P. 1
25JobaLayout_25

25JobaLayout_25

|Views: 73|Likes:
منشور بواسطةaljoubah

تهدف إدارة مؤسسة عبدالرحمن السديري الخيرية من خلال تبنّي إصدار مجلة «الجوبة» إلى الإسهام في نمو الحركة الثقافية والأدبية بالجوف وازدهارها, ورعاية الأقلام الشابة من أبناء وبنات المنطقة. وتوفير وعاء نشر للكتّاب والأدباء يتيح لهم نشر إبداعاتهم وكتاباتهم الأدبية والثقافية. وتعمل الجوبة على استكتاب المبدعين والموهوبين في مجالات الأدب والشعر والمقالة من أبناء المنطقة, وهي بذلك تتيح لهم فرص الحراك الثقافي والتفاعل مع الأدباء والمثقفين من داخل المملكة العربية السعودية وخارجها.

رئيس التحرير المشرف العام
إبراهيم بن موسى الحميد

aljoubah@gmail.com

http://aljoubah.org/ar/issues/issues.html

http://issuu.com/aljoubah

http://www.twitter.com/aljoubah

http://facebook.com/aljoubah.org

http://www.scribd.com/aljoubah

سكاكا الجوف السعودية
الرياض جدة الدمام
البحرين دبي الكويت الدوحة الرباط عمان مسقط اربد دمشق بيروت بغداد القاهرة الاسكندرية طرابلس تونس بنزرت الجزائر الناظور سبتة مليلة طنجة أغادير مراكش الدار البيضاء مدريد لندن باريس روما نابولي
PDF Magazine

تهدف إدارة مؤسسة عبدالرحمن السديري الخيرية من خلال تبنّي إصدار مجلة «الجوبة» إلى الإسهام في نمو الحركة الثقافية والأدبية بالجوف وازدهارها, ورعاية الأقلام الشابة من أبناء وبنات المنطقة. وتوفير وعاء نشر للكتّاب والأدباء يتيح لهم نشر إبداعاتهم وكتاباتهم الأدبية والثقافية. وتعمل الجوبة على استكتاب المبدعين والموهوبين في مجالات الأدب والشعر والمقالة من أبناء المنطقة, وهي بذلك تتيح لهم فرص الحراك الثقافي والتفاعل مع الأدباء والمثقفين من داخل المملكة العربية السعودية وخارجها.

رئيس التحرير المشرف العام
إبراهيم بن موسى الحميد

aljoubah@gmail.com

http://aljoubah.org/ar/issues/issues.html

http://issuu.com/aljoubah

http://www.twitter.com/aljoubah

http://facebook.com/aljoubah.org

http://www.scribd.com/aljoubah

سكاكا الجوف السعودية
الرياض جدة الدمام
البحرين دبي الكويت الدوحة الرباط عمان مسقط اربد دمشق بيروت بغداد القاهرة الاسكندرية طرابلس تونس بنزرت الجزائر الناظور سبتة مليلة طنجة أغادير مراكش الدار البيضاء مدريد لندن باريس روما نابولي
PDF Magazine

More info:

Published by: aljoubah on Jun 18, 2012
حقوق الطبع:Attribution Non-commercial

Availability:

Read on Scribd mobile: iPhone, iPad and Android.
download as PDF, TXT or read online from Scribd
See more
See less

09/12/2012

pdf

text

original

‫‪ -‬العدد ‪ - 25‬خريف ‪1430‬هـ ‪2009 -‬م‬

‫صدر حديث ًا عن مؤسسة عبدالرحمن السديري اخليرية‬

‫دراسات‬
‫بديعة الطاهري‪،‬‬
‫صابر حباشة‬
‫قصص‬
‫عبدالله السفر‪ ،‬حسن بطران‬
‫كرمية االبراهيمي‬
‫شعر‬
‫محمود درويش‪،‬‬
‫متيم البرغوثي‪،‬‬
‫سليمان العتيق‪،‬‬
‫شقراء املدخلي‬
‫مواجهات مع‬
‫امبرتو أكو‪ ،‬الياس فركوح‬
‫محمد معتصم‬

‫ملف العدد‪:‬‬

‫‪25‬‬

‫القدس عاصمة الثقافة العربية‬

‫‪25‬‬

‫من إصدارات اجلوبة‬

‫شموط‪ :‬لوحة إرادة احلياة أقوى‬
‫الفنان الكبير إسماعيل ّ‬
‫استمرت احلياة الفلسطينية بشتى نواحيها ‪ ،‬وأشكالها ‪ ،‬على الرغم من جبروت االحتالل وعوامل‬
‫القهر والقمع ‪ .‬وصارت تقام مواسم األفراح واألتراح ضمن احلدود املمكنة ‪ ،‬وظلت رموز فلسطني‬
‫شامخة في عنان السماء ‪ ،‬واألطفال كالسنابل يتكاثرون ويتكاثرون‪.‬‬

‫الفنان الكبير إسماعيل شموط‪ :‬لوحة الربيع الذي كان‪.‬‬
‫لم تكن احلياة هادئة في فلسطني إب��ان فترة االنتداب البريطاني؛ فقد قامت ث��ورات وانتفاضات‬
‫شعبية فلسطينية متتابعة ضد املؤامرة‪ .‬إال أن فلسطني انطبعت في ذاكرة الفنان إسماعيل شموط‬
‫وعطاء‪ ،‬وفرح ًا‪.‬‬
‫ كما يقول ‪ -‬ربيع ًا مزهر ًا ومزدان ًا بكل األلوان‪ ،‬وخير ًا وافراً‪،‬‬‫ً‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫‪1‬‬

‫العدد ‪25‬‬
‫خريف ‪1430‬هـ ‪2009 -‬م‬

‫ملف ثقافي ربع سنوي‬
‫يصدر عن مؤسسة عبدالرحمن السديري اخليرية‬

‫املشرف العام‬
‫إبراهيم احلميد‬
‫املراسالت‬
‫توجه باسم املشرف العام‬
‫ّ‬

‫هاتف‪)+966( )4( 6245992 :‬‬
‫فاكس‪)+966( )4( 6247780 :‬‬
‫ص‪ .‬ب ‪ 458‬سكاكا‬
‫اجلـ ــوف ‪ -‬اململكة العربية السعودية‬
‫‪aljoubah@gmail.com‬‬
‫‪www.aljoubah.com‬‬

‫ردمد ‪ISSN 1319 - 2566‬‬

‫سعر النسخة ‪ 8‬رياالت‬
‫تطلب من الشركة الوطنية للتوزيع‬

‫قواعد النشر‬

‫‪ - 1‬أن تكون املادة أصيلة‪.‬‬
‫‪ - 2‬لم يسبق نشرها‪.‬‬
‫‪ - 3‬تراعي اجلدية واملوضوعية‪.‬‬
‫‪ - 4‬تخضع املواد للمراجعة والتحكيم قبل نشرها‪.‬‬
‫‪ - 5‬ترتيب املواد في العدد يخضع العتبارات فنية‪.‬‬
‫‪ - 6‬ترحب اجلوبة بإسهامات املبدعني والباحثني والكتّاب‪،‬‬
‫على أن تكون املادة باللغة العربية‪.‬‬
‫اجلوبة من األسماء التي كانت تطلق على منطقة اجلوف سابق ًا‬

‫الناش ـ ـ ـ ــر‪ :‬مؤسسة عبدالرحمن السديري اخليرية‬
‫أسسها األمير عبدالرحمن بن أحمد السديري (أمير منطقة اجلوف من ‪1362/9/5‬هـ‬
‫ ‪1410/7/1‬هـ املوافق ‪1943/9/4‬م ‪1990/1/27 -‬م) بهدف إدارة ومتويل املكتبة العامة‬‫التي أنشأها عام ‪1383‬هـ املعروفة باسم دار اجلوف للعلوم‪ .‬وتتضمن برامج املؤسسة‬
‫نشر الدراسات واإلبداعات األدبية‪ ،‬ودعم البحوث والرسائل العلمية‪ ،‬وإصدار مجلة‬
‫دورية‪ ،‬وجائزة األمير عبدالرحمن السديري للتفوق العلمي‪ ،‬كما أنشأت روضة ومدارس‬
‫الرحمانية األهلية للبنني والبنات‪ ،‬وجامع الرحمانية‪.‬‬
‫‪2‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫الـمحتويــــات‬

‫‪6.......................‬‬
‫القدس عاصمة الثقافة العربية‬

‫‪54.....................‬‬
‫عبدالله السفر‬

‫‪84.....................‬‬
‫امبرتو أكو‬

‫‪89.....................‬‬
‫إلياس فركوح‬
‫الغالف‪:‬‬
‫قبة مسجد الصخرة من الداخل‪.‬‬

‫االفتتاحية‪4.............................................................‬‬
‫ملف العدد‪ :‬القدس عاصمة الثقافة العربية ‪6................ 2009‬‬
‫دراسات‪ :‬صورة المرأة في روايتي «عندما يبكي الرجال» لوفاء مليح‬
‫و«لحظات الغير» لفاتحة مرشيد ‪ -‬د‪ .‬بديعة الطاهري‪36..........‬‬
‫من إشكاليات دراس��ة الرواية العربية نظريا التصنيف والمدارس‪:‬‬
‫قراءة أولية ‪ -‬صابر الحباشة‪45.....................................‬‬
‫قصص قصيرة‪ :‬نصوص ‪ -‬عبدالله السفر ‪54.......................‬‬
‫قصصص قصيرة جدا ‪ -‬حسن بطران‪55.............................‬‬
‫انطفاء في ذاكرة األشياء ‪ -‬كريمة اإلبراهيمي ‪56......................‬‬
‫قصص قصيرة جدا ‪ -‬محمد صوانه‪59...............................‬‬
‫ال شيء ‪ -‬فاطمة المزروعي‪60........................................‬‬
‫شعر‪ :‬عابرون في كالم عابر ‪ -‬محمود درويش‪62....................‬‬
‫في القدس ‪ -‬تميم البرغوثي ‪63.......................................‬‬
‫القدس مرمى العصى ‪ -‬إدوارد عويس ‪65.............................‬‬
‫انتظار ‪ -‬سليمان عبدالعزيز العتيق ‪66................................‬‬
‫صرخة القصيدة الثائرة ‪ -‬شقراء المدخلي‪68........................‬‬
‫أشجا ُر هذا الحزنِ ما ْء ‪ -‬فيصل أكرم‪69..............................‬‬
‫َرمَا ُد السِّ نِين ‪ -‬صالح الدين الغزال ‪70................................‬‬
‫الصيف ‪ -‬عبدالله علي األقزم ‪71....................‬‬
‫ِ‬
‫وتـسـألـ ُني ليالي‬
‫نقد‪« :‬أرض اليمبوس» للروائي إلياس فركوح‪ ..‬التاريخ الشخصي‬
‫والذاكرة الجمعية ‪ -‬هيا صالح ‪72...................................‬‬
‫ق��راءة سيميائية في قصة «أعمق من الوسن» للسعودي حسن علي‬
‫البطران ‪ -‬د‪ .‬جميل حمداوي ‪76....................................‬‬
‫تجليات شعرية المنفى عند الشاعر الكوني محمود النجار ‪ -‬نجاة‬
‫الزباير ‪81............................................................‬‬
‫مواجهات‪ :‬حوار مع الروائي والناقد االيطالي امبرتو اكو ‪ -‬حاورته‪:‬‬
‫دومينيك سيمونيه ‪ -‬ترجمة‪ :‬أحمد عثمان‪84.......................‬‬
‫حوار مع إلياس فركوح ‪ -‬حاوره‪ :‬محمد محمود البشتاوي‪89.........‬‬
‫الكاتب والناقد المغربي محمد معتصم ‪ -‬حـاورته‪ :‬نوّارة لحـرش‪98....‬‬
‫نوافذ‪ :‬إشكالية مفهوم الثقافة ‪ -‬جالل بوشعيب فرحي ‪105.........‬‬
‫العامية وتأثيرها على الفصحى ‪ -‬د‪ .‬أحمد السوداني‪107............‬‬
‫إخفاقات العولمة ‪ -‬مجدي ممدوح‪112................................‬‬
‫الخطراوي في آثار الكاتبين ‪ -‬محمود الرمحي‪117...................‬‬
‫قراءات‪120...........................................................:‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫‪3‬‬

‫القدس‬

‫عاصمة الثقافة العربية‬

‫وعاصمة الدولة الفلسطينية‬
‫> إبراهيم احلميد‬
‫كان ال بد من استعادة مدينة القدس الشريف عاصمة الثقافة العربية‪ ،‬لشحذ‬
‫الوجدان العربي الذي ال يخمد جمره المتوقد في حب القدس والتعلق بها‪.‬‬
‫تستعيد مجلة الجوبة في عددها هذا‪ ،‬مدينة القدس‪ ،‬أولى القبلتين‪ ،‬ومسرى‬
‫النبي العربي محمد [‪ ،‬عاصمة الثقافة العربية؛ ألن القدس تبقى في وجدان‬
‫وعقل كل عربي ومسلم‪ ،‬ومثوى أفئدة الماليين من العرب والمسلمين؛ فكل‬
‫مسلَّمات الخطاب الديني‪ ،‬ممثلة في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة‪،‬‬
‫تحث على التعلق بها‪ ،‬واالتكاء عليها‪ ،‬وأنها إرث عربي إسالمي‪ ،‬ال ينبغي التفريط‬
‫ب��ه؛ ول��ذا‪ ،‬تبقى القدس ‪ -‬مهما كانت المسببات التي أدت إل��ى احتاللها من‬
‫قوة غاشمة‪ ،‬ظالمة ‪ -‬مدينة عربية‪ ،‬وعاصمة الثقافة العربية‪ ،‬وقبل ذلك‪ ‬كله‪..‬‬
‫عاصمة‪  ‬الدولة الفلسطينية بإذن الله تعالى‪.‬‬
‫‪ ‬لقد أثبتت الوقائع‪ ،‬على مر األي��ام‪ ،‬أن السالم مع العدو اإلسرائيلي‪ ،‬هو‬
‫مجرد وهم؛ توهمه البعض‪ ،‬وصدقه آخرون؛ نتيجة الدعاية اإلعالمية الهائلة‬
‫التي جعلت من القاتل ضحية‪ ،‬ومن أبشع وجه لالحتالل عرفه العالم‪  ،‬وجهاً‬
‫للديمقراطية‪ ..‬ونموذجا الحترام حقوق اإلنسان!‪  ‬وإال‪ ..‬ما معنى هذا االنتشار‬
‫السرطاني للمستوطنات في أرض فلسطين كلها‪ ،‬والتفريغ الصامت للشعب‬
‫الفلسطيني من‪  ‬مدينة القدس‪.‬‬
‫لقد س��رق اليهود الغاصبون كل ش��يء استطاعوا ال��وص��ول إليه في أرض‬
‫فلسطين‪ ،‬فمنذ أن بسطوا سيطرتهم على ال�ت��راب الفلسطيني‪ ،‬ب��اش��روا في‬
‫احتالل المقدسات‪ ،‬بدْءاً من حائط البراق‪ ،‬أو وقف أبي مدين نسبة إلى حي‬
‫المغاربة المجاور‪ -‬والذي نقل اليهود صلواتهم إليه تدريجيا كما يذكر عدد من‬
‫الباحثين ‪ -‬ومحاوالتهم فرض أمر واقع عليه خالل فترة االنتداب اإلنجليزي‬
‫لفلسطين‪ ،‬ومواقف الحاج أمين الحسيني ‪ -‬ال��ذي ك��ان حارسا أمينا –التي‬
‫حالت دون ذل��ك منذ ع��ام ‪1918‬م‪ ،‬حتى فرضهم لألمر ال��واق��ع على الجدار‬
‫الغربي للمسجد األقصى‪ ،‬بعد إعالن دولتهم عام ‪1948‬م‪  ،‬وصوال إلى الحرم‬
‫اإلبراهيمي في الخليل‪ ،‬وهم بذلك كله يسابقون الزمن من أجل تثبيت واقعهم‬

‫‪4‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫اف�����������ت�����������ت�����������اح�����������ي�����������ة‬

‫على أرض فلسطين؛ ألن الصمت الدولي والعربي‪ ،‬هيأ لهم الظروف المواتية‬
‫لتهويد كل ما يمكن تهويده‪ ،‬ب��دءاً من حائط المسجد األقصى‪ ،‬وانتهاء بأزقة‬
‫وبيوت القدس العتيقة وضواحيها‪ ،‬وها هم يواصلون سرقاتهم؛ فبعد أن تمكنوا‬
‫من سرقة األرض‪ ،‬والمقدسات‪  ،‬يحاولون سرقة ال�ت��راث الفلسطيني‪ ،‬حتى‬
‫الذاكرة المقدسية يعملون على سرقتها‪ ..‬وإال‪ ،‬ما معنى أن ينسب‪ ‬شيمون بيريز‬
‫ الزعيم الصهيوني الحائز على جائزة نوبل للسالم عام ‪1993‬م‪ ،‬وقاتل أكثر من‬‫ألف فلسطيني في غزة عام ‪2007‬م‪ ،‬ونتيجة سطوة اإلعالم الصهيوني ‪ -‬لنفسه‬
‫طفول ًة مفترض ًة في مدينة القدس‪ ،‬وهو البولندي المولود في وارسو‪ ،‬والمهاجر‬
‫اليهودي إلى فلسطين عام ‪1934‬م‪ ، ‬وعمره آنذاك أربعة عشر عاماً؛ حين يتحدث‬
‫عن تلك الطفولة لمجلة ديرشبيجل األلمانية في عددها الثالث لعام ‪2009‬م‪.‬‬
‫والمفارقة المضحكة أو المبكية في آن‪ ،‬أن الحوار مع المحتل شيمون بيريز يأتي‬
‫بمناسبة احتفالية القدس عاصمة الثقافة العربية! فبعد أن سرق شيمون بيريز‬
‫األرض‪ ،‬ها هو يسرق الذاكرة الفلسطينية‪ ،‬حينما يتحدث عن ذكريات الطفولة‬
‫الزائفة في القدس‪ .‬ربما جاز له أن يتحدث عن تلك الطفولة في وارس��و‪ ،‬أو‬
‫محترف ‪ -‬في عصابات الهاغانا اإلجرامية‪ ،‬ولكنه القتل‪..‬‬
‫ٍ‬
‫عن ذكرياته ‪ -‬كقاتل‬
‫يتبعه الكذب‪ ،‬حينما ينفي القاتل ضحيته الفلسطيني‪ ،‬ويغيبه تماما عن المشهد‬
‫المقدسي‪ .‬وال يمكن فصل سرقة شيمون بيريز تلك‪ ‬عن النهب المنظم لألرض‬
‫والتراث الفلسطيني‪ ،‬وكل ما يمكن أن يصل إليه االحتالل‪.‬‬
‫ليست القدس مجرد عاصمة عربية‪ ،‬إنها الرمز الثقافي والحضاري‪ ،‬الذي‬
‫نفاخر به العالم‪ ،‬وإننا لنستعيد مع كل عملية احتالل لبيت جديد في القدس‬
‫من قِ بَلِ قوى الظالم اليهودية‪ ،‬القي َم العربية اإلسالمية‪ ،‬التي قابل بها المسلمون‬
‫الفاتحون سكا َن فلسطين‪ ،‬من خ�لال العهدة العمرية‪ ،‬ومن بعد ذل��ك بقرون‪،‬‬
‫التسامح ال��ذي أب��داه صالح الدين األيوبي مع الصليبيين الذين أب��ادوا سكان‬
‫القدس عندما احتلوها‪ .‬وهذا ما يؤكد أن مصير اليهود سيكون بإذنه تعالى‪،‬‬
‫كمصير الصليبيين الذين أخرجوا‪ ‬منها في النهاية‪ ،‬ألنهم يفتقدون القي َم التي‬
‫ترسخ بقاءهم‪ ،‬وهي المفارقة التي لن يستطيعوا سبرها‪.‬‬
‫لكل ه��ذا‪ ..‬وفي استعادة القدس عاصمة الثقافة العربية‪ ،‬نجد أن‪ ‬القدس‬
‫مهما ح��اول اليهود إطالة أم��د التفاوض‪  ،‬أو إلغاء الوجود الفلسطيني فيها‪،‬‬
‫سيبقون الطرف الخاسر في النهاية‪ ،‬ألن القدس لن تكون إال عاصم ًة عربية‬
‫للدولة الفلسطينية‪ ،‬ووجه ًة لكل مسلمي األرض ومحبي السالم والخير في العالم‬
‫كله‪ .‬‬
‫فاصلة‬
‫يقول إدوارد سعيد مستذكرا‪ ‬طفولته في مدينة القدس‪« :‬على كل واحد منا‬
‫أن يروي قصته»‪.‬‬
‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫‪5‬‬

‫القدس‪..‬‬

‫عاصمة الثقافة العربية ‪2009‬‬
‫تقديم‬
‫أ ُعلن في نهاية عام ‪2008‬م أن القدس ستكون عاصمة الثقافة العربية للعام ‪2009‬م‪،‬‬
‫نواح؛ سياسية‪ ،‬واجتماعية‪،‬‬
‫وهو ما أعاد األضواء على المدينة المحتلة مرة أخرى‪ ،‬من عدة ٍ‬
‫وفكرية‪ ،‬وثقافية‪ ،‬ومعمارية‪ ،‬وإنسانية‪ .‬ومن هنا‪ ،‬تم اختيار القدس لتكون المحور العام‬
‫لهذا العدد‪ ..‬كمحاولة لتناول المدينة من جوانب متعددة‪ ،‬انطالقاً من أهمية فكرة بقاء‬
‫القدس حاضرة في الوجدان العربي‪ ،‬وليحظ القارئ العربي باإلطالع على جوانب أخرى‬
‫للمدينة‪ ،‬لم يتم تسليط الضوء عليها حتى في اإلعالم العربي‪.‬‬
‫شكلت القدس منذ القدم مركزاً حضاريا ودينياً مهماً‪ ،‬فمنذ نشأتها األولى على يد‬
‫الكنعانيين القدماء‪ ،‬ارتبطت بمكانة دينية من حيث المكانة والتسمية‪ ،‬فسموها «أور‬
‫سالم» أي مدينة السالم‪ ،‬نسبة إل��ى إل��ه السالم لديهم‪ ،‬بعد ذل��ك ارتبطت بالديانات‬
‫السماوية‪ ،‬فسميت في التوراة «أورشليم» وتلفظ بالعبرية «يروشااليم»‪ .‬أما في المسيحية‬
‫فارتبطت بكونها مكان قيامة السيد المسيح‪ ،‬ولذلك تم بناء كنيسة فيها باسم كنيسة‬
‫القيامة؛ وفيها أيضاً قبر السيدة مريم العذراء عليها السالم‪ ،‬ما جعلها–أيضا ‪ -‬مِ حَ جاً‬
‫للمسيحيين‪ ،‬وأسموها «مملكة السماء»‪ ،‬وهو االسم الذي ظهر بشكل واضح في الحمالت‬
‫الصليبية على العالم اإلسالمي‪ .‬أما مكانتها الدينية لدى المسلمين فبدأت منذ إسراء‬
‫سيدنا محمد [ من مكة المكرمة إليها‪ ،‬وعروجه منها إلى السماء‪.‬‬
‫ه��ذه األهمية الدينية للمدينة ل��دى معتنقي الديانات الثالث‪ ،‬جعلتها مكان نزاع‪،‬‬

‫‪6‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫فقد ت��م اح�ت�لال المدينة م��ن قبل الصليبيين‪،‬‬
‫حتى أع��اد المسلمون تحريرها على يد القائد‬
‫صالح الدين ثم أعيد احتالل المدينة المقدسة‬
‫على يد البريطانيين‪ ،‬بعد سقوط دولة الخالفة‬
‫اإلس�لام�ي��ة ف��ي ال �ح��رب العالمية األول���ى‪ ،‬تاله‬
‫كذلك احتالل الجزء الغربي منها عام ‪1948‬م‪،‬‬
‫على يد العصابات الصهيونية‪ ،‬فيما تم احتالل‬
‫الجزء الشرقي منها عام ‪1967‬م‪.‬‬
‫وع�ل��ى م��دى ال�ع�ص��ور ال�م��اض�ي��ة‪ ،‬استطاعت‬
‫المدينة أن تشكل هويتها ال�خ��اص��ة ب�ه��ا‪ ،‬فقد‬
‫ك��ان لمكانتها الدينية دور ف��ي جعلها مِ حجاً‬
‫للمتدينين من كل األدي��ان السماوية الثالثة في‬
‫العالم‪ ،‬والذين استقر جزء منهم فيها؛ فحملت‬
‫بعض مناطقها أسماءهم مثل‪ :‬الحارة المسيحية‪،‬‬
‫وال �ح��ارة ال�ي�ه��ودي��ة‪ ،‬وال �ح��ارة األرم �ن �ي��ة‪ ،‬وحارة‬
‫المسلمين‪ ،‬وه��ذه ال �ح��ارات األرب��ع بشكل عام‪،‬‬
‫تمثل ال�ب�ل��دة القديمة داخ��ل ال �س��ور بأسواقها‬
‫وأماكنها المقدسة‪ ،‬مثل حائط ال �ب��راق‪ ،‬أو ما‬
‫يسميه اليهود حائط المبكى‪ ،‬وكنيسة القيامة‪،‬‬
‫والمسجد األقصى الذي يشمل المسجد القبلي‬

‫الذي يطلق عليه المسجد األقصى حالياً‪ ،‬وقبة‬
‫الصخرة‪ ،‬والمسجد المرواني‪ ،‬وما داخل مساحة‬
‫ال�م�س�ج��د م��ن ق �ب��اب وم� ��آذن وم�ص�ل�ي��ات وآبار‬
‫وغيرها‪ .‬في حين اكتسبت بعض حاراتها أسماء‬
‫جنسيات ساكنيها‪ ،‬مثل حارة المغاربة‪ ،‬نسبة إلى‬
‫المغاربة الذين هاجروا إليها على دفعات متتالية‪،‬‬
‫بقصد ال�ح��ج وال �ت �ج��ارة وط�ل��ب ال�ع�ل��م‪ ،‬واستقر‬
‫بعضهم فيها‪ ،‬في حين أن هذه الحارة تم إزالتها‬
‫من قبل اإلسرائيليين بشكل كامل عام ‪1967‬م‪،‬‬
‫بحجة توسعة حائط المبكى كما يزعمون‪ ،‬والذي‬
‫هو في األصل حائط البراق لدى المسلمين‪.‬‬
‫ه ��ذا ال �ت �ع��دد وال �ت �ن��اغ��م ف��ي ال �م��دي �ن��ة صبغ‬
‫المدينة أيضاً بهوية عمرانية خاصة بها‪ ،‬سميت‬
‫في الهندسة المعمارية الطراز المقدسي‪ ،‬وهي‬
‫في األصل خليط من مجموعة هندسات معمارية‬
‫قائمة في المدينة‪ ،‬نقل بعضها الحجاج الذين‬
‫سكنوها‪ ،‬وبعضها األخر ترسخ عبر بناء أماكن‬
‫العبادة فيها‪.‬‬
‫وقد حظيت القدس باهتمام المؤرخين والكتاب‬
‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫‪7‬‬

‫والمثقفين ال �ع��رب والعالميين‪ ،‬وخ��اص��ة فيما‬
‫يتعلق بالطوائف الدينية التي تسكنها‪ ،‬وهندستها‬
‫المعمارية‪ ،‬ومكانتها الدينية‪ ،‬وغيرها‪..‬في حين‬
‫بقيت جوانب أخرى غير متعلقة بالجوانب الدينية‬
‫فيها غير مؤرخة‪ .‬فعلى الرغم من أن القدس تعد‬
‫ثالث عاصمة عربية تظهر فيها الصحافة بعد‬
‫القاهرة وبيروت‪ ،‬إال أن هذا الجانب من المدينة‬
‫بقي طي النسيان‪ ،‬ويمكن أن نعزو أسبابه أيضاً‬
‫مسجد عمر بن الخطاب‬
‫ضمن أسباب تعطيل حركة الحداثة في المدينة سليمان»‪ ،‬الذي كان يقود حينها المعهد العالي‬
‫التي تسبب فيها االح �ت�لال اإلسرائيلي عامي للدراسات الشرق أوسطية (ويشغل اآلن أستاذ‬
‫‪ 1948‬و‪1967‬م‪.‬‬
‫كرسي ال��دراس��ات ال�ش��رق أوسطية ف��ي جامعة‬
‫وم��ا ت��زال المدينة المقدسة حتى اللحظة كمبردج ذاتها)‪ .‬وذكر سليمان أنّ «آل الخالدي»‬
‫تعاني من معركة تهجير للعرب منها‪ ،‬ما يجعلها معروفون في القدس بأنّهم «بيت ِعلم»‪ ،‬كما أشار‬
‫منطقة ص��راع ساخنة بين سكانها األصليين إلى عراقة المكتبة الخالدية التي تعود إلى القرن‬
‫والمستوطنين الجدد‪ .‬ولقد اعتبر بعض القائمين التاسع عشر‪ ،‬وهي مكتبة عائلية عريقة أسست‬
‫على مشروع «القدس عاصمة الثقافة العربية عام ‪1899‬م‪ .‬والواقع أنّ أبناء الخالدي‪ ،‬ينتشرون‬
‫للعام ‪2009‬م» أن هذا اإلعالن عنها جاء بهدف اآلن بالفعل في كبرى الجامعات العالمية‪ ،‬مثل‬
‫إعادة تسليط الضوء على المدينة ثقافيا وفكرياً‪ ،‬هارفارد‪ ،‬وكولومبيا‪ ،‬وكمبردج‪ ،‬وأكسفورد‪ ،‬وكثير‬
‫وإلبقائها حية في الوجدان العربي واإلسالمي من دراساتهم تتعلق بالقدس‪ ،‬معتمدين فيها على‬
‫وثائق ومحفوظات المكتبة الخالدية‪.‬‬
‫والعالمي وأيضاً‪.‬‬
‫وعُلماء آل الخالدي ليسوا سوى جزءاً بارزاً‬
‫القدس ‪2009‬‬
‫من حالة تسلطت األض��واء عليها في السنوات‬
‫حداثة عربية مجهضة وفشل في بناء األخ��ي��رة‪ ،‬بفضل ن�ش��ر دراس� ��ات وس �ي��ر ذاتية‪،‬‬
‫حداثة يهودية‬
‫ساعدت على توثيق أوض��اع القدس في سنوات‬
‫(‪)1‬‬
‫> د‪.‬أحمد جميل عزم‬
‫م��ا قبل ق�ي��ام ال�ك�ي��ان الصهيوني ع��ام ‪1948‬م‪.‬‬
‫وفي توضيح حالة نهوض كانت المدينة تعيشها‬
‫قبل سنوات‪ ،‬استقبلت‬
‫اق �ت �ص��ادي��ا‪ ،‬وث �ق��اف �ي��ا‪ ،‬وت�ع�ل�ي�م�ي��ا‪ ،‬واجتماعيا‪،‬‬
‫ج� � ��ام � � �ع� � ��ة أدن� � � �ب � � ��رة‬
‫وسياسيا‪ .‬وبموازاة هذه الدراسات تتكشف يوميا‬
‫األسكتلندية الشهيرة‬
‫معالم التراجع الذي تعيشه المدينة حاليا‪ ،‬ليس‬
‫ط ��ري ��ف ال� �خ ��ال ��دي ‪-‬‬
‫على صعيد الوسط العربي في الجزء الشرقي‬
‫األس � �ت� ��اذ ف ��ي جامعة‬
‫م��ن المدينة ال��ذي احتل ع��ام ‪1967‬م وحسب‪،‬‬
‫ك ��ام� �ب ��ردج ‪ -‬لتقديم‬
‫ب��ل وعلى صعيد ال��وس��ط ال�ي�ه��ودي ذات ��ه‪ ،‬سواء‬
‫محاضرة‪ ،‬قدمه آنذاك‬
‫بالمواجهة الطاحنة الداخلية التي يعيشها هذا‬
‫اب � ��ن ال � �ق� ��دس «ياسر‬
‫الوسط‪ ،‬أو بالفشل في تنمية المدينة‪.‬‬

‫‪8‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫حداثة مجهضة‬
‫في كتابه ال�ص��ادر حديثا باللغة اإلنجليزية‬
‫بعنوان «مقدسيّون‪ ..‬ذاك��رة ح� ّي��ة»‪ ،‬ي��روي حازم‬
‫نسيبة‪ -‬الوزير األردني السابق‪ -‬جزءاً مهماً من‬
‫مشاهد الحياة ف��ي ال�ق��دس منذ العشرينيات؛‬
‫فيشير إل ��ى ال� �م ��دارس ال �ع��رب �ي��ة‪ ،‬والعثمانية‪،‬‬
‫واإلنجليزية‪ ،‬والفرنسية‪ ،‬واألمريكية‪ ،‬واإليطالية‪،‬‬
‫واأللمانية‪ ،‬والروسية‪ ،‬واليونانية في المدينة‪،‬‬
‫وإل��ى األن��دي��ة الشبابية‪ ،‬ومالعب التنس‪ ،‬وكرة‬
‫السلة‪ ،‬وب��رك السباحة وغيرها‪ .‬ويتحدث عن‬
‫الجامعات والمدارس التي التحق بها هو وأشقاؤه‪:‬‬
‫ك��ال�ج��ام�ع��ة األم��ري �ك �ي��ة ف��ي ب��ي��روت‪ ،‬وجامعات‬
‫برينستون‪ ،‬وكمبردج وغيرها؛ كما يتحدث عن‬
‫الصحف الناشئة في المدينة حينها‪ .‬ولعل حديث‬
‫نسيبة عن مالعب الرياضة‪ ،‬فرصة للتذكير‪ ،‬بأنّه‬
‫في كأس العالم لكرة القدم لعام ‪1934‬م‪ ،‬شارك‬
‫منتخبان عربيّان فقط في تصفيات البطولة‪،‬‬
‫هما منتخبا مصر وفلسطين‪ ،‬وقد فاز المنتخب‬
‫المصري في مباراتي التصفية (‪ )1/7‬و(‪،)1/4‬‬
‫وما يهمنا هنا أن مباراة اإلياب جرت في القدس‬
‫يوم ‪ 6‬نيسان‪ /‬إبريل من ذلك العام‪.‬‬
‫في ذات المدة التي نشرت فيها سيرة نسيبة‪،‬‬
‫كانت سيرة أخرى لسيرين الحسيني‪ ،‬تترجم من‬
‫الفرنسية واإلنجليزية إلى العربية‪ ،‬لتروي أيضاً‬
‫ج ��زءاً آخ��ر م��ن قصة ال �ح��داث��ة المجهضة في‬
‫المدينة‪ ،‬فعائلة الحسيني إحدى عائالت القدس‬
‫الكبرى‪ ،‬ما يسمح أن نقرأ في هذه السيرة عن‬
‫حياة رئيس بلدية القدس في العشرينيات‪ ،‬وعن‬
‫خال سيرين‪ -‬موسى العلمي‪ -‬المحامي الشهير‬
‫الذي لعب أدوارا مهمة في التاريخ الفلسطيني‪،‬‬
‫والحائز على شهادة جامعية من «كامبردج» منذ‬
‫أوائل القرن العشرين‪.‬‬

‫القدس ‪ -‬البلدة القديمة ‪1890 -‬م‬

‫تعطي انطباعاً ع��ن ال�ح��راك الثقافي الفكري‬
‫ه ��ي «م���ذك���رات خ�ل�ي��ل ال �س �ك��اك �ي �ن��ي»‪ ،‬الكاتب‬
‫وال�م�ف�ك��ر ال�م�ق��دس��ي‪ ،‬ال ��ذي ك��ان ص��اح��ب فكر‬
‫إنساني منفتح على الشعوب واألديان‪ ،‬سافر إلى‬
‫بريطانيا وال��والي��ات المتحدة في مطلع القرن‬
‫ال�ع�ش��ري��ن‪ ،‬ولكنه ق��رر ال �ع��ودة ل�ل��وط��ن‪ ،‬ليصبح‬
‫أحد أهم العاملين في حقل التربية والتعليم في‬
‫الوطن العربي؛ وليعمل في صحيفة «األصمعي»‬
‫المقدسية‪ ،‬ول�ي��ؤس��س ع��ام ‪1909‬م «المدرسة‬
‫الدستورية»‪ ،‬في إش��ارة لتبني الدولة العثمانية‬
‫لدستور جديد حينها‪ ،‬وأسس في حياته صحفا‬
‫عدة‪ .‬ويعود للسكاكيني الفضل في وضع مناهج‬
‫دراسية للتعليم في أكثر من دولة عربية‪ ،‬وظلت‬
‫مناهجه متبعة لسنوات طويلة‪.‬‬

‫وت �ك �ش��ف ال �ض �ج��ة ال��ت��ي أق��ام �ت �ه��ا الحركة‬
‫الصهيونية‪ -‬عندما نشر الباحث والمفكر العالمي‬
‫المقدسي الراحل‪ ،‬إداورد سعيد‪ ،‬مذكراته عام‬
‫‪1999‬م‪ ،‬والتي تظهر حياة مدنية م��زده��رة في‬
‫ال �ق��دس‪ ،‬ك��ان سعيد وعائلته يعيشونها‪ -‬مدى‬
‫االستياء م��ن الكشف ع��ن ح��داث��ة المدينة قبل‬
‫االح� �ت�ل�ال‪ .‬وح�ي�ن�ه��ا ن �ش��رت س�ل�س�ل��ة مقاالت‪،‬‬
‫إحدى السير الذاتية القديمة نسب ّياً‪ ،‬والتي أشهرها ما نشر في مجلة «كومنتري» تدّ عي أنّ‬
‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫‪9‬‬

‫سعيد لم يكن يعيش في القدس قبل عام ‪1948‬م‪،‬‬
‫بل كان في «القاهرة»‪ ،‬وكان يزور القدس وحسب‪.‬‬
‫وق��د رد ع��دة باحثين ومؤرخين ع��رب على تلك‬
‫االدّعاءات‪ ،‬وأن من كتبوها تعمدوا إخفاء حقائق‬
‫عرفوها أثناء تحقيقاتهم‪ ،‬ومن ضمنها إخفاؤهم‬
‫تفاصيل مقابالت شخصية م��ع زم�ل�اء دراسة‬
‫لسعيد في مدارس القدس‪.‬‬

‫أوضاع اليهود في القدس القديمة بالغة البؤس‪،‬‬
‫حيث الفقر واالك�ت�ظ��اظ الهائل ف��ي المساكن‪.‬‬
‫وك ��ان كثير م��ن ه ��ؤالء ل��دي��ه م��وق��ف ض��د مبدأ‬
‫العمل‪ ،‬إذ يعتقدون أن وجودهم في القدس هو‬
‫مهمة مقدسة يبرر اعتمادهم في حياتهم على‬
‫مساعدات يهود العالم‪ .‬وحاول الثري اإلنجليزي‬
‫م��وس��ى م��ون�ت�ي�ف�ي��وري ح�ف��زه��م ل�لاع�ت�م��اد على‬
‫أنفسهم‪ ،‬فأنشأ في النصف الثاني من القرن‬
‫التاسع ع�ش��ر‪ ،‬مشاريع ح��ول ال�ق��دس القديمة‬
‫مثل مطحنة‪ ،‬وورش عمل‪ ،‬ومستوطنات زراعية‪.‬‬
‫وق��د فشل ذل��ك ك�ل��ه‪ ،‬ألن�ه��م فضلوا االستمرار‬
‫في االعتماد على الهبات‪ ،‬ولم تنجح محاوالت‬
‫مونتيفيوري إال الح�ق��ا‪ .‬وك��ان اليهود اليمنيون‬
‫السبّاقين لقبول ف�ك��رة ال �خ��روج وال�ب�ن��اء خارج‬
‫أسوار القدس‪ ،‬إذ حاولوا االستمرار في القيام‬
‫بحرف عملوا بها سابقا‪ ،‬مثل صياغة الذهب‪،‬‬
‫بينما ك��ان ال�ي�ه��ود ال�غ��رب�ي��ون ي ��رون أن قداسة‬
‫المدينة هي فقط داخل األسوار‪ ،‬مبررين بذلك‬
‫رفضهم تغيير مكان سكنهم‪ ،‬أو االشتغال بمهنة‬
‫ال لهم‪ .‬ولم يتغيّر الموقف كثيرا حتى‬
‫تحقق دخ ً‬
‫ستوضحه سطور الحقة‪.‬‬
‫ّ‬
‫اآلن‪ ،‬كما‬

‫وعلى صعيد الدراسات حول حداثة المدينة‪،‬‬
‫فإنّ من الكتب التي يشار لها كتاب حرره سليم‬
‫تماري‪ ،‬بعنوان‪« :‬القدس ‪1948‬م‪ ،‬األحياء العربية‬
‫ومصيرها في حرب ‪1948‬م»‪ ،‬وقد صدر بالعربية‬
‫عام ‪2002‬م‪ ،‬وقد أوض��ح كيف أنّ ما تجمّع من‬
‫سير ذاتية وشهادات يكشف «بشكل غير معهود لنا‬
‫في الوقت الحاضر؛ مدينة يطغى عليها الحراك‬
‫االجتماعي والتعددية اإلثنية‪ ،‬وتباينات طائفية‬
‫تعيش نهاية عصر ما قبل الحداثة‪ .‬عصبيات‬
‫محلية تتجاوز حدودها الضيقة لمصلحة اعتماد‬
‫متبادل وتضامن ح�ض��اري»‪ .‬ه��ذه المهمة التي‬
‫أخذها كتاب «تماري» على عاتقه‪ ،‬وتساعد على‬
‫فهم حداثة القدس سيتبعها كتاب سيصدر قريباً‬
‫باللغة اإلنجليزية‪ ،‬ع��ن دار نشر إنترلنك‪ ،‬من‬
‫على الصعيد العربي‪ ،‬وباالنتقال إلى المرحلة‬
‫تحرير «لينة الجيوسي» بعنوان‪« :‬إعاقة القدس‪:‬‬
‫الحداثة‪ ،‬والتحول االستعماري منذ عام ‪1917‬م الراهنة‪ ،‬فإنّه عندما احتّلت القدس عام ‪1967‬م‪،‬‬
‫وحتى اآلن»‪ ،‬ويعنى تحديدا بأوجه الحداثة في كانت نسبة العرب في المدينة بشقيها الغربي ‪-‬‬
‫الذي توسّ ع كثيرا قبل الحرب‪ ،‬والذي هُجِّ ر سكانه‬
‫الوسط العربي‪.‬‬
‫العرب بالكامل في حرب ‪1948‬م ‪ -‬والشرقي‪ ،‬هي‬
‫ال���م���ش���روع ال��ص��ه��ي��ون��ي ورف�����ض يهودي ‪ ،%25.8‬أي نحو ‪ 197‬ألف نسمة مقابل ‪%74.2‬‬
‫للحداثة‬
‫يهود (‪ 686‬ألف)‪ .‬وقد وضع الجانب اإلسرائيلي‬
‫وال�ش��ق الثاني م��ن فهم مسألة واق��ع مدينة هدفاً ‪ -‬آنذاك ‪ -‬جعل نسبة اليهود ‪.%90 -80‬‬
‫القدس وتاريخها الحديث‪ ،‬يكشف أزمة حقيقية وفي سبيل تحقيق هذه النسبة تم التضييق على‬
‫داخ��ل المجتمع ال�ي�ه��ودي ف��ي «إس��رائ �ي��ل»‪ ،‬في الفلسطينيين ومنعهم من بناء البيوت الجديدة‬
‫معاداة الحداثة‪ ،‬وهو عداء قديم مرتبط ببدايات أو توسعة وإص�ل�اح ال�ق��دي��م منها‪ ،‬مقابل بناء‬
‫ال �م �ش��روع ال�ص�ه�ي��ون��ي وال �ه �ج��رة ال�ي�ه��ودي��ة إلى سريع للبيوت لليهود‪ ،‬ومثل تحديد حرية حركة‬
‫فلسطين ف��ي ال�ق��رن التاسع عشر‪ .‬فقد كانت الفلسطينيين وإعاقة فرصهم للدراسة والعمل‬

‫‪10‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫نجحت السياسات اإلسرائيلية ف��ي إعاقة‬
‫نمو المجتمع العربي في ال�ق��دس‪ ،‬ووضعه في‬
‫أزمات خانقة في مجاالت السكن والعمل‪ ،‬وفصل‬
‫المقدسيين عن محيطهم العربي‪ ،‬خاصة بعد‬
‫بناء الجدار العازل‪ ،‬الذي أدى إلى تراجع كبير‬
‫في الحركة التجارية واالقتصادية‪ ،‬بسبب عدم‬
‫تمكن أهالي المدن والقرى المحيطة بالقدس‬
‫من دخولها للصالة أو العمل أو التسوق‪ ،‬وكل‬
‫هذا نتجت عنه مشكالت اجتماعية مثل التفكك‬
‫األسري‪ ،‬والمخدرات والسرقات وغيرها‪ ،‬ورغم‬
‫كل ذلك‪ ،‬لم تنجح إسرائيل في تقليص الوجود‬
‫العربي في المدينة‪ ،‬بل على العكس تعزز هذا‬
‫الوجود‪ ،‬من نحو ‪ %26‬عام ‪ 1967‬إلى نحو ‪%36‬‬
‫في ع��ام ‪2009‬م‪ .‬وه��ذه النسبة تعكس صموداً‬
‫فلسطينياً برفض مغادرة المدينة‪ ،‬رغم مأساوية‬
‫أوضاعهم المعيشية‪ ،‬ولكن إلى جانب هذا‪ ،‬هناك‬
‫هجرة يهودية معاكسة نشطة من القدس‪ ،‬وقد‬
‫فاق عدد اليهود الذين تركوا المدينة عدد من‬
‫ق��دم��وا إليها‪ .‬وم��ا بين عامي ‪ 1990‬و‪2005‬م‪،‬‬
‫غادر القدس (‪ )240‬ألف شخص‪ ،‬ويبلغ «العجز»‬

‫ويجري الحديث اآلن في إسرائيل عن نُذُر‬
‫«انتفاضة» تقوم بها تلك ال�ط��وائ��ف‪ .‬ووصفت‬
‫«الجارديان» الموقف والصدامات التي حصلت‬
‫هذا العام ‪2009‬م‪ ،‬بين تلك الجماعات وقوات‬
‫ال�ش��رط��ة اإلس��رائ�ي�ل�ي��ة ب��ال�ق��ول إ ّن ��ه‪« :‬وألسابيع‬
‫ضربت القدس الغربية بواسطة معارك شوارع‬
‫ُ‬
‫شرسة‪ ،‬واشتبك محتجّ ون من المتدينين اليهود‬
‫المتطرفين م��ع ال �ش��رط��ة‪ .‬م��ا أوج ��د ع ��ددا ال‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫خارج المدينة‪ ،‬وسحب هوياتهم المقدسية ألسباب‬
‫مختلفة‪ .‬ويلخص ت�ي��دي ك��ول�ي��ك‪ ،‬رئ�ي��س بلدية‬
‫القدس السابق لسنوات طويلة‪ ،‬سياسته بشأن‬
‫المدينة بقوله في مقابلة صحافية عام ‪1990‬م‪:‬‬
‫«لقد قمت بصنع إنجاز ما للقدس اليهودية خالل‬
‫الخمسة والعشرين عاماً الماضية‪ .‬أما القدس‬
‫الشرقية‪ ،‬فال شيء! ممرات وأرصفة؟ ال شيء‪.‬‬
‫مؤسسات ثقافية لم أبن حتى واحدة! في الواقع‬
‫صحيح أننا أنشأنا نظام مجاري وحسَّ نا شبكات‬
‫المياه‪ .‬ولكن هل تعرف لماذا؟ هل تعتقد أن ذلك‬
‫ك��ان ألجلهم وألج��ل مصلحتهم؟ ال‪ ،‬إن��س هذا‪.‬‬
‫لقد كانت هناك ح��االت كوليرا‪ ،‬وخ��اف اليهود‬
‫من العدوى‪ ،‬لذا أنشأنا نظام المجاري والمياه‬
‫لمواجهة الكوليرا»‪.‬‬

‫بين من قدم للمدينة وخرج منها في هذه الفترة‬
‫(‪ )93700‬شخص غالبيتهم العظمى يهود‪ ،‬لم‬
‫يعودوا يطيقون نمط حياة الطوائف اليهودية التي‬
‫تعرف بـ «األورثوذكسية» أو «األصولية اليهودية»‪،‬‬
‫ال‬
‫ومحاوالتهم ف��رض نمط حياتهم قسراً‪ ،‬فض ً‬
‫عن ضعف فرص العمل في المدينة‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪11‬‬

‫يحصى م��ن اإلص��اب��ات‪ ،‬وع �ش��رات االعتقاالت فكرة الحداثة بالمطلق‪ ،‬ويصرون على مكاسب‬
‫وتخريب‪ .»..‬وتوضح الصحيفة أنّ الصدامات خ��اص��ة ل �ه��م م �ق��اب��ل ط��اع��ة ال �ق��ان��ون والنظام‬
‫ب��دأت بسبب فتح حديقة ع��ام��ة أ ّي ��ام السبت‪ .‬اإلسرائيليين‪.‬‬
‫وبحسب الصحيفة ف��إنّ «القطاع األرثوذكسي‬
‫المغاربة ورحالتهم للقدس‬
‫المتطرف (الحريدي)‪ ،‬يشكل نحو نصف سكان‬
‫(‪)2‬‬
‫> د‪ .‬مهند مبيضني‬
‫القدس اليهود‪ .‬والصدامات تأتي على خلفيّة‬
‫ارتبط تاريخ المغاربة‬
‫النمو السريع‪ ،‬للسكان الحريديين منخفضي‬
‫بالقدس والخليل منذ‬
‫الدخل‪ ،‬وسيطرتهم على المدينة تدريجيّا‪.‬‬
‫وق��ت طويل‪ ،‬وشدتهم‬
‫وق�ب��ل س �ن��وات‪ ،‬وت�ح��دي��دا ع��ام ‪2003‬م‪ ،‬قال‬
‫أواص � ��ر ال��رح �ل��ة إلى‬
‫مراسل «األسشويتدبرس» في الموضوع ذاته‪ :‬القدس والخليل بقدر‬
‫“إذا م��ا اس�ت�م��رت االت �ج��اه��ات الديموجرافية ما شدتهم إلى الحجاز‬
‫الحالية‪ ،‬فإنّ نصف سكان القدس خالل عقدين ال �ش��ري��ف‪ ،‬وك���ان ج ّل‬
‫سيكونون عرباً‪ .‬وسيكون النصف اليهودي من ح� �ج ��اج� �ه ��م ي� �م���رون‬
‫المسنين وغالباً من المتدينين‪ .‬أما العلمانيون بالقدس والخليل عند‬
‫والمتدينون الوطنيون‪ ،‬فسيعيشون أقليات في مقفلهم من الحج‪ ،‬لينعموا برؤية مسرى الرسول‬
‫أح�ي��اء معزولة جنوب المدينة‪ .‬وسيبدي عدد الكريم [‪.‬‬
‫قليل من اإلسرائيليين استعداداً للتضحية لتأكيد‬
‫ودأب المغاربة على الرحلة للشرق بوصفه‬
‫تماسك القدس بوجه الضغط العربي»‪.‬‬
‫جزءاً من ثقافة وحالة «سسيوثقافية» فأشهر ما‬
‫وت�ق��دم الصحافة اإلسرائيلية ص��ورة بالغة ُع��رف من الرحالة العرب كان منهم‪ ،‬وقد أفلح‬
‫القتامة ع��ن ال��وض��ع ف��ي ال �ق��دس‪ ،‬فمث ً‬
‫ال تنشر المغاربة في إنتاج أدب رحالت عن الديار التي‬
‫تقارير صحفية فيها ع �ب��ارات‪ ،‬مثل‪« :‬القمامة كانوا يزورونها‪ ،‬فمثلت رحالتهم وثيقة معاصرة‬
‫واألوساخ تمأل شوارعنا»‪ ،‬أو «ينتشر الفقر عبر عن وصف حال البلدان التي كانوا يفدون إليها‪،‬‬
‫األح�ي��اء مثل الطاعون‪ ،‬ويستمر نزيف العقول وعدوا الرحلة ألجل طلب العمل تطبيقا لقاعدة‬
‫إلى تل أبيب والضواحي»‪( .‬جيروزالم بوست ‪ 22‬من قواعد المعرفة في اإلسالم‪.‬‬
‫يونيو ‪2005‬م)‪.‬‬
‫والمحصلة النهائية ألوضاع القدس‪ ،‬أنّه إذا‬
‫ّ‬
‫كان الطرف اإلسرائيلي استطاع التضييق على‬
‫الفلسطينيين‪ ،‬وم �ح��ارب��ة ال��وج��ود ال�ع��رب��ي في‬
‫المدينة‪ ،‬فإنّه لم يوجد سوى مدينة ذات واقع‬
‫مشوه‪ ،‬أبعد ما يكون عن تصور أصحاب المشروع‬
‫الصهيوني األوائل؛ فالمدينة نقطة صراع يهودي‬
‫داخلي‪ ،‬وتعاني الكثير من المشكالت االقتصادية‬
‫واالجتماعية‪ ،‬وغالبية سكانها اليهود يرفضون‬

‫‪12‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫الطيار العثماني أنور بيك عند هبوطه بالقدس ‪1915‬م‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫أجيال من الرحالة‬
‫ب ��رع ف��ي ال��رح �ل��ة م��ن ال �م �غ��ارب��ة م��ا ال يعد‬
‫وال يحصى م��ن ال�ح�ج��اج والمثقفين واألدب���اء‬
‫والمؤرخين‪ ،‬منهم أحمد بن محمد بن عبدربه‬
‫(ت‪328 :‬ه�ـ‪940/‬م)‪ ،‬وأبو عبيدالله البكري (ت‪:‬‬
‫‪447‬ه � � �ـ‪1094/‬م)‪ ،‬ومحمد ب��ن جبير القرطبي‬
‫البلنسي (ت‪614 :‬ه�� �ـ‪1217/‬م)‪ ،‬وق��د وق��ف ابن‬
‫جبير عند وصف المسجد األقصى‪ ،‬وقال عنه‪:‬‬
‫«وطول مسجد بيت المقدس أربعمائة وخمسون‬
‫ذراع��ا وس��واري��ه أربعمائة وأرب��ع عشرة سارية‪،‬‬
‫وقناديله خمسمائة‪ ،‬وأبوابه خمسون بابا‪.»..‬‬
‫أم ��ا ال��رح��ال��ة اإلم� ��ام ع�ب��دال�ل��ه ب��ن العربي‪،‬‬
‫ال � ��ذي رح� ��ل إل� ��ى ال� �ق ��دس ف ��ي ع �ه��د الدولة‬
‫المرابطية‪ ،‬وصحبه ولده القاضي أبو بكر سنة‬
‫‪485‬ه��ـ‪1092/‬م‪ ،‬في سفارة للخليفة المستظهر‬
‫العباسي من قبل السلطان يوسف بن تاشفين‪،‬‬
‫ك �م��ا ي� ��روي ال �ع�لام��ة اب ��ن خ �ل��دون ف��ي تاريخه‬
‫الشهير (المجلد ال�س��ادس ص‪ ،38‬دار الكتاب‬
‫اللبناني)‪ ،‬فقد وصل القدس‪..‬وكان فيها اإلمام‬
‫أبو بكر الطرطوشي الفهري‪ ،‬الذي يُعد من كبار‬
‫علماء المالكية باألندلس‪ ،‬وصاحب كتاب سراج‬
‫الملوك‪ ..‬قائال‪« :‬تذاكرت بالمسجد األقصى مع‬
‫شيخنا أبي بكر الفهري الطرطوشي في حديث‬
‫أبي ثعلبة‪..‬إن من ورائكم أياما للعامل فيها أجر‬
‫خمسين م�ن�ك��م»‪ .‬وع��ن بيت ال�م�ق��دس ق��ال ابن‬
‫العربي «شاهدت المائدة بطور زيتا مرارا‪ ،‬وأكلت‬
‫عليها ليال ون �ه��ارا‪ ،‬وذك ��رت الله سبحانه فيها‬
‫سرا وجهرا‪ ،‬وكانت صخرة صلداء‪..‬ال تؤثر فيها‬
‫المعاول‪ ،‬وكان الناس يقولون‪ :‬مسخت صخرة‪..‬‬
‫وال��ذي عندي أنها صخرة في األص��ل‪ ،‬وقطعت‬
‫من األرض محال للمائدة النازلة من السماء‪،‬‬
‫وكل ما حولها من السماء‪ ،‬وكل ما حولها حجارة‬
‫مثلها‪.»..‬‬

‫المغاربة بالقدس ‪1884‬م‬

‫مجموعة من المغاربة بالقدس‬

‫صخرة بيت المقدس‬
‫ويظهر أن صخرة بيت المقدس كانت محل‬
‫اهتمام المؤرخين والرحالة العرب والمسلمين‪،‬‬
‫والمغاربة ج��زء منهم‪ ،‬لذلك استقر ج��زء كبير‬
‫م��ن ال��رح��ال��ة وال �ح �ج��اج ال �م �غ��ارب��ة ق ��رب هذه‬
‫الصخرة‪ .‬وق��د نشأ بالقرب منها ح��ارة قديمة‬
‫سميت باسمهم «ح��ارة المغاربة»‪ ،‬وكذلك سمي‬
‫الباب الذي يطل من هذه الحارة على الصخرة‬
‫باسم باب المغاربة‪ .‬وألهمية هذه الصخرة فقد‬
‫ال في كتابه «تاريخ بيت‬
‫أفرد لها ابن الجوزي مث ً‬
‫ال�م�ق��دس»‪ ،‬فصال ب�ع�ن��وان‪« :‬ف��ي ذك��ر الصخرة‬
‫وأنها من الجنة»‪ ،‬ومما جاء فيه‪« :‬عن رافع أن‬
‫عمر المزني ] ق��ال‪ :‬سمعت رس��ول الله [‬
‫يقول‪( :‬الصخرة من الجنة)‪ .‬وعن علي بن أبي‬
‫طالب ] ق��ال‪ :‬سمعت رس��ول الله [ يقول‪:‬‬
‫(سيد البقاع بيت المقدس)‪.‬‬
‫وفي حديث عن ابن عباس ]‪ ،‬قال‪ :‬صخرة‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪13‬‬

‫ب�ي��ت ال�م�ق��دس م��ن ص �خ��ور ال�ج�ن��ة‪ .‬وع��ن كعب بيت المقدس أرب�ع��ة أن�ه��ار م��ن الجنة‪ :‬سيحان‬
‫أن الكعبة ب��ازاً عنه البيت المعمور في السماء وجيحان والنيل والفرات»‪.‬‬
‫السابعة ال��ذي تحجه المالئكة‪ ،‬ل��و وقعت منه‬
‫ويمضي ال��رح��ال��ة ال�م�غ��ارب��ة شغوفين ببيت‬
‫أحجار وقعت على الكعبة‪ ،‬وأن الجنة من السماء المقدس‪ ،‬فهذا رحالة من عهد الدولة الموحديه‬
‫السابعة ب��ازاً بيت المقدس‪ ،‬لو وقع منها حجر اسمه الشريف اإلدريسي (ت‪560 :‬هـ‪1164/‬م)‬
‫لوقع على الصخرة‪ .‬وعن دهب قال‪ :‬يقول الله في رحلته «نزهة المشتاق في اختراق اآلفاق»‬
‫تعالى ف��ي ال�ح��دي��ث ال�ق��دس��ي‪« :‬ال�ص�خ��رة بيت ي��ق��ارن ال �م �س �ج��د األق��ص��ى ب�م�س�ج��د قرطبة‪.‬‬
‫المقدس فيك جنتي وناري وفيك جزائي وعقابي وتحدث في رحلته عن الكنيسة الكبيرة الشهيرة‬
‫فطوبى لمن زارك»‪.‬‬
‫بكنيسة القيامة ويسميها المسلمون «قمامة»‬
‫وع��ن ع �ب��ادة ب��ن ال�ص��ام��ت ق ��ال‪ :‬ق��ال رسول‬
‫ال �ل��ه [‪( :‬ص �خ��رة ب�ي��ت ال�م�ق��دس ع�ل��ى نخلة‪،‬‬
‫والنخلة على نهر من أنهار الجنة‪ ،‬وتحت النخلة‬
‫آسية ام��رأة فرعون ومريم بنت عمران ينظمان‬
‫سموطا‪/‬سماطا ألهل الجنة إلى يوم القيامة»‪.‬‬
‫وعن أبي هريرة ] عن النبي [ قال‪( :‬األنهار‬
‫كلها والرياح من تحت صخرة بيت المقدس)‪.‬‬

‫وتختلف الروايات حول الصخرة‪ ،‬إذ ينقل ابن‬
‫الجوزي عن أبي بن كعب أنه ق��ال‪« :‬ما من ماء‬
‫عذب إال يخرج من تحت صخرة بيت المقدس‪.‬‬
‫وعن نوفل البكالي قال‪ :‬يخرج من تحت صخرة‬

‫وه��ي الكنيسة المحجوج إليها م��ن جميع بالد‬
‫ال ��روم م��ن جهة ال�ش�م��ال ي�ن��زل منه إل��ى أسفل‬
‫الكنيسة على ثالثين درجة‪ ،‬ويسمى هذا الباب‬
‫ب��اب «شنت م��ري��ة»‪ ..‬وإذا خرجت من الكنيسة‬
‫العظمى وقصدت شرقا ألفيت البيت المقدس‪..‬‬
‫فكان معظما في ملك المسلمين‪ ،‬وهو المسجد‬
‫المسمى بالمسجد األق�ص��ى ال�ي��وم‪ ،‬وليس في‬
‫األرض م�س�ج��د ع�ل��ى ق���دره إال ال �ج��ام��ع الذي‬
‫بقرطبة من دي��ار األندلس‪ ،‬وفي وسط الجامع‬
‫قبة عظيمة تعرف بقبة الصخرة‪ ،‬وه��ذه القبة‬
‫مرصعة بالفص المذهب واألعمال الحسنة من‬
‫بناء خلفاء المسلمين‪.».‬‬
‫واإلدري�س��ي يفصل في وصفه للقدس ولقبة‬
‫الصخرة «ول �ه��ذه القبة أرب�ع��ة أب���واب‪ ..‬وتخرج‬
‫م��ن ه��ذا المسجد شرقا فتصل ب��اب الرحمة؛‬
‫وبالقرب من هذا الباب باب آخر مفتوح يعرف‬
‫بباب األسباط‪ ،‬وإذا خرجت من باب األسباط‬
‫تجد كنيسة كبيرة حسنة جدا على اسم السيدة‬
‫مريم»‪.‬‬

‫نساء من القدس ‪1882‬م‬

‫‪14‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫واعتمادًا على هذه المعطيات الطبوغرافية‬
‫والثقافية واالجتماعية‪ ،‬ق��دم لنا أدب الرحلة‬
‫اإلسالمي من جهة مغاربية‪ ..‬صورة مفصلة عن‬
‫حال القدس في أزمنة متتالية‪ ،‬وقد أسهم في‬
‫تكاثر هذا النوع من األدب أن الدعوة إلى زيارة‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫ال � ُق �دْس وال�ت�ب�رّك بمقدساتها‪ ،‬كانت ج��زءاً من‬
‫طريق اإليمان المغربي التي كانت تنتهي بالحاج‬
‫المغربي إلى مكة والمدينة المنورة‪.‬‬

‫الرحالة السفير الوزير ابن عثمان المكناسي‬
‫م��ن ب�ي��ن ال��رح�ل�ات ال�م�غ��ارب�ي��ة ال�م�ه�م��ة في‬
‫التاريخ الثقافي لمدينة القدس رحلة ابن عثمان‬
‫ال�م�ك�ن��اس��ي (ت‪1214 :‬ه�� � � �ـ‪1800/‬م) المسماة‬
‫«إحراز المعلى والرقيب في حج بيت الله الحرام‬
‫وزي��ارة القدس الشريف والخليل والتبرك بقبر‬
‫الحبيب»‪ .‬وقد نشرها وحققها المحقق العالم‬
‫المغربي ع�ب��دال��وه��اب ال �ت��ازي‪ ،‬ون�ش��ره��ا للمرة‬
‫األول���ى ع��ام ‪1997‬م ع��ن المنظمة اإلسالمية‬
‫للتربية والعلوم والثقافة‪ ،‬وعاد في عام ‪2005‬م‬
‫ونشرها في طبعة مزيدة ومنقحة وقد سرد علينا‬
‫ال�ت��ازي في مقدمة ه��ذا العمل أسماء عشرات‬
‫ممن عرجوا على زيارة البيت المقدس والخليل؛‬
‫ومنهم ‪ -‬إلى جانب من أشرنا إليهم أعاله ‪ -‬أبو‬
‫عبدالله محمد المكناسي‪ ،‬والعبدري الحيحي‪،‬‬
‫وابن بطوطة‪ ،‬وابن خلدون‪ ،‬وابن األزرق الغرناكي‬
‫المالقي‪ ،‬وأب��و العباس المقري ص��اح��ب «نفح‬
‫الطيب»‪ ،‬وأبو سالم العياشي‪.‬‬

‫زيارة االمبراطور األلماني غيليوم للقدس ‪1898‬م‬

‫ال��ذي حمله على زي��ارة إسبانيا‪ ،‬وو ّث��ق سفاراته‬
‫في كتابه الموسوم‪« :‬البدر السافر في افتكاك‬
‫األسارى من يد العد ّو الكافر»‪.‬‬

‫أ ّم� ��ا رح �ل �ت��ه ال �ث��ال �ث��ة ف �ك��ان��ت أوائ�� ��ل العام‬
‫‪1200‬ه�� � �ـ‪1785/‬م‪ ،‬وات �ج��ه ب��داي��ة إل��ى األستانة‬
‫مكلّفًا بمهمة إبالغ السلطان عبدالحميد خان‪،‬‬
‫بأنّ إسماعيل أفندي‪ ،‬المبعوث التركي للسلطان‬
‫محمد بن عبدالله الثالث غير مرغوب فيه‪ ،‬ذلك‬
‫ألنّ هذا السفير قدم إلى المغرب في أمر يتعلق‬
‫ب��األت��راك التابعين للجزائر‪ ،‬وت �ص �رّف تص ّرفًا‬
‫غير مقبول‪ ،‬فأصدر السلطان أمرًا بطرده‪ .‬وقد‬
‫أتاحت له هذه السفارة أداء مناسك الحج‪ ،‬ودوّن‬
‫رحلته في كتابه‪« :‬إحراز المعلّى والرقيب في حج‬
‫بيت الله الحرام وزيارة القدس الشريف والتبرك‬
‫عُرف عن ابن عثمان محمد بن عبدالوهاب بقبر الحيب»‪.‬‬
‫ال�م�ك�ن��اس��ي (ت ‪1214‬ه� � � � � �ـ‪1800/‬م)‪ ،‬أن ��ه ولد‬
‫معطيات الرحلة‬
‫ب�م�ك�ن��اس��ة ال��زي��ت��ون م ��ن ال��م��غ��رب‪ ،‬وك� ��ان عام‬
‫وي ��رى ال �ت��ازي ‪ -‬محقق ال��رح�ل��ة ‪ -‬أن هذه‬
‫‪1193‬هـ‪1779/‬سفيرًا لسلطان المغرب محمد‬
‫ابن عبدالله (الثالث) لدى ملك إسبانيا كارلوس الرحلة فيها عدة ميزات على غيرها من رحالت‬
‫الثالث‪ ،‬مكلّفًا بالسعي لإلفراج عن ع��دد كبير المغاربة؛ فأوال‪ ،‬بها سفير معروف بتجربته في‬
‫م��ن األت���راك التابعين ل��والي��ة ال�ج��زائ��ر وتونس ال �س �ف��ارات وال��رح�لات وت �ح��ري ال��دق��ة؛ وثانياً‪،‬‬
‫وطرابلس وسائر بالد المشرق‪َ ،‬فو ُِفّق في مسعاه‪ ،‬تصادف تاريخا مهماً وهو العام ‪1202‬هـ‪1788/‬م‪،‬‬
‫وضمّ‪ ،‬سفارته تلك في كتابه‪« :‬اإلكسير في فكاك وال ��ذي يعد ب��داي��ة ال �ص��راع وال�ت�ن��اف��س الغربي‬
‫الحديث على رع��اي��ة ش��ؤون األق�ل�ي��ات؛ وثالثاً‪،‬‬
‫األسير»‪.‬‬
‫حوت الرحلة معلومات أشبه بتقارير عن سلوك‬
‫وج��اءت سفارته الثانية إل��ى مالطة ونابولي‬
‫بعض الموظفين في الغدارة العثمانية‪ ،‬كما أن‬
‫أواخ ��ر ال�ع��ام ‪1195‬ه� �ـ ‪1781/‬م للغرض نفسه‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪15‬‬

‫بشكل دقيق‪« ،‬وللمدينة السور الحصين‪ ،‬مبني‬
‫من الحجارة في غاية اإلتقان‪ ،‬واألبواب الحصينة‬
‫الغلق‪ ،‬فعدد األب��واب ستة‪ »..‬ويذكر بتاريخ كل‬
‫باب‪ ،‬ويعدد أوقافه‪ ،‬ويقدم وصفا دقيقا عقالنيا‬
‫للمسجد األق �ص��ى وق�ب��ة ال�ص�خ��رة‪ ،‬المشرفة‪،‬‬
‫ويالحظ عليه أنه لم يكن يصدق كل ما يسمع‬
‫فيقول‪« :‬ثم صعدنا المدارج التي انحدرنا منها‪،‬‬
‫الرحلة المكناسية تقدم لنا معلومات دقيقة عن ف��أرون��ا طرفا م��ن الصخرة ممتدا شيئا منه‪..‬‬
‫عدد السكان والحياة الدينية في القدس‪ ،‬إبان يقولون إن��ه لسان الصخرة وال أص��ل ل��ه‪ ،‬وإنما‬
‫القرنين الثامن عشر والتاسع عشر‪.‬‬
‫ذلك من موضوعات المزورين»‪.‬‬
‫محطة ابن عثمان األول��ى قبل القدس كانت‬
‫ويعنى ابن عثمان ‪ -‬كغيره من الرحالة المغاربة‬
‫مدينة عكا‪ ،‬وعنها ي��روي كيف دخ��ل حمامها‪،‬‬
‫ باآلثار المقدسة والروحانيات؛ فيصف لنا جوالته‬‫ويصف لنا أجواء الحمام (ص‪ ،)55‬و«لما خرجت‬
‫وزياراته للقبور واألضرحة والمقامات‪ ،‬ومن بين ما‬
‫من الحمام وقعدت في إحدى مصاطبه أتي إليّ‬
‫زار‪ ،‬يقول‪« :‬مررنا على قبر راحيل أم يوسف عليه‬
‫بالقهوة» ويبدو أنه أعجب بقيّم الحمام وخادمه‬
‫السالم على يمين الطريق بينها وبين القدس نحو‬
‫لما عرض عليه القهوة فانشد قائال‪:‬‬
‫ساعة‪ ،‬ثم على قرية بيت لحم‪ ،‬وفيها المكان الذي‬
‫لم أنس عكة إذ جعلتها مأرب ـ ــي‬
‫يوم دخلت إلى حمامها المعجب ازداد فيه نبي الله وكلمته عيسى ابن مريم‪ ..‬ثم‬
‫تمادينا في المسير‪ ..‬فواجهتنا تربة يونس بن متى‬
‫إذ قال ظبيبه‪ :‬أسقيك قهوتنا؟‬
‫فقلت‪ :‬كال إني لس ـ ــت بالشارب صاحب الحوت‪ ..‬وفي مقابلة ضريح أم األنبياء‬
‫س��ارة زوج��ة إبراهيم ضريح سيدنا إبراهيم عن‬
‫ف����ق����ال‪ :‬أو ِم�����ن ش�������راب ح�ل�ا؟‬
‫قلت‪ :‬إن كان وال بدّ من لماك شـ ــارب يمين الداخل وزوجته أمامه‪ ..‬الخ‪.‬‬
‫وعندما دخل القدس أشار إلى أوقاف المغاربة‬
‫ف�ي�ه��ا‪ ،‬وق���ال‪ :‬ع�ي��ن عليها وك�ي�لا ول�ه��ا أوقاف»‬
‫ويالحظ التازي أن من بين مصادر ابن عثمان‬
‫ع��ن ارض ال�ق��دس ك�ت��اب ال��زي��ارات ألب��ي حسن‬
‫الهروي‪ ،‬كما ال يشير إلى إنشاءات العثمانيين‬
‫العمرانية في القدس‪ ،‬ويكتب عن تاريخ القدس‬
‫والخليل بإسهاب كبير‪.‬‬
‫والجانب االجتماعي كان حاضرا في الرحلة‪،‬‬
‫فالمكناسي يبدو معجبا بأهل القدس وأخالقهم‪،‬‬
‫وأريحيتهم‪ ،‬ومؤانستهم للغريب‪ ،‬وحبهم للعلم‪،‬‬
‫وعنايتهم بالضيف‪ ،‬كما يصف عمران المدينة‬

‫‪16‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫ويبدو أن الحديث عن القدس وعن المسجد‬
‫األقصى يتخذ عند الرحالة المغاربة بعدا دينيا‬
‫واض �ح��ا‪ ،‬ل�ه��ذا يجد المطالع لنص ال��رح�ل��ة أن‬
‫المواضع المقدسة تحظى بأهمية دينية‪ ،‬خاصة‬
‫كما يرى الباحث د الحسن الغشتول‪ ..‬إذ يقول‪:‬‬
‫«وتلك مزية نراها في رحلة ابن عثمان المكناسي‬
‫إلى القدس التي اختلفت عن رحلته إلى القسط‬
‫كما‪ ..‬فمن المحقق أن ابن عثمان قد اعتمد في‬
‫روايته للقدس وصفا خاصا «يعكس البعد الروحيَّ‬
‫لهذه المدينة‪ ،‬كما يعكس لنا ميول المؤلف الروحية‬
‫وتقواه ومعرفته الواسعة بالعلوم الدينية»‪.‬‬

‫أص��ل مسمى ال�م��دي�ن��ة ج��اء م��ن أق ��دم اسم‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫للقدس‪ ،‬والذي وضعه سكانها العرب الكنعانيون‬
‫األوائ��ل‪ ،‬منسوبة إلى سالم أو شالم شاليم‪ ،‬إله‬
‫السالم عند الكنعانيين‪ ،‬أو اسم مؤسسها‪ ،‬فكلمة‬
‫«أور» كلمة س��وم��ري��ة معناها م��دي�ن��ة‪ ،‬وذكرها‬
‫األك ��ادي ��ون ب��اس��م «أوروس ��ال ��م» ‪،Uru salim‬‬
‫ولقد ن��زل األك��ادي��ون م��ن الجزيرة العربية إلى‬
‫ال�ع��راق ف��ي نهاية األل��ف الرابعة قبل الميالد‪.‬‬
‫وف���ي ن �ق��ش م �ص��ري ق��دي��م ي��رج��ع إل���ى القرن‬
‫القدس ‪ -‬المصلى المرواني ‪1898‬م‬
‫جماليات وخصائص العمارة المقدسية ال�ت��اس��ع عشر قبل ال�م�ي�لاد‪ ،‬ورد اس��م القدس‬
‫هكذا «‪ ،»Aushamem‬وف��ي ال�ت��وراة وردت كلمة‬
‫منشأ طابعها ورسوخ طرازها‬
‫> خالد ربيع السيد(‪ )3‬أورشليم‪ ،‬وتلفظ بالعبرية «يروشااليم»‪ .‬وذكرها‬
‫اليونان والالتين باسم «‪ .»Hierosolyma‬وذكرها‬
‫مدينة القدس مدينة‬
‫الغرب في العصر الحديث باسم «‪.»Jerusalem‬‬
‫غ � �ن � �ي� ��ة ب� �ع� �م ��ران� �ه ��ا‬
‫وك��ل ه��ذه التحريفات ج��اءت م��ن االس��م األول‬
‫المتميز‪ ،‬ال سيما تلك‬
‫الكنعاني ال�ع��رب��ي «أورس ��ال ��م» (ب �ي��ت المقدس‬
‫ال� �م� �ب ��ان ��ي ال � �ت� ��ي تم‬
‫والمسجد األقصى ‪ -‬دراس��ة تاريخية موثقة ‪-‬‬
‫إشادتها ف��ي العصور‬
‫محمد محمد حسن شـُرّاب)؛ أما اسمها العربي‬
‫اإلسالمية‪ .‬ومنها ذلك‬
‫ال��روم��ان��ي – البيزنطي فهو (إي�ل�ي��ا)‪ ،‬ث��م أطلق‬
‫العمران ال��ذي يشكل‬
‫عليها اسم بيت المقدس والقدس‪ .‬وترجع أهمية‬
‫ال��ب��ي��ئ��ة العمرانية‬
‫القدس ومكانتها اإلسالمية‪ ،‬بعد حادثة اإلسراء‬
‫ال� �م� �ح� �ي� �ط ��ة بالحرم‬
‫والمعراج‪ ،‬وما ورد فيها من آيات القرآن الكريم‬
‫المقدسي‪ ،‬والذي يعد القاعدة التاريخية للعمارة‬
‫واألحاديث النبوية الشريفة‪ ،‬واتخـاذ القدس أولى‬
‫اإلسالمية في بيت المقدس‪.‬‬
‫القبلتين‪ ،‬بداية اهتمام المسلمين بهذه البقعة‬
‫وصلة العرب بالقدس لم تبدأ باإلسالم ‪ -‬كما التاريخية من بيت المقدس‪ .‬فُتحت المدينة من‬
‫يُظن ‪ ،-‬وإنما هي مدينة عربية المنشأ‪ ،‬فقد قبل المسلمين العرب عام ‪638‬م‪ ،‬وكانت لزيارة‬
‫سكنها اليبوسيون منذ أق��دم العصور‪ ،‬وهم من‬
‫قبيلة يبوس المنحدرة من الكنعانيين‪ ،‬والكنعانيون‬
‫فرع من الساميين النازحين من الجزيرة العربية‪.‬‬
‫وق��د بنيت المدينة نحو سنة ‪3000‬ق‪.‬م‪ .‬وهذا‬
‫التأريخ يعد بداية تسجيل التاريخ‪ ،‬إذ أن اختراع‬
‫الكتابة قد ب��دأ في ح��دود ع��ام ‪ 3500‬ق‪.‬م‪ ،‬ما‬
‫ي��دل على ق��دم القدس التاريخي وعمق أصلها‬
‫العربي‪.‬‬
‫حائط البراق‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪17‬‬

‫الخليفة عمر بن الخطاب ] أهمية خاصة‪،‬‬
‫إذ تسلم المدينة م��ن بطريركها األرثوذكسي‬
‫صفر وينس الدمشقي‪ ،‬بعد أن أبرم معه اتفاق‬
‫(العهدة العمرية) الذي ينص على ضمانات دينية‬
‫واجتماعية لسكان المدينة‪.‬‬

‫مخططها مسجد ال��رس��ول األول ف��ي المدينة‬
‫المنورة والمؤلف من حرم وصحن‪ .‬ولم يبق من‬
‫المسجد األقصى الذي أقامه األمويون إال بعض‬
‫العناصر‪ ،‬كما أن المؤرخين لم يقدموا وصفًا‬
‫شافيًا لعمارة هذا المسجد األول‪.‬‬

‫وت�ش�ك��ل ع �م��ارة ال�م�س�ج��د األق��ص��ى‪ ،‬القلب‬
‫ال�ع�م��ران��ي لمدينة ال �ق��دس ال�ق��دي�م��ة المحاط‬
‫بسورها وأب��واب�ه��ا الحصينة‪ ،‬بما فيها مساحة‬
‫الحرم الشريف التي تضم الجامع القبلي‪ ،‬والذي‬
‫سمي فيما بعد بالمسجد األقصى‪ ،‬نسبة لبعده‬
‫وقصيه ع��ن ال�ح��رم المكي ال�ش��ري��ف‪ ..‬وم��ا قبة‬
‫الصخرة‪ ،‬والمصلى المرواني‪ ،‬وحائط البراق‪،‬‬
‫ال�ت��ي تبينها المخططات ال�م�ع�م��اري��ة والصور‬
‫الفوتوغرافية إال شواهد على قداسة هذه البقعة‬
‫التي لها عدة مداخل‪ .‬فللحرم القدسي مداخل‬
‫رمزية مؤلفة من أقواس وأعمدة أطلق عليها اسم‬
‫الميازين‪ ،‬إضافة إلى الكثير من المنشآت التي‬
‫تعود إلى عهود إسالمية مختلفة‪ .،‬كما تدل اآلثار‬
‫المعمارية ضمن األس��وار في القدس القديمة‪،‬‬
‫على طرز المعمار في العهود المختلفة‪ ،‬وتمثل‬
‫م ��ا ي�ه�م�ن��ا ه ��و م �ع��رف��ة ال �س �ب��ب ال� ��ذي دعا‬
‫جميع ال�ع�ه��ود ال�ت��ي تعاقبت على ال �ق��دس بعد‬
‫المعماريين‪ ،‬رج��اء ب��ن حياة الكندي وي��زي��د بن‬
‫اإلسالم‪.‬‬
‫سالم‪ ،‬إلى اختيار هذا الشكل الثماني لبناء آبدة‬
‫غير أن المساجد التي أش��رف على بنائها‬
‫تكريمية تحتضن الصخرة المقدسة كبناء تعبدي‪،‬‬
‫الوليد بن عبدالملك‪ ،‬وه��ي األق�ص��ى‪ ،‬واألموي‬
‫ومسجداً أو قبل ًة لصالة المسلمين‪.‬‬
‫في دمشق‪ ،‬ومسجد حلب‪ ،‬ومسجد الرسول [‬
‫لقد وصلت قبة الصخرة إلى أقصى حدود‬
‫في المدينة‪ ،‬كانت متشابهة البناء‪ ،‬وكان مصدر‬
‫الكمال المعماري‪ ،‬كما يشهد بذلك ماكس فان‬
‫برشيم ال��ذي درس القبة دراس��ة متعمقة‪ ،‬وكما‬
‫تشهد اب�ن�ت��ه م��ارغ��ري��ت ع�ل��ى روع ��ة الزخارف‬
‫الفسيفسائية ف��ي ه ��ذه ال �ق �ب��ة‪ ،‬ال �ت��ي أضحت‬
‫ف��ي أهميتها تمثل رم� �زًا إس�لام� ًي��ا بعد الكعبة‬
‫المشرفة‪ ،‬لتبدو في احتوائها على معان قدسية‬
‫رسّ خت أسس الفكر المعماري اإلسالمي‪ ،‬وكانت‬
‫المسجد األقصى‬
‫ال يقتدى به في العمارة الالحقة‪.‬‬
‫أص ً‬
‫ال أمام قبة الصخرة‬
‫وال بد من الوقوف طوي ً‬
‫للتأمل في جمالياتها‪ ،‬ه��ذه اآلي��ة الرائعة التي‬
‫قال عنها المؤرخ بوركهارت‪« :‬إن إشادة بناء بهذا‬
‫ال‬
‫المستوى من الكمال واإلتقان الفني‪ ،‬يعتبر عم ً‬
‫خارقًا في دولة اإلسالم التي لم يكن قد مضى‬
‫على ظهورها ق��رن واح��د»‪ .‬ولقد توسعت كتب‬
‫تاريخ العمارة اإلسالمية في وصف تفاصيل هذه‬
‫القبة‪ ،‬وأه��م ما يثير االهتمام في بنائها‪ ،‬ذلك‬
‫المخطط الثُمانيّ ال��ذي قامت عليه‪ ،‬والسؤال‬
‫ال��ذي ما ب��رح منطرحا ه��و‪ :‬ما مصدر استلهام‬
‫هذا المخطط الثماني؟ ولماذا قام بشكل متفرد‬
‫على مخطط ثماني مخالفًا لشروط المسجد‬
‫التي وضعها ال��رس��ول [ عند بنائه المسجد‬
‫األول في المدينة المنورة؟‬

‫‪18‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫مدارس القدس التعليمية وأثرها في‬
‫الطراز املقدسي‬
‫إن أكثر المباني اإلسالمية في القدس وضوحاً‬
‫هي ال�م��دارس التعليمية‪ .‬ويذكر المؤرخون أن‬
‫عدد المدارس والزوايا في القدس خالل القرن‬
‫الحادي عشر الهجري بلغ (‪ )630‬مدرسة‪ ،‬ومن‬
‫أقدمها المدرسة المنصورية التي أنشأها الملك‬
‫المنصور قالوون‪ ،‬ويتضمن بناؤها أربعة أواوين‬
‫لتدريس الفقه حسب المذهب الحنفي والشافعي‬
‫والحنبلي والمالكي‪ ،‬وكان اإلي��وان القبلي حرما‬
‫للصالة‪ ،‬ومدرسة لتدريس المذهب الشافعي‪.‬‬
‫وبشكل عام‪ ،‬تمتاز عمارة المدارس في القدس‬
‫بالفناء ذي ال �ب��رك المائية ال�ت��ي ت�ش��رف عليه‬
‫األواوي��ن والغرف‪ ،‬أما الواجهة التي يُدخل منها‬
‫إلى المدرسة‪ ،‬فهي من ميزات العمارة المملوكية‪،‬‬
‫رغم أن المدارس المملوكية في القدس ال ترقى‬
‫إلى مستوى المدارس في القاهرة التي اتسمت‬
‫باالتساع والفخامة‪ ،‬كمدرسة السلطان حسن‪،‬‬
‫فإنها مع ذلك تتمتع باألناقة والبساطة والوحدة‪.‬‬
‫ومن أهم المدارس المملوكية الباقية حتى اليوم‬
‫في مدينة القدس‪ :‬المدرسة السالمية ‪1300‬م‪،‬‬
‫وه��ي مؤلفة م��ن طابقين وص�ح��ن وإي ��وان كبير‬
‫وم��دخ��ل رائ��ع؛ ث��م المدرسة الجاؤولية ‪1320‬م‬
‫التي استخدمت دارًا لنيابة السلطنة‪ ،‬ثم أصبحت‬
‫دارًا للحكم العثماني‪ ،‬وأضيف إليها طابق ثالث؛‬
‫والمدرسة التنكزية ‪1329‬م‪ ،‬وك��ان فيها خانقاه‬
‫ودار لأليتام ودار للحديث؛ والمدرسة األمينية‬
‫‪1330‬م‪ ،‬وت �ت��داخ��ل م��ع ال �م��درس��ة الفارسية‪،‬‬
‫وال�م��درس��ة الملكية التي شيدت سنة ‪1340‬م؛‬
‫والمدرسة الفارسية‪ ..‬وتقع فوق الحرم الشريف‬
‫الشمالي‪ .‬تليها المدرسة األرغ��ون�ي��ة المشيدة‬
‫ع��ام ‪1356‬م‪ ،‬وفيها ضريح الحسين ب��ن علي؛‬
‫وأيضاً المدرسة القشتمرية ‪1358‬م مؤلفة من‬

‫مالبس مقدسية ‪1870‬م‬

‫طبقة واح ��دة‪ ،‬وفيها مسجد ذو محراب رائع؛‬
‫وهناك المدرسة المحدثية ‪1360‬م؛ والمدرسة‬
‫المنجيكة ‪1360‬م‪ ،‬ولها قاعة ضخمة تشرف على‬
‫الحرم القدسي؛ والمدرسة الطشتمرية ‪1384‬م‪..‬‬
‫وتتألف من مدرسة وتربة وكتّاب وسبيل‪.‬‬
‫إن معظم ال�م�س��اج��د وال��م��آذن ف��ي القدس‬
‫ت �ع��ود إل��ى ال�ع�ص��ر ال�م�م�ل��وك��ي‪ ،‬وم�ن�ه��ا المئذنة‬
‫الفخرية ‪677‬ه�ـ‪1278 /‬م‪ ،‬وهي مربعة‪ ،‬وفوقها‬
‫شرفة تحمل بيت ال�م��ؤذن‪ ،‬وفوقه رقبة مثمنة‪،‬‬
‫ثم قبة صغيرة‪ ،‬ومئذنة ب��اب الغوانمة ‪730‬هـ‪/‬‬
‫‪1329‬م‪ ،‬ومئذنة باب األسباط ‪769‬هـ‪1367 /‬م‪،‬‬
‫ومن المساجد مسجد القلعة ‪710‬ه�ـ‪1310 /‬م‪،‬‬
‫وال�م�س�ج��د ال�ق�ي�م��ري ‪674‬ه � �ـ‪1276 /‬م وجامع‬
‫ال�خ��ان�ق��اه ال�ص�لاح�ي��ة‪ ،‬وت �ع��ود مئذنته إل��ى عام‬
‫‪798‬هـ‪1395 /‬م‪ .‬ومن المساجد العثمانية مسجد‬
‫النبي داود الذي أنشأه سليمان القانوني‪ ،‬وهو‬
‫مجمع معماري‪ ،‬ولقد حوّله اإلسرائيليون إلى‬
‫كنيس‪ ،‬وأزيلت الكتابات القرآنية منه‪ ،‬واستبدلت‬
‫بكتابات عبرية‪ ،‬وجامع المولولة ‪995‬هـ‪1587 /‬م‪،‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪19‬‬

‫والمسجد القيمري‪ .‬وبتحليل مساقط ومقاطع‬
‫ه��ذه ال �م��آذن يتبين م��دى ارت�ب��اط�ه��ا باألصول‬
‫المعمارية اإلسالمية‪.‬‬

‫رسوخ مدرسة القدس المعمارية‬
‫وقد شكلت تلك المدارس في بنائها طرازاً‬
‫معمارياً‪ ،‬ومدرسة معمارية خاصة عند األجيال‬
‫المتعاقبة‪ ،‬بما تحويه من أفكار ذات أصالة فنية‬
‫عمرانية واضحة في مجال التشكيل الفراغي‬
‫الداخلي والكتلي والخارجي‪ ،‬ال سيما توشيحها‬
‫بالمنمقات والمنمنمات التجميلية البديعة‪،‬‬
‫وترصيعها بالمؤثرات الزخرفية المختلفة بألوان‬
‫ق��وي��ة‪ ،‬وج� ��رأة ن� ��ادرة ت�ن��م ع��ن رق ��ي ف��ي الذوق‬
‫والتشكيل‪ ،‬لتضفي على المكان روع��ة بصرية‬
‫ساحرة‪.‬‬
‫ه��ذه ال �م��درس��ة الفنية ل�ل�ط��راز المقدسي‪،‬‬
‫أك ��دت ع�ل��ى ال�خ�ص��ائ��ص الجمالية المعمارية‬
‫واللغة الفنية البليغة‪ ،‬ومنها الخاصية المكانية‪،‬‬
‫وأثر البيئة الروحية والنفسية عند المعماريين‬

‫والفنانين‪ ،‬ال��ذي��ن نقلوا منها‪ ،‬وح��اف�ظ��وا على‬
‫أسرارها الجمالية الفاتنة؛ فكانت انطالق ًة ذات‬
‫مفردات معمارية لها من األصالة والتميز الشيء‬
‫الكثير‪ .‬مما أثرى المكان‪ ،‬وجعله يشهد نشاطاً‬
‫عمرانياً وفنياً ملموساً إب��ان الفترة العباسية‪،‬‬
‫واأليوبية‪ ،‬والمملوكية‪ ،‬والعثمانية‪ ،‬لكل مدخل‬
‫طابعه ال�خ��اص بما ينسجم وال�ب�ن��اء والمحيط‬
‫العمراني‪ ،‬متأثراً بالصبغة المعمارية للمكان‬
‫حتى وقتنا الحاضر‪.‬‬
‫ويبرز عنصر الدائرة في عمائر بيت المقدس‬
‫عموماً‪ ،‬وفي الطراز المملوكي خاصة‪ ،‬إذ تشكل‬
‫ال في العناصر والتكوينات‬
‫الدائرة كياناً مستق ً‬
‫المعمارية‪ :‬في القباب وواجهات األبنية وفتحاتها‬
‫ك��األب��واب والشبابيك وال�ش��رف��ات‪ ،‬أو الوحدات‬
‫الزخرفية المجسمة والمسطحة‪ ،‬وأثر ذلك على‬
‫عامة سكان القدس في بنائهم لبيوتهم‪ ،‬وتشكلت‬
‫م��درس��ة م�ع�م��اري��ة ع�ن��د األج��ي��ال الفلسطينية‬
‫المتعاقبة‪ ،‬بما يحويه من أفكار ذات أصالة فنية‬
‫عمرانية واضحة في مجال التشكيل الفراغي‬
‫الداخلي والكتلي والخارجي‪ ،‬واستعمال المؤثرات‬
‫الزخرفية المختلفة بألوان قوية‪ ،‬وجرأة نادرة‪ ،‬لم‬
‫تألفها بقية المدن الفلسطينية‪ ،‬والتي تنم عن‬
‫رقي في الذوق والتشكيل‪ ،‬وتضفي على المكان‬
‫روعة بصرية ذات تأثيرات حسية ونفسية قوية‪.‬‬

‫الخصائص الجمالية والعملية‬

‫قبة الصخرة ‪1882 -‬م‬

‫‪20‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫ح��اف �ظ��ت ال �ع �م��ارة ال�م �ق��دس �ي��ة ع �ل��ى البعد‬
‫ال وف�ك��راً ومضموناً‪،‬‬
‫اإلنساني في مبانيها شك ً‬
‫كما أنها وفرت لإلنسان اإلحساس الفعلي باألمن‬
‫والسكينة وال�س�لام‪ ،‬والفصل بين حياة الشارع‬
‫وص�خ�ب��ه ف��ي ال��خ��ارج ال�م�ح�ي��ط‪ ،‬وب �ي��ن الحياة‬
‫العائلية في الداخل‪ ،‬وتوفير الخصوصية والتمتع‬
‫بالفراغ الداخلي‪ ،‬واستعملت الفنون للتهيئة لبيئة‬
‫يتفاعل فيها اإلنسان حسياً ونفسياً‪ ،‬ولم يغفل‬

‫المعماري الفلسطيني عنصر الزخرفة في عمارة‬
‫البيوت والخانات والمدارس؛ فهي أساسية في‬
‫التشكيل‪ ،‬بحيث يتم فيها التركيز على الوحدة‬
‫والترابط معاً (وح��دة البناء وترابط المرافق)‪.‬‬
‫وقد اختلفت فنون الزخرفة وتنوعت‪ ،‬فكان منها‬
‫ال��زخ��ارف الهندسية والنباتية والرقش العربي‬
‫وفنون الكتابة بالخط العربي وأساليبه المتنوعة‪،‬‬
‫وذلك في تموضعات مسطحة أو مجسمة بثالثة‬
‫أبعاد على شكل عناصر معمارية متكاملة إلبراز‬
‫جماليات البناء كالمقرنصات؛ التي تعد قمة‬
‫الحركة في تجسيد فنون الزخرفة المعمارية‬
‫المقدسية‪.‬‬
‫يحيل ذلك إلى أن الحضارة العربية كانت قبل‬
‫اإلسالم متشابهة موحدة‪ :‬ظهر ذلك واضحاً‪ ،‬في‬
‫الحضارات التي لم تكن ثمة عالقات مستمرة‬
‫وثابتة بينها‪ ،‬ومع ذلك فإن أصالتها كانت واحدة‪،‬‬
‫ولكن بظاهرها‪ ..‬كانت قد استمدت من الطرز‬
‫الكالسيكية ال�ت��ي ك��ان ل�ه��ا ت��أث�ي��ر س��اح��ر على‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫قبة الصخرة المشرفة‬

‫الحضارات التي عاصرتها‪ ،‬كالطرز األشورية‬
‫والفرعونية واإلغريقية والرومانية‪ ،‬ويظهر ذلك‬
‫ف��ي مدينة البتراء أوال‪ ،‬ث��م ف��ي مدينة القدس‬
‫ثانياً‪.‬‬
‫لقد تعاقب على القدس أق��وام وحضارات‪،‬‬
‫وتناقل فيها حكام وص�ن��اع‪ ،‬وك��ل من أتاها بدأ‬
‫بمسجدها تشييداً وترميماً‪ ،‬أو تجديداً وتحويالً‪،‬‬
‫حتى غ��دت ال�ق��دس زه��رة ال�م��دائ��ن‪ ،‬وأصبحت‬
‫ق�ب��ة ال�ص�خ��رة ج��وه��رة ال�ك�ن��وز الفنية العربية‬
‫واإلسالمية‪ ،‬وبقيت هي المعلّم األول الرئيس‬
‫لكل الفنانين والمهندسين‪ .‬وال ت��زال إلى يومنا‬
‫هذا‪.‬‬
‫ولما كانت قبة الصخرة تعتمد على األشكال‬
‫الدائرية والكروية؛ لذا‪ ،‬نجد أن عنصر الدائرة‬
‫بقي فيها عنصراً حيوياً مستمراً في األشكال‬
‫ال �ظ��اه��رة‪ ،‬أو ف��ي البنية الفنية التحتية ذات‬
‫الشبكات ال��دائ��ري��ة‪ .‬وتعتمد ال�ب��وائ��ك المقامة‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪21‬‬

‫الخط الكوفي‬

‫عسكرية وم �س �وّرة ومكتظة‪ .‬وم��ع أن الخطوط‬
‫األفقية والعناصر الرأسية واألشكال المستطيلة‬
‫هي المسيطرة على الواجهات المملوكية‪ ،‬إال‬
‫أن الدائرة واألق��واس الدائرية (نصف دائ��رة أو‬
‫ثالثة أرباع الدائرة) هي التي تعطي للواجهة خفة‬
‫ورشاقة‪ .‬أما الفتحات‪ ،‬فهي متعددة األشكال؛‬
‫فمنها الكبيرة والصغيرة والدائرية والمربعة‪،‬‬
‫وذات ال��ق��وس ال ��واح ��د أو ث�لاث �ي��ة األق� ��واس‪/‬‬
‫القمريات ومنها (شند قمريات) «روحين بجسد‬
‫واحد»‪ ،‬وهي ثنائية ذات دائرة فوقهما‪ ،‬أو شباك‬
‫ق�ن��دل��ون (دس��ت ق�م��ري��ات) وه��و ث�لاث��ة شبابيك‬
‫بثالث فتحات دائرية فوقهما على شكل مثلث‪.‬‬

‫تأثيرات الفن األيوبي والمملوكي‬

‫الخط الثلث‬

‫ع�ل��ى ص�ح��ن ال�ق�ب��ة‪ ،‬اع �ت �م��اداً ك�ل�ي�اً ع�ل��ى تكرار‬
‫عنصر الدائرة‪ ،‬وتعتمد القبة على عنصر الدائرة‬
‫األحادي (المركزية)‪ .‬أما البوائك‪ ..‬فتعتمد على‬
‫الدوائر التي تقع مراكزها على خط مستقيم‪.‬‬

‫تأثرت القدس بأسلوب الزخارف السلجوقية‪،‬‬
‫وخاصة الزخارف المحفورة على التحف الخشبية‬
‫المصنوعة في الشام‪ ،‬ويظهر أنها تأثرت بأعمال‬
‫الجص ال��ذي اشتهرت بها مدينة س��ام��راء‪ ،‬إذ‬
‫أن طراز مدينة سامراء انتشر في جميع أنحاء‬
‫العالم اإلسالمي‪ .‬يقول زكي محمد حسن (زكي‬
‫محمد حسن‪1948 ،‬م)‪« :‬عرفنا أن كثيراً من‬
‫صناع التحف المعدنية هاجر من الموصل إلى‬
‫مصر والشام في القرن السابع الهجري (القرن‬
‫الثالث عشر ميالدي)‪ .‬وقد اشتغل هؤالء الفنانون‬
‫لألمراء األيوبيين في دمشق وحلب والقاهرة‪،‬‬
‫وتأثر بهم المعماريون في القدس‪ .‬ومن الطبيعي‬
‫أنهم نقلوا األساليب الفنية التي ألفوها في بالد‬
‫الجزيرة»‪ .‬كما أن صناعة الجص قد ازدهرت في‬
‫هذا العصر»‪.‬‬

‫لقد اهتم المماليك بمدينة القدس (كإحدى‬
‫ال �م��دن ال��دي�ن�ي��ة ال��ث�ل�اث)‪ ،‬فأصبحت المدينة‬
‫وحدة حيوية تنمو وتتطور‪ ،‬مع مراعاة الظروف‬
‫السياسية‪ ،‬وال�ع�س�ك��ري��ة‪ ،‬والتقاليد والعادات‬
‫الدينية‪ ،‬واألس��س المعمارية والبيئية‪ ،‬ومراعاة‬
‫اإلرث التكنولوجي من أسلوب العمل والتنفيذ‪،‬‬
‫واختيار المواد وط��رق معالجتها‪ ،‬والرجوع إلى‬
‫الماضي واختيار المناسب منه‪ .‬فكانت المدينة‬
‫ومن المميزات الفنية كذلك للعصر األيوبي‪،‬‬
‫إنسانية التكوين‪ ،‬عسكرية التركيب‪ ،‬إسالمية ظهور «خ��ط الثلث» المنفذ في أغلب األحيان‬
‫الطابع‪.‬‬
‫على مهاد زخ��رف��ي‪ ،‬إل��ى جانب الخط الكوفي‬
‫بينما انصب اهتمام السكان في الواجهات المزهّ ر‪ ،‬كما ندرت رسوم الكائنات الحية التي‬
‫التي تقع على الشوارع‪ ،‬ألن أغلب مدنهم كانت ك��ان��ت ه��ي وال �خ��ط ال�ك��وف��ي ش��ائ�ع��ة ف��ي العهد‬

‫‪22‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫وعلى مدى أربعة قرون من الحكم العثماني‪،‬‬
‫فقدت ب�لاد الشام استقاللها‪ ،‬وأصبح العصر‬
‫التركي عصر رك��ود فني‪ ،‬كما ك��ان عصر ركود‬
‫س �ي��اس��ي‪ ،‬ف��رح��ل ع��ن ال��ب�ل�اد ك�ث�ي��ر م��ن مهرة‬
‫ال �ص �ن��اع‪ ،‬واق �ت �ص��ر ن �ش��اط م��ن ب �ق��ي ف�ي�ه��ا من‬
‫ال �ف �ن �ي �ي��ن ع �ل��ى خ �ص��وص �ي��ات ال �ف��ن المنزلي‪،‬‬
‫وم�م��ارس��ة وتقنية األع �م��ال ال�ح��رف�ي��ة‪ ،‬والقيام‬
‫بأعمال صيانة الكنوز األث��ري��ة اإلس�لام�ي��ة في‬
‫القدس الشريف‪ ،‬والحفاظ على هذه الصروح‬
‫الحضارية في مجال العمارة اإلسالمية المتمثلة‬
‫في المساجد والمآذن‪ ،‬والمدارس‪ ،‬ودور القرآن‪،‬‬
‫ودور الحديث‪ ،‬والخوانق‪ ،‬والترب‪ ،‬والرباطات‪،‬‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫الفاطمي‪ ،‬ليبدع الفنانون ب��ال��زخ��ارف النباتية وال �ط��رق‪ ،‬واألس � ��واق‪ ،‬واألس � ��وار‪ ،‬والمصاطب‪،‬‬
‫والهندسية‪ ،‬وال سيما على التحف الخشبية‪ .‬إن وال �س �ب��ل‪ ،‬وال �ح �م��ام��ات‪ ،‬وغ �ي��ر ذل��ك م��ن معالم‬
‫صناعة الجص في سامراء اعتمدت على أسلوب العمارة اإلسالمية في القدس الشريف‪.‬‬
‫الرقش العربي الدائري‪ ،‬وأن خط الثلث يعتمد‬
‫وت�ج��در اإلش ��ارة إل��ى أن المباني المملوكية‬
‫في شبكته التحتية على الدائرة‪ ،‬وهذه مالحظات تشكل ‪ %50‬من مجموع مباني القدس األثرية‪،‬‬
‫يجدر بنا أن نقف عندها متأملين‪ ،‬كي نستطيع وأن ‪ %18‬ه��ي م��ن ال�ع�ص��ر األي ��وب ��ي‪ ،‬و‪ %6‬من‬
‫أن نحلل مميزات الطراز الفني األيوبي‪ ،‬وتأثره‬
‫العصر األموي‪ ،‬و‪ %24‬هي من العصر العثماني‪،‬‬
‫بالبيئة اإلدراكية لشمالي الجزيرة العربية والشام‬
‫وم��ا تبقى منها ‪ %2‬مجهول الهوية‪ ،‬ويعزى إلى‬
‫وفلسطين‪.‬‬
‫القرنين ‪ 18‬و‪( 19‬كما ذكرها المهندس يوسف‬
‫إن ان�ت�ص��ار المماليك على ال�ت�ت��ار ف��ي عين النتشة في الندوة العالمية للفنون اإلسالمية التي‬
‫ج��ال��وت سنة ‪1260‬م‪ ،‬أنقذ بيت المقدس ‪-‬بل عقدت في استنبول ع��ام ‪1983‬م)‪ .‬ونرجع إلى‬
‫الشام كلها‪ -‬من خطر داهم بعيد المدى‪ .‬وهكذا الدكتور عفيف بهنسي في كتاب العمارة العربية‬
‫ع��ادت وح��دة مصر وال�ش��ام م��رة أخ��رى في ظل ال��ذي ذك��ر فيه «أن المنشات المسيحية التي‬
‫حكومة مركزية قوية‪ ،‬ما أشاع قدراً من االستقرار أ ُنشأت بعد اإلس�لام‪ ،‬وحتى في زمن االحتالل‬
‫ألول مرة منذ أمد طويل في بالد الشام بوجه الصليبي‪ ،‬لم تنقل طرزها من خارج البالد‪ ،‬ذلك‬
‫ع ��ام‪ ،‬وب �ي��ت ال�م�ق��دس ب��وج��ه خ ��اص‪ .‬ل��م يدخر ألن السكان العرب هم الذين أنشأوا الكنائس‬
‫سالطين المماليك وس�ع�اً ف��ي العناية بالحرم والقالع الصليبية‪ ،‬وكان أسلوب هذه المباني ال‬
‫القدسي الشريف وقبة الصخرة المباركة‪ ،‬سواء ينتسب ألي أسلوب إفرنجي معروف في ألمانيا‬
‫باإلضافة أو اإلص�ل�اح أو الترميم‪ ،‬فض ً‬
‫ال عن أو إنكلترا أو فرنسا إال بما قدر»‪.‬‬
‫عنايتهم الكبيرة بإقامة المنشآت الدينية والعلمية‬
‫خالصة القول‬
‫والخيرية واالجتماعية في مدينة القدس‪.‬‬

‫م��ن خ�لال ال �ط��روح��ات السابقة يظهر لنا‬
‫أن ط��راز ال�ع�م��ارة المقدسية يمتاز بالوحدة‬
‫واالستمرارية‪ ،‬وهو فن تأثر بعدة قوى‪ ،‬أهمها‬
‫ال �م��ؤث��رات ال�م�ح�ي�ط��ة ال �م �ج��اورة م��ن أعمال‬
‫أيوبية‪ ،‬ومملوكية‪ ،‬ال سيما في منطقة الحرم‬
‫المقدسي‪ ،‬كما أن استمرارية الفن اإلسالمي‬
‫ووح��دت��ه‪ ،‬ك��ان لها أث��ر في الطابع المقدسي‪،‬‬
‫اعتماداً على ما قبله‪ ،‬وتطويراً ل��ه‪ ،‬فأنتجت‬
‫هذه العمارة‪ ،‬فظهرت فيه الصخرة المشرفة‬
‫والبوائك‪ ،‬التي تظهر الحفاظ على خصائص‬
‫الفن األموي الموجود في القصور المنتشرة في‬
‫فلسطين واألردن‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪23‬‬

‫المد التبشيري التي اجتاحت لبنان في منتصف‬
‫القرن الثامن عشر‪ ،‬فكانت انطالقتها مع جريدة‬
‫«حديقة األخبار» عام ‪1858‬م‪ ،‬وهي السنة التي‬
‫أصدرت فيها‪.‬‬

‫والدة الصحافة العربية‬

‫تاريخ الصحافة بالقدس‪:‬‬
‫التاريخ الذي لم يؤرخ‬

‫> مهند صالحات‬

‫(‪)4‬‬

‫ظهرت الصحافة في‬
‫مدينة القدس مبكراً‪،‬‬
‫م �ق��ارن��ة م��ع جاراتها‬
‫من حواضر المشرق‬
‫ال� �ع ��رب ��ي؛ ف��ق��د بدأ‬
‫ظ �ه��وره��ا ع��رب �ي �اً في‬
‫ال� �ق���اه���رة ف� ��ي عهد‬
‫ال��وال��ي محمد علي‪،‬‬
‫لكن المؤرخين يذكرون‬
‫أن أول صحافة حقيقية ظهرت في مصر جاءت‬
‫متزامنة مع المطبعة التي أدخلها نابليون بونابرت‬
‫إل��ى م�ص��ر‪ ،‬وم��ن ث��م فقد ظ�ه��رت أول صحافة‬
‫حقيقية في العالم العربي مع بداية االحتالل‬
‫الفرنسي‪ ،‬كنتيجة من نتائج حملة نابليون؛ فكان‬
‫مولد الصحافة العربية وليد اتصال الغربيين‬
‫ببالد المشرق العربي‪.‬‬

‫ول��دت الصحافة العربية في مصر‪ ،‬عندما‬
‫أصدر «محمد علي»‪ ،‬والي مصر أمره سنة ‪1827‬م‬
‫بإصدار «جرنال الخديوي»‪ ،‬كنشرة خاصة ليطلع‬
‫على شؤون البالد وماليتها‪ .‬ولكنه لمس حاجة‬
‫الشعب ل�لإط�لاع على أع�م��ال الحكومة‪ ،‬فأمر‬
‫بتوسيع نطاق «ج��رن��ال الخديوي» ليتحول إلى‬
‫«الوقائع المصرية»‪ ،‬اعتباراً من عام ‪1828‬م‪ ،‬ثم‬
‫ظهرت «الجريدة العسكرية» عام ‪1833‬م‪ .‬وبهذا‬
‫ولدت الصحافة العربية األولى في كنف السلطة‬
‫السياسية الحاكمة‪ ،‬وخضعت لتوجيهاتها‪ ،‬إلى أن‬
‫ظهرت الصحافة الشعبية في عهد سعيد باشا‬
‫(‪1863 -1854‬م)‪ ،‬الذي سعى عبرها إلى التقرب‬
‫أكثر من المصريين‪ ،‬فقام بترخيص الصحافة‬
‫الحرة التي عاود نفسه فرض الرقابة عليها‪.‬‬

‫نشأة الصحافة الفلسطينية‬

‫أم��ا ف��ي منطقة ال�س��اح��ل الفلسطيني‪ ،‬كما‬
‫كان يسمى حينها قبل مشروع التقسيم المسمى‬
‫«سايكس بيكو» الذي رسم حدود الدول العربية‬
‫وق��سّ �م�ه��ا‪ ،‬ف�ق��د ك��ان أول ظ�ه��ور للصحافة في‬
‫مدينة يافا‪ ،‬وسرعان ما انتقل لمدينة القدس‪،‬‬
‫التي كانت تشكل مركزاً للثقل السياسي‪ ،‬الذي‬
‫كانت تستمده من كونها مركزاً دينياً مهماً لدى‬
‫المسيحيين والمسلمين‪ .‬فوجود كنيسة القيامة‬
‫والمسجد األقصى فيها ‪-‬وتحديداً المسجد ‪-‬‬
‫تال ذلك ظهورها في بيروت التي اتسمت فيها‬
‫بالطابع الديني المسيحي في بداية ظهورها‪ ،‬جعل المدينة من الحواضر المهمة التي اعتنت‬
‫حج للمتدينين‪ .‬فظهرت‬
‫ك��ون السبب الرئيس لظهورها ه�ن��اك موجات بها الدولة العثمانية كمِ ٍ‬
‫فيها أولى الصحف العثمانية الناطقة بالتركية‬

‫‪24‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫م��ن ه �ن��ا‪ ،‬ع��رف��ت فلسطين ال�ص�ح��اف��ة عام‬
‫‪1876‬م‪ ،‬حين صدرت صحيفة القدس الشريف‬
‫باللغتين العربية والتركية وهي صحيفة رسمية‪،‬‬
‫كما صدرت صحيفة الغزال باللغة العربية‪ ،‬وهي‬
‫أي�ض�اً صحيفة رسمية ك��ان يحررها األستاذ‪/‬‬
‫على ال��ري�م��اوي‪ ،‬وه��و نفسه ال��ذي تولى تحرير‬
‫«القدس الشريف» باللغة العربية‪ ،‬بينما يحررها‬
‫باللغة التركية عبدالسالم كمال‪ .‬وكانت تنشر‬
‫أخباراً رسمية فحسب‪ .‬واحتجبت الجريدة بعد‬
‫االنقالب على السلطان عبدالحميد عام ‪1908‬م‪.‬‬
‫ث��م أع��ادت متصرفية ال�ق��دس إص��داره��ا بشكل‬
‫متقطع في كانون األول ‪1913‬م‪.‬‬
‫وف��ي شعبان ‪/1326‬أي� �ل ��ول ‪1908‬م‪ ،‬أصدر‬
‫جورجي حبيب حنانيا جريدة «ال�ق��دس»‪ ،‬وكان‬
‫يطبعها في سويقة علون‪ .‬وممن كتبوا فيها‪ :‬علي‬
‫الريماوي‪ ،‬وخليل السكاكيني‪ .‬وكانت تصدر مرتين‬
‫في األسبوع‪ ،‬وتضم أربع صفحات‪ .‬وتوقفت عن‬
‫الصدور في آذار ‪1915‬م‪ .‬كما أص��در جورجي‬
‫جريدتين خطيتين‪ ،‬هما «األح �ل�ام»‪ ،‬و«الديك‬
‫الصياح» في الجريدة‪.‬‬

‫وق���د م���رت ال �ص �ح��اف��ة ف ��ي ف�ل�س�ط�ي��ن عبر‬
‫مسيرتها بمراحل مختلفة‪ ،‬شأنها في ذلك شأن‬
‫الصحافة في العالم‪ ،‬وفي الوطن العربي بوجه‬
‫خ��اص‪ ،‬ولكل مرحلة من تلك المراحل سماتها‬
‫وخصائصها‪ ،‬تتأثر ب��واق��ع ال�ح�ي��اة السياسية‪،‬‬
‫واالجتماعية‪ ،‬واالقتصادية‪.‬‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫والعربية‪ ،‬حيث تعد «جريدة القدس الشريف»‬
‫أول جريدة صدرت في فلسطين‪.‬‬

‫(‪)5‬‬

‫بشكل واسع‪ ،‬كما حدث بعد االنتداب البريطاني‬
‫على فلسطين‪ ،‬الذي رافقه «وعد بلفور» بوطن‬
‫قومي لليهود فيها‪ ،‬وتفجير الصراع بين العرب‬
‫واليهود‪ ،‬ما هدد مستقبلهم ومستقبل بالدهم‪،‬‬
‫فأصبح ميل الناس إلى قراءة الصحف ومتابعة‬
‫األخبار واسعاً‪.‬‬

‫وبالنسبة للصحافة المقدسية‪ ..‬فقد شهدت‬
‫العصر التركي‪ ،‬ومرحلة االن�ت��داب البريطاني‪،‬‬
‫ومرحلة النكبة ع��ام ‪1948‬م‪ ،‬ومرحلة الشتات‬
‫ال�ف�ل�س�ط�ي�ن��ي ال� ��ذي ن �ج��م ع��ن ال �ن �ك �ب��ة‪ ،‬وحالة‬
‫التشكيل الوطني‪ ،‬والحركة الفدائية‪ ،‬واالنتماءات‬
‫الحزبية القومية والدينية واألممية‪ ،‬وكذلك قيام‬
‫منظمة التحرير الفلسطينية في الستينيات وما‬
‫بعدها‪ ،‬وصوالً إلى اتفاقية أوسلو وظهور السلطة‬
‫الفلسطينية‪ .‬وخ�ل�ال ه��ذا التسلسل الزمني‬
‫للحركة الفلسطينية ب ��رزت الصحافة كعامل‬

‫وبحسب رأي عدد من الباحثين العرب‪ ،‬فإن‬
‫صحيفة النفير العثماني التي أنشأها إبراهيم ذكا‬
‫في اإلسكندرية‪ ،‬من أقدم الصحف الفلسطينية‬
‫العربية‪ ،‬ألنها كانت أول جريدة عربية فلسطينية‬
‫يصدرها فلسطيني باسمه‪ ،‬ثم انتقلت بعد ذلك‬
‫إل��ى ال �ق��دس ع��ام ‪1908‬م‪ ،‬وأط �ل��ق عليها اسم‬
‫النفير(‪.)6‬‬
‫وك��ان��ت الصحافة الفلسطينية ف��ي القدس‬
‫في ذل��ك الوقت صغيرة الحجم‪ ،‬قليلة المادة‪،‬‬
‫تتناسب مع اهتمام الناس وميولهم‪ ،‬والذين ال‬
‫يرغبون في متابعة األحداث والقراءة الصحفية‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪25‬‬

‫«االعتدال»‪.‬‬
‫وب� �ع ��د س� �ق ��وط ال � �ق� ��دس‪ ،‬ش �ج��ع االحتالل‬
‫البريطاني إصدار العشرات من الصحف بمختلف‬
‫االتجاهات‪ ،‬بهدف ترسيخ واقع االحتالل‪ ،‬وإزالة‬
‫مفاهيم الحكم العثماني من أذهان الناس‪ .‬لكن‬
‫ال�س�ل�ط��ات ال�ح��اك�م��ة ك��ان��ت ت �س��ارع إل��ى إغالق‬
‫الصحف التي حرضت ضدها وهاجمت تجزئة‬
‫ال�ش��رق ال�ع��رب��ي‪ ،‬وخ��اص��ة ف��ي ب��داي��ة االحتالل‪.‬‬
‫لكن السلطات تركت فسحة لالنتقادات؛ فعلى‬
‫سبيل المثال سنت الحكومة قوانين هائلة‪ ،‬حتى‬
‫تجاوز عدد صفحات القوانين في الفترة ‪1925‬‬
‫– ‪1935‬م‪ ،‬أل��ف وخمسمائة صفحة‪ ،‬فتهكمت‬
‫مهم م��ن ع��وام��ل التوعية والتعبئة والتحريض‬
‫ال�ص�ح��اف��ة ال�ع��رب�ي��ة ع�ل��ى ذل ��ك‪ ،‬وأط �ل �ق��ت على‬
‫والدفاع عن األرض والوطن‪ ،‬ومواجهة الدعايات‬
‫الحكومة لقب مصنع القوانين‪ .‬وكانت غالبية‬
‫المغرضة‪ ،‬وكان لكل مرحلة صحافتها ورجالها‬
‫الصحف تضم أربع صفحات‪ ،‬وتصدر مرتين في‬
‫وأنماطها وظروفها‪.‬‬
‫األسبوع في بداية االحتالل‪.‬‬
‫في كانون األول ‪1908‬م ظهرت عدة صحف‬
‫وقد أص��در المحامي محمد حسن البديري‬
‫في آن واحد‪ ،‬فقد أصدر بندلي إلياس مشحور‬
‫في أيلول ‪1919‬م‪ ،‬أول جريدة بعد االحتالل‪ ،‬وهي‬
‫جريدة «اإلن �ص��اف»‪ ،‬وكانت أسبوعية سياسية‬
‫جريدة «سورية الجنوبية»‪ ،‬ووصفها بأنها «عربية‬
‫علمية أدب�ي��ة إخ�ب��اري��ة فكاهية‪ ،‬وتوقفت قبيل‬
‫سياسية ح��رة»‪ .‬وكانت تنادي بشعارات قومية‪،‬‬
‫ال�ح��رب العالمية األول ��ى‪ .‬وأص ��در أطناسيوس‬
‫وكتب فيها رأف��ت ال��دج��ان��ي‪ ،‬وصليبا الجوزي‪،‬‬
‫ثيوفيلو ب��ان��دازي ج��ري��دت��ي «ب�ش�ي��ر فلسطين»‬
‫وعمر الصالح البرغوثي‪ ،‬وعارف العارف‪ .‬لكنها‬
‫و«البلبل»‪ ،‬إضافة إلى جريدتين خطيتين وهما‬
‫أغلقت في تموز ‪1920‬م‪.‬‬
‫«منبه األموات» و«الطائر»‪ .‬وأصدر علي الريماوي‬
‫وفي أيلول ‪1919‬م اصدر بولس شحادة جريدة‬
‫جريدة «النجاح» وكانت أسبوعية سياسية أدبية‬
‫«مرآة الشرق» وكانت أسبوعية «سياسية حرة»‪.‬‬
‫علمية زراعية‪ ،‬بالعربية والتركية(‪.)7‬‬
‫وكتب فيها حمدي الحسيني‪ ،‬وأحمد الشقيري‪،‬‬
‫وف��ي شباط ‪1912‬م‪ ،‬أص��در سعيد ج��ار الله‬
‫وعمر الصالح البرغوثي‪ ،‬وتوقفت عام ‪1929‬م‪.‬‬
‫ج��ري��دة «ال �م �ن��ادي»‪ ،‬وك��ان��ت أسبوعية عمرانية‬
‫وفي كانون الثاني ‪1919‬م‪ ،‬أصدر بندلي إلياس‬
‫تنادي ب��اإلص�لاح‪ ،‬وك��ان محررها محمد موسى‬
‫المغربي‪ ،‬ورغم أن صاحبها كان مديراً للسجون‪ ،‬مشحور جريدة «بيت المقدس» وكانت «سياسية‬
‫فقد كانت جريدته مناوئة للسلطة‪ ،‬مما تسبب أدب��ي��ة»‪ ،‬ت�ح��ت إدارة ح�س��ن ص��دق��ي الدجاني‪،‬‬
‫في إغالقها في تموز ع��ام ‪1913‬م‪ .‬وف��ي العام وتحرير أنطون لورنس‪ .‬وظهر آخر أعدادها في‬
‫نفسه أصدر جميل الخالدي جريدة «الدستور»‪ .‬نيسان ‪1924‬م‪.‬‬
‫وف��ي نيسان ‪1920‬م‪ ،‬أص��در حسن صدقي‬
‫وفي آذار ‪1914‬م اصدر بكري السمهوري جريدة‬

‫‪26‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫الدجاني جريدة «القدس الشريف» ولم يربطها هاني أبو مصلح حتى توقفت في العام التالي‪.‬‬
‫بسابقتها العثمانية س��وى االس ��م‪ ،‬إذ وصفها‬
‫وفي كانون الثاني ‪1921‬م‪ ،‬أصدرت بطريركية‬
‫صاحبها ب��أن�ه��ا «س�ي��اس�ي��ة ح���رة»‪ ،‬وط�ب�ع��ت في الالتين جريدة «رقيب صهيون»‪ ،‬وكانت دينية‬
‫مطبعة جريدة م��رآة الشرق‪ .‬وق��د أض��اف إليها وس�ي��اس�ي��ة م�ن��اه�ض��ة للصهيونية والماسونية‬
‫ملحقا إنجليزيا باسم «ذي جيروزاليم غازيت»‪.‬‬
‫وال�ش�ي��وع�ي��ة‪ .‬وق ��د ت �ص��دت ل �م �ش��روع الجامعة‬
‫لكنها توقفت في تموز من العام نفسه‪.‬‬
‫ال �ع �ب��ري��ة‪ .‬وف ��ي أي ��ار ‪1925‬م‪ ،‬ص ��درت جريدة‬
‫وفي أيار ‪1920‬م‪ ،‬أصدر نسيم ملول في يافا «اتحاد العمال» لسان حال العمال في فلسطين‪،‬‬
‫جريدة يهودية باللغة العربية أطلق عليها «جريدة وكانت مؤيدة للهجرة اليهودية‪ ،‬واستمرت حتى‬
‫ال�س�لام»‪ ،‬ثم نقلها إل��ى القدس في عمارة تقع عام ‪1928‬م‪.‬‬
‫خلف محطة ب��اص��ات اي�ج��د ال�ق��دي�م��ة‪ .‬وصدر‬
‫وف ��ي ك��ان��ون األول ‪1927‬م‪ ،‬أص���در محمد‬
‫عددها األخير في كانون الثاني ‪1931‬م‪.‬‬
‫منيف الحسيني جريدة «الجامعة العربية» لسان‬
‫وفي أيار ‪1920‬م‪ ،‬أيضاً صدرت جريدة يهودية حال المجلس اإلسالمي األعلى‪ .‬وكانت يومية‬
‫أخرى باللغة العربية‪ ،‬وهي «بريد اليوم»‪ ،‬وكانت سياسية علمية اج�ت�م��اع�ي��ة‪ .‬وت��ول��ى تحريرها‬
‫«سياسية أدب�ي��ة اجتماعية زراع �ي��ة»‪ ،‬وحررها‬
‫إميل الغوري ومحمد طاهر الفتياني‪ .‬وفي عام‬
‫إبراهيم المحب‪ ،‬وه��و س��وري استقر بالقدس‪.‬‬
‫‪1928‬م‪ ،‬أص��در ال�ح��زب الشيوعي الفلسطيني‬
‫لكن العرب قاطعوها‪ ،‬فأصبحت توزع بالمجان‬
‫جريدة «إلى األمام»‪ ،‬وأصدر ميشال سليم نجار‬
‫حتى توقفت عن الصدور(‪.)8‬‬
‫جريدة «المعاد»‪.‬‬
‫وبعد فشلها‪ ،‬أص��در اللبناني إبراهيم سليم‬
‫وفي نيسان ‪1930‬م‪ ،‬أصدر عادل جبر جريدة‬
‫النجار في حزيران ‪1921‬م جريدة يومية مشابهة‬
‫«ال �ح �ي��اة»‪ ،‬وك��ان��ت أول صحيفة ع��رب�ي��ة يومية‬
‫في القدس تدعى «لسان العرب»‪ .‬وشاركه في‬
‫تصدر في الصباح‪ ،‬حيث كانت الصحف توزع‬
‫تحريرها ع��ادل جبر وإبراهيم المحب‪ ،‬وتولى‬
‫بعد الظهر‪ .‬وك��ان��ت سياسية أدب�ي��ة اجتماعية‬
‫إدارتها فخري النشاشيبي‪ .‬وقاطعها العرب أيضاً‬
‫لكونها كانت مناصرة للقضايا الصهيونية‪ ،‬حتى‬
‫أغلقت في كانون الثاني ‪1923‬م‪ ،‬وعاد النجار إلى‬
‫لبنان‪.‬‬
‫وفي أيلول ‪1920‬م‪ ،‬أصدر صالح عبداللطيف‬
‫الحسيني «ج��ري��دة األق �ص��ى»‪ ،‬وك��ان��ت «وطنية‬
‫سياسية أدبية»‪ .‬لكنها لم تعمر سوى بضعة أشهر‬
‫إذ كانت تصدر على نفقة صاحبها شخصيا‪.‬‬
‫وفي تشرين األول ‪1921‬م‪ ،‬أصدر محمد كامل‬
‫البديري ويوسف ياسين جريدة «الصباح»‪ ،‬وكانت‬
‫لسان حال المؤتمر العربي الفلسطيني والوفد‬
‫الفلسطيني‪ .‬وق��د ح��رره��ا الصحافي الدرزي‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪27‬‬

‫اقتصادية‪ .‬لكنها توقفت بعد عام ونصف‪ .‬وفي‬
‫تموز ‪1932‬م‪ ،‬أصدر سليمان التاجي الفاروقي‬
‫ج��ري��دة «ال �ج��ام �ع��ة اإلس�لام �ي��ة» وك��ان��ت يومية‬
‫سياسية‪ .‬وق��د أغلقت في تموز ‪1934‬م بحجة‬
‫التحريض ضد السلطات البريطانية‪.‬‬
‫أم��ا المجالت‪ ..‬فلم يصدر منها س��وى عدد‬
‫ضئيل بعد االن �ق�لاب العثماني‪ .‬وك��ان��ت مجلة‬
‫«الباكورة الصهيونية» أول مجلة مقدسية‪ ،‬حيث‬
‫أصدرتها مدرسة صهيون اإلنجليزية التبشيرية‬
‫ع ��ام ‪1909‬م‪ ،‬واس �ت �م��رت ف��ي ع �ه��د االنتداب‬
‫تحت اسم مجلة «باكورة جبل صهيون» أو مجلة‬
‫«م��درس��ة صهيون»‪ ،‬وك��ان��ت تصدر ث�لاث مرات‬
‫ف��ي ال�س�ن��ة‪ ،‬وطبعت ف��ي مطبعة م��رآة الشرق‪،‬‬
‫ومطبعة بيت المقدس‪ ،‬وصدر عددها األخير في‬
‫شباط ‪1947‬م‪ .‬كما أصدر موسى المغربي مجلة‬
‫«المنهل» في آب ‪1913‬م‪.‬‬

‫والشهرية‪ ،‬وقبيل انتهاء االنتداب في عام ‪1948‬م‪،‬‬
‫كانت جريدة «فلسطين» أقدم الصحف اليومية‬
‫العربية األربعة التي كانت ما زال��ت تصدر في‬
‫فلسطين‪ .‬وكانت قد أسست جريدة «فلسطين»‬
‫عام ‪1932‬م وكان يقبل على قراءتها العرب من‬
‫مسلمين ومسيحيين‪.‬‬

‫م��م��ي��زات ال��ص��ح��اف��ة ال��م��ق��دس��ي��ة إب���ان‬
‫الفترة العثمانية والبريطانية‬
‫م��ا ي�م�ي��ز ال �ص �ح��اف��ة ف��ي ال��ق��دس ف��ي ذلك‬
‫الوقت‪ ،‬أنها كانت صحافة سياسية ذكية‪ ،‬خاص ًة‬
‫الصحافة الخاصة منها‪ ،‬فقد كانت أولى الصحف‬
‫الصادرة ساخرة ناقدة‪ ،‬فقد لجأ الصحافيون إلى‬
‫الصحافة الساخرة التي نفتقد إليها اليوم‪ ،‬كنوع‬
‫من التحايل على الرقابة العثمانية‪ ،‬والبريطانية‪،‬‬
‫على ال�ص�ح��اف��ة‪ ،‬على ال��رغ��م م��ن أن�ه��ا ل��م تكن‬
‫صحافة بالمعنى الناضج تحديداً خالل الفترة‬
‫العثمانية‪ ،‬فقد كانت معظم صفحاتها مقاالت‬
‫أكثر منها خبرية‪ ،‬في حين اقتصرت الصحافة‬
‫الخبرية على الصحف الحكومية التي أصدرتها‬
‫الحكومة العثمانية‪ ،‬وال �ت��ي اتصفت بالجمود‬
‫والرسمية وال�ت��روي��ج ألع�م��ال السلطة القائمة‪،‬‬
‫والتمجيد بالسلطان‪ ،‬ونقل منجزات الدولة في‬
‫تركيا‪.‬‬

‫أما في عهد االحتالل البريطاني‪ ،‬فقد صدر‬
‫عدد كبير من المجالت‪ .‬وكان أولها مجلة «دار‬
‫المعلمين» التي صدرت في تشرين األول ‪1920‬م‪،‬‬
‫وأصبح اسمها مجلة «الكلية العربية»‪ .‬ثم صدرت‬
‫مجلة «روضة المعارف» في كانون الثاني ‪1922‬م‪،‬‬
‫تحت إدارة فايز يونس الحسيني‪ ،‬وف��ي كانون‬
‫ال�ث��ان��ي ‪1935‬م‪ ،‬أص���درت ش��رك��ة المطبوعات‬
‫المحدودة مجلة «االقتصاديات العربية»‪ .‬وتولى‬
‫م��ن ج��ان��ب أخ��ر‪ ،‬ميز الصحافة المقدسية‬
‫رئاسة تحريرها فؤاد سابا وعادل جبر‪ ،‬وكانت الوعي والنضوج السياسي‪ ،‬فقد بدأت الصحافة‬
‫تبحث في الشؤون التجارية والزراعية والصناعية تعي الخطر الصهيوني على فلسطين مبكراً‪،‬‬
‫في األقطار العربية‪.‬‬
‫وك �ث �ي��راً م��ا ح ��ذرت م�ن��ه بشكل واض ��ح وعلني‪،‬‬
‫وكانت الصحافة إب��ان االن�ت��داب البريطاني وتصدت لقضية المهاجرين الجدد لفلسطينيي‬
‫لفلسطين فريدة في نوعها‪ ،‬إذ لم تتوافر ألي ح�ت��ى ق�ب��ل ان�ه�ي��ار ال��دول��ة ال�ع�ث�م��ان�ي��ة‪ .‬والعودة‬
‫منطقة أخرى مماثلة‪ ،‬ال يزيد عدد سكانها عن ألرشيف تلك الصحف األول��ى يدحض النظرية‬
‫مليوني شخص‪ ،‬ثالثون بالمائة منهم أميون‪ ،‬إذ التي تقول إن العرب قد تنبهوا للخطر الصهيوني‬
‫بلغت ثماني عشرة صحيفة صباحية‪ ،‬وثالث المحدق في فلسطين‪ ،‬في نهاية الثالثينيات من‬
‫صحف مسائية‪ ،‬وكثرة من الصحف األسبوعية القرن الماضي‪.‬‬

‫‪28‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫وكذلك أسهم االحتالل اإلسرائيلي لفلسطين‬
‫في إبعاد المؤرخين العرب عن االطالع على الوثائق‬
‫المتعلقة بتاريخ الصحافة المقدسية ونشأتها؛ فقد‬
‫قامت العصابات الصهيونية التي احتلت فلسطين‬
‫منذ ب��داي��ات سيطرتها على المدن الكبرى‪ ،‬بعد‬
‫ج�لاء البريطانيين عنها بالسطو على األرشيف‬
‫الفلسطيني أينما وج��دوه‪ ،‬إذ أن ج��زءاً كبيراً جداً‬
‫من األرشيف الفلسطيني‪ ،‬وخاصة أرشيف المحاكم‬
‫الشرعية‪ ،‬والمخطوطات‪ ،‬والصحف‪ ،‬وغيرها قد‬
‫تم مصادرته‪ ،‬وظهر ج��زء منه الحقاً حين بدأت‬
‫الجامعات اإلسرائيلية بفتح أبواب مكتباتها وأقسام‬
‫األرشيف لديها أمام الباحثين‪ ،‬في حين ظ ّل جزء‬
‫أخر منه طي النسيان‪ ،‬مجهول المصير‪.‬‬
‫وحتى ذلك الجزء الذي كشفت عنه المكتبات‬
‫اإلسرائيلية‪ ،‬غير متاح إال لمن يستطيع الدخول‬
‫لفلسطين المحتلة‪ ،‬التي أصبحت مباحة لكل‬
‫البشر حول العالم إال العرب‪ ،‬منذ احتاللها عام‬
‫‪1948‬م وحتى اليوم‪.‬‬

‫ظل االحتالل‬
‫الصحافة المقدسية في ّ‬
‫اإلسرائيلي‬
‫أم��ا ف��ي ظ � ّل االح �ت�لال اإلس��رائ�ي�ل��ي للضفة‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫كما أن المشكلة األساسية في تاريخ الصحافة‬
‫ال لم ي��ؤرخ‪ ،‬فأثناء بحث طويل‬
‫بالقدس أن��ه فع ً‬
‫عما كتب عن الصحافة المقدسية ونشأتها‪ ،‬لم‬
‫أص��ل ألكثر من خمسة كتب‪ ،‬ثالثة منها كتبها‬
‫يهودي‪ .‬فقد ظ ّل هذا الجانب المهم من تاريخ‬
‫المدينة المُشرق طي النسيان‪ ،‬وبعيداً عن تناول‬
‫المؤرخين العرب والفلسطينيين‪ ،‬باستثناء القليل‬
‫ممن تناولوه بشكل جزئي ف��ي بعض كتبهم أو‬
‫مذكراتهم‪ ،‬مثل‪ :‬أكرم زعيتر‪ ،‬وخليل السكاكيني‬
‫الذي كان أحد رواد الصحافة المقدسية‪ ،‬وعارف‬
‫العارف الذي كان أيضاً أحد رواده��ا ومؤرخيها‬
‫والمشتغلين فيها‪ ،‬وآخرون‪.‬‬

‫الغربية وقطاع غزة منذ عام العام ‪1967‬م وحتى‬
‫قيام السلطة الفلسطينية عام ‪1994‬م‪ ،‬فقد كانت‬
‫هناك صحافة فلسطينية محتلة أيضاً(‪ .)9‬وفي‬
‫ب��داي��ة س�ن��وات االح �ت�لال‪ ،‬ل��م يكن م�ت��واف��راً في‬
‫أك �ش��اك الصحف س��وى ج��ري��دة «ال �ي��وم»‪ .‬وهي‬
‫صحيفة الحكومة اإلسرائيلية الرسمية الناطقة‬
‫بالعربية‪ .‬غير أن هذه الصحيفة الصهيونية لم‬
‫تلق أي إقبال يذكر من سكان المناطق المحتلة‪،‬‬
‫فاستبدلت بصحيفة «األن �ب��اء» التي كانت تعد‬
‫الصحيفة الناطقة باسم رئيس الوزراء اإلسرائيلي‪،‬‬
‫ال يعكس السياسة الرسمية اإلسرائيلية بدقة‬
‫ودلي ً‬
‫أكثر من غيرها من الصحف العربية‪ ،‬من يومية‬
‫وأسبوعية ومجالت‪ ،‬بدأت تظهر تباعاً في ظل‬
‫االحتالل اإلسرائيلي‪ ،‬والتي كان أولها صحيفة‬
‫«القدس» اليومية التي كانت أول صحيفة عربية‬
‫يومية تصدر بعد االحتالل‪ .‬وما أن انتهت حرب‬
‫يونيو ‪1967‬م‪ ،‬حتى تقدم محمود أبو الزلف‪ ،‬أحد‬
‫أصحاب الصحيفة الثالثة‪ ،‬بطلب إلى السلطات‬
‫اإلسرائيلية للسماح له باستئناف نشرها‪ .‬وعلى‬
‫الرغم من معارضة بعض الجهات اإلسرائيلية‬
‫للفكرة‪ ،‬فقد حبذها كل من موشي دي��ان وزير‬
‫الدفاع وقتئذ‪ ،‬وتيدي كوليك رئيس بلدية القدس‪،‬‬
‫وتم إصدار التصريح في كانون األول «ديسمبر»‬
‫‪1968‬م‪ ،‬وأص �ب��ح أب��و ال��زل��ف م�ح��رر الصحيفة‬
‫العربية الوحيدة المتوافرة أمام الرازحين تحت‬
‫نير االحتالل اإلسرائيلي‪ ،‬ومالكها‪.‬‬
‫أم��ا الصحف األخ��رى فكانت‪ :‬البشير‪ :‬وهي‬
‫صحيفة أسبوعية مستقلة ص��درت بعد نشوب‬
‫الحرب األهلية في األردن في أيلول «سبتمبر»‬
‫‪1970‬م‪ .‬واجتذبت هذه الصحيفة الكتّاب الشباب؛‬
‫والفجر‪ :‬وه��ي صحيفة أسبوعية مستقلة‪ ،‬كان‬
‫يملكها يوسف نصر‪ ،‬وقد ص��درت عام ‪1971‬م‪.‬‬
‫واستقطبت جمهوراً من القراء بسبب الحمالت‬
‫التي كانت تشنها على الحكومة من خالل مطالبها‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪29‬‬

‫الداعية إلى إنشاء كيان فلسطيني‪ .‬وبلغ توزيع أنه صلب فيها‪ ،‬أما اليهود‪ ،‬فيرون أن لها ارتباط‬
‫«الفجر» نحو تسعة آالف نسخة أسبوعياً‪ ،‬قبل بداوود وسليمان عليهما السالم‪ ،‬علماً أن األنبياء‬
‫أن تتحول إلى صحيفة يومية سنة ‪1974‬م‪ ،‬وهي كلهم مسلمون فهم يشهدون أن ال إله إال الله وأن‬
‫السنة التي اختفى فيها محررها يوسف نصر في محمداً رسول الله‪.‬‬
‫ظروف غامضة‪ ..‬ولم يعثر له حتى اليوم على أثر‪.‬‬
‫وال�م��واق��ع المقدسة فيها تتضمن المسجد‬
‫وصدر قرار يوقفها عام ‪1984‬م‪.‬‬
‫األقصى وهو الذي ورد ذكره في القرآن الكريم‬
‫وال��ش��ع��ب‪ :‬صحيفة يومية نشرها وامتلكها‬
‫ف��ي ق��ول��ه تعالي {س�ب�ح��ان ال��ذي أس��رى بعبده‬
‫محمود يعيش‪ ،‬وهو متقدم في السن‪ ،‬اتخذ من‬
‫ال من المسجد الحرام إلى المسجد األقصى‬
‫لي ً‬
‫الصحافة تجارة وق��د أنشئت «الشعب في عام‬
‫الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع‬
‫‪1972‬م‪ ،‬كشركة تجارية ترمي أصال إلى إثراء‬
‫البصير} (اإلسراء‪ ،)1 :‬ويشكل المسجد األقصى‬
‫صاحبها‪ ،‬ولكنها من أجل كسب القراء ومنافسة‬
‫صحيفة «ال��ق��دس «ج�ن�ح��ت إل ��ى ال �م �غ��االة في مع قبة الصخرة ما يعرف بالحرم القدسي‪.‬‬
‫أم��ا كنيسة القيامة ال�ت��ي تقع على الجبل‪،‬‬
‫مواقفها الوطنية لزيادة توزيعها‪ .‬لكن توزيعها‬
‫ال��ذي يصل إل��ى ستة آالف نسخة يومياً‪ ،‬ونحو فيزعم النصارى أن عيسى عليه السالم صلب‬
‫عشرة آالف نسخة أي��ام الجمعة‪ ،‬ظل مقصورا على الجبل ودفن فيه‪.‬‬
‫على من هم المتوسط من المثقفين‪ .‬وأوقفتها‬
‫أم��ا حائط ال �ب��راق‪ ،‬فيعد ج��زءاً م��ن الجدار‬
‫سلطة االحتالل اإلسرائيلي عام ‪1984‬م‪.‬‬
‫الغربي للحرم الشريف‪ ،‬وهو أثر إسالمي يدّ عي‬

‫مدينة القدس‪ :‬ومخاطر تهويدها‬

‫(‪)10‬‬

‫> د‪ .‬أنور ماجد عشقي‬

‫(‪)11‬‬

‫اليهود أنه المبكى‪ ،‬وقد صدر بحقه قرار دولي من‬
‫عصبة األمم المنحلَّة عام ‪1930‬م‪ ،‬نتيجة لقرار‬
‫لجنة دولية عينتها الحكومة البريطانية المنتدبة‬

‫ال� � �ق � ��دس م� ��دي � �ن� ��ة‬
‫مقدسة لدى معتنقي‬
‫وليس لليهود حق فيه‪ ،‬وال يحق لهم تغيير معالمه‪،‬‬
‫األدي � � � � ��ان ال� �ث�ل�اث���ة؛‬
‫وبهذا يكون تواجد اليهود في هذا المكان مخالفاً‬
‫المسلمين والنصارى‬
‫وال��ي��ه��ود‪ ,‬ف �ه��ي عند‬
‫ال�م�س�ل�م�ي��ن المدينة‬
‫التي عرج برسول الله‬
‫[ منها إلى السماء؛‬
‫فهي تضم المسجد األق �ص��ى أول ��ى القبلتين‪،‬‬
‫وثالث الحرمين الشريفين بعد مكة والمدينة‪.‬‬
‫على فلسطين‪ ,‬يقضي أن هذا المكان إسالمي‪..‬‬

‫أم��ا النصارى‪ ،‬فقدسيتها عندهم من خالل‬
‫ارتباطها بسيدنا عيسى عليه السالم‪ ،‬واالعتقاد‬

‫‪30‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫جانب من الحفريات في الحرم القدسي‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫للشرعية الدولية؛ فهو ال يمثل جزءا من الهيكل‬
‫اليهودي الذي هدمه الرومان عام (‪ )70‬للميالد‪،‬‬
‫ول��م يثبت ل��ه وج��ود ف��ي ال��وق��ت ال�ح��اض��ر‪ ،‬رغم‬
‫المحاوالت التي جرت للعثور عليه‪.‬‬
‫والقدس قدسان؛ قدس شرقية وتمثل الجزء‬
‫الشرقي من المدينة األصلية ومساحتها ضعف‬
‫مساحة القدس الغربية‪ ،‬لكنها أقل عدداً من حيث‬
‫السكان‪ ،‬وتضم المدينة القديمة التي يحيط بها‬
‫سور يبلغ طوله أربعة كيلوا مترات‪ ،‬وبارتفاع يصل‬
‫إلى اثني عشر متراً‪ ،‬بُني معظمها خالل القرن‬
‫ال �س��ادس عشر ال �م �ي�لادي‪ ،‬واحتلتها إسرائيل‬
‫ع��ام ‪1967‬م‪ ،‬بعد أن ك��ان��ت ج ��زءاً م��ن الضفة‬
‫الغربية لنهر االردن‪ ،‬وبداخل السور أربعة أحياء‬
‫مهمة هي‪ :‬الحي اإلسالمي‪ ،‬والحي النصراني‪،‬‬
‫والحي اليهودي‪ ،‬والحي األرمني‪ ،‬وفيها تعايش‬
‫المسلمون والنصارى واليهود عبر القرون‪ ،‬حتى‬
‫جاءت الصهيونية العالمية لتفرقهم‪.‬‬

‫جانب آخر من الحفريات في الحرم القدسي‬

‫العبرية‪ ،‬في مخالفة صريحة للشرعية الدولية‪،‬‬
‫بتضامن إسرائيلي مع الماسونية العالمية‪ ،‬لهدم‬
‫المسجد األقصى‪ ،‬وبناء الهيكل المزعوم‪ ،‬وإخراج‬

‫أهلها المسلمين منها‪ ،‬ومصادرة أمالكهم‪ ،‬وتوطين‬
‫اليهود فيها‪.‬‬

‫خطة التهويد‬
‫وتكمن ف��ي ه��دم المسجد األق�ص��ى وإقامة‬

‫هيكل سليمان‪ ,‬اعتقادا منهم أنهم إن لم يفعلوا‬

‫أم��ا ال�ق��دس الغربية فهي ال�ج��زء ال��ذي قدم ذلك فسوف تنزل عليهم اللعنات‪.‬‬
‫معظم سكانه بعد ق��رار األم��م المتحدة الظالم‬
‫بتقسيم فلسطين‪ ،‬وتوافد اليهود إليها من أنحاء وتقوم الخطة على السياسة اآلتية‬
‫العالم إلق��ام��ة دول��ة صهيونية‪ ،‬م��ع أن م��ن بين‬
‫‪ - 1‬محاولة ضم القدس‬
‫سكانه اليهود فئات متدينة ال تعترف حتى اليوم‬
‫ف��ي ع��ام ‪2005‬م‪ ،‬وبمناسبة ال��ذك��رى الثامنة‬
‫بقيام دول��ة إسرائيل‪ ,‬فهم يؤمنون أن المسيح‬
‫وح ��ده ال ��ذي س��وف ينشئ ه��ذه ال��دول��ة‪ .‬وهذه والثالثين الحتالل القدس الشرقية عام ‪1967‬م‪،‬‬
‫المدينة بها المباني الحديثة والجامعة العبرية‪ ,‬أعلن ش ��ارون ‪ -‬متحدياً المجتمع ال��دول��ي ‪ -‬أن‬
‫وبها بعض المواقع المقدسة أهمها جبل صهيون‪ ،‬القدس مِ لك إلسرائيل‪ ،‬وإنها لنا وإلى األبد‪ ،‬ولن‬
‫اعتقاداً منهم أنه يضم قبر داوود عليه السالم‪ ،‬تكون بعد اليوم ملكاً لألجانب‪ ..‬وهو ما سبق أن‬
‫وبها قاعة العشاء األخير الذي يعتقد أن عيسى أعلنه أثناء إقامة المؤتمر السنوي لمنظمة إيباك‬
‫خالل زيارته لواشنطن في شهر مايو عام ‪2005‬م‪.‬‬
‫عليه السالم تناول فيها آخر عشاء له‪.‬‬

‫تهويد القدس‬
‫وه��و ال�ع�م��ل ع�ل��ى ض��م ال �ق��دس إل��ى الدولة‬

‫‪ -2‬إخالء القدس من الفلسطينيين‬
‫ط��ال��ب ش �ي �م��ون ب �ي��ري��ز‪ -‬ال��رئ �ي��س الحالي‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪31‬‬

‫اإلس ��رائ� �ي� �ل ��ي‪ -‬ب� �ض ��رورة ال �ت �ه �ج �ي��ر الجماعي ممتلكات في القدس‪.‬‬
‫للفلسطينيين من مدينة القدس المحتلة‪ ،‬والذين‬
‫‪ -4‬الدعم األمريكي‬
‫يتجاوز عددهم رب��ع مليون نسمة‪ ،‬بغرض بقاء‬
‫وي�ت�م�ث��ل ف��ي م �ش��روع ق ��رار مجلس الشيوخ‬
‫القدس عاصمة إلسرائيل‪ ,‬ألنه ‪ -‬وكما يقول ‪ :-‬من‬
‫الخطأ أن تبقى القدس عاصمة للشعب اليهودي األم��ري �ك��ي‪ ,‬ال ��ذي ي�ش�ت��رط االع� �ت ��راف بمدينة‬
‫القدس عاصمة موحدة غير مقسمة إلسرائيل‪,‬‬
‫وفي الوقت نفسه تضم هؤالء الفلسطينيين‪.‬‬
‫مقابل االعتراف بالدولة الفلسطينية مستقبالً‪,‬‬
‫‪ -3‬خطة تنمية القدس وتغيير معالمها‬
‫وال �م �ح��اوالت ال�م�ت�ك��ررة ألن �ص��ار إس��رائ �ي��ل في‬
‫لقد صدر بيان من مجلس الوزراء اإلسرائيلي‪ ,‬الكونجرس‪ ،‬لنقل سفارة واشنطن إلى القدس‪,‬‬
‫متضمناً خطة أطلق عليها خطة تنمية القدس‪ ،‬لتكريسها عاصمة للدولة العبرية‪.‬‬
‫وتستهدف تعزيز سيطرة إسرائيل على المدينة‪،‬‬
‫ما يجعل منها مدينة جذابة للمستثمرين‪ ،‬تحتل ‪ -5‬فرض األمر الواقع‬
‫المكانة الالئقة بها ك��أول م��دن إسرائيل‪ ،‬وقد‬
‫تصطدم إسرائيل بقرار مجلس األمن (‪,)242‬‬
‫رصد لها (‪ )280‬مليون شيكل ‪ -‬وهو ما يعادل القاضي ب��أن ت�ك��ون ال�ق��دس الشرقية والضفة‬
‫(‪ )64‬مليون دوالر ‪ -‬وه��ذه الخطة ت�ق��وم على الغربية وق �ط��اع غ��زة ضمن األراض���ي العربية‬
‫األتي‪:‬‬
‫المحتلة عام ‪1967‬م‪ ،‬وهذا ما يقتضي انسحاب‬
‫ ‪ -‬بناء المساكن‪ ,‬وتوفير الوظائف التي تشجع إسرائيل إلى حدودها آنذاك‪ ,‬وهو ما شملته رؤية‬
‫بوش‪ ,‬وخريطة الطريق والمبادرة العربية‪ ,‬لكن‬
‫األزواج على االنتقال لإلقامة فيها‪.‬‬
‫ تنفيذ مخطط استيطاني جديد‪ ,‬يتضمن هدم إسرائيل تحاول فرض أمر واقع على األراضي‪.‬‬‫(‪ )68‬مسكناً فلسطينياً‪ ,‬وتشريد (‪ )200‬عائلة‬
‫لهذا‪ ،‬فإن عمليات توسيع المستوطنات في‬
‫من سكانها بحي البستان في بلدة سلوان‪.‬‬
‫الضفة وال �ق��دس‪ ,‬وض��م األراض ��ي ب��ال�ق��وة‪ ,‬يعد‬

‫توسيع المستوطنات‬
‫ت �ه��وي��د ال��ق��دس م��ن خ�ل�ال ق �ي��ام ال � ��وزارات‬
‫ب �ت �خ �ص �ي��ص ج � ��زء م� ��ن م �ي��زان �ي �ت �ه��ا لتشجيع‬
‫اإلس��رائ �ي �ل �ي �ي��ن ع �ل��ى ال ��زح ��ف إل �ي �ه��ا‪ ،‬للسكن‬
‫واالستثمار‪ ،‬لمواجهة تناقص التعداد اليهودي‬
‫فيها‪ ,‬وخشية ان�ت�ق��ال الفلسطينيين إليها من‬
‫المناطق التي يحتلها الجدار الفاصل‪ ,‬وفرض‬
‫القيود الصارمة على هذا االنتقال‪.‬‬

‫مخالفاً لكل االتفاقات والمعاهدات والقرارات‬

‫الدولية التي تحظر االستيطان‪ ،‬كما تعد مخالفة‬
‫التفاقية الهاي ‪1907‬م التي تحظر مادتها (‪)49‬‬

‫على سلطة االحتالل مصادرة األمالك الخاصة‬
‫للمواطنين‪ ،‬أما المادة (‪ )69‬فتلزم سلطة االحتالل‬
‫احترام األمالك الخاصة للمواطنين‪.‬‬

‫‪ -6‬االلتفاف على قرارات مجلس األمن‬
‫ومنها ق��رارا مجلس األم��ن (‪ )446‬و(‪،)471‬‬

‫تنشيط المنظمات اليهودية المتطرفة‪ ,‬لجذب اللذان يقضيان بتفكيك المستوطنات‪ ,‬وهو ما‬
‫أم ��وال ال�ي�ه��ود األمريكيين م��ن األث��ري��اء لشراء أشار إليه تقرير لجنة ميتشل الذي دعا حكومة‬

‫‪32‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫‪-7‬عدم احترام المسؤولية كدولة احتالل‬
‫إن الشرعية ال��دول�ي��ة تحتم على إسرائيل‬
‫كدولة احتالل ض��رورة المحافظة على وضعية‬
‫وه��وي��ة ال �ق��دس ال �ش��ري��ف‪ ,‬خ��اص��ة م��ن منطقة‬
‫ال �ح��رم ال �ق��دس��ي‪ ,‬وت��وف�ي��ر ال�ح�م��اي��ة ل��ه م��ن كل‬
‫عمليات التهويد‪ ،‬وخصوصاً التصرفات الحمقاء‬
‫للمتطرفين‪ ،‬ومحاوالتهم المستمرة القتحامه‪.‬‬
‫‪-8‬فصل القدس عن الضفة الغربية‬

‫إن ال �غ��رض األس��اس��ي م��ن ه��ذا ال�ع�م��ل‪ ,‬هو‬
‫إي �ج��اد ال�ت��واص��ل م��ع المستوطنات المحيطة‪،‬‬
‫وع ��زل ال�م��دي�ن��ة وت�ف��ري�غ�ه��ا م��ن الفلسطينيين‪،‬‬
‫ومنعهم م��ن ال��وص��ول إل��ى المسجد األقصى‪،‬‬
‫ليتسنى لهم هدمه بعد ذلك‪ ،‬وقد صاحب هذا‬
‫العمل تحرشات وانتهاكات من جماعات يهودية‬
‫متطرفة قامت بدعوات القتحام المسجد‪ ،‬وكان‬
‫آخر ها في السادس من يونيه في ذكرى احتالل‬
‫المدينة‪ ،‬ويعد هدم المنازل في المناطق المحتلة‬
‫من جرائم الحرب في نظر القانون الدولي‪ ،‬وقد‬
‫أيد ذلك ما جاء في تقرير منظمة العفو الدولية‬
‫الذي نشر في ‪2005/5/24‬م‪.‬‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫إسرائيل إلى تجميد جميع النشاطات االستيطانية‬
‫بما في ذلك النمو الطبيعي للمستوطنات القائمة‪,‬‬
‫وتأكيد اللجنة أن شكل التعاون األمني المطلوب‬
‫ال مع استمرار النشاط‬
‫ال يمكن أن يستمر طوي ً‬
‫االستيطاني‪.‬‬

‫على الرغم من أنها بنيت بصورة قانونية‪ ،‬وتعد‬
‫هذه العملية هي األكبر من نوعها منذ االحتالل‬
‫في إطار المخطط الذي بدأ عام ‪1977‬م‪ ،‬وأن‬
‫هذه المنازل ستتحول إلى حدائق عامة‪ ,‬إضافة‬
‫إلى إقامة مدينة داود عليها‪ ,‬ويدَّ عون أنه كان‬
‫يستحم فيها قبل ثالثة آالف عام‪.‬‬

‫ت�ح��اول إسرائيل جهدها فصل ال�ق��دس عن‬
‫باقي األراض��ي الفلسطينية بعدة وسائل بداية‬
‫لتهويدها‪ ،‬وم��ن أه��م ه��ذه ال�م�م��ارس��ات‪ ،‬إقامة‬
‫ال �ج��دار ال �ع��ازل ال ��ذي ي �ق��ام ت�ح��ت ن�ظ��ر وسمع‬
‫حكومة بوش التي قامت بتخدير العرب بإقامة‬
‫إن ب �ع��ض األع� �م ��ال ال �ت��ي ت �ق��وم ب �ه��ا قوات‬
‫دولة فلسطينية قابلة للحياة‪.‬‬
‫االحتالل اإلسرائيلي ضد الفلسطينيين تعد من‬
‫لقد بدأت فكرة التهويد في أعقاب احتالل نظر المجتمع ال��دول��ي من جرائم الحرب ضد‬
‫الضفة الغربية وم��دي�ن��ة ال �ق��دس‪ ,‬وخ�ل�ال هذه اإلنسانية‪ ،‬وعندما ذكرت الجرائم التي ارتكبتها‬
‫ال�ف�ت��رة ب��دأ التخطيط لعملية ال�ت�ه��وي��د‪ ،‬حيث إسرائيل‪ ,‬أدرج ضمنها قيام قوات االحتالل بهدم‬
‫جرى البحث عن آثار للهيكل‪ ,‬واالدعاء بأن فيها مئات المنازل‪.‬‬

‫مقدسات يهودية‪ ,‬ومحاولة إقناع المجتمع الدولي‬
‫بذلك‪ ,‬كما مرت هذه المرحلة بمحاولة إلحراق‬
‫المسجد األقصى في ‪ 21‬أغسطس ‪1969‬م‪.‬‬
‫أما التنفيذ‪ ،‬فقد بدأت اجراءاته مع بداية شهر‬
‫يونيو من ع��ام ‪2005‬م‪ ،‬عندما قامت الحكومة‬
‫اإلسرائيلية بهدم (‪ )88‬منزالً من حي البستان‬
‫بمدينة سلوان‪ ،‬التي تعد حياً من أحياء القدس‪،‬‬

‫لقد جاء في تقرير مركز المعلومات الفلسطيني‬
‫يومها إفادة‪ ,‬أن عدد المنازل التي تضررت كلياً‬
‫وج��زئ �ي �اً ف��ي ال �ف �ت��رة م��ن ‪2000/9/29‬م حتى‬
‫‪2005/2/28‬م بسبب اإلجراءات التعسفية التي‬
‫يقوم بها جيش االحتالل من أفعال بلغ (‪)69843‬‬
‫منزالً‪ ،‬منها (‪ )7438‬منزالً ُدمِّرت بالكامل‪.‬‬
‫أم��ا م��رك��ز المعلومات لحقوق اإلن �س��ان في‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪33‬‬

‫إسرائيل‪ ،‬فقد أعلن أن��ه ق��ام بتسليم الحكومة وتأكيد كل القرارات السابقة‪ ،‬وأخطرها قانون‬
‫اإلس��رائ�ي�ل�ي��ة ف��ي ش�ه��ر م ��ارس ‪2005‬م مذكرة ‪ 24‬أكتوبر ‪1995‬م الذي أعاد تكرار المغالطات‬
‫اح �ت �ج��اج‪ ،‬ت�ش�ي��ر إل ��ى أن ع ��دد الفلسطينيين التي تقضي بأن القدس عاصمة الشعب اليهودي‬
‫المتضررين من جدار الفصل العنصري المعدل ألكثر من ثالثة آالف ع��ام‪ ،‬وإنها كانت مركزية‬
‫ال ��ذي أق��رت��ه الحكومة الصهيونية‪ ،‬يصل إلى لليهود‪ ،‬وقد ذكرت في التوراة (‪ )766‬مرة‪ ،‬وإنها‬
‫نحو نصف مليون إن �س��ان‪ ،‬يسكنون ف��ي (‪ )85‬لم تذكر في القرآن أب��داً‪ ،‬وإن القدس هي مقر‬
‫بلدة وقرية‪ ،‬وبلغت األراضي المصادرة بموجب الحكومة اإلسرائيلية بما فيها البرلمان الرئيسي‪،‬‬
‫الجدار العازل (‪ )536‬ألف دونم‪ ،‬وهي تعادل ‪ %6‬والمحكمة العليا‪.‬‬
‫من مجموع أراضي الضفة الغربية‪.‬‬

‫دور الكونجرس األمريكي‬

‫الخالصة والتوصيات‬

‫وب��ه��ذه ال�م�ن��اس�ب��ة أس �ج��ل ل �ل �ت��اري��خ‪ ،‬أن كل‬

‫حاولت الحكومة اإلسرائيلية إسباغ الشرعية المحاوالت التي جرت في الكونجرس أو غيره‬
‫اإلسرائيلية الزائفة على المدينة المقدسة‪ ،‬كي لتهويد ال �ق��دس‪ ،‬خ�لال س�ف��ارة ص��اح��ب السمو‬
‫تصبح عاصمة لدولة الكيان الصهيوني‪ ،‬فعمدت الملكي األم �ي��ر ب�ن��در ب��ن س�ل�ط��ان‪ ،‬ق��د أحبطت‬
‫إل��ى إج��راء التفاهم بين الكنيست اإلسرائيلي بسبب يقظته وإدراك���ه للعبة التي تقوم عليها‬
‫وال�ك��ون�ج��رس األم��ري �ك��ي كهيئتين تشريعيتين‪،‬‬
‫السياسة األمريكية‪.‬‬
‫في محاولة إلص��دار المزيد من القوانين؛ فقد‬
‫إن األجيال القادمة سوف لن تغفر لنا التهاون‬
‫أصدر الكنيست اإلسرائيلي قراراً بضم القدس‬
‫في قضية القدس‪ ،‬والملك فيصل بن عبدا لعزيز‬
‫في األيام األولى لالحتالل الذي حدث في يونيو‬
‫‪1967‬م‪ ،‬وتبع ذل��ك استصدار ق��رارات وقوانين رحمه الله‪ ،‬ك��ان ي��درك خطورة ضياع القدس‪،‬‬
‫عديدة من الكنيست من أهمها القانون األساسي فكان تركيزه األساسي على إعادتها وتحريرها‪،‬‬
‫وك��م تمنى أن يصلي بها وه��ي ح��رة‪ ،‬وال بد من‬
‫الصادر عام ‪1980‬م‪ ،‬وغيره من القوانين‪.‬‬
‫إتمام رسالته وتحقيق أمانيه‪.‬‬
‫في عام ‪1990‬م‪ ،‬أخذ الكونجرس األمريكي‬
‫إننا نعيش في هذه األي��ام فرصة منحنا الله‬
‫في تبني قرار مجلس الشيوخ رقم (‪ )106‬الذي‬
‫أع�ل��ن أن ال�ك��ون�ج��رس ي��ؤم��ن ب�ش��دة أن القدس إي��اه��ا‪ ،‬وه��ي وج��ود حكومة ق��وي��ة ف��ي الواليات‬
‫ينبغي أن تبقى مقسمة‪ ،‬وأن تحترم بها حقوق كل المتحدة األمريكية ت�ح��اول جهدها ف��ي إقرار‬
‫ال�س�لام ف��ي ال�ش��رق األوس ��ط‪ ،‬وعلينا أن ننتهز‬
‫الجماعات العرقية والدينية‪.‬‬
‫ه��ذه الفرصة‪ ،‬ونعلن أن ال س�لام دون القدس‬
‫بعدها أصدر الكونجرس قرارات أخرى كان‬
‫أخ�ط��ره��ا م��ا ي�ع��رف ب�ق��ان��ون الكونجرس بشأن والمقدسات اإلسالمية‪.‬‬
‫إن مناصبة العداء للواليات المتحدة األمريكية‬
‫ال �ق��دس ال��ص��ادر ف��ي ‪ 24‬أك �ت��وب��ر ‪1995‬م‪ ،‬ثم‬
‫تبعه م�ش��روع ال�ق��رار ال��ذي تقدم ب��ه السيناتور يمنح الفرصة إلسرائيل لتتمكن من تهويد القدس‪،‬‬
‫(ب��راون �ب��اك) ف��ي ‪ 19‬إب��ري��ل ‪2005‬م الستكمال ومن ثم طعن السالم في جانبه األعزل‪ ،‬فخير من‬

‫‪34‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫على كسبها لمصالحنا‪.‬‬

‫إن المملكة العربية السعودية ‪ -‬وهي الدولة‬

‫إن على األم��ة العربية واإلسالمية أن يكون التي نذرت نفسها لحماية المسلمين ومقدساتهم‬
‫لها دور داخل الواليات المتحدة األمريكية‪ ،‬ومن ‪ -‬عليها مع أصدقائها من العرب والمسلمين‪,‬‬

‫أهم هذه األدوار تشكيل عدد من مراكز الضغط ع��بء التخطيط ال�ط��وي��ل األم ��د ل�ل��وص��ول إلى‬
‫على صناع القرار؛ فأعداؤنا حققوا انتصاراتهم‬
‫أه��داف �ن��ا‪ ،‬وت�ح�ق�ي��ق أم��ان�ي�ن��ا ع��رب �اً ومسلمين؛‬
‫علينا من داخل الواليات المتحدة األمريكية‪ ،‬ولن‬
‫فالتاريخ لن يرحم‪ ،‬والله عز وجل سوف يسألنا‬
‫نستطيع إحباط مخططاتهم وهزيمتهم إال من‬
‫عن ما قدمنا‪ ،‬وعن ما فرطنا‪.‬‬
‫داخل الواليات المتحدة‪.‬‬
‫إننا في حاجة إل��ى إنشاء مراكز للدراسات‬

‫واألبحاث اإلستراتيجية لمتابعة ما يجري على‬
‫الساحة الدولية من مخططات‪ ،‬وما ينصب من‬

‫حبائل‪ ،‬عندها لن تنفع ناطحات السحاب‪ ،‬وال‬
‫الجامعات‪ ،‬وال المؤسسات التجارية‪ ،‬وال حتى‬

‫األس�ل�ح��ة وال �ط��ائ��رات‪ ،‬لقد دخ��ل ال�ع��ال��م حرباً‬

‫فكرية قوامها المعرفة والتخطيط‪.‬‬

‫إن على مجلس الشورى السعودي والمجالس‬

‫النيابية ال�ع��رب�ي��ة أن ت �ب��ادر إل��ى الدبلوماسية‬

‫البرلمانية وإجراء تبادل الزيارات مع الكونجرس‬

‫األمريكي لشرح القضية الفلسطينية وحقوق‬
‫ال� �ع ��رب وال �م �س �ل �م �ي��ن ف ��ي ال� �ق ��دس واألراض � ��ي‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫أن نفكر في تدمير الواليات المتحدة أن نعمل الفلسطينية‪ ،‬ودحض الشبهات اإلسرائيلية‪.‬‬

‫المراجع‬

‫ •مجمع الفوائد م��ن جامع األص��ول ومجمع الزوائد‬
‫اإلمام محمد بن سليمان‪.‬‬
‫ •الموسوعة العربية العالمية الطبعة الثانية‪.‬‬
‫ •العرب واليهود في التاريخ د‪ .‬أحمد سوسة‪.‬‬
‫ •تهويد القدس بين الكنيست والكونجرس د‪ .‬محمد‬
‫يوسف الفرعي (األهرام)‪.‬‬
‫ •خرافة حائط المبكى عند اليهود د‪ .‬محمد سليم العوا‬
‫(المركز الفلسطيني لإلعالم)‪.‬‬
‫ •القدس الشريف وخطة التهويد محمد باشا (األهرام)‪.‬‬
‫ •ج��رائ��م ال �ح��رب ومخططات التهويد ع��ون��ي صادق‬
‫(صحيفة الخليج اإلماراتية)‪.‬‬
‫ •ال�ق��دس بين ف��رض األم��ة ال��واق��ع والتهويد السفير‬
‫محمد بسيوني (األهرام)‪.‬‬

‫(‪ )1‬كاتب من األردن‪.‬‬
‫(‪ )2‬كاتب من األردن‪.‬‬
‫(‪ )3‬كاتب من السعودية‪.‬‬
‫(‪ )4‬كاتب من األردن‪.‬‬
‫(‪ )5‬تاريخ الصحافة المقدسية ‪ -‬البيادر السياسي ‪ -‬بشير بركات ‪ -‬األرشيف‪ :‬العدد ‪.883‬‬
‫(‪ )6‬مقتطفات من الصحف الفلسطينية‪ ،‬وليد خليف وسهير دياب‪ ،‬الناصرة‪1995 ،‬م‪.‬‬
‫(‪ )7‬يعقوب الهوشع‪ :‬تاريخ الصحافة العربية في فلسطين في العهد العثماني‪.‬‬
‫(‪ )8‬يعقوب الهوشع‪ :‬المرجع السابق‪.‬‬
‫(‪ )9‬يسري راغب شراب‪.12 :19 ،2008-11-05‬‬
‫(‪ )10‬محاضرة ألقاها الدكتور‪ :‬أنور ماجد عشقي بنادي الجوف األدبي يوم االثنين ‪ 20‬شعبان ‪1430‬ه�ـ الموافق ‪11‬‬
‫أغسطس ‪2009‬م‪.‬‬
‫(‪ )11‬رئيس مركز الشرق األوسط للدراسات االستراتيجية والقانونية‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪35‬‬

‫صورة املرأة‬

‫في روايتي «عندما يبكي الرجال» لوفاء مليح‬
‫و«حلظات ال غير» لفاحتة مرشيد‬

‫> د‪ .‬بديعة الطاهري*‬
‫قبل الحديث عن صورة المرأة في روايتي فاتحة مرشيد ووفاء مليح‪ ،‬ال بد من تقديم‬
‫بعض التوضيحات الضرورية‪:‬‬
‫ أولها‪ ،‬إن االهتمام بما تكتبه المرأة‪ ،‬عموما‪ ،‬والمرأة المغربية‪ ،‬خاصة‪ ،‬يجب أن‬‫يتم في أفق إضافاته الفنية والداللية إلى حقل اإلبداع الروائي‪ ،‬شأنه في ذلك شأن ما‬
‫يكتبه المبدعون الرجال؛ ألنها اإلشكالية الحقيقية التي يجب أن نتنبه إليها في إطار ما‬
‫ي َِسم النقد من محاباة وتقديس‪ ،‬وما نلحظه من تراكم إبداعي ورقي ورقمي‪ ،‬يتم أحيانا‬
‫خارج «الرقابة األدبية»‪.‬‬
‫فالطرح النقدي الصحيح‪ ،‬ال ينظر إلى‬
‫العمل األدبي بوصفه إنتاجا تكتبه المرأة‬
‫أو ال��رج��ل‪ ،‬وإل��ى العملية النقدية كفضاء‬
‫لبصمات تعين على تصنيف الكتابة‪ .‬بل‬
‫يتعامل مع العمل األدب��ي في أف��ق البحث‬
‫عما يحقق أدبيته‪ ،‬ويرقى به عما يصيره‬
‫كتابة ع��ادي��ة ت �ع��ادل ال�ش�ه��ادة ال��ذات�ي��ة أو‬
‫المقال الصحفي أو السياسي‪.‬‬
‫ ث��ان��ي��ه��ا‪ ،‬إن ال �ح��دي��ث ع��ن الكتابة‬‫الروائية لدى المرأة‪ ،‬هو حديث عن موقع‬

‫‪36‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫الرواية المغربية في الخريطة الثقافية؛‬
‫فنحن نؤمن ب��أن ال��روائ�ي��ات المغربيات‪،‬‬
‫رغم قلتهن‪ ،‬ال يكتبن بعيدا عن المجتمع‬
‫وتحوالته؛ إذ ال تُراهن الكتابة لديهن على‬
‫الكتابة الذاتية المرتبطة بعوالم نسائية‬
‫معزولة‪ .‬ومن ثم‪ ،‬عندما تكتب المرأة عن‬
‫عوالمها‪ ،‬فإنها تتخذ تلك العوالم نقطة‬
‫انطالق‪ ،‬تطل من خاللها على العالم من‬
‫ح��ول�ه��ا‪ .‬وم��ا ال ��ذات س��وى قنطرة للعبور‬
‫نحو العوالم(‪ )1‬الخارجية الكتشافها وتعرية‬
‫تناقضاتها‪ .‬فالروائيات المغربيات يكتبن‬

‫وه� ��نَّ ‪ ،‬ف��ي ذل���ك‪ ،‬ال يلغين االه �ت �م��ام بالشكل‬
‫الروائي‪ .‬فأعمالهن ليست شهادات عن مواضيع‬
‫سياسية أو اجتماعية؛ بل هي تشخيص سردي‪،‬‬
‫وبناء لعوالم خيالية ترتقي باليومي والمتداول‬
‫إلى لحظة إبداعية تتجلى في قدرتهن على بناء‬
‫عوالم ممكنة «تقوم بتهذيب النسخ المتحققة‪،‬‬
‫وتحويلها إلى نموذج يستوطن الوجدان‪ ،‬ويتخلص‬
‫من سمات الخاص والمفرد»(‪.)2‬‬

‫دراس����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ات‬

‫غ�ي��ر ع��ادي�ت�ي��ن ‪ -‬وإن تفاوتت‬
‫م ��ن م ��وق ��ع ال �م �ن �خ��رط��ات في‬
‫ثقافتهما وعلمهما ‪ -‬تمتلكان‬
‫السيرورة االجتماعية‪ ،‬الواعيات‬
‫وعيا بواقعهما وتحوالته‪ .‬وهو‬
‫بتحوالتها‪ ،‬ال م��ن خ�لال كهف‬
‫وع ��ي ي�ج�ع��ل ال �ك �ت��اب��ة لديهما‬
‫ذاتي منغلق‪ .‬فقد ولج معظمهن‬
‫تنأى عن اجترار‪ ،‬أو باألحرى‪،‬‬
‫الكتابة الروائية‪ ،‬وهن محمالت‬
‫فتح واجهة الصراع مع الرجل‪،‬‬
‫بثقافة ووعي سياسي كبيرين‪،‬‬
‫وال�ت��أس��ف على دون�ي��ة المرأة‪.‬‬
‫يؤهالنهن لتقديم تصورهن عن‬
‫إن�ه�م��ا ت �ن��أي��ان‪ ،‬ب��ذل��ك‪ ،‬ع��ن كل‬
‫ال �ع��ال��م م��ن ح��ول �ه��ن‪ .‬وه ��ذا ما‬
‫فاتحة مرشيد‬
‫خطاب نسوي يجعل من الكتابة‬
‫نلمسه ف��ي إب��داع��ات ليلى أبو‬
‫زيد‪ ،‬وخديجة مروازي‪ ،‬وزهور كرام‪ ،‬ووفاء مليح‪ ،‬فرصة لصراع جنسي؛ فالحديث عن المرأة وعن‬
‫ال ��ذات‪ ،‬ال ي��أت��ي إال م��ن خ�لال ال��وع��ي باآلخر‪،‬‬
‫وفاتحة مرشيد‪ ،‬وإسمهان الزعيم وغيرهن‪.‬‬
‫ومما يستحسن لديهن‪ ،‬محاولة ارتياد عوالم وبالعالم الخارجي‪ .‬ومن ثم‪ ،‬فالمرأة في النصين‬
‫ج��دي��دة تميز كتابتهن‪ ،‬منها تجربة االعتقال ليست ذاتاً معزولة‪ ،‬إنها تشكل عالقة ضمن شبكة‬
‫ال�س�ي��اس��ي‪ ،‬وال �ت �ح��والت ال�س�ي��اس�ي��ة بالمغرب‪ ،‬من عالقات يحاول النصان تفكيكها ومحاولة‬
‫وواق��ع المثقف المغربي‪ ،‬والمنظومة الفكرية‪ ،‬فهمها وتمثلها‪ .‬والحديث عنها هو حديث عن‬
‫واإلحباطات السياسية‪ ،‬وغيرها من الموضوعات الفرد داخ��ل المجتمع وما يحمله كل واح��د من‬
‫التي تعد طابوهات‪ :‬كاالغتصاب والعجز الجنسي‪ .‬خصوصية تستدعي التفكير والتأمل‪.‬‬
‫وبناء على ما سبق‪ ،‬يلزم‪ ،‬حين الحديث عن‬
‫خصوصية اإلب ��داع‪ ،‬ربطه بالموضوع المقارب‬
‫أوال‪ ،‬وبالثقافة التي تشكل روافد الكتابة ثانيا‪،‬‬
‫وكذا بالمؤهالت والقدرات التي يملكها الكاتب‪،‬‬
‫والتي تخول له التقاط المظاهر‪ ،‬والتعبير عنها‬
‫بكل مهارة‪ .‬فالعديد من الكتاب الرجال سبروا‬
‫أغوار المرأة وعوالمها باحترافية عالية‪.‬‬

‫ وث��ال��ث ه ��ذه ال�ت��وض�ي�ح��ات يتعلق بسبب‬‫اختيارنا للنصين‪ .‬وهو اختيار يرجع إلى الحوار‬
‫الذي لمسناه بينهما‪ .‬حوار مشروع يفرضه‪ ،‬كما‬
‫ي��رى ب��اخ�ت�ي��ن(‪ )3‬وغ�ي��ره م��ن ال�ن�ق��اد‪ ،‬ك��ون العمل‬
‫األدبي عالقة ضمن شبكة من العالقات قد تكون‬
‫داخل أو خارج نصية‪.‬‬

‫وتندرج‪ ،‬في هذا اإلط��ار‪ ،‬الروايتان‪ ،‬موضوع‬
‫اشتغالنا‪ ،‬حيث نجد وعيا لدى الكاتبتين وإصرارا‬
‫نصيهما ينفلتان من شرنقة التصنيف‬
‫على جعل َّ‬
‫الروائي الفاصل بين ما تكتبه المرأة وما يكتبه‬
‫الرجل‪ .‬يتحقق ذلك‪ ،‬على األقل‪ ،‬من خالل توزع‬
‫الحكايتين ف��ي النصين بين صوتين سرديين‪:‬‬
‫ويمثل حوار النصين عبر التقاطع واالمتداد‬
‫ص��وت ال�م��رأة وص��وت ال��رج��ل‪ ،‬واختيار بطلتين على مستويين‪:‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪37‬‬

‫ م�س�ت��وى ال�ت�ي�م��ات ال �م �ق��ارب��ة‪ ،‬م �ث��ل‪ :‬الموت وال��زوج��ة‪ ،‬والحبيبة‪ .‬وال ت�ك��ون ال �م��رأة كذلك‪،‬‬‫االن��ت��ح��ار‪ ،‬وال��ح��ب وج��دل �ي��ة م ��وت الرغبة إال بحضور ال��رج��ل أي�ض��ا ك��زوج وأب وحبيب‪.‬‬
‫واستعادتها‪.‬‬
‫وبناء على العالقة بينهما‪ ،‬تتشكل صورة المرأة‬
‫ مستوى البناء‪ ،‬إذ نالحظ احتفا ًء بالحكاية متراوحة بين تصورين‪:‬‬‫التي تجد لها تقاسيم ف��ي بعض الروايات ‪ -‬ت�ص��ور تقليدي يعيد إن �ت��اج ال�ب�ن��اء الثقافي‬
‫الكالسيكيةـ ح�ي��ث ت�ت��م ال�ن�ه��اي��ة دوم ��ا عبر‬
‫السائد‪.‬‬
‫الموت والجنون‪ ،‬كإعالن عن عدم التصالح ‪ -‬تصور حديث‪ ،‬يحاول تبيان الخلل الذي يسود‬
‫مع العالم‪ ،‬ال��ذي تغزوه قيم مزيفة؛ غير أن‬
‫األول‪ ،‬ويعيد النظر فيه‪.‬‬
‫حدس الروائيتين الواعيتين بحتمية اإلضافة‪،‬‬
‫يجعل النصين ال يقفان عند هذا المستوى ‪ -1-1‬صورة األم‬
‫القاضي بالقطيعة بين البطل وال�ع��ال��م؛ بل‬
‫يتحقق التصور األول من خالل صورة نمطية‬
‫يجعلهما ي ��رت ��ادان رح ��اب ن�ه��اي��ة مفتوحة‪ ،‬لألم يغذيها التصور الديني واالجتماعي‪ ،‬الذي‬
‫ترى في استرجاع الرغبة في الحياة وسيلة يحرك «آلة القيم واألخالق التي تجعل من «األم»‬
‫ل�م��واج�ه��ة ال�ع��ال��م ال�م�ن�ح��ط‪ .‬ذل��ك م��ا يمكن كائنا يتحرك داخ��ل خطاب الحشمة والنفعية‬
‫استنتاجه‪ ،‬على األقل‪ ،‬من خالل عنوان رواية والوظيفيةّ»(‪ .)5‬وهي ص��ورة‪ ،‬من المحتمل‪ ،‬أنها‬
‫فاتحة مرشيد «لحظات ال غير»‪ ،‬أو من خالل تأخذ هالتها من وضع المرأة كزوجة في مجتمعنا‬
‫ما تتلفظ به بطلة وفاء مليح في نهاية الرواية‪ :‬ال�ع��رب��ي‪ ،‬إذ تجعل منها سلطة ال��رج��ل إنسانة‬
‫«سأفتح ذراعي للحياة وأنطلق»(‪.)4‬‬
‫ضعيفة تستدعي العطف‪ ،‬والحنان‪ ،‬بل والتقديس‬
‫ال ��وق ��وف ع �ن��د ال �ت �ق��اط��ع ب�ي�ن�ه�م��ا إجحاف أحياناً؛ انتقاما من غطرسة ذكورية‪ .‬يتبنى الرجل‬
‫لحقيهما؛ ألنه يجعل منهما نسخة واحدة بتكرار هذه النظرة في النصين‪ ،‬فهو ال يصوغ خطابه عن‬
‫وامتداد عقيمين‪ .‬فكما يقوم الحوار على التقاطع‪ ،‬األم إال داخل منظومتنا الثقافية‪ ،‬ولكنه خطاب‬
‫يتأسس على اختالف‪ ،‬نلمسه من خ�لال تباين ال يتحقق إال ومعه خطاب مضاد عن األب؛ إذ‬
‫وجهات نظر المبدعتين إلى العالم من حولهما‪ .‬كلما رسم الرجل صورة إيجابية ألمه رسم لألب‬
‫هذا ما يمكن أن نبينه من خالل سبر تفاصيل ص��ورة مناقضة؛ ف��األم في النصين رمز للحنان‬
‫وال�ح��ب وال�ص�ب��ر‪ .‬لقد كانت «ك��ل ش��يء جميل‪.‬‬
‫صورة المرأة لديهما‪.‬‬
‫كانت الشمس التي ت��داع��ب وجهي ك��ل صباح‪،‬‬
‫‪ -1‬صورة المرأة‬
‫كانت سيدة التضحيات»(‪ .)6‬وغيابها عن البيت‪،‬‬
‫وع�ل��ى ال��رغ��م م��ن أن النصين ي��رك��زان على ولو لفترة قصيرة‪ ،‬يجعل بطل وفاء مليح يحس‬
‫صوت سردي نسائي واحد هو الطالبة الجامعية باليتم والعري‪ ،‬يقول عنها البطل‪:‬‬
‫في «عندما يبكي الرجال»‪ ،‬والطبيبة النفسانية‬
‫«ام��رأة مكافحة ذات أنفة وكبرياء»(‪« )7‬سعت‬
‫في «لحظات ال غير»‪ .‬فإن نساء أخريات يقتحمن جاهدة لتوفر لنا األمان والدفء»‪ .‬ويضيف‪« :‬مر‬
‫عالم السرد بأدوار مختلفة منها األم‪ ،‬والصديقة‪ ،‬اليومان كأنهما أعوام‪ ،‬ثقلهما جثم على صدري‪،‬‬

‫‪38‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫لكن خطاب الرجل يحمل‪،‬‬
‫رغ��م ذل��ك‪ ،‬عتابا رقيقا لألم؛‬
‫إذ يبين دوره ��ا ف��ي التهميش‬
‫والخضوع لألب‪ ،‬وسعيها إلى تشييد سلطته كلما‬
‫افتقدها أو تخلى عنها‪ ،‬وسعيها إلى ترسيخها‬
‫كلما كان هناك ما يهددها‪ ،‬ألنها تعيش داخلها‬
‫توازنها وصحوها النفسي‪.‬‬
‫يقول السارد‪« :‬تحب والدي حتى في حاالته‬
‫األك �ث��ر ت��ذم��را‪ ،‬تختلق ل��ه األع�� ��ذار‪ ،‬ت��دع��و له‬
‫بالهداية‪ ،‬وتغضب إذا انتقده أحد»(‪.)9‬‬

‫‪ -2-1‬صورة المحبوبة‬
‫م� ��ن ال� � ��ذي ي� �ت� �ح ��دث عن‬
‫الحب؟ سؤال طرحه الكثيرون‬
‫ول��ه مشروعيته ف��ي «زم ��ن ال‬
‫يتواصل معك إال انطالقا من‬
‫نسق رمزي لالحتراس والحذر‬
‫والكراهية؟»(‪.)10‬‬

‫دراس����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ات‬

‫ازداد يتمي وعريي؛ بت كطفل‬
‫رضيع يحتاج إلى لبن أمه»(‪.)8‬‬
‫وفي المقابل‪ ،‬يصور األب رديفا‬
‫ألح��اس �ي��س ال �ض �ي��اع والحزن‬
‫الدفين‪ ،‬وفقدان األمان وعدم‬
‫المسؤولية‪ ،‬كما يعبر عن ذلك‬
‫بطل «عندما يبكي الرجال»‪،‬‬
‫وه���و غ �ي��ر م �س �ئ��ول وعنيف‪.‬‬
‫ب��ال�ن�س�ب��ة ل�ب�ط��ل «ل �ح �ظ��ات ال‬
‫غير»‪.‬‬

‫لسان شخصية الرجل‪ ،‬لتعطي‬
‫لموقفها موقعه الصحيح‪.‬‬

‫ولكن ال��وع��ي النسائي في‬
‫الرواية العربية يرى أن فلسفة‬
‫الحياة ال تنبثق إال من خالل‬
‫ال�ح��بّ والعشق‪ .‬ول��ذل��ك نجد ف��ي النصين معا‬
‫احتفاء بالحب عبر صورة المحبوبة فيهما‪ .‬وهي‬
‫ص��ورة تأتينا من منظورين يتسربان عبر وعي‬
‫ال �م��رأة ال �س��اردة ه�م��ا‪ :‬منظور ال��رج��ل ومنظور‬
‫ال �م��رأة‪ .‬فقد عودتنا بعض النصوص الروائية‬
‫التي كتبها ال��رج��ال على التقاط ص��ورة المرأة‬
‫المحبوبة من خالل جسدها‪ .‬وهي عادة صورة‪،‬‬
‫تركز على مواطن الجمال‪.‬‬

‫ورغم أن حضورها خافِ ت لدى البطلتين‪ ،‬فإن‬
‫والمحبوبة في رواية وفاء مليح‪ ،‬طالبة جامعية‪،‬‬
‫الصورة التقليدية نفسها تمأل خطابيهما‪ .‬بمعنى‬
‫ال يقدم النص مالمحها‪ ،‬رغم أن الصوت السردي‬
‫أنها تظل محافظة وأسيرة التقاليد‪ .‬وبيد أنها‬
‫رجل‪ .‬فتخرق بذلك القاعدة‪ ،‬لتقدم المرأة من‬
‫ص��ورة تخضع النتقاد غير مباشر‪ ،‬يتجلى لنا‬
‫خالل كفاءاتها‪ ،‬يقول السارد‪:‬‬
‫من خالل تحدي البطلتين ألميهما المتراوح بين‬
‫«ان�ج��ذب��ت إليها منذ ك��ان��ت ت��رم��ي بأسئلتها‬
‫المواجهة والقطيعة‪ ..‬إنهما تسعيان بذلك إلى‬
‫التحرر من صورة تقليدية‪ ،‬والبحث عن أخرى‪ ،‬النارية‪ .‬أجيب على بعضها وأعجز على اإلجابة‬
‫ع��ن بعضها اآلخ ��ر‪ ..‬ال أسمع منها غير سؤال‬
‫وهو ما يتم من خالل اإلصرار على موقفيهما‪.‬‬
‫واحد تنطق به في آخر المحاضرة‪ .‬دائما يكون‬
‫إننا إزاء عالمين‪ :‬عالم ترضاه المرأة‪ /‬األم‪،‬‬
‫سؤاال أعجز عن اإلجابة عليه(‪!)12‬‬
‫وتحافظ عليه باعتبارها وعيا ماضيا‪ .‬وعالم‬
‫وعندما يحكي السارد عن إحساسه وعالقته‬
‫ترفضه ال�م��رأة ال �س��اردة‪ ،‬إم��ا مباشرة‪ ،‬أو على‬
‫بمحبوبته‪ ،‬فإن اللغة النثرية تتوارى‪ .‬تسمو اللغة‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪39‬‬

‫لتنقل لنا لحظات شعرية‪ ،‬ترسم تضاريس العشق عشقا للوطن‪ ،‬وعندما أعشق الوطن‪ ،‬ألتحم»(‪.)15‬‬
‫الذي يجمع األستاذ بطالبته‪ .‬يقول‪:‬‬
‫ويحيلنا ه��ذا النمط م��ن الحب على نموذج‬
‫في ال�ت��راث الشعري العربي‪ ،‬يتمثل في الحب‬
‫ال �ع��ذري‪ .‬وال يهمنا التشابه والتقاطع بينهما‪،‬‬
‫بقدر ما تهمنا البنية الفكرية التي ولدت األول‬
‫في الشعر‪ ،‬وولدت الثاني في رواية وفاء مليح‪.‬‬

‫«‪ ..‬في صمتها تقول شعرا يأسرني؛ غائبة‪..‬‬
‫وفي غيابها ترتل صلوات العشق؛ حزينة‪ ..‬وفي‬
‫حزنها تثير الشهوة والرغبة في االمتالك‪ ،‬تجللها‬
‫كآبة تزيدني هياما بها؛ في وجودها يبدو الحزن‬
‫جميالً؛ في تفاصيل وجهها اكتشف شاعرية تفتح‬
‫إن الحب العذري‪ ،‬حب ال يقوم على التواصل‬
‫أبوابها للرغبة»(‪.)13‬‬
‫الجسدي‪ .‬ويستحيل فيه أي تنزيل م��ادي‪ .‬وهو‬
‫بل نجد السارد يقدمها من خالل صفات ال ح��ب مستعص على التحقق‪ ،‬قائم على العجز‬
‫تنتمي إل��ى قاموس العشق الحديث‪ .‬فيتحدث وال �ح��رم��ان ال�ل��ذي��ن يعيشهما ال�ش��اع��ر خاصة‪.‬‬
‫عن حمرة وجنتيها التي تعلن خجلها وتضاعف والعجز هو الفضاء الذي تتقاطع فيه رواية وفاء‬
‫وقارها الذي حدثنا عنه‪.‬‬
‫مليح والحب العذري‪ .‬وهو تقاطع تفسره البنية‬
‫إن لغة ال �س��ارد تبقى أس�ي��رة خ�ط��اب الحب االجتماعية والسياسة التي أنتجت الحب العذري‬
‫ال� �ع ��ذري وال ت �ت �ج��اوزه‪ .‬وح �ت��ى ع �ن��دم��ا يحاول قديما وحب البطلين في رواية وفاء مليح‪.‬‬

‫اختراقه‪ ،‬فإنه يتوسل باللغة الموحية‪ ،‬التي ترمز‬
‫وتلمح‪ ،‬وال تعلن دالالتها التي كان يمكن لخطاب‬
‫آخر أن يمألها صورا جنسية؛ فيتحدث عن «ثنايا‬
‫جسدها الخفية»‪ ،‬وعن غياهب مدن الظل‪ ،‬وعن‬
‫نفسه التي ستتهاوى فوق حدائقها»(‪.)14‬‬

‫وإذا كانت العين هي التي تحكي جسد المرأة‬
‫ف��ي بعض النصوص ال��روائ �ي��ة‪ ،‬وت��راك��م الصور‬
‫ال�ح�س�ي��ة‪ ،‬ف��إن اإلح �س��اس ل��دى ال �س��ارد يمدنا‬
‫بمعلومات ع��ن ال �ح��ب ف��ي ف �ض��اء يتناظر فيه‬
‫العشق والشعر‪ ،‬حيث يغدوان سيان؛ ويبدو تمثل‬
‫المحبوبة غير خاضع للنظرة الجنسية المعتادة‪.‬‬

‫وي��رج��ع ه��ذا ال�ح��رم��ان واالم �ت �ن��اع ع��ن اللذة‬
‫ف��ي الشعر ال �ع��ذري إل��ى ال�ح��رم��ان االقتصادي‬
‫والسياسي‪ .‬فتراكم الغنى والسلطة بيد طبقة‬
‫حضرية جديدة بمجيء ال��دول��ة األم��وي��ة مابين‬
‫‪ 750 - 600‬م‪ .‬أدى إل��ى تهميش المجموعات‬
‫البدوية‪ ،‬وبصفة خاصة بني عذرة‪ ،‬الذين كانوا‬
‫ينتمون إلى منطقة جغرافية أسهمت هي األخرى‬
‫في تهميشهم ألنها منطقة تعيش (‪ )4000‬ساعة‬
‫في السنة تحت الشمس‪ .‬كما أنها منطقة جبلية‬
‫ال تتيح التنقل بسهولة(‪.)16‬‬

‫إن العجز الجنسي الذي أصاب السارد‪ ،‬هو‬
‫وه��ي النظرة التي تتكرر ل��دى ال �س��اردة؛ إذ ما يفسر هذا الحب في الرواية‪ .‬عجز لم تدركه‬
‫نحس بها عاشقة‪ ،‬وول �ه��ة‪ ،‬وص��ادق��ة‪ ،‬تنقل لنا البطلة إال بعد أن انتحر محبوبها تاركا أوراقه‬
‫ال�ح��ب إح�س��اس��ا وش �ع��ورا م�ت�ق��دي��ن‪ ،‬ف��ي ل�غ��ة ال ومذكراته التي تحكي عجزه‪.‬‬
‫تختلف عن لغة البطل العاشق‪ ،‬تقول‪:‬‬
‫ول �ك��ن ال �ع �ج��ز ال�ج�ن�س��ي ل �ي��س س ��وى نتيجة‬
‫«‪ ..‬أشعر حين أحبك أنني أزرع شيئا في رحم إلح �ب��اط��ات أخ���رى‪ ،‬وان�ت�ك��اس��ات جعلت البطل‬
‫األرض‪ .‬أشعر أنني أغير تاريخي‪ ..‬زمني‪ .‬أزداد يصل إلى حالته تلك‪ .‬منها صدمته في الواقع‬

‫‪40‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫دراس����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ات‬

‫السياسي واالجتماعي‪ .‬وهذا ما يشل رغبته في‬
‫الحب‪ ،‬يقول‪« :‬جرحي ليس عجزي على الفراش‪.‬‬
‫جرحي أعمق وأوج��ع‪ .‬جرحي فشل معلق على‬
‫جدران االنتكاسات»(‪ .)17‬ويضيف‪« :‬بين جسدي‬
‫والوطن ميثاق كتب من حبر نفس واحدة‪ .‬ليس‬
‫فالبطلة في النص شخصية واعية بواقعها‬
‫ج �س��دي إال وط �ن��ا شكلت خريطته م��ن نضال ومشاكله؛ شخصية تحتج وتثور على الواقع‪ ،‬وهي‬
‫فتحت بابه على مصراعيه ألطارد الريح‪ .‬كيف تهدم بذلك الخطاب الرومانسي ال��ذي حاولت‬
‫أرتاح وأنا أطارد ريحا هوجاء عاصفة؟»‪.‬‬
‫تأسيسه عبر صفحات النص‪ ،‬لتضع بينها وبين‬
‫أم ��ا ال �ب �ط �ل��ة‪ ،‬ف��رغ��م أن �ه��ا ت �ب��دو مستسلمة بطالت الروايات الرومانسية العربية التي شكلت‬
‫لقدرها مع هذا الحبيب العاجز‪ ،‬فإنها تسرب ال �ب��داي��ة م�س��اف��ة ع��ازل��ة‪ ،‬ألن ت�ل��ك ال�ب�ط�لات ال‬
‫عبر خطابها الذاتي‪ ،‬ما يفسر عجزها‪ ،‬ويجعلها يخترن مصيرهن‪ ،‬فهن يحضرن كموضوع‪ ،‬بينما‬
‫ال تستطيع أن تقتحم صمت محبوبها‪ ،‬فتبوح هي هنا ذات‪ :‬ترغب‪ ،‬وترفض‪ ،‬وتحب وتشتهي‪،‬‬
‫بجراح الروح والجسد‪ ،‬إذ نعرف أنها عاطلة ال وتعلن ما يعتمل في دواخلها‪ ،‬ولكن دون أن تتجاوز‬
‫عمل لها وهي الحاصلة على اإلجازة‪ .‬وهو عجز عتبات الكتابة؛ وهنا تختلف عنها بطلة «لحظات‬
‫له امتداد في جسم الوطن الذي يحتضن آالف ال غير»‪.‬‬
‫المعطلين بشواهد أعلى منها‪ ،‬بل يمتهن كرامتهم‬
‫فهي رومانسية عاشقة‪ .‬يصل بها عشقها إلى‬
‫في مهن عابرة ال تناسب مؤهالتهم‪ ،‬بينما أموال ح��دود التضحية بعملها واالستقالة منه‪ ،‬وتمر‬
‫الدولة تُقتسم ‪ -‬كما تقول البطلة ‪ -‬في ردهات رومانسيتها أوالً عبر البوح واالعتراف بمكنونات‬
‫البرلمان‪.‬‬
‫ال��ذات وعواطفها الجياشة بلغة شعرية جميلة‪.‬‬

‫فروض الطاعة للتقاليد المريضة التي تكبلني‬
‫وت�ح��رم�ن��ي م��ن ح�ق��ي ف��ي م �م��ارس��ة ح �ي��اة كائن‬
‫إن�س��ان��ي‪ ،‬مستقل‪ ،‬س��أت�ج��اوزه��ا وأف �ت��ح ذراعي‬
‫للحياة»(‪.)20‬‬

‫وال يجد الحبيب سبيال لتعويض عجزه سوى تقول‪:‬‬
‫الكتابة «بوصفها بديال لفعل الجسد‪ ،‬فحينما‬
‫«يا أيها القادم من حيث ما انتظرت‪ ..‬شكرا‬
‫يخفق الجسد ف��ي التعبير ع��ن نفسه بالحب على نزيف الحنان العابر للجراح‪ ..‬شكرا على‬
‫(‪)18‬‬
‫تصبح الكتابة هي االختيار لممارسة الحياة» ‪ .‬وج��ودك عاكسا لعري ال��روح فالعري ال يكتمل‬

‫أما الحياة التي تمارسها الساردة فهي تفعيل بهاؤه بدون مرآة»(‪.)21‬‬
‫الذاكرة‪ .‬فالسارد ال يتكلم مباشرة‪ ،‬وال نسمعه‬
‫وكما تكون ذاتاً‪ ،‬هي أيضا موضوع رومانسي‬
‫إال عبر ه��ذه ال �م��ذك��رات ال�ت��ي ن�ق��رأه��ا‪ .‬وبهذا ي �ك �ت��ب ق��ص��ي��دة ت��ت��دف��ق إح� �س ��اس ��ا وش� �ع ��ورا‬
‫نعيش أحاسيس المرأة خارج عين المذكر‪ ،‬ألن جميال بالحب‪ .‬يقول عاشقها الشاعر‪« :‬أيتها‬
‫العجز الذي تعيشه البطلة ال يمنعها من تفجير المدهشة‪ ..‬أفتقد البحر في ضحكتك‪ ،‬والسماء‬
‫أحاسيسها واالعتراف بمكنوناتها‪ ،‬ناقلة لنا واقع في صمتك»(‪ )22‬ويضيف‪:‬‬
‫الجسد األنثوي وما فيه من حب ورغبة‪ ..‬تقول‪:‬‬
‫«إهانة أن أقول لك صباحا جميال؛ فاألصل‬
‫«أنا إنسان حر قبل أن أكون امرأة‪ .‬لن أقدم في األشياء أن يكون الصباح بك جميال»(‪.)23‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪41‬‬

‫وإذا كان الصمت هو ما يلف عالقة بطلة وفاء اعتبارها وسيلة الكتشاف ال��ذات وانكساراتها‪.‬‬
‫مليح بمحبوبها‪ ،‬فإن بطلة فاتحة مرشيد تخلق فهي تنفي الطابع المادي عن عالقتها بالشاعر‪:‬‬
‫لنفسها مساحات االتصال والحوار‪ ،‬وتتيح للعشق ‪ -‬سردا‪ :‬عبر التهميش السردي للحدث‪ ،‬وتغييب‬
‫أن يتجاوز اإلحساس والرغبة الداخلية‪ ،‬ليتمكن‬
‫الحديث عن مفاتن الجسد‪.‬‬
‫«الجسد والحب من استرجاع جوانبهما المادية‬
‫ وفعال بتعقيبها على س��ؤال لجنة التأديب‪،‬‬‫الطبيعية والفعلية الحية»(‪ ،)24‬فهي تناقض «الرؤية‬
‫بأن عالقتها كانت عالقة حب‪ ،‬وحصرها في‬
‫الرومانسية ال�ت��ي تتعالى على ال��واق��ع المادي‬
‫الجنس ظلم لها‪ .‬تقول‪:‬‬
‫ال�م�ل�م��وس للجسد األن��ث��وي بالخصوص»(‪.)25‬‬
‫«أقول إنها ليست مجرد عالقة جنس‪ ،‬ألنها‬
‫وتعيد االعتبار للجسد والذات دون السقوط في‬
‫عالقة حب‪.‬‬
‫التصوير البورنوغرافي للحظة‪.‬‬
‫ل ��ن ن �ت �ح��دث ع ��ن ال� �ح�ل�ال وال�� �ح� ��رام‪ ،‬ولن ‪ -‬لكنك ال تنكرين وجود الجنس بها‪.‬‬

‫نحاكم اللحظة الجنسية بخارج النص الخاضع ‪ -‬ال أنكر‪ ،‬لكنه ليس إال تتويجا لعالقة‪ .‬فحصر‬
‫ل�م��واض�ع��ات المجتمع وال��دي��ن‪ .‬إن م��ا يهم في‬
‫عالقتنا في الجنس ظلم لها ولنا»(‪.)26‬‬
‫ال��رواي��ة ه��و لحظتها اإلب��داع �ي��ة‪ ،‬وم��ا ت��ري��د أن‬
‫إن الجنس في الرواية لحظة إبداعية تتجاوز‬
‫تقوله من وراء هذا الحدث أو ذلك‪ ،‬وعدم النظر العالقة الغريزية التي قد تكون عابرة أو حميمية‪.‬‬
‫إل��ى الشخصيات بوصفها شخصيات واقعية‪ .‬إنه وسيلة تفضح الساردة عبرها‪ ،‬وتدين واقعا‬
‫المرأة‪ .‬وتتيح من خالله للجسد أن يخرج‬
‫فالرواية قد تكون صادمة على مستوى الظاهر‪ ،‬يشيء ٍ‬
‫ألن ال�ع�لاق��ة الجنسية تتحقق خ ��ارج إطارها من صمته ليبوح باأللم والجراح‪ ،‬ويتحرر بعيدا‬
‫الشرعي‪ ،‬وداخ��ل إط��ار قد يزيد من سقوطها‪ ،‬ع��ن اإلب��اح�ي��ة واالب �ت��ذال‪ ،‬ألن ت�ح��رره ه��و تحرر‬
‫وهو الخيانة الزوجية‪ ،‬غير أن ما يهمنا نحن هو لجسد أكبر تثخنه الجراح‪ ،‬جسد المجتمع حيث‬
‫ما تريد الرواية قوله عبر هذه اللحظة الرمزية؛ الزيف والنفاق والخيانة‪.‬‬
‫وهو الحديث عن الحب كعاطفة‬
‫ت�ح��اف��ظ ال��م��رأة ف��ي هذا‬
‫إنسانية نبيلة‪ ..‬يحيى بها الفرد‬
‫ال�ن��ص على ت��وازن �ه��ا‪ ،‬وتثور؛‬
‫ويستمر‪ ،‬وفي غيابها يكبو‪.‬‬
‫ول�ك��ن ب�ع�ي��دا ع��ن أي اندفاع‬
‫ف��ال��رواي��ة إذ تنتصر للحب‬
‫أو حمى ذات�ي��ة‪ .‬ثورتها وعي‬
‫ورغ �ب��ات ال�ج�س��د ال �م��ادي��ة‪ ،‬ال‬
‫يطفح بفضح عالم يقيم نفسه‬
‫تدعو إلى االنحالل‪ ،‬وال تحرض‬
‫عليها رقيبا‪ ،‬يدينها وال يدان‬
‫على الحرية الجنسية‪ ،‬كما قد‬
‫رغ��م انتهاكاته الالإنسانية‪.‬‬
‫يعتقد البعض‪ .‬فالساردة نفسها‬
‫تقول‪:‬‬
‫ال تصف اللحظة الحميمية إال‬
‫«ك� �ي ��ف ال ت �ح��اك �م��ون من‬
‫عبر لغة إيحائية مكثفة‪ .‬وال‬
‫ت�ج��ردوا م��ن إنسانيتهم‪ ،‬ومن‬
‫تهتم ب��ال�ع�لاق��ة إال ف��ي حدود‬

‫‪42‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫الحب في الرواية وسيلة إلخ��راج الجسد من‬
‫عزلته‪ ،‬ووسيلة إلعادة الحياة له ولآلخر‪ .‬فالساردة‬
‫في إطار عالقتها الزوجية السابقة‪ ،‬لم تكن سوى‬
‫ش��يء م��ن أش �ي��اء زوج �ه��ا‪ ،‬وك ��ان ال�ج�ن��س بينهما‬
‫طقسا آليا يبخس العالقة الزوجية ويفرغها من‬
‫كل حميمية‪.‬‬
‫وتشيؤ ال�م��رأة ال يأتي فقط عبر فضح هذه‬
‫اللحظة‪ ،‬وإن �م��ا م��ن خ�لال ال�ع�لاق��ة ال�ت��ي تربط‬
‫الرجل عامة بالمرأة‪ .‬وهي عالقة يسودها الخلل‬
‫وع��دم التوازن‪ ،‬ال��ذي ي��ؤدي ليس فقط إلى فشل‬
‫العالقة الزوجية بينهما‪ ،‬بل إلى تدهورهما معا‬
‫كأفراد‪.‬‬

‫خاتمة‬

‫وت�م�ت�ل��ك م��ن ال��وع��ي م��ا يجعلها ت �ع��ري الواقع‬
‫وت �ن��اق �ض��ات��ه‪ ،‬وت�ع�ل��ن رغ �ب��ة ت�ح��دي��ه وم��واج�ه�ت��ه‪.‬‬
‫وتملك من ال�ج��رأة ما يجعلها تحكي مشاعرها‬
‫وأحاسيسها خ��ارج م��ا يمليه اآلخ��ر وم��ا يريده‪.‬‬
‫نسمعها مباشرة تبوح برغباتها الذاتية‪ ،‬وتعلن‬
‫حاجتها اإلنسانية في أن تحب وأن تمارس عشقها‬
‫كإنسانة بعيدا عن االبتذال والسقوط‪ .‬كما تثير‬
‫قضايا جديدة على اإلبداع الروائي‪ .‬إنها تتحدث‬
‫عن العجز الجنسي لدى الرجل (بطلة وفاء مليح)‪،‬‬
‫وعن فحولته الفاشلة التي تكون وراء تعثره وتعدد‬
‫مغامراته‪ .‬فوحيد بطل «لحظات ال غير» يذهب‬
‫إلى الغرب واثقا من رجولته‪.‬نستعيد معه صورة‬
‫بطل «موسم الهجرة إلى الشمال» الذي يرحل إلى‬
‫الغرب غازيا‪ .‬فكالهما يرحل بكبت جنسي‪ ،‬يحاول‬
‫أن يشبعه؛ كالهما يُعد نفسه فارسا مغوارا‪.‬‬

‫دراس����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ات‬

‫يتاجرون بأرواح الناس‪ ،‬ومن يتعاملون مع المرضى ال�غ��رب��ة‪/‬واالن�ت�م��اء‪ ،‬ال��رغ�ب��ة‪ /‬وال�ع�ن��ف‪ ،‬الداخل‪/‬‬
‫كآالت ال روح وال إحساس لها‪ ،‬آالت تصلح للربح والخارج‪.‬‬
‫فقط»(‪.)27‬‬
‫والمرأة رغم جراحها وهزائمها ال تستسلم‪.‬‬

‫ق��راءت�ن��ا للروايتين جعلتنا نتبين محاولتهما‬
‫بناء صورة مغايرة للمرأة‪ ،‬خارج ما تصوره عادة‬
‫ينتصر بطل «موسم الهجرة إلى الشمال» في‬
‫الذاكرة الرجولية‪ ،‬وما يريده المجتمع‪.‬‬
‫غزواته؛ فيجتاح أجساد العذارى والمتزوجات إلى‬
‫قد تبدو المرأة مهزومة ومجروحة‪ ،‬لكن جرحها أن يكبو مع زوجته‪ ،‬لكن وحيدا يعرف كبوته منذ أول‬
‫ليس حالة معزولة؛ ألن الجسد الذي تتحدث عنه تجربة له‪ ،‬حيث يكتشف أن المرأة الفرنسية التي‬
‫ليس جسدها وحدها‪ .‬فلجسدها امتدادات في أحب مثلية‪ .‬وال يستسيغ عقله الشرقي الهزيمة‪،‬‬
‫فيعوضها بمغامرات نسائية ال تنتهي‪ ،‬إلى أن يلتقي‬
‫األسرة والمدينة والوطن‪.‬‬
‫وبهذا فما يهم‪ ،‬ليس ج��راح الجسد األنثوي بالطبيبة النفسانية التي تستطيع أن تخرجه من‬
‫لوحده‪ ،‬كما قد يتوهم البعض‪ ،‬ولكن جراح الوطن وهمه‪ ،‬وتعيد إليه توازنه الذي فقده نتيجة أشياء‬
‫تس ُم جسد المرأة بوشوم تجعلها أخرى تعريها البطلة‪ ،‬منها العنف األسري وسلطة‬
‫وانتكاساته التي ِ‬
‫األب‪ ،‬وما تحدثه من خلل في األسرة‪.‬‬
‫تتشوه‪.‬‬
‫وه �ك��ذا‪ ،‬اس�ت�ط��اع ال�ن�ص��ان تقديم ص��ورة عن‬
‫ما يهم هو ما يقوله الجسد‪ ،‬وما يعلن عنه من‬
‫المرأة وال��رج��ل‪ ،‬ألن رهانهما هو تشريح الواقع‬
‫قضايا تبدو أحيانا متنافرة ومتناقضة‪.‬‬
‫السياسي واالجتماعي والنفسي للمرأة والرجل‪،‬‬
‫إن��ه يقول ال�ح��ب‪ /‬واألل ��م‪ ،‬ال �م��وت‪ /‬والحياة‪،‬‬
‫ورصد صراعهما ضد تنزلهما وانحطاطهما‪ .‬وإن‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪43‬‬

‫اختلفا (النصان) في وجهة نظرهما في بعض جراحية تسترجع مفاتنه التي فقدها‪ ،‬وتطلق العنان‬
‫القضايا كما أسلفنا‪.‬‬

‫للحب ثانية‪ ،‬بعيدا عن أي رقابة أو قيد كيفما‬

‫فبطلة وفاء مليح تربط العجز الجنسي بالعجز كان نوعه‪ .‬لهذا وجدنا النص يركز على التربية‬
‫السياسي واالج�ت�م��اع��ي وال�ث�ق��اف��ي‪ ،‬ملمحة إلى والعوامل النفسية كعوامل وأسباب النتكاسة الروح‬
‫أن تحرر الجسد ال يمكن أن يتحقق إال بتحرير والجسد‪ ،‬خالفا لبطلة وفاء مليح التي تركز على‬
‫المجتمع‪ ،‬بينما ترى بطلة «لحظات ال غير» أن التناقضات االجتماعية‪ .‬وبهذا نكون إزاء نصين‬
‫تحرر الجسد ه��و المعبر إل��ى تحرر المجتمع‪.‬‬

‫يعيدان االهتمام بالحكاية المستوحاة من واقعنا‬

‫لذا تعيد الحياة إلى جسدها أوال‪ ،‬بإجراء عملية العربي‪ :‬واقع المرأة والرجل‪.‬‬
‫* ‬

‫(‪ )1‬‬

‫أستاذة جامعية وباحثة من المغرب‪.‬‬

‫‪Dorrit Cohen. La transparence interieure. Modes de représentationde la vie psychique dans le roman.Paris.‬‬

‫‪.Seuil. 1981 p 83‬‬

‫(‪ )2‬سعيد بنكراد‪ .‬الجسد بين السرد ومقتضيات المشهد الجنسي‪ ،‬قراءة في رواية “ الضوء الهارب “ لمحمد برادة‬
‫عالمات‪ ،‬عدد ‪ ،6‬سنة ‪.1996‬‬
‫(‪ )3‬باختين‪.‬‬
‫(‪ )4‬الرواية‪.‬‬
‫(‪ )5‬سعيد بن كراد‪ :‬مصدر سابق‪.‬‬
‫(‪ )6‬الرواية‪ ،‬ص‪.12 .‬‬
‫(‪ )7‬نفسه‪ ،‬ص‪.130 .‬‬
‫(‪ )8‬نفسه‪ ،‬ص‪.134 .‬‬
‫(‪“ )9‬لحظات ال غير”‪ ،‬ص‪.12 .‬‬
‫(‪ )10‬محمد نور الدين أفاية‪ :‬الهوية واالختالف في المرأة‪ ،‬والكتابة‪ ،‬والهامش أفريقيا الشرق‪ ،‬ص‪.58 .‬‬
‫(‪ )11‬سعيد بنكراد‪ :‬مرجع سابق‪.‬‬
‫(‪“ )12‬عندما يبكي الرجال”‪ :‬ص‪.41 .‬‬
‫(‪ )13‬نفسه‪ ،‬ص‪.43 .‬‬
‫(‪ )14‬المرجع نفسه ص‪.56-55 .‬‬
‫(‪ )15‬نفسه‪ ،‬ص‪.60 .‬‬
‫(‪.Faiéma Marnissi: L’Amour dans les pays musulmans, P. 46-47 )16‬‬
‫(‪« )17‬عندما يبكي الرجال»‪ ،‬ص‪.172 .‬‬
‫(‪ )18‬عبدالله إبراهيم‪ :‬أحالم مستغانمي وثنائية الكتابة والجسد‪ ،‬جريدة الشرق األوسط‪ ،‬الخميس ‪ 29‬شوال ‪1423‬‬
‫العدد ‪ ،12613‬السنة ‪.38‬‬
‫(‪« )19‬عندما يبكي الرجال»‪ ،‬ص‪.67.‬‬
‫(‪ )20‬المرجع نفسه‪ ،‬ص‪.78 .‬‬
‫(‪« )21‬لحظات ال غير»‪ ،‬ص‪121.‬‬
‫(‪ )22‬المرجع نفسه‪،‬ص ‪31 :‬‬
‫(‪ )23‬نفسه ص ‪132 :‬‬
‫(‪ )24‬حسن المودن‪ « :‬الكتابة والجسد قراءة في قصص وفاء مليح «‪.‬‬
‫(‪ )25‬نفسه‬
‫(‪« )26‬لحظات ال غير»‪ ،‬ص‪.141.‬‬
‫(‪ )27‬نفسه‪.145 ،‬‬

‫‪44‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫دراس����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ات‬

‫من إشكاليات دراسة الرواية العربية نظريا‬
‫التصنيف واملدارس‪ :‬قراءة أولية‬
‫> صابر احلباشة*‬
‫درجنا في السياق العربيّ على استعارة النماذج الجاهزة‬
‫فكريا وأي��دي��ول��وج�ي��ا وث�ق��اف�ي��ا‪ ،‬حتى انطبع االس�ت�ه�لاك في‬
‫الثقافة؛ ولع ّل هذا الوضع يؤشّ ر على خطورة في الصميم‪،‬‬
‫جعلت المتدخلين في الشأن الثقافي ينقسمون إلى مجموعة‬
‫ترفض ما يأتينا من الغرب بجميع أشكاله‪ ،‬وتصف ذلك بالغزو‬
‫الثقافي وال �ف �ك��ري؛ ف��ي حين تقف مجموعة أخ��رى موقف‬
‫المُعجَ ب المستل ّذ بما تأتينا به الحضارة الغربية من منتجات‬
‫ثقافية راقية على طبق من فضة‪.‬‬
‫ولعلنا ال نجاوز الصواب إذا ادَّعينا أنّ‬
‫إشكالية التحريم والتحليل الفقهيين للفنّ‬
‫المعاصر – على قِ دَمها وكثرة الفتاوى‬
‫في أمرها – لم تُحسم بعد بشكل نهائيّ ‪،‬‬
‫وهذا ما أدّى إلى انقسام الناس في الشأن‬
‫الثقافي‪ ،‬عموما؛ بل لعلّه سوّغ ضربا من‬
‫الثنائية بين ما نقوم به سرّا عندما نخلو‬
‫إلى أنفسنا‪ ،‬وما نعلنه على رؤوس المأل‬
‫م��ن م��واق��ف(‪ ..)1‬وطبعا ه��ذه االزدواجية‬
‫تفرض علينا مراجعة جذرية لمسلّمات‬
‫الرفض والقبول‪ ،‬للخروج بموقف عقالنيّ‬

‫متوازن‪.‬‬
‫وإذا ما تجاوزنا هذا الوضع العا ّم الذي‬

‫يس ُم الواقع العربيّ ‪ ،‬وحاولنا أن ننظر في‬

‫الشأن ال��روائ��ي تحديدا‪ ،‬وجدنا قلّة من‬

‫الدراسات التي اعتنت بتصنيف الرواية‬
‫العربية تصنيفا علميّا‪ ،‬ال يخلو من وجاهة‬

‫وتمحيص‪.‬‬

‫غير أنّ ال�ب��اح��ث يمكنه أن يستأنس‬

‫ببعض ال��دراس��ات الغربية ال�ت��ي نظرت‬

‫عميقا في م��دارس الرواية واستخلصت‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪45‬‬

‫أه� � ّم سماتها وم��ذاه�ب�ه��ا‪ .‬وم��ن ذل��ك أنّ جون قد تخفي لحظات وهن وانكفاء ال يرقى شك‬
‫ف��ي وج��وده��ا ع��رب�ي��ا‪ .‬م��ن ذل��ك م��ا ي��رد أحيانا‬
‫كابرياس(‪ )2‬قسّ م أصناف الرواية(‪ )3‬إلى ستّة‪:‬‬
‫من إث��ارة ضجة إعالمية واسعة بسبب مقاطع‬
‫‪1 .1‬رواية المغامرات العجيبة‬
‫من رواي��ة‪ ..‬أو اقتطاع أج��زاء من نص إبداعيّ‬
‫‪2 .2‬الرواية التعليمية‬
‫يتهم به صاحبه في دينه‪ ،‬ما يذكرنا بمحاكمة‬
‫‪3 .3‬الرواية التاريخية‬
‫الروائيين على مدى مطابقتهم للواقع التاريخي‪،‬‬
‫أو تشويههم له(‪.)6‬‬
‫‪4 .4‬الرواية‪-‬المسلسل‬
‫‪5 .5‬الرواية البوليسية‬
‫‪6 .6‬الرواية الوثيقة‬
‫وال يقف الباحث في مجال الرواية العربية‬

‫حائرا أمام إمكانية إدراج عناوين كثيرة لروايات‬
‫عربية ضمن ه��ذا الصنف أو ذاك‪ .‬ولئن كان‬

‫ال �ب��اح��ث ال �ف��رن �س��ي ق��د ت�ت�ب��ع ال �خ��ط الزمني‬

‫التاريخي في وضع هذه األصناف‪ ،‬فإنّ ظهور ما‬
‫يقابلها في السياق العربيّ ال يخرج عموما عن‬

‫ولكن إذا عدنا إلى إشكالية التصنيف‪ ،‬فإنّ‬
‫األخذ بما وضعه الباحث الفرنسيّ ‪ ،‬ونقله حرفيا‬
‫إلى السياق العربي‪ ،‬أمر ال ترتضيه السليقة‪ ،‬وال‬
‫خاص يبقى‬
‫ّ‬
‫تقبله الفطرة‪ ،‬ولكن ابتداع تصنيف‬
‫أمرا يحتاج إلى جرأة وتقحّ م‪ ،‬أو قل إنّ المسألة‬
‫تصبح نوعا من المغامرة‪ ،‬إذ أن افتقارنا إلى‬
‫دراس��ات تمهّد الطريق أم��ام تصنيفية شاملة‬
‫أله� ّم تيارات الرواية العربية‪ ،‬بشكل أق��رب ما‬
‫يكون إلى العلمية والموضوعية‪.‬‬

‫هذا التطور التاريخي‪ ،‬ولكن ما يبدو أنّه مختلف‬
‫ولع ّل بعض الدراسات التي اهتمت بإنشائية‬
‫(‪)4‬‬
‫ه��و ن�س��ق ال�ظ�ه��ور وس��رع �ت��ه‪ .‬فمثلما أدرك‬
‫(‪)7‬‬
‫الرواية ‪ ،‬تساعد على الشروع في هذا العمل‪،‬‬
‫ال�ع��رب ال�ح��داث��ة االق�ت�ص��ادي��ة والعسكرية عن‬
‫ولكنها ال تكفي في حدّ ذاتها للقيام بهذا األمر‪،‬‬
‫طريق نقلها عن الغرب‪ ،‬في فترة أق ّل زمنيا من‬
‫فهي تنير السبيل‪ ،‬وتترك للناقد المستقبليّ أن‬
‫فترة اختمارها ومخاضها وبروزها في منشئها‬
‫يتشجّ م أمر مباشرة التصنيف‪.‬‬
‫الغربيّ ‪ ،‬فإنّ تتابع األصناف الروائية المذكورة‬
‫وم���ن ص �ع��وب��ات ه ��ذا األم� ��ر أي �ض��ا تجاور‬
‫لم يحتج في السياق العربي إلى قرون عديدة‪،‬‬
‫مثلما هو الحال في تاريخ اآلداب الغربية‪ ،‬بل المدارس وتزامنها‪ ،‬على نحو يؤشّ ر على تفاوت‬
‫هو ق��رن وبعض ق��رن حتى أمكن لنا االعتداد التحديث ال��روائ��ي ف��ي المتن ال��روائ��ي العربي‬
‫بمدوّنة روائية عربية ركبت قاطرة الحداثة(‪ )5‬س ��واء ك��ان ذل��ك ج�غ��راف� ّي��ا أو ت��اري�خ� ّي��ا‪ .‬ولعلّه‬
‫ع��ن اس�ت�ح�ق��اق‪ ،‬وك ��ان ت�ت��وي��ج نجيب محفوظ بوسعنا أن نخلص إلى بعض االستنتاجات التي‬
‫بجائزة نوبل لآلداب سنة ‪1988‬م – في الواقع تتعلق بالسرد الروائي العربي‪:‬‬
‫– تتويجا للرواية العربية؛ إذ أصبحت على قدر‬

‫م��ن النضج‪ ،‬تشهد ب��ه المواصفات اإلبداعية‬
‫العالميّة‪ .‬على أنّ مسألة اختصار الفترة الزمنية‬

‫التي مرّت بها عملية تحديث الرواية العربية‪،‬‬

‫‪46‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫أوال‪ :‬األدب (والسرد جزء منه) لم يكتب‪ ،‬في‬
‫األغلب األع��م‪ ،‬بنية فنية خالصة‪ ،‬وال للمتعة‬
‫ال�م�لازم��ة ل��ه‪ ،‬ول�ك��ن بوصفه غ��رض��ا أو كتابة‬
‫غرضية أهميتها في منطوق جدواها وتبشيريتها‪،‬‬

‫ثانيا‪ :‬ال يمكن أن تتحقق الحداثة من خالل رغبة التملص‪ ،‬إذ يمكن القول إنها بهذا المعنى‬
‫نص مفرد‪ ،‬وال من خ�لال استيهامات منفردة تزهد في الحكائيّ ‪ ،‬إذا اشتمل ذلك الحكائيّ‬
‫كيفما بلغت انزياحاتها واختراقاتها‪ ،‬بل هي إلى على عرض مشهديّ لتجربة معيشة‪ ،‬أو يمكن‬
‫جانب ذلك وأبعد حالة مدينية وحضارية وثقافية أن تعاش‪ ..‬المغامرة‪ ،‬العجيب‪ ،‬الغريب‪ ،‬كلّها‬
‫واجتماعية‪ ،‬ووض��ع إنساني شامل؛ وهو وضع مفقودة في الرواية المعاصرة‪ ..‬بل هي تزهد‬
‫يفتقر إليه األدب العربي الحديث والمعاصر‪ ،‬في اللذة الجمالية وتعدل عن االستجابة لرغبة‬
‫التملص‪ ،‬فهي ترفض ضمنيا التسلية‪.‬‬
‫مهما جرؤت فيه التعابير والخطابات(‪.)8‬‬

‫الروايـة الجديـدة‪ :‬إضاءات نقديـة‬
‫ال تشكّل «ال��رواي��ة ال �ج��دي��دة» ح��رك��ة أدبية‬
‫متجانسة تتغيّا هدفا محدّ دا بطريقة مضبوطة‪.‬‬
‫لذلك اختلف توجّ ه ناتالي س��ارّوت عن ميشال‬
‫بوتور مثلما اختلف عن كلود سيمون ومارغريت‬
‫دورا وأالن روب غرييه‪ ،‬فكل واح��د من هؤالء‬
‫اتبع مسلكا خاصا به‪..‬‬
‫ول �ع � ّل أه� � ّم م��ا يسم ال��روائ��يّ ال �ث��وريّ ليس‬
‫سوى طموحه وقدرته التخييلية واقتداره على‬
‫التأليف‪ ،‬وهي الحدود التي يفرضها على أثره؛‬
‫أي المرفوضات والمقبوالت من األفكار والرؤى‬
‫والمواقف التي يُقابل بها الواقع المحيط به‪.‬‬
‫وقد كان المبدع‪ ،‬قديما‪ ،‬إالهَ شخصياته ينظّ م‬
‫حياتها على هواه ويحرمها من الحرية ويسلّط‬
‫نفوذه المطلق على فكرها وعلى أعمالها‪ ،‬حتى‬
‫لكأنه مازوشيّ ‪ .‬أما اآلن؛ أي في نطاق التصوّر‬
‫العام المشترك تقريبا بين روائيي تيار «الرواية‬
‫ال �ج��دي��دة»‪ ،‬فقد أص�ب��ح ال��واح��د منهم ال يعلم‬
‫شيئا‪ ،‬وي��رت��اب من كل ش��يء‪ ،‬فلم تعد الرواية‬
‫رسما للعالم‪ ،‬بل تمرينا للتصفية والتنقية من‬
‫التفاصيل والزوائد‪ ،‬وهي ترفض أن تكون أثرا‬
‫فنيا خالصا‪ ،‬مُهمِ لة جمال الشكل الباطني؛ إذ‬

‫دراس����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ات‬

‫وليس في جماليتها‪ ،‬وال في استيفاء شروط ما ال تهت ّم بالجمال الشكليّ ‪ ،‬وال تسترضي الذوق‪،‬‬
‫يجعل منها خلقا بديع التكوين‪.‬‬
‫ب��ل ت�ع��دل ع��ن ذل��ك ال�ث��اب��ت ال��روائ��ي‪ ،‬أال وهو‬

‫باختصار لقد دخ��ل ال��روائ��ي فيما تسميه‬

‫ناتالي ساروت «عصر الريبة»‪ ،‬مستشهدة بأمثال‬
‫جويس وبروست وكافكا‪ .‬ما يؤكّد أنّ الرواية‬

‫ينبغي أن تتوقف عن أن تكون وصفا لكائنات‪،‬‬
‫لتتحول س ��ؤاال ع��ن ال �ك��ون‪ .‬وم��ن ه �ن��ا‪ ،‬يتأتى‬
‫االزدراء الذي يظهره الروائي «للشخصية» التي‬

‫توقفت هكذا‪ ..‬عن أن تكون المركز الحيّ الذي‬

‫تنتظم األحداث حوله‪ ،‬ونزع الروائي عنها شيئا‬

‫فشيئا كلَّ ما يجعل منها إنسانا؛ فهي تميل إلى‬
‫ال صوته‪ .‬فـ»الروائي»‬
‫أن تكون شبحا ال نسمع إ ّ‬
‫الخفيّ عند أالن روب غرييه‪ ،‬و«أنتم» الضمير‬

‫الوسيط بين ضميري المتكلم والغائب‪ ،‬يتوجه به‬
‫ميشال بوتور إلى بطل رواية «التعديل» والصور‬

‫الغنائية الخاطفة لكلود سيمون‪ ..‬هكذا يتخذ‬
‫ال��روائ��ي مسافات تجاه بطل ال يعدّ ل��ه وجود‬

‫شهواني(‪.)9‬‬

‫ويختلف س���اروت وغ��ري �ي��ه‪ُ ،‬م �نَ��ظِّ �رَا حركة‬

‫«الرواية الجديدة» جذريّا حول موضوع الرواية‪.‬‬

‫فإذا كانت ناتالي ساروت ترى أن موضوع الرواية‬
‫يبقى دائما الحقيقة النفسية‪ ،‬ولكنها تعد أن‬

‫بلوغ أعماقها يت ّم بإهمال التحليل وااللتصاق‬
‫بالسلوك ال��ذي نتناوله عبر أش��د المحادثات‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪47‬‬

‫تفاهة؛ فالوسيلة المستعملة إذاً ه��ي الحوار‬

‫وهو مجهود يذكرنا بأحد توجهات «الرواية‬

‫الملتقط للحركات التي تسميها س��اروت «ما الجديدة»‪ ،‬غير أنه مُعبَّر عنه هنا (أي في رواية‬

‫تحت المحادثة»‪.‬‬

‫«التعديل») في شكل نحويّ شديد السذاجة؛‬

‫إذا كان ذلك موقف ساروت‪ ،‬فإنّ أالن روب ألننا عندما نقرأ رواية‪ ،‬فمهما كانت مشاركتنا‬
‫غرييه ي��رى أنّ الهدف المطلوب بلوغه‪ ،‬ليس لوجهة نظر الشخصية شديدة الكثافة‪ ،‬فإننا‬
‫الوجود النفسي بل العالم‪ ،‬فليس على الرواية نظ ّل نراها على شاشتنا الباطنية‪ ،‬مثل شخص‬
‫أن تسعى إلى عمق خاطئ‪ ،‬بل ينبغي أن تصبح ينفصل عنا ويعرض علينا مشهدا‪.‬‬

‫«بصرية وصفية» ومن ث ّم كانت األهمية الرئيسة‬

‫المعطاة للشيء(‪.)10‬‬

‫فورشة ك ّل من بوتور وروب غرييه تنزع إلى‬

‫إجراء رقيا‪ ،‬فهذا الوعي الذي نُستدعَ ى إلى أن‬

‫فالرواية في هذا التيار ال تقع على الطريق نجعله وعينا‪ ،‬يكرر دون هوادة صورا وأغراضا‬
‫المؤدّي من الواقع‪ ،‬إلى انعكاسه‪ ،‬بل على الطريق تأخذ أحيانا قيمة أسطورية‪ .‬فواقعية بوتور في‬

‫الرابط بين إبداع وقراءة؛ فلم يعد هناك بالنسبة رواية «التعديل» هي واقعية أسطورية‪ ،‬إذ يجد‬
‫إلى القارئ قدر يضطلع به في الخيال‪ ،‬بل فتنة الوعي فيها نماذج أصلية‪ .‬وحتى روب غرييه‪..‬‬
‫قص على طريقته حكاية أوديب في روايته‬
‫تصيب‪ .‬وال تتأسس الفتنة الروائية في «الرواية فقد ّ‬
‫ال�ج��دي��دة» على إمكانية مُشاكلة ال��واق��ع‪ ..‬أي «المماحي»‪ .‬وعلى كل حال فإننا نجد في كثير‬
‫مطابقته‪ ،‬ولكن تتأسس على التكرار واالقتراح‪ ،‬من آثار «الرواية الجديدة» نقال لبنى أسطورية‬
‫وال ترجع القيم الملحة إلى وصف نفسيّ ‪ ،‬ولكن في واقعية كثيرة التفاصيل‪.‬‬
‫إلى ورشة االفتتان؛ إذ يقترح الروائيّ أن يفرض‬

‫يسجل ُكتّاب «الرواية الجديدة» عن طواعية‬

‫على القارئ محتوىً ذهنيا‪ ،‬وال يكون ذلك أحيانا سرّا في صلب كتبهم؛ ففي رواية «تصريف الزمن»‬
‫عبر الشخصية المسخّ رة‪.‬‬
‫بفك مزخرفة زجاجية‪،‬‬
‫ّ‬
‫ل�ب��وت��ور‪ ،‬يتعلق األم��ر‬

‫ويحترم ميشال بوتور أطر الزمان والمكان في وتفكيك رواية بوليسية‪ ،‬والوصول بذلك إلى س ّر‬
‫روايته «التعديل»؛ إذ نعيش تمشيا بطيئا لحاالت المدينة‪ .‬و ُعقَد روب غرييه البوليسية تعرض‬
‫وعي‪ .‬فـ«التعديل» هي مناجاة رجل عدل طوال ألغازها‪ ..‬وقد عرّف ميشال بوتور الرواية يوما‬
‫رحلته من باريس إل��ى روم��ا‪ ،‬شيئا فشيئا عن بأنها «خيال ماكر» مُلفّق لتشويش ذهن القارئ‪،‬‬
‫تنفيذ مشروعه الذي عزم عليه‪ ،‬أي التخلّي عن وكثيرا ما تنعدم إحداثيات الزمان والمكان في‬
‫زوجته وأطفاله‪ ،‬والعيش في روما مع عشيقته‪« .‬الرواية الجديدة»‪ ،‬والرواية تظل ملغزة فقط‪،‬‬
‫فكان استعمال ضمير «أنتم» كإيقاع الملحّ لتلك ألنّها ترفض إعطاء مداخلها ومخارجها للقارئ‪،‬‬

‫الجمل الطويلة الملتفّة‪ ،‬ك��ان مجهودا لدعوة كي يعيد بناءها‪ .‬ويهت ّم الروائي بعرض حركات‬
‫القارئ إلى التطابق – إذا صحت العبارة– مع وأشياء وأق��وال على قارئه‪ -‬وخاصة محتويات‬
‫محتوى وعي خيالي‪ ،‬أو باألحرى لفرض محتوى ذهنية‪ -‬حيث المشهد واقعي أو حلمي أو متخيَّل‬
‫وعي وقتي خيالي على القارئ أثناء القراءة‪.‬‬

‫‪48‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫أو مشوّه من قبل الذهن‪ .‬ولكن متى نكون في‬

‫سطحية تتعلّق بصفاء الجنس األدبي أو بقيمته‪،‬‬
‫قص حكاية ما‪ ..‬أن‬
‫بل تنبثق عن عدم إمكانية ّ‬
‫نفكّر م��ن ق��ري��ب ف��ي م��ا يفترضه فعل القص‬

‫الوحيد‪ .‬بأي حق نكتب ولنقول ماذا؟ فالوجود‬
‫َط‬
‫يطغى على كل ما يمكن لنا قوله‪ .‬لم ننتهِ ق ُّ‬

‫وقد عرّف ميشال بوتور الرواية سنة ‪1956‬م من الواقع‪ ..‬وفي البداية‪ ،‬بم نبدأ إذا أردنا أن‬
‫بأنّها استقصاء‪ ،‬قاصدا في البدء أن يقول إنه نحكيَ ؟ (‪.)11‬‬
‫القص‪.‬‬
‫ّ‬
‫على الروائي أن يتعهّد تجديد أشكال‬
‫مثل هذه األسئلة تحيلنا على مراجع «الرواية‬
‫وتُمثِّل آثار بوتور مثال البحث‪ /‬االستقصاء الذي ال �ج��دي��دة» ف��روائ�ي��و ه��ذا ال�ت�ي��ار ت��أث��روا كثيرا‬
‫يتورّط في اتجاهات مختلفة على التوالي‪ .‬ونعرّف بالفيمنولوجيا والوجودية والبنيوية(‪.)12‬‬
‫«الرواية الجديدة» عن طيب خاطر‪ ،‬بأن نقدمها‬
‫وع �ل��ى ال �ع �م��وم‪ ،‬ف�خ�ص��وب��ة ورش ��ة «الرواية‬
‫بوصفها سلسلة من المغامرات الجمالية‪ ،‬بما‬
‫الجديدة» لم تعد تحتاج إلى فضل بيان‪ .‬ويمكن‬
‫تفترضه من مجازفات؛ إذ قد يحدث أن تؤدي‬
‫أن تظهر اآلث ��ار المنتجة ص��ارم � ًة ومتشدّ دةً‪،‬‬
‫بعض المغامرات إلى طرق مسدودة‪ .‬فالروائي‬
‫مخصصة ل �ق��ارئ ه��و ذات ��ه من‬
‫ّ‬
‫وم��ن ث��م ف�ه��ي‬
‫يتعلق بكشف ارت�ق��اء نحو الحكاية‪ ،‬وبانعدام‬
‫صنف ج��دي��د‪ .‬ويكفي االه�ت�م��ام ال ��ذي أثارته‬
‫إمكانية االلتحاق بها حكايةً‪ .‬ولم يعد الروائيّ‬
‫واضعا يده على الحقيقة‪ ،‬ومؤتمَنا على سرّ‪ .‬فال ف��ي فرنسا وخ��ارج �ه��ا‪ ،‬واألب �ح��اث والتعليقات‬
‫يقص حكاية‪ ،‬بل يقدم فقط بعض المقتطفات‪ ،‬التي استلهمتها‪ ،‬و«االنتعاش» اللغويّ والنظريّ‬
‫ّ‬
‫النصية التي جعلتها‬
‫ّ‬
‫وعلى القارئ أن يحاول إعادة تشكيلها‪ .‬فالرواية الذي أجرته‪ ،‬و«الشواغل»‬
‫الحديثة مثل لعبة البازل‪ ،‬إذ يحدث أحيانا أن «ال ��رواي ��ة ال �ج��دي��دة» ق��اب�ل��ة ل �ل �ق��راءة‪ ،‬وخاصة‬
‫وضحتها‪ ،‬يكفي كل‬
‫نفشل في إعادة تنظيمها‪ ،‬والرواية بأكملها تقع القطائع األيديولوجية التي ّ‬
‫في عدم إمكانية أدائها‪ ،‬فالروائي يبذل جهودا ذلك لبيان أنّ هذه اآلثار طَ بَعت بطريقة حاسمة‬
‫ليقول ما يعرفه‪ ..‬ولكن في غموض؛ فتصبح األدب الفرنسي في منتصف هذا القرن(‪.)13‬‬
‫ال��رواي� ُة رواي � َة ال��رواي��ةِ التي لن تُكتب‪ ،‬ألنّها ال‬
‫ف�ه��ل اس �ت �ف��اد ال��روائ��ي��ون ال �ع��رب م��ن هذا‬
‫يمكن أن تكون‪ .‬وقد عدَّ جان بول سارتر رواية «اإلرث» النظريّ واإلبداعي في تعديل آثارهم‪..‬‬
‫ناتالي ساروت «صورة مجهول» (‪1956‬م) رواية وتوجيهها نحو هذا المسلك المتفرّد؟‬
‫م �ض��ادّة‪ ،‬وق��ال‪« :‬يتعلّق األم��ر بنكران الروايةِ‬
‫ذاتَها‪ ،‬وبتقويضها تحت أعيننا‪ ..‬في الوقت ذاته مدخـل إلى األدب العجـائب ّـي‬
‫ان �ت �ش��ر م�ص�ط�ل��ح «األدب ال �ع �ج��ائ �ب��ي» في‬
‫الذي يلوح لنا فيه أننا نشيّدها‪ ،‬وبكتابة رواية‬
‫الرواية التي ال تتم»‪ .‬والواقع أن حجز الوجود ال �س �ن��وات األخ��ي��رة م��رادف��ا ل�ل�ف��ظ األعجميّ‬
‫‪ ،littérature fantastique‬وقد تصدّ ى لبيان أوجه‬
‫يمنع كتابة الرواية‪.‬‬

‫دراس����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ات‬

‫الواقع‪ ،‬ومتى نكون في الذكرى أو الحُ لم؟ وحتى‬
‫المحتويات الذهنية كالحوارات الباطنية‪ ،‬ليست‬
‫منقولة دائ �م��ا ع��ن شخصية تعيشها بطريقة‬
‫صريحة‪ .‬أح��ده��م يتكلم‪ :‬م � ْن ه��و؟ يعسر على‬
‫األقل في بداية الرواية تعيين من أ ُسندت إليه‬
‫هذه المناجاة‪.‬‬

‫ف��ال��رواي��ة ال �ج��دي��دة ق�لّ�م��ا تنبثق ع��ن أزمة‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪49‬‬

‫انطباقه على أن�م��اط م��ن ال�س��رد العربي عدد‬
‫من الباحثين يعسر أن نحصيهم عدّ ا‪ ،‬والجامع‬
‫بين جُ لهم رغبة جامحة في استثمار مقولة هذا‬
‫الجنس األدب ��يّ ؛ وه��ي غربية المنشأ‪ ،‬ال شك‬
‫في ذل��ك‪ ،‬لتأصيل استتباعاتها اإلجرائية في‬
‫النصوص والمتون العربية‪ ،‬سواء منها القديمة‬
‫أو الحديثة؛ وفي ذلك جهد ال يُنكر‪ ،‬ونيّة في‬
‫توسيع دائرة المقاربات النقدية العربية‪ ،‬بفتحها‬
‫على نوافذ ك��ان الغرب قد انصرف إليها منذ‬
‫مدة‪ .‬ونكتفي في هذا الحيز المختصر‪ ،‬باإللماع‬
‫إلى أمّهات القضايا النظرية ‪ -‬كما عرفها الغرب‪،‬‬
‫وبالتحديد فرنسا ‪ -‬لع ّل في ذل��ك مزيدا من‬
‫تدقيق هذه األصول النقدية التي تعد ضرورية‬
‫لمالمسة موضوع العجائبيّ ‪ .‬ونكتفي في هذا‬
‫اإلطار بعرض سريع لبعض آراء تودروف وكايوا‬
‫في المسألة‪.‬‬

‫مقاربة تودوروف للعجائبي‬
‫يشترط ت��ودوروف‬
‫شروط في حدّ العجائبي‪.‬‬

‫‪Todorov‬‬

‫ال��م��ج��ازي(‪( )15‬االس��ت��ع��اريّ )‪ ،‬أو التأويل‬
‫«اإلن�ش��ائ��ي»(‪ ،)16‬وه��ذه ال�ض��رورات الثالث‬
‫ليست ذات قيمة متساوية‪ ،‬فاألولى والثالثة‬
‫تمثالن حقّا الجنس األدب��ي‪ ،‬أ ّم��ا الثانية‬
‫فيمكن أ ّال تكون مشبعة‪ ،‬وعلى كلٍّ ‪ ،‬فغالبية‬
‫األمثلة تستجيب للشروط الثالثة(‪.)17‬‬
‫وقبل أن يورد تودوروف هذه الشروط الثالثة‪،‬‬

‫بيّن عددا من المفاهيم والمتصوّرات السائدة‬
‫في دراسة األدب العجائبيّ ‪ ،‬مستعرضا بعضها؛‬
‫من ذلك قول الفيلسوف والمتصوّف فالديمير‬

‫صوليفيوف(‪« :)18‬ف��ي األدب العجائبي الحقّ ‪،‬‬

‫نحتفظ دائما بإمكانية خارجية وشكلية‪ ،‬لتفسير‬
‫بسيط للظواهر‪ ،‬لكن في الوقت نفسه يكون هذا‬

‫خاصأ تماما باحتمال داخليّ » (أورده‬
‫ّ‬
‫التفسير‬

‫توماشفسكي(‪ ،)19‬ص‪.)288‬‬

‫ويعلّق تودوروف قائال‪« :‬توجد ظاهرة غريبة‬

‫يمكن تفسيرها بطريقتيْن‪ ،‬بواسطة ضروب من‬

‫أن تتوافر ثالثة العِ لل الطبيعية أو الخارقة‪ ،‬وإمكانية التردّد‬
‫بينهما تُنشئ المفعول العجائبي»(‪.)20‬‬
‫كما يشير تودوروف بعد ذلك إلى أنّ التعريفات‬

‫النص القارئَ على اعتبار عالم‬
‫ُّ‬
‫أو ال ‪ :‬أن يجبر‬
‫الشخصيات عالم أشخاص أحياء‪ ،‬ويجبره ال �ح��دي �ث��ة (ال� �ت ��ي ظ��ه��رت ف ��ي الخمسينيات‬
‫ك��ذل��ك على ال �ت��ردد بين تفسير طبيعي‪ ،‬والستينيات) لمفهوم «العجائبيّ » في فرنسا‪،‬‬
‫وإن اختلفت عن تعريفه هو له‪ ،‬فهي ال تتناقض‬
‫وتفسير خارق لها‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬أن يكون ذلك التردد محسوسا من قبل م �ع��ه‪ .‬وي�ع��جّ ��ل ب��إي��راد أم�ث�ل��ة ع�ل��ى ذل ��ك‪ ،‬فهذا‬
‫إح��دى الشخصيات‪ ،‬وف��ي ال��وق��ت نفسه‪ ،‬كاستاكس(‪ )21‬يكتب في الخرافة العجائبية في‬
‫«يختص العجائبي بإقحام مفاجئ‬
‫ّ‬
‫يبقى التردد ماثال‪ ،‬ويصبح غرضا(‪( )14‬أو فرنسا‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫موضوعا) من أغ��راض األث��ر‪ .‬وف��ي حالة للعجب في إطار الحياة الحقيقية» (ص‪.)8‬‬
‫القراءة الساذجة يتماهى القارئ الحقيقي‬
‫أ ّم��ا لويس ف��اك��س(‪ )22‬فيقول في كتابه الفنّ‬
‫مع الشخصية‪.‬‬
‫واألدب العجائبيان‪« :‬يريد السرد العجائبي أن‬
‫ثالثا ‪ :‬م��ن المه ّم أن يتبنى ال �ق��ارئ موقفا ما ي�ق��دّ م ل�ن��ا‪ ،‬وه��و يسكن العالم الحقيقي حيث‬
‫إزاء ال �ن� ّ‬
‫�ص‪ :‬ك��أن ي��رف��ض س ��واء التأويل ن��وج��د‪ ،‬أن��اس��ا مثلنا؛ موضوعيين ف �ج��أة‪ ،‬في‬

‫‪50‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫ِّ‬
‫الصرف‪.‬‬
‫الصرْف ← الغريب ← العجيب ِّ‬

‫إل��ى العالم الواقعيّ دون أن يضربه أو يفسد‬

‫مقاربة كايوا للعجائبي‬

‫كما يرى كايوا‪ ،‬يعرض فضيحة‪ ،‬تمزقا‪ ،‬قطيعة‬

‫أ ّم��ا روج��ي ك ��اي ��وا(‪ ،)23‬فيقول ف��ي كتابه في ظواهر تخرق الطبيعيّ مع نفي تدخل (اآللهة)‬
‫صلب العجائبيّ ‪« :‬ك ّل العجائبيّ هو قطع النظام أو الشفعاء ال��ذي��ن ه��م مح ّل اعتقاد وعبادة‪،‬‬
‫ُ‬
‫المعروف‪ ،‬قطع المرفوض في صميم القانون» يمكن اعتباره أدب��ا عجائبيا‪ .‬إذ ال يمكن أن‬
‫تعدّ األساطير وقصص نشوء الكون(‪ )27‬والكتب‬
‫(ص‪.)161‬‬
‫المقدّ سة وحيوات الصالحين وبركاتهم‪ ،‬أدبا‬
‫ويرى ت��ودوروف أنّ هذه التعريفات الثالثة‬
‫عجائبيا‪ ،‬رغم أنّ الخارق للطبيعيّ فيها عنصر‬
‫متشابهة‪ ،‬حتى أنّ عباراتها تكاد تعوّض بعضها‬
‫متضمن ومقوّم من مقوّماتها‪ .‬إذ إن العجائبي‬
‫بعضا‪ ،‬وع�ي��ب ه��ذه التعريفات أن�ه��ا ال تقدّ م‬
‫ُقص‬
‫ميدان وسيط يستثني الخرافات التي ت ّ‬
‫– مثلما هو الحال في تعريفات صوليفيوف‬
‫على ألسنة الحيوان والحكايات ال َمثَلية‪ ،‬حيث‬
‫وجيمس وغيرهما – (إضافة إلى أنّها تقتضي‬
‫تُشخَّ ص الفضائل والرذائل مثال‪ ،‬أو الكائنات‬
‫وج��ود أح��داث من صنفين‪ :‬صنف من العالم‬
‫من كل نوع‪ ،‬مثلما أنّه يستثنى كذلك ك ّل خبر ذي‬
‫الطبيعي وصنف من العالم الخارق) – ال تقدّ م‬
‫سمة بالغية اصطالحية أو تعليمية يستجيب‬
‫إمكاني َة توفير تفسيرين للحدث الخارق‪ ،‬وتبعا‬
‫لمقصد بديهيّ عند مؤلّفه‪.‬‬
‫لذلك يختار الواحد منا تفسيرا منهما‪.‬‬
‫ويستخلص كايوا مما سبق أنّ ميدان األدب‬
‫ويعترف ت��ودوروف أنّ تعريفه الخاص إنما‬
‫العجائبي بقي له أن يمتد‪ ،‬في ظل االستثناءات‬
‫هو مشتقّ من تعريفات صولوفيوف وجيمس‬
‫ال � ��واردة أع�ل�اه ع�ل��ى جنسين تقليديين هما‬
‫وغيرهما‪ ،‬وه��ي تعريفات ثريّة‪ ،‬لما فيها من‬
‫أس��اط �ي��ر ال �ج��ن وق �ص��ص األش� �ب ��اح‪ ،‬وإليهما‬
‫تركيز على السمة االختالفية للعجائبيّ (بوصفه‬
‫يضاف نوع ثالث محدث يسمى عادة «الخيال‬
‫قاسما مشتركا بين الغريب(‪ )24‬والعجيب(‪.))25‬‬
‫علمي»‪.‬‬
‫ويستخلص تودوروف من ذلك قاعدة عامة‪,‬‬
‫وي�ش��رع ك��اي��وا أث��ر ه��ذا التحديد الخارجي‬
‫تتمثل في أنّ الجنس األدب��يّ يُح ُّد بالنظر إلى‬
‫لميدان األدب العجائبي في تعريف أصالة هذه‬
‫األج �ن��اس ال �م �ج��اورة ل� ��ه(‪ .)26‬وق��د ق ��دّ م رسما‬
‫األنواع الثالثة وربما جينيالوجيتها‪ ،‬وهي أنواع‬
‫ت��وض�ي�ح�ي��ا ج �ع��ل ف�ي��ه ال�ع�ج��ائ�ب��ي ع �ل��ى تخوم‬
‫توجد مع بعضها بعضا وتتجافى في آن واحد‪.‬‬
‫ميدانين متجاورين‪.‬‬
‫فقصص ال �ج��نّ م�ث�لا‪ ،‬ك��ون عجيب يضاف‬
‫الغريب العجائبي ← العجائبي ← العجيب‬

‫دراس����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ات‬

‫حضرة ما يتعذّ ر تفسيره»(ص‪.)5‬‬

‫نص مكتوب يقدّ م كائنات أو‬
‫يمكن اعتبار كل ّ‬

‫انسجامه‪ .‬وف��ي المقابل ف��إن العجائبيّ دائما‬

‫ي ��رى روج� ��ي ك��اي��وا م �ح��رر ف �ص��ل «األدب مستغربة تكاد تكون غير محتملة ف��ي العالم‬
‫العجائبي» بدائرة المعارف الكونية الفرنسية الواقعي‪ .‬وبعبارة أخ��رى‪ ..‬فعالم قصص الجنّ‬
‫‪ ،Encyclopaedia Universalis‬أنّه بصفة تقريبية‪ ،‬حيث تكون ذوات ق��درات بعيدة ع��ن أن تكون‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪51‬‬

‫متطابقة‪ ،‬فبعض تلك الكائنات شديدة القوة‪،‬‬
‫واألخرى شبه عزالء‪ ،‬ولكنها تلتقي جميعا دون‬
‫ال‬
‫مفاجأة تقريبا؛ وبالتأكيد‪ ،‬دون هلع‪ ،‬الله ّم إ ّ‬
‫ذاك الهلع الطبيعي الذي ينتاب الضعيف أمام‬
‫ال�ج� ّب��ار‪ .‬وي�ع��رض ك��اي��وا ف��ي ه��ذا المقام مثال‬
‫الرجل الشجاع‪ ،‬يصارع غوال يقذف ألسنة من‬
‫اللهب‪ ،‬أو بعض العمالقة عملق ًة فظيعة‪ ،‬وينتصر‬
‫عليها‪ ،‬بل هو قادر على أن يجعلها تهلك‪..‬‬
‫مثل هذا المدخل المبتسر إلى الشقّ النظري‬
‫«ال يسع ال��دارس جهله»‪ ،‬إذا ما استعرنا عبارة‬
‫الفقهاء؛ أي إنّه من باب الضروريّ الذي يحتاج‬
‫إليه بوصفه لبنة أولى‪ ،‬على من يروم التعمّق أن‬
‫يعود على المظانّ واألمّهات في هذه المسألة‪..‬‬
‫* ‬

‫(‪ )1‬‬
‫(‪ )2‬‬

‫(‪ )3‬‬

‫(‪) 4‬‬
‫(‪ )5‬‬

‫(‪ )6‬‬

‫‪52‬‬

‫ولع ّل السؤال المطروح هنا يكمن في مدى‬
‫وعي الخطاب النقدي العربي الحديث‪ ،‬بارتكاز‬
‫ال ��رواي ��ة وال��س��رد ال�ق��روس�ط� ّي�يْ��ن ع�ل��ى مدخل‬
‫العجائبيّ ‪ ،‬وهل مارس هذا النقد عمله بنجاح‪,‬‬
‫عبر شبكة تحليل دقيقة تصنف ضروب العجيب‬
‫وتحلل مدلوالتها‪ ،‬أم إنّ التحليل ظ� ّل مكتفيا‬
‫بعبارة ال�خ�ي��ال? أو لع ّل الموقف التقليدي –‬
‫الذي أورده ابن النديم في الفهرست وأبو حيان‬
‫التوحيدي في اإلم�ت��اع والمؤانسة من احتقار‬
‫للقصص الخيالية‪ ،‬ووصفها بالغثاثة‪ ،‬وما إلى‬
‫ذل��ك م��ن ع �ب��ارات االس�ت�ه�ج��ان – ب �ق��يَ كامنا‬
‫في خلفيات الخطاب النقديّ ال��ذي يعدّ وريثا‬
‫وممثال للثقافة العالِمة التي تتجاهل وتهوّن من‬
‫الثقافة الشعبية(‪.)28‬‬

‫كاتب وناقد وباحث من تونس مقيم في البحرين‪.‬‬
‫من ذلك أنّ بعض الناس يقرؤون روايات‪ ،‬يزعجهم أن تقع بين أيدي أبنائهم‪ ،‬أو بين أيدي من يظنون أنه غير مؤهّ ل‬
‫لقراءتها! ‪.Jean Cabriès: Roman : Essai de typologie, in Encyclopaedia Universalis‬‬
‫يقول الدكتور مصطفى الكيالني‪« :‬من الصعب حدّ جنس الرواية األدبي قطعيّا‪ ،‬بل األقرب إلى الظنّ أنّه سر ُد حادثٌ‬
‫يستجيب لهذا العصر ويُعبّر عن وعي المكان واألشياء بخطّ ة مغايرة للسرد القصصيّ وأنواع السرد األخرى في‬
‫الراهن والسالف»‪.‬‬
‫الرواية هي سرد المكان والكيان‪ ،‬ورس� ٌم طوبوغرافي مُتخيّل لوعي اللحظة الكاتبة‪ ،‬والفضاء بوقائعه وأشيائه‬
‫وتفاصيله‪ ،‬وكتاب ٌة للتاريخ الفرديّ والجمعيّ بواسطة الخيال السردي‪ ،‬تلك هي مالمح النواة شبه الساكنة التّي بها‬
‫يُح ّ ُد جنس الرّواية األدبيّ ‪ ،‬حسب التقريب‪ ،‬إ ّال أنّ العناصر األخرى الحافّة بالنواة‪ ،‬متغيّرة متحوّلة باستمرار‪ ،‬نتيجة‬
‫التناصيّ وتعالقُها الحميم مع أجناس أدبيّة وفنون أخرى‪ ،‬وانفتاحها الدّائم على الوقائع الحادثة‪».‬‬
‫ّ‬
‫اتّساع مدى الرواية‬
‫من حوار أنجزه معه كمال الرياحي بعنوان‪« :‬حول الرواية والنقد الروائي»‪ ،‬مجلة جسور‪ ،‬العدد‪،7‬السنة‪،1‬أيلول ‪-‬‬
‫سبتمبر‪2005‬م‪.‬‬
‫أدرك هنا بمعنى الوعي والفهم ال بمعنى البلوغ والوصول!‬
‫لكن ال يخفى ما يوجد عندنا من خصوصيات أخالقية تجعل الروايات اإلباحية غير منتشرة‪ ،‬وإن كانت بعض‬
‫الكتابات «التحررية» ت��ورد مشاهد العالقات الحميمة على صفحات رواياتها‪ ،‬وه��ذا يدخل في ما سماه بعض‬
‫الباحثين بتوسع مساحة الجرأة‪ ،‬وال سيما على أيدي أقالم نسوية!‬
‫مسألة العالقة بين الواقع والتاريخ بالرواية مبحث شديد التعقيد‪ ،‬وقد كثرت فيه المقاربات التي تنظر إلى األمر‬
‫بمقدار كبير من االختالف في وجهات النظر‪ .‬فنظرية االنعكاس بمختلف تقليباتها ترى أن النص وثيقة على أمور في‬
‫النص قطعة فنية تبني واقعا موازيا للواقع‬
‫ّ‬
‫الواقع (نفسية واجتماعية واقتصادية‪)..‬؛ أمّا النظريات اإلنشائية‪ ،‬فتعدّ‬
‫النص الروائي‬
‫ّ‬
‫المعايش‪ ،‬أو هي تعيد بناءه بشكل تخييليّ صرف؛ فالرواية تشكيل لغويّ خياليّ أوّال وأساسا‪ ،‬وليس‬
‫بأيّ حال من األحوال وثيقة تاريخية‪ ،‬إ ّال بالقدر المحدود الذي ال يجعل من اإلنصاف تحميل المبدع وزر ما تفعله‬
‫أو تقوله شخصياته الورقية المبتدعة!‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫دراس����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ات‬

‫ ويصل األمر ببعضهم إلى الحديث عن اختالف بين الزمن اإلبداعي والزمن التاريخي‪ .‬يقول مصطفى الكيالني‪« :‬ال‬
‫أعتقد أنّ اإلبداع األدبيّ ‪ ،‬والرواية تحديدًا‪ ،‬خاضع لتأثيرات الوقائع التاريخية المباشرة‪ ،‬ولكنّ الهزائم واالنتكاسات‬
‫والحروب‪ ،‬تتحوّل من مجال الصدمة إلى قيعان الذات المبدعة؛ ألنّ الزمن اإلبداعي « يختلف في الماهيّة واالشتغال‬
‫عن « الزمن التاريخي»‪« .‬حوار حول الرواية والنقد الروائي»‪( ،‬مرجع مذكور)‪ .‬نذكر على سبيل المثال أطروحة‬
‫الدكتور فوزي الزمرلي حول «إنشائية الرواية العربية»‪ ،‬وإن كان بحثه مرتكزا على تحليل نماذج بعينها (بعض روايات‬
‫الطيب صالح والبشير خريف و‪ ،)..‬فإنّه ال يخلو من إشارات تصلح النطباق على مجمل اتجاهات الرواية العربية‪.‬‬
‫أمّا بحث أحمد المديني المشار إليه في الهامش الموالي فيهت ّم بالرواية في المغرب األقصى‪ ،‬في حين اهت ّم الباحث‬
‫التونسي الدكتور بوشوشة بن جمعة باتجاهات الرواية في المغرب العربيّ ‪.‬‬
‫(‪ )8‬أورده عبدالفتاح الحجمري نقال عن أحمد المديني‪ ،‬متحدثا عن السرد في المغرب‪ ،‬وهو ما ينطبق ‪ -‬فيما نظنّ ‪-‬‬
‫على السرد العربيّ ‪ ،‬عموما‪ .‬انظر عبدالفتاح الحجمري «نقد السرد األدبي‪ :‬مفاهيم وقضايا»‪.‬‬
‫(‪.Pierre De Boisdefre: «Les écrivains français d'aujourd'hui»- col. Que sais-je, PUF, Paris, 1973,p-p49-51 )9‬‬
‫(‪René Lalou : : «Le romon français depuis 1900» –col. Que sais-je, P.U.F. Paris, 1963- chap: VIII, le roman )10‬‬
‫‪.d'aujourd'hui, par Georges Versini, pp122-123‬‬

‫(‪.Michel Raimond: «Le roman depuis la révolution» –col. V. Armond Colin, Paris, 1967 – p.p 222-226 - ) 11‬‬
‫(‪.Marcel Girard: «Guide illustré de la littérature française moderne» –ed. Seghers, 1968, p. 305 - ) 12‬‬

‫(‪Raymond Jean: art. «Romon: Le nouveau romon» –in. Encyclopaedia Universalis, Paris, 1990. Corpus, - )13‬‬
‫‪.vol. 20.p.143‬‬

‫(‪ ) 14‬بكلمة «غ��رض» أترجم اللفظة األجنبيّة ‪ ،thème‬وقد أعرضت عن المقابل ال��ذي درج عدد من الباحثين على‬
‫استعماله وهو كلمة «تيمة» العربية‪ ،‬ذلك أن المعنى القديم لها‪ :‬التيمة أي «الشاة تعلف وتحلب في البيت» أو‬
‫«الشاة تذبح في المجاعة» مازال يحملني على عدم استساغة النقل المجازيّ الذي عمد إليه المحدثون مدفوعين‬
‫إلى مطابقة المعنى الغربي الحديث للفظ العربي القديم‪ ،‬والتضحية بالمعنى القديم واعتباره ميتا‪ ،‬لمجرد التقابل‬
‫الصوتي الشديد بين الكلمتين العربية واألجنبية‪.‬‬
‫(‪« )15‬المجازي» يقابل ‪ ،allégorique‬وقد ترجمها جبرا إبراهيم جبرا بـ»ليجورة» وجمعها على ليجورات‪ ،‬وسار على‬
‫هديه يوئيل يوسف عزيز مترجم كتاب «المعنى األدبي» لويليام راي‪.‬‬
‫(‪« )16‬اإلنشائي» يقابل ‪ ،poétique‬نالحظ أنّ ما هو بين قوسين هو اقتراح ترجمة آخر ممكن‪.‬‬
‫(‪T.Todorov: «Introduction à la littérature fantastique», coll. Points, ed. seuil, 1970, p.p 37-38 ) 17‬‬
‫(‪ )18‬صوليفيوف‪Soloviov :‬‬
‫(‪ )19‬توماشفسكي‪Tomachevski :‬‬
‫(‪.Op. cit. p30 ) 20‬‬
‫(‪ )21‬كاستاكس‪Castex :‬‬
‫(‪ )22‬لويس فاكس‪Louis Vax :‬‬
‫(‪ )23‬روجي كايوا‪Roger Caillois :‬‬
‫(‪« )24‬الغريب» يقابل ‪l’étrange‬‬
‫(‪« )25‬العجيب» يقابل ‪le merveilleux‬‬
‫(‪.T.Todorov: «Introduction à la littérature fantastique», coll. Points, ed, seuil, 1970, p.31 26 ) 26‬‬
‫(‪ )27‬قصص نشوء الكون‪cosmogonies :‬‬
‫(‪ )28‬ولع ّل «النقد الثقافيّ » منهج يدحض هذه المسلمات التقليدية ويحفر ضدّ مجراها‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪53‬‬

‫نصوص‪..‬‬
‫> عبدالله السفر*‬
‫تذوب فيها األبواب‬
‫تمرين مبكِّ ر‬
‫تخصهم‪ .‬وال �ك��راس��ي وتفنى‬
‫ّ‬
‫أمسية قصصية‬
‫ٍ‬
‫صحبَ أطفاله إلى‬
‫س���ر َد عليهم ال�ض�ي��ف م��ا ت �ي��سّ � َر م��ن قصصه فيها األوراق‪.‬‬
‫�وار مفتوح أع�ق� َب�ه��ا‪ ،‬طالبَ‬
‫وأح�لام��ه‪ ،‬وف��ي ح � ٍ‬
‫وحده الفراغ‬
‫َ‬
‫ج �م �ه��ورَه م��ن ال�ح��اض��ري��ن أن يكتبوا لمديري‬
‫أخ � ��ذتْ الراي ُة‬
‫م��دارس �ه��م ع��ن تغيير ال�م�ن��اه��ج ال �ت��ي ال تلبي‬
‫ب � � � � �ص � � � � � َرهُ وه� � ��ي‬
‫طموحهم وآمالهم‪.‬‬
‫تخفق ف��ي الهواء؛‬
‫َ‬
‫صباح اليوم التالي‬
‫عرض عليه أحد أطفاله خطابا ت�م��وج��اتٌ سخيّة وان �ث �ن��اءاتٌ تكشف ع��ن الرقة‬
‫مجازات لشموخها‬
‫ٍ‬
‫مكتوبا إلى مدير مدرسته‪ ،‬استمه َل وقتاً لقراءته ثم والمتانة‪ .‬ح��او َل أن يستنبتَ‬
‫طواه في جيبه‪ .‬كان يريد أن يطويه إلى األبد‪.‬‬
‫وللواءٍ يجمع؛ منعتْه نظرةٌ ترتطم بالفراغ وحدَه‪.‬‬
‫عندما أوصله إلى المدرسة‪ ،‬أخر َج الخطاب‬
‫تتجدد‬
‫ّ‬
‫المجزرة‬
‫ودف � َع بها إليه؛ يريده أن يختبر مبكّراً شراس َة‬
‫ّف القصف وأ ُعلِن انتهاء المعركة بآثارها‬
‫توق َ‬
‫الخيبة‪ ،‬ومعاندة الحلم‪.‬‬
‫الوبيلة‪.‬‬

‫إغماضة بعيدة‬

‫ت��ن��ادَى ال �م �ت �ف � ّرج��ون ل�ح�ف� ٍ�ل خ�ط��اب��ي ينصر‬
‫ٍ‬
‫خالف بين ساقيه‪ ،‬وأخذ يدقّ األرض‬
‫َ‬
‫برتابة القضية‪.‬‬
‫بغلظة من يجلس بجواره‪ .‬أطل َق زفر ًة طويل ًة‬
‫ٍ‬
‫نبّهتْ‬
‫تبارتْ الحناجر في دفعِ حممها وه ّز المنبر‪.‬‬
‫وآهة‪ ،‬وتململت يداه وهما تقصفان ورق الجريدة‪.‬‬
‫�اص � َرن��ا في‬
‫�ف ال��ذي خلناه ان�ت�ه��ى؛ ح� َ‬
‫ال�ق�ص� ُ‬
‫َر ّك َز عينيه على الباب الذي ال ينفتح‪ .‬ته ّد َل فاتحاً‬
‫فمه‪ .‬إلى الجدار أسن َد رأس��ه‪ ،‬وتمنّى إغماض ًة القاعة‪.‬‬
‫* ‬

‫‪54‬‬

‫قاص من السعودية‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫> حسن بطران*‬

‫عقد قرآن‬
‫كشف عن وجهه قبل عقد القرآن‪ ..‬تفاجأت‬

‫هي‪ ،‬وتفاجأ األب‪!..‬‬

‫ق���������ص���������ص ق������ص������ي������رة‬

‫قصصص قصيرة جدا‬
‫لسان اخلريف‬
‫سالت لعابه‪ ..‬كومة من اللحم تُقاوم فسادها‪،‬‬
‫يَحكي أن ظالم الليلِ كهفها‪..‬‬

‫رفضت هي‪..‬‬
‫وتمسك األب به أكثر من السابق‪.‬‬

‫نعيق الغربان تُصحر آذانها‪ ..‬مياه الخريف‬

‫تطفئه‪ ،‬ورماد عفنه توقف سيالن لعابه‪..‬‬

‫أصالة‪..‬‬

‫جلوء‬
‫تلوّن شعره منها بالبياض‪..‬‬

‫بعد طول سفر نزال معاً الحديقة‪ ..‬قطف الورد‬

‫زارت���ه األم� ��راض المستديمة‪ ،‬وط�ل�ب��ت منه وقطعت هي الشوك‪ ،‬وحينما غاب نجم الشمس‪،‬‬
‫وأض��اء سراج القمر السماء‪ ،‬وه��دأت األصوات‬
‫اللجوء واإلقامة في أرضه‪..‬‬
‫إال من الموسيقى‪ ،‬أهداها الورد‪ ،‬وتوارت خلف‬
‫ليس لديه القدرة لرفض طلبها‪..‬‬
‫نفسها وأهدت له الشوك‪..‬‬
‫تستقر في أرضه‪..‬‬
‫كلما انتهت مدة اللجوء‪ ،‬طلبت تجديده‪..‬‬
‫ويتجدد‪.‬‬
‫يتمنى أن ت�غ��زو أرض��ه ق��وات اح �ت�لال حتى‬

‫يتطهر منها‪!.‬‬

‫عبث‬

‫اجتمعوا لمناقشة ما يتعلق بشئون إدارتهم‪..‬‬
‫سكت الجميع‪ ..‬وصمت المدير‪ .‬ارتجفت يداه‬

‫وأجل االجتماع‪ ،‬فلما جاء الموعد الجديد جلب‬

‫إلى قربه مدفأة‪..‬‬

‫ما زالت يداه ترتجفان‪!.‬‬

‫تتمايل أمامه كأنثى عشرينية‪ ..‬ينظر إليها‪،‬‬

‫اتهم المدفأة بأنها ماركة مقلدة‪ ..‬رن الهاتف‬

‫يقضم التفاحة ويُطرد من الجنة‪..‬‬

‫وأناب عنه مساعده‪..‬‬

‫تغمز له‪..‬‬
‫* ‬

‫نار جوفاء‬

‫وتنفس الصعداء‬

‫قاص من السعودية‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪55‬‬

‫انطفاء في ذاكرة األشياء‪..‬‬
‫> كرمية اإلبراهيمي‬
‫ال أذكر زمن الموت األول معك‪ ..‬كما ال أذكر بداية انتحاراتي المتكررة في صدرك‪،‬؟‬
‫وأنا أهرع إليك مذعورة من دمع الشوارع ودمارها‪..‬‬
‫كنت تردد لي‪ :‬سيقتلك حزن هذه المدن‪ ..‬تعالي معي ألحميك من هذا الدمار‪ .‬وكنت‬
‫أترك في صدرك كل دماري وخيبتي‪ ،‬وأبدأ الركض من جديد‪..‬‬

‫منذ فقدت فرحي الكبير‪ ،‬وأنا أركض‬

‫دون هدف‪ ،‬فقط ألنسى ما حدث‪..‬‬

‫ألنسى جسده المحترق ب��ذاك الشارع‬

‫الحزين‪ ،‬يوم كنت في انتظاره على شاطئ‬

‫أحالمنا التي احترقت بعد رحيله‪..‬‬

‫قلت له‪ :‬ال تضيعنا‪ ..‬وصرخت بأعلى‬
‫صوتي‪ :‬قف أيها الزمن ما أجملك‪..‬‬
‫هل ب��دأ جنوني بك يومها وأن��ا أستمع‬
‫إل�ي��ك ف��ي تلك القاعة المليئة باألضواء‬
‫وال��وج��وه والشعر؟ أم ب��دأ جنوني بك يوم‬

‫كم أحببتك يا‪-‬عامر‪..-‬‬

‫أه��دي �ت �ن��ي دي ��وان ��ك ال �م �ل��ون‪ ،‬وأن� ��ت تقرأ‬

‫وكم كان الزمن جميال‪..‬‬

‫تفاصيل عمري في لمسة يدي حين أبقيتها‬

‫هل تذكر يوم أعلنت لي حبك والبحر في يدك؟‬

‫يضمنا‪..‬؟‬

‫يومها كان وحده الذي يعرف سرنا‪..‬‬

‫‪56‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫في ذلك اليوم انحزت إليك أكثر مما‬
‫أردتُ ‪..‬‬

‫لم يقتلنا إال رجاله‪ ..‬ودفعني إليك غيم مدن ال‬

‫تمطر سماؤها إال الوجع واألحالم المهشمة‪..‬‬

‫وأن ��ت خ��ذل�ت�ن��ي ي ��وم وع��دت �ن��ي ب ��أن تزرعني‬

‫ف��ي غيمة ش��وق ج� ��ارف‪ ،‬وتسكنني خيمة من‬

‫ليال أكثر ياسمين‪..‬‬
‫هربتُ من الموت وقد داهمني في ٍ‬

‫غيما‪ ..‬وبردا‪ ..‬سلبني دفء الحكايا ولذة الحلم‪،‬‬

‫اآلن ال شيء يوقف هذا الهشيم في داخلي‪..‬‬

‫فاستسلمت ل��ه بعد أن أفقدني أحبتي ووجوه ال ش��يء ينسيني أح�لام��ي ال �ت��ي أح��رق�ت�ه��ا في‬
‫ذاكرتي القزحية‪..‬‬
‫راحتيك‪ ..‬وأنت تقسم بعيني وبالقمر‪ ..‬وبالدمع‬

‫ق���������ص���������ص ق������ص������ي������رة‬

‫ألغيت كل تصوراتي عن سلطة الرجل في وطن لم رحلت؟‬

‫تعلقتْ أش�ي��ائ��ي ب ��ك‪ ..‬رأي�ت�ه��ا تتوسلني في الكاذب إذ انهمر‪ ..‬أنك ما أحببت سواي‪ ..‬وأنك‬
‫صمت أن أدس ما تبقى من عمري في قبضتك‪ ،‬لي‪ ..‬وصدقتك بحرارة جمر قبضته بيدي‪..‬‬
‫لئال تذروه الريح الشرسة في دروب أكثر ملحا‬
‫ودما‪..‬‬

‫كاذبة كنتُ وأنا ألهث في صحراء قلبك‪ ،‬أحاول‬

‫أن أصمد على الرمل المتحرك أللتصق بك‪..‬‬

‫وتدفأتُ بحضورك‪ ،‬فشعت في دمي أضواء دائما كنت وحدي‪..‬‬
‫وأح �ل�ام وزه� ��ور بنفسج ل��م تسعها ذاكرتي‪ ..‬وأنت ما كنت لي أبدا‪..‬‬

‫تدثرت بكلماتك والحب األبيض‪ ،‬وأن��ا اق��رأ في‬

‫عينيك سيمفونية عشق‪ ،‬امتدت كلبالب تسلقت‬

‫أحشائي‪ :‬إنه لي‪ ..‬وجه عمري وعبق اآلتي‪..‬‬

‫دائما كان شيء ما يفرقنا‪ ..‬كانت مجرد قصة‬

‫اختلفنا في وضع نهايتها‪ ..‬قصة شكلها كل واحد‬

‫منا حسب أهميتها بالنسبة إليه‪ ..‬كانت قصتي‬

‫يومها لم أتنبأ بخرابي وانطفائي في التحديق األجمل‪ ،‬وكانت عبث لحظة لديك‪ ..‬أحييتك في‬
‫ومواسم الدفء ترحل‪ ..‬لم أتنبأ باالرتجاف في عمري‪ ،‬ودفنتني في الورق‪..‬‬
‫شوارع الموت واالنتحار في فراغ األشياء‪..‬‬

‫وه ��ا أن ��ا أب �ك��ي ف��ي ال� �ف ��راغ‪ ،‬وك ��ل م��ا حولي‬

‫أن��ا هنا أرس��م وج��وه��ا‪ ..‬أل��ون قلوبا‪ ،‬وأضم هش وقابل لإلنكسار‪ ..‬الموتى وحدهم يمألون‬

‫قلبك في راحتي‪..‬‬

‫ي�ك�ب��ر ال��ي��وم ف��ي ف ��زع ��ي‪ ..‬ت �ت �ع��دد األشباح‬

‫ذاكرتي‪ ..‬وأنت تسافر في جسدي المتعب‪..‬‬

‫ها أنا أغلق باب غرفتي وأبكي تشردي في‬

‫واألص��وات والبكاء في قلبي‪ ..‬وال شيء يؤهلني نبضات قلبك المحجوز مسبقا لغيري‪ ..‬أبكي‬
‫وأن��ا قد غادرتني كل األش�ي��اء‪ ..‬أبكي وأع��ي أن‬
‫ألحيا‪..‬‬
‫الغدر فيك كان كما ال��دفء الذي أهديتني إياه‬
‫يفاجئني العمر بتعبه وشظايا وجهي المهشم‪..‬‬
‫ألحيا‪ ،‬ويؤلمني أنني ما زلت أحيا‪..‬‬
‫وكل أزمنتي القابلة للتلف‪..‬‬

‫أحدق في مرآة الوجع وأبكي بحرقة قاتلة‪ ..‬اآلن انتهيت‪..‬‬

‫كنت وحدك تدرك سر حزني‪ ،‬وكنت تدفئني حين‬

‫أكون باردة وضائعة مني أنا‪..‬‬

‫كاذبة كل النظريات‪ ،‬وكاذبون أولئك الرجال‬

‫الذين وضعوا لنا فلسفتهم في الحياة وكانوا أول‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪57‬‬

‫الغادرين‪..‬‬

‫كاذبة كل األحالم‪ ..‬والورود‪..‬‬
‫وها أنا أخفي انطفاءاتي في جحيم صدرك‪،‬‬
‫وأخفي سر اشتعاالتي‪ ،‬وكل الدمار الذي خلفته‬
‫لي‪..‬‬
‫هل قررت فعال أن أخترق جدرانك؟ هل قررت‬
‫فعال أن أوقف انتحاراتي في يديك‪ ،‬وأتمتع بلذة‬
‫الجمر في يدي؟‬
‫أن��ا ل��م أق ��رر ألن��ي ل��م أخ�ت��ر قصتي معك‪..‬‬
‫ل��م أخ�ت��ر م��وت��ي ف��ي ع�م��رك ال ��ذي أح��رق�تَ��ه في‬
‫ص��دره��ا‪ ..‬فكنت فقط نسخة مزيفة م��ن حلم‬
‫غادرني ذات ليل حزين‪ ،‬وترك الشوارع مطفأة‬
‫من ضوء عينيه‪ ،‬وتركني باردة أفتش عن نسخة‬
‫منه‪..‬‬

‫أترى‪..‬؟‬
‫اآلن هدأ كل شيء‪ ..‬انحبس الدمع‪ ،‬وانطفأت‬
‫ألوانك في عيني‪ ..‬ص��رتُ أشبه بالريح‪ ،‬وهذا‬
‫يفرحني ألنك لن تمتلكني‪ ،‬لن أتمدد في راحتيك‬
‫وأت��ل��وى ش��وق��ا‪ ..‬لتضمني وت�س�ك��ب ف��ي عيني‬
‫حرائقك إليها‪..‬‬
‫أع��د إل��ي عمري‪ ..‬أعدني إل��ى عمري‪ ..‬ولن‬
‫أطلب أن تظل ل��ي‪ ..‬دائما كنتُ أالحقك وكأني‬
‫أالحق الريح‪ ..‬أحدق في الوجوه الباهتة وتتعبني‬
‫ه ��ذه ال �ظ�لال ال�م�ب�ه�م��ة‪ ..‬يتعبني م ��وت الذين‬
‫أحبهم‪..‬‬
‫تجرفني مدني‪-‬التي كانت جميلة‪-‬إلى دمار‬
‫شوارعها ودمنا المسكوب غدرا‪ ..‬إلى طرقاتها‬
‫المسدودة ذع��را‪ ..‬أتسلق أزمنتها الحزينة وأنا‬
‫* ‬

‫‪58‬‬

‫أديبة وكاتبة من الجزائر‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫أكثر استعدادا للموت بعد أن خسرتك وانطفأت‬
‫في ذاكرتي كما لحظة الحب األول��ى التي تكون‬
‫أصدق ما في الحكاية‪..‬‬
‫لكن المدينة تطوي أحالمها الباردة وتتركني‬
‫ضائعة‪ ،‬أنحل إلى ذرات يصعب جمعها وال تدرك‬
‫حاجتي إليك‪ ،‬دون أن أبرر لها تلك الحاجة وذاك‬
‫ال�ش��وق ال��ذي يهزني كموج ه��ادر‪ ،‬كلما تذكرت‬
‫كلماتك الزرقاء «سأكون لك‪ ..‬تذكري أنك أجمل‬
‫مدينة شدني عبقها فاستسلمت له‪ ..‬أنت أجمل‬
‫ما يمكن أن يحدث لي»‪.‬‬
‫أق ��ف ع�ل��ى ع�ت�ب��ة االن �ت �ه��اء م�ط�ح��ون��ة القلب‬
‫ومجروحة إلى آخر حدود األلم‪ ..‬امرأة بال حب‬
‫وب�لا وط ��ن‪ ..‬لكنك وال��وط��ن وأح�لام��ي الكثيرة‬

‫تحتلون ذاكرتي‪ ،‬وتحاصرونني‪ ،‬لكنني أغوص في‬
‫حلم أفتش عن شخص واح��د فقط يذيبني في‬
‫ص��دره‪ ،‬ويؤكد لي أنني أحيا‪ ..‬وأن��ه ال يريدني‬
‫أن أنطفئ‪..‬‬

‫ق���������ص���������ص ق������ص������ي������رة‬

‫قصص قصيرة جدا‬
‫> محمد صوانه*‬

‫أي حنان‪..‬؟‬

‫عنوان‬

‫خوف‬
‫ٌ‬
‫يهز أوصالها‬
‫عندما عصفتْ الريحُ‪،‬‬
‫تشتعل في داخلها‬
‫وتسرَّبَ البر ُد من نافذتي‪..‬‬
‫تسأله بحدة‪ :‬هل هناك وردة أخرى؟‬
‫كانت تحيكُ ثوبَ الحنانِ‬
‫لتدثرني‪..‬‬
‫يقسم‪..‬‬
‫تعيد السؤال كل يوم‪ ..‬ويقسم كل يوم‬
‫ضعف!‬
‫تبعثرتْ الحروف من بين شفتيه‪ ..‬فانحنى وفي اليوم األخير‪ ..‬تغلق الباب‪ ،‬وتصرخ‪:‬‬
‫ لن تبيت اليوم هنا‪ ،‬اذهب إليها!‬‫يجم َع شتاتها‪..‬‬
‫لكنه ال يعرف عنواناً آخر‪!!..‬‬
‫كانت تلفظ أنفاسها‪ ..‬وهي تصرخ‪،‬‬
‫تشتم ضعفه‪!..‬‬

‫لطمة‬

‫عندما لطمته على حين غفلة‪..‬‬
‫جمع قبضته ليرد الصاع صاعين‪..‬‬
‫لكنه ابتلع الصعقة وهو يتمتم‪..‬‬
‫سر قوتها في ضعفها‪!..‬‬

‫تضحية‬

‫التصق بها حدَّ التوحّ د‪..‬‬
‫ظلوا يحيكون المكائد‪،‬‬
‫فضحّ ى بنفسه؛‬
‫لتحيا‪!!..‬‬
‫* ‬

‫عزاء‬

‫تجمعوا حول قلم الرصاص‪..‬‬
‫يقرّبون منه الرحى‪،‬‬
‫وهم يتبسمون؛‬
‫فأقامت له المبراة بيت العزاء!‬

‫السطر الوحيد‬

‫كتب سطراً واحداً ثم تنحّ ى‪..‬‬
‫وعندما عاد يكمل ما بدأ‪..‬‬
‫لوى القلم عنقه‪..‬‬
‫وولّى!‬

‫قاص وإعالمي من األردن‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪59‬‬

‫ال شيء‬
‫> فاطمة املزروعي*‬
‫ال أذكر زمن الموت األول معك‪ ..‬كما ال أذكر بداية انتحاراتي المتكررة في صدرك‪،‬؟‬
‫وأنا أهرع إليك مذعورة من دمع الشوارع ودمارها‪..‬‬
‫كنت تردد لي‪ :‬سيقتلك حزن هذه المدن‪ ..‬تعالي معي ألحميك من هذا الدمار‪ .‬وكنت‬
‫أترك في صدرك كل دماري وخيبتي‪ ،‬وأبدأ الركض من جديد‪..‬‬

‫‪ -‬بدا جسدها في التكوين رويدا وريدا‪،‬‬

‫ي�س�ت�م��ع إل ��ى ص� ��داه ب �م��زي��ج م��ن الضيق‬

‫الظهيرة نفذت بنعومة خ�لال األعضاء‪،‬‬

‫اقترب منها‪ ،‬تطلع إلى عينيها الواهنتين‪،‬‬

‫حتى اكتملت مالمحه النحيلة أمامه‪ ،‬نظر والحزن‪ ،‬شعر بثقل ساقيه‪ ،‬وهما تقودانه‬
‫إليها من خلف الغاللة التي ترتديها‪ ،‬شمس إل��ى داخ��ل غرفتهما‪ ،‬ب��دا جسدها متعبا‪،‬‬
‫اجتازت بدقة مواضع حميمة في جسدها‪ ،‬شعر بغصة في حلقه‪ ،‬ووهن في أطرافه‪،‬‬
‫لطالما عشق ه��ذا ال�ج�س��د‪ ،‬وك��ان��ت يده كانت مشاعره توحي بالبكاء‪ ..‬وكانت هي‬
‫تتلمس تلك المواضع أحيانا بدعابة أو تبكي ‪ ،‬ال ال ‪ ..‬لم تكن تبكي‪ ،‬كانت تحاول‬
‫ضحكة أو لحظة عشق‪..‬‬
‫إخفاء ذلك المرض‪ ،‬والتشبث بأي شيء‪،‬‬
‫« هل من أحد هنا»؟‬
‫‪-‬ارتفع صوته األجش‪ ،‬ونظراته تحملق‬

‫ف��ي ال�ش�ق��ة ال� �ب ��اردة‪ ،‬ت ��ردد ص��وت��ه‪ ،‬فعاد‬

‫‪60‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫الح له وجهها المتعب وقسماته ‪..‬‬

‫تأملها من رأسها إلى أخمص قدميها‪،‬‬

‫سعل بقوة‪ ،‬سعلته المعتادة‪ ،‬شعر بيديها‬

‫المست ي��داه أناملها‪ ،‬خدها‪ ،‬وضع الوسادة‬
‫تحت رأسها‪..‬‬
‫«أنا بخير‪ ،‬ال تقلق»‬

‫ك��ان��ت ت��ردده��ا دوم��ا ف��ي آل �ي��ة‪ ،‬ت��ذك��ر حينما‬
‫أخبرته عن مرض أمها‪ ،‬لقد بكت كثيرا على تلك‬
‫األم رغم الطفولة القاسية التي عاشتها على يد‬
‫إخوتها وأمها‪..‬‬

‫ق���������ص���������ص ق������ص������ي������رة‬

‫تحوطان كتفيه‪ ،‬ما أجمل الحلم بها؟ الح له الكثير‬
‫من الوجوه المتعبة التي رآها منذ طفولته‪ ،‬وجوه‬
‫اقترب من السرير‪ ،‬جلس على حافته‪ ،‬تأمل‬
‫مظلمة‪ ،‬فيها الكثير من الظلم والوهن والقهر‪،‬‬
‫وك ��ان ي��رى ف��ي ك��ل وج��ه م�لام�ح�ه��ا‪ ،‬ومرضها‪ ،‬وجهها‪ ،‬أخ��ذ بيديها ‪..‬ق��رب�ه��ا م��ن وج�ه��ه‪ ،‬بدت‬
‫دافئة‪ ،‬حنونة‪ ..‬احتضنها‪ ،‬في لحظة مر خيالها‬
‫وطفولتها‪ ،‬واأللم‪..‬‬
‫ع�ل�ي��ه‪ ،‬رآه ��ا ت��رت��دي ال �ب �ي��اض‪ ،‬ك��م ع�ش��ق اللون‬
‫ك��ان يضربها حتى يتخلص م��ن أل�م��ه‪ ،‬وكان‬
‫األبيض على جسدها النحيل؟‬
‫يتألم أللمها‪ ،‬كان األلم في جسدها كبيرا‪ ،‬وكانت‬
‫ك��ان��ت ت�ع�ل��م ع�ش�ق��ه ل �ه��ذا ال��ل��ون‪ ،‬وإلحاحه‬
‫تخفيه بقناع ثلجي بارد‪ ،‬اقترب منها أكثر حتى‬
‫الم �س��ت أن��ام �ل��ه ج �س��ده��ا‪ ،‬ب��ل عظمها الرخو‪ ،‬المستمر حتى ترتديه بصورة مستمرة‪ ،‬أربكته‬
‫الخياالت‪ ،‬وهو يراها تتحرك في أرجاء الشقة‪،‬‬
‫فأزاحته قليال‪..‬‬
‫صامته‪ ،‬تؤدي عملها في صمت وخشوع‪ ،‬اقترب‬
‫«ما بك ؟»‬
‫أكثر منها‪ ،‬تمنى لو يلتصق بها‪ ،‬مرت عليه أمور‬
‫أجابت بال مباالة‪..‬‬
‫كثيرة‪ ،‬صوت قطة الجيران‪ ،‬وهي تسقط تحت‬
‫«الشيء»‬
‫عجلة ال �س �ي��ارة‪ ،‬ب��رك��ة ال��دم��اء‪ ،‬واألم��ع��اء التي‬
‫ألطفالهم في المستقبل‪..‬‬

‫تفجرت ونافورة الدماء التي سالت على الطرق‪،‬‬
‫وقف يتأملها بمزيد من الصمت والخوف‪ ،‬شعر‬
‫بغثيان‪ ،‬تقلبات معدته تضايقه‪ ،‬منظر الشقة في‬
‫هذا اليوم يبدو غريبا‪ ،‬طيفها يمر أمامه‪ ،‬وصورة‬
‫أمعاء القطة تحتل مخيلته بجانبها‪ ،‬خ��رج من‬
‫غرفة إلى أخرى ‪ ،‬كان يالحقها وي��داه تحاوالن‬
‫اإلم �س��اك ب�ط��رف ثوبها األب �ي��ض‪ ،‬ص��وت دقات‬
‫قلبها‪ ،‬شهيقها المستمر‪ ،‬العرق البارد المتصبب‬
‫على وجهها‪..‬‬

‫خلعت ث��وب�ه��ا ب�ص�ع��وب��ة‪ ،‬ح ��اول مساعدتها‪،‬‬
‫أزاحته في رقة‪ ،‬شعر بضيقه ‪ ،‬لكنه عاد ينظر إلى‬
‫ال��وج��وه ك�ل�ه��ا ت �ط��وف ب ��ه‪ ،‬ووج �ه �ه��ا يالحقه‬
‫جسدها العاري‪ ،‬تأمل التصاقة جلدها بهيكلها‬
‫باستمرار‪..‬‬
‫العظمي‪ ،‬تمدد جوارها‪ ،‬استغرب صمتها‪ ..‬تمنى‬
‫بكى في أل��م‪ ،‬ثم ع��اد يطلق ضحكة مجنونة‬
‫لو تصرخ حتى يحضنها ويبكي معها‪..‬‬
‫وعيناه تتأمالن خيالها المنكسر وهو يغادره في‬
‫الشقة ‪ -‬ف��ي ه��ذه اللحظات ‪ -‬ت�ب��دو عليه‬
‫صمت ‪..‬‬
‫كبيرة للغاية‪ ،‬رغم تعليقاتها المستمرة‪ ،‬وشكواها‬
‫بينما كان السرير خاليا‪ ،‬والجدران خالية‪..‬‬
‫في العديد من المرات بصغرها‪ ،‬وأنها لن تكفي‬
‫* ‬

‫قاصة من اإلمارات‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪61‬‬

‫عابرون في كالم عابر‬
‫> محمود درويش*‬
‫أيها المارون بين الكلمات العابرة‬
‫احملوا أسماءكم وانصرفوا‬
‫واسحبوا ساعاتكم من وقتنا ‪،‬و انصرفوا‬
‫وخذوا ما شئتم من زرقة البحر ورمل الذاكرة‬
‫و خذوا ما شئتم من صور‪،‬كي تعرفوا‬
‫أنكم لن تعرفوا‬
‫كيف يبني حجر من أرضنا سقف السماء‬
‫أيها المارون بين الكلمات العابرة‬
‫منكم السيف ‪ -‬ومنا دمنا‬
‫منكم الفوالذ والنار‪ -‬ومنا لحمنا‬
‫منكم دبابة أخرى‪ -‬ومنا حجر‬
‫منكم قنبلة الغاز ‪ -‬ومنا المطر‬
‫وعلينا ما عليكم من سماء وهواء‬
‫فخذوا حصتكم من دمنا وانصرفوا‬
‫وادخلوا حفل عشاء راقص‪..‬و انصرفوا‬
‫وعلينا ‪،‬نحن‪ ،‬أن نحرس ورد الشهداء‬
‫و علينا ‪،‬نحن‪ ،‬أن نحيا كما نحن نشاء‬
‫أيها المارون بين الكلمات العابرة‬
‫كالغبار المر مروا أينما شئتم ولكن‬
‫ال تمروا بيننا كالحشرات الطائرة‬
‫فلنا في أرضنا ما نعمل‬
‫و لنا قمح نربيه ونسقيه ندى أجسادنا‬
‫و لنا ما ليس يرضيكم هنا‬
‫حجر‪ ..‬أو خجل‬
‫فخذوا الماضي‪،‬إذا شئتم إلى سوق التحف‬
‫و أعيدوا الهيكل العظمي للهدهد‪ ،‬إن شئتم‬
‫على صحن خزف‬
‫* ‬

‫‪62‬‬

‫شاعر من فلسطين‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫لنا ما ليس يرضيكم ‪،‬لنا المستقبل ولنا في‬
‫أرضنا ما نعمل‬
‫أيها المارون بين الكلمات العابرة‬
‫كدسوا أوهامكم في حفرة مهجورة ‪ ،‬وانصرفوا‬
‫وأع���ي���دوا ع��ق��رب ال���وق���ت إل���ى ش��رع��ي��ة العجل‬
‫المقدس‬
‫أو إلى توقيت موسيقى مسدس‬
‫فلنا ما ليس يرضيكم هنا ‪ ،‬فانصرفوا‬
‫ولنا ما ليس فيكم ‪ :‬وطن ينزف وشعبا ينزف‬
‫وطنا يصلح للنسيان أو للذاكرة‬
‫أيها المارون بين الكلمات العابرة‬
‫آن أن تنصرفوا‬
‫وتقيموا أينما شئتم ولكن ال تقيموا بيننا‬
‫آن أن تنصرفوا‬
‫ولتموتوا أينما شئتم ولكن ال تموتوا بيننا‬
‫فلنا في أرضنا ما نعمل‬
‫ولنا الماضي هنا‬
‫ولنا صوت الحياة األول‬
‫ولنا الحاضر‪ ،‬والحاضر ‪ ،‬والمستقبل‬
‫ولنا الدنيا هنا‪ ..‬و اآلخرة‬
‫فاخرجوا من أرضنا‬
‫من برنا ‪ ..‬من بحرنا‬
‫من قمحنا ‪ ..‬من ملحنا ‪ ..‬من جرحنا‬
‫من كل شيء‪ ،‬واخرجوا‬
‫من مفردات الذاكرة‬
‫أيها المارون بين الكلمات العابرة‪!..‬‬

‫> متيم البرغوثي*‬
‫مَ ����� َر ْرن�����ا عَ ���ل���ى دارِ ال��ح��ب��ي��ب ف���� َر ّ َدن����ا‬
‫ْ���ت ل��ن��ف��س��ي ُرب���م���ا ِه�����يَ نِ عْ مَ ةٌ‬
‫فَ���قُ ���ل ُ‬
‫����ل م��ا ال تستطيعُ احتِ مالَهُ‬
‫تَ����رَى كُ ّ َ‬
‫��س ح��ي��نَ َت��لْ��قَ��ى حَ بِ يبَها‬
‫���ل ن��ف ٍ‬
‫وم���ا ك ُّ‬
‫���راق لِ قاؤُ ه‬
‫ف���إن س ـ ـ ـ ـ َرّها ق��ب��لَ ال ِ���ف ِ‬
‫��دس ال��ع��ت��ي��ق�� َة مَ ���� ّ َر ًة‬
‫ْ��ص��رِ ال��ق َ‬
‫م��ت��ى تُ��ب ِ‬

‫���ن ال����دارِ ق��ان��ونُ األع����ادي وسورُها‬
‫عَ ِ‬
‫��دس حينَ تَزُ ورُها‬
‫فماذا تَ��رَى في ال��ق ِ‬
‫إذا ما َب���دَتْ من جَ ��انِ ِ��ب ال���� ّ َدر ِْب دورُها‬
‫ـاب يُ ِضيرُ ها‬
‫الغيـ ـ ـ ـ ـ ِ‬
‫تُسَ ـ ـ ـ ُّـر وال كُ ُّ���ل ِ‬
‫��ون عليها س ـ ـ ـ ـ ـ ــرُ ورُها‬
‫فليس ب��م��أم ٍ‬
‫َ‬
‫فسوف تراها ال َعيْنُ حَ ي ُْث ت ُِديرُ ه ـ ــا‬
‫َ‬

‫ش������������������������������������ع������������������������������������ر‬

‫في القدس‪..‬‬

‫القدس‪ ،‬بائعُ خضرةٍ من جورجيا برمٌ بزوجته وهي الغزالةُ في المدى‪ ،‬حَ َك َم الزمانُ بِ َبيْنِ ها‬
‫ِ‬
‫في‬
‫ْك بِ َعيْنِ ها‬
‫ض إ ْثرَهَ ا مُ ذْ َو َدّعَ ت َ‬
‫ما زِ لتَ َترْكُ ُ‬
‫البيت‬
‫ْ‬
‫يفكرُ في قضاءِ إجازةٍ أو في طالءِ‬
‫َفسك ساعةً إني أراكَ وَهَ ن ْْت‬
‫في القدس‪ ،‬ت��وراةٌ وكهلٌ ج��ا َء من َمنْهاتِ نَ العُ ليا رفق ًا بِ ن َ‬
‫القدس إال أَن ْْت‬
‫ِ‬
‫القدس من في‬
‫ِ‬
‫في‬
‫ُون في أحكامها‬
‫ُي َف ّ َقهُ فتي َة البُول ِ‬
‫دهران‬
‫ِ‬
‫التاريخ مَهْ الً‪ ،‬فالمدينةُ دهرُ ها‬
‫ِ‬
‫األحباش يُغْ لِ قُ شَ ارِ ع ًا في يا كاتبَ‬
‫ِ‬
‫شرطي من‬
‫ٌ‬
‫القدس‬
‫ِ‬
‫في‬
‫مطمئن ال يغيرُ خطوَه وكأ َنّه يمشي‬
‫ٌ‬
‫دهر أجنبي‬
‫السوق‪..‬‬
‫ِ‬
‫خاللَ النو ْم‬
‫يبلغ العشرينَ ‪،‬‬
‫مستوطن لم ِ‬
‫ٍ‬
‫اش على‬
‫رش ٌ‬
‫َّ‬
‫صوت ِحذار‬
‫ٍ‬
‫كامن متلثمٌ يمشي بال‬
‫ٌ‬
‫وهناك ده��رٌ ‪،‬‬
‫حائط المبكَى‬
‫َ‬
‫قُ َبّعة تُحَ ِيّي‬
‫القو ْم‬
‫القدس إطالق ًا‬
‫َ‬
‫اإلفرنج ُشقْ رٌ ال َي َر ْو َن‬
‫ِ‬
‫وسياحٌ من‬
‫َت��راهُ ��م ي��أخ��ذو َن لبعضهم ُص��� َورَا ًمَ�� َع امْ ���� َرأَةٍ تبيعُ والقدس تعرف نفسها‪..‬‬
‫ْك الجميعُ‬
‫إسأل هناك الخلق يدْ ُلل َ‬
‫الساحات ُطولَ اليَو ْم‬
‫ِ‬
‫الف ْجلَ في‬
‫ِ‬
‫فكل شيء في المدينة‬
‫ُّ‬
‫القدس د ّ ََب الجندُ مُ ْنتَعِ لِ ينَ فوقَ الغَيمْ‬
‫ِ‬
‫في‬
‫لسان‪ ،‬حين تَسأَلُهُ ‪ ،‬يُبينْ‬
‫ذو ٍ‬
‫القدس َص َلّينا على األ َْس َفل ْْت‬
‫ِ‬
‫في‬
‫في القدس يزدادُ الهاللُ تقوس ًا مثلَ الجنينْ‬
‫القدس إال أن ْْت!‬
‫ِ‬
‫القدس مَن في‬
‫ِ‬
‫في‬
‫القباب‬
‫ِ‬
‫حَ دْ ب ًا على أشباهه فوقَ‬
‫َو َت َل ّ َفتَ التاريخُ لي مُ َتب ِ َّسم ًا‬
‫��وف تخطئهم‪ !،‬وتبصرُ تَطَ ّ َورَتْ ما َب ْينَهم عَ ْب َر السنينَ ِعالقةُ األ َِب بالبَنينْ‬
‫أَظَ َننْتَ حق ًا أ ّ َن عينَك س َ‬
‫اإلنجيل‬
‫ِ‬
‫اقتباسات من‬
‫ٌ‬
‫في القدس أبنيةٌ حجارتُها‬
‫غيرَهم‬
‫���ص أن���تَ ح��اش��ي��ةٌ عليهِ والقرآنْ‬
‫َ���ك‪ ،‬مَ��تْ��نُ ن ٍ ّ‬
‫ه��ا هُ ���م أم���ام َ‬
‫الجمال مُ ث ّ ََمنُ األضالعِ أزرقُ ‪،‬‬
‫ِ‬
‫تعريف‬
‫ُ‬
‫في القدس‬
‫امش‬
‫وَهَ ٌ‬
‫أَحَ سبتَ أ ّ َن زيار ًة سَ تُ زيحُ عن وجهِ المدينةِ ‪ ،‬يا ُبن ّ ََي‪َ ،‬ف ْوقَهُ ‪ ،‬يا دا َم ِع ُزّكَ ‪ ،‬قُ َبّةٌ ذَهَ بِ َيّةٌ ‪،‬‬
‫تبدو برأيي‪ ،‬مثل م��رآة محدبة ترى وجه السماء‬
‫السميك‬
‫َ‬
‫حجابَ واقِ عِ ها‬
‫مُ ل ّ ََخ َص ًا فيها‬
‫واك‬
‫لكي ترى فيها هَ ْ‬
‫ُتد ِ َّللُها َوتُدْ نِ يها‬
‫سواك‬
‫ْ‬
‫كل فتى‬
‫القدس ًّ‬
‫ِ‬
‫في‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪63‬‬

‫الح َصارِ لمست َِح ِ ّقيها‬
‫ْياس المعُ ونَةِ في ِ‬
‫ُتو َِزّعُ ها َكأَك ِ‬
‫بعد ُخ ْطبَةِ ُجمْ عَةٍ َم ّ َدتْ بِ أَي ِْديها‬
‫إذا ما ُأ ّ َمةٌ من ِ‬
‫الناس تحمينا‬
‫ِ‬
‫وفي القدس السماءُ َت َف ّ َرق َْت في‬
‫ونحميها‬
‫ونحملُها على أكتافِ نا حَ مْ ًال إذا جَ ارَت على أقمارِ ها‬
‫األزمانْ‬
‫الداكنات‬
‫ُ‬
‫الرّخامِ‬
‫في القدس أعمد ُة ُ‬
‫الرّخامِ دخانْ‬
‫كأ ّ َن تعريقَ ُ‬
‫ونوافذٌ تعلو المساج َد والكنائس‪،‬‬
‫باأللوان‪،‬‬
‫ِ‬
‫النقش‬
‫ُ‬
‫كيف‬
‫باح تُرِ يهِ َ‬
‫الص ِ‬
‫بيد ُّ‬
‫أَمْ سَ ك َْت ِ‬
‫وَهْ َو يقول‪“ :‬ال بل هكذا”‪،‬‬
‫َفتَقُ ولُ ‪“ :‬ال بل هكذا”‪،‬‬
‫الخالف تقاسما‬
‫ُ‬
‫حتى إذا طال‬
‫َات لَكِ نْ‬
‫فالصبحُ ُح ٌ ّر خار َج ال َع َتب ِ‬
‫إن أرا َد دخولَها‬
‫نوافذ ال َرّحمنْ‬
‫ِ‬
‫بحكْ ِم‬
‫ْضى ُ‬
‫َف َعلَيهِ أن َير َ‬
‫لمملوك أتى مما ورا َء النهرِ ‪،‬‬
‫ٍ‬
‫في القدس مدرسةٌ‬
‫أهل‬
‫بسوق نِ خَ اسَ ةٍ في أصفها َن لتاجرٍ من ِ‬
‫ِ‬
‫باعو ُه‬
‫بغدادٍ‬
‫��اف أم��ي��رُ ه��ا م��ن ُز ْرقَ������ةٍ ف��ي عَ يْنِ هِ‬
‫أت���ى ح��ل��ب�� ًا ف��خ َ‬
‫الي ُْسرَى‪،‬‬
‫فأعطا ُه لقافلةٍ أتت مصر ًا‬
‫المغول وصاحبَ‬
‫ِ‬
‫�لاّبَ‬
‫بضع سنينَ غَ َ‬
‫ِ‬
‫فأصبحَ بع َد‬
‫السلطانْ‬
‫دكان‬
‫ص باب ًال والهن َد في ِ‬
‫في القدس رائحةٌ ُتل ِ َّخ ُ‬
‫الزيت‬
‫ْ‬
‫بخان‬
‫ِ‬
‫عطارٍ‬
‫َيت‬
‫أصغ ْ‬
‫واللهِ رائحةٌ لها لغةٌ سَ تَفْ هَمُ ها إذا ْ‬
‫المسي ِّل للدموعِ‬
‫ِ‬
‫وتقولُ لي إذ يطلقو َن قنابل الغاز‬
‫عَ ل ّ ََي‪“ :‬ال تحفل بهم”‬
‫بعد ان��ح��س��ارِ ال��غ��ازِ ‪ ،‬وَهْ ���يَ ت��ق��ولُ لي‪:‬‬
‫وت��ف��وحُ م��ن ِ‬
‫“أرأيت!”‬
‫ْ‬
‫ليس‬
‫��ض‪ ،‬وال��ع��ج��ائ ُ��ب َ‬
‫ف��ي ال��ق��دس ي��رت��احُ ال��ت��ن��اق ُ‬
‫ينكرُ ها العِ بادُ ‪،‬‬
‫اش ُيق ِ َّلبُو َن ق َِديمها وَجَ ِديدَها‪،‬‬
‫القمَ ِ‬
‫كأنها قِ طَ عُ ِ‬
‫والمعجزات هناكَ ُتلْمَ ُس بال َي َديْنْ‬
‫ُ‬
‫* شاعر من فلسطين‪.‬‬

‫‪64‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫في القدس لو صافحتَ شيخ ًا أو المستَ بنايةً‬
‫َص قصيدَةٍ‬
‫يك ن ّ َ‬
‫َلوَجَ دْ تَ منقوش ًا على َك ّ َف َ‬
‫يا بْنَ الكرامِ أو ا ْث َن َتيْنْ‬
‫َبات‪ ،‬ري��حُ ب���راءةٍ في‬
‫تتابع ال ّ َنك ِ‬
‫ِ‬
‫في ال��ق��دس‪ ،‬رغ�� َم‬
‫الجوّ‪ ،‬ريحُ ُطفُ ولَةٍ ‪،‬‬
‫ِ‬
‫الريح َبيْنَ‬
‫ِ‬
‫َفتَرى الحما َم ي َِطيرُ يُعلِ نُ َد ْولَ���ةً في‬
‫اص َتيْنْ‬
‫ر ََص َ‬
‫تاريخ‬
‫ِ‬
‫كأنهن سطو ُر‬
‫َّ‬
‫في القدس تنتظمُ القبورُ‪،‬‬
‫والكتاب ترابُها‬
‫ُ‬
‫المدينةِ‬
‫مرّوا من هُ نا‬
‫الكل ُ‬
‫فالقدس تقبلُ من أتاها كافر ًا أو مؤمنا‬
‫ُ‬
‫األرض‬
‫ِ‬
‫أهل‬
‫لغات ِ‬
‫بكل ِ‬
‫أُمرر بها واقرأ شواهدَها ِ ّ‬
‫الب‬
‫والصقْ ُ‬
‫ِّ‬
‫فيها ال��زن��جُ واإلف���رن���جُ وال ِ��ق��فْ ��جَ ��اقُ‬
‫والب ُْشنَاقُ‬
‫����راك‪ ،‬أه��لُ الله وال��ه�لاك‪ ،‬والفقراءُ‬
‫والتتا ُر واألت ُ‬
‫والنساك‪،‬‬
‫ُ‬
‫والمالك‪ ،‬والفجا ُر‬
‫كل من وطئَ ال َثّرى‬
‫فيها ُّ‬
‫َص المدينةِ‬
‫الكتاب فأصبحوا ن ّ َ‬
‫ِ‬
‫الهوامش في‬
‫َ‬
‫كانوا‬
‫قبلنا‬
‫التاريخ ماذا جَ ّ َد فاستثنيتنا‬
‫ِ‬
‫يا كاتب‬
‫يا شيخُ فلتُ عِ ِد الكتاب َة والقراء َة مر ًة أخرى‪ ،‬أراك‬
‫لَحَ ن ْْت‬
‫تنظرُ ‪ ،‬سائقُ السيارةِ الصفراءِ ‪،‬‬
‫ض‪ ،‬ث ّ َم ُ‬
‫العين تُغْ ِم ُ‬
‫مالَ بنا شَ ما ًال نائي ًا عن بابها‬
‫والقدس صارت خلفنا‬
‫اليمين‪،‬‬
‫ِ‬
‫والعينُ تبصرُ ها بمرآةِ‬
‫قبل الغيابْ‬
‫الشمس‪ِ ،‬منْ ِ‬
‫ِ‬
‫َت َغ ّ َيرَتْ ألوانُها في‬
‫كيف تَسَ ّ َلل َْت للو َْجهِ‬
‫إذ فاجَ أَتْني بسمةٌ لم أدْرِ َ‬
‫قالت لي وقد أَمْ َعن ُْت ما أَمْ عن ْْت‬
‫يا أيها الباكي ورا َء السورِ ‪ ،‬أحمقُ أَن ْْت؟‬
‫أ َُجنِ ن ْْت؟‬
‫متن الكتابْ‬
‫المنسي من ِ‬
‫ُّ‬
‫ُك أيها‬
‫تبك عين َ‬
‫ال ِ‬
‫ُك أيها ال َعرَبِ ُّي واعلمْ أ َنّهُ‬
‫تبك عين َ‬
‫ال ِ‬
‫القدس لكنْ‬
‫ِ‬
‫القدس من في‬
‫ِ‬
‫في‬
‫القدس إال أَنْت‬
‫ِ‬
‫ال أَرَى في‬

‫> إدوارد عويس*‬

‫����ب‬
‫������ت ق����وم����ي وال ن�������ا ٌر وال حَ ����طَ ُ‬
‫ن������ا َدي ُ‬

‫���ام���رُ وال����نّ����يِ ����رَانُ ‪  ‬ي���ا عَ �����ر َُب‬
‫أَيْ������نَ ال���ـ���مَ ���جَ ِ‬

‫���ص���فَّ ���دَةٌ‬
‫َات إِ نْ ‪  ‬ن������ادَتْ مُ َ‬
‫أَيْ������نَ ‪  ‬ال������مُ ������رُ وء ُ‬

‫في األ َْس��رِ مُ عْ ت َِصماً‪  ‬هَ اجَ ْت لها القُ ُض ُب‬

‫��ل�ام����هَ����ا قَ���مَ ���رٌ‬
‫ِه�����يَ ال��ـ��مَ ��ل��ي��حَ ��ةُ ف���ي‪  ‬أ َْح ِ‬

‫��ض�� َن��ى َو َي ْنت َِس ُب‬
‫��ض��نِ ��ه��ا ال��مُ ْ‬
‫يَ����أْوِ ي إل��ى ِح ْ‬

‫ِه�����يَ الـجريحَ ةُ ‪  ‬ف���ي أَش����واقِ ����ه����ا بَطلٌ‬

‫يشهُ ‪  ‬الل َِج ُب‪ ‬‬
‫يُ ����فَ����رِّجُ ال���ك���رْبَ عَ ��ن��ه��ا جَ ُ‬

‫ش������������������������������������ع������������������������������������ر‬

‫ال ُ‬
‫صا‬
‫مى َ‬
‫م ْر َ‬
‫س َ‬
‫الع َ‬
‫ق ْد ُ‬

‫*‪*  *  ‬‬
‫َت��ه��ف��و ل��لُ��ق��ي��ا ال�����ذُّ رى وال���دَّ م���عُ مُ نسَ كِ ُب‬
‫���دس في‪  ‬حَ ��ب ِ��س��ه��ا المشؤُ ومِ ‪  ‬نازفَةٌ‬
‫ال���قُ ُ‬
‫مَ ��رْمَ ��ى العَصا حَ ب ُْسها وال��حَ ْ��ش��دُ مُ لتَئِ مٌ‬

‫���ب‬
‫���ب يَ����عْ ����رُ بَ وال���ـ��� َّت���اري���خُ ‪  ‬مُ ��� ْر َت ِ���ق ُ‬
‫ف���ي قَ���ل ِ‬

‫�����اس إل����ى‪  ‬عَ �����د ٍَن‬
‫����س‪  ‬م���ن ف ٍ‬
‫كُ �����لُّ ال����عَ����رائِ ِ‬

‫ح����رٌ ‪  ‬تَ��ل�اطَ ����مُ ف���ي‪  ‬أ َْح����ش����ائِ ����هِ ‪  ‬ال���ـ���نُّ ���و َُب‬

‫عتب‬
‫����وت الغَواني‪  ‬وال���هَ���وى ٌ‬
‫قَ����دْ بُ����حَّ َص ُ‬

‫العتب‬
‫ُ‬
‫����ل ال��ه��وى إِ نْ ُخ���يِّ���بَ‬
‫���س أَه ِ‬
‫ي��ا تُ���عْ َ‬

‫وسـعَةٌ‬
‫ـات مُ َّ‬
‫ـليج مَ تاهَ ـ ـ ـ ـ ٌ‬
‫وف���ي الخَ ـ ـ ِ‬

‫���ض���جُّ ِم���ن‪  ‬هَ ��ولِ ��ه��ا ال��ـ��دُّ نْ��ي��ا وت َْضطَ رِ ُب‬
‫َت ِ‬

‫َوأَرزُ‪  ‬لبنـ ـ ـ ـ ـ ــانَ‪  ‬ف��ي أَب��ـ��ه��ى مَ فاتِ ـنهِ‬

‫�������اب وال���حَ ���ر َُب‬
‫���ف واإلِ ره ُ‬
‫َ���س ُ‬
‫أَزرَى بِ ����هِ ال���ع ْ‬

‫ف��ي كـ ــلِّ ‪  ‬قُ ��ط��رٍ م���نَ ‪  ‬األق���ط���ارِ كارِ ثـ ــةٌ‬

‫وَكُ ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��لُّ قُ ��ـ��ط��رٍ ل���هُ ‪  ‬في‪  ‬هَ ـمِّ هِ ‪  ‬سَ ب َُب‬

‫*‪*  *  ‬‬
‫واألرض‪  ‬تُن َته ـ ـ ـ ـ ـ ُـب‬
‫ُ‬
‫والشـرُّ ‪  ‬مُ ��ن��ـ��ع َِ��ق��دٌ‬
‫َّ‬
‫متقعٌ‬
‫���ت قَ���وم���ي ووج�����هُ ال��ح��س ِ��ن مُ ِ‬
‫ن���ادي ُ‬
‫تسـ ـ ـ ـ ـ ـ ُـب‬
‫كـآبـاتي‪  ‬وأ َْح ِ‬

‫����ت م����نْ وج ٍ���ع‬
‫����ت قَ���وم���ي وك�����مْ ن����ادي ُ‬
‫ن����ادي ُ‬

‫وك�����مْ ‪  ‬أَعُ ����ـ����دُّ‬

‫س����ب����عٌ وس�����تُّ �����ون أَو‪  ‬س����ب����عُ ����ونَ ال عَ �����ددٌ‬

‫يُ ْح ِصي‪  ‬ال����هَ����وانَ‪  ‬وال ِع���ل���مٌ ‪  ‬وال‪  ‬أَد َُب‬

‫������س ال������عُ ������ر ِْب أَش����ل����اءٌ ‪  ‬مُ بعـثرةٌ‬
‫عَ ������رائِ ُ‬

‫����وب لمنْ ‪َ  ‬ي��ب��ـ��غ��ي َويَغت َِص ُب‬
‫ف��ي كُ ����لِّ َص ٍ‬

‫جب‬
‫إِ نْ عَ رْبدَ‪  ‬البَغيُ ‪  ‬ف��ي ال��دُّ ن��ي��ا ف�لا عَ ٌ‬

‫َجب‬
‫���ات ال���هَ���وى ف��ي��ن��ا ه���� َو الع ُ‬
‫ل��ك��نْ ُس���ب ُ‬

‫*‪*  *  ‬‬
‫َّصب‬
‫ف��ي ال���نَّ���ارِ تُ��ك��وى وق��ل��ب��ي د ْأبُ������هُ ‪  ‬الن ُ‬
‫ي���ا أَيُّ ���ـ���ه���ا ال���ح���ش���دُ إِ نِّ������ي مُ ����ره����قُ ويَ����دي‬

‫* ‬

‫����خ‪  ‬ذاك���������رةٌ‬
‫إِ ِّن������ـ������ي أَق������������ولُ ‪  ‬ول����ل����ـ���� َّت����اري ِ‬

‫َسب‪ ‬‬
‫ُصغي‪  ‬إِ ل���ـ���يَّ وق��ول��ي ال���يَ���و َم مُ حت ُ‬
‫ت ِ‬

‫���ات م����ا أَروتْ ل���ن���ا ظَ م ًأ‬
‫���خ���ط���اب ِ‬
‫ك�����لُّ ال ِ‬

‫ذهب‬
‫���ط وال ُ‬
‫وال شَ ��ف��ى ِم���ن َض��ن��ـ ً��ى َن���ف ٌ‬

‫����ب‪  ‬ب���هِ‬
‫إِ َّن�����ـ�����ا ُن����ـ����ري����دُ ‪  ‬دواءً ‪  ‬يُ ����س����تَ����طَ ُّ‬

‫���ب‬
‫َ���ض ُ‬
‫قِ ����وامُ ����هُ ال���ـ���عَ���زم وال���ـ���نِّ���ي���رانُ ‪  ‬وال���غ َ‬

‫شاعر من فلسطين‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪65‬‬

‫انتظار‬

‫> سليمان عبدالعزيز العتيق*‬

‫‪ 1‬من ‪3‬‬

‫قامت على درب القوافل خيمتي‬
‫ونصبتها حيث تمر الريحْ‬
‫وحيث يمر جمع العابرينْ‬
‫والقادمينْ‬
‫والنازحين إلى متاهات الدروبْ‬
‫ناظري وأتكي‬
‫َّ‬
‫وحيث أرمي‬
‫الحبيب‬
‫ْ‬
‫في ظل تذكار‬
‫متلفعا بصبابتي‬
‫عند سديم الغيب ملتبس الخطوبْ‬
‫عناك‬
‫ْ‬
‫يا الهث األنفاس تركض في‬
‫هواك‬
‫ْ‬
‫هل أوقفتك مليحة شربت كؤوسا ًفي‬
‫وتجملت بالوجد ترفلُ‬
‫بالحرير وبالطيوب‬
‫الرطيب‬
‫ْ‬
‫هل أوقفتك حمامة حطت على الغصن‬
‫هل أوقفتك غزالة رتعت هناك‬
‫يا الهث األنفاس هل‬
‫في قعر كأسك قطرة تسقي الشروبْ‬
‫أنا ظامئ والماء يجري بين أوردتي صبوب‬
‫وحشاشتي في كل بارقة تذوبْ‬
‫أنا ناطرٌ متفائل ٌ‬
‫بالصبح أو عند الغروب‬

‫انتظار ‪ 2‬من ‪3‬‬

‫ال ينطفي ظمئي بفيض سحابة ٍ‬
‫تسح وال تؤوبْ‬
‫تجتاز أوديتي ُّ‬
‫أنا واقف في حومة األشواقْ‬
‫ينثرني الطريق‬
‫ويلمني من وهج أشواقي حريقْ‬
‫أصغي لوقع الريحْ‬

‫‪66‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫ش������������������������������������ع������������������������������������ر‬

‫الشمس‬
‫ْ‬
‫ووقع‬
‫واألزمان يجدلها الغروبْ‬
‫بردائه القاني‬
‫ويجدلها الشروق‬
‫قلب إن كظت بمهجتك الكروبْ‬
‫يا ُ‬
‫ما بين آهات المخافة واشتهاءات القلوب‬
‫إفرد جناحك ياخفوقْ‬
‫واصعد فضاء الله في كبد السماء‬
‫وارحل بوجدك يا مشوق‬
‫بين المخافة والرجاءْ‬
‫هال سألت الوردة العذراء عن أسرارها‬
‫في المنبت النائي وكلُ صبح تستفيقْ‬
‫بيضاء أو صفراء أو حمراء تبعث بالرحيق‬
‫هال سألت الطير يشدو ضحوة ً‬
‫في قفرة ما اجتازها‬
‫غريب‬
‫ْ‬
‫إال غريب من‬
‫هال سألت النخل واأل شجار واألحجار‬
‫وسألت موج البحر والريح الهبوب‬

‫انتظار ‪ 3‬من ‪3‬‬

‫وسألت أودية تدفق ماؤها‬
‫في كل ناحية دفوق‬
‫هلاّ سألت الشمس تشرقُ‬
‫في الوهاد وفي القفا ْر‬
‫والبدر يلقي وشاحه‬
‫في النائيات من الديا ْر‬
‫وسألت معنى العشب ينبت في السهوب الخالياتْ‬
‫وتسفه هوج الرياح كما الغبار‬
‫وسألت ثم سألت كل الكائنات‬
‫عن سر هذا اإلنتظار‬
‫وسألتها عما تخبئه الغيوبْ‬
‫* ‬

‫شاعر من السعودية‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪67‬‬

‫صرخة القصيدة الثائرة‬
‫> شقراء املدخلي*‬
‫عز َم على نبذ الشعر‪..‬‬
‫على التبتل في محاريب الصمت‪..‬‬
‫فكانت هذه صرخة القصيدة الثائرة‪..‬‬

‫* ‬

‫‪68‬‬

‫أَمُ �����ك�����ف�����ر ًا ع�����ن ب������ذل ن���س���ج���ك أبيضا‬

‫و مدافع ًا وصــل الغواني والقضـ ـ ــا‬

‫أت�����ت�����وب ع�����ن س����ف����ك ال�����ق�����واف�����ي ق���رب���ة‬

‫َض ـ ــا‬
‫لجـالل هن ــد والجفون المُ ر َ‬

‫ت���ت���ب���ـ���ـ���ـ���ـ���دل األدن���������ى ب���خ���ي���ر ويلتـ ـ ــا‬

‫قايض شمس الزبرجد بالغضى؟‬
‫ٌ‬
‫أَمُ‬

‫أع����ل����ن����ت ك�����ف�����رك ب����ال����ع����ي����ون وسهمها‬

‫وبنيت سـ ـ ـ ــدك خشيةً أن تمرضا‬

‫م���ت���ق���وق���ع��� ًا وس������ط ال����ص����وام����ع رهبــة‬

‫تتلو تعاويذ ًا وتشـ ــدو معرض ـ ـ ـ ـ ــا‬

‫م�����ا ج���ئ���ت رش���������د ًا ي�����ا ص����دي����ق فخلني‬

‫أهديك نصحي لوعتي ما يرتضى‬

‫ال����ش����ع����ر ق���ل���ـ���ـ���ـ���ب ف�����ي ض�����ل�����وع خ����ري����دة‬

‫فاطلب سبيلك للقصيد مغمض ـ ــا‬

‫ال��ش��ـ��ـ��ـ��ـ��ع��ر ش��ه��ق��ة زه������رة مغسولـ ـ ـ ــة‬

‫ب��ن��دى ال��ع��ن��اق وتمتم ــات تقتضى‬

‫ال���ش���ع���ر رع��ش��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ة دي��م��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ة مسكوبة‬

‫ف���وق ال��خ��م��ائ��ل وش��وش��ات م��ن رضا‬

‫ال��ش��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ع��ر رف������ة ه���دب���ه���ا أطيابهـ ــا‬

‫إش��ع��اع ثغر بالوصـ ـ ــال تمضمضا‬

‫ال���ش���ع���ر دف������ق أن�����ث�����وي سـ ـ ـ ـ ـ ــاحـر‬

‫نفحات وج��د أقسمت أن تنهضـ ـ ــا‬

‫ك����ي����ف ال����س����ب����ي����ل ل����ن����زع����ه����ا وف������ؤادك������م‬

‫بفم القوافي ب��رق رع��د أومض ـ ـ ـ ــا؟‬

‫أمُ �����ف�����ارق�����نْ ل���ي���ل ال���م���ل���ي���ح���ة اق����ص����رنْ‬

‫فالعشق دينك والشهادة ما ارتضى‬

‫ال����ح����ب أس����م����ى م����ا اق����ت����رف����ت فأعلننْ‬

‫عشق الحياة وج���اوزنْ شهب الفضا‬

‫إب���ل���ي���س أدن�������ى م����ن ب���ن���ي���ه مفرقـ ـ ـ ــا‬

‫قطع ال��م��ودة وال��س��ع��ادة أجهضـ ـ ــا‬

‫أض����������رُ ٌب‬
‫ي�����ا ص�������اح ه��������وِّن ف�����ال�����ع�����ذارى ْ‬

‫منها الشفاء وأخ��ري��ات كالقض ـ ـ ـ ــا‬

‫ف���اخ���ت���ر م����ه����اة ك���ال���ج���ن���وب أبي ـ ـ ـ ــةً‬

‫تذكي الليالي بالقصيد مقرض ـ ـ ــا‬

‫ت����م����ت����اح م����ن����ك ع�����واط�����ف����� ًا وف�������رائ�������د ًا‬

‫تهديك عمر ًا بالجمال مُ فوضـ ـ ـ ــا‬

‫شاعر ة من السعودية‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫> فيصل أكرم*‬

‫لجدول‬
‫ٍ‬
‫سفح تمهّ د ُه الرياحُ‬
‫ٌ‬

‫واستحالَ قالد ًة لم تعتنقْ عنق ًا سوى الفقدانْ‬

‫قد ال يطولُ غيابهُ ‪..‬‬

‫فلتنتظ ْر في داخلي يا أيها اإلنسانْ‬

‫الشموس لعابرٍ‬
‫ُ‬
‫ليلٌ تسرّبهُ‬

‫األرض‬
‫ِ‬
‫يجتث ظلِّيَ من بقاع‬
‫َّ‬
‫قد آن للحرمان أن‬

‫رضت عليه ثيابهُ ‪..‬‬
‫ْ‬
‫فُ‬
‫��ف ال��ت��ي ك��ان��ت س��تُ ��ق��ر ُأ م��ن شمال‬
‫ون���م���اذجُ ال��ك ِّ‬
‫الصفحةِ الـ‪ُ ..‬سكِ ب َْت‬
‫لذاكرةٍ ستُ هدى‬
‫طريق‬
‫ٍ‬
‫تاهت مشاويرُ المهاجر للمعالم في‬
‫ْ‬
‫كلما‬
‫يستحيلُ إلى طريقْ ‪..‬‬
‫هو ذا الصديقْ ‪..‬‬

‫واألنحاءِ واألشياءِ‬
‫مفردات الغابةِ الشوكاءِ والوردِ‬
‫ِ‬
‫يسردُ للشواطئ‬
‫الناعمات‬
‫ِ‬
‫والعصيِّ‬
‫المثل ِّج ِ‬
‫منتهى‬
‫ً‬
‫كما القوارير العصية‬
‫حتى على الكس ْر‬
‫كسرٌ هو اإليقاع!‬

‫ها أنتَ وحدكَ ‪ ،‬في الطريق إلى الصديقْ‬

‫جتث منّي‪،‬‬
‫ضلوعك في ضلوعي‪ ،‬أيها المُ ُّ‬
‫َ‬
‫فاكسر‬

‫بعض بعضي‪ ،‬يا صديقي‪ ،‬وابتعدْ‬
‫َ‬
‫وهبتك‬
‫َ‬
‫هبني‬

‫واحتملْ‬

‫كيما يطولُ بيَ الطريقْ‬

‫من ف��وق طاقتك ال��ت��ي‪ ..‬كم ذا تجاوزنا بها كلَّ‬

‫بعض شأني‪،‬‬
‫دعني وشأنك ُ‬

‫احتمال‪ ،‬واحتفلْ‬
‫ٍ‬

‫سوف ألعقها جراحاً‪ ..‬كنتَ تعرفها معي‬

‫ُك‪ ،‬فافتعل ما شئتَ‬
‫ُك‪ ،‬واختبار َ‬
‫هو ذا اختيار َ‬

‫التعارف بيننا‪..‬‬
‫ُ‬
‫ينتفض‬
‫ُ‬
‫ولسوف‬
‫لم تختلف أعمارُنا‪ ،‬إ ّال بقدر البوح والكتمانْ‬
‫لكنّ أشواط ًا قطعناها مع ًا‬
‫عض ْت على شفتيْ كلينا أن‪( :‬توقَّ ْف)‪،‬‬
‫ّ‬
‫إنما‪ ..‬لم يستطع منّا أحدْ‬
‫(هي ذي بالدٌ في الشوارعِ ‪،‬‬
‫ال شوارعُ في بلدْ )‪..‬‬

‫يستحق الكبرياءْ‬
‫ُّ‬
‫أعظم قد‬
‫ٍ‬
‫من أجل انكسارٍ‬
‫يستحق بأنْ نجرّبه معاً‪،‬‬
‫ُّ‬
‫أو‬
‫نحض على البقاءِ ‪ ،‬وال نفرّط في البكاءْ !‬
‫ّ‬
‫حتى‬
‫الحزن ماءْ‬
‫ِ‬
‫أشجا ُر هذا‬
‫والماءُ مرآةٌ لنا‪..‬‬
‫ألماءُ سو ٌر حولنا‪..‬‬

‫��ض تخطى ب��يَ كلَّ‬
‫فلتمض ي��ا بعضي إل��ى ب��ع ٍ‬
‫ِ‬

‫والماءُ جسرٌ ‪ ،‬إنما‪ ..‬كم ذا سيفصلُ بيننا؛‬

‫مرتكن قصيٍّ‬
‫ٍ‬

‫كم ذا سيبقى الماءُ ماءْ ‪..‬؟!‬

‫* كاتب‬

‫ش������������������������������������ع������������������������������������ر‬

‫أشجار ُ هذا احلز ِ‬
‫ن ما ْء‬

‫وشاعر من السعودية‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪69‬‬

‫السنِني‬
‫ماد ُ‬
‫رَ َ‬
‫ِّ‬

‫> صالح الدين الغزال*‬

‫��������ت كُ ��������لُّ أ َْح���ل��ا َِم������ي‬
‫َض��������اعَ ْ‬
‫�������ت ِش������عْ ������رِ ي و َ‬
‫أ ََض�������عْ ُ‬
‫َآالم�������������ي‬
‫وَمَ �������������ا تَ������بَ������قَّ ������ى ِس��������ـ��������وَى ُح�������زْنِ �������ـ�������ي و ِ‬
‫����ى‬
‫َّ����������ذي قَ�������دْ كَ��������انَ قَ�����بْ�����لُ لَ����ظَ ً‬
‫أَرَى رَمَ ������������ادِ ي ال ِ‬
‫َّ������ام������ي‬
‫أ َْض������حَ ������ى جَ �����لِ �����ي�����د ًا يُ ����حَ ����ـ����اكِ ����ي َض������يْ������ َم أَي ِ‬
‫َ�����ت بِ ������دُ مُ ������ـ������وعِ ال�����خَ �����ـ�����و ِْف قَ����افِ ����يَ����تِ ����ي‬
‫قَ��������دْ بُ�����لِّ�����ل ْ‬
‫���������ام���������ي‬
‫َوأ َْح��������رُ فِ ��������ـ��������ي أَ َّرقَ������تْ������ َه������ـ������ا قَ����� ْب�����ـ�����لُ أَوْهَ ِ‬
‫َ�����اق َولَ�������مْ‬
‫�����س�����ب ِ‬
‫������دي كَ���� َب����ـ����ا قَ�����بْ�����لَ ال ِّ‬
‫جَ ������������وَادُ سَ ������عْ ِ‬
‫�����ام�����ي‬
‫������ف������ـ������ ْر غَ ��������ـ��������دَا َة كَ����� َب�����ـ�����ا إِ َّال بِ �����أ َْس����� َق�����ـ ِ‬
‫أ َْظ ِ‬
‫����ت‬
‫ْ����ش وَانْ����تَ����كَ����سَ ْ‬
‫وف ال����عَ����ي ِ‬
‫�����ت عَ �����لَّ�����يَّ ُظ�����������رُ ُ‬
‫قَ�����سَ ْ‬
‫َام�������ي‬
‫�����ف أَقْ �������د ِ‬
‫َ�����س ُ‬
‫�����دي وَهَ ����������زَّ ال�����ع ْ‬
‫�����ج�����ـ ِ‬
‫َ�������������ات مَ ْ‬
‫ُ‬
‫رَاي‬
‫�����ج�����يَ�����ةً‬
‫َّ����������ذي قَ�������دْ كَ���������انَ أ ُْح ِ‬
‫َص�����������ا َر ِح����� ْب�����ـ�����رِ ي ال ِ‬
‫و َ‬
‫�������ق�������يَ ال������دَّ ِام������ي‬
‫َ������اج������ـ������ي أُفْ ِ‬
‫ُألْ������عُ ������و َب������ـ������ةً فِ �������ي َدي ِ‬
‫����د فَ���� َل����مْ‬
‫َ����ص����ي ِ‬
‫����ش����عْ ����ـ����رِ أَعْ ��������������دَا َء ال����ق ِ‬
‫ْ������ت بِ ����ال ِّ‬
‫رَمَ ������ي ُ‬
‫�����س�����هْ �����مُ لِ ����ل����رَّ ِام����ي‬
‫تُ�����فْ �����لِ �����حْ ُح�������رُ وفِ �������ي وَعَ �������ـ�������ا َد ال َّ‬
‫�����س����� َه�����ـ�����ا َد لِ �����مَ �����نْ‬
‫يَ�������ا قَ�����اتِ ����� َل�����ـ�����يَّ أَ َت������������ـ������������دْ رُونَ ال ُّ‬
‫��������ام��������ي‬
‫لِ ������مَ ������قْ ������ َل������ـ������ةٍ َك������ـ������ادَهَ ������ـ������ا هَ �������ـ�������مٌّ إلِ رْغَ ��������ـ ِ‬
‫يَ�����ظَ �����ـ�����لُّ ِش�������عْ �������رِ ي وَإِ نْ عَ ����������اثَ ال���������زَّ مَ ���������انُ بِ �����هِ‬
‫ْض مَ �������مْ �������ـ�������دُ ود ًا ألَعْ ��������������وَامِ‬
‫ألر ِ‬
‫����ل����ا عَ ������ َل������ى ا َ‬
‫ِظ ً‬
‫* ‬

‫‪70‬‬

‫شاعر من ليبيا‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫> عبدالله علي األقزم*‬

‫الصيف‬
‫ِ‬
‫وتـسـألـُني ليالي‬
‫يا أستاذ هل تهوى؟‬
‫فقلت لها‪ :‬اسألي قلبي‬
‫ُ‬
‫وعيشي في معادنـِـهِ‬
‫وذوبـي في تـالوتـِهِ‬
‫وسـيـري في مـبـادئِ ـهِ‬
‫وكـونـي وجهَهُ الحَ ـسـنـا‬
‫فؤادي بين أضالعي‬
‫هو األشجا ُر واألوراقُ‬
‫والـثـمـرُ الـذي أعـطى‬
‫لـكلِّ حـمـامـةٍ وطـنـا‬
‫على أحلى الـصـَّدى وطني‬
‫سـأجـعـلُ كـلَّ أيـَّامـي‬
‫إلـى أيـ َِّامـهِ ُسـفـنـا‬
‫ـواهـرهِ‬
‫سـأصـنـعُ ِمـنْ ج ِ‬
‫بأيـدي الـمُ ـخـلـصـيـنَ ِغـنـى‬
‫سأدفعُ عن جوارحـِـهِ‬
‫وعنْ شطآن بسمتِ هِ‬
‫المحـنـا‬
‫وعن أصدائِ ـهِ ِ‬
‫ومَ نْ يهوا ُه لم يُ بص ْر‬
‫بمرآة الهوى الوَهَ نـا‬
‫أعطت مآذنـُهُ‬
‫ْ‬
‫فكمْ‬
‫وكمْ صل َّْت شواطئـهُ‬
‫وكم ح َّـج ْـت آللـئـُهُ‬
‫محراب رايـتِ ـهِ‬
‫ِ‬
‫وفي‬
‫أماتَ جمالُـهُ ال ِـفـتـنـا‬
‫* ‬

‫وكلُّ العاشقينَ لهُ‬
‫سينهض عشقُ همْ مُ دُ نـا‬
‫ُ‬
‫العشاق ِ‬
‫أتسألُني عن َّ‬
‫ما فعلوا؟‬
‫فكلُّ العاشقينَ هـنـا‬
‫معناك قد أمسوا‬
‫َ‬
‫على‬
‫قنادي ًال‬
‫وقد أضحوا‬
‫لك األروا َح وال َب َدنـا‬
‫َ‬
‫ضلوعهمْ صارتْ‬
‫ِ‬
‫وكلُّ‬
‫والصلوات‬
‫ِ‬
‫لك األزها َر‬
‫َ‬
‫والسكـنـا‬
‫واألحضانَ َّ‬
‫وكلُّهمُ إذا سطعوا‬
‫ـات‬
‫هُ ـتـاف ٍ‬
‫فهمْ لو تعلمونَ‬
‫أنـا‬
‫هواك يا وطني‬
‫َ‬
‫وحجمُ‬
‫ُحصى‬
‫هيَ األرقامُ لنْ ت َ‬
‫ذلك الـزمـنـا‬
‫سـتـُعـجزُ َ‬
‫ساخن جد ًا‬
‫ٌ‬
‫ـك‬
‫ألن َ‬
‫الحب تـسـألـُنـي‬
‫ِّ‬
‫بهذا‬
‫ـصـي ِـف عـن روحي‬
‫لـيـالـي ال َّ‬
‫أتـعـرفـُهـا؟‬
‫عـرف ُـت الـرو َح حـيـنَ‬
‫ـك يـا وطـنـي‬
‫رأتـْ َ‬
‫لـكلِّ فـضـيـلةٍ وطـنـا‬

‫ش������������������������������������ع������������������������������������ر‬

‫ِ‬
‫الصيف‬
‫وتـسـألـُني ليالي‬

‫شاعر من السعودية‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪71‬‬

‫«أرض اليمبوس» للروائي إلياس فركوح‪..‬‬
‫التاريخ الشخصي والذاكرة اجلمعية‬

‫> هيا صالح*‬
‫بإصدار «أرض اليمبوس»‪ ،‬يمكن القول إن الروائي األردني إلياس فركوح يكمل ثالثيته‬
‫الروائية التي بدأها بـ«قامات الزبد» (‪1987‬م)‪ ،‬التي تتناول الفترة الفاصلة بين نكسة عام‬
‫‪1967‬م وسقوط مخيم تل الزعتر‪ ،‬ثم «أعمدة الغبار» (‪1996‬م) التي تبدأ من سقوط تل‬
‫الزعتر حتى خروج المقاومة الفلسطينية من بيروت في العام ‪1982‬م‪.‬‬
‫أم��ا ف��ي «أرض ال�ي�م�ب��وس»‪ ،‬فتتداخل‬

‫ب�ص��دد تفسيرها ال�س�ي��اس��ي)‪ ،‬ل�ك��ن هذه‬

‫األزمنة واألمكنة‪ ،‬وتتماثل وصوالً إلى حرب الوحدة أو نتائجها االجتماعية تمثلت في‬
‫الخليج الثانية (‪1991‬م)‪ ،‬تلك الحرب التي‪:‬‬

‫انصهار الضفتين معاً‪ ،‬مشكّلتين مجتمعاً‬

‫«توقفت‪ .‬ومثل قيامتها الخاطفة‪ ،‬كانت واحداً بقوى سياسية موحدة‪ ،‬ذات صفات‬
‫نهايتها» (ص ‪.)25‬‬
‫ويمكن ع ّد هذه الثالثية‪ ،‬ثالثية الجيل‬
‫الذي ينتمي له فركوح بامتياز‪ ،‬وهو الجيل‬

‫م�ش�ت��رك��ة‪ ،‬إل��ى أن ح �لّ��ت ه��زي�م��ة ‪1967‬م‬
‫وف �ص �ل��ت ال �ض �ف �ت��ان‪ ،‬وب� ��ات الفلسطيني‬
‫فلسطينياً واألردن ��ي أردن�ي�اً على مستوى‬

‫الذي وصفه في أحد حواراته بأنه‪« :‬الجيل الجغرافيا‪ ،‬لكن على مستوى االجتماع‬
‫األردن��ي الفلسطيني الذي عاش جغرافيا ظل الفلسطيني في األردن هو الفلسطيني‬
‫واح��دة‪ ،‬ونما وعيه على جغرافيا واحدة األردني أو األردني الفلسطيني يتفاعل مع‬
‫(تشكلت المملكة األردن�ي��ة الهاشمية من قضايا البيئة الكلية ويفعل فيها‪.‬‬

‫‪72‬‬

‫الضفتين ال�غ��رب�ي��ة وال�ش��رق�ي��ة ف��ي أوائل‬

‫وم� ��ن ه��ن��ا‪ ،‬وف� ��ي «أرض اليمبوس»‬

‫الخمسينيات نتيجة ات�ف��اق�ي��ة م��ا‪ ،‬لسنا‬

‫(المؤسسة العربية ل�ل��دراس��ات والنشر‪،‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫ه�� ��ذا ال��خ��ل��ي��ط االجتماعي‬

‫في قبو ال��ذات‪« ،‬كي ال نقضي‬

‫الثريّ ‪ ،‬التاريخَ‪ ،‬وهو – والقو ُل‬

‫ونموت تحت وط��أة ما نختزن‬

‫له ‪« -‬تاريخي الشخصي الذي‬

‫في تجاويف الذاكرة‪ :‬في غور‬

‫أدّعي أنه غير محصور في ذات‬

‫ال��ص��در‪ :‬ف��ي ش �غ��اف القلب»‬

‫م��ف��ردة‪ ،‬وإن �م��ا ه��ي ذات جيل‬

‫(ص ‪ ..)88‬ه��ي ح �ي��وات في‬

‫بكامله‪ ،‬انفعل وفعل وتفاعل‪.‬‬

‫«م��دن أع��رض��ت ع��ن أحالمنا‪،‬‬

‫بعضنا انكسر‪ ،‬وبعضنا اآلخر‬

‫فرسمناها على غرارنا لتتداعى‬

‫ل��م ينكسر‪ ،‬بعضنا تخلى عن‬

‫حين نتداعى» (ص ‪.)88‬‬

‫م�ب��ادئ��ه‪ ،‬وبعضنا ظ��ل مبدئياً‪،‬‬

‫ن�������������������������������������ق�������������������������������������د‬

‫‪2007‬م)‪ ،‬يسجل ف��رك��وح‪ ،‬ابن‬

‫إنها محاولة الستعادة ما توارى‬

‫وتنسجم ع�ن��اص��ر الرواية‬

‫لكنني أزع��م أننا إن كنا خسرنا‬

‫في بنيتها الكلية مع سياق السرد الذي يركن إلى‬

‫كسبنا تجربة فريدة»‪.‬‬

‫الراوي بها‪ ،‬وإذ ذاك يصبح الزمن فكراً‪ ،‬والعالَ ُم‬

‫لترابط‬
‫ٍ‬
‫األرض‪ ،‬وإن كنا خسرنا ش�ع��ارات كثيرة كانت منطقة التذكّر‪ ،‬وفيها ال تخضع األحداث‬
‫مرفوعة في تلك المرحلة‪ ،‬فقد كسبنا أنفسنا‪ .‬منطقي أو عقلي‪ ،‬وإنما تتدفق وفقاً إلحساس‬
‫إذاً‪ ،‬ومنذ العنوان‪ ،‬ثمة مواجهة للمكان الذي ام �ت��داداً لهذا الفكر‪ ،‬وه��و ما تبدأ به الرواية‪،‬‬
‫يتأرجح بي َن بين دائماً‪ ،‬هو اليمبوس؛ المنطقة فمشهد اللوحة المعلقة على الحائط ير ّد الراوي‬
‫ال��وس �ط��ى م��ا ب �ي��ن ال �ج �ن��ة وال �ج �ح �ي��م‪ ،‬وهنالك إلى داخله‪/‬مرآته الجوانية في محاولة للفهم‪« :‬أن‬
‫شخصيات تماثله في هذه السمة‪ ،‬وكذا األحداث تفهم يعني أن تدرك الحياة‪ ،‬أو تحاول» (ص ‪،)26‬‬
‫والزمان والمكان‪ ،‬وحتى التجربة الذاتية المركبة لكن هذا الفهم العقلي بالنسبة للراوي ال يكفي‪،‬‬
‫لفركوح الذي عاش زمناً في القدس‪ ،‬كما عاش فهنالك م��ا ه��و أكثر م��ن اإلدراك ال��واع��ي؛ ثمة‬
‫في عمّان‪ ،‬وتفاعل مع قضايا المجتمعَين‪ ،‬فجاءت المشاعر واألحاسيس المختلطة التي تكتمل بها‬
‫روايته وكأنما هي شهادة على تجربته الحياتية النظرة للعالَم‪« :‬عليك أن تُفجع بتبدد أحالمك‬
‫الخاصة في تعالقها وتفاعلها مع حياة اآلخرين وانكسار آمالك‪ ،‬فتكون أن��ت» (ص ‪ .)26‬وبعد‪،‬‬
‫في محيطه وتجاربهم‪.‬‬

‫يعترف ال���راوي‪(« :‬ال ش��يء يكتمل)‪ ،‬ق��ال أبي؛‬

‫هذه التجربة التي تنهل من مخزن الذاكرة‪ ،‬ففهمت أن ال شيء يستحق االنتظار‪ .‬وفهمتُ ‪،‬‬
‫ذاكرة ال��راوي‪ ،‬والتي تشبه بيت العنكبوت حيث كذلك‪ ،‬أن االنتظار مضيعة لوقت سيُصاب بتخمة‬

‫ال ��دوران الالنهائي لحياة تُختزن في الذاكرة‪ ،‬إن تركته يتلهى بإنضاج التجربة‪ .‬الكتابة ستتكفل‬
‫لتسقط على ال ��ورق كما دوائ ��ر ال �م��اء‪ ،‬إذا ما بهذا» (ص ‪.)64‬‬
‫أ ُسقط فيه حج ٌر ر ّج هدوءه وخلع عنه سكينته‪.‬‬

‫إن عدم االكتمال هو الصورة الحقيقية للعالَم‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪73‬‬

‫الترابي ال��واق��ف بين العالَمين‪ :‬العالَم الفوقي به في الحكي‪ .‬لذا نراه يستعين بآخَ ره ليكمل ما‬
‫ال��ذي يمثل الخير‪ ،‬والعالَم السفلي ال��ذي يمثل تناقص من أجزاء الصورة‪ ،‬مؤكداً أن ما يرويه قد‬
‫ال�ش��ر‪ ،‬ول��ذل��ك ف��إن ال�ث��واب والعقاب ال يكونان ال يكون حدثَ فعالً‪ ،‬وإنما هو رغبَ في حدوثه‬
‫بسبب عمل الكائن‪/‬اإلنسان‪ ،‬وإنما يكونان بسبب فاختلقه‪« :‬علينا أن نتذكّر كي ال نقضي تحت‬
‫انسياقه وراء كائنات هذا العالَم أو ذاك‪.‬‬

‫وطأة كل ما جرى‪ .‬ال! دعنا ال نذهب بعيداً في‬

‫ويبدو هذا العالَم الذي أوجدته المخيلة األدبية خداع أنفسنا‪ .‬فلنقلها‪ :‬كي ال نقضي تحت وطأة‬
‫حياد ّياً من حيث أنه عاجز ال يملك مقدرة العالَمين كل ما لم يجرِ وتمنينا أن يكون» (ص ‪.)232‬‬

‫اآلخرين‪ ،‬ولكنه في غير هذه الناحية ال يعرف‬

‫ولذا‪ ،‬تتعدد المستويات السردية في الرواية‪،‬‬

‫الحياد‪ ،‬ألنه عالَم منحاز في حقيقته‪ ،‬إما إلى فهنالك الراوي بضمير الغائب‪ ،‬وال��راوي بضمير‬

‫األعلى أو إلى األسفل‪ .‬إن الكائن هنا ال يموت إال األنا‪ ،‬والراوي بضمير المخاطَ ب‪ ،‬وجميعها تبدو‬
‫لراو واحد يجاهد في البوح ولَ ِّم ما تناثر من‬
‫إذا سقط في هوة النسيان‪ ،‬لذا فإن الراوي يكتب مرايا ٍ‬
‫ليبدد النسيان‪ ،‬راصداً التغيرات واالنتقاالت التي أشالءٍ ألحداث اختزنت في الذاكرة‪ .‬فاألحداث في‬
‫يعيشها اإلنسان‪« :‬كان ال بد أن أكتب الحكايات الرواية ليست من تأليف شخص واحد‪ ،‬وإنما من‬
‫وضع أشخاص متعددين‪ ،‬يتنازعون الروي مفككين‬
‫ْ‬
‫قبل أن تموت هي أيضاً‪ ،‬فالحكايات كأصحابها‪،‬‬
‫تُدفن مع جثامينهم وتُنسى‪ ،‬كرفاتهم‪ ،‬حين ال مركز السرد ال��ذي يتشظى في أكثر من نقطة‪،‬‬

‫يعود سوى الصبار ينبت فوق قبورهم» (ص ‪ ،)30‬وفقاً للرغبات المتقلبة للرواة‪ /‬مرايا الكاتب‪ ،‬إذ‬
‫لكن الراوي‪ /‬الكاتب يعترف‪ ،‬وهو يقاوم النسيان كلٌّ منهم يشكك بصدق اآلخر وصدقيته‪.‬‬
‫بالكتابة‪« :‬أ ُصاب بالملل‪ ،‬ويربكني أن ال طائل من‬

‫وم �ث��ال ذل���ك‪ ،‬ي �ق��ول ال � ��راوي بضمير األنا‪،‬‬

‫وراء عالَم لُوثت جيناته بسخام الحروب»‪ ..‬إنه بعد حديثه عن المرأة األول��ى في حياته‪« :‬عَ ل َيّ‬
‫عالم ال يستحق التخليد‪.‬‬
‫أن أستعيد األم��ر برمّته‪ ،‬أكثر م��ن م��رة‪ ،‬ك��ي ال‬
‫يتأسس ال��روي ف��ي «أرض اليمبوس»‪ ،‬وفق أفقده‪ .‬تفاصيل األشياء تهرب مني‪ .‬تفلت من‬
‫استراتيجية س��ردي��ة دي�ن��ام�ي��ة م �ض��ادة لصورة ذاك��رت��ي‪ ،‬فأتركها لغيري‪ ،‬ظاناً أنهم يتوافرون‬
‫ال��راوي التقليدي بوصفه المرجع الوحيد الذي على ما ينقصني‪ :‬يمألون الفراغات في حكايتي‬
‫يمكن الوثوق بروايته‪ ،‬فعلى عكس ذلك‪ ،‬يصبح الشخصية بدالً مني‪ .‬هم ينوبون عني‪ ،‬باألحرى‪.‬‬
‫ال��راوي في هذا العمل أول ضحايا استراتيجية كأني أ ُحلّهم محلّي ف��ي أداء م��ا يشبه امتحان‬

‫اللعبة ال�س��ردي��ة ال�ت��ي تخلخل موقعه وتشكك (امأل الفراغ في الجمل التالية)‪ .‬كأني أجعلهم‬
‫في صوته وصدقه‪ ،‬ذلك أنه يتعرض لصيرورة أن��ا‪ ،‬مثلما أجعل (م��اس��ة) جمي َع ال�ن�س��اء» (ص‬
‫تناسخات وتحريفات تجعله يفقد موقعه المركزي ‪.)74‬‬
‫في تراتبية السرد‪ ،‬بحيث ال يمثل مصدراً موثوقاً‬

‫‪74‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫يتدخل ال��راوي بضمير المخاطَ ب‪ ،‬مناقشاً‬

‫(وجهه اآلخر)‪ ،‬وير ّد عليه‪« :‬هذا صحيح تماماً‪ ،‬فشل في رفع أثقال الحديد‪ ،‬يقود ال��راوي إلى‬
‫وهنا مربط الفرس ‪ -‬كما يقال ‪ -‬أو مربطك‪ .‬أحداث بحثه عن «حاملي الكالشنكوف»‪ ،‬الذين‬

‫ال عمّا لم تجده في يمارسون عملهم بالخفاء‪ ،‬وهو بذلك يبحث عما‬
‫تجعل امرأة ال وجود لها بدي ً‬

‫ما عرفته من نساء‪ .‬أسميتها ماسة‪ :‬أي الجوهرة يخلصه من الهزيمة‪.‬‬
‫المبرّأة من أية شائبة‪ .‬تتحايل على وعيك بتغييبه‬

‫خضر ي��دخ��ل ال�ج�ي��ش‪ ،‬أم��ا ال���راوي فيدخل‬

‫ن�������������������������������������ق�������������������������������������د‬

‫ال ومشككاً بمقوالت ال��راوي بضمير األنا بحثه عما يخلّصه من العار الذي لحق به بعدما‬
‫ومحل ً‬

‫ع �م��داً؛ إذ أك�ث��رت م��ؤخ��راً م��ن التأكيد على أن «ال� �ح ��زب ال �م��ال��ك ل ��ذراع ��ه ف��ي ح��رك��ة الكفاح‬
‫الكتابة ال تنتج إال عن وعي حادّ‪ .‬وهذا صحيح ال �م �س �لّ��ح»‪ ،‬ل�ي�ص�ب��ح «رف� �ي� �ق� �اً»‪ ،‬وي �ح �ص��ل على‬

‫ودقيق أيضاً‪ .‬غير أن��ك وب��إرادت��ك إنما تنفصم البندقية التي حلم بحملها‪ ،‬ويكشف له قرينه‬
‫إلى اثنين يتشاكالن بالضرورة‪ .‬لكنهما يتماهيان (ال ��راوي بضمير المخاطَ ب) أن��ه إنما أراد أن‬
‫كذلك ليصطدما بعضهما ببعض» (ص ‪.)74‬‬

‫ال رديفاً للبطل خضر‪،‬‬
‫يكون ‪ -‬والكال ُم له ‪« :-‬بط ً‬

‫إن الرواية تقترب من الواقع وتتفحصه وتحلله الذي دلَّكَ على خريطة فلسطين في شخصيته‬
‫بلد‬
‫وتتعامل مع عناصره بلغة تستثير العميق والباطني وتفاصيل حكاياته‪ ،‬ف��زر َع الحل َم فيك ع��ن ٍ‬

‫فيه‪ ،‬حيث اللغة هي وسيلة الكاتب للتعبير عما في تحوّلت إلى أسطورة» (ص ‪.)129‬‬
‫ذاكرته من صور مختزنة للواقع‪ .‬وربما أن واقعية‬

‫إنها رواي��ة مسبوكة بلغة ذات طاقة شعرية‬

‫الرواية جعلت من المستساغ السرد بالعامية أو مفتوحة ع�ل��ى ال� ��دالالت‪ ،‬إذ إن ال�س�ح��ر الذي‬
‫المحكية‪ ،‬خصوصاً في المقطع ال��ذي يتحدث تمارسه اللغة في الرواية بشتى تجلياتها‪ ،‬هو س ّر‬

‫فيه «خ�ض��ر ال �ش��اوي��ش»‪ ،‬اب��ن ي��اف��ا ال��ذي يقطن إبداع فركوح الذي كلّما قبض على الكلمة أضر َم‬
‫في مخيم الوحدات‪ ،‬عن «بطوالته» التي يقتات فيها نار الجمال الغامض والسرّي‪.‬‬
‫على ذكرياتها ليتمكن من تقبُّل واقعه المهزوم‪،‬‬

‫هي محاولة لالكتشاف‪ ..‬للتذكّر‪ ..‬حتى ال‬

‫فهو «يحكي ليعيش أياماً مضت يراها أجمل من يضيع الحلم‪ ،‬وننسى القدس «مدينة الله أقرب‬
‫حاضره‪ ،‬كأنه‪ ،‬عند الحكي عن ع ٍّز قديم وتفر ٍّد إلينا من حبل وريدنا‪ ،‬وريدنا المحقون بالمخدّ ر‬

‫آفل يتخلص من بؤس واقعه ويميز شخصه الضائع الذاهب بنا إلى منامات قد تطول وقد ال تطول‪،‬‬
‫في جموع نُسيت وبال مالمح» (ص ‪.)129‬‬
‫وحتى ال نرهق الروح بمزيد من األسئلة‪ ،‬فلنحاول‬
‫تتداخل حكايات خضر مع مَشاهد يستعيدها أن نعيد كل ما تذكّرناه إلى ما كان‪ :‬قبل أن نحذف‬

‫الراوي بضمير األنا من ذاكرته‪ ،‬فحديث خضر منه وأن نضيف إليه‪ .‬فلنحاول‪ .‬أعرف استحالة‬
‫عن المرة األولى التي جرّب فيها رف َع الحديد‪ ،‬ذل��ك‪ .‬أع��رف‪ ،‬ولكن عليك أن ت�ح��اول‪ .‬سيكون‬
‫تستثير في الراوي ذكريات النكسة‪ .‬وخضر في االكتشاف هناك» (ص ‪.)232‬‬
‫* ‬

‫كاتبة من األردن‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪75‬‬

‫قراءة سيميائية‬

‫في قصة «أعمق من الوسن»‬
‫للسعودي حسن البطران‬

‫> د‪ .‬جميل حمداوي*‬

‫توطئـ ـ ــة‬
‫يعد حسن علي البطران من أهم كتّاب المملكة العربية السعودية الذين أسهموا‬
‫في تأسيس القصة القصيرة جدا وتجنيسها فنيا‪ ،‬بل يعد أيضا من الكتّاب القالئل‬
‫الذين جربوا التقنيات السردية الحداثية في قصصهم القصيرة جدا‪ .‬وقد أصدر مؤخرا‬
‫مجموعته األولى في هذا الجنس األدبي الجديد‪ ،‬وكانت تحت عنوان‪« :‬نزف من تحت‬
‫الرمال»(‪ .)1‬وقد خصصنا لهذا المبدع الشاب كتابا مركزا في نقد قصصه القصيرة جدا‬
‫ودراستها دراسة ميكروسردية‪ ،‬وعنوان الكتاب هو‪« :‬خصائص القصة القصيرة جدا عند‬
‫الكاتب السعودي حسن علي البطران»(‪ ،)2‬ويعد هذا المؤلف في رأينا أول كتاب يتناول‬

‫القصة القصيرة ج��دا بالسعودية درسا ‪ -1‬النص المنطلق‬
‫وتحليال وتقويما‪.‬‬

‫هذا‪ ،‬وسنحاول في هذه الدراسة مقاربة‬
‫قصة قصيرة جدا لحسن علي البطران‪،‬‬
‫تحمل ع�ن��وان��ا اس�م�ي��ا م��رك�ب��ا ه��و «أعمق‬
‫من ال��وس��ن»‪ ،‬يتكون من اإلس�ن��اد االسمي‬
‫ال �م �ح��ذوف وال �م��رك��ب ال �ح��رف��ي‪ ،‬للتأكيد‬
‫والتقرير واإلثبات حجاجا واستنتاجا‪.‬‬
‫ومنهجيا‪ ،‬فقد اخترنا التمثل بمبادئ‬
‫المقاربة السيميائية الشكالنية‪ ،‬اعتمادا‬
‫على خطوتين إجرائيتين‪ ،‬هما‪ :‬التفكيك‬
‫التشريحي والتركيب البنيوي‪ ،‬مع االستفادة‬
‫من نتائج التحليل النفسي الفرويدي‪.‬‬

‫‪76‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫ي �ق��ول ح�س��ن ع�ل��ي ال �ب �ط��ران ف��ي نصه‬

‫اإلب ��داع ��ي ال �ج��دي��د «أع �م��ق م��ن الوسن»‬
‫ال �م �ن �ش��ور ف ��ي ال �م��وق��ع ال��رق �م��ي «مجلة‬

‫ال� �ف ��وان� �ي ��س»(‪ ،)3‬وه ��و م��ن ج �ن��س القصة‬

‫القصيرة جدا‪:‬‬

‫«يفرش ذيله كطائر طاووس‪..‬‬
‫يقترب منه وتتالطم السحب وتهطل‬
‫األم � �ط� ��ار‪ ..‬ي �ت�لاع��ب ب �ث��دي �ي �ه��ا‪ ..‬يسجل‬
‫ثالثة أهداف في مرمى البرازيل ويُقذف‬
‫بالحجارة‪ .‬تغلق أمامه أبواب المدينة ويمنع‬
‫من الدخول‪..‬‬

‫‪ -2‬مرحلة التفكيك‪:‬‬
‫تستند ال�ق�ص��ة إل ��ى م�ج�م��وع��ة م��ن األفعال‬
‫المضارعة المتعاقبة والمتراكبة بناء وحذفا‬
‫وإض� �م ��ارا‪ ،‬وه ��ي‪ :‬ي �ف��رش‪ ،‬وي �ق �ت��رب‪ ،‬وتتالطم‪،‬‬
‫وت�ه�ط��ل‪ ،‬وي�ت�لاع��ب‪ ،‬وي�س�ج��ل‪ ،‬وي �ق��ذف‪ ،‬وتغلق‪،‬‬
‫ويمنع‪ ،‬ويصحو‪ ..‬وت��دل هذه األفعال على زمن‬
‫الحاضر‪ ،‬وه��و زم��ن الفعل واإلن �ج��از والتحرك‬
‫الدرامي‪ .‬وتحمل هذه األفعال دالالت سطحية‬
‫وع �م �ي �ق��ة ت �ق��رب �ن��ا م ��ن ال �ل �ق �ط��ات السينمائية‬
‫الديناميكية الدالة على المواقف الحركية ذات‬
‫المنحى الصراعي والكوريغرافي‪ .‬كما أن الجمل‬
‫ذات طابع فعلي‪ ،‬وهي جمل بسيطة ذات محمول‬
‫فعلي واح ��د؛ ألن ال �غ��رض منها ه��و االختصار‬
‫والتكثيف واالختزال‪.‬‬
‫هذا‪ ،‬وتتجمع القصة في مجموعة من األفعال‬
‫النووية الدالة والمعبرة عن الصراع المشهدي‬
‫الذي يتكون من اللحظات الدرامية التالية‪:‬‬
‫ لحظة االف�ت��راش التي تحيلنا على النوم أو‬‫التظاهر بالنوم أو االستلقاء على األرض أو‬
‫التمدد فوقها‪.‬‬
‫ لحظة االس�ت�ع��داد ل�لاق�ت��راب كما ي��دل على‬‫ذلك فعل يقترب‪.‬‬
‫ لحظة الصراع والتشبيك الدرامي كما تدل‬‫على ذلك أفعال أخرى مثل‪ :‬تتالطم‪ ،‬وتهطل‪،‬‬
‫ويتالعب‪ ،‬ويسجل‪ ،‬ويقذف‪ ،‬ويمنع‪ ،‬ويغلق‪.‬‬
‫ لحظة الصحو واالستفاقة من االنتشاء كما‬‫يدل على ذلك فعل يصحو‪.‬‬
‫وه��ذه اللحظات ال��درام�ي��ة ق��د تكون واقعية‬
‫مباشرة‪ ،‬وق��د تكون لحظات الشعورية مجازية‬
‫ورم��زي��ة ت�ق��ع ف��ي ال�ل�اوع��ي وال �ع �ق��ل ال �ب��اط��ن‪..‬‬
‫كما أشارت إلى ذلك العبارة‪« :‬يصحو من نومه‬

‫ن�������������������������������������ق�������������������������������������د‬

‫يصحو من نومه وثيابه مبللة»‪.‬‬

‫وثيابه مبللة» التي تتكون من أفعال ثالثة‪ :‬النوم‬
‫وال�ص�ح��و وال �ت �ب��ول ف��ي ال �ث �ي��اب‪ .‬وه ��ذه األفعال‬
‫ت�ت��رك��ب أي �ض��ا م��ن م �ت��وال �ي��ات س��ردي��ة متعاقبة‬
‫منطقيا وكرونولوجيا سببا واستنتاجا‪ :‬متتالية‬
‫النوم‪ ،‬ومتتالية الصحو‪ ،‬ومتتالية التبول‪ ،‬وهي‬
‫لقطات سينمائية ومشهدية تعبر عن صيرورة‬
‫طفولية حالمة ومعقدة ومكبوتة‪.‬‬
‫وعلى أي حال‪ ،‬فالقصة تتألف من تسع جمل‬
‫مركزة في بنياتها التركيبية دالليا ومقصديا‪،‬‬
‫فالجملة األولى تحمل تشبيها حسيا بالغيا يوحي‬
‫بجمال الموصوف وب��راءت��ه الطاهرة الصافية‪،‬‬
‫ووسامته الرائعة «كطائر طاووس»‪ ،‬بينما يوحي‬
‫المشبه بكونه كائنا حيوانيا «يفرش ذيله»‪ ،‬وقد‬
‫يكون كائنا بشريا منكرا على مستوى الغياب‪..‬‬
‫يفترش لباسه وم��ا يجر وراءه ك��ال��ذي��ل‪ ..‬كحال‬
‫العروس التي تلبس مالءتها البيضاء أثناء حفل‬
‫العرس‪ ،‬فتجرها كما تجر الذيل‪ ،‬وهذا التأويل‬
‫ممكن على مستوى التخييل المجازي‪ .‬ويحمل‬
‫فعل «ي�ف��رش» في طياته دالالت النوم والدفء‬
‫وحرارة المكان‪ ،‬بله عن معاني التمدد واالستلقاء‬
‫ف��ي أوض� ��اع م�ت�ع��ددة ت��ؤش��ر ع�ل��ى وج ��ود فضاء‬
‫حميمي لالنكماش واإليواء‪ .‬ويمكن تلخيص جملة‬
‫هذه اللقطة المشهدية في البؤرة الداللية التالية‪:‬‬
‫«الجمال يفترش األرض في وضعية استلقاء»‪.‬‬
‫وت��رد الجملة الثانية «يقترب» بكل مكوناتها‬
‫النحوية التامة‪ ،‬فتحمل فاعال منكرا ومفعوال به‬
‫غير محدد‪ ،‬ومن المعلوم أن التنكير من مكونات‬
‫القصة القصيرة جدا‪ .‬وهكذا‪ ،‬يحيل القرب في‬
‫هذه القصة على الصداقة‪ ،‬والمودة‪ ،‬والمحبة‪،‬‬
‫والميل اإليجابي‪ ،‬والتواصل الحميمي‪ ،‬والتعايش‬
‫الحقيقي‪ ،‬واالستعداد لاللتحام والترابط الجدلي‬
‫واالشتباك النفسي‪ .‬ويعني هذا أن ثمة ألفة بين‬
‫المتقاربين‪ ..‬سواء أكان ذلك على مستوى الواقع‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪77‬‬

‫أم على مستوى الالشعور والتخييل الباطني‪.‬‬
‫أن الثديين في الثقافة العربية اإلسالمية رمز‬
‫أم��ا جملة» «تتالطم السحب» فعلى الرغم للعطاء والكرم والجود والخصوبة‪ ،‬ورمز كذلك‬
‫من حموالتها الطبيعية والفلكية المباشرة‪ ،‬فهي لألمومة والحنان والعطف البشري‪.‬‬
‫ويتحول هذا االشتباك الشبقي الجنسي إلى‬
‫تؤشر سيميائيا على حالة التجمع واالستعداد‬
‫والتداخل والتضام الطبيعي والتراكب التالصقي‪ .‬لعب واقعي حقيقي توهيما وتخييال حينما يقول‬
‫وتحمل السحب في معانيها دالالت الخصوبة الكاتب ف��ي قصته منتقال إل��ى سياق قصصي‬
‫والتوالد والحياة‪ ،‬إما تتالطم فتحيل على الصراع ودالل��ي آخ��ر‪« :‬يسجل ثالثة أه��داف في مرمى‬
‫الجدلي والطبيعي‪ ،‬وتحيلنا أيضا على عمليتي البرازيل ويُ�ق��ذف بالحجارة»‪ ،‬فيوحي تسجيل‬
‫المد والجزر‪ ..‬فتذكرنا بأمواج البحر وتالطمها‪ .‬األهداف في المرمى باالنتصار والزهو وتحقيق‬
‫وه �ن��ا‪ ،‬نستحضر م�ك��ون ال �م��اء وال�خ�ص��وب��ة في ال��م��راد م��ن االش �ت �ب��اك وال �ت �ف��اع��ل البيولوجي‬
‫هذه العملية االقترابية التي يتم فيها االشتباك والنفسي‪ ،‬وال�م��رم��ى هنا كذلك فضاء داخلي‬
‫الطبيعي م��ن أج��ل تحقيق ال�ت�ن��اس��ل والتوالد مقعر عليه يقع االنتصار والظفر والفوز‪ ،‬وتدل‬
‫اإلي��روس��ي اإليجابي‪ ،‬كما في الخطاب الديني اإلصابات الثالث على انتصار كمي كبير على‬
‫(القرآن)‪ ،‬والفلسفي (أنبادوقليس)‪ ،‬والشاعري اآلخر المنهزم‪ .‬ونالحظ هنا تقابال في الصور‬
‫(غاستون باشالر)‪ .‬وتزكي جملة «تهطل األمطار» وت �م��اث�لا ب�ي��ن ل��وح��ة ال��واق��ع ال �ش �ع��وري ولوحة‬
‫دالالت ه��ذه القصة المركبة المتشعبة دالليا‪ ،‬ال�لاش�ع��ور الخيالي‪ .‬وه��ذا التناظر يجعل من‬
‫فجملة» تهطل األم �ط��ار «م��ؤش��ر حقيقي على قصة حسن بطران مشهدا سينمائيا مركبا في‬
‫الخصوبة وال �ت��وال��د وان�س�ي��اب ال �م��اء ال ��ذي قد لقطاته المتشعبة المتداخلة التي يتداخل فيها‬
‫يشبه المني بصفة خاصة‪ ،‬وبهما تتحقق الحياة الواقع الموضوعي والواقع الالشعوري‪ .‬ويمكن‬
‫الشبقية واإلنسانية الطبيعية والفطرية‪ ،‬سواء أن يوحي اللعب ال�ك��روي بحلم ال��ذات بالتفوق‬
‫في المواقف األخالقية الملتزمة أو المواقف والشهرة وتمجيد الذات خاصة أن القاذف قد‬
‫الرومانسية ال��وردي��ة غير الشرعية التي توحي تفوق على الفريق البرازيلي الذي من الصعب أن‬
‫ينتصر عليه فريق من الفرق الكروية المعروفة‬
‫بالعشق والغرام والحب اإلنساني أو الجسدي‪.‬‬
‫وإذا ان�ت�ق�ل�ن��ا إل���ى ال �ج �م��ل األخ � ��رى داخل في العالم إال بشق األن�ف��س‪ .‬لكن ه��ذا التفوق‬
‫القصة القصيرة جدا التي نحن بصدد دراستها يتجاوز الداللة المباشرة إلى الداللة اإليروسية‬
‫ومقاربتها شكالنيا‪ ،‬فنبدأ مثال بالجملة التالية‪ :‬المجازية‪ .‬وتحمل عبارة «وي�ق��ذف بالحجارة»‬
‫«يتالعب بثدييها»‪ ،‬فهذه الجملة تذكرنا باللعب دالل� ��ة ع �ل��ى االن �ت �ق��ام وال� �ث ��أر‪ ،‬ك �م��ا ت�ح�م��ل في‬
‫الطفولي؛ ألن الطفل يمر بمراحل منذ صغره السياق اإليروسي للقصة دالالت الحد والتعزير‬
‫ل��دى المحلل النفسي سيغموند ف��روي��د‪ .‬وهنا‪ ،‬والمحاسبة والمنع‪ ،‬وال سيما إذا كان الفعل الذي‬
‫نجد أنفسنا أمام مرحلة االمتصاص التي تنصب قام به المكلف فعال غير شرعي‪..‬‬

‫وينتج عن فعل «االنتصار على القوي وهزمه‬
‫فعليا على مص الثديين باعتبار ذلك الفعل لعبا‬
‫سيكولوجيا يحمل في طياته دالالت الحرمان أش��د هزيمة» مجموعة من العقوبات التأديبية‬
‫وفقدان عاطفة ال��دفء والحنان األمومي‪ .‬كما الزجرية كقذفه بالحجارة رجما وحدا ومنعا مع‬

‫‪78‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫وع �ل �ي��ه‪ ،‬ف �ه��ذه ال�ق�ص��ة ت �ت��واف��ر ع�ل��ى النفس‬
‫القصصي السردي ال��ذي يتشكل من البداية‪..‬‬
‫والعقدة والصراع والحل والنهاية‪ ،‬كما أن هذه‬
‫القصة تتكون أي�ض��ا م��ن المتواليات السردية‬
‫التالية‪ :‬النوم‪ -‬االقتراب ‪ -‬التهيج ‪ -‬االشتباك ‪-‬‬
‫القذف‪ -‬االنتصار‪ -‬العقاب‪ -‬التغريب‪ -‬اليقظة‪.‬‬
‫ويعني ه��ذا أن شخصية القصة كانت تحلم‬
‫ع �ل��ى م �س �ت��وى ال�ل�اش��ع��ور ب ��أح ��داث متداخلة‬
‫ومتشابكة متشعبة يتداخل فيها الواقع والخيال‪،‬‬
‫والشعور والالشعور‪ ،‬والوعي والالوعي‪ ،‬والظاهر‬
‫والباطن‪ ،‬والذات والموضوع‪ .‬ومن ثم‪ ،‬فالشخصية‬
‫تسترجع األحداث اإليروسية والعالقات الوردية‬
‫غير المشروعة واقعيا‪ ،‬من خالل الفعل الحلمي‪.‬‬
‫وهكذا‪ ،‬يتقابل في النص القصصي الواقع والحلم‪،‬‬
‫والحقيقة والخيال على مستوى إنجاز الفعل‪.‬‬
‫والدليل على تخيل المشاهد وعدم واقعيتها هو‬
‫استيقاظ الحالم من نومه مبلل الثياب‪ ،‬وهذا إن‬
‫دل على شيء فإنما يدل على الحرمان الواقعي‬
‫والكبت االجتماعي بسبب وج��ود األن��ا األعلى‬
‫وهيمنة سلطة المجتمع‪.‬‬

‫‪ -3‬مرحلة التركيب‬

‫ن�������������������������������������ق�������������������������������������د‬

‫تغريبه خارج المدينة‪ ..‬كما تدل على ذلك العبارة‬
‫المركبة التالية‪« :‬تغلق أمامه أبواب المدينة ويمنع‬
‫من الدخول‪ .»..‬وينطلق الكاتب في قصته تناصيا‬
‫من فقه ال�ن��وازل وال�ح��دود للتعبير عن وضعية‬
‫الحالم المتخيل الذي كان يمتلك الشعوريا قدرة‬
‫فائقة على الحب واالستمناء وتحقيق البطولة‬
‫اللعبية‪ .‬بيد أن هذه القدرات لم تكن فعال حقيقية‬
‫على مستوى الواقع‪ ،‬بل كانت بمثابة حلم منامي‬
‫وتخييلي كما في هذه العبارة‪« :‬يصحو من نومه‬
‫وثيابه مبللة‪ ».‬ويعني هذا أن جميع التصرفات التي‬
‫قام بها الشخص هي بمثابة تعويض سيكولوجي‬
‫لإلحساس بالنقص والحرمان‪ ،‬وتعبير نفسي عن‬
‫التسامي واالستعالء‪.‬‬

‫وينقل لنا النص القصصي حالة من الخوف‬
‫يعيشها الكاتب على مستوى الالشعور الخيالي‪،‬‬
‫تعبر عن رغباته المكبوتة‪ ،‬وميله الشبقي نحو‬
‫األن �ث��ى‪ ،‬وم��ا البطولة ف��ي القصة س��وى مفتاح‬
‫تخييلي للظفر ب��اآلخ��ر وال �ف��وز عليه انتصارا‬
‫وإفراغا للمكبوتات المضمرة والصريحة‪.‬‬
‫وهكذا نصل إلى أن قصة حسن علي البطران‬
‫قصة مركبة سينمائيا‪ ،‬قائمة على تناظر الصورة‬
‫الومضة وتماثلها مشهديا‪ ،‬كما تتأرجح اللقطة‬
‫القصصية بين ال��واق��ع والخيال‪ ،‬واالنتقال من‬
‫لحظة النوم إلى لحظة الصحو‪ ،‬أي من لحظة‬
‫الموت إلى لحظة الحياة‪ ،‬ومن لحظة السكون‬
‫إلى لحظة الحركة‪ .‬ومن ثم‪ ،‬فالقصة من حيث‬
‫التركيب متشعبة البناء ومعقدة التوليف‪ ،‬تتكون‬
‫من لقطتين مغايرتين‪ :‬لقطة التغزل بالطبيعة‬
‫ولقطة االنتصار في اللعب‪ ،‬بيد أن اللقطتين معا‬
‫كل واحدة تكمل األخرى دالليا وسيميائيا‪.‬‬
‫وي �ت �ض��ح ل �ن��ا م ��ن ن�س�ي��ج ال �ن��ص أن الجمل‬
‫ال�ق�ص�ص�ي��ة ت�ت�ع��اق��ب ب�س��رع��ة ت�ت��اب�ع��ا وتراكبا‪،‬‬
‫للتأشير على سرعة اإلنجاز والصراع‪ ،‬وإن كان‬
‫هذا التعاقب على مستوى الظاهر مشتتا بفعل‬
‫االن��زي��اح والتخريب ال��دالل��ي‪ ،‬وتمزيق اللوحات‬
‫دالليا ومرجعيا‪ ،‬على الرغم من وج��ود الوحدة‬
‫الموضوعية والعضوية على المستوى النفسي‬
‫والشعوري والبنيوي‪.‬‬
‫وتتحول الشخصيات القصصية إلى عوامل‬
‫ط�ب�ي�ع�ي��ة وك��ائ �ن��ات ب �ش��ري��ة م�غ�ي�ب��ة غ �ي��ر قابلة‬
‫لإلنجاز الواقعي‪ ،‬لذالك‪ ،‬تلتجئ حلميا وخياليا‬
‫إل��ى التعويض والتسامي إلثبات ال��ذات واقعيا‬
‫وموضوعيا‪ .‬كما أن الشخصيات غير خاضعة‬
‫للتسمية‪ ،‬ب��ل بقيت حبيسة التنكير والتكنية‬
‫والمجاز‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪79‬‬

‫وي �ظ �ه��ر ل �ن��ا م �ح��ور ال��ت��واص��ل ال �ع��ام �ل��ي أن والمنام مادامت فيها مراوحة بين لحظة السكر‬
‫الذات العاشقة تريد أن تحقق رغبتها الشبقية ولحظة الصحو أو االن�ت�ق��ال غيبيا م��ن لحظة‬
‫والسيكولوجية ع��ن ط��ري��ق الظفر على اآلخر الالوعي إلى لحظة الوعي‪.‬‬
‫إلرضاء غرائزها الشبقية وأهوائها الالشعورية‬
‫خاتم ــة‬
‫الدفينة ومشاعرها الظاهرة‪ ،‬لكنها تواجه قوى‬
‫قصة «أع�م��ق م��ن ال��وس��ن» م��ن أروع قصص‬
‫المنع وال��زج��ر التي تتمثل في سلطة المجتمع‬
‫حسن علي البطران‪ ،‬بسبب غموضها وتجريدها‬
‫وسلطة األنا األعلى‪.‬‬
‫وطابعها التركيبي المتشعب والمتداخل‪ .‬ويمكن‬
‫أم� ��ا ف� �ض ��اءات ال �ت �خ �ي �ي��ل‪ ،‬ف �ن �ج��د الفراش‬
‫القول أيضا إنها قصة سينمائية مركبة‪ ،‬ولقطة‬
‫ال��ذي يحيلنا على ال�غ��رف��ة واالن �ت �ش��اء الشبقي‬
‫مشهدية وامضة‪ ،‬وصورة معبرة دراميا‪ ،‬طافحة‬
‫واإليروسي‪ ،‬وفضاء الطبيعة ال��دال على التهيج‬
‫بأحداث حركية تحيل على مجموعة من العوالم‬
‫والتوالد والخصوبة‪ ،‬والمرمى ال��ذي ي��دل على‬
‫الطبيعية والشبقية واللعبية‪ ،‬التي تحيل على‬
‫مكان الهدف وتحقق النشوة ولذة الفرح والظفر‪،‬‬
‫اضطراب نفسي عميق ومترسب لدى الشخصية‬
‫وال�ب��رازي��ل التي تحيل على البلد المستضيف‬
‫ال�م�ح��وري��ة ال�ت��ي تعاني م��ن ال�ح��رم��ان والنقص‬
‫وفضاء التخييل الحلمي‪ ،‬والمدينة التي تحمل‬
‫والكبت وف�ق��دان الحنان األم��وم��ي‪ ،‬ناهيك عن‬
‫في القصة دالالت التغريب والنفي والزجر‪.‬‬
‫غياب الشعور اإلنساني السوي‪.‬‬
‫ونالحظ فنيا قلة الوصف تكثيفا واقتضابا‬
‫إذا‪ ،‬فالكاتب يستذكر في هذا النص المركب‬
‫واختزاال‪ ،‬مع التركيز على القصصية واألحداث‬
‫الشقي طفولته الواعية والالواعية‪ ،‬من خالل‬
‫اإلس�ن��ادي��ة الرئيسة‪ ،‬وإه �م��ال األف �ع��ال الثانوية‬
‫اإلتيان بأفعال الشعورية طبيعية وشبقية ولعبية‬
‫واألج� ��واء التكميلية‪ ،‬ك�م��ا ي �ق��رب ه��ذا الحجم‬
‫ال�ق�ص�ي��ر ال �ن��ص ال� ��ذي ب �ي��ن أي��دي �ن��ا م��ن جنس تعبر عن رغباته المكبوتة‪ ،‬ومشاعره المقموعة‬
‫القصة القصيرة جدا؛ تكثيفا وإضمارا واقتضابا على مستوى الذات والموضوع‪.‬‬
‫وومضة‪.‬‬
‫المصادر والمراجع‪:‬‬
‫ع�ل�اوة ع�ل��ى ذل ��ك‪ ،‬تتميز ال�ق�ص��ة بأبعادها‬
‫الكاتب السعودي حسن علي البطران‪ ،‬دار السمطي‬
‫المجازية وال��رم��زي��ة والتجريدية القائمة على‬
‫للطبع والنشر والتوزيع واإلع�ل�ام‪ ،‬القاهرة‪ ،‬مصر‪،‬‬
‫الغموض الفني‪ ،‬واالن��زي��اح‪ ،‬واإليحاء‪ ،‬والتكنية‪،‬‬
‫الطبعة األولى سنة ‪2009‬م‪.‬‬
‫والمشابهة‪ .‬ومن ثم‪ ،‬تنتقل القصة من الواقعية‬
‫الحسية إلى التجريد الرمزي‪ ،‬وترتحل من عالم ‪ -2‬حسن علي البطران‪ :‬نزف من تحت الرمال‪ ،‬إصدارات‬
‫ن���ادي ال�ق�ص�ي��م األدب � ��ي‪ ،‬ب��ري��ده‪ ،‬ال�م�م�ل�ك��ة العربية‬
‫السكر واالن�ت�ش��اء إل��ى عالم اليقظة والصحو‪.‬‬
‫السعودية‪ ،‬الطبعة األولى سنة ‪2009‬م‪.‬‬
‫ويمكن أن تكون هذه القصة على مستوى التأويل‬
‫واالف� �ت ��راض ال �ق��رائ��ي م �ج��رد ت�ج��رب��ة عرفانية ‪ -3‬حسن علي البطران‪« :‬أعمق من الوسن»‪ ،‬قصة قصيرة‬
‫جدا‪ ،‬مجلة الفوانيس الرقمية‪2009/05/02 ،‬م‪.‬‬
‫صوفية وج��دان�ي��ة‪ ،‬تعاش على مستوى الخيال‬
‫‪ -1‬جميل حمداوي‪ :‬خصائص القصة القصيرة جدا عند‬

‫* ناقد من المغرب‪.‬‬

‫‪80‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫ن�������������������������������������ق�������������������������������������د‬

‫جتليات شعرية املنفى عند‬

‫الشاعر الكوني محمود‬

‫النجار*‬

‫إليه في يوم الشعراء العرب ‪ 25‬أكتوبر ‪2009‬‬
‫> جناة الزباير*‬
‫أرض جُتاورُ كوكبا ً أعلى‬
‫للكلمات وهي بعيد ٌة ٌ‬
‫وللكلمات وهي قريب ٌة منفى‬
‫ِ‬
‫وجدت اآلخرين‬
‫َّشت عن نفسي‬
‫ُ‬
‫كلما فت ُ‬
‫َّشت عنهم لم أجد فيهم سوى نفسي الغريب ِة‬
‫وكلَّما فت ُ‬
‫محمود درويش‬

‫شيء من نبض البداية‬

‫يعد الشاعر الكبير محمود النجار من األصوات العربية التي‬
‫أسست منحاها المتفرد؛ فهو نورس الشعر العربي‪ ،‬يسافر فوق‬
‫بساط الماء‪ ،‬يزرع أحداق الكون وردا جوريا‪ ،‬تكتبه الحروف همسا‬
‫بمداد ن��رى من خالله مرابض الشعر الكبرى تُن َِّصبُ خيامها‪،‬‬
‫في لغة تشد إزارها‪ ،‬لتمشي قصيدته رشيقة فوق راحة المعاني‬
‫الباسقة‪ .‬حيث تصغي كل الكائنات لهذا النبض الوجودي الذي‬
‫تعزفه حروفه‪ ،‬رافعا شراع االختالف‪ ،‬لتبحر سفينته اإلبداعية في عباب الحداثة‪.‬‬
‫األرض‪ ،‬حيث يعانق م��ن خاللها الوطن‪.‬‬
‫العزف على أوتار التمزق واألنين‬
‫لكنه اكتشف أن ذل��ك مجرد وه��م استوى‬
‫إن أي ق� ��ارىء ل�ش�ع��ره ي�ق��ف مشدوها‬
‫في دياجي حكمته‪ ،‬يمأل أنينه هذا الفضاء‬
‫أمام نظامه الداخلي‪ ،‬فأي نافذة مفتوحة‬
‫الجريح؛ ال��ذي تتحول ذرات��ه إل��ى خناجر‬
‫على العالم تلك التي من خاللها يوشوشنا‬
‫تخاتل ضلوعه الراعشة‪ ..‬فما أصعب أن‬
‫أمانيه؟‬
‫يحيا اإلنسان بال وطن!!‬
‫يُ� َم��شِّ ��طُ محمود ال�ن�ج��ار شَ � ْع � َر األنغام‬
‫يقول في قصيدة‪ :‬وطن‪!..‬‬
‫المنسابة من وهج الكتابة‪ ،‬فِ نْجَ ا ُن حكيه قد كان حلم العمر‬
‫موغل في ت��واري��خ العروبة‪ ،‬تتحول أسئلة أن أحيا على أرض‬
‫ح �ل �م��ه ال �م �س �ك��ون��ة ب��ال �ن �ح �ي��ب‪ ،‬وانكسار يقال لها وطن‬
‫األم��اس��ي إل��ى ق��وس م��وغ��ل ف��ي تضاريس قالوا‪ :‬بالد الله واسعة‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪81‬‬

‫وفيها للغريب الدار متسع‬
‫ويمكن أن تكون له سكن‪..‬‬
‫قالت ضلوعي الراعشات‬
‫من المهانة والوهن‪:‬‬
‫وهم‪ ،‬فلم أشعر بدفء‬
‫منذ غادرت الوطن‪!..‬‬
‫ت�ف�ي��ض أص��اب��ع ه ��ذا ال �ن��ص رَهَ � � ًق ��ا تهدهده‬
‫تشظيات نفسية‪ ،‬تعج بفوضى روح ت�ح��اول أن‬
‫تجمع أشالءها‪ ،‬وغربة وجدان هي خريطة نبض‬
‫كل عربي لم يعرف طعم االستقرار!!‬
‫هل هي يد تتفيأ ظل الخسارات وتركب متن‬
‫متاهات تدمن اليتم؟‬

‫الكوني الْ ُمنَق َِّب بماء المجهول‪.‬‬
‫ف �ل��م ك��ل ه ��ذه ال��ص�ل�اة ف ��وق س �ج��اد الغربة‬
‫وال��وح��دة القاتلة؟ حيث ال ي��رت��دي غير معطف‬
‫األسى والخوف من اآلتي‪ ،‬وقد ذكرني قوله هذا‬
‫بشعر أحمد عبدالمعطي حجازي إذ يقول‪:‬‬
‫يدحرجني امتداد طريق مقفر شاحب‪،‬‬
‫آلخر مقفر شاحب‪،‬‬
‫ويخنقني وفي عيني‪ ..‬سؤال طاف يستجدي‬
‫خيال صديق‪ ،‬تراب صديق‬
‫ويصرخ‪ ..‬إنّني وحدي‬
‫ويا مصباح! مثلك ساهر وحدي‬
‫فهل هي لعنة تصيب كل الشعراء؟‬

‫أم هي صرخة الفلسطيني في كل األرض‪..‬‬
‫أم هو مجرد حزن عميق على وطن يرسف في‬
‫حيث تتناثر ذرات��ه بين زفير النصوص؟ يحتمي‬
‫عبودية لن تحرق صكوكها إال بإعالن الحرية؟‬
‫فيها من غيب محشو بالرصاص والدماء؟‬
‫تتحول مالمح الشاعر إلى جدائل ضوء تنبت‬
‫أم ت��راه��ا بوصلة ح��دس ك��ل شاعر عربي ال‬
‫ف��وق ج��دار ال��وط��ن‪ ،‬فلماذا انتدبت ذات��ه مكانا‬
‫يجد ترياقا للدغة العدو على أراضيه‪ ،‬سوى أن‬
‫يتفيأ بموسيقى نفسه‪ ،‬محاوال أن يقطع خيوط قصيا‪ ،‬تهز إليها بجذع ال��دم��ع فيعلو الطوفان‬
‫طرقاته‪..‬؟ حيث يقرأ هذا الجسد شفاه العمر‬
‫العنكبوت التي تهيمن على ظله؟‬
‫الذي ال يحصد غير السديم‪ .‬وال يتنفس غير عقم‬
‫يفرش الشاعر محمود النجار دمه أمام غربة‬
‫األماني التي تتوسد التراب‪ .‬فلم يبق غير الدمع‬
‫عميقة تفيض بها اهتزازات حروفه‪ ،‬يحمل فوق‬
‫يخضب خَ دَّ السماء‪.‬‬
‫كتفيه صخرة األلم السيزيفية‪ .‬يقول في قصيدته‬
‫يقول في قصيدته ليس بعد‪!..‬‬
‫وحدي‪:‬‬
‫كفكف دموعك وادخرها‬
‫وحدي أواري كل عورات الذين أحبهم‬
‫ليس بعد‬
‫وحدي ألملم جرحي‬
‫لم يئن بعد لك البكاء‬
‫إن مت وحدي‬
‫ولم يحن ميعاد غد‬
‫من يواري عورتي‪..‬؟!‬
‫فغدا يروق لك البكاء‬
‫من ذا يكفنني‪..‬؟!‬
‫وال تجد‬
‫ويحفر قبري‪..‬؟!‬
‫إن قمة الدرامية في شعر الشاعر ألغام تحاول دمعا لغد‪!..‬‬

‫اقتحام المحجوب‪ ،‬تشرب الوحدة من هواجسه‪،‬‬
‫وتتمدد يَا ًء في كف الصمت‪ ،‬فهو متأكد من وحدته‬
‫القاتلة‪ ..‬وهي تلف أشرطتها الخانقة حول حياته‪،‬‬
‫ويحاول من خالل هذا اإلحساس استقراء العماء‬

‫‪82‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫ي��أخ��ذ الشاعر صفة اآلم��ر ف��ي ه��ذا النص‪،‬‬
‫“كفكف”‪ ،‬فمن منحه هذه‬
‫ْ‬
‫إذ يبدأ بفعل األم��ر‬
‫السلطة؟ ولمن يوجه الخطاب؟! أهو شَ رَكٌ ذكي‬
‫منه ليبعدنا ع��ن أن��ا المتكلم‪ /‬ال��ذات الشاعرة‬

‫هكذا تتفجر المشاهد في هذا النص الذي‬
‫ي�ت��زر بمئزر م��ن دخ ��ان‪ ،‬ويستعصم ب�ك��وخ يمأله‬
‫ال�ع��واء‪ ،‬حيث المخالب ب��رق‪ ،‬والفخاخ إيقاعات‬
‫تشرب نبيذ تفاصيله‪.‬‬

‫وهي حظر السفر على العديد من الناس‪ .‬وقد‬
‫جسدها الشاعر في صورة سينمائية تركز على‬
‫لقطة مركزة على شابين يرغبان في السفر‪ ،‬لكن‬
‫قوة االحتالل منعتهما‪ .‬رغم أنها سمحت بمرور‬
‫أشياء ال تستحق الذكر‪.‬‬

‫ن�������������������������������������ق�������������������������������������د‬

‫ومعاناتها الفردية‪ ،‬وال�خ��روج من أفقها الضيق إال أنا وسمية‪..‬‬
‫لمعانقة أرخبيالت إنسانية‪ ،‬إذ يتحول من خالل‬
‫فعلى قارعة ال�ح��دود الوهمية التي يعيشها‬
‫كلماته إلى حكيم يتوسد غيهب األشياء‪ ،‬ويصبح اإلنسان المقهور في األراضي المغتصبة‪ ،‬ينقلنا‬
‫بصيرا بما يحتويه جيب الريح من دمع مغموس الشاعر في ص��ورة واضحة ترسم بفرشاة األلم‬
‫في ذاكرة غد ضبابي‪.‬‬
‫مهزلة يعيشها اإلنسان العربي في البالد المحتلة؛‬

‫إن��ه ت �ش��اؤم ي�ت�ه��ادى ب�ي��ن ال�م�ع��ان��ي المكثفة‪،‬‬
‫هي قصة عشق مفتوحة على قراءات متعددة‪..‬‬
‫والمرسومة بصورة واضحة وأسلوب رشيق‪ ..‬فمن‬
‫خالل الحالة الوجدانية التي سيطرت على الزمن وأمل في مستقبل أفضل َوأَ َدتْ ُه أيدي الظالميين‪.‬‬
‫النفسي لشعره‪ ،‬تتوهج رؤيا الشاعر الذي يتنبأ‬
‫وإني أخاله يقول مع الشاعر محمود درويش‪:‬‬
‫بكارثة قادمة ال ينفع معها العويل والبكاء‪.‬‬
‫كل قلوب الناس‪ ..‬جنسيتي‬
‫هل هي ملحمة إنسانية مرتبطة باألرض ككيان‬
‫فلتسقطوا عني جواز السفر!‬
‫واض ��ح‪ ،‬لالنعتاق م��ن س�لاس��ل الظلم والموت؟‬
‫يترصد الشاعر ف��ي أتونها إع��ادة بناء الزمان شيء من عشب النهاية‬
‫والمكان من خالل الوعي العميق باللغة‪ ،‬والتعامل‬
‫إن غ��رب��ة ال ��روح ف��ي ك��ل تجلياتها تهطل من‬
‫مع األشياء بحدس يوغل في أسرار اإلنسان‪.‬‬
‫جبين ق�ص��ائ��ده ح�ب��ات عشق ل�ل��وط��ن‪ ،‬إذ ينتقل‬
‫فما الذي تخفيه كلماته الشفيفة؟!‬

‫الشاعر محمود النجار م��ن منفى كبير داخلي‬
‫مفعم بالخوف وال�ت��وت��ر وال�ع��زل��ة غير المرئية‪،‬‬
‫نحو منفى خارجي يمثله الوطن الكسير‪ .‬فحسه‬
‫القومي وال�ع��رب��ي ه��و ال��ذي خلق ح��ال��ة الشجن‬
‫العميق ف��ي ش�ع��ره‪ ،‬ومنحه ه��ذه ال�ق��درة الهائلة‬
‫في رصد ذبذباته النفسية‪ ،‬ورغم أن كل األرض‬
‫العربية أرض��ه‪ ،‬إال أن الحنين يرميه بين شباك‬
‫عميقة تقرأ كف وج��وده‪ ،‬وحده يتلمس طريقها‪،‬‬
‫ويعبر مسافاتها في ومضة جمالية أخاذة ترسمها‬
‫عنه القصيدة‪.‬‬

‫إن محمود النجار شاعر كوني منفي داخل‬
‫الكلمات‪ ،‬يقرأ بروية الجرح العربي النازف الذي‬
‫يقض مضجعه‪ .‬ويضعنا ف��وق مسرح األحداث‪،‬‬
‫حيث تتساقط أعضاؤه في تبئير س��ردي مفعم‬
‫بالقلق والخيبة‪ ،‬يقول في قصيدته‪ :‬حدود‬
‫ومسافر‪..‬‬
‫والدرب أعمى‬
‫والحدود محنطة‬
‫في كل شبر حاجز‬
‫ودمى غبية‬
‫ويبقى الشاعر الكبير محمود النجار اسما‬
‫ويمر منها كل محتمل‬
‫عربيا ينير سماء القصيدة العربية المعاصرة‪.‬‬
‫من األشياء دون تأخر‬
‫يغني للجمال والحرية وكل قيم الوجود البهية‪.‬‬
‫* ‬

‫كاتبة من المغرب‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪83‬‬

‫حوار مع الروائي والناقد اإليطالي امبرتو اكو‬
‫اجلهل باللغات ينتج التعصب‬
‫حاورته‪ :‬دومينيك سيمونيه‬
‫> ترجمة‪ :‬أحمد عثمان*‬
‫يتكلم بصوت قوي وواضح‪ ،‬كأنه يُ َكلِّم من أعلى‬
‫المنبر‪ ،‬محركا يديه على الطريقة اإليطالية المهذبة‪.‬‬
‫دوم���ا‪ ،‬ف��ي م��رق��ب ال�م��رج��ع العلمي أو االستعارة‬
‫المناسبة‪ .‬دخل امبرتو اكو إلى عالم الكلمات‪ ،‬كأنه‬
‫يخطو إل��ى صومعة‪ ،‬بتفان وت��وج��س‪ .‬م��ن الممكن‬
‫أن نقول إن��ه بحاثة‪ .‬منذ أكثر من عشرين عاما‪،‬‬
‫يبذر إسهاماته عن السيميوطيقا‪ ،‬دارسي الشفرات‬
‫والعالمات‪ ،‬أخباره ورواي��ات��ه الذائعة الصيت لدى‬
‫الجمهور العريض‪ .‬بالنسبة له‪ ،‬كل شئ فائض‪.‬‬
‫امبرتو اكو‪ ..‬باحث‪ ،‬وروائي‪ ،‬وسيميائي‪،‬‬
‫ولغوي‪ .‬ولد عام ‪ 1932‬في بيمونت‪.‬‬

‫من رواياته‪« :‬بندول فوكو»‪« ،‬جزيرة اليوم‬
‫السابق»‪« ،‬بودولينو»‪.‬‬

‫ل��م يكف ع��ن إط �ف��اء إش��ارت��ه الحمراء‪،‬‬
‫ف��ارض��ا ن�ف�س��ه ك�س�ي��د ال�س�ي�م�ي��وط�ي�ق��ا بال‬
‫منازع‪ ،‬والنجاح العالمي لرواياته‪ ،‬مثل‪« :‬اسم‬
‫الوردة» (أكثر من عشرة ماليين نسخة) لم‬
‫يبعده عنها‪.‬‬

‫من نصوصه النقدية‪« :‬النص المفتوح»‪،‬‬
‫«السيميوطيقا وف�ل�س�ف��ة ال �ل �غ��ة»‪« ،‬حدود‬
‫التأويل»‪.‬‬

‫بالنسبة له‪ ،‬هناك سؤال جوهري‪« :‬هل‬
‫يوجد العالم أم ال؟»‪.‬‬

‫‪84‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫< «ف���ي م���ا م��ض��ى ك��ن��ت م���ت���رددا‪ ،‬اآلن‬
‫ل��س��ت م��ت��أك��دا»‪ ،‬ك��ت��ب��ت ف��ي كتابك‬
‫األخ���ي���ر‪ ،‬آخ����ذا ج��م��ل��ة ج��م��ي��ل��ة من‬
‫م��ؤل��ف ي��ن��ت��م��ي إل���ى ال���ق���رن الثامن‬

‫> ‬

‫< ‬
‫> ‬

‫< ‬
‫> ‬

‫< ‬
‫> ‬

‫< ‬

‫م������������������واج������������������ه������������������ات‬

‫ع��ش��ر‪ .‬م��ن��ذ س���ن���وات‪ ،‬تسبر أغ����وار عالم‬
‫ال��ش��ف��رات وال��ع�لام��ات‪ ،‬متعمقا ف��ي علم > ح�ي�ن�م��ا ك �ن��ت ط �ف�لا ك �ت �ب��ت‪ ،‬غ �ي��ر أن �ه��ا كتابة‬
‫الجمال‪ ،‬واللغة‪ ،‬والمعرفة‪ ،‬واإلتصال‪ ،‬وما‬
‫ت��اف�ه��ة‪ ..‬ف��ي س��نِّ ال�ع��اش��رة‪ ،‬ح��ررت نصا من‬
‫إلى ذلك‪ ..‬ولم تعرف بعد موضوعك؟‬
‫أربعين صفحة‪ ،‬عن االنتقال‪ .‬بطلي أسميته‬
‫«روزنامة»‪ ،‬أسس حضارة على جزيرة تخيلية‪،‬‬
‫وح�ي�ن�م��ا ك �ن��ت ش��اب��ا‪ ،‬ص ��رح أح ��د أساتذتي‬
‫ووص��ف كيف أب��دع لغة وتقاليد وع��ادات على‬
‫بالجامعة‪« :‬نولد بفكرة واحدة في رؤوسنا‪ ،‬وال‬
‫ه��ذه الجزيرة‪ ..‬في النهاية‪ ،‬أعترف‪« :‬كذبت‬
‫نفعل شيئا سوى تنميتها على مدى وجودنا»‪،‬‬
‫عليكم‪ ،‬لست مؤسسا‪ ..‬الكل باطل»‪.‬‬
‫قلت في نفسي‪« :‬أال يوجد تغيير ممكن في‬
‫ال �ح �ي��اة؟ ي��ا ل�ل��رج�ع�ي��ة!»‪ .‬ف��ي الخمسين من < ل���ع���ب���ة اح�����ت�����م�����االت‪ ..‬ه������ذه ال���ط���ف���ول���ة‪،‬‬
‫ع�م��ري‪ ،‬فهمت أن ألس�ت��اذي الحق ف��ي قوله‪:‬‬
‫عشقها تحت ال��ف��اش��ي��ة‪ ،‬ف��ي عصر طمح‬
‫خالل حياتي‪ ،‬لم أفعل شيئا ‪ -‬في الحقيقة ‪-‬‬
‫موسوليني‪ ،‬خ�لال��ه‪ ،‬أن يعود إل��ى جذور‬
‫سوى متابعة فكرة‪ .‬والمشكلة الوحيدة أنني ال‬
‫الثقافة اإليطالية‪.‬‬
‫أعرفها!‬
‫> هذا حقيقي‪ .‬بيد أن موسوليني‪ ،‬فيتوريو‪ ،‬كان‬
‫واآلن‪ ،‬هل عرفتها؟‬
‫مجنونا بالسينما األميركية‪ .‬الكتب واألفالم‬
‫األميركية‪ ،‬جون واين وجيري كوبر تصلنا‪ .‬ال‬
‫على األرج ��ح‪ ،‬أن��ا على وش��ك تطويقها‪ .‬بقوة‬
‫ننسى أن الهجرة اإليطالية كانت قوية كبيرة‪،‬‬
‫اهتمامي بالسيميوطيقا‪ .‬أنا منشغل بإمكانية‬
‫وإن إيطاليين ‪ -‬أميركيين يأتون من الواليات‬
‫ع��دم وج ��ود ال �ع��ال��م‪ ،‬وب��أن��ه ل�ي��س س��وى منتج‬
‫المتحدة اآلميركية‪ .‬وفي عام ‪1942‬م‪ ،‬أسدل‬
‫لغوي‪ .‬حينئذ‪ ،‬يتمثل سؤالي الجوهري‪« :‬هل‬
‫الستار على الواردات األميركية‪ .‬اختفى ميكي‬
‫يوجد العالم أم ال؟»‪.‬‬
‫والفاليوم وأصبحت أميركا تابوها‪.‬‬
‫وهل وجدت إجابة؟‬
‫< حزب الفاشيين كل شي حتى اللغة‪..‬‬
‫مثلما قال جون سيرل‪ ،‬الواقعي الحقيقي ال‬
‫يثبت وجود األشياء وأننا نعرفها‪ ،‬وإنما يرتاب > ه ��ذا أم ��ر م�ث�ي��ر ل�ل�س�خ��ري��ة‪ .‬م�ع�ت�ق��دي��ن أنهم‬
‫يستطيعون تجنب االس �ت �خ��دام��ات الغريبة‪،‬‬
‫في وج��وده��ا‪ ،‬وإن استطاع معرفتها‪ ،‬وإن لم‬
‫ألغوا مثال ضمير الغائب‪ ،‬من دون أن يعرفوا‬
‫نستطع رؤي�ت�ه��ا إال ع�ب��ر اح �ت �م��االت‪ ،‬ناقصة‬
‫أن الفرنسيين واإلن�ج�ل�ي��ز يطبقون السلوك‬
‫دوما‪.‬‬
‫نفسه‪ .‬ال يجب أن يقال «ب��ار» (‪ )BAR‬وإنما‬
‫إذا‪ ،‬أنت واقعي‪..‬‬
‫«ميسيتا» (‪ )MESCITA‬وال «كوكتيل» وإنما‬
‫أم��ام البلهاء الذين يحيطونني‪ ،‬أشعر بكوني‬
‫«ك��ودا دي جالو» (‪ ،)CODA DI GALLO‬وال‬
‫مذنبا في تخيلهم‪ .‬أفضل أن أعتقد بوجودهم‪،‬‬
‫«س��ائ��ق» (‪ )CHAUFFEUR‬وإن�م��ا «أوتيستا»‬
‫خارج مسئوليتي‪.‬‬
‫(‪ .)AUTISTA‬الكلمة األخيرة صعبة‪ ،‬ومع ذلك‬
‫أنت بحاثة‪ .‬وموجود‪ ،‬على األقل نستطيع‬
‫كانت الرابحة الوحيدة‪ .‬تمتلك اللغة حججا‪،‬‬
‫والحجة ال نعرفها‪.‬‬
‫االرتياب من وج��ودك‪ .‬كيف تأتَّ ْت لديك‬
‫هذه األهمية تجاه اللغة؟‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪85‬‬

‫< أن�����ت‪ ،‬ك��ط��ال��ب ش�����اب‪ ،‬اه��ت��م��م��ت باللغة‪،‬‬
‫وج�����ذب�����ت ال���ف���ت���ي���ل‪ :‬ال����ف����ن والفلسفة‬
‫والسيميوطيقا‪ ..‬واآلن العلوم اإلدراكية‬
‫ف��ي ك��ت��اب ت��ق��ن��ي ن��وع��ا م��ا (ك��ان��ت وخلد‬
‫الماء)‪..‬‬
‫> في بعض اللحظات‪ ،‬على مدار العصر‪ ،‬ترفض‬
‫الفلسفة أن تتكلم عن العقلي‪ ،‬بذريعة أننا ال‬
‫نستطيع رؤي�ت��ه‪ .‬ال�ي��وم‪ ،‬مع العلوم اإلدراكية‪،‬‬
‫أصبحت أسئلة المعرفة – التي تود معرفة‪،‬‬
‫إدراك‪ ،‬تعلم – أساسية‪ .‬سمح تطور العلم بلمس‬
‫ما هو محتجب‪ .‬وهذا أجبر السيميوطيقا على‬
‫التساؤل‪ :‬كيف نبني إدراك األشياء بوساطة‬
‫اللغة؟‬

‫ألنهم ال يستعملون رطانة ألمانية علمية‪ ،‬وظلوا‬
‫منغلقين على الفينومينولوجيا‪ ،‬على هيدجر‪،‬‬
‫غير المفهوم بالنسبة لهم‪ .‬غير أنهم تخلوا عن‬
‫الفرنسيين المتألمنين‪ ،‬الذين تأثروا بأدبهم‪،‬‬
‫ثم بفلسفتهم‪ .‬من الصعب ترجمة الك��ان إلى‬
‫الفرنسية‪ ،‬ومن ثم إلى اإلنجليزية‪ .‬أنها نفس‬
‫ال�ح��ال��ة ف��ي إي�ط��ال�ي��ا‪ :‬يكفي وج ��ود مصطلح‬
‫ألماني يتم النظر إليه مليا وبجدية‪ .‬ابنتي‪،‬‬
‫م��زدوج��ة اللغة‪ ،‬طلبت ذات مساء‪ ،‬من أمها‪:‬‬
‫«م��ام��ا‪ ،‬اح��ك ل��ي ح�ك��اي��ة ‪.»GESCHICHTE‬‬
‫بالنسبة لها‪ ،‬الحكاية هي حكاية ذات الرداء‬
‫األح�م��ر‪ .‬وبالنسبة لنا‪ ،‬أنها حكاية من اثني‬
‫عشر جزءاً‪.‬‬

‫< في الواليات المتحدة‪ ،‬نجد أنهم تمردوا < االختالفات الثقافية‪ ،‬نهائيا‪ ،‬أق��وى من‬
‫اختالفات اللغة؟‬
‫ع��ل��ى ال��ه��رم��س��ي��ة(‪ )1‬ال��م��ت��ح��ذل��ق��ة‪ .‬نرى‬
‫فيها تأثير المثقفين الفرنسيين‪ ،‬حيث > تقترح كل لغة نموذج عالم مختلف‪ .‬ل��ذا فإن‬
‫تخفي اللغة األكاديمية الغامضة فكرا‬
‫البحث عن توطيد لغة عالمية يُعد غير ممكن‪.‬‬
‫مضطربا‪.‬‬
‫ب��األح��رى‪ ،‬يجب ال �م��رور م��ن لغة إل��ى أخرى‪.‬‬
‫أنا مع تعددية اللغات‪ .‬تنوع اللغات ث��راء‪ .‬أنه‬
‫حدث ال جدال فيه‪ ،‬مرتبط بالطبيعة البشرية‪.‬‬
‫نستطيع المرور بهذا الثراء‪ ،‬خالل عصور‪ ،‬إذ‬
‫أن هناك‪ ،‬دائما‪ ،‬لغة تسيطر على لغات أخرى‪:‬‬
‫اليونانية‪ ،‬والالتينية‪ ،‬والفرنسية‪ ،‬واإلنجليزية‪..‬‬
‫في جيل م��ا‪ ،‬أعتقد أننا س��وف نتحصل على‬
‫طبقة مزدوجة اللغة مسيطرة‪.‬‬

‫> لم يكن هذا هو الحال دائما‪ .‬اللغة الفلسفية‬
‫ل�ب��اس�ك��ال ودي��ك��ارت سهلة وم �ع��اص��رة‪ .‬حتى‬
‫برجسون‪ ،‬ال��ذي استعمل مصطلحات صعبة‪،‬‬
‫تكلم بال نزعة تقنية‪ .‬في النصف الثاني من‬
‫القرن العشرين‪ ،‬تغيرت األشياء‪ .‬لماذا تتبدى‬
‫ف��رن�س�ي��ة الك���ان ص�ع�ب��ة؟ ألن ت��رك�ي��ب جملته‬
‫ألمانية وليست فرنسية! في الحقيقة‪ ،‬جرى‬
‫غزو ألماني حقيقي للفلسفة الفرنسية‪.‬‬
‫< تعلم لغة أخرى‪ ،‬أهو مدرسة تسامح؟‬
‫< أهناك قطيعة بين العالمين‪.‬‬

‫> هذا خلق س ّدًا ضخما بين الفلسفات الجزيرية‬
‫وال�ق��اري��ة‪ .‬تحدث اآلنجلو – ساكسون ولوك‬
‫وبركلي كما يتحدث الجميع‪ ،‬وفتجشتاين‪ ،‬لما‬
‫بدأ يفكر باإلنجليزية‪ ،‬استعمل لغة بسيطة‪ .‬هي‬
‫ذي الحجة التي ثمنها األميركيون لجرامشي‪،‬‬

‫‪86‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫> دائما‪ ،‬يُنتج الجهل باللغات التعصب‪ .‬معرفة‬
‫اللغات ال تضمن التسامح‪ .‬في البلقان يتفاهم‬
‫الصرب والكروات‪ ،‬ومع ذلك‪ ..‬ذات مرة‪َ ،‬م ْن‬
‫ن��اض �ل��وا ض��د المستعمر درس� ��وا ع �ن��ده‪ .‬من‬
‫الممكن إب ��ادة شعب بمعرفة لغته وثقافته‪.‬‬
‫ح�ي�ن��ذاك‪ ،‬تصبح المعرفة عنصر غضب أو‬

‫م������������������واج������������������ه������������������ات‬

‫رف ��ض‪ ،‬وب��ال�ط��ري�ق��ة نفسها يتشاجر زوجان‬
‫كأنهما يتحابان‪.‬‬
‫< تفرض اإلنجليزية نفسها كلغة عالمية؛‬
‫كيف ترى هذه الفرضية؟‬
‫> ي�ن��اض��ل ال�ف��رن�س�ي��ون ض��د اإلن �ج �ل �ي��زي��ة‪ ،‬لكن‬
‫خوفهم األكبر‪ ،‬ألمانيا‪ .‬منذ انهيار سور برلين‪،‬‬
‫أصبحت أوروب��ا الشرقية كِ ل َي ألمانيا متعدد‬
‫اللغات‪ ،‬وال توجد فرصة اال أن تفرض ألمانيا‬
‫نفسها على أوروبا! في هذا العالم‪ ،‬لم يفرض‬
‫أحد اللغة الناقلة(‪ )2‬المسيطرة‪ .‬كان الرومان‬
‫س��ادة العالم‪ ،‬لكن العلماء يتحدثون اليونانية‬
‫فيما بينهم‪ .‬لتصبح الالتينية اللغة األوروبية‬
‫إال مع اضمحالل اإلمبراطورية الرومانية‪ .‬في‬
‫عصر مونتاني‪ ،‬كان اإليطالي ناقل الثقافة‪ .‬ثم‬
‫أصبحت الفرنسية‪ ،‬خالل ثالثة ق��رون‪ ،‬اللغة‬
‫الدبلوماسية‪ .‬واإلنجليزية اليوم؟ ألن الواليات‬
‫المتحدة ربحت الحرب‪ ،‬وألن الواليات المتحدة‬
‫تدعم الرطانة اإلنجليزية‪ :‬من السهل أن نتكلم‬
‫اإلنجليزية سيئا عن الفرنسية أو األلمانية‪.‬‬
‫< وهذا لم يمنع الفرنسيين من أن يتحدثوا‬
‫عن استعمار لغتهم من قبل اإلنجليزية‪.‬‬

‫«هامبورجر «؟ أليس ألنهم ال يخافون االستعمار‬
‫ال�ي��اب��ان��ي؟ ال أع ��رف‪ .‬م�ث�لا‪ ،‬لست متفقا مع‬
‫الفرنسيين حينما يقولون «لوجيسيال» بدال‬
‫من «سوفت وير» ألن المعارضة «سوفت هارد»‬
‫أصبحت عالمية‪ ،‬ونتفاهم جيداً عندما نستخدم‬
‫هذه األلفاظ‪ ،‬لكن‪ ،‬يوما ما‪ ،‬سمعت االذاعة‬
‫الفرنسية تقول‪« :‬عمل» (‪ ،)JOB‬في حين أن‬
‫هناك ثالث كلمات تعني الكلمة السابقة ذاتها‪:‬‬
‫‪ BOULOT، TRAVAIL، EMPLOI‬اذاً هناك‬
‫استعارات مفيدة‪ ،‬مثل «سوفت وي��ر»‪ ،‬وهناك‬
‫استعارات غبية‪ ،‬مثل «‪ ،»JOB‬ومن الضروري‬
‫مقاومتها‪.‬‬

‫> ت�ح��دث��ت ع��ن م�ح��اول��ة موسوليني ف��ي تغيير‬
‫الرطانة من دون أي نجاح‪ .‬اللغة قوى بيولوجية‪،‬‬
‫ال نستطيع تغييرها بقرار سياسي‪ ،‬ومع ذلك‬
‫نستطيع اس�ت�م��ال��ة وظ�ي�ف�ت�ه��ا‪ ،‬وت �ل��ك وظيفة < هل من الممكن أن نكون علماء في عصر‬
‫اإلنترنت‪ ،‬حيث المعلومات الغزيرة؟‬
‫الكتّاب ووسائط اإلعالم‪ .‬هناك وظيفة جيدة‬
‫تتأسس في المرونة التي تجعلنا نوافق على > ال نملك م�ع�ل��وم��ات‪ ،‬ب��ل نمتلك ال�ق�ل�ي��ل! في‬
‫«الفناك» ‪ ،FNAC‬نتحصل نوعا ما على قليل‬
‫لفظة غريبة إذا كانت ضرورية‪ .‬كل لغة غنية‬
‫من المعلومات عن ما نتحصل عليه من مكتبة‬
‫بألفاظ غريبة أصبحت مع الوقت «متجنسة»‪.‬‬
‫صغيرة حول السوربون‪ .‬نتحصل على القليل‬
‫يقول الفرنسيون‪« :‬برافو» و«سوشي» و«آلجرو‬
‫من المعلومات منذ عددت التلفزة القنوات‪..‬‬
‫مانو تروبو»‪ ،‬ويقول اإلنجليز‪« :‬بيتزا «و«فيز –‬
‫حينما أطلب بيبليوغرافيا من «الويب» أتلقى‬
‫أ – فيز»‪ .‬لما ارتضوا لفظة «سوشي «وليس‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪87‬‬

‫(‪ )10000‬عنوانا مثال‪ ،‬وبذا ال أربح معلومات‪.‬‬
‫مع االنترنت‪ ،‬هناك نقص مأساوي للمعلومات!‬
‫نجازف بأن نكون عصاميين!‬
‫< أهو أمر مؤسف؟‬
‫> العصاميون ه��م م��ن يبتلعون كمية هائلة من‬
‫المعلومات‪ ،‬من دون اختيارهم‪ .‬الذاكرة آلية‬
‫تسمح لنا ليس فقط بالحفظ وانما بالتنقية‬
‫أي�ض��ا‪ .‬وإال أصبحنا مثل شخصية «فونيس‬
‫ال ميموريوزو» لدى بورخيس التي تذكر كافة‬
‫أوراق األشجار التي رأها خالل ثالثين عاما‪،‬‬
‫وجنت في آخر األمر‪ .‬في العام الماضي‪ ،‬كنت‬
‫في اسطنبول‪ ،‬أمضيت وقتي في سيارات أجرة‪،‬‬
‫لكنني ال أتذكر سوى سائق إحداها‪ :‬من حاول‬
‫سرقة مليون ليرة تركية مني! مسحت ذاكرتي‬
‫وإال أصبحت مآلى بسيارات األجرة التركية!‬
‫< رغ��م ك��ل ه��ذا‪ ،‬تكرر أن الكتابة انتصرت‬
‫وأننا أصبحنا في حضارة الكتابة‪.‬‬

‫ال يوجد مراقب من قرائي‪ .‬الناشرون ومديرو‬
‫التلفزة والنقاد األدبيون لم يفهموا حدوث ثورة‬
‫في العقول‪.‬‬
‫< حينما تتكلم عن اللغات‪ ،‬عن المكتوب‪،‬‬
‫لست موجودا في المكان الذي ننتظرك‬

‫ > نعم! أجبر ال�ح��اس��وب ماكلوهان على اعادة‬
‫كتابة «ج��االك�س��ي ج��وت�ن�ب��رج»‪ .‬نحيا ب�لا ريب‬
‫اف��ت��ق��ار األدب‪ .‬أن���ت م��ت��ح��ي��ر وب���األح���رى‬
‫مرحلة ع��ودة المكتوب‪ .‬على شاشاتنا‪ ،‬نقرأ‬
‫نصوصا طبعناها‪ .‬حينما أسمع كتّابا يقولون‬
‫متشائم‪..‬‬
‫إن الكتاب على وشك االختفاء‪ ،‬ال أستطيع أن‬
‫> أن��ا م�ت�ش��ائ��م‪ .‬ت �ع��رف أن ك�ث�ي��را م��ن مسئولي‬
‫أحتمل أي عقيدة شريرة‪ .‬دائما‪ ،‬نبني صورة‬
‫أوشفيتز كانوا من قراء جوته ويسمعون برامز‪.‬‬
‫المستقبل بناء على أبله القرية‪ .‬اليوم‪ ،‬النموذج‬
‫ال أعتقد أن انتشار المعلومات والثقافة يسهم‬
‫يتمثل في مستعمل الحاسوب الذي يعمل عليه‬
‫بالضرورة في تقدم الخير‪ .‬اليوم‪ ،‬يتحدث الناس‬
‫حتى الخامسة صباحا وال ينام أب��دا‪ .‬لكنها‬
‫ليست حالة الجميع!‬
‫بلغتهم القومية‪ ،‬بدقة‪ ،‬ويقرأون أيضا الصحف‬
‫فيه‪ ،‬في مكان العالمة الذي يقلقني من‬

‫< ال تكتب ألجل أبله القرية‪ .‬ومن ثم لمن؟‬

‫والكتب‪ ..‬هذا ال يعني أن اإلنسانية تتقدم وأنه‬

‫> في ميالن – بولوني‪ ،‬الخط الذي أخذه دوما‪،‬‬

‫ال توجد توافه ونمطيات وحماقات‪.‬‬

‫* كاتب ومترجم من مصر‪.‬‬
‫(‪ )1‬لفظة مرادفة لكلمة الكيمياء السحرية؛ العتقاد اليونان أن هرمس هو مبدع هذا العلم (المترجم)‪.‬‬
‫(‪ )2‬لفظة تستخدم في اإلتصاالت بين شعوب ذات لغات أم مختلفة (المترجم)‪.‬‬

‫‪88‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫م������������������واج������������������ه������������������ات‬

‫حوار مع إلياس فركوح‬
‫> حاوره‪ :‬محمد محمود البشتاوي*‬

‫أخزن في أعماقي أصداءَ اآلخرين‪،‬‬
‫ُ‬
‫وجوه ًا وأسماءً وأصوات ًا ومواقف‬
‫ووجهات نظر؟‬
‫مجموعة زياد عبدالكريم الســالم‬
‫ـملك نـكهةً للمكان وخصوصيّ ة في‬
‫ت ُ‬
‫الشـخصيات الفتتين‪.‬‬

‫إلياس فركوح وسعود قبيالت رئيس رابطة الكتاب األردنيين‬

‫القصة القصيرة ليســت جسـر عبور نحو الرواية‪ .‬ليـست شـأن ًا سـهالً‬
‫بالمقارنة مـع الرواية‪.‬‬
‫أخوض فيه كاتب ًا نابذ ًا لمألوف المفردات في‬
‫ُ‬
‫كائن محـسـوس حين‬
‫ٌ‬
‫اللغةُ‬
‫سـياقات ُجمَ لها وتركيباتها‪.‬‬
‫يَكســر إلياس فركوح‪ ،‬القاص والروائي‬

‫وال ��رواي ��ة‪ ،‬وال �ن��ص ال �م �ف �ت��وح‪ ،‬والشهادة‪،‬‬

‫األردن��ي‪ ،‬حاجز المتوقع‪ ،‬ليذهب بنا نح َو والنشر‪ ،‬المتوازن في معالجته للواقع بين‬
‫ع��وال��م ت�ج��رب�ت��هِ ال�غ�ن�ي��ة بتفاصيل تتصل العام والخاص‪ ،‬والحائز على جائزة البوكر‬

‫بواقعهِ الفائض باألمكنة واألح��داث‪ ،‬بدءاً العربية عن روايته «أرض اليمبوس»‪ ،‬يرى‬
‫م��ن ال� �ح ��روف األول�� ��ى‪ ،‬وط��ق��وس والدت� ��هِ أن ال��رواي��ة ال�ع��رب�ي��ة ل��م تشكل إل��ى اآلن‬
‫ٍ‬
‫مبدعا‪ ..‬دش َن سماء السرد العربية‬
‫خاصة؛ اللهم سوى لغتها العربيّة‪،‬‬
‫ّ‬
‫بروايات «هُوي ًة‬
‫ٍ‬
‫وقصص‪ ،‬تميزت‬
‫ٍ‬
‫بمضمون إبداعيٍّ يُطلق وم�ن��اخ��ات�ه��ا االج �ت �م��اع � ّي��ة»‪ ،‬وي �ت �س��اءل في‬

‫في هذا السائد الدهش َة ومتع َة القراءةِ‪.‬‬

‫معرض إجابته «ه��ل م��ن ال�ل�ازم أن يكون‬

‫ف��رك��وح ال �م��وزع بين القصة القصيرة‪ ،‬للرواية العربيّة هُوي ًة مخصوص ًة في زمن‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪89‬‬

‫التالقح وال�ت��داخ��ل المعرفيين‬
‫والثقافيين‪ ،‬وم��ا ينتج عنهما‬
‫من مشترَكات تدخل في الِبنى‬
‫المكوّنة لألشكال األدبيّة؟!»‪.‬‬
‫< ماذا عن الحروف األولى‪-‬‬
‫أول�����ى ال��ك��ل��م��ات‪ -‬وكيف‬
‫�����ك‬
‫ك���ان���ت ط���ق���وس والدت َ‬
‫مبدعاً؟‬
‫> أذك� � � ُر أنَّ ح��روف��ي األول ��ى‬
‫ك��ان��ت م�ج��رد خربشات بال‬
‫غ��اي��ة ت �س �ع��ى وراء معنىً‬
‫م��ا‪ .‬م�ج��رد اس�ت�ج��اب��ة لقلق‬
‫ال �م��راه �ق��ة‪ .‬ت�ل��ك المرحلة‬
‫التي تجتاح أعمارنا جميعاً‪،‬‬
‫وتتمثّل بعاصفة من األسئلة‬
‫الكبرى‪ ،‬نتوهم أنَّ بمقدورنا‬
‫اإلجابة عنها! أسئلة من نوع‪:‬‬
‫لماذا نحن‪ ،‬وإلى أين‪ ،‬وماذا‬
‫ب�ع��د؟ إل��خ‪ .‬ول��م أك��ن ألنجو‬
‫م��ن ه��ذا‪ ،‬فأنا إب � ٌن طبيعي‬
‫وشَ رعي لتلك المرحلة‪ ،‬مثلما أنا إب ٌن شَ رعي‬

‫وطبيعي للبيئة االجتماعيّة وظروفها الحياتيّة‬
‫آنذاك‪ ،‬ومن ثم كانت أسئلتي تهبطُ ‪ ،‬مع مرور‬
‫الوقت‪ ،‬من عليائها الفلسفي الوجودي األكبر‬
‫من قدراتي‪ ،‬لتكون أق��رب إلى أسئلة الواقع‬
‫الذي اتخذ لنفسه ملمحاً سياسياً أساسياً‪ .‬‬

‫ ‬

‫‪90‬‬

‫لم تكن أسئلة العيش‪ ،‬بمعنى صعوبتها بسبب‬
‫ال�ف�ق��ر أو اض�ط�ه��اد البيئة م��ن ح��ول��ي‪ ،‬هي‬
‫أسئلتي – خالفاً للعديد من ُكتّاب جيلي‪ -‬إذ‬
‫كانت عائلتي ميسورة ال�ح��ال بالقياس إلى‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫معايير تلك ال�ف�ت��رة‪ .‬رب�م��ا كنّا‬
‫نقع في الوسط داخل ما يُسمّى‬
‫(ال �ط �ب �ق��ة) ال��وس �ط��ى‪ ،‬م��ا و ّف َر‬
‫ل��ي ولبقية أخ��وت��ي تعليماً في‬
‫الخاصة‪ ..‬وهذا ش ّك َل‬
‫ّ‬
‫المدارس‬
‫امتيازاً‪ ،‬وخيارات أوسع في ما‬
‫بعد‪.‬‬
‫أما عن المكان‪ ،‬مكان الطفولة‪،‬‬
‫ف�لا ت�خ��رج ذاك��رت��ي بغير صوّر‬
‫األح�ي��اء التجاريّة الشعبيّة في‬
‫وس��ط ع� ّم��ان حيث ُك� ّن��ا نسكن‪،‬‬

‫أس��وة بغالبيّة ال �ن��اس ف��ي ذلك‬
‫ال��زم��ن؛ فلقد اختلطت المِ هَن‬
‫ب �ح��وان �ي��ت ال��ت��ج��ارة بالمراكز‬
‫الحكوميّة ب��األس��واق الشعبيّة‬
‫بكافة مستويات أهلها بالمساكن‬
‫العائليّة‪ .‬لم تكن المدينة خاضعة‬
‫للتنظيم الحديث ال��ذي نعيشه‬
‫اآلن‪ ،‬وال� ��ذي ي�خ�ص��ص مجاالً‬
‫للسكن وآخ��ر للخدمات بحيث‬
‫باتَ من الصعب الخلط بينهما؛‬
‫ف �ه��ذا ح��يٌ سَ � َك �ن��ي‪ ،‬وت �ل��ك منطقة تجاريّة‪،‬‬
‫والحرَف‬
‫ِ‬
‫وهذه خاصة بالصناعات الصغيرة‬
‫بعيداً عن التماس السلبي بالمناطق واألحياء‬
‫األخرى‪.‬‬
‫يبقى أن أقول إن محاولتي الجادة التي تمتعت‬
‫بقدر ما من النضج تمثلت بكتابة قصة قصيرة‬
‫ٍ‬
‫عن شخصيّة مأزومة بسبب نكسة حزيران‬
‫‪1967‬م في السنة نفسها‪ ،‬ويمكن الرجوع إلى‬
‫تلك الفترة في غير حوار تضمنه كتاب «لعبة‬
‫السرد الخادعة‪ :‬ح��وارات مع إلياس فركوح»‬

‫< م����اذا ت��ق��ول ف���ي صناعة‬
‫العناوين التي تتقن؟ فما‬
‫أن تنحت عنوان ًا جديد ًا‬
‫ف��ي ف��ض��اء اإلب����داع حتّ ى‬
‫ت��ص��ع��ق ال���ذه���ن ب��م��ا هو‬
‫مدهش ومغاير عمّ ا هو‬
‫سائد؟‬
‫الخاصة‪،‬‬
‫ّ‬
‫> لكّل عنوان حالته‬
‫وع��اد ًة ما يجيء مولوداً من‬
‫ص �ل��ب ال�م�ت��ن ال ��روائ ��ي‪ ،‬أو‬
‫ُ‬
‫ال للمناخ العام المشتمل‬
‫حام ً‬
‫لنصوص مجموعة قصصيّة‪.‬‬
‫في الغالب تتسمّى مجموعة‬
‫ق�ص�ص� ّي��ة ب��اس��م إحداها‪،‬‬
‫وأحياناً أجتر ُح عنواناً آخر‬
‫لعدم عثوري على ما يلفت‬
‫في أسماء القصص في الداخل؛ كما فعلتُ‬

‫ ‬

‫م������������������واج������������������ه������������������ات‬

‫ال��ذي ح��رره وكتب مقدمته‬
‫ال ��ذك� � ّي ��ة ال� �ص ��دي ��ق جعفر‬
‫العقيلي‪ ،‬وكذلك في كتابي‬
‫«أشه ُد عليِّ ‪ ،‬أشه ُد علينا»‪.‬‬

‫على الكاتب أن يأخذ باالعتبار‪،‬‬
‫وفي المقام األول‪ ،‬ذكاء القارئ‪،‬‬
‫إض��اف � ًة إل��ى تحليه ب � َغ �رَاب� ٍ�ة ما‬
‫ت�ب�ع��ث ع�ل��ى ال �ت �س��اؤل وتفضي‬
‫إل��ى أكثر م��ن استنتاج‪ .‬يش ّك ُل‬
‫ال �ع �ن��وان‪ ،‬ف��ي ذات ��ه‪ ،‬وبحسبي‪،‬‬
‫ال بمعنىً ما‪ .‬ولهذا؛‬
‫ن ََّصاً مكتم ً‬
‫فإنه يتطلبُ خ�ب��ر ًة وحساس ّي ًة‬
‫وت��وازن �اً واح �ت��راس �اً؛ إذ هنالك‬
‫عدد من المستويات في الوعي‬
‫األدب��ي وال��درج��ات في الذائقة‬
‫الفنيّة بعدد ال ُقرّاء المفتَرَضين‪،‬‬
‫يجب أخذهم بالحسبان‪.‬‬
‫ أما عن المغايرة؛ فأرجو أن‬
‫يكون ذلك صحيحاً‪ .‬فأنا لستُ‬
‫س��واي حتماً‪ .‬وعنوان كتاباتي‪،‬‬
‫م�ث�ل�م��ا ه ��ي ك �ت��اب��ات��ي نفسها‪،‬‬
‫تنسج ُم مع هُويتي التي أعتقد‬
‫أنها مغايرة لغيري من ال ُكتّاب‪.‬‬
‫< ه�����ل ت����ح����ول����ت ال�����رواي�����ة‬
‫إل���ى دي����وان ال��ع��رب؟ وه���ل ه��ن��ال��ك هوية‬
‫أن هذا الفن غربي‬
‫للرواية العربيّ ة‪ ،‬علم ًا َّ‬
‫المنشأ؟‬

‫في مجموعة «المالئكة في العراء»‪ ،‬و«حقول‬
‫الظالل»‪ ،‬و«شتاءات تحت السقف»‪ ،‬و«ميراث‬
‫ِ‬
‫األخير»‪.‬‬
‫موضع إلى أنَّ الرواية باتت‪-‬‬
‫ٍ‬
‫ > أشرتُ في غير‬
‫ل��دى ف �ئ��ات واس �ع��ة م��ن ال� � ُق� �رّاء والمثقفين‬
‫ي�ش� ّك��ل ال �ع �ن��وان‪ ،‬ف��ي ن �ظ��ري وك �م��ا اصطلح‬
‫وال � ُك � ّت��اب ودارس ��ي علم االج�ت�م��اع‪ -‬وبمعنىً‬
‫ال�نُ� ّق��اد‪ ،‬ال َعتَبَة األُول��ى التي تُفضي بالقارئ‬
‫معيّن‪ُ ،‬م ّدوَّنة حديثة لمجريات الحياة العربيّة‪،‬‬
‫النص‪ .‬ال يكفي أن يتحلّى بالمعنى‬
‫ّ‬
‫إلى داخل‬
‫تسجِّ ل األحداث من زوايا جديدة ليست هي‬
‫الشمولي‪ ،‬مثلما ال يجوز االكتفاء بجماليته‬
‫الموافقة الكُليّة‪ ،‬وليست المعترضة ُكُل ّياً‪،‬‬
‫وتضمنه لشحنة من اإليحاءات لحاالت ليست‬
‫وليست هي الحاذفة للبشاعات والتشوهات‪،‬‬
‫متوافرة في الداخل‪ .‬العنوان خطير! ينبغي‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪91‬‬

‫أو ت�ل��ك ال�م�ض�ف� ّي��ة عليها‬
‫أف� � � �ض � � ��االً وج � �م� ��ال � �ي� ��ات‬
‫م��زع��وم��ة‪ .‬ال��رواي��ة‪ ،‬وألنها‬
‫(ب��ان��ورام��ا ذات � ّي��ة) تتشكَّل‬
‫وف �ق �اً ل��رؤي��ا ذات كاتبها‪/‬‬
‫ك��ات �ب �ت �ه��ا؛ ف��إن �ه��ا التدوين‬
‫األدب� ��ي ال�م�ت�ح�لّ��ي بفنيات‬
‫ال �ك �ت��اب��ة ذات التجنيس‬
‫لعالقة التفاعل ‪ -‬الكاملة‬
‫أو الناقصة المضروبة –‬
‫لتاريخ‬
‫ٍ‬
‫عربي بعينه‬
‫ٍ‬
‫إلنسان‬
‫ٍ‬
‫ومجتمع معيشان ك��ان ال بُ ��دَّ م��ن تسجيله‬
‫وتوثيقه‪.‬‬

‫‪92‬‬

‫ ‬

‫الشع ُر تاريخنا العربي‪ ،‬في ج��زء كبير‬
‫ك��ان ِ‬
‫م �ن��ه‪ ،‬أو ت��اري��خ ح�ي��ات�ن��ا ال �ع��رب � ّي��ة‪ ،‬موزوناً‬
‫ُم �ق � ّف��ى‪ ،‬ول�ك��ن بحسب أن �س��اق وموضوعات‬
‫ذاك العصر‪ :‬راثياً‪ ،‬ومادحاً‪ ،‬وهاجياً‪ ،‬وباكياً‬
‫على األط�لال‪ .‬وبحسب منظور ذاك العصر‬
‫أيضاً (هي عصور على أي حال)‪ ،‬كان تاريخاً ‬
‫يتصف بالمبالغة غالباً‪ ،‬وبالتزوير والتحريف‬
‫ُ‬
‫أيضاً‪ .‬حتّى الحُ بّ ؛ كان حُ ّباً مبالِغاً في ِعفته‬
‫الحسّ ي‬
‫المزعومة‪ ،‬طامساً لحقيقة االشتهاء ِ‬
‫وطاقته الدافعة للشاعر ألن يُلقي على المأل‬
‫ظ��اه� َر الحالة باحتشام‪ ،‬ولنفسه الباطنيّة‬
‫يهمس باالحتراق الالسع!‬

‫ ‬

‫لذلك؛ أقول إنَّ الرواية هي التدوين (وأشدد‬
‫على أنها ت��دوي��ن‪ ،‬بمعنى أنها كتابة وليست‬
‫شيئاً آخ��ر‪ ،‬صوتاً كالشعر مثالً) يصي ُر من ‬
‫خاللها إيصال وجهة نظر صاحبها‪ ،‬أو مجموع‬
‫أسئلته‪ ،‬آلخ � َر مجهول لكنه ُم� ْف�تَ�رَض‪ ،‬ليس‬
‫مرئ ّياً ومباشراً بحيث تَحو ُل األُلف ُة المفقودة‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫دون الصراحة في التصريح‪ .‬كما‬
‫أن�ه��ا كتابة تتطلبُ ف��ي الجانب‬
‫الثاني منها‪ ،‬أي ال�ق��راءة‪ ،‬درج ًة‬
‫من التخصص والتعمُّق والذائقة‬
‫وخبر ًة في النوع الكتابي من دونها‬
‫جميعاً تبطل فاعليّة العمليتين‪:‬‬
‫اإلرسال واالستقبال!‬
‫ م ��ن خ�ل�ال ال���رواي���ة ‪ -‬كما‬
‫الحال مع صنوف اآلداب المكتوبة‬
‫األخ � ��رى ‪ -‬ت �ت �ح��اور الكائنات‬
‫البشريّة‪ /‬االجتماعيّة تحاوراً عن بُعْد! لكنه‬
‫التحاور الحميم‪ ،‬والصادق‪ ،‬وغير المسدود‬
‫بأي حواجز يخلقها واقع ووقائع ما هو خارج‬
‫َص‪ .‬فعلى أرض الكتابة نمتلكُ قدراً كبيراً‬
‫الن ّ‬
‫من حُ ريّة التعبير عن أسرار أسرارنا‪ ،‬وعليها‬
‫أيضاً نمتلك ذاك القدر من حُ ريّة المشاركة‬
‫أرض‬
‫نحو ليس له مثيل على ٍ‬
‫والتأويل على ٍ‬
‫أخرى على اإلطالق!‬
‫إذا صادقتُ على المأثور القائل إنَّ الشاعر‬
‫العربي القديم كان ينطق بلسان الجماعة؛ إذ‬
‫هو ناطقها اإلعالمي‪ ،‬أو ضميرها الجمعي!‬
‫فإنَّ الروائي العربي ال ينطق بغير لسانه هو‪.‬‬
‫لم يعُد الفنان‪ /‬الكاتب بمعناه الحقيقي في‬
‫زماننا يتماهى مع الجماعة وينوب عنها في‬
‫قول ما تريد‪ .‬باتت مكانة الفرد‪ ،‬داخل الفرد‪،‬‬
‫هي محل التقدير واالحترام واألخذ باالعتبار‪،‬‬
‫وليس العكس‪.‬‬
‫خاصة للرواية‬
‫بتواضع‪ :‬لم أجد حتّى اآلن هُوي ًة ّ‬
‫العربيّة؛ اللهم سوى لغتها العربيّة‪ ،‬ومناخاتها‬
‫االجتماعيّة‪ .‬أما أن نذهب أبعد ونزعم بوجود‬

‫لتدقيق أكبر‪ ،‬إذ ليس هنالك «ماركة» واحدة‬

‫لسياق التجربة الحياتيّة والخبرات المتحصلّة‬

‫ال (وه��ذا بحاجة‬
‫رواي��ة أميركا الالتينيّة مث ً‬

‫الشخصيّة‪ ،‬ككاتب وقارئ ‪ -‬ال يكون إ ّال وفقاً‬

‫تجمع الروايات الطالعة من هناك؛ اللهم سوى‬

‫له نتيج ًة لذلك‪ .‬أما إرسال القَول على عواهنه‬

‫مرجعيتها ال �ق��ار ّي��ة)؛ فإننا ن�ك��ون نقفز عن‬

‫كأنما هو قاعدة ذهبيّة؛ ففي ذل��ك مجافاة‬

‫الحقائق‪ .‬ثم؛ هل من الالزم أن يكون للرواية‬

‫ال داخل التاريخ األدبي‬
‫للوقائع الموجودة فع ً‬

‫العربيّة ُه��وي� ًة مخصوص ًة في زم��ن التالقح‬

‫والسيَر الذاتيّة للكتّاب‪ ،‬إضاف ًة إلى االكتفاء‬
‫ِ‬

‫وال�ت��داخ��ل المعرفيين والثقافيين وم��ا ينتج‬

‫الفقير بالشائع من دون تمحيص أو تدقيق‪،‬‬

‫عنهما من مشترَكات تدخل في الِبنى المكوّنة‬

‫وال��ذي يقارب اإلشاعة في خاصيّة الجَ هْل؛‬

‫لألشكال األدبيّة؟!‬

‫ألن �ن��ا‪ ،‬وب�ب�س��اط��ة‪ ،‬م ��اذا سيكون ج��واب�ن��ا عن‬
‫السؤال معكوساً‪ :‬هل الرواية تمرين للدخول‬

‫تمرين‬
‫ٌ‬
‫< يُ ��ق��ال إن ال��ق��ص��ة ال��ق��ص��ي��رة ه��ي‬

‫إل��ى القصة القصيرة؟ وأن��ا هنا أش�ي��ر إلى‬

‫كتابي للدخول إلى عالم الرواية‪ .‬إلياس‬

‫أعالم في الرواية كتبوا القص َة فيما بعد‪.‬‬
‫ٍ‬

‫��اص وال��روائ��ي‪ ،‬كيف ينظر إل��ى هذه‬
‫ال��ق ّ‬
‫المقولة؟‬
‫> قد يكون األم��ر على ه��ذا النحو ل��دى بعض‬
‫ُك� ّت��اب القصة القصيرة ال��ذي��ن انتقلوا منها‬
‫إل��ى كتابة ال��رواي��ة‪ .‬غير أنَّ ه��ذا ال ينطبق‪،‬‬

‫�اب آخ��ري��ن زاوج���وا في‬
‫ب��ال �ض��رورة‪ ،‬على ُك � ّت� ٍ‬

‫نتاجاتهم وجمعوا بين القصة والرواية‪ ،‬ويمكن‬
‫بسهولة ض��رب األمثلة على ذل��ك‪ :‬م��اذا عن‬

‫أرنست همنغواي‪ ،‬ونجيب محفوظ‪ ،‬وإيتالو‬
‫كالفينو‪ ،‬وي��وس��ف إدري ��س‪ ،‬وغ��ون�ت��ر غراس‪،‬‬

‫م������������������واج������������������ه������������������ات‬

‫هُوية مفارقة‪ ،‬تقف بلونها المختلف إلى جوار‬

‫جنسين كِ تابيين سرديين ‪ -‬وبحسب تجربتي‬

‫ ‬

‫باختصار‪ ،‬القصة القصيرة ليست جسر عبور‬
‫ال بالمقارنة مع‬
‫نحو الرواية‪ .‬ليست شأناً سه ً‬

‫الرواية ليجوز وصفها «تسخيناً واستعداداً»‬
‫لدخول المعترك األصعب! لكّل جنس كِ تابي‬
‫ص �ع��وب �ت��ه وح �س��اس �ي �ت��ه وم���آزق���ه‪ ،‬م�ث�ل�م��ا له‬

‫جمالياته وسالسته ومخرجاته الخاصة‪ .‬كما‬

‫كاتب حاالته التي تُملي عليه الكتاب َة‬
‫أنَّ لكّل ٍ‬

‫حالة جنسها‬
‫ٍ‬
‫جنس معيّن‪ ،‬مثلما أنَّ لكّل‬
‫ٍ‬
‫في‬

‫الذي تتطلبه دون ِسواه‪.‬‬

‫وغابرييل غارسيا ماركيز‪ ،‬ومحمد خضيِّر‪ < ،‬ماذا تعني لك جائزة البوكر العربيّ ة بعد‬

‫وجنكيز إيتماتوف‪ ،‬وهرمان هيسه‪ ،‬وتوماس‬
‫مان‪ ،‬وترومان كابوت وأنيتا ديساي‪ ،‬إلخ؟ ماذا‬

‫ع��ن ع��دد م��ن ه��ؤالء وآخ��ري��ن كتبوا الرواي ًة‬

‫أوالً (كنجيب محفوظ‪ ،‬وغونتر غراس‪ ،‬مثالً)‬

‫ ‬

‫كنت ضمن القائمة القصيرة عن رواية‬
‫أن َ‬

‫«أرض ال��ي��م��ب��وس» ف��ي دورت���ه���ا األول����ى؟‬
‫وم����اذا يعني ل��ك اخ��ت��ي��ار رواي����ة «قامات‬
‫الزبد» ضمن أفضل ‪ 100‬رواية عربية؟‬

‫وانتقلوا بعدها إلى القصة ليعودوا للرواية‪ > ،‬ش��أن��ي ف��ي ذل��ك ش��أن جميع ال � ُك� ّت��اب الذين‬
‫وهكذا؟‬
‫تصيبهم ال � َف �رْحَ � ُة ع�ن��د ح ��دوث أم��ر كهذا‪.‬‬
‫ما أريد الوصول إليه‪ ،‬هو أنَّ لجوء الكاتب إلى‬

‫الفرحة واالندهاش في الوقت نفسه‪ .‬يفرحون‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪93‬‬

‫عندما تنال أعمالهم التقدير‬
‫والتنويه النقدي اإليجابي‪،‬‬
‫إض� ��اف�� � ًة إل � ��ى اإلح� �س ��اس‬
‫ب� ��ال� ��رض� ��ا‪ ،‬ك � ��ون جهدهم‬
‫الموصول على امتداد عقود‬
‫لم يكن ِغنا ًء فردياً ومتوحداً‬
‫ب��ي��ن ج � � ��دران ع� ��ازل� ��ة في‬
‫ُغ �ر ٍَف معزولة! ويندهشون‬
‫ك��ون المألوف والسائد في‬
‫مجتمعاتنا العربيّة يتمثّل‬
‫ف��ي النظر إليهم بوصفهم‬
‫�وار غريبة‪ ،‬ولعلّهم من‬
‫ُغ��رب��اء وأص�ح��اب أط� ٍ‬
‫الزوائد غير المرئيّة المركونة والمنسيّة في‬
‫الهامش وخارج المتن المجتمعي!‬
‫ ‬

‫ربما يكون تشبيهي لل ُكتّاب باألطفال تشبيهاً ‬
‫م�غ��ال�ي�اً أو م �ت �ط��رف �اً‪ .‬لكنني أرى أن �ه��م من‬
‫ال�ك��ائ�ن��ات غير المتطلبة‪ ،‬م��ن الشخصيات‬
‫بأفراح ومَسرّات صغيرة ذات صلة‬
‫ٍ‬
‫المكتفيّة‬
‫بعالم الكتاب والكتابة وال�ث�ق��اف��ة‪ ،‬وال يعدو‬
‫طموحهم مرتبة االع�ت��راف بعملهم على أنه‬
‫قصة نجاح وإضافة نوعيّة جديرة بالتقدير –‬
‫بصرف النظر عن ماهيّة هذا‬
‫التقدير ‪ .-‬كما يجدر التنويه‬
‫إلى أنَّ تقديراً واحتقا ًء بهذا‬
‫المستوى‪ ،‬يعنيان ل��ي‪ ،‬على‬
‫الصعيد الشخصي‪ ،‬تحفيزاً‬
‫لمواصلة ما بدأته قبل نحو‬
‫ثالثين سنة‪ ،‬وتحدياً متجدداً‬
‫ل�ل�ارت� �ق ��اء ب�ع�م�ل��ي القادم‪،‬‬
‫بحسب ما أطمح وأصبو‪.‬‬

‫��ت التخلص‬
‫< ه���ل اس��ت��ط��ع َ‬

‫‪94‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫من ثقل الذاكرة بعد كتابة‬
‫«أرض ال��ي��م��ب��وس»؟ وكيف‬
‫استطعت أن تدمج‪ ،‬أو توفق‪،‬‬
‫َ‬
‫ب���ي���ن ال����خ����اص وال�����ع�����ام في‬
‫السرد؟‬
‫> استطعت التخلّص من بعض‬
‫أث��ق��ال ال ��ذاك ��رة – م��ع األخذ‬
‫باالعتبار أنَّ اإلنسان‪ ،‬وبعد أكثر‬
‫من خمسة عقود عاشها‪ ،‬وعاي َن‬
‫خ�لال�ه��ا ه��ذا ال �ك��م الكبير من‬
‫الشخصيات واألح��داث الكبيرة‬

‫والصغيرة‪ ،‬إضاف ًة إلى التغيّرات التي أصابت‬
‫تقييمه لمجريات ح�ي��ات��ه‪ ،‬إن�م��ا ي�ح�ت��ا ُج إلى‬
‫مجموعة روايات!‬
‫أما عن مسألة دمجي أو توفيقي بين الخاص‬
‫وال �ع��ام؛ فربما يكمن السبب ف��ي أنَّ حياتي‬
‫الشخصيّة – الداخليّة والظاهر منها للخارج ‪-‬‬
‫ضمن خطوطها العريضة ومحطاتها الرئيسة‪،‬‬
‫كانت إم��ا استجابة للوقائع العامة الكبرى‪،‬‬
‫ال معها ومحاوالً‬
‫أتحركُ على إيقاعها متفاع ً‬
‫ال �ت��دخ��ل (ب�ح�ج��م شخصي ال�ص�غ�ي��ر طبعاً)‬
‫ليكون لي دوري المأمول فيها‪.‬‬
‫أو هي مجموعة األسئلة التي‬
‫طَ رَحَ تْها تلك األح��داث العامة‬
‫على الجميع‪ ،‬وال �ت��ي ب�ق��در ما‬
‫تبدأ بالحيوات الكُليّة للمجتمع‬
‫فإنها‪ ،‬في الوقت نفسه‪ ،‬تنتهي‬
‫في عقل اإلنسان الفرد‪ ،‬لتقلب‬
‫ْض ًة‬
‫ل��ه يقينياته وتجعلها ُعر َ‬
‫ل �ع �ص��ف ال� �م� �س���اءالت‪ .‬نحن‪،‬‬
‫ك��أف��راد‪ ،‬لسنا س��وى التفاصيل‬

‫< من مضامين رواياتك يتضح لنا أن الرواية‬
‫ب��إم��ك��ان��ه��ا أن ت��ع��ال��ج وت���وّ ج���ه األح����داث‬
‫السياسية‪ ،‬من خالل الشخصيات وإعادة‬
‫بناء األحداث‪ .‬فما رأيك؟‬
‫> ب��اخ �ت �ص��ار‪ :‬ال���رواي���ة ت �ع �ي��د ب �ن��اء األح� ��داث‬
‫ال �س �ي��اس � ّي��ة ع �ب��ر ع �ي��ش ال �ش �خ �ص �ي��ات لها‪،‬‬
‫الواقعيّة والمتخيلة‪ ،‬ووف�ق�اً لتجربة كاتبها‪،‬‬
‫لكنها ال تستطيع أن ت�ق��وم بتوجيهها على‬
‫اإلطالق‪ ،‬أو حَ رْف مسارها!‬
‫< ث����مّ ����ة ج���م���ال���ي���ات على‬
‫ص��ع��ي��د ال���س���رد وال���ح���وار‬
‫تتعلق باللغة الفصحى‬
‫واللهجة العاميّ ة؛ فكيف‬
‫ت����ن����ظ����ر إل��������ى ال���ت���م���اي���ز‬
‫بينهما؟‬
‫> ل�غ��ة ال �س��رد ه��ي الفصحى‬
‫ب ��ام� �ت� �ي ��از‪ ،‬وب �ل��ا أي شك‬
‫أو ت� ��ردد‪ .‬ت�ل��ك واح� ��دة من‬
‫ال �ب��دي �ه �ي��ات ال��ت��ي جُ بِلتُ‬

‫عليها‪ ،‬وم��ا ك��ان��ت أعمالي‬
‫القصصيّة وال��روائ � ّي��ة إ ّال اش �ت �غ��االً وحَ فْراً‬
‫م�ت��واض�ع�ي��ن ف��ي ال�ل�غ��ة ال �ع��رب � ّي��ة الفصحى؛‬
‫ألكتشف اإلمكانات الكبيرة التي تختزنها هذه‬
‫اللغة وإضمارها لحيويّة التجدد‪ ،‬والتحوّل‪،‬‬
‫النص‬
‫ّ‬
‫والتطوّر‪ ،‬مع مالحظة أنَّه كلّما تحرك‬
‫داخ��ل ف�ض��اءات اللغة‪ ،‬واق�ع�اً‪ ،‬وبحسب رؤيا‬
‫للنص نفسه أن‬
‫ِّ‬
‫صاحبه‪ ،‬على جمالياتها؛ كان‬
‫يكتسبَ ‪ ،‬من ثم‪ ،‬تلك الجماليات‪ .‬وأن تسعى‬

‫م������������������واج������������������ه������������������ات‬

‫البانية لمجموع المشهد البانورامي‪ .‬ألسنا‬
‫كذلك؟‬

‫كقاص وروائي‪ ،‬ال يعني أنكَ تشتغل عالِماً‬
‫ٍّ‬
‫للّغة‪،‬‬
‫أو فقيهاً لغو ّياً‪ ،‬أو باحثاً في اللسانيات مثالً!‬
‫أبداً‪ .‬بالنسبة لي‪ ،‬اللغ ُة كائ ٌن محسوس حين‬
‫�وض فيه كاتباً ن��اب��ذاً لمألوف المفردات‬
‫أخ� ُ‬
‫في سياقات جُ مَلها وتركيباتها وتنضيداتها‬
‫السائدة إنما أجعل ُه (اللغة) يخل ُع لبوساته‬
‫الباهتة من كثرة االستعمال‪ ،‬ليرتدي أ ُخرى‪،‬‬

‫ه��و يمتلكها ف��ي مستوياته العميقة‪ ،‬وكانت‬
‫بحاجة لمن يخرجها للتهويّة! اللغةُ‪ ،‬كما هي‬
‫إحساس وإدراك وتناغم‬
‫ٍ‬
‫تجربتي معها‪ ،‬حال ُة‬
‫أعيشها وتتلبسني فأنساق إليها‪ .‬أما مسألة‬
‫ال�ق��واع��د؛ فتأتي ف��ي م��ا بعد‪ ،‬وال أخ�ج� ُل أو‬
‫أترد ُد في عَ رْض ما أكتبه‪ ،‬حين‬
‫االن �ت �ه��اء م �ن��ه‪ ،‬ع�ل��ى َم ��ن يفقه‬
‫تلك ال�ق��واع��د ليقوم بتصويب‬
‫م��ا ارتكبتُه م��ن أخ �ط��اء‪ ..‬وهي‬
‫قليلة على أي حال‪ ،‬وتتعلق بما‬
‫يمس بنائي الخاص لها‪.‬‬
‫ال ّ‬

‫ أما مسألة اللهجة العاميّة؛‬
‫فإنَّ السرد والحوار‪ ،‬في القصة‬
‫والرواية‪ ،‬يمتلكان رحاب َة وجودها‬
‫متضافر ًة ومشتبك ًة وملتحم ًة‬
‫مع الفصحى‪ ،‬تماماً مثلما هي‬
‫ع�لاق��ة ال�ج�ل��د ب��ال�ل�ح��م‪ ،‬ش��ري�ط��ة االقتصار‬
‫النص ويثريه‪ ،‬بما ال تحوزه‬
‫َّ‬
‫ف‬
‫على ما يُسْ عِ ُ‬
‫الفصحى‪ .‬أو الركون إلى مفردةٍ معيّنة عاميّة‬
‫لها نكهتها ال�خ��اص��ة ومدلولها االجتماعي‬
‫المعيش‪ ،‬المعاصر‪ ،‬تأتي بمحمولها المفهوم‬
‫لدى القارئ عارض ًة الواق َع كما هو‪ ،‬وبـ (لغته‬
‫ال �ع��ام � ّي��ة)‪ ،‬أي بمنطوقه ال �س��ائ��ر والخارق‬
‫جيل‬
‫للطبقات االجتماعيّة (إذ ه��و منطوق ٍ‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪95‬‬

‫يعيش بيننا وسيكون‬
‫ُ‬
‫جديد‬
‫نح ُن في المستقبل) والذي‬
‫ج��اء نتيجة ت �ح �وّالت كثيرة‬
‫اع�ت��رت ال�م�ف��ردة الفصحى‬
‫فغيّرت من معناها المقروء‬
‫ف��ي الكتب‪ ،‬وأحَ �لَّ��ت محلها‬
‫معنىً م�ت��داوالً على الشفاه‬
‫في تفاصيل الحياة اليوميّة‪.‬‬
‫العاميّة‪ ،‬بحسب مالحظتي‪،‬‬
‫ورب �م��ا ألن �ه��ا ب�لا رق �ب��اء أو‬
‫سَ � � َدنَ� ��ة وحُ �� � � �رّاس‪ ،‬ح ��ازت‬
‫وت �ح��وز م�س��اح��ات م��ن ال �ح��ر ّي��ة تتقلّب فيها‬
‫وتُنجبُ عليها مجموعة تعبيرات مدهشة في‬
‫دِ ّق��ة إصابتها لل ُِّب من المعنى‪ ،‬أو الدِ قّة في‬
‫نحو يكاد يكون‬
‫جَ مْع الصورة بمعناها على ٍ‬
‫ممسوكاً وماسكاً في آن! وهذا‪ ،‬في حد ذاته‪،‬‬
‫وج ٌه من وجوه جمالياتها‪.‬‬

‫اإلن �س��ا ُن ليس سطحاً واحداً‪،‬‬
‫وليس كائناً مسطحاً‪ ،‬وليس هو‬
‫ُعد واحد» – بحسب‬
‫«اإلنسان بب ٍ‬
‫تعبير هربرت ماركوز‪ .‬وألنَّ األمر‬
‫هكذا؛ فإني أزع � ُم وج��ودي في‬
‫جميع تلك المجاالت الكتابيّة‪/‬‬
‫األدبيّة‪ /‬الثقافيّة‪ .‬لكنه‪ ،‬وينبغي‬
‫عليَّ التنبُّه والتنبيه‪ ،‬وجو ٌد ناقص‬
‫وسيبقى ناقصاً حتّى النهاية‪.‬‬
‫ثمّة الالزمة المتكررة في رواية‬
‫«أرض اليمبوس»‪ ،‬والتي باتت‬
‫كمفهوم أرى وجوباً أخالق ّياً‬
‫ٍ‬
‫بمثابة األيقونة‬
‫وفكر ّياً وصفها ِحكم ًة تستوقف الكثيرين مِ نّا‪،‬‬
‫أالْ وهي‪« :‬ال شيء يكتمل»‪ .‬أنا أحاول أن أكتمل‬
‫عبر توزعي على جميع األنشطة المذكورة‪ ،‬مع‬
‫يقيني بأني أسعى وراء سراب! لكنه ال َق َدرُ‪..‬‬
‫بمعنى من المعاني‪.‬‬

‫< ب َ‬
‫��دأت مع القصة القصيرة‪ ،‬ثم الرواية‪ ،‬‬
‫مت رواية «سير– ذاتيّ ة»؛ فأين‬
‫قد َ‬
‫وأخير ًا ّ‬
‫يجد ف��رك��وح نفسه وس��ط ه��ذا التعدد‬
‫ال���ذي يمتد إل���ى ال��ص��ح��اف��ة والترجمة‬
‫والشهادة والنشر؟‬

‫أكتبُ القصة والرواية ألطرح أسئلتي‪ ،‬وأمتحن‬

‫> إنَّ جُ ملة تلك ال �ض��روب م��ن الكتابة ليست‬
‫س��وى محاوالتي من أج��ل استكمال صورتي‬
‫الكائنة في داخلي‪ ،‬والتي أنظ ُر إليها بوصفها‬
‫إمكانات متفاوتة في نسبة وكثافة منسوبها‪،‬‬
‫تحثّني على أن أحققها‪ ،‬ألتحق َق أنا على هذا‬
‫النحو ت ��ارةً‪ ،‬أو على غيره ت��ار ًة أخ��رى‪ .‬إني‬
‫من المؤمنين أنَّ اإلنسان يمتلكُ في أعماقه‪،‬‬
‫وبعد عقود من التجربة الحياتيّة والثقافيّة‪،‬‬
‫عدة مستويات أو طبقات‪ ،‬هي خُ الصته‪ .‬أي‪:‬‬

‫‪96‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫رؤيتي‪ ،‬وأتعايش مع شخوص الحياة عبر تعالقنا‬
‫جميعاً وانضفارنا بحبال الخيال الذي يُشهدُنا‬
‫على أحوالنا من مسافة‪ .‬وأقو ُم بالترجمة ألنَّ‬
‫هناك نصوصاً قرأتها فأعجبتني‪ ،‬ولكّل واحد‬
‫منها خصوصيته‪ ،‬الجماليّة أو المعرفيّة‪،‬‬
‫فأحببتُ نقلها آلخرين مجهولين مفتَرَضين‬
‫يشاركونني محبّة ال��جَ �م��ال وت ��وق التعرُّف‪.‬‬
‫وك�ت�ب��تُ مجموعة ش �ه��ادات ألف�ض��ي برؤيتي‬
‫ِلمْا أكتب وأشه ُد عليَّ من ال��داخ��ل‪ ،‬وكذلك‬
‫ألقول رأيي المتواضع بما أقرأ لغيري وماذا‬
‫رأيتُ في ذلك كلّه‪ .‬وأعم ُل بالنشر ألني‪ ،‬ومنذ‬
‫ال على مستوى‬
‫البداية‪ ،‬عرفتُ أني لستُ مؤه ً‬

‫وضعيّة الموظف‪.‬‬

‫أخ��ز ُن في أعماقي أص��دا َء اآلخرين‪ ،‬وجوهاً‬

‫هذا أنا‪ .‬في جميع هذه البؤر‪ .‬وأدركُ أني ما‬

‫وأسما ًء وأصواتاً ومواقف ووجهات نظر؟‬

‫اكتمال ما‪..‬من غير < ث��مّ ��ة ت���ج���ارب س���رديّ ���ة س���ع���وديّ ���ة يُ شار‬
‫ٍ‬
‫زلتُ الناقص الباحث عن‬
‫أطماع أو أوهام‪ ،‬كبيرة أو صغيرة‪.‬‬
‫ٍ‬
‫< ه��ل ي��ت��م��اه��ى ال��ك��ات��ب م��ع ن��ف��س��ه لينتجَ‬
‫النص بتقمص غيره؟‬
‫ّ‬
‫نصاً‪ ،‬أم ينتج هذا‬
‫ّ‬

‫إليها ف��ي كتابة القصة ال��ق��ص��ي��رة‪ ،‬فما‬

‫رأي�����ك ب��ت��ج��رب��ة ك���ل م���ن زي�����اد السالم‬

‫م������������������واج������������������ه������������������ات‬

‫ ‬

‫النجاح ال�ت�ج��اري أو االق�ت�ص��ادي‪ ،‬وال أطيق‬

‫وأتماهى مع غيري في الوقت نفسه‪ .‬أولستُ‬

‫وعبدالرحمن الدرعان؟‬

‫أين يكمن فركوح؛ أفي تماهي ال��ذات أم > لستُ مطلعاً‪ ،‬لألسف الحقيقي‪ ،‬على تجربة‬

‫تقمص اآلخر‪ ،‬ولماذا؟‬

‫> المعادلة بطرفيها ه��ي ج��وه��ر الكتابة كما‬
‫أفهمها‪ ،‬وكما أمارسها‪ ،‬وكما أق��وم بقراءتها‬
‫لدى غيري من ال ُكتّاب‪ .‬فإ ْن آ َمنّا أنَّ مَن هُم‬
‫خارجنا ليسوا سوى مرايانا‪ ،‬نعاين أنفسنا في‬
‫عيونهم لنعي أجزا ًء مِ نّا محجوبة عن إبصارنا‬
‫المباشر‪.‬‬

‫ع�ب��دال��رح�م��ن ال ��درع ��ان‪ .‬غ�ي��ر أنَّ مجموعة‬
‫زي ��اد ع�ب��دال�ك��ري��م ال �س��ال��م‪« ،‬وج���وه تمحوها‬
‫العزلة»‪ ،‬تملكُ نكه ًة للمكان وخصوصيّة في‬
‫الشخصيات الفتتين‪ .‬كما يراعي جانب اللغة‬
‫ويشتغل على ذلك انطالقاً من رؤيا هي ِشعريّة‬
‫في المقام األوّل‪ .‬أنا بحاجة لقراءة المزيد من‬
‫قصصه ليتوفر لي حق الكالم بما هو أكثر‪.‬‬

‫وإذا أدركنا أننا نمثّل لآلخرين تلك المرايا < ب��ع��د ه���ذه ال��س��ن��ي��ن م���ن ال��ع��م��ل ال����دؤوب‬
‫واإلنتاج المستمر‪ ،‬ما هو جديد فركوح؟‬
‫معكوسةً‪ ،‬مثلما أننا جميعاً (الذوات وآخَ رها)‬

‫ ‬

‫لسنا ف��ي حقيقة ان�ف�ص��ال رغ��م ح��االت من‬

‫* ‬

‫أنجزت؟‬
‫َ‬
‫راض عمّ ا‬
‫أنت ٍ‬
‫وهل َ‬

‫العزلة واالغ �ت��راب نعيشها‬

‫أناوش بدايات رواية جديدة‪.‬‬
‫ُ‬
‫> ‬

‫ب��درج��ات متفاوتة؛ عندها‬

‫أستفزها لتنهض وتتحرش بي‪،‬‬

‫يصير لي أن أق��ول أني في‬

‫فنشتبكُ في ِع��راك المناكفات‬

‫ال �ل �ح �ظ��ة ال �ت��ي أح� �ف� � ُر فيَّ‬

‫وال��م��م��اح��ك��ات‪ ،‬ف��أك��ت��ب‪ .‬أما‬

‫ألج � َد بعض حقائقي عني‪،‬‬

‫ال��رض��ا؛ ف�ح��ال� ٌة نسبيّة ليست‬

‫إنما أعاين غيري أيضاً ألنه‪،‬‬

‫ثابتة وليست دائمة‪ .‬في كثير من‬

‫وأن� ��ا‪ ،‬ل�س�ن��ا س ��وى الواحد‬

‫األحيان أج ُد أنني لم أنجز ُربْع‬

‫االجتماعي بوجوهٍ متعددة‪،‬‬

‫أعرف‬
‫ُ‬
‫ما أريد‪ .‬وفي لحظات ال‬

‫وب��ذل��ك‪ ،‬أتماهى مع نفسي‬

‫تحديداً ماذا أريد!‬

‫كاتب من األردن‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪97‬‬

‫الكاتب والناقد المغربي محمد معتصم‬
‫(هناك التباس في الرواية النسائية العربية‬
‫في توظيف مفهومي «الجسد» و«الجنس»)‬
‫(الكاتبات أكثر وعيا برسم شخصية المرأة اإلنسان ال المرأة الجارية)‬
‫(التقليدية ليست في المادة التي ندرسها بل في الرؤية التي ننطلق منها)‬
‫نوارة حلـرش ‪ -‬اجلزائر*‬
‫> حـاورته‪ّ :‬‬
‫كاتب وناقد أدبي مغربي معروف في الساحة األدبية‬
‫العربية‪ ،‬بدراساته ومقاالته وكتبه النقدية؛ عضو اتحاد‬
‫كتاب المغرب وعضو مؤسس لجمعية «دار الندوة» بالدار‬
‫البيضاء‪ ،‬عضو اتحاد كتاب االنترنت العرب؛ رئيس لجنة‬
‫االنترنت والعالقات الرقمية والدولية باالتحاد ذاته‪.‬‬
‫صدرت له عدة كتب منها‪« :‬الشخصية والقول والحكي»‬
‫بالدار البيضاء عام ‪1995‬م‪ ،‬و«المرأة والسرد» عن دار‬
‫الثقافة بالدار البيضاء عام ‪2004‬م‪ ،‬و«الصيغ والمقومات‬
‫في الخطاب الروائي العربي» عن مكتبة المدارس بالدار‬
‫البيضاء عام ‪2004‬م‪ ،‬و«الرؤية الفجائعية‪ :‬الرواية العربية في نهاية القرن»عن دار أزمنة‬
‫باألردن عام ‪2004‬م‪ ،‬وقد نال عنه جائزة المغرب للكتاب دورة ‪2005‬م صنف الدراسات‬
‫األدبية والفنية‪ ،‬و«الذاكرة القصوى» عن دار الثقافة بالدار البيضاء عام ‪2006‬م وهي‬
‫دراسات في الرواية المغربية المعاصرة‪ .‬كما له بعض اإلصدارات الجماعية منها «القصة‬
‫المغربية‪ ،‬التجنيس والمرجعية والفرادة» عام‪2000‬م عن جمعية الشعلة للتربية والثقافة‬
‫بالدار البيضاء‪ .‬و«محمد زفزاف الكاتب الكبير» عن منشورات رابطة أدباء المغرب عام‬
‫‪2003‬م‪ .‬وغيرها‪ .‬أيضا له أكثر من خمسة كتب إلكترونية‪ ،‬وترجمات لشعر وليام بليك‬
‫ولوركا‪.‬‬

‫‪98‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫> قدر الكاتب أن يبدأ شاعرا‪ ،‬ليس استسهاال‬
‫لخوض تجربة الشعر‪ ،‬ولكن للمكانة السامية‬
‫وال�م��ؤث��رة للشعر العربي ف��ي النفوس‪ .‬وقد‬
‫جربت وأحببت ‪ -‬وما أزال ‪ -‬الشعر العربي‪،‬‬
‫أو رب�م��ا أحببت اللغة العربية ف��ي التعبير‬
‫الشعري‪ ،‬ألنه «الشعر»‪ ،‬يسمو بها إلى درجة‬
‫رفيعة م��ن الشفافية وال�خ�ف��ة‪ .‬وحتى اآلن‪،‬‬
‫رغ��م أنني لم أكتب الشعر منذ فترة ليست‬
‫بالقصيرة‪ ،‬لغياب محفزاته الحميمة في ظل‬
‫الشروط المعيشية واالجتماعية والسياسية‬
‫المحلية والعربية وال��دول�ي��ة‪ .‬ما أزال مياال‬
‫إل� ��ى ال �ش �ع��ر ف ��ي س� �م ��وه وش �ف��اف �ي �ت��ه عبر‬
‫القراءة وال��دراس��ة‪ .‬وهما نافذتان تسمحان‬
‫لي بالتعرف على الخطوات الجديدة التي‬
‫ي��رس�م�ه��ا ل��ه ال �ش �ع��راء ال �ج��دد ف��ي المغرب‬
‫وغيره‪ ،‬في العربية وغيرها‪.‬‬

‫م������������������واج������������������ه������������������ات‬

‫< م��ن ال��ش��ع��ر ج��ئ��ت إل���ى ال��ن��ق��د‪ ،‬وب���دل أن‬
‫يقال الشاعر معتصم يقال أكثر الناقد‬
‫م��ع��ت��ص��م؛ أال ي��ح��ن ال���ن���اق���د ف��ي��ك إلى‬
‫ال��ش��اع��ر ال���ذي ك��ن��ت��ه‪ ،‬أم م��ا زل��ت��ه حتى‬
‫اآلن؟‬

‫جراء الهزائم السياسية والعسكرية العربية‪.‬‬
‫ث��م انتبهت إل��ى أنني أكتب الشعر لصياغة‬
‫أفكار تخصني وتناقش الظواهر ال المشاعر‪،‬‬
‫وقادني هذا االكتشاف األول��ي إلى أنني في‬
‫حاجة إلى مجال آخر للسجال‪ ،‬أوسع وأنسب‬
‫ليس موطنه الشعر (التعبير الشعري‪ ،‬واللغة‬
‫الشعرية)‪ .‬وتبين لي منذ فترة الدراسة أنني‬
‫لست من حفظة المتون‪ ،‬وأصحاب الذاكرة‬
‫القوية التي تخزن كل صغيرة وكبيرة‪ ،‬وكل‬
‫مفيدة أو غير م�ف�ي��دة‪ ،‬وأن ج�ه��از التفكير‬
‫الذي أملكه جهاز تحليل وتدقيق‪ .‬وهذا يفسر‬
‫اشتغالي بالدراسة العلمية‪ ،‬والدراسة النقدية‬
‫والفكرية‪ ،‬وميلي إلى التعبير الجميل‪ ،‬القائم‬
‫على االنزياح وتأويل المعطيات والظواهر‪.‬‬
‫إذاً‪ ،‬هناك بواعث ذاتية وتكوينية‪ ،‬وأخرى‬
‫خارجية أسهمت ف��ي ترجيح كفة الدراسة‬
‫النقدية عندي على كفة اإلبداع‪ ،‬رغم أنني ما‬
‫أزال أكتب بين الحين واآلخر بعض النصوص‬
‫الشعرية‪ ،‬كما أنني كتبت رواية بعنوان «سيرة‬
‫سفر» في بداية التسعينيات‪ ..‬ولم تنشر ال‬
‫مجموعة وال متفرقة‪ ،‬ورقيا أو إلكترونيا‪.‬‬

‫< نصوصك الشعرية كانت ترفض أحيانا < وع��دم نشرها يعود –طبعا هذه المرة‪-‬‬
‫إليك‪ ..‬لماذا تتردد في نشرها؟ ما المانع‬
‫في حين يرحب بمقاالتك النقدية‪ ،‬هل‬
‫في ذلك؟‬
‫هذا كان دافعك وحافزك األكبر للنقد‬
‫على حساب الشعر؟‬
‫> إنها رواية كتبت في فترة خاصة من حياتي‪،‬‬
‫> بالفعل كانت ترفض النصوص الشعرية التي‬
‫كنت أكتبها‪ ،‬عندما أبعث بها إلى النشر‪ ،‬وال‬
‫أعلم السبب وراء ذلك‪ ،‬ألنني كنت في الوقت‬
‫ذات ��ه أق ��رأ ن�ص��وص��ا ضعيفة ف��ي المجالت‬
‫والصحف التي راسلتها‪ ،‬مغربية وعربية‪ .‬ومع‬
‫ذلك الحظت من تلقاء نفسي أنني ال أكتب‬
‫الشعر إال في حالتين‪ :‬حالة الفشل وخيبة‬
‫األمل في الحبّ ‪ ،‬وحالة السقوط في اليأس‬

‫وكانت تمثل تصوري في كتابة ال��رواي��ة‪ ،‬ثم‬
‫إنها تحمل بعض الحقائق الواقعية‪ ،‬والسبب‬
‫الرئيس وراء بقائها في الرف‪ ،‬أنها مخطوطة‬
‫باليد‪ ،‬وقت كتابتها لم أكن أتوفر على حاسوب‪،‬‬
‫ول��م تكن الحواسيب ق��د انتشرت بالصورة‬
‫الحالية (كتبتها سنة ‪1994‬م)‪ ،‬وق��د جاءت‬
‫بعدها مشاريع أخرى أبعدتني عنها‪ .‬المسألة‬
‫مسألة وقت ال غير‪ .‬وعندما أرقنها‪..‬أفضل‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪99‬‬

‫أن أق��وم بعملية الرقن اإللكتروني بنفسي‪،‬‬
‫ألن��ه يمنحني ف��رص��ة ال�م��راج�ع��ة والتعديل‬
‫والحذف‪..‬‬
‫> ‬
‫< تقول‪« :‬السؤال لحظة وع��ي؛ بمعنى أن‬
‫الذي ال يطرح األسئلة المعرفية غائب‬
‫ع��ن ال���وع���ي»‪ ،‬ب��رأي��ك ه��ل ال��ن��ق��د يطرح‬
‫أسئلة أكثر أم ينتج أجوبة؟‬

‫في النقد? وما هي برأيك أهم التجارب‬
‫العربية النقدية الحديثة؟‬
‫التجارب الحديثة في النقد العربي مالت بعد‬
‫الفترة البنيوية والتفكيكية‪ ،‬نحو الدراسات‬
‫السيميائية والتداولية والتأويل‪ .‬معنى هذا‬
‫أن الحركة النقدية اليوم في العالم العربي‬
‫اكتفت بدراسة األشكال الخارجية للنصوص‬
‫األدبية‪ ،‬وبدأت تولي اهتماما كبيرا بدراسة‬
‫المعنى‪ ،‬وص�ي��غ تشكله‪ ،‬وأب �ع��اده الممكنة‪،‬‬
‫أي أن الدراسة النقدية العربية مالت اليوم‬
‫نحو تأويل النص األدبي‪ ،‬بعدما كانت سابقا‬
‫ق��د رك ��زت ع�ل��ى المنهج ال�ع�ل�م��ي‪ .‬وه��ي في‬
‫ذلك تنفتح على اآلف��اق األوس��ع‪ .‬أي البحث‬
‫عن توسيع دائ��رة السؤال النقدي بعيدا عن‬
‫اإلجابة الدقيقة‪.‬‬

‫ > «السؤال‪/‬الوعي» ال يرتبط في هذا التعبير‬
‫بالدراسة النقدية وحسب‪ ،‬بل ب��اإلب��داع في‬
‫ش�ت��ى ص���وره‪ :‬ال�ش�ع��ر‪ ،‬وال ��رواي ��ة‪ ،‬والقصة‪،‬‬
‫والمسرح‪ ،‬والفنون التشكيلية والتصويرية‪،‬‬
‫النحت‪..‬ألن لحظة الكتابة تنبثق عن لحظة‬
‫وع��ي بالمنجز؛ فالشاعر ال ينظم أو يكتب‬
‫قصيدة أو نصا شعريا ألنه رغب في ذلك‪ ،‬أو‬
‫طلب منه ذلك‪ .‬الشاعر الحقيقي يتفاعل مع‬
‫ذاته‪ ،‬ومع المحيط الخارجي ووقائعه‪ ،‬ويكون وال�ق��ارئ الفطن سينتبه لعناوين الدراسات‬
‫دقيق المالحظة‪ ،‬وتكون لكتابته غاية ووظيفة‬
‫النقدية ال �ص��ادرة حديثا‪ ،‬وم�ح��اور البحوث‬
‫جمالية وإن �س��ان �ي��ة‪ ،‬وه� ��دف؛ ألن��ه ال يكتب‬
‫األك��ادي �م �ي��ة وس�ي�ج��ده��ا تنطلق وت �ع��ود إلى‬
‫لنفسه في عزلتها وانفصالها‪ ،‬وألنه ال يكتب‬
‫ال�ح�ق��ول ال�ت��ال�ي��ة‪ :‬ال �ت��أوي��ل‪ ،‬الهيرمنوطيقا‪،‬‬
‫من فراغ وبال هدف‪ .‬هذا هو الوعي بالكتابة‪،‬‬
‫القراءة‪..‬‬
‫وال يكون وعيا حقيقيا إال في حال مساءلة < برأيك هل هناك مواكبة فعلية وجدية‬
‫ذاته ومحيطه‪ ،‬ناهيك عن مساءلة اللغة التي‬
‫للنتاج األدبي‪ ،‬أم هي في أغلبها قراءات‬
‫يكتب بها‪ ،‬والقضايا التي يطرحها‪..‬‬
‫سطحية تقديمية ال أكثر؟‬
‫ إذا كان اإلبداع يتساءل‪ ،‬وهو ما يوصف في > هنا ينبغي الحديث عن أن��واع النقد األدبي‪،‬‬
‫بعض األح �ي��ان «ب��ال��ده �ش��ة»‪ ،‬ف��إن الدراسة‬
‫وه��ي كثيرة‪ ،‬وبعجالة فـ«المتابعة» مرتبطة‬
‫ال�ن�ق��دي��ة ت �ق��وم بالوظيفتين ف��ي آن واحد‪:‬‬
‫بالنقد الصحافي ال��ذي ال يقوم بالدراسة‬
‫ال����س����ؤال وم���ح���اول���ة ال����ج����واب ع ��ن طريق‬
‫والتحليل‪ ،‬ب��ل يقف دوره ف��ي تقديم الكتب‬
‫المالحظة والمقارنة‪ ،‬وعن طريق المقاربة‬
‫الصادرة حديثا‪ ،‬كنوع من الدعاية الثقافية‬
‫العلمية‪ ،‬واالرتكاز على القوة اإلقتراحية‪ ،‬أي‬
‫والمتابعة واإلعالن األدبي‪ .‬ثم هناك الدراسة‬
‫البحث عن ممكنات اإلجابة‪ ،‬وبتعبير آخر‪..‬‬
‫التحليلية التي تقف عند حدود العمل وأبعاده‪،‬‬
‫البحث عن أجوبة ممكنة‪.‬‬
‫باستعمال مفهوم خاص وهو «المقاربة» التي‬
‫< م��اذا عن الحداثة النقدية أو الحداثة‬

‫‪ 100‬اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫تستند ف��ي تحليلها ونتائجها على الحقول‬

‫ ‬

‫ومع ذل��ك‪ ،‬فمن المستحيل أن يالحق النقد‬
‫األدبي كل ما تنشره دور النشر‪ ،‬أو ما ينشره‬
‫الكتاب على نفقاتهم ال�خ��اص��ة‪ ،‬ألن النقد ‬
‫األدبي لم يتمأسس بعد‪ ،‬وال يمكننا الحديث‬
‫عن مؤسسة نقدية‪ ،‬أو أكاديمية للنقد تتابع‬
‫وتدرس وتحلل وتوجه‪ ،‬وتقترح آفاقا جديدة‬
‫لإلبداع وفق التحوالت في الوعي‪..‬إن النقد‬
‫األدبي مجهود فردي‪ ،‬والمجهود الفردي يظل‬
‫دائما محدودا‪.‬‬
‫< كتابك «المرأة والسرد» هل جاء لينصف‬
‫ال���م���رأة ال��ك��ات��ب��ة ال��م��ب��دع��ة أم����ام الشك‬
‫الشبه دائم فيما تكتبه هذه المرأة؟‬
‫ ‬

‫م������������������واج������������������ه������������������ات‬

‫العلمية واإلنسانية المجاورة‪ ،‬كعلم االجتماع ‬
‫وعلم النفس‪ ،‬والبنى الثقافية‪ ،‬والفكرية‪..‬‬
‫ونجد كذلك البحث األكاديمي الذي يخضع‬
‫عمال أو أكثر للتجريب واالختبار المنهجي‬
‫أو المفاهيمي‪ .‬وهذه األنواع كلها موجودة في‬
‫الساحة الثقافية‪.‬‬

‫وأهم ما قدمته لي تلك الدراسات التطبيقية‪،‬‬
‫االتصال المباشر بالنصوص السردية التي‬
‫كتبتها المرأة أوال‪ ،‬وثانيا تبين لي أن للمرأة‬
‫خصائص مميزة في أسلوب كتابتها‪ ،‬واألهم‬
‫أن كتابة المرأة تنقسم إلى قسمين كبيرين‪،‬‬
‫ومختلفين م��ن حيث ال��رؤي��ة وال�ق�ص��د‪ ،‬وإن‬
‫اتفقت من حيث اختيار صيغة التعبير؛ أي‬
‫اختيار الكتابة السردية القصصية والروائية‪.‬‬
‫القسم األول سميته الكتابة النسوية‪ ،‬وهو‬
‫القسم ال��ذي يضم الكتابات السردية التي‬
‫ال ت�ت��وخ��ى ال�ت�ع�ب�ي��ر ال�ج�م��ال��ي ف�ح�س��ب‪ ،‬بل‬
‫تقوم أساسا على فكرة الدفاع عن المرأة‪،‬‬
‫وتتخذ ه��ذه الفكرة محورا أساسا للكتابة؛‬
‫ومن مميزاته اتهام المجتمع عامة‪ ،‬وتشويه‬
‫صورة الرجل خاصة‪ ،‬كما يتمثل فكرة التحرر‬
‫ال�ج�س��دي (ال�ج�ن�س��ي)‪ ،‬واس�ت�ع�م��ال أساليب‬
‫تعبيرية تحرض على ما سبق‪.‬‬
‫وال�ق�س��م ال�ث��ان��ي ه��و ال ��ذي رك ��زت عليه في‬
‫الكتاب‪ ،‬ألنه يخدم الهدف من تأليف «المرأة‬
‫والسرد»‪ ،‬وألنه العتبة التي قادتني إلى كتابة‬
‫«ب�ن��اء الحكاية والشخصية‪ .»..‬فهدفي من‬
‫الكتاب لم يكن قائما على نزعة الدفاع عن‬
‫ال �م��رأة‪ ،‬أي أن��ه ل��م تكن وراءه إيديولوجية‬
‫نسوية ما‪ ،‬ألنني كنت أط��رح أسئلة إضافية‬
‫إل��ى تلك التي طرحها نقاد ون��اق��دات قبلي‪،‬‬
‫ح��ول طبيعة كتابة ال�م��رأة‪ .‬وأع��ده شخصيا‬
‫خطوة مهمة في محاولة فهمي لطبيعة كتابة‬
‫ال�م��رأة‪ ،‬وضرورتها‪ ،‬وإضافاتها‪ ،‬وطبيعتها‪،‬‬
‫وأقسامها‪.‬‬

‫ > كتاب «المرأة والسرد» جاء من أجل النص‬
‫السردي النسائي‪ ،‬النص كخطاب‪ ،‬ومحاولة‬
‫ف�ه��م أب �ع��اد اإلش��ك��ال ال �ق��ائ��م ف��ي الدراسة‬
‫النقدية‪ ،‬ومفاده‪ :‬هل هناك كتابة نسائية؟ ما‬
‫هي خصائصها المميزة؟ ما اإلضافة التي‬
‫تقدمها للنص السردي إلى جانب ما يكتبه‬
‫ال��رج��ل؟ وق��د اخ�ت��رت االشتغال على النص‬
‫ال�س��ردي القصصي وال��روائ��ي‪ ،‬واخ�ت��رت أن‬
‫يكون الكتاب دراسات تطبيقية؛ ألنني لم أكن‬
‫أملك وقتها أجوبة دقيقة وواضحة حول أسئلة‬
‫اإلشكال النقدي «الكتابة النسائية»‪ .‬ولهذا‬
‫السبب أص��ف دائ�م��ا ه��ذا الكتاب بالخطوة < الجنس ف��ي ال��رواي��ات النسائية‪..‬كيف‬
‫األول��ى‪ ،‬وقد تلته الخطوة الثانية متمثلة في‬
‫وجدته؟ هل هو كنوع من التوابل للمتن‬
‫كتاب «بناء الحكاية والشخصية في الرواية‬
‫السردي‪ ،‬أم كان حضوره ضروريا للنص‬
‫النسائية العربية»‪.‬‬
‫ول��ي��س إقحاما لمجرد اإلث���ارة وسرعة‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪101‬‬

‫االنتشار؟‬

‫والسياسية المحلية والعربية وحتى الدولية‪،‬‬
‫مثل آثار العولمة‪ ،‬وأحداث ‪11‬سبتمبر‪ ..‬وعبّر‬
‫العديد منهن بوضوح عن المشاكل التي تعاني‬
‫منها المرأة العربية مقابل نظيرتها الغربية‪،‬‬
‫وقد حقق بعضهن انتشارا لم يصله الكثير من‬
‫الكتاب الرجال‪ ،‬وتم طبع أعمالهن مرات‪..‬‬
‫حتى ليظن القارئ العربي أن القراءة بخير‪،‬‬
‫وترويج الكتب ال يعاني من مشاكل جذرية‪..‬‬
‫وكل الكاتبات الالئي كتبت عنهن في كتابي‬
‫«المرأة والسرد» و«بناء الحكاية الشخصية‬
‫في الروائية النسائية العربية»‪ ،‬وم��ن أكتب‬
‫عنهن حاليا في كتاب «النص السردي النسائي‬
‫المغاربي»‪ ،‬يمكن وصفهن كاتبات لهن قدرات‬
‫على التعبير جماليا‪ ،‬ولهن حس نقدي يسائل‬
‫إبداعيا الواقع والذات واآلخر‪..‬وطبعا هناك‬
‫كاتبات ما يزلن في طور اكتشاف أصواتهن‬
‫وموضوعاتهن‪ ،‬ولغتهن المميزة‪.‬‬

‫ > لقد تم استعمال الجنس في السرد النسائي‬
‫العربي بمستويات من الوعي الفني والجمالي‬
‫واإليديولوجي‪ ،‬واستعمل في كثير من األحيان‬
‫بفجاجة‪ .‬لكن كاتبات كثيرات مثل حنان الشيخ‬
‫ف��ي «م�س��ك ال �غ��زال» أو ف��ي «إن �ه��ا ل �ن��دن‪..»..‬‬
‫وظَّ فْن الجنس للتعبير عن حالة نفسية ووضعية‬
‫اجتماعية مقهورة عاشتها النساء‪ .‬ول��م يكن‬
‫الحديث ع��ن الجنس أو ع��ن تحرير الجسد‪،‬‬
‫س��وى تعبير عن ن��وع من ال�ث��ورة عن الوضعية‬
‫المزرية للمرأة (ال�ح��ري��م)‪ .‬وك��ان التعبير من‬
‫خالل الجنس قويا وصادما في رواية الكاتبة‬
‫المغربية مليكة مستظرف‪ ،‬لكنها استطاعت‬
‫ال�ك�ش��ف ع��ن ال �ع�لاق��ات ال�ص�ع�ب��ة والخطيرة‬
‫في المجتمع‪ .‬وب��ذات الجرأة تحدثت فضيلة‬
‫الفاروق في «اكتشاف الشهوة» وفي رواية «تاء‬
‫الخجل»‪ ،‬وأيضا الكاتبة التونسية أمال مختار‬
‫في «الكرسي الهزاز»‪ .‬لكن ينبغي اإلشارة إلى < ف���ي ال����رواي����ات ال��ح��دي��ث��ة‪ ،‬ه���ل تغيرت‬
‫أن هناك التباسا في الرواية النسائية العربية‬
‫صورة المرأة النمطية الذليلة المقهورة‬
‫ف��ي توظيف مفهومي «ال�ج�س��د» و«الجنس»‪،‬‬
‫المستكينة ألمرها وظروفها وذكورها؟‬
‫وليس هنا مقام التوسع في ذلك‪.‬‬
‫أم ه��ن��اك ت��ط��ور ف��ي حضورها الروائي‪،‬‬
‫ط��ال��م��ا ه���ي م��ت��ط��ورة اآلن ف���ي واقعها‬
‫< م�����اذا ت���ق���ول ع���ن ال���ك���ت���اب���ات ال��س��ردي��ة‬
‫المعيشي وإن كان بتفاوت ودرجات؟‬
‫للكاتبات العربيات؟ وبرأيك من أقدرهن‬
‫جماليا وإبداعيا في المغرب العربي؟‬

‫> ال أستطيع أن أق��دم أسماء بعينها‪ ،‬تقديرا‬
‫واحتراما لكل الكاتبات العربيات‪ ،‬ولمجهودهن‬
‫في إثراء المكتبة العربية‪ ،‬وفي توسيع دائرة‬
‫الوعي بكينونتنا في العصر الحالي‪ ،‬وأيضا‬
‫س��اب�ق��ا‪ ،‬ل�ك��ن يمكن ال �ق��ول إن ه�ن��اك عددا‬
‫كبيرا من الكاتبات العربيات (يكتبن في اللغة‬
‫العربية وبها)‪ ،‬ومن مختلف األقطار‪ ،‬قد أثبتن‬
‫ق��درة هائلة على تشخيص ع�ي��وب الواقع‪،‬‬
‫وتطرقن ألكثر القضايا االجتماعية والفكرية‬
‫‪ 102‬اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫> ف��ي ك �ت��اب��ي ال �م �ن �ش��ور إل �ك �ت��رون �ي��ا «الرواية‬
‫والقضايا الكبرى في رواي��ات سحر خليفة»‬
‫ال�ك��ات�ب��ة الفلسطينية‪ ..‬وق�ف��ت ط��وي�لا عند‬
‫ع�ب��ارة «م�ن�ش��ان ال�ل��ه» ال�لازم��ة ال�ت��ي تختزل‬
‫ضعف ال�م��رأة‪ ،‬في روايتها «ب��اب الساحة»‪،‬‬
‫وقد كانت عبارة محورية في الرواية‪ ،‬ووردت‬
‫بصيغ أخرى في «الصبار» و«عباد الشمس»‪..‬‬
‫كانت سحر خليفة تواجه الخوف والضعف‬
‫ال� �م ��وروث ع�ن��د ال �م��رأة الفلسطينية‪ ،‬ومن‬
‫خاللها العربية ف��ي ك��ل م�ك��ان‪ ،‬وق��د رسمت‬

‫< البنية النقدية العربية اآلن‪ ..‬برأيك‬
‫ه��ل ت��م��ي��ل ل��ل��ح��داث��ة أك��ث��ر‪ ،‬أم م��ا ت��زال‬
‫ت��ع��ت��م��د ع��ل��ى ال��ت��ق��ل��ي��دي��ة والمنهجية‬
‫والمصطلحية؟‬

‫م������������������واج������������������ه������������������ات‬

‫الشخصية الروائية بدقة وتتبعتها‪ ،‬بالطريقة‬
‫ذاتها التي نجدها في «مذكرات ام��رأة غير‬
‫واق �ع �ي��ة»؛ ب ��دأت ال �م��رأة م�ظ�ل��وم��ة‪ ،‬خائفة‪،‬‬
‫مهضومة الحقوق‪ ،‬لتصل إلى تحقيق الذات‪،‬‬
‫واإلسهام في الحركة االحتجاجية الشعبية‪،‬‬
‫التي ال تميز بين ام��رأة ورج��ل‪ .‬وهكذا‪ ،‬منذ‬
‫تلك ال��رواي��ة‪ ،‬وت�ل��ك ال��روائ �ي��ة ل��م أع��د أجد‬
‫صورة المرأة الخنوع‪ ،‬المظلومة‪ ،‬الخائفة‪ ،‬بل‬
‫أصبحت الكاتبات أكثر وعيا برسم شخصية‬
‫ال�م��رأة اإلن�س��ان ال ال�م��رأة الجارية‪ .‬وه��و ما‬
‫يناسب التطور الحاصل على مستوى الواقع‬
‫المعيشي‪ ،‬وإن ك��ان ب��درج��ات متفاوتة كما‬
‫تفضلت‪.‬‬
‫ِ‬

‫> هناك ظاهرة غريبة في الرواية المغربية‪ ،‬فهي‬
‫لم تحقق من حيث الكم الحجم الذي يمكن‬
‫أن تدخل به كتاب غينيز‪ ،‬وال أن تنافس به‬
‫الكم المتوافر في الكثير من األقطار العربية‪،‬‬
‫لكنها متقدمة على مستوى النوعية‪ ،‬والجدة‪.‬‬
‫هناك في المغرب أسماء ال يمكن تجاوزها‬
‫ف��ي دراس���ة ال��رواي��ة ال�م�غ��رب�ي��ة‪ ،‬أو العربية‬
‫لمعرفة حدة التحول النوعي والجمالي‪ .‬فال‬
‫يمكن في تصوري دراس��ة ال��رواي��ة المغربية‬
‫والعربية دون الحديث عن عبدالكريم غالب‪،‬‬
‫ومبارك ربيع‪ ،‬وأحمد المديني‪ ،‬ومحمد برادة‪،‬‬
‫والميلودي شغموم‪ ،‬وبنسالم حميش‪ ،‬ومحمد‬
‫شكري‪ ،‬ومحمد زف��زاف‪ ،‬ومحمد عز الدين‬
‫التازي‪ ،‬وخناثة بنونة‪ ،‬وزهور كرام‪ ،‬وخديجة‬
‫م� � ��روازي‪ ،‬وال ��زه ��رة ال �م �ن �ص��وري‪ ،‬وفاتحة‬
‫مرشيد‪ ،‬واسمهان الزعيم‪ ،‬والحبيب الدايم‬
‫رب��ي‪ ،‬ووحيد ن��ور الدين‪ ،‬وأحمد الكبيري‪..‬‬
‫والحبل على الجرار‪ ،‬وكل دراسة تهمل هؤالء‬
‫الكتاب تعد ناقصة‪ ،‬وكذلك كل الدراسات‬
‫التي تهمل كتابا ج��ددا من المغرب العربي‬
‫هي دراسات غير كاملة‪.‬‬

‫ > جزء من الجواب عن هذا السؤال ورد فيما‬
‫سبق‪ .‬لكن أعتقد أن «الحداثة» ليست اختيارا‪،‬‬
‫إنها ضرورة يفرضها التحول الذي طرأ على‬
‫حياة الناس وغيَّر مصائر األمم‪ .‬وكل متمسك‬
‫بالتقليدية‪ ،‬وي��دع��و إل��ى ال �ع��ودة إل��ى الوراء < أي��ض��ا ك��ي��ف ت��ق��رأ ال���ت���ج���ارب الشعرية‬
‫المغربية‪ ،‬كيف تجدها؟‬
‫يكون ضد التيار‪ ،‬ويصارع التغيير‪ ،‬والتاريخ‪،‬‬
‫والزمن‪ .‬فكل شيء يتحول حتى التقليد‪ .‬وال > أت� ��اح ل��ي «ال �م �ه��رج��ان ال��وط �ن��ي ‪ 23‬للشعر‬
‫المغربي الحديث» بمدينة شفشاون المغربية‪،‬‬
‫مكان للثبات إال في القبور الدارسة‪.‬‬
‫مؤخراً‪ ،‬الفرصة للعودة إلى دراسة الدواوين‬
‫ وفي األدب هل تُعد دراس��ة الشعر الجاهلي‬
‫الشعرية المغربية الحديثة ال�ص��دور‪ ،‬وهي‬
‫مثال تقليدا؟ شخصيا‪ ،‬ال أعتقد ذل��ك‪ ،‬ألن‬
‫كثيرة‪ ،‬عندما دع��ان��ي للمشاركة ف��ي إحدى‬
‫التقليدية ليست في المادة التي ندرسها‪ ..‬بل‬
‫ندواته‪ .‬والمالحظة العاجلة والعامة أوردها‬
‫في الرؤية التي ننطلق منها‪ ،‬وفي النتائج التي‬
‫ك��ال �ت��ال��ي‪ :‬ل �ق��د وج� ��دت ع �ن��د ش��ع��راء أثثوا‬
‫نفرضها على النص‪.‬‬
‫فضاء السبعينيات بقصائدهم الحماسية‬
‫< ك��ن��اق��د‪ ،‬ك��ي��ف ت��ق��رأ وك��ي��ف ت���رى أف���ق أو‬
‫والنضالية ق��د ت�ح��ول��وا وب��درج��ة عالية من‬
‫سقف الرواية المغربية اآلن؟‬
‫الدقة والشاعرية إلى شعراء محدثين بكل‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪103‬‬

‫وعند كل إصدار تحدث ضجة بشكل أو‬
‫بآخر؟‬

‫معنى الكلمة‪ ،‬مثل‪ :‬عبدالله زريقة في ديوانه‬
‫الجديد «إبرة الوجود»‪ ،‬وكذلك ديوان «فراشة‬
‫من هيدروجين» لمبارك وساط‪ ،‬و«صباح ال‬
‫> الرواية النسائية في المملكة العربية السعودية‬
‫يعني أحدا» لمحمد حجي محمد‪ ،‬و«مباهج‬
‫مثيرة بالنسبة للناقد األدبي‪ ،‬ألنها تشكل اآلن‬
‫ممكنة» ألحمد بنميمون‪ ،‬ودي��وان «القربان‬
‫ظاهرة‪ .‬وه��ذا ال يعني أن ال��رواي��ة النسائية‬
‫والملكة» لنور الدين الزويتني‪ ،‬وديوان «حامل‬
‫ف��ي السعودية ل��م تكن م��وج��ودة‪ ،‬ب��ل األقالم‬
‫المرآة» لصالح بوسريف‪ ،‬وديوان «قليال أكثر»‬
‫النسائية الجديدة هي مبعث اإلثارة من حيث‬
‫للشاعر محمد بنطلحة‪ ،‬وديوان «على انفراد»‬
‫السيولة والسهولة ف��ي الكتابة‪ ،‬واستثمار‬
‫لحسن نجمي‪ ..‬وآخرين‪ .‬إن كل شاعر يعد‬
‫التقنيات (مفاهيم وصيغ) اإللكترونية التي‬
‫ق��ارة لوحده‪ ،‬يجتهد‪ ،‬ويكتب‪ ،‬وفي الدراسة‬
‫وفرتها الحواسيب والشبكة ال��دول�ي��ة‪ ،‬مثل‬
‫ال�ت��ي قدمتها تبين ل��ي أن ك��ل ش��اع��ر يمتح‬
‫البريد السريع‪ ،‬وغ��رف ال��دردش��ة‪ ،‬والبريد‬
‫شعره من عالم خاص به‪ ،‬أي أن المرجعية‬
‫اإلل�ك�ت��رون��ي‪ ،‬وم��ا ص��اح��ب ذل��ك م��ن بساطة‬
‫الشعرية لكل واحد منهم تختلف‪ .‬وهنا أقول‬
‫المحتوى‪ ،‬وتهجين اللغة العربية الفصحى‪،‬‬
‫ما دام الشاعر المغربي مواظبا على القراءة‪،‬‬
‫كما أن ال��رواي��ة النسائية السعودية تعزف‬
‫وعلى التفاعل مع ذاته والمحيط‪ ،‬فإن النص‬
‫ح��ال �ي��ا ع �ل��ى م��وض��وع��ة ال �ج �س��د المتحرر‪،‬‬
‫الشعري المغربي سيظل مميزا‪ ،‬رغم مجانبة‬
‫الجسد الذي عانى من الكبت والحجز‪ ،‬وهو‬
‫اإلعالم والدعاية له‪.‬‬
‫عبر المتخيل يفجر كل الطاقات المحتبسة‬
‫< ماذا تعرف عن الرواية في الجزائر؟‬
‫فيه‪ .‬لكن هذه الموجة الجديدة ال ينبغي أن‬
‫> أعرف القليل جدا عن الشعر بالجزائر‪ ،‬لكنني‬
‫تخفي عنا حقيقة الرواية في المملكة العربية‬
‫أع��رف الكثير عن ال��رواي��ة الجزائرية‪ ،‬وقد‬
‫السعودية التي تكتبها رجاء عالم‪ ،‬وهي رواية‬
‫كانت رواية «سيدة المقام» لواسيني األعرج‬
‫ذات أصالة ومتانة وقوة ورصانة لغوية‪..‬وأيضا‬
‫حجر ال��زاوي��ة لكتابي «ال��رؤي��ة الفجائعية‪:‬‬
‫زينب أحمد حفني التي تطرح بجرأة قضايا‬
‫الرواية العربية في القرن العشرين»‪ .‬وقراءتي‬
‫المرأة في المملكة وفي العالم العربي‪ .‬إذاً‪،‬‬
‫لرواياته تسمح لي بالحديث عن المراحل‬
‫الرواية النسائية في السعودية تشكل ظاهرة‪،‬‬
‫الثالث التي مرت منها‪ .‬كما يمكنني الحديث‬
‫والظواهر تجلب اهتمام النقاد‪ ،‬وألن الصوت‬
‫بإيجاب وإع �ج��اب ع��ن تجربة بشير مفتي‪،‬‬
‫ال�ن�س��ائ��ي ال��ق��ادم م��ن ال �س �ع��ودي��ة ل��ه هالته‬
‫وعن أح�لام مستغانمي‪ ،‬وفضيلة الفاروق‪..‬‬
‫المنبعثة م��ن متخيلنا ع��ن المملكة العربية‬
‫وس�ي��رد ذك��ر ع��دد م��ن ال��روائ�ي��ات ف��ي كتابي‬
‫السعودية كنظام سياسي واجتماعي خاص‪.‬‬
‫القادم «النص السردي النسائي المغاربي»‪،‬‬
‫وأن��ا مدين هنا للصديق بشير مفتي الذي < كلمة تود قولها في الختام؟‬
‫أمدني بعدد من الروايات الجزائرية‪.‬‬
‫أتحت لي فرصة الحوار مرة‬
‫ِ‬
‫أشكرك ألن� ِ�ك‬
‫ِ‬
‫> ‬
‫< وماذا تقول عن الرواية السعودية التي‬
‫أصبحت مثار أحاديث الكتاب والنقاد‪،‬‬
‫‪ 104‬اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫أخ ��رى وال �ح��دي��ث بتلقائية‪ ،‬وح �ي��اة مباركة‬
‫للجميع‪.‬‬

‫ن����������������������������������واف����������������������������������ذ‬

‫إشكالية مفهوم الثقافة‬
‫> جالل بوشعيب فرحي*‬
‫يجمع كثير من الكتّاب والمفكرين على وجود إشكالية حقيقية في تعريف مفهوم الثقافة‬
‫بشكل قطعي شامل؛ فإذا أخذنا تعريفها المتداول في العديد من الكتب‪ ،‬نجدها ال تخرج عن‬
‫نطاق كونها أسلوبا أو طريقة للحياة‪ ،‬يعيشها مجموعة من الناس؛ تشمل التقاليد‪ ،‬واألعراف‬
‫والتاريخ‪ ،‬والقيم‪ ،‬والمثل‪ ،‬واالتجاهات‪ ،‬والعقائد‪ ،‬وغيرها‪ ..‬أو نجدها أسلوب تفكير يرتكز على‬
‫الماضي‪ ..‬وينظر إلى المستقبل برؤى مختلفة‪ .‬أما في اللغة‪ ،‬فتعرف على أنها الحذق والتمكن‪،‬‬
‫َّف الرمح أي ق َّومَه وعدَّ لَه وسوّاه‪ ،‬أما اصطالحاً‪..‬فهي مجرد استعارة يوصف‬
‫وهي مشتقة من ثق َ‬
‫بها الشخص الذي يحمل صفات المهذب المتعلم المتمكن من العلوم والفنون واآلداب‪.‬‬
‫ت �ن��اول��ت م�ف�ه��وم ال�ث�ق��اف��ة ب �ف��روع��ه توسعت‬
‫ف��ي ال �ش��رح‪ ،‬وت�ن��وع��ت بتنوع ف��روع الثقافة‬
‫المختلفة‪ ،‬ولذلك يجدالباحث ‪-‬عن مفهوم‬
‫واض� ��ح وش ��ام ��ل ‪ -‬ن�ف�س��ه أم� ��ام ك� � ٍّم هائل‬
‫م��ن المفاهيم ال�ت��ي ال يمكن حصرها في‬
‫تعريف واحد قطعي؛ ليبقى مفهوم الثقافة‬
‫مفتوحا‪ ،‬شأنه شأن الكثير من المصطلحات‬
‫والمفاهيم التي اختلف في تعريفها؛ أذكر من‬
‫ذلك مفهوم اإلرهاب ومفهوم العنف وغيرها‬
‫من المفاهيم‪.‬‬

‫ويمكن القول إن الثقافة إدراك ومعرفة‬
‫للفرد الذي هو جزء من المجتمع للمعرفة‬
‫وال�ع�ل��وم على اخ �ت�لاف أن��واع�ه��ا وأشكالها‬
‫وتجلياتها في شتى مجاالت الحياة؛ فالفرد‬
‫هو ذلك العنصر النشيط بمطالعته ومعرفته‬
‫وخبرته في الحياة‪ .‬من هذه الناحية يمكننا‬
‫وصف األميّ الذي ال يجيد القراءة والكتابة‬
‫بأنه مثقف؛ ألن خبرته وما تعلمه في الحياة‬
‫يسجل على أن��ه ثقافة‪ .‬وكلما زادت خبرة‬
‫اإلن�س��ان في الحياة زادت ثقافته‪ ،‬بصرف‬
‫النظر عن تعلمه ال�ق��راءة والكتابة‪ .‬ألن كل‬
‫ف�ل��و ن�ظ��رن��ا إل��ى مصطلح ال�ث�ق��اف��ة وفق‬
‫إن�س��ان‪ ..‬وبمجرد خروجه إل��ى الحياة يبدأ المفهوم ال�غ��رب��ي‪ ،‬ن�ج��ده يشير إل��ى ثقافة‬
‫ف��ي التعلم‪ .‬وم��ن ث��م ف��إن الثقافة تبدأ في المجتمعات اإلنسانية‪ ،‬ويرمز إل��ى طريقة‬
‫التراكم لدى اإلنسان منذ والدته‪ .‬ولكن هذا حياة تميز مجموعة من الناس‪ ..‬تنتقل من‬
‫المعنى يبقى ضيقا؛ فالثقافة مفهوم واسع‪ ،‬جيل إل��ى جيل؛ بمعنى أن الناس يتوارثون‬
‫ال يمكن حصره ف��ي ه��ذا النطاق الضيق‪ ،‬مجموعة م��ن األم ��ور المرتبطة بحياتهم‪،‬‬
‫ولذلك نجد أن الكثير من التعريفات التي س��وا ًء كانت متأصلة فيهم أو مكتسبة من‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪105‬‬

‫الواقع المستجد‪ ،‬ولو أمعنا النظر في بعض التراث متعلم مثقفا‪ ،‬وليس كل مثقف متعلما» صحيحة‪،‬‬
‫األوروب��ي أو اآلسيوي أو اإلفريقي الشعبي‪ ،‬نجده إلى حد ما‪،‬‬
‫ال يتغير كثيراً‪ ،‬رغم تغير األجيال وسطوة الغزو‬
‫وإذا أردن��ا أن نعطي مثاالً للتفرع في الثقافة‪،‬‬
‫الفكري عليه‪ ،‬وينطبق هذا على الفنون الشعبية ي �م �ك��ن ت�ش�ب�ي��ه األم� ��ر ب��رم��ز (م���ا ال ن �ه��اي��ة) في‬
‫والتقاليد المتأصلة في المجتمع‪ ،‬بل حتى بعض الرياضيات‪ ،‬ألن أي فرع من فروع الثقافة يمكن أن‬
‫االعتقادات والعقائد‪ ،‬وه��و ما يحصل أيضاً في يتفرع منه فرع آخر وهكذا‪ ..‬والن الثقافة الفرعية‬
‫مجتمعاتنا العربية‪ ،‬بل يحدث في كل دول��ة على تتفرع إلى ثقافات فرعية أصغر منها‪ ،‬حتى نصل‬
‫حدة؛ ولو أردنا أن نضرب مثاالً يوضح ذلك‪..‬نأخذ إل��ى ثقافة ال �ف��رد‪ ،‬وال�ت��ي ه��ي أي�ض�اً تتفرع منها‬
‫المملكة العربية السعودية التي تتميز بعادات وتقاليد ف��روع أخ��رى ترتبط بالمتأصل والمستجد وتتأثر‬
‫لم تتغير كثيراً في بعض المدن‪ ،‬رغ��م التحوالت به‪ ..‬وطالما أن الحياة مستمرة‪ ،‬فال يمكن للثقافة‬
‫الثقافية واالج�ت�م��اع�ي��ة ال�ت��ي يعرفها المجتمع‪ ،‬أن تتوقف عن التفرع والتغير والتحول والتجدد‪..‬‬
‫ورغم دخول التكنولوجيا الحديثة والتوسع الهائل فاإلنسان العربي اليوم يختلف عن اإلنسان العربي‬
‫ل�لإع�لام‪ ..‬إال أن السمات واإليقاعات واألنماط الذي عاش في القرن األول الهجري‪ ..‬وسيختلف‬
‫ما تزال نفسها ما عدا بعض التغيرات الطفيفة‪ ..‬عن ال��ذي س��وف يكون عليه اإلنسان العربي بعد‬
‫واألمر ينطبق على باقي الدول‪ ..‬وأقصد بالسمات عشرة ق��رون في ثقافته وتعلمه‪ ..‬وينطبق األمر‬
‫واألنماط تلك المتعلقة باإلنسان‪ ،‬كصفات الكرم نفسه على ثقافة المجتمع‪..‬‬
‫عند العرب‪ ..‬والخشونة عند األلمان‪ ،‬والدقة عند‬
‫ول��ذل��ك‪ ،‬يمكن ت��وج�ي��ه ال �ل��وم لبعض واضعي‬
‫بعض المجتمعات‪ ،‬وغيرها من الصفات التي يتميز‬
‫العناوين التي يدخل مصطلح الثقافة في تركيبها‪،‬‬
‫بها المجتمع وتبقى على مر العصور‪ ..‬من هنا‪،‬‬
‫فعندما نقول الرياض عاصمة الثقافة العربية‪..‬‬
‫نخلص إلى نتيجة مفادها أن هذه السمات تبقى‬
‫ه��ل ه ��ذا ال �ع �ن��وان ص �ح �ي��ح؟ وم ��ا م �ع �ن��اه إن كان‬
‫في إطار ثقافة المجتمع رغم التحوالت والتغيرات‬
‫صحيحاً؟ ه��ل ال��ري��اض عاصمة الثقافة العربية‬
‫التي يتعرض لها‪..‬‬
‫ح�ق�اً‪ ..‬وأي ثقافة يقصدون؟ أيقصدون الثقافة‬

‫وألن المجتمع ع �ب��ارة ع��ن ف ��رد‪ ،‬ث��م أس ��رة أو‬
‫مجموعة‪ ،‬ثم كيان أو مجتمع له سمات مشتركة‬
‫تميزه‪ ،‬فإنه يمكن تقسيم مفهوم الثقافة على هذا‬
‫األس���اس؛ فنقول ثقافة ال �ف��رد‪ ،‬وث�ق��اف��ة األسرة‪،‬‬
‫وثقافة المجموعة‪ ،‬ثم ثقافة المجتمع‪ ..‬كما أنه ال‬
‫يصح القول إن فالنا مثقف‪ ،‬أو المجتمع الفالني‬
‫مثقف واألصح أن نقول إن فالنا مثقف ثقافة جيدة‬
‫أو متوسطة أو ضعيفة‪ ،‬والمجتمع الفالني مثقف‬
‫ثقافة جيدة أو ضعيفة وه�ك��ذا؛ ألن الكل مثقف‬
‫بالمفهوم الشامل للثقافة‪ ..‬سواء المتعلم أو غير‬
‫المتعلم‪ ،‬وبهذا المعنى يمكن ع ّد المقولة‪« :‬ليس كل‬
‫* ‬

‫كاتب من المغرب‪.‬‬

‫‪ 106‬اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫بمفهومها الشامل؟ أم يقصدون الثقافة المرتبطة‬
‫بالتعليم وال �ق��راءة والكتب والمكتبات؟ مثل هذه‬
‫العناوين كثيرة حتى في كتابات بعض المفكرين‬
‫والمثقفين – مع التحفظ على المصطلح ‪ -‬ولذلك‪,‬‬
‫نحن بحاجة إل��ى إيجاد مصطلح آخ��ر يحل محل‬
‫مصطلح الثقافة يكون معناه صحيحاً‪ ..‬وقد قرأت‬
‫في بعض المقاالت من يتحدث عن ثقافة الثقافة‪..‬‬
‫وهو مصطلح أكثر تعقيداً وأعسر فهماً‪ ..‬ولذلك‬
‫فنحن نعاني من مشكلة تعريفات ومفاهيم للعديد‬
‫من المصطلحات بشكل ع��ام‪ ..‬وغموض والتباس‬
‫لمفهوم الثقافة بشكل خاص‪..‬‬

‫ن����������������������������������واف����������������������������������ذ‬

‫العامية وتأثيرها على الفصحى‬
‫> د‪ .‬أحمد السوداني*‬
‫هذه إطاللة سريعة على واقع اللغة العربية اليوم‪ ،‬وال أدعي أنها كل ما يجب أن يقال‬
‫في هذا أو هذا المضمار‪ ،‬بل للغة العربية محاورها‪ ،‬ومحاور مشكالتها‪ ،‬أكثر من أن‬
‫تكتب أو تقال عبر وريقات قليلة مثل هذه‪.‬‬
‫وسأتحدث عن جانب واحد من جوانب هذه المشكالت التي تحل بلغتنا اليوم‪ ،‬أال وهي‬
‫مشكلة العامية والفصحى‪ ،‬فاللغة الفصحى دعا إليها أفصح البشر محمد بن عبدالله‬
‫صلوات الله وسالمه عليه قبل أربعة عشر قرناً من الزمان‪ ،‬ونجده يفتخر بذلك فيقول‬
‫[‪« :‬أنا أفصح العرب بيد أني من قريش»‪ ،‬وال غرو في ذلك‪ ،‬فقد ُربّي تربية خاصة‪،‬‬
‫وبعناية إلهية فما ينطق عن الهوى إن هو إال وحي يوحى‪.‬‬
‫ولقد مهد الحق تبارك وتعالى إلى نزول‬
‫كالمه من اللوح المحفوظ إلى أمة محمد‬
‫[ فانتخب قريشا بوصفها تقطن مكة‬
‫التي تعد مركزا للكرة األرض�ي��ة‪ ،‬وراعية‬
‫بيت ال�ل��ه ال �ح��رام ال�ت��ي ب��دوره��ا انتخبت‬
‫لنفسها أفصح اللغات عن طريق الحجيج‪،‬‬
‫ف��أخ��ذت الجيد وت��رك��ت غيره م��ن الكالم‬
‫ال�ع��رب��ي‪ ،‬وأض �ي��ف إل��ى ذل��ك أن هيأ الله‬
‫تبارك وتعالى لها رحلتي الشتاء والصيف‪،‬‬
‫فجعل تُجّ ارَها يأتون بكل ما هو ثمين من‬
‫قبائل العرب ولغاتهم‪ ،‬ويتركون كل ما هو‬
‫ضعيف أو شاذ من تلك اللغات؛ وبهذا تكون‬
‫قريش قد تهيأ لها أسباب القوة والنجاح‬

‫الختيار اللغة الفصحى‪ ..‬وترك غيرها من‬
‫ال�ل�غ��ات‪ ،‬م��ا جعل المصطفى [ يفتخر‬
‫بذلك وي�ق��ول‪« :‬بيد أن��ي م��ن قريش «فهو‬
‫أسلوب استثنائي يدرجه البالغيون ضمن‬
‫تأكيد المدح بما يشبه الذم‪ ،‬وبأسلوبه هذا‬
‫يكون قد أقر أن أفصح اللغات العربية في‬
‫عصرها الذهبي إنما كانت في قريش‪ ،‬وال‬
‫أريد أن أطيل كثيرا‪ ،‬بل أريد أن أنبه إلى أن‬
‫اللغة العربية اليوم‪ ..‬إنما تواجه مشكالت‬
‫ع��دة‪ ،‬وم��ن أهمها وأخطرها ه��ي مشكلة‬
‫العامية والفصحى‪.‬‬
‫ف ��إذا م��ا نظرنا إل�ي��ه [ وه��و يفتخر‬
‫بالفصاحة‪ ،‬ونظرنا إلى غيره ممن يَ ْدعُون‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪107‬‬

‫إلى العامية‪ ،‬نجد الفارق الكبير؛ فاللغة العربية‬
‫اليوم إنما واجهت بسبب دع��وة ه��ؤالء إضعافا‬
‫كبيرا في ذاتها‪ ،‬وتبدو من أكثر اللغات حيرة بين‬
‫الوالء لماضيها وماضي أصحابها‪ ،‬وبين االلتزام‬
‫بمتطلبات الحضارة الحديثة‪.‬‬
‫واللغات تتطور وتنحط وتتقدم وتتأخر بحسب‬
‫درجة الناطقين بها من الرقي الحضاري والتقدم‬
‫االج�ت�م��اع��ي‪ ،‬فهي م ��رآة مجلوة لتسجل درجة‬
‫الوعي الحضاري لدى متحدثيها‪ ،‬وأداة تعبيرية‬
‫حية تبلغ ذروتها حين يعمد الناطقون بها إلى‬
‫التماس الجمال الفني في تعبيرهم بها‪ ،‬وفي‬
‫التأنق في انتقاء ألفاظها عبر نظامها الصوتي‬
‫والتركيبي‪ ،‬ما يجعل تعابيرهم لوحات فنية من‬
‫النسوج الكالمية تروق سامعيها وتبهر قارئيها‪.‬‬
‫وإذا ما نظرنا إلى اللغات المختلفة وجدناها‬
‫تعكس العالم بطرق متباينة‪ ،‬ويكتسب المرء منا‬
‫لغته األم منذ نعومة أظفاره‪ ،‬ومن ثم يدرس العالم‬
‫منذ طفولته المبكرة من خالل منظار اللغة األم‬
‫نفسه‪.‬‬

‫اللغة العربية اليوم‬
‫أم ��ا ال�ل�غ��ة ال�ع��رب�ي��ة ال��ي��وم‪ ،‬فيصفها بعض‬
‫الباحثين بأنها ليست على ما ي��رام‪ ،‬س��واء في‬
‫التعليم المدرسي‪ ،‬أو على المستوى المجتمعي‪،‬‬
‫وتشخص هذه الظاهرة بأنها تحلل لغوي‪ ،‬ومن ثم‬
‫يستتبعها تحلل قومي إذا ما استفحل األمر في‬
‫سياق ثقافة العولمة‪ ..‬وما يسود من ولع بتعليم‬
‫اللغات األجنبية‪ ،‬كلغة للتدريس ف��ي مدارسنا‬
‫وج��ام�ع��ات�ن��ا‪ ،‬وت�ش�م��ل ه ��ذه ال �ح��ال��ة ق �ص��ور دور‬
‫المدرسة في مناهجها وط��رق تدريسها‪ ،‬وعدم‬
‫إت�ق��ان األج�ي��ال الناشئة م��ن الشباب لمقومات‬
‫ألسنتهم وأقالمهم‪ ،‬بل يتعدى ذل��ك إل��ى معظم‬
‫الكبار ممن ال يحسنون استعمال لغتهم‪ ،‬وهذا‬
‫يضع التحلل ال�ل�غ��وي ف��ي س�ي��اق م��ا ي�ج��ري في‬
‫المجتمع من متغيرات العولمة‪.‬‬
‫‪ 108‬اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫وقد استتبع تعليم اللغات األجنبية والتحلل من‬
‫اللغة العربية مزاحمة هذه اللغات للغة العربية‬
‫ف��ي التعامل م��ع ال �خ��ارج وف��ي ال��داخ��ل لصالح‬
‫الخارج وخدمته‪ ،‬وبهذا أخذت تلك اللغات تحتل‬
‫منزلة متميزة لدخول سوق العمل في قطاعاته‬
‫األجنبية‪ ،‬وم��ن ثم انتشرت م��دارس اللغات في‬
‫القطر ال�ع��رب��ي ف��ي التعليم‪ ،‬ع��ام��ة؛ كما بدأت‬
‫الجامعات الخاصة تشق طريقها بمقررات تدرس‬
‫باللغات األجنبية‪ ،‬ومع تعليم هذه المقررات في‬
‫جامعاتنا بكلياتها‪ :‬الطب والهندسة والصيدلة‬
‫والتجارة والحقوق وغيرها‪ ،‬ومع مغريات السوق‬
‫في العمل لمن يحصلوا على ه��ذه المؤهالت‪،‬‬
‫ممن لديهم هذه اللغات المتباينة‪ ،‬من خريجي‬
‫الجامعات األمريكية والفرنسية والبريطانية‬
‫واأللمانية‪ ،‬اتسعت الهوة وتنامى العرض‪ ،‬وبررت‬
‫هذه الموجات الصارخة مع ما تصنعه‪ ،‬من أن‬
‫اللغة العربية ال توفر لطالبها القدرة على متابعة‬
‫الحركة العلمية في العالم المتقدم؛ وما ذلك إال‬
‫من أجل ترسيخ التعليم باللغات األجنبية كضرورة‬
‫مجتمعية‪.‬‬
‫وم��ع العولمة وشبكات االت �ص��االت الدولية‬
‫(االنترنت)‪ ،‬أصبح استعمال المفردات األجنبية‬
‫في الحديث وفي المصطلحات – رغم تعريبها‬
‫في البحوث والدراسات والمحاضرات – رمزا‬
‫من رموز االقتدار والمعرفة والتحضر والمكانة!‬
‫وم��ع لوثة التغريب الطاغية‪ ..‬آث��ر ق��وم منا‬
‫استخدام اللغات األجنبية وألفاظها‪ ،‬ما يشير‬
‫لعدم احترام لغتنا‪ ،‬ومن هذا ما نسمعه من بعض‬
‫المتخصصين في اللغة العربية مما يقحمونه‪-‬‬
‫دون مبرر‪ -‬من كلمات أجنبية‪ ،‬حين يتحدثون عن‬
‫آدابها أو طرق تدريسها‪.‬‬
‫إض��اف��ة إل��ى أن ن �ف��اذ ال�س�ل��ع األج�ن�ب�ي��ة إلى‬
‫األس� ��واق‪ ،‬يصاحبه ن�ف��اذ ف��ي القيم األجنبية‪،‬‬
‫وزعزعة قيمة لغتنا‪ ،‬بمخاطبة اإلذاعة والتلفزيون‬

‫أنها كل المحاور ولكن شيئا منها ‪-‬وهي‪:‬‬
‫المحور العملي‬
‫المحور العلمي‬
‫المحور التربوي‬
‫المحور اإلعالمي‬

‫ن����������������������������������واف����������������������������������ذ‬

‫والمسرح للجماهير باللهجات العامية في معظم ال �ت��داول والتعاقد اليومي‪ ،‬ف��ي حين أن هناك‬
‫بلدانا أخرى ما تزال تعتمد اللغة األجنبية جزئيا‬
‫برامجها‪.‬‬
‫إل��ى ج��ان��ب ذل��ك كله ت�ف��رض األم �ي��ة وحركة أو ك�ل�ي��ا‪ ،‬وه ��ذا ال �ك�لام ينطبق ع�ل��ى مستويات‬
‫الهجرة من الريف إلى المدينة ثقافتها الفرعية‪ ،‬التعامل الحكومي والرسمي‪.‬‬
‫أم��ا ال�ش��رك��ات وال�م��ؤس�س��ات الخاصة فلوال‬
‫ولغتها ال�م�ح�ك�ي��ة‪ ،‬وأل �ف��اظ �ه��ا‪ ،‬ومصطلحاتها‪،‬‬
‫حاجتها إلى التعامل مع الحكومات التي تعد اللغة‬
‫وفجاجتها أحيانا‪.‬‬
‫وتتضح جوانب المشكلة اللغوية عند استعراض العربية لغة التعامل الرسمي لما أحجمت عن‬
‫واقع اللغة العربية من أربعة محاور – ال أدعي استخدام اللغة األجنبية في معامالتها‪.‬‬

‫ثانيا‪ :‬المحور العلمي‪ :‬والمقصود به هو‬
‫لغة العلم‬

‫إذا نظرنا إلى اللغة العربية لوجدنا من أبرز‬
‫طموحاتها‪ -‬في هذا العصر وما قبله من العصور‬
‫الغابرة ‪ -‬أن تكون لغة الحضارة والعلم مثلما‬
‫المحور األول‪ :‬واق��ع اللغة العربية من كانت خالل العصور الزاهية‪.‬‬
‫ففي ه��ذا ال�ع�ص��ر‪ ..‬نجد اللغة العربية قد‬
‫الوجه العملي‬
‫فعلى ال��رغ��م م��ن أن ال�ل�غ��ة ال�ع��رب�ي��ة قطعت بدأت تجربتها الحديثة من الصفر تقريبا‪ ،‬فهناك‬
‫منذ مطلع ال�ق��رن العشرين وحتى اآلن شوطا تفاوت غريب في المدى الذي بلغته التجربة في‬
‫مهما في التطور‪ ،‬باتجاه أن تكون اللغة العملية كل قطر من األقطار العربية‪ ،‬ومن أمثلة ذلك‪:‬‬
‫للحياة اليومية‪ ،‬إال أنه من الصعب القول إن اللغة‬
‫العربية الفصحى تعد لغة الحياة اليومية العملية؛‬
‫أي لغة التعامل اليومي االقتصادي‪ ،‬والسياسي‪،‬‬
‫والتعاقدي‪.‬‬

‫وهنا‪ ،‬تكمن ازدواجية عجيبة من نوعها‪ ،‬إذ‬
‫تعاني لغة العمل االقتصادي والصناعي والتبادل‬
‫اليومي‪ ،‬بوجه عام‪ ،‬من قلق شديد في استخدام‬
‫المفردات والمصطلحات‪ ،‬وكذلك في التركيب‪،‬‬
‫على الرغم من أنها أح��وج ما تكون إل��ى الدقة‬
‫والضبط‪ ،‬وفي األغلب تكون هذه اللغة ترجمة‬
‫ل �ل �غ��ات األج �ن �ب �ي��ة ال �ح �ي��ة‪ ،‬وم�ح�ت�ف�ظ��ة بطوابع‬
‫الترجمة؛ على أن ه��ذه ال�ق��اع��دة ليست عامة‬
‫ويتفاوت القلق في لغة التداول العملي من بلد‬
‫عربي إلى آخر‪ ،‬وفقا لتجربة التعريب فيه‪.‬‬

‫سوريا مثال استطاعت أن تحقق نسبة تقارب‬
‫مائة في المائة في مجال استخدام العربية للعلم‪،‬‬
‫حتى أصبحت جميع العلوم بال استثناء تدرس في‬
‫جامعات القطر العربي السوري ومعاهده باللغة‬
‫العربية‪.‬‬
‫وفي المقابل هناك أقطار أخرى في المشرق‬
‫ال �ع��رب��ي م �ث��ل ال� �س���ودان ت� ��درس م �ع �ظ��م العلم‬
‫باللغة اإلنجليزية‪ ،‬وأقطار ت��درس نصف العلم‬
‫باإلنجليزية والنصف اآلخر بالعربية‪ ،‬وال ندعي‬
‫بذلك الحصر بل هو على سبيل التمثيل‪.‬‬

‫وي�ن�ت��ج ع��ن ه ��ذا ال��وض��ع ازدواج� �ي ��ة مرهقة‬
‫ل�ل�ط��ال��ب وال�م�ع�ل��م وال �ب��اح��ث‪ ،‬ول �ع��ل أخ �ط��ر ما‬
‫يتمخض عنه هو عدم نمو المناخ العلمي العربي‬
‫المشترك‪ ،‬الذي يمكّن الطاقات العربية من أن‬
‫فهناك بلدان عربية أصابت نجاحا في لغة تتفاعل وتتعاضد‪ ،‬لتقدم إسهاما عربيا معقوال‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪109‬‬

‫في دنيا العلم الحديث‪.‬‬
‫ووجود ازدواجية بين ممارسة التعليم العلمي‬
‫باللغة العربية‪ ،‬وأحيانا الكتابة العلمية الميسرة‪،‬‬
‫وبين التفكير العلمي والبحث العلمي التي تتم‬
‫غالبا باللغة األجنبية؛ ذل��ك أن معظم العلماء‬
‫العرب يتلقون تعليمهم العالي في بلدان أجنبية‪،‬‬
‫ما يؤدي إلى استخدامهم المفردات األجنبية في‬
‫لغة الحوار اليومي العادي‪.‬‬

‫التي أدت بدورها إلى انهيار في اللغة العربية‪،‬‬
‫وأض��رب لذلك مثاال ألجهزة الرؤيا واالستماع؛‬
‫ف�ل�ق��د ت��ط��ورت وس��ائ��ل اإلع �ل��ام الجماهيرية‬
‫تطوراً كبيراً‪ ،‬واستخدمت الفضاء الكوني عبر‬
‫األقمار الصناعية‪ ،‬لتكوّن أبرز محطات التقدم‬
‫التكنولوجي‪ ،‬ولتجعل من اإلع�لام ثورة مستمرة‬
‫يقوم بها على ذاته‪.‬‬

‫وف �ي �م��ا ت��وف��ر ل �ن��ا ال �م �ح �ط��ات – المرئية‪-‬‬
‫التلفزيونية الفضائية الفرصة لمواكبة المشهد‬
‫المحور الثالث‪ :‬الوجه التربوي‪:‬‬
‫اإلع�لام��ي العالمي كل ي��وم‪ ،‬تحملنا في الوقت‬
‫إن أي لغة في العالم ممكنة التعلم واإلتقان‪ ،‬عينه إلى اجترار هزالة مشهد هذه المحطات‬
‫حين توجد الطريقة التربوية الناجحة لتعلمها التلفزيونية‪ ،‬وكأنها تحرص على أال تتطور‪ ..‬بل‬
‫واكتسابها‪ .‬وإذا ما نظرنا إلى واقع اللغة العربية أن تتناسل متشابهة كحبات الرمال‪.‬‬
‫اليوم‪ ،‬لوجدناها غير مخدومة تربويا‪ ،‬وطرائق‬
‫وما يزيد في حزننا هو التناقض الفاضح ما‬
‫تعلمها غير دقيقة‪ ،‬وه��ي في ه��ذا المجال من‬
‫بين ادعائنا‪ ،‬أننا رواد النهضة الصحافية بخاصة‬
‫أتعس لغات العالم وأقلها حظا‪ ،‬وال نحتاج إلى‬
‫واإلعالمية عموما‪ ،‬وهشاشة إنتاجنا اإلعالمي‬
‫إحصاءات لنستنتج أن سوية تعليم اللغة العربية‬
‫البصري السمعي في الوقت نفسه‪.‬‬
‫في انحدار مستمر؛ إذ الجامعات ودور المعلمين‬
‫لنضع جانباً العموميات‪ ..‬ونبتعد عن األحكام‪..‬‬
‫في جميع األقطار العربية تفرز سنويا أعدادا‬
‫ضخمة ممن يفترض أنهم مختصون بتعليم اللغة ولندخل في بعض حقائق المشهد التلفزيوني في‬
‫العربية‪ ،‬ومع ذلك تزداد نسبة األمية اللغوية عند تفاصيل أشكاله‪:‬‬
‫هؤالء سنة بعد أخرى‪ ،‬ويمكن ألساتذة الجامعات ‪ -1‬أول م�ظ��اه��ر التخلف ف��ي ب��رام��ج أجهزتنا‬
‫أن يحدثونا عن األخطاء – على سبيل التمثيل ‪-‬‬
‫ال�م��رئ�ي��ة تتجلى ب��ال�ب��رم�ج��ة‪ ،‬ف �ب��رام��ج هذه‬
‫في أوراق االختبارات‪.‬‬
‫المحطات‪ ،‬في مجملها ملخصا ومضمونا‪،‬‬
‫وتصنيفا‪ ،‬وتقويما‪ ..‬ال ترقى إل��ى التعامل‬
‫ولوال المصححون اللغويون في دور اإلذاعة‬
‫باللغة العربية‪ ،‬وه��ي التي تبث ط��وال اليوم‬
‫والتليفزيون والصحافة‪ ،‬لرأينا وسمعنا وقرأنا من‬
‫والليل‪ ،‬وتعطي أبناءنا وأطفالنا من النشء ما‬
‫اللغة العربية ما يصعب أن ننسبه إليها‪.‬‬
‫تعطيهم ومن يجرؤ‪ ،‬عندنا‪ ،‬أن يُ َقوِّم ً‪.‬‬
‫والقصور ليس ناجما فقط عن ع��دم تطور‬
‫أساليب ناجحة لتعليم العربية‪ ،‬بل هو مرتبط ‪ -2‬أم��ا المسلسالت فهي مشكلة قائمة بحد‬
‫ذات �ه��ا‪ ،‬إذ ت �ط��رح م�س��أل��ة اإلن �ت��اج المحلي‪،‬‬
‫بتدني النتاج التربوي في المدارس والجامعات‬
‫واستهالك اإلنتاج األجنبي بانعكاساته ثقافياً‬
‫العربية؛ كما أن ج��زءا منه يعود إلى كون اللغة‬
‫وفنياً ووطنياً وأخالقياً‪ ،‬فإنتاج المسلسالت‬
‫العربية غير مخدومة لغويا‪.‬‬
‫المحلية هو اإلنتاج األكثر فقراً‪ ..‬ألنه ضائع‬
‫المحور الرابع‪ :‬الوجه اإلعالمي‬
‫بين الفصحى والعامية‪ ،‬بين المستوى الجيد‬
‫وهنا‪ ،‬أتحدث عن نموذج من نماذج العامية‬
‫واإلسفاف‪ ،‬وبرغم كل االنتقادات‪ ..‬لم تتوقف‬
‫‪ 110‬اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫‪ -3‬أما األفالم‪ ،‬فمجد أميركا أعطي لها‪ ،‬وأهرام‬
‫م�ص��ر دع��ام��ة اس�ت�م��راري�ت�ه��ا‪ ،‬وال �ه��زل آيتها‪،‬‬
‫فلربما أن األفالم أميركية ومصرية كانت هي‬
‫المرشحة ألن تصبح متنفسنا الوحيد‪ ..‬لوال‬
‫أن أصحاب الشركات التلفزيونية ال ينفكون‬
‫يتنافسون على من هو األول في ش��راء أكثر‬
‫وغياب البرامج الثقافية يصطحبه بالضرورة‪،‬‬
‫األفالم قدماً‪ ،‬وطبعاً أكثرها رخصاً‪ ،‬وأصبحنا‬
‫وبالمنطق نفسه‪ ،‬غياب البرامج التربوية وبرامج‬
‫نحن ف��ي وضعنا ال�ح��ال��ي‪ -‬بلغتنا الضعيفة‬
‫التثقيف‪.‬‬
‫بسبب عاميتها ‪-‬ال ن �ت��ذوق إال م��ا ه��و مثل‬
‫أفالم الليمبي التي أدت إلى اضمحالل اللغة فَ حتّ امَ ؟ حتام؟ حتام؟!‬
‫والمفاهيم‪ ،‬وخير دليل على ذلك أنك إذا تتبعت‬
‫وفي سبيل تطوير اللغة العربية يجب االهتمام‬
‫إيراد تلك األفالم لوجدته أعلى اإليرادات‪.‬‬
‫بسياسات لغوية ال تكون حبيسة األدراج كما هو‬
‫‪ -4‬ب���رام���ج ال �ت �س �ل �ي��ة وال� �ت ��رف� �ي ��ه ه���ي المادة الحال اآلن‪ ،‬واالهتمام بمجامع لغوية حقيقية‬
‫التلفزيونية األكثر رواجاً اليوم؛ لكن للترفيه‬
‫ال نجعلها ضامرة السلطات محدودة الموارد‪،‬‬
‫التلفزيوني ش��روط��ه وق��واع��ده ومستوياته‬
‫وااله�ت�م��ام بالتعليم حتى تعكس استراتيجيته‬
‫وأخالقياته؛ فكيف يرضى اإلب��داع العربي‬
‫وم �ن �ه �ج��ه وس� �ل ��وك م��درس �ي��ه وأداة ط�ل�ب�ت��ه ما‬
‫ال�ف��ري��د أن ي�س��رق ويحكي سرقته بلهجات‬
‫للغة العربية األم م��ن أهمية ف��ي أم��ور التربية‬
‫عربية برنامجاً أجنبياً بصورة طبق األصل؟‬
‫والتعليم‪.‬‬
‫ومن أن��واع تلك البرامج الترفيهية ما يمكن‬
‫وفي نهاية المطاف‪ ،‬آمل أن تحدث انفراجة‬
‫تسميته «الصالونات التلفزيونية» التي تحتل‬
‫الشاشات طيلة الوقت؛ ال رادع‪ ،‬وال معايير‪ ،‬فكرية كبرى‪ ،‬وتعود مفاهيم الشباب ‪ -‬الذين‬
‫وال قواعد‪ ،‬بل ك�لام بكالم‪ ،‬ألي ك��ان‪ ،‬وبأي ارت�م��وا في أحضان اللغات غير العربية وعدم‬
‫م��وض��وع‪ ،‬م��ع م��راع��اة‪ ،‬م��ا أم�ك��ن‪ ،‬الخدمات الفهم الصحيح ‪ -‬للعديد من المفاهيم العربية‬
‫التنفيعية وطبعاً الدعائية‪.‬‬
‫ونرجع مرة أخرى إلى لغتنا العربية الفصحى‪،‬‬
‫ ‬

‫* ‬

‫ن����������������������������������واف����������������������������������ذ‬

‫موجة تلك المسلسالت‪ ،‬بل ازدادت انتشارا‪.‬‬
‫ومعظم تلك المسلسالت أك��ل الدهر عليها‬
‫وشرب‪ ،‬ومع ذلك يبثونها‪ ،‬وسيظلون يبثونها‬
‫رغماً عن أن��وف الجميع‪ ،‬بلغاتها الضعيفة‬
‫التي ال ترقى إلى المستوى المطلوب‪.‬‬

‫‪ -5‬يبقى أن نستحضر غ�ي��اب بعض البرامج‪،‬‬
‫ك �غ �ي��اب ال� �ب ��رام ��ج ال �ث �ق��اف �ي��ة‪ .‬فالمثقفون‬
‫وقضاياهم الثقافية‪ ،‬ليس لهم مكان على‬
‫ش��اش��ة‪ ،‬سميت بالشاشة الصغيرة‪ .‬وليس‬
‫للمثقفين أن يستهجنوا غرابة هذا الوضع‪،‬‬
‫إنه الوضع القائم والسائد والطاغي؛ فالثقافة‬
‫وإن كانت هي التي تبني في نهاية المطاف‪،‬‬
‫شعوباً تشبَع وتشبِع‪ ،‬أدبا وفناً وعلماً وحضارة‪،‬‬
‫إال أنها في هذا المنظور ال تستجلب الدوالر‬
‫وما يستتبه‪..‬‬

‫وليس من جمعية مدنية لحماية المستهلك نتعامل بها يوميا ورسميا وتربويا‪ ،‬إذ هي لغة‬
‫تتدخل وتنهي ه��ذه القرصنة ال�ت��ي تسمى الدين الحنيف بها ننشره ونحافظ عليه‪ ،‬والله‬
‫باسم الليبرالية االقتصادية‪.‬‬
‫المستعان وهو ولي التوفيق ونعم النصير‪.‬‬
‫المدرس بجامعة األزهر الشريف‪ ،‬واألستاذ المساعد بكلية العلوم‪ ،‬جامعة الجوف‪،‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪111‬‬

‫إخفاقات العومله‬
‫> مجدي ممدوح*‬
‫العولمة ليست فكراً مجرداً‪ ،‬بل أنّها تتمظهر عبر تمظهرات عديدة على المستوى‬
‫االجتماعي والثقافي واالقتصادي‪ .‬ولم تبدأ العولمة كنظرية متماسكة ليتم إسقاطها‬
‫على الواقع بعد ذلك‪ ،‬كما حصل بالنسبة للنظرية الماركسية مثالً‪ ،‬بل أن العولمة هي‬
‫إفراز لمتغيرات عديدة‪ ،‬أهمها بالطبع التقدم المذهل الذي حصل في تقنية االتصاالت‬
‫ونظم المعلومات أوالً‪ ،‬والنجاح الساحق الذي حققته الليبرالية كنظام اقتصادي سياسي‬
‫وانهيار األنظمة الشمولية ثانياً‪ .‬هذان العامالن كان لهما األثر األكبر في بلورة رؤية‬
‫جديدة للعالم ما تزال في طور التشكيل والتجريب‪ .‬ومن الخطأ االعتقاد أن منظري‬
‫العولمة يمتلكون رؤيا واضحة تستند إلى تحليل معمق للواقع‪.‬‬
‫وال��ذي يدعونا إل��ى تبني ه��ذا الرأي‪ ،‬الفكر العولمي يتجاهل كل هذه األنماط‪،‬‬
‫ه��و أن العولمة منيت بإخفاقات عديدة‬

‫ب��دع��وى أن الفكر ال�غ��رب��ي ون�م��ط الحياة‬

‫ع�ل��ى ك��اف��ة ال �م �س �ت��وي��ات‪ ،‬ألن �ه��ا م��ا تزال الغربي‪ ،‬هو الوحيد الذي يناسب اإلنسان‬
‫أسيرة ثنائية (األنا – اآلخر)؛ فالعولمة لم‬

‫في كل مكان‪ ،‬وأن تمسك الشعوب بهويتها‬

‫تخرج كثيراً عن اآلليات التي يلجأ إليها‬

‫القومية‪ ،‬ونمط حياتها المحلي‪ ،‬هو عائق‬

‫األن��ا المهيمن لفرض رؤاه ونظمه ونمط‬

‫أمام هذه الشعوب للحاق بركب الحضارة‪،‬‬

‫حياته على اآلخر المهزوم‪ ،‬بدليل أن الفكر مع أن مفهوم العولمة يستتبع االنتقال الحر‬
‫العولمي يتبنى وينظر لصالح فكر المنتصر‪.‬‬

‫ألن�م��اط الحياة وتالقحها بين الشعوب‪،‬‬

‫وم��ع أن هناك أن�م��اط حياة ع��دي��دة بعدد‬

‫ل �ك��ي ت��ف��رز‪ ،‬وم ��ن ث ��م‪ ،‬ن �م��ط ح �ي��اة غنياً‬

‫شعوب العالم التي تعد ب ��اآلالف‪ ،‬إ ّال أن‬

‫وتعددياً يلبي حاجات اإلنسان‪ ،‬ويجب أن‬

‫‪ 112‬اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫الثقافات‪ ،‬بحيث يتم التأثير والتأثر وفق معايير‬

‫النظرية الماركسية أيضاً فشلت في التنبؤ‪،‬‬

‫تنافسية متحررة من الرغبة في الهيمنة وفرض مع أن هذه النظرية من أشد النظريات تماسكاً‪،‬‬
‫الرؤى على اآلخر‪ ..‬هكذا نفهم العولمة‪ ،‬ولكن ما‬
‫واس�ت�ن��دت إل��ى تحليل معمق ل�ل��واق��ع‪ ..‬ولمسار‬
‫يحصل شيء آخر‪ ،‬هو محاولة فرض نمط حياة‬
‫التاريخ؛ ونحن‪ ،‬بالطبع‪ ،‬ال ننكر النجاح الباهر‬
‫مهيمن على كافة الشعوب‪ ،‬وكأنه النمط الوحيد‬
‫الذي حققته في فهم وتفسير حركة التاريخ‪ ،‬إال‬
‫ال���ذي ي�ص�ل��ح ل�ل�ح�ي��اة‪ ،‬وف ��ي ه ��ذا م��ن الشطط‬
‫أ ّن��ه ال ب ّد من االعتراف أن الكثير من تنبؤاتها‬
‫المعرفي والمنهجي الشيء الكثير‪.‬‬
‫لم يكن صائباً‪ ،‬خاصة‪ ،‬فيما يخص انبثاق الثورة‬
‫ال ب� � ّد م��ن ال �ت �ن��وي��ه أن ال �ع��ول �م��ة ه��ي رؤية العمالية ف��ي م��راك��ز الرأسمالية ال�ك�ب��رى‪ ،‬بعد‬

‫ن����������������������������������واف����������������������������������ذ‬

‫تكون هناك حركة متبادلة في كل االتجاهات بين ذاتها كما في السابق‪.‬‬

‫مستقبلية ل�ل�ع��ال��م‪ ،‬أو ت �ش��وف للمستقبل من تفاقم الصراع بين العمل ورأس المال‪ ،‬ولكن ما‬
‫خ�لال معطيات الحاضر؛ أي أن عنصر التنبؤ حصل أنها انطلقت من مجتمع إقطاعي كروسيا‪،‬‬

‫يعد عنصرا أساسيا في التنظير للعولمة‪ ،‬وكما وم��ن مجتمع زراع ��ي كالصين‪ ،‬ع�ل�اوة على أن‬
‫أسلفنا فإن تقدم االتصاالت وانتصار الليبرالية‬
‫النبوءة الماركسية بتفاقم ال�ص��راع بين العمل‬
‫هما المغذيان الرئيسان للفكر العولمي‪ ،‬إن العالم‬
‫ورأس المال أصيبت بالفشل‪ ،‬بعد أن أقدمت‬
‫المعاصر شديد التعقيد‪ ،‬ومن الصعوبة بل من‬
‫الرأسمالية ‪ -‬وفي خطوط استباقية في الدفاع‬
‫االستحالة التنبؤ بأي وضع مستقبلي؛ نظراً ألن‬
‫عن وجودها واستمرارها ‪ -‬بإعطاء العمال الكثير‬
‫المتغيرات التي تحكم ه��ذه ال��رؤي��ة المستقبلة‬
‫م��ن ال�ح�ق��وق‪ ،‬م�ث��ل‪ :‬األج ��ور المجزية‪ ،‬وتحديد‬
‫كثيرة ومتعددة ومتداخلة‪ ،‬ما يجعل التنبؤ عملية‬
‫س��اع��ات ال�ع�م��ل‪ ،‬وم��رت �ب��ات ال�ت�ق��اع��د والتأمين‬
‫محفوفة بالمخاطر‪ ،‬وربما تكون أقرب للسذاجة‪.‬‬
‫الصحي‪ ،‬ساحبة بذلك البساط من تحت القوى‬
‫حتى عندما كان العالم أقل تعقيداً‪ ..‬كانت عملية‬
‫الصاعدة المناهضة للرأسمالية‪.‬‬
‫التنبؤ والتشوف غير موفقة‪ ،‬ابتدا ًء باالختراعات‪،‬‬
‫مجمل القول أن الحقيقة الوحيدة في عمليات‬
‫فلقد تنبأ مخترع التلفزيون بأنّه سيكون الوسيلة‬

‫التثقيفية األول��ى في العالم بعد انتشاره‪ ،‬ولكن التنبؤ‪ ،‬هي أ ّن��ه ليس هناك تنبؤ صحيح‪ ،‬نظراً‬
‫نعلم أنّه أصبح اآلن الوسيلة الترفيهية األولى‪ ،‬لعدم انتظام مسيرة التاريخ‪ ،‬ولكثرة المتغيرات‬
‫وتنبأ مخترع آلة التسجيل أن هذه اآلل��ة سوف التي تتحكم بمسيرته‪ ،‬وبكون المنظرين للعولمة‬
‫تقضي على كل طرق وأساليب التعليم‪ ،‬لتصبح يقفزون على ه��ذه الحقائق في شطط معرفي‬
‫هي الوسيلة األول��ى في تعليم األج�ي��ال‪ ،‬حسناً ومنهجي‪ ،‬ويتكلمون بوثوقية شديدة عن حتميات‬
‫نحن نعلم أن هذا لم يكن صحيحاً إ ّال على نطاق ورؤى ال ي��رق��ى لها ال �ش��ك‪ ،‬ف��ي أن المعطيات‬

‫ضيق‪ ،‬والحقيقة أن الدارسين أصبحوا اآلن أكثر الحالية للواقع التاريخي‪ ،‬تُ� َع �وِّد العالم بشكل‬
‫تواضعاً‪ ،‬ولم يعودوا يتحدثون بالوثوقية والقطعية محتوم نحو ظاهرة العولمة وكأنها أمر واقع ال‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪113‬‬

‫مفر منه‪.‬‬

‫وت��م اع �ت �م��اد ه��ذه ال�م�ق��اي�ي��س م��ن ق�ب��ل منظمة‬

‫ونحن هنا‪ ،‬سنسوق اإلخفاقات التي منيت بها الصحة العالمية‪ ،‬وه��ي مستندة باألساس على‬
‫العولمة على صعيد نمط الحياة فقط‪ ،‬مع أن نمط الحياة ال�غ��رب��ي‪ ،‬ول�ق��د ت��م تبنيها دون أي‬

‫هناك إخفاقات كثيرة على صعيد الثقافة والهوية دراس��ة معمقة للفروق بين الشعوب على صعيد‬
‫التغذية وأسلوب الحياة‪ ،‬على سبيل المثال فإنَّ‬
‫والوطنية والقوميات‪.‬‬
‫إن م �ح��اول��ة ف� ��رض ن �م��ط ال �ح �ي��اة الغربي‬
‫المهيمن قد مُنيَ بالفشل‪ ،‬ألنه انطلق أساسا من‬
‫منطلقات طوباوية‪ .‬فلقد حاول الفكر العولمي‬
‫ال التأكيد على عولمة الجسد‪ ،‬فعلى صعيد‬
‫مث ً‬
‫الجمال األنثوي‪ ..‬فإن نموذج المرأة الكاليفورنيه‬
‫ذات الخصر النحيل والنهود الصغيرة البارزة‬
‫والسيقان الرفيعة واألق ��دام الصغيرة‪ ،‬ق��د تم‬

‫رقم مئتين هو الحد الفاصل بين ما هو صحي‬
‫وم��رض��ي ف��ي م��ا يخص نسبة الكولسترول في‬
‫الدم‪ ،‬ولكن عادات الشعوب في التغذية لم تدخل‬
‫بالحسبان؛ ففي دولة مثل األردن يميل شعبها إلى‬
‫استهالك األغذية التي تحتوي على نسبة عالية‬
‫من ال��ده��ون‪ ..‬مثل الكنافة والبقالوة والمنسف‬
‫وغيرها من األكالت الشعبية‪ ،‬فإن هذه المعايير‬
‫ال تصلح أبداً‪ ،‬ويميل األطباء اآلن في األردن إلى‬

‫فرضه وكأنه النموذج الوحيد للجمال في العالم‪ ،‬اعتبار الرقم مئتين ليس مالئماً‪ ،‬وهو ال يدل على‬
‫وقد تم إبعاد كافة النماذج من معايير الجمال‪ ،‬أي ظاهرة مرضية حيث أن ارتفاع نسبة الدهون‬
‫فالمرأة التي ال تتمتع بهذه المواصفات هي امرأة ليس سببه تراكم الدهون بسبب قصور في عملية‬
‫خارج معايير الجمال‪ ،‬وقد تكرس هذا عندما تم الحرق أو نشاط زائد في انتاج الكولسترول من‬
‫تثبيت هذا النموذج على هيئة دمية‪..‬هي دمية الكبد‪ ،‬على أنه ببساطة بسبب االستهالك العالي‬
‫«باربي»‪ ،‬والتي تخضع للمواصفات الكاليفورنية‪ .‬للدهون‪ ،‬وهو ال يؤشر إلى حالة مرضية أو قصور‬

‫ِحسُّ نا ‪ -‬نحن العالم ‪ -‬أن هذا لم يعد مقدساً في فسيولوجي‪ ،‬ومن المؤكد أن األرقام العالمية التي‬
‫دنيا الجمال واألزياء؛ فاإليطاليون فرضوا نموذج تتبناها الـ (‪ )W.H.O‬ال تشكل نموذجا مالئماً لنا‪.‬‬
‫ال �م��رأة الممتلئة ف��ي ع��ال��م األزي���اء ومسابقات‬
‫الجمال‪ ،‬وأصبح هناك مسابقات للجمال تشترك‬
‫فيها النساء البدينات‪ .‬لم يعد جسد باربي حلم‬
‫نساء العالم اليوم‪.‬‬

‫ولقد ت��م تبني المعايير وال�م��واص�ف��ات التي‬
‫أعدتها ونشرتها الجمعية األمريكية ألطباء القلب‪،‬‬
‫لتعميمها على دول العالم لتشخيص األمراض‬
‫القلبية‪ ،‬ومع أن نمط الحياة في بالدنا مختلف‬

‫وم��ا دم�ن��ا نتكلم ع��ن ال�ج�س��د‪ ،‬فإننا سنورد تماماً من حيث النشاط وممارسة الرياضة‪ ،‬إال‬
‫المقاييس التي اعتمدتها مث ً‬
‫ال الجهات الصحية أن األطباء يصرون على تطبيق هذه المعايير على‬
‫العالمية‪ ..‬بما يخص ما هو طبيعي وغير طبيعي األشخاص الذين يخضعون للفحص‪ ،‬وربما أن‬

‫في الفحوصات الطبية‪ ،‬مثل نسبة الكوليسترول بعض المرضى يتم تشخيصهم على أنهم مرضى‬
‫في الدم‪ ،‬واليوريا والدهون المشبعة والهرمونات‪ ،‬قلب‪ ..‬يتم إعطاؤهم الكثير من األدوية التي هم‬
‫‪ 114‬اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫الجانبية التي تفرزها هذه األدوية‪ ،‬مع أن األمر هذا األم��ر‪ ،‬وأصبحت التصاميم تحتوي الكثير‬
‫ربما ال يعدو أن يكون نمط حياتهم الكسول‪ ..‬من البصمات التي تخص الثقافة والتاريخ الذي‬
‫وعاداتهم المعيشية هي السبب في إعطاء فكرة يخص كل الشعوب حتى تعبر بأمانة عن هوية‬
‫مغلوطة ع��ن وض�ع�ه��م ال�ص�ح��ي‪ ،‬والحقيقة أن الشعوب‪ ،‬كما أن الكثير من مشاريع التنمية التي‬
‫القائمة تطول‪ ..‬وربما ال تنتهي‪.‬‬

‫أقيمت في الكثير من دول العالم منيت بالفشل‪،‬‬

‫ن����������������������������������واف����������������������������������ذ‬

‫في غنى عنها‪ ،‬وه��ي بالتأكيد تعرضهم لآلثار المخططون للتنمية في البلدان المختلفة إلى‬

‫ون �ح��ن ن��ذك��ر بالطبع ال�ض�ج��ة ال �ت��ي رافقت مع أنها تمتلك كل مقومات النجاح من الناحية‬
‫االفتتاح األول لمطعم الماكدونالدز في عمان‪ ،‬العلمية والتكنولوجية‪ ،‬إال أن الخلل فيها يكمن‬
‫ووص��ل األم��ر إلى انسداد الشوارع المؤدية إلى في عدم مراعاتها للخصائص القومية المحلية‬

‫المطعم بسبب األزمة المرورية‪ ،‬عالوة على أن التي تتمتع بها المنطقة التي أقيم فيها المشروع‪.‬‬
‫المبيعات في اليوم األول وصلت إل��ى خمسين وكانت النتيجة أن الكثير من المصانع قد تم‬
‫ألف دينار؛ اآلن لم يعد هذا صحيحاً‪ ،‬حيث أن إيقافها وتفكيكها وبيعها‪ ،‬وتكبدت خسائر فادحة‬
‫المطاعم التي تقدم الوجبات األردنية التقليدية أضرت باالقتصاديات الوطنية للدول‪.‬‬

‫ال على‬
‫هي التي تشهد إق �ب��االً‪ ،‬وه��ذا نعده دلي ً‬

‫لقد أوردنا كل األمثلة السابقة من أجل تجاوز‬

‫عدم نجاح أي محاولة لفرض أي عادات غذائية األخطاء التي وق��ع فيها الفكر العولمي‪ ،‬ونحن‬
‫على شعوب العالم‪ ،‬وال نبالغ إذا قلنا أن مطاعم ال ندعو بالطبع إل��ى محاربة الفكر العولمي‪،‬‬
‫الوجبات السريعة هي أحد تمظهرات العولمة بل ندعو إلى وضع الفكر العولمي على الطريق‬
‫المهمة‪ ،‬وه��ي تشهد ان �ح �س��اراً ف��ي ك��اف��ة دول الصحيح‪ ،‬وندعوه إلى أن يتجاوز الثنائية الضيقة‬
‫العالم‪ ..‬بعد أن حققت نجاحاً في البداية‪.‬‬

‫ال�ت��ي م��ا ي ��زال أس �ي��را ل �ه��ا‪..‬وه��ي ثنائية (األنا‬

‫وم��ن اإلف � ��رازات ال�ت��ي أف��رزت �ه��ا ال�ع��ول�م��ة أن ‪ -‬األخ��ر)‪ ،‬لينفتح على رؤي��ة جديدة تتخذ من‬
‫الشركات العلمية المتعددة الجنسيات‪ ،‬قد نفذت العولمة وسيلة للتواصل والتالقح بين الثقافات‬

‫مشاريع عمرانية في الكثير من دول العالم‪ ،‬مثل المختلفة للشعوب‪ ،‬بعيدا عن محاولة تبني نموذج‬
‫المطارات والمجمعات السكنية والفنادق‪ ،‬وكانت وحيد‪ ،‬وفرضه على العالم أجمع‪ ،‬وضمن هذه‬
‫النتيجة أن ه��ذه المشاريع كانت نسخاً مكررة الرؤية التي ندعو لها‪ ،‬تصبح العولمة ظاهرة بنّاءه‬
‫في دول العالم المختلفة‪ ،‬دون مراعاة للثقافة وخلاّ قة تغني الحضارة العالمية‪.‬‬

‫وال �ت��راث المحليين‪ ،‬حتى أن��ه ب��ات من الصعب‬

‫ع�ل��ى ال�ع��ال��م أن يتعلم م��ن دروس التاريخ‪،‬‬

‫التفريق بين مطار في البحرين أو نيويورك أو فإن المحاوالت العولمية السابقة‪ ،‬أو ما عرف‬
‫طوكيو‪ ،‬ما يهدد بفقدان التنوع والغنى التراثي باإلمبراطوريات‪ ..‬منيت جميعها بالفشل؛ مثل‪:‬‬
‫وال��وط �ن��ي ع �ل��ى ص�ع�ي��د ال��ع��م��ران‪ ،‬ول �ق��د تنبه إمبراطورية اإلسكندر المقدوني‪ ،‬واإلمبراطورية‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪115‬‬

‫ال ��روم ��ان� �ي ��ة وال �ع �ث �م��ان �ي��ة‪ ،‬وس� �ب ��ب ف �ش��ل تلك واألحزاب اليمينية تحقق نجاحات متزايدة على‬
‫اإلمبراطوريات يعود إلى كونها تتجاوز وتقفز على ح�س��اب األح ��زاب األخ ��رى‪ ،‬وال��ذي��ن توهموا أن‬
‫معطيات الواقع التاريخي‪ ،‬والذي يوضح بجالء الوحدة االقتصادية األوروبية سوف تؤدي‪ ،‬ومن‬
‫أن وجود الشعوب هو ضرورة تاريخية من أجل ثم‪ ،‬إلى التخفيف من حدة الصراع بين الثقافات‪،‬‬
‫السريان الطبيعي للتاريخ‪ .‬وأن الروح اإلنسانية باتوا اآلن أقل وثوقاً‪ ،‬ويعتقد بعض الدارسين أن‬
‫إذا لم تتحقق على هيئة شعب ذي هوية قومية الوحدة األوروبية لن تستمر أكثر من عقد ونصف‬
‫محددة‪ ،‬فإنها تبقى تراوح في يوتوبيا المطلقات‪ ،‬العقد‪ ،‬في ظل تنامي التيارات اليمينية‪ ..‬والنزوع‬

‫ورب�م��ا يكون هيجل ق��د أوض��ح ذل��ك بجالء في القومي المتعاظم ل�ل��دول‪ ،‬إن ثقافات الشعوب‬

‫معرض تنظيره في فلسفة التاريخ‪ ،‬واعتبر أن وه��وي��ات �ه��ا ال �ق��وم �ي��ة خ��ط أح �م��ر ي �ت��وج��ب على‬
‫وجود الشعوب هو ضرورة تاريخية‪ ،‬تتحقق من المنظرين للعولمة أن ال يتجاوزوها أبداً‪ ،‬وعلى‬
‫خاللها الروح المطلقة الكلية‪.‬‬
‫المنظرين في الدراسات المستقبلية أن يأخذوها‬
‫إن ال�ف�ك��ر ال�ع��ول�م��ي بشكله ال �ح��ال��ي يسير دائماً بعين االعتبار في أي دراسة‪.‬‬
‫بالبشرية إلى القدر المحتوم‪ ،‬وهو المزيد من‬

‫ورب�م��ا يكون الفخ ال��ذي يقع فيه الدارسون‬

‫االص �ط��راع وال �ن��زاع وتنامي ال�ت�ي��ارات اليمينية دائ�م�اً‪ ،‬هو محاولة إسقاط الفكر على الواقع‪،‬‬
‫والفاشية‪ ،‬كرد فعل طبيعي ضد إلغاء الهويات ما يقود إلى تشييد الطوبائيات دائماً‪ ،‬والحقيقة‬
‫ال�ث�ق��اف�ي��ة؛ ألن ��ه (ال �ف �ك��ر ال �ع��ول �م��ي) ان�ط�ل��ق من أن إس�ق��اط الفكر على ال��واق��ع شكل الظاهرة‬
‫منطلقات ط��وب��اوي��ة‪ ،‬وان�خ��دع بالنجاح الساحق األبرز عبر تاريخ الفكر الطويل‪ ،‬مع أن الواقع له‬
‫الذي حققته األنظمة الليبرالية وانهيار األنظمة قوانينه الخاصة‪ ،‬ويسير وفق نسق ربما ال يتفق‬
‫كثير من األحيان مع الفكر وقوانينه المجردة؛‬
‫األخرى‪ ،‬وتوهم أن الليبرالية هي النموذج الوحيد في ٍ‬

‫ال��ذي يصلح لكل شعوب العالم‪ ،‬وانخدع الفكر وإذا أردنا فهم الواقع والنسق الذي يسير وفقه‪،‬‬
‫العولمي ك��ذل��ك بالتقدم المذهل ال��ذي تحقق فعلينا أن نستمد هذه القوانين من الواقع نفسه‪،‬‬

‫في عالم االتصاالت‪ ،‬وتوهم أن هذه الفتوحات وليس من الصواب أن نستنتج هذه القوانين من‬
‫العلمية سوف ت��ؤدي‪ ،‬ومن ثم‪ ،‬إلى التقارب بين الفكر المجرّد‪ ،‬ومن ثم المبادرة إلى إسقاطها‬
‫ال�ش�ع��وب‪ ،‬وإل �غ��اء ال�ه��وي��ات الثقافية المحلية‪ ،‬على الواقع‪ ،‬وكأنها الحقيقة المطلقة‪ .‬كان هذا‬
‫وان��زوائ �ه��ا لصالح الثقافة الغربية المهيمنة‪ .‬المطب هو الذي وقعت فيه الفلسفات المثالية‬

‫حسناً إن ه��ذا النزوع الطوباري يتعرض يومياً والطوبائيات التي ظهرت عبر التاريخ‪ ،‬ونحن‬
‫إلى الهزائم المتكررة‪.‬‬
‫نعتقد أن الفكر العولمي بشكله الحالي هو أحد‬
‫فالتيارات القومية في أوروبا آخذة بالتنامي‪ ،‬الطوبائيات التي ستنتهي ويطويها النسيان‪.‬‬
‫* ‬

‫كاتب من األردن‪،‬‬

‫‪ 116‬اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫ن����������������������������������واف����������������������������������ذ‬

‫اخلطراوي في آثار الكاتبني‬

‫(‪)1‬‬

‫(محمد الدبيسي)‬

‫> محمود الرمحي*‬
‫لم يشأ الدبيسي أن يكون ناقدا أو شارحا‪ ..‬وال معلقا أو قارئا‬
‫لكتابات الدكتور محمد العيد الخطراوي‪ ..‬لكنه نجح حقيقة في‬
‫سبك هذا الكتاب الذي لم يأتنا من فراغ‪ ..‬ولم يصل إلينا بسهولة‬
‫كما يُتصور‪ ..‬إنه إنجاز ضخم يدل على عبقرية وعملقة مُتبنِّيه‪،‬‬
‫وبُعد نظره فيمن يحتاجون إلى بعد نظر في كتاباتهم‪.‬‬
‫ك �ت��اب ش �م��ل ث�لاث��ة ف �ص��ول تضمنتها‬
‫(‪ )501‬ص�ف�ح��ة‪ ،‬ج ��اءت أش �ب��ه بشهادات‬
‫ت ��دل ع�ل��ى ع�ظ��م ال�ت�ج��رب��ة ال �ت��ي خاضها‬
‫ال��دك�ت��ور ا ل �خ �ط��راوي‪ ..‬اثنتان وخمسون‬
‫شهادة تحكي قمة األعمال الثقافية التي‬
‫ق��دم�ه��ا ال �خ �ط��راوي متنقال ب�ي��ن الشعر‬
‫والرواية والمقال‪ ..‬أعمال بهرت المتلقين‬
‫م��ن أدب��اء ومثقفين‪ ،‬فكتبوا م��ا كتبوا من‬
‫إش��ادة وإط���راء‪ ..‬ورب�م��ا ال�ق��ادم أكثر‪..‬إذا‬
‫تم َّعنَت األجيال الالحقة معاني وعمق ما‬
‫يصل إليها من كتابات هذا الرجل‪ ،‬الذي‬
‫ما يزال فاعال ومؤثرا ومنتجا‪..‬خارج إطار‬

‫ال �م��أل��وف التقليدي ال ��ذي ينتظم جهود‬
‫مثقفين آخرين‪ ..‬إلى حضور مؤسس قادر‬
‫على التماس مع التحوالت الثقافية‪ ..‬في‬
‫(عصر) هو عصر التحوالت بامتياز‪ ،‬وال‬
‫شك أن مكان الشاعر (المدينة المنورة) كان‬
‫المؤثر القوي والبارز في تجربته الثقافية‬
‫والفاعل الذي استثمر (الخطراوي) قيمه‬
‫ال �ح �ض��اري��ة‪ ،‬وت� ��راءى بشكل م�ت�م��اي��ز في‬
‫إنتاجه ومؤلفاته(‪.)2‬‬
‫شخصية ب��دأت مسيرتها العلمية من‬
‫رح ��اب م��دي�ن��ة المصطفى عليه الصالة‬
‫والسالم‪ ،‬والتي كانت به بمثابة األم‪ ..‬وال‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪117‬‬

‫غرو في ذلك‪ ..‬فقد كانت والدته‬
‫في طيبة الطيبة عام ‪1354‬هـ‪.‬‬
‫وال �ت��ي أس �ه��م ال �خ �ط��راوي في‬
‫الكشف عن عناصر ومقومات‬
‫ال�ش�خ�ص�ي��ة ال �ح �ض��اري��ة لهذه‬
‫ال�م��دي�ن��ة؛ ع�ب��ر ت��راث�ه��ا األدبي‬
‫وال�ت��اري�خ��ي والعلمي الزاخر‪،‬‬
‫واستظهار وجهها المشرق في‬
‫حركة التاريخ‪ .‬وهو إسهام لم‬
‫تنله المدينة كما أو نوعا من‬
‫مجايلي الخطراوي‪ ,‬كما نالته‬
‫منه‪ ..‬وه��و ما يحسب له على‬
‫والمتتبع لقراءاته المكثفة وخدمته في الميدان‬
‫صعيد الممارسة العلمية الواعية والمسئولية التعليمي واشتراكه الواعي في النشاطات األدبية‬
‫القيمية‪..‬‬
‫وال�ث�ق��اف�ي��ة ي ��درك ك��ل اإلدراك م��دى اهتمامه‬
‫إن ما قدمه الدبيسي من آثار للقارىء الكريم‪ ،‬وعنايته ال��زائ��دة ب��االرت�ق��اء بمستوى الفعاليات‬
‫م��ا ه��و إال ن �ت��اج ووع ��ي ب��األه�م�ي��ة ال �ت��ي شكلت الثقافية‪ .‬وف��ي مجال النقد‪ ،‬له رأي��ه الصريح‪،‬‬
‫التجربة الثقافية لهذا الرجل‪ ،‬واألدوار التي قام ونظرته الثاقبة المعبرة التي ال تتجاوز الحقيقة‪،‬‬
‫بها خدمة لألدب والثقافة‪ ..‬وكان الدبيسي محقا وال ت �ت��ردد ف��ي المكاشفة الصريحة الواعية‪،‬‬
‫في ذل��ك؛ ألن من يقرأ ه��ذه الشهادات ويتمعن طموحا إلى اإلبداع والتعبير األمثل‪ .‬كما ندرك‬
‫فيها‪ ،‬يجد أن الخطراوي أشبه ببستان تنوعت م��دى مصداقيته وجديته وحماسته في تناوله‬
‫فيه ألوان الثقافة والمعرفة‪ ..‬يتجول فيه المرء التعبيري نثرا وش�ع��را‪ ،‬وذل��ك عبر إسهامه في‬
‫فيحتار فيما يقطف من ثماره‪ ،‬بل ويتمنى قطف تنمية الوعي الثقافي واألدبي‪ ،‬بعد بذل قصارى‬
‫كل ما فيه لوال خشية الضياع‪ ..‬إنه محيط من جهده في تطوير أدواته التعبيرية‪ ،‬وتنمية مخزونه‬
‫المعرفة يخشى الفرد الغوص فيه‪ ،‬وعليه أن يعوم الفكري والثقافي(‪.)3‬‬
‫في شواطئه قبل أن يبحر في أعماقه وصوال إلى‬
‫إنه الخطراوي‪ ..‬المعلم‪ ،‬والمبدع‪ ،‬والناقد كما‬
‫مبتغاه‪ ..‬وأنى له ذلك‪.‬‬
‫وصفه أ‪ .‬د‪ .‬عاصم حمدان‪ ،‬والعالم والشاعر‬
‫وال� �ش� �م ��ول� �ي ��ة ف � ��ي مناحي‬
‫االه �ت �م��ام ال�ع�ل�م��ي والثقافي‬
‫لديهم‪ ،‬واإلق��دام على الكتابة‬
‫وال�ت��أل�ي��ف ف��ي تلك المناحي‬
‫وال� �م ��وض ��وع ��ات‪ .‬وم� ��ع ذلك‬
‫ف��االع�ت�ب��ار الشمولي (العام)‬
‫يختلف ل ��دى (الخطراوي)‪،‬‬
‫على اعتبار طبيعة تأسيسه‬
‫العلمي األك��ادي �م��ي لحصوله‬
‫ع �ل��ى ش� �ه ��ادات ج��ام�ع�ي��ة في‬
‫الشر يعة والتاريخ واألدب‪.‬‬

‫إن المتأمل للمجال النوعي ال��ذي عني به‬
‫(الخطراوي) عبر مؤلفاته العديدة‪ ،‬يلحظ مدى‬
‫المرجعية المعرفية التي تأسس عليها وانطلق‬
‫منها‪..‬مشكال حضوره في الساحات الثقافية‪..‬‬
‫وه��و م��ا يشير إل��ى سمة تميز بها روادن� ��ا في‬
‫بنائهم الثقافي األصيل من حيث التنوع والتعدد‬

‫‪ 118‬اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫وال �م �ح �ق��ق‪ ،‬ك�م��ا ق ��ال ف�ي��ه أ‪ .‬د‪ .‬عبدالرحمن‬
‫األن �ص��اري‪ ،‬والجامعة المعرفية على ح��د قول‬
‫د‪ .‬محمد بن صنيتان‪ ،‬هو ال��ذي أمضى خمسا‬
‫وأربعين عاما في رح��اب التأليف العلمي الذي‬
‫وجد فيه قيم ذات��ه‪ ..‬وقيم الثقافة التي أخلص‬
‫بها‪ ،‬بما يمكن أن ينم عنه المؤشر العددي لما‬

‫إن �ه��ا ش� �ه ��ادات ت �ح��رر ف�ي�ه��ا األق �ل��ام رأيها‬
‫فيه‪ ..‬وتقدم الذوات والعقول تصورها‪ ،‬وننسب‬
‫تقديرها لقيمة إنتاجه منذ أن أس��س حضوره‬
‫في مشهدنا الثقافي والتعليمي عام ‪1961‬م في‬
‫كتابه (الرائد في علم الفرائض) في فرع التشريع‬
‫اإلسالمي الذي حاز فيه على شهادة جامعية‪..‬‬
‫إلى آخر حرف خطه بيمينه وهو في العام الرابع‬
‫والسبعين من عمره‪..‬‬

‫وقد حصل د‪ .‬الخطراوي على عدة جوائز‪:‬‬
‫منها جائزة أمين مدني في تاريخ الجزيرة العربية‬
‫عام ‪1415‬هـ‪ ،‬وجائزة األمير سلمان بن عبدالعزيز‬
‫آل سعود التقديرية ل�ل��رواد في تاريخ الجزيرة‬
‫العربية عام ‪1428‬ه�ـ‪ ،‬كما حصل على مجموعة‬
‫من ال��دروع التقديرية منها درع إثنينية األستاذ‬
‫عبدالمقصود خوجة‪ ،‬ودرع تكريم الشعراء من‬
‫وزارة الثقافة واإلعالم بمناسبة معرض الرياض‬
‫الدولي للكتاب عام ‪1428‬هـ‪.‬‬

‫ن����������������������������������واف����������������������������������ذ‬

‫كتبه م��ن م��ؤل�ف��ات بلغت تسعة وأرب�ع�ي��ن كتابا‪،‬‬
‫وبمعدل كتاب واح��د لكل سنة من سني تأليفه‬
‫في مجال الشريعة والتحقيق والتاريخ والشعر‬
‫لا ع��ن نشاطه العلمي‬
‫وال �س��رد وال�م�ق��ال��ة‪ .‬ف�ض� ً‬
‫وال �ث �ق��اف��ي واإلداري ال �م �ن��وع ال� �م ��وزع م��ا بين‬
‫التدريب في التعليم العام‪ ،‬والتأسيس للحركة‬
‫الثقافية في المدينة المنورة‪ ،‬والتعليم الجامعي‬
‫واإلش��راف على الرسائل الجامعية‪ ،‬والمشاركة‬
‫في الفعاليات األدبية والثقافية داخ��ل المملكة‬
‫وخارجها‪ ..‬ومواقع ومسئوليات أخرى عمل بها‬
‫وتصدى لها‪ ..‬وأنجز من خاللها ما لم يرصد‬
‫حتى تاريخه‪ .‬فهو لم يتوقف لحظة واح��دة من‬
‫سني عمره عن العلم والتعلم والبحث واإلبداع‬
‫والتحقيق والنشر‪.‬‬

‫وال �ب��اح �ث��ون وال �م �ح �ق �ق��ون ج �ئ��ت ف��ي مصافهم‬
‫حضورا‪ ..‬يدلل على ذلك ما قدمته في الدراسات‬
‫األدبية والنقدية والتحقيقات التاريخية والتشريع‬
‫اإلس�لام��ي وال�م�ق��االت المتنوعة والمسرحيات‬
‫الهادفة‪ ..‬إضافة إلى الدراسات الثقافية العامة‪.‬‬

‫لقد حرص الدبيسي في هذا الكتاب ‪ -‬قدر‬
‫اإلمكان ‪ -‬على توخي الموضوعية في تصنيف‬
‫الكتابات ال ��واردة ف��ي ه��ذا الكتاب‪ ،‬م��ؤك��دا في‬
‫ال��وق��ت نفسه على وج��ود تباين كبير ف��ي قيمة‬
‫ومستوى تلك الكتابات من كاتب آلخ��ر‪ .‬ومنبها‬
‫إلى أن جمعها إلى بعضها يحقق رضى المكتوب‬
‫عنه‪ ،‬وحرصه على الوفاء للكاتبين‪ ..‬مؤكدا في‬
‫الوقت ذاته أنه لم يتدخل – ال من قريب وال من‬
‫بعيد – في سياق أو مضمون أي من تلك الكتابات‬
‫الواردة‪ ،‬باستثناء التعديالت اإلمالئية والطباعية‬
‫التي تتطلبها تقاليد اإلخراج والطباعة‪.‬‬

‫فلله درك يا الخطراوي‪ ..‬إذا ذك��ر الشعراء‬
‫كنت م��ن أق��دره��م ش�ع��را‪ ..‬وق��د ص��دق عبدالله‬
‫ال �ح �م �ي��د ح �ي��ن ق � ��ال‪« :‬إن ل �ل �ش �ع��ر ف ��ي همك‬
‫ووجدانك حضور أثير»‪ ..‬وتشهد بذلك «أمجاد‬
‫إنها موسوعة ال كتاب‪ ..‬تعد بحق ثروة حقيقية‪،‬‬
‫ال��ري��اض» وغ ��ذاء ال �ج��رح» و«ه�م�س��ات ف��ي أذن‬
‫الليل» و«ح��روف من دفتر األش��واق» و«مرافيء تضاف إلى ثروات المكتبة العربية عامة‪ ،‬والمكتبة‬
‫األم��ل» و«أسئلة الرحيل»‪ ..‬وإذا ذكر الدارسون السعودية على وجه الخصوص‪..‬‬
‫ *‬
‫(‪) 1‬‬
‫(‪ )2‬‬
‫(‪ )3‬‬

‫شاعر أردني مقيم بالجوف‪.‬‬
‫من منشورات النادي األدبي بالجوف ‪ -‬الطبعة األولى ‪1430‬هـ‪.‬‬
‫محمد الدبيسي ‪ -‬الخطراوي في آثار الباحثين‪.‬‬
‫عبدالله الحميد ‪ -‬الخطراوي في آثار الباحثين‪ -‬ص ‪.429‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪119‬‬

‫الكتاب ‪« :‬املوسيقى والغناء في الصحراء‬
‫املؤلف ‪ :‬د‪ .‬محمد سعيد القشاط‬
‫الناشر ‪ :‬أونيا اجلديدة لإلبداع‬

‫> سليمان األفنس الشرارى*‬
‫يعد كتاب الموسيقى والغناء في الصحراء للدكتور‪ /‬محمد سعيد القشاط واحداً‬
‫من الكتب النادرة فى قيمتها الفنية واإلبداعية‪ ،‬كما يعد مرجعاً لدراسة الموسيقى‬
‫والغناء الشعبي‪ ،‬في المنطقة الواقعة ما بين المحيط األطلسي والبحر األحمر‪ ،‬ومن‬
‫صحراء دول الشمال اإلفريقي (المغرب‪ ،‬والجزائر‪ ،‬وتونس‪ ،‬وليبيا إلى القرب من خط‬
‫االستواء)‪.‬‬
‫يقع الكتاب ف��ى (‪ )110‬صفحات من‬

‫لمن أراد التعرف على الموسيقى والغناء‬

‫القطع المتوسط‪ ،‬ورغ��م صغر حجمه‪ ..‬الشعبي ل��دى س�ك��ان ص �ح��راء موريتانيا‪،‬‬
‫إال أنه يعد مرجعاً رائداً لمعرفة موسيقى ومالي‪ ،‬والنيجر‪ ،‬والساقية الحمراء‪ ،‬وفولتا‬

‫وش �ع��ر وغ �ن��اء ت�ل��ك المنطقة‪ ،‬وق��د تفرد العليا‪ ،‬وبوركينا فاسو‪ ،‬وأفريقيا الوسطى‪،‬‬

‫الدكتور القشاط في الموضوع على ندرته‪،‬‬

‫ونيجيريا‪ ،‬وال�ج��اب��ون‪ ،‬وت�ش��اد‪ ،‬والسودان‪،‬‬

‫الموضوع الذي يتناوله من جهة‪ ،‬ومن جزالة‬

‫ك �م��ا ي��رص��د ال �م��ؤل��ف دور الحركات‬

‫فاكتسب الكتاب قيمته الفنية والعلمية من وأريتيريا‪ ،‬والحبشة وغيرها‪.‬‬

‫األسلوب من جهة أخرى‪ ،‬فكأنك أمام هذا اإلص�ل�اح��ي��ة وال � �ح� ��روب وأث��ره��م��ا على‬
‫العالم المدهش‪ ،‬تندمج معه وتتمايل مع الموسيقى وال �غ �ن��اء‪ ،‬كحركة المرابطين‬
‫إيقاعاته الصحراوية الشجية‪.‬‬

‫في القرن الخامس الهجري‪ ،‬التي وجدت‬

‫إذاً‪ ..‬هي موسيقى جديدة على األذن‬

‫في بلدان المغرب العربي وبالد األندلس؛‬

‫عزف مغايرة‪ ،‬حتى آالتها تبدو مختلفة‪..‬‬

‫وحركة الحاج‪ /‬عثمان دان فودي في مدينة‬

‫العربية‪ ،‬لها مقاماتها الخاصة وطرائق‬

‫وحركة الحاج‪ /‬عمر تال في غربي أفريقيا؛‬

‫ومع هذا؛ فالمثير أنها مقامات عربية لدول (سيكوتو)‪ .‬كما يعرض لنا بعض أسماء‬
‫ن��درت ال��دراس��ات أن تتناولها‪ ،‬فغدا هذا‬

‫المصلحين اآلخ��ري��ن في المنطقة أمثال‬

‫الكتاب ‪ -‬كما أسلفنا ‪ -‬مرجعاً مبسطاً ورائداً الشيخ‪ /‬سيدي المختار الكبير في تينبكتو‪،‬‬

‫‪ 120‬اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫والكتاب ‪ -‬فيما أحسب ‪ -‬دراس��ة ميدانية‬
‫للمؤلف تمتد على مدى ربع قرن تقريباً ‪ -‬كما‬
‫يذكر ‪ -‬لمعايشته ألهل تلك المناطق البعيدة في‬
‫ب�لاد الملح والذهب (موريتانيا)‪ ،‬وف��ى صحراء‬
‫أزواد‪ ،‬وص�ح��راء التيزى تينزوفت فى النيجر‪،‬‬
‫وغيرها‪.‬‬

‫هذا وال تتوافر هذه الرحالت لباحث‪ ،‬إذ أنها‬
‫رحلة الستكشاف عوالم جديدة وأنماطاً معيشية‬
‫مكانية وجغرافية‪ ،‬لم تكن معروفة لدى الجميع‪:‬‬
‫كما يكشف لنا ال�م��ؤل��ف نمط ال�ح�ي��اة السائد‬
‫هناك‪ ،‬وطرائق حياة القبائل في تلك الصحراء‬
‫الشاسعة‪ ،‬وال�ت��ي ت�ق��در مساحتها بنحو تسعة‬
‫ماليين كيلو متر مربعا‪.‬‬

‫والكتاب ‪ -‬كما أرى ‪ -‬يجمع بين التاريخ‪ ،‬وعلم‬
‫الموسيقى‪ ،‬واألنثروبولوجيا‪ ،‬وعلم األنساب ألهل‬
‫تلك الشعوب والقبائل التي تسكن الصحراء‪ ،‬كما‬
‫يتعرض للهجة والشعر اللهجي والشعر الفصيح‬
‫معا‪.‬‬

‫والمدهش‪ ،‬حقاً‪ ،‬فى الدراسة ‪ -‬على غرائبية‬
‫اللهجة أحيانا ‪ -‬أن المؤلف يرصد لنا دور القبائل‬
‫العربية في نشر اإلسالم والثقافة والفنون بين‬
‫تلك الشعوب المتباعدة جغرافياً‪ ،‬والمتشابهة‬
‫في الظروف الجغرافية والثقافية‪ ،‬بل واللغوية‬
‫أيضاً‪.‬‬
‫ولعل الدور الرائد الذي اطّ لعت به قبائل عرب‬
‫المعقل ف��ي الشمال األفريقي حتى الصحراء‬
‫الكبرى باتجاه موريتانيا ‪ -‬يكشف لنا الدور‬
‫التنويري ال��ذي قدمته للرقي بثقافة الصحراء‬
‫هناك‪ ،‬عالوة على وجود القبائل النازحة إليها‬
‫ق�ب��ل ال�ف�ت��ح اإلس�لام��ي م�ث��ل ق�ب��ائ��ل‪ :‬صنهاجة‪،‬‬
‫ولمنونة‪ ،‬ومسوفة‪ ،‬وغيرها‪.‬‬
‫وب�ظ�ه��ور اإلس�ل�ام وان�ت�ش��ار اللغة العربية‪..‬‬
‫ب� ��دأت ب �ع��ض ال �ل �ه �ج��ات ف��ي االض �م �ح�لال مثل‬
‫لهجة‪( :‬المهرة‪ :‬جنوب اليمن)‪ ،‬والتي تتمثل في‬
‫األمازيغية‪ ..‬لهجة قبيلة التوارق وغيرها‪.‬‬
‫وبوصول اإلبل والخيول العربية إلى المنطقة‪،‬‬

‫ق�������������������������������������������������������������راءات‬

‫وناصر الدينفي جنوب موريتانيا‪ ،‬والجيالني في‬
‫بالد النيجر وغيرها‪.‬‬

‫وصلت الكتب العربية‪ ،‬ووصل العلماء والمثقفون‬
‫إلى تلك المناطق‪ ،‬فجلبوا معهم عادات وتقاليد‬
‫الجزيرة العربية‪( :‬م��ن زواج وط�لاق ورقصات‬
‫شعبية وغناء وموسيقى وألعاب أطفال وغيرها)‪،‬‬
‫حتى وس��وم اإلب��ل‪ ..‬تعلمها سكان المناطق في‬
‫موريتانيا ومالي وشمالي النيجر وتشاد والسودان‪،‬‬
‫واكتسبت المنطقة بذلك الطابع العربي‪.‬‬

‫وقد تضمن الكتاب مقدمة وخمسة فصول‪،‬‬
‫أ ُلحقت بعدة وثائق وصور عن اآلالت الموسيقية‪،‬‬
‫واألفراح‪ ،‬والزخارف‪ ،‬وأدوات الزينة‪ ،‬واألسلحة‬
‫المستخدمة‪ ،‬وغير ذلك‪ ..‬وبتلك الوثائق والصور‪،‬‬
‫وال� �ش ��روح المستفيضة المبسطة والموجزة‬
‫والمكثفة في آن واحد‪ ،‬يقدم لنا المؤلف بانوراما‬
‫ع��ام��ة ع��ن ثقافة أه��ل ال�ص�ح��راء بصفة عامة‪،‬‬
‫وعن ثقافتهم الفنية (الموسيقى والغناء) بصفة‬
‫خاصة‪ ،‬وكم أعجبني تسلسل الفصول‪ ،‬وانسيابية‬
‫األسلوب ما دفعني لقراءة الكتاب دفعة واحدة‪،‬‬
‫شعرت بعدها أنني انتقلت من عالم البدو الذي‬
‫أعيشه إل��ى عالم آخ��ر مدهش وج��دي��د؛ وكأنه‬
‫الحنين إل��ى ال�ص�ح��راء‪ ،‬فكانت ال�ص�ح��راء هي‬
‫االم�ت��داد الطبيعي ألعبر منه إل��ى عالم ثقافي‬
‫م �غ��اي��ر ي �ض��ج ب��ال �غ �ن��اء وال �م��وس �ي �ق��ى والرقص‪،‬‬
‫وق��رع الطبول في الحروب واألع��راس والموالد‬
‫والمناسبات االجتماعية‪.‬‬
‫ولعل الغناء والموسيقى عند ع��رب (قبيلة‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪121‬‬

‫المعقل‪ /‬بني حسان)‪ ،‬وقبائل عرب التوارق قد‬
‫ح��ازا على قصب السبق فى ه��ذه ال��دراس��ة في‬
‫منطقة الحوض‪ ،‬شرقي موريتانيا الحالي‪ ،‬إال‬
‫أن المؤلف أطلعنا على كيفية امتزاج موسيقى‬
‫الزنوج والعرب واألفارقة هناك‪ ..‬لتتناغم كل تلك‬
‫الفنون والمذاهب الفنية الموسيقيه معاً‪ ،‬وتنتج‬
‫لنا موسيقى صحراوية عربية جديدة غاية فى‬
‫الروعة‪ ،‬لتميز العزف العربي للموسيقى والغناء‬
‫العربي اإلفريقي هناك‪.‬‬

‫ويحلّل ويعلّق موضحاً لنا كأحد العارفين بدقائق‬
‫اللهجات المحلية‪ ،‬ليغدو كتابه الصغير موسوعة‬
‫موسيقية فنية غاية فى السموق واإلمتاع‪ ،‬ألنه‬
‫يؤرخ لموسيقى عربية مغايرة ‪ -‬بعيدة عن أذواقنا‬
‫ إال أنها موسيقى عربية‪ ،‬وهو بذلك يضيف إلى‬‫تاريخ الموسيقى العربية رافداً جديداً قد غاب‬
‫عنا كثير اً اكتشافه ومعرفته والتمتع ب��ه‪ ،‬وتلك‬
‫لعمري قيمة أخرى تضاف ألهمية الكتاب‪..‬‬

‫تضمن الفصل األول أنواع اآلالت الموسيقية‬
‫لقد حدد فى مقدمته المكان الجغرافي الذي واستخداماتها هناك‪ ..‬وقد اختصرها في أربع‬
‫تناولته ال��دراس��ة‪ ،‬كما قصر م��وض��وع دراسته عشرة آلة تمثل التخت اإلفريقي – إن جاز لنا‬
‫على الناحية الفنية الموسيقية الغنائية؛ لكنه هذا االصطالح ‪ -‬ومنها‪:‬‬
‫باغتنا بالحديث عن المكان والسكان‪ ،‬والعادات ‪ -1‬الطبل‪ :‬وه��و آل��ة جلدية تستخدم ألغراض‬
‫والتقاليد‪ ،‬وح�ي��اة الصحراويين ف��ي الصحراء‬
‫عديدة أهمها الحروب‪ .‬وعند صنع الطبول‬
‫ال �م �م �ت��دة م��ن ال�م�ح�ي��ط األط �ل �س��ي إل ��ى البحر‬
‫ت �ق��ام ال��والئ��م واالح �ت �ف��ال �ي��ات‪ ،‬وب��ذب��ح شيخ‬
‫األح �م��ر‪ ،‬وت�ل��ك – لعمري ‪ -‬رح�ل��ة بحث شاقة‬
‫القبيلة الذبائح‪ .‬وق��د اعتنى رج��ال القبيلة‬
‫تتطلب مجلدات كثيرة‪ ،‬ومراكز بحثية تبحث كل‬
‫وال �ش �ع��راء ب��أه�م�ي��ة ال �ط �ب��ول وقيمتها عبر‬
‫تلك الجوانب‪ ،‬وهو عمل أحسبه غير مسبوق فى‬
‫العصور المختلفة‪.‬‬
‫المنهج واألس�ل��وب‪ ،‬من جهة‪ ،‬واختيار المنطقة‬
‫‪ -2‬الشنه‪ :‬وتعني الجلد اليابس في لهجة عرب‬
‫وت�خ�ص�ي�ص�ه��ا‪ ،‬م��ن ج�ه��ة أخ� ��رى‪ .‬إال أن قيمة‬
‫الصحراء‪ .‬وهي طبل صغير يضربه الشباب‬
‫العمل الفنية والميدانية تتجلى في المقابالت‬
‫في ليالي الربيع والصيف المقمرة‪ ،‬وهو أشبه‬
‫التي أج��راه��ا الباحث مع المطربين والفنانين‬
‫بطبل المسحراتي في ليالي رمضان‪.‬‬
‫والموسيقيين هناك؛ فليس من سمع كمن رأى‪،‬‬
‫ولعل دراس��ات الباحث السابقة عن الصحارى ‪ -3‬آل��ة داغ�م��ة‪ :‬وه��و طبل يصنع من ك��وز طويل‬
‫مجوف مفتوح القعر بحيث يربط عليه جلد‬
‫والبوادي العربية واألفريقية أكسبته خبرة ودراية‬
‫شاة‪ ،‬وهو طبل خاص تستخدمه الفتيات فقط‬
‫بطبيعة الصحراء‪ ،‬فغدا كمايسترو كبير درس‬
‫أثناء غنائهن ومرحهن‪ ،‬ويسمى فى شمالي‬
‫الموسيقى ف��ي أك��ادي�م�ي��ة متخصصة‪ ،‬ساعده‬
‫أفريقيا (دربوكة) وسماها المقريزي (دريج)‪،‬‬
‫ف��ي ذل��ك ح��دس��ه‪ ،‬وأذن ��ه المرهفة‪ ،‬و ُد ْرب �ت��ه في‬
‫ويسميها الشاميون والمصريون (دربكة)‪ ،‬أما‬
‫الصحراء‪ ..‬ما أكسبه مهارة التذوق الموسيقي‪،‬‬
‫عرب الطوارق فيسمونها (تندي)‪.‬‬
‫ومعرفة مواطن االختالف واالتفاق بينها وبين‬
‫الموسيقى التي اعتادها عبر رحالته المتعددة ‪ -4‬أردين‪ :‬وهو طبل يصنع من قدح من العود أو‬
‫إلى مثل تلك الصحارى والبلدان؛ فنراه يشرح‪،‬‬
‫الكوز (ثمار الخشخاش) أو (القرع)‪ ،‬وقد تغير‬
‫‪ 122‬اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫ق�������������������������������������������������������������راءات‬

‫اسم هذه اآللة إلى (آلة الدين)‪ ،‬عندما حطم‬
‫المرابطون اآلالت الموسيقية ومنعوا الغناء‪ -13 ،‬ال��دب��دب��ة‪ :‬وه��و طبل أس�ط��وان��ي كالبرميل‪،‬‬
‫ألنه مصدر اللهو حسب فتوى شيخهم (ابن‬
‫ويسمى في بعض المناطق (دنقة)‪ ،‬ويستخدم‬
‫ياسين)‪ ،‬فكانوا يتغنون بها في مدح الرسول‬
‫كإيقاع للغيطة أو (المقرونة)‪.‬‬
‫[‪ ،‬هرباً من بطش أمير المرابطين‪.‬‬
‫‪ -14‬القمبارا‪ :‬وهى آلة وترية مستطيلة الشكل‪،‬‬
‫‪ -5‬أم��زاد‪ :‬وهو اسم أطلقه عليه عرب التوارق‪،‬‬
‫تتمثل في صندوق خشبي مغطى بالجلد‪،‬‬
‫وهو الربابة عند غيرهم‪ ،‬وهذه اآللة معروفة‬
‫ي �ط��رق ع�ل�ي�ه��ا ب�ع�ص��ا م �ع �ك��وف��ة‪ ،‬وه ��ى آلة‬
‫عند جميع ال �ع��رب‪ ..‬وكما تذكر األسطورة‬
‫افريقية توجد فى بالد (الهوسا) والواحات‪،‬‬
‫الصحراوية‪ ،‬فإن االستماع إليها محرم‪ ،‬ألنها‬
‫ال في أفراحهم وأيام‬
‫يستخدمها الزنوج لي ً‬
‫تحاكي صوت داود النبي عليه السالم‪ ..‬وهو‬
‫الكسوف والخسوف‪.‬‬
‫يتلو الكتاب المقدس ألهل الجنة‪.‬‬
‫أم��ا الفصل ال�ث��ان��ي فقد تضمن المقامات‬
‫‪ -6‬النيفارة‪ :‬وه��ى آل��ة ال�ن��اي المعروفة ف��ي كل الموسيقية في الصحراء‪ ،‬فيقول إن الموسيقى‬
‫البالد العربية‪.‬‬
‫والغناء أصيبا بنكسة كبيرة أيام دولة المرابطين‪،‬‬
‫‪ -7‬ال� �زّوزاي ��ة‪ :‬وه��ى آل��ة نفخ يستخدمها رعاة ولكن بعد وصول قبائل بني حسان (عرب المعقل)‬
‫الضأن‪ ،‬فتتجمع الشياه عند سماعها‪ ،‬لكأنها ف��ي ال�ق��رن التاسع ال�ه�ج��ري‪ ،‬أُط�ل��ق للموسيقى‬
‫تطرب لها‪ .‬وهذا األمر ليس جديداً أو غريباً‪ ،‬عنانها‪ ..‬وتفنن المبدعون ف��ي الشعر والغناء‬
‫فبعض ال�ث�ع��اب�ي��ن م��ول�ع��ة ب �ص��وت المزمار‪ ،‬والعزف‪ ،‬كما قامت مجموعة من اإلم��ارات في‬
‫وال�خ�ي��ول مولعة بالطبول وال �ع��زف‪ ،‬واإلبل المنطقة‪ ..‬أشهرها إم��ارة أم�ب��ارك ف��ي شرقي‬
‫في بعض البوادي العربية ومنها بادية سيناء موريتانيا‪ .‬وف��ي عهد تلك اإلم ��ارة‪ ،‬نهض الفن‬
‫والجزيرة العربية تولع بصوت الحداء (غناء والغناء والشعر‪ ،‬ونهضت الموسيقى العربية‪،‬‬
‫شعري)‪.‬‬
‫ونظراً المتزاج العنصر العربي باإلفريقي‪ ..‬نتجت‬
‫‪ -8‬ال��زق �ع��ارى‪ :‬وه��و طبل يشبه ال �ق��وس‪ ،‬يخرج موسيقى عربية إفريقية أسست لموسيقى عرب‬
‫أص��وات �اً إيقاعية‪ ،‬يستخدمها (الحراطين) الصحراء إلى اليوم‪ .‬وهناك طريقتان للعزف‪:‬‬
‫الغابات والصحارى‪.‬‬

‫وهم العبيد المعتوقون‪.‬‬
‫‪ -1‬الطريقة البيضاء‪ :‬وي �ن��درج تحتها العزف‬
‫العربي في المقامات العربية‪.‬‬
‫‪ -9‬ال� � ��دف‪ :‬وه� ��و م� �ع ��روف ف ��ي ب �ل�اد العرب‪،‬‬
‫تستخدمه النسوة في األفراح‪ ،‬كما يستخدمه ‪ -2‬الطريقة ال�ك�ح�لاء‪ :‬وي �ن��درج تحتها العزف‬
‫رجال الطرق الصوفية في أذكارهم‪.‬‬
‫المتأثر بالموسيقى اإلفريقية‪.‬‬
‫‪ -11‬آلة القنبرة‪ :‬وهى آلة ذات وتر واحد يعزفها‬
‫وق ��د ي �خ �ت �ص��رون ذل ��ك ف �ي �ق��ول��ون (البياظ‪،‬‬
‫الزنوج والعبيد‪ ،‬ولها إيقاعاتها المتميزة‪.‬‬
‫الكحال)‪ ،‬ومن المقامات التي يعرض لها المؤلف‬
‫‪ -12‬الغيطة‪ :‬وهى آلة نفخ تستخدم فى كل مدن بالتفصيل‪:‬‬
‫الشمال اإلفريقي‪ ،‬كما تنتشر فى منطقة ‪ -1‬مقام كار (السداسي‪ ،‬الخماسي)‪ ،‬ويختص‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪123‬‬

‫بالمدائح النبوية من الشعر الشعبي‪.‬‬
‫‪ -2‬مقام فاقو‪ :‬ويختص بأشعار الحماسة والحرب‪,‬‬
‫وينقسم إلى‪ :‬مقام فاقو «السداسي»‪ ،‬ومقام‬
‫بياظ فاقو «الخماسي»‪.‬‬
‫‪ -3‬مقام الكحال‪ :‬وهو متكامل السلم السباعي‬
‫(تام النغمات)‪.‬‬
‫‪ -4‬مقام لبياظ (لين لبياظ)‪.‬‬
‫‪ -5‬مقام بنيت أو البقي (أبياظ لبنيت)‪.‬‬

‫الصحراء)‪ ،‬وطبقاتهم العرقية المتعارف عليها‬
‫وال �ت��ي يتعاملون – بشكل ع ��ادى ج ��داً – على‬
‫أساسها؛ فنراه يتحدث عن وصول عرب المعقل‬
‫إلىالمنطقة‪ ،‬وسيادة بني حسان على أغلب هذه‬
‫ال �ص �ح��راء‪ ،‬وه ��ؤالء ي�ن�ح��درون م��ن نسل اإلمام‬
‫جعفر بن أب��ي طالب (جعفر الطيار)‪ ،‬موضحا‬
‫طبقات ه��ذه القبائل ووظائف الفنانين في كل‬
‫قبيلة وعاداتهم‪ ..‬كأن يمنع زواج رجل من طبقة‬
‫ال إال بشاعرة‪ ،‬أو زواج الصناع أو‬
‫الشعراء مث ً‬
‫الحدادين إال من أمثالهم‪ ،‬وقد قسم المؤلف هذه‬
‫الطبقات إلى ثمانية أقسام‪:‬‬

‫ولكل مقام موسيقي من هذه المقامات أشعار‬
‫مخصوصة يُتغنى بها‪ ،‬ومما يتغنى به في مقام‬
‫فاقو (في الحماسة) قول شاعرهم‪:‬‬
‫‪ -1‬العرب‪ :‬ويمتلكون سلطة حمل السالح والدفاع‬
‫في الجبن عا ٌر وفي اإلقدام مكرمةٌ‬
‫عن القبيلة‪ ،‬ولهم السيادة في القبيلة‪.‬‬
‫والمرء في الجبن ال ينج من القدر‬
‫‪ -2‬اللحمة‪ :‬وهى القبائل المغلوبة في الحروب‪،‬‬
‫وفي الفصل الثالث‪ ،‬يعرض (أصول الموسيقى‬
‫وهي ال تقاتل‪ ..‬وتمتهن مهنة الرعي وتدبر‬
‫في الصحراء)‪ ،‬فتراه يعود بنا إلى أصولها العربية‬
‫أم ��ور ح �ي��وان��ات ال �ع��رب وك��ل قبيلة تحتمي‬
‫التي ج��اءت مع الهجرات المختلفة للقبائل من‬
‫بقبيلة من العرب‪.‬‬
‫شبه الجزيرة العربية‪ ،‬عن طريق باب المندب في‬
‫شرقي أفريقيا‪ ،‬وعن طريق مصر والسودان‪ ،‬بعد ‪ -3‬الزوايا‪ :‬أو المرابطون‪ ..‬وهي أيضا القبائل‬
‫المهزومة‪ ..‬وهي ال تحمل السالح وال تقاتل‪،‬‬
‫الفتوحات اإلسالمية وأثناءها‪ .‬كما يستعرض‬
‫وأصبحت تمتهن العلم وتحفيظ القرآن الكريم‬
‫المؤلف ما عرضه في الفصلين السابقين عن‬
‫وإقامة المحاضر‪.‬‬
‫الطبول وأن��واع�ه��ا‪ ..‬للمقارنة بين ه��ذه الطبول‬
‫وال �م �ق��ام��ات‪ ..‬وال �ط �ب��ول وال �م �ق��ام��ات العربية‪ -4 ،‬الشعراء‪ ،‬المطربون (إيقاون)‪ :‬وهم ال يحملون‬
‫ليدلل على عروبة الموسيقى اإلفريقية‪ ،‬وتأثرها‬
‫السالح وال يقاتلون‪ .‬ومهمتهم م��دح زعماء‬
‫باختالط السكان األفارقة بالعرب‪ ،‬ومدى تأثير‬
‫القبائل وتحريضهم على الكرم والقتال‪ ،‬وهم‬
‫اإلس�لام في نشر الثقافة والفنون؛ كما يوضح‬
‫مستشارو رئيس القبيلة في المهمات‪ ،‬كما‬
‫ت��أث��ر الكثير م��ن أب �ن��اء ه��ذه المناطق للحديث‬
‫يرسل بالشاعر (ي�ق��وم ب��دور الخاطبة) في‬
‫باللهجة الحسانية أو لهجة قبائل صنهاجة أو‬
‫ليالي الخطوبة‪ ،‬حيث ال تحجب عنه نساء‬
‫القبائل األخ ��رى؛ مشيرا إل��ى تأثر الموسيقى‬
‫القبيلة‪ ،‬فينظر إليهن ويتغنى بجمالهن‪ ،‬ولكنه‬
‫العربية هناك بموسيقى الزنوج األفارقة القديمة‬
‫ال يتزوج إال شاعرة من طبقة (المغنين)؛ لذا‬
‫المتوارثة عن اآلباء واألجداد‪.‬‬
‫ه��و يشاهد الفتيات دون أي شعور داخلي‬
‫ويتحدث في الفصل الرابع عن (الفنانين في‬
‫آخر‪..‬ألنه محروم من الزواج منهن‪ ،‬وتساعده‬
‫‪ 124‬اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫ق�������������������������������������������������������������راءات‬

‫في ذلك زوجته أو ابنته اللتان تتلقيان الهدايا بمدح المصطفى [‪..‬‬
‫والمنح والعطايا‪.‬‬
‫ويجيء الفصل الخامس واألخير ليعرض لنا‬
‫‪ -5‬الحدادون‪ :‬وهم الصناع (المعلمون)‪ ،‬يصنعون الحفالت الغنائية ف��ي ال�ص�ح��راء‪ ،‬فتشعر أنك‬
‫السيوف‪ ،‬وال�س�لاح‪ ،‬ورواح��ل اإلب��ل‪ ،‬وسروج تعيش ح��ال��ة ال مثيل لها م��ن ال �ط��رب والعزف‬
‫ال�خ�ي��ل‪ ،‬وال �ن �ع��ال‪ ،‬ون�ق��ش ال��ذه��ب والفضة‪ ،‬والغناء‪ ،‬فالكل يغني‪ ..‬المرأة والرجل والطفل‬
‫وال ��وس ��ائ ��د‪ ،‬وال� �خ� �ي ��ام‪ ،‬واآلالت الخشبية والفتاة والشاب‪ ،‬ولكل منهم أشكاله في الطرب‬
‫والجلدية وغيرها‪ ،‬وتقوم زوجاتهم بتزيين وال�م�ن��اس�ب��ات‪ ،‬ف�ع��زف ط�ب��ول (األم� ��زاد) والناي‬
‫العرائس باألصباغ والحناء والكحل‪ ،‬وهؤالء والشبابة واللغيطة وغيرها لدى عرب التوارق‪،‬‬
‫ال يتزوجون إال من طبقتهم‪.‬‬
‫ولكل مناسبة غ�ن��اؤه��ا‪ ..‬فهناك غناء لألفراح‬
‫‪ -6‬الحراطين‪ :‬وهم العبيد العتقاء الذين تحرروا‪ ،‬وآخ��ر للسمر الليلي‪ ،‬وث��ال��ث لسباقات الهجن‬
‫وم��ا زال��وا مرتبطين ب��أس�ي��اده��م‪ ..‬ويقومون وتسمية ال �م��ول��ود ال �ج��دي��د‪ ،‬وآخ ��ر للمناسبات‬
‫االجتماعية كليلة االحتفال بعاشوراء‪ ،‬والمولد‬
‫بالرعي وحرث األرض وتدبير أمور البيت‪.‬‬
‫‪ -7‬ال�ع�ب�ي��د‪ :‬وه ��م أس ��رى ال� �ح ��روب‪ ،‬وق ��د خلت النبوي وغيرهما‪.‬‬
‫الصحراء منهم هذه األيام‪.‬‬

‫وي �خ �ت��م ال �م��ؤل��ف ك �ت��اب��ه ب �خ��ات �م��ة يستحث‬

‫‪ -8‬األش��راف‪ :‬وه��ؤالء أصحاب المنزلة الرفيعة م��ن خ�لال�ه��ا الباحثين ل��دراس��ة ه��ذا المجتمع‬
‫ب�ي��ن س �ك��ان ال �ص �ح��راء ال �ك �ب��رى‪ ،‬ينحدرون ال �ص �ح��راوي اإلف��ري�ق��ي ال�ع��رب��ي‪ ،‬منبهاً للخطر‬
‫م��ن س�لال��ة ال��رس��ول [‪ ،‬م��ن ابنته فاطمة األوروبي الذي بدأ يتغلغل في تلك الديار‪ ،‬ليغير‬
‫ال��زه��راء وزوج�ه��ا علي بن طالب رض��ي الله في أنسابها وأعراقها باثاً فيها سمومه‪ ،‬زارعا‬
‫عنهما‪ .‬ونجد أسرا منهم موزعة بين القبائل الفتنة بغرض تقويض أرك��ان��ه وبنيانه وطمس‬
‫كقبيلة (الشريفن) في عرب التوارق‪ ،‬وقبيلة هويته وعروبته‪،‬‬
‫(افوغاس) في عرب توارق (كيدال) شمالي‬
‫وي �ع �ت��رف ال �م��ؤل��ف أن ه ��ذا ال �ب �ح��ث مفتاح‬
‫مالي‪ ..‬فهم ينحدرون من ساللة الحسن بن لدراسة الموسيقى العربية في الصحراء العربية‬
‫علي رضي الله عنهما‪،‬‬
‫اإلفريقية‪ ،‬داعيا المتخصصين إلثراء هذا البحث‬

‫وم��ن جدهم إدري��س بن إدري��س ال��ذي أسس الموسيقي الرائع ليتالحم مع التراث الموسيقي‬
‫دول��ة األدارس���ة ف��ي المغرب ف��ي ال�ق��رن الثاني العربي‪.‬‬
‫الهجري‪ ،‬وكثيرا ما يتزعم األشراف االنتفاضات‬
‫ويمثل هذا أنموذجاً فريداً لدراسة الموسيقى‪،‬‬
‫ضد الظلم أو المستعمرين في العصر الحديث‪ .‬ب��االت�س��اق م��ع علم األنثروبولوجيا والجغرافيا‬
‫وفي هذا الفصل‪ ،‬يصف السهرة الصحراوية‪ ،‬البشرية ل�لإط�لاع على حياة سكان الصحراء‬
‫والغناء ال��ذي يبدأ بذكر ال إله إال الله‪ ،‬وينتهي المترامية األطراف وفنونهم وثقافتهم‪.‬‬
‫* ‬

‫كاتب من طبرجل ‪ -‬الجوف‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪125‬‬

‫الكتاب ‪« :‬أسفار العزلة» عمل إبداعي جديد‬
‫املؤلف ‪ :‬الشاعرة العراقية منال الشيخ‬
‫الناشر ‪ :‬دار مالمح للنشر ‪ -‬القاهرة‬

‫> عبدالسالم دخان*‬
‫صدر عن دار مالمح للنشر بالقاهرة عمل إبداعي جديد للشاعرة العراقية المقيمة‬
‫بالنرويج منال الشيخ‪ ،‬التي صدر لها سابقا عن اتحاد أدب��اء العراق مجموعة سردية‬
‫بعنوان‪‹ :‬انحراف التوابيت›‪ ،‬وانطولوجيا للشعر العراقي الحديث بعنوان‪‹ :‬أمراء الرؤى›‬
‫التي صدرت في الجزائر ‪2007‬م‪ ،‬ويتسم هذا العمل األدبي الذي يقع في (‪ )123‬صفحة‬
‫من القطع المتوسط‪ ،‬بغالف من إنجاز ريهام ناجي‪ .‬وفهرسة ستة عشر سفرا‪ ،‬تتوسطها‬
‫أسفار تتساوق مع المتن اإلب��داع��ي ل‪« :‬أس�ف��ار العزلة»‪ ،‬مثل‪ :‬مقاليد سفر مجهول‪،‬‬
‫وتعريفات سفر عاق‪ ،‬سفرُ‪ ،‬وسفران خارج الكرب‪ ،‬وسفر حزين‪.‬‬
‫ول� �ع ��ل ت �س �م �ي��ة م� �ن ��ال ال �ش �ي��خ لعملها الصوفي والسياسي‪ .‬وق��د ذيلت الشاعرة‬
‫اإلبداعي ب‪ :‬نصوص نابعة من رغبتها في عملها بهوامش وإح��االت لنصوصها التي‬
‫الخروج من إشكال التجنيس لعمل يتداخل كتبت بين الشام والعراق (‪2007- 2005‬م)‪.‬‬
‫فيه الشعري والنثري إل��ى حد بعيد‪ ،‬لكنه‬
‫«في كل وقفة تجد غرابا قاريّ األجنحة‬
‫حافل بعوالم يهيمن عليها األل��م والمعاناة‬
‫منهكا يقف‪ ،‬يفكر كيف يواري جثة أخ لي‬
‫وال �ح �ص��ار‪ ،‬انعكاسا لما عانته الشاعرة‬
‫ولدته أمي ليكون ظهر القبيلة بعد انتهاء‬
‫وأسرتها في موطنها األصلي ب‪ :‬نينوى‪.‬‬
‫مدة صالحية وجودي‪.‬‬
‫وق ��د ش�ك�ل��ت ل�ك�ت��اب�ه��ا خ�لاص�ه��ا الجمالي‬
‫«أكاد أعرفه‬
‫م��ن بربرية ه��ذا االح �ت�لال‪ ،‬ل��ذل��ك‪ ،‬فرحلة‬
‫‪...‬‬
‫األسفار هي إبحار إبداعي عبر لغة رفيعة‪،‬‬
‫هو‬
‫وج �م��ال �ي��ات ت�ص��وي��ري��ة ف��ات�ن��ة ق��ائ�م��ة على‬
‫الصوفي الذي يحب الحبال‬
‫الوضوح‪ ،‬من أجل مد جسور التواصل مع‬
‫وتعليق عمره‬
‫المتلقي العربي على نحو تفاعلي‪.‬وتزاوج‬
‫على عكاز سؤال‬
‫منال الشيخ في «أسفار العزلة» بين الكتابة‬
‫هو الفيلسوف الذي يملك عينا ثالثة‬
‫الشعرية الشذرية والمتوسطة وبين المحكي‬
‫ال يراها إال المالئكة»‪.‬‬
‫الشعري المستند لمعجم خصب‪ ،‬يزاوج بين‬
‫* ‬

‫كاتب من المغرب‪.‬‬

‫‪ 126‬اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫ق�������������������������������������������������������������راءات‬

‫الكتاب ‪ :‬بناء الشخصية الرمزية في الرواية األردنية‬
‫(‪2003 -1967‬م)‬
‫املؤلف ‪ :‬رامي أبو شهاب‬
‫الناشر ‪ :‬أمانة عمان ‪2008‬‬

‫عن منشورات الدائرة الثقافية ألمانة عمان‪ ،‬صدر للكاتب والباحث رامي أبو شهاب‬
‫كتاب جديد بعنوان‪« :‬بناء الشخصية الرمزية في الرواية األردنية‪2003 – 1967( :‬م)‬
‫وفيه يبحث ال��دارس مفهوم الشخصية الروائية وانزياحاتها عن البنية التقليدية التي‬
‫اتسمت بها لدى الرواية الواقعية‪ .‬وتهدف هذه الدراسة إلى رصد التحوالت التي أصابت‬
‫الشخصية الروائية من تهميش وإقصاء وتجريد‪ ..‬إلى حد إسقاط االسم منها‪ ،‬والصفات‬
‫والبيانات التي تعمل على توضيحها في النسيج الروائي إلى حد اختزالها إلى مجرد اسم‬
‫أو رقم‪ ,‬أو تعميتها نتيجة عدة عوامل اجتماعية وتاريخية وسياسية وثقافية وغيرها‪ ،‬وقد‬
‫جاءت الدراسة في ثالثة فصول وتمهيد‪ ،‬عالج فيها الدارس مفهوم الشخصية الروائية‬
‫لدى العديد من االتجاهات التي ميزت الرواية األردنية والسيما الرواية الجديدة‪.‬‬

‫في الفصل األول يبحث الدارس أشكال ال�ن�ص��ي وال�م�ك��ان��ي والمتخيل والمعمى‪،‬‬
‫الشخصية ال��روائ�ي��ة التي ميزت الرواية عوضا عن أثر بنية الشخصية على اللغة‪.‬‬
‫األردنية‪ ،‬وتحديدا الرواية الجديدة‪ ،‬حيث‬
‫وق��د أق��ام ال ��دارس دراس �ت��ه على عدد‬
‫توصل الباحث إلى تحديد نماذج جديدة من الروايات لكتاب أردنيين‪ ،‬منهم‪ :‬مؤنس‬
‫من الشخصية الروائية منها‪ :‬الشخصية‬
‫الرزاز وتيسير سبول‪ ،‬وإبراهيم نصر الله‪،‬‬
‫األس��ط��وري��ة‪ ،‬وال �ع �ج��ائ �ب �ي��ة‪ ،‬والشخصية‬
‫وغسان زقطان‪ ،‬وأحمد الزعبي‪ ،‬وسميحة‬
‫ال �ب �ي �ض��اء‪ ،‬وال�ش�خ�ص�ي��ة ال �م �ض��ادة‪ .‬وفي‬
‫خ ��ري ��س‪ ،‬وأح� �م ��د ال �س �ن��اج �ل��ة‪ ،‬ورمضان‬
‫الفصل ال�ث��ان��ي يبحث ال���دارس سيمائية‬
‫رواش�� ��دة‪ ،‬وج �م��ال أب ��و ح��م��دان‪ ،‬وهاشم‬
‫االسم‪ ،‬إضافة إلى بنية الشخصية الرمزية‬
‫غرايبة‪ ،‬وغيرهم‪.‬‬
‫عبر االتكاء على تنظيرات فالديمير بورب‪،‬‬
‫رام��ي أب��و شهاب شاعر وناقد أردني‪،‬‬
‫وغريماس وفيليب ه��ام��ون‪ ،‬حيث تُدرس‬
‫الشخصية عبر الوظائف واألدوار وصيغ صدرت له مجموعة شعرية بعنوان «عدت يا‬
‫ال�ت�ق��دي��م‪ ،‬م��ن خ�ل�ال ال�م�ن�ظ��وري��ن الكمي سادتي بعد موت قصير» عن دار فضاءات‬
‫والنوعي للبيانات ال�س��ردي��ة‪ ،‬التي ميزت للنشر والتوزيع‪ ،‬إضافة إلى عدد كبير من‬
‫الشخصية الروائية‪ .‬وفي الفصل الثالث‪ ،‬الدراسات والبحوث والقصائد والمقاالت‬
‫ي ��درس ال�ك��ات��ب أث��ر الشخصية الروائية المنشورة في عدد من المجالت والدوريات‬
‫على العناصر السردية‪..‬كالزمن والفضاء والصحف العربية‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪127‬‬

‫الكتاب ‪ :‬حكايات شهرزاد الكورية‬
‫املؤلف ‪ :‬إيناس العباسي‬
‫الناشر ‪ :‬الدار العربية للعلوم ‪ -‬بيروت‬

‫عن الدار العربية للعلوم ناشرون ببيروت‪ ،‬صدر مؤخرا كتاب جديد للشاعرة‬
‫والكاتبة التونسية إيناس العباسي‪ ،‬بعنوان‪« :‬حكايات شهرزاد الكورية»‪ ،‬وهو كتاب‬
‫نقلت فيه صورا وقصصا عن الحياة والثقافة والناس في كوريا‪ ..‬مسافرة في‬
‫التاريخ والمكان والعادات والتقاليد‪ ،‬من خالل تجربة ستة أشهر التي قضتها في‬
‫سيول‪ ،‬وزارت فيها مدنا أخرى في كوريا الجنوبية‪..‬‬
‫يقع الكتاب في ‪ 136‬صفحة من الحجم المتوسط‪ ،‬ويتكون من فصول عديدة‬
‫ومتنوعة المواضيع‪ ..‬الفصول حملت عناوينا مثل‪ :‬أسطورة خلق كوريا‪ ،‬حمى‬
‫الرحيل‪ ،‬الوصول ودائرية التاريخ‪ ،‬مدينة اسمها سيول‪ ،‬كنائس وموتيالت‪ ،‬بوابات‬
‫وأسواق‪ ،‬شهرزاد تسافر مع ابن بطوطة‪ ،‬اللغة جزيرة للعزلة‪ ،‬الهان شريان سيول‪،‬‬
‫أشياء ال بد من ذكرها‪ ،‬ثقافة السوجو‪ ،‬جايجو جزيرة األحالم الكورية‪ ،‬كوانكجو‬
‫مدينة دمها أسود‪ ،‬العادات والتقاليد‪ ..‬الخ‪..‬‬
‫كما تضمن الكتاب جملة من الصور المتماشية مع المواضيع وثالثة حوارات‬
‫مطولة‪ :‬مع أشهر روائ��ي ك��وري جنوبي «هوانك سوك يونغ» ال��ذي تم ترشيحه‬
‫عدة مرات لجائزة نوبل‪ ,‬وحواراً مع إحدى «الهولماني» إحدى السيدات الالتي‬
‫تعرضن لوحشية االستعمار الياباني في بدايات القرن الماضي‪ ،‬إضافة إلى‬
‫حوار مع «كيم يونغ إيل» أحد الهاربين من كوريا الشمالية إلى كوريا الجنوبية في‬
‫التسعينيات‪..‬‬

‫‪ 128‬اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

You're Reading a Free Preview

تحميل
scribd
/*********** DO NOT ALTER ANYTHING BELOW THIS LINE ! ************/ var s_code=s.t();if(s_code)document.write(s_code)//-->