‫سلة زيتون من منطقة اجلوف‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫‪1‬‬

‫العدد ‪19‬‬
‫ربيع ‪1429‬هـ ‪2008 -‬م‬

‫ملف ثقافي ربع سنوي‬
‫يصدر عن مؤسسة عبدالرحمن السديري اخليرية‬

‫املشرف العام‬
‫إبراهيم احلميد‬
‫املراسالت‬
‫توجه باسم املشرف العام‬
‫ّ‬

‫هاتف‪)+966( )4( 6245992 :‬‬
‫فاكس‪)+966( )4( 6247780 :‬‬
‫ص‪ .‬ب ‪ 458‬سكاكا‬
‫اجلـ ــوف ‪ -‬اململكة العربية السعودية‬
‫‪aljoubah@gmail. com‬‬
‫ردمد ‪ISSN 1319 - 2566‬‬

‫سعر النسخة ‪ 8‬رياالت‬
‫تطلب من الشركة الوطنية للتوزيع‬

‫قواعد النشر‬

‫‪ - 1‬أن تكون املادة أصيلة‪.‬‬
‫‪ - 2‬لم يسبق نشرها‪.‬‬
‫‪ - 3‬تراعي اجلدية واملوضوعية‪.‬‬
‫‪ - 4‬تخضع املواد للمراجعة والتحكيم قبل نشرها‪.‬‬
‫‪ - 5‬ترتيب املواد في العدد يخضع العتبارات فنية‪.‬‬
‫‪ - 6‬ترحب اجلوبة بإسهامات املبدعني والباحثني والكتّاب‪،‬‬
‫على أن تكون املادة باللغة العربية‪.‬‬
‫اجلوبة من األسماء التي كانت تطلق على منطقة اجلوف سابق ًا‬

‫الناش ـ ـ ـ ــر‪ :‬مؤسسة عبدالرحمن السديري اخليرية‬
‫أسسها األمير عبدالرحمن بن أحمد السديري (أمير منطقة اجلوف من ‪1362/9/5‬هـ‬
‫ ‪1410/7/1‬هـ املوافق ‪1943/9/4‬م ‪1990/1/27 -‬م) بهدف إدارة ومتويل املكتبة العامة‬‫التي أنشأها عام ‪1383‬هـ املعروفة باسم دار اجلوف للعلوم‪ .‬وتتضمن برامج املؤسسة‬
‫نشر الدراسات واإلبداعات األدبية‪ ،‬ودعم البحوث والرسائل العلمية‪ ،‬وإصدار مجلة‬
‫دورية‪ ،‬وجائزة األمير عبدالرحمن السديري للتفوق العلمي‪ ،‬كما أنشأت روضة ومدارس‬
‫الرحمانية األهلية للبنني والبنات‪ ،‬وكذلك أنشأت جامع الرحمانية‪.‬‬
‫‪2‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫الـمحتويــــات‬

‫>‪6......................‬‬
‫مهرجان الزيتون‪ :‬إضافة اقتصادية‬
‫وثقافية ملنطقة اجلوف‬

‫>‪76....................‬‬

‫سميح القاسم‪ :‬أنا الشاعر األخير‬
‫على الكرة األرضية‬

‫>‪92....................‬‬
‫منير نايفة‬
‫أعجوبة العلم والعلماء‬
‫لوحة الغالف‪:‬‬

‫ص����ورة ض��وئ��ي��ة‪ :‬ج���ذع ش��ج��رة زي��ت��ون من‬
‫اجل���وف‪ ،‬بعدسة الفنانة ره��ام بنت سعد‬
‫الكايد‪.‬‬

‫االفتتاحية ‪4.........................................................‬‬
‫الملف‪ :‬مهرجان الزيتون بالجوف ‪6...................................‬‬
‫دراسات‪ :‬قصيدة النثر الماغوطية ‪ -‬رامي أبو شهاب‪26.............‬‬
‫البحريات‪ ..‬اآلخر وتحوالت المكان‪..‬؟ ‪ -‬محمد الدبيسي ‪30.......‬‬
‫قصص قصيرة‪ :‬أقاصيص ‪ -‬وائل وجدي ‪40........................‬‬
‫الهر األسود ‪ -‬ياسر عبدالباقي ‪42..................................‬‬
‫كتابات ‪ -‬عبدالله السفر‪47..........................................‬‬
‫جريمة ‪ -‬جعفر الجشي‪48...........................................‬‬
‫مرة غير قابلة للتكرار ‪ -‬حسن البقالي‪49...........................‬‬
‫قصص قصيرة جداً ‪ -‬عبدالحفيظ الشمري‪50.....................‬‬
‫على خيوط العنكبوت ‪ -‬ليلى آيت سعيد ‪51.........................‬‬
‫شعر‪ :‬قصائد قصيرة ‪ -‬سُ وف عبيد ‪54...............................‬‬
‫والحب وأشياءٌ أخرى ‪ -‬عبدالله علي األقزم ‪55...........‬‬
‫ُّ‬
‫أنا وأنتَ‬
‫نصوص ‪ -‬إيمان مرزوق ‪56..........................................‬‬
‫ثالث قصائد قصار ‪ -‬عبدالله أمين أبو شميس ‪57.................‬‬
‫مُعادالت ‪ -‬مصطفى مَـل َ ْح ‪58.........................................‬‬
‫سؤال م ّر ‪ -‬نواره الحرش‪59.........................................‬‬
‫العاصف ُة التي اقتلعتنا ‪ -‬افراح الكبيسي ‪60.........................‬‬
‫أنت ِالسيدة وأنت ِالقصيدة ‪ -‬زكريا إبراهيم العمري ‪61............‬‬
‫نقد‪ :‬انقالب النص النسوي ‪ -‬محمد الفوز ‪62.......................‬‬
‫بانت سعاد‪ ..‬قراءة في اللغة والمعنى ‪ -‬د‪ .‬علي محمد هنداوي ‪65...‬‬
‫الرماد للكاتب عبدالمعز شاكر ‪ -‬هويدا صالح‪68...................‬‬
‫مواجهات‪ :‬أبو سنة‪ :‬غابت سلطة النقد وانجرفنا مع «الفرقعة» ‪-‬‬
‫حاوره عصام أبو زيد ‪70.............................................‬‬
‫أحمد الواصل‪« :‬سورة الرياض» عن جيل تسحقه الهوية الضائعة!‬
‫ حاوره محمد نجيم ‪72...........................................‬‬‫نوافذ‪ :‬القاص عبدالرحمن الدرعان‪ :‬إدغار ألن بو (السعودي) يرضع‬
‫طفولته من حقائبه القصصية السردية ‪ -‬هدال القصار ‪86.........‬‬
‫رجل جاء‪ ..‬وذهب ‪ -‬ميسون أبو بكر ‪90.............................‬‬
‫من روائع البيان في حديث القران عن الدابة ‪ -‬د‪ .‬عبدالحميد الديب ‪97.‬‬
‫المعلمون في تراثنا العربي‪ :‬أخطار المهنة ‪ -‬الزبير مهداد‪100.....‬‬
‫النص الرقمي ‪ -‬أشرف الخريبي‪103................................‬‬
‫ّ‬
‫القصة القصيرة جداً واألشكال النثرية البسيطة ‪ -‬محمد تنفو‪111...‬‬
‫نشاطات ثقافية‪ :‬فعاليات دار الجوف للعلوم ‪114...................‬‬
‫نفحات من معرض الرياض الدولي للكتاب ‪ -‬محمد صوانه‪115....‬‬
‫قراءات‪116............................................................‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫‪3‬‬

‫مراجعة خطط التنمية لتحقيق التوازن‬
‫> إبراهيم احلميد‬

‫سعت الدولة الكريمة‪ ،‬ممثلة في قادتها‪ ،‬ومن خالل خطط التنمية المتعاقبة‪،‬‬
‫وصوال إلى خطة التنمية الثامنة‪ ،‬إلى نقل المملكة‪  ‬من حقبة زمنية سحيقة اتسمت‬
‫بالبساطة والبدائية‪ ،‬إلى مرحلة جديدة يملك المجتمع فيها كل أسباب المدنية‬
‫المعاصرة من اقتصاد مزدهر ومدن متطورة‪.‬‬
‫وقد كان الفتا أن تقوم الدولة بمراجعة هذه الخطط‪ ،‬بين فترة وأخرى؛ لتتبين‬
‫واقع خطط التنمية ومخرجاتها‪ ،‬ال من خالل وزارة االقتصاد والتخطيط المناط‬
‫بها مهمة مراجعة الخطط التنموية منذ العام ‪1976‬م‪ ،‬بل بإشراف مباشر واهتمام‬
‫واضح من رأس الهرم في القيادة‪ ،‬من خالل التدخل إلصالح الخلل‪ ،‬وذلك بإجراء‬
‫بعض العمليات الجراحية التي كانت ضرورية ومطلوبة؛ مثل سعي القيادة عام‬
‫‪1416‬هـ من أجل تحقيق التنمية المتوازنة‪ ،‬وتأكيد خادم الحرمين الشريفين الملك‬
‫عبدالله بن عبدالعزيز‪ ،‬في مناسبات مختلفة على تحقيق التوازن في التنمية‪،‬‬
‫وتعويض المناطق التي لم تنل حظها منها‪ ،‬وقد كللها بزياراته التاريخية لجميع‬
‫مناطق المملكة‪.‬‬

‫ا فتتا حيــــة‬
‫‪4‬‬

‫لقد بدأت مرحلة مهمة في تاريخ بعض المناطق التي تم فيها إجراء تعديالت‬
‫إدارية‪  .‬ويمكن تأريخ تلك المرحلة في بداية السبعينيات الميالدية‪ ،‬عندما تم‬
‫تعيين سمو األمير خالد الفيصل أميرا لمنطقة عسير؛ ثم جاءت المرحلة الثانية‪،‬‬
‫وهي فترة بداية الثمانينيات الميالدية التي تم تعيين سمو األمير عبداإلله أميرا‬
‫لمنطقة القصيم‪ ،‬وسمو األمير عبدالمجيد ‪ -‬يرحمه الله ‪ -‬لمنطقة تبوك‪ ،‬وسمو‬
‫األمير مقرن بن عبدالعزيز أميرا لمنطقة حائل ؛ ثم جاءت مرحلة تعيين سمو‬
‫األمير محمد بن فهد أميرا للمنطقة الشرقية‪ ،‬وكانت نتائج تلك المراحل مبهرة‪،‬‬
‫إذ استطاعت تلك التعديالت اإلداري��ة النهوض بتلك المدن‪ ،‬واالنتقال بها من‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫مرحلة النمو إل��ى مرحلة ال��ق��ف��زات التنموية‪،‬‬
‫التي أدت إل��ى وص��ول تلك ال��م��دن إل��ى مراحل‬
‫متقدمة جدا؛ وأصبحت تفصل بين تلك المناطق‬
‫ومناطق المملكة األخرى فجوات تنموية لم يتسن‬
‫تجسيرها أو ردمها حتى اليوم‪.‬‬
‫ومع أن دراسة متعمقة لتلك المراحل التنموية‬
‫التي عاشتها هذه المناطق ‪ -‬التي حدثت فيها‬
‫التغييرات اإلداري��ة في وقت مبكر ‪ -‬لم تحدث‬
‫بعد‪ ،‬أو أنني لم أطلع عليها؛ إال أن واقع الحال‬
‫يشير إلى أن ثمة مناطق استطاعت تحقيق أكبر‬
‫قدر من الفوائد من خطط التنمية؛ ليس بسبب‬
‫تلك الخطط التنموية‪ ،‬بل لسبب بسيط يتعلق‬
‫بالصالحيات اإلداري��ة والتنفيذية وقوة العزيمة‬
‫التي تمتّع بها المسؤولون في تلك المناطق؛ بينما‬
‫لم تتحقق التنمية المنشودة في مناطق أخرى‬
‫ألسباب عدة‪ ،‬منها‪ :‬إسقاطها من برامج التنمية‬
‫التي تقرها خطط التنمية المتعاقبة‪ ،‬وعدم وجود‬
‫نفوذ لتلك المناطق في الوزارات التنفيذية‪.‬‬
‫واآلن فللمراقب أو المحلل أن يحتار في أمر‬
‫المناطق األخرى التي شملتها التغييرات اإلدارية‬
‫الالحقة‪ ،‬مثل‪ :‬منطقة الجوف‪ ،‬التي ب��دأت في‬
‫نهاية التسعينيات الميالدية‪ ،‬إذ على الرغم من‬
‫الحاجة الفعلية للمشاريع التنموية لتلك المناطق‪،‬‬
‫وتركيز خطتي التنمية التاليتين‪ :‬السابعة والثامنة‬
‫نظريا على تحقيق التنمية المتوازنة‪ ،‬وعلى الرغم‬
‫من الزخم الذي رافق تلك التغييرات‪ ،‬إال إنها لم‬
‫تأت بما تطمح إليه قيادة الوطن وال المواطن‬
‫في تلك المناطق‪ ،‬من تغيير منشود ألحوال مدن‬
‫تلك المناطق التي بقيت على حالها؛ بل ازدادت‬
‫بؤسا‪ ،‬مع تأخير تنفيذ مشاريع التنمية التي أتيح‬

‫إقرارها فيها؛ بسبب نقص المشاريع المعتمدة‬
‫وع��دم إق��رار مشروعات تسهم بشكل فاعل في‬
‫التغيير التنموي المنشود فيها؛ م��ا أسهم في‬
‫إيجاد مشكالت باتت تؤرق متخذي القرار اليوم‬
‫على مستوى الوطن‪ :‬كالبطالة‪ ،‬والهجرة سواء‬
‫إل��ى العاصمة أو إل��ى المدن الكبرى‪ ،‬وتصاعد‬
‫الجريمة‪ ،‬واإلرهاب‪.‬‬
‫وي��س��ت��درج ه���ذا ال��ت��ح��ل��ي��ل‪ ،‬ان��ع��ك��اس مستوى‬
‫ال��ت��ن��م��ي��ة‪ ،‬ع��ل��ى م��س��ت��وى ال��ت��غ��ي��ري��ن ال��ث��ق��اف��ي‬
‫واالجتماعي؛ فقد انعكست التنمية المادية على‬
‫التنمية االجتماعية والثقافية في المناطق التي‬
‫شملتها خطط التنمية في وقت مبكر؛ بينما لم‬
‫تتحقق ه��ذه التنمية االجتماعية والثقافية في‬
‫المناطق األخرى‪ ،‬التي انعكس الواقع المتخلف‬
‫تنمويا فيها على الواقع االجتماعي والثقافي‪،‬‬
‫ال��ذي ظ��ل ي���راوح مكانه؛ ب��ل إن��ه يشهد نكوصا‬
‫مستمرا بسبب هذا التأخير‪.‬‬

‫***‬
‫إن��ه��ا دع����وة ل��م��راج��ع��ة خ��ط��ط ال��ت��ن��م��ي��ة في‬
‫المناطق التي ل��م تصلها ي��د التنمية‪ ،‬بالشكل‬
‫ال��ذي رسمه ملك ال��ب�لاد حفظه ال��ل��ه‪ ،‬ولتأكيد‬
‫أحقيتها ف��ي تعويضها ع��ن ال��س��ن��وات العجاف‬
‫التي عاشتها طوال العقود الماضية؛ من خالل‬
‫توظيف جزء من الطفرة الجديدة فيها‪ ،‬ومراجعة‬
‫أسباب نجاح التغييرات اإلداري��ة التي تمت في‬
‫مرحلة الثمانينيات الميالدية‪ ،‬وإخفاق التغييرات‬
‫التي تمت الحقا‪ ،‬في إحداث التغيير المنشود‪،‬‬
‫وتجسير الهوة التنموية والثقافية‪ ،‬التي باتت‬
‫تفصل بين مناطق المملكة‬
‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫‪5‬‬

‫مهرجان الزيتون‪:‬‬

‫إضافة اقتصادية وثقافية ملنطقة اجلوف‬
‫> متابعة‪ :‬أسرة التحرير‬
‫نظمت منطقة الجوف خالل الفترة من ‪ 11/21‬وحتى ‪1428/12/21‬ه���ـ‪« ،‬مهرجان الجوف‬
‫األول للزيتون» ليكون أول مهرجان رسمي للزيتون في المملكة والجزيرة العربية فدخلت المنطقة‪،‬‬
‫بشكل خاص‪ ،‬والمملكة‪ ،‬بشكل عام‪ ،‬في عقد اقتصادي وثقافي جديدين يتمثالن في تشجيع زراعة‬
‫شجرة الزيتون واستثمارها‪ ،‬إذ لم يكن معروفا لدى قطاعات واسعة من المهتمين وجود اقتصاد‬
‫للزيتون في المملكة‪ ،‬ينعكس ليشكل ثقافة جديدة في منطقة الجوف‪ ،‬بدأت أولى خطواتها منذ‬
‫سنوات طويلة‪ .‬وقد جاء في كتاب الزيتون الصادر عن أمانة منطقة الجوف عام ‪1429‬ه��ـ‪ ،‬أن‬
‫أشجار الزيتون بلغت ‪ 12.300.000‬شجرة‪ ،‬كما بلغ إنتاج زيت الزيتون حوالي ‪ 21‬ألف طن‪.‬‬
‫وقد وجه صاحب السمو الملكي األمير فهد بن بدر بن عبدالعزيز‪ ،‬أمير منطقة الجوف‪،‬‬
‫صاحب فكرة المهرجان وموجهها‪ ،‬باإلعداد الجيد للمهرجان‪ ،‬الذي أقيمت فعالياته في مركز‬
‫األمير عبداإلله الحضاري بمدينة سكاكا‪ ،‬وقد خصصت فيه أماكن لمزارعي ومنتجي الزيتون‬
‫من منطقة الجوف‪ ،‬عُرِ ض فيها إنتاجهم من الزيتون ومشتقاته دون مقابل؛ كما خصصت أماكن‬
‫للشركات المنتجة والمتخصصة بالزيتون وصناعاته‪ .‬وقد استقطب المهرجان عدداً من كبرى‬
‫الشركات التي تعنى بزراعة الزيتون وإنتاجه وعصره وتخليله‪ ،‬كي يستفيد المواطنون مما لديها‬
‫من خبرات وتجارب تتعلق بزراعة الزيتون واستثمار منتجاته‪.‬‬

‫مهرجان الزيتــون‬
‫‪6‬‬

‫وجاء تنظيم المهرجان بهدف االرتقاء بصناعة وتسويق منتجات الزيتون‪ ،‬وتطوير قطاع زراعة‬
‫الزيتون‪ ،‬من خالل توجيه االستثمارات الزراعية نحو شجرة الزيتون‪.‬‬
‫وقد أثبتت أمانة منطقة الجوف بالتعاون مع مختلف الجهات المشاركة أن باستطاعة العمل‬
‫الجماعي فعل الكثير من النجاح‪ ،‬بناء على النتائج الباهرة التي حققها المهرجان خالل فترة‬
‫وجيزة‪ ،‬إذ وصلت رسالة المهرجان والمنطقة عبر مختلف وسائل اإلعالم إلى كافة المتلقين‬
‫بصورة مباشرة نقلت الحدث إلى كل مكان‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫حفل االفتتاح‬

‫الدكتور عبدالله العبيد كلمة ذك��ر فيها أن منطقة‬
‫ال��ج��وف تميزت ب��وج��وده��ا بين خطي ال��ع��رض ‪28‬‬
‫و‪ 32‬شماال‪ ،‬ما جعلها مكانا مناسبا لزراعة أشجار‬
‫الفاكهة‪ ،‬والمحاصيل الحقلية‪ ،‬والخضار‪ ،‬وكذلك‬
‫أش��ج��ار ال��زي��ت��ون‪ .‬ساعدها على تميزها ع��ن باقي‬
‫مناطق المملكة مالءمة مناخها وصالحية تربتها‬
‫وتوفر مياهها‪ ،‬حتى أصبحت المنطقة ذات ري��ادة‬
‫متميزة في زراعة أشجار الزيتون‪ ،‬وأشار العبيد إلى‬
‫أن زراعة الزيتون بدأت منذ أوائل عام ‪1380‬هـ‪ ،‬وقد‬
‫ساعد على زراعتها الدعم الذي تلقاه المزارعون من‬
‫حكومة خادم الحرمين الشريفين وولي عهده األمين‪،‬‬
‫ودع���م س��م��و أم��ي��ر منطقة ال��ج��وف م��ن خ�ل�ال حث‬
‫سموه لألجهزة المعنية بالمنطقة على بذل المزيد‬
‫من الجهود في خدمة مزارعي الزيتون‪ ،‬مؤكدا أن‬
‫رعاية سمو أمير الجوف للمهرجان الذي يُع ُّد األول‬
‫من نوعه في المملكة‪ ،‬وتخصيص جائزة مالية سخية‬
‫مقدارها (‪ )100‬ألف ريال ألفضل إنتاج في زراعة‬
‫الزيتون من أجل زيادة االهتمام في هذا القطاع‪.‬‬

‫برعاية كريمة م��ن سمو أم��ي��ر منطقة ال��ج��وف‪،‬‬
‫ص��اح��ب ال��س��م��و ال��م��ل��ك��ي األم��ي��ر ف��ه��د ب��ن ب���در بن‬
‫عبدالعزيز‪ ،‬وح��ض��ور وكيل وزارة ال��زراع��ة لشؤون‬
‫األبحاث الدكتور عبدالله العبيد‪ ،‬ومشاركة أكثر من‬
‫مائتي مزارع‪ ،‬افتتح مساء السبت ‪1428/11/21‬ه��ـ‬
‫مهرجان الزيتون األول في المنطقة‪ .‬وق��د استهل‬
‫الحفل بآيات من الذكر الحكيم رتلها الطفل باسل‬
‫محمد من جمعية األطفال المعاقين‪ ،‬بعدها ألقى‬
‫رئيس اللجنة المنظمة للمهرجان المهندس محمد‬
‫ابن حمد الناصر كلمة رحب فيها بالحضور‪ ،‬وشكر‬
‫سمو األمير على رعايته الكريمة‪ ،‬ودعمه المتواصـل‬
‫لكافة قطاعـات المنطقة بكافة م��ح��اوره��ا‪ ،‬ومنها‬
‫هذا المهرجان الذي يعول عليه بعد الله في إبراز‬
‫م��ي��زات المنطقة؛ فالفكرة ب��دأت لمعالجة مشكلة‬
‫تسويق الزيتون ومنتجاته‪ ،‬ودعم مزارعي المنطقة‪،‬‬
‫ومعالجة مشاكلهم فيما يخص زراعة الزيتون وإنتاج‬
‫مشتقاته وذكر الناصر أن جائزة سمو األمير فهد بن‬
‫وأشار العبيد إلى أن وزارة الزراعة أولت اهتماما‬
‫بدر للزيتون تُعنى برفع جودة المنتج ليكون منافساً‪،‬‬
‫ليس على مستوى الوطن فحسب‪ ..‬بل على مستوى كبيرا بزراعة الزيتون‪ ،‬عندما قامت بإنشاء وحدة‬
‫خاصة بأبحاث الزيتون في الجوف‪ ،‬بهدف تحسين‬
‫األسواق العالمية‪.‬‬
‫كما قدم الناصر شكره وعرفانه للجهات المشاركة إنتاج الزيتون وتطوير طرق إكثاره‪ ،‬وإرشاد المزارعين‬
‫ف��ي التنظيم وال��رع��اي��ة والتغطية اإلع�لام��ي��ة‪ ،‬من بالتقنيات الحديثة ف��ي زراع��ت��ه‪ ،‬وت��ط��وي��ر ق��درات‬
‫الجهات األمنية والحكومية والشركات والمؤسسات المهندسين والفنيين الوطنيين على طرق أساليب‬
‫واإلخ���وة العاملين ف��ي اللجان‪ ،‬وعلى رأس��ه��ا إم��ارة العناية بأشجاره‪.‬‬

‫منطقة الجوف وأمانتها‪ ،‬ووزارة ال��زراع��ة‪ ،‬وجامعة‬
‫ال��ج��وف‪ ،‬والهيئة العليا للسياحة‪ ،‬وكلية التقنية‪،‬‬
‫وال��غ��رف��ة التجارية الصناعية؛ إض��اف��ة إل��ى الرعاة‬
‫الرئيسيين والمشاركين والداعمين؛ مشيرا إلى أن‬
‫الشركات الزراعية والشركات العاملة بالمنطقة في‬
‫مختلف المجاالت بادرت في الرعاية بدافع الوطنية‬
‫واإلسهام في دعم أنشطة المنطقة المختلفة‪.‬‬
‫ث��م أل��ق��ى وك��ي��ل وزارة ال��زراع��ة ل��ش��ؤون األب��ح��اث‬

‫سمو األمير فهد بن بدر بن عبدالعزيز يتفقد معروضات المهرجان‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫‪7‬‬

‫واختتم العبيد كلمته قائال‪ :‬إن شجرة الزيتون‬
‫شجرة مباركة من الناحية الصحية ولها فوائد كثيرة‬
‫للحفاظ على الصحة العامة‪.‬‬
‫ث��م ت��وال��ت ف��ق��رات ال��ح��ف��ل‪ ،‬فألقى ال��دك��ت��ور بدر‬
‫المعيقل قصيدة بعنوان‪« :‬الجوبة والزيتون»‪ ،‬تبعها‬
‫عرض أوبريت «الشجرة المباركة» من تنظيم جامعة‬
‫الجوف‪ ،‬ليتم بعده تكريم الجهات المنظمة‪ ،‬والرعاة‬
‫ويتسلم سموه شعار المهرجان‬
‫الرئيسيين للمهرجان‪ ،‬وقد صاحب االفتتاح عروض‬
‫األول للزيتون بمشاركة ‪ 23‬فنانا تشكيليا‪ ،‬كان منهم‬
‫لفرق المنطقة للفنون الشعبية والكاراتيه‪.‬‬
‫الفنان نصير السمارة‪ ،‬والمصورون‪ :‬أحمد الشمري‪،‬‬
‫معرض الزيتون واملعارض املرافقة له‬
‫ون��اص��ر الحسن‪ ،‬وع���واد ال��ع��واد‪ ،‬وأح��م��د الغريري‪،‬‬
‫وبعد حفل االفتتاح تجول سمو األمير بالمعرض ومحمد الضويحي‪ ،‬وري��ه��ام الكايد‪ ،‬وي��اس��ر العلي‪،‬‬
‫ال��زراع��ي المصاحب للمهرجان‪ ،‬ال��ذي ش��ارك فيه وعبدالله العتيق‪ ،‬ومعجب الحواس‪ ،‬وسلمان المشعل‪,‬‬
‫م���زارع���و ال��م��ن��ط��ق��ة‪ ،‬إض���اف���ة إل���ى اك��ب��ر ال��ش��رك��ات وبدر الرويلي‪.‬‬
‫الزراعية بالمملكة‪ ،‬وشركات التعبئة والتغليف‪ ،‬وقد‬
‫وقد احتوى المعرض على ‪ 45‬صورة مقاس «‪30‬سم‬
‫عرضت منتجات الزيتون المصنع (المكبوس) في‬
‫× ‪40‬سم»‪ ,‬ألشجار الزيتون وثمارها وطرق عصرها‪,‬‬
‫عبوات مختلفة في نوعية المحتوى‪ ،‬ومتفاوتة في‬
‫وإلى جانب الصور الفوتوغرافية تزينت القاعة بعدد‬
‫الحجم تتناسب وحاجة المستهلكين‪ ،‬إضافة إلى زيت‬
‫من المنحوتات للفنان فيصل النعمان‪ ،‬الذي استخدم‬
‫الزيتون الفاخر بعبوات مختلفة نوعا وكما‪ ،‬وكذلك‬
‫شجرة الزيتون كخامة يقوم بنحتها وتشكيلها‪.‬‬
‫ع��رض المشاركون في المعرض الصابون المصنّع‬
‫كما قدم الفنان السمارة لقطات لحبات الزيتون‬
‫من زي��ت الزيتون والفحم الناتج من جفت الزيتون‬
‫وفروعها‪ ,‬وكأنه يرسم لها بورتريها على خلفية من‬
‫إضافة إلى بعض المنتجات األخرى‪ ،‬والتي أقبل زوار‬
‫السماء‪ ,‬فتارة ن��رى السماء صافية زرق��اء من وراء‬
‫المعرض على شرائها‪.‬‬
‫اللوحة‪ ,‬وت��ارة أخ��رى تتسلل إليها السحب البيضاء‬
‫ثم تجول سموه في المعارض المصاحبة للمهرجان‬
‫لتتداخل مع اللون األزرق برقة ونعومة؛ كما صور‬
‫وهي معرض السيارات القديمة‪ ،‬والمعرض الثقافي محمد الضويحي حبة الزيتون في لقطات أخرى وهي‬
‫الذي اشتمل على معرض للمقتنيات األثرية والسدو‪ ،‬منغمسة بين األفرع وأوراق الشجر في وضح النهار؛‬
‫ومعرض للصور الفوتوغرافية بالتعاون مع جماعة بينما أخ��ذ أحمد مبرد لقطاته ألوراق الشجر في‬
‫ال��ج��وف للفنون التشكيلية‪ ،‬وم��ع��رض المضبوطات وقت الغروب‪ ,‬مستغال مشهد الشمس وهي تتساقط‬
‫الجمركية‪ ،‬ومعرض لجمعية تحفيظ القرآن الكريم لتصبح مع إضاءتها خلفية إلحدى أعماله‪.‬‬
‫الخيرية‪ ،‬وجامعة الجوف‪ ،‬ومعرض الكلية التقنية‪،‬‬
‫أما سامي العابد فاهتم بتصوير أجسام الشجر بما‬
‫ومعرض جمعية األطفال المعاقين‪.‬‬
‫فيه من نتوءات‪ ,‬وتصوير جذوعها المورقة‪ ,‬شابهه في‬
‫معرض الزيتون الفوتوغرافي والتشكيلي‬
‫ذلك الفنان صالح اليونس الذي اهتم بجذع الشجرة‬
‫نظم مهرجان ال��ج��وف للزيتون المعرض الفني وفروعها‪ ،‬ولكنه اختار لقطاته مغايرة ألنواع مختلفة‬

‫‪8‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫من الشجر‪ ,‬إذ تناولها من منظور مختلف تظهر فيه‬
‫أوراق شجر المزرعة كخلفية للوحات‪.‬‬
‫أما جميل كساب فقد جاء بفكرة جديدة‪ ,‬فأحضر‬
‫كأسا وألقى فيه ثمار الزيتون‪ ,‬ليلتقط صورته وكأن‬
‫الثمار هي التي تخرج من الكأس منطلقة إلى رحابة‬
‫الكون‪.‬‬

‫الحلويات التي تتفنن بصنعها‪ ،‬وتتميز بلذة مذاقها‬
‫��واع أخرى مختلفة من المكسرات‪ ،‬كما‬
‫ونكهتها‪ ،‬وأن ٍ‬
‫أنها لم تكتف بالمأكوالت الشعبية‪ ،‬فأضافت إلى‬
‫معروضاتها أصنافا حديثة وغريبة لتلبية رغبات‬
‫جميع الزوار‪.‬‬

‫وذك��ر رئيس اللجنة المنظمة لمهرجان الزيتون‬
‫وف��ي مجال النحت‪ ..‬ق��ام فيصل النعمان بنحت األول بالجوف المهندس محمد بن حمد الناصر أن‬
‫اللجنة حرصت على إتاحة الفرصة لألسر المنتجة‬
‫أشكال متنوعة من جذع شجرة الزيتون‪ ,‬لنراه‬
‫ٍ‬
‫لكسب ال����رزق وال��ع��م��ل م��ن خ�لال‬
‫في آن واحد يحوّل الجذع وكأنه‬
‫فعاليات ال��م��ه��رج��ان التي‬
‫مقاطع تظهر بها بعض‬
‫استمرت لمدة شهر‪.‬‬
‫النتوءات التجريدية‬

‫ب���ع���ض ال����ش����يء‪,‬‬
‫وأك����د ال��ن��اص��ر‬
‫م����ل����س����اء‪ ,‬ذات‬
‫أن ال����ل����ج����ن����ة‬
‫لون فاتح؛ وفي‬
‫ح���رص���ت ع��ل��ى‬
‫آن آخ����ر ن���راه‬
‫ت��وف��ي��ر المكان‬
‫ي��ن��ش��يء عالقة‬
‫ال������م������ن������اس������ب‬
‫ح���م���ي���م���ي���ة ب��ي��ن‬
‫ل��������ت��������س��������وي��������ق‬
‫جذعين حتى كأنها‬
‫المأكوالت الشعبية‪،‬‬
‫ي��ت��ع��ان��ق��ان‪ ,‬ل��ي��ه��ت��م في‬
‫مبينا أن ال��س��وق حقق‬
‫شكل آخر بإظهار التفاصيل‬
‫ن���ج���اح���ا ك���ب���ي���را م����ن خ�ل�ال‬
‫الدقيقة لجسم الشجرة التي تعبر عن‬
‫المهرجان‪ ،‬إذ تخطت مبيعاته في األيام‬
‫ملمسها الخشن‪ .‬وق��د استمر المعرض طيلة أيام األولى للمهرجان ‪ 100‬ألف ريال‪ ،‬وبلغ زواره أكثر من‬
‫المهرجان‪.‬‬
‫‪ 500‬متسوق يومياً‪ ،‬مؤكدا أن عددا كبيرا من األسر‬
‫سوق المأكوالت الشعبية في مهرجان الزيتون المنتجة استطاعت سد حاجتها من خالل السوق‪.‬‬
‫ح��ق��ق س���وق ال��م��أك��والت الشعبية ال��ن��س��ائ��ي في‬
‫مهرجان الزيتون األول مبيعات جيدة‪ ،‬ويقام هذا‬
‫ال��س��وق للمرة األول���ى على مستوى المنطقة كأحد‬
‫الفعاليات المصاحبة للمهرجان‪ ،‬إال أنه حقق نجاحا‬
‫وأصبح له مرتادوه يوميا‪ .‬وقد تواجدت فيه نسوة‬
‫لبيع إنتاجهن من المأكوالت الشعبية والحلويات‪،‬‬
‫وق��د ذك��رت إحداهن إنها تبيع أصنافا متنوعة من‬
‫المأكوالت الشعبية الجوفية‪ ،‬من أشهرها المرقوق‪،‬‬
‫والهريس والجريش‪ ،‬إضافة إلى أصناف كثيرة من‬

‫رالي الزيتون‬

‫نظم المهرجان ألول مرة على مستوى المنطقة‬
‫رالي الزيتون بجوار ميدان الفروسية بمدينة سكاكا‪،‬‬
‫وقد شارك فيه (‪ )13‬مشاركا بسيارات الدفع الرباعي‪،‬‬
‫واشترطت اللجنة المنظمة للرالي على المتسابقين‬
‫حمل رخصة ق��ي��ادة س��اري��ة المفعول‪ ،‬وتأمين على‬
‫المركبة‪ ،‬ووجود طفاية حريق لكل سيارة‪ ،‬مع التقيد‬
‫التام بالزي الرياضي‪ ،‬ولبس الخوذة‪.‬‬
‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫‪9‬‬

‫وجاء في المركز األول السائق عيد الغالي‪ ،‬وفي‬
‫المركز الثاني جمال الرويلي‪ ،‬وفي المركز الثالث‬
‫أح��م��د ال��ه��ذي��ل‪ ،‬وف��ي ال��م��رك��ز ال��راب��ع عبدالمحسن‬
‫النصيري‪ ،‬وف��ي المركز الخامس أش��رف البديوي‪،‬‬
‫وفي نهاية الرالي تم تكريم الفائزين‪.‬‬

‫اختتام فعاليات المهرجان‬
‫‪ 150‬ألف زائر‬
‫حقق مهرجان الزيتون األول بالجوف مبيعات‬
‫تجاوزت العشرة ماليين ‪ /10.387.000/‬ريال وبلغ‬
‫عدد الزوار نحو (‪ )150‬ألف زائر من مختلف مناطق‬
‫المملكة‪.‬‬
‫وبين رئيس لجنة اإلع�لام والتسويق بالمهرجان‬
‫ياسر بن إبراهيم العلي أن المهرجان استطاع جذب‬
‫شريحة من المواطنين من خ��ارج المنطقة للتمتع‬
‫بفعالياته‪ ،‬وش���راء زي��ت زي��ت��ون ال��ج��وف ال��ذي يمتاز‬
‫بجودة عالية‪ .‬كما أن أهالي المنطقة قضوا إجازاتهم‬
‫مع فعاليات مهرجان الزيتون‪ ،‬حيث حرصت اللجنة‬
‫على تكثيف الفعاليات ف��ي ه��ذه الفترة وق���ال‪ :‬من‬
‫الفعاليات التي صاحبت المهرجان خ�لال اإلج��ازة‬
‫ع���روض للطيران ال��ش��راع��ي‪ ،‬حيث نُ ِ��فّ�� َذ أك��ث��ر من‬
‫عرض خالل أيام متفرقة‪ ،‬وعروض مكثفة لألطفال‪،‬‬
‫ومسابقات وهدايا لألطفال‪ ،‬وكذلك رال��ي الزيتون‬
‫الثاني‪.‬‬
‫وق����د س��ج��ل ال��م��ه��رج��ان ح���ض���ورا م���ن ال��ع��وائ��ل‬
‫واألطفال‪ ،‬وفاق عدد حضور الفعالية الواحدة أكثر‬
‫م��ن (‪ )10‬آالف متفرج‪ ،‬كما أق��ي��م إف��ط��ار جماعي‬
‫بالمهرجان في ي��وم عرفة‪ ،‬وأقيمت أمسية شعرية‬
‫للشاعر عبدالرحمن المرخان‪ ،‬ومحاضرة التركيبة‬
‫الكيمائية ل��زي��ت ال��زي��ت��ون للدكتور ن��اي��ف المعيقل‪،‬‬
‫ومحاضرة عن الزيتون في الحضارات للدكتور خليل‬
‫المعيقل‪.‬‬
‫وق���د واص����ل ال��م��ه��رج��ان ف��ع��ال��ي��ات��ه المصاحبة‬

‫‪10‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫كالمعرض ال���زراع���ي‪ ،‬وج��ن��اح ال��م��أك��والت الشعبية‬
‫وج��ن��اح ال��ح��رف ال��ي��دوي��ة‪ ،‬وج��ن��اح م��ع��رض ال��زي��ت��ون‬
‫ب��ال��ق��ران نظمته الجمعية الخيرية للقران الكريم‬
‫بالجوف‪ ،‬وجناح التصوير الفوتوغرافي الذي نظمته‬
‫جماعة الجوف للفنون التشكيلية‪ ،‬وجناح الجمارك‬
‫لجمرك ال��ح��دي��ث��ة‪ ،‬وج��ن��اح الكلية التقنية‪ ،‬وجناح‬
‫جامعة ال��ج��وف‪ ،‬والمقتنيات األث��ري��ة ال��ذي شاركت‬
‫فيه ثالثة متاحف هي‪ :‬متحف الشيخ فهد البلهيد‬
‫ومتحف ع��ادل الشمدين ومتحف النويصر‪ .‬وجناح‬
‫السدو الذي شاركت فيه جمعية الملك عبدالعزيز‬
‫الخيرية‪ ،‬إل��ى ج��ان��ب ال��ح��رف ال��ي��دوي��ة بالمهرجان‬
‫كحرفة الجمري‪ ،‬وصناعة الصابون من زيت الزيتون‪،‬‬
‫وصناعة التفل من الجفت‪ ،‬والحدادة‪ ،‬وحرفة السمح‪،‬‬
‫ورباب الدالل‪ ،‬وحرفة النسيج‪.‬‬
‫وقد واصل المهرجان تقديم العروض الفلكلورية‬
‫للعرضة والسامري والدحة والربابة من خالل مضافة‬
‫المهرجان‪.‬‬
‫وبين العلي أن المهرجان شهد حضور المستثمرين‬
‫ورجال األعمال من خارج المنطقة‪ ،‬بهدف تسويق زيت‬
‫زيتون الجوف الذي يتمتع بجودة عالية على المستوى‬
‫العالمي‪ ،‬حسب ما أفادت به االختبارات والدراسات‪،‬‬
‫مشيرا إلى أن عددا من مزارعي المنطقة و ِ ُّف َق لبيع‬
‫كامل إنتاجه من الزيت في المهرجان‪ ،‬وال��ذي بلغ‬
‫نحو ‪ 30‬طناً‪ ،‬فيما ق��درت الكميات المباعة خالل‬

‫من فعاليات المهرجان‬

‫المهرجان بنحو (‪ )300‬طن من الزيت و(‪ )200‬طن‬
‫من الزيتون‪.‬‬
‫ورصد رئيس لجنة اإلعالم والتسويق بالمهرجان‬
‫ارتفاعا على الطلب على األراضي الزراعية بالمنطقة‪،‬‬
‫الستثمارها في مجال الزيتون وصناعاته‪ ،‬مشيرا إلى‬
‫أن ذلك سيدعم المقومات االقتصادية في المنطقة‪.‬‬

‫ختام المهرجان‬
‫اختتمت مساء ‪1428/12/22‬هـ فعاليات مهرجان‬
‫الزيتون األول بالجوف تحت رعاية صاحب السمو‬
‫الملكي األمير فهد بن بدر بن عبدالعزيز أمير منطقة‬
‫الجوف‪ ،‬وذل��ك بمركز األمير عبداإلله الحضاري‪،‬‬
‫ب��ح��ض��ور وك��ي��ل إم�����ارة م��ن��ط��ق��ة ال���ج���وف ال��م��س��اع��د‬
‫ع��ب��دال��رح��م��ن ال��م��ف��رج‪ ،‬ورئ��ي��س ال��ل��ج��ن��ة المنظمة‬
‫لمهرجان الزيتون المهندس محمد بن حمد الناصر‪.‬‬
‫وقد بدأ الحفل بالقرآن الكريم‪ ،‬بعدها تم عرض فيلم‬
‫وثائقي لفعاليات المهرجان منذ انطالقته والفعاليات‬
‫المصاحبة له‪ .‬ثم ألقى المفرج كلمة نيابة عن سمو‬
‫أمير منطقة الجوف‪ ،‬نقل فيها شكر سموه وتقديره‬
‫لجميع العاملين ف��ي ال��م��ه��رج��ان‪ ،‬وتهنئته ألهالي‬
‫الجوف بنجاح المهرجان‪ .‬بعدها ألقى رئيس اللجنة‬
‫المنظمة المهندس الناصر كلمة شكر فيها العاملين‬
‫بالمهرجان قائال إن المهرجان ولد عمالقا‪ ،‬وحقق‬
‫الهدف المنشود منه‪ ،‬وهو تحقيق الفرصة االستثمارية‬
‫لمزارعي المنطقة لتسويق منتجاتهم من الزيتون‪ ،‬وتم‬
‫تكريم الفائزين بالمسابقات التي صاحبت المهرجان‬

‫وقد فاز بجائزة فهد بن بدر للزيتون المزارع عبدالله‬
‫ماطل الجريد ومقدارها (‪ )100‬ألف ريال‪ .‬وأوضح‬
‫الناصر أن لجنة الجائزة قامت باختبار عينات زيت‬
‫الزيتون للمزارعين المشاركين في المعرض الزراعي‬
‫المقام ضمن أنشطة المهرجان في مختبر الجودة‬
‫والنوعية بالحديثة‪ ،‬نظراً لتميز المختبر ودقة نتائجه‬
‫المخبرية‪ ،‬موضحاً أن أه��م المعايير التي أخذتها‬
‫اللجنة بعين االعتبار جودة الزيت‪ ،‬ومبيناً أن هناك‬
‫العديد من المعايير التي ستدخل ضمن الجائزة في‬
‫السنوات المقبلة‪ .‬كما أشار إلى أن هناك عددا من‬
‫المزارعين الذين أثبتت فحوصات المختبر أن زيتهم‬
‫يصنف بأنه زي��ت زيتون بكر ممتاز‪ ،‬وحصلوا على‬
‫المراكز التالية‪ :‬المركز الثاني أحمد عيد الضويحي‪،‬‬
‫والمركز الثالث عبدالعزيز يوسف الثاري‪ ،‬والمركز‬
‫الرابع فهد عواد الدهام‪ ،‬وفي المركز الخامس فهيد‬
‫مخلف السردي‪ .‬مشيراً إلى أن زيت زيتون الجوف‬
‫يتميز بأنه زيت بكر ممتاز‪ ،‬ويعد من الدرجة األولى‬
‫وفقاً لنسبة الحموضة فيه‪.‬‬
‫بعدها تم تكريم المزارعين المشاركين بالمهرجان‪،‬‬
‫ومنسوبي المعارض المصاحبة له‪ ،‬ورؤس��اء اللجان‬
‫والعاملين فيها‪ ،‬كما تم تكريم الجهات الحكومية‬
‫المشاركة بتنظيم المهرجان وك��ذل��ك اإلعالميين‬
‫الذين غطوا الفعاليات‪.‬‬
‫وق��د ذك��ر رئيس لجنة اإلع�ل�ام والتسويق ياسر‬
‫إبراهيم العلي أن سمو األمير وجه بإقامة المهرجان‬
‫سنويا في شهر ديسمبر من كل عام‪ ،‬مشيرا إلى انه‬
‫تم اختيار هذا الوقت بالتحديد ليتزامن المهرجان‬
‫مع موسم قطاف الزيتون‪.‬‬
‫كما ذكر العلي أن المهرجان وفر للمنطقة العديد‬
‫من المزايا‪ ،‬أهمها استقطاب الكثير من أبناء المملكة‪،‬‬
‫الذين توافدوا من كل المناطق لحضور فعالياته‪ ،‬لما‬
‫فيه من مزايا شتى‪ ،‬ابتداء بالتعريف بشجرة الزيتون‬
‫المباركة ومراحل نموها حتى قطاف ثمرها‪ ،‬ومن ثم‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪11‬‬

‫ولذا فقد اتجهت شركة الجوف للتنمية الزراعية‬
‫عصرها بالطرق السليمة‪ ،‬مشيرا إلى أن عدد زوار‬
‫إلى توجيه جزء من استثماراتها في إقامة مشروع‬
‫المهرجان بلغ (‪ )150‬ألف زائر‪.‬‬
‫وذك���ر ال��ع��ل��ي أن الهيئة العليا للسياحة قامت ل��زراع��ة م��ل��ي��ون ش��ج��رة بمنطقة بسيطا – وادي‬
‫بدعم هذا المهرجان ماديا وإدراج��ه ضمن رزنامة السرحان على مساحة ‪ 4000‬هكتار‪.‬‬
‫الفعاليات والهاتف السياحي‪ ،‬وستتواصل في دعمه أهداف المشروع‬
‫خالل السنوات القادمة‪.‬‬
‫يهدف المشروع إلى زراعة مليون شجرة زيتون‬

‫تجربة شركة الجوف الزراعية‬

‫وذلك لغرض‪:‬‬

‫‪ -1‬إنتاج (‪ )7000‬طن زيت زيتون و(‪ )30000‬طن‬
‫في زراعة الزيتون وإنتاج الزيت‬
‫زيتون مائدة‪ .‬اضافة إلى المنتجات األخرى مثل‬
‫تعد شجرة الزيتون من األشجار المباركة التي ورد‬
‫الصابون والفحم وغيرهما‪.‬‬
‫ذكرها في القرآن الكريم ومنها قوله عز وجل (والتين‬
‫والزيتون وطور سينين) سورة التين‪( ،‬وزيتونا ونخال) ‪ -2‬ت��ن��وي��ع م��ص��ادر ال��دخ��ل ل��ل��ش��رك��ة اس��ت��ن��ادا إل��ى‬
‫االس��ت��ف��ادة م��ن ال��ظ��روف ال��م��ن��اخ��ي��ة المالئمة‬
‫س��ورة عبس‪( ،‬وشجرة تخرج من ط��ور سيناء تنبت‬
‫لزراعة أشجار الزيتون بمنطقة الجوف والمناطق‬
‫بالدهن وصبغ لآلكلين) سورة المؤمنون‪.‬‬
‫الشمالية‪.‬‬
‫كما جاء ذكرها أيضا في اإلنجيل والتوراة‪ ،‬ومن‬
‫هنا فقد اكتسبت أهميتها عند المسلمين وغير ‪ -3‬خدمة المزارعين في المناطق الشمالية‪ ،‬وذلك‬
‫عن طريق توفير الشتالت الجيدة والمساعدة‬
‫المسلمين على السواء‪ ،‬إذ يستعمل زيتها في الغذاء‬
‫في عمليات العصر والتسويق‪.‬‬
‫والعالج معا‪ .‬وتعد هذه الشجرة من أشجار حوض‬
‫البحر المتوسط‪ ،‬إذ يوجد به حاليا نحو ‪ %95‬من ‪ -4‬المساهمة في نشر الوعي الغذائي والصحي‬
‫بفوائد زيت الزيتون‪.‬‬
‫أشجار الزيتون‪ ،‬كما نجحت زراع��ت��ه في المنطقة‬
‫الواقعة بين خطي ‪ 45-30‬شماال وجنوبا‪.‬‬
‫الخطوات العملية لهذا التوجه‬

‫توجه الشركة لزراعة الزيتون‪:‬‬
‫‪ -1‬القيام بإعداد عدة دراسات من قِ بَلِ مجموعة من‬
‫المكاتب المتخصصة‪ ،‬لدراسة جدوى اقتصاديات‬
‫ازدادت زراع���ة أش��ج��ار ال��زي��ت��ون ف��ي السنوات‬
‫مشروع زراعة أشجار الزيتون‪ .‬إضافة إلى اإلفادة‬
‫األخيرة في شمال المملكة العربية السعودية في‬
‫كل من الجوف وتبوك وح��ائ��ل‪ ،‬وساعد على ذلك‬
‫تحمل هذه الشجرة للظروف البيئية الصعبة مقارنة‬
‫بغيرها من أشجار الفاكهة األخرى‪ ،‬خصوصا تحت‬
‫ظروف الجفاف والملوحة وتباين أنواع التربة‪.‬‬
‫وم���ن ال��م��ن��ظ��ور االق���ت���ص���ادي ل��ش��ج��رة ال��زي��ت��ون‬
‫والمتمثل في قلة التكاليف وزي��ادة اإلنتاج‪ ،‬إضافة‬
‫إل��ى استخداماتها المتعددة‪ ،‬األم��ر ال��ذي ينعكس‬
‫إيجابا على اإليرادات وتنوع مصادر الدخل‪.‬‬

‫‪12‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫حضور كثيف من أهالي الجوف لفعاليات المهرجان‬

‫م��ن آراء ال��خ��ب��راء والمتخصصين ف��ي زراع���ة‬
‫الزيتون‪ ،‬س��واء في البلدان العربية والغربية‪،‬‬
‫وقد كانت المؤشرات والدالئل مشجعة‪ ،‬ما حدا‬
‫بالشركة للبدء بالتنفيذ‪.‬‬

‫أ‪ -‬قلة تكاليفها‪.‬‬
‫ب‪ -‬إنتاج الشتالت على مدار العام‪.‬‬
‫ت‪ -‬قلة الفترة الزمنية إلنتاج الشتالت‪.‬‬
‫ث‪ -‬تكون مطابقة تماما لألم‪.‬‬

‫‪ -2‬بدأت الشركة باستجالب عدة أصناف عالمية‬
‫‪ -5‬ال��ق��ي��ام ب��إن��ش��اء ال��ب��س��ات��ي��ن وزراع��ت��ه��ا بأشجار‬
‫وعربية وزراعتها قبل ‪ 12‬سنة‪ ،‬وتتبع حالتها‬
‫الزيتون‪ ،‬وفق أحدث المعايير‪ ،‬مع مراعاة األمور‬
‫وم��دى مواءمتها لظروف المنطقة واألغ��راض‬
‫التالية‪:‬‬
‫التي تزرع من أجلها‪ ،‬واستمرت على هذا النهج‪،‬‬
‫أ‪ -‬عمل خريطة للبستان موضحا عليها األقسام‬
‫حيث تم إقامة مجمع وراثي للزيتون يضم العديد‬
‫المختلفة‪ :‬الطرق‪ ،‬وشبكة الري‪ ،‬ومصدات‬
‫من األصناف‪ ،‬التي زرعت تحت ظروف موحدة‪،‬‬
‫الرياح‪ ،‬مع عمل تحليالت التربة والمياه‪.‬‬
‫لمعرفة م��دى مالءمتها واستجابتها للظروف‬
‫البيئية السائدة في المنطقة‪.‬‬
‫ب‪ -‬مسافات ال��زراع��ة ‪6×6‬م ث��م تعديلها إلى‬
‫‪8×6‬م‪.‬‬
‫‪ -3‬توفير الكوادر البشرية المؤهلة لهذا لمشروع‪،‬‬
‫وذل����ك ع���ن ط��ري��ق ال��ت��ع��اق��د م���ع م��ج��م��وع��ة من‬
‫المهندسين العرب والمختصين في مجال زراعة‬
‫الزيتون وعصره‪ ،‬إضافة إلى توظيف مجموعة‬
‫من المهندسين السعوديين في المشروع‪.‬‬

‫ت‪ -‬ت��م زراع����ة أك��ث��ر م��ن ص��ن��ف ف��ي البستان‪،‬‬
‫وروعي توافق مواعيد أزهارها للتغلب على‬
‫مشاكل عدم التوافق‪.‬‬
‫ث‪ -‬مراعاة االحتياجات المائية للشجرة عند‬
‫تصميم الشبكات‪ ،‬وهي تختلف تبعا للعمر‬
‫وم��وس��م النمو وال��ظ��روف البيئية ونوعية‬
‫المياه‪.‬‬

‫‪ -4‬إنشاء وتأسيس مشتل نموذجي إلكثار الزيتون‪،‬‬
‫لتوفير احتياجات التوسع األفقي لهذا المشروع‪،‬‬
‫إضافة إل��ى توفير شتالت موثوقة للمزارعين‬
‫والشركات األخرى‪ ،‬ومن ثم نشر الوعي وثقافة ‪ -6‬الحصول على الشهادات العضوية العالمية في‬
‫زراعة الزيتون في المنطقة‪ ،‬واإلكثار في الشركة‬
‫منتج أشجار الزيتون وزيته‪ ،‬ومن ثم فإن منتج‬
‫يتم باستخدام العقلة النصف غضة أو النصف‬
‫���ال من‬
‫زي��ت زي��ت��ون ش��رك��ة ال��ج��وف ع��ض��وي وخ ٍ‬
‫األسمدة والمبيدات الكيماوية‪.‬‬
‫خشبية أو تحت الطرفية للميزات التالية‪:‬‬
‫‪ -7‬القيام بدراسة إنشاء مجمع صناعي للزيتون‪،‬‬
‫المرحلة األولى تتكون من مصنع للزيت‪ ،‬ومصنع‬
‫للتخليل‪ ،‬وم��ص��ن��ع ل��ل��ص��اب��ون‪ ،‬وم��ص��ن��ع للفحم‬
‫واألس��م��دة‪ .‬وق��د ب���دأت التجهيزات اإلنشائية‬
‫إلنشاء المجمع‪.‬‬

‫ثمرات هذا التخطيط‬
‫معروضات متنوعة لزيت الزيتون وثماره في مهرجان الجوف‬

‫‪ -1‬تعد شركة الجوف للتنمية الزراعية أكبر منتج‬
‫لزيت الزيتون في المملكة العربية السعودية‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪13‬‬

‫‪ -2‬زي��ت زي��ت��ون (ال��ج��وف) حظي بقبول واس��ع من‬
‫المستهلكين في داخ��ل المملكة وف��ي خارجها‪,‬‬
‫نظرا لما يمتاز به من جودة عالية‪.‬‬
‫‪ -3‬تم تصدير كميات من زي��ت زيتون الجوف إلى‬
‫عدة بلدان عربية وأوروبية‪( :‬دول الخليج العربي‬
‫واألردن واسبانيا وسويسرا)‪.‬‬

‫الزيتون في الحضارات القديمة‬
‫> د‪ .‬خليل بن إبراهيم المعيقل‬

‫(‪)1‬‬

‫تعد شجرة الزيتون من األشجار المباركة التي‬
‫ورد ذكرها في ال��ق��رآن الكريم والحديث الشريف‬
‫عدة مرات‪ ،‬وكذلك ورد ذكرها في الكتب السماوية‬
‫األخ��رى‪ ،‬حيث ورد ذك��ر الزيتون وزيته (‪ )140‬مرة‬
‫في اإلنجيل‪ ،‬ما يؤكد أهمية شجرة الزيتون لإلنسان‬
‫غذاء ودواء‪.‬‬
‫وج��دت شجرة الزيتون على األرض منذ خلقت‪،‬‬
‫وقد دلت بقايا األشجار المتحجرة التي وجدت في‬
‫أماكن عدة‪ ،‬وخاصة في منطقة الجوف‪ ،‬وبالتحديد‬
‫في حوض سكاكا‪ ،‬أن بقايا تلك األشجار المتحجرة‬
‫المنتشرة في بيئة سكاكا ما هي إال بقايا أشجار‬
‫زيتون متحجرة بفعل العوامل والظروف المناخية‪،‬‬
‫حيث يؤكد عدد من الجيولوجيين أن تلك األشجار‬
‫المتحجرة تعود إلى العصر الجيولوجي الطباشيري‪،‬‬
‫وتؤرخ ألكثر من أربعين مليون سنة‪ ،‬وال شك أن هذا‬
‫مؤشر على وجود شجرة الزيتون في المنطقة منذ‬
‫عصور موغلة في القدم‪.‬‬

‫التي عرفها اإلنسان‪ ،‬حيث تؤكد الدراسات األثرية‬
‫أن اإلنسان ‪-‬نظرا لتغيرات بيئية ومناخية حدثت‬
‫في حدود (‪ )12‬ألف سنة مضت‪ ،‬حيث قلت األمطار‬
‫وتصحرت األرض التي كانت تغطيها الغابات في‬
‫مناطق الشرق األدن��ى القديم ‪ -‬اضطر إلى البحث‬
‫ع��ن م��ص��ادر ق��وت ثابتة ب��دال مما ك��ان��ت ت��وف��ره له‬
‫البيئة الطبيعية من صيد وفير وثمار برية‪ ،‬إذ كان‬
‫اإلنسان قبل هذا التاريخ يعيش عالة على الطبيعة‪.‬‬
‫هذا التغير المناخي دفعه إلى التوصل إلى إمكانية‬
‫عدد من المنتجات في مواسم مختلفة من‬
‫استزراع ٍ‬
‫العام‪ ،‬وتعد مراحل اكتشاف اإلنسان للزراعة أول‬
‫مراحل االستقرار والتحضر‪ ،‬حيث اضطر إنسان‬
‫العصر الحجري الحديث أن يستقر في أماكن اإلنتاج‬
‫الزراعي‪ ،‬وهذا االستقرار استلزم بناء قرى زراعية‬
‫شكلت بدايات الحواضر المبكرة ‪ 0‬ه��ذه المرحلة‬
‫التي يطلق عليها العصر الحجري تمتد من ‪12000‬ـ‬
‫‪ 8000‬سنة قبل الميالد‪ ،‬وخالل هذه المرحلة يعتقد‬
‫أن اإلنسان قد تعلم تهجين وزراع��ة شجر الزيتون‪،‬‬
‫ورغ��م أن��ه من الصعوبة بمكان تحديد تاريخ دقيق‬
‫لبداية زراعة اإلنسان للزيتون ‪ -‬وقد أختلط تاريخ‬
‫الزيتون بمزيج من الواقع والخرافة‪ -‬إال أن البداية‬
‫الحقيقية ل��زراع��ة الزيتون تعود لماض سحيق من‬
‫تاريخ البشرية‪ ،‬واختلط تاريخه بتاريخ حضارات بالد‬
‫الشام وحوض البحر األبيض المتوسط‪ ،‬وشكل جزءاً‬
‫مهماً من حضارة وثقافة شعوب بالد الشام وحوض‬
‫البحر األبيض المتوسط‪ ،‬إال أن مراحل تطور زراعته‬
‫كانت طويلة األمد ومرهقة‪.‬‬

‫لكن ال بد أن نفرق بين وجود شجرة الزيتون في‬
‫مما سبق‪ ..‬يعتقد أن بالد الشام شهدت بدايات‬
‫البيئة الطبيعية‪ ،‬وبين اه��ت��داء اإلن��س��ان األول إلى‬
‫زراعة اإلنسان للزيتون‪ ،‬والتوصل إلى تقنية استخالص‬
‫تدجين ه��ذه الشجرة واستزراعها واالس��ت��ف��ادة من‬
‫زيته‪ ،‬حيث أن األدلة األثرية فيها‪ ،‬والمتمثلة باكتشاف‬
‫ثمارها‪ ،‬والتوصل إلى طريقة الحصول على زيتها‪.‬‬
‫قرى وحواضر زراعية كبيرة ومبكرة جدا‪ ،‬إضافة إلى‬
‫بدايات زراعة الزيتون‬
‫عدد من أشجار الزيتون المعمرة في فلسطين‬
‫وجود ٍ‬
‫ارتبطت زراع��ة الزيتون بأقدم مراحل الزراعة وسوريا تؤكد تلك البدايات‪.‬‬

‫‪14‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫الفينيقيون ابتداء من القرن السادس عشر قبل الميالد‬
‫هذه الشجرة هدية لسكان تلك المناطق وجزرها‪ ،‬ولم‬
‫يأت القرن الرابع عشر قبل الميالد إال وقد أصبحت‬
‫شجرة الزيتون ذات أهمية كبرى في حياة سكان الجزر‬
‫اليونانية‪ ،‬وتحولت إلى شجرة مقدسة‪.‬‬

‫يوجد في تالل مدينة القدس الجنوبية‪ ،‬وبالتحديد‬
‫في قرية الولجة‪ ،‬شجرة زيتون معمرة يطلق عليها‬
‫ال��س��ك��ان ال��م��ح��ل��ي��ون اس���م (ش���ج���رة س��ي��دن��ا اح��م��د‬
‫البدوي)‪ ،‬ويزيد عمرها عن ‪ 5500‬سنة‪ ،‬ويعتقد أن‬
‫تلك الشجرة تعد أقدم شجرة زيتون في فلسطين بل‬
‫أقدم شجرة في العالم‪ ،‬وقد حدد تاريخ هذه الشجرة‬
‫أما في تونس فقد ازدهرت زراعة الزيتون بعد أن‬
‫عن طريق فريق علمي ياباني قام بفحص الشجرة‪ ،‬أسس الفينيقيون مدينة قرطاجة في القرن التاسع‬
‫وأجرى اختبارات علمية حدد من خاللها التاريخ‪.‬‬
‫قبل الميالد‪ ،‬وتحولت تونس بعد ذلك التاريخ إلى‬
‫مراحل انتشار زراعة الزيتون‬
‫واحدة من أهم مناطق إنتاج زيت الزيتون‪.‬‬

‫المرحلة األولى‬

‫المرحلة الثالثة‬

‫تعد منطقة ب�لاد ال��ش��ام م��وط��ن��اً أص��ل��ي��اً وم��ه��داً‬
‫لبدايات نشاط زراع���ة الزيتون واستخالص زيته‪،‬‬
‫حيث كشفت األدلة اآلثارية عن نشاط منظم لزراعة‬
‫الزيتون وتخزين الزيت في مرحلة األلف الثالثة قبل‬
‫الميالد‪ ،‬حيث وج��دت في موقع «إيبال» في سوريا‬
‫ن��ص��وص كتابية تتحدث ع��ن ذل���ك‪ ،‬وق��د عثر على‬
‫بقايا ج��رار تخزين الزيت في مستودعات الموقع‬
‫المذكور أعاله‪ ،‬إضافة إلى الكشف عن جرار تخزين‬
‫المرحلة الرابعة‬
‫زيت الزيتون التي وجدت في موقع « أوغاريت» في‬
‫ف��ي نهاية األل���ف األول���ى قبل ال��م��ي�لاد‪ ،‬ظهرت‬
‫الساحل السوري على البحر األبيض المتوسط كانت‬
‫اإلم��ب��راط��وري��ة ال��روم��ان��ي��ة ف��ي ال��ج��زر اإلي��ط��ال��ي��ة‪،‬‬
‫تستخدم لتصديرها إلى الجزر اليونانية ومصر‪.‬‬
‫واستطاعت أن تمد نفوذها وسيطرتها خالل مدة‬
‫ل��ذا يعتقد أن زراع��ة الزيتون حتى بداية األلف‬
‫زمنية قصيرة لتشمل كامل شواطئ شمالي إفريقيا‬
‫الثانية قبل الميالد كانت مقصورة على مناطق بالد‬
‫والجزء الجنوبي من أوربا وبالد الشام وتركيا‪ ،‬ومن‬
‫الشام (س��وري��ا وفلسطين ولبنان وجانب من وادي‬
‫خالل هذا النفوذ اعتنى الرومان بشجرة الزيتون‬
‫األردن)‪ .‬وحتى هذا التاريخ لم يتأكد معرفة سكان‬
‫نظرا ألهميتها كمصدر للغذاء‪ ،‬والمصدر الوحيد‬
‫الجزر اليونانية لهذه الشجرة‪.‬‬
‫لوقود اإلض��اءة‪ ،‬لذا حظيت شجرة الزيتون بعناية‬
‫المرحلة الثانية‬
‫ف��ائ��ق��ة‪ ،‬وازده�����رت زراع��ت��ه��ا ف��ي كثير م��ن مناطق‬
‫تبدأ المرحلة الثانية مع بداية األلف الثانية قبل اإلمبراطورية الرومانية‪ ،‬حيث ق��ام ال��روم��ان بنقل‬
‫الميالد‪ ،‬إذ يعتقد أن شجرة الزيتون صدرت زراعتها زراعة الزيتون إلى بقية مناطق أوربا األخرى التي لم‬
‫إل��ى ب��اق��ي ح��وض البحر األب��ي��ض ال��م��ت��وس��ط‪ ،‬ونقل تعرف هذه الشجرة من قبل‪ ،‬كذلك اعتنى الرومان‬
‫الفينيقيون شجرة الزيتون معهم إل��ى سواحل ليبيا بنقل زيت الزيتون إلى المناطق التي ال ي��زرع فيها‬
‫وتونس وبعض الجزر اليونانية واإليطالية‪ ،‬حيث قدّم الزيتون‪ ،‬وبذلك أصبح زيت الزيتون من أهم السلع‬
‫تتمثل ه��ذه المرحلة في انتقال زراع��ة الزيتون‬
‫إل��ى مصر القديمة‪ ،‬حيث يعتقد أن مصر عرفت‬
‫ال��زي��ت��ون م��ن خ�لال ال��ص�لات ال��ت��ج��اري��ة ال��ت��ي كانت‬
‫تربطها بالفينيقيين خالل القرن السابع عشر قبل‬
‫الميالد‪ ،‬وقد أسهمت تلك الصالت في نقل معرفة‬
‫زراعة الزيتون وإنتاج الزيت من الشواطئ الفينيقية‬
‫والشامية القديمة‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪15‬‬

‫التي راجت خالل تلك المرحلة ومن ثم خالل العصر نظرا الستخدامه في اإلضاءة على وجه التحديد‪ ،‬بل‬
‫البيزنطي‪.‬‬
‫كاد أن يكون أبرز الزيوت التي استخدمت لإلضاءة‬
‫واالستطباب والغذاء‪.‬‬
‫المرحلة الخامسة‬
‫وت��ع��د ه��ذه المرحلة مهمة ف��ي ت��اري��خ الحضارة‬
‫اإلسالمية‪ ،‬حيث عمل المسلمون ‪ -‬بعد ضم بالد‬
‫األندلس‪ -‬على تكثيف زراع��ة الزيتون في المناطق‬
‫األندلسية‪ ،‬ونقلوا إليها أنواعا من شجر الزيتون من‬
‫بالد الشام وشمالي أفريقيا‪ ،‬حتى أصبحت األندلس‬
‫من أه��م مناطق إنتاج زي��ت الزيتون خ�لال العصور‬
‫اإلسالمية المختلفة‪.‬‬

‫المرحلة السادسة‬
‫وتعد ه��ذه المرحلة األح��دث في مسيرة انتشار‬
‫زراعة الزيتون في مناطق لم تعرفها من قبل‪ ،‬حيث‬
‫عمل األسبان خالل مراحل اكتشافهم ألمريكا في‬
‫القرنيين السادس عشر والسابع عشر الميالديين‬
‫على نقل شجرة الزيتون معهم‪ ،‬واستزراعها في كثير‬
‫من مناطق أمريكا الجنوبية وكاليفورنيا في الواليات‬
‫المتحدة األمريكية‪ ،‬حيث راجت زراعة الزيتون وإنتاج‬
‫زيته في معظم دول أمريكا الجنوبية خالل فترات‬
‫االستعمار األسباني والبرتغالي‪ ،‬وأصبحت أمريكا‬
‫الجنوبية م��ن أه��م مناطق زراع��ت��ه‪ .‬وخ�لال الفترة‬
‫نفسها انتقلت زراعة الزيتون إلى القارة األسترالية‬
‫مع المستعمرين البريطانيين‪.‬‬

‫الحضارات وزراعة وتجارة الزيتون‬
‫ع��ن��ي��ت ح���ض���ارات ب�ل�اد ال��ش��ام وم��ص��ر وح��وض‬
‫البحر األبيض المتوسط والجزيرة العربية بزراعة‬
‫وتجارة الزيتون‪ ،‬حتى أضحى زيت الزيتون من السلع‬
‫المقدسة لدى معظم الحضارات‪ ،‬وخاصة الحضارة‬
‫اليونانية‪.‬‬
‫لقد تحول زي��ت الزيتون إل��ى سلعة إستراتيجية‬
‫تعادل في أهميتها وقيمتها وضع البترول في عصرنا‬
‫الحاضر‪ ،‬حيث كان مصدرا مهما من مصادر الطاقة‪،‬‬

‫‪16‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫حضارات بالد الشام‬

‫تعد بالد الشام الموطن األصلي للزيتون‪ ،‬وسكانها‬
‫ه��م أول م��ن ع��رف ش��ج��رة ال��زي��ت��ون وط���وّر زراعتها‬
‫وأس��ال��ي��ب إن��ت��اج ال��غ��ذاء وال��زي��ت م��ن ث��م��اره��ا‪ ،‬حتى‬
‫أصبحت شجرة الزيتون من أهم األشجار في حياة‬
‫سكان بالد الشام‪ ،‬ومنتجاتها من أهم السلع التجارية‬
‫ص ِدّرت إلى كل مناطق العالم القديم‪.‬‬
‫التي ُ‬
‫لقد أثبتت االكتشافات األثرية في موقع (تل‬
‫مردوخ) بمملكة إيبال على أدلة أثرية كتابية تذكر‬
‫عناية ملوك وسكان مملكة إيبال األكادية بالزيتون‬
‫وزي��ت��ه‪ ،‬ومملكة إي��ب�لا ال��ت��ي ع��اش��ت ب��ي��ن ‪2600‬ـ‬
‫‪2240‬ق��ب��ل الميالد في منطقة قريبة من مدينة‬
‫حلب‪ ،‬تعد من أهم الحضارات المبكرة التي عنيت‬
‫ب��زراع��ة الزيتون ف��ي حقول كبيرة؛ حيث كشفت‬
‫أعمال التنقيب التي قامت بها بعثة أثارية إيطالية‬
‫غرفة تحوي عدة‬
‫ٍ‬
‫قبل أربعين عاما من الكشف عن‬
‫أالف من ألواح الطين المكتوبة (الرقم الطيني)‪،‬‬
‫ٍ‬
‫والتي نسخ عليها بالخط المسماري األكاديمي‬
‫معلومات تاريخية واقتصادية وسياسية عن نشاط‬
‫مملكة إيبال وملوكها‪ .‬وهذا االكتشاف يعد أقدم ما‬
‫كتبه التاريخ‪ ،‬وقد عثر في هذا األرشيف على أول‬
‫توثيق رسمي حول أشجار الزيتون وزيته‪ ،‬وقد تم‬
‫تحديد اثني عشر رقما طينيا تتحدث عن األراضي‬
‫المزروعة بالزيتون‪ ،‬والتي تعود ملكيتها للملك‬
‫والملكة‪ ،‬كما تذكر أن األسرة الحاكمة وحاشيتها‬
‫كانت تمتلك ‪ 4000‬جرة من زيت الزيتون و(‪)7000‬‬
‫جرة من أمالك الشعب‪ ،‬وحيث اكت ُِشف عدد من‬
‫تلك الجرار التي يتسع كل منها لنحو ‪ 60‬كجم من‬
‫الزيت‪ ،‬فإن الكميات المشار إليها في الوثائق تبلغ‬
‫‪ 700‬طن من الزيت‪ ،‬كما ذكرت الوثائق أن األسرة‬

‫المالكة كانت ت��زرع ح��وال��ي (‪ )1465‬هكتارا من‬
‫األرض بشجر الزيتون‪.‬‬
‫إن هذه المعلومات تؤكد ‪ -‬بشكل واضح ‪ -‬أن زراعة‬
‫الزيتون وإنتاج الزيت كانا من أهم مصادر دخل تلك‬
‫المجتمعات‪ ،‬وال شك أن تلك الكميات من الزيت لم‬
‫تُعَد لالستخدام المحلي‪ ،‬بل كانت تُعَد للتجارة‪ ،‬حيث‬
‫كان يربط إيبال عالقات تجارية مع بالد الرافدين‬
‫ومصر والجزر اليونانية وجزيرة العرب‪.‬‬

‫متحجرة تعود إلى عصور موغلة في القدم‪ ،‬وعلى‬
‫الرغم من وجود أشجار الزيتون البرية في المناطق‬
‫الجبلية في جنوب غ��رب الجزيرة العربية‪ ،‬إال أنه‬
‫لم يثبت لنا أن إنسان الجزيرة العربية زرع أشجار‬
‫الزيتون‪ .‬وقد كان زيت الزيتون من أهم السلع التي‬
‫تعامل معها تجار الجزيرة العربية‪ ،‬وكانوا يصطحبون‬
‫هذه السلعة في رحالتهم التجارية من بالد الشام‪ ،‬بل‬
‫ربما كانت أهم السلع التي كانوا يقايضونها بالبخور‬
‫والبهارات مع سكان تلك البالد‪ ،‬وقد وجدت في عدد‬
‫من المواقع األثرية جرار من نوع خاص بنقل الزيت‪.‬‬

‫ك��ذل��ك اكتشفت معاصر حجرية أع���دت لعصر‬
‫الزيتون في عدد كبير من المواقع األثرية في كل من‬
‫الحضارة اليونانية‬
‫األردن وسوريا ولبنان وفلسطين‪ ،‬وتعود تلك المعاصر‬
‫انتقلت زراع��ة الزيتون إلى الجزر اليونانية بدءاً‬
‫إلى عصور تاريخية عديدة حتى الفترة المعاصرة‪ ،‬ما‬
‫يؤكد استمرار سكان بالد الشام في زراعة الزيتون من القرن السادس عشر قبل الميالد بواسطة التجار‬
‫الفينيقيين‪ ،‬وخالل قرنيين من الزمن أصبحت شجرة‬
‫وإنتاج زيته في مختلف العصور‪.‬‬
‫الزيتون من أهم وأقدس األشجار لدى شعوب الجزر‬
‫الحضارة المصرية القديمة‬
‫اليونانية‪ .‬وتشير األساطير اليونانية إل��ى أن أثينا‬
‫عرفت الحضارة المصرية القديمة زراعة الزيتون‬
‫ إلهة الحكمة ‪ -‬عندما منحت اإلنسانية شجرة‬‫ف��ي ح��دود ال��ق��رن السابع عشر قبل الميالد‪ ،‬وقد‬
‫الزيتون‪ ،‬فإنها تمكنت من الفوز على باقي اآللهة‬
‫انتقلت إليها من بالد الشام‪ ،‬وربما كان للفينيقيين‬
‫اليونانية؛ ألنها قدمت لإلنسانية أكثر الهدايا فائدة‬
‫دور في نقل هذه المعرفة‪ ،‬حيث تزامن ذلك مع ظهور وأهمية‪.‬‬
‫زراعة الزيتون على السواحل الليبية والتونسية‪.‬‬
‫لقد أصبحت ش��ج��رة ال��زي��ت��ون ف��ي ك��اف��ة أرج��اء‬
‫وق���د ت��ح��دث��ت األس��اط��ي��ر ال��م��ص��ري��ة إن اإلل��ه��ة بالد اليونان شجرة مقدسة‪ ،‬وظهرت رسوماتها على‬
‫المصرية إيزيس ك��ان لها الفضل في تعليم سكان ج��دران القصور واألوان���ي الفخارية‪ ،‬وف��ي اللوحات‬
‫مصر زراع���ة ال��زي��ت��ون‪ ،‬وك��ذل��ك تعليمهم الحكمة‪ ،‬الفنية‪ ،‬ك��ذل��ك استخدم ال��ري��اض��ي��ون زي��ت الزيتون‬
‫وق��د استخدم الزيتون وزيته كغذاء ودواء‪ ،‬إضافة لتدليك أجسامهم بالزيت وتنظيفها من األوس��اخ‪،‬‬
‫إلى استخدامه في عملية تحنيط الموتى‪ ،‬وقد عد كما استخدم زيت الزيتون في المسابقات الرياضية‬
‫كبير مملوءٍ‬
‫المصريون زي��ت الزيتون من ال��زي��وت المحببة لهم كجوائز إذ كانوا يكافئون المنتصر بِقِ د ٍْر ٍ‬
‫واعتبروها نفيسة ومقدسة‪.‬‬
‫بزيت الزيتون‪.‬‬

‫حضارات الجزيرة العربية‬

‫اكتشف ف��ي ع��دد م��ن مناطق ال��ج��زي��رة العربية‬
‫دالئ��ل قديمة ج��دا على وج��ود أشجار الزيتون في‬
‫البيئة الطبيعية‪ ،‬وكما ذكرنا في مقدمة هذا البحث‬
‫فإن منطقة الجوف تنتشر فيها بقايا أشجار زيتون‬

‫لقد أسهمت زراع��ة الزيتون في ازده���ار الكثير‬
‫من المدن اإلغريقية‪ ،‬وكانت شجرة الزيتون محمية‬
‫بموجب القانون‪ ،‬فكان يتعرض للعقاب الحاد كل من‬
‫قام بقطع تلك الشجرة‪ ،‬كما كانت أشجار الزيتون‬
‫تتعرض للقطع من قبل األع���داء‪ ،‬حيث أن بساتين‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪17‬‬

‫ال��زي��ت��ون ك��ان��ت بمثابة ش��يء استراتيجي بالنسبة‬
‫للخصم‪ ،‬وتدميرها كان بمثابة تدمير ألهم المقومات‬
‫االقتصادية‪.‬‬
‫كذلك تشير المصادر اليونانية إلى أن أول شعلة‬
‫أولمبية كانت غصن زيتون‪.‬‬

‫الحضارة الرومانية‬
‫سيطرت اإلم��ب��راط��وري��ة ال��روم��ان��ي��ة على معظم‬
‫أورب��ا وشمالي إفريقيا وب�لاد الشام وتركيا‪ ،‬ومنذ‬
‫القرن األول قبل الميالد حتى بداية القرن الرابع‬
‫الميالدي أصبح الرومان س��ادة تلك المناطق‪ ،‬وقد‬
‫اهتموا بتجارة زيت الزيتون‪ ،‬وعملوا على دعم زراعة‬
‫ال��زي��ت��ون‪ ،‬إذ ق��ام��وا بتوزيع زي��ت الزيتون على كافة‬
‫مناطق اإلمبراطورية‪.‬‬
‫ك��ذل��ك ازده�����رت ت��ج��ارة ال���زي���ت‪ ،‬ووص���ل ال��زي��ت‬
‫إل��ى مناطق لم تكن تعرفه من قبل‪ ،‬وق��د دخ��ل في‬
‫صناعة أن���واع ع��دي��دة م��ن أط��ب��اق الطعام‪ ،‬كما قام‬
‫الرومان بتصدير منتجات بالد الشام من الحنطة‬
‫وزيت الزيتون إلى روما وباقي أجزاء اإلمبراطورية‬
‫الرومانية‪.‬‬

‫الحضارة البيزنطية‬

‫إل��ى أن��ه ك��ان يوجد في البالط الملكي قاعة كبيرة‬
‫تسمى بيت ال��ض��وء‪ ،‬وكانت صفقات التجارة تعقد‬
‫فيها‪ .‬ونظرا ألن زيت الزيتون كان المادة األساسية‬
‫لإلضاءة‪ ،‬فقد كان يجمع في صوامع كبيرة صممت‬
‫لذلك الغرض‪ ،‬لضمان توافر كميات كافية منه‪ ،‬ومن‬
‫شدة تقديس البيزنطيين لشجرة الزيتون فقد كانوا‬
‫يجمعون حبات الزيتون بأيديهم من أجل المحافظة‬
‫على الشجرة‪ ،‬وكانوا يُحَ ِرّمون ضرب الشجرة بالعصي‬
‫لجني الزيتون ‪ -‬كما كان يُفعل سابقا ‪ -‬تكريما لهذه‬
‫الشجرة المباركة‪ ،‬ومن الشروط التي كانوا يتقيدون‬
‫بها قبل الشروع بقطاف الزيتون أن يكون المزارعون‬
‫نظيفين‪ ،‬مثل شجرة الزيتون‪ ،‬وكانوا يتقيدون كذلك‬
‫بطقوس تقية معينة‪ ،‬م��ث��ل‪ :‬ال��ص��وم واالم��ت��ن��اع عن‬
‫العالقات الجنسية‪.‬‬

‫منذ بداية القرن الرابع الميالدي استقل قسطنطين‬
‫األول بتركيا وب�لاد الشام عن سلطة روم��ا‪ ،‬واعتنق‬
‫ال��دي��ان��ة ال��م��س��ي��ح��ي��ة‪ ،‬وأت���خ���ذ م���ن القسطنطينية‬
‫(اسطنبول) عاصمة للدولة البيزنطية‪ ،‬وق��د ورث‬
‫ال��ب��ي��زن��ط��ي��ون ال��ج��زء ال��ش��رق��ي م��ن اإلم��ب��راط��وري��ة‬
‫ال��روم��ان��ي��ة‪ ،‬وم��ع��ه��ا ك��ل ت��ق��ال��ي��د ال���دول���ة والمجتمع‬
‫الروماني‪ ،‬بما في ذلك عنايتهم واهتمامهم بزراعة‬
‫الزيتون وت��ج��ارة زيته‪ ،‬وق��د احتاج البيزنطيون إلى‬
‫الحضارة اإلسالمية‬
‫كميات كبيرة م��ن زي��ت الزيتون إلض���اءة عاصمتهم‬
‫ع��ن��ي ال��ع��رب – المسلمون ‪ -‬ب��زراع��ة ال��زي��ت��ون‬
‫القسطنطينية التي كانت مشهورة باإلضاءة الشديدة‪،‬‬
‫كما احتاجت الكنائس العديدة إلى كميات من الزيت واستخالص زيته‪ ،‬وقد كان لهم دو ٌر مهم في نشر تلك‬
‫استخدمت ل�لإض��اءة‪ .‬وتشير المصادر البيزنطية الصناعة وتطويرها‪ ،‬حيث نقلوا أصنافا عديدة من‬

‫‪18‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫الزيتون إلى مناطق حوض البحر األبيض المتوسط‪،‬‬
‫وخاصة اسبانيا والبرتغال وجزيرة صقلية‪.‬‬
‫وقد تجلت عناية اإلسالم بالزيتون وزيته من خالل‬
‫النصوص القرآنية‪ ،‬حيث ورد في القرآن ذكر الزيتون‬
‫والزيت في سبعة مواضع‪ ،‬في س��ور‪ :‬األنعام والنحل‬
‫والمؤمنين والنور وعبس التين‪ .‬كذلك ورد في صحيح‬
‫الجامع الصغير حديث الرسول [‪ .‬وه��ذا التوجيه‬
‫القرآني والنبوي يؤكد أهمية الزيتون وزي��ت��ه كغذاء‬
‫ودواء‪ ،‬كونه يخرج من شجرة مباركة؛ لذا نجد أن هناك‬
‫وصفات طبية كثيرة وردت في كتاب الطب النبوي يكون‬
‫زيت الزيتون فيها أساسا أو عنصراً مهماً‪.‬‬

‫غصن الزيتون رمزٌ للسالم‬

‫ثالثة عقود من ال��زم��ن‪ ،‬أدرك��ن��ا خاللها أننا نمشي‬
‫ف��ي خ��ط��ى زراع��ي��ة ل��م تحسب ل��ل��ص��ح��راء حسبتها‬
‫الصحيحة‪ ،‬إذ كان من األجدر التفكير كيف يمكن أن‬
‫نزرع ونحافظ في الوقت نفسه على الثروات الناضبة‬
‫(الماء والبترول)؟ ولكن مع مرور الوقت تجلت النتائج‬
‫عن فقر في مخزون المياه الجوفية‪ ،‬ما حدا بنا إلى‬
‫التغيير الحاصل الذي نعيشه حالياً من االستفادة من‬
‫المميزات النسبية لبعض المناطق الزراعية‪ ،‬والحد‬
‫من بعض الزراعات التي تستنزف كميات كبيره من‬
‫م��ي��اه ال���ري‪ ،‬ك��األع�لاف والشعير‪ ،‬وتقنين زراع���ات‬
‫كثيرة كالقمح حتى وإن ك��ان محصوال استراتيجيا‬
‫مهما‪ ،‬وتم التركيز على ال��زراع��ات االقتصادية في‬
‫ال��م��اء وال��ض��روري��ة م��ا أدى إل��ى التوسع بالزراعات‬
‫المختلفة في منطقة الجوف ذات معدالت اإلنتاج‬
‫العالية مثل الفواكه كاللوزيات والتفاحيات والزيتون‪،‬‬
‫أو المحاصيل المختلفة كالقمح والبطاطس‪ .‬وكان‬
‫للزيتون النصيب الوافر من االهتمام لدى المزارعين‬
‫وال��ش��رك��ات م��ع م��رور ال��وق��ت‪ ،‬وذل��ك ألس��ب��اب مهمة‬
‫مثل تحمل الظروف المناخية في المنطقة‪ ،‬وكذلك‬
‫تحمل أغلب أن���واع التربة والمياه على ال��رغ��م من‬
‫تأثر إنتاجيتها‪ .‬وللحديث عن نجاح مستقبل الزيتون‬
‫بالمنطقة ال بد من التطرق للمزايا التي دفعتنا للجزم‬
‫بذلك‪ ،‬وهي‪:‬‬

‫من القضايا المتعارف عليها عند كثير من شعوب‬
‫األرض أن غصن الزيتون يمثل رمزا للسالم واألمان‪،‬‬
‫وتعود جذور هذه القضية إلى عهد سيدنا نوح عليه‬
‫ال��س�لام‪ ،‬حيث تشير ال��م��ص��ادر التاريخية إل��ى أن‬
‫سيدنا نوح ‪ -‬بعد الطوفان وقبل انحسار الماء‪ -‬أطلق‬
‫حمامة من على السفينة‪ ،‬يريد أن يكتشف ما إذا كان‬
‫الماء قد انحسر عن بعض مناطق األرض‪ ،‬وبعد فترة‬
‫من الزمن عادت الحمامة وهي تحمل غصن زيتون‬
‫من شجرة زيتون‪ ،‬فأدرك سيدنا نوح أن مياه الطوفان‬
‫قد بدأت باالنحسار‪ ،‬وأن اليابسة في طريقها إلى‬
‫ال��ج��ف��اف‪ ،‬ف���زال ال��خ��وف م��ن ال��م��وت غ��رق��ا ع��ن من‬
‫الظروف المناخية والطبيعية المناسبة‬
‫في السفينة‪ ،‬واطمأنوا إلى أنهم يستطيعون العيش‬
‫تقع منطقة الجوف شمالي المملكة بين خطي‬
‫ف��ي أم��ان وس�ل�ام‪ ،‬ومنذ ذل��ك التاريخ اتخذ الناس‬
‫من غصن الزيتون والحمامة رم��زا للسالم والمودة عرض ْ‪ 31ْ -29‬شماال وعلى ارتفاع بين ‪800 -500‬م‬
‫عن سطح البحر‪ ،‬وتكون بذلك ضمن نطاقات مناخ‬
‫والصداقة بين الناس‪.‬‬
‫البحر األبيض المتوسط التي تجود فيها ‪ %96‬من‬
‫زراع���ات ال��زي��ت��ون بالعالم‪ ،‬وال��ت��ي تتميز باالعتدال‬
‫الرهان على مستقبل الزيتون بالجوف‬
‫المناخي وت��واف��ر درج��ات ال��ح��رارة المالئمة لنجاح‬
‫(‪)2‬‬
‫> بسام فارس العويش‬
‫الزيتون سواء في الشتاء بدرجات حرارة دون ْ‪ 7‬من‬
‫إن ال��م��ت��اب��ع ل��م��اض��ي ال���زراع���ة وح��اض��ره��ا في ‪ 2000 – 1000‬ساعة حسب الصنف وذل��ك لنجاح‬
‫المملكة‪ ،‬يرى حجم التغير في االستراتيجيات بين تخلق األزه����ار ولتكشف ال��ب��رع��م ال��زه��ري‪ ،‬أو في‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪19‬‬

‫فصل الربيع المعتدل بدرجات حرارة بين ‪ْ 25-15‬م‬
‫المناسبة لحدوث التلقيح واإلخصاب بشكل ناجح‪،‬‬
‫وكذلك نمو األف��رع الخضرية في هذا الفصل التي‬
‫تحمل عليها األزهار في العام القادم‪ ،‬وفي الصيف‬
‫هناك أشعة الشمس الكافية لتراكم الزيت في الثمار‬
‫بدرجات حرارة بين ‪40 -25‬مْ‪ ،‬وكذلك فصل الخريف‬
‫الذي له أهميته في عملية النمو الخضري لألفرع‬
‫التي تحمل األزه��ار في الموسم نفسه‪ ،‬وه��ذه ميزه‬
‫كبيرة ال تتوافر في كثير من مناطق زراع��ة الزيتون‬
‫ب��ال��ع��ال��م‪ ،‬كما أن لتوفر ال��م��ي��اه بكميات كبيره في‬
‫المنطقة ومحتواها الجيد من العناصر بشكل متزن‬
‫كان من أكبر الدعامات للتوسع الزراعي بشكل عام‪،‬‬
‫وللزيتون بشكل خاص‪ ،‬على الرغم من أن الزيتون ال‬
‫يحتاج لكميات كبيره من المياه ولتحمله نسبا عالية‬
‫من الملوحة تصل حتى (‪ )4000ppm‬بالمقارنة ببقية‬
‫الفواكه والمحاصيل المختلفة‪.‬‬
‫كما أن من أهم العوامل التي يرتكز عليها نجاح‬
‫هذا القطاع في المنطقة هو توافر الترب الجيدة‬
‫المختلفة وال��ت��ي تتميز ك��ث��ي��راً ف��ي ب��ع��ض ال��م��واق��ع‬
‫كبسيطا مثال‪ ،‬على الرغم من أن الزيتون يتالءم مع‬
‫الكثير من أنواع الترب الفقيرة‪.‬‬

‫نجاح التجربة واألبحاث‬

‫‪ 600‬ألف شجرة زيتون من أصناف عالمية مشهورة‬
‫أثبتت نجاحها‪ ،‬كما ب��دأت تجربة بعض األساليب‬
‫الحديثة بزراعة الزيتون المكثف واالعتماد الكامل‬
‫على الزراعة العضوية‪ .‬كذلك أقامت بعض الشركات‬
‫ال��ن��دوات المتخصصة وشجعت على عمل البحوث‬
‫في ه��ذا المجال‪ ،‬حيث أج��ري��تُ بحثي في مشروع‬
‫شركة الجوف الزراعية موسم ‪ 2004‬و‪2005‬م وكانت‬
‫النتائج ممتازة ومشجعه ألهم األصناف المنتشرة في‬
‫المنطقة‪ ،‬مقارن ًة مع النتائج في كثير من الدول سواء‬
‫في القياسات الزهرية والعقد أو في كمية اإلنتاج‬
‫من الثمار وقياساتها المتعددة‪ ،‬ونسب الزيت‪ ،‬وهذا‬
‫يعطي الداللة الواضحة والعملية على نجاح التوسع‬
‫في هذا القطاع مستقبال‪ ،‬ولكن بشكل مدروس‪.‬‬

‫الدعم احلكومي واإلمكانات‬
‫نتيجة التوسع الكبير وانتشار زراعة الزيتون في‬
‫المنطقة‪ ،‬وبلوغ أعداد أشجارها بالماليين‪ ،‬استحدثت‬
‫وزارة ال��زراع��ة وح��دة ألب��ح��اث ال��زي��ت��ون بالمنطقة‪،‬‬
‫وأسندت هذه الوحدة كذلك بمشروع تطوير إنتاج‬
‫وتصنيع وتسويق الزيتون بالمملكة‪ ،‬والذي تقوم علية‬
‫منظمة األغذية والزراعة باألمم المتحدة (الفاو)‪،‬‬
‫وذلك للدفع بالقطاع لمستوى أفضل‪ ،‬والتغلب على‬
‫المشكالت التي تواجه المزارع والمنتج بشكل عام‪،‬‬
‫حيث تم تجهيز مختبر متكامل لعمل البحوث على‬
‫الزيتون‪ ،‬وإج��راء تحاليل الزيت‪ .‬وت��م كذلك زراع��ة‬
‫أهم األصناف العالمية لقياس مدى نجاحها تحت‬
‫ال��ظ��روف المحلية؛ إض��اف��ة إل��ى ذل���ك‪ ،‬ف��أن الدعم‬
‫الحكومي لم يتوقف عند هذا الحد‪ ،‬فقد تم التماس‬
‫الحاجة الضرورية للعمالة المؤقتة في هذا القطاع‪،‬‬
‫وتم السماح باستقدامها وذلك بسب ضيق الوقت في‬
‫فترة جني محصول الزيتون‪ ،‬حيث أصبح باإلمكان‬
‫االستفادة من هذه الميزة المتاحة‪.‬‬

‫بدأت زراعة الزيتون في العهد القريب بين صغار‬
‫المزارعين عن طريق األشتال الواردة من دول الجوار‪،‬‬
‫ومن أصناف غير معروفه‪ ،‬وأصبحت منتشرة بشكل‬
‫بسيط دون التفكير بالتوسع الكبير الذي نشهده اليوم‪،‬‬
‫وذلك لحداثة التجربة وعدم وجود معاصر الزيتون‪،‬‬
‫ولكن بسبب النجاح الكبير لهذه الشجرة المباركة‬
‫تم التوسع بزراعتها وجلب األصناف العالمية منها‬
‫للمنطقة‪ ،‬وأصبحت هذه الزراعة عبارة عن صناعه‬
‫متكاملة لدى الشركات والمشاريع الزراعية الكبرى‪،‬‬
‫التي زرعت أع��دادا كبيرة منها‪ ،‬وعلى سبيل المثال‬
‫ومن العوامل المشتركة والداعمة لعموم الزراعات‬
‫شركة الجوف الزراعية التي تملك حالياً أكثر من داخل المملكة توافر القروض الحكومية للجمعيات‬

‫‪20‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫والمزارعين‪ ،‬وانخفاض قيمة الوقود‪ ،‬وتوافر األسمدة الدول المنتجة لزيت الزيتون‪.‬‬
‫الكيماوية وع��ل��ى رأس��ه��ا النيتروجينية‪ ،‬واكتشاف‬
‫كما أن لزيادة الوعي الصحي دور كبير في اإلقبال‬
‫كميات ضخمة م��ن الصخر الفوسفاتي ف��ي حزم على استهالك زيت الزيتون ال��ذي يعد من الزيوت‬
‫الجالميد بالشمال يوفر ويكمل صناعة األسمدة كلها النباتية قليلة التشبع‪ ،‬والتي عند استعمالها تقي من‬
‫داخل المملكة‪.‬‬
‫أضرار الدهون المشبعة األخرى التي تسبب تصلب‬

‫كما أنه من أهم الدعامات المهمة لمستقبل هذا الشرايين‪ ،‬باإلضافة إلى أنه ال يمكن إغفال القيمة‬
‫القطاع وج��ود اإلم��ك��ان��ات الضخمة ل��دى الشركات الروحية لهذه الشجرة المباركة‪ ،‬والتي نؤمن بأنها‬
‫التي من شأنها توفير أحدث التقنيات المستخدمة ليست كسواها‪.‬‬
‫في المعاصر والتعبئة‪ ،‬إذ توجد حالياً (‪ )16‬معصرة‬
‫زيتون في شمال المملكة تقدر طاقتها اإلنتاجية بـ‬
‫‪ 730‬طن‪/‬يوم وتعد قدرة هذه المعاصر أكثر بكثير جودة زيت الزيتون وكيفية احلصول عليها‬
‫(‪)3‬‬
‫> د‪ .‬الهاشمي المهري‬
‫من كمية اإلنتاج الكلية للزيتون في المملكة التي ال‬
‫تتجاوز حاليا ‪ 30‬أل��ف ط��ن ف��ي ال��م��وس��م‪ ,‬ونصيب‬
‫ينفرد زيت الزيتون عن الزيوت النباتية األخرى بأنه‬
‫منطقة الجوف منها هو‪ 12‬معصرة طاقتها اإلنتاجية الزيت الوحيد الذي يؤكل مباشرة بشكله الطبيعي‪.‬‬
‫‪ 540‬طن‪/‬يوم وكمية إنتاج تقدر بـ ‪ 22‬ألف طن من وه��و م���ادة طبيعية نحصل عليها بعد عصر ثمار‬
‫الثمار‪ ،‬ول��م يصل فيها اإلن��ت��اج إل��ى ح��دود الطاقة الزيتون‪ ،‬وهي خالية من المواد اإلضافية والملونة‪،‬‬
‫االستيعابية لهذه المعاصر‪.‬‬
‫ال مجال ألي عملية كيميائية خالل استخراج الزيت‬

‫السوق االستهالكية والثقة باملنتج الوطني‬
‫وتحضيره‪ ،‬ويتم ذل��ك بطرق ميكانيكية فقط‪ ،‬إما‬
‫تعد المملكة من أكبر األس��واق االستهالكية في بالضغط أو الطرد المركزي أو الترقيد‪.‬‬
‫العالم لكثير من السلع والمنتجات الزراعية التي‬
‫مكونات ثمار الزيتون‬
‫لم نصل في أغلبها حتى إلى شبه االكتفاء الذاتي‪ ،‬ثمار الزيتون هي ثمار غضة‪ ،‬يمثل الماء والزيت نحو‬
‫ومنها بطبيعة الحال زيتون التخليل وزيت الزيتون‪ ،‬إذ ‪ %90 - 85‬من إجمالي وزن الثمار والباقي عبارة عن‬
‫تنتج المملكة ثالثة آالف طن فقط من الزيت‪ ,‬وهو سكريات وبروتينات وعناصر معدنية‪ .‬تتكون من لب‬
‫رق��م زهيد مقارنة بحجم االستهالك في المملكة‪،‬‬
‫(طبقة متوسطة شحميه) وبذرة صلبة‪.‬‬
‫كما أن زيتون التخليل ينتج ولكن بشكل بسيط جداً‪،‬‬
‫التركيب الكيماوي لزيت الزيتون‬
‫وأغلب التركيز هو على استخراج الزيت‪ ,‬ولكن ما‬
‫ي���ح���ت���وي زي�����ت ال����زي����ت����ون ع���ل���ى م�������واد ده��ن��ي��ة‬
‫يميز المنتج المحلي هو ثقة المستهلك به‪ ،‬ألنه من‬
‫مصادر معروفة سواء كانت شركات أو مزارعين‪ ،‬وهو (الغليسيريدات) ومكونات غير غليسيريدية‪ .‬كما‬
‫زي��ت زيتون بكر‪ ،‬وتستخدم الستخراجه األساليب يحتوي على نسبة عالية من الفيتامينات الضرورية‬
‫الحديثة‪ ،‬وهو منتج عالي الجودة‪ ،‬إضافة إلى أنه لم للجسم‪ ،‬وم���واد ملونة (ك��ل��وروف��ي��ل)‪ ،‬وم���واد عطرية‬
‫تدخل لدينا تقنيات استخراج الزيت المكرر‪ ،‬وهو ما تكسبه رائحة وطعما خاصا‪ ،‬وعلى كميات ضئيلة‬
‫تستخدم فيه بعض المذيبات الكيماوية الخطرة على من العناصر المعدنية (حديد‪ ،‬منغنيز‪ ،‬كالسيوم)‪،‬‬
‫صحة اإلنسان‪ ،‬والتي نراها تستخدم في كثير من وتقسم األح��م��اض الدهنية التي تدخل في تركيب‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪21‬‬

‫زيت الزيتون إلى قسمين‪:‬‬

‫المعبر عنها بحمض األوليك إلى‪:‬‬

‫< أحماض دهنية غير مشبعة‪ :‬وتمثل ‪ %85 - 75‬من‬
‫إجمالي األحماض الدهنية‪ .‬وتمتاز بكونها سائلة‬
‫بدرجة الحرارة العادية ومنها‪:‬‬

‫أ‪ -‬زي��ت ال��زي��ت��ون البكر الممتاز‪ :‬ه��و زي��ت فوق‬
‫الممتاز في الطعم والرائحة‪ ،‬وال تزيد نسبة‬
‫حموضته عن ‪ %1‬في (‪ )100‬غرام زيت‪.‬‬

‫ حمض األوليبيك‪ :‬وتراوح نسبته في زيت الزيتون‬‫بين ‪ ،%83 -55‬وسمي حمض الزيت ألنه يشكل‬
‫الغالبية العظمى في تركيب زيت الزيتون‪.‬‬

‫ب‪ -‬زيت الزيتون البكر الجيد‪ :‬ونسبة الحموضة‬
‫فيه ال تزيد عن ‪ ،%2‬وله رائحة الفاكهة‪ ،‬ولونه‬
‫أصفر فاتح يميل إل��ى ال��خ��ض��رة‪ ،‬وه��و زيت‬
‫صالح لالستهالك البشري‪.‬‬

‫ ح��م��ض اللينوليك‪ :‬وت����راوح نسبته ف��ي زي��ت‬‫الزيتون من ‪.%21 - 3.5‬‬

‫ج‪ -‬زيت الزيتون البكر شبه الجيد العادي‪ :‬هو زيت‬
‫جيد في الطعم والرائحة‪ ,‬ونسبة الحموضة‬
‫فيه ال تتجاوز ‪ %3.3‬وهى زيوت غذائية‪.‬‬

‫ < أح���م���اض ده��ن��ي��ة م��ش��ب��ع��ة‪ :‬وت��م��ث��ل ‪%20 - 10‬‬
‫م��ن إجمالي األح��م��اض الدهنية‪ ،‬ومنها حمض‬
‫البالمتيك بنسبة ‪ ،%20 – 7.5‬وت��م��ت��از ه��ذه ‪ -‬زي���ت ال��زي��ت��ون وق����اد‪ :‬ه��و زي���ت رديء ذو رائ��ح��ة‬
‫وطعم كريهين‪ ،‬وذو ل��ون أصفر مائل لألخضر‬
‫األحماض بكونها صلبة بدرجة الحرارة العادية‪.‬‬
‫البني‪ ،‬حموضته تفوق ‪ ،%3.3‬فهو غير غذائي‬
‫علما أن نسب األح��م��اض الدهنية ال��ت��ي تشكل‬
‫وعند استخدامه في التغذية تُجْ رى عليه بعض‬
‫زي��ت الزيتون تختلف باختالف المنطقة والصنف‬
‫المعامالت الخاصة‪.‬‬
‫والعمليات الزراعية ونوع التربة ودرجة نضج الثمار‪.‬‬
‫ زيت زيتون المكرر‪ :‬هو زيت ناتج من زيت زيتون‬‫تصنيف زيت الزيتون‬
‫البكر‪ ،‬ول��ك��ن حموضته مرتفعة‪ ،‬وت��ج��ري عليه‬
‫حسب التصنيف ال��ص��ادر ع��ن المجلس الدولي‬
‫خطوة التكرير لخفض حموضته إل��ى أق��ل من‬
‫لزيت الزيتون والمتداول في التجارة الدولية‪ ،‬يصنف‬
‫‪ ،%0.5‬وهو زيت غذائي‪.‬‬
‫زي��ت الزيتون بحسب خصائصه المختلفة (الطعم‬
‫ زيت زيتون الخليط‪ :‬هو زيت زيتون نقى ناتج عن‬‫والرائحة وال��ل��ون)‪ ،‬أو حسب (المظهر والشفافية)‬
‫خلط زيت زيتون البكر مع زيت زيتون مكرر بنسبة‬
‫أو على أساس (بعض الثوابت الكيميائية والصفات‬
‫معينة بحيث ال تزيد نسبة الحموضة عن ‪،%1.5‬‬
‫الطبيعية والحسية)‪ ،‬ويصنف إلى صنفين أساسيين‪:‬‬
‫وهو زيت غذائي‪.‬‬
‫زيت الزيتون‪ ،‬وزيت تفل الزيتون‪.‬‬
‫‪ -2‬زيت تفل الزيتون‬
‫‪ - 1‬زيت الزيتون‬
‫ زيت تفل الزيتون‪ :‬هو زيت ناتج عن تفل الزيتون‬‫ زيت الزيتون البكر (صالح لالستهالك)‪ :‬وتطلق‬‫ويتم استخالصه بالمذيبات‪ ،‬وله ثالث رتب‪:‬‬
‫هذه التسمية على زيت الزيتون المستخلص من‬
‫أ‪ -‬زيت تفل الزيتون الخام‪ :‬هو زيت زيتون ناتج‬
‫ثمار الزيتون بالطرق الفيزيائية والميكانيكية‪،‬‬
‫عن تفل الزيتون بدون تكرير‪ ،‬وهو غير صالح‬
‫وف��ي ظ��روف ح��راري��ة خاصة ال تغير في نوعية‬
‫لالستهالك البشري نظراً الرتفاع حموضته‪.‬‬
‫ال���زي���ت‪ .‬وي���ك���ون ص��ال��ح��اً ل�لاس��ت��ه�لاك بحالته‬
‫ب‪ -‬زيت تفل الزيتون المكرر‪ :‬هو زيت ناتج من‬
‫الطبيعية‪ ،‬ويصنف وفقاً لدرجة الحموضة الحرة‬

‫‪22‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫وفي الحالة الثانية تكون المواصفات التذوقية‬
‫للزيت الناتج ضعيفة والحموضة مرتفعه‪.‬‬

‫تكرير زيت الـتفل الخام وال تزيد حموضته‬
‫عن ‪ %0.5‬مع طعم ورائحة مقبولين‪ ،‬وهو زيت‬
‫غذائي صالح لالستهالك‪.‬‬
‫‪ -5‬فصل الثمار المتساقطة على األرض عن الثمار‬
‫التي يتم قطفها من الشجرة‪.‬‬
‫ج‪ -‬زي��ت تفل الزيتون‪ :‬هو زي��ت ناتج عن خلط‬
‫زيت التفل المكرر مع زيت زيتون بكر‪ ،‬ويتميز ‪ -6‬اإلس��راع في عصر الثمار بعد الجمع واجتناب‬
‫بطعم ورائحة مقبولين وهو زيت غذائي صالح‬
‫تخزينها‪ ،‬وإذا كان ذلك غير ممكن‪ ،‬فيجب تخزين‬
‫لالستهالك‪.‬‬
‫الثمار في مستودعات ب��اردة ذات تهوية جيدة‪،‬‬

‫‪ -‬العوامل المؤثرة على جودة الزيت‬

‫وبطبقات قليلة السمك‪.‬‬

‫هناك عدة عوامل تؤثر مباشرة على جودة زيت ‪ -7‬اج��ت��ن��اب ن��ق��ل ال��ث��م��ار وت��خ��زي��ن��ه��ا ف��ي األك��ي��اس‬
‫البالستيكية التي تسبب تعفنها‪.‬‬
‫الزيتون وذلك من‪:‬‬
‫أ‪ -‬خالل تكوينه بالثمار‪.‬‬
‫ب‪ -‬خالل جني ثمار الزيتون‪.‬‬
‫ج– خالل عمليات نقل وتخزين الثمار‪.‬‬
‫د‪ -‬خالل استخالص وتخزين الزيت‪.‬‬

‫نصائح عملية إلنتاج زيت زيتون جيد‬

‫‪ -8‬يجب غسل الثمار وتنظيفها من الشوائب العالقة‬
‫بالزيتون كاألوراق والتربة واألغصان‪ ..‬الخ‬
‫‪ -9‬ال��ق��ي��ام بالعناية ال��دوري��ة لكل أج��ه��زة وم��ع��دات‬
‫المعصرة وتنظيفها‪ ،‬والتأكد من خلوها من كل‬
‫ما هو غير صحي‪.‬‬

‫‪ -10‬ينصح بخلط عجينة ال��زي��ت��ون ل��م��دة قصيرة‬
‫ما يجب مراعاته للحصول على زيت زيتون بكر‬
‫وبدرجة حرارة بين ‪ 30-26‬درجة مئوية‪.‬‬
‫عالي الجودة‪:‬‬
‫‪ -11‬عند تخزين زي��ت ال��زي��ت��ون يجب ات��خ��اذ كافة‬
‫‪ -1‬تجب العناية الجيدة والالزمة ألشجار الزيتون‬
‫االحتياطات الالزمة لمنع أي احتمال للتأكسد‪،‬‬
‫زراع���ي���اً‪ ،‬والمحافظة على ال��ث��م��ار حتى موعد‬
‫وإزال�����ة ال���رواس���ب وح��م��اي��ة ال��زي��ت م��ن ال��ض��وء‬
‫نضجها وقطافها‪.‬‬
‫والحرارة‪.‬‬
‫‪ -2‬يجب أن يتم قطاف الثمار في الوقت المناسب‬
‫لنضجها‪ ،‬للحصول على أحسن مواصفات للزيت‬
‫مع أكبر كمية زيت ممكنه‪.‬‬
‫‪ -3‬تقطف ال��ث��م��ار م��ن ال��ش��ج��رة ب��ال��ط��رق السليمة‬
‫للقطف‪ ،‬إم��ا باليد أو األدوات ال��خ��اص��ة التي‬
‫تحافظ على ج���ودة ال��زي��ت وع��ل��ى كمية الزيت‬
‫المشكلة في الثمار‪.‬‬
‫‪ -4‬اجتناب قطف الثمار الخضراء الداكنة أو ذات‬
‫النضج ال��م��ت��ق��دم‪ ،‬ألن ال��زي��ت المستخلص في‬
‫الحالة األولى يكون بطعم األوراق وكميته قليلة‪،‬‬

‫زيت الزيتون وفوائده الغذائية‬
‫> األستاذ الدكتور‪/‬رشود بن عبدالله الشقراوي‬

‫(‪)4‬‬

‫يعد زيت الزيتون إحدى نعم الله علينا‪ ،‬إذ عرف‬
‫القدماء بعض فوائده‪ ،‬وأدرك الطب الحديث البعض‬
‫األخر‪ .‬أقسم الله تعالى به حيث قال سبحانه (والتين‬
‫والزيتون‪ .‬وطور سنين)‪ .‬وتتضح لنا فوائده وأسراره‬
‫يوماً بعد ي��وم‪ ،‬فهذا الزيت المبارك ال��ذي أت��ى من‬
‫شجرة مباركة‪ ،‬أم��رن��ا رسولنا الكريم باستخدامه‬
‫حيث قال‪( :‬كلوا الزيت وادّهنوا به فانه من شجرة‬
‫مباركة) وارتبطت األبحاث العلمية الطبية والتغذوية‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪23‬‬

‫بـ (غذاء حوض البحر المتوسط) الغني بزيت الزيتون‬
‫والميزات العلمية لهذا النظام الغذائي‪ .‬حيث أكد ذلك‬
‫ بعض المرضى لم يعد بحاجه إلى الدواء‪.‬‬‫علماء التغذية واألطباء في توصياتهم األخيرة في‬
‫مالحظة‪ :‬يجب استشارة الطبيب في ترك األدوية‬
‫روما‪ .‬كما استعرضوا العديد من الفوائد االيجابية‬
‫الخاصة بالضغط‪.‬‬
‫لهذا الزيت ومن أهمها‪:‬‬
‫زيت الزيتون والسرطان‬
‫القيمة الغذائية لزيت الزيتون‬
‫يعد السرطان أحد األسباب األساسية لحاالت‬
‫يعتبر زيت الزيتون من األغذية الغنية لعدة أسباب منها‪:‬‬
‫ال��وف��ي��ات ف��ي العديد م��ن دول ال��ع��ال��م‪ ،‬وق��د لوحظ‬
‫ ِغناه بالكلوروفيل ‪ chlorophyll‬على شكل كاروتين انخفاض معدل اإلصابة بالسرطان في دول أوروبا‬‫‪ ،carotene‬وهي تعمل على المحافظة على الزيت الواقعة في الجنوب الم ُِط ِ ّل على حوض البحر األبيض‬
‫من التأكسد والتزنخ‪.‬‬
‫المتوسط مقارنة بدول الشمال البعيدة عنه‪.‬‬
‫ يحتوي الزيت على الليسيثين ‪ lecithin‬وهو مضاد‬‫وترجع هذه النتائج إلى نوع الطعام الذي يشتمل على‬
‫أكسدة طبيعي ويعمل على تحفيز أيض كل من‪ :‬زيت الزيتون كمصدر أساسي للدهون الغذائية لديهم‪.‬‬
‫الدهون والسكريات والبروتين‪.‬‬
‫وهناك عالقة عكسية بين زيت الزيتون وحدوث‬
‫ يحتوي كذلك على البولي فينول ‪ poliphenol‬وهو‬‫السرطان‪ ،‬وخصوصاً سرطان الثدي والمعدة والرحم‬
‫أيضا مضاد لألكسدة‪.‬‬
‫والقولون‪.‬‬
‫كما أنه يحتوي على العديد من الفيتامينات ومنها‪:‬‬
‫وفي دراسات حديثة نشرت في مجلة (‪medicine‬‬
‫فيتامين أ ‪vit. A‬؛ فيتامين هـ ‪vit. E‬؛ فيتامين د ‪.vit. D‬‬
‫‪ )archives of internal‬عام ‪1998‬م‪ ،‬أف��ادت أن تناول‬
‫ومن مواصفات زيت الزيتون أنه سهل الهضم‪.‬‬
‫ملعقة طعام من زيت الزيتون يومياً يمكن أن تنقص من‬
‫حدوث سرطان الثدي بنسبة تصل إلى ‪.%45-40‬‬
‫زيت الزيتون والكولسترول‬
‫‪ -‬خفض جرعات األدوية إلى النصف‪.‬‬

‫وف��ي دراس����ات أخ���رى اس��ت��م��رت أك��ث��ر م��ن ثالث‬
‫سنوات على شريحة من السيدات (‪ )70-60‬عاما‪،‬‬
‫لوحظ أن النساء اللواتي لم يصبن بسرطان الثدي‬
‫ك��ن ي��ت��ن��اول��ن ك��م��ي��ات ك��ب��ي��رة م��ن زي���ت ال��زي��ت��ون في‬
‫طعامهن‪ ،‬رغم عدم معرفة كيفية اآللية التي يلعبها‬
‫زيت الزيتون في ذلك‪.‬‬

‫تشير ال��دراس��ات إل��ى أن زي��ت الزيتون يقلل من‬
‫الكولسترول الضار في الدم (‪)ldl‬؛ ومن ثم يقي من‬
‫تصلب الشرايين ومرض شرايين القلب التاجية‪ .‬كما‬
‫أن زيت الزيتون يدخل في دور مضاد لألكسدة الحتوائه‬
‫على فيتامين هـ (‪ .)VIT. E‬وقد وجد الباحثون أ َّن زيت‬
‫البكر ‪ VIRGIN‬يحتوي على كمية جيدة من مركبات‬
‫البولي فينول التي تمنع تأكسد الزيت وتحافظ على زيت الزيتون والجلد‬
‫ثباته‪ ،‬وكذلك يمنع أكسدة الكولسترول الضار‪.‬‬
‫ي���ع���د س����رط����ان ال���ج���ل���د ‪ melanoma‬م����ن أك��ث��ر‬
‫زيت الزيتون وضغط الدم‬
‫السرطانات انتشاراًً‪ ،‬وخصوصا عند ذوي البشرة‬
‫تشير األبحاث إلى أن استهالك كميات من زيت البيضاء الذين يتعرضون للشمس لفترات طويلة‪،‬‬
‫الزيتون من قِ �� َب��لِ مرضى ضغط ال��دم أسهم بشكل وخ��اص��ة بعد السباحة الناتجة م��ن تأثير األشعة‬
‫فوق البنفسجية‪ .‬وقد تم إجراء بحث على حيوانات‬
‫مباشر في إنقاص ضغط الدم إذ أدى إلى‪:‬‬

‫‪24‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫تجارب تم تعريضها ألشعة الشمس ثالث مرات في اإلدراك وف��ق��دان ال��ذاك��رة م��ع ت��ق��دم العمر‪ .‬ويرجع‬
‫األسبوع‪ ،‬وقسمت إلى مجموعتين‪:‬‬
‫الباحثون االيطاليون الذين قاموا بدراسة تأثير زيت‬
‫ مجموعة تم دهنها بزيت الزيتون لمدة خمس الزيتون على الذاكرة واإلدراك عند كبار السن أن التأثير‬‫دقائق‪.‬‬
‫االيجابي لزيت الزيتون يرجع إلى مضادات األكسدة‬
‫الموجودة فيه مثل‪polyphenols & tocopherol :‬‬
‫‪ -‬ومجموعة أخرى لم يتم دهنها‪.‬‬

‫وبعد (‪ )18‬أسبوع تبين أن األورام ب��دأت تظهر زيت الزيتون واألطفال‬
‫عند الحيوان الذي لم يدهن بزيت الزيتون‪.‬‬
‫يحتاج الطفل الرضيع إلى األحماض الدهنية غير‬
‫المشبعة أو التي تعرف باألحماض الدهنية األساسية‪،‬‬
‫زيت الزيتون وقرحة المعدة‬
‫وتسمى أساسية ألن الجسم ال يستطيع تصنيعها‪،‬‬
‫قرحة المعدة من المشاكل التي تصيب الجهاز‬
‫لذلك ال ب��د م��ن توافرها ف��ي الطعام‪ .‬ول��ذا تنصح‬
‫الهضمي‪ ،‬حيث يؤثر ذلك على نمو جرثومة تسمى‬
‫األمهات المرضعات باستهالك كمية جيدة من زيت‬
‫‪ ،pylori helicodater‬وقد يتضاعف تأثير تلك البكتريا‬
‫الزيتون‪ ،‬حيث لوحظ انتقال هذا النوع من األحماض‬
‫فتسبب حاالت سرطان المعدة‪ .‬وتظهر التجارب في‬
‫األساسية إلى الحليب‪ ،‬ومن ثم يسهم بشكل كبير في‬
‫هذا المجال أن الزيوت غير المشبعة عموماً ومنها‬
‫رفع المستوى الصحي للطفل الرضيع‪.‬‬
‫زي��ت ال��زي��ت��ون‪ ،‬لها تأثير على ال��ح��د م��ن نمو هذه‬
‫البكتريا؛ ومن ثم يكون لها تأثير معين في الوقاية من زيت الزيتون وحشرة القمل‬
‫سرطان المعدة واإلقالل من اإلصابة بقرحتها‪.‬‬
‫كما أن زيت الزيتون إذا وضع على رأس الشخص‬
‫المصاب بالقمل لعدة ساعات‪ ،‬سوف يساعد على‬
‫زيت الزيتون والمفاصل‬
‫يساعد زي��ت ال��زي��ت��ون بشكل غير م��ع��روف على قتل القمل الموجود في الرأس‪.‬‬
‫ويتم ذلك بوضع خطة عالجية لفترة من الزمن‪ ،‬وعلى‬
‫إزال���ة السبب ف��ي التهاب المفاصل نظير الرئوي‬
‫‪ ،Rheumatoid arthritis‬وهو التهاب تصاب به مفاصل خمس خطوات‪ ،‬حيث يوضع زيت الزيتون على الرأس‬
‫قبل النوم مباشرة مع تغطية الرأس بغطاء االستحمام‪.‬‬
‫اليدين والقدمين‪.‬‬
‫زيت الزيتون والذاكرة‬

‫تركيبة ثمرة زيت الزيتون‬

‫م�����اء ب��ن��س��ب��ة ‪%30‬؛ زي�����ت ب��ن��س��ب��ة ‪%35-10‬؛‬
‫لوحظ في العديد من األبحاث أن الغذاء المحتوي‬
‫على نسبة جيدة من األحماض الدهنية أحادية عدم كربوهيدرات بنسبة ‪%15‬؛ بروتين بنسبة ‪%15‬؛ أمالح‬
‫التشبع مثل زيت الزيتون‪ ،‬لها تأثير مضاد لتناقص معدنية بنسبة ‪.%1‬‬
‫(‪ )1‬عضو مجلس الشورى حالياً‪ ،‬ورئيس قسم اآلثار بجامعة الملك سعود سابقا‪ .‬وقد ألقى محاضرته هذه في مهرجان الزيتون‬
‫مساء يوم الثالثاء ‪1428/12/15‬هـ‪.‬‬
‫(‪ )2‬مهندس زراعي وباحث بوحدة أبحاث الزيتون بالجوف‪.‬‬
‫(‪ )3‬كبير الخبراء بمنظمة األغذية والزراعة العالمية ‪ -‬ألقى محاضرته هذه في ندوة فوائد الزيتون الغذائية والطرق العلمية‬
‫لزراعته وتسويقه بمهرجان الزيتون‪.‬‬
‫(‪ )4‬أستاذ الغذاء والتغذية بجامعة الملك سعود ‪ -‬ألقى محاضرته هذه في ندوة فوائد الزيتون الغذائية والطرق العلمية لزراعته‬
‫وتسويقه بمهرجان الزيتون‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪25‬‬

‫قصيدة النثر املاغوطية‬
‫(ثورة على الثورة)‬

‫مجموعة «الفرح ليس مهنتي» منوذجا‬
‫> رامي أبو شهاب‬

‫<‬

‫القصيدة الماغوطية – القصيدة الشفوية‬
‫تمهيد‪:‬‬
‫تمتح قصيدة النثر العربية بنيتها غير المستقرة من تجارب الشعراء‪ ،‬مما يجعلها في حالة من‬
‫التوالد والتجدد الذاتي‪ ،‬الذي يساهم في تشكيل بنيات جمالية ربما تضل أحيانا‪ ،‬ولكنها ال تعدم‬
‫متعة االكتشاف‪ .‬وربما ال نجانب الصواب إذا قلنا أن قصيدة النثر العربية اتخذت على يد الشاعر‬
‫العربي محمد الماغوط بصمة متفردة‪ ،‬صاغها الماغوط في أعماله الشعرية حين تجاوز مقوالت‬
‫منظري قصيدة النثر واضعا لها بنية جديدة ال تتكئ على سابق‪ .‬وهكذا يكون الماغوط قد قاد‬
‫في اآلن ذاته ثورة على الثورة‪ ،‬وسنستدل على ذلك من خالل اتخاذ مجموعة «الفرح ليس مهنتي»‬
‫نموذجا‪ ،‬حيث نبحث فيها عن مميزات التشكيل الماغوطي لقصيدته النثرية‪.‬‬
‫لقد سارت قصيدة النثر العربية باتجاهين‪ ،‬وهذان االتجاهان ‪ -‬كما يرى محمد جمال باروت ‪-‬‬
‫يتمثالن أوال بقصيدة الرؤيا وروادها أنسي الحاج وأدونيس ومن ينحو نحوهما‪ ،‬بينما يتمثل االتجاه‬
‫الثاني بالقصيدة الشفوية‪ ،‬ويمثلها بامتياز الشاعر محمد الماغوط‪.‬‬

‫البوح املألوف‬

‫درا��������س�������ات‬
‫‪26‬‬

‫يعرف ب��اروت القصيدة الشفوية قائال «هي القصيدة التي تطرح تساؤالت اإلنسان في المدينة‬
‫العربية المعاصرة حيث تلتقط توتر الحياة اليومية‪ ،‬وشرائح جبروتها ولحظاتها الصغيرة ومشاعرها‬
‫اليومية»‪ ،‬وهذا ما نالحظه في ذلك التكون الذي صاغه الماغوط في قصيدته‪ ،‬حيث ابتعد عن‬
‫المسار الذي قاده شعراء مجلة شعر‪ ،‬ونحا في قصيدته منحى آخر‪ ،‬إذ أراد من خالل القصيدة‬
‫أن تحمل همه‪ ،‬بحيث تكون ذات صفة شفافية بعيدة عن الرؤية العاجية‪ .‬ويذهب الدكتور القعود‬
‫إلى أن القصيدة الشفوية الماغوطية تمتاز بالوضوح‪ ،‬ومرد ذلك يعود ‪ -‬كما يرى ‪-‬إلى احتفاظ‬
‫الماغوط «للعالقات المألوفة في اللغة‪ ،‬واقتصاده الواضح في التوسل بالرؤيا والخيال المتسلط‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫من ناحية»‪ ،‬فنحن نلمح في قصائد الماغوط تلك اللغة يقصد به النَفس السردي كما يقول بيضون‪ ،‬ونكاد نرى‬
‫البسيطة السهلة ذات القدرة الشعرية المكثفة‪ ،‬ومن أن اإلجماع يكاد يكون من تولد القصيدة من استراق‬
‫ذلك نقرأ له‪:‬‬
‫الشاعر لقصيدته لحظة زمنية يقوم بالبناء عليها‪،‬‬
‫ويكون سير القصيدة من خاللها‪ ،‬مما يحمل القصيدة‬
‫«مذ كانت رائحة الخبز‬
‫على ال��ت��ح��رك ول��ك��ن ضمن إط���ار معين‪ ،‬يبني عليه‬
‫شهية كالورد‬
‫الشاعر لغته‪ ،‬بحيث يجعل لها كينونة خاصة‪ ،‬فحركة‬
‫كرائحة األوطان على ثياب المسافرين‬
‫الشاعر دائرية ليست سردية‪ ،‬تبدأ من نقطة وتنتهي‬
‫وأنا أسرح شعري كل صباح‬
‫إلى نفس النقطة‪ ،‬وهو ما يطلق عليه االعتباطية أو‬
‫وأرتدي أجمل الثياب‬
‫التذبذب‪.‬‬
‫وأهرع كالعاشق في موعده األول‬
‫«واآلن‬
‫النتظارها‬
‫النتظار تلك الثورة التي يبست»‬
‫والمطر الحزين‬
‫ففي المقطع الشعري السابق نجد كثافة اللغة يغمر وجهي الحزين‬
‫اليومية ذات الداللة الشعرية‪ ،‬حين نقرأ في معجمه أحلم بسلم من الغبار‬
‫الشعري تلك األلفاظ اليومية التي نتداولها كل يوم‪ :‬من الظهور المحدودبة‬
‫كألفاظ الخبز‪ ،‬واألوط����ان‪ ،‬وال��م��س��اف��ري��ن‪ ،‬وش��ع��ري‪ ،‬والراحات المضغوطة على الركب‬
‫وصباح‪ .‬ولكن الشاعر في استخدامه لهذه األلفاظ ألصعد إلى السماء‬
‫وتوظيفها‪ ،‬يصنع حالة شعرية تتسلل إل��ى المتلقي‪ ،‬وأعرف‬
‫وتمارس عليه حضورا ينتج ‪ -‬في المحصلة األولى ‪ -‬أين تذهب آهاتنا وصلواتنا؟‬
‫من اقترابها من اليومي والمعاش‪ ،‬ولكن غير المصاغ آ يا حبيبي»‬
‫بالصورة التي اختلقها شاعر كالماغوط في القصيدة‪.‬‬

‫وهكذا نجد الماغوط يبتعد عن ذلك النهج الذي‬
‫يفقد العالقات اللغوية مكانتها‪ ،‬ويبتعد أيضا عن تلك‬
‫الصور الغريبة التي تعتمد على عالقات غير واضحة‬
‫الداللة‪ ،‬وهذا ما يهدف إليه صالح فضل حين يطلق‬
‫على النهج الماغوطي بأنه صاحب «النبرة األليفة‬
‫للبوح الودود»‪.‬‬

‫احلكائية واإليقاع السردي‬
‫تعمد قصيدة الماغوط باإلضافة إل��ى ما سبق إلى‬
‫الحكائية كتشكيل شعري جديد‪ ،‬أو كما يطلق عليه‬
‫ص�لاح فضل «اللحظة الزمنية اآلن��ي��ة» ويقصد بها‬
‫سير القصيدة باعتمادها على السردية‪ ،‬ونقلها لوقائع‬
‫معينة بأسلوب يختلف عن السرد القصصي‪ ،‬وربما‬

‫ن�لاح��ظ هنا ال��س��رد ال���ذي ي��أخ��ذ ح��ال��ة ال��وق��وف‪،‬‬
‫فالحركة الداخلية تفتعل من خ�لال تطور القصيدة‬
‫من الناحية السردية‪ ،‬فالشاعر كأنه يكسر تلك اللغة‬
‫السردية الرتيبة التي تميز بها كل من الشعر العمودي‬
‫وقصيدة التفعيلة‪ ،‬فيصطنع الماغوط في قصيدته‬
‫ت��وه��ج��ا داخ��ل��ي��ا يتسلل إل���ى المتلقي م��ع��ت��م��دا على‬
‫الصورة التي تتخذ أهميتها في القصيدة كأحد عوامل‬
‫التعويض ع��ن ال���وزن‪ ،‬ولكن تلك ال��ص��ور ف��ي قصيدة‬
‫الماغوط تمثل حالة استثنائية‪ ،‬فالماغوط قادر على‬
‫حشد مجموعة من الصور الشعرية في نص واحد‪،‬‬
‫مولدا إيقاعا خاصا به‪ ،‬بحيث تحلق القصيدة لتفتح‬
‫للقارئ أفقا رحبا‪ ،‬يثير لديه تلك النشوة التي يصعب‬
‫تحقيقها ضمن نصوص أخرى‪ ،‬تفتقد إلى تلك الحالة‬
‫التعويضية إلشكالية الوزن العروضي‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪27‬‬

‫ي��ق��ول ك��م��ال خير ب��ك ع��ن ه��ذه النقطة وتحديدا‬
‫العناصر الجمالية في قصيدة الماغوط «ق��د دللت‬
‫تجربة الماغوط ألعضاء التجمع أن االمتيازات التي‬
‫عاينوها في نتاجات الشعراء الغربيين قابلة للتحقق‬
‫ع��ل��ى ي��د ش��اع��ر ع��رب��ي‪ ،‬ح��ي��ث ت��وص��ل إل���ى التعويض‬
‫تتكون ال��ص��ورة ف��ي المقطع السابق م��ن عبارات‬
‫ع��ن غ��ي��اب ال���وزن والقافية بالتركيز على العناصر بسيطة‪ :‬كالجناحين‪ ،‬وشريطة المدرسة‪ ،‬والجنين الذي‬
‫الجمالية»‪.‬‬
‫ولد في المبغى‪ ،‬وذلك الحزن الذي ال يعرف له نسب‪،‬‬
‫قصائد الماغوط تحقق مواصفات جمالية عالية كلها تحمل طاقة إيحائية ال نهاية لها‪ ،‬وهنا تتجلى‬
‫ال���ج���ودة‪ ،‬م��ن خ�ل�ال االت��ك��اء ع��ل��ى ال��ص��ور الشعرية‪ ،‬مفارقة الماغوط لغيره من الشعراء‪ ،‬كونه قادرا على‬
‫واللغة البسيطة الدافئة‪ ،‬والحكائية السردية‪ .‬فقد خلق صورة شعرية أخاذة من مكونات بسيطة‪ ،‬واختزال‬
‫صنع الماغوط لنا نموذجا شعريا يتكئ على دمج تلك كبير للمفردة التي تحتمل في طياتها مساحات داللية‬
‫العناصر الشعرية‪ ،‬وخلق نصا شعريا يمتاز بالرؤية واسعة‪.‬‬
‫أو رفاقي في المقهى‬
‫فحزني ال حسب له وال نسب‬
‫كاألرصفة‬
‫كجنين ولد في المبغى»‬

‫الشعرية‪ ،‬باإلضافة إلى االقتراب بالقصيدة من جهة‬
‫ويبدو أن ارتباط الصورة الشعرية بقصيدة النثر ذو‬
‫أهمية‪ ،‬كما قلنا سابقا‪ ،‬ألنه يشكل تعويضا عن ذلك‬
‫المرسل دون ابتذال لها‪.‬‬
‫اإليقاع الخارجي المتمثل بالوزن والقافية‪ ،‬ويفسر لنا‬
‫يقول الماغوط ف��ي قصيدة ل��ه بعنوان «إل��ى بدر‬
‫شوقي بزيع هذا الرأي عند ما يرى في شعر الماغوط‬
‫شاكر السياب»‪:‬‬
‫النموذج األكثر قدرة على التعبير عن خصائص قصيدة‬
‫«يا زميل الحرمان والتسكع‬
‫النثر الحقيقة وتعويضها للوزن‪.‬‬

‫حزني طويل كشجر الحور‬
‫حيث ينظر لصور الماغوط على أنها صور حسية‬
‫ألنني لست ممدا إلى جوارك»‬
‫قادرة على اختراق المعنى واالستعانة بعناصر التضاد‬
‫يجب علينا أن نتأمل الصورة التي يصنعها الماغوط والتقطيع‪ ،‬واإليقاع‪ ،‬أو الصورة البصرية المتالحقة‪.‬‬
‫بعناية «حزني طويل كشجر الحور» تلك الصورة تبدو‬
‫وه��ن��اك م��ن ال��دارس��ي��ن م��ن ي��رى أن الماغوط في‬
‫مدهشة وغريبة‪ ،‬ولكنها تنساب إلى الداخل لتصنع استخدامه لبعض الصور قد أع��اد االعتبار للتشبيه‬
‫تموجا وحالة نفسية تتعدى من نفسها إلى المتلقي‪.‬‬
‫التمثيلي ال��ذي يعد مظهرا من مظاهر التجديد في‬
‫ون��ق��رأ أيضا ل��ه م��ن قصيدة «المهذبة ف��ي عصر الصورة الشعرية‪.‬‬
‫وحشي»‬

‫أيتها الحمامة التي تزورني‬
‫وجناحاها معقودان كشريطة المدرسة‬
‫كفاك تحديقا في راحتي‬
‫بحثا عن خطوط العمر والحظ والمستقبل‬
‫عبثا تتقصين أسرار حزني‬
‫من إضبارتي المدرسية‬

‫‪28‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫منط مختلف‬

‫يرى غالي شكري أن الماغوط من الشعراء القادرين‬
‫على استدراج المعالم الخارجية‪ ،‬وإلغاء نسب الواقع‬
‫واالستفادة من حرية الكتابة لصنع عالمه الشعري‪،‬‬
‫حيث يمزج نسب الواقع مع الحلم‪.‬‬
‫إن نص الماغوط الشعري عالم عجيب من التقاط‬
‫لصور الواقع‪ ،‬ووضعها في عالم سحري غرائبي يشبه‬

‫الحلم‪ ،‬فنحن عندما نقرأ الماغوط نرى أنه يرانا من أج��اب‪« :‬ب��أن المحافظة على قافية ووزن في وسط‬
‫زاوية ما‪ ،‬ولكننا ال نستطيع تثبيت الصورة التي يخلقها اإليقاع السريع هو نوع من الردة»‪.‬‬
‫الماغوط‪ ،‬ألنها تنتمي إلى عالم متموج ولكنه قريب‬
‫فالشاعر في هذا العصر هو نتاج بيئة تختلف عن‬
‫جدا‪.‬‬
‫تلك البيئة التي كان امرؤ القيس يعيش فيها‪ ،‬فنحن‬
‫وتبقى القصيدة الماغوطية قائمة بتشكيلها لعالمها‬
‫الشعري إذ تأخذ على عاتقها تفجير اللغة والنص‬
‫وان��ب��ع��اث ط��اق��ات تعبيرية ه��دام��ة وب��ن��اءة ف��ي الوقت‬
‫نفسه‪ ،‬فالمفارقة التي تميز الماغوط عن غيره من‬
‫الشعراء هو عدم اهتمامه بمسميات النص ووضعه‬
‫ضمن خانات‪ ،‬حيث يقول‪:‬‬

‫«أنا أكتب نصوصا‪ ،‬ولن أغضب إذا قيل إنني لست‬
‫شاعرا‪ ،‬وإنما كاتب نصوص»‪ ،‬هذه العبارة تعكس رؤية‬
‫الماغوط للعمل اإلبداعي ووضعه في مسميات‪ ،‬فهو‬
‫ي��ؤم��ن ب��وج��ود ال��ن��ص األدب���ي بغض النظر ع��ن جنسه‬
‫واسمه‪ .‬حيث يرى عبدالواحد لؤلؤة أن الماغوط من‬
‫الذين ينتمون إلى الذين يقولون بكتابة القصيدة ال عن‬
‫نظم قصيدة‪ ،‬ومنهم جبرا إبراهيم جبرا وتوفيق صايغ‪.‬‬
‫وهكذا نستدل إلى أن الماغوط في اختياره لقصيدة‬
‫النثر كان يبحث عن القوة الكامنة فيها‪ ،‬وعن حريتها‬
‫الفنية بما تمتاز به من حرية التركيب أو كما يعبر عن‬
‫ذلك أدونيس‪:‬‬
‫«قصيدة النثر حرة في تركيب جدلي رحب وحوار‬
‫ال نهائي بين ه��دم األش��ك��ال وب��ن��ائ��ه��ا» ف��ه��ذا يكشف‬
‫ع��ن تعلق ال��م��اغ��وط بقصيدة النثر التي تقترب من‬
‫الشاعر بشكلها من حالته النفسية‪ ،‬التي ترغب بالبناء‬
‫والتغيير‪ ،‬وإع��ادة صياغة الحياة بصورة أخ��رى تكون‬
‫الحرية ركيزة فيها‪.‬‬
‫قصيدة النثر تتخلص من الوزن والقافية حيث تجد‬
‫فيهما عاملي تقييد للنص اإلبداعي وحجر عثرة في‬
‫انسياب الشاعر ضمن عوالمه الشعرية‪ ،‬فعندما سئل‬
‫الماغوط لماذا ال تكتب شعرا موزونا أو شعر تفعيلة؟‬

‫إن أرهفنا السمع لهذه البيئة‪ ،‬لن نسمع صوت الريح‬
‫وح��داء اإلب��ل وص��وت النهر وحفيف األشجار أو ذلك‬
‫الهدوء الساكن في أعماق الصحراء‪ ،‬إن إيقاع الحياة‬
‫تغير‪ ،‬وقد حان الوقت الذي يلد فيه اإليقاع من داخل‬
‫الشاعر‪ ،‬حيث يصم أذنيه عن صوت العالم الخارجي‪.‬‬
‫وأعتقد أن الماغوط قد أصاب في رؤيته لهذه القضية‬
‫مما يدلل على مقدار الرؤية العميقة التي يمتاز بها‬
‫هذا الشاعر في اقترابه من البيئة التي شكلته‪.‬‬

‫وإذا ما ولجنا بعيدا في قصيدة الماغوط سنجد أنها‬
‫قد اختارت شكال متفردا‪ ،‬يعود أوال إلى رفض الشاعر‬
‫لقضية المسميات‪ ،‬فهو أوال يكتب نصا ‪ -‬بغض النظر‬
‫عن الجنوسة ‪ -‬فقد اتجه الشاعر إلى قصيدة النثر‬
‫كتعبير عن ممارسة الحرية والتفرد وتحقيق الصدق‬
‫المراد‪ ،‬والذي ال يتأتى له إال إذا تخلص من األوزان‬
‫والقوافي التي تحد من الحرية التي يجب أن تعطى‬
‫للشاعر‪ ،‬ومع أن الشاعر قد انحاز للتعبير عبر قصيدة‬
‫النثر‪ ،‬إال أنه خرج بها نحو عالم أكثر حرية وتفردا‬
‫وتميزا‪ ،‬حيت شكّل القصيدة الشفوية التي تحمل لغة‬
‫يومية تعبر عن معاناة إنسان العصر‪ ،‬وابتعد الشاعر‬
‫عن القصيدة الغامضة ذات الرؤيا التي تمتاز لغتها‬
‫بالصعوبة والغموض والتجريد‪ ،‬واعتمد الشاعر كذلك‬
‫على صورة شعرية بسيطة ولكن ذات مدلوالت كبيرة‪،‬‬
‫وسار الشاعر بقصيدته باتجاه السرد والذي يكثر فيه‬
‫من التفصيل‪ ،‬وهذا يعد خروجا على قصيدة النثر‪.‬‬
‫وإذا ما نظرنا إلى تلك الظواهر سنجد أن الشاعر‬
‫كان بالدرجة األولى يكتب نصا غير آبه لماهيته‪ ،‬ولكنه‬
‫يدرك قيمته األدبية دون النظر إلى الموارد التراثية أو‬
‫األنجلوسكسونية أو الفرانكفونية‪.‬‬

‫< شاعر وناقد‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪29‬‬

‫البحريات‪ ..‬اآلخر وحتوالت املكان‪ ..‬؟‬

‫> محمد الدبيسي‬

‫<‬

‫صيغ التحول في مكان كـ (ال��ري��اض)‪ ..‬ال يمكن التقاط مظاهرها إال عبر (اإلن��س��ان)‪ ..‬كفاعل‬
‫تستوي عبره أنماط وصيغ ذلك التحول؛ فـ (المكان) يعطي الكينونة اإلنسانية تَجَ ّ ُسدها وانقطاعها‬
‫عن الذهنية البحتة‪ ،‬ومطلقية التجريد؛ فهو المتالزم األهم مع فكرة الوجود‪.‬‬
‫(وجود) تشكله شخصيات رواية (البحريات)‪ ،‬العمل الروائي األول للكاتبة (أميمه الخميس) (‪، )1‬‬
‫الذي سبقته أربع مجموعات قصصية‪ ..‬ظلت مستويات الرؤية فيها تتمحور على (المكان)‪ ،‬وتتعالق‬
‫مع مخاضاته‪ ،‬وتؤثث لشخصياتها نطاقاً نصياً في إطاره‪ ،‬بشكل تحول معه المكان إلى فضاء سردي‪،‬‬
‫تستقطر الكاتبة من إفرازاته خطوط ومقاطع األحداث وبنى تمركزاتها ومحاضنها‪ ..‬وال سيما في‬
‫(الترياق) المجموعة القصصية األخيرة لها‪ ،‬والتي أبرزت (المكان‪/‬الرياض)‪ ،‬كعنصر وظيفي في‬
‫عتبتها النصية (التفسيرية)‪ ،‬التي تضافرت مع (الترياق) اسم المجموعة وتيمتها األساس‪ ..‬ومن ثم‬
‫اتخذت اللغة السردية (المكان) أفقاً‪ ،‬تتشكل األحداث والوقائع في جزئياته وامتداداته‪ ,‬كاشفة نظامه‬
‫وثقافته وبناه السلطوية؛ لتعبر عن النسيج االجتماعي في حال اشتجاره مع تلك األنظمة والبنى‬
‫والثقافات‪ ،‬التي تلتبس وتوجه حياة تلك الشخصيات وحراكها‪ ..‬بما ال يمكن معه عزل الشخصيات عن‬
‫مكانها أو فصلها عنه؛ فهو حاضن الثقافة التي يُرام كشف أنساقها‪ ،‬أو تعرية مظاهرها على صعيد‬
‫األفكار والقيم والسلوك‪ .‬وهو الذي يلقي بظالله على المواقف واألبعاد‪.‬‬

‫المكان‪ /‬العتبات األولى‬
‫أما (المكان) في هذا العمل الذي نحاول سبر تكويناته ومضامينه الداللية‪ ،‬فقد اتخذت له الكاتبة‬
‫منحى (أركولوجياً) يحفر في مستقراته وبناه االجتماعية األولى وتحوالته الحضرية الالحقة‪ ..‬في بناء‬

‫‪30‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫ال‬
‫عنها إيحاءات األل��وان التي يكتسيها السواد‪ ..‬مشك ً‬
‫مساحتها الكمية األك��ب��ر‪ ..‬في إط��ار خطت في أعاله‬
‫ع��ب��ارة (البحريات) بلون أب��ي��ض‪ ،‬وك��أن نسبة البياض‬
‫هي الكتلة األقل إلى جانب السواد؛ فالبياض الضئيل‬
‫ال���ذي تشكله لفظة (ال��ب��ح��ري��ات) بصيغتها الجمعية‬
‫وموقعها في ذروة س��واد الغالف‪ ,‬يمكن أن يُعد جدالً‬
‫بين (لونين) متناقضين يرمزان إلى صراع وجودي بين‬
‫البحر (األبيض) والصحراء (السوداء) المحيطة‪ ..‬وعبر‬
‫تناقض كمية التناسب بينهما‪.‬‬

‫سردي يستجمع جمالياته النصية من اإلستراتيجية التي‬
‫احترفتها الكاتبة‪ ،‬لتعيد تشكيل المكان وضبط تحوالته‬
‫وف��رزه��ا ع��ب��ر شخصيات ن��وع��ي��ة‪ ..‬ه��ن (ال��ب��ح��ري��ات)‬
‫حيث تستقصي الكاتبة‪ -‬وبوعي باستراتيجيات السرد‬
‫الروائي‪ -‬القيمة المحورية الرئيسة للعتبات النصية‪,‬‬
‫بوصفها نصوصاً محاذية‪ ،‬تبدأ من تشكيل لوحة الغالف‪،‬‬
‫وعبر النسبة غير المألوفة لذهنية التلقي ‪-‬نسبة النساء‬
‫إلى البحر ‪ -‬تنطوي على مفهوم (سوسيولوجي) لداللة‬
‫تلك النسبة‪ ..‬تنص الكاتبة عليها في (الغالف األخير)‬
‫من الرواية‪( :‬البحريات نساء تقذفهن أمواج البحر إلى‬
‫ومن هنا‪ ،‬فال يمكن أن نحيل عناية الكاتبة الفائقة‬
‫قلب الجزيرة العربية في المدن القديمة والجديدة‪،‬‬
‫بهذه (العتبات)‪ ..‬إلى قصد عفوي انساقت إليه كتقليد‬
‫وفيما تغير الموجة‪ ..‬تتجذر النساء البحريات في نسيج‬
‫س��ائ��د ف��ي مضمار تصميم واخ��ت��ي��ار أغلفة األع��م��ال‬
‫الحياة‪ ،‬وتختلط حكايتهن بحكايات النساء األخريات‬
‫في البيوت المغلقة‪ ،‬التي يحكمها الرجال بغواياتهم اإلبداعية‪.‬‬
‫ونزعاتهم الغريبة)‪.‬‬
‫وإنما إلى وعي بالقيمة الداللية لتلك (العتبات)‪..‬‬
‫وه��ذه العتبة التعريفية للبحريات‪ ،‬ال تأخذ صيغة التي أصبحت مكوناً نصياً محاذياً‪ ..‬يتعالق مع بنية‬
‫معيارية إخبارية في تقريب منطويات تلك النسبة وشرح النص األصلي التفصيلي المكتوب‪ ،‬ويتداخل مع بعض‬
‫داللتها؛ بل تحاول رسم تضاريس حياة هذه الفئة‪ ..‬وفق طرائق تنظيمه؛ أي أنها تحمل في طياتها وظيفة داللية‬
‫صيغة شاعرية تعتمد األسلوب الوصفي لتجسيد داللة تحاول كشف إستراتيجية الكتابة‪.‬‬

‫نافذة لعمق المعنى واستبطاناته‪ ..‬تليها عتبة أخرى‬
‫هي (اإله��داء) في أول صفحات الرواية‪( ..‬إلى سهام‬
‫سيدة البحريات)‪ ،‬هذه الـ (سهام) التي ال تشي بأكثر من‬
‫(اسم ام��رأة)‪ ..‬ربما احتلت قيمة استثنائية في اعتبار‬
‫الكاتبة‪ ،‬لكي تستحق أن تُهدى لها ه��ذه المدونة من‬
‫المفارقة‪/‬المكان‬
‫سيرة (البحريات)‪ ..‬؟ وبما أنها (سيدة البحريات) فهي‬
‫المحرك والباعث الرئيسي للكاتبة على فعل (الكتابة)‬
‫يحرر النص آثار وتجليات التزاوج بين (الصحراء‪/‬‬
‫وتدوين سيرة (البحريات)‪.‬‬
‫والبحر) ويعبر عن محايثات هذه العالقة المفارقة‪ ،‬من‬
‫هكذا تتعاضد داللة (العتبات) عبر تنويعاتها النصية؛ خالل الوقائع واألحداث‪ ،‬التي تعيد الكاتبة استثمارها‬
‫قاصدة الخوض في شرك تلك الحياة التي تشي العتبة في مضمار سردي روائي في سياق الخطاب السردي‬
‫األولى (لوحة الغالف) بسمتها الحذر‪ .‬كيانان أنثويان المحلي ال���ذي ب���دأت نماذجه ت��ق��ارب ت��خ��وم األمكنة‪،‬‬
‫يتشابكان بصمت‪ ..‬مموهان بألوان جامدة‪ ..‬؟ ال تكاد وت��ص ِ��عّ��د م��ن إم��ك��ان��ات ك��ش��ف أن��س��اق��ه��ا االجتماعية‪،‬‬
‫تبين إال عن وجهين متقابلين‪ ..‬وعينين مطبقتين لكل وإض����اءة مضمراتها عبر الحفر وال��ت��ع��ري��ة والتقاطع‬
‫منهما‪ !..‬بما ينم عن صمت مزمن وإغفاءة سادرة؛ تعبر والتكثيف لحضور األمكنة وصيغ االلتزام باشتراطات‬
‫وه���و م��ا ي��م��ه��د لعملية ال��ت��ل��ق��ي ب���إش���ارات تترسخ‬
‫ضمناً في وعي المتلقي‪ ,‬ب��دءاً من المكونات السردية‬
‫الرئيسة التي يبنى عليها النص‪ ،‬ويؤسس عليها معماره‬
‫السردي‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪31‬‬

‫ذلك الحضور‪ ..‬في صنيع سردي جمالي‪ ،‬يتفيأ المكان‬
‫ويحرك مستقراته‪!..‬‬

‫المكان وأجوائه العطشى والمرة‪ ..‬ومع (أم صالح) ربيبة‬
‫المكان ورم��زه األوف��ى‪ ,‬التي تشعل ض��راوة اإلحساس‬
‫بغربة (ب��ه��ي��ج��ة)‪ ..‬ال��ت��ي ال تستطيع ال��ت��واؤم م��ع ذلك‬
‫ال عن استيطانه‪ .‬لتظل (أم صالح)‪ .‬تعلق‬
‫(المكان) فض ً‬
‫على غربتها مزيداً من مسوغات النفي ومبررات الحجر‬
‫النفسي والعاطفي المريع‪.‬‬

‫التل األسود الشفاف الذي يغطي رأسها ومن ثم يستدير‬
‫حول وجهها‪ ،‬عندما يالمس وجنتها البيضاء الالمعة‬
‫وكان يزيدها غرابة‪ )..‬ص ‪.7‬‬

‫يتحول ذلك النداء إلى تذكير متواتر يؤكد الغربة‬
‫ويجدد موقف اإلقصاء (قومي صلي‪ ،‬جعلك الوصل‪..‬‬
‫قومي صلي‪ ،‬ال ربي يعاقبنا بسببك‪ .‬الشر يعم والخير‬
‫يخص‪ .‬أن��ا أدري من وي��ن يجيبون لنا ها الكافرات‪..‬‬
‫عليك يا شامية إبليس) ص ‪.36‬‬
‫ِ‬
‫حسب الله‬

‫ومن هذه الفرضية‪ ،‬جاءت رواية (البحريات)‪ ..‬حفي ًة‬
‫بهذه المهارات السردية؛ إذ اتخذت الكاتبة (البحريات)‬
‫ال تحفر به قاع المكان وتوقظ بهن رك��وده‪ ،‬فهن‬
‫مدخ ً‬
‫ال��م��ض��اف اإلن��س��ان��ي االستثنائي – إل��ى ال��ص��ح��راء ‪-‬‬
‫وال��ط��ارئ بثقافته ووج��دان��ه المضمخ برائحة البحر‬
‫(غربة) ال تفتأ (أم صالح) تذكي أواره��ا‪ ,‬ففي كل‬
‫وأسراره وحكاياه‪.‬‬
‫موقف تحاول إيقاظ شعور (بهيجة) بهزيمتها أمام الزمن‬
‫فـ(بهيجة) عميدة (البحريات) (كانت فاقعة‪ ،‬مفرق وسطوة المكان‪ .‬فال تزال منفية عنه غريبة عليه‪ ..‬حتى‬
‫شعرها الكستنائي المستقر‪ ..‬يلتمع تحت غطاء رأسها‪ ,‬عندما تدعوها للصالة‪..‬‬

‫ف��ه��ذه البحرية األول���ى ال��ت��ي تستهل بها ال��رواي��ة‪..‬‬
‫ومنها يبدأ الغوص في المكان‪( :‬مكان التزام الوقار في‬
‫اللون النبرة‪ ،‬واصطفاف األثاث الشحيح قلب الصحراء‬
‫المثقل ب��ال��م��رارات وأنين السواقي من ال��م��زارع التي‬
‫تتوسل الحياة من قيعان بعيدة‪ ..‬وكانت نبرات صوتها‬
‫وألوانها البراقة ال تتناغم مع األلوان الترابية المطفأة‬
‫للمكان وأصحابه‪ )..‬ص ‪.7‬‬
‫وال يعكس مثل ه��ذا الوصف المكاني لوناً نفسياً‬
‫غير السواد‪ ,‬المثقل بالمرارات‪ .‬المفارق والمتناقض مع‬
‫بياض (بهيجة) وجذور كينونتها البحرية‪ ,‬ويلقي بظالله‬
‫على (وجنتها البيضاء)‪ ..‬وهو بداية انسراب الداللة‬
‫النصية الرمزية للعتبات في المتن السردي‪.‬‬

‫وب��ق��در ال��م��س��ت��وى ال��م��ج��ازي ل��ه��ذه ال��ل��غ��ة‪ ،‬وتناغم‬
‫مستويي (المحكي المحلي) و(الفصيح) فيها الستظهار‬
‫المكنون النفسي (ألم صالح) إزاء (بهيجة)‪ ،‬فهي تعبر‬
‫عن منطويات تفكير وموقف من (اآلخر)‪ ..‬عندما تجزم‬
‫بيقين اعتقادي مطلق بأنهن (كافرات) ! حتى في سياق‬
‫واقعة (الدعوة للصالة)‪ ..‬تأخذ هذا التبكيت القمعي‬
‫ضد (بهيجة)‪ ..‬وم��ن ثم ينسحب قانون ه��ذا التفكير‬
‫وتبعاته على (البحريات) الالتي تخطو (بهيجة) بهن‬
‫في خضم المكان الجديد ال��ذي ال يمكنه احتواءهن‪،‬‬
‫على الرغم من اشتراطات عالقات الزواج والمصاهرة‬
‫والحياة والتعامل‪ ..‬يبقين منفيات خ��ارج إط��ار األلفة‬
‫(العائلية‪ /‬اإلن��س��ان��ي��ة) ال��ت��ي يمكن لتلك ال��ع�لاق��ة أن‬
‫تؤسسها افتراضاً‪.‬‬

‫وم��ن ه��ذه ال��م��ف��ارق��ة بين (بهيجة وال��م��ك��ان) تبدأ‬
‫األح���داث تنتظم وتتوالى من ال��ذاك��رة ال��س��اردة‪ ..‬بعد‬
‫أن ت��ص��ور طبيعة ال��ع�لاق��ة ب��ي��ن (ب��ه��ي��ج��ة)‪ ..‬ومكانها‬
‫والكاتبة أو (الراوية العليمة)‪ ..‬التي تحاول استجالء‬
‫الجديد (المثقل ب��ال��م��رارات ال��ذي يتوسل المياه من‬
‫قيعان بعيدة)‪ ..‬كما تتوسل (بهيجة) ألفة مفترضة مع حساسية وم���آزق العالقة بين (البحريات‪/‬والمكان)‬
‫مكانها القدري‪ ,‬بحسب وصفه المثخن بالنفي والعطش وإشكاالت هذه العالقة‪ ،‬التي تأخذ مساقات توتر نفسي‬
‫والسواد في منزل (آل معبل) الطيني المجسد ألنظمة‬
‫وانفصام فكري على مستوى الرؤية‬
‫ٍ‬
‫واحتشاد عاطفي‬
‫ٍ‬

‫‪32‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫الجدلية لشخصيات (إنسانية) من فضاءين مختلفين‬
‫(البحر‪ /‬الصحراء)‪ ..‬ومن ثم تتبنى إستراتيجية عكسية‬
‫للنمط السردي الخطي‪ ،‬الذي يتخذ من بداية الحدث‬
‫نواة النبثاقه ومن ثم امتداده وتراتبه المنطقي‪ .‬فتبدأ‬
‫الحكاية من نهايتها‪ .‬حيث كانت نهاية (بهيجة)‪ ..‬التي‬
‫تسترجع ‪-‬تحت وطأة المرض – مشهد حياتها الماضي‬
‫ال ت��ب��رح تيمة ال��ل��ون بوصفها عتبة نصية س��ارت‬
‫متخما ب��األح��داث والمفاجآت والمباهج والحسرات‬
‫ب��م��ح��اذاة ال��ن��ص م��ن��ذ إش������ارات ت��ك��ون��ه األول������ى‪ ..‬أن‬
‫والصبا واألحالم والناس‪ ..‬واختفى المشهد فجأة أمام‬
‫تتشاكل مع مقتضيات الحراك السردي وألوان الطيف‬
‫عينيها‪!..‬‬
‫االجتماعي األخ��رى في النسيج النصي؛ وك��أن (اللون‬
‫وكأن الضباب غ َيّب مالمحه؛ التي ال تلبث تتماهى األبيض) متالزم النفي وموجب العصي على االندماج‬
‫في (ضباب يطوق غرفتها منذ ثالثة أي��ام في مدينة مع ألوان الصحراء الفاقعة بالسواد‪.‬‬
‫(منيابلس ب��والي��ة م��ي��ن��س��وت��ا)‪( ..‬ن��زع��وا ثديها وبعض‬
‫وبهذه اللغة الشاعرية‪ ،‬بتشكالت أسلوبها المجازي‬
‫إبطها‪ ،‬وغ��دا سيبدأ العالج بالكيماوي) ص��ـ‪ .23‬حتى‬
‫وإي��ح��اءات��ه��ا المشعة‪ ،‬تستطلع الكاتبة ع��وال��م ذوات��ه��ا‬
‫السطر األخير من ال��رواي��ة (‪ ..‬لكن بهيجة استجابت‬
‫اإلنسانية‪ ..‬وتستظهر دواخلها النفسية وتعاود استدرار‬
‫لنداء تربتها)‪.‬‬
‫ف��ي��ض ذاك����رة (ب��ه��ي��ج��ة) وم���ا ت��خ��ت��زن��ه م��ن ش��ج��ن آس��ر‬
‫فبين استعادة (المشهد‪/‬الحياة)‪ ..‬ونهاية الحياة‪ ..‬وذكريات مؤرقة‪ ..‬كما تنحو الكاتبة إلى استثمار تقنيات‬
‫وفي فصل (أجنحة تأخذ في طريقها األشياء) صـ‪ ..23‬تيار الوعي‪ ،‬في استدعاء مكان (بهيجة) األول (البحر)‪..‬‬
‫تبدأ الذاكرة في استرجاع حموالتها‪ ..‬ورحلة حياتها من ومن ثم تفسح أفق التداعي الستيعاب التفاصيل األكثر‬
‫بيارات البرتقال في الشام وهي صبية في الثانية عشرة‪ ..‬تعبيراً عن الوجدان البحري‪ ،‬واستظهار جدله الذهني‬
‫إل��ى أمومة فاقعة وكهولة مبكرة‪ ..‬تجف ينابيعها في في مفردات الحياة اليومية البسيطة‪ ،‬التي تنم عن معنى‬
‫رمال العطش الصحراوي‪ .‬وبيوت (آل معبل الطينية)‪ ..‬أبلغ تأكيداً على ن��زوع تلك الشامية إلى كل ما يحيل‬
‫وتخوم وادي حنيفة في أطراف الرياض‪ ..‬المدينة التي إلى دفئها العائلي‪ ،‬وحمى رابطة األمومة‪ -‬الذي يخترقه‬
‫تستظهر الكاتبة تاريخها االجتماعي المنسي منذ عام منفى (أم صالح) ‪ -‬عندما تسترجع ذاكرتها فصوالً من‬
‫(‪ ،)1959‬حين هدَمت الرياض سورها القديم‪.‬‬
‫ذلك التنافر الضدي بين وجداني (البحر‪ /‬والصحراء)‪،‬‬
‫ع��م��وم��اً‪( ..‬داخ���ل المحيط العدائي ال��راف��ض أللوانها‬
‫الفاقعة‪ ،‬لم يشربها ولم تشربه‪ ..‬دخلت روحها معلقة‬
‫في مكان ال تستطيع أن تمضي فيه مسافات أكبر‪ ..‬لذا‬
‫بدت روحها شعثاء نائية وفاقعة دوما‪ ..‬تلك الروح التي‬
‫تلتئم شظاياها بين يدي صالح فقط) ص ‪63‬‬

‫وهي تفرز وتفكك المفاهيم والتصورات والمواقف‪،‬‬
‫وتتحسس أثرها على شخصياتها‪ ,‬داخل مكان مغلق‪..‬‬
‫ينحو تدربجياً نحو التحول في صيغ المعيشة وأنماط‬
‫االستهالك‪ ..‬دون أن يمس ذلك التحول البنية الفوقية‬
‫لمفاهيمه‪ ،‬ومنظومة القيم والسلوك التي تستبطن‬
‫قضايا قيمية فيه‪ ،‬كالموقف من اآلخر‪.‬‬
‫بهذا المعنى‪ ،‬يمكن أن نستعيد موقف (أم صالح)‬
‫من (بهيجة) الذي يعبر ضمناً عن الموقف من اآلخر‬

‫ف��ي صيغ مظهرية بسيطة تنطلق م��ن أع��م��اق نفسية‬
‫دف��اق��ه (م��ا زال��ت تذكر بحرقة مرطبانات المكدوس‬
‫والزيتون المعقود‪ ،‬التي كانت تصلها من الشام من أمها‬
‫بين فينة وأخرى فتضعها في الرف الخارجي لغرفتها؛‬
‫فتقوم أم صالح بالتخلص منها بحجة أنها تفسد الممر‬
‫برائحة الثوم‪ ..‬كانت عندها بهيجة تحس باأللم والحزن‬
‫والفقد) ص‪.81‬‬
‫بهكذا (موقف) ونظائر أخرى مشابهة له‪ ..‬يحصد‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪33‬‬

‫المكان فؤاد (بهيجه) ويعتصره‪ ..‬ليعيد زرع لوعة الغربة‬
‫والفقد والشعور الممض بالنفي‪!..‬‬
‫حتى ف��ي ال��ح��االت الحميمة ك��ان ق��در (بهيجة)‪..‬‬
‫أن تتقاسم (صالح) مع ضرتها (م��وض��ي)‪ ..‬عبر عدة‬
‫مواقف تقتضيها طبيعة الحياة‪ ..‬حيث تشهر (بهيجة)‬
‫في أجوائها ضوعها اإلنساني الفواح وهسيس الليالي‬
‫الدافئة‪ ،‬التي ال تراها (أم ص��ال��ح)‪ ،‬وتكاد مستويات‬
‫السرد س��واء منها الحركي المباشر أو االسترجاعي‪،‬‬
‫يسترد فيض ذاكرة (بهيجة) للتحلل من وطأة إلحاحات‬
‫ال��م��ك��ان ووح��ش��ت��ه ال��ق��اس��ي��ة‪ ،‬واس��ت��ح��ق��اق��ات أنظمته‬
‫االجتماعية التي تراوح الساردة فيها بين الحوار والسرد‬
‫الذكروي‪ ..‬وطبيعته االسترجاعية‪ -‬عندما تمتاح مادتها‬
‫الموضوعية من حالة (بهيجة) في استرداد حموالت‬
‫ماضيها‪ -‬وبين الوصف الحركي وتنوعه المشهدي‪..‬‬
‫ال��ذي ل��م يُختزل أو يتنمط ف��ي األف��ق االس��ت��ذك��اري‪..‬‬
‫ب��ل ي��ن��اور ‪ -‬وبمقدرة فنية ‪ -‬على اإلم��س��اك بالخيط‬
‫السردي الجمالي‪ ..‬وتوالي انتظاماته‪ ،‬وتشكيل سياقه‬
‫الداللي وفقا لوحدات سردية‪ ..‬تستوعب إيقاعَ ي الزمن‬
‫والمكان‪ ،‬على نحو تجلت فيه (المراوحة) بين المكان‬
‫وتحوالته التاريخية التي تقتضي تحديد المناخات‬
‫والفصول الموسمية‪ ..‬كمحاور تستدعي بدورها أحداثاً‬
‫ومواقف وتطورات تتوالى بانتظام‪ ،‬وتعكس المستوى‬
‫المفاهيمي للشخصيات ال��ذي يحدد الخط السردي‬
‫لمسار ال��ح��دث ال��م��رك��زي‪ ..‬وه��ي اإلستراتيجية التي‬
‫يسميها الناقد (ص�ل�اح ف��ض��ل) (الوظيفة ال��دالل��ي��ة)‪،‬‬
‫(عندما يعمد التركيب إلى إبراز معنى ال يستخلص من‬
‫ال��وح��دات في حد ذاتها‪ ،‬وذل��ك عن طريق ال��ت��وازي أو‬
‫التناوب بين وحدات سردية ذات مضمون مختلف‪ ,‬تخلق‬
‫فكرة تابعة من هذا االقتران‪ .‬وذلك في حاالت التورية‬
‫والمجاز والرمز وغير ذلك من العالقات التركيبية) ‪-‬‬
‫(د‪ .‬صالح فضل‪ ،‬أساليب السرد في الرواية العربية‪.‬‬
‫ط‪1‬؛ ‪1992‬م ص ‪.)212‬‬

‫حققته بشكل ما‪( ..‬فآل معبل) (أم صالح وصالح وسعد‬
‫موضي‪ + /‬بهيجة) يشكلون تلك الوحدات‪ ,‬في مركزية‬
‫داللتها وامتالكها أج��زاء من كمية السرد وتجسيدها‬
‫لمقتضياته الداللية‪ ،‬كما أن العالقة التي تربطهم ال‬
‫يمكن رص��د حساسيتها وم��أزق��ه��ا اإلش��ك��ال��ي‪ ،‬إال في‬
‫حالة التوازي والتناوب بين الحقول الداللية التي ترسم‬
‫الكاتبة لكل منها أفقاً سردياً‪ ،‬تتشكل وظيفته التعبيرية‬
‫عبر اللغة السردية المحققة لمعادالتها الفنية وخيالها‬
‫الجمالي (الصفحات ‪ 33‬إلى‪ ..)60‬واستدرارها العميق‬
‫لفيض الذاكرة‪ ..‬وتوالي األحداث وتأزمها‪ ..‬بشكل ينزع‬
‫إلى خلخلة نظم المكان وغطيته‪ ..‬واالنحراف بها إلى‬
‫الرؤية المعالجة التي تبتدعها الساردة في هذا الفضاء‬
‫ال��م��ك��ان��ي‪ ,‬وف��ق��اً ل��م��ح��ددات تلك ال��رؤي��ة‪ ,‬واالن��ح��راف‬
‫بحسب (ريفاتير ولوتمان) نموذج بارز في استراتيجيات‬
‫النص األدبي وشرط أساسي لشاعرية األسلوب‪ .‬ولذلك‬
‫ج��اء األس��ل��وب بذلك المستوى من االنتقاء المعياري‬
‫أللفاظ وتراكيب لغوية مشحونة بطاقات إيحائية‪ ،‬ودقة‬
‫توظيف للمجاز في السياقات السردية واستثمار دالالته‬
‫الرمزية في تكوين األحداث‪ ،‬واستجالء مكنون وجدان‬
‫الشخصيات والتعبير عنه؛ مثلما كان االنحراف مقنناً‬
‫بمقتضيات وحدات النص وحقوله الداللية‪.‬‬

‫املكان‪ /‬اآلخر‬
‫بحكم الفترة التاريخية التي تحاول الكاتبة رصد‬
‫طبيعتها ومظاهر حراكها وتجلياتها االجتماعية‪ ,‬في‬
‫إطار الرؤية التي اعتمدتها في عملها السردي‪ ..‬حيث‬
‫اقتضتها ال��ت��ح��والت ال��ت��ي م��ر بها ال��م��ك��ان‪ ،‬وإشكالية‬
‫عالقته مع (اآلخر)‪.‬‬

‫وذل���ك ع��ب��ر خ��ي��ط (ب��ه��ي��ج��ة) ال��ت��ي ت��ق��وده��ا طبيعة‬
‫ظ��روف التنمية التي تعتور المكان إلى لقاء (انغريد)‬
‫األلمانية التي ترافق زوجها‪( -‬المهندس) في مشروع‬
‫وادي حنيفة‪-‬والتي تتمثل لبهيجة وَجَ ��ا َءاً يخفف حالة‬
‫وه��و الصنيع ال��ذي يمكن أن نزعم أن الكاتبة قد مكابدتها المريرة مع (مكان) ال تستطيع التآلف معه‪.‬‬

‫‪34‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫وتستثمر ال��ك��ات��ب��ة ه���ذا ال��ت�لاق��ي ف��ي ت��ث��وي��ر فكرة المشهد ال��ذي مثّل الصدمة لـ (مريما) وأيقظ جذوة‬
‫(اآلخر)‪ ..‬والتنويع في طرح نماذجها‪ ..‬وانعكاسها على انتمائها الديني‪.‬‬
‫نظام (المكان المغلق)‪ ..‬فكيف يمكن لهذا المكان احتواء‬
‫ولعل الكاتبة اختصرت في ذلك المشهد المساحة‬
‫أبرز نماذج (اآلخر) غربة ونائياً عن نواميس المكان‪ ..‬؟ الفكرية الواسعة لموقع (اآلخ��ر) في (ضمير المكان)‬
‫وليثمر هذا التالقي كذلك جدلية أيديولوجية (المكان‪ /‬الذي هو بالضرورة الضمير المحلي‪ ..‬ومقدار معاناة‬
‫بهيجة ‪ +‬انغريد) حيث تعرض الكاتبة ألثرها اإلشكالي (اآلخر) البالغة باإلحساس بوطأة النفي واالغتراب‪..‬‬
‫وترصد انعكاسها على الشخصيات وطبيعة استجابتها‬
‫(اغ���ت���راب) ي��ض��ع شخصيات ال��م��ك��ان (أم صالح‬
‫لها‪.‬‬
‫وصالح وموضي ومحمد وسعد) إزاء اآلخ��ر (بهيجة‬
‫فـيما (أم صالح) تناوئ ‪-‬تلك العالقة اإلنسانية بين ومريما ورحاب وسعاد وانغريد) بما يمكن وسمه بجدلية‬
‫(الغريبتين‪ /‬بهيجة وانغريد) ‪ -‬الحذر المشوب بالشك التعايش المفترض في نطاق المكان‪ - ..‬ويستدعي بعد‬
‫أحياناً‪ ..‬أو العداء السافر (بهيجة‪ :‬كافرة شامية إبليس) ذلك نموذجا تقدمياً مغايراً (شكلياً) للمجتمع المحلي‬
‫و(انغريد‪ :‬كافرة تأكل الخنزير) واتفاقهما ووئامهما عبر (متعب) وستأتي له هذه القراءة الحقاً‪- ..‬‬
‫يقوّض سلطة (أم صالح) بحسب تصورها‪ ..‬ومن‬
‫ربما ِ‬
‫وتبدأ أولى عالمات تحول المكان من (ريف) بدوي‬
‫هنا كان نبذهما وال��دأب على إقصائهما واجباً دينياً‪،‬‬
‫واستجابة لمقررات نفسية واعتقادية وب��م��ب��ررات ال قبلي‪ ..‬إلى (مدينة) تحاول وتيرة الحياة فيها وإيقاعها‬
‫الجديد التساوق مع صيغ التحضر المظهري‪( ..‬فحيث‬
‫يمكن تفنيدها؛ إنهما كافرتان!‬
‫انتقل آل معبل إلى الملز في أوائل السبعينيات) لتلتئم‬
‫غير أن المواقف وال��ح��وارات التي شكلت مساحة العائلة في فيال كبيرة تلم أفرادها‪ ..‬بذات المحددات‬
‫التقاء بين (بهيجة وانغريد) على الخارطة السردية تنم الفكرية البدائية التي غرستها شمس الصحراء الحارقة‬
‫عن مستوى من التعايش اإلنساني البسيط والحميم في دواخلهم‪.‬‬
‫في آن واحد‪ ،‬والذي يعول على أدق المشاعر اإلنسانية‬
‫ان��ت��ق��ال ص����وري م��ف��رغ م���ن ق��ي��م ح��ض��ري��ة ج��دي��دة‬
‫نبال‪ ،‬وعلى صفاء البداهة البشرية بين الغرباء وبروز‬
‫المشترك األق��وى بينهم (الغربة) في المكان الطارد واشتراطات الحياة المدنية‪ ..‬لتبدأ الساردة في حياكة‬
‫لهما‪ ..‬وال��ذي ال يمكنه استيعابهما‪ ،‬كما ال يمكنهما فصول أخرى تقارب بها تلك المحددات الفكرية كبنية‬
‫فوقية تحكم السلوك‪.‬‬
‫التآلف معه‪.‬‬
‫فالمقاطع التي يتشكل منها السرد في هذا الفصل‪،‬‬
‫أم��ا (مريما) المحظية الحبشية لـ (أب��ي صالح)‪..‬‬
‫فقد نكأت صورة المسيح في منزل (انغريد) كل حمم تلون الحكاية بظالل المكان الجديد‪ ،‬في إشارات عدة‬
‫وجدانها العقدي‪ ،‬ووالئها الديني‪ ..‬الذي ظل محكوماً إل��ى تغيير النمط المعايش ال��ذي انصاع آلياً للحركة‬
‫بالصمت وال��خ��ف��اء ومحفوفاً بالرهبة ف��ي م��ن��زل (آل المدنية‪ ..‬ومظاهر طقسها االستهالكي الفاقد لشروط‬
‫معبل)‪ ،‬لتنزف عبر ذلك المشهد الدرامي الشفيف كل تؤهله لتلك المدنية‪ ،‬والمنقطع فكرياً عن اشتراطاتها‪.‬‬
‫ألنه مفر ٌغ من الوعي القيمي اإلنساني بـ (اآلخر)‪..‬‬
‫ما استودعته من أحاسيس ظلت محبوسة في روحها‬
‫سنين‪ ،‬وكل ما تراكم فيها من لوعة وحنين‪ .‬في لحظة َق ِل ٌق إزاءه‪ ..‬يناوئه القطيعة استباقاً‪ ..‬كما في فصل‬
‫ال يمكن تجاوزها أو كتمان آث��ار سعيرها‪ ..‬عبر ذلك (رح���اب) الفلسطينية المقيمة بلبنان‪ ،‬التي اقتضت‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪35‬‬

‫متدفقا وسياال بانتظام‪ ,‬للتعبير عن ه��ذا الموقف‪..‬‬
‫دونما حاجة لتعتسف هذا السؤال المفترض‪ -‬بزعم‬
‫الكاتبة‪ -‬من ل��دن ال��ق��ارئ‪ ،‬الخادش للتسلسل العفوي‬
‫للسرد‪ ..‬والذي يفترض غياب ذهنية التلقي عن استيعاب‬
‫خطوط الحكاية السردية وتقاطعاتها وتناميها‪ .‬كما‬
‫يتضامن مع (أفق انتظار القارئ) عندما ينحو منحىً‬
‫إقرارياً في محاولة توقع سؤاله‪ ..‬بل وإقحام الصيغة‬
‫المفترضة للسؤال في النص‪( :‬كيف وصلت رحاب لبيت‬
‫آل معبل‪ ..‬؟)‪.‬‬

‫طفرة التنمية المحلية اجتالبها إلى الرياض (بتأشيرة‬
‫معلمة)‪ ،‬لتشكل طوراً آخ َر من أطوار بنية السرد المعنية‬
‫باستجالء نظم (ال��م��ك��ان) وت��ع��ري��ت��ه��ا‪ ..‬وال��م��وق��ف من‬
‫(اآلخ���ر)‪ ..‬وال تُفوّت ال��س��اردة موضوعا كهذا دون أن‬
‫تستدعي قضية (التعليم) بوصفها مكوناً مفصلياً من‬
‫مكونات (العقلية المحلية) وبنائها القيمي والفكري‪..‬‬
‫(ط��ال��ب��ات يكتشفهن م��غ��ارة العلم بالصمت‪ ،‬ويعانين‬
‫تباريح الخجل والقلق‪ ،‬وإحساساً قارصا بالخطيئة‪،‬‬
‫فالعالم من حولهن لم يحسم أمره بخصوصهن بعد‪..‬‬
‫هل هن خاطئات مبتدعات لبدعة سيحملن وزرها إلى‬
‫وقد شكلت (رح��اب) مستوىً موازياً نوعياً لحضور‬
‫ي��وم القيامة‪ ..‬أم هن صغيرات أم أمهات المؤمنين)‬
‫(بهيجة) في البنية السردية‪ ..‬واستحوذت على منسوب‬
‫صـ‪.114‬‬
‫كمي طويل من النص‪ ،‬في مقاطع متواصلة‪ ..‬استظهرت‬
‫وي��روم هذا المقطع عبر أسلوبه الجمالي ومجازه الكاتبة من خاللها المخزون النفسي لهذه (البحرية)‬
‫ال��م��ك��ث��ف ت��أم��ل فلسفة التعليم ال��غ��ائ��ب��ة وال��م��م��وه��ة‪ ,‬الجديدة‪ ،‬عندما ألحت على اجتراح وجدانها الغاص‬
‫والتعبير عن الموقف منه‪ ،‬كما هو في أذهان المعنيات بجروح عالقة عاطفية (بعلي)‪ ..‬ليقذف بها القدر في‬
‫به والمسيرين له على حد س��واء‪ ..‬وفي سياق وضعية (ال��ري��اض)‪ ،‬حيث تناوئ انفتاح العقل وج��روح ال��روح‪..‬‬
‫اجتماعية تعاني قلق الموقف وقلق االخ��ت��ي��ار‪ ..‬تجاه بمكان تمعن نظمه وتقاليده في شرخ كيانها المصطخب‬
‫(قضية التعليم)‪ ..‬كمسبار يخترق البنية االجتماعية‪،‬‬
‫بكيمياء الحياة‪.‬‬
‫ويتجه بها نحو معنى من معاني التحول‪ ,‬تجاه التحضر‬
‫وع��ب��ر (رح�����اب) ك���ان ث��م��ة اس��ت��ك��م��ال ل��م��س��ار حياة‬
‫وحياة المدينة‪.‬‬
‫(ال��ب��ح��ري��ات) ف���ي م��ك��ان��ه��ن ال��ج��دي��د ال����ط����ارد‪ ..‬وف��ي‬
‫ويبرز (فصل‪ :‬رحاب) كما لو كان تحققاً جلياً جديداً‬
‫محاوالتهن الدءوبة لاللتفاف على مواصفاته‪ ،‬بثقافة‬
‫ل��دالل��ة (اآلخ����ر)‪ ..‬وم��س��اره ال��ق��دري ف��ي إط��ار (مكان)‬
‫م��غ��اي��رة وبهسيس مشاعر تستعصي على االنصياع‬
‫يجمعها (بعمر الحضرمي)‪ ،‬لتنسج الكاتبة عبرهما‬
‫للصمت‪ ،‬الذي يكاد يشكل حاجزاً أمام كل إرادات البوح‬
‫ال من فصول العالقات اإلنسانية الخفية‪ ،‬والتهابات‬
‫فص ً‬
‫والحياة في المكان الجديد‪.‬‬
‫العاطفة الفوارة في وجدان (رحاب وعمر) الذي يرزح‬
‫ومن خالل هذا الفصل وما ت�لاه‪ ..‬تتجلى جزئيات‬
‫تحت س��ط��وة ال��م��ك��ان‪ ،‬المحصور ف��ي دائ���رة س��ري��ة‪..‬‬
‫وفي تباريح النبض اإلنساني الحميم الذي يتلظى في وصفية وحوارية يسندها تعدد األصوات لتراكم الفكرة‬
‫ف��ؤاد (عمر الحضرمي) منذ شاهد (رح���اب)‪ ..‬وعبر األس���اس‪ ،‬التي تنحو بها الكاتبة باضطراد لتجسيد‬
‫بها مسافات الطريق الذي يقطعه برفقتها من منزلها حموالت المكان وديناميكية حركته‪ ،‬في أت��ون تحول‬
‫في شارع الخزان‪ ..‬إلى قصر (آل معبل)‪ ..‬في الفصل يشمل مسافات الحياة التي شكلت س��ن��وات الطفرة‬
‫ذاته (فصل رحاب) الذي يجرحه ويكسر إيقاعه النتوء معطن توتراتها‪ ،‬وبداية اشتجارها مع نماذج إنسانية‬
‫السياقي الذي زرعته الكاتبة في سطر‪( :‬كيف وصلت ل�ل�آخ���ر‪ ..‬؟ ع��ب��ر وح�����دات س���ردي���ة تستثمر ت��ح��والت‬
‫رحاب لبيت آل معبل‪ ..‬؟) ص��ـ‪ ،119‬حيث كان السياق المكان الدائمة إلى المظاهر الشكلية في االستهالك‬

‫‪36‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫والضرورات الحياتية والترفيه أحياناً‪ ,‬والتي كثيرا ما‬
‫تلح الساردة على اإليماء إليها‪ ,‬وإبانة المفارقة المريعة‬
‫بين فكر التحديث والتمدن‪ ,‬ومظاهره السطحية التي‬
‫تمس الشعور اإلنساني المستكن للشخصيات‪ .‬ففصول‬
‫(رحاب‪ ،‬والقبلة‪ ,‬وصبايا بال صبا) استطاعت وبفعالية‬
‫توطين (رح���اب) ف��ي لحمة (ال��ب��ح��ري��ات)‪ ،‬لتقاسمهن‬
‫لوعاته ومزاجه الطارد‪ ،‬وليأتي على ما تبقى لها من‬
‫شعور بالطمأنينة في ظل وقدة غربة‪ ..‬وتشظيات رغبة‬
‫في تحقيق شيء من االنتصار يضمد جروحها‪ ،‬وهي‬
‫تحاول تجاهل إش���ارات الرغبة واإلع��ج��اب من (عمر‬
‫الحضرمي) ‪-‬المتحد معها في الشعور بغربة المكان‬
‫فيما تحقق لها تلك اإلش��ارات بعض الرضا األنثوي‬‫الغريزي لكيان (أنثى)‪ ..‬تعتريها أوجاع الغربة والشتات‬
‫وجروح قديمة لم تندمل‪.‬‬
‫كما تستوعب الفصول وباضطراد أحداثها فترة من‬
‫فترات التكوين السيادي واإلداري للدولة‪ ..‬ومظاهر‬
‫ت��ق��ل��ي��دي��ة لمجتمع يتخفف ل��ل��ت��و م��ن ت��ب��ع��ات ب��داي��ات��ه‬
‫الريفية ومزاجه القبلي ونظم تفكيره الثاوية في قرار‬
‫ال��ص��ح��راء‪ ..‬فيما ال يكف خ��ط ال��س��رد ال��ذي أت��اح له‬
‫(ضمير الغائب) فرصة التوسع واالستطراد والبوح‪..‬‬
‫واستظهار الرصيد النفسي للشخصيات‪ ،‬للتعبير عن‬
‫مضمرات تستكن في أعماقها‪ ,‬وفقاً لما تكشفه طرق‬
‫التعامل‪ ،‬والسيرورة الطبيعية لحراك الحياة ويومياتها‪..‬‬
‫وم��ا تشي به من تفسير لمكوناتها الفكرية وانتمائها‬
‫الجهوي في السياقات النصية‪ ،‬التي كان عليها مراعاة‬
‫حساسية منح كل بنية سردية مما سبق‪ ،‬نطاقاً نصياً‬
‫محدداً يجسد أجواءها وينهض بدالالتها‪.‬‬

‫الصحراء‪( ..‬املواسم والسور املكني)‬
‫تتعدد تقنيات السرد المحكومة برؤية فنية مدركة‬
‫لمراداتها الداللية‪ ،‬ولتوطين حكاية (كهذه) في ضمير‬
‫ال��ت��ل��ق��ي‪ ..‬ال ب��د م��ن كشف ال��م��ك��ان وف��ض��ح منطوياته‬
‫وت��ع��ري��ة ن��م��اذج��ه الشخصانية‪ ،‬وإع����ادة رس��م فصوله‬

‫وخ��ارط��ت��ه االجتماعية واستحثاث أن��س��اق��ه المخفية‬
‫والمضمرة على التمدد األف��ق��ي وال��رأس��ي ف��ي فضاء‬
‫السرد بمكاشفة واعية‪ -‬دون استعارة قناع وهمي أو‬
‫ترميز مغلق ‪ -‬يفض مغلقات ذلك (المكان‪ /‬الصحراء)‬
‫التي بدت تتاخم تكتالت المدينة ومجمعها الحضري‪.‬‬
‫ودون انفكاك من رهانات الماضي وتراكمات أنظمته‬
‫وتقاليده المترسخة في ضمائر الشخصيات‪ ،‬وال تكاد‬
‫تمحوها كل مراحل التحول التي طالت المكان‪ ،‬ودون‬
‫أن تمس العصب الحساس لألفكار القارة في أعماقه‪..‬‬
‫؟ ألن تلك األفكار والقيم والمواقف بحسب امتثالها‬
‫النصي هنا‪ ،‬تملك من الحصانة والتمكن في قرارات‬
‫الوجدان ما يجعلها متمنعة ضد أي اختراق‪ ..‬رافضة‬
‫ألي جديد أو طاريء‪.‬‬
‫ففصول ال��م��واس��م ال��ص��ح��راوي��ة ال��ت��ي نصت عليها‬
‫ال��س��اردة (المربعانية‪ ،‬نجمة الشمال‪ ،‬الوسمي‪ ،‬سعد‬
‫السعود‪ ،‬طباخ التمر‪ ،‬سهيل‪ ) ..‬اصطالحات اتفق عليها‬
‫نظام ال��ت��داول في أدب��ي��ات اللغة المحكية‪ ..‬وتواقيت‬
‫تترتب عليها م��س��ارات ال��ح��ي��اة وأنشطتها التقليدية‬
‫لمجتمع صحراوي يظل يبحث أبداً عن مواسم الخصوبة‬
‫والمطر‪ ..‬فيما تؤصل فيه الصحراء كينونتها الجافة‬
‫ومزاجها ال��ح��ارق‪ .‬وغالباً م��ا ارتبطت تلك المواسم‬
‫بمواقيت التحوالت والحقب الزمنية إلنسان الصحراء‪،‬‬
‫إضافة إلى ما ترسخ لها وعنها من مفاهيم وتصورات‬
‫في الذهنية الشعبية عبر ثقافة تؤمن بخير وشر هذه‬
‫الفصول ومحاميلها‪ ..‬كمطالع للفأل الحسن‪ ،‬أو العاقبة‬
‫الموجعة‪!..‬‬
‫وقد استثمرت الكاتبة هذه الثقافة السائدة كتقنية‬
‫لتوجيه األحداث‪ ..‬لتوافق تلك المواسم اتجاهات الداللة‬
‫ال��س��ردي��ة‪ ،‬م��ب��رزة رسوخها ف��ي ال��وج��دان الصحراوي‬
‫بوصفها ثقافة تقليدية شعبية تأخذ بعداً مؤثراً في‬
‫ال��ع��ق��ل ال��ج��م��ع��ي وت��وج��ي��ه ال��س��ل��وك‪ .‬وه���ي الحتميات‬
‫التي أتقنت الكاتبة التعبير عن استيطانها وتأصلها‬
‫ف��ي ضمير الشخصيات‪ ,‬لتحملها العديد م��ن م��آالت‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪37‬‬

‫األحدات‪ ،‬وتوظفها كتقنية توجه الوقائع السردية‪.‬‬
‫ففي مطلع الشتاء توفي (صالح) وتلته (بهيجة) في‬
‫مستشفى (المايوكلنيك) حيث كانت تأخذ جرعتها‬
‫األولى من الكيماوي‪.‬‬
‫فليست تلك المواسم إال نبوء ًة لمستقبل مجهول‪..‬‬
‫وحيرة استشراف للجديد من التحوالت واألح��داث‬
‫تستبق القلوب عند مقدمها نهايات القلق الدائم‪..‬‬
‫وبدايات االنتظار الطويل‪ ..‬وعليها تؤسس مشاريع‬
‫عيشها اليومي في ظل ما يتاح من إمكانات‪ ..‬كما أن‬
‫لها ذلك المدى من التأثير النفسي العميق وتقلبات‬
‫الجوارح‪ ،‬وسكونها وحركتها في فلك الصحراء وأهلَّة‬
‫ليلها التي كانت (بهيجة) ترقبها من سطوح بيت (آل‬
‫معبل الطيني) وتحملها تباريح ش َفّها األسى‪ ،‬وتعاويذ‬
‫تحن إل��ى اس��ت��واءات البحر في الشام حيث انبثقت‬
‫كينونتها‪!..‬‬
‫وه��ي ذات ال��م��واس��م التي تمر وتعبر على سيرة‬
‫(البحريات) الغارقة في جوف صحراء قاحلة‪ ،‬وخلف‬
‫سور المدينة المكين الذي كان رمزاً طوعت الكاتبة‬
‫حضوره النصي‪ ..‬لتجعل من (شخصياتها) طيوراً قلقة‬
‫في فلكه تتلصص من ثقوبه بحثاً عن معنى للحياة‬
‫التي جففت الصحراء لونها الفواح داخ��ل الجدران‬
‫واألبواب المغلقة‪!..‬‬
‫(سعاد) التي استجابت لشرطها اإلنساني فخ َيّل‬
‫لها أن (م��ت��ع��ب) رب��ي��ب ال��ص��ح��راء خ��ري��ج الجامعات‬
‫ال��ب��ري��ط��ان��ي��ة‪ ..‬ه���و م��س��ت��ج��اره��ا م���ن ف��ح��ي��ح ال��غ��رب��ة‬
‫ومواسمها الخانقة‪ ..‬فأذاقها لذة الكالم‪ ،‬وصبابات‬
‫العشق المحموم‪ ..‬مفردات تفكير غريبة‪ ..‬تتجاوز‬
‫بها جدران ذلك السور الذي يحتوي داخله بيوت (آل‬
‫معبل)‪.‬‬

‫ل��ذل��ك ال��واق��ع وت��ل��ك ال��ح��ي��اة‪ ..‬ف��ق��د أدرك����ت الكاتبة‬
‫المسافة الجمالية بين (األيروتيكي والبرنوغرافي)‪..‬‬
‫فكان احتواء أسلوبها السردي لطبيعة مواقف تعبر‬
‫عن تلك الرغبة اإلنسانية الحميمة‪ ,‬في إطار لغوي‬
‫أسلوبي رفيع لم يتدن إلى مستوى الكشف الصريح‬
‫ال���ذي اس��ت��ع��اض��ت ع��ن��ه بوعيها بتلك (ال��م��س��اف��ة)‪..‬‬
‫وتكنيك صياغتها للمشاهد بشكل يفصح دون ابتذال‪،‬‬
‫ويصف دون إغراق مشهدي فاقع قد ال يفسح مجاالً‬
‫الستخدامها للمجاز الوصفي وتورياته المشوقة‪..‬‬
‫والمهارة التعبيرية في استثماره أسلوبياً‪.‬‬
‫وقد كان بروز شخصية (سعد) الذي غاير صورياً‬
‫السائد العام ألبناء (الصحراء) المتمدنين في تلك‬
‫ال��م��رح��ل��ة‪ ..‬إش����ار ًة إل��ى ش��ي��وع ثقافة سياسة م��ا‪..‬؛‬
‫ك��ان��ت التسعينيات الهجرية سياقها ال��زم��ن��ي‪ ،‬فيما‬
‫كان المد القومي أبرز تحققاتها ومتداول شعاراتها‬
‫السائدة في المجتمع العربي آن��ذاك‪ .‬فيما لم يتقن‬
‫(سعد) من حقيقة تلك الثقافة إال ذلك األفق المتصل‬
‫بانزياحه المرحلي‪ ,‬م��ن ح��ي��اة ال��ب��داوة إل��ى معترك‬
‫المدن وثقافاتها‪ ،‬واالهتمامات واألف��ك��ار السياسية‬
‫الشائعة ل��دى بعض طبقاتها‪ ،‬والتي امتدت لتشمل‬
‫العواصم العربية‪ ..‬وم��ن ثم شكلت وسائل االتصال‬
‫التقليدية آن����ذاك‪ ،‬وال��ن��خ��ب المثقفة ال��خ��ارج��ة عن‬
‫السائد االجتماعي العام معطنها‪ ،‬ليتلقفها (سعد)‬
‫كشعارات متداولة لدى الطبقة التي يتوهم االنتماء‬
‫إليها ومشاركتها ه َمّها الفكري دونما وعي بمعطيات‬
‫ذلك اله َمّ‪ ..‬أو فلسفته الفكرية‪ ,‬فينساق إليها اعتباطاً‬
‫أو شراكة مؤقتة تصله ب��أج��واء ندمائه في جلسات‬
‫السمر‪ !..‬بينما يتبدى ( (متعب) ) نتاجاً محلياً لسني‬
‫الطفرة ومخرجات التعليم العالي في سنواته األولى‬
‫ورحالت االبتعاث للخارج‪.‬‬

‫ويكشف المسار السردي‪ ..‬عن أن كال النموذجين‬
‫وإذا ك��ان الجنس من مكونات الحياة األساسية‪،‬‬
‫واش��ت��راط��ات واقعها الصميم‪ .‬وم��ن ث��م ك��ان مواتياً (سعد ومتعب) ظ�لا وفيين الش��ت��راط��ات (ال��س��ور)‪..‬‬
‫اس��ت��دع��اء ال��راوي��ة ل��ه؛ كونها صنيع ج��م��ال��ي‪ ..‬م��واز وحموالت الصحراوي الذي ساقته تلك التحوالت إلى‬

‫‪38‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫ذلك الواقع‪ .‬وظال نموذجين لقلق العالقة المتوترة بين اآلتي‪ ..‬عبر المشهد الحدثي السردي‪ ..‬وكم األسئلة‬
‫(الصحراء والمدينة)‪ ..‬على صعيد األفكار والتحوالت ال��وج��ودي��ة ال��ت��ي ك��ان��ت (بهيجة) تعبر عنها بعفوية‪،‬‬
‫عندما تستكن إلى دواخلها التي اختمرت فيها كل تلك‬
‫والميراث التقاليدى القديم‪.‬‬
‫األحداث‪ ،‬لتورق أسئلة وحيرة مؤرقة‪.‬‬

‫(بنات أبودحيم)‪ ..‬األسطوري السردي‬

‫(أب��ودح��ي��م‪ ..‬وبناته) ص��ـ‪ 17‬هو الخيط السردي‬
‫الغرائبي بإفضاءاته األسطورية‪ ..‬ال��ذي انبنى كتلة‬
‫رئيسة في الخط السردي العام للرواية‪ ..‬ومنه تشكلت‬
‫أبعاد تلك األسطورة المتداولة في محيط (آل معبل)‬
‫وبيتهم الطيني ومفردات وتفاصيل معيشهم اليومي‪.‬‬

‫وقد واكبتها مبكراً من إيراقها صبية إلى عنفوان‬
‫أزمتها مع المكان‪ ..‬لتلجأ إل��ى أوراده���ا التي كانت‬
‫تتلوها ساعة االحتضار‪ ..‬كما كانت (أم صالح) تعول‬
‫عليها في إسناد قوامتها العائلية ونفوذها التسلطي‬
‫على (البحريات)‪.‬‬
‫كما كانت (ب��ن��ات أب��و دح��ي��م) عبر ذل��ك التكثيف‬
‫الرمزي ألسطورتهن‪ ..‬إشارة نصية إلى رحلة العقيالت‬
‫إل��ى ال��ش��ام‪ ..‬وه��ي الرحلة الواقعية المعاكسة من‬
‫(الصحراء إلى البحر) التي حفلت بها مدونات تاريخ‬
‫نجد القديم‪ ..‬لتنزاح إل��ى مجالها ال��س��ردي وحقلها‬
‫ال��دالل��ي الجديد‪ ..‬ولتلون أطياف عوالم الصحراء‬
‫بإيقاع السامري الشجي‪ ..‬ورحلة العودة الموعودة‪!..‬‬

‫وقد كان هذا التناص بالغيبي األسطوري إضافة‬
‫داللية‪ ،‬أغنت المنسوب الفكري للعقلية الصحراوية‬
‫وال��م��خ��ي��ال ال��ن��س��وي ال���ذي تشكل األس���ط���ورة مكوناً‬
‫ضمنياً في بنيته‪ ..‬قد تحقق له قناعة يركن إليها‬
‫العقل البسيط في تفسير الظواهر الواقعية التي تلح‬
‫عليه‪ ،‬وإسنادها إلى قوى غيبية‪ ،‬ليستقر قلقه مؤقتاً‬
‫حيث ترضيه مبرراته التأويلية‪ ،‬ولينفك من (فوبيا)‬
‫وإذا كانت موضعية تلك األسطورة في (الصفحات‬
‫ذلك المجهول الممتد في عوالم الصحراء وتقلبات‬
‫الخمس) في بداية ال��رواي��ة ح��ض��وراً نصياً (رم��زي��اً)‬
‫مواسمها‪!..‬‬
‫لها‪ ..‬إال أن امتدادها الداللي وتعالقها مع الفصول‬
‫(تلك األي���ام تحديداً ق��دم أب��و دحيم وبناته إلى‬
‫الالحقة‪ ،‬ظل الخيط الداللي الفاعل في شد الوحدات‬
‫النخل‪ ،‬وأب��و دحيم كان تاجراً كبيرا لديه سبع بنات‬
‫السردية إلى المتن النصي العام للرواية‪ ،‬والمتناغم مع‬
‫فاتنات لم يقبل أن يتزوجن خوفاً من أن تتسرب الثروة‬
‫حقبة التحوالت التي اعترت مسيرة أسرة (آل معبل)‬
‫إلى غريب وتخرج عن العائلة‪ ..‬وكان يمنيهن بأوالد‬
‫وكونت (البحريات) قيمتها المحركة وعمقها النصي‬
‫عمومتهن الذين ذهبوا مع قافلة للعقيالت إلى الشام‬
‫اآلس���ر‪ ،‬وج���ذاذات ان��ش��داده��ا لمسارب الحياة التي‬
‫وسيعودون في موسم الوسم)‪.‬‬
‫نضحت بعد ذلك على (اآلخ��ري��ن)‪ ..‬في نطاق مكان‬
‫وإذا كان الفصل ال يتجاوز (خمس صفحات) من واحد سجلت (أميمة الخميس) عبره جادة موضوعية‬
‫ال��رواي��ة‪ ..‬إال أن��ه تمحور خيطا مفصلياً ف��ي المتن للخطاب السردي النسوي المحلي‪ ،‬الذي اجترح عوالم‬
‫ال���س���ردي ي����ؤول ال��ظ��واه��ر ال���ج���دي���دة‪ ..‬وع��ل��ي��ه تعلق الرواية عبر مسار جمالي متقن على صعيد الرؤية‬
‫الشخصيات تفسيرات لما انغلق فهمه عليها من واإلج����راءات األسلوبية والتكنيك ال��س��ردي‪ ،‬واألف��ق‬
‫ال��غ��وام��ض‪ ..‬وتستشرف من خالله معالم وتفاصيل الجمالي لنص هو نص المكان بجدارة‪.‬‬
‫< ناقد من السعودية‪.‬‬
‫(‪ )1‬أميمه الخميس‪ .‬البحريات‪ ..‬رواية صادرة عن دار المدى‪ ،‬دمشق‪ ،‬الطبعة األولى ‪2006‬م‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪39‬‬

‫أقاصيص‪..‬‬
‫> وائل وجدي‬

‫<‬

‫طريق‪..‬‬
‫‪ ..‬لم يبق إال لحظة‪ ،‬ويغطس قرص الشمس؛ تستكين من وعثاء السفر‪ ..‬تبحث عن‬
‫الطريق‪ ..‬اللون األصفر الداكن‪ ،‬يفرش مدى بصرك‪..‬‬
‫تتعثر خطاك‪ ،‬وتدور في دوائر ال نهائية‪ ..‬العتمة‪ ،‬وصفير الرياح سادران‪..‬‬
‫تعود إلى بداية الطريق؛ لعلك تجد بقعة ضوء‪..‬‬

‫احللـم‬
‫الشمس تغرب باكية‪.‬‬
‫يقف حائرًا‪ .‬البرودة تتسرب في أوصاله‪ .‬يتدثر بالثرى‪ ،‬ويلتحف به‪ .‬عيناه مغرورقتان‬
‫بالدمع‪ .‬يرنو إلى السماء‪ .‬يجأر بالدعاء‪ .‬استند إلى حائط قريب‪ .‬وضع يده تحت رأسه‪.‬‬
‫الظالم يتالشى رويدًا‪ ،‬رويدًا‪ .‬ضياء يغشى األبصار‪ .‬أريج عطر ينبعث في األفق‪ .‬أشجار‬
‫وارفة‪ .‬وجوه باسمة‪ ،‬مستبشرة‪.‬‬

‫قصص‬
‫قصيرة‬
‫‪40‬‬

‫ذكـرى‬
‫ تك‪ ..‬تك‪ ..‬تك…‬‫تأتى من بعيد خافتة‪ ..‬يعلو صداها في نفسي‪ ،‬تؤنسني‪ ،‬تبعد وحشة الوحدة‪ ،‬الليل‪،‬‬
‫ومذاكرة الليسانس‪.‬‬
‫انهض نافضاً السأم‪ ..‬ألمح الحاج «سيد»‪ ..‬جلبابه األبيض‪ ،‬طاقيته البيضاء‪ ،‬وعصاه‬
‫صاحبة الطرقات الحميمة‪ .‬أتابع خطاه المتئدة إلى مسجد «الصحابة»‪ ..‬أشخص إلى‬
‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫ال النجم‪ ..‬القمر‪ ..‬السحب الداكنة‪..‬‬
‫السماء‪ ،‬متأم ً‬
‫يلفحني نسيم الفجر‪ .‬أع��ود إل��ى األوراق وكوب‬
‫الشاي‪.‬‬

‫دوائر حلزونية‪..‬‬

‫بـريـق‬
‫‪ ..‬يجثو على الصخر‪ ،‬ترنو عيناه إلى زرقة البحر‪..‬‬
‫المدى البعيد‪ ،‬بعيد‪..‬‬
‫يأخذ الموج بتالبيب نفسه‪ ..‬شي ما يستبيه‪..‬‬

‫يعود إلى حضن جدته‪ .‬تحدثه محذرة من عروس‬
‫ت��دخ��ل ل��ع��ب��ة ال��ك��ر وال���ف���ر‪ .‬ت��ت��رك ق��ل��ب��ك ع��ل��ى ب��اب‬
‫البحر‪ ،‬وعالمها‪..‬‬
‫الحلبة‪.‬‬
‫أنت‪..‬‬
‫تتساءل‪ :‬من أنت‪ ..‬من ِ‬
‫أتغنم بالجائزة أم تكون فارسً ا‪ -‬كالمعتاد ‪ -‬منزوع‬
‫الحسام‪..‬‬

‫يبتسم إليها‪ ،‬وينتظر‪.‬‬

‫تالشي الغبار!!‬

‫تتصاعد دوائر الغبار‪ ،‬الكثيف إلى المدى‪ .‬تقف‬
‫في منتصف الطريق‪ .‬تنتظر ‪ -‬كل يوم ‪ -‬أمام النفق‪.‬‬
‫صورة باهتة‪..‬‬
‫ترقب خروج « تاكسي»‪ ،‬لعل سائقه يرضى‪ ،‬أن يقلك‬
‫إط��ف��اء ال��ن��ور‪ ..‬أزي���ز ال��ط��ائ��رات‪ ..‬يرعشني‪ .‬أقفز‬
‫إلى المستشفى البعيد ألخذ جلسة اإلشعاع‪ .‬تسأم‬
‫من سريري‪ ،‬الصغير‪ .‬أجري إلى سرير أبي وأمي‪.‬‬
‫مشوارك؛ لكنك تجد دوائ��ر الغبار‪ ،‬تتالشى وسط‬
‫أرفع الغطاء‪ .‬أدفس نفسي بينهما‪ .‬أحضنهما‪ .‬تهدأ‬
‫أشعة الشمس الحارة‪..‬‬
‫رعشتي‪..‬‬

‫سيدة الوردة‪..‬‬
‫شاطئك‪/‬‬
‫ِ‬
‫أتعبتي قلبي‪ /‬روح��ي‪ ..‬متى تبحرين من‬
‫المخاتل‪..‬؟‬
‫أتنتظرين رحيل الموجة‪ ،‬العاتية‪ ..‬المدمرة‪..‬‬
‫��رك‪ ..‬ولعلي‪..‬‬
‫لعلي‪ ..‬ال أنتظر؛ حتى يجف ب��ح ِ‬
‫ولعلي‪..‬‬

‫تغريد‬

‫يرنو من وراء خصاص النافذة‪..‬‬
‫تطالعه يمامة‪ ،‬تدندن لحن الصباح‪..‬‬
‫يفتح الضلفة‪..‬‬
‫تطير‪ ،‬وينداح لحنها في المدى‪..‬‬

‫< قاص من مصر‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪41‬‬

‫الهر األسود‬
‫> ياسر عبدالباقي‬

‫<‬

‫يدخل مقهاه المفضل‪ ،‬ويجلس في كرسي قريب من زجاج المقهى المطل على الشارع‪ ،‬خطواته‬
‫المرتبكة عند دخوله إلى المطعم لفتت االنتباه للحظات قليلة‪ ،‬خاصة عندما بعثر الكراسي من‬
‫لثوان قليلة‪ ،‬وصرف كل منهم النظر عنه‪.‬‬
‫أمامهم بطريقه مثيرة‪ ,‬لكن هذا استمر ٍ‬
‫حاول أن يخفي يديه المرتجفتين تحت الطاولة أو بين فخديه‪ ،‬عيناه ال تغادران الشارع‪ ،‬عيناه‬
‫ال تغادران األرض‪ ،‬وراح يحدق في كومة من القمامة تحت بناية قديمة‪ ،‬يضع النادل قدحاً من‬
‫الشاي الحليب لزبونه الدائم ويرحل دون أن يقول شيئاً‪.‬‬
‫يمسك قدح الشاي‪ ،‬يتركه معلقاً لفترة طويلة‪ ،‬ما زال يحدق في الشارع وفي كومة القمامة‪،‬‬
‫يرى شيئاً يتحرك من بين القمامة‪ ،‬يهتز القدح بيده‪ ،‬وعيناه تتسعان تحديقا في ذلك الشيء‬
‫المتحرك‪ ،‬يخرج قط أبيض من بين القمامة‪ ،‬يتنهد الرجل بارتياح‪.‬‬
‫مرحبا‪ .‬صوت رجل آخر وهو يهم بالجلوس أمامه‪.‬‬
‫يسقط قدح الشاي من يده‪ ،‬مما يؤدي إلى ضجة‪ .‬مرة أخرى يلتفت رواد المقهى نحوهما‪،‬‬
‫يسرع النادل في محو أثر الشاي والزجاج المنكسر‪.‬‬
‫يعتذر الرجل اآلخر قائال‪ :‬عفوا لم أقصد أن أفزعك‪.‬‬
‫ينظر إليه الرجل بوجهه الشاحب ويسرع في إخفاء يده تحت الطاولة‪ ,‬ثم يعيد وجهه إلى‬
‫الشارع؟‬
‫ سأطلب لك شاياً‪.‬‬‫عاد النادل وبيده قدحان من الشاي‪.‬‬
‫ لماذا تحدق في الشارع؟‬‫رأيتك أكثر من مرة تدخل مرتبكاً ومحدقاً في الشارع‪.‬‬

‫‪42‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫‪..-‬‬

‫خائفا ومرتبكا‪.‬‬

‫فيضحك ال��رج��ل وي��ق��ول‪ :‬بالتأكيد أن���ت لست‬
‫يحاول الخائف المرتبك الشاحب محو الصورة‬
‫مجنونا‪ ..‬فالمجنون ال يقود سيارة‪.‬‬
‫السلبية عنه‪ ،‬إذ ينظر للرجل بسخرية مصطنعة‬
‫وابتسامة باهتة ويقول‪ :‬أنا خائف؟ أنت تحلم‪.‬‬
‫وعاد ليسأل‪ :‬هل أنت هارب من شيء؟‬
‫ي��ه��ز ال��رج��ل رأس����ه‪ :‬ك��� ّل م��ن��ا يعيش ال��خ��وف في‬
‫بسرعة البرق يحدق الشاحب بركن عينه نحوه‪،‬‬
‫جسمه‪ ,‬مثال أنا ومنذ فترة قريبة بدأت أخاف من‬
‫ومن ثم يعود بها إلى الشارع‪.‬‬
‫عبور الشارع‪ ،‬لعل سيارة تأتي وتدهسني‪.‬‬
‫كانت ه��ذه النظرة كافية لآلخر‬
‫قاس‬
‫وقال العبارة األخيرة بصوت ٍ‬
‫ل��ي��س��أل م����ره أخ������رى‪ :‬مِ ����� ّم أن��ت‬
‫وحاد‪.‬‬
‫خائف؟‬
‫يضحك ال��رج��ل الشاحب‬
‫ ل���س���ت خ���ائ���ف���اً‪ ،‬ي��ص��رخ‬‫ألول مرة‪ :‬حقا‪ ،‬وكيف ستكون‬
‫الشاحب ويضرب الطاولة ويهتز‬
‫ح���ي���ات���ك إذاً دون أن ت��ع��ب��ر‬
‫قدحا ال��ش��اي ف��ي مكانهما‪ .‬مرة‬
‫شارعاً؟‬
‫أخ��رى يحدق رواد المقهى نحوهما‪،‬‬
‫يبتسم ال��رج��ل وي��ق��ول ب��ب��رود‪ :‬رأي���ت يا‬
‫وإن طال نظرهم إليهما قليالً‪.‬‬
‫صديقي‪ ،‬أنا مثلك خائف‪.‬‬
‫يبتسم الرجل ببرود‪ ،‬ويطلب منه الجلوس ويقول‪:‬‬
‫ قلت لك لست خائفاً‪.‬‬‫اهدأ يا صاحبي‪ ،‬ل ِ َم أنت غاضب‪.‬‬
‫يضم الرجل يديه بين صدره ويقول‪ :‬لنفترض أنك‬
‫يكح ال��ش��اح��ب‪ ،‬وي��ح��اول أن يكظم سعاله بكف‬
‫يده‪ ،‬يلتفت إلى الشارع‪ ،‬ثم يجلس‪ ،‬لكن بعد أن يدير لست خائفاً‪ ،‬لنقل أنك فقط قلق‪ ،‬ما الذي يقلقك‪،‬‬
‫صدقني أنا هنا ألساعدك‪ ،‬جربني‪.‬‬
‫الكرسي وظهره عن الشارع‪.‬‬
‫يمرر الشاحب لسانه على شفتيه‪ ،‬ويحدق إلى‬
‫يعلق الرجل على ذلك‪ :‬آه‪ ..‬اآلن أفضل‪ ،‬لنتحدث‬
‫المبنى القديم وكومة القمامة‪ ،‬ويقول‪ :‬هل ترى تلك‬
‫قليالً‪.‬‬
‫القمامة التي في أسفل المبنى؟‬
‫لهجته ال��م��ت��وت��رة م��ا زال���ت واض��ح��ة ف��ي كالمه‪:‬‬
‫ نعم إني أراها‪ ،‬غالبا ما أمر أمامها‪.‬‬‫نتحدث‪ ..‬لماذا؟ من أنت؟‬
‫ لن تصدقني‪.‬‬‫ صديق‪.‬‬‫ي��دي��ر ال��ش��اح��ب رأس���ه إل��ى ال��ش��ارع‪ ،‬لكن لثوان‬
‫قليلة‪.‬‬

‫‪ -‬جرّب‪.‬‬

‫‪ -‬منذ أكثر من شهر بدأ يتبعني ويراقبني‪.‬‬

‫‪ -‬لماذا تنظر إلى المبنى القديم؟‬

‫‪ -‬من؟‬

‫‪ -‬ال تتدخل‪ ..‬ال شيء يعنيك‪.‬‬

‫‪ -‬هر‪.‬‬

‫‪ -‬اعتبرني صديقا‪ ..‬تكلم ما الذي يجعلك هكذا‬

‫‪ -‬هر! قالها الرجل بلهجة ساخرة‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪43‬‬

‫يلتفت إليه الشاحب غاضبا‪ :‬قلت لك بأنك لن القمامة‪ :‬انظر ها هو‪.‬‬
‫تصدقني‪.‬‬
‫نظر الرجل اآلخ��ر وعلق س��اخ��را‪ :‬أي��ن‪ ..‬ال أرى‬
‫بل أنا أصدقك‪ ،‬لكني ال أرى هذا الهر األسود‪ ..‬سوى كيساً أسود‪.‬‬
‫فيسقط الشاحب‪ ،‬ويتنهد قائال‪ :‬لقد رحل‪ ،‬لقد‬
‫ أسود! لم أخبرك أنه أسود‪ ..‬كيف عرفت أنه‬‫كان هنا‪ .‬أال تصدقني؟‬
‫أسود؟‬
‫أصدقك‪ .‬لكن اهدأ وأخبرني لماذا يراقبك هر‬
‫ أه��و أس��ود حقا؟ مجرد تخمين‪ .‬أخبرني ما‬‫أسود؟‬
‫قصته؟‬
‫قلت لك إنه يراقبني منذ فترة‪ ,‬لكنني اليوم ال أراه‬
‫وهذا شيء غريب‪.‬‬
‫شرب الرجل الشاي دفعه واحدة‪ .‬ووقف‪ ،‬ومن ثم‬
‫استدار ليمشي‪ ،‬ناداه الرجل الشاحب‪ ،‬وقال‪ :‬هيه‪..‬‬
‫أنت أيها الغريب‪ .‬أال تصدقني؟‬

‫ ال أدري‪ ..‬ال أدري‪.‬‬‫ فكّر‪ ،‬لماذا يراقبك هر أسود؟‬‫ لقد‪..‬‬‫‪ -‬ماذا؟ أكمل؟‬

‫ لقد حدث هذا منذ فترة طويلة‪ ..‬لكن ال‪ ..‬ال‪..‬‬‫ سأكون مجنونا إن صدقتك‪ .‬هر يراقبك! أأنت‬‫ال‪ ..‬ال يمكن أن تكون هناك عالقة بــ‪ ..‬ويسكت‪..‬‬
‫مريض؟‬
‫ قل‪ ،‬ما الذي حدث؟‬‫ أنا ال أك��ذب‪ ,‬وصمت للحظات ثم قال بصوت‬‫كنت شابا طائشا‪ ..‬حدث أني دهست هراً أسود‪،‬‬
‫ضعيف وخجول‪ :‬أنا خائف‪.‬‬
‫لقد تعمدت أن أسحقه تحت عجالت السيارة أكثر‬
‫هز الرجل اآلخر رأسه‪ ،‬ومشى مبتعدا عنه‪ ،‬فصاح‬
‫من مرة‪ ،‬لكن هذا كان قبل عشر سنوات‪.‬‬
‫الشاحب‪ :‬إلى أين؟‬
‫اكتفى الرجل بتنهيده‪.‬‬
‫سأعود‪ ،‬سأدخل الحمام‪.‬‬
‫ لكن‪ ،‬ما عالقة هذا الهر بذاك؟!‬‫وعاد الشاحب ليحدق إلى أسفل المبنى القديم‪،‬‬
‫ ال أدري‪ ,‬ربما جاء لينتقم‪.‬‬‫ومن بين القمامة ظهر ذيل أسود‪ ،‬تحرك الشاحب‬
‫ف��ي م��ك��ان��ه‪ ،‬وي��خ��رج م��ن ب��ي��ن ك��وم��ة ال��ق��م��ام��ة هر‬
‫ أتسخر مني‪.‬‬‫أسود‪ ،‬يدور حول نفسه ومن ثم يقف ويحدق إلى‬
‫ ال‪ ..‬دهست هرا أسود‪ ..‬أسود‪.‬‬‫المقهى‪ ،‬يرتعب الشاحب ويلتفت باحثا عن الرجل‪،‬‬
‫وكرر كلمة أسود بصوت عميق‪.‬‬
‫فيركض نحو الحمام باحثا عنه‪ ,‬لكنه لم يجده‪،‬‬
‫فيخرج فيجده قادما من خارج المقهى‪ ،‬فيسأله‪:‬‬
‫ ماذا تقصد؟‬‫أين كنت؟‬
‫ إنه شيطان‪.‬‬‫ ذهبت ألتصل‪ ،‬ماذا حدث لماذا أنت مرتعب!‬‫فيقف ال��ش��اح��ب غ��اض��ب��ا وي��ص��ي��ح‪ :‬أن���ت تسخر‬
‫ج��ره الشاحب م��ن ي��ده إل��ى طاولته‪ ،‬وأش���ار إلى مني‪.‬‬

‫‪44‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫يصمت جميع رواد المقهى لثوان قليلة‪ ،‬ومن ثم أي شيء‪ ..‬حتى اإلنسان‪.‬‬
‫تعود الحياة مرة أخرى فيه‪ ،‬فيجلس ويقول هامساً‪:‬‬
‫ ارحل من هنا‪.‬‬‫أنت تسخر مني‪.‬‬
‫ اهدأ‪ ..‬سوف أرحل‪ ،‬لكن ألم تفكر؟‬‫ ي���ا ص��دي��ق��ي ف��ك��ر‪ .‬ه���ر اس����ود ي��راق��ب��ك منذ‬‫ ِبمَ!!‬‫أسبوع‪..‬‬
‫ويشير الرجل نحو الشارع ويقول‪ :‬أين الهر اآلن؟‬
‫يقاطعه الشاحب مندهشا‪:‬‬
‫ وكيف عرفت أنه قد مر أسبوع؟!‬‫يهز الرجل كتفه دون مباالة ويرد‪ :‬أنت أخبرتني‪.‬‬

‫يهز الشاحب كتفه وعيناه عالقة نحو الشارع‪ :‬ال‬
‫أدري‪.‬‬
‫‪ -‬إنه هنا‪.‬‬

‫لم أخبرك‪.‬‬
‫هنا‪ .‬فيتحرك الشاحب في مكانه ويبعثر بقلق‬
‫ مجرد تخمين أو ألني شاهدتك على هذه الحال‬‫وخوف عينيه على المقهى‪.‬‬
‫منذ أسبوع‪.‬‬
‫ نعم‪ ..‬قلت لك الشيطان قادر أن يختبئ بجلد‬‫ينظر الشاحب إلى الشارع ويقول‪ :‬حسناً‪ ..‬ماذا‬
‫إنسان‪ ..‬لماذا ال يكون هذا؟‬
‫أردت أن تقول؟‬
‫ويشير الرجل نحو النادل‪ ،‬فيعلق الشاحب‪ :‬هذا‬
‫ إن الشياطين يختبئون خلف كلب أسود أو هر‬‫أعرفه منذ سنوات‪.‬‬
‫أسود‪.‬‬
‫ حسناً لماذا‪ ..‬ذاك الرجل األسود‪ ..‬إنه أسود‪.‬‬‫ وبعد‪..‬‬‫يهز الرجل الشاحب معترضا‪:‬‬
‫ويقرب الرجل وجهه منه‪ ،‬فيقول بصوت هامس‪:‬‬
‫ال‪ ..‬لقد سبق أن رأيت هذا جالساً‪ ،‬والهر واقف‬
‫جاء لينتقم منك‪.‬‬
‫تحت المبنى‪.‬‬
‫يحاول الشاحب أن يضحك أو يصطنعها‪ ،‬لكنه‬
‫ثم يضيف‪ :‬كما أني أعرف رواد المقهى‪ ،‬غالبا ما‬
‫يكظمها ويقول‪ :‬هذا غير معقول‪.‬‬
‫يدخله الغرباء‪.‬‬
‫ ه��ذا ل��س��وء حظك لقد ده��س��ت أب��ا ه��ذا الهر‬‫ مثلي تماما‪.‬‬‫الشيطاني‪.‬‬
‫ وكيف عرفت أن الذي دهسته كان أباً له‪ ،‬لم ال‬‫يكون أخاً أو أختاً؟‬

‫ينظر إليه الشاحب ويكتفي قائال»‪ :‬آه‪..‬‬

‫يُقرب الرجل رأسه نحوه‪ :،‬لماذا ال أكون أنا ذاك‬
‫يتراجع الرجل قليال إل��ى ال���وراء وي��ق��ول‪ :‬مجرد الهر األسود‪.‬‬
‫تخمين‪.‬‬
‫ أن��ت تمزح‪ .‬قالها الشاحب وق��د ارتسمت في‬‫‪ -‬تخمين!! أنت تريد أن تخيفني‪.‬‬

‫‪ -‬يا صديقي‪ ..‬إن الشيطان له قدرة على تقمص‬

‫وجهة ابتسامة مرتبكة‪.‬‬

‫ه��ر أس���ود ص��غ��ي��ر‪ ..‬ي���رى وال����ده ت��ده��س��ه س��ي��ارة‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪45‬‬

‫وتمزقه‪ ..‬يكبر هذا الهر لينتقم لوالده‪..‬‬
‫اللعين‪..‬؟ وسكت‪ .‬وعاد لينظر إلى الهر والهلع في‬
‫ وأي��ن كنت قبل عشر سنوات؟ قالها الشاحب وج��ه��ه‪ .‬ق��ال أي��ض��اً‪ :‬كيف ي��ع��رف ال��رج��ل أن��ي أملك‬‫سيارة‪ ,‬وأنه مضى على خوفي من الهر أسبوع وأن‬
‫ساخراً ومرتبكاً‪.‬‬
‫الهر كان أسود‪ ..‬هذا الغريب كأنه يعرفني‪ ,‬كان واثقا‬
‫ كنت أبحث عنك‪.‬‬‫وهو يحدثني أن الهر الذي دهسته أبو هذا الهر»‪.‬‬
‫ أنت تريد أن ترعبني‪.‬‬‫الهر ما زال واقفا ينظر إليه‪ ،‬التفت الشاحب إلى‬
‫ينزع الرجل نظارته الشمسية ويقول‪:‬‬

‫انظر إلى عيني‪ ..‬إال تشبهان عيني الهر‪.‬‬
‫ك��ان للرجل عينان خ��ض��راوان‪ ،‬يتراجع الشاحب‬
‫إلى الخلف ويقول متشككاً‪:‬‬
‫كان أيضا لجدتي عينان خضراوان‪ ،‬ولم تكن هرة‪.‬‬
‫يلبس الرجل نظارته‪ ،‬ويقف ويقول‪ :‬سأعود‪.‬‬
‫ إلى أين أنت ذاهب‪.‬‬‫‪ -‬إلى الحمام‪.‬‬

‫باب الحمام وسأل نفسه‪ :‬يذهب إلى الحمام مرتين‬
‫في نصف ساعة‪ .‬هذا غير معقول‪ ،‬كما أنه في المرة‬
‫األولى كان قادما من الشارع‪ ،‬آه‪ .‬وسكت‪.‬‬

‫ولمعت عيناه‪ ،‬وسأل نفسه‪ :‬أيمكن أن يكون هو‬
‫الهر‪ .‬عيناه خ��ض��راوان‪ .‬وتوهم الشاحب أن عيني‬
‫الرجل أمامه تقتربان وتقتربان تطبقان عليه‪.‬‬
‫فينهض من كرسيه ويصيح‪ :‬سأقتله‪.‬‬
‫فيهتز رواد المقهى لصرخته‪ ،‬ويخرج الرجل من‬
‫جيبه سكيناً‪ ،‬ويصرخ وهو ينظر إلى الهر‪:‬‬

‫ويراقبه وهو يلج إلى الحمام‪ ،‬ثم يشعل سيجارته‪،‬‬
‫ويطلب من النادل أن يحضر له شاياً آخ��ر‪ ,‬يلتفت‬
‫ويركض إلى الشارع متجها إلى المبنى القديم‪،‬‬
‫إلى الشارع ويجد الهر األس��ود ينظر إليه من عند رافعا يده إلى أعلى وبين أصابعه السكين‪ ،‬تدهسه‬
‫المبنى القديم‪ ،‬يقف مذعوراً لكن سريعاً ينجح في شاحنة مسرعة وترمي به بعيدا نحو المبنى القديم‪.‬‬
‫أن يخفي خوفه‪ ،‬ويلتفت إلى مدخل الحمام وينتظر‬
‫تتوقف حركة ال��س��ي��ارات‪ ،‬يركض ال��ن��اس نحوه‪،‬‬
‫خروج الرجل‪ ،‬ومن ثم عاد لينظر إلى الهر وكرر هذا‬
‫أكثر من مرة‪ ،‬ولمعت عيناه وهتف يحدث نفسه‪ :‬هل ويلتفون حوله‪ ،‬يخترق أحدهم الحشد ويهتف‪:‬‬
‫هذا معقول‪.‬‬
‫هذا الرجل أعرفه‪ ..‬لقد كنا معاً منذ قليل‪.‬‬
‫سأقتله‪ ..‬سأقتلك‪.‬‬

‫يضع النادل الشاي أمامه ويسأل‪ :‬هل تحدثني‪.‬‬
‫لكن النادل لم يل َق جواباً ويذهب وهو يشير لزميله‬
‫وي��ض��ع أح��ده��م ث��وب��ا ممزقا على وج��ه الجثة‬
‫بحركة من يده في أن الرجل قد جن‪.‬‬
‫حيث كانت عيناه عالقة على قمامة المبنى القديم‬
‫ع��اد الشاحب يحدث نفسه‪ » :‬أيعقل أن يكون وه��ر أس���ود ي���دور ح��ول نفسه‪ :‬م��ي��او‪ ..‬م��ي��اووو‪..‬‬
‫ال��رج��ل ه��و ال��ه��ر‪ ،‬ل��م��اذا عندما ي��ذه��ب يظهر الهر مياووووو‪.‬‬
‫لقد مات‪.‬‬

‫< قاص من اليمن‬

‫‪46‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫كتابات‬
‫(‪ِ )1‬ظل‬
‫ال متدحرجا صوبَ الشاشة التي ظلت‬
‫قام متثاق ً‬
‫حط على الكرسي‬
‫تخفق مرارا برقمه‪ .‬قبل أن يصل‪َّ ،‬‬
‫يسبقه‪ ،‬يحمل أوراقه الثبوتيّة ذاتها‪ .‬لم ينفع جداله‬
‫وال نظراته النارية وال تهديداته‪ .‬أيق َن أن جهدَه قنبل ًة‬
‫دخانية سرعان ما يذهب أثرها‪ .‬عاد أدراجه ينتزع‬
‫انتظار جديدة‪.‬‬
‫ٍ‬
‫مضض شوك َة‬
‫ٍ‬
‫على‬
‫عيناه مثبّتتان على توالي األرق���ام‪ .‬حين اقتربَ‬
‫حط على‬
‫دوره وقبل أن تبرق الشاشة تدعوه إليها ّ‬
‫حط قبله بأوراقه ذاتها‪ .‬لم ينفع الغضب‬
‫الكرسي‪ّ .‬‬
‫وال امتقاع الوجه‪ .‬نف َخ وأراد أن يترك المكان يأساً‪.‬‬
‫المعاملة ينبغي إنهاؤها اليوم‪ ،‬وإال الغرامات‪.‬‬
‫م��اذا ل��و انتظ َر وت��ك��رّر المشهد ن��ف��س��ه؟‪ ..‬لماذا‬
‫ال يذهب إل��ى المسؤول مباشرة‪ ،‬ويفتعل أ ّي��ة حجة‬
‫لتجاوزه األنظمة التي ترتّب تسيير المعامالت؟ سوف‬
‫يخترع عذراً؛ ِسنّه تسمح والبياض الكثيف يُ ْقنِع‪.‬‬
‫طابتْ له الفكرة ونضجت عافي ًة في قدميه‪.‬‬
‫تقدّم نحو مكتب المسؤول‪.‬‬
‫قبل أن يرفع قدمَه الغائصة في السجّ اد‪ ،‬ش َّم‬
‫رائح ًة غرستْه في مكانه‪ ،‬وتركتْ فمه مفتوحاً بمقدار‬
‫ال يتّسع للدهشة وال للتراجع الحثيث‪.‬‬

‫(‪ )2‬اسطوانة‬
‫«اِكسري بيضة»‬
‫ال فائدة‪ .‬سأعيد المحاولة‪.‬‬
‫«اِكسري بيضة»‬
‫مرات عديدة والنتيجة نفسها‪.‬‬

‫> عبدالله السفر‬

‫<‬

‫«اِكسري بيضة»‬
‫هذه هي الطريقة الصحيحة‪ ،‬ج َّربَها غيري‪ ،‬لماذا‬
‫ال تستجيب‪.‬‬
‫«اِكسري بيضة»‬
‫أف‪ .‬ي��ا لهذا األف��ق ال��م��س��دود‪ .‬مَ��ن يكسر ط��و َق‬
‫النّحس‪.‬‬
‫«اِكسري بيضة»‬
‫ال ب��أس‪ .‬ال ب��أس‪ .‬اه��دأْ قليالً‪ .‬ركّ���زْ‪ .‬رغ��م أنهم‬
‫يقولون إذا لم تتغيّر النتيجة؛ ج��رّبْ طريقة أخرى‪.‬‬
‫اِصبرْ‪ .‬اِصبرْ‪ .‬ال تتعجّ لْ‪ .‬طريقتي مضبوطة موزونة‬
‫فقط أط ّبقُها بحذافيرها وأظفر بنتيجة وال أحلى‬
‫منها‪.‬‬
‫«اِكسري بيضة»‬
‫«اِكسري»‪..‬‬
‫«اِكسري»‪..‬‬
‫ ‬

‫اِكس‪ ..‬ري‬

‫(‪ )3‬تعبير‬
‫تزاحَ موا عليه‪.‬‬
‫من يريد أن يستنشق عطرَه؟!‬
‫من يريد أن يلمسَ ه وأن يدخل إلى جلده؟!‬
‫من يريد أن يوقّع له تذكاراً؟!‬
‫من يريد أن يمنحَ ه ابتسام ًة ودودة يتذكرها بقيّة‬
‫عمره ويرويها ألحفاده؟!‬
‫ثمّة من يريد أن يقاتل ليقترب جدا من الدائرة‬
‫الضيقة‪ ،‬وأن تلتقي النظرات؛ ليم ّر َر رسال ًة واضحة‬
‫ذات ثقل وغلظة‪« ،‬أنا ال أهتم»‪.‬‬

‫< قاص من السعودية‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪47‬‬

‫جرمية‪..‬‬

‫> جعفر اجلشي‬

‫<‬

‫أمشط جديلة الوقت‪ ،‬وأستيقظ كل يوم على فوهة‬
‫أم��س��ك ب��ال��ف��رش��اة م��ن ج��دي��د‪ ..‬تتحجر األل���وان‪،‬‬
‫الفقد‪ ،‬وأس��ت��م��ريء أن تكونين إل��ى جانبي‪ ..‬حكاية والماء يتيبس في الكوب‪ ،‬واللوحة بدأت تضطرب كأن‬
‫جدتي تلسعني‪ ،‬كلما أومض في ذاكرتي أنك كنت يوماً مساً من الجنون قد اجتاحها‪ ..‬تتراقص في الظالم‪،‬‬
‫وتهرب‪ ..‬تهرب بعيداً نحو البحر تطارد المسخ‪.‬‬
‫تقودين ركبي‪..‬‬
‫لكن ذائقة الموت تترفق بحبل المسافات‪ ..‬هويناً‬
‫ه��وي��ن��اً لتمضي ب��ي ن��ح��و رج��ف��ة ف��ائ��ق��ة االش��ت��ع��ال‪..‬‬
‫لم تولد هذه السطور لترسم (بورتريه) لصديقي‬
‫حنانيك‪ ،‬فما أنا ناسك‪ ،‬وما أنا ذاك الذي يصبر على‬
‫ِ‬
‫والصديق المخلص لجميع أفراد الشلة التي تجاوزت‬
‫لسعة النار‪ ..‬تلك اللسعة التي تمطرينني بها‪..‬‬
‫سنوات عالقتها أكثر من عشر سنوات‪.‬‬
‫أت��دري��ن‪ ..‬عندما كنت تقذفيني بالثلج ال��داف��ئ؟‬
‫يسمونه البسيط والمتواضع والعالمة والفقيه‬
‫وكنت حينها أتمرغ في جدوله الصافي‪ ..‬لم يعد الثلج‬
‫وال��ف��هّ��ي��م‪ ،‬وص��ف��ات أخ���رى كثيرة أع��ج��ز ع��ن ذكرها‬
‫دافئا‪ ..‬أصبح في ذاكرتي جمراً‪ ..‬استحال إلى كرة‬
‫هنا‪..‬‬
‫سوداء أرمقها يومياً كلما اقتربت منك‪ ..‬لم يعد جدوله‬
‫أخ��ي��راً أط��ل��ق عليه أح��د أف���راد الشلة (المثقف‬
‫صافياً‪ ،‬صارت الضفادع تتقافز حوله‪ ..‬وأصبح اآلن‬
‫الكبير)‪ ،‬وهو إذ يطلق هذا اللقب ال يطلقه جزافاً‪،‬‬
‫مراً إلى حد الغثيان‪..‬‬
‫وه��و يصر على ه��ذا التعريف متكئاً على قائمة من‬
‫أمشط جديلة الوقت‪ ،‬كي أنتهز فرصة دون فائدة‪ ..‬اإلن��ج��ازات ال��ت��ي ق��ام بها صاحبنا‪ ،‬وع���دد كبير من‬
‫كي أقتنص عنف الماضي‪ ،‬وأدون مضغة شقية‪ ..‬أتلمظ مالحظات التقدير واالح��ت��رام م��ن قبل شخصيات‬
‫سفر ال��ش��ه��وة‪ ..‬أتحسس ق���دري‪ ..‬ه��ل م��ا زل��ت أقف اجتماعية وثقافية‪.‬‬
‫مصلوباً‪ ..‬أم أن الهزة األرضية التي حدثت بالقرب منا‬
‫م��رات كثيرة يتوج ملكاً للقاء أو لندوة يحضرها‪،‬‬
‫ذات نزهة ما زالت تتردد‪ ..‬هل تجرؤ على ذلك؟‬
‫فهو ال تنقصه الثقافة وال تعوقه المعلومة‪ ،‬ودائماً‬
‫مسخ يتلوى إل��ى ج��ان��ب ل��وح��ة تشكيلية رسمتها يكون في صدارة منتجي الرأي واألفكار الخالقة‪.‬‬
‫باألمس‪ ..‬فتاة تمرق بجانب تلك اللوحة‪ ..‬تدخل فيها‪،‬‬
‫أق��ول ليست ه��ذه محاولة لرسم (بورتريه) لهذا‬
‫تخرج منها‪ ..‬أصبحت الفتاة مكررة‪ ..‬ثالث فتيات‪..‬‬
‫الصديق فهو يستحق أكثر من ذلك‪ ،‬إنما مصدر هذا‬
‫غابت اللوحة‪ ..‬لم أعد أشاهد شيئاً‪ ..‬وجع إلى حد‬
‫ال��ب��وح‪ ،‬هو خبر صغير قرأته قبل أي��ام في صحيفة‬
‫ال��ل��وع��ة‪ ..‬أع���ود للمسخ‪ ..‬أح���اول عبثاً تشكيله من‬
‫صفراء مهملة ربما يعود تاريخها لعدة أي��ام خلت‪،‬‬
‫جديد‪ ..‬وليس بمقدوري أن أفعل شيئاً‪..‬‬
‫مفاده وف��اة مثقف مغمور عن عمر يناهز السبعين‬
‫ها هو يغادر‪ ..‬يغادر‪ ،‬يمضي مهروالً نحو البحر‪ ،‬عاماً في شقته البائسة؛ ألن��ه لم يجد ال��دواء الذي‬
‫ليغطس بعيداً عني‪ ..‬حتى هذا الكائن المشوه الذي يعالج به أمراضه المختلفة‪ ،‬بدءاً من السكر وضغط‬
‫الدم وليس انتهاء بالربو وضعف الذاكرة‪.‬‬
‫أفسد لوحتي ال يريد أن يطاوعني‪..‬‬

‫رد اعتبار في وقت متأخر‬

‫< قاص من السعودية‪.‬‬

‫‪48‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫مرة غير قابلة للتكرار‬

‫> حسن البقالي‬

‫<‬

‫حين م��رت الحافلة بتلك القرية الصغيرة التي‬
‫يخرقها شارع طويل ووحيد‪ ,‬لمحت عبر فرجة باب‪,‬‬
‫عينا وبعض خضاب‪.‬‬
‫كانت العين سوداء وحزينة جدا‪ ..‬بينما الخضاب‬
‫الزاهي على األنامل شبيه بدعوة مبهمة أو إشراقة‬
‫مباغتة‪.‬‬
‫يخامرني يقين راسخ بأني لو مررت من هناك مرة‬
‫أخ��رى‪ ,‬سأجد في انتظاري العين الحزينة الرائعة‬
‫نفسها واألن��ام��ل المخضبة ذات��ه��ا‪ ,‬عبر اإلن��ف��راج��ة‬
‫الضئيلة للباب‪ ,‬كما ل��و أن نظرتي األول���ى سجنتها‬
‫هناك إل��ى األب���د‪ ..‬وحتما سأعيد الشهقة الحالمة‬
‫نفسها‪ ,‬وأفكر ثانية ب��أن م��ب��دأَيْ التقابل واإلضمار‬
‫أ ُسّ ان ال يضاهَ يان للجمال‪..‬‬
‫لكني أع��رف باليقين ال��راس��خ نفسه أن مشهدا‬
‫ساحرا كذاك ال يمكن أن يُمنح للرائي مرتين‪ ,‬وهذا‬
‫معناه أني لن أمر من هناك أبدا‪.‬‬

‫بوح مؤجل‬
‫قد يحدث أن أحدثك قليال‪..‬‬

‫قصة «بوليسية» تحدث كل يوم‪:‬‬
‫في واضحة النهار‪..‬‬
‫أحاط به اثنان وثالثهما مدية‪.‬‬
‫همس أحدهما فيما يشبه المناجاة‪:‬‬
‫المبلغ ال���ذي صرفته للتو م��ن البنك ووضعته‬
‫بالجيب الداخلي األيسر للسترة‪.‬‬
‫و َّد أن يصرخ‪ ..‬أن يستعطف‪ ..‬أن يقاوم‪ ..‬يجري‪..‬‬
‫ينام كي يحلم بشئ جميل‪ ..‬كانت المدية قلقة بشكل‬
‫يدعو إلى اإلنقياد‪.‬‬
‫الشرطيان اللذان كانا بالقرب منه‪ ,‬أدارا ظهريهما‬
‫للعملية‪ ,‬يتحادثان عن سهرة الليلة‪ ,‬حين يتوصالن‬
‫بالمظروف الدافئ‪.‬‬

‫اإلسم‬
‫كان بين الجموع‪..‬‬
‫يتمشى في التيه‪ ..‬يرى الناس والجدران والواجهات‬
‫والسيارات المارقة في نزق‪ ,‬مجرد أطياف ال لون لها‬
‫في العتمات التي تسكنه كالموج‪.‬‬
‫يتمشى دون اشتهاء‪..‬‬

‫وأهمس في أذن��ك بكالم جميل تتفتح له أكمام‬
‫روحك‪ ,‬وتدق سنابك الحب المبتهج شعاب القلب‪..‬‬
‫يكتفي ببحلقة فارغة في األشياء‪ ,‬حين كانت ي ٌد‬
‫حتى إذا تمكن منك كقراد بغيض‪ ,‬وأصابك األرق تستوقفه وصوت يناديه‪:‬‬
‫أي���ام���ا‪ ..‬ث��م ت��ط��ور األرق إل���ى اك��ت��ئ��اب ومحاولتين‬
‫ محمود‪ ..‬محمود‪.‬‬‫فاشلتين لإلنتحار‪ ..‬عندها – وعلما ب��أن الثالثة‬
‫وكمن يفيق من غيبوبة طالت أكثر مما قدر لها‪,‬‬
‫ستنجح ال محالة ‪ -‬سأخبرك عن طبيعة عالقتنا‪..‬‬
‫أنت الشخصية الورقية ذات النفسية المهزوزة‪ ,‬وأنا غمغم لنفسه‪:‬‬
‫ آه‪ ..‬محمود‪ ..‬اسمي محمود‪ ..‬اسمي محمود!‬‫الكاتب الذي أقر أخيرا بفشله‪.‬‬
‫< قاص من المغرب‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪49‬‬

‫قصص قصيرة جدا ً‬

‫> عبداحلفيظ الشمري‬

‫<‬

‫ضجر متمترس‪ ..‬يكيل ألعيننا النعاس‬
‫«‪ »1‬نعاس‬

‫بقرب برئه‪ ،‬ويحيك خيوط وعد ممكن لخالص قريب‪.‬‬

‫ليست العتمة وح��ده��ا م��ن تبعث النعاس ف��ي هذا‬
‫المكان المعد لوظيفة «ق��ارئ قضايا»‪ ..‬إنما الضجر‬
‫المتمترس‪ ،‬يراتب أيضاً مللنا ال��دائ��ب‪ ،‬لنجوس خواء‬
‫نعاسنا ال��ذي يبين اآلن على هيئة فتور‪ ،‬يرتسم على‬
‫محيا هذا القارئ المتثائب‪.‬‬

‫الليل في مخاضه األبدي يلد ‪ -‬عادة ‪ -‬في النهاية‬
‫شمساً رشيقة ت��ض��يء ق��ل��وب ال��خ�لائ��ق‪ ،‬وت��ش��رق على‬
‫األمكنة‪ ..‬لكن العتمة ال تلبث إال أن يفاجئها المخاض‪،‬‬
‫لتلد لنا في (الثامن من شوال) قمراً رائقاً‪..‬‬

‫«‪ »2‬مسافة‬

‫«‪ »6‬والدة‬

‫الشمس وح��ي��دة ألبيها ال��ن��ه��ار‪ ،‬أم��ا الليل فإنه أبو‬
‫األقمار وأهله‪.‬‬

‫«‪ »7‬إيحاء‬

‫عندما يجافي القول العمل في متطلبات الحق لهذه‬
‫المرأة الملقاة على قارعة الفقد‪ ،‬في وضح نهار المدن‪،‬‬
‫بقايا قشور الطين على هذه األرض السبخة توحي بانزواء‬
‫التي تصم أذنيها دائ��م��اً عن كل ع��وي��ل‪ ..‬يصبح الوعد الماء ال��ذي ظل يقاوم رغبة في البقاء‪ ..‬ف��األرض الصدئة‬
‫حيادياً موشى برمادية مجردة من برء محتمل ألسقامنا‪ .‬نصبت له مكيدة على هيئة أخاديد ابتلعته دون عودة‪.‬‬

‫«‪ »3‬هجير‬

‫«‪ »8‬أمان‬

‫في الهجير ال��ذي يذيب ثبات ال��رع��اة‪ ..‬ها هم مع‬
‫في مخابئ الجدران داخل أسوار المدن الالمعة قد‬
‫دوابهم في المفازة القفر‪ ،‬يتذرعون بوهج الصبر المدرب ال تجد األم���ان‪ ..‬حتى وإن حاولت أن تفتش عنه بين‬
‫على دخول الحالة والخروج منها بأقل ضرر ممكن‪.‬‬
‫أنقاض يومك‪ ..‬لن تجدي المحاوالت نفعاً‪.‬‬

‫«‪ »4‬أحياء‬
‫األم���ان ه��ذا المخلوق العجيب ستجده ذات مساء‬
‫األحياء داخل خوفهم ملجمين هنا على هذا المنحدر‪ ..‬شارداً كوعل عفي وحذر يخب التخوم‪.‬‬
‫يمكن ألي «قانط» أن يقول‪ :‬إنهم على الهامش يتكاثرون‪،‬‬
‫«‪ »9‬جدران‬
‫ب��ل ه��م منهكون دائ��م��اً لفرط إدالج��ه��م ب��دأب الصعود‬
‫الجدران المائلة‪ ،‬توحي بمآل حتمي إلى السقوط‪،‬‬
‫والهبوط‪ ،‬بال جسارة على كتف هذا المنحدر العنيد‪ ..‬لكنها تعكس حال رغبة هرمة‪ ،‬تتشبث بأهداب البقاء‬
‫«‪ »5‬صراع‬
‫أطول مدة ممكنة في وجه نائبة‪ ،‬قد تحيله في أي لحظة‬
‫دبت في جسده الناحل مظاهر صراع خفي ومؤذ‪ ..‬كل إلى أنقاض وركام‪.‬‬
‫عضو في جسده يثكل فاجعة فقده لعافيته‪ ،‬ويشي باآلخر‬
‫«‪ »10‬وخز‬
‫سوء لمن سواه‪ ..‬أقواها العقل كتبت له الجرأة أن يقول‪:‬‬
‫ل�لأش��واك جَ ل َد عجيب على تقمص دور المحارب‬
‫أرحم نفسك‪ ،‬وارأف بأمري‪..‬‬
‫الشرس عن تخوم أرض تغرس فيها جذورها‪ ،‬وتكفل لها‬
‫لكن على الطرف اآلخر من معادلة حياته المضعضعة‪ ،‬البقاء‪ ،‬لكنها وبرغبة مخاتلة تخز وبدربة متقنة كل من‬
‫لم يلو القلب المسكين على شيء‪ ،‬إذ ظل يسكب األمل يطأ لها على طرف ولو من بعيد‪.‬‬

‫< قاص من السعودية‬

‫‪50‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫على خيوط العنكبوت‬
‫> ليلى آيت سعيد‬

‫<‬

‫بداية مؤلمة‬
‫ال يراها إال حين تودعه آخر أيام األسبوع‪ ..‬أو حين ينقضي الشهر‪ ،‬وال يجرؤ أن يسألها‬
‫شيئا‪ ..‬تقطعت به األسباب أو ك��ادت‪ ..‬هو ال يعرف من أمرها شيئا خ��ارج زاويته التسعين‪..‬‬
‫وبالمثل هي‪..‬‬

‫النهاية‬
‫ألف فكرة وفكرة راودت��ه‪ ..‬تأخذه من حاضره لترميه خلف قضبان السنين الماضية‪ ،‬التي‬
‫جعلت من آبائه وأجداده رجاال يذكرهم التاريخ‪ ..‬وما صنعت منه؟ رجال لينساه التاريخ!!‬
‫حتما هذا ما فكر به وهو ينظر إلى الزاوية التسعين في غرفته‪ ،‬أثاره منظر العش الكبير‬
‫لعنكبوت تائه اختار زاوية منسية‪ ..‬مالذا من تقلبات أحوال بني البشر الهستيرية‪..‬‬
‫_ أيها العنكبوت‪ ..‬لن يذكرك التاريخ ها هنا‪..‬‬
‫هجس لنفسه‪ ..‬ساخرا؟ ساخطا؟ أو حتى معاتبا‪ ..‬تلك أحاسيس ذهبت مع الريح يوم حملت‬
‫الريح كل شيء سواه‪..‬‬
‫لم يكن األمر بمنتهى السهولة كما تصور‪ ،‬أو تبادر إلى ذهنه أول األمر‪ ..‬فكر كثيرا كما لم‬
‫يفكر من قبل‪ ..‬وفجأة وجد أن كل ما فكر به لم يعد مجديا‪ ..‬صفعته فكرة تائهة وضعها في‬
‫خانة فارغة من شبكة أيامه المتقاطعة‪ ..‬ليست صحيحة‪ ..‬عليه أن يجد حال أو فكرة أخرى‬
‫يسد بها فراغ عمره‪..‬‬
‫تساءل‪:‬‬
‫ كم عنكبوتا عاش ومات في زاويته هذه؟ باستئذان أو بدون استئذان‪.‬‬‫ابتسم‪ ..‬تطلع ‪ -‬بعينين آسفهما منظره الراكد في الزاوية كحلزون أعرج ‪ -‬إلى العش من‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪51‬‬

‫جديد‪ ..‬وحملق في كل الزوايا بشيء من التطلع نحو االدعاء بأنه قمة من قمم الصواب‪ ..‬ولعمري‪ ..‬فإن‬
‫نقطة أو فكرة غائبة ش��اردة‪ ،‬ال تريد أن تستقر في قمة ما أحرقت به صمتك كان عذرا أبشع من زلة‪..‬‬
‫ذهنه المهترئ‪..‬‬
‫أو ربما سأتعلم منك أنه إلبعاد الشيء‪،‬ال بد أن نبعد‬
‫الذي أتى‪ ..‬؟؟‬
‫نهاية منطقية‬
‫الزمن وح��ده ال يكفي إلذاب��ة خريف عمر بائس‬
‫رمى بظله على قارعة السنين الماضية‪ ..‬قلب دفاتر‬
‫الماضي‪ ..‬فتح كتاب التاريخ‪ ،‬يبحث عن سبب مقنع‬
‫يشفي به غليل شبكة ال تريد أن تكتمل‪..‬‬

‫جنونك يجعل مني راقصة جعلت كرامتها وكبرياءها‬
‫في كيس بالستيكي وضعته جانبا‪ ،‬وهمت أن ترقص‬
‫على أعصابها بكل برود‪ ..‬وفي النهاية كانت المتعة‪..‬‬
‫أن نكتشف جمال الوهم وزيف الحقيقة‪ ،‬وأن الخط‬
‫األبيض الذي وحد أقدارنا ولطخ أجسادنا ما كان‬
‫ليكون شيئا استثنائيا‪ ..‬العالم ال يخلو من خطوط‬
‫بيضاء‪ ،‬ولعل الذي وحدنا كان أكثرهم سوادا‪..‬‬

‫ح��ي��ن زارت����ه آخ���ر م���رة ح��م��ل��ت إل��ي��ه ب��ع��ض��ا م��ن»‬
‫الرغائف المعمرة» التي ك��ان يعشقها‪ ..‬في يديها‬
‫ملح البنة كما قال كاتبه المفضل ذات يوم‪ ..‬وأنى له‬
‫شبعت من الترهات‪ ..‬لست مخطئة‪..‬‬
‫بلقائه اليوم ليصرخ في وجهه معاتبا أو شاكيا بأن‬
‫يديها لم تعد بهما نكهة ال للملح وال للبنة‪ ..‬صار كل‬
‫الشياطين تتجسد في أث��واب المالئكة‪ ..‬لم ال‬
‫شيء» مسوسا» ال طعم له وال نكهة‪ ،‬كحياته المظلمة أكون شيطانا يهابه الجميع‪..‬؟‬
‫وأفكاره الالمستقرة‪..‬‬
‫أنت هنا‪ ..‬خلف سطور األلم والذكرى‪ ..‬تتقاذفك‬
‫بني املاضي واحلاضر‪ ..‬رسالة‪..‬‬
‫أفكار ميتة‪..‬‬
‫لو كان في الذاكرة بعض مكان لك‪ ..‬لي‪ ..‬لنا‪..‬‬
‫لوال الكذب لما استشعرنا قيمة الصدق‪ ..‬ولو كان‬
‫قلبك واسعا لما طرحت س��ؤاال كهذا أيها العزيز‪ ..‬لما ضاق قلبك النتن برائحة السجائر والكحول على‬
‫سأدعي أن��ي لم أسمعك واعتبر كل ما تفوهت به إطالق رصاصة سؤالك البارد‪..‬‬
‫هرطقة من رجل يدعي أنه يعرف كل ما خفي حين‬
‫اعتقدت ك��أي بلهاء أن بإمكاني أن اقعد لرجل‬
‫تعظم األشياء‪..‬‬
‫مثلك يحترف الكذب بطريقة خيالية لذيذة‪ ..‬بينما‬
‫أراك اآلن ت��ح��رق ص��م��ت��ك ال��ص��دئ ب��م��داد من يمارس رجولته الحيوانية مع مراهقة تستر نفسها‬
‫الكلمات‪ ..‬إل��ى م��ن تكتب؟ وم��ن تدعي ان��ه سيقرأ بحجاب المجتمع‪ ...‬بعيدا عن ضوضاء العقل وآالف‬
‫السير الذاتية التي صبغت واجهة حياتك الموغلة‬
‫لك؟؟ أنا مثال‪..‬‬
‫في السواد‪..‬‬
‫تستحضر في ذاكرتك الهرمة آالفاً من المتلقين‪..‬‬
‫ما أسوأ أن نكون مجرد عوامل معنوية ال لفظية‬
‫وأنا على يقين بأنك ستشحتهم من الجادة المقابلة‬
‫تحدت أثرا إعرابيا على كل من اعتقدنا لوهلة سرابية‬
‫لبقايا جنونك المتداعي‪ ..‬اآليل للسقوط‪..‬‬
‫أنهم يحبوننا‪ ،‬ينسبونه في ما بعد إلى غيرنا‪ ..‬ما‬
‫ها أنت اآلن بعت صمتك الصدئ مقابل هرطقة‬
‫أس���وا أن ن��ك��ون م��ج��رد أدوات ت��رك��ن م��ع ال��ظ��ل في‬
‫ال معنى لها‪..‬‬
‫الزاوية التسعين لجادة الجنون والعقل‪.‬‬
‫نتعلم أن الجنون حين ينطق‪ ..‬لسنا مجبرين على‬
‫أليس الصمت غريبا حين يزيد عن حده؟ تدخل‬

‫‪52‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫صامتا وتخرج صامتا‪ ..‬ولو علمت انك تصمت في‬
‫اليوم ‪ 24‬ساعة لتنطق خمس دقائق أو أقل‪ ..‬تطلب شاعرها ينهار يوما بعد ي��وم‪ ،‬يتمزق أش�لاء ينثرها‬
‫القهوة‪ ،‬تجيب على الهاتف‪ ،‬أو لتقول لي ببرود ويأس‪:‬‬
‫الغضب والحقد في سماء الموت‪ ..‬برودتها الحامية‬
‫تصبحين على خير‪!!..‬‬
‫أذابته في هدوء‪..‬‬
‫متى كان جوابك القاسي ماء يطفئ ظمئي إليك؟‬
‫ومتى كان سريرا ينام عليه اثنان تغطيه البرودة من‬
‫وذاب ال��ش��اع��ر‪ ..‬ووق��ف��ت تتفرج عليه بسخرية‪،‬‬
‫كل جانب؟‬
‫مزقت على جثثه وهو ينظر كل قصيدة عشق كتبها‬
‫ك��ان��ت ب�����اردة‪ ..‬غ��ي��ر أن��ه��ا ك��ان��ت ع��ل��ى يقين ب��ان‬

‫هي متاهة‪ ..‬علها تكون متاهة للذاكرة‪ ،‬أو متاهة أو ادعى كتابتها‪ ..‬خيانته لها أورثته عجزا ما بعده‬
‫للصمت ال��ذي ال يستوجب ال��ن��دم مثلما يستوجبه‬
‫عجز‪ ..‬عجز عن اإلمساك بالقلم‪ ،‬عجز عن الكتابة‪،‬‬
‫الكالم‪..‬‬
‫عن التفكير‪ ،‬عن ملء الشبكة‪ ،‬وصار عاجزا حتى عن‬
‫كم علي أن أخسر في هذا العالم النتن ألربحك؟‬
‫الحراك‪..‬‬
‫كم علي أن أبيع وأشتري من حماقات األيام البالية‬
‫يقني متأخر‪:‬‬
‫ألرى ابتسامة غبية ترسمها األنانية على محياك؟؟‬
‫صرنا محترفين في عالم الخطيئة‪ ،‬بعيدين عن‬
‫ذات��ن��ا ال��ت��ي تحن إل��ى ق��ط��رة ص��دق ف��ي بحر كذبك‬
‫شأنها شان العناكب العابرة على تلك الزاوية‪ ..‬تدارك‬
‫المجنون‪..‬‬
‫خطاه وعلم ِل َم هو والزاوية التسعين يتيمان في قاع‬
‫من تعتقد أنه سيصدق في رم��اد العمر الملطخ‬
‫التاريخ‪..‬‬
‫بالقذارة؟؟‬
‫بعيدا عن أفكار الشؤم التي سكنت تاريخه وأفكاره‪،‬‬

‫وي��ق��ي��ن��ا ك���ان ع��ل��ي أن أع���ي م���ق���دار غ��ب��ائ��ي في‬
‫ابتسامتك الهادئة‪ ..‬ومقدار تفاهتي في اعتقادي‬
‫غير صوت الرياح وصوت كرسي متحرك في لوحة‬
‫أنك رجل استثنائي تحتله امرأة واحدة‪..‬‬
‫صدئة صارت روتينا مألوفا‪..‬‬
‫صمت غريب مريب عم المكان‪ ..‬ولم يبق مسموعا‬

‫البداية األخيرة‬

‫وبين التيه واليقين تحول وعيه إلى بقايا حطام‬

‫يوم اكتشفت خيانته للمرة األولى بكت‪ ،‬ولم تقل‬
‫شيئا‪ ..‬غير أن صمتها الحزين كان الذعا حين صرخ لقارب مهترئ لفظه البحر على شاطئ الحقيقة‪..‬‬
‫في أذنيه‪..‬‬
‫الحقيقة ال��ت��ي رفضها ووض��ع��ه��ا خلف س��ت��ار قاتم‬
‫‪ -‬لن يذكرك التاريخ يا شاعر الخيانة‪.‬‬

‫اسماه الزاوية التسعين‪..‬‬

‫< قاصة من المغرب‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪53‬‬

‫قصائد قصيرة‬
‫> ُسوف عبيد‬

‫<‬

‫العطر‬

‫ا ُنظ ْر في األ ُفق‪ ..‬فالسّ حاب قادمٌ!‬

‫إذَا كا َن العِ ط ُر‬

‫أمام المرآة‬

‫ف ـوّاحً ا‬

‫عندما تُكحّ ُل حوّاءُ عينيها‬

‫لاَ يَـ ُه ّ ُم‬

‫ك َّل صباح‪:‬‬

‫شك ُل الـزّجاجة‪!..‬‬

‫الصو َر البطيئ َة‬
‫‪ ..‬كيْ ترى كام َل اليومِ ّ ُ‬

‫رَ ُج ـ ُـل األمـ َـطار‬

‫ش��������ع��������ر‬

‫رَج ٌل تَحْ ت زَخّ ات المَطر‬

‫عندما تَطْ لي شفتيْها‪:‬‬

‫وثبات‬
‫ٍ‬
‫يَسي ُر بأناةٍ‬

‫‪ ..‬كيْ تتذكّر في ك ّل كلمة تقولُها مَذا َق التفّاحة!‬

‫تَوقّف المط ُر‬

‫تَنث ُر الور َد على وجنتيْها‬

‫مس اِنجَ لتْ‬
‫الشّ ُ‬

‫مر ًةّ‪ ..‬م ّر ًة‬

‫ّاصح‪:‬‬
‫أَحَ ُد الما ّر ِة كالن ِ‬

‫تقتربُ من المرآة‬

‫يَا سيّدي‪ ..‬أَيَا سيّدي!‬

‫تقتن ُع أنّها ما تزال في الجنّة‬

‫صحَ ا‪ ..‬اِطْ وِ مِ ظلّتَكَ‬
‫الج ّ ُو َ‬

‫وتطمئ ّ ُن‬

‫ما عاد مطرٌ!‬

‫أنّ آد َم إذا فتح عينيْه‬

‫أجابه وهو يَسير‪:‬‬

‫ال يرى الدّنيا‪..‬‬

‫< شاعر من تونس‬

‫‪54‬‬

‫ألحالمِ البارحة!‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫واحلب وأشياء ٌ أخرى‬
‫وأنت‬
‫أنا‬
‫َ‬
‫ُّ‬
‫> عبدالله علي األقزم‬

‫<‬

‫ـ�ل�اق‬
‫ُك ه����ج����رةٌ وت��� ِ‬
‫����اق ص������دري وص���������در َ‬
‫����اك ف������ي ع���ـ���ي���ن���ي رب������ي������عُ ع����ن ِ‬
‫ع����ي����ن َ‬
‫م���ا ك��ـ��ان��ـ ِ��ت األن����ه����ا ُر ت��ج��ـ��ري ه��ـ��ا هُ ��ـ��ن��ـ��ا إال ألنَّ خ ـُ�� ��ـ��ط��ـ��اك َ ف��ـ��ي أع��ـ��م��ـ��اق��ـ��ي‬
‫��������راق‬
‫����واك إغ�����راق�����ـ����� ًا ع���ل���ى إغ ِ‬
‫���ت ب����ـ����ه َ‬
‫ت��ـ��ل��ـ��ت��ـ��ذ ُّ ش���ـ���ط���آن���ي إذا ه�����يَ واج���ه���ـ ْ‬
‫ـاق‬
‫��ص ال��ه��وى ل���مْ تغتسلْ بـنـف ِ‬
‫������واك وأن������تَ في ق��ص ِ‬
‫َ‬
‫���رت روح������يَ ف���ي ه‬
‫ط���ـ���هَّ ُ‬
‫��اك ض��م��نَ ف��واص��ل��ي وسـيـاقـي‬
‫����روف ق��ـ��وارب��ـ��ي ول��ـ��ق��ـ َ‬
‫���رت ن���ح���ـ���وكَ وال����ح ُ‬
‫أب���ح���ـ ُ‬
‫ـ�ل�اق‬
‫وأراك ز ي��ـ��ن��ـ��ة َ أج��ـ��م��ـ ِ��ل األخ��� ِ‬
‫َ‬
‫أراك ض���م���نَ ق��راءت��ـ��ي‬
‫��ت َ‬
‫أن��ـَّ��ـ��ى ات��ـَّ��ج��ه��ـ ُ‬
‫�����األوراق‬
‫ِ‬
‫األوراق ب�����ـ‬
‫ِ‬
‫���ك‬
‫وأراكَ م������ي���ل��اد ًا ل���ـ���ك���لِّ ق��ـ��ص��ـ��ائ��ـ��دي وت���ـ���ش���ـ���اب���ـُ���ـ ِ‬
‫��ف ال��ـ��رح��ـ��ي��ـ��لُ عَ ���نِ ���ال���غ���رامِ وأن�����تَ مَ ���نْ‬
‫ك��ي َ‬

‫ق��ـ��د دا َر ف���ي ق��ل��ب��ي وف����ي أح��ـ��داق��ـ��ي‬

‫��راق‬
‫��ك ب��ـ��ف��ـ ِ‬
‫��ك م���ا اب��ـ��ت��ـُ��ـ��لِ ��ـ��ي بـتـفـكُّ ٍـك وج���ـ���ذو ُرن���ـ���ا ل����مْ ت��ـ��ش��ـ��ت��ـ��بِ ��ـ ْ‬
‫ك��ـ�� ِّل��ـ��ي ب��ـ��ك��ـ�� ِّل��ـ َ‬
‫������راق‬
‫�����ك ف����ي ف����ض����اءِ ت��ـ��ع��ـ�� ُّل��ـ��ق��ـ��ي ل���ـ���مْ ي��ـ��ن��ـ��ف��ـ��ت��ـ��حْ إال ع��ل��ى اإلش ِ‬
‫ه�����ذا غ�����رامُ َ‬
‫��ك أن���ـ���ه���ـ���ر ًا ن���ـ���وري���ـَّ���ةً‬
‫���ت ح��ـ��ب��ـَّ��ـ َ‬
‫ت���ـ���رج���ـ���مْ ���ـ ُ‬

‫ـاق‬
‫ألي شـق ِ‬
‫ِّ‬
‫بـيـضـا َء مـا انـسـاق ْـت‬

‫��خ�لاق‬
‫ِ‬
‫��زف ال��ـ��م��ـ��ب��ـ��دعِ ال‬
‫��اق أزل��ـ��ت��ـ�� َـ��هُ فـصفا الهـوى ع��ـ��ذب��ـ�� ًا ب��ـ��ع��ـ ِ‬
‫ُل��ـ��غْ ��ـ��مُ ال��ـ ِّ��ش��ـ��ق��ـ ِ‬
‫ح��ـ ٌّ��ق لِ ��ـ��مَ ��ـ��نْ ي��ـ��ه��ـ��واكَ يُ ��ـ��م��ـ��س��ـ��ي قـلـبـُـهُ‬

‫���واق‬
‫�لا ب��ـ��ح��ـ��رائ��ـ ِ��ق األش���ـ ِ‬
‫مُ ��ـ��ت��ـ��س��ـ��ل��ـ��س��ـ ً‬

‫��راق‬
‫��ك ال��ـ�� ِّرق��ـ ِ‬
‫��ك ال ي��ـ��رى إال ال����وص����ولَ ل��ـ��ق��ـ��ل��ـ��ب��ـ ِ َ‬
‫مَ ����نْ ك����انَ ف��ـ��ي��ـ��هِ م��ث��ـ��لُ دف��ـ��ئ��ـ ِ َ‬
‫��اق‬
‫���ال تـفـتـ ُّحي وتـخـل ُّـصـي ِم��ـ��نْ ع��ـ��ال��ـ ِ��م اإلخ��ـ��ف��ـ ِ‬
‫���وص ِ‬
‫��ك ف��ي ال َ‬
‫أق��ـ��سَ ��ـ��مْ ��ـ ُ��ت أن��ـَّ��ـ َ‬
‫���اق‬
‫أدخ��ـ��ل��ـ��ت��ـ��ن��ـ��ي أأزل�����ـ�����تَ ك����ـ����لَّ م��ـ��واج��ع��ي أن���ـ َ���ه���ـ َْ���ض���ـ���تَ ل����ي ورد ًا ودا َر وف���ـ ِ‬
‫���ك وث��ـ��اق��ـ��ي‬
‫�����ذاك ح��ي��نَ دخـلـتـُهـا ب���ـ���دأتْ ب��ـ��ت��ـ��ح��ـ��ري��ـ��ري وف���ـ ِّ‬
‫َ‬
‫دروس ش‬
‫ُ‬
‫ه��ـ��ذي‬
‫���اق‬
‫��ك ف���ي ال��ـ��ح��ـ��ق��ـ��ائ��ـ ِ��ق كُ ـلِّـهـا ف���ـ���سَ ���ـ���مَ ���ـ���وتَ آف���ـ���اق���ـ��� ًا ع��ـ��ل��ـ��ى آف���ـ ِ‬
‫إن���ـِّ���ي ق��ـ��رأت��ـُ��ـ َ‬
‫ـاق‬
‫��ك ف��ي دم��ي ل��ـ��مْ يـنـكسـ ْر ل��ـ��مْ يـلتـجئْ لـمُ ـح ِ‬
‫ولِ ���ـ��� َم ال��ـ��مُ ��ـ��حَ ��ـ��اقُ ون����و ُر ح��ـ��ب��ـ��ِّـ َ‬
‫�����اق ف���ل���مْ أج���دْ‬
‫��ت ع���ـ ِ���ن ال����� ِّرف ِ‬
‫إن���ـ���ي ب��ح��ث ُ‬

‫���اك ح���دائ���ـ���ق���ي ورف���ـ���اق���ـ���ي‬
‫إال س���ـ���ن���ـ َ‬

‫��اق‬
‫��وك ك��ي أرى أح��ل��ى ال��ه��وى ف���ـ���وج���ـ���دت���ـُ���هُ ف����ـ����وز ًا ب��ـ��ك��ـ��لِّ ِس��ـ��ب��ـ ِ‬
‫���ت ن��ح َ‬
‫ورك���ض ُ‬
‫درب ت��ـ�لاق‬
‫����اع����ـ����هِ ل��ـ��ل��ـ��ق��ـ��ل��ـ ِ��ب ُ‬
‫�������داك في إرج����ـ ِ‬
‫َ‬
‫���ض ل��ل��ه��وى وص‬
‫مَ ����ا ض�����ا َع ن���ب ٌ‬
‫< شاعر من السعودية‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪55‬‬

‫نصوص‬
‫> إميان مرزوق‬

‫<‬

‫ماذا تركت لي مني؟‬

‫أيُها المار من هنا‪..‬‬
‫ماذا تركت لي مني؟‬
‫أيُها المار من هنا‪..‬‬
‫ال تسرع الخطى‬
‫فالدرب قصير‬
‫والوصول مؤكد!‬
‫أيها المار من هنا‪..‬‬
‫ترفَق‪..‬‬
‫عل َنا بك نلحق‬

‫‪aaa‬‬
‫أيُ جنون يجعلني‬
‫أحمل مظل ًة في اإلعصار؟!‬
‫أعرف لماذا‬
‫يضيق األفق‬
‫وتنحسر األشعار‬
‫أعرف كيف‬
‫تهترئ الكلمات‬
‫وتتهدل النظرات؟‬

‫‪aaa‬‬
‫< شاعرة من األردن‬

‫‪56‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫أيها المار من هنا‬
‫عذرا‪..‬‬
‫أيها المار من هنا‬
‫شكرا‪..‬‬
‫أيها المار من هنا‬
‫إلى اللقاء‪.‬‬

‫أنوار‪..‬‬

‫في حياتنا‬
‫أنوا ٌر‬
‫تومض سريعاً‬
‫ثم تختفي في عتمة اإلبهام‬
‫لكنها تنير موطئ خطوةٍ لألمام‪..‬‬

‫أمل محموم‬
‫ٌ‬

‫ما أقسى أن يحيى اإلنسان بأمل واهن محموم‬
‫وعيون قومه‬
‫سهام تستنكر وتلوم!‬
‫وقلب الموؤودة‬
‫يخشى أن يسألهم‬
‫بأي ذنب اغتلتم الحلم؟‬
‫فيلوذ بصمت مؤلم‪..‬‬

‫ثالث قصائد قصار‬
‫> عبدالله أمني أبو شميس‬

‫<‬

‫حجرات‬

‫بيضا ْء‬

‫حجراتٌ أرب ُع‬

‫يمك ُن أن تربح فيها ك ّل األشياءِ‬

‫البيت‪-‬‬
‫ِ‬
‫يكشفُها‪ -‬من باب‬

‫بال معنى‬

‫زجا ٌج مكسو ْر‬

‫وبال معنى‬

‫و َم َم ّ ٌر‬
‫تتبعثر فيه بذور العتمة صامت ًة‬
‫كف النّو ْر‬
‫في ّ‬

‫يمكن أن تخسر ك ّل األشيا ْء‬

‫نوافذ‬
‫ثالثُ نواف َذ ما بيننا‬

‫وعناكبُ‬
‫ترسم لألبواب شوارِ بَها‬
‫وعلى خ ّد الجدران بثو ْر‬

‫يف‬
‫الص ِ‬
‫وفي ّ‬
‫تُفتَ ُح نافذتانِ ‪..‬‬

‫حجرات هذي‪،‬‬
‫ٍ‬
‫ليستْ أرب َع‬

‫ونافذةُ القلب تلبث مغلق ًة بيننا‬

‫لك ْن أربعة قبو ْر‬

‫وك ّ ٌل يم ّ ُد يديهِ ليفتَحَ ها‬

‫بالط الغرفة‬

‫يهتف‪:‬‬
‫ُ‬
‫ث ّم‬

‫شطرنج‬
‫ٍ‬
‫رقع ُة‬

‫ليس أنا!‬

‫بيضاءٌ‬

‫ليس أنا!‬

‫< شاعر من األردن‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪57‬‬

‫معادالت‬
‫ُ‬
‫‪1‬‬

‫قليل من الماء يكفي‬
‫لنسقيَ عشرين زيتون ًة ذبلتْ‬
‫وهوا ًء تجمد في رئتينا‬
‫بعدئذ‪ ،‬زمناً‬
‫ٍ‬
‫ونسقيَ ‪،‬‬
‫شاخ فيه نشي ُد الصباحِ األخي ْر‬

‫‪2‬‬

‫الشمس يكفي‬
‫ِ‬
‫قليل من‬
‫لتجفيف جسمينِ كادا يذوبان ِفوق الجليدِ ‪،‬‬
‫ِ‬
‫وإشعالِ قلبينِ‬
‫كادا يموتانِ فوق السري ْر‬

‫‪3‬‬

‫قليل من الشعر يكفي‬
‫لنرس َم عشينِ بينهما قم ٌر‬
‫ثم نرس َم مملك ًة لصغارِ الخيولِ‬
‫بيض الطيو ْر‬
‫وعشا عظيماً لتجميعِ ِ‬
‫ًّ‬
‫قليل من الظل يكفي‬
‫ِس أرواحنا المتعب ْة‬
‫لنُجل َ‬
‫أتربة من حري ْر‬
‫ٍ‬
‫فوق‬

‫‪4‬‬

‫‪5‬‬

‫قليل من الريح يكفي‬
‫ليهت َّز جس ُم النخيل قليال‬
‫يدي روائ ُح بغدا َد‬
‫فتسقط بين َّ‬
‫َ‬
‫وأبكي بمقر ٍُبة‬
‫خرائب قصرِ األمي ْر‬
‫ِ‬
‫من‬
‫قليل من الحب يكفي‬
‫لتدفئة الثلجِ فوق األس ّر ِة‬
‫< شاعر من المغرب‬

‫‪58‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫‪6‬‬

‫> مصطفى َمـ َل ْح‬
‫حيث الحبيبان يشتعالن هنالكَ‬
‫مثل هزارينِ فوق هواءِ الغدي ْر‬

‫‪7‬‬

‫قليل من الحلم يكفي‬
‫المر‬
‫ِّ‬
‫إليقاف قاطر ِة الواقعِ‬
‫وفتحِ النوافذِ كي تول َد الرّو ُح مغسول ًة‬
‫باألشعةِ ‪ ..‬والنورِ ‪ ..‬والزمهري ْر‬

‫‪8‬‬

‫قليل من الورد يكفي‬
‫أحصنة في المروجِ‬
‫ٍ‬
‫إلطالقِ‬
‫وإلغاءِ فوضى البساتي ْن‬
‫الخراب بتاجِ الجمالْ‪..‬‬
‫ِ‬
‫ومنعِ اصطدامِ‬
‫قليل من الورد يكفي‬
‫زحف الرمادِ الكثيرْ‪..‬‬
‫ِ‬
‫إليقاف‬
‫ِ‬

‫‪9‬‬

‫قليل من الضوء يكفي‬
‫ِلنُب ِْص َر أجنح ًة في هوامش كرّاسةِ الرّسمِ ‪،‬‬
‫بلـ ّلها الحب ُر فانتفضتْ ساع ًة‬
‫القلب‬
‫ِ‬
‫ثم حطّ تْ على‬
‫كاالرْتعاشةِ تول ُد من رحمِ الالشُ عو ْر‬

‫‪10‬‬

‫قليل من الحزن يكفي‬
‫ِلنُدْرِ كَ أنّ الطفول َة بئرٌ‪،‬‬
‫بداخلها لهبٌ‬
‫ُقذف فيه النهار القصيرْ‪..‬‬
‫سوف ي ُ‬
‫وندركَ أن القصيدةَ‬
‫كالم‬
‫سوف تصي ُر غ ًداً جث ًة من ٍ‬
‫فتُنْسى هنالك‪ ..‬بين القبو ْر‬

‫<‬

‫سؤال مرّ‬
‫> نواره احلرش‬

‫<‬

‫(‪ )1‬يمام الفرح ال يأتي‬

‫وعناكب الحزن‬
‫تظ ُل تنس ُج السحاب‬
‫بهيكلي‪ ..‬ببيتي‬
‫تذبلني‪ ..‬تذبل وردي‬
‫تنشرني نزفا في مهرجانات النكد‬
‫فينخرني سوس الجراح‬
‫ينخ ُر في عيوني نهاراتي‬
‫ثم يرتشف زهو أمنياتي‬
‫يرتشف زهو لوني‬
‫ويخلفني في فناجين الريح‬
‫دمعة بحجم المدى‬
‫ال تطالها عصافير يدي‬
‫وفقاعة برد‬
‫تلفني بشال من شتاء‬
‫تحيل القلب إلى‬
‫غرفة من طقوس العناء‬

‫المر‬
‫(‪ )2‬السؤال ُّ‬

‫يجرح القلب‪.‬‬
‫الغصص الموحشة‬
‫ِ‬
‫يعل ُق براري‬
‫على أهداب الذاكرة‪.‬‬
‫فكم يلزمني وقتٌ‬
‫كي أرقع خيمة‬
‫جرحي الصاحي؟‬
‫كي أؤثث بالفرحِ‬
‫الوهميّ جدران صباحي‪.‬‬
‫السؤا ُل الم ّ ُر‬

‫يجر ُح‬

‫ثم يجر ُح‬
‫ثم يجرح‬

‫نور‬
‫يغتا ُل ك ّل ٍ‬

‫يتشك ُل زهرة أو قـ ُبرّة‪.‬‬
‫السؤا ُل الم ّ ُر يجر ُح‬

‫يجر ُح‬
‫يجرح‬

‫ول ُه في الجرحِ‬

‫طقوس المفخرة؟؟‬
‫ُ‬

‫فكيف أشعل الجرح‬
‫في؟‬
‫وهو المشتعل ّْ‬

‫منذ النزيف البكر‬

‫يشعلني وال ينطفئ‪.‬‬

‫أرجوحة من نار‬
‫ٍ‬
‫يعلقني في‬
‫علي‬
‫يتفرج َّ‬

‫كرسي من غبار‪.‬‬
‫ٍ‬
‫من على‬

‫(‪ )3‬ما الذي يلزم‬
‫كي أكون في منتهى الحياة‬
‫في منتهى المعنى‬

‫في منتهى الجدوى؟‬
‫في منتهى النهار‬
‫في منتهى األنا‬
‫ما الذي يلزم‬
‫غير األلم؟!‬

‫< شاعرة من الجزائر‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪59‬‬

‫العاصف ُ‬
‫ة التي اقتلعتنا‬
‫> افراح الكبيسي‬

‫<‬

‫تسقطُ دموعكَ من عيني‬
‫أوق ُن أننا صرنا واحداً‬
‫اف الحيا ِة هشمنا‬
‫لكن خطّ َ‬
‫«حُ سدنا»‬
‫هكذا اختز ُل القضية‬
‫«ما كان ينبغي أ ْن نكونْ»‬
‫هكذا تجمدها أنتْ‬
‫األل ُق الضاحكُ في عيوننا‪ ..‬كان كنزاً اكتشفناهُ‬
‫معاً‬
‫الحزنُ‪ ..‬ميراثُ جدودنا‪ ..‬كان ع��دواً حاربناهُ‬
‫معاً‬
‫األرض السمراءْ‪ ..‬التي تمي ُل أحياناً إلى لونِ‬
‫ُ‬
‫الد ْم‬
‫وأحياناً إلى لونِ دجل َة والفراتْ ‪..‬‬
‫كصديق حتى النهاية‬
‫ٍ‬
‫رافقتنا‬
‫«أتقو ُل إنها النهاية»؟‬
‫«أتسمعي َن سوى صوتها»‬
‫«ال بل اسم ُع صمتها‪» ..‬؟‬
‫«يحيطُ العاصف َة التي اقتلعتنا»‬
‫أما كان باإلمكان أ ْن نبني بيتاً من نخي ْل‬
‫العواصف»؟‬
‫ْ‬
‫نلو ُذ إليهِ وقتَ‬
‫«أما كان باإلمكان‪ ..‬أ ْن نحتمي بأحدنا اآلخ َر‬
‫< شاعرة من العراق‬

‫‪60‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫فقط»؟‬

‫ال َب َر ُد اختا َر الهطو ْل‬

‫والعاصف ُة اختارتْ اقتالعنا‬

‫«ل��م��اذا على ال��رج��الِ أح��ي��ان��اً‪ ..‬أ ْن يتصرفوا‬

‫كاألطفالْ»؟‬

‫حس المنطقِ عند الزوابعْ»‬
‫«لماذا تفق ُد النساءُ َّ‬

‫«الحروبُ يصنعها الرجالْ‪..‬‬

‫يقودها الرجالْ‪..‬‬

‫يخوضها الرجالْ‪..‬‬

‫أما النساءْ‪ ..‬فيرتدين السوادْ!»‬

‫وكانتْ الغيم ُة هذه المرة‪ ..‬كبيرة‬

‫بوحشية ال متناهية‬
‫ٍ‬
‫غطتْ السما َء‬

‫أجبرتها أ ْن تكفه ْر‬

‫التكاثف‬
‫ْ‬
‫وأجبرتْ الضبابَ على‬

‫«كيف أسي ُر دون يديكْ ‪..‬‬
‫دون عكازةٍ اتك ُئ إليها؟!‬

‫أين ألوذُ‪ ..‬بغيرِ صدركْ ‪..‬‬

‫حين ستشت ُد العاصفة»؟‬

‫خيمةٌ‪ ..‬بعمودين‪ ..‬أطاحتهما العاصفة‬

‫بال عاطفة‬

‫وبال مراعاةٍ لعاطفتيهما‬

‫أنت ِالسيدة وأنت ِالقصيدة‬
‫> زكريا إبراهيم العمري‬

‫<‬

‫سيدة الدفء والجنون‬
‫في كل يوم شتائي ماطر‬
‫ترتعشين في حدائق الروح‬
‫كسوسنة تعانق الفجر والندى‬
‫وتعيدين ترتيب غرفة القلب‬
‫كما تشائين‬
‫أو كما تشتهي الغيوم والشتاء‬
‫يا أنثاي التي نزلت من السماء‬
‫علميني كيف أحتضن المطر!؟‬
‫علميني كيف أتدثر‬
‫بالغيوم المسافرة!؟‬
‫عندما تنثال موسيقى المطر‬
‫تزهو النجوم في قصائدي‬
‫ويسطع القمر‬
‫تسافر أسراب الحروف‬
‫في رحلتها األخيرة‬
‫إلى عيونك الزرقاء‬
‫وترحل من دفاتري‬
‫قصائد البكاء‬

‫وتعتري جوارحي نشوة سحرية‬
‫كنشوة العشاق لحظة اللقاء‬
‫الريح يا أميرتي تداعب الشجر‬
‫والزجاج في نوافذي‬
‫صار أجمل لوحة‬
‫مرسومة بريشة المطر‬
‫فسافرت من فضاءات القلب‬
‫نوارس القصائد‬
‫لتغسل أجنحتها‬
‫بالريح والمطر‬
‫وتنتشي كطفلة تبللت بالفرح‬
‫وتعود حاملة لي‬
‫قوس قزح‬
‫فيا أنثاي التي نزلت من السماء‬
‫أتركي لي الشتاء‬
‫كي تسطع النجوم في قصائدي‬
‫ويزهر القمر‬
‫سينضب شعري‪ ..‬وينضب عشقي‪ ..‬وينضب عمري‬
‫إذا توقف المطر‪.‬‬

‫< شاعر من األردن‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪61‬‬

‫انقالب النص النسوي‪..‬‬

‫مترين شعري منحاز ٌ ملــا بعد احلداثة‬

‫> محمد الفوز‬

‫<‬

‫النص النسوي الحديث ال يلزمه التقصي والمساءلة؛ فهو بحاجة إلى اقتحام مباغت‪-‬‬
‫متعالية‬
‫ٍ‬
‫برهافة‬
‫ٍ‬
‫دوما‪ -‬يؤجج كينونة َ األنثى وإحساسها وأفعالها وهواجسها‪ ،‬التي تؤصل‬
‫ارتباطها األيكولوجي بالطبيعة‪ ،‬بحسب اإلقرار المجازي «األرض امرأة … المرأة ُ أرض»؛‬
‫فهذا التصور المادي أخذ يتحول إلى عقيدةٍ وإصرار جاد على اقتراف هذا التعالق النصي‬
‫عرب‪،‬‬
‫واإلنساني والوجودي بين المرأة والطبيعة‪ ،‬وفي عمق ِ الممارسة النصية لشاعرات ٍ‬
‫نستوضح بيقين ِ التلقي مدى األواص��ر التي تش ّ ُد المرأة ب��األرض‪ ،‬بحسب رؤية الناقد‬
‫محمد العباس‪ ،‬الذي حاول‪-‬ذاتَ مقال‪ -‬تفسير األنثى بمضمونها األيكولوجي للتماس بل ِ ُّب‬
‫الطبيعة التي تُسمى ” اإليكوفمنزم”‪ ،‬أي أنوثة الحياة في قاموس النسوية‪ .‬وهو تفكير‬
‫جديد للتعالق والتواشج البيئي مع األرض ومثاقفتها‪ ،‬وإسقاطات جميع الدالئل النسوية‪،‬‬
‫وتحويلها إل��ى ما يشبه التنظيم النسوي ل�لأرض وللحياة وللوجود‪ .‬وه��ذه المقترحات‬
‫إثبات وجودها بإحساسها‪ ،‬وتوحيد كينونتها البشرية‬
‫ِ‬
‫أخذت المرأة ب��إرادةٍ ضمنية إلى‬
‫مع الطبيعة التي تُق ّر باالستحواذ األنثوي على مرادفات األرض بوصفها مركزا لالشتغال‬
‫آخذ في‬
‫النصي‪ ،‬وللتكهن بمرئيات الوجود المخبوء في حساسية ٍ غير معلنة‪ ،‬وفي فضاءٍ ٍ‬
‫قبول ِ اإلفصاح عن ذاته؛ وذلك بجعلها المدى الزمني والالواعي لكل تحوالت الطبيعة‬
‫ومستقبلها‪.‬‬

‫ن��������ق��������د‬
‫‪62‬‬

‫أتاح محمد العباس فُرصة لتماهي النصوص الشعرية بالرؤية األيكولوجية لموضعتها‬
‫في إطار نسقي متكامل‪ ،‬وقد جاءت النصوص الشعرية أكثر تصالحا مع فلسفة الوجود‬
‫النسوي‪ ،‬وتضمينا راقيا للحالة النفسية والوجدانية والمادية واللغوية للطبيعة‪ ،‬بوصفها‬
‫أ ُ ّ ٌم الخلق ِ ومحش ُر القلق الكوني الذي تختصره آمال موسى في نصها‪:‬‬
‫«بيني وبين الطبيعة مسافة‬
‫أقطعها خلفا إلى الوراء‬
‫ناطقة‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫منشئة عالمي‬
‫وه��ك��ذا ت��ب��دو خ��ص��وب��ة ال��ه��م ال��ن��س��وي المهموم‬
‫بالقول وم��دى حساسية الذائقة التي تكرس رؤية‬
‫على كل األطالل‬
‫الجندر واإليكوفمنزم على حد سواء‪ ،‬وهو يوجز ذلك‬
‫أطلق فوضاي ساعة الجنون‬
‫التعالق باألرضي‪ ،‬الذاهب باألنا إلى حد التصوف‬
‫لترتب بيت العالم»‬
‫الرومانسي‪ ،‬والقائم على وعي حداثي بالطبيعة‪ ،‬هو‬
‫وتُ��ض��ارع��ه��ا ف��وزي��ة ال��س��ن��دي ف��ي ح��ض��ور شعري ما أعطى للذات فسحة التمثل‪.‬‬
‫بالصوت إلى أقصى وحدةٍ تختزلها‬
‫ِ‬
‫مينودرامي‪ ،‬يرحل‬
‫ول��ل��ن��ص األدب����ي أي��ض��ا ف��رص��ة اإلن��ك��ت��اب بوعي‬
‫الطبيعة ُ بكينونةِ ام��رأةٍ تنكتبُ ذاتويا في محتشد‬
‫مختلف وفي نطاق ايكولوجي مغاير‪ ،‬يمثل المطاوعة‬
‫كلماتها‪ ،‬وف��ي م��ق ِ ّ��ر أرض��ه��ا‪ /‬ورق��ة ُ ال��ن��ص‪ ..‬ح��ربٌ‬
‫ال��دي��ن��ام��ي��ة؛ ألن��ه��ا تنصص إحساسها ب��ارت��داد إلى‬
‫للكتاب النسوي الذي ما ي��زا ُل غاويـ ــا في جرأته‪..‬‬
‫األص���ل‪ ،‬أي إل��ى الطبيعة‪ ،‬ليس كحاضن أو كواقع‬
‫في صمته‪ ..‬في التابو الذي يتكسر ببطء‪ ..‬وفي كل‬
‫م��ادي فحسب‪ ،‬بل كإيقاع (يومي وفلكي) وكشعور‪،‬‬
‫جاهلية قولبتها‬
‫ٍ‬
‫ِّ األزمنة التي تعبر النص بعصبية‬
‫وكحساسية جمالية ب��ي��وري��ت��ان��ي��ة‪ ،‬س���واء بمقاصد‬
‫بمرونة برجماتية الشاعرة السندي بقولها‪:‬‬
‫ٍ‬
‫حقوقية أو بحس فطري خارج ذلك الوعي المسيّس‪،‬‬
‫«دامت الورقة‪ :‬وريثة الشجرة‬
‫على اعتبار أن كينونة اإلنسان تقوم على مزدوجتي‬
‫دام الحبر‪ :‬دم البحر‬
‫التماس باألرض‪ ،‬والتعبير عن ذلك اإلنوجاد اإلنساني‬
‫آه الكلمات‪ :‬شهقة األرض»‬
‫باللغة‪ ،‬وتحديدا الشعري؛ وهذا ما يسميه ديمتري‬
‫فالنص النسوي النثري لم يعد موارب ــا‪ ،‬بل إنه أفييرينوس بمراودات توق المجتمع الثقافي الدائم‬
‫ض�� َّد الفوبيا التي تجعله مرتهنا لخطابات الذكورة للعودة إلى رحم األرض‪ ،‬بما هي األم األولى‪ ،‬ومكمن‬
‫وليوميات كالسيكية معتادة‪ .‬وحينما يكون النص االنبثاق وتخليق البنى الكونية؛ بمعنى أنها موضع‬
‫سج ــاال للواقع‪ ،‬والذات‪ ،‬والكينونةِ ‪ ،‬والرؤى المؤجلة‪ ،‬تجدد الحياة وانبعاثها‪.‬‬
‫والكتابة‪ ..‬ولكل ما هو مقترح فِ علي أو نظري‪.‬‬

‫ستكو ُن األنثى أكثر قدرة على تخطي أشعارها‬
‫بروحها المتمرد ِة في لهاث القول‪ ،‬وفي معترك الوعي‬
‫تعيش الشاعرات لحظة النص‬
‫ُ‬
‫المسبق واآلتي؛ لذلك‬
‫إحقاقـ ـ ـ ــا لتطور الصوفي ال��ذي تتوسل به سوزان‬
‫عليوان في نصها‪:‬‬
‫«أشتهي أن أركض‬
‫فوق األفق الممتد‬
‫غطائي األرض‪..‬‬
‫بساطي السماء‬
‫ألفهم عالما‬
‫يرعش باألل ـ ــم»‬
‫ُ‬

‫ه��ك��ذا يتأسس ال��وج��ود ف��ي أص��ل��ه على سحرية‬
‫الشعر‪ ،‬حيث اللغة هي الوجود ذاته وليست مجرد‬
‫أداة للتعبير ع��ن ذل���ك ال��ح��ي��ز‪ ،‬وع��ل��ي��ه ي��ص��ح هنا‬
‫االف��ت��راض الهايدغري القائل ب��أن الشعر تأسيس‬
‫للكينونة عبر الكالم؛ بمعنى أن اللغة هي الكينونة‬
‫التي بها ينكشف الوجود؛ وهنا يمكن التمثيل بقصيدة‬
‫النثر كمنتج حداثي وثيق الصلة بااليكوفمنزم بما هي‬
‫فلسفة وكينونة‪ ،‬وعلى اعتبار أن الفلسفة ال تقبل‬
‫في مستواها إال الشعر‪ ،‬وبالنظر إل��ى أن الحداثة‬
‫تعني اإلنوجاد الواعي على خط الزمن‪ ،‬والتعبير عن‬
‫حضور تلك الكينونة بتنصيص الذات عبر موضوع‬
‫يعمل من الوجهة النقدية بمثابة الوحدة الداللية؛‬
‫وعليه‪ ،‬فإن اختيار المرأة للنثر ضرورة وليس اختيارا‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪63‬‬

‫متأثرا باللحظة‪ ،‬حسب جانيت تود‪ ،‬في كتابها «دفاعا وهو تأكي ٌد للتحري ال��دؤوب الذي تتبناه الشاعرات‬
‫عن التاريخ األدبي النسوي»‪ ،‬فالنساء الواثقات بصورة الجدد في نبرة حداثية متصاعدة أشاعتها المساحة‬
‫متزايدة من وضعهن األدبي يبدو لهن األدب طريقا االلكترونية المتمثلة في الوجود االنترنتي من خالل‬
‫إلدخال أعمالهن في الثقافة بوصفها حكايات مجازية‬
‫المنتديات‪ ،‬أو المواقع الشعرية الجادة‪.‬‬
‫وقصص أخالقية وعوامل نشطة سياسيا‪.‬‬
‫وقد استقى محمد العباس جميع هذه النصوص‬
‫ذلك األم��ر تلبيه قصيدة النثر‪ ،‬وفيه أو بموجبه‬
‫َ��س�� ُر حيوية اللغة عند ال��م��رأة كانعكاس للمكون – تقريبا ‪ -‬من الجغرافيا االلكترونية‪ ،‬وهي نصوص‬
‫تُ��ف َّ‬
‫ال��ب��ي��ئ��ي إض��اف��ة إل���ى م��ج��م��ل األب���ع���اد ال��روم��ان��س��ي��ة ش��اب��ة ذات ع��ن��ف��وان ش��ع��ري ح��داث��ي‪ ،‬وذات قابلية‬
‫والحقوقية واالجتماعية‪ ،‬على اعتبار أن اللغة هي للتجديد وللنهوض بشعرية العالم وبحُ رية اللغة‪ .‬وفي‬
‫الحاضن العضوي لإلنسان‪ ،‬فهذا هو ميثاق األنا هذا التناول النقدي اإلبستمولوجي لنصوص (سوزان‬
‫واللغة‪ ،‬القائم على اإلنكتاب الذاتي وإسباغ دينامية عليوان – فيفان صليوا – نبيلة الزبير – فوزية‬
‫التصور الروحاني على الفعل اإلبداعي المتحقق في‬
‫السندي – آم��ال موسى – بلقيس حميد – هدى‬
‫الحركية اإلنتاجية للذات‪ ،‬بمزيج هايدجري وبوذي‬
‫حسين – حمدة خميس – ورود الموسوي – سعاد‬
‫وهلولدرني إض��اف��ة إل��ى خالئط فلسفية وجمالية‬
‫الكواري – زهري يسري – فوزية أبوخالد)‪ ،‬وبحسب‬
‫متباينة‪ ،‬تجعل من النص الشعري تجربة ظاهراتية‬
‫محمد العباس‪ ،‬فإن النص النثري أتاح للمرأة فرصتها‬
‫للتعبير عن الحقيقة‪.‬‬
‫المكبوتة لإلنوجاد ال��ذي أسس بداية خروجها من‬
‫ال��ن��ص أص��ب��ح رم����زا ل��ل��ح��ري��ة ال��ن��س��وي��ة ومكمنا‬
‫كل‬
‫إلحاالت النسوقراطية التي تتحكم في رؤية الجمهور معاقل ال��ذك��وري‪ ،‬وانفتاحها على ذات��ه��ا‪ ،‬وعلى ِ ّ‬
‫ال��ن��س��وي ال��م��ت��ج��ذر ف��ي ن��س��غ ال��ع��ال��م‪ ،‬وال��ق��اب��ع في جميل تسشرفه من خالل تواشجها البيئي شعريـ ـ ــا‬
‫��ود منشغل ٍ وداللة‪ ،‬وهو أرقى ممارسة برجماتية تحوزها المرأة‬
‫��ذات مقترحة‪ ،‬وك��وج ٍ‬
‫أساطير األرض ك ٍ‬
‫بالطبيعة‪ ،‬وما حولها من تفاسير ٍ‬
‫ُعمّرها حمدة‬
‫حية للروح والجسد وتستوطنها‪ ،‬بل وتشغل العالم بها؛ كما ت ِ‬
‫واألج��ن��ح��ة ال��ت��ي ت��ق��و ُد مخيلة ال��م��رأة ال��ت��ي ارتكبت خميس‪:‬‬
‫خطيئة البوح ذاتَ جرأة‪ ،‬ثم أ َرّقت العالم بقولها وبما‬
‫«انهضن‪ ..‬انهضن‬
‫ستقوله‪ ،‬وبكل تأويالتها المقولة والالمقولة‪ ،‬الواعية‬
‫والالواعية‪ ،‬سواء في منتجها النصي أو في تجنيسها خذن الرجال إلى حكمة األنثى‬
‫لمفردات ِ الكالم‪ ،‬أو في تأنيثها للحياة أو في تأوين فقد عظمت رزاياهم‬
‫ٍ‬
‫بحميمة‬
‫ٍ‬
‫الطبيعةِ واقتحامها‬
‫أنثوية مستطابة‪ ،‬تؤكد خذن الرجال والحكمة‬
‫أن للطبيعةِ همّا كما لألنثى مغزى لتوطين ذلك الهمّ‪،‬‬
‫إلى فيء األنوثة المطمئن‪.‬‬
‫وجعله خطا موازيـ ـ ـ ــا للنظرية الشعرية األنثوية التي‬
‫أسست للطبيعة صوتا وجمهورا وخطابا أيكولوجيا‪ ،‬خذن األرض إلى رحاب الهدوء‬
‫ومدى شاسعا للشعرية من خالل نظرية اإليكوفمنزم‪ ،‬خذن السالم‪ ..‬إلى السالم»‬
‫< كاتب من السعودية‬

‫‪64‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫بانت سعاد‪..‬‬

‫قراءة في اللغة واملعنى‬
‫> د‪ .‬علي محمد هنداوي‬
‫دفعني إلى إعادة قراءة قصيدة كعب بن زهير المعروفة «بانت سعاد»‪ ،‬وتلمس‬

‫سمات بنيتها اللغوية‪ ،‬ما تميزت به من صدورها عن صاحبها وهو يعاني تجربة‬
‫ذات طرافة وخصوص‪ ،‬تعلق بتفصيالتها ونتائجها مصير الشاعر نفسه في هذه‬
‫الدنيا‪ ،‬بل كذلك مآله في اآلخ��رة؛ إذ تصف بإسهاب مالبسات تحوله العقدي‬

‫ورحلته الشاقة‪ ،‬يلتمس النجاة من الموت على أيدي من يطلبونه‪ ،‬بعد أن أ ُِح َّل دمه‪،‬‬
‫مس قلبه بعد طول إعراض‪.‬‬
‫ويطمح إلى نجاة في اآلخرة يسمو به إليها إيمان َّ‬

‫وعُرِ فت هذه القصيدة بأنها إمام لنظائر لها من قصائد أبدعها في عصور‬

‫متعاقبة شعراء آخرون‪ ،‬استلهموا شيئا مما أفاضت به روحها‪ .‬وقد تركت تلك‬

‫التجربة الخاصة التي خاضها الشاعر بحثا عن خالص الجسد والروح جميعا‪،‬‬
‫أثرا في البناء اللغوي للقصيدة‪ ،‬جعل أشكاال من التالحم تسود أبياتها وتربط‬

‫معضدا ألحاسيس الرجل ناطقا بها‪.‬‬
‫أفكارها‪ ،‬وصار البناء اللغوي بمستوياته ِ ّ‬

‫تجمع القصيدة بين التقليد واإلبداع‪ ،‬أو ِلنَقُل مثَّلت اإلبداع في إطار من التقليد‪،‬‬

‫(فهي) قصيدة مدح إذا صنَّفناها في نطاق األغراض المتعارفة‪ ،‬بل هي كذلك‬
‫عند القدماء بكل رسوم المِ دحة الجاهلية‪ ،‬من االستهالل بالغزل ووصف الرحلة‬

‫إلى المحبوب‪/‬الممدوح‪ ،‬ثم الخلوص إلى الغرض األصيل‪ ،‬من ذكر المناقب وما‬
‫يتعلق بها‪ ،‬بل إن أثر اإلسالم في هذه القصيدة الجاهلية البِناء‪ ،‬يكاد يتوارى خلف‬

‫هذا المديح الذي يجري على نهج المديح الجاهلي‪ ،‬ولوال أنها قيلت في مدح‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪65‬‬

‫النبي‪ ،[ ،‬ل ُع َّدت جاهلية‪ ،‬كما يقول الدكتور صالح الوزنية والداللية‪ ،‬وقد الحظنا سيادة األصوات ذات‬

‫الهادي (األدب في عصر النبوة والراشدين‪.)230‬‬

‫اإلس��م��اع القوي المناسب لجو الحركة والصخب‬

‫وتبرز سمات التقليد في قصيدة كعب‪ ،‬فضال الذي ي��وازي حالة القلق واالضطراب المائجة بها‬
‫عن الغرض‪ ،‬في بنيتها العروضية‪ ،‬إذ هي من بحر نفس الشاعر‪ ،‬ويمثل الالم أعلى نسبة ت��ردد‪ ،‬وهو‬
‫بالسعة ومناسبة الموضوعات أح��د األص��وات التي تلي العلل في ق��وة إسماعها‪،‬‬
‫َّ‬
‫البسيط الموصوف‬
‫المترَعة بجَ يَشان العواطف‪ ،‬وكذلك ما عُرِ فَت به مع الميم والنون‪ ،‬ويزيد الال َم حضورا اتخاذها رويا‬
‫القصيدة الجاهلية م��ن ميل إل��ى وص��ف ال��داب��ة‪ ،‬وتكرارها في كلمة القافية المردوفة‪ ،‬مثل‪ :‬معلول‪،‬‬
‫وسيلة الشاعر لبلوغ ممدوحه‪/‬محبوبه أو غايته‪ ،‬يعاليل‪ ،‬تضليل‪ ،‬شمليل‪ ،‬زهاليل‪ ..‬الخ‪ .‬كذلك تعلو‬

‫كما نوضح في البحث‪ ،‬والشاعر يسوق ذلكم في نسبة المجهورات‪ ،‬بل إن المهموسات تحقق وضوحا‬
‫ألفاظ تدور في أمثال تلك القصيدة‪ ،‬وهو ما يعنيه إسماعيا بوساطة التشديد أو المدّ ‪ ،‬كالذي الحظناه‬
‫في صوت التاء‪.‬‬

‫زهير بقوله‪:‬‬

‫م������ا ن������ران������ا ن�����ق�����ول إال مُ ������ع������ارًا‬

‫أمّ��ا ال��بِ��نَ��ى الصرفية المستعملة فإنها ترتبط‬

‫أو مُ �����ع�����ادا م����ن ل���ف ِ‬
‫���ظ���ن���ا م����ك����رورًا بالوزن والقافية؛ إذ يتيح البسيط استعمال الصيغ‬

‫وهذا القول ال يعارض ما ذكرنا من جانب اإلبداع المزيدة والمض َعّفة لألسماء واألف��ع��ال‪ ،‬وق��د أ ّثَ��ر‬

‫في الفكرة الذي أمْلته ورفَدتْه مشاعر حادة سيطرت التجانس الداللي على كلمات القوافي التي تكررت‬
‫على نفس الشاعر حال إنشاء القصيدة‪.‬‬

‫فيها أص��وات مع َيّنة وأوزان صرفية متشابهة‪ ،‬كما‬

‫ويتوازى في قصيدة كعب رحلة شاقة للشاعر عبر ت��ش��ي��ع ال��ص��ي��غ ال��م��زي��دة وال��م��ض��ع��ف��ة ف��ي ال��ح��ش��و‪،‬‬
‫درب الرسوم الشعرية القديمة‪ ،‬ورحلة نفسية كابد واس��ت��ع��م��ال ص��ي��غ ج��م��ع ال��ج��م��ع ومنتهى ال��ج��م��وع‪،‬‬
‫أهوالها في االنتقال من اإلنكار إلى اإليمان‪ ،‬ورحلة الموحية باستغراق جنس المس َمّى بها وبلوغ أقصى‬
‫عبور من اليأس والخوف إلى الرجاء والطمأنينة‪ .‬المعنى وغ��اي��ة الصفة ف��ي موصوفها‪ ،‬وم��ن ذل��ك‪:‬‬
‫وعليه‪ ،‬فليس صحيحا ما قاله الدكتور شوقي ضيف يعاليل‪ ،‬وأباطيل‪ ،‬ومثاكيل‪ ،‬وأقاويل‪ ،‬وأراجيل‪ ..‬الخ‪.‬‬

‫م��ن أن ه��ذه القصيدة ال تختلف ع��ن م��دح ملوك‬

‫ومن مصادر األفعال المضعفة‪ :‬تبديل‪ ،‬وتضليل‪،‬‬

‫العرب وسادتهم القدماء‪ .‬فذلكم فيما نرى هو ما وتنويل‪ ،‬وتنعيل‪ ،‬وهي مسوقة لضرب من اإلمعان‬
‫ي ِ‬
‫ُوهم به التزام الشاعر اإلط��ار الشكلي المتعارف في تضخيم األح���داث‪ .‬وعلى الرغم من التقارب‬

‫لقصيدة المدح‪ ،‬ولو وافقنا القائلين بوصف الشعر النسبي بين صيغتَي اسمَي الفاعل والمفعول‪ ،‬فإن‬
‫الجاهلي بالحركة‪ ،‬فإننا ال نرتب على ذلك ما رتبوه أسماء الفاعلين الواردة ال تدل على أفعال قام بها‬

‫من مروره بالمعاني مرورا خاطفا أو افتقاد الوحدة الشاعر‪ ،‬وال على حدَث في ذاتها‪ ،‬بل هي إمّا وصف‬
‫الموضوعية‪.‬‬
‫ومصطخد‪،‬‬
‫ِ‬
‫صاف‪ ،‬والحقة‪ ،‬وضامرة‪،‬‬
‫ٍ‬
‫ساكن مثل‪:‬‬
‫وق��د اعتمدنا في دراس��ة البنية الصوتية على أو وصف هو إلى اسم الذات أدنى‪ ،‬مثل‪ :‬حاديهم‪،‬‬

‫ج��دول إحصائي ع��ام‪ ،‬يتبين منه صلتها بالبنيتين ونافلة‪ ،‬وخادر‪ ،‬وقائلهم‪.‬‬

‫‪66‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫أما دراس��ة بنية التركيب‪ ،‬وهي جزء من البنية التحذيري «فال يغ َّرنْكَ ما منَّتْ وما َوع��دَتْ »‪ ،‬وكذا‬
‫ال��ل��غ��وي��ة للقصيدة‪ ،‬ف��إن��ه��ا ت��ق��وم بوصفها ترجمة في أسلوب القصر» وما مواعيدها إال أباطيلُ»‪.‬‬
‫لمجموعة من العالقات بين عناصر مختلفة‪ ،‬أي‬

‫ومما يدل على اضطراب نفس الشاعر ما نلمح‬

‫البحث عن النظام أو النسق الذي يحكم مجموعة أحيانا م��ن ال��ت��واء وإل��غ��از ف��ي ال��ع��ب��ارة‪ ،‬ك��ال��ذي في‬
‫العالقات الباطنة الثابتة المتعالقة‪ ،‬وفقا لمبدأ‬
‫قوله»أخوها أبوها‪ ،‬عمها خالها‪ ،‬في وصف الناقة‪،‬‬
‫األولوية المطلقة للكل على األجزاء‪ ،‬بحيث ال يمكن‬
‫فضال عن وصفها بأنها «حرف»‪:‬‬
‫فهم أي عنصر من عناصر البنية خارجا عن الوضع‬
‫��ج��ن��ةٍ‬
‫����رف أخ��وه��ا أب��وه��ا م��ن م��ه ّ َ‬
‫ح ٌ‬
‫الذي يشغله داخلها‪( ..‬راجع‪ :‬بنية القصيدة في شعر‬
‫وع���م���ه���ا خ���ال���ه���ا قَ��������وداء ِش��م��ل��ي��لُ‬
‫أبي تمام‪ ،‬د‪ .‬يسرية المصري‪ ،‬ص‪ 55‬وما بعدها)‪.‬‬
‫فليس «حرف» خبر «أخوها»‪ ،‬وليس شبه الجملة‬
‫تمثل جملة المطلع الخبرية ذات الفعل الماضي‬
‫«من مهجنة» خبر «أب��وه��ا»‪ ،‬و ُق��ل مثل ذا في عجُ ز‬
‫«بانت سعاد» الفعل اإليجابي القاهر الذي لم يأته‬
‫البيت‪ ،‬وإن كان أقل غموضا‪.‬‬
‫المدوّية لرحلة الخوف التي‬
‫ِ‬
‫الشاعر‪ ،‬بل هو البداية‬
‫والشاعر ال يصرح بأن إبِله المنهَكة المكدودة‬
‫عايشها‪ ،‬فحفزته إلى إب��داع قصيدته وتركت فيها‬
‫أثرها؛ فهي بفعلها الماضي المنتهي وفاعلها ال َعل َم بلغت أرض محبوبته‪ ،‬بل يُف ِْجؤُنا بالجملة المضارعية‬
‫ الذي اختلفت اآلراء حوله بين الرمز والحقيقة ‪« -‬تسعى الوشاة جَ نابَيْها» التي بها التفات عجيب من‬‫جملة محورية تتعلق بها دالليا ونحويا كذلك طائفة ضمير الغائبة العائد على الثَّكل َى التي تبكي بكرها‬
‫من الجمل ترتبط بها معطوفة عليها أو نعتا متعلقا في البيت السابق «تَفرِ ي اللبان بك َّفيْها‪ ،» ..‬أو على‬
‫بها‪.‬‬
‫الناقة التي تَحُ ّ ُث الخُ طى في رحلتها الشاقة‪ ،‬التفات‬
‫وتتعاقب جمل وأبيات يراوح بها الشاعر في مكانه‪ ،‬إلى ضمير الغائبة‪ ،‬الحاضرة في عقل الشاعر «سعاد»‬
‫بين أمل يُق ِبِل به ويأس يَر ُدّه‪ ،‬وهي جمل تغلب عليها التي «بانت» في مطلع القصيدة‪/‬أول الرحلة‪ ،‬ولنا أن‬

‫الخبرية‪ ،‬ويغلب الخوف فيها على الرجاء‪ ،‬وتلعب نُعرِ ب جملة «تسعى الوشاة جَ نابَيْها» حاال إذا ق َّدرنا‬
‫التقفية الداخلية بين بعض األفعال مثل‪ :‬فجع‪ ،‬وولع‪ ،‬قبلها فعال‪ ،‬أو حاال من «سعاد»‪ ،‬بل زاد ابن هشام‬
‫دورها في تعميق إحساس المتلقي بشعور اإلحباط جواز إعرابها مستأنَفة للتخلُّص للمديح‪ ،‬وهو وجه‬
‫ال��ذي يأخذ بنفس الشاعر‪ ،‬بل إن الرجاء واألم��ل ‪ -‬فيما نرى ‪ -‬يمزق أوصال القصيدة دالل ًة وتركيبا؛‬
‫يرافقهما ضمير الغائبة البعيدة «أرجو وآمل أن تدنو إذ به تَنْب ّ َُت ِصلة هذه الجملة بجملة المطلع وجملة‬

‫مودتها»‪ ،‬على حين يرافق اليأس ضمير المخاطَ بة» البيت السابق‪ ،‬على تقدير االلتفات‪ .‬وتبدو القصيدة‬
‫وم��ا إخ��ال لدينا ِ‬
‫منك تنويلُ»؛ ويتن َوّع التعبير عن ‪ -‬فيما نرى ‪ -‬سلسلة متعاقبة من الجمل واألبيات‬
‫اليأس‪ ،‬فيرد في ص��ورة الجملة الخبرية المؤ َكّدة يُسْ لِم بعضها إلى بعض‪ ،‬ويتجلَّى التالحم الشديد‬

‫«إن األم��ان َّ‬
‫��ي واألح�لام تضليلُ»‪ ،‬وفي ص��ورة النهي الذي يربط الجمل ومتعلَّقاتها ومعطوفاتها‪.‬‬
‫< استاذ مشارك بجامعة الجوف‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪67‬‬

‫الرماد للكاتب عبداملعز شاكر‪:‬‬

‫رواية مهمومة بفكرة الطبقية والفوارق االجتماعية بني األغنياء والفقراء‬
‫> هويدا صالح‬

‫<‬

‫ه��ن��اك بعض األع��م��ال ال��ت��ي ال نسعى وراء جماليات تالزمه‪ ..‬أن يكون واحدا من هؤالء الذين وصفتهم األم‪.‬‬
‫الكتابة فيها بقدر ما نسعى إلى الكشف عن رؤية الكاتب‬
‫ظل الصراع قائما‪ ،‬وشكّل هذا الصراع مقدرات السرد‬
‫للعالم وس��ؤال الكاتبة عنده‪ ،‬ومساحات الوعي والالوعي حتى آخر سطر في الرواية‪ ،‬حيث نذر البطل نفسه من‬
‫في النص‪ ..‬وهناك من األعمال ما يفرض علينا أن نسعى لحظتها الختراق تلك الطبقة المتعالية بدورها وناسها‬
‫جاهدين وراء الجماليات والفنيات‪ .‬ورواي��ة الرماد ربما وح��دائ��ق��ه��ا‪ ،‬حتى أف��ن��ى حياته وه��و يبحث ع��ن تحقيقه‬
‫تفرض علينا ‪ -‬كما سأبين ‪ -‬أن نتعامل معها من هذا المنطق‪ .‬الحلم‪ /‬الوهم‪.‬‬
‫بداية هي رواية اجتماعية واقعية مهمومة في المقام األول‬
‫ونلحظ أن الكاتب ركز بشكل كبير على الهم الخاص‬
‫بكشف الفارق الشاسع بين الطبقات االجتماعية في بغداد‪،‬‬
‫مهمومة بفكرة الطبقية والفوارق االجتماعية بين األغنياء ولم يتعرض للهم العام إال مرات قليلة‪ ،‬فنجده يذكر عهد‬
‫الملك‪ ،‬أو ضياع عهد الملك الليبرالي وسقوط البالد بعد‬
‫والفقراء الذين يعيشون على هامش الحياة‪.‬‬
‫الثورة في حكم كمم األفواه وكتم الحريات‪.‬‬
‫البطل فيها يعيش الصراع الطبقي في شتى تجلياته؛‬
‫ونجد الكاتب يشعر بالحنين أو النوستالجيا للعهد‬
‫فمنذ اليوم األول لذهابه للمدرسة طفال صغيرا ال يتعدى‬
‫ال��س��ادس��ة إال ب��أي��ام‪ ،‬وه��و ينظر إل��ى بيت ج��اره��م العالي ال��م��اض��ي‪ ..‬وينتصر ط��وال ال��وق��ت للماضي على حساب‬
‫بحديقته ال��غ��ن��اء‪ ..‬وس��ت الحسن والجمال تطل عليه من الحاضر ال��ذي قيد حرية ال��ن��اس‪ ..‬وإن ج��اءت مثل هذه‬
‫الشرفة‪ ..‬من لحظتها صار كل همه أن يختصر المسافة الرؤية بشكل سريع وسطحي‪ ،‬فلم يكن الكاتب معنيا بإلقاء‬
‫بينه وبينها على الرغم من األميال الواسعة التي تفصله عنها الضوء على األحداث السياسية‪ ،‬وإنما أتى بها عرضا في‬
‫عمريا أو طبقيا‪ ..‬فهي ابنة السادسة عشرة‪ ،‬وهو ما زال الكالم‪ ،‬فنجده يقول في صفحة (‪ )43‬في حوار دار بين‬
‫صغيرا في السادسة‪ ..‬وهي ابنة البيك‪ ،‬وهو ابن األسطى األب والعم في المرة التي اجتمعا فيها األخ��وان اللذان‬
‫الحالق!! عالمة استفهام كبيرة تتشكل أم��ام عينه حينما فرقتهما فكرة الطبقية‪:‬‬
‫يسأل أمه في طريق عودته من المدرسة وفي يومه الدراسي‬
‫«إذا حصل ش��يء مما تقول فسوف يغرق العراق في‬
‫األول فيقول‪:‬‬
‫حرب أهلية‪ ،‬وتسيل الدماء أنهارا‪ ،‬الكل يطالب اآلن بالثورة‬
‫على الحكم الملكي القائم بدعوى تبعيته لبريطانيا‪ ..‬فإذا‬
‫ «ما معنى بيك؟!‬‫تحققت أحالمهم في الثورة على الحكم الملكي‪ ،‬فإن البلد‬
‫رج��ل واس��ع ال��ث��راء شخصية كبيرة ج���دا‪ ..‬ه��ذه أم��ور سيتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات بينهم جميعا»‪ .‬كما‬
‫يصعب عليك اآلن معرفتها‪ ،‬ولكنك ستعرفها جيدا بمرور يقول في صفحة (‪ )177‬على لسان إحسان عطا الذي‬
‫الزمن‪ ،‬فهناك بيك‪ ،‬وهناك باشا‪ ،‬وهناك أف��ن��دي‪ ..‬فال قرر ترك العراق والذهاب إلى أمريكا‪ « :‬فراق الوطن ليس‬
‫تشغل نفسك بهذه األمور اآلن‪..‬‬
‫باألمر السهل‪ ،‬ولكنك تعلم أن األوض���اع في ال��ع��راق قد‬
‫ساءت بشكل كبير‪ ..‬خنق الحريات وتكميم األفواه‪ ،‬ونشر‬
‫وإذا به يسألها‪:‬‬
‫وكالء األمن في كل مكان»‪.‬‬
‫ وأبي؟! من يكون من هؤالء؟!‬‫أما عن الحنين للماضي فنراه طوال الوقت يتذكر أيامهم‬
‫ هو عبدمن عباد الله‪ ..‬أبوك أسطى ألنه يعمل حالقا الماضية‪ ،‬وأماكن جلوسهم فيقول في صفحة (‪« :)189‬لم‬‫في سوق األعظمية»‪.‬‬
‫يعد لهما حديث هو وماجد صالح إال عن الماضي‪ .‬أصبح‬
‫وهنا تتشكل في عين الصغير مشكلة حياته التي ظلت الماضي مركزا ألحاديثهما‪ ،‬استعراضا وحنينا وتذكرا‬

‫‪68‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫وتزكية وتفضيال على الحاضر القبيح والمستقبل المجهول التكثيف واالختزال‪ ،‬مما أصاب اللغة بالترهل واالستطالة‬
‫والمنذر بالظالم»‪.‬‬
‫فيقول في صفحة (‪:)45‬‬
‫الزمان في الرواية يبدأ من عام ‪1943‬م تقريبا وربما‬
‫«انتهت األسرة من تناول طعام العشاء‪ ،‬قال أبوه وهو‬
‫ينتهي في الثمانينيات‪ ..‬يسير الزمن في ال��رواي��ة بشكل يجفف يديه بالمنشفة (البشكير) بعد أن غسلهما بالماء‬
‫تدريجي‪ ،‬ال قفزات فيه‪ ،‬وال صعود وهبوط‪ ..‬بل هو زمن والصابون‪:‬‬
‫تراتبي‪ ،‬نستدل على م��روره إما بوقوف األصدقاء الثالثة‬
‫جاءني اليوم صالح الحارس‪ ،‬وهو كما تعلمون حارس‬
‫أم��ام لوحة النتائج في المدرسة أو الجامعة‪ ،‬فنعرف أن بيت محمد بيك‪ ،‬ق��ال أن البيك مريض وال يقوى على‬
‫عددا من السنين مر‪ ،‬وإما بأحداث بعينها مثل والدة أحد المجيء للدكان لحالقة شعر رأس��ه ولحيته‪ ،‬وإن الحالة‬
‫األطفال ألحد األصدقاء‪ ،‬وإما بتغيرات بيولوجية تطرأ على توجب أن أذهب إليه غدا في بيته ومعي أدوات الحالقة‬
‫جسد البطل أو أحد أصدقائه مثل الشعر األبيض أو ضعف إلجراء عملية الحالقة هناك «‬
‫البصر‪ ..‬يقول في صفحة (‪« :)82‬الزمان ‪1954 /7 /15‬م‪،‬‬
‫تعالوا نحلل المقطع السابق‪:‬‬
‫المكان العام‪ :‬إعدادية األعظمية للبنين‪ ،‬المكان الخاص‬
‫أمام لوحة اإلعالنات التي تعرض قوائم بنتائج االمتحانات‬
‫بما أنه قال «وهو يجفف يديه بالمنشفة» لم يكن مضطرا‬
‫النهائية للدراسة اإلعدادية (الصف المنتهي)‪.»..‬‬
‫أن يفسر المنشفة بالبشكير‪ ،‬ولم يكن مضطرا كذلك أن‬
‫أما المكان في الرواية فهو مدينة بغداد وأحياؤها‪ ،‬حي يقول بعد أن غسلهما بالماء والصابون‪ ،‬فلن يجفف إال بعد‬
‫األعظمية بجزأيه الفقير‪ ،‬الذي يعيش فيه البطل‪ ،‬والغني غسيل‪ ،‬فلو كان يقصد أنه لم يغسل لقال «يمسح»‪.‬‬
‫ال��ذي تعيش فيه سناء ابنة محمد بيك‪ ،‬كذلك ن��رى حي‬
‫كذلك قال «صالح الحارس‪ ،‬وهو كما تعلمون حارس‬
‫الوزيرية وغيره من األحياء‪.‬‬
‫بيت محمد بيك» لم يكن مضطرا بإخبارنا أنه حارس بيت‬
‫نأتي إل��ى نقطة مهمة وه��ي الضمير ال��ذي تحكي به محمد بيك‪ ،‬ألنهم يعلمون ونحن القراء نعلم منذ بداية‬
‫الرواية‪ ،‬استخدم الكاتب تقنية الراوي العليم الذي يسيطر الرواية أن صالح أبا ماجد حارس بيت محمد بيك‪.‬‬
‫على مقدرات السرد‪ ،‬ينتقل حيث يشاء‪ ،‬يصف لنا دواخل‬
‫كذلك قوله «أن البيك مريض وال يقوى على المجيء‬
‫األب��ط��ال وأف��ك��اره��م وم��ش��اع��ره��م‪ ،‬ويظهر أح��ي��ان��ا صوت ل��ل��دك��ان» ل��م يكن مضطرا أن ي��ق��ول لحالقة شعر رأس��ه‬
‫المؤلف متدخال بتعليق على األحداث‪ ،‬أو متأمال لموقف ولحيته‪ ،‬ألنه لن يذهب للدكان لشرب العصير مثال‪..‬‬
‫ما‪ ،‬محلال له‪.‬‬
‫كذلك حين قال‪« :‬وأن الحالة توجب أن أذهب إليه غدا‬
‫لم تتنوع مساحات أو مستويات السرد في ال��رواي��ة‪ ،‬في بيته ومعي أدوات الحالقة»‪.‬‬
‫فكلها ت��روى بضمير ال «ه��و» كما أسلفنا‪ ،‬فال تنوع وال‬
‫ترى هل كان الكاتب مطالبا أن يتبعها بجملة «إلجراء‬
‫ف��رص��ة ألح��د م��ن األب��ط��ال أن ي��ق��دم ذات���ه أو يتمرد على‬
‫ال��راوي العليم‪ ،‬أو يرفض لغته‪ ،‬فلغة السرد تقريبا ذات عملية الحالقة؟!‪.‬‬
‫مستوى واح��د‪ .‬لقد قيد الكاتب الفضاء الحكائي نتيجة‬
‫كذلك رغم خلو الرواية من األخطاء اللغوية الفادحة‪،‬‬
‫الستخدام تقنية الراوي العليم بكل شيء‪.‬‬
‫إال أن الكاتب بينه وبين الهمزات ع��داوة غريبة‪ ،‬فهمزة‬
‫اللغة‪ :‬إن زمن الحكي في الرواية هو زمن الحدث‪ ،‬وهذا الوصل يكتبها قطع‪ ،‬والهمزة المكسورة يكتبها مفتوحة‪،‬‬
‫ما جعل الكاتب يلهث وراء التفاصيل الدقيقة س��واء في وهكذا طوال الرواية‪.‬‬
‫الوصف أو الحوار‪ ،‬كان شديد األمانة في وصف األحداث‪،‬‬
‫وه��ذا أوقعه في إشكالية خطيرة‪ ،‬فجاءت اللغة تقليدية‬
‫ال تحفل كثيرا بالبالغة السردية‪ ،‬بل هي لغة أق��رب إلى‬
‫التقريرية المباشرة‪ ،‬وج��اءت كثير من العبارات والجمل‬
‫محمولة على ما قبلها معللة لها أو مفسرة‪ ،‬ما أبعده عن‬

‫كما أن الكاتب لم يراجع نصه قبل الطباعة مباشرة‬
‫والدليل على ذلك أن بعض الصفحات تكررت‪ ،‬وهذا حدث‬
‫ربما في ثالثة مواضع م��رة في صفحة (‪ )103‬وصفحة‬
‫(‪ )104‬وصفحة (‪ 105‬إلى صفحة ‪ )107‬وصفحة (‪)147‬‬
‫وصفحتي (‪ 157‬و‪.)158‬‬

‫• كاتبة وناقدة من مصر‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪69‬‬

‫مبناسبة بلوغه عامه السبعني‬

‫أبو سنة‪ :‬غابت سلطة النقد واجنرفنا مع‬
‫«الفرقعة»‬

‫> حاوره عصام أبوزيد (القاهرة)‬
‫احتفل المجلس األعلى المصري للثقافة مؤخراً بمناسبة بلوغ‬
‫الشاعر العربي الكبير محمد إبراهيم أبوسنه عامه السبعين‪ ،‬وأبو‬
‫سنة ارتبط اسمه بالرومانسية الشعرية في مرحلة ما‪ ،‬وقال في‬
‫ح��وار مع (الجوبة)‪« :‬إننا أصبحنا في مرحلة سلطة النص في‬
‫مواجهة سلطة النقد» ورأى أن «من حق كل جيل أن يطرح رؤيته‬
‫الخاصة ولكن ليس من حقه أن ينفي اآلخرين خارج األسوار ولو أن كل جيل قطع ما‬
‫يربطه بالجيل الذي سبقه لما بقي من تراثنا الشعري سوى موجة ضائعة»‪.‬‬
‫وفي ما يلي نص الحوار‪:‬‬
‫< ارتبط اسمك بالرومانسية‪ ،‬فإلى أي م��دى نجحت الرومانسية في الصمود أمام‬
‫المدارس الحديثة؟‬

‫م����واج����ه����ات‬
‫‪70‬‬

‫> ما معنى الرومانسية؟ الرومانسية كمذهب فني تجاوزها الزمن‪ ،‬ألن حركة الشعر‬
‫الحديث منذ منتصف األربعينيات كانت انتهاكاً لحصون الرومانسية وبرجها العاجي‬
‫– لقد احتلت الواقعية والحداثة الشعرية والتيارات التجريبية قلعة الشعر العربي‬
‫طوال الخمسين عاماً الماضية‪ ،‬وظهرت ألوان من الشعر تراوح على لوحة فسيحة‬
‫بين أقصى اليمين الشعري وأقصى اليسار الشعري؛ فمن حيث الواقع اإلبداعي‪ ،‬نجد‬
‫شعراء ينتمون إلى مدرسة شوقي الكالسيكية‪ ،‬ويكتبون قصائدهم ويلقونها اآلن في‬
‫المحافل‪ ،‬ونجد شعراء يذكروننا بمدرسة علي محمود طه وإبراهيم ناجي – ولكن‬
‫التيار الرئيسي في حركة الشعر العربي اآلن هو التيار الذي أسسه الرواد وتابعهم‬
‫بعد ذلك شعراء من األجيال المختلفة‪ ،‬على الرغم من أن هذا التيار الرئيسي ينضوي‬
‫تحت راية الواقعية والحداثة الشعرية والتجريب الشعري‪ ،‬إال أن الهاجس الرومانسي‬
‫ظل يسري في شرايين قصائد بعض شعراء الحداثة ممتزجاً بالوجدان المعاصر؛ ذلك‬
‫ألن الواقع العربي نفسه لم يتخلص كلية من الشروط النفسية والعاطفية التي أدت إلى‬
‫ظهور الرومانسية في الثلث األول من القرن العشرين‪ ..‬الرومانسية كإحساس عميق‬
‫بالذات‪ ،‬وصراع الذات مع العالم‪ ،‬وقلق الوجدان أمام تحوالت الحياة‪ ،‬هاجس أبدي ال‬
‫يخلو منه أي إبداع شعري أو أدبي‪ ،‬وهناك شعراء كبار يمكن أن يندرجوا تحت مفهوم‬
‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫الرومانسية بالمعنى ال��واس��ع وال��ع��ص��ري لهذه‬
‫الكلمة‪ ،‬ومنهم على سبيل المثال نزار قباني الذي‬
‫هو في جوهره شاعر رومانسي‪ ،‬ولكنه استطاع‬
‫أن يحطم القوقعة الرومانسية‪ ،‬ويتحرر مستفيداً‬
‫من تجارب عصره ومغامرات الحداثة الجديدة‪،‬‬
‫فكتب قصيدة هي في جوهرها رومانسية‪ ،‬ولكنها‬
‫تنهل من الواقعية والحداثة الشعرية والتجريب‬
‫الشعري‪ ..‬وأنا أراهن على الزمن أن يحسم وحده ‬
‫ليس مصير الشعر العربي‪ ،‬ولكن مصير هذه‬
‫األمة كلها‪.‬‬
‫< ل��ك إس��ه��ام��ات نقدية اح��ت��واه��ا أك��ث��ر م��ن كتاب‪،‬‬
‫ك���ان آخ��ره��ا (ظ�ل�ال ن��ق��دي��ة)‪ .‬ف��ه��ل ل��دي��ن��ا اآلن‬
‫حركة نقدية فاعلة تستحق أن نطلق عليها هذه‬
‫التسمية؟‬

‫ال��ت��ي تحملها رس��ال��ة ال���رواد إل��ى األج��ي��ال التي‬
‫جاءت بعدها؛ بمعنى أن النقد اكتفى بالتشجيع‪،‬‬
‫وفاجأت الحياة األدبية تيارات نقدية مثل البنيوية‬
‫والتفكيكية وما بعد الحداثة‪ ،‬ساهمت في تدمير‬
‫العالقة بين القارئ والمبدع‪ ،‬ألن الخطاب النقدي‬
‫أصبح نوعاً من الفرقعة‪ ،‬وهنا افتقدنا ما يسمى‬
‫بالسلطة النقدية‪.‬‬
‫والسلطة النقدية ف��ي رأي���ي تعني م��ا يعطيه‬
‫الرأي العام لشخصية نقدية؛ بحيث يصبح لهذه‬
‫الشخصية تأثيرها على هذا ال��رأي العام‪ ،‬هذه‬
‫الشخصية تكون قادرة على إلهام المبدع وتوجيه‬
‫الحياة األدبية في اتجاه المنظومة الجمالية التي‬
‫يدعو لها الناقد من الجيل الجديد‪.‬‬
‫وبسبب غموض الخطاب النقدي‪ ،‬فإن الرأي‬
‫العام لم يجد من يبايعه‪ ،‬وافتقد هذا الوسيط‬
‫ال��ش��ج��اع ال���ذي يعطي االن��ط��ب��اع بالموضوعية‬
‫والنزاهة األدبية‪ ..‬وهذا ال يعني أنه ليس لدينا‬
‫نقاد بل لدينا اآلن عدد من أفضل نقادنا الذين‬
‫قطعوا شوطاً بعيداً‪ ،‬ولكن اعتقد أننا أصبحنا في‬
‫مرحلة سلطة النص في مواجهة سلطة النقد‪.‬‬

‫> في مرحلة الريادة التي مرت بها تجربة الشعر‬
‫الحديث‪ ،‬ك��ان ال بد من مساندة عمالقة النقد‬
‫األدبي للتجربة الوليدة‪ ،‬وقد وقف محمد مندور‬
‫ول��وي��س ع���وض وع��ب��دال��ق��ادر ال��ق��ط وع���ز ال��دي��ن‬
‫إسماعيل وشكري عياد ورجاء النقاش لتشجيع‬
‫هذه الحركة وإبراز رموزها‪ .‬وكان هذا الجيل من‬
‫النقاد بما أتيح له من ثقافة موسوعية وصالبة < كيف ترى مسألة الصراع بين األجيال؟‬
‫فكرية وشجاعة أدبية يمثل سلطة حقيقية للنقد‪ > .‬ما زلت أعتقد أن الحاضر ينبثق من الماضي وأن‬
‫وحين أق��ول سلطة نقدية‪ ،‬أعني وضع المعايير‬
‫المستقبل ينبثق منهما معاً‪ ،‬وأن المقولة التي تقول‬
‫وال��ق��درة على التمييز بين الحقيقي وال��زائ��ف‪،‬‬
‫ال شيء يأتي من ال شيء مقولة صحيحة؛ولهذا‬
‫واألخ��ذ بيد الصاعدين من األج��ي��ال الجديدة‪،‬‬
‫ف��إن تفاعل األج��ي��ال ب��دالً م��ن حروبها ه��و أنفع‬
‫بحيث يمكن أن تكون للكلمة النقدية مصداقية‬
‫لحركة اإلبداع الشعري ويأتي التفاعل الصحيح‬
‫تاريخية لدى الرأي العام األدبي‪ .‬واعتقد أن هذا‬
‫ح��ي��ن ت��ت��م م��واج��ه��ة م��ا ه��و حقيقي ف��ي الشعر‬
‫الجيل ساعد حركة الشعر الحديث على الرسوخ‬
‫العربي ب��روح االتفاق والموضوعية‪ ،‬واعتقد أن‬
‫واالستمرار‪ ،‬ولكن األجيال الجديدة من النقاد‬
‫إهمال دراس��ة جيل الستينيات خلق فجوة بين‬
‫تأثرت بما لحق بالحياة الثقافية من تطورات؛‬
‫هذا الجيل وجيل السبعينيات‪ ،‬ولهذا فأنا أرى‬
‫فقد اعتقد معظم النقاد أن حركة الشعر الحديث‬
‫أن على النقد أن ينهض بتأسيس الجسور التي‬
‫قد بلغت سن الرشد‪ ،‬وأنهم خاضوا من أجلها‬
‫تعبر عليها األجيال الشعرية المختلفة‪ ،‬ومن حق‬
‫م��ع��ارك ح��اس��م��ة وع��ل��ي��ه��ا أن ت��واج��ه مصيرها‬
‫كل جيل أن يطرح رؤيته الخاصة‪ ،‬ولكن ليس من‬
‫وحدها‪ ،‬واتجهوا إلى النقد المسرحي والدراما‬
‫حقه أن ينفي اآلخرين خارج األسوار‪ .‬ولو أن كل‬
‫والقصة القصيرة ما كان له أثر واضح في إثارة‬
‫جيل قطع ما يربطه بالجيل الذي سبقه لما بقي‬
‫من تراثنا الشعري سوى موجة ضائعة في غياب‬
‫البلبلة لدى األجيال الجديدة حول القيم الفنية‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪71‬‬

‫اعتبر األدب العربي ذا طبيعة مزدوجة مثل شخصياتنا‪:‬‬

‫أحمد الواصل‪« :‬سورة الرياض» عن جيل تسحقه‬
‫الهوية الضائعة!‬

‫> حاوره‪ :‬محمد جنيم‬
‫‪ ..‬عرفناه ناقداً‪ ،‬وشاعراً يحمل مشروعاً أكيداً‪ ،‬صدرت له روايته األول��ى‪« :‬سورة‬
‫الرياض» (الفارابي ‪2007‬م) الفائزة بجائزة الرواية من مؤسسة الصدى الثقافية في‬
‫اإلمارات العربية المتحدة‪.‬‬
‫«سحارة‬
‫َّ‬
‫أحمد الواصل‪ ،‬كتب دراسات في الغناء الخليجي والعربي ت َوّجَ هُا بكتاب مهم‪:‬‬
‫الخليج» (الفارابي ‪2006‬م)‪ ،‬كما أصدر مجموعات شعرية كان آخرها «تمائم» (االنتشار‬
‫العربي ‪2007‬م)‪ ،‬ولكن‪ ..‬يبقى الحديث عن السرد‪ ،‬فاكتشف أشياء جديدة في األدب‬
‫العربي‪ ،‬والثقافة الشعبية‪ ،‬وأشياء أخرى نطالعها في هذ الحوار‪.‬‬
‫< القليل من يعرف أنك قدمت أطروحتك الجامعية عن السرد‪ ،،‬وذلك ما يوحي إلى‬
‫وج��ود عالقة مع السرد وتاريخه‪ ،‬فقد قدمتها حول الرواية السعودية‪ ،‬ولم تختر‬
‫الشعر‪ ،‬أليس كذلك؟‬
‫> نعم‪ ،‬هي دراسة نقدية بمنهج تأويلي حول إحدى روايات المرحلة الثالثة (‪-1980‬‬
‫‪2000‬م) في الرواية السعودية‪ ،‬وك��ان النموذج‪« :‬لغط موتى»‪ ،‬ليوسف المحيميد‪،‬‬
‫فتناولت مسائل عدة منها‪ :‬البنية األدبية‪ ،‬والتفاعل النصي‪ ،‬والدرس المقارن‪ ،‬منتهياً‬
‫إلى كشف البيان الروائي للمحيميد‪ ،‬وقد أشرف عليها الناقد واألستاذ الجامعي‬
‫صالح بن زياد الذي ساندني بثقة وتواضع متناهيين‪.‬‬
‫< تحدثت عن مرحلة ثالثة‪ ،‬فما هما المرحلتان األولى والثانية؟ وما هي األسماء التي‬
‫تحضرها؟ وهل من مرحلةٍ رابعةٍ ؟‬
‫> تمثل المرحلة األولى (‪1959-1930‬م) تأسيساً‪ ،‬بالهوس الوعظي والهاجس التربوي‪،‬‬
‫في طابع أدبي حائر بين القص والحكاية‪ ،‬رومانسي المزاج‪ ،‬عند محمد الجوهري‬
‫(االنتقام ‪1930‬م) وأحمد السباعي (فكرة ‪1946‬م) حتى حامد دمنهوري‪ ،‬ثم مرحلة‬
‫انتقالية بأسماء عدة لم تستمر‪ ،‬ولكن هيأت المرحلة الثانية (‪1980-1960‬م)‪ ،‬الكاشفة‬

‫‪72‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫ال بين جنس الرواية والقصة القصيرة‬
‫حداً فاص ً‬
‫مع سميرة بنت الجزيرة‪ ،‬وعبد الرحمن منيف‪،‬‬
‫وجيل الغرباء‪ ،‬مثل‪ :‬فهد الخليوي وحسين علي‬
‫حسين؛ وأم��ا المرحلة الثالثة (‪2000-1980‬م)‬
‫اتضحت تيارات أسلوبية كالرمزية والرومانسية‬
‫المستحدثة والتخييلية‪ ،‬وحنين الريف وصدمة‬
‫المدينة‪ ،‬ومنهم‪ :‬ه��دى الرشيد‪ ،‬وهند باغفار‪،‬‬
‫وعبدالعزيز مشري‪ ،‬وتركي الحمد‪..‬‬
‫< إذاً‪ ..‬أين جيل رجاء عالم‪ ،‬وعبده خال؟‬
‫> هذا الجيل مع المحيميد وبدرية البشر وأميمة‬
‫الخميس وغيرهم‪ ،‬يلحقهم لكونه أنجز انشقاقاً‬
‫يكوّن المرحلة‬
‫من داخل المرحلة الثالثة‪ ،‬وبذلك ِ‬
‫االن��ت��ق��ال��ي��ة إل���ى ال��م��رح��ل��ة ال��راب��ع��ة‪ ،‬ال��ت��ي تتسم‬
‫بتقويض ل��ل��م��دارس واألس��ال��ي��ب‪ ،‬عبر الوسائل‬
‫السردية‪ ،‬تعبيراً عن الهوية المتشظية التي تشمل‬
‫كل من جاء بعدها‪..‬‬
‫< خالل عام واحد‪ ..‬صدر العديد من الروايات قياس ًا‬
‫بما سبق‪ ،‬فكان اإلنتاج غزيرا‪ ..‬أليس كذلك!؟‬
‫> ال أعتقد ذلك‪ ،‬فالروايات التي ستبقى قليلة جدا‪،‬‬
‫وما سنذكر أسما ًء للتاريخ ال أعماالً‪ ،‬وفي هذا‬
‫فرق كبير‪.‬‬

‫أدبنا سالفة وقصيدة‬
‫< كيف تصنف قراءاتك األولى‪ ،‬وحتى يومنا هذا‪،‬‬
‫أهي شعرية خالصة أم سردية أم ماذا‪ ..‬؟‬

‫وال����ب����ط����والت‪،‬‬
‫وال����م����دي����حَ ����ة‬
‫وال�����م�����رث�����ي�����ة‪،‬‬
‫ك��ل��ه��ا ع��ن��اص��ر‬
‫ق�����ص�����ص�����ي�����ة‪,‬‬
‫ول������ذا وج���دن���ا‬
‫ال�����ق�����ص�����ي�����دة‬
‫تنزوي وحدها‪،‬‬
‫ل������ت������ت������ح������ول‬
‫ال������س������ال������ف������ة‬
‫وال���س���ب���ح���ون���ة‬
‫إل���������ى رواي���������ة‬
‫وقصة قصيرة؛ ولكن األدب العربي‪ ،‬في وضعه‬
‫الطبيعي‪ ..‬بعيداً عن تعقيمه وتطهيره‪ ،‬ذو طبيعة‬
‫مزدوجة‪ ،‬فما ال تقوله القصيدة (الشعر) تؤديه‬
‫السالفة (الحكاية)‪ ،‬فال استغناء عن ذلك‪ ،‬ونعرف‬
‫أن رواة الشعر النبطي في نجد حافظوا على هذه‬
‫المزية‪ ،‬فلم يلوثهم ذلك الوهم النظري المستورد‪،‬‬
‫وما كان ل��زوال السطوة األكاديمية إغريقياً في‬
‫العصر العباسي إال سبباً في عودة األدب العربي‬
‫في العصر األيوبي والمملوكي إلى طبيعته في‪:‬‬
‫«أل��ف ليلة وليلة»‪« ،‬الزير سالم»‪« ،‬األم��ي��رة ذات‬
‫الهِ َمّة»‪ ،‬و«سيف بن ذي يزن»‪ ،‬وأيام العرب كلها‬
‫توصلنا مباشرة ودون عناء بمالحم وأساطير‬
‫من ذات النسل لسومر وبابل في العراق‪ ،‬وكنعان‬
‫وفينقيا في الشام‪ .‬وسترى نموذج جبران خليل‬
‫ج��ب��ران ش��اع��راً وروائ���ي���اً‪ ،‬وج��ب��را إب��راه��ي��م جبرا‬
‫وغ��ادة السمان وسنية صالح كذلك على سبيل‬
‫المثال‪..‬‬

‫> إن ما يميز األدب العربي‪ ،‬وربما السامي منه‪،‬‬
‫أن السرد والشعر‪ ،‬جزء من بنية متشابكة‪ ،‬وقد‬
‫فشلت كل المحاوالت لفك جنس أدبي عن اآلخر‪،‬‬
‫وما إن صدقنا وهمنا في انتفاء الوحدة العضوية‪ < ،‬هل ترى أن تركيبة المجتمع في الجزيرة العربية‬
‫تحاذي بين الشعر والسرد (القصيدة والسالفة)‬
‫لقصيدة القرن الخامس الميالدي (الجاهلي كما‬
‫لكونهما أدب ًا بصرف النظر عن اللغة واللهجة؟‬
‫ي���روق لبعضنا)‪ ،‬كنا ط��ردن��ا العنصر الملحمي‬
‫(التمثيلي)‪ ،‬فوصف الرحلة والراحلة‪ ،‬والمعشوقة > نعم‪ ،‬بال أدنى جدال‪ ،‬نحن نتاج الثقافة الشعبية‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪73‬‬

‫ال الرسمية‪ ،‬وال أقصد بالشعبية الكليشيهات‬
‫الرائجة حاليا في المجالت والفضائيات‪ ،‬بل‬
‫فيما ه��و اس��ت��م��رار لتاريخ ي��ع��ود إل��ى أل��ف سنة‬
‫وربما أكثر؛ وال أدل على ذلك من أزمة المناهج > تقوم الرواية‪ ،‬في أصلها على لعبة (الشخصية‬
‫التربوية والتعليمية‪ ،‬لكونها تعيق وتعرقل نمو‬
‫االستقطابية)؛ فشخصية تركي (عن شباب عدة)‪،‬‬
‫الذهن الثقافي‪ ،‬فيقع في مطبات عسر التاريخ‬
‫وكذلك سميرة (عن شابات عدة أيضاً)‪ .‬واللعبة‬
‫وعصابية اإليديولوجيا‪ ،‬ف��األدب هو االصطالح‬
‫في أساسها هي محاولة لتكريس روح البصرية‬
‫الجامع للكتابة والقراءة‪ ،‬التعلم والتربية‪ ،‬الفنون‬
‫التشكيلية على عدة أوجه‪ ،‬فالوجه له دور حاضر‬
‫واألس��ال��ي��ب‪ ،‬واألدب ب��ي��ن وظيفتيه األزل��ي��ت��ي��ن‪:‬‬
‫من خالل حيويته وحركته‪ ،‬وصورته وقسماته‪ .‬في‬
‫الطقوسي (الديني)‪ ،‬والثقافي (الدنيوي)‪ ،‬وما‬
‫الرواية وجوه لشخصيات من الممكن أن يراها‬
‫غير ذلك فهو فضلة ال أساس‪..‬‬
‫بعض جيلنا تشبهه في لحظات‪ ،‬مرة قريبة ومرة‬
‫< هال ح ّ َدثتنا عن قراءاتك في فن الرواية عربي ًا‬
‫غريبة‪ ،‬وهكذا نحن واآلخرون‪..‬‬
‫ومترجمةً ؟‬
‫< في لحظة موت (ثناء) إحدى شخصيات الرواية‬
‫شخصيتي تركي وسميرة‪ ،‬تقومان بهذه المهمة‪،‬‬
‫وتكسرهما بثالثة غير متوقعة‪ ،‬فكيف جاء ذلك‬
‫في أول رواية؟‬

‫ > قرأت في الطفولة مجلَّدات من القصص العالمية‬
‫الموجهة للناشئة‪ ،‬بعضها ل��ح��ي��وان��ات ناطقة‪،‬‬
‫و َّف َرتْها مجالت‪ ،‬مثل‪ :‬العربي الصغير والشبل‪ ،‬ثم‬
‫مكوّن عربي ثقافي‬
‫قرأت الحقاً لجبران خليل جبران مع ألف ليلة > ليس (مكوناً وثنياً)‪ ،،‬بل هو ِ‬
‫وليلة‪ ،‬وإحسان عبدالقدوس مع روايات مترجمة‪،‬‬
‫طقوسي كان زمن الممالك العربية في القرون‬
‫وب��ع��ده��ا ان��ت��ق��ل��ت إل���ى ق����راءة ن����وال ال��س��ع��داوي‬
‫(المكوّن)‬
‫ِ‬
‫الميالدية األربعة األولى‪ ،‬وما زال هذا‬
‫وب��ورخ��س‪ ،‬وصنع الله إبراهيم ومحمد شكري‪،‬‬
‫ي��ف��ت��رش أرض ال��ج��زي��رة ال��ع��رب��ي��ة‪ ،‬وم���ا ك���ان في‬
‫وروايات أخرى ال تحضرني أسماء أصحابها وال‬
‫الرواية قليل جداً‪..‬‬
‫أذكرها أيضاً‪..‬‬
‫< من العبارات السردية ذات اإليحاء العالي‪« :‬مهما‬
‫سورة الرياض‪ :‬الشرف والمكانة‬
‫كانت نجد خرساء‪ ،‬ففي وجوه أهلها صحف تحمل‬
‫وطء الزمن عليها»‪ ،‬فإلى ماذا كنت تلمح؟‬
‫< لماذا اخترت هذا العنوان‪ :‬سورة الرياض؟‬
‫ل��م��اذا استدعيت (م��ك��ون�� ًا وث��ن��ي��اً) اإلل��ه��ة روض��ا‪،‬‬
‫معبد روافة‪ ،‬والملك النبطي‪ ،‬والبخور الطقوسي‬
‫لموكب الجنازة؟‬

‫> لم أختره عبطاً‪ ،‬لكن كانت الموضوعات المسيطرة‬
‫على العمل‪ ،‬موضوعات عالمة المدينة‪ ،‬وعالمتها‬
‫هي تاريخها األركيولوجي‪ ،‬وهو العراء (الصحراء)‬
‫بحثاً عن منزلة أو ش��رف مكانة‪ ،‬وم��ن هنا جاء‬
‫العنوان‪..‬‬

‫> على الرغم من محاولة جمع المأثور الشفوي‪،‬‬
‫من النتاج الثقافي‪ ،‬نعرف أن تجربة رائ��دة في‬
‫م��ج��ل��دات ع��دة أنتجتها مؤسسة ال��دائ��رة حول‬
‫الثقافة التقليدية في المملكة‪ ،‬أشرف عليها سعد‬
‫الصويان‪ ،‬إال أن في الوجه النجدي ما هو أبلغ من‬
‫بحث أو تأريخ!‬

‫< لم تتورط في روايتك بـ (ال��راوي العليم) حيث‬
‫يسيطر على أحداثها وشخصياتها‪ ،‬بل جعلت من < أشرت في تتمة الرواية إلى عدة تواريخ‪ :‬خريف‬

‫‪74‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫‪2002‬م‪ ،‬ربيع ‪2003‬م‪ ،‬صيف ‪2005‬م‪ ،‬فإلى م��اذا > ف��رض��ت المرحلة التاريخية‪ ،‬والبيئة المكانية‬
‫كانت تشير تلك التواريخ؟‬
‫وك��ذل��ك الحياة االجتماعية وج��ود اآلخ���ر‪ ،‬فهل‬
‫يمكن أن ننكر وجود اآلخر على صعيد الجيرة في‬
‫> تمت كتابة ال��رواي��ة كاملة ف��ي خ��ري��ف ‪2002‬م‪،‬‬
‫البيوت‪ ،‬والزمالة في العمل‪ ..‬؟‪ ،‬ال أظن ذلك‪..‬‬
‫وأع���ي���دت صياغتها ب��ع��د تصحيحها ف��ي ربيع‬
‫‪2003‬م‪ ،‬وبقيت ج��اه��زة ع��ن��دي حتى أعددتها < اع��ت��م��دت ق��ائ��م��ة م���ن اإلح�����االت ل��ن��ص��وص من‬
‫بعد مراجعة نهائية لمسابقة مؤسسة الصدى‬
‫أشرطة وصحف‪ ،‬كتب ودراسات‪ ،‬بحوث ومقاالت‪،‬‬
‫الثقافية‪ ،‬وبعد أن طلبتها دار الفارابي‪ ..‬وفوزها‬
‫فهل هذه عملية (تناص) أم هي أسلوب يتع ّ َداها‬
‫ال كامالً‪.‬‬
‫بالجائزة‪ ،‬أضفت فص ً‬
‫إلى أمر آخر؟‬
‫< لكونك ناقدا في الموسيقى‪ ،‬فهل أقول إن النص > بال شك‪ ،‬لعبة النص الروائي هي (التناص) أو ما‬
‫ال���روائ���ي ي��وح��ي بحركتين‬
‫أدعوه ب ِـ (وسائلية سردية)‪ ،‬بعد‬
‫زمنيتين‪ :‬واحدة تشبه ألحانا‬
‫أن تحدثنا ع��ن طبيعة األدب‬
‫ع��ص��ري��ة (ق��ل��ق��ة وم��ت��وث��ب��ة)‪،‬‬
‫ال��ع��رب��ي‪ ،‬بين الشعر وال��س��رد‪،‬‬
‫وأخ�����رى ق��دي��م��ة (ط��ق��وس��ي��ة‬
‫وربما السيرة والمثل‪ ،‬فإن في‬
‫ونج َو َيّة)؟‬
‫ال��ن��ص ال���روائ���ي ف��رص��ة لدمج‬
‫وسائل ومعارف العصر‪ ،‬لكونها‬
‫> ن�����ع�����م‪ ،‬س���ت���ج���د ال���ح���ك���اي���ة‬
‫مواداً أدبية كمقاالت الصحف‪،‬‬
‫وال���ق���ص���ي���دة ف����ي أص��ل��ه��م��ا‬
‫أو م���واد علمية معجمية‪ ،‬وما‬
‫حالة (ت��ذ ُكّ��ر تخييلي)‪ ،‬وأما‬
‫سوى ذلك‪.‬‬
‫الموسيقى‪ ،‬فهي حالة (خلق‬

‫َّ‬
‫ذاك����رة)‪ ،‬ورب��م��ا ل��م‬
‫يتيسر ل��ي اس��ت��دع��اء ماضي < اعتنيت بالحوار جيداً‪ ،‬فلم تقع في عامية كاملة‪،‬‬
‫الحكايات القريب والبعيد إال بموسيقى سردية!‬
‫تفصح الحوار حتى يفقد طبيعته العفوية‪،‬‬
‫ولم ِ ّ‬
‫فكيف كانت هذه العملية؟‬

‫اآلخر معنا في البيت والعمل‬

‫< هناك لعبة زمنية ذات مسافات بعيدة‪ :‬دخ��ول‬
‫إب��راه��ي��م ب��اش��ا إل���ى ن���ج���د‪1818-‬م‪ ،‬وه��زي��م��ة (أو‬
‫احتالل القدس) ‪1967-‬م‪ ،‬وحرب الخليج الثانية‪-‬‬
‫‪1990‬م‪ ،‬كيف استدعيت هذه لتلك؟‬
‫> الحالة االجتماعية‪ ،‬واألزم��ة الحضارية‪ ،‬والعبث‬
‫الثقافي كلها أسباب كانت وراء تلك اللعبة كما‬
‫تقول!‬
‫< لماذا يحضر اآلخ��ر كثيراً‪ ،‬مثل‪ :‬المسيو ميرو‪،‬‬
‫والصحفية جيرالدا‪ ،‬ومينا وديبورا‪ ،‬وسواهن؟‬

‫> لقد خضت صراعاً خفياً بين تحويل الصوت‬
‫المنطوق غير المعتمد في الفصحى‪ ،‬إلى إيحاء‪،‬‬
‫وليس تصويتاً‪ ،‬فهل تعقل كتابة نطقنا النجدي‬
‫لحرف القاف‪ :‬طريق (ز) وحريق (ز)‪ ،‬أو كاف‬
‫الخطاب المؤنث في عندك (تس) و(وشلونك‬
‫ال‬
‫(تس)‪ .‬إنه من الصعب ما لم يكن مقامه عم ً‬
‫مسرحياً أو تلفزيونياً أو سينمائياً‪ ،‬ولكنني‬
‫وج���دت أن ب��ع��ض ال��ج��م��ل ال��ح��ال��ي��ة وال��ص��ف��ات‬
‫ض��روري بقاؤها كما ه��ي‪ ،‬فلعلها أبلغ من أي‬
‫وصف آخر‪ ،‬ولو كان مرادفاً‪ ،‬سيؤخذ ميتاً من‬
‫المعجم!‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪75‬‬

‫الشاعر سميح القاسم‪:‬‬

‫أنا الشاعر األخير على الكرة األرضية‬
‫> حاوره محمد احلمامصي‬
‫يعد الشاعر الفلسطيني سميح القاسم واح��داً من رواد حركة الشعر الفلسطيني‬
‫الحديثة‪ ،‬احتلت تجربته وال تزال موقعا بارزا في مجمل الحركة الشعرية العربية‪ ،‬بما‬
‫حملته من تنوع وثراء وتطور على مستوى الرؤية واألسلوب‪ ،‬وقد احتفي بها نقديا في كافة‬
‫األقطار العربية‪ ،‬وتناولتها بالدراسة والتحليل أقالم كبار النقاد‪ ،‬كما حظيت بالترجمة‬
‫إلى مجمل اللغات العالمية‪ ،‬صدر له أكثر من (‪ )50‬كتابا في الشعر والقصة والمسرح‬
‫والرواية والترجمة‪ ،‬ونشرت كلها مجمعة في سبعة مجلدات وصدرت عن ثالث دور نشر‬
‫في القدس وبيروت‪.‬‬
‫وقد ك ُِرّم الشاعر الكبير‪ ،‬وحصد عددا من الجوائز والدروع وشهادات التقدير وعضوية‬
‫الشرف من عدة مؤسسات عربية ودولية‪.‬‬
‫ولد القاسم لعائلة فلسطينية في مدينة الزرقاء األردنية عام ‪1929‬م‪ ،‬وتعلّم في مدارس‬
‫الرامة والناصرة‪ .‬وعلّم في إحدى المدارس‪ ،‬ثم انصرف بعدها إلى نشاطه السياسي‬
‫قبل أن يترك الحزب ويتفرّغ لعمله األدبي‪ ..‬سجن القاسم أكثر من مرة‪ ،‬كما وضع رهن‬
‫اإلقامة الجبرية بسبب أشعاره ومواقفه السياسية‪ .‬من أعماله الشعرية‪ :‬مواكب الشمس‬
‫أغاني الدروب دخان البراكين سقوط األقنعة رحلة السراديب الموحشة ديوان سميح‬
‫القاسم الموت الكبير وغيرها كثير‪..‬‬
‫< أين تقف تجربتك الشعرية اآلن؟‬
‫> تجربتي الشعرية ال تقف إال يوم يتوقف قلبي‪ ،‬أما أين هي؟ فهي جزء موضوعي‬
‫من هذه الكينونة الساقطة للحياة العربية المهينة والمشينة بال رحمة‪ ،‬وأحاول‬

‫‪76‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫رغم السنين والعذابات وحوادث الطريق وهذا‬
‫العكاز‪ ،‬أن أتابع الخطى منتصبا قدر اإلمكان‪.‬‬
‫ال أريد أن أقول مقاوما أو متحديا‪ ،‬بل أستعير‬
‫كلمة للشاعر لوركا حين سُ ئِل لماذا تتدخل في‬
‫السياسة وأن��ت شاعر؟ ق��ال‪ :‬أن��ا ال أتدخل في‬
‫السياسة بالمفهوم اليومي المألوف‪ ،‬أنا أدافع‬
‫عن ابتسامتي‪ ..‬أنا أستعير هذا القول مع تغيير‬
‫طفيف‪ :‬أنا أدافع عن دمعتي‪ ،‬وبهذا المعنى أنا‬
‫الذي هو قصيدتي وال شيء آخر على اإلطالق‪،‬‬
‫أح��اول العثور على حفنة ه��واء نظيف لرئتي‪،‬‬
‫وأح��اول العثور على كلمة نظيفة من القاموس‬
‫(ال��وس��خ)‪ ،‬ألنني أحترم شفتي‪ ،‬أحترم صوتي‪ < ،‬عنيت قصيدتك ب��ال��ه��م ال��ع��رب��ي ع��ام��ة وال��ه��م‬
‫أحترم قصيدتي‪ ،‬أعتقد أنني ألعب الشطرنج‬
‫الفلسطيني خاصة؟‬
‫مع الموت‪ ،‬سأكش ملكه إلى حين‪ ،‬وفي نهاية‬
‫المطاف سيكش ملكي‪ ،‬وكل ما في األمر أنني > جملة اع��ت��راض��ي��ة على ال��س��ري��ع‪ ،‬قصيدتي لم‬
‫تعن ال بالهم العربي وال بالهم الفلسطيني‪ ،‬وال‬
‫أري��د أن أتهاوى على رقعة الشطرنج دون ألم‬
‫بالهم الكوني‪ ،‬قصيدتي عنيت بهمي الشخصي‪،‬‬
‫ش��دي��د‪ ،‬وال أع��ن��ي األل���م ال��ج��س��دي طبعا‪ ،‬لكن‬
‫هي قصيدتي الشخصية والموغلة في ذاتيتها‬
‫أعني األلم األشد‪ ..‬ألم الروح‪ ،‬ألم الوجدان‪ ،‬ألم‬
‫الحقيقية‪ ،‬ول��ي��س��ت ال��ذات��ي��ة المستنسخة أو‬
‫الذاكرة‪ ،‬وألم الشعر‪.‬‬
‫المستوردة أو التي تقلد وت��س��رق وتسطو هنا‬
‫< ماذا عن حجم التطوير الذي لحق بقصيدتك‬
‫وهناك على ذاتيات اآلخرين‪ ،‬قصيدتي هي بنت‬
‫في السنوات األخيرة؟‬
‫همي وهاجسي ووجعي وقلقي وغضبي‪ ،‬وبما‬
‫> أن���ا ل��س��ت م��ن��ش��أة تنتج ال��س��ي��ارات‪ ،‬أو أج��ه��زة‬
‫أنني ‪-‬كما ي��ب��دو‪ -‬عضو ملتحم بشعب ووط��ن‬
‫الكمبيوتر‪ ،‬أو ال��س��اع��ات أو أق�لام الحبر‪ ،‬أنا‬
‫وإنسانية‪ .‬فحين عبرت قصيدتي عني‪ ،‬يبدو أنها‬
‫ش��اع��ر‪ ،‬واع��ذرون��ي على إح��س��اس��ي المتواضع‬
‫عبرت عن الشعب الفلسطيني وعن األمة العربية‬
‫بأنني الشاعر ربما األخير على الكرة األرضية‪،‬‬
‫وعن األمة اإلسالمية‪ ،‬وعن المضطهدين‪ ،‬وعن‬
‫هذا إحساس متواضع جدا‪ ،‬ألن المفهوم الرائج‬
‫الفقراء والمحرومين والمقموعين في كل بقاع‬
‫من التجديد والتطوير والتحديث والحداثة في‬
‫األرض‪ .‬يسعدني أن��ن��ي حيث ذه��ب��ت ف��ي هذا‬
‫الحياة الشعرية العربية والثقافة العربية والفكر‬
‫ال��ع��ال��م‪ ،‬حيث ت��أخ��ذن��ي ق��ص��ائ��دي بالعربية أو‬
‫العربي والوعي العربي هو من قبيل (الدعارة‬
‫بالترجمات األخرى‪ ،‬أجد لها أهلها وجمهورها‪،‬‬
‫الثقافية) واستنساخ وضيع وتافه‪ ،‬بهذا المعنى‬
‫حيث أذه���ب ل��ه��ذه القصيدة أص��دق��اء وأح��ب��اء‬
‫أن��ا خ��ارج ه��ذه اللعبة‪ ،‬قصيدتي تطور نفسها‬
‫رائعين‪ ،‬لذلك ال أدعي التأطيرات‪ ،‬أصال تعبير‬
‫ب��اس��ت��م��رار بما ل��م يجترحه أي ش��اع��ر عربي‪،‬‬
‫شعراء المقاومة أن��ا رفضته منذ البداية‪ ،‬أنا‬
‫حسب توصيف النقاد المحترمين والجادين‪ ،‬وال‬
‫لست واحدا من سرب‪ ،‬لست واحدا من قطيع‪،‬‬
‫أعني نقاد المائة دوالر‪ ،‬نقاد الوجبات السريعة‪،‬‬
‫أعني النقاد المحترمين‪ ،‬يعتقدون ‪ -‬ول��ي أن‬
‫أؤي���ده���م ‪ -‬أن ق��ص��ي��دت��ي ع��رف��ت ك��ي��ف تعيش‬
‫وتنمو وتتطور بما تريد وبما ينبغي أن تريد دون‬
‫مشاعر دونية‪ ،‬ال إزاء شاعر فرنسي أو إنجليزي‬
‫أو أمريكي أو روسي أو ياباني‪ ،‬ودون سقوط في‬
‫مستنقع االستحداث االستنساخي السائد في‬
‫الشعر العربي اآلن‪ ،‬وبالتواضع نفسه أقول إن‬
‫الحداثة العربية الشعرية التي تؤمنها قصيدتي‬
‫هي حداثة معافاة‪ ،‬ولن يعلو عليها صوت بإذن‬
‫الله ال اليوم وال غدا‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪77‬‬

‫ل��س��ت ف���ردا م��ن م��ج��م��وع��ة‪ ،‬ال ع�لاق��ة ل��ي بأية‬
‫مجموعة وب��أي إط��ار وب��أي��ة ح��رك��ة‪( ،‬أن��ا لست‬
‫جزءاً من الحركة الثقافية العربية)‪ ،‬لست جزءا‬
‫من شيء‪ ،‬وقصيدتي ليست جزءا من أية حركة < هل تعتقد أن الجمهور العربي ق��ادر اآلن على‬
‫وأية مجموعة‪ ،‬أعلن براءتي من كل التسميات‬
‫تلقي القصيدة؟‬
‫واألط���ر واالدع����اءات التي تحاصرني بفجاجة‬
‫وبقلة ذوق وبقلة أدب أيضا‪ ،‬هذه قصيدتي هي > (سؤال غريب مجوبش عليه) لكن سوف أجاوب‬
‫عليه‪ ،‬لدينا جمهور رائع‪ ،‬يؤسفني أن أقول لك‬
‫تسوقني‪ ،‬أنا لم أسوّق قصيدتي في أي وقت من‬
‫م��ا ه��و م��ع��روف ف��ي اإلع�ل�ام‪ ،‬أمسياتي ف��ي كل‬
‫األوقات‪ ،‬هي تسوقني‪ ،‬هي تقودني‪ ،‬هي تأخذني‬
‫األقطار العربية تحضرها حشود كثيفة‪ ،‬وتتدخل‬
‫إلى حيث شاءت‪.‬‬
‫ال��ش��رط��ة لتنظيم السير‪،‬‬
‫< ع���ذرا‪ ..‬ف��ي ض��وء هذه‬
‫الحمد لله عندنا جمهور‬
‫ال��رؤي��ا التي طرحتها‬
‫رائ��ع‪ ،‬المشكلة ليست في‬
‫م������ا ه������و م���ف���ه���وم���ك‬
‫ال��ج��م��ه��ور‪ ،‬ال��م��ش��ك��ل��ة في‬
‫للشعر؟‬
‫القصيدة‪ ،‬القصيدة التي‬
‫> ليس ل��دي أي مفهوم‬
‫ت���أت���ي ل��ل��ج��م��ه��ور ال��ع��رب��ي‬
‫ل��ل��ش��ع��ر‪ ،‬وأع��ت��ق��د أن‬
‫بلكنة فرنسية ال يفهمها‬
‫كل من يدعي أن لديه‬
‫ليس مطالبا بمعانقتها‪،‬‬
‫مفهوما قاطعا ونهائيا للشعر ي��ك��ذب ويدعي‬
‫أن��ا ال أستطيع أن أت���زوج ام���رأة ال أتقن لغتها‬
‫ويهرطق‪ ،‬ثم إنني لست مطالبا بأن يكون لدي‬
‫وال تتقن لغتي‪ ،‬كيف يمكن أن تتم قصة حب‬
‫مفهوم للشعر‪ ،‬أت���رك ه��ذا للنقاد وال��م��دارس‬
‫مع ام��رأة ال تتقن لغتك وال تتقن لغتها‪( ،‬ربما‬
‫النقدية والباحثين والمحللين السيكولوجيين‪،‬‬
‫يحدث ذلك لدى جارسيا ماركيز)‪ ،‬ماركيز يؤلف‬
‫لكن باختصار أستطيع أن أتحدث عن نفسي‬
‫رواية حب جميلة‪ ،‬أما الحياة فال تقول هذا‪ ،‬إذا‬
‫التي هي أم قصيدتي‪ ،‬أنا إنسان‪ ..‬في النصف‬
‫كان الشعر يكتبه المرء ليضعه في درجه الخاص‬
‫األول من عمري صدقت كل ما قيل‪ ،‬في النصف‬
‫فهذا شأنه‪ ،‬لكن حين تنشر قصيدة أو تُقرأ على‬
‫الثاني من عمري ال أصدق شيئا على اإلطالق‪،‬‬
‫منبر أو منصة أو تنشر في صحيفة إن أحبت أو‬
‫على اإلطالق‪ ،‬على اإلطالق‪ ،‬لماذا أكتب؟ ليس‬
‫لم تحب هي مطالبة بالتواصل مع من يقرؤونها‪،‬‬
‫لتحرير شعب وال وط��ن وال أم��ة‪ ،‬أكتب ألحمي‬
‫إذا كانت عاجزة عن هذا التواصل فلتذهب (في‬
‫نفسي من الجنون ومن فكرة االنتحار‪ ،‬ألحمي‬
‫ستين داهية) ستتحول إلى ورق��ة (تواليت)‪ ،‬ال‬
‫نفسي من الجنون واالنتحار فأنا أكتب‪ ،‬وهذه‬
‫تلوموا الجمهور‪ ،‬اللوم يقع على القصيدة فقط‪،‬‬
‫ال��ع�لاق��ة االستثنائية ب��ي��ن قصيدتي وجمهور‬
‫هذا هو الجمهور‪ ،‬عندنا مائة مليون أم��ي‪ ،‬إذا‬
‫الشعر ف��ي ال��وط��ن ال��ع��رب��ي‪ ،‬وف��ي ال��ع��ال��م يبدو‬
‫فشلت قصيدتي في إشعال بصيص من النور‬
‫ناشئة‪ ،‬عن كون ماليين البشر في العالم أيضا‬
‫ومن النار في أعماق هذا الجمهور األكاديمي‬
‫يريدون أن يحموا أنفسهم من الجنون واالنتحار‪،‬‬
‫واألمي‪ ،‬فهذا يعني أنها غير مبررة‪ ،‬غير مؤهلة‬

‫ه���ذا االن��س��ج��ام ب��ي��ن ن��ف��س��ي ون��ف��وس��ه��م‪ ،‬بين‬
‫هاجسي وهاجسهم هو الذي يولد هذه العالقة‬
‫االستثنائية بين قصيدتي وبينهم‪.‬‬

‫‪78‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫للحياة وللوجود‪ ،‬لماذا تنشر في صحف وكتب‬
‫وكاسيت وإنترنت؟ ألن هذا الضجيج المفتعل‬
‫والتعالي على ال��ش��ع��ب‪ ،‬يعني أن القصيدة ال‬
‫عالقة لها بالشعب وبالوطن‪ ،‬إذا كنت متعاليا‬
‫على الشعب وعلى الجماهير وعلى الوطن فلي‬
‫ذل��ك‪ ،‬شرط أال أنشر في مطابع وصحف هذا‬
‫الشعب وهذا الوطن وعلى إنترنت هذا الشعب‬
‫وهذا الوطن‪ ،‬أال أقدم قصيدتي‪ ،‬ال مشكلة في‬
‫الشعب وال في الوطن وال في الجمهور‪ ،‬المشكلة‬
‫في القصائد‪ ،‬في اإلبداع‪.‬‬
‫< في ضوء ذلك ما هي مشكلة القصيدة العربية‬
‫م��ن وجهة نظرك على مستوى كونها قصيدة‬
‫أوال؟‬

‫جون بيرس أو ت‪ .‬س‪ .‬إليوت فقط‪ ،‬أنا قرأت‬
‫سان جون بيرس وت‪ .‬س‪ .‬إليوت‪ ،‬وقرأت الشعر‬
‫األوروبي واألمريكي والياباني والروسي‪ ،‬قرأت‬
‫ما استطعت أن أق��رأ من شعر العالم‪ ،‬لكن لم‬
‫يصبني فيروس الشعر بالنقص تجاه أي شاعر‬
‫بالعالم‪ ،‬لدي أصدقاء من كبار شعراء العالم‪،‬‬
‫لوي أراجون‪ ،‬رفائيل ألبيرتي‪ ،‬يانيس ريتسوس‪،‬‬
‫وعدد هائل من كبار الشعراء ‪ -‬هائل نسبيا ‪-‬‬
‫ك��ان��وا على ص��داق��ة معي‪ ،‬وه��ذه أم��ور منشورة‬
‫إعالميا‪ ،‬ح��وار ل��وي أراج���ون معي‪ :‬إنني أحب‬
‫قصيدتك ألنها قصيدة عربية‪ ،‬ال أحب القصيدة‬
‫المترجمة إلى الفرنسية عن اللغة العربية بعد‬
‫أن ترجمت سابقا من الفرنسية‪ ،‬هم ال يحبون‬
‫أن نقلدهم‪ ،‬يريدون صوتك ووجهك ورائحتك‬
‫ولونك وطبعك وثقافتك وبيئتك‪ ،‬ال يريدون أن‬
‫تقلدهم‪ ،‬أن تسرق منهم كما يفعل الكثير من‬
‫أشباه الشعراء‪ ،‬يسرقون من كل لغات األرض‬
‫ويصيغونها بالعربية ويقدمونها للعرب‪ :‬خذوا‬
‫شعرا عربيا‪ ،‬وبطبيعة الحال‪ ..‬فالعرب ينفرون‬
‫من هذا التقليد الوضيع وهذا االستنساخ الفج‪،‬‬
‫ال��ع��رب ي��ري��دون قصيدتهم‪ ،‬أعطهم قصيدتك‬
‫فأنت تعطيهم قصيدتهم إن كنت واحدا منهم‪.‬‬

‫> أن��ا لست ن��اق��دا محترفا لكنني ك��ق��ارئ أقولها‬
‫ب��ص��راح��ة ال ي��وج��د ش����يء‪ ،‬ال ي��وج��د م��خ��ل��وق‬
‫ي��ق��ال ل��ه قصيدة أوال‪ ،‬ي��وج��د مخلوق ي��ق��ال له‬
‫قصيدة أوال وأخيرا‪ ،‬شعر أو ال شعر‪ ،‬هذه هي‬
‫المعادلة‪ ،‬إم��ا شعر أو ال شعر‪ ،‬وم��ا ع��دا ذلك‬
‫فهو استنساخ‪ ،‬هلوسات شعراوية‪ ،‬وهذا لألسف‬
‫الشديد في الوطن العربي منه كثيركثير‪ ،‬أكثر‬
‫من الهم على القلب‪ ،‬لذلك فإن القول بالفصل‬
‫بين القصيدة والشاعر‪ ،‬بين القصيدة والبيئة‪،‬‬
‫والقصيدة والتاريخ‪ ،‬القصيدة والمكان‪ ،‬هو هراء < إذاً‪ ..‬أنت تؤيد االتهامات التي توجه تحديدا إلى‬
‫تيار قصيدة النثر؟‬
‫أشخاص وش��ع��راء غير مثقفين‪ ..‬ولدينا منهم‬
‫أط��ن��ان‪ ،‬قطعان‪ ،‬قطعان م��ن ال��ش��ع��راء والنقاد > ال‪ ..‬أبدا‪ ،‬أبدا‪ ،‬ليس لدي إشكال ال مع قصيدة‬
‫والكتاب‪ ،‬قطعان غريبة على الثقافة الحقيقية‬
‫نثر وال مع قصيدة تفعيلة وال مع قصيدة العمود‪،‬‬
‫وع��ل��ى المعنى اإلن��س��ان��ي ل��ل��ث��ق��اف��ة‪ ،‬ه��ن��اك من‬
‫أب��دا‪ ،‬أب��دا أنا ضد توجيه االتهامات بالجملة‪،‬‬
‫يعتقد أن القصيدة الجيدة هي القصيدة التي‬
‫قصيدة نثر أو تفعيلة أو عمودية‪ ،‬السؤال هو‬
‫ال يفهمها الناس‪ ،‬هكذا يعتقد البعض‪ ،‬وبهذا‬
‫شعر أو ال شعر‪ ،‬هناك قصائد نثر ف��ي رأي��ي‬
‫االع��ت��ق��اد ي��خ��رج نفسه م��ن التقويم اإلنساني‪،‬‬
‫أفضل من أفضل قصيدة موزونة ومقفاة‪ ..‬إلخ‪،‬‬
‫ويفتقد الحس اإلنساني‪ ،‬ألنه هو دون مستوى‬
‫وهناك قصائد موزونة أحسن من ألف قصيدة‬
‫البشر‪ ،‬ليس فوق البشر وإنما دون البشر‪ ،‬أو‬
‫نثر‪ ،‬فالشعر ليس بالشكل‪ ،‬الشعر حالة وجدانية‬
‫أن يعتقد أن الناس يجب أن يحبوا قصيدة سان‬
‫وسيكولوجية وفنية وذوقية‪ ،‬مازلنا نقرأ قصائد‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪79‬‬

‫ابن زريق البغدادي ونشتعل‬
‫إح��س��اس��ا ب��ه��ا‪ ،‬وق���د نقرأ‬
‫ق��ص��ي��دة ن��ث��ر ل��ش��اع��ر حي‬
‫اآلن وننفعل بها‪ ،‬إذاً ليست‬
‫ال��م��س��أل��ة م��س��أل��ة ش��ك��ل‪،‬‬
‫هي مشكلة حالة شعرية‪،‬‬
‫الشعر ح��ال��ة‪ ،‬م��ن��اخ‪ ،‬جو‪،‬‬
‫فضاء‪ ،‬كثافة معينة‪.‬‬
‫< ه����ل ت���ت���اب���ع ه�����ذا ال���زخ���م‬
‫الشعري الكبير من قصائد النثر ورأيك فيه؟‬
‫> ال أتابع ال قصائد النثر وال قصائد ال��وزن بما‬
‫كنت أفعله في شبابي‪ ،‬اليوم أنا انتقائي جدا في‬
‫ق��راءات��ي‪ ،‬لكن أق��رأ من حين آلخر قصائد نثر‬
‫تعجبني‪ ،‬وقصائد نثر تقززني‪ ،‬وقصائد عمود‬
‫تعجبني وقصائد عمود تقرفني‪ ،‬وقصائد تفعيلة‬
‫تمتعني وقصائد تفعيلة تغيظني‪ ،‬إذاً الشكل ليس‬
‫هو المهم وإنما الحالة التي تخلقها القصيدة‪،‬‬
‫ال��م��زاج‪ ،‬المناخ‪ ،‬الطقس‪ ،‬الكثافة‪ ،‬تخلق شيئا‬
‫مكثفا في نفسك وحولك‪ ،‬الشكل شيء ثانوي‪،‬‬
‫التكوين الشعري هو األهم‪ ،‬أرفض أيضا الحديث‬
‫عن الشكل والمضمون الشعريين‪ ،‬أنا أتحدث‬
‫عن التكوين الشعري هو كائن متكامل بشكله‬
‫وبمضمونه‪ ،‬ب��ص��وره‪ ،‬بلغته‪ ،‬بخياله‪ ،‬بمزاجه‪،‬‬
‫بسيكولوجيته‪ ،‬هذا التكوين إما أن يكون شعرا‬
‫حقيقة أو أن يكون زائفا‪ ،‬والزائف ال يصل إلى‬
‫الناس‪ ،‬والحقيقي ببساطة يصل إليهم‪.‬‬

‫ال��ش��اع��ر الفلسطيني أعتبره‬
‫إه��ان��ة أي��ض��ا‪ ،‬أعتقد أن لدي‬
‫ف��ي مصر م��ا يكفي ألن أك��ون‬
‫ش��اع��را مصريا‪ ،‬وف��ي العراق‬
‫وف����ي س���وري���ا وف����ي ال��ب��ح��ري��ن‬
‫وف��ي المغرب وف��ي ك��ل مكان‪،‬‬
‫أن���ا ش��اع��ر ع��رب��ي‪ ،‬ويسعدني‬
‫أن عروبتي لم تفقد صداقتها‬
‫لدى شعوب أخرى‪ ،‬مترجم إلى‬
‫كل اللغات الحية‪ ،‬وحيث أذه��ب أج��د أصدقاء‬
‫لقصيدتي‪ ،‬أما أنا (شو شاعر فلسطيني‪ ..‬ما‬
‫حد يحصرني بها الجغرافيا الصغيرة)‪.‬‬
‫< إذ ًا كونك مقيما في فلسطين‪ ..‬متابعا لتجربة‬
‫شعرائها؟‬
‫> أنا مقيم ليس هناك فقط‪ ،‬يوم أقيم في الرامة‬
‫بلدي‪ /‬قريتي على سفح جبل حيدر في الجليل‪،‬‬
‫القرية الجميلة والجبل الهائل الجميل‪ ،‬والمنطقة‬
‫المدهشة‪ ،‬في اللحظة نفسها وفي منزلي أهتم‬
‫بحالة الطقس في الربع الخالي‪ ،‬وبما يحدث‬
‫في اإلسكندرية‪ ،‬وأعيش ما يحدث في بغداد‪ ،‬ما‬
‫العمل؟ هذا تكويني النفسي‪.‬‬
‫< الشعر العربي في فلسطين؟‬

‫> لدينا أصوات جديدة جميلة وجيدة‪ ،‬وبطبيعتي‬
‫أحب أن أستضيف في قراءاتي في كل العالم‬
‫شاعرا جديدا‪ ،‬صوتا جديدا استثنائيا‪ ،‬ولدينا‬
‫أصوات استثنائية جميلة جدا‪ ،‬وأرجو أن تريح‬
‫< أود س���ؤال���ك ع���ن م�لام��ح ال��ت��ج��رب��ة ال��ش��ع��ري��ة‬
‫شيخوختي وأن تقدم لي الصوت الذي يعوضني‬
‫الفلسطينية اآلن؟‬
‫عن صوتي‪.‬‬
‫> رجاء‪ ..‬أنا ال أحب أن أعرّف بالشاعر الفلسطيني‬
‫< لكن بعض هؤالء الشعراء العرب الفلسطينيين‬
‫ب��ال��م��ن��اس��ب��ة أن���ا فلسطيني وأع��ت��ز بفلسطين‬
‫يرون أنك ومحمود درويش قد اختطفتما الشعر‬
‫وشعبها وبثورتها وبنضالها وبكفاحها‪ ،‬وعبرت‬
‫العربي الفلسطيني؟‬
‫عنها ي��وم ع��ب��رت ع��ن��ي‪ ،‬لكن وض��ع��ي ف��ي خانة‬

‫‪80‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫> هذا غير صحيح على اإلطالق‪ ،‬أنا ترأست تحرير‬
‫ع���دد م��ن ال��م��ج�لات وال��ص��ح��ف‪ ،‬ك��ن��ت أف��ت��رض‬
‫دائما وجود األصوات الجديدة‪ ،‬أنا رأست اتحاد‬
‫الكتاب العرب في الداخل لسنوات طويلة‪ ،‬وكان‬
‫هناك حضور مكثف لألصوات الجديدة‪ ،‬حتى‬
‫حين كنت أدع��ى إلى لندن أو إلى روم��ا أو إلى‬
‫القاهرة‪ ،‬كنت أشترط على أصحاب الدعوة أن‬
‫أصطحب معي أصواتا جديدة وقديمة‪ ،‬وأكثر < أش��رت إل��ى بعض مشكالت القصيدة العربية‪،‬‬
‫من مائتي شاعر وكاتب وفنان أخرجتهم إلى‬
‫لكن هناك مشكلة تبني بعض النقاد لمقوالت‬
‫العالم على حساب دع��وات��ي الشخصية‪ ،‬هذا‬
‫أن ال��رواي��ة أصبحت دي���وان ال��ع��رب وأن الشعر‬
‫ات��ه��ام ب��اط��ل وغ��ي��ر صحيح ومتجن ج���دا‪ ،‬لكن‬
‫العربي انحسر وتراجع وانصرف عنه المتلقي؟‬
‫م��ا العمل؟ هناك ح���االت‪ ،‬يعني ف��ي تونس أبو‬
‫> أنت تعلم أن الحياة العربية في هذه األيام هي‬
‫القاسم الشابي ظهر بعده مئات الشعراء لكن‬
‫حياة حرب طوائف‪ ،‬وحرب قبائل‪ ،‬وحرب عشائر‪،‬‬
‫بقي ص��وت أب��و القاسم الشابي‪ ،‬ال يعاقب أبو‬
‫وفي هذا اإلطار يحدث خلل كثير وخراب كثير‬
‫القاسم الشابي‪ ،‬في مصر ظهر آالف الشعراء‪،‬‬
‫في النفس وفي الوجدان وفي الفكر وفي الرؤية‪،‬‬
‫وب��ق��ي ص���وت أح��م��د ش��وق��ي وح��اف��ظ إب��راه��ي��م‬
‫ليست لدي مشكلة إذا كانت الحقيقة تتفق مع‬
‫وخليل مطران ومحمود حسن إسماعيل وعلى‬
‫هذا الطرح‪ ،‬لو أن الرواية العربية بالفعل تطورت‬
‫محمود طه‪ ،‬هل نعدمهم ونعاقبهم كونهم بقوا؟‬
‫بهذا الشكل المدهش لتصبح ديوان العرب‪ ،‬فال‬
‫حرام‪ ،‬يجب احترام التجربة اإلنسانية واحترام‬
‫بأس في ذلك‪ ،‬لكن الحقيقة هي أن الشعر ما‬
‫الذاكرة والتاريخ‪ ،‬والشعور بالعدائية مع األجيال‬
‫زال ديوان العرب؛ ألنه ما زال الجنس األدبي‬
‫خطأ كبير‪ ،‬ص��راع األجيال في نظري أكذوبة‪،‬‬
‫األرق����ى واألك���ث���ر ح��ض��ورا وت��ف��اع�لا‪ ،‬وال���رواي���ة‬
‫أنا مع تكامل وتداخل األجيال وليس مع صراع‬
‫العربية مازالت في طور التكوين‪ ،‬يجب أال نغتر‬
‫األج��ي��ال وه��ذا م��ا قلته لشوقي ف��ي قصيدتي‪:‬‬
‫بأن نجيب محفوظ حصل على جائزة نوبل ومن‬
‫ونظل جيال ال ن��ف��ارق ج��ي�لا‪ ..‬سمعتوني‪ ،‬هذا‬
‫ثم يعني ذلك أن الرواية أصبحت سيدة الموقف‪،‬‬
‫م��ا قلته ألحمد ش��وق��ي‪ ،‬أن��ا ض��د القطيعة بين‬
‫مازالت الرواية العربية في طور التكوين‪ ،‬وتتطور‬
‫األجيال‪ ،‬وجيل يقضي على جيل‪ ،‬لسنا برابرة‬
‫بشكل جميل جدا وأتتبع األعمال الروائية‪ ،‬وعن‬
‫ولسنا أكلة لحوم البشر‪ ،‬والعكس تماما ناحيتي‬
‫نفسي نشرت عملين يشبهان الرواية أسميتهما‬
‫هو الصحيح‪ ،‬شجعت أصواتا من فلسطين ومن‬
‫حكاية أوتوبلوجرافية (إلى الجحيم أيها الليلك)‬
‫مصر ومن لبنان وسوريا والمغرب ومن كل مكان‪،‬‬
‫و(الصورة األخيرة في األلبوم)‪ ،‬لكن هذا الكالم‬
‫ويعرفون ذلك‪ ،‬في لبنان في أمسية لي ولنزار‬
‫يجوز في أمريكا الالتينية بعد رحيل كبار شعراء‬
‫قباني ومحمود دروي��ش وألنسي الحاج أخذت‬
‫أسبانيا لوركا ورافائيل ألبيرتي وبابلو نيرودا‬
‫شاعرا لبنانيا شابا من يده إلى المنصة وقرأ‬
‫ونيكوالسكين وكبار الشعراء باللغة األسبانية‪،‬‬
‫وبروز جيل جابرييل جارسيا ماركيز وزمالئه من‬
‫على منبري‪ ،‬وزمالئي الشعراء ومنهم أبو توفيق‬
‫علي هذا التصرف‪ ،‬أنا أصعدته‬
‫رحمه الله أخذوا َّ‬
‫في لندن إلى المنصة وقلت له إقرأ إلى جانبنا‪،‬‬
‫أن��ا أح��ب األص��وات الجديدة وأتمناها وه��ي ال‬
‫تناقضني‪ ،‬وإذا ناقضتني فهذا شيء جميل جدا‪،‬‬
‫أي شاعر يأتيني إلى صحيفة أو مجلة أحررها‬
‫بقصيدة تشبه قصيدتي أط��رده قائال‪ :‬إذهب‬
‫وجئني بصوتك‪ ،‬بوجهك‪ ،‬بصورتك‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪81‬‬

‫الروائيين العظام‪ ،‬بعد تأصل الرواية في أمريكا‬
‫الالتينية إلى هذه الدرجة أصبحت الرواية ديوان‬
‫أمريكا الالتينية وهذا غير قائم عندنا‪.‬‬

‫وهناك مشكلة أخرى هي انتشار األمية بشكل مروع‪،‬‬
‫وأمية ليست فقط بالمفهوم القديم بل بالمفهوم‬
‫الجديد‪ ،‬أمية ال تتقن التعامل مع الكمبيوتر‪ ،‬مع‬
‫اإلنترنت‪ ،‬مع التكنولوجيا الحديثة‪.‬‬

‫أما بالنسبة لتراجع حجم التلقي للشعر‪ ،‬فهذا‬
‫صحيح‪ ،‬صحيح لكنه خدعة بصرية‪ ،‬دار النشر < أال ت���رى أن ه��ن��اك سببا أخ���ر م��رت��ب��ط بتطور‬
‫التي كانت تطبع من ديوان شاعر معروف عشرة‬
‫القصيدة العربية؟‬
‫آالف‪ ،‬أو عشرين ألف نسخة‪ ،‬أو خمسين ألف > ال‪ ..‬ه��ن��اك س��ب��ب س��ي��اس��ي وه���ذه اإلج��اب��ة قد‬
‫نسخة‪ ،‬أو م��ائ��ة أل��ف نسخة مثال ‪ -‬وه���ذا ما‬
‫تفاجئك وتفاجئ الكثيرين لكني ال أحب اللف‬
‫كنت أسمعه من دور نشر تطبع لي ولزمالئي‬
‫وال����دوران الشعر وال��ف��ن والشعر بشكل خاص‬
‫ اليوم تطبع أق��ل من ذل��ك‪ ،‬وسبب ه��ذا ليس‬‫لعب دورا تاريخيا ف��ي تعبئة الجماهير ضد‬
‫ان��ح��س��ار اه��ت��م��ام ال��ن��اس بالشعر‪ ،‬لكن بسبب‬
‫األنظمة‪ ،‬ضد االستعمار‪ ،‬ضد الحكم األجنبي‪،‬‬
‫وس��ائ��ل االت��ص��ال والتلقي ال��ج��دي��دة كاإلنترنت‬
‫ث��م أف���رز االس��ت��ع��م��ار أن��ظ��م��ة ال��ح��ك��م المحلية‬
‫والتليفزيون‪ ،‬قراءتي الشعرية في أي بلد عربي‬
‫العسكر (العسكريتارية)‪ ،‬ونفوذ السلطة‪ ..‬أصبح‬
‫يشاهدها الماليين‪ ،‬الكتاب يقرؤه مئات اآلالف‪،‬‬
‫هناك اشتباه بين السلطة االستعمارية والسلطة‬
‫لكن التليفزيون واإلن��ت��رن��ت يصالن للماليين‪،‬‬
‫القمعية العربية‪ ،‬والشاعر أصبح في ورطة‪ ،‬لو‬
‫وأح��د الناشرين اق��ت��رح أن أع��د ل��ه (س��ي دي)‬
‫كتب قصيدة ضد وضع اجتماعي أو اقتصادي‬
‫لقراءة شعرية وقدمت له بالفعل أكثر من (سي‬
‫أو س��ي��اس��ي أو ف��ك��ري‪ ،‬رأس���ا ي��ق��ال إن���ه عميل‬
‫دي)‪ ،‬ومن قبل قدمت كاسيتات ق��راءة شعرية‪،‬‬
‫أجنبي‪ ،‬وال صوت يعلو على صوت المعركة وال‬
‫اآلن هناك صاحب مؤسسة ترتبط باإلنترنت‬
‫صوت يعلو على صوت الثورة‪ ،‬ومثل هذا الكالم‬
‫علي فيديو كليب شعري (يضحك ويقول‪:‬‬
‫يقترح َّ‬
‫اإلنشائي‪ ،‬فهناك حالة قمعية جديدة فيما مضى‬
‫الخالف على الراقصات)‪.‬‬
‫كانت واضحة بين المثقف العربي واالستعمار‬
‫إذاً‪ ..‬اخ��ت��ل��ف ش��ك��ل ال��ت��واص��ل ب��ي��ن الجمهور‬
‫األجنبي‪ ،‬اآلن بين المثقف العربي وبين السلطة‬
‫والقصيدة‪ .‬مسألة أخرى أن الكتاب أصبح ثمنه‬
‫(الوطنية)‪ ،‬وأكثر من ذل��ك‪ :‬األنظمة أصبحت‬
‫غاليا‪ ،‬فحين تكون الطباعة أقل يصبح الكتاب‬
‫أكثر ذكاء‪ ،‬فهي تشتري الذمم واألقالم‪ ،‬وتشتري‬
‫أغ��ل��ى‪ ،‬يتقلص ال��ق��راء فيرتفع س��ع��ر ال��ك��ت��اب‪،‬‬
‫الشعراء والمبدعين واإلعالميين‪ ،‬حقيقة يجب‬
‫ألن الناشر أيضا هو مشروع اقتصادي وليس‬
‫أال نتغافل عنها أو نتناساها أو نتجاهلها‪ ،‬هناك‬
‫مشروعا ثقافيا فحسب‪ ،‬وال ألومه على ذلك‪،‬‬
‫شراء لألقالم ولكل شاعر ثمن‪ ،‬ولكل روائي ثمن‪،‬‬
‫والوضع االقتصادي له دوره‪ ،‬حيث يعيش أكثر‬
‫ولكل إعالمي ثمن‪ ،‬هناك قائمة أشبه بقائمة‬
‫من خمسين بالمائة من أبناء األمة العربية على‬
‫الطعام في المطاعم‪ ،‬لكل وجبة ثمن‪ ،‬والشعراء‬
‫أقل من دوالر في اليوم‪ ،‬وفق إحصائيات األمم‬
‫واألدب���اء والمثقفون مذلولون‪ .‬تحولوا إل��ى نوع‬
‫المتحدة وجامعة ال���دول العربية‪ .‬إذاً رغيف‬
‫من العبيد واألرقاء عند النظام‪ ،‬عند المؤسسة‪،‬‬
‫الخبز أهم عندهم من القصيدة وأهم من الورد‬
‫عند السلطة أو عند الشركة االقتصادية‪ ،‬نحن‬
‫وأهم من اللوحة‪.‬‬
‫نتجاهل هذا االنهيار الروحي في الحياة العربية‬

‫‪82‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫قصيدة عربية مازالت قائمة بكل عنفوان وبكل‬
‫هيبة وج��ب��روت ف��ي الحياة العربية‪ ،‬القصيدة‬
‫العربية موجودة هناك‪ ،‬لكن هناك أطنان للذين‬
‫تحولوا إل��ى قطعان‪ ،‬الشعر تجربة ف��ردي��ة‪ ،‬إن‬
‫كنت فردا متميزا ولقصيدتك عنفوانها وكرامتها‬
‫وإبداعيتها الخاصة بها‪ ،‬غير المستنسخة‪ ،‬غير‬
‫المنقولة‪ ،‬غير المستعارة‪ ،‬ستجدها في صدارة‬
‫الروح العربية‪ ،‬ألنها مازالت ديوان العرب‪.‬‬

‫وف��ي الثقافة ال��ع��رب��ي��ة‪ ،‬ه��ن��اك ان��ه��ي��ار أخالقي‬
‫وروح�����ي وث��ق��اف��ي وأص���ب���ح ال��ش��ع��راء وال��ك��ت��اب‬
‫يفرضون رقابة ذاتية على أنفسهم‪ ،‬والشعراء‬
‫يتبرؤون من القضايا السياسية ومن المقاومة‬
‫الشعبية في فلسطين ولبنان والعراق وفي كل‬
‫مكان‪ ،‬يتبرؤون من معاداة الصهيونية ومن معاداة‬
‫االستعمار‪ ،‬يتقربون من األجنبي‪ ،‬يتقربون من‬
‫المؤسسات األوروب��ي��ة واألمريكية التي تغدق‬
‫الجوائز والمكافآت واإلغراءات‪ ،‬وهناك هستيريا‬
‫< الشعراء الشباب يرون أن قصيدة العمود وقصيدة‬
‫نوبل‪ ،‬هناك مثقفون عرب يحلمون بنوبل‪ ،‬وطبعا‬
‫التفعيلة لم تعد أي منهما قادرة على االبتكار‬
‫نوبل ال تأتي لمن يحلم بها‪ ،‬هي تأتي لمن تريده‬
‫وال تقديم صورة أو رؤية جديدة للشعر؟‬
‫المؤسسة الحاكمة عولميا ال��ـ ‪ CIA‬والموساد‬
‫والحكومات والسوق األوروبية‪ ،‬هم من يوزعون > ي��ا أخ��ي محمد اسمح ل��ي‪ ،‬ه��ذا ك�لام سخيف‪،‬‬
‫هذا كالم يقوله أشخاص غير موهوبين وغير‬
‫جوائز نوبل‪ ،‬ونوبل ليست شرفا أدبيا‪ ،‬ولألسف‬
‫مثقفين وغير مدركين لطبيعة العملية اإلبداعية‪،‬‬
‫هناك مثقفون عرب مسعورون‪ ،‬كأنهم ال يجدون‬
‫االع��ت��راف إال إذا نالوا نوبل‪ ،‬وبالمناسبة أنتم‬
‫الذي يقول إن العروض انتهى زمانه كمن يقول‬
‫تعرفون قصتي منذ أكثر من عشر سنوات مع‬
‫لرسام ارسم بدون أل��وان‪ ،‬األل��وان انتهى زمنها‪،‬‬
‫مشروع خذ جائزة إسرائيل وبعدها نوبل‪ ،‬وطبعا‬
‫أو كمن يقول لنحات اصنع تمثاال بدون جرانيت‪،‬‬
‫قلت ال أريد ال جائزة إسرائيل وال جائزة نوبل‪،‬‬
‫الجرانيت قديم انتهي زمنه‪ ،‬هذا ادع��اء من ال‬
‫وال أري��د أي جائزة‪ ،‬الجائزة التي تأتيني أهال‬
‫ي��ع��رف‪ ،‬يعني ال���ذي ال يتقن ال��ع��روض سيكره‬
‫وسهال‪ ،‬الجائزة التي تأتيني عن طيب خاطر‬
‫ويحارب العروض‪ ،‬ألنه ال يتقنه‪ ،‬يقولون العروض‬
‫وبصدق أهال وسهال‪ ،‬جائزة مشروطة ال‪ ،‬جائزة‬
‫واألوزان والقوافي قيود تقيد الشاعر والمخيلة‬
‫أدفع ثمنها ال‪ ،‬ولألسف هناك من العرب وغير‬
‫العربية‪ ،‬أن��ا أق��ول إن ال��ع��روض وال��ق��واف��ي هي‬
‫ال��ع��رب‪ ،‬ه��ن��اك ش��ع��راء وأدب����اء ف��ي ال��ع��ال��م كله‬
‫أج��ن��ح��ة ح��ري��ة‪ ،‬تعطيك م��ج��اال ل�لان��ط�لاق بال‬
‫أصبحت تجارتهم أن يكتبوا ما يرضي األمريكان‬
‫ح��دود‪ ،‬إذا كنت تستوعبها‪ ،‬إذا كنت ج��زءا من‬
‫واإلسرائيليين واألوروبيين ليحصلوا على نوبل‪،‬‬
‫ذاتيتك‪ ،‬إذا كنت متماهيا معها وكانت متماهية‬
‫وبهذا الشكل كاتب من الدرجة الثالثة من الصين‬
‫معك‪ ،‬إذا كانت هذه اإليقاعات جزءا من نبضك‬
‫أو تركيا أو بريطانيا يحصل على نوبل في هذه‬
‫فهي أجنحة حرية‪ ،‬وهكذا‪ ،‬أما القول بالقطيعة‬
‫األيام‪ ،‬ليست معجزة‪.‬‬
‫مع األوزان فهذه أيضا قضية سياسية مشبوهة‬
‫< لكنك لم تجب على سؤالي هل كان أحد أسباب‬
‫ومفضوحة عندي‪ ،‬هناك حملة‪ ،‬هناك سونامي‬
‫إط�لاق مقوالت انحسار الشعر وتراجعه تطور‬
‫عولمي يريد إلغاء األمة العربية بإلغاء ذاكرتها‪،‬‬
‫القصيدة العربية؟‬
‫بإلغاء ثقافتها‪ ،‬بإلغاء وجدانها‪ ،‬بإلغاء تاريخها‪،‬‬
‫ب���دون ال��ع��روض ل��ن يفهم أب��ن��اؤن��ا وأح��ف��ادن��ا ال‬
‫> أنا أجبتك عن هذا السؤال قبل أن تسأله‪ ،‬هناك‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪83‬‬

‫المتنبي وال ام��رؤ القيس وال أحمد شوقي وال‬
‫محمد م��ه��دي ال��ج��واه��ري وال المعري وال أبو‬
‫تمام‪ ،‬يعني ستمحى مرحلة من تاريخنا الثقافي‬
‫وم��ن موروثنا وم��ن كنوزنا الثقافية‪ ،‬اذك���روا ما‬
‫حدث في تركيا حين جاء ذلك الطاغية كمال‬
‫أتاتورك وألغى الحرف العربي‪ ،‬يريد أن يطور‬
‫تركيا وأن ينقلها إلى الحضارة األوروبية‪ ،‬ألغى‬
‫الحرف العربي وألغى تراثا تركيا طويال مكتوبا‬
‫بالحرف العربي‪ ،‬محاه‪ ،‬وب��دؤوا من جديد فلم‬
‫يصنعوا شيئا‪ ،‬وضع الثقافة العربية اليوم أفضل‬
‫بكثير من وض��ع الثقافة في تركيا‪ ،‬فالعمليات‬
‫القصيرية الجاهلة الحمقاء االنتحارية تعبر‬
‫عن دونية وعن تخلف وعن فقدان الثقة بالنفس‬
‫وبالتراث وبالتاريخ‪ ،‬يخطط لنا ونحن غافلون‪،‬‬
‫مرة أخرى يا سيدي (ما بدك تكتب بالعمود ال‬
‫تكتب بالعمود‪ ،‬من يجبرك؟)‪( ،‬م��ا ب��دك تكتب‬
‫بالتفعيلة ال تكتب بالتفعيلة‪ ،‬م��ن ي��ج��ب��رك؟)‪،‬‬
‫(بدك تكتب قصيدة النثر اكتب قصيدة النثر)‬
‫لكن قدّ مها قصيدة جيدة‪ ،‬حسابي مرة أخرى ال‬
‫مع شكل وال مع مضمون‪ ،‬حسابي مع كيان‪ ،‬قدم‬
‫لي كيانا شعريا‪ ،‬وأيضا ال أح��ب كلمة (ن��ص)‪،‬‬
‫ق��دم لي كيانا شعريا جيدا وسأنحني أمامك‪،‬‬
‫لكن محاولة إلغاء ما سبق فهذا جهل وتخلف‬
‫وحمق‪ ،‬وأعوذ بالله من الشيطان الرجيم‪.‬‬
‫< هل ترى أن الحركة النقدية العربية واكبت تطور‬
‫التجربة الشعرية العربية؟‬
‫> االن��ح��س��ار أو ال��ب��ل��ب��ل��ة ف���ي ح��ي��ات��ن��ا ال��س��ي��اس��ي��ة‬
‫واالق��ت��ص��ادي��ة واالجتماعية أف���رز بلبلة ثقافية‬
‫ونقدية وفكرية‪ ،‬وطبعا النقد في النصف األول‬
‫من القرن الماضي ونصفه الثاني ‪-‬إل��ى حد ما‬
‫ شهد حالة من الديالوج بين اإلب��داع والنقد‪،‬‬‫وكان ديالوجا شبه متكافئ هنا أتكلم عن النقد‬

‫‪84‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫اإلب���داع���ي‪ ،‬ف��ف��ي رأي���ي ال��ن��اق��د عملية إب��داع��ي��ة‬
‫وليس قضية عرض‪ ،‬ولكن بالقفزة في النشر‪ ،‬لم‬
‫يكن كل شاعر يستطيع طبع دي��وان وك��ل روائ��ي‬
‫يطبع رواية‪ ،‬كان األمر صعبا‪ ،‬كان فقط بمقدور‬
‫المتميزين والمتفوقين الحصول على إمكانية‬
‫النشر‪ ،‬أم��ا اآلن فلكثرة الصحف ودور النشر‬
‫والمجالت ومواقع اإلنترنت صار النشر عملية‬
‫يسيرة ج���دا‪ ،‬ك��ل م��ن يكتب يستطيع أن ينشر‪،‬‬
‫وه���ذا خلق ف��ج��وة بين اإلب���داع ككم وب��ي��ن ق��درة‬
‫النقاد على المتابعة‪ ،‬وخلق شيئا من الفوضى‬
‫والركاكة والسلق (يسلق المقالة النقدية) وظهر‬
‫النقد الصحفي؛ بمعنى الكتابة عن دي��وان شعر‬
‫أو رواي���ة أو بحث أك��ادي��م��ي وبطريقة صحفية‬
‫سريعة‪ ،‬تماما كالوجبات السريعة‪ ،‬فنشأت فجوة‬
‫بين ض��رورة النقد وإمكانياته والكم الهائل من‬
‫الكتابة والنشر وال أقول اإلبداع‪ ،‬ونشأت حالة من‬
‫الفوضى في كل حياتنا السياسية واالجتماعية‬
‫والثقافية‪ ،‬واآلن هناك إشكالية في النقد‪ :‬ذائقة‬
‫وثقافة الناقد في ورطة مع ثقافة المبدع وذائقة‬
‫المبدع‪ ،‬ك ّ ٌم هائل مما يصدر ال يصمد أمام حد‬
‫أدنى من النقد األكاديمي المحترف‪ ،‬وأعتقد أن‬
‫تراجع النقد جاء نتيجة وليس سببا‪ ،‬الناقد عادة‪،‬‬
‫يتبع اإلبداع؛ بمعنى أنه بدون إبداع جيد لن يكون‬
‫هناك نقد راق وعال ومحترف‪ ،‬فتراجع العملية‬
‫اإلبداعية أدى إلى تراجع في النقد أيضا وهذا‬
‫ما أفقد الكثيرين من الكتاب والشعراء الشبان‬
‫البوصلة‪ ،‬كان النقد‪ ..‬إذا كتب محمد مندور أو‬
‫أي ن��اق��د ع��رب��ي مهم ف��ي زم���ان أن���ور المعداوي‬
‫ولويس عوض ‪-‬نقاد كبار‪ -‬كانت مقالة من أحدهم‬
‫تشجع موهبة أو تحبط أخرى‪ ،‬كان هناك احترام‬
‫للنقد أيضا‪ ،‬كان مارون عبود إذا كتب مقالة في‬
‫شاعر أو كاتب يحدد له وجهة تطوره وتقدمه‪،‬‬
‫اليوم صار نوع من البالدة في العملية الكتابية‬

‫وال أقول اإلبداعية‪ ،‬تبعتها حالة بالدة في النقد‪،‬‬
‫ولغة السوق والبضاعة والعرض والطلب دخلت‬
‫في الحياة األدبية؛ في الشعر والموسيقى والنقد‬
‫والفكر‪ ،‬انعكس التوحش والتوغل الرأسمالي بقوة‬
‫وعنف على الحياة الثقافية‪ ،‬بالش لف ودوران‪..‬‬
‫هناك أناس ينظرون لتبرير الخراب في حياتنا‪،‬‬
‫أنا غير ملزم بهذا وغير مدعو له‪ ،‬وأرفض التنظير‬
‫للخراب‪ ،‬المكتبة العامة تتحول إلى كافتيريا‪ ،‬هذا‬
‫يحدث بأثر التوغل الرأسمالي في العالم كله‪.‬‬
‫< أخ���ي���را م����اذا ع���ن خ��ط��ط��ك ال��ق��ادم��ة ف���ي إط���ار‬
‫مشروعك في الكتابة؟‬

‫الفكرة ووح���دة الصياغة‪ ،‬يقوم على تداعيات‬
‫يربطها بالكوالج البنية الشكلية‪ ،‬لكن تختلف عن‬
‫الكوالج بأنها ذات مناخ نفساني وشعري واحد‪،‬‬
‫يعني م��وض��وع واح���د م���وزع‪ /‬مبعثر ف��ي ح��االت‬
‫م��ت��ع��ددة‪ ،‬ال ي��ق��وم على وح���دة القصيدة ووح��دة‬
‫الصياغة ب��ل ي��ق��وم على وح���دة ال��م��ن��اخ‪ ،‬نشرت‬
‫ع��ددا من السربيات منذ العام ‪1965‬م‪ ،‬جاءت‬
‫السربية األولي (إرم) مستوحاة من أسطورة (إرم‬
‫ذات العماد) وبعدها نشرت عددا من السربيات‬
‫منها إسكندر ون في رحلة الخارج ورحلة الداخل‪،‬‬
‫وم��راث��ي سميح القاسم وث��ال��ث أكسيد الكربون‬
‫والصحراء‪ ،‬وخذلتني الصحارى‪ ،‬وكلمة الفقيد‬
‫ف��ي م��ه��رج��ان تأبينه‪ ،‬وه���ذا الشكل تبناه عدد‬
‫من أخوتي الشعراء وكتبوا فيه‪ ،‬لم يطلقوا عليه‬
‫اسم سربية ال بأس المهم انتصر الشكل وأصبح‬
‫عدد من الشعراء‪.‬‬
‫معتمدا لدى ٍ‬

‫ > ال أخطط أب��دا‪ ،‬ولم أخطط أبدا في حياتي‪ ،‬ال‬
‫أطيق الحديث عن مشروع شعري قبل تحققه‪،‬‬
‫بعد انتهاء شاعر ‪ -‬برحيله عن الوجود ‪ -‬ندرس‬
‫مشروعه الشعري‪ ،‬نقول كان لديه مشروع أو لم‬
‫يكن لديه مشروع‪ ،‬أما التخطيط المسبق فهذا‬
‫أتركه ل���وزارات التخطيط‪ ،‬ال تخطيط اإلب��داع‪ < ،‬هل لك طقوس خاصة في الكتابة؟‬
‫ل��ك��ن م��ن ال��ن��اح��ي��ة العملية ل َّ‬
‫����دي مجموعة من < أعتقد أن افتعال الطقوس هو نوع من خلق هالة‬
‫القصائد الكالسيكية الحديثة‪ ،‬أرجو أن أصدرها‬
‫حول الشاعر‪ ،‬نوع من اللعب اإلعالمي‪ ،‬كأن يقول‬
‫قريبا‪ ،‬ول��دي ما أطلقت عليه الكوالج الشعري‪،‬‬
‫شاعر أنه ال يستطيع الكتابة إال إذا اشتم رائحة‬
‫وه��و شكل أعتقد أنني أسست له من أكثر من‬
‫األج��اص الفاسد‪ ،‬أو أنه ال يستطيع الكتابة إال‬
‫ع��ش��ري��ن س��ن��ة‪ ،‬ال��ق��ص��ي��دة‪ /‬أو البنية الشعرية‬
‫على ورق بقياسات معينة‪ ،‬لدي عادة ال أسميها‬
‫ال��ك��والج��ي��ة‪ ،‬وه��ي ت��داع��ي��ات على وم��ض��ات على‬
‫ط��ق��س��ا‪ ،‬أف��ض��ل س��اع��ات ال��ك��ت��اب��ة ب��ع��د منتصف‬
‫حاالت‪ ،‬اكتئابات‪ ،‬إشراقات‪ ،‬تجمع بشكل الكوالج‬
‫الليل حتى الصباح‪ ،‬حتى الفجر األزرق‪ ،‬هناك‬
‫في العمل التشكيلي وتقدم حالة شعرية عريضة‬
‫لحظات يكون فيها الفجر أزرق���ا‪ ،‬أعتقد أنني‬
‫وعميقة وبعيدة‪ ،‬هذا الكوالج الشعري لدي منه‬
‫أكثر من شاهدها في العالم‪ ،‬لدرجة أنني أحاول‬
‫ستة كوالجات منشورة‪ ،‬األول طبع في كتاب من‬
‫أن أسجلها في الشهر العقاري كملكية خاصة‪،‬‬
‫عشرين عاما‪ ،‬واألعمال الجديدة أرجو أن تطبع‬
‫ألن أحدا في العالم ال يشاهدها كما أشاهدها‪،‬‬
‫قريبا‪.‬‬
‫مشاهدة شبه يومية‪ ،‬لحظات فقط‪ ،‬ليس الفجر‬
‫كله‪ ،‬لحظات بين الفجر والليل والفجر والنهار‬
‫ وطبعا لدي مشروع آخر هو السربيات‪ ،‬والسربية‬
‫ي��ص��ع��ب ت��ح��دي��ده��ا ي��ك��ون ال���ك���ون ف��ي��ه��ا ب��زرق��ة‬
‫هي ما كان يسمى مطولة شعرية‪ ،‬لكنه ليس مطولة‬
‫استثنائية تماما‪ ،‬غير الزرقة التي نألفها‪.‬‬
‫شعرية؛ ألنه ال يقوم على وحدة الموضوع ووحدة‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪85‬‬

‫القاص عبدالرحمن الدرعان‪:‬‬

‫إدغار ألن بو (السعودي) الذي يرضع طفولته من‬
‫حقائبه القصصية السردية‬

‫> هدال القصار‬

‫<‬

‫(أديبان سعوديان صاحباني أثناء سفري من القاهرة إلى بيروت وبالعكس‪ ،‬األول‬
‫كان القاص عبد الرحمن الدرعان والثاني كاتب وشاعر ختمت رحلتي معه ومع نصوصه‬
‫سأتحدث عنه في المقال القادم‪ ،‬لكن ما لفت نظري هو طرحهما لمشكلة واحدة‪ ،‬مع‬
‫اختالف الشرح‪ ،‬أما في األسلوب فهما يتفقان في طرح المشكلة نفسها ومعالجة الوضع‬
‫اإلنسان عامة والوضع الصحراوي خاصة‪.‬‬
‫قبيل خروجي من غزة بأيام معدودة‪ ،‬لفت انتباه تطفلي األدبي عنوان يقول‪« :‬مثقف‬
‫متعدد المواهب استطاع أن يهزم الشعر والرسم بالقصص القصيرة» علقت هذه الكلمات‬
‫في ذهني ألبحث عن األسباب وال��دواف��ع‪ ،‬وكيفية «ه��زم الشعر» التي أثارتني‪ ،‬وأدخل‬
‫جوف هذا القاص الذي حملت بعض أوراقه التي نشرت‪ ،‬طالمة لمست رائحة الشعر‬
‫على أوراقه وما يحمله من مفاتيح النغمات وشفافية المفردات األنثوية برشاقتها التي‬
‫تحملها نصوصه‪.‬‬

‫ن��������واف��������ذ‬
‫‪86‬‬

‫في صالة االنتظار رقم ‪ 22‬في مطار القاهرة الدولي‪ ،‬وبانتظار وصول الطائرة‪ ،‬التقطت‬
‫من حقيبتي بعض األوراق التي دونت عليها بعض العناوين والمالحظات لدراسات نقدية‪،‬‬
‫ودفترين أحدهما لخربشة الومضات‪ ،‬واآلخر لصياغة األسطر‪ ،‬وبدون تحديد وجدت بين‬
‫يديَّ أوراق القاص عبدالرحمن الدرعان‪ ،‬دهشت مما قام به الدرعان من حرق لقصائده‬
‫ومجموعاته القصصية (نصوص الطين) نتيجة عدم رضاه عنهما‪ ،‬ثم اصدر مجموعة بعنوان‬
‫(رائحة الطفولة)‪ .‬هنا نقلني القاص الدرعاني السعودي إلى طفولته الناضجة في كتاباته‬
‫وأحالمه التي عبر عنها في مضامينها‪ ،‬ومن داخل نصوصه ونقده المنفرد به‪ ،‬وقوة تأثره‬
‫بمجريات الحياة اإلنسانية ومعطيات الحاضر والمستقبل‪ ،‬وهو يغوص فيها ويضعها بين‬
‫شخصيات أبطاله‪ ،‬وشخصيته المسربة ما بين السطور‪ ،‬حين يسرح بأحالمه التي ال تهدأ‬
‫حين يرتجف ببكائه الصامت فوق أوراقه‪ ،‬بشفافية البوح وعمق الصور اإلنسانية وحول ما‬
‫يشير إليه في تمرده على جفاف الصحراء المجبلة بالحكايات‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫شق القاص المبدع عبدالرحمن طريقه في مجال‬
‫ال عن الشعر‪ ،‬حيث ما لبثت تلك‬
‫السرد القصصي بدي ً‬
‫األخيلة المحملة بهلوساته العقالنية من تحت عقاله‪،‬‬
‫وبهدوء طرح لنا أعمدة وجسور قصصه التي تسيطر‬
‫على حقيقة الواقع‪ ،‬التي نسجت اكتشافه من عنق‬
‫الزجاجة‪ ،‬حين سافر بأدواته الصوفية مع شخصياته‬
‫التي يلقنها هموم الصحراء الخشنة‪ :‬الكبت والقمع‬
‫اإلنساني‪ ،‬إنه يلعب في خلق الشخصيات وتصوير‬
‫ال��واق��ع الحقيقي وإن���ذار ال��رم��وز والقناعات لديه‪،‬‬
‫ويطرح ترميم ما يجب ترميمه دون وراثة ورؤى فيما‬
‫يطرح مساءالته في نصوصه السردية‪:‬‬

‫وي��دور ح��ول الشخصية التي يريد أن يثبت صوره‬
‫عليها في سرده على عدم مقدرته الستيعاب الواقع‪.‬‬
‫وه��و ما زال يبحث عن ق��درة وتكيف اإلنسان فيه‪،‬‬
‫محاوال إقناع الشاهد على مجريات الوقائع بخصوبة‬
‫أبعاد القصة وقناعاته‪ ،‬والقيم الموروثة باليقين الذي‬
‫يدخل في سطوره‪ ،‬وهو يكشف لنا تلك المحاوالت من‬
‫خلف أدوار أبطاله التي يقول فيها الكاتب في النهاية‬
‫وبالالوعي إن الكاتب أنا أنا هنا أنا هناك وأنا في‬
‫كل زاوية من القصة‪ ،‬وفي تلك المدينة البعيدة وبكل‬
‫الحاالت التي حملتها نصوصه وعناوين قصصه؛ كما‬
‫انه يسعى إلعادة بناء النفس من جديد لتتناسب مع‬
‫الواقع الزمني الحديث ال��ذي ي��راه متناقضا للواقع‬
‫الحالي‪.‬‬

‫أن���ت ال��ق��ادم ال��م��ت��وح��ش م��ن ال��ط��رق��ات المتربة‬
‫ر ّوض��ت��ك اإلش�����ارات ال��ض��وئ��ي��ة‪ ،‬ف��وق��ف��ت أخ��ي��را مع‬
‫الموجوئين‪ ..‬روضتك بصعوبة‪ ..‬لكنك أذعنت لها‬
‫أخ��ي��را وتحب األس��م��اء التي ت��ت��ردد ف��ي األساطير‪،‬‬
‫حين تضع أم��ك رأس��ك ف��ي حجرها وتقص عليك‬
‫أحسن القصص‪ ،‬وهي تفلي شعرك وتزعم أنك أقل‬
‫الناس حظاً‪ ..‬وأنك الرجل الذي لم تضطهد األيام‬
‫أحدا مثله‪ ،‬وحين تفشل مع األطباء المناوبين الذين‬
‫يناورونك في المستوصفات آخر الليل‪ ،‬ال تتردد في‬
‫الذهاب من فورك إلى المشائخ‪ ،‬وأسواق العطارين‬

‫على سبيل الوفاء فقط‪ ،‬بيد أنها لم تعد تخصك‪.‬‬
‫فقد تعلمت بالوراثة أن تصدق كل الشائعات التي كان‬
‫أهل قريتك يروجون لها‪ ،‬مثل مبدأ «أن الصعوبات‬
‫التي ت��ذل اإلن��س��ان ويعجز عن التصدي لها تتكفل‬
‫بمحوها األي��ام»‪ ،‬ويوم فرم جنـزير الدراجة كاحلك‬
‫آن���ذاك وأوق��ع��ت��ك مهرتك الصغيرة أرض���اً ل��م تجد‬
‫عكازاً تسند ضعفك يومها غير تلك الكلمات التي‬
‫رماها جدك القاعد في شمس الضحى يمضغ رطب‬
‫أول النهار إذ حصبك بالنواة‪.‬‬

‫ربابة مشعان‬

‫أن��ت على ال��رغ��م منك تظل اب��ن القرية‪ ،‬تخاف‬
‫كما في إحدى سردياته كانت له طرقه الخاصة‪،‬‬
‫من األب��واب التي تنفتح من تلقاء نفسها في فنادق‬
‫التي حاول أن يبرر لنا فيها كبت الطفولة الناضجة‬
‫الدرجة الممتازة والمطارات والمستشفيات الكبيرة‪،‬‬
‫بين هاللين داخل عنوان‪:‬‬
‫تتلفت كثيرا توقعا للمباغتة كأن أحدا يتتبع خطواتك‪،‬‬
‫دم الجمعة‬
‫وال تحسن قيافة مالبسك‪ ،‬وعندما جربت أن ترتدي‬
‫البدلة كنت تتملى جسدك في المرايا كما لو كنت‬
‫ج����راح ك��ث��ي��رة اس��ت��ط��ع��ت أن ت��ت��ج��اوزه��ا ب��م��رور‬
‫عاريا‪ ،‬وتدس يدك في جيبك لتع ّد نقودك بطريقة الوقت‪ ،‬موت عاهل‪ ،‬إهانات إخفاق‪ ،‬وحرمان‪ ،‬تحكي‬
‫اللمس كالعميان‪.‬‬
‫تفاصيلها اآلن بحياد كأنك تستدينها من ذمة الزمان‬

‫***‬

‫***‬

‫يتردد القاص عبدالرحمن‪ ،‬أن يفصح عن ذاته‬
‫تتجه أبطال قصص الكاتب دائما إلى عدم القدرة كعناد ال��ص��ح��راء‪ ،‬لكنه يعمل على إص�ل�اح وبنائه‬
‫على تحمل الواقع الذي فرض نفسه‪ ،‬لذا نراه يحوم المجتمع برشاقة رؤاه للواقع‪ ،‬إذ يواجه المجتمع والقيم‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪87‬‬

‫اإلنسانية ومعالجتها من خ�لال مفاتيحه الشعرية وتعابيره التي ألقى علينا بها‪.‬‬
‫وسرديته القصصية الخاصة به‪ ،‬فكلما نظرت إليه‬
‫ب�� َم يمكنني أن اسميه؟ غير أن��ه «إدغ���ار أل��ن بو‬
‫من خالل قراءاتي ومن بين القوافي والسطور أراه‬
‫‪ »EDGAR ALLAN POE‬الذي أزاح شعره ورسوماته‬
‫ال يبحث عن األمان‪ ،‬والحنان االمومي المستمد‬
‫طف ً‬
‫وتبع الرواية وصنف شفافية سرده على أوراقه‪.‬‬
‫من ام��ت��داد ق��وة األب الموروثة في تكوينه وكينونة‬
‫ه���ذا ال��ك��ات��ب وال���ق���اص ال��س��ع��ودي أو ال��ش��اع��ر‬
‫ونضوجه‪ ،‬يعزف لنا رنين عباراته من خالل كلماته‬
‫المبعثرة في نصوصه‪ ،‬واألل��ق ال��ذي ينتابه من تلك ال��درع��ان��ي ال��س��ع��ودي أري���د أن أس��ال��ه‪ :‬كيف يمكن‬
‫األحاسيس الممخض بالعجز أم��ام رائ��ح��ة الموت لخشونة الصحراء أن تطلق مثل ه��ذا النص الذي‬
‫وكوابيسه؛ فهو يحاول قتل هذا الشعور في أعماق تحوّل بين أصابعه إلى غزل شعري رقيق في هذه‬
‫الالوعي من خالل قصصه حيث يعبر عن مخاوفه القصيدة وليعذرني القارئ لعدم تمكني وتيقني أن‬
‫اإلنسانية العميقة والسعي إليقاظ العالم من حوله كانت هذه القصيدة؟ من ديوانه الذي أحرق‪:‬‬
‫ومن فوضى النفوس‪ ،‬والحاالت التي يمر فيها بنسج‬
‫ديما‬
‫أخيلته الروائية؛ ليوجه اللوم على الواقع الصحراوي‬
‫ي��ا ع���ازف ال��ع��ود غ��ن اللحن تنغيما‬
‫أو على المدن الصغيرة والبعيدة واضطهاد الذات‪،‬‬
‫وأش���ع���ل ال���وت���ر ال���غ���اف���ي ت��ق��اس��ي��م��ا‬
‫اإلنسان لإلنسان‪ ،‬وعدم نمو الطبيعة في الصحراء‬
‫وارم التهاني شموعا كلما اعتكرت‬
‫كما حدثنا عن الجبل القائم في طفولته‪.‬‬
‫أو أوغ�����ل ال��ل��ي��ل اب���ه���ام���ا وت��ع��ت��ي��م��ا‬
‫إن القاص السعودي يسعى لتحرير الروح المكبوتة ل��ق��د ب���دا ال���ب���در ف���ي أع��ل��ى م��ن��ازل��ه‬
‫في كتاباته السردية وفوق سطوره وهو يصطاد طفولته‬
‫وع���ان���ق���ت���ه س����م����اء ش��م��س��ه��ا دي��م��ا‬
‫من خالل الشخصيات‪ ،‬ويحملها عمق المعاناة أثناء ي���ا درة ال��ص��ب��ح ي��م��م��ن��ا وم��رش��دن��ا‬
‫خربشات أصابع أطفال رواياته‪ ،‬وتوظيفها وتحويلها‬
‫س��ن��ا ض���ي���اك – أق��ال��ي��م��ا أق��ال��ي��م��ا‬
‫نحو الجمال الروحي‪ ،‬من خالل شخصياته المحببة‬
‫ف��ل��م ت��ض��ل��ل ن��ج��وم ال��ف��ج��ر سكتنا‬
‫والتي تصارع حجمها الخاص وتعكس الوضع األكثر‬
‫ول���م ت��ن��ج��م ح����داة ال���رك���ب تنجيما‬
‫ال من خلف تجربته الواعية‪.‬‬
‫تأم ً‬
‫وأذن ال���ق���م���ر ال����غ����ي����ران ي��س��أل��ن��ا‬
‫إن����ه ش��اع��ر وق����اص ي��ح��م��ل ف���ي ص����دره ع��اط��ف��ة‬
‫أن������ا أن�������ا‪ ،‬أم أن�������ا! أم إن����ه����ا دي��م��ا‬
‫ال��روم��ان��س��ي��ة وع��ل��ى أك��ت��اف��ه ح��زن��ه وأوج�����اع ه��م��وم س��ي��أف��ل ال��ق��م��ر ال���غ���ي���ران ف���ي غ��ده‬
‫ال��ص��ح��راء‪ ،‬وك��أن��ه رج���ل ي��ع��ب��ث خ����ارج ع��ص��ره وإن‬
‫وس�����وف ي��ن��ك��ص إذع����ان����ا وت��س��ل��ي��م��ا‬
‫إحساسه بالكبرياء لم ير َق له إلى الحد الذي يلغي ي���ا ح����ادي ال��غ��ي��م أم��ط��ره��ا م����رذرذة‬
‫إحساسه بقسوة العالم من حوله‪ ،‬خاصة بعد وفاة‬
‫وح���وم���ي ي���ا ط��ي��ور ال���م���اء تحويما‬
‫والدته ووال��ده الذي توفي بعد فترة طويلة بمعاناته واغ����زل ل��ه��ا م��ن وش���اح ال��ب��رق أردي���ة‬
‫مع المرض أمام عينيه‪ ،‬ووضعه في قفص الحرمان‬
‫وع��ل��م ال��ب��در ه���ذا ال��ح��س��ن تعليما‬
‫من شعور الطفولة الذي كان يسكنه ويحبو به نحوه‪ ،‬وام��ل��أ ع���ي���ون ذوي���ه���ا م���ن ه��ن��اءت��ه��ا‬
‫واليوم خطفه الموت وقيده الطفل في داخله‪ ،‬وهو ما‬
‫وام���ل��أ ل���ه���ا ق�����دح األي�������ام ت��س��ن��ي��م��ا‬
‫مثله في بطل قصته «رائحة الطفولة» الطفل الذي أس��ت��غ��ف��ر ال���ل���ه ي����ا دي���م���ا وم���ع���ذرة‬
‫حشره داخل غرفة ضيقة‪.‬‬
‫ف���إن ف���ي ال��ش��ع��ر ت��ش��وي��ه��ا وت��ه��وي��م��ا‬
‫ال ادري بعد ه��ذا الحشد القليل م��ن قصصه ق���د ك��ن��ت م��ث��ل��ك ط��ف�لا ش���ع���ره درر‬

‫‪88‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫زمن‪ ،‬سيد قاعد جاح ُد‬
‫وجهه واحد‪ ،‬صوته واح ُد‬
‫نومه‪ ،‬صوم ُه‬
‫شكله‪ ،‬جهل ُه‬
‫قتله‪ ،‬قتل ُه‬

‫فجاءك اليوم يهديك (المالليما)‬
‫مشت ال��ي��ك ال��ق��واف��ي وه��ي خاشعة‬
‫م��ش��ي ال��غ��ي��ي��م��ات إج��ل�اال وت��ك��ري��م��ا‬
‫فأسمعيني م��ن��اغ��ات��ي ال��ت��ي ذهبت‬
‫ق��ص��ي��دت��ي أص��ب��ح��ت ل��غ��وا وت��أث��ي��م��ا‬
‫رأي��������ت ف���ي���ك ص���ب���ي���ا ك���ن���ت���ه وي�����دا‬
‫وتواريخه وفضائحه ملء هذي المحيطات لكنما‬
‫ت��ه��ده��د ال��م��ه��د ت��ح��ن��ان��ا وت��ن��وي��م��ا شكلها واحد ملحها واح ُد‬
‫م��ن��دي��ل أم����ي‪ ،‬ب��ك��ائ��ي ك��ل��م��ا نعست‬
‫وص�����وت ب��ح��ت��ه��ا ي��ل��ق��ي ال��ت��ران��ي��م��ا‬
‫لمن سأقيم المناسك؟‬
‫ف���م���ن ي�����رد أغ���ان���ي���ه���ا ال���ت���ي نُ��ه��ب��ت‬
‫وري���ح (دي��رم��ه��ا) ال��م��س��روق ي��ا ديما‬
‫كيف أرتب ما وقب القلب من حجر الواقفين على‬
‫رأي�����ت ف��ي��ك ب��ي��وت��ا ش��دت��ه��ا ب��ي��دي‬
‫شهوات ترافع ضد طلوع اإلماء؟‬
‫ف��رش��ت س��اح��ات��ه��ا ق��م��ح��ا وبرسيما‬
‫إلى حجر الفقراء إلى ما يقول (الدُالر)‬
‫ن��س��ج��ت ط��ي��ارت��ي وال���خ���وف طيرها‬
‫إل�����ى ح���ج���ر األب���ج���دي���ي���ن وال���ق���ات���ل���ي���ن ع���ل���ى س��ن��ة‬
‫ف���م���ن س��ي��ب��ع��ث��ه��ا ن���ش���را وت��رم��ي��م��ا‬
‫(الالحياء)‬
‫ض���اق���ت ع��ل��ي ث���ي���اب ك��ن��ت أل��ب��س��ه��ا‬
‫أودى بها العمر تمزيقا وتحريما‬
‫بمن أحتفي؟ نصف أزمنتي ضائع‪،‬‬
‫كم توهتني السنين السود مرتحال‬
‫هل أراب��ي بعمري وأدخ��ل في سبت ه��ذا الشفاء‪،‬‬
‫وأش��ب��ع��ت��ن��ي ي����د األي�������ام ت��ح��ط��ي��م��ا‬
‫الوباء؟!‬
‫ف�����إن رأي������ت ص��ب��ي��ا ض�����اع م����ن زم���ن‬
‫بمن أحتفي والقناديل مطفأة ولمن؟‬
‫ف���أق���رئ���ي���ه أم��������ان ال����ل����ه ي�����ا دي���م���ا‬
‫ط����ف��ل�ا ت�����روع�����ه ن�����ي�����روز ي�����ا أب���ت���ي‬
‫متى يستوي قارب العدل فينا‪ ،‬ونصف القوافل تعبر‬
‫ن���ي���روزُ!! م��ا زل��ت طفال ع��م��ره ديما‬
‫حين تغام ُر كالنسغ في عضالت الوطن‬
‫وم��ن بين نصوصه النثرية وأب��ج��دي��ات��ه‪ ،‬نصف‬
‫ونصف األكل تحاول مفردة في الهواء‬
‫القوافل‪ ،‬وعضالت الوطن‪ ،‬ومخاط البقاء‪ ،‬والعواصم‬
‫وويل ألية قارورة ستقول أنا‬
‫التي تحتد كل المالمح‪ ،‬التقط هذه من نص وجدته‬
‫له في «مجلة اليمامة»‪:‬‬
‫ههنا‬

‫***‬

‫من مرافعات طيور الظل بمن أحتفي؟! بزمان معاق‬
‫يصنفنا ما يشاء‪ ،‬ينصفنا ما يشاء يبرقعنا ويقطعنا‬
‫اطلب من القاص والكاتب «عبد الرحمن الدرعان»‬
‫ويوزعنا بالمزاج على من يشاء وال يترك الهاربين إلى‬
‫ان ال يتمسك بعناد ال��ص��ح��راء وي��ح��رم ال��ق��ارئ من‬
‫أفق الله يصغون إلى ما يقول صهيل المدن‬
‫نصوصه النثرية المعطرة بزخات المطر وشمس‬
‫صحرائه المزمنة على رماله‪.‬‬
‫يا زمن؟!‬

‫***‬

‫< شاعرة لبنانية مقيمة في فلسطين‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪89‬‬

‫رجل جاء‪ ..‬وذهب‬
‫> ميسون أبو بكر‬

‫<‬

‫ما أن شفيت من تقمص عالم الرواية األولى «حكاية حب» حتى وقعت فريسة شعور‬
‫جديد في روايته الثانية «رجل جاء وذهب»‪.‬‬
‫الروايتان وجهان لعملة واح��دة؛ الوجه األول لمشاعر رجل استهلكه الحب والغياب‬
‫آلخر رمق‪ ،‬والوجه اآلخر المرأة‪ ..‬لما عاندت القدر‪ ،‬وأرادت أن تتوارى عنه بستائر من‬
‫حلم وأمنيات امرأة عاشقة‪ ،‬كان القدر لها بالمرصاد‪ ،‬فأذاب جبال الجليد التي كانت‬
‫تواري بها أحالمها عنه‪ ،‬وأغلق نوافذ الشمس التي كانت تسطع في نهدة حلمها‪.‬‬
‫مع كل قصة حب نعيش تفاصيلها في عالم الرواية‪ ،‬وبخاصة عالم روائي مبدع‪ ،‬كهذا‬
‫الذي كنت توحدت فيه مع القدر والحياة والموت واأللم وبعض السعادة الهاربة من هنا‬
‫وهناك‪.‬‬
‫في عالم د‪ .‬غ��ازي القصيبي «رج��ل ج��اء وذه��ب»‪ ،‬ن��درك تماما أن��ه على الرغم من‬
‫اختالف سيناريو النهاية وطريقة إسدال الستار‪ ،‬فإن الحب في النهاية ال بد وأن تعرقله‬
‫المستحيالت‪ ،‬ومشيئة القدر والحياة التي يلونها بريشته الباهتة‪ ..‬كم هي الحياة أصغر‬
‫بكثير من أن تستوعب خطى الحب على أديمها‪ ،‬وأنفاسه في فضائها المحدود‪.‬‬
‫إنك حين تقرأ لغازي القصيبي‪ ،‬تدرك فوراً ودون الحاجة لقراءة توقيعه على غالف‬
‫كتاباته‪ ،‬أن هذه اللغة ال يملكها إال هو‪ ..‬وال يقدر على ارتعاشة الحبر إاله‪ ،‬وكل ذلك الحب‬
‫ال يملك أن يتدفق إال من نبض يراعه‪ ،‬وهذه الجرأة ال يحسن مسك زمامها إال شاعر‬
‫متمرس وروائي من الطراز األول‪.‬‬

‫‪90‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫كنت قررت أال أتجرأ وأدخل عالم إحدى رواياته من األلم الممزوج بالذكرى والحنين والشوق‪.‬‬
‫إال وأنا متأهبة تماما للمغامرة‪ ،‬ولكن وقوع الرواية‬
‫البحر لملم أمواجه وأصدافه وتبعه‪..‬‬
‫في يدي أفشل كل المشاريع‪ ،‬ووجدتني ألج إلى هذا‬
‫القمر لن يـ ُش َّع بنوره إال حيث رقد رقدته األخيرة‪..‬‬
‫العالم االستثنائي دون أن أُأَخ��ر لحظة واح��دة من‬
‫ألنه قرر أن يتجاهل العالم من بعده‪..‬‬
‫التوحد بها‪.‬‬
‫وح��ب��ي��ب��ات ال��رم��ل س��ي��ت��دف��ق م��ن��ه��ا ب��ئ��ر م��ن دم��ع‬
‫أقنعت نفسي أن من يعشق البحر ال يخشى من‬
‫ال��غ��رق‪ ..‬وعلى ال��رغ��م م��ن ذل��ك كنت أدرك حتمية ساخن‪..‬‬
‫غرقي‪ ،‬لكنه شيء كالسحر‪ ..‬كالقدر المكتوب لك‬
‫سابقا في لوح محفوظ‪.‬‬

‫ك��ان ال ب��د أن تعلم أن��ه اب��ن الصحراء المسافر‬
‫أب��دا مع الريح وال��س��راب‪ ..‬هو وري��ث ذهبها األسود‬
‫ال��ذي تطارده دوم��ا لعنته‪ ،‬إذا كرمت عليها السماء‬
‫به سرعان ما سيتبخر مع شمسها الحارقة‪ ..‬ويعود‬
‫ويتجمد نبضه تحت ترابها‪ ،‬وه��ي المسافرة أب��دا‬
‫ألبعد م��ن ح��دود عالمها‪ ..‬لعالم تكون فيه أسيرة‬
‫الحلم والوهم والقدر الذي ال مفر منه‪ ..‬وهي تدرك‬
‫تماما أنها ستدفع ثمنا باهظا لهذه السعادة القصيرة‬
‫المدى‪.‬‬

‫امرأة القصيبي‪ ،‬التي كلما أحبت رجلها‪ ،‬ازدادت‬
‫ألما وخوفا وموتا وتشبثاً بمستحيل تدرك حقيقته‪.‬‬
‫كانت أحالمها كالمطر الذي كثيرا ما يخلف وعده‪،‬‬
‫وكلما كبر هذا الحلم تحول إلى فقاعات‪ ،‬سرعان ما‬
‫تذوب وتتالشى‪.‬‬

‫رجل جاء‪ ..‬لكنه لم يذهب أبدا‪ ،‬ألنه كالبحر إن‬
‫غادر شطآنه يترك أنفاسه ومحاراته وطحالبه على‬
‫عتبات ال��ش��اط��ئ‪ ،‬كالشمس ال��ت��ي إن ول��ت للطرف‬
‫اآلخر من العالم تلبس القمر رداء النور‪..‬‬

‫االستسالم لرواية كهذه يعني االستسالم للحب‬
‫والحياة والموت والجنون أيضا والكثير من الوهم‪..‬‬
‫هو االستسالم لواقعة المكان والزمان‪ ..‬للبحر الذي‬
‫احتواهما في ك��وخ بسيط على الشاطئ تنبت فيه‬
‫األح�لام كشجرة الجنة‪ ..‬وتتبخر فيه أشجار الهند‬
‫متحولة إل��ى عطر العود ال��ذي كلما التهمه الهواء‬
‫ازداد حياة‪.‬‬

‫رحل الرجل‪ ..‬لكنها بقيت تستدل بكل جزيئات‬
‫أحبت رجلها باسم كيانها‪ ..‬وأنوثتها وروحها التي الحياة عليه‪..‬‬
‫آه لتلك الذكرى التي تنمو كنبت شيطاني يتسلق‬
‫ترحل معه كلما أزف غيابه‪ ،‬ثم تعود بعودته لتورق في‬
‫جدرانها‪ ،‬ويتلصص على كل تفاصيل حياتها‪.‬‬
‫جسدها إذا ما عاد وروتها قبالته‪.‬‬

‫لم يذهب ذلك الرجل أبدا‪ ..‬ألن الفراغ سيمتلئ‬
‫وفي رحلته األخيرة وغيابه حيث لن يعود‪ ..‬قصت‬
‫ضفائرها‪ ..‬وطمرت معالم الطريق إلى قلبها‪ ،‬كي ال به‪ ،‬هو تبخر كالعطر لكن بقي له كل األثر‪.‬‬
‫يعثر أحد بعده عليها‪ ،‬حزمت حقائبها ولوحت لقطار‬
‫رجل ج��اء‪ ..‬وربما ذهب بالحياة معه إلى عالمه‬
‫الرحلة األخيرة ليحملها حيث ال عودة‪.‬‬
‫الذي رحل إليه وربما ذهب بأسئلتنا وكل اندهاشنا‬
‫بعد رحيله لن يبقى إال ٌ‬
‫بعض من عطره‪ ..‬والكثير معه‪.‬‬

‫< شاعرة وإعالمية عربية‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪91‬‬

‫منير نايفة‬

‫أعجوبة العلم والعلماء‬

‫أول من جنح في حتريك الذرات‬
‫> إعداد محمود عبدالله الرمحي‬

‫<‬

‫ُ��در عدد سكان قرية شويكة بفلسطين عام ‪2003‬م نحو ‪ 7000‬نسمة‪ ،‬وهناك‬
‫ق ِّ‬
‫اآلالف من المغتربين من القرية يعيشون في كثير من الدول العربية واألجنبية‪ .‬يوجد‬
‫في القرية ثالثة مساجد وأربع مدارس حكومية‪ ،‬وأغلب سكانها متعلمون؛ أنتجت (‪)22‬‬
‫دكتورا في العلوم‪ ،‬من بينهم أربعة أبناء لتاجر زيت الزيتون حسن نايفة وهم‪:‬‬
‫‪ -1‬علي حسن نايفة‪ :‬ويشغل اآلن منصب أستاذ الهندسة الميكانيكية في جامعة‬
‫فرجينيا‪.‬‬
‫‪ -2‬عدنان حسن نايفة‪ :‬أستاذ الهندسة الميكانيكية والطيران في جامعة سينسيناتي‬
‫في أوهايو‪ .‬ويشغل اآلن رئيس جامعة الزرقاء األهلية في األردن‪.‬‬
‫‪ -3‬منير حسن نايفة‪ :‬أستاذ الفيزياء التجريبية في جامعة إيلينوي‪.‬‬
‫‪ -4‬تيسير حسن نايفة‪ :‬أستاذ الهندسة الصناعية في جامعة كليفالند‪.‬‬

‫وتعود بي الذاكرة‬
‫أثناء تصفحي على اإلنترنت صفحات العلم والعلماء والباحثين واألدب��اء‪ ..‬وقفت‬
‫طويال عند بعضها‪ ..‬ودارت بي الدنيا لتعود بي الذاكرة إلى الوراء‪ ..‬وإلى ما يربو عن‬

‫‪92‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫خمسين عاما‪ ..‬تذكرت‬
‫ذل�������ك ال�����ح�����ي ال�����ذي‬
‫ع���ش���ت ف����ي����ه‪ ..‬وع��ل��ى‬
‫مسافة ثالثمائة متر‬
‫فقط م��ن بيتنا‪ ،‬كانت‬
‫ت���ج���اورن���ا أس����رة ال��ع��م‬
‫أبوعلي نايفـة‪ .‬تذكرت‬
‫ح����ي ال���ش���ـ���رف���ة أح��ـ��د‬
‫أحياء مدينة البيرة ‪-‬‬
‫المدينة التوأم لمدينة‬
‫رام الله‪ -‬والمدرسة‬
‫ال��ه��اش��م��ي��ة ال��ث��ان��وي��ة‬

‫قرية شويكة من أعمال طولكرم مسقط رأس العالم نايفة‬

‫التي أمضيت فيها سنوات دراستي كلها؛ تذكرت‬
‫األحبة من الزمالء الطالب الذين كانوا معي في‬
‫الصف نفسه‪ ،‬أو ممن سبقتهم أو سبقوني بسني‬
‫الدراسة‪ .‬تذكرت منير نايفة وذهابنا ومجيئنا يوميا‬

‫وعربي‪ ،‬استطاع أن يحقق ما يبدو ضرباً من الخيال‬
‫العلمي‪ ..‬الكتــابة بالــذرات‪.‬‬
‫والحديث في حقه قليل‪..‬‬
‫ولد «نايفة» في ديسمبر من عام ‪ 1945‬بقرية‬

‫سيراً على األقدام من وإلى الهاشمية الثانوية قلعة «اشويكة« ناحية طولكرم الفلسطينية ثم انتقل مع‬
‫أسرته إلى بلدة البيرة حيث أكمل دراسته االبتدائية‬
‫العلم الراسخة‪.‬‬
‫ذك��ري��ات جميلة‪ ..‬وأجمل منها ما وصلت إليه‬
‫تلك الصحبة الخيرة من أمثال منير نايفة‪ ،‬من علم‬
‫ومقام مرموق‪.‬‬

‫منير حسن نايفة‬
‫عالم فلسطيني يكشف‬
‫أسرار الذرة‬
‫عَ ل َم من أعالم الريادة في حقل‬
‫ال���ذرات‪ ،‬أع��اد األم��ل في أن أهل‬
‫ال��ض��اد ق����ادرون على مَ��س��ك راي��ة‬
‫العلم والتفوق من جديد‪.‬‬
‫ه����و ع���ال���م ف��ـ��ي��زي��ائ��ي م��س��ل��م‬

‫واإلعدادية قبل أن يغادرها إلى األردن الستكمال‬
‫دراسته الثانوية‪ ،‬ثم إلى لبنان للحصول على درجة‬

‫البكالوريوس من الجامعة األمريكية ببيروت عام‬

‫إن��������������������ه ال���������ع���������ال���������م‬
‫الفلسطيني البروفسور‬
‫«منير حسن نايفة» أحد‬
‫أب�����رز ع��ل��م��اء ال��ف��ي��زي��اء‬
‫ف����ي ال����ق����رن ال��ع��ش��ري��ن‪،‬‬
‫ال������ذي وض�����ع ي�����ده ع��ل��ى‬
‫مفاتيح ال����ذرة‪ .،‬فقررت‬
‫أن ت��ب��وح ل��ه ب��أس��راره��ا‪.‬‬

‫‪1968‬م‪ ،‬ثم الماجستير في الفيزياء‬
‫عام ‪1970‬م‪.‬‬
‫حاز على الدكتوراه في الفيزياء‬
‫من جامعة ستانفورد عام ‪1974‬م‪.‬‬
‫خ���دم ك��زم��ي��ل م��ا ب��ع��د دك���ت���وراه‪،‬‬
‫وفيزيائيّ البحث ف��ي معمل» أوك‬
‫ري��دج القوميّ » من ‪1977-1974‬م‪,‬‬
‫وكمحاضر في جامعة يال في عام‬
‫‪1977‬م‪ ,‬قبل االن��ض��م��ام إل��ى كلّيّة‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪93‬‬

‫الفيزياء في جامعة إيلينوي عام ‪1978‬م‬

‫(‪.)1‬‬

‫وأثناء عمله بمعامل ستانفورد كاليفورنيا‪ ،‬وجهه‬

‫إلى ذروة المجد‬
‫عمل نايفة في الفترة من عام ‪1977‬م وحتى عام‬

‫أستاذه لدراسة ذرة الهيدروجين‪ ،‬أبسط العناصر ‪1979‬م باحثا فيزيائيا بمعامل أوج – رج بجامعة‬
‫الكيميائية الموجودة في الطبيعة باستخدام أشعة كنتاكي‪ ،‬ثم التحق في نهاية هذه الفترة عام ‪1979‬م‬

‫الليزر؛ أمال في الوصول إلى المزيد من األسرار بجامعة الينوى‪ .‬وهو العام ذاته الذي شهد حصوله‬
‫ال��ت��ي م��ا زال���ت تستعصي ع��ل��ى ال��ع��ل��م التجريبي على جائزة البحث التصنيعي في الواليات المتحدة؛‬
‫بخصوص ه��ذه ال��ذرة‪ .‬وحصل بالفعل نايفة على حيث تم تأسيس مؤتمر سنوي يعرض آخر التطورات‬

‫درج��ة الدكتوراه في حقل الفيزياء الذرية وعلوم والتطبيقات في ابتكاره‪.‬‬
‫الليزر‪.‬‬

‫البداية‬

‫ أصدر العديد من المؤلفات العلمية وحاز على‬‫كثير من الجوائز‪.‬‬

‫يعود حب نايفة للعلم إل��ى فترة الطفولة؛ فما ‪ -‬حصل على مائة جائزة في أبحاث صناعية‪.‬‬

‫زال يتذكر إلى أي مدى كان شغوفا بصناعة أجهزة ‪ -‬عضو مسجل ومعتمد في موسوعات أمريكية‬
‫ال���رادي���و (ال��م��ذي��اع)‪ ،‬وي��ع��ده��ا ه��واي��ت��ه المفضلة‪،‬‬
‫ويقضي كثيرا من الوقت في القراءة عنها‪ ،‬ويذهب‬

‫ع��ل��م��ي��ة ف���ي م���ج���ال االك���ت���ش���اف ف���ي ال��ت��ق��ن��ي��ة‬
‫المعاصرة‪.‬‬

‫إلى السوق ومحالت األدوات الكهربائية ليشتري ‪ -‬ع��ض��و رئ��ي��س��ي م��س��ج��ل وم��ع��ت��م��د ف���ي جماعة‬
‫الهوائيات لكي يتم عمله ال��ذي طالما أحبه وهو‬
‫المستشارين التقنيين‪.‬‬
‫بداية الطريق الذي أوصله ليصبح عالما كبيرا‪.‬‬

‫م��ا زال يتذكر س��ن��وات ال��دراس��ة ف��ي المرحلة‬
‫الثانوية‪ ،‬وأستاذيه سليمان وداود العبيدي‪ ،‬وكيف‬
‫كانت معاملتهما له أشبه بالعالقة التي تربط بين‬
‫مجموعة من األصدقاء‪ ،‬وليست مجرد عالقة بين‬

‫ عضو مسجل ومعتمد بقائمة أصحاب االنجازات‬‫المميزة‪.‬‬

‫علم (النانو تكنولوجي)‬
‫يقوم هذا العلم بصناعة هياكل وآالت مجهرية‬

‫األستاذ وتلميذه‪ ،‬وذلك على الرغم من أنه كان ما تبنى بالذرات لتدخل إلى تجويف األجسام وتسير‬
‫يزال تلميذا وشابا صغيرا‪ .‬وفى الجامعة األمريكية مع السوائل وهي تمثل جز ًء واحداً من المليار‪.‬‬
‫ببيروت كان للدكتور أنطون أصالن ‪-‬الفلسطيني‬

‫ومنير نايفة عالم فيزيائي أح��دث ث��ورة علمية‬

‫األصل‪ -‬أكبر األثر في حبه للفيزياء‪ ،‬وهو ما دفعه في علم النانو‪ ،‬عندما أستطاع أن يحرك الذرات‬
‫للتخصص فيها على عكس ما كان سائدا في ذلك ال��م��ن��ف��ردة ذرة ذرة‪ ،‬فقد تمكن ف��ي التسعينيات‬
‫الوقت من أن توجّ ه الطلبة لدراسة التخصصات بواسطة الذرات رسم صورة تمثل القلب والحرف‬
‫التطبيقية كالهندسة والطب‪.‬‬
‫اإلن��ج��ل��ي��زي ‪ P‬وتناقلت وك���االت األن��ب��اء ال��ص��ورة‪،‬‬

‫‪94‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫وذك��رت المجلة البريطانية واسعة االنتشار‬
‫«نيوساينتست «أن نايفة اخ��ت��ار ال��ح��رف ‪P‬‬
‫ألن���ه يمثل ال��ح��رف األول م��ن ك��ل��م��ة» فيزياء‬
‫‪ Physics‬باإلنجليزية تعبيرا عن حبه للفيزياء‬
‫التي تعد أم العلوم‪ .‬إال أن البعض يقول إن‬
‫منير نايفة يقصد بالقلب والحرف ‪« P‬أحب‬
‫فلسطين» ‪ Palestine‬ولكن لم يصرح بذلك‬
‫تجنباً الستفزاز األوساط اليهودية ذات النفوذ‬
‫العلمي‪ ،‬فيحرم من الترشيح لجائزة نوبل التي‬
‫يستحقها‪.‬‬
‫وي������رى ال���ع���ل���م���اء أن ه�����ذا ال���ك���ش���ف م��ن‬
‫االكتشافات الثورية التي أتاحت‬
‫للعلم ال��دخ��ول إل���ى منطقة لم‬
‫يسبق له الدخول فيها من قبل‪،‬‬
‫ويمكن استنتاج تلك القفزة التي‬
‫سيحققها ذلك العلم من خالل‬
‫المقارنة بـ»المايكروتكنولوجي»‬
‫التي أنتجت أج��ه��زة الكمبيوتر‬
‫وال��ت��ران��زي��س��ت��ور وك���ل ال��م��ع��دات‬
‫اإللكترونية الحالية‪.‬‬
‫وفى هذا اإلطار يشير الكتاب‬
‫السنوي الصادر عن الموسوعة‬

‫نايفة يرصد الذرات المفردة بالليزر داخل معمله عام‪1977‬م‬

‫في علم الكيمياء يدعى «كيمياء ال��ذرة المنفردة»‬

‫تحطيم الذرات أنتج الطاقة‬
‫النووية والقنابل الذرية‪ ،‬ماذا‬
‫يمكن أن يحدث ل��و استطعنا‬
‫ب������دال م�����ن ت���ف���ج���ي���ر ال��������ذرات‬

‫بوست» فإنه يؤسس لفرع جديد‬

‫هذا اإلنجاز بناء أجهزة ومعدات‬

‫مواقعها وإع���ادة ترتيبها كما‬
‫ن���ش���اء؟ ه����ذا ال���س���ؤال ط��رح��ه‬

‫جسم اإلن��س��ان‪ ،‬وال��س��ي��ر داخ��ل‬

‫عام ‪1959‬م ريتشارد فينمان‪،‬‬
‫ال����ذي ي��ع��د م��ن أع��ظ��م علماء‬
‫الفيزياء في القرن العشرين‪.‬‬

‫ت��ق��ن��ي��ة ن��اي��ف��ة س����وف ت��زي��د من‬

‫وكما ذكرت صحيفة «واشنطن‬

‫أمامها سنوات طويلة؛ حيث يتيح‬

‫ذرات بما يمكنها من الولوج في‬

‫نوبل في الفيزياء أن يتوصل‬

‫الطرق التقليدية‪.‬‬

‫األمراض التي وقف العلم عاجزا‬

‫ال��ت��ح��ك��م ب��ح��رك��ت��ه��ا وت��غ��ي��ي��ر‬

‫البريطانية «بريتانيكا» إل��ى أن‬

‫مليون و‪ 10‬آالف مليون مرة على‬

‫سوف تسهم في عالج العديد من‬

‫مجهرية ال يزيد حجمها عن عدة‬

‫ول��م يتوقع فينمان ال��ذي نال‬

‫كفاءة أداء اآلالت ما بين ‪100‬‬

‫ال��ذي يمهد ب��دوره لطفرة طبية‬

‫العلماء إل��ى طريقة لتحريك‬
‫الذرات إال في مستقبل بعيد‪.‬‬
‫ل���ك���ن ب���ع���د أق�����ل م����ن ع��ق��دي��ن‬
‫استطاع منير نايفة أن يحرك‬
‫الذرات المنفردة ذرة ذرة‪.‬‬

‫الشرايين والوصول إلى أعضائه‬
‫ال��داخ��ل��ي��ة‪ .‬وت��ت��ج��اوز تطبيقات‬
‫هذا الكشف مجاالت الطب إلى‬
‫الهندسة الصناعية والعسكرية‬
‫وح��ت��ى التكنولوجيات ال��ن��ووي��ة؛‬
‫حيث يتوقع أن تسهم في تطوير‬
‫أجهزة رص��د جوية الستكشاف‬
‫المعادن واأللغام األرضية‪ .‬ويعلق‬
‫بعض العلماء اآلم��ال عليها في‬
‫رصد جسيمات «كوارك» الخفية‬
‫التي من المفترض أن تسهم في‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪95‬‬

‫حل بعض ألغاز الكون‪.‬‬

‫ويهدف الموقع الذي أطلقته جامعة الملك سعود‬

‫بعد وصوله يو آي يو سي‪ ,‬طوّر األستاذ نايفة‬
‫برنامجً ا تجريب ًيّا نشيطً ا لدراسة المتعدّ د الفوتونات‬
‫(غير مستقيم) فصل الجزيئات كوسائل لتحسين‬
‫انتقاء الفصل‪.‬‬
‫كان األوّل لتبيين فصل النّظائر باستخدام هذه‬
‫أيضا كان الفيزيائيّ األوّل الختبار سلوك‬
‫العمليّة‪ً .‬‬
‫جزيئات الهيدروجين في مجاالت اللّيزر الشّ ديدة‪,‬‬
‫وعمله اإلبداعيّ في هذه المنطقة بدأ منطق َة بحث‬
‫بالكامل وجديد ًة في انفجارات كولوم الجزيئيّة‪.‬‬
‫وفي السنوات القليلة الماضية‪ ,‬تابع األستاذ منير‬
‫نايفة برنامجين في البحث منفصلين (‪ )2‬وهما‪:‬‬
‫‪ -1‬برنامج نظريّ يركّز فيه على دور الدّ يناميكا‬
‫الفوضويّة الكالسيكيّة في ذرّات الهيدروجين‪.‬‬

‫أخيرا إلى شراكة مجتمعية لبناء مجتمع المعرفة‬
‫في السعودية‪.‬‬

‫وأستاذ غير متفرغ في «معهد النانو»‬
‫وكان الدكتور منير نايفة قد زار جامعة الملك‬
‫سعود‪ ،‬حيث استقبله مدير الجامعة والدكتور على‬
‫الغامدي المشرف على برنامج النانو في الجامعة‬
‫وأع��ض��اء ال��ب��رن��ام��ج‪ ،‬ال��ذي��ن ع��ق��دوا اج��ت��م��اع��ا مع‬
‫الدكتور نايفة بهدف التحالف مع جامعة إلينوي في‬
‫تطبيقات النانو‪.‬‬
‫وأطلع مدير جامعة الملك سعود العالم نايفة‬
‫على برنامج خ��ادم الحرمين الشريفين ألبحاث‬
‫(النانو) في الجامعة ال��ذي دعمه بتبرع شخصي‬
‫كريم بمبلغ وقدرة ‪ 12‬مليون ريال‪ ،‬إلى جانب شرح‬

‫‪ -2‬البرنامج التّجريبيّ الذي سمّاه الكتابة بالذّ رّات‪ ,‬مزايا البرنامج والتي تتضمن إنشاء معهد خادم‬
‫ك��ان نايفة المسؤول عن مفهوم ه��ذا التكنيك الحرمين الشريفين ألبحاث التقنيات المتناهية‬
‫المبتكر وتطويره‪.‬‬

‫الصغر (النانو)‪.‬‬

‫نايفة ي��ش��ارك جامعة الملك س��ع��ود في‬

‫وات��ف��ق��ت الجامعة م��ع ال��ع��ال��م ن��اي��ف��ة‪ ،‬أن يكون‬

‫(‪)3‬‬

‫أستاذاً غير متفرغ في هذا المعهد؛ بهدف توطين‬

‫دش��ن ال��دك��ت��ور عبدالله العثمان مدير جامعة‬

‫التطورات الحديثة في ه��ذه التقنية‪ ،‬ونقل خبرة‬

‫تدشين «كراسي البحث» على اإلنترنت‬

‫الملك سعود بمشاركة الدكتور منير نايفه‪ ،‬عالم‬

‫جامعة إلينوي في هذا الشأن إلى جامعة الملك‬

‫تقنية النانو المشهور وأستاذ الفيزياء في جامعة سعود‪ ,‬من خالل برنامج بحثي يشارك فيه الدكتور‬

‫إلينوي األمريكية‪ ،‬أخيرا‪ ،‬موقع برنامج «كراسي‬

‫نايفه مع الباحثين السعوديين المتخصصين في‬

‫البحث» على شبكة اإلنترنت‪ .‬والذي أطلقته جامعة‬

‫تقنية (ال��ن��ان��و)‪ ،‬إض��اف��ة إل��ى ت��ب��ادل الخبرات بين‬

‫الملك سعود‪.‬‬

‫الجامعتين‪.‬‬

‫< كاتب وشاعر أردني مقيم في السعودية‪.‬‬
‫ال عن صفحته في الشبكة المعلوماتية‪.‬‬
‫(‪ )2 ،1‬نق ً‬
‫(‪ )3‬االقتصادية ‪1428/05/21 -‬هـ‬

‫‪96‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫من روائع البيان في حديث القرآن عن الدابة‬
‫> الدكتور‪ /‬عبداحلميد خميس الديب‬
‫الحمد لله الذي نزّل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا‪ ،‬والصالة والسالم على‬
‫نبيه ومصطفاه محمد بن عبدالله الرحمة المهداة والنعمة المسداة وعلى اله وصحبه‬
‫ومن وااله‪ ,‬وبعد‪:‬‬
‫فإن الله تعالى أمر بتالوة القرآن الكريم وتدبر آياته‪ ،‬ونبّه إلى أنه القول الفصل‬
‫والحجة البيّنة والذكر الحكيم‪ ،‬ونزهه عن الريب والعوج واالختالف والهزل‪.‬‬
‫وان كالماً هذا شأنه وتلك منزلته ال يثقف محاسن أنواره إال أولو البصائر الحية‪ ،‬وال‬
‫يقطف أطايب ثماره إال أصحاب األيدي الزكية‪ ,‬وال ينال منافع شفائه إال أرباب النفوس‬
‫النقية‪.‬‬
‫جعلنا الله ‪ -‬سبحانه – ممن تولى هدايته حتى بلغ هذه المنزلة وخوّله هذه المكرمة؛‬
‫فإنه من يهد الله فهو المهتد‪ ،‬ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا‪.‬‬
‫هذه تأمالت بالغية متأنية اتخذت «من الدابة في القرآن الكريم» موضوعاً لها‪ ,‬وكان‬
‫الحافز إلى ذلك معرفة الفروق األسلوبية بين الصياغات والنعوت التي وردت هذه اللفظة‬
‫القرآنية في إطارها‪ :‬حيث تقرن تارة بألفاظ الشمول‪ ,‬وتارة تقيد بكونها في األرض أو من‬
‫األرض‪ ,‬وثالثة تضاف إلى األرض‪ ,‬وكل ذلك وغيره وراءه مزايا وأسرار سنحاول – بعون‬
‫الله تعالى – الكشف عن شيء منها‪.‬‬
‫وحديث القرآن الكريم عن «الدابة» ورد في أربعة مقامات رئيسة بيانها كالتالي‪:‬‬
‫أوالً‪ :‬ما ورد في مقام االستدالل على األلوهية والوحدانية‪ ,‬وعن ذلك قوله سبحانه «ولله‬
‫يسجد ما في السماوات وما في األرض من دابة والمالئكة وهم ال يستكبرون»‬
‫(النحل‪.)49 :‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪97‬‬

‫ثانياً‪ :‬ما ورد في مقام بيان كمال القدرة اإللهية‬
‫وحسن التدبير وشمول العلم‪ ,‬ومن ذلك قوله‬
‫سبحانه {وما من دابة في األرض وال طائر‬
‫يطير بجناحيه إال أمم أمثالكم‪( }..‬األنعام‪:‬‬
‫‪.)38‬‬

‫التوكيد‪ ،‬ونكتته البالغية أن الخبر الوارد في اآلية‬
‫الكريمة غريب عند المخاطبين ومظنة إنكار‬
‫منهم‪ ،‬ول��ذا فهو حقيق بالتأكيد ال��ذي يتضمنه‬
‫الوصف بقوله‪« :‬في األرض» كقوله تعالى‪{ :‬وما‬
‫من دابة في األرض وال طائر يطير بجناحيه إال‬
‫أمم أمثالكم‪( }..‬األنعام‪.)38 :‬‬

‫ذل��ك قوله تعالى‪{ :‬وإذا وق��ع ال��ق��ول عليهم‬
‫أخرجنا لهم دابة من األرض تكلمهم أن الناس‬
‫كانوا بآياتنا ال يوقنون‪( }..‬النمل‪.)82 :‬‬

‫ وردت «دابة» مضافة إلى األرض في موضع واحد‬‫هو قوله سبحانه {فلما قضينا عليه الموت ما‬
‫دلهم على موته إال دابة األرض تأكل منسأته‪}..‬‬
‫اآلي���ة (س��ب��ا‪ .)14 :‬وف���ى ه���ذه اإلض��اف��ة تفخيم‬
‫للدابة‪ .‬ومعناها أن ال داب��ة ل�لأرض غيرها لما‬
‫أفادته من العلم‪ ,‬وألن كونها تأكل من كل شيء‬
‫من أج��زاء األرض من الخشب والحجر والتراب‬
‫والثياب وغير ذلك‪ ،‬أحق الدواب بهذا االسم‪.‬‬

‫ ورد ل��ف��ظ «ال���داب���ة» م��ف��رداً ف��ي ال��ق��رآن الكريم‬‫في أربعة عشر موضعاً‪ ،‬وورد جمعها في أربعة‬
‫مواضع‪.‬‬

‫ وردت «داب��ة» نكرة موصوفة بـ «من األرض» في‬‫موضع واحد هو قوله سبحانه‪{ :‬وإذا وقع القول‬
‫عليهم أخرجنا لهم دابة من األرض‪( }..‬النمل‪:‬‬
‫‪ ،)82‬وه���ى ال��ج��س��اس��ة ف��ي م��ق��ام ب��ي��ان اش���راط‬
‫الساعة ال��ت��ي م��ن بينها ال��داب��ة ال��ت��ي ت��خ��رج من‬
‫األرض‪ .‬وفى التعبير عنها باسم الجنس وتأكيد‬
‫إبهامه بالتنوين التفخيمي داللة على غرابة شأنها‬
‫وخ���روج أوص��اف��ه��ا ع��ن ط��ور ال��ب��ي��ان‪ ،‬إذ ستتكلم‬
‫الناس على الرغم من أن الدواب ال تتكلم‪ ,‬واألصل‬
‫أال يفهمها الناس‪ ,‬ولكنهم العوام يفهمون ويعلمون‬
‫أنها الخارقة المنبهة باقتراب الساعة‪.‬‬

‫ثالثاً‪ :‬ما ورد في مقام بيان حلمه تعالى على عباده‬
‫وحكمته ف��ي اإلم��ه��ال دون اإله���م���ال‪ ,‬وم��ن ‪ -‬إيراد «دابة» نكرة وواقعة في سياق النفي كقوله‬
‫ذلك قوله سبحانه‪{ :‬ولو يؤاخذ الله الناس‬
‫تعالى‪{ :‬وم��ا من داب��ة في األرض إال على الله‬
‫بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم‬
‫رزقها‪( }..‬هود‪ )6 :‬يفيد استغراق جنس الدابة‬
‫إلى أجل مسمى‪( }..‬النحل‪.)61 :‬‬
‫التي في األرض‪ :‬أي كل دابة في األرض لعاقل أو‬
‫غير عاقل‪.‬‬
‫رابعا‪ :‬ما ورد في مقام بيان اش��راط الساعة‪ ,‬من‬

‫وتلك بعض النقاط الرئيسة التي تمخضت عن‬
‫ه��ذه ال��ت��أم�لات البيانية‪ ،‬أقدمها بين ي��دي القارئ‬
‫العزيز في تواضع واستحياء أم��ام عظمة األسلوب‬
‫القرآني الذي بلغ من اإلعجاز غايته فاستوت أمامه‬
‫أقدام البلغاء في العجز‪:‬‬

‫– الدابة في اللغة‪ :‬تطلق على كل نسمة حية ذكراً‬
‫كانت أم أن��ث��ى‪ ,‬عاقلة أم غير عاقلة‪ ,‬غير أنها‬
‫حقيقة في البعض ومجاز ا في البعض اآلخر‪.‬‬
‫– إذا سبقت ال���داب���ة بلفظ «ك���ل» أف����ادت العموم‬
‫وال��ش��م��ول‪ ,‬ك��ق��ول��ه ت��ع��ال��ى‪{ :‬وب���ث فيها م��ن كل‬
‫دابة‪( }»..‬البقرة‪.)164 :‬‬

‫– إذا وصفت الدابة بقوله «في األرض» قصد بذلك‬
‫إرادة التعميم بذكر اسم المكان الذي يحوي جميع ‪ -‬أكثر ورود «دابة» في القرآن الكريم في مقام بيان‬
‫الدواب – وهو األرض ‪ -‬وهو وصف آيل إلى معنى‬
‫كمال القدرة اإللهية على كل شيء وحسن تدبير‬

‫‪98‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫شؤون الخلق واالستئثار بعلم الغيب وشموله‪.‬‬
‫ وم��ن مقامات وروده���ا االس��ت��دالل على األلوهية‬‫والوحدانية بخلقه سبحانه ‪ -‬كل ما ي��دب على‬
‫األرض بعد أن لم يكن موجودا‪ ،‬ونشره في أجزائها‬
‫على اختالف أنواع الدواب في األشكال والصفات‬
‫واألحوال‪.‬‬

‫الذين كفروا فهم ال يؤمنون} (األنفال‪)55 :‬‬
‫وهذا في مقام تقرير نفي اإليمان من الكفار‬
‫م��ع أن دع���وة اإلس�ل�ام أظ��ه��ر م��ن ال��دي��ان��ات‬
‫السابقة ومعجزاته [ أظهر‪ ،‬وألن الداللة‬
‫على أحقية اإلسالم عقلية بيّنة‪ ،‬فمن يجده‬
‫فهو أشبه بما ال عقل له‪.‬‬
‫ثالثها‪ :‬في قوله تعالى‪{ :‬أل��م تر أن الله يسجد له‬
‫من في السماوات ومن في األرض والشمس‬
‫والقمر والنجوم والجبال والشجر وال��دواب‬
‫وك��ث��ي��ر م��ن ال���ن���اس‪( }..‬ال��ح��ج‪ ,)18 :‬وه��ذا‬
‫ف��ي مقام االس��ت��دالل على ان��ف��راده سبحانه‬
‫باأللوهية إذ إن دالئل أحوال المخلوقات كلها‬
‫عاقلها وجمادها شاهدة بتفرده – عز وجل ‪-‬‬
‫باأللوهية ومن تلك الداللة شهادة على بطالن‬
‫دعوة من يدعو من دون الله ما ال يضره وال‬
‫ينفعه‪.‬‬

‫ ومن مقامات ورودها أيضاً بيان حلمه تعالى على‬‫عباده وإيضاح حكمته – سبحانه ‪ -‬في اإلمهال‬
‫دون اإلهمال بتقرير قدرته التامة على استئصال‬
‫كل أف��راد ال��داب��ة إذا قضى –سبحانه‪ -‬بتعجيل‬
‫عقوبة الظالمين‪ ،‬لكنه –سبحانه‪ -‬يمهل وال‬
‫يهمل‪ ،‬وتلك غاية الحكمة التي تصاحب القوة قمة‬
‫الرحمة التي يصحبها العدل‪ ،‬وما أحوج بني آدم‬
‫إل��ى فضل الله تعالى ورحمته‪ .‬وذل��ك مثل قوله‬
‫تعالى‪{ :‬ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك‬
‫على ظهرها م��ن داب��ة ولكن يؤخرهم إل��ى اجل‬
‫رابعها‪ :‬في قوله تعالى‪{ :‬ومن الناس والدواب واألنعام‬
‫مسمى‪( }..‬فاطر‪.)45 :‬‬
‫مختلف ألوانه كذلك‪( }..‬فاطر‪ )27 :‬وهذا‬
‫ االقتصار على ذكر لفظ «دابة» عند مؤاخذة الله‬‫وارد في سياق تقرير اختالف أحوال الناس‬
‫تعالى الظالمين إيجاز بليغ؛ إذ إنه إذا كان الظلم‬
‫إزاء م��ا ج��اءه��م ب��ه المرسلون م��ن البيّنات‬
‫من الناس مفضياً إلى استئصال الدواب كان العلم‬
‫مبشرين ومنذرين ببيان أن هذا التفاوت أمر‬
‫ال بداللة‬
‫بأنه مفض إلى استئصال الظالمين حاص ً‬
‫مطرد في جميع مخلوقات الله عز وجل من‬
‫االقتضاء‪.‬‬
‫الناس والنبات والجماد والحيوان‪.‬‬
‫ ورد لفظ «ال��دواب» جمعا في القرآن الكريم في‬‫هذا وتبقى الكلمة القرآنية الشريفة من سياقها‬
‫أربعة مواضع‪:‬‬
‫الذي اقتضاها بما تتضمنه من أسرار ومزايا غالبة‬
‫أولها‪ :‬قوله تعالى‪{ :‬إن شر الدواب عند الله الصم مفحمة لكل مكابر يجادل في الله بغير علم وال هدى‬
‫البكم الذين ال يعقلون} (األنفال‪ ,)22 :‬في وال كتاب منير‪.‬‬
‫مقام التعريض بالذين قالوا سمعنا وهم ال‬
‫والله الموفق‪ ،‬والحمد لله أوالً وآخراً‪.‬‬
‫يسمعون‪ :‬حيث شبهوا بدواب صماء بكماء‪.‬‬
‫رئيس قسم اللغة العربية بكلية التربية بجامعة‬
‫ثانيها‪ :‬في قوله تعالى‪{ :‬إن شر ال��دواب عند الله الجوف‪.‬‬
‫< رئيس قسم اللغة العربية بكلية التربية بجامعة الجوف‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪99‬‬

‫املعلمون في تراثنا العربي‪ :‬أخطار املهنة‬
‫> الزبير مهداد‬

‫<‬

‫المعلم وصي على نقل العلوم ونشرها بين المتعلمين‪ ،‬وتنشئتهم ورعاية نموهم العقلي‪ ،‬وتنمية‬
‫قدراتهم ومهاراتهم التواصلية واالجتماعية؛ فالتعلم والتعليم دعامتان أساسيتان لتوارث العلوم‬
‫ونقلها وإثرائها‪ ،‬وإعادة اإلنتاج االجتماعي‪ ،‬وتنشئة األجيال وإدماجها في المجتمع‪ .‬لذلك يعد العالم‬
‫المعلم خير من العالم لذاته‪.‬‬
‫وعلى مر العصور‪ ،‬كان يتصدر تعليم الناس وتدريسهم رجال وقفوا أنفسهم لهذه المهمة وتسموا‬
‫والمؤدّب والمفيد‪ ،‬والمعيد‪ ،‬والمكتب؛‬
‫ِ‬
‫معلمين‪ ،‬وهم أنواع؛ فهناك معلم المكتب‪ ،‬ومعلم المدرسة‪،‬‬
‫ولكل واحد من هؤالء اختصاصات ووظائف تختلف عن اآلخرين‪.‬‬
‫فمعلم المكتب كان يتصدر لتعليم الصبيان في المكاتب الخصوصية أو التي يقيمها الوالة‬
‫واألعيان‪ ،‬وكان كثير من الناس ممن يتوسمون في أنفسهم القدرة واألهلية لذلك يمتهنون هذه‬
‫المهنة‪ ،‬التي كانت تتطلب شروطا بسيطة‪ ،‬وهي قراءة القرآن ومعرفة العربية ومبادئ الدين‪ .‬وكانوا‬
‫يكترون حوانيت يتخذونها مكاتب يستقبلون فيها صبيان المسلمين‪ ،‬فيحفظونهم القرآن‪ ،‬ويعلمونهم‬
‫مبادئ القراءة والكتابة‪ ،‬مقابل أجر مالي يدفعه اآلباء؛ بينما في مكاتب السبيل التي ينشئها األمراء‬
‫والوالة‪ ،‬كان تعيين المعلم يتم من طرف الوالي أو ناظر الوقف‪ .‬وكان المعلم يتولى تعليم الصبيان‬
‫القرآن خاصة والعلوم األخرى‪ ،‬أما الخط والكتابة ففي أكثر األحيان كان يكلف بها معلم خاص‬
‫يسمى ال ُم َك ِتّبُ ‪.‬‬
‫ولم تكن هذه المهنة على الرغم من كثرة اإلقبال عليها سهلة يسيرة كما قد يبدو للوهلة األولى‪،‬‬
‫فقد كانت محفوفة بالمصاعب‪ .‬ومن أوالها ما وضعه الفقهاء وسدنة العلم من شروط للراغب في‬
‫امتهان الحرفة‪ ،‬ومنها أال يكون عزبا وال شابا‪ ،‬بل يكون شيخا محصنا خيّرا‪ ،‬وأن يكون من أهل‬
‫الصالح والتقوى والعفة واألمانة‪ ،‬أن يكون حافظا لكتاب الله تعالى‪ ،‬حسن الخط‪ ،‬يعرف الحساب‬
‫وغير ذلك من الشروط العديدة‪ ،‬وكان يعهد للمحتسب بمراقبتهم في عملهم‪ ،‬التأكد من احترامهم‬
‫آلداب المهنة واألخ�لاق العامة؛ ما كان يشكل تهديدا أم��ام كثير من معلمي المكتب بالمنع من‬
‫التدريس وقطع باب الرزق‪ ،‬أما معلمو مكاتب السبيل‪ ،‬فكانوا أحسن حاال للمرتب الذي يعود عليهم‬
‫من ريع األوقاف المحبسة على المكتب‪ ،‬ولعدم ارتباطهم المباشر باآلباء واستقاللهم عنهم‪.‬‬
‫وعلى الرغم من ذل��ك فقد كانوا موضوعا للنوادر والحكايات الطريفة في التراث العربي‪،‬‬
‫وأشهر من صنف في ذلك الجاحظ‪ .‬وتصور هذه الكتابات تواضع معرفتهم وضعف تكوينهم العلمي‬
‫وفقرهم وتعسف الصبيان بهم‪ ،‬تناقلتها كتب عديدة‪ ،‬وهي طرائف كثيرة وثقيلة يضيق المجال‬
‫بذكرها؛ وقد حاول بعض األدباء االنتصار لهم واإلشادة بمكانتهم االجتماعية وما تضفيه عليهم‬
‫‪ 100‬اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫غاية القبض‪ ،‬فاستدعاه السلطان وطيب خاطره وقال‬
‫له أن��ا أم��رت بذلك حتى تعلم ما عندك من العلم وما‬
‫عند الناس‪ ،‬وتعلم أن دار الغرب هي كعبة كل قاصد‪،‬‬
‫فال يجب أن تتكل على حفظك وتقتصر على ما حصل‬
‫عندك‪ ،‬وال يمنعك ما أنت فيه من التصدي عن مالقاة‬
‫كل من ي��رد من العلماء والتنزل لهم لألخذ عنهم‪ ،‬وال‬
‫يقدح ذلك في رتبتك عندنا إن شاء الله‪.‬‬

‫مهنتهم م��ن س��ط��وة وس��ل��ط��ة‪ ،‬وم��ن ذل��ك ق��ول المقري‪:‬‬
‫(ال�لاح��ظ م��ا ق��ال الجاحظ ف��اع��ت��راض ال ي��رد وقياس‬
‫ال يطرد‪ ،‬حبذا والله عيش التأديب‪ ،‬فال بالضنك وال‬
‫بالجديب‪ ،‬معاهدة اإلحسان ومشاهدة الصور الحسان‪.‬‬
‫يمينا إن المعلمين لسادة المسلمين‪ ،‬وإني ألنظر منهم‬
‫كلما خطرت على المكاتب أمراء فوق المراتب‪ ،‬من كل‬
‫مسيطر الدرة متقطب األسرة متنمر للوارد تنمر الهرة؛‬
‫يغدو إلى مكتبه كاألمير في موكبه‪ ،‬حتى إذا استقل فى‬
‫أما المؤدبون فهم معلمو أوالد الملوك واألمراء‪ ،‬يقول‬
‫فرشه واستوى على عرشه وترنم بتالوة قالونه وورشه‪،‬‬
‫الجاحظ‪( :‬ويستدل من نصائح األمراء والملوك للمؤدبين‬
‫أظهر للخلق احتقارا وأزرى بالجبال وقارا ورفعت إليه‬
‫أنهم ما قلدوهم أمور أبنائهم إال بعدما ارتفع إليهم في‬
‫الخصوم ووقف بين يديه الظالم والمظلوم)‪.‬‬
‫الخبر حالهم في األدب‪ ،‬وبعد أن كشفهم االمتحان وقاموا‬
‫أما في المدارس التي هي أعلى مستوى من المكاتب على الخالص)‪ .‬وهكذا كانوا يختارون المؤدب بعد أن‬
‫وكانت تدرس بها علوم شتى‪ ،‬فكان يعين عادة لكل علم من يستقصوا أخباره ويستفسروا عنه معارفه ثم يختبر‪ ،‬وإذا‬
‫العلوم أستاذ ويساعده معيد أو أكثر‪ ،‬وأحيانا كان األساتذة وقع عليه االختيار وحظي بالقبول‪ ،‬فإنه ينال االحترام‬
‫يرتبون في طبقات أعالها الصدر‪ ،‬هذا اللقب كان يمنح واإلج�ل�ال‪ ،‬ويحيطه لقب ال��م��ؤدب بإهاب من العظمة‪.‬‬
‫ألئمة العصر ف��ي العلوم ويقصدهم األم���راء وال���وزراء فاللقب يعني سعة العلم والتمكن من اللغة والتبحر في‬
‫ل�لإف��ادة منهم‪ ،‬وعليهم يتخرج النوابغ من المدرسين‪ .‬األخبار وغير ذلك‪.‬‬
‫وهناك المفيد‪ ،‬الذي عليه قدر زائد من اإلفادة واإلفهام‪،‬‬
‫فقد نقل المؤرخون أن طاهر بن الحسين حين سار‬
‫ثم المدرس الذي يتصدر لتدريس العلوم‪ ،‬ثم المعيد الذي‬
‫إلى خراسان نزل بمرو فطلب رجال يحدثه ليلة‪ ،‬فقيل‬
‫هو أدنى رتبة من المدرس‪ ،‬ووظيفته تنحصر في إعادة‬
‫ما ها هنا إال رجل مؤدب‪ ،‬فأدخلوا عليه أبا عبيد فوجده‬
‫ال��درس للتالميذ بعد أن يلقيه المدرس ليفهموه‪ ،‬كما‬
‫أعلم الناس بأيام الناس والنحو واللغة والفقه فقال له‬
‫يساعدهم على حفظ الدروس ومراجعتها‪.‬‬
‫من المظالم تركك أنت بهذه البلدة‪ ،‬فأعطاه ألف دينار‬
‫ومن أوجه الصعوبات التي كانت تثقل كاهل المدرسين وقال له‪ :‬أنا متوجه إلى حرب‪ ،‬وليس أحب استصحابك‬
‫المناظرات واالمتحانات‪ ،‬ومما يحكى في هذا الباب أن شفقا عليك فأنفق ه��ذه إل��ى أن أع��ود إليك فألف أبو‬
‫الملوك كانوا ال يتوانون عن تنظيم مناظرات الختبار عبيد غريب المصنف وعاد طاهر بن الحسين من ثغر‬
‫كفاءة المدرسين ومستواهم‪ ،‬وهو ما فعله السلطان أبو خراسان فحمل معه أبا عبيد إلى سر من رأى (سامراء)‬
‫عنان المريني (ت‪ )1358 :‬الذي عين للتدريس بمدرسته وكان أبو عبيد ثقة ديّناً ورِ عاً كبير الشأن‪.‬‬
‫المتوكلية الشيخ الصرصري‪ ،‬وكان تعيينه محل اعتبار‬
‫وذكر آخرون أنه لما قدم محمد بن قحطبة الكوفة‬
‫وتقدير من حاشية السلطان التي اقترحته لهذا المنصب‬
‫العلمي الرفيع‪ ،‬ولما جلس الصرصري بالمدرسة واتسع فقال أحتاج إلى مؤدب يؤدب األوالد‪ ،‬حافظ لكتاب الله‬
‫صيته‪ ،‬وجه إليه السلطان من يسأله في مسائل التهذيب عالم بسنة رس��ول الله وباآلثار والفقه والنحو والشعر‬
‫ال��ت��ي ان��ف��رد بإتقانها وحفظها‪ ،‬فتوجه ال��س��ائ�لان إلى وأي��ام الناس‪ ،‬فقيل له ما يجمع ه��ذه األشياء إال داود‬
‫الشيخ وطالباه بتحقيق ما أورده من المسائل عن ظهر الطائي‪ ،‬وكان محمد بن قحطبة بن عم داود‪ ،‬فأرسل إليه‬
‫قلب على المشهور من حفظه‪ ،‬فانقطع انقطاعا فاحشا‪ ،‬يعرض ذلك عليه ويسنى له األرزاق والفائدة فأبى داود‪.‬‬
‫وح��ف��ظ��ت ك��ت��ب ال��ت��اري��خ واألدب أس��م��اء ع���دد كبير‬
‫ولما أضجره ذلك نزل عن كرسيه وانصرف كئيبا في‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪101‬‬

‫من المؤدبين ومنهم الضحاك بن مزاحم م��ؤدب أوالد عن المظالم‪.‬‬
‫عبدالملك بن مروان‪ ،‬والصولي مؤدب األمين والمأمون‪،‬‬
‫وفي كثير من األحيان كانت عالقة المؤدب باألمير‬
‫والمفضل الضبي مؤدب المهدي‪ ،‬وعبد الملك بن المقفع ال تنتهي بسن محددة‪ ،‬بل كانت تستمر فيرتبط الطرفان‬
‫مؤدب أوالد إسماعيل بن علي‪ ،‬والكسائي مؤدب الرشيد‪ ،‬بعالقات ود وصداقة وتناصح حتى بعد أن يكبر األمير‬
‫وابن السكيت مؤدب أبناء المتوكل‪ .‬كانوا يتمتعون برغد ويتولى مقاليد األم���ور‪ ،‬مما يعرض ال��م��ؤدب لمخاطر‬
‫العيش ويحظون بالتكريم الفائق‪ .‬فضال عن أن طبيعة فيذهب ضحية دسائس أو م��ؤام��رات‪ ،‬ومما يحكى في‬
‫الوظيفة كانت تمنحهم فرصة اإلقامة في جناح خاص هذا الباب أنه بعد موت يزيد ومبايعة معاوية‪ ،‬توجه هذا‬
‫بالقصر ليكون إشرافه على الصبي األمير أحكم وأشمل‪ ،‬األخير إل��ى معلمه ليسأله رأي��ه‪ ،‬فنصحه مؤدبه عمرو‬
‫وتتاح له الفرصة لتعليم الصبي وتربيته عقليا ووجدانيا المقصص بالعدل أو االعتزال‪ ،‬فخطب معاوية في الناس‬
‫واجتماعيا وسياسيا‪ ،‬فكانوا يعيشون بمنأى عن الحاجة معلنا اعتزاله واستقالته‪ ،‬فوثب بنو أمية على المؤدب‬
‫والعوز والفقر‪.‬‬
‫عمرو المقصص وقالوا له أنت علمته وأفسدته‪ ،‬ثم دفنوه‬

‫وم��م��ا ي���روى أن ه���ارون ب��ن زي���اد دخ��ل على ال��واث��ق‬
‫فأكرمه غاية الكرم‪ ،‬فقيل له من هذا يا أمير المؤمنين‬
‫ويعقوب بن السكيت النحوي األدي��ب كان قد ألزمه‬
‫الذي فعلت به هذا الفعل‪ ،‬فقال هذا أول من فتق لسانى‬
‫المتوكل تأديب ابنه المعتز‪ ،‬فلما جلس عنده قال له يا‬
‫بذكر الله وأدنانى من رحمة الله‪.‬‬
‫بني ب��أي ش��يء يحب األمير أن يبتدئ من العلوم‪ ،‬قال‬
‫إال أن المؤدب لم يكن حرا في اختيار مواد التعليم أو باالنصراف‪ ،‬ق��ال اب��ن السكيت فأقوم‪ ،‬ق��ال المعتز أنا‬
‫الكتب لألمير المتأدب إال بموافقة أهل الصبي‪ .‬فالمؤدب أخف نهوضا منك؛ فقام المعتز مسرعا فعثر بسراويله‬
‫في عمله ملزم بإنفاذ البرنامج الذي يضعه األب‪ ،‬ويحكي فسقط فالتفت خجال فقال ابن السكيت‪:‬‬
‫الصولي كيف كان موقف القصر منه حين اختار لألمير ي���ص���اب ال��ف��ت��ى م���ن ع���ث���رة ب��ل��س��ان��ه‬
‫ال��راض��ي ب��ال��ل��ه وأخ��ي��ه ه����ارون ب��ع��ض ال��ك��ت��ب‪ ،‬فحجزت‬
‫وليس يصاب المرء من عثرة الرجل‬
‫وصودرت وأمر بأال يتجاوز تعليمهما الحدود التي رسمت‬
‫ف���ع���ث���رت���ه ب���ال���ق���ول ت���ذه���ـ���ب رأس���ـ���ه‬
‫له‪ ،‬وأن ينفذ ما طولب به إنفاذا حرفيا دقيقا‪.‬‬
‫وع��ث��رت��ه ب��ال��رج��ـ��ل ت��ب��ري ع��ل��ى مهـل‬
‫كما كان األدباء المربون معرضين للمخاطر المترتبة‬
‫حيا حتى مات‪.‬‬

‫عن مخالطة ذوي السلطة‪ ،‬ولم يكونوا قادرين على دفع‬
‫الدسائس التي كانت تحاك ضدهم وتستهدفهم‪ ،‬فلكل‬
‫شيء ثمن‪ ،‬فهذا محمد بن عمران الضبي مؤدب المعتز‬
‫كان قد سمى رج��اال للمعتز للقضاء نحو ثمانية رجال‬
‫فيهم الخلنجي والخصاف وكتب كتبهم‪ ،‬فوقع فيه شفيع‬
‫الخادم ومحمد بن إبراهيم بن الكردية وعبد السميع بن‬
‫هارون بن سليمان بن أبي جعفر‪ ،‬وقالوا إنهم من أصحاب‬
‫ابن أبي داود وهم رافضة وقدرية وزيدية وجهمية‪ ،‬فأمر‬
‫المعتز بطردهم وإخ��راج��ه��م إل��ى ب��غ��داد ووث���ب العامة‬
‫بالخصاف وخرج اآلخ��رون إلى بغداد وعزل الضبي إال‬
‫< معلم وباحث من المغرب‬

‫‪ 102‬اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫فلما ك��ان من الغد دخ��ل على المتوكل فقال له قد‬
‫بلغني البيتان وأمر له بخمسين ألف‪ ،‬ولكن لن يكتب البن‬
‫السكيت أن يستمتع بهذا الرغد طويال‪ ،‬حيث ستؤدي‬
‫عثرته بالقول إلى أن تذهب برأسه‪ ،‬إذ يحكي المؤرخون‬
‫أن ابن السكيت كان يوما عند المتوكل فدخل عليه ابناه‬
‫المعتز والمؤيد‪ ،‬فقال له يا يعقوب أيما أحب إليك ابناي‬
‫هذان أم الحسن والحسين‪ ،‬فغض ابن السكيت من ابنيه‬
‫وذكر محاسن الحسن والحسين‪ ،‬فأمر المتوكل األتراك‬
‫فداسوا بطنه وحمل إلى داره فمات من الغد‪ ،‬ويقال أنه‬
‫حمل ديته إلى أوالده‪.‬‬

‫النص الرقمي‬
‫ّ‬
‫> أشرف اخلريبي‬

‫<‬

‫كيف نستفيد من الثورة التقنية ومن النص المفتوح؟ وكيف نقرأ وعيها اآلني؟ كيف نشيد بناءنا‬

‫المتميز؟ وكيف نعيد لوجودنا وجوده؟!‬

‫أمام أسئلتنا التي تطرح تفاعلها وتنبئ عن إجابات شتى متخيلة أو جاهزة‪ ،‬علينا أن نتفهم موقعنا‬

‫في العالم كأدباء ومثقفين‪ ،‬ونتطلع بدورنا ومسؤوليتنا وأهمية وجودنا‪ ،‬وموقفنا من العالم حولنا‪،‬‬

‫في ظل طفرات نوعية‪ ،‬منها أدبية وفكرية واقتصادية تسيطر على الوجود اإلنساني في كثير من‬
‫القضايا‪ .‬ليس مجرد التعبير هو الفعل الكافي‪ ،‬والذي علينا أن نمارس كونه في ضوء المعادالت‬

‫الكيميائية أو في الحديث عن الميتافيزيقيا‪ ،‬كي تتشكل معارفنا وتقدم نموذجها التعبيري‪ .‬ليت‬
‫المسالة تقف عند حد النقاش والرأي والتعبير المجازي والرمزي والتصويري‪ ،‬إال أنها تمر من بين‬

‫أصابعنا كي تنفلت وتحدث تغيرا أخر ينبئ عن إضافة دور جديد للمثقف والكاتب؛ ذلك الدور الذي‬

‫غاب في زحام العالم وضجيج األخر‪ ،‬المتسلط بأيدلوجياته وأفكاره االستعمارية على وعينا أحيانا‪،‬‬
‫وعلى مُقدراتنا‪.‬‬

‫ربما كانت المسألة كلها تكمن في إيماننا العميق والحقيقي بذلك الدور الذي يمكن أن نقوم به‪،‬‬

‫وتعظيم إمكانياته المعرفية في ظل التقنية الحديثة التي تسهم بشكل فاعل وكبير في وصول صوتنا‬
‫الواحد إلى األخر‪ ،‬ووصول كياناتنا المختلفة إلى أكثر من مجرد قارئ عادي‪ ،‬حيث تتفاعل مجموعة‬
‫كبيرة جدا من المتلقين على كل المستويات عبر التقنيات الحديثة‪ ،‬وتقرأ أصواتنا المختلفة وتقرر‬

‫بنفسها مدى حرصها على وجودنا ووجودها معنا أيضا‪ ،‬وم��دى ما يمكن أن نسهم به في حركة‬
‫المجتمع الذي ينهض ويحاول في شتى المواقع أن يتفرد ويبنى كيانه الجديد بالقوة ذاتها التي‬

‫أسستها حضارتنا القديمة جدا؟‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪103‬‬

‫هل ما زال لحضارتنا وجودها األثري في وجداننا؟‬
‫اإلجابة تصعب علينا أحيانا فنمضى تاركين وراءنا‬
‫المفردات الهثة هنا وهناك‪ .‬ما زلت أومن بقوة اإلنسان‬
‫العربي الشرقي وق��درات��ه وذك��ائ��ه ال��ف��ردي‪ ،‬كما أومن‬
‫بقدراتنا الخالقة الوثابة على العطاء ودورن��ا الفاعل‬
‫في واقعنا‪ ،‬أومن بالفعل بالتجربة والخبرة اإلنسانية‬
‫التي تعكس مدى أهمية هذا الدور الذي ننشده‪.‬‬
‫ولشد ما يهمني هنا في االستفادة القصوى من‬
‫الثورة التقنية هو العمل الجاد والتناول المثمر الذي‬
‫يجعل من أس��اس بنائنا عنصرا مهماً لحياتنا التالية‬
‫على ما بها من متخيل ال ندرك كنهه‪ ،‬وعلى ما يمكن‬
‫أن تجود به ثقافتنا‪ .‬المسألة تنبني في األساس على‬
‫فهم عميق لما تحدثه ه��ذه ال��ث��ورة‪ ،‬التي ال شك أنها‬
‫تتجاوز بمراحل هذا التبسيط المتصور على اعتبار أنه‬
‫واقع افتراضي وحسب‪ ،‬وعلى اعتبار أن عالم الرقمية‬
‫اختراع مثل التليفزيون والراديو‪.‬‬
‫إنها في جانب كبير منه أكثر بكثير مما نتصور‪ ،‬وإن‬
‫كانت االختراعات ستتوالى ال شك‪ ،‬غير أنها جميعا‬
‫ستجعل م��ن الرقمية حجر زاوي���ة لها‪ ،‬وستجعل من‬
‫وجوده بناء أساسيا لكافة تطوراتها بعد ذلك‪ ،‬والفرق‬
‫كبير نظراً ألن الرقمية عالم افتراضي وحسب‪ ،‬تلك‬
‫النظرة التي أراها‪ .‬لذا كان من المهم أن نقدم دورا أكثر‬
‫ايجابية مما ننظر‪ ،‬وأن نوسع في دائرة عالمنا ونعطي‬
‫أبعادا فاعلة ومثمرة‪ ،‬جادة لواقعنا الجديد على اعتبار‬
‫أن الواقع االفتراضي في أحد جوانبه يقدم ما نريد أن‬
‫نقول‪ ،‬ليس هذا فحسب‪ ،‬إنه يقدم محتواه في األساس‬
‫ومعه ما نريد أن نقول‪.‬‬

‫فهل يجوز أن يكون هناك نصا رقميا؟‬
‫وهل يمكن أن يكون نصا رقميا مُمكنا ومتاحا ومؤهال‬
‫لبناء جديد يُحدث بعناصره المختلفة والجديدة بنية‬
‫‪ 104‬اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫مغايرة وقافزة على ما سبق من نصوص مكتوبة ورقيا‪،‬‬
‫ومحدثا بهذا البناء تغيرا جذريا على كافة المستويات‬
‫نص‬
‫النوعية والكمية للنص األدب��ي تحديدا؟! إن كل ّ‬
‫مهم يكن توجهه إن لم يكن أدب�� ّي��ا فهو كتابة م��ا‪ ،‬في‬
‫أساس وجودها لتدوين معلومات وتخزينها‪ ،‬وللتعبير‬
‫عن المشاعر واألفكار‪ .‬سواء تلك المكتوبة على الورق‪،‬‬
‫كما هو الحال في الواقع الورقي‪ .‬أو كتبت بعد تحويلها‬
‫رقمية بواسطة الكمبيوتر‪ ،‬أو بواسطة البرامج المعروفة‬
‫ك��ب��رن��ام��ج ‪ word‬ال��ش��ه��ي��ر‪ ،‬أو ب��واس��ط��ة الماسحات‬
‫الضوئية (آلة تصوير المستندات) إذ ال يخرج النص‬
‫عن كونه موضوعا يحمل أفكاراً بعينها؛ أي فكرة مُمكنة‬
‫التحقق‪ ،‬وأمرا محتمل الحدوث إلى جانب مضمونه‪،‬‬
‫ويجب التمييز بين الموضوع والمضمون فى هذا اإلنتاج‬
‫الفني (النص) الرقمي‪ ،‬إذ يمكن القول إن الموضوع هو‬
‫الذي يشمل العمل كلية بما يحمله من مفردات عالمه‬
‫أيما كان نوع هذه المفردات‪ ،‬ولفظة مفردة هنا تتحصل‬
‫على المفردات اللغوية‪ ،‬إل��ى جانب كم من الوسائط‬
‫اإللكترونية التى تحيط بالعمل‪ ،‬وتحمل بوجودها داللة‬
‫طرحها فى هذا العمل الفني تحديدا وإمكانية تواصل‬
‫التلقي معها‪ ،‬ويكون المضمون تأويال لهذا الموضوع‬
‫القابل لالمتداد والتعدد الذي يبيحه ‪ -‬االبتكار الفني‬
‫فى النص الرقمي ‪ -‬كي يحتمل العمل الفني أكثر من‬
‫تأويل وأكثر من قراءة واشتراك مع العمل‪ ،‬وربما يرد‬
‫هنا تساؤل مهم حول النص الرقمي وتحققه فى الواقع‪،‬‬
‫وإن كان ابنا شرعيا للواقع أصال‪ ،‬وهو أحد المعطيات‬
‫التى أفرزتها الحضارة الحديثة‪ ،‬وهذا بحد ذاته أحد‬
‫معطيات النص الرقمي‪ .‬وال شك أن النص الرقمي‬
‫هو نص مكوّن من عناصر عديدة يعمل على آليات‬
‫مُفترضة‪ ،‬وربما يمزج إمكانات جديدة ومختلفة؛ حالة‬
‫مُنفتحة على كل التأويالت‪ ،‬تحمل فى طياتها المجهول‬
‫الذي تذهب إليه النصوص مع إمكانية ثباتها وبقائها‬
‫فى حصار ه��ذه العناصر على الرغم من محاوالتها‬

‫الوصول إلى حالة التغير والتبدل المتخيل‪.‬‬

‫نص افتراضي في األساس‬
‫بال هوية وال موقف‪ ،‬ألن كل ّ‬
‫واقعي بالدرجة األولى وليد لحظته اإلبداعية؛ فالقصة‬
‫وال���رواي���ة والمسرحية وح��ت��ى ال��ن��ص ال��ش��ع��ري يحمل‬
‫بنية تخيلية داخل واقع افتراضي هو الواقع الرقمي‬
‫فى النص األدبي‪ ،‬مروى عنها فى بنية زمنية ومكانية‬
‫وعناصر أخرى تحمل أنساقها المُمكنة داخل النص‪،‬‬
‫ومن خالل شخصيات مُفترضة تتماهى وتتماس مع‬
‫الواقع‪.‬‬

‫فهل النص الرقمي يحمل إمكانيات الخلق اللّغوي‬
‫المُختلف‪ ،‬وقدرته على إنشاء أفكار ومضامين مغايرة؟‬
‫أو يقدم نموذجا بعينه للكتابة الجديدة حيث تقدم هذا‬
‫النموذج فى عالم افتراضي (عالم االنترنت) بأفكار‬
‫ممكنة‪ ،‬وم��ن ث��م مُتخيلة لهذا العالم‪ ،‬وواق���ع متخيل‬
‫له ينتج فيه النص ابناً لبيئته الجديدة؟ وه��ى واقعه‬
‫الجديد الذي ينمو ويتطور من خالله فقط (الكمبيوتر)‬
‫من هنا نستطيع أن نالحظ العمل الفني الرقمي‬
‫االنترنت كي نطلق عليه من هذه الميزة التى يحملها‪،‬‬
‫نص ال��ذي يقدم خياله الخاص مع وعينا المشترك بهذا‬
‫وهى جوهر وج��وده األصيل المحفز إلنتاجه أنه ٌ‬
‫النص وإمكانيات طرحه‪ ،‬وهو يكاد يمزج مزجاً تـامـاً‬
‫جديد فى بيئة جديدة‪.‬‬
‫بين قضاياه الخاصة اللفظية المتاحة‪ ،‬وبين قضايا‬
‫أهمية التقنيات الرقمية‬
‫تقنية ترتبط بالوسائط المتعددة‪ ،‬أو يطرح قضايا‬
‫متلق‬
‫إن التقنيات الرقمية تعد وثبة هائلة فى إمكانية التذوق تبدو عامة‪ ،‬ولكنا نستقبلها في منطقة خاصة بكل ٍ‬
‫الفني واإلب��داع والنقد‪ ،‬من حيث تأثيراتها المختلفة وحسب موقفه الخاص‪ ،‬ذلك ألن تأثير النص ال يتم وال‬
‫فى مجاالت التصوير وال��ص��وت والمونتاج والعرض؛ يكتمل إال بوعي وخيال وإرادة المتلقي المشترك فى‬
‫أي م��ن خ�ل�ال واق���ع ال��م��ش��اه��دة غ��ي��ر جلسة التلقي العمل وإنتاجه‪ ،‬وهى منتجة من أجله أصال‪ ،‬األمر الذي‬
‫السلبي المعروفة أو حتى التلقي المتفاعل‪ ،‬فإن كان يسمح بمثل ه��ذا التداخل بين اإلب��داع كعملية أول��ى‪،‬‬
‫كتال لها‪ ،‬ويصبح اإلب��داع هو المحرك لثبات‬
‫بإمكان التلقي أن يؤثر بلمسة من أصابعه على التدفق والتلقي ٍ‬
‫ال��درام��ي لنص‪ ،‬بحيث يؤثر ويغير من وجهة التدفق التلقي‪ ،‬والعكس عند حاجة التلقي لفكرة اإلبداع وهو‬
‫الدرامي لألحداث ومصائر األبطال‪ ،‬وحيث يتيح بهذه في جانب من تجلياته‪ ,‬وبهذا االش��ت��راك االفتراضى‬
‫اإلمكانيات اشتراكه الفاعل‪ ،‬وتحويل الصور المسطحة بين المبدع والمتلقي يصبح العمل مختلفا كلياً فى‬
‫إلى صور مُجسدة ومتحركة‪ ،‬والتي يتم فيها تجسيد موضوعه ومضمونه وزواي��ا إدراك فنيتـه‪ ،‬وف��ي كونه‬
‫األش��ي��اء ال��م��ادي��ة ف��ي ص��ور تخيلية؛ إذ يتم استبدال وعالمه المتخيل‪ .‬إن آليات عملية إنتاج النص الرقمي‬
‫العالم الحقيقي بعالم تخيلي مجازي هو مطلب مهم يوصف بأنه عمل فني؛ أي التجربة اإلبداعية والتقنية‬
‫م��ن مطالب الرقمية‪ ،‬تصبح المشاهدة التي تتكون فى ذات الوقت‪.‬‬
‫من أشكال ثالثية األبعاد داخل النص‪ ،‬ومن ثم تصبح‬
‫إن ال��ن��ص ال��رق��م��ي ي��م��ارس ن��ش��اط��اً تخيليا‪ ،‬ل��دى‬
‫الصور حقيقة‪ ،‬ويدخل ال��ق��ارئ في المشهد المرئي المتلقي مع إدخ��ال عناصر أخ��رى أكثر صلة بواقعها‬
‫ويصبح جزءاً من تفاصيل الحدث الذي كان ينظر إليه االفتراضي‪ ،‬وإدخال التلقي فى منطقة النص واشتراكه‬
‫فى شكل تخيلي‪.‬‬
‫فيه لرؤية جديدة حيث العالم النصي م��ؤول لصالح‬
‫على عكس ما يتوقع الكثيرون‪ ،‬من أن النص الرقمي التلقي المفترض وجوده ذهنياً‪ ،‬ودال بحسب الصورة‬
‫هو اآلتي من مُحصلة تقنيات الكترونية وحسب‪ ،‬وهو المطروحة فى بنائه‪ ،‬وفى شكل تجسدها عبر عوالـم‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪105‬‬

‫وأحاسيس مُتخيلة خالل واق��ع افتراضي‪ ,‬ومن حيث‬
‫إل��م��ام التلقي م��ث�لا ع��ل��ى معطيات ال��رم��وز ودالئ��ل��ه��ا‬
‫وتعبيراتها المختلفة‪ .‬وينشغل العمل الرقمي بمفردات‬
‫موضوعية غير م��أل��وف��ة للمتلقين‪ ،‬تعمل على خلق‬
‫انطباعات مغايرة ومختلفة ب��األس��اس؛ إذ تقدم بنية‬
‫أو مشهداً ربما مكتمل األداء له أكثر من بعد مرئي‬
‫ومسموع ومحسوس تستدعي أخيلة وت��ص��ورات لدى‬
‫المتلقي‪ ،‬ومفاهيم عقلية وتداعيـات ذهنية تحمل من‬
‫مشاعر التلقي ق��درة االستجابة المباشرة والسريعة‬
‫لهذا النص‪.‬‬
‫وتبقى بعض ه��ذه التقنيات داخ���ل ال��ن��ص نفسها‬
‫التى هي نشاط معرفي لعمل ه��ذه الرموز وإشارتها‬
‫المختلفة‪ ،‬وتتحول إلى تراكيب متناهية ومحالة إلى‬
‫موقف أخر طوال الوقت‪ ،‬ومنشغلة بصورة ذهنية خاصة‬
‫بكل تلقي على حده‪ ،‬مع تغيـر التركيبات المألوفة التى‬
‫تعودها التلقي؛ تلك التي ال تستدعي أكثـر من مجرد‬
‫االس��ت��ج��اب��ات ال��ج��اه��زة والمحفوظة وال��ت��ي ال تحتاج‬
‫من ثم إلى نشاط استجابة يتعين فرضيتها فى هذه‬
‫الحالة‪ ،‬وتصبح القيمـة الفنيـة للنص الرقمي في قدرته‬
‫على إش��راك التلقي معه وإدخاله فى مجمل العملية‬
‫اإلبداعية‪ ،‬ويتحول تاليا إلى المؤلف الثاني (المتلقي)‪.‬‬
‫ون��ج��د عملية النشر اإلل��ك��ت��رون��ي ال��ت��ى تتم حاليا‬
‫من خالل الشبكة الرقمية تقدم الوسائط المطبوعة‬
‫‪ Printed-Based Materials‬كالكتب واألب��ح��اث العلمية‬
‫بصيغة يمكن استقبالها وقراءتها عبر شبكة اإلنترنت‪،‬‬
‫هذه الصيغة تتميز بأنها صيغة مضغوطة ‪،Compacted‬‬
‫ومدعومة بوسائط وأدوات كاألصوات والرسوم ونقاط‬
‫التوصيل التى تربط القارئ بمواقع على شبكة اإلنترنت‪.‬‬
‫مع تصميم صفحات ال��وي��ب‪ .‬كما توجد صيغة ‪PDF‬‬
‫وهى تقنية تهدف إلى نشر وتبادل المعلومات المقروءة‬
‫إلكترونياً بشكل يحفظ للمادة التى يتم تبادلها كافة‬
‫األشكال التى يريدها الكاتب‪ ،‬من حيث الدقة والتنسيق‬
‫‪ 106‬اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫وجودة العرض والطباعة‪ ،‬حيث ال يمكن إعادة تنسيقها‬
‫من قبل القارئ عن طريق برنامج التصفح‪ ،‬وهى تظهر‬
‫كما وضعها الكاتب والمصمم‪ .‬كما أن تنسيق النص ال‬
‫يتغير على عكس ‪ HTML‬حيث يمكن أن يتغير تنسيق‬
‫النص بتغير الخط‪ ،‬أو بتغير برنامج التصفح‪ .‬وهذا‬
‫األم��ر ض��روري فى مجال النشر والوثائق الرسمية‪.‬‬
‫وقد توسعت مجاالت النشر اإللكترونى‪ ،‬فشملت نشر‬
‫األبحاث العلمية‪ ،‬وأوراق المحاضرات ‪Lecture Notes‬‬
‫وال��م��ذك��رات ل��ط�لاب ال��ج��ام��ع��ات‪ ،‬كما يمكن ألس��ات��ذة‬
‫الجامعات نشر أوراق محاضراتهم إلكترونياً ليحصل‬
‫عليها الطلبة من مواقع األساتذة على اإلنترنت‪ .‬كذلك‬
‫نشر الكتب والمراجع األكاديمية ‪ ،Text Books‬وتزود‬
‫الكتب بأقراص مضغوطة ‪ CD‬مرافقة للكتاب‪ ،‬وعلى‬
‫الرغم من غموض مستقبل الكتاب اإللكتروني‪ ،‬فإن كل‬
‫التوقعات المستقبلية تتنبأ بعصر رقمي جديد يعتمد‬
‫النظم الرقمية‪ ،‬المجهزة بشاشات من الورق اإللكتروني‬
‫الذي ظهر حاليا‪ ،‬وهو عبارة عن صفحة بسمك خفيف‬
‫من البالستيك الشفاف‪ ،‬وتُحَ مل بما يشبه الشرائح‬
‫االلكترونية لعرض المحتويات المختلفة‪.‬‬

‫المعيار الفني للنص الرقمي وناقده الفني‬
‫تبدو ممازجة فاعلة أن يجتمعا معا فى النص الرقمي‬
‫بهذا التخيل من حيث المفاهيم والمنطلقات‪ ،‬وفيما‬
‫يثيرانه فى هذا النص ‪ -‬المنفتح على كل التأويالت‬
‫التي تثير التساؤل ‪ -‬على الرغم من ما يتضمنه من‬
‫جملة تعقيدات فى شكل بنائه؛ ألن��ه يشك ًل منظومة‬
‫متكاملة من الوسائط المستخدمة إلنتاج هذا النص‬
‫بمفهومه ال���ذي يتضمن ال��س��رد‪ ،‬وال��ب��ن��ي��ة‪ ،‬وال��ش��ك��ل‪،‬‬
‫واألس��ل��وب‪ ،‬وال��ل��غ��ة‪ ،‬وال��دالل��ة‪ ،‬ومنطق البناء … ال��خ؛‬
‫فالنص عمل يستخدم الكتابة لطرح عالمه وعرض‬
‫أشيائه المتخيلة من خالل عوالمه المتعددة التي تبقي‬
‫‪ -‬بعد تحققها ‪ -‬لها ذلك األث��ر ال��ذي يمثل الخطاب‬

‫المعرفي إج��م��اال حيث تكمن أهميته‪ ،‬بينما يختفي‬
‫الشكل القديم‪ ،‬وهو أحد معطيات النص الذي يشمل‬
‫بداللته جزءا من جوهر النص قديما‪ ،‬إذ يرسم آفاق‬
‫الموضوع وال��ذات معاً‪ ،‬وهى تشكل منظومة متكاملة‬
‫من العمل اإلبداعي‪ ،‬أخذت طابعاً مختلفا في النص‬
‫من حيث طريقة طرحها للعالم‪ ،‬محاولة إبراز عالميها‬
‫الداخلي والخارجي على السواء‪ ،‬ومن ثم استكشاف‬
‫العالم ووقوف الذات‪ ،‬متجاورة على شكل تفاعلها مع‬
‫هذه الوسائط وطريقة استخدامها كمرآة تصور شكل‬
‫التجسد النصي‪ ،‬والموافقة على حضورها فى العالم‬
‫بهذا الشكل الذي يعبر عنها وفق الطرق المتاحة أمامه‬
‫وخياراتها الرقمية التي يقدمها للتلقي‪ ،‬حتى وإن كانت‬
‫جديدة عنه كاستخدامه للفالشات وامتدادات الصور‬
‫وغيرها بوصفها تأويال لما أراد أن يقول‪ ،‬ه��ذا هو‬
‫المؤلف فى النهاية أم��ام المتلقي ال��ذي يشترك معه‪،‬‬
‫يرسم له خرائط عشوائية لقراءة الذات والعالم‪ ،‬مكوناً‬
‫ال يخرج من ح��دوده الطبيعية إلى حدود‬
‫نصا متواص ً‬
‫ال نهائية‪ ،‬ترسم اإلنسان ضمن تفاصيل أخ��رى تبدو‬
‫ه��ي األس���اس م��ن خ�لال ال��ش��يء المحيط (ال��خ��ارج)‪.‬‬
‫ويبقى العالم بجدلية الذات والموضوع محوالً أطراف‬
‫المُعادلة إلى كون متماسك البناء – متخيل ‪-‬مكتمل‬
‫كتلة مموهة‬
‫نسبيا فى ص��ورة متخيلة لهذا التماسك ٍ‬
‫قابل للتغيير والتبديل فى أي وقت وبمجرد اشتراك‬
‫ٍ‬
‫التلقي‪ ،‬إذ يتخذ من ه��ذا التحول ام��ت��دادا ومسارات‬
‫ل��ه وموقفا م��ن العالم ب��األس��اس‪ ،‬والموقف م��ن إث��ارة‬
‫الخيال والسيطرة على الذهن الكامل للتلقي بنسيج‬
‫شبه متكامل فى النص الرقمي‪ ،‬يشترك فى إحداثه‬
‫المؤلف مع المتلقي‪ ،‬وهي ترتبط إلى حد كبير بأكثر‬
‫من موقف‪ ،‬أوال‪ :‬ق��درة من المؤلف على إح��داث هذا‬
‫متلق مستعد مباشرة للتعامل م��ع هذا‬
‫الخيال ل��دى ٍ‬
‫المعطى الفني‪ ،‬والتخلي عن ثوابته فى ه��ذا التلقي‬
‫بإحساسه ومشاعره كمعرفة جديدة؛ وثانيا‪ :‬هو طرح‬

‫تراكيب وكيانات جديدة تستلزم معرفة ووعيا مختلفا‬
‫ومغايرا‪ ،‬وتطرح في الوقت نفسه إدراكا جديدا موظفا‬
‫توظيفا هائال لصالح وجودنا الذي ننحاز إليه أصال مع‬
‫استمرار وتعدد هذا الخلق الجديد‪ ،‬ألنها ربما تقدم‬
‫وتصور عالما بديال له قوانين مغايرة وموقفا مغايرا ال‬
‫يتفق مع كثير مما نتصور‪ ،‬واإلبداع هنا يعمل على طرح‬
‫الجديد والمدهش والمختلف أيضا‪ ،‬ولكن هل سيكون‬
‫ممتعا وأصيال؟‬
‫إن الفرق بين النص الرقمي والنص ال��ورق��ي فى‬
‫جانب منه يمثل فارقا عند التلقي‪ ،‬من حيث تأثير هذه‬
‫النصوص عليه وتجاوبه معها من عدمه أو عدم تأثيرها‬
‫عليه‪ ،‬وكذلك طريقة الكتابة وشكلها وأسلوبها‪ ،‬وثبات‬
‫النصوص وال��خ��ط��وط وحركتها‪ ،‬وت��درج��ه��ا وأبعادها‬
‫المختلفة‪ ،‬وتفاعلها مع نصوص أخرى موازية أو مقاربة‪،‬‬
‫وكذلك تجاوز النص الرقمي لوحدة الزمان والمكان‪،‬‬
‫إذ تمثل ه��ذه المتغيرات في الكتابة الرقمية موقفا‬
‫مغايرا؛ حيث يقوم المتلقي من موقفه الخاص وحسب‬
‫رؤيته هو‪ ،‬في تأمل هذا الطرح النصي والتفاعل معه‬
‫مُجسدا موقفه منه‪ ،‬ومن ثم تحريك خيالَي المتلقي‬
‫وال��م��ؤل��ف أي��ض��ا‪ ،‬ورب��م��ا يُ��ك��رس ل��ه إم��ك��ان��ي��ات أخ��رى‬
‫باإلضافة والحذف‪ ،‬ويكون العمل الفني الذي يخلو من‬
‫هذه اإلمكانية وقبوله لمثلية هذه التغيرات والتبديالت‬
‫القابلة للتشكيل وال��ت��ح��ول ه��ي الدليل الحيوي على‬
‫مرونة هذا النص‪.‬‬
‫وبمثل هذه التحوالت والتأويالت سوف يكون الحكم‬
‫التالي على النص‪ ،‬األمر الذي يُحيلنا إلى مسألة أعمق‬
‫تتعلق بتعريف هذا النص‪ ،‬ووض��ع أُط��ر نظرية للحكم‬
‫على أهميته إي��ج��اب��ا وس��ل��ب��ا‪ ،‬وم���دى ق��درت��ه على من‬
‫إشراك المتلقي معه؛ مما يجرنا أيضا لتساؤل أخر عن‬
‫مواصفات المؤلف والمتلقي أو المنتج للنص الرقمي‪.‬‬
‫وم���ا يعنيني ه��ن��ا ه��و ال��م��واص��ف��ات األول���ي���ة التي‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪107‬‬

‫يجب توافرها فى الكاتب الرقمي‪ ،‬وليست الصفات‬
‫البيولوجية أو السيكولوجية‪ ،‬أو حتى مواقفه السياسية‬
‫االجتماعية أو األخالقية الدينية؛ إن م��ا أعنيه هو‬
‫هذا الوعي بالخلق الفني االفتراضي‪ ،‬وعيه الفني مع‬
‫المزيد من الكفاءة المعرفية ووسائل تعبيرية عميقة‬
‫ذات أبعاد شمولية‪ ،‬وموقفه من التجربة اإلبداعية وما‬
‫تحمله من توجهات لتوجيه خطاب معرفي جديد على‬
‫علم تام باألنساق السابقة لهذا التجاوز‪ ،‬ذو ثقافة فنيـة‬
‫خالقة تعرف خطوات العمل الرقمي وتتبنى وج��وده‪،‬‬
‫وأن هذه المواصفات يجب تحديدها وتحجيمها إلى‬
‫مستوى أكثر بكثير مما نتصوره اآلن؛ ألنه فى موقفه‬
‫الفني يعتمد على ثالثة مواقف حتى اآلن‪ :‬أولها المبدع‬
‫اللفظي‪ ،‬وثانيها المبدع التقني‪ ،‬وثالثها المتلقي المكمل‪،‬‬
‫إن جازت هذه التعبيرات التى قد تجتمع في شخص‬
‫واح��د‪ ،‬ويعتمد النص الرقمي على الكتابة داخل بيئة‬
‫بذاتها‪ ،‬هي الكمبيوتر أحد الوسائط اإللكترونية‪.‬‬
‫وعلى فرضية أن شبكة اإلنترنت هي بيئته التي تقيم‬
‫وجودا للنص‪ ،‬وهي تمثل بهذا الشكل التربة الخصبة‬
‫التي تجعل من وجود هذه البيئة بحد ذاتها أحد روافد‬
‫الكتابة‪ ،‬وهي أساس فني فى كثير من األحيان لتوليد‬
‫حالة الكتابة‪ ،‬وشكلها التى تعد العنصر األكثر أهمية‬
‫فى النص الرقمي‪ ،‬وربما تحاول إنجاز موضوعه فى‬
‫بعض األحيان القليلة‪ ،‬فهل يمكن إطالق أن هذه الكتابة‬
‫تنزع إلى الشكالنية على حساب موضوعها؟ وهي تمثل‬
‫بذلك منجزها األساسي‪ ،‬وهي بهذا المعيار تقدم حالة‬
‫مختلفة للكتابة‪ ،‬وتتخلق منها مواقف متعددة تمثل‬
‫مناحي شتى للرؤيا التشكيلة فى النص الرقمي؛ إذ تقوم‬
‫على فرضيات أساسية وتقنيات معدة لالستخدام‪ ،‬تبدأ‬
‫باختيارات متعددة رغم كونها تأتى من خلفية إبداعية‬
‫فى األصل‪ ،‬إذ تعد األوامر والرموز مادة لهذه الكتابة‪.‬‬

‫الحالة سوف يتغير الشكل والمضمون‪ ،‬ويصبح النص‬
‫المرئي حسب البيئة الجديدة المطبوعة مثال‪ ،‬وليس‬
‫اختالف فكرة الكتابة األدبية عما كان‪ ،‬فلم تعد هي هذا‬
‫الهاجس الذي يسمى والدة النص‪ ،‬إذاً تمثل تقنية النص‬
‫الرقمي ش��رط وج��وده فى بيئته الرقمية‪ ،‬والمقصود‬
‫أن يُقرأ في بيئة إلكترونية‪ ،‬حيث تندمج فيه العناصر‬
‫المرئية مع الكلمات لتشكل النص المرئي والمسموع‬
‫معا مع العناصر األخرى المخلقة داخل النص‪ ،‬كالحركة‬
‫وال���رم���وز وتفاعلها داخ���ل ال��ن��ص؛ ويعتمد ب��األس��اس‬
‫على شرط أخر هو وج��وده داخ��ل بيئته كي يأتي أثره‬
‫س��واء كان النص بصريا صوتيا‪ /‬أو بصرياحركيا‪ ،‬أو‬
‫ك��ان نصا ال يستخدم التقنيات الصوتية أو الحركية‪،‬‬
‫بينما يعتمد على وج��ود المفردات داخ��ل ه��ذه البيئة‬
‫االلكترونية فحسب‪ ،‬مكتفيا بقليل من التقنيات التي‬
‫تعنى بالمفردات وإعطاء رموز وإشارات وتغيرات على‬
‫مستوى الخط واللون والتنسيق الخاص بالكتابة فقط‪،‬‬
‫وهو يعنى بالكلمات دون تداخل عناصر أخ��رى‪ ،‬حيث‬
‫يقتضي هذا الشكل االهتمام بالمفردات وجملة التعابير‬
‫الخاصة بها‪ ،‬ويسهل على التلقي العادي التعامل معها‬
‫من موقف النص نفسه الذي تعوده‪ ،‬وعلى أن يراه‪ ،‬إذ ال‬
‫تمثل العناصر السابقة تغيرا جذريا فى شكل الكتابة‪.‬‬

‫أم��ا ع��ن تلك النصوص التي تعتمد ب��األس��اس من‬
‫بين عناصرها التقنيات الفنية (الوسائط االلكترونية‬
‫األخ����رى ال��ح��رك��ي��ة وال��ص��وت��ي��ة وال���رم���وز وغ��ي��ره��ا من‬
‫الوسائط)‪ ،‬حيث تحيل النص مع تداخل هذه العناصر‬
‫لتقدم صورة مغايرة لهذه النصوص‪ ،‬هو عبارة عن خلط‬
‫وأفعال تعمل على سير كل الحواس وليس العين فقط‬
‫للتلقي‪ ،‬وتوجه خطابها مُحمال بكافة اإلمكانات المتاحة‬
‫لدى المؤلف‪ ،‬حيث الحركة والصوت والضوء واللون‬
‫والكادرج ومعطيات السينما‪ ،‬حيث تمثل جميعها جملة‬
‫وال يمكن ع��زل ه��ذه البيئة االلكترونية عن شرط الكتابة‪ ،‬وال يمكن عزل أحد هذه العناصر عن بنية النص‬
‫الكتابة من خاللها‪ ،‬وإال اتخذت شكال آخر؛ إذ فى هذه ألنها أصبحت هي الركائز التي يعتمد وجوده عليها‪ ،‬فال‬

‫‪ 108‬اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫وجود لهذا النص بدون هذه العناصر‪ ،‬أو على أقل تقدير‬
‫يفقد بفقدها جزءا مهما من بنيته وتركيبه األساسي‪،‬‬
‫فهو سلسلة مشاهد تُ��روى بالحوار والوصف‪ ،‬وتتحول‬
‫فيها الكلمات إلى صور ومشاهد‪ ،‬والحركة هي التي‬
‫تضفي على الصورة مغزاها غالبا‪ ،‬وتكسبها خاصية‬
‫التعبير عن مضمونها داخل النص الرقمي‪.‬‬
‫وانعكاس كل ذلك على التلقي‪ ،‬وهي عناصر ممتدة‬
‫من النص تمثل ديناميكية بنّاءة الفاعل والمؤثر‪ ،‬ما‬
‫يعني أن النص ليس نتاجاً أحاديا بل هو نتاج مواقف‬
‫متعددة‪ ،‬فليس الكاتب وحده هو المنتج للنص إلى جانب‬
‫التلقي‪ ،‬إنما هذه الوسائط ومدى تطورها تتحكم فى‬
‫بقاء النص على الحالة المتخيلة له‪ ،‬ألن المؤلف وحده‬
‫لم يعد يستطيع أن يقدم النص وليس هو مؤلفه بمفرده‬
‫وبدون وجود هذه الوسائط‪ ،‬والتي تعنى بمعرفته الفنية‬
‫بعمل هذه الوسائط وقدرته الخالقة على استخدامها‬
‫ووضعها فى أطر بعينها‪ ،‬وأنه في عملية الكتابة يعطي‬
‫باستمرار طرحا جديدا ووعيا متعددا إلى ماال نهاية‬
‫لهذا الطرح المرتبط بإحداث طفرات كبيرة ال تخص‬
‫وعي الكاتب فقط‪ ،‬بل تخص وعي أخر مشترك معه‪،‬‬
‫هو وعي التكنولوجي (المبرمجين) الممتد إلى ما ال‬
‫نهاية أيضا‪ ،‬ويصبح هنا النص بال ثبات‪ .‬إذ يمضى نحو‬
‫التعدد واالستمرار بال توقف من أجل تلبية االهتمامات‬
‫السريعة للمتصفح‪ ،‬كأن يُعدّل النص‪ ،‬يبحث عن خلفية‬
‫له‪ ،‬أو يستوثق من شكل وج��وده‪ ،‬أو يستعرض أج��زا ًء‬
‫مختلفة منه‪ ،‬أو يعيد ترتيبه‪ ،‬وهكذا لم يعد االتصال به‬
‫فعال من خارجه‪ ،‬بل فعال معه‪.‬‬
‫وهنا تظهر المسألة على أنها كتابة مزدوجة؛ أي‬
‫كتابة نصين متجاورين ملتحمين فى آن واح��د؛ وهى‬
‫كتابة تمثل في أحد جوانبها كاتبا في اآلخر مبرمجا‪،‬‬
‫ربما يكون الكاتب نفسه وربما يصنعها شخص أخر‪،‬‬
‫وهي كتابة مضاعفة‪ ،‬ألنها تقوم بتوحيد النصين من‬
‫حيث المفردات ككلمة وأثرها فى ال��ذاك��رة الجمعية‬

‫للتلقي‪ ،‬وبين هذه الوسائط الجديدة نسبيا التي تتجه‬
‫لمناطق تأثير أخ���رى ج��دي��دة‪ ،‬بحيث ال يتحقق أي‬
‫منها بخصائصه الذاتية بمفرده‪ ،‬بل يكون مشروطا‬
‫بخصائص األخ���ر‪ ،‬وي��ع��د ه��ذا ال��م��وق��ف ب��ه��ذا الشكل‬
‫موقفا نوعيا فى الكتابة – كتابة النص األدبي – الذي‬
‫يعتمد على وجود غيره وال يوجد بدونه؛ تمنح القاريء‬
‫خيارات االشتراك في تشكيلها‪ .‬وك ُل من التعليق عليها‪/‬‬
‫أو مراسلة مؤلفها‪ /‬أو كتابة تعليق عليها يعد اشتراكا‬
‫نسبيا فى إكمالها‪ ،‬س��واء بإنتاج نص م��واز لها أحيانا‬
‫أو مشترك معها‪ ،‬أو يتجادل بشكل من األش��ك��ال مع‬
‫هذا النص؛ وهذه العملية تعد أكثر الطرق بساطة فى‬
‫التعامل مع النص الرقمي وتشكيل مسارات امتداده‪..‬‬
‫وهذا النص المنتج حاليا منذ منتصف التسعينيات‬
‫وال��ذي له مواصفات بعينها حتى اآلن؛ حيث خيارات‬
‫التشكيل مختلفة من حيث تشكيل النص‪ ،‬فمثال نجد‬
‫النص الذي يتضمن كلمات بسيطة تتحرك باتجاهات‬
‫متعددة تعتمد على التقنية فى إحداثها‪ ،‬تتبادل الظهور‬
‫واالختفاء‪ ،‬ثم بضغطة زر تتوقف عن الحركة‪ ،‬مُشكلة‬
‫جملة مكتملة فى إخبارها‪ .‬وطريقة أخرى نجد الكلمات‬
‫أو األسطر تتسارع عشوائيا‪ ،‬ومع كل ضغطة على زر‬
‫التوقف يتشكل نصا مختلفا‪ ،‬إلى أن تنتهي احتماالت‬
‫التراكيب المقيدة بالكم العددي للمفردات أو السطور‪،‬‬
‫ونجد أيضا نصا يشتمل على كلمات بعينها‪ ،‬تتغير‬
‫بالنقر عليها إلى كلمات أخرى بمعاني أخرى‪ ،‬ويصنع‬
‫بهذا الوجود نصا جديدا فى كل مرة‪ ،‬ويختار المؤلف‬
‫كلمات معينة لها تقريبا نفس المعنى‪ ،‬لكي تشترك‬
‫فى ه��ذا النص الرقمي ويستطيع ال��ق��ارئ إنتاج نص‬
‫كامل‪ ،‬عن طريق اختيار عشوائي غير منتظم للرموز‬
‫المتاحة‪ .‬وهناك أيضا أشكال أخرى تم إنتاجها حيث‬
‫تتضمن الصفحات أنماطا مختلفة من النصوص‪ ،‬في‬
‫كل صفحة نص قيد الكتابة‪ ،‬والمتلقي مدعو إلضافة‬
‫سطر إلى هذا النص أو االشتراك مثال فى كتابة رواية‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪109‬‬

‫رقمية أو قصيدة تحمل توقيع الجميع‪ ،‬تشبه هذه‬
‫الطريقة أسلوبا كان معروفا في الشعر العربي قديما‬
‫آملة فى إحداث مشاركة القارئ التي تعني قبوال مبدئيا‬
‫التعامل مع النص واالشتراك فى صنعه إذ تعد لحظة‬
‫القراءة هي نفسها لحظة اإلب��داع‪ ،‬فالمبدع والمتلقي‬
‫كون واحد‪ ،‬ونجد أمثلة بدأت بالفعل وتم إنجازها مثل‪:‬‬
‫رواي��ة (صقيع)‪ ،‬وقبلها شات للروائي محمد سناجلة‬
‫وه��ي رواي���ة عربية رقمية‪ ,‬ورواي���ة تخيلية لميكائيل‬
‫جويس‪( ,‬ربع مخيفة) للروائي د‪ .‬أحمد خالد توفيق‪,‬‬
‫رواية تخيلية فرنسية‪.‬‬

‫الكتابة الرقمية فى مواجهة الورقية‬
‫إن اإلرث التراكمي لإلبداع الورقي المحفوظ عبر‬
‫الكتاب هو قيمة الفكر اإلنسانى‪ ،‬وخالصة التجارب‬
‫التى أنتجتها الحضارة اإلنسانية‪ ،‬والتي يرى البعض‬
‫أن الرقمية تتسم بجرأة الطرح والتعدي على تراث‬
‫إنساني كبير جدا‪ ،‬وميراث ال أول له وال أخر‪ .‬وهذا‬
‫صحيح بالطبع‪ ،‬والقطيعة مع هذا الميراث ربما تسبب‬
‫أزم��ات كثيرة لدى المتلقي بعد م��رور سنوات قادمة‪،‬‬
‫إن األدب اإلنساني العميق الذي مر بمراحل متعددة‪،‬‬
‫منها مرحلة التعبير الشفوي وم��ا تالها قبل اختراع‬
‫الكتابة ومنذ ظهورها على الحجر والنقوش الفرعونية‬
‫القديمة واألل����واح السومرية وال��ت��راث اإلن��س��ان��ي فى‬
‫اإللياذة واألوديسة بما تمثله من أساطير بقي صداها‬
‫حتى يومنا هذا (ملحمة جلجامش‪ ،‬المالحم اليونانية‪،‬‬
‫األساطير الفرعونية‪ ،‬حكايات ألف ليلة وليلة)‪.‬‬
‫ولكي تصبح ه��ذه النصوص الرقمية محملة بذاك‬
‫اإلرث الكبير‪ ،‬أ ُِخ َذ بعين االعتبار وعي التلقي بها‪ ،‬وليس‬
‫هناك جدوى من كالم ال طائل من ورائه من عزل النص‬
‫الرقمي عن الواقع؛ فالمواجهة الفاعلة أهم بكثير مما‬
‫نتصور من خالل عقل ووج��دان الناقد وليس المتفرج‬
‫< كاتب من مصر‬

‫‪ 110‬اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫السلبي‪ ،‬وال يتأتى ذل��ك إال بتشجيع اإلب���داع وتحرير‬
‫المبدع م��ن القيود التى ال مبرر لها‪ ،‬وه��ذا م��ا نجده‬
‫واضحاً في النص الرقمي الذي دفع النظريات األدبية‬
‫ال ل�لأدب مكون ًة مناهج‬
‫الحديثة أن تنحى منحىً مماث ً‬
‫جديدة في التحليل النقدي‪ ،‬وه��ذا المشروع النقدي‬
‫الذي دفع ب��دوره النص أن ينفتح للعالم وان يخرج من‬
‫أطره السابقة التي تنظر إليه كنظام للسرد‪ ،‬وللحكاية‬
‫أو «م��ج��م��وع��ة ن��وع��ي��ة م��ن ال��وق��ائ��ع « وت��ش��ك��ي��ل سابق‬
‫التجهيز من المفردات‪ ،‬فلم يعد الموضوع الحكائي أو‬
‫ال للتشكيل بالكلمات فقط‪ ،‬لتدخل عناصر‬
‫السرد قاب ً‬
‫السينما والمسرح بكل معطياتها داخل النص‪ ،‬ثم انفتح‬
‫إلى الصوتي الحركي المتماهي فى جملته بما يحمله‬
‫من تعابير وإيماءات‪ ،‬ورم��وز وصوتيات وأل��وان وأضواء‬
‫تعتمد على الصورة واإلشارة كوسيط الكتروني‪ ،‬وليس‬
‫نقال بالمفردات وما يتشكل من كل هذا من صيغ تعكس‬
‫الفعل اإلنساني المتعدد والممتد إلى ماال نهاية‪.‬‬
‫فالنص الرقمي يتخذ أحياناً م��ن الرقمية نظاماً‬
‫الختيار الرموز والعالمات واإلشارات فى النص‪ ،‬وهذا‬
‫ما يجعله في أشكاله المتعددة والقابلة إلى االنقسام‬
‫على ال���دوام ي��وظ��ف ال��رم��وز ويفعلها إل��ى ج��ان��ب باقي‬
‫تقنياته الممتدة والمتعددة؛ وان كانت الرقمية ستسهل‬
‫كثيرا من األم��ور التقنية والفنية‪ ،‬محدثة ث��ورة هائلة‬
‫ولكن ال عالقة لها بجوهر المواقف الفنية والتعبيرية‬
‫المختلفة والرؤيوية الخاصة بالمبدع؛ ألنها ‪ -‬في النهاية‬
‫ مُحصلة قيمة إنسانية خالصة‪ ،‬وهى نتاج إرادة ووعى‬‫للكاتب‪ ،‬ومن العبث التعامل معها بتجاهل‪ ،‬أو إنكارها‪،‬‬
‫أو االستهانة بها داخل منظومة متكاملة هي المجتمع‬
‫اإلنساني حيث تكمن أهمية النهوض بالواقع المعاش‪،‬‬
‫متجاوزة واقعها التاريخي‪ ،‬وعلينا إدراك ما ينقصنا‬
‫من رؤى وتوجهات بنظرة جديدة فى ضوء هذا الفهم‬
‫للرقمية ذلك العالم الجديد القادم‪.‬‬

‫القصة القصيرة جدا ً واألشكال النثرية‬
‫البسيطة‬

‫> محمد تنفو‬
‫قبل أن أسلط الضوء على عالقة القصة القصيرة جداً باألشكال النثرية والفنية البسيطة‪،‬‬
‫سأحاول الوقوف عند نقطة أساسية؛ مفادها أن كل كتابة إبداعية يمكنها أن تستغل النكتة‬
‫والمثل والحكمة والخرافة واألخبار‪.‬‬
‫لكن ال بد أن نضع شرطا ضروريا مقتضاه طريقة التوظيف‪ ،‬بل التوظيف الصحيح لهذه‬
‫األشكال القريبة التي تشعرنا على الرغم من قربها منا باالندهاش والمتعة‪.‬‬
‫ولكي أقطع داب��ر الشك باليقين‪ ،‬أوم��ئ باختصار إلى االشتغال الفريد والرائع لـ «باولو‬
‫كويلهو» على «ألف ليلة وليلة‪ .‬فقد امتاح اإلطار العام لروايته العالمية «الخيميائي» من حكاية‬
‫«ألف ليلة وليلة»‪ ،‬كما استهل روايته الرائعة «إحدى عشرة دقيقة» وذيّلها بالعبارة الشهيرة‪:‬‬
‫«كان يا ما كان»‪ .‬كذلك األمر بالنسبة لـ «خورخي لويس بورخيس»‪ ،‬هذا الكاتب الذي يتوسد‬
‫«ألف ليلة وليلة»‪ ،‬ويعشق التراث العربي‪ ،‬والعشق يرشح من كتاباته‪ .‬فبورخيس الكائن الغريب‬
‫والجميل في كل شيء‪ ،‬استعار عوالم «ألف ليلة وليلة» وشخوصها ورموزها ودالالتها‪ ،‬لكتابة‬
‫قصيدة موسومة باستعاراتها‪ .‬كما ال ننسى اشتغال هاني الراهب على هذا الكتاب الكوني‬
‫في روايته «ألف ليلة وليلتان»‪ ،‬واشتغال نجيب محفوظ في روايته «ليالي ألف ليلة المتخمة‬
‫بالعجائبي»‪ .‬ولن تفوتنا فرصة االعتراف ببراعة القاص أحمد بوزفور في توظيفه لألمثال في‬
‫أضمومته القصصية «صياد النعام»‪.‬‬
‫هذا االشتغال غير العادي يدفع القارئ إلى طرح تساؤل في غاية الخطورة‪ :‬كيف تمكّن هؤالء‬
‫المبدعون من االشتغال على هذه األشكال وبهذه الطريقة الفريدة في مشاريعهم اإلبداعية؟‬
‫ترى أين يكمن السر؟ هل في المخيلة التي يتمتعون بها‪ ،‬أم في العين المبدعة التي يمتلكونها؟‬
‫أم في أشياء أخرى؟‬
‫أما عن عالقة القصة القصيرة جداً (وسنرمز لها في هذه المقالة بـ «ق‪ .‬ق‪ .‬ج‪ )».‬باألشكال‬
‫الفنية البسيطة‪ ،‬مثل‪ :‬النكتة والخبر والحكايا والحكمة والمثل‪ ،‬فيمكن مقاربتها كما يأتي‪:‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪111‬‬

‫القصة القصيرة جد ًا والنكتة‬

‫التكثيف يرتبط بالقصة القصيرة ج��داً التي تتهدم‬
‫بنيتها عند حذف كلمة واحدة‪ ،‬إنها تقنية تتطلب الوعي‬
‫بها وبميكانيزماتها وآلياتها‪ ،‬ومقياس أساس لتأكيد نجاح‬
‫القاص‪ .‬ومن ثم يستلزم على عاشق القصة‪ .‬ق‪ .‬ج أن‬
‫يصغي إلى نبضاتها بإذن القلب! وأن يبصر عوالمها بعين‬
‫العقل‪.‬‬

‫إذا كانت النكتة شكال شفاهيا لحظيا يتبخر مثل‬
‫فقاعات الصابون؛ يضحك في الوهلة األولى‪ ،‬ثم يصبح‬
‫بعد ذل��ك مبتذالً‪ ،‬تمجه األذن ويموت ويذبل من كثرة‬
‫االستماع؛ فإن القصة‪ .‬ق‪ .‬ج فن كتابي واع��ي قد يثير‬
‫الضحك وال��م��رح وال��ده��ش��ة‪ ،‬لكنه يمكن أن ي��و ّل��د لدى‬
‫إذا كانت النكتة تعتمد التفسير‪ ،‬فإن القصة‪ .‬ق‪ .‬ج‬
‫المتلقي االشمئزاز والغثيان والقلق والقرف والضجر‬
‫تقوم على التأويل الذي يتطلب عدة أمور أهمها‪ :‬إدراك‬
‫واأللم‪..‬‬
‫بنية القصة ال��م��رك��ب��ة‪ ،‬وتفكيكها إل��ى بنيات متعددة‪،‬‬
‫القصة ق‪ .‬ج أزلية وخ��ال��دة‪ ،‬تحيا من كثرة القراءة‬
‫واستحضار الفكرة األساس‪ ..‬الفكرة المتاهة‪ ،‬وتشظيتها‬
‫والتداول‪ ،‬ال تقدم فهما واحدا‪ ،‬كما هو األمر في النكتة‬
‫إلى أفكار ال نهائية‪.‬‬
‫التي تمنح فهما واحدا وإدراكا وحيدا لجميع المستمعين؛‬
‫وظائف النكتة عديدة‪ ،‬ال يمكن حصرها؛ فمنها ما‬
‫بل تبدأ عملها بعد ف��راغ المتلقي من قراءتها‪ ،‬تدفعه‬
‫إلى إع��ادة كتابتها من جديد‪ ،‬تحثه على تفكيك الفكرة هو نفسي‪ ،‬ومنها ما هو سياسي‪ ،‬أو اجتماعي‪ .‬في حين‬
‫المتاهة‪ ..‬الفكرة األم‪ ..‬الفكرة الملكة‪ ،‬وتشظيتها لتوليد يمكن حصر وظيفة القصة‪ .‬ق‪ .‬ج في المتعة‪ .‬وأوج��ه‬
‫م��ا ال يحصى م��ن األف��ك��ار‪ .‬طريقة ق��ول نكتة واح���دة‪ ،‬االختالف هذه‪ ،‬ال تلزم القاص‪ -‬بالتأكيد ‪ -‬أن يضرب‬
‫تختلف وتتنوع بتنوع الرواة‪ ،‬وهذا راجع طبعا إلى طابعها صفحا عن النكتة‪ ،‬بل يمكنه أن ينفتح على هذا الشكل‬
‫الشائع‪ ،‬وأن يغترف منه بعض سماته‪ ،‬من قبيل التورية‬
‫الشفوي‪.‬‬
‫(‪)1‬‬
‫والتالعب بالكلمات واألفكار واإلزاحة أو اإلبدال ‪.‬‬
‫أما القصة‪ .‬ق‪ .‬ج فتهتم بطريقة سردها؛ فالقاص‬
‫يسعى إلى إخراجها على أحسن صورة وفي أبهى حلة‪،‬‬
‫القصة القصيرة جد ًا والخبر‬
‫ويشتغل كثيرا على هذا األمر من خالل الحذف واإلضافة‬
‫أبادر بطرح السؤال التالي‪ :‬هل القصة القصيرة جداً‬
‫والتنقيح‪ ،‬وتجريب مختلف ال��ط��رق‪ ،‬حتى تستقر في‬
‫خبر تم تحويله وتطويره؟ ال نستطيع تقديم جواب حاسم‬
‫النهاية على صورة واحدة ثابتة غير متغيرة‪ .‬هذه الصورة‬
‫ومقنع‪ .‬كل ما يمكن قوله اآلن إنه رغم أن الخبر والقصة‬
‫ينبغي أن تكون جميلة‪ ،‬ألنها هي التي ستبقى عليها إلى‬
‫القصيرة جداً يلتقيان في تركيزهما على الحدث أكثر من‬
‫األبد‪.‬‬
‫الشخصية‪ ،‬ومن المكونات األخرى‪ .‬فإن أوجه االختالف‬
‫صحيح أن النكتة تلتقي مع ق‪ .‬ق‪ .‬ج في الفجائية تبقى عديدة‪.‬‬
‫وال��م��ف��ارق��ة‪ .‬لكنها تختلف ع��ن��ه��ا ف��ي��م��ا أس��م��اه بعض‬
‫فإذا كان الخبر أصغر وحدة حكائية(‪ ،)2‬وشكال شفاهيا‬
‫الدارسين بالتكثيف‪ .‬وفي رأيي فإن النكتة تتميز باإليجاز‬
‫مكتوبا يراهن على تقديم فكرة أو معلومة‪ ،‬ويغض الطرف‬
‫واالختصار وليس التكثيف‪ .‬اإليجاز واالختصار ال نقصد‬
‫عن الكيفية والطريقة؛ ذا بنية سردية بسيطة ال تسمح‬
‫بهما المعنى البالغي‪ ،‬بل المعنى البسيط‪ ،‬بل تلك العملية‬
‫له ب��أن يصنف ضمن األج��ن��اس األدب��ي��ة‪ ،‬يتميز‪ -‬شأنه‬
‫البسيطة التي يمكن ألي متكلم مهما كان مستواه أن يقوم‬
‫شأن النكتة‪ -‬باإليجاز والنهاية التي تحيل على البداية‪،‬‬
‫بها‪ .‬فال يمكن بتاتا أن نتحدث عن التكثيف في النكتة ما‬
‫وبالغموض وااللتباس وع��دم االكتمال وهيمنة الصوت‬
‫دامت قابلة لالختزال أكثر‪.‬‬
‫‪ 112‬اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫السردي الواحد وذك��ر السند(‪)3‬؛ فإن القصة القصيرة‬
‫ج��داً جنس أدب��ي كتابي‪ ،‬ذو بنية سردية مركبة‪ ،‬يراهن‬
‫وصيَغ‬
‫على التقنية والفكرة المتاهة‪ ،‬وكيفية تقديمها‪ِ ،‬‬
‫الخطاب المتنوعة‪ ،‬يعتمد التكثيف والمفارقة والخاتمة‬
‫المفاجئة والنهاية غير المتوقعة‪ ،‬واللغة الرصينة‪.‬‬

‫القصة القصيرة جد ًا والحكايا‬

‫ق‪ .‬ج مقصودة لذاتها‪ ،‬وتحظى بعناية فائقة واهتمام‬
‫كبير‪ .‬فال قصة دون سرد‪ .‬بينما الحكاية في المثل تأتي‬
‫في درجة ثانية بعد الحكمة‪ ،‬إذ إنه لوال الحكمة لما رويت‬
‫الحكاية‪ .‬إنها الغاية من المثل‪ ،‬وهي أيضا ‪ -‬أي الحكمة‪-‬‬
‫وسيلة لغاية أخرى هي العمل أو السلوك(‪ .)6‬ومن ثم يجب‬
‫التمييز بين القصة القصيرة ج��داً بوصفها نوعا أدبيا‬
‫له سماته ومرتكزاته وخصائصه التي يسعى من خاللها‬
‫إلى تحقيق المتعة والدهشة‪ ،‬والمثل بوصفه قوالً «يندرج‬
‫ضمن الحديث‪ ...‬س��واء ك��ان ه��ذا الحديث لخطيب أو‬
‫لحكيم أو للرسول صلى الله عليه وسلم‪ ،‬أو لصحابي أو‬
‫لبليغ أو أعرابي‪ ...‬سواء جاء في قالب موعظة‪ ،‬أو رسالة‬
‫أو قول مأثور أو خطبة أو وصية أو دعاء‪.)7(»...‬‬

‫الحكاية تراكم لمجموعة من األخ��ب��ار المتصلة(‪،)4‬‬
‫ت��ت��وس��ل ب��ال��ت��ص��وي��ر وال���وص���ف وك���ث���رة االس���ت���ط���رادات‬
‫والتعليقات واإليقاع؛ شخوصها في الغالب دون أسماء‬
‫ذات أوص��اف عامة م��ك��رورة‪ .‬ال تخضع لمنطق الزمان‬
‫وال��م��ك��ان المطلقين‪ .‬لغتها بسيطة تختلف باختالف‬
‫الرواة‪ .‬لكن على الرغم من هذه السمات المغايرة للقصة‬
‫يبدو‪ ،‬مما سبق ذكره‪ ،‬أن القصة القصيرة جداً تختلف‬
‫القصيرة جداً‪ ،‬فيمكن أن ينهل القاص من الحكايا بنيتها‬
‫عن النكتة والخبر والحكايا والحكمة والمثل وغيرها؛ إذ‬
‫الرصينة التي تستند في الغالب على التكرار الثالثي‬
‫تعد األولى نوعا أدبيا له قوانينه وقواعده ومكوناته‪ ،‬التي‬
‫للفعل‪ ،‬وأنسنة الحيوان وال��رم��وز المتخمة ب��ال��دالالت‪،‬‬
‫تجعله ‪ -‬دون مراء ‪ -‬متميزا عن الثانية بوصفها أشكاال‬
‫وعوالمها العجائبية‪.‬‬
‫بسيطة ال ترقى إلى مستوى األجناس األدبية وأنواعها‪.‬‬

‫القصة القصيرة جد ًا والحكمة والمثل‬

‫القصة القصيرة جداً نوع أدبي قائم على التخييل‪،‬‬
‫يحقق المتعة لدى المتلقي؛ على عكس المثل والحكمة‬
‫والموعظة وخطبة الجمعة التي تنتمي إل��ى الخطاب‬
‫التعليمي القائم على صيغة األمر والنهي‪ ،‬والذي يقدم‬
‫الحقيقة مباشرة(‪ .)5‬المثل يلتقي مع القصة القصيرة جداً‬
‫في اعتماد السرد أو الحكاية‪ .‬لكن الحكاية في القصة‪.‬‬
‫ <‬
‫(‪ )1‬‬
‫(‪ )2‬‬
‫(‪ )3‬‬
‫(‪ )4‬‬
‫(‪ )5‬‬
‫(‪) 6‬‬
‫(‪ )7‬‬

‫لذا من الالزم أن نكون حذرين أمام القصة القصيرة‬
‫جداً بوصفها نوعا وعراً يحتاج إلى دربة وحنكة وخبرة‬
‫وك��ف��اءة ع��ال��ي��ة ل��رك��وب��ه‪ ،‬دون ال��وق��وع ف��ي االب���ت���ذال‪ ،‬أو‬
‫السقوط في جبة إحدى األشكال البسيطة‪ .‬هذا االبتذال‬
‫كان ديدن بعض المبتدئين الذين استسهلوا هذا النوع‬
‫�لا له‪ .‬فبدالً من أن ينحتوا قصصاً‪،‬‬
‫دون أن يكونوا أه ً‬
‫دبجوا نكتاً وأخباراً وحكماً وأمثاالً بسيطة جداً!‬

‫قاص وباحث من المغرب‬
‫شاكر عبد الحميد‪ ،‬الفكاهة والضحك‪ ،‬عالم المعرفة‪ ،‬العدد‪ 289 :‬يناير ‪ ،2003‬ص‪.394 :‬‬
‫سعيد يقطين‪ ،‬الكالم والخبر‪ ،‬مقدمة للسرد العربي‪ ،‬المركز الثقافي العربي‪ ،‬الدار البيضاء‪ -‬بيروت‪ ،‬ط‪ ،1997 ،1 :‬ص‪.195 :‬‬
‫سعيد جبار‪ ،‬التوالد السردي‪ ،‬قراءة في بعض أنساق النص التراثي‪ ،‬جذور للنشر‪ ،‬الرباط‪ ،‬ط‪ ،2006 ،1 :‬ص‪ 10 :‬وما بعدها‪.‬‬
‫سعيد يقطين‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ص‪.195 :‬‬
‫عبد الفتاح كيليطو‪ ،‬األدب والغرابة‪ ،‬دراسات بنيوية في األدب العربي‪ ،‬دار الطليعة‪ ،‬بيروت‪ ،‬الشركة المغربية للناشرين المتحدين‪،‬‬
‫ط‪ ،1 :‬مايو ‪ 1982‬ص‪17:‬‬
‫عبد الفتاح كيليطو‪ ،‬الحكاية والتأويل‪ ،‬دراسات في السرد العربي‪ ،‬دار توبقال للنشر‪ ،‬ط‪ ،1999 ،2 :‬ص‪.37 :‬‬
‫سعيد يقطين‪ ،‬مصدر سابق ‪ ،‬ص‪.192 :‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪113‬‬

‫فعاليات دار اجلوف للعلوم‬
‫ندوة عن «اإلسكان» بمنطقة الجوف‬
‫ضمن خطة النشاط الثقافي لمؤسسة عبدالرحمن‬
‫السديري الخيرية لعام ‪1429/1428‬ه��ـ وبرعاية وكيل‬
‫إمارة منطقة الجوف أحمد آل الشيخ‪ ،‬أقامت المؤسسة‬
‫بالتعاون م��ع مؤسسة الملك عبدالله ب��ن عبدالعزيز‬
‫لوالديه لإلسكان التنموي ندوة عن «اإلسكان»‪ ،‬وذلك‬
‫مساء يوم الثالثاء ‪1429/12/20‬ه��ـ في قاعة العرض‬
‫والمحاضرات ب��دار الجوف للعلوم‪ .‬وق��د ش��ارك فيها‬
‫كل من د‪ .‬يوسف العثيمين أمين عام المؤسسة‪ ،‬ود‪.‬‬
‫عبيد بن عبدالله العمري‪ ،‬وم‪ .‬فهد بن محمد الجاسر؛‬
‫وحضر الندوة عدد كبير من مديري الدوائر الحكومية‬
‫وأهالي منطقة الجوف‪.‬‬

‫عرض كتاب سيرة عبدالرحمن بن‬
‫أحمد السديري‬

‫> احملرر الثقافي‬
‫اإلع�لام��ي��ة‪ ،‬وخ��ال��د ال��م��ال��ك رئ��ي��س ت��ح��ري��ر صحيفة‬
‫الجزيرة‪ ،‬وجميل الذيابي مدير تحرير صحيفة الحياة‪،‬‬
‫وذلك بحضور وكيل إمارة منطقة الجوف األستاذ أحمد‬
‫آل الشيخ وعدد من مديري الدوائر الحكومية ونخبة‬
‫من مثقفي وإعالميي المنطقة‪ .‬واستعرض المنتدون‬
‫الصحافة اإلقليمية وعناصر ال��ق��وة والضعف فيها‪.‬‬
‫وعقب الندوة شارك الضيوف أهالي الجوف مهرجانهم‬
‫الربيعي واستمتعوا بفقراته التراثية األصيلة‪.‬‬

‫ندوة التو رق اإلسالمي‬
‫أق��ام��ت مؤسسة عبدالرحمن ال��س��دي��ري الخيرية‬
‫مساء الثالثاء ‪11429/2/19‬هـ (‪2008/2/26‬م ) ندوة‬
‫(التورق االسالمي)‪ ،‬شارك فيها فضيلة د‪ .‬يوسف بن‬
‫عبدالله الشبيلي أس��ت��اذ الفقه المقارن ف��ي المعهد‬
‫العالي للقضاء‪ ،‬وق��دم لها األس��ت��اذ فخري ب��ن حماد‬
‫الشالل مدير مكتب هيئة اإلغاثة اإلسالمية العالمية‬
‫بالجوف‪ .‬وقد نقلت عبر الدائرة التلفزيونية المغلقة‬
‫إلى القسم النسائي بالمؤسسة‪.‬‬

‫ن�شاطات ثقافية‬

‫بحضور رئيس مجلس إدارة مؤسسة عبدالرحمن‬
‫السديري الخيرية األستاذ فيصل السديري ومديرها‬
‫العام د‪ .‬زي��اد السديري‪ ،‬أقامت المؤسسة في قاعة‬
‫العرض والمحاضرات بدار الجوف للعلوم عرضا لكتاب‬
‫معالي األمير عبدالرحمن بن أحمد السديري‪ ،‬قدمه‬
‫مثقفو السعودية‪ ..‬إلى أين؟‬
‫د‪ .‬عبدالرحمن الشبيلي‪ ،‬بتاريخ ‪12‬محرم ‪1429‬هـ (‪21‬‬
‫يناير ‪2008‬م)‪ .‬حضره حشد كبير من أهالي المنطقة‬
‫ضمن برنامجها الثقافي ل��ع��ام ‪1429/1428‬ه�����ـ‪،‬‬
‫ومنسوبي الدوائر الحكومية‪ .‬وقد تضمن العرض دعوة وب��رع��اي��ة صاحبة السمو الملكي األم��ي��رة س���ارة بنت‬
‫للعناية بالوثائق األسرية‪.‬‬
‫عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود‪ ،‬وحضور جمع غفير‬
‫م��ن مثقفات منطقة ال��ج��وف‪ ..‬أق��ام القسم النسائي‬
‫د‪ .‬هاشم والمالك والذيابي في ندوة‬
‫ب��م��ؤس��س��ة ع��ب��دال��رح��م��ن ال��س��دي��ري ال��خ��ي��ري��ة م��س��اء‬
‫الصحافة اإلقليمية‬
‫شارك ثالثة من كبار رجال الصحافة في المملكة األرب����ع����اء‪1429/2/27‬ه����ـ (‪2008/3/5‬م) محاضرة‬
‫في الندوة التي نظمتها مؤسسة عبدالرحمن السديري بعنوان‪( :‬مثقفو السعودية‪ ..‬إلى أين؟) ألقتها الدكتورة‬
‫الخيرية بمنطقة الجوف عن صحافة المناطق‪ ،‬وذلك الشاعرة فوزية أبو خالد‪ .‬وفي نهاية الللقاء تم تكريم‬
‫ضمن برنامجها الثقافي لعام ‪1429/1428‬هـ‪ ،‬وهم د‪ .‬المشاركات في اللقاء الثاني للتعليم األهلي الذي عقد‬
‫هاشم عبده هاشم رئيس مؤسسة اإلس��راء للخدمات في المنطقة عام ‪1428/1427‬هـ‪.‬‬

‫‪ 114‬اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫نفحات من معرض الرياض الدولي للكتاب‬

‫> محمد صوانه‬

‫<‬

‫ت��زدان مدينة الرياض كل ع��ام بأجواء ثقافية مميزة في‬
‫معرض الكتاب الدولي‪ ،‬الذي أصبح حدثاً ثقافياً مهماً ينتظره‬
‫الكثيرون من عشاق الكتاب‪ .‬وشهد المعرض ‪ -‬الذي نظمته‬
‫وزارة الثقافة بالمملكة ‪ -‬هذا العام إقباالً كبيراً من مختلف‬
‫شرائح المجتمع رج��االً ونسا ًء وأطفاالً‪ ،‬كما ش��ارك فيه نحو‬
‫‪ 600‬دار نشر عربية وسعودية‪ ،‬عرضت عشرات اآلالف من‬
‫قديم الكتب وجديدها‪ ،‬كما حفل المعرض بعدة ندوات ثقافية؛‬
‫وقد لوحظ تواجد مستمر ومؤثر للدكتور عبدالعزيز السبيّل‬
‫وكيل وزارة الثقافة واإلعالم للشؤون الثقافية‪.‬‬
‫ويختلج في نفوس الكثيرين من محبي الكتاب أنه أصبح‬
‫ينظر إليه بوصفه رأس مال مهم في المجالين الثقافي والتجاري‬
‫ال عن وجود أدوار أخرى تختلف باختالف‬
‫حد سواء؛ فض ً‬
‫على ٍ‬
‫توجهات المؤلفين والناشرين والداعمين لصناعة الكتاب‬
‫والكلمة‪ .‬وتالياً نفحات سريعة من هذا المهرجان السنوي‪:‬‬

‫< يُ َعوّل على معارض الكتب أن تنشّ ط العالقة مع‬
‫هذا المخترع القديم‪ ،‬الذي ما زال يمثل مخزناً‬
‫مهماً للمعرفة في مختلف مجاالت العلوم واآلداب‬
‫والفنون واإلبداع الكتابي‪ ،‬على الرغم من االنتشار‬
‫الهائل لشبكة المعلومات الرقمية (االنترنت)‪.‬‬

‫الجناح الخاص بإصدارات المؤسسة في المعرض‬

‫بالكتب واألف��ك��ار اإلبداعية التي تحفّز التفكير‪ ،‬وبعضها‬
‫للتسلية؛ ليكن‪ ..‬على أمل أن تهدف األلعاب المسلية إلى‬
‫تنمية تفكير الطفل‪ ..‬لكننا ما زلنا نحبو في مجال االنتاج‬
‫المخصص لألطفال! إن بناء األمم يأتي من هنا‪.‬‬
‫< تسعد كثيرا عند رؤيتك ه��ذه اإلص���دارات على اختالف‬
‫أنواعها‪ ,‬وتقول لو أن القرّاء العرب يقرأون بمثل الحماسة‬
‫التي نشاهدها من المؤلفين والناشرين والموزعين؛ فإن‬
‫االهتمام بالقراءة والمطالعة بين أمة اقرأ سيصبح بخير‪،‬‬
‫وسيُثمر علماً ومعرف ًة وسع َة اطالعٍ ‪ ،‬وستكون له انعكاسات‬
‫إيجابية على الفرد والمجتمع‪ ،‬على حد سواء‪.‬‬

‫ < زوار المعرض جاءوا ألهداف شتى‪ ،‬يجمعهم حب االطالع‬
‫على الجديد والقديم من إص��دارات دور النشر المحلية < وعلى الرغم من كل ذلك‪ ،‬فإننا لو قارنّا حجم إصدارات‬
‫والعربية‪ ،‬التي لوحظ أنها أصبحت تنتظر المعرض في كل‬
‫الدول العربية مجتمعة من الكتب في عام واحد فإنها لن‬
‫عام؛ لتقدم ما وجدت له قبوالً عند القارئ‪!..‬‬
‫تعادل ما يصدر في دولة غربية واحدة مثل إسبانيا على‬
‫< شاهدت أُن��اس��اً يتنقلون بين أجنحة الكتب‪ ،‬كما النحلة‬
‫سبيل المثال!! فأين نحن من صناعة الكتاب في العالم؟‬
‫تطوف على الثمرات وال��زه��ور والرياحين كلها‪ ،‬لتأخذ < انتهى المعرض‪ ،‬لكن المهم عندما تبدأ المرحلة األهم‪،‬‬
‫ال سائغاً شرابه» فيه‬
‫خالصة الرحيق؛ فيكون المنتج «عس ً‬
‫وهي مرحلة قراءة الكتاب!‬
‫غذاء العقول وشفاؤها!‬
‫< أيها القارىء‪ :‬اقرأ بأعين مفتوحة؛ وناقش في عقلك‬
‫ < التنقل بين أجنحة الكتب متعة‪ ،‬ال يشعر بها ويعرف قيمتها‬
‫ما تقرؤه‪ ،‬خذ منه ما تراه صواباً‪ ،‬ودع ما يريبك وال‬
‫إال القرّاء المُجيدين‪ ،‬هواة الكتابة والفكر والبحث واإلبداع‪،‬‬
‫يوافق عقلك؛ ففي الكتب تجد الكثير من األهواء‪ ،‬وقد‬
‫لألُنس بخبرات العلماء والكتّاب المبدعين في مختلف‬
‫ال تتوافق مع العقل أو مع القيم أو مع ما تعارف عليه‬
‫مجاالت المعرفة على تنوعها‪..‬‬
‫الناس؛ فكن يقظاً دائماً عند القراءة‪ ،‬متنبهاً لما تقرؤه‬
‫من معلومات وآراء!‬
‫ < كان هناك جناح للطفل‪ ..‬ثمة دور نشر محدودة العدد شاركت‬
‫< كاتب وإعالمي أردني‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪115‬‬

‫الكتاب ‪ :‬النباتات البرية في مراعي شمال اململكة‬
‫العربية السعودية ‪ -‬دليل حقلي مصور‪.‬‬
‫املؤلف ‪ :‬حمدان بن عجيريف احلسن‬

‫> عبدالله مبارك احلسن‬
‫صدر للكاتب حمدان بن عجيريف الحسن المتخصص في علم النبات كتابا بعنوان (النباتات‬
‫البرية في مراعي شمال المملكة العربية السعودية ‪ -‬دليل حقلي مصور) وذلك عن مركز اإلبل‬
‫والمراعي في الجوف التابع لوزارة الزراعة‪.‬‬
‫وقد تميز الكتاب بالتوثيق العلمي المصور للنباتات البرية في مراعي شمال المملكة‪ ،‬وهو‬
‫يتكون من ‪ 246‬صفحة تم من خاللها حصر ‪ 59‬فصيلة تشمل ‪ 239‬جنسا يتفرع منها ‪458‬‬
‫نوعا‪ ،‬وتحت نوع شكلت النباتات المعمرة ‪ %47‬والنباتات الحولية ‪ ،%53‬وكانت أهم الفصائل‬
‫من حيث كثرة األنواع النباتية هي الفصيلة المركبة ‪ 81‬نوعا‪ ،‬تليها الفصيلة الصليبية ‪ 39‬نوعا‪،‬‬
‫ومن ثم النجيلية ‪ 39‬نوعا‪ ،‬يليها السرمقية ‪ 34‬نوعا‪ ،‬والفراشية ‪ 31‬نوعا‪ ،‬والقرنفلية ‪ 25‬نوعا‪،‬‬
‫والبوراجينية ‪ 23‬نوعا‪.‬‬

‫ق���������������راءات‬

‫بيّن المؤلف النباتات البرية في مراعي شمال المملكة‪ ،‬ووصفها بأشكالها وأحجامها وألوانها‬
‫المختلفة‪ ،‬وتتبع العديد من الفصائل النباتية التي تكيفت مع ظروفها البيئية‪ ،‬وتوزيع النباتات‬
‫حسب انتشار كل فصيلة في مراعي شمال المملكة‪ .‬كما بين المؤلف األسماء المحلية والعلمية‬
‫للنباتات البرية‪ ،‬وأشار إلى جودة النبات سواء كان ساما أو رعويا أو عطريا أو مما يؤكل‪ ،‬وقد غطى‬
‫هذا اإلصدار القطاع األوسط من شمالي المملكة وعلى مساحة تقدر بنحو ‪ 200‬ألف كيلومتر‬
‫مربع‪ ،‬شملت منطقة الجوف وأجزاء من مناطق تبوك‪ ،‬حائل‪ ،‬وعرعر‪ ،‬كما تشمل أجزاء أوسع في‬
‫النفود جنوبا والحجرة شرقا‪ .‬والمنطقة بمجملها تعتبر ضمن حوض النفود الرسوبي‪ ،‬وتشمل‬
‫عددا من الوحدات المميزة هي‪ :‬الجوبة‪ ،‬والطويل‪ ،‬والنفود‪ ،‬وبسيطا‪ ،‬ووادي السرحان‪ ،‬والحرة‪،‬‬
‫والحماد‪ ،‬والوديان‪ ،‬والحجرة‪ ،‬واللبة‪ .‬وتشمل هذه الوحدات عددا من البيئات المميزة‪ ،‬أهمها‬
‫تكوينات الرمال‪ ،‬والهضاب ذات الصخور الرملية‪ ،‬والهضاب ذات الصخور الجيرية‪ ،‬والجبال‪،‬‬
‫والحرات‪ ،‬والسهول الحصوية‪ ،‬والسهول الرملية‪ ،‬والشعاب‪ ،‬واألودية‪ ،‬والفياض والحبارى‪ ،‬وأخيرا‬
‫السبخات‪.‬‬

‫‪ 116‬اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫الكتاب ‪ :‬فتنة (رواية)‬
‫الكاتب ‪ :‬أميرة القحطاني‬
‫الناشر ‪ :‬بيروت دار العلم للماليني‪2007 ،‬‬

‫> احملرر الثقافي‬
‫صدرت لألستاذة أميرة القحطاني روايتها األولى بعنوان‪« :‬فتنة» عن دار العلم للماليين في‬
‫بيروت‪ ،‬وتقع الرواية في ‪ 134‬صفحة من القطع المتوسط‪.‬‬
‫تتحدث الرواية عن رحلة ‪ -‬بطلتها فتنة ‪ -‬إلى مكة المكرمة خالل مرافقتها والدتها وأخاها‬
‫للحج‪ .‬ترتسم في مخيّلة «فتنة» صور مختلفة من حياتها‪ ،‬تسترجع فيها أفكاراً لطالما شغلت‬
‫بالها‪ ،‬فتراها خاضعة في مكان‪ ،‬ومنتفضة في مكان آخر‪ ،‬ومستنكرة في مكان ثالث‪..‬‬
‫وفتنة واحدة من كثيرات يبحثن عن مكانتهن في مجتمع تأثر بالمدنية المطلقة‪ ،‬وما زالت‬
‫جذوره متعلقة بالقبيلة والعادات والتقاليد‪.‬‬
‫تقول البطلة‪ :‬أنا فتاة اسمها فتنة‪ ،‬وصلت إلى هذه الدنيا من زواج أب سعودي وأم قطرية‪ ،‬كما‬
‫أنني لست كباقي الفتيات‪ .‬ربما ظاهرياً أبدو كذلك‪ ،‬أما داخلياً فال‪ ..‬ففي داخلي توجد فجوة‬
‫خلقها طالق أبي من أمي وخلقتها القبيلة‪ ،‬خلقها هذا المجتمع المريض وهذه العائلة المحافظة‪،‬‬
‫خلقتها العادات والتقاليد البالية‪ ،‬خلقتها كلمة عيب وكلمة حرام‪ .‬فجوة لعينة جعلتني ‪ -‬منذ‬
‫وعيت هذه الدنيا ‪ -‬أدور في فراغ سادني‪ ،‬وأسير بخطىً متعثرة في طريق مظلم يؤدي بي دائماً‬
‫إلى ال شيء!‬
‫أنا في الواقع ال أملك حياة‪ ،‬أو مبدأ‪ ،‬أو هدفاً‪ ..‬ال أملك شيئاً على اإلطالق‪ .‬ال أملك سوى‬
‫هذه القصة التي لم أكن أنوي كتابتها لوال تدخل صديقتي أميرة القحطاني‪ ،‬والتي حثتني على‬
‫كتابتها للخروج من حالة البؤس التي أعيشها‪ ،‬فقد أقنعتني بأن المتنفس الحقيقي والوحيد‬
‫لإلنسان هو «الحرف»‪ ،‬وقد بدأت أدوّن حكايتي أثناء رحلتي إلى الحج‪ ،‬وهذا أمر غريب بعض‬
‫الشيء‪ ،‬ولكن لو نظرتم إل��ى حياتي فلن تستغربوا أي ش��يء أفعله‪ .‬وبصرف النظر عن هذه‬
‫المقدمة ال ُم َؤلّفة‪ ،‬أنا اآلن ‪-‬عزيزي القارئ ‪ -‬بين يديك‪ ،‬ولك حرية االختيار‪ ،‬إما أن ترافقني‬
‫الرحلة‪ ،‬وإما أن تعيدني إلى رفوف المكتبة»‪.‬‬
‫< فتنة عبدالرحمن القحطاني‪ /‬بطلة القصة وراويتها‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪117‬‬

‫الكتاب ‪ :‬املضاف إلى نفسه‬
‫املؤلف ‪ :‬زياد بن عبدالكرمي السالم‬
‫الناشر ‪ :‬دار أزمنة – عمان‬

‫> ياسر حمد الناصر‬
‫ص���درت ع��ن دار أزم��ن��ة ب����األردن المجموعة الشعرية‬
‫«ال��م��ض��اف إل��ى نفسه» للشاعر وال��ق��اص زي���اد عبدالكريم‬
‫السالم‪ ،‬واحتوت المجموعة (‪ )32‬نصاً شعرياً متنوعاً منها‪:‬‬
‫حقول الفلين‪ ،‬مدينة الدمى‪ ،‬المضاف إلى نفسه‪ ،‬نبأ الدخان‪،‬‬
‫عرائس البحر‪ ،‬يرقة تأخرت كثيراً‪.‬‬
‫يقول عبدالله السفر الذي كتب مقدمة المجموعة‪« :‬زياد‪..‬‬
‫هذا الشاعر الشمالي يتكئ على السرد ويطيل في خيطه‪,‬‬
‫ينظم فيه ما فات على العين‪ ,‬واستدخلته الذاكرة من تربة‬
‫تغوص إلى الباطن‪ ,‬األراض��ي المنسية المحجوبة المتروكة‬
‫في وداعتها‪ ,‬يحركها زياد فيما يشبه الحمى‪ ،‬ال يرتب المشهد‬
‫وال يعيد تأهيله إلى ما نألف‪ ،‬واستقرت عند المضاهاة التي‬
‫تحبذ أن تنتمي الخطوة إلى أختها‪ ،‬يمارس غوايته في خريطة‬
‫كالم وبث كائناته الغريبة بمسوح تأخذ جدتها وطرافتها من‬
‫فعل انتفاء المشابهة‪ ,‬وليس المعنى انتفاء المرجعية التي‬
‫تجمع الشاعر بقائمة مضيئة (سليم بركات‪ ,‬ادونيس‪ ,‬خزعل‬
‫الماجدي) ولكن بمعنى التوليد الجديد في سياق تجربة وقول‬
‫خاصين‪ .‬إن شعرية زياد تتفتح في بئر ماؤها تلتم جزئياته من‬
‫هواء األسطورة التي تتخلّق بكيفية خاصة‪ ,‬تحيل إلى جذور‬
‫يعاد استنباتها في أرض المخيلة وفضائها الرحب‪ ،‬مفتوحة‬
‫على ما هو مدهش وعجيب وغريب‪.‬‬
‫حظيت نصوص السالم اإلعجاب من قبل عدد من النقاد‪،‬‬
‫ووص���ف ال��ن��اق��د ح��س��ن المصطفى ن��ص��وص��ه ب��ـ «ال��ن��ص��وص‬
‫المفتوحة»‪ ،‬التي تتكئ على اللغة أكثر من اتكائها على السرد»‪،‬‬

‫‪ 118‬اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫وتخلو من التعمية اللغوية؛ ألن تجربته « تشربت من منابع‬
‫رصينة لغويا أولها القرآن الكريم‪ ،‬الحاضر كثيراً في نصوصه‪،‬‬
‫والتي جعلت للنص مرجعيته اللغوية» أما مرجعيته الثانية فهي‬
‫الشعراء الثالثة» أدونيس‪ ،‬وقاسم حداد‪ ،‬وسليم بركات» التي‬
‫بشكل أحاله على حد‬
‫ٍ‬
‫بينت بوضوح اشتغاله الواثق على اللغة‬
‫وصفه لمستوى «صناعة الرؤية عبر اللغة‪ ،‬وليس العكس»‪.‬‬
‫وتقول الدكتورة فاطمة الوهيبي‪ :‬يمكن أن تفسر نصوص‬
‫زي��اد بأنها تصوير لعمل الفنان في محترفه قبل أن يتخلق‬
‫الشكل النهائي لعمله‪ :‬إنها فوضاه وأحالمه واجتهاده وتعبه‪.‬‬
‫في أماكن معينة من كل نص من نصوص السالم تشعر بتعب‬
‫اللغة وإرهاق الفكرة التي دارت دورات عدة تحت ضربات من‬
‫هنا وهناك‪ ،‬إلى أن استقرت في نتوء معين أو حفرة غائرة‬
‫في تمثال اللغة الصخري‪.‬‬
‫ويقول القاص عبدالحفيظ الشمري‪ :‬إنه (شاعر يتكئ على‬
‫السرد)‪ ..‬هذا ما تشي به مقدمة ديوانه الجديد (المضاف‬
‫إل��ى نفسه) فهو ي��زاوج بين تجربتين هما الشعر والسرد‪،‬‬
‫بوصفهما حالتين من حاالت دهشته وألمه الذي يمور كمرجل‬
‫على وشك الطيش المدمر‪ ..‬ويكشف في أعماله مأساة موت‬
‫العالقة اإلنسانية وأخطارها المحدقة فينا‪.‬‬
‫زياد السالم في ديوانه الجديد يعدد مواطن األلم‪ ،‬ويصف‬
‫بتجرد وأمانة سحن خيباتنا‪ ،‬وتمايزات لواعجنا التي باتت‬
‫تصعب على الجماد‪ ..‬ففي اإلهداء مصافحة أليمة أولى لما‬
‫تسير إليه فعاليات الشعر في هذا الديوان‪.‬‬

‫الكتاب ‪ :‬عدت ياسادتي بعد موت قصير (شعر)‬
‫املؤلف ‪ :‬رامي نزيه أبو شهاب‬
‫الناشر ‪ :‬فضاءات ‪ – 2007‬عمان – األردن‪.‬‬

‫> احملرر الثقافي‬
‫صدر مؤخرا عن دار فضاءات للنشر والتوزيع المجموعة الشعرية األول��ى للشاعر رامي‬
‫نزيه أبو شهاب حملت عنوان‪« :‬عدت يا سادتي بعد موت قصير»‪ ،‬وقد احتوت المجموعة على‬
‫(‪ )27‬نصا من قصائد النثر‪ ،‬جاءت في (‪ )120‬صفحة من القطع المتوسط‪ ،‬وتميزت النصوص‬
‫بانحراف معظمها عن الشائع الشعري‪ ،‬وانحيازها إلى أنساق شعرية تحمل رؤى جديدة في قراءة‬
‫المعاصر واليومي والمألوف في لغة شعرية غير مألوفة‪ ،‬تحمل الكثير من الدهشة واإلدهاش‪،‬‬
‫والقلق الدائم والمستمر‪ ،‬في رصد محاوالت اإلنسان لتخطي رداءة واقعه‪ ،‬وسبر أغوار وجوده‬
‫في عالم دائم المخاض واالنشغال‪ .‬وقد قام بتصميم غالف المجموعة الفنان نضال جمهور‪.‬‬
‫وهذه مقاطع من قصيدة أمر بالدم‬
‫تمر‬
‫أمر بالدّ مِ كما ُّ‬
‫ُّ‬
‫الساعةِ السابعة‬
‫حافلةُ ّ‬
‫كل يوم‬
‫َّ‬
‫وإذا ما تأخرتْ‬
‫سقط اليومُ عن صهوةِ ال َنّبض‬
‫َ‬
‫وغرقَ في الال شيء‬

‫***‬
‫يمر العاشقون‬
‫أمر بالدّ م كما ُّ‬
‫ُّ‬
‫بحبيباتهم‬
‫الطريق‬
‫على حافةِ ّ َ‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪119‬‬

‫الكتاب ‪ :‬امللكات العربيات قبل اإلسالم‬
‫املؤلف ‪ :‬هند محمد التركي‬
‫الناشر ‪ :‬مؤسسة عبدالرحمن السديري اخليرية‬

‫> احملرر الثقافي‬
‫ضمن برنامج النشر في مؤسسة عبدالرحمن السديري‬
‫الخيرية‪ ،‬صدر حديثاً‪ ،‬كتاب بعنوان «الملكات العربيات قبل‬
‫اإلس�لام‪ :‬دراس��ة في التاريخ السياسي»‪ ،‬للباحثة هند بنت‬
‫محمد التركي‪.‬‬
‫يلقي ه���ذا ال��ك��ت��اب ال��ض��وء ع��ل��ى ج��وان��ب مهمة للمرأة‬
‫العربية في التاريخ السياسي للحضارة العربية‪ .‬ففيه تتبع‬
‫للملكات العربيات قبل اإلس�لام‪ ،‬في كل من مصر والشام‬
‫وبالد الرافدين واألناضول وإي��ران‪ .‬كما يستعرض األنظمة‬
‫السياسية في الجزيرة العربية‪ ،‬كنظام المشيخة القبلية‪،‬‬
‫ون��ظ��ام المكربين‪ ،‬وال��ن��ظ��ام الملكي؛ وي��ن��اق��ش دور ال��م��رأة‬
‫العربية ومكانتها في ظل األنظمة السياسية آن��ذاك‪ ،‬بدءاً‬
‫بملكة سبأ‪ ،‬وانتهاء بملكات شمالي الجزيرة العربية‪( :‬زبيبة‪،‬‬
‫وشمسي‪ ،‬ويطيعة‪ ،‬ويافا‪ ،‬وباسلو‪ ،‬وتعلخونو‪ ،‬وتبوأه‪ ،‬وعادية‪،‬‬
‫وأخيراً ملكة تدمر زنوبيا)‪ .‬والكتاب غني بحصر الشواهد‬
‫في النقوش اآلشورية‪ ،‬والعربية الجنوبية القديمة‪ ،‬والنبطية‬
‫وال��ت��دم��ري��ة‪ ،‬ال��ت��ي أش���ارت إل��ى ملكات ال��ع��رب‪ ،‬وال��ع�لاق��ات‬
‫السياسية لكل ملكة مع الممالك المعاصرة لحكمها‪.‬‬
‫ج��اء الكتاب ف��ي تمهيد وأرب��ع��ة ف��ص��ول‪ ،‬واشتمل على‬
‫ل��وح��ات لعمالت معدنية عربية قديمة ‪ -‬عُ��ث��ر عليها في‬
‫عدد من المناطق العربية ‪ -‬ظهرت عليها صور لبعض تلك‬
‫الملكات‪.‬‬
‫اس��ت��ع��رض��ت ال��م��ؤل��ف��ة ف��ي التمهيد اإلط����ار ال��ج��غ��راف��ي‬
‫والحضاري لمنطقة الشرق األدنى القديم ومكانة المرأة فيه‪،‬‬
‫في كل من الجزيرة العربية ومصر وبالد الشام والرافدين‬
‫وب�ل�اد األن��اض��ول وإي����ران‪ .‬وف��ي الفصل األول تحدثت عن‬
‫النظام السياسي في الجزيرة العربية قبل اإلسالم من خالل‬

‫‪ 120‬اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫استعراض نظام المشيخة القبلية ونظام المكربين والنظام‬
‫الملكي‪ .‬وبينت األلقاب السياسية التي استخدمت آنذاك‬
‫في ممالك جنوبي الجزيرة وشماليها‪ .‬وكذلك المرأة في ظل‬
‫األنظمة السياسية السائدة في الجزيرة العربية في مملكة‬
‫سبأ وممالك شمال غربي الجزيرة العربية‪.‬‬
‫وفي الفصل الثاني تحدثت عن الملكات العربيات من‬
‫خالل النقوش واآلثار العربية القديمة‪ ،‬وقد ضمنت الكتاب‬
‫صوراً للعديد من العمالت البرونزية والفضية التي ظهرت‬
‫عليها صور تلك الملكات‪ .‬إضافة إلى دراسة النقوش السبئية‪،‬‬
‫والنقوش النبطية لملكات األنباط‪ :‬خلدو‪ ،‬وشقيلة‪ ،‬وجميلة‪.‬‬
‫وتحدثت في الفصل الثالث عن الملكات العربيات في‬
‫ال��م��ص��ادر الدينية وال��م��وروث ال��ع��رب��ي‪ .‬أم��ا الفصل ال��راب��ع‬
‫فخصصته للحديث عن األدوار السياسية لهن‪ .‬كما تطرقت‬
‫لعالقة ملكة سبأ بالنبي سليمان عليه السالم‪ ،‬وعالقات ملكة‬
‫تدمر مع األنظمة السياسية المعاصرة لحكمها‪ ،‬وعن زوجات‬
‫الملوك ودورهن السياسي‪.‬‬
‫واش��ت��م��ل ال��ك��ت��اب ع��ل��ى م�لاح��ق ل��ل��خ��رائ��ط وال��ل��وح��ات‬
‫واألشكال وفهرس لألعالم واألماكن وآخر لآليات القرآنية‬
‫ذات العالقة بموضوع الكتاب‪.‬‬
‫وخالصة القول إن الكتاب يقدّم دراس��ة علمية مهمة‪،‬‬
‫تتصف بالشمولية والتفصيل لتاريخ الملكات العربيات قبل‬
‫اإلس�لام‪ ،‬واألدوار السياسية التي لعبتها المرأة في النظام‬
‫العربي القديم؛ ما يقدم خدمة كبيرة للباحثين والمتخصصين‬
‫ف��ي دراس���ة ت��اري��خ ال��م��رأة العربية وأدواره����ا السياسية في‬
‫الممالك واألنظمة العربية القديمة‪.‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful