرق أعماله بالعربية‪ -‬كانت تلك الترجمات إلى اللتينية والعبرية‪ ،‬فدليل واضح على أنه‬
‫بالرغم من تفنيده لمهاجمة الغزالى للعقلنية‪ ،‬فلم يتمكن ابن رشد في زمانه‪ ،‬من التأثير على‬
‫الجماهير‪.‬‬
‫ابن خلـــدون (‪)1406 – 1332‬‬
‫يجوز اعتبار عبد الرحمن بن خلدون‪ ،‬آخر عمالقة الثقافة فى الحضارة السلمية‪ .‬ظل‬
‫ابن خلدون راقدا فى طى النسيان‪ ،‬حتى تبين لبعض الدارسين‪ ،‬الغربيين فى القرن التاسع عشر أنه‬
‫استاذا رائدا لعلم النسان المعاصر( النثروبولوجيا)‪ .‬السبب فى حدوث هذا الهمال على حـد قول‬
‫فيليب هيتتى ( ‪:)Philip Hetti‬‬
‫" ولد الفليسوف فى زمن خطأ‪ ،‬وفى مكان خطأ‪ .‬جاء متأخراجدا‪ ،‬فلم يوقظ اى إحساس لدى‬
‫معاصريه ومجتمعه الغارق فى سبات القرون الوسطى‪ ،‬أو ليجد من يهتم بترجمة أعماله من‬
‫الوربيين‪ .‬لم يسبقه أحد فى مجاله‪ ،‬ولم يخلفه أحد‪ .‬على ذلك فلم تتكون له مدرسة كباقى الفلسفة‬
‫والعلماء‪ .‬ومض نجمه سريعا فى سماء شمال افريقيا دون أن يخلف وراءه أية أضواء"‪( .‬مرجع‬
‫‪)12‬‬
‫عقب أرنولد توينبى ( ‪ )Arnold Toynbee‬على اسهامات ابن خلدون فى التاريخ وعلم‬
‫الجتماع قائل "إستوعب وبلور فلسفة للتاريخ فكانت بل شك هى العظم من نوعها على مر‬
‫العصور"‪.‬‬
‫لم يكن ابن خلدون من المعتزلة‪ ،‬كما كان معظم العلماء الكبار فى العصور السلمية‬
‫الوسطى‪ ،‬بل على النقيض‪ ،‬رفض الفتراضات الساسية التى طرحها المسلمون من رواد‬
‫الفلطونية الحديثة‪ ،‬مثل الفارابى و إبن سينا‪ .‬ورأى فى مذاهبهم البراقة‪ ،‬الخاصة بالوجود ونظرية‬
‫المعرفة‪ ،‬ما يخالف الدين‪ .‬كذلك فقد عارض بشدة الشتغال بالكيمياء‪.‬‬
‫تميزت اضافات ابن خلدون للفكر السلمى باليجابية الشديدة‪ ،‬ويرجع له الفضل فى‬
‫تشكيل قوانين السلوك الجتماعى‪ ،‬وخلق جنــين علم الحضارة‪ ،‬حيث بين بالتفصيل المرتب‬
‫كيفية تداخل طبيعة الرض والسكان والعوامل القتصادية فى تشكيل المجتمعات‪ .‬وله فى ذلك‬
‫مقولة شهيرة " ترجع أسباب الختلفات المنظورة بين الجيال الى الفروق القتصادية التى تميز‬
‫كل منهما"‪ .‬ل بد هنا من مقارنة ذلك بمقولة كارل ماركس" إن وسائل النتاج لمتطلبات الحياة‬

‫‪158‬‬

‫المادية‪ ،‬تحدد‪ -‬بصفة عامة‪ -‬الخصائص الجتماعية والسياسية والثقافية فى مسيرة الحياة (مرجع‬
‫‪ .)13‬لشك فى أن إبن خلدون قد سبق غيره من مفكرى أوروبا فى عصر ما بعد النهضة‪.‬‬
‫يرى الفقهاء الصوليون‪ ،‬أنه بالرغم من انتقاد ابن خلدون لمن سبقه من الفلسفة المعتمدين على‬
‫النظريات اليونانية‪ ،‬إل أنه ظل عقلنيا‪ .‬فقد ثاروا بحدة لتطبيقه مبدأ العصبيات (الولء للمجموعة)‬
‫على النبوة‪ ،‬حيث أشار بلزوم اتحاد القبائل‪ ،‬لتحقيق عقيدة مبنية على الوحى اللهى‪.‬‬
‫كذلك أثارتهم ملحظاته اللذعة‪ ،‬بشأن خشونة وفظاظة سلوك العرب‪ ،‬إضافة الى أنه عزا معظم‬
‫امجاد العصر الذهبى الى غير العرب‪ ،‬حيث كتب يقول‪:‬‬
‫"من الحقائق المدهشة ‪-‬مع استثناء بعض الحالت القليلة‪ -‬أن معظم الساتذة سواء فى الدين أو فى‬
‫العلوم الثقافية‪ ،‬كانوا من غير العرب‪ ،‬فإذا تصادف أن كان منهم من له أصول عربية‪ ،‬فيلحظ أنه‬
‫غير عربى اللسان والنشأة وحتى معلميه كانوا من غير العرب‪ .‬هذا بالرغم من أن السلم دين‬
‫عربى ومؤسٍسه كان عربيا" (مرجع ‪)14‬‬
‫يلحظ أن أصول ابن خلدون العائلية جاءت من اليمن‪ ،‬ثم استقرت فى أسبانيا‪ ،‬مما جعل‬
‫معارضيه يشيرون إليه بإزدراد على أنه " بربرى جاهل"‪ ،‬فى المقابل يشير هو إلى دولة العرب‬
‫على أنها دولة همجية ذات ميول للنهب والتدمير‪.‬‬
‫فى الوقت الذى فضل فيه بعض الساتذة المسلمين تجاهل ابن خلدون‪ ،‬اندفع آخرون فى‬
‫هجوم شديد عليه (مرجع ‪:)15‬‬
‫•فى محاضرة له بعنوان" مهنة الموت" أُلقيت فى بغداد عام ‪ ،1933‬نادى سامى شوكت‪،‬‬
‫المدير العام السابق للتعليم فى العراق‪ ،‬ورئيس منظمة شبه عسكرية للشباب‪ ،‬بنبش قبر‬
‫ابن خلدون وحرق كل كتبه فى العالم العربى‪( ،‬مرجع ‪)16‬‬
‫•يصف طه حسين‪ ،‬الستاذ المصرى المعاصر‪ ،‬إبن خلدون‪ ،‬كرجل منتفخ الذات‪ ،‬لدرجة‬
‫مؤذية كما أنه عقلنى غير شريف متنكر فى زى السلم (مرجع ‪)17‬‬
‫من المؤسف فى حق الثقافة السلمية أن يبقى ابن خلدون اقرب الى العدم الفعلى‪ ،‬حتى يكتشفه‬
‫المستشرقون‪ ،‬والن‪ ،‬وبعد اعتراف الغرب به وبريادته‪ ،‬يتبارى العديد من الساتذة العرب‬
‫‪-‬بإستثناء العرب العنصريين الصوليين المتطرفين‪ -‬فى الشادة بإبن خلدون‪.‬‬

‫‪159‬‬

: ‫المراجع‬
1- Hayawan 1st ed. (Cairo 1325) Vol. 1, p. 80, quoted by B Lewis in Islam in History.
(New York, The Library Press, 1973).
2- Encyclopedia of Islam, ed. E. J. Brill, (Leiden, 1971). Vol. 3, p. 912.
3- Abu Rida, Rasail Al Kindi Al Falsafiya, p. 97, translated by A. J. Arberry in Revelation
and Reason in Islam, (London. George Allen & Unwin. 1957), p. 35.
4- The genius of Arab Civilization, ed. J. R. Hayes. ( Mass.. MIT Press, 1983), p. 69.
5- Edwin P. Hoyt. Arab Science, (Nashville. Thomas Nelson, 1975), pp. 60-4.
6- Ibid., p. 66.
7- Quoted in S. H. Nasr. Islamic cosmological Doctrines, (London, Thames & Hudson), p.
183.
8- W. Montgomery Watt, The faith and practice of Al Ghazzali, (London, George Allen &
Unwin, 1953), pp. 32-3.
9- Javed Ansari, ' This is a Formula for Islamic Scientific Impotance', Arabia: The Islamic
World Review, 20 (April 1983), pp. 54-5.
10- M. Kaleemur Rehman, MAAS Journal of Islamic Science, Vol. 3, No. 1, pp. 45-56.
11- Averroes, Tahafut Al-Tahafut, (The Incoherence of the Incoherence), Translated by
Van Den Bergh, (London, E. J. W. Gibb Memorial Series, Vol.1), p. 317.
12- Philip K. Hetti Makers of Arab History, (New York, St. Martin's Press, 1968), p. 254.
13- See Ref. 2, p. 830.
14- Ibn Khaldun, Muqadimma, Translated by F . Rosenthal, (New Jersey, Princeton
University Press, 1967), Vol. 3, p. 311.
15- An account of the reaction against Ibn Khaldun can be found in Shaukat Ali,
International foundations of Muslim Civilization, (Lahore, United Publishers, 1977), pp.
93-191.
16- William L. Cleveland, The Making of an Arab Nationalist, (New Jersey, Princeton
University Press, 1971), pp. 63-4.
17- Hitti, op. cit., p. 256.

160

‫الفصل الحادى عشر‬

‫لماذا لم تحدث ثورة علمية فى السلم ؟‬
‫عندما تسجل الحضارات العظيمة تاريخها بنفسها‪ ،‬تنتقى ما يلئمها من ماضيها‪ ،‬ثم تتباهى‬
‫بأن عظمتها ل مثيل لها ول منافس‪ ،‬كذلك فعلت الحضارة المتسيدة فى زمننا المعاصر‪ ،‬أل وهى‬
‫الحضارة الغربية‪ ،‬حيث شكلت رؤيتها للتاريخ الثقافى والحضارى‪ ،‬وحددت ضمنا مفهوم تطور‬
‫العلم على أنه المسيرة الواثقة‪ ،‬ذات التجاه الواحد‪ ،‬البادئة من المفاهيم الغريقية واليونانية وانتهاءا‬
‫ل مع‬
‫بعصر النهضة‪ .‬تعدل هذا المفهوم تدريجيا عبر العقود القليلة الماضية‪ ،‬حيث إتسع الفق قلي ً‬
‫بداية تقدير إمتداد جذور العلم إلى حضارات متعددة‪ .‬ولعل الفضل يعود إلى أعمال التاريخيين‬
‫الكبار من امثال سارتون و نيدهام (‪ )Needham‬الذين أبرزوا أهمية الدور الذى لعبته الحضارات‬
‫العظيمة الخرى مثل الحضارة السلمية على وجه الخصوص‪ ،‬والحضارات الصينية والهندية‪،‬‬
‫كما أكدوا على أنه لم يعد ممكنا التغاضى وإهمال دور هذه الحضارات‪ ،‬كما كان الحال فى السابق‪.‬‬
‫نظرا لما كان لكل حضارة عظيمة من بصمات وتقدم على طريق المعرفة البشرية‪ ،‬فيصح‬
‫نظريا على القل‪ ،‬أن تُنادى أيا منها بأُبوتها للثورة العلمية‪ .‬مع ذلك تظل الحقيقة التاريخية قائمة‪،‬‬
‫بأن العلم الحديث بدأ فى الغرب‪ .‬هنا يبرز التساؤل لماذا الغرب؟ يرى ماكس فيبر‪ ،‬الذى كان له‬
‫أثره البالغ فى تغيير نظرة الغرب إلى الحضارات الشرقية‪ ،‬أن السبب يكمن فى سمو العقل الوربى‬
‫الجماعى‪ ،‬حتى أنه تمادى فى طرحة لفكرة تميز الجينات الوروبية الحاملة لقدر أكبر من‬
‫العقلنية‪ ،‬مما يسمح بنمو أسرع لمبادئ العقلنية الرأسمالية‪ .‬من الواضح أن هذا الجدل ل يستحق‬
‫عناء المناقشة الجادة لسبب بسيط يتضح من ملحظة النمو السريع للحضارة العلمية المعاصرة فى‬
‫دول عديدة غير أوربية‪ .‬مما ينفى الزعم بأن العقل الوربى يحتكر سيادة التفكير العلمى‪ .‬يبقى رغم‬
‫هذا عدد من التساؤلت مطروحا للمناقشة‪ ،‬خصوصا عن السبب وراء عدم حدوث ثورة علمية فى‬
‫الحضارة السلمية‪ ،‬وليكن ما بين القرنين التاسع‪ ،‬والثالث عشر‪ .‬كان بإمكان خمسمائة عام من‬
‫زعامة العلم والثقافة فى العالم‪ ،‬أن تفرز منظومة عالمية حديثة للعلم المعاصر‪ ،‬ولكن ذلك لم‬
‫يحدث‪ .‬من البديهى أن أية تفسيرات تالية‪ ،‬ل يجب النظر إليها إل على أنها مجرد إفتراضات‬
‫تخمينية‪ .‬إذا ل يوجد معمل مناسب يتيح مراقبة ودراسة نمو جراثيم التقدم العلمى‪ ،‬فى حالة وضعها‬
‫فى بيئات إجتماعية مختلفة أو دراسة مدى تأثرها بالظروف المحيطة بها وغير ذلك‪ .‬قد يستحيل‬
‫تحديد عامل مسبب واحد‪ ،‬نظرا لتعقيد تركيب المجتمعات البشرية وتعدد أوجه تأثره بالعوامل‬

‫‪161‬‬

‫الخارجية‪ ،‬إل أن ذلك ل يقلل من شأن أهمية مناقشة الموضوع‪ .‬قد يستوجب المر الخوض فى‬
‫مواضيع ومجالت متعددة تتراوح ما بين الفلسفة والقانون إلى القتصاد والسياسة‪ ،‬حيث أن بعض‬
‫تلك الليات التى عرقلت التقدم العلمى فى المجتمعات السلمية فى الماضى‪ ،‬مازالت حية وفاعلة‬
‫إلى اليوم‪.‬‬
‫قد يكون من المناسب حصر السباب فى خمس مجموعات كالتى‪:‬‬
‫*‪ -‬أسباب متعلقة بالميول والفلسفة‪.‬‬
‫*‪ -‬أسباب مترتبة على مفهوم التعليم‪.‬‬
‫*‪ -‬أسباب ناتجة من طبيعة القانون السلمى‪.‬‬
‫*‪ -‬أسباب راجعة إلى عدم وجود‪ ،‬أو ضعف المؤسسات الجتماعية القتصادية مثل المدن ذاتية‬
‫الدارة والنقابات التجارية‪.‬‬
‫*‪ -‬أسباب مترتبة على خصائص معينة للسياسة فى السلم‪.‬‬
‫يجوز الحتجاج بأن هذه العوامل متداخلة مع بعضها الى حد كبير وليست مستقلة ويؤثر‬
‫كل منها على الخر‪ ،‬على سبيل المثال تتأثر الميول والفلسفات بوضع ومدى تطور القوى المنتجة‬
‫فى المجتمع‪ .‬فمن المعروف أن تفكير الناس فى مجتمع المدينة‪ ،‬يختلف عنه فى القرية‪ ،‬والعكس‬
‫صحيح‪ .‬إذ يستوجب إستيعاب قوى إنتاجية جديدة وجود بعض الميول الجتماعية‪ .‬كذلك فإن التعليم‬
‫يعكس المعتقدات الموجودة بالضرورة‪ ،‬إل أنه يمكن تدخله ليكون من وسائل التغيير‪ .‬وعلى ذلك‬
‫فبدلً من الدخول فى مناقشات حول أيهم المسبب وأيهم الناتج‪ ،‬فسيُكتفى بإستعراض وتحديد ما يبدو‬
‫من تفسيرات واقعية ومعقولة‪.‬‬
‫أسباب متعلقة بالميول والفلسفة‪:‬‬
‫تتحدد القدرة على إكتساب المعارف العقلنية اليجابية‪ ،‬بمعنى أخر‪ ،‬القضية العلمية‪ ،‬إلى‬
‫حد بعيد بالنظام الفكرى العام السائد فى مجتمع ما وفى زمن ما‪ .‬حيث أن النظم الفكرية العامة‪.‬‬
‫والمقصود بما المعتقدات والميول والخلقيات المتعارف عليها‪ ،‬والفتراضات السائدة‪ ،‬والمواقف‬
‫الدينية والفكرية‪ ،‬تعتبر كلها من أهم الخصائص فى التاريخ البشرى‪ .‬وقد شبههم جوليان هاكسلى (‬
‫‪ )Julian Huxley‬بالهيكل العظمى فى تطور الحياء‪ .‬فهم يكونون البنية الساسية للحياة التى‬
‫تمثلهم وتغطيهم‪.‬‬

‫‪162‬‬

‫يتواجد مفهوم العقلنية –المهم بالنسبة للعلم‪ -‬فى كل نظام فكرى عام‪ ،‬إل أن الهمية المعلقة عليه‬
‫قد تختلف من مكان لخر‪ .‬أما عن مفهوم لفظ العقلنية‪ ،‬فقد قدم نيتشه (‪ )Nietzche‬فيلسوف القرن‬
‫التاسع عشر تعريفه الموجز‪" :‬العقلنية نسيج من التوصيلت التى تربط بين السبب والثر"‪ .‬أما فى‬
‫بحثه عن جذور العقلنية‪ ،‬فقد إضطر إلى الغوص متتبعا جذور نظرية المعرفة واصولها فى‬
‫أعماق علوم النفس‪.‬‬
‫فى رأى نيتشه أن العقلنية ناتج ل مفر منه لما يسميه "الرغبة فى السلطة" التى تقبع فى‬
‫قاع الوجدان البشرى‪ ،‬وتحث النسان على التحكم فى أحداث عالمه الخارجى‪ .‬هذه الرغبة فى‬
‫السلطة هى المنهل الرئيسى لكل نشاط خلق‪ .‬والعقلنية ضرورية لتسامى تلك الرغبة‪ ،‬فبدونها‬
‫يتلشى أمل النسان فى السيطرة على الحداث‪ ،‬أو فى إحداث أى تغيير واع للمجتمع‪ ،‬ويتحول‬
‫النسان إلى مجرد "عوامة" طافية على المواج‪.‬‬
‫متسلحين بتلك الحجة‪ ،‬فيجوز التقدم لمعالجة التساؤل حول السباب التى تدفع بأحد‬
‫المجتمعات لرعاية العلم وتغذيته بدرجات مختلفة عن المجتمعات الخرى‪ .‬فإذا كان العلم هو الناتج‬
‫التالى لرغبة النسان فى السلطة‪ ،‬وطالما أن المجتمعات كالفراد‪ ،‬تختلف من ناحية مدى إمتلكها‬
‫لتلك الخاصية الفطرية‪ ،‬ينبنى على ذلك توقع أن حدة البحث عن أية علقات سببية‪ ،‬عقلنية‪ ،‬ستفتر‬
‫إلى حد كبير عند القرار بأن المشيئة اللهية جزء من نسيج التوصيلت (المشار إليه سابقا)‪ .‬هذا‬
‫يعنى أنه كلما ازداد التدخل اللهى فى أحداث العالم الخارجى للنسان كلما يتضاءل تأثير مشيئة‬
‫النسان على المشيئة العليا‪ .‬ويتضاءل بالتبعية مجال ممارسة "الرغبة فى السلطة"‪.‬‬
‫وفى حالة ما إذا كان التدخل اللهى كامل‪ ،‬فيصبح حب الستطلع والتخيل والطموح‪،‬‬
‫نوعا من السراف وبل معنى‪ .‬فى الخلصة فإن مجتمعا يؤمن بالجبرية (القضاء والقدر) أو‬
‫مجتمعا يشغل فيه التدخل اللهى جزءا من نسيج توصيلته السببية‪ ،‬فبل شك سينتج عددا أقل من‬
‫غيره من الفراد المتطلعين إلى إستكتشاف المجهول باستعمال آلت العلم‪.‬‬
‫لم يكن المجتمع السلمى فى أوج إزدهاره العلمى والثقافى‪ ،‬مجتمعا جبريا يؤمن بالقضاء‬
‫والقدر‪ ،‬بدليل أن المجادلت الحامية بين المؤمنين بقدرة النسان (القدرية) وحرية إرادته وبين‬
‫المؤمنين بالقضاء والقدر (الجبرية) كانت فى عمومها تُحسم لصالح القدرية‪ .‬لكن السيطرة‬
‫التدريجية لمبادئ مذهب الشاعرة الجبري‪ ،‬انهكت قوى "الرغبة فى السلطة"‪ ،‬فى المجتمع‬
‫السلمى لدرجة قاتلة‪ ،‬وأدت إلى بعثرة روحه العلمية‪ .‬أصر أنصار مذهب الشاعرة على إنكار‬
‫أى صلة بين السبب والثر‪ ،‬من ثم أنكروا التفكير العقلنى‪ .‬ليس ذلك فقط بل رفضوا ايضا فكرة‬

‫‪163‬‬

‫السببية الثانوية‪ ،‬بمعنى أن ال مسئول فى النهاية عن كل شيئ‪ ،‬فقط فى إطار القوانين التى وضعها‬
‫للعالم‪.‬‬
‫تبدو طبيعة الشاعرة المعارضة للعلم بوضوح من إعتقادهم باستحالة توقع أى شيئ‪ .‬حتى‬
‫أصبح من المستحيل توقع وصول سهم منطلق إلى هدفه‪ ،‬ذلك لن ال يقضى بفناء العالم بأسره فى‬
‫كل لحظة‪ ،‬ثم يعيد بنائه من جديد فى اللحظة التالية‪ .‬على ذلك يصبح من المستحيل توقع مكان‬
‫السهم فى اللحظة التالية لوضعة المعروف فى اللحظة السابقة‪ ،‬لن ال وحده هو الذى يعلم كيف‬
‫سيعيد خلق الكون فى تلك اللحظة التالية‪ .‬ولقد إستعرضنا فى فصل سابق أراء الغزالى ‪-‬الذى كان‬
‫أكثر أتباع الشاعرة تأثيرا‪ -‬بشأن إنكاره القاطع بوجود علقات سببية‪ ،‬وكيف ساق مَثل قطعة‬
‫القطن المحترقة التى ل تحترق بسبب اقتراب النار منها بل بسبب تدخل ال‪ ،‬إما مباشرة أو من‬
‫خلل ملئكته‪ ،‬لتنفيذ عملية الحرق‪.‬‬
‫كما يُنهى الغزالى احدى مناقشاته لذات الموضوع قائل "وهذا يُفند ادعاءات هؤلء الذين‬
‫يزعمون ان النار مسببة للحريق وان الخبز مسبب للشبع والدواء طريق للصحة‪ ...‬الخ (مرجع ‪)1‬‬
‫‪.‬وقف تسيد المنطق الجبرى بما يحمله من إنكار لحرية النسان وقدرته على الحكم على الشياء‬
‫والحداث ورفض المبادئ العقلنية للحضارة اليونانية‪ ،‬موقفا مناهضا ومعوقا لحراز اى تقدم‬
‫ثقافى ذو قيمة فما بالنا باى ثورة علمية‪.‬‬
‫كان تزايد الطبيعة الستهلكية لمجتمع العصر الذهبى وما بعده من السباب الخرى التى‬
‫أدت الى احباط مبدا التعليم من اجل التعليم‪ .‬حيث شاعت فكرة ان الشياء المستعملة فعل‪ ،‬هى فقط‬
‫الشياء النافعة والمرغوبة‪ .‬لم يكن الحال كذلك فى اليام الولى للنمو الحضارى‪ ،‬فعندما اسس‬
‫الخليفة المامون بيت الحكمة فى بغداد‪ ،‬ثم بعث بإرسالياته نحو كل صوب للحصول على وثائق‬
‫العلم والتعليم‪ ،‬كان دافعه الساسى نابع من رغبته فى فعل الخير‪ ،‬وليس بهدف الحصول على‬
‫مكاسب مادية‪ .‬فى الواقع لم يكن احتمال المنفعة المادية قائما من الساس‪ ،‬فلم يكن هناك مجال‬
‫لستعمال الثروة المعرفية فى تطوير التكنولوجيات الموجودة آنذاك‪ ،‬حيث لم تكن العلقة بين العلم‬
‫والتكنولوجيا واضحة بالدرجة الكافية وكما نعرفها الن‪ .‬كانت هناك بعض الستثناءات كما حدث‬
‫فى مجالى الطب والكيمياء القديمة‪ ،‬إل ان طابع المعرفة بشكل عام لم يكن مرتبطا باى قيمة‬
‫استهلكية‪ ،‬على العكس سادت فى النهاية فكرة ان المعرفة الوحيدة النافعة هى المعرفة العملية‬
‫المرتبطة مباشرة بمتطلبات الحياة‪ .‬ثم تلى ذلك بالضرورة أن انتشر تشويه سمعة المعرفة النظرية‬
‫فى المجتمع السلمى وتزامن ذلك مع تصاعد الصرامة الدينية وغلق ابواب التساؤل والجتهاد‪.‬‬

‫‪164‬‬

‫يمكن رؤية عدم الهتمام بالمعرفة النظرية غير النافعة بين المسلمين‪ ،‬بداية من القرن‬
‫الرابع عشر واستمرارها الى زمننا المعاصر‪ .‬حتى ان ابن خلدون ‪-‬مفكر العصور الوسطى الذى‬
‫ل يبارى‪ -‬لم يهتم كثيرا بما يحدث فى باقى العالم‪:‬‬
‫"بلغنا أن فى ارض الفرنجة على السواحل الشمالية للبحر‪ ،‬يكثر الطلب على العلوم الفلسفية وان‬
‫مبادئهم تنتعش من جديد‪ ،‬وحلقات دراستها منتشرة وعدد طالبيها فى ازدياد " (مرجع ‪)2‬‬
‫لم ير ابن خلدون فى ذلك نذيرا بحدوث تطور هام‪ ،‬او حدثا يستوجب التقليد‪ ،‬على النقيض‪،‬‬
‫ظل معارضا لدراسة الفلسفة كما ظل معارضا لدراسة الكيمياء القديمة‪ .‬ولعل موقفه هذا يعكس‬
‫بحق الجواء والميول العامة لعصره التى إفتقدت الى روح التساؤل الحر‪.‬‬
‫يظهر ضعف حب الستطلع فى الجيال التالية من المسلمين‪ ،‬يبدو ذلك واضحا فى‬
‫العثمانيين التراك الذين أسسوا إمبراطورية كبرى فى القرن السادس عشر‪ ،‬عرف الحكام‬
‫العثمانيون استعمال بعض البتكارات التكنولوجية للغرب كما قدروها تماما‪ ،‬بالرغم من ذلك لم‬
‫يظهر لديهم اى ميول لتنمية الفكر او لتقدير ان التكنولوجيا ما هى ال ناتج مباشر من نواتج التفكير‬
‫العلمى‪ .‬يلحظ ذلك من موقف جيسلين من بوسبك (‪ )Ghiselin de Busbecq‬سفير المبرطورية‬
‫الرومانية المقدسة فى اسطنبول فى خطاب كتبه فى عام ‪:1560‬‬
‫"ل توجد دولة اكثر تكاسل فى تبنى اختراعات الخرين‪ ،‬فقد وافقوا مثل على استعمال‬
‫المدافع الصغيرة والكبيرة بالضافة الى عدد كبير من اختراعاتنا‪ ،‬ال انهم لم يتمكنوا ابدا من‬
‫طباعة الكتب اومن تشييد ساعة فى ميدان عام‪ .‬ويقولون ان كتبهم المقدسة ستفقد قدسيتها اذا طُبعت‬
‫اما اذا انشأوا ساعات عامة فيعتقدون انها ستقلل من شان مؤذنيهم وطقوسهم القديمة‪( .‬مرجع ‪)3‬‬
‫يبدو عدم اكتراث العثمانيين بعجائب الكتشافات العلمية واضحا من التقرير الذى كتبه‬
‫مصطفى هاتى افندى (‪ )Mustafa Hatti Efendi‬عن زيارة وفد تركى رسمى للنمسا فى عام‬
‫‪ ،1748‬اذ كان امبراطور النمسا قد دعا الوفد لزيارة احد مراصدهم الذى يحتفظون فيه بشتى‬
‫الشياء واللت العجيبة‪ .‬جاء فى التقرير "اما ثالث الحيل فكان عبارة عن انابيب زجاجية سميكة‬
‫رايناهم يضربونها بالخشب والحجارة دون ان تنكسر‪ ،‬ثم وضعوا فيها قطعا صغيرة من احجار‬
‫الشتعال فاذا بالنابيب تتهشم كالدقيق‪ .‬عندما سالنا عن مغزى ذلك قالوا ان هذا يحدث عند تبريد‬
‫الزجاج بعد تسخينه‪ .‬نحن نرى فى تلك الجابة غير المعقولة‪ ،‬نوعا من حيل الفرنجة‪( .‬مرجع ‪)4‬‬

‫‪165‬‬

‫من الملحظ ان النزعة الستهلكية تواجدت ايضا عند المغول الذين حكموا الهند منذ عام‬
‫‪ 1480‬حتى انتصار النجليز عليهم فى عام ‪ .1757‬تنامى التفاؤل بالتكنولوجيات الحديثة فى عهد‬
‫حكم "أكبر" حيث ظهرت بعض الثار المشجعة مثل اللت ذات التروس المحدبة وتقطير الكحول‬
‫والعطور والعدسات الخاصة بالمناظير والتليسكوبات‪ ،‬وتبريد المياه باستعمال ملح البارود (نترات‬
‫البوتاسيوم) كما تم بناء عدد كبير من السفن المشابهة لسفن السطول الوروبى الحديث‪ .‬رغم كل‬
‫ذلك‪ ،‬ورغم العجاب الشديد بفنهم المعمارى‪ ،‬إل ان التاريخ ل يسجل اى فضل لهم فى النجازات‬
‫الثقافية مثل انشاء الجامعات او المراصد او تشجيع الفكر اليجابى‪.‬‬
‫ينتشر النمط الستهلكى فى زمننا المعاصر كما يظهر مقترنا بالمبادىء المعارضة للثقافة‪،‬‬
‫على سبيل المثال لم يلطف السيد م‪.‬ا‪ .‬قاضى‪ ،‬المستشار العلمى للرئيس الراحل ضياء الحق كلمه‬
‫عن الموضوع فقال‪ ":‬ل علم من أجل العلم فى السلم‪ ،‬ول معرفة من أجل المعرفة‪ .‬لكل شيئ‬
‫غاية‪ ،‬وهى إستعمال المعرفة العلمية لصالح البشرية جمعاء"‪.‬‬
‫أما السعوديون ‪ ،‬فقد أفصحوا صراحة من جانبهم‪ ،‬عن مدى سعادتهم بالرفاهيات التى‬
‫قدمتها لهم عجائب التكنولوجيا الحديثة‪ ،‬كذلك عبروا عن عدم إعجابهم بنظريات المعرفة العلمية‪.‬‬
‫أكثر الظن انهم يخافون تأثيرها المحرر للعقول‪ ،‬ولخطارها المحتملة على مجتمع قائم على نظام‬
‫هرمى جامد‪ ،‬ونظام حكم السر‪ ،‬حيث تستمد السلطة الحاكمة شرعيتها بلجوئها إلى المشيئة اللهية‬
‫وأحكامها‪.‬‬
‫ل يبشر تسيد الميول والقيم الستهلكية فى المجتمع السلمى الحديث بكثير من المل فى‬
‫تنمية المجال العلمى‪ ،‬فمن المعروف أنه متى قرر البشر عدم اللتفات إل لما يحقق نفعا واضحا‬
‫مباشرا‪ ،‬تقل قدرتهم بالتبعية على تنمية الفكر التجريدى اللزم لخلق اللية الثقافية والفكرية‬
‫الضرورية للنشاط العلمى‪ ،‬التى يتحتم فصلها عن المنافع البديهية الواضحة‪ .‬يلخص أحد علماء‬
‫الفيزياء اليرانيين الموقف فى قوله‪:‬‬
‫"لم تقدر على تطوير العلم إل المجتمعات الروحانية الحقيقية‪ ...‬يتأصل فى المجتمعات الستهلكية‬
‫عدم التجانس مع القيم الروحية الخالصة‪ .‬فالدولة التى ل تمتلك فلسفة كبارا ل يمكن أن يكون بها‬
‫علماء كبار‪ .‬إذ ان الفيسلوف على حد تعبير هايديجر (‪ ،) Heidegger‬رجل قادر على دوام‬
‫التأمل‪ ،‬وهذا ما يميز العالم أيضا‪ .‬أما الرجل الستهلكى فغير قادر على التأمل‪ .‬على ذلك تصبح‬
‫قدرته على تنمية العلم‪ ،‬من المور المشكوك فيها بشدة (مرجع ‪.)6‬‬
‫دور التعليم فى السلم‪:‬‬

‫‪166‬‬

‫تتضح القيم والهداف التى يطمح إليها أى مجتمع‪ ،‬من الساليب التى يتبعها فى تعليم النشأ‬
‫حيث تبين ما إذا كان المجتمع يرغب فى التغيير والتطور أم يفضل إما الوضع الحالى‪ ،‬أو العودة‬
‫إلى الخلف‪.‬‬
‫من المفيد فى هذا المجال‪ ،‬حصر الفروق وتحديدها‪ ،‬بين التعليم الدينى التقليدى والتعليم المدنى‬
‫الحديث‪ .‬فلكل منهما فلسفته وأهدافه وأساليبه الخاصة‪ ،‬التى تختلف جذريا فى كل حالة منهما‪ .‬هذه‬
‫النماط تسمى بلغة علماء الجتماع بالنماط المثالية ( ‪( ) Ideal Types‬مرجع ‪ ،)7‬ويمكن‬
‫تلخيصها فى الجدول التالى‪:‬‬
‫التعليم الحديث‬

‫التعليم التقليدى‬
‫‪ -1‬موجه نحو عالم آخر‬

‫موجه نحو الحداثة‬

‫‪ -2‬يهدف إلى الذوبان فى المجتمع السلمى‬

‫يهدف إلى تنمية الفردية‬

‫‪-3‬نفس المناهج منذ العصور الوسطى‬

‫تستجيب المناهج للتغيرات المحتملة فى‬
‫المواضيع‬

‫‪ -4‬المعرفة ملهَمة ول اعتراض عليها‬

‫الحصول على المعرفة من خلل التجارب‬
‫والستنتاج‬

‫‪ -5‬تُحصًل المعرفة بناءا على أمر إلهى‬

‫تحصل المعرفة للحتياج إليها كأداة لحل‬
‫المشاكل‬

‫‪ -6‬عدم تشجيع التساؤل عن المسلمات‬

‫يشجع التساؤل عن المسلمات والفرضيات‬

‫والفرضيات‬
‫‪ -7‬نمط التعليم سلطوى بصفة عامة‬

‫نمط التعليم يشمل مشاركة الطالب‬

‫‪ -8‬التذكر مهم جدا‬

‫إستيعاب المفاهيم الساسية مهم جدا‬

‫ل سلبيا‬
‫‪ -9‬يُوجه عقل الطالب ليكون مستقبِ ً‬

‫يُوجه عقل الطالب ليكون إيجابيا‬

‫‪ -10‬التعليم بصفة عامة غير محدد‬

‫يمكن للتعليم أن يكون متخصصا جدا‬

‫‪167‬‬

‫يوضع فى العتبار أن فكرة النماط المثالية ‪ ،‬فكرة تجريدية بالضرورة‪ ،‬إل أن النماذج المذكورة‬
‫تفرق بكفاءة بين المدخلين المختلفين للتعليم‪ ،‬كما تشير إلى أن خاصية الترديد والستظهار الشائع‬
‫فى المجتمعات السلمية المعاصرة‪ ،‬يمكن تتبع أثارها إلى ميول متوارثة من التعليم التقليدى الذى‬
‫يرى أن المعرفة شئ يُكتسب ول يُكتشف‪ ،‬كما يقف فيه العقل موقف المستقبِل السلبى‪ ،‬ل موقف‬
‫النشاط والتساؤل‪ .‬إن طبيعة التشكيل الجتماعى لبيئة تقليدية‪ ،‬سلطوية‪ ،‬ل تنتج فى نهاية المر إل‬
‫النظر إلى المعرفة على أنها من الثوابت التى ل تقبل التغيير‪ ،‬وإلى الكتب الدراسية كشيئ مبجل‬
‫واجب الحفظ (الستظهار)‪ .‬أما مبدأ النظر إلى المعرفة كإحدى أليات حل المسائل‪ ،‬إضافة إلى‬
‫تطورها المستمر مع الزمن‪ ،‬فهو غريب تماما بالنسبة للفكر التقليدى‪.‬‬
‫فى الماضى‪ ،‬حين كان المعلم يستمد سلطانه من قوى خارج نطاق المنافسة‪ ،‬تَحتم تحول التعليم‬
‫برمته إلى نمط سلطوى‪ .‬كان من الشائع فى الهند أيام حكم المغول ‪-‬كما يحدث حتى الن فى‬
‫مدارس القرى‪ -‬أن يجلس المعلم فى مواجهة تلميذه المصطفين أمامه‪ ،‬ثم مع نهاية درس الملء‬
‫أو غيره‪ ،‬ينطق المعلم بالكلمة المشهورة "وال أعلم" معلنا بذلك إنتهاء الحصة‪ .‬من ثم يتوجه‬
‫التلميذ إليه بكل توقير لتقبيل يديه قبل النصراف‪ .‬يمكن تتبع جذور فكرة الستظهار فى التعليم‬
‫إلى تصميم مناهج التعليم بالمدرسة النظامية فى القرن الحادى عشر‪ .‬حيث إنتقل المنهج بإخلص‬
‫من جيل إلى جيل‪ ،‬كما تم تبنيه فى فترة الهند المغولية‪ .‬جدير بالذكر أن المنهج كان منصبا على‬
‫حفظ القرآن والحاديث‪ .‬يشير إبن خلدون فى إحدى دراساته المقارنة عن التعليم فى البلد‬
‫السلمية فى القرن الرابع عشر‪ ،‬إلى أن بعض المواد مثل الشعر والحساب والهندسة دخلت فى‬
‫مناهج التعليم فى فارس وأسبانيا المسلمة فقط‪ ،‬أما باقى البلدان‪ ،‬فإعتبرت هذه المواد‪ ،‬مواد مدنية‬
‫بدرجة كبيرة تتنافى مع تدريسها للتلميذ‪ .‬كان على التلميذ أن يكتب شيئا على لوحة صغيرة ثم‬
‫يظل يرددها حتى يحفظها عن ظهر قلب قبل أن يمحوها لكتابة الفقرة التالية‪ .‬كذلك سجل أحد‬
‫الكتب القديمة‪ ،‬أنه كان على التلميذ فى العصر العباسى‪ ،‬قراءة القرآن فى الفترة الصباحية‪ ،‬ثم‬
‫يقضون باقى النهار –باستثناء فترة الفسحة‪ -‬فى كتابة ما قرأوه‪ ،‬كما أنهم يقومون مرتين أسبوعيا‬
‫بعد ظهر أيام الثلثاء‪ ،‬وصباح الخميس بتصحيح كتاباتهم‪.‬‬
‫خلق نظام التعليم التقليدى‪ ،‬بتأكيده على أهمية الحفظ الكامل‪ ،‬معاييره الخاصة بالتفوق‬
‫ومثالياته الخاصة‪ .‬يتمثل أحد المثلة فى قول محمد بن زياد العربى من الكوفة المتوفى ‪ ، 840‬أنه‬
‫كان يقوم بالتعليم لمئات التلميذ على مدى عشر سنوات‪ ،‬فكان يمليهم دون اللجوء إلى ورقة واحدة‬
‫مكتوبة فى يده‪ ،‬متباهيا بقوة ذاكرته‪ .‬كذلك يقول أحد المؤلفين من القرن التاسع بكل زهو "إن فلنا‬

‫‪168‬‬

‫يتميز بذاكرة أفضل من غيره من الناس‪ ،‬حيث إستمع إلى مقولة لى‪ ،‬فظل يرددها طوال الليل‪ ،‬ثم‬
‫أعادها على فى الصباح‪ ،‬رغم أن المقولة كان طولها خمسين صفحة"‪ .‬أخيرا هناك هذا الستاذ الذى‬
‫إرتحل من بغداد ليقوم بالتعليم فى إيران‪ ،‬ولجأ إلى حفظ الحاديث ووقائع السيرة التى يريد‬
‫تدريسها بدلً من حمل الكتب الثقيلة‪ ،‬على ذلك قام بحفظ ثلثين ألف منها‪ .‬ويروى الشخاص الذين‬
‫راجعو محاضراته بعد ذلك‪ ،‬أنه لم يخطئ إل فى ثلثة فقط‪ .‬لم يتغير أسلوب التعليم السلمى بعد‬
‫إنتهاء العصر الذهبى فى القرن الثالث عشر‪ ،‬حيث ظلت المناهج محدودة جدا‪ ،‬مما إستفز‬
‫إمبراطور المغول المحافظ‪ .‬أورانجزيب‬

‫‪70‬‬

‫(‪ )Aurangzeb‬ليوجه اللوم إلى معلمه الول قائلً‪:‬‬

‫"ماذا علمتنى؟ لقد قلت لى أن أرض الفرنجة جزيرة صغيرة‪ ،‬وكان ملكهم العظيم حاكما‬
‫سابقا للبرتغال‪ ،‬ثم ملكا لنجلترا‪ .‬قلت لى أن ملوك فرنسا وأسبانيا ل يختلفون عن حكامنا التفهاء‪.‬‬
‫يا إلهى‪ ،‬ما هذا الذى بينته لى من الجغرافيا والتاريخ ! ألم يكن واجبك أن تعلمنى خصائص دول‬
‫العالم المختلفة ومنتجاتها وقوتها العسكرية‪ ،‬ووسائل حروبهم وأسلحتهم وعاداتهم‪ ،‬ووسائل الحكم‬
‫وسياساتهم؟ أنت لم تُقدٍر مدى أهمية التثقيف الكاديمى لمير‪ .‬كل ما اعتقدت أنه مهم لى‪ ،‬كان‬
‫التمكين من الحساب وغيره مما يصلح فقط للقضاة والمحامين"‪( .‬مرجع ‪)9‬‬
‫أبرز أورانجزيب فى مقولته مدى ضيق أفق التعليم الذى يستبعد المعلومات العامة والعلوم‬
‫الطبيعية‪ .‬تسيد التثقيف الدينى‪ ،‬إضافة إلى بعض ما يدعمه من مادتى الحساب والدب‪ ،‬على‬
‫التعليم‪ .‬حدث بعد ذلك بعض التوسع النسبى فى أفق التعليم‪ ،‬كما يلحظ فى المنهج الخاص بالشاه‬
‫ولى ال ( ‪( )Waliullah‬المتوفى ‪ )1761‬حيث تضمن بعض الرياضيات والفلك والطب‪ .‬إل أن‬
‫التعليم المدنى بصفة عامة ظل محتفظا بأقل درجات الهتمام بين المسلمين فى شبه القارة السيوية‪.‬‬
‫علوة على ذلك فإن دللت ما كان يُسمح به أحيانا من طرح بعض التساؤلت أو إجراء بعض‬
‫التجارب‪ ،‬تظل قاصرة على العالم المادى الخامل‪ ،‬ول يسمح لها إطلقا بالتعدى على مجالت الدين‬
‫والثقافة‪ .‬ظل الوضع‪ ،‬كما هو عليه‪ ،‬حتى بداية القرن التاسع عشر‪ ،‬عندما فكر النجليز فى إدخال‬
‫بعض العلوم الوربية والعلوم الدارية والحسابية فى مناهج التعليم‪ .‬إختلفت ردود فعل الشريحتين‬
‫‪ 70‬أورانجزيب‪ :‬إبن المبراطور المغولى المسلم شاه جيهان‪ ،‬أمر بقطع رأس أخيه الكبر "دارا" الذى كان مرشحا‬

‫للعرش بتهمة الزندقة كما حدد إقامة والده ثم تولى الحكم بعد ذلك‪ .‬كان متقشفا‪ ،‬يغزل الطواقى للحج وينسخ‬
‫المصاحف ويبيع ذلك متخفيا فى السواق‪ .‬تولى الحكم فى الفترة من ‪ . 1707-1658‬ثارت ضده كثير من‬

‫العتراضات بسبب تكرار قتله لغير المسلمين‪ ،‬وأمره بهدم وتدمير اللف من المعابد الهندوسية‪ ،‬وبنى المساجد‬

‫على أطلل بعضها‪ .‬أما مؤيدوه فلقبوه بخامس الخلفاء الراشدين‪ ،‬نظرا للتزامه الشديد بأحكام الشريعة‪ ،‬خاصة‬

‫فيما يتعلق بتعامله مع غير المسلمين‪( .‬المترجم)‬

‫‪169‬‬

‫الكبار‪ ،‬الهندوس والمسلمين‪ .‬حيث رحب الهندوس بحماس شديد وطالبوا النجليز بفتح مجالت‬
‫أكبر من التعليم المدنى‪.‬‬
‫فى المقابل‪ ،‬نظر المسلمون إلى القتراح النجليزى بشك شديد‪ ،‬ثم رفضوا الموضوع‪ .‬قد‬
‫يكون هذا الرفض نابع من الجذور التاريخية‪ ،‬حيث أنهى النجليز حكم المسلمين فى الهند لقرون‬
‫سابقة‪ ،‬مما جعلهم يرون فى مقترحهم نوع من الحيل لتدمير العقيدة والحضارة السلمية‪.‬‬
‫تلخص رد النجليز بما هو معهود فى المحتلين من خيلء ومن الحط العلنى من قدر النجازات‬
‫العلمية السابقة للمسلمين‪ ،‬فى الخطبة التى القاها اللورد ماكولى ( ‪ )Macaulay‬فى الثانى من‬
‫فبراير عام ‪ 1835‬حيث قال ساخرا‪:‬‬
‫"تعاليمهم الطبية التى يخجل منها أى طبيب بيطرى إنجليزى‪ ،‬الفلك الذى يُضحك الفتيات الصغار‪،‬‬
‫التاريخ المشحون بملوك عمالقة‪ ،‬طول الواحد منهم ثلثون قدما‪ ،‬ويدوم حكمه ثلثون ألف سنة‪،‬‬
‫والجغرافيا المكونة من بحار من العسل وبحار من الزبد" (مرجع ‪)10‬‬
‫شعر المسلمون بالستياء والهانة مما دفعهم إلى رفض إقتراح ماكولى بتعميم التعليم الحديث‬
‫فى الهند‪ ،‬حيث وافق ثمانية ألف من فقهائهم فى كلكتا على إستفتاء بهذا الشأن وتقدموا بطلب إلى‬
‫الحكومة لستثناء المسلمين‪( .‬مرجع ‪ )11‬يقال أن مشروع قانون التعليم هذا‪ ،‬كان أحد السباب‬
‫الهامة التى أدت إلى الحداث الدامية فى عام ‪ .1857‬تبعا لذلك قاطع المسلمون التعليم الحديث‪،‬‬
‫وفضل معظم الباء إرسال أبنائهم إلى الكتاتيب‪ ،‬أما القلة التى تحدت المقاطعة فتعرضت لمختلف‬
‫ألوان الضغوط الجتماعية والتهديدات‪ .‬اعتبر المسلمون المتشبثون بامجاد ماضيهم ايام المغول‪ ،‬أن‬
‫العمال المحاسبية وإمساك الدفاتر إنما تصلح فقط لبناء طائفة الهندوس السفلى‪ .‬فى هذا الجو‬
‫الموحش‪ ،‬بدأ السيد أحد خان معركة إصلح التعليم للمسلمين التى نالت حظا متواضعا من النجاح‪.‬‬
‫فى الخلصة‪ ،‬فان التعليم السلطوى بطريقة الستظهار‪ ،‬يُعد من النواتج الحتمية للتعليم التقليدى وقد‬
‫يكون مناسبا لبعض المجتمعات الخاملة‪ ،‬أما بالنسبة للمجتمعات النامية الهادفة إلى التطور‪ ،‬فلبد‬
‫من البحث عن بدائل متوازنة لتلبية إحتياجات التقدم المنشود مع البقاء على التراث التاريخى‬
‫والحضارى‪ .‬لعل عدم قدرة نظام التعليم التقليدى على تلبية إحتياجات العالم المتغير‪ ،‬من أهم أسباب‬
‫حرمان المسلمين من فرصة ريادة الثورة العلمية فى العالم‪.‬‬
‫دور القانون السلمى (الشريعة)‪:‬‬

‫‪170‬‬

‫لم تكن الثورة العلمية والصناعية‪ ،‬فيما بعد عصر النهضة فى أوربا‪ ،‬بسبب الفلسفة‬
‫والمفكرين وحدهم‪ ،‬بل كانت خليطا مركبا من الظواهر الجتماعية والقتصادية‪ .‬أدى التقدم‬
‫التكنولوجى إلى خلق اليات ضخمة للنتاج سرعان ما إحتضنتها الطبقة البورجوازية التى‬
‫استطاعت فى النهاية تحويل مسار النظام الجتماعى من النمط القطاعى إلى طريق الرأسمالية‬
‫الحديثة‪ .‬فالبورجوازية‪ ،‬حسب تعريف كارل ماركس‪ ،‬طبقة قادرة على التنسيق بين مختلف وسائل‬
‫النتاج وقادرة على البتكار والستثمار‪ ،‬كذلك حددها ماركس بأنها العدو الطبيعى المستغل للطبقة‬
‫العاملة‪.‬‬
‫يتساوى عمليا الستفسار عن أسباب عدم حدوث ثورة علمية فى السلم‪ ،‬والسؤال عن‬
‫أسباب عدم ظهور طبقة بورجوازية قوية‪ .‬أقام ماكس فيبر وتابعيه الحجة على أن طبيعة ممارسة‬
‫ل حاسما فى هذا الشأن‪.‬‬
‫القوانين السلمية (الشريعة) كانت عام ً‬
‫فى رأى فيبر أن وجود الطبقة البورجوازية يتطلب وجود نظام قضائى قادر على فض المنازعات‬
‫حول عدة مسائل مثل حقوق الملكية وخصائص العقود والتبادلت المصرفية إلخ‪ .‬من ثم يجب أن‬
‫تُستمد الحكام من قوانين عقلنية ل من قوانين متوقفة على أراء شخصية كما أن افق هذه القوانين‬
‫يجب أن يتسع للمشاكل والحالت المتعلقة بمناخ اقتصادى مركب‪ .‬كذلك يتطلب المر إصدار‬
‫قوانين جديدة لما قد يستجد من مواقف‪ ،‬ولبد لهذه القوانين الجديدة أن تكون متسقة مع القوانين‬
‫الموجودة بالفعل‪ .‬ذلك أن العقلنية القضائية‪ ،‬مطلب مسبق لقيام الرأسمالية الحديثة كما أن من‬
‫شأنها (الرأسمالية الحديثة)‪ ،‬أن تنهار بسرعة فى غيبة منظومة متماسكة من القوانين الواضحة‪.‬‬
‫علوة على ما سبق‪ ،‬فإن الهيكل القانونى المدنى والعقلنى المطلوب لقيام الرأسمالية ل يتوافق مع‬
‫طبيعة الشريعة السلمية المستوحاة من العقيدة الدينية‪ ،‬مما يترتب عليه عدم استقرارها على قواعد‬
‫محددة واضحة‪ .‬حيث أنها مستمدة بالكامل من الوحى ومن السيرة النبوية‪ .‬بناءا على ذلك تنحصر‬
‫مهمة القاضى فى العثور على نص أو تقليد دينى سابق ليطبقه على ما بين يديه من قضايا‪ .‬فليس‬
‫فى السلم‪ .‬فى رأى فيبر‪ .‬صناعة القوانين‪ ،‬بل فقط "العثور على قوانين"‪ .‬إن غياب الفصل‬
‫الواضح بين الخلقيات السلمية والقانون‪ ،‬يعنى عدم إمكان وضع نظام قانونى متماسك يخدم‬
‫الطبقة البورجوازية ويحمى الممتلكات الخاصة فى ظل نظام عقلنى شامل حيث أن‪" :‬للمحاكم‬
‫الشرعية صلحية قضائية فى حالت النزاع حول الراضى مما يجعل إستغلل الراضى مستحيلً‬
‫كما حدث مثل فى تونس‪...‬ينم الموقف تماما عن السلوب الذى تتداخل به السلطة القضائية الدينية‬
‫‪-‬ولبد لها أن تفعل‪ -‬فى أعمال النظام القتصادى العقلنى"‪( .‬مرجع ‪)12‬‬

‫‪171‬‬

‫من الناحية الشكلية البحتة‪ ،‬فمن الجائز ان يكون لتباع "فيبر" بعض الحق فى حجتهم بمعاداة‬
‫الشريعة السلمية لبعض العناصر الحيوية اللزمة للرأسمالية‪ ،‬مما أدى إلى عدم ظهور مؤسسات‬
‫مصرفية على منوال المؤسسات المماثلة التى قامت فى أوربا‪ ،‬كذلك معهم حق‪ ،‬فالشريعة عبارة‬
‫عن منظومة ثابتة من القواعد وغير قابلة للتغيير مع الزمن‪ .‬يظهر هذا واضحا من وضع المذاهب‬
‫الربعة الكبار فى السلم والتى لم تتغيير منذ إرساء قواعدها من قبل كل من‪ :‬مالك بن أنس‬
‫(المتوفى ‪ .)795‬وأبو حنيفة (المتوفى ‪ )767‬ومحمد ابن إدريس الشافعى (المتوفى ‪ )820‬واحمد بن‬
‫حنبل (المتوفى ‪ .)855‬تتميز الفروق الساسية بينهم فى الهمية النسبية التى تمنحها ايا منها لبعض‬
‫اليات القرآنية وكذا مدى رؤيتهم لمصداقية أحداث السيرة‪ .‬جدير بالذكر أن جميع مشكلت‬
‫إختلف الفقهاء تمت تصفيتها مع نهاية القرن الحادى عشر حيث أُغلق رسميا باب الجتهاد‪.‬‬
‫يجب التأكيد على أن تأثير الشريعة على تحديد توجه النمو القتصادى فى المجتمع‬
‫السلمى‪ ،‬ل يمكن التوصل إليه من خلل مجرد تصريحات شكلية‪ ،‬حيث تُبين الممارسة الفعلية‪،‬‬
‫أن المسلمين كانوا قادرين –عبر العصور‪ -‬على تخطى مختلف تعاليم الشريعة‪ ،‬كلما إقتضت‬
‫الحاجة القتصادية أو السياسية ذلك‪ .‬فعلى سبيل المثال يطرح ماكسيم رودنسون ‪Maxime‬‬
‫‪ )(Rodinson‬الفرنسى السلمى‪ ،‬رأيه بأن منع السلم لقراض المال نظير فائدة معينة‪ ،‬لم‬
‫يمنع ممارسة الربا بشكل واسع فى المجتمع السلمى‪ ،‬وأن الثر لذلك كان خلق وسائل عبقرية‬
‫للتلعب والحتيال‪ .‬حتى خُصصت كتب بالكامل‪ ،‬يرجع تاريخها إلى القرن التاسع‪ ،‬لشرح وسائل‬
‫الحيل المختلفة‪ .‬يحتوى كتاب رودنسون المعنون "السلم والراسمالية" (‪Islam and Capitalism‬‬
‫) على استعراض واف لماضى وحاضر تلك الحيل‪ .‬يتعلل مفسرو الشريعة بأن الحكام السلمية‬
‫تغطى المعاملت الدولية والشركات المتعددة الجنسيات والقتراض من جهات مانحة أجنبية وبعض‬
‫قواعد الضرائب إلخ‪ .‬لكن تبقى الحقيقة‪ ،‬ان هذه المور لم تُطرح او تُناقش بطريقة جدية ولم يُتفق‬
‫عليها حتى الن‪ .‬على ذلك فلدى كل الدول السلمية قواعد مستمدة من القواعد القانونية المدنية‬
‫المتفق عليها عالميا‪ .‬كذلك كان من الولى للقوانين السلمية أن تمنع الدول السلمية من قبول‬
‫القروض ذات الفوائد من الدول غير السلمية أو السلمية على السواء‪ ،‬لكن الواقع الفعلى يشير‬
‫بأن الشريعة لم تقترب من هذه المسألة‪ .‬كذلك الحال فى السياسات الداخلية للدول السلمية الحديثة‬
‫حيث تُحترم الشريعة ظاهريا فقط‪ .‬إن إصرار بعض المتطرفين على منع تصوير أو رسم صور‬
‫الوجوه‪ ،‬لم يمنع تلك الدول من تطبيق القوانين الخاصة بضرورة إرفاق الصور الشخصية عند‬
‫إستخراج بطاقات الهوية‪ ،‬كما لم تمنع البث التليفزيونى‪ ،‬مما يوضح بجلء أن الهدف الساسى‬
‫للسلطة الحاكمة هو تأمين سيطرتها على الجماهير‪.‬‬

‫‪172‬‬

‫هناك أمثلة عديدة على خروج رجال الدين البارزين عن قواعد الشريعة‪ ،‬نذكر منها موافقة‬
‫الفقهاء البارزة على تجارة المخدرات (الهيروين) فى مناطق شديدة التدين قرب الحدود الباكستانية‪.‬‬
‫غنى عن الذكر أن كل مبرراتهم الدينية كانت مغرضة بكل تأكيد‪ ،‬فمما لشك فيه أن المصالح‬
‫المادية قادرة على قهر القيم الخلقية والدينية‪.‬‬
‫فى الخلصة فرغم التفاق على احتياج النمو الرأسمالى فى البلد السلمية إلى بعض القوانين‬
‫الثابتة‪ ،‬المستمدة من القواعد العقلنية‪ ،‬إل أنه ل يوجد أي دليل قاطع على أن ممارسة الشريعة فى‬
‫حد ذاتها‪ ،‬منعت العالم السلمى من التقدم فى هذا الطريق‪ .‬بناءا على ذلك‪ ،‬فل يمكن الوقوف عند‬
‫هذا الحد فى البحث عن أسباب عدم ظهور حضارة إسلمية صناعية حديثة حتى الن‪.‬‬
‫أسباب إقتصادية‬
‫عندما قام الستعمار باحتلل الراضى السلمية فى القرن الثامن عشر‪ ،‬كان المجتمع‬
‫السلمى غارقا فى ممارساته وقيمه المتوارثة منذ العصور الوسطى‪ ،‬كما لم يكن لديه طبقة‬
‫بورجوازية متوسطة يتمكن من خللها من إستغلل التقدم التكنولوجى لتحويل المجتمع من مجتمع‬
‫إقطاعى إلى مجتمع رأسمالى‪ .‬يرى البعض أن على الرغم من ذلك‪ ،‬فإن كل من الهند ومصر‪،‬‬
‫كانتا على قرب شديد من نقطة التحول لتكوين رأسمالية إجتماعية وإقتصادية عندما تدخل الحكم‬
‫الستعمارى وحال دون تطورها الطبيعى‪ .‬من البديهى عدم إمكان رفض هذه الدعاءات ببساطة‪،‬‬
‫حيث كان هناك عاملن مهمان عرقل ظهور الطبقة البورجوازية‪ .‬يتمثل الول فى وجود طبقة‬
‫مدنية حضرية تعتمد على نظام مستقر للمتصاص من الفلحين‪ ،‬ويتمثل الثانى فى غياب وجود‬
‫مدن ذات إدارة محلية ونقابات تجارية‪ ،‬إذ أنها لعبت دورا هاما فى تنمية الرأسمالية الوربية‪.‬‬
‫تنتقل الن لفحص تلك العوامل عن قرب‪:‬‬
‫القتصاد المتصاصى (‪: )Extractive Economy‬‬
‫سواء فى الراضى العربية تحت حكم العثمانيين‪ ،‬أو الهندية تحت حكم المغول‪ ،‬فلشك أن‬
‫الحضارة السلمية كانت بكل تأكيد حضارة مرتكزة على الحضر (أى حياة المدن) لم يكن‬
‫للفلحين إتصال كبير بحياة المدنية إل من أجل بيع منتجاتهم لسكان المدن كما كانو يعيشون فى‬
‫عالم متخلف ومنعزل تماما عما يجرى‪.‬‬
‫فى المدن‪ ،‬عين الخلفاء والملوك من ينوب عنهم من ولة وحكام وغيرهم لضمان إمداد‬
‫الفلحين لهم باليراد والطعام‪ ،‬حتى فى أوقات المجاعات‪ .‬كان لبد من الحفاظ على المدينة فى‬

‫‪173‬‬

‫حال أفضل من القرية‪ .‬إن العتماد الطفيلى للمدينة على القرى‪ ،‬مع ضمان المداد باليراد‬
‫والطعام‪ ،‬قلل بشكل حاسم الدافع لتبنى التكنولوجيات المتطورة فى عمليات النتاج‪ .‬يلحظ فى تلك‬
‫المجتمعات قبل‪-‬الراسمالية أن هدف النتاج كان الستهلك المباشر‪ ،‬وهو نمط منظم من خلل‬
‫التقاليد والنظم الهرمية‪ 71‬السابقة‪ ،‬ولم يكن الهدف تحسين أو تطوير وسائل إنتاجية جديدة‪ .‬إن‬
‫إستقرار هذا النظام المتصاصى‪ ،‬يفسر ‪-‬إلى حد بعيد‪ -‬بقاء المجتمع الهندى بصفة عامة على‬
‫شكله منذ العصور الوسطى‪ ،‬يناققش الستاذ عرفان حبيب (‪ )Habib Irfan‬أستاذ تاريخ العلم‬
‫بجامعة اليجار السلمية‪ ،‬أسباب تقاعس نبلء المغول ومثقفيهم عن تحصيل المعرفة الخاصة‬
‫باللت الميكانيكية فيقول‪:‬‬
‫"قد يكمن تفسير الوضع القتصادى لنبلء المغول فى إستناد الطبقة الحاكمة على نظام‬
‫داخلى مستقر من إستنزاف الفائض الزراعى‪ ،‬ونقله إلى المدن فى صورة مواد غذائية أو مواد‬
‫خام‪ ،‬هذا إلى جانب توفر عدد كبير من الحرفيين والخدم بالمدن‪ .‬لم تشعر الطبقة الحاكمة بأى‬
‫حاجة للحصول على "اللعب الميكانيكية" الوربية لتحسين النتاج‪ ،‬طالما كان الوضع الزراعى‬
‫مستقرا‪ .‬ظهر الحتياج للتكنولوجيا فقط فى حالة الرغبة فى الحصول على السلحة الحربية‪ .‬لم‬
‫تكن تستورد المدافع فقط‪ ،‬بل والجنود اللزمين لتشغيلها أيضا‪( .‬مرجع ‪)13‬‬
‫يبحث الستاذ حبيب أيضا فى إحتمالت ظهور تطور راسمالى فى المجتمع الهندى‪ ،‬حيث‬
‫كان حجم راس المال التجارى كبيرا بالدرجة التى تسمح بالستثمار فى التكنولوجيا الحديثة‪ .‬لكن‬
‫المحصلة كانت سلبية‪:‬‬
‫"كانت لديهم الورش الخاصة بهم ولم يكن من المعتاد تشغيلها إل فى حالة ما إذا كانت‬
‫المواد الخام عالية الثمن بحيث يخشى من توزيعها على الصناع فى منازلهم‪ .‬ويلحظ أن معدات‬
‫الورش لم تختلف كثيرا عما كان يستعمله الصناع فى المنازل‪ .‬على ذلك لم يحدث أى تطوير‪ ،‬حتى‬
‫فى رأس المال المستثمر فى اللت البدائية الذى كان بإمكانه مع الوقت‪ ،‬جذب مزيد من‬
‫الستثمارات فى التأسيس لتحسين التكنولوجيا‪ .‬هناك أيضا احتمال أن أرباح التجار الكبيرة من‬
‫وراء تقديمهم لوسائل الراحة والرفاهية لفراد الطبقة الحاكمة ممن يملكون ثروات طائلة‪ ،‬تلك‬
‫الرباح أفقدتهم الرغبة فى الستثمار فى آلت ل علقة لها بالكسب التجارى السريع‪ .‬فى الخلصة‬

‫‪ 71‬النظام الهرمى أى نظام ترتيب المجتمع فى شرائح‪ ،‬تقف رموزها العليا فى قمة الهرم يليها تدرج شرائح‬
‫المجتمع‪ ،‬درجة بعد درجة حتى الوصول إلى القاعدة العريضة الممثلة بعامة الشعب‪.‬‬

‫‪174‬‬

‫(المترجم)‬

‫فإن السياسة التى إتبعتها المبراطوراية المغولية‪ ،‬المتعلقة بإساءة إستخدام الموارد الزراعية‬
‫حصنت إقتصادها ضد أية محاولة لتقليد التكنولوجيا الوربية‪( .‬مرجع ‪)14‬‬
‫مؤسسات الدارة المحلية‬
‫فى سياق تحليله لنهضة الرأسمالية الوربية‪ ،‬يتعرض ماكس فيبر (سبقت الشارة إليه)‬
‫للهمية البالغة لقيام المدن الوربية ذات الدارة المحلية ودورها فى تنمية الروابط والمشاركات فى‬
‫الحياة‪ ،‬وحيث لعبت دورا حاسما فى ظهور مجتمع متحد إجتماعيا وقانونيا‪ .‬تميزت معظم المدن‬
‫الوربية بذاتية الدارة‪ ،‬كما إحتفظت كل منها بحاميتها العسكرية الخاصة‪ ،‬كذلك تميزت بتجانسها‬
‫وتكاتفها الداخلى فى مواجهة أية تحديات خارجية‪ .‬اتيح تنفيذ ذلك لن تلك المؤسسات الجتماعية لم‬
‫تكن مرتبطة بنظام سلطوى جامد‪ ،‬ينتقل من جيل الى جيل بالتوريث‪ .‬أرجع فيبر نجاح هذا النظام‬
‫الى طبيعة الديانة المسيحية‪ ،‬لكن حججه لم تكن مقنعة‪ .‬على اية حال فل شك فى اهمية قيام‬
‫المؤسسات ذات الدارة المحلية كاحد الليات الهامة فى سبيل نمو وتطوير الرأسمالية‪.‬‬
‫تبدو الصورة مختلفة فى المدن السلمية حيث كانت تُحكم من خارجها بواسطة السر الحاكمة‬
‫التى سيطرت على التجارة ووسائل النقل والمور العسكرية ‪.‬مما لم يتح الفرصة لظهور‬
‫المؤسسات البلدية (المحلية ) او لضعف تاثيرها ان وُجدت‪ .‬بناءا على ذلك فلم تتحول المدن الى‬
‫كيانات متكاملة‪ ،‬بل تحولت المدن فى الراضى السلمية‪ ،‬كما فى الهند المغولية‪ ،‬الى تجمعات‬
‫غير متجانسة‪ ،‬حيث إنصب اهتمام حكامها على ادارة شئون المساجد والمرافق العامة‪ .‬كما ل‬
‫يخفى ان النتماء الى فريق او مذهب معين كانت له اهميته البالغة فى تشكيل الوعى الجتماعى‪.‬‬
‫يلحظ تواجد انظمة مشابهة حتى اليوم‪.‬‬
‫فى الوقت الذى لم تتح فيه طبيعة حياة المدن المفككة الفرصة لتنمية مؤسسات نقابية واسعة‪ .‬ال أن‬
‫نقابات الحرفيين كانت مشابهة الى حد كبير لمثيلتها فى اوروبا (مرجع ‪ ،)15‬بل ان بعضها يرجع‬
‫تاريخه الى القرن التاسع‪ .‬شملت هذه النقابات مهنا مختلفة مثل الصاغة والطباء والمعلمين‬
‫والسقايين والنجارين وحتى للدعارة واللصوص‪ .‬يلحظ فى نفس الوقت أن تحكم السلطات العليا‬
‫الخارجية فى هذه النقابات كان ملموسا الى حد بعيد‪ ،‬ولعل الدافع الحقيقى وراء هذا التحكم كان‬
‫لمنع ظهور قوى معارضة لدفع الضرائب‪ .‬فى الواقع كانت السلطات هى التى تؤسس تلك النقابات‬
‫وتضع لها قواعد العمل‪ ،‬بدءا من اسلوب العمل العام ووسائل التدريب ونوعية المنتج ودرجاتة‪،‬‬
‫نهاية بأسعار بيع المنتج‪ .‬يبدو ذلك بوضوح من الواقعة التى حدثت فى اسطنبول فى عام ‪1807‬‬

‫‪175‬‬

‫حيث صدرت الوامر الى السكافيين (صانعى النعال) بمنع انتاج اية احذية او نعال باطراف مدببة‬
‫حيث كان ذلك متنافيا مع التقاليد القديمة (مرجع ‪)16‬‬
‫يمكن تلخيص الموقف كالتى‪ :‬لم تنشا النقابات السلمية برغبة من الحرفيين انفسهم بهدف حماية‬
‫مصالحهم‪ ،‬بل انشأتها السلطات بهدف مراقبة العمل والعامليين وفوق كل شىء حماية السلطة من‬
‫قيام مؤسسات ذاتية الدارة‪( .‬مرجع ‪)17‬‬
‫بناءا على انجازات التجربة الوروبية يجوز افتراض ان تواجد مؤسسات ذاتية الدارة فى‬
‫المجتمعات السلمية كان من شانه ان ينمى الصناعة ويتيح استمرار بقائها فى مقدمة العالم كما‬
‫كانت حتى القرن الرابع عشر‪ ،‬حيث شملت صناعاتها فى تلك الحقبة صناعة الورق فى العراق‬
‫وسوريا وشمال افريقيا واسبانيا وصناعة النسيج والملبوسات والسجاجيد والحذية وغير ذلك‪ .‬هذا‬
‫بالضافة الى التعدين السطحى لخامات الحديد والنحاس وصناعة السفن واشغال الحديد فى اسبانيا‪.‬‬
‫للسف لم تكن صناعات المعادن او اللت قد تطورت بعد‪ .‬كما ان باقى المنتجات من البلد‬
‫السلمية لم تكن قادرة على المنافسة مع مثيلتها من الدول الصناعية الغربية‪ .‬ورغم استمرار‬
‫التفوق السلمى فى بعض الصناعات القديمة مثل صناعة الزجاج واشغال الحديد لفترة ما‪ ،‬إل ان‬
‫كفة الغرب رجحت تماما بحلول القرن الثامن عشر حيث تلشت كل اثار التفوق والندية السابقة‪.‬‬
‫اسباب سياسية‬
‫أغار هولكو المغولى بجيوشه على بغداد فى عام ‪ 1258‬وقتل الخليفة‪ ،‬مُنهيا بذلك عصر‬
‫الخلفة العباسية‪ .‬عم الخراب والدمار أرجاء المدينة حتى ان احد المؤرخين يذكر ان عدد الجثث‬
‫التى تراكمت فى الشوارع يقارب الـ ‪ ، 800000‬دُمرت اشغال الرى وظهرت المجاعة‪ ،‬وانتهت‬
‫بذلك بغداد كمنارة للحضارة السلمية‪ .‬من المهم فى هذا الصدد ملحظة ان انهيار الحضارة‬
‫السلمية كان قد بدا بالفعل قبل كارثة الدمار المغولى‪ .‬كان الخلفاء قد خسروا الكثير من قوتهم‬
‫للسلطين المدنيين وتزعزعت مؤسسة الخلفة حتى حان انتهاؤها يلحظ ايضا انه رغم الخسارة‬
‫الفادحة الناجمة من الغزو‪ ،‬ال ان الثر كان قاصرا على العراق وسوريا الى حد كبير‪ ،‬أما باقى‬
‫الحضارة السلمية فى اسبانيا والمغرب فلم تتاثر‪ ،‬تل ذلك ان تحول الغزاة تدريجيا الى السلم‬
‫وبدات مرحلة جديدة من الحضارة والنمو القتصادى‪ .‬على ذلك فل يجوز القاء اللوم على العوامل‬
‫السياسية الخارجية فقط‪ ،‬حيث كانت هناك ايضا عوامل داخلية‪ ،‬نابعة من المجتمع ذاته‪ ،‬لعبت‬
‫دورها الهام فى وقف حركة تطوره القتصادى والسياسى والثقافى ‪.‬‬

‫‪176‬‬

‫ان عدم وجود طبقة برجوازية قوية‪ ،‬إضافة لضعف مؤسسات الدارة الذاتية كالمدن‬
‫والنقابات التجارية‪ ،‬إرتبط بحقيقة ان نظام الخلفة فى السلم باستثناء زمن الخلفاء الراشدين‪ ،‬لم‬
‫يكن قائما على نظام مؤسسى‪ ،‬ومنهج واضح يضمن استمرارية السياسة او يدعم مراكز بديلة‬
‫للسلطة‪ .‬وكما تشير نظرية الماوردى (‪ )Al-Mawardy‬فى الخلفة فانه كان على الخليفة ان يلتزم‬
‫ببعض المثل العليا كالورع والعدالة‪ ،‬ال ان الواقع كان شيئا آخر‪ ،‬حيث كان الطريق الى أروقة‬
‫الحكم قاصر على اصحاب الدسائس والمؤامرات واصحاب القوة‪ .‬شعر الغزالى بهذا النفصام بين‬
‫الخلقيات المثلى وممارسات الخلفاء للسلطة المركزية‪:‬‬
‫"يا له من سلطان همجى يتصرف تصرف الشياطين طالما ساندته القوة العسكرية‪ ،‬ول‬
‫يمكن عزله ال بصعوبة شديدة‪ ،‬كما ان محاولة عزله ستتسبب فى معاناة شديدة فوق الحتمال‪ ،‬ل‬
‫بد بالضرورة من تركه فى السلطة مع تقديم فروض الطاعة والولء له‪ ،‬تماما كما تُقدم للمراء‪...‬‬
‫الحكم فى هذه اليام تابع لمن يملك القوة العسكرية‪ ،‬اما الخليفة فيمكن ان يكون اى شخص يتمكن‬
‫من التحالف مع القوة العسكرية‪( .‬مرجع ‪)18‬‬
‫يختلف اسلوب دخول الدين فى دائرة السياسة اختلفا جذريا بين اوروبا من ناحية‬
‫والسلم من ناحية اخرى ‪.‬كانت الكنيسة فى حد ذاتها مؤسسة قوية أملت على رعاياها الطاعة‬
‫الكاملة لها واستطاعت من مركز البابوية فى روما‪ ،‬ان تصنع الملوك وتعزلهم‪ ،‬ووصلت بنفوذها‬
‫الى فرنسا وانجلترا‪ .‬كما ان الستبداد الذى مارسته لم يترك فرصة لحد للنشقاق‪ .‬يبدو ذلك‬
‫واضحا من محاكم التفتيش التى انشأتها لمحاكمة المشتبه فيهم بالزندقة‪ ،‬فكانت بحق اشنع فترات‬
‫التاريخ التى مرت على البشرية‪ .‬ولم تتهذب سلطاتها ال بعد ثورة لوثر للصلح‪.‬‬
‫فى المقابل لتوجد كنسية فى السلم‪ ،‬ول يوجد مركز رسمي لسلطة استبدادية‪ .‬بناءا على‬
‫ذلك كان عدد إدانات الساتذة والمفكرين فى السلم اقل بكثير منه فى اوروبا‪ .‬كما ليوجد شيئ‬
‫مشابه لمحاكم التفتيش فى السلم‪ ،‬ويمكن ارجاع الفضل فى ذلك الى طبيعة العقيدة السلمية التى‬
‫تسمح بقدر اكبر من حرية تفسير النصوص الدينية‪ .‬هذه الحرية ذاتها منعت قيام سلطة سياسية‪-‬‬
‫دينية مركزية للرجوع اليها لفض المنازاعات‪ .‬على ذلك تمكن كثير من المغتصبين من الستحواذ‬
‫على السلطة وادعاء الزعامة الدينية ‪.‬كان باستطاعتهم اضفاء ثوب الجهاد على المنازعات حول‬
‫الحدود او على السلطة‪ ،‬كما كان بامكانهم تحريك مشاعر الجماهير الدينية لقهر القليات أو‬
‫الجماعات الدينية غير الصولية‪ .‬كذلك فإن غيبة كنيسة مركزية ساعد على عملية النشقاق إلى‬
‫جماعات جديدة‪.‬‬

‫‪177‬‬

‫ متمثلة فى حرية الفرد فى‬،‫على عكس المتوقع فان وجود درجة عالية من الخلقيات‬
‫ قادت فيما يبدو الى ضعف مؤسسى منظم اثبت‬،‫تفسير النص الدينى دون الحاجة للجوء الى رهبان‬
.‫ على المدى البعيد‬-‫قدرته على قتل المسيرة السياسية والقتصادية –ناهيك عن العلم والتكنولوجيا‬

:‫المراجع‬
1- Averroes, Tahafut Al-Tahafut, (The Incoherence of the Incoherence), translated by Van
Den Bergh, (London, Luzac and Co., 1954), I, p. 318.
2- Ibn Khaldun, quoted in the The Arabs by Peter Mansfield, (Harmondsworth, Penguin
Books, 1987), p. 102.
3- Quoted in B. Lewis, The Moslem Discovery of Europe, (New York, W. W. Norton,
1982), pp. 232-3.

178

4- Ibid., p 232.
5- M. A. Kazi in 'Knowledge for what?', (Proceedings of the Seminar on the Islamization
of Knowledge, Islamic University, Islamabad, (1982), p. 69.
6- Mohammad Hussein Saffouri in Islamic Cultural Identety and Scientific-Technological
Development, Klaus Gottstein (ed.), (Baden-Baden, Nomos, 1986), p. 92.
7- An informative discussion on the past and present of Muslim education can be found in
Modernization of Muslim Education, (Lahore, Islamic Book Service, 1983),
8- Muslim Education in Midieval Times, Bayard Dodge, (Washington D.C., The Middle
East Institute, 1962), p. 11.
9- S. M. Ikram. Rud-i-Kawthar, (Karachi, 1958), pp. 426-6, quoted in Islam by Fazlur
Rehman, (London, Weidenfeld and Nicolson, 1966), p. 187.
10- H. Sharp, Selections from Educational Records: Part I (1781-1839)(Calcutta,
Government Printing, 1920), p. 110.
11- Maulana Hali, Hayat-e-Javed, (Lahore, 1957), p. 447.
12- Max Weber, Economy and Society, (Vol. 2, New York, G. Roth and Wittich 1968), p.
823.
13- Irfan Habib, ' Changes in Technology in Midieval India' paper presented at the
Symposium on Technology and Society, Indian History Congress, Waltair, 1979.
14- Ibid.
15- Bryan S. Turner, Weber and Islam (London, Routledge and Kegan Paul, 1974), pp.
100-106.
16- H. A. R. Gibb and Bowen, Islamic Society and the west, (London 1950), Vol. I, p. 283.
17- Turner, op. cit., p. 103.
18- Al-Ghazzali in Ihya II 124 (Cairo, 1352), Quoted in Studies on the Civilization of
Islam, By Hamilton Gibb (New Jersey, Princeton University Press, 1962), pp. 142-3.

‫الفصــل الثاني عشـر‬
‫بعـض الخواطــر للمســـتقبل‬

‫يحتاج العالم السلمي بصفة عاجلة إلى اجراء إصلحات جذرية في النواحي التعليمية‬
‫ خاصة وأنه خاضع حاليا‬.‫ حتى يزدهر العلم وتنتعش الكرامة النسانية‬،‫والجتماعية والسياسية‬
‫ كما أنه ممزق‬،‫ ومستمر في التراجع أمام بعض المؤثرات الداخلية‬،‫لسيادة قوة الغرب العسكرية‬
.‫ وملتصق بقوة بحضارته السالفة‬،‫ ومحبط بمصيره التاريخي‬،‫بالخلفات والعداوات‬

179

‫انتشرت الحركات السلمية المسلحة في جميع أنحاء العالم كظاهرة معبرة عن الحساس‬
‫بالحتياج للصلح‪ ،‬كذلك للتعبير عن مشاعر الغضب وخيبة المل السائدة في العالم السلمي‪.‬‬
‫تختلف الدوافع من مكان لمكان‪ ،‬تدور الدوافع حول العدالة الجتماعية والسياسية في فلسطين‬
‫وكشمير‪ ،‬في حين يتمثل نموذج آخر في إيران أيام حكم الخومينى‪ ،‬حيث وجد البعض في السلم‬
‫نموذجا عقائديا لتحريك الثورات ضد النخبة المدنية‪ .‬نموذج ثالث يتمثل في الجماعات السلمية في‬
‫باكستان والخوان المسلمين في مصر‪ ،‬حيث تمتد جذورهما بين طبقات الشعب المتوسطة‪ .‬وهم‬
‫ينشدون السلطة‪ ،‬لكن ل يجدون العتراف الكامل بهم في ظل النظمة الحاكمة الحالية‪ .‬وأخيرا‪،‬‬
‫هناك حركة دولية‪ ،‬تتمركز أساسا في الغرب وتتكون من المهاجرين الذين يجدون في انتمائهم‬
‫للمنظمات السلمية‪ ،‬احساسا بالنتماء والمان وسط مجتمعات غريبة عليهم حضاريا ووسط‬
‫ظروف معيشية صعبة‪.‬‬
‫يرى زعماء تلك الحركات‪ ،‬أن الغرب هو المسؤول عن الوضع المتدهور الحالى للدول‬
‫السلمية‪ ،‬من خلل الفساد الناجم عن الغزو الثقافى الغربى‪ ،‬إضافة للتحالفات الشيطانية بين القوى‬
‫العظمى‪ .‬أما الحل فيرونه في إتباع طريق إسلمى بحت مع رفض كل ما هوغربى مثل العلم‬
‫الغربى‪ ،‬والعقلنية الغربية‪ ،‬والديمقراطية الغربية‪ .‬كذلك يرى المؤيدون لتلك الهبًات السلمية أن‬
‫لها أهمية تفوق كثيرا أهمية الثورة الفرنسية النى تعتبر علمة مميزة على طريق انتصار العقل‬
‫والتحرير الفعلى للشعب الفرنسى‪.‬‬
‫لعل من أشد المور إثارة للقلق أن التيار الدينى الصولى‪ ،‬كان الوحيد ‪ -‬على طريق الكفاح ضد‬
‫الظلم والقهر‪ -‬الذى نجح فى تحويل استياء الجماهير الى مكاسب سياسية‪ .‬نجحت الحركات‬
‫المتطرفة فى تسيد الخطاب الثقافى فى البلد السلمية الهامة‪ ،‬أما الحركات السلمية الحديثة‪،‬‬
‫التى ل ترى تعارضا بين السلم‪ ،‬والعلم والعقلنية‪ ،‬فقد خسرت هيمنتها الثقافية والفكرية‪ ،‬حيث تم‬
‫إبعاد أنصارها من مختلف المسارح السياسية والثقافية‪ .‬أما نظام التعليم الحديث‪ ،‬الذى كان نشطا‬
‫ومتطورا منذ حوالى خمسين سنة‪ ،‬فقد تهاوى بوضوح فى الدول السلمية الكبرى‪ .‬حيث أخذ‬
‫الصوليون على عاتقهم مهمة ارشاد المسلمين لمصيرهم‪ .‬وإتضح أن وصفاتهم العلجية للمجتمع‪،‬‬
‫ما هى إل دعوة إلي كارثة‪ ،‬من المحتمل أن تكون بداية لعصر أسود جديد للمسلمين‪ .‬أصبح نبذ‬
‫الستعمار مبررا للتوجه العمى نحو الماضى‪ ،‬وللنداءات المتشنجة الرافضة للمعرفة والعقلنية‪،‬‬
‫بما ل يحقق إل مزيدا من الميل فى ميزان القوى المائل بشدة على أى الحوال‪ .‬يبدو فى الخلصة‬
‫أن وسائل التصال بالطرق العقلنية والتفكير العلمى قد قُطعت عن مجموعة من البشر‪ ،‬مما أدى‬
‫تلقائيا الى إضفاء معالم القوة على مجموعة أخرى‪.‬‬

‫‪180‬‬

‫يلزم إيجاد اسلوب بديل للبرنامج الصولى المطروح‪ ،‬وذلك بتأسيس إطار للفكر والعمل‪،‬‬
‫على أساس من العلم والمنطق‪ ،‬على أن يكون متسقا مع الموروث الحضارى للمسلمين‪.‬‬
‫أول‪ :‬علينا اسقاط فكرة وجود حل بسيط وفريد لكل اشكاليات المجتمع‪ ،‬أو أن هناك موقف مماثل‬
‫لكل مشكلة ممكنة‪ ،‬وأن حلها موجود فى مكان ما فى التراث‪ .‬ذلك لن الواقع ينطق بأن المجتمع‬
‫المعاصر يواجه ‪-‬فى كل منحى من مناحى الحياة‪ -‬الكثير من المشاكل المعقدة‪ ،‬التى يمكن التصدى‬
‫لها بأساليب متعددة‪ .‬كما انه ل يوجد مثيل فى الماضى لكثير من هذه المشاكل‪ .‬على سبيل المثال‪،‬‬
‫توجد حاليا قضايا تلوث البيئة فى مواجهة متطلبات التوسع الصناعى‪ ،‬وتزايد الكفاءة من خلل‬
‫الميكنة على حساب العمالة‪ ،‬ونوعية التعليم فى مقابل الكم‪ ،‬والنظم المصرفية والتجارية الدولية‬
‫والقوانين النقابية‪ ..‬الخ‪ .‬ذلك لن للمجتمعات الحديثة المعقدة‪ ،‬مشاكل معقدة ومتفرعة وتحتاج‬
‫بالتالى الى حلول معقدة ومتعددة الجوانب‪ ،‬ول يُتوقع أن يصل أى حل الى درجة الكمال‪ .‬فى مثل‬
‫تلك الظروف‪ ،‬يجري البحث عن المقاييس الكمية ل النوعية لتقدير مدى نجاح أو فشل اساليب‬
‫الحلول‪ .‬بالتالى يُفقد القياس المطلق وتتحول المور الى مسائل رمادية‪ ،‬ل أسود فيها ول أبيض‪.‬‬
‫نظرا لن قوانين المجتمعات الحديثة ليست مطلقة‪ ،‬لذلك فهى قادرة على التكيف والتغير‬
‫فى ضوء الخبرات المتراكمة‪ ،‬من أجل علج التجاوزات والخطاء‪ ،‬ول يأتى الصلح فجأة‪ ،‬ولكن‬
‫يحدث تدريجيا‪ .‬فى المقابل‪ ،‬يحلم العقائديون بأن فى جعبتهم صورة فريدة للقوانين غير القابلة‬
‫للتغيير‪ ،‬كما يحلمون بإصلح المجتمع كله فى حركة واحدة مقدسة‪ .‬يؤدى السعى للوصول الى‬
‫مجتمع مثالى‪ ،‬الى مجتمع سلطوى بالضرورة‪ ،‬مليء بعدم السماحة والعنف‪ ،‬ذلك لنه متى تم تحديد‬
‫الهدف النهائى‪ ،‬فل يُسمح لحد بنقده أو تغييره‪ .‬ل يخفى على أحد ما سببته عجرفة هؤلء الذين‬
‫يعتقدون بأنهم وحدهم يمتلكون الحقيقة الدينية‪ ،‬من مآسى ومعاناة‪ .‬من الملحظ أن كثيرا من أعمال‬
‫العنف التى يقوم بها أنصار "المجتمعات الفاضلة" تستهدف عناصر من أتباع نفس العقيدة‪.‬‬
‫من الفضل‪ ،‬بدل من التخطيط لمجتمع وهمى فاضل‪ ،‬الهتمام بحل جزئيات المشاكل‬
‫المطروحة على الساحة‪ ،‬واحدة تلو الخرى‪ ،‬بطريقة مرتبة وعقلنية‪ ،‬وواقعية‪ .‬يتطلب الوعى‬
‫بإستحالة وجود حلول مثالية شاملة‪ ،‬درجة عالية من النضج على مستوى المجتمع وعلى مستوى‬
‫الفراد‪ .‬حيث أن السماحة الفكرية والعقائدية‪ ،‬ل يمكن وجودها إل فى المجتمعات الناضجة‪ ،‬التى‬
‫تستطيع أن تمنح مواطنيها القدر اللزم من الحريات‪.‬‬
‫ثانيا‪ :‬لبد من محاربة الميول التى تخلط بين التحديث والتغريب ( نسبة الى الغرب) حيث كثر‬
‫الستخدام الخاطئ للفظين‪ ،‬بإعتبارهما مترادفين يحملن نفس المعنى‪ ،‬فليس من الضرورى أن‬
‫يكون غربيا كل ما هو متمدين وحديث‪ .‬كذلك ليس من الضرورى الفصل بين الحداثة والتقاليد‪.‬‬

‫‪181‬‬

‫ذلك لتواجد بذور الساليب الحديثة لمواجهة الحياة داخل تاريخ الحضارة السلمية ذاتها‪ ،‬يبدو ذلك‬
‫بوضوح فى النزعات العقلنية القوية فى أعمال ابن سينا‪ ،‬وابن رشد والرازى وغيرهم‪ ،‬كما أن‬
‫الشخصية الحديثة ل ترفض الروحانيات‪ ،‬وكل ما فى المر أن توجهاتها واهتماماتها تتركز حول‬
‫الحاضر والمستقبل بدل من الماضى‪ .‬كذلك هى منفتحة للفكار والخبرات الجديدة‪ ،‬وقابلة للمنطق‬
‫وحساب المواقف والعواقب بدل من التسليم بالقدر‪ ،‬كما أن لها رصيد ضخم من المعرفة والحقائق‪،‬‬
‫وتعتمد على التخطيط والدارة‪ ،‬وراغبة فى قبول وإحترام أراء الخرين ومعتقداتهم‪ .‬تحتاج‬
‫المجتمعات المنظمة فى مسيرتها الجادة الى أناس معاصرين من أنصار الحداثة‪ ،‬قادرين على رؤية‬
‫العلقة بين السباب والثار‪ ،‬وقادرين على فض المنازعات دون اللجوء الى العنف‪ ،‬كما يعرفون‬
‫كيف يستخدمون المرافق العامة‪ ،‬وكيف ي َرشٍدون إنفاق أموالهم‪ ،‬وكيف يقضون أوقات راحتهم‬
‫بطريقة سليمة‪.‬‬
‫الحداثة فى حد ذاتها هدف‪ ،‬يجب الكفاح من أجله‪ ،‬فهى جزء ل يتجزأ من طبيعة النسان العقلنية‬
‫الفطرية‪ ،‬وليست من المستوردات الستعمارية‪ .‬ل يستدعى دعم نمو ميول الحداثة فى المجتمع‪،‬‬
‫اللجوء بالضرورة الى تشجيع المواد الستهلكية الغربية‪ ،‬كما أن تقليد النماط الستهلكية الغربية‪،‬‬
‫لم يدعم أبدا أية أخلقيات عقلنية‪ ،‬على العكس‪ ،‬فكثيرا ما قامت تلك النماط بامتهان الهوية‬
‫الحضارية‪ ،‬علوة على زيادة حجم المخلفات‪ .‬على سبيل المثال‪ ،‬تنتشر فى الغرب عادة ارضاع‬
‫الطفال عن طريق الزجاجات‪ ،‬مما أعطى انطباعا بأن ذلك شيئا حديثا يجب اتباعه‪ .‬لكن إذا وضع‬
‫فى العتبار ارتفاع تكلفته بالنسبة لدخل الفرد‪،‬ومخاطر عدم كفاءة تعقيم الزجاجات‪ ،‬خاصة فى‬
‫الظروف الفعلية لشعوب دول العالم الثالث‪ ،‬فل مناص من القرار بأن الرضاع عن طريق‬
‫الزجاجات ليس دائما أفضل الوسائل لستعمال الموارد الطبيعية‪ ،‬وعلى ذلك فل يمكن إعتبارها من‬
‫ضمن ممارسات الحداثة‪ ،‬رغم انها ممارسة غربية‪.‬‬
‫تسير الحداثة والعلم سويا فى هذا العصر‪ ،‬بحيث ينظر الى العلم كأسمى تعبير عن العقلنية‬
‫البشرية‪ .‬علينا أن نتذكر‪ ،‬أن العلم دخل أول ما دخل الى الدول المحتلة فى صورة منتجاته‪ ،‬ل فى‬
‫صورته الحقيقية كمنظومة فكرية‪ .‬وما زال مفهوم العلم – فى كثير من الدول الواقعة فى شراك‬
‫التجارة الغربية – قاصر على ابهارات السلحة الحربية‪ ،‬والطائرات‪ ،‬واجهزة التليفزيون الخ‪.‬‬
‫اضافة الى ذلك فان نمو الصناعات ذات التقنية العالية فى دول جنوب شرق آسيا‪ ،‬التى قامت على‬
‫استخدام اليدى العاملة الرخيصة للفلحين المقهورين‪ ،‬لم تقدم إل أقل القليل على طريق تقدير قيمة‬
‫المنهج العلمى‪ .‬تاكيدا لذلك‪ ،‬فيلحظ مدى جهل النخبة فى الدول النامية بأبسط المعلومات عن تطور‬
‫علوم التفاضل والتكامل‪ ،‬والكهرومغناطيسية وعن استحالة وجود منتجات العلم الحديثة بدونها‪ .‬ل‬

‫‪182‬‬

‫شك فى عدم إمكان فهم واستيعاب العلم‪ ،‬دون التقدم فى نفس الوقت‪ ،‬فى تنمية برامج التعليم‬
‫العقلنية الحديثة‪ ،‬التى يلحظ عدم اللتفات اليها حاليا بالقدر اللزم‪ .‬لخلف على أهمية استثمار‬
‫الموارد فى التعليم‪ ،‬لكن هذا وحدة ل يكفى‪ ،‬مالم يتم الهتمام بمحتوى المناهج التعليمية فى المقام‬
‫الول‪ .‬حيث أن الهدف من العملية التعليمية فى المجتمعات الحديثة هو انتاج شخص قادر على‬
‫الفكر الناقد‪ ،‬يؤمن بقوة المنطق كما يكون مستوعبا تماما للمفاهيم والقيم الرئيسية التى يقوم عليها‬
‫بناء المجتمعات المنظمة‪.‬‬
‫ثالثا‪ :‬يجب اعلن هدنة لوقف المعارضة المستمرة للعلم الحديث كمشروع لنظرية المعرفة‪ ،‬مع‬
‫الستمرار فى نفس الوقت فى مناقتشة اهدافه النفعية‪ .‬أكد كثير من العلماء كما أكد كثير من قادة‬
‫المؤسسة الدينية المستنيرين على عدم وجود تعارض حقيقى بين الدين والعلم‪ .‬بل انهما فى الحقيقة‬
‫مكملن لبعضهما‪ .‬حيث يجب احترام وتنمية الجانب الدينى المتعلق بقدرة النسان الفطرية على‬
‫التأمل‪ ،‬وفى المقابل يمكن استخدام العلم لدعم القيم الخلقية للدين خاصة وأنه يؤكد باصرار على‬
‫البحث عن الحقيقة‪ .‬كما أن العلم فى اغوارة‪ ،‬بما يحمل من تقدم معرفى‪ ،‬يضع النسان وجها‬
‫لوجه مع لغز الوجود‪ ،‬مما يخلق احساسا عميقا بالقدسية‪.‬‬
‫مع القرار بتكامل الدين والعلم‪ ،‬تلزم التفرقة الصريحة بين المجالت الروحانية والمجالت‬
‫الدنيوية‪ ،‬فقد اختلطت المعرفة المدنية بالمعرفة الدينية الى حد كبير فى تاريخ السلم‪ ،‬وهى حقيقة‬
‫اعتبرها بعض المسلمين العقلنيين المعتدلين من أمثال احمد خان‪ ،‬ظاهرة مؤسفة ومتعارضة مع‬
‫السلم‪ .‬تركزت جهود المسلمين العقلنيين حول محاولت الفصل بين المجالين‪ .‬من أجل تخفيف‬
‫حدة الجدل المتزايدة‪ ،‬والرتباك الواقع حول معظم الموضوعات‪ .‬فعلى سبيل المثال تزايدت الحيرة‬
‫حول مفهوم لفظ المعرفة "عِلم"‪ ،‬ومما يذكر فى هذا الصدد أن فرانز روزنتال(‪Franz‬‬
‫‪ )Rosenthal‬قام بحصر ‪ 107‬مفهوم مختلف له كما قام احد الساتذة العرب فى القرن السادس‬
‫عشر بسرد ‪ 316‬تعريفا له‪ .‬وعلى الساتذة المسلمين المعاصرين ان يتوصلوا‪ ،‬ويتفقوا‪ ،‬ويحددوا‬
‫رؤيتهم عن تفسير الـ"علم" كما ورد بالقرآن‪ ،‬وعلقته بمختلف أوجه المعرفة فى شتى فروع‬
‫المعرفة الحديثة‪.‬‬
‫من أجل التفرقة بين مجالت الدين والعلم‪ ،‬لبد من التفاق على أن العلم ما هو الى منطق مرتب‬
‫لفهم العالم المادى‪ ،‬أما الدين‪ ،‬فهو احتضان ُمبَرر ومناسب للمنطق فيما يتعلق بكل التساؤلت‬
‫الواقعة خارج نطاق العلم‪ ،‬مثل ‪ :‬لماذا وجد العالم ؟أو " ما هدف الحياة؟"‪ .‬ان العلم الحديث‪ ،‬يتفق‬
‫تماما مع كل من اليمان بالدين واللحاد‪ ،‬تعنى هذه الصراحة قدرا كبيرا من حرية التفسير‪ .‬ل‬
‫وجه للتناقض‪ ،‬إل اذا تداخلت المجالت بفعل فاعل كما يحدث عندما يتمسك أحد رجال الدين بإبداء‬

‫‪183‬‬

‫رأيه فى مسائل خارجة عن نطاقه‪ ،‬انما تدخل بالكامل فى نطاق المعالجة العلمية‪ .‬يجب أن يتنامى‬
‫الوعى بأن أى تعديل فى مفهوم الدين ل يرقى اطلقا الى الغاء الدين ونفيه‪ .‬إن تغيير النظرة‬
‫العلمية ‪-‬مثل ما حدث من تفوق للميكانيكا الكمية على الرؤية الكلسيكية فى حينها للمور‪ -‬تم‬
‫قبوله بوجه عام على أنه انتصار للعلم‪ .‬فى المقابل‪ ،‬فإن اى تغيير فى الرؤية الدينية مثل قبول‬
‫الفيضان العظيم كمجرد رمز وليس كحقيقة فعلية مستندة الى النص‪ ،‬يهدم العقيدة كلها‪ ،‬فل يجب‬
‫النظر الى تلك المور على أنها انتصار لجانب على الجانب الخر‪ ،‬بل هى اما انتصار كامل او‬
‫هزيمة كاملة‪ ،‬ليس بالنسبة للطراف المتنازعة فقط‪ ،‬ولكن بالنسبة للبشرية جميعا‪ .‬تجب متابعة‬
‫العلم بكل جدية ليس فقط من اجل التقدم‪ ،‬بل أيضا من أجل الستنارة العقلية‪ ،‬ويجب التأكيد على أن‬
‫العلم ليس بديل عن الدين بحال من الحوال‪ ،‬كما أنه ل يمثل منظومة اخلقية بذاته فالعلم يقدم‬
‫هيكل ونموذجا لحساب المور وتقديرها‪ ،‬ول يعرف شيئا عن العدالة أو الجمال أو الحساس‪.‬‬
‫يخطئ البعض حين ينظرون الى العلم بنظرة ضيقة‪ ،‬فيقدسونه ويرفعونه الى مرتبة الخلقيات‬
‫والقيم‪ ،‬فلم تنتج هذه النظرة سوى الفراغ العاطفى فى الحضارة التكنولوجية‪ ،‬والسعى من اجل‬
‫الحصول على اسلحة الدمار‪ ،‬اضافة الى التدمير القاسى للبيئة باسم التقدم القتصادى والجتماعى‬
‫بين البشر‪ .‬ل بد من محاربة هذا اللبس بنفس قوة الكفاح من اجل العقلنية‪ ،‬مع مراعاة أن أرض‬
‫المعركة من أجل تصحيح النظرة المعيبة للعلم‪ ،‬تقع فى الغرب‪ ،‬فى حين تقع احداث معركة‬
‫العقلنية فى الشرق‪.‬‬
‫رابعا‪ :‬يجب القرار الواضح بعدم وجود قانون فى الطبيعة يقصر التقدم العلمى والتكنولوجى على‬
‫دول الغرب‪ .‬فالعلم والتكنولوجيا ليسا بحال من الحوال تحت إمرة‪ ،‬أو فى خدمة مصالح الغرب‬
‫السياسية أو القومية‪ .‬كذلك ل يوجد سبب لقبول عدم المساواة الواقع بين الدول أو بداخلها‪ -‬كما لو‬
‫كانت بأمر إلهى‪ .‬ل بد من ازالة تلك الفوارق بقدر المستطاع حيث أن البشرفى جميع أنحاء العالم‬
‫متساوون فى القدرات ويجب أن يكون لهم نفس الحقوق‪.‬‬
‫يتطلب المر تجريد مراكز الهيمنة من اسلحتها‪ ،‬هذه المراكز التى ل تسمح فقط‪ ،‬بقهر‬
‫وإمتهان الدول‪ ،‬بل تسمح بذلك ايضا بين شرائح المجتمع المختلفة‪ .‬تبدو هذه النقطة الخيرة‬
‫واضحة تماما فى الدول النامية‪ ،‬حيث تشاهد الفوارق الصارخة بين رفاهية الطبقة العسكرية‬
‫الحاكمة وبين باقى افراد الشعب‪ .‬كذلك يتطلب التقدم نحو الحداثة تشجيع الجماهير على الشتراك‬
‫فى التخطيط والتنفيذ كلما اتيح ذلك‪ .‬فالعتماد على الناس‪ ،‬فى حقيقته تعبير عن احترام الموروث‬
‫الحضارى‪ ،‬حيث انهم وحدهم حملة الحضارة والتقاليد‪ .‬فى نفس الوقت‪ ،‬يجب اتخاذ الحذر الشديد‬
‫فليست كل التقاليد ايجابية بالضرورة ول تؤدى كلها للتقدم‪.‬‬

‫‪184‬‬

‫يجوز للمرء أن يتفاءل بشأن انتصار المنطق حتى ولو بدت المور على غير ذلك‪ .‬فبرغم‬
‫ما قد يبدو أحيانا من ضعف قوة المنطق‪ ،‬إل أنه مستمر ودائما ما يتحرك فى اتجاه واحد‪ .‬وعلى‬
‫العكس فقوى اللمنطق تتصارع باستمرار صراعا عقيما للقضاء على بعضها‪ .‬يشهد التاريخ أن‬
‫البشرية لم تتقدم كجسد واحد‪ ،‬بل لم يأت اى تقدم ال بعد صراع طويل بين قوى المنطق‬
‫واللمنطق وبين من ينشدون النور وبين من يخافونه‪ .‬ان أهداف المعركة القادمة واضحة‪ ،‬وتدور‬
‫حول إثراء الحياة وإعلء الكرامة النسانية وتحرير روح البداع والدفاع عن الحرية‪.‬‬
‫فى الختام‪ ،‬أود أن أذكر ان الهدف من هذا الكتاب لم يكن أبدا السعى للحكم على العقيدة‬
‫السلمية من واقع التخلف العلمى للدول السلمية‪.‬قد تبدو هذه الملحظة غير لزمة لثلثة‬
‫اسباب‪ ،‬السبب الول أن هناك اتفاق عام بين المسلمين على ان السلم فى صورته الحقة ل‬
‫يمارس فى أى مكان فى العالم‪ .‬من ثم‪ ،‬ومن وجهة النظر هذه‪ ،‬فل علقة بين وقائع الحاضر‬
‫والمثاليات السلمية‪ .‬السبب الثانى يكمن فى وجود تفسيرات متعددة للعقيدة بما يسمح بالفصل التام‬
‫بين العالم الذى نعيشه وبين العالم الخر‪ ،‬بما يسمح بالتوافق مع الفكر العلمى‪ .‬السبب الثالث‬
‫والخير أن النجاح المادى للتباع المخلصين لى عقيدة‪ ،‬ليفيد شيئا عن مدى صدق أو صلح‬
‫دينهم‪.‬‬
‫للنقطة الخيرة أهمية خاصة‪ ،‬ولتقدير أهميتها علينا ان نتذكر انه عندما وصلت العقيدة‬
‫البوذية الى اليابان فى القرن السادس الميلدى‪ ،‬ساور الحكومة كثير من الشك حول صدقها‪،‬‬
‫فأمرت أحد رجال الحاشية بتبنيها على سبيل التجربة‪ ،‬بحيث يتم تبنيها وتعميمها اذا تحسنت أحواله‬
‫وازدهرت أعماله‪ ،‬وإل فلترجع الديانة بأدب من حيث أتت‪ .‬من الواضح أن هذا العتماد القاطع‬
‫على عنصر النجاح المادى لم يلق قبول واسعا‪ .‬فى الخلصة‪ ،‬فالحكم على السلم كعقيدة ل يتم‬
‫من خلل تقييم انجازات أو سقطات أتباعه‪.‬‬

‫‪185‬‬

‫ملحق‬
‫يسمونه علما إسلميا‬
‫هذا الملحق عبارة عن مقالة معدلة‪ ،‬انشرها هنا بعد موافقة مجلة هيرالد الشهرية التى‬
‫تصدر فى كراتشى حيث نشرت أصل المقال فى يناير ‪.1988‬‬
‫ظهر فى السنوات الخيرة أحد العراض البارزة للصولية الدينية‪ ،‬يتكون فى جوهره فى‬
‫محاولة لنشر مجال السلمة فى باكستان الى ما هو أبعد من دوائر الهتمامات الجتماعية‪ ،‬بحيث‬
‫تشمل ايضا مجال الظواهر الطبيعية‪ ،‬ويسمونه علما اسلميا‪.‬‬
‫نهض فجأة هذا المارد من مخلفات العصور الوسطى البائدة منذ زمن طويل‪ .‬ينشد هذا‬
‫الـ"علم" الجديد إثبات ان كل ما هو متاح من علم ومعرفة اليوم‪ ،‬قد جرى التنبؤ به منذ ‪1400‬‬
‫سنة‪ ،‬كما يزعم أن كل التوقعات العلمية يمكن الوصول اليها من دراسة الكتاب المقدس‪ .‬ومرة‬
‫اخرى‪ ،‬كما حدث فى العصور الوسطى‪ ،‬تُوج الفقه ملكا على رأس العلوم‪ .‬يأتى الدعم المادى‬
‫بسخاء من بعض الدول السلمية‪ ،‬سواء من خلل بعض الشخصيات المرموقة أو المؤسسات‬
‫الكبرى‪ .‬لقد أتى هؤلء بشئ وقدموه على أنه البديل السلمى لمواجهة تحديات العلم الغربى‬
‫الحديث‪ .‬وعلى حد تعبير انصار ذلك التيار فل مكان للعلوم المدنية العادية فى ارض الطهار‪ ،‬كما‬
‫يجب اعادة ذلك العلم‪ ،‬بالضافة الى كل المنتجات الغبية لحضارات بل آلهه مثل الرأسمالية‬
‫والشتراكية والديمقراطية‪ ،‬الى مصدرها فى الغرب حيث يجب أن تكون‪.‬‬
‫مؤتـمر المعجــزات العلــمية ‪:‬‬

‫‪186‬‬

‫كان لى شرف مراقبة العلم السلمى الجديد عن قرب‪ ،‬حيث واتتنى الفرصة عندما عقد‬
‫المؤتمر الدولى للمعجزات العلمية فى القرآن والسنة (‪International conference on‬‬
‫‪ ، (Scientific Miracles of Qu'ran and Sunnah‬تحت رعاية الرئيس الجنرال ضياء الحق‪،‬‬
‫فى اسلم أباد فى ‪ 18‬اكتوبر ‪ .1987‬وحضره المئات من مختلف الدول السلمية‪ .‬شارك فى‬
‫تنظيم هذا الحدث الضخم‪ ،‬كل من الجامعة السلمية الدولية بإسلم أباد‪ ،‬ومؤسسة المعجزات‬
‫العلمية بمكة‪ .‬كانت الترتيبات رائعة بل شك‪ ،‬ولحسن الحظ اذيع ان التكاليف الباهظة لن يكون لها‬
‫أثر على دافعى الضرائب‪ ،‬حيث ساهمت الحكومة السعودية الشقيقة بنصف تكاليف المؤتمر المقدرة‬
‫بربعمائة الف دولر‪ .‬جدير بالذكر أن الحكومة السعودية كثيرا ما قامت بدعم مثل هذه النشطة‬
‫النبيلة‪ .‬وحتى ل يذهب الظن الى ان هذا المؤتمر كان واقعة فريدة أو مجرد نزوة عابرة‪ ،‬فأود لفت‬
‫النظر الى مؤتمرين سابقين فى نفس الطار عقدا فى كراتشى منذ شهور قليلة‪ ،‬اضافة الى عدد‬
‫غير قليل قبل ذلك‪ .‬ول شك فى وجود النوايا لتنظيم مؤتمرات مشابهة فى المستقبل وسيأخذون‬
‫مكانهم المناسب فى التاريخ‪.‬‬
‫أتاح لى‪ ،‬مؤتمر المعجزات العلمية فرصة مدهشة للتطلع فى المواضيع والهتمامات التى‬
‫تعنى العالم السلمى الجديد‪ .‬يرجى من القارئ بكل اخلص ان يطلع بنفسه على الصدارات‬
‫المنشورة التى تتضمن البحاث الرائدة التى القيت فى تلك المؤتمرات‪ .‬فيما يلى مجرد قائمة موجزة‬
‫ببعض العناوين المثيرة لبعض المقالت التى عرضت فى مؤتمر المعجزات العلمية‪ ،‬والتى توحى‬
‫بالكثير فى حد ذاتها‪:‬‬
‫‪-1‬التركيب الكيميائى للجن وعلقته بسورة النحل فى القرآن الكريم‪.‬‬
‫‪-2‬وصف النسان فى طبقات الجو العليا فى القرآن‪.‬‬
‫‪-3‬وصف السحاب المتراكم فى القرآن‪.‬‬
‫‪-4‬هل راقبت النار؟‬
‫‪-5‬الكشف عن بعض الظواهر الحديثة للمحيطات فى القرآن الكريم‬
‫القى المشاركون الورعون الملتحون‪ 65 ،‬بحثا مماثل‪ ،‬جرت مناقشتهم بكل جدية‪ .‬بصفتى‬
‫مجرد أحد الحضور‪ ،‬فقد أحسست بحيرة شديدة‪ ،‬حيث تميزت عناوين بعض الجلسات بإبهامها‬
‫الشديد‪ .‬على سبيل المثال‪ ،‬كانت هناك إحدى ندوات الحوار التى خصص لها " وقت ما" فى‬
‫المساء بعد صلة العشاء‪ ،‬كان عنوانها "ندوة للنقاش حول اشياء ل يعلمها إل ال"‪ .‬لم اتمكن من‬
‫حضورها لكنى لم أتوقف عن التساؤل حول ماهية تلك السرار التى سيبحثها المشاركون‪.‬‬
‫الستنتاجات المدهشة للعلم السلمى‬

‫‪187‬‬

‫يقال أن بعض انجازات العلم الحديث معقدة الى حد ما ويصعب فهمها‪ .‬قد يكون ذلك‬
‫صحيحا ال أن انجازات العلم السلمى اصعب بكثير وتستعصى على الستيعاب يرجى من‬
‫القارئ الرجوع الى أصل البحوث التى القيت فى تلك المؤتمرات وأن يتمعن فيها‪ ،‬وله أن‬
‫يخلص الى ما يشاء من استنتاجات‪ .‬فيما يلى مختارات من هذه البحوث‪:‬‬
‫•القى الدكتور محمد مطلب‪ ،‬الذى يقوم بتدريس علوم الرض بجامعة الزهر‬
‫المشهورة بالقاهرة بحثا مستفيضا عن علقة الظواهر والحقائق الجيولوجية باليات‬
‫القرآنية ( مرجع ‪ .)1‬لم يكن البحث سهل على فهم العالِم العادى‪ ،‬كما أنه مازال‬
‫محيرا لى‪ .‬على حد قول الدكتور‪ ،‬فإن للجبال جذورا فى الرض وال جعلها‬
‫كالوتاد التى تشد اليها الخيام لتثبتها وتمنعها من الطيران مع الرياح‪ .‬ويؤكد أنه‬
‫بدون الجبال فإن دوران الرض سيتسبب فى بعثرة كل شيء‪ .‬من ثم تقع الكارثة‬
‫الكاملة‪ ،‬فل ارض بدون وجود الجبال‪.‬‬
‫أود أن أقر بانى أجد هذا الستنتاج مريبا الى حد ما‪ .‬حيث يبدو أن صاحب البحث المتعلم لم‬
‫يكن على دراية بظاهرة الجاذبية التى وقع نيوتن فى غرامها‪ .‬كلنا يعلم قدرا متفاوتا من علم‬
‫الفيزياء العادية‪ ،‬التى تخبرنا بأن قوة الجاذبية الرضية تفوق بكثير قوة الطرد المركزى الناتجة‬
‫من دوران الرض حول نفسها‪ .‬لو صح العكس‪ ،‬لتبعثرنا جميعا وانطلقنا فرادى نئز فى‬
‫الفضاء‪ .‬كذلك تشير الفيزياء أنه بإفتراض قيام كل الجرافات فى العالم بإزالة الجبال‬
‫وتسطيحها‪ ،‬فلن يؤثر هذا مطلقا على تماسك الرض‪ .‬من البديهى ان ذلك ل يعنى المطالبة‬
‫بفعل مثل تلك المأساة الجمالية والبيئية‪ .‬النقطة الساسية أن تشبيه الجبال بالوتاد قد يعطى‬
‫تشبيها مجازيا رائعا‪ ،‬فى الوقت الذى ل يمثل فيه أية دللة فعلية‪ .‬على اية حال‪ ،‬إذا كان الكون‬
‫يجرى حسب قوانين فيزياء الدكتور مطلب‪ ،‬غير الطبيعية‪ ،‬وليس بناءا على الفيزياء المعتادة‪،‬‬
‫فل شك أن نقدى لطروحته يقف بل أساس‪.‬‬
‫•تناول بحث آخر من ضمن ما قدم فى مؤتمر المعجزات العلمية‪ ،‬موضوع فى غاية‬
‫الهمية‪ ،‬بطريقة غير طبيعية بشكل بارز‪ .‬قدم المهندس الفقى من مصر دليل‬
‫مثيرا‪ ،‬مستخلصا من خبرته التى اكتسبها أثناء خدمته العسكرية فى اثناء الحرب‬
‫فيما يتعلق بالقذائف الصاروخية المضادة للدبابات‪ ،‬فال يريد منا ان نستخدم أغلفة‬
‫القذائف النحاسية الخاوية للقضاء على من يتجاسر من النس أو الجن بالمغامرة‬
‫فى سفن الفضاء والتعدى على مناطق محرمة من السماء (مرجع ‪،)2‬أما عن‬
‫السبب وراء استخدام أغلفة القذائف الخاوية بدل من المشحونة بالمتفجرات‪،‬‬

‫‪188‬‬

‫فيتفضل هذا المهندس التقى بتقديم حجته – المقنعة تماما فى رايه ‪ -‬بأن الغلفة‬
‫الفارغة تسمح بتنامى موجات الصدمات المدمرة بكفاءة أكثر كثيرا من الغلفة‬
‫المشحونة‪ ،‬وبما أن الحكمة اللهية‪ ،‬كاملة من جميع النواحى‪ ،‬بما فى ذلك اختيار‬
‫المواد المناسبة للقذائف السماوية‪ ،‬بناءا على ذلك فالغلفة النحاسية الفارغة ل بد‬
‫وأن تكون هى الختيار اللهى‪ .‬كل هذا يبدو رائعا جدا فيما عدا ملحظة واحدة‪،‬‬
‫ارجو أن ل تؤخذ بمعنى الحط من قدر العمل‪ ،‬حيث يرى خبراء السلحة أن زمن‬
‫الغلفة النحاسية قد انتهى‪ ،‬وتحولت الصناعة الى استخدام سبيكة من الموليبدينوم‬
‫لتميزها‪ .‬فهل تُصنع القذائف السماوية من النحاس حسب "المودة" القديمة أم‬
‫سيستخدم الموليبدينوم بدل منه ؟ يبدو انه سؤال صعب‪.‬‬
‫•يعتبر النفاق بكل تأكيد من المشاكل المستوطنة فى مجتمعنا‪ .‬تقع هذه الحقيقة محل‬
‫موافقة غالبية الناس‪ ،‬ورغم هذا فل يوجد إل ندرة قليلة ممن لديهم الموهبة أو‬
‫الشجاعة الكافية لتطبيق المعادلت الرياضية على هذه المسالة‪ .‬إل أنه حدث فى‬
‫الندوة الدولية عن القرآن والعلم‪ ،‬التى عقدت فى باكستان فى يونيو ‪ 1986‬ونظمها‬
‫التحاد الباكستانى للعلماء وأصحاب المهن العلمية‪ ،‬ان عرض احد العلماء‬
‫الشجعان نظرية جسورة جديدة عن النفاق(مرجع ‪ ،)3‬حيث قام الدكتور أرشاد على‬
‫بيج ( ‪ ،)Arshad Ali Beg‬العالم الكبير بالمجلس الباكستانى للبحوث العلمية‬
‫والصناعية‪ ،‬بعرض معادلته الرياضية التى يقول أنها قادرة على قياس درجة‬
‫النفاق فى المجتمع‪ .‬ترتكز معادلة هذا العالم المسلم على التشابه بين قوى‬
‫الستقطاب المؤثرة على جزيئات ذائبة فى محلول ما‪ ،‬والقوى المؤثرة على‬
‫الشخاص فى المجتمع‪ .‬بناءا عليه‪ ،‬فكل شيئ يتم من خلل معادلت كيميائية مثل‬
‫كفار ‪ +‬تعليم الدين‬

‫مجتمع متدين‪ .‬يمكن للقارئ أن يرجع الى التفاصيل فى‬

‫البحث ذاته‪ ،‬يكفى هنا إلقاء نظرة سريعة على نتائجه التى جاء بها‪ ،‬ان قيمة النفاق‬
‫فى المجتمع الغربى تصل الى ‪ ،22‬فى الوقت الذى تصل فيه فى أسبانيا والبرتغال‬
‫الى ‪ .14‬من اللفت للنظر‪ ،‬إغفال ذكر النفاق فى المجتمع الباكستانى الذى يُزعم‬
‫احيانا أنه يدار بالمنافقين‪ .‬برغم كل شيئ‪ ،‬فمن المؤكد أن القارئ سيقر بما فى‬
‫عمل الدكتور من طرافة وحداثة ويغفر له الغفلت البسيطة‪.‬‬
‫•يبدو أن الستاذ سالم محمود‪ ،‬رئيس المنظمة الباكستانية للفضاء – المماثلة لوكالة‬
‫الفضاء المريكية ناسا‪ -‬من المتحولين حديثا الى العلم السلمى الجديد‪ .‬إقترح فى‬

‫‪189‬‬

‫ورقة له فى مؤتمر كراتشى للقرآن والعلم‪ ،‬استعمال نظرية النسبية ل ينشتاين‬
‫لتفسير المعراج‪ .‬كما يعلم كل المؤمنين‪ ،‬فإن المعراج لم يستغرق زمنا يذكر‪ ،‬حتى‬
‫أن بعض الروايات تذكر أن السلسلة المعلقة على باب الرسول (صلعم) كانت ما‬
‫تزال تهتز عند عودته من المعراج‪ .‬ذهب العديد من المفسرين كما جاء ايضا فى‬
‫احد الفلم اللمعة التى انتجتها الجامعة السلمية الدولية‪ ،‬الى اعتبار قصر الوقت‬
‫دليل على نسبية تمدد الزمن‪ .‬جدير بالذكر أن ظاهرة تمدد الزمن من الظواهر التى‬
‫يعرفها الفيزيائيين‪ .‬بكل أسف‪ ،‬هناك مشكلة بسيطة فى هذا التفسير‪ .‬لن نظرية‬
‫النسبية فى حقيقتها تشير بعكس ما ظن صاحب الرئاسة‪ .‬حيث تنص جميع الكتب‬
‫الخاصة بنظرية النسبية‪ ،‬بل استثناء‪ ،‬على مرور مزيد من الوقت على الشخص‬
‫الساكن مقارنة بمن يرحل ويعود فى رحلة طويلة بسرعات عالية‪ .‬لعله كان من‬
‫المستحسن قيام سيادة الرئيس الموقر‪ ،‬بإستقطاع بعض من وقته لدراسة مبادئ‬
‫نظرية النسبية قبل اندفاعه الحماسى بإقتراحها لحل الغوامض العقائدية‪ .‬لعله ايضا‬
‫من الممكن تحسين برنامج الفضاء الباكستانى الهزيل‪ ،‬باللتفات الى بحوث الفضاء‬
‫المادية بدل من الهتمام بالديناميكيات الروحانية‪.‬‬
‫•تصدر كل ثلثة شهور من إسلم اباد مجلة علمية محترمة بإسم " العلم‬
‫والتكنولوجيا فى العالم السلمى"‪ ،‬وهى من الدعامات الهامة لنشر العلم السلمى‬
‫الجديد‪ .‬يضم تشكيل هيئة تحرير المجلة عددا من السماء البارزة فى المؤسسة‬
‫العلمية الباكستانية‪ ،‬فهم الذين يحددون مصير العلم فى باكستان من خلل قراراتهم‬
‫السياسية ويمولون المشاريع البحثية‪ ،‬وينشئون المعاهد والمؤسسات الخ‪ .‬فيما يلى‬
‫عينة من القالت التى يبدو أنها حازت إعجابهم‪ ،‬ونُشرت بالفعل بالمجلة فى‬
‫أعدادها الحديثة‪:‬‬
‫‪-1‬بعض اليات القرآنية المحتوية على مرجعيات للعلم والتكنولوجيا‪.‬‬
‫‪-2‬تناسق الكون‪ ،‬والقواعد القرآنية بالخلق فى أزواج‪.‬‬
‫‪-3‬بعض الحاديث المحتوية على مرجعيات للجهاد‬
‫‪-4‬طريقة رسم الحروف المعبرة عن اسم إثنين من البنوك الباكستانية‬
‫ودللتها‪.‬‬
‫‪-5‬ثنائية النسان والجن ومصيرهما‪.‬‬

‫‪190‬‬

‫يبدو أن العلم العادى والتكنولوجيا ل يدخلن ضمن اهتمامات تلك المجلة الرائدة‪ ،‬كما‬
‫انها تستعيض بمقالتها المبتكرة عن المتعارف عليه من باقى العلوم‪ .‬على سبيل المثال‪،‬‬
‫فإن صاحب البحث الخير فى القائمة المذكورة اعله‪ ،‬هو الدكتور سافدار يانج‬
‫راجبوت (‪ ،)Safdar Jang Rajput‬أحد العلماء الكبار بمنظمة الدفاع للعلم‬
‫والتكنولوجيا ( مرجع ‪.)5‬‬
‫نقطة البداية فى البحث معروفة بالتأكيد لدى كل القراء‪ ،‬أن ال خلق الجن من نار فى‬
‫الوقت الذى خلق فيه النسان من طين ( أو طين أسود كما يقول البعض)‪ .‬يرى‬
‫المؤلف فى هذه المخلوقات النارية‪ ،‬حقيقة حية‪ ،‬كما أن أمرها يستحوذ تماما على فكره‬
‫للدرجة التى يجعل منها موضوع بحثه‪ .‬فيما يلى موجز لنتائجه الساسية فى عالم‬
‫الجن‪:‬‬
‫‪-1‬من المحتمل جدا أن يكون أصل الجن من غاز الميثان‪ ،‬إضافة الى‬
‫بعض مركبات الـ هيدرو كاربون المشبعة‪ ،‬ذلك لن احتراق هذه‬
‫المركبات‪ ،‬ينتج نارا بل دخان‪ .‬هذا الستنتاج قائم على الحقيقة‬
‫المعروفة بأن ال خلق الجن من نار‪ .‬إضافة الى الحقيقة الخرى‬
‫المعروفة بعدم مشاهدة أى دخان عند احتراق الجن‪.‬‬
‫‪-2‬إن بكورة وجمال حوريات الجنة حقيقة معروفة‪ ،‬أضف إليها أنهن‬
‫خلقن للستعمال‪ ،‬ولن المستعمِل يمكن أن يكون إما من الرجال وإما‬
‫من الجن‪ ،‬بناءا على ذلك فالرجال والجن متشابهان وتتماثل صفاتهم‬
‫الوراثية ( الجينات)‬
‫‪-3‬بعد مناقشة مجهدة تأتى الخلصة فيما يتعلق بطبيعة الجن كما يلى‪" :‬ل‬
‫أملك إل أن أقول بأن الجن هم الجناس ( البشرية) البيضاء" (مرجع‬
‫‪.)6‬‬
‫ليقف الدكتور راجبوت منفردا بين العلماء الباكستانيين الكبار‪ ،‬من حيث إهتمامه‬
‫العميق بالجن‪ ،‬هناك أيضا الستاذ بشير الدين محمود ( ‪Bashiruddin‬‬
‫‪ ،) Mahmood‬المدير الكبير لهيئة الطاقة الذرية الباكستانية‪ ،‬الذى تقدم بنصيحته فى‬
‫عام ‪ 1980‬بوجوب البحث عن وسيلة للحصول على طاقة الجن باعتبارها مخلوقات‬
‫نارية‪ ،‬ثم التحكم فيها وضخها وبذلك يتم حل مشاكل الطاقة فى باكستان‪( .‬أنظر‬
‫الخطابات الملحقة بهذا الملحق والتى تتناول هذه النقطة بالحوار)‪.‬‬

‫‪191‬‬

‫•ما حدث عام ‪ 1983‬فى مؤتمر العلم السلمى بإسلم اباد كان أشبه بالقصص‬
‫الخرافية‪ ،‬زعم المندوب اللمانى أنه قام بقياس "زاوية ال" بإستعمال الرياضيات‬
‫الخاصة بتخطيط ومسح الراضى‪ .‬كما حدد الزاوية بأنها "ط"‪/‬ن (‪ )pi/N‬حيث‬
‫ط‪ 3.1415927 =72‬وأما "ن" فلم يحددها‪ .‬من حق من يقرأ الكتاب أن يتشاءم‪.‬‬
‫كيف يمكن لى شخص أن يفكر فى قياس شيئ بهذا الشذوذ؟‪ -‬للتخلص من أية‬
‫شكوك فإنى أقترح على القارئ أن يرجع الى صفحة ‪ 82‬من كتيب المؤتمر‪،‬‬
‫الخاص بموجز البحوث‪ ،‬الذى نشرته وزارة العلم والتكنولوجيا الباكستانية عام‬
‫‪ .1983‬ل يبقى بعد ذلك إل أن يتشكك النسان فى صحة عينيه‪ .‬للقارئ أيضا أن‬
‫يتأكد أن هذا المعتوه تمت استضافته بالكامل على نفقة الحكومة الباكستانية‪.‬‬
‫يبدو أن هناك سببان منعا مساءلة الرجل وإدانته على اباطيله‪ ،‬السبب الول أن تفاهاته‬
‫لم تكن مترابطة بأى صورة من الصور بحيث لم يع الناس شيئا مما كان يقول‪،‬‬
‫والسبب الثانى أنه لم يكن وحده فى سباق المتسلقين‪.‬‬
‫هـل هــذا عــلم ؟‬
‫ينظر النسان المتعلم من خارج المناخ الصارم للصولية‪ ،‬الى هذه البحوث على أنها‬
‫غمغمة ل معنى لها لعقول مريضة‪ .‬كذلك له ان يقترح استشارة بعض الطباء‬
‫النفسانين الكبار‪ .‬قد يرفض بعض الناقدين بغضب هذا النوع الجديد من العلم المسمى‬
‫بالعلم السلمى‪ ،‬ول يعتبرونه علما من الساس‪ .‬لكن هذا السلوب من النقد قد ل‬
‫يكون عادل‪ ،‬ذلك لن مفهوم العلم قد يختلف عند بعض الناس عن غيرهم‪ .‬للنتهاء من‬
‫هذه البلبلة‪ ،‬يجب أول تحديد مفهوم العلم الحديث‪ ،‬ثم النظر بعدها فى أمر ما يسمونه‬
‫بالعلم السلمى‪.‬‬
‫يتكون العلم الحديث من منظومة من القواعد‪ ،‬يسعى النسان من خللها الى مزيد من‬
‫الفهم العقلنى للكون المادى‪ ،‬وهو يستمد قوته الضخمة وسلطانه بالكامل من أسلوب‬
‫يجمع بين المشاهدة والستدلل‪ .‬كما أن كل المعرفة العلمية مشيدة على الساس‬
‫الموضوعى القائم على خبراتنا الحسية‪ .‬أصبحت الموضوعية ممكنة لن التجربة‬
‫والتوافق المنطقى هما الحكام الوحيدين للحقيقة‪ .‬لدخل لميول العالم ومزاجه الخاص أو‬
‫أخلقياته‪ ،‬أو إنتمائه السياسى أو القومى‪ ،‬ول حتى مركزه فى عالم العلم‪.‬‬
‫‪ 72‬ط بالعربية أو(‪ ) pi‬باللتينية وهو رقم ثابت يعبر عن العلقة بين محيط الدائرة وقطرها‪(.‬المترجم)‬

‫‪192‬‬

‫تقول الحقيقة التى ل خلف عليها أن العلم الحديث‪ ،‬علم مدنى (علمانى) فى طبيعته‪،‬‬
‫سيان إذا قبل بعض الناس بذلك أو رفضوه‪ ،‬ثم أن التيقن من الحقائق العلمية ل يحتاج‬
‫إلى اللجوء الى السلطة المقدسة‪ ،‬فوجود هذه السلطة ل يتأكد ول ينتفى‪ .‬على أية حال‪،‬‬
‫ل يمكن انكار وجود بعض فرادى العلماء من المتدينين بشدة ممن تذهلهم أسباب‬
‫الوجود‪ ،‬ودقة الكون ونظامه‪ ،‬ويكفى أن نذكر هنا‪ ،‬رجال‪ ،‬المفترض أنهم من مؤسسى‬
‫العلم الحديث‪ ،‬مثل جاليليو ونيوتن الذين كانوا من المتدينين بشدة‪ .‬وعلى الرغم من‬
‫ذلك فقد ذهب كل من العلم‪ ،‬والدين فى طريقه منذ بداية إعلن الفُرقة على أيدى الثورة‬
‫الكوبرنيكية فى القرن السابع عشر‪.‬‬
‫ناتى هنا إلى مثل معاصر‪ ،‬يوضح بجلء النقطة السابقة‪ .‬فى عام ‪ ،1979‬منحت جائزة‬
‫نوبل للعلوم الفيزائية لكل من عبد السلم‪ ،‬ستيفين فاينبرج وشيلدون جلشو‪ ،‬لتوصلهم الى النظرية‬
‫الساسية لتوحيد القوتين الرئيسيتين فى الطبيعة‪ ( ،‬القوة الضعيفة‪ ،‬والقوة الكهرومغناطيسية)‬
‫المعروفة باسم نظرية عبد السلم – فاينبرج‪ ،‬وهى تعد واحدة من أكبر إكتشافات القرن‪ .‬بالنظر‬
‫إلى النتماءات العقائدية للمكتشفين‪ ،‬نجد عبد السلم مواظب على صلواته‪ ،‬دائب على ترديد‬
‫القتباسات من القرآن للدرجة التى اقلقت حتى بعض الذين يتمنون له الخير‪ ،‬ذلك نظرا لتحمسه‬
‫الشديد وإخلصه لمذهبه الحمدى‪ .‬تجدر الشارة إلي أن هذا المذهب قد تم تحريمه عام ‪،1974‬‬
‫وعليه فل يعتبر عبد السلم مسلما فى باكستان‪ .‬لكن ذلك لم يفت من عزيمته‪ ،‬بل قواها‪ .‬من ناحية‬
‫أخرى نجد فاينبرج يهودى بالمولد لكنه ملحد بكل المقاييس‪ ،‬ويرى الكون على أنه حقيقة وجودية‪،‬‬
‫خالية من أى منطق أو غرض‪ .‬كانت بين هذين العالمين العباقرة‪ ،‬فجوة عميقة فيما يتعلق بمبادئهم‬
‫العقائدية‪ ،‬إل أنها لم تمنع وصولهما فى نفس الوقت‪ ،‬الى نفس النظرية الفيزيائية‪.‬‬
‫النقـــد ‪ :‬أحـد عناصـر العــلم‪:‬‬
‫ياترى‪ ،‬كيف تتسنى التفرقة بين العلم‪ ،‬والل علم؟ بأسلوب آخر‪ ،‬ما هى المقومات اللزمة‬
‫للرتقاء بمنظومة من القتراحات الى مستوى النظرية العلمية ؟ يراعى أن المسألة لم تستقر تماما‬
‫حتى الن‪ ،‬إل أن أحد العناصر الملفتة‪ ،‬يكمن فى وجود قاعدة النقض‪ ،‬التى أعلنها بوضوح‬
‫فيلسوف العلم النجليزى كارل بوبر (‪ ( )Sir Karl Popper‬مرجع ‪ )7‬حيث يقول إذا كان لنا أن‬
‫نسمى هذا أو ذاك‪ ،‬نظرية علمية‪ ،‬فل بد أن تكون قادرة على افراز توقعات قابلة لختبار صحتها‬
‫بالمشاهدة والتجربة‪ ،‬فإذا لم تأت النظرية بتوقع قابل للختبار‪ ،‬فل وسيلة إلي نقضها‪ .‬وأى نظرية‬
‫غير قابلة للنقض‪ ،‬هى ببساطة شديدة ليست نظرية علمية‪ .‬ليعنى ذلك بحال من الحوال أنها سيئة‬

‫‪193‬‬

‫أو خاطئة‪ ،‬أو أى شيء آخر‪ ،‬إنما يعنى فقط أنها ليست نظرية علمية‪ ،‬من البديهى أن أشياءا كثيرة‬
‫جيدة‪ -‬وقد تكون أجود الشياء فى الحياة – ل علقة لها على الطلق بالعلم‪.‬‬
‫يمكن توضيح قاعدة النقض بإستعمال نظرية أرسطو عن الماكن الطبيعية‪ .‬آمن أرسطو‬
‫بأن الحجر يسقط على الرض لن الرض هى أم وأصل الحجر‪ ،‬والحجر يود السقوط فى حضن‬
‫أمه‪ ،‬حيث أنه المكان الطبيعى الذى يود الحجر الذهاب إليه‪ .‬يجوز القاء سؤالين بهذا الشأن‪ ،‬السؤال‬
‫الول‪ ،‬هل هذه نظرية علمية ؟‪ .‬والسؤال الثانى‪ ،‬هل كان أرسطو على حق؟ فيما يتعلق بالسؤال‬
‫الول‪ ،‬فالجابة القاطعة بالنفى‪ .‬فنظرية أرسطو ل تخبرنا شيئا عن تسارع الحجر الساقط مع‬
‫مضى الوقت‪ ،‬أو سرعة سقوط الشياء الثقيلة مقابل الشياء الخفيفة‪ ،‬الخ‪ .‬إنها تشرح فقط سبب‬
‫السقوط‪ ،‬دون أن تعطى أية توقعات يمكن إخضاعها لية تجارب‪ ،‬ونظرا لعدم وجود وسيلة‬
‫لنقضها‪ ،‬فهى بالضرورة ليست نظرية علمية‪ .‬فيما يتعلق بالسؤال الثانى عن مدى صحتها أو‬
‫خطئها‪ ،‬فالجابة مثيرة حقا‪ :‬ل يعلم أحد‪ .‬قد يظن بعض القراء بأن لديهم الجابة بثقة شديدة‪ ،‬لكن‬
‫هل يملك أى منا برهانا قاطعا على أن الحجر ليس لديه ميل للنجذاب نحو الرض؟‪.‬‬
‫ندعو القارئ لمحاولة تطبيق عنصر النقض على ما سبق من أمثلة من العلم السلمي‪،‬‬
‫إضافة إلى ذلك فهناك المثل التالي‪:‬‬
‫يوضح الرسم البياني التالي( شكل ‪ )2‬والمعادلت الرياضية المبينة تحته‪ ،‬طريقة حساب‬
‫كمية " الثواب" التي يحصل عليها الفرد كلما زاد عدد المصليين بجواره‪ .‬يُذكر أن صاحب المعادلة‬
‫هو الدكتور م‪.‬م‪ .‬قريشى (‪ )M.M. Qureshi‬أحد العضاء الرواد بالمؤسسة العلمية الباكستانية‬
‫والرئيس السابق للمجلس الباكستانى للبحوث العلمية والصناعية‪ ،‬والرئيس السابق لقسم الفيزياء‬
‫بجامعة القائد عزام‪ ،‬والممثل الرسمى لباكستان في عدة محافل دولية إلخ‪ .‬يا ترى هل صاحب‬
‫"الدكترة" على صواب؟ ل يمكن لحد أن يحكم‪ ،‬وقد يكون علينا النتظار إلى يوم القيامة لنعرف‬
‫الجابة‪ .‬من المؤكد أن النظرية ليست نظرية علمية لستحالة تصميم أية تجربة لختبارها‪.‬‬

‫‪194‬‬

‫ملحوظة‪ :‬الشكل أعله والمعادلت الرياضية نسخة مصورة من الكتاب الصلى‬
‫المصدر ‪ :‬كتيب بحوث مؤتمر العلم السلمي ‪ ،1983‬الجزء الثاني‪ ،‬ص ‪)225‬‬
‫•نلقى الن بنظرة على الرسم رقم ‪ .3‬المنقول من كتاب بعنوان" آليات يوم القيامة‬
‫والحياة الخرة" لمؤلفه بشير الدين محمود‪ ،‬مدير هيئة الطاقة الذرية الباكستانية‪ ،‬الذي‬
‫أوكل إليه تصميم الجزاء الكبرى الهامة في المفاعل النووي‪ .‬يضع الدكتور في كتابه‬
‫النظريات حول كيفية تحول العالم ومراحل انتقاله من عالم الرواح وصول الى يوم‬

‫‪195‬‬

‫القيامة‪ .‬ويشرح كيف أن هذا مماثل لحدوث مجال مغناطيسى عند مرور تيار كهربائى‬
‫في سلك موصل للكهرباء‪ ،‬مع ما يلى ذلك من إنبعاث للموجات من أحد الهوائيات‪.‬‬
‫تُترك تجربة تطبيق عنصر النقض على هذا المثل لختيار القارئ ( ملحوظة الشكل‬
‫منقول هنا بحذافيره وبه خطأ مستتر‪ ،‬وتُرك على حاله‪ ،‬حيث كان سببا في بعض النقد‪،‬‬
‫اللذع الوارد ضمن الخطابات الملحقة بنهاية هذا الملحق)‪.‬‬
‫شكل ‪ :3‬الكون‪ ،‬بدايته ونهايته‬

‫ملحوظة‪ :‬أحد العلماء المسلمين يشرح مفهومه عن كيفية بداية الكون ونهايته‪ .‬ويقوم بتشبيه المسألة‬
‫بمرور تيار كهربائى في سلك‪ .‬في البداية لم يكن هناك نظام فى عالم الرواح‪ ،‬كمثل الليكترونات‬
‫المبعثرة في أحد السلك‪ ،‬ثم‪ ...‬وأخيرا تبعث الروح في عالم الخرة تماما كما تنبعث الموجات‬
‫الكهرومغناطيسية من الهوائيات بفعل حركة الليكترونات‬
‫‪Mechanics of the doomsday and life after death by- S. Bashiruddin‬‬
‫‪.Mahmood, published by the Holy Qur'an Research Foundation. Islamabad‬‬

‫‪196‬‬

‫ما هي حقيقة العلم السلمي ‪:‬‬
‫أرجو في محاولتي هذه‪ ،‬أن يتفق معي أنصار العلم السلمي على أن هدفه دينى من‬
‫الساس‪ .‬يلحظ أن السبعين بحثا التي قُبلت وقُدمت في مؤتمر المعجزات‪ ،‬ثم تحكيمها أول من قبل‬
‫المحكمين المتدينين بالجامعة السلمية بإسلم أباد للتأكد من صحتها الدينية‪ ،‬في المقابل لم تعرض‬
‫على أية لجنة علمية لبداء الرأى في صحتها العلمية‪.‬‬
‫إن مجالت وإستنتاجات العلم السلمي الجديد واضحة تماما‪ ،‬فهو يسعى لتأكيد ما هو‬
‫معروف بالفعل ول يسعى للبحث عن المجهول‪ .‬كذلك ل يسعى لستنباط قواعد رياضية جديدة‪،‬‬
‫وعلى ذلك فل يمكن تصميم تجارب جديدة لختبارها ولن تخرج إلى الوجود أية أجهزة أو آلت‬
‫جديدة‪ .‬إن العلم السلمى الجديد‪ ،‬مثله مثل " حركة الخلق" في الغرب‪ .‬مجرد حركة معاكسة للعلم‬
‫الحديث وليس إتجاها جديدا للعلم‪ ،‬فياترى إلى أي حد هو إسلمى ؟‬
‫أن القول بأن شيئا ما أكثر أو أقل إسلما من غيره‪ ،‬أمر محفوف بالمخاطر‪ ،‬إذ قد يغفو‬
‫شيطان التطرف قليل‪ ،‬لكن سيفه دائما بيده‪ ،‬ومن السهل إيقاظه بمثل هذه المناقشات‪ ،‬كما ل تجب‬
‫الستهانة بتصريحات الفقهاء‪.‬‬
‫ومع ذلك تبقى الفكرة مقلقة للغاية‪ ،‬حين يقوم شخص ما بكتابة معادلة رياضية لقياس‬
‫النفاق‪ ،‬وبذلك يختزل المفهوم الدينى إلى سخف رخيص‪ .‬أما أعمال ذلك المعتوه اللمانى الذي قام‬
‫بقياس " زاوية ال"‪ ،‬هل كان ذلك فى خدمة السلم؟‪ .‬ثم ماذا نقول عن هذا العالم الباكستانى الذي‬
‫يشغل أعلى المناصب العلمية وينصح بإستخدام الجن لتوليد الطاقة‪.‬‬
‫في حقيقة المر‪ ،‬فإن العلم السلمي الجديد ما هو ال إحتيال في استخدام لفظ العلم‪ .‬كما‬
‫يسعى إلى استغلل علم المسلمين الوائل‪ ،‬مع الوضع في العتبار افتقاره التام للصفات النوعية‬
‫التي ميزت علوم السابقين وخلدت أعمالهم‪ .‬لو قدر لهؤلء العلماء العظام مثل ابن سينا وعمر‬
‫الخيام وابن الهيثم وغيرهم‪ ،‬الحياة اليوم لنتابهم حرج شديد من رؤية ما يسمونه الن علما‬
‫إسلميا‪ .‬مارس هؤلء العظماء العلم المدنى (العلمانى) رغم التزامهم الشديد بالسلم‪ ،‬أما النطق‬
‫بالتفاهات الفارغة‪ ،‬فلم يكن من شأنهم‪ .‬فلم يحاولوا العثور على معادلت لقياس النفاق والثواب‪،‬‬
‫على العكس اكتشفوا قوانين فيزيائية هامة وخلقوا مفاهيم جديدة‪ .‬نتذكر اليوم نصير الدين الطوسى (‬
‫‪ )Nasir Udin Altusi‬لنجازاته في حساب المثلثات‪ ،‬وعمر الخيام لحلوله في المعادلت‬
‫التكعيبية‪ ،‬وجابر بن حيان لعبقريـة أجهزته الكيميائية‪ ،‬والجزَرى‪ )Al-jazari( 73‬للته المعقدة‬
‫‪ 73‬بديع الزمان أبو العز بن إسماعيل بن الرزازالجزَرى (لقب بالجزرى أو الجزائرى نسبة إلى مسقط رأسه بإحدى‬
‫الجزر بين دجلة والفرات بالعراق)‪ .‬كتب موسوعة كبيرة فى الميكانيكا وفى تفاصيل تصنيع اللت الهندسية التى‬

‫‪197‬‬

‫الخ‪ ،‬لقد تعاملت علومهم مع الواقع‪ ،‬لذلك بقى مكانهم في التاريخ‪ .‬ولعل هذا هو السبب الذي جعل‬
‫الصولية العقائدية لتغفر لهم أبدا‪ ،‬وتعتبرهم – حتى اليوم – من الزنادقة والكفار‪ .‬كثيرا ما ننسى‬
‫اليوم أن التهديد لهؤلء البطال‪ ،‬لم يأت من المسيحيين الخونة أو من جحافل المغول‪ ،‬بل جاءهم‬
‫من قطاع خبيث مضاد للعلم من بين فقهاء المسلمين الصوليين‪.‬‬
‫الجــذور الســياسـية‬

‫ياترى إلى أين تمتد جذور هذه الظاهرة المسماة بالعلم السلمي ؟ وما هى القوى السياسية‬

‫التي تدعمه؟ وأى القطاعات الجتماعية تحتضنه؟ هل ستعيش الظاهرة وتستمر‪ ،‬أم أنها مثل فقاعة‬
‫قريبا ما تنفقئ‪ .‬تحتاج كل هذه السئلة الهامة إلى كثير من التفكير‪ .‬بدل من التحليل المطول‪ ،‬فكل‬
‫ما أستطيع فعله هنا‪ ،‬هو مجرد إبداء بعض الملحظات‪.‬‬
‫أول‪ :‬جرى تبنى العلم السلمي الجديد من قبل النهضة الشاملة للصولية في الدول‬
‫السلمية‪ ،‬وليس فقط في باكستان‪ .‬إذ توجد مراكز نشطة في كل من مصر والسعودية العربية‬
‫وماليزيا‪ ،‬كذلك ل توجد حدود جغرافية لظاهرة دعم العلم السلمي الجديد‪ ،‬وتكثر أنصاره بين‬
‫المهاجرين في دول الغرب‪ ،‬حيث يمدهم بوسيلة سيكولوجية للوقوف ضد وابل العتداءات التي‬
‫يمارسها العلم الحديث في كثير من ظواهره‪ .‬لهذا السبب ل يُعتقد أن الظاهرة ستختفى في العقود‬
‫االمقبلة‪ .‬ثم يلحظ أن أنصار هذا العلم الشاذ‪ ،‬ليسوا من الفقهاء العاديين‪ ،‬بل من بين حملة‬
‫الشاهادات في المجالت العلمية‪ ،‬استقر معظمهم في الغرب‪ ،‬كذلك ليس لغالبيتهم أية إنجازات مهنية‬
‫تذكر في مجال تخصصهم – حيث يوفر العلم السلمي لهم‪ ،‬ملذا يلجأون إليه بدل من خوض‬
‫التحديات الصعبة للعلم الحقيقى‪ .‬من هنا يتضح عدم وجود علقة قوية بين العلم السلمي والنهضة‬
‫العقائدية‪ .‬كما يتضح أن هذه الردة إلى اسلوب تفكير العصور الوسطى لها أنصار حقيقيين ينتمى‬
‫أكثرهم إلى الطبقات المتوسطة المتعلمة‪ ،‬وهى في حقيقتها لعبة تمارس من أجل المنفعة الشخصية‬
‫والتسلق‪ .‬ليس غريبا أن السلطات الحاكمة تدعمهم وتجعل من هؤلء المهرجين والبلداء من‬
‫العلماء‪ ،‬أصحاب حظوة‪ ،‬طالما كان شدوهم على هواهم‪ ،‬وتأتى جوائزهم في صورة التعيين في‬
‫الوظائف‪ ،‬والترقى‪ ،‬وتحمل نفقات الرحلت الخ‪ .‬ل يمكن إغفال الدور السعودى الذي حقق‬
‫العجائب من خلل خزائنه النقدية اللنهائية‪ .‬على القل في بلدى ( باكستان) فإن جذور العلم‬
‫السلمي الجديد‪ ،‬تنبع من حلول الوسط التاريخية بين الفقهاء الصوليون وبين من حكم باكستان‬
‫باسم السلم‪ .‬فبالنسبة للفقهاء‪ ،‬يمثل العلم السلمي فرصة رائعة لمد مجال سلطة الدين إلى مناطق‬
‫تشمل ساعات المياه وضبط إتزان العجلت وطلء المعادن وغير ذلك‪ .‬ترجمت أعماله الى النجليزية عام ‪.1974‬‬
‫(المترجم)‬

‫‪198‬‬

‫الظواهر الطبيعية‪ ،‬وبهذا يعتبر سلحا لمواجهة التسيد المتنامى للعلوم المدنية (العلمانية)‪ ،‬أما‬
‫بالنسبة للنخبة الحاكمة‪ ،‬فهو جزء من التلعب المحسوب بالمشاعر الدينية‪.‬وخلصة القول‪ ،‬لم يكن‬
‫ممكنا وجود العلم السلمي بدون رعاية السلطة‪.‬‬
‫يتسم موقف الحكومة بالنفصام‪ ،‬ففى الوقت الذي تقدم فيه الجهزة الحكومية الدعم المالى‬
‫اللزم لنشاط مجموعة العلم السلمي‪ ،‬إضافة إلى القاء الخطب الرنانة في اجتماعتهم ومؤتمراتهم‪،‬‬
‫فهى تقوم‪ ،‬كأفراد‪ ،‬بالستهزاء بفكرة أسلمة العلم‪ ،‬حيث يقبلون مبدأ تفوق العلم التحليلى الحديث‪،‬‬
‫فعندما يمرض أحدهم‪ ،‬يفضل العلج على أيدى أحد الطباء بدل من اللجوء إلى الحكيم الشعبى‪ .‬ثم‬
‫أنهم يرسلون بأبنائهم للتعليم في المدارس النجليزية بدل من مدارس الـ "أوردو" الشعبية أو‬
‫الكتاتيب‪ .‬ول تروق لهم حقيقة وقوع السيطرة على الجامعات في أيدى الطلب الصوليين‪ ،‬غير‬
‫أن الخسارة ليسست كبيرة بالنسبة للحكام نظرا لقدرتهم على إلحاق أبنائهم بالجامعات المريكية‬
‫كلما أقتضت الحوال‪.‬‬
‫ينظر كبار رجال الجيش والمسئولين الداريين إلى الفقيه الكبير(الـ مل) بعين يمتزج فيها‬
‫الستهزاء بالخوف‪ .‬الستهزاء باعتباره ( المل) نموذج غريب من العصور الوسطى وضع خارج‬
‫سياقه التاريخى‪ ،‬حيث تنحصر كل إهتماماته ومخاوفه في أمور ل تمت إلى واقع الحاضر بصلة‪.‬‬
‫والخوف من إغضابه‪ ،‬اذ تتبخر شرعية حكم البلد باسم السلم بدون موافقته‪.‬‬
‫تعقــيب‬
‫أثارت المقالة السابقة غضب – على القل‪ -‬أحد العلماء المسلمين المذكورين فيها‪ ،‬فيبدو‬
‫من العدل نشر وجهة نظره هنا مع ردى عليه بعد ذلك‪.‬‬
‫إشارة إلى المقال المعنون " يسمونه علما إسلميا" لصاحبه بيرفيزهودبهوى‪ ،‬المنشور في‬
‫عدد مجلتكم الصادر في يناير ‪ .1988‬إقترف الكاتب ظلما كبيرا‪ ،‬ليس فقط بالنسبة لى‬
‫( ولغيرى من المشتغلين بالقرآن الكريم وسنة آخر النبياء ( صلعم) فيما يتعلق بالتطورات الحديثة‬
‫للمعرفة) لكن أيضا لقرائكم المحترمين‪ .‬لقد شوه الحقائق المقتبسة من كتابى‪ ،‬وحاول السخرية من‬
‫أمر غاية في الهمية‪.‬‬
‫اشارة إلى مرجع ‪ ( 2‬انظر الشكل ‪ 3‬السابق) في مقالته‪ ،‬نجد أنها صورة مشوهة من الرسم‬
‫رقم ‪ 25‬من كتابى " أليات يوم القيامة والحياة الخرة " الذي أصدرته مؤسسة بحوث القرآن الكريم‪.‬‬
‫قام السيد هودبهوى‪ ،‬ليثبت وجهة نظره‪ ،‬بتغيير النص الصلى حيث كتب "أحد العلماء المسلمين‬
‫يشرح مفهومه عن كيفية بداية الكون ونهايته" ويقوم بتشبيه المسألة بمرور تيار كهربائى في‬

‫‪199‬‬

‫سلك‪....‬وأخيرا تنبعث الروح إلى عالم الخرة‪ ،‬تماما كما تنبعث الموجات الكهرومغناطيسية من‬
‫الهوائيات بفعل حركة الليكترونات"‬
‫يجب أن يعرف القراء أن السيد هودبهوى قام بخداعهم بإظهار شيئ ليس من الكتاب‪ ،‬وأود‬
‫أن أنسخ صورة طبق الصل من الصفحة التي شوهها السيد هودبهوى‪ .‬هذا الشكل يبين بالرسم‪،‬‬
‫المفهوم السلمي للروح‪ ،‬وليس لمفهوم كيفية بداية الكون ونهايته كما كتب السيد هودبهوى‪.‬‬
‫التشابه المذكور ‪-‬توصيل أو فصل التيار الكهربائى‪ -‬انما المقصود به ظاهرة الحياة البشرية‪ ،‬ول‬
‫علقة له ببداية الكون ونهايته كما أخطأ وكتب في مقاله‪.‬‬
‫بناءا على ذلك فالسيد هودبهوى مدان بعدم أمانته في التقرير‪ ،‬وبل أدنى قدر من‬
‫الخلقيات‪ .‬هذا ليس كل شيئ‪ ،‬فهو لم يدع حتى باقى الشخصيات المحترمة‪ ،‬حيث اشار السيد‬
‫هودبهوى بسخرية إلى بحث رئيس المنظمة الباكستانية للفضاء‪ .‬سالم محمود‪ ،‬حول علم الفضاء‪،‬‬
‫حيث سجل ان صاحب الرئاسة قدم تفسيرا للمعراج مبنى على أساس استعمال نظرية النسبية‬
‫لينشتاين‪ ،‬ثم قام بتشويه النص الصلى للفقرة المعنية بما يخدم أغراضه‪ .‬بإمكان أي شخص‬
‫ملحظة الفرق الواضح بين ما كتبه رئيس المنظمة وبين ما كتبه السيد هودبهوى‪ .‬في الواقع قصد‬
‫السيد محمود توضيح أن المعرفة العلمية الحالية غير قادرة على تفسير مثل هذه الظواهر المعجزة‪.‬‬
‫لم يكن السيد هودبهوى غير شريفا فقط في تقريره‪ ،‬بل إن لديه الوقاحة الكافية ليقلل بملحظاته من‬
‫قدر السيد محمود والمنظمة الحكومية التي يرأسها‪.‬‬
‫علوة على ذلك‪ ،‬أشار السيد هودبهوى إلي بحث المهندس الفقى من مصر‪ ،‬حول علوم‬
‫الرض‪ ،‬الذي قدمه في المؤتمر الدولى‪ :‬فل علقة لنص البحث بمزاعم السيد هودبهوى‪ .‬كذلك‬
‫سخر من المؤتمر ومنظميه‪ ،‬ذلك المؤتمر الذى قُدم فيه هذا البحث‪ ،‬إضافة إلى سبعون بحثا آخر‬
‫لشخصيات متعلمة وعلماء مختلفين‪.‬‬
‫من حق المرء أن يختلف حول فلسفة معينة‪ ،‬لكن ليس من حق أحد أن يسخر أو يسيئ إلى‬
‫سمعة شخصيات‪ ،‬أو يخدع الرأى العام بتقارير مضللة‪ .‬لقد تمادى السيد هودبهوى حتى وصف‬
‫العاملين في مجال السلم والعلم بالمعتوهين‪ ،‬وبذلك تعدى كل حدود الدب‪ ،‬لكن هل يتوقع النسان‬
‫أي شرف أو اى أدب من القوى المضادة للسلم ؟‬
‫س‪ .‬بشير الدين محمود‬
‫رئيس مؤسسة بحوث القرآن الكريم‬
‫إسلم أباد‬

‫‪200‬‬

‫ردى على السـيد محمود‪:‬‬
‫بعد قراءتى لتعقيب السيد محمود على مقالى‪ ،‬أعترف بذنبى وأقر بخطئى الجسيم وأتوسل‬
‫إلى القراء طلبا للمغفرة‪ .‬في حقيقة المر وقع سهوا استعمال لفظ الـ"كون" بدل من‬

‫الـ "روح"‬

‫( أنظر شكل ‪-3‬المترجم) وأعتذر عن احتمال وقوع أي لبس حدث بسبب ذلك لدى أي من القراء‪.‬‬
‫حيث يبدو اننى إقترفت خطًأ جسيما باستبدالى لحدى السخافات بغيرها‪ ،‬كما لو كنت نسيت رسم‬
‫همزة على اللف‪.‬‬
‫أما فيما يتعلق بصلب الموضوع‪ ،‬فل أشعر بأى أسف‪ .‬يقول السيد محمود أن تشبيهه‬
‫لمرور تيار كهربائى في سلك‪ ،‬بتحول الروح‪ ،‬مبنى على السلم‪ .‬قد يكون هذا هو مفهومه عن‬
‫السلم‪ ،‬لكنه بالقطع ليس مفهومى‪ .‬حيث لم يرد في القرآن الكريم أو أي من الحاديث‪ ،‬أي إشارة‬
‫إلى إليكترونات أو مجالت مغناطيسية‪ ،‬أو موجات كهرومغناطيسية أو هوائيات‪ .‬وبالقدر الذي‬
‫أراه‪ ،‬فل أساس لتخيلت السيد محمود الشاذة من واقع النصوص السلمية‪ .‬تلك التخيلت التي‬
‫تعطى رسما كاريكاتيريا غريب الشكل لفكرة دينية‪ .‬جدير به أن يحذر‪ ،‬فل يروق للمسلمين‬
‫الصالحين التندر بدينهم‪ ،‬أو إستخدامه فيما ل معنى له‪.‬‬
‫ينبرى السيد محمود للدفاع عن السيد سليم محمود رئيس المنظمة الباكستانية للفضاء‪،‬‬
‫ويزعم أن الرئيس لم يحاول الربط بين المعراج ونظرية النسبية لنيشتاين‪.‬‬
‫هذه مغالطة‪ ،‬وما قلته صحيحا‪ ،‬حيث أن النص الذي يستند إليه لثبات موقفه‪ ،‬هو محاولة‬
‫صريحة للربط بين المعراج والنسبية‪ .‬يحمل النص بعض التفكك وتشتت الفكار‪ ،‬إل أنى اعدت‬
‫قراءته عدة مرات‪ ،‬فلم أجد فيه سببا يشير بخطأى في فهمه‪.‬‬
‫أما فيما يتعلق بالسيد الفقى وبحثه عن طبيعة القذائف السماوية‪ ،‬فأدعو القارئ إلى الطلع‬
‫على بحثه المنشور‪ ،‬الذي يمكن الحصول عليه من الجامعة السلمية‪ ،‬ول أرى سببا في إحتمال‬
‫عدم الدقة‪ ،‬فقد نقلت في مقالى ما جاء بالبحث‪.‬‬
‫في النهاية‪ ،‬أود ان أذكر القارئ بأن السيد بشير الدين محمود رئيس مؤسسة بحوث القرآن‪،‬‬
‫معروف ليس فقط بتشبيهه للموجات الكهرومغناطيسية بالروح البشرية‪ ،‬بل إن شهرته الساسية‬
‫مستمدة من مقال يشير فيه إلى وجوب إستخدام الجن‪ ،‬الذين خلقهم ال من نار‪ ،‬كمصدر للطاقة‪.‬‬
‫يسعدنى أن أكون هدفا لذم السيد محمود‪ ،‬حيث يعنى ذلك أن مقالى قد نجح في لمس أحد‬
‫مراكز العصاب الحساسة للهراء الظلمى‪.‬‬

‫‪201‬‬

‫رغم إدعائه‪ ،‬فلم تكن لدى نية لوصف كل من عمل في مجال العلم والسلم‪ ،‬بالتزوير أو‬
‫الجنون‪ ،‬لكن هل يستطيع أحد إنكار أن أناس من هذا النوع يتدافعون هذه اليام من أجل الوصول‬
‫إلى عربة الفرقة الموسيقية التي اسموها العلم السلمي ؟‬
‫دكتور ‪ /‬بيرفيز هودبهوى‬
‫قسم الفيزياء‬
‫جامعة القائد عزام‬
‫إسلم أباد‬
‫إلتقطت بعض الصحف والمجلت العلمية‪ ،‬كما أجرت صحيفة وول ستريت تحقيقا صحفيا‬
‫حول موضوع السلم والعلم‪ ،‬نشرته في صفحتها الولى في عددها الصادر في ‪ 13‬سبتمبر‬
‫‪ .1988‬فيما يلى جزء من ذلك المقال‪ ،‬نظرا لما له من علقة مباشرة بالحوار السابق‪:‬‬
‫" في حى هادئ من أحياء المدينة‪ ،‬أصبح س‪ .‬بشير الدين محمود رئيس مؤسسة بحوث‬
‫القرآن الكريم علمة مميزة‪ .‬ينشغل السيد محمود بعمله كمهندس نووى‪ ،‬فى تصميم أنظمة الكشف‬
‫عن تسرب الشعاعات في المفاعلت النووية‪ ،‬وفى المساء يبتكر النظريات السلمية‪.‬‬
‫يقول الذين يجرؤون على معارضة هذه المحاولت أن السيد محمود سبق وقدم بحثا في‬
‫عام ‪ 1983‬إلي مؤتمر السلم والعلم‪ ،‬يقول فيه بإمكانية تسخير الجن‪ ،‬لحل مشاكل قصور الطاقة‪.‬‬
‫ينكر السيد محمود أنه قال ذلك‪ ،‬حيث أصر على موقفه أثناء الحوار قائل "كلم فارغ تماما"‪ .‬ثم‬
‫إستطرد السيد محمود منتقيا كلماته بكل دقة‪ ،‬شارحا كيف أن الجن مخلوقون من طاقة وأن الملك‬
‫سليمان توصل إلى وسيلة لتسخيرهم للعمل من أجله‪ .‬يقول " أعتقد أننا إذا نمينا أرواحنا‪ ،‬فسنستطيع‬
‫التواصل معهم"‪ .‬ل يتعجب السيد محمود من عدم ترحيب بعض الناس بأرائه السلمية‪ ،‬فيقول"‬
‫هناك معارضون لكل فكرة جديدة"‪".‬لكن ليس هناك ما يدعو لهذا الخلف حول السلم والعلم‪ ،‬حيث‬
‫ل يوجد خلف بين السلم والعلم "‪.‬‬

‫‪202‬‬

:‫المراجع‬
1- Mohammed Mutallib, 'Geology in The Light of Quranic Verse', presented at the First
International Conference on Scientific Miracles of Qur'an and Sunnah, 1987, available in
published form from the International Islamic University, Islamabad.
2- Muhammad Abd Alkader Al Fequi, 'Views on the Scientific Miraculous Aspect of the
Holy Qur'an in Relation to the Earth Sciences', Presented at the Scientific Miracles
Conference, op. cit.
3- M. Arshad Ali Beg, 'Qur'an and Scientific Interpretation of Munafiqat', published in
proceedings of the International Seminar on Qur'an and Science, (Karachi, Pakistan
Association of Scientists and Scientific Professions, 26 June 1986), pp. 46-55.
4- Salim Mahmood, Elm-e-Falkiat, published in proceedings of the International Seminar
on Qur'an and Science, (Karachi, Pakistan Association of Scientists and Scientific
Professions, 17 June 1987), p. 42.
5- Safdar Jang Rajput, 'Dichotomy of Insan and Jinn & Their Destiny', published in
Science and Technology in the Islamic World, Vol. 3, No. I, (Islamabad, Jan.-March 1985),
pp. 28-48.
6- Ibid., p. 35.
7- K. R. Popper, The Logic of Scientific Discovery, (London, Hutchinson, 1968), Passim.

203

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful