‫ابن المقفع ‪:‬‬

‫محمد الخرساني" عبد ال بن المقفع "‬
‫إضاءات على رائد الكتابة العربية‬

‫المقدمة ‪:‬‬
‫كثيرة هي الكتب التي تناولت عبدال بن المقفع بوصفه شخصية جدلية وأدبية وتاريخية ‪ ،‬تركت آثاًرا تستوعب‬
‫الكثير من البحــوث والدراسات ‪ ،‬ومن أهم الذين تناولوا ابن المقفع ومؤلفاته ؛ الستاذ المرحوم خليل مردم ‪ ,‬و‬
‫الستاذ المرحوم الب لويس شيخو ‪ ،‬والستاذ المرحوم أحمد أمين ‪ ،‬والدكتور محمد غنيمي هلل ‪ ،‬وغيرهم‬
‫الكثير ‪ ،‬وقد كشفت مؤلفاتهم الكثير من جوانب حياة ابن المقفع وأدبه ‪ ،‬غير أن الغموض ل يزال يكتنف شخصية‬
‫هذا الكاتب رغم كثرة الدراسات حوله ‪.‬‬
‫ووجدت هذا الكتاب يتمّيز عن غيره من الكتب في وقوفه على حقائق ذات أهمية كبيرة في ميدان الدراسات‬
‫المقارنة‪ ،‬وذلك أن مؤلف هذا الكتاب هو فارسي الصل والّلسان ‪ ,‬وسيتبين لنا هذا من خلل مقارنة المؤلف لكليلة‬
‫ودمنة بين الّلغتين العربية و الفارسية ‪.‬‬
‫يحتوي الكتاب على ستة أبواب ‪ ,‬عرض المؤلف في الباب الول لعصر ابن المقفع سياسًيا واجتماعًيا وأدبًيا ‪،‬‬
‫وتحدث في الباب الثاني عن أسرة وميلد ابن المقفع وحياته وزندقته ثم وفاته ‪ ,‬وعرض في الباب الثالث لفكر ابن‬
‫المقفع وآثاره ‪ ،‬وتحدث في الباب الرابع عن كتاب كليلة ودمنة ومكانته في التراث العالمي ‪ ,‬وعرض في الباب‬
‫الخامس لكتاب كليلة ودمنة بين اّللغتين العربية والفارسية ‪ ،‬أّما الباب السادس فقد تعرض لبن المقفع والتّيار‬
‫الفارسي في تآليفه ‪.‬‬
‫وسيحاول هذا التقرير أن يبّين مضامين هذه البواب ‪ ..‬ساًئل ال التوفيق والسداد‪..‬‬
‫ابن المقفع بين عصرين ‪:‬‬
‫يتحدث الباب الّول من الكتاب عن عصر ابن المقفع ؛ الحوال السياسّية والجتماعّية والعقلّية التي رافقت حياته‪،‬‬
‫إذ أّنه ولد في عصر كانت فيه الخلفة الموّية في أعّز أّيامها ؛ ففي بداية حياته اعتلى هشام بن عبد الملك الحكم ‪,‬‬
‫عام مائة وخمسة هجرّية ‪ ,‬إلى أن مات عام مائة وخمسة وعشرين هجرّية ‪ ,‬وقد امتّد سلطان الدولة الموّية في‬
‫هذه الفترة على كثير من القطار والمصار‪ ,‬كأفريقيا والندلس وصقلية ‪ ,‬وفي عهد هشام أتيح لبن المقفع أن‬
‫يشهد جهوده في القضاء على الّدعوة العباسية ‪ ,‬التي كان قد بدأ نفوذها يمتّد شيئا فشيئا في مختلف البلد السلمّية‬
‫‪ ,‬وقد كانت الكوفة وخراسان من أخصب البقاع لنشر الدعوة العباسية ‪،‬أّما الكوفة فلّنها مهد التشّيع لهل البيت‬
‫منذ صدر السلم ‪ ,‬و أّما خراسان فلّنها كانت قريبة من الفرس اّلذين كانوا يتطّلعون إلى زوال حكم بني أمّية‬
‫وقيام حكم بني العباس وخاصة سّكان مقاطعة سيستان اّلتي كانت دائًما معقل الثوار ومركز المؤامرات ضّد‬
‫ن العنصر العربي كان في الدولة الموية صاحب الكلمة العليا‪ ,‬فلم يكن يتولى أحد من الفرس شيًئا من‬
‫العرب ‪ ,‬ل ّ‬
‫سادة للعبيد ‪ .‬إلى أن التقى الجيشان العباسي والموي على‬
‫الوليات العاّمة ‪ ,‬وكان بنو أمّية يعاملونهم معاملة ال ّ‬
‫ضفة نهر الّزاب قرب مدينة الموصل في شهر جمادى الخرة عام مائة واثنين وثلثين هجرّية ‪ ,‬ودارت بينهما‬
‫رحى الحرب حتى انتصر الجيش العّباسي بقيادة أبي مسلم الخرساني ‪ ,‬ليكون أبو العّباس السّفاح أّول الخلفاء‬
‫العباسّيين ‪ ,‬وكانت اّللغة العربّية تسير حيث يسير نفوذ الخلفاء ويتعّلمها الّناس من كل لون وجنس ‪ ،‬وكانت آدابها‬
‫ن هذه الحوال السياسّية أّثرت في تكوين شخصّية كاتبنا ابن المقفع‪,‬إذ أ ّ‬
‫ن‬
‫كأّ‬
‫تسير معها أينما سارت ‪ ,‬ول ش ّ‬
‫ن عبد ال ابن‬
‫الديب ابن البيئة ول بّد أن تنعكس على تفكيره الحوال والحوادث المحيطة به ‪ ,‬ويمكن القول إ ّ‬
‫المقّفع عاش في عهدين متناقضين ؛ عهد أواخر خلفة بني أمّية التي كانت تمتاز بطابع عربي ‪ ،‬وعهد أوائل‬
‫خلفة بني العّباس وهي دولة عجمّية خرسانّية كما وصفها الجاحظ في كتابه البيان والتبّيين ‪ ,‬ومن مظاهر نفوذ‬
‫العنصر الفارسي نقل العاصمة إلى بغداد لقربها من خراسان موطن الّدعوة العباسّية ‪ ,‬واصطبغت الّدولة العّباسّية‬
‫بالصبغة الفارسّية بنقلهم نظام الفرس في الّدواوين وفنون الحرب واحتفائهم بالعياد الفارسية إلى جانب العياد‬
‫السلّمية ؛ كعيد الّنيروز والمهرجان ‪ ,‬وكثر الفرس في قصور الخلفاء والمراء والولة وشاعت الزياء الفارسّية‬
‫وجعل الخليفة المنصور أغطية الرأس القلنس وكان يلبسها في الحتفالت الرسمّية ‪ ,‬واجتمعت روافد مختلفة من‬
‫الّثقافات في عصر ابن المقّفع مثل رافد اّلثقافة الفارسّية ورافد الّثقافة اليونانّية ورافد الّثقافة الهندّية ورافد الّثقافة‬
‫سريانّية ‪.‬‬
‫ال ّ‬

‫ابن المقفع ‪ ..‬ظلمه عصره ‪:‬‬
‫أّما الباب الّثاني من الكتاب فيعرض لحياة ابن المقّفع ‪ ,‬حيث ولد نحو عام ثمانين من الهجرة ‪ ,‬ول يمكن الجزم‬
‫على وجه الّدقة بهذا التاريخ الذي خرج فيه ابن المقّفع إلى نور الحياة ‪ ,‬ولد لبوين فارسّيين ويبدو أّنهما كانا‬
‫ظف في الّدولة الموّية له مكانته وله موارده اّلتي تعيش بها أسرته ‪ ,‬ونشأ محًبا‬
‫يعيشان في ترف ونعيم ‪ ,‬فأبوه مو ّ‬
‫شعراء والدباء ‪ ,‬وانتقل من " جور " الفارسّية إلى مدينة الّبصرة وهو في الخامسة عشرة‬
‫سا لل ّ‬
‫لطلب العلم مجال ً‬
‫من عمره على وجه الّتقريب ؛ فإذا كان ميلده عام ثمانين للهجرة فيكون انتقاله هذا عام خمسة وتسعين للهجرة ‪,‬‬
‫عرف ابن المقّفع عند العلماء والدباء وطارت شهرته إلى‬
‫وكان يدين في بداية حياته بالمانوّية ‪ .‬وفي الّبصرة ُ‬
‫ي ‪ ،‬فأبوه " داذويه " كان‬
‫الوزراء والمراء ‪ ,‬وأخذ يعمل في دواوينهم ‪ ،‬وكانت له صلة وثيقة بهذا الجّو المهن ّ‬
‫ي أن يأخذ ابنه بتعّلم صناعته واستيفاء أدواتها‪ ,‬وذلك في ظلل الحكم‬
‫جاج ‪ ,‬ومن الطبيع ّ‬
‫ل على الخراج للح ّ‬
‫عام ً‬
‫الموي ‪ ,‬وكان عبد الحميد الكاتب من أقرب الناس إليه وأكثرهم صداقة له وقد بلغ هذا الخيرغاية الّنفوذ في‬
‫الّدولة الموّية في عهد مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمّية ‪ ،‬وقد حرص على معاونة ابن المقفع وتهيئة أسباب‬
‫ن ظواهر الحياة ل ضمان لستقراها وثباتها على‬
‫الحياة له ‪ ,‬وتعّلم ابن المقّفع من أمر سقوط الّدولة الموّية أ ّ‬
‫صة سليمان بن عل ّ‬
‫ي‬
‫عرف ابن المقّفع في العصر العّباسي عند أعمام الخليفة المنصور خا ّ‬
‫صورة واحدة ‪ ,‬و ُ‬
‫ي ‪ ,‬وبادر ابن المقّفع بعد اّتصاله بالعّباسيين إلى هجر دينه القديم وإشهار إسلمه‬
‫ي وعيسى بن عل ّ‬
‫وإسماعيل بن عل ّ‬
‫ي لقوله عّز وجل " ألم نجعل الرض مهاًدا والجبال أوتاًدا‪ ،‬وخلقناكم‬
‫‪ ،‬ويروى أّنه بعد أن سمع تلوة من صب ّ‬
‫ي و أشهر إسلمه ‪.‬‬
‫جا‪ ،‬وجعلنا نومكم سباًتا " ولم يلبث أن ذهب إلى عيسى بن عل ّ‬
‫أزوا ً‬
‫ثم يتساءل مؤلف الكتاب ‪ ,‬هل كان عبدال بن المقّفع زنديًقا ؟‬
‫ن عبدال ابن المقّفع قبل أن يعتنق السلم كان ينتحل المذهب المانوي كما صرح بذلك أبو ريحان‬
‫كأّ‬
‫لش ّ‬
‫حا منهم في هذه التسمية‪ ،‬فكيف‬
‫خرين تسام ً‬
‫ن إطلق اسم المجوس عليه جاء من قبل المؤّرخين المتأ ّ‬
‫البيروني‪ ،‬وإ ّ‬
‫ل لشأنه وهو ماني المذهب ل زرادشتي المذهب ‪،‬‬
‫ن ابن المقّفع مر ببيت الّنار وانحنى تعظيًما له وإجل ً‬
‫يعقل إًذا أ ّ‬
‫حيث أن بيت الّنار معبد لتباع زرادشت وليس لتباع ماني ‪ ,‬كما أّنه ليس من المعقول أن يجاهر بعد إسلمه ببيت‬
‫الحوص وأن يعّرض نفسه للخطر ‪ .‬وهكذا ينفي المؤّلف محمد غفراني الخراساني عن ابن المقّفع أي صلة‬
‫بالّزندقة ‪.‬‬
‫و قبيل نهاية حياة ابن المقّفع كان سوء الحظ حليًفا له ‪ ,‬فالمنصور قد غضب عليه بسبب كتاب المان وهو الخليفة‬
‫ظ أن يعزل سليمان من إمارة البصرة وأن يليها سفيان بن معاوية بن‬
‫والمصّرف لشؤون الدولة ‪ ,‬وشاء سوء الح ّ‬
‫شر وسوء المصير ‪ ،‬ومن أسباب ذلك أن ابن‬
‫يزيد بن المهلب ‪ ،‬وكان سفيان هذا يحقد على ابن المقّفع ويضمر له ال ّ‬
‫ظ ابن المقّفع ما‬
‫المقّفع كان يسخر من سفيان وكان يسأله عن أشياء فإذا أجابه قال له " أخطأت " ‪ ,‬ومن سوء ح ّ‬
‫ل هذه السباب مجتمعة أدت إلى مقتل ابن المقّفع‪،‬‬
‫أشاعه الحاقدون والحاسدون من الّزندقة والستخفاف بالّدين ‪ ,‬ك ّ‬
‫ض مضاجع الخلفاء ‪ ،‬ل‬
‫حا يق ّ‬
‫ن نفوذ الفرس أصبح خطًرا وشب ً‬
‫إل أن المؤّلف يزيدها سبًبا ذا دافع سياسي ذلك أ ّ‬
‫سيّما أّنهم تغلغلوا في المناصب الكبيرة في الّدولة ‪ ،‬فحاربهم المنصور بشّتى الوسائل ‪ ،‬وكانت الّزندقة ضرًبا من‬
‫ضروب الّتهامات ‪ ,‬اختلف المؤّرخون في تاريخ وفاة ابن المقّفع ويرى المؤّلف أّنه قتل عام مائة واثنين وأربعين‬
‫من الهجرة ‪ ،‬على يد سفيان بن معاوية أمير البصرة ‪.‬‬
‫ابن المقّفع ‪ ..‬رحلة الوفاء والفكر والدب ‪:‬‬
‫أّما الباب الّثالث من الكتاب ‪ ,‬فقد تناول الجوانب الشخصّية والفكرّية لبن المقّفع وآثاره الدبّية ‪ ،‬فقد كان ابن‬
‫ب لمبادئه وتعاليمه ‪،‬‬
‫المقّفع من أعظم رجال الفكر النساني ‪ ،‬وكان ينظر إلى الّدين نظرة الجلل والّتقديس والح ّ‬
‫وكان يحب عقيدته ويدافع عنها ويتفانى في تقديرها ‪ ،‬يقول ابن المقّفع ‪ " :‬الّدين أفضل المواهب اّلتي وصلت من‬
‫ال تعالى إلى خلقه وأعظمها منفعة وأحمدها في كل حكمة " وكان يعّبر كثيًرا عن إيمانه بخالق الكون وصانعه‬
‫ل ظاهر من الّدنيا‬
‫ومدبره ‪ ،‬ومن ذلك قوله ‪ " :‬مما يدل على معرفة ال وهو سبب اليمان ‪ ،‬أن وّكل بالغيب لك ّ‬
‫صغيًرا وكبيًرا عيًنا يصّرفه ويحّركه " ‪ .‬ويرى محمد غفراني الخرساني أن أقوال ابن المقّفع وآراءه في الّدين‬
‫تكذب تلك المزاعم التي وصمته بالّزندقة ‪ ،‬فكيف يجتمع تّيارا اللحاد والّتوحيد في القلب الّنابض بالمعرفة ‪ ،‬قال‬
‫ب‬
‫ي الّنزعة ‪ ،‬إنساني المشاعر‪ ,‬يح ّ‬
‫تعالى ‪ " :‬ما جعل ال لرجل من قلبين في جوفه " ‪ ،‬وابن المقّفع اجتماع ّ‬
‫ل في هذا المضمار ‪ ،‬يدّلنا على ذلك أّنه عندما طورد صديقه‬
‫عّد مث ً‬
‫الصديق ويأنس إليه ‪ ،‬ويضحي من أجله حتى ُ‬
‫عبد الحميد الكاتب من قبل العّباسيين ‪ ,‬وهرب إلى الجزيرة خوًفا من بطشهم ‪ ،‬واستطاعت العيون أن تعلم بمكان‬
‫شرطة للقبض عليه ‪ ،‬فوجدوه مع ابن المقّفع في بيت‬
‫عبد الحميد فأبلغوا عنه بني العّباس ‪ ,‬فجاءت برجال من ال ّ‬
‫واحد ‪ ،‬ولكّنهم لم يتعّرفوا على عبد الحميد ‪ ،‬فسألوهما أّيكها عبد الحميد ؟ فحاول كل واحد منهما أن يقّدم نفسه أّنه‬
‫شرطة بعد أن‬
‫صا على سلمة أخيه وخوًفا من أن يناله مكروه ‪ ،‬وبعد قليل رجعت فرقة ال ّ‬
‫عبد الحميد ‪ ,‬وذلك حر ً‬

‫وقفت على صفات عبد الحميد ‪ ,‬وقبضت عليه وحملته إلى حيث يلقى مصرعه وُيقتل في أبشع صورة ‪ ،‬وكان ابن‬
‫جا في الخلق المهّذب والدب الّرفيع‬
‫ن المعشر ‪ ،‬وكان نموذ ً‬
‫سَ‬
‫حَ‬
‫حا حلو الدعابة عذب الحديث ‪َ ,‬‬
‫المقّفع مر ً‬
‫صحابة " يعتبر منشوًرا‬
‫والّتواضع الجّم ‪ ,‬إلى جانب الجرأة الّنادرة والعتزاز بالرأي ‪ ،‬وإن كتابه " رسالة ال ّ‬
‫سياسي ‪ ،‬حيث يدعو إلى‬
‫للصلح في جهاز الدولة العّباسية ‪ ,‬وكان ما جاء في الّرسالة ذا طابع واضح في الّنقد ال ّ‬
‫سياسة‬
‫سياسي في أرجاء المجتمع العربي السلمي ‪ ,‬وجدير بأن توضع هذه الرسالة إلى جانب كتاب " ال ّ‬
‫الّتنظيم ال ّ‬
‫" لرسطو ‪ ،‬وكتاب " العقد الجتماعي " لجان جاك روسو ‪.‬‬
‫ل أو‬
‫ويعتبر ابن المقّفع أول من عني بالّترجمة ‪ ،‬واندفع بفطرته إلى النتاج العلمي ‪ ,‬فلم نجد في كتبه وآثاره ما يد ّ‬
‫ص أّنه ُكّلف بترجمة أو تأليف من الخلفاء العّباسيين أو ولتهم ‪ ,‬ويمكن إجمال آثاره في ثلثة أقسام ‪:‬‬
‫ين ّ‬
‫صغير والدب الكبير ‪ ,‬والدب الوجيز وكتابه الدب ‪ ،‬والدب‬
‫القسم الّول ‪ ،‬في الدب ؛ ويشمل الدب ال ّ‬
‫الجامع ‪.‬‬
‫أّما القسم الثاني ‪ ,‬فهو في المنطق ؛ وقد نسبت إليه ترجمة كتب آرسطاطاليس المنطقّية الثلثة ؛ وهي الجوهر‬
‫والعرض ‪ ,‬وكتاب في العبارة ‪ ,‬وكتاب في تحليل القياس ‪ ،‬كما نسبت إليه ترجمة كتاب "ايسا غوجي" الكلّيات‬
‫الخمس ‪.‬‬
‫صحابة ‪ ,‬وكتاب التاج‬
‫أّما القسم الثالث ‪ ,‬فهو في التاريخ والسياسة والجتماع ؛ ككتاب كليلة ودمنة ورسالة ال ّ‬
‫سب‬
‫حى ولم يبق له أثر إل بعض المقتطفات التي يوردها المؤّرخون القدامى ‪ ,‬وقد َن َ‬
‫وكتاب "آئين نامه" وقد اّم َ‬
‫المسعودي كتابين آخرين في تاريخ الفرس لبن المقّفع هما ؛ "البنكش والسكيسران " وهي مقاطعة تقع في شرقي‬
‫سَير ملوك الفرس ‪ ,‬وجاء الكتاب على شكل قصص‬
‫إيران واسمها اليوم سيستان ‪ ,‬وكتاب "خداينامه" وتعني ِ‬
‫ممزوجة بأساطير دينّية مأخوذة من كتاب "اوستا لزرادشت" ‪.‬‬
‫كليلة ودمنة ‪ ..‬ذلك الثر الخالد‬
‫أّما الباب الّرابع فتحّدث فيه المؤّلف عن كتاب كليلة ودمنة ومكانته من الّتراث العالمي ‪ ,‬فقد ولد الكتاب في لغة‬
‫حا للقلوب ‪,‬‬
‫طير ؛ لتعليم الحكمة استجماًما للّنفوس وتروي ً‬
‫سنسكريتية والكتاب وضع على ألسنة البهائم وال ّ‬
‫الهند ال ّ‬
‫صة ‪ ,‬وقال عنه الّدكتور طه حسين‪ " :‬في‬
‫وليكون الجّد فيه صورة المتعة التي تجتذب إليها العاّمة ويتسلى بها الخا ّ‬
‫هذا الكتاب حكمة الهند وجهد الفرس ولغة العرب " ‪ ،‬أما سبب وضع الكتاب فتتعّددت الّروايات ؛ ومنها ما يروى‬
‫ظلم على العباد‬
‫أّنه قد حكم الهند بعد فتح السكندر المقدوني ملك يدعى دبشليم ‪ ,‬فلّما توّلى الحكم رفع علم البغي وال ّ‬
‫وعبث بالّرعية ‪ ،‬وكان في عصره رجل حكيم من البراهمة يقال له بيدبا ؛ وهو رجل فاضل ‪ ,‬فّكر في حيلة‬
‫ظلم وترّده إلى العدل والنصاف ‪ ،‬فجمع بيدبا تلميذه وقال لهم ‪ " :‬اعلموا أّنه‬
‫تصرف الملك عّما هو عليه من ال ّ‬
‫ن الملك سجنه أّول‬
‫من الواجب أن نرّد الملك إلى فعل الخير " واستقّر الّرأي أن يذهب بيدبا بنفسه إلى الملك ‪ ,‬لك ّ‬
‫سَنن العدل للملك واقترح الملك على بيدبا أن‬
‫المر‪ ,‬ثّم أطلق سراحه واعتذر له عّما صنع في حّقه ‪ ,‬فوضع بيدبا ُ‬
‫يؤّلف كتاًبا على ألسنة الحيوان ليخلد به ذكر الملك على مر الّيام ‪ ،‬فقام بيدبا بوضع هذا الكتاب مستعيًنا بتلميذه‬
‫في تدوينه سنة كاملة ‪.‬‬
‫وبعد أن مضت على الكتاب ثمانية قرون ‪ ,‬حدث أن سمع به كسرى أنوشروان ‪ ,‬وكان محّبا للعلم والدب والحكمة‬
‫‪ ,‬فأوفد الحكيم برزويه رأس أطباء فارس إلى بلد الهند لستنساخ هذا الكتاب ‪ ,‬وعندما عاد برزويه بالكتاب ‪,‬‬
‫أعجب به كسرى أّيما إعجاب ورجا برزويه الملك أن تكون مكافأته أن يكتب الوزير الفيلسوف "بزرجمهر"‬
‫ترجمة لحياته ‪ ,‬ويجعلها باًبا من أبواب الكتاب لتخلد ذكراه على مّر اليام ‪.‬‬
‫ومن الروايات الخرى في سبب وضع الكتاب أنه يوجد في البلد الجنوبّية مدينة تسمى "بهجة العذراء" ويحكمها‬
‫سلطان الخالد ‪ ,‬وكان للملك أولد في منتهى البلدة والغباوة ‪ ,‬فأشار على الملك بعض العلماء أن‬
‫ملك يدعى ال ّ‬
‫ن واحًدا من العلماء يسمى الحاذق خالفهم الّرأي‬
‫يدرس أبناؤه العلوم النحوّية والصرفّية مّدة اثنتي عشرة سنة ‪ ,‬لك ّ‬
‫ي يدعى "وشنوشرما" اشتهر بتضّلعه في علوم متعّددة ‪ ,‬فلو سّلم الملك أبناءه إليه‬
‫ل ‪ " :‬يوجد هاهنا برهم ّ‬
‫قائ ً‬
‫ي هذا الكتاب ليحّببهم في المعرفة بأسلوب مشّوق ‪.‬‬
‫فسيشحذ أذهانهم ويجعلهم عقلء " ووضع لهم البرهم ّ‬
‫أما ترجمة الكتاب إلى البهلوّية فمن المؤكد أن الكتاب وقع في أيدي الفرس في عهد كسرى أنوشروان في الفترة ما‬
‫بين عام خمسمائة وواحد وثلثين وعام خمسمائة و تسعة وسبعين ميلدّية ‪ ,‬فنقلوه إلى البهلوية وأضافوا إليه‬
‫ي عام على وجه الّتقريب ‪ ,‬قام أحد أبناء الفرس وهو عبدال بن المقّفع بنقله إلى‬
‫صا أخرى ‪ ،‬وبعد نحو مائت ّ‬
‫قص ً‬
‫جم الكتاب بعد ذلك إلى أكثر من خمسين لغة من الّلغات الحية ‪.‬‬
‫العربية ‪ ،‬وُتر ِ‬
‫صة في الباب الّول من الكتاب ‪ ,‬يقول ابن‬
‫أما سبب تسمية الكتاب بكليلة ودمنة ‪ ,‬فهما اسمان علمان من أبطال الق ّ‬
‫المقّفع ‪ " :‬وكان فيمن مع السد من السّباع ابنا آوى يقال لحدهما كليلة وللخر دمنة ‪ ,‬وكانا من ذوي الّدهاء في‬
‫سنسكريتية "كرتكا و دمنكا" ‪ ,‬وعندما نقلتا إلى البهلوّية حّورتا إلى‬
‫العلم والدب " ‪ ,‬وأصل الكلمتين في اّللغة ال ّ‬
‫"كليكا و دمنك" ‪ ,‬وبعد اّلنقل للعربّية أبدل حرف الكاف إلى حرف الهاء وصارت كليلة ودمنة ‪.‬‬
‫جح محمد غفراني الخراساني أّنه وقع في الّنصف الّول‬
‫أّما تاريخ ترجمة الكتاب من الفهلوّية إلى العربّية ؛ فير ّ‬
‫من القرن الثاني الهجري ‪ ,‬وقصد ابن المقّفع من تأليفه هدًفا إصلحًيا في الجتماع وتأديب الّنفس وتهذيب الخلق‬
‫شباب فتستمال به قلوبهم ‪ ,‬وتظهر فيه‬
‫‪ ،‬فهو على ألسنة البهائم غير الناطقة ويسارع إلى قراءته أهل الهزل من ال ّ‬

‬ويعّلم الملك كيف يثّبت من دعائم ملكه ‪ .‬ثم باب الجرذ وال ّ‬ ‫ن الّثأر من شأنه‬ ‫طائر فنزة ؛ وتدور حوادث هذا الباب حول بيان أ ّ‬ ‫سياسة مع العداء ‪ ،‬ثم باب الملك وال ّ‬ ‫الّتدبير وال ّ‬ ‫صداقة بعد الخصام ‪ .‬ثم باب الحمامة المطوقة ؛ ويدور حول منافع ال ّ‬ ‫سياسة الخارجّية للّدولة وكيفّية استطلع أخبار العدّو ‪ .‬ثم باب الّناسك‬ ‫صائغ ؛‬ ‫سائح وال ّ‬ ‫ضيف ؛ ويمّثل من يترك عمله اّلذي يليق به ويطلب غيره ‪ ،‬فل يدرك هذا ول ذاك ‪ .‬‬ ‫ن الكتاب بعد ترجمته هُّذ َ‬ ‫ب‬ ‫أّما عن تلخيص الكتاب وترجماته المختلفة ‪ .‬لكّننا ل نعلم شيئا عن هذه الّترجمة ‪ .‬وير ّ‬ ‫خ َ‬ ‫وُل ّ‬ ‫بالّترجمة العربّية لبن المقّفع ‪.‬ومؤّلفه سهل بن‬ ‫ودمنة في اّللغة العربّية كتاب ثعلة وعفراء ‪ .‬رائد الدب المقارن ‪:‬‬ ‫أّما الباب الخامس فتحدث عن محاكاة كليلة ودمنة في اّللغتين العربّية والفارسّية ‪ ،‬ومن الكتب التي عارضت كليلة‬ ‫ظباء ‪ .‬وعفراء نوع من ال ّ‬ .‬والّثاني نوع خراف ّ‬ ‫مثل ق ّ‬ ‫قصص الكتاب من النوع الّثاني ‪ ،‬على أّنه يمكن تقسيم الكتاب إلى ثلثة أقسام ‪ .‬قسم القصص الهندّية وهي أساس‬ ‫الكتاب ‪ .‬ويمّثل السد في هذا الباب‬ ‫بن البختيان" ويتحّدث عن سيرة برزويه وآثاره في ال ّ‬ ‫السلطة العليا عند الملوك ‪ .‬ويمثل السلطة القضائّية في الّدولة التي تحمي حق المظلوم وتعاقب‬ ‫صداقة وأثرها في ربط القلوب واّتحاد المشاعر ‪ .‬ويرى المؤّلف أّنه من الجائز‬ ‫أن يكون ابن المقّفع قد تصّرف فيه وأضاف إليه ليلئم موضوع الباب الّتفكير السلمي ‪.‬ثم باب السد والّثور‪ .‬يقول اّللحقي ‪:‬‬ ‫ن َهْزَلُه‬ ‫شَتُهو َ‬ ‫خَفاُء َي ْ‬ ‫سَ‬ ‫ضــَلُه وال ّ‬ ‫ن َف ْ‬ ‫حَكَماُء يعرفو َ‬ ‫فال ُ‬ ‫عْنَد اّللْف ِ‬ ‫ظ‬ ‫ن ِ‬ ‫سا ِ‬ ‫ظ َكَذا على اّلل َ‬ ‫حْف ِ‬ ‫ك َيسيُر ال ِ‬ ‫َوْهَو على ذِل َ‬ ‫كما نظم الكتاب علي بن داوود كاتب زبيدة بنت جعفر زوج الّرشيد ‪ .‬فيشير ابن الّنديم في كتابه الفهرست أ ّ‬ ‫جح المؤّلف محمد الخرساني أن يكون الّتهذيب متعّلقا‬ ‫ص ‪ .‬ثم باب السد وابن آوى الّناسك ؛ ويمّثل الّرجوع إلى ال ّ‬ ‫ى ‪ ..‬الّول إنساني تقع فيه الحوادث ويدور الحوار بين أشخاص حقيقّيين ؛‬ ‫ي ‪ .‬ويتحدث عن حاشية الملوك ورجال البلط ‪ .‬‬ ‫وردت نسخة مّلخصة لكليلة ودمنة في عهد المأمون ‪ .‬‬ ‫الكتاب الملوك وال ّ‬ ‫أّما قصص الكتاب فقد وردت على قسمين ‪ .‬ثم باب القرد والغيلم ؛‬ ‫البوم والغربان ؛ ويمثل هذا الباب ال ّ‬ ‫ي ومضاّرها على صاحبها ‪ .‬ثم باب الفحص عن أمر دمنة ‪ .‫خيالت الحيوانات ليكون متعة لقلوب الملوك ‪ ،‬ويكون حرصهم عليه أشد للّنزهة في تلك الصور ‪ ،‬ويقرأ هذا‬ ‫سوقة ‪ .‬ويذكر لنا المؤّلف محمد غفراني الكثير من الّترجمات الّنثرية لكتاب كليلة ودمنة‬ ‫ال ّ‬ ‫من العربّية إلى الفارسّية ‪.‬وقام كثير من الشعراء بنظم كتاب كليلة ودمنة وعلى رأسهم أّبان بن‬ ‫عبد الحميد اّللحقي‪ ،‬حيث أشار عليه يحيى بن خالد البرمكي بنظم الكتاب ‪ .‬وقسم القصص الفارسّية " الفهلوّية " وقسم من القصص أضيفت إلى الكتاب بعد نقله إلى العربّية بواسطة‬ ‫ابن المقّفع وغيره ‪.‬‬ ‫طبيب‬ ‫صة برزويه ال ّ‬ ‫نق ّ‬ ‫طبيب ويرى المؤّلف محمد غفراني الخرساني أ ّ‬ ‫وقد اختلف على واضع باب برزويه ال ّ‬ ‫أشبه إلى السطورة وما برزويه إل بطل موهوم كسائر أبطال قصص الكتاب ‪ .‬وما يجري من المكائد والحيل بين أفراد‬ ‫الحاشية ‪ .‬‬ ‫ابن المقفع ‪ .‬فيكثر انتساخه ويبيع بذلك منه المصّور والّناسخ ‪.‬‬ ‫ويذكر حاجي خليفة أن عبدال بن هلل الهوازي ترجم كتاب كليلة ودمنة بعد ابن المقّفع من البهلوّية إلى‬ ‫العربّية ‪ .‬واخُتِل َ‬ ‫مسرح الحياة بأسلوب قصص ّ‬ ‫مسحة إسلمّية واضحة ‪ .‬ثّم نظمه أبو المكارم المصري في عهد‬ ‫سلطان صلح الّدين الّيوبي ‪ .‬وهو‬ ‫على غراره وخا ّ‬ ‫عين ما ذكره ابن المقّفع في باب بعثة برزويه ‪ ،‬ثم يأتي باب عرض الكتاب ؛ ويتحّدث فيه ابن المقّفع عن الفوائد‬ ‫التي يجنيها القارئ من هذا الكتاب ‪ .‬ثم "باب برزويه لبزر جمهر‬ ‫خبر سفر برزويه إلى بلد الهند فح ً‬ ‫طب ‪ .‬وثعلة اسم لبن آوى ‪ .‬وقد أبرزه عبدال ابن المقّفع على‬ ‫ن فيه‬ ‫ضا على واضع "باب الفحص عن أمر دمنة" وذلك أ ّ‬ ‫ف أي ً‬ ‫ي جميل ‪ .‬ثم باب‬ ‫أن يباعد بين أهل الثارات ‪ .‬ثم باب إيلذ‬ ‫ضّر غيره وقد تمّكن أن ينال منه ويصيبه بأذ ً‬ ‫شغبر ؛ ويمّثل حالة من يدع ُ‬ ‫اّللبؤة والسوار وال ّ‬ ‫وبلذ وإيراخت ؛ ويمّثل الصراع بين البراهمة والملك ‪ .‬ثم باب ال ّ‬ ‫وال ّ‬ ‫ويمّثل أثر وضع المعروف في غير أهله ‪ ،‬ثم باب الملك وأصحابه ؛ ويمّثل أن القضاء والقدر لهما دور رئيس‬ ‫فيما يجري على الّناس من الحوادث والمحن والخطوب ‪ ،‬وأخيًرا باب الحمامة والّثعلب ومالك الحزين ؛ ويمّثل‬ ‫الّرجل اّلذي يرى الّرأي لغيره ول يراه لنفسه ول ينتفع به ‪.‬ثم باب بعثة الملك كسرى أنو شروان برزويه إلى الهند وجاء في هذا الباب‬ ‫صا عن الكتاب ومحاولته في الحصول عليه ‪ .‬وأّلف المقّدمة‬ ‫صة الجزء الذي يتحّدث فيه عن طلب بيدبا من الملك دبشليم المكافأة نظير تأليفه الكتاب ‪ .‬وتقتصر على الحكم والمثال التي وردت في الكتاب ‪.‬بيد أّنه لم يصلنا من هذا الّتلخيص شيء ‪ .‬وأكثر‬ ‫ي حيث يدور الحوار بين الحيوانات بأسلوب رمز ّ‬ ‫صة ابن الملك وأصحابه ‪ .‬ثم باب الّناسك وابن عرس ؛ ويمّثل هذا الباب مضّرة‬ ‫ويمّثل هذا الباب غباوة الغب ّ‬ ‫سّنور ؛ ويصّور هذا الباب الّنتائج الحميدة للحكمة وحسن‬ ‫تسّرع النسان في أعماله وآرائه ‪ .‬ثم باب‬ ‫الظالم ‪ .‬‬ ‫أّما مضامين أبواب الكتاب ومعانيها فاعتمد المؤّلف على نسخة خليل اليازجي العربّية ومنها ‪ :‬باب مقدمة "بهنوذ‬ ‫بن سحوان" والباب عبارة عن مقّدمة طويلة يتأثر فيها "بهنوذ بن سحوان" بباب بعثة برزويه ‪ .

‬يقول ‪:‬‬ ‫الر ّ‬ ‫عّمِتِه‬ ‫ت َ‬ ‫سـْبَتَها َفِبْـن ُ‬ ‫جِتِه إذا َن َ‬ ‫ل َوَزْو َ‬ ‫جٍ‬ ‫ن َر ُ‬ ‫حكاَيٌة ع ْ‬ ‫ِ‬ ‫شاِء َذْيَلُه‬ ‫ن َبْعِد الِع َ‬ ‫جّر م ْ‬ ‫ت َلْيَلٍة َو َ‬ ‫ص ذا َ‬ ‫جاَء اّلِل ّ‬ ‫ل َف َ‬ ‫قا َ‬ ‫ت َبْعَلَها‬ ‫ضّم ْ‬ ‫جري َ‬ ‫ت َت ْ‬ ‫خْوًفا َنْعَلَها َفَأْقَبَل ْ‬ ‫ت الَمْرَأُة َ‬ ‫َفَأْلَق ِ‬ ‫ل َلْيَلٍة َتــَعاَلى‬ ‫ص ُك ّ‬ ‫صْدِرِه وَقال َيا ِلـ ّ‬ ‫ضّمــَها ِل َ‬ ‫َف َ‬ ‫صة موجودة في كليلة ودمنة في باب " البوم والغربان " حيث الّتاجر كثير المال ‪ .‬ولم يصلنا شيء من هذا الكتاب‬ ‫إل إشارات عابرة في كتب المؤّرخين القدامى عند ترجمتهم لحياة سهل بن هارون ‪ .‬و تبدو الحكايات متداخلة بعضها في البعض الخر فك ّ‬ ‫شخصيات الحيوانية التي جعلها رموًزا للّناس في سلوكهم وعاداتهم فيسهب‬ ‫ويتناسى مؤّلف هذه الحكايات ال ّ‬ ‫شخصيات الّرمزية كما ورد ذلك في باب " الحمامة المطّوقة " ‪.‬بينه وبين امرأته‬ ‫وهذه الق ّ‬ ‫وحشة ‪ .‬ومن الكتب أي ً‬ ‫سلم ‪ .‬وباب مناظرة ابن الملك مع وزير أخيه ‪ .‬وهي‬ ‫هارون ‪ .‬‬ ‫تبدأ القصة ‪ .‬ويحتوي الكتاب على ثمان وثلثين مناظرة على لسان الجماد والنبات والحيوان ‪.‬وإذا بسارق يدخل البيت ويجد امرأة الّتاجر مستيقظة فتثب المرأة إلى زوجها الّتاجر وتوقظه ‪ .‬‬ ‫الحديث عن الّناس ويغفله عن ال ّ‬ ‫سر البلغة تفسيًرا رائًعا حين سئل ما البلغة ؟ فقال هي اسم جامع لمعان تجري‬ ‫ويرى الجاحظ أن ابن المقّفع ف ّ‬ ‫ن أّنه يحسن مثلها ‪.‬ومن الكتب التي عارضت‬ ‫ي بن داوود كاتب زبيدة زوج الّرشيد ‪ .‬ويقول‬ ‫ل مّما أخذت من مالي ومتاعي ‪ .‬تتأّلف من خمسة وسّتين فص ً‬ ‫صفا اّلتي يبلغ عددها إحدى وخمسين رسالة ‪ .‬لعز الّدين بن‬ ‫ضا كتاب السرار عن حكم ال ّ‬ ‫وتوارد كثير من أسماء الحيوانات ‪ .‬وحاكى في تأليفه سهل بن‬ ‫كليلة ودمنة كتاب الّنمر والّثعلب ‪ .‬ويظهر نبوغه‬ ‫سجع ‪ .‬ولك الفضل بما أصلحت بيننا ‪ .‬‬ ‫إخوان ال ّ‬ ‫ي ‪ .‬وباب في ذكر الملك السعيد مع زوجته يونا ‪.‬وأّلفه عل ّ‬ ‫ضا ‪ .‬وقد ضاع هذا الثر أي ً‬ ‫ل وهي الّرسالة الّثامنة من القسم الّثاني من مجموعة رسائل‬ ‫على غرار كليلة ودمنة ‪ .‬ولم يكن يستشهد في أسلوبه بشعر‬ ‫في ترتيب أفكاره وحسن تقسيمها‪ .‬مثل باب‬ ‫الملك وأولده ‪ .‬‬ ‫و تظهر ملمح السلوب الفارسي من خلل طريقة التقديم للحكايات مثل " زعموا أن " و " كيف كان ذلك " ثم‬ ‫ل حكاية رئيسة تتضّمن حكاية فرعّية ‪.‬وقد تشابهت بكليلة ودمنة من حيث تداخل المحاكمات‬ ‫صفا بهذه الرسالة مذهبهم الفلسف ّ‬ ‫عم إخوان ال ّ‬ ‫وقد د ّ‬ ‫طيور والزهار‪ .‬وكان ملزًما لخدمة البرامكة قبل أن يعّينه المأمون أميًنا لبيت الحكمة ‪ .‬وهو أحد الكتاب الذين لم يلتزموا بال ّ‬ ‫ظا سهلة وواضحة ل تعقيد فيها ‪ .‬‬ ‫وأّثر ابن المقّفع في الدب الفارسي الجديد حيث أّلف عبيد الّزاكاني كتاًبا اسمه الفأر والقط ‪ .‬ويرى المؤّلف أ ّ‬ ‫الكثيرين من أبنائهم إلى ترجمة روائع الدب الفارسي ونقلها إلى العربّية ‪ ،‬وأضيف في هذا المضمار أن اعتزاز‬ ‫الفرس المسلمين بالحضارة العربية والسلمية كان دافًعا لثرائها حيث نقلوا إلى لغتها الحية نفائس الداب‬ ‫والفنون لتنبعث بين طّياتها روح البداع من جديد ‪.‬وأّلف ال ّ‬ ‫صوفي والقط بطالب العلم ‪.‬وأمر كسرى‬ .‬‬ ‫والفأر ‪ .‬مؤاخًيا في كل هذا بين التفكير الفارسي والبلغة العربّية ‪ .‬ومن الكتب التي عارضت كليلة ودمنة رسالة الحيوان لخوان الصفا ‪ .‬‬ ‫الحيوانات التي كانت في ال ّ‬ ‫أّما محاكاة كليلة ودمنة في اّللغة الفارسّية فإن أّول كتاب فارسي ظهر على نمط أسلوب كليلة ودمنة هو كتاب "‬ ‫مرزبان نامه " بمعنى حارس الحدود وقد سّمي الكتاب باسم " روضة العقول " وشمل أحد عشر باًبا ‪ .‬ويحرص على‬ ‫العرب ول يتمّثل بأمثالهم ‪ .‫هارون ‪ .‬‬ ‫في وجوه كثيرة وقال هي التي إذا سمعها الجاهل ظ ّ‬ ‫ساسانيين وشّكلوا طبقة مستقّلة بذاتها ‪ .‬وقد نظم شعًرا في‬ ‫ي كتاًبا سّماه "الموعظة لهل المعرفة" على لسان الق ّ‬ ‫ط‬ ‫شيخ بهاء الّدين العامل ّ‬ ‫صورة هزلّية ماتعة ‪ .‬وتتضّمن الّرسالة محاكمة طويلة بين النسان والحيوان ‪.‬ويصّور الفكار الّدقيقة في قالب منطق ّ‬ ‫ن الّدكتور طه حسين عامل ابن المقّفع كواحد من المستشرقين ورأى أن لغته‬ ‫المؤّلف محمد غفراني الخراساني أ ّ‬ ‫سا دفع‬ ‫ن اعتزاز اليرانّيين بماضيهم الّتليد سبًبا رئي ً‬ ‫لغة مضطربة في كتاب الدب الكبير ‪ .‬‬ ‫عبد ال ّ‬ ‫صة على لسان الحيوان في‬ ‫ي الحديث إذ أّنه أّول من وضع السس الفنّية في الق ّ‬ ‫ولبن المقّفع تأثيره في الدب العرب ّ‬ ‫الدب العربي ومن مظاهر تأثيره في الدب العربي الحديث ‪ .‬ومن هذه القصص المنظومة ق ّ‬ ‫جل وزوجته واّللص ‪ .‬الفارسي بلسان عربي ‪:‬‬ ‫أّما الباب السادس فتحّدث عن ابن المقّفع والتّيار الفارسي في تآليفه ‪ ،‬حيث أسهم ابن المقّفع في إرساء دعائم الّنثر‬ ‫ي ‪ ،‬ويعتبر رائد الكّتاب بعد عبد الحميد الكاتب ‪ ،‬وذلك لظهور آثار الثقافات الجنبّية‬ ‫الفّني في الدب العرب ّ‬ ‫والتّيارات الدبّية والفكرّية في عصره ‪ .‬ولحمد شوقي كثير‬ ‫الّتاجر ‪ :‬أّيها اّللص أنت في ح ّ‬ ‫طوفان وأحوال‬ ‫صة قصائده في حكاية سفينة نوح اّلتي يصف فيها أهوال ال ّ‬ ‫من القصائد على ألسنة الحيوانات وخا ّ‬ ‫سفينة ‪.‬و يرى‬ ‫اليجاز والقلل من الّترادف ‪ .‬ويختار ابن المقّفع في تآليفه ألفا ً‬ ‫ي حيث يلتمس العّلة لكل حكم ‪ .‬ما نظمه محمد عثمان جلل من حكايات على ألسنة‬ ‫صة‬ ‫الحيوان في كتاب سّماه " العيون اليواقظ في الحكم والمثال والمواعظ " ‪ .‬وتنقسم‬ ‫ل الكّتاب مكانة عالية في المجتمع اليراني في عصر الملوك ال ّ‬ ‫احت ّ‬ ‫طبقة الّكتاب في مجتمعهم إلى ّكتاب الّرسائل وّكتاب المحاسبات وّكتاب القضاء والسجلت والعقود ‪ .‬وهو عبارة عن مناظرة دينّية بينهما فشّبه المؤّلف الفأر بال ّ‬ ‫ابن المقفع ‪ ..

‬ومن أشعار ابن المقّفع ‪ .‬وإن لم يحفل بها لتفّرغه للّنثر ‪ ..‬‬ ‫يتساءل المؤّلف في نهاية بحثه ‪ ،‬هل كان ابن المقّفع شاعًرا؟ ؟ ويدّلل برأي الجاحظ أن ابن المقّفع كان له حظ من‬ ‫ن الفلسفة والمفّكرين والحكماء إذا فرغوا إلى مزاولة صنعة‬ ‫شعر‪ .‬‬ ‫سداد ‪..‬ما أنشده حين قتل‬ ‫ال ّ‬ ‫على يد سفيان بن معاوية ‪ ،‬قال ‪:‬‬ ‫ق َكِثيُر‬ ‫خْل ٌ‬ ‫ت ِبَمْوِتِه َ‬ ‫ص َيُمــو ُ‬ ‫خ ٌ‬ ‫شْ‬ ‫ت َ‬ ‫ت ِمْثِلي َما َ‬ ‫إَذا َما َما َ‬ ‫صِغيُر ول الَكِبيُر‬ ‫ك ل ال َّ‬ ‫س َيْدِري ِبَمْوِت َ‬ ‫ك َلْي َ‬ ‫حَد َ‬ ‫ت َو ْ‬ ‫ت َتُمو ُ‬ ‫َوأْن َ‬ ‫ظا بما كتب عنه من بحوث ومؤّلفات ‪.‬وتكرار الّتبجيل والّدعاء وتجزئة الكلم إلى سؤال وجواب ‪.‬‬ ‫فإن أصبت فبتوفيق من ال عز وجل ‪ .‬وإن أخطأت فمن نفسي وال أسأل التوفيق وال ّ‬ ‫‪-1‬عدم التعقيد في عرض الفكرة‬ ‫‪-2‬تحديد الفكرة دون اللجوء الى الزخرفة‬ ‫‪-3‬الفصاح وال فهام‬ ‫‪-4‬العبارة الصافية واليجاز والسهولة‬ ‫‪ -5‬التنوع في الساليب الخبارية والنشائية‬ ‫‪ -6‬العتماد على التشبيهات للتوضيح الفكرة ول اثارة العقل‬ ‫نزار القباني‬ ‫أضواء على كتاب الشعر السياسي عند نزار قباني ومستوياته الفنية‬ ‫الثلثاء ‪15/1/2008‬‬ ‫في كتابه » الشعر السياسي عند نزار قباني ومستوياته الفنية « الصادر عن دار الرشاد للنشر قسم‬ ‫المؤلف عبد الهادي عبد العليم صافي كتابه إلى محورين أساسين ‪:‬‬ ‫‪ .‬‬ ‫ن ابن المقّفع من أكثر الّناس ح ّ‬ ‫ويرى محمد غفراني الخراساني أخيًرا أ ّ‬ ‫الخاتمة ‪:‬‬ ‫ضوء على أبواب كتاب " عبد ال بن المقّفع" لمؤّلفه محمد غفراني الخراساني ‪،‬‬ ‫حاول هذا التقرير أن يلقي ال ّ‬ ‫والكتاب في الصل رسالة جامعّية نال من خللها المؤّلف درجة الدكتوراة في الدب العربي من جامعة القاهرة ‪.1‬الشعر السياسي ‪ :‬وهو الشعر الذي يهتم بقضايا الناس وتطلعاتهم ‪ ،‬ويصور الحداث الوطنية‬ ‫والقومية الكبرى ويعيش الهموم النسانية ويواكب الحداث السياسية الكبرى التي هزت العالم‬ ‫العربي ‪ ،‬ويصور الواقع العربي الممزق ‪0‬‬ ‫المستويات الفنية ‪ :‬وهي السس الجمالية التي بني عليها شعر نزار قباني السياسي ‪ ،‬والمقومات التي‬ ‫اعتمد عليها في بنائه الشعري ‪ ،‬والدوات الفنية التي استعان بها لتحقيق الجمال الفني لشعره ‪0‬‬ .‬‬ ‫ووجدت في أبواب هذا الكتاب ما يسعف طالب العلم حول ما غمض عن شخصّية ابن المقفع وآثاره الدبية ‪ .‬‬ ‫متسّلحا بك ّ‬ ‫وأعّد هذا الكتاب معلًما بارًزا يضيء لنا ما استخفى من حياة رائد الّنثر العربي العالم الجليل عبد ال بن المقفع‬ ‫رحمه ال ‪.‬إذ أ ّ‬ ‫صناعة ال ّ‬ ‫شعر ل يجيدونها لّنهم في شغل شاغل بأفكارهم الفلسفّية والخلقّية ‪ .‫ساساني اليجاز وقصر‬ ‫ضرائب والجزية ‪ .‬حيث‬ ‫جا في ذلك منهج أهل العلم في البحث والّتمحيص العميقين‬ ‫ل ما يتعّلق بحياة وآداب ابن المقّفع ناه ً‬ ‫استقرأ مؤلفه ك ّ‬ ‫ل ما استطاع الوصول إليه من المصادر والمراجع في اّللغات العربية والفارسية والنجليزية‪.‬ومن خصائص الكتابة في العصر ال ّ‬ ‫أنوشروان بإعفاء الكّتاب من ال ّ‬ ‫الجمل وتكرار الفعال واللفاظ والجمل ‪ .

‫وأثناء معالجته للموضوع تناول المؤلف النصوص السياسية لشعر نزار بالدرس والتحليل وعالج‬ ‫المضامين السياسية من حيث جديتها وعمقها وتأثيرها وأهميتها ضمن إطار العصر والبيئة التي‬ ‫وجدت فيها إضافة إلى المؤثرات الخارجية التي تصبغ الشعر بهذا اللون أو ذاك ‪ ،‬لهذا تحدث عن‬ ‫نشأته وحياته وعمله الدبلوماسي وأثر هذا العمل على شعره ‪ ،‬والذي فتح أمامه أبواب الحياة على‬ ‫مصراعيها ‪0‬‬ ‫وعندما درس المستويات الفنية في شعر نزار السياسي درس معجمه اللغوي ومستواه الصرفي‬ ‫والبلغي ‪ ،‬ومستواه الموسيقي وأقام موازنة بين شعره العمودي وشعر التفعيلة ليصل إلى نتيجة‬ ‫هامة مفادها في أي التجاهين كان أو فى من الوجهة الفنية ‪ ،‬وأيهما يثير في نفس المتلقي مشاعر‬ ‫الجمال والحساس بروعة الشعر ‪0‬‬ ‫يقول المؤلف ‪:‬‬ ‫» وأهدف من دراستي أن أضع نزارًا في مكانه الصحيح في تاريخ الدب المعاصر من دون غلو أو‬ ‫شطط ‪ ،‬ومن دون ميل إلى هوى أو عاطفة ‪.‬‬ ‫وأريد أن أثبت أن نزارًا لم يتخل عن بلده ‪ ،‬ولم يتخل عن أمته وهو في أوسع الشتهار بشعر المرأة‬ ‫«‬ ‫ففي شعره الوطني نراه يتغنى بحب الوطن ‪ ،‬ويبثه مشاعر الشوق مصورًا جمال طبيعة بلده ‪،‬‬ ‫ووطنه الذي تتمدد سهولة وجباله في صوره وتعابيره كما في قوله ‪:‬‬ ‫أنا لبلدي لنجماتها‬ ‫لغيماتها للشذا للندى‬ ‫سفحت قواريري نهورًا‬ ‫على وطني الخضر المفتدى‬ ‫وحين يغترب عن وطنه يشعر بشوق عاصف وحنين جارف إلى كل ذرة تراب فيه وتشده الذكريات‬ ‫فيتجول في غرناطة ويرى في عيون السبانيات الواسعة مآذن دمشق ويرى في لون سمرتهن‬ ‫شموس بلده فيذكر منزله في دمشق ‪ ،‬وظلله ‪ ،‬وبركته الصافية وأشجار الليمون الغالية ‪:‬‬ ‫وبابًا قديمًا نقشت عليه‬ ‫بخط رديء حكاياته‬ ‫بعينيك يا دونيا ماريه‬ ‫أرى وطني مرة ثانية‬ ‫وتشغله القضايا القومية ومنها قضية فلسطين فيصور قصة الكفاح الفلسطيني ومأساة عرب فلسطين‬ ‫منذ بداية الحتلل السرائيلي لرضه عام ‪ 1948‬مصورًا بداية المأساة ‪:‬‬ ‫وجاء أغراب مع الغياب‬ .

‫من شرق أوربا‬ ‫ومن غياهب السجون‬ ‫فأتلفوا الثمار‬ ‫وكسروا الغصون‬ ‫وأشعلوا النيران في بيادر النجوم‬ ‫ويحيي العمل الفدائي ويراه الطريق الوحيد لسترداد الكرامة العربية المسلوبة ‪:‬‬ ‫أنا الفلسطيني‬ ‫بعد رحلة الضياع والسراب‬ ‫أطلع كالعشب من الخراب‬ ‫أضيء كالبرق على وجوهكم‬ ‫أهطل كالسحاب‬ ‫أطلع كل ليلة‬ ‫وتحدث عن حرب السويس ‪ ،‬وعن ثورة الجزائر ‪ ،‬وأكثر ما أدمى قلبه ‪ ،‬ومزق نفسه نكسة حزيران‬ ‫عام ‪ 7691‬التي هزت الوجدان العربي وخّلفت آلمًا عظيمة لذلك فإن قصيدته السياسية في »‬ ‫هوامش على دفتر النكسة « عبرت عن مرارة الحياة وعدم جدواها‪:‬‬ ‫مالحة في فمنا القصائد‬ ‫مالحة ضفائر النساء‬ ‫والليل والشعار والمقاعد‬ ‫مالحة أمامنا الشياء‬ ‫لذلك فقد بّين أسباب النكسة وعرى الواقع الجتماعي المتردي وتحدث عن النفصال الذي اعتبره‬ ‫سببًا من أسباب النكسة ووضع الحلول المقترحة في قصيدته ‪ 000‬وكان الطفال أمله وأمل المة ‪:‬‬ ‫يا أيها الطفال من المحيط للخليج ‪ ،‬أنتم سنابل المال‬ ‫وأنتم الجيل الذي سيكسر الغلل‬ ‫ويقتل الفيون في رؤوسنا‬ ‫ويقتل الخيال‬ .

‫وتأتي حرب تشرين التحريرية عام ‪ 1973‬لتبدل مشاعر الخيبة لديه وتجعله منتشيًا بالنصر ‪000‬‬ ‫الذي قضى على الهزيمة ‪:‬‬ ‫جاء تشرين يا حبيبة عمري‬ ‫أحسن الوقت للهوى تشرين‬ ‫ولنا موعد على جبل الشيخ‬ ‫كم الثلج دافىء وحنون‬ ‫لقد كان تشرين نقطة تحول كبرى في تاريخ العرب وهذا ما رصده نزار قباني في شعره ‪ :‬لقد ترك‬ ‫العرب عصور النحطاط وبدأ واحياه حافلة بالعزة والكبرياء ‪:‬‬ ‫تركت عصور انحطاطي ورائي‬ ‫تركت عصور الجفاف‬ ‫وجئت على فرس الريح والكبرياء‬ ‫لكي أشتري لك ثوب الزفاف‬ ‫وقد مزج ما بين المرأة ودمشق حيث الرموز واليحاءات العديدة ‪:‬‬ ‫ألحظت أنك صرت دمشق‬ ‫بكل بيارقها الموية‬ ‫ومصر بكل مساجدها الفاطمية‬ ‫وعندما قامت حرب بيروت حزن كثيرًا ‪ 000‬لن الروح الجاهلية هي التي مزقت أنوثة بيروت وهي‬ ‫التي أحرقتها بنيران الحقد ‪ 000‬لذلك طلب منها أن تنهض من محنتها‪:‬‬ ‫قومي من تحت الردم كزهرة لوز في نيسان‬ ‫قومي من حزنك‬ ‫إن الثورة تولد من رحم الحزان‬ ‫إنا أخطأنا يا بيروت‬ ‫وجئنا نلتمس الغفران‬ ‫وعندما تحدى أطفال الحجارة في فلسطين جبروت اللة العسكرية انطلقت حنجرته تردد ‪:‬‬ ‫بهروا الدنيا‬ .

‫وما في يدهم إل الحجارة‬ ‫وأضاؤوا كالقناديل وجاؤوا كالبشارة‬ ‫قاوموا وانفجروا واستشهدوا‬ ‫وبقينا دببًا قطبية‬ ‫صفحت أجسادها ضد الحرارة‬ ‫أما في قسم المستويات الفنية لشعر نزار قباني فقد درس المؤلف المستوى المعجمي ‪ ،‬والمستوى‬ ‫الصرفي ‪ ،‬والمستوى التركيبي ‪ ،‬والمستوى البلغي ‪ ،‬والمستوى الموسيقي والرمز‬ ‫ولخص السمات الفنية الرئيسية للشاعر بما يلي ‪:‬‬ ‫‪ -1‬السهول والوضوح في طرح الفكار والراء السياسية ‪0‬‬ ‫‪ -2‬استخدام اللفاظ والمفردات الجميلة ‪0‬‬ ‫‪ -3‬استخدام التصوير في شعره ‪0‬‬ ‫‪ -4‬العتماد على السلوب القصصي في بعض القصائد مثل ) راشيل ( و) جميلة بوحيرد (‬ ‫‪ -5‬المتح من التراث والمكنوز الثقافي ‪0‬‬ ‫‪ -6‬تجري أنساقه وتراكيبه اللغوية على النسق العربي دون خروج على القواعد العربية ‪0‬‬ ‫‪ -7‬التزام القافية الواحدة والوزن عندما يلقي قصائده في احتفالت رسمية مثل ) اعتذار إلى أبي‬ ‫تمام ( و» ترصيع بالذهب على سيف دمشقي «‬ ‫‪ -8‬استخدامه للرموز كان واضحًا ‪ 000‬كما أنه لم يستخدم إل الساطير التي لها علقة بثقافة‬ ‫الشعوب ‪ ،‬وتتعلق بالتراث الجمعي كالزير سالم وعنترة وشهرزاد ‪0‬‬ ‫أخيرًا‬ ‫نقول إن الكتاب قدم إضاءة متميزة على شعر نزار السياسي ومستوياته الفنية وهناك الكثير من‬ ‫الموضوعات الخرى في شعر هذا الشاعر الكبير تنتظر من يتابعها بالدرس والتحليل مستقصيًا‬ ‫جميع جوانبها ‪.‬‬ ‫٭ نجاح حلس‬ ‫نزار قباني بــين الحداثـــة والبـــداع ‪06/08/2008 -‬‬ ‫‪-‬‬ ‫عدد القراءات ‪1 :‬‬ ‫نزار قباني بــين الحداثـــة والبـــداع إن دراسة شعر الحداثة تعد ضربًا من المجازفة في ميدان التحليل والنقد‪،‬‬ .

‬وعلى الدارس للشعر العربي في سورية في العصر الحديث ان‬ ‫ينتبه لضرورة التمييز بين فئتين من الشعراء الولى يمثلها جماعة ممن أصلوا لمفهوم الحداثة وهم قلة أذكر منهم‬ ‫نزار قباني‪ ،‬د‪ .‬أحمد سليمان‬ ‫الحمد وسليمان العيسى ووصفي القرنفلي ونديم محمد وحامد حسن‪ ،‬ومن المؤسف ان يرى الدارس للشعر‬ ‫الحديث في سورية ان كثيرًا من الدواوين الشعرية التي نشرت في العقود الماضية ل تحتل في ميدان النقد الدبي‬ ‫كبير اهتمام فل صفحات نشرت للدعاية الشخصية على وجوه الجرائد والمجلت‪ ،‬وقد يكتب الموت على عدد‬ ‫ل‪ ،‬بسبب الضعف والسقم إذ صوحت نضرتها قبل ان تصل إلى‬ ‫ل أم آج ً‬ ‫غير قليل من هذه الدواوين الشعرية عاج ً‬ ‫أقلم النقاد‪ ،‬وقد تأخذ خصوصية الدب العربي في سورية وقفة طويلة ريثما تتبلور لن هذا الدب لم يكتسب‬ ‫خصوصية خاصة‪ ،‬وقد ل تتحقق فيه معالم مميزة لنه جزء ل يتجزأ من حركة الدب العربي الذي تصهره بوتقة‬ ‫واحدة تمثل أدب العرب من المحيط إلى الخليج‪.‬وإن الحديث عن صورة المرأة في الشعر الحديث ل يأتي إل ضمن معايير‬ ‫فلسفة لجمال والحقيقة والنفس‪ ،‬ومن ثم فإن المعاناة الشعرية هي الرصيد الول الذي يمتلكه الشاعر السوري‬ ‫عندما يتطرق إلى وصف المرأة وحديثي الن عن شعر نزار قباني والصورة الجسدية للمرأة في شعره فقد‬ ‫أبرزها في أبهى صورة فوصف جمال العينين وحلوة الفم وجمال الشعر وما إلى ذلك من تفصيلت دقيقة بل ان‬ ‫شعره اكتسب شعبية كبيرة نظرًا لما فيه من عناصر فنية جمالية ناجحة ولعل سر إعجاب الكثيرين بشعر نزار‬ ‫قباني ل يعود فقط لن نزارًا يمتلك ناصية التعبير الشعري فطرة وسليقة ولن شعره يكشف عن سهولة في أداء‬ ‫التعبير المبتكر فكأن الكلمات تخلق وتتدفق قبل ان يعيها عقله بل لن نزارًا في الدرجة الولى يعرف كيف‬ ‫يستعمل في أغلب شعره الكلمات الطازجة والتعابير المعاصرة دون ان يثقل شعره بتعابير عصور مضت وأجيال‬ ‫من المقلدين انه يحدثنا بلغتنا نحن ل بلغة القرون الوسطى‪ ،‬وهو يأخذ العبارة من أفواهنا وبلمسة رقيقة يحيلها إلى‬ ‫جزء من قصيدة‪ ،‬ونزار صاحب المقولة المشهورة وهي ان الفن هو الجمال المطلق وهو يعترف في مقدمة ديوانه‬ ‫)طفولة نهد(‪ ،‬بأن الشعر عنده كالزهرة الموضوعة في النية للتجميل فقط‪ ،‬وفلسفة نزار في ذلك هي من الفلسفات‬ ‫المثالية التي تنادي بالجمال والجمل والكمال والكمل ويقول الفيلسوف »كانط« ليس ضروريًا ان أجد الجمال في‬ ‫شيء فالزهار والخطوط الزخرفية المرتبة ليست تعني شيئًا وليست تعتمد على أي مفهوم محدد وهي مع ذلك‬ ‫تمتعنا‪.‬وقد تحدث الناقد محي الدين صبحي عن نزار ونفى عنه صفة الستجابة الغريزية في وصفه فقال في بحث‬ ‫مطول أداره حول هذه الفكرة )مما يسوغ لنا الحكم بأن طبيعة العلقة بين الشاعر أي نزار والجمال النثوي هي‬ ‫علقة فنية وليست غريزية وكان قد ذهب إلى أبعد من ذلك حين قال عن نزار أيضًا ان الشاعر نزار وقف من‬ ‫العالم ومن المرأة خاصة موقف المتذوق مما أدى به إلى التسامي باتجاه عبادة الجمال وتأمله واستجلء نواحي‬ ‫الفتنة والغراء مع أقل حد من الستجابة الغريزية المحضة وأكبر مقدار من الستجابة الجمالية الصرف وهذا‬ .‬إن التطور الذي شهده الشعر العربي في سورية مدينًا إلى‬ ‫شعراء الفئة الولى الذين ولدوا في العشرينيات من القرن الماضي ونقلوا الشعر السوري من المرحلة الكلسيكية‬ ‫إلى المرحلةالجديدة التي توصف بالحداثة أو المعاصرة فهؤلء حملوا إلى الشعر الموهبة والثقافة وأعطوا التعبير‬ ‫الفني أطرًا ابداعية‪ ،‬فقد جددوا في هيكل القصيدة ومنحوها صورًا وأوزانًا وقوافي مستحدثة وطوروا المعاني‬ ‫وأفاضوا عليها ملمحهم الوجدانية ورؤيتهم الفكرية والموضوعية فهؤلء أبدعوا مبادىء الشعر الحديث في‬ ‫سورية وساروا بالحداثة إلى أبعد مدى فالدكتور سليمان الحمد نهل من المدرسة الرمزية والشاعر سليمان‬ ‫العيسى أخذ بمذهب الواقعية العربية وبلور فلسفتها وخصوصيتها العربية وشوقي البغدادي سار في تيار الواقعية‬ ‫الشتراكية والشرابي مال إلى البرناسية واهتم شاعرنا نزار قباني بقضية المرأة وكاد يقتصر انتاجه الدبي عليها‬ ‫إل أنه بعد نكسة حزيران اتخذ شعره لونًا آخر عبر فيه عن هموم المة العربية وتطلعها إلى التحرر والنصر‬ ‫ومناهضة الستعمار بكافة أشكاله‪.‫لن قضية الحداثة نفسها ما زالت حتى اليوم موضوع نقاش وأخذ ورد ومازال ثوبها النهائي لم يأخذ شكله الكامل‬ ‫وأبعاده المحدودة‪ ،‬وما قيل من شعر في هذه المرحلة التي امتدت زهاء خمسة عقود من الزمن يمكن ان يسمى في‬ ‫قسم منه بالمحاولت التجريبية التي لم ترق إلى ان تكون نموذجات أدبية عالمية والنموذجات الفنية منه التي قد‬ ‫تأخذ صفة الديمومة والخلود ل تزال قليلة كتبها بعض العلم المبدعين أمثال نزار قباني و د‪ .‬أحمد سليمان الحمد وسلمان العيسى ووصفي القرنفلي وشوقي بغدادي ومحمد عمران وفايز‬ ‫خضور ومنذر لطفي والشرابي ول يعني هذا ان المذكورين جميعًا يسيرون في انتاجهم الفني وفق مفهوم نظري‬ ‫واحد إذ ان لكل واحد منهم مذاقه الخاص ووجهته الفكرية وتلويناته الفنية‪ ،‬أما الفئة الثانية فهي ل تزال تسلك سبيل‬ ‫النبوغ بتعثر ويهتم أصحابها بقلب المفاهيم الدبية سواء من ناحية الشكل أو المضمون ويعتقدون ان شكل الشعر‬ ‫القديم أصبح باليًا ويحتاج إلى إهاب جديد ولذلك فهم يجربون الطر الجديدة التي تخطر على بالهم‪ ،‬ومن هنا يصح‬ ‫ان ندعوهم بالشعراء المجربين‪ ،‬وأهم سمة تميزهم تلك الحماسة والجرأة البالغة على نظم الشعر والعلن عنه‬ ‫ل ناتجًا عن رضا‬ ‫ونشره في الصحف والمجلت مع ان الذوق الدبي العام لم يستسغ بعد هذا الشعر ولم يتقبله تقب ً‬ ‫وقناعة وتقدير ولعل مرد ذلك يعود إلى التجربة الفنية والشعورية التي ل تزال في أول أطوار النمو وتحتاج إلى‬ ‫كثير من الصقل والتهذيب والثقافة ول أقصد بهذا الكلم الطعن والنيل من ذوي المواهب الشابة والناشئة والقلم‬ ‫الواعدة وإني آمل لتلك الفئة من الشعراء ان ينضج شعرها ويعطي أشهى الثمار لن في فرائد بعضهم تحليقات‬ ‫فنية حسنة تدل على وجود الموهبة والحس البداعي‪.

‫ل في الدافع الغريزي الذي صدر عنه نزار ول يمكن‬ ‫الكلم يعطي نصف الحقيقة لن النصف الباقي يكمن فع ً‬ ‫ل في مكونات‬ ‫لحد ان ينفيه عنه ول عن سائر شعراء الغزل المعاصرين في سورية لن هذا الدافع موجود فع ً‬ ‫الشخصية النسانية ول يختلف في ذلك اثنان‪.‬‬ ‫ويقول نزار‬ ‫من تكونين أيا أغنية‬ ‫دفؤها فوق احتمال الوتر‬ ‫أنت يا وعدًا بصحو مقبل‬ ‫بعطايا فوق وسع البيدر‬ ‫ويصف نزار أناملها في قصائد أخرى من ديوانه فهي أنهار فضية يدها مساند التفاح ناعمة كالبلور‪ ،‬يدها مضيئة‬ .‬لقد تغنى نزار بجمال حواء منذ ان نشر قصائده الولى عام ‪1944‬‬ ‫واستعان لنشر قصائده بدار خاصة للنشر ببيروت سماها مؤسسة نزار للنشر ولنقرأ ديوان نزار ونرى كيف‬ ‫تراءى الجمال النثوي لعيني فنان شاعر كنزار كيف يرى ألوان العين وانضفار الساق وانسدال الشعر وارتفاف‬ ‫الشفة وغيرها‪ ،‬هل يقوى على التحديق بها وتصويرها كما هي في واقعها كتلة ذات حجم ولون وغاية أو انه‬ ‫ينكفىء إلى داخله ليتوارى وراء صور مبهمة غائمة ان شاعرنا يغطي انفعالته بعشرات الصور فثغرها مزروع‬ ‫بأزهار الليمون‪ ،‬وهو قرنفلة خجولة‪ ،‬مخلب مهذب‪ ،‬قوس لزورد‪ ،‬ياقوتة مضيئة عليه دلئل الرفاه‪ ،‬أحمر لين‬ ‫كالشمع وتابع الشاعر أوصافه في قصائد متعددة وفمها مرسوم كالعنقود مخملي مطلي بالحمر الناري‪ ،‬غصن‬ ‫سلم‪ ،‬وهو كالبرعم كلوحة ناجحة ‪ -‬كفكرة جناحها أحمر‪ ،‬كجملة قيلت ولم تفهم ‪ ،‬كنجمة ضيعت دربها‪ ،‬ولونه‬ ‫كالورد‪ ،‬كالعناب‪ ،‬شفاهها كرز الحديقة‪ ،‬آبار النبيذ زهرة رمان‪ ،‬شفتها مشقوقة مثل الفستقة‪ ،‬نافورة صادحة‪،‬‬ ‫وعاء ورد أحمر‪ ،‬باقة كرز‪ -‬ومبسمها وريقة توت ضحكتها موسيقى وورود‪ ،‬فمها الذهبي يرش موسيقى حديثها‬ ‫في بساطته كالطير في السماء‪ ،‬والسماك في البحار‪ -‬عذب ممتع مثل الموسيقى الصادحة وهمسها كأنه غرغرة‬ ‫الضوء بغسقية‪ ،‬وصوتها حريري وادع حلو غريزي الرنين ومشيتها كميس الهوادج‪ ،‬ووقع أقدامها كأنها انغام‬ ‫موسيقية قادمة من غابة البيلسان وعيناها عند النظر اليهما بحيرتا سكون‪ ،‬كوخان عند البحر‪ ،‬مرآتان من ذهب‬ ‫لونهما كالفيروز وهما كنهرين من تبغ ومن عسل وأحيانًا يراهما الشاعر كنهري أحزان كنهري موسيقى‬ ‫كشاطىء نقاء‪ ،‬كقطعتي حلي كماستين‪ ،‬وتابع الشاعر أوصافه المبتكرة فيرى الموج الزرق في عينيها وضوء‬ ‫عينيها كضوء القمر فيها النجوم مبعثرة كمرايا اشتعلت متألقة خيرة كالموسم الخير فيها مرح كزقزقة العصافير‬ ‫أصفى من ماء الخلجان وكلما يبحر الشاعر في عينيها ‪ -‬يحس انه في عوالم عجيبة‬ ‫وكلما سافرت في عينيك يا حبيبتي‬ ‫أحس أني راكب سجادة سحرية‬ ‫فغيمة وردية ترفعني‬ ‫وبعدها تأتي البنفسجية‬ ‫أدور في عينيك يا حبيبتي‬ ‫أدور مثل الكرة الرضية‬ ‫ل من ان ينصرف إلى التنازع معها‬ ‫وإنني أجد في شعر نزار الوصف الذي ينصرف غالبًا إلى تقرير الشياء بد ً‬ ‫ل نفسيًا وجوديًا وقلما ينفلت الشاعر من الوصفية التقليدية إلى الوجهة الشعرية‬ ‫تنازعًا مصيريًا وتعليلها تعلي ً‬ ‫ل من ان تعزلها وتواجهها من الخارج وهذه‬ ‫الصادقة التي توحي ول تصف وتحل في الشياء وتتحد معها بد ً‬ ‫النزعة ظاهرة في دواوينه الولى‪.

‬كان في بداية حياته كما يقول الباخرزي في كتابه "دمية القصر"‪ :‬من السوقة‪،‬‬ ‫ولي خطابة الرملة‪ ،‬ثم انقطع إلى بني الجراح يمتدحهم‪ ،‬ويستضيء بهم ويقتدحهم‪ ،‬وكانت له همة في معالي‬ ‫المور تسول له رئاسة الجمهور‪ ،‬فقصد مصر واستدل على أموالها‪ ،‬وملك أزمة أعمالها‪ ،‬ثم أنه غدر به بعض‬ ‫أصحابه ومعه كتب من حسان بن مفرج الطائي إلى بني قرة‪ ،‬فصار ذلك سببًا للظفر به‪ ،‬وأودع السجن في موضع‬ ‫يعرف بالمنسي سنة ‪416‬هـ‪ ،‬ثم قتل سرًا في سجنه في تاسع جمادى الول من السنة المذكورة"‪.‬عاطفة فيصل‬ ‫ابو الحسن التهامي‬ ‫نشأ "أبو الحسن علي بن محمد التهامي" في عصر كانت الدولة العباسية تتنازعها عوامل النحلل‪ ،‬فكانت دار‬ ‫الخلفة في بغداد تحت نفوذ بني بويه وحمدان وطفج وغيرهم من المراء المستقلين بأجزاء الخلفة‪ ،‬ولم يبق‬ ‫للخلفة من رونق وكثر الدعياء‪ ،‬والثائرون حتى عمت الفوضى السياسية‪ ...".‬‬ ‫الثورة د‪ .‬ومن جملة‬ ‫هذه الراء قول ابن بسام الندلسي في كتابه الذخيرة‪ :‬كان مشتهر الحسان‪ ،‬ذرب اللسان‪ ،‬مخليًا بينه وبين‬ ‫ضروب البيان‪ ،‬يدل شعره على فوز القدح‪ ،‬ودللة برد النسيم على الصبح‪..‬‬ ‫ويقول نزار‪:‬‬ ‫يدك التي حطت على كتفي‬ ‫كحمامة نزلت لكي تشرب‬ ‫يدك الصغيرة نجمة هربت‬ ‫ماذا أقول لنجمة تلعب‬ ‫وإننا نلحظ ان قسمًا كبيرًا من هذه الوصاف التي أطلقها نزار على الملمح الجسدية للمرأة طازجة ومبتكرة‬ ‫تغلب عليها سمات الحضارة والرقي والترف‪ ،‬ولم نتعود مثلها في أدبنا العربي إل أنها تظل مع ذلك لوحات فنية‬ ‫صامتة‪.‬في هذه الفترة المضطربة نشأ أبو‬ ‫الحسن التهامي في تهامة ‪-‬أي مكة‪ .‬أما المديح فهو يستنفذ أكثر شعره‪ ،‬وهو فيه طويل النفس‪ ،‬يسترسل في‬ ‫بدايته في التغزل بالمحبوبة واصفًا محاسنها‪ ،‬فإذا هي تشرق وفي وجهها عشروق ضوء الصباح‪ .‫كالشمس‪ ،‬سبيكة ذهب‪ ،‬مروحة صينية حمامة‪ ،‬نجمة‪.‬‬ .‬وأما الطبيعة‬ ‫التي فيها يكون اللقاء بينهما‪ ،‬فهي في غاية الجمال والرونق‪ ..‬‬ ‫وأما شعره فللنقاد القدماء آراء عديدة تدل جميعها على براعته في الشعر وجودة المعاني التي أتى بها‪ .‬ثم يصل إلى وصف الممدوح فيلقي عليه من‬ ‫النعوت والوصاف التي تتناسب مع مقام كل ممدوح‪ ،‬فهو إما أن يكون شخصية ل يرقي إليه المدح لكرمه‬ ‫وشجاعته‪ ،‬أو معتصرًا للمجد ل يتركه ينتقل إلى أحد سواه‪ ،‬فهو فريد زمانه‪ ،‬أو هو ملك يروقك منظره‪ ،‬ومندهش‬ ‫لكثرة المزايا التي يتحلى بها الخ‪.‬‬ ‫ويتسم شعر التهامي بالسهولة‪ ،‬وهو طوع لرادة الشاعر برسله على سجيته فيأتي بكثير من المعاني الطريفة‬ ‫والصور البديعة‪ ،‬وأغلب شعر التهامي يندرج تحت لونين هامين من الموضوعات هما‪ :‬المديح والرثاء‪ ،‬وإن جاء‬ ‫الغزل كثيرًا فهو يجيء كمقدمات للمديح‪ .‬وكان هم الشاعر حين وصف تلك الوصاف الجسدية تسجيل المماثلت القائمة في العالم الخارجي أكثر‬ ‫مما يعنيه انفعالته وتسجيل انطباعاته وتأثره بمشاهد صوره غير أننا عندما نتابع قراءة دواوين الشاعر نزار فإننا‬ ‫نرى تعمق الجانب العاطفي الثيري في شعره وفسحة من التعاطف بينه وبين جمال الكون‪ ،‬وقدرة فائقة على‬ ‫المحاكاة بين الجمال النثوي والطبيعة بصدق وشفافية‪ ،‬وهذا بالتأكيد يفسر سر خلود شعر شاعرنا الكبير نزار‬ ‫قباني رحمه ال‪.

.‬الكركي‪ ،‬فإنه –‬ ‫الشعر العربي الحديث‪ ،‬عشرات القصائد التي َم ّ‬ ‫أي المرء‪ -‬سيقرأ قصة لزكريا تامر هي قصة )نبوءة كافور الخشيدي()‪ (4‬تبدوصورة المتنبي فيها صورة‬ ‫الشاعر الضحوكة‪ ،‬الشاعر الذي يذله الحاكم لنه رأى فيه شاعرًا يمدح إذا ُمنح‪ ،‬شاعرًا بل موقف‪ ،‬شاعرًا‬ ‫تحّرك النقود والطماع شهيته إلى الكلم‪.‬وقد أنجزت عنه وعن أشعاره‪ ،‬في‬ ‫القرن العشرين‪ ،‬عشرات الدراسات‪ ،‬وكتبت فيه قصائد عديدة لفتت أنظار أحد دارسي الشعر العربي‪،‬‬ ‫صص لها كتابًا عنوانه‪) :‬الصائح المحكي‪ :‬صورة المتنبي في الشعر العربي‬ ‫وهوالدكتور خالد الكركي‪ ،‬فخ ّ‬ ‫الحديث(‪ ،‬بعد أن كان أتى على المتنبي وهويدرس الرموز التراثية في الشعر العربي الحديث‪.‬ولئن كان المرء يقرأ في‬ ‫جَد أصحابها فيها المتنبي‪ ،‬وهوما بدا في كتاب د‪ .‬‬ ‫وإذا رأينا أن التهامي في موضوعاته الشعرية يكرر نفس المعاني وحتى نفس اللفاظ والوصاف‪ ،‬فإن هذا ل‬ ‫ينقص من قدره‪ ،‬ول يمنع من أني جعله شاعرًا مبدعًا‪ ،‬يجعل الشعر طوع لسانه‪ ،‬ومّد خياله ومشاعره‪ ،‬وبين‬ ‫طيات هذا الكتاب تحقيق لمتن ديوان التهامي وشرح لللفاظ الغريبة في القصائد‪.‬‬ ‫ول يحتاج المرء إلى عناء كثير حتى يعثر على هذه الصورة المتناقضة لهذا الشاعر‪ ،‬الصورة التي غلب على‬ ‫جد‬ ‫جانبها الكبر طابع التمجيد والعتزاز‪ ،‬وعلى جانبها الصغر طابع المساءلة‪ ،‬والسخرية من الشاعر‪ُ .‬وكما لم‬ ‫يتفق الناس حوله في زمنه‪ ،‬فإنهم لم يتفقوا حوله في زماننا‪ ،‬فلقد انقسم هؤلء بين مادح له وقادح له‪ ،‬بين معجب‬ ‫به ونافر منه ذاٍم له‪ ،‬وبين مردد لشعره وضارب بقصائده عرض الحائط‪ .‬هي أغنية( )‪ (1986‬صّدره بهذا الشطر‪ ،‬وقد رأى في مكانة المتنبي الشعرية‪ ،‬في حركة الشعر‬ ‫العربي ما تقوله السطر التالية‪:‬‬ .‬أما الرثاء فأبو الحسن التهامي يبدأه بعظات تمس دخائل القلوب‪ ،‬وأعماق النفوس‬ ‫لنه يصور فيها الدنيا وكؤوسها المليئة بالقدار‪ ،‬وأيامها التي تدنى الجال‪ ،‬وتقطع المال‪ ،‬وتجعل النسان دائمًا‬ ‫بين يومين‪ :‬يوم مضني بنكده وبؤسه‪ ،‬ويوم بقي ل يدري النسان فيه هل سيمضي إلى نهايته أم أن أنفاسه ستقطع‬ ‫دون غاية‪ ،‬فتخرج منه النفس ثم يحل في الرمل‪ ،‬وأما بغية الموضوعات التي تطرق إليها الشعر‪ ،‬فهي ل تقل من‬ ‫حيث المستوى الفني عن المدح والرثاء‪ ،‬وإن كانت قليلة جدًا كالغزل والعتاب والزهد الخ‪..‬‬ ‫ولئن قرأ المرء كتابًا مثل كتاب محمد شرارة )المتنبي بين البطولة والغتراب()‪ ،(2‬وهوكتاب يرفع مؤلفه فيه‬ ‫ل يشكل النقيض‪ ،‬وهوالمقال الذي كتبه حسين أحمد أمين)‪ (3‬ونشره في‬ ‫الشاعر إلى مرتبة البطال‪ ،‬فإنه سيقرأ مقا ً‬ ‫مجلة القاهرة‪ ،‬في العدد )‪ ،(128‬في العام )‪ ،(1993‬ومنه يخرج المرء بانطباع هوأن المتنبي لم يكتب سوى أبيات‬ ‫قليلة‪ ،‬لن أشعاره صادرة عن شاعر عنصري مغرور‪ ،‬وهي أشعار ل قيمة عليا فيها‪ .‬م ّ‬ ‫صته‬ ‫الشاعر لنه ذوروح متحررة تنزع نحوالحرية‪ ،‬وهوجم لنه شاعر مديح‪ ،‬يمدح إذ أعطي ويهجوإذا منع‪ ،‬وق ّ‬ ‫مع كافور الخشيدي أفضل مثال على ذلك‪..‫ونحن إذا ما تعمقنا في دراسة مديح التهامي‪ ،‬وجاز لنا المقارنة بينه وبين سواه‪ ،‬لوجدنا شبهًا بينه وبين سابقه‬ ‫المتنبي‪ ،‬لكن الفرق الجوهري بين هاتين الشخصيتين هو أن لكل منهما طريقته الخاصة في المدح‪ ،‬والغاية‬ ‫المتوخاة من وراء ذلك المدح‪ .‬‬ ‫طلع على الشعر العربي اطلعًا واسعًا‪ ،‬اطلعًا دفعه إلى أن يختار قصائد‬ ‫كيف ينظر شاعر‪ ،‬هوأدونيس‪ ،‬شاعر ُم ّ‬ ‫رأى فيها ديوان الشعر العربي‪ ،‬كيف ينظر أدونيس إلى المتنبي في أثناء تقييمه الشعراء العرب القدامى؟ لنقرأ ما‬ ‫أورده أدونيس في مقدمته للشعر العربي‪:‬‬ ‫)إنه جمرة الثورة في شعرنا‪ ،‬جمرة تتوهج بل انطفاء‪ ،‬إنه طوفان بشري من هدير العماق‪ ،‬والموت هوأّول شيء‬ ‫يموت في هذا الطوفان()‪(5‬‬ ‫ل وشاعرًا له موقف من الحكام ثانيًا؟ يقول‬ ‫وكيف ينظر شاعر آخر‪ ،‬هومحمود درويش‪ ،‬إلى المتنبي شاعرًا أو ً‬ ‫درويش مبينًا مكانته الشعرية من مكانة المتنبي الشعرية‪:‬‬ ‫)أنا كل ما أردت أن أقوله قاله هوفي نصف بيت‪ :‬على قلق كأن الريح تحتي()‪ ،(6‬وحين صّدر درويش ديوانه‬ ‫)هي أغنية ‪.‬‬ ‫المتنبي ‪:‬‬ ‫‪ 1-1‬محمود درويش والمتنبي‬ ‫شغل المتنبي قّراء الشعر ونقاده منذ العصر الذي عاش فيه حتى أيامنا‪ ،‬ول ندري إلم سيظل يشغلهم‪ .

‫)لن المتنبي أعظم شاعر في تاريخ اللغة العربية‪ ،‬وهوكما يبدولي تلخيص كل الشعر العربي الذي سبقه‪ ،‬وتأسيس‬ ‫لكل ما لحقه()‪.‬كيف؟ كل تجاربي الشعرية‬ ‫من أربع سنوات حتى اليوم )‪ (1986-1982‬كتبت حوالي المائة قصيدة ثم انتبهت إلى أن المتنبي قال‪ :‬على قلق‬ ‫كأن الريح تحتي()‪.‬لع ّ‬ ‫أحمد فؤاد نجم‪ .‬ولربما يميل المرء إلى تفضيل منهج من المناهج الولى‪ ،‬وبخاصة المنهج الجتماعي‪ ،‬لن‬ ‫الن ّ‬ ‫درويش نفسه نشأ شاعرًا كتب أكثر أشعاره الولى‪ ،‬حتى أول السبعينات‪ ،‬تحت تأثير اليديولوجيا‪ ،‬وظّلت هذه‬ ‫ل يكتب الشعر حين يكون هناك باعث على قول الشعر‪ ،‬وغالبًا ما كان هذا الباعث‬ ‫النشأة تحكمه وتؤّثر عليه‪ ،‬وظ ّ‬ ‫ص الشعري إذا‬ ‫هوالقضية الوطنية‪ .‬هوكان يرى نفسه‪ ،‬لم يكن يرى سيف الدولة‪ ،‬واستعمل كافور استعما ً‬ ‫أجل توسيع نفوذ سلطته الشعرية‪ ،‬فالمتنبي ليس شاعر بلط إطلقًا‪ ،‬هوسلطة الكلم‪ ،‬وكل شاعر يطمح إلى‬ ‫تأسيس سلطته الجمالية واللغوية‪ ،‬وإل فلماذا يكتب؟()‪ (9‬ولربما هنا نتساءل‪ :‬أهكذا كان المتنبي أم هي رؤية‬ ‫درويش‪ ،‬ل للمتنبي‪ ،‬وإنما لذاته؟ وبخاصة أنه –أي درويش‪ -‬هوجم من بعض الشعراء‪ ،‬بعد أن كتب قصيدته‬ ‫ل الذين تابعوا الصحافة العربية ما زالوا يذكرون ما قاله عنه‬ ‫)مديح الظل العالي()‪ ،(10‬بأنه المتنبي الجديد‪ .‬يقول درويش في المقابلة نفسها‪ ،‬المقابلة التي أجرتها معه رفيف‬ ‫فتوح ونشرت في صيف العام )‪ (1986‬على صفحات )الوطن العربي( الصادرة في )باريس(‪:‬‬ ‫)وأنا معجب بشخصيته إعجابًا شديدًا‪ ،‬فالمتنبي لم ُيفهم جيدًا‪ ،‬عندما اتهم بأنه شاعر بلط‪ ،‬لم يكن في ذلك العصر‪،‬‬ ‫ول في كل العصور العربية السابقة‪ ،‬لم يكن المديح عيبًا إطلقًا‪ .‬كان يستخدم القوة الشعرية من أجل تأسيس سلطة للشعر‪ ،‬وبالتالي‬ ‫ل عابرًا من‬ ‫كان سيف الدولة هوالمتنبي‪ .(12‬‬ ‫زمن كتابة القصيدة‬ ‫يبدومحمود درويش واحدًا من الشعراء الذين يجدردراستهم وفق واحد من المناهج النقدية التي تعتمد على‬ ‫معطيات أخرى غير أدبية‪ ،‬وإن كان يمكن أن يدرس‪ ،‬أيضًا‪ ،‬وفق المناهج النصية –أعني تلك التي تعتمد على‬ ‫ص الشعري فقط‪ .‬وكتب درويش ن ّ‬ ‫حين كان يمّر بأزمة خانقة مع قيادة منظمة التحرير في حينه‪ ،‬وقد وصف شكل العلقة بينه وبينها في إحدى‬ ‫رسائله‪ ،‬فكتب‪:‬‬ ‫)وحين سألتقي في الخرة مع السيد ميغيل سرفانتيس سابدرا‪ ،‬سأعترف له بأن رحلته الثالثة مع دون كيشوته قد‬ ‫أنقذتني من النهيار النهائي‪ ،‬قبل سبع سنين‪ ،‬حين اختلفت احلمي مع أدوات تحقيقها‪ ،‬واختفيت في باريس()‪(16‬‬ .‬ويقّر درويش نفسه‪ ،‬في المقابلت التي أجريت معه في التسعينيات‪ ،‬بأن الن ّ‬ ‫كان ل يحمل تجربة انسانية‪ ،‬أي إذا كان ل يحمل أنوات تشّكل التقاًء إنسانيًا‪ ،‬فل حاجة للقارئ به‪ ،‬مهما كانت‬ ‫شعريته… إذًا لم يكن حّد أدنى من تاريخية النص وجماليته‪ ،‬فالقارئ ل ُيعنى به‪(13).‬وبرأيي أن المتنبي لم يمدح أحدًا‪ ،‬ولم يمدح سلطة‬ ‫الدولة‪ ،‬بل كان المتنبي يؤسس سلطته الشعرية‪ .(11‬لقد ذهب نجم إلى أن درويش شاعر سلطة مثله مثل المتنبي‪،‬‬ ‫ل خلل السنوات‬ ‫فهل يدافع درويش‪ ،‬في كلمه عن المتنبي‪ ،‬عن ذاته؟ سوف أترك ال جابة‪ ،‬وإن كان درويش ظ ّ‬ ‫المنصرمة حذرًا في مواقفه حذرًا لم يُقده إلى إنزلق قاتل‪ .‬‬ ‫صه هذا في العام ‪ ،(15)1980‬وكانت مصر‪ ،‬في حينه‪ ،‬قد وّقعت اتفاقية سلم مع إسرائيل‪،‬‬ ‫كتب درويش ن ّ‬ ‫صه هذا‬ ‫وخرجت من قيادة العالم العربي لتعاني قدرًا من العزلة بسبب اتفاقيات السلم المنفردة‪ .‬إنه كمن يمشي بين حّبات المطر دون أن يتبلل‪ ،‬وما ل‬ ‫يقوى على قوله مباشرة يقوله من وراء قناع‪ .‬‬ ‫ص وما كانت عليه الوضاع السياسية‬ ‫ص درويش‪ ،‬أن اللمام بزمن كتابة الن ّ‬ ‫وأرى‪ ،‬من خلل تجربتي في قراءة ن ّ‬ ‫ص درويش فهمًا جيدًا‪،‬‬ ‫والجتماعية وموقع درويش نفسه في حينه‪ ،‬أرى أن اللمام بهذا يساعدنا كثيرًا على فهم ن ّ‬ ‫ل لمعرفة الموضوع فقط‪ ،‬وإنما لللمام بالصورة‪ ،‬أيضًا‪ ،‬إلمامًا جيدًا‪(14).(8‬‬ ‫ل الهم هونظرة درويش إلى موقف المتنبي من الحكام الذين مدحهم‪ ،‬وهوموقف يشبه الموقف الذي يتبناه‬ ‫ولع ّ‬ ‫أدونيس‪ ،‬أيضًا‪ ،‬حيث ردده أدونيس مؤخرًا في بعض المقابلت المطولة التي أجريت معه وُنشرت في صيف‬ ‫العام )‪ (2000‬على صفحات )الحياة الجديدة(‪ .‬بعد العام )‪ ،(1982‬في الشام)‪ .‬وبخاصة في مواقفه الرافضة‪ ،‬مواقفه التي ل ُيجيز له ضميره أن‬ ‫يغيرها ويبدلها بسهولة )‪.(7‬‬ ‫وبتواضع عجيب يضيف درويش‪:‬‬ ‫)نحن‪ ،‬حتى الن‪ ،‬نحاول بكل الشكال الشعرية الجديدة أن نقول سطرًا واحدًا للمتنبي‪ .

‬‬ ‫في الن ّ‬ ‫لم يعد المتنبي إلى حلب بعد أن غادرها‪ ،‬أما درويش فقد عاد إلى بيروت‪.(17‬‬ ‫ويجدر هنا أن نقارن بين تجربته‪ ،‬لحظة كتابة )رحلة المتنبي إلى مص( وتجربة المتنبي مع سيف الدولة وكافور‪.‬‬ ‫ولئن كان المتنبي مدح هذا المير أوذاك‪ ،‬فإنه لم يكن صادقًا بالدرجة نفسها‪ ،‬مدح صادقًا ومدح كاذبًا‪ ،‬وكان‬ ‫سر لنا هذا أنه غادر حلب‬ ‫ل ما يف ّ‬ ‫مديحه لسيف الدولة مديح صادق‪ ،‬فيما لم يكن مديحه لكافور كذلك‪ ،‬ولع ّ‬ ‫ج سيف‬ ‫ساد‪ ،‬ولم يه ُ‬ ‫وهوحزين وآسف؛ غادرها وهويقّر بحبه لسيف الدولة حتى بعد أن لم يغضب المير من الح ّ‬ ‫الدولة بل عاتبه‪ ،‬في حين أنه هجا كافور وأمعن في الهجاء‪ .‬أما محمود درويش فقد عّبر عن سخطه وغضبه هذا‬ ‫بأسلوب غير مباشر‪ ،‬وهوما بدا في قصيدته )أنا الخر( التي لم يدرجها في أعماله الشعرية‪ ،‬وأخذ فيما بعد يقول‬ ‫إنه كتبها من وحي قصيدة رامبو)أنا آخر( وهوما قاله لي ذات نهار‪ ،‬وإن لم أتفق معه في هذا‪(21).‬ومن هنا نستطيع أن نتفهم اختيار الشاعر رمز امرئ القيس ورمز أبي فراس الحمداني)‪.‬وح ّ‬ ‫الدولة‪ ،‬وهكذا اتجه نحومصر قاصدًا كافور الذي ر ّ‬ ‫ل فكيف يمكن أن نفهم بداية قصيدة المديح‬ ‫ل يقارن بميله نحوكافور‪ .(18‬‬ ‫وحسب المنايا أن يك ّ‬ ‫هكذا يكون الموت شافيًا‪ ،‬وتكون المنايا أمنيات‪ ،‬وأين؟ في حضرة أمير تنشد بين يديه قصيدة مديح! ولئن كان‬ ‫ى مصريًا‪ ،‬حيث كانت مصر في‬ ‫ذهاب محمود درويش بعد العام )‪ (1970‬إلى مصر مغايرًا‪ ،‬لن هواه كان هو ً‬ ‫عهد عبد الناصر مهوى الفئدة‪ ،‬فإن الشاعر يكتب عن مصر السادات ل مصر عبد الناصر‪ .‫كان العالم العربي‪ ،‬إذًا‪ ،‬يمّر بمرحلة صعبة جّدا‪ ،‬وكان الشاعر نفسه يعاني من إشكالت مع أدوات تحقيق أحلمه‪،‬‬ ‫ولربما‪ ،‬ولهذا السبب بالذات‪ ،‬اختار الشاعر المتنبي‪ ،‬واختيارات درويش لرموزه الدبية التراثية ليست اختيارات‬ ‫عشوائية إطلقا‪ ،‬إنها اختيارات تفرضها اللحظة التي يمّر بها الشاعر وتطابقها –أي تطابق اللحظة‪ -‬مع حالت‬ ‫الرمز المختار‪ .‬‬ ‫ولئن كان المتنبي آثر عدم العودة إلى بلط سيف الدولة‪ ،‬حتى بعد أن أرسل له هذا كتابًا يدعوه فيه إلى العودة إلى‬ ‫ل‪،‬‬ ‫حلب‪ ،‬فإن درويش لم ينظر إلى المر من منظور كرامة شخصية جريحة‪ ،‬وهكذا لم يمكث في باريس طوي ً‬ ‫ل موقعه في مؤسسات الثورة وليواصل مشواره في‬ ‫وسرعان ما عاد إلى بيروت‪ ،‬حيث ياسر عرفات‪ ،‬ليحت ّ‬ ‫النضال‪ ،‬جنبًا إلى جنب مع رفاقه الفلسطينيين هناك‪ ،‬ولم يأبه كثيرًا لما قاله في القصيدة على لسان القائل المتكلم‬ ‫ص حين قال‪) :‬قد عدت من حلب‪ ،‬وإّني ل أعود إلى العراق(‪(22).‬‬ ‫ولئن كان المتنبي مدح سيف الدولة قبل أن يغادر بلطه‪ ،‬فإن درويش كتب في ياسر عرفات مقالت وقصائد‬ ‫تذكرنا بقصائد المتنبي في سيف الدولة‪ ،‬ولكن كتابته جاءت في لحظتين زمنيتين حرجتين جّدا‪ ،‬تعّرض فيهما‬ ‫ياسر عرفات لما كان سيف الدولة يتّعرض له في المعارك؛ اللحظة الولى كانت بعد معارك بيروت في العام )‬ ‫‪ ،(1982‬والثانية بعد الخروج من طرابلس في العام )‪ ،(1983‬في اللحظة الولى كتب درويش )مديح الظ ّ‬ ‫ل‬ ‫العالي( وفي الثانية كتب )ياسر عرفات والبحر(‪ ،(19).‬لقد ذهب المتنبي إلى مصر‪ ،‬وهوكاره‪ ،‬وإ ّ‬ ‫ص بها كافور‪:‬‬ ‫التي خ ّ‬ ‫كفى بك داًء أن ترى الموت شافياً‬ ‫ن أمانيا")‪.‬أقام المتنبي في بلط سيف الدولة وخ ّ‬ ‫ساده الذين سّمموا علقته بالمير‪ ،‬حتى أن هذا لم‬ ‫ما لم يلقه شاعر في بلط أمير أوملك‪ ،‬وهذا الذي أكثر من ح ّ‬ ‫يحّرك ساكنًا‪ ،‬حين امتّدت يد أحد الحضور لتنال من الشاعر‪ ،‬وهكذا اضطر المتنبي إلى مغادرة بلط سيف‬ ‫ب المتنبي سيف الدولة ح ّ‬ ‫ب‬ ‫حب به وإن لم يعطه ما أراد‪ .‬‬ ‫ص الشاعُر الميَر بعيون قصائده‪ ،‬ولقي في بلطه‬ ‫فكل التجربتين تتقاربان‪ .‬والذهاب إلى مصر‬ ‫ك‪ ،‬إذ كيف يقترب من نظام وّقع‬ ‫في نهاية السبعينيات ذهاب محفوف بالمخاطر لنه سيضع الشاعر موضع الش ّ‬ ‫معاهدة صلح ذليلة مع إسرائيل؟ لعل الموت‪ ،‬هنا‪ ،‬يكون‪ ،‬أيضًا‪ ،‬شافيًا ويكون‪ ،‬أيضًا‪ ،‬أمنية يتمناها ذوالنفس البّية‪.‬هذا إذا غضضنا الطرف عما ورد في كتاب درويش‬ ‫النثري )ذاكرة للنسيان()‪ (20‬الذي تتناول الكتابة فيه يومًا قاسيًا ومشهودًا من أيام بيروت الجهنمية التي كان فيها‬ ‫أبوعّمار يشارك في المعارك‪ ،‬وكان مقصودًا من الطائرات السرائيلية التي أرادت أن تتخّلص منه‪.‬‬ ‫العنوان ودللته‬ ‫يختار درويش العبارة التالية عنوانًا للقصيدة‪) :‬رحلة المتنبي إلى مصر(‪ ،‬وكان قد صّدر القصيدة‪ ،‬يوم نشرها على‬ ‫صفحات مجلة )الوطن العربي( الصادرة في باريس‪ ،‬ببيت شعر للمتنبي هو‪:‬‬ ‫وأنا الذي اجتلب المنية طرفه‬ .

‬‬ ‫يذهب مارون عبود في بعض كتبه إلى أن الشبه بين القرنين كبير جدًا‪ ،‬ويورد في بعض كتاباته العبارة التالية‪) :‬ما‬ ‫أشبه الليلة بالبارحة()‪.‬‬ ‫حد أنا المتكلم والمتنبي‪،‬‬ ‫ولربما يعود المرء‪ ،‬بعد قراءة رؤية أنا المتكلم في النص لرحلة المتنبي إلى مصر‪ ،‬وقد تو ّ‬ ‫لربما يعود المرء الى الروايات الخرى لهذه الرحلة‪ ،‬ليقارن بين الروايات كلها ويرى الفرق بين ما يرويه دارس‬ ‫وما يرويه شاعر يرى في تجربته تجربة تشبه تجربة المتنبي‪.(23‬‬ ‫يحيلنا العنوان إلى )رحلة المتنبي إلى مصر( وما كتب حوله‪ ،‬ويندرج تحته نص شعري يقول صاحبه فيه هذه‬ ‫ص بضمير الهو‪ .‬ولئن كان أنا المتكّلم في الن ّ‬ ‫هنا‪ -‬هوأنا المتنبي‪ ،‬فإن العنوان يوحي لنا أننا سنقرأ عن رحلة المتنبي الى مصر‪ ،‬ل من خلل كتابة المتنبي نفسه‬ ‫عن رحلته‪ ،‬وإنما من خلل قراءة طرف آخر عن الرحلة‪ ،‬ولول وجود اسم محمود درويش الشاعر الذي نعرف‬ ‫أنه شاعر بالدرجة الولى لذهبت مخيلتنا الى اننا سنقرأ لطه حسين أولعبده عزام أولمحمد شرارة أولخرين مّمن‬ ‫قرأنا لهم ما كتبوه عن المتنبي‪ .‬لكأن الدراسات‬ ‫ص بضمير النا غير الق ّ‬ ‫ص عن ذاتها‪ ،‬والق ّ‬ ‫الرحلة‪ ،‬ونحن هنا نصغي إلى أنا تق ّ‬ ‫ص الشعري فهورواية الذات‪ ،‬وشّتان ما بين رواية الغير عن‬ ‫السابقة كلها عن هذه الرحلة هي رواية الغير‪ ،‬أما الن ّ‬ ‫غيرها ورواية الذات عن ذاتها‪ ،‬وإن كانت رواية الغير‪ ،‬في الدراسات‪ ،‬تبتعد عن النفعال وتقترب من‬ ‫ص شعري‪ .‬‬ ‫ونعود الى البيت الذي صّدر به درويش القصيدة ثم تخلى عنه‪ :‬يحيلنا هذا البيت الى قصيدة المتنبي التي قالها في‬ ‫مدح القاضي أبي الفضل أحمد بن عبدال النطاكي‪ ،‬ومنها‪:‬‬ ‫لك يا منازل في القلوب مناز ُ‬ ‫ل‬ ‫ت وإنمـا‬ ‫يعلمن ذاك وما علم ِ‬ ‫وأنا الذي اجتلب المنّية طرفه‬ ‫جمح الزمـان فما لذيذ خالـص‬ ‫وإذا أتتك مذمتي من نـاقـص‬ ‫ن منك أواه ُ‬ ‫ل‬ ‫أقفرت أنت وه ّ‬ ‫أولكمـا يبـكـي عليـه العـاقـلُ‬ ‫فمن المطالب والقتيل القـاتـ ُ‬ ‫ل‬ ‫مما يشوب ول سرور كـام ُ‬ ‫ل‬ ‫فهي الشـهادة لـي بأني كـامـلُ‬ ‫وهي قصيدة مديح ل يبدوفيها الشاعر متأزمًا‪ ،‬وإن أتى على الزمان وأحواله وتقّلباته‪ ،‬ويفسر العكبري البيت‬ ‫الثالث على النحوالتالي‪:‬‬ .‬إن هذه ل تتجّرد من ذاتها‪ ،‬وهكذا تصبغ بصبغة ذاتية‪،‬‬ ‫الموضوعية‪ ،‬خلفًا لرواية الذات داخل ن ّ‬ ‫وحين تقال شعرًا‪ ،‬وشعرًا وجدانيًا تحديدًا‪ ،‬فإننا أمام شاعر مشاعر يغلب هذه على العقل‪ .‬هذا إذا غضضنا الطرف عن مقارنة بعض الدارسين‪ ،‬مثل مارون عبود وأستاذي د‪ .‬ولربما كانت دراسة‬ ‫محمد شرارة الوحيدة من بين الدراسات التي لم يستطع فيها صاحبها أن يغفل مشاعره وإعجابه بالشاعر حتى‬ ‫بدت دراسة شاعرية أكثر منها دراسة علمية‪.‫فمن المطالب والقتيل القات ُ‬ ‫ل‬ ‫ص الشعري –في بيت المتنبي‬ ‫ولم يظهر هذا البيت في طبعة )حصار لمدائح البحر(‪ .‬محمود إبراهيم‪،‬‬ ‫القرن العشرين بالقرن الرابع الهجري‪.‬واقتران العنوان باسم الشاعر‪ ،‬في صفحة المجّلة‪ ،‬وإدراجه في مجموعة شعرية‬ ‫صا شعريًا‪ .‬ولما كنا نعرف ان‬ ‫لمحمود درويش هوما يزيل هذا الشطط ليحل محله اعتقاد آخر هوأننا سنقرأ ن ّ‬ ‫درويش رحل الى باريس‪ ،‬فإننا بعد قراءة النص يمكن أن نستبدل العنوان بعنوان آخر وهو)رحلة محمود درويش‬ ‫الى باريس(‪ ،‬تمامًا كما يمكن أن نستبدل داخل النص مفردات بمفردات واسماء بأسماء‪ ،‬لنجد أنفسنا نقرأ عن رحلة‬ ‫درويش ل عن رحلة المتنبي وإن تشابهت الرحلتان‪ ،‬وهكذا عّبر درويش عن تجربة تكررت في التاريخ لشاعرين‬ ‫كبيرين‪ .

‬وتقوم العبارة على ثنائية‬ ‫بها ن ّ‬ ‫النيل‪/‬الشاعر أومصر‪ ،‬المتنبي‪ ،‬وتنبثق عنها ثنائيات أخرى هي الشاعر‪ /‬الشعراء والفقراء‪ /‬المراء‪.‬‬ ‫والسؤال الول الذي يثيره المرء وهويقرأ العبارة هو‪ :‬ما هي عادات النيل التي تدفع المتكلم إلى الرحيل؟ إنها‬ ‫عادات ل تسّر‪ ،‬وإل لما رحل أوفّكر بالرحيل‪ ،‬وليس الرحيل خاصًا بالنا‪ ،‬فالنص يفصح عن مغادرة شعراء )هل‬ ‫غادر الشعراء مصر ولن يعودوا؟(‪ .‫)يقول‪ :‬طرفي جلب موتي بالنظر فمن أطلب بدمي وأنا قتلت نفسي( وهومنقول من قول قيس بن ذريح‪:‬‬ ‫وما كنت أخشى أن تكون منيتي‬ ‫بكفي إل أن من صان هائن‬ ‫وأظن أن درويش أعجب بالبيت‪ ،‬ولم يلتفت إلى مناسبة قول المتنبي قصيدته‪ ،‬ولكنه وهو–أي درويش‪ -‬يقرأ البيت‬ ‫استحضر تجربة المتنبي في الرحيل‪ ،‬وهي التي أودت في النهاية بحياته‪ .‬لقد غادر مصر في‬ ‫السادات وّقع اتفاقية سلم مع دولة إسرائيل‪ ،‬ولنه نّكل بالمعارضة وز ّ‬ ‫حينه شعراء كبار من مصر نفسها‪ ،‬مثل احمد عبد المعطي حجازي‪ ،‬ولم يعد هؤلء إلى مصر إل بعد حين‪.‬‬ ‫بين َيَدي القصيدة‬ ‫صه بناًء هندسيًا محكمَا‪ ،‬وسوف يتابع هذا النهج في كثير من قصائده التي كتبها بعد هذه‬ ‫ويبني محمود درويش ن ّ‬ ‫القصيدة لتصبح القصيدة عمارة متناسقة‪ ،‬وهومايبدو‪ ،‬فيما بعد‪ ،‬في )أحد عشر كوكبًا()‪ (24‬وفي )لماذا تركت‬ ‫الحصان وحيدًا؟()‪ (25‬ويبدوالهاجس الجمالي لدى الشاعر هاجسًا ملحًا‪ ،‬وهويدرك أنه حين يكتب النصّ ُيقدم على‬ ‫مغامرة جمالية مدروسة وهذا ما يتحقق في النص الذي بين يدينا‪.‬‬ ‫وعادات النيل هي تقلباته‪ ،‬وقد أطلق الشاعر لفظة النيل وأراد مصر‪ ،‬لن عادات النيل نهرًا هي عادات النهار‪:‬‬ ‫الفيضان‪ ،‬انخفاض منسوب المياه وما شابه‪ .‬وعادات مصر هي تبّدل أدوارها ومواقفها في زمن كافور وفي‬ ‫العصر الحديث‪ ،‬ولن بسط كافور سيادته‪ ،‬ولم يكن من أسرة حاكمة وإنما كان خادمًا في القصر تمّكن من خلل‬ ‫دهائه وذكائه أن يصبح المير‪ ،‬لن بسط كافور سيادته أمر مستهجن‪ ،‬فإن ما كان مستهجنًا في مصر‪ ،‬بعد موت‬ ‫ل من تاريخ كافور‪ .‬هذه‬ ‫عبد الناصر‪ ،‬هوتولي أنور السادات قيادة الجمهورية‪ ،‬وتاريخ السادات ليس بأحسن حا ً‬ ‫هي عادات النيل –أي عادات مصر التي يتحدث عنها أنا المتكّلم في النص وهي تذّكرنا بقول المتنبي في داليته‬ ‫المشهورة‪:‬‬ .‬إنها حلزونية الشكل لن كل مقطع من مقاطعها الخمسة‬ ‫يفتتح بالعبارة نفسها‪) :‬للنيل عادات وإني راحل(‪ ،‬وهي دائرية لن درويش يغلق الدائرة بالعبارة نفسها التي افتتح‬ ‫صه‪ .‬وهكذا تغدوالعبارة الجسر الذي ل غنى عنه حين يقفل كل طابق ويغلق‪ .‬ولئن كان المتنبي غادر مصر لنه لم يحصل من كافور على ما يريد‪ ،‬أولنه‬ ‫لم يشعر بما كان يشعر به وهوفي بلط سيف الدولة‪ ،‬أولنه رأى في شخصه ما يمّيزه عن كافور حتى لوكان هذا‬ ‫أميرًا‪ ،‬وأن الشاعر العربي أعلى مكانة من المير الذي أصوله أصول وضيعة‪ ،‬وهوما كّرره المتنبي عمومًا في‬ ‫أشعاره حين قال‪:‬‬ ‫ل تشتِر العبد إل والعصا معه‬ ‫إن العبيد لنجاس مناكيُد‬ ‫لئن كان المتنبي غادر مصر لسبب من هذه السباب‪ ،‬أولهذه السباب مجتمعة‪ ،‬فإن الشعراء الذين غادروا مصر‬ ‫يوم نظم درويش القصيدة‪ ،‬والشعراء الذين لم يذهبوا إلى مصر في حينه‪ ،‬إنما أقدموا على ما أقدموا عليه‪ ،‬لن‬ ‫ج بقياداتها في السجون‪.‬عز‬ ‫الدين اسماعيل )الشعر العربي المعاصر()‪ (26‬لنستعير منه تعريفات للقصيدة الحديثة‪ ،‬قلنا إن )رحلة المتنبي الى‬ ‫مصر( قصيدة حلزونية الشكل ودائرّية في الوقت نفسه‪ .‬ول أدري إن كان درويش أدرك هذا‪،‬‬ ‫وبالتالي حذف البيت‪ ،‬وإن كان فعل فعله في بناء القصيدة‪ ،‬حيث سيحضر بعضه في بناء قصيدة درويش‪.‬‬ ‫تتكون القصيدة من خمسة مقاطع يفتتحها الشاعر بسطرين‪:‬‬ ‫للنيل عادات‬ ‫وإني راح ُ‬ ‫ل‬ ‫وتكرر هذه اللزمة التي تدعم العنوان وتتكئ عليه‪ ،‬تتكرر في النص ست مرات‪ ،‬وإذا ما عدنا الى كتاب د‪ .

‬أي أنه مدح‬ ‫الحكام وأكثر المديح‪.‫أكلمـا اغتال عبد السود سـيده‬ ‫صار الخصـي إمام البقين بها‬ ‫من علم السود المخصي مكرمة‬ ‫أوخانـه فله في مصر تمهيـُد‬ ‫فالحـر مستعبد والعبد معبـوُد‬ ‫صيُد؟‬ ‫أقومـه البيض أم آباؤه ال ّ‬ ‫صه‪ ،‬رؤية المتنبي لكافور‪ :‬العبد المير‪ ،‬وذلك حين يقول‪:‬‬ ‫وسنجد أن درويش يكّرر‪ ،‬في ن ّ‬ ‫)هذا هوالعبد المير‬ ‫وهذه الناس الجياع‬ ‫والقرمطي أنا‬ ‫أبيع القصر أغنية‬ ‫واهدمه بأغنية‬ ‫واسند قامتي بالريح والروح الجريح‬ ‫ول أباع(‬ ‫ل ما ندر جدًا‪ ،‬فإن أنا المتكلم‬ ‫ولئن كان المتنبي يبيع قصائده‪ ،‬وهذا ما ل نلحظه‪ ،‬حتى الن في مسيرة درويش‪ ،‬إ ّ‬ ‫في هذه السطر تجمع بين صوتين‪ :‬صوت المتنبي في نظرته إلى كافور وصوت محمود درويش في انه ل يبيع‬ ‫ذاته)‪ ،(27‬ودرويش كما أعرف لم يمدح أحدًا من الحكام وهذا ما نعرفه عن المتنبي معرفة جيدة‪ .‬‬ ‫يتكّون المقطع الول من خمسة عشر سطرًا شعريًا غير اللزمة‪ ،‬وفيه يعلن أنا المتكلم عن مشيه السريع في بلد‬ ‫تسرق السماء منه‪ ،‬والسماء التي تسرق منه هي هويته الخاصة‪ ،‬والبلد هي البلدان العربية التي كانت‪ ،‬كما‬ ‫يعلن الشاعر في نصوصه‪ ،‬تضايق الفلسطيني )من ليس بوليسًا علينا فليشرف‪ ،‬من ليس جاسوسًا علينا فليشّرف()‬ ‫‪ (28‬هذا إذا ذهبنا إلى أن أنا المتكّلم هي أنا درويش ل أنا المتنبي‪ ،‬وإذا ذهبنا إلى إنها أنا المتنبي تذّكرنا قول هذا‪:‬‬ ‫بكل أرض وطئتها أمـم‬ ‫يستخشن الخّز حين يلبسه‬ ‫وإنما النـاس بالمـلوك‬ ‫ل حسب عندهم ول نسب‬ ‫ترعى بعبد كأنـها غنُم‬ ‫وكان ُيبرى بظفره القلُم‬ ‫ول تفلح عرب ملوكها عجُم‬ ‫ول عهود لهم ول ذمُم‬ .‬إن صدور عبارة )العبد المير( التي صدرت عن‬ ‫المتنبي حقيقة‪ ،‬وإن صدورها على لسان درويش‪ ،‬إذا لم يكن يضع فارقًا بينه وبين المتنبي‪ ،‬يعني تراجع الشاعر‬ ‫عن فكرة آمن بها ذات نهار وهي الفكار الماركسية التي ترفض كلّيا فكرة المير‪/‬العبد أوالسياد‪/‬العبيد‪ ،‬لنها‬ ‫ترى أن الحرار‪/‬العبيد ثنائية عرفتها المجتمعات البشرية التي عرفت الستغلل فالرق‪ ،‬وتسعى الماركسية إلى‬ ‫إلغاء هذا الشكل من أشكال المجتمعات‪ ،‬وقد ناضل درويش نفسه ذات نهار لجل هذا اللغاء‪.‬‬ ‫ومن المؤكد إننا حين ل نفصل بين الصوتين‪ ،‬وإننا حين ننسب الكلم إلى درويش نفسه‪ ،‬من المؤكد أننا سنجد‬ ‫درويش شخصًا آخر غير الذي عرفناه في بداية حياته الشعرية‪ .

‫ويأتي السطر الثاني ليعبر عما جرى مع المتنبي‪) :‬قد جئت من حلب‪ ،‬وإني ل أعود إلى العراق(‪ .‬وهكذا يقول أنا المتكّلم‪:‬‬ ‫)ول أرى بلدًا هناك‬ ‫ول أرى أحدًا هناك‬ ‫الرض اصغر من مرور الرمح في خصر نحيل‬ ‫والرض اكبر من خيام النبياء‬ ‫ول أرى بلدًا ورائي‬ ‫ول أرى أحدًا أمامي‬ ‫هذا زحام قاحل‬ ‫والخطوقبل الدرب‪ ،‬لكن المدى يتطاول(‬ ‫وليس وصف مصر على هذه الشاكلة وصفًا خاصًا بأنا المتكلم‪/‬درويش‪ ،‬فقد ذهب شاعر مصري‪ ،‬هوأمل دنقل‪،‬‬ ‫إلى هذا وعّبر إثر هزيمة ‪ 1967‬وبعدها‪ ،‬عن خيبة أمله من بلد يكثر فيه الناس ولكنهم في كثرتهم‪ ،‬بسبب الهزيمة‪،‬‬ ‫ل يساوون شيئًا‪:‬‬ ‫)ل تسألي النيل أن يعطي وأن يلدا‬ ‫ل تسألي أبدًا‬ ‫إني لفتح عيني‪ ،‬حين افتحها‬ ‫على كثير ولكن ل أرى أحدا()‪(30‬‬ ‫وتصبح الرض في نظر الشاعر‪ ،‬حين ل يتصالح مع بشرها‪ ،‬تصبح أضيق من مرور الرمح في خصر نحيل‪،‬‬ ‫على الرغم من إنها أكبر من خيام النبياء‪ ،‬ولن جبهة الصمود والتصدي التي تشّكلت بعد اتفاقية )كامب ديفيد( لم‬ ‫ل‪ .‬وأّما لماذا هذا العلن عن‬ ‫عدم العودة؟ فلن التجربة في البلدان التي مّر بها كلهما لم تكن تجربة سارة‪) :‬سقط الشمال( وما دام الشمال سقط‬ ‫فل عودة ول تصالح مع مكان ساقط‪ ،‬وهنا ل بّد من البحث عما يحّقق له توازنًا نفسيًا‪ ،‬وهكذا يسحبه الدرب إلى‬ ‫نفسه‪ ،‬ويضع الشاعر قبل أن يعطف مصر على النفس ثلث نقاط‪ ،‬كأنه وهوذاهب إلى مصر ذاهب وهومتردد‪،‬‬ ‫لنه قد ل يجد في مصر ما يلبي رغبته‪ ،‬فمصر صهيل اندفع إليها‪ ،‬وحين دخلها لم يجد فرسًا وفرسانًا‪ ،‬وهكذا‬ ‫أسلمه الرحيل إلى الرحيل‪.‬ثّمة كثير‪ ،‬كما قال‬ ‫تنجز إل الكلم‪ ،‬فلم ير درويش بلدانها‪ ،‬كما انه لم ير أحدا أمامه‪ ،‬وهكذا كان الزحام قاح ً‬ ‫دنقل‪ ،‬ولكن ل أحد‪ ،‬وتلك هي مفارقة‪ ،‬ومنها يشعر أنا المتكّلم بحالة من الضياع‪ ،‬فيصبح الخطوقبل الدرب‪ ،‬وهكذا‬ ‫يمشي لنه يريد أن يمشي دون أن يحّدد طريقه‪ ،‬وهكذا يتطاول المدى لنه حائر قلق‪ ،‬ولربما تذكرنا عبارة )ولكن‬ ‫المدى يتطاول( بقول المتنبي‪:‬‬ ‫نحن أدرى وقد سألنا بنجد‬ .‬‬ ‫لقد ذهب المتنبي إلى مصر وسرعان ما غادرها‪ ،‬وذهب درويش خلل العام )‪ (1970‬إلى مصر‪ ،‬وسرعان ما‬ ‫غادرها أيضا‪ .‬لقد غادر المتنبي‬ ‫حلب إلى مصر ولم يغادرها إلى العراق‪ ،‬وأن فكر‪ ،‬بعد تركه مصر‪ ،‬في العودة إليها لول أنه قتل في الطريق‪،‬‬ ‫وأما درويش فقد غادر إلى باريس‪ ،‬وسرعان ما عاد بعد كتابة القصيدة إلى بيروت‪ .‬وأما الصهيل فهوصوت الحصان)‪ ،(29‬وكانت مصر في زمن جمال عبد الناصر الصهيل الذي‬ ‫لفت أنظار العرب إليها‪ ،‬وسرعان ما تراجع الفرس بعد موت الفارس‪ ،‬ويعبر أنا المتكلم في المقاطع اللحقة عن‬ ‫هذا بوضوح‪) :‬ل مصر في مصر التي امشي إلى أسرارها‪ ،‬فأرى الفراغ(‪ .

‬‬ ‫وهوقول يعّبر عن عدم انسجامه لما هومقّدم عليه‪ ،‬يذكرنا بقول المتنبي في مديح كافور‪:‬‬ ‫أريك الرضا لوأخفت النفس خافيا‬ ‫سة‬ ‫أمينًا وإخلفًا وعذرًا وخ ّ‬ ‫تظن ابتساماتي رجاًء وغبطة‬ ‫وما أنا عن نفسي ول عنك راضيا‬ ‫وجبنًا‪ ،‬أشخصًا لحت لي أم مخازيا‬ ‫وما أنا إل ضاحك من رجائيا‬ ‫ويعّبر أنا المتكلم عما عليه واقع المة‪ :‬دول توزع كالهدايا وسبايا تفترس السبايا‪ ،‬وانعطاف يتلوه انعطاف‪،‬‬ ‫وضفاف ول نهر‪ ،‬وهذا كله ما جعله يجري لتكون القصيدة وطنه الجديد‪ ،‬ولكنه وقد ضاق صدره بالهروب ليل‪،‬‬ ‫وقد ينجم عن ذلك موته‪ ،‬يتساءل حقًا‪ :‬هل وطني قصيدتي الجديدة؟ وقول أنا المتكلم‪:‬‬ ‫)إن هذا الليل قد يدمي‬ ‫فأرمي القلب من سأمي الى عسس المي(‬ ‫يحيلنا إلى أيام المتنبي الخيرة في مصر قبل هروبه منها‪ ،‬الهروب الذي كان من الممكن ان يودي بحياته‪ .‬وكما كتب المتنبي قصائد‬ ‫ض عن مضمونها أوما قاله‬ ‫في كافور وفي غيره‪ ،‬ورأى أنها لم تحقق له ما يريد‪ ،‬وأن قسمًا منها كتبه وهوغير را ٍ‬ ‫فيها‪ ،‬وتحديدًا تلك التي كتبها في مدح كافور‪ ،‬فإن درويش نفسه غدا غير قادر على التصالح مع ماضيه لن‬ ‫الرفاق هناك في حلب أضاعوه وضاعوا‪ ،‬أولن الرفاق هناك في حيفا أضاعوه وضاعوا بعد أن هاجموه إثر‬ ‫ص‪:‬‬ ‫خروجه من الرض المحتلة وهاجمهم‪ ،‬أيضًا‪ ،‬وقول أنا المتكلم في الن ّ‬ ‫)أمشي إلى نفسي فتطردني من الفسطاط‬ ‫كم ألج المرايا‬ ‫كم أكسرها‬ ‫فتكسرني(‪.‫وكثير من السؤال اشتياق‬ ‫أطويل طريقنا أم يطو ُ‬ ‫ل‬ ‫وكثير من رّده تعلي ُ‬ ‫ل‬ ‫يفتتح أنا المتكلم المقطع الثاني بإعلن الوطن الجديد الذي ينتمي اليه‪ ،‬وستكون القصيدة هي وطنه الجديد‪ ،‬لكأن‬ ‫مملكة الشاعر كما قال المسيح‪ ،‬ليست من هذا العالم الرضي‪ .‬واذا‬ ‫كان المتنبي قال‪:‬‬ ‫)إذا كان مدح فالنسيب مقدُم‬ ‫أكل فصيح قال شعرًا متيُم؟(‬ ‫ب‪ ،‬ومفصحًا‪ ،‬من دون وعي‪ ،‬عن عدم التفاته إلى النساء قدر التفاته الى قضايا‬ ‫معبرًا عن عدم ابتداء قصائده بالح ّ‬ ‫ل لها‪ ،‬وإذا كان المتنبي قال هذا‪ ،‬فإن أنا المتكّلم في قصيدة درويش يقول‪:‬‬ ‫أخرى كان المديح مدخ ً‬ ‫)ل الحب ناداني‬ ‫ول الصفصاف أغراني بهذا النيل كي أغفو‬ .‬إنه ينتمي الى القصيدة التي سيكتبها ل التي كتبها‬ ‫لنه لم يعد متصالحًا مع عالمه القديم‪ ،‬ولهذا فل بد من قصيدة جديدة تعّبر عما هوفيه‪ .

‬إنه زمن الموات والتراجع‪ ،‬زمن اليباب والجوع‪ ،‬زمن يطول‬ ‫وتج ّ‬ ‫فيه الزائل‪ ،‬فيما يتراجع الجوهري لدرجة الختفاء‪.‬ويكرر أنا المتكلم حديثه عن علقته‬ ‫بمصر‪ ،‬فلئن لحظنا في المقطع الثاني أنه ل يرى مصر في مصر التي يمشي إلى أسرارها‪ ،‬ولئن لحظنا في‬ ‫المقطع الثالث أنه كّلما حاول أن يبكي بعينيها التفتت إلى عدّوه‪ ،‬فإننا نلحظ في المقطع الرابع الشيء نفسه )بلد‬ ‫كلما عانقتها فّرت من الضلع(‪ ،‬وهكذا يقبل نحوها فتفّر منه‪ ،‬ولكنها في المقابل‪ ،‬حين يحاول أن ينجومن النسيان‬ .‬‬ ‫وربما تحيلنا بابل إلى سبي بابل وإلى اليهود واسرائيل‪ ،‬لتوقيع مصر معاهدة معها‪ ،‬هي التي أحدثت شرخًا بين‬ ‫مصر والفلسطينيين‪.‬يذوب هذا في الغزوات وكلما حاول ان يبكي بعيني مصر تلتفت هذه إلى عدوه‪.‬إن بحث الشاعر عن انسجامه مع ذاته هوما يجعله‬ ‫جر الشاعر )في‬ ‫يفّكر بالرحيل‪ ،‬فالفسطاط تضم كافورالخشيدي‪ ،‬وفي مصر أنور السادات‪ ،‬وهذا كّله كفيل بأن يف ّ‬ ‫مصر كافور‪ ،‬وفي زلزل( وحين يمشي أنا المتكلم الى مصر يجد أن مصر التي يبحث عنها غير موجودة في‬ ‫مصر‪ ،‬ول يرى فيها إل الفراغ‪ ،‬ويحاول أن يصافحها‪ ،‬بل إنه يصافحها‪ ،‬ولكن‪:‬‬ ‫)كّلما صافحتها‬ ‫شقت يدينا بابل(‪.‫ول جسد من البنوس مّزقني شظايا(‬ ‫ولهذا يكّرر قوله‪) :‬أمشي الى نفسي فتطردني من الفسطاط(‪ .‬‬ ‫يؤدي هذا المقطع الى المقطع الرابع‪ .‬إن انا‬ ‫المتكلم في النص هوابن مصر الذي كان يفتدي النيل كل عام بأضحية‪ ،‬بعروس لكنه‪ ،‬وقد غدا انسانًا ذا وعي‬ ‫مختلف‪ ،‬يقرر‪:‬‬ ‫)ل‪ ،‬لن يستبيح الكاهن الوثني زوجاتي‬ ‫ول‪ ،‬لن أبني الهرام ثانية‪ ،‬ول‬ ‫لن انسج العلم من هذا الكفن(‬ ‫تمضي مصر حافية لجمع القطن من الصعيد‪ ،‬وتسكت كي يضيع الفرق بين الطين والفلح في الريف البعيد‪،‬‬ ‫ف في دمها البلبل والذرة‪ ،‬ويطول فيها الزائل‪ .‬‬ ‫وعبارة )حجر أنا( تحيلنا الى بيت المتنبي في داليته‪ :‬أصخرٌة أنا؟ مالي ل تحركني هذي المدام ول هذي الغاريد؟‬ ‫هنا يسائل أنا المتكّلم مصر‪ ،‬ويتوجه بالخطاب إليها‪ .‬ينجم عن الواقع المأساوي سالف الذكر هجرة الشعراء ومغادرتهم مصر‪،‬‬ ‫وتصبح أرض ال ضيقة وأضيق من مضائقها الصعود على بساط الرمل‪ .‬إنه يسألها كيف تترك النهر مفتوحًا لمن يأتي؟ أيكون العرش‬ ‫قبل الماء؟ ولربما نتذكر هنا قول المتنبي‪:‬‬ ‫)نامت نواطير مصر عن ثعالبها‬ ‫فقد بشمن وما تفنى العناقيُد(‬ ‫ص الغزو‪ ،‬ومن هؤلء انا الشاعر الذي يعرف‬ ‫ويبدوأنا المتكلم أمام ما يجري حائرًا‪ ،‬ثمة مغتصبون وثمة من يمت ّ‬ ‫ول يعرف السّرالدفين‪ .‬‬ ‫يفتتح الشاعر المقطع الثالث بقوله‪:‬‬ ‫)حجر انا‬ ‫يا مصر هل يصل اعتذاري‬ ‫عندما تتكّدسين على الزمان الصعب أصعب منه؟(‪.

‫فيها تطارج روحه‪ ،‬ثمة إقبال وإدبار‪ ،‬ولكن هذا الدبار يتحول حين يحاول صاحب القبال النسيان‪ ،‬يتحول إلى‬ ‫مطاردة‪ .‬‬ ‫ل‪:‬‬ ‫يخاطب أنا المتكلم‪ ،‬في نهاية هذا المقطع‪ ،‬مصر قائ ً‬ ‫)يا مصر لن آتيك ثانية‬ ‫ومن يترك حلب‬ ‫س الطريق الى حلب‬ ‫يْن َ‬ ‫وانا اسير حررته سلسل‬ ‫وانا طليق قيدته رسائل(‬ ‫ويحيلنا هذا الخطاب‪ ،‬من جديد‪ ،‬إلى تجربة المتنبي‪ ،‬ولكنه في الوقت نفسه يحيلنا الى تجربة درويش‪ .‬تمامًا مثل المتنبي‪ :‬غادر الشمال الى مصر‪ ،‬ولكنه فيها فّكر بالهرب‬ ‫وفي مصر نجده يح ّ‬ ‫منها‪ ،‬وتمامًا مثل حال محمود درويش‪ :‬ذهب إلى مصر‪ ،‬بعد خروجه من فلسطين‪ ،‬لنها كانت المثال‪ ،‬ولكنه في‬ ‫نهاية السبعينيات ما عاد يرى فيها المثال الذي نشده ذاه نهار‪.‬‬ ‫ولكن اللفت في المقطع السابق هوالسطران الخيران‪ ،‬فإذا كانت السطر الثلثة الولى تعّبر حقًا عن تجربة‬ ‫صان درويش نفسه‪ .‬‬ ‫يكتب درويش في بعض قصائده‪ ،‬وتحديدًا في قصيدته التي رثى فيها ماجدًا أبا شرار‪:‬‬ ‫)وكان السجن في الدنيا مكانًا‬ ‫ل(‬ ‫فحررنا ليقتلنا البدي ُ‬ ‫ويكتب أيضًا في قصيدته التي رثى فيها راشد حسين‪ ،‬يكتب وينقل على لسان هذا‪:‬‬ ‫)والتقينا بعد عام في مطار القاهرة‬ ‫قال لي بعد ثلثين دقيقة‬ ‫ليتني كنت طليقًا في سجون الناصرة(‬ ‫والسطر الخير كان ورد بالفعل على لسان راشد حسين‪ ،‬في رسالة )بيت من هواء( )‪ ،(25/8/1986‬وفيها يأتي‬ ‫درويش على ذكر راشد حسين ولقائه به في القاهرة‪ ،‬وكان راشد قال بيتي شعر يعّبر فيهما عن غربته‪:‬‬ ‫واقف كّلي مذلة‬ ‫ليتني كنت طليقًا‬ ‫في مطار القاهرة‬ .‬أما‬ ‫درويش الذي امتّد به العمر فقد عاد الى بيروت وعاد الى مصر وعاد الى فلسطين‪.‬إن انا المتكلم فيهما هي انا درويش بامتياز‪ .‬‬ ‫وهنا في هذا المقطع نجده يكرر ما كّرره في المقطع الثاني‪ :‬الرحيل الى القصيدة واللهب‪.‬إنهما‬ ‫المتنبي‪ ،‬فإن السطرين الخيرين يخ ّ‬ ‫يستحضران تجربة بعض المثقفين الفلسطينيين‪ ،‬ومنهم درويش‪ ،‬الذين غادروا فلسطين التي ولدوا وعاشوا فيها‪،‬‬ ‫هربًا من قمع السلطات السرائيلية آملين أن يجدوا الحرّية في الوطن العربي فإذا بهم يحّنون إلى الحياة في‬ ‫فلسطين‪ ،‬تحت الحتلل‪ ،‬لنها أكثر رحابة وحرّية من الحياة في الوطن العربي‪.‬لم يعد‬ ‫المتنبي إلى حلب‪ ،‬ول ندري ماذا كان سيفعل لوامتّد به العمر ولم يقتل وهوعائد من فارس الى العراق‪ .‬ويبحث الشاعر‪ ،‬وهوفي مصر‪ ،‬عن ذاته الحقيقية‪ ،‬ولكنه ل يجدها )ونفسي تشتهي نفسي ول تتقابلن(‪،‬‬ ‫ن الى طرق الشمال‪ .

‬وعالم مصر‬ ‫عالم فراغ‪ ،‬عالم يطول فيه الزائل‪ ،‬ولهذا غادر الشعراء‪ .(32‬‬ ‫يعلن انا المتكلم في النص عن معتقده‪ ،‬فيقول‪:‬‬ ‫ن الرفاق هناك في حلب‬ ‫)والقرمطي أنا‪ ،‬ولك ّ‬ ‫أضاعوني وضاعوا‬ ‫ضاد ينتشرون‬ ‫والروم حول ال ّ‬ ‫والفقراء تحت الضاد ينتحبون(‪.‫في سجون الناصرة)‪(31‬‬ ‫لقد رأى درويش أن السلسل منحته الحرّية في حين منحته الرسائل‪ ،‬وهوفي العالم العربي‪ ،‬القيد‪ .‬وثمة علقة بين‬ ‫أبناء الضاد ومن يحيط بهم‪ ،‬وهي أيضًا تحيلنا الى الواقع العربي السلمي في القرن الرابع الهجري والى علقة‬ ‫سيف الدولة بالروم‪ ،‬ولم تكن العلقة حسنة وودية‪ ،‬وإنما كانت علقة عداء ل علقة جوار‪ ،‬كما تحيلنا الى الواقع‬ ‫العربي في زمن كتابة القصيدة‪ ،‬وتحديدا الى علقة الدول العربية باسرائيل التي تشكل خطرًا على المة العربية‪.‬‬ ‫وتحيل عبارة )والقرمطي أنا( الدارس الى التساؤل عن قرمطية المتنبي‪ .‬‬ ‫ثمة علقة بينه وبين الرفاق‪ ،‬هناك في حلب‪ ،‬وهي علقة تحيلنا الى علقة المتنبي بالشعراء والمثقفين‪ ،‬ولم تكن‬ ‫علقة حسنة‪ ،‬كما تحيلنا الى علقة درويش بالشعراء والمثقفين في حيفا‪ ،‬وآلت هذه‪ ،‬بعد خروج درويش من‬ ‫الرض المحتلة‪ ،‬إلى سوء‪ ،‬ولعل استخدام أنا المتكلم لفظة )رفاق( هوما يدفعنا الى هذا التفسير‪ .‬‬ ‫وكان درويش قد انتمى الى الحزب الشيوعي‪ ،‬وذلك قبل العام )‪ ،(1970‬فهل عاد في العام )‪ ،(1980‬عام كتابة‬ ‫القصيدة ليعلن من جديد‪ ،‬عن شيوعيته؟ إن المقطع الخامس يفصح بأن أنا المتكلم يرى أن الناس أسياد وعبيد‪ ،‬وقد‬ ‫أشرت الى هذا من قبل‪ ،‬وهذا يتناقض والفكر الماركسي‪ ،‬ولكنه‪ ،‬كما ذهبت‪ ،‬ل يتناقض وما كان يؤمن به المتنبي‪،‬‬ ‫وقد عّبر هذا عن قناعاته مباشرة ودون مواربة‪.‬فهل كان المتنبي قرمطيًا؟ ينفي د‪ .‬شوقي‬ ‫ضيف)‪ (33‬أن يكون المتنبي قرمطيًا‪ ،‬ولكنه في نفيه يشير الى ان هناك من زعم ان المتنبي كان قرمطيًا‪.‬‬ ‫ودرويش هنا يؤكد قرمطية المتنبي‪.‬لم يكن الروم‬ ‫ويحيل السطر الثالث )والروم حول ال ّ‬ ‫في نظر المتنبي هم الخطر الوحيد على سيف الدولة‪ ،‬فقد كان ثّمة عرب يشّكلون خطرًا‪ ،‬عرب نظر اليهم المتنبي‬ ‫على أنهم روم‪ ،‬وهوما بدا في قوله‪:‬‬ ‫وسوى الروم خلف ظهرك روُم‬ ‫فعلى أي جانبيك تمي ُ‬ ‫ل‬ .‬‬ ‫ضاد ينتشرون( الى اشعار المتنبي‪ ،‬وما قاله في سيف الدولة‪ .‬‬ ‫وإذا ذهبنا إلى أن أنا المتكّلم هي أنا محمود درويش‪ ،‬فإن إعلنه عن قرمطيته هي بتعبير غير مباشر إعلن عن‬ ‫شيوعيته‪.‬‬ ‫يفصح انا المتكلم في المقطع الخامس عن ثلثة أطراف غيره‪ ،‬وهي‪ :‬الرفاق في حلب والعبد المير‪ ،‬والروم الذين‬ ‫ينتشرون حول الضاد‪ ،‬ويواصل كلمه عن مصر‪.‬‬ ‫وثّمة علقة بين أنا المتكلم والعبد المير الذي يحكم مصر‪ ،‬وتحيلنا هذه إلى علقة المتنبي بكافور‪ ،‬كما تحيلنا إلى‬ ‫علقة درويش بأدوات تحقيق حلمه‪ ،‬بل وإلى علقته بقيادة مصر‪-‬أي بأنور السادات‪ -‬وسنجد أن درويش‪ ،‬في‬ ‫خطب الدكتاتور الموزونة التي كتبها في العام )‪ ،(1986‬يكتب خطابًا يترك فيه انور السادات يعّبر عن ذاته)‪.‬وفي بداية المقطع الخامس يعلن انا المتكلم عن نيته في‬ ‫المغادرة‪.

‬‬ ‫ل لفتًا للنظر‪:‬‬ ‫ويبقى قول درويش التالي قو ً‬ ‫)هذا هوالعبد المير‬ ‫وهذه الناس الجياع‬ ‫والقرمطي أنا‪ ،‬أبيع القصر أغنية‬ ‫وأهدمه بأغنية‬ ‫وأسند قامتي بالريح والروح الجريح‬ ‫ول أباع(‬ ‫وهوقول يحيلنا من جديد الى رأي درويش في المتنبي‪ :‬إنه يؤسس لسلطة شعرية‪ ،‬إنه يؤسس لسلطة الكلم‪ .‫ل يقارع الروم وينتصر عليهم‪ ،‬وهوما أبرزه في كثير من قصائده‪،‬‬ ‫ولئن كان المتنبي يرى في سيف الدولة بط ً‬ ‫ومنها قصيدة )الحدث الحمراء)‪ ،‬فإن أنا المتكّلم في النص ل يرى من يقاوم الروم‪ ،‬ول يرى في أي قائد من القادة‬ ‫العرب المعاصرين سيف الدولة‪ ،‬وهوما يبدوفي قوله‪:‬‬ ‫)والصراع هوالصراع‬ ‫والروم ينتشرون حول الضاد‬ ‫ل سيف يطاردهم هناك ول ذراع‬ ‫كل الرماح تصيبني‬ ‫وتعيد أسمائي إل ّ‬ ‫ي‬ ‫وتعيدني منكم إل ّ‬ ‫ي‬ ‫وأنا القتيل القاتل(‬ ‫لكأن أنا المتكلم هنا هي أنا الفلسطيني المعاصر‪ ،‬أنا محمود درويش في العام )‪ ،(1980‬في لحظة غضب عارمة‪،‬‬ ‫ل من أن تنطلق الرماح باتجاه العدوأخذت تنطلق‬ ‫لحظة كانت فيها اكبر دولة عربية توّقع صلحًا مع إسرائيل‪ ،‬وبد ً‬ ‫باتجاه الشاعر وفقراء الضاد‪.(34‬‬ .‬علي عشري زايد في كتابه )استدعاء الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر()‪ (1977‬على‬ ‫القصائد التي وظف فيه هذا الرمز التراثي في موضعين‪ ،‬في موضع دللة الشخصية وكيفية توظيفها‪ ،‬وفي‬ ‫موضع الكتابة عن السلوب في القصائد التي وظفت فيها الرموز التراثية‪ ،‬والتفت الدكتور إلى شعراء عرب منهم‬ ‫الشاعر الفلسطيني عز الدين المناصرة‪ ،‬كما درس أيضا قصيدة درويش)‪.‬‬ ‫لقد أتى د‪ .‬فهل‬ ‫يعّبر درويش هنا عن ذاته شاعرًا‪ ،‬وهل ما قاله عن المتنبي هوما يدور بخلده؟‬ ‫‪ 1-2‬محمود درويش وامرؤ القيس‪:‬‬ ‫على الرغم من أن درويش ممن وظفوا رمز امرئ القيس في أشعاره الولى‪ ،‬إل أن بعض دارسي ظاهرة توظيف‬ ‫الشعراء العرب المعاصرين التراث لم يلتفتوا إلى قصيدة )امرؤ القيس )التي ظهرت في مجموعة( يوميات جرح‬ ‫فلسطيني)‪.

(41‬ودرويش هنا‪ ،‬على‬ ‫ل انه يختلف عن امرئ القيس‪ .‬ت( الذي لم يكن الشاعر مسؤول عن إصداره‪.‬الكركي إلى أن امرأ القيس بدا‪ ،‬كما تعامل معه المعاصرون‪ ،‬ذا أوجه‬ ‫عديدة هي‪ :‬وجه اللهي اللمبالي‪ ،‬ووجه الضائع الشريد‪ ،‬ووجه النادب المفجوع‪ ،‬ووجه الموتور الساعي وراء‬ ‫الثأر ووجه اليائس المهزوم)‪ ،(38‬والسؤال الن كيف تعامل درويش مع امرئ القيس ؟‬ ‫تتكون قصيدة )امرئ القيس()‪ 1969 ) (39‬أو ‪ ( 1970‬من سبعة مقاطع‪ ،‬وتقع في أربعين سطرا شعريا‪ ،‬ويبدأها‬ ‫الشاعر بالسطر التالية‪:‬‬ ‫بيننا ‪ .‬وتقول لنا بقية مقاطع القصيدة هذا‪ .‬ومع ذلك ينادي امرؤ القيس درويشًا لعله هنا يطلب منه أن ينتمي إلى الشعراء الملوك أو‬ ‫شعراء القصور‪ .‫وخلفا للدكتور زايد لم يلتفت الدكتور خالد الكركي إليها في كتابه )الرموز التراثية العربية في الشعر العربي‬ ‫الحديث( )‪ .‬ونحن‪ ،‬ابتداء‪ ،‬نوحد بين أنا المتكلم في النص وبين محمود‬ ‫درويش‪ ..‬‬ ‫يورد زايد‪ ،‬في كتابه‪ ،‬ما يلي عن شخصية امرئ القيس‪) :‬فقد كان شاعرًا وأميرا وعاشقًا ماجنا وشريدًا‪ ،‬حيث‬ ‫طرده أبوه الملك حجر نتيجة لمجونه‪ ،‬فعاش طريدًا في البلد ‪ -‬ثم بعد أن قتل أبوه حمل هولواء الدعوة للثأر له‪،‬‬ ‫وطاف يستنجد بالقبائل لتعينه على الثأر لبيه‪ ،‬ولما خذلته القبائل ذهب يستنجد بالقيصر‪ ،‬ثم مات مسموما في‬ ‫طريق عودته من عند القيصر بعد أن سعى الوشاة – فيما تروي بعض المصادر‪ -‬بينه وبين القيصر فأهدى إليه –‬ ‫حلة مسمومة فلبسها فمات()‪(36‬‬ ‫ويتابع‪) :‬ومن ثم تعددت أبعاد شخصية امرئ القيس وكانت من أغنى شخصيات تراثنا الشعري‪ ،‬ولذلك فقد افتتن‬ ‫بها شعراؤنا المعاصرون كثيرًا حتى أن شاعرا كمحمد عز الدين المناصرة يجعله علما على تجربته‪ ،‬ويستعير‬ ‫لنفسه اسمه‪(37)(.‬‬ ‫وربما يعود السبب في ذلك إلى أن الشاعر تخلى عن هذه القصيدة ولم يدرجها في أعماله الكاملة التي غالبا ما‬ ‫يعتمد الدارسون عليها‪ ،‬ول ادري بالضبط متى نشر درويش قصيدته هنا التي ظهرت‪ ،‬كما أشرت‪ ،‬في ) يوميات‬ ‫جرح فلسطيني( )د‪.‬ينتمي أنا المتكلم إلى بيئة ريفية والى أب ليس ملكًا‪ ،‬وهو أيضًا ل يغني للخيول العربية‪ ،‬وليس له حان‬ ‫ول عشر حسان لينادي امرأ القيس ‪ :‬تعال‪ ،‬لن امرأ القيس عاش في بيئة كهذه‪ ،‬وهو‪ ،‬من وجهة نظر درويش‪ ،‬ل‬ ‫يستطيع أن ينادي امرأ القيس خلفًا لهذا الذي يناديه‪ ،‬ونحن نعرف أن القصور تعرض على الشعراء الكبار أن‬ ‫يعيشوا في كنفها‪.‬يعيش درويش في فلسطين‪ ،‬فيما‬ ‫عاش امرؤ القيس في الجزيرة العربية ودرويش هو ابن القرن العشرين‪ ،‬بينما امرؤ القيس عاش في القرن‬ ‫الخامس الميلدي‪ .‬‬ ‫الختلف الول إذن‪ ،‬اختلف موقع‪ ،‬ونحن نعرف أيضا أن درويش حين كتب القصيدة‪ ،‬كان منتميًا إلى الحزب‬ ‫الشيوعي‪ ،‬وكان‪ ،‬في رؤاه‪ ،‬يصدر عن الفلسفة الماركسية‪ ،‬وفوق هذا‪ ،‬بل وقبل هذا‪ ،‬كان واحدًا من آلف‬ ‫الفلسطينيين الذين دمرت قراهم وأبعدوا عنها‪ ،‬وهذا اختلف ثان‪ ،‬فبينما كان امرؤ القيس ابن ملك فقد ملكه‪ ،‬ومن‬ .‬‬ ‫واعتمادًا على قراءته كتاب زايد أشار د‪.‬أفق دخان ورمال‬ ‫وعصور أرهقت ذاكرتي‬ ‫ومليين أغان‪ ،‬وبحار وجبال‬ ‫وتناديني تعال ؟!‬ ‫ويتضح من هذا أن درويش ل يتخذ من امرئ القيس قناعا يعبر من خلله عما يعتمل في نفسه‪ ،‬وهذا ما بدا‬ ‫واضحا في )رحلة المتنبي إلى مصر()‪ ( 1980) (40‬وفي )من روميات أبي فراس()‪ .(1989‬لقد تناول الكركي حضور شخصية امرئ القيس تحت عنوان ) البحث عن نصير خارجي‪:‬‬ ‫امرئ القيس وسيف بن ذي يزن()‪ (35‬ودرس قصيدتين ‪ :‬الولى للمناصرة من مجموعة ) يا عنب الخليل( )‬ ‫‪ ،(1970‬والثانية لعلي الفزاع من ديوانه الول ) نبوءة الليل الخي( )‪ ،(1978‬وأشار الدكتور إلى قصائد أخرى‬ ‫ظهر فيها رمز امرئ القيس‪.‬وما يفصل‬ ‫الرغم من الصفة المشتركة بينه وبين امرئ القيس وهي صفة الشاعر‪ ،‬إ ّ‬ ‫بينهما أشياء كثيرة‪ :‬أفق دخان ورمال وعصور ومليين أغان وبحار وجبال ‪ .

..‬و أوان ؟!‬ ‫وأضاف معبرا عن انتمائه لهله ولغانيه الجديدة ‪:‬‬ ‫ل علينا!‬ ‫صانع الطلل فان‪،‬‬ ‫وأنا أبقى‪ ،‬وأهلي‪ ،‬والغاني!‬ ‫ويعارض درويش‪ ،‬كما نرى‪ ،‬امرأ القيس في أقواله‪ ،‬فإذا كان هذا قال عبارته المشهورة )اليوم خمر وغدًا أمر(‬ ‫فإن درويش يكتب ‪:‬‬ ‫) وغد الخمر ‪ .‫هنا اخذ يبحث عن ملك أبيه‪ ،‬كان درويش ابن شعب فقد أرضه وطرد منها‪ ،‬ومن هنا أخذ يبحث مع شعبه عن‬ ‫أرضه‪ ،‬والختلف الثالث بينهما يكمن في النقطة الجوهرية المهمة التي ستظل تتردد في أشعار درويش التي يرد‬ ‫فيها ذكر امرئ القيس وتبدو في المقطع الرابع ‪:‬‬ ‫ق سوانا‬ ‫) يا أميري ! نحن ل نطلب من أف ٍ‬ ‫مطرًا‪ ،‬يروي ثرانا(‬ ‫أما الختلف الرابع‪ ،‬وهو منبثق عن الختلفين الول والثاني‪ ،‬فيكمن في نظرة درويش‪ ،‬في حينه‪ ،‬إلى وظيفة‬ ‫الشاعر‪ .‬‬ .‬يدفع درويش وهو يكتب أشعاره يدفع عن رأسه بطش الصولجان‪...‬كان الشاعر العربي القديم يركز في قصيدته على الديار المهجورة‪ ،‬وهو ما نعرفه باسم الوقوف على‬ ‫الطلل‪ ،‬وأصبحت هذه اللزمة‪ ،‬فيما بعد‪ ،‬جزءًا مهمًا من القصيدة‪ ،‬حتى لو لم يكن لصاحبها تجربة مع الطلل‪،‬‬ ‫وظل المر كذلك فترة طويلة‪ ،‬حتى جاء أبو نواس وعبر عن رفضه نظم قصيدة تبدأ بوصف الطلل ‪-‬وإن كان‬ ‫ل‪:‬‬ ‫نظمها – وسخر من شعراء عصره ونقاده الذين ما زالوا يمجدون هذا‪ ،‬سخر منهم قائ ً‬ ‫عاج الشقي على رسم يسائله‬ ‫وعجت اسأل عن خمارة البلد‬ ‫وكان درويش‪ ،‬وهو شاب‪ ،‬ينظم قصائد يدافع فيها عن شعبه المظلوم وعن الفقراء والمضطهدين‪ ،‬ولم يكن ينظر‬ ‫إلى الماضي كثيرًا‪ ،‬لنه كان يبحث عن يوم حرية‪ ،‬حتى أنه عرض تاريخ أجداده كله مقابل يوم حرية واحد – ما‬ ‫تراجع عنه فيما بعد حين أدرك انه خسر أحسن ما فيه يوم خسر ماضيه – ومن هنا خاطب درويش أمرأ القيس‬ ‫قائل ‪:‬‬ ‫وقفة الطلل يا شاعرها‬ ‫في بلدي ‪ .‬ندم!‬ ‫وغد النرد ‪ .‬سأم !(‬ ‫ويغدو الشعر‪ ،‬في قصائد درويش في حينه )‪ ،(1970‬سلحًا يحارب صاحبه به – وهذا ما اختلف فيما بعد‪ ،‬لن‬ ‫الشاعر أدرك مع مرور الزمن انه لم يجد جدوى من الكلمات إل رغبة الكلمات في تغيير صاحبها‪ ،‬ل في تغيير‬ ‫الواقع‪ .‬في زماني !‬ ‫أي عار ترتدي هذي الغاني‬ ‫عندما تهدي إلى أطلل بئر‪ .

‬ويعزز النص ذلك‪ ،‬فالخلف يعود إلى أن امرأ القيس‪ ،‬وهو هنا رمز لمن‬ ‫ساروا متتبعين خطى الخرين‪ ،‬غير دربه وبعثر لغته‪ ،‬تمامًا كما سار امرؤ القيس الجاهلي‪ ،‬حتى يعيد ملك أبيه‪،‬‬ ‫إلى بلد الروم طالبًا النجدة‪ .‬واذهب على درب‬ ‫قيصر‪ ،‬وحدك‪ ،‬وحدك‪ ،‬وحدك‬ ‫واترك لنا‪ ،‬ههنا‪ ،‬لغتك)‪(46‬‬ .(43‬‬ ‫تهاوى ملك والد امرئ القيس‪ ،‬ولكي يسترده رحل إلى بلد الروم‪ ،‬وتهاوت أحلم درويش فرحل إلى باريس‪ .‬‬ ‫هنا يمكن التوقف قليل أمام )خلف‪ ،‬غير لغوي‪ ،‬مع امرئ القيس()‪ (44‬وفيها يرد اسم امرئ القيس مرتين؛ في‬ ‫العنوان وفي السطر الخيرة من القصيدة‪ .‫يحضر امرؤ القيس مرة ثانية في أشعار درويش في قصيدته )أقبية أندلسية‪ ،‬صحراء()‪ (42‬ولكن حضوره ل‬ ‫يكون إل من خلل التكاء على بيتي امرئ القيس المشهورين ‪ :‬بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه فقلت له‪ :‬ل‬ ‫تبك عينك‪ ،‬إنما‬ ‫وأيقن أنا لحقان بقيصرا‬ ‫نحاول ملكًا أو نموت فنعذرا‬ ‫وكان درويش يوم نظم القصيدة في عام )‪ (1980‬يقيم في باريس بعيدا عن بيروت التي غادرها لختلف أحلمه‬ ‫مع أحلم القيادة‪ ،‬وهنا يستحضر درويش في لحظة التصحر امرأ القيس‪ ،‬كأنه هو‪:‬‬ ‫البداية ليست بدايتنا‪ ،‬والدخان الخير لنا‬ ‫والملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها‪،‬‬ ‫فل تبك‪ ،‬يا صاحبي‪ ،‬حائطًا يتهاوى‬ ‫وصدق رحيلي القصير إلى قرطبة)‪.‬ونلحظ هنا أن الختلف له بذوره في القصيدة الولى )امرؤ القيس(‪ :‬نحن ل نطلب‬ ‫من أفق سوانا مطرًا) ولكنه هنا يقتصر على هذا الشيء‪ ،‬خلفًا لهناك‪ ،‬كما لحظنا‪ ،‬يكتب درويش في نصه الجديد‬ ‫‪:‬‬ ‫) لم يكن دمنا يتكلم في الميكروفونات في‬ ‫ذلك اليوم يوم اتكأنا على لغة‬ ‫بعثرت قلبها عندما غيرت دربها‪،‬‬ ‫لم يقل احد لمرئ القيس‪ :‬ماذا صنعت‬ ‫بنا وبنفسك ؟ فاذهب على درب‬ ‫قيصر ‪ ،‬خلف دخان يطل من‬ ‫الوقت أسود‪ .‬ولنني تناولت هذه القصيدة بالتفصيل في دراستي ) إشكالية الشاعر‬ ‫والسياسي في الدب الفلسطيني‪ :‬محمود درويش نموذجا(‪ (45‬فسأكتفي هنا بالسطر التالية ‪:‬‬ ‫يبدو الخلف بين الضمير نحن الذي يمثل جموعا تشعر بالفقدان والخسارة‪ ،‬وبين امرئ القيس‪ ،‬يبدو الخلف‪ ،‬كما‬ ‫يتضح من العنوان‪ ،‬خلفا غير لغوي‪ .‬و‬ ‫الشيء المشترك في القصائد هذه وقصائد درويش اللحقة التي استلهم فيها شخصية امرئ القيس هو‪ :‬الدخان‬ ‫وتهاوي الحائط )الهزيمة( وطلب النجدة من الغريب الجنبي القيصر‪.

‬‬ ‫كلما يممت وجهي شطر آلهتي‪،‬‬ ‫هنالك‪ ،‬في بلد الرجوان أضاءني‬ ‫قمر تطوقه عناة…)‪(47‬‬ ‫وكما نلحظ‪ ،‬يشار إلى امرئ القيس الموزع بين الشعر والسياسة‪ ،‬وإذا ما أمعنا النظر في السطر الربعة عشرة‬ ‫التي سبقت السطر المقتبسة آنفًا‪ ،‬لحظنا أن أنا المتكلم يحلم أيضًا‪ ،‬وإن لم يكن له هدف أخير‪ ،‬ولكنه أيضًا موزع‬ ‫بين ذاته و حلمه‪ ،‬حتى أنه ل يعرف تمامًا من هو فينا ومن حلمه‪.‬‬ ‫وهو يشير أيضًا إلى الرحيل إلى الشمال‪ ،‬ويرتبط هذا‪ ،‬ربما‪ ،‬برحيل أهل الشمال الفلسطيني‪ ،‬عام ‪ ،1948‬إلى‬ ‫شمال الشمال‪ ،‬و كان درويش قد أتى على هذا في )لماذا تركت الحصان وحيدًا()‪ (1995‬لقد غادر‪ ،‬إذن‪ ،‬كل‬ ‫الشاعرين موطنه‪ ،‬و ابتعد عنه‪ ،‬و هذا هو المشترك‪ ،‬غادرا الموطن بحثًا عن خلص فماذا كانت النتيجة‪:‬‬ ‫)كلبنا‬ ‫هدأت‪ ،‬و ماعزنا توشح بالضباب على‬ ‫التلل‪ ،‬و شج سهم طائش وجه‬ ‫اليقين()‪(48‬‬ ‫و كما توزع امرؤ القيس بين قافية و قيصر‪ ،‬توزع درويش بين الشعر و السياسة‪ ،‬و لكنه اختلف عن امرئ القيس‬ ‫منذ البداية‪ ،‬في أنه في شعره‪ ،‬لم يسر على درب قيصر‪.‬يقصد بالول تفاعل نصوص الكاتب الواحد مع بعضها‪ ،‬لغويًا وأسلوبيًا ونوعيًا‪ ،‬وبالثاني تفاعل‬ .‫ويحضر امرؤ القيس في )جدارية( و يجدر قبل بيان حضور امرئ القيس فيها‪ ،‬أن يشار إلى أنها قصيدة تذكر‬ ‫المرء بقصائد )الرض اليباب( لـ )ت‪.‬س‪ .‬‬ ‫والتناص‪ ،‬كما يورد محمد مفتاح في كتابه )تحليل الخطاب الشعري‪ :‬إستراتيجية التناص) )‪ (1985‬داخلي‬ ‫وخارجي‪ ،‬وهو كما يذهب سعيد يقطين في كتابه )انفتاح النص الروائي‪ :‬النص والسياق( )‪ (1988‬ذاتي وداخلي‬ ‫وخارجي‪ .‬‬ ‫يرد في )جداريه(‬ ‫) تعبت من لغتي تقول ول‬ ‫تقول على ظهور الخيل ماذا يصنع‬ ‫الماضي بأيام امرئ القيس الموزع‬ ‫بين قافية وقيصر …‪/.‬اليوت( و)بحار البحارين( لمظفر النواب‪ ،‬وقصائد بدر شاكر السياب‬ ‫التي حفلت بالرموز والساطير‪ ،‬فهي – أي جدارية – تحفل بالرموز والشارات التراثية العربية والعالمية‪ ،‬حتى‬ ‫يمكن القول إن ثقافة درويش الغنية التي اكتسبها عبر قراءاته الكثيرة‪ ،‬خلل السنوات الربعين المنصرمة‪ ،‬وجدت‬ ‫طريقها إلى القصيدة‪ ،‬وسيصبح النص عبئًا على القارئ غير المثقف ثقافة درويش‪ ،‬وربما تحتاج دراسته إلى إلمام‬ ‫بكل تلك الرموز التي ورد ذكرها‪ ،‬بل والى استيعاب درويش لها‪ ،‬وهذا ما قد ل يتيسر حتى لمتخصص واحد‪.‬‬ ‫‪ 1-3‬التناص الشعري في ديوان )ل تعتذر عما فعلت(‬ ‫ل يقتصر التناص هنا على الشعر‪ ،‬ثمة تناص مع العهد القديم‪ ،‬ومع الساطير ومع القرآن الكريم‪.

‬هناك من سبقت خطاه خطاي‬ ‫من أملى رؤاه على رؤاي‪ .‬لقد وظفها‪ ،‬من قبل‪ ،‬بكثرة في أشعاره‪.‬‬ ‫ويمكن أن نلحظ كلم درويش النثري بوضوح أكثر في قصيدة )ُتنسى كأنك لم تكن( لنقرأ المقطع التالي‪:‬‬ ‫)أنا للطريق‪ .‬وليس‬ ‫هناك شاعر خال من عدة شعراء‪ ،‬وقد يكون أي شاعر هو كل الشعراء… فالشاعر يجري حوارًا مع غيره ومع‬ ‫كل شيء‪ ،‬ومع نفسه‪ ،‬وهو دائم المراجعة لتجربته الشعرية‪(50).‬وحدسا )ص ‪((71‬‬ ‫بل ونقرأ المقطع التالي‪ ،‬من القصيدة نفسها‪ ،‬على الرغم من طوله‪:‬‬ ‫)أمشي على هدي البصيرة‪ ،‬ربما‬ ‫أعطي الحكاية سيرة شخصية‪ ..‬ص ‪(15‬‬ ‫إنه أسير اليقاع‪ ،‬وهو رجع الكمان وليس عازفه‪ ،‬إنه ليس أول شاعر يكتب شعرًا موزونًا‪ .‫نصوص الكاتب مع نصوص كتاب عصره‪ ،‬سواء كانت أدبية أو غير أدبية‪ ،‬وبالثالث تفاعل نصوص الكاتب مع‬ ‫نصوص غيره التي ظهرت في عصور بعيدة‪.‬‬ ‫وقد أتى الشاعر نفسه‪ ،‬في المقابلت التي أجريت معه‪ ،‬على هذا المصطلح فقال‪:‬‬ ‫)مسألة التناص أو الحالت التي أمارسها بوعي تام‪ ،‬هي جزء أساسي من مشروعي‪ ،‬انطلقًا من أنه ل توجد‬ ‫ل تاريخ للشعر‪ ،‬لذلك كان حريًا‬ ‫كتابة تبدأ )الن(‪ ،‬ليست هناك أول كتابة‪ ،‬أو كتابة تبدأ من بياض‪ ،‬ول يوجد أص ً‬ ‫في عصر تداخل الثقافات‪ ،‬والمرجعيات الواضحة والتطور الهائل للبداع الشعري‪ ،‬سواء على مستوى العرب‬ ‫قديمًا أم على مستوى العالم المعاصر أن تدخل التناص لن الكتابة الن هي كتابة على ما كتب()‪ ،(49‬و يضيف‪:‬‬ ‫)أنت ل تستطيع أن تدخل عالم الشعر هذا برعويات(‪.‬وتفعيلة البحر الكامل‪،‬‬ ‫والوزن جزء من بناء القصيدة القديمة‪ ،‬معروفة جيدًا في الشعر العربي القديم‪ .‬فالمفردات‬ ‫تسوسني وأسوسها أنا شكلها‬ .‬‬ ‫إذا لم تكتب على الكتابة‪ ،‬فأنك تخرج الشعر من كينونته الثقافية‪ ،‬فللشعر كيانيه ثقافية في الدرجة الولى‪ .‬‬ ‫وما قاله درويش‪ ،‬سابقا‪ ،‬نثرًا‪ ،‬ورد في )ل تعتذر عما فعلت شعرًا‪ ،‬لنقرأ هذا المقطع من القصيدة الولى يختارني‬ ‫اليقاع(‪:‬‬ ‫يختارني اليقاع يشرق بي أنا رجع الكمان‪ ،‬ولست عازفه‬ ‫أنا في حضرة الذكرى‬ ‫صدى الشياء تنطق بي‬ ‫فأنطق‪) ....‬هناك من‬ ‫نثر الكلم على سجيته ليدخل في الحكاية‬ ‫أو يضيء لمن سيأتي بعده‬ ‫أثرًا غنائيًا‪ ..‬ومعلقة عنترة مثال واضح‪ ،‬بل إن‬ ‫هذه التفعيلة ليست جديدة في أشعار درويش نفسه‪ .

‬و كتب‬ ‫نّقاد كثيرون عن توارد المعاني واللفاظ‪.‬‬ ‫ل عرش لي إل الهوامش‪ .‬وقال آخر‪:‬‬ ‫ما أرانا نقول إل معادًا مكرورًا‪ .‬وهذه مقولت مهمة‬ ‫على أية حال‪ .‬‬ ‫ربما أكون أطنبت كثيرًا في الكتابة السابقة التي قد تكون أبعدتنا عن العنوان المقترح‪ ،‬وهو )التناص الشعري( في‬ ‫الديوان )ل تعتذر عما فعلت(‪ .‬وليس المهم الحكاية‪ ،‬الهم كيف تحكى الحكاية‪.‫وهي التجلي الحر‪ .‬لكن قيل ما سأقول‬ ‫يسبقني غد ماض‪ ..‬التناص الشعري‪:‬‬ ‫عتبة الديوان هي أول ما يقول لنا إن الشاعر هنا يدخل في علقة تناص مع نصوص شعرية لشعراء آخرين‪.‬هنا يمزج‬ ‫الشاعر بين الخاص والعام‪.‬مقولت لم يصل الخائضون فيها منذ زمن بعيد إلى قول فصل‪.‬‬ ‫وأحيانًا نقتنع بهذا وأحيانًا نجد أنفسنا مسوقين للخذ به‪ ،‬فهناك عشرات الشعراء الذين كتبوا في القضية الفلسطينية‬ ‫ولكن شاعرًا ما يشدنا أكثر من غيره‪ ،‬ونجد أنفسنا نتوقف أمام أشعاره دون أن نتوقف أمام أشعار غيره‪.‬ربما نسي الوائل وصف‬ ‫شيء ما‪ ،‬أحرك فيه ذاكرة وحسا( )ص ‪(72‬‬ ‫وما من شك في أن السطر السابقة تعيد قارئ النقد الدبي العربي القديم إلى أبيات شعرية ومقولت نقدية مهمة‪.‬والطريق‬ ‫هو الطريقة‪ .‬وقال الجاحظ‪ :‬المعاني مطروحة في الطريق‪ ،‬يعرفها العربي والعجمي‪ .‬‬ ‫وإن اختلف عن السابقين‪ ،‬فقد يكون اختلفه جزئيًا كأن يعطي الحكاية سيرة شخصية‪ ،‬وهذا ما بدا في أشعاره منذ‪:‬‬ ‫)لماذا تركت الحصان وحيدًا( مرورًا بـ )جدارية( وبرز بروزًا لفتًا هنا‪ ،‬في )ل تعتذر عما فعلت(‪ .‬‬ ‫ل الهوامش‪ .‬‬ ‫قال )غوته( الديب اللماني‪ :‬إن الدباء الكبار ليسوا أدباء كبارًا لنهم قالوا الشياء لول مرة‪ ،‬وإنما هم أدباء كبار‬ ‫لنهم أبرزوا الشياء كما لو أنها تقال لول مرة‪ ،‬ويعني هذا أن كثيرًا مما يقولونه قيل من قبل‪ ،‬والسؤال هو‪ :‬بم‬ ‫يختلف ما قاله درويش شعرًا عما ورد في المقولت السابقة؟‬ ‫يقر الشاعر بأن هناك من سبقت خطاه خطا الشاعر‪ ،‬وأن هناك من أملى رؤاه على رؤى الشاعر‪ ،‬بل وهناك من‬ ‫نثر الكلم ليدخل في الحكاية‪ ،‬أو يضيء لمن سيأتي بعده أثرًا غنائيًا‪.‬‬ ‫وربما يتذكر المرء هنا مقولت مهمة لدباء عالميين‪.‬أنا ملك الصدى‪.‬‬ ‫وإن كان المرء يقر أحيانًا بأن المبالغة في الهتمام بالشكل‪ ،‬وعدم اللتفات أيضًا إلى الحكاية‪/‬المحتوى يفقد الكتابة‬ ‫كثيرًا من أهميتها‪.‬إنه‬ ‫هنا يكتب حكايته التي هي جزء من حكاية الشعب الفلسطيني‪ ،‬ويعترف بجرأة‪ :‬ل عرش لي إ ّ‬ ‫يضيف إلى ما كتبه الخرون الذين قد يكونون نسوا وصف شيء ما فجاء هو وأجاد التعبير‪ .‬‬ .‬‬ ‫قال عنترة‪:‬‬ ‫هل غادر الشعراء من متردم؟‬ ‫كأنهم لم يتركوا شيئًا إل وقالوا فيه‪ .‬‬ ‫ليس المهم ما تقول‪ ،‬المهم كيف تقول ما تريد أن تقول‪ .

1‬تناص ذاتي‬ .‬أين ولد كل واحد منهم؟ وأين نشأ؟ وما علقته بالمكان‬ ‫الذي عاش فيه؟ وهل ظل مقيمًا في مكان واحد؟ أم أنه انتقل من مكان إلى مكان؟ وما شكل علقته بالمكان الول‬ ‫الذي عرفه ثم غادره ثم عاد إليه؟ وثمة أسئلة كثيرة يثيرها المرء حول الشاعر وعلقته بالمكان‪.‬والشاعر الول يرد نصه واسمه في قصيدة من قصائد الديوان هي )إن عدت‬ ‫وحدك( والشاعر الثاني يرد سطراه الشعريان‪ ،‬أيضًا‪ ،‬ثانية‪ ،‬في قصيدة أخرى من قصائد الديوان هي )شكرًا‬ ‫لتونس(‪.‬فدرويش ليس شاعرًا ناشئًا‬ ‫ليترك ناقدًا ما يصدر ديوانه بمقدمة تعرف بالشاعر وشعره‪ ،‬وهو ل يقل هامة عن الشاعرين‪ ،‬ومن هنا فهو ليس‬ ‫بحاجة إلى أن يقارن نفسه بهما‪ .(54‬‬ ‫ل يعتذر درويش بسبب خروجه إل لمه ويطلب من إخوة الزيتون الغفران‪ ،‬أو هكذا قالت له رسالة قائد الرومان‬ ‫في الزيتونة الثانية التي تقف إلى جانب الزيتونة الولى التي وجد فيها بذور أغنيته‪ ،‬كأنه يعود إلى ما مضى‪.‫ثمة في العتبة نصان شعريان‪ ،‬كما ذكرت لشاعرين معروفين‪ ،‬عربي وعالمي‪ ،‬قديم ومعاصر‪ ،‬وثمة ذكر لسم‬ ‫الشاعرين‪ :‬أبو تمام ولوركا‪ .‬المكان الول له هو الجنة‪ ،‬ولقد ارتكب خطيئة‬ ‫كبرى حين غادر‪ .‬‬ ‫هل عبثًا قال درويش في قصيدة )زيتونتان(‪:‬‬ ‫)أنا آدم الثاني‪ .‬‬ ‫وعمومًا يمكن أن يكتب المرء‪ ،‬وهو يكتب عن التناص الشعري‪ ،‬عن ثلثة أشكال هي‪:‬‬ ‫‪ .‬وقد يتهرب المرء من ماضيه‪ ،‬وقد يكون حاضره أفضل كثيرًا من ماضيه‪ ،‬والمر في النهاية يتعلق‬ ‫بالتجربة الشخصية‪.‬تعلمت القراءة‬ ‫والكتابة من دروس خطيئتي‪،‬‬ ‫وغدي سيبدأ من هنا‪ ،‬والن( )ص ‪.‬‬ ‫وربما ل يختلف درويش في علقته بالمكان الول‪ ،‬عن أبي تمام‪ .‬‬ ‫والعبارة الولى التي سبقت التضمين‪/‬والتصدير هي‪) :‬توارد خواطر أو توارد مصائ( عبارة مهمة تحيل إلى عالم‬ ‫كل شاعر من هؤلء لتقرأه ولتلحظ ما المشترك بينهم‪ .‬وليس المر‪ ،‬على أية حال‪ ،‬مجرد تزيين أو مجرد اّدعاء‪ .‬‬ ‫كان أبو تمام يقول‪:‬‬ ‫نّقل فؤادك حيث شئت من الهوى‬ ‫كم منزل في الرض يألفه الفتى‬ ‫ما الحب إل للحبيب الول‬ ‫وحنينه أبدًا لول منزل‬ ‫ويفهم من هذا أن الحنين أبدًا هو لول منزل‪ ،‬تمامًا كما أن الحب أبدًا هو للحبيب الول‪ .‬وقد يكون‪ ،‬وهذا ما أرى‪ ،‬العجاب بالماضي هو ضرب من الحنين ليس أكثر‪ .‬فالماضي قد يكون صعبًا‬ ‫وقاسيًا‪ ،‬وقد يكون أقسى من الحاضر‪ ،‬ولكن المقارنة تتم بين الذكرى وما تبقى من الماضي‪ ،‬وبين قسوة الحاضر‬ ‫المعيش‪ .‬‬ ‫وهكذا يخاطب النفس‪:‬‬ ‫)أمشي‪ ،‬أعّرف نفسي إلى نفسها‪:‬‬ ‫س‪ ،‬إحدى صفات المكان( )ص ‪(136‬‬ ‫أنت‪ ،‬يا نف ُ‬ ‫وثمة كلم كثير يمكن أن يكتب‪ ،‬كلم قد يجد فيه المرء توارد خواطر وتوارد مصائر‪ ،‬ولكن قد يجد فيه اختلفًا‬ ‫في الرؤيا‪.‬وأبو تمام نفسه هو الذي قال‪ :‬ل أنت أنت ول الديار‬ ‫ديار‪ .‬و هذا رأي أبي تمام‪ ،‬وقد‬ ‫ل يكون رأيًا ملزمًا للجميع‪ ،‬وإن احترم المرء رأي أبي تمام‪ .‬إنه يدرك هذا‪ ،‬ويطلب من إخوة الزيتون‪ :‬الغفران‪.

‬يرى الشاعر أن مزاج المتنبي هو الذي يحدد الطول والقصر‪ .‬ربما بقيت ديارًا في جانب واختلفت‬ ‫أيضًا في جانب‪ .‬والنصوص الحاضرة‬ ‫هي‪ ،‬إذن‪ ،‬نصوص أبي تمام والمتنبي والسياب‪ ،‬والنصوص الغائبة هي نصوص للمعري ولغيره‪..‬‬ ‫إنه هو وليس هو )أنت‪ .‬ولست أنت(‪ ،‬وهنا يسأل نفسه‪) :‬أين تركت وجهي؟(‪.‬‬ ‫يذكر درويش أبا تمام في قصيدة )إن عدت وحدك(‪ ،‬ويذكر صدر بيته الذي صدر به مجموعته‪ .‬بقيت بعض القرى الفلسطينية كما هي‪ ،‬وانمحت قرى أخرى‪ ،‬ومنها قرية درويش‪) ،‬البروة( التي‬ ‫أقيم على أطللها )كيبوتس( )يتسعور(‪.2‬تناص داخلي‬ ‫‪ .‬هنا يخاطب‬ ‫درويش نفسه‪ ،‬ويطلب من ذاته إن عاد وحيدًا أن يقول لنفسه‪) :‬غّير المنفى ملمحه( و هو يدرك هنا أنه يفجع مثل‬ ‫أبي تمام الذي فجع قبله –أي قبل أنا المتكلم في النص‪ -‬أي أنا درويش‪ ،‬إذا افترضنا أنهما واحد‪.‬‬ ‫قال أبو تمام‪) :‬ل أنت أنت ول الديار هي الديار(‪.‫‪ .‬‬ ‫النص الحاضر‪:‬‬ ‫يأتي درويش على ذكر أسطر شعرية‪ ،‬وينسبها إلى أصحابها بالسم‪ ،‬ويذكر أسماء ثلثة شعراء عرب هم أبو تمام‬ ‫والمتنبي والسياب‪ ،‬ولكنه في المقابل يورد عبارات لشعراء آخرين مثل أبي العلء المعري‪ .‬ثمة اتفاق مع أبي تمام في جانب‪ ،‬ولكن ثمة اختلف أيضا في جانب‬ ‫آخر‪ ،‬الديار‪ ،‬ديار أبي تمام‪ ،‬لم تكن كما تركها‪ ،‬ولكن ديار درويش هي الديار‪ .‬‬ ‫التفاعل مع نصوص الشعر العربي القديم‪:‬‬ ‫يستطيع المرء هنا أن يتحدث عن نصوص حاضرة وأخرى غائبة‪ ،‬ويستطيع أيضًا‪ ،‬بسهولة‪ ،‬أن يميز بين‬ ‫نصوص قديمة وأخرى حديثة‪.‬‬ ‫الطريق هو الطريق‪ ،‬وهو يقصر لغير العاشق‪ ،‬ولكنه يطول للعاشق‪ ،‬مثله مثل الليل في الشعر العربي‪ ،‬ومثل ليل‬ ‫المتنبي في القصيدة نفسها‪ ،‬ألم يفتتح المتنبي قصيدته بقوله‪:‬‬ ‫ل؟(‬ ‫ل العاشقين طوي ُ‬ ‫ل ولي ُ‬ ‫)ليالي‪ ،‬بعد الظاعنين‪ ،‬شكوك طوا ٌ‬ .‬‬ ‫النص الشعري الحاضر الثاني من الشعر القديم هو نص عابر‪ ،‬ويبدو في قصيدة )طريق الساحل( فيها يقول‬ ‫درويش‪:‬‬ ‫)طريق يطول ويقصر )وفق مزاج أبي الطيب المتنبي( )ص ‪ ،(127‬وهنا قد يكون لنا وجهة نظر مغايرة لوجهة‬ ‫نظر درويش‪ .،‬لنلحظ أن درويش هنا أضاف الضمير هي‪ ،‬وهو ليس موجودًا‬ ‫في النص‪.‬وقبل مناقشته تجدر الشارة إلى بيتي‬ ‫المتنبي‪:‬‬ ‫نحن أدرى وقد سألنا بنجد‬ ‫وكثير من السؤال اشتياق‬ ‫أطويل طريقنا أم يطول‬ ‫وكثير من رده التعليل‬ ‫ول أظن أن الطول والقصر هنا متعلق بالمزاج‪ ،‬إنه متعلق بالحالة النفسية التي كان عليها المحب العاشق الولهان‪.‬‬ ‫وسوف أكتفي هنا بجانب واحد أيضًا‪ ،‬هو تناص أشعار درويش الجديدة مع نصوص الشعر العربي‪.3‬تناص خارجي‪.‬‬ ‫ويبحث عن شعوره بين سعادة تبكي وإحباط يقهقه‪ ،‬ويكتشف أنه عاد وحده ناقصًا قمرين‪ ،‬ولكنه‪ ،‬خلفًا لبي تمام‪،‬‬ ‫يجد الديار هي الديار )لكن الديار هي الديار(‪ .‬‬ ‫لقد خذلت المرآة درويش حين نظر إلى ملمحه فيها‪.

‬‬ ‫وسرعان ما يحيل هذا العنوان إلى قصيدة المعري التي مطلعها‪ :‬أل في سبيل المجد ما أنا فاعل عفاف وإقدام‬ ‫وحزم ونائ ُ‬ ‫ل‬ .‫هنا ننتقل للحديث عن النص الشعري القديم الغائب‪ .‬ثمة عنوان لفت لحدى القصائد وهو )أنا وإن كنت الخير‪(..

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful