‫‪ -‬العدد ‪ - 16‬ربيع ‪1428‬هـ ‪2007 -‬م‬

‫من �إ�صدارات م�ؤ�س�سة عبدالرحمن ال�سديري اخلريية‬

‫سيف بن أعطى‬
‫لفيصل أكرم‬

‫دراسة عن املهيمن‬
‫السايكلوجي في‬
‫قصيدة النثر‬

‫عالء األسواني‪ :‬قسوة‬

‫النقد تؤدي إلى الوعي‬
‫ديوان محمد احلربي‬

‫األخير «زمان العرب»‬
‫جبير املليحان‪ :‬يتحدث‬
‫عن القاص روائيا ً‬

‫قصص قصيرة‪:‬‬

‫ليلى األحيدب ‪ ..‬بدرية البشر ‪ ..‬عصام أبو زيد ‪ ..‬عبدالله املتقي‬

‫‪16‬‬

‫‪16‬‬

‫فندق النزل في مدينة سكاكا مبنطقة اجلوف‬
‫مزيج من التراث احمللي واإلسالمي‬

‫وثيقة من األرشيف العثماني تخص منطقة اجلوف‬

‫السمح‪ :‬نبات بري تتميز به براري منطقة اجلوف‬

‫تستخرج من نبات السمح حبوب تطحن وتخلط مع التمر‬
‫فينتج منها (البكيل)‬
‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ‬

‫‪1‬‬

‫العدد ‪16‬‬
‫ربيع ‪1428‬هـ ‪2007 -‬م‬

‫ملف ثقافي ربع سنوي‬
‫يصدر عن مؤسسة عبدالرحمن السديري اخليرية‬

‫المشرف العام‬
‫إبراهيم الحميد‬
‫المراسالت‬
‫توجه باسم المشرف العام‬
‫ّ‬
‫هاتف‪)966+( )4( 6245992 :‬‬
‫فاكس‪)966+( )4( 6247780 :‬‬
‫ص‪ .‬ب ‪ 458‬سكاكا‬
‫اجلـ ــوف ‪ -‬اململكة العربية السعودية‬
‫‪aljoubah@yahoo. com‬‬
‫ردمد ‪ISSN 1319 - 2566‬‬

‫سعر النسخة ‪ 8‬رياالت‬
‫تطلب من الشركة الوطنية للتوزيع‬

‫قواعد النشر‬

‫‪ 1‬أن تكون المادة أصيلة‪.‬‬‫‪ 2‬لم يسبق نشرها‪.‬‬‫‪ 3‬تراعي الجدية والموضوعية‪.‬‬‫‪ 4‬تخضع المواد للمراجعة والتحكيم قبل نشرها‪.‬‬‫‪ 5‬ترتيب المواد في العدد يخضع العتبارات فنية‪.‬‬‫‪ 6‬ت��رح��ب ال��ج��وب��ة ب��إس��ه��ام��ات المبدعين والباحثين‬‫والكتّاب‪ ،‬على أن تكون المادة باللغة العربية‪.‬‬
‫الجوبة من األسماء التي كانت تطلق على منطقة الجوف سابق ًا‬

‫الناش ـ ـ ـ ــر‪ :‬مؤسسة عبدالرحمن السديري اخليرية‬
‫أسسها األمير عبدالرحمن بن أحمد السديري (أمير منطقة اجلوف من ‪1362/9/5‬هـ‬
‫ ‪1410/7/1‬هـ املوافق ‪1943/9/4‬م ‪1990/1/27 -‬م) بهدف إدارة ومتويل املكتبة العامة‬‫التي أنشأها عام ‪1383‬هـ املعروفة باسم دار اجلوف للعلوم‪ .‬وتتضمن برامج املؤسسة‬
‫نشر الدراسات واإلبداعات األدبية‪ ،‬ودعم البحوث والرسائل العلمية‪ ،‬وإصدار مجلة‬
‫دورية‪ ،‬وجائزة األمير عبدالرحمن السديري للتفوق العلمي‪ ،‬كما أنشأت روضة ومدارس‬
‫الرحمانية األهلية للبنني والبنات‪ ،‬وكذلك أنشأت جامع الرحمانية‪.‬‬
‫‪2‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ‬

‫احملتويــــات‬

‫>‪6.........................‬‬
‫الجوف في وثائق‬
‫األرشيف العثماني‬

‫>‪55......................‬‬
‫صاحب «عمارة يعقوبيان»‬

‫>‪92......................‬‬
‫قراءة في ديوان «زمان العرب»‬
‫لوحة الغالف‪:‬‬

‫صورة فوتوغرافية لبيوت طينية من سكاكا‪.‬‬
‫تصوير الفنان عبدالله بن محمد العتيق ‪-‬‬
‫أحد فناني الجوف‪.‬‬

‫االفتتاحية ‪4........................................................‬‬
‫دراسات‪ :‬الجوف في وثائق األرشيف العثماني‪ -‬د‪ .‬سهيل صابان‪6.........‬‬
‫قصائد‪ :‬أغنية الريح ‪ -‬حمدي هاشم حسانين ‪16..................‬‬
‫إلحاقاً بطفولتي األولى ‪ -‬ماجد البلداوي ‪18.....................‬‬
‫السندباد ‪ -‬عشم الشيمي ‪19.....................................‬‬
‫إلى الفنان والصديق عواد فالح ‪ -‬مؤيد الغنام ‪20................‬‬
‫المحاط بالعويل ‪ -‬شوقي مسلماني ‪20...........................‬‬
‫في شَ تات ‪ -‬وداد بن موسى ‪21...................................‬‬
‫قصص‪ :‬صورة عائلية ‪ -‬ليلى األحيدب ‪22...........................‬‬
‫حكاية النهاية ‪ -‬عصام أبوزيد ‪23.................................‬‬
‫السحّ ارة ‪ -‬بدرية البشر ‪24.......................................‬‬
‫حواجز األلوان لفالمون فرانسيس ‪ -‬ياسمينة صالح ‪27.........‬‬
‫وجع الحلم ‪ -‬أشرف الخريبي ‪28.................................‬‬
‫قصص قصيرة جداً ‪ -‬عبدالله المتقي ‪30........................‬‬
‫معركة مع فرغل ‪ -‬محمد إبراهيم قشقوش‪31...................‬‬
‫المفتاح ‪ -‬منى الشيمي ‪33........................................‬‬
‫فصل من رواية‪ :‬سيف بن أعطى ‪ -‬فيصل أكرم ‪36.................‬‬
‫نقد‪ :‬قصيدة النثر ‪ -‬صفاء عبدالعظيم خلف ‪42....................‬‬
‫نجيب محفوظ‪ :‬أصوات اإلثم والبراءة ‪ -‬محمد جميل‪46........‬‬
‫ديوان محمد الحربي «زمان العرب» ‪ -‬د‪ .‬خالد فهمي ‪48.......‬‬
‫علوم‪ :‬المشروبات الغازية والصحة ‪ -‬د‪ .‬بشير جرار‪54.............‬‬
‫مواجهات‪ :‬مع القاص جبير المليحان ‪ -‬عبدالعزيز النبط‪56........‬‬
‫عالء األسواني صاحب عمارة يعقوبيان ‪ -‬سهى رجب ‪61........‬‬
‫مع القاص المغربي محمد شويكة ‪ -‬نور الدين بازين ‪65.........‬‬
‫مع الشاعر محمد حسيب القاضي ‪ -‬علي أبو خطاب ‪70........‬‬
‫نشاطات ثقافية‪ :‬مرض االلتهاب الكبدي ‪ -‬تيسير العيد‪76.......‬‬
‫مشاهدات علمية في صحراء الربع الخالي ‪77...................‬‬
‫الزراعة وانضمام المملكة لمنظمة التجارة العالمية‪77............‬‬
‫مركز البابطين واسترداد المخطوطات العربية من تركيا ‪78.....‬‬
‫نوافذ‪ :‬صورة المرأة في السردات العربية ‪ -‬هويدا صالح‪80.......‬‬
‫عالمات الترقيم وأثرها في النص ‪ -‬محمد صوانة‪84...........‬‬
‫قراءة في «رسـالة» لشريفة العلوي ‪ -‬زياد جيوسي ‪88............‬‬
‫هذا النحو ال نحتاجه ‪ -‬عبدالبر علواني ‪89......................‬‬
‫رحيل الشاعرة غابرييال مسترال ‪ -‬عبدالرحيم الخصار ‪91.....‬‬
‫كاتبات مغربيات يغادرن «األنثى» ‪ -‬عبدالعزيز الراشدي‪93......‬‬
‫اإلشعاع الذري ودراسة غاز الرادون ‪ -‬محمد الجارالله‪96.......‬‬
‫األوسمة العثمانية والحاصلين عليها ‪ -‬د‪ .‬سهيل صابان‪97......‬‬
‫قراءات‪ :‬ديوان محمد الحرز ‪ -‬مليحة الشهاب‪98..................‬‬
‫«غوغل» تواصل رقمنتها للمكتبات‪100............................‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ‬

‫‪3‬‬

‫> إبراهيم احلميد‬
‫تهيء الجوبة اعتباراً من عددها هذا‪ ،‬وامتداداً ألعدادها السابقة‪ ،‬النطولوجيا متعددة‬
‫األطياف إلبداعات الشباب‪ ،‬من مختلف مناطق المملكة العربية السعودية والعالم العربي؛‬
‫ضمن مشروع مؤسسة عبدالرحمن السديري الخيرية‪ ،‬التي دأبت على رعاية كل فكر إنساني‪،‬‬
‫من شأنه أن يؤدي إلى رفعة االنسان وارتقائه؛ من خالل مختلف المناشط الثقافية التي ترعاها‬
‫ومنها دورية الجوبة الثقافية‪ ،‬التي تسعى المؤسسة من خاللها إلى استكتاب أصحاب األقالم‬
‫الشابة والمبدعة من أبناء منطقة الجوف لإلسهام بالكتابة فيها‪ ،‬ورفد الحركة المعرفية أدبياً‬
‫وثقافياً‪ ،‬إلى جانب الكتّاب والمبدعين من المملكة والعالم العربي‪.‬‬
‫وإذا كان كثير من الكتاب والفنانين قد اشتكوا مراراً من قلة المنافذ اإلبداعية المطبوعة‪ ،‬التي‬
‫يستطيعون اإلطاللة منها على قرّائهم ومجتمعهم؛ فإننا نؤكد أن هذا الزمن قد ولى مع إنطالق‬
‫دورية الجوبة التي تعنى بالمبدعين الشباب مثلما تعنى بالمبدعين األخرين؛ وهي تولي التجريب‬
‫اإلبداعي كل اهتمامها‪ ،‬امتداداً لرعاية هذه المؤسسة الثقافية العريقة لكل نشاط ثقافي‪.‬‬
‫كما أن الجوبة وهي تولي هذه الجوانب ج ّل عنايتها‪ ،‬ال يسعها إال أن تؤكد على استمرارية‬
‫دوره��ا الثقافي في استقطاب مختلف األق�لام الثقافية واإلبداعية من كل مكان‪ ،‬وهي بهذا‬
‫تحاول تقديم تشكيلة ثقافية‪ ،‬تتلمس حاجة القراء إلى نهم المعرفة واالبداع‪.‬‬

‫معرض الرياض الدولي للكتاب ‪2007‬م‬

‫ا فتتا حيــــة‬
‫‪4‬‬

‫لم يكن مفاجئاً ذلك النجاح الذي حققه معرض الرياض الدولي للكتاب في دورت��ه التي‬
‫عقدت في شهر صفر ‪1428‬هـ (فبراير ‪2007‬م) في مدينة الرياض‪ ،‬إذ ال يمكن لنا أن نتصور أن‬
‫تكون النتائج على غير ما آلت اليه؛ بجهود نخبة من القيادات الثقافية التي تقود العمل الثقافي‬
‫في المملكة‪ ،‬وعلى رأسها األستاذ إياد مدني والدكتور عبدالعزيز السبيل‪.‬‬
‫تولد لديَّ هذا االنطباع بعد التغطية الجيدة وغير المسبوقة للمعرض عبر وسائل اإلعالم‬
‫المختلفة‪ ،‬ومن خالل المقاالت والتحقيقات الصحفية والتقارير المتلفزة‪ ،‬التي أبرزت أهمية‬
‫المعرض‪ ،‬ونوعية الكتب المعروضة فيه‪ ،‬وأبرزت هامش الحرية التي تمتع بها الجمهور‪ ،‬والتي‬
‫وصلت أصداؤها إلى مختلف أقطار العالم العربي‪ .‬وعلى الرغم من عدم حضوري المعرض‪ ،‬إال‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ‬

‫أن اًصداءه اإليجابية كانت محفزة للمهتمين بالشأن مشيداً باألول الحتفائه بالكتاب الحقيقي بعد تحوّل‬
‫الثقافي ومحبي الكتب من مختلف مناطق المملكة‪ ،‬الثاني إلى الحفاوة بالكتاب االلكتروني‪.‬‬
‫لشد الرحال إلى الرياض‪ ،‬طوال فترته التي امتدت‬
‫عيون عربية‬
‫عشرة أيام‪.‬‬
‫تشكّل استضافة منطقة الجوف ممثلة بالنادي‬
‫ل��ق��د م��ض��ت دورات س��اب��ق��ة ع��دي��دة م��ن معرض‬
‫األدب����ي لملتقى ال��ج��وف ل��ل��ف��ن التشكيلي العربي‬
‫ال��ري��اض ال��دول��ي دون أن تحقق ذل��ك النجاح الذي‬
‫ال���م���ع���اص���ر‪2007‬م (ع���ي���ون ع���رب���ي���ة)‪ ،‬وللفعاليات‬
‫كان الكثيرون يطمحون اليه‪ ،‬ربما كان لكل مرحلة‬
‫ال تزدان به المنطقة‪ ،‬وتتكرس‬
‫المصاحبة له حدثاً جمي ً‬
‫ظروفها التاريخية؛ إال أنه بالتأكيد كان للمسؤولين‬
‫من خالله الصورة التي تشكلت على مدى سنوات عن‬
‫عن تلك المعارض دور كبير في تحقيقها لنجاحاتها‬
‫قدرة منطقة الجوف وأبنائها على احتضان مختلف‬
‫منتم للثقافة‬
‫أو إخفاقاتها ف��ي زم��ن��ه��ا‪ .‬وح��ل��م ك��ل ٍ‬
‫الفعاليات الوطنية‪ ،‬والثقافية على وجه التحديد‪،‬‬
‫ومحب لها أن تتكرس تلك الظروف والخبرات التي‬
‫أنجحت معرض الرياض لهذا العام لتصبح أسلوب على الرغم من الصعوبات التي تواجهها المنطقة‬
‫عمل في السنوات المقبلة‪ ،‬ال يتغيّر بتغيّر المسؤولين نتيجة لقلة الموارد‪.‬‬
‫والمهتمين بالشأن الثقافي؛ إذ نلحظ أن كثيراً من‬
‫النجاحات التي يحققها المسؤولون النشيطون في‬
‫فترة وجودهم في السلطة أو على رأس العمل‪ ،‬تندثر‬
‫مع انتهاء تكليفهم أو انتقالهم إلى أعمال أخرى!‬
‫ل��ذا‪ ،‬فإننا نأمل أن تتعزز تلك األس��ال��ي��ب التي‬
‫تحفظ للعمل الثقافي ديمومته‪ ،‬وللحرية الثقافية ‪-‬‬
‫التي أشاعها جو معرض الرياض الدولي‪ -‬أن تتقد‬
‫جذوتها على ال��دوام‪ ،‬وأال تقتصر هذه الحرية على‬
‫معرض ال��ري��اض‪ ،‬بل تتواصل إل��ى معارض الكتاب‬
‫في جميع مدن المملكة؛ وأن تكون هذه المعارض‬
‫مهرجانات ثقافية بحق كما كان معرض الرياض‪.‬‬
‫وإن مما يحسب ل����وزارة الثقافة بعد تنظيمها‬
‫لمعرض هذا العام محاولتها الدؤوبة في أن يكون لها‬
‫خطّ ها الخاص المميّز‪ .‬وإن بدا المعرض متأثراً بهذا‬
‫المعرض أو ذاك‪ ،‬فذلك أم ٌر ال مناص منه‪ ،‬طالما أن‬
‫المعرض حقق الهدف المنشود‪ ،‬ولكن ما يشفع له‬
‫أنه بدا أنه يسير بثقة وزهو نحو النضج واالكتمال‪.‬‬
‫وتستوقفني هنا مقولة للدكتور غسان سالمة قارن‬
‫فيها بين م��ع��رض ال��ري��اض وم��ع��رض فرانكفورت‪،‬‬

‫فعلى ال��رغ��م م��ن ك��ون المنطقة إح���دى مناطق‬
‫األطراف في المملكة البعيدة عن المدن الكبرى إال‬
‫أن تواصلها مع حواضر المملكة والعالم لم ينقطع‬
‫مطلقاً‪ ،‬وكانت للمنطقة ريادتها الثقافية والتي أدت‬
‫إلى بروز عدد من أبنائها في مختلف جوانب الفكر‬
‫اإلن��س��ان��ي والعلمي‪ ،‬ال��ذي��ن أث���روا ب��دوره��م مختلف‬
‫المواقع التي شغلوها في وطننا الغالي‪.‬‬

‫وم��ا إقامة ملتقى الفنون التشكيلية إال امتداداً‬
‫للملتقيات واألسابيع الثقافية التي دأب��ت المنطقة‬
‫على رعايتها ب���دءاً م��ن م��ع��رض ال��س��ج��اد والنسيج‬
‫األول‪ ،‬الذي بدأه معالي األمير الراحل عبدالرحمن‬
‫السديري رحمه الله قبل أكثر من ‪ 35‬عاماً‪ ،‬لتشجيع‬
‫صناعة النسيج والحرف واليدوية‪ ،‬م��روراً بأسابيع‬
‫الجوف الثقافية التي شهدتها المنطقة في حقبة‬
‫التسعينات الميالدية برعاية مؤسسة عبدالرحمن‬
‫السديري الخيرية وك��ان لها أثرها البالغ في إثراء‬
‫المنطقة وصورتها الثقافية‪ ،‬ووصوال إلى مهرجانات‬
‫الجوف الصيفية التي يتخللها عدد من النشاطات‬
‫الثقافية‪.‬‬
‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ‬

‫‪5‬‬

‫اجلوف في وثائق األرشيف العثماني‬

‫<‬

‫> د‪ .‬سهيل صابان‬

‫<<‬

‫التعريف بدور األرشيف في تركيا‪:‬‬
‫يعد أرشيف رئاسة الوزراء المعروف باألرشيف العثماني‪ ،‬أهم أرشيف في تركيا‪.‬‬
‫ويتواجد هذا األرشيف في عدة مواقع هي‪:‬‬
‫أرشيف قصر طوب قابي‪ ،‬وهو األرشيف الموجود في متحف قصر طوب قابي‬
‫بإستانبول‪ ،‬وهو القصر الذي اتخذ مقراً للحكم في الدولة العثمانية بعد فتح مدينة‬
‫إستانبول (عام ‪ 857‬هـ‪1453/‬م)‪ .‬وفيه وثائق كثيرة ومهمة عن مختلف حقب التاريخ‬
‫العثماني‪ ،‬ومنها ما يتعلق بالجزيرة العربية‪.‬‬
‫ أرشيف البحرية‪ ،‬وه��و أرشيف المتحف البحري‪ ،‬ال��ذي يوجد في مدينة‬‫إستانبول أيضاً‪ .‬ويضم ‪ 25‬مليون وثيقة‪ ،‬تتعلق بشؤون البحرية العثمانية في مختلف‬
‫العهود العثمانية‪ .‬وفيها معلومات عن بعض موانئ الخليج وموانئ البحر األحمر‪.‬‬
‫ أرشيف الجمهورية‪ ،‬وهو األرشيف الذي يضم وثائق الجمهورية التركية‪ ،‬التي‬‫قامت على جزء صغير من أراضي الدولة العثمانية‪ .‬ومقر هذا األرشيف العاصمة‬
‫أنقره‪ .‬وفيه وثائق من العهد العثماني‪ ،‬تضم معلومات عن بعض العالقات العربية‬
‫التركية في فترة الجمهورية التركية على وجه الخصوص‪.‬‬

‫دراس��������ات‬
‫‪6‬‬

‫ أرشيف صكوك تمليك األراض��ي المعروض بأرشيف ‪Tapo-Kadastro‬‬‫ومقره في أنقره‪ .‬وفيه سجالت كثيرة عن األراض��ي وأصحابها‪ ،‬ليس في عهد‬
‫الجمهورية التركية فحسب؛ بل والعهد العثماني كذلك‪.‬‬
‫ أرشيف السجالت الشرعية وهو تابع لدائرة اإلفتاء بمدينة إستانبول‪ .‬ويضم‬‫هذا األرشيف عشرة آالف سجل من سجالت سبع وعشرين محكمة شرعية في‬
‫إستانبول‪ .‬وأهمية هذا األرشيف تكمن في توضيحه لكثير من القضايا االجتماعية‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ‬

‫في مختلف العهود التاريخية‪.‬‬

‫التعريف باألرشيف العثماني‬
‫اص��ط��ل��ح ال��ب��اح��ث��ون ال��م��ه��ت��م��ون ب���دور األرشيف‬
‫وال��وث��ائ��ق العثمانية ال��م��وج��ودة بتركيا على إطالق‬
‫مصطلح األرش��ي��ف العثماني على أرش��ي��ف رئاسة‬
‫ال����وزراء‪ ،‬ال��م��وج��ود بحي سلطان أح��م��د ف��ي مدينة‬
‫إستانبول؛ أما غيره من دور األرشيف التركية فتذكر‬
‫م��ركّ��ب��ة‪ ،‬بإضافة المقر ال���ذي تحفظ فيه الوثائق‬
‫المتعلقة بالدولة العثمانية‪ ،‬مثل‪ :‬أرشيف طوب قابي‪،‬‬
‫ال��ذي يقصد به الوثائق المحفوظة بمتحف طوب‬
‫قابي‪ ،‬في مدينة إستانبول؛ وأرشيف البحرية الذي‬
‫يشكل قسماً من المتحف البحري‪ ،‬الذي يضم خمسة‬
‫وعشرين مليون وثيقة من الوثائق الخاصة بالبحرية‬
‫العثمانية‪ ،‬ويوجد في مدينة إستانبول كذلك‪.‬‬
‫أم��ا األرش��ي��ف العثماني ال��ت��اب��ع ل��رئ��اس��ة مجلس‬
‫(‪)1‬‬
‫الوزراء ‪ ،‬فهو األرشيف العالمي الذي يتناول تاريخ‬
‫الدولة العثمانية من نشأتها عام ‪699‬هـ (‪1299‬م) إلى‬
‫انقراضها عام ‪1342‬هـ (‪1924‬م)‪ .‬ويعد من كبريات‬
‫دور األرشيف العالمية من حيث كمية الوثائق التي‬
‫يضمها‪ ،‬وق��د تم تصنيف ‪ % 50‬من مجموع وثائقه‬
‫التي تبلغ مائة وخمسين مليون وثيقة‪ ،‬حتى تاريخ‬
‫إعداد هذا البحث‪ .‬وهذه الوثائق التي تتناول مختلف‬
‫مناحي الحياة الثقافية والسياسية واالقتصادية‬
‫والصحية واالجتماعية‪ ،‬تعد مصدراً تاريخياً مهماً‪،‬‬
‫ال مندوحة للباحثين ف��ي ت��اري��خ ال��دول��ة العثمانية‬
‫– وكذلك في تاريخ أكثر من ست وثالثين دولة قامت‬
‫على أنقاض الدولة العثمانية ‪ -‬عن الرجوع إليه‪،‬‬
‫(‪)2‬‬
‫واالستفادة من مقتنياته ‪.‬‬

‫ال‬
‫إ َّي��اه الباحثون من مختلف أنحاء العالم‪ ،‬يعد دلي ً‬
‫(‪)4‬‬

‫على أهميته ‪ ،‬وال��دور المهم الذي يضطلع به في‬

‫توفير ال��م��ادة العلمية للحقبة التي يدرسها أولئك‬
‫الباحثون‪.‬‬

‫وق��ب��ل ع���رض م��ج��م��وع��ة ال��وث��ائ��ق العثمانية من‬

‫األرشيف العثماني بإستانبول المتعلقة بالجوف‪ ،‬ال‬

‫بد من توضيح أمرين أساسيين‪:‬‬

‫األول‪ :‬من خالل استقراء الوثائق الموجودة بين يدي‬

‫الباحث تبين أن حكم الدولة العثمانية على أواسط‬

‫نجد – بما فيما شمال الجزيرة العربية عدا المناطق‬

‫الواقعة على طريق الحج – كان صورياً‪ ،‬وكانت تلك‬

‫المناطق شبه مستقلة في حكمها المحلي‪ ،‬ولم يكن‬
‫للدولة العثمانية سيطرة فعلية عليها؛ ألسباب عديدة‬

‫يمكن البحث فيها فيما بعد‪ .‬إال في أوقات استثنائية‬
‫ولفترات مؤقتة‪.‬‬

‫الثاني‪ :‬إذا لم تقع مشكلة في المنطقة تتطلب‬

‫ال مباشراً من الدولة‪ ،‬فال يكن لتلك المنطقة أي‬
‫تدخ ًَ‬
‫اهتمام في الحكومة المركزية؛ وبنا ًء على ذلك فإن‬
‫المناطق التي لم يكن للعثمانيين احتكاك مباشر بها‪،‬‬

‫كانت غائبة عن أنظار الحكومة العثمانية‪ ،‬حتى لو‬

‫إضافة إلى كمية الوثائق التي يحويها األرشيف كانت تلك المناطق موجودة على الخارطة الجغرافية‬
‫(‪)3‬‬
‫العثماني وتنوعها ‪ ،‬من حيث ارتباطها بتاريخ البالد لها؛ ومن هنا‪ ،‬يصعب الحصول على وثائق كثيرة عن‬
‫التي دخلت تحت حوزتها‪ ،‬فإن االهتمام الذي يوليه تلك المناطق في األرشيف العثماني‪ .‬ولهذا السبب‬
‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ‬

‫‪7‬‬

‫فإن الحصول على المعلومات الخاصة عن منطقة‬
‫الجوف في األرشيف العثماني‪ ،‬يحتاج إلى التحلي‬
‫بالصبر‪ ،‬والبحث فيه بشكل مستمر‪ ،‬للوصول إليها‬
‫بين مائة وخمسين مليون وثيقة‪ ،‬يضمها األرشيف‬
‫العثماني‪ .‬وبنا ًء على عدم وجود فهرسة دقيقة لتلك‬
‫الوثائق ‪ -‬وحتى مع وجود الفهارس القديمة واآللية‬
‫الجديدة لوثائق األرشيف ‪ -‬فإنه بالنظر لكون أسماء‬
‫األعالم والمناطق والقبائل في تلك الفهارس جاءت‬
‫على نحو مصحَّ ف على األغلب‪ ،‬فال يستطيع الباحث‬
‫ال��وص��ول إل��ى المعلومات التي يريدها إال بصعوبة‬
‫بالغة‪.‬‬

‫الوثائق من معلومات عرضية‪ ،‬تُكمِ ل ‪ -‬نوعاً ما ‪ -‬ذلك‬
‫النقص‪ ،‬وتعطي معلومات ال بأس بها عن المنطقة‪.‬‬
‫وم��ن ه��ن��ا‪ ،‬ف��س��وف ن��ح��اول ت��ف��ادي ذل��ك النقص من‬
‫خالل ما دوّنه بعض الرحالة العثمانيين الذين مروا‬
‫بالجوف‪ ،‬ومنهم سليمان شفيق كمالي باشا‪ ،‬الذي زار‬
‫المنطقة مع والده في عام (‪1310‬هـ‪1892/‬م)‪ ،‬أثناء‬
‫توجههما إلى الحجاز بأمر من السلطان عبدالحميد‬
‫الثاني؛ حيث انتُدب والده ألمانة الصرة من إستانبول‬
‫إلى الحرمين الشريفين؛ إذ أورد معلومات مقتضبة‬
‫(‪)5‬‬
‫عن الجوف في كتابه الرحلة الحجازية على النحو‬
‫اآلتي‪:‬‬

‫ول��ذل��ك‪ ،‬ل��مّ��ا نشب خ�لاف بين آل رش��ي��د وبين‬
‫بعض أهالي الجوف‪ ،‬وتفاقمت المشكلة‪ ،‬ووصلت‬
‫شكاوى األهالي إلى والية سوريا‪ ،‬فقد جرت العديد‬
‫من المراسالت بين الباب العالي وبين والية سوريا‬
‫ومحافظة المدينة ال��م��ن��ورة‪ .‬لكن قبل نشوب هذه‬
‫المشكلة ل��م يكن للجوف ذك��ر كثير ف��ي مراسالت‬
‫ال��دول��ة العثمانية‪ ،‬س��واء ال��ص��ادرة منها أو الواردة‬
‫إليها‪.‬‬

‫تقدر مساحة الجوف بنحو عشرين إلى ثالثين‬
‫ساعة طوالً‪ ،‬وما بين أربع إلى خمس ساعات عرضاً‪.‬‬
‫وه���ي أرض م��ن��ب��ت��ة‪ .‬وت��ش��م��ل ال��ع��دي��د م��ن البلدات‬
‫والقرى‪ .‬وعدد سكانها يقدر بنحو ستين إلى سبعين‬
‫ألف نسمة‪ .‬وبما أنها تقع في وادي السرحان فهي‬
‫قلعة (أي قلعة الجوف) مهمة للغاية؛ نظراً لوقوعها‬
‫على الطريق التجاري أو العسكري للجيش المساق‬
‫إل��ى ال��ج��زي��رة ال��ع��رب��ي��ة‪ .‬وي��وج��د ف��ي ح��وال��ي القلعة‬
‫أربعمائة إلى خمسمائة منزل عربي‪ .‬وبها الكثير من‬
‫م��زارع النخيل‪ ،‬كما أن جوها معتدل نسبياً‪ ،‬وتزرع‬
‫فيها كافة أنواع الفواكه واألشجار‪ ،‬وفيها الكثير من‬
‫العيون الجارية‪ ،‬إضافة إلى الكثير من اآلبار القديمة‬
‫والحديثة‪ .‬وكما أظ��ن – والمتكلم سليمان شفيق‬
‫كمالي – فإن وادي السرحان كانت موقعاً استراتيجياً‬
‫تجارياً‪ ،‬منذ قديم الزمان‪ ،‬بين البصرة وبحر سفيد‬
‫(أي البحر األبيض المتوسط)‪ .‬كما يدل على ذلك‬
‫اكتشاف العديد من اآلثار والبلدات والمباني القديمة‬
‫(‪)6‬‬
‫الخربة في ذلك الوادي ‪ .‬أ‪.‬هـ‬

‫وإذا نظرنا إلى كمية الوثائق المتعلقة بالجوف في‬
‫األرشيف العثماني – حسب علم الباحث – نجدها‬
‫تكثر في فترة نشوب المشكلة‪ ،‬التي كانت تتطلب‬
‫ال من الدولة‪ .‬ولهذا بدأ االهتمام بتوفير سلطة‬
‫ح ً‬
‫موالية للدولة فيها‪ ،‬مع توفير األمن ال�لازم لها‪ ،‬أو‬
‫بتعبير أدق القضاء على ما يعكر صفو البلد‪ ،‬وفي‬
‫الوقت ذاته استمالة شيوخ المنطقة نحو الدولة‪ .‬وهي‬
‫سياسة عامة للدولة العثمانية‪ ،‬وال سيما في المناطق‬
‫التي لم تكن وارداتها كثيرة‪ ،‬ولم يكن لها تأثير مباشر‬
‫على المناطق األخرى وبالتالي على السياسية العامة‬
‫للدولة في المنطقة‪.‬‬

‫وم��ن التقارير المقتضبة ال��ت��ي وج���دت وثائقها‬
‫وع��ل��ى ال��رغ��م م��ن ع���دم ال��ح��ص��ول ع��ل��ى تقارير في األرشيف العثماني‪ ،‬التقرير ال��ذي كتبه النقيب‬
‫عثمانية موسّ عة عن منطقة الجوف‪ ،‬فإن ما يرد في محمد أمين أفندي‪ ،‬ال��ذي ابتعث إل��ى نجد؛ لجمع‬

‫‪8‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ‬

‫‪9‬‬

‫بعض المعلومات عن المصادمات التي وقعت بين‬
‫اإلم��ام عبدالرحمن بن فيصل وبين األمير محمد‬
‫بن عبدالله بن رشيد‪ .‬وتاريخ هذا التقرير بعد (‪20‬‬
‫شعبان ‪1309‬هـ‪1892/3/19/‬م)‪ .‬وعلى الرغم من أن‬
‫التقرير ال يتعلق بالجوف بشكل مباشر‪ ،‬فإنه أورد‬
‫معلومات عن موقف قبائل المنطقة من ابن سعود‬
‫وابن رشيد من جهة‪ ،‬وموقفها من بعضها بعضاً من‬
‫(‪)7‬‬
‫جهة أخرى ‪.‬‬

‫الدولة إرسال بعض اإلداريين العثمانيين إليها‪ .‬لكنه‬
‫أشار إلى أنه بالنظر لعدم وجود إداريين عثمانيين‬
‫فيها سابقاً فال بد من إج��راء كشف على المنطقة‬
‫قبل ذلك‪ .‬وذكر أنه قرر مع مشيرية الجيش العثماني‬
‫في الشام‪ ،‬تكليف الضابط في األركان الحربية سهيل‬
‫بك بالتوجّ ه إلى مقر الشيخ هزاع‪ ،‬وتنفيذ كشف معه‬
‫على المنطقة‪ ،‬وإخراج خريطتها وكتابة تقرير موسع‬
‫(‪)8‬‬
‫عنها ‪.‬‬

‫وهناك تقرير في التصنيف ذات��ه من األرشيف‬
‫العثماني‪ ،‬كتبه الحاج محمد آغ��ا‪ ،‬ال��ذي توجّ ه إلى‬
‫ن��ج��د ل��ش��راء اإلب���ل ف��ي ال��ف��ت��رة ذات��ه��ا‪ ،‬ع��ل��ى شاكلة‬
‫التقرير األول‪ .‬غير أن��ه يزيد عليه بالحديث عن‬
‫األسلحة الموجودة في المنطقة في حوزة القبائل‪،‬‬
‫واألعمال التي تقوم بها‪.‬‬

‫واألم����ر ال��م��ه��م ف��ي ه���ذه ال��وث��ي��ق��ة ‪ -‬ح��س��ب رأي‬
‫الباحث ‪ -‬هو سعي والي سوريا الحثيث إلى إلحاق‬
‫الجوف بوالية سوريا‪ ،‬ومحاولة إقناع الباب العالي‬
‫بذلك‪ ،‬من خالل عرض معلومات عن الضرائب التي‬
‫سوف تَجنيها الحكومة من منطقة الجوف‪ .‬كما أن‬
‫إش��ارت��ه إل��ى ع��دم وج��ود اإلداري��ي��ن العثمانيين في‬
‫الجوف وعدم إجراء كشف على المنطقة حتى حينه‪،‬‬
‫يفيد أن المنطقة كانت في حالها من االستقالل عن‬
‫الحكم العثماني المباشر‪.‬‬

‫أم��ا غير تلك التقارير ال��ت��ي حصلنا عليها من‬
‫األرشيف العثماني‪ ،‬التي تتحدث عن الجوف بشكل‬
‫مقتضب‪ ،‬أو على وج��ه ال��دق��ة‪ ،‬التي ورد فيها ذكر‬
‫للجوف‪ ،‬فهي حسب تسلسلها التاريخي كما يأتي‪:‬‬
‫ ف���ي وث��ي��ق��ة م���ؤرخ���ة ف���ي (‪ 8‬ك���ان���ون الثاني‬‫‪1287‬رومي‪ 10/‬ذي القعدة ‪1288‬هـ‪1872/1/20/‬م)‪،‬‬
‫ذكر والي سوريا صبحي باشا في البرقية التي بعثها‬
‫إلى الصدر األعظم‪ ،‬أنه استلم خطاباً من شيخ الرولة‬
‫ه��زاع‪ ،‬ال��ذي تحدث عن تمكّنه من تخليص منطقة‬
‫الجوف من يد ابن رشيد‪ .‬وأشار في هذا الخطاب‬
‫إلى أن طول هذه المنطقة سبعون ساعة‪ ،‬وعَ رضها‬
‫ست وثالثون ساعة‪.‬‬

‫ وفي وثيقة أخرى في التصنيف ذاته‪ ،‬البرقية‬‫التي بعثت بها والية سوريا إلى الصدر األعظم في‬
‫(‪ 8‬نيسان‪/‬أبريل ‪ 1288‬روم��ي‪ 12/‬صفر ‪1289‬ه��ـ‪/‬‬
‫‪1872/4/19‬م) ‪ ،‬التي تشير إلى المكافأة التي تُقدَّ م‬
‫لشيخ الرولة هزاع الشعالن؛ بسبب قيامه بتخليص‬
‫منطقة الجوف من يد ابن رشيد‪ ،‬وتسخيرها للدولة‬
‫العلية‪ .‬وه��ذه المكافأة هي قبضة سيف مع قطعة‬
‫من الوسام العثماني من الدرجة الثالثة‪ .‬وك��ان قد‬
‫حصل قبل ذلك على الدرجة الرابعة‪ .‬وقد حوت هذه‬
‫البرقية إشارة في غاية األهمية‪ ،‬وهي أن شيخ الرولة‬
‫ذكر في الخطاب الذي بعثه مع أحد رجاله من حوران‬
‫أنه تمكّن من القبض على ابن رشيد واالستيالء على‬
‫مواقعه‪( ،‬هكذا)‪.‬‬

‫وذكر الوالي أنه لم يكتف بما ورد في ذلك الخطاب‬
‫من معلومات عن الجوف‪ ،‬وإنما سأل بعض العرب‬
‫القادمين من المنطقة‪ ،‬فأفادوا أن منطقة الجوف‬
‫تتميز بأراضيها الخصبة‪ ،‬وأنها تحوي العديد من‬
‫أم��ا ال���رد ال���ذي ص��در م��ن ال��ص��در األع��ظ��م على‬
‫القرى‪ ،‬كما تضم مواقع قديمة مستحكمة‪ ،‬طالباً من برقيتي وال���ي ال��ش��ام صبحي ب��اش��ا‪ ،‬فقد ك��ان غير‬

‫‪10‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ‬

‫‪ – 3‬إق�����رار ال��ح��ك��وم��ة ب��ح��ك��م اب���ن رش��ي��د على‬
‫إيجابي؛ حيث ذكر أن توجيه الرتبة الثالثة من الوسام‬
‫العثماني مع قبضة من سيف من الدولة إلى الشيخ المنطقة‪.‬‬
‫هزاع غير مناسب‪ ،‬وأن ذلك متوّقف على ما يقدمه‬
‫‪ – 4‬عدم ج��واز استمرار ابن رشيد في التعدي‬
‫الشيخ فيما بعد م��ن أع��م��ال‪ ،‬وال سيما أن��ه حصل‬
‫(‪ )9‬على بعض العشائر‪ ،‬وه��ي الحرض ورحيبي‪ ،‬ورفع‬
‫على الرتبة الرابعة من الوسام المذكور قبل ذلك‬
‫ذلك الظلم عنهم كلياً‪.‬‬
‫(‪)13‬‬
‫‪ .‬وقد منح فيما بعد (‪ 6‬ذو القعدة ‪1334‬هـ‪ 5/‬أيلول‬
‫ وهناك وثيقة أخرى هي في الحقيقة ترجمة‬‫‪1916‬م) ابنه نوري الشعالن الدرجة الثالثة من الوسام‬
‫لخطاب بعث به األعيان من أهالي الجوف إلى والي‬
‫(‪)10‬‬
‫العثماني‪ ،‬وكان قائم مقاماً على قضاء الجوف ‪.‬‬
‫سوريا صبحي باشا في (‪ 10‬رمضان ‪1290‬ه��ـ‪/1/‬‬
‫وم���ع اس��ت��م��رار ال��م��راس�لات ب��ي��ن ال��ب��اب العالي ‪1873/11‬م)‪ ،‬أظهرت عدم رغبة األهالي في البقاء‬
‫ووالي���ة س��وري��ا‪ ،‬فقد رف��ض مجلس خ��اص الوكالء تحت حكم ابن رشيد‪ .‬وبعد سرد أسباب رغبتهم في‬
‫في القرار الذي اتخذه في (‪ 14‬رجب ‪1290‬ه��ـ‪ /7/‬االلتحاق بوالية سوريا‪ ،‬أشارت الوثيقة إلى أمر مهم‪،‬‬
‫(‪)11‬‬
‫اقتراحات وال��ي سوريا‪ ،‬وق��رر ربط وهو وجود أكثر من ثالثمائة ألف شجرة نخيل في كل‬
‫‪1873/9‬م)‬
‫منطقة الجوف بالمدينة المنورة ب��دالً من سوريا؛ من سكاكا والقارة والطوير بما فيها الجوف ذاتها‪.‬‬
‫بسبب أن اإلصالحات التي سوف تتخذ في المنطقة‪ ،‬وذك��ر األعيان في خطابهم الترغيبي لوالية سوريا‬
‫ستكون أسهل‪ ،‬تحت أنظار محافظة المدينة المنورة‪ .‬بالعمل على ضم الجوف إليها من خالل عرضهم أن‬
‫وأهم ما يلفت النظر في قرار مجلس الوكالء هو كون الحكومة إذا فرضت رسماً بمقدار قرشين ونصف‬
‫الواردات المحلية البالغة مائة وخمسين ألف قرش‪ ،‬على كل شجرة – على غرار ما هو جار في المدينة‬
‫تصرف على المنطقة نفسها‪ ،‬من خالل اإلصالحات المنورة ‪ -‬فإن ذلك سوف يرفع واردات الدولة إلى مبلغ‬
‫اإلداري��ة التي تجرى فيها‪ .‬كما أن القرار أقر بحكم ضخم‪ ،‬إضافة إلى وجود زكاة العشر الشرعي البالغ‬
‫اب��ن رشيد على المنطقة بشرط تقديم تعهد قوي في السنة خمسين ألف قروش‪ ،‬وكذلك وجود مبلغ‬
‫يحصلها ابن رشيد في‬
‫ِّ‬
‫للحكومة بعدم القيام بظلم أو تع ّد على األهالي‪ ،‬عشرين ألف مجيدي أبيض‪،‬‬
‫السنة الواحدة من قبيلتي شرارات وحوازم‪ .‬يضاف‬
‫ما يشير ضمناً إل��ى ع��دم رض��ا األه��ال��ي من حكمه‬
‫إلى كل ذلك أيضاً كون أهالي الجوف تابعين للدولة‬
‫على المنطقة‪ .‬وقد بعث الباب العالي بإشعارين إلى‬
‫(‪ )12‬العلية‪ ،‬وال يرغبون في حكم ابن رشيد عليهم‪.‬‬
‫والي��ة سوريا ومحافظة المدينة المنورة بذلك ‪.‬‬
‫وق��د ج��اء التأكيد وال��رج��اء م��ن أول��ئ��ك األعيان‬
‫وجاء فيهما توضيح أكثر؛ حيث أشير إلى تفصيالت‬
‫– حسب إف���ادة الوثيقة العثمانية – أنهم يريدون‬
‫الموضوع‪ .‬وهي‪:‬‬
‫االنضمام إلى حماية اإلدارة العثمانية‪ ،‬كما كانوا في‬
‫‪ - 1‬عدم رغبة أهالي الجوف في حكم ابن رشيد‬
‫كنف تلك الحماية سابقاً‪ .‬وهذا اإلصرار من األهالي‬
‫عليهم‪ ،‬على الرغم من أن الحكم فيها البن رشيد‪،‬‬
‫على االلتحاق بوالية سوريا التي يبعد مركزها عن‬
‫منذ أكثر من عشرين سنة‪.‬‬
‫الجوف حوالي ‪ 700‬كلم – حسب ما اتضح للباحث‬
‫‪ – 2‬كون القلعة الموجودة في الجوف كانت قد – ي���دل ع��ل��ى رغ��ب��ت��ه��م ف��ي ال��ح��ص��ول ع��ل��ى ن���وع من‬
‫بنيت من قبل ابن رشيد‪.‬‬
‫االستقالل عن حكم ابن رشيد القريب منهم؛ ألن بُعد‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ ‪11‬‬

‫الوالية عن الجوف‪ ،‬وقلة المواصالت في ذلك العهد‬
‫يجعل حكم ال��دول��ة العثمانية في المنطقة صورياً‬
‫وغير مباشر‪.‬‬
‫وبنا ًء على المعروض ال��ذي بعث به وال��ي سوريا‬
‫ف��ي (‪ 9‬ج��م��ادى اآلخ���رة ‪1297‬ه��������ـ‪1880/5/18/‬م)‬
‫إلى الباب العالي المتضمن قيام محمد بن عبدالله‬
‫الرشيد باالستيالء على الجوف‪ ،‬وإخضاع القبائل‬
‫المقيمة ف��ي المنطقة تحت ن��ف��وذه‪ ،‬فقد استفسر‬
‫الباب العالي عن رأي الوالي في التدابير التي يجب‬
‫اتخاذها إزاء توسع نفوذ اب��ن رشيد في المنطقة‪،‬‬
‫مشيراً إلى أنه ال يجوز للحكومة أن تبقى دون قيد‬
‫(‪)14‬‬
‫إزاء تلك األعمال ‪ .‬وأهم قيد في هذه المراسلة أن‬
‫منطقة الجوف غير خاضعة البن الرشيد قبل التاريخ‬
‫المذكور‪ .‬أو بعبارة أخرى دخول المنطقة تحت نفوذه‬
‫ف��ي ه��ذا ال��ت��اري��خ‪ .‬وه��ذا األم��ر يخالف م��ا ورد في‬
‫(‪)15‬‬
‫الوثيقة السابقة من أن الجوف كانت تابعة البن‬
‫رشيد (عام ‪1290‬ه���ـ‪1873/‬م)‪ ،‬ولمدة عشرين سنة‬
‫قبل ذلك‪.‬‬

‫الثاني عن تحركات البارون نولده الروسي األلماني‬
‫األصل‪ ،‬أشير إلى أن الجوف تحت حكم ابن رشيد‪.‬‬
‫وع��ل��ى ال��رغ��م م��ن أن الملف ال���ذي يضم تحركات‬
‫البارون نولده في األرشيف العثماني كبير‪ ،‬إال أنه‬
‫بسبب ك��ون ك��ل ال��م��راس�لات ال��م��وج��ودة فيه باللغة‬
‫(‪)17‬‬
‫الفرنسية ‪ ،‬سوى صفحة واح��دة بالعثمانية‪ ،‬فلم‬
‫يستطع الباحث أن يعرف مضمونها‪ ،‬وما دوّن فيه من‬
‫معلومات عن أوضاع الجوف في تلك الفترة‪( .‬وقد‬
‫استطعت الحصول على ص��ورة من الملف‪ ،‬قدّ متها‬
‫إلى مؤسسة عبدالرحمن السديري‪ ،‬لعلها تجد فيها‬
‫معلومات مفيدة عن المنطقة‪ ،‬ومن ثم تتولى ترجمتها‬
‫ونشرها‪.‬‬
‫وفيما يلي نص التقرير العثماني الذي دوِّن في (‪4‬‬

‫شوال ‪1310‬ه��ـ‪ 21/‬أبريل ‪1893‬م) عن رحلة نولده‪،‬‬

‫بعد ترجمته إلى اللغة العربية‪ ،‬علماً أن هناك وثيقة‬
‫أخرى هي برقية من والية سوريا إلى الصدر األعظم‬

‫في (‪ 29‬صفر ‪1310‬هـ‪ 21/‬سبتمبر ‪1892‬م)‪ ،‬ذكرت‬

‫فيه بتوجه نولده إلى بغداد قبل ذلك التاريخ بثالثة‬

‫وق��د أرس���ل مجلس خ��اص ال��وك�لاء بطلب إبداء أشهر‪ ،‬وعودته إلى سوريا متوجهاً إلى لندن عن طريق‬
‫(‪)18‬‬
‫ال��رأي من والي��ة سوريا (في ‪ 9‬رجب ‪1297‬ه��ـ‪/17/‬‬
‫إستانبول ‪ ،‬وأشارت وثيقة ثانية عن مرافقي نولده‬
‫‪1880/6‬م) فيما يجب اتخاذه من تدابير إزاء أعمال‬
‫الذين ينتظرونه في الشام‪ ،‬ويُعدّ ون العدّ ة لتوجهه إلى‬
‫(‪)19‬‬
‫اب��ن رشيد غير المسؤولة في المنطقة‪ ،‬وم��ا يجب‬
‫(‪ )16‬الجوف ‪:‬‬
‫عمله تجاه تقوية نفوذ الحكومة العثمانية فيها ‪.‬‬
‫في اليوم الرابع عشر من ديسمبر وصل البارون‬
‫إال أن الذي جعل الباب العالي يقر بحكم ابن رشيد‬
‫على المنطقة – حسب رأي الباحث ‪ -‬عدم تقديم نولده إلى بيروت‪ .‬ووصل في مساء اليوم السادس‬
‫(‪)20‬‬
‫تدابير حكيمة من والي��ة سوريا إزاء هذا الموضوع ع��ش��ر م��ن��ه إل���ى ال����ش����ام ‪ .‬وب��أم��ر م��ن السلطان‬
‫من جهة‪ ،‬والعالقات الطيبة التي كانت تربط بين ابن عبدالحميد (الثاني) أع ّد عُدته؛ للتوجه إلى (محمد‬
‫رشيد وبين السلطان العثماني من جهة ثانية‪ .‬غير اب��ن عبدالله) اب��ن رشيد‪ .‬وك��ان بمعية نولده خادم‬
‫أنه على الرغم من ذلك فقد قرر الباب العالي إبالغ إنجليزي‪ ،‬ومترجمان اثنان‪ ،‬وثمانية من الجمَّ الين‪،‬‬
‫ابن رشيد بضرورة التوقف عن تلك األعمال وتقديم وطباخ‪ ،‬ومربي خيل‪ ،‬وناصب خيام‪ .‬ومجموع هؤالء‬
‫تعهد بذلك‪.‬‬
‫الخدم أحد عشر شخصاً‪ .‬كما كانت القافلة المرافقة‬
‫وف���ي ت��ق��ري��ر رف���ع إل���ى ال��س��ل��ط��ان عبدالحميد ل��ه تتكون م��ن خمسة خ��ي��ول وب��غ��ل واح���د وأربعين‬

‫‪12‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ‬

‫إب�ل�اً ‪ .‬وب��ن��ا ًء على التوصية‬
‫ال��ت��ي كتبها ال��ب��اب العالي‬
‫ل��وال��ي والي����ة ال���ش���ام‪ ،‬فقد‬

‫راف���ق���ه خ��م��س��ة وعشرون‬
‫(‪)21‬‬

‫رج��ل أم����ن‬
‫(‪)22‬‬

‫تحت قيادة‬

‫ضابط ؛ من أجل توفير‬
‫(‪)23‬‬

‫األمن له ‪.‬‬

‫وخ���رج���ت ال��ق��اف��ل��ة من‬

‫الشام في األول من يناير‬
‫ج���م���ادى‬

‫(‪1893‬م‪12/‬‬

‫اآلخ��رة ‪1310‬ه���ـ)‪ ،‬ووصلت‬

‫ف��ي الثالث عشر منه إلى‬
‫الجوف‪ .‬وهذا المكان تحت‬
‫حكم ابن رشيد‪ .‬وحاكم هذا‬
‫ال��م��ك��ان (ال��م��كّ��ل��ف م��ن ابن‬
‫(‪)24‬‬

‫شك من‬
‫رشيد‪ :‬جوهر ) َّ‬

‫وج��ود العساكر المرافقين‬

‫ل��ن��ول��ده (أن ي��ق��وم��وا بعمل‬
‫ما ضده)‪ .‬وفي نهاية األمر‬
‫الجوف في‬
‫َ‬
‫غ��ادر العساكر‬

‫اليوم السابع والعشرين من‬
‫(‪)25‬‬

‫يناير ‪ ،‬أما البارون نولده فقد استمر في طريقه‬
‫تاركاً الجوف وراءه‪.‬‬

‫وف��ي ‪ 24‬أب��ري��ل وص��ل (أي ن��ول��ده) إل��ى مقر ابن‬

‫رشيد‪ ،‬ال��ذي حقق انتصاراً مهماً قبل ذلك التاريخ‬

‫بفترة وجيزة (هنا إش��ارة إلى معركة المليداء التي‬
‫وقعت عام ‪1308‬هـ‪1890/‬م)‪.‬‬

‫وف��ي األح��ادي��ث التي دارت بينهما‪ ،‬تحدث ابن‬

‫ال‬
‫رش��ي��د ع��ن إخ�لاص��ه للسلطان (ال��ع��ث��م��ان��ي)‪ ،‬آم ً‬

‫من السلطان أن تنتهي المسألة اليمنية على نحو‬

‫حسن‪ .‬مشيراً في ذلك إلى أن التضحيات الكبيرة‬
‫التي يقدمها عساكر الترك في اليمن‪ ،‬سببها تلك‬
‫الظروف اإلقليمية الصعبة التي لم يتعوّدوا عليها‪.‬‬
‫وف��ي الوقت نفسه ذك��ر أن��ه ال يمكن االعتماد على‬
‫اإلنجليز‪ .‬وفي اليوم الخامس من مارس غادر البارون‬
‫(‪)26‬‬
‫نولده مقر ابن رشيد متوجهاً إلى بغداد ‪ .‬ومما‬
‫يجدر ذك��ره هنا أن وثيقة عثمانية هي في األصل‬
‫مراسلة من والية بغداد إلى الباب العالي‪ ،‬أفادت (في‬
‫‪ 15‬أيلول ‪ 13/1325‬رمضان ‪1327‬ه���ـ‪ 28/‬سبتمبر‬
‫‪1909‬م) بتوجه إنجليزيين إل��ى الجوف بعد تبديل‬
‫مالبسهما‪ ،‬وأن الهدف من رحلتهما لم يتضح بعد‪،‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ ‪13‬‬

‫(‪)29‬‬

‫وأن التحقيقات جارية في الحصول على معرفة سبب المنورة ولم تشكل بعد ‪ .‬وتنقل مخصصاتها إلى‬
‫(‪)27‬‬

‫توجههما إل��ى منطقة ال��ج��وف ‪ .‬غير أن الوثائق قضاء الجوف على أن يعين فيه شيخ الرولة نوري‬
‫األخرى في التصنيف ذاته لم تتطرق إلى الموضوع‪ .‬ال��ش��ع�لان‪ .‬وق��د ص��در ق���رار ن��اظ��ر الداخلية بذلك‬

‫ولعل معلومات جديدة تظهر في المستقبل عن هذا (ف���ي ‪ 23‬ذي ال��ق��ع��دة ‪1333‬ه����������ـ‪1915/10/4/‬م) ‪،‬‬
‫ومرسوم السلطان محمد رشاد (في ‪ 26‬ذي القعدة‬
‫الموضوع‪.‬‬
‫(‪)30‬‬
‫‪1333‬ه�������������ـ‪1915/10/7/‬م) ‪ .‬وأ ْن تُ���وجَّ ��� َه قيادة‬
‫وقبل إي��راد موقع الجوف في التشكيلة اإلدارية‬
‫الجيش الذي يتم تشكيله من العرب إلى ابن المشار‬
‫(‪)31‬‬
‫العثمانية األخ��ي��رة‪ ،‬ت��ج��در اإلش���ارة إل��ى أن القرار‬
‫إليه الشيخ نواف ‪ .‬وقد صدر المرسوم السلطاني‬
‫ال��ص��ادر في (‪ 11‬شعبان ‪1328‬ه�����ـ‪1910/8/16/‬م)‬
‫للسلطان محمد رشاد بذلك في (‪ 6‬جمادى األولى‬
‫قضى بتحويل تبوك إلى قضاء‪ ،‬ومدائن صالح إلى‬
‫‪1334‬هـ‪1916/3/11/‬م) على أن يلحق هذا القضاء‬
‫ناحية (أي بلدة)‪ ،‬وفصلهما مع قضاء العقبة – التي بوالية سوريا‪ ،‬وأن يتم تحويل مخصصات السويرقية‬
‫(‪)32‬‬
‫شُ كّلت مجدداً ‪ -‬من والية‬
‫سوريا وربطهما وإلحاقهما بالكامل إلى قضاء الجوف ‪ .‬والنقطة الجديرة في‬
‫(‪)28‬‬
‫بمحافظة المدينة المنورة ‪.‬‬
‫هذه الوثيقة هي إلحاق الجوف بوالية سوريا‪.‬‬

‫وف���ي محضر س���ري ص���ادر ف��ي (‪ 3‬ذي الحجة‬

‫وقد جاء في خطاب لوالي البصرة سليمان شفيق‬

‫‪1333‬ه��ـ‪1915/10/13/‬م)‪ ،‬أشير إلى أهمية منطقة كمالي باشا أنه (في ‪ 9‬مارس ‪1330‬رومي‪ 15/‬جمادى‬
‫الجوف بوصفها ملتقى الطرق بين الحجاز والعراق األولى ‪1335‬هـ‪1917/3/9/‬م) أن ابن رشيد كتب إليه‬
‫وسوريا‪ ،‬وأن��ه بنا ًء على تلك األهمية االستراتيجية باستيالئه على الجوف الواقع في وادي السرحان‬
‫(‪)33‬‬
‫يتم تشكيل ق��ض��اء ف��ي ال��ج��وف‪ ،‬بعد إل��غ��اء قضاء والتابع لوالية سوريا ‪ .‬فيتضح من ذلك أن الجوف‬
‫السويرقية التي تقرر تشكيلها قضاءاً تابعاً للمدينة بقيت تابعة لوالية سوريا حتى ذلك التاريخ‪.‬‬

‫< نص محاضرة ألقيت في مؤسسة عبدالرحمن السديري الخيرية بمكتبة دار الجوف للعلوم بسكاكا يوم الثالثاء ‪ 16‬صفر ‪1428‬هـ‬
‫الموافق ‪ 6‬مارس ‪ 2007‬م‪.‬‬
‫< < د‪ .‬سهيل صابان ‪ -‬قسم التاريخ – كلية اآلداب ‪ -‬جامعة الملك سعود‬
‫(‪ )1‬أرشيف رئاسة الوزراء يتكون من األرشيف العثماني الذي نحن بصدد الحديث عنه‪ ،‬وأرشيف الجمهورية في مدينة أنقرة‪ ،‬ويضم‬
‫الوثائق الخاصة بتركيا منذ نشوء الجمهورية عام ‪1923‬م‪..‬‬
‫(‪ )2‬لمعلومات تفصيلية عن محتوى األرشيف العثماني وتقسيماته‪ ،‬وأعمال التصنيف التي جرت فيه‪ ،‬انظر‪ :‬األرشيف العثماني‪/‬‬
‫نجاتي آقطاش وعصمت بينارق ؛ ترجمة صالح سعداوي‪ ،‬إستانبول‪ :‬مركز األبحاث للتاريخ والفنون والثقافة اإلسالمية‪1406 ،‬هـ‪.‬‬
‫ص ‪ .34-3‬وكذلك‪:‬‬
‫‪.Başbakanlık Osmanlı Arşivi Rehberi.-Ankara: Başbakanlık Devlet Arşivleri Genel Müdürlüğü, 1992. pp. 5-30‬‬
‫(‪ )3‬لمعلومات تفصيلية عن تصنيفات األرشيف العثماني وكيفية االستفادة منه‪ ،‬وأهميته في دراسة تاريخ الجزيرة العربية انظر‪:‬‬
‫األرشيف العثماني مصدراً من مصادر تاريخ الجزيرة العربية‪/‬سهيل صابان‪ -.‬مجلة مكتبة الملك فهد الوطنية‪ -.‬مج ‪ ،3‬ع ‪1‬‬
‫(المحرم – جمادى اآلخرة ‪1418‬هـ‪/‬مايو – أكتوبر ‪1997‬م)‪ .‬ص ص ‪.76-54‬‬
‫(‪ )4‬حول األهمية الموضوعية والتاريخية لألرشيف العثماني‪ ،‬وما يتضمنه من السجالت والدفاتر‪ ،‬انظر‪ :‬أوراق عتيقة ووثائق‬
‫تاريخيه مز (األوراق العتيقة ووثائقنا التاريخية)‪ /‬عبدالرحمن شرف‪ ,‬تاريخ عثماني أنجمني مجموعه سي‪ -.‬ع ‪ .)1326( 1‬ص‬
‫ص ‪.19-9‬‬

‫‪14‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ‬

‫‪...................................................................................................................................‬‬
‫(‪ )5‬وقد نشر سليمان شفيق مذكراته في صحيفة األهرام المصرية‪( ،‬بدءاً من ‪ 6‬ربيع الثاني ‪1343‬هـ‪ 6/‬نوفمبر ‪1924‬م) في ست‬
‫وثالثين حلقة (حتى ‪ 28‬جمادى اآلخرة ‪1343‬هـ‪ 23 /‬يناير ‪1925‬م) ‪ ،‬رحلة سوله مز أوغلي إلى بالد الشام‪1307 :‬هـ‪1890/‬م‪،‬‬
‫دراسة وترجمة وتحقيق فاضل مهدي بيات‪ -.‬األردن؛ المفرق‪ :‬جامعة آل البيت‪1420 ،‬هـ‪2000/‬م‪.‬‬
‫(‪ )6‬حجاز سياحتنامه سي‪/‬سليمان شفيق كمالي باشا‪ .‬ص ‪.375‬‬
‫(‪ )7‬األرشيف العثماني‪ ،‬تصنيف ‪.Y.MTV.50/72‬‬
‫(‪ )8‬األرشيف العثماني‪ ،‬تصنيف ‪I.DH.45202‬‬
‫(‪ )9‬األرشيف العثماني‪ ،‬تصنيف (‪.)I.DH.45202‬‬
‫(‪ )10‬األرشيف العثماني‪ ،‬تصنيف (‪.)DH.KMS.41/43‬‬
‫(‪ )11‬األرشيف العثماني‪ ،‬تصنيف (‪.)A.MKT.MHM.463/30‬‬
‫(‪ )12‬األرشيف العثماني‪ ،‬تصنيف ‪ .A.MKT.MHM.463/30‬وهذه المراسلة مدرجة أيضاً في دفتر العينيات رقم ‪ ،871‬ص ‪251‬‬
‫وتاريخها أيضاًَ ‪ 14‬رجب ‪1290‬هـ‪.‬‬
‫(‪ )13‬األرشيف العثماني‪ ،‬تصنيف ‪.HR.TO.457/23‬‬
‫(‪ )14‬األرشيف العثماني‪ ،‬تصنيف ‪.Ayniyat.no.1517.p.27‬‬
‫(‪ )15‬األرشيف العثماني‪ ،‬تصنيف ‪.A.MKT.MHM.463/30‬‬
‫(‪ )16‬األرشيف العثماني‪ ،‬تصنيف ‪.Ayniyat.no.1517.sy.27‬‬
‫(‪ )17‬يتكون هذا التقرير المدون بخط اليد من ثالث وأربعين صفحة من القطع الكبير‪ .‬ويفصل بدقة تحركات نولده‪ ،‬الذي كتب‬
‫أوضاع المنطقة السياسية في تلك الفترة إلى السلطان عبدالحميد الثاني‪.‬‬
‫(‪ )18‬األرشيف العثماني‪ ،‬تصنيف ‪I.HUS.1310/Ra-11‬‬
‫(‪ )19‬األرشيف العثماني‪ ،‬تصنيف ‪Y.A.HUS.265/18‬‬
‫(‪ )20‬وهذا التاريخ هو الوارد أيضاً في رحلته التي نشرت في ألمانيا بعد انتحاره في لندن عام ‪1895‬م‪ .‬الرحالة األوربيون في شمال‬
‫الجزيرة العربية‪ :‬منطقة الجوف ووادي السرحان‪/‬عوض البادي‪ -.‬ط‪ -.2‬بيروت‪ :‬الدار العربية للموسوعات‪1423 ،‬هـ‪2002/‬م‪.‬‬
‫ص ‪259-258‬‬
‫(‪ )21‬أفادت وثيقة عثمانية أن نولده هو الذي طلب من الباب العالي تخصيص خمسة وعشرين شخصاً من الجندرمة؛ لمرافقته إلى‬
‫منطقة الجوف التي تبعد عن الشام مسافة اثني عشر يوماً‪ .‬األرشيف العثماني‪ ،‬تصنيف ‪.I.HUS.7.1310/C-11‬‬
‫(‪ )22‬مصروفات هؤالء العساكر دفعت من ميزانية الدولة العثمانية بعد عرض الموضوع من لدن الصدر األعظم على السلطان‪.‬‬
‫األرشيف العثماني‪ ،‬تصنيف ‪.I.ASK.1310/Za-13, DH.MKT.39/20‬‬
‫(‪ )23‬بشأن األمر الصادر بتخصيص تلك السرية األمنية للبارون نولده انظر‪ :‬األرشيف العثماني‪ ،‬تصنيف ‪.I.ASK.3.1310/Za-13‬‬
‫(‪ )24‬انظر تفصيالت ذلك‪ :‬الرحالة األوربيون في شمال الجزيرة العربية‪ :‬منطقة الجوف ووادي السرحان‪ /‬عوض البادي‪ .‬مرجع‬
‫سابق‪ .‬ص ‪267-266‬‬
‫(‪ )25‬هذه الجملة توحي بأن ابن رشيد لم يقبل بقدوم العساكر مع نولده إلى حائل‪ .‬ولذلك فقد أبلغهم بأن يتركوا نولده تحت حماية‬
‫رجاله‪ ،‬وأن يرجعوا إلى الشام‪.‬‬
‫(‪ )26‬األرشيف العثماني‪ ،‬تصنيف‪.PRK.TKM.27/33.‬‬
‫(‪ )27‬األرشيف العثماني‪ ،‬تصنيف ‪.DH.MUI.17-5/1‬‬
‫(‪ )28‬األرشيف العثماني‪ ،‬تصنيف ‪.DH.MUI.61-2/24‬‬
‫(‪ )29‬األرشيف العثماني‪ ،‬تصنيف ‪.I.MLU.1334/Ca-12‬‬
‫(‪ )30‬األرشيف العثماني‪ ،‬تصنيف ‪.I.DH.1333/Za-39‬‬
‫(‪ )31‬األرشيف العثماني‪ ،‬تصنيف ‪.MV.241/116‬‬
‫(‪ )32‬األرشيف العثماني‪ ،‬تصنيف ‪.I.MLU.1334.Ca.6/12‬‬
‫‪ 29‬األرشيف العثماني‪ ،‬تصنيف ‪DH.KMS. 2-2/2‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ ‪15‬‬

‫أغنية الريح‬

‫ق���ص���ائ���ـ���د‬
‫‪16‬‬

‫فتىً بعد يَخرج‪..‬‬
‫من شَ جر ِ الرِّيح ِ‬
‫يُوقظ ُمزموره المُصطفى‪.‬‬
‫يوِّزع منشو َر بهجتهِ للرُّبى‬
‫للعصافير ِ‪..‬‬
‫َتحمِ له في مناقيرها مُصحَ فا‪.‬‬
‫يطير على َدرَج ِ الوقت ِ‪..‬‬
‫تنزف أحالمه‪..‬‬
‫باليواقيت ِ‪..‬‬
‫كبريتُ أشواقه ما انطفى‪.‬‬
‫فرس الماء ِ‪..‬‬
‫َ‬
‫يمتطى‬
‫الصبابة‪..‬‬
‫يجمع جُ ن َد َ‬
‫مِ ن حانةِ الوجد ِ‪..‬‬
‫يُوقظ صبا ً غَ فا‪.‬‬
‫إلى جُ زُر ِ العشق ِ‪..‬‬
‫يسعى الم ُِحبونَ‪..‬‬
‫يغترفو َن شظايا الحنين‪..‬‬
‫رصاص َ التوحُّ د باألرض ِ‪..‬‬
‫مَال َ الفتّى حينما‬
‫مست الوردةُ‪ /‬اللهفةُ‪..‬‬
‫العاش َق المُغرمَا‪..‬‬
‫فارتمَى‬
‫في بنفسج ِ زَهوته ِ‪..‬‬
‫لم ي َِخر‪..‬‬
‫ولكن سَ ما‪..‬‬
‫عندما اشتع َل الماءُ‬
‫في مشهد ٍ عاطفي ٍ‬
‫وتبَقى فلسطين‬
‫فو َق عُروش ِ الهوى‬
‫كُلمَّا‬
‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ‬

‫> حمدي هاشم حسانني‬

‫بزغ َ الفج ُر‬
‫تبقى فلسطين‬
‫فوق خَ ريطة ِ قلبي‬
‫عروسا ً يطاردها العاشقو َن‬
‫بأحالمهم‬
‫َصعوا جيدها‬
‫ر َّ‬
‫بالحكايا‬
‫وماء الزفاف ِ الذي نزفته السماءُ‬
‫وحنَّاؤها الوقت والتوتياء‬
‫لماذا فررنا من الشَ مس ِ‬
‫نحو متون الغياب ِ؟‬
‫وهذا المُخَ يّم يحفظ عن ظهر قلب ٍ ـ‬
‫مواجعنا الطيّبات ِ‬
‫ويعرف أسما َء َم ْن قتـ ـَّـلونا‬
‫ويوقن أن ـ َّا‬
‫ُشرفات هوانا‬
‫ِ‬
‫على‬
‫ُنناجى الحنينا‬
‫وننظر من ُكوة ِ الغيم ِ‬
‫للحلم ِ‬
‫نرتاد ُ مقهىَ الـ ُبكاء ِ‬
‫ونرشف تاريخنا والغُبار‬
‫هناك بقـ ُرب ِ الرصيف ِ العتيق ِ‬
‫تـ َمدَّ د لي ٌل مُوش ـ َّى‬
‫برائحة ِ الدَّ م ِ‬
‫والت ـ َّبغ ِ‬
‫هاتوا شجونكم المُستفيضة‪.‬‬
‫أرضنا يستحم الهالك ُ‪..‬‬
‫ففي ِ‬
‫ويرعَ ى الظمأ‪.‬‬
‫على قاب قوس ٍ‬
‫تطل ُ الغزالة ُ‪..‬‬

‫<‬

‫في مقلتيها ينام ابتهاجي‬
‫وأصحو‬
‫خضبتنى دماءُ القبائل ِ‬
‫وقد َّ‬
‫قد شي ـ َّعتني‬
‫خناجرهم نحو قبري‬
‫وحبري الذي كم تسلل‬
‫راود َ عُصفورة ً في الخليل ِ‬
‫الضحى مرتين‬
‫ونادم َ غزة قبل َ ُ‬
‫بأنشودة ٍ من عبير القـ َرنفـ ُل ِ‬
‫نا َم بحـ ُضن ِ الجليل ِ‬
‫وسَ ط ـ َّر فوق الغـ ُيوم مراثيه ِ‬
‫فانبهر القاعدون َ‬
‫المُحبون َ خلفي‬
‫ي َُصل ـ ُّون فوق مياه الهـ ُيام ِ‬
‫فيرتعد العُشب ُ‬
‫هلل ـ َّت السوسنات ُ المُقيمة في الجُ رح ِ‬
‫والفـ َر ُح كالطفل يحبو بأهدابنا‬
‫والبنات ُ‬
‫تـَط ـ َّيبن بالياسمين ِ ال ُمغ ـَطـ ّى‬
‫بأتراحهن َ‬
‫تعمّدن بالورق ِ األخضر ِ النابت ِ اآلن َ‬
‫من دمعه َن‬
‫و َِسر َن وراء قطار األسى ينتحبن َ‬
‫وتبقى فلسطين‬
‫في حـ َدق ِ العـ َين ِ‬
‫في مُفردات ِ اليقين‬
‫وفى الظـ َّن ِ‬
‫تـ َسكب فوق مواجعنا‬
‫حقل َ حُ ب ٍ‬
‫وشوقا‪.‬‬
‫وتفتح مزمو َر لهفتنا‬
‫يبدأ البو ُح‬

‫أوَّاه يا مجدلية‬
‫هذى الضفائر بعد ترفرف‬
‫كالطير ِ‬
‫ذكراك ِ تحفر ما قد تبقى من السَ د ِّ‬
‫والمَد ُّ يأبى مُالقاتنا في العشيةِ‬
‫جُ نْ ُد الخطيئةِ يعتقلون هوانا‬
‫ويستنشقون هواء الصغار ِ‬
‫عيانا ً‬
‫عيانا‪..‬‬
‫وفى ليلة العيد ِ‬
‫تأبى المواعي ُد رجم َ سوانا‬
‫وكم راقهم رقصنا‬
‫فوق جمر ِ الظنون ِ؟‬
‫الدرس‬
‫ُ‬
‫وحين انتهى‬
‫مالوا وهم يجرعون كؤوس الجماجمْ‪.‬‬
‫ويدعون راشيل‬
‫الزيت‬
‫ِ‬
‫صبّي قليال من‬
‫ُ‬
‫حتى تفو َر المالحمْ‪.‬‬
‫وراشيل تضحك‬
‫مالت كعود ٍ من البان ِ‬
‫قد هادنته المواسم‪.‬‬
‫وتبقى فلسطين‬
‫فى هسهسات الشجرْ‪.‬‬
‫وفى شفة الرّيح ِ تكبر‬
‫الصبابةِ ‪..‬‬
‫في رشقة ٍ من رصاص َ‬
‫أماه‪..‬‬
‫أدعو‬
‫وأدعو‬
‫وأدعو‬
‫وتبقى السماء ُ‬
‫بغير قمرْ‪.‬‬

‫< شاعر مصري‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ ‪17‬‬

‫إحلاقا بطفولتي األولى‬
‫(‪)1‬‬

‫قد أخلع هذي الليلة قلبي‪،‬‬
‫وأجوب األرض‪،‬‬
‫القمر الميساني‬
‫يخبئ وجه طفولته‪،‬‬
‫والنهر الحلمان‬
‫يكفكف دمع الذكرى‪،‬‬
‫بي رغبة‪..‬‬
‫أن أصرخ في الفلوات‪،‬‬
‫عن زمن مات‪،‬‬
‫عن طفل ضل طريقه‪،‬‬
‫عن كلمات جوفاء‪،‬‬
‫عن وطن ضاع‪،‬‬
‫في طرق الصحراء‪.‬‬

‫(‪)2‬‬

‫ما بال الغيمة‬
‫تبكي حجراً؟‬
‫ما بال األرض‬
‫تنز دمًا‪،‬‬
‫وتميد بأكواخ الفقراء؟‬
‫ثمة غصة صوت في حنجرتي‪،‬‬
‫آه‪..‬‬
‫ما أعذب أن نتطهر بالذكرى‪،‬‬
‫أن نسلخ جلد األيام‪،‬‬
‫إلحاقا بطفولتنا األولى‪..‬‬
‫بعذوبة دجلة‬
‫وهي تسرّح شعر القرويات‪.‬‬

‫(‪)3‬‬

‫قد أخلع هذي الليلة قلبي‪،‬‬
‫وأمرّغ وجهي في الطين‪،‬‬

‫‪18‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ‬

‫> ماجد البلداوي‬

‫و أصرخ‪،‬‬
‫يا وجعاً يتورم في جسدي‪،‬‬
‫يا نزفاً لأليام الثكلى‪،‬‬
‫يا شجن الناي‪،‬‬
‫وهو يترجم حزن الماء‪،‬‬
‫سأجوب األرض‪..‬‬
‫الخارطة العمياء‪،‬‬
‫شواطئ ليل العشاق‪،‬‬
‫أتدفأ بالماء‬
‫وباآلالم وباألمطار‪.‬‬

‫(‪)4‬‬

‫أعصر جرحي‪،‬‬
‫وبنادق صيادي غابات الموت‪،‬‬
‫تحدق بي‪،‬‬
‫باألشجار‪،‬‬
‫وباألطيار‪،‬‬
‫لتوزع كل الطلقات‪،‬‬
‫بال استثناء‪،‬‬
‫وعصافير الحب‪..‬‬
‫ما عادت تأوي لألعشاش‪،‬‬
‫والشمس احتجبت خجالً‪،‬‬
‫والقمر الميساني يودع آخر نجم‪.‬‬

‫(‪)5‬‬

‫هذي الليلة‪..‬‬
‫مسكوناً بالوحشة‪،‬‬
‫مطعوناً بالخوف‪..‬‬
‫من اآلتي‪.‬‬
‫آه يا حزن صالتي‪..‬‬
‫الليلة‪ .......‬آه‪،‬‬
‫وينهمر الدمع بكل غزارته‪.‬‬

‫السندبــاد‬
‫شئ فو َق وجهِ البحرِ‬
‫رأيتُ كلَّ كلَّ ٍ‬

‫واضحاً‪..‬‬

‫هذا الذى أتعبني‬
‫وكلما قلتُ أعــو ْد‬

‫أخط رحل ًة وأخطو للبعي ْد‬
‫ُّ‬

‫تحط بي‬
‫ُّ‬
‫حكاي ٌة‬

‫حكاي ٌة تأخـذنـي‬

‫وكلما تأخذني حكاي ٌة وراء أخرى أستزي ْد‬
‫ينوءُ قلبي بالذي أَسَ َّرهُ للبحرِ‬

‫والذي رأى‪..‬‬

‫(هل تؤم ُن اآل َن بما كنتَ ترى‬

‫وما ارتأيتْ ؟)‬

‫ك ُّل الوجو ِه قابلتني بالسؤا ْل‬

‫ألف س ّْد‬
‫وامتدَّ نحوي ُ‬
‫أقولُ‪:‬‬

‫ربما تَحنُّ شرفتي‬

‫لوقفتي‬

‫وربما تشتا ُق مرآتي لوجهي‪ ..‬ربما‬
‫والليل لي‪،‬‬

‫لمن يقو ُل لي‪ :‬اتَّئ ْد‬

‫أو‪..‬‬

‫ربما سوف أقولُ‪ :‬إنني أخطأتُ ‪،‬‬

‫حينما حلمتُ مث َل قطر ِة المط ْر‬

‫بأنني قد أستطي ُع أن أكو َن جدوالً!‬
‫أقولُ‪:‬‬

‫ربما أ ُ َورِّثُ الحكايـا‬

‫> عشم الشيمي‬

‫للصبايـا‬
‫(ثم ما أدراكَ‬
‫ال‬
‫أنَّ ما تظ ُّن ُه جزير ًة – هنا – وموئ ً‬
‫حوت ينتظرْ؟)‬
‫ٍ‬
‫يكون غي َر ظهرِ‬
‫يخر ُج من رأسي برو ٌق‬
‫ورعو ْد‬
‫ودهشتي ال تنتهي‬
‫إن تسخروا مني‬
‫فإني مستجي ْر‬
‫سفينتي تقودُها أيامُكم‬
‫(وفى دمـائهم تسيرْ)‬
‫‪ ..‬تركتُ خلفي كلَّ شيء‬
‫لم أع ّد صحبتي‬
‫أراو ُغ السؤالَ‪:‬‬
‫ُحس بالفؤادِ لحظ َة الشرو ْد‬
‫من ي ُّ‬
‫أهرمُ‪ ،‬يذوي ضوءُ عيني‬
‫وتُ َدوِّي الري ُح في جنب ََّـي‪،‬‬
‫هل أقول ُ‪:‬‬
‫ليتني احترقتْ‬
‫وما بـدأْتْ ؟‬
‫(قد توَّجتْكَ الري ُح بالخسارهْ‬
‫وما اهتديتْ !)‬
‫اآلن‪..‬‬
‫من يشبهـني‬
‫في حزني؟‬
‫ومن سيبكي رحلتي؟!‬

‫< شاعر من مصر‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ ‪19‬‬

‫إلى الفنان والصديق‬
‫عواد فالح‬

‫> شعر‪ :‬مؤيد الغنام‬

‫احملاط بالعويل‬
‫<‬

‫> شعر‪ :‬شوقي مسلماني‬

‫ها أنت‪..‬‬

‫لم يب َق منهم غير صورة‬

‫تُخبيءُ العمر‬

‫وهو يكذب ويكذب‬

‫بكاميرا الروح‪!..‬‬
‫تهدي صحراءك‬
‫قناديل حزنك‬
‫بعشق الحياة‬
‫وعشق التنفس‬
‫وبهجة البقاء‪!..‬‬
‫تفتش في هذا المدد األصفر‬
‫عن منابت أرواحنا‬
‫فيزهر نخيل جوفك‬
‫وأجوافنا عطشى‪!..‬‬
‫لماذا تفتش في سرايا العيون‬
‫عن غيمة‪ ..‬تهديها‪..‬‬
‫في روض حنظل‪..‬؟‬
‫من ينبض في نقوش القلب‪..‬؟؟‬
‫من يرقص فوق عتبات التاريخ‬
‫بليل‪ ..‬وذكريات‪..‬؟‬

‫وهو ينفي ك ّل شيء‬
‫يتسلّل ويأخذ بيدِ رأسي‬
‫إلى أمكنة أخرى‬
‫تقول البو ُم أنّ صديقَها الغراب‬
‫يؤكِّد لها أنّ ك ّل شيء لونه أبيض‬
‫المُحاط بالعويل‬
‫اآلن أين هو؟‬
‫بر ُج الهاوية‬
‫المجدوع األنف‬
‫الذي قلبه يخفق بانتظام‬
‫كذلك‪ ،‬أين هو؟‬
‫الذين رحلوا بطقوس صمت مطلق‬

‫تعالَ‪..‬‬

‫وال زالوا صامتين يعتذرون‬

‫نتقاسم هذا الشتاء‬

‫أنّي ليستْ لديّ ولو اآلن صورة واضحة لهم‬

‫وبعضاً من حزنك‬

‫في الساعة المتأخِّ رة هذه‬

‫بنفجال قهوة‬

‫من الليل‪.‬‬

‫ومرارات‪.‬‬
‫< فنان وشاعر ‪ -‬الجوف ‪.‬‬

‫‪20‬‬

‫العنوان الذي يؤكِّد ك ّل شيء‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ‬

‫< سيدني ‪ -‬أستراليا‪.‬‬

‫<‬

‫ِفـي َ‬
‫شـتَــات‬
‫ال وطن لك أيتها النافذة‬
‫مثلما ال حبَّ لي‬
‫كالنا نضيع في شتَات ال يُحتمل‬
‫صباح‬
‫أنت بال َ‬
‫ِ‬
‫وأنا بال عازف‪..‬‬

‫العارِ فَ ةُ‬

‫أيتها النافذة الودود‬
‫في بيتنا القديم‬
‫في حيّنا القديم‬
‫في المدينة القديمة‬
‫قولي لي من أنا؟‬
‫ومن يكون حزني؟‬

‫الحيْ رَ ة‬
‫مَ َطرُ َ‬

‫بياضا‬
‫ً‬
‫كيف يزداد العمر‬
‫كلما أغمضتُ عيني؟‬
‫كيف يهطل الحزن‬
‫على سقيفتي‬
‫كلما فكرت؟‬
‫كيف تذبل رهافتي‬
‫كلما مددت يدي‪..‬‬
‫كلما ناديتُ ؟‬
‫كيف يحط هذا الليل‬
‫على النوافذ‬
‫وعلى قلبي‬
‫بنفس أنفاسه القلقة؟‬
‫ال شيء سوى السؤال‪..‬‬

‫> وداد بن موسى‬

‫جارتي‬

‫جارتي في الحب‬
‫قالت لي‪:‬‬
‫ما كل هذه النوافذ المضيئة‬
‫في جسدك؟‬
‫ما كل تلك األزهار حولها؟‬
‫ما كل تلك األقمار؟‬
‫من أين لك هذه السماء؟‬
‫جارتي في الحب‬
‫جاهلة‬
‫بالحب‬

‫نوافذ القَ ل ِْب‬

‫‪ ...‬وتَضحكين يا نوافذ ال َقل ِْب‬
‫وتَسْ خَ رين‪...‬‬
‫الحَ بيبُ الذي كا َن هنا‬
‫صا َر هناك‬
‫يجَ ر ِْج ُر غيابَ ُه‬
‫وخساراتي معاً‬
‫يا نوافذ القلب‬
‫صلي ألَجلي‬
‫قاس هذا الغيابُ ؟‬
‫كم هو ٍ‬
‫وكم أنا‬
‫وَحيدَة؟‬

‫قديم ًا‬

‫كانت النوَافذ‬
‫ِ‬
‫تَشْ تَكي م ْن جَ ساَرات ال َقمَر‬
‫ال َي ْو َم‬
‫ضجَ رَها‬
‫من َفر ِْط َ‬
‫تَشْ تَهِ ي‬
‫«غَ ْم َزةً»‬
‫ِل َمو ِْعدِ ال َق َم ْر‬
‫خريف‪1428‬هـ‬
‫اجلوبة ‪ -‬ربيع‬
‫‪21 1428‬‬

‫صورة عائلية!‬
‫> ليلى األحيدب‬

‫ق�����ص�����ص‬
‫‪22‬‬

‫صورة عائلية قديمة‪ ..‬تجمع األخوة واألخوات‪ .‬أخوة وأخوات ليس لهم فروع وال امتدادت‪ ..‬وجوه بريئة وخالية‬
‫من الهموم‪ ..‬مقبلة‪ ..‬ليس لديها نوايا مسبقة!!‬
‫هي بالزي األصفر تجلس متقرفصة في الطرف‪ ،‬وعلي يجلس خلفها بوجهه الطويل‪ ،‬وناصر يجلس قربها راكزا‬
‫ركبته‪ ..‬موضي والعنود يحيطان بعلي‪ ..‬موضي ترتدي التايير األخضر الذي أحضره أبي من لبنان‪ ،‬والعنود ترتدي‬
‫فصلته أمي لها‪.‬‬
‫ثوبها األحمر الطبقات الذي ّ‬
‫يا لجمال الصورة‪ ..‬أخوة وأخوات فقط!!‬
‫أنظر إلى الصورة اآلن‪ ..‬وجوه محملة بالتأويل‪ ..‬بردود األفعال‪ ..‬بالفروع واالمتدادت!!‬
‫والفرع يطرد األصل دائماً؟!‬
‫علي‪ ..‬تهمّه زوجته‪ ،‬وال يريد ألي أحد أن يُعكّر مزاجها؛ فبكلمتين منها تجعل منه بالونه حمراء مهيأة لإلنفجار!‬
‫وموضي‪ ..‬أوالدها وبناتها فوق الجميع‪ ..‬تغضب من أمي إذا وجهتهم بكلمة!!‬
‫العنود‪ ..‬تسير خلف رأي زوجها مهما كان‪ ..‬إن رضي علينا رضيت‪ ،‬وإن غضب منا غضبت!!‬
‫ناصر سافر إلى كندا‪ ،‬وتزوج بكندية من أصل عراقي‪ ..‬يزورنا كل ثالث أو أربع سنوات مرة!!‬
‫هي تنتقدهم دائماً‪ ..‬وهم يهاجمونها ألنها العانس المعقّدة‪ ،‬التي تريد أن تربي الكل!!‬
‫يريدون أن يحوّلوا البيت إلى متنزه ألطفالهم! وهي تريد أن ال يعبث أطفالهم بالبيت!‬
‫يريدون أن تتحمل لؤم زوجات اإلخوة وكبرياء أزواج البنات!!‬
‫قصروا في شيء!‬
‫وأن ال تغضب إذا ّ‬
‫بينما الويل والثبور لها إذا بدر منها تقصير‪ ،‬ولو كان غير مقصود!!‬
‫تصرفاتها متعمدة خبيثة! بينما تصرفاتهم ردود أفعال فقط!!‬
‫تفاصي ٌل كثيرة تحدث‪ ..‬كلها تجتث الجذور‪ ..‬وتُعلي من الفروع!!‬
‫وجوهٌ كثيرة تحيط بالصورة اآلن‪ ..‬وجوه مختلفة ال يجمعها شيء واحد! وجوهٌ تنتمي إلى أسر مختلفة!! لكنها‬
‫تحيط بالصورة القديمة‪ ،‬وتتطفل على تفاصليها الجميلة!!‬
‫شَ َعرَتْ أنها كفٌ معلق ٌة في الهواء‪ !!..‬مجتثة من جذورها‪ ..‬مبتورة!! وو‪ ..‬حـ‪ ..‬يـ‪ ..‬دة!!‬
‫كفٌ وحيدة‪ ..‬مثبتة في إسمنت صلب‪ ..‬إسمنت‪ ..‬ينمو في مسام الجلد‪ ..‬ويسد منافذ القلب األربعة‪.‬‬
‫كفٌ وحيدة معلقة في الفراغ‪ ..‬ال جذور‪ ..‬ال انتماء‪ ..‬ال عاطفة‪ ..‬وال دم!!!‬
‫كفٌ مذنبة! وغريبة‪ ..‬ومعلقة في فراغ مظلم!‬
‫لكنها في داخلها‪ ..‬في ذلك العمق الندي‪ ..‬ما تزال تشعر أنها تلك الطفلة الصغيرة بالثوب األصفر‪.‬‬
‫طفلة تريد لمّة اإلخوة واألخوات تماماً كما في الصورة القديمة!‬
‫‪ ..‬هذا كل ما تريد!!‬
‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ‬

‫حكاية النهاية‪..‬‬
‫> عصام أبوزيد‬
‫‪ ..‬وذاتَ يوم‪ ،‬انفتح بابُ غرفتي‪ ،‬ودخ َل أسدٌ‪ ،‬ال على أفرادها؛ فيكون نصيب الفرد عو َد جرجير واحد‬
‫أدري من أين جاء؟ وهج َم على طوبة من رمل كنتُ في اليوم‪ .‬ويقال إن الحزمة اشتراها األزرق األكبر‪ ،‬ثم‬
‫أعلقها على الحائط‪ ،‬وكما يحدثُ في األحالم انفجرت توارثتها األجيال من بعده‪.‬‬
‫الطوبة إلى ماليين وماليين الحبات من رمل عنيف‪،‬‬
‫لكنني قلت‪ :‬يا رزَّاق يا كريم‪ ،‬ورميت صنارتي في‬
‫يهاجمني من النواحي كلها؛ ورأي��ت األس��د الشجاع الماء‪ ،‬وانتظرت صابراً‪ ،‬أدندن بعضاً من كالم األغاني‪.‬‬
‫يموءُ ويبكي‪ ،‬وأنا بيدي الحنون أضمه إلى صدري‪ ،‬وكان األسد يدور حولي وي��دور‪ ،‬ثم يقف ويرقص‪ ،‬ثم‬
‫تبك يا أسد‪ ،‬ال ِ‬
‫قائالً‪ :‬ال ِ‬
‫تبك‪ .‬ال أعلم عدد اللحظات يمشي ويركض؛ فقلت هذا ليس بأسد‪ ،‬هذا كلبٌ أو‬
‫التي مرت حتى توقّف الرمل عن مهاجمتي‪ ،‬وعندما قرد دخل حياتي متنكراً في ص��ورة أس��د! وال بد من‬
‫استقر الرمل على األرض في أمواج عالية ومدهشة طريقة الكتشاف الحقيقة‪.‬‬
‫ذكَّرتني بالبحر‪ ،‬قلت‪ :‬يا أس��د أن��ا جائع‪ ،‬وأري��د أن‬
‫وج��اء االنتظار وراح‪ ،‬واص��ط��دت سمكتين؛ واحدة‬
‫أصطاد سمكة أو سمكتين‪ ،‬فهل يمكنك أن تذهب من البلطي‪ ،‬وأخرى من البياض‪ ،‬وسمكة ثالثة غريبة‪،‬‬
‫إلى البلكونة وتحضر لي الصنارة المسنودة هناك؟ اح��ت��رت ف��ي أم��ره��ا؛ فأسميتها «غ��ري��ب��ة»‪ .‬ث��م وضعت‬
‫وكما فعل العفريت مع النبي سليمان‪ ،‬أحضر األسد «غريبة» والسمكتين في حقيبتي البالستيك‪ ،‬التي كتبتُ‬
‫الصنارة قبل أن ترتد رموشي إلى أعاليها مطمئنة؛ عليها بالخط األح��م��ر العريض‪« :‬أن��ا بحب السمك»‪.‬‬
‫فقلت‪ :‬منذ اليوم أن��ت صديقي يا أس��د؛ تقاسمني وحملت الحقيبة على ظهري‪ ،‬وك��ان وجهها ال��ذي عليه‬
‫ًّ‬
‫أيامي السوداء والبيضاء‪ ،‬فتطلع األس��د إلى‬
‫عيني الكتابة واض��ح��اً تحت الشمس‪ ،‬وك��ان األس��د يتبعني‪،‬‬
‫حائراً؛ فضحكت‪ ،‬وقلت في نفسي‪ :‬كم أنت عبيط يا فعبرنا ميدان البريد‪ ،‬ثم دخلنا درب المنصور‪ ،‬وهو دربٌ‬
‫أسد؟ وكم تصبح الحياة جميلة‪ ،‬عندما تمر عليها األم ضي ٌق وطويل‪ ،‬خرجنا منه إلى سوق الطيور‪ .‬كان الزحا ُم‬
‫��اس غ��ارق��ون في البيع‬
‫المشمسة بأصابعها اللذيذة؛ فتحلم الكالب بعظمة ش��دي��داً‪ ،‬والطيور تتصايح‪ ،‬وال��ن ُ‬
‫الجزار التي تزن خمسة أطنان على األقل؟! أما بائع والشراء‪ ،‬وأنا أفكر‪ :‬هل آكل السمك مشوياً أم مقلياً؟ يا‬
‫البطاطا فتفوّق على الجميع بصيحة أبدية‪ ،‬يرددها ليتني أحضرتُ نقوداً معي الشتري زجاجة مياه غازية‪.‬‬
‫في جميع الشوارع‪ :‬يا عسل يا عسل يا عسل‪.‬‬
‫وكان أن غامت السماء وأرعدت‪ ،‬ونزلت األمطار‬
‫وك��ان األس��د يمشي خلفي‪ ،‬مثل التلميذ الشاطر‪،‬‬
‫إذا توقفتُ وقف‪ ،‬وإذا نظرتُ إلى السماء نظ َر إليها؛‬
‫فاعتقدتُ أنه من فصيلة األسود المرحة‪ ،‬وقلتُ ‪ :‬هيا‬
‫نلعب يا أسد‪ ،‬وأخرجتُ لساني فأخر َج األسد لساناً‬
‫أكثر ط��والً؛ وكنا نمشي في طريقنا إل��ى بحر النيل‪،‬‬
‫ولما وصلنا إليك يا نيل وجدناك تمي ُل إلى األزرق‪،‬‬
‫وأن��ا أتشاءم يا أزرق‪ ،‬متذكراً أن الجد األكبر لعائلة‬
‫البخالء في شارعنا كان اسمه األزرق‪ ،‬انحدرت منه‬
‫ساللة زرقاء‪ ،‬تشتري حزمة الجرجير وتوزعها بعدالة‬

‫الوافرة فوقنا؛ فتكونت هنا وهناك بحيرات متعرجة‬
‫الشواطئ‪ ،‬تطفو على مياهها عيدان بوص‪ ،‬وخيوط‪،‬‬
‫وق���ش‪ ،‬وخ��ن��اف��س‪ .‬وظ��ه�� َر ف��ي ب��ح��ي��رة ب��ع��ي��دة هيكل‬
‫حديدي‪ ،‬يرتف ُع من المياه‪ ،‬عالياً صدئاً‪ ،‬يخر ُج من‬
‫رأس���ه قضيب أف��ق��ي دوار‪ ،‬ينتهي ط��رف��اه بعجلتين‬
‫تدوران؛ فتنطل ُق منهما النا ُر والشرار‪ ،‬فقلتُ ماهذا‬
‫ياربي؟ هل نحن في يوم القيامة؟ أم هذه عالمة من‬
‫عالماتها؟! وتلفّتُ حولي أبحثُ عن األسد؛ لكنه كان‬
‫قد اختفى‪ ،‬واختفى معه كل شئ!‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ ‪23‬‬

‫السحارة‬
‫ّ‬
‫> بدرية البشر‬

‫<‬

‫زوج��ة أب��ي ام��رأة قاسية‪ ،‬تشبه زوج��ات األب في الحكايات المعروفة‪ ،‬يكفي‬
‫لوصفها تلك النظرة الملتاعة‪ ،‬التي تطفر من عيون نساء عائلتي‪ ،‬المشفقة عليّ من‬
‫وجودي بين يدي زوجة أب غير رحيمة‪ .‬زوجة أبي ال تداري قساوتها‪ ،‬مثل زوجات‬
‫األب الحاذقات‪ ،‬بل كانت ترد على جارتها وهي تتهددني أمامهن‪:‬‬
‫ ماذا سينفعني‪ ،‬إن أحسنت أم لم أحسن؟ آخرتها سيقولون (مرةْ أبو)‪..‬‬‫ثم تعود لتبرر‪ ،‬أن القسوة هي التي تربّي النساء‪ ،‬مثلما ربّتها هي‪ ،‬وتجعل منهن‬
‫نساء حقيقيات‪.‬‬
‫تزوجها أبي لتربيني‪ ،‬وتنجب لي إخ��وة‪ ،‬يرعونني عند الكبر‪ .‬لكن زوج��ة أبي‬
‫كانت امرأة عاقراً‪ ،‬وظن أبي أنها ستغمرني بالحنان؛ تعويضاً لحرمانها من نعمة‬
‫األمومة‪.‬‬
‫لكنني أدركت حين كبرت‪ ،‬وصرت أ ّماً‪ ،‬أنَّ األمومة شيء ال نتعلمه‪.‬‬
‫ال أعلم لماذا عجز أبي عن حمايتي‪ ،‬وهو يرى زوجته تثقل كتفيّ الصغيرين‪،‬‬
‫بحموله تنوء بها طفولتي وصبري؟ ربما ألن زوجته تغلق على من يقف أمامها منافذ‬
‫الهواء‪ ،‬فال يطلب منها سوى الستر‪ ،‬واتقاء الفضيحة‪ ،‬وأبي رجل مسالم ال يحب‬
‫الشجار‪ ،‬ويخشى الفضائح أمام الناس‪ ،‬واألقاويل التي تنسج خيوطها حوله‪ ،‬ويصير‬
‫أبي وزوجته خميرتها‪.‬‬
‫صرت أهرب من بيت أبي إلى بيت عمتي المجاور لبيتنا‪ ،‬وآنس بحكايتها‪ ،‬وهي‬
‫تمشط شعري‪ ،‬عن رقصات البنادق المشتعلة بأقدام الرجال‪ ،‬وغنائهم في أعراس‬
‫البنات الجميالت‪ ،‬لذا صرت أحب شعري‪ ،‬وصار مظلتي‪ ،‬التي تمطر بحكايات‬
‫عمتي في أماسي الوحدة‪ ،‬وتحميني وأنا نائمة من الغول الذي يشبه زوجة أبي‪.‬‬

‫‪24‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ‬

‫كان لعمتي صندوق كبير‪ ،‬من خشب السنديان‪،‬‬
‫��رص��ع ب��ق��ط��ع ن��ح��اس م�����دورة‪ ،‬وم���زالج���ه الذهبي‬
‫م ّ‬
‫الصغير‪ ،‬يصر في يدها‪ ،‬ويدغدغ فرحي‪ ،‬كلما همت‬
‫بفتحه‪ .‬كنت وأنا طفلة‪ ،‬ال أم ّل التنقيب فيه‪ ،‬وال أعثر‬
‫على قطع الحلوى فيه‪ ،‬حتى تمدها لي عمتي من‬
‫مخبئها ال��س��ري‪ .‬ك��ان لحلواها رائ��ح��ة غريبة‪ ،‬تمر‬
‫اآلن من تحت أنفي‪ ،‬عبقة برائحة العنبر‪ ،‬والمسك‪،‬‬
‫والزعفران‪« .‬لبانها» المر يتفتت بين أسناني‪ ،‬ويذوب‬
‫في حلقي‪ ،‬وتظل رائحته تنبعث مع أنفاسي‪ ،‬حتى‬
‫صباح اليوم التالي‪.‬‬
‫في صندوقها كذلك‪ ،‬أكياس من قماش أبيض‪،‬‬
‫أفواهها مضمومة بخيوط من القيطان الملون‪ ،‬تنبعث‬
‫منها رائحة سدر‪ ،‬وحناء‪ .‬وفي الصندوق عقود ملونة‪،‬‬
‫في كل مرة أجد عقداً ال يشبه اآلخر‪ ،‬بخرزات من‬
‫أل��وان مختلفة‪ :‬برتقاليه‪ ،‬وزرق��اء‪ ..‬منظومة كحبات‬
‫السبحة‪ ،‬تتوسطها قطعة مدورة من الذهب‪ ،‬عليها‬
‫زخارف فارسية‪ ،‬وهندية‪ .‬تتركني عمتي طوال الوقت‬
‫أتفحص صندوقها‪ ،‬وهي تعرف أنني ال أمِ ُّل منه‪ ،‬تقوم‬
‫لتصلي صالة الضحى النافلة‪ ،‬تجلس على سجادتها‪،‬‬
‫ثم تحاول شدي نحوها‪ ،‬وهي تفتح مصحفها الكبير‪،‬‬
‫ذا األحرف الكبيرة‪ .‬تناديني‪« :‬نوري»‪ ،‬ال أحد يدلعني‬
‫بهذا االسم غيرها! ما هذه الكلمة؟‬

‫لزوجة أب��ي‪ ،‬التي تتوعدني‪ ،‬وتحرِّض أبي ليمنعني‬
‫من البقاء مع عمتي‪ ،‬وحين لم ير ّد أبي عليها بغير‬
‫لطمات الباب وهو يقفله خارجاً‪ ،‬تركته بال غداء‪،‬‬
‫عقابا له‪ ،‬فصار يأتي ليتغدى معنا في بيت عمتي‪،‬‬
‫وتجلس زوجته وحيدة‪ ،‬تقضم فراغها وحسرتها؛ بل‬
‫صار أبي أحيانا يمضي قيلولته معنا‪ ،‬وبد ّال من أن‬
‫يُهيء لي طريق الخالص‪ ،‬راح يتبعني نحوه!‬

‫<<<‬
‫ك��ب��رت عمتي‪ ،‬ول��م أص���دق أن��ه��ا تكبر‪ ،‬ل��م أشعر‬
‫ب��ال��ف��رق‪ ،‬ألنها ال ت���زداد غير حنو وشفافية! كانت‬
‫تطلب مني أن أصبغ شعرها بالحناء‪ ،‬فأرى بياضه‬
‫يكثر‪ ،‬حتى غطى شعرها ك��ل��ه‪ ،‬وأص���دّ ق م��ا ترويه‬
‫عمتي‪ ،‬عن نساء عائالتنا وشعورهن اللواتي يشبن‬
‫مبكراً وهن صغيرات‪ .‬وعندما تطلب مني وأنا فتاة‬
‫فارعة الطول‪ ،‬أن أمد يدي لتتكىء عليها‪ ،‬لتنهض‬
‫وساقاها ترتجفان ضعفاً‪ ،‬أعتقدت أنها تشكو من‬
‫ألم بسيط‪ ،‬لو أخذت له دواء‪ .‬وحتى عندما صارت‬
‫عمتي تدخل في سجة النوم وهي جالسة‪ ،‬رحت وأبي‬
‫نعايرها بالكبر مزاحاً‪:‬‬
‫ عمتي يالله قومي نامي وخلي السهر للشباب!‬‫كانت تنهض وهي تردد‪ :‬يا الله حسن الختام‪.‬‬

‫أنظر في المصحف‪ ،‬وأتهجأ لها كلمتها الصعبة‪،‬‬
‫عمتي الزم���ت ال��ف��راش أي��ام��اً ط��وي��ل��ة‪ ،‬وصوتها‬
‫ثم أتمدد تحت جذعها ال��داف��ىء وع��ذوب��ة قراءتها‪،‬‬
‫ال��واه��ن‪ ،‬يختصر ال��ع��ب��ارات إل��ى إش����ارات‪ ،‬إذا لزم‬
‫وأدخل في لجّ ة األخيلة حتى أنام‪.‬‬
‫األمر؛ فاستيقظ في نفسي خوف‪ ،‬ال يريد أن يصدق‬
‫تحملني شراسة الوقت إلى بيتنا ألكنس الحوش‪،‬‬
‫أن عمتي تشيخ وتهرم مثل كل ال��ن��اس‪ .‬لم أتمالك‬
‫وأغ��س��ل ال��ص��ح��ون‪ ،‬وأك��ت��ب ف��ي ك��راري��س المدرسة‪،‬‬
‫نفسي وأنا أبكي عند قدميها‪ ،‬وألومها بأنانية طفلة‬
‫واجبات كثيرة‪ ،‬يتناصفها النوم وبياض الورق‪.‬‬
‫تحاول التشبث بأمها لكي ال ترحل‪:‬‬
‫تعلّمت حين كبرت‪ ،‬أن أقاوم شراسة زوجة أبي‪.‬‬
‫ عمتي هل ستتركيني أنت أيضاً؟‬‫وعمتي تدفعني بنظرات مطمئنة‪ ،‬ألكون امرأة قوية‪،‬‬
‫ يا بنتي كل نفس ولها أجل مكتوب‪.‬‬‫ولكن عاقلة‪ .‬ص��رت أقضي النهار في بيت عمتي؛‬
‫أكتب واجباتي المدرسية‪ ،‬وأمأل جفوني بنوم طويل‪،‬‬
‫أش��ارت نحو السحّ ارة‪ ،‬وقلبي يتهشم ببكاء مر‪،‬‬
‫ومعدتي بخبز عمتي الحار‪ ،‬تاركه عمل البيت وخدمته أنظر الى الصندوق‪ ،‬ثم إلى عمتي‪ ،‬ألدرك ما تقول‪:‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ ‪25‬‬

‫ يا بنتي هذه السحّ ارة لك‪ ،‬لقد كانت سلواك‬‫وأنت طفلة‪ ،‬ومخبأك‪ ،‬من زوجة أبيك‪ ،‬عندما كنت‬
‫صغيرة‪ .‬كانت دموعك تجف وهي تبرق حين تنظرين‬
‫إلى حلواها‪ ،‬تدخلين فيها ضاحكة من أوجاع األطفال‬
‫التي تنسى‪.‬‬

‫ربما ه��يء ألب��ي أنني سأصاب بلوثة في عقلي‪،‬‬
‫بسبب فقدي لعمتي التي يعرف مدى تعلقي بها؛ لذا‬
‫فإنه كان حريصا على تزويجي قبل أ ْن أ ُجَ ��نَّ ‪ ،‬وربما‬
‫ظن كذلك أنني أداري خجلي‪ ،‬وفرحي‪ ،‬بالركض إلى‬
‫غرفتها‪ .‬لكنني بالفعل كنت أهفو‪ ،‬إلى سحاّرة عمتي‪،‬‬
‫ألفتحها‪ .‬رأيت وجه عمتي يضيء‪ ،‬وأسنانها الصغيرة‬
‫المتسقة بإنتظام‪ ،‬تلمـع‪ ،‬عرفت ساعتها أن عمتي‬
‫تباركني‪ ،‬وتحثني أن أقبل؛ لذا تزوجت‪.‬‬

‫فَ��قْ�� ُد عمتي ك��ان أم���راً ب��ال��غ الصعوبة‪ ،‬أسلمني‬
‫لصحراء شاسعة من الوحدة‪ ،‬وشمس تحرق جبهتي‬
‫كلما رفعت رأس��ي بحثاً عنها‪ .‬وتعلمت أن التحزم‬
‫بالصبر‪ ،‬قد حان وقته دون خيار!‬

‫صاح عبدالله‪ :‬والله أنه هو‪ ،‬هو الذي كسرها‪.‬‬

‫ثم أضافت وهي تخفض صوتها‪:‬‬

‫ هذه السحّ ارة فيها سر عجيب‪ ،‬ستظل تحملني‬‫داخلها‪ ،‬سأنصت لك‪ ،‬وأراقبك منها بعناية‪ ،‬وحين‬
‫تريدينني‪ ،‬ستجدينني قريبة منك‪ ،‬وسأهتم بك عند‬
‫حملت صندوق عمتي معي إلى بيت زوجي سالم‪،‬‬
‫الحاجة فال تخافي‪ ،‬إن ضاقت بك الدنيا‪ ،‬افتحيها‪ ،‬وتركته قابعاً في قلب مخزن البيت‪ ،‬فصفحة حياتي‬
‫لكن في ظ�لام الليل‪ ،‬سيظهر وجهي ل��ك؛ ف��إن كان مع سالم‪ ،‬كانت رائقة كوجه نهر‪ ،‬وأغرف كل يوم من‬
‫يضحك‪ ،‬فهو الرضا بما تسألين عنه‪ ،‬وإن كان غير‬
‫النهر‪ ،‬حكمة ال تنضب‪ ،‬حتى جاء ذات يوم‪ ،‬عال صراخ‬
‫ذلك‪ ،‬فهو كما رأيته‪.‬‬
‫الصغيرين‪ ،‬ويتسابقان نحوي‪ ،‬كل منهما يحرص على‬
‫<<<‬
‫سبق اآلخر‪ ،‬ليبرىء نفسه‪.‬‬

‫اعتدت الوقوف على سحّ ارة عمتي‪ ،‬دون أن يتهشم‬
‫صدري بالبكاء‪ ،‬رحت أسلّي نفسي بأشياء عمتي في‬
‫ظالم الليل كما أشترطت‪ ،‬ورحت أتنشق زعفرانها‬
‫وحنّاءها وعنبرها المخلوط بالمسك‪ .‬وإذا ما أردت‬
‫ِ‬
‫إختبار أمر ما‪ ،‬نازعتني فيه حيرتي‪ ،‬ألوذ بوجه عمتي‪،‬‬
‫كما حدث معي ذات يوم‪ .‬جاء أبي ليخبرني بخطبة‬
‫(سالم) ابن جارنا لي‪ ،‬وعلى الرغم من أن سالم هو‬
‫الرجل الوحيد الذي ال يعكّر صفوي البوح باسمه في‬
‫أمسيات الوحدة‪ ،‬كنت أدرك أن عمتي وحدها من‬
‫سيشير علي بأي طريق يعدني بالخالص؛ لذا فإنني‬
‫قلت ألبي حينها‪:‬‬
‫ سأستشير عمتي‪ .‬وركضت إلى غرفتها‪.‬‬‫< كاتبة وقاصة سعودية‪.‬‬

‫‪26‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ‬

‫راح اآلخر يقسم‪ .‬بل هو يا أمي هو‪!..‬‬
‫أتجهت نحو غ��رف��ة ال��م��خ��زن‪ ،‬ال��ت��ي خ��رج��ا منها‬
‫ركضاً‪ ،‬كان صندوق عمتي منكبا على وجهه‪ ،‬وحناءها‬
‫منتشراً على األرض‪ ،‬وال تزال رائحته عبقة ندية كما‬
‫كانت‪ .‬وعقودها‪ ،‬تتكوم في جانب آخر‪ .‬رفعته‪ ،‬وقلبي‬
‫ينكسر‪ ،‬في ضوء النهار السخي‪ ،‬سمعت صوت مرآة‬
‫تنشطر‪ ،‬وه��ي تسقط م��ن وج��ه غ��ط��اء الصندوق‪،‬‬
‫تحول غطاء الصندوق من الداخل‪ ،‬إلى لوح أسود‪ ،‬ال‬
‫يضيء‪ ،‬بوجه عمتي‪ ،‬وال بعينيها؛ رفعت المرآة بحذر‪،‬‬
‫أضحك على طفولتي‪ ،‬كانت عمتي تحملني في كل‬
‫م��رة أفتح الصندوق للنظر إل��ى وجهي‪ ،‬ك��ان وجهي‬
‫يظهر في المرآة‪ ،‬وظالم الليل يخدعني‪ ،‬فأعتقد أن‬
‫وجه عمتي هو الذي يظهر لي‪ ،‬وضحكت أكثر‪ ،‬حين‬
‫أدركت إلى أي حد كنت أشبه عمتي!!‬

‫حواجز األلوان‬
‫للكاتب «فالمون فرانسيس» ‪ -‬جنوب أفريقيا‪.‬‬
‫> ترجمة‪ :‬ياسمينة صالح‬
‫تعريف بالكاتب‪ :‬ولد «فالمون فرانسيس» في مقاطعة «كيت» بجنوب أفريقيا‬
‫سنة ‪1942‬م‪ .‬عاش حياة البؤس في مجتمع تحكمه األقليات البيضاء‪ .‬درس‬
‫األدب في جامعة «جوهانسبورغ»‪ ،‬ثم هاجر إلى كندا‪ .‬يكتب القصة القصيرة‬
‫والرواية‪ ،‬ومن إصداراته‪ :‬كيت لوف‪ ،‬األبيض الميت‪ ،‬نداء الروح‪ ،‬في القلب بقايا‬
‫رجل‪ .‬القصة التي نقدمها للقارئ الكريم‪ ،‬اخترتها من مجموعته «نداء الروح»‬
‫الصادرة في باريس سنة ‪1980‬م‪.‬‬

‫حواجـ ــز األلـ ـ ـ ــوان‬
‫يمشيان معاً‪ ..‬جنباً إلى جنب؛ فيبدو شكلهما في غاية الفرح‪ ..‬الحب حالة‬
‫مثيرة للدهشة في هذه المدينة‪ ،‬التي قست عليها الحياة‪ ،‬فصار الفرح فيها خدعة‬
‫جميلة‪ ..‬ولكنهما معاً اآلن‪ ..‬يدركان جيداً‪ ،‬أن القلب وحده يقود الروح إلى مقاصد‬
‫أخرى‪ ،‬مدهشة ومثيرة؛ ولهذا السبب يبدو شكلهما منطقياً‪..‬‬
‫هو «نجوما»‪ ،‬مهندس معماري ش��اب‪ ..‬تخرج منذ ثالثة أع��وام من الجامعة‪،‬‬
‫ليكتشف أنه ال يملك ما يصممه‪ ..‬فالمباني الشاهقة والمنازل الفخمة والدافئة‬
‫من الداخل‪ ،‬ملك اإلنسان األبيض‪ ،‬و«نجوما» مخلوق أسود‪ ،‬هذا قدره‪ ..‬وألن هذا‬
‫قدره‪ ،‬فقد اقتنع أخيراً أن الهندسة المعمارية اتجاه خاطئ‪ ،‬فالتحق بعدئذ بشركة‬
‫عادية موظفاً بال أدنى تخصص‪..‬‬
‫أما هي‪ ،‬فاسمها «زاديما» ‪ -‬وزاديما في لغتهم تعني ذات العيون الناعسة‪،‬‬
‫تعمل في متجر يبيع الزهور‪ ..‬متجر يبدو على حافة اإلف�لاس؛ فمن ذا الذي‬
‫يشتري الورود في مدينة تبعث على الضغينة والحرب؟ ها هما يمشيان بخطوات‬
‫متناغمة‪ ،‬يقودهما الحب‪ ،‬والحلم البسيط بأن يتزوجا قريباً‪ ..‬يمشيان ويتحدثان‬
‫عن المستقبل واألبناء‪ ..‬ها هما‪ ،‬دونما وعي منهما‪ ،‬قد تجاوزا منطقتهما ودخال‬
‫إلى منطقة البيض‪ ..‬منطقة ال يدخلها الزنوج؛ ففي مدخل هذه األحياء الفتة‬
‫كتب عليها باللون األحمر‪ :‬الموت للسود‪.‬‬
‫العنوان األصلي للقصة‪ ،)Les limites( :‬القصة منقولة من مجلة «فيغارو األدبية» الفرنسية‬
‫ترجمة ياسمينة صالح ‪ -‬الجزائر‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ ‪27‬‬

‫وجع احللم‬
‫> أشرف اخلريبى‬

‫<‬

‫علي‪...‬‬
‫ذهبت إليك كل النهار‪ ,‬وكل الليل‪ ,‬وكل ساعة‪ ,‬وما لقيتك‪ .‬والقرية كانت تقف‬
‫على أصابعها وتغط في نوم عميق‪ .‬لما يتسرب هواء الغيطان إلى المخادع في الليل‬
‫األسر‪ ,‬تطير النسمات حيث األجساد الشقيانة‪ ,‬تبقى هامدة حتى الصباح‪ ,‬وأنا‬
‫أقف‪ .‬كنت أنتظرك‪..‬‬
‫أنتظرك دون معنى سوى انتظاري لوهمك‪ ,‬سألت عن وج��ودك ال��ذي يستفز‬
‫وج��ودي‪ ،‬وعرفت أن لك بيتاً وأوالداً‪ .‬سألت عنك‪ ،‬المراسي والشطأن‪ ،‬والبحر‬
‫الغريب‪ ،‬واألرض التي كانت تعفر جبينك‪ .‬نعم أعرف مالمحك‪ ,‬من قديم تقفز‬
‫في ذاكرتي‪ ،‬وترن ضحكة عسلية في أذني‪ .‬وناديت على كل شيء فيك دون رجاء‬
‫من وقوفي هكذا‪ ،‬أمام أعتاب بيتك‪ ,‬وصمتك الذي فتت نظرتي وتبرمي بكل شيء‬
‫حولي‪.‬‬
‫وحيداً كنت يا عليّ ‪ ،‬وأن��ت تنام في زم��ن القياصرة‪ ,‬وتسألني عن األساطير‬
‫القديمة‪ ,‬وعن غاب البالد وزاده��ا‪ ،‬وأسألك عن القطار‪ ،‬الذي يحمل الناس في‬
‫ب�لادي وه��م يقفون علي األرص��ف��ة‪ .‬وتقول ها هم الناس يسيرون يحملون على‬
‫أكتافهم أعناقاً‪ ,‬وعلى أعناقهم رؤوساً‪ ,‬وفي رؤوسهم عيون‪ ،‬وفي عيونهم وجع وحلم‬
‫يؤرجح الليل‪.‬‬
‫أي حلم يا عليّ قلت لي عنه؟ وأنت القادم قبل وقتك‪ ،‬والمحال الذي عرفت‪.‬‬
‫كنت تذبح الوهم عند أعناق المدينة‪ ،‬وتوغل في الكالم‪ ،‬ترفع عيونك إلى أعلى‬
‫وتصمت‪ .‬عرفتك منذ عشرين عاماً‪ ,‬نائماً في قش الغيطان‪ ،‬أو في ساعة العصرية‪،‬‬
‫عند أشجار الزيزفون‪ ،‬والساقية التي رفعت الماء‪ ..‬ترفع‪ .‬يجرها ثور عتيد مغمض‬

‫‪28‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ‬

‫العينين‪.‬‬
‫ لماذا أغمضت أعينهم يا عليّ ؟‬‫‪ -‬حتى ال يدوخوا!!‬

‫مجعوصاً‪ ،‬تقعد على أريكة من قماش حرير‪ ،‬مفترشاً‬
‫كل شيء أمامك‪ ،‬واضعاً يدك على «الريموت» وخدك‬
‫األحمر وجبهتك الناصعة‪ .‬وأح��زن ألني ال أجدك‪،‬‬
‫وال أستطيع استخراجك من ذاك��رت��ي‪ ,‬من عنفوان‬
‫صداقتي لك‪ ،‬وحزني الذي أل َّم بك‪ ،‬وأصابعي التي‬
‫مرت على تقاطيع وجهك المبلول‪ .‬وأنا انتشلتك من‬
‫المدار‪ ،‬الذي سقطت فيه‪ ,‬أستخرج تعاريج األرض‬
‫من قدميك ومن يديك‪ .‬أتعّرف كل شيء فيك شيئاً‬
‫فشيئاً‪ ،‬وأبكي وأسألك‪ :‬أنت سليم يا علي؟‬

‫ح��ي��ن ن��ادي��ت��ك‪ ،‬خ��ف��ت وت��راج��ع��ت‪ ،‬وش��ب��ح وجهك‬
‫أمامي‪ ،‬يرج أنحائي رجاً‪ ,‬يخضني خضاً‪ .‬لم تكن هو‬
‫أنت‪ ،‬وال أعرف متى بدأت مأساتي معك؟ أعرف أنك‬
‫كنت معي‪ ..‬داعبتني‪ ،‬وسرقت الحلم مني عند شجر‬
‫الزيزفون‪ ,‬وذهبت أنا للمدينة التي سرقت النار من‬
‫عبادها‪ .‬سرقت اآلهات من الحيارى والمسكونين‪,‬‬
‫ومن يومها‪ ،‬تقول أنك مدين بحياتك لي‪ .‬أنا ال‬
‫وأنت تسرق الفاكهة من الغيطان‪ ,‬تعطيني أنا الخائب أذكر فيك غير أمك‪ ،‬واألوالد‪ ،‬والترعة‪ ،‬وشجر التوت‪،‬‬
‫ابن المدارس‪ ،‬كما قلت‪ ،‬واحدة وتقول‪ :‬ذقها!‬
‫والبنت‪ .‬البنت التي كانت نحيفة وتحبك‪ ,‬كنت تقول‬
‫أنها «رفع القشاية»‪ ،‬معك اآلن امرأة ثمينة‪ ،‬وفاكهة‬
‫عليّ ‪ ..‬جئتك‪.‬‬
‫ال بأريج بكر‪ ،‬غير التي كنت تسرقها زمان‪ .‬اشتريتها من فلوسك‪،‬‬
‫عليّ ‪ ..‬جريت إليك ملهوفاً‪ ،‬ومحم ً‬
‫برائحة السنابل‪ ،‬وتصاوير الحقول في عيني‪ ،‬والطرق وشعرك األسود الفاحم شاب‪ ،‬ووجهك األسمر أبيّض‬
‫بحمرة العز‪.‬‬
‫المتعرجة في فدادين القمح‪.‬‬

‫وك����ان ال��ق��ط��ار ي��ح��م��ل ال��ن��اس ف��ي ب��ل�ادي‪ ،‬حين‬
‫سألت عنك‪.‬‬
‫سرقتني المدينة بما ق��ال��ت عنك ي��ا ع��ل��ي‪ .‬جئتك‬
‫في الريف البعيد هناك‪ ،‬عند أعلى قمة للصمت‪ ،‬عند مدار الساقية الذي تعرف‪ ,‬فوق تلك المساحة‬
‫ولتوحّ دنا‪ ,‬أعلى مدار للساقية‪ ،‬وأبنية تتراص ببطءٍ المستطيلة م��ن ح��زن ال ي��ج��يء‪ ،‬وش���وق يخبط في‬
‫شديد‪ ,‬وتصنع أرجوحة للغناء‪ ،‬غنا ًء بدائياً له طعم جوانحي‪ ،‬يلم آثار لهفتي عليك‪ ،‬ويرميها للمدى وأنت‬
‫الثريد‪( .‬طلعت يا محال نورها شمس الشموسة‪ .)...‬ما جئت‪ .‬أبداً إلي‪:‬‬
‫كنت أنظر في جباه الخارجين‪ ،‬واألرض تنظر‬
‫ماذا تقول يا علي؟‬
‫إليهم وال تعرفهم‪ ،‬وال أن��ا أعرفهم‪ ،‬وال أن��ت فيهم‪.‬‬
‫ه��ا ق��د ع��رف��ت��ك‪ .‬ع��ش��رون ع��ام��اً ن��ائ��م��اً ف��ي قش‬
‫وأصرخ من فرط وجعي النتظارك‪ ،‬وحدي أجلس‪..‬‬
‫نعم وحدي‪ ..‬يقول النهار أنك لم تعد آخر النهار‪ ،‬كما ال��غ��ي��ط��ان‪ ,‬وح��ي��ن رف��ع��ت ي��دي وأن��زل��ت��ه��ا على بابك‬
‫أصر الباب صريره الفاحم‪ .‬ونظرت في‬
‫ع��ادوا‪ ،‬وال حتى أخر الليل‪ .‬وجئتك كل النهار وكل الحديدي‪ّ ..‬‬
‫وجهي مستغرباً‪ .‬وسألتني‪ :‬من أنت؟ رحبت بي‪ ،‬كأي‬
‫الليل‪ ,‬وكل ساعة وما لقيتك‪..‬‬
‫زائر ال تعرفه‪ ،‬وفي عينيك سؤال لئيم؛ فردت يدك‬
‫يقول المساء‪ :‬إنك هنا متوحّ د هناك‪.‬‬
‫على آخرها‪ ،‬وأنت تنظر في دهشة‪ ،‬وكان الناس في‬
‫أحضرت الفيديو‪ ،‬وأشرطة من كل نوع‪ ،‬وجلست ب�لادي عارفين مواعيد ال��ق��ط��ارات‪ ،‬التي تأتي من‬
‫في صحن دارك ال تخرج للناس‪ ،‬وال ترى األرض‪ .‬أقاصي الدنيا‪ .‬ولم تكن تعرفني يا علي!!‬
‫< روائي وناقد ‪ -‬مصر‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ ‪29‬‬

‫قصص قصيرة جدا ً‬
‫قبعتان‬
‫‪-1-‬‬

‫> عبدالله املتقي‬

‫<‬

‫وح��ي��ن ان��ت��ب��ه‪ ،‬ك��ان��ت ع��ي��ن��ه األخ����رى ت��ح��ت كعب‬
‫حذائه‪.‬‬

‫ُعمى األلوان‬

‫قبع ٌة رمادي ٌة تتدلى من المشجب‪ ..‬حفنة ذكريات‬
‫خطر للرجل األع��م��ى‪ ،‬ال��رج��ل ال���ذي ل��ه عينان‬
‫صاخبة ف��ي زاوي���ة م��ه��ت��رئ��ة‪ ..‬أح����زا ٌن ت��ل��وث فضاء‬
‫جاحظتان‪ ،‬أن يتفحص وجهه في المرآة‪.‬‬
‫الغرفة‪ ..‬ورج ٌل يستمع لضجيجه‪.‬‬

‫‪-2‬‬‫قبع ٌة بنيّة تتدلى من المشجب‪ ..‬حفن ُة ذكريات في‬
‫زاوية مهترئة‪ ..‬زف��راتٌ تدثر أرض الغرفة‪ ..‬وامرأةٌ‬
‫تطل على ضجيجها من نوافذ موجعة‪.‬‬

‫‪-3‬‬‫القبعتان سقطتا من المشجب‪..‬‬
‫والنعاس اغتال المرأة والرجل‪.‬‬

‫شغب جميل‬
‫‪-1‬‬‫خلع قبعته أمام المرآة‪.‬‬

‫‪-2‬‬‫في المرآة رجل بعين واحدة‪.‬‬

‫‪-3‬‬‫في قاع القبعة امرأة تكور بكفيها عينه األخرى‪.‬‬

‫عينان‬
‫مشى وئيداً في الظالم‪ ،‬سقطت عيناه‪ ،‬وتدحرجتا‬
‫إلى مكان ما‪..‬‬
‫فجأة داس حذاؤه ما يشبه شيئا طرياً‪..‬‬

‫< قاص وشاعر من المغرب‪.‬‬

‫‪30‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ‬

‫تسلل إلى غرفة نومه‪ ،‬أشعل الضوء‪ ،‬وقف أمام‬
‫المرآة‪ ،‬ثم انقطع التيار الكهربائي‪.‬‬

‫قمر وحكاية‬
‫محطة البنزين أنيقة ه��ذا الصباح‪ ،‬ألن المطر‬
‫ت��وق��ف غ���زي���راً ع��ل��ى ع��ت��ب��ات ال��ف��ج��ر‪ ،‬وب��ع��د ساعة‬
‫سيتسلل رجل بال ضوضاء‪ .‬تحت معطفه الشتوي‪،‬‬
‫حكاية صفراء‪ ،‬وعلبة سجائر‪ ،‬وقلم أزرق‪.‬‬
‫بعد السيجارة األولى‪ ،‬التي تنفض عن عينيه قصة‬
‫الليل الطويل‪ ،‬ينثر الرجل ضجيج صمته فوق المائدة‪،‬‬
‫بين الفناجين‪ ،‬ويعود لقمره المنسي‪ ،‬ثم أصبح ثاني ًة‬
‫وحدي‪.‬‬

‫رصاصة فارغة‬
‫في اليوم األول‪ ،‬تعرضت سيارة شرطة لوابل من‬
‫الرصاص‪.‬‬
‫ف��ي ال��ي��وم ال��ث��ان��ي‪ ،‬أط��ل��ق ش��رط��ي رص��اص��ة على‬
‫جبينه‪.‬‬
‫في اليوم الثالث‪ ،‬حسمت نتيجة التشريح الطبي‪.‬‬
‫وفي اليوم األخير جاء الشرطي نفسه إلى مسرح‬
‫الجريمة على دراجة هوائية‪،‬‬
‫تفوح من يده اليمنى رائحة رصاص مغشوش‪.‬‬

‫معركة مع فرغل‬
‫> محمد إبراهيم قشقوش‬

‫<‬

‫على الطريق الترابي الممهّد في مدخل القرية‪ ،‬بجوار الترعة‪ ،‬تجمّعوا ككل ي��وم وقت‬
‫العصرية‪ .‬أطراف ثيابهم المتسخة‪ ،‬والمزركشة بلون الطين‪ ،‬علّقوها على أسنانهم‪ .‬تفرقوا يميناً‬
‫وشماالً‪ ،‬اختبؤوا فوق األشجار وخلف عشش القش‪ ،‬المنتصبة المتهاوية بأطراف الحقول وأسفل‬
‫ضفة الترعة الطينية‪ ،‬حيث الروائح النتنة‪ ،‬يمرحون ويلعبون «عسكر وحرامي وكهرب» و»ال ُغمّيضة‬
‫وسمكة في الوسط»‪ ،‬يلتقطون السمك من الترعة‪ ،‬والعصافير من أعلى األشجار‪..‬‬
‫قال لهم رافعاً صوته ليسمعوه‪« :‬أريد اللعب معكم»‪ .‬رد أحدهم عليه‪« :‬إن سبقت فرغل تلعب‬
‫معنا»‪.‬‬
‫تحوّل بصره نحو فرغل‪ ،‬ثيابه الرثّة‪ ..‬شعره األغبر‪ ..‬قدميه الحافيتين‪ ..‬تفحصه فرغل هو‬
‫اآلخر‪ ،‬بدا في نظراته شيء من االحتقار‪ ،‬سرعان ما أخفاه؛ صوته رجولي قليالً‪ ،‬يبدو أكبرهم‪،‬‬
‫قال‪« :‬ال نُدخل معنا غرباء‪ ..‬ولكن هيا سابقني إ ْن فُزت تلعب معنا»‪..‬‬
‫فاجأه بالجري‪ ،‬انطلق بأقصى عزمه؛ بدا األمر كسباق على حياة أو موت‪ ،‬سيقانه كسيقان‬
‫(فرس النبي)؛ تتخذ زوايا حادة كلما ارتفعت الركبتان إلى أعلى تعود وتنفرج‪ ،‬وتخلّف وراءها قفزة‬
‫خارقة‪( .‬فرغل‪ ..‬فرغل‪ ..‬فرغل) يشجعونه‪ ،‬حاول اللحاق به‪ ،‬خذلته قدماه‪ ،‬تخطّ اه بمسافات‪،‬‬
‫عاد مفتخراً بنفسه‪ ،‬هلّلوا له (فرغل‪ ..‬فرغل‪ ..‬فرغل)‪ .‬انتفخ كالديك الرومي‪ ،‬رمقه بنظرات‬
‫متعالية‪ ،‬قال له (لقد خسرت)‪ .‬انطلق‪ ..‬انطلقوا خلفه‪ ،‬واصلوا اللعب‪ ،‬راقبهم أثناء جلوسه على‬
‫جذع الشجرة المقطوع المحاذي لشط الترعة‪ ،‬ضم ركبتيه لذقنه‪ ،‬بدا كغصن نبت فجأة في‬
‫الجذع الميت‪ ،‬دفع بيده حجرة صغيرة في الماء‪ ،‬كوّنت دوائر من قـاذورات‪.‬‬
‫جلسوا على مقربة منه‪ ،‬كانوا يلهثون من التعب‪ ،‬وجوههم حمراء المعة كسرب سمك مرجان‬
‫ض ّل طريقه واستقر جواره‪ ،‬لم يعيروه اهتماماً‪ ،‬نظر لفرغل‪ ،‬اعتبره المشكلة‪ ،‬لو أثار اهتمامه‬
‫للفت انتباههم‪ ،‬كلّمه أحدهم‪ ،‬كأنه لم يكن موجوداً وفجـأة تراءى لهم‪( ،‬سنشركك معنا في اللعب‬
‫إن تمكّنت أن تّصيب بالنبلة إح��دى تلك العصافير على الغصن)‪ ..‬أض��اف (فرغل يفعل ذلك‬
‫دائماً)‪ ..‬تأمل أغصان شجرة التين البنغالي بأغصانها المرتفعـة‪ ،‬اختبار آخر من اختباراتهم‪،‬‬
‫تناول النبلة منهم‪ ،‬أطلقها‪ ..‬ارتفعت الحصوة عالياً لتطول األغصان‪ ،‬تحركت عيونهم معها‪،‬‬
‫سقطت بعيدة‪ ،‬العصـافير ما تزال واقفـة‪ ،‬ضحك فرغل‪ ،‬ضحكوا وراءه التقط حصـوة أخرى‬
‫من األرض‪ ،‬ثبتها بها‪ ،‬جرب مرة أخرى‪ ،‬لم تفلـح محاولته‪ ،‬التقطهـا فرغل منه بخفة‪ ،‬نظر إليه‬
‫ساخـراً‪ ،‬ثبّت الحصوة في النبلـة‪ ،‬باعد بين يديه أفلتهـا من بين أصابعه‪ ،‬انطلقت صوب الهدف‪،‬‬
‫سقط العصفور بينهم‪ ،‬عـاود النظر إليه متباهياً ردّد كلمته له (لقد خسرت) هللوا له (فرغل‪..‬‬
‫فرغل‪ ..‬فرغل) خبّطوا بأيديهـم داللة الفرحـة‪ ،‬يتمنى أن يُخ ّبـط رأس فرغل بصخـرة‪.‬‬
‫الوقت ما زال عصراً‪ ،‬غير أنه في طريقه إلى الغروب‪ ،‬حرارة الجو تزداد كلما اقترب المساء‪،‬‬
‫لفحات حارة تصفح الوجوه‪ ،‬خليط من تراب وعرق غلَّف األجساد‪ ،‬رائحة أجسامهم عفنة من‬
‫اللعب‪ ،‬ما زال يريد اللعب معهم‪ ،‬لن يلعب معهم إال إذا رضي عنه فرغل‪ ،‬يدرك ذلك‪ ..‬يوجّ ه كالمه‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ ‪31‬‬

‫إل��ى فرغل‪ ،‬يعرض عليه إحضار قطع من الثلج من ثالجة‬
‫خالـه البقال ليلعبوا بها‪ ،‬ستلطّ ف الجو قليالً‪ ،‬نظر إليه محدقاً‬
‫دون أن يعلّق‪ ،‬تحولت نظرته إلى نظـرة استهزاء‪ .‬خلع ثيابه‪،‬‬
‫فعلوا مثله‪ ،‬قفز في الترعة‪ ،‬فقفزوا خلفه‪ ،‬سراويلهم المترهلة‬
‫التصقت على أف��خ��اذه��م‪ ،‬أصبحت شفافة عند ابتاللهـا‪،‬‬
‫مؤخراتهم أكثر وضوحاً من وجوههم‪ ،‬ال يعيرون هذا اهتماماً‪،‬‬
‫تعودوا على فعل ذلك‪ ،‬يناديه فرغل (تريد اللعب معنا‪ ،‬هيا‬
‫اخلع تلك المالبس الفاخرة واسبح معنا في الترعة)‪ ..‬تردد‬
‫في اإلج��اب��ة عليه‪ ،‬يصرخون فرحاً بالماء‪ ،‬يضربون سطح‬
‫الماء بأيديهم‪ ،‬تتحرك القذارة الراكدة من حولهم‪ ،‬نهاه خاله‬
‫عن نزول الترعة‪ ،‬قال له‪« :‬مليئة بالديدان»‪.‬‬
‫عاود فرغل مخاطبته‪ ،‬رفع صوته ليسمعه‪« :‬اسمع يا‪..‬‬
‫اذهب واحضر ذلك الثلج من بقالة خالك‪ ..‬هيا أسرع»‪!..‬‬

‫تسلقوا الضفة الترابية للترعة خارجين منها بدوا كجرذان‬
‫مبللة خرجت م��ن مخابئها‪ ،‬تباطأت خطواته توقف أمام‬
‫فرغل‪ ،‬مسح بظهر يده ذلك العرق الكثيف المتسـاقط منه‪.‬‬
‫سأله فرغل‪ ،‬ب��دا عليه أن��ه غير مصدق أ ّن��ه فعل ذل��ك (هل‬
‫أتيت بالثلج فعالً؟)‪ ..‬أجابه بتباهي أم��ام الجميع‪« :‬نعم ها‬
‫هو الثلج»‪ ..‬م��دّوا أيديهم داخ��ل الكيس‪ ،‬لم يم ّد فرغل يده‬
‫معهـم‪ ،‬لم يجدوا في الكيس غير ماء‪ ،‬ضحك فرغل‪ ،‬ضحكوا‬
‫معه‪ ،‬غمز لهم‪ ،‬علق (ألم أقل لكم أنه سيفعلها) خاطبه فرغل‬
‫باستعالء (أيها الغبي إن الثلج لن يصمد طيلة هذه المسافة‬
‫وف��ي ه��ذا ال��ح��ر ال��ش��دي��د‪ ،‬أل��م يعلموك ه��ذا ف��ي مدرستك‬
‫بالقاهرة؟ وعموماً لقد انتهينا من اللعب اليوم‪ ..‬سالم)‪.‬‬

‫انصرف فرغل‪ ،‬انصرفوا وراءه‪ ،‬تفرقوا في جهات متعددة‬
‫يكلم نفسه‪ ،‬ها هي الفرصة ليشترك معهم في المرح‪ ،‬في طريقهم إلى بيوتهم تركوه وراءهم ككيس من القاذورات‪.‬‬
‫يشعر أنه ما زال في السباق مع فرغل‪ ،‬سيسبقه هذه المرة‪،‬‬
‫كانت الشمس في طريقها إلى الغروب‪ ،‬لون ضيائها اتخذ‬
‫ل��ن يستسلم أم��ام��ه‪ .‬ان��ط��ل��ق ص���وب ال��ق��ري��ة‪ ،‬س��م��ع أصوات‬
‫ال أكثر حُ مرة‪ .‬صمت رهيب أح��اط ب��ه‪ ،‬نسمات الهواء‬
‫ضحكاتهم‪ ،‬تخافتت كلما ازداد اب��ت��ع��اداً‪ ،‬ال ي��ع��رف عمّا شك ً‬
‫يضحكون‪ ،‬فاتته إحدى فكاهاتهم‪.‬‬
‫النادرة توقفت تماماً‪ ،‬ازداد الجو حرارة‪ ،‬عشرات من الذباب‬

‫صندوق صغير رباعي الجدران‪ ،‬مكدّس بالمواد الغذائية‪ ،‬والبعوض هاجمته‪ ،‬حوطت وجهه وجسده‪ ،‬شعر بالرغبة في‬
‫وأح��ذي��ة‪ ،‬وع��دد من فساتين البنات الصغيرة؛ هكذا محل الصراخ‪.‬‬
‫خاله‪ ،‬يبدو كصندوق الدنيا‪ ،‬وسط الصندوق يجلس خاله‪..‬‬
‫في اليوم التالي كان يسلك وخاله طريق القرية‪ ،‬يشقانها‬
‫بجوار البقالة تقف في وه��ن ثالجة اآلي��س كريم الصدِ ئة‪،‬‬
‫تُصدر ضجيجاً مزعجاً‪ ،‬تبدو كسيارة تفقد عزمها كل قليل ثم إل��ى شطرين متساويين‪ ،‬حقيبته معه‪ ،‬اتخذا معاً الطريق‬
‫تعاود الحركة ببطء‪ ،‬يدعو الله أن يكون بها ثلجاً‪ ..‬يضحك‪ ..‬المؤدّي إلى موقف السيارات‪ ،‬إجازته عند خاله قد انتهت‪،‬‬
‫جدرانها أق ّل سمكاً من قوالب الثلج المتراكمة‪ ،‬عندما وضعها ووقت عودته إلى بيته في القاهرة قد آن‪ ،‬يواصالن المشي‬
‫في الكيس بدت كغزل البنات‪.‬‬
‫بخطى متزنة‪ ،‬والقرية تتحرك من وراءهما مبتعدة‪ ..‬من بعيد‬

‫انطلق عائداً إلى مدخل القرية حيث الطريق الزراعي‪ ،‬بدت أشجارها كسور حصن منيع ال يستطيع أحد اجتيازه‪.‬‬
‫تسارعت خطاه‪ ،‬تساقط عرقه بغزارة‪ ،‬تركه خلفه‪ ،‬منّى نفسه‬
‫فرغل وصحبته تحوّلوا إلى أطياف في الذاكرة‪ ،‬يتذكر‬
‫بإرضاء فرغل‪ ،‬بدا له فرغل ك��أرذل من عرفهم من البشر‪،‬‬
‫معاركه الخاسرة مع فرغل‪ ،‬فكرة غريبة تبادرت إلى ذهنه‪،‬‬
‫عبر جسوراً ترابية ضيقة بين مزارع الذرة الصفراء‪ ،‬قميصه‬
‫أدرك أنه لم يلعب باألمس سوى مع فرغل‪ ،‬سباق الجري‪،‬‬
‫ال��ح��ري��ري التصق بجسده‪ ،‬ص��ار ق���ذراً‪ ،‬شعر بحاجته إلى‬
‫الغطس في مياه الترعة‪ ،‬زاد من سرعته‪ ،‬خشي أن ينصهر صيد العصافير‪ ،‬مخاطبته ل��ه ل��ن��زول الترعة‪ ،‬وتكليفه له‬
‫الثلج؛ إن ابتسم فرغل أشركوه في اللعب‪ ،‬يخوض معركتين بإحضار الثلج‪ ،‬إن فرغل فقط من لعب معه‪ ،‬يضحك‪ ..‬تنطلق‬
‫في وقت واحد‪ ،‬إحداهما مع الثلج واألخرى مع فرغل‪ ،‬عندما السيارة في طريقها إلى القاهرة‪.‬‬
‫< قاص من جيزان‬

‫‪32‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ‬

‫املـفــتاح‬
‫> منى الشيمي‬

‫<‬

‫اتخذ جسدي وضعاً جنينياً‪ ،‬خرجت منه مئات اإلبر‪ ،‬كقنفذ يشهر خوفه في وجه‬
‫الخوف ‪ ،‬وتقاطر دمعي ليبلل الوسادة‪ .‬كانت عادتي المسائية‪ ،‬حينما يزورني سيدي‬
‫الحزن‪ ،‬تهب اإلبر من أعماقي‪ ،‬وأفقد الثــقة بكل البشر‪ .‬تهب أحزاني القديمة‪ ،‬لم‬
‫يحدث أن شعرت بوخز حزن واحد‪ ،‬بل كــل حزن جديد‪ ،‬كان إضافة لجــبل أحزاني‪،‬‬
‫الذي كتب عليّ أن أصعــده الهثة كل ليلة‪ ،‬وأتدحرج من فوقه كل صباح‪.‬‬
‫قابلتها في طريقي‪ ،‬عند اجتياز الممر الواصل بين مدخل البناية والشارع‪ ،‬ألقيت‬
‫عليها تحية الصباح فلم تجب‪ ،‬تساءلت‪ « :‬هل كان فكرها مشغوال إلى هذه الدرجة؟ «‪.‬‬
‫لم تنظر ناحيتي أبدا وهي التي تبادر دوماً بالتحية‪ ،‬وددت لو أسألها‪ ،‬لكن موعد العمل‬
‫جعلني أرجئ سؤالها إلى وقت آخر‪.‬‬
‫هى صديقتي المفضلة‪ ،‬تسكن فى الطابق العلوي‪ ،‬تسمع صوتي وأنا أصرخ بأوالدي‬
‫كي يكفوا عن العراك‪ ،‬وصوت المالعق حينما أضعها فى حوض المطبخ‪ ،‬وصوت مياه‬
‫الدش وهي تمحو إرهاقي اليوميّ آخر الليل؛ وأسمع صوت باب شقتها حينما تغلقه‬
‫للذهاب إلى النوم‪ ،‬بعد أن تزوج أبناؤها وأمست وحيدة‪.‬‬
‫كانت دوم��اً ت��دق الجرس‪ ،‬تطلب مني ن��زع المفتاح بعد أن نسيته بالباب‪ ،‬تسأل‬
‫المحصل بمشربية الباب‪ ،‬وعن آخر‬
‫ّ‬
‫عن أخبار األوالد‪ ،‬وعن فاتورة النور التي تركها‬
‫أخباري‪ ..‬عن السيد الحزن!!‬
‫طلبتها بالهاتف بعد عودتي من العمل‪ ،‬ما إن سمعت صـوتي حتى أصابها الصمت‪،‬‬
‫لم تجب على حديثي بكلمة وتركتني أتحدث‪ ،‬لذا قررت أن أعيد السماعة إلى مكانها‬
‫ودوائر الدهشة تلفني! لجأت إلى جارتي األخرى‪ ،‬تسكن في الشقة المواجهة‪ ،‬تحسدنا‬
‫على تقاربنا‪ ،‬كنا نضحك عليها في الماضي‪ ،‬نعيب عليها صوتها العالي‪ ،‬كلما عبرت‬
‫صديقتي ببابها سمعتها تتحدث في الهاتف‪ ،‬تبث شخصاً ما شوقها‪ ،‬ولهفتها لعودته‪،‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ ‪33‬‬

‫قالت صديقتي‪:‬‬

‫لي عن سبب غضبها وتريحني؟؟‬

‫لم أفلح في الوصول إلى سبب غضبها مني أبداًً‪.‬‬
‫» ال أسمع لها صـوتاً وزوجـها بالبيت‪ ،‬وال يـدق لها‬‫رب��م��ا ه��ي مكتئبة كما ق��ال��ت ج��ارت��ي؟؟ لكن م��ا سبب‬
‫هاتف!!‬
‫كنت أضحك‪ ،‬أنهرها برقة كي ال تتسمع صوت هذه تجاهلها لي؟!‬
‫في المساء سمعت صوتها ينبعث من عند جارتي‪،‬‬
‫الجارة‪ ،‬لكن فضولي لم يكن يمنعني من االستماع إلى‬
‫اكتشافاتها اليومية‪ .‬طلبت من جارتي لو سألتها عن وص��وت موسيقى البرنامج يبدو عالياً‪ ،‬ظللت طيلة‬
‫سبب صمتها‪ ،‬عن سبب انزوائها في حضوري‪ ،‬وتجاهلها ال��وق��ت أت��رب��ص بهما‪ ،‬تخيلت أن��ه��ا رب��م��ا ذه��ب��ت عند‬
‫عبوري في محاذاتها‪ ،‬وابتالع عبارة صباح الخير التي ج��ارت��ي ك��ي تضايقني‪ ،‬آه ص��وت أوالدي يجلجل في‬
‫أذني‪ ،‬يعوقني عن وصل حلقات أفكاري بعضها ببعض‪،‬‬
‫كانت تبادر بها‪ ،‬فتعللت لها بسبب لم يقنعني‪ ،‬قالت‪:‬‬
‫كنا نلتقي للحديث عن أخبارنا وأخبار الجيران‪ ،‬ترى‬
‫» إنها تشعر باكتئاب بعد فراق األبناء «‪.‬‬‫هل تتحدث مع جارتنا عن أخباري‪ ،‬سخونة تنبعث من‬
‫لكن هذا السبب لم يقنعني‪ ،‬تزوج أوالدها منذ زمن‪ ،‬وجنتي‪ ،‬وتساؤل حائر يتردد في داخلي‪ :‬ل ِـ َم تتعامل معي‬
‫شاركتها حاالت اكتئابها األولى‪ ،‬فلم تقصني عن حاالت بهذه الطريقة وتتعمد أن تشعرني بالتجاهل؟؟‬
‫اكتئابها األخيرة؟ ثم تساءلت بداخلي‪:‬‬
‫صعدت إلى السطح‪ ،‬تتبعت سلك الهاتف الخاص‬
‫ كانت جارتي تجهز إجابة‪ ،‬هل تحدثتا معا؟؟‬‫بي‪ ،‬تزحلقت عليه إلى أن دخل شقتي‪ ،‬تأكدت تماما أنه‬
‫حينما سمعت موسيقى البرنامج الذي تحبه رفعت غير مقطوع‪ ،‬ال يمر على أحد قبل وصوله‪ ،‬ال تتسرب‬
‫ص��وت ال���رادي���و‪ ،‬ك��ان��ت ت��أت��ي لتسمع ال��ب��رن��ام��ج معي‪ ،‬منه أس��راري‪ .‬شعرت بألم‪ ،‬في كل جزء من جسدي‪،‬‬
‫وأحيانا كنت أذهب إليها‪ .‬ربما اتصل بها أحد أبنائها يتحول قلقي إل��ى أل��م جسديّ إذا تزايد‪ ،‬إذا استمر‪،‬‬
‫في غيابها‪ .‬تقص عليّ أخبار الجيران‪ ،‬جارتنا التي تمنيت ل��و أض��ع ل��ه ح���دا‪ ،‬ل��و أب��ت��ره بسيف المعـرفة‪،‬‬
‫تسكن الطابق األخير وهي تتشاجر مع زوجها‪ ،‬وهي صرخت فى أوالدي‪:‬‬
‫‪ -‬التزموا الصمت!‬

‫تسبه‪ ،‬بل قالت لي مرة إنها سمعت صوت الصفعة التي‬
‫رنت على وجه زوجها‪ .‬ارتفعت الموسيقى‪ ،‬تعالى صوت‬
‫انتظرتها على عتبة السلم بعد خروجها من عند‬
‫المذيعة‪ ،‬خبايا وأس���رار ليلية‪ ،‬ص��وت مألوف طالما جارتنا‪ ،‬ألقيت قنبلة تساؤالتي في وجهها‪ ،‬فلم تعرني‬
‫استمعنا إليه معا‪ ،‬وضعت الراديو قرب النافذة علها انتباها وصعدت السلم‪ ،‬لكنها التفتت مجددا وقالت‬
‫تأتي‪ ،‬وانتظرت!! لكنها لم تأت‪.‬‬
‫لي‪:‬‬

‫كان صمتها حقال واسعا تنمو فيه أفكاري‪ ،‬هل فعلت‬
‫شيئا يضايقها؟ هل وصل إلى سمعها شيء عني يجعل‬
‫من عالقتي بها أمراً شائكاً؟ جالت أفكاري في دروب‬
‫األيام السابقة بكل لحظاتها‪ ،‬حاولت جاهدة استعادة‬
‫ك��ل لقاء جمعني بها‪ ،‬الموضوعات التي ناقشناها‪،‬‬
‫األصدقاء الذين علكنا سيرتهم‪ ،‬الخبايا التي كشفناها‬
‫بعضنا لبعض؛ لم جعلتني ألجأ إلى جارتنا كي تكون‬
‫بيننا همزة وصل وهي أقرب إليَّ منها؟؟‪ ،‬لماذا لم تقل‬

‫‪34‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ‬

‫ لست غاضبة‪.‬‬‫تحيّرت‪ ،‬وخزتني شكوكي‪ ،‬ربما عرفت ما يشين؛‬
‫حقاً صديقتي‪ ،‬لكن هناك دوما موضوعات ال أطلعها‬
‫عليها‪ ،‬صديقتي‪ ..‬لكني لم أستطع أبدا أن أتعرى أمامها‬
‫كلية؛ لم أعرف أبداً هل طبع شخصيتي هي ما جعلني‬
‫أخفي عنها موضوعات بعينها؟ أم إن الموضوعات‬
‫نفسها هي التي فرضت على ذلك؛ لكني حدثتها عن‬

‫ليال عديدة‪ ،‬وفي‬
‫السيد الحزن‪ ،‬ذلك الذي يزورني في ٍ‬
‫الصباح يتركني منهكة كثوب لم يتم كيّه‪ .‬عند عودتي‬
‫من العمل‪ ،‬تعمدت ترك المفتاح بالباب من الخارج‪،‬‬
‫تجربة أخيرة‪ ..‬لو فشلت هذه المحاولة‪ ،‬سوف أكف‬
‫تماما عن استعادة عالقتنا‪ .‬كنت أعرف ميعاد عودتها‪،‬‬
‫ربع ساعة وسيدق الجرس‪ ،‬أو ربما ستفاجئني بدخولها‬
‫المطبخ‪ ،‬ملوحة بالمفتاح قائلة‪:‬‬
‫ سوف يقتلك يوما أحد اللصوص‪.‬‬‫انهمكت في إعداد الطعام‪ ،‬وأعمال المنزل وترتيب‬
‫مالبس أوالدي‪ ،‬واالتصال بزوجي في بلده البعيدة‪ ،‬التي‬
‫يعمل بها منذ سنوات‪ .‬عند الجلوس للراحة تذكرت‬
‫المفتاح‪ ،‬أصابتني غصة‪ ،‬لقد مرت بالباب ولم تدق‬
‫الجرس؛ فقررت أن أسقطها من فكري وأستريح‪.‬‬

‫ك��ره��ت��ه��ا‪ ،‬تمنيت ل��و ل��م أره����ا‪ .‬جلست أت��ذك��ر كل‬
‫المواقف السابقة‪ ،‬التي وردت على ذاكرتي دون ترتيب‪،‬‬
‫حاولت الربط بين توقيت أح��داث جديدة ج��رت في‬
‫حياتي وأخفيتها عنها وتجاهلها لي‪ ،‬استعدت عالقتي‬
‫بالجيران‪ .‬هل بدأ أحد منهم يحذو حذوها؟ هل تجاهل‬
‫أحدهم تحية الصباح؟ هل تناجى اثنان منهم أثناء‬
‫عبوري؟ هل بدأت تقول عني ما عرفته؟؟‬
‫أمسكت رأسي‪ ،‬شعرت بحدوث انفجارات متتالية‬
‫فيها‪ ..‬تالشى ص��وت أوالدي‪ ،‬وع�لا ص��وت أفكاري؛‬
‫فلم أستطع ال��وق��وف‪ ،‬أدع��ي��ت التعب وظللت نائمة‪،‬‬
‫ربما أستطيع ترتيب أفكاري‪ ،‬وإزالة الغبار عن مناطق‬
‫تبدو لي مظلمة‪ .‬غزتني أفكار داكنة؛ ربما عرفت عني‬
‫أمراً جاهدت فى الماضي كي ال أقوله لها‪ ،‬كنت أجد‬
‫بي رغبة في الحكي لها كلما امتدت جلساتنا الليلية‪،‬‬
‫لكن لساني ينعقد في النهاية وال أبوح‪ .‬ها هي األفكار‬
‫القاتمة كعتمة الليل ت��ت��رى‪ ،‬والسيد ال��ح��زن وجدها‬
‫فرصة كي ينتظر ببابي متلهفاً للدخول‪.‬‬

‫قابلتها في السوق‪ ،‬اصطحبت جارتنا التي صفعت‬
‫زوجها‪ ،‬اندهشت ج��داً‪ ،‬وقعت نظراتها عليّ ‪ ،‬فمالت‬
‫وتناجت معها‪ ،‬ثم أطلقت ضحكة طويلة‪ ،‬سقط الكيس‬
‫ال��ذي كنت أحمله‪ ،‬تراخت ي��داي عنه دون أن أدري‪،‬‬
‫كان نور غرفتها في الطابق العلوي منعكسً ا‬
‫ ‬
‫تولى عاب ٌر جمع الثمار المتناثرة‪ ،‬بينما وقوفي صامتة‪،‬‬
‫على الشجرة المنتصبة أم��ام المنزل‪ ،‬لمحت ظلها‪،‬‬
‫شاخصة ببصري بعيداً يدهشه‪.‬‬
‫وهي تقف بشباكها في األعلى‪ ،‬تمددت على سريري‬
‫عدت إلى المنزل‪ ،‬وقفت في منحنى الدرج‪ ،‬أتسـمع وضيق ما يعتريني‪ ،‬دق الهاتف ج��واري‪ ،‬فرأيت ظلها‬
‫صوت أوالدي‪ ،‬أحاول قياس مدى الصوت‪ ،‬إلى أيّ مدى يتسلق الشجرة ليستقر على قمتها تماماً‪ ،‬أصابتني‬
‫يستطيع المتطفل السماع لو كان واقفاً هنا‪ ،‬لو اقترب‪ ،‬الدهشة‪ .‬لم أرفع سماعة الهاتف‪ ،‬تخيلت أن اهتماما‬
‫أو لو وجد المفتاح في الباب من الخارج وفتح ثم دخل ما أل�� َّم بها‪ ،‬واك��ب حركة الهاتف تماما‪ ،‬تحرك ظلها‬
‫بهدوء دون أن يشعر به المتحدثون في الداخل!!‬
‫أمامي بسرعة‪ ،‬أسقطت جسدها خ��ارج النافذة في‬
‫هذا المساء اعترفت لنفسي أن ما يستنفرني اآلن حركة تلصص واضحة‪،‬كصقر التزم الصمت‪ ،‬السكون‪..‬‬
‫هو رغبتي في معرفة سبب ابتعادها‪ ،‬والوسيلة التي ترقباً لفريسته على األرض‪ .‬ه��ذا ما ب��دا ل��ي‪ ،‬ما لم‬
‫ربما عرفت بها معلوماتي الخاصة‪ ،‬وليس رغبتي في أستطع التحقق منه‪ .‬ظل الهاتف يدق‪ ،‬السيد الحزن‬
‫استعادتها‪ .‬شعرت بقهر ما‪ ،‬لماذا ربطتُ بين ما تفعله ق��رع الباب‪ ،‬واإلب��ر تتراشق من داخ��ل جسدي‪ ،‬يسيل‬
‫معي وما قد تكون عرفته عني؟ ربما لم تعرف شيئا‪ ،‬خوفي‪ ،‬أتحول إلى قنفذ صغير يتكوم على ذاته‪ ،‬وأفقد‬
‫ثقتي في كل البشر‪ ،‬قلبي يتسارع نبضه‪ ،‬قبعت ساكنة‬
‫وماذا لو عرفت؟ ال يهم‪ ..‬عدت إلى القلق وتساءلت‪:‬‬
‫أتابع ظلها المنعكس على الشجرة أمامي‪.‬‬
‫ كيف ال يهم؟؟‬‫< قاصة من مصر‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ ‪35‬‬

‫سيف بن أعطى‬

‫(‪)1‬‬

‫(مداخل إلى الفصل األول)‬
‫إرهاص‬

‫(‪)2‬‬

‫> فيـصل أكـرم‬

‫<‬

‫يا سيف‪..‬‬
‫أو يا ابن مَن أعطى‪ :‬تص ّبرْ‪ ..‬إنهم باعوا يديك إلى يديكَ ‪ ،‬وأشعلوا نيرانهم في إصبعيكَ ‪،‬‬
‫وفتتوكَ ‪ ..‬وفتتوا الريح التي‪ ،‬في يومكَ المنسيّ قد حنّتْ إليكَ ‪ ..‬ألنهم تركوك وحدك‪،‬‬
‫كلّهم‪ ..‬تركوا الهوى يأتي عليكَ فال تضعْ‪ ..‬ما دمتَ علّقتَ السالم على جبينكَ ‪ ،‬ال تبع طفل‬
‫الكالمِ ؛ هي الحياة اآلن أمُّكَ ‪ ،‬والزمان أبوك؛ فاصرخ‪ ..‬قل‪ :‬وجدتُ اآلن أهلي‪...‬‬
‫<<<‬

‫الصفعة األولى‪:‬‬
‫سقف الغرفةِ قد سقط على الصغير وهو نائم‪ ..‬ي ُد أبيه ثقيل ٌة جداً‪ ..‬لم يسبق‬
‫َ‬
‫كأ ّن‬
‫كف أبيه؛‬
‫أن ضربه أبوه بهذه الصورة‪ ..‬وهو نائم‪ ..‬تلقى سيفُ الصفعة على وجهه من ّ‬
‫فصحا مفزوعاً مفجوعاً‪ ..‬هل يجرؤ على االستفسار عن سبب الصفعة؟ ال‪ ..‬إ ّن الله‬
‫قد أعطاه عقالً‪ ،‬فليعمل عقله حتى يستكشف السبب بنفسه‪ ..‬هكذا أدّبه أبوه مذ أن‬
‫ال في الرابعة من العمر‪ ..‬آه يا سيف‪ ..‬نعم أنت تستحقّ‬
‫كان جنيناً حتى أصبح طف ً‬
‫الصفعة‪ ..‬لقد أسرفتَ في اللعب‪ ،‬طيلة الليل‪ ،‬وجميع من في البيت كان نائماً‪ ..‬لماذا لم‬
‫تنم؟ لماذا تجهل كيف ينام الناس؟‪( ..‬لن أستصغر شأنك وأقول‪ :‬األطفال) بل الناس‪..‬‬
‫ألستَ واحداً من الناس يا سيف؟! أنتَ لم تقض ليلتك ساهراً وحسب‪ ،‬بل تماديت في‬
‫اللعب حتى رحتَ تعبث بأشياء الكبار‪ ..‬كيف سوّلت لك نفسك أن تتجرّأ على مكتب‬
‫أبيك وتخرج (األختام الرسمية)‪ ،‬وتغمسها في (المحبرة)‪ ،‬وتطبع على األوراق‪ ،‬تختمها‬
‫زوراً وتزييفاً؟!‬

‫فصل من رواية‬
‫‪36‬‬

‫من أين أتتك ك ّل هذه الجرأة يا سيف؟! أ َو لستَ أنتَ ‪ ،‬لمّا تزل بعد‪ ،‬الطفل الخجول‪..‬‬
‫فرد في العائلة‪ ،‬وأضعفهم شخصي ًة وحضوراً؟! كيف فعلتَ ما فعلتَ بمفردك؟‬
‫أصغر ٍ‬
‫آهٍ ‪ ..‬هذه عادتك! ال تتملكك الجرأة والشجاعة‪ ،‬وشهوة المغامرة والتجريب‪ ..‬إال عندما‬
‫كف أبيك الثقيلة؟‬
‫صفعة أخرى على وجهك‪ ،‬من ّ‬
‫ٍ‬
‫تكون وحيداً! فمن سينقذك اآلن من‬
‫هل ستهرب يا سيف؟ ال؛ فأنت تحترم أباك‪ ..‬ك ّل َم ْن في البيت يعرف أنك تحترمه‪..‬‬
‫تحترم ال ُك َّل أنتَ ‪ ،‬وأ ّو ُل ال ُك ِّل أبوك‪ ..‬فهل ستصمد في مكانك وتتلقى العقاب كامالً؟‬
‫كانت جريمتك كبيرة جداً يا سيف‪ ..‬أنت لم تعبث بآلة (الختم الرسميّ ) الخاص بأبيك‪،‬‬
‫عبثاً عادياً‪ ..‬أنت رحتَ تطبع الختم على أوراق بيضاء‪ ،‬هي في أصلها (أوراق رسمية)‪..‬‬
‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ‬

‫وم��ا ي��دري��ك أن��ت أيها الطفل الضئيل بقيمة األوراق‬
‫واألختام واألحبار؟ لماذا فعلت هذا يا سيف؟‬
‫تفتح عينيك بحذر شديد اآلن‪ ،‬لتبصر وجه أبيك‬
‫عريضاً ع��اب��س��اً‪ ..‬بشعره األب��ي��ض‪ ،‬وش��ارب��ه األبيض‪،‬‬
‫بعتب‬
‫ولحيته ال��ب��ي��ض��اء‪ ..‬ه��ا ه��و أب���وك‪ ،‬ينظر إل��ي��ك ٍ‬
‫مخيف‪ ،‬ويسألك‪« :‬ه��ل ت��دري كيف ع��رف��تُ أن��ك أنت‬
‫ٍ‬
‫من أخرج األوراق واألختام والمحبرة من مكتبي ليلعب‬
‫بها؟»‪ ،‬بماذا ستجيب؟ تلعثمتَ يا سيف‪ ،‬وكدتَ أن تقول‪:‬‬
‫(سبحانك ال علم لي إ ّال ما علمتني)‪ .‬ولكنك خفتَ أن‬
‫تشرك بالله‪ ,‬فاستغفرت‪ .‬أن��ت تخاف من أبيك جداً‬
‫ياسيف‪ ..‬ربما ال تحبه كثيراً‪ ،‬ولكنك تخافه يا سيف‪..‬‬
‫على عكس عالقتك بأمك؛ فأنت تحبّ أمك كثيراً‪ ،‬وال‬
‫تخاف منها أبداً‪ .‬أمك علّمتك أ ّال تخاف أحداً إ ّال الله‪،‬‬
‫ولكنّ أب��اك يجبرك على أن تخافه‪ ..‬وتخاف إخوتك‬
‫الكبار‪..‬‬
‫بماذا ستجيب يا سيف؟ كأنك لمحت حركة من أبيك‪،‬‬
‫تهيّأ لك أنها صفعة أخ��رى‪ ..‬فرفعتَ يدك الصغيرة‪،‬‬
‫بعفوية؛ لتحمي وجهك؛ فانتبهت إلى الحبر الذي كان‬
‫عالقاً بلونه األزرق على راحتيْ يديك ابتسمتَ في وجه‬
‫أبيك؛ فابتسم أبوك في وجهك‪( :‬برافو عليك‪ ،‬كشفتُ‬
‫فِ علتكَ من أثر الجريمة على يديك)!‬
‫<<<‬

‫الركعة األولى‪:‬‬
‫انقضت لحظة الصفعة األولى على خير؛ فكانت أول‬
‫مرة يشاهد فيها سيفٌ أباه مبتسماً في وجهه‪ ..‬ابتسامة‬
‫أبيه أنسته ألم الصفعة األولى‪ .‬أصبح الصبح‪ ..‬أشقاء‬
‫سيف‪ ،‬وشقيقاته (وكلهم أكبر منه) ب��دأوا في الخروج‬
‫من المنزل‪ ،‬واحداً تلو اآلخر‪ ..‬األختان الكبيرتان إلى‬
‫المدرسة‪ ..‬ال كطالبات إنما كمدرّسات! واألخ الكبير‬
‫أي��ض��اً إل��ى ال��م��درس��ة‪ ..‬ول��ك��ن‪ ..‬ه��و م��دي��ر المدرسة!‬
‫وبقية األشقاء والشقيقات إلى المدارس لطلب العلم‪،‬‬
‫واألب غادر أيضاً إلى عمله‪ ..‬كان األب قد أحيل إلى‬
‫التقاعد من وظيفته الحكومية‪ ،‬ولكن‪ ..‬كانت له أعماله‬
‫الخاصة‪ ،‬التي تجعله في خروج يوميّ إلى حيث يخرج‬

‫رج��ال األع��م��ال‪ ..‬وأك��ث��ر خ��روج��ه ك��ان إل��ى المحكمة‪..‬‬
‫كانت المحاكم جزءاً من عالقته بالناس! خرج الجميع‪،‬‬
‫كالعادة‪ ،‬من المنزل‪ ..‬ولم يبق في المنزل إ ّال سيف وأمّه‪.‬‬
‫ويا الله ما أجم َل أمه‪ !..‬كانت تقضي الساعات األولى‬
‫من الصباح في عملين ال ثالث لهما‪( :‬الصالة‪ ،‬وقراءة‬
‫بإعجاب كبير‪ ..‬كان‬
‫ٍ‬
‫القرآن)‪ ..‬وكان سيف يتأمل عمل أمه‬
‫منظرها عظيماً جداً في عينيه‪ ،‬وهي داخل (المسفع)‬
‫األبيض‪ ..‬حتى ال يُرى منها إ ّال وجهها النورانيّ األبيض‬
‫وكفاها الحنونتان‪ ..‬كانت تضع المصحف الكبير على‬
‫منظر‬
‫ٍ‬
‫(رحل) خشبيّ ‪ ،‬وتتربّع خلفه على السجّ ادة‪ ،‬في‬
‫روحانيّ يدخل القلب وال يفارقه أبداً‪ ..‬كان سيف‪ ،‬في‬
‫هذه األثناء‪ ،‬يخترع ألعاباً يتسلى بها‪ ..‬يفتش في زوايا‬
‫البيت عن أحجار الكشّ اف (البطاريات) الفارغة‪ ..‬وعن‬
‫كل األنابيب والمعادن واألش��ك��ال الفارغة‪ ..‬ليتخيلها‬
‫ّات كانت عظيمة بالنسبة إل��ي��ه‪( :‬سوبرمان‪،‬‬
‫شخصي ٍ‬
‫ال��وط��واط) وم��ن قصص‪( :‬ال��م��غ��ام��رون الخمسة) كان‬
‫يجسّ د أرب��ع شخصيات مقر ٍّبة ج��داً إلى وعيه‪( :‬لوزه‪،‬‬
‫ونوسه‪ ،‬وعاطف‪ ،‬وتختخ)‪ ،‬وك��أ ّن خامس المغامرين ال‬
‫يعنيه! ينهمك سيف في اللعب والخيال‪ ..‬هذا يضرب‬
‫ذا‪ ،‬وذاك يساعد تلك! وبينما هو كذلك‪ ،‬وخديجة أمّه ال‬
‫تزال تصلّي وتقرأ القرآن‪.‬‬
‫ي����ر ّن ج���رس ال��ه��ات��ف! ف��زع��ت خ��دي��ج��ة م��ن جرس‬
‫الهاتف‪ ،‬إذ لم يكن الهاتف ي��رن في مثل ه��ذا الوقت‬
‫م��ط��ل��ق��اً‪ ..‬ارت��ع��ب��ت األ ّم ال��ع��ظ��ي��م��ة‪ ..‬ل��م يسبق ل��ه��ا أن‬
‫رفعت سماعة الهاتف‪ ،‬ول��م يسبق لها أن تكلمت فيه‬
‫أو استمعت إلى شيء منه‪ ..‬كأ ّن سيفاً كان يستمع إلى‬
‫ضربات قلب أمه الخائفة وهي تحدّث نفسها‪( :‬ماذا‬
‫تفعلين يا خديجة؟ هل تخوضين التجربة‪ ،‬وتستخدمين‬
‫هذا الشيء العجيب الذي يسمونه الهاتف؟ هل تتركينه‬
‫ير ّن كأنك لم تسمعيه؟ ربما يكون علي‪ ..‬أبو األوالد‪..‬‬
‫ولكنه لم يفعلها قط ويتصل من خارج البيت)؟!‬
‫ك��ان��ت خ��دي��ج��ة ف��ي ح��ي��رة ش��دي��دة م��ن ه���ذا األمر‬
‫الطارئ على نهارها المعتاد‪ ،‬فأشفق صغيرها عليها‬
‫وصاح بصوته الطفوليّ (أرد أنا يا أمّي؟)‪ ..‬فزعت األم‬
‫خوفاً على صغيرها‪ ،‬صرخت بعلو صوتها (ال يا ولدي)‬
‫��وف عليه‪ ..‬قررت‬
‫حنان وخ ٍ‬
‫ٍ‬
‫وجذبته إليها تعانقه في‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ ‪37‬‬

‫خديجة أن تحمي ابنها الصغير من هذا الجهاز الغريب‬
‫(الهاتف)‪ ،‬وبقرارها هذا تولّدت فيها الشجاعة‪ ..‬ليس‬
‫لشيء آخر‪ ،‬إنما لحماية صغيرها سيف‪ ..‬واقتربت من‬
‫جهاز الهاتف‪ ..‬رفعت السمّاعة وصرخت‪« :‬مين بيدق‬
‫التلفون؟»؛ يبدو أن شخصاً رد عليها مخبراً أنه من إدارة‬
‫الهاتف‪ ..‬وأنه يستفسر عن رقم الهاتف هذا‪ ،‬الخاص‬
‫بالسيّد علي بن أعطى‪ ..‬قالت له خديجة‪( :‬والله أنا ال‬
‫أعرف األرقام يا ولدي‪ ،‬بعد الظهر يجي أبو األوالد‪ ،‬دق‬
‫عليه وكلّمه‪( .‬هنا صاح سيف (أنا أعرف رقم الهاتف يا‬
‫أمي)‪ ،‬ويبدو أن موظف الهاتف سمع صوت سيف‪ ،‬فقال‬
‫ألمه دعيه يملي عليّ رقم الهاتف! قالت األم لصغيرها‪:‬‬
‫ال تعرف رقم الهاتف؟ قال سيف‪ :‬نعم يا‬
‫هل أنت فع ً‬
‫أمي‪ ،‬دائماً أسمع أبي وإخواني‪ :‬حسن وحسين وخالد‬
‫يذكرون رقم الهاتف‪( :‬تمنيه وعشرين ألف وأربعميه‬
‫وإطنعش)! فقالت خديجة‪( :‬طيب‪ ..‬خذ كلم الرجّ ال‬
‫وأعطه الرقم)‪ ..‬وبينما سيف يمسك سماعة الهاتف‪،‬‬
‫تلف يديها على خصره وص��دره‪ ..‬كأنما هي‬
‫كانت أمه ّ‬
‫��ش مخيف! أخ��ذ الطف ُل سماعة‬
‫خائفة عليه م��ن وح ٍ‬
‫الهاتف‪ ،‬وقال للموظف‪ :‬الرقم هو (تمنيه وعشرين ألف‬
‫وأربعميه وإطنعش)! فقال له الموظف‪ :‬ما اسمك؟ قال‪:‬‬
‫سيف‪ .‬قال الموظف‪ :‬اسمع يا سيف‪ ،‬من اآلن أصبح‬
‫رقم هاتفكم يبدأ بالرقم (ثالثة) يعني أول شيء (تالته)‬
‫وبعدين (تمنيه وعشرين أل��ف وأربعميه وإطنعش)‪..‬‬
‫فهمت؟ قال سيف‪ :‬فهمت! قال الموظف‪ :‬أخبر أباك‬
‫ف��ور ع��ودت��ه إل��ى البيت‪ .‬ق��ال سيف‪ :‬ح��اض��ر‪ .‬وانتهت‬
‫المكالمة‪.‬‬
‫بكت خديجة من فرحتها بابنها الصغير‪ ..‬عانقته‬
‫ال‬
‫ب��ش��دّة‪ ..‬قبّلته على خديه وه��ي ت��ق��ول‪ :‬ه��ل أن��ت فع ً‬
‫حفظت رقم الهاتف كامالً؟! قال لها وهو يكاد يطير‬
‫فرحاً‪ :‬نعم يا أمي‪ ،‬والله العظيم‪ ،‬وحفظت عليه الرقم‬
‫الجديد (تالته)‪ ،‬يعني صار الرقم (تالته وبعدين تمنيه‬
‫وعشرين ألف وأربعميه وإطنعش)! قالت األم‪ :‬اسمع‬
‫يا سيف‪ ،‬أنا سأعلمك أه ّم شيء ممكن أن تتعلمه في‬
‫حياتك‪ ..‬سأعلمك ال��ص�لاة‪ ..‬إخوانك الكبار علمتهم‬
‫الصالة في سن السادسة‪ ،‬مع دخولهم إلى المدرسة‪،‬‬
‫ولكن أنت‪ ..‬سأعلمك اآلن وأنت لم تكمل الرابعة بعد!‬

‫‪38‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ‬

‫ابتهج سيف من كالم أم��ه‪ ..‬السعادة غمرته‪ ..‬بكى‬
‫من السعادة‪ ..‬ما أسعدك هذا النهار يا سيف‪ ..‬أخيراً‬
‫استطعت أن تلفت انتباه أمك الحبيبة وتثير إعجابها!‬
‫ذهب سيف مع أمه العظيمة إلى حيث صنبور (بزبوز)‬
‫ال��م��اء‪ ،‬وتعلّم منها ال��وض��وء‪ ..‬وج��اء معها إل��ى سجّ ادة‬
‫الصالة‪ ..‬أوقفته أمه إلى جوارها على سجّ ادة الصالة‪..‬‬
‫وبدأتْ تعلّمه الركعة األولى‪.‬‬
‫<<<‬

‫الخروج األول‪:‬‬
‫ما الذي ستفعله غداً يا سيف؟! كيف سيكون خروجك‬
‫األول إلى ذلك المكان الذي يسمونه (المدرسة)؟ أخوك‬
‫محمد‪ ،‬ال��ذي سبقك بسنتين إل��ى هناك‪ ،‬يخبرك أن‬
‫المكان كله أوال ٌد يجلسون على الكراسي‪ ،‬رجل يصيح‬
‫بهم وي��ض��رب��ه��م‪ ..‬ه��ا أن��ت ت��دخ��ل ال��م��درس��ة‪ ..‬ه��ا أنت‬
‫تُحرَم‪ ،‬للمرة األولى‪ ،‬من الجلوس إلى جوار أمك على‬
‫سجادة الصالة‪ ،‬طيلة الساعات األول��ى من الصباح‪..‬‬
‫المدرسة شيء مخيف‪ ..‬ولكنه عاديّ !‬
‫انتهى يومك األول‪ ،‬وانتهى األسبوع األول‪ ،‬وبدأت‬
‫إج����ازة ن��ه��اي��ة األس���ب���وع‪ ..‬أول م���رة تشعر بمعنى يوم‬
‫(ال��ج��م��ع��ة)‪ ،‬وأن���ه (ع��ط��ل��ة) ال��م��درس��ة! ت��ري��د أن تفرح‬
‫بعطلتك األول���ى‪ ،‬صباح الجمعة األول���ى‪ ،‬ف��ي البيت‪..‬‬
‫تتخيل نفسك (سوبر م���ان)‪ ..‬فتلف «شرشفاً» أبيض‬
‫حول رقبتك‪ ،‬وتتركه مسدوالً على ظهرك‪ ..‬تصعد إلى‬
‫السور الفاصل بين غرفة (المبيت) وساحة (السطوح)‪..‬‬
‫أنت لم تكن قد سمعت بعد عن (عباس بن فرناس) حتى‬
‫أق��ول إنك كنت تقلده‪ ،‬فلماذا قذفتَ بنفسك من فوق‬
‫السور؟! هل تقمصت شخصية (سوبر م��ان)‪ ،‬إلى حد‬
‫أن ترمي جسدك الضئيل من فوق سور يرتفع أكثر من‬
‫مترين عن األرض؟! ها أنت تسقط وتصيح‪ ..‬ها أنت‬
‫تفجع أمك الحنونة عليك يا سيف‪ ،‬لماذا فعلتَ هذا؟‬
‫هرعت أمك ملهوفة عليك إليك‪ ،‬تفقّدت أعضاءك وهي‬
‫تظن أنك كنت تلعب فسقطتَ على األرض‪ ،‬ولم يخطر‬
‫في بالها أنك سقطتَ من فوق السور المرتفع‪ ..‬دهنت‬
‫رأس��ك بالـ (فيكس)‪ ،‬وق��رأت عليك آي��ات من القرآن‪،‬‬

‫واحتضنتك لتنام‪ ..‬غابت الشمس وأنت نائم‪ ،‬وغاب معها‬
‫أبوك وإخوتك الكبار عن البيت‪ ..‬فإذا بالورم يتضح في‬
‫يدك اليسرى‪ ..‬تالحظه أمك فتشهق مفزوعة عليك‪..‬‬
‫تصحو أن��ت وتصيح (أمّ���ي‪ ..‬ي���دّي‪ ..‬أمّ���ي‪ ..‬ي��دّي) كان‬
‫الكسر في يدك اليسرى قد بدا واضحاً‪ .‬كانت عظمة‬
‫ذراعك مكسورة تماماً‪ ..‬تبكي أنت وتصيح (أمّي‪ ..‬يدّي)‬
‫وتبكي أمك معك‪ ..‬ولكنها تتوقف عن الصياح‪ ،‬وتتخذ‬
‫قراراً جريئاً في حياتها‪ :‬أن تخرج بك إلى المستشفى‪..‬‬
‫حملتك أمك يا سيف‪ ..‬خرجت بك‪ ..‬وحيد ًة خرجت بك‬
‫من باب البيت‪.‬‬
‫كانت خديجة تجهل حتى شكل الشارع‪ ،‬من قلة – أو‬
‫انعدام ‪ -‬خروجها من البيت‪ ،‬ولكنها خرجت بك فعالً‪..‬‬
‫تحملك على صدرها الحنون‪ ..‬وهي تلتحف بأكثر من‬
‫عباءةٍ سوداء‪ ،‬فلم تعد قادرة على الرؤية أبداً‪ ..‬أضف إلى‬
‫ذلك أنها ال تعرف طريق المستشفى‪ ،‬فكيف ستتصرف‬
‫المسكينة في يومك المشؤوم هذا يا سيف؟‬
‫ها أنت تفاجئ أمك مرة أخرى‪ ،‬وتدلّها على طريق‬
‫المستشفى (من هنا يمين‪ ..‬آخر الشارع كمان يمين‪..‬‬
‫ه��ن��ا المستشفى ف��ي ال��ي��س��ار)‪ .‬دخ��ل��ت ب��ك أم���ك إلى‬
‫المستشفى‪ ..‬الحمد لله‪ ..‬األطباء هالهم منظر يدك‬
‫المتورمة‪ ،‬فهرعوا بك إل��ى غرفة األشعة والفحص‪..‬‬
‫دخلت معك أم��ك‪ ..‬تسمع بأذنيك الطبيب يقول لها‪:‬‬
‫(ال��ذراع مكسورة تماماً‪ ،‬توجهي لله بالدعاء أن يلتئم‬
‫العظم‪ ،‬فإن لم يجبر الكسر لن يفلح معه وال حتى سيخ‬
‫معدني‪ ،‬سنضطر إلى بتر اليد حتى يتوقف النزيف من‬
‫العظم)‪ ..‬أم��ك تسأل الطبيب بخوف‪( :‬م��ا معنى بتر‬
‫اليد) يجيبها الطبيب‪( :‬يعني تقطع ويركّب مكانها يد‬
‫اصطناعية)‪ ..‬تصيح أم��ك (ليش؟ هو ول��دي حرامي‬
‫حتى تنقطع يده؟) يا الله‪ ..‬حرقة قلب خديجة أسالت‬
‫دموع الطبيب‪ ،‬ودموعك قبله يا سيف‪ ..‬بعد ذلك لم يعد‬
‫سيف يدرك ما يدور‪ ..‬غاب عن الوعي تماماً‪.‬‬

‫اسمها (فدوة) وكانت قدمها مكسورة‪ ،‬فتنشأ بينك وبينها‬
‫صداقة طفولية‪ ..‬أمك تحفّظكما آية (الكرسي) وأمها‬
‫تنشغل بأكل (الفصفص)! خمسة عشر يوماً كاملة‪ ،‬حتى‬
‫أتى الطبيب بالبشارة‪( :‬الحمد لله‪ ،‬العظم التأم تماماً‪،‬‬
‫الكسر قد جبر‪ ،‬كأنها معجزة‪ ،‬سبحان الله)‪ ..‬تسجد‬
‫أم��ك على األرض‪ ،‬شكراً لله عز وج��ل؛ ويجيء أبوك‬
‫ليأخذك أنت وأمك إلى البيت‪ ..‬ولكنك تبكي‪ ..‬ال تريد‬
‫العودة إل��ى البيت! ظنت أم��ك أن بكاءك بسبب فراق‬
‫صديقتك (فدوة)‪ ،‬ولكنك كنت تعرف السبب الحقيقيّ ‪:‬‬
‫هنا فقط‪ ،‬في المستشفى‪ ،‬أتيح لك أن تكون في خلوة‬
‫مع أمك‪ ..‬ال أحد من إخوتك يشاركك فيها‪ ..‬تنام في‬
‫حضنها‪ ..‬تتنفس رائحتها‪ ..‬أم��ا هناك‪ ..‬في البيت‪..‬‬
‫فحضن أمك هو الحلم الذي تطمح إليه‪ ،‬ودائماً يسبقك‬
‫إليه أحد إخوتك الكبار‪ .‬جاء أب��وك‪ ،‬وأخذ أمك وأنت‬
‫تبكي على صدرها – والجبس في يدك اليسرى‪ -‬وعاد‬
‫بكما إلى البيت‪.‬‬
‫تبقى لمدة شهرين في البيت‪ ،‬منع الطبيب ذهابك‬
‫إلى المدرسة‪ ،‬حتى إزالة الجبس‪ ،‬والتأكد أن الكسر قد‬
‫جبر‪ ..‬شهران مرّا ثقيلين‪ ..‬تمت إزالة الجبس‪ ..‬عدت‬
‫إل��ى المدرسة لتلحق م��ا فاتك م��ن دروس‪ ..‬ه��ل كنت‬
‫بحاجة إلى دروس (ألف ب��اء)؟! كانت أمك قد علمتك‬
‫ٍ‬
‫الصالة‪ ،‬وق��راءة ح��روف ال��ق��رآن‪ ،‬وحفّظتك غيباً جزء‬
‫(ع��مّ) وآية (الكرسيّ )‪ ،‬فهل سيتعبك اللحاق بزمالئك‬
‫الذين لم يتجاوزوا (ألف باء)؟!‬

‫انتهت السنة ال��دراس��ي��ة‪ ،‬وظ��ه��رت النتائج‪ :‬سيف‬
‫ب��ن أعطى ينجح‪ ،‬ويحصل على الترتيب (األول) في‬
‫الصف (األول) بالمدرسة النموذجية االبتدائية في‬
‫مكة المكرمة سنة ‪1974‬ميالدية ‪ 1394‬هجرية‪ .‬فماذا‬
‫بعد يا سيف؟! لم يفرح بنجاحك (األول) س��وى أمك‬
‫فقط‪ ..‬وأنت لم تكن تهتم بفرحة أحد غير أمك‪ ..‬أنت‬
‫لم تحقق هذه النتيجة إ ّال من أجلها‪ ..‬فهل كنت تعلم أنها‬
‫ستفارقك عما قريب‪..‬؟! هل كان في قلبك من اإليمان‬
‫عظيم‬
‫ٍ‬
‫سواد‬
‫ها أنت تصحو يا سيف‪ ،‬بعد أربعة أيام من الغياب ما يكفي ليكون دليلك إلى المجهول‪..‬؟! إلى ٍ‬
‫عظيم‬
‫ٍ‬
‫��روج‬
‫عن الوعي‪ ،‬لتجد نفسك نائماً على سرير أبيض‪ ..‬وأمك سيغلّف حياتك كلها عما قريب‪..‬؟! إلى خ ٍ‬
‫إلى جوارك تقرأ آية (الكرسي)‪ ..‬والغرفة كبيرة‪ ،‬وفيها عما قريب‪..‬؟!‬
‫سرير آخر ترقد عليه طفلة ومعها أمها‪ ..‬كانت الطفلة‬
‫<<<‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ ‪39‬‬

‫(الضياع األول)‪:‬‬

‫أتت من أمه‪.‬‬
‫وه��ن��اك‪ ..‬في رم��ال عرفات خ��ارج المخيم‪ ..‬عمد‬
‫سيف إلى دفن تلك السيارات‪ ،‬حتى ال يسرقها منه أحد‬
‫وهو نائم‪ ،‬فقد كان يسمع التحذيرات من السرقات‪،‬‬
‫التي كانت تتم في مخيمات الحجيج‪.‬‬

‫في التسعينيات الهجرية – السبعينيات الميالدية‪،‬‬
‫كانت السنة الدراسية تنتهي بنهاية شهر شعبان‪ ،‬وتبدأ‬
‫ببداية م��ح��رم‪ ..‬وحين انتهى سيف من السنة األولى‬
‫االبتدائية‪ ،‬محققاً في نجاحه الترتيب األول‪ ..‬كان العام‬
‫الهجريّ ‪ 1394‬يمضي سريعاً نحو نهايته‪ ..‬فهذا شهر‬
‫الوقت اآلن صباحاً‪ ،‬وسيف يلعب مع شقيقه األكبر‬
‫ٍ‬
‫رمضان‪،‬‬
‫بخاصة في مكة المكرمة‪ ،‬يمر كالومضة ما منه بثالث سنين‪ ..‬راحا يلعبان لعبة اسمها (مكشوف)‪،‬‬
‫بين سهر‪ ،‬وتالوة القرآن الكريم‪ ،‬والتجمعات الشللية‪ ،‬وطريقتها أن يختبئ واحد‪ ،‬ومن ثم يبحث عنه اآلخر‪..‬‬
‫ف��ي ك��ل ح���ارة م��ن ح���واري م��ك��ة‪ ،‬ال��م��ع��روف��ة بالصخب فأغمض سيف عينيه حتى يتيح ألخيه أن يختبئ جيداً‪..‬‬
‫والحيوية والتجدد‪.‬‬
‫وعندما بدأ سيف البحث عن أخيه‪ ..‬راح يتجول بين‬
‫ثم ما يلبث أن يأتي العيد‪ ..‬عيد الفطر‪ ..‬الذي يعتاد الخيام‪ ..‬يبتعد شيئاً فشيئاً عن الخيام‪ ..‬يستمرئ المشي‬
‫فيه الكبار على تقديم العيديات (وه��ي نقود‪ ،‬عشرة على الرمال‪ ..‬الشمس بدأت تشتد عليه وحرارتها تقسو‬
‫رياالت في الغالب) على كل األطفال والصبية‪ ،‬الذين لم بالضرب على رأسه المكشوف وهو يسير‪ ..‬توقف سيف‬
‫ونظر خلفه فلم يجد إال الرمال‪ ..‬يميناً رمال ويساراً‬
‫يصلوا إلى مرحلة االعتماد على النفس بعد‪.‬‬
‫رمال‪ ..‬بدأ العطش يشق حنجرته جفافاً‪ ..‬لم يعد قادراً‬
‫غير أن هذا الطفل (سيف) كان شاذاً في مثل هذه‬
‫حتى على الصياح أو المناداة‪ ..‬لم يجد بداً من المشي‪..‬‬
‫المواقف‪ ،‬إذ كان يرفض ويبكي‪ ،‬ويهرب من أم��ام كل‬
‫لم يعد يدري في أي اتجاه سيكمل المشي‪.‬‬
‫شخص يحاول أن يقدم له (العيدية) على الرغم من‬
‫مشى الصغير والشمس عمودية فوقه حتى أسقطته‬
‫أن شقيقه األكبر منه بثالث سنين ك��ان ال يتورع عن‬
‫اختطاف العيدية م��ن ك��ل ضيف وزائ���ر‪ ..‬ب��ل إن��ه كان بأشعتها الملتهبة؛ فغاب عن الوعي‪ ..‬لم يص ُح سيف‬
‫يختطف عيدية سيف أيضاً‪ ،‬عندما كان سيف يرميها من إغماءته إال بعد أن غابت الشمس تماماً‪ ..‬أفاق‬
‫مقربة منه‪..‬‬
‫ٍ‬
‫على صوت الكالب التي كانت تنبح على‬
‫على األرض ويهرب!‬
‫ألول م��رة يشعر سيف أن��ه وح���ده م��ع ال��ك�لاب‪ ..‬كان‬
‫أتى موسم الحج‬
‫صوت الكالب مألوفاً لديه‪ ،‬فشوارع مكة كانت ال تخلو‬
‫مع أن عائلة سيف تمتهن (الطوافة)‪ ،‬وهو ما يجعل من الكالب السائبة‪ ،‬وأصواتها كانت تمأل ليالي مكة‬
‫جميع أفراد األسرة مشغولين بموسم الحج كل عام‪ ..‬باألنس!‬
‫غير أن هذا العام كان مختلفاً‪ ..‬ذلك ألن األسرة كلها‬
‫ق��ررت أن ت��ؤدي فريضة الحج‪ ..‬وبالطبع لم تكن هذه‬
‫المرة األولى لألسرة‪ ،‬ولكنها كانت المرة األولى بالنسبة‬
‫لسيف‪ ،‬الذي يخطو اآلن نحو السادسة من عمره‪.‬‬

‫ول��ك��نّ س��ي��ف��اً اآلن وح����ده‪ ،‬ي��ك��اد ال��ظ��م��أ أن يقتله‪،‬‬
‫وأص��وات الكالب مخيفة ج��داً‪ ،‬والليلة كانت ظلماء ال‬
‫قمر فيها‪ ..‬وربما لحسن حظه أنها كانت ليلة ظلماء‪..‬‬
‫فمن شدة الظالم استطاع أن يلمح بصيص ضوء عن‬
‫بعد‪ ،‬فقفز يركض إليه وهو يردد بينه وبين نفسه‪« :‬أنا‬
‫كالب فاشلة»!‬
‫الناجح بترتيب األول‪ ،‬لن أخاف من ٍ‬

‫ذهبت العائلة كلها ألداء شعائر الحج‪ ،‬في (منى) أوالً‪،‬‬
‫مبيت ليلة واحدة‪ ،‬ثم الصعود إلى عرفات‪ ..‬وكان سيف‬
‫سعيداً بهذه األج��واء‪ ،‬التي كان يسمع بها ولم يعشها‬
‫اقترب سيف من مصدر الضوء‪ ..‬فانتبه أنه مكان‬
‫من قبل‪ ..‬وك��ان قد اصطحب معه مجسمات صغيرة يضم مجموعة من (العسكر)‪ ..‬وكان سيف يسمع عن‬
‫لسيارات ملونة‪ ،‬كان قد اشتراها بجزء من (العيدية) العسكر ول��م يرهم م��ن ق��ب��ل‪ ..‬ك��ان يسمع عنهم أنهم‬
‫التي تلقاها من أم��ه‪ ..‬إذ ك��ان ال يفرح بعيدية إال إذا أناس قساة‪ ..‬ال يقع بين أيديهم إال المجرمون‪ ..‬فشعر‬

‫‪40‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ‬

‫سيف بمزيد من الخوف منهم‪ ..‬ولكنه ظمآن‪ ..‬كيف‬
‫سيتصرف؟‬
‫لم يفعل سيف شيئاً‪ ،‬وقف حائراً‪ ..‬فانتبه لوجوده‬
‫أحد العسكر‪ ،‬وصاح به‪ :‬من أنت وأين أهلك؟‬

‫عليّ من الطول امرؤ متط ّولُ‪.»..‬‬
‫ول��ذل��ك أي��ض��اً‪ ،‬ظ��ل يشعر طيلة حياته بالتعايش‬
‫الحقيقيّ مع المية العرب للشنفرى)!‬

‫ف��ي ه��ذه األث��ن��اء‪ ،‬ك��ان��ت ه��ن��اك‪ ..‬ف��ي مخيم عائلة‬
‫س��ي��ف‪ ..‬م��ن��اح��ة م��ا ب��ع��ده��ا م��ن��اح��ة‪ ..‬إذ ك��ان��ت والدة‬
‫هرب سيف‪..‬‬
‫سيف تبكي حتى ك��ادت أن تفقد بصرها‪ ..‬وك��ان والد‬
‫ونظر خلفه‪ ،‬فلم يجد أحداً يركض وراءه!‬
‫سيف يرسل كل موظفيه بكل االتجاهات بحثاً عن ابنه‬
‫فعاد ثانية‪ ..‬وعاد العسكريّ يسأله‪ :‬من أنت وأين الصغير‪..‬‬
‫أهلك؟‬
‫لم يكد سيف أن يرتوي من قطعة الثلج التي ذابت‬
‫أج��اب��ه سيف بصوت مختنق‪( :‬أن��ا عطشان‪ ،‬أبغى سريعاً م��ن سخونة ال��ج��و‪ ،‬حتى لمح السيد (محمد‬
‫أشرب مويه)‪.‬‬
‫حسين) الذي كان يعمل موظفاً لدى والده‪ ،‬وقد جاء إلى‬
‫مقر العسكر هذا‪ ،‬يسألهم عن الطفل الضائع‪..‬‬
‫قال له العسكري‪ :‬تعال اشرب!‬
‫قال سيف‪ :‬ال!‬

‫صاح سيف بأعلى صوته‪( :‬أنا هنا أنا هنا)‪ ..‬ركض‬
‫إليه محمد حسين وأخ��ذه من ي��ده‪ ،‬وأركبه خلفه على‬
‫الدراجة النارية (الدباب)‪ ،‬وطار به إلى مخيم العائلة‬
‫الذي كان قد اقتلعت منه الخيام تماماً‪ ..‬وكانت سيارة‬
‫العائلة وحدها الواقفة تنتظر االبن التائه‪..‬‬

‫استغرب منه العسكريّ ‪ ،‬ويبدو أن قلب العسكري‬
‫كان حنوناً ومتعاطفاً مع موقف سيف‪ ..‬فراح يبحث عن‬
‫شيء يضع به بعض الماء للطفل البائس‪ ،‬ولكنه عاد‬
‫وقال‪( :‬اسمع يا ولد‪ ..‬ال توجد عندنا سوى كاسة واحدة‬
‫مربوطة بسلك في الترمس‪ ،‬كيف أرمي لك الماء وأنت‬
‫ارتمى سيف على حضن أمه التي راحت تقبّله وتبكي‬
‫بعيد)؟‬
‫وتحمد الله‪ ،‬بينما كان أبوه يشكر السيد محمد حسين‬
‫لمح سيف قوالب الثلج حول (ترمس الماء) فقال ويجزىء له المكافأة!‬

‫للعسكري‪( :‬الله يخليك ارم لي وصلة من هذا الثلج)!‬
‫قبل أن تتحرك السيارة بالعائلة‪ ،‬فتح سيفُ البابَ‬
‫ال على م��ا ي��ب��دو‪ ،‬فما كاد وخرج محاوالً البحث عن (السيارات الصغيرة الملونة)‬
‫ك��ان العسكري مستعج ً‬
‫يسمع طلب سيف حتى رمى له على التراب قطعة من التي دفنها ه��ن��اك‪ ..‬فلم يعد يعرف مكانها‪ ..‬إذ كان‬
‫يحفظ موقعها بين الخيام فلم يعد للخيام وجود‪..‬‬
‫ذلك الثلج!‬
‫شعر سيفٌ بالحزن فبكى‪ ..‬اآلن يسأل نفسه‪ :‬كيف لم‬
‫اختطف سيف قطعة الثلج وهي مخضبة بالتراب‪،‬‬
‫يستف منها الماء ويمتصه‪( ..‬ربما من أجل ذلك أبك وأنا ضائع‪ ،‬بينما بكيت من ضياع أشياء صغيرة؟!‬
‫ُّ‬
‫وراح‬
‫ال��م��وق��ف‪ ،‬ت��أث��ر سيف عندما كبر وق���رأ الم��ي��ة العرب‬
‫وجدير بالذكر أن سيفاً‪ ،‬بعد ذل��ك اليوم‪ ،‬ك��ان في‬
‫للشنفرى‪ ،‬التي جاء فيها‪:‬‬
‫ك��ل زي����ارة إل���ى منطقة ع��رف��ات ي��ظ��ل يفتش ع��ن تلك‬
‫األرض كي ال يُرى له‬
‫ِ‬
‫«وأستف تُربَ‬
‫ُّ‬

‫السيارات‪!..‬‬

‫(‪ )1‬من قصيدة (سيف بن أعطى) ‪1999‬م (مقدمة الكتاب األخير‪ -‬النادي األدبي بمنطقة حائل)‪.‬‬
‫(‪( )2‬سيف بن أعطى) هي (رواية الصورة األخرى)‪ ،‬ما جاء هنا مداخل إلى الفصل األول فقط!‬
‫< شاعر وكاتب سعودي‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ ‪41‬‬

‫املهيمن السايكلوجي في اشتغال قصيدة النثر‪:‬‬
‫باسم فرات في خريف املآذن مقتربا ً‬

‫> صفاء عبدالعظيم خلف‬

‫طفولة مهربة تكشف بؤرة شعورية مقفلة في داخل مكبوت‬
‫ربما تكون المبادىء الفرويدية في التأويل تسمح لمن يشتغل على فهم البنية السايكلوجية لنص النثر‬

‫الشعري‪ ،‬وتعينه على الم ُِضي ُقدُماً في فهم التركيبتين الذاتية واإلبداعية‪ ،‬اللتين يمكن عدهما رهاناً‬

‫حيوياً‪ ،‬بوصفهما يعطيان النص وعلته جرعة إنبعاث وإتقاد مستمرة يحفزها فضاء مجهولية نقطة‬
‫االستقرار‪.‬‬

‫إن عمق الصورة في قصيدة النثر‪ ،‬يمكن أن يُعزى إلى تلك المهيمنات النفسية‪ ،‬المتأتية من االستالبات‬

‫ذات تحاول القبض على عِ لل القلق والشك واالغتراب‪ ،‬واستعداء اآلخر‬
‫المتساوقة مع صراع داخلي‪ ،‬في ٍ‬

‫غير المتفق مع قناعات الشخصية‪ ،‬التي ترى نفسها متقزمة إزاءه‪.‬‬

‫يرى «برنار بانغو»‪ ،‬في القراءة النفسية للعمل االبداعي أن هناك «لعبة كاملة من التداعيات ال نملك‬

‫مفاتيحها‪ ،‬وهي تهدم باستمرار النص الذي ندّعي السيطرة عليه‪ ،‬وفي ذات الوقت تقوم بتنظيمه دون‬
‫علمنا»‪.‬‬

‫إنها بؤرة توتر إيجابية؛ فهدم أي نص‪ ،‬هو اعتراف باآلخر وتأثيره‪ .‬فالكتابة اعتراف ضمني باالنتماء‬

‫للحلم‪ ،‬وعلني لليقظة؛ أي لها فضاءان لالشتغال‪ :‬باطني «الالوعي»‪ ،‬وظاهري «الوعي»‪ .‬ويرى فرويد أن‬

‫الكتابة كفعل‪ ،‬هي إفراغ لكبت الالوعي‪ ،‬ومن ثَ َّم فإن اشتغالها يرجع في النتيجة إلى وعي حُ فز بقدحة‬
‫إتقاد مكمنها رغبة تتشكل في ما قبل ذلك‪.‬‬

‫فمسكوتات الذات المشرنقة بالسرية‪ ،‬تندلق متخطية كل الحواجز‪ ،‬التي بناها الكائن‪ ،‬حفاظاً على‬

‫صورته «المشرقة» أمام العالم الذي يتقنع الرضا ويبطن ذات السوء‪ ،‬وهي تدفعه الى إخفاء مواطن تلف‬
‫متجذرة فيه‪ ،‬ومؤلمة‪ ،‬وال تتملكه أدنى رغبة «واعية» في إطالق سراحها‪.‬‬

‫ن������ق������د‬
‫‪42‬‬

‫الوعي يقود جبهة مقاومة عنيفة‪ ،‬ضد رغبات الالوعي الالجئ‪ ،‬إلى محاوالت خداع تنتهز فرصة‬

‫الكتابة االنفعالية‪ ،‬التي يمثل الشعر إحدى دعاماتها األساسية‪ ،‬وقصيدة النثر أهم مقترباتها الجلية‪ ،‬في‬
‫إفراغ نفسها وكشف خصوماتها وأحالمها وتهويماتها؛ منتج ًة التكوين السايكلوجي للقصيدة‪.‬‬

‫فضاء االشتغال السايكلوجي في خريف المآذن‪ :‬ذاكرة الهوية‬
‫تتراسل فضاءات «ال��ذاك��رة»‪ ،‬صانع ًة أفقاً تتبدى التعبيرية فيه عن جغرافيا مشاهد‪ ،‬تتحكم فيها‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ‬

‫نزعة البحث ع��ن «ه��وي��ة» معلنة ف��ي كشف األلفاظ‬

‫م���واط���ن ال��ت��ع��رّف واالس��ت��ك��ن��اه وال���غ���وص عنده‪،‬‬

‫عنها‪ ،‬ومبهمة ف��ي اس��ت��ب��اق ال��ص��ور المحتجة على «م��ؤف��ل��م��ة»‪ ،‬مشهدياً‪ ،‬عبر التلقّي ال عبر الصراع‪.‬‬
‫ال ف��ي استنتاجي‪ ،‬لكن‬
‫قسرية االنتماء لها‪ .‬فمنجز الشاعر (باسم فرات)‪ ،‬ورب��م��ا أك��ون مخطئاً ومتعج ً‬
‫«تُ��م��سّ ��رح��ه» زم��ان��ات مركبة م��ن صمت «تاريخاني» األث��ر السايكولوجي بائن في اشتغال النص النثري؛‬

‫وترسيخ جمود لألمكنة‪ ،‬في تعارض فيزيولوجي مع فهو محصلة إفراغات لوعي خضع الى سلطة الوعيه‪،‬‬
‫المنطق الرياضي ‪ -‬الزمان له بُعد واحد‪ ،‬وربما يتعدى فحضور الشخصنة كان جلياً‪ ،‬فهو «لم يخبئ طفولته‬
‫الى آخر حسب النسبية والمكان‪ ،‬ذو أبعاد متفاوتة ‪ -‬في قميصه»‪.‬‬
‫والبعد الذي يحكم العالقة بين االثنين صيرورة تقادم‬
‫ف��أن��ت��ج األث���ر ال��س��اي��ك��ول��وج��ي ن��س��ق��يّ خ��ط��اب في‬
‫المكان المفتوحة مع زمان مقفل باتجاه واحد‪.‬‬
‫المجموعة‪:‬‬
‫وبثقل‪ ،‬تلقي ظاللها على‬
‫ٍ‬
‫زمانات ف��رات أميبية؛‬
‫‪ 1‬االنزياح نحو التقريرية والمباشرة‪ ،‬وإسقاطات‬‫المنجز برمته‪ ،‬لتكوّن في النهاية نصاً ال ينتمي إال إلى‬
‫ذاتية محضة‪.‬‬
‫ذات مفرطة االفتتان بطفولتها‪ ،‬المنزاحة من طقس‬
‫البهجة الى عقدة توحّ د الزم��ت الشاعر (اإلنسان)‪ 2- ،‬سطوع ومضات لالوعي‪ ،‬نتاج استجابة ألنا منزاحة‬
‫ف���أ ّث���رت‪ ،‬بشكل واض����ح‪ ،‬ع��ل��ى رؤي��ت��ه للعالم وكشفه‬

‫لمنطقة الشعر فيه‪.‬‬

‫أتذكّر أنني بال وطن‬
‫وأن الحروب ما زالت تالحقني وتغيّرُ أشكالها‪.‬‬
‫والشظايا‪..‬‬
‫بساطيل‬
‫مسخت ذاكرتي‬
‫أين سأحفظ قبالت النهر؟‬

‫نحو الداخل قسراً أم��ام أنا الوعي المتعملقة‬
‫نحو الخارج قسراَ أيضاً‪.‬‬

‫أنا لم أُخبِ ئ طفولتي في قميصي‬
‫‪ ..‬سرقتني الحرب‬
‫فأعددت لها قلبي فراش ًا وصحوت‬

‫ثان‬
‫السرد معبر ٍ‬
‫م��ا ال���ذي يميز أي م��وق��ف درام����ي؟ إن��ه��ا العالقة‬
‫ال��م��أزوم��ة بين الشخصيات وعالقتها م��ع بعضها؛‬

‫تنساب «قيمومة» ذات الطفل على ذات الشاعر‪ ،‬اس��ت��ج��اب��ة ورف���ض���اً؛ وال��ت��م��اه��ي وال��ت��ق��وق��ع‪ ،‬وك���ل تلك‬
‫إلى حد تخليه عن لغته الشعرية‪ ،‬المتعقلنة إلى لغة‬
‫الخيوط المتنافسة على سلطة مادية أو معنوية‪.‬‬
‫طيفية مبعثرة؛ تشهد ازدحاما صورياً‪ ،‬كمخيّلة طفل‬
‫لكن‪ ،‬ما االتجاه الذي ستؤشره بوصلة سرد تتحكم‬
‫حفزتها إشارات‪ ،‬وارتحاالت‪ ،‬واغتراب مبكر‪ ،‬وعملقة‬
‫به نزعة «التماهي» و«اإلسقاط» و«التقمص»؟ وأعني‬
‫كاذبة لشخصية لم تكتمل بنيتها الصبيانية‪ .‬فالضفة‬
‫السرد هنا في قصيدة النثر‪ ،‬حصراً‪.‬‬
‫التي أوجدت األقدار الشاعر بها‪ ،‬ضفة ممسوخة ال‬
‫دالل��ة لها عنده‪ ،‬إذ لم يبلغها عبر ت��درج طبيعي‪ ،‬بل‬

‫متى اشتغل السرد في نص النثر الشعري‪ ،‬كانت‬

‫قفزة‪ ،‬أحرقت التمرحل لديه‪ ،‬من طفولة مهرّبة إلى بواباته‪ ،‬البحث عن ب��ؤرة تاريخية منزوية‪ ،‬وإسقاط‬

‫ذات ناضجة «متعملقة» في اآلن ذاته‪.‬‬

‫تجربة اإلنسان المعاصر عليها‪ ،‬بشكل تتناغم فيه‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ ‪43‬‬

‫ال��ص��ورت��ان إل���ى «ال��ت��م��اه��ي»‪ ،‬ح��س��ب دق���ة التوظيف الذات وحلم اليقضة» في تفسير كهذا‪ ،‬ظاهرة تفصح‬
‫واالشتغال‪ ،‬والتي كثيراً ما تجعل الشاعر المشتغل عنها الكتابة‪« :‬إن الخيط الرابط‪ ،‬ترك الذات تسرح‬

‫على هذه االوال��ة‪« ،‬يتقمص» الحكاية ويجعلها سرداً دون كبح‪ ،‬واالسترخاء الذي يعقب الشرود؛ فباإلفالت‬
‫ذاتياً‪ ،‬يُطلق من خاللها شراراته النثرية‪.‬‬
‫من أطر المنطق نتغّرب ونتّبدل ونستلب‪ ،‬وقد يصادفنا‬
‫ومع ذلك‪ ،‬ليست الحكاوي التاريخية وحدها التي الحظ ونلتقي بذاتنا‪ ،‬أو ندخل في ذات أخرى»‪.‬‬

‫تهيمن على س��رد القصيدة النثرية الحديثة‪ ،‬لكنها‬

‫سمة اشتغال متداول‪.‬‬

‫وتنسحب بؤرة الفقدان الشعورية إلى كل النسوة‬
‫الالتي ساق القدر أبطالهن إلى سجن السندي‪ ،‬حيث‬

‫هناك من يحاول أن يفعّل س��رداً كونياً حداثياً‪ ،‬تبدأ حكاية الفقد لدى الطفل‪ .‬فرمزية عشتروت هنا‬
‫ال ج��ذر ل��ه‪ ،‬ف��ي محاولة لصناعة رم��ز وثيمة بالغة كانت جلية في البحث عن النماء‪ ،‬المقدم من الرمز‬
‫االق��ت��راب م��ن ال��ت��ش��وّه‪ ،‬ال���ذي أص���اب روح الكائنات ال��ذك��وري ل��ه��ا‪ ،‬فأسلوبية االش��ت��غ��ال‪ ،‬ك��ان��ت معشقة‬
‫األرضية‪ ،‬في عالم تقوده التكنلوجيا ونظم االتصال‪ ،‬باالقتراب من نصوص المناجاة في أسطورة الخلق‬

‫وتعليب المشاعر‪ ،‬وإنتاج أحاسيس رقمية جاهزة‪.‬‬

‫يلجأ «فرات» إلى آلية السرد في إشتغال القصيدة‪،‬‬

‫معتمداً على حكاوي تاريخية‪ ،‬أنعشتها الذاكرة الشعبية‪،‬‬
‫في بناءات تخَ يلية‪ ،‬منحتهم منطقة خادعة‪ /‬مخدوعة‬

‫لرفض السلطة‪ ،‬وإلشباع رغبة في االقتصاص منها‪.‬‬
‫إذ إن توظيف الرمز المستلب قهراً يشير إلى ذلك‪.‬‬

‫تتجه بنية االش��ت��غ��ال ال��س��ردي ف��ي ن��ص اب��ن آوى‬

‫البابلية‪ ،‬يقول «فرات» في نص (أرسم بغداد)‪:‬‬

‫أسمعتك نشيدي فما أسمعتتني غير احتراقي‬
‫ق���دت ال��م��ط��ر ال���ى ب��اب��ك ف��ان��زل��ق��ت أن��ام��ل��ه فوق‬
‫جبيني‬
‫أرخ���ي���ت ت��س��ه��ي��دي ل��ل��ح��رائ��ق‪ ،‬ألن����ي أم�����ام أت���ون‬
‫الفراشات‬
‫ودون خرابي الماثل للوردة والعصافير‬

‫أيقونات مهربة‬

‫ال��ن��ث��ري‪ ،‬إل��ى ن��وع م��ن الغنائية وم��داع��ب��ة الوجدان‪،‬‬
‫ال لو إنه‬
‫وتهييج األحاسيس‪ ،‬وكادت أن تكون فخاً قات ً‬

‫اجتر الواقعة في نوع من العودة إلى الماضي المصاب‬
‫بالحنين‪ ،‬إال إنه قدم طرفاً هامشياً ومحدود المالمح‪،‬‬

‫تساوق معه‪ ،‬أنتج رمزاً‪ ،‬له اشكالياته النفسية الذاتية‪.‬‬
‫(األم) محور النص‪ ،‬تكشف عن وجه جديد للمعاناة‪،‬‬

‫وعقد سايكلوجية مؤثرة‪.‬‬

‫مجمل المجموعة تجوس في فضاء سايكلوجي‪،‬‬

‫م�لام��ح��ه األب����رز ه���ي‪ :‬ال��س��ع��ادة ال��ض��ائ��ع��ة‪ ،‬وهاجس‬
‫الحنين‪ ،‬والمعصية‪ ،‬واالستالب‪.‬‬

‫ي��ق��ول «م��ارس��ي��ل ري��م��ون» ف��ي كتابه‪« :‬البحث عن‬

‫‪44‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ‬

‫خريف المآذن‪ ،‬كان لصلتها الحميمة بالذاكرة أث ٌر‬
‫بالغ في تكوينها الشعري‪ ،‬الذي هيمنت على أجوائه‬
‫نصوص طقوسية باشتغال إشاراتي‪ ،‬نجد صداها في‬
‫تراتيل المعابد واألل��واح المقدسة العراقية القديمة‪،‬‬
‫كأغاني كهنة‪ ،‬وخشوعات مستلبين؛ ففي نص (أرسم‬
‫بغداد) األجواء خاشعة ومنطوية‪ ،‬في مناجاةٍ ‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫ي��ت��أس��س ال��م��اء كلما ت��ن��ح��در ال��ش��م��س م��ن رحم‬
‫ياقوته‬
‫االنتظار كلملة تصل اليقين بي‬
‫يتلوى العمر على ورقة‪,‬‬

‫أو يتبختر – يا لرعونته – تحت نزيف الطائرات‪.‬‬

‫أبتلعك المنفى‬

‫ت��س��ري�� ٌل ش��ف��ي��ف‪ ،‬ب��ي��ن مبتنيات خ��ري��ف المآذن‪،‬‬

‫وتخشى على بهائك من االندثار‬

‫إنه ال يكشف عن سر ما‪ ،‬بل يطلق صيحة استنفار‬

‫متوقدة الدهشة لما حولها‪ .‬عين الكشف لدى فرات‬
‫بالغة البراءة‪ ،‬تعطيه حرية التجوال في معابر قاتلة‪،‬‬
‫وأخرى فسيحة الحزن‪ ،‬فيما كل المرح باتجاه السماء‪،‬‬

‫الشاهد الوحيد المتزامن مع كل العذابات المتخطية‬

‫��ف�لا ل��دج��ل��ة ف��ي أق��ص��ى أقصى‬
‫ك��ل ليلة تقيم ح ٍ ً‬
‫الجنوب‬
‫ال جنوب أمامي‪ ..‬هنا بالدي‪ ..‬ال جنوب ورائي‪..‬‬
‫أنا جنوب مطلق‪.‬‬
‫نص (خريف المآذن) المنعكس في مرآة عنوانية‬

‫للحدود في نصه (جنوب مطلق)‪ ،‬وال��ذي يمكن عده‬
‫أحد أهم اشتغاالت فرات في المجموعة؛ فالتقطيع أخرى‪( :‬ربيع السواد‪ ..‬دمنا)‪ ،‬يغري اشتغاله المتلقي‬
‫ال��ص��وري واألس��ل��وب��ي تحيلنا إل��ى النصوص الدينية السير على خيط رفيع‪ ،‬إلى أرض فردوسية مقفلة‪،‬‬
‫والشعرية العراقية البابلية والسومرية الطينية التي ككاهن طين يطلق احتجاجاته ضد كل المهيمنات‬
‫محا ال��م��اء رسمها؛ فنستشف ق��درة شعرية حالمة السلطوية المتفيزقية واألرضية‪ ،‬التي لم تكلف نفسها‬

‫بالغة الهدوء والسكينة على الرغم من كل الرصاصات يوماً عناء النزول إلى عذابات عبيدها‪ ،‬لتكشف عن‬
‫المتنافرة‪ ،‬والجراحات المفتوحة‪ ،‬واألماني المتخندقة سمو انتماءاتهم إلى حياة دون ركوع‪.‬‬
‫في حجابات العزلة‪.‬‬

‫جنوب مطلق أدق االشتغاالت‪ ،‬إال إن نص «خريف‬

‫المآذن» تكمن قيمته في الداللة الرمزية ومسكوتاته‬

‫النبوئية؛ ف��أي ق���راءة تناصية بين النصين‪ ،‬تكشف‬
‫آص��رة تحتفي بالبحث في أرض متغضنة بالحروب‬

‫وال��م��آس��ي واالح��ت�لاالت واالس��ت�لاب‪ .‬ع��ق��دة الحرب‬
‫طبعت ببصمتها على جلد الشاعر واألرض‪ ،‬ففجرت‬

‫لهم العزة كلما توغلوا في الرفض‬
‫أطعموا الحالج َصبرَهموا‬
‫وأفاضوا على المأل حلم ًا‬
‫بطراوتهم بلّلوا الندى‬
‫وفلقوا الصخر بالرقة‪.‬‬
‫(خ��ري��ف ال��م��آذن) المجموعة‪ ،‬ن��ب��وءة خ�لاص من‬

‫خزيناً شعرياً هادئ الطبع‪ ،‬نعزو هدوءه إلى اطمئنان صنمية كل المهيمنات على ذواتنا المحترقة عطشاً‬

‫لذات «التوجع»‪ ،‬وانزياح إلى ذاك��رة ثقبتها رصاصة‪ ،‬وجوعاً واغتراباً‪ ،‬يشفع لها على الرغم من هفواتها التي‬
‫لم ترعوي خدش طفولة نهر وحلم وردة؛ فأحالت كل نتجت عن اإلسهاب في تصوير المعاناة واالعترافات‪،‬‬
‫مشاهد االغتصاب العسكرية لديه‪ ،‬إلى اغتراب حاد‪ ،‬بوحها البريء‪.‬‬
‫ونشوة بحث عن جنوب يشبه جنوبه المحترق؛ فأرخى‬
‫إن أعمق إشتغال لفرات في خريف المآذن الصادرة‬
‫العنان لتماهيه المفرط مع أسى البردي‪ ،‬معلناً عن‬
‫ذات��ه جنوباً مطلقاً‪ ،‬ال يحده سوى البحر من جهاته عن (دار أزمنة) في عمان ‪2001‬م‪ ،‬كان اكتشافه بؤرة‬
‫شعور‪ ،‬منزوية في داخله المكبوت‪ ،‬فاستنطقها‪ ،‬فكان‬
‫كلها‪« ،‬كمرموزية» للبقاء الحي‪.‬‬
‫يا لهاث الجنوب‪..‬‬

‫المنجز نتاج تحفيز للوعي والالوعي‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ ‪45‬‬

‫جنـيب محفوظ‬

‫أصــوات اإلثـــم والبــراءة‬

‫> محمد جميل أحمد‬

‫<‬

‫رحيل محفوظ عن (القاهرة) لم يكن مجرد لحظة قدرية‪ ،‬واقعت تخلعا ً لحياة آذنت بانسحاب مأساوي‬
‫لعالمه‪ ،‬الذي وازى إيقاع تلك المدينة‪ ،‬عبر تحوّالتها المفصلية طوال القرن العشرين‪ .‬ليس ذلك فحسب؛ بل‬
‫إن هذا الرحيل كان يفيض بفراق ويُتم‪ ،‬لم تعرفه القاهرة عن محفوظ طول حياته‪.‬‬
‫و لهذا المعنى العضوي لعالقة محفوظ بالقاهرة‪ ،‬يصبح الفراق على هذا النحو يُتماً حقيقياً؛ ينزاح على‬
‫النيل والهرم والقاهرة القديمة‪ ،‬أو هذا‪ ،‬على األقل‪ ،‬ما شعرت به وأنا أتأمل‪ ،‬عبر الشاشة‪ ،‬شبح الحزن‬
‫والغبار يخيمان على القاهرة القديمة من صورة علوية‪ ،‬صباح اليوم الذي رحل فيه نجيب محفوظ‪.‬‬
‫ثمة قدر غالب‪ ،‬انخرط فيه ذلك المتفلسف العشريني في نهاية الثالثينيات‪ ،‬لتأسيس حكايات على‬
‫هامش األحداث القاهرية‪ ،‬تخلص باستمرار جمالياتها من «التاريخانية»‪ ،‬وتتأمل فيها وجوه القاهرة عبر‬
‫سرديات مقنـ َّعة‪ ،‬تصغي إلى وجودها من القاع؛ لتضخ فيه أسئلة الوجود والعدم‪ ،‬وفسيفساء الهواجس‬
‫اإلنسانية مشغولة ً في نسيج يختبر حاالت متذررة في (دنيا الله)‪.‬‬
‫انخرط محفوظ مبكرا في رهان (خاسر)‪ ،‬يشف من الحداثة وتجلياتها في سرديات الثقافة الغربية‪ ،‬أقنعة‬
‫وحكايا تنحاز إلى حياة قاهرية بامتياز‪ .‬واتخذ محفوظ مجازاً روائيا ً للحياة العربية القاهرية‪ ،‬على نحو‬
‫يحيل سؤال التنظير للرواية العربية سؤاال مقلوباً‪ ،‬لشدة رهانه البارع بصورة شخصية في تضييق الهوة بين‬
‫الشرط التاريخي للرواية؛ أي تلك البنى المعقدة للحياة الصناعية‪ ،‬وتعددها‪ ،‬وسؤالها «األنطلوجي» العابر‬
‫لألفكار والفلسفات‪ ،‬وبين االنبثاق الطبيعي لعالمه الروائي من قلب الحارة القاهرية‪.‬‬
‫كان محفوظ يتأمل باستمرار حياة المصريين برؤيا الفيلسوف وخيال الروائي‪ ،‬ولذلك لم يقع في موجات‬
‫كتابية جرفها الزمن إلى الفراغ‪ .‬فمحفوظ أمسك من الفلسفة ما سمح له باالشتغال على تدوير أسئلتها الكلية‬
‫والمحايثة للزمن في قصصه ورواياته بمهارة‪ ،‬وبصبر لم يشغاله عما يراه هو‪ ،‬وما ال يراه اآلخرون‪ :‬ذلك أن‬
‫ال عن األضواء والشهرة بمتعة حقيقية‪ ،‬لفت انتباه ناقد حائر كان يبحث‬
‫اليقين الذي جعله يعزف عزوفاً كام ً‬
‫عن صور قصصية ضائعة للحياة المصرية في اإلبداع‪ ،‬ويتوق إلى أدب قومي مواز للحكايات الدنيوية األوربية‪،‬‬
‫دون أن يكون ذلك اإلبداع نسخة منها ؛ لهذا كانت فرحة (سيد قطب) بـ (خان الخليلي) و(القاهرة الجديدة)‪،‬‬
‫ال معكوساً إليمانه العميق الذي دفع حياته ثمناً له‪ .‬وكثيراً ما صرح محفوظ‪ ،‬في حوارات‬
‫و(كفاح طيبة)‪ ،‬تأوي ً‬
‫مبكرة‪ ،‬أن «قطب» هو أول من لفت األنظار إليه مع (أنور المعداوي) (صديق سيد قطب الحميم)‪.‬‬
‫ولعل الغريب أن محفوظاً كان يفصل تماماً بين عالمه الروائي‪ ،‬وبين ما يصدر عنه من التزامات بيروقراطية‪،‬‬
‫فيما كان ينحاز إلى أصواته الروائية‪ ،‬عندما ينشأ تناقض يوحي بالتراجع عنها‪.‬‬
‫انتبه محفوظ مبكراً إلى الحيثيات الجمالية التي تفصل بين زمنين‪ :‬زمن السرد الروائي‪ ،‬وزمن التحوالت‬
‫السائلة في الواقع‪ ،‬وكثيراً ما كان يقع الخلط بين الزمنين‪ ،‬بضغط التاريخانية‪ ،‬في التجارب الروائية التي صاحبت‬

‫‪46‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ‬

‫بعض عمره ال��س��ردي المديد (إح��س��ان عبدالقدوس أيقونة ضائعة في هذا العالم‪ ،‬بل لعجز المبدع ووقوفه‬
‫يوسف السباعي‪ ...‬ألخ)‪ ،‬فلم تسلم من النسيان‪.‬‬
‫حائراً حين يبصر كثافة األلغاز في هذه الحياة‪.‬‬
‫استسلم محفوظ منذ ال��ب��داي��ة ل��غ��واي��ة المكان‬
‫(القاهرة القديمة)‪ ،‬مقيماً فيه إقامة فيزيائة نادرة‪.‬‬
‫وكان هذا الخضوع لسلطة المكان يحرره من كثافة‬
‫ال��م��ع��ط��ي��ات الفنية وال��ف��ل��س��ف��ي��ة‪ ،‬ل��م��ص��ادر الرواية‬
‫ومرجعيتها األوربية‪ ،‬حين يكتب نصه السردي‪ ،‬فيأتي‬
‫شفافاً وملتصقاً بمصائر الناس‪ ،‬وشؤونهم الدنيوية‪.‬‬

‫تردد محفوظ أمام اللحظات الدينية ومعطياتها‬
‫الملتبسة‪ ،‬في التصوف والتدين الشعبي‪ ،‬دون أن يقع‬
‫على ص��ورة المؤمن ال��راس��خ حيال دنيوية الحداثة‬
‫وكثافتها‪ ،‬التي تقتلع كل يقين‪ .‬لكن الهوامش الفلكلورية‬
‫لحاالت التدين الخام‪ ،‬سجلت في متنه السردي حنيناً‬
‫غنائياً مكبوتاً لبراءة مفتقدة‪ ،‬ليست من هذا العالم‪.‬‬

‫ك��ان��ت م��رج��ع��ي��ات الفلسفة ال��س��ردي��ة لحكايات‬
‫محفوظ هي فقط في الخالصات النقدية الحاذقة‪،‬‬
‫أما معطيات النص ولعبته الفنية الماكرة فهي غواية‬
‫جميلة للقارئ ومن عالمه المعروض في الحواري‪،‬‬
‫واألسواق‪ ،‬والوكاالت‪ ،‬والتاريخ‪ ،‬واألطياف‪ ،‬واألحالم‪،‬‬
‫واألساطير‪ .‬فلقد ب��رع محفوظ في توظيف مقولة‬
‫(نوفاليس) عن اإلب��داع‪ ،‬بوصفه‪( :‬كتابة غير عادية‬
‫عن حياة عادية)‪.‬‬

‫لقد هجر محفوظ الفلسفة ربما خوفاً من أسئلتها‬
‫العارية‪ ،‬لكنه أع��اد إنتاج ه��ذه األسئلة في السرد‪.‬‬
‫وه��ذا التماهي بين جماليات «السرد المحفوظي»‪،‬‬
‫وتأويالته المطمورة في عصب األسئلة الفلسفية‪،‬‬
‫هو الذي جعل من (حارة) محفوظ صورة من العالم‪،‬‬
‫وجعل من شخصياته أصواتاً عابرة في الوجود‪.‬‬

‫وف���ي م����وازاة لحظة تأسيسية ل��ل��س��رد العربي‪،‬‬
‫كان محفوظ يمسك بخيوط بهلوانية بارعة تتوافر‬
‫على ذلك التمزق‪ ،‬بين االنخراط في لحظة سردية‬
‫ع��رب��ي��ة ت��ب��دأ ص��ي��رورت��ه��ا ال��م��ت��أخ��رة‪ ،‬وب��ي��ن اإلدراك‬
‫الواعي لمرجعيات عتيدة وراسخة للرواية‪ ،‬وشروطها‬
‫التاريخية المتحققة في لحظة سردية أوربية متقدمة!‬
‫واإلم��س��اك على ه��ذا النحو بين الحداثة السردية‪،‬‬
‫وتأويلها على نحو مخصوص‪ ،‬في حياة عربية راكدة‪،‬‬
‫هو عبقرية تفتح على صاحبها وجوه التأويل المتعددة‪.‬‬
‫ال عن المعاناة‪ ،‬تنطوي هذه المغامرة على حنين‬
‫ففض ً‬
‫لبراءة ضائعة‪ ،‬ظل البحث عنها هو مغزى السرد‪.‬‬
‫ك���ان التعبير ع��ن ال��ت��ن��اق��ض��ات ه��و ج��وه��ر إبداع‬
‫محفوظ‪ .‬كانت األسئلة تعود مرة أخ��رى عبر أقنعة‬
‫السرد في‪( :‬كفاح طيبة؛ القاهرة الجديدة؛ ميرامار؛‬
‫أوالد حارتنا؛ ثرثرة فوق النيل؛ اللص والكالب؛ حديث‬
‫الصباح والمساء)؛ دون أن تتوقف يوماً‪ ،‬ال ألن اليقين‬

‫ج��سّ ��د م��ح��ف��وظ ف��ي م��ش��روع��ه ال���س���ردي صيغة‬
‫تستقطب االنهمام بأسئلة الحداثة ومرجعيتها الغربية‪،‬‬
‫وكتابة سردية تقع على مثالها في الحياة الشعبية في‬
‫آن؛ أي لقد كان محفوظ يخل ـ ِّص باستمرار تمثالته‬
‫العميقة لمرجعيات السرد الغربي‪ .‬كان محفوظ من‬
‫القالئل الذين قرأوا رواية مارسيل بروست الطويلة‬
‫ج��داً‪« :‬البحث عن الزمن المفقود»‪( ،‬باإلنجليزية)‬
‫من حكاياته القاهرية دون أن يقطع معها ؛ لذا يجد‬
‫المتأمل في حياة محفوظ وس��رده ص��ورة من صور‬
‫المثقف (العضوي) بالمعنيين الشعبي واالجتماعي‬
‫المنذور ألمانة السرد الحميم‪ ،‬والمسكون بأنفاس‬
‫الحياة الشعبية‪ ،‬فقدرة محفوظ على إدارة الحياد‬
‫السردي في رواياته بمهارة عالية‪ ،‬هي جزء من ذلك‬
‫التمثل العميق لصيرورة الحياة القاهرية عبر الزمن‪.‬‬
‫فليس عجيباً أن ينعته أت��راب صباه البسطاء حتى‬
‫بعد أن حاز جائزة نوبل بالـ (واد نجيب) ألنهم وجدوا‬
‫فيه حالة عادية بامتياز‪ ،‬ووجد فيهم كتابة غير عادية‬
‫رصدت مصائرهم ومثاالتهم في رواياته‪.‬‬

‫< شاعر وكاتب سوداني مقيم بالسعودية ‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ ‪47‬‬

‫شمس ال تعرف املغيب ‪ ..‬ومجد ال يعرف الصمت‬

‫ديوان الشاعر السعودي‪ :‬محمد احلربي «زمان العرب»‬
‫> د‪ .‬خالد فهمي‬
‫رائعٌ هو الشرقُ‬
‫خلف الحوض المتوسط!‬
‫َ‬
‫القائمُ‬
‫ال‬
‫ربما كان هذان السطران الشعريان اللذان أبدعهما جوته في ديوانه الشرقي مدخ ً‬
‫صالحاً من كثير من الوجوه لدراسة الديوان‪ ،‬الذي أبدعه الشاعر السعودي محمد جبر‬
‫الحربي‪ ,‬وجعل عنوانه‪« :‬زمان العرب» وصدرت طبعته األولى عام ‪1427‬هـ‪.‬‬
‫وربما صح كذلك أن نقرر أن هذه القصيدة‪ /‬الديوان ترغب في أن تفي العرب حقاً‬
‫يهضمه الكثيرون في هذا الزمان تحت االنهزام‪ ,‬والديوان راغب كذلك في أن يعيد قراءة‬
‫الحال‪ ،‬من زاوية المنجز الحضاري‪ ،‬معروضاً على ميزان الجوهر والعرض‪ ,‬وعلى ميزان‬
‫الثوابت والمتغيرات‪ ,‬وقد تحقق له من خالل ما رصده مما يمثل جوهر عطاء العرب – أن‬
‫يقرر أن هذا الزمان هو زمان العرب‪ ,‬على الرغم من معاكسات الشاغبين؛ ألنها معاكسات‬
‫مغالطين خدعتهم خوادع‪ ،‬لفتتهم عن الجوهر األصيل الكامن في العطاء العربي‪ ,‬يقول‬
‫الشاعر‪:‬‬
‫تقول لي الوردة اآلن هذا زمان العرب‬
‫حط‬
‫وإن حط من ّ‬
‫أو طار من طار‬
‫أو غار من غار‬
‫فاكتب هنا بالدم العربي وماء الذهب‬
‫وفي أول السطر‪ ,‬في الصدر‬
‫هذا زمان العرب‬
‫والتوقف أمام اسم الزمان‪( :‬اآلن) الذي جاء معترضاً بنية السطر األول‪ ،‬بين القول‬
‫والمقول‪ ،‬تظهر حرص الشاعر على بيان التوقيت؛ لتدفع توهم حمل الكالم على أي‬
‫مجد قائم لم يغب؛ ألن أصوله التي‬
‫ٍ‬
‫زمن مضى‪ .‬القصيدة ترد النفس العربية الى‬
‫أقامته وشيدته لم تزل قائمة ماثلة‪.‬‬
‫وتأمل الداللة الكامنة وراء تنكير اسم ال َعل َم‪ :‬بوش مع أنه استجمع شروط المنع من‬
‫التنوين – دال على هذه اإلرادة الجادة التي ترى بوش وتابعه نكرات‪ ،‬ال يصح أن تعيق‬

‫‪48‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ‬

‫إع�لان تلك الحقيقة التي طمرتها شواغل الزمان‪،‬‬
‫وه��و م��أخ��وذ م��ن ق��ول��ه ت��ع��ال��ى‪« :‬وأع����دوا لهم ما‬
‫التي طرأت أخيراً‪.‬‬
‫استطعتم من قوة ومن رباط الخيل» (سورة األنفال‬
‫وقد استثمر الشاعر تقنية يعرفها التنظير البالغي ‪.)60 /8‬‬
‫باسم براعة االستهالل‪ ،‬فأحسن عندما افتتح ديوانه‬
‫وق��د حشد الشاعر المسوّغات التي قادته الى‬
‫بذكر أجل مواريث العرب‪ ،‬وأجل ما يفخرون به‪ ،‬وأع ّز إعالن حقيقة إن زماننا هو زمان العرب‪ ،‬ونثرها في‬
‫ما بنى مجدهم‪ ،‬وهو ما لم يغب مع مدارات الزمان‪ ،‬طول الديوان بعد هذه المباغتة التي افتح بها عمله‪،‬‬
‫يقول محمد الحربي‪:‬‬
‫في شكل من أشكال براعات االستهالل التي تحسب‬
‫على األرض منه السالم‬
‫ل��ه‪ ،‬ح��رص الشاعر على اإلع�ل�اء م��ن قيمة البيان‬
‫وللعُ رْب طيّبهم والتقي‪ ،‬وفيهم رسالته‪ ،‬والنبيّ بحسبانه منحة ربانية ال يُ ْر َزقُّها أي أحد‪ ،‬وقد ظهر‬
‫وأعلى صروح‬
‫ه���ذا اإلع��ل��اء منذ‬
‫البيان‪.‬‬
‫مفتتح الديوان‪:‬‬
‫ول����ل����ع����رب‪ ..‬أعلى‬
‫وه������������������������ذه‬
‫صروح البيان‬
‫ال��م��ب��اغ��ت��ة التي‬

‫س�����م�����ي�����ت ف���ي‬
‫التراث البالغي‬
‫ب���اس���م (براعة‬
‫االستهالل) تعلن‬
‫ع������ن خطرها‬
‫وقيمتها في أنها‬
‫ب���ح��� ُّر المتلقي‬
‫ج ّراً إلى التسليم‬
‫بما هو مفتتح به‪ ،‬إن مفتح القصيدة‪ /‬الديوان يعلن‬
‫أن���ه ال ث��م��ة م��ع��ارض ف��ي أن م��ج��د ال��ع��رب ك���ان في‬
‫الرسالة الخاتمة‪ ،‬وفي صاحبها صلى الله عليه وسلم‬
‫وص��روح البيان السامية‪ ،‬فلم تزل الكلمة هي أعلى‬
‫مواريث الحضارات‪.‬‬
‫وقد تترست القصيدة عن طريق تقنية التناص‪ ،‬أو‬
‫تداخل النصوص وراء الحقيقة المفضية إلى اإلقرار‬
‫بقيمة أع��ل��ى ن��ص مبين ف��ي ال��وج��ود‪ ،‬وه��و القرآن‬
‫ال��ك��ري��م‪ ،‬فتسربت ع��ن س��ط��وره��ا ن��ف��ث��ات م��ن��ه على‬
‫مستوى المعجم الشعري‪ ،‬وعلى مستوى التراكيب‪،‬‬
‫يقول محمد الحربي‪:‬‬
‫أعدّ وا لهم ما استطعتم من الكبرياء‪.‬‬

‫واستمر منسوباً‬
‫ف���ي ك���ل ال����دي����وان‪،‬‬
‫ي��ط��ل علينا وكأنه‬
‫������اض في‬
‫س��ل��اح م ٍ‬
‫وج������ه ك�����ل ال���ذي���ن‬
‫خ���������ارت ق�����واه�����م‪،‬‬
‫ون�������س�������و أم�����ج�����اد‬
‫العرب؛ يقول‪:‬‬
‫و أما البيان فهذا بياني لكم فاحفظوه‬
‫ويقول‪:‬‬
‫رجه للعدو‪ ،‬وخالص‬
‫ فهذا البيان من الشعر ما ُ‬
‫للعرب‬

‫وقد تعانق مع هذه القيمة التي أعطيت للبيان‪،‬‬
‫بوصفه من المسوّغات التي قادت إلى النتيجة التي‬
‫حمل الديوان عنوانها‪ -‬قيمة من توابعها هي اإلعالء‬
‫من اللغة العربية‪ ،‬ومما صدر عنها من علوم وحكمة؛‬
‫يقول الشاعر‪:‬‬
‫مسجل هنا مرة تلو أخرى‬
‫َّ‬
‫بأني أنا اليعربي‪..‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ ‪49‬‬

‫انشد قافية الليل مبصرة كالنهار‪.‬‬
‫تنتج ف��رع��ون وه��ام��ان‪ ،‬أو ب��وش وبلير ه��ي حضارة‬
‫وت��زداد قيمة البيان واللسان‪ ،‬عندما ن��راه يدعو االنهيار‪ ،‬حتماً ستغيب عنها الشمس‪ ،‬وسيخرس يوماً‬
‫لهما في سياق إكبار المفردات التي تلخص طريق مجدها إن وجد!‬
‫استعادة المجد العربي‪ ،‬وهي مفردات بعضها مألوف‬
‫وق��د أح��س��ن محمد ال��ح��رب��ي ف��ي استثمار هذه‬
‫ف��ي س��ي��اق ال��م��ق��اوم��ة‪ ،‬وبعضها غير دائ���ر ف��ي ذلك التقنية‪ ،‬فأظهر من خالل المقارنة الصامتة الماثلة‪،‬‬
‫المعجم‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫ف��ي بنية ال��دي��وان أن الحكم ال��م��وص��ول إل��ي��ه حكم‬
‫ فبوركت يا حجر ًا ال ينام‬
‫مشفوع ب��أدل��ت��ه‪ ،‬فقد احتشد ف��ي ال��دي��وان فجمع‬
‫وبوركت يا لغتي العربية‬
‫م��ا اشتهر م��ن رم��وز ال��ع��دوان‪ ،‬وال��خ��راب‪ ،‬والظالم‬
‫وهذا التذكير بثوابت ما تمتلكه النفس العربية‪ ،‬في الثقافة العربية‪ ،‬س��واء كانت هذه الشخصيات‬
‫لم يقف عند حدود دوائر الرسالة الخاتمة‪ ،‬والنبوة التراثية‪ ،‬تاريخية أو أسطورية أو دينية‪ ،‬أو غير ذلك‬
‫الزاكية المشرفة‪ ،‬وما تراكم على مدار القرون من من التصنيفات المختلفة كما يلي‪:‬‬

‫تراث حنا على الوجود اإلنساني‪ ،‬ولكنه يمتد فيذكر‬
‫بقوائم طويلة جداً من ميزات العرب التي تجسدت‬
‫ف��أم��ا ال��ح��روب فمن صنع ف��رع��ون ه��ذا الزمان‬
‫في البناء‪ ،‬واإلعمار‪ ،‬ورعاية اإلنسان‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫وهامانه‬
‫وكونوا به الرمح والصولجان‬
‫ب) المغول‪ /‬الروم‪ /‬الفرس‪:‬‬
‫وكونوا الخالئف في جنة الله‪ ،‬أرض الرساالت‬
‫لم أقف خائب ًا‬
‫مهد ال��ح��ض��ارات‪ ،‬مفروشة بالغمام‪ ،‬ومفروشةً‬
‫حين عاد المغول إلى غرّةِ األرض‬
‫بالعنب‬
‫واستنجد الروم بالفرس‬
‫وفي الوقت نفسه يدخلنا الشاعر في مقارنة دالة‪،‬‬
‫بالقس‬
‫َّ‬
‫واللص‬
‫ُّ‬
‫شديدة اإليحاء‪ ،‬ليثبّت نتائجه المرصودة سلفاً‪ ،‬التي‬
‫ج) أبو جهل‪ /‬أبو لهب‬
‫حكمت بأن هذا الزمان هو زمان العرب‪ ،‬تتجلى هذه‬
‫صار لفارس في النسب العربي أبو جهل واللهب‬
‫المقارنة الصامتة من خلف ما جمعه للعدد المحتل‬
‫د) قارون‪ :‬من جرائر قارون‬
‫من صفات تصب في قائمة الخراب‪ ،‬وتظهر حيثيات‬
‫حكمة النهائي‪ ،‬الذي أعلنه م ْن عنوان الديوان‪ ،‬يقول‬
‫ولم يكتف الشاعر محمد الحربي أن يرصد هذه‬
‫في العدو‪:‬‬
‫الشخصيات التراثية‪ ،‬تاركاً للمتلقي أمر التوصل الى‬
‫ف��أم��ا ال��ح��روب ف��م��ن ص��ن��ع ف��رع��ون ه���ذا الزمان معادالتها الموضوعية‪ ،‬أو ما تشير إليه في الواقع‬
‫وهامانه‬
‫الذي تصوره القصيدة؛ ولكنه صرح مع التقدم في‬
‫أ) فرعون‪ /‬هامان‪:‬‬

‫وب��ع��ي��داً ع��ن التخفي وراء ال��رم��زي��ن التراثيين؛‬
‫فرعون وهامان اللذين سينكشف أمرهما مع التقدم‬
‫في بناء القصيدة‪ /‬ال��دي��وان‪ ،‬فإن ما يهمنا هنا هو‬
‫رؤية الديوان ألقوياء هذا الزمان من زاوية حضارية‪،‬‬
‫هي المعيار الحقيقي للحكم على األمور‪ ،‬إن حضارة‬

‫‪50‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ‬

‫ب��ن��اء ال��دي��وان بأسماء عصابة ال��ش��ر‪ ،‬ال��ذي��ن قادوا‬
‫جحافل العداوة نحو بالد العرب‪  ،‬ليصبح شارون‪،‬‬
‫وبوش‪ ،‬وبريمر‪ ،‬وبلير‪ ،‬هي المعادل الموضوعي لرمز‬
‫الشر القديمة‪ ،‬وقد أكدت ذلك تصريحاته التي يقول‬
‫فيها‪:‬‬

‫من جرائر قارون‬
‫حتى جرائم شارون‬
‫حتى بغال العراق األليفة في سرّة الحكم‬
‫ف���ي رح��ل��ة ال��ب��ح��ث ع���ن ع��ل��ف ف���ي ب��ق��اي��ا بريمر‬
‫‪Bremer‬‬
‫أو في بقايا‪ :‬مستر بلير ‪Mr. Blair‬‬
‫وكتابة أسماء هذين العلمين باألحرف الالتنبية‬
‫وإن يكن من رواسب القصيدة الحداثية (المرفوضة‬
‫من جانبنا) يمكن أن تفسر جماليًا بشيء من الرفض‬
‫واالحتقار؛ ألن يحمل الحرف العربي صورة رسمهما‬
‫اللفظي! وه��ذا تفسير متعاطف مع بنية الديوان‪،‬‬
‫البعيد حقيقة عن روح الحداثيين وأفاعيلهم‪.‬‬
‫لقد ص َوّرت أمريكا بالتتار‪ ،‬والمغول‪ ،‬وهما اختيار‬
‫دالّ في هذا السياق المخَ رِّب‪ ،‬ال��ذي تمارسه هذه‬
‫الشيطانة الرقطاء في عالم العرب‪.‬‬
‫على أن الحكم الموثَّق من قبل محمد الحربي‬
‫بتقدّم العرب‪ ،‬وسبق زمانهم‪ ،‬لم يهمل رسم الطريق‬
‫الى نقص التراب‪ ،‬الذي علق بهذه الحقيقة فأخفى‬
‫الوضاء‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫ّ‬
‫وجهها المشرق‬
‫لم أقف صامت ًا‬
‫حين دكت جيوش التتار الجدار‬
‫لم أقف خائن ًا‬
‫حين عاد المغول الى غرة األرض‬
‫واستنجد الروم بالفرس‬
‫واللص بالقس‬
‫لم أقف خائب ًا كاألوز!‬

‫التحلي بها‪ .‬ولعل أبرز ما ورد في بناء هذا الديوان‬
‫هو استثمار (اإلوزّ) و(البغل )؛ فاألول معروف عنه‬
‫عدم القدرة على فعل شيء‪ ،‬حتى أن األمثال القديمة‬
‫في األوساط الشعبية تقول‪« :‬للبط تهددين الشط»‪،‬‬
‫وه��و مثل يضرب في السخرية لمن يه َّدد وه��و في‬
‫ضعف البط‪ ،‬وخوره‪ ،‬واإلوز في مدونة الحيوان عند‬
‫العرب‪ ،‬هو البط الكبير؛ كما أن البغل معروف عنه‬
‫التبلد في الوعي الثقافي العربي‪ ،‬ومعروف عنه رداءة‬
‫األخالق‪ ،‬كما روى الدميري في حياة الحيوان‪ ،‬ومن‬
‫أجل ذلك وجدنا الشاعر هنا ينفي عن نفسه‪ ،‬وعن‬
‫العربي‪ ،‬إمكان أن يكون أحد هذين الرمزين يقول‪:‬‬
‫لم أقف هائم ًا كالبغال‬
‫أفتش في لغتي عن معان تخفف وطأتها‬
‫أو تشير الى رحمة داخل النار‬
‫ويقول‪:‬‬
‫حتى بغال العراق األليفة‬
‫في سرة الحكم‬
‫كما استثمر الشاعر ما علق بالفرس أو الخيل‬
‫ال كذلك‬
‫من خصائص القوة‪ ،‬والنبل والعراقة‪ ،‬مستغ ً‬
‫ما أستقر في الوعي الثقافي العربي من الخيرية‬
‫الكامنة خلف هذا الحيوان‪ ،‬ربما بتأثير ممتد لألثر‬
‫النبوي الشريف‪ :‬الخيل معقود بنواصيها الخير‪ ،‬وما‬
‫ج��اء على شاكلته‪ ،‬فقد ج��اءت السياقات التي ذكر‬
‫فيها الخيل دالة على ما نقول ونقرر‪.‬‬
‫يقول الشاعر‪:‬‬
‫وكونو الثوابت والعاديات‬

‫والتوقف أمام استثمار الحيوان في الديوان ملمح‬
‫ وال يخفى أن ثمة قسماً تناولته بعض اآليات‬
‫جيد بالقراءة‪ ،‬وهي تقنية عرفتها اآلداب العالمية‪ ،‬ال��ق��رآن��ي��ة الكريمة منذ اف��ت��ت��اح ال��وح��ي وت��ن��زل��ه في‬
‫من زم��ان قديم‪ ،‬ربما بتأثير من األدب العربي في مكة المكرمة‪ ،‬كانت مادته هي العاديات وضبحها‬
‫عصر سيادة العربية‪.‬‬
‫وجريها‪.‬‬
‫وقد وظف محمد الحربي ع��دداً من الحيوانات‬
‫ف��ي ب��اب دف��ع تهمة ال��ت��خ��اذل ال��واج��ب على العربي‬

‫ويقول‪:‬‬
‫وال تهلكوا‪ ،‬وتوخوا ما أمرتم به من عتاد‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ ‪51‬‬

‫ومن زاد عزتكم من أياد‪ ،‬ومن صافنات الجياد‬

‫عندما دنسها األمريكان‪.‬‬

‫إن الشاعر مستكف أن يسدّ د خائن‪ ،‬ويرقى إلى‬
‫وال���دع���وة إل���ى أن ي��ك��ون ال��ع��رب��ي م��ث��ل صافنات‬
‫الجياد‪ ،‬دا ٌل على قائمة طويلة من استثمار القوة سدّة الحكم‪ ،‬في مكان ما عاله إال األكابر‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫وأضحى األمين الشريف العفيف بمحرا بها مَ نْ‬
‫والنبل والعراقة‪.‬‬
‫َذب‬
‫ك ْ‬
‫ويقول‪:‬‬
‫وأضحى السفيه اللئيم حكيم ًا‬
‫وال تستعيد ال��ل��غ��ات مهابتها وال��ك��واك��ب دريّها‪،‬‬
‫وساد الخؤون على رأس بيت الخالفة‬
‫والجبال غرابيبها‪ ،‬والجيا ُد الصهيل لتبهج إال إذا‬
‫وتتمثل فكرة االرت��ق��اء برمزية الخالفة متعانقة‬
‫اشتعل الليل في حدقات النواجل‪.‬‬
‫ب��واح��دة م��ن أش��ه��ر األف��ك��ار ال��م��ت��داول��ة ف��ي مدونة‬
‫لعذبات صهيل الجياد عالمة بهجة‪ ،‬وعالمة على النقد الحديث‪ ،‬التي تولي اهتماماً خاصاً لما يسمى‬
‫استعادة ال��ذات العربية كينونته‪ ،‬ألن صهيل الجياد بجماليات المكان؛ وهو ما برز جلياً في التكثيف الذي‬
‫إعالن عن قوة‪ ،‬واستجماع طاقة‪ ،‬وإقباالً على الحياة‪ ،‬صنعه الشاعر‪ ،‬من خالل استثمار مجموعة كبيرة من‬
‫وتحركاً من أجلها‪.‬‬
‫أعالم البلدان والمدن‪ ،‬التي علق في الذاكرة العربية‬
‫وتستمر القصيدة مذكرة بشيء آخر جليل‪ ،‬على‬
‫أن ذا الزمان هو زمان العرب‪ ،‬فتعلي من شأن الرابط‬
‫الذي ظل يربط العرب جميعاً‪ ،‬وتأمر عليه األراذل؛‬
‫فنالوا منه وأسقطوه‪ ،‬وهو رمز الخالفة‪ ،‬عنوان وصف‬
‫األمة وترابطها‪ ،‬وهي أمر له تأصيالته الشرعية التي‬
‫حرص الشاعر منذ البدء على بيانها؛ يقول‪:‬‬
‫وكونوا الخالئف في جنة الله‪ ،‬أرض الرساالت‬
‫مهد الحضارات‬

‫ما لها من تاريخ ماجد نبيل؛ فأشاع بهذا التكثيف‬
‫ال‬
‫جواً قائماً من الشعور بالمجد والعراقة التي تم ً‬
‫الصدر نزوعاً نحو استعادته‪ ،‬والتعلق به‪ ،‬والحرص‬
‫عليه‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫من عيون الرصافة والجسر حتى كروم الجليل‬
‫ويقول‪:‬‬
‫وأن ال طيرة ال عصر إال بأفياء دجلتهم والنخيل‬

‫ول��م تترابط ه��ذي األم��اك��ن إال في ظل ما تأمر‬
‫في ربط دال ٍ‬
‫وموح بما خلفته فكرة االرتباط بكون عليه األراذل فأسقطوه‪ ،‬وأزالوه بعد ما غيرنا زماناً‬
‫اإلنسان مخلوقاً لإلعجاز‪ ،‬مستخلفاً  في األرض‪ ،‬مستظلين بأفياء الخالفة‪ ،‬وهو ما دعا الشاعر إلى‬
‫ويقول‪:‬‬
‫أن يقول‪:‬‬
‫تبحر‬
‫لم أقل إنها حالة ستمر‪ ،‬سحابة صيف ّ‬
‫تقول لي األرض إن البالد بالد العرب‬
‫بل قلت هذا احتالل‬
‫وفيهم بدايتها بالخالفة حتى تعود كما شاء‬
‫يبيح دمي في العراق‬
‫ولم تأت الصورة الشعرية متنافرة مع هذا الطرح‬
‫ويدمر دار الخالفة‬
‫الذي قدّمه الشاعر‪ ،‬بل بدت الصورة الشعرية خادمة‬
‫��ج��رت��ه ال��ع��ق��ول الجميلة ف��ي بيت‬
‫ي��ح��رق م��ا ش ّ‬
‫لموضوع النص‪ ،‬متسمة في غير قليل من المواضع‬
‫حكمتها‬
‫بالحدة واالبتكار‪ ،‬وإن قلت بشكل ع��ام‪ ،‬لكن قلتها‬
‫وه��ذا التدمير ال��ذي فعله المغول قديماً عندما م��ب��ررة بسبب م��ن م��وض��وع ال��ق��ص��ي��دة‪ ،‬وبسبب من‬
‫داسها رجس التتار‪ ،‬هو ما فعله مغول الزمان الحديث األفكار المطروحة فيها‪ ،‬فعلى حين نرى في القصيدة‬

‫‪52‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ‬

‫تمجيداً لما أنتجته العربية من علوم وحكمة‪ ،‬وما‬
‫قدمه العرب زم��ان خالفتهم من خير وب�� ّر بالعالم‪،‬‬
‫رأينا ذلك طاّالً من وراء الصور التي أبدعها الشاعر‪،‬‬
‫يقول‪:‬‬
‫إلي وتشكو‬
‫قلت هذي هي العربية تسعى ّ‬
‫فقبلت مهجتها‪ ،‬وأخذت برفق يديها‬
‫وأجلستها فوق روحي‬
‫فسالت جروحي‬
‫وفاض المداد بأنبل ما يصطفيه الفؤاد‬

‫واستنجد الروم بالفرس‬
‫واللص بالقس‬
‫وه��ذه استثمار جيد للتقارب ال��ذي بين السين‬
‫والصاد‪ ،‬في الخصائص والسمات ويقول‪:‬‬
‫وأجلستها فوق روحي‬
‫فسالت جروحي‬
‫ويقول‪:‬‬
‫من جرائر قارون‬
‫حتى جرائم شارون‬

‫في هذه الصورة الممتدة التي كان محورها هذه‬
‫النبيلة‪ ،‬وقد أوشكت حادثات الزمان أن تكسرها‪،‬‬
‫ولم يغب عن الشاعر أن يستثمر أخيراً التشكيل‬
‫وج���دت م��ن ي��ت��رف��ق ب��ه��ا‪ ،‬وي��ح��ن��و عليها‪ ،‬وي��ق��ب��ل في الطباعي؛ إدراك��اً منه ألثر ذلك التشكيل الطباعي‬
‫تشخيص تاريخ مهجتها‪ ،‬ويتخذ من الروح متكأ لها!‬
‫ف��ي إث����راء دالل���ة ال��ن��ص؛ ف��ق��د أخ���رج ال���دي���وان في‬
‫ويقول في بيان عدوان المحتل وهمجيته البادية‪ ،‬صورة عَ رْضية ال طولية‪ ،‬في هيئة كتالوج كما يصنع‬
‫التي نزلت بمكانته ورشحته ألن يكون خ�لاف ما الفنانون الرسامون في إشارة واضحة إلى آثار العرب‬
‫يعتقد الناس ويظنون‪:‬‬
‫ال تدل عليها األوراق واألحبار وإنما تدل عليها لوحة‬
‫بل قلت هذا احتالل‬
‫أو لوحات سطروها على األرض‪ ،‬وحملوا بها وجه‬
‫��ج��رت��ه ال��ع��ق��ول الجميلة ف��ي بيت‬
‫ي��ح��رق م��ا ش ّ‬
‫الحياة‪ ،‬وهو المعنى الذي لم يخف أو يغب التصريح‬
‫حكمتها‬
‫به في ذكر مآثر العرب‪ ،‬يقول الشاعر‪:‬‬
‫وه���و ي��س��رق أس�����رار ف��ت��ن��ت��ه��ا‪ ،‬وم���ن���ازل أسيادها‬
‫والسواد‬
‫ي��ق��ول ل��ي ال��ب��رع��م ال��ص��ب�� َح ه���ذا ال��ج��م��ال جمال‬

‫وم��ن ناحية أخ���رى‪ ،‬استطاع الشاعر م��ن خالل العرب‬
‫مما ساد قبح على األرض‬
‫البنى الداخلية في النص أن يشيع جواً من اإليقاع‬
‫إال وأسقطه الحسن‪ ،‬والحسن باب كباب عدن‬
‫الجليل ال��ذي يوحي بالنبل والعراقة‪ ،‬وكأننا وسط‬
‫عالم ملكي جليل القدر‪ ،‬ارتقت به منجزاته وآثاره‬
‫والحسن هنا هو حسن العرب القادر على إسقاط‬
‫وت��ف��ال��ي��ده األص��ي��ل��ة العريقة ال��ث��اب��ت��ة‪ ،‬معتمداً على‬
‫مقابح الغرب الغازي األثيم‪.‬‬
‫ما زرع��ه الشاعر من وسائل بديعية‪ ،‬تضافرت مع‬
‫ك��م��ا ج���اء ال��خ��ط ق��ري��ب��اً ج����داً م��ن خ��ط النسخ‬
‫تفعيلة (فعولن) الشائعة في الشعر الحرّ‪ ،‬التي راوح‬
‫بينهما وبادل في بناء النص‪ ،‬من مثل‪ :‬حسن التقسيم‪ ،‬بوضوحه‪ ،‬وبيان تفصيالت الحروف في إشارة إلى‬
‫والتشجيع الداخلي‪ ،‬واستثمار حروف الم َّد ليحقق ما تتمتع به النفس العربية‪ ،‬وما يتمتع به عطاؤها‬
‫رثياً وهدوءاً مشعراً بالجالل‪ ،‬يقول الشاعر‪:‬‬
‫الحضاري‪.‬‬

‫< كاتب وناقد ‪ -‬كلية التربية للبنات ‪ -‬الجوف‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ ‪53‬‬

‫املشروبات الغازية والصحة‬
‫> د‪ .‬بشير محمود جرار‬

‫ع������ل������وم‬
‫‪54‬‬

‫أصبحت المشروبات الغازية جزءاً من موائد معظم‬
‫ المحليات الصناعية في المشروبات الغازية‪ ،‬التي‬‫األسر‪ ،‬والوجبات التي تقدمها المطاعم‪ ،‬خاصة تلك التي تعرف بالدايت أو الاليت‪.‬‬
‫تقدم الوجبات السريعة‪ .‬وأخذت المشروبات الغازية ‪ -‬مع‬
‫تسبب مضاعفات خطيرة‬
‫األسف ‪ -‬مكان الحليب والعصائر‪ ،‬الغنية بالفيتامينات‬
‫وال شك أن المبالغة في تناول المشروبات الغازية‬
‫واألم�لاح المعدنية ومضادات األكسدة‪ ،‬التي تحمي من ولفترات طويلة‪ ،‬يُدخل إلى جسم اإلنسان جميع المواد‬
‫اإلصابة بأمراض القلب والسرطان‪ .‬وتشير الدراسات سابقة الذكر‪ ،‬والتي ليس لها قيمة غذائية‪ .‬وق��د دلت‬
‫إلى انخفاض تناول الحليب والعصائر بنحو‪ 30%‬لمصلحة ال��دراس��ات والبحوث على أن لهذه ال��م��واد مضاعفات‬
‫المشروبات الغازية‪ ،‬عند أطفال بعمر خمس إلى تسع خطيرة على الصحة‪.‬‬
‫سنوات في الواليات المتحدة األمريكية‪ ،‬خالل الفترة‬
‫تلحق المواد الكيميائية التي تدخل جسم اإلنسان‬
‫‪ 1988‬إلى ‪2003‬م‪.‬‬
‫مع المشروبات الغازية الضرر الكبير بالصحة‪ .‬وتجمع‬
‫وتقدّر مبيعات المشروبات الغازية سنوياً في أميركا األوس��اط الطبية على أنها المسبب األساسي للسمنة‬
‫بنحو‪ 50‬بليون دوالر‪ ،‬ويتناول األمريكيون ‪ 14‬بليون جالون وتسوس األسنان‪ ،‬إضافة إلى أن الكميات الكبيرة منها‬
‫م��ن المشروبات ال��غ��ازي��ة؛ بينما يصل نصيب المملكة لها تأثيرات ض��ارة على الكلى والكبد‪ ،‬وتعرقل مقدرة‬
‫العربية السعودية إلى نحو ‪ 500‬ألف طن في العام من كريات الدم البيضاء الدفاعية ضد البكتيريا‪.‬‬
‫تلك المشروبات‪ .‬وتصرف الشركات المنتجة للمشروبات‬
‫وي��ق��در أن ‪ 21%‬م��ن ال��س��ك��ر ال����ذي ي��دخ��ل أجسام‬
‫الغازية‪ ،‬ماليين ال��دوالرات من أجل البحث عن أسواق‬
‫األمريكيين مصدره المشروبات الغازية‪ .‬ويعد السماح‬
‫جديدة‪ ،‬وتستهدف في األساس صغار السن‪.‬‬
‫ل��ش��رك��ات ال��م��ش��روب��ات ال��غ��ازي��ة ببيع منتجاتها داخل‬
‫تخلو من المواد الغذائية‬
‫المؤسسات التعليمية م��ن مسببات السمنة بين طلبة‬
‫ول��و دققنا في محتويات ه��ذه المشروبات من واقع المدارس والجامعات‪ .‬وتؤكد دراسة في مستشفى بوستن‬
‫ما هو مدون على عبواتها‪ ،‬لوجدنا أنها تخلو من المواد التابع لجامعة هارفرد عام ‪2001‬م أن اإلدمان في تناول‬
‫الغذائية‪ ،‬بينما تحتوي إضافة إلى الماء‪ ,‬على العديد من المشروبات الغازية عند األطفال بين ‪ 10‬إلى ‪ 16‬سنة‪،‬‬
‫المواد الكيميائية منها‪:‬‬
‫ك��ان أح��د مسببات ع��دم تقيّدهم بتناول وجباتهم في‬
‫ كمية كبيرة من السكر أو بدائله‪.‬‬‫أوقاتها‪ ،‬ومن ثم إصابتهم بالسمنة‪ .‬واتضح من الدراسة‬
‫نفسها‪ ،‬أن تناول عبوة واحد يومياً من المشروبات الغازية‬
‫ ثاني أكسيد الكربون‪.‬‬‫يزيد من احتمالية اإلصابة بالسمنة‪ ،‬بمعدل ‪.60%‬‬
‫ الكافيين في بعضها‪.‬‬‫ نكهات صناعية‪.‬‬‫‪ -‬مواد حافظة‪.‬‬

‫‪ -‬الفسفور أو حمض الفوسفوريك‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ‬

‫ي��ؤدي تناول كميات كبيرة من المشروبات الغازية‪،‬‬
‫ال��م��ح��ت��وي��ة ع��ل��ى ت��رك��ي��ز م��رت��ف��ع م��ن ال��ف��س��ف��ور وحمض‬
‫الفوسفوريك‪ ،‬إل��ى إح���داث خلل ب��ال��ت��وازن بين فسفور‬
‫وكالسيوم الجسم خاصة في العظام‪ ،‬وبشكل أساسي عند‬

‫األطفال والنساء‪ ،‬ومن ثم التسبب بهشاشة‬
‫العظام‪ ،‬وإعاقة عملية تكلس عظام األطفال‪،‬‬
‫خالل فترات النمو الحرجة‪.‬‬

‫وتشير الدراسات إلى أن تناول المشروبات‬
‫الغازية يومياً وبمعدل ‪ 150‬عبوة في السنة‬
‫ت��ج��ع��ل ص��اح��ب��ه��ا م��ع��رض��اً ل�لإص��اب��ة بكسر‬
‫ال��ع��ظ��ام‪ ،‬بمعدل ث�لاث��ة إل��ى أرب��ع��ة أضعاف‪،‬‬
‫مقارنة مع من ال يتعاطون هذه المشروبات‪.‬‬
‫وكما أن ارتفاع نسبة الفسفور في الدم يجعل‬
‫الكلية عند كبار السن غير قادرة على طرده ما‬
‫يؤدي إلى إفساد التوازن الحمضي القاعدي‬
‫في الكلية‪ ،‬ويلحق األذى بأنسجتها‪.‬‬

‫للمشروبات‬

‫ال��غ��ازي��ة‬

‫مضا عفا ت‬
‫خ��ط��ي��رة‬
‫على الكبد‬
‫وال��ك��ل��ى‬
‫و هشا شة‬

‫الغازية‪ ،‬بسبب خطورته المسرطنة للجهاز‬
‫التناسلي األنثوي‪ ،‬وخاصة سرطان المثانة‪،‬‬
‫وتسبّبه بحساسية عند بعض األشخاص‪،‬‬
‫تظهر ع��ل��ى ش��ك��ل اح��م��رار ل��ل��ب��ش��رة‪ ,‬إال إن‬
‫األسبارتيم ما زال يستخدم على نطاق واسع‬
‫في المشروبات الغازية‪ ،‬التي تصنع لمرضى‬
‫السكري ومن يعانون من السمنة‪ ,‬والغريب أن‬
‫معظم مستهلكيها من الشبان وصغار السن‪.‬‬
‫ي��ؤث��ر األس��ب��ارت��ي��م ع��ل��ى ج��م��ي��ع أعضاء‬
‫الجسم‪ ،‬خاصة ال��دم��اغ‪ ،‬ويتحول إسبارتيم‬
‫المشروبات الغازية إلى كحول الميثانول بعد‬
‫ساعات من استهالكها‪ .‬ويعتقد أن ارتفاع‬
‫تركيز األسبارتيم مرتبط باإلصابة بالذؤيبة‬
‫ال��ح��م��راء‪ ،‬وبعض األم���راض الجينية وحتى‬
‫أورام الدماغ‪.‬‬

‫تحتوي معظم المشروبات الغازية على‬
‫الكافيين‪ .‬والمشروبات الغازية هي المصدر‬
‫األساس للكافيين في دم األطفال تحت سن ا لعظا م ‪! ! . .‬‬
‫‪ 12‬سنة‪ .‬وإن تناول طفل بمعدل عبوة واحدة‬
‫كما تحتوي جميع المشروبات الغازية على‬
‫من الكوال يومياً تدخل إلى دمه ‪ 45‬ميلغرام‬
‫م��واد حافظة‪ ،‬أشهرها ب��ن��زوات الصوديوم‪،‬‬
‫ال في توازن الصوديوم في الجسم‪ .‬وإن من‬
‫من الكافيين‪ ،‬وهذا ليس أقل مما يدخل دم شخص بالغ والتي تسبب خل ً‬
‫مدمن على شرب القهوة‪ .‬وكما هو معروف فإن الكافيين تأثيراتها ظهور الطفح واإلكزيما الجلدية‪ .‬وهناك مؤشرات‬
‫يعد مادة منبهة‪ ،‬تسبب األرق والصداع وفقدان الشهية‪ ،‬على أن لمادة بولي إثلين رباعية الفثاليت‪ ،‬التي يرمز لها‬
‫وت��ض��ع��ف ال���م���ق���درة ع��ل��ى ال��ت��رك��ي��ز‪ .‬وقد أ ظهر ت بالرمز (‪ ،)PET‬تأثيرات مسرطنة‪ ،‬وهي تدخل في تصنيع‬
‫دراسة قامت بها كلية الطب بجامعة جون‬
‫هو بكنز العبوات المعدنية للمشروبات الغازية‪.‬‬
‫أن ت��ن��اول ال��م��ش��روب��ات الغازية‬
‫وت��ش��ي��ر ال��ب��ح��وث ال��ط��ب��ي��ة إل���ى إن اإلك���ث���ار م���ن تناول‬
‫المحتوية على الكافيين بمعدل‬
‫المشروبات الغازية يسبب نقص ال��ب��ورون‪ ،‬م��ا ي��ؤدي إلى‬
‫ع��ب��وة واح����دة ي��وم��ي��اً م��ن شأنه‬
‫اضطراب في الدورة الشهرية لإلناث‪ ،‬ويربك أيض الحديد‪,‬‬
‫خفض اإلخ��ص��اب بمعدل ‪50%‬‬
‫العنصر الضروري لتكوين الهيموجلوبين‪.‬‬
‫عند اإلناث‪.‬‬
‫وترى بعض األوساط الطبية أن‬

‫وت��ح��ت��وي ال��م��ش��روب��ات الغازية‬
‫ال��م��ع��روف��ة ب��ـ (ال���داي���ت أو الاليت)‬
‫على بدائل للسكر‪ ،‬على هيئة محليات‬
‫مصنعة‪ ،‬لخفض ال��س��ع��رات ال��ح��راري��ة‪ .‬وم��ن أشهر‬
‫المحليات المستخدمة ف��ي ال��م��ش��روب��ات الغازية‬
‫األسبارتيم والسكرين‪ .‬وعلى الرغم من أن استخدام‬
‫السكرين أصبح محدوداً في الصناعات الغذائية والمشروبات‬

‫حموضة المشروبات الغازية‪،‬‬
‫ال��ت��ي ت��ع��ادل ح��م��وض��ة ال��خ��ل‪ ،‬وال‬
‫يشعر بها م��ن يتناولها‪ ،‬بسبب التركيز‬
‫المرتفع للسكر تتسبب في اإلمساك‪ ،‬وترفع‬
‫ضغط الدم‪ ،‬وتتلف األسنان‪ ،‬وتؤثر على فعالية‬
‫األدوية‪ ،‬مثل‪ :‬البنسلين واألمبسلين وغيرها‪.‬‬

‫< د‪ .‬بشير جرار‪ :‬قسم علوم المختبرات الطبية ‪ -‬كلية العلوم الطبية التطبيقية ‪ -‬جامعة الجوف‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ ‪55‬‬

‫القاص جبير املليحان‪ :‬ليس ضروريا ً أن‬
‫يكون القاص روائيا ً‬

‫> حاوره‪ :‬عبدالعزيز النبط – اجلوف‬
‫يرى األستاذ جبير المليحان‪ ،‬رئيس نادي الشرقية األدبي‪ ،‬أن هناك ارتفاعاً في سقف‬
‫الحرية في الصحافة واإلع�لام السعودية‪ ،‬مؤكداً أن الرقيب المباشر فقد الكثير من‬
‫أدواته‪.‬‬
‫وأشار صاحب موقع «القصة العربية»‪ ،‬الذي يعد أشهر منتدى لكتاب القصة في الوطن‬
‫العربي‪ ،‬إلى أن الموقع ال يستهدف الكم في نشر القصص وفي مشاركات األعضاء‪ ،‬ودلل‬
‫على ذلك بأنهم يعتذرون في كل يوم ألعضاء عن نشر مواد ال تتوافر فيهم شروط النشر؛‬
‫ألن هدفهم في الموقع‪ ،‬كما يقول المليحان‪ ،‬هو جودة الكلمة‪.‬‬
‫وكشف المليحان عن عشقه القديم لمسقط رأسه في حائل «قصر العشروات»‪ ،‬وعن‬
‫تجربة نادي الشرقية األدبي في عرض األفالم السينمائية ألول مرة على مستوى األندية‬
‫األدبية‪ ،‬التي أثارت العديد من ردود األفعال المتباينة‪ .‬وكان هذا نص الحوار الذي تناول‬
‫هذه التجربة‪ ،‬وغيرها‪:‬‬
‫ بعد مرور نحو عام على التغييرات الجديدة في عضوية مجالس األندية األدبية‬‫السعودية‪ ،‬ما أبرز منجزات األندية في تلك الفترة؟‬

‫م��واج��ه��ات‬
‫‪56‬‬

‫< قبل ذل��ك‪ ،‬مرت الساحة الثقافية في بالدنا بانفراج كبير‪ ،‬على مستويات عدة؛‬
‫متغيرات في الطرح‪ ،‬وارتفاع في سقف حرية الصحافة واإلعالم‪ ،‬وتجاوز بعض المسكوت‬
‫عنه ‪-‬اجتماعياً غالباً‪ -‬واتساع مجال النشر الورقي واإللكتروني‪ ،‬إضافة إلى احتضار‬
‫سطوة الرقيب المباشرة‪ ،‬تمهيداً لنقله إلى متحف تاريخي؛ وكما ترى اآلن فق ْد َف َق َد الرقيب‬
‫الكثير من أدواته‪ ،‬ولم يعد يملك قضباناً يحاصر به الفضاء المفتوح على اتساعه‪.‬‬
‫وهذه نقطة تشكل تحوالً تاريخياً على مستوى سيرة اإلنسان في العالم كله؛ إذ أصبحت‬
‫المعلومة في متناول أي فرد في أي وقت وأي زمن‪.‬‬
‫اآلن كل السُ ل َِط التي كانت تحصي أنفاس الفكر‪ ،‬وتالحق أضواء الكلمات‪ ،‬تفلت األغالل‬
‫من أيديها بشكل تدريجي دون انقطاع‪ .‬إنه خطو جديد في مسار الحرية يتنامى‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ‬

‫م��ن ج��ان��ب األن���دي���ة األدب���ي���ة ف��ق��د اك��ت��م��ل تشكيل‬
‫ ما تقييمك لتجربة ن��ادي الشرقية األدب��ي في‬‫مجالس إداراتها تقريباً‪ ،‬وهي تخوض نقاشاً متواص ً‬
‫ال عرض األعمال السينمائية‪ ،‬وهل واجهت هذه العروض‬
‫ح��ول بناء الئحة األن��دي��ة األدب��ي��ة وال��ل��وائ��ح الداخلية معارضة من المجتمع؟‬
‫وشروط العضوية‪ ،‬التي مضى على إقرارها أكثر من‬
‫< يتيح نظام النادي والئحته األساسية استخدام‬
‫ربع ق��رن‪ ،‬ولم تعد تمثل المرحلة اآلنية؛ إضافة إلى األفالم السينمائية للتوعية والتثقيف‪ ،‬وطرح الحوار‬
‫أن األندية بدأت ‪-‬بتشكيالتها الجديدة‪ -‬التوجه إلى وال��ن��ق��اش‪ ،‬لكن تجهيزات ال��ن��ادي وم��ق��ره ال��ح��ال��ي ال‬
‫طَ رْقِ المجاالت الثقافية الواسعة باتجاه البناء والثقافة‬
‫يتيحان مكاناً للسينما كمفهوم‬
‫ال��م��ع��رف��ي��ة األوس�����ع‪ ،‬واألشمل‬
‫مستقل‪ .‬وقد استخدمنا في‬
‫لألنشطة اإلبداعية اإلنسانية‪.‬‬
‫العرض األجهزة المستخدمة‬
‫ ه��ل تتفق م��ع مَ��� ْن ينادي‬‫ب�����أن ي��م��ن��ح رؤس�������اء األن���دي���ة‬
‫األدب��ي��ة ال��م��رأة دور ف��اع��ل في‬
‫رسم سياسات وخطط األندية‬
‫األدب��ي��ة‪ ،‬أم تعتقد أن المرأة‬
‫يجب أن تبادر بنفسها من أجل‬
‫أخذ هذا الدور؟‬

‫< ف���ي رأي����ي أن المسألة‬
‫ال ت��ط��رح ب��ي��ن رج����ل وام�����رأة‪.‬‬
‫الطبعي أن يتم رسم السياسات‬
‫والخطط األدبية والثقافية من‬
‫قبل ال��ع��ق��ول‪ ،‬دون النظر إلى‬
‫جنس اإلنسان‪.‬‬

‫ف��ي ال��م��دارس والجامعات‬
‫«البروجكتر»‪ ،‬وعبر دائرة‬
‫تلفزيونية مغلقة‪ ،‬مفصولة‬
‫للنساء‪.‬‬

‫ب����دأن����ا ك�������أول ن�����اد في‬
‫اس���ت���خ���دام ه����ذه الوسيلة‬
‫ال���ح���دي���ث���ة ل����ع����رض بعض‬
‫األفالم السينمائية المختارة‬
‫للجمهور‪ ،‬وفد القت إقباالً‬
‫مدهشاً‪.‬‬

‫قليلون ممن لم يعجبهم‬
‫ذلك‪ ،‬وقد استمعنا إليهم وإلى كل رأي‪ ،‬بعقول وقلوب‬
‫مفتوحة ألن النادي للجميع؛ كان ثمة مالحظات‪ ،‬وقد‬
‫ ما م��دى تعاون ن��ادي الشرقية األدب��ي مع بقية احترمنا مشاعرهم‪ ،‬وشُ ��كّ��ل��ت لجنة إلج���ازة األفالم‬‫األندية في المملكة‪ ،‬خاصة نادي الجوف األدبي‪ ،‬في والوثائق قبل عرضها على الجمهور‪.‬‬
‫مجال إقامة األمسيات الثقافية وغيرها؟‬
‫‪ -‬هل توجد نية لدى نادي الشرقية األدبي في نشر‬

‫< نحن س��ع��داء ب��وج��ود األدي���ب ال��م��ب��دع الصديق أعمال المثقفين؟‬
‫عبدالرحمن الدرعان في قيادة النادي مع زمالء آخرين‬
‫تجاوزنا النية منذ بدء استالم مجلس اإلدارة مهامه‪،‬‬
‫مضيئين‪ ،‬في هذه المرحلة يتم التنسيق والتشاور حول وت��م تشكيل لجنة للنشر حيث أق��رت حتى اآلن أكثر‬
‫كل األمور‪.‬‬
‫من سبعة كتب جديدة بين الشعر والقصة‪ ،‬وأغلبها‬
‫ونخطط إلقامة أنشطة مشتركة مع نادي الجوف للشباب‪.‬‬
‫بتشكيلته الجديدة‪ ،‬وكذا األندية األخرى‪.‬‬
‫‪ -‬هل تتفق مع مطالبة رئيس نادي الجوف األدبي‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ ‪57‬‬

‫عبدالرحمن الدرعان بان تفوق موازنة األندية األدبية تدشينه قريباً‪.‬‬
‫التي تقع في مناطق إداري��ة كبيرة مثل ن��ادي الجوف‬
‫ي��ش��ارك ف��ي م��وق��ع «ال��ق��ص��ة ال��ع��رب��ي��ة» اآلن كتاب‬
‫األدبي‪ ،‬موازنة أندية تقع في مدن قريبة من المراكز من ث�لاث وعشرين دول��ة عربية‪ ،‬ويزيد عددهم عن‬
‫الثقافية الكبرى‪ ،‬مثل نادي الرياض األدبي؟‬
‫ألف وثالثمائة مبدعة ومبدع‪ .‬ويشكل موقع «القصة‬

‫< ال أتفق مع صديقي عبدالرحمن في ذل��ك من‬
‫ج��ان��ب‪ ،‬وأت��ف��ق معه ف��ي ج��ان��ب آخ���ر؛ صحيح أن ما‬
‫يخصص للتشغيل يجب أن يكون متساوياً‪ ،‬لكن ما‬
‫يخصص لألنشطة والمشاريع‪ ،‬التي تغطي رقعة معينة‬
‫يجب ‪ -‬حسب رأيي ‪ -‬أن يختلف‪ .‬وكمثال على ذلك‬
‫فإن نادي الشرقية األدبي يغطي مساحة واسعة تضم‬
‫مدناً كثيرة‪ ،‬وكثافة سكانية ال تقارن بما يقدمه ناد آخر‬
‫تغطي خدماته جمهوراً أقل‪.‬‬

‫العربية» مرجعاً ضخماً للقصة العربية القصيرة‪ ،‬إنه‬
‫المرجع األول دون منافس ‪ -‬حتى اآلن ‪ -‬في القصة‬
‫القصيرة؛ إذ يحتوي الموقع على أكثر من ثمانية آالف‬
‫نص قصصي‪ .‬وه��و مكان للتوثيق‪ ..‬إذ أن نشر نص‬
‫قصصي لمبدع باسمه وبتاريخ محدد يمنع انتحاله أو‬
‫سرقته من قبل آخرين‪ ،‬خاصة في الشبكة‪ ،‬حيث تكثر‬
‫السرقات‪.‬‬

‫كما يعد موقع «القصة العربية» جامعة للبحث‬
‫إن ال��ع��ام��ل ال��رئ��ي��س ف��ي ذل���ك ‪ -‬ف��ي رأي���ي ‪ -‬هو والدراسة‪ ،‬وورش العمل األدبية للجامعات والمدارس‬
‫والمهتمين‪ ،‬حيث استخدمت م���واده اإلب��داع��ي��ة في‬
‫الجمهور المستفيد‪.‬‬
‫ في ظل وج��ود العشرات من المواقع الثقافية بلدان كثيرة ‪-‬حسب علمي ‪ -‬للبحوث وورش العمل‪،‬‬‫العربية على اإلن��ت��رن��ت‪ ،‬م��اذا أض��اف موقع «القصة والتحضير للدراسات العليا‪.‬‬
‫إن��ه باختصار جامعة عربية ثقافية مفتوحة ال‬
‫العربية» ‪ www.arabicstory.net‬ال��ذي أسسه‬
‫تعترف بالحدود الجغرافية‪ ،‬أو األطر السياسية‪.‬‬
‫جبير المليحان للمثقف العربي؟‬

‫ يدخل موقع «القصة العربية» سنته السادسة‪،‬‬‫< تحول الموقع إلى شبكة «القصة العربية»‪ ،‬بعد‬
‫ثالث سنوات من إنشائه‪ ،‬نحن اآلن على عتبة السنة وب��ال��ك��اد ت��ج��اوز ع��دد أع��ض��ائ��ه ال��ـ ‪ 500‬ع��ض��و‪ ،‬فهل‬
‫السابعة‪ ،‬ولدينا الكثير مما أنجز‪ ،‬والكثير مما هو تقتصر العضوية على األدباء والمثقفين؟‬
‫مخطط له‪ ،‬وآمال عريضة تتوالد مع كل نجاح‪.‬‬
‫< بلغ عدد كتاب موقع «القصة العربية» المتعمدين‬

‫ب��دأ تأسيس الموقع ف��ي ب��داي��ة ال��ق��رن الميالدي‬
‫ال��ح��ال��ي‪ ،‬بعدد قليل م��ن مبدعي ال��س��رد القصصي‪،‬‬
‫وبنصوص قليلة‪ ،‬ولتخصصه‪ ،‬ووضوحه أهدافه‪ ،‬وكون‬
‫كتّابه يوقعون بأسمائهم الحقيقية‪ ،‬فقد انتشر بسرعة‬
‫كبيرة‪.‬‬

‫كأعضاء (‪ )1375‬عضواً‪ ،‬أما منتدى «القصة العربية»‬
‫فيبلغ عدد أعضائه حتى اآلن (‪ )561‬عضواً‪ .‬إننا ال‬
‫ن��ه��دف إل��ى ال��ك��م‪ ..‬ففي ك��ل ي��وم نعتذر ألص��دق��اء ال‬
‫تتوفر فيهم شروط النشر‪ .‬إن هدفنا هو جودة الكلمة‪،‬‬
‫وصحتها‪ ،‬وتحمّل الكاتب لمسؤولية حروفه بشكل ال‬
‫لبس فيه‪.‬‬

‫في السنة الثالثة تم تدشين منتدى «القصة العربية»‬
‫ على الرغم من أن موقع «القصة العربية» يحتوي‬‫الحواري‪ ،‬وفي السنة الرابعة صدر أول كتاب ورقي‬
‫(قصص من السعودية)‪ ،‬وت��م ه��ذا العام االنتهاء من على قصص ألدباء من مختلف الدول العربية‪ ،‬إال أن‬
‫بناء الموقع الثالث‪« :‬مدونات القصة العربية» وسيتم المالحظ أن الكتاب األول ال��ذي ص��در ع��ن الموقع‬

‫‪58‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ‬

‫بعنوان (قصص من السعودية)‪ ،‬اقتصر فقط على ‪ 70‬السلطة للقوة العضلية وليس الفكرية‪ .‬إنها مرحلة‬
‫بائسة يمر بها مجتمعنا المتجه إلى النمو واالنفتاح‪.‬‬
‫قاصة وقاصاً من السعودية‪ ،‬ما تعليقك ؟‬
‫هذا هو مشروعنا األول للنشر الورقي‪ .‬وحيث أن‬
‫الموقع يموّل بموارد مالية شخصية‪ .‬فإننا نواجه بعض‬
‫الصعوبات‪ .‬لقد صدر الكتاب األول‪ ،‬وقد خصصناه‬
‫لكاتبات وك��ت��اب القصة ف��ي ال��س��ع��ودي��ة‪ .‬أم��ا الكتاب‬
‫الثاني فسيكون للكتاب العرب جميعاً‪ ،‬وسيحتوي على‬
‫خمسين نصاً لخمسين مبدعاً عربياً‪ .‬إن ك��ل شيء‬
‫جاهز‪( :‬النصوص ولجنة االختيار واآلليات الفنية)‪،‬‬
‫الصعوبة تكمن في كيفية توزيعه بعد طباعته‪ .‬لقد‬
‫كلفنا إيصال النسخ من الكتاب األول إلى أصدقاء في‬
‫مصر وسوريا والعراق‪ ..‬والبلدان العربية األخرى أكثر‬
‫من ضعف قيمته أجوراً للبريد‪ ..‬ومن هنا فقد تمهلنا‬
‫في إصدار الكتاب الثاني حتى نجد حالً‪.‬‬
‫ هل قصص المليحان الموجهة للطفل متواجدة‬‫في المكتبات المدرسية؟‬
‫< أص��درت لي لجنة العالقات العامة في شركة‬
‫الزيت العربية السعودية (أرامكو) أول مجموعة موجهة‬
‫لألطفال بعنوان (الهدية) وقد طبع من العدد ‪ 150‬ألف‬
‫نسخة توزع مجاناً‪ .‬وقد تم توزيع نسخ على مدارس‬
‫المنطقة الشرقية ومدارس مملكة البحرين‪.‬‬
‫لدي سلسلة من كتب األطفال المكتوبة برؤية تربوية‬
‫مناسبة تستحث التفكير(قرابة أربعين كتاباً صغيراً)‬
‫المشكلة ذاتها‪ ،‬من يطبع؟ ومن ي��وزِّع؟ إضافة إلى أن‬
‫كتب األط��ف��ال تتطلب أن تصاحب الكلمات برسوم‬
‫مناسبة تتوازى مع النص‪ ،‬وكل هذه غير متوافرة اآلن!‬
‫ كيف ترى منع األعمال الفنية بالقوة‪ ،‬كما حصل‬‫ذلك في مسرح اليمامة؟‬

‫ أين أعمال جبير المليحان في مجال الرسم؟‬‫< معلقة في منزلي! لقد توقفت عن الرسم منذ‬
‫سنوات‪.‬‬
‫ متى تصدر الرواية األولى للقاص جبير المليحان‪،‬‬‫وما رأيك بكثرة األعمال الروائية السعودية أخيراً‪ ،‬التي‬
‫تناول بعضها قضايا اجتماعية حساسة‪ ،‬مثل رواية‬
‫بنات الرياض لرجاء الصانع؟‬
‫< ولماذا متى؟ وهل على كل قاص أن يكتب رواية؟‬
‫إنني أجد نفسي في القصة بكل ألوانها‪ .‬ومجال السرد‬
‫الواسع (الرواية) يحتاج إلى وقت وشبه تفرغ‪ ،‬وهذا ما‬
‫ال أملكه اآلن‪.‬‬
‫أم��ا ك��ث��رة األع��م��ال ال��روائ��ي��ة ف��ي ال��س��ع��ودي؛ فهي‬
‫طفرة جميلة جداً‪ .‬إن هذا الكم سيفرز كيفاً جميالً‪.‬‬
‫وف���ي ك��ل ح���ال أن���ا م��ع أي���ة ن��اف��ذة أو وس��ي��ل��ة سلمية‬
‫للتعبير يستخدمها اإلنسان‪ .‬أما «بنات الرياض» فقد‬
‫اخترقت ما كان يدور تحت األرض وفي الغرف المغلقة‬
‫والشاشات؛ إن ذلك يحسب لها‪.‬‬
‫ ما سبب ابتعادك عن الصحافة‪ ،‬بعد أن وصلت‬‫إلى منصب نائب رئيس تحرير صحيفة اليوم؟‬
‫< فصلوني!‪.‬‬
‫ من الذي فصلك‪ ،‬ولماذا؟‬‫< كان الشاعر محمد العلي رئيسا للتحرير‪ ،‬وكنت‬
‫مدير تحرير متفرغ‪ .‬و ُكلّفتُ برئاسة التحرير أثناء إجازة‬

‫< لإلرهاب ألف وجه تظهر لنا بألوان كثيرة‪ ..‬يتجلى‬
‫أدناها باستخدام القوة‪ .‬إنه األسلوب البدائي‪ ،‬الذي‬
‫يرتبط مباشرة بتفكير إنسان الكهف والغابة‪ ،‬حيث‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ ‪59‬‬

‫رئيس التحرير‪ .‬كان التعاون بين إدارة التحرير وإدارة‬
‫الجريدة ضعيفاً‪ ،‬وكنا نواجه الكثير من المشكالت‪،‬‬
‫ونحتاج إلى الدعم‪ .‬وكنا نطالب بذلك وال نجد آذانا‬
‫صاغية‪ .‬كانت اإلدارة تركز على اإلعالنات فقط؛ بل‬
‫إنها أجلّت حقوق العاملين في صف المواد والمحررين‬
‫المتعاونين‪ ،‬وأل��غ��ت بعضها بشكل غير مسبوق أو‬
‫مقبول‪ .‬كان جهاز التحرير يعتمد على المتعاونين‪ ،‬وكنا‬
‫حينها في شهر رمضان‪ ،‬فأخذوا إجازاتهم من أعمالهم‬
‫ووظائفهم الحكومية‪ ،‬وطالبوا أن تصرف لهم مكافآت‬
‫إن هم بقوا يعملون في الجريدة‪ .‬رأيت أن ذلك منصفاً‬
‫ومن حقهم‪ .‬وكتبت إلى اإلدارة فلم تستجب؛ فكتبت‬
‫إل��ى وزارة اإلع�ل�ام‪ ،‬فلم تجب‪ .‬فما ك��ان مني إال أن‬
‫أعطيهم الحق بالتمتع بإجازاتهم مع أسرهم‪ ..‬وهكذا‬
‫كان‪ .‬حيث خلت الجريدة من المحررين المتعاونين‪ ,‬ما‬
‫اضطرنا إلى تقليص عدد الصفحات من ‪ 12‬إلى ‪8‬‬
‫ال في الصفحة‬
‫ثم إلى ‪ 4‬صفحات‪ .‬وكتبت مقاالً طوي ً‬
‫األخ��ي��رة أش���رح فيه ال��وض��ع ل��ل��ق��ارئ‪ ،‬وأن���دد بموقف‬
‫اإلدارة والوزارة‪ .‬غضبوا وجاؤوني إلى البيت بخطاب‬
‫فصل وت��ه��دي��د‪ .‬ك��ان معهم رج���ال رس��م��ي��ون‪ .‬رفضت‬
‫الذهاب معهم قائالً‪ :‬إنني صائم‪ ،‬وعليهم االنتظار حتى‬
‫وقت ذهابي إلى المكتب‪ .‬وهكذا وجدتهم مساء في‬
‫انتظاري حيث سلمت إدارة التحرير إلى أحد مسؤولي‬
‫وزارة اإلعالم وأخذت أوراقي وخرجت‪ .‬كان هذا عام‬
‫‪1399‬هـ‪.‬‬
‫ ك��ي��ف ت��ق�� ّي��م تجربتك الصحافية ف��ي صحيفة‬‫اليوم؟‬
‫< أن���ا ج���زء م��ن ه���ذه ال��ج��ري��دة ب���دأت ال��ع��م��ل بها‬
‫مصححاً لغوياً بعد تخرجي من الثانوية‪ ،‬وتدرجت‬
‫حتى رئاسة التحرير باإلنابة‪.‬‬
‫بعد فصلي منها‪ ،‬مُنعت من الكتابة فيها‪ ،‬ليس من‬
‫قبل جهة رسمية‪ ،‬لكن إدارة الجريدة ومديرها العام‬
‫كان يصرخ غاضباً عندما يسمع باسمي‪ .‬مرت سنوات‬

‫‪60‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ‬

‫طويلة‪ ،‬سقطت فيها دول وانهارت أنظمة وتغيّر وجه‬
‫العالم‪ ..‬وال زالت هذه الجريدة ‪ -‬حتى اليوم ‪ -‬ال تتيح‬
‫لي الكتابة فيها‪ .‬لقد تلقيت في مراحل مختلفة‪ ،‬من‬
‫رؤساء تحرير هذه الجريدة ثالث دعوات لكتابة زاوية‬
‫ثابتة (عمود) فيها‪ ،‬ووافقت‪ ،‬وأرسلت المادة لكنها لم‬
‫تنشر‪ .‬ودعوتان تلقيتهما من رئيس التحرير الحالي‪،‬‬
‫لكن اسمي عندما يذهب إلى إدارتها يرفض‪ .‬بل إنني‬
‫عندما قدمت طلباً لضم خدماتي في الجريدة إلى‬
‫خدمتي الحكومية رفضت الجريدة بحجة أنه ال يوجد‬
‫لي (ملف) مع أن لدي الوثائق الرسمية الصادرة من‬
‫الجريدة التي تثبت مدة عملي فيها‪.‬‬
‫ تعمدت وزارة الثقافة واإلع�ل�ام في ضخ دماء‬‫ش��اب��ة ف��ي التشكيل ال��ج��دي��د لمجلس إدارة األندية‬
‫األدبية‪ ،‬هل تتفق مع رأي بعض اإلعالميين بأن الدور‬
‫في هذا التوجّ ه سيكون على رؤس��اء تحرير الصحف‬
‫السعودية؟‬
‫< ه��ذا مطلب ض����روري‪ ،‬فقد ش��اخ البعض على‬
‫كرسيه‪ .‬صحيح أن للخبرة دوراً‪ .‬لكن الحياة مليئة‬
‫بالشباب الطموح والموهوب‪.‬‬
‫ م���اذا يمثل ق��ص��ر ال��ع��ش��روات بالنسبة لجبير‬‫المليحان؟‬
‫< كل ما يخطر على بال طفل كبير يشبهني‪ .‬إنه كل‬
‫ما تختزنه الذاكرة من أحالم‪ .‬إن «قصر العشروات»‬
‫عشب ذكرياتي الجميلة‪ ،‬التي عشتها وأعيشها في‬
‫حلم متواصل ال أمِ ��� ُّل م��ن��ه؛ إن��ه��ا‪ :‬ال��رب��ي��ع‪ ،‬والجبال‪،‬‬
‫وال��م��ط��ر‪ ،‬وال��س��ه��ول‪ ،‬وال��ح��ق��ول‪ ،‬وأص����وات الطبيعة‪،‬‬
‫واللعب‪ ،‬والمرح‪ ،‬والبساطة‪ ..‬أحقاً تريدني أن أقول كل‬
‫شيء؟ ال أستطيع اآلن‪ !..‬فأنت تحثني على أن أحكي‬
‫لك سنوات ممتدة لحياة ممتدة‪ .‬إن قلبي م��وزع بين‬
‫أشجار الشيح‪ ،‬والنفل‪ ،‬والقحويان‪ ،‬والربلة‪ ،‬وبين زرقة‬
‫سرقتني من الجبال!‬

‫صاحب «عمارة يعقوبيان» و «شيكاغو»‬

‫عالء األسواني‪ :‬قسوة النقد تؤدي إلى الوعي‬
‫> حاورته في القاهرة ‪ :‬سهى علي رجب‬
‫كتب الشاعر الكبير شوقي بزيع عن رواية عمارة يعقوبيان‪« :‬ال أذكر على وجه التحديد‬
‫اسم الصديق الذي كان أول من أشار عليّ بقراءة رواية جديدة صدرت في القاهرة تحت‬
‫عنوان (عمارة يعقوبيان)‪ ،‬ولكنني أذكر أن الصديق إياه نسي اسم المؤلف‪ ،‬ولم يبق في ذهنه‬
‫سوى عنوان الرواية التي أفتتن بها‪ ،‬كما سيحدث لي شخصياً بعد ذلك‪ .‬وحين تكرر الحديث‬
‫عن الرواية المذكورة في مناسبات مختلفة‪ ،‬أدركت أن عليّ البحث عنها خالل زيارتي األخيرة‬
‫إلى القاهرة‪ ،‬تماماً كما حدث لي مع رواية (العطر) لأللماني زوسكند‪ ،‬ومع (مريم الحكايا)‬
‫للبنانية علوية صبح‪ .‬إذ ال يمكن لمثل هذه الوشايات أن تكون زائفة وأن يتواطأ هذا العدد‬
‫من القراء المميزين على تقريظ عمل أدبي‪ ،‬ما لم تتوافر له عناصر الجدة والفرادة واإلمتاع‪.‬‬
‫األمر اآلخر الذي حرّضني على قراءة الرواية‪ ،‬هو ظني أن العمارة التي تحمل الرواية اسمها‬
‫هي العمارة الشهيرة نفسها الواقعة في رأس بيروت‪ ،‬التي تضم عشرات الشقق السكنية‪،‬‬
‫وتجثم كجبل صغير من اإلسمنت وسط إحدى أكثر مناطق بيروت عراقة وجماالً‪.‬‬
‫حسبت قبل الشروع في القراءة أن عالء األسواني‪ ،‬الذي كان مجهوالً لديّ حتى تلك‬
‫اللحظة‪ ،‬شأنه شأن العديد من المصريين قد عاش في العاصمة اللبنانية ردحاً من الزمن‪،‬‬
‫وأراد أن يؤرخ بالرواية لذلك المبنى الضخم القديم‪ ،‬الذي يعج بالمكاتب والشقق السكنية‬
‫المتفاوتة الفخامة واالتساع‪ .‬على أن دهشتي تلك لم تتبدد تماماً حين أدركت أن عمارة‬
‫يعقوبيان هي واحدة من المباني القاهرية القديمة‪ ،‬الواقعة في شارع سليمان باشا‪ ،‬حيث‬
‫يتدفق الدم األكثر حرارة لمدينة المعزّ‪ .‬فالرواية على الرغم من إيغالها في المحلية‪ ،‬لم‬
‫تنغلق تماماً على حيزها المكاني‪ ،‬بل بدت في دوائرها األوسع تجسيداً لروح المكان الكوني‪،‬‬
‫الذي تتكرر نظائره في كل عاصمة أو مدينة كبرى»‪.‬‬
‫«اذا أردت أن تخدم قضية ما فلتكتب رواية جيدة»‪ ،‬هكذا يقول الروائي الكبير جابرييل‬
‫جارسيا ماركيز‪ .‬وألن الرواية هى أقرب األنواع األدبية إلى قلب القارئ‪ ،‬الذي يجد نفسه‬
‫ال كلياً أو جزئياً في شخوصها‪ ،‬طرق عالء األسواني باب الرواية مبكراً‪ ،‬عندما وجد‬
‫متمث ً‬
‫ومحام من طراز رفيع؛ عرف كيف يعشق األدب حتى يعشقه األدب‪،‬‬
‫ٍ‬
‫نفسه إبناً لكاتب وإذاعي‬
‫تخير لنفسه الطريق الصعب تاركاً األموال والرفاهية‪ ،‬ليسير على األشواك‪ ،‬رافعاً راية‪( :‬ال‬
‫تراجع وال إستسالم)‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ ‪61‬‬

‫< عالء األسواني في سطور‬
‫ عالء عباس األسواني من مواليد محافظة القاهرة‬‫عام ‪ 1957،‬وال��دي من محافظة أس��وان‪ ،‬ووالدتي من‬
‫محافظة اإلس��ك��ن��دري��ة؛ طبيب أس��ن��ان‪ ،‬روائ���ي وكاتب‬
‫أحاول قصارى جهدي أن أكتب شيئاً ينال رضا القراء‪.‬‬
‫< أي اللقبين أحب إليك‪ :‬الطبيب أم األديب؟‬
‫ حقيقة لقب األديب هو األقرب إلى قلبى‪ ،‬فاألدب‬‫أول إهتماماتي‪ ،‬ولقد ظهر األدب في حياتى مبكرا منذ‬
‫سن التاسعة والفضل يعود في ذلك إلى والدي الكاتب‬
‫ع��ب��اس األس��وان��ي رح��م��ه ال��ل��ه‪ ،‬فكانت أح�لام��ى أدبية‬
‫خالصة‪ ،‬وربما أكون قد عملت بالطب من أجل مساعدة‬
‫األدب (مادياً)‪ ،‬ألن األدب ليس مهنة‪ ،‬واألديب العربي ال‬
‫يستطيع التكسب من وراء أدبه؛ حتى إن الروائي العربي‬
‫الكبير نجيب محفوظ ظل يعمل في وزارة األوقاف إلى‬
‫أن بلغ سن المعاش؛ وذلك أكبر دليل على أن األدب ليس‬
‫مهنة للكسب‪ ،‬واألدي��ب الحقيقى يعي ه��ذا وال ينتظر‬
‫عائداً مادياً من وراء أدبه‪.‬‬
‫< أث��ي��رت ال���زواب���ع واألق���اوي���ل ب��ع��د رواي����ة (عمارة‬
‫يعقوبيان)‪ ،‬هل توقعت كل ما أثير حولها؟‬

‫< م��ا ال���ذي ج��ذب��ك إل��ى ع��م��ارة يعقوبيان تحديداً‬
‫لتكتب عنها روايتك؟‬
‫ عشقى لمنطقة وسط البلد هو السبب‪ ،‬فوسط‬‫مدينة القاهرة أو ما نطلق عليه‪« :‬وس��ط البلد»‪ ،‬هو‬
‫جيولوجيا إجتماعية‪ .‬والسر الذي ربما أبوح به للمرة‬
‫األولى أن رواية عمارة يعقوبيان كتبت في ثالث سنوات‪،‬‬
‫ك��ان عنوانها أثناء الكتابة‪« :‬وس��ط البلد»‪ ،‬وف��ي نهاية‬
‫السنة الثانية إيّرت اسمها إلى «عمارة يعقوبيان»‪ ،‬حيث‬
‫أني أمتلك عيادة في العمارة‪ ،‬وأب��ي‪ ،‬رحمة الله عليه‪،‬‬
‫كان يمتلك مكتب محاماة فيها؛ فشعرت ان من الممكن‬
‫ان تكون مسرحاً ألحداث روايتى على الرغم من أننى‬
‫لم أصوّرها حرفياً؛ فالعمارة الحقيقية ستة أدوار وانا‬
‫ذكرت انها عشرة أدوار‪ ،‬كذلك اسم صاحب العمارة من‬
‫وحى خيالي‪ .‬لقد كانت العمارة حيلة فنية ليس أكثر‪.‬‬

‫ منذ ص��دور مجموعتى األول���ى‪ « :‬ال��ذي أقترب‬‫ورأى» عام ‪1998‬م‪ ،‬والمشكالت بدأت‪ ،‬إذ سحبت من‬
‫األس��واق بعد الطبعة األول��ى‪ ،‬وحدثت م��ش��ادّات كثيرة‬
‫مع هيئة الكتاب؛ نتيجة لفهم خاطئ‪ ،‬وخلط بين بطل‬
‫حققت عمارة يعقوبيان نجاحات في أوروبا‪ ،‬ما مدى‬
‫الرواية و مؤلفها‪ .‬فال يعنى أن بطل الرواية ناقم على‬
‫ذلك النجاح وهل يوازي النجاح الذي حققته في الدول‬
‫بعض سلبيات المجتمع أن هذه اآلراء تخصني‪.‬‬
‫العربية؟‬
‫وفى مجموعتى القصصية التالية‪« :‬جمعية منتظرى‬
‫د‪ .‬عالء‪ :‬نعم‪ ..‬الرواية نجحت بالفعل‪ .‬وقد تُرجمت‬
‫الزعيم» حدث خالف شخصى بينى وبين مسؤول سلسلة‬
‫إل��ى أرب���ع ل��غ��ات حتى اآلن‪ :‬اإلنجليزية‪ ،‬والفرنسية‪،‬‬
‫االصدارات‪ ،‬فرفض نشرها! فحدث نو ٌع من األلفة بينى‬
‫واإلي��ط��ال��ي��ة‪ ،‬واإلس��ب��ان��ي��ة‪ .‬وه��ي اآلن ف��ي طريقها إلى‬
‫وبين المشكالت والزوابع‪ ،‬فأعتد عليها‪ ،‬وهذا ما حدث‬
‫الترجمة بلغات أخ��رى‪ .‬وحققت نجاحا جيدًا‪ ،‬خاصة‬
‫في عمارة يعقوبيان كذلك؛ ولكن قد يكون األمر مختلفاً‬
‫ألن عمارة يعقوبيان خرجت عن إط��ار جمهور األدب في فرنسا‪ ،‬حيث جاءت الرواية في المركز السابع في‬
‫المحدود إلى نطاق الجمهور العادي الرحب‪ ،‬ما جعلها ترتيب مبيعات الروايات‪.‬‬
‫< من خالل رحلتك ماذا كسبت ؟ وماذا خسرت؟‬
‫سبب شهرتى خارج األوساط األدبية‪.‬‬

‫‪62‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ‬

‫كسبت أشياء كثيرة‪ ،‬أهمها حب الجمهور العربي فيما بعد‪ ،‬لكن تجربة السنوات األولى هي األهم‪.‬‬
‫ألعمالي‪ ،‬وكذلك وإنتقالها إلى الغرب؛ فلقد ترجمت‬
‫< مشهد زيارة الرئيس إلى أمريكا‪ ..‬هل قصدت أن‬
‫رواي��ت��ي عمارة يعقوبيان إل��ى ‪ 17‬لغة‪ ،‬وأصبحتُ على يكون المشهد الرئيسي لروايتك « شيكاجو»؟‬
‫قائمة أعلى كتـ ّاب العالم مبيعاً‪ ،‬وقبل ع��دة أسابيع‬
‫ ال لم أتعمد أن يكون المشهد الرئيسي أو (الماستر‬‫ص���درت رواي��ت��ي ال��ث��ال��ث��ة‪« :‬ش��ي��ك��اج��و» فأصبحت هي‬
‫سين)‪ ،‬ولكنني ال أنكر أن السياق الدرامي جعله المشهد‬
‫األخرى حديث الساحة األدبية‪ ،‬بعدما نفدت منها ثالث‬
‫الرئيسي؛ والسبب ليس كما أعتقد البعض أنني انتقدت‬
‫طبعات خالل أقل من شهرين‪ ،‬ما يعني نفاد حوالي ‪120‬‬
‫حالة االستنفار األمني ل��دى البعثة الدبلوماسية‪ ،‬أو‬
‫الف نسخة‪.‬‬
‫عالقة الرئيس بشعبه‪ ،‬ولكن تلك الزيارة للرئيس إلى‬
‫ أما عن الخسارة فأنا لم أخسر كثيراً‪ ،‬بل أكاد الواليات المتحدة‪ ،‬كشفت الشخصيات على حقيقتها‪،‬‬‫أك���ون ل��م أخ��س��ر ش��ي��ئ��اً‪ ،‬ال��ب��داي��ات ك��ان��ت صعبة جداً سواء التي تعاطف معها القارىء منذ البداية أو التي‬
‫وخصوصاً مع جهات النشر الحكومية‪ ،‬وهذا ما يحدث‬
‫كان ضدها‪.‬‬
‫للمؤلفين والكتّاب كلهم تقريباًً‪ .‬في‬
‫< عمارة يعقوبيان‪ ،‬منطقة وسط‬
‫العالم العربي‪ ،‬إذا كنت تملك المال‪،‬‬
‫البلد‪ ،‬وأخيرا مدينة شيكاجو‪ ..‬هل‬
‫تستطيع أن تطبع وتنشر أعمالك‬
‫بطولة المكان تستهويك؟‬
‫دون عناء؛ أما إذا كنت ال تمتلك إال‬
‫ ه��ذا شكل معروف من األدب‪،‬‬‫موهبتك فلن تجد طريقك إال بشق‬
‫وه��و (بطولة المكان)‪ ،‬و ال��ذي بدأه‬
‫األنفس!!‬
‫األدي���ب اليوغسالفى الشهير إيفو‬
‫< ح��د ّث��ن��ا ع��ن رواي���ت���ك األخيرة‬
‫أن��دري��ت��ش ف��ي رواي��ت��ه « ج��س��ر على‬
‫«شيكاجو»‪..‬‬
‫نهر دري��ن��ا» وحكى من خ�لال روايته‬
‫تاريخ هذا الجسر من محض خياله‪.‬‬
‫ فكرت فيها في اليوم األول الذي‬‫وج��اء م��ن بعده كتـّاب سلكوا النهج‬
‫سافرت فيه إل��ى ال��والي��ات المتحدة‬
‫نفسه‪ ،‬وك��ان أول عربى يسير على‬
‫األمريكية‪ ،‬لدراسة الطب في جامعة‬
‫هذا الدرب هو أديبنا الجميل نجيب‬
‫«إلينوي»‪ ،‬كانت المرة األولى التي أرى‬
‫فيها عبر النافذة‪ ،‬أمريكيين يبحثون في حاوية النفايات محفوظ في روائعتيه‪« :‬خان الخليلي»‪،‬و «زقاق المدق»‪،‬‬
‫ع��ن ش��يء ي��أك��ل��ون��ه!! فأنزعجت وتعجبت؛ وبحاستي وغيرهما وها أنا أنتهج‪ ،‬على إستحياء‪ ،‬النهج نفسه‪،‬‬
‫األدب��ي��ة أحسست أن ه��ذه تجربة مهمة ق��د ال تتكرر‪ ،‬وإن كان هدفى الرئيسى ليس «عمارة يعقوبيان» في حد‬
‫ويمكن استغاللها فيما بعد في مشروع أدبي‪ ،‬فأخذت ذاتها؛ ألن العمارة ليس فيها ما يثير فضول أديب‪ ،‬لكنه‬
‫الفكرة تختمر في داخلي‪ ،‬خاصة بعد أن قررت التجوال عشقى لمنطقة وسط البلد ‪ -‬كما ذكرت سابقاً‪ -‬وكذلك‬
‫في شوارع وأحياء أمريكا‪ ،‬حتى أني أكاد أحفظها عن ما أثارني في مدينة شيكاجو من غرابة األحداث‪.‬‬
‫< ن��اق��ش��ت ف��ي ال���رواي���ة نفسها ق��ض��ي��ة غ��اي��ة في‬
‫ظهر قلب‪ ،‬مثل القاهرة تماماً! واختلطت بالمهاجرين‬
‫المصريين والعرب‪ ،‬وذهبت إلى جمعيات العدميين حتي الخطورة‪ ،‬هي قضية (اإلنتماء)‪ ،‬ال��ذي يفتقده الكثير‬
‫تكونت ل��ديّ م��ادة أدبية غنية خ�لال السنوات الثالث من أبناء الوطن العربي‪ ،‬فهل نقدك القاسي لهذا األمر‬
‫األولى‪ ،‬التي قضيتها هناك‪ ،‬صحيح أنني ذهبت كثيراً‪ ،‬الشائك سيغير منه؟‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ ‪63‬‬

‫لك بالشكر على مالحظتك لهذا األح��رار مجموعة من حثالة البشر فهل هذا يعنى‬
‫في البداية أتوجه ِ‬
‫ال األدب الكالسيكي كان ينتقد إن هذا رأيى؟‬
‫األمر في الرواية‪ ،‬فمث ً‬
‫العيوب‪ ،‬ويجعل الجمهور يسخر منها حتى يقلع عنها‪.‬‬
‫وه���ل ل��ن��ا م��ع��رف��ة ال��ع��م��ل ال��ق��ادم ل��ل��دك��ت��ور عالء‬
‫لألدب خاصية جميلة فهو يستطيع أن يصل إلى الهدف األسواني؟‬
‫باستعمال عكسه‪ ،‬بمعنى أن القسوة في نقد االنتماء‬
‫أستعد لكتابة عمل يناقش االزدواج��ي��ة‪ ،‬التي‬
‫تؤدي بالقارىء إلى زيادة االنتماء أو إعادة التفكير في‬
‫نحياها في حياتنا العربية‪ ،‬وتدفعنا إلى عمل الشيء‬
‫مسلّماته‪ ،‬وهذا في النهاية يصب في مصلحة الفكرة‬
‫واإلع�ل�ان عن ض��ده في السياسة‪ ،‬كما في الحب‬
‫الوطنية‪ ،‬وه��ذا السؤال ال��ذي طرحته عجز عن فهمه‬
‫والدين والعالقات االجتماعية‪.‬‬
‫نقاد يفترض أنهم ق��دي��رون‪ ،‬على ال��رغ��م م��ن أن��ه من‬
‫< المرأة في حياتك؟‬
‫مفردات التذوق األدبي!‬
‫ زوج��ت��ى ال��س��ي��دة إي��م��ان ت��ي��م��ور ملكة متوجة‬‫< كيف ترى العالقة بين األديب والناقد في عالمنا‬
‫ع���ل���ى ع�����رش ق���ل���ب���ي‪ ،‬ف���ه���ي أهم‬
‫العربي؟‬
‫أس���ب���اب ن��ج��اح��ى‪ ..‬ف���أن تكونى‬
‫ ل��ل�أس����ف ه����ي ع��ل�اق����ة غير‬‫زوج���ة ألدي���ب ه��ى ق��م��ة الشقاء‪،‬‬
‫متكافئة‪ ،‬ال ننكر وج���ود ن��ق��اد كبار‬
‫فبقدر أحاسيسه المرهفة وذوقه‬
‫مثل األساتذة رج��اء النقاش‪ ،‬وأحمد‬
‫العالي‪ ،‬إال أن��ه في أحيان كثيرة‬
‫الخميسي‪ ،‬وعالء الديب‪ ،‬ود‪ .‬صالح‬
‫يكون مزعجاً‪ ،‬وعلى ال��رغ��م من‬
‫فضل‪ ،‬ولكنهم جميعا ينتمون إلى جيل‬
‫ذلك فهى وفّرت لي جواً ساعدني‬
‫الرواد‪ .‬ولم نجد من بين جيل الشباب‬
‫على االستمرار والعمل الدؤوب؛‬
‫م��ن ينقد بشكل م����دروس وحيادي‪،‬‬
‫أضيفي إلى ذلك‪ ،‬المزاج المتقلّب‬
‫ب��ل ن��ج��ده��م إم���ا غ��ي��ر متخصصين‪،‬‬
‫لدى الكاتب‪ ،‬الذي أستطاعت ان‬
‫أو م��ن ال���دخ�ل�اء ع��ل��ى زم����رة النقاد‬
‫تمتصه بذكاء المرأة المحبة‪ ،‬فكم‬
‫المخضرمين؛ ول��ذل��ك ف��إن الحركة‬
‫من العروض المغرية للعمل سواء‬
‫األدبية تتأثر كثيرا بقلة النقاد‪.‬‬
‫في الواليات المتحدة أو في دول‬
‫< هل تتأثر أعمالك األدبية بآرائك السياسية؟‬
‫الخليج‪ ،‬رفضتها من أجل األدب‪ ،‬ولم أسمع منها‬
‫ لم تظهر آرائ��ى السياسية في رواي��ات��ى نهائياً‪ ،‬تعليقاً واح��داً يضر بي أو بمشاعري‪ .‬وقتى ضيق‬‫آرائى أكتبها في مقاالتى التى أكتبها في بعض الصحف‪ ،‬ج��داً ومحدود‪ ،‬وعلى الرغم من ذلك لم تشكُ من‬
‫ولكن ما يصدر من آراء في رواياتى يكون على لسان ذل��ك‪ ،‬بل أستطاعت أن تكون أم��اً ناجحة ج��داً مع‬
‫الشخصيات وحسب تركيبة كل شخصية‪ ،‬سواء النفسية أبنائها وزوجة حنونة جداً مع زوجها‪ ،‬ما جعلني دائماً‬
‫ال أنا أعشق جمال أحاول أن أمنحها بعض ما منحتني إياه‪ .‬وللعلم فهو‬
‫أو اإلقتصادية أو االجتماعية‪ ..‬فمث ً‬
‫عبدالناصر وم��ن أك��ث��ر ال��ن��اس إع��ج��اب��ا ب��ه على كافة الزواج الثاني لي‪ ،‬ففي زواجي األول حدثت لي مع‬
‫المستويات وأكتب في جريدة الحزب الناصرى‪ ،‬وعلى زوجتي مشكالت كثيرة وكبيرة‪ ،‬وكان السبب األول‬
‫ال��رغ��م م��ن ذل��ك ج��اء على لسان أح��د شخوص رواية في اإلنفصال هو عدم تحمّلها حياة األديب‪ ،‬الذي‬
‫عمارة يعقوبيان (ذكي الدسوقي) أنه يرى أن الضباط يُفضل األدب عن أي شيء آخر في الحياة!‬

‫‪64‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ‬

‫في الترابط القصصي‬

‫عند القاص املغربي محمد شويكة‬
‫> حاوره‪ :‬نور الدين بازين‬
‫غيروا مجرى التاريخ‪ ،‬وذهبوا في صمت!‬
‫محمد شويكة‪ :‬كثيرون هم الذين ّ‬
‫جاءت التجربة في سياق اإلبداع‪ ،‬دون إغفال أن االنترنت وسيلة تواصلية‬
‫محمد شويكة‪ ،‬واحد من الكتّاب والمبدعين المغاربة القالئل‪ ،‬الذين ال يرسون على‬
‫خط إبداعي واحد‪ .‬فهو يعشق التجريب ويغامر فيه‪ ،‬وال يخشى الذي سيكون؛ المهم‬
‫عنده هو اإلبداع‪ ،‬وكفى‪.‬‬
‫هو أحد مؤسسي الكوليزيوم القصصي في المغرب (حلقة دراسية مهتمة بالقصة‬
‫التجريبية)‪ ،‬وأحد مؤسسي نادي القصة القصيرة بالمغرب‪ ،‬وعضو اتحاد كتّاب المغرب‪،‬‬
‫ومسؤول سابق في فرع مراكش‪ ،‬وأستاذ مادة الفلسفة‪.‬‬
‫في هذا الحوار كانت لنا معه جلسة حول تجاربه في القصة والتأليف‪ ،‬كان يميل دائما‬
‫إلى الحكي كما هي عادته‪ ،‬يسرد دون أن يعود إلى مرجع‪ ،‬فكان السفر معه شيقاً‪.‬‬
‫ على إثر جولتنا في دروب موقعك وعند طرقنا بابه‪ ،‬عثرنا على كلمتين «البص‬‫والقص»‪ ،‬وهما مفتاح الموقع‪ ،‬أو لنقل العنوان الذي تتخذه لموقعك (‪www. chouika.‬‬
‫‪ ،)com‬ما داللة الكلمتين؟‬
‫> لكل بيت رقم يدل عليه‪ ،‬ولكل خطاب مرجعيته‪ ،‬كما أن كل اسم يحيل على مسماه؛‬
‫وما اختياري لكلمتي البص والقص‪ ،‬إال استناداً لهذه الرمزية‪ ،‬التي تحيل على معنى‬
‫يدمج الجانبين الحسي والذهني في عملية التفكير؛ فالسائح السابح في ثنايا البحار‬
‫َص‬
‫اإللكترونية‪ ،‬ال يقرأ فقط‪ ،‬بل يرى‪ ،‬ورؤيته تبحث عن شيء له عالقة بالالوعي‪ ،‬فالب ُّ‬
‫إحالة نفسية أكثر إلى «التلصص البصري» أو ما نسميه بالدَّ ارجة «سارق الشويفة»؛‬
‫ولذلك إحاالت كثيرة في المتخيل الجماعي العام والعَالِم‪ :‬قد نجلس في المقهى لنبص‬
‫على المارة‪ ،‬وقد نقف في رأس الدرب لنبص على «الغادي والجاي»‪ ،‬وقد نقرأ نصوصاً‬
‫كثيرة وإن كان األمر مسكوتا عنه إلى درجة المنع عن البصاصين في التاريخ‪ ،‬وهو ليس‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ ‪65‬‬

‫قدحياً كما قد يتوقع البعض‪.‬‬
‫هو العمل‪ ،‬أما من يصطنع اللغط حول عمله‪ ،‬فيرميه‬
‫ف��إذا أردن���ا أن ن���ؤوّل األم���ر‪ ،‬يصبح لكل بصاص األدب في مزبلته بمجرد أن يفتر لغطه‪ ..‬ولنا عبرة‬
‫ال مما يرى‪ ،‬ومما يسرق عبر النظر‪ ،‬في ما نقرأ!‬
‫حكاية‪ ،‬تنبع أص ً‬
‫لذلك فالجمع بين البص والقص‪ ،‬انفتاح على عوالم‬
‫إن لحظات اإلب���داع قليلة‪ ،‬وغ��ال��ب��اً م��ا ت��أت��ي في‬
‫القصة القصيرة والجماليات البصرية؛ م��ا يجعل لحظات متناقضة جداً‪ :‬الصفاء التام أو العتمة التامة!‬
‫الكتابة محكومة برؤية تمتح من المرئي على نطاق وهذا ما يمكن تأويله من خالل الصحة والمرض‪ ،‬أي‬
‫يسمح ب��ت��أم��ل م��ا ح��ول��ن��ا‪ ،‬وك��أن��ن��ا أم���ام «ظاهراتية صفاء اللحظة أو قلق القريحة! وهنا‪ ،‬ال يمكن أن‬
‫قصصية»‪ ،‬أو «ظاهراتية قصصية بصرية»‪ ،‬بمعنى نتحدث عن التخندق ألنه إقبار للحقيقة اإلبداعية‪،‬‬
‫االهتمام باليومي‪ ،‬على أس��اس ال يجعل منه مادة التي يسلك السالك طريقها بتأن وحذر‪.‬‬
‫نراها ونستهلكها ببساطة‪ ،‬تعيقنا على النفاد إلى ما‬
‫ «المبدع إنسان اكتوى بنار الكلمة والواقع‪ ،‬فغدا‬‫وراءها‪.‬‬
‫مثل طائر جريح بين يدي طفل برئ‪ :‬ولم يعد يقوى‬

‫فالبص يحيل في اللغة العربية إلى البريق والتأللؤ‬
‫اصة‪ ،‬العين في‬
‫واللمعان واإلض��اءة والتفتق‪ .‬والب ََّص َ‬
‫بعض اللغات‪ ،‬كما يدلنا لسان العرب البن منظور‪.‬‬
‫وهذا ما يهمني من دالالت البص‪.‬‬

‫على الطيران نتيجة ألمه‪ ،‬والطفل لم يدرك بعد معنى‬
‫األلم‪ ..‬الحلم بالشفاء يتطلب تحمّل وطأة األلم بين‬
‫يدي الطفل مع التشبث بقليل من أمل االنفالت‪.»...‬‬
‫م��ن خ�لال ه��ذه الجملة يبدو أن��ك تصطفي مخارج‬
‫كلماتك من فلسفة حديثة‪ ،‬أال يستحق المبدع حياة‬
‫أجمل مما صورتها؟‬

‫ (أن تبدع اآلن‪ ،‬معناه أن تأخذ لك موقعاً بين‬‫الحلم والواقع‪ ..‬بين الصحة والمرض‪ ..‬المبدع ال هو‬
‫بالعليل وال هو بـ «الصحيح»‪ .)..‬كيف يمكنك أن تجعل‬
‫> الفلسفة ال��ح��دي��ث��ة ال ت��ص��ور ل��ل��م��ب��دع صورة‬
‫المبدع بين هاتين الصفتين‪ ،‬أال يمكن خندقته في ال تليق ب��ه‪ ،‬بل تضعه في إط��اره اإلنساني‪ .‬أظ��ن أن‬
‫خانة واح��دة أو صفة واح��دة‪ ،‬إما أن يكون معافاً أو المبدع إنسان يعي ما يفعل‪ ،‬وهو صاحب اختيارات‬
‫مريضاً؟‬
‫ال انهيارات‪ .‬قد يختار الفلسفة التي تالئمه كأسلوب‬
‫> تلك «مقدمة عتبة» أرح��ب بها ب��زوار الموقع‪ ،‬في الحياة‪ ،‬وقد يختار الطرق التعبيرية التي تالئم‬
‫وهو كما ترى بسيط‪ ،‬وال يكثر على زائ��ره من كثرة نفسيته‪ .‬فما دام المبدع يبحث‪ ،‬ال أظن أنه سيجد‬
‫األل��وان أو اللجوء إلى برامج «التزويق اإللكتروني‪ »،‬شيئاً قد توقع الوصول إليه قبل إتمام عملية البحث‪،‬‬
‫لسبب بسيط‪ :‬الموقع ليس دِ عَ ائِيا وال ادِّعَ ائِيا؛ ربما فهو كالمهندس المنقب‪ ،‬ينطلق من معطيات‪ ،‬وقد‬
‫أتعلم األش��ي��اء م��ن أج��ل توظيفها‪ ،‬وع��ن��دم��ا أعرف تفاجئه أخرى في الطريق‪ ،‬فينقلب التبر في يديه إلى‬
‫أس��اس��ه��ا ينتهي األم���ر بالنسبة ل��ي م��ن خ�لال ذلك ت��راب‪ ،‬أو يحدث العكس‪ .‬الكل مبني على المفاجأة‬
‫التقديم‪ .‬أحاول أن أقدم رؤية إنسان يعيش كما يقول (أقصد المفاجأة اإلبداعية)‪.‬‬

‫تماماً‪ ،‬ينفر من األشياء التي يكثر اللغط حولها‪ ،‬وال‬
‫إن لالنفالت المقصود في القولة‪ ،‬عالقة بالقلق‬
‫يحب أن يكون السبَّاق إلى األشياء بلغط‪ .‬إذا رجعنا المعرفي واإلبداعي‪ ،‬القلق الحقيقي وليس المفتَعَل‪،‬‬
‫إلى تاريخ األدب‪ ،‬نجد أن الذي يصنع اللغط ال َبنَّاء ك��أن تجد «المبدع» يصطنع االع��ت��زال والتفرد وما‬

‫‪66‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ‬

‫شابه ذلك‪ ،‬وهو في النهاية يعيش عكس ما يمارس! وال تلبية لحقد مضاد‪ ،‬بل من أجل عَ قْلِ العابر ليتحول‬
‫فالمبدع القلق‪ ،‬من كانت عبارته تدل على ذلك‪ ،‬و َم ْن إلى ما هو أرقى‪ :‬ما يطور الخيال اإلنساني‪ ،‬وما يغني‬
‫ك��ان موقفه متساوقاً مع أفعاله‪ .‬كثيرون هم الذين المخيال الجمعي‪ ،‬وه��ذا ليس وصفة سحرية‪ ،‬بل‬
‫غ�� ّي��روا م��ج��رى ال��ت��اري��خ‪ ،‬وذه��ب��وا ف��ي ص��م��ت! أليس مجرد أرضية أملتها ظروف السؤال‪.‬‬
‫في األم��ر تواضعاً أم��ام الحقيقة التي يعد اإلنسان‬
‫ ف��ي مجموعتك القصصية ال��ث��ان��ي��ة «النصل‬‫مصدرها؟ فمن يدرك بعضاً من أصول البحث عن‬
‫والغمد» يسيطر الحكي بالممارسة النقدية الواعية‪،‬‬
‫الحقيقة‪ ،‬يفطن مبكراً إلى حكمة التواضع في البحث‬
‫كما ي��ق��ول ال��ن��اق��د إب��راه��ي��م ال��ح��ج��ري‪ .‬ه��ل ولوجك‬
‫عن المزيد منها بوصفها تُطْ ل َبُ لذاتها‪ ،‬وه��ذا سر‬
‫إل��ى متاهات الحرف هي نتيجة لما ترسّ ب عندك‬
‫تجددها الدائم‪ .‬اإلبداع حقيقة غير منتهية‪ ،‬وهذا ما‬
‫م��ن أف��ك��ار‪ ،‬انطالقاً م��ن مجموعتك األول���ى «الحب‬
‫أقتنع به حتى اآلن‪.‬‬
‫الحافي»؟‬
‫ تقول إن اإلب���داع عملية تواصلية ك��ب��رى‪ ،‬وإذا‬‫> في الحقيقة‪ ،‬ال تجد في إب��داع��ي المتواضع‬
‫أردنا أن نحقق هذه العملية‪ ،‬ماذا يشترط أن يكون في‬
‫المبدع‪ ،‬خصوصاً إذا كانت العملية متعلقة باإلبداع؟ صراعاً بين ما سبق وما سيأتي؛ بمعنى أنني أحاول‬
‫أن أتحدث عن ذلك بنوع من عدم الرضا أو التحقيب‪،‬‬
‫> وفقاً لما أشرت إليه فيما سبق‪ ،‬أظن أن لإلبداع‬
‫ال���ذي ينكر م��ا سبق وي��أس��ف ل��ه؛ ب��ل تجد صراعاً‬
‫جانبه األخالقي‪ ،‬أقصد (‪La déontologie de la‬‬
‫ضمنياً بين معالجات متغيّرة لقضايا وجودية ومعرفية‬
‫‪)création‬؛ فال أظن أن (اإلستيتيقا) تقع صدفة‬
‫وأخالقية‪ ،‬مرتبطة بالكائن المغربي‪.‬‬
‫ضمن مبحث األخالق في النسق الفلسفي! ال أعني‬
‫هنا الجانب االتفاقي في مجال األخالق‪ ،‬وإنما أشير‬
‫في كل قصة أنفتح على قضية محددة‪ ،‬أراها من‬
‫إلى التساؤل اآلتي‪ :‬كيف أقدم نفسي‪ ،‬وأقدم اآلخر زاوية ما‪ ،‬في زمان ما‪ ،‬ووفقاً لوعي أو منظور ما‪ .‬كثيراً‬
‫وأقدم العالم في نوع من االنسجام‪ ،‬يجعلني مسؤوالً ما أعجب لمن يدافع عن أشياء ال توجد في منجزه‪،‬‬
‫عما أفعل بمعنى من المعاني؟ فمسؤولية الفعل تعود وال يريد أن يتخلى عن بعض أفكاره على الرغم من‬
‫إلى فاعله‪ ،‬والمبدع فاعل عاقل ومريد‪ ،‬يبحث في اقتناعه باطناً أنها خاطئة أو متجاوزة؛ بل هناك من‬
‫تدبير النفس وال��ع��ال��م‪ ،‬وه���ذا م��ا يجعل مسؤوليته يشرح خطأه ويتمادى في إكثار التبريرات‪.‬‬
‫مزدوجة‪.‬‬
‫إن م��ا بُ��نِ��يَ على ب��اط��ل فهو ب��اط��ل ف��ي لغة أهل‬
‫أرى أن األم�������ر ال يتنافى‬
‫والحرية‪ ،‬التي هي شرط كل إبداع صدر له‪:‬‬
‫إنساني‪ .‬أتحدث عن الحرية التي‬
‫ «الحب الحافي»‪ ،‬قصص قصيرة‪ ،‬مراكش؛ ‪2001‬م‪.‬‬‫تجعلني أفكر وأضع في الحسبان‬
‫ «النصل والغمد»‪ ،‬ورشة قصصية‪ ،‬مراكش؛ ‪2003‬م‪.‬‬‫اإلنسانية في بعدها المطلق‪ ،‬أي‬
‫ «الصورة السينمائية‪ :‬التقنية والقراءة»‪ ،‬دراسة؛ ‪.2005‬‬‫كغاية عليا‪ .‬لذلك أقول إن اإلبداع‬
‫ «احتماالت» (سيرة كائن من زماننا)‪ ،‬قصة ترابطية‪2006 ،‬م‬‫ال يأتي رداً على أي شيء عابر‪،‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ ‪67‬‬

‫المنطق‪ .‬فهل م��ن يتخلى ع��ن أف��ك��اره السابقة أو تحقيق السبق‪ ،‬ال في المغرب وال في العالم العربي‬
‫يراجعها أو يعدلها ليس مبدعاً؟! أظن أن ميزة العقل وال العالم برمته‪ .‬كل ما في األمر أن مجال التفاعل‬
‫البشري تكمن في تناقضاته‪ ،‬وتجاوزاته‪ ،‬ومفارقاته‪ ،‬والترابط‪ ،‬وما أتت به التكنولوجيات الحديثة‪ ،‬خصوصاً‬
‫وال��ت��ب��اس��ات��ه‪ ،‬وظ��ل��م��ات��ه‪ ،‬وع��ث��رات��ه‪ ،‬وس��ق��ط��ات��ه‪ .‬فما الرقمية منها‪ ،‬مجال يعكس تطور العقل اإلنساني‪،‬‬
‫أقوله اآلن‪ ،‬هو مجرد وع��ي مرحلي قد أتشبث به‪ ،‬ويمتلك من الجاذبية‪ ،‬ما يجعل المبدع يفكر بالفعل‬
‫إذا لم أكتشف ما يتجاوزه‪ ..‬والزمن محك الحقائق في خوض غمار اإلب��داع داخ��ل تجاويفه؛ فاالنترنت‬
‫البشرية‪.‬‬
‫تتيح إمكانيات تواصلية ال حد لها‪ ،‬والرقمي يمارس‬

‫في قصصي قد تتغير الحوامل والبدائل والطرق؛ سحراً خاصاً على الفرد؛ لذلك وجدتني أمام تجربة‬
‫�لا أف��ك��اراً مثل‪ :‬ف��ري��دة ف��ي م��س��اري ال��ش��خ��ص��ي؛اإلب��داع على حامل‬
‫ألن األرض��ي��ة غير وث��وق��ي��ة‪ .‬خ��ذ م��ث ً‬
‫الحياة‪ ،‬أو األل��م‪ ،‬أو الموت‪ ،‬أو الحب‪ ،‬أو الكراهية‪ ،‬غير ورق���ي‪ ،‬وبتقنيات ج��دي��دة‪ ،‬تضع أم��ام المتلقي‬
‫في المجموعتين السابقتين‪ ،‬وقارنهما بما سيأتي؛ أسئلة مستفزة‪ .‬أنا لست من المتحمسين المنبهرين‬
‫ستجد أن الذي يتحدث في الماضي‪ ،‬ال يضع حدوداً المندهشين لالنترنت‪ ،‬ولست م��ن المتوهمين في‬
‫تعسفية قاطعة على المستوى السيكولوجي‪ ،‬بين ما هذا المجال‪ ،‬المفتوح على المغامرة ألي شيء؛ ألن‬
‫وق��ع وم��ا ه��و ح��اض��ر؛ ول��ن يستطيع أن يكون األمر مخترعي االنترنت‪ ،‬أن��ج��زوا عنه وب��ه أشياء كثيرة‪،‬‬
‫لديه بالحال نفسه في المستقبل‪ .‬وكأني أراك تقول وفي ظروف «سوسيو ثقافية» مخالفة لنا تماماً؛ إنني‬
‫��ص حياتك ف��ي كلمة؟! أظ��ن أنني إن قلتها أدرك أن إمكانية استعماله وفق الظروف والسياقات‬
‫ل��ي‪ :‬لَ��خِّ ْ‬
‫اض��ط��راراً‪ ،‬ستكون حاملة لبعد نفسي يقاس بسني التي أعيش فيها ممكن للغاية؛ لذلك قمت بأول تكوين‬
‫وتجاربي‪ ،‬وسيصبح لذلك «المونيم» معنى في الزمن‪ .‬على االنترنت في أواخر الثمانينيات‪ ،‬واستمر الشغف‬
‫إننا نشتغل داخل اللغة‪ ،‬وهي من ثم الحامل للتجربة إلى اليوم‪.‬‬
‫البشرية‪ ،‬فهل استطاع اإلنسان أن يدخل تجربته داخل‬
‫جاءت التجربة في سياق اإلب��داع‪ ،‬دون إغفال أن‬
‫اللغة؟ وهل استطاعت أن تستوعب اللغة تجربته؟ هذا االنترنت وسيلة تواصلية أوالً‪ ،‬وستظل كذلك‪ ،‬ولن‬
‫إذا تحدثنا عن التجربة بمعناها الشامل‪ ،‬فما بالك ت��ع��وض ال��ك��ت��اب أو م��ا شابهه م��ن وس��ائ��ل المعرفة‬
‫بالتجربة القصصية الحديثة في الزمن والتشكل؟! األخرى‪ ،‬الكثير يعد ذلك تفوقا أو ذكا ًء زائداً‪ ،‬في حين‬
‫أرى أن ره���ان المبدع ف��ي م��ج��ال القصة القصيرة أن المسألة مسألة دُربة على لغات البرمجة والتعرف‬
‫صرِ ‪.‬‬
‫صعب‪ ،‬ألنه يشتغل داخل القِ َ‬
‫على البرامج في مجاالت اإلعالميات وهندستها‪،‬‬
‫ من آخر إبداعاتك مجموعة قصصية تعد التجربة ومحاولتي ه��ي استثمار لمعرفتي المتواضعة في‬‫األولى في العالم العربي على شبكة االنترنت‪ ،‬حملت ال��م��ج��ال‪ ،‬خ��ص��وص��اً وأن اإلع�لام��ي��ات ج���زء مكمل‬
‫عنوان «احتماالت‪ :‬سيرة ذهنية لكائن افتراضي من لتكويني األصلي‪.‬‬
‫زماننا «‪ ،‬وهي قصة ترابطية هل لك أن تقربنا من‬
‫حين أستشير مهندسي معلومات‪ ،‬سيما األدباء‬
‫هذه التجربة؟‬
‫م��ن��ه��م‪ ،‬أراه����م ال ي��ت��ح��دث��ون ف��ي أم����ور ك��ث��ي��رة‪ ،‬وهم‬
‫> كما قلت سابقاً‪ ،‬ليس من ديدني البحث عن العارفون‪ ،‬بل يتفرجون! أخلص إلى أن هناك الكثير‬

‫‪68‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ‬

‫عندما نتأمل القصة في حد ذاتها‪ ،‬وبشكل خاص‬

‫من المدَّ عين‪ ،‬الذين يتحدثون عما ال يعرفون بلغة‬
‫العارف المتمكن‪ ،‬وتلك مصيبة «المثقف»‪ .‬أظن أن لغتها‪ ،‬نعثر على لغات‪ :‬وهذا راجع إلى طبيعة الشبكة‬
‫مناقشة غير ذوي االختصاص ال تصل إلى أفق يطور نفسها‪ ،‬فهي س��وق لغوي بامتياز‪ ،‬كما أن مرتاديها‬
‫الفكر‪.‬‬
‫يتحدثون لغات عدة‪ :‬لهجات محلية‪ ،‬ولغات مقعدة‪،‬‬
‫ُوضعُو َن أمام حاالت تعبيرية عدة‪،‬‬
‫وبشكل ع���ام‪ ،‬ج���اءت التجربة ف��ي ه��ذا السياق ولغات أجنبية‪ ،‬وي َ‬
‫التجريبي التواصلي التعرفي االستكشافي؛ ألنني أؤمن ق��د تجعلهم يتواصلون أك��ث��ر مما يفكرون ف��ي فعل‬
‫بالتعلم عن طريق إنجاز مشروع «‪ Lapprentissage‬التواصل‪ ،‬أي أن حاجة المتكلم هي الموجّ ه مما يجعله‬
‫‪ ،»par projet‬لذلك فالتجربة أغنت بحثي اإلبداعي مجرد مُ�� َر ِّت ٍ��ق لغوي‪ ،‬إذا ج��از التعبير «‪Bricoleur‬‬
‫وخلقت لي آفاقاً جمالية إضافية‪ ،‬وأخرى ممكنة من ‪ ،»linguistique‬وه��ذا ما حاولت أن أراه��ن عليه‬
‫شأنها أن تفيدني على مستوى كتابة القصة القصيرة‪ ،‬لغوياً‪.‬‬
‫خاصة وأن ذل��ك يتالءم مع جوهرها‪ ،‬المبني على‬
‫القصة تقدم عبر خليط لغوي (دارج���ة‪ ،‬عربية‪،‬‬
‫التحرك داخ��ل حيز قصير‪ .‬إن «اح��ت��م��االت‪ :‬سيرة‬
‫فرنسية‪ ..‬إلخ)‪ ،‬وذلك بحسب القراء المفترضين؛ ألن‬
‫ذهنية لكائن من زماننا» تسير في األف��ق الرصدي‬
‫نفسه‪ ،‬المتعلق بمظهر الكائن المغربي عبر القصة‪ ،‬ماسك الفأرة ال يعرف أين سيستقر به التنقل!؟ لذلك‬
‫من خالل االنفتاح ما أمكن على مناهج وفنون وعلوم ال يجب أن نتوهم أن كل (ناقر) على النتاج األدبي‬
‫المنشور عبر شبكة االنترنت مستهلك له‪ .‬قد يتوهم‬
‫أخرى‪.‬‬
‫البعض أن ع��دد ال��ن��ق��رات ي��س��اوي ع��دد القراءات!‬
‫ «لحمر ف لكحل» و»اإلط���ار» قصص ت��ؤدي بنا‬‫هيهات هيهات!‬
‫إلى قراءات قصص أخرى عبر السهم المرسوم في‬
‫األسفل‪ ،‬وقصة تؤدي بنا إلى قصص أخرى وهكذا‬
‫ إذا سألنا محمد شويكة عن التخصص الذي‬‫دواليك‪ ،‬أال ترى أن العملية الحسابية لهذه التجربة ي��ف��ض��ل أن ي��ب��ح��ث ف��ي��ه‪ :‬ال��ق��ص��ة‪ ،‬أم ال��ف��ل��س��ف��ة‪ ،‬أم‬
‫قد تبعثر فكر القارئ؟‬
‫السينما‪ ..‬ماذا يقول؟‬
‫> أظن أن قارئ القصة الترابطية‪ ،‬ليس هو قارئ‬
‫القصة المنشورة على الورق‪ ،‬ألن قارئ الكتاب يقرأ‬
‫على األق��ل نصاً في حيز يمتلكه بين يديه‪ ،‬بمعنى‬
‫يعرف حدوده مسبقاً (بين دفتي مجموعة قصصية)‪،‬‬
‫إال أن الترابط تقنية تجعل التبعثر جماالً في حد ذاته؛‬
‫فالقراءة ليست عملية مريحة دائماً‪ ،‬بل هي تفاعلية‬
‫وانفعالية في آن‪ ،‬وما يزيد من مغامرة قراءة القصة‬
‫الترابطية أن القابض على ال��ف��أرة «‪،»La souris‬‬
‫ليس كالقابض على الكتاب‪ .‬الفأرة منسابة‪ ،‬نزقة‪،‬‬
‫مسافرة‪ ،‬تحب المتاهة؟‬

‫َض َع المعارف‬
‫> في الحقيقة‪ ،‬كلما تأملنا بعمق و ْ‬
‫اليوم‪ ،‬نُقِ ُّر بصعوبة الشمولية والموسوعية‪ ،‬لكن‪ ،‬كلما‬
‫تخصصنا أكثر‪ ،‬ندرك حجم الورطة المعرفية التي‬
‫نضع أنفسنا فيها!‬
‫أؤك��د لك أنني ال أستطيع أن أتخلى عن المتعة‬
‫البصرية‪ ،‬وال عن شغف الكتابة؛ لذلك تجدني أتحرك‬
‫داخل سياق فلسفي‪ ،‬يمدني بطاقة االستمرار‪ ،‬كلما‬
‫كاد محركي أن يتوقف‪ ،‬ففي بعض النصوص الفلسفية‬
‫ما يخفف من شدة الصراع داخل نفسي!‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ ‪69‬‬

‫الشاعر محمد حسيب القاضي‪:‬‬

‫قصيدة النثر املنفلتة من أي إيقاع تواجه صعوبات‬

‫أسعى إلى املصاحلة بني أشكال التعبير الشعرية!‬

‫> حاوره‪ :‬علي أبو خطاب‬

‫<‬

‫محمد حسيب القاضي‪ ،‬شاعر فلسطيني من جيل السبعينات‪ ،‬كتب معظم أغاني الثورة الفلسطينية‪ ،‬مثل‪:‬‬
‫«فدائية»‪ ،‬و«طالعلك يا عدوي طالع»‪ ،‬و«هز البارود»‪ ،‬وغيرها الكثير‪ .‬كما قدّم مسرحيات نوعية‪ ،‬ومقاالت نقدية‬
‫مهمة‪ ،‬فيها الكثير من الجهد البحثي‪ .‬اتجه أخيراً إلى كتابة النص المفتوح‪ ،‬في تطور طبيعي في تجربته الشعرية‬
‫والسردية‪ ،‬التي مارسها في كتابته قصيدة النثر‪ ،‬وأبدع فيها‪.‬‬
‫تنقل حسيب‪ ،‬بعد إبعاده عن قطاع غزة من قبل االحتالل‪ ،‬إلى عدة منافي من بيروت إلى القاهرة‪ ،‬فالجزائر‪،‬‬
‫فالسودان‪ ،‬فتونس‪ ،‬ثم عاد عام ‪ 1994‬إلى أرض الوطن‪ ،‬مع قدوم السلطة الوطنية الفلسطينية؛ ومنذ ذلك الحين‬
‫إلى اآلن يتنقل بين القاهرة وغزة‪ ،‬في نشاط كتابي ال يتوقف‪ ،‬على الرغم من صراعه مع أمراض تنتابه بين الحين‬
‫واآلخ��ر‪ .‬وهو ع��ادة يستقبل الكتّاب الشباب والجيل األكبر منهم‪ ،‬في بيته‪ ،‬بكل ترحاب وم��ودة‪ ،‬وت��دور نقاشات‬
‫وحوارات ثقافية؛ فيصبح مجلسه أشبه بصالون ثقافي‪.‬‬
‫< حدّثنا عن تجربتك الطويلة مع المعاناة والتشرد والمنافي؟‬
‫ّف‪ ،‬في كلمات سريعة؛ لكن نقول لم يكن ديواني‬
‫> يصعب اختزال تجربة شعرية‪ ،‬امتدت (‪ )25‬عاما وني ً‬
‫«فصول الهجرة األربعة» الصادر عام ‪1974‬م عن وزارة الثقافة العراقية هو أول ديوان؛ فقد سبقه ديوان‬
‫فقدته في قطاع غزة أثناء اعتقالي عام ‪1967‬م‪ ،‬حين صودرت مكتبتي‪.‬‬
‫فصول الهجرة األربعة‪ ،‬البداية واللغة الصافية‬
‫«مجموعة فصول» تمثل اختباراً للغة والمكونات الشعرية األولى‪ ،‬التي يمكن أن تشكل قصيدة في نهاية‬
‫األمر‪ ،‬وهو صدى لحالة الغربة وال أقول االغتراب؛ فكان ذلك التمازج بين السياسي والشعري‪ ،‬دون أن‬
‫تطغى السياسة على لغة الشعر‪ ...‬وأذكر أنني تسلمت نسخة هذا الديوان في بغداد من يد الشاعر الراحل‬
‫عبدالوهاب البياتى‪ ،‬المدير عام في وزارة الثقافة العراقية آنذاك‪ ،‬وقال لي‪« :‬لغتك صافية وال تشبه أحداً»؛‬
‫وكان لهذه الكلمات من هذا الشاعر الكبير‪ ،‬أعمق األثر في نفسي‪ ،‬وفي شعري كذلك‪.‬‬
‫«مريم تأتي»‪ ،‬بداية التفرد واالختالف‬
‫في ديواني الثاني «مريم تأتي»‪ ،‬أحاول البحث عن قصيدتي‪ ،‬التي حرصت منذ البداية أن ال تشبه أي‬
‫صوت‪ ،‬مدفوعاً برأي البياتى‪ ،‬الذي عزّز قناعاتي بضرورة التفرّد‪ .‬في الديوان طموح إلى كتابة قصيدة ال‬
‫إطار ما؛ فيه كذلك‪ ،‬تنتقل الغربة إلى حالة االغتراب‪ ،‬بالمعنى الوجودي واإلنساني‪ ،‬من خالل‬
‫«تتقولب» في ٍ‬
‫التقاط جزئيات حياتي المبعثرة في المنفى‪ ،‬وإعادة صياغتها‪ ،‬من زوايا متعددة‪.‬‬

‫‪70‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ‬

‫«أربعاء أيوب»‪ ،‬بداية الدراما الشعرية‬
‫في ديواني الثالث «أربعاء أيوب»‪ ،‬رأى بعض النقاد‬
‫أن��ه ب��داي��ة دخ��ول قصيدتي مجال ال��درام��ا متعددة‬
‫األص��وات؛ فهو قصيدة واح��دة مطولة‪ ،‬تعتمد على‬
‫حكاية أيوب في التراث الشعبي‪ ،‬مع اسقاطات بعيدة‬
‫من التراث العالمي‪ .‬والديوان لوحات تتناول حياة‬
‫الفلسطيني‪ ،‬من خ�لال ح��االت وم��واق��ف متداخلة‪،‬‬
‫بخيط رهيف من النسج واألداء الشعري‪.‬‬
‫ٍ‬
‫ومتواشجة‬
‫«أقبية الليل» ديوان المنفى‬
‫أما الديوان الرابع «أقبية الليل»؛ فإنه يختلف من‬
‫ناحية النبض والنبرة‪ ،‬وهو ما أحرص عليه بين ديوان‬
‫وآخر؛ إذ إن كل مجموعة عندي‪ ،‬تُمثّل تجربة خاصة‪،‬‬
‫تحمل ش��روط إنتاجها شعرياً‪ ،‬بمعزل عن التكرار‬
‫والتشابه‪ ،‬الذي قد نالحظه عند بعض الشعراء‪ .‬فيه‬
‫شهادة شعرية عن المنفى‪ ،‬تحمل مالمح االحتكاك‬
‫بواقع عبثي ضاغط وجودياً‪ ،‬بحثاً عن لحظة إضاءة‬
‫في المسافة المثقوبة والمعتمة‪.‬‬

‫فلسفي وصوفي‪ ،‬في بعض األحيان‪.‬‬
‫دواوين العودة‬
‫ف��ي ج��ان��ب آخ����ر‪ ،‬وب��ع��د م��ا ي��س��م��ى – سياسياً‬
‫ بالعودة إل��ى الوطن‪ ،‬أص��درت ثالثة دواوي���ن‪ :‬هي‬‫على التوالي‪« :‬قمر للعواء»‪ ،‬ثم «رمادك في رقصة»‪،‬‬
‫و«السدى قطرة قطرة»‪ .‬وفي هذه المجموعات يحتل‬
‫الحلم المساحة األوس���ع ف��ي تشكيل رؤي��ت��ي للعالم‬
‫واألشياء‪ ،‬مع ميل للتجريب في اللغة‪ ،‬وخاصة في‬
‫ديوان «ثم رمادك في رقصة»‪ .‬المهم أنني في هذا‬
‫النتاج أ ُعنى بالتفاصيل والمهمش والمسكوت عنه‪.‬‬
‫< كيف استطاع حسيب أن يتجاوز الشعر وشعراء‬
‫المقاومة‪ ،‬وأن يخرج بنصه من قيود السياسة؟‬
‫> أذكر أن «سارتر» قد أشار في كتابه «ما األدب»‪،‬‬
‫ح��ي��ن ق���ال ع��ن أدب ال��م��ق��اوم��ة ال��ف��رن��س��ي��ة‪« :‬ل���م تخلق‬
‫المقاومة أدب���اً ذا قيمة‪ ،‬ول��ك��ن ه��ذه التجربة‪ ،‬تجربة‬
‫المقاومة أشعرتنا بما يمكن أن يكون عليه أدباً موضوعه‬
‫عالمي ملموس»‪.‬‬

‫وكما ذك��رت في أحد مقاالتي‪ ،‬إن مثل هذا الكالم‬
‫«إنه الصراخ وأنا فيه» والسقوط في المنفي‬
‫يذكّرنا دائماً أن األعمال الروائية والمسرحية الناضجة‬
‫وفي ديوان «إنه الصراخ وأنا فيه»‪ ،‬ثمة نقلة نوعية ظهرت آثارها بعد تحرير باريس من النازي بفترة طويلة‬
‫في اتجاه األسطوري واليومي‪ ،‬مبنية على اختزال نسبياً‪ ،‬مثل‪ :‬رواي���ة «ال��ط��اع��ون» لكامي‪ ،‬و«الشيوعية»‬
‫أشد‪ ،‬واختراق لمسافات من حيث التقنية والرؤية‪ ،‬ألراغون‪ ،‬ورواية «الحرية» لسارتر‪.‬‬
‫للتعبير عن المنفى واالغتراب الداخلي‪ ،‬حالة وموقفاً‬
‫شعر المقاومة‬
‫وحواراً مع األشياء والمدن والناس‪.‬‬
‫ي��ت��ف��اوت ال��ك�� ّت��اب أو ال��ش��ع��راء ف��ي درج���ة استيعابهم‬
‫للتجربة‪ ،‬تجربة ال��ح��رب أو ال��م��ق��اوم��ة‪ ،‬حتى وه��م في‬
‫«الرماد الصباحي»‪ ،‬ديوان المرأة‬
‫وسطها وبين نيرانها؛ فليس كل من عاش انفعال المقاومة‬
‫ثم كان ديوان «الرماد الصباحي»‪ ،‬وهو آخر ديوان‬
‫يتعين أن يكتب شعراً جيداً أو رواية جيدة‪ ،‬وال ينبغي أن‬
‫أنجزته في الخارج‪ ،‬أثناء وج��ودي في تونس‪ .‬وهنا تكون المقاومة الشرط الوحيد لكتابة جيدة؛ فاألمر يتعلق‬
‫أعبّر عن تجارب وحاالت إنسانية عدة‪ ،‬تعكس عالقة بالكيفية التي تجعل من انفعال ما أدباً أو شعراً قادراً على‬
‫الشعر بالمرأة؛ فنحن نفضح أنفسنا بالشعر‪ ..‬وهذه اختراق اللحظة إنسانياً وفنياً‪ ،‬حتى نستطيع أن نقول بعد‬
‫الفضيحة هي الوجه اآلخر للتجربة‪ .‬لكن المرأة في ذلك‪ :‬إن لدينا حقاً أدب مقاومة‪ ،‬وليس مجرد شعارات‪ ،‬ال‬
‫ه��ذا ال��دي��وان تتخذ ع��دة ص��ور‪ ،‬وت��ح��والت ذات بعد تلبث أن تنالشى عقب مرور فترة من الزمن‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ ‪71‬‬

‫ويالحظ‪ ،‬أثناء المقاومة‪ ،‬أن الشعر هو أسرع أشكال‬
‫الكتابة في التعبير عن انفعاالت اللحظة؛ بينما تحتاج‬
‫القصة والرواية والمسرحية إلى وقت غير محدد‪ ،‬لكي‬
‫تنضج في ذهن الكاتب ووجدانه‪ ،‬وتتحول ألدب ناضج‬
‫وجيد‪ .‬وأقول للشعراء الشباب‪ :‬اكتبوا‪ ..‬فليس من حق‬
‫أحد أن يوقف أياديكم عن الكتابة‪ ،‬ال سيما في خضم‬
‫الحالة الراهنة‪ ،‬التي تحتاج إلى كل كلمة‪ ،‬وكل صرخة‪.‬‬
‫ولكن ت��ذكّ��روا أن��ه من أج��ل أن تستمر كلماتنا وتعيش‪،‬‬
‫يتطلب األمر أكثر من الصراخ والحماسة المؤقتة لقضية‬
‫أك��ب��ر م��ن أي ك�ل�ام‪ ،‬وأع��م��ق م��ن أي ص���راخ؛ ل��ذا فعلى‬
‫القصيدة الفلسطينية‪ ،‬وقصيدة المقاومة بشكل خاص‪،‬‬
‫أن تتخلص من قيود اإلن��ش��اد والخطابة‪ ،‬وأن تتخطى‬
‫البالغة التقليدية على مستوى اللغة والخطاب‪ ،‬وأن تفلت‬
‫مما هو مكرس وشائع ومسموح به؛ ليكون للشاعر ذاته‪.‬‬
‫< نتسرع ف��ي النشر أح��ي��ان��اً‪ ،‬ون�لاح��ظ أن��ن��ا نكتب‬
‫ونشطب ونحذف كثيراً‪ .‬حدّثنا أستاذ حسيب من خالل‬
‫تجربتك عن طريقتك في الكتابة‪ ،‬وه��ل تشعر بوجود‬
‫حركة شعرية جديدة تنمو في الوطن؟‬

‫اإلنساني بطبيعته عاجز ومحدود‪ ،‬مهما بلغ أو تخيّل أنه‬
‫بلغ ذروة الفعل والخلق‪ ،‬ألنه سيبقى مشدوداً ومشدوهاً‬
‫إزاء قوى أكبر منه‪ ،‬تشكّل اللغز أو الرمز المحير‪ ،‬الذي‬
‫تستطيع الكلمة اجتراحه أو تفسيره‪ .‬فقد وقف كثير من‬
‫الشعراء والفالسفة أمام هذه اإلشكالية‪ ،‬خالل بحثهم‬
‫عن القي ّم واألفكار واألشكال المتعلقة بالتعبير عن رؤيا‬
‫تعيد صياغة عالمهم من جديد‪ ،‬لكن جهودهم لم تتجاوز‬
‫اكتشاف ما هو معروف بشكل وأسلوب مختلفين‪.‬‬
‫وفي حالتنا الفلسطينية‪ ،‬المهم هو التجربة وليس‬
‫الموضوع‪ ،‬فمهما كانت أفكار الشاعر السياسية والثقافية‬
‫فإنها ال تبرر رداءة الكتابة‪ .‬وتبقى المشكلة الحقيقية‬
‫التي تواجهه هي عملية الخلق نفسها‪ ،‬ومدى نجاحه أو‬
‫إخفاقه في اختبار اللغة والشكل الفني‪ ،‬بعد استيعابه‬
‫وهضمه للفكرة أو التجربة التي يريد أن يعبّر عنها‪.‬‬
‫عندما سئل الصديق الشاعر سعدي يوسف‪ :‬كيف‬
‫تكتب القصيدة؟ ق��ال‪« :‬قد أق��وم بتصميمات وعمليات‬
‫شطب بعد االنتهاء من القصيدة‪ ،‬أو من مرحلة ما في‬
‫القصيدة‪ ،‬بل أنني قد ألقي بالقصيدة في سلة المهمالت‬
‫غير آس��ف‪ ،‬إال لشيء واح��د وه��و أن القوى المحيطة‬
‫باإلنسان ما تزال أقوى منه‪ ،‬وأن أدوات اإلنسان ما تزال‬
‫بسيطة»!‬

‫> ليس من شك أن مطلب الكمال من بين أحالم أي‬
‫شاعر أو كاتب أو فنان‪ ،‬وهو أمر صعب المنال بالتأكيد‪،‬‬
‫فليس هناك قصيدة كاملة‪ ،‬أو لوحة كاملة‪ ،‬أو رواية‬
‫كاملة‪ ،‬إال ويرى فيها المبدع نقصانه‪ .‬يقول (بورخيس)‪:‬‬
‫أعتقد أن��ه م��ن المفيد أن نضع ه��ذا المثال أمام‬
‫«نظل نكتب ط��ول حياتنا‪ ،‬ال يبقى من قصائدنا سوى‬
‫أبيات قليلة»‪ .‬والشاعر دي�لان توماس‪ ،‬عندما أراد أن الشعراء الشبان‪ ،‬خاصة أولئك الذين يتعجلون النشر قبل‬
‫يجمع أعماله الكاملة في مجلد‪ ،‬تجرأ وحذف ما يقارب أن تنضج أدواتهم ومعارفهم الثقافية واللغوية‪ .‬وعلينا أن‬
‫‪ 70%‬م��ن ق��ص��ائ��ده دون أن ي��ط��رف ل��ه ج��ف��ن؛ فالكائن ندرك أن ليس ما يكتبه الشاعر مهما بلغت قامته يمكن‬
‫من أعماله الشعرية‪« :‬فصول الهجرة األربعة» (بغداد‪1974 ،‬م)‪ ،‬و«مريم تأتي» (القاهرة‪1983 ،‬م)‪،‬‬

‫و«أربعاء أيوب»‪ /‬قصيدة طويلة (القاهرة‪1983 ،‬م)‪ ،‬و«أقبية الليل» (دار الكرمل‪ ،‬عمان‪1985 ،‬م)‪ ،‬و«إنه‬

‫الصراخ وأنا فيه» (بيروت‪1989 ،‬م)‪ ،‬و«الرماد الصباحي» (القاهرة‪1989 ،‬م)‪ ،‬و«إعادة وصفنا للتيه»‬

‫(‪1993‬م)‪ ،‬و«قمر للعواء» (اتحاد الكتاب الفلسطينيين‪ ،‬القدس‪1996 ،‬م)‪ ،‬و«ثم رم��ادك في رقصة»‬
‫(وزارة الثقافة‪ ،‬غزة‪1997 ،‬م)‪ ،‬و«السدى قطرة قطرة» (بيت الشعر الفلسطيني‪ ،‬رام الله‪2000 ،‬م)‪ .‬ومن‬

‫أعماله المسرحية‪« :‬دولة أيوب»‪ ،‬ومونودراما «العنكبوت»‪ ،‬و«شمهورش»‪ .‬وجمعت أغانيه الثورية في‬

‫كتاب‪ ،‬طبع ثالث مرات‪ ،‬بعنوان‪« :‬نشيد البندقية والرجل» (بيروت‪1975 ،‬م)‪.‬‬

‫‪72‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ‬

‫أن ينشر على القارئ‪ ،‬وعلينا أن نتذكر دائماً أن التواجد رؤيته الشعرية‪ ،‬شأن غيره من الشعراء الذين اتخذوا‬
‫يتطلب جهداً وارتقاء باللغة‪ ،‬والصورة والرؤية األعمق هذا االتجاه‪ ،‬ومنهم الصديق سعدي يوسف‪ ،‬وكاتب هذه‬
‫السطور‪.‬‬
‫لألشياء والعالم‪.‬‬
‫ب��ال��ن��س��ب��ة ل���ي‪ ،‬ف��أن��ا م��ع��ن��ي ف���ي ش��ع��ري بالمهمش‬
‫الحركة الشعرية الجديدة‬
‫والتفصيلي والمسكوت عنه‪ ،‬وهي «مناطق» أعمل فيها‬
‫إال إن ذلك ال يمنع من رؤية حركة شعرية في بالدنا‪،‬‬
‫على خلفية «ميثولوجية»‪ ،‬ممزوجة بإرث‬
‫تنمو وسط األشواك‪ ،‬وتحاول شق طريقها‬
‫إسالمي وتوراتي‪.‬‬
‫بكثير من الجهد والثقافة والموهبة‪ ،‬وهذا ل��ي��س كل‬
‫وبمعنى آخ��ر‪ ،‬أن��ا مشغول بالمرئيات‬
‫ما تشي به بعض األسماء القليلة‪ .‬ويجب‬
‫اليومية في عالم اإلنسان ومحاولة القبض‬
‫أن تكون قليلة ألن الشعر ال يحتمل الزحام‬
‫والضوضاء والغبار واألص��وات‪ ،‬التي تكاد م��ا يكتبه على األبدي من خالل هذه المرئيات؛ ولعل‬
‫هذا هو سبب تعدد التأويالت الكامنة في‬
‫تتشابه فيما بينها كما لو كانت تصدر عن‬
‫ش��اع��ر واح���د‪ .‬وال ش��ك أن ال��زم��ن وحده ال��ش��اع��ر قصائدي‪ ،‬من حيث أنها تخفي دالالت أبعد‬
‫من السطح المرئي‪ ،‬وهذه سمة تدخل في‬
‫كفيل بالحكم على من سيبقى ويستمر‪ ،‬من‬
‫بين هذا العدد الكبير من الشعراء الجدد‪ .‬ي���ص���ل���ح مفصل القصيدة المركّبة ِبنَفَس درامي يقوم‬
‫على حوار «األنا» مع «األنا اآلخر»‪ ،‬وربما‬
‫إنها معركة طويلة وشاقة يخوضها الشاعر‬
‫هذا ما يميز قصيدة التفاصيل عندي‪ .‬بعد‬
‫مع أدواته وثقافته وموهبته الحقيقية‪ ،‬من ل��ل��ن��ش��ر‬
‫ذلك أعترف أنني ال أملك وصفة سحرية‪،‬‬
‫أج��ل إثبات وج��وده شعرياً‪ ،‬وان��ت��زاع مكان‬
‫يمكن أن أضعها أمامكم كشعراء شبان‪،‬‬
‫ل��ه تحت س��م��اء الشعر ال��ت��ي م��ن االتساع‬
‫سوى تجربتي المتواضعة وتجارب غيري‪،‬‬
‫بحيث تستوعب الكثير والكثير من النجوم‬
‫ممن تقرؤون لهم على أم��ل أن تجدوا ما‬
‫والشموس‪.‬‬
‫يفيدكم في هذا الشأن‪.‬‬
‫< حسيب شاعر السبعينات الميالدية م��ن القرن‬
‫وال بد من القول إنه ال توجد معايير نقدية محددة‪،‬‬
‫الماضي‪ ،‬يكتب قصيدة التفاصيل واللحظة‪ ،‬وقصيدة‬
‫�لا حدّثت توجّ ه نسق الكتابة بشكل ع��ام‪ ،‬وه��ذا ما يقوله روالن‬
‫المشهد‪ ،‬وغيرها من القصائد الحديثة‪ .‬ه ّ‬
‫ال��ش��ع��راء ال��ش��ب��اب ع��ن ال��ح��داث��ة ف��ي قصيدة القاضي بارت؛ ذلك أن لكل نسق شعري قوانينه الخاصة‪ ،‬التي‬
‫تحكمه منذ لحظة ال��ش��روع في الكتابة‪ ،‬حتى اكتمال‬
‫الشعرية؟‬
‫النص‪ ،‬أو ما نتصور أنه اكتمال‪!!..‬‬
‫> م��ا يسمى قصيدة التفاصيل حسب المصطلح‬
‫< حسيب ش��اع��ر السبعينات‪ ،‬كيف ي��رى المشهد‬
‫النقدي الشائع هي‪ ،‬في األساس‪ ،‬دعوة قديمة دعا إليها‬
‫محمد مندور‪ ،‬وسمّاها في حينه «فتات الحياة اليومية»‪ ،‬الشعرى وتطوره منذ السبعينات الميالدية إلى اآلن؟‬
‫ولم يلتفت أحد إلى أن كالم مندور سيكون له تأثيره في‬
‫> في عقد السبعينيات‪ ،‬حدث التحوّل الدراماتيكي‬
‫شعر المستقبل‪ .‬ثم إننا قرأنا اليوناني «ريتسوس» بوصفه ال��ذي قلب كثيراً من المعايير والثوابت والمفهومات‪:‬‬
‫أهم شاعر يعنى بلغة التفاصيل اليومية والبسيطة‪ ،‬التي «أيلول‪ ،‬كامب ديفيد‪ ،‬وبوادر الحرب األهلية في لبنان‪..‬‬
‫تشكل معظم شعره‪ .‬في المقابل نجد هذا المنحى في الخ»‪ ،‬ما انعكس بدوره على السياسة‪ ،‬والثقافة‪ ،‬ومنحى‬
‫قصيدة ص�لاح عبدالصبور الشهيرة‪« :‬وش��رب��ت شاياً الحياة العربية عامة‪.‬‬
‫ورتقت نعلي»‪ ،‬وإن لم يجعل منها مركز اهتمامه‪ ،‬وأساس‬
‫وع��ل��ى ص��ع��ي��د ال��ش��ع��ر‪ ،‬ح��م��ل ج��ي��ل السبعينات‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ ‪73‬‬

‫مشروعه‪ ،‬المغاير للمؤسسة الشعرية الراسخة في دون حياء‪ ،‬وهو بالمناسبة شاعر للسلطة بامتياز‪ ،‬وأكثر‬
‫ذلك الوقت‪ ،‬وك��ان ال بد أن يخوض معركة قصيدته المستفيدين منها‪.‬‬
‫الجديدة‪ ،‬في مواجهة حالة االنكسار والتراجع‪ ،‬التي‬
‫التفعيلة وحداثة النص‬
‫أصابت الشعر والمجتمع العربي على حد سواء‪ .‬وقد‬
‫< م��ا أن يُ��ذك��ر حسيب ال��ش��اع��ر حتى ت��ت��داف��ع إلى‬
‫ت��ع��رّض ه��ذا الجيل السبعيني الضطهاد المؤسسة‬
‫الثقافية العربية؛ فتجاهله النقاد‪ ،‬وامتنعت المجالت الذهن قصيده النثر‪ ،‬فقد أبدعت في كتابة النثر‪ ،‬حدثنا‬
‫عن نشر نتاجه الشعري‪ .‬وإزاء هذا الحصار والتجاهل عن تجربتك في كتابة قصيده النثر؟‬
‫المفروض عليهم أنشأوا مجالتهم «الماستر» الخاصة‬
‫> هناك مفهوم خاطئ لدى َم ْن يربط بين الحداثي‬
‫بهم‪ ،‬وخرج من بينهم نقاد واستمروا في دعوتهم إلى والخروج المطلق إلى النثر‪ ،‬والسؤال‪ :‬مَن سوف يملك‬
‫قصيدة جديدة‪ ،‬مختلفة عن شعر الستينيات‪ ،‬وتؤرخ “فضيلة” الحداثة‪ :‬قصيدة النثر أم قصيدة التفعيلة؟‬
‫لمشهد شعري‪ ،‬نحت مالمحه من التمزق والمعاناة والجواب ال هذه وال تلك‪.‬‬
‫وح��ال��ة اإلح��ب��اط‪ ،‬التي انبثقت م��ن ال��ظ��روف العامة‬
‫صحيح أن الشاعر العربي الحديث ضيّق على نفسه‪،‬‬
‫السيئة التي سادت في العالم العربي آنذاك‪.‬‬
‫حين ك���رّس ف��ي قصيدته وزن��ي��ن أو ث�لاث��ة‪ ،‬أصبحت‪،‬‬
‫نقلت قصيدة السبعينات الشعر من النبوءة إلى أرض فيما بعد‪ ،‬متداولة منذ “السيّاب” إلى اآلن‪ ،‬ونسي أن‬
‫ال��واق��ع‪ ،‬وم��ن اإلن��ش��اد إل��ى ال��رؤي��ة‪ ،‬وم��ن األيديولوجي إيقاعات الشعر العربي أكثر غنى وثراء من ذلك‪ .‬ومَن‬
‫إلى الحياتي واليومي‪ ،‬وذات الفرد كبؤرة مفتوحة على قال إ َن الوزن شرط الشعرية الحقة؟‬
‫العالم وثقافته وهمومه المشتركة‪ .‬هذا عدا ما أحدثته‬
‫إن المسألة في تقديري أبعد وأعمق من هذا الفهم‬
‫م��ن اخ��ت��راق لألبنية‪ ،‬وط��رق األداء‪ ،‬التي س��ادت فترة الخاطئ لطبيعة الشعر واإليقاعات‪ ،‬وربما هو ما أعطى‬
‫الستينيات خصوصاً عندما اتخذ معظمهم من القصيدة بعضهم الفرصة للهجوم على قصيدة التفعيلة‪ ،‬فعدوها‬
‫النثرية شك ً‬
‫ال مقترحاً لتجاربهم وموضوعاتهم‪ ،‬أو المزج من محنطات التراث التي ال ينبغي االقتراب منها؛ وكان‬
‫بين التفعيلي والنثري في بعض الحاالت‪.‬‬
‫السبب وراء ذل��ك أن قصيدة التفعيلة ب��دت مرهقة‪،‬‬
‫من كثرة االستخدام التقليدي لها ضمن خطاب بعض‬
‫الشعراء‪ ،‬الذين ما يزالون يحتفظون باإليقاع في شعرهم‬
‫“ومنهم شعراء كبار كما يسَّ مون”‪ ،‬وإيقاعاتهم تنحصر‬
‫في وزنين أو ثالثة أوزان‪ ،‬كما أش��رت‪ ،‬غير أو ذلك ال‬
‫يمنع أن قصيدة التفعيلة م��ا زال��ت تحتفظ بحيويتها‬
‫اإليقاعية “الطازجة” ل��دى بعض الشعراء الحداثيين‬
‫الذين ما زالوا يراوحون بين النثري والتفعيلي‪“ ،‬وهذا‬
‫يحتاج إل��ى ناقد يتوافر على دراس��ة اإلي��ق��اع‪ ،‬وعالقته‬
‫بحداثة النص الشعري”؛ فأنا م��ا زل��ت أعتقد أن��ه ال‬
‫تناقض بين الحداثيّ واإليقاعيّ ‪ ،‬وإن حداثة الشعر ال‬
‫بحال من األح��وال االنصراف الكليّ نحو قصيدة‬
‫تعنى ٍ‬
‫النثر‪ ،‬والعكس صحيح‪.‬‬

‫وفي الحالة الفلسطينية‪ ،‬نرى أن ظروف االحتالل‬
‫والشتات الجغرافي‪ ،‬ال��ذي ت��وزع عليه ع��دد كبير من‬
‫الشعراء الفلسطينيين‪ ،‬قد أجهض ما يمكن أن يسمى‬
‫بأجيال الشعر الفلسطيني‪ ،‬ومن ثم لم يتوافر النقد‬
‫على متابعة هذه األجيال وتقويم تجاربها المختلفة‪،‬‬
‫وذائقتها المتنوعة‪ ،‬ومن ثم وضعها في مكانها الصحيح‬
‫من عملية اإلبداع‪ .‬ولعل هذا ما أتاح لشاعر أو اثنين‬
‫أو ثالثة‪ ،‬الحيّز األوسع من الرسوخ الشعري الرسمي‬
‫كمؤسسة مغلقة‪ ،‬ت��ق��اوم أي ص��وت ج��دي��د وأي تيار‬
‫حداثي يمكن أن يمس هيبة تلك المؤسسة الشعرية‬
‫أو يهز مكانها‪ .‬وال عجب إذا شاهدنا هذه “المؤسسة”‬
‫ت��ح��اول التقليل م��ن ش��أن تجربة ش��ع��راء السبعينيات‬
‫ع��ن��دن��ا‪ ،‬وأن ت��ص��ف ال��ش��ع��راء بالمليشيات‪ ،‬وتنعتهم‬
‫المهم في األمر هو “الشعرية” وليس الشكل؛ إذ ال‬
‫بالمخبرين للسلطة “هكذا”‪ ،‬على لسان شاعر معروف خلود ألي شكل؛ كما أن دورة التاريخ والحياة أثبتت أن‬

‫‪74‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ‬

‫الحداثيّ اليوم هو كالسيكي غداً‪.‬‬
‫تسألني عن تجربتي في هذا الشأن؟ ربما ما قلته‬
‫في السابق يلخص مفهومي لمسألة اإليقاع‪ ،‬ويصلح‬
‫جواباً على سؤالك‪ .‬وأضيف أنني أحياناً أم��زج في‬
‫بعض قصائدي بين النثر والتفعيلي‪ ،‬وه��ذا المزج‬
‫ال يتأتى بوعي مقصود‪ ،‬وإنما تمليه حالة التجربة‬
‫نفسها‪ ،‬وهي حالة ال تتبع نسقاً معيناً‪ ،‬بقدر ما تتجه‬
‫لكسر الرتابة‪ ،‬وتغريب الحالة‪ ،‬داخل النص‪ .‬وعلى أي‬
‫حال أقول لم أقطع نهائياً مع إيقاعات الشعر‪ ،‬مثلما‬
‫فعل بعض الشعراء‪ ،‬وال أفكر بذلك حالياً على األقل‪،‬‬
‫وإن كنت أكتب قصيدة النثر‪ ،‬مستفيداً من الفضاءات‬
‫ل��ه��ذه ال��ق��ص��ي��دة‪ ،‬ف��ي التعبير ع��ن ت��ج��ارب وحاالت‬
‫تستدعي هذا الشكل‪ ،‬وفي الوقت نفسه أجد ّد داخل‬
‫بنية التفعيلة‪.‬‬

‫وطلقة من هناك‪ ،‬توجه إلى ظهر هذه القصيدة‪ ،‬دون‬
‫أن تسقط على مدرج ينحني تحت سماء المتعاليات‪..‬‬
‫أربعين سنة ما ت��زال‪ ..‬ومن هنا‪ ..‬وهنا تثور األسئلة‪،‬‬
‫كغبار في محاولة للبحث عن إجابة‪ ،‬وال ش��يء يقينياً‬
‫سوى اإلبداع ذاته والسفر ذاته‪.‬‬
‫في دراستي المعنونة‪“ :‬قصيدة النثر إلى أين؟” (لم‬
‫تنشر بعد)‪ ،‬محاولة‪ ،‬أزعم أنها جادة ومرهِ قة‪ ،‬استغرقتني‬
‫ال الكتشاف عوالم هذه القصيدة‪ ،‬التي تحتل‬
‫وقتاً طوي ً‬
‫اآلن ص��دارة الصفحات األدب��ي��ة‪ ،‬ومنابر الشعر‪ ،‬على‬
‫الرغم من أنها قصيدة يُفترض أنها غير منبرية‪ .‬في‬
‫دراستي أقول‪:‬‬
‫‪ 1‬قصيدة النثر‪ :‬ال تقبل التقليد وال المحاكاة‪.‬‬‫‪ 2‬ضرورة الكتابة خارج نسق اللغة الرائجة إلى درجة‬‫االستهالك‪.‬‬

‫وثمة نقطة أخرى‪ ،‬وهي تتمثل في منحى تجريبي‬
‫في اإليقاع أو ما يشبه ذلك‪ ،‬أحاول أن أكسر به رتابة ‪ 3-‬قصيدة ال��ن��ث��ر‪ :‬ال تنحصر ف��ي ال��ش��ك��ل‪ ،‬ول��ك��ن في‬
‫الكيفية التي يكتب بها الشاعر‪ ،‬وزواي��ا النظر إلى‬
‫التفعيلة؛ بحيث أقترب من قصيدة النثر‪ ،‬عبر بناء‬
‫العالم‪.‬‬
‫الجملة الشعرية المفارقة للتقليدي والجاهز الذي‬
‫طغى على شعر التفعيلة‪ ،‬بمعنى آخ��ر أن يتماهى ‪ 4-‬الرتابة والتكرار هما أخطر ما يواجه قصيدة النثر‪.‬‬
‫الشعري بالنثري‪ ،‬ضمن اإلي��ق��اع دون ح��دود فارقة‪،‬‬
‫‪ 5‬أتساءل‪ :‬هل هي قصيدة بدون إيقاع؟‬‫إل��ى درج��ة جعلت بعض الشعراء المصريين يلتفتون‬
‫باهتمام إلى هذه الطريقة‪ ،‬ويعد الشبان منهم ما أكتبه ‪ 6-‬يُحكم على قصيدة النثر من خالل النماذج الجيدة‪.‬‬
‫ضمن اإليقاع قصيدة نثر تستخدم السرد والمشهد ‪ 7-‬شعراء هذه القصيدة الجيّدون هم قلة في العالم‬
‫واللقطة‪ ...‬إلخ‪ ،‬وفي الوقت نفسه تنطوي على طواعية‬
‫العربي‪ ،‬مقارنة بشعراء التفعيلة‪.‬‬
‫وك��ث��اف��ة‪ ،‬ال ت��خ��ل��وان م��ن ال��ب��س��اط��ة وال���وض���وح‪ ،‬وهي‬
‫في هذه الدراسة (البحث) أعلن إنحيازي إلى كافة‬
‫المعادلة األصعب‪.‬‬
‫أشكال التعبير الشعري‪ ،‬وأسعى جاهداً أو مجتهداً لعقد‬
‫نوع من المصالحة بين هذه األشكال‪ ،‬وخصوصاً بين‬
‫قصيدة النثر‪ ..‬إلى أين؟‬
‫< في الختام‪ ،‬أود أن أسأل سؤاالً‪ ،‬ربما صار تقليدياً التفعيلي والنثري؛ لقناعة لديّ أن قصيدة التفعيلة لم تنتهِ‬
‫بعد‪ ،‬على الرغم من ما اعتراها من أمراض الشيخوخة‬
‫وهو‪ :‬لمن المستقبل‪ :‬للتفعيلة أم لقصيدة النثر؟‬
‫على يد كثير من الشعراء‪ ،‬وخاصة المعروفين منهم‪.‬‬
‫> قصيدة النثر هل هي قصيدة نقصان أم أنها تكتمل‬
‫وأعتقد أنها سوف تبقى مجاورة لقصيدة النثر من‬
‫بهذا النقصان وتمتلئ؟ أنا أخفي الحيرة في اليقين‪ ،‬أو‬
‫أستدرج اليقين كطائر إلى فخاخ السؤال‪ ،‬طلقة من هنا ناحية‪ ،‬وأداة للمسرح الشعري على وجه الخصوص‪.‬‬
‫< ناص وشاعر فلسطيني‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ ‪75‬‬

‫املؤسسة تقيم محاضرة عن مرض‬

‫االلتهاب الكبدي للدكتور فالح الفالح‬
‫> كتب‪ :‬تيسير العيد‬
‫وذك��ر المحاضر أن��ه أج��ري��ت دراس���ة اخرى‬
‫في العام نفسه لمعرفة نسبة اإلصابة بمنطقة‬
‫ال��ج��وف‪ ،‬م��ن خ�لال عينات عشوائية‪ ،‬أخذت‬
‫لمجموعة من الموطنين‪ ،‬سجلت انخفاض معدل‬
‫اإلصابة بفيروس االلتهاب الكبدي (أ)‪ ،‬بنسبة‬
‫ت��راوح��ت بين ‪ 64%‬إل��ى ‪47%‬؛ كما انخفضت‬
‫ضمن برنامج المجلس الثقافي في مؤسسة نسبة اإلصابة بالفيروس االلتهاب الكبدي (ب)‬
‫عبدالرحمن السديري الخيرية‪ ،‬ألقى الدكتور من ‪ 9.4%‬إل��ى ‪ 0%‬وانخفضت نسبة اإلصابة‬
‫فالح بن زيد الفالح أستاذ األمراض الباطنية بالفيروس (ج) إلى ‪. % 1.1‬‬
‫والكبد بجامعة الملك سعود محاضرة عن‬
‫كما ذك��ر أن تغيرات نسبة اإلص��اب��ة عند‬
‫مرض االلتهاب الكبدي‪ ،‬في قاعة دار الجوف متبرعين بالدم منذ عام ‪ 1994‬إلى عام ‪،2006‬‬
‫للعلوم‪ ،‬وحضرها جمع غفير من المهتمين‪.‬‬
‫انخفضت م��ن ‪ 4.4%‬إل��ى ‪ , 0.5%‬وأوضح‬

‫نشاطات ثقافية‬
‫‪76‬‬

‫وقد تناول المحاضر دراسته التي أجريت الفالح أن هنالك قانون ب��وزارة الصحة ينص‬
‫على ‪ 90‬شخصاً‪ ،‬وأثبتت أن نسبة ‪ 60%‬من على إلزام العاملين بالمهن الصحية بالتطعيم‬
‫اإلصابة بالمملكة بفيروس االلتهاب الكبدي ضد فيروس االلتهاب الكبدي(ب)‪.‬‬
‫(ب) هي من النوع السلبي‪ ,‬مؤكدا أن نسبة‬
‫وتحدث الدكتور الفالح عن تطور عالج‬
‫‪ 50%‬م���ن س��ك��ان ال��م��م��ل��ك��ة م��ح ّ‬
‫��ص��ن��ي��ن ضد فيروسات االلتهاب الكبدي مشيراً إلى أن‬
‫الفيروس (ب)‪.‬‬
‫علماء العالم لم يوفقوا إل��ى إكتشاف لقاح‬
‫وأشار الدكتور الفالح إلى برنامج التحصين‬
‫الوطني للفيروس االلتهاب الكبدي (ب)‪ ،‬الذي‬
‫انطلق ع��ام ‪1409‬ه����ـ‪ ،‬وق���ارن نسبة اإلصابة‬
‫بالفيروس منذ ان��ط�لاق الحملة وحتى عام‬
‫‪1417‬ه��ـ لألطفال‪ ،‬إذ بلغت نسبة اإلنخفاض‬
‫من ‪ 7%‬إلى ‪ % 0,3‬في جميع مناطق المملكة‬
‫ع��دا منطقة جيزان‪ ،‬التي لم تنخفض نسبة‬
‫األصابه فيها‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ‬

‫تحصيني ضد فيروس االلتهاب الكبدي(ج)؛‬
‫وأع����اد ذل���ك ل��ق��درة ال��ف��ي��روس ع��ل��ى تغيير‬
‫ج��ل��دة‪ .‬وأوض���ح أن اخ��ت�لاط المياه العذبة‬
‫بمياه الصرف الصحي يساعد على انتشار‬
‫الفيروسات‪ ،‬كما أن بعض المبيدات الزراعية‬
‫المستخدمة تؤدي إلى إلتهاب الكبد‪ .‬ودعا د‪.‬‬
‫الفالح إلى عدم القلق من اإلصابة بفيروسات‬
‫االلتهاب الكبدي ما داموا محصنين‪.‬‬

‫مشاهدات علمية في صحراء الربع اخلالي‬
‫ض���م���ن خ���ط���ة النشاط‬
‫ال������ث������ق������اف������ي ب����م����ؤس����س����ة‬
‫ع���ب���دال���رح���م���ن السديري‬
‫ال���خ���ي���ري���ة أق���ي���م���ت ن����دوة‬
‫بعنوان‪( :‬مشاهدات علمية‬
‫في صحراء الربع الخالي)‪.‬‬
‫وق���د ش���ارك ف��ي الندوة‬
‫الدكتور زهير عبدالحفيظ‬
‫نواب‪ ،‬رئيس هيئة المساحة‬
‫الجيولوجية‪ ،‬والدكتور اللواء‬
‫ع��ب��دال��ع��زي��ز ب���ن إبراهيم‬
‫العبيداء‪ ،‬نائب مدير إدارة‬
‫المساحة العسكرية‪ ،‬والدكتور عبدالعزيز بن عبدالله اللعبون أستاذ الجيولوجيا بجامعة الملك سعود‪،‬‬
‫والدكتور عبدالله بن محمد الشارخ أستاذ اآلثار بجامعة الملك سعود وعضو هيئة تحرير مجلة أدوماتو؛‬
‫وحضر الندوة جمهور غفير من المهتمين بمنطقة الجوف‪.‬‬

‫القطاع الزراعي في ظل إنضمام اململكة‬
‫ملنظمة التجارة العاملية‬

‫أقيمت في قاعة المحاضرات في دار الجوف من المهتمين بالزراعة في منطقة الجوف‪.‬‬

‫للعلوم محاضرة بعنوان‪( :‬القطاع الزراعي في ظل‬
‫إنضمام المملكة العربية السعودية لمنظمة التجارة‬
‫العالمية‪ :‬ال���رؤى وال��ت��ح��دي��ات)‪ ،‬أل��ق��اه��ا الدكتور‬

‫عبدالله بن عبدالله بن سليمان العبيد‪ ،‬وكيل وزارة‬
‫الزراعة‪.‬‬

‫وق���دم للمحاضر المهندس ص�لال ب��ن عيسى‬

‫الصالل‪ ،‬مدير مركز أبحاث تنمية المراعي والثروة‬

‫الحيوانية بالجوف‪ ،‬واستمع إلى المحاضرة جمع‬

‫وتحدث الدكتور العبيد عن العديد من القضايا‬
‫التي تهم القطاع الزراعي‪ ،‬ووسائل تطويره وتنميته‪،‬‬
‫األسس العلمية والعملية لتحسين اإلنتاج الزراعي‬
‫بنوعيه النباتي والحيواني‪.‬‬
‫وف��ي نهاية المحاضرة ج��رى ح���وار مثمر بين‬
‫المحاضر والجمهور‪ ،‬أج��اب فيه المحاضر عن‬
‫العديد من أسئلة واستفسارات الحضور‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ ‪77‬‬

‫دار اجلوف للعلوم استضافت معرض املخطوطات‬
‫واملسكوكات والوثائق التاريخية‪:‬‬

‫مركز البابطني يسعى السترداد‬
‫املخطوطات العربية من تركيا‬

‫أقيم في قاعة دار الجوف‬
‫للعلوم م��ع��رض المخطوطات‬
‫وال����م����س����ك����وك����ات وال����وث����ائ����ق‬
‫ال���ت���اري���خ���ي���ة‪ ،‬ن���ظ���م���ه مركز‬
‫البابطين الثقافي‪ ،‬بالتعاون مع‬
‫مؤسسة عبدالرحمن السديري‬
‫الخيرية‪ ،‬ضمن برنامج النشاط‬
‫الثقافي بالمؤسسة‪ .‬وحضر‬
‫حفل االفتتاح‪ ،‬الذي رعاه وكيل‬
‫إمارة منطقة الجوف األستاذ أحمد بن عبدالله آل الشيخ‪ ،‬جمهور كبير من أبناء الجوف‬
‫والمهتمين بالتراث والمخطوطات العربية‪.‬‬
‫وقد شاهد زوار المعرض العديد من المخطوطات العربية النادرة والقيّمة‪ ،‬التي‬
‫شملت مخطوطات ابتداء من القرن الرابع الهجري إلى بداية العصر الحديث‪ ،‬حين‬
‫ظهرت اآللة الطابعة‪ .‬ومن المخطوطات التي عرضت‪ :‬مصاحف نادرة‪ ،‬من العصور‬
‫المملوكية والفاطمية واأليوبية‪.‬‬
‫واشتمل المعرض كذلك على مؤلفات ن��ادرة وقيّمة نسخت بأيدي مؤلفيها؛ منها‬
‫مخطوطة لشيخ اإلس�لام ابن تيمية كتبها بخط يده وهو في سجن القلعة بدمشق‪.‬‬
‫كما شاهد زوار المعرض مخطوطات متنوعة في مجاالت‪ :‬الطب‪ ،‬والهندسة‪ ،‬والفلك‪،‬‬
‫والرياضيات‪ ،‬والكيمياء‪ ،‬والفيزياء‪ ،‬والزراعة‪ ،‬ونظم الري‪ ،‬وغيرها‪.‬‬

‫‪78‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ‬

‫وق��د أك��د األم��ي��ن ال��ع��ام لمركز س��ع��ود البابطين‬

‫للتراث والثقافة د‪ .‬ناصر بن عبداللطيف البابطين‬

‫خ�لال اف��ت��ت��اح ال��م��ع��رض أن المخطوطات العربية‬

‫الموجودة في المتاحف والمراكز الثقافية في تركيا‬
‫أصلها عربية وليست تركية‪.‬‬

‫وأضاف البابطين أن «هناك نظام دولي متبع ينص‬

‫على أن ك��ل مخطوط أو أث��ر مسجل ل��دى الجهات‬
‫الثقافية الدولية منذ ‪ 100‬عام‪ ،‬ينبغي أن يُعاد إلى‬

‫موطنه‪ ،‬في حال المطالبة فيه‪ .‬أما قبل هذا التاريخ‬
‫فال توجد هناك ضوابط تحكم هذه اآلث��ار؛ فهناك‬
‫م��س�لاّت ف��رع��ون��ي��ة م��وج��ودة ف��ي م��ت��اح��ف إيطاليا‪،‬‬

‫وتطالب بها مصر ولم يبت في األمر إلى اآلن»‪.‬‬

‫وك��ش��ف ال��ب��اب��ط��ي��ن ع���ن ت���وجّ ���ه ال��م��رك��ز إله���داء‬

‫آالت تصوير إل��ى المتاحف التركية التي تحتفظ‬

‫بالمخطوطات والوثائق العربية األصلية‪« ،‬من أجل‬
‫تصوير تلك الوثائق والمخطوطات األصلية»‪.‬‬

‫وأوضح أن المركز يقدم خدماته لكل من يمتلك‬

‫مخطوطات قديمة‪ ،‬ويرغب بالمحافظة عليها من‬

‫التلف‪ .‬وق��ال‪« :‬يقدم المركز خدماته مجانية‪ ،‬لكل‬
‫ال��ج��ه��ات س���وا ًء حكومية أو خ��اص��ة‪ ،‬مثل التعقيم‪،‬‬

‫وتصوير المخطوطات‪ ،‬والتعاون الثقافي‪ ،‬إضافة إلى‬

‫إمكانية ترميم الوثائق التي يمتلكها أفراد»‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ ‪79‬‬

‫صورة املرأة وسؤال الكتابة‬
‫في السردات العربية‬

‫> هويدا صالح‬
‫تُعد الكتابة بالنسبة للمرأة فعل التوازن بين الداخل والخارج؛ بين الصوت الداخلي‬
‫ال��ذي يحاول أن يفتح ذلك الداخل ال��ذي ظنته المرأة مفقوداً‪ ،‬نتيجة لعالم القسوة‬
‫والخوف‪ .‬وجدت المرأة من خالل الكتابة أضواء صغيرة؛ تضيء داخلها‪ ،‬وشعلة في‬
‫قلبها تشع‪ ،‬فتحلّت بالشجاعة‪ ،‬وغاصت في الداخل؛ لتخرج لنا اللؤلؤ المخبوء‪ ،‬ذلك‬
‫المسكوت عنه منذ قرون طويلة‪ .‬تسرّب النور من داخلها‪ ،‬فصار الداخل خارجاً‪ ،‬تحولت‬
‫وتجلت‪ ،‬وقالت ال داعي للخوف‪ ،‬فقط علَّي أن أتحلى بالصمود والجلد‪ ،‬فربما ال نعلم‬
‫أبداً من أين تأتي القوة‪.‬‬
‫إذاً‪ ،‬حاولت المرأة أن تُمازج بين ما هو ذاتي وأنثوي في بُنىً سردية متباينة‪ ،‬ومشهدية‬
‫مختلفة‪ ،‬تعبّر عن قسوة التجربة التي تعيشها المرأة‪ ،‬وعن معنى اختراق السائد في‬
‫القيم االجتماعية‪ ،‬الذي يُبقي وضع المرأة المستلبة على حاله‪.‬‬
‫وإن كانت المرأة‪ ،‬في تجربة الوجود األول��ي‪ ،‬هي التي قادت إلى المعرفة‪ ،‬عندما‬
‫أكلت من الشجرة المحّ رمة‪ ،‬شجرة الخلود‪ ،‬شجرة التفاح في الجنة‪ ،‬فإن الرجل مجرد‬
‫تابع لها؛ وهل يتساوي ألم الكشف المعرفي ببهائه وجماله بالتلقي دون ألم أو معاناة؟‬
‫هيهات بين لذة المرأة‪ ،‬تلك اللذة التي تنبثق من تعب‪ ،‬وبين لذة الرجل التي تنثال عليه‬
‫دونما جهد أو معاناة!‬
‫لنلق نظرة سريعة على واقع المرأة العربية كمبدعة‪ ،‬قبل أن نرصد الخصائص التي‬
‫يمكن أن تميز أدب المرأة عن أدب الرجل‪.‬‬

‫ن�����واف�����ذ‬
‫‪80‬‬

‫في ظل ثقافة ذكورية تؤسس لكل ما هو ذك��وري‪ ،‬تحاول المرأة أن تكتب‪ ،‬وتبدع‪،‬‬
‫وتعبّر عن ذات واقعة طوال الوقت تحت نير العيب والحرام‪ .‬خالل قرون طويلة‪ ،‬كانت‬
‫المرأة العربية بصفة عامة هي اآلخر المهمش‪ .‬وصارت ثقافة ذلك اآلخر مثل ثقافة‬
‫معظم المهمشين في المجتمع الذكوري المركزي‪ ،‬ربما يتعاطف معها قليال‪ ،‬ولكن في‬
‫النهاية يظل ينظر إليها بوصفها اآلخر المحتقر الذي يمنّ عليه ببعض من أجله‪ ،‬وهو‬
‫تربية األبناء والخضوع ألوامر الرجل‪ .‬وال يتاح لها إال فيما ندر حرية اإلبداع؛ فالرجل‬
‫من حقه أن يرسم وجه المرأة بحرية‪ ،‬وأن يكتب جسدها‪ ،‬وأن يصور آالم مخاضها‪،‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ‬

‫تلك التجربة شديدة الخصوصية بالنسبة للمرأة‪ .‬كان الزيات؛ و«ذاكرة الجسد» ألحالم مستغانمي؛ و«السيقان‬
‫من حقه أن صور انفعاالتها‪ ،‬ورغباتها‪ ،‬وكثيراً ما حجب الرفيعة ل��ل��ك��ذب» لعفاف ال��س��ي��د‪ ،‬إل��ى غير ذل��ك من‬
‫حقيقة ذلك اآلخر‪ /‬المرأة‪.‬‬
‫النصوص‪.‬‬
‫ولذلك‪ ،‬فإن البحث عن نظرية نقدية تتناول إبداع‬
‫المرأة‪ ،‬يجاوز الواقع؛ فإبداع المرأة ال يتطور بمعزل عن‬
‫السياقات الثقافية المختلفة‪ ،‬وكأن أدب المرأة يتطور‬
‫ل��وح��ده بمعزل ع��ن السياقات الثقافية األخ���رى التي‬
‫أنتجته‪ ،‬وبمعزل عن تطور النظرية النقدية‪.‬‬

‫فالمرأة حين تكتب فن السيرة الذاتية‪ ،‬تكتب حقيقة‬
‫كونها ذات أنثوية تقص وتحكي وتراوغ‪ ،‬حتى ال تصبح‬
‫هي الذات الساردة‪ .‬فتتعرض دوماً لتساؤل ساذج‪ :‬هل‬
‫م��ا تكتبه حقيقة؟ ه��ل عاشت ه��ذه األح���داث؟ فتقف‬
‫موقف المتهم أحياناً‪ ،‬وتمزج منتجها اإلبداعي بالتخييل‬
‫كنوع من المخاتلة أحياناً أخرى‪ .‬والخطاب في السيرة‬
‫الذاتية النسائية يشكل معضلة كبرى‪ ،‬فهل يحيل هذا‬
‫الضمير على الكاتبة‪ ،‬أم أنه بناء سردي اتخذته الكاتبة‬
‫كتيمة للسيرة الذاتية؟‬

‫وبدالً من النظريات الكبرى التي تدور حول االضطهاد‬
‫الواقع على النساء‪ ،‬ب��دأت ال��دراس��ات التاريخية حول‬
‫التكوين األنثوي في سياق وفترة محددين‪ ،‬تهيمن على‬
‫مجال دراسات المرأة‪.‬‬

‫نفس األعماق‪ ،‬حول بنية المرأة العقلية والنفسية؛ األمر‬
‫الذي يكشف عن الفضاء الثقافي الذي تتحرك من خالله‬
‫كاتبات مثل‪ :‬لطيفة الزيات دون تجييل وغ��ادة السمان‪،‬‬
‫ون��وال ال��س��ع��داوي‪ ،‬وأليفة رفعت‪ ،‬وه��دى ج��اد‪ ،‬وفتحية‬
‫العسال‪ ،‬ورضوي عاشور‪ ،‬وسلوى بكر‪ ،‬واعتدال عثمان‪،‬‬
‫ونعمات البحيري‪ ،‬وغيرهن كثيرات‪.‬‬

‫ويستمر ه��ذا التغييب والتهميش ألدب النساء‪،‬‬
‫حتى إن بعض الدراسات التنظيرية لألدب تغفل سيّر‬
‫النساء وشهاداتهن‪ ،‬كمبدعات ومثقفات؛ فنجد كتاباً‬
‫مثل م��ؤل��ف د‪ .‬ج��اب��ر عصفور ال��ص��ادر ع��ن المجلس‬
‫األعلى للثـقافة بمصر المعنون‪« :‬زمن الرواية»‪ ،‬يغفل‬
‫وبما إن اآلراء متباينة ومعقّدة فيما يُسمي بالكتابة‬
‫الشاهدات النسائية؛ باستثناء المحاوالت التي قامت النسوية‪ ،‬فيمكن لنا أن نحصر ات��ج��اه��ات الكاتبات‬
‫بها د‪ .‬هدى الصدة ود‪ .‬سمية رمضان‪ ،‬في كتاب‪« :‬زمن العربيات بصفة عامة والمصريات بصفة خاصة في‬
‫النساء والذاكرة الجدلية»‪ ،‬وكذلك في عدد من مجلة اتجاهين اثنين‪:‬‬
‫«ألف»‪ ،‬بعنوان‪ « :‬الجنوسة والمعرفة‪ ،‬صياغة المعارف‬
‫األول‪ ،‬هو اشتغال الكاتبات بقضية المرأة‪ ،‬وتجربتها‬
‫بين التذكير والتأنيث «‪.‬‬
‫الوجودية‪ ،‬التي تعكس وضعاً اجتماعياً وتاريخياً وإنسانياً‬
‫لقد شغلت إشكالية المرأة ‪ /‬الكتابة وفكرة األدب مختالً؛ نتيجة للقهر والتسلط اللذين يمارسهما عليها‬
‫النسوي الفكر منذ فترة طويلة‪ .‬لقد انكبت الحركة المجتمع الذكوري‪ ،‬بصورة تجعلها تشعر بالضعف والدونية‬
‫النسوية في العالم على مشكلة وضع المرأة الرسمي واالستالب؛ فحاولن عبر مستويات السرد الروائي‪ ،‬أو‬
‫وال��م��ادي‪ ،‬الرسمية والمادية واالضطهاد الواقع على السيرذاتي أن يظهرن المعنى الخاص الذي تمثله المرأة‬
‫النساء‪ ،‬وحاجتهن إلى التحرر‪ ،‬والمساواة‪ ،‬مع التأكيد على المستوى الوجودي‪ ،‬إذ يستحضرن على مستوى البنى‬
‫على الحاجة إلى تغيير بنية المجتمع وتوجهاته‪.‬‬
‫السردية حكايات وأساطير وأفكاراً ومفاهيم قدمها علم‬

‫وهناك إشكالية الوضع االجتماعي للمرأة‪ ،‬والعيب‪،‬‬
‫والحرام‪ ،‬الذي يقيّد رصد المرأة لسيرتها الذاتية‪ ،‬من‬
‫االت��ج��اه الثاني‪ ،‬هو اشتغال الكاتبات على قضايا‬
‫خ�لال أدب االع��ت��راف؛ ف��ص��ارت ال��م��رأة متذبذبة بين‬
‫الرواية وأدب االعترافات‪ .‬ومن أهم الكتابات في هذا ذات��ي��ة ش��دي��دة الخصوصية‪ ،‬خصوصية عالم المرأة‪،‬‬
‫السياق‪ ،‬التي وقعت في منطقة ليست محددة تماماً وفتح كوىً صغيرة نطّ لع من خاللها على أعماق النفس ‪/‬‬
‫بين الرواية وأدب االعتراف‪« ،‬أوراق شخصية» للطيفة األنثى المنسية التي تسميها الكاتبة الالتينية «كالريسا‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ ‪81‬‬

‫إن الوعي بدور المرأة المبدعة‪ .‬وقيمتها‪ ،‬ال يعود‬
‫بنكوال» في كتابها «نساء يركضن مع الذئاب»‪ ،‬المرأة‬
‫الوحشية‪ ،‬المرأة األولى‪ ،‬التي ترفض أشكال القهر التي القهقرى‪ ،‬والحركة النسائية العامة التي بدأت تسري‬
‫تُمارس على جسدها‪.‬‬
‫من مكان إل��ى مكان‪ ،‬وتمأل الجو حولنا‪ ،‬ال يمكن أن‬
‫إن فعل الكتابة لدى المرأة‪ ،‬سواء كانت معنية بقضايا تتراجع‪ ،‬أو تتحول إلى هباء منثور‪.‬‬
‫وجودية نضالية‪ ،‬أو منغمسة في كتابة ذاتها‪ ،‬هذا الفعل‬
‫ح��اول��ت ال���م���رأة‪ ،‬س���واء كتبت ق��ض��اي��ا ق��وم��ي��ة كلية‬
‫هو تحقيق لرؤية إداورد سعيد لحال المثقف‪ ،‬إذ يرى ومزجتها بالذاتية‪ ،‬مثلما فعلت لطيفة الزيات في «أوراق‬
‫أن المثقف رج ً‬
‫ال كان أم امرأة إنسان مستقل عن مركز شخصية»‪ ،‬أو قضايا الذات كموضوع‪ ،‬مثلما فعلت نبيلة‬
‫السلطة‪ ،‬ومعارض لها‪ ،‬يريد تحطيم األفكار التي تختزل الزبير في‪« :‬إن��ه جسدي»‪ ،‬حاولت المرأة إب��داع كتابة‬
‫اإلنسان في صفة واحدة؛ فللمثقف القدرة على تمثيل نسوية خالصة‪ ،‬في مقابل الكتابة الذكورية‪.‬‬
‫ذاته‪ ،‬والعالم‪ ،‬في خطابه وكتاباته‪ ،‬فهو ملتزم ومخاطر‬
‫ربما صارت الذات وتشظيها‪ ،‬والجسد وما يمارس عليه‬
‫في الوقت نفسه‪ .‬وهكذا فعلت الكاتبة العربية؛ فهي من طقوس‪ ،‬هو الموضوع األثير في اآلون��ة األخيرة من‬
‫التزمت بقضايا جنسها ووضعيها االجتماعي والتاريخي‪ ،‬إبداع المرأة‪ ،‬على نحو ما رأينا في كتابات بسمة النسور‬
‫وخ��اط��رت بتوصيل م��ا ي���دور ف��ي داخلها م��ن أصوات في‪« :‬مزيداً من الوحشة»‪ ،‬وأحالم مستغانمي في‪« :‬فوضي‬
‫تطالبها بالخروج والثورة ضد أشكال القهر اإلنساني الحواس»‪ ،‬وحنان الشيخ في‪« :‬حكاية زهرة»‪ ،‬ونبيلة الزبير‬
‫واالجتماعي‪ ،‬وضد ما يمارس على جسدها من طقوس في‪« :‬إنه جسدي»‪ ،‬وهالة كوثراني في‪ « :‬األسبوع األخير»‪،‬‬
‫وعادات وتقاليد‪ ،‬ضد كونها أنثى‪.‬‬
‫وقبلهن هدي بركات في‪« :‬درب الهوى»‪.‬‬
‫وعلينا أن نرصد بعض السمات والخصائص التي‬
‫تميز إبداع المرأة‪ ،‬عن إبداع الرجل‪ ،‬ثم نخلص لبعض‬
‫النصوص الدالة على تلك الخصائص‪ ،‬والمتمثلة فيها‪:‬‬

‫‪1‬ـ على مستوى ال��م��وض��وع��ات ال��ت��ي تعالجها الكتابة‬
‫النسوية‪.‬‬
‫‪ .2‬على مستوى اللغة المستخدمة في البنى السردية‪.‬‬
‫‪ .3‬على مستوى آليات السرد‪.‬‬

‫ك��ذل��ك‪ ،‬ق��د تلجأ الكاتبات العربيات إل��ى سردات‬
‫غنائية تحتفي بخصوصيات ال��ذات األن��ث��ى‪ ،‬ومقاربة‬
‫ال��س��ي��رة ال��ذات��ي��ة‪ ،‬وت��ل��مّ��س أش��ي��اء ك��ان��ت م��ح��ظ��ورة في‬
‫الكتابة النسوية قبالً‪ ..‬سردات تحتفي بالجسد‪ ،‬وتقيم‬
‫طقوسها على أعتابه‪ ..‬ال تخجل من االعتراف بضعف‬
‫األنثى وحاجتها إلى الرجل‪ .‬وغني عن الذكر أن المشهد‬
‫السردي اتسع وتنّوع‪ ،‬وحقق مقوالت ما بعد الحداثة‬
‫التي رسخت للعادي واليومي‪ ،‬وخاضت في موضوعات‬
‫شديدة الخصوصية‪ ،‬حتى إنها لتشبه االعترافات والبوح‬
‫والثرثرة الفنية‪.‬‬

‫إن ال��ق��رن ال��ح��ادي والعشرين ه��و ق��رن ال��م��رأة بال‬
‫منازع‪ .‬هو قرن الثورة ضد التهميش واالستالب‪ ،‬ولكنها‬
‫كما عمدت الرواية الجديدة إلى التفكيكية (تفكيك‬
‫ثورة بيضاء‪ ،‬هادئة‪ ،‬بال دماء‪ ،‬وبال أصوات جهورية؛ ثورة‬
‫شمولية سوف تستمر‪ ،‬ألنها تضم نساء العالم‪ ،‬ضد كل السرد) واالستفادة من الخبرات المعلوماتية‪ ،‬وتشظي‬
‫أشكال القهر والسلطوية الذكورية‪ .‬وللمرأة العربية نصيب ال��ذات‪ ،‬وغربتها النفسية‪ ،‬والقفز بالسرد بين الحكي‬
‫كبير من تلك الثورة؛ فهي حين تمسك القلم لتكتب‪ ،‬تسهم والوصف في اللحظة اآلنية‪ ،‬إلى االسترجاع والفالش‬
‫في والدة المستقبل بطريقتين إيجابيتين‪ :‬األولى الوالدة باك‪ ،‬ثم السرد اآلني‪ ،‬وهكذا‪ ،‬فال توجد هناك حكاية‬
‫الطبيعية‪ ،‬ودورها البيولوجي في اإلنجاب‪ .‬والثانية‪ ،‬وهي محبوكة م��ب��ررة‪ .‬ص���ارت ال��رواي��ة ال��ج��دي��دة تجعل من‬
‫ال تقل أهمية عن الوالدة األولى‪ ،‬توسيع نطاق الحاضر‪ ،‬الواقع الحياتي المعاش م��ادة للسرد‪ ،‬تصور انسحاق‬
‫الذات في مفردات الحياة اليومية‪ ،‬وتشكيل هذه الحياة‬
‫حتى يظل نافذة مفتوحة على المستقبل‪.‬‬

‫‪82‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ‬

‫ال للواقع؛ كي يتحدث من‬
‫وإعطائها مصداقية الوجود داخل نسق سردي‪ ،‬تخرج النصوص‪ ،‬وال��ذي يأتي بدي ً‬
‫من الشخصانية إلى براح أكثر اتساعاً‪ ،‬هو براح اإلبداع خالل التخييل عن الذات‪.‬‬
‫األدبي ‪.‬‬
‫وق���د ت��أت��ي ال��ل��غ��ة ف��ي ك��ت��اب��ات أخ���رى ص��ادم��ة حد‬

‫لغة في الكتابة النسوية‪:‬‬

‫الفجيعة‪ ،‬وموغلة في التصريح ب��دالً عن التلميح‪ ،‬في‬
‫الكشف بدالً عن الكناية واالستعارات‪ .‬صارت الذات‬
‫في هذا المستوى من اللغة منشغلة بكشف المسكوت‬
‫عنه‪ ،‬والبحث عن تشظي ال��ذات أم��ام اآلخ��ر‪ ،‬وعملت‬
‫على تحطيم الثوابت والمطلقات‪ ،‬واحتفت بالحواس‪،‬‬
‫واستهانت بالمحظورات؛ فهي لغة ال تنافق الذائقة‬
‫التقليدية للمتلقي‪ ،‬بقدر ما تهزها بعنف وبشكل صادم!‬

‫تراوحت اللغة في الكتابة النسوية بين اللغة الغنائية‪،‬‬
‫واللغة التي ال تتخذ م��ن المجاز رداء‪ ،‬ب��ل تميل إلى‬
‫صدم المتلقي‪ ،‬وتحدي وعيه‪ ،‬وتستهين بمحظوراته‪،‬‬
‫حتى تصل إلى االبتذال والحوشية‪ ،‬على نحو ما نجد‬
‫في كتابات‪ :‬عفاف السيد‪ ،‬وه��دي حسين؛ ولغة تقف‬
‫في مرحلة وسط بين اللغتين السابقتين‪ ،‬فتأخذ من‬
‫ثم يأتي المستوى الثالث من اللغة‪ ،‬في منطقة وسط‬
‫الوصف والمجاز والشعرانية بحظ‪ ،‬وتأخذ من اللغة‬
‫بين الغنائية الوجدانية االستعارية‪ ،‬واللغة الصادمة التي‬
‫الصادمة المبتذلة بحظ مثلما نجد في كتابات‪ :‬صفاء‬
‫تصل إلى حد االبتذال‪.‬‬
‫عبدالمنعم‪ ،‬ونعمات البحيري‪ ،‬وهالة البدري‪.‬‬
‫ف��ي نهاية المقال‪ ،‬ال أج��د وسيلة أختم بها سوى‬
‫وأب��رز ما يميز السرد النسوي يتجلى واضحاً على‬
‫مقاطع م��ن إب���داع بعض الكاتبات المتميزات‪ ،‬مثل‪:‬‬
‫مستوي الشكل والداللة‪ .‬وألن اللغة وعاء الشكل الذي‬
‫الكاتبة الالتينية كالريسا بنكوال‪ :‬في «نساء يركضن مع‬
‫يقدم ال��دالل��ة‪ ،‬فالالوعي النصي يتجلى على مستوى‬
‫الذئاب»‪ ،‬إذ تقول‪:‬‬
‫اللغة واألس��ال��ي��ب التي تستخدمها الكاتبة وتصوغها‬
‫ل��غ��ة ال���رواي���ة وال��ش��ع��ر ه��ي الشقيقة األق����وى للغة‬
‫الساردة؛ فهناك بجانب التعدد والتجاور الذي أشرنا‬
‫إليه سابقاً‪ ،‬توجد جدلية وثنائية تصبغ لغة الكتابة األحالم‪ ،‬ومن خالل تحليل الكثير من األحالم (القديمة‬
‫األنثوية‪ ،‬وهذه الثنائية هي األنا واألنا العليا؛ فنظرتها والمعاصرة المسجلة على مر السنين‪ ،‬وكذلك النصوص‬
‫للمحرم والمسكوت عنه مختلفة عن ال��رج��ل‪ .‬وبعض المقدسة واألعمال األسطورية)‪.‬‬
‫كما تقول «فرجينيا وول��ف»‪ ،‬في مقال لها بعنوان‪:‬‬
‫الكاتبات يُلبِسن المسكوت عنه والتعبير عن الجنس ثوب‬
‫اللغة الوجدانية الموحية‪ ،‬التي تكني وال تصرح‪ ،‬ولكنها «المرأة والكتابة الروائية «‪:‬‬
‫تعج بالدالالت الجنسية‪ ،‬فتأتي رهيفة وغير صادمة‬
‫كتابة ال��م��رأة في الوقت الحالي وبشكل مختصر‪،‬‬
‫بالمحرم‪ ،‬عالقة مختلفة‪ .‬ولذلك‪ ،‬ال يمكن قراءتها إال تتسم بالشجاعة والصدق‪ ،‬وإنها تبقى على اتصال دائم‬
‫من خالل سيميائية الدوال والتفسير النفسي لألدب‪ ،‬بمشاعر المرأة‪ .‬لم يعد في هذه الكتابة طعم المرارة‪،‬‬
‫فعالقة ال��ذات ال��س��اردة األنثوية بميكانزمات الدفاع إنها نوع من الكتابة ال يصر على األنوثة‪ ،‬ولكن في الوقت‬
‫ال للذي يكتبه‬
‫تختلف؛ فهي تبحث ع��ن توازنها م��ن خ�لال إل��غ��اء أي نفسه فإن كتاباً تكتبه امرأة لن يكون مماث ً‬
‫تمظهر يجعلها ت��ب��دو واض��ح��ة‪ .‬ول���ذا‪ ،‬نجد التحوير‪ ،‬الرجل‪ .‬لقد أصبحت ه��ذه السمات في كتابة المرأة‬
‫والقلب‪ ،‬واالس��ت��ع��ارات‪ ،‬والكثافة اللغوية‪ ،‬التي تتكرر أكثر انتشاراً مما كانت عليه‪ ،‬وهي السمات نفسها التي‬
‫في النص‪ ،‬وتصنع المسافة بين األنا والرغبة؛ بل إنها تعطي األعمال ‪ -‬حتى من الدرجة الثانية والثالثة ‪-‬‬
‫تذهب إلى إنجاز محكي الحلم‪ ،‬الذي يهيمن على هذه قيمة‪ ،‬تجعلها حقيقية وصادقة مع نفسها»‪.‬‬
‫< كاتبة وروائية ‪ -‬مصر‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ ‪83‬‬

‫أدوات الكتابة‪:‬‬

‫عالمات الترقيم وأثرها في النص‬

‫‪ ،‬؛‪!.= ..)( »...« /- :‬؟‬

‫> محمد صوانه‬

‫<‬

‫مرت الكتابة على مدار التاريخ بمراحل عدة‪ ،‬بدءاً بالتعبير من خالل الرسوم‬

‫والرموز التصويرية ومروراً بالحروف التي تشكلت منها الكلمات؛ فتكونت الجمل‬
‫والنصوص‪ ،‬وظهرت الكتابة بشكلها النهائي المتطور‪ ،‬بعد مراحل طويلة من التطوير‬
‫والتحسين‪ ،‬وتعامل الكتّاب مع أدواتها‪ ،‬وتفاعل القراء معهم في ما يكتبون‪ .‬وتشكلت‬
‫عالقة بين كتّاب النصوص وقرائهم‪ .‬ومن الطبعي أن يكون هدف كتّاب النصوص أن‬

‫يصل القارئ (المتلقي) إلى المضمون نفسه‪ ،‬الذي كان في ذهن الكاتب عند إعداد‬

‫النص‪ .‬وإن العالقة بين مستوى الفهم‪ ،‬الذي يتحقق لدى القارئ عند قراءته النص‪،‬‬
‫وبين ما كان يختلج في ذهن كاتب النص ذات��ه‪ ،‬عالقة نسبية يتدخل النص ذاته‪،‬‬

‫ال عن مضمونه‪ ،‬في تحديدها والتحكّم بها!‬
‫وطريقة إعداده وتقديمه‪ ،‬فض ً‬

‫وإن من بدهيات إعداد النص‪ ،‬أن يمتلك الكاتب القدرة الفنية على استخدام‬

‫عالمات الترقيم‪ ،‬تلك التي من شأنها أن تسهم في إيصال الرسالة (المضمون) إلى‬

‫القارئ (المتلقي) في يسر وسهولة؛ ليتحقق الهدف من النص ابتداءً! ويالحظ على‬
‫كثير من الكتابات والنصوص ضعف االهتمام بتلك العالمات‪ .‬ويهدف هذا المقال‬

‫إلى التعريف بعنصر مهم من عناصر الكتابة وأدواتها‪ ،‬هو عالمات الترقيم‪.‬‬

‫‪84‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ‬

‫ع�لام��ات الترقيم ج��زء مهم م��ن أدوات الكتابة‪،‬‬

‫الكتابة ليست كلمات ت َُصف وتطرح أمام القارئ ‪,‬‬

‫خريطة النص وتشكيله‪ ,‬وتبعث الحياة فيه‪ ,‬وتمده‬

‫داخل النص‪ ,‬لينقل القارئ إلى حالة ذهنية صافية‪،‬‬

‫وهي تؤثر في منهجيتها‪ ،‬كما تؤثر في مستوى الفهم فال بد للكاتب من امتالك أدواتها الفنية‪ ,‬التي ال غنى‬
‫الذي يتحقق لدى قارئ النص؛ فهي تسهم في رسم له عنها؛ إذ يستطيع توظيف تلك األدوات (العالمات)‬
‫بطاقة متّقدة‪ .‬تأمّل نصاً دون عالمات الترقيم‪ ،‬كيف‬
‫سيكون؟ ستجده‪ ،‬دون ش��ك‪ ،‬نصاً جامداً ال حراك‬

‫تساعده على استقبال المعلومة بيسر وسهولة؛ فيدرك‬
‫المضامين التي حرص الكاتب على إيصالها إليه‪.‬‬

‫فيه! أو سيكون نصاً تزدحم فيه المعاني‪ ،‬كأنما‬

‫إذاً عالمات الترقيم هي رم��وز توضع‬

‫ضيق‪ ،‬تزدحم فيه وتضطرب؛ فيتعسر عليها‬

‫من إعمال الفكر في استيعاب المضامين‬

‫تتدافع المعاني والكلمات فيه من خالل عنق‬

‫داخ��ل النص‪ ,‬لتوفّر على القارئ الكثير‬

‫المرور!‬

‫والمعاني‪ ،‬التي يهدف إليها الكاتب؛ كما‬

‫إن ازدح������ام ال��ك��ل��م��ات وال��ج��م��ل‪ ،‬دون فواصل‬

‫وإش��ارات‪ ،‬من شأنه أن يعيق الحركة داخ��ل النص؛‬
‫فهو يقلل مستوى االستيعاب والفهم لدى القارئ‪،‬‬
‫ويربكه‪ ،‬أو ق��د يجعل النص يتيه ف��ي ف��راغ كبير‬

‫يصعب على المتلقي لملمة أجزائه المبعثرة؛ فتضيع‬
‫المعاني ال��ت��ي ي��ح��رص ال��ك��ات��ب على إيصالها إلى‬

‫القارئ‪ ،‬فيضل قبل آن يتمكن من اإللمام بها‪ ،‬وقد‬

‫يضجر ويترك النص!‬

‫وفي الداللة على ذلك ‪ ,‬تأمّل مدينة من المدن‬

‫الكبرى التي تكتظ بالسيارات ‪ ,‬وه��ي تسير في‬

‫ش��وارع متقاطعة ومتعرجة دون أن يكون في تلك‬

‫الشوارع والطرق أية إشارات مرور أو لوحات إرشادية‬
‫تنظّ م السير‪ ,‬وترشد مستخدمي الطرق إلى ضوابط‬

‫ولوحات تحدد لهم مسارات الطرق يمينا أو يساراً‪,‬‬

‫ترشد تلك العالمات إلى أماكن تغيّر نبرات‬

‫الصوت عند ال��ق��راءة‪ ،‬ليصل إل��ى المعنى الذي‬
‫قصده الكاتب‪ ،‬ويتفاعل معه؛ فيتحقق الهدف‬

‫من النص‪.‬‬

‫لقد تهاون كثير من الكتّاب بعالمات الترقيم؛‬
‫إذ ت��ج��د ن���ص���وص��� ًا ع���دي���دة ف���ق���دت روحها‬
‫ال��ح��ق��ي��ق��ي��ة‪ ،‬ب��س��ب��ب إه��م��ال أو ع���دم ضبط‬
‫عالمات الترقيم‪ ،‬بشكل مناسب؛ كما تجد‬
‫نصوص ًا أخ��رى تنبض بالحيوية والحكمة‪،‬‬
‫ألن كاتب النص ح��رص على ضبط عالمات‬
‫ال��ت��رق��ي��م‪ ،‬ف��ب��دت ك��أن��ه��ا أع��م��دة وأس���س تدعم‬
‫النص المكتوب وت��س��ن��ده‪ .‬وه��ي حقا تدعم النص‪,‬‬
‫وتحسنه‪ ,‬وتجمله؛ وتجعل م��ن السهل على‬
‫ّ‬
‫القارئ استيعابه‪ ,‬بل واالستمتاع بقراءته‪.‬‬

‫وتنظّ م عبور تقاطعات الطريق والجسور واألنفاق؛‬

‫ولعلي أ ُشَ �� ِّب��ه النصوص بالطعام؛ بعضه‬

‫ي��ؤدي إلى تداخل في صفوف السيارات القادمة‬

‫وكذلك النصوص‪ ،‬فالكتابة التي تحتوي على‬

‫فإنك ستدرك أن غياب اللوحات اإلرشادية سوف‬

‫سهل الهضم‪ ،‬وبعضه اآلخر يتعسر هضمه‪.‬‬

‫م��ن مختلف االت��ج��اه��ات‪ ،‬وس���وف ت��زدح��م مسارات عالمات الترقيم يسهل على القارئ أن يستوعبها‪،‬‬
‫الطرق؛ فيكون السير عسيراً‪ ،‬والحركة غير منضبطة دون عناء‪ ،‬والتي ال تحتوي على عالمات الترقيم‪ ،‬أو‬

‫وسلسة!‬

‫أسيء استخدامها؛ فإن القارئ سيشعر بعسر أثناء‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ ‪85‬‬

‫القراءة!‬
‫(‪ )4‬الشرطة األفقية مع السطر (‪ :)-‬توضع‬
‫في المحاورات‪ ،‬وبين أجزاء العنوان المكون من‬
‫ولعالمات الترقيم أماكن بين الكلمات والجمل‬
‫جُ زءين‪ ،‬وبعد أعداد الترقيم‪.‬‬
‫داخ��ل النص‪ ،‬ينبغي للكاتب أن يعرفها‪ ،‬فيضع كل‬
‫عالمة منها في مكانها الصحيح‪ ،‬بين أجزاء النص‪،‬‬
‫(‪ )5‬الشرطة المائلة (‪ :)/‬ف��ي التواريخ‬
‫لتمييزه عن بعضه‪ .‬وتعد تلك العالمات محطات‬
‫والفصل بين التقويمين الهجري والميالدي‪،‬‬
‫تساعد ال��ق��ارئ في التوقف عندها أثناء القراءة‪،‬‬
‫وف��ي الرياضيات تكون ب��دالً م��ن كلمة لكل‪،‬‬
‫ليلتقط أنفاسه ويتمكن من االستمرار في القراءة‪،‬‬
‫وكذلك للداللة على الكسر العادي‪.‬‬
‫مع الفهم السلس والمتسلسل في الوقت نفسه؛ وعلى‬
‫(‪ )6‬القوسان ()‪ :‬يستخدمان لتمييز الجمل‬
‫اإلج��م��ال ف��إن ع�لام��ات الترقيم تعمل على تجميل‬
‫االعتراضية أو التوضيحية‪ ،‬كما توضع األرقام‬
‫النص كما تصقله وتبسطه‪.‬‬
‫داخل النص إذا زادت عن عشرة بين قوسين‪.‬‬
‫وألن ل��ك��ل ع�لام��ة م��ن ع�لام��ات ال��ت��رق��ي��م مكان‬
‫(‪ )7‬القوسان المربعان ‪ :‬يستخدمان‬
‫بعينه‪ ،‬ينبغي أن توضع فيه دون غيره‪ ،‬وخدمة للقراء‬
‫في وض��ع االض��اف��ات التي ال تكون من النص‬
‫األع��زاء‪ ،‬نجد من المناسب أن نعرض بإيجاز لهذه‬
‫ذاته‪ ،‬وعندما يلجأ كاتب نص منقول إلى‬
‫العالمات‪:‬‬
‫التدخل فيضع عبارة أو تفسيرا ليس‬
‫(‪ )1‬الفاصلة (‪( )،‬وتسمى أيضاً الفصلة‬
‫من النص نفسه‪.‬‬
‫والشولة)‪ :‬تستخدم للفصل بين الجمل‬
‫(‪ )8‬ع�ل�ام���ت���ا االق����ت����ب����اس «»‪:‬‬
‫المتصلة المعنى‪ ،‬وبين الجمل المعطوفة‬
‫تستخدمان في النص المنقول عن مرجع‬
‫على بعضها‪ ،‬وبين التواريخ‪ .‬وال تستخدم بين‬
‫آخر بالنص الحرفي‪ ،‬أو لتمييز األسماء والصفات‬
‫الفعل والفاعل‪ ،‬وال بين الصفة والموصوف‪ ،‬وال‬
‫أو المصطلحات‪ ،‬أو وضع النصوص غير‬
‫بين الجار والمجرور‪ ،‬وال بين المضاف‬
‫العربية داخل نص عربي‪.‬‬
‫والمضاف إليه‪.‬‬
‫(‪ )9‬ع�لام��ة ال��ح��ذف (‪ :)...‬ثالث‬
‫(‪ )2‬الفاصلة المنقوطة (؛)‪ :‬توضع بين‬
‫نقاط متتالية أفقية‪ ،‬تستخدم عند حذف جزء‬
‫الجملتين ال��ل��ت��ي��ن ت��ك��ون ال��ث��ان��ي��ة منهما سبباً‬
‫من نص منقول؛ ألن الكاتب ال يحتاج أو ال يرغب‬
‫لحدوث األولى أو مسببة عنها‪ .‬كما توضع بين‬
‫في إيراده‪.‬‬
‫أجزاء الجمل متساوية الدرجات‪ .‬وفي إحاالت‬
‫ال��ه��وام��ش ت��وض��ع ب��ي��ن ال��م��راج��ع ال��م��ت��ك��ررة في (‪ )10‬النقطة (‪ :).‬تستخدم عند نهايات الجملة‬
‫المكتملة المعنى ونهايات الفقرات‪ .‬وبعد األلقاب‬
‫اإلحالة نفسها‪.‬‬
‫المختصرة‪ ،‬مثل‪( :‬د‪ ).‬دكتور‪ ،‬و(م‪ ).‬مهندس‪.‬‬
‫(‪ )3‬النقطتان الرأسيتان (‪ :):‬توضعان قبل‬
‫القول المنقول‪ ،‬أو قبل الشرح والتفسير لجملة‪ )11( ،‬عالمة التعجب (!)‪ :‬تستخدم في نهاية النص‬
‫الذي يدل على التعجب‪ ،‬أو للتعبير عن االنفعال‬
‫أو مصطلح ما‪.‬‬

‫[]‬

‫‪86‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ‬

‫النفسي للكاتب‪ ،‬أو للتعبير عن الفرح‬
‫أو ال��ح��زن‪ .‬واألف��ض��ل ع��دم االكثار‬
‫منها ف��ي ال��ن��ص‪ .‬ويكتفى بالنقطة‬

‫تحتها بدالً عن نقطة نهاية الجملة‪.‬‬
‫(‪)12‬‬

‫عالمة السؤال‬

‫(؟)‪ :‬وتستخدم‬

‫عند االستفهام وفي نهاية السؤال‬

‫ال���ن���ق���ط���ت���ان األف���ق���ي���ت���ان‪ :‬ع�ل�ام���ة ج����دي����دة من‬
‫ع�لام��ات ال��ت��رق��ي��م ش���اع اس��ت��خ��دام��ه��ا ف��ي الشعر‬
‫وال�����رواي�����ة وال���ن���ص���وص ال���ح���دي���ث���ة‪ ،‬وه�����ذه دع���وة‬
‫لفقهاء ال��ل��غ��ة ل��دراس��ة ه���ذه ال��ع�لام��ة‪ ،‬وم���ن حق‬
‫ال��ل��غ��ة أن ت��ت��ط��ور ك��م��ا ف��ع��ل��ت ع��ل��ى م���ر التاريخ‬

‫المكتمل المباشر‪ ،‬وأحياناً تستخدم‬

‫(‪ )14‬النقطتان األفقيتان‬

‫ل��ل��دالل��ة ع��ل��ى ال���ش���كّ ف���ي معلومة‬

‫أو نص أو نتيجة‪ ،‬وتوضع في ه��ذه الحالة بين‬

‫قوسين (؟)‪ ،‬لنقل شعور الكاتب في التشكيك‬
‫في المعلومة إلى القارئ في مثل هذه الحاالت‪.‬‬

‫ويكتفى بالنقطة تحتها ب���دالً ع��ن نقطة نهاية‬

‫(‪ :)..‬رأيت كثيراً من‬

‫كتاب القصة الحديثة والرواية والشعر الحديث‬
‫يستخدمونها بين الجمل المترابطة المتصلة؛‬
‫للداللة على وقفات خفيفة أثناء القراءة‪ .‬وهم‬
‫بذلك يضعونها أحياناً بدل الفاصلة‪ ،‬وأحيانا‬

‫الجملة‪.‬‬

‫أخ��رى ليس ب��دالً عنها‪ .‬وي��ل��ج��أؤون لمثل هذه‬

‫وق����د ي��ج��م��ع ال���ك���ات���ب ب��ي��ن ع�لام��ت��ي التعجب‬

‫ال��ع�لام��ة الع��ط��اء ال���ق���ارئ ف��رص��ة االستمتاع‬

‫واالستفهام معاً (؟!)‪ ،‬إذا ك��ان النص يحتمل‬

‫المعنيين معاً‪ ،‬أي فيه استفهام وتعجب‪ ،‬وتقدم‬

‫ع�لام��ة االستفهام على التعجب ف��ي مثل هذه‬
‫الحالة‪.‬‬

‫(‪ )13‬عالمة الهامش داخل النص‬

‫(‪)1‬‬

‫(هكذا )‪:‬‬

‫وتكون في نهاية النص المنقول أو المراد شرحه‬
‫في الهامش السفلي أو في نهاية النص‪ ،‬ويكون‬
‫ال عن نهاية الجملة المراد‬
‫الهامش مرتفعاً قلي ً‬
‫شرحها ليتنبه ال��ق��ارئ إليها‪ .‬وي��وض��ع الشرح‬

‫في أسفل الصفحة في حالة الكتب‪ .‬وفي هذه‬
‫الحالة يكون الترقيم لكل صفحة لوحدها‪ ،‬وفي‬
‫نهاية ال��ن��ص ف��ي ال��م��ج�لات وال��ص��ح��ف‪ ،‬يكون‬

‫ترقيم الهوامش – عادة ‪ -‬متسلسالً‪.‬‬

‫والتمعن بالنص أثناء القراءة‪ .‬وال أرى في ذلك‬
‫م��ا يعيب‪ ،‬وه��ي ف��رص��ة لفقهاء اللغة العربية‬
‫أن يتناولوا ه��ذه العالمة بالبحث والمناقشة‪،‬‬
‫وأعتقد ان اللغة ليست جامدة وم��ن حقها أن‬
‫تتطور‪ ،‬كما فعلت على مر التاريخ اإلنساني‪.‬‬
‫علماً ب��أن هاتين النقطتين ليس لهما أصل‬
‫في عالمات الترقيم المعتمدة في االستخدام‬
‫األدبي الحالي؛ ولكن ذلك ال يمنع استخدامهما‬
‫إن ك��ان ثمة ما يستوجب إع��ادة النظر في أي‬
‫من العالمات الموجودة‪ ،‬أو استحداث عالمات‬
‫جديدة‪ ،‬أن نبدأ بهاتين النقطتين األفقيتين على‬
‫السطر‪ ،‬في ضوء استخدامهما من قبل كتّاب‬
‫القصة والرواية والشعر في النصوص الحديثة‪.‬‬

‫< كاتب وإعالمي‪.‬‬
‫(‪ )1‬يوضع نص الهامش هنا ‪ -‬يفصله خط متصل عن نص المتن ‪ -‬باستخدام الخط نفسة‪ ،‬ولكن بحجم أصغر منه لتمميزه عن‬
‫متن المقال‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ ‪87‬‬

‫قراءة في «رسـالة» لشريفة العلوي‬

‫> زياد جيوسي‬

‫ن��ص إم��ت��از ب��روم��ان��س��ي��ة ف��ائ��ق��ة‪ ،‬اع��ت��م��د السرد‬
‫والمفاجأة‪ ،‬ووضع صوراً جذابة تشد القارئ‪ ،‬وتجعله‬
‫ينتظر ال��ن��ه��اي��ة‪ .‬ح��ال��ة م��ن االن��ت��ظ��ار‪ ،‬وضعتنا فيها‬
‫الشاعرة‪ ،‬وهي تصور انتظار الرسالة؛ حتى إن ذاكرتها‬
‫ترنحّ ت بين التوهم والسؤال‪ ،‬ووصلت إلى مرحلة من‬
‫الغياب‪ ،‬بين غياب القمر وغياب نجم الشاعرة‪ .‬هذه‬
‫الصور‪ ،‬صوّرت لحظات كأنها شهور أو أع��وام‪ ،‬وفي‬
‫لحظة صوّرتها بتفتيتها إل��ى أج���زاء‪ ،‬مثل قصاصة‬
‫مهترئة‪ ،‬تعبث بها العواصف والرياح! تأتي الرسالة‪:‬‬
‫من أجلها ظللت أرصد البريد‬
‫ترنحت ذاكرتي توهمّ اً‪ ..‬تساؤ ًال‬
‫غاب الهالل‪ ،‬أم غاب نجمي في الفضاء‬
‫في زمن يمتد للشهور والسنين‬
‫في لحظة مرت كأنها قرون‬
‫تشتت أجزائي كالقصاصة المهترئة‬
‫تعبث بها عواصف الرياح‬
‫تنتقل الشاعرة‪ ،‬مباشرة بعد وصول القارئ إلى تشوّق‬
‫كبير‪ ،‬إلى الرسالة المنتظرة؛ فهي رسالة ترتقبها الشاعرة‪،‬‬
‫بشوق وشغف‪ ،‬وجعلت القارئ ينتظر معها‪ ،‬ربما بشوق‬
‫أكبر‪ .‬تبدأ الشاعرة بوصف الرسالة‪ ،‬مستخدمة مجموعة‬
‫كبيرة من لوحات تثير التشوق والجمال‪ /‬تعلن القدر‪ /‬بلسم‬
‫حياة‪ /‬هدية من السماء‪ /‬زهرة قرنفل‪ /‬مروج خضراء‪..‬‬
‫رسالة جاءت تبّلغ الخبر‬
‫لتحسم األمر وتعلن القدر‬
‫مدادها في ثغري بلسم الحياة‬
‫كأنها هدية جاءت من السماء‬
‫تزينت بلمسة الطيف المضيء‬
‫كلماتها من زهرة القرنفل‬
‫بل اكتست ستارة الربيع‬
‫وفي مروج خضرة القلوب‬
‫ك���ل ه���ذه األوص�����اف ن��ج��ده��ا ب��وت��ق��ة م���ن اإلب����داع‬
‫والجمال‪ ،‬تجمّعت وانتظمت؛ لتعطي النتظار القارئ‬
‫دفعة جديدة من الشوق والتشوق‪ ،‬والرغبة في الوصول‬
‫إلى ما تحمله هذه الرسالة‪ .‬فنجد الوصف هنا لما في‬

‫‪88‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ‬

‫داخل هذه الرسالة من صياغة إبداع‪ ،‬وجمال وبيان‪/‬‬
‫سحابة شموع‪ /‬آللئ الندى‪ /‬أس��رار‪ /‬ترنيمة‪ /‬شالل‬
‫شجن‪ /‬وغير ذل��ك‪ ،‬م��ن وص��ف يشد أن��ف��اس القارئ‬
‫ويكتمها للوصول إلى النهاية ومحتوى الرسالة‪.‬‬
‫تنسقت‪ ،‬إنتظمت وتدرجت‬
‫صياغة اإلبداع في المعاني والدالل‬
‫في عمقها سحابة الشموع‬
‫تذرف الرذاذ من آلليء الندى‬
‫تردد الصدى براعة الجمال‬
‫سرد يبوح أسرار المقال‬
‫وقع البيان ساحر ًا على مسامعي‬
‫حروفها ترنيمة مختومة‬
‫من ماء السماء‬
‫تفوح عنبر ًا يثير غيرة األنوف‬
‫يزيد رغبة العيون في نهم بال حدود‬
‫ويستحيل أن يقابل السدود‬
‫و وجبة تغري‪ ،‬تدر لوعة العيون‬
‫ينساب منها شالل يواصل الشجون‬
‫وف��ي قمة اإلنتظار وال��ش��وق وكتم األن��ف��اس؛ تفاجئنا‬
‫الشاعرة بأمر‪ ،‬لم يكن في الحسبان‪ ،‬ولم يكن متوقعاً أبداً‪،‬‬
‫بعد تلك اللوحات المثيرة كلها‪ ،‬ما بين إنتظار ورغبة‪..‬‬
‫في أوج لحظة الولع‬
‫قررت‬
‫دفنها في عمق أسفل التراب‬
‫فتدفنها في أسفل ال��ت��راب!! نهاية غير متوقعة‬
‫أب��داً وتثير ال��س��ؤال‪ ،‬هل ق��ررت الشاعرة دف��ن هذا‬
‫الحلم المنتظر واإلعالن عن موته؟! فالدفن ال يكون‬
‫لرسالة أبداً‪ ،‬بمقدار ما هو تعبير عن دفن حلم ورغبة‬
‫بال عودة‪ .‬فلو كانت مسألة رسالة‪ ،‬لخبأتها في مكان‬
‫ما‪ ،‬بين أوراق أو كتب‪ ،‬أو في خزانة‪ ،‬أو ملف أوراق؛‬
‫لكن الشاعرة استطاعت أن تضعنا في جو من التوتر‬
‫النفسي‪ ،‬القائم على االنتظار‪ ،‬والتشوق إلى النهاية؛‬
‫لتفاجئنا بنهاية غير متوقعة أب���داً‪ ،‬تجعل القارئ‬
‫يفاجأ‪ ،‬ويعود إلى البدء‪ ،‬في محاولة إكتشاف السر‪.‬‬

‫هذا النحو ال نحتاجه‬
‫> عبدالبر علواني‬

‫<‬

‫«النحو في الكالم كالملح في الطعام»‪ ،‬مقولة قديمة ‪ 4-‬أن عويص النحو ليست له فائدة عملية في الحياة‪،‬‬
‫أدرك��ه��ا أص��ح��اب الفطرة السليمة‪ ،‬أي��ام ك��ان اللحن في‬
‫فأولى به أن يتفرغ له المتخصصون‪.‬‬
‫الكالم فحشاً‪ ،‬وي��وم ك��ان الخطأ جرماً‪ ،‬حتى ج��اء اليوم‬
‫يدلنا ذلك على أن النحو‪ ،‬كان وما زال‪ ،‬يمثل مشكلة‬
‫الذي عجز فيه اللسان عن البيان‪ ،‬وسيطرت فيه العجمة لدى المتعلمين‪ ،‬حتى أصبحت مادة القواعد من أبغض‬
‫على اللسان‪ ،‬كل ذلك ونحن ندرّس أبنائنا النحو العربي المواد الدراسية لدى تالميذ المرحلة االبتدائية‪ ،‬وليس‬
‫نحو تسعة أعوام‪ ،‬وما استقام لهم لسان (؟!)‪.‬‬
‫لها نصيب من حب بين تالميذ المرحلة الثانوية‪ ،‬حتى إن‬

‫والمتتبع لمخرجات التعليم في بالدنا العربية‪ ،‬ال ينكر المربين اإلنجليز تنبهوا إلى ذلك‪ ،‬وانتهوا من دراساتهم‬
‫ما آل إليه حال التعليم؛ فالطالب عاجزون عن مهارات إلى وصف قواعد النحو بأنها‪:‬‬
‫اللغة على مستوى المكتوب والمنطوق‪ .‬ولم نفكر في علة‬
‫‪ 1‬ال تحقق نجاحاً في تدريب عقول التالميذ تدريباً‬‫هذا التدني‪ ،‬حتى وقع تحت يديَّ نص للجاحظ «رسالة‬
‫عاماً‪.‬‬
‫إلى المعلمين»‪ ،‬جاء فيه‪« :‬أما النحو فال نُشغل قلب الصبي‬
‫‪ 2‬ال تساعد التالميذ في القدرة على التعبير‪.‬‬‫منه إال بقدر ما يؤديه إلى السالمة من فاحش اللحن‪ ،‬ومن‬
‫مقدار جهل العوام في كتاب إن كتبه‪ ،‬وفي شعر إن أنشده‪ 3- ،‬تستغرق وق��ت��اً‪ ،‬ك��ان من الخير أن يخصص لدراسة‬
‫األدب؛ فتكون الفائدة أعم‪.‬‬
‫وشيء إن وصفه‪ ،‬وما زاد على ذلك فهو مشغلة عما هو‬
‫ولهذا ألغوا تدريس النحو في ال��م��دارس االبتدائية‬
‫أولى به من رواية المثل الشاهد‪ ،‬والخير الصادق‪ ،‬والتعبير‬
‫البارع‪ ،‬وإنما يرغب في بلوغ غايته‪ ،‬ومجاوزة القصد فيه‪ ،‬اإلنجليزية منذ عهد بعيد‪ ،‬أما في المدارس الثانوية فقد‬
‫ومن ال يحتاج إلى تعرّف جسيمات األم��ور‪ ،‬ومن ليس له اقتصروا على تدريس ما يسمى بالنحو الوظيفي‪ ،‬ويقصد‬
‫حظ غيره‪ ،‬وال معاش سواه‪ .‬وعويص النحو ال يجدي في به القواعد التي تحقق وظيفة من حيث دقة الفهم عند‬
‫المعامالت‪ ،‬وال يضطر إليه في شيء»!‬
‫االستقبال‪ ،‬وسالمة التعبير عند اإلرسال؛ وكأني بالمربين‬
‫وبتحليل هذا النص‪ ،‬يتبين أن منهج الجاحظ يقضي اإلنجليز قد قرأوا الجاحظ في مقولته التي أشرنا إليها‬
‫آنفا‪.‬‬
‫باآلتي‪:‬‬
‫‪ 1‬أال يدرّس الصبي من النحو إال ما له وظيفة في سالمة‬‫إذا كان هذا هو الحال في التراثين العربي والغربي‬
‫التعبير والقراءة والفهم‪.‬‬
‫منذ القدم‪ ،‬فما لنا ال نفكر في آلية نزيل بها هذه الغربة‬
‫‪ 2‬أن يقتصر فيما ي��درس منه على الحد األدن���ى من بين الطالب العربي ولغته؟ فالنحو الذي ندرسه نحوان‪:‬‬‫نحو ندرسه وال نحتاجه‪ ،‬ونحو ال ندرسه ونحتاجه‪.‬‬
‫األساسيات‪ ،‬التي تؤدي هذه الوظائف‪.‬‬
‫وقد يعترض علينا بعض الناس ممن يهمهم أمر هذه‬
‫‪ 3‬إن دراس��ة األدب أول��ى أن ينفق فيها ما يدخره من‬‫وق��ت‪ ،‬ك��ان ينفق من قبل في دراس��ة حواشي النحو اللغة‪ ،‬ويتهمنا أننا نحول بدعوتنا هذه بين اللغة وأهلها‪،‬‬
‫فمعاذ ال��ل��ه أن ن��ك��ون ك��ذل��ك؛ لكننا فقط م��ن معايشتنا‬
‫وتفريعاته‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ ‪89‬‬

‫لطالب المدارس والجامعات نرى أن النحو الذي نقدمه‬
‫لطالبنا في قاعات الدرس ال يقيّم لساناً‪ .‬فالمرء يكون‬
‫قد أتقن لغة ما إذا كان يتكلم ويقرأ ويكتب بهذه اللغة‪،‬‬
‫جارياً على قواعدها‪ ،‬مراعياً قوانينها‪ ،‬ال يلحن فيها أو‬
‫يخطىء‪ .‬وإن المدرسة تكون قد نجحت في تعليم اللغة‬
‫إذا كان الذين تخرجوا فيها جميعهم أو أكثرهم على هذه‬
‫الصفة‪ ،‬فهل من تخرجوا في مدارسنا كذلك؟ فالطالب‬
‫يتخرج في المدرسة أو الجامعة ولسانه ال يكاد يصوغ‬
‫وق���د علمتني ال��ت��ج��رب��ة أي���ض���اً‪ ،‬أن م��ا ي��ؤخ��ذ من‬
‫جملة صحيحة! أو يُعرب كالماً‪ ،‬وال يستطيع أن يعبر عن المطالعة في العام ال��دراس��ي أم��ام ال��م��درس ال يغني‬
‫خلجات نفسه بأسلوب صحيح ولسان مستقيم! فإذا لم التالميذ شيئاً‪ ،‬فمن الواجب أن يكلفوا بكتب يطالعونها‬
‫أثناء العام الدراسي‪ ،‬ثم يكتبون آراءهم فيها ويلخصون‬
‫يكن هذا إخفاقاً‪ ،‬فماذا يكون؟‬
‫يا معشر السادة‪ ،‬إن النحو ليس هو اللغة ذاتها‪ ،‬ولكنه محتوياتها‪ ،‬ويكون لهذا شأن في التقويم‪.‬‬
‫ما يؤخذ من المحفوظات في المدارس ال يغني التالميذ‬
‫شيئاً؛ فمن الواجب أن يكلف التالميذ بأن يعكفوا على‬
‫بعض دواوين الشعر فيقرؤوها ويختاروا منها‪ ،‬ويجمعوا‬
‫ما يختارون في كراسة ويحفظوه ويفهموا معناه‪ ،‬وتكون‬
‫هذه الكراسة بيد التلميذ عند االمتحان شاهدة على‬
‫جده واجتهاده‪ ،‬ثم يمتحن فيها من أولها ووسطها ومن‬
‫آخرها ليعلم هل حفظ ما اختار بنفسه؟‬

‫القواعد التي تسير عليها هذه اللغة؛ هو حديث عن اللغة‬
‫وليس اللغة ذاتها‪ ،‬وال توجد عالقة بين إتقان قواعد اللغة‬
‫والدراية بقوانينها‪ ،‬وبين القدرة على استخدام هذه اللغة‬
‫أداة للتواصل والتفاهم‪ .‬وتاريخ التراث العربي يشهد أن‬
‫الكثيرين ممن كانوا في قمة الفصاحة لم تكن لهم دراية‬
‫بالنحو ومسائله‪.‬‬

‫وأخيراً‪ ،‬إذا أردنا أن تزول الغربة القائمة اآلن بين‬
‫الطالب واللغة العربية‪ ،‬فال بد أن يتضمن المنهج وسيلة‬
‫فاعلة‪ ،‬ليتمكن التلميذ من ق��راءة ما ال يقل عن كتاب‬
‫واحد في األسبوع‪ ،‬دون إعنات عليه بالتفاصيل واألسئلة‬
‫المتقعرة؛ وذل��ك ألن الطالب العربي يسمع كثيراً عن‬
‫األدب��اء المشهورين ويراهم في التلفاز‪ ،‬ولكنه ال يجد‬
‫ال أو استصعاباً‪ ،‬للتعرف على إبداعهم‬
‫سبيالً‪ ،‬إما كس ً‬
‫بنفسه‪ ،‬وإتاحة الفرصة له‪ ،‬لسد هذا النقص‪ ،‬من خالل‬
‫منهج منظم في المدارس والمرحلة الجامعية‪ ،‬يقرّبه من‬
‫لغته ومن حضارته‪ ،‬ويرقى بإحساسه باألدب وباللغة‪.‬‬

‫لقد أثبت التركيز على النحو فشله في تحقيق المهمة‬
‫المزعومة له‪ ،‬وهي رفع كفاءة المتعلم في اللغة ذاتها‪ .‬إن‬
‫ما نقدمه للناشئة يمثل دوراً مخجالً‪ ،‬فنحن كمن يطرق‬
‫الحديد وهو بارد‪ ،‬فيشقى ثم يشقى‪ ،‬والحديد ال ينطرق‬
‫معه وال يلين؛ فيهزأ منه مَن يراه‪ ،‬ويضحك ملء شدقيه‪ ،‬المراجع‪:‬‬
‫ويرى كيف يُشقي الجهل بطبائع األشياء صاحبه‪ ،‬ثم ال ‪ 1-‬ع��م��رو ب��ن بحر ب��ن عثمان ال��ج��اح��ظ‪ ،‬رس��ال��ة إلى‬
‫المعلمين‪.‬‬
‫يحظى بطائل وال كبير فائدة‪.‬‬
‫م��ا قدمته ف��ي ه��ذا ال��س��ط��ور‪ ،‬دع���وة إل��ى التفكير ‪ 2-‬محمد عرفة‪ ،‬مشكلة اللغة العربية‪ ،‬القاهرة ‪.1936‬‬

‫والمناقشة‪ ،‬ح��ول إمكانية غربلة المناهج والمباحث ‪ 3-‬د‪ .‬السعيد محمد ب��دوي‪ ،‬تعليم اللغة العربية في‬
‫المستوى الجامعي‪.‬‬
‫النحوية المُقدَّ مة لطالب ال��م��دارس‪ ،‬لنرى م��اذا نضع‬
‫وماذا ندع؟ ونوازن بين من هو وظيفي وغير وظيفي‪ .‬وال ‪ 4-‬د‪ .‬محمد محمود رض���وان‪ ،‬معايير اختيار منهج‬
‫أجد في النهاية إال أن أعلن براءتي من كل ما يقدم في‬
‫النحو في التعليم قبل الجامعي‪ ،‬مؤتمر تعليم اللغة‬
‫العربية‪ ،‬اإلمارات العربية المتحدة‪1992 ،‬م‪.‬‬
‫المدرسة من نصوص وقراءات‪ ،‬فقد علمتني التجربة أن‬
‫< معلم في مدارس الرحمانية – الجوف‪.‬‬

‫‪90‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ‬

‫تأمــالت‪..‬‬
‫خمسون‬
‫عاما على‬
‫رحيل‬
‫الشاعرة‬
‫التشيلية‬
‫غابرييال‬
‫مسترال‪:‬‬
‫أنا يقظى‬
‫وقلبي‬
‫نائم‬

‫> عبدالرحيم اخلصار‬

‫<‬

‫الذين يعشقون األدب‪ ،‬ويستلذون بالحياة في األرياف مثلي‪ ،‬يعرفون بالضرورة ما‬
‫معنى أن تستلقي في ظهيرة غشت تحت شجرة التين‪ ،‬على مقربة من كأس شاي‬
‫كثيف الرغوة‪ ،‬وفي يدك مجموعة من قصائد غابرييال مسترال‪ .‬تكمن اللذة األولى‬
‫في كون هذه الشاعرة التشيلية كتبت أروع القصائد‪ ،‬وغ��ادرت هذا العالم قبل أن‬
‫تصل إلينا مفاهيم الحداثة وتكمن اللذة الثانية في كونها كانت معلمة في األرياف‪،‬‬
‫اعتذرت عن حضور حفل تتويجها في سانتياغو عام ‪1914‬؛ ألنها لم تكن تملك سوى‬
‫بدلة واحدة ال تليق بالحفالت العامة‪.‬‬
‫سنحس حتماً باللذة الثالثة‪ ،‬حين نعلم أن الذي ترجم لها هذه القصائد الخمس‬
‫واألربعين هو شاعر كبير من عيار حسب الشيخ جعفر‪ ،‬العراقي الذي أقرأ قصائده‬
‫كما لو أن أنني أقرأ لمحفوظ مصيص الشاعر التشيلي األعظم؛ حيث ماهو إنساني‬
‫يعلو فوق كل شيء‪ ،‬وحيث الصنعة تصير مجرد زبد يسبق الموج‪.‬يسوق المترجم في‬
‫مقدمته القصيرة قصة الحب اليتيمة التي عاشتها الشاعرة في بداية شبابها‪ ،‬والتي‬
‫اكملتها وحيدة بقية العمر‪ ،‬فالرجل الذي أحبته غابرييال قطع ليلة الحب بكابوس‬
‫االنتحار‪ ،‬فكتبت من أجله مجموعتها الشعرية «قصائد حب في ذكرى الميت»‪ ،‬بينما‬
‫ستنفذ رائحته بالضرورة إلى عدد من قصائدها الالحقة‪.‬‬
‫ويكفي أن نصغي إلى رنين الحب والخوف والرهافة والضعف والتوسل والحزن‬
‫والحرمان في نصها المؤثر «شجن»‪:‬‬
‫أنت أبصرت بي وقد انطرحت على حافة الطريق‬
‫غير متحسرة على شيء‬
‫أنت سمعت ينبوعي وقد جرت سيوله‬
‫أجراس ًا ذات رنين‬
‫وتعرف أنت أن خوفي أمام الرؤيا المرعبة‬
‫لم يكن نزوة جامحة‬
‫و تعرف أنت كيف ارتعبت وظللت متطلعة إلى معجزة ال توصف‬
‫و اآلن مازلت ‪ ،‬يتيمة‪ ،‬أتلمس أي شيء‬
‫حيث بيتك‪ ،‬وحيث طريقك‬
‫فال تحجب وجهك عني‪ ،‬ال تحرمني نعمة الضوء‬
‫ال تصمت بحق اإلله‬
‫أن تقفل بابك‪ ،‬فلن أنسى أبدا‬
‫تعبي ومرارتي‪،‬‬
‫فالعالم في شتاء‪ ،‬والليل يتطلع إليَّ من كل جهة‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ ‪91‬‬

‫بعيون مجنونة‬
‫في قصيدتها «االنتظار عبثاً‪ ،‬ترسم ص��ورة تلك‬
‫أنظر‪ :‬من العيون كلها‪ ،‬العيون التي رنت معي‬
‫المرأة التي تنسى أن محبوبها قد مات فتخرج للقائه‪،‬‬
‫إلى الدروب والطرقات‬
‫تجتاز ال���وادي وتقف في المكان ال��ذي تعودت على‬
‫لم يبق معي غير عينيك لكن – وا حسرتاه – قد مالقاته فيه وتناديه لكن صوت الصدى يعيدها إلى‬
‫ال أنه قد مات‪ ،‬تركض في‬
‫حالة الوعي ‪ ،‬وحين تعي فع ً‬
‫أغلقتهما الثلوج‪.‬‬
‫الحب عند غابرييال مسترال – كما عند أمثالها كل الطرق المقفرة على أمل أن تلقاه‪:‬‬
‫ومثيالتها – هو الحياة‪ ،‬وهو السالح الذي يجدر بنا أن‬
‫ناسية أن قدميك الخفيفتين‬
‫نحمله في وجه كل غيم يريد أن يكدر علينا صفوها‪،‬‬
‫قد تحولتا إلى غبار‬
‫ألم يقل محفوظ مصيص‪« :‬فلينظروا إليَّ عاريا‬
‫خرجت كما في األيام الرائعة‬
‫سالحي الوحيد القبلة‬
‫ألستقبلك في الطريق‬
‫و في يدي بالكاد متسع لميتة شاعر»‬
‫تتساقط بذور الخشخاش‬
‫ق��ص��ة ال��ح��ب ع��ن��د غ��اب��ري��ي�لا م��س��ت��رال ت��ب��دو لي‬
‫محترقة بالقيظ‬
‫تفاصيلها الطويلة‪ ،‬في مقطع شعري موجز ألدريان‬
‫و فوق الحقول أهداب ضباب‬
‫ميتشل» الحب هو تلك النافذة المفتوحة‪ ،‬ذلك النسيم‬
‫و أنا وحيدة‪ ..‬وحيدة كل يوم‪.‬‬
‫الذي نتنفسه في غرفة النوم عبر النافذة‪ ،‬الحب هو‬
‫هذه الشاعرة التي بدأت حياتها طفلة يتيمة تعمل‬
‫شجرة دموع شاهقة»‬
‫من أجل طعامها‪ ،‬ثم معلمة في قرية نائية ستشغل فيما‬
‫إن إغ�ل�اق ه��ذه ال��ن��اف��ذة‪ ،‬معناه ال��ك��ف ع��ن تنسم‬
‫بعد منصب قنصل للتشيلي في اسبانيا والبرتغال‪،‬‬
‫الهواء‪ ،‬معناه بصورة أوضح الموت‪.‬‬
‫وس��ت��ق��وم ب��ت��دري��س األدب االس��ب��ان��ي ف��ي الجامعات‬
‫إذا ك��ان صعباً على ام��رأة أن تتخلص من صورة‬
‫األمريكية‪ ،‬وستحصل على جائزة نوبل عام ‪1945‬م؛من‬
‫حبيبها المنتحر‪ ،‬فكيف سيكون ذلك بالنسبة لشاعرة‬
‫أج��ل شعرها الغنائي ال��ذي ألهمته العواطف القوية‬
‫يبدو قلبها في القصائد أهش من جناح فراشة‪:‬‬
‫فجعل اسمها رمزاً للطموحات المثالية للعالم الالتيني‬
‫حين التقيت به في درب ريفي‬
‫األمريكي بأكمله»‪ ،‬وف��ق ما أورده تقرير األكاديمية‬
‫لم تكن المياه قد افترقت عن أحالمها بعد‬
‫السويدية‪ .‬إن قراءة أعمال غابرييال مسترال تقود إلى‬
‫لم تكن الورود قد تفتحت في يد ما‬
‫خالصة مفادها أن الشعر العظيم يتولد بالضرورة‬
‫غير أن اللهب قد أيقظ روحي‬
‫مما هو إنساني‪ ،‬من تلك االصطدامات الناجمة عن‬
‫و هاهو وجه امرأة مسكينة‬
‫يتغطى بالدموع‪ .‬ستعيش غابرييال طوال حياتهاعلى احتكاك الجسد البشري باألعمدة والحواجز النابتة‬
‫ذك��رى الرجل ال��راح��ل ال��ذي أحبته في أول شبابها‪ ،‬ف��ي رواق الحياة‪ ،‬م��ن ابتسامة طفل رض��ي��ع‪ ،‬أو من‬
‫والذي أغلقت بعده غرفة الحب دونها‪ ،‬وجلست فيها بكاء كهل على زوجته الراحلة‪ ،‬من رقصة باليه‪ ،‬أو من‬
‫وحيدة مصرة على أال تفتح ب��اب القلب لرجل آخر لحظة قاتمة في جنازة‪ ،‬من إحساس باكتمال الوجود‪،‬‬
‫أو إحساس جارف بالتيه والضياع‪.‬‬
‫مهما احتدت الطرقات‪« :‬أنا يقظى وقلبي نائم»‬
‫< شاعر من المغرب‪.‬‬

‫‪92‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ‬

‫في أعمالهن اجلديدة‬

‫كاتبات مغربيات يغادرن‬

‫«األنثى» للدخول إلى «النص»‬
‫> عبدالعزيز الراشدي‬

‫<‬

‫أطلقت ثالث كاتبات مغربيات مجاميعاً قصصية خالل الفترة األخيرة‪ ،‬إذ صدر لمليكة‬
‫نجيب مجموعة جديدة سمتها «السماوي»‪ ،‬عن منشورات القلم المغربي؛ وأطلقت فاطمة‬
‫بوزيان مجموعة جديدة سمتها «هذه ليلتي»‪ ،‬عن مجموعة البحث في القصة القصيرة؛‬
‫بينما فضلت منى وفيق أن تصدر مجموعتها األولى «شمع‪ ،‬نعناع‪ ،‬وموت»‪ ،‬عن دار شرقيات‬
‫بمصر‪.‬‬
‫ما يميز المجموعات الثالث‪ ،‬على المستوى العام‪ ،‬هو أن هؤالء النسوة‪ ،‬غادرن األنثى‬
‫إلى حد بعيد ودخلن في النص؛ إذ اختارت مليكة موضوعات تتصل بالخرافة واالجتماعي‬
‫والرقمي؛ بينما اختارت فاطمة بوزيان التكنولوجيا واألمومة والطفولة‪ ،‬أما منى وفيق‬
‫فرصدت من خالل عنوانها المركّب شمع نعناع وموت عناصراً مركّبة في الحياة‪ ،‬تراوح بين‬
‫قسوة الفقد ورؤية اآلخر للذات‪.‬‬
‫فاطمة بوزيان‪ ،‬ومنى وفيق‪ ،‬قاصتان شابتان‪ ،‬وعلى الرغم من الفارق الزمني بينهما‪،‬‬
‫إذ تسبق فاطمة بانتمائها إل��ى جيل التسعينات‪ ،‬ال��ذي يهتم بشعرية اللغة والتفاصيل‬
‫الصغيرة وينغمس في التجريب بمستويات عدة قد تصل إلى حدود قصوى كما لدى بعض‬
‫القصاصين‪ ،‬وقد تظل في الحدود المعقولة‪ ،‬التي تحافظ على هوية النص دون تخريب‬
‫كما لدى بعضهم اآلخر‪.‬‬
‫وقد احتفت مجموعة بوزيان األولى باللغة واشتغلت عليها ال بها فقط‪ ،‬واتخدت موضوعاً‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ ‪93‬‬

‫لها قضايا األنثى لتحكي همومها وانكساراتها مع‬
‫الحب والزواج والعالقة‪ ،‬كما مارست تجريباً محتشما‬
‫ل��م ي��خ��رج ب��ال��ن��ص ع��ن ال��ح��دود ال��م��رس��وم��ة للقصة‬

‫األساسية التي هي تلك المسافة البرزخ‪.‬‬
‫وتوزعت موضوعات مجموعة منى بين شمع المرأة‬

‫التي يطمح اآلخرون إلى إيقاده ليذوب بينما تحترق‪،‬‬

‫الكالسيكية؛ لكنها انزاحت في مجموعتها الثانية نحو ونعناع الحياة التي تتلون بين الصداقة والحب والغيرة‪،‬‬
‫قضايا «أكثر نضجاً»‪ ،‬إذ أصبحت مهمومة بالتطرق والموت القاسي الذي اتخذ أشكاالً عدة‪ ،‬بعضها مادي‬

‫إلى االشكاالت التي تطرحها التكنولوجيا‪ ،‬والتخبط وآخر معنوي ورمزي‪.‬‬
‫الذي تلقي فيه الكائن‪ ،‬حيث «الصور تمر من المحمول‬
‫ويعتري شخوص قصصها قلق وتردد وتمرد كذلك‪،‬‬
‫إلى المحمول»‪ ،‬كما المست في نصوص أخرى هموم‬
‫تعكسه الحياة التي تعيشها تلك الشخوص المصابة‬
‫األم المسكونة بالحفاظ على ابنتها من العالم والناس‪،‬‬
‫ب��ال��واق��ع ال��م��ري��ض م��ن ج��ه��ة‪ ،‬لكن أي��ض��ا الطموحة‪.‬‬
‫«لم أعد أهتم به وال بي‪ ،‬بها فقط أهتم‪ ،‬هي قطبي‪،‬‬
‫النعناع يرمز إلى الحياة وخضرة الشباب الذي تعيشه‬
‫هاجسي»‪ ،‬و«م��اذا بوسعي أن أفعل؟ الهاتف الصغير‬
‫أغلب شخوص المجموعة‪ ،‬حيث األن��وث��ة الطازجة‬
‫يظل لصق كفها‪ ،‬وحين تنام يحرس الكود خفاياه‪،‬‬
‫واالنطالق‪ ،‬بينما الموت يعشش قريباً من الوجود‪ ،‬أما‬
‫علبها االلكترونية أيضا محروسة بكلمة السر»‪.‬‬
‫لطف واحتراق‪..‬‬
‫ٌ‬
‫الشمع فبرزخ بينهما‪،‬‬
‫لقد تحولت الساردة التي كانت تشكو من تلصص‬
‫ذلك البرزخ الذي يتشكل من خالل إحساس أغلب‬
‫اآلخرين على عالقتها بحبيبها في المجموعة األولى‪ ،‬شخوصها‪ ،‬حيث تتجاوز األمكنة ذاتها لتسقط على‬
‫إلى متلصصة على أسرار ابنتها في المجموعة الثانية‪.‬‬
‫كما تلمح فاطمة في غير نص إلى البيئة التي تنتمي‬

‫الحياة بشكل ع��ام‪ ..‬وتؤكد ال��س��اردة على أن «أغلب‬
‫الناس رماديين»‪ ،‬وأن��ه قد «تعدّدت أسباب البكاء‪..‬‬

‫إليها (شمالي المغرب)‪ ،‬حيث تتجاور الثقافة المغربية وما عدت ق��ادرة على أن أبكي‪ ..‬اختفت ك ّل أسباب‬
‫مع االسبانية‪ ،‬مع اختالفهما وتالحمهما العسير‪.‬‬
‫الـدّهشـة وأجدني ال زلت أندهش‪ ،‬وعياً مني بجهلي‬
‫في نصوص فاطمة بوزيان الجديدة كذلك ابتعاد‬

‫عن البوح العاطفي‪ ،‬وما يستتبعه من لغة شعرية‪ ،‬إذ‬

‫الدّائم‪ ،‬ربّما»‪.‬‬

‫وهذا ما تقوله كذلك إحدى شخوصها‪« :‬ال يحتاج‬

‫تبدو النصوص مهمومة أكثر بالتفلسف وتأمل الواقع‪،‬‬

‫المرء لكثير إدراك ليعرف أنّ هكذا فراشات دائما‬

‫أما منى وفيق‪ ،‬فهي واحدة ممن يمكن أن نسميهن‬

‫أح��ي��ان��ا يخالجنا أن ش��خ��وص م��ن��ى ه��ي الكاتبة‬

‫مع لغة عارية ومشدبة كالنار‪.‬‬

‫قاصات األلفية الجديدة‪ .‬وهي صحفية شابة استطاعت‬

‫تحترق»‪..‬‬

‫ذات��ه��ا‪ ،‬ون��زي��د ف��ي ه��ذا االع��ت��ق��اد حين تضع اسمها‬

‫رغم حداثة سنها أن ترسم لنفسها مساراً واضحاً في الشخصي «م��ن��ى» ف��ي أغلب النصوص‪ ،‬وتستحضر‬
‫خريطة السرد المغربي‪ ،‬كما أن لها حضوراً واضحاً األدب كممارسة‪ ،‬حتى إنها كتبت قصة واقعية فعالً‪،‬‬

‫في المواقع االلكترونية والمنتديات‪ ،‬وتراسل صحفاً بشخوصها وعالماتها ونزقها وخيبتها أيضاً‪ :‬سمتها‬
‫عدة‪ .‬تكتب منى بلغة لزجة لعوب‪ ،‬تخلق تلك المسافة «مطر على ورق»‪ .‬لكن ذلك ال يعفي أبداً من اعتبار‬
‫بين البساطة واالستشكال؛ وبذلك تحقق قاعدة النثر المسافة بين واق��ع الكتابة والواقع الموضوعي‪ ،‬ألم‬

‫‪94‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ‬

‫يقل ماريو فارغاس يوصا باستحالة‬
‫مطابقة الواقع المادي مع واقع الكتابة‪،‬‬
‫ألن األول أغنى أما الثاني فمحنط؟‬

‫كتبن نصوصهن بمزاج الكاتبة الضاجة بهمّ ها‬
‫وهمّ اآلخر‪ ،‬ما يؤشر على أن الكاتبة في المغرب‬
‫كفت عن أن تضع كل ما بجعبتها في سلة األنوثة‬

‫وف��ي حضرة الموت‪ ،‬تكون الجمل‬
‫المتسائلة التي تطلقها الكاتبة بسيطة‬
‫وتشي بالسذاجة‪ ،‬لكنها على عكس ذلك‪ ،‬تحفل بالكثير مجموعتها‪« :‬اعترافات رجل وق��ح»‪ ،‬ولطيفة لبصير‬
‫من عناصر تأمل الحياة والوجود‪.‬‬
‫في مجموعتها‪« :‬ضفائر»‪ ،‬أن يكتبن عن األنثى دون‬

‫تكتب مليكة نجيب نصوصها بحرفية‪ ،‬وتالمس ه��وادة‪ ،‬وعن الجسد والطبيعة والعالقة؛ بينما تنحو‬
‫العديد من المجاالت الحساسة في المجتمع المغربي‪ ،‬المجموعات الثالث – موضوع ه��ذه المقالة ‪ -‬إلى‬
‫وق��د راه��ن��ت ف��ي ه��ذه المجموعة على ال��دخ��ول في االل��ح��اح على ال��خ��روج م��ن ال��ص��ورة النمطية لكتابة‬
‫مناطق متوترة‪ ،‬بدءاً من عنوان المجموعة» السماوي»‪ ،‬المرأة التي تحصرها في لونين ال ثالث لهما‪ :‬اإلغراء‬
‫الذي يحيل في الثقافة المغربية إلى مرجعية روحية أو الصراخ ضد التمييز ال��ذي يطالها‪ .‬وقد تطرقن‬
‫خ��اص��ة‪ ،‬إل���ى ن��ص��وص أخ���رى ول��غ��ة تمتح م��ن عالم إلى اإلنساني األكثر عمقاً ألن شخوص مجموعاتهن‪،‬‬
‫الشعوذة والخرافة‪ ،‬والحكي الشعبي المتواتر‪ ،‬الذي على األرجح‪ ،‬ال يحتجن إلى بكاء على وضعيتهن‪ ،‬ما‬
‫يغري بالقراءة والرصد‪.‬‬
‫دامت المرأة قد قطعت األشواط الضرورية وهن لسن‬

‫وشخوص مليكة نساء في األغلب‪ ،‬لكن قضاياهن في حاجة إل��ى إغ��راء الرجل لتضمن كتابتهن صك‬
‫عامة‪ ،‬ومعاناتهن إنسانية مشتركة؛ كما هو األمر في المرور‪ ،‬وما دام اإلغ��راء ال��ذي يفيض به في الواقع‬
‫فوبيا األعالي في القصة األول��ى‪ ،‬وهي فوبيا تصيب أكثر‪ .‬وبذلك‪ ،‬تكتب هذه النساء نصوصاً مجردة من‬
‫الرجال والنساء على السواء؛ وكما هو األمر في عالم أي مضايقات أو خلفيات أو أذرع أمنية‪ ،‬على حد‬
‫النت ال��ذي يخلق المفاجآت ل��دى الجميع؛ وأحيانا تعبير أحمد بوزفور‪.‬‬
‫يكون ال��س��ارد البطل رج�لاً‪ ،‬وحين تحضر ال��م��رأة ال‬
‫م��ا يميّز نصوصهن ك��ذل��ك‪ ،‬ويعطيها ال��ق��وة هو‬
‫تحضر كأنثى مترعة بالخصوبة والغنج‪ ،‬بل ككائن اتجاههن نحو أقاليم لم تتورع األنثى الكاتبة الجديدة‬
‫يواجه الحياة بأفراحها وأحزانها؛ إنها أرملة مث ً‬
‫ال عن دخولها‪ ،‬لكنهن مع ذلك لم ينسقن نحو إدعاء‪ ،‬أو‬
‫تتفلسف أو عانس تضج باألنا‪ .‬وتراوح لغة مجموعتها يبحثن عن احتماء بالبوح؛ ليخلقن صور الكاتبة‪ .‬لنقل‬
‫الجديدة بين الدارج والفصيح‪ ،‬عنواناً للتجديد‪ ،‬كما أن كل واحدة منهن تكتب نصوصها بمزاج الكاتب(ة)‬
‫إن هناك تجديداً على مستوى جسد النص‪ ،‬حيث الضاجة بهمّها وه�� ّم اآلخ��ر‪ ،‬ما يؤشر على أن كتابة‬
‫تتقطع أوصاله‪ ،‬وتدخل السرد مقاطع شعرية تؤثته المرأة في المغرب كفت عن أن تضع كل بيضها في‬
‫وتكسر رتابة الخطية‪.‬‬
‫سلة واحدة هي سلة األنوثة‪ ،‬وستهجس في القادم من‬
‫تفضل القاصات المغربيات كوفاء مليح مث ً‬
‫ال في األيام بموضوعات وقضايا أخرى‪.‬‬
‫< ناقد من المغرب‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ ‪95‬‬

‫اإلشعاع الذري ودراسة غاز الرادون‬
‫مبساكن منطقة اجلوف‬

‫المؤلف‪ :‬أ‪ .‬د‪ .‬محمد بن إبراهيم الجارالله‪.‬‬
‫ أستاذ الفيزياء بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن ‪ -‬الظهران‪.‬‬‫الناشر ‪ :‬مؤسسة عبدالرحمن السديري الخيرية‪.‬‬

‫أص���ب���ح اإلش���ع���اع ال������ذري أح����د األم����ور‬
‫المهمة التي ال غنى للمجتمعات المعاصرة‬
‫عنها‪ ،‬الستخدامها ف��ي مختلف مناشط‬
‫الحياة التكنولوجية والطبية والصناعية‬
‫وغيرها الكثير؛ بل ت��زاي��دت الحاجة إليه‬
‫مع نمو المجتمعات المعاصرة وتطورها‪،‬‬
‫نتيجة التطبيقات المهمة التي يستخدم‬
‫ف��ي��ه��ا اإلش���ع���اع ال������ذري؛ ف���أخ���ذت أجهزة‬
‫اإلشعاع الذري تحتل مكاناً بارزاً في معظم‬
‫لذا‪ ،‬يأتي هذا الكتاب‪ ،‬للتعريف باإلشعاع‬
‫المستشفيات والجامعات وم��راك��ز البحث‬
‫ال���ذري واس��ت��خ��دم��ات��ه‪ ،‬وه��و مهم لكل قارىء‬
‫العلمي على تنوعها‪.‬‬
‫ومهتم بزيادة معرفته عن اإلشعاع الذري وغاز‬
‫وعلى ال��رغ��م م��ن ف��وائ��ده ال��ع��دي��دة‪ ،‬فإن الرادون‪.‬‬
‫لإلشعاع الذري مضار واضحة على الصحة‬
‫وم��ن الجدير بالذكر أن الكتاب الصادر‬
‫والبيئة والسالالت البشرية‪ .‬وألن اإلستغناء‬
‫ع��ن استخدمامه أص��ب��ح مستحيالً‪ ،‬فقد بداية ه��ذا العام ‪1428‬ه���ـ ‪2007‬م‪ ،‬هو ثمرة‬
‫أصبح من الضروري دراسة وسائل الحماية دراس���ة علمية ميدانية أج��راه��ا الباحث في‬
‫منه وتطوير تقنياتها‪ ،‬وزيادة فاعلية التثقيف منطقة الجوف‪ ،‬بتمويل ودع��م مشكورين من‬
‫ال عن م��ؤس��س��ة ع��ب��دال��رح��م��ن ال��س��دي��ري الخيرية‪،‬‬
‫حول سبل الوقاية من اإلشعاع‪ ،‬فض ً‬
‫السيطرة على آث���اره وتحجيمها إل��ى أقل ضمن برنامج دعم األبحاث الذي تشرف عليه‬
‫هيئة النشر بالمؤسسة‪.‬‬
‫قدر ممكن‪.‬‬
‫يتعرّض اإلنسان إل��ى إشعاع بيئته التي‬
‫ي��ع��ي��ش ف��ي��ه��ا‪ ،‬وي���أت���ي اإلش���ع���اع الطبيعي‬
‫األس��اس��ي م��ن ث�لاث��ة م��ص��ادر رئيسة هي‪:‬‬
‫اإلش���ع���اع ال��ك��ون��ي‪ ،‬وال��م��ص��ادر األرضية‪،‬‬
‫وال��م��واد اإلشعاعية داخ���ل الجسم‪ .‬وأهم‬
‫مصدر لإلشعاع الطبيعي هو غاز الرادون‪،‬‬
‫الذي يتولّد من التحلل اإلشعاعي الطبيعي‬
‫لليورانيوم‪.‬‬

‫ق���������راءات‬
‫‪96‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ‬

‫األوسمة العثمانية واحلاصلني عليها‬
‫من اجلزيرة العربية‬

‫في وثائق األرشيف العثماني‬
‫المؤلـف‪ :‬د‪ .‬سهيل صابان‬
‫الناشـ ــر‪ :‬مركز حمد الجاسر الثقافي ‪1427‬هـ‪.‬‬
‫> عرض‪ :‬د‪ .‬علي محمد هنداوي‬
‫المرصع‪ ،‬ثم‬
‫َّ‬
‫األوسمة على أربع درجات‪ ،‬إضافة إلى الوسام‬
‫كانت الميداليات الذهبية‪ ،‬ثم الوسام المجيدي‪ ،‬والوسام‬
‫العثماني‪ ،‬ووسام آل عثمان في عهد السلطان عبدالحميد‪،‬‬
‫وق���د تميز ال��ع��ه��د ال���ذي ت�ل�اه بمنح ال��م��زي��د م��ن األوسمة‬
‫للشخصيات العربية‪.‬‬

‫ترجع أهمية هذا الكتاب –بدايةً‪ -‬إلى شح المعلومات‬
‫الوثائقية المنشورة عن عالقة الدولة العثمانية بالجزيرة‬
‫العربية‪ ،‬كما يشير د‪ .‬أحمد الضبيب في تقديمه للكتاب؛‬
‫ويسلط المؤلف ض��وءًا ‪ -‬يحتاج إليه الباحثون في تاريخ‬
‫الجزيرة العربية‪ -‬على شخصيات منها برَّزت في عصرها‪،‬‬
‫وأدت للدولة ومواطنيها‪ ،‬في هذا الجزء ذي الخصوصية من‬
‫ث��م يعرض الكتاب ص���وراً لوثائق تتعلق بمنح أوسمة‪،‬‬
‫ال لهذا األوسمة‪.‬‬
‫أرض الخالفة خدمات جعلتها أه ً‬
‫منها م��ذك��رة ن��ظ��ارة ال��داخ��ل��ي��ة ب��إع��داد ثالثين قطعة من‬
‫ويؤكد المؤلف أن معرفة الحاصلين على هذه األوسمة الوسام المجيديّ من الدرجات الثالثة والرابعة والخامسة‪،‬‬
‫وم��ا يحيط بأمر منحهم إياها‪ ،‬تساعد في كشف النقاب لمنحها ل��ش��ي��وخ ال��ع��رب��ان‪ .‬وأش����ار ال��م��ؤل��ف إل���ى أن تآلف‬
‫عن جوانب غير معروفة من سياسة الدولة العثمانية في بعض الشخصيات هو من أسباب منح الوسام‪ ،‬وقد تبين‬
‫المنطقة‪ ،‬والعالقات الثنائية بين الدولة وهؤالء الحاصلين األثر الكبير الذي تركته األوسمة في استمالة شخصيات‬
‫على األوسمة؛ من خالل تبيّن أسباب المنح‪ ،‬والعمل الذي المنطقة‪ .‬وم��ن أه��م م��ن حصلوا على تلك األوس��م��ة من‬
‫كان يزاوله صاحب الوسام‪ ،‬وهو أمر يستبعد المؤلف إمكان الجزيرة العربية‪:‬‬
‫حصره في هذا العمل؛ إذ قد تكون هناك شخصيات أخرى ‪ -‬حمود‪ :‬شيخ مشايخ السبوت من بني عطية‪.‬‬
‫لم يطلع على الوثائق الخاصة بها في ذلك األرشيف‪.‬‬
‫ مطر بن هرماس‪ :‬شيخ مشايخ العقيالت‪ ،‬من بني عطية‪.‬‬‫وقد بدأ المؤلف كتابه بإشارة تجمع بين اللغة والتاريخ‪،‬‬
‫ووضح أ ّن الوسام الذي عُرِ ف‬
‫فذكر المعنى اللغوي للوسام‪َّ ،‬‬
‫في أورب��ا جرى تحديثه في عهد السلطان محمود الثاني‪،‬‬
‫وك���ان العثمانيون قبل ذل��ك يستخدمون ذؤاب���ات م��ن وبر‬
‫الخيل‪ ،‬تعلق على العمائم بحسب درجات أصحابها‪ ،‬وكانت‬

‫ بنية‪ :‬من شيوخ عشيرة عبدة‪.‬‬‫ رايس‪ :‬من شيوخ الحويطات‪.‬‬‫ مفلح‪ :‬من شيوخ عشيرة الفقير (من عنزة)‪.‬‬‫ محمد الحسن‪ :‬من شيوخ عشيرة الفقير (من عنزة)‪.‬‬‫‪ -‬جويعد‪ :‬من شيوخ الحويطات‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ ‪97‬‬

‫> مليحة الشهاب‬

‫ألم يبدع‬

‫فوانيسه؟‬

‫ديوان‬

‫الشاعر‬

‫محمد‬
‫احلرز‪:‬‬

‫«أخف‬

‫من الريش‬
‫أعمق من‬
‫األلم»‬

‫<‬

‫نستطيع أن نراهن على وعي محمد الحرز بقصيدة النثر‪ ،‬ونراهن على رؤيته األكثر‬
‫وضوحا كشاعر‪ .‬الحرز يعمل على استكشاف الطاقات اإلبداعية لقصيدة النثر‪ ،‬كمقترح‬
‫ال للعصر‪ ،‬وهو يدفع بها إلى أقصاها‪ ،‬بما‬
‫شعري أكثر موائمة وانسجاماً وتعبيراً وتمثي ً‬
‫يتيح للقصيدة إظهار إمكانياتها الهائلة‪ ،‬في التعبير واإليحاء والتمثيل‪.‬‬
‫جاء ديوانه «أخف من الريش أعمق من األلم»‪ ،‬في قسمين منفصلين تماماً وبمسميين‬
‫مختلفين‪ :‬القسم األول موسوم ب ـ «ألم بحجم دب��وس»‪ ،‬وهو نصوص نثرية مكتوبة بلغة‬
‫شعرية متقنة‪ .‬وحينما سئل عنها الشاعر أجاب‪ :‬إنها هنات تعبّر عن ثغرات الكائن‪ ،‬وهي‬
‫جزء حقيقي من عالقته بالحياة‪ ،‬ال يجوز إخفاؤها‪ ..‬ولقد جانب الصواب حينما أسماها‬
‫«هنات»؛ فهو في نثريته يذهب عميقاً ح ّد الغياب‪ ،‬ببوح يتشظى أسئلة وإض��اءات‪ ،‬نتاج‬
‫تأمالت في العمق‪ ،‬تتالحق كفيض الحكمة‪»..‬لقد كتبتنا األيام كتجربة ولم نكتبها كإيقاع‪،‬‬
‫وأعطتنا الحياة طرف الخيط لكننا لم نحسن االستماع‪ ،‬أليس وهماً أن أظن بعد ذلك‬
‫أننا نكتب شعراً ؟!»‪.‬‬
‫القسم الثاني بمسمى «لن أرفع حياتي كفانوس»‪ ،‬مجموعة نصوص تنتمي إلى قصيدة‬
‫النثر برهانها على اإليقاع‪ ،‬في اللحظة التي تتمرد على الشكل المتوارث للقصيدة‪ .‬وهو‬
‫في قسمه الثاني كأنه يؤكد أن القصيدة هي الوصف األعلى للشعر بوصفه شعوراً مرهفاً‬
‫يدخل في األلوان األدبية كلها‪.‬‬
‫وهو ال يتكئ على الشكل الحداثي للقصيدة‪ ،‬بل يتجاوز إلى تقديم مضامين جديدة‪،‬‬
‫وكأنه بتجاوزه األطر الشكلية للقصيدة العربية يكتشف أطراً تعبّر عن حاالت مختلفة‪،‬‬
‫تصب في محاولة التيار الحداثي لترسيخ رؤية مغايرة لألشياء‪ ،‬أو الذهاب إلى العميق‬
‫منها واستجالئه‪..‬‬
‫التجربة الحقيقية تستوقف حتى العابرين‪ ،‬والحرز يقدم مقترحه على المشهد الثقافي‬
‫بقصيدة لها حضور‪ ،‬ال تؤطره بيئة أو مكان‪ ،‬ليعبر بها عن الذات اإلنسانية بحموالتها‬
‫وهواجسها وخيباتها وآمالها؛ على نحو ال تجد لها أفقاً خارج قصيدة النثر‪ ،‬وكأنها خيار‬
‫وج��ودي‪ ،‬وذل��ك دون اإلنشغال الفلسفي أو التحليق في أفق صوفي‪ ،‬بل تناوال لليومي‬
‫والحياتي‪ ،‬بعين لها رؤيتها الخاصة التي صنعتها مشارب ثقافية متعددة‪ ،‬دون أن تلغي‬
‫شاعريتها؛ وهو يتوغل في هذا المسار وكأنه يراهن على ما سيكتشفه أو سيقدمه‪.‬‬
‫ما الغواية عند الحرز؟ ربما هي الفلسفة؛ فلسفة ليست بالمعنى الميتافيزيقي‪ ،‬أو‬
‫االتكاء على الرموز األسطورية وإعادة إنتاجها‪ ..‬بل الخروج من الذاتية الرومنطيقية إلى‬
‫الذات اإلنسانية‪ ،‬بأزماتها النفسية والروحية وآالم اإلنسان وحيرته وعذاباته وغربته‪.‬‬
‫هنا الذات وال شيء سواها‪ ،‬القصيدة مرآة الذات‪ ،‬بكثافة إيحاءات تعيد ترتيب األشياء‬
‫بنرجسية شغوفة بالتجريد بجمالية الدهشة لحظة االكتشاف‪ ،‬دونما الولوج في فلسفة‬
‫تثقل المتلقي والقصيدة في آن واحد‪.‬‬

‫‪98‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ‬

‫وال يعيب القصيدة أنها ترسم مالمح‪ ،‬ال يتلمس القارئ‬
‫مالمحه فيها‪ ،‬بقدر ما تخرجه من ذاتيته إلى تباين آخر‪،‬‬
‫وك��أن القصيدة لم تعد معنية بالتعبير الجمعي‪ ،‬بقدر‬
‫ما تهتم بالتعبير عن الفرد وذاته بفرادتها واختالفاتها‬
‫عن اآلخرين‪ ،‬ألنها ليست مهتمة بتجميع أكبر عدد من‬
‫الجماهير من حولها؛ فليس التصفيق ما يغريها‪ ،‬بل متعة‬
‫إضاءة لون كان في العتمة‪ .‬ربما هذا ما يجعل لقصائد‬
‫الحرز تمايزاً وإن كانت تخلو من الجاذبية المستهلكة‪،‬‬
‫لتبدع لها جاذبيتها الخاصة‪ ،‬التي تبقيك ممسكاً بالديوان‬
‫إلى آخر دفقة فيه‪ ،‬بمتعة مغايرة! فهو كما أسماه «أخف‬
‫من الريش‪ ،‬أعمق من األلم»‪.‬‬
‫وال��ح��رز يقدم قصيدة تقوم على مشهد مسرحي‪،‬‬
‫كأنه يسعى إلى تقديم قصيدة بصرية بطقوس شعرية‪،‬‬
‫ممسرحة بمشاهد تتوالد وتتوالى وتتعاقب بسرعة‪،‬‬
‫وتمتد على مساحة مكانية‪ ،‬دون أن يشغلنا عن الداللة‪،‬‬
‫بل هو توظيف لداللة واح��دة‪ ،‬هي الغاية من القصيدة‪.‬‬
‫ف��ف��ي ق��ص��ي��دة «ح��ك��اي��ة ع���ن ج���ن���ازة»؛ ص���ور مسرحية‬
‫تتعاقب من اللحظة األول��ى للوصول إل��ى المقبرة‪ ..‬ما‬
‫الذي يفعله األحياء في حضرة القبور؟ األم��وات أشياء‬
‫انتهت صالحيتها! لذا‪ ،‬لم تكن منازلهم فسحة للتأمل‪،‬‬
‫ووج��وده��م (األح��ي��اء) في اللحظات األخيرة ك��ان مجرد‬
‫روت��ي��ن ال يرتقي إل��ى الطقوس ل��ذا ك��ان��ت األدع��ي��ة بال‬
‫أجنحة تصعدّها إلى أبواب الجنة‪..‬‬
‫«حينما أردنا أن نترحم على أسالفنا الموتى‪ /‬أكتفينا‬
‫بالشفاه فقط‪ /‬وعندما خطا الدعاء خطوات‪ /‬باتجاه‬
‫الخارج‪ /‬تجمد هو أيضا»‪.‬‬

‫بل عقلية متحفزة‪ ..‬فالقصيدة تطرح ال��واق��ع بطريقة‬
‫إشكالية؛ ألن منظورها مختلف وبزاوية منفرجة تدعو‬
‫القارئ أن يكون شريكا في النص لو أراد‪ ..‬ال قوالب‬
‫جاهزة‪ ،‬تستريح على عتباتها الذائقة‪ ،‬دون الشعور بملل؛‬
‫فهو يقدم مقترحاً جديداً دون صخب لغوي أو تقعر في‬
‫الصورة بمنعرجات تفضي إلى فوضى أشبه بالال جدوى‪،‬‬
‫كمن أراد أن يزيح الغبار لكنه ق��ام ببعثرته‪ ..‬فجاءت‬
‫القصيدة بإيقاعات خفية ه��ادئ��ة‪ ،‬أشبه بمن يتداعى‬
‫همساً على الرغم من سعار األفكار ومغامرة البوح‪.‬‬
‫ال بأنسي‬
‫وهو (الديوان) في اللحظة التي يذكرك شك ً‬
‫الحاج في ديوانه‪»:‬الوليمة»‪( ،‬من حيث الشكل المتمثل‬
‫في القسم النثري واآلخر الشعري)‪ ..‬إال إنه ظل محتفظا‬
‫بصوته المتفرد بتمايز‪ ،‬من حيث األسلوب والمضمون‪،‬‬
‫فهو يشق طريقاً خاصاً له وبه‪ ،‬وبمحاذاة من سبقه دون‬
‫أن يكون م��رآة تعكس صورهم‪ ،‬أو يستعير أصواتهم‪..‬‬
‫فأنت أمام نص ال يذكّرك بنص آخر لغة ومجازاً‪ ،‬وإن‬
‫بدت القصيدة في اتجاهها الفكري واإلنفعالي متأثرة‬
‫بالتيار الحداثي الذي يتلبس اللبوس الغربية‪ ..‬فشبيه‬
‫الحرز‪ ،‬ما هو إال زوج إليثا في رواية «ابنة الحظ»‪ ،‬وال‬
‫يسأل عنه إال إيزابيل‪( ..‬وهذا شبيهي الذي تتكئ عليه‪/‬‬
‫عربة حياتي‪..‬غاب من الحانة‪ /../‬أظنه أقفل راجعا‪/‬‬
‫إلى زوجته إليثا‪ /‬في رواية (ابنة الحظ)‪ /‬ال بدَّ لي أن‬
‫أسأل عنه‪ /‬إيزابيل ألليندي يوما ما!)‪..‬‬

‫وهذا يشكل ‪ -‬في رأيي ‪ -‬حاجزاً نفسياً بين القصيدة‬
‫ال‬
‫والمتلقي العام الذي غالباً يجهل الرموز الغربية فض ً‬
‫لكن األحياء بتوالي األح���داث‪ ،‬ال يخرجون باليقين على بطل في رواية ما‪!..‬‬
‫نفسه؛ بل يسترجعون ما قاله ريتسوس‪:‬‬
‫ما الذي يضطر الحرز إلى التشبه برمز غربي على‬
‫((وح��اال تذكرنا ما قاله ريتسوس‪ :‬علينا أن نحرس كثرة رم��وزن��ا ال��ع��رب��ي��ة‪..‬؟ ربما ألن م��ا ي��ح��اول ترسيخه‬
‫قبور موتانا‪ ...‬كيف لنا أن نحيا دون بيوتنا؟))‪.‬‬
‫ليس نتاج حركة تاريخية ثقافية عربية تماماً‪ ،‬بل كتأثير‬
‫وأنت تقرأ الديوان‪ ،‬هناك سؤال يلوب في الداخل ؛ أو باألحرى تأثر بالغرب؛ ما أظهر الرمز الغربي على‬
‫ماذا يريد أن يقول الشاعر؟ فأنت ال تعيش حالة وجدانية حساب الرمز العربي‪.‬‬
‫< كاتبة سعودية – الظهران‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ ‪99‬‬

‫«غوغل» حتت مجهر الفلسفة الفرنسية‬
‫وتواصل رقمنتها للمكتبات‬

‫صدر أخيراً في فرنسا كتابان يتناوالن محرك أو التشكيك بادعائه العالمية‪ ،‬كما لو أن األمريكية‬
‫البحث األشهر في العالم‪« :‬غوغل»‪ .‬الكتاب األول هي العالمية»‪.‬‬
‫لدانيال إيشبياه‪ ،‬صدر لدى منشورات «الرشيبيل»‪،‬‬
‫من جهة أخرى‪ ،‬يحظى مشروع «غوغل» لرقمنة‬
‫وعنوانه‪« :‬كيف سيأكل غوغل العالم»؟ وعلى الرغم المكتبات بمزيد من النجاح واإلنتشار‪ .‬فبعد رقمنة‬
‫م��ن عنوانه ال��ذي ق��د يشير إل��ى محتوى جدلي أو مكتبتَي جامعة «كومبلوتونس» في إسبانيا وجامعة‬
‫إشكالي‪ ،‬يتناول الكتاب في نبرة إخبارية موضوعية أوكسفورد في بريطانيا‪ ،‬وقّع المسؤول عن تقنيات‬
‫«قصة غوغل» منذ تأسيسه إلى اليوم‪.‬‬
‫المعلومات في الشركة عقداً مع المكتبة الوطنية‬

‫أما الكتاب الثاني الصادر عن منشورات «ألبان في كاتالونيا وأربع مكتبات كاتالونية أخرى‪ .‬وكانت‬
‫ال��ش��رك��ة أع��ل��ن��ت ف��ي وقت‬
‫م������ي������ش������ال»‪ ،‬ب�����ع�����ن�����وان‪:‬‬
‫سابق عن نيّتها التعامل مع‬
‫«غَ و ِْغل ْني‪ .‬الرسالة الثانية‬
‫مكتبات إسبانية‪ ،‬ليتأكّد‬
‫ألميركا»‪ ،‬فهو للفيلسوفة‬
‫ال��خ��ب��ر أخ���ي���راً م��ن طريق‬
‫باربرا كاسين‪.‬‬
‫هذا التوقيع‪.‬‬
‫وف�������ي ن�����ب�����رة نقدية‬
‫وذك��������رت ال���ش���رك���ة أن‬
‫وه����ج����ائ����ي����ة واض�����ح�����ة‪،‬‬
‫«غ�����وغ�����ل» س�����وف ترقمن‬
‫ت���ط���رح ال���ك���ات���ب���ة مسائل‬
‫تتخطى قضية «غ��وغ��ل» لتصل إل��ى البعد الثقافي «مئات األلوف من الكتب المملوكة من القطاع العام‪.‬‬
‫للديمقراطية‪ .‬ويستند تحليلها إل��ى تفكيك دقيق‬
‫ويهدف هذا المشروع الضخم إلى إتاحة المجال‬
‫للعبارتين اللتين تشكالن ما يشبه القاعدة األخالقية للقرّاء في مختلف أنحاء العالم االطّ الع على أمهات‬
‫المهنية لمؤسسَ ي محرّك البحث‪« :‬تنظيم كل معلومات الكتب اإلسبانية‪ ،‬والقيام بأبحاث‪ ،‬أو نقل مقاطع‬
‫العالم لجعلها في متناول الجميع وفائدتهم»‪ ،‬و«ال تكن من هذه الكتب‪ .‬وقالت مديرة المكتبة الوطنية في‬
‫سيئاً»‪ .‬ومن خالل هذا التفكيك تحاول رصد البعد برشلونة دول��ورس الم��ارك��ا‪« :‬ف��ي الماضي‪ ،‬وحدهم‬
‫األيديولوجي ال��ذي يجعل م��ش��روع «غ��وغ��ل» الوجه زوّار المكتبة كان يمكنهم اإلفادة من الكتب الموجودة‬
‫األكثر «لطافة» من مشروع جورج بوش‪ ،‬لتنتهي إلى فيها‪ .‬من اآلن فصاعداً كل من يهمّه االط�لاع على‬
‫القول‪« :‬إذا أردنا أن نقولها في شكل مباشر‪ ،‬فغوغل ألوف الكتب الموجودة لدينا‪ .‬يمكنه ذلك من خالل‬
‫بطل الديمقراطية الثقافية‪ ،‬لكن من دون ثقافة أو بحث بسيط على «غوغل خدمة الكتب»‪ .‬ويعود اختيار‬
‫ديمقراطية‪ .‬يمكن القول أن غوغل غير ديمقراطي «غوغل» للمكتبات اإلسبانية إلى كون اللغة اإلسبانية‬
‫ألنه أمريكي حتى العظم وال يسمح لنا بمعرفة ذلك هي اللغة الثانية األكثر استخداماً خارج األطلسي‪.‬‬
‫‪ 100‬اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1428‬هـ‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful