‫‪http://tahrirnews.

com/%D8%AD%D8%B1%D9%83%D8%A7%D8%AA-%D9%88%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA/‬‬
‫‪%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%C2%AB%D8%A8%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%AE‬‬
‫‪%D8%B1%D9%88%D8%AC%C2%BB-%D9%84%D8%B9%D8%B2-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86‬‬‫‪%D8%B4%D9%83%D8%B1%D9%8A-%D9%81%D8%B4%D9%8A%D8%B1/‬‬
‫‪------------------------------------------‬‬

‫‪https://www.facebook.com/ecfishere‬‬
‫رواية »باب الخروج« لعز الدين شكري فشير‪ ..‬الحلقة الولى‬
‫عزيزى يحيى‬
‫أكتب لك رسالتى هذه وأنا هادئ تماما‪ ،‬على عكس ما توقعت‪ .‬بل إن هناك بهجة عميقة تعترينى‪ ،‬وما كنت أحسبنى أبتهج‪ .‬كنت أظن أنى سأضطرب وأخاف من هول العواقب‪ ،‬أنا الذى لم أدخل فههى صههدام بحيههاتى كلههها‪.‬‬
‫كنت أتمنى لو لم يحدث أى من المور التى حدثت‪ ،‬مع أنى فكرت فى المر عشرات المرات‪ ،‬من كل الجوانب التى استطعت تبّينها‪ ،‬ووصلت إلى قناعة تامة بحكمههة قههرارى هههذا‪ .‬تمنيههت لههو سههارت حيههاتى فههى طريقههها‬
‫المعتاد‪ .‬لكنى‪ ،‬مثلما يقول كل المضطرين لتخاذ قرار يكرهونه‪ ،‬لم يكن أمامى إل الختيار من بين البدائل المتاحة‪ .‬تمنيت لو استطعت إضافة خيارات أخرى‪ ،‬لكنى ل أستطيع‪ .‬والمفاجأة أنى لم أعد أكره قرارى‪ ،‬بل علههى‬
‫العكس‪.‬‬
‫ف لكتب لك كل ما أردت‪ ،‬لكنى أدرك الن أن الوقت لن يسعفنى‪ .‬كان ينبغههى البههدء قبههل الن‪ ،‬ربمهها بثلثههة‬
‫ق أمامى سوى أربع وعشرين ساعة لكتب هذه الرسالة التى قد تكون الخيرة‪ .‬وكنت أظن هذا الوقت كا ٍ‬
‫لم يب َ‬
‫ى أشياء كثيرة أقولها لك‪ ،‬ورغم أنى فكههرت طههويل فههى مهها سأسههطره‬
‫أيام‪ ،‬لكن لم يكن ذلك ممكنا‪ ،‬من الناحية المنية‪ .‬لذا سأدخل فى الموضوع مباشرة دون استرسال‪ .‬وأطلب منك منذ الن أن تعذرنى‪ ،‬فالوقت قليل‪ ،‬ولد ّ‬
‫ى اليجههاز وأوجههز حيههث‬
‫حين أشرع فى الكتابة‪ ،‬وصغته فى ذهنى عشرات المرات‪ ،‬فإن الفكار تتزاحم الن فى رأسى‪ .‬ستجد رسالتى مشوشة بعض الشىء‪ ،‬ومؤكد أنى سأكرر بعض الشياء‪ ،‬وأطيههل حيههن تظههن أن عل ه ّ‬
‫تنبغى الطالة‪ .‬سامحنى‪ .‬لو كان الوقت يسمح لكنت راجعت هذا الخطاب بعد إنهائه وشذبته كى يصبح نصا متماسكا منّمًقا كما اعتدت أن أفعل‪ .‬لكن لم يعد هنههاك وقههت لى مههن هههذا‪ ،‬سههأقول مهها لههدىّ بغههض النظههر عههن‬
‫الطريقة التى سيبدو عليها الكلم‪ .‬ولندخل فى صلب الموضوع‪.‬‬
‫ى‪.‬‬
‫اليوم هو العشرون من أكتوبر ‪ ،2020‬وحين تصل إليك رسالتى هذه‪ ،‬بعد يومين بالضبط من الن‪ ،‬سأكون سجينا أو جثة‪ .‬إما سيقولون لك إن أباك مات بطل‪ ،‬وإما ستقرأ فى الجرائد نبههأ خيههانتى الكههبرى والقبههض عل ه ّ‬
‫أنا‪ ،‬الذى شاهدت بأم عينى صنوف الخيانة كلها‪ ،‬سيرموننى بدائهم وينسلون‪ ،‬كما فعلوا من قبل‪ ،‬عشرات المرات‪ .‬لم أحاول منعهم من قبل‪ ،‬لكنى لن أدعهم يفلتون بفعلتهم هذه المههرة‪ .‬ل‪ ،‬ليههس هههذه المههرة‪ .‬هههذه غضههبتى‪،‬‬
‫غضبة عمر بأكمله‪ .‬غضبة قد تكون الخيرة‪ ،‬لكنى لن أضيعها سدى‪ .‬أخذت احتياطاتى‪ ،‬وعزمت أن ل ألعب دور الضحية‪ .‬وهذه الرسالة‪ ،‬قد تكون طوق نجاتى الخير إن فشلت كل الحتياطات الخرى‪ .‬فاحرص عليها‪،‬‬
‫فقد تكون هى الفارق بين الخيانة والبطولة‪ ،‬بين النصر والهزيمة‪.‬‬
‫إن ُقتلت فى اليومين القادمين‪ ،‬لى سبب كان‪ ،‬فستكون أنت ورسالتى هذه آخر وسيلة لنقاذ سمعتى وإنقاذك أنت والباقين من كارثة محققة‪ .‬فاقرأ جيدا‪ .‬ول تتعجل‪ ،‬سأشرح لك القصة كلها‪ .‬سأبدأ من البداية وأشرح لك كههل‬
‫شىء‪ .‬وحتى لو لم يقتلونى‪ ،‬أريدك أن تسمع الحكاية منى قبل أن تسمعها من الخرين‪ .‬أريد أن أشرح لك ما حدث قبل أن يشوهوا صورتى أمامك‪ .‬وهذه مسؤوليتى إزاءك كأب ستحمل اسمه رغما عنك ما حييت‪ ،‬وتقههترن‬
‫ى التفسير‪.‬‬
‫سيرتك بسيرته شئت أم أبيت‪ .‬وأهم من ذلك‪ ،‬تتصل دواخل نفسك به وبصورته وبما فعل‪ .‬ومن ثم وجب عل ّ‬
‫ومن باب الحتياط أيضا‪ ،‬ولنى لست متأكدا من نجاتى من هذه المغامرة‪ ،‬لنهم ل يعرفون حدودا ول يتوقفون عند شىء‪ ،‬فإنى أريد أن أقول لك الن كل ما أردت قوله لك فى سنواتك القادمة‪ .‬سأفعل إذن ما لم نفعله معههها‬
‫من قبل‪ ،‬أنت الذى تبلغ عامك العشرين بعد أسابيع قليلة‪ ،‬وهو أن أحدثك كصديق‪ ،‬من رجل لرجل‪ .‬سأقص عليك أشياء ُيذِهلك سماعها‪ ،‬خصوصا منى أنا‪ ،‬وبعضها سيزعجك‪ .‬سأحدثك عن مشاعر ربما لم يخطر لههك أنههى‬
‫أمر بها‪ ،‬وعن أمك‪ ،‬وآخرين من عائلتنا ومن أصدقائنا المقربين‪ .‬كنت أفضل أن أقول لك هذه الشياء واحدة واحدة‪ ،‬وأنت تنتقل من عتبة إلههى عتبههة فههى مشههوار الرجولههة الطويههل‪ .‬ل يحههب الرجههل منهها سههماع النصههائح‪،‬‬
‫خصوصا من أبيه‪ ،‬لكن الب الذكى الصبور يجد دوما طريقا لتسريب النصائح لبنه‪ ،‬واحدة واحدة ومع الوقت‪ .‬مضطر أنا إلى القفز فوق كل هذا‪ ،‬ومضطر إلى أن أقول لك كل ما أريههد دفعههة واحههدة وأنههت فههى خطوتههك‬
‫الولى نحو الرجولة‪.‬‬
‫لن يعجبك معظم ما أقوله فى هذا الشأن‪ ،‬ولك الحق‪ .‬ستبحث لنفسك عن طريقك الخاص‪ ،‬بل وقد تحاول إثبات خطأ آرائى‪ ،‬ولك الحق‪ .‬كل ما أطلبه منك أن ل تحارب هذه الراء‪ .‬ضعها فى محفظتك‪ ،‬كصورة قديمة لهههى‪،‬‬
‫ومن وقت إلى آخر‪ ،‬لنُقل فى عيد ميلدى أو ميلدك‪ ،‬أخرجها وانظر إليها من جديد وفكر فى جدواها وصحتها مرة أخرى‪ .‬هذه هى الطريقة التى قد تبقى لنا لكون أباك فى سنواتك الكثيرة القادمة‪ .‬سأحدثك إذن كأن هههذه‬
‫محادثتنا الخيرة‪ ،‬وكلى أمل وتصميم أن ل تكون كذلك‪ .‬لكنى أفعل هذا من باب الحتياط‪ ،‬فل أريد إن قتلونى أن أتركك دون أب‪ ،‬ولو فى صورة رسالة‪.‬‬
‫سأقص عليك قصصى دون حواجز‪ ،‬كأصدقاء‪ .‬وتذكر‪ ،‬إن أزعجك بعض كلمى‪ ،‬أنى أحبك‪ ،‬كأنك أنا‪ .‬وأنى حين أنظر إليك أراك كأنى أنا أعيد تشكيله بطريقة أخرى‪ .‬فنحن فى نهاية المر رفقاء سلة الجينات التى نتقاسم‬
‫معظمها‪ ،‬كأنها سحابة تضمنا نحن الثنين‪ ،‬أحيانا تصير أنا وأحيانا تصير أنت‪ .‬وتأكد أنى أحب طريقتك المختلفة عنى كما أحب طريقتى‪ ،‬وأنى أحب فيك تمسكك بهذا الختلف ويمل قلبى اطمئنان وحب وأنا أرقبك تبحث‬
‫عن نفسك لطريقك الخاص‪ .‬أنت أنا الخر‪ .‬ويوما ما ستشعر مثلى بالضبط‪ ،‬وأنت ترقب ابنك يكبر‪.‬‬
‫سأحكى لك أشياًء عنى وعن أمك‪ ،‬أريدك أن تقرأها وتحاول فهمها كرجل‪ ،‬ل كطفل ينظر إلى والديه‪ .‬سأحكى لك عن عمك وعمتك‪ ،‬ول أدرى إن كنت تتذكرهما‪ ،‬وعن نساء عرفتهن‪ ،‬وأصدقاء سيذهلك أنهم كانوا أصدقاء‬
‫ج‪ .‬سأحكى لك عنها كى تراها جيدا عنههدما تراههها‪ .‬وسأوصههيك‬
‫ت من مغامرتى هذه وإن لم أن ُ‬
‫أبيك‪ .‬وسأحكى لك عن جدك وجدتك‪ .‬وعن نور‪ ،‬تلك الشمس المشرقة التى تعرفها لكنك ل تعرفها‪ ،‬والتى ستراها كثيرا إن نجو ُ‬
‫خيرا بكل هؤلء‪ ،‬أن تبقى على ود من بقى حيا منهم وأن تزور قبور من مات وتقرأ له الفاتحة‪ ،‬ولو مرة كل عام‪ .‬ستريك هذه الرسالة وجها ل أحسبك قد رأيته فههى مههن قبههل أو حههتى تخيلههت وجههوده‪ .‬أنهها الهههادئ دومهها‪،‬‬
‫جّد مختلفة لبيك‪.‬‬
‫الصامت معظم الوقت‪ ،‬المنفرج السارير دون ابتسام‪ ،‬الذى ل يشعر أحد بوجوده كأنه شبح شفاف‪ ،‬سترى نسخة ِ‬
‫سأتوقف عن السترسال وأنتقل فورا إلى ما أريد قوله‪ ،‬لكنى أذّكرك مرة أخرى أن تبلغ كلمتى هذه للعالم إن أصابنى مكروه‪ .‬انشر هذا الخطاب‪ ،‬دون حذف أو إعادة صياغة أو ترتيب‪ .‬انشره كمهها هههو‪ ،‬لن مهها فعلتههه لههن‬
‫ى فرصة لفضحهم وشرح ما سيسّمونه خيانتى للوطن‪ .‬أما إن قتلونى فسيكون ذلك محاولة منهم لخفاء القصة بأكملها‪ ،‬وسيقع‬
‫يكون له معنى إن لم يعلم الناس به وبالسباب التى حدت بى إلى فعله‪ .‬إن حاكمونى فسيكون لد ّ‬
‫على عاتقك حينها فضح ما جرى‪ .‬كل ما عليك فعله هو وضع هذه الرسالة على النترنت‪ .‬أمامى أربع وعشرون ساعة كى أكتبها‪ ،‬وعند بدء الهجوم مباشرة سأرسلها‪ ،‬فى تمام الرابعة صباحا‪ .‬وستصل إليك بعههدها بههأربع‬
‫خت نفسها مرارا فى نقاط آمنة بحيث ل يمكن لحد محوها‪ .‬لن يفلتوا هذه المرة‪.‬‬
‫وعشرين ساعة أخرى تكون خللها قد نس َ‬
‫ق عباب البحر فى هدوء شديد عائدين إلى مصر‪ُ .‬يفترض أن نبلغ ميناء النصر الجديد بعد خمسة عشر يوما نحههن والشههحنة النوويههة‬
‫أكتب لك من بحر الصين الجنوبى‪ ،‬من فوق متن سفينة شحن تجارية بريئة المظهر‪ ،‬نش ّ‬
‫التى نحملها وسط آلف الحاويات التجارية‪ .‬بمجرد وصولنا سيتم توزيع هذه الشحنة على الصواريخ التى تنتظرها‪ ،‬وإطلقها على قيادة قوات الحتلل فى العريش وشههرم الشههيخ ونخههل والمراكههز السههكانية الكههبرى داخههل‬
‫إسرائيل‪ ،‬وعلى القوات المريكية المنتشرة فى الحساء وغرب إيران‪ .‬هذا هو الحل النووى النهائى الذى توصل إليه الرئيس القطان بعد فشل كل الحلول الخرى‪.‬‬
‫ل أحد يعلم بمحتوى شحنتنا هذه غير ستة أشخاص‪ ،‬رجل صينى واثنين من كوريا الشمالية‪ ،‬والرئيس القطان واللواء المنيسى وأنا‪ .‬أو هكذا ُيفترض‪ .‬لكن الحقيقة أن هذه السههفينة الهههادئة قليلههة العمههال والركههاب سههتجتاحها‬
‫فرقة كاملة من البحرية المريكية فى الرابعة من صباح الغد‪ ،‬أى بعد أربع وعشرين ساعة بالضبط‪ .‬الحقيقة أيضا أنى ‪-‬أنا المترجم الصامت الذى لم يأخذ فى عمره موقفا حادا‪ -‬أنا من أبلغهم‪.‬‬
‫أنا الخائن‪.‬‬
‫ع‪.‬ش‪.‬فشير‬

‫‪------------------‬‬‫رواية »باب الخروج « لعز الدين شكري فشير ‪ ..‬الحلقة الثانية‬
‫كانت فى مثل سّنى وقتها ‪ ..‬ذات ابتسامة مضيئة ووجه مستدير يحيطه شعر أسود قصير ‪ ..‬حين تقرأ يتهدل‬
‫على عينيها حتى يغطيهما ‪..‬وحين ترفع رأسها وترانى تلمع عيناها الضيقتان بنظرة تشع لؤما بريئا‬
‫ل للخههر دون أن‬
‫أنا المترجم الرئاسى‪ ،‬الموثوق به‪ ،‬الذى قضى عمره فى ردهات القصور‪ ،‬على متن الطائرات الرسمية‪ ،‬أو فى قاعات محظور الدخول إليها‪ ،‬جالسا بين مقعدين‪ ،‬يسههتمع ويههترجم لشههاغَريهما مهها يقههوله ك ه ّ‬
‫ب فى مثل عمرك وحتى صار حماى رئيسا‪ .‬كم سنة؟ التحقت بالخدمة فى أثناء حرب تحريههر الكههويت‪ ،‬فههى بدايههة ‪،1991‬‬
‫يكون له أن يقول‪ .‬أنا الذى سمع الكثير ورأى الكثير‪ ،‬منذ التحقت بهذا القصر السطورى وأنا شا ّ‬
‫ت طههرد الرئيههس مههن القصههر‬
‫ونحن نقترب الن من نهاية ‪ ،2020‬أى قرابة ثلثين عاما‪ .‬ثلثون عاما لم أتكلم دون أن ُيطلب منى الكلم‪ .‬شاهد صامت على عائلة ممتدة من المؤامرات والصفقات والخيانات والفتن‪ .‬شهههد ُ‬
‫عند اندلع الثورة الولى‪ ،‬وشهدت الحكم العسكرى‪ ،‬ونجوت بأعجوبة من الموت فى أثناء اقتحام القصر الرئاسى وإحراقه فى الثههورة الثانيههة‪ ،‬وشهههدت الحتلل والتفههاوض والتخههاذل‪ ،‬وخيبههة المههل‪ .‬وكنههت دومهها شههاهدا‬
‫صامتا‪ ،‬مرآة لما يقوله الرئيس وضيوفه‪ .‬وحين قررت الخروج عن صمت ثلثين سنة‪ ،‬لم أجد أمامى سوى الخيانة طريقا‪.‬‬
‫ت لهههم بمهها ل يههدع‬
‫جننت أو أخههدعهم‪ .‬لكنههى أثب ه ّ‬
‫ط سيرنا‪ ،‬وبتفاصيل السفينة وأماكن الشحنة وأكوادها‪ .‬فى البداية ذهلوا وظّنوا أنى ُ‬
‫سيهاجمون السفينة عند الفجر‪ .‬هذا ما اتفقنا عليه‪ .‬أنا الذى أبلغتهم بالصفقة المرعبة‪ ،‬وبخ ّ‬
‫مجال للشك أن هذا الجنون حقيقة‪ .‬وتتبعوا من خللى تطور الصفقة حتى أمس‪ ،‬حين قطعنا التصالت اللكترونية بالعالم الخارجى ودخلنا فى صمت لسلكى كامل‪ .‬ل يوجههد مصههريون هنهها غيههرى أنهها واللههواء المنيسههى‪.‬‬
‫ضلنا أن ل نأتى بمصريين غيرنا حفاظا على السرية‪ .‬وبالطبع لم نضع حراسا مسلحين لتفههادى الشههبهات‪ .‬ثههم مهها جههدوى الحههراس فههى‬
‫الباقون طاقم السفينة التجارية وعمال شحن آسيويون‪ .‬حين وضعنا خطة نقل الشحنة ف ّ‬
‫مواجهة سلح البحرية؟ أقول وضعنا الخطة لنى شاركت فى هذا‪ .‬كما شاركت فى التفاق على خطة البحرية المريكية للستيلء على السههفينة‪ .‬تقتضههى الخطههة عههدم إطلق النههار علههى أحههد‪ :‬سههيهبطون فههى الظلم مههن‬
‫طائراتهم ويقبضون علينا جميعا‪ ،‬يصادرون الشحنة النووية ثم يقطرون السفينة إلى أقرب قاعدة بحرية أمريكية ويسلموننا بعدها ‪-‬وأمام الكاميرات‪ -‬للسلطات المصرية‪.‬‬
‫ل الطههائرة إلههى مصههر‬
‫ل يعلم أمر الشحنة ومكانها وخط سيرها سوانا أنا واللواء المنيسى والرئيس القطان‪ .‬حتى الرجل الصينى الذى لعب دور الوسيط مع الكوريين مصدر الشحنة ل يعلم أين ذهبنا بها منذ َتسّلمناها‪ .‬استق ّ‬
‫مع مرافق مصرى ل يعرف شيئا من أمر العملية سوى ضرورة مرافقة هذا الرجل الصينى الهاّم حتى مطار القاهرة‪ ،‬وبلغنا أمس أنه وصل وينتظرنا هناك‪ .‬طاقم السفينة يعلم أننا نصاحب شحنة هاّمة‪ ،‬ووافق علههى بعههض‬
‫الحتياطات مقابل الموال التى تلقوها‪ ،‬لكنهم ل يعلمون كنه الشحنة‪.‬‬
‫رتبنا عمليات النقل والشحن عن طريق حلقات منفصلة ل يعرف بعضها بعضا ول تعرف من أمر العملية نفسها شيئا‪ .‬وبالتالى‪ ،‬حين تهبط طائرات البحرية المريكية على رؤوسنا فههى الفجههر‪ ،‬لههن يكههون هنههاك شههك لههدى‬
‫اللواء المنيسى أنى أنا الذى أفشيت السر‪ .‬قد يتردد الرئيس فى تحديد من مّنا الخائن‪ ،‬لكنه سيتذكر ول ريب معارضتى للفكرة ومحاولتى الخجول لثنيه عن تنفيذها‪ .‬على العموم أنا ل أنوى النكار‪ .‬ومثلما رفضت عهههرض‬
‫المريكان بتوفير ملذ آمن لى )قالوا إنه سيكون على البحر إن شئت!( فإنى سأرفض أى مساومة مع القطان‪ .‬سأعترف علنا بما فعلت‪ ،‬وساعتها لههن يكههون أمههامه إل محههاكمتى‪ ،‬أنهها زوج ابنتههه‪ ،‬بتهمههة الخيانههة العظمههى‪.‬‬
‫وستكون هذه نهايته ونهاية حكمه التعس‪ .‬أعدك بهذا‪.‬‬
‫ولكن ماذا لو وقع اشتباك؟ ماذا لو كان لدى اللواء المنيسى تعليمات من رئيسه بأن ل يترك الشحنة إل ميتا‪ ،‬أنا وهو؟ أو لو وقع لى »حادث أليم« بعد تسليمنا للسههلطات المصههرية؟ مههاذا لههو تغههابت القههوة المهاجمههة كعههادة‬
‫القوات المهاجمة وبدأت فى إطلق النار فى كل التجاه مثلما كانوا يفعلون فى الفلم القديمة؟ فى أى من هذه الحالت‪ ،‬ستكون هذه الرسالة بين يديك‪ ،‬تشههرح تفاصههيل خيههانتى وأسههبابها وملبسههاتها‪ ،‬وتكههون مهمتههك هههى‬
‫قراءتها‪ ،‬والتفكر فيها‪ ،‬ونقلها للناس‪.‬‬

‫هى قصة طويلة‪ ،‬وسأقصها عليك بكل التفاصيل التى أستطيع ذكرها‪ ،‬فقد يكون هذا آخر ما يصلك منى‪ .‬لدى أربع وعشرون ساعة‪ ،‬سأملؤها بقصصى ولن أنام‪ .‬سههأبدأ قصههتى مههن حيههث سههأنهيها‪ ،‬مههن العاصههمة الصههينية‬
‫بكين‪ .‬وسيكون حاضرا معى فى لحظة البداية‪ ،‬لسخرية القدر‪ ،‬تقريبا نفس الشخاص الذين سينهونها معى‪ .‬كنا فى عام ‪ 1989‬وأنا تقريبا فى مثل عمرك‪ ،‬على وشك التخرج فى الجامعة‪ .‬وكنت فى بكين مع جدك رحمة‬
‫ل ثلثتنهها مقّيههدين‬
‫ال عليه‪ ،‬العميد شكرى فؤاد الذى كان فى العام الخير من خدمته بالصين كملحق عسكرى‪ .‬انتقلنا جميعا معه‪ ،‬جّدتك عزيزة وعمك عمر وعمتك صههفية‪ ،‬حيههن بههدأ عملههه هنههاك قبلههها بثلث سههنوات‪ .‬ظ ه ّ‬
‫بالجامعة بمصر‪ ،‬عمر بالسنة الخيرة بكلية الحقوق وصفية بالسنة الثالثة بكلية التجارة‪ ،‬وأنا بالسنة الولى بقسم الفلسفة بآداب القاهرة‪ .‬ولنها كليات نظرية فقد دّبر لنا الوالد تفاهمهها مههع الجامعههة يسههمح لنهها بالغيههاب طههوال‬
‫السنة الدراسية والعودة لداء امتحانات آخر العام‪ .‬وبالتالى كان لدينا كثير من الوقت فى بكين‪ .‬عمك عمر كان َقلوقا بطبعه‪ ،‬ولم يحتمل الفراغ الكبير والغربة عن كههل شههيء خصوصهها أن اللغههة النجليزيههة لههم تكههن وقتههها‬
‫منتشرة فى الصين‪ .‬وانتهى به المر بأن عاد إلى مصر وعاش بالمدينة الجامعية حتى َتخّرج‪ ،‬ثم وافق أبى أخيرا على إقامته ببيتنا بمدينة نصر وحده حتى عدنا‪ .‬صفية قضت الوقت الكثير المتاح مع أمى رحمها الهه‪ ،‬بيههن‬
‫العناية بالبيت الكبير والشراف على حفلت الستقبال العديدة التى يقيمها الوالد‪ ،‬ومساعدتها على »التصرف« لطعام الضيوف الذين يأتى أبى بهههم إلههى الههبيت دون سههابق إنههذار‪ ،‬وبيههن اكتشههاف أمههاكن التسههوق الفضههل‬
‫والرخص فى متاهات بكين‪.‬‬
‫أما أنا فقد قضيت هذا الوقت فى تعلم اللغة الصينية‪ِ .‬لَم؟ بل سبب واضح‪ .‬كنت بارعا فى اللغات‪ ،‬ورغم تعليمى الحكومى فقد أتقنت النجليزية بشكل لفت‪ .‬ولنى كنت أحب الفلسفة وأدرسههها‪ ،‬فقههد فكههرت فههى تعلههم اللغههة‬
‫جلنى فى مدرسة تعطى دروسا مكثفة للجانب‪ .‬وبرعههت فههى‬
‫الصينية كى أقرأ الفلسفة الصينية بما أنى أعيش فى بكين‪ .‬فكرة ساذجة طبعا‪ ،‬لكن هكذا نفكر ونحن فى السابعة عشرة‪ ،‬إن كنت تذكر! المهم أنى أقنعت أبى وس ّ‬
‫هذه اللغة الصعبة بشكل لفت أنظار الجميع‪ ،‬حتى إنى صرت قادرا على القراءة والكتابة والحديث بشكل معقول فى عام ونصف‪ .‬ولم أتوقف‪ ،‬بل تابعت الدراسة طوال الوقت حتى صرت‪ ،‬بل مبالغة‪ ،‬طلقا فيها كأهههل البلههد‬
‫بنهاية السنة الثالثة‪ ،‬حين بدأت سلسلة الحداث التى ستقودنى إلى هذه السفينة القاتلة‪.‬‬
‫ط فخر أبى وأمى وأختى بشكل لم أعهده من قبل‪ .‬غمرنى هذا الفخر بشعور بالحنان والدفء والطمئنان ل مثيل له‪ ،‬وما زال يراودنى كلما ذكرتهم‪ .‬استغرب الجميع‪ ،‬خصوصا أصدقاء‬
‫نجاحى فى اللغة الصينية جعلنى مح ّ‬
‫ت ما أنزل ال بها من سلطان‪ ،‬من عقل المراهق الذى يلتقط اللغات بشكل خاص‪ ،‬إلى الذاكرة البصرية التى تصور الحروف‪ .‬وصحيح أنههى موهههوب فههى اللغههات‬
‫أبى وزملءه‪ ،‬من نبوغى فى تعلم اللغة‪ ،‬وتطوعوا بتفسيرا ٍ‬
‫بشكل عام‪ ،‬ويشهد على ذلك تعلمى للفرنسية وإتقانى لها بعد عودتى إلى مصر‪ ،‬ولكن الحقيقة أن سبب إتقانى للغة الصينية‪ ،‬وإتقانها بهذه السرعة الصاروخية‪ ،‬أبسط بكثير من هذه التفسيرات وأحلى‪ ،‬واسمه »داو مينج«‪.‬‬
‫داو مينج كانت فى مثل سّنى وقتها‪ .‬ذات ابتسامة مضيئة ووجه مستدير يحيطه شعر أسود قصير‪ .‬حين تقرأ يتهدل على عينيها حتى يغطيهما‪ .‬وحين ترفع رأسها وترانى تلمع عيناها الضيقتان بنظههرة تشههع لؤمهها بههريئا‪ ،‬ثههم‬
‫ب المضىء؟‬
‫ت الن أيتها الدر ُ‬
‫تغطى فمها بيدها وتشيح بوجهها كأنما خجل‪ .‬أين أن ِ‬
‫التقيتها فى معهد تعليم اللغة الصينية للجانب‪ ،‬حيث تدّرس كجزء من برنامج للخدمة العامة يتعين على الشباب الجامعى المرور به‪ .‬ورغم حداثة سّنها‪ ،‬أو ربما بسبب ذلك‪ ،‬فقد كانت شديدة الصرامة معنا‪ .‬حتى سألتها فههى‬
‫مرة بعد الدرس عن جامعة بكين التى تدرس بها‪ ،‬استرسلت فى الرد حتى جاء عامل التنظيف وقال لها شيئا لم أفهمه‪ ،‬وساعتها رأيت لول مرة ابتسامتها المضيئة تلك وحركة تغطية فمها بيههدها‪ .‬أعجبتنههى‪ .‬وأنههت تعههرف‬
‫كيف تعجبنا البنات ونحن فى السابعة عشرة‪ .‬سألتها عما قاله الرجل فقالت إنه يطردنا لننا تأخرنا‪ .‬لم أفهم ما المضحك فى ذلك‪ ،‬ولم أكن بعد قد علمت أن هذه طريقتها فى التعامل مع كل مهها يفاجئههها‪ .‬مشههيت معههها حههتى‬
‫محطة الوتوبيس‪ .‬سألتنى عن معنى اسمى فقلت ُمحَرجا »الشخص المرتفع«‪ .‬ضحكت وهى تهّز رأسها وصمتت‪ .‬فسألتها عن معنى اسمها هى فقالت »الدرب المضيء«‪ .‬ثم صمتنا وبدأت أشعر بحرج شديد وفشههل ونههدم‬
‫أنى حدثتها‪ .‬سألتنى كيف أدرس بمصر إن كنت موجودا بالصين طوال العام فشرحت لها وهى تهز رأسها‪ .‬وعندما قلت إنى أدرس الفلسفة وقفت وسههألت فههى دهشههة‪» :‬الفلسههفة؟! أنههت تههدرس الفلسههفة؟!« قلههت‪» :‬نعههم«‪،‬‬
‫فأضافت ببساطة شديدة أنها هى أيضا تدرس الفلسفة‪ ،‬ثم ضحكت ووضعت كفها على فمها وأشاحت بعينيها ناحية الرض واستأنفت السير‪.‬‬
‫وهكذا‪ ،‬فى هذه اللحظة‪ ،‬ونحن سائران نحو محطة الوتوبيس‪ ،‬هى تنظر بعيدا وأنا أحّدق إلى شعرها‪ ،‬قررت أنى أحب داو مينج‪.‬‬
‫ع‪.‬ش‪.‬فشير‬

‫‪--------------‬‬‫رواية »باب الخروج « لعز الدين شكري فشير ‪ ..‬الحلقة الثالثة‬
‫سألتك مرتين أو ثلثا إن كنت قد صادقت فتاة أو أحببت‪ ،‬واعتراك خجل وغمغمت بالنفى ‪.‬‬
‫غير أنك حدثتنى بعد ذلك عن فتيات أحببتهن وأنت أصغر سنا‬
‫كان اسمها داو مينج‪.‬‬
‫ط فمها بيدها‪ .‬فقّبلُتها ثانية مطول‪ ،‬أنا الههذى‬
‫شح بوجهها‪ ،‬ولم تغ ّ‬
‫ى‪ .‬ظللت بعدها جالسا دون حراك‪ ،‬ساهما أنظر إلى وجهها القريب من وجهى‪ .‬لم تضحك ساعتها أو ُت ِ‬
‫وحين قّبَلتنى أول مرة شعرت وكأن الجنة قد هبطت عل ّ‬
‫لم أكن أعرف عن القبل غير ما رأيته فى الفلم‪ .‬بالكاد ثمانية عشر عاما‪ ،‬أى أصغر منك الن بعامين‪ .‬ماذا عنك أنت؟ سألتك مرتين أو ثلثا إن كنت قد صادقت فتاة أو أحببت‪ ،‬واعتراك خجل وغمغمت بالنفى‪ .‬غير أنك‬
‫حدثتنى بعد ذلك عن فتيات أحببتهن وأنت أصغر سنا‪ .‬حين كنت فى السادسة عشرة حدثتنى عن تلك التى أحببتها فى المدرسة العدادية‪ ،‬وذكرت لى منذ شهور شيئا عن تلك التى أحببتها فههى المرحلههة الثانويههة‪ .‬لههم تواِتههك‬
‫عه‪ .‬حاولت أن أعطيك بعض النصائح‪ ،‬وأذكر أنك استمعت إلى متظاهرا بعدم الهتمام‪ .‬لم ترّد‪ ،‬فقط استمعت‪ ،‬ولم أضغط عليك‪ ،‬لكنى أريد أن أقول لك الن‪ :‬حيههن تقههع فههى غههرام‬
‫ل وقو ِ‬
‫ب حا َ‬
‫ط أن تحدثنى عن ح ّ‬
‫الجرأة َق ّ‬
‫ل‪ .‬واعلم أن كل الناس مثلك‪ ،‬تحب وترغب فى وصال من تحبه‪ .‬ل تتواَر‪ ،‬فكلنا يا صديقى نمر من هذا الباب‪.‬‬
‫فتاة قّبلها على الفور ول تنتظر‪ .‬ل شىء يدعو إلى النتظار‪ ،‬ول تخش شيئا‪ ،‬فسأدافع عنك من ع ٍ‬
‫أظن أن أبى كان يعرف بأمر داو مينج‪ ،‬وربما أمى‪ .‬لكن لم يُقل أيهما شيئا عن الموضوع‪ .‬كان سلوكى عاقل بشكل عاّم‪ :‬ل تأخير مباَلغ فيه خارج البيت‪ ،‬ول مغامرات أو مشكلت‪ .‬لم أدخن أو أكذب أو أسرق أو أتشاجر‬
‫مع أقرانى‪ ،‬وكنت متفوقا فى دراستى بالجامعة بمصر‪ .‬لكن موجات السعادة العارمة والبؤس الشديد ل بد أنها قد فضحت أمرى وتسببت فى ابتسامات غامضة من جانب أمى وهّزات رأس متبرمة مههن جههانب أبههى‪ .‬وعلههى‬
‫ل تههبيع‬
‫كل حال‪ ،‬فقد كان لداو مينج أثر إيجابى ل يمكن لهم إنكاره‪ ،‬فقد تحول إتقانى المتزايد اللغة الصينية إلى مفتاح سحرى لبواب بكين المغلقة عادة أمام الغرباء‪ .‬تدريجيا بدأت آخذ أمى وصفية أختى إلى أسواق ومحهها ّ‬
‫كنوزا بأسعار لم تصدقاها‪ ،‬وانبهرتا بحواراتى مع الباعة‪ ،‬وانبهر الباعة أكثر بهذا السمر النحيل الطويل الذى يتحدث مثلهم‪ .‬كل هذا من صنع داو مينج‪ ،‬دليلى وملكى الحارس‪ .‬استدعانى أبى ذات مرة إلى مكتبه وسألنى‬
‫بترّدد إن كنت أستطيع مساعدتهم فى إجراء بعض المعاملت الدارية والمالية مع مقاولين ومع السلطات المحلية‪ .‬وقد كان‪ ،‬وتحولت إلى بطل شعبى صغير للمكتب العسكرى‪ .‬ثم قدمنى أبى للسفير وهو يتعشى عندنا فاهتّم‬
‫ى تحضير نفسههى بههدل مههن ذلههك لختبههار الَقبههول بههوزارة‬
‫ى مبتسما ‪-‬وأنا أتلعثم فى خجلي‪ -‬واقترح عل ّ‬
‫بى اهتماما كبيرا وقال إنه سمع أنى آتى بمعجزات‪ ،‬ثم حّذرنى من نية أبى إلحاقى بكلية عسكرية بعد تخّرجى‪ .‬مال عل ّ‬
‫ك ل ياداو مينج‪ :‬هل كانت تعلم أنها تحفر بيدها حفرة ستبتلعنا نحن الثنين؟‬
‫الخارجية‪ .‬ل ِ‬
‫ى من أحكى له عن داو مينج سوى صديقى عز الدين فكرى‪ .‬نعم‪ ،‬هو هو عز الدين فكرى الذى تعرفه‪ .‬سأخبرك بكل شىء فى حينه‪ .‬زاملت عز الدين فى مدرسة »ابن لقمان« العدادية بالمنصههورة‪ ،‬وتصههادقنا‬
‫لم يكن لد ّ‬
‫من أول يوم‪ ،‬وظللنا نتقاسم المقعد الخشبى العريض وأوقات الفسح والمؤامرات والمعارك واللعب والكلم طوال أعوامنا الثلثة بالمدرسة‪ .‬ثم انتقلنا معا إلى الثانوية العسههكرية الواقعههة فههى نفههس الشههارع‪ ،‬وقضههينا سههنوات‬
‫تكويننا الساسية معا‪ ،‬صباحا ومساء‪ .‬كان عز الدين يتيما يعيش مع خالته‪ ،‬وهى نفسها بل أهل فى المنصورة‪ ،‬هاجرت من السماعيلية أيام الحرب ولم تُعد إلى بلدها‪ .‬حين أتى إلى بيتنا أول مرة أحّبتههه أمههى علههى الفههور‪،‬‬
‫وعاملته ‪-‬هى وصفية أختي‪ -‬باعتباره فردا من العائلة‪ .‬عمك عمر‪ ،‬الذى كان يعاملنى باعتبارى »الخ الصغير«‪ ،‬بدا عليه بعض الضيق من هذا الوافد الغريب‪ ،‬أعتقد أنه غار من صداقتنا القوية ومن اهتمام أمى به‪ .‬وكان‬
‫أبى فى تلك الفترة يغيب أياما طويلة فى الجيش )لم أكن أعلم أين هو‪ ،‬كلما سألته أو سألت أمى أين هو قال‪ :‬فى الجيش(‪.‬‬
‫أيا كان المر‪ ،‬بين المدرسة فى النهار والجلوس فى بيتنا أو التسكع على النيل فى المساء‪َ ،‬تفّتحنا على العالم معا‪ ،‬وفتح كلنا قلبه للخر وصرنا كأننا أخوان توأمان‪ :‬علههى شههكرى وعههز الههدين فكههرى‪ .‬كههان حالمهها وهههادئا‬
‫جههة مههع الكبههار خصوصهها‬
‫مثلى‪ ،‬مشغول بالفكار والكتب وحال العالم أكثر مما هو مشغول بالشياء التى يهتّم بها المراهقون فى سننا‪ ،‬أو هكذا قررنا‪ .‬ولكنه كان أكثر إقههداما منههى وأكههثر قههدرة علههى الصههد والههرد والُمحا ّ‬
‫المدرسين‪ .‬ومن ثم تقاسمنا الدوار‪ :‬أنا أوّفر الملجأ المسائى ببيتنا‪ ،‬بطعامه ورعاية أمى وكتب أبى الغائب‪ ،‬وعز الدين يتولى الدفاع عنا والمناقشات مع المدرسين‪ ،‬وأحيانا مع أمههى حيههن نتههأخر أو نتغيههب‪ .‬وفههى كههل هههذا‬
‫صرنا ل ُيَرى واحد مّنا دون الخر‪ ،‬ول نفترق إل على موعد للقاء‪ .‬يعرف كل منا ما يدور فى عقل وقلب الخر دون أن يتكلم‪ ،‬ويجرى كل منا إلى الخر كى يخبره إن جد عليه شىء‪.‬‬
‫وحين رحلت مع عائلتى إلى القاهرة بعد الثانوية العامة‪ ،‬التحق عز الدين بكلية القتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة وانتقل للقامة بالمدينة الجامعية‪ .‬حاولت إقناع أبى بأن يسمح له بالقامة معنا بشقتنا الجديدة بمدينههة‬
‫ت‪ ،‬وابتسَمت لى أمى معّزية‪ .‬لكننا قضينا السنة الولههى نتسههكع فههى طرقههات الجامعههة معهها‪ ،‬ونتسههامر فههى‬
‫نصر‪ ،‬إل أنه رفض بدهشة وحزم‪ .‬لم أجد مبررا أسوقه سوى أنى أعتبره أخى‪ .‬ربت أبى على كتفى صامتا فصم ّ‬
‫طههل هههذه‬
‫المساء مع طلبة القاليم المقيمين فى المدينة الجامعية مع عز الدين‪ .‬ومن وقت إلى آخر كانت أمى تدعوه إلى عشاء أو غداء بالبيت عندنا‪ ،‬وأحيانا ترسل إليه طعاما معى نقتسههمه بغرفتههه بالمدينههة الجامعيههة‪ .‬لههم ت ُ‬
‫الفترة الذهبية حيث انتقلت مع عائلتى بنهاية صيف العام الول إلى بكين‪ .‬ولم يعد بيننا سوى خطابات نتبادلها كل عدة أسابيع )لم تكن النترنت قد ظهرت بعد‪ ،‬إن كان يمكنك تصّور هذا المر(‪ .‬وصههارت هههذه الخطابههات‬
‫ىيه‪ ،‬ورد علينا معا بخطاب طويل وعاطفى‪ .‬وافتقدته كههثيرا‬
‫وسيلتى الوحيدة للتنفيس عما يعتمل بصدرى من مشاعر ومخاوف لصديقى الوحيد‪ ،‬أرسلت إليه صورا لى مع داو مينج‪ ،‬وكتَبت هى مرة له فقرة بالنجليزية تح ّ‬
‫حين أتى وقت القرارات الصعبة ولم تسعفنا الخطابات‪.‬‬
‫س يأخذنا إلى عالم ل أحد فيههه سههوانا‪ .‬لههو‬
‫لوَليان َتِبَعتهما ُقَبل أخرى كثيرة‪ ،‬وعناقات كأنها م ّ‬
‫فى السنة الثانية صرت أقضى يومى كله معها‪ .‬فى أوقات الفراغ نتسلل إلى المدينة المحرمة فى قلب بكين‪ ،‬اسما وفعل‪ ،‬قبلتانا ا ُ‬
‫ق شىء يمنعنى عن وصالها‪.‬‬
‫لم تقّبلنى داو مينج لما قّبلتها أبدا ولقضيت سنواتى ببكين أهيم بها دون أن ألمسها‪ ،‬ترددا وخجل‪ .‬ولو لم تعانقنى لما ذاب خجلى‪ ،‬لكنه حين ذاب لم يب َ‬
‫غَرا ِ‬
‫ك‬
‫غَراِنى ِبَما َأ ْ‬
‫سْكُر َأ ْ‬
‫جى‪َ /‬وال ّ‬
‫ك َوالّد َ‬
‫عِ‬
‫ن‪َ ..‬فْر ِ‬
‫ت ِفى َلْيَلْي ِ‬
‫خْل ُ‬
‫َوَد َ‬
‫شيعه زملئى الكثر مغامرة‪ .‬ل تصّدق ما يقوله هؤلء‪ ،‬وتذكر أنك ل تعرف امرأة حقهها ول تعههرف حقيقههة مشههاعرك‬
‫ت قصد أمير الشعراء‪ ،‬وعرفت‪ ،‬فى هذه اللحظة‪ ،‬أن الوصال ل يشفى من الهوى‪ ،‬عكس ما كان ُي ِ‬
‫فهم ُ‬
‫نحوها حتى تمام الوصال‪.‬‬
‫ظم ما ُيقال‪ .‬كههان هنههاك أسههاتذة أوضههح مههن‬
‫حين ل نكون بالمدينة المحّرمة كنا بالجامعة نستمع إلى دروس الفلسفة‪ .‬فى البداية كنت أفهم ثلث ما يقوله الستاذ‪ ،‬ثم أخَذت النسبة تتحسن حتى العام الثالث حين صرت أفهم ُمع َ‬
‫ى‪ .‬بعض هذه الدروس قريب من المههواّد المقههررة‬
‫آخرين فى نطقهم‪ ،‬وطلبة كثيرون من القاليم الصينية البعيدة ل أفهم شيئا من أسئلتهم‪ .‬لكن داو مينج كانت تراجع الدروس معى بعد المحاضرات وتشرح لى ما استغلق عل ّ‬
‫ى عّما خّمناه‪.‬‬
‫ى بجامعة القاهرة‪ ،‬وبعضها جديد مختلف تماما‪ .‬لكن المر كله ساعدنى فى دراستى الرسمية‪ ،‬ونجحت بنتيجة جيدة لشخص غائب طوال العام‪ .‬وأظن ذلك قد أسهم فى تغاضى والد ّ‬
‫عل ّ‬
‫ثم ظهر أحمد القطان‪.‬‬
‫فى هذا المساء عدت متأخرا قليل‪ ،‬فى التاسعة أو شيئا من هذا القبيل‪ ،‬فوجدت البيت مزدحما بالضيوف وصفية أختى واقفة بجوار الباب تنتظرنى ثم قالت لى فى لوم إن أبانا يسأل عنى منذ ساعة‪ .‬دخلههت غرفههتى لصههلح‬
‫من هندامى وحالى فجاءت أمى مسرعة وقالت لى إن أبى عنده ضيوف مهمون من مصر يريدنى أن أسّلم عليهم‪ .‬خرجت وتقدمت نحو الصالون الكبير‪ .‬سمعت أصوات حديث بالعربية والصينية وضحكات وقرقعة أكههواب‬
‫وكؤوس فترددت‪ .‬لمحنى أبى من آخر الصالون فنادانى‪ .‬تقدمت بخجل وأنا أنظر إلى نقوش سجادة الرضية التى أحفظها من كثرة ما حدقت إليها‪ .‬وبطرف عينى لمحههت‪ ،‬فههى صههدر الصههالون‪ ،‬ضههباطا كبههارا‪ ،‬مصههريين‬
‫ى أبى الذى كان يرتدى بّزته العسكرية كاملة‪ ،‬وأشار لى بابتسامة رسمية أن أدخل‪.‬‬
‫وصينيين‪ .‬نظر إل ّ‬
‫وهكذا قابلت الرئيس القطان لول مرة‪.‬‬
‫ع‪.‬ش‪.‬فشير‬

‫‪---------------------------‬‬‫رواية »باب الخروج« لعز الدين شكري فشير‪ ..‬الحلقة الرابعة‬

‫ى بعينيها الضيقتين مرتابة لكنى‬
‫عندها فهَمت داو مينج أن أمرا يجرى وأنى أخفيه عنها ‪ ..‬ظلت تحدق إل ّ‬
‫صمدت ولم أفصح عن شىء عن صواريخى ول عن مشروع تحويلى إلى مترجم رئاسى فى القاهرة‬

‫ى فى ذلك المساء لعدت إلى منزلى فى الثانية عشرة وما التقيت ضيوف أبى العسكريين ول جرى أى مما جرى بعد ذلك‪ .‬وأحيانا أظههن أن كههل مهها‬
‫أحيانا أفكر أنى لو كنت ذهبت مع داو مينج إلى السينما مثلما اقترحت عل ّ‬
‫جرى كان ل بد أن يحدث‪ ،‬سواء قابلت أحمد القطان هذا المساء فى صالون أبى أو قابلته فى مصر بعدها بشهر أو بسنة‪ .‬فى كل الحوال‪ ،‬تقدمت على السجادة السميكة وأنا أحاول السير بخطى ثابتة وسلمت على الضباط‬
‫المصريين الزائرين ثم على الضباط الصينيين‪ .‬قال أبى شيئا عن إتقانى اللغة الصينية فأبدى الجميع اهتماما زائفا من باب المجاملة كأنهم ل يصّدقون‪ .‬شعرت بالهانة‪ ،‬ولما َتكّلم المترجم الصههينى بالعربيههة ليههترجم للههزوار‬
‫ى وهّز رأسه بشدة فشرحت له بالصينية أين أخطأ‪ .‬وكان هذا كافيا للفت انتباه المسؤول الصينى الذى سألنى ‪-‬بالصينية‪ -‬إن كنت أتحدث الصههينية‪ ،‬ثههم بههدأ يتوغههل‬
‫شيئا قاله رئيس الوفد الصينى صححت له ترجمته‪ .‬نظر إل ّ‬
‫ى بيديه الثنتين بحرارة شديدة‪.‬‬
‫معى فى الحديث تدريجيا‪ .‬استغرقت المحادثة خمس دقائق كاملة صمت فيها الجالسون فى الصالون جميعا‪ .‬أنهى المسؤول حديثه معى والنبهار يشع من عينيه‪ ،‬ثم قام واقفا وانحنى وسلم عل ّ‬
‫ت إلى أبى الذى كانت أوداجه قد انتفخت من الفخر والتأثر‪ ،‬ولمحت بطرف عينى نظرات الهتمام لدى الضيوف الزائرين‪ ،‬فحييت الجميع برأسى وانسحبت بهدوء إلى غرفتى‪.‬‬
‫شكرته‪ ،‬والتف ّ‬
‫خر الضيوف وهم يغادرون‪ ،‬ثم جاء أبى بنفسه إلى غرفتى‪ .‬دخل وسار حتى مقعدى‪ ،‬وقّبلنى على رأسى‪ ،‬ثم طلب منههى السههتيقاظ مبكههرا للههذهاب معههه إلههى المكتههب وحضههور جلسههة‬
‫تآِ‬
‫قرب منتصف الليل سمعت أصوا َ‬
‫مفاوضات هاّمة مع الوفد الزائر‪ ،‬لنهم يريدون أن يتأكدوا من دقة ما ينقله إليهم المترجم الصينى‪ .‬وهكذا‪ ،‬بدأت سلسلة الحداث التى ستقودنى حتى قمرة السفينة التى أكتب لك منها هذه الرسالة‪.‬‬
‫حدث كل شىء بسرعة بعد ذلك‪ .‬حضرت فعل مع أبى والوفد الزائر جلسات المفاوضات التى اتضح أنها لشراء صواريخ صينية‪ .‬وكنت مبهورا بما يحدث حولى وبأنى أشههارك فههى مهها اعتقههدت وقتههها أنههه عمههل حسههاس‬
‫ى نائب رئيس الوفد‪ ،‬العميد أحمد القطان‪ ،‬أن ل أذكر حرفا مما سمعته لحد‪ ،‬ولم يكن به حاجة إلى ذلك‪ ،‬فقد كنت من فرط انبهارى مستعدا لعتبار كل ما دار سّرّيا‪ ،‬حتى حين سألتنى أمى فههى المسههاء إن‬
‫وخطير‪ .‬نبه عل ّ‬
‫كنت قد أكلت شيئا طوال اليوم لم أرّد‪ ،‬ونظرت إلى أبى فى انتظار التعليمات‪ .‬حضرت معهم هذه المناقشات لمدة أربعة أيام‪ ،‬لم أذهب فيها إلى لجامعة ولم أَر داو مينج‪ .‬وبعد رحيل الوفههد قههال لههى أبههى إن العميههد القطههان‬
‫يعمل فى حرس الرئيس‪ ،‬وإنه قد وعده بتعيينى مترجما فى الرئاسة حين نعود إلى مصر وأتخرج من الجامعة فى العام التالى‪.‬‬
‫انتابتنى مشاعر متناقضة‪ ،‬فأنا لم أفكر يوما فى العمل بمكان فى مكانة وخطورة رئاسة الجمهورية‪ ،‬وبالقطع لم أكن أنوى العمل مترجما‪ .‬كل ما أردته هو دراسة الفلسفة لطول فترة ممكنة‪ ،‬ثم تدريسها بعد ذلك فههى إحههدى‬
‫الثانويات‪ .‬وكانت فكرة البقاء فى الصين تساورنى منذ شهور‪ ،‬وحدثتنى داو مينج عن منح دراسية للجانب يمكننى الحصول على إحداها إن تحمههس لههى أى مههن أسههاتذة القسههم الكبههار‪ .‬وبههدا ذلههك الحلههم فههى متنههاَول اليههد‪،‬‬
‫خصوصا مع تمّكنى الباهر من اللغة‪ ،‬أظل فى بكين‪ ،‬مع داو مينج‪ ،‬وأدرس الفلسفة الصينية‪ .‬لكن تجربة الصواريخ التى مررت بها لتّوى‪ ،‬وشعورى بأنى جزء من شىء خطير وشديد الهمية‪ ،‬والتبجيل الذى أحههاطتنى بههه‬
‫صفية وأمى‪ ،‬وتعامل أبى معى كأنى زميل له‪ ،‬والحترام الذى أظهره كل هؤلء الضباط ببّزاتهم العسكرية المهيبة‪ ،‬وتخّيل القصر الرئاسى والجلوس بالقرب من الرئيس ‪-‬عند أذنههه بالضههبط‪ …-‬كههل ذلههك كههان لههه مفعههول‬
‫السحر‪.‬‬
‫حين التقيت داو مينج فى صباح اليوم التالى جَرت ناحيتى واحتضنتنى بشدة‪ .‬قلَقت لغيابى طوال اليام الربعة الماضية‪ ،‬لم يكن لديها تليفون فلم أستطع إخبارها‪ .‬قلت لها إنى انشغلت فى ترجمة أشياء لبى فى المكتب‪ .‬لههم‬
‫ى‪ ،‬لكن غضبها تلشى سريعا‪ .‬أنا الذى ظللت مشّتتا‪ ،‬وحتى زيارتنا للمدينة المحرمة لم تفلح فههى القضههاء علههى‬
‫ع عل ّ‬
‫أحب أن أكذب عليها ولكنى لم أكن لفشى سر الصواريخ‪ .‬غضَبت لختفائى غير المبرر ولقلقها دون دا ٍ‬
‫ى بعينيها الضيقتين مرتابة‪ ،‬لكنى صمدت ولم أفصح عن شىء عن صواريخى‪ ،‬ول عن مشروع تحويلى إلى مترجم رئاسى فى القاهرة‪.‬‬
‫تشتتى‪ .‬عندها فهَمت داو مينج أن أمرا يجرى‪ ،‬وأنى أخفيه عنها‪ .‬ظلت تحدق إل ّ‬
‫لكن كل ذلك تلشى بعد عدة أسابيع من رحيل الوفد وعودتى إلى روتين الجامعة والمدينة المحرمة‪ .‬وذات يوم جاءت داو مينج وهى متوهجة من السههعادة وأخههبرتنى بيههن أنفاسههها المتقطعههة مههن الركههض أن رئيههس القسههم‬
‫ت مجامل ومتسائل عن أهمية هذا الكلم‪ ،‬فهههزت‬
‫شخصيا سألها عنى وأشار إلى ضرورة استمرارى فى الدراسة ما دمت محبا للفلسفة الصينية إلى حد المواظبة على دروسها عامين دون أن أكون مضطرا إلى ذلك‪ .‬ابتسم ُ‬
‫رأسها فى لوم مؤكدة أن ذلك معناه منحة دراسية من التى حدثتنى عنها‪ ،‬وحّثتنى على طلب موعد معه ومفاتحته فى المر‪ .‬لكنى قبل أن أفاتحه هو فاتحت أمى‪ ،‬فشحب وجهها فورا وصمتت‪ .‬صفية أعجبتها الفكههرة‪ ،‬لكنههها‬
‫استبعدت موافقة الب عليها‪ ،‬خصوصا فى ضوء الوظيفة التى تنتظرنى فى القاهرة‪ .‬ظللت أسابيع مترددا فى مفاتحته فى المر‪ ،‬ورد فعل أمى ىءينبئ عّما يمكن أن يقوله أبى‪.‬‬
‫كتبت لعز الدين عن المعضلة‪ ،‬وجاء رده سريعا‪ ،‬يزن كل اختيار بمميزاته وعيوبه ويحاول الجمع بينهما‪ ،‬مقترحا أن أبدأ بوظيفة القاهرة وأؤجل المنحة عاما‪ ،‬وإن لم تعجبنى الوظيفة فى القصر الرئاسى أتركها وأعود إلى‬
‫بكين‪ .‬ماذا عن داو مينج؟ لم يقل شيئا‪ .‬ذهبت لمقابلة البروفيسور للتأكد مما قالته داو مينج‪ ،‬وفعل أكد لى إمكانية توفير هذه المنحة ‪-‬التى ُيشِرف بنفسه على اختيار الحاصلين عليها‪ -‬إن نجحههت فههى بعههض اختبههارات اللغههة‬
‫والفلسفة وحصلت على شهادة الليسانس من جامعتى هذا العام‪.‬‬
‫كان هذا عامنا الخير فى بكين‪ ،‬والسابيع يسحب بعضها بعضا سريعا‪ ،‬وكلما اقترب موعد عودتى السنوية لداء المتحانات زاد اضطرابى‪ .‬كان ُيفترض أن أسافر فى شهر أبريل مع صفية وأمى لنسههتعد للمتحانههات ول‬
‫سكى بالبقاء‪ ،‬وبداو مينج‪ ،‬وبأمل استكمال دراسة الفلسفة وتحضير الدكتوراه فيها بالصين‪ .‬كأنى انشطرت نصفين‪ ،‬ل يستطيع أيهما المسير فى‬
‫نعود‪ ،‬ويلحق بنا أبى فى نهاية شهر يوليو‪ .‬ولكنى كلما اقترب الموعد ازداد تم ّ‬
‫التجاه الذى يهفو إليه دون أن يمزق الخر‪.‬‬
‫ى مههن‬
‫ت أمى بالحقيقة كاملة‪ .‬تعاطَفت معى‪ ،‬طبعا‪ ،‬وأبدت تفهمههها وأغههدقت عل ه ّ‬
‫ف الوقت صارح ُ‬
‫ى اختياره‪ .‬وحين َأِز َ‬
‫طلت قدر المكان‪ ،‬وغرقت أكثر فى ضوء دربى المضىء كأنما لنسى القرار القاسى الذى يتعين عل ّ‬
‫ما َ‬
‫ف موقفها الرافض تماما لفكرة البقاء وإعداد الدكتوراه ببكين‪ ،‬حتى لو كانت منحة من الجامعة‪ ،‬وحتى لو كنت أول طالب مصرى يدرس الفلسفة الصينية هناك‪ .‬أما حبى لداو مينج وتعلقى بها فهههو أمههر‬
‫حنانها‪ ،‬لكنها لم ُتخ ِ‬
‫جميل‪ ،‬هكذا قالت‪ ،‬لكنها عواطف أول الشباب ودائما تمر‪» .‬ل أحد يتزوج حبه الول إل فى الفلم‪ ،‬وحتى فى الفلم ل يفعلون ذلك كثيرا«‪ .‬هكذا قالت‪ ،‬وكانت من الذكاء بحيث لم تس هّفه مههن حههبى لكههون الفتههاة صههينية‪.‬‬
‫ى لم أعترف لنفسى به وقتها‪ .‬أنفَقت أمى بقية وقتها فى الحديث عن الوظيفة التى تنتظرنى والمستقبل المرموق الذى ستكفله لى‪ .‬عندما كانت تتحدث عن هههذه الوظيفههة‬
‫لكنى كنت أشعر بهذا المر فى نظراتها‪ ،‬وترك أثرا ف ّ‬
‫كان وجهها كله يبتسم‪ ،‬كأنما أزاحت كل حديثى عن البقاء فى بكين باعتباره ترهات مقضيا عليها‪ .‬وحين استجمعت شجاعتى وفاتحت أبى بشأن بقائى لعداد الدكتوراه )ولم أجسر‪ ،‬مثلك‪ ،‬على ذكر حههبى لههداو مينههج( كههان‬
‫رد فعله مماثل لرد فعل أمى‪ :‬استبعد الفكرة سريعا باعتبارها فكرة خرقاء‪ ،‬وأخذ يعدد مآثر الوظيفة التى تنتظرنى‪ .‬كان حديث الب عن هذه الوظيفة أكثر تأثيرا مما قالته الم‪ ،‬بل ومما فكرت فيه أنا من قبههل‪ ،‬فلول مههرة‬
‫ف ما يقوم به هو شخصيا‪ ،‬بل إنه قال إن عملى فى الرئاسة سيكون أهّم من عمله هو ومن أى شىء قام به حتى الن‪ .‬وشعرت أن هذه الكلمات حيههن قيلههت قههد حسههمت‬
‫جل عمل غير الجيش‪ ،‬ويرفعه إلى مصا ّ‬
‫أرى أبى يب ّ‬
‫المر داخلى‪ ،‬لكنى ظللت أقاوم‪ ،‬حتى بينى وبين نفسى‪.‬‬
‫ى‪ .‬لم تكن داو مينج تعلم بشىء من هذا‪ ،‬ل وظيفة الرئاسة ول إجماع عائلتى على ضرورة سفرى‪ .‬وكلما التقينهها حههدثتنى عههن مشههروعاتها لحيههاتى فههى‬
‫كتبت إلى عز الدين مرة أخرى‪ ،‬لكن الوقت لم يسعفنى لقرأ رده عل ّ‬
‫ضر لستكمال دراستها العليا‪ ،‬وبعد ذلك بدأت تبحث عن مصههدر نحصههل منههه‬
‫بكين كطالب‪ ،‬أخذتنى لرؤية المساكن الجامعية التى ُيفترض أن أقيم بها‪ ،‬وأحضرت لى جدول دراسة طلبة الدكتوراه‪ ،‬ثم بدأت هى الخرى تح ّ‬
‫على الكتب بالمجان‪ ،‬وهكذا‪ .‬مع كل أسبوع يمر يتضح لى أنى ل محالة عائد إلى مصر‪ ،‬وُتمِعن داو مينج فى ترتيباتها لمستقبلنا المشترك فى جامعة بكين‪.‬‬
‫ى فيه أن أخبرها بالحقيقة‪ ،‬أننى سأرحل عائدا إلى مصر مع أهلى ولن أستطيع البقاء معها ومواصلة الدراسة مثلما خططنا‪ .‬مر على هذا اليوم إحدى وثلثون سنة تقريبا‪ ،‬وما زال قلههبى يههوجعنى‬
‫ثم جاء اليوم الذى تعين عل ّ‬
‫حين أتذكره‪ ،‬وما زلت أشعر بالصغر والوضاعة بسبب خداعى لها طوال الشُهر التى سبقته‪ ،‬وبألم وندم على جرحى لها ذلك اليوم‪ ،‬وما زلت أرى تعبير وجهها فى هذا اللقاء الخيههر وأنهها أسههير مبتعههدا وهههى جالسههة بل‬
‫حراك على مقعد خشبى بالجامعة‪ ،‬كأنها تحولت لتمثال من الزجاج‪ ،‬ينتظر التهشم‪.‬‬
‫راحت داو مينج‪.‬‬
‫ع‪.‬ش‪.‬فشير‬

‫‪----------------------------------‬‬‫رواية »باب الخروج« لعز الدين شكري فشير‪ ..‬الحلقة الخامسة‬

‫حين أبلغنى أبى بضرورة الحضور بالرئاسة فى التاسعة من صباح الول من يناير‪ ،‬زغردت أمى ‪.‬‬
‫حَوش «‬
‫صُمه بـ »شغل الناس ال َ‬
‫أول مرة أراها تزغرد‪ ،‬هى التى تتعفف عن كل ما َت ِ‬
‫عَمر أخى الذى استقبلنا فى المطار بدا أكثر حّدة‪ .‬فى كل مرة ألتقيه أجده أكثر حّدة‪ .‬مدينة نصر بدت أكثر ازدحاما بكثير‪ ،‬وبجههوار عمههارات الههدفاع الجههوى الههتى نسههكنها تحههولت‬
‫قضيت الشهور الولى بعد عودتى تائها‪ُ .‬‬
‫الصحراء إلى غابات من البنية الخرسانية‪ .‬ذهبت إلى المنصورة فور عودتى للقاء عز الدين‪ ،‬وأقنعت أمى بأن تتركنا نقيم معا فى شقتنا القديمة المغلقة حتى نهاية المتحانات‪ .‬كان قلبى منقبضا وأردت البعههد عههن كههل مهها‬
‫يذّكرنى بداو مينج وبكين كلها‪ ،‬بما فى ذلك أمى وأختى‪.‬‬
‫ظم الوقت وأنا أحدق إلى كتبى‪ ،‬أقرأ فى الصفحة وبعد قليل أصادف عبارة تذّكرنى بشيء ما‪ ،‬ثم أكتشههف أنههى قرأتههها مههن قبههل‬
‫طوال اليوم فى البيت مع عز الدين‪ ،‬صامَتين ُمع َ‬
‫ول أعلم كيف نجحت هذا العام‪ ،‬كنت أجلس َ‬
‫ىا على شاطئ النيل عّله يصّفى ذهنى ثم نعود‪ .‬هالنى ما جرى للمنصورة من تغييرات‪ ،‬المدينة الصغيرة الهادئة التى تركتها نائمة فى حضن النيل تحولت إلى كابوس من السههيارات والبشههر‬
‫ونسيت‪ .‬نخرج لنتنفس هواء نق ّ‬
‫سة‪ .‬أعود إلى البيت مع عههز‬
‫خّ‬
‫والعمارات والباعة‪ .‬من أين أتى كل هؤلء؟ ثم أفّكر فى بكين‪ ،‬وجامعتها‪ ،‬وداو مينج ومدينتها التى حّرمتها على نفسى بيدى‪ .‬وأغرق فى التعاسة أكثر‪ .‬لمت نفسى ونعّتها بالضعف والجبن وال ِ‬
‫ى الباب‪ .‬المهّم‪ ،‬ل أريد الطالة فههى كههل هههذا‪ ،‬ل بههد أنههك أنههت أيضهها قههد‬
‫الدين‪ ،‬وأغلق على نفسى الحمام كيل ترانى عينا عز الدين الفاحصتان الناقدتان‪ ،‬وأبكى بصمت‪ ،‬أحيانا لفترات طويلة حتى يأتى عز الدين ويدق عل ّ‬
‫ن أنك غير أهل للحب‪ .‬فقصص الحب الولى دائما ما تنتهى بترك واحد للخر‪ ،‬سيان من الههذى يفعلههها‬
‫ت أنا‪ ،‬وإن كانت هى التى ترَكتك فل تظ ّ‬
‫س على نفسك مثلما فعل ُ‬
‫ت فتاتك مثلى فل تق ُ‬
‫ت قد ترك َ‬
‫مررت فى هذا‪ .‬إن كن َ‬
‫قبل الخر‪ .‬سيبدو لك كلمى قاسيا‪ ،‬مثلما بدا كلم أمى لى وقتها‪ .‬لكن هذه هى الحقيقة‪ ،‬للسف‪.‬‬
‫فى النهاية نجحت‪ ،‬وحصلت على الليسانس‪ ،‬وعاد أبى من بكين‪ ،‬وجاء بعده الثاث الكثير الذى اشترته أمى بمعونة صفّية‪ ،‬ولم يعد المنزل بمدينة نصر يتسع له‪ .‬وبعد شهرين انتقلنا إلى شقة أخرى أكبر وأحدث فى شههارع‬
‫منشية الطيران‪ ،‬أمام بيت الرئيس عبد الناصر‪ .‬وقال أبى ممازحا إن هذا البيت سيكون أقرب إلى الرئاسة عندما أبدأ عملى‪ .‬غاص قلبى حين تذكرت ذلك‪ ،‬نعم‪ ،‬الرئاسة‪ ،‬حان وقت ذلك…‬
‫ثم كان‪.‬‬
‫تحدث أبى مع العميد القطان فى منتصف يوليو ووعده خيرا‪ .‬لكن فى أول أغسطس غزت قوات صّدام حسين الكويت وانقلبت الدنيا رأسا على عقب‪ُ .‬ألِغَيت إجازة أبى ومعها خطة التصييف فى جمصة‪ .‬ولم يكن ذلك شههّرا‬
‫كله إذ أتاح لى فرصة قضاء أيام أخيرة بالمنصورة مع عز الدين الذى كان يتأهب للسفر إلى كندا لستكمال دراسة العلوم السياسية وإعداد الدكتوراه فيها‪ .‬حصل عز الدين على هذه المنحة بالصدفة‪ ،‬حين أخبره صههديق لههه‬
‫شح من أى خّريج‪ .‬سحب الستمارة فى اليوم قبل الخير ول أدرى بأى معجزة استطاع استكمال أوراقه كلها فى يوم واحد‪ ،‬لكن هكذا كان عز الدين حيههن يصههمم علههى‬
‫أن السفارة الكندية لديها عشر منح وتقبل طلبات التر ّ‬
‫ل بالفعل‪ ،‬وها هو ذا يتأهب للسفر لخمس سنوات كاملة‪ .‬كنت سعيدا له ولكن فى مكان ما بقلبى كان هناك غيرة‪ .‬كيف أضعت الفرصة التى سههنحت‬
‫شيء‪ :‬أحيانا يبدو كأنه قادر على تسخير الطبيعة نفسها لتحقيق هدفه‪ .‬وُقِب َ‬
‫لى وعدت إلى هنا؟ وإلى ماذا؟ وها هو ذا صديقى القرب والوحيد‪ ،‬توأمى‪ ،‬مسافر لتحقيق ما كنت أطمع فيه وتخليت عنه بيدى‪ .‬ولول مرة أحسده أنه بل عائلة‪ ،‬يتيم بل أم ُت هِذيب مقههاومته بحنانههها أو أب ُي هِذيبها بصههلبة‬
‫صبانا‪ ،‬كورنيش النيل‪ ،‬المراكب الصغيرة التى تعبر النهر بنا‪ ،‬شاطئ طلخا الذى كان شبه مهجور ناحية مصنع السماد‪َ ،‬فَلْنكات السكة الحديد من المحطة حههتى‬
‫منطقه‪ .‬قضينا أيامه الخيرة فى المنصورة كأننا نزور أطلل ِ‬
‫سندوب‪ ،‬شارع الثانوية حيث تقع مدرستانا‪ ،‬ومطعم »موافي« الذى أطعَمنا فول وطعمية تكفى المسير لنهايات الجهات‪ .‬كأننا نوّدع مدينتنا الخاصة‪ ،‬وفعل لم نعد إلى المنصورة معا بعد ذلك أبدا‪.‬‬
‫ى شيء أفعله سوى التسكع ومتابعة الخبار والتأمل فى حماقة قرارى بالعودة‪ .‬وفى أول أكتههوبر‬
‫عّين أبى رئيسا لفرع الملحقين العسكريين التابع للمخابرات الحربية‪ ،‬واختفى من البيت تماما‪ .‬لم يكن لد ّ‬
‫فى منتصف سبتمبر ُ‬
‫ذهبت إلى مركز التجنيد لبدء »خدمتى العسكرية«‪ ،‬إل أنهم تركونى أعود إلى البيت فى نفس اليوم‪ ،‬ولمدة أربعين يوما اقتصرت هذه الخدمة على ذهابى فى الصباح إلى مركز التجنيد لعدة ساعات أعود بعدها إلى الهههبيت‪،‬‬
‫ى أبى فى استخفاف المشغول بمصائب أكبر من أفكار المراهقين هذه‪ .‬فى كل الحوال لم يكن أمامى‬
‫حتى تم إلحاقى بفرع المخابرات الحربية‪ .‬عّبرت عن امتعاضى من هذه »الكوسة« الواضحة‪ ،‬لكن أمى نهرتنى ونظر إل ّ‬
‫ى‪ .‬وهكذا‪ ،‬قضيت بقية العام بين بيتنا فى شارع الطيران وقيادة المخابرات الحربية فى طريق صلح سالم حيث ل أفعل شيئا ُيذكر‪ .‬وفى منتصف ديسههمبر أخههبرنى‬
‫سبيل للعتراض إذا ُتّتخذ هذه القرارات دون سؤال المعن ّ‬
‫أبى أنى سألحق بمكتب الفرع بالرئاسة فى أول يناير وأظل هناك حتى نهاية تجنيدى ثم يتّم تعيينى رسميا مترجما‪ .‬وقد كان‪.‬‬
‫حَوش«‪ .‬فى الصباح أغرقتنى صههفية ابتسههاما‬
‫صُمه به»شغل الناس ال َ‬
‫حين أبلغنى أبى بضرورة الحضور بالرئاسة فى التاسعة من صباح الول من يناير‪ ،‬زغردت أمى‪ .‬أول مرة أراها تزغرد‪ ،‬هى التى تتعفف عن كل ما َت ِ‬
‫ى‪ .‬خرجت وتوجهت فى زهو إلى القصر الرئاسى فى الميرغنى‪ ،‬المسمى بقصر »التحادية«‪ .‬لكنهم على الباب ضحكوا منى وأرسلونى إلى مكتب السكرتارية فى شههارع الخليفههة المههأمون‪،‬‬
‫ورافقتنى حتى الباب وربتت عل ّ‬
‫سّلم‬
‫الواقع على بعد خمس دقائق من منزلنا‪ .‬المكتب ل يشبه فى شيء توقعاتك من الرئاسة‪ ،‬بل هو أقرب إلى مبنى أرشيف حكومى‪ .‬تركنى الجندى أدخل دون السؤال عن أوراق تحقيق شخصية‪ .‬صعدت عدة درجات من ُ‬

‫ف‪ ،‬وتجولت فى ممرات فارغة أرضيتها من المشمع حتى وجدت من يدّلنى على مكتب الستاذ مرتضى‪ ،‬مديرى الجديد‪ .‬مثلما ترى‪ ،‬فإن تفاصههيل هههذه اليههام محفههورة فههى ذهنههى كأنههها حههدثت أمههس‪ ،‬لكنههى‬
‫مكسور الحوا ّ‬
‫طت علينا طائرات البحرية المريكية قبل أن أنهى ثلث الحكاية‪.‬‬
‫ى لهب َ‬
‫سأعفيك منها‪ ،‬فلو قصصت عليك كل التفاصيل التى لد ّ‬
‫َتسّلمت العمل فى وسط هرج ومرج ظننته مؤقتا ومرتبطا بالحرب الوشيكة فى الخليج‪ ،‬ثم اكتشفت عبر السنوات أنها حالة دائمة‪ .‬قضيت عدة أيام ل أفعل شيئا‪ ،‬بالمعنى الحرفى للكلمة‪ ،‬بل لم أجد فى البداية مكتبا‪ ،‬وظللهههت‬
‫هائما فى الروقة ومكاتب الخرين‪ .‬ثم استدعانى الستاذ مرتضى مرة على عجل لترجمة ورقة باللغة الفرنسية‪ ،‬وُدهش لما قلت له إنى أتقههن اللغههتين الصههينية والنجليزيههة ل الفرنسههية‪ .‬رفههع حههاجبه فههى دهشههة ممزوجههة‬
‫ب أكبر منى بثلث أو أربع سنوات اسمه محمود بشير… نعم‪ ،‬هو محمود بشير الذى اشتهر‬
‫بامتعاض وصرفنى بحركة من يده دون كلمة أخرى‪ .‬قضيت أياما أخرى فى قراءة الجرائد والحديث مع زملئى‪ .‬تعرفت إلى شا ّ‬
‫وسطع نجمه بعد ذلك‪ .‬كان وقتها يعمل مع أحد »أمناء الرئاسة«‪ ،‬وهو مصطلح تفخيمى للعلقات العامة والمراسم‪ .‬محمود كان من وقتها منطلقا وصاخبا وجريئا واجتماعيا إلى أقصى حد‪ .‬هو الههذى جههاء وقههدم نفسههه لههى‬
‫وأصّر على اصطحابى فى نفس اليوم للغداء فى مطعم قريب‪ ،‬وفى اليوم التالى دعانى للخروج معه هو وأصدقائه مساء‪ ،‬وغمز بعينه أنهم ذاهبون إلى مكان سيعجبنى‪ ،‬وبالطبع جفلت منه واعتذرت وصههرت أتحاشههاه‪ .‬فههى‬
‫أول أسبوعين قابلت كثيرين فى المكتب ممن ل بد أنك قد سمعت أو قرأت عنهم بعد ذلك‪ ،‬رأيت رئيس الديوان مرتيههن‪ ،‬وسههكرتير الرئيههس للمعلومههات عههدة مههرات‪ ،‬وسههكرتير الرئيههس الخههاص ووزيههر الخارجيههة ومههدير‬
‫المخابرات العامة مرة فى أثناء خروجهم من اجتماع بالمبنى‪ .‬لكنى لم أَر الرئيس‪ ،‬ولم أترجم كلمة واحدة‪.‬‬
‫وفى صبيحة الخامس عشر من يناير استدعانى الستاذ مرتضى إلى مكتبه حيث وجدت عنده العميد القطان‪ ،‬بوجهه الحمر الضاحك وشعره الحمر الذى ُيخِفى صلعة صغيرة ورقبته الغليظههة المتهدلههة قليل‪ .‬وقههف عنههدما‬
‫جّد أنهم ل بد يعذبوننى ول يعطوننى ل مكتبا ول عمل‪ .‬غمغمت بكلمات‬
‫رآنى واحتضننى‪ ،‬وعلى الفور تغيرت معاملة الستاذ مرتضى لى‪ .‬طلب لى شايا فى حين سألنى القطان عن أحوال العمل‪ ،‬مضيفا فى مزاح نصفه ِ‬
‫مرتبكة لم يكترث لها القطان المنطلق فى الحديث‪ .‬وانتقل بسرعة من الحديث عن المكتب إلى الحديث عن الصين وأهميتها للوضع فى الخليج‪ ،‬ثم انتقل إلى الحديث عن الحرب القادمة والتحسر على ما يحدث‪ .‬لم ُيتههح لههى‬
‫أو للستاذ مرتضى التعقيب على حديثه‪ ،‬فقد قام فور انتهائه من الكلم واستأذن منصرفا‪ .‬وعدت أنا لما كنت فيه‪.‬‬
‫ى مجموعة خطابات‬
‫فى اليوم التالى استدعانى الستاذ مرتضى وقال لى إن أحد العاملين قد ُنقل‪ ،‬ومن َثم شغر مكتبه فى آخر الممر بالطابق الثانى وطلب منى النتقال إليه فورا وتجهيز نفسى للعمل‪ .‬وبعد ساعتين أرسل إل ّ‬
‫ى أن أترجههم المقههالت‬
‫طلب ترجمتها إلى النجليزية‪ ،‬وبعدها بساعة أرسل يستدعينى وأعطانى ثلثة مقالت مقتطعة من صحف إنجليزية وأمريكية وطلب ترجمتها إلى العربية فورا وتْرك الخطابات لوقت لحق‪ ،‬منبها عل ّ‬
‫جما بالقصر الرئاسى‪.‬‬
‫بلغة بسيطة ل تعقيد فيها‪ .‬وهكذا بدأ عملى متر ِ‬
‫…‬
‫وفى اليوم التالى اندلعت حرب تحرير الكويت وتحطيم العراق‪.‬‬
‫ع‪.‬ش‪.‬فشير‬

‫‪------------------------------------‬‬‫رواية »باب الخروج « لعز الدين شكري فشير ‪ ..‬الحلقة السادسة‬
‫ى هكذا‪ .‬الستاذ مرتضى فى الصباح‪ ،‬ثم الترجمة العقيمة‪ ،‬ثم غداء بالمنزل حينا ومع محمود بشير الذى توثقت صلتى به أحيانا‪ ،‬ثم عودة إلى المكتب لمزيد من الترجمة العقيمة‬
‫مرت الحرب عل ّ‬
‫ك مدن العراق وتحرق أرتال الجنود المنسحبين على طريق الموت‪ ،‬كنت أترجم مقالت من الصحف الجنبية‪ .‬قضيت حرب الخليج كلههها ترجمههة مقههالت‪ .‬بعههد يههومين مههن بههدء الحههرب اسههتدعانى‬
‫بينما كانت الطائرات تد ّ‬
‫ى وهز رأسه متعجبا وسألنى كيف أجلس على مكتبى أنتظر وهنههاك حههرب دائرة‪.‬‬
‫الستاذ مرتضى وسألنى ممتعضا عن سبب عدم مرورى عليه فى الصباح‪ ،‬فأجبته بأنى أذهب إلى مكتبى فى انتظار تكليفى بشىء‪ .‬نظر إل ّ‬
‫ى محمود بشير وسألنى لماذا ل أمّر على الستاذ مرتضى فى الصباح‪ ،‬فلمهها أجبتههه أنههى آتههى إلههى مكتههبى فههى‬
‫وقبل أن أجيبه ناولنى ملفا به عدد من المقالت باللغة النجليزية مشيرا بيده لى أن أذهب‪ .‬عند الظهيرة مّر عل ّ‬
‫ى وقال لى إنى »أبيض«‪ ،‬وإن هذا اللقاء الجتماعى الصباحى هو محور دولب العمل‪ .‬بعدها بيومين اتصل بى العميههد القطههان ليطمئن‬
‫الصباح كما ُيفترض فى الموظفين ضحك‪ ،‬وجلس أمامى على المكتب ناظرا فى عيَن ّ‬
‫ى المرور على مكتب الستاذ مرتضى من وقت إلى آخر‪ ،‬والسلم عليه‪ ،‬والدردشههة حههول أى موضههوع‪ ،‬وفعههل نفههس‬
‫على أحوالى‪ ،‬وضحك لما أخبرته بهذا المر مؤكدا ضرورة عدم الكتفاء بزيارة الصباح هذه وإنما عل ّ‬
‫الشىء مع بقية الطاقم‪ .‬أضاف القطان نصائح أخرى فى ما بعد‪ ،‬من بينها ضرورة التعرف إلى سكرتير الرئيس للمعلومات لنه يتحدث كثيرا للرئيس ويشرف على دورة المعلومات كلها فى المكتب‪ ،‬ومن ثم يمكنه إن وثق‬
‫ت مترجما؟ ِلَم أحتههاج إلههى كههل‬
‫بى أن يضّمنى إلى الدائرة الصغر بالمكتب‪ .‬نفس الشىء بالنسبة إلى السكرتارية الخاصة التى تملك جدول الرئيس‪ ،‬وطبعا‪ ،‬سيد المكان‪ ،‬رئيس الديوان‪ .‬بدا لى ذلك كله نفاقا ل لزوم له‪ .‬ألس ُ‬
‫هذا كى أقوم بعملى؟ وعزمت بينى وبين نفسى على أن ل أفعل أيا من هذا‪ .‬لقد عّينونى بسبب كفاءتى‪ ،‬وهى فقط التى ستحدد مسارى‪ .‬لن أزور أحدا أو أتملق أحدا‪.‬‬
‫لكنى واظبت على الذهاب إلى مكتب الستاذ مرتضى فى الصباح‪ ،‬وإل لما تذكرنى وما أعطانى شيئا أفعله‪ .‬أذكر كيف كان مكتبه مهيبا من الداخل‪ ،‬وهو ضئيل الحجم جالس خلف المكتههب الضههخم‪ ،‬وخلفههه صههورة كههبيرة‬
‫ى بعينين متسائلتين من فوق نظارته كلما دخلت من الباب‪ .‬يسألنى دائما أسئلة ل أتوقعها‪ ،‬وأرتبك فى محاولتى الجابة عنها‪ ،‬ويقاطع ارتباكى إما بإشارة مههن يههده كههى أذهههب أو أصههمت وإمهها‬
‫للرئيس وعلم مصر‪ ،‬ينظر إل ّ‬
‫ى مطّول ثم سههألنى إن كههانت إنجليزيههتى ضههعيفة‪ .‬غمغمههت‬
‫بسؤال آخر يشتتنى أكثر‪ .‬حتى عندما يمزح‪ ،‬يجد وسيلة لوخزى‪ .‬استجمعت شجاعتى ذات صباح وسألته إن كنت سأترجم شيئا من أو إلى اللغة الصينية‪ .‬نظر إل ّ‬
‫صص واللغة الصينية فقاطعنى مناول إياى ملفا يحتوى على المقالت اليومية‪.‬‬
‫بأشياء عن التخ ّ‬
‫كان التناقض صارخا ‪-‬أو هكذا بدا لى‪ -‬بين ما أراه على شاشات التليفزيون مساًء من أهوال الحرب وما أفعله طول اليوم‪ ،‬أنا المترجم بمكتب الرئيس‪ .‬المقالت التى كنت أترجمها متنوعة‪ ،‬كلها مرتبطههة بالوضههع الههدولى‪،‬‬
‫لكن ل شىء منها يستحق اهتماما خاصا‪ .‬يمكنك اليوم أن تترجم مثلها على النترنت إلى أى لغة فى ثوان‪ .‬كنت أعمل اليوم كله لتحقيق ما يتم فى هذه الثوانى‪ ،‬وحتى فى ذلك الزمن بدا المر مضيعة للوقت‪ .‬سألت الستاذ‬
‫مرتضى ماذا يحدث لهذه المقالت بعد ترجمتها‪ ،‬فأوضح لى أنها تدخل فى الملف العلمى‪ .‬سألته أين يذهب الملف العلمى فلم يرّد‪ .‬سألته إن كان يذهب إلى الرئيس فرمانى بنظههرة مههن فههوق نظههارته لههم أفهههم مغزاههها‬
‫جعة‪ .‬اقترحت عليه إضافة مقالت من الصحف الصينية فضحك ساخرا وطلب منى أن أترجم ما يعطيه لى وحسب‪ .‬سألته إن كان هناك شىء آخر يمكننى فعله‪ ،‬فتنهد وسألنى فى تهكم‪ :‬مثل ماذا؟‬
‫بالضبط‪ ،‬لكنها لم تكن مش ّ‬
‫جرتين وطلب منى‬
‫طنى متلبسا بجرم‪ .‬خلع نظارته ومسح بيده عينيه الض ِ‬
‫ى فى استنكاِر َمن ضب َ‬
‫ظللت أحوم حول كونى قادرا على الترجمة الفورية‪ ،‬وربما يمكنهم الستعانة بى فى المقابلت‪ .‬توقف عما كان يفعله ونظر إل ّ‬
‫أن ل أتعجل‪ ،‬محّذرا إياى من الطموح الزائد‪ .‬أوضحت بسرعة أنى ل أطمح إلى شىء لكنى أشعر بعدم فائدتى للمكتب‪ ،‬فأكمل تحذيره بأن أفعل ما يطلب منى‪ ،‬ل أكثر ول أقل‪ .‬وأن هفوة أخرى مثل هذه قههد تقضههى علههى‬
‫ى شرح المههر أو استيضههاحه‪ ،‬لكههن انصههرافه الكامههل عنههى‬
‫وجودى فى المكتب‪ .‬ناولنى ملف المقالت فى صمت صارم ووضع نظارته على عينيه وعاد لقراءة ما كان بين يديه‪ .‬وقفت ثانيتين محاول تقرير ما إذا كان عل ّ‬
‫أفهمنى أن وقتى قد انتهى‪ .‬خرجت وأغلقت باب المكتب خلفى‪.‬‬
‫ى هكذا‪ .‬الستاذ مرتضى فى الصباح‪ ،‬ثم الترجمة العقيمة‪ ،‬ثم غداء بالمنزل حينا ومع محمود بشير الذى توثقت صلتى به أحيانا‪ ،‬ثم عودة إلى المكتب لمزيد من الترجمة العقيمة‪ .‬محمود اتفههق معههى أن مهها‬
‫مرت الحرب عل ّ‬
‫نفعله عبث فى معظمه‪ ،‬وفى بعض اليام وجدته ثائرا أكثر منى‪ ،‬لكنه رأى أننا فى هذا العمل كى نتعلم ونستفيد ولو لم يُكن لنا فائدة‪ .‬لم يعجبنى هذا الكلم بالطبع؛ قد تنطبق وجهة النظر هذه على عمل خههاص‪ ،‬أمهها العمههل‬
‫برئاسة الجمهورية‪ ،‬وفى زمن الحرب‪ ،‬فأمر آخر‪ .‬حادثت أبى فى الموضوع ذات مساء فأبدى تفّهما لمشاعرى‪ ،‬وحكى لى عن مشاعره المماثلة حين بدأ خدمته بالجيش بعد حرب ‪ .1967‬حديث جدك لى هّدأ من إحباطى‪،‬‬
‫سوَأها‪ .‬فل تكرر هذا الخطأ؛ اتبع صواب قلبههك‬
‫وأعطانى أمل أن المور تتحسن مع الوقت‪ .‬وساعدنى ذلك على مواصلة العمل‪ .‬لكنى أقول لك اليوم إن ذلك كان خطأ‪ ،‬وإن المور ل تتحسن مع الوقت بل نحن الذين نعتاد ُ‬
‫من البداية‪ ،‬فل شىء فى هذه المكاتب سوى موت مقّنع‪ .‬لكنى أقفز على الحكاية الن‪ .‬لنُعد حيث كنا‪.‬‬
‫مضى عامى الول بالقصر الرئاسى على نفس المنوال‪ .‬أمّر فى الصباح على الستاذ مرتضى الذى يناولنى ملف المقالت المختارة‪ .‬أقضى النهار فى ترجمتها إلى العربية‪ ،‬ثم الشراف على كتابتها باللة الكاتبة فههى قسههم‬
‫النسخ‪ .‬نعم‪ ،‬عاصرت هذه اللت التاريخية المضحكة‪ .‬ول‪ ،‬لم أعاصر مطبعة جوتنبرج؛ كانت تلك قبل أيامى‪ .‬ونعم كان الموظفون يكتبون بخط اليد ثم يعطون الوراق لناس كل عملهم هو تحويل المكتوب بخط اليد إلى‬
‫طُئون‪ ،‬ومن ثم يجب مراجعة ما ينسخونه وإعادته إليهم ليعيدوا نسخه مرة أو اثنتين على‬
‫حروف مطبوعة ‪-‬ل تسألنى لم ل يكتب الموظفون مباشرة على اللت الكاتبة‪ -‬هكذا كانت المور‪ .‬الدهى أن الناسخين غالبا ما ُيخ ِ‬
‫سل إلى الرئيس فى تمام الثانية‪ .‬هل يقرأ هذه المقالت؟ ربما‪ .‬هههل تفيههده بشههىء؟ لسههت أدرى‪.‬‬
‫سّمى »ملف العرض« الذى ‪-‬كما َتبّين‪ُ -‬ير َ‬
‫القل‪ .‬يصبح الملف جاهزا‪ ،‬بمعجزة يومية‪ ،‬فى نحو الواحدة ظهرا لينضّم إلى ما ُي َ‬
‫لكن فى كل الحوال كانت هذه حدود مهمتى فى ذلك الوقت‪ .‬وأيا كانت العتراضات التى تدور برأسى‪ ،‬فقد التزمت بالمهمة‪ ،‬وحرصت على اتقانها‪ ،‬وبرعت فيها حتى شهد لى الستاذ مرتضى نفسه‪.‬‬
‫ى‪ ،‬فزاد قلبى انغلقا‪ .‬أما حياتنا الجتماعية فى القاهرة‬
‫لم يكن لى حياة ُتذكر خارج المكتب‪ .‬أرسلت إلى داو مينج خطابا ُأبِدى فيه ندمى على عدم مواجهتها بالحقيقة فى الشُهر الخيرة‪ ،‬وأطلب فيه الصفح‪ ،‬لكنها لم ترّد عل ّ‬
‫فكانت محدودة؛ معظم أقربائنا يعيشون فى الدلتا‪ ،‬وصداقات أبى كلها بين زملئه فى الجيش‪ ،‬ولم أَر لمى صديقة فى حياتى‪ ،‬وأختى تقضى وقتها مع صديقاتها القليلت على حههدة‪ ،‬فههى غرفتههها أو فههى خروجههات‪ .‬الحههدث‬
‫ف العاملين بجهاز الدولة‪ -‬هو سفر عمر الوشيك إلى إيطاليا ونزاعه مع أبى حول هذا المر‪.‬‬
‫العائلى الرئيسى ‪-‬بخلف انتقالى إلى مصا ّ‬
‫كنت بل أصدقاء أبّثهم شكواى واعتراضاتى‪ .‬أخى عمر حاّد الطبع‪ ،‬ول يستمع إلى شىء أقوله أكثر من دقيقتين إل ويبدأ فى انتقادى وتسفيه أفكارى‪ .‬ومع حبى الشديد له وتعلقى به فإن ذلك منعنههى مههن »الفضفضههة« لههه‪.‬‬
‫ن منه وأقرب‪ ،‬وتبّنتنى عاطفيا منذ فراقى لداو مينج ثم سفر عز الدين‪ .‬يبدو أنها شعرت بعزلتى‪ ،‬أو شعرت هى نفسها بالعزلة‪ ،‬فاقتربت منههى أكههثر‪.‬‬
‫حّ‬
‫حاولت عدة مرات وفشلت فشل كامل وندمت على ما حاولت‪ .‬صفية أ َ‬
‫لكننا ظللنا غير قادرين على البوح بشىء يتجاوز مشكلت الحياة اليومية‪ .‬فلم أعرف شيئا عن مشاعرها كبنت؛ لم تقل لى أبدا إنها أحبت شابا أو أعجبها رجل‪ ،‬وحتى حين بدأ النقيب إبراهيههم‪ ،‬ضههابط المدفعيههة ثقيههل الظههل‬
‫الذى يعمل مع أبى‪ ،‬فى التوّدد إليها لم تُقل لى شيئا وعلمت بالمر من أمى‪ .‬ل أدرى لم كنا قابضين على قصصنا الشخصية ممتنعين عن الخوض فيها هكذا! وفى نفس الوقت قريبين وعطوفين بعضههنا علههى بعههض‪ .‬ربمهها‬
‫خجل‪ ،‬وربما جّو النظام السائد فى المنزل‪.‬‬
‫محمود بشير حاول مرارا تنمية زمالتنا وتحويلها إلى صداقة‪ .‬راحات بعد الظهر سمحت بتقوية تعارفنا بعض الشىء‪ ،‬حيث صرنا نتناول طعام الغداء معا مرتين أو ثلثا فى السبوع‪ .‬لكنى رفضت بأدب دعواته المسههائية؛‬
‫ك به فى حياتى وأخاف من التعامهههل‬
‫ص نساء‪ -‬وهم نوع من الناس لم أحت ّ‬
‫صا أن الذين يسهر معهم محمود فنانون وصحفيون من الرجال والنساء ‪-‬وبالخ ّ‬
‫كانت فكرة ذهابى إلى بار أو اللقاء بناس ل أعرفهم ترهبنى‪ ،‬خصو ً‬
‫معه بحكم تربيتى‪.‬‬
‫خطابات عز الدين من كندا شّكَلت كنزا من العواطف والقصص‪ :‬عاَلم كامل عشته من خلل صديقى‪ .‬الجامعة ورقى نظامها؛ التعليم المحّفز‪ ،‬والتفكير النقدى‪ ،‬وروح البتكار‪ ،‬وهذه الشياء التى نسمع عنها فههى القصههص‪،‬‬
‫المدينة الهادئة وأشجارها من خضرة الصيف الزاهية للوان الربيع المتغيرة لسقوط الجليد الول‪ ،‬الناس والتحضر وحسن المعاملة‪ ،‬البنات اللئى يقول إنهن نوع آخر غير الذى نعرفه‪ .‬نجح عز الدين فى الفصههل الدراسههى‬
‫الول بامتياز‪ ،‬وأصبح معيدا فى الجامعة التى يتعلم بها‪ ،‬وسعادته تسيل من خطاباته‪ .‬أما أنا فلم أستطع الخوض كثيرا فى ما ُيقِلُقنى‪ ،‬باعتباره من أسرار العمل التى ل أستطيع البوح بها خشية تلّقف العداء لها واسهههتغللها‬
‫ضد مصر‪ .‬آه لو عرف العداء! اقتصرت خطاباتى على المور التى كانت بيننا قبل سفره‪ ،‬والتى شحبت مع الوقت‪ .‬أحاول جاهدا أن أجد شيئا مثيرا أقوله له كيل أضجره‪ .‬لكن رغم كل ما يحدث حههولى وقتههها‪ ،‬لههم يكههن‬
‫هناك شىء يحدث لى أنا لذكره‪ .‬يحّدثنى عز الدين فى خطاباته عن الدور المتنامى للصين‪ ،‬ويسألنى عن دهاليز حرب الخليج ومفاوضات إنهائها‪ ،‬والكراد والشيعة وما يجرى لهم‪ ،‬وعن المذابح التى بدأت فى البلقان‪ ،‬ثهههم‬
‫ك ال يا عز الدين‪ :‬ماذا كان يظّننى أفعل فى الرئاسة؟ أنا مترجم المقالت‪.‬‬
‫عن مؤتمر مدريد للسلم فى أكتوبر‪ .‬بعدها يضيف أنه يتفهم عدم تطّرقى إلى هذه المور بسبب حساسية عملى‪ .‬ل َ‬
‫ع‪.‬ش‪.‬فشير‬

‫‪----------------------------------‬‬‫رواية »باب الخروج« لعز الدين شكري فشير‪ ..‬الحلقة السابعة‬
‫طلب منى الدخول معه إلى غرفة مكتبه وأغلق الباب وأجلسنى قبالته‪ ..‬لم يكن يحتاج عند هذا الحد إلى أن يقول أى شىء‪ ..‬فقد أرهبنى رد فعله هذا بما يكفى لقناعى بأى موقف‬
‫تغيرت الحوال فى العام التالى‪ .‬بدأت التحولت مع نجاح عمر فى انتزاع موافقة أبى على سفره إلى إيطاليا‪ ،‬بعد صراع لشهور طويلة استخدم فيها عمر كل السلحة الثقيلة التى لديه‪ .‬توقف عن الكل فى البيت‪ ،‬ثم توقف‬
‫عن الحديث مع أبى ‪-‬هو الذى قاطعه ل العكس )أترى يا يحيى؟ هذا درس لك(‪ ،‬ثم توقف عن الحديث مع أمى أيضا‪ .‬بعدها استخرج جواز سفر وتركه »بالصدفة« ملقى على المنضدة ليههراه الجميههع‪ .‬وحيههن لههم يفلههح كههل‬

‫هذا‪ ،‬قال لمى إنه اقترض المبلغ الذى يلزمه للسفر من صديق له‪ ،‬وسيسافر فى أول الشهر التالى‪ ،‬وتوقف بعدها عن الكلم مع كل أعضاء المنزل‪ ،‬بمن فيهم أنا الذى أيدت مشروعه للسفر منذ البداية‪ .‬رضخ أبههى عنههدئذ‪،‬‬
‫ى انكسار إرادة أبى‪.‬‬
‫وهى أول مرة أراه يوافق فيها على شىء عارضه‪ .‬أعجبنى إصرار عمر ونجاحه‪ ،‬وشعرت بالغيرة بعض الشىء‪ .‬لكنى لم أسَع لتقليده‪ ،‬بل صعب عل ّ‬
‫ق للعمل مع أبى منذ فترة‪ ،‬ول يفتأ يتملقه ويتقرب منه فى ما بدا لى سههعيا واضههحا كههى يفههوز برضههاه ومسههاعدته فههى‬
‫حَ‬
‫بعد سفر عمر‪ ،‬تقدم إبراهيم ثقيل الظل لخطبة صفية أختى‪ .‬وإبراهيم هذا نقيب من سلح المدفعية ُأل ِ‬
‫الحصول على منصب هنا أو هناك‪ .‬حين قالت لى أمى إنها تشعر برغبة إبراهيم فى القتران بصفية قلت لها رأيى فيه‪ ،‬لكن ما رأيته أنا انتهازية رأته هى حسن تصرف ودليل على أنه سيشق طريقههه إلههى النجههاح‪ .‬وثقههل‬
‫الظل؟ لم توافقنى الرأى‪ ،‬فهو فى رأيها مهذب ومجامل‪ ،‬يحترم الخرين‪ ،‬ربما جاّد زيادة عن اللزوم لكن ذلك ل يعيب الرجال‪ .‬لم يعجبنى المر برمته‪ِ .‬لَم يجب أن تتزوج صفية وهى ما زالت فى الخامسة والعشرين؟ وِلَم‬
‫تتزوج ضابط المدفعية اللزج هذا دون الشباب كلهم؟ سألت صفية إن كانت تحبه‪ ،‬فاحمّرت وجنتاها من السؤال وقالت إنه لطيف معها وكريم وشكله مقبول والكل ُيجِمع على كونه عريسا مناسبا‪ .‬أردت أن أقول لها إن هههذا‬
‫ف‪ ،‬أردت أن أسألها عن مشاعرها وما إذا كانت قد أحّبت‪ ،‬أردت تحذيرها من الرتباط قبل أن تجد هى نفسها وقد انتهى بها المر تابعة لضابط المدفعية ممسوحة الشخصية والوجود‪ .‬أردت أن أقول كل هههذا‪ ،‬لكههن‬
‫غير كا ٍ‬
‫ت‪ ،‬ولكنى عزمت على الحديث مع أبى عن الموضوع‪.‬‬
‫ل بيننا كأنه فاصل ل يمكن اجتيازه‪ .‬صم ّ‬
‫صمتا ل يتزحزح ح ّ‬
‫حين حادثته فى المر طلب منى الدخول معه إلى غرفة مكتبه وأغلق الباب وأجلسنى قبالته‪ .‬لم يكن يحتاج عند هذا الحد إلى أن يقول أى شىء‪ ،‬فقد أرهبنى رد فعله هذا بما يكفى لقناعى بأى موقف‪ .‬ل يعرف الباء حجم‬
‫ت الليلههة‬
‫سلطتهم على أبنائهم‪ ،‬ول يعرف البناء إلى أى درجة يجهل الباء طريقهم ويتحسسون من الخطأ ويترددون مثلهم‪ ،‬وإلى أى حد يمكنهم أن يغيروا آراءهم لتفه السباب‪ .‬وها أنا ذا أقول لك‪َ :‬تذّكر دائمهها‪ ،‬إن نجههو ُ‬
‫خف منى‪ ،‬ول تنبهر بما أقول أو تتبعنى وأنت مغمض العينين مثلما فعلت أنا مع أبى‪ .‬جلست وأنا أشههعر‬
‫ى فعله‪ .‬فل ت َ‬
‫مما ينتظرنى‪ ،‬أنى مثلك تماما‪ ،‬أبحث عن طريقى‪ ،‬بخبرة أطول‪ ،‬لكن الخبرة ل تقول لى ماذا يتعين عل ّ‬
‫ص وهاّم‪ ،‬واستعددت نفسيا لتلّقيه كإفضاء يستحق أن احتويه وأقبله على الفور‪ .‬بدأ بأن المرأة تحتاج إلى الستقرار أكثر من أى شىء آخر‪ ،‬وإبراهيم يحترم صفية ويعرف قههدرها وسههيعتنى بههها‪ ،‬وقلههل‬
‫أن ما سيقوله لى خا ّ‬
‫من شأن العواطف التى قال إنها تزول سريعا‪ ،‬فكل الزواج يعتاد بعضهم على بعض مع الوقت ول يبقى سوى حسن الِعشرة‪ .‬ثم مال بجذعه وهو جالس قبالتى فاقترب أكثر وقال إنه لن يعيش لنا طول العمههر‪ ،‬وإنههه علههى‬
‫ق لههه سههوى‬
‫وشك بلوغ سن المعاش ويريد الطمئنان علينا‪ .‬ذكر سفر عمر وَتهّدج صوته قليل وشرد بنظره‪ .‬ثم ابتسم ابتسامة عريضة كأنما ليمحو ذكرى‪ ،‬وقال شيئا عن وظيفتى ونجاحى ومستقبلى‪ .‬ثم استطرد بأنه لم يب ه َ‬
‫الطمئنان على صفية‪ ،‬وأن إبراهيم سيصونها ويعتنى بها‪ .‬تحدثت قليل ‪-‬من باب المحاولة‪ -‬عن الحب والشخصية والستقلل‪ ،‬ولكنى لم أقاوم كثيرا‪ ،‬وخرجت من مكتبه مقتنعا أن مههوقفه منطقههى‪ ،‬وقههد يكههون القههرب إلههى‬
‫حم تفكيرى ومنطقى على أختى إن كان كل ما تريده هو حياة عائلية تقليدية وهادئة‪ .‬تزوجت صفية بثقيل الظل بعدها بشهور قليلة‪ ،‬وانتقَلت إلى بيتها الجديد فى مدينة نصر‪.‬‬
‫موقف صفية نفسها‪ .‬وَمن أكون أنا كى ُأق ِ‬
‫ى الستاذ مرتضى بمهمة إعداد الملف العلمى‪ ،‬فأصبحت أنا الذى أختار المقالت التى يتم ترجمتها‪ ..‬أو هكذا ظننت فى البداية‪ ،‬فبعد ثلثة أيام من تسلمى المههههاّم‬
‫َتغّير وضعى فى العمل خلل هذا العام أيضا‪ ،‬فقد عهد إل ّ‬
‫الجديدة استدعانى الستاذ مرتضى وأّنبنى على التغييرات التى أدخلتها والتى ‪-‬وفقا لما ذكره‪ -‬أغضبت سكرتير الرئيس للمعلومات‪ ،‬وربما الرئيس شخصيا‪ .‬شرحت له ما فعلههت لكنههه قههاطعنى وطلههب منههى أن ل أغيههر أى‬
‫ت فأضاف أنه تقرر إسناد هذه المهمة إلى شخص آخر‪ ،‬وعدت أنا لترجمة المقالت‪ .‬لكن بعد أسبوع أرسلنى للمشاركة فى‬
‫شىء دون مراجعة رئيسى‪ ،‬فكل هذه المور لها نظام موضوع لسباب‪ ،‬ول يجب العبث بها‪ .‬صم ّ‬
‫الترجمة بأحد المؤتمرات التى سيشارك فيها الرئيس‪ .‬وبالفعل ذهبت من اليوم التالى إلى الشخص المسؤول عن الترجمة فى المؤتمر‪ ،‬وساعدته فى تنظيم الفريق الذى سيتولى الترجمة‪ ،‬وانتقلنا جميعا إلى مركز المههؤتمرات‬
‫بمدينة نصر بعدها بأسبوع‪ ،‬حيث سيدور المؤتمر‪ .‬وكانت هذه أول مرة أرى الرئيس رأى العين‪.‬‬
‫كان أقصر مما يبدو فى التليفزيون‪ ،‬وأعرض‪ ،‬وأكثر ذكاء ودماثة‪ .‬يسير وحوله حلقة من كبار مساعديه وسكرتيريه والحراس ووزير أو اثنان‪ ،‬لكنه ينظر إلى َمن يقف وراءهم ويحّيى من يههراه علههى مبعههدة ويتبههادل معههه‬
‫حديثا ضاحكا أو ساخرا‪ .‬صوته جهورى‪ ،‬وحين يتحدث يصمت الجميع‪ .‬يسير بسرعة وبخطى واثقة وهم يلحقون به ويسبقونه دون أن يضعوا أنفسهم فى طريقه‪ .‬وتحوطه هالة تشبه التقديس‪ .‬نظههر إل هىّ وهههو يعههبر أمامنهها‬
‫نحن المترجمين‪ ،‬وسأل بصوت عال َمن نكون‪ .‬رد أحد مساعديه بصوت خفيض‪» :‬المترجمين يا فندم«‪ ،‬سأل‪» :‬دول من عندنا؟«‪ ،‬فأجابه باليجاب‪ ،‬فضحك الرئيس ونظر إلينا محّذرا‪» :‬خّلوا بالكم‪ ،‬اوعوا تترجموا غلط‬
‫وتضّيعوا الدنيا«‪ ،‬ثم سار وحلقة المساعدين تتبعه‪.‬‬
‫ى مثلما ُيقال‪ ،‬وظللت طوال المؤتمر مرتبكا وعينى ل تفارق مقعده‪ .‬كنت أراه من حيث أجلس فى أثناء الترجمة‪ .‬أرقبه‪ :‬يقضى معظم وقتههه جالسهها بل حههراك‪.‬‬
‫ل أدرى كيف أصف لك مشاعرى ساعتها! وقع قلبى بين قدَم ّ‬
‫أحيانا يميل برأسه فيأتيه أحد الوزراء الجالسين خلفه أو رئيس الديوان وينحنى حتى يصل إلى مستوى أذنه ويستمع لما يقوله له‪ ،‬ويومئ‪ ،‬دائما يومئ‪ ،‬ثم يذهب‪ .‬قد يعود بعد قليل وينحنههى بجههواره بنفههس الطريقههة ويح هّدث‬
‫الرئيس‪ .‬عندها يظل الرئيس جالسا دون حركة كأن أحدا ل يحدثه‪ ،‬ثم يهز رأسه مرة واحدة‪ ،‬وينصرف الرجل‪ .‬ويواصل الجلوس فى صمت‪ .‬كنت مأخوذا؛ ها هو ذا‪ ،‬رئيس الجمهورية بشحمه ولحمه‪ ،‬على بعد خطهههوات‪.‬‬
‫ى من دقائق قليلة‪ .‬هذا الرجل الذى بيده كل شىء‪ ،‬الذى يرجعون إليه فى كل القرارات‪ ،‬على بعد خطوات‪.‬‬
‫وقد تحدث إل ّ‬
‫ى أو حتى لحظ وجودى‪ ،‬لكن تكرار وجودك فى نفس المكان مع الرئيس يمنحك شعورا بالهمية والقوة ل يمكنههك مقههاومته‪ ،‬لنههك تنتقههل‬
‫تكرر هذا المر ست أو سبع مرات خلل هذا العام‪ ،‬ولم يحدث خللها أن َتحّدث إل ّ‬
‫من حيث كنت لتصبح عضوا فى طائفة الناس الذين يرون الرئيس دوما‪ ،‬وهى طائفة محدودة العدد جدا‪َ .‬قبولك فى عضوية هذه الطائفة يعطيك تميزا عههن البقيههة‪ ،‬شههئت أم أبيههت‪ ،‬وشههيئا فشههيئا تعتههاد هههذا التميههز‪ ،‬ويرتبههط‬
‫شعورك بنفسك وبقوتك باستمرار انتمائك إلى هذه الطائفة‪ ،‬وطبعا بالرئيس نفسه‪ .‬ومثلما سأفهم بعد ذلك‪ ،‬يدفعك هذا الشعور للسعى باستمرار للقتراب من الرئيس أكثر‪ ،‬كى تسههتمّد لنفسههك مزيههدا مههن هههذه الرابطههة وهههذا‬
‫التميز‪ ،‬هذه القوة التى تشع داخلك دفئا حقيقيا كما لو كنت تقترب من الشمس‪ .‬هكذا‪ ،‬رويدا رويدا‪ ،‬ينتظم المعاونون والمستشارون والوزراء حول مصدر الضياء فى حياتهم‪.‬‬
‫ى أن أطلب من واسطتى أن ينقلنى إلى إدارة الترجمة الفورية‪ .‬أبديت اندهاشى من افتراضه أن لى واسطة بالرئاسة‪ ،‬فانفجر ضههاحكا‪ ،‬وسههألنى إن‬
‫سألنى محمود بشير عن المؤتمر فقلت له إنى أحببت العمل فيه‪ ،‬فاقترح عل ّ‬
‫كنت أعتقد جديا أن هناك شخصا واحدا فى الرئاسة لم يتم تعيينه بواسطة‪ ،‬بمن فيهم الرئيس نفسه! تركنى ومضى وهو يهز رأسه يأسا منى‪ .‬الحقيقة أنى أحببت العمل فى المؤتمر لدرجة أنى فكرت فى الذهاب إلههى العميههد‬
‫القطان وطلب مساعدته مثلما اقترح محمود‪ ،‬لكنى خجلت‪ .‬أحببت العمل فى المؤتمرات‪ ،‬ليس فقط لنها كانت أكثر إثارة من ترجمة المقالت‪ ،‬وإنما لنى كنت أشعر فيههها بالهميههة‪ .‬هههذه هههى الحقيقههة‪ :‬لههو سههألتنى سههاعتها‬
‫لجبتك بأنى أحبها لنى أشعر بقيامى بعمل هاّم والسهام فى شىء مفيد لمصر‪ .‬لكن الحقيقة كما أراها اليوم أنى أحببتها لنها ُتشِعرنى بأنى جزء من شىء هاّم‪ ،‬وما الذى يعطيها الهميههة؟ ذلههك الرجههل الربعههة‪ ،‬العريههض‪،‬‬
‫الذى يتحرك ويتحدث ببطء ويتندر على من يحّدثهم فيضحك الناس سعداء بسخريته منهم‪ ،‬ويمضى وكل فكرة تومض فى رأسه أو شعور ينتابه يمكن أن يتحول إلى قرار يؤثر على حياتى وحياة الملييههن مههن النههاس‪ .‬هههو‬
‫الذى يجعلها مهمة بمشاركته فيها‪ ،‬وكلما اقتربت منه أكثر زاد شعورك بأهمية ما تفعله‪.‬‬
‫فى آخر العام استجمعت شجاعتى وذهبت لمقابلة العميد القطان‪ ،‬وطلبت منه أن يرى إمكانية نقلى للعمل فى الترجمة الفورية بشكل دائم‪ ،‬سواء فى المؤتمرات أو ‪-‬إن أمكن‪ -‬فى مقابلت الرئيس‪.‬‬
‫ى وهو يبتسم‪ ،‬كأنه فهم أنى انضممت أخيرا إلى الفريق‪.‬‬
‫ى ساعتها وازداد احمرار وجهه‪ ،‬وربت عل ّ‬
‫نظر القطان إل ّ‬
‫ع‪.‬ش‪.‬فشير‬

‫‪------------------------------------‬‬‫رواية باب الخروج لعز الدين شكري فشير‪ ..‬الحلقة الثامنة‬
‫عندما تعمل مثلى بالحكومة لوقت طويل ‪-‬ل قدر ال عليك ذلك‪ -‬تتحول حياتك إلى سلسلة من العوام ل اليام‪ ،‬فتتذكر ما حدث لك عاما بعام‪ ،‬ويتداخل كل ما حدث طوال العام كههأنه كههان يومهها واحههدا‪ ،‬يغلههب عليههه حههدث‬
‫واحد هو الذى َيْعلق بذهنك ويطمس ما عداه‪ .‬فى حالتى أذكر العام الثانى لى فى مكتب الرئيس‪ ،1993 ،‬ل بتوقيع اتفاقية أوسلو ول بحادثة التفجير الولههى لههبرج التجههارة العههالمى ول بضههرب الرئيههس الروسههى لبرلمههانه‬
‫بالدبابات‪ ،‬إنما بفضيحة سالى القصبجى‪.‬‬
‫كانت سالى مندوبة إحدى الصحف لدى الرئاسة‪ ،‬امرأة ذكية وجّذابة إلى حد ما‪ ،‬لكن الذى مّيزها هو علقاتها الواسعة داخل وخارج الجهاز الحكومى‪ .‬هذه العلقات جعلت منها مركههز خههدمات متنقل‪ ،‬يلجههأ إليههه َمههن لههديه‬
‫حاجة ُيضِنيه قضاؤها‪ ،‬ابتداًء من تعيين القارب فى الوظائف حتى تراخيص البناء‪ .‬لم تكن سالى تبخل بقدراتها السحرية على أحد‪ ،‬بل تمد يد المساعدة لمن تعرفه ومن ل تعرفه ما دام لجأ إليها‪ ،‬وبل مقابل سوى المهههوّدة‪،‬‬
‫صهها فههى‬
‫وربما احتاجت إلى هذا الشخص نفسه فى يوم ما لمساعدتها على قضاء أمر ما‪ .‬سالى هذه دخلت فى علقة غرامية مع محمود بشير‪ .‬هو الذى أخبرنى‪ ،‬وعلى الفور حذرته من مغّبة خلط العمل بههالعواطف خصو ً‬
‫خل فى شؤون الخرين‪ .‬وليتنى تدخلت‪.‬‬
‫ت‪ ،‬فلم يكن من طبعى التد ّ‬
‫مكان كهذا‪ ،‬إل أنه ضحك من حذرى ونعتنى بالسذاجة وسألنى بتهّكمه المعتاد إن كنت أظّننا فى جامع‪ .‬سك ّ‬
‫لم ُيعَرف عن محمود العفة‪ ،‬بل استقرت سمعته كزير نساء‪ ،‬كريم فى ذوقه‪ ،‬ل يضطهد أحدا منهن‪ .‬ولم ُيبِد أحد انزعاجا خاصا إزاء هذه السمعة‪ ،‬بل كان الجميع يتندر على تعدد علقاته النسائية‪ .‬ومحمود نفسه كههان يأخههذ‬
‫الموضوع بخفة وانطلق مثل أى أمر آخر فى حياته‪ ،‬ينتقل من هذه إلى تلك‪ ،‬أحيانا تتركه هذه وأحيانا يفر هو من تلك‪ ،‬ويحكى لى جوانب من هذه القصص بشكل عابر ول يبدو أن أيا مههن هههذا يههؤثر فيههه‪ .‬لكههن يبههدو أن‬
‫علقته بسالى أصابت جانبا فى نفسه لم يكن يعلم بوجوده‪ .‬أحب سالى فعل‪ ،‬وبإخلص ل أعرف من أين أتاه‪ ،‬لكن ل هو ول أنا أدركنا ذلك فى حينه‪ .‬وبدأت تظهر عليه علمات لم أَرها فيه مههن قبههل‪ ،‬أحيانهها أجههده شههارد‬
‫الذهن ساهما‪ ،‬وأحيانا مبتهجا مشرقا‪ ،‬وأحيانا مغلقا ل يرد‪ .‬حتى إننى أنا الخجول فاتحته فى تغّيره وسألته إن كان قد وقع فى الحب الذى تفاداه كل هذه السنوات‪ ،‬فلم يحر جوابا مفهوما‪.‬‬
‫ثم وقعت الواقعة‪ .‬اكتشف محمود أن سالى على علقة بأحد كبار العاملين بالرئاسة فى نفس الوقت الذى كانت تبادله فيه الغرام‪ .‬وأقول لك إنه ل شىء أقسى على الرجل من مثل هذا الكتشاف‪ .‬هكذا الرجال مضحكون يهها‬
‫بنى‪ :‬يتصورون جميعا استحالة تعّرضهم للخديعة من نسائهم‪ ،‬مع أنهم ل يكفون عن إغواء السيدات‪ .‬هل يسألون أنفسهم كيف يمكن ‪-‬حسابيا‪ -‬أن تقع كل هذه الخيانات ويظلوا هههم بمنههأى عنههها؟ ل‪ ،‬ل يسههألون أنفسهههم عههن‬
‫هذا‪ ،‬مثلما ل يسألون أنفسهم عن كل ما يسوؤهم معرفته‪ .‬كانت صدمة محمود بشير فى سالى مرّوعة‪ ،‬ول تتفق إطلقا وتورطه المتكرر مع سيدات متزوجات برجال ل يقلون عنه شأنا ول ذكاء‪ .‬حاولت سالى النكار لكن‬
‫خههر‪ ،‬أو‬
‫الدليل كان دامغا‪ ،‬فاعترفت وبكت مقسمة إنها تحبه‪ ،‬وحكت له قصة معقدة عن علقتها القديمة بهذا المسؤول والتى كانت قد توقفت حين َتعّرفت إلى محمود‪ ،‬لكنها عادت فى فترة كانا فيها غاضبين كلهما مههن ال َ‬
‫ف محمود بقطع علقته بها‪ ،‬بل ذهب إلى الشخص الخر فى مكتبه وضربه‪ .‬وهكذا بدأت الفضيحة‪.‬‬
‫شىء من هذا القبيل‪ .‬المهّم‪ ،‬لم يكت ِ‬
‫ولم تتوقف هنا‪ .‬المشاجرة غير المسبوقة فى تاريخ الرئاسة أّدت إلى تحقيق‪ ،‬ومع كل يوم يمر يتضح ُبعد جديد لعلقات سالى القصبجى‪ .‬وظهرت تسجيلت مصّورة‪ ،‬ووقعت وشايات مدّمرة‪ ،‬وتحههولت الفضههيحة إلههى كههرة‬
‫طههرد‪ .‬رأيتههه فههى آخههر يههوم لههه فههى‬
‫من النار تجرى فى الرئاسة كلها‪ ،‬حتى صدر القرار باستئصال كل ما يتعلق بها‪ .‬وهكذا طارت كل الرؤوس المتورطة فى شبكة علقات سالى المريبة‪ ،‬وأولهم طبعا محمود بشير الذى ُ‬
‫ى بأن ما يمّزق قلبه فعل ليس الطرد والهانة‪،‬‬
‫المكتب وراعنى إلى أى حد تغير‪ ،‬كان حطاًما يشبه الشاب الضاحك المنطلق سريع البديهة والحركة الذى عرفته‪ .‬سألته عما سيفعله فلم ُيبِد اهتماما‪ ،‬وبعد صمت طويل أسّر إل ّ‬
‫ى أن ل أتصل به بعد ذلك‪.‬‬
‫بل فقدان سالى‪ .‬ثم رحل‪ ،‬وتم التنبيه عل ّ‬
‫ع أبههى أو أحههدا غيههرى‪.‬‬
‫فضيحة سالى القصبجى كان لها توابع مباشرة على عملى‪ .‬فقد اتصل بى العميد القطان ودعانى إلى العشاء ببيته‪ .‬استغربت الدعوة‪ ،‬فهذه أول مرة يفعلها‪ ،‬ولم تكن علقتنا بهذا القرب‪ ،‬كما أنه لم يد ُ‬
‫ب شابة فى السابعة عشرة تقريبا‪ ،‬وحين سألتها مرتبكا عن العميد القطان ابتسمت وأدخلتنى إلى الصالون‪ .‬لم أعههرف مههاذا أفعههل بباقههة الزهههور‬
‫حت لى البا َ‬
‫ذهبت طبعا‪ ،‬متأنقا‪ ،‬وحامل باقة من الزهور أوصتنى بها أمى‪ .‬فت َ‬
‫خلُتهما دهرا‪ .‬فى ذلك المساء عّرَفنى إلى ابنته‪ ،‬ندا‪ ،‬تلك التى فتحههت لههى البههاب وتسههلمت أزهههارى بالصههدفة‪،‬‬
‫فأعطيتها إياها‪ ،‬وهى ارتبكت بدورها ووقفت ممسكة بها‪ .‬ثم غادرت الصالون… وظهر القطان بعدها بدقيقتين ِ‬
‫والتى صارت‪ ،‬بعد هذا العشاء بسنوات‪ ،‬أمك‪ .‬عّرفنى أيضا إلى زوجته‪ .‬وبعد التعارفات السريعة اختفت البنت وأمها وظللت أنا مع العميد‪ .‬سأل عن أخبارى ثم انتقل سريعا‪ ،‬قبل أن أجيبههه‪ ،‬للحههديث عههن المكتههب‪ .‬أبلغنههى‬
‫إعجاب رؤسائى وزملئى القدم بنشاطى واجتهادى والتزامى‪ ،‬وتنّبئهم لى بمستقبل واعد‪ .‬وأشار إلى أن الزمة الخيرة ‪-‬صارت تلك هى التسمية المتعاَرف عليها لفضيحة سالى القصههبجى المدّويههة‪ -‬قههد يكههون لههها جههانب‬
‫إيجابى حيث شغرت أماكن عديدة من بينها مكان فى الترجمة الخاصة باجتماعات الرئيس ويمكن إن حالفنى الحظ أن ُأنَقل إليها كما طلبت منه منذ شهور‪ .‬بدا لى المر مضحكا وأنا أتساءل عما إذا كانت كل المههاكن الههتى‬
‫شغرت لعشاق سالى السابقين‪ ،‬وأحاول تخمين عددهم‪ .‬تمالكت نفسى واحتفظت بالجدية اللزمة‪ ،‬والعميد القطان الذى يحمّر وجهه كلما َتكّلم أصبح منفعل تماما وهو يتحدث عن احتمال تغيير منصبه هو شخصههيا والنتقههال‬
‫من الحراسة إلى عمل مدنى فى السكرتارية الخاصة‪ .‬دخلت ندا لتدعونا إلى المائدة فانتقلنا إليها مع بقية السرة‪ .‬تبادلنا أحاديث عامة عن الحوال فى أثناء الطعام‪ ،‬وسألتنى زوجته بلطف عههن حياتنهها فههى بكيههن‪ ،‬ثههم انتقههل‬
‫ى تعّلمها‪ .‬بعههد العشههاء عههدنا إلههى الصههالون لسههتئناف الحههديث‪ .‬ذّكَرنههى بضههرورة‬
‫الحديث إلى ندا التى كانت فى البكالوريا الفرنسية‪ ،‬وسألنى العميد القطان بغتة إن كنت أعرف الفرنسية فنفيت‪ ،‬فأردف بجّدية أنه يجب عل ّ‬
‫طلبت‪ ،‬وعدم الحديث عن عملى إل إلى رئيسى المباشر‪ ،‬وتجّنب فعل أى أمر‬
‫ى دون اقتراحات وتجّنب الُفْتيا إل حين ُتطلب وعدم السراف فيها إن ُ‬
‫تحسين علقتى الجتماعية بالزملء والرؤساء بالمكتب‪ ،‬وتنفيذ ما ُيعَهد إل ّ‬
‫ف‪ ،‬وعدم التدخل فى ما ل يعنينى‪ ،‬والبحث عن زوجة ملئمة‪ ،‬ومراعاة الدب واحترام َمن هم أقدم منى أو أكبر سّنا وتقديم ذلك على أى اعتبار آخر‪ .‬وختم بالتنبؤ لى بمسههتقبل بههاهر إن اتبعههت‬
‫عِر َ‬
‫فى السر أخجل منه لو ُ‬
‫هذه النصائح السبع‪ .‬ثم قام واقفا إيذانا بانتهاء عشائنا‪.‬‬

‫حزنت ِلَما جرى لمحمود‪ ،‬وأردت الطمئنان عليه رغم التحذير الواضح الذى صدر لنا بعدم التصال بأى من المفصولين‪ .‬فكرت فى التصال به من المنزل لكنى ترددت خشية أن يكون تليفونى مراَقبا‪ .‬وتههذكرت نصههيحة‬
‫سها‪ :‬عفاف‪ ،‬عاملة سويتش التليفونات )هذا اختراع آخر انقههرض ولههم تعاصههره أنههت(‪ ،‬وأردفههت بصههوت خههافت أن السههتاذ‬
‫القطان‪ .‬وبينما أتردد وأفّكر دخَلت على المكتب فتاة سمراء ممشوقة القوام ومبتسمة‪ .‬عّرفتنى نف َ‬
‫محمود ُيهِدينى السلم‪ .‬نظرت إليها فى هلع‪ ،‬لكن ابتسامتها اتسعت وطمأنتنى أن هذه رسالة خاصة‪ ،‬فهو لم يتصل بالمكتب أو شيئا من هذا القبيل‪ ،‬إنما قابلته عند مقهى بشههارع فيصههل وهههى عههائدة إلههى بيتههها فطلههب منههها‬
‫خا فلم ُأِرد التوّرط بشىء‪ ،‬وخشيت أن يكون حقيقّيا فلم ُأِرد رّدها‪ .‬ولما طالت نظرتى وأيقَنت أنى لن أتكلم هّزت رأسههها فههى ابتسههامة‬
‫إبلغى السلم‪ .‬ظللت أحدق إليها دون رد‪ ،‬فلم أعرف بَم أرّد‪ ،‬خشيت أن يكون كلمها ف ّ‬
‫مستغِربة ومتهكمة فى نفس الوقت‪ ،‬وقالت لى أن أتصل بها إن احتجت إلى إبلغه بشىء‪ ،‬ولما لم أرّد على ذلك أيضا رفعت يدها بالتحية وقالت لى إنها عائدة إلى غرفة السويتش‪.‬‬
‫ى أصدقاء‬
‫ثم عادت سالى القصبجى‪ .‬اختفت عدة شهور‪ ،‬ثم عادت للظهور‪ ،‬فى التليفزيون هذه المرة‪ .‬وفى خلل أسابيع قليلة أصبحت من أهّم الوجوه العلمية على الشاشة‪ .‬وانتابتنى حالة عميقة من عدم الفهم‪ .‬لم يكن لد ّ‬
‫فى الرئاسة بعد رحيل محمود أو حتى زملء يمكننى الحديث معهم عن هذه المسائل‪ ،‬فكلهم يتبعون نصائح القطان السبع‪ .‬فكرت فى سؤال الستاذ مرتضى ‪-‬رئيسى المباشر‪ -‬لكنى تراجعت‪ ،‬فقد كان قرار نقلى علههى وشههك‬
‫جههت هههى مههن العقههاب‪ ،‬بههل وتحسههنت‬
‫ب كل من كان على صلة بسههالى فههى حيههن َن َ‬
‫عوِق َ‬
‫ى أمر من شأنه تعطيل هذا النقل‪ .‬ولم أستسغ التصال بالعميد القطان لساله‪ .‬وظل الفضول يقتلنى‪ :‬كيف ُ‬
‫الصدور ولم ُأِرد اقتراف أ ّ‬
‫عَرضا إلى عودة سالى للظهههور سههائل إياههها إن كههانت قههد‬
‫ى الفضول‪ ،‬ولعّلى أيضا أردت اختبار عفاف‪ ،‬فاستدعيتها إلى مكتبى وسألتها عن شىء تافه يتعلق بالتليفونات والفاكس‪ ،‬ثم تطرقت َ‬
‫أحوالها؟ وفى النهاية َتغّلب عل ّ‬
‫شاهدتها على الشاشة فأكدت أنها تتابع برنامجها كل ليلة‪ .‬تشجعت وسألتها كيف نجت هى فى حين عوقب الباقون فَرَمتنى بنظرة َمن ل يعرف إن كان محّدثه عبيطا أم يتظاهر بالعبط‪ .‬ساد صمت لحظة فاستأذَنت منصرفة‪،‬‬
‫ى وقالت مازحة إنها ل تسكن فى فيصل بل فى أرض اللواء‪ .‬سألتها بصدق‪ :‬أى لواء؟ فَرَمتنى بنفس النظرة وخرجت دون أن ترد‪.‬‬
‫ت لها وهى تهّم بالخروج أن تبلغ سلمى إلى جيرانها فى شارع فيصل‪ .‬فالتفتت إل ّ‬
‫وهمس ُ‬
‫ع‪.‬ش‪.‬فشير‬

‫‪--------------------------‬‬‫رواية باب الخروج لعز الدين شكري فشير‪ ..‬الحلقة التاسعة‬
‫اقتربت بمقعدى من مكان الرئيس كما قيل لى والتزمت بالتعليمات بعدم النظر إليه أو التيان بصوت أو حركة فى أثناء الجتماع‬
‫تم نقلى فى مطلع ‪ 1994‬كما وعدنى العميد القطان‪ ،‬واستقرت سمعتى بالرئاسة كموظف كتوم وكفء‪ُ ،‬يعتمد عليه ول يتدخل فى ما ل يعنيه وُمخِلص‪ .‬أحيانا أحضر مقابلت الرئيس لدون محضر الجلسة ‪ -‬تحت إشراف‬
‫سكرتير الرئيس للمعلومات‪ -‬وأحيانا أقوم بدورى الصلى كمترجم فورى فى لقاءات الرئيس‪ .‬أول اجتماع حضرته كان بين الرئيس ومسؤولى التحاد الوروبى‪ .‬حذرونى من النظر إلى الرئيس فى أثناء الجتماع‪ ،‬وطبعههها‬
‫من التيان بأى صوت أو حركة‪ .‬جلست فى أبعد مقعد ممكن عنه لكنى لم أتمالك نفسى واختلست النظر إليه عدة مرات‪ .‬فى إحدى هذه المرات لمحنى وشعرت كأنه يزجرنى بنظرته فانكمشت وعدت إلى أوراقههى‪ .‬ولنههى‬
‫جلست بعيدا عنه‪ ،‬وظللت مشغول بمسألة النظر إليه‪ ،‬لم أتمكن من متابعة ما يقوله الضيوف بما يكفى‪ .‬كذلك فإن المسؤول الوروبى كان خافت الصوت ويتحدث بلكنة إسبانإسبانية تتداخل مع نطقه للنجليزية بشكل صّعب‬
‫ب معظم حديثه على تأكيد مهها يقههوله الضههيف وتعههديله فههى بعههض الحيههان أو‬
‫ى تمييز ما يقول‪ .‬كدت أموت من الرعب والوقت يمر وأنا أدرك أنى لم أدون شيئا من مناقشاتهم‪ .‬لم يكن الرئيس يقول شيئا ذا بال‪ ،‬إذ انص ّ‬
‫عل ّ‬
‫الضافة إليه بتكرار عبارة »ومن هنا أهمية تنشيط الدور الوروبي«‪ .‬كتبت ما استطعت التقاطه‪ ،‬ومن حين إلى آخر أنظر إلى سكرتير الرئيس للمعلومات وفرائصى ترتعد‪ .‬بعد نهاية الجتماع أمسكنى السكرتير من يههدى‬
‫ل وهو يربت على كتفى وقال لى أن ل أنزعههج‬
‫ل على… لكنه ضحك بصوت عا ٍ‬
‫وسألنى وهو ينظر فى أوراقى عما كتبت‪ .‬تلعثمت‪ ،‬ثم اعترفت له بأنى لم أسمع أو أفهم شيئا مما قاله الضيف‪ ،‬وانتظرت الصاعقة التى ستح ّ‬
‫ى أن أجلس فى المقعد القريب مههن الرئيههس فههى المههرة القادمههة ول‬
‫فهذا الرجل ل يقول شيئا ذا قيمة أصل‪ ،‬ول أحد يميز ما يقوله بمن فى ذلك زملؤه الوروبيون‪ .‬ووسط ذهولى أمسكنى من يدى وسار بى وهو يؤكد عل ّ‬
‫ى شيئا أدّونه كمحضر للجلسة الهلمية التى حضرناها‪.‬‬
‫صص لكاتب الجلسة أو المترجم‪ ،‬وطلب منى أن أمر عليه فى مكتبه بعد ساعة لُيمِلى عل ّ‬
‫أخشى شيئا‪ ،‬فهو مقعد مخ ّ‬
‫ص عليك تفاصيل هذه الجلسة كى أسّليك‪ ،‬ول لن الذكريات تعاودنى بشدة الن وأنا جالس فى هذه السفينة الصامتة أنتظر المواجهة التية‪ ،‬لكن أقص عليك ذلك كى أفهمك أمرا لم أقله لحد من قبههل‪ ،‬ولههو قلتههه لحههد‬
‫ل أق ّ‬
‫جى منها‬
‫لما صدقنى ولظن بى الظنون‪ .‬فى البداية ظننت أن هذا الجتماع الفارغ من أى مضمون هو حادثة مؤسفة ضاع فيها وقت الرئيس هباء‪ .‬وبعد عدة اجتماعات مشابهة‪ ،‬ظننت أنهم يأتون بى للجتماعات التى ل ُير َ‬
‫صدمت وقتها‪ ،‬لكن كلما‬
‫ى باستنكار أن الجتماع كان جيدا جدا ومثمرا! ُ‬
‫فائدة‪ ،‬وحين توثقت صلتى بسكرتير الرئيس للمعلومات بما يكفى علقت بعد أحد هذه الجتماعات أن الزوار أضاعوا وقت الرئيس دون فائدة‪ ،‬فرد عل ّ‬
‫ى الشهور ثم السنوات َتعّمق إدركى لعبث معظم هذه الجتماعات‪ .‬لم أَر طائل من ورائها سوى تصويرها وبثها على القنوات‪ ،‬والعلن عن المناقشات التى َتّمت فيها‪ ،‬والوهام التى تثههور فههى أذهههان النههاس عههن‬
‫مرت عل ّ‬
‫ل‪ ،‬دون أن يتم شىء ل فى الجتماع الول ول فى ذلك الذى يتم التفاق على عقده‪ .‬ومن اجتماع إلى اجتماع‪ ،‬ومن مؤتمر إلى مؤتمر‪ ،‬تعيش‬
‫أمور خطيرة ل بد أنها نوقشت فيها‪ ،‬ثم التفاق على زيارة أخرى أو اجتماع تا ٍ‬
‫القضايا وتستمر‪ ،‬تتدهور أو تتحسن حسب نصيبها‪ ،‬دون أن يكون لى من هذه الجتماعات أثر ُيذكر سوى اليحاء بأن جهدا ُيبذل ومشروعات وخططا ُتَنّفذ‪.‬‬
‫كانت تلك صدمتى الكبرى‪ .‬لم يخطر على بالى أبدا أن يكون المر هكذا‪ .‬حضرت اجتماعات مع رؤساء دول وحكومات حوض النيل‪ ،‬واحدا تلو الخر‪ .‬يقول الضيف كلما جميل ويقول الرئيههس كلمهها جميل‪ ،‬ويحومههان‬
‫حول الموضوعات التى يختلفان عليها‪ ،‬ثم يتفقان على مواصلة الحوار حول تلك الموضوعات‪ ،‬ربما بين الوزراء أو مبعوثين لهما أو بينهما فى لقاء لحق فى مكان سيتوجهان إليه هما الثنههان‪ .‬وينتهههى اجتماعهمهها الهههاّم‪،‬‬
‫حى بالغموض الخطيههر وُتخِفههى الفههراغ‪ .‬ثههم‬
‫طاطة ُتو ِ‬
‫وتطنطن وسائل العلم بتكهنات عما تم فى هذا الجتماع‪ ،‬ويخرج المسؤولون مبتسمين أو متجهمين حسب الحاجة‪ ،‬ويلتقطون عدسات الكاميرات‪ ،‬ويتمتمون بعبارات م ّ‬
‫يلتقى الرئيسان ثانية‪ ،‬وُيِعّد سكرتير المعلومات ملخصا للرئيس بما »تّم« فى الجتماع الذى سبقه‪ ،‬وهو فى معظمه اتفاقات على اجتماعات أخرى‪ ،‬وما دار فى تلك الجتماعات الخرى‪ ،‬ثم ل شههىء سههوى مناقشههات وديههة‬
‫ودوران حول الخلفات والتفاق على اجتماعات بعدها‪ .‬أين تتم الشياء إذن؟ أين تحدث؟ أين ُتعَقد التفاقات أو الصفقات؟ لم أقابلها فى أى من هذه الجتماعات‪ .‬حتى التفاقيات التى يتم التفاوض عليها تبههدأ بأفكههار كههبرى‬
‫وتنتهى بصياغات ملتبسة ُتخِفى الخلف بين أطرافها أكثر مما تجمعهم على عمل حقيقى‪ .‬فى السنوات الولى عّزيت نفسى بأن هذه ل بد واجهة لشىء آخر عميق يتم فى مكان آخر عميق‪.‬‬
‫واصلت الترجمة وكتابة محاضر الجلسات‪ .‬اقتربت بمقعدى من مكان الرئيس كما قيل لى والتزمت بالتعليمات بعدم النظر إليه أو التيان بصوت أو حركة فى أثناء الجتماع‪ .‬وحين ظهر الصينيون‪ ،‬لول مرة منذ التحقهههت‬
‫ى ‪-‬بالنجليزية‪ -‬مباشرة للرئيس‪ .‬لكن يبدو أن ذلك قد ضايق الرئيهههس‬
‫بالعمل فى الرئاسة‪ ،‬خفق قلبى كأنى أقابل أصدقاء قدامى‪ .‬وكما كان الحال أيام إقامتى فى الصين انبهر المسؤول الصينى الكبير بإتقانى اللغة‪ ،‬وأثنى عل ّ‬
‫بدل من أن يعجبه‪ ،‬فانكمشت فى جلستى أكثر وظللت أحدق إلى الوراق التى أكتب فيها‪ .‬كانت تلك السنة هى موعد تجديد اتفاقية حظر النتشار النووى‪ ،‬وكان لمصر موقف فيها أصبحت بسههببه محههط الزيههارات الدوليههة‪.‬‬
‫وأذكر أنى كتبت وترجمت فى هذا العام وحده مقابلت واجتماعات أكثر من بقية العوام مجتمعة‪ .‬وتعلمت كثيرا عن الموضوعات النووية وتفاصيلها‪ .‬لكن‪ ،‬فى هذا الموضوع مثلما فههى كههل الموضههوعات‪ ،‬لههم يُكههن هنههاك‬
‫سوى مناقشات واجتماعات وتربيطات حول اجتماعات ومناقشات أخرى‪ ،‬وانتهى المر كله بل شىء‪ .‬ووّقعت مصر على تجديد التفاقية دون الحصول على ما أرادت‪.‬‬
‫جّدك إلى التقاعد‪ .‬وشعرت على الفور بحمل يقع على كتفى‪ ،‬كأنى أصبحت مسؤول عن السرة بشكل ما‪ .‬لم يُكن لهذا الحساس أساس واقعى‪ ،‬فمعاش أبى وأملكه ظلت مصدر دخل السرة‪،‬‬
‫ل َ‬
‫حي َ‬
‫بنهاية عام ‪ُ 1995‬أ ِ‬
‫ولدى أبى مشروعات عمل فى القطاع الخاص ينوى البدء فيها‪ .‬وصفية متزوجة وهانئة أو على القل هادئة مع ضابط المدفعية زوجها وأبى ابنتها ياسمين ذات العامين‪ .‬وعمر الذى استقّر بإيطاليا على وشك الههزواج بفتههاة‬
‫قابلها هناك من أصل فلسطينى )واستسلمت أمى‪ ،‬عكس موقفها أيام داو مينج‪ ،‬ولم يعترض أبى لدرجة منعه من الزواج بهذه المرأة المجهولة لنا(‪ .‬ومع أن عمر هو البن الكبر ل أنا‪ ،‬فإنى شعرت بالمسؤولية عههن العائلههة‬
‫صا مع أمههى‪ .‬لكنههها‬
‫ى‪ .‬ثم بدأت أمى تتحدث عن ضرورة التفكير فى زواجى‪ .‬كنت فى الخامسة والعشرين‪ ،‬ول رغبة لى فى فتح هذا الموضوع‪ ،‬خصو ً‬
‫عد أبى يبدأ مرحلة جديدة فى حياتنا ستعتمد فى كثير منها عل ّ‬
‫وبأن تقا ُ‬
‫لم تتوقف‪ ،‬بالطبع‪.‬‬
‫ي الختراع‪ ،‬وكنت من‬
‫ي خطابا يحّدثنى فيه عن نظام إلكترونإلكترونى للتراسل وعن شىء اسمه »النترنت«‪ ،‬فى عام ‪ .1993‬واستغرق المر عامين حتى وصل إل ّ‬
‫نسيت أن أقول لك إن عزالدين فكرى كان قد أرسل إل ّ‬
‫المحظوظين‪ ،‬حيث لم تكن الخدمة عندئذ متوفرة إل من خلل الجامعة ومجلس الوزراء‪َ .‬تصّور! َتطّلب الحصول على بريههد إلكههترونى مجلههس الههوزراء شخص هّيا! المهههم‪ ،‬بحلههول ‪ 1995‬كنا نتراسل عن طريق البريد‬
‫ي صديقى التوأم بشكل من الشكال‪ .‬فبدل من الخطابات الشهرية أصبح باسههتطاعتنا تبههادل الرسههائل كههل يههوم تقريبهها‪ ،‬وهكههذا‬
‫اللكترونى‪ ،‬وقد قلل هذا المر كثيرا من وحدتى ومن أثر غياب الصداقة فى حياتى‪ ،‬إذ أعاد إل ّ‬
‫عدت مرة أخرى إلى حياة عزالدين وعاد إلى حياتى‪ ،‬إل‪ ،‬بالطبع‪ ،‬ما يتعلق بعملى‪ .‬أوشك عزالدين على إنهاء رسالة الدكتوراه التى يعكف عليها؛ بقى له عدة شهور من البحث وأخرى للكتابة‪ .‬وكانت درجاته كلها ممتازة‪،‬‬
‫وقدم عددا من البحاث فى مؤتمرات علمية عديدة فى كندا والوليات المتحدة‪ ،‬وخاطبه أساتذته فى إمكانية بقائه للتدريس والبحث بكندا إن شاء‪ .‬تناقشنا فى المر لعدة أسابيع وذّكرنى ذلك بأيامى الخيرة فى بكين؛ كم كههان‬
‫المر ليختلف لو أتيح لنا البريد اللكترونى وقتها! المهم أن عزالدين رفض هذه العروض وقرر العودة إلى مصر فور انتهائه من الدكتوراه‪ ،‬فى العام التالى‪ ،‬مع أنه لم تكن لديه وظيفة تنتظره فى مصر‪ .‬والهههّم مههن ذلههك‬
‫ل شهورا يحّدثنى عنها ويتردد بشأنها‪ ،‬ثم قطع علقته بها قبل أن تتطور إلى حب‪ ،‬كما قال‪ ،‬لنهههها‬
‫أنه قابل فتاة أعجبته‪ ،‬على حسب وصفه‪ ،‬وإن كنت قد شممت رائحة الحب من حديثه عنها لكنه رفض التصريح بهذا‪ .‬وظ ّ‬
‫لن تصلح للحياة معه فى مصر‪ .‬هكذا‪ ،‬بقرار‪ ،‬قطع علقته بها وتوقف عن رؤيتها أو الحديث معها وحتى عن ذكرها لى‪ .‬هذا هو عزالدين الذى أعرفه‪ :‬بل قلب‪.‬‬
‫لكنى لست فى صرامته‪ .‬ورغم النصائح السبع للقطان‪ ،‬وحذرى وترّددى الطبيعيين‪ ،‬وذكريات داو مينج وشعورى بالخيبة والصغر‪ ،‬فإنى لم أستطع منع نفسى من الهتمام بعفاف‪ ،‬موظفة التليفونات السههمراء الهيفههاء‪ ،‬الههتى‬
‫ي لحههديثى معههها وتههوّددى إليههها‪ ،‬إلههى ُتَكههأة كههى تمههر عل ه ّ‬
‫ى‬
‫تأخذ انتباهى كله حين تسير فى الممر أمام مكتبى‪ ،‬وتربكنى بالكامل حين تدخله لُتبِلغنى بأمر ما‪ .‬وَتحّول السؤال عن محمود بشير المطرود من كونه الهدف الخف ّ‬
‫وأراها‪.‬‬
‫ثم تطورت المور بسرعة‪.‬‬
‫ع‪.‬ش‪.‬فشير‬

‫‪---------------------------------‬‬‫رواية باب الخروج لعز الدين شكري فشير‪ ..‬الحلقة العاشرة‬

‫عندما عدت إلى المكتب من راحة بعــد الظهيــرة اســتدعانى العميــد القطــان الــذى أصــبح الن يعمــل فــى‬
‫ى حين رآنى‬
‫السكرتارية الخاصة وجدته ثائرا ووجهه أكثر حمرة من أى وقت رأيته فيه انفجر ف ّ‬
‫ت مههن المكتههب إلههى شههارع الخليفههة‬
‫كنت خارجا من المكتب بعد يوم عمل طويل متوجها إلى المنزل‪ ،‬ومع أن منزلنا يقع على بعد خمسمئة متر من المكتب فإنى كنت أتنقل بينهما فى سيارتى الصغيرة‪ ،‬ل تسألنى ِلَم‪ .‬خرج ُ‬
‫ت حين رأيتها‪ :‬لم أكن أعرف ماهية مشاعرى إزاء عفاف؛ ليست حبا‪ ،‬ليست مثل مشاعرى أيام داو مينج‪ ،‬بل شىء‬
‫المأمون وكانت الساعة تشارف على التاسعة حين لمحتها واقفة على الجانب الخر من الطريق‪ .‬اضطرب ُ‬
‫سههّمِه‬
‫سى كلها‪ :‬تسيطر حركتها على انتباهى‪ ،‬ووقفتها‪ ،‬وجلستها‪ ،‬ومشيتها‪ .‬كل شىء يتعلق بها يهّزنى‪ .‬ليس حبهها‪ ،‬بعههد‪ ،‬لكههن َ‬
‫ى حوا ّ‬
‫آخر لم يتحدد بعد‪ .‬أريد القرب منها‪ ،‬والبقاء معها‪ ،‬ولو لم نُقل شيئا‪ .‬حين تظهر تملك عل ّ‬
‫ى‪ .‬عبرت بسيارتى ناحيتها وتوقفت أمامها مدعيا أنى‬
‫افتتانا‪ .‬لم يحدث لى أن ُفتنت بامرأة بهذه الطريقة من قبل‪ ،‬ولم أدِر ماذا أفعل‪ .‬لكنى حين أراها أقع تحت تأثير اللحظة وأصبح أكثر قابلية للمغامرة‪ ،‬وهذا أيضا جديد عل ّ‬
‫لمحاسن الصدف‪ -‬ذاهب لزيارة أصدقاء لى فى ميدان الجيزة‪ ،‬وعرضت توصيلها‪ .‬ابتسمت وركَبت‪ ،‬وأصابنى شىء بمجرد جلوسها بالسيارة بجواري‪ ،‬كأن وهجا يصدر منها‪.‬‬‫كان الطريق طويل ول أعرفه جيدا‪ ،‬فأنا ل أذهب إلى هذه المناطق مطلقا‪ ،‬ول أحسبنى عبرت شارع السودان من قبل‪ .‬وبين اضطرابى من القيادة فى طههرق مجهولههة وشههعورى بوهههج يلفحنههى مههن هههذا الوجههود الطههاغى‬
‫ت ترددى التقليدي‪ ،‬سألتنى عن أسرتى ومن أين أتيت وأين تعلمت وما إلى ذلك‪ ،‬وراعنههى إلههى أى‬
‫بجوارى دخلت فى حالة من الضطراب العاّم المصحوب بجرأة غير محسوبة‪ .‬كأنى ثمل قليل‪َ .‬توّلت دفة الحديث فتجاوز ُ‬
‫ن وجنتى احمّرت؛ على القل هذا ما اتهَمتنى به‪ .‬ثم بههدأت هههى تحكههى قصههتها دون سههؤال منههى‪ ،‬ثههم تتوقههف لتسههألنى إن كههانت‬
‫مدى كانت قصتى قصيرة وغير مثيرة! سأَلتنى عن البنات فى الصين فلم أقل شيئا‪ ،‬وأظن أ ّ‬
‫جرنى البتة‪ ،‬بل أذهلتنى بعالمها الذى لم أكن أعرف عنه شيئا‪ ،‬تقريبا‪.‬‬
‫جرنى‪ .‬لم ُتض ِ‬
‫ُتض ِ‬
‫عفاف تعيش مع أمها وأخيها وأختها فى شقة صغيرة ببيت متواضع من ثلثة أدوار فى أرض اللواء‪ .‬أبوها المتوّفى كان صول فى الجيش‪ ،‬وعمل سائقا لحد القادة حتى بلوغه سن المعاش‪ ،‬ومن خلل هذا القائد وجههد لههها‬
‫وظيفتها فى الرئاسة عندما تخرجت فى المعهد التجارى‪ .‬ضحكت وقالت إنها أكثر أفراد العائلة نجاحا‪ .‬فأخوها حسن الذى أنهى دراسته بأحد المعاهد عاطههل عههن العمههل منههذ ثلث سههنوات‪ ،‬وأختههها ميرفههت مهها زالههت فههى‬
‫ظت انزعاجى فأردفت ضاحكة أنها تمزح‪ ،‬فالبنت ما زالت فى الرابعة عشرة‪ ،‬لكنها ل تههرى عليههها اهتمامهها بشههىء غيههر الولد وجمالههها‪ ،‬وتكههاد‬
‫ت‪ ،‬ولح َ‬
‫طى أكيدة نحو النحراف‪ .‬جفْل ُ‬
‫ق طريقها بخ ً‬
‫المدرسة الثانوية وتش ّ‬
‫طرت إلى العمل بعد تقاعد أبيها لن المعاش لم يكن من الممكن أن يوفى باحتياجاتهم‪ ،‬ولنها‬
‫خلت السرة بالهدايا والرشوة المقنعة فى صورة دروس‪ .‬سألتها عن أمها فقالت إنها ست بيت‪ ،‬لكنها اض ُ‬
‫ترسب كل عام لول تد ّ‬

‫ى ضاحكة وهى تتصنع الجدية وقالت إنها قد باحت لتّوها بسر السرة الكبير‪ ،‬فقد ظّلههت أمههها ُتخِفههى‬
‫ست بيت بل أى مؤهلت فقد عملت بعض الوقت فى تنظيف البيوت وأيضا فى عمل الجبن والزبادى وبيعهما‪ .‬مالت عل ّ‬
‫موضوع التنظيف بالبيوت هذا عن الكل‪ ،‬خصوصا الجيران‪ ،‬بل إن حسن نفسه لم يعرف به إل متأخرا فى خناقة مع أمه بسبب النقود‪ .‬أما الزبادى والجبن فقد كانت الم تبيعهما فى الشارع لكههن الفتههوات الههذين يسههيطرون‬
‫على الحى طردوها بعد أن رفضت زيادة »الرضية« التى تدفعها لهم كل شهر‪ .‬وانتهى بها المر إلى أن تعمل لحساب أحد محلت اللبان من الباطن‪ .‬لم يِعش الب طويل بعد تقاعده‪ ،‬وبعد وفاته كههان مرتههب عفههاف قههد‬
‫سن‪ ،‬فتوقفت الم عن العمل فى البيوت كى تعتنى بحسن وميرفت‪ ،‬وإن استمرت فى بيع الجبن والزبادى من خلل محل اللبان المجاور‪.‬‬
‫َتح ّ‬
‫ك لى كل هذه المور الشخصية؟ وكيف تحكيها بهذه البساطة؟ لم يبُد عليها أنها متأثرة أو تشعر بأن هذه الحياة معاناة من نوع خاص‪ ،‬بل على العكس‪ ،‬كانت تضحك وسط القصهههة‪،‬‬
‫لم أعرف ماذا أقول ول كيف أرّد‪ِ .‬لَم تح ِ‬
‫على نفسها وأهلها وأحوالهم‪ .‬أما أنا فلم أعرف أحدا مثلها من قبل‪ .‬لم أعرف أحدا رسب فى المدرسة‪ ،‬أو ذهب إلى مدرسة فنية أصل‪ .‬وعمههرى مهها أخههذت درسهها خاصهها‪ ،‬أو ورد بخههاطرى أن المههدرس أو النههاظر يمكههن‬
‫رشوته‪ .‬كان لى زملء فقراء فى المدرسة وفى أولى سنوات الجامعة‪ ،‬لكن ل شىء مثل هذا الذى تحكيه‪ .‬كما أن اختلطى بالخرين ‪-‬فقراء كانوا أم أغنياء‪ -‬كان محدودا‪ .‬عشت فى بيتنهها بالمنصههورة ثههم بمدينههة نصههر ثههم‬
‫بكين ثم روكسى دون التوغل فى حياة الناس البعد عن دائرتى المباشرة‪ ،‬وفى دائرتى المباشرة لم يكن هناك شىء كهذا‪.‬‬
‫استجمعت شجاعتى‪ ،‬أو لعله تأثير الوهج وقصتها‪ ،‬وسألتها عن الحب‪ .‬أجابت وهى تضحك أنه ل يوجد أكثر منه فى حّيها‪ ،‬ولما أبديت دهشتى قالت لى أن ل أصدق المظاهر‪ ،‬فخلف كل أمر أمر مختلف‪ ،‬والنههاس يفعلههون‬
‫ت وأردت الخروج من هذه النقطة فسألتها عن الزواج‪ ،‬زواجههها هههى‪ ،‬فضههحكت أيضهها وسههألتنى أى نههوع مههن الرجههال‬
‫كل ما يريدون فى كل ظرف‪ ،‬لكن الفارق الوحيد هو درجة الخفاء والتنكر التى يلجؤون إليها‪ .‬ارتبك ُ‬
‫سيتزوجها‪ :‬صاحب محل اللبان أم الفتوة الذى يجمع الرضية كل شهر؟ وكيف ستتزوج؟ وأين؟ قلت أشياء بل معنى محّدد فهزت كتفيها وقالت لى أن ل ُأتِعب نفسى فى التفكير‪ ،‬فهذا كله نصيب‪ .‬ثم انتقلههت للحههديث عههن‬
‫ب تركيههزى كلههه علههى محاولههة تههبّين الطريههق فههى‬
‫ل على مكانه‪ .‬ثم انتقلنا إلى موضوعات أخرى لم أكن أتابع ما تقوله فيها جيدا‪ ،‬إذ انص ه ّ‬
‫محمود بشير وكيف اختفى من المقهى الذى كان يرتاده‪ ،‬وأنها سألت عنه ولم تستد ّ‬
‫الدغال التى قادتنى إليها‪ ،‬وتفاِدى دهس أى من الطفال المتناثرين فى الشوارع الضيقة التى نمر منها‪ ،‬والترعة‪ ،‬والحفرة‪ ،‬وبقية تضاريس المنطقة‪ .‬وفى وسط الغابة السمنتية بالضبط‪ ،‬عندما فقدت التجاه بالكامل وبههدأت‬
‫أسأل نفسى إن كنت سأخرج من هنا‪ ،‬طلَبت منى أن ُأنِزلها لنها ستأخذ ميكروباصا إلى بيتها!‬
‫ت من المنطقة‪ ،‬وشكل الناس فيها‪ ،‬وطريقة سيرهم فى الشارع‪ ،‬ومن حكايات عفاف‪ .‬لكههن فههى نفههس الههوقت زادتههها هههذه‬
‫ظللت أفكر فى عفاف وما حكته لى فى أثناء رحلة البحث عن طريق الخروج من هذه المتاهة‪ .‬جفل ُ‬
‫ى حين عبرت‬
‫الحكايات فتنة‪ .‬كأنها تفتح لى طاقة لمصر التى ل أعرفها والتى أقرأ عنها فى الكتب‪ .‬قلت لنفسى هذه هى مصر الحقيقية‪ ،‬ل مصر الخشب التى أعيش فيها‪ .‬لكنى تنفست الصعداء وشعرت أن روحى ُرّدت إل ّ‬
‫شارع السودان نحو المهندسين‪ ،‬كأنى أفقت من حلم غير آمن‪.‬‬
‫…‬
‫ما حدث فى اليوم التالى أذهلنى…‬
‫ى حين رآنى‪ ،‬ناعتا إياى بالستهتار‬
‫عندما عدت إلى المكتب من راحة بعد الظهيرة استدعانى العميد القطان‪ ،‬الذى أصبح الن يعمل فى السكرتارية الخاصة‪ .‬وجدته ثائرا ووجهه أكثر حمرة من أى وقت رأيته فيه‪ .‬انفجر ف ّ‬
‫صل عاملة التليفون إلى منزلها فى آخر الدنيا نهارا جهههارا! حههاولت التههذرع‬
‫ت هذا‪ ،‬كيف بلغت بى الحماقة وقلة العقل أن أو ّ‬
‫ى‪ ،‬على كل المستويات‪ .‬سألنى مستنكرا كيف فعل ُ‬
‫وعدم المسؤولية‪ ،‬ومعربا عن صدمته العميقة ف ّ‬
‫ى جاّم غضبه وأنا أسأل نفسى كيف عرف! هل يراقبوننى أم رآنا أحد بالصههدفة؟ أغيههب فههى تسههاؤلتى وأعههود‬
‫ب عل ّ‬
‫ى إن كنت أظنه مغفل‪ .‬وظل يص ّ‬
‫ى باستياء وازداد غضبه أكثر وهو يصرخ ف ّ‬
‫بأنها كانت صدفة فنظر إل ّ‬
‫لجده ما زال يصرخ فى وجهى‪ .‬لمنى على سوء التقدير‪ ،‬خصوصا بعد حادثة سالى القصبجى‪ ،‬موضحا أنه أنقذنى بالعافية من الطرد هذا الصباح‪ .‬وذّكرنى بأنى محسوب عليه وما أفعله يؤثر على سههمعته هههو شخصههيا‪.‬‬
‫ض النظر عن هذا‪ ،‬كيف أنحدر‪ ،‬أنا الذى يأتمننى رئيس الجمهورية على المشاركة فى أكثر اجتماعاته سرية‪ ،‬إلى مثل هذا المستوى؟ »عاملة تليفونات؟ وأمها بتبيع جبنة؟«‪ ،‬مضيفا أنههى إن كنههت أجهههل حساسههية‬
‫وحتى بغ ّ‬
‫منصبى وعملى ومركزى فلعّلى ل أستحقه‪ .‬كما هّددنى بإطلع أبى على فعلتى الشنعاء‪ ،‬لكنه لن يفعل حرصا على صحته‪ .‬هَدَأت حمرة وجهه تدريجيا‪ ،‬وبدأ يستعيد هدوأه‪ ،‬وحّثنى على التفكير جّديا فى الزواج‪ ،‬ومن أناس‬
‫يليق بى مصاهرتهم‪ .‬ثم صرفنى من مكتبه بعد أن جعلنى أتعهد أن ل أعود لمثل هذا المر أبدا‪.‬‬
‫ت أن أرى عفاف لعرف إن كان أحد قد‬
‫ى يعرف بأمر رحلتى المسائية إلى أرض اللواء المجهول السم‪ ،‬وعيناه تقولن لى باستخفاف‪» :‬عاملة تليفونات؟!«‪ .‬انتظر ُ‬
‫عدت إلى مكتبى والحرج يغطينى‪ ،‬كأن كل من ينظر إل ّ‬
‫ت هى إلى مكتبى‪ ،‬ولم أَرها فى اليام التالية كذلك‪ .‬ثم علمت أنهم نقلوها فى نفس يوم اسههتدعائى مههن ِقَبههل القطههان إلههى‬
‫قال لها شيئا‪ ،‬لكن شخصا آخر رّد على حين اتصلت بالسويتش‪ ،‬ولم أجسر على السؤال عنها‪ .‬ولم تأ ِ‬
‫وحدة إدارية بمحافظة الجيزة‪.‬‬
‫ع‪.‬ش‪.‬فشير‬

‫‪-------------------------------‬‬‫رواية باب الخروج لعز الدين شكري فشير‪ ..‬الحلقة الحادية عشر‬
‫حين أنظر الن إلى هذه العوام أشعر بالندم لنى تركتها تمر هكذا تضيع الحقيقة أنى كلما فكرت فى حياتى السابقة أفاجأ بأنى ل أندم على شىء فعلته بقدر ما أندم دوما على أشياء لم أفعلها‬
‫ص عليك ما أريد‪ .‬عل هىّ السههراع‪ .‬السههاعة‬
‫مّرت ثلث ساعات وما زلت فى أول الحكاية؛ أريد الختصار لكن التفاصيل تنادينى أن ل أتركها‪ .‬من سيحييها إن لم أذكرها لك هنا؟ لكنى لو قصصت عليك كل ما أريد فلن أق ّ‬
‫ل بقمرتى معظم الوقت لنى ُمتَعب من البحر‪ ،‬سأذهب لحضر قهوة وشيئا آُكُله ثم أعود‪.‬‬
‫الن تقترب من السابعة‪ ،‬وصوت الحركة على ظهر السفينة يتزايد‪ .‬قلت للواء المنيسى إنى سأظ ّ‬
‫حبان‬
‫ها أنا ذا‪ .‬قابلت اثنين من البحارة السيويين عند المطعم وحّييانى بأدب شديد‪ .‬ليسا صينّيين لكنى لم أستطع تبين هويتهما بالضبط؛ ربما من منغوليا‪ .‬ل يعرف هذان المسكينان أنهما لن يكمل رحلتهما بسببى‪ ،‬بههل سُيس ه َ‬
‫بعد أقل من أربع وعشرين ساعة إلى ما لم يكن فى حسبانهما‪ ،‬وبسببى أنا‪.‬‬
‫أين كنت فى حكايتي؟ نعم‪ُ ،‬نقَلت عفاف من الرئاسة‪ ،‬ثم استقرت أمورى فى المكتب دون مغامرات‪ ،‬ولم أَر عفاف ثانية إل بعد سنوات طويلة تغيرت فيها حياتى بالكامل‪ .‬فى هذا العام عاد صديقى عزالدين فكرى من كندا‪.‬‬
‫كنت أترقب عودته من أجل استعادة حياتنا القديمة‪ ،‬وأخطط الوقات التى سنقضيها معا‪ ،‬بل جال بخاطرى أن نقيم معا فى منزل واحد‪ .‬استأذنت من عملى وذهبت لمقابلته فى المطار‪ ،‬ووجههدته كمهها هههو تقريبهها‪ ،‬لكههن أكههثر‬
‫أناقة‪ .‬كان لقاؤنا حارا مليئا بعناقات وربتات على الكتف وابتسامات تقول أكثر من الكلمات القليلة التى تتناثر بيننا‪ .‬أخذته من المطار إلى مطعم فى الكوربة وتناولنا غداءنا معا‪ .‬حدثنى عن مناقشة الدكتوراه وإطراء اللجنههة‬
‫التى ناقشته على قيمتها وتوصيتهم له بنشرها‪ ،‬وعن أفكار كثيرة حول التعليم الجامعى فى مصر وضرورة تطويره بحيث يستفيد من التقدم الذى أحرزتههه جامعههات العههالم‪ ،‬وحههول طريقههة تعييههن وتههدريب وترقيههة السههاتذة‬
‫والباحثين‪ ،‬وإدماج الطلبة فى عملية البحث مبكرا‪ ،‬وتمويل التعليم العالى من المجتمع ودعم استقلله‪ ،‬وضرورة بلورة علوم اجتماعية من منظور عربى بعيدا عن الهيمنة العلميههة لمجتمعههات الشههمال‪ ،‬دون قطيعههة أو عههداء‬
‫معها‪ ،‬وكيف أن بداية ذلك هى تدريس النظرية لنها هى الساس الذى يشّكل العقل ويفتح ملكات النقد لدى الطلبة من َثّمومن َثّم يجعلهم قادرين على خلق وإنتاج العلم ل نقله فقط‪ .‬كنت أبتسم بينههى وبيههن نفسههي؛ أيههن يظ ه ّ‬
‫ن‬
‫نفسه؟ لم أصارحه برأيى هذا‪ ،‬واكتفيت بهز الرأس فى انتظار أن يكتشف بنفسه ما ينتظره؛ هل نسى جامعة القاهرة التى تخرج فيها؟‬
‫ف باسههتبعاد فكرتههى بههل سههيقيم‬
‫تركته ينهى ملخص أحلمه هذا ثم حدثته عن أفكارى حول السكن‪ ،‬فضحك من اقتراحى بأن نسكن معا‪ ،‬وحدثنى عن شقة استأجرها فى حى الزمالك من أحد معارفه‪ .‬خّيب ذلك أملي؛ لم يكت ِ‬
‫ت ولم أعّلق‪ .‬واستطردنا فى الحديث‪ :‬كنا نتبادل الحديث عبر البريد اللكترونى ويعرف كلنا كل شىء عن الخر وحياته‪ ،‬سوى عملى الذى لم أتحهههدث‬
‫بعيدا أيضا‪ .‬كيف ومتى سنلتقى بين مواعيد عملى وسكنه البعيد؟ سك ّ‬
‫عنه أبدا فى الرسائل‪ .‬حدثته عن المكتب وظروفه وإحباطى من الفراغ وغياب المضمون والمبادرة والفشل العاّم والفوضى والمحسوبية وبقية قائمة شههكوى الفلح الفصههيح الههتى نعرفههها جميعهها‪ ،‬وهههو يهههز رأسههه ويقههترح‬
‫مخارج وحلول وإصلحات‪ ،‬وأنا أشرح له الصعوبات التى تواجه هذه الفكار‪ .‬ثم حان وقت سفره المبدئى إلى المنصورة لرؤية خالته قبل انتقاله للقامة في القاهرة بصفة نهائية فى السبوع التالى‪ .‬سألته عههن مشههروعاته‬
‫بالنسبة إلى العمل‪ ،‬فأجاب بثقة أنه سيجد عمل ول ريب؛ سيبحث فى الجامعات ومراكز البحث ول بد أنه سيجد شيئا يتفق ومؤهلته‪ .‬وافترقنا على لقاء‪.‬‬
‫ض عليههه‬
‫لن يجد عزالدين عمل لسنوات‪ ،‬ل فى الجامعات ول فى أى مكان آخر‪ .‬بدأ المر بمشاركته فى ندوة قال فيها إن الجامعات المصرية تحتاج إلههى إصههلح جههذرى وإنههها بشههكلها الحههالى عبههارة عههن خرابههات‪ .‬انق ه ّ‬
‫عرف بها‪ .‬ولههم يسههاعده ذلههك فههى الحصههول علههى‬
‫الحاضرون من أعضاء هيئة التدريس فى بعض الجامعات المصرية الذين اعتبروا كلمه إهانة شخصية لهم ولمصر كلها‪ .‬وانتشرت كلمته هذه فى أوساط الجامعات حتى ُ‬
‫وظيفة بأى من الخرابات التى انتقدها‪ .‬لكن الحقيقة أن ذلك لم يكن السبب الوحيد‪ ،‬فنظام التعيين في الجامعة نفسه ل يسمح بدخول أحد من الخارج هكذا إل فى حالت استثنائية جدا‪ .‬كما اكتشف صديقى المتفههائل أن رسههالة‬
‫الدكتوراه التى حصل عليها بامتياز وإطراء وتحيات غيُر معتَرف بها فى مصر‪ ،‬لن أحدا من قبله لم يتخرج فى هذه الجامعة فى هذا التخصص من َثّمومن َثّم ل يعرف المجلس العلى للجامعات عنها شههيئا‪ .‬ومههن ثههم بههدأ‬
‫رحلة طويلة وعبثية لمعادلة شهادته‪ ،‬تتضمن تقديم وصف لكل المواد التى درسها‪ ،‬وشروط اللتحاق بالجامعة وأشياء أخرى كثيرة حكاها لى وقتها‪ .‬كابوس مكتمل الركان‪.‬‬
‫استقر عزالدين فى شقته بالزمالك وهو يبحث عن عمل ويقوم بهذه المغامرات الصغيرة‪ .‬وصار يأتى لتناول الغداء معى فى الخليفة المأمون فى معظههم راحههات بعههد الظهههر‪ .‬يخههرج لمقههابلت صههباحية بحثهها عههن عمههل أو‬
‫ى فى غالب الحوال لتناول الغداء فى مقهى صغير استقررنا عليه بجوار مكتبى‪ ،‬ويعود إلى منزله بعههدها حيههث يقضههى المسههاء فههى‬
‫حضورا لندوة أو مشاركة فى مشروع بحثى صغير التقطه من هنا أو هناك‪ ،‬ثم يمر عل ّ‬
‫البحث أو الكتابة‪.‬‬
‫طوال ‪ 1997‬و ‪ ،1998‬وكانا من أفضل سنوات صداقتنا‪ ،‬كأننا عدنا صبّيين‪ .‬وصرت أستطيع أن أحكى له ما يدور بالمكتب ومشاركته إحباطاتى يوما بيوم‪ ،‬وكذلك سماع رأيه واقتراحاته التى غالبا مهها‬
‫استمر ذلك اليقاع َ‬
‫بدت وجيهة لكنها لم تنفعنى كثيرا فى ظروف العمل في الرئاسة‪ .‬هذه الصداقة‪ ،‬هذه اللقاءات والمناقشات‪ ،‬كانت النقطة الوحيدة المضيئة فى حياتى خلل هذين العامين‪ .‬ففى العمل كان إحباطى يتزايد‪ ،‬وهو ما استغربته أنا‬
‫شخصيا لن النسان يعتاد الشياء مع الوقت‪ .‬لكنى شعرت أن القليل الموجود من العزم أو التصميم أو الرؤية يتناقص‪ ،‬كأن اهتمام الموجودين بالعمل‪ ،‬بمن فيهم الرئيس نفسه‪ ،‬يتناقص‪ .‬كأن الجميع استسههلم‪ :‬تركههوا اللت‬
‫سبات ل يفيقون منه حتى وهم قيام‪ .‬حادثت العميد القطان فى ذلك ‪-‬بلهجة مخففة طبعا‪ -‬فقال لى إن الظروف الدولية صعبة ول أحههد ينتظههر حههدوث شههىء إيجههابى أو‬
‫طلة حيث هى‪ ،‬وتلك التى تعمل كما هى‪ ،‬وخلدوا ل ُ‬
‫المع ّ‬
‫نجاح أى مبادرة فى السنوات القادمة‪ ،‬ومن َثّم فالجميع فى حالة انتظار‪ .‬والوضع فى مصر؟ سألته‪ ،‬قال إن الظروف الدولية الصعبة تنعكس سلبا على الوضع الداخلى ومن َثّم لن يحههدث شههيء أيضهها فههى الوضههع الههداخلى‬
‫خلل السنوات القليلة القادمة‪ ،‬حتى تتغير الوضاع‪” ،‬المهم أن نمرر هذه الفترة“‪.‬‬
‫هناك أعوام تمر فى حياتك مثلما قال العميد القطان‪ ،‬دون أن يحدث فيها شىء سوى أن تمر‪ .‬ليس هذا أمرا طبيعيا‪ ،‬لكنه معتاد‪ .‬وحين أنظر الن إلى هذه العوام أشعر بالندم لنى تركتها تمههر هكههذا‪ ،‬تضههيع‪ .‬الحقيقههة أنههى‬
‫كلما فكرت فى حياتى السابقة أفاجأ بأنى ل أندم على شىء فعلته بقدر ما أندم دوما على أشياء لم أفعلها‪ ،‬فتذكر ذلك يا يحيى‪.‬‬
‫خلل هذين العامين تدهورت أحوال أبى بسرعة لم أستوعبها أنا نفسى‪ .‬لم أفهم كيف يمكن للتقاعد أن يهدم رجل بهذا الشكل وفى هذا الوقت القصير‪ .‬مزاجه َتغّير فور بدأ التقاعههد‪ .‬صههار عصههبيا نافههد الصههبر يثههور لتفههه‬
‫السباب‪ ،‬خصوصا على أمى‪ ،‬ثم يعود ويعتذر‪ ،‬ثم صار يخجل من كثرة ثوراته واعتذاراته فانسحب وقلل من احتكاكه بالجميع‪ .‬حتى هيئته تغيرت‪ ،‬وأكتافه العريضة وقوامه الممشوق تهدلت‪ .‬حههاول بههدء مشههروع سههياحى‬
‫لكنه لم يستطع التعامل مع ما سّماه فوضى القطاع المدنى فتوقف بعد عدة بدايات فاشلة‪ .‬ثم انطفأ أبى تماما‪ ،‬ومع انطفائه ذهبت البهجة من المنزل‪ ،‬وسكن أمى توّتر وهّم ُمقيم‪ .‬أظنها كانت غاضبة على أبى‪ ،‬ل لشىء فعلههه‬
‫تحديدا وإنما لنطفائه‪ ،‬هو الذى كان مصدر النور والقوة فى حياتها‪ .‬كأنها شعرت فجأة بأنها وحدها بل سند‪ ،‬بل ومسؤولة عن هذا الذى لم يعد رجلها مثلما كان‪ .‬ولههم يكههن هنههاك أثقههل مههن الصههمت السههائد علههى العشههاء‪،‬‬
‫وصوت ارتطام الملعق الذى يرن فى صمت العائلة المتوتر يذكرنى كل دقيقة بما آل إليه أمرنا‪.‬‬
‫زواج أختى صفية تطور فى طريقه الطبيعى‪ ،‬فصارت أما لثنين وزوجة لضابط مدفعى ثقيل الظل‪ ،‬وبدين أيضا‪ .‬تقلص الدب الذى كان يستعيره فى معاملتههها وظهههرت الخشههونة الكامنههة تحتههه‪ ،‬وبههاءت محههاولت أخههتى‬
‫بالفرار من تقليدية ورتابة هذه الحياة بالفشل‪ .‬لم يمنعه لطفه وحسن أخلقه المزعومان من تقريع صفية أمامى وأمام أمى ‪-‬وإن التزم ببقايا الدب فى حضور أبى‪ -‬كلما حاولت طرق باب غير تقليدى فههى حياتهمهها‪ .‬كههل مهها‬
‫ف عن القتراحات‪ .‬وتمسك غصة بتلبيب معدتى كلما رأيتهما معا‪ .‬أما عمر الفاّر فقد واصل فراره فى إيطاليا وحصههل علههى الجنسههية‬
‫يريده منها هو أن تتركه فى حاله‪ ،‬وأن تقبل بدور وواجبات الزوجة والم‪ ،‬وتهدأ وتك ّ‬
‫بعد زواجه بخديجة ذات الصل الفلسطينى وأنجبا ثلثة أطفال‪ .‬أتى لزيارتنا بفرقته الكاملة وأشاع جوا من البهجة المؤقتة فى البيت الصامت المظلم‪ ،‬ثم رحل فجأة مثلما أتى لنشههعر نحههن مههن جديههد بصههمت وظلم حياتنهها‬
‫العائلية التى كنا قد اعتدناها حتى أتى وكدرها ببهجته‪.‬‬

‫ى سائلة لول مرة إن كنت‬
‫ت ظلت تطاردنى‪ ،‬ولما زاد صمتى انفجَرت ف ّ‬
‫وفى نهاية ‪ 1998‬كانت أمى قد حزمت أمرها‪ :‬الحل الوحيد لنا جميعا أن أتزوج‪ .‬هكذا أعلنت‪ ،‬متسائلة فى غضب حقيقى عما أنتظره‪ .‬ولما صم ّ‬
‫أعاقبهم بسبب تلك الفتاة الصينية التى تركتها فى بكين‪ .‬وأعقَبت ذلك بهجوم متواصل على عدم تحّملى المسؤولية واستمرائى حياَة من النانية والطفولية وعدم النضج وبقية مجموعة ”كيههف ُتش هِعر أبنههاءك بالههذنب وتبههتّزهم‬
‫عاطفيا“‪ .‬وأقول لك هذا كأب‪ ،‬الن‪ ،‬سواء عشت أم ل‪ ،‬ل تتركنى أو أمك ‪-‬وبالذات أمك‪ -‬نبتزك عاطفيا أبدا‪ .‬مهما قال البوان ‪-‬بالذات المهات‪ -‬فإنهم عادة ما يبتزون أبناءهم‪ ،‬فل تستسلم لهذه اللعبة فهى قاتلة‪ .‬ل تستسههلم‬
‫مثلما استسلمت أنا‪.‬‬
‫وهكذا‪ ،‬فى يناير ‪ ،1999‬تزوجت ندا القطان‪ ،‬العروس الُمَعّدة لى سلفا‪.‬‬
‫ع‪.‬ش‪.‬فشير‬

‫‪--------------------------------------‬‬‫رواية باب الخروج لعز الدين شكري فشير‪ ..‬الحلقة الثانية عشر‬
‫يمكنك أن تجد كل شىء وأى شىء هنا ‪ :‬إجراءات أمنية ‪ ..‬قرارات تتعلق بالحرب والسلم ‪ ..‬صحة وتعليم وميزانية وتعيينات … كل ما يخطر ببالك كأنك واقف فى وسط صورة مجّمدة لعقل حكــم‬
‫مصر‬
‫ت‪ ،‬أن تعرف التفاصيل منها‪ ،‬إن لم يمنعها غضبها علىّ من ذكرها لك‪ .‬هناك شىء واحد أقههوله لههك‪ ،‬كههأب‪ ،‬وهههو أن ل‬
‫أريد أن أحّدثك عن زواجى بأمك‪ :‬الفرح‪ ،‬والبيت‪ ،‬وشهرنا الول‪ ،‬لكن الوقت يداهمنى‪ .‬يمكنك‪ ،‬إن ِم ّ‬
‫تدخل فى عش الدبابير هذا؛ َتزّوج كما شئت‪ ،‬لكن َتجّنب هذه الشكليات التى ستخنقك دون أن تلحظ‪ .‬سيقولون لك »ليلة وتعدى«‪» ،‬مظاهر لرضاء ماما أو بابا«‪» ،‬الناس ستأكل وجهنا«‪ .‬دعهم يأكلوه‪ ،‬وفههّر بنفسههك مههع‬
‫من تحب‪ ،‬على طريقتك أنت‪ ،‬لنك إن دخلت من هذا الباب فلن تخرج سالما‪ .‬خذها منى كلمة‪.‬‬
‫دخلت أنا وأمك من هذا الباب المرتب والُمحَكم‪ ،‬الذى قادنا إلى بيت مرّتب وُمحَكم‪ ،‬عشنا فيه حياة مرّتبة وُمحَكمة؛ كان بعضها سعيدا‪ ،‬وبعضها صعبا‪ ،‬وكثير منها تمريرا لليام‪ ،‬كثير منها ل يمكن تذّكره‪ .‬كنت فى التاسعة‬
‫والعشرين وأمك أصغر منى بأربع سنوات‪ ،‬جميلة‪ ،‬أنيقة‪ ،‬ذات خلق رفيع وشخصية قوية‪ ،‬وتقّدس البيت والعائلة‪ ،‬زوجة مثالية كما قالت أمى المغرمة بها‪ .‬أمك التى تعرفها هى المرأة التى أعرفها‪ ،‬هى السيدة التى يعرفهههها‬
‫الجميع؛ ظاهرها كباطنها‪ .‬سيدة مرّتبة وشديدة الحكام‪ .‬كانت هكذا وهى فى الخامسة والعشرين‪ ،‬وظلت هكذا حتى رأيتها آخر مرة من أسبوع‪ .‬ل أدرى كيف أصف لههك مشههاعرى إزاءههها بدقههة‪ :‬أحبههها طبعهها‪ ،‬وأحترمههها‪،‬‬
‫وأشعر بالعرفان لكل ما فعلته لى ولك ولحياتنا‪ .‬لكن‪ ،‬ظل هناك دوما شىء زجاجى فى علقتنا‪ :‬نتحدث ونأكل وننام ونسافر بحساب‪ .‬كأنها مغّلفة بزجاج رقيق؛ أشعر أنى إن قمت بحركة غير متوقعة‪ ،‬سأشرخه أو أكسره‪،‬‬
‫أو كأننا فى حفلة مستمرة‪ ،‬نرتدى ملبس رسمية‪ ،‬ضّيقة بعض الشىء فى الجناب‪ ،‬ولو تحركنا فجأة لتمزقت وأصبح شكلنا ُمحِرجا بين الناس‪ .‬حاولت كثيرا التسلل خلف هذا الزجاج‪ ،‬خلف الملبس الرسههمية‪ ،‬لكنههى كلمهها‬
‫نزعت طبقة وجدت أخرى تحتها‪ ،‬حتى توقفت عن المحاولة‪.‬‬
‫ل تنزعج مما أقول‪ .‬ندا هى أمك‪ ،‬رابطة أخرى بيننا ل يمكن فصمها‪ .‬وحبك لها جزء منك‪ ،‬ل يمكنك تغييره حتى لو حاولت‪ .‬وحياتنا الزجاجية الباردة هى واحد وعشرون عاما من حياتنا جميعا‪ ،‬ل يمكننا تغييره حتى لههو‬
‫ت أنههت فيههها ليسههت سههمة الحيههاة الزوجيههة‬
‫حاولنا‪ .‬ل تنزعج‪ ،‬فأنا أقول ذلك لشرح ما سيأتى‪ ،‬كى تفهم أو على القل تتفهم ِلَم سارت المور فى الطريق الذى سارت فيه‪ .‬وأيضا لتعههرف أن الههبرودة الزجاجيههة الههتى كههبر َ‬
‫بالضرورة‪ ،‬فهناك طرق أخرى‪ ،‬أؤكد لك هذا‪.‬‬
‫ت للموت الذى يداهمنى بمنعى من الحديث إلى ابنى لنتصر الموت‪ ،‬وهههذا مهها لههن يحههدث‪ .‬أنهها‬
‫ص عليك كل شىء‪ .‬نعم هناك طائرات ستهبط علينا‪ ،‬وهناك موت ينتظرنا‪ ،‬لكن هكذا الحال دائما‪ ،‬ولو سمح ُ‬
‫ى وسأق ّ‬
‫اصبر عل ّ‬
‫جالس فى قمرتى‪ ،‬هادئا مثلما قلت لك فى بداية رسالتى‪ ،‬وأمامى كوب من القهوة‪ ،‬وأرتدى روبا أزرق اللون‪ ،‬كأن شيئا لن يحدث بعد ثمانى عشرة ساعة‪ .‬كل شىء هادئ من حولى‪ ،‬وسأظل هادئا‪ .‬يجب أن أظل هادئا‪.‬‬
‫مر العام الول لزواجنا سلسا‪ ،‬ورتبت ندا كل شىء فى حياتى‪ .‬حتى عندما حمَلت فيك‪ ،‬استمرت فى العناية بى وبالبيت كأن شيئا لم يتغير‪ .‬لم أَر عليها علمة اضطراب واحدة‪ ،‬ول أى شىء مما تذكره الكتب والفلم عههن‬
‫ل متناسب الحجم مع قدها الصغير المتناسق‪ .‬لم أَرها يوما إل وهى فى زينتها‪ ،‬مصّففة الشعر صبيحة الوجه‪ ،‬بابتسامة صههغيرة ونظههرة نصههف‬
‫اضطراب الهرمونات وجنون النساء الحوامل‪ .‬حتى بطنها لم يكبر كثيرا‪ ،‬وظ ّ‬
‫متسائلة نصف متفهمة‪ .‬وظلت هكذا حتى وضعتك فى الثامن من فبراير من العام التالى لزواجنا‪ ،‬أى بعد بداية القرن الجديد بشهر‪ ،‬وكانت سعادتنا جميعا بك ل توصف‪ ،‬وعادت ملمح البهجة حتى إلى أبى الذى ُبعث مهههن‬
‫جديد كأنه استيقظ من غيبوبة‪ ،‬وصار يقضى معظم نهاره معك أو حولك‪ .‬وعوض هذا عن غيابى فى المكتب معظم اليوم‪.‬‬
‫سن وضعى فى العمل بشكل ملحوظ؛ صرت المترجم الثير للرئيههس‪ ،‬وكههاتب محاضههر معظههم الجلسههات والمسههؤول عههن حفظههها‪ .‬وبههدؤوا يسههتعينون بههى لتههدوين محاضههر جلسههات‬
‫ى أنا أيضا‪ ،‬إذ َتح ّ‬
‫وكان وجهك حلوا عل ّ‬
‫ى سكرتير الرئيس للمعلومات بمهمة مساعدته فى إعادة تنظيم الرشيف‪ ،‬ويا لههها مههن مهّمههة! يمكننههى القههول دون مبالغههة إن هههذه‬
‫واجتماعات تتعلق بالشأن الداخلى أيضا‪ ،‬مما فتح أمامى عالما كنت أجهله تماما‪ .‬ثم عهد إل ّ‬
‫صههة‪ ،‬ل تعههرف أولههها مههن آخرههها ول مهها إذا كههانت‬
‫المهمة قد غّيرتنى‪ .‬حين دخلت الرشيف أول مرة هالنى الغبار والفوضى وكل الشياء التى تراها فى الفلم مرتبطة بغرف الرشيف‪ :‬ملفات من الورق المق هّوى مترا ّ‬
‫خل هذه الملفات بالتدريج على الكمبيوتر‪ ،‬فضحك واستبعد الفكرة تماما باعتبارها حماقة‪ .‬وكانت وجهة نظره أن تحويلههها إلههى ملفههات‬
‫ستتفتت فى يدك لو أمسكتها أو يخرج منها ثعبان يلدغك‪ .‬اقترحت على السكرتير أن ُند ِ‬
‫ضوئية أو رقمية يسّهل اختراقها وتسريبها‪ ،‬ومن ثم َتعّين علينا إعادة تنظيمها يدويا‪ ،‬كما هى‪ ،‬والعثور على طرق للحفاظ عليها وتبويبها وتسهيل الوصول إليها عند الحاجههة مههع بقائههها فههى صههورتها الورقيههة دون نسههخ أو‬
‫ل هنا‪ .‬سألته عن احتمال الحريق فضحك وطمأننى أن ل حرائق تحدث فى القصر الرئاسى‪.‬‬
‫تصوير‪ :‬نسخة واحدة فقط‪ ،‬وتظ ّ‬
‫ومن ثم ألقيت بنفسى داخل الملفات كى أبدأ عملية إعادة التنظيم هذه‪ ،‬فوجدت وسط التراب والملفات كنزا‪ ،‬بالمعنى الحرفى للكلمة‪ .‬آلف الوراق التى تحوى مذكرات من كل جهات الدولة »للعرض على السيد الرئيههس«‪،‬‬
‫ورْأى الرئيس وتعليماته بشأن كل منها‪ .‬يمكنك أن تجد كل شىء وأى شىء هنا‪ :‬إجراءات أمنية‪ ،‬قرارات تتعلق بالحرب والسلم‪ ،‬صحة وتعليم وميزانية وتعيينات… كل ما يخطههر ببالههك‪ .‬كأنههك واقههف فههى وسههط صههورة‬
‫مجّمدة لعقل حكم مصر؛ كلما تحركت تلمس جزءا منه‪ .‬قضيت شهورا أقرأ فى هذه الملفات‪ ،‬وكلما قرأت أكثر فهمت أكثر‪ ،‬حتى امتلت‪ .‬وبدأت أشعر أنى ل أريد معرفة المزيد‪ ،‬وزاد ميلى إلى الصمت‪.‬‬
‫ل‪ .‬ل لشىء إل أن قدرتى على شرح خلفيات المور التى أعرفها تقلصت مع تعّمق معرفتى بهذه الخلفيات‪ .‬هل‬
‫حتى مع عزالدين‪ ،‬الذى وجد عمل أخيرا‪ ،‬مدرسا بالجامعة المريكية‪ .‬بدأ حديثى معه عن المور السياسية يق ّ‬
‫تفهم ما أعنيه؟ كلما عرفت تفاصيل المور ودواخلها‪ ،‬صعب عليك شرحها لمن ل يعرفها‪ .‬عزالدين أستاذ فى العلوم السياسية‪ ،‬وتفكيره شديد التنظيم وحديثه واضح‪ .‬يفّكر ويتحدث كأنه يضع رسوما هندسية لمبنى‪ .‬أمهها أنهها‬
‫فأعيش داخل المبنى‪ ،‬بكل تفاصيله ومشكلته وأقبيته وفئرانه والرطوبة الناشعة على جدرانه والفطر والجير المتساقط منه‪ .‬أعرف كيف ُتستخدم غرف المبنى وِلَم توجد قطع الثاث فى الماكن التى توجههد فيههها‪ ،‬ومههن أيههن‬
‫أتت ومن يحرص على مكانها ومن يتربص بها ويريد نقلها أو الستيلء عليها‪ .‬المهندس‪ ،‬برسومه الواضحة‪ ،‬ل يرى شيئا مما أراه‪ .‬وكلما ازدادت معرفتى بهذه التفاصيل بدا لى حديثه الفكههرى النيههق بعيههدا عههن واقعههى‪،‬‬
‫ى مهمة الشرح‪ ،‬فأصمت‪ .‬لكن صداقتنا لم تتأثر بهذا الصمت‪ ،‬بل على العكس‪ ،‬أظن أن عزالدين قد ط هّور ملكههة الكلم عنههده وأصههبح يسههتمتع بصههمتى‪ .‬ربمهها لهههذا علقههة بكههونه محاضههرا ظههل محرومهها مههن‬
‫وتصعب عل ّ‬
‫صموت‪.‬‬
‫ضر درجة الماجستير فى الدب المقارن بنفس الجامعة‪ ،‬لحظت أنها هى الخرى َ‬
‫المحاضرات لسنوات‪ .‬وحين عّرفنى إلى خطيبته »أسماء«‪ ،‬التى كانت تح ّ‬
‫ظمها مركههز أبحههاث تههابع لمؤسسههة إعلميههة‬
‫ومع تزايد ميلى إلى الصمت زاد ميلى إلى النسحاب من المجتمعات‪ ،‬فى حين بدأت علقات عزالدين تتسع‪ ،‬حتى إنه قابل محمود بشير وَتعّرف إليه فى أحد المؤتمرات التى ين ّ‬
‫صغيرة يعمل بها محمود منذ طرده من الرئاسة‪ .‬لم أقابل محمود أو أتحدث معه مرة واحدة منذئذ تجّنبا للمشكلت‪ ،‬خصوصا بعد ما حدث لعفههاف عاملههة التليفونههات‪ .‬أدركههت أن لحركههتى واتصههالتى عههواقب وقههررت أن‬
‫أستغنى عما هو غير ضرورى منها‪ .‬لكنى احتفظت ناحيته بُوّد قديم وببعض التعاطف‪ ،‬وسعدت بمعرفته بعزالدين التى أعادت بعض هذا الود ولو بطريق غير مباشر‪ .‬وذات يوم جاء عزالدين يضحك‪ ،‬وقال لى إنههه شههاهد‬
‫ى بالقصة كاملة وكيف أن محمود ظل تائها هائما فى حياته حتى استأنفا علقتهما‪ .‬ظللت أسأل نفسى‪ :‬كيف فعل هذا بنفسه؟ كيف سههمح‬
‫محمود مع سالى القصبجى! استغرق المر عدة أيام كى أصّدق‪ ،‬حين عاد عزالدين إل ّ‬
‫لنفسه أن ينقاد خلف مشاعره إلى هذه الدرجة؟ أَتفّهم الضعف النسانى‪ ،‬لكن إلى هذه الدرجة؟!‬
‫لم يمهلنى القدر كثيرا من الوقت للتفكير فى علقة محمود بسالى‪ ،‬ففى اليوم التالى تُوّفى أبى‪ .‬هكذا دون مقدمات‪ .‬ذهب للنوم فى الحادية عشرة مساء مثلما يفعل كل ليلة؛ قههال لمههى »ِتصههبحى علههى خيههر«‪ ،‬ونههام‪ ،‬ثههم لههم‬
‫يستيقظ‪ .‬مات ضابط المخابرات العسكرية فى فراشه‪ ،‬بهدوء تاّم ودون ضجة‪.‬‬
‫حين يموت أبوك‪ ،‬مثلما قد يكون حالك الن وأنت تقرأ هذه الرسالة‪ ،‬ستعرف الشعور الذى انتابنى ساعتها‪ .‬حزن عميق ل يخفف منه عزاء‪ ،‬بل ورغبة فى الغرق فى هذا الحزن‪ .‬جاء عمر من إيطاليا‪ ،‬مع خديجة والبنههاء‬
‫ومكثوا أسبوعا‪ .‬فاجأتنى جدتك بصلبتها فى اليام التالية للوفاة‪ ،‬وتركيزها على إتمام المور العملية بشكل حسن والعتناء بزوجة ابنها وأحفادها‪ .‬لكن بمجرد رحيلهم ونهاية جلبة المعّزين بدأت رحلة ذبول لن تتوقف‪ .‬أما‬
‫ى صمت لم أقطعه إل اضطرارا‪ .‬حمدت ال على وجود ندا وعزالدين‪ ،‬بل وخطيبته أسماء‪ ،‬فى حياتى خلل تلك اليام‪ ،‬وعلى حكمتهم وحبهم الذى أحاطونى به‪ .‬لم‬
‫أنا فقد أصابنى حزنى أعمق بكثير مما توقعت‪ ،‬وهبط عل ّ‬
‫يحاول أى منهم تعزيتى بالكلمات المعتادة أو حّثى على التقليل من حزنى‪ .‬وحين قررت الستماع إلى القرآن طوال اليوم فى البيت والسيارة لمههدة أربعيههن يومهها دون توقههف شههاركونى السههتماع فههى هههدوء‪ .‬ورغههم حداثههة‬
‫معرفتى بأسماء فإنها شاركت بإخلص فى عملية مرافقتى فى أثناء فترة حدادى على أبى‪ .‬وساعد على ذلك صداقة ندا السريعة معا رغم اختلفهما‪ .‬ندا تعرف أهمية عزالدين فى حياتى‪ ،‬ومن ثم قههررت مصههادقة خطيبتههه‬
‫فور ظهورها‪ُ .‬محَكمة هذه المرأة‪.‬‬
‫كان عاما غريبا‪ ،‬كأنه يقلب صفحة القرن الجديد‪ ،‬فمن انتخاب جورج بوش فى أمريكا إلى انتفاضة فلسطين‪ ،‬ومن ولدتك إلى موت أبى‪ ،‬بدأ العالم الذى أعرفه يتوارى ويظهر عالم جديد‪ .‬موت أبى فى نهاية العام أكثر مهها‬
‫سنى‪ ،‬ولم أفهم مصدر حزنى العميق إل بعدها بسنوات‪ :‬لم يكن هذا حزنا على فقد الب فحسب‪ ،‬بل على الزمن الذى يمضى بل رجعة ول يقفه شىء أو أحد‪ ،‬حتى أقوى الناس فى نظههرى‪ .‬حيههن مههات أبههى شههعرت أنههى‬
‫مّ‬
‫كبرت‪ :‬انتقلت بين عشية وضحاها من طابق الصغار إلى طابق الكبار‪ .‬صعدت إلى الطابق العلى الذى ليس فوقه طوابق أخرى‪ ،‬والذى ل يمكن النزول منه ثانية‪ ،‬مهما فعلت‪.‬‬
‫ع‪.‬ش‪.‬فشير‬

‫‪-------------------------------‬‬‫رواية باب الخروج لعز الدين شكري فشير‪ ..‬الحلقة الثالثة عشر‬
‫سه ‪ ..‬فعندما تبدأ فى السير على هذا الدرب تفقد الصدقاء والهل سريعا ‪ ..‬وتتقلص حياتــك الجتماعيــة حــتى ل تعــود تعــرف مــاذا‬
‫كان أكبر أسباب انغماسى فى العمل هو انغماسى فى العمل نف ُ‬
‫تفعل بالوقت إن وجدت نفسك فى إجازة‬
‫هل بدأت تشعر بالملل من رسالتى؟‬
‫فما بالك لو كانت هذه هى حياتك؟!‬
‫ت فى‬
‫منذ مولدك‪ ،‬فى عام ‪ 2000‬ولكثر من عشر سنوات لم يحدث شىء تقريبا فى حياتى‪ .‬كل هذه السنوات راحت‪ ،‬كما قال اللواء القطان ‪-‬هل قلت لك إنه صار لواًء؟‪ -‬فى عملية »تمرير الوقت«‪ .‬بعد وفاة أبى انغمس ُ‬
‫عملى أكثر‪ ،‬ربما لتفادى التفكير فى ما ل أريد التفكير فيه‪ ،‬وربما لشعورى أنى صرت »كبيرا« ولم يُعد يليق بى اللعب والحلم بحياة أخرى‪ .‬كذلك زاد انغماسى فى العمل بسبب زيادة فهمى لما يدور من حولى‪ ،‬سواء فههى‬
‫سههه‪ ،‬فعنههدما تبههدأ فههى السههير علههى هههذا‬
‫الرئاسة أو فى مصر عموما‪ ،‬ومن َثّم زيادة إدراكى لعدم إمكانية تغيير أى شىء‪ ،‬ومن َثّم لعدم فائدة الكلم‪ .‬ولكن ربما كان أكبر أسباب انغماسى فى العمل هو انغماسى فى العمل نف ُ‬
‫ل تحوم فى بيتك‪ ،‬ثههم تبههدأ فههى مشههاهدة الخبههار‪ ،‬أو ترفههع سههماعة التليفههون وتتصههل‬
‫الدرب تفقد الصدقاء والهل سريعا‪ ،‬وتتقلص حياتك الجتماعية حتى ل تعود تعرف ماذا تفعل بالوقت إن وجدت نفسك فى إجازة‪ .‬تظ ّ‬
‫بالمكتب لتتأكد من أن أمرا ما تمت معالجته‪ .‬وحين تفعل ذلك تدرك أنك قد انغمست فى العمل بالكامل ولم يعد لك حياة خارجه‪.‬‬
‫جع على ذلك‪ ،‬بسبب البهة والحساس بالخطورة الذى يتملك العاملين به‪ ،‬حتى لو لم يكن هناك شىء مهم يفعلونه فى الواقع‪ .‬البهة والحسههاس بههالخطورة يمّكنانههك مههن التظههاهر أمههام نفسههك‬
‫العمل فى القصر الرئاسى يش ّ‬
‫عرض على الرئيس فى موعده‪ .‬ول يمكنك تأخير إعداد هذه المذكرة وإل لما قرأها الرئيس قبل مقابلته مع ذلك الضيف التى من آخر الدنيا ليراه لمههدة نصههف سههاعة‪.‬‬
‫بأهمية ما تفعله؛ ل يمكنك تأخير هذا التقرير وإل لما ُ‬
‫خر فى الرد على الرئيس حين يطلب معلومة ما‪ ،‬وإل انهارت الدنيا‪ .‬كل شىء هاّم وخطير وفورى‪ ،‬حتى لو لم يكن أى من هذا يقود لى شىء‪ .‬الخطورة والهمية ل تحتاج إلههى سههند مههن الواقههع؛ يكفههى أن‬
‫ول يمكنك التأ ّ‬
‫تؤمن بها أنت ومن حولك‪ .‬وكلما انغمست فى العمل وتقلصت حياتك خارجه أصبح من مصلحتك أن تؤمن بأهمية هذا العمل‪.‬‬

‫كما يساعد النظام الحديدى والصرامة كثيرا على خلق هذا اليمان بالهمية‪ .‬لكنى‪ ،‬رغم رغبتى الشديدة فى المحافظة على إيمانى‪ ،‬بدأت ألحظ تراخى الصرامة وتفككها مع الوقت‪ ،‬خصوصهها منههذ ‪ ،2005‬وحلههول درجههة‬
‫ل مهها نريههده هههو احههترام النظههام وعههودة‬
‫جه ّ‬
‫من السترخاء تزايدت بسرعة بعد ذلك مع تعدد مراكز اتخاذ القرار فى القصر‪ .‬قابلنا ذلك‪ ،‬نحن العاملين‪ ،‬بالمتعاض‪ .‬فل ناقة لنا ول جمل فههى انتصههار هههذا الطههرف أو ذاك‪ُ .‬‬
‫الصرامة‪ ،‬لنهما يشّكلن العمود الفقرى لهميتنا‪ .‬إذا توقف الرئيس عن قراءة المذكرات التى نعرضها عليه‪ ،‬أو قرأها ولم يتخذ قرارا بل جاء القههرار مههن شههخص آخههر لههم يقرأههها‪ ،‬فمهها قيمههة هههذه المههذكرات؟ وإن كههانت‬
‫المذكرات بل قيمة‪ ،‬فما قيمة عمل َمن كتبوها وشاركوا فى صياغتها أو ترجموها أو وضعوها فى ملف ووضعوها بكل احترام وتبجيل على مكتب الرئيس؟ ل شىء‪ .‬وإن فقد عملنا أهميته‪ ،‬فما قيمتنهها نحههن أنفسههنا إن كههان‬
‫خل شخص آخر فى تحديد مواعيده أو أصبحت مواعيده ُتغّير وُتلَغى دون سههابق إنههذار؟ نحههن‪ ،‬المههوظفين‪،‬‬
‫كل ما نفعله فى حياتنا هو هذا العمل؟ إن كان كل ما تفعله فى حياتك هو ترتيب مواعيد الرئيس‪ ،‬فما فائدتك إن َتد ّ‬
‫كبارا وصغارا‪ ،‬نعتمد على احترام النظام‪ ،‬ل من أجل لقمة عيشنا فقط‪ ،‬بل كى يكون لحياتنا ولنا قيمة كبشر‪ .‬لهذا كنا نستاء من تسّرب الفوضى‪ ،‬ومن تعّدد مراكز القرار فى القصههر‪ ،‬ومههن التههدخلت التيههة مههن خههارجه‪،‬‬
‫ومن التردد فى اتخاذ القرار أو تقلص الهتمام‪ ،‬ومن الجمود والفشل الذى بات واضحا للجميع‪ .‬صار هذا الجمود حياتنا‪ ،‬وانطبع الفشل علينا جميعا؛ نقضى أيامنا فى محاولة دفع عجلة ل تدور‪ ،‬وينتهههى بنهها المههر جميعهها‬
‫إلى أن نجرى فى مكاننا‪ ،‬مثل العجلت الرياضية التى انتشرت فى ذات الوقت فى مصر‪ .‬لكن ما العمل؟‬
‫ى مخاوفه من المستقبل القريب؛ »نحن نجرى بسرعة نحو حائط أو ُهّوة«‪ .‬ل أدرى كم مرة سمعت منه هذه الجملة خلل تلك السنوات‪ ،‬وكم مرة قرأتها فى مقال له أو كتاب‪ ،‬هو الههذى صههار‬
‫كلما التقيت عزالدين كّرر عل ّ‬
‫نجما لمعا منذ قابل جورج بوش فى نيويورك وانتقده علنا لزدواجية إدارته فى التعامل مع قضايا الحريات‪ ،‬ولنتهاكها الصارخ لحقوق النسان فى العراق ودعمها لنتهاكات إسرائيل فى فلسطين‪ .‬ثم عاد إلى القاهرة فههى‬
‫اليوم التالى وانتقد النظام المصرى لنتهاكه للحريات وحقوق النسان‪ .‬وبعد أن كانت الصحف المصرية قد قّدمته كبطل قومى‪ ،‬لم تعد تعرف كيف تهاجمه فى اليوم التالى )لكنها طبعا هاجمته بعد أسبوع(‪ .‬المهم‪ ،‬كلما قههال‬
‫ى من أفكاره غيضا من فيض‪ .‬وأكرر ما قلته له فى لقائنا الذى سبقه‪ ،‬من أن ذلك كله كلم معقول وموضوعى‪ ،‬لكنه لن يتم‪ .‬لماذا؟ لن كل طرف له‬
‫لى ذلك هززت كتفى يأسا وقلت له إنى ل أرى حل للمشكلة‪ ،‬فُيغِدق عل ّ‬
‫ى منههها‪ .‬هههذا هههو المههر‬
‫سمات وتفكير وطريقة وعقلية‪ ،‬ولن يتغير بالقناع‪ ،‬بل فى أغلب الظن لن يتغير إطلقا‪ .‬كل خطط عزالدين كانت جيدة‪ ،‬ولو أخذنا أيا منها لمكن إصلح الحوال‪ ،‬لكن كان من المستحيل الخذ بأ ّ‬
‫ببساطة‪.‬‬
‫أحيانا كان عزالدين يتهمنى ‪-‬بالصالة عن نفسه ونقل عن محمود بشير الذى توثقت علقته به‪ -‬بأنى أفتقر إلى الشجاعة‪ .‬ويحّرضنى‪ ،‬أنا المترجم الجالس عند أذن الرئيس‪ ،‬أن أطرح عليههه رؤى مختلفههة‪ ،‬وأن أقنعههه‪ .‬وأنهها‬
‫أبتسم من تفاؤله‪ .‬ل يعلم أنى إن قلت شيئا خارج السياق فلن يسمعنى أحد‪ ،‬ل الرئيس ول غيره‪ .‬ل يفهم عزالدين الكاديمى ول محمود الفوضوى أن لغة خاصة ُتستخدم فى القصر الرئاسى‪ ،‬بكلمات محدودة العدد‪ ،‬وأفكههار‬
‫وقوالب محدودة العدد ومتواَرثة وُأِقّرت من قبل‪ .‬إن اسُتخدمت كلمة أخرى‪ ،‬أو فكرة أخرى‪ ،‬أو قاَلب آخر‪ ،‬فلن يسمعك أو يفهمك أحد‪ .‬ستتعلق نظرتهم إليك فى الهواء‪ ،‬مثههل شاشههة كمههبيوتر ل تسههتجيب لضههغطاتك‪ ،‬وبعههد‬
‫ت أو يستبعدونه باعتباره مزحة أو فكرة خرقاء ويواصلون ما كانوا بصدده‪ .‬ولو كررت استخدام تلك اللغة الغريبة لص هّنفوك مههع الغيههار‪ ،‬هههؤلء الههذين ل يفهمههون واقعنهها وظروفنهها‪ ،‬أو الُمغِرضههين‬
‫وقت‪ ،‬يتجاهلون ما قل َ‬
‫ى ليتأكد من أنه سمعنى جيدا‪ ،‬يعطينى هذه اللحظة من تركيزه‪ ،‬لنه متأكد أنى أتحدث اللغة التى يفهمههها ويثههق‬
‫والسائرين فى ركابهم ممن يتحدثون اللغات الجنبية‪ .‬أجلس إذن فى مقعدى القريب من ُأُذن الرئيس‪ ،‬ويميل عل ّ‬
‫بها‪ .‬أما إن تحدثت بلغة أخرى‪ ،‬فلست مترجمه الذى يعرفه‪ .‬هذا ما لم يفهمه صديقى الكاديمى‪ ،‬برسومه الهندسية الباهرة وعديمة القيمة‪ ،‬وطبعا ما لم يفهمه صديقه الفوضوى‪ ،‬الذى ل يكاد يفيق من البيرة الرخيصههة علههى‬
‫مقهاه بوسط البلد‪.‬‬
‫لكّنى ل أريدك أن تعتقد أن حياتى كانت كلها معاناة‪ ،‬ل‪ ،‬لم يكن المر كذلك‪ .‬فقد استمتعت كثيرا‪ ،‬وشعرت بأهمية العمل الذى أقوم به حتى مع إحباطى وشكوكى وتساؤلتى التى ل تنقطع‪ .‬فل يمكنك الجلوس بين رئيسهههين‬
‫وأضواء الكاميرات مسّلطة عليكم ثم ينسحب الناس كلهم وُتغَلق البواب وتظل أنت وحدك معهما ول تشعر بأهميتك وأهمية ما تفعل‪ .‬حتى لو أضاعا اللقاء كله فى العبث وتبادل التفاهات‪ ،‬مثلما كههان الحههال معظههم الههوقت‪.‬‬
‫صههة‪،‬‬
‫طلع أنت عليها‪ .‬وحين تعود إلى بيتك فى آخر الليل‪ُ ،‬مرَهقا‪ ،‬وتهبط من سيارة الرئاسة أمام الباب فيحييك البّواب أو الجار تحّيههة خا ّ‬
‫لكنك هناك‪ ،‬فى بؤرة الهتمام‪ ،‬والخرون فى الخارج يتساءلون عن السرار التى ت ّ‬
‫ثم تصعد إلى بيتك المنّمق فتقابلك زوجتك بحنان وتقول لك إنها لمحتك مع الرئيس فى نشرة التاسعة‪ ،‬ل يمكنك إل أن تشعر بأهميتك وأهمية ما تفعله‪.‬‬
‫َتَفّكك الصرامة فى الرئاسة كان له فوائد‪ ،‬أهمها أننا صرنا نقضى الصيف كله فى الساحل الشمالى حيث ينتقل العمل إلى برج العرب‪ ،‬ومعظم الشتاء فى شرم الشيخ لنفس السبب‪ .‬وكان ذلك مفيدا لنا جميعا خصوصا لمههى‬
‫التى تدهورت صحتها بشدة وانتقلت للحياة معنا بسبب احتياجها إلى رعاية دائمة‪ .‬ولم تعد قادرة على المشى وأصبح الجلوس أمام البحر متعتها الوحيدة الباقية تقريبا‪ .‬وبين شرم والساحل‪ ،‬صرت أسافر كههثيرا إلههى الخههارج‬
‫مع الرئيس‪ ،‬وهى دائما فرصة طيبة لرؤية العالم وشراء الهدايا والملبس لمك النيقة‪ ،‬ولك أيضا‪ .‬واعذرنى أن تباهيت عليك بذلك‪ ،‬لكنك لم ترتِد شيئا واحدا من مصر خلل هذه السنوات العشر‪ ،‬حههتى أحههذيتك الصههغيرة‬
‫التى ذابت على رمال شرم الشيخ والساحل الشمالى أتت كلها من أوروبا وأمريكا‪ .‬كما عّوض صعودى الوظيفى أمى بعض الشىء عن الذى فقدته‪ ،‬وصارت تعاملنى باعتبارى رجلها وابنها الكبر والمسؤول الرئيسى عههن‬
‫صنى بالحترام الذى كان يسبغه على أبى‪ ،‬مما أسعد صفية وقّوى من مركزها أمامه‪ ،‬وزاد ارتباطها بى وزادنى ذلههك سههعادة‪ .‬كمهها تههرى‪ ،‬دائمهها مهها تههأتى‬
‫العائلة‪ .‬حتى إبراهيم‪ ،‬زوج أختى السمج‪ ،‬غّير من معاملته لى وخ ّ‬
‫المور مختلطة‪ :‬الحباط والتحقق‪ ،‬الشكوك واليمان‪ ،‬البرودة والسعادة‪ ،‬ول يمكنك الفصل بينهم واختيار جانب واحد‪ .‬ل يحدث هذا إل فى قصص الطفال‪ .‬صحيح أنه لم يحدث شىء تقريبهها خلل هههذه السههنوات العشههر‪،‬‬
‫وأظنها ضاعت هباء فى معظمها‪ ،‬لكنها لم تكن خالية تماما من السعادة والتحّقق‪.‬‬
‫غتنا حين وقع ما وقع‪ .‬كان عيد الشرطة يوم ثلثاء‪ .‬فأخذت إجازة يومى الربعاء والخميس واتفقت مع ندا على اصطحاب أمى إلى العين السههخنة لقضههاء عههدة‬
‫ثم َتغّير كل شىء فجأة‪ .‬رغم أننا كلنا رأينا الشارات‪ ،‬فقد ُبو ِ‬
‫أيام على شاطئ البحر‪ ،‬كى ترى أمى المريضة البحر ربما للمرة الخيرة‪ .‬لكنها سبقتنا‪ ،‬وأسلمت الروح وهى نائمة مثل أبى‪ ،‬قبل بدء الجازة بيوم واحد‪.‬‬
‫ى مخاوفه من المستقبل القريب‪» ..‬نحن نجرى بسرعة نحو حائط أو ُهّوة«‬
‫كلما التقيت عزالدين كّرر عل ّ‬
‫ع‪.‬ش‪.‬فشير‬

‫‪------------------------------‬‬‫رواية باب الخروج لعز الدين شكري فشير ‪ ..‬الحلقة الرابعة عشر‬
‫كان الجميع يدرك أن الجمعة هو يوم فاصل‪ ..‬فإما تتفّتت المظاهرات وتخفت‪ ..‬وإما تتحد نيرانها المشتعلة فى ميادين وساحات متفرقة فى أرجاء مصر فى نار واحدة كبيرة وتتحول من حركات احتجاجية إلى ثورة شعبية‬
‫سرادق مسائى كما جرت العادة‪ .‬ل هى ول أنا نحب المظاهر‪ ،‬ولم يكن حزننا العميق الهادئ يحتمل‬
‫فى صبيحة ‪ 25‬يناير كنا مشغولين بإجراءات الدفن‪ .‬اتفقت وصفية على تلّقى العزاء بعد الدفن مباشرة وعدم إقامة ُ‬
‫إزعاج الساعين لتأدية الواجب‪ .‬من أحب أمى سيأتى للصلة عليها ويصاحبها حتى مثواها الخير؛ نقوم بدفنها معا‪ ،‬ثم يعود كل منا ليحزن بطريقته‪ .‬حاول عمر إقناعنا بتأجيل الدفن يومين حههتى يتمكههن مههن الحضههور مههن‬
‫إيطاليا‪ ،‬لكننا امتعضنا لمجرد التفكير فى ذلك‪ ،‬وطلبنا منه البقاء حيث هو‪ .‬هذا هو ثمن الغربة‪ :‬أن تموت أمك وأنت عنها بعيد‪ ،‬ل تشهد ضعفها وهزالها‪ ،‬ل تكون لها أبا حين تعود هى إلى طور الطفولة‪ ،‬ول تستطيع حتى‬
‫المشاركة فى دفنها‪ .‬اللواء القطان اعترض على قرارنا من باب الوجاهة الجتماعية والصول‪ ،‬وقال إنه حجز بالفعل القاعة الكبرى فى مسجد عمر مكرم‪ ،‬لكنى أنهها وصههفية تمسههكنا بموقفنهها فرضههخ فههى النهايههة‪ .‬وهكههذا‪،‬‬
‫َتحّركنا قبل الظهر‪ ،‬صفية وزوجها وأنا وأمك ولفيف من الصدقاء والقارب حتى مسجد أبي بكر الصديق بمصر الجديدة حيث صلينا الظهر وصلة الجنازة‪ ،‬وكان حشد الناس كههبيًرا‪ ،‬ثههم ذهبنهها إلههى المقههابر الجديههدة فههى‬
‫طريق السويس‪.‬‬
‫سّنة الحياة‪ ،‬وهذا المر ل يحدث لك وحههدك بههل لكههل النههاس‪ ،‬وسههيأتى الههدور علينهها جميعهها‪ .‬أعلههم أن هههذه‬
‫ن تركها حتى تأتينا بنفسها‪ .‬لكن َتذّكر أن هذه ُ‬
‫سُ‬
‫ل أريد أن أثقل عليك بوصف مشاعرى عند الدفن‪ ،‬فهذه أشياء َيح ُ‬
‫خص الموقف كله‪ .‬كلنا نمر من هذا الطريق‪.‬‬
‫حكك من فرط اعتيادها‪ ،‬لكنى أؤكد لك أنك ستحتاج إلى التمّعن فيها يوما ما‪ ،‬وستجد أنها تل ّ‬
‫الكلمات قد ُتض ِ‬
‫ى أرقههام‬
‫ت حتى هذا اليوم أتغافل عن الموت‪ ،‬وأتظاهر بأنه ل يعنينى فى شىء؛ أقرأ عن أناس ماتوا‪ ،‬أعرف أناسا مات لهم أقارب وأحباء‪ ،‬أتابع الخبار وأشاهد جثث القتلى فى الحروب التى ل تنقطع‪ ،‬وكلها بالنسبة إل ه ّ‬
‫كن ُ‬
‫سههنى‬
‫ى بههالموت ! وحيههن مههات أبههى م ّ‬
‫وأحداث‪ ،‬مثل المذّكرات التى أكتبها فى عملى أو الترجمة التى أقوم بها‪ .‬كم مرة ترجمت أحاديث عن قتلى وجرحى بالجملة‪ ،‬دون أن أشعر بشىء‪ ،‬دون أن أشعر أنى أنا شخصيا معن ّ‬
‫موته فى أعماقى‪ ،‬وكان أول أجراس النذار التى دّقت فى حياتى القصيرة‪ ،‬لكنى تغاضيت عنه بعد ذلك لسنوات طويلة‪ .‬ثم ماتت أمى‪ ،‬ومن هذا اليوم حل الموت ضيفا مقيما فههى حيههاتى‪ .‬كههأنه كسههر البههاب الههذى حمههانى‪،‬‬
‫عد إلى حكايتى‪.‬‬
‫وأصبحت حياتى َمشاعا له يرتع فيه صباح مساء‪ .‬سيظل مقيما معى‪ ،‬يحصد أرواح من أحب‪ ،‬حتى يجىء دورى‪ ،‬ربما غدا أو بعد غد‪ .‬سنرى‪ .‬ل داعى لستباق الحداث‪ .‬ل ُ‬
‫كنا فى طريق العودة من المقابر حين بلغتنا أنباء المظاهرات‪ .‬عدت إلى المنزل وعاد اللواء القطان إلى الرئاسة‪ ،‬ورحل الصدقاء والقارب‪ .‬وبينما كانت أجواء ما بعد الموت تتسلل إلى أرجاء المنههزل‪ ،‬جلسههت أنهها وأمههك‬
‫نشاهد التليفزيون‪ ،‬وهو الوضع الذى سيستمر ليام كثيرة قادمة‪ .‬اتصلت باللواء القطان لعرف ما الذى يحدث لكنه لم يرّد‪ .‬اتصل بى عزالههدين ودعههانى لمشههاهدة لقطههات بعينههها تبّثههها محطههات »الجزيههرة« و»العربيههة«‬
‫وأخرى على شبكة التواصل الجتماعي القديمة – »فيس بوك«‪ .‬ظلت اللقطات المدهشة تتوالى‪ ،‬من الفتى الذى وقف أمام عربة المن يواجه خرطوم المياه بجسده‪ ،‬إلى الحشود التى تسههير نحههو قههوات المههن دون خههوف‪،‬‬
‫إلى الفتية الذين يلتقطون بأيديهم قنابل الغاز ويرسلونها إلى من ألقاها عليهم‪ .‬كان من المستحيل أن ترى تلك المشاهد ول تفهم أن شيئا كبيرا يحدث‪ ،‬شيئا مختلفا‪.‬‬
‫لكن حماى لم يتفق معى فى الرأى‪ ،‬وحين مر على المنزل مساء ذلك اليوم أخبرنى أن المعلومات المتوفرة تؤكد أن ما يحدث خطة ُمعّدة من ِقَبل الخوان المسلمين وحلفائهم فى المنطقة‪ ،‬وباتفاق مع الوليات المتحههدة‪ ،‬وأن‬
‫هذه الخطة تشبه انقلب الضباط الحرار فى عام ‪ ،1952‬مع فارق هاّم هو أن الخوان يستخدمون هذه المرة جموع الشعب والشباب المطالب بالديمقراطيههة سههلحا فههى مواجهههة النظههام بههدل تكتيههك النقلب القههديم‪ .‬هههذه‬
‫المعلومات‪ ،‬وفقا للقطان‪ ،‬ليست جديدة‪ ،‬وإنما تعود إلى إضراب ‪ 6‬إبريل و ‪ 9‬مارس‪ ،‬اللذين كانا يمّثلن تمرينات لهذه الحداث‪ ،‬أما تونس فهى البيان العملى الذى تم تجربة الخطة فيه؛ بلد صغير ومحدود الهمية ومن ثم‬
‫جه‪ ،‬مذّكرا بمعاناة أغلبية الشعب من الظلم والفساد الذى نعرف أكثر من غيرنا إلى أى مدى استشرى‪ ،‬والشههعور العههاّم‬
‫ل ضرر كبيرا إن فشلت الخطة‪ .‬وبعد نجاح التجربة فى تونس جاء الدور على مصر‪ .‬حاولت أن أحا ّ‬
‫بالهانة بسبب التوريث‪ ،‬والقمع والتزوير‪ ،‬وغياب المل‪ ،‬وفشل أجهزة الدولة المتزايد‪ ،‬من حريق القطار إلى غرق العّبارة‪ ،‬وغير ذلك من الشياء التى نعرفها جميعا‪ .‬لم ينكر اللواء القطان أيا من هذه المور‪ ،‬لكنه ذّكرنا‬
‫ت‪ ،‬ومضى يؤكد أن الهدف من هذه الخطة هو إسقاط الدولههة نفسههها‪ ،‬بمؤسسههاتها‪ ،‬تمهيههدا‬
‫بأن هذه المظالم قديمة وممتدة‪ ،‬ول تفسر النفجار بهذا الشكل وفى هذا التوقيت‪ ،‬وكرر أن ما يقوله لى معلومات ل اجتهادات‪ .‬صم ّ‬
‫لقيام دولة الخوان المحكومة من ِقَبل التنظيم العالمى للخوان‪ ،‬وهو ما ل يمكن السماح به‪.‬‬
‫سألته عّما سيحدث بعد ذلك قال إن المور ما زالت مضطربة‪ ،‬وهناك تخّبط على أعلى مستوى فى اتخاذ القرار‪ ،‬وحّذرنا من الخروج من المنزل أو الذهاب ناحية ميدان التحرير‪.‬‬
‫ى الذهاب إلى المكتب فنصحنى بالعكس تماما‪ ،‬قههائل إن تجّنههب المكتههب‬
‫لم نذهب إلى العين السخنة طبعا‪ ،‬ول إلى أى مكان آخر‪ .‬ولم يطلب مني أحد قطع إجازتى والعودة إلى المكتب‪ .‬سألت اللواء القطان إن كان يجب عل ّ‬
‫أفضل لمستقبلى‪ .‬هل كان يعرف أكثر مما قال؟ مؤّكد‪ ،‬فهو دائما يعرف أكثر مما يقول‪ ،‬دائما‪ .‬قضينا الربعاء والخميس دون مغادرة المنزل‪ .‬مساء الخميس مر علينا عزالدين وأسماء للطمئنان‪ .‬أخذ يحكى عما يعرفه من‬
‫ى وقال بصوت خافت إن سالى القصبجى كانت مع محمود فى الميههدان‪ ،‬ويبههدو‬
‫أحداث جرت فى الميدان وفى السويس من مواجهات ومعارك وكر وفر‪ .‬كان مصدر هذه القصص محمود بشير وطلبته بالجامعة‪ ،‬ثم مال عل ّ‬
‫أنها أبلت بلء حسنا فى المواجهة مع المن‪ ،‬وكذلك كان هناك أناس آخرون أعرفهم‪ .‬نظرت إليه مستفسرا عمن يقصد فغمز لى بعينه وصمت‪ .‬قصص عزالدين لم تكن كلها لطيفة‪ ،‬بل شملت تفاصههيل مريعههة عههن وحشههية‬
‫طههوال الههوقت إلههى‬
‫العنف المستخَدم‪ ،‬وعن القتلى الذين سقطوا‪ .‬أسماء جلست صامتة طويل ثم قالت شيئا نافذا كعادتها‪ ،‬وبصوت ل يكاد ُيسمع‪ .‬سألت زوجها لم ل يشارك شخص مثله فى هذه المظاهرات‪ ،‬هو الذى يههدعو َ‬
‫حح لها‪ :‬الذين يشههاركون هههم قههوى الشههعب‪ ،‬لكههن مههن الههذى نظههم؟‬
‫ظم هذه المظاهرات وأتى بكل هؤلء الناس‪ .‬ردت بأن الذى نظم المظاهرات هم قوى الشعب‪ .‬فص ّ‬
‫التغيير والديمقراطية‪ .‬أجاب بأنه ل يعرف هوية الذى ن ّ‬
‫أجابت‪ :‬الشباب وتجّمعاتهم على النترنت‪ ،‬فعاود‪ :‬لكنهم هم أنفسهم فوجئوا بحجم المشاركة‪ ،‬وهذه الجماهير ليست جمهورهم التقليدى‪ ،‬فَمن هههؤلء؟ وكيههف خرجههوا فههى هههذا التههوقيت وبههدعوة مههن أنههاس ل يعرفههونهم ول‬
‫صر بأن الشباب دعوا إلى المظاهرات‪ ،‬فاستجاب البعض من جمهورهم‪ ،‬ثم انضّمت جموع الشعب‪ ،‬هكذا بتلقائية‪ .‬هههز عزالههدين رأسههه غيههر مقتنههع‪ ،‬وقههال إنههه سههيذهب إلههى‬
‫يتواصلون معهم؟ أجابت أسماء فى ضيق المحا َ‬
‫الميدان فى اليوم التالى ليرى المر على الطبيعة‪.‬‬
‫ص عليك هذه التفاصيل لن هذه لحظة فارقة‪ ،‬وهذا الخلف فى تفسير ما يحدث فى ميادين مصر سيكون له أبلغ الثر علههى‬
‫ى نظرة »أرأيت أن أبى على حق؟«‪ .‬أق ّ‬
‫ن كلمه فى رأسى‪ ،‬ونظرت إلى ندا فوجدتها تنظر إل ّ‬
‫رّ‬
‫الحداث بعدها‪ .‬فى خضّم الثارة لم نلحظ أهمية هذا الخلف‪ ،‬أو لم نتوقف عنده تحت ضغط الحداث‪ ،‬وكانت له فى ما بعد نتائج بالغة الهمية‪.‬‬
‫طع اتصالت التليفونات المحمولة كلها فى الصباح‪ ،‬ونصحنى بالحصول على أرقام‬
‫اكتشفنا بعد ذهاب عزالدين وأسماء أن النترنت قد توقفت عن العمل‪ .‬اتصلت بالقطان فقال لى إنهم وقفوا خدماتها بشكل شبه كامل‪ ،‬وسُتق َ‬
‫جب‪ ،‬لكنى لما قلت له إن عزالدين سيكون فى الميدان وسيخبرنى من هناك بما يجرى صمت لحظة‪ ،‬ثم طلب منى أن أهاتفه وأقول لهههه‬
‫أرضية لمن أريد التصال بهم لن المسألة قد تطول‪ .‬سألته عما سيحدث فى الغد فلم ُي ِ‬
‫ل كده تطيش وتيجى ف عينه“‪ .‬قال لى هذا‪ ،‬حرفيا‪ ،‬ولم أعرف حتى يومنا هذا هل كان يعنى ما أظنه يعنيه أم كان حديثه من باب الحرص بشكل عاّم‪.‬‬
‫سن طلقة كده و ّ‬
‫حَ‬
‫أن ل يذهب إلى الميدان‪“ ،‬ل ْ‬

‫كان الجميع يدرك أن الجمعة هو يوم فاصل‪ ،‬فإما تتفّتت المظاهرات وتخفت‪ ،‬وإما تتحد نيرانها المشتعلة فى ميادين وساحات متفرقة فى أرجاء مصر فى نار واحدة كبيرة وتتحول من حركات احتجاجية إلههى ثههورة شههعبية‪.‬‬
‫فى الصباح قرأت بعض القرآن لمى حتى قرب موعد صلة الظهر‪ ،‬ثم جلست مع ندا فى مركز المراقبة أمام التليفزيون‪ .‬حاولت التصههال بالقطههان‪ ،‬وسههاعتها اكتشههفت أن التصههالت قههد ُقطعههت بالفعههل‪ .‬بههدأت الموقعههة‬
‫الحاسمة‪ .‬اتصلت به بالتليفون الرضى‪ ،‬وصرنا نتبادل الحديث كل نصف ساعة تقريبا لُيطِلَعنى على تطورات المور‪.‬‬
‫كلما اتصل وجدت غضبه قد تزايد‪ .‬ولم يكن هذا الغضب موجها ضد المتظاهرين وإنما ضد القائمين على المر فى الرئاسة‪ .‬اشتكى من التخّبط والبطء فى اتخاذ القرار‪ ،‬وسيادة المصالح الشخصية على المصههلحة العامههة‪،‬‬
‫قائل إنهم سيخربون البلد‪ ،‬كأنه مرآة ِلَما يشتكى منه الشعب الذى يمل الميادين‪ .‬قال إن هناك خطة‪ ،‬ثم قال إن الخطة تم التخّلى عنها‪ ،‬ثم خطة أخرى‪ ،‬ثم ل يعرف من الذى يتخذ هذه القرارات‪ ،‬وهكذا‪ .‬ثم اتصل فى الثالثههة‬
‫ل المشكلة‪ ،‬فصمت قليل ثم قال‪» :‬ربنا يستر«‪.‬‬
‫ن أن ذلك سيح ّ‬
‫وقال إن المر انتهى‪ ،‬وإن الجيش سينزل الشوارع ويتسلم مسؤولية المن‪ .‬سألته إن كان يظ ّ‬
‫ع‪.‬ش‪.‬فشير‬

‫‪-------------------------------‬‬‫رواية باب الخروج لعز الدين شكري فشير‪ ..‬الحلقة الخامسة عشر‬
‫ل أثر لسلطة الدولة فى الميدان أو حوله‪ ..‬ل شىء سوى شعارات ضد النظام ورموزه على الحوائط‪ ..‬وبشر يسيرون ويتحدثون ويحملون لفتات ويهتفون‬
‫استيقظت فى صباح يوم ‪ 29‬وأنا أشعر برغبة جارفة فى الذهاب إلى ميدان التحرير‪ .‬ورغم تحّفظ أمك الشديد‪ ،‬لم أستطع البقاء فى المنزل‪ ،‬خرجت وتوجهت إلى الميدان‪ .‬كانت الشوارع خالية أو تكاد‪ .‬ل أثر للشرطة أو‬
‫الجيش‪ .‬وصلت إلى ميدان التحرير فى نحو ربع ساعة‪ ،‬وهالنى المنظر هناك؛ كأنه ساحة حرب انتهت لتّوها‪ .‬سيارات المن المدّمرة متناثرة فى مداخل الميدان ومخههارجه‪ ،‬وعلههى مطههالع كههوبرى أكتههوبر‪ .‬علههى حطامههها‬
‫شعارات تنّدد بالنظام وتدعو الرئيس إلى الرحيل‪ .‬شعارات مشابهة مكتوبة على الدبابات وسيارات الجيش القليلة الموجودة‪ .‬مقر الحزب الوطنى المحترق يهّز المرء‪ ،‬والدخان ل يههزال يتصههاعد مههن المبنههى ومههن عشههرات‬
‫السيارات المحترقة فى فنائه ورائحة الحريق تمل الجّو‪ .‬ل أثر لسلطة الدولة فى الميدان أو حوله‪ :‬ل شىء سوى شعارات ضد النظام ورموزه على الحوائط‪ ،‬وبشر يسيرون ويتحدثون ويحملون لفتات ويهتفون‪ .‬أمام مبنى‬
‫التليفزيون كانت هناك بعض المدرعات‪ ،‬لكنها بدت ضعيفة وبل حول أو قوة فى وسط الجموع التى تتجاهلها أو تقفز فوقها لتلتقط الصور أو تكتب عليها شعارات ضد النظام‪.‬‬
‫أدهشنى ما أرى وهّزنى من أعماقى‪ ،‬أنا الذى لم أَر الشعب من قبل‪ .‬سرت وأنا أتساءل َمن هؤلء ومن أين خرجوا وِلَم الن‪ .‬لن أحدثك عن تفاصيل الميدان وسلوك الناس والروح التى سادته‪ ،‬فقد كتب الناس عن هذا بمههها‬
‫فيه الكفاية‪ ،‬وستجد آلف الصفحات والتعليقات والشهادات التى تحكى عن هذه اليام إن شئت‪ .‬لكنى أقول لك شيئا واحدا‪ ،‬أّنى وأنا جالس على حافة الرصيف فى الميدان أرقب الناس من حولى عرفههت أن النظههام قههد وّلههت‬
‫أيامه ولن تعود‪ .‬أنا المترجم الذى قضيت معظم حياتى داخل القصر الرئاسى‪ ،‬الذى يتوه إن خرج من مصر الجديدة ول يعرف شيئا ُيذكر عن »الشعب«‪ ،‬والذى ل يفهم كثيرا فى السياسة‪ ،‬ويكههره المبالغههات‪ ،‬عرفههت وأنهها‬
‫جالس هناك فى صباح ‪ 29‬يناير ‪ 2011‬أن المر قد انتهى‪ ،‬أن مصر قد انفجرت وخرج ما فى باطنها إلى السطح ولن يعود كما كان قبل ذلك اليوم‪.‬‬
‫ل بجوار مسجد عمر مكرم‪ .‬كانت أول مرة أرى فيها محمود منذ خمسة عشر عاما‪ ،‬رأيت صورته عههدة مههرات فههى صههحف ومواقههع‬
‫قابلت عزالدين وأسماء ومحمود بشير وسالى القصبجى‪ ،‬معا‪ ،‬جالسين على رصيف عا ٍ‬
‫ق وجها لوجه‪ .‬لم يتغير كثيرا‪ ،‬بل نضج وبدا أكثر عقل وإن كان ل يزال مجنونا‪ .‬ل أعرف كيف أصف لك ذلك‪ ،‬لكن حين تراه تدرك على الفور أنههه قههادر علههى فعههل أى شههىء فههى أى وقههت إن‬
‫على النترنت لكن لم نلت ِ‬
‫ى معاتبا بضحك وهو يسأل إن كان لقائى يحتاج إلى ثورة كههى يت هّم‪ .‬سههالى كههانت‬
‫أراد‪ ،‬لكنه بدا أكثر نضجا مع ذلك‪ ،‬مثل ممّثل قديم اعتاد لعب أدوار الفتى الول‪ .‬تعانقنا طويل وشعرت بسعادة حقيقية أن التقيته‪ ،‬ومال عل ّ‬
‫تظهر كثيرا على الشاشات‪ ،‬وأظنها استعانت بأطباء التجميل عدة مرات‪ ،‬لكن ظهورها المستمر عّودنى على التغييرات التى لحقت بشكلها‪ .‬بدت لطيفة ومجاملة مثلما كانت فههى الماضههى‪ ،‬لكههن أقههل تههدلل وأكههثر جديههة فههى‬
‫ى عزالدين وهمس بههأن‬
‫طريقة معاملتها وفى حديثها‪ .‬محمود وسالى بدَوا كأنهما فى بيتهما‪ ،‬وبالفعل فهمت أنهما قضيا الليلة فى الميدان وأرسل فى طلب خيمة وينويان البقاء فى الميدان حتى تحقيق مطالب الشعب‪ .‬مال عل ّ‬
‫عفاف موجودة فى الميدان‪ .‬سألته عفاف َمن فضحك وقال‪» :‬بنت بتاعة الجبنة«‪ .‬جفلت؛ هل َتحّول الميدان إلى اجتماع عاّم لكل من قابلتهم فى حياتى؟ الحقيقة أنه كان كذلك بالفعل‪ ،‬نزَلت مصر كلها هناك‪ ،‬يوما بعد يهههوم‪،‬‬
‫والتقى أناس لم يَر بعضهم بعضا من سنين‪ ،‬وآخرون رأى بعضهم بعضا كما لم يروهم من سنين‪.‬‬
‫خل آخرون فى النقاش حتى أصههبحوا عشههرين‬
‫خل ليصوغ هذا الكلم فى شكل قائمة مطالب‪ ،‬لكنه كلما ذكر بندا اعترض أحدهما‪ ،‬ثم َتد ّ‬
‫سألت محمود وسالى عن مطالب الناس فقال كلما كثيرا لكن غير محدد‪ .‬عزالدين َتد ّ‬
‫شخصا ل يعرف أحد منهم أحدا‪ ،‬وكلهم يتناقشون فى قائمة عزالدين ويضيفون إليها ويخرجون منها ويغّيرون ترتيب بنودها‪ ،‬وتركتهم بعد نحو ساعة يتناقشون‪ ،‬وعزالدين واقف فى وسطهم مندمجا تماما فى المناقشة‪ ،‬دون‬
‫أن يبدو بصيص أمل فى توصلهم إلى ما يمكن وصفه ببداية اتفاق‪ .‬سرت فى الميدان مع الناس‪.‬‬
‫بعد قليل رأيتها‪ ،‬وللوهلة الولى لم أتعرف عليها‪ .‬توقف وجهى عندها وشعرت أنى رأيتها من قبل‪ ،‬للحظات‪ ،‬قبل أن أدرك أنها هى‪ ،‬عفاف‪ ،‬عاملة التليفونات‪ .‬يا إلهى! كم تغيرت! شعلة النوثههة المتوهجههة‪ ،‬القههد الممشههوق‬
‫المتمايل ثقة‪ ،‬البتسامة الماكرة والنظرة التى تجعلك تعترف‪ ،‬كل هذا راح؛ طمسه جسم ثقيل وعباءة وطرحة ورقبة غليظة‪ .‬لكن فى وسط كوم اللحم والقماش هذا رأيت فى عينيها شيئا من عفاف القديمة‪ ،‬شيئا يضحك مهههن‬
‫وراء قسمات الحّدة السائدة‪ .‬وزادت الضحكة اتساعا لّما أدرَكت أنى تذكرُتها‪ ،‬تقدمت نحوى وتعانقنا بوّد خالص‪.‬‬
‫تعانقنا كأخ وأخت‪ ،‬نحن اللذين عملنا معا لكثر من عام لم يحدث خلله بيننا أكثر من المصافحة باليد‪ .‬لكن كان هناك شىء فى الجو يجعلك تشعر بأنك أخ لكل الموجودين‪ .‬لسبب ما اختفت الحههواجز بيههن النههاس‪ ،‬وصههرنا‬
‫خههر ونبتسههم‪ ،‬ثههم لمحههت رجل وفتههاة ينظههران إلينهها باسههتغراب‪.‬‬
‫ننظر فى أعُين بعض دون خوف ودون حاجة إلى إخفاء نظراتنا‪ .‬كأننا اكتشفنا بعضنا فجأة‪ ،‬وبدأنا فى الكلم والتواصل‪ .‬وقفنا أنا وعفاف ينظر كلنا إلى ال َ‬
‫صلها أغلى توصيلة مجانية فى حياتها‪ ،‬وضحكوا ثلثتهم‪ .‬تصافحنا وتبادلنا بعض الكلمات حول ما يحدث‪ .‬حسن فى نفس‬
‫انتبهت عفاف وقدمتهما لى‪ :‬حسن وميرفت‪ ،‬أخوها وأختها‪ .‬ثم قدمتنى لهما باعتبارى الرجل الذى و ّ‬
‫جبة أيضا لكنها أكثر اهتماما بزينتها‪ ،‬ونظرتها ل تستقر فى مكان‪ ،‬تبدو ضهههجرة أو‬
‫عمرها تقريبا‪ ،‬لكنه أكثر سمرة منها ونحيف حاد الملمح‪ ،‬ومضطرب بعض الشىء‪ .‬ميرفت أصغر منها بعشر سنوات أو أكثر قليل‪ ،‬مح ّ‬
‫تنتظر حدوث شىء‪ .‬جلسنا على الرصيف نتبادل الحكايات والتوقعات عما سيحدث‪ ،‬وقالت لى بصوت خافت إنها رأتنى مؤخرا فى التليفزيون مع الرئيس‪ ،‬متسائلة إن كههان وجههودى فههى الميههدان قههد يتسههبب لههى فههى أذى‪.‬‬
‫هززت كتفى ولم أرّد‪ .‬لم أعتقد أن هذه مشكلة حقيقية‪ ،‬فلديهم أشياء أهّم منى بكثير فى تلك اللحظات‪ .‬سألنى حسن عن رأيى فى ما يحدث‪ ،‬فتلعثمت ولم أُقل أكثر من أن هذا شىء مدهش‪ .‬لم يهت هّم كههثيرا بإجههابتى‪ ،‬فكههل مهها‬
‫أراده هو إيجاد مدخل للكلم‪ .‬أّمن على ما قلت‪ ،‬ثم قال إن المدهش فعل هو صمت الناس طوال السنوات الماضية‪ ،‬لكن ذلك انتهى‪ .‬الشعب َتحّرك‪ ،‬كفر بالنظام وظلمه وفساده‪ ،‬ولن يعود إل بعههد أن ُيطيههح بههه‪ .‬سههألته عههن‬
‫عمله فقال إنه عاطل عن العمل بشكل عاّم‪ ،‬فمنذ تخرج فى المعهد العالى التجارى لم يعمل بشكل منتظم أكثر من ستة أشهر‪ ،‬بعدها يلّقط رزقه من هنا وهناك‪ ،‬وعند كل خطوة يجب أن يقسم ما يكسبه مع أحد‪ .‬حههاول عههدة‬
‫صدة فى وجهه‪ .‬كل شىء يحتاج إلى شىء‪ ،‬وهو ل شىء لديه يعطيه سوى القدرة البدنية على العمل‪ ،‬ول أحد يحتاج إلى قّوته هو بالذات‪ .‬وعندما‬
‫مرات بدء نشاط تجارى صغير‪» ،‬ولو حتى كشك«‪ ،‬لكنه وجد البواب ُمو َ‬
‫أصابه مرض فى ُكْليته‪ ،‬ل يعرف كيف أصابه‪ ،‬تدهورت هذه القوة أيضا‪ ،‬وزادت احتياجاته‪ .‬استطاعت عفاف مساعدته فى دخول مستشفى التأمين الصحى حيث يعاَلج من وقت إلى آخههر‪ ،‬لكههن المههرض يتزايههد وسههيحتاج‬
‫ى وسألنى ماذا يفعل‪ ،‬وكيف يجب عليه أن يشعر هو الذى يجاهد كل يوم كى يبقههى عائمهها علههى السههطح وسههط بههذخ ُيعِمههى العيههن ول يسههتطيع أن‬
‫غسل بانتظام‪ ،‬ويعلم ال كيف سيدّبر هذا‪ .‬نظر إل ّ‬
‫حتما إلى عملية أو إلى َ‬
‫يصيب منه ولو الكفاف‪ .‬حلل هذا أم حرام؟ سألنى‪.‬‬
‫هززت رأسى ولم أرّد‪ .‬ثم سألت عفاف عن أحوالها فقالت إنها تعمل فى نفس الوحدة الدارية بالمحافظة التى ُنقلت إليها منذ خمسة عشر عاما‪ ،‬وراتبها الن ستمئة وخمسون جنيها بالضافى والحوافز‪ ،‬مههع خمسههين جنيههها‬
‫ت وقالت إن ال وحده هو العالم كيف تتحايل بهذه النقود على احتياجاتها وإخوتها‪ ،‬ومع هذا‬
‫مكافأة تحصل عليها من وقت إلى آخر‪ ،‬فى رمضان ودخول المدارس والعيدين وأحيانا فى المولد النبوى‪ ،‬حسب الظروف‪ .‬ضحك ُ‬
‫فهى ليست السوأ حال بين جيرانها‪ ،‬بل من المحظوظين الذين لديهم وظيفة ودخل ثابتان‪ .‬ل حسن ول ميرفت استطاعا الحصول على شىء مشابه‪ ،‬وفى الشارع الذى تسكن فيه ل يوجد سوى خمسة فههى مثههل حالههها‪ ،‬أمهها‬
‫الباقون فعلى باب ال؛ وظائف متقطعة‪ ،‬خدمة فى البيوت‪ ،‬بيع فى المحلت وعلى الرصفة‪ ،‬أو أسوأ‪ .‬سكتت عفاف وبدت عليها ملمح صرامة ل أذكرها لها‪.‬‬
‫ت فى ضياع مسههتقبل أختههها‪ ،‬وظللههت أنهها أسههتمتع بمزايهها‬
‫ى ثانية مباشرة فى عينى‪ .‬نظرت إليها مستفهما فسألتنى عن شعورى بعد أن تسبب ُ‬
‫ى بعداء ثم حّولت نظرتها‪ ،‬ثم عادت تنظر إل ّ‬
‫تملمَلت ميرفت فى وقفتها ونظرت إل ّ‬
‫الوظيفة البهة‪ .‬فوجئت بالسؤال المباشر‪ ،‬وبحدة غضبها بعد خمس عشرة سنة على شىء حدث لختها ل لها‪ .‬سألتنى إن كنت أعرف كيف ُفصلت‪ .‬قلت إنها ُنقلت‪ ،‬فرمقتنى بنظرة »ل داعى للتظاهر بههالَعَبط«‪ ،‬وقههالت إن‬
‫مدير عفاف مسح بكرامتها الرض ناعتا إياها بأقبح الوصاف‪ ،‬ومعّيرا إياها بأصلها المتواضع وهددها بتشريدها لو حاولت التصال بى مرة أخرى‪ .‬قالت إن أختها سههكتت يومههها لنههها تحتههاج إلههى الوظيفههة ول تسههتطيع‬
‫الوقوف فى وجه هؤلء الناس‪ ،‬وكانت أمهم على قيد الحياة وقتها وتحتاج إلى كل قرش من مرتبها للعلج وخلفه‪ .‬وقفت صامتا ل أعرف بَم أرد‪ ،‬فسألتنى عن وظيفة جد اللواء الذى أمر بطردها من الرئاسة‪ .‬ظننههت أنههى‬
‫ت السؤال‪ ،‬وهنا انفجرت بالسباب فى أصل هذا الرجل الذى دمر مستقبلهم‪ ،‬ونعتته بأنه ول بد »مههن بيئة واطيههة« واعتلههى منصههبه بالنفههاق والتههدليس ثههم نسههى نفسههه وأهلههه واسههتكثر علههى عاملههة‬
‫لم أسمع جيدا فاستوضح ُ‬
‫ى الفق كى ل أهرب بنظراتى بعيدا وسألتنى إن كان المطلوب أن تعيش عاملة التليفونههات عيشههة‬
‫صت بوجهها إلى وجهى فسّدت عل ّ‬
‫خ َ‬
‫ى وش َ‬
‫جب شابا ابن ناس‪ .‬ثم ثّبتت عينيها فى عيَن ّ‬
‫التليفونات »بنت بتاعة الجبنة« أن ُتع ِ‬
‫أهلها ول تحاول تحسين أحوالها أو تبنى لنفسها وأبنائها حياة أفضل‪ .‬ألم يكن أبو مارجريت تاتشر بّقال؟ وزوجة هلموت كول ممرضة؟ سكتت ميرفت فجأة‪ ،‬واعتذرت عن احتدادها‪ ،‬ثههم أضههافت أن أختههها سههكتت يههوم مهها‬
‫ى‪ ،‬تلمعان ‪ ،‬وتشّعان ثقة لم أَرها فيهما من قبل‪.‬‬
‫مسح بها الرض فى الرئاسة‪ ،‬لكنها من الن فصاعدا لن تسكت‪ ،‬ل هى ول غيرها‪ ،‬ولُيرونا ماذا سيفعلون‪ .‬نظرت إلى عفاف فوجدتها واقفة وعيناها مثّبتتان فى عيَن ّ‬
‫ع‪.‬ش‪.‬فشير‬

‫‪-------------------------------‬‬‫رواية باب الخروج لعز الدين شكري فشير‪ ..‬الحلقة السادسة عشر‬
‫ت فى اليومين التاليين إلى الميدان أستيقظ فى الصباح وآخذ بعض الماء والطعام وأشّد الرحال حتى هناك وأظل مع المتظاهرين حتى الرابعة بعد الظهر‬
‫ذهب ُ‬
‫قضيت الثلثة عشر يوما التالية بين مصر الجديدة والتحرير‪ .‬صّمم اللواء القطان أن أظل بعيدا عن القصر ‪-‬خلل هذه الفترة‪ -‬التى لم نكن نعرف إلى متى ستستمر‪ .‬حصل لى علههى إجههازة مفتوحههة بذريعههة العنايههة بههأمور‬
‫العائلة بعد وفاة أمى‪ ،‬وطبعا لم يكن أحد فى الرئاسة ليهتّم فى ذلك الوقت بمن جاء ومن غاب‪ .‬قصصت على ندا ما رأيته فى الميدان‪ ،‬واستقبَلت ما قلُته باهتمام لكن دون حماس‪ .‬سأَلت بعض السئلة عن الخوان المسلمين‬
‫ضههلة‬
‫ت لحظت وجودا ملموسا لهم فى الميدان‪ ،‬وكيف يأكل المتظاهرون ومن أين يأتون بالمال‪ .‬هذا النوع من السئلة المرتابة‪ ،‬لكن دون اتهام محّدد‪ .‬دعوتها للمجىء معى فى اليوم التالى فاسههتبعَدت الفكههرة‪ ،‬مف ّ‬
‫وما إن كن ُ‬
‫البقاء فى المنزل للعناية بك‪ ،‬ولن المنطقة كانت تحت حراسة شديدة ولم ُتِرد المخاطرة بالخروج منها وتعريضك أو تعريض نفسها لى من المخاطر التى تسمع عنها فى وسائل العلم‪.‬‬
‫ت فى اليومين التاليين إلى الميدان‪ ،‬أستيقظ فى الصباح وآخذ بعض الماء والطعام وأشّد الرحال حتى هناك‪ ،‬وأظل مع المتظاهرين حتى الرابعة بعد الظهر‪ ،‬موعد حظر التجّول‪ ،‬فأعود إلى الههبيت‪ .‬لههم يكههن أحههد يحههاول‬
‫ذهب ُ‬
‫فرض حظر التجّول‪ ،‬واستمرت السيارات والناس فى التجوال بعد هذا الوقت‪ ،‬لكن أمك كانت قلقة لدرجة ل تسمح لى بالبقاء خارج البيت بعد هبوط الظلم‪ .‬يوم ‪ 31‬يناير قال لى اللواء القطان إن هناك أصواًتا تنادى‬
‫ل سياسى‪ ،‬لكههن المشههكلة فههى مههن يمّثههل‬
‫صل إلى ح ّ‬
‫ظميها‪ ،‬إل أنه شخصّيا‪ ،‬وآخرين‪ ،‬مقتنعون بعدم جدوى استخدام العنف وبضرورة التو ّ‬
‫ض المظاهرات والقبض على أكبر عدد من المحّرضين عليها ومن ّ‬
‫باستخدام القوة لف ّ‬
‫ى الحديث إلى عزالدين ومحمود و»أصدقائى« فى الميدان لمعرفة ما إذا كان هناك استعداد لتفويض أحد أو مجموعة للتفاوض باسم المتظاهرين‪.‬‬
‫المتظاهرين‪ .‬واقترح عل ّ‬
‫وافق عزالدين فى حين استبعد محمود الفكرة تماما‪ .‬قضينا النهار نتنقل من خيمة إلى أخرى داخل الميدان‪ .‬الخيمة التى تّتسع لشخصين تضّم سبعة‪ .‬اختار محمود وعزالدين عددا محدودا من الشباب يثقههون بهههم‪ ،‬وقههدمونى‬
‫لهم‪َ .‬تصّلبوا فور سماعهم بجهة عملى وبدوا غير راغبين فى الحديث‪ .‬لكنهم ضغطوا على أنفسهم ربما بسبب وجود محمود الذى يعههرف النههاس كلهههم فههى الميههدان ويعرفههونه‪ .‬نتحههدث همسهها كيل يسههمعنا َمههن فههى الخيههام‬
‫الملصقة‪ .‬نتناقش مطول‪ ،‬ثم ننتقل إلى مجموعة مختلفة‪ ،‬وفى كل مرة نسمع نفس الكلم‪ ،‬هناك مقترحات كثيرة‪ ،‬بعضها جنههونى‪ ،‬لكههن معظمههها معقههول ومقبههول للشههباب وللمتظههاهرين‪ .‬وظلههت المشههكلة أن ل أحههد يملههك‬
‫التفاوض باسم الميدان؛ ل يمكن‪ .‬ومحمود يهّز رأسه ولسان حاله يرّدد‪ :‬ألم أقل لكما ؟ حاولنا طوال النهار‪ ،‬وفى حين وجدت نفسى ألوذ بالصمت فور رفض الشباب للفكههرة‪ ،‬فههإن عزالههدين واصههل محاولههة إقنههاعهم‪ .‬وهههم‬
‫يردون بعدم رغبتهم فى التفاوض‪ :‬يرحل‪ .‬يقول لهم غير الرحيل هناك كثير مما يحتاج إلى التفاوض‪ ،‬لكن الشباب يرفض‪ .‬ل أحد يتحدث باسم أحد هنا‪ .‬والحل؟ سألت‪ ،‬فأجابوا‪ ،‬فى كل مرة‪ ،‬مطالبنا واضههحة‪ ،‬ولههن نرحههل‬
‫قبل أن يرحل النظام‪.‬‬

‫جهات سياسية وفكرية متباينة‪ ،‬وكثير منها غير مسّيس أصل‪ ،‬ول شىء يجمعهم سوى المطالب السلبية‪ :‬رحيل رأس النظام‪ ،‬إلغاء‬
‫شرح محمود لنا الوضع كما يراه‪ :‬مجموعات كثيرة من الشباب وغير الشباب تنتمى إلى تو ّ‬
‫مباحث أمن الدولة‪ ،‬إلغاء الحرس الجامعى‪ ،‬أشياء مثل هذه‪ .‬كذلك هم ل يثقون بأحد‪ ،‬ول يمكنهم أن يفّوضوا أحدا‪ .‬سألته عن الحل فرّد بأنه ليس هناك مشكلة تقتضى الحل؛ هذه ثورة‪ ،‬وهكذا تكون الثورات‪.‬‬
‫لكن عزالدين لم يعجبه هذا الحديث‪ ،‬ففى نظره الشباب يخاف من الخوان المسلمين‪ ،‬الذين يمنعون أى محاولة لبناء توافق على فكرة أو مطلب داخل الميدان‪ ،‬لنهم يريدون الميدان كما هو‪ ،‬مجههرد أداة للضههغط‪ ،‬فههى حيههن‬
‫تأتى الرؤية من عندهم هم‪ ،‬جاهزة‪ ،‬ويكون التفاوض معهم هم‪ .‬وهذه مشكلة‪ ،‬وتحتاج إلى حل‪ .‬وما الحل؟ بناء توافق من خلل التفاوض‪ .‬وهكذا‪ ،‬أخذ عزالدين على عاتقه هذه المهمة‪ .‬وظللنا يوًما آخر نتنقل من خيمة إلهههى‬
‫خر‪ ،‬ندخل وُنلِقى التحية فنجد ُثَلل من البشر الذين ل أعرف منهم أحدا‪ ،‬طبعا‪ ،‬ويعرف عزالدين بعضهم فقط‪ ،‬ثم ننزوى مع شخص أو اثنين‬
‫خيمة‪ ،‬ومن اجتماع فى بيت غريب بوسط البلد إلى اجتماع آخر فى بيت غرباء ُأ َ‬
‫فى غرفة‪ ،‬أو شرفة‪ ،‬ونبدأ الحديث‪ .‬أصعب أنواع التفاوض ذلك الذى يتم مع عدد ل نهائى من الطراف‪ :‬تجلس مع أربعة‪ ،‬وبعد نقاش مجهد تتوصلون إلى اتفاق‪ ،‬لكن هؤلء الربعة ل يمثلههون سههوى جههزء مههن المشهههد‪،‬‬
‫ومن ثم فعليك أن تجد الخرين‪ ،‬مجموعة مجموعة‪ ،‬حتى تصل إلى اتفاق أو شبه اتفاق‪ .‬يبدو المر عبثّيا‪ ،‬لكنه الطريقة الوحيدة لخلق إجماع بين مجموعات متناثرة‪.‬‬
‫جمال على الميدان وَمههن فيههه‪ .‬لههم أكههن فههى الميههدان‬
‫ثم توصلنا إلى ملمح عامة لتفاق‪ ،‬وأبلغتها للقطان فى المساء‪ .‬وفى اليوم التالى بدا أن بعض بنود هذا التفاق بدأ يجد طريقه للتنفيذ‪ .‬لكن اليوم التالى لذلك شهد هجوم ال ِ‬
‫حين حدث الهجوم‪ ،‬وعلى الفور اتصلت باللواء القطان فوجدته ُمحَبطا مما حدث‪ ،‬وقال إنه ترك مكتبه فى الرئاسة وعاد إلى البيت احتجاجا‪ .‬لكنه عاود التصال فى الصباح التالى وقال إن ما حههدث محاولههة ممههن يحّبههذون‬
‫جمال‪ .‬ثم طلب منى العودة إلى الميدان للمحاولة مرة أخرى‪ ،‬مؤكدا أن أنصار استخدام العنف داخههل النظههام‬
‫استخدام القوة لوقف إدخال أى إصلحات جذرية لنها ستضّر بهم وبخططهم للمستقبل‪ ،‬هؤلء هم منظمو حملة ال ِ‬
‫جمال المزرى‪.‬‬
‫قد تّم تهميشهم بعد فشل هجوم ال ِ‬
‫عدت إلى الميدان فوجدته مختلفا؛ محمود مرَهق وعيناه زائغتان‪ .‬سألته كيف كانت الليلة فقال عصيبة‪ ،‬وشرح لى كيف هجم البلطجية باستخدام الخيل والجمال من ناحيههة ميههدان عبههد المنعههم ريههاض واسههتمرت المواجهههات‬
‫للتراس وشباب الخوان المسلمين الذين تدفقوا على الميههدان‪ .‬فههى البدايههة كههانت‬
‫طوال الليل فى حين وقف الجيش دون حراك‪ .‬فى البداية تراجع المتظاهرون بسرعة ثم أعادوا تنظيم صفوفهم شيئا فشيئا‪ ،‬وساعدهم شباب ا ُ‬
‫كرات النار وزجاجات المولوتوف ُتلَقى عليهم من أسطح العمارات فى الميدان‪ ،‬ثم صعد بعض الشباب على سطح العمارة وطّهروها من المهاجمين‪ ،‬وبعدها َتحّولوا إلى العمارة التالية وهكذا‪ ،‬حتى طّهروا الميدان كلههه مههن‬
‫البلطجية قرب الفجر‪ .‬نفس الشىء حدث عند كوبرى أكتوبر واستمّرت المواجهة هناك حتى الرابعة صباحا‪ .‬ومن ساعتها يسيطرون على هذه المواقع الستراتيجية ويمنعون عههودة البلطجيههة‪ .‬أخههذنى محمههود لرؤيههة أكههوام‬
‫الحجارة التى أتوا بها ل أدرى من أين؛ خلعوها من الرصيف وأحواض الزرع على ما أذكر ووضعوها بجوار مداخل ومخارج الميدان‪ .‬كانت جموع البلطجية ل تههزال تحههوم‪ ،‬وأسههتطيع رؤيتههها فههى شههوارع وسههط البلههد‪،‬‬
‫وهناك مناوشات على التخوم‪ ،‬لكن الجيش الن يقف حائل بينهم وبين المتظاهرين‪ .‬ثمانية قتلى هذه الليلة‪.‬‬
‫ب لزيارة »المستشفى الميدانى«‪ ،‬وهو زقاق صغير بين عمارتين ُيستخدم للصلة أيام الجمعة‪ .‬وجدت جرحى يفترشههون الرض علههى جههانَبى الزقههاق‪ ،‬أمههام أبههواب المحلت المغلقههة‪ ،‬وبينهههم‬
‫أخذنى عزالدين مع طبيب شا ّ‬
‫عّلقت على أبواب المحلت المغلقة أسماء »أقسام الجراحة«‪ ،‬وُوضعت فى الوسط كومة من الدوية‪ .‬قال الطبيب إنه وزملءه المتطوعين ظلوا يعملون طول الليل‪ .‬لم يكههن مههن الممكههن نقههل‬
‫ملءات معّلقة كيفما اتفق‪ ،‬وقد ُ‬
‫الجرحى فى معظم الحيان‪ ،‬فليس لديهمنقالت‪ ،‬ول يوجد أحد لنقل الجرحى فالكل يدافع‪ ،‬ومن ثم كان الطباء يضمدون الجراح وسط المعركة؛ يسقط أحدهم فيجرون إليه ويعالجونه على الرض حيث سقط‪ .‬أخرج الطبيب‬
‫خر لم أتعرف عليه‪ .‬حكى لى عن متظاهرين أصيبوا فى رؤوسهم‪ ،‬كان يضمدهم وهم يستعجلونه كى يعودوا مرة أخرى للههدفاع عههن الميههدان ضههد‬
‫من جيبه أدواته الجراحية‪ :‬حقنة ومخدرا ومطهرا وخيط الجراحة وشيئا آ َ‬
‫البلطجية‪ .‬قال الطبيب باقتضاب شيئا عن إصابات الرصاص‪ ،‬والعين‪ ،‬وشيئا عن القتلى‪ ،‬ثم صمت‪.‬‬
‫ل محّلهن رجال من الخوان المسلمين الذين أصبحوا يشّكلون قرابة نصف الموجودين فى الميههدان‪ ،‬وأبههدى قلقههه مههن هههذا التط هّور‪ .‬أحيههط‬
‫عدت مع عزالدين إلى الميدان‪ ،‬وقال لى إن معظم الفتيات والسيدات قد رحلن‪ ،‬وح ّ‬
‫الميدان بلجان من الشباب يفحصون الداخل والخارج‪ ،‬بمرح واعتذار وتعاُون من الجميع‪ .‬أعتقد أنى ُفتشت فى هذه اليام أكثر مما ُفتشت فى حياتى كلها‪ .‬لكن الميدان أصههبح الن أرضهها مح هّررة‪ ،‬وَتفّنههن المتظههاهرون فههى‬
‫إبداء آرائهم‪ ،‬والتعبير عن أنفسهم‪ ،‬بالرسم والكتابة والغناء والرقص‪ ،‬وكل الشكال الممكنة‪.‬‬
‫لكن رغم الجو الحتفالى الظاهر‪ ،‬كان الشباب ُمرَهقا ول يدرى بمن يثق ول كيف يفاضل بين المقترحات المتباينة التى يسمعها‪ .‬يخشون من الكل‪ ،‬حتى هؤلء الذين يعرفونهم من قبل كمحمود وعزالدين‪ ،‬فمههن يههدرى َمهه ْ‬
‫ن‬
‫ن؟ لم أكن الوحيد الذى يحاول التفاوض معهم أو مع جزء منهم على اتفاق‪ ،‬وكنت متأكدا أن اللواء القطان ليس الوحيد الذى يحاول من الجهة الخرى‪ .‬لكنى حاولت قههدر‬
‫ن؟ ومن يريد أن يقفز على أكتاف َم ْ‬
‫يعمل لحساب َم ْ‬
‫ف عن التحليق فوق الميههدان‪ .‬حههاولت لعههدة أيههام‪ ،‬وكلمهها‬
‫استطاعتى على أمل أن يؤّدى ولو إلى بعض التفاهم بين الجانبين‪ ،‬أو على القل لفهم الصحيح للواقع هنا بدل مما ينقله إليهم مخبروهم والطائرة العمودية التى ل تك ّ‬
‫ظننت أن تقدما يتم‪ ،‬حدث شىء فتتقهقر المسألة برمتها إلى الخلف‪ .‬لم يتّم التوصل إلههى اتفههاق‪ ،‬سههواء لن وتيههرة الحههداث كههانت أسههرع ممهها يمكههن معههه اللحههاق بههها‪ ،‬أو لتع هّدد المنههابر والوسههاطات والطههراف والنّيههات‬
‫والمشروعات‪ .‬وكلما طال الوقت زاد غضب المتظاهرين وتصميمهم وارتفع سقف مطالبهم‪ .‬وفى صباح التاسع من فبراير قال لى اللواء القطان إنه لم يعد من المحاولة فائدة‪ ،‬وإن الناس التى بيدها المههر لههم تفهههم بع هُد مهها‬
‫يحدث‪ ،‬ولم تقتنع بعد أن تغييرا كبيرا أصبح ضرورّيا‪ ،‬أو تحاول أن تتعامى عن هذه الحقيقة‪ ،‬ومن ثم فهى تناور‪ .‬وفى اليوم التالى‪ ،‬عند الظهر‪ ،‬اتصههل بههى وأخههبرنى أن الموضههوع انتهههى وأن الرئيههس سههيرحل‪ .‬شههعرت‬
‫براحة شديدة ممزوجة بأسى عميق فى نفس الوقت‪ِ .‬لَم كان يجب أن تصل المور إلى هذه الدرجة؟ رغم كل شىء‪ ،‬ألم يكن من الفضل الخروج بشكل أكرم؟ لو كان قد فعلها منذ شهر واحد لصار بطل يخلده التاريخ‪ .‬ولو‬
‫فعلها منذ أسبوعين لَتذّكره الناس بالخير‪ .‬طال صمتنا‪ ،‬ثم سألته عّمن سيتولى زمام المر الن فقال فى عصبية‪» :‬ربنا يستر«‪.‬‬
‫ع‪.‬ش‪ .‬فشير‬

‫‪----------------------------------‬‬‫رواية باب الخروج لعز الدين شكري فشير‪ ..‬الحلقة السابعة عشر‬
‫ى وعلى صفية بسبب إصرارنا على دفن جدتك دون انتظار عودته‬
‫لم تقتصر المشكلت على أمك وأصدقائى الثوريين‪ ،‬فقد جاء عمر من إيطاليا فى منتصف فبراير وهو ثائر وغاضب إلى أقصى درجة‪ ..‬عَل ّ‬
‫ل الهدوء الحذر المعتاد‪ .‬فى البداية لم أكن أعرف ماذا أفعل بالضبط فى المكتب‪ ،‬وأظن أن معظمنا شعر بنفههس الشههىء‪،‬‬
‫ل الصمت الكامل مح ّ‬
‫فى أول مارس عدت إلى العمل‪ .‬وجدت القصر الجمهورى الفارغ كئيبا‪ ،‬وقد ح ّ‬
‫ت إعداد التقارير وغير ذلك من المههور العتياديههة‪ ،‬ومههع تط هّور الحههداث أصههبحت هههذه التقههارير تههذهب للمجلههس‬
‫فاستمر كثيرون منا يفعلون نفس ما كانوا يفعلونه من قبل‪ ،‬حتى لو كانت قّمة الهرم غير موجودة‪ .‬واصل ُ‬
‫العسكرى‪ ،‬ثم أصبحت أنا أيضا أذهب هناك حين يأتى زوار َذُوو أهمية‪ .‬فى بعض الحيان كنت أجلس بالساعات فى مقر المجلس دون أن أفعل شيئا‪ ،‬وأحيانا كنت أشارك فى الجتماعات كى أترجههم أو أدّون الملحظههات‪،‬‬
‫ل المناقشة‪.‬‬
‫أو أرّد إن كان لدى أصحاب الجتماع سؤال عن خلفية الموضوع مح ّ‬
‫كانت الفترة النتقالية عصيبة مثلما قرأت عنها‪ .‬وأّثرت الضطرابات التى سادتها علينا كلنا‪ ،‬ل فى العمل وحسب‪ ،‬بل فى حياتنا الخاصة كذلك‪ .‬أّمك أصبحت شديدة التوتر‪ ،‬وبدَأت تشعر بجفههوة تجههاهى بسههبب قربههى ممههن‬
‫أسمتهم »جماعة التحرير«‪ .‬وكلما حاولت تهدئتها وبْعث أملها فى المستقبل أظهرت مخاوفها أكثر واحتّدت فى بيانها وحّمَلت الثورة مسؤولية هذه المخاطر التى تحيق بنا‪ .‬وكانت تفعل ذلك فى صيغة لوم كأنى أنا شخصهههّيا‬
‫الثورة‪ .‬الطريف أن أصدقائى من »جماعة التحرير« كانوا يفعلون نفس الشىء معى ولكن من الجانب الخر‪ ،‬فكلما تعثرت العملية النتقالية‪ ،‬أو ارتكب المجلس العسكرى واحدا من أخطههائه الفادحههة أو ألقههى القبههض علههى‬
‫ى كأنى أنا شخصّيا المجلس العسكرى‪ .‬انتهى بى المر سريعا إلى الصمت‪ ،‬مرة أخرى‪ .‬كنت أظن أن الثورة سُتنِهى حالة صمتى هذه‪ ،‬لكنى أخطأت‪.‬‬
‫ت أن أشرح لهم صعوبة النتقال احتّدوا عل ّ‬
‫نشطاء منهم وحاول ُ‬
‫ى وعلى صفية بسبب إصرارنا على دفن جدتك دون انتظار عودته‪ .‬لم يشههفع لههى‬
‫لم تقتصر المشكلت على أمك وأصدقائى الثوريين‪ ،‬فقد جاء عمر من إيطاليا فى منتصف فبراير وهو ثائر وغاضب إلى أقصى درجة‪ ،‬عل ّ‬
‫ت الغضب بحق ودون وجه حق‪ ،‬لكنه‬
‫شىء‪ ،‬ول حتى أن ثورة قامت‪ ،‬لشرح موقفنا‪ .‬وانتهى المر بأن أعلن مقاطعته لى ورحل عائدا إلى إيطاليا‪ .‬تضايقت أشد الضيق من هذا المر‪ ،‬صحيح أن عمر كان حاّدا دائما ومنفل َ‬
‫ى وحدى‪ ،‬إلى درجة مقاطعتى‪ ،‬مع أن صفية كانت شريكتى فى كل ما قررناه‪.‬‬
‫ب غضبه عل ّ‬
‫ص أنه ص ّ‬
‫هذه المرة َتعّدى حدود احتمالى‪ ،‬أو لعله احتمالى الذى َتقّلص بسبب الجّو العاّم‪ .‬وغاظنى بشكل خا ّ‬
‫صفية كانت سعيدة بالثورة‪ ،‬ولعّلها الوحيدة من عائلتى الصغيرة التى شاركتنى السعادة بهذه الثورة‪ ،‬ورأت فيها أمل كبيرا للمستقبل‪ .‬لكنها كانت مثل الكل متخوفة‪ ،‬من العثرات‪ ،‬ومن الفشل‪ ،‬ومن اختطافها من ِقَبههل هههذا أو‬
‫ذاك‪ ،‬ثم ‪-‬مثل بقية الشعب‪ -‬صارت مخاوفها تزيد مع استفحال الزمات وانتشار الفوضى وانعدام المن وانفجار المشكلت الجتماعية والسياسية‪ ،‬بل والخلقية‪ ،‬الذى استمر فى التزايد‪ .‬لم تكن صههفية تعتقههد أن شههيئا مههن‬
‫هذا برىء‪ ،‬لكنها مّلت من كل هذه الفوضى‪ ،‬وصارت مخاوفها تطغى على المل فى معظم الوقات‪ .‬ساعد على ذلك زوجها إبراهيم‪ ،‬ضابط المدفعية السمج الذى لم يفقد سماجته حين خلع بزته الرسمية وانتقههل للعمههل فههى‬
‫ل هو يشحن الجو من حوله بالكراهية لكل ما له علقة بالثورة‪ ،‬حتى شهر يناير نفسه كرهه‪.‬‬
‫مجال السياحة قبل الثورة بعامين‪ .‬طبعا قضت العملية النتقالية المتخبطة على السياحة وعلى عمله‪ ،‬وظ ّ‬
‫حماى اللواء القطان استمر فى عمله‪ ،‬لكنه صار يقضى معظم وقته فى مقر المجلس العسكرى ووزارة الدفاع‪ .‬لم يكن دوره واضحا لى بالضبط‪ ،‬وعرفت فى ما بعههد أنههه لههم يغيههر وظيفتههه الرسههمية كجههزء مههن سههكرتارية‬
‫ى مع المجلس العسكرى‪ .‬وتصادف وقتها أن مساعده القديم محمد المنيسى‪ ،‬الذى كان بصحبته يوم زار بيت أبى فى بكين منذ سنوات طويلة‪ ،‬كههان وقتههها يعمههل فههى‬
‫الرئيس‪ ،‬رغم خلّو منصب الرئيس‪ ،‬لكنه عمل بشكل فعل ّ‬
‫المانة العامة للمجلس العسكرى‪ ،‬وهو ما ساعد القطان أيضا على توطيد علقته بالمجلس‪ .‬المنيسى كان برتبة مقّدم‪ ،‬وهو جالس الن فى القمرة المجاورة دون أن يشك أن خطته كلها علههى وشههك النهيههار‪َ .‬تحّمههس اللههواء‬
‫القطان فى البداية للعملية النتقالية‪ ،‬ورفض كل تحّفظاتى على الستفتاء والجدول الزمنى وترتيب المحطات الرئيسية لهذا العملية‪ ،‬كما استبعد كل ما تناقله الناس من حديث عن صفقات مع الخوان وتحالفات مع السههلفيين‪،‬‬
‫وعن اضطهاد للنشطاء وشباب الثورة‪ ،‬وعن الثورة المضادة‪ ،‬وعن نيات العسكريين‪ .‬فى البداية أخذ هذه التحفظات والمخاوف بجّديههة‪ ،‬رفضههها لكنههه أخههذها بجديههة‪ ،‬ورّتههب عههددا كههبيرا مههن الجتماعههات بيههن العسههكريين‬
‫والشخصيات السياسية والعلمية‪ .‬لكن هذه الجدية تناقصت مع الوقت‪ ،‬وحين اقتربنا من النتخابات‪ ،‬بدا واثقا أن كل شىء سيسير على ما يرام‪ ،‬وأن مجلس الشعب الجديد سيكون »موزاييك« يعكس أطياف الشههعب كلههه‪،‬‬
‫وقال لى إن السلميين لن يحصلوا على أكثر من ‪ %35‬من المقاعد‪.‬‬
‫ل ونتحادث كثيرا فى التليفون‪ ،‬كانت حياته مرآة للمرحلة النتقالية نفسها‪ .‬أياما يكون فههى السههماء‪ ،‬مههن السههعادة والثقههة بالمسههتقبل‪ ،‬وأيامهها أجههده فههى الرض مههن‬
‫محمود بشير‪ ،‬الذى صرت أراه مرة فى السبوع على الق ّ‬
‫الكتئاب والحساس بالمؤامرة ودنّو الجل‪ .‬حكى لى قصته مع سالى بالكامل‪ ،‬منذ أيام الرئاسة وخيانتها وانفصالهما حتى عاد لها‪ .‬قال إنه قضى أسوأ أيام عمره حين تركها‪ ،‬وإن غضبه على خيانتها لم ينفعه بشىء‪ .‬وبيههن‬
‫ل اتساقا لكنه يعيد البهجة إلى حياته‪ ،‬انتهى به المر إلى الموقف الخير‪ .‬هز كتفيه وقال إنه لم يكن مثال للوفاء هو الخههر‪ ،‬فِل هَم يجعههل مههن‬
‫موقف متسق مع العقل والقواعد لكنه مدّمر لمشاعره بل ولحياته‪ ،‬وموقف آخر أق ّ‬
‫مبدأ نظرى عائقا أمام سعادته؟ لم أرّد‪ .‬هناك أشياء ل يمكن الجدل فيها‪ ،‬والعلقة بين رجل وامرأة أحدها‪ .‬ل يمكنك‪ ،‬مهما أوتيت من منطق أو عقل‪ ،‬أن تفهم علقة رجل بامرأة ما لم تكن أنت هذا الرجههل أو هههذه المههرأة‪.‬‬
‫فكيف أحكم عليه أو أنصحه؟ وِلَم؟‬
‫محمود وعزالدين عمل معا ومن ُقرب بعد الثورة‪ ،‬وإن كان من موقعين مختلفين‪ ،‬ففى حين انخرط محمود مع الجماعات الثورية والمجموعات اليسارية‪ ،‬فإن عزالدين‪ ،‬المتشكك فى العقائد السياسية وفههى النههدفاع الثههورى‬
‫ف عن المشاركة المباشرة فى العمل السياسى مكتفيا بههدوره التحليلههى والكههاديمى‪،‬‬
‫من ناحية‪ ،‬والمتخوف من السلميين ونزعتهم إلى السيطرة من ناحية أخرى‪ ،‬انخرط مع المجموعات والحزاب الليبرالية الناشئة‪ ،‬وإن ك ّ‬
‫وهو ما جعله مثار سخرية محمود اللذعة‪ ،‬الذى وصف موقفه هذا بأنه مزيج من الضعف والنتهازية‪.‬‬
‫هكذا كان العام الول من الثورة؛ لم ُيسِقط نظاما وُيِقم نظاما جديدا مثلما كان المتظاهرون يأملون‪ ،‬لكنه خلخل الشياء وهّزها من أعماقها‪ .‬ستسقط كل هذه الشياء فى ما بعد‪ ،‬وتقوم مكانها أشههياء جديههدة‪ ،‬مثلمهها تعلههم‪ .‬لكههن‬
‫ت عنه بما يكفى‪ .‬ما أريد قوله لك أن العام الول من الثورة خلخل حياتنا نحن‪ ،‬حتى حياتنا الشخصية وأصدقائنا وعلقات بعضنا ببعض‪ .‬ل أدرى كيف حدث ذلك‪ ،‬لكنههه حههدث‪.‬‬
‫ت هذا وقرأ َ‬
‫ليس هذا بيت القصيد‪ ،‬فقد درس َ‬
‫كأننا كلنا كنا مربوطين بشىء وانقطع‪ ،‬فصرنا نتحرك بحرية أكبر‪ .‬أو كأننا عشنا تحت غطاء انكشف وطار فى عاصفة‪ ،‬فصرنا يرى بعضنا بعضا‪ ،‬ونرى أنفسنا‪ ،‬بشكل أوضح‪ .‬أو لعلنا ببساطة صرنا أحرارا أكثر‪ ،‬ليهههس‬
‫تماما‪ ،‬لكن أكثر مما كنا قبلها‪ .‬وانعكس ذلك على كل شىء فى حياتنا‪ ،‬وإن لم ندرك ذلك وقتها‪ ،‬ونحن مشغولون بقرارات المجلس العسكرى‪ ،‬وبحوادث العتداء على البرياء‪ ،‬وبقتلههى ماسههبيرو‪ ،‬وبالمحاكمههات العسههكرية‪،‬‬
‫ح به‪ ،‬واختفاء البنزين وأنابيب البوتاجاز‪ ،‬وكل هذه التفاصيل التى شحَبت أهميتها وتضاءلت بعد ذلك‪.‬‬
‫ومن الذى ظل فى موقعه ومن ُأطي َ‬
‫ومن ضمن الخلخلة والحرية أن حياتى أنا انفتحت أكثر‪ ،‬فصرت أقابل أناسا لم أكن لقابلهم من قبل‪ ،‬وأذهب إلى أماكن لم أعرف بوجودها فى مصر من قبل‪ .‬علههى سههبيل المثههال اكتشههفت أن »أرض اللههواء«‪ ،‬الههتى كنههت‬
‫أظنها على حدود العالم المتحضر‪ ،‬فى الحقيقة عاصمة لمناطق وأحياء وقرى تعيش فى أحوال أسوأ منها بكثير‪ .‬اكتشفت العشوائيات والناس الحقيقيين الههذين يعيشههون هههذه الحيههاة‪ ،‬يومهها بعههد يههوم‪ ،‬دون مههاء ودون صههرف‬
‫جَمع المختلفة بميدان التحرير‪ ،‬ثم استضافونى عندهم عدة مرات‪ ،‬وأخذنى حسن ‪-‬الخ العاطل‪ -‬فى جولة داخههل العشههوائيات المحيطههة بههأرض‬
‫صحى وأحيانا دون سقف‪ .‬رأيت عفاف وعائلتها مرات كثيرة‪ ،‬فى تظاهرات ال ُ‬

‫اللواء‪ .‬فّكرت فى دعوتهم إلى منزلنا لكن أمك ارتاعت للفكرة وثنتنى عنها من باب عدم الساءة إلى مشاعرهم إن قارنوا أحوالهم بأحوالنا‪ .‬محمود وجد لميرفت عمل بشركة للتليفونات المحمولة عههن طريههق أحههد معههارف‬
‫سالى القصبجى‪ .‬لكن ل هو ول سالى استطاعا كسر نحس حسن الذى ظل بل عمل ثابت‪ ،‬وبدأت ُكْليته فى التدهور خلل هذه الفترة‪ ،‬وساعدته ‪-‬دون علم أمك‪ -‬ببعض المال لتغطية نفقات العلج‪.‬‬
‫لكن مشكلة عفاف وإخوتها لم تكن ‪-‬على القل خلل هذه الشهور‪ -‬مشكلة مالية أو ظروفا معيشية قاسية‪ ،‬وإنما الحباط من مشكلت المرحلة النتقالية وعثراتها‪ .‬وفاجأتنى درجة الوعى والنضج السياسيين لهههم‪ ،‬خصوصهها‬
‫سة قوية تمّكنهم‬
‫حسن‪ ،‬الذى كان قادرا على صياغة موقفه بوضوح شديد وبلغة بسيطة رغم تعليمه وثقافته المحدوَدين‪ .‬كان لديهم جميعا منحنى للمل واليأس‪ ،‬يصعد ويهبط مع سرعة التغييرات السياسية‪ ،‬ولديهم جميعا حا ّ‬
‫ل يتدهور فى الشهور الخيرة من العام‪ ،‬وعاد ثلثتهم إلى ميدان التحرير كثيرا‪ ،‬ثم إلى ماسبيرو‪ ،‬لكنهم لحسن الحظ لم ُيصابوا بسوء‪ .‬وعندما وقعت أحداث‬
‫من تمييز التغييرات الحقيقية من الشكلية‪ .‬والحقيقة أن المنحنى ظ ّ‬
‫ص هْبه مكههروه وقتههها‪ ،‬وجههاءت‬
‫خلى‪ .‬لكن ماذا كان فى استطاعتى فعله؟ ولحسههن الحههظ لههم ُي ِ‬
‫محمد محمود ‪-‬ستجد تفاصيلها على النترنت‪ -‬اتصلت بى ميرفت لتقول لى إن حسن هناك ول تستطيع إقناعه بالعودة‪ ،‬وطلبت تد ّ‬
‫النتخابات التشريعية لتضع حّدا لذلك‪.‬‬
‫كان تخّوف اللواء القطان وَمن صرت أدعوهم أصدقاءه من »جماعة العسكر« هو حدوث انفلت أمنى فى أثناء النتخابات‪ ،‬وكان سعيدا سعادة بالغة حين تّمت المرحلة الولى بهدوء‪ .‬وعندما أشههارت النتههائج الوليههة إلههى‬
‫اكتساح السلميين ‪-‬على عكس توقعاته هو وأصدقائه العسكر‪ -‬سألته عن معنى ذلك‪ ،‬فأطرق ساهما ثم هز رأسه وقال‪» :‬ربنا يستر«‪.‬‬
‫ع‪.‬ش‪.‬فشير‬

‫‪-------------------------------‬‬‫رواية باب الخروج لعز الدين شكري فشير ‪ ..‬الحلقة التاسعة عشر‬
‫كان واضحا للجميع منذ اليوم الول أن المجلس الرئاسى هذا ليس أكثر من واجهة ‪ ..‬بالكاد ‪ ..‬للحكم العسكرى ‪ ..‬لكن رد الفعل كان خافتا‬
‫خل المجلس العسكرى لتوّلى دفة الحكم‪ ،‬لكنه أعلن أنه سيتدخل لنقاذ البلد من الفوضى وتسليم السلطة بمجرد ملء الفههراغ‬
‫تم بسط الحكم العسكرى بشكل أذكى مما توقعه الجميع‪ .‬فبعد حل البرلمان وبدء وقوع الحداث َتد ّ‬
‫الدستورى والسياسى الذى نتج عن هذه الحداث‪ .‬لم يصّدقه أحد بالطبع‪ ،‬واحتشدت مليونية ضخمة فى ميدان التحرير تنّدد باستيلء العسكر على السلطة‪ .‬أذكر أن اللواء القطان كان عندنا فى البيت ذلههك المسههاء وقههال لههى‬
‫عد أعضائه من الخدمة ومن أى مناصب عامة‪ ،‬وعههودة القههوات المسههلحة‬
‫إننا مخطئون‪ ،‬أنا و«أصدقائي«‪ ،‬وإن الغد سيحمل لنا مفاجآت لم نتوقعها‪ .‬وفى الصباح‪ ،‬بالفعل‪ ،‬أعلن المجلس العسكرى استقالته بكامل هيئته‪ ،‬وتقا ُ‬
‫إلى ثكناتها فورا‪ ،‬والبدء فى مشاورات مع القوى السياسية لتشكيل مجلس رئاسى مدنى عسكرى مشترك يتولى الحكم لفترة انتقالية يتّم فى أثنائها إعداد دستور للبلد والشراف على النتخابات التى تلى إعداد الدستور‪.‬‬
‫ل البرلمان وبدء الحداث‪ .‬فقد كان الجميع مقتنعا أن العسكرين لههن يسههلموا السههلطة‪ .‬أيههدت القههوى المدنيههة والثوريههة هههذا العلن كمهها أيههده‬
‫نزل هذا العلن كالصدمة على الجميع‪ ،‬وبّرد كل السخونة التى تراكمت منذ ح ّ‬
‫طلت انتقال السلطة لرئيههس مههدنى منتخههب‪ .‬لكههن الخههوان‬
‫ق فى المعارضة سوى جماعة الخوان المسلمين الذين نزلوا إلى الشوارع احتجاجا على حل البرلمان وبقية الجراءات التى ع ّ‬
‫السلفيون والحزاب التقليدية‪ ،‬ولم يب َ‬
‫وجدوا أنفسهم وحدهم‪ ،‬فالسلفيون اتفقوا مع المجلس العسكرى‪ ،‬والقوى الديمقراطية كانت غاضبة على الخوان واستئثارهم بالسلطة خلل الشهور التى سبقت تلك الحداث‪ .‬أما عامة الشعب فقد ارتاحت لحزمة الجههراءات‬
‫التى أعلنها المجلس‪ ،‬وأّدت استقالة أعضاء المجلس العسكرى إلى استعادتهم لثقة أغلبية الشعب‪ .‬ومن َثّم لم تؤّد التظاهرات المليونية للخوان فى ميدان التحرير إلى شيء‪ .‬وحين صّعد الخوان احتجاجاتهم وبههدؤوا يحتّلههون‬
‫الطرق والمبانى العامة ويوقفون الخدمات قامت الجهزة المنية بإلقاء القبض على كل قياداتهم العليا والوسيطة فى يومين‪ ،‬دون أن يثير ذلك اعتراض أحد‪ .‬بل على العكس‪ ،‬ساد ارتيههاح عههاّم الوسههاط الشههعبية والسياسههية‬
‫على حد سواء‪.‬‬
‫ض‪ .‬اتصل بى اللواء القطان وطلههب منههى التشههاور مههع أصههدقائى واقههتراح‬
‫فى اليوم التالى بدأت مشاورات تشكيل المجلس الرئاسى الذى َتقّرر أن يضم خمسة أشخاص‪ :‬اثنين من المدنيين واثنين من العسكريين ويرأسه قا ٍ‬
‫ت عليه بعض السماء بناء على نصيحة عزالدين ومحمود اللذين اشتركا فى المشاورات الرسمية‪ .‬كانا متفائَلين فى البداية‪ ،‬لكن بعد عههدة أيههام مههن الجتماعههات التقيههانى‬
‫أسماء لمن يشارك فى هذه المشاورات‪ ،‬وفعل اقترح ُ‬
‫غاضَبين‪ ،‬وقال إن الموضوع كله خدعة‪ ،‬وإن المجلس العسكرى ل يريد سوى واجهة مدنية له‪ ،‬ثم أعلن معظم القوى السياسية المدنية مقاطعته للمشاورات‪ .‬استدعانى اللواء القطان واثنان من أعضاء المجلس وطلبوا منههى‬
‫التدخل مع أصدقائى لقناعهم بالعدول عن النسحاب‪ .‬شرحت لهم ما فهمته من أصدقائى‪ ،‬وأبدوا تفّهما لمنطقهم‪ ،‬لكنهم دفعوا بأهمية تغليب المنطق العملى وعدم الستسلم لحلم رومانسية قد تدّمر العملية بُرّمتههها‪ .‬فليههس‬
‫من المعقول ول الممكن النتقال مرة واحدة إلى حكم مدنى خالص‪ ،‬ديمقراطى بالكامل‪ ،‬ومن هنا جاءت فكرة المجلس المشترك‪ ،‬وهو خطوة إلى المام‪ ،‬وأفضل من ترك الساحة لخرين أو قصره على العسكريين‪ .‬وختموا‬
‫حديثهم بتأكيد أن هذه مرحلة مصيرية‪ ،‬يتوقف عليها مستقبل مصر كله‪ ،‬ومن ثم ضرورة تنحية المواقف المتشددة جانبا والقبول بحل وسط كى يسير المركب‪ .‬لم أكن مقتنعا تماما‪ ،‬لكنى قلت لهم ما عندى ولم يغير ذلك من‬
‫موقفهم‪ ،‬كما أن لمنطقهم وجاهته‪ ،‬فقلت لنفسى وقتها أن ل ضير من المحاولة‪ ،‬وإعطائهم فرصة لتمام عملية التحول التدريجى نحو الحكم المدنى‪.‬‬
‫لكن ل محمود ول عزالدين اقتنعا بالعودة إلى المشاورات‪ ،‬وفى النهاية لم ينضّم إلى المجلس الرئاسى سوى حزب الوفد‪ ،‬وشخص آخر ينتمى إلى حزب التجمع‪ ،‬لكن الحزب فصله بعد انضمامه‪ ،‬هذان هما المدنيان‪ .‬إضافة‬
‫عّين فى سلك القضاء منذ عدة سنوات‪ .‬ورغم استياء القوى السياسية كلها من هذه التركيبة‪ ،‬وتشّكك الرأى العام فى مدى مدنية هذا المجلس‪ ،‬فقهههد‬
‫ض كبير َتبّين أنه كان فى الصل عسكريا‪ ،‬لكن ُ‬
‫إلى عضوين عسكريين وقا ٍ‬
‫جرى العلن عنه والحتفاء به بوصفه بداية جديدة لعملية انتقال ديمقراطى صحيحة تتفادى أخطاء العملية الفاشلة التى سبقت والتى أدخلت البلد فى فوضى أفزعت الجميع‪.‬‬
‫ل محلهم ضباط جدد أصغر سنا َتسّلموا قيادة الفرع الرئيسية للقوات المسلحة بدل من هؤلء‬
‫وفى اليوم التالى لتنصيب هذا المجلس‪ ،‬أعلن كل أعضاء المجلس العسكرى تقاعدهم وخروجهم من الخدمة فى مشهد مهيب‪ ،‬وح ّ‬
‫الذين تقاعدوا‪ ،‬وأعلنوا فى أول اجتماع لهم دعمهم للسلطة الرئاسية الجديدة وعودة القوات المسلحة للتفرغ لمهمتها الصلية فى حماية سههلمة واسههتقلل الههتراب الههوطنى‪ .‬وفههى نفههس اليههوم أقسههم سههعيد الههدكرورى اليميههن‬
‫الدستورية أمام المجلس الرئاسى كرئيس لحكومة انتقالية ضّمت اللواء القطان وزيرا للدفاع‪ ،‬كما ضّمت وجوها جديدة فى كل الوزارات – عدا وزيرة التعاون الدولى التى احتفظت بموقعها‪.‬‬
‫كان واضحا للجميع منذ اليوم الول أن المجلس الرئاسى هذا ليس أكثر من واجهة‪ ،‬بالكاد‪ ،‬للحكم العسكرى‪ .‬لكن رد الفعل كان خافتا‪ .‬اسههتقر الخههوان فههى السههجون وخفتههت احتجاجههات قواعههدهم سههريعا‪ ،‬ولههزم السههلفيون‬
‫الصمت وفقا لتفاقهم مع العسكر‪ ،‬وباستثناء الدانات اللفظية وبعض الوقفات الحتجاجية الرمزية لم يفعل أحد من القوى الثورية والمدنية شيئا ُيذكر‪ ،‬إذ قرروا النأى بأنفسهم عن صراع بين ديناصوَرين سههينهك كل منهمهها‬
‫الخر‪ .‬وكان تدخلهم إلى جانب الخوان سيجعلهم ‪-‬إن انتصروا على العسكر‪ -‬يعودون إلى دور الخ الصغر الذى سئموه‪ ،‬فقرروا بدل من ذلك الكتفاء بمظاهر الحتجاج‪ ،‬مع تركيز طاقتهم فى تنظيم صفوفهم مههن جديههد‬
‫استعدادا لمواجهة مع أحد الديناصورات فى ما بعد‪ .‬وقد كان‪ .‬أما عموم الشعب فقد انتابتهم راحة‪ ،‬جزء منها نتيجة هدوء الفزع الذى أثاره المتطرفههون خلل عههاَمى الثههورة‪ ،‬وجههزء منههها لن ذلههك بههدا كههأنه عههودة للحيههاة‬
‫الطبيعية‪ ،‬تلك التى اعتادوها ويعرفونها ويعرفون كيف يدّبرون أمرهم فى إطارها‪ .‬وكذلك كان موقف المجتمع الدولى مائعا‪ ،‬فقد وفر المجلس الرئاسى غطاء وجه للحكومات الجنبية التى تتبنى تأييههد الديمقراطيههة كسياسههة‬
‫ج إلى غطاء وأعربت عن سعادتها بعودة الستقرار لمصر‪.‬‬
‫لها‪ ،‬فاعتبروها خطوة فى التجاه السليم‪ ،‬أما الحكومات ذات الوجه المكشوف فلم تحَت ْ‬
‫طل قبلت بالمهمة‪ .‬لو سألتنى وقتهههها‬
‫وسط هذا الذعان العاّم عاد الحكم إلى القصر الرئاسى‪ .‬وتم تعيين المقدم المنيسى رئيسا لديوان رئيس الجمهورية‪ ،‬وطلب منى القيام بوظيفة سكرتير الرئيس للمعلومات‪ .‬وبعد تفكير لم ي ُ‬
‫جعنى علههى‬
‫حح الخطاء التى وقع فيها المجلس القديم وتضع البلد على الطريق السليم‪ .‬وأيدنى فى هذا عزالدين فكرى‪ .‬حتى محمههود ش ه ّ‬
‫ت لجبتك بأنى صّدقتهم‪ ،‬وأملت أن تكون هذه الفترة مرحلة انتقالية حقيقية تص ّ‬
‫ِلَم قبل ُ‬
‫خبين فى آن واحد‪ .‬لكن بشكل أو بآخر كنا نأمههل فههى أن يكههون لوجههودى‬
‫ى‪ ،‬رغم أنه لم يَر فى ما جرى أكثر من انقلب عسكرى قامت به الدرجات الوسطى ضد القيادات العليا والمدنيين المنت َ‬
‫قبول الوظيفة المعروضة عل ّ‬
‫داخل الحلقة الضيقة لصنع القرار أثر إيجابى على مجريات المور‪ .‬كذلك أستطيع لوم أّمك على هذا‪ ،‬أو حتى لومك أنت‪ ،‬وأن أّدعى أن قبولى بالوظيفة هذه جاء من باب الشههعور بالمسههؤولية عنكمهها‪ ،‬والرغبههة فههى تههوفير‬
‫نفس مستوى الحياة والمان والحماية الذى اعتدتماه‪ ،‬خصوصا وأنت فى بداية مرحلة المراهقة الحرجة ووسط بلد متقلب‪ .‬لكن هذا غير حقيقى‪ ،‬فقد صار جدك وزيرا للدفاع فى بلد يحكمههه العسههكر‪ ،‬فههأى حمايههة أكههثر مههن‬
‫هذه؟!‬
‫لكنى حين أفكر الن فى المر‪ ،‬أعتقد أن قبولى هذه الوظيفة لم يكن فقط لهذه السباب‪ ،‬بل لنى خفت‪ .‬خفت أن أخرج من القصر الرئاسى إلى عههالم ل أعرفههه‪ .‬صههحيح أن الثههورة فتحههت لههى آفاقهها كنههت أجهههل وجودههها‪،‬‬
‫جههب كيههف قضههيت أربعيههن عامهها فههى هههذا الطههار‬
‫ى‪ ،‬وصرت أرى حياتى القديمة ضيقة ومحدودة وأتع ّ‬
‫وجعلتنى أكتشف ِمصر أخرى غير تلك التى عرفتها من قبل‪ .‬وصحيح أن ذلك فتح فى حياتى أبوابا لبهجة جديدة عل ّ‬
‫الخانق‪ .‬لكن حين جاءت لحظة الختيار بين أمان ما أعرفه واعتدته‪ ،‬والمجهول‪ ،‬خفت الخروج من المكان الوحيد الذى أعرف فيه المان‪ ،‬خفت أن أضيع إن تركت العالم الوحيههد الههذى لههى فيههه قيمههة وأصههبح عالههة علههى‬
‫ى الجلوس بجوار العرش‪ ،‬وربما القدرة على التأثير فى قراراته‪ .‬ومن َثّم قِبلت‪.‬‬
‫أصدقائى أو حماى‪ .‬بالمقارنة مع هذا الضياع المحتَمل‪ ،‬كان المقدم المنيسى يعرض عل ّ‬
‫جهة إلى مدنيين والحكام الصادرة بحقهم من القضاء والنيابة العسكرّيين‪ ،‬وانسحبت الشرطة العسكرية مههن الشههوارع‪ ،‬وُأعي هَد‬
‫ض المولد فى وزارة الدفاع‪ .‬تم إسقاط جميع التهم المو ّ‬
‫ومع عودة الحكم إلى القصر الرئاسى انف ّ‬
‫الحظر على نشر أى أمر يتعلق بالقوات المسلحة دون إذن ُمسَبق‪ ،‬ولم يُعد أحد يسمع عن العسكريين شيئا‪ .‬أما السيد وزير الدفاع‪ ،‬اللواء القطان‪ ،‬فقد توارى عن المشهد السياسى برمته مركههزا جهههده كلههه علههى »تطههوير«‬
‫القوات المسلحة‪ .‬ولم أفهم ماذا كان يفعل حتى وقت متأخر‪.‬‬
‫وفى إطار تطعيم السلطة بالمدنيين من أبناء الثورة عرض المقدم المنيسى على عزالدين فكرى ترك الجامعة والعمل متحدثا رسميا باسم المجلس الرئاسى‪ .‬ناقشه عزالدين كثيرا فههى هههذا العههرض‪ ،‬فههى حضههورى‪ ،‬محههاول‬
‫إقناعه‪ .‬وأّكد له أنه لن يكون مجرد بوق للمجلس الرئاسى وإنما سيشارك فى وضع السياسة نفسها كى يتمكن من الدفاع عنها‪ .‬شرح له أن المطلوب ليس متحدثا رسميا بالضبط وإنما مستشار‪ ،‬سياسى وإعلمى‪ ،‬يشارك فى‬
‫صياغة القرارات كى تلقى قبول من الناس‪ .‬وبدا أن المر يروق لعزالدين‪ ،‬لكنه رفض العرض فى النهاية‪ .‬وحين سألته على انفراد قال إن لديه أشياء أخههرى أكههثر أهميههة يفعلههها‪ .‬سههألته مهها هههى‪ ،‬فأجههاب بثقههة‪» :‬العههداد‬
‫للنتخابات المحلية«‪ .‬استغربت‪ ،‬ولم أفهم إل متأخرا‪.‬‬
‫ومع إحكام قبضة العسكريين على البلد واختفائهم من المشهد فى نفس الوقت بدأت الناس تشعر بالستقرار والطمأنينة التى افتقدوها لسنوات‪ .‬حتى نههدا‪ ،‬أمههك‪ ،‬عههادت إلههى ابتسههاماتها الُمحَكمههة‪ ،‬وعههدت أنههت للههذهاب إلههى‬
‫المدرسة كل يوم دون إجازات ممتدة‪ ،‬وتوقف إبراهيم زوج أختى عن التخطيط للسفر إذ عادت السياحة بسرعة للنتعاش‪ .‬كأن الجميع كان متعطشا للعودة إلى هذه الحياة‪ .‬حتى محمود وسالى عههادا لبعضهههما البعههض مههرة‬
‫أخرى‪ ،‬وتوسعت سالى فى مؤسستها العلمية وساعدها محمود فى ذلك‪ .‬كما بدأ المجلس الرئاسى مشاورات مع القوى السياسية لكتابة دستور جديد وإعداد قانون للنتخابات‪ ،‬وبدا لعدة شهور أن كل شيء يسير فى طريقه‬
‫بهدوء… لكن هذا الهدوء كان أكثر هشاشة مما ظننت…‬
‫ع‪.‬ش‪.‬فشير‬

‫‪------------------------------‬‬‫رواية باب الخروج لعز الدين شكري فشير‪ ..‬الحلقة العشرين‬

‫الخطر من تحّرك القوى السياسية المدنية ومؤيديها كان تحــرك الســلفيين ‪ ..‬فهــؤلء قِبلــوا التعــاون مــع‬
‫العسكر مقابل تغيير نصوص محددة فى الدستور‬
‫بدأت سلسلة الزمات فى ‪ 21‬مارس فى العام التالى‪ ،2013 ،‬بحادثة أمنية بجوار أرض اللواء‪ .‬توجه مسؤولون من المحافظة مدعومين بقوة من الشرطة إلى منطقة قريبة من أرض اللواء لتنفيذ أمر إزالة لخمس عمارات‬
‫ض زراعية‪ .‬حاول أصحاب العمارات تأجيل تنفيذ قرار الهدم لكن القوة مضت فى طريقها‪ ،‬فاستنجد أصحاب العمارات بمالكى الشقق وأهاليهم لمنع القوة من هدم البيوت‪ ،‬وتطههور المههر إلههى‬
‫أقيمت دون ترخيص على أرا ٍ‬
‫خل مزيد من الهههالى حههتى‬
‫اشتباكات وقع فيها ثلثة قتلى‪ ،‬اثنان منهم من قوة الشرطة‪ .‬انسحبت الشرطة لكنها عادت فى الليل للقبض على الجناة‪ ،‬فوجدت الهالى متحصنين بالعمارات‪ ،‬ووقعت اشتباكات أكبر أّدت إلى تد ّ‬
‫أصبح موقف قوة الشرطة حرجا‪ .‬فاستنجدت القوة بوزارة المن الداخلى التى أرسلت تعزيزات لنقاذ الموقف‪ .‬وفى خلل أربع وعشرين ساعة تحههول الوضههع فههى أرض اللههواء إلههى حههرب‪ ،‬وسههقط ضههحايا كههثيرون مههن‬
‫الجانبين‪ ،‬ومع سقوط الضحايا اشتعل الموقف أكثر وامتّد ليشمل مناطق ناهيا وصفط اللبن وبولق الدكرور حتى كفر طهرمس‪ .‬ثم أعلنت جماعة مجهولة عن اختطاف دورية شرطة تضّم أربعة ضباط بينهم عميد‪ ،‬وخمسة‬
‫عشر جنديا بأسلحتهم وسياراتهم‪ .‬وكرّد فعل لذلك طوقت الشرطة المنطقة الواقعة غرب شارع السودان بأكملها‪ ،‬وأقامت المتاريس وبدأت حصارا مفتوحا للمنطقة حتى يعههود المخطوفههون‪ .‬حاولنهها التوسههط لههدى الخههاطفين‪،‬‬
‫حتى إنى اتصلت بعفاف أسالها إن كانت هى أو حسن يعرفان أحدا له علقة بما يحدث‪ ،‬فضحكت بمرارة ونفت معرفتها بما يحدث‪ ،‬قائلة إن بيتها بعيد عن الحداث وإن أرض اللواء ل يعرف كل سههكانها بعضهههم بعضهها‪.‬‬

‫خل الجيش فى الزمة‪ ،‬قههائل إنههها ثقههب أسههود يمكههن أن يبتلههع مههن‬
‫ل أحدا يستطيع التوسط لكن أحدا لم يقبل الوساطة ونأى الجميع بنفسه عن المشكلة‪ .‬حتى اللواء القطان رفض تد ّ‬
‫حاولت مع أصدقائى الثوريين وغيرهم ع ّ‬
‫يدخله‪ .‬ومن ثم طلبنا من حكومة الدكرورى التعامل مع المشكلة بطريقتها… واستمر الحصار‪.‬‬
‫بعد هذه الحادثة بأيام بدأت الحتجاجات تظهر فى مناطق أخرى من المدينة‪ ،‬هذه المرة لسباب فئوية تتعلق بالجور أو بأسعار السلع وتوّفرها‪ .‬كان الحتياطى النقدى قد نفد منذ شهور‪ ،‬ورفضت الحكومة الشروط القاسههية‬
‫طّرت الحكومههة إلههى‬
‫التى وضعتها مؤسسات التمويل الدولية لنها كانت ستؤّدى إلى رفع أسعار الوقود والخبز أكثر من ضعفين‪ ،‬بما يعنى إشعال البلد فورا‪ .‬وفى نفس الوقت لم يتطوع أحد بمّد يههد المسههاعدة الماليههة‪ ،‬فاض ه ُ‬
‫تمويل العجز بطبع مزيد من أوراق النقد‪ .‬لم ينَهْر القتصاد‪ ،‬فقد كانت السياحة مستقرة نسبّيا واستمر الدخل التى من قناة السويس ومن الصادرات فى تأمين مستوى معقول من الدخل القومى‪ .‬لكههن الزمههة كههانت تتزايههد‪،‬‬
‫طراد‬
‫خم بهها ّ‬
‫ببطء ولكن بشكل مستمر‪ ،‬مثل سفينة تغرق شيئا فشيئا‪ .‬ولم يمّكن ذلك الوضع المالى الحكومة من رفع الجور كما وعد المجلس الرئاسى ‪،‬أو إدخال أى إصلحات فههى أى مجههال‪ ،‬بههل علههى العكههس‪ ،‬زاد التض ه ّ‬
‫وبدأت شكوى الناس تزداد‪ .‬لم يكن لدى المجلس الرئاسى ‪-‬ول العسكر القابعين من خلفه‪ -‬حل للمطالب الفئوية التى عادت تطل برأسها بقوة‪ ،‬فلجأنا إلى القوى السياسية من أجل التوصل إلههى حههل لكههن أحههدا لههم يقههدم شههيئا‬
‫مفيدا‪ .‬لم يكن من الممكن الستجابة لهذه المطالب‪ ،‬ول قمعها‪ .‬فظلت الحكومة تسّوف وتماطل‪ ،‬مما أطال فترة الحتجاجات والضرابات‪ ،‬وبدأت قطاعات أخرى تنضّم إليها‪.‬‬
‫وفى منتصف أبريل نشرت اللجنة المشّكلة لكتابة الدستور الدائم مشروعها‪ .‬لم أكن شخصيا راضيا عنه‪ ،‬ول المجلس الرئاسى بمن فيه رئيسه‪ ،‬القاضى العسكرى‪ .‬وأجرينهها مناقشههات لمس هّودته مههع عههدد مههن رمههوز القههوى‬
‫السياسية سرا‪ ،‬بمن فيهم صديقى عزالدين ومحمود اللذان اكتسبا نفوذا واسعا فى أوساط الليبراليين واليسههاريين‪ .‬ولههم نلمههس رضههاء أى ِمّمههن ناقشههناهم عههن الدسههتور المقههترح‪ .‬وشههرحت هههذا لعضههاء المجلههس الرئاسههى‬
‫العسكريين‪ ،‬وللواء القطان وبعض مساعديه ممن أعلم أن لهم نفوذا على المجلس‪ .‬لكنهم لم يهتموا‪ ،‬وقالوا إن هذه القوى ستعترض فى كل الحوال‪ ،‬ثههم سههيتقبلونه مههع الههوقت‪ ،‬ربمهها بعههد تعههديل مههادة أو اثنههتين‪ .‬لههم أقتنههع‪،‬‬
‫حّقين‪ .‬لكنهم كانوا مخطئين‪ ،‬فقد رفضت جميع القوى السياسية مشروع الدستور فور إعلنه‪ ،‬واعتبروه مجرد نسهههخة‬
‫ت‪ ،‬وقلت لنفسى دعهم يروا بأنفسهم‪ ،‬وربما كانوا ُم ِ‬
‫وحاولت شرح وجهة نظرى لكنهم لم يستمعوا‪ ،‬فصم ّ‬
‫منقحة من دستور ‪ .1971‬وبدأت سلسلة من الحتجاجات والتظاهرات أدهشتنى حيويتها‪ .‬كنت أظنهم قد نسوا الحتجاجات الشعبية‪.‬‬
‫محمود بشير وعزالدين كان عندهما ‪-‬كالعادة‪ -‬تفسير لقوة التظاهرات؛ استكان الجميع للحكم العسكرى على أساس تهدئة الوضع وتجميع الصفوف‪ ،‬أو على أمل أن تسفر المرحلة النتقالية الجديدة عههن شههىء أفضههل‪ .‬حههتى‬
‫هؤلء الذين وصفوا ما حدث بأنه انقلب عسكرى مقّنع اختاروا النتظار حتى يرتاح الشعب ويلتقط أنفاسه‪ ،‬وحتى ل ُيتهموا بنفاد الصبر والعجلة‪ .‬أما الن‪ ،‬وقد تمخض الجبل فولد فأرا‪ ،‬فلم يعد للحجام من مبرر‪.‬‬
‫الخطر من تحّرك القوى السياسية المدنية ومؤيديها كان تحرك السلفيين‪ ،‬فهؤلء قِبلوا التعاون مع العسكر مقابل تغيير نصوص محددة فى الدستور تجعل تطبيق الحدود الشرعية بنصههها واجبهها )الجلههد وقطههع اليههد والرجههم‬
‫ص مشروع الدستور‪ .‬العسكر القابعون خلف المجلس الرئاسى‪ ،‬فى لؤمهم المفضوح‪ ،‬لم يكن لديهم أى نية فههى إدخههال هههذه التعههديلت علههى‬
‫وضرب العنق وغير ذلك( ل استلهام مبادئ أو روح أو مقاصد الشريعة مثلما ين ّ‬
‫ن جنون السلفيين‪ .‬أغرقوا الشوارع والميههادين فههى مشههاهد‬
‫جّ‬
‫الدستور‪ ،‬لكنهم كانوا يحتاجون إلى دعم السلفيين فى مواجهتهم للخوان فرضخوا‪ .‬أما الن وقد حانت ساعة الحقيقة‪ ،‬فقد أسقطوا هذه التعديلت من المشروع‪ ،‬و ُ‬
‫أعادت إلى الذهان أيام ما قبل النقلب‪ ،‬ثم بدأ بعض الجماعات السلفية المتناثرة فى حمل السلح ضد ما أسموه »الحكومة الكافرة«‪ ،‬بدؤوا فى المناطق النائية فى مطروح والوادى الجديد وسيناء‪ ،‬ثم ظهههرت لهههم جيههوب‬
‫فى العشوائيات والمناطق الفقيرة‪ .‬وُيعتقد أنهم هم من اختطف دورية الشرطة فى أرض اللواء‪ .‬وقد أّلب ذلك بقية الشعب على المجلس الرئاسى والعسكر مههن خلفههه‪ ،‬فقههد تنههازلوا عههن جههزء مههن حريتهههم وأحلمهههم مقابههل‬
‫الستقرار والمان من الفزع الذى يثيره فيهم السلفيون‪ ،‬والن وجدوا أنفسهم وقد خسروا الثنين معا‪ .‬وهكذا‪ ،‬زاد التذمر من المجلس الرئاسى والعسكر القابعين وراءه يوما بعد يوم‪.‬‬
‫لم تكن تلك الزمات بركانا سيفجر الموقف‪ ،‬بل كانت أقرب إلى الساعة الرملية المقلوبة التى تظهر على شاشة الكمبيوتر فى أثناء تنفيذ أمر معّقد‪ .‬الوقت ينفد‪ .‬هذا ما كانت تلك الزمات تشير إليه‪ .‬وسواء فهم العسكر هههذا‬
‫أم لم يفهموه‪ ،‬فإن الناس العاديين فهموا أن عودة تلك الزمات تعنى بداية تبّدد الراحة المؤقتة التى نعموا بها‪ .‬ومثل الفئران التى تفّر من السفينة قبل غرقها‪ ،‬شرع إبراهيم زوج أختى فى العداد للسفر‪ .‬هذه المههرة لههم تقلههل‬
‫صفية من أهمية ما يفعل‪ ،‬بل قالت إن عمله من القاهرة أصبح صعبا ول يمكن العتماد عليه‪ ،‬كما أنها تشعر بالختناق‪ ،‬حتى المسجد الذى تعطى فيه دروس القرآن منههذ عشههر سههنوات لههم تُعههد تسههتطيع الههذهاب إليههه بعههد‬
‫ل‪ .‬فصفية‬
‫ى مع أولدهم الثلثة لعامين أو ثلثة حتى تتضح الصورة‪ .‬كان هذا القرار طعنة فى قلبى‪ ،‬ل أق ّ‬
‫استيلء السلفيين على إدارته‪ ،‬بمعرفة المسؤولين فى وزارة الوقاف‪ .‬ومن ثم وافقت إبراهيَم على الستقرار فى دب ّ‬
‫ى وآخر من بقى لى من العائلة‪ .‬ومنذ وفاة أبى‪ ،‬ثم وفاة أمى‪ ،‬لم يعد لنا سوى بعضنا‪ .‬حتى عمر الذى يعيش فى إيطاليا نّفذ تهديده وقطع الرسائل القليلة والمكالمات النادرة التى كنت أتلقاها منه‪ .‬لههم يكههن لههى‬
‫أقرب الناس إل ّ‬
‫جبة حافظة القرآن‪ ،‬بسبب السلفيين!‬
‫أحد سواها‪ ،‬والن سترحل أختى المح ّ‬
‫لم تعّلق أمك على قرار صفية‪ ،‬وإن قالت نظرتها بجلء ما يدور فى ذهنها‪ .‬وأصبحت تصّر على اصطحابك بنفسها إلى المدرسة والذهاب لحضارك‪ .‬وكنت أنت أيضا مندهشا من ذلههك‪ ،‬لكننهها كلينهها لههم نُقههل شههيئا‪ .‬اللههواء‬
‫القطان‪ ،‬الذى صرت أدعوه سيادة الوزير‪ ،‬كان حذرا فى تفاؤله‪ .‬وعند الحديث عن المستقبل والسفر والستقرار كان يغّير الموضوع ويقول إن لكل وقت أذانا‪ .‬وقد عزونا ذلك إلى انشغال ذهنه بالواجبههات اليوميههة للههوزارة‬
‫وعدم استعداده لنفاق وقته أو تركيزه على أمور بعيدة‪ .‬فمنذ تعيينه وهو يعمل تقريبا ثمانى عشرة ساعة فى اليوم‪ ،‬إذ بدأ عملية إعادة تنظيم شاملة‪ ،‬خصوصا مع إحالة كل الضباط القدم منه إلى التقاعد فور تعيينه‪ .‬احتفظ‬
‫خ دماء جديدة فههى كههل‬
‫لنفسه برتبة اللواء‪ ،‬وقلل عدد اللواءات العاملين‪ ،‬فى حين نقل كثيرا من المسؤوليات القيادية إلى رتب أصغر كى يفتح الباب لمشاركة أكبر من الرتب الوسيطة فى إدارة الجيش‪ .‬وقد أّدى ذلك إلى ض ّ‬
‫مواقعه تقريبا‪ ،‬وإلى استبعاد كثيرين أيضا‪ .‬وفى حين احتفظ قادة الفرع الرئيسية بالسلطة الحقيقية فى البلد‪ ،‬فإنهم حرصوا على ممارستها من خلل المجلس الرئاسى‪ ،‬ولم يظهر أحد منهم على شاشة تليفزيههون أو يصههدر‬
‫عرف له اسم‪.‬‬
‫تصريحا أو حتى ‪-‬فى حالة بعضهم‪ُ -‬‬
‫أما المجلس الرئاسى الذى عملت معه فقد أصبح هاجسه الرئيسى هو كيفية التصرف حيال الزمات التى تمتّد كل يوم لتضّم قطاعات جديدة‪ .‬كنا نشعر أننا نجلس فوق قمههة ماكينههة ضههخمة تههتيّبس أجزاؤههها يومهها بعههد يههوم‬
‫وتتوقف عن العمل تدريجيا دون أن يكون لدينا المال أو القدرة على إصلحها‪ .‬وكلما حاولنا إعادة تشغيل جزء توقف جزء آخر‪ .‬أجرينهها كههثيرا مههن المشههاورات‪ ،‬والجتماعههات‪ ،‬والمقههابلت‪ ،‬بهههدف جمههع أكههبر قههدر مههن‬
‫ى مئات المذكرات التى تحمل أفكارا ومشروعات لمواجهة هذا التذمر المتزايد بين فئات الشعب‪ .‬معظم هذه القتراحات سقيم وجاهل كمن كتبه‪ ،‬وبعضها فيه رمق مههن فههائدة‪ .‬لكههن الكارثههة الكههبرى‬
‫المقترحات‪ .‬ومر بين يَد ّ‬
‫كانت علمى التاّم أن المجلس الرئاسى هذا لن يفعل شيئا لتهدئة التذمر‪ ،‬ل هو بأعضائه الخمسة الضعاف التائهين‪ ،‬ول القادة العسكريون المختبئون وراءه‪ .‬ل المال عندهم‪ ،‬ول الرؤية‪ ،‬ول التأييد‪ ،‬ول القدرة السياسية‪ .‬ومن‬
‫صههل إليههه اللههواء القطههان مههع‬
‫ص َتو ّ‬
‫َثّم لم يكن أمامهم إن أرادوا تجنب السقوط فى الفوضى سوى اللجوء إلى تشديد القبضة المنية‪ .‬وكانت وزارة المن الداخلى قد تم إعادة تنظيمها وتسليحها وتجهيزها بناًء على اتفاق خا ّ‬
‫الجانب المريكى‪ ،‬تم بمقتضاه توجيه جزء من المساعدات العسكرية لتمويل إعادة بناء الشرطة وبقية أجهزة المن‪ .‬وباكتمال هذه العملية‪ ،‬ظل وزير المن الداخلى يتحين الفرصة لستعادة سههيطرة وزارتههه علههى المههور‪.‬‬
‫جعونه على القيام به‪.‬‬
‫وهو المر الذى كان اللواء القطان وبقية زملئه يش ّ‬
‫ع‪.‬ش‪.‬فشير‬

‫‪---------------------------------‬‬‫رواية باب الخروج لعز الدين شكري فشير‪ ..‬الحلقة الحادية والعشرين‬
‫ظللنا ليلتها جالسين ل نفعل شيئا‪ .‬طلب القاضى الرئيس منى تنظيم اجتماع للمجلس الرئاسى بحضور الدكتور الدكرورى ووزيَرى المن الداخلى والدفاع‪ .‬لكنى حين هههاتفت اللههواء القطههان اعتههذر لعههدم الحضههور باعتبههار‬
‫ص المن الداخلى‬
‫القضية تخ ّ‬
‫جههل‬
‫ى غير مصّدق‪ .‬وَلّما رأيت أن محتويات الورقة لم تتغير بعد الفرك أعطيتها للرئيههس‪ .‬نظههر القاضههى المب ّ‬
‫للتراس‪ .‬نظرت فى الورقة التى جاءتنى وفركت عيَن ّ‬
‫كنا فى الجتماع اليومى المسائى حين جاءتنا أنباء هجوم ا ُ‬
‫فيها مطّول ثم أعطاها بملل ظاهر لزميليه العسكرّيين‪ ،‬العميد هشام والعميد مدحت‪ .‬تشاركا النظر فى الورقة وبدأ صوتهما يرتفع بالسباب وقاما واقَفين وهما فى منتصف القراءة‪ .‬العضوان المدنيان‪ ،‬الدكتور سيد والههدكتور‬
‫ب الدين‪ .‬أمسك القاضى رأسه بكلتا يديه وأخذ ينظر إلى المنضههدة فههى صههمت‪ .‬الههدكتور‬
‫ل يسألن عن محتوى الورقة‪ ،‬لكن العميد مدحت لم يفلتها من يده وقام خارجا يتصل بالتليفون وتبعه العميد هشام وهو يس ّ‬
‫رفعت‪ ،‬ظ ّ‬
‫ف عن السؤال‪ ،‬فى حين قام الدكتور سعيد يسعى خلف العميد مدحت وهشام‪ .‬أخيرا َتنّبه الدكتور سيد أنى مصدر الورقة فسألنى عما فيههها‪ .‬قلههت‬
‫سيد يسأل القاضى فى رتابة عما حدث‪ ،‬فل القاضى يرد ول الدكتور سيد يك ّ‬
‫للتراس« المحظور بقتل اثنى عشر ضابطا وثمانية من المدنيين هذا المساء خنقا بكوفيات عليها علمة النادى الهلههى‪ ،‬ونشههر صههور القتلههى علههى النههترنت‪.‬‬
‫له‪ :‬وزير المن الداخلى يفيد بقيام عناصر من تنظيم »كتائب ا ُ‬
‫سألنى عن ُهوّية القتلى فأكدت له أنهم هم الذين سبق تبرئتهم فى قضية أحداث مباراة الهلى والمصرى…‬
‫هكذا بدأت سلسلة الكوارث‪.‬‬
‫ظللنا ليلتها جالسين ل نفعل شيئا‪ .‬طلب القاضى الرئيس منى تنظيم اجتماع للمجلس الرئاسى بحضور الدكتور الدكرورى ووزيَرى المن الداخلى والدفاع‪ .‬لكنى حين هههاتفت اللههواء القطههان اعتههذر لعههدم الحضههور باعتبههار‬
‫ص المن الداخلى‪ .‬أما وزير المن الداخلى فلم أتمكن من العثور عليه‪ ،‬وَتبّين لى فى ما بعد أنه كان مجتمعا مع اللواء القطان فى بيته‪ .‬حتى العضوان العسكريان‪ ،‬مدحت وهشام‪ ،‬لم يعودا إلى مبنى الرئاسة‪ ،‬فلم‬
‫القضية تخ ّ‬
‫أَر ضرورة للتصال بالدكرورى‪ .‬وظللنا نحن الربعة‪ :‬العضاء الرئاسيون الثلثة وأنا‪ ،‬ننتظر حدوث شىء‪ ،‬حتى قاربت الساعة منتصف الليل‪ ،‬فقرر القاضى تأجيل الجتماع إلى الغد‪ .‬وكان هذا قراره الوحيد تلك الليلة‪،‬‬
‫والخير‪.‬‬
‫ط فى يدي؛ َترّدد الحديث عههن‬
‫لم نجتمع فى الصباح‪ ،‬ففى الرابعة صباحا أيقظنى اللواء القطان بالتليفون ليقول لى إن إسرائيل شّنت هجوما مباغتا على المنشآت النووية اليرانية‪ ،‬ويطلب منى الحضور فورا إلى مكتبه‪ُ .‬أسِق َ‬
‫ض ذلك كله فى ذهنى فى أقل من ثانيههة‪ ،‬وسههألت القطههان إن‬
‫مثل هذا الهجوم لسنوات حتى اعتدناه واستبعدنا وقوعه‪ ،‬لكنه وقع‪ .‬وكنت أعلم أن هذه كارثة‪ ،‬ليس فقط على إيران والمنطقة‪ ،‬بل على استقرار مصر نفسها‪َ .‬وَم َ‬
‫ّّعليك هذه التفاصيل لتعرف كيف كانت تدار المور فى أثناء هذه الفترة‪ .‬كنت قد اعتدت هههذه الطريقههة؛‬
‫كان يريدنى أن أبلغ المجلس الرئاسى فقال إن هشام ومدحت عنده‪ ،‬وإنه سيبلغ الباقين فى ما بعد لتفادى البلبلة‪ .‬أقص‬
‫خرون‪ ،‬القاضى وشريكاه‪ ،‬كانوا قد اعتادوها‪.‬‬
‫سألته وأنا أتوقع إجابته‪ .‬حتى الثلثة ال َ‬
‫ذهبت إلى الوزارة فوجدت القطان مع كبار مساعديه فى »غرفة العمليات«‪ ،‬وهى قاعة اجتماعات كبرى بها خرائط كبيرة وبعض الوسائل اللكترونية البسيطة‪ .‬جلست أسههتمع إلههى الشههرح‪ ،‬وأدركههت لحظتههها أن الكارثههة‬
‫قادمة ل محالة‪ .‬نظرت إلى الواء القطان فوجدت وجهه شاحبا وملمحه متجمدة‪ ،‬فعرفت أنى لست وحدى فى تقديرى المتشههائم‪ .‬اسههتمر القصههف السههرائيلى ليههران لمههدة أربعههة أيههام‪ ،‬واتهههم السههلفيون والخههوان حكومههة‬
‫ب فى المريكان والسرائيليين ويصفهما بالخسة والخداع‪ ،‬حيث أعطتههه كلتهها الههدولتين تأكيههدات بعههدم‬
‫الدكرورى والمجلس الرئاسى بالتواطؤ مع إسرائيل‪ .‬وأقول لك كشاهد إن هذا غير حقيقى‪ ،‬بل إن اللواء القطان ظل يس ّ‬
‫ن مثل هذا الهجوم‪ .‬وبعد أربعة أيام من تلّقى الضربات بدأت إيران ترّد من خلل حزب ال فى لبنان الذى أمطر حيفا وتل أبيب بوابل من الصواريخ‪ ،‬فقامت إسرائيل بقصههف الراضههى اللبنانيههة‪ .‬وحيههن انض هّمت‬
‫نيتهما ش ّ‬
‫حركة حماس إلى المعركة من غزة رّدت إسرائيل بقصف وحشى للقطاع حتى الحدود المصرية‪ ،‬وأشاع السلفيون والخوان أنها قصفت خط الحدود بالكامل‪ ،‬بههل وتجههاوزته فههى مطارداتههها لعناصههر حمههاس وهههى تحههاول‬
‫الختباء فى الراضى المصرية‪ ،‬واتهموا مرة أخرى المجلس الرئاسى وحكومة الدكرورى بالتواطؤ‪ ،‬لكنهم هذه المرة كانوا على حق‪ .‬لم يكن المر تواطؤا بالضبط‪ ،‬بل غيابا للخيارات‪ .‬لم يكن هناك شىء يمكههن فعلههه‪ :‬ل‬
‫نستطيع مطاردة عناصر حماس أو منعها من الرد على قصف إسرائيل للقطاع وإل اّتهمنا بالقتال إلى جانب إسرائيل‪ .‬كما ل نستطيع منع السرائيليين من القيام بههذلك بأنفسهههم وإل اعتبرونهها طرفهها فههى القتههال معهههم‪ .‬وكل‬
‫خر‪.‬‬
‫المرين يستحيل علينا التورط فيه‪ ،‬فتركنا كليهما لل َ‬
‫ثم بدأت الصواريخ اليرانية نفسها فى الهطول على إسرائيل‪ ،‬وعند هذه النقطة تدخلت الوليات المتحدة مباشرة فى القتال‪ .‬وأستطيع أن أقول لك إنه حين وقع ذلك‪ ،‬فى اليوم السابع للحرب‪ ،‬أدركنا ‪-‬اللواء القطان وأنههها‪ -‬أن‬
‫ق‪ ،‬وتناقشههنا‬
‫نظام الحكم فى مصر قد دخل أيامه الخيرة‪ .‬خرجنا من الجتماع وأخذنى على جنب وطلب منى العودة إلى المنزل وإعداد نفسى وندا وأنت للسفر‪ .‬حدقت إليه مذهول فأومأ برأسه فى صمت‪ .‬قلت لههه إنههى بهها ٍ‬
‫ض‪.‬‬
‫دقائق معدودة لكن كان عليه الّذهاب فلم نكمل الحديث‪ ،‬وظل يشير إلى بسّبابته وهو ما ٍ‬
‫ى‪ .‬أنكرت المتحدثة باسم الحكومة‪ ،‬قائلة إن ذلك تواطؤ فى قتال ضد دول عربيههة ومسههلمة ل يمكههن لحكومههة‬
‫عبرت السفن المريكية من قناة السويس على مرأى ومسمع الجميع‪ ،‬واستخدم المريكان المجال الجّوى المصر ّ‬
‫مصرية أن تقوم به‪ .‬لكن مسؤولين عسكريين أمريكيين أكدوا ذلك فى شهاداتهم أمام الكونجرس بعدها بيوم واحد‪ ،‬وأوضحوا أن هذه ترتيبات عسكرية متَفق عليههها بيههن الجههانبين‪ ،‬وتههم تفعيلههها مههرارا‪ .‬وطبعهها أشههعلت هههذه‬
‫التصريحات الوضع الداخلى أكثر‪ .‬اتصل محمود بى فى ذلك المساء نفسه من عند حسن وعفاف وميرفت فى أرض اللواء‪ ،‬وحذرنى من أن البلد كلها تغلى‪ ،‬ول أحد يعلم من الذى يقود هذا الغضب العههارم‪ ،‬ل هههو ول أى‬
‫من التنظيمات الثورية التى يعرفها‪ .‬ما قاله يتفق مع تقديرات أجهزة المن‪ .‬لكن ل أحد لديه مخرج أو حل‪ .‬أخبرته بذلك فارتاع أكثر‪ ،‬وصمت لحظة ثم نصحنى ‪-‬إن كان الحال كذلك‪ -‬بالستقالة علنا‪ ،‬فورا‪ .‬ولمهها قلههت لههه‬

‫إنى ل أستطيع التخلى عن عملى فى أشد الزمات أهمية اتهمنى بالغباء والجبن‪ ،‬وأغلق الخط‪ .‬اتصلت بعزالدين فوجدته هادئا‪ ،‬وسألته عن رأيه فقال إن وقت الراء فات ولم يعد هناك ما يمكههن عملههه‪ ،‬فهههذا هههو النفجههار‬
‫الذى طالما حذر منه هو والقوى المدنية‪ ،‬وهو انفجار ل أحد يعرف من الذى يسيطر عليه‪ ،‬إن كان أحد يسيطر عليه‪ .‬ثم نصحنى بالرحيل بأسرع وقت من الرئاسة والبقاء فى البيت‪.‬‬
‫لكنى لم أرحل‪ .‬كيف يمكن لى أن أرحل والسفينة توشك على الغرق هكذا؟ الدكتور سيد‪ ،‬عضو المجلس الرئاسى من حزب الوفد‪ ،‬هو الذى رحل‪ .‬وتذكرت فئران السفينة حين علمت‪ .‬حاول العسكريون »إقناعه« بالعهههدول‬
‫عن الستقالة لكنه رفض فى صلبة لم أَر لها أثرا لديه قبل ذلك اليوم‪ .‬ثم تبعه العضو المدنى الخر بالمجلس الرئاسى‪ ،‬ممّثل حزب التجمع المفصول من حزب التجمع‪ .‬وشههيئا فشههيئا أعلنههت القههوى السياسههية تبّرَؤههها مههن‬
‫المجلس الرئاسى وترتيبة الحكم القائم الذى عاد عسكريا عاريا كما ولده من أقاموه‪ .‬ومع استمرار العمليات العسكرية فى الخليج ولبنان وعلى الحدود‪ ،‬تراجعت قوة الرد اليرانى وبدا واضحا أنها ستنكسر فى النهايههة‪ ،‬ممهها‬
‫أشعل غضب المتظاهرين أكثر‪ .‬وتزايد احتشاد المظاهرات المنددة بالعسكر وحكمهم فى ميادين مصر‪ ،‬وأصبح النداء واحدا‪ :‬سقوط حكم العسكر الذين فشلوا فى السياسة والعسكرية على حد سواء‪ ،‬ومحاكمة قادتهم‪ .‬لم نُكن‬
‫ف من حربها القريبة مههع‬
‫نعلم من الذى يقود هؤلء الناس‪ ،‬ول ماذا يمكن أن نعطيه لهم كى يهدؤوا‪ .‬وقبل أن نجد الجابة تحولت المظاهرات إلى اضطرابات‪ .‬وبدأ ذلك ‪-‬كما َتنّبأ محمود بشير‪ -‬فى أرض اللواء التى لم تتعا َ‬
‫الشرطة‪ .‬ثم تبعتها بقية الحياء الفقيرة‪ ،‬ثم العشوائيات المحيطة بالقاهرة وبقية المدن المصرية‪ .‬لم يكن ما يحدث ثورة‪ ،‬بل انفجارا كامل‪.‬‬
‫ب الغاضبون حقدهم المتراكم على عناصر الشرطة فقتلوا مئات منهم ومّثلوا بجثثهم فى مشههاهد مرّوعههة‪ .‬وُقطعههت الكهربههاء‬
‫هذه المرة انهارت الشرطة فى خلل يومين‪ ،‬رغم التجهيزات والمعدات والسلحة المريكية‪ .‬ص ّ‬
‫بعد أن أسقط الغاضبون أبراج الضغط العالى فى أنحاء متفرقة من البلد‪ .‬وفى محاولة يائسة لحتواء الموقف‪ ،‬أعلن الدكرورى استقالة حكومته وتكليف وزيرة التعههاون الههدولى بتسههيير أعمالههها إلههى حيههن تشههكيل حكومههة‬
‫جديدة‪ .‬لكن ذلك لم يكن له أى أثر على الغضب الشعبى‪ .‬وفى اليوم التالى توقفت شبكة المياه فى معظم أحياء القاهرة وبعض المدن الخرى‪ ،‬وتوقفت شبكات المواصلت بين المدن بالكامل‪ .‬فى مسههاء هههذا اليههوم المشههؤوم‬
‫ت‪ .‬أعتقد أن أكثر ما صدمنى أنه اصههطحب زوجههتى وابنههى دون أن‬
‫صدم ُ‬
‫طان من المطار ومعه ندا وأنت‪ ،‬وطلب منى الحضور فورا للحاق بالطائرة العسكرية التى سُتِقّلهم إلى أثينا قبل إغلق المطار‪ُ .‬‬
‫اتصل بى اللواء الق ّ‬
‫ت الذهاب‪ ،‬وقلت له إنى سأبقى‪ ،‬فسّبنى ووصفنى بالَعَته وقال إنه ندم كل يوم فى السنوات الماضههية علههى‬
‫ك دون أن تحدثنى فى المر‪ .‬رفض ُ‬
‫يسألنى‪ ،‬بل رغم معارضتى للفكرة من قبل‪ .‬والذى صدمنى أكثر هو ذهاب ندا ب َ‬
‫تزويجى بابنته‪ ،‬لكن ندمه اليوم أكبر من ندمه فى كل اليام السابقة‪ ،‬وأغلق الخط فى وجهى‪ .‬حاولت التصال بأمك فلم أستطع‪ .‬كان تليفونها مغلقا أو ُقطعت الشبكة‪ ،‬ل أدرى‪ .‬اتصلت بصههفية ثههم بزوجههها إبراهيههم فوجههدت‬
‫تليفوناتهم جميعا مغلقة‪ .‬جلست فى مكتبى بالقصر الرئاسى فى مصر الجديدة وأنا ل أصدق ما يحدث‪ .‬هناك فارق كبير بين تحليل الخههبراء والسياسههيين للوضههع وتنبههؤاتهم‪ ،‬وأن تحههدث تلههك المههور فعل‪ .‬وِل هَم تتحقههق كههل‬
‫النبوءات معا؟ فات الوقت‪.‬‬
‫كنت أجلس فى مكتبى ل أعرف ماذا أفعل حين سمعت أصواتا هادرة وتكسيرا‪ ،‬وقبل أن أفهم ما يجرى بالضبط كانت الجموع التى اقتحمت أسوار القصر قد دخلته وبدأت فى تحطيم ما تجده فى طريقها والفتك بمههن تجههده‬
‫ى فى المكتب ثلثٌة ممسكون بهراوات وأشياء أخرى ل أعرف ُكنَهها‪ .‬انتزعنى أحدهم من وراء مكتبى وألقانى على الرض وبدؤوا فى ركلههى هههم الثلثههة‪ .‬ظلههوا يركلههوننى حههتى فقههدت‬
‫وإشعال النار فى ما َتبّقى‪ .‬دخل عل ّ‬
‫الوعى‪ ،‬أو هكذا أظن‪ .‬أَتذّكر طعم السجادة فى فمى وسلة المهملت تحت المكتب تمل عينى وأقداما تمر من وقت إلى آخر‪ .‬ثم وجها نظر فى وجهى مليا وقال شههيئا وغههاب‪ .‬ثههم رائحههة حريههق‪ ،‬ودخانهها كثيفهها‪ .‬ثههم أصههواتا‬
‫أخرى‪ ،‬وبدأت أسعل من كثافة الدخان‪ .‬ثم بدأ شخص ما فى جّرى على الرض‪ ،‬ثم فقدت الوعى تماما‪.‬‬
‫ع‪.‬ش‪.‬فشير‬

‫‪-------------------------------‬‬‫باب الخروج لعز الدين شكري فشير‪ ..‬الحلقة الثانية والعشرون‬

‫ســط‬
‫كان المستشفى يعانى من تدفق المصابين ويعمــل بنصــف طــاقمه وبأدويــة ومــواد طبيــة متناقصــة َو ْ‬
‫فوضى عارمة وفى ظل انقطاع للمياه والكهرباء والتصالت‬
‫كم الساعة الن؟ تقارب العاشرة صباحا‪ .‬مضى ربع الوقت‪ .‬ل بأس‪ .‬ما زال أمامى ثمانى عشرة ساعة؛ أعتقد أنى سأتمكن من سرد القصة كلها لك‪ .‬مثلما ترى يهها يحيههى‪ ،‬أحيانهها أغههرق فههى التفاصههيل وأحيانهها أقفههز فههوق‬
‫طررت إلههى الختصههار فههى النهايههة‪.‬‬
‫سك وتؤثر عليك أكثر‪ .‬وسامحنى إن داهمنههى الههوقت واض ه ُ‬
‫ستنى أكثر‪ ،‬وتلك التى أظنها ستم ّ‬
‫ص عليك الشياء والقصص القرب إلى قلبى‪ ،‬تلك التى م ّ‬
‫سنوات بكاملها‪ .‬سامحني‪ ،‬فأنا أق ّ‬
‫ى قليل وأحاول أن أتوقف عن التفكير فى الحكم العسكرى‪ ،‬وفى الثورة‪ ،‬وفى الشحنة النووية القابعة فى حاويات هذه السفينة‪ ،‬وفى الطائرات التى ل بههد أنهههم‬
‫سآخذ استراحة قصيرة‪ ،‬ربع ساعة أو شيئا كهذا‪ .‬سأغمض عيَن ّ‬
‫ى قليل كى أرتاح‪ ،‬وأفصل روحى عن كل هذا‪ ،‬كى أتمّكن من مواصلة هذا الخطاب‪.‬‬
‫يجهزونها الن لتهبط علينا فى الفجر‪ .‬سأغمض عيَن ّ‬
‫…‬
‫أوشكت على الموت فى ليلة أول أغسطس من ذلك العام‪ ،‬ولست متأكدا َمن الذى أنقذنى‪ .‬آخر ما أذكره كان اللم الحاّد فى ضلوعى وأحشائى‪ ،‬عجزى عن الحركة‪ ،‬وشعورى بأن نهايتى حانت‪ ،‬والقدام التى تههأتى وتههروح‬
‫ضلوا بقبول وافر الحترام«‪ .‬هذه هى الكلمات‪ ،‬وهههى آخههر مهها رأيتههه قبههل أن أغيههب عههن الههوعى تمامهها‪.‬‬
‫وسلة المهملت التى تمل عينى‪ .‬كان هناك ورقة ممزقة وملقاة داخل السلة وبعض كلماتها تبدو من فتحاتها‪» :‬وَتف ّ‬
‫أخبرنى محمود فى ما بعد بأنه حين سمع بأنباء اقتحام القصر الرئاسى طلب إلى مجموعة من »الشباب« دخول المكاتب والتأكد من سلمتى إن كنت هناك‪ .‬لكنهم لم يجدونى‪ ،‬وأبلغوه بأن المحتجيههن أفرغههوا المكههاتب مههن‬
‫جه علههى الفههور إلههى المستشههفى ووجههدنى فههى‬
‫العاملين ثم أشعلوا فيها النيران‪ .‬ظل يومين يبحث عنى دون نتيجة‪ ،‬ثم شاهدنى أحد أتباعه الشباب فى مستشفى عين شمس مع عشرات ممن أصيبوا فى الحداث‪ ،‬وأبلغههه‪َ .‬تههو ّ‬
‫سط فوضى عارمة وفى ظل انقطاع للمياه والكهرباء والتصالت‪ .‬لم يكن أحههد يعههرف‬
‫غيبوبة ودون رعاية طبية حقيقية‪ .‬فقد كان المستشفى يعانى من تدفق المصابين ويعمل بنصف طاقمه وبأدوية ومواد طبية متناقصة َو ْ‬
‫ما بى بالضبط‪ ،‬فأخرجنى من هناك بمعونة أصدقائه ونقلنى إلى شقة أحدهم فى ميدان الجيزة بعيدا عن العين حتى تهدأ المور‪ .‬لم تكن إصاباتى الظاهرة بالغة‪ :‬بعض الحروق وضههلوع مكسههورة وغيبوبههة أفيههق منههها ثههم‬
‫أعود إليها‪ .‬أتى بطبيبة شابة فحصتنى وأعطته تعليمات العناية بى‪ ،‬ووجد صديقه الشاب‪ ،‬عبده‪ ،‬ما يحتاج إليه فى صيدلية محطمة البواب بجوار مستشفى أم المصريين‪ .‬كان البقاء فى هذه الشههقة أفضههل وأكههثر أمانهها مههن‬
‫ى أو حتى لقتلى‪ ،‬مثلما حدث لخرين ممن كانت وجوههم معروفة للمحتجين الغاضبين‪.‬‬
‫ت أحد للبحث عنى أو القبض عل ّ‬
‫المستشفى من وجهة نظره‪ ،‬وكان محقا فى ذلك‪ ،‬فعلى القل لم يأ ِ‬
‫ت نائما فعل أم يقظا‪ ،‬وأحيانا تشعر كأن أجزاء من جسمك تغههادرك‪ ،‬أو تريههد المغههادرة‪ ،‬ويههأتى أنههاس داخههل‬
‫ل تنام وتستيقظ ول تعرف إن كن َ‬
‫حّمى‪ ،‬فتظ ّ‬
‫صيُبك ال ُ‬
‫مرت هذه اليام ككابوس متصل‪ .‬هل تعرف شعورك حين ُت ِ‬
‫غرفتك وداخلك وحولك ول تعرف َمن هؤلء ول ماذا يحدث لك‪ .‬هكذا ظللت أياما طويلة‪ ،‬اختلط الليل والنهار فيهما‪ ،‬ولم أكن أعرف هل الحرارة الههتى أعههوم فيههها مههن داخلههى أم حههر أغسههطس الخههانق فههى تلههك الشههقة‪.‬‬
‫والصوات‪ :‬هدير ل ينقطع وأبواق سيارات وقرقعات أخرى‪ ،‬تأتى وتذهب‪ ،‬كأنها تحدث داخل رأسى‪ ،‬أكاد أشعر بدبيبها يجرح مخى ويعتصر جمجمتى‪ .‬ثم سكون‪ ،‬ثم تعود مههرة أخههرى‪ .‬والعههرق‪ .‬أحيانهها أشههعر بقطههرات‬
‫ى ثم أعلى ظهرى‪ .‬تمضى ببطء كأنها شفرة صغيرة تشق جلدى‪ .‬وأحيانا أشعر كأنى أغوص فى فراش مشبع بالماء‪ .‬وعبده‪ ،‬صديق محمود ساكن الشقة‪ .‬كان وجهه أول ما أتههذكر رؤيتههه‬
‫العرق تسير أسفل عنقى‪ ،‬على كتَف ّ‬
‫حّمهههى أو‬
‫ى بعينيه العميقتين وتساؤله هذا لفترات طويلة‪ ،‬وأنا حبيس ال ُ‬
‫ضلوا بقبول وافر الحترام«‪ .‬وجه أسمر نحيل‪ ،‬حليق‪ ،‬لمع السمرة‪ ،‬وشعره شديد السواد وخشن‪ ،‬وعيناه متسائلتان فى دهشة طبيعية‪ .‬ينظر إل ّ‬
‫بعد »وَتف ّ‬
‫ى ول أستطيع‪ .‬ثم يأتى الهدير من ناحية النافذة‪ .‬أحيانا ُتخِرجه الضوضاء من تحديقه فيذهب إلى النافذة ويغلقها‪ ،‬لكن الضوضاء تستمر‪.‬‬
‫ى‪ ،‬أحاول إغماض عيَن ّ‬
‫ف عن التحديق إل ّ‬
‫الغيبوبة أو كليهما‪ ،‬أريد أن أصرخ به أن يك ّ‬
‫هذا الهدير ل يأتى من النافذة‪ ،‬بل من الجدار ذاته‪ ،‬بل من رأسى نفسه‪ .‬وأحيانا ل يتحرك رغم الضوضاء والهدير‪ .‬وأرغب بشدة فى الغرق فى سكون وظلم ولو كان أبديا‪ ،‬أى شىء أفضههل مههن هههذه الدوامههة‪ ،‬ومههن هههذا‬
‫العرق الذى يغرقنى‪ .‬وفى النهاية أستسلم لما يحدث لى‪ ،‬وعندها أسقط فى هوة سحيقة من السكون والظلم‪ .‬حتى يعيدنى شىء ما إلى ذلك الهدير‪ ،‬والعرق‪ ،‬وإلى وجه عبده‪.‬‬
‫ورأيت وجه محمود كثيرا‪ ،‬ل أعلم إن كان حلما أم علما‪ ،‬لكن كل المرات كانت متشابهة‪ .‬أرى هيئته فى آخر الغرفة‪ .‬يضع أشياء على منضدة فى الزاوية البعيدة ثم يذهب‪ ،‬ويعود‪ .‬ثههم يق هّرب وجهههه ناحيههة وجهههى ويمعههن‬
‫ج عالمى كله‪ .‬وأريده أن يرفع يده عنى لكنه يبقيها ويمسح على شعرى فأدوخ وأختنق أكثر‪ ،‬وهو يبتسم‪ ،‬ثم يمضى‪ .‬ورأيههت عزالههدين‬
‫ى وهو يهّز رأسه مبتسما‪ .‬يمد يده ليربت على رأسى وأشعر بها ثقيلة كأنها تر ّ‬
‫النظر ف ّ‬
‫مرة‪ ،‬وكان وجهه ممتقعا وملمحه متجمدة وجبينه مقطبا‪ .‬أطال النظر نحو وجهى ثم مضى‪.‬‬
‫وكانت عفاف هناك أيضا‪ ،‬كل يوم تقريبا‪ .‬وأحيانا ميرفت أختها‪ .‬عفاف كانت تطعمنى‪ .‬أذكر أنها كانت ترفع رأسى على وسادة إضافية وتجلس بجانبى وتطعمنى حساء‪ ،‬أو تحاول‪ .‬أحيانا كنت أراها مبتسمة وأحيانا أخههرى‬
‫ف تمسح العرق المتصبب‪ .‬وأحيانا‬
‫طبة‪ ،‬وكثيرا مرتبكة تمسح أشياء أو تجمع أشياء من فوق الفراش‪ .‬وأحيانا بل طعام‪ ،‬ممسكة بقطعة باردة من القماش على جبهتى‪ ،‬أو رقبتى‪ ،‬أو صدرى‪ .‬وأحيانا قطعة من القماش الجا ّ‬
‫مق ّ‬
‫عَرق غامر‪ ،‬وخانق‪ ،‬وأنفاسها تخرج فى وجهى وتمنع عنههى الهههواء‪ ،‬ثههم‬
‫كنت أراها مستلقية بجوارى على الفراش‪ ،‬ملتصقة بى‪ ،‬وحين أمعن النظر فى وجهها ل أجدها عفاف بل ميرفت‪ ،‬وأشعر بلحمها ملتصقا بلحمى فى َ‬
‫ى‪ ،‬أو محمود يبتسم‪ ،‬أو عفاف تحاول إطعامى‪.‬‬
‫ى وأفتحهما فأجدنى وحدى فى الغرفة‪ ،‬أو أجد عبده يحّدق إل ّ‬
‫أراها رابضة فوقى تضغط على بكل أجزاء جسمها كأنها سُتخِرج روحى من حلقومى‪ ،‬وأغمض عيَن ّ‬
‫وفى وسط كل هذا يستمر الهدير فى نحر خليا رأسى‪.‬‬
‫أسوأ ما فى الكابوس أنك ل تستطيع له دفعا‪.‬‬
‫فى السبوع الثالث من أغسطس‪ ،‬بدأت أوقات يقظتى تزيد وتستقر‪ ،‬وأوقات الكابوس المستمر هذا تتراجع حتى اقتصرت على الليل‪ .‬فهمت أين أنا‪ ،‬وبدأت أغادر الفراش قليل‪ .‬تبينت مصدر الهدير المستمر‪ ،‬وهههو كههوبرى‬
‫ى‪ .‬وَتههبّين أن عبههده شههخص‬
‫سوُره المعدنى لجدار الشرفة‪ ،‬والمروحة المعدنية المثبتة فى سقف الغرفة‪ ،‬وصوت محرك الثلجة من المطبخ المجاور‪ .‬محمود كان يأتى مرة أو اثنتين أسبوعيا للطمئنان عل ه ّ‬
‫الجيزة الملصق ُ‬
‫حقيقى‪ ،‬هو صديق لمحمود من »الشباب«‪ ،‬ليس ثوريا بالضبط لكنه يساندهم‪ ،‬وكان معهم يوم وجدونى فى المستشفى فَتطّوع ليوائى فى شقته الصغيرة هذه‪ .‬وظلت عفاف تأتى يوميا للتأكد من أن كل شىء على مهها يههرام‪.‬‬
‫تمر عادة فى الرابعة أو الخامسة بعد الظهر‪ .‬سألتها إن كانت تأتى من عملها بالمحافظة فضحكت وهى تهز رأسها وصمتت لحظة ثم قالت »أى محافظة؟«‪ ،‬وفهمت منها بعههد ذلههك أن دواويههن الحكومههة كلههها متوقفههة عههن‬
‫العمل منذ بدأت الضطرابات فى أول أغسطس‪ .‬ميرفت أيضا كانت تمر ولكن مرة أو اثنتين‪ ،‬وبصحبة عفاف‪ .‬لم تُقل لى شيئا‪ ،‬وظلت نظراتها كما كانت دوما‪ ،‬زائغة وغير مستقرة على نقطة معينة‪ .‬حاولت تبّين ما حدث‬
‫ى أبدا‪.‬‬
‫بيننا‪ ،‬إن كان قد حدث شىء‪ ،‬لكنها لم تنظر إل ّ‬
‫بنهاية السبوع الخير من أغسطس بدأت أسترد عافيتى‪ ،‬وصرت أتناول طعاما عاديا ودون مساعدة‪ ،‬وبدأت أتنقل فى الشههقة دون نوبههات دوار أو أى مههن العههراض الههتى كههانت تبقينههى فههى الفههراش معظههم الههوقت خلل‬
‫السابيع الفائتة‪ .‬لكنى ظللت راغبا عن الحديث‪ ،‬ول أجيب من يكّلمنى إل بإيماءة أو نظرة‪ .‬لم يكن لى أى رغبة فى الحديث‪ .‬تراجع طرق الهدير داخل رأسى‪ ،‬ولم أكن أريد سوى الصمت‪.‬‬
‫أخبرنى محمود باختصار بما وقع خلل الشهر المنصرم‪ :‬الضطرابات التى اندلعت فى كل المدن تقريبا كانت بل سيطرة‪ ،‬بل قيادة‪ ،‬وبل مطالب محددة‪ .‬ولم يقف فى وجهها شىء‪ .‬الشههرطة الههتى حههاولت فههى البدايههة تههم‬
‫تمزيقها إربا فآثر قادتها إنقاذ ما تبقى لها من قوة وانزوت فى معسكراتها البعيدة‪ ،‬وحتى تلك لم تسلم من الهجمات تماما‪ .‬الجيش قرر رئيس أركانه فى لحظة من الحكمة عدم التدخل ونأى بنفسه عن الحداث ومن َثّم تفادى‬
‫الدخول فى مواجهة مع الجموع الغاضبة‪ ،‬ثم أخلى كل معسكراته الموجودة داخل المدن لتفادى أى احتكاكات‪.‬‬
‫قال محمود أن المصالح والخدمات كلها تقريبا معطلة‪ ،‬وأن اضطرابات أخرى اندلعت‪ :‬سرقات وأعمال نهب وقتل‪ .‬بدأت هذه العمال ضد البنوك والمحلت التجارية الكبرى وبعض المؤسسات العامة ثم امتدت إلى أملك‬
‫الفراد‪ ،‬خصوصا المناطق الغنية حيث اقتحم كثير من أهالى العشوائيات والحياء الفقيرة‪ ،‬بل وكثير من الشباب الذى ل يجد سكنا‪ ،‬الفيلت فى الحياء الجديدة حول القاهرة‪ ،‬ثم الشقق الخالية داخههل المههدن‪ .‬لههم يكههن هنههاك‬
‫شرطة بالمعنى المفهوم‪ ،‬بل خليط من اللجان الشعبية فى بعض الحياء‪ ،‬والمجالس العرفية فى الريف وبعض المناطق النائية‪ ،‬وتحولت »كتائب شهداء اللتراس« إلى »حرس ثورى« فى المدن الكبيرة‪ ،‬وظلت هناك بقايهها‬
‫للشرطة فى مناطق محدودة‪ .‬ثم بدأ بعض الخدمات فى العودة ولكن بشكل متفرق ومتقطع‪ .‬لم تكن هناك حكومة خلل هذه الفترة‪ ،‬فبعد أن قتل المحتجون الدكتور الدكرورى فى مكتبه ومّثلوا بجثته فى شارع قصر العينى‪،‬‬
‫فّر بقية أعضاء الحكومة والمجلس الرئاسى خارج البلد‪ ،‬ولم تتمكن القوى السياسية المتناحرة من تشكيل حكومة حيث لم يكن لحد سيطرة على الشارع المتفجر غضبا‪ .‬قال محمود إن الكههل ينتظههر بلههوغ موجههة الغضههب‬
‫مداها وبداية انحسارها كى يبدؤوا فى تشكيل حكومة يكون لديها فرصة للحكم‪ .‬كنت أستمع إلى هذا وأنا غارق فى الصمت‪ ،‬وأتساءل إن لم يكن كابوس الحمى والغيبوبة أرحم من هذا الكابوس‪ .‬أنهى محمود حههديثه‪ ،‬وأمههام‬
‫ى وطلب منى بصوت خافت البقاء بالشقة لدى عبده لفترة من الوقت‪ ،‬لن اسمى ُمدَرج مع رموز النظام القديم المطلوب القبض عليهم من ِقَبل »كتائب حراس الثورة«‪.‬‬
‫صمتى المتواصل َتأّهب للرحيل‪ .‬ثم مال عل ّ‬
‫ع‪.‬ش‪.‬فشير‬

‫‪--------------------------‬‬‫باب الخروج لعز الدين شكري فشير‪ ..‬الحلقة الثالثة والعشرون‬
‫ذهب كل ما أعرفه ومن أعرفه وعالمى كله‪ .‬ووجدت نفسى جالسا فى غرفة على كوبرى الجيزة‪ ..‬ليست لى‪ ..‬مع شخص غريب الطوار‪ ..‬فى بلد اجتاحته الفوضى‬
‫أنا عدو الثورة‪.‬‬
‫أنا من قضى أيام التحرير الولى يحاول دفع مطالب الثورة داخل نظام غاشم وعنيف‪ ،‬ركله الثوار بأحذيتهم حتى كادوا يقتلونه‪ ،‬ولم ينقذه سوى الصدفة‪.‬‬
‫أنا‪.‬‬
‫تركوا المستبدين‪ ،‬والقتلة‪ ،‬والمفسدين واللصوص‪ ،‬وركلونى أنا بأحذيتهم حتى كادت روحى تخرج من أحشائى‪ .‬والن‪ ،‬يريد اللتراس‪ ،‬الذين قمعهم أمن الدولة والعسكر والشرطة ورجال العمال ومجالس إدارات النوادى‪،‬‬
‫ى أنا‪ ،‬يريدون المترجم سكرتير المعلومات وكاتب الجلسات!‬
‫يريدون القبض عل ّ‬
‫طلب منى محمود أن ل أهتّم ول أغتّم‪ ،‬فسيتمكن هو وأصدقاؤه من إقناع »حراس الثورة« أن ل علقة لى بأى شىء جرى‪ .‬قالها وضحك وهو يردف أنى »يا حرام« لم أفعل شيئا فى حيههاتى‪ ،‬ل كنههت ضههد أحههد ول مههع‬
‫أحد‪ ،‬وهذا جزاء المحايدين‪ .‬ومضى وهو يضحك‪ .‬لكنى لم أجد ذلك مضحكا‪ ،‬البتة‪ .‬ثم علمت من عزالدين حين أتى لزيارتى أنه يسعى مع بعض رموز القوى المدنية لمراجعة قوائم المطلوبين لدى »حراس الثههورة« وهههو‬
‫حول دون إتمام أى شىء بسرعة‪ ،‬فل أحد يعرف من يسيطر على ماذا‪.‬‬
‫متأكد من نجاحهم فى حذف اسمى منها‪ .‬أجمع الثنان‪ ،‬وأّيدهما عبده‪ ،‬أن المسألة مسألة وقت ليس إل‪ ،‬حيث إن الفوضى َت ُ‬
‫لم يعد هذا الحديث يعنينى‪ ،‬فقد كنت كمن سقط سقف بيته عليه وانهار كل ما عرفه فى حياته‪ ،‬ذاهل ومنقبضا وصامتا ومستسلما‪ .‬كل ما أردت معرفته هو ما حدث لك ولمههك‪ ،‬ولحمههاى اللعيههن الههذى اختطفكمهها‪ ،‬لكنههى لههم‬
‫ى عبده‪ ،‬المصدر الدائم للترهات‪ ،‬تقول إن اللواء القطان ذهب إلى أمريكا مع عائلته‪ ،‬وإن بقية أعضاء الحكومة الفاّرين موزعون بين أمريكا ودول أوروبية ل ترتبط باتفاقههات تسههليم‬
‫أصل إلى شىء‪ .‬الشاعات التى نقلها إل ّ‬
‫للمجرمين مع مصر‪ .‬عزالدين جاء لرؤيتى وهمس لى بأنكم لستم فى أمريكا‪ .‬نظرت إليه مستفهما فقام وفتح باب الشرفة فأغرق الغرفة فى هدير الكوبرى وجلس بجوارى وهمس فى أذنههى بههأن إحههدى طالبههاته بالدراسههات‬
‫العليا‪ ،‬سارة رمسدل‪ ،‬فى الصل ضابطة بالبحرية المريكية وخدمت فى عدة مواقع بالشرق الوسط قبل أن تأتى إلى مصر فى إجازة دراسههية‪ ،‬ولههديها أصههدقاء فههى مراكههز قياديههة بالبحريههة ووزارة الههدفاع فههى الوليههات‬
‫المتحدة‪ .‬وقد أكدت له بشكل قاطع أن اللواء القطان وعائلته ليسوا هناك‪ .‬ل تعرف أين هم‪ ،‬كما قالت‪ ،‬لكنها ستتيقن من المر وتبلغه‪.‬‬
‫جعه‪ .‬كل منهمهها شخصههية‬
‫وصفية وإبراهيم وأولدهما؟ كان إبراهيم يتأهب للسفر إلى دبى قبل بدء الحداث‪ ،‬لكن الحرب على إيران قضت على هذه الفكرة‪َ .‬تحّدث معى وقتها عن مشروع للعمل مع عمر فى إيطاليا فلم أش ّ‬
‫صعبة‪ ،‬وخشيت إن عمل معا أن يصطدما فيؤثر ذلك على العلقة العائلية بينهما‪َ .‬تبّين أن هذا ما حدث‪ ،‬لكنى لم أتمكن من التصال بهما أو معرفة مكانهما إل بعدها بأسابيع‪ .‬مع ذلك كههان عنههدى شههعور أنكههم بخيههر‪ ،‬فلههو‬
‫حدث لى منكم مكروه ‪-‬ل قّدر ال‪ -‬لذاع المر‪ .‬لكنى كنت أريد التصال بكم‪ ،‬والحديث مع أمك‪ .‬أردت أن أفهم كيف طاوعها قلبها أن تفعل هذا بى وبك‪ .‬أردت أن أسمع منها قبل أن أستسلم لحكم قلبى عليها‪ .‬ولم أفلح‪.‬‬
‫كانت أضلعى ل تزال تؤلمنى‪ ،‬وظل عندى مشكلت فى معدتى‪ .‬ومع بدء جسدى فى التعافى‪ ،‬ببطء‪ ،‬فإنى كنت أهِوى تدريجيا فى هوة من الكتئاب العميق‪ .‬ذهب كل ما أعرفه ومن أعرفههه وعههالمى كلههه‪ .‬ووجههدت نفسههى‬
‫ى‪ ،‬أنا الذى لم أفعل شههيئا‪ ،‬دون كههل الههذين فعلههوا أشههياء يسههتحقون الشههنق‬
‫جالسا فى غرفة على كوبرى الجيزة‪ ،‬ليست لى‪ ،‬مع شخص غريب الطوار‪ ،‬فى بلد اجتاحته الفوضى وعّمته السرقة والنهب‪ ،‬ومطلوب القبض عل ّ‬
‫بسببها‪.‬‬
‫أقضى يومى جالسا فى تلك الشقة المريعة؛ يخرج عبده صباحا ويعود بعدها بقليل ومعه الجرائد وشىء للفطار ثم يخرج ول يعود قبل الليل‪ .‬أظل جالسا بل حراك معظم الصباح‪ .‬أحيانا أغفو ثم أستيقظ لغفو ثانية‪ .‬أحيانا‬
‫أدفع نفسى لتصّفح الجرائد لكنى ل أتذكر منها شيئا‪ .‬ل أذكر أى أخبار قرأتها فى هذه اليام‪ .‬أحيانا يترك عبده التليفزيون مفتوحا‪ ،‬وهو ما يدفعنى إلى القيام من الفراش لطفائه‪ .‬ذات يوم أحضر لى كتابا وتركههه بجههوارى؛‬
‫نظرت إلى الغلف فوجدته نسخة مترجمة من »مزرعة الحيوانات« لجورج أورويل‪ ،‬واستغربت‪ .‬فعبده قال لى إنه يعمل محاسبا لعدد من الشركات والمحال الصغيرة‪ ،‬وغيَر كتب المحاسبة ل يقرأ أى شىء‪ِ .‬لَم »مزرعههة‬
‫الحيوانات« بالذات؟!‬
‫فى النصف الخير من الشهر تسللت خارجا مرة‪ ،‬عند المغرب‪ .‬ذهبت فى جولة بميدان الجيزة والمنطقة المحيطة بها لرؤية الشارع ومعرفة ما تغير‪ .‬لكنى لم أَر شيئا مختلفا فى ميدان الجيزة‪ ،‬بل ظل كما رأيته آخر مههرة‪،‬‬
‫ل الهههوينى‬
‫ل مح ه ّ‬
‫بفوضاه وميكروباصاته وباعته الجائلين وساندوتشاته ومسافريه التين والضاّلين والمضّلين‪ .‬بدت لى سحنة الناس مختلفة قليل‪ ،‬كأن فى وجوههم صرامة ل أحسبنى رأيتها فيهم من قبل‪ ،‬وسههعى حههثيث ح ه ّ‬
‫المعتادة‪ ،‬وبعض الحدة فى التعامل‪ .‬لكنى لست متأكدا‪ ،‬ربما كانت هذه مشاعرى أنا وأسقطتها على غيرى‪ .‬سرت فى الشوارع أنظر‪ ،‬فلم أجد أثرا لشرطة‪ ،‬أو لجان شعبية أو أى سلطة أخرى‪ ،‬سرت ساعة أو بعض سههاعة‬
‫ى‪.‬‬
‫ثم عدت قبل أن يوقفنى أحد ويتعرف عل ّ‬
‫بدأت الكهرباء تعود لساعات أطول من تلك التى تنقطع فيها‪ ،‬وكذلك المياه‪ .‬وحين قال لى عبده بعد عدة أسابيع إن النترنت عادت للعمل‪ ،‬طلبت منه أن يحضر لى كمبيوترا‪ .‬فههى هههذه الفههترة توقههف محمههود عههن المجىههء‬
‫سن حالتى‪ .‬استغرق المر يومين حتى ظهر عبده بالكمبيوتر‪ .‬وجلست طول الليل أبحث عن خيط يقود إليك أو إلى أمههك‬
‫لنشغاله‪ ،‬وكذلك عزالدين‪ ،‬لكنهما كانا يرسلن التحية مع عبده‪ .‬عفاف أيضا قّللت من مجيئها بعد تح ّ‬
‫أو جدك‪ :‬عنوان بريد إلكترونى‪ ،‬موقع اجتماعى‪ ،‬برنامج للمحادثات‪ ،‬أى شىء‪ .‬أرسلت إليكم رسائل عديدة على العناوين القديمة‪ ،‬كانت ترتّد كلها‪ .‬بعد ثلثة أيام من البحث وجههدت صههفية‪ ،‬وتحادثنهها بعههض الههوقت وكههانت‬
‫شديدة القلق‪ ،‬فلم تسمع خبرا منى أو عنى منذ الضطرابات‪ .‬آخر ما سمَعته هو خبر إحراق القصر الرئاسى والمكاتب التابعة له‪ .‬الشىء الوحيد الذى طمأنها هو ورود اسمى فى قائمههة المطلههوبين مههن ِقبههل حههرس الثههورة‪،‬‬
‫وهو ما فسرته على أنه شهادة بأنى قيد الحياة‪ .‬سألتها عن ندا وعنك فقالت إن ندا أرسلت إليها منذ ستة أسابيع رسالة قالت فيها إنهم بخير وسيغادرون أثينا إلى مكان ل تستطيع الفصههاح عنههه‪ ،‬إل أنههها سههتعاود التصههال‪،‬‬
‫طعى هذا هو طريقتى فى البكههاء‪ .‬حههاولت‬
‫طع‪ .‬ظللت أصمت ول أكمل الجمل‪ .‬وصفّية تعرفنى‪ ،‬وتعرف أن صمتى وتق ّ‬
‫وأوصتها خيرا بى‪َ .‬تحّدثنا عما جرى‪ ،‬وعن صدمتى من سفركما هكذا‪ .‬كنت أريد البكاء ولكنى لم أست ِ‬
‫تهدئتى وحّثى على رؤية المر بعيَنى أمك المذعورة‪ ،‬لكنى ل أذكر أنها نجحت فى ذلك‪ ،‬البتة‪.‬‬
‫ى آخر الشائعات الرائجة فى الشارع‪ ،‬وهى دائما عن حملة أمنية كبيرة سيشنها الجيههش علههى المههدن‪ ،‬أو عههودة‬
‫ص عل ّ‬
‫حين يعود عبده فى المساء يجدنى عادًة مستلقيا فى الفراش‪ .‬يدخل الغرفة ويجلس فى المقعد الوحيد ويق ّ‬
‫ى دون طلههب منههى‪ ،‬يوجههع القلههب‪ :‬المتههاريس الههتى تقيمههها اللجههان‬
‫وشيكة لرموز النظام القديم‪ ،‬أو احتلل إسرائيل لشرق سيناء‪ ،‬وهكذا‪ .‬وكلها ل أساس لها من الصحة‪ .‬لكن ما له أساس من الصحة‪ ،‬الخبار التى ينقلها إل ه ّ‬
‫الشعبية على مداخل الحياء من الحادية عشرة مساء حتى السادسة صباحا‪ ،‬وما يسمى »الشرطة الشعبية«‪ ،‬وحراس الثورة‪ ،‬ونقاط »الجمارك« التى أقامتها »كتائب الفقراء« على الطريق الدائرى والوتوستراد ومحوَرى‬
‫صفط و ‪ 26‬يوليو فى القاهرة‪ ،‬وعلى مداخل ومخارج السكندرية وبقية المدن الكبرى‪ ،‬وحتى فى بعض الطرق الزراعية‪ .‬قال لى عبده إنه وقع فى قبضة إحدى هذه النقاط ذات يوم‪ ،‬فى وضح النهار‪ ،‬وإنهم يأخذون من‬
‫ى أنههى أسههمعه‪ ،‬يشههرع فههى‬
‫كل راكب نسبة مما معه‪ :‬بعض المال أو ساعة أو خاتما‪ ،‬ويتركونك تذهب بالباقى‪ .‬واصلت الصمت‪ .‬لكن عبده لم يكن يحتاج إلى تشجيع كى يواصل الحكى‪ .‬وحين يطول صمتى ول يبههدو عل ه ّ‬
‫الحديث فى موضوع آخر‪ .‬قال إن نقاط الجمارك هذه أفضل من ل شىء‪ ،‬فالطرق الصحراوية مثل متروكة ليرتع فيها من يشاء ويقدر‪ .‬سكت ثم استطرد هههذه المههرة قههائل إن شههبكات الميههاه والكهربههاء عههاد معظمههها إلههى‬
‫ل فى منطقته‪ ،‬وتعاون الناس وتركوا الموظفين والمهندسين يعودون لعمالهم لتسيير هذه الشبكات‪ .‬لكنهههم ل يتقاضههون‬
‫العمل‪ .‬شركات المقاولت ساعدت فى إعادة أبراج الضغط العالى‪ ،‬وساعدها متطوعون من الهالى ك ّ‬
‫جلون النفقات التى يستطيعون تأجيلها‪.‬‬
‫أجورا‪ ،‬فل أحد فى الحكومة يتلقى أجرا أو راتبا منذ بدأت الضطرابات‪ .‬لكن الناس يتصرفون‪ ،‬قال‪ ،‬يقايض بعضهم بعضا‪ ،‬يقترضون وُيقِرضون‪ ،‬يتبادلون الخدمات‪ ،‬ويؤ ّ‬
‫ذات يوم سألته عن الحكومة‪ .‬فهز كتفيه وقال إنه ل أحد يهتّم بتشكيل حكومة‪ ،‬فالناس تعبت من الحكومات لنهم فى كل مرة يخدعونهم‪ .‬كلما أتتهم حكومة تكذب عليهم وتحاول قمعهم دون أن تحقق لهم شيئا أكثر مما لديهم‬
‫الن‪ :‬بعض المان‪ ،‬وبعض الحتياجات الساسية‪ ،‬وبعض الكهرباء‪ .‬قال إن أحوال الناس اليوم ليست أسوأ ول أفضل مما كانت عليه فى ظل الحكومات وفى ظل الحكم العسكرى بكل هيلمههانه‪ ،‬فلمههاذا يوجههع النههاس قلبهههم‬
‫بحكومة ورئيس؟ الناس تغيرت‪ ،‬أكد عبده ذلك فى لهجة تقريرية؛ خرجت من القمقم ولم يُعد أحد يقبل الظلم أو التكبر أو السيطرة ِمن ِقَبل غيره‪ ،‬سواء كان الدولة أو أى سلطة أخرى‪ ،‬حتى المشايخ لم يعودوا قادرين علهههى‬
‫ل يفعل ما يريد‪ .‬ثم إن السياسيين لن يتمكنوا من تشكيل حكومة‪ .‬فل أحد منهم يحتكر تأييد الناس ويستطيع تشكيل حكومههة وحههده؛ الخههوان خرجههوا مههن السههجون واسههتعادوا بعههض‬
‫إلجام الناس‪ .‬الناس لم يعد لهم كبير‪ ،‬وك ّ‬
‫قواعدهم‪ ،‬والسلفيون خرجوا من المخابئ‪ ،‬والثوريون والقوى المدنية نظموا أنفسهم إلى حد ما خلل هذه الضطرابات‪ .‬وكلما حاولت قوة النفراد بالمر اتحدت القوتان الخريان ضدها‪ .‬ومن ناحية أخرى لن يتفقوا معهها ‪،‬‬
‫فكل قوة سياسية ل ترى إل مصلحتها ول تريد سوى سيطرة رجالها على الحكم‪ ،‬ومن َثّم لن يشكلوا حكومة؛ »سنعيش هكذا فى الناركية«‪ .‬استوقفنى استخدام عبده مصطلحا أجنبيهها وسههط سههيل حههديثه هههذا فنظههرت إليههه‬
‫مندهشا‪ .‬سألته إن كان ل يخشى من الفوضى أو حتى من وقوع مصر فى أيدى قوة أجنبية فهز كتفيه ساخرا وسأل‪َ :‬من المغفل الذى يمكن أن ُيقِدم علههى احتلل مصههر؟ الحتلل موضههة قديمههة‪ ،‬قههال‪ .‬وأضههاف أنههه حههتى‬
‫ل إيران بعد أن دّكتها بالقصف الجوى لمدة شهر‪ .‬كلما حدث ما يعّكر مزاجها ترسل طائراتها لقصفها من جديد؛ »مضى عهد الحتلل يا أستاذ«‪ .‬أما الفوضى‪ ،‬وفقا لعبده‪ ،‬فل تختلف كثيرا عن النظام‪.‬‬
‫أمريكا لم تحت ّ‬
‫حّقا فى تنبؤاته‪.‬‬
‫كان عبده دقيقا فى وصفه لمشاعر الناس آنذاك‪ ،‬لكنه لم يكن ُم ِ‬
‫ع‪.‬ش‪.‬فشير‬

‫‪----------------------------‬‬‫باب الخروج لعز الدين شكري فشير ‪ ..‬الحلقة الرابعة والعشرون‬
‫كنت فى قلبى مثل اللف إن لم يكن المليين من جيلى أتوق إلى التغيير ليس فقط لرئيس جديد ودستور وانتخابات بل لنظام جديد بلد جديد‬
‫حين أبلغنى محمود أن الحرس الثورى قد أزال اسمى من قوائم المطلوبين كنت قد زهدت عفوهم‪ .‬ظللت طوال هذا الوقت أسأل نفسى‪ :‬ماذا فعلت؟ هل أخطأت بالعمل فههى الرئاسههة؟ كنههت مثههال للمههترجم الميههن‪ ،‬ولكههاتب‬
‫طلب منى الرأى قلت رأيى بأمانة‪ .‬ففيَم كان خطئى؟ كنت شاهدا على الظلم والفساد والفشل‪ ،‬نعم‪ ،‬لكن هل سألنى أحد وكتمت الشهههادة؟‬
‫الجلسات المدقق‪ .‬لم أهمل يوما فى عملى‪ ،‬لم أحاول استغلله لمأرب شخصى‪ ،‬وحين ُ‬
‫ى الصراخ بأن النظام مستبّد؟ هل كان أحد ينتظر صرختى تلك كى يعلم أن النظام مستبد وفاسد‪ ،‬أم كنا جميعا عارفين؟ ماذا كان ُيفترض بى أن أفعههل إذن؟ أذهههب‬
‫ماذا كان بوسعى أن أفعل‪ ،‬أنا المترجم؟ هل كان واجبا عل ّ‬
‫ى‪ِ ،‬ل هَم ل يحاسههبهم أحههد علههى عههدم وقههوفهم بالميههدان قبههل ‪25‬‬
‫إلى ميدان التحرير وأقف هناك محتجا على ما أراه من خيبة وتبديد للوطن ولمصالح الناس؟ وحدى؟ أنا بالذات؟ وماذا عن الخمسة والثمانين مليونا من مواطن ّ‬
‫يناير؟ أين كانوا‪ ،‬هم؟ »حراس الثورة« يدرجون اسمى فى لئحة المطلوب القبض عليهم‪ ،‬لكن ِلَم ل يضعون أسماء بقية الخمسة والثمانين مليونا‪ ،‬أو حتى أسماءهم هم؟ وما الفارق بينى وبينهم؟‬
‫ما علينا‪.‬‬
‫كنت فى قلبى‪ ،‬مثل اللف إن لم يكن المليين من جيلى‪ ،‬أتوق إلى التغيير‪ ،‬ليس فقط لرئيس جديد ودستور وانتخابات‪ ،‬بل لنظام جديد‪ ،‬بلد جديد‪ ،‬وثقافة أخرى‪ ،‬وطريقة أخرى نكّون بها حياة جديدة‪ .‬لكن هههذا مهها حبانهها أو‬
‫ابتلنا به ال‪ .‬تعاملت مع واقعى بما استطعت‪ ،‬مثلما يتعاملون الن مع واقعهم بما يستطيعون‪ .‬كل من القوى السياسية السائدة توّد لو اختفت القوى الخرى من الخريطة‪ ،‬لكن ل محيههص مههن تعاملههها معههها‪ ،‬وَقبههول بعههض‬
‫عَتٍه هذا؟ أى طفولة؟!‬
‫ى َ‬
‫ى« ويحاسب َمن يتعاملون اليوم مع تلك القوى السياسية الخرى على أساس أنهم تنازلوا عن المبادئ؟ أ ّ‬
‫مطالبها‪ ،‬والتنازل لها‪ .‬أيجوز‪ ،‬بعد عشر سنين‪ ،‬أن يأتى مجذوب »ما بعد ثور ّ‬
‫لم أَر رْكلى بالحذية حتى الموت كحادثة عارضة‪ ،‬ول وضعى على قوائم المطلوب اعتقالهم‪ .‬بل كاستبعاد متعّمد‪ .‬هؤلء الذين ركلونى أعلنوا بأقدامهم امتلكهم للثورة الثانية‪» :‬هذه ثورتنا نحههن«‪ ،‬ذلههك مهها كههانت أقههدامهم‬
‫تقوله وهى تستقر بين ضلوعى‪ ،‬أما أنا وأشباهى فل مكان لنا فيها‪ .‬هكذا استقّرت فى وعيى‪ ،‬مهما قال محمود وشرح عزالدين‪ .‬ل مكان لى فى هذه الثورة؛ وما الثورة إن لم تكن رفقة‪ ،‬فههى القلههب؟ لههم أكههن أمينهها وشههريفا‬
‫فحسب فى عملى أيام الستبداد‪ ،‬بل أخذت جانب الثورة منذ لحظاتها الولى‪ .‬وحين ذهبت إلى الميدان لم أحسبها‪ ،‬لم أفكر أن ذلههك سيضههر بمسههتقبلى إن فشههلت الثههورة‪ ،‬أو سههيفيدنى إن نجحههت‪ .‬كنههت أسههعى‪ ،‬دون مههأرب‬
‫شخصى‪ ،‬كى تنجح‪ ،‬لنى مثلى مثل الكثيرين كنت مستعدا وقتها أن أضع حياتى على المحك‪ ،‬من فرط رغبتى فى إنجاحها‪ .‬لكن هذا أنا وما فكرت فيه‪ ،‬ولسههت مههدينا لحههد بشههرح‪ ،‬ولسههت مههدينا لحههد بإثبههات‪ .‬وإن كههان‬
‫مجاذيب الثورة هؤلء سينقلبون على كل من ل يعرفونه بالسم‪ ،‬فلهم ال‪ .‬هذا ما شعرت به وقتها‪ .‬قد ترى‪ ،‬أنت ابن الجيل الجديد‪ ،‬أننى بالغت فى رّد فعلى‪ ،‬أو أخذت المر على محمل شخصى فههى غيههر محلههه‪ ،‬أو كنههت‬
‫ت فى داخلى قبل أن أقرر النسحاب من الحياة العامة‪ .‬انكمشت تحت مكتبى وسط الركلت‪ ،‬وظللت منكمشا بعدها لوقت طويل‪.‬‬
‫رومانسيا حين كان يجب أن أكون عمليا‪ .‬لكن هكذا كنت‪ ،‬وهكذا أخذتها‪ ،‬وانسحب ُ‬
‫أقمت فى شقة عبده بل عمل ول شىء محددا أفعله‪ .‬وبعد صدور »العفو الثورى« لم يتغير إيقاع حياتى فى كثير‪ .‬أقضى معظم الوقت فى المنزل‪ ،‬أخرج أحيانا‪ .‬أقرضنى كل من عزالدين ومحمههود بعضهها مههن المههال إلههى‬
‫ح‪ ،‬على حسب حالة الطرق و»الجمارك الشهههعبية«‬
‫جمدت وقت الثورة الثانية‪ .‬السعار ارتفعت بدرجة ملحوظة‪ ،‬واختفى بعض السلع أو ش ّ‬
‫حين عودة البنوك للعمل بشكل كامل والفراج عن أرصدة وودائع المواطنين التى ُ‬

‫المفروضة على بعضها‪ ،‬لكننا اعتدنا الوضع الجديد‪ .‬كانت أزمة ممتدة‪ ،‬لكنها ليست كارثة‪ .‬حاول أصدقائى واحدا واحدا إخراجى من العزلة التى ضربتها على نفسى‪ .‬لكن إلى أين أخههرج؟ ومههاذا يمكننههى فعلههه؟ ل أعههرف‬
‫سوى الترجمة والسياسة‪ .‬أما السياسة ففى ثورة‪ ،‬وللثورة رب يحميها ول يريدنى فيها‪ .‬ول حاجة بى إلى المال كى أعمل بالترجمة التجارية‪ .‬الحقيقة أنى لم ُأِرْد فعل أى شىء‪ .‬ومن ثم واصلت الجلوس فى غرفههتى بجههوار‬
‫سور الكوبرى المعدنى الصاخب‪.‬‬
‫محمود وعفاف كانا أكثر أصدقائى مثابرة‪ ،‬وقد نجحت مثابرتهم فى إخراجى من هذه العزلة‪ ،‬وندموا على ذلك فى ما بعد‪ ،‬على مهها أظههن‪ .‬محمههود قههرر اصههطحابى عنههوة‪ ،‬تقريبهها‪ ،‬خههارج الشههقة‪ .‬وهههو عنههده نوعههان مههن‬
‫صنى بسهرات العههزاء الههتى أفلههت منههها فههى الماضههى حيههن عملنهها فههى‬
‫الخروجات‪ :‬اجتماعات سياسية مع تنظيمات ثورية وسهرات عزاء كما يسميها‪ .‬وبما أنى لم أكن شخصا يمكن الظهور به فى اجتماعات ثورية فقد خ ّ‬
‫ل قلوب الناس للبوح‪ ،‬ويسقط الحواجز النفسية والمادية معا فينتهى بك المر تبكى‬
‫الرئاسة معا‪ .‬أخيرا عرفت معنى السهر‪ ،‬ومقابلة رجال ونساء ل تعرفهم ول يعرفونك‪ ،‬والتبسط معهم بمجرد اللقاء بهم‪ ،‬وكيف يفتح الكحو ّ‬
‫فى أحضان شخص قابلته للتّو‪ ،‬أو تحتضن شخصا يبكى على شىء لم تسمعه جيدا‪ .‬لكنكما تبوحان بما فى قلبيكما‪ ،‬ويساورك الشك أن الخر ل يسمعك حقيقة أو ل يفهم ما تقول فتضحك بدل مههن أن تجفههل‪ ،‬وتقههترب منههه‬
‫أكثر‪ .‬وإن استيقظت فى الصبح ولم تعرف من الراقد فى فراشك‪ ،‬أو فى أى فراش أنت‪ ،‬فإنك تضع ذلك على حساب المأساة‪ ،‬فى نخب تعقيدات الحياة‪ ،‬وصعوبة البشر‪ ،‬ووحدتهم‪ ،‬وتعاطفهم‪ .‬كأنههها جلسههات عههزاء حقيقههى‪،‬‬
‫نقدمه ونتلقاه‪ ،‬ليعيننا على المواصلة فى أثناء النهار‪ .‬وحين يكون نهارك كنهارى آنذاك‪ ،‬يصبح العزاء الليلى كل ما تتطلع إليه فى يومك‪ ،‬فتبّكر بداية مراسمه أسبوعا بعد أسبوع‪ ،‬وتكرره حتى يصير طقسك اليههومى‪ ،‬حههتى‬
‫تغرق فيه‪.‬‬
‫ى وقتها شعور عميق بالندم على أيامى التى انقضت‪ ،‬وبأنى كنت غبيا وساذجا بل مبرر‪ .‬لو كنت نبيها مثل القطان لعرفت كيف أستفيد من عملى المرموق طوال هذه السههنوات‪ ،‬وأبنههى لنفسههى قاعههدة مههن المههان‬
‫سيطر عل ّ‬
‫والرفاهية والقوة‪ ،‬بالصول وبالقانون‪ ،‬ثم أفر من السفينة حين توشك على الغرق‪ .‬ولو كنت مقداما جسورا مثل محمود بشير‪ ،‬أو عاقل باردا مثل عزالدين فكرى‪ ،‬لكان نصيبى مثل أى منهما‪ .‬لكنى‪ ،‬مثلما قههال محمههود‪ ،‬لههم‬
‫أكن أيا من هؤلء‪ ،‬ولم أفعل شيئا‪ ،‬ل مع أحد ول ضد أحد‪ ،‬وهكذا أتلقى جزاء المحايدين‪ ،‬جزاء المترجمين المناء الذين ل يفعلون سوى ترجمة ما يقوله الناس بعضهم لبعض‪.‬‬
‫طع دفع الضغينة التى شعرت بها فجأة تجاه ثلثتهم‪ .‬كان عزالدين مشغول فى كل الحوال بمحاولة تنظيم القوى المدنية الديمقراطية‪ ،‬ومثل من يحرث فى البحر‪ ،‬كان يجمع فصائل منهم معا لينفرطوا قبههل أن يههذهب‬
‫لم أست ِ‬
‫ل‪ ،‬وإن واجهته بعبث عمله هذا رّد عليك بأن البناء يأخذ وقتا‪ ،‬وأن هذه العملية نفسها تدريب للجميع‪ ،‬ول أحد يمتلك الخبرة ول عادة العمل الجماعى‪ ،‬وكلها أشياء تأتى من الممارسة‪،‬‬
‫ل ول يم ّ‬
‫لحضار الخرين‪ .‬وهو ل يك ّ‬
‫وهذه هى الممارسة‪ ،‬ومن ل يعجبه فعليه التنحى عن العمل العاّم‪ .‬أصبح حاّدا‪ ،‬هو الخر‪ ،‬مع الوقت‪.‬‬
‫أما محمود فكان مشغول مع أصدقائه الثوريين‪ ،‬ولم أكن أراه إل فى مجالس العزاء الليلية‪ ،‬التى صرت أرتادها يوميا‪ ،‬فى حين ل يظهر هو سوى مرة أو اثنتين فى السبوع‪ .‬حين ألقاه يبدأ فههى الحكههى‪ ،‬لكههن ذهنههى يكههون‬
‫مشّوشا‪ ،‬إذ كنت أبدأ الشرب قبل وصوله بساعات‪ .‬لكن حتى من دون أثر الكحول ل أعتقد أن ما يقوله كان مفهومهها إل لقلههة قليلههة‪ .‬مثل‪ ،‬ظههل ليلههة كاملههة يحههاول أن يشههرح لههى سههبب انقسههام الشههتراكيين الثههوريين إلههى‬
‫ن أننى أمزح‪ ،‬لكن هذه هى الحقيقة‪ .‬ظل يشرح لى الفارق بين الفصيلين المتنازعين حتى نجوت منه بصديقة أخذته بعيدا عنى هو وثورييه واشتراكييه‪ ،‬أيا‬
‫مجموعتين‪ :‬الولى ثورية اشتراكية والثانية اشتراكية ثورية‪ .‬ستظ ّ‬
‫كان ترتيب صفتيهما‪.‬‬
‫كنت أهِوى إلى القاع‪ ،‬لكنى لم أكن قد وصلت إليه بعد‪ .‬وكان البلد يهوى معى‪ ،‬بطريقته الخاصة‪ .‬ففى حين كانت الغالبية العظمى من البشر تسعى لحماية نفسها وتأمين معيشتها اليومية مثلما قال عبههده‪ ،‬اسههتمر السياسههيون‬
‫فى محاولة تشكيل حكومة والتفاق على دستور‪ .‬ونتيجة للعداء المستحكم بين الخوان والسلفيين ‪-‬بعد اتفاق الخيرين مع الحكههم العسههكرى علههى الخههوان‪ ،‬وتطههرف الثههوريين وتشههرذم الههديمقراطيين المههدنيين‪ -‬لههم تتشههكل‬
‫الحكومة إل فى يناير‪ ،‬أى بعد خمسة أشهر من إحراق القصر الرئاسى‪ .‬وجاءت الحكومة فى النهاية ائتلفية مفّككة وضعيفة‪ ،‬برئاسة مستشار وسطى النزعة غير معروف للكثيرين‪ ،‬اسمه عباس فخرى‪ .‬ووجههدت الحكومههة‬
‫الجديدة نفسها بل أدوات تمّكنها من السيطرة على الشارع أو القتصاد أو المن‪ .‬وبالضافة إلى الحكومة اتفقت القوى السياسية على تشكيل لجنة تأسيسية تضع الدستور‪ ،‬حيث َتعّذر بالطبع إجههراء انتخابههات فههى ظههل هههذه‬
‫الظروف‪.‬‬
‫ق سوى عفاف التى ثابرت على إخراجى من عزلتى طههوال اليههوم‪ ،‬مسههتعينة بعبههده وأخيههها حسههن‪.‬‬
‫لكن عبده كان مخطئا فى وصفه حياة الغالبية العظمى من الناس‪ .‬فمع انشغال أصدقائى بمفاوضات تشكيل الحكومة‪ ،‬لم يب َ‬
‫وشيئا فشيئا صرت أقضى معظم نهارى عند عفاف وإخوتها بأرض اللواء‪ ،‬مهد الثورة الثانية‪ .‬وأتاح لى ذلك فرصة للنغماس فى حياة »الشعب« الذى لم أعرفه قبل إل سماعا‪ .‬ولم أجد هذه الحياة بالشاعرية التى ظننتها‪،‬‬
‫ول بالبساطة والحرية التى اّدعاها عبده‪ ،‬ولم يزدها ترسخ »الناركية« إل قسوة‪ .‬لم أكن أفعل شيئا هناك سوى التسكع مع حسن أو الجلوس عند المغرب بالبيت معه ومع أختيه‪ ،‬قبل أن أذهب إلى رفاق العزاء فى المساء‪.‬‬
‫وسارت المور هكذا شهورا حتى خلطت المرين وارتطمت بالقاع‪.‬‬
‫ع‪.‬ش‪.‬فشير‬

‫‪--------------------------------‬‬‫باب الخروج لعز الدين شكري فشير‪ ..‬الحلقة الخامسة والعشرون‬

‫ل أزعم لك أن حياة الشعب شاعرية أو نبيلة ‪ ..‬بل مليئة بالكد والقسوة ‪ ..‬بعض هذه القسوة مباشــر فــى‬
‫الوجه ‪ ..‬كفرض التاوة على أكل عيش الفقراء ‪ ..‬كسرقة الكحكة من يد اليــتيم ‪ ..‬كبلطجــة الشــرطة علــى‬
‫الناس وعجزها عن حمايتهم فى آن واحد‬
‫ل من القليل الذى عرفته أنا وقتها‪ .‬لكن دعنى أبدأ بنصيحة مباشرة‪ ،‬هكذا دون لف أو اصطناع للحكمة‪ .‬أنت ِمن هنا‪ِ ،‬من هذا »الشعب« الذى ل تعهههرف‬
‫صل لك هذا المر بعض الشىء‪ ،‬أنت الذى تعرف عن الشعب أق ّ‬
‫سأف ّ‬
‫عنه شيئا كثيرا‪ .‬ومهما طال بك المقام فى البلد الخرى‪ ،‬ومهما تعلمت لغاتها وأخذت لكنتها وتزوجت منها‪ ،‬سيظل فيك جزء من هذا الشعب‪ ،‬هنا‪ ،‬شئت أم أبيت‪ .‬فخير لك أن تعرفه‪ ،‬جيدا‪ ،‬ول تنساه أو تتناساه أو تخفيهههه‪.‬‬
‫شح بوجهك كيل تراه‪.‬‬
‫هو منك وإن أغمضت عينيك عنه‪ ،‬والخرين يرونه فيك وإن أخفيته‪ .‬فخذه بيدك‪ ،‬وتحمل مسؤوليته وإن لم يكن من صنعك‪ ،‬وإن كرهَته‪ .‬اقبل ما تريد منه وارفض الباقى‪ ،‬لكن ل تتنكر له أو ُت ِ‬
‫ل أزعم لك أن حياة الشعب شاعرية أو نبيلة‪ ،‬بل مليئة بالكد والقسوة‪ .‬بعض هذه القسوة مباشر فى الوجه‪ ،‬كفرض التاوة على أكل عيش الفقراء‪ ،‬كسرقة الكحكة من يد اليتيم‪ ،‬كبلطجة الشههرطة علههى النههاس وعجزههها عههن‬
‫حمايتهم فى آن واحد‪ ،‬كمياه الشرب النقية التى يجب أن تمشى إليها وتعبئها فى آنية وتعود بها للبيت كالغنيمة‪ ،‬كطابور الخبز المدعم‪ ،‬كالفقر والحاجة التى لن تستطيع سدها مهما فعلت‪ .‬هذه بعههض ملمههح القسههوة اليوميههة‬
‫المباشرة‪ ،‬المعروفة للجميع‪ .‬لكن القسوة الحقيقية هى تلك التى َتسّربت إلى القلوب فعّودتها ما ل يجب أن تعتاده‪ .‬مثل سرقة بيت جيران عفاف بعد عودة أبيهم من السعودية بأسبوع‪ ،‬واقتنههاع الجميههع بههأن السههارق ل بههد أن‬
‫يكون أحد الجيران الذى يعرف بعودة الرجل محّمل‪ .‬مثل الغيرة من جارك حين يشترى ثلجة أو أثاثا جديدا‪ ،‬أو حين يدخل بيته رجل محتَرم أو بنت حلوة أو يركب سيارة‪ .‬مثل التشنيع علههى جيرانههك إن عل شههأنهم قليل‬
‫حماة لقيم ل يعرفونها‪ ،‬خالطين أهواءهم وفورة غرائزهم بالشرع والرجولة‪ .‬مثل أن يتحرش ابن الجيران بأختههك‪ ،‬ثههم يعتههذر‬
‫صبوا أنفسهم ُ‬
‫كى تمنعهم من التكبر على الباقين‪ .‬مثل الشباب على المقاهى وأمام المحلت وقد ن ّ‬
‫إليك أبوه‪ ،‬لنه ظنها فتاًة أخرى! مثل الجار الذى يمنع زوجته من العمل‪ ،‬ثم يضربها‪ ،‬ثم يطلقها ويتركها مع عياله دون دخل‪ ،‬ثم يقترن بأخرى‪ ،‬جارتهم‪ ،‬ويعود مطالبا القديمة بمغادرة الشقة هى والبناء‪ .‬هذه هههى القسههوة‬
‫الفاجعة حقا‪ ،‬تلك التى ل يشعر بها أصحابها‪ .‬ومع ذلك ل تتسرع وُتِدْنهم‪ ،‬بل حاول قدر استطاعتك الترفق‪ ،‬بها وبهم حتى تزول‪ ،‬إن زالت‪.‬‬
‫ل أحّدثك هنا عن أشياء عامة‪ ،‬بل عن بشر عرفتهم وخالطتهم وصرت ‪-‬على القل إلى حين‪ -‬جزءا من حياتهم‪ .‬حسن‪ ،‬الذى استمر بل عمل ثابت حتى بعد الثورة الثانية‪َ ،‬تبّين أن طبيبه اللص سههرق ُكْليتههه السههليمة‪ .‬وبعههد‬
‫خله مستشفى عاّما ُيجِرى له الغسيل الكلههوى بشههكل دورى‬
‫شهور‪ ،‬تهاوت الُكْلية الخرى المعطوبة وتوقفت عن أداء وظيفتها‪ .‬حدث ذلك قبل الثورة الثانية‪ ،‬ولم تتمكن عفاف التى استعانت بكل من تعرفهم للتوسط له‪ ،‬أن ُتد ِ‬
‫بالمجان‪ .‬وأصبح عليه إما توفير تكلفة ذلك ل يدرى أحد من أين أو كيف‪ ،‬وإما تركه يموت‪ .‬ل حل ثالثا‪ .‬وزاد الطين بلة أن مرضه هذا أخرجه بشكل نهائى من دائرة البحث عههن عمههل‪ ،‬كمهها أغلههق أمههامه فههرص الههزواج‬
‫وبناء حياة لنفسه‪ ،‬فصار كومة من الحباط والضغينة جالسة على مقهى أو فى البيت أو واقفة فى الشارع تنتظر شيئا تفعله‪ ،‬خيرا كان أو شرا‪ ،‬أى شىء يعطيه شعورا ولو مؤقتا بالفائدة أو بالقيمة‪ .‬قد يكون ذلك العمل هههو‬
‫النضمام إلى مظاهرة أو احتجاج‪ ،‬أو التحرش بامرأة يعلم أنه لن يستطيع أن ينالها هى أو مثيلتها‪ ،‬أو بيع قطعة بانجو أو التشارك فيها‪ .‬سيان‪.‬‬
‫وكانت ميرفت قد فقدت عملها فى شركة التصالت فى غضون شهرين من تعيينها‪ ،‬حيث اكتشف مديروها أنها ل تتقن أى شىء‪ ،‬بل وتخطئ فى القراءة والكتابة‪ ،‬فميرفت ل حرفة لها ول مهههارة خاصههة‪ ،‬والمعهههد الههذى‬
‫تخرجت فيه مثله مثل المدرسة التى كانت فيها‪ ،‬لم يعّلمها شيئا‪ .‬حاولوا تشغيلها فى خدمة العملء‪ ،‬فى العلقات العامة‪ ،‬سكرتيرة‪ ،‬أى شىء‪ ،‬إكراما لمن توسط لها‪ ،‬لكنهم لم يجدوا لها نفعا فى أى قسم فأعطوها ثلثة أشهههر‬
‫مكافأة وشكروها وتركوها بجوار الباب‪ .‬بل عمل هى الخرى‪ ،‬وباحتياجات وتطلعات مفهومة‪ ،‬وبأخ مريض مكّلف‪ ،‬استسلمت للعمل السهل‪ ،‬ذلك الذى سبقته إليها أمها الراحلة‪ ،‬وهو الخدمة فى البيوت‪ .‬لكن حتى الخدمههة‬
‫فى البيوت مهنة‪ ،‬وميرفت لم يعّلمها أحد‪ .‬ل تعرف كيف ترّتب الشياء‪ ،‬هى التى ترتب بالكاد أشياءها القليلة‪ ،‬ول كيف تخدم ناسا أو تعد مائدة أو تعتنى بطفل‪ ،‬ول طاقة لها بأى من هذا‪ .‬هى الشههابة المتفجههرة أنوثههة تهفههو‬
‫س لها؟ لم تستقر فى أى من البيوت التى عملت بههها‪ ،‬ثههم وجههدت عمل فههى تنظيههف الغههرف بفنههدق‪ ،‬ثههم حههدثت مشههكلة مههع مههديرها‬
‫إلى النطلق والحياة‪ ،‬كيف تحشر نفسها فى رداء الخادمة المنضبطة المطيعة التى ل ح ّ‬
‫المتحرش وغادرت‪ ،‬وهكذا‪ .‬وعندما اندلعت الثورة الثانية‪ ،‬سألتها أسماء زوجة عزالدين ‪-‬بعد تردد وبخجل‪ -‬إن كانت مستعدة له»مساعدتها« فى العناية بالبيت‪ .‬وهكذا أصبحت تعمل فههى بيههت عزالههدين‪ .‬وتههذكرت سههاعتها‬
‫اللواء القطان الذى نهرنى يوم خرجت مع »ابنة بائعة الجبن«‪ .‬ماذا لو لم أستمع إليه وقتها وارتبطت بأختها؟ ل إجابة‪ ،‬ل إجابات بسيطة فى حياة معقدة وظالمة‪ .‬عملت ميرفت لههدى أسههماء وعزالههدين شهههورا كههانت فههترة‬
‫الرخاء الكبر فى حياتها‪ .‬وفجأة طردتها أسماء ونبهت عليها أن ل تطأ بيتها ثانية‪ .‬سألت عفاف عن السبب ‪-‬فميرفت كانت تتحاشى الحديث معى دوما‪ -‬فقالت إن أختها لم تستطع مواكبههة الههتزام أسههماء الصههارم بالمواعيههد‬
‫والنظام‪ ،‬وإن أسماء تحّبك المور زيادة عن اللزوم‪ .‬ابتسمت ميرفت ساعتها ورمقتها بنظرة غريبة لم أفهمها وقتها‪.‬‬
‫ل حياة الشعب شاعرية‪ ،‬ول انغماسى معهم كان كله مشرفا‪ .‬لست متأكدا مما أصابنى وقتها‪ ،‬لكنى كنت مدفوعا برغبة قوية فى إيذاء الذات‪ .‬كأنى أردت أن أدفع نفسى إلى القاع تماما‪ ،‬أن أصبح جزءا من القسوة المحيطههة‬
‫بى وأغسل أصولى المرفهة بالنغماس فى النحطاط الذى يغمر البلد‪ .‬هكذا انغمست فى جلسات العزاء المسائية‪ ،‬وهكذا توسعت فى الشرب حتى صرت أبدأ فى الظهيرة‪ ،‬وهكذا رفضت العمل مترجما فههى المؤسسههة الههتى‬
‫تملكها سالى ويديرها محمود‪ ،‬وهكذا رفضت العودة إلى بيتى فى مصر الجديدة وظللت عالة على عبده فى شقته المريعة وعلى عفاف وإخوتها فى أرض اللواء‪ .‬لم يكن أى من ذلك بقههرار أو جههزء مههن خطههة‪ ،‬بههل نتيجههة‬
‫ف‪ ،‬فدفعت نفسى إلى الحافة أكثر حتى هويت إلى القاع تماما‪.‬‬
‫ى دون وعى منى‪ ،‬وأظن هذه النوازع أهم وأخطر من الخطط‪ .‬كأن كل ذلك لم يك ِ‬
‫نازع قوى يسيطر عل ّ‬
‫وكانت ميرفت حافتى‪ .‬ميرفت التى تقترب من منتصف الثلثينيات‪ ،‬لم تتزوج‪ ،‬وأصبحت صورة من عفاف القديمة لكنها استبدلت الحدة بدلل عفاف الذى لم يعد موضة منذ الثورة‪ .‬ورغم تعمدها الدائم الحتكاك بههى فإنههها‬
‫ى‪ .‬وأنا أسال نفسى عما أظنه وقع بيننا وأنا مريض‪ ،‬وهل كان حقيقة أم كابوسا‪ .‬وِلَم تعاملنى بعداء منذ رأتنى وفى نفس الوقت تكاد تتحرش بى‪ .‬كنت قد بههدأت طقههوس العههزاء الليلههى مبكههرا‪ ،‬وثقههل رأسههى‬
‫تتجنب النظر إل ّ‬
‫جع دون أن ُيقِعد‪ .‬دخلت ميرفت المطبخ تغسل الطباق قبل أن تنقطع المياه ثانية‪ ،‬وذهب حسن لشراء سجائر فى حين ظللت جالسا مع عفاف نشاهد التليفزيههون‪ .‬تظهههر ميرفههت وتختفههى عنههد بههاب المطبههخ‬
‫سْكر خفيف يش ّ‬
‫بُ‬
‫عّد الشاى‪.‬‬
‫وترمقنى بتلك النظرة التى صرت أعرفها‪ .‬وقررت لحظتها دفع المر إلى نهايته‪ .‬سألت عفاف إن كانت تريد شايا فهزت رأسها بالنفى وواصلت الفرجة على التليفزيون‪ .‬قمت إلى المطبخ ُأ ِ‬
‫ل التوتر الصامت يعلو صوته بيننا حتى لم يعد من الممكن تجاهله‪ .‬مرت بجوارى واحتكت بى فأمسكتها من كتفها كأنى أتفادى الرتطههام‬
‫رمقتنى ميرفت بنظرة من فوق كتفها حين دخلت المطبخ وعادت لغسل الطباق‪ .‬ظ ّ‬
‫بها‪ ،‬وشعرت بها تريح كتفها على يدى بدل من أن تشد كتفها بعيدا‪ .‬تركتها واستكملت عمل الشاى وشعرت بنظرتها الحادة كأنها تستحّثنى‪ .‬نظرت ناحيتها فوجدت تلك النظرة الداعية ترتسههم علههى وجهههها كلههه وتغّيههر مههن‬
‫صههت‬
‫ى‪ .‬وعندما صرنا متعانقين متداخلين تمل َ‬
‫عّ‬
‫ملمحه فتقدمت دون مزيد من التردد واحتضنتها وهى ل تتحرك أو تحاول الفلت‪ .‬سمعتها ترّدد اسمى بصوت خافت عند أذنى فتشجعت وضممتها أكثر مطوقا ثناياها بذرا َ‬
‫ى ساخرة من اّدعائى العبط‪ .‬ظللت جامدا فى مكههانى‬
‫قليل وأدارت وجهها نحوى وسألتنى بتحّد لَم الن‪ .‬ظللت فى مكانى دون أن أحير جوابا‪ ،‬فسألتنى إن كان صديقى هو الذى أرسلنى‪ .‬هززت رأسى غير فاهم‪ ،‬فنظرت إل ّ‬
‫ت خطوة دون أن أفلتها‪ ،‬ونظرت إليها غير‬
‫ى انتظار تعليمات الدكتور عزالدين فى كل شىء حتى فى هذا‪ .‬تراجع ُ‬
‫مستفهما عما تعنيه فمّررت يدها فوق يدى المتيبسة على وسطها وسألتنى‪ ،‬بنعومة مفاجئة‪ ،‬إن كان يجب عل ّ‬
‫ى وقد صمتت‪ ،‬لكن‬
‫عّ‬
‫ى بذهول‪ .‬ظللت متجمدا فى وقفتى الشائنة‪ ،‬وميرفت بين ذرا َ‬
‫ت عفاف واقفة تحدق إل ّ‬
‫ت ووجد ُ‬
‫مصّدق ما سمعته‪ ،‬فلَوت شفتيها فى تبّرم‪ ،‬وقبل أن أسأل إن كانت تعنى ما فهمُته سمعت حركة خلفى فالتف ّ‬

‫ت نفسى‪ ،‬ومسههحت بقايهها صههابون الغسههيل الههذى ترَكتههه‬
‫ى بعينين ممتلئتين دمعا‪ .‬وفجأة قطعت ميرفت التوتر بأن استدارت نصف دورة‪ ،‬وصفعتنى بيدها اليمنى ودفعتنى بعيدا‪ .‬لملم ُ‬
‫كلماتها عالقة فى أذنى‪ ،‬وعفاف تحدق إل ّ‬
‫صفعة ميرفت على وجهى‪ ،‬ومررت من باب المطبخ بجوار عفاف المذهولة‪ ،‬وخرجت من الشقة‪.‬‬
‫ع‪.‬ش‪.‬فشير‬

‫‪----------------------‬‬‫باب الخروج لعز الدين شكري فشير ‪ ..‬الحلقة السادسة والعشرون‬
‫ى أسئلة ل أدرى إن كنت أوّد معرفة إجاباتها أم ل‬
‫ى ول شك‪ ..‬وكنت أنا أيضا غاضبا عليه‪ ..‬ولد ّ‬
‫ظللت أغرق هكذا‪ ..‬هذه المرة وحدى‪ ..‬حتى وجدت عزالدين يوقظنى من نومى ذات صباح‪ .‬كان جافا وبعيدا‪ ..‬غاضبا عل ّ‬
‫ن أنههى رجههل‬
‫ل أعرف كيف سيكون رد فعلك على هذه التفاصيل‪ ،‬ومن المؤكد أنك ل تفكر فى أبيك فى مواقف كهذه‪ .‬ولست متأكدا مما إذا كانت طريقتى هى الفضل‪ ،‬لكن هذا هو اجتهادى‪ .‬ل أريدك أن تكبر وأنههت تظهه ّ‬
‫كامل‪ ،‬ل أخطئ ول يأتينى الباطل ول أجاهد مثل الكل نزعاتى وغضبى وغرائزى‪ .‬أريدك أن تنسى هذه الدعاية الزائفة التى تروجها كتب الطفال‪ ،‬وأنت ترانى كما أنا‪ ،‬رجل من لحم ودم‪ ،‬بأخطاء أحاول تجّنبها وغههرائز‬
‫أحاول ترويضها وخير أصبو إليه فأصيبه حينا وأخطئه أحيانا‪ .‬لماذا؟ ل لنى مهتّم بشرح صورتى بقدر ما أنى ل أريدك أن تحاسب نفسك أنت بمقاييس غير واقعية‪ .‬ل أريدك أن تقيههس سههلوكك علههى مهها تظههن أنههه كمههال‬
‫بشرى ممكن‪ ،‬أبوك‪ ،‬فتظل طوال عمرك تشعر بالقصور وبأنك ل يمكنك أن تبلغ ما بلغه أبوك‪ .‬ل أنا كامل ول عظيم بأكثر مما يمكنك أنت‪ ،‬بأخطائك وترددك وشههكوكك وضههعفك أن تكههون‪ .‬كلنهها هكههذا‪ ،‬وَتههذّكر هههذا وإن‬
‫نسيت كل شىء آخر‪.‬‬
‫أنت الذى أنقذنى من القاع الذى ارتطمت به فى رحلة سقوطى‪ ،‬دون أن تعلم‪.‬‬
‫ت قد عدت إلى شقة عبده بعد حادثة ميرفت‪ ،‬وبقيت هناك ل أبرح الشقة إل مساء إلى مجلس العزاء‪ .‬ل شىء آخر‪ ،‬حتى لم أعد أتابع ما يحدث فى البلد‪ .‬من حين إلى آخههر يقههول لههى عبههده شههيئا‪ ،‬إن التقينهها صههدفة بيههن‬
‫كن ُ‬
‫موعد خروجى وعودته‪ ،‬ول أعرف إن كان حديثه خبرا أم إشاعة كالمعتاد‪ ،‬حتى إنى لم أعرف بالنتهاء من إعداد الدستور ول بسقوط حكومة عباس فخرى ول بأحداث الخليج ول بالتدخل التركى فى شمال سوريا إل بعد‬
‫ى أسههئلة ل أدرى إن كنههت أوّد‬
‫ى ول شك‪ .‬وكنت أنا أيضا غاضههبا عليههه‪ ،‬ولههد ّ‬
‫وقوع كل ذلك بكثير‪ .‬ظللت أغرق هكذا‪ ،‬هذه المرة وحدى‪ ،‬حتى وجدت عزالدين يوقظنى من نومى ذات صباح‪ .‬كان جافا وبعيدا‪ ،‬غاضبا عل ّ‬
‫معرفة إجاباتها أم ل‪ .‬استيقظت وجلسنا بجوار الشرفة وصوت ارتطام عجلت السيارات الرتيب بفاصل الكوبرى ُيشِعرنا بصمتنا أكثر‪ .‬سأل عن أخبارى دون اهتمام حقيقى بتلّقى إجابة‪ ،‬ثههم قههام وفتههح بههاب الشههرفة وجههاء‬
‫وجلس بجوارى على الفراش وبدأ يتحدث فى أذنى‪ .‬قال لى إن تلميذته سارة قد حصلت على عنوان اللواء القطان والعائلة‪ ،‬وهم جميعا بخير ويعيشون تحت اسم مستعار فى منزل صغير بضاحية هادئة بجوار لندن‪ ،‬وإنههك‬
‫س فى يدى عنوان بريد إلكترونى خاص بسارة‪ ،‬وقال لى أن أرسل الليلة عن طريقها رسالة إلى العائلة‪ ،‬وسترّتب سارة طريقة لجراء التصالت الصههوتية بهههم‪.‬‬
‫بخير وتذهب إلى المدرسة‪ ،‬وكذلك أمك فى حالة طيبة‪ .‬ود ّ‬
‫ى توخى الحرص الشديد‪ .‬أيقظنى ذلك من نومى تماما‪ ،‬كأن العالم الحقيقى عاد وطرق بقوة على باب الفقاعة الوهمية التى أعيههش فيههها‬
‫ثم حذرنى من أن هذه المعلومات غير متاحة لحد خارج دوائر ضيقة جدا ومن ثم عل ّ‬
‫منذ شهور فبّددها‪ .‬ربت عزالدين على كتفى وقال لى أن ألّم شتات نفسى وأنتشلها من هذا العبث‪ ،‬ويكفى ما جرى‪ .‬وقام مغادرا دون انتظار رّدى‪.‬‬
‫أول ما فعلته هو الذهاب إلى بيتنا‪ ،‬فوجدت هناك أناسا ل أعرفهم‪ .‬حاولت فتح الباب بالمفتاح فلم يفتح‪ ،‬ولما طرقت الباب خرج لى طفل نصف عاٍر ثم دخل ثم خرجت لههى امههرأة فههى منتصههف العمههر بل ملمههح أذكرههها‪،‬‬
‫وقالت لى إن زوجها فى العمل‪ .‬سألتها عمن يكونون‪ ،‬فسألتنى من أنا‪ .‬ولما أجبتها ارتبَكت‪ ،‬وظلت تراوح بين العداء والتبرير‪ ،‬وفهمت منها أن لجنة شعبية ما دّلتها على المنزل باعتباره من غنائم الثورة فاسههتقروا بههه‪ .‬لههم‬
‫ل هو الخر‪ ،‬بعائلتين فههى مهها أعتقههد اقتسههمتاه كههل منهمهها فههى طههابق‪ ،‬وأطفههالهم‬
‫أعرف ماذا أفعل فى هذه الحالة فقلت لها إنى سأعود فى المساء حين يعود زوجها‪ .‬ذهبت من هناك إلى بيت صفية فى الرحاب فوجدته محت ّ‬
‫يمرحون فى الحديقة وحمام السباحة فارغ وبه بقايا ألعاب بلستيكية‪ .‬وقفت أرقبه من بعيد ولم أدخل‪ .‬مررت فى أثناء عودتى بالقرب من بيت عزالدين‪ ،‬ووددت لو توقفت وسألته‪ ،‬أو الهّم‪ ،‬سألت أسماء عما يساورنى مههن‬
‫شكوك‪ ،‬لكننى عدلت عن هذا‪.‬‬
‫ق لرؤيتى مفيقا وفى غيههر جلسههات العههزاء‪ .‬أخههذنى‬
‫ى‪ .‬انتظرته كثيرا على باب مكتبه فى المؤسسة التى يديرها‪ ،‬ثم ظهر وابتسم محدقا كأنه يريد معرفة ما ورائى‪ .‬كان مندهشا لرؤيتى‪ ،‬أو بالد ّ‬
‫ل ٍ‬
‫وجدت محمود بشير بعد َْ‬
‫ل حكومة عباس فخرى‪ .‬ساعتها عرفههت أن حكومههة الثههورة الثانيههة‬
‫ل مح ّ‬
‫من يدى ودخلنا مكتبه وعّبر عن سعادته بالزيارة‪ ،‬لكنه اعتذر بأن عليه الرحيل بعد دقائق‪ ،‬إذ لديه اجتماع لمناقشة تشكيل الحكومة الجديدة التى ستح ّ‬
‫ى‪ .‬قههال‬
‫سقطت‪ .‬هّز رأسه ضاحكا وقال فى كلمتين إنها لم يكن لديها فرصة من البداية‪ ،‬فكيف يمكن لحكومة مفّككة دون أدوات ودون مال أن تتعامل مع مطالب شعبية متضخمة كتلك الموجودة لدى الناس؟ المهم‪ ،‬ونظر إل ّ‬
‫المهم‪ ،‬كأن ذلك ليس هو المهم‪ .‬سألته إن كانت وظيفة الترجمة التى َتحّدث عنها منذ شهور ل تزال متاحة‪ ،‬فأومأ أن هناك دائما شغل لمترجمين‪ ،‬وحاليا لديهم مشروع لترجمة أفلم كههارتون للطفههال‪ ،‬ويسههعده أن يضههعنى‬
‫سههلفة تحههت حسههاب مرتههبى‬
‫فى المشروع‪ ،‬مضيفا أن شركاءه فى المشروع يابانيون ومواعيدهم دقيقة‪ ،‬ومن ثم إن لم أكن متأكدا فيمكنه البحث عن عمل لى فى شىء آخر‪ .‬لكنى وعدته أن أسلم عملى فى مواعيههده‪ .‬طلبههت ُ‬
‫فوافق فورا‪ ،‬لكنه طلب منى الدعاء كى تتمكن الحكومة الجديدة من فك أزمة البنوك وتفرج عن الرصدة كى يسترّد المال الذى ُيقِرضنى إياه منذ شهور‪ .‬ضحكنا وخرجنا من مكتبه‪ ،‬حيث تركنى مع السكرتيرة لتتابع إعداد‬
‫الوراق‪ ،‬وطلب منها أن يسلمونى كمبيوترا جديدا لعمل عليه‪ ،‬ولّوح لى مبتسما وذهب لجتماعه الهاّم‪ .‬ظللت هناك حتى تسلمت الكمبيوتر والمال وعدت إلى منزلى‪ ،‬أقصد منزل عبده‪.‬‬
‫وجدته فى المنزل فحكيت له عما حدث فى الصباح فصّمم أن يأتى معى لبيتنا فى المساء‪ .‬وهكذا عدت بصحبته إلى الطفل نصف العارى وعائلته‪ .‬كان الرجل‪ ،‬واسمه سلمة‪ ،‬طيبا ومرتبكا‪ .‬فهمت أنهم مههن ضههحايا كارثههة‬
‫الدويقة‪ ،‬وأن الذى مّكنهم من الشقة وزارة السكان فى حكومة عباس فخرى ل اللجنة الشعبية‪ ،‬وأخرج سلمة أوراق التخصيص الصادرة من وزارة السكان‪ ،‬وظل يعتذر طههوال الههوقت‪ .‬وجههدت فههى الوراق إشههارة إلههى‬
‫منزلى باعتباره من مصادرات رموز النظام القديم! لم أتمالك نفسى من الضحك‪ ،‬ل أدرى ِلَم‪ ،‬ربما لن الموضوع كله عبث فى عبث‪ .‬الرجل ارتبك أكثر بضحكى‪ ،‬وقال لى إنهم لم يلمسوا الثاث أو بقيههة محتويههات الشههقة‬
‫التى وجدوها عند قدومهم بل جمعوها كلها فى غرفتين وأغلقوا عليها البواب كيل يعبث الطفال بها‪ ،‬وإنى أستطيع أخذها فى أى وقت‪ .‬تمهل كأنه يريد أن يضيف شيئا‪ ،‬لكنههه صههمت‪ .‬سههألته كههم طفل لههديه فأجههاب بههأنهم‬
‫ثلثة‪ ،‬أحمد ومحمد ومحمود‪ .‬وقال إن محمد هو الذى فتح لى الباب فى الصباح‪ ،‬وهو الكبر‪ .‬ظللت ساهما‪ ،‬وعبده يحدق إلينا نحن الثنين بنظرته المستفهمة‪ ،‬ثم قلههت للرجههل أن يههترك المحتويههات حيههث هههى حههتى أدّبههر‬
‫أمورى‪.‬‬
‫لم أكن أعرف ما العمل‪ .‬المنطقى أن أسترد بيتنا‪ ،‬وأعتقد أن ذلك كان ممكنا‪ .‬فقد تم رفع اسمى من قائمة أعداء الثورة‪ ،‬ومن َثّم يجب أن يسرى ذلك أيضا على وزارة السكان‪ ،‬التى لم أعرف أنههها تصههادر بيههوت »أعههداء‬
‫الثورة« إل ساعتها‪ .‬لكنى لم ُأِرد اللجوء مرة أخرى إلى عزالدين أو محمود بطلبات‪ ،‬ولم أكن متحمسا للقاء عائلة الدويقة بأطفالها الثلثة فى الشارع‪ ،‬خصوصا أنى لم أكن أحتاج إلى الشقة فورا‪ .‬قررت تأجيل الموضههوع‬
‫طررت إلى التصال بمحمود مرة أخرى‪ ،‬فأرسلنى إلههى شههخص‬
‫برمته‪ ،‬والتركيز على استرداد بيت صفية‪ ،‬فهذه ل يمكن اعتبارها من أعداء الثورة‪ ،‬ومحتلو بيتها ل يمكن أن يكون لديهم أوراق تبرر وجودهم هناك‪ .‬واض ُ‬
‫أرسلنى إلى شخص‪ ،‬وبعد يومين جاءت معى »قوة« من حرس الثورة و»اللجنة الشعبية لشرق القاهرة« حتى بيت صفية‪ .‬لم يستغرق المر طويل حتى استسلم المحتلون وطلبههوا أسههبوعا لخلء الههبيت‪ .‬ووافقههت بعههد أن‬
‫ب من عمر عبده وهيئته‪ ،‬بأن يأتوا معى مرة أخرى لتسّلم البيت‪.‬‬
‫وعدنى قائد القوة‪ ،‬وهو شا ّ‬
‫عدت إلى الشقة مع عبده‪ ،‬وفى نفس هذا المساء أرسلت رسالتى الولى إلى اللواء القطان عبر سارة‪ .‬كانت رسالة بسيطة‪ ،‬دون ِذكر أسماء‪ُ ،‬أعِرب فيها عن رغبتى فى الحديث مع »البناء«‪ .‬ردت سههارة برسههالة أعطتنههى‬
‫فيها تفاصيل »ُهِوّيتى« الجديدة فى برنامج للمحادثة على النترنت‪ ،‬وُهِوّيتها هى‪ ،‬وطلبت منى إضافتها على قائمة اتصالتى‪ ،‬وانتظار الرد الذى سيأتى خلل بضعة أيام على شكل طلب إضافة إلى هذه القائمة ُموصههى بههه‬
‫ت ما طلَبته منى‪ ،‬وظللت أنتظر‪.‬‬
‫من ُهِوّيتها هى‪ ،‬وذلك تفاديا لستخدام شبكة التليفونات المصرية‪ .‬فعل ُ‬
‫فى هذه الثناء‪ ،‬بدأت العمل فى ترجمة أفلم الكارتون‪ ،‬ومع استصغارى للمهمة فى البداية فإنى بعد قليل وجدتها شاحذه للهمة وممتعة فى نفس الوقت‪ .‬لم أشاهد أفلم كارتون منذ سنوات طويلة‪ ،‬ربما خمسههة عشههر عامهها‪.‬‬
‫ت عنك إلى هذه الدرجة؟ وفيَم كان انشغالى؟ كنت أظن عملى هاما ول يحتمل التأجيل أو التقليههص أو‬
‫ت ذلك؟ كيف انشغل ُ‬
‫وأدركت ساعتها أنى لم أصحبك يوما إلى السينما أو أشاهد معك فيلما أو كارتونا فى بيتنا‪ .‬كيف فعل ُ‬
‫التخّلى‪ ،‬وكنت مخطئا‪ .‬فى كل ما سبق هذا ما أندم عليه‪ ،‬كل هذا الوقت الذى ضاع والذى ل يمكننى استعادته‪ ،‬كل هذا الوقت الذى كان يمكننى قضاؤه معك‪ ،‬وتركته وتركتك‪ .‬وعلى هذا‪ ،‬عزيزى يحيههى‪ ،‬أسههتميحك عههذرا‬
‫وأطلب منك المغفرة‪ .‬هذا خطئى تجاهك‪ ،‬وأنا مدين لك بأكبر اعتذار ممكن‪ .‬من يدرى؟ لعّلى أنجح هذه المرة فى مسعاى وعندها سيكون لدينا كثير من الوقت لنعّوض ما فات‪ ،‬كأب وابن حقيقّيين‪.‬‬
‫ع‪.‬ش‪.‬فشير‬

‫‪------------------------------‬‬‫باب الخروج لعز الدين شكري فشير ‪ ..‬الحلقة السابعة والعشرون‬
‫أنا أراها تصرفت كابنة اللواء القطان ل كزوجتى وأم ابننا وهى ترى أنى تصرفت‬
‫كموظف كبير فى الرئاسة دون أن أعطى عائلتى أى اعتبار‬
‫قررت القامة فى بيت صفية‪ ،‬حمايًة للبيت من الحتلل وأيضا للبتعاد عن الجيزة وما جرى فيها‪ .‬لدى صفية غرفتان على السطح وحّمام ومطبخ لم تستخدمها قط‪ ،‬فقررت أن أتخذهم مقرا‪ ،‬وأسههعدتنى فكههرة القامههة فههى‬
‫بيت أختى‪ .‬أخبرت صفية عما حدث للبيت وطرحت عليها الفكرة فأيدتنى وشكرتنى عليها بل وأبلغتنى شكر إبراهيم زوجها على ذلك‪ .‬قالت إنهم لن يعودوا قريبا‪ ،‬ول حتى فى زيارة‪ .‬اسههتقر الولد فههى المههدارس واسههتقر‬
‫عمل إبراهيم بعد أن فض شركته مع عمر‪ .‬أخبرتنى بمرض عمر؛ لديه شىء فى القلب يحتاج إلى متابعة مستمرة‪ ،‬وهى على اتصال به وبزوجته وأطفاله رغم الخلف الذى وقههع بينههه وبيههن إبراهيههم‪ .‬فههى المجمههل لههديهم‬
‫جميعا حياة مستقرة فى إيطاليا‪ ،‬وليس هناك ما يدعو إلى هّزها بأسفار لمصر المضطربة أو مجرد التفكير فى العودة حاليا‪.‬‬
‫مّر السبوع الول دون أن يأتى رد السيد اللواء‪ ،‬لكن سارة أكدت تلقيه رسالتى‪ .‬فى نهاية السبوع صاحبنى عبده و»القوة« إلى بيت صفية ووجدته بالفعل خاليا‪َ .‬من كان هؤلء الناس؟ وأين ذهبوا؟ قال لى قائد القوة إنهههم‬
‫ل يستقرون فيه حتى يظهر له أصحاب فيتركونه فى هدوء‪ ،‬بعد أن يطلبوا مهلًة أسبوعا يكونون خللها‬
‫شة الصغيرة التى يسكنونها فى أحد الحياء الفقيرة‪ ،‬ويبحثون عن منزل خا ٍ‬
‫حل«؛ يتركون الغرفة أو الع ّ‬
‫»مواطنون ُر ّ‬
‫طم واتسخ الباقى بكههل الشههكال الممكنههة‪ ،‬كههأن مسههتخدميه‬
‫طم ما َتح ّ‬
‫قد وجدوا لنفسهم بيتا آخر خاليا ينتقلون إليه‪ ،‬وهكذا‪َ .‬تفّقدت المنزل ووجدته فى حالة مزرية‪ .‬اسُتخدم الثاث ومحتويات البيت بل مراعاة أو رحمة‪ ،‬فَتح ّ‬
‫ينتقمون منه‪ .‬سألنى عبده عّمن يسكن غرفَتى البواب‪ ،‬فأشرت له إلى أن الوضع كما يراه‪ .‬فسألنى إن كنت أمانع لو سكن هو فيهما‪ ،‬وعمل حارسا للمنزل‪ .‬وجدتها فكرة غريبة‪ ،‬فعبده محاسب‪ ،‬ولديه بالفعل عمل فى محههها ّ‬
‫ل‬
‫ناحية الجيزة‪ .‬سألته مباشرة‪ ،‬لكنه قلل من أهمية عمله محاسبا‪ ،‬قائل إن مجموع ما يتحصل عليه من المحلت الثلثة التى يقوم بحساباتها هو ستمئة جنيه فى الشهر‪ .‬وسألنى إن كنت مستعدا لدفعها نظير حراسههته للمنههزل‪،‬‬
‫إضافة إلى إقامته مجانا بالغرفتين الملحقتين بالحديقة‪ُ ،‬دهشت‪ ،‬وسألته ِلَم يريد ترك المحاسبة ليعمل بوابا‪ ،‬لكنه لم يهتّم بسخريتى ولم يبُد عليه استغراب للموقف؛ هذا عمل وذاك عمل‪ ،‬قال‪ .‬قلت ليُكن‪ ،‬ما دام هذا مهها تريههده‪.‬‬
‫هذه هى قصة مجىء عبده للعمل عندنا‪ ،‬ولم يفارقنا بعدها قط مثلما تعلم‪.‬‬
‫انتقلت بالفعل إلى سطح بيت أختى‪ ،‬وعبده إلى ملحق البواب‪ ،‬وانتظَمت حياتى شيئا فشيئا‪ .‬توقفت عن الشرب تماما وعن ارتياد مجالس العزاء‪ ،‬وأرسلت اعتذارا مكتوبا إلى عفاف مع محمود‪ ،‬واجتهههدت فههى ترجمههة أكههبر‬
‫عدد ممكن من أفلم الكارتون كيل يكون عندى دقيقة وقت زائدة‪ .‬ثم جاءتنى رسالة القطان عن طريق سارة‪ ،‬وتحدثت مع أمك ومعك لول مرة منذ قرابة تسعة أشُهر‪ .‬كان الحوار مع أمك جافا‪ ،‬وقليل الكلمات وإن طهههال‪.‬‬
‫أسئلة عن الحوال‪ ،‬إجاباتها قصيرة وبل معنى؛ »الحمد ل«‪» ،‬ماشى«‪ ،‬هذا النوع‪ .‬أسئلة عنك‪ ،‬فتسهب فى وصف أحوالك ومدرستك كى تعوض نقص الكلم فههى الموضههوعات الخههرى‪ .‬أسههئلة مههن ناحيتههها عههن الههبيت‬
‫ب جام غضبها المكتوم تجاهى على الثورة وَمن قام بها‪ .‬كل هذا ونحن نحوم حول القضية الساسية‪ ،‬هروبها بك‪ .‬لم أكن أريد عراكا‪ ،‬فسألتها أول عن سبب عدم اتصههالها‬
‫والحوال‪ ،‬فقلت لها ما حدث‪ ،‬وكانت فرصتها لص ّ‬
‫طّرت إلى ذلك وفقا لتعليمات المن‪ .‬سألتها إن كانت هذه تعليمات المن أم الوالد فقالت أن ل فرق‪ .‬لكننا نتحدث الن‪ ،‬وبناء على مبادرتى أنا‪ ،‬قلت‪ ،‬فههرّدت بأنههها ل‬
‫طلعى على مكانكم‪ ،‬فرّدت بأنها اض ُ‬
‫منذ سفرها وعدم إ ْ‬
‫ت فى مصههر دون أى‬
‫ت من البلد بابنى دون إخبارى؟ وكيف َتخّليت عنا وبقي َ‬
‫تعرف هذه التفاصيل‪ ،‬كل ما فعلته كان بمشورة أبيها‪ .‬وهكذا‪ ،‬شيئا فشيئا تدهورت المحادثة حتى وصلت إلى نقطة الصراع الحتمية‪ :‬كيف هرب ِ‬
‫مبّرر تاركا أسرتك تفر وحدها؟ أكرر سؤالى وهى تعطى إجابات أجدها واهية‪ ،‬وهى تكرر سؤالها وأجيبها إجابات تجدها هى غير مقنعة‪ .‬وحتى اليوم‪ ،‬لو سألتها وسألتنى‪ ،‬ستجد هذين الوجهين للقصة‪ :‬أنا أراههها تصههرفت‬
‫ن نفس الشىء بى‪.‬‬
‫كابنة اللواء القطان ل كزوجتى وأم ابننا‪ ،‬وهى ترى أنى تصرفت كموظف كبير فى الرئاسة دون أن أعطى عائلتى أى اعتبار‪ .‬أظن أنها مخطئة وتكابر‪ ،‬وأظنها تظ ّ‬
‫ت فى الرابعة عشرة من عمرك‪ ،‬ولم تكن وقتها مهتما إل بشؤونك المباشههرة‪ .‬تح هّدثنا عههن مدرسههتك وزملئك‪ ،‬وسههألتك عههن البنههات النجليزيههات وقلههت لههى إنههك ل تحّبهههن‪،‬‬
‫حادثُتك بعد أن وصلنا إلى طريقنا المسدود‪ .‬كن َ‬
‫ت أن توضح أو تزيد‪َ .‬تحّدثنا عن البيت والمدينة وقلت لى إنها ممّلة‪ ،‬ول تعرف فيها أحدا‪ ،‬ول تستطيع الخروج وحدك حيث يصر جدك على أن يرافقك أحد الحراس أينما ذهبت‪ .‬لكنك كنت معجبا بمراكز التسههوق‪،‬‬
‫ورفض َ‬

‫ت منى إن جئت أن أحضر معى »الهارد ديسههك« الحمههر الههذى نسههيَته‬
‫ت إنى ل أعرف بعد‪ ،‬فطلب َ‬
‫ت وقل ُ‬
‫وبه»الكس باد« الذى أهدتك إياه أمك‪ ،‬وبالملبس‪ ،‬لكن الطقس كان يزعجك‪ .‬سألتنى إن كنت سآتى قريبا فاضطرب ُ‬
‫على مكتبك بالبيت وعليه كل أغانيك‪ .‬وعدُتك بالبحث عنه‪ .‬واتفقنا أن تشترك فى برنامج المحادثة الذى نستخدمه كى نتحدث معا حين نشاء‪ ،‬لكنك نسيت‪.‬‬
‫فكرت كثيرا أن ألحق بكم‪ ،‬رغم أن أمك لم تقترح ذلك ورغم إحجام جدك عن الحديث معى ورغم غضبى الشديد على كليهما‪ .‬لكنى لم أستطع ابتلع فكرة أن ألحق أنا بالسيد اللواء القطان الذى أخذ زوجتى وابنى وسههافر‪.‬‬
‫فكرت أن تعودا أنتما الثنان‪ ،‬أو حتى أن يذهب ثلثتنا إلى مكان آخر‪ ،‬إيطاليا مثل عند إخوتى‪ ،‬لكن شيئا من هذا لم يحدث كما سأشرح لك بعد قليل‪.‬‬
‫ركزت كل جهدى على الترجمة‪ ،‬وحاز عملى تقديَر المسؤول عن المشروع وشركائه اليابانيين‪ .‬وشكرنى محمود وأبدى سعادته بعودتى للحياة الطبيعية‪ .‬كنا قرب نهاية شهر أبريل‪ ،‬وصار لههدى محمههود وقههت أكههبر حيههث‬
‫انتهت مشاورات تشكيل الحكومة وقرر هو وأصدقاؤه الثوريون عدم المشاركة‪ ،‬وهو نفس موقف القوى الديمقراطية المدنية عدا حزب الوفد الذى انضّم إلى الخوان والسلفيين وشّكلوا أول حكومة يسيطر عليها السلميون‬
‫ى فرصههة محههدودة قبههل أن تغلههق الحكومههة السههلمية‬
‫منذ الثورة‪ .‬مازحنى محمود بأن أصدقاء سهرات العزاء يفتقدوننى ويبلغوننى أنى أستطيع العودة لزيارتهم إن شئت دون أن أكرر ذلك بالضرورة كل ليلة‪ ،‬وقال إن لد ّ‬
‫ى على أصههحابه‪ ،‬لكههن مههن نعههم‬
‫البار الذى يسهرون فيه‪ ،‬مضيفا أن لديه وقتا هذه اليام ويمكنه أن يذهب معى لحراستى من الفاتنات اللواتى يتربصن بى‪ ،‬فابتسمت واعتذرت‪ .‬عرفت أن هذا العالم ليس لى‪ ،‬ل اعتراض لد ّ‬
‫ال على النسان أن يعرف ما له وما ليس له‪ ،‬وصرت الن موقنا أن هذا المر ليس لى‪.‬‬
‫ى فى الجيزة ودّبر التصال مع أمك من خلل تلميذته سارة‪ .‬ولم أكن قد قابلت سارة هذه وجها لوجه‪ ،‬فقررت الذهاب إليه فى الجامعة كى أشكره وأزيل بعضا من التوتر العههالق بيننهها‪،‬‬
‫لم أكن قد قابلت عزالدين منذ مر عل ّ‬
‫وأيضا أقابل التلميذة الغامضة وأشكرها‪ .‬لم ألمس منه حماسًة حين اتصلت به لكنى ذهبت‪ ،‬ووجدته لطيفا ومرحبا لكن كان شىء ما يقف بيننا لم أعرف ما هو‪ ،‬كأنه حاجز شّفاف‪ ،‬طبقة مههن البلسههتيك تص هّد نظراتههى عههن‬
‫ى باهتة‪َ .‬تحّدثنا فى عدة أمور‪ .‬شرح لى أسباب رفضه وزملئه النضمام إلى الحكومة الجديدة‪ ،‬قال إن التيارات السلمية تعتقد أن لديها أغلبية وتريههد أن ُتمِلههى برنامجههها ورؤيتههها ولههم تتعلههم‬
‫النفاذ إليه‪ ،‬وتجعل نظراته إل ّ‬
‫شيئا‪ ،‬وهم الذين أفشلوا حكومة عباس فخرى ومن ثم لم يكن لتشكيل حكومة ائتلفية أخرى معنى‪ .‬سألته إن لم يكن خائفا من استئثارهم بالحكم‪ ،‬وأن يستغلوا سيطرتهم علههى الحكومههة لتغييههر قواعههد اللعبههة وإعههادة صههياغة‬
‫المور على هواهم‪ ،‬فضحك ضحكة مبتسرة‪ ،‬وقال ساخرا إنه من الواضح أنى كنت مشغول خلل الشُهر التسعة الخيرة‪ ،‬وأردف جادا أنه لم يعد لحد أغلبية تلقائية تؤيده فههى كههل المواقههف‪ ،‬بههل علههى العكههس‪ ،‬أصههبحت‬
‫المشكلة الرئيسية الن هى تفّتت التأييد‪ .‬كل خمسين نفرا يمكنهم أن يبدؤوا احتجاجا يتحول إلى ثورة صغيرة‪ .‬حتى داخل معسكر كل قوة سياسية‪ ،‬لم يعد هناك من يستطيع القيادة‪ ،‬فكل قرار له معارضههوه وكههل اختيههار لههه‬
‫من يرون عكسه‪ ،‬وقليلون من يقبلون اللتزام بقرار ل يؤيدونه‪ .‬كأن كل فرد فى المجتمع صار قوة سياسية وحده‪ ،‬ومن َثّم لن يستطيع السلميون الذين شّكلوا الحكومة محاكمة أعداء الثورة مثلما يريد البعههض‪ ،‬ول العفههو‬
‫عنهم مثلما يريد الخرون‪ ،‬ولن تستطيعوا تعديل الدستور الذى تم إقراره على عجل كما يريد البعض‪ ،‬ول الحفاظ عليه كما يريد الخرون‪ ،‬ولن يستطيعوا إعادة بناء الجهزة المنيههة واسههتعادة المههن ول تركههها كمهها هههى‬
‫جه بتحّد من جماعة ما‪ ،‬باختصار لن يستطيعوا فعل شىء فى أى من المشكلت الداخلية الهاّمة‪ ،‬ول فى الفوضى العارمههة المحيطههة بنهها مههن غههزة حههتى‬
‫معقل لقوى النظام القديم فيها ومصدرا للبلطجة‪ .‬كل حركة لهم ستوا َ‬
‫ى بسههبب ميرفههت‪،‬‬
‫إيران‪ .‬استرسل عزالدين فى شرح رؤيته للوضع السياسى‪ ،‬كأنه يلقى محاضرة على طلبته‪ ،‬ربما كى يتفادى الحديث فى المور الخرى‪ .‬وظللت أتوه منه وهو يحاضرنى‪ ،‬وأتساءل إن كههان غاضههبا عل ه ّ‬
‫ى لمر ما‪ ،‬فضحك واعتذر بأنه ينفعل عند الحديث عن الوضع السياسى‪ ،‬لن الحال يههؤلمه‪ .‬ولههو لههم أكههن أعرفههه منههذ عشههرات‬
‫وهل مصدر غضبه ما فعلته أنا أم اكتشافى ما فعله هو‪ ،‬أم أمر آخر‪ .‬سألته إن كان حانقا عل ّ‬
‫السنين لصّدقته‪ .‬لكنه هكذا‪ ،‬حين يغضب بجد ل يمكنك أن تفتح أبوابه‪ .‬سيظل موصدا حتى يأتى يوم ويفتحها هو بنفسه‪.‬‬
‫قاطعتنا امرأة شقراء قوية البنية خضراء العينين جادة الملمح‪ ،‬ل مبتسمة ول متجهمة‪ .‬هذه هى سارة رمسدل‪ .‬بادرتنى بالسلم بلغة عربية سليمة‪ ،‬وشكرتها على جهودها فقللت من قيمة ما فعلته وسألتنى إن كان كل شىء‬
‫على ما يرام‪ ،‬ثم دعتنى إلى التصال بها إن احتجت إلى شىء ِمن »هذه القناة« فى المستقَبل‪» ،‬فكلهم أصدقائى هناك«‪ ،‬قالت‪ ،‬وأومأت دون أن أفهههم مهها تعنيههه بالضههبط‪ .‬لههم أجههد شههيئا أضههيفه فسههلمت عليهمهها واسههتأذنت‬
‫منصرفا‪ .‬هذه هى سارة رمسدل‪ ،‬ضابطة البحرية المريكية التى رتبت العملية التى أنا بصددها‪ ،‬والتى ستهبط مع المروحيات فوق سطح هذه السفينة فى الرابعة من فجر غد‪.‬‬
‫ع‪.‬ش‪.‬فشير‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful