P. 1
29JobaLayout_29

29JobaLayout_29

|Views: 42|Likes:
منشور بواسطةaljoubah

تهدف إدارة مؤسسة عبدالرحمن السديري الخيرية من خلال تبنّي إصدار مجلة «الجوبة» إلى الإسهام في نمو الحركة الثقافية والأدبية بالجوف وازدهارها, ورعاية الأقلام الشابة من أبناء وبنات المنطقة. وتوفير وعاء نشر للكتّاب والأدباء يتيح لهم نشر إبداعاتهم وكتاباتهم الأدبية والثقافية. وتعمل الجوبة على استكتاب المبدعين والموهوبين في مجالات الأدب والشعر والمقالة من أبناء المنطقة, وهي بذلك تتيح لهم فرص الحراك الثقافي والتفاعل مع الأدباء والمثقفين من داخل المملكة العربية السعودية وخارجها.

رئيس التحرير المشرف العام
إبراهيم بن موسى الحميد

aljoubah@gmail.com

http://aljoubah.org/ar/issues/issues.html

http://issuu.com/aljoubah

http://www.twitter.com/aljoubah

http://facebook.com/aljoubah.org

http://www.scribd.com/aljoubah

تهدف إدارة مؤسسة عبدالرحمن السديري الخيرية من خلال تبنّي إصدار مجلة «الجوبة» إلى الإسهام في نمو الحركة الثقافية والأدبية بالجوف وازدهارها, ورعاية الأقلام الشابة من أبناء وبنات المنطقة. وتوفير وعاء نشر للكتّاب والأدباء يتيح لهم نشر إبداعاتهم وكتاباتهم الأدبية والثقافية. وتعمل الجوبة على استكتاب المبدعين والموهوبين في مجالات الأدب والشعر والمقالة من أبناء المنطقة, وهي بذلك تتيح لهم فرص الحراك الثقافي والتفاعل مع الأدباء والمثقفين من داخل المملكة العربية السعودية وخارجها.

رئيس التحرير المشرف العام
إبراهيم بن موسى الحميد

aljoubah@gmail.com

http://aljoubah.org/ar/issues/issues.html

http://issuu.com/aljoubah

http://www.twitter.com/aljoubah

http://facebook.com/aljoubah.org

http://www.scribd.com/aljoubah

More info:

Published by: aljoubah on Jun 18, 2012
حقوق الطبع:Attribution Non-commercial

Availability:

Read on Scribd mobile: iPhone, iPad and Android.
download as PDF, TXT or read online from Scribd
See more
See less

09/12/2012

pdf

text

original

‫‪ -‬العدد ‪ - 29‬خريف ‪1431‬هـ ‪2010 -‬م‬

‫من إصدارات مؤسسة عبدالرحمن السديري اخليرية‬

‫ملف العدد‬

‫غازي القصيبي ‪ ..‬أيقونة إنسانية لإلبداع‬
‫مبشاركة ‪ :‬خلف القرشي‪ ،‬عمران عز الدين‪ ،‬محمد جميل أحمد‪،‬‬
‫عبدالدامي السالمي‪ ،‬مالك اخلالدي‪ ،‬عمار اجلنيدي‪ ،‬أحمد الدمناتي‪،‬‬
‫خالد فهمي‪ ،‬سمير الشريف‪ ،‬سناء الشعالن‪ ،‬موسى البدري‬

‫‪29‬‬

‫دراسات و إبداعات شعرية وقصصية و حوارات‬

‫‪29‬‬

‫من إصدارات اجلوبة‬

‫صورة لممر في حي الضلع األثري القديم بمدينة سكاكا‬

‫مقطع من منزل أثري في حي الضلع القديم بمدينة سكاكا‬
‫تعلوه قلعة زعبل حامية المدينة‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫‪1‬‬

‫العدد ‪29‬‬
‫خريف ‪1431‬هـ ‪2010 -‬م‬

‫ملف ثقافي ربع سنوي‬
‫يصدر عن مؤسسة عبدالرحمن السديري اخليرية‬

‫املشرف العام‬
‫إبراهيم احلميد‬
‫املراسالت‬
‫توجه باسم املشرف العام‬
‫ّ‬

‫هاتف‪)+966( )4( 6245992 :‬‬
‫فاكس‪)+966( )4( 6247780 :‬‬
‫ص‪ .‬ب ‪ 458‬سكاكا‬
‫اجلـ ــوف ‪ -‬اململكة العربية السعودية‬
‫‪aljoubah@gmail. com‬‬
‫‪www. aljoubah. com‬‬

‫ردمد ‪ISSN 1319 - 2566‬‬

‫سعر النسخة ‪ 8‬رياالت‬
‫تطلب من الشركة الوطنية للتوزيع‬

‫قواعد النشر‬

‫‪ - 1‬أن تكون املادة أصيلة‪.‬‬
‫‪ - 2‬لم يسبق نشرها‪.‬‬
‫‪ - 3‬تراعي اجلدية واملوضوعية‪.‬‬
‫‪ - 4‬تخضع املواد للمراجعة والتحكيم قبل نشرها‪.‬‬
‫‪ - 5‬ترتيب املواد في العدد يخضع العتبارات فنية‪.‬‬
‫‪ - 6‬ترحب اجلوبة بإسهامات املبدعني والباحثني والكتّاب‪،‬‬
‫على أن تكون املادة باللغة العربية‪.‬‬
‫«اجلوبة» من األسماء التي كانت تُطلق على منطقة اجلوف سابق ًا‪.‬‬

‫الناش ـ ـ ـ ــر‪ :‬مؤسسة عبدالرحمن السديري اخليرية‬
‫أسسها األمير عبدالرحمن بن أحمد السديري (أمير منطقة اجلوف من ‪1362/9/5‬هـ‬
‫ ‪1410/7/1‬هـ املوافق ‪1943/9/4‬م ‪1990/1/27 -‬م) بهدف إدارة ومتويل املكتبة العامة‬‫التي أنشأها عام ‪1383‬هـ املعروفة باسم دار اجلوف للعلوم‪ .‬وتتضمن برامج املؤسسة‬
‫نشر الدراسات واإلبداعات األدبية‪ ،‬ودعم البحوث والرسائل العلمية‪ ،‬وإصدار مجلة‬
‫دورية‪ ،‬وجائزة األمير عبدالرحمن السديري للتفوق العلمي‪ ،‬كما أنشأت روضة ومدارس‬
‫الرحمانية األهلية للبنني والبنات‪ ،‬وجامع الرحمانية‪.‬‬
‫‪2‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫الـمحتويــــات‬

‫االفتتاحية‪4.............................................................‬‬

‫‪6.......................‬‬
‫رحيل القصيبي‪..‬‬
‫رجل الدبلوماسية واألدب‬

‫ملف العدد‪ :‬رحيل القصيبي‪ ..‬رجل الدبلوماسية واألدب‪6...........‬‬
‫دراسات‪ :‬اللهجات العربية في القرآن الكريم ‪ -‬الحسين اإلدريسي‪52...‬‬
‫المفاضلة بين الشعراء ‪ -‬د‪ .‬ثناء عياش ‪62..........................‬‬
‫قصص قصيرة‪ :‬أكبر من الجرح ‪ -‬مالك الخالدي ‪71...............‬‬
‫البئر ‪ -‬زكريا العباد‪73...............................................‬‬
‫حفلة تنكر‪ - ..‬شمس علي‪75........................................‬‬
‫قصص قصيرة جدا ‪ -‬محمد صوانه‪77.............................‬‬

‫‪48.....................‬‬
‫الشاعرة السعودية‬
‫د‪ .‬أشجان محمد هندي‬

‫ْس ‪ -‬د‪ .‬سعد عبدالقادر العاقب ‪78..................‬‬
‫شعر‪َ :‬ك ِل َم ٌُة ِلل ْ ُقد ِ‬
‫إذا مت ال تخبروها بموتي ‪ -‬محمد حرب الرمحي ‪80..............‬‬
‫ألوان حُ زني ‪ -‬زكية نجم ‪81..........................................‬‬
‫مضطرِ بة ‪ -‬محمود قطان‪82..................‬‬
‫قَصيدةٌ‪ ...‬إِلى امرأةٍ َّ‬
‫يحدث أحيانا ‪ -‬عبير يوسف ‪83.....................................‬‬
‫مصير الوردة ‪ -‬طارق فراج‪84.......................................‬‬
‫نقد‪« :‬الترام األخير» للروائيّ التركيّ نديم جورسيل ‪ -‬هيثم حسين‪85...‬‬

‫‪96.....................‬‬
‫فخري صالح يتحدث عن عبده خال‬

‫رواية «الخوف» للروائي المغربي رشيد الجلولي ‪ -‬د‪ .‬عبدالجبار‬
‫العلمي‪88...........................................................‬‬
‫مخلوقات األب ‪ -‬سعد الرفاعي‪90..................................‬‬
‫إيروس في الرواية ‪ -‬هشام بن الشاوي ‪93..........................‬‬
‫مواجهات‪ :‬حوار مع فخري صالح ‪ -‬محمد البشتاوي‪96.............‬‬
‫حوار مع كاتبة أدب األطفال‪ ..‬روضة الهدهد ‪ -‬د‪ .‬دعاء صابر‪104...‬‬
‫نوافذ‪ :‬الجوف حلوة ‪ -‬فواز جعفر‪109................................‬‬

‫‪126....................‬‬
‫اللواء ركن م‪ /‬معاشي ذوقان العطية‬

‫شاهد عيان على ذلك الزمان‬
‫‪1948-1946‬م‬

‫الغالف‪ :‬صورة د‪ .‬القصيبي وجنله‬
‫األكبر سهيل‪.‬‬

‫المجد لألنثى ‪ -‬عبدالناصر بن عبدالرحمن الزيد ‪110.............‬‬
‫القص السعوديّ وخصائصه‪ -‬مصطفى الصوفي ‪114.....‬‬
‫ّ‬
‫تطور فنّ‬
‫موافقات شعرية ‪ -‬نورا العلي‪116....................................‬‬
‫مال واقتصاد‪ :‬أحكام اقتصادية في آي��ات قرآنية ‪ -‬أ‪ .‬د‪ .‬محمود‬
‫الوادي‪119............................................................‬‬
‫قراءات‪124...........................................................:‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫‪3‬‬

‫القصيبي‪..‬‬

‫أيقونة متقدة على مر األجيال‬
‫> إبراهيم احلميد‬

‫لم يخيب معالي الدكتور غازي القصيبي رحمه الله محبيه يوما‪ ،‬فقد‬

‫بقي غازي هو ذاته‪ ،‬غازي اإلنسان‪ ,‬األديب حينا‪ ،‬واملفكر أحيانا‪ ،‬ورجل‬

‫الدولة احلاضر في كل األمكنة‪ ،‬إال أن اإلنسان بقي فيه في جميع املراحل‬
‫التي تقلب فيها أستاذا ووزيرا وسفيراً‪ ،‬وهذا مكمن سحر الرجل الذي ظل‬
‫مبهراً‪ ،‬وقامة محملة بالعز‪ ،‬حتى وهو يقود معاركه على جميع اجلبهات؛ لم‬
‫يسىء حتى ملن أساءوا فهمه‪ ،‬أو أساءوا له‪ ،‬حتى أصبح التسامح سمة من‬

‫سماته التي نتعلم منها‪ ،‬فلم تؤثر فيه التقلبات واألهواء‪ ،‬وكان بحق فارس‬

‫الكلمة وشاعر الصدق ورجل الدولة والوطن‪.‬‬

‫بغياب غ��ازي القصيبي‪ ،‬فقدت الساحة الثقافية في اململكة العربية‬

‫السعودية‪ ،‬والعالم العربي واإلسالمي‪ ،‬علما من أعالمها‪ ،‬ومثقفا موسوعيا‪،‬‬
‫َّ‬
‫قل أن يجود الزمان مبثله‪ ،‬حتى لتخال أنك أمام رجل ال ينتمي لزماننا‪،‬‬
‫ولهذا كانت فجيعة املوت‪ ،‬والرحيل أكبر من أن توصف لدى كل محبيه‪،‬‬

‫وممن هم رزئوا برحيله‪.‬‬

‫لن نأتي بجديد بعد أن ذرف��ت احملابر مئات املقاالت وسالت مدادا‪،‬‬

‫تنقب في سيرة القصيبي وتثري مكتبتنا العربية‪ ،‬وهكذا فإن استذكار‬
‫الدكتور غازي واستعادته في مقاالت أو ملفات أو كتب‪ ،‬لن توفيه حقه الذي‬
‫يستحقه في رياديته‪ ،‬وحضوره الذي سجله في كافة املواقع التي شغلها‪ ،‬وال‬

‫في فضله على ثقافتنا العربية واحمللية‪ .‬وما إسهام اجلوبة في ملفها الذي‬

‫تخصصه عنه إال نقطة ضوء تشعلها في بحر هذه الكتابات عن الراحل‬

‫الكبير الذي مأل الدنيا ثقافة وأدبا‪.‬‬

‫‪4‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫اف�����������ت�����������ت�����������اح�����������ي�����������ة‬

‫لقد كان املشهد الثقافي في اململكة العربية السعودية حتى بروز ظاهرة‬

‫الدكتور غ��ازي القصيبي بال أيقونة‪ ،‬أو مبعنى آخ��ر‪ ..‬بال مثقف يحظى‬

‫باإلجماع من مختلف األط�ي��اف‪ ،‬رغ��م العدد الكبير للروائيني والشعراء‬
‫واملثقفني الذين مروا على ثقافة هذه البالد منذ تأسيسها! وقد آن لغازي‬

‫أن يكونها‪ ،‬ألنه لن يرحل أبدا‪ ،‬فهو حاضر اليوم مثلما كان باألمس‪ ،‬وسيبقى‬
‫إن شاء الله حاضرا في املستقبل‪ ،‬بعد أن أورث مكتبة قل نظيرها‪ ،‬محملة‬

‫بالتجارب واخلبرة واإلبداع‪ ،‬وترك بصمة عظيمة في ثقافتنا العربية وحياتنا‬
‫اإلدارية‪ .‬وكما يقول صديقنا الشاعر السوداني محمد جميل أحمد «فهو‬

‫لم يكن مجرد أديب عابر في حياته املديدة‪ ،‬كما لم يكن إداريا ودبلوماسيا‬

‫عاديا‪ .‬كان باستمرار شخصا ميزج ويستقطب املهام مبعيار دقيق‪ ،‬ويقف‬

‫بها في مهب التحوالت؛ ليؤكد من خاللها أن وجوده في األدب ال يوازي‬

‫وجوده في الدبلوماسية واإلدارة فحسب‪ ،‬بل أيضا يؤكد أن ما ينعكس من‬
‫أدبه في مجال الدبلوماسية‪ ..‬وهو في ذات الوقت تعبير عن دبلوماسيته‬

‫جسد غازي القصيبي يرحمه الله في الزمن الذي عاش فيه‬
‫املؤدبة‪ ،‬وقد ّ‬
‫وما شهده ذلك الزمن من حتوالت‪ ،‬قناعات كان من الصعب الوصول إليها‬

‫دون التوفر على معرفة عميقة‪ ،‬ونفس كبيرة‪ ،‬واستعداد للتعلم من كل شيء‪،‬‬
‫وتواضع واهتمام بأدق تفاصيل املهنة والوظيفة واألمانة»‪ ،‬ما يجعل منه‬

‫أيقونة متقدة تبقى على مر األجيال‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫‪5‬‬

‫رحيل القصيبي‪..‬‬

‫رجل الدبلوماسية واألدب‬
‫> إعداد‪ :‬محمود الرمحي‬

‫قبل أسابيع‪ ..‬رحل عنا الشاعر والروائي السعودي المتميز الدكتور غازي القصيبي‪ ..‬وبرحيله تكون‬
‫الثقافية السعودية قد خسرت واحد ًا من أبرز أعالمها المثقفين والمبدعين‪ ،‬خاصة وأن الفقيد كان له‬
‫حضو ٌر قوي وكبير‪ ..‬ليس في المشهد السعودي فقط‪ ،‬ولكن في الساحة الخليجية والعربية والدولية‪،‬‬
‫بشكل عام‪.‬‬
‫فقد عرفناه أديب ًا وشاعر ًا مؤثراً‪ ،‬وصاحب مواقف مشرفة‪ ،‬نجح وبجدارة في الجمع بين اإلبداع‬
‫والعمل الوظيفي‪ ،‬في الوقت الذي فشل فيه آخرون‪ ،‬وآثروا االعتزال‪ ..‬لقد كان ملم ًا بقضايا واقعه‬
‫وأمته‪ ،‬ظهر ذلك جلي ًا من خالل دواوينه وإصداراته اإلبداعية المختلفة‪ ،‬فض ًال عن كتاباته الصحافية‬
‫المتنوعة‪.‬‬
‫لم يكن القصيبي رج ًال عادياً‪ ،‬بل كان مفكر ًا كبيراً‪ ،‬وأديب ًا ساخر ًا بكلّ ما لهذه الكلمة من معنى‪،‬‬
‫شأنه في ذلك شأن كِ بَار الكُ تَّاب الذين أنجبتهم المعمورة‪ ،‬أو الساحة األدبية‪ ،‬العربية على األقل‪ .‬لذا‪،‬‬
‫يتوجب علينا أن ننصف هذا الرجل وأدبه‪ ،‬وهذه من أبسط حقوقه علينا‪.‬‬
‫ولهذا‪ ,‬ارتأت الجوبه تخصيص ملف للراحل الكبير‪ ،‬استقطبت فيه العديد من الكتاب السعوديين‬
‫والعرب‪ ،‬سائلين المولى عز وجل أن يرحم الراحل الكبير‪ ،‬ويسكنه فسيح جناته‪.‬‬

‫‪6‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫ولد القصيبي في اليوم الثاني من شهر مارس‬
‫عام ‪1940‬م في منطقة اإلحساء بالمملكة العربية‬
‫ال�س�ع��ودي��ة‪ ..‬ف��ي بيئة «مشبعة بالكآبة»‪ ،‬فقبل‬
‫والدت��ه بقليل‪ ..‬توفي جده لوالدته‪ ،‬وبعد تسعة‬
‫أشهر من والدته توفيت والدته‪ ,‬وإلى جانب ذلك‬
‫كله لم يكن له أقران أو أطفال ‪ -‬من سني عمره‬
‫ يؤنسونه‪ .‬وفي ذلك يقول «ترعرعت متأرجحا‬‫بين قطبين أولهما أب ��ي‪ ..‬وك��ان يتسم بالشدة‬
‫والصرامة (فكان ال�خ��روج إل��ى ال�ش��ارع محرّما‬
‫على سبيل المثال)‪ ،‬وثانيهما جدتي ألمي‪ ،‬وكانت‬
‫تتصف بالحنان المفرط والشفقة المتناهية على‬
‫الصغير اليتيم»‪.‬‬
‫لم يستمر جو الكآبة‪ ،‬ول��م تستبد به العزلة‬
‫طويالً‪ ،‬بل ساعدته المدرسة على التحرر من تلك‬
‫الصبغة التي نشأ فيها‪ ،‬ليجد نفسه مع الدراسة‪..‬‬
‫بين أصدقاء متعددين‪ ،‬ووسط صحبة جميلة‪.‬‬
‫قضى في اإلحساء سنوات عمره األولى‪ .‬انتقل‬
‫بعدها إلى المنامة بالبحرين ليدرس فيها مراحل‬
‫ال�ت�ع�ل�ي��م‪ .‬ن ��ال ل�ي�س��ان��س ال �ح �ق��وق من‬
‫جامعة القاهرة‪ ،‬ثم تحصل على درجة‬
‫الماجستير في العالقات الدولية من‬
‫جامعة جنوب كاليفورنيا‪ ،‬التي لم يكن‬
‫يريد الدراسة فيها‪ ،‬لكن ظروفا خاصة‬
‫أجبرته على ذلك‪ ..‬وعلى الدكتوراه في‬
‫ال�ع�لاق��ات ال��دول�ي��ة م��ن جامعة لندن‪،‬‬
‫وكانت رسالته فيها حول اليمن‪ ,‬كما جاء‬
‫في كتابه الشهير «حياةٌ في اإلدارة»‪.‬‬

‫املناصب التي تقلدها‬
‫ •أس � �ت� ��اذاً م� �س ��اع ��داً ف ��ي ك �ل �ي��ة التجارة‬
‫ب �ج��ام �ع��ة ال �م �ل��ك س� �ع ��ود ف ��ي الرياض‬
‫‪1385/1965‬هـ‪.‬‬

‫ •عميدا لكلية العلوم اإلدارية بجامعة الملك‬
‫سعود ‪1391/1971‬هـ‪.‬‬
‫ •مديرا للمؤسسة العامة للسكك الحديدية‬
‫‪1393/1973‬هـ‪.‬‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫مولده ونشأته‪..‬‬

‫ •ع �م��ل م �س �ت �ش��ارا ق��ان��ون �ي��ا ف ��ي مكاتب‬
‫استشارية‪ ،‬وفي وزارة الدفاع والطيران‪،‬‬
‫ووزارة المالية‪ ،‬ومعهد اإلدارة العامة‪.‬‬

‫ •وزي� � � � � � ��را ل � �ل � �ص � �ن� ��اع� ��ة وال� � �ك� � �ه � ��رب � ��اء‬
‫‪1396/1976‬هـ‪.‬‬
‫ •وزيرا للصحة ‪1402/1982‬هـ‬
‫ •سفيرا للسعودية لدى‬
‫ولدى‬
‫‪1404/1984‬هـ‪.‬‬
‫‪1412/1992‬هـ‪.‬‬

‫البحرين‬
‫بريطانيا‬

‫ •وزيرا للمياه والكهرباء ‪1423/2003‬هـ‪.‬‬
‫ •وزيرا للعمل ‪1425/2005‬هـ‪.‬‬
‫ •والقصيبي شاعر تقليدي كالسيكي‪ ،‬منحاز‬
‫في كالسيكيته إل��ى لغة بسيطة وسهلة‪،‬‬
‫يعوّضها تنوّع المضامين واألفكار‪،‬‬
‫وقد أحدثت رواياته وشعره الكثير‬
‫من الضجّ ة والسجاالت حولها‪ ،‬أما‬
‫منجزه الشعري فيربو على الخمسة‬
‫عشر مؤلفا باللغة العربية‪ ..‬ونحو‬
‫خمسة مؤلفات باللغة االنجليزية‪.‬‬
‫ • ُمنِح وسام الملك عبدالعزيز‪،‬‬
‫وع� � ��دداً م ��ن األوس� �م ��ة الرفيعة‬
‫م��ن دول ع��رب�ي��ة وع��ال�م�ي��ة‪ .‬لديه‬
‫اهتمامات اجتماعية‪ ..‬فهو عضو في‬
‫جمعية األط �ف��ال المعاقين السعودية‪،‬‬
‫وع� �ض ��و ف� �ع ��ال ف ��ي م �ج��ال��س وهيئات‬
‫حكومية كثيرة‪.‬‬
‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫‪7‬‬

‫القصيبي بين السياسة واألدب!‬
‫خلف سرحان القرشي ‪ -‬السعودية‬
‫العالقة بين السياسة واألدب عالقة مضطربة نوعا ما؛ فالسياسة تعنى‬
‫بالمصالح‪ ،‬وكثيرا ما تكون هذه المصالح على حساب قيم ومبادئ ومثل‪..‬‬
‫بينما األدب الحقيقي يعنى باإلنسان وقضاياه‪ ،‬ويكرس القيم العليا‪ ،‬ويغرس‬
‫المبادئ الفاضلة‪ ،‬ويسعى لتحقيق إنسانية اإلنسان وحفظ حقوقه‪ .‬يقول‬
‫األديب األمريكي (وليام فوكنر) في خطبته أثناء استالمه جائزة نوبل لألدب‬
‫عام ‪1950‬م‪( :‬إن امتياز أي كاتب وبراعته تكمن في مساعدته لإلنسان على‬
‫التحمل‪ ،‬وزي��ادة مقاييس الصبر لديه‪ ،‬وذلك عبر تذكيره دوما بالشجاعة‬
‫والشرف والمجد وغيرها من القيم الحقيقية‪ .‬إنه امتياز المبدع وشرفه‪..‬‬
‫أن يساعد الناس بإعادتهم إليمانهم وثقتهم في الجنس البشري‪ .‬إنه واجب الكاتب أن يعلم الناس‬
‫الشجاعة‪ ،‬الشرف‪ ،‬األمل‪ ،‬الكبرياء‪ ،‬الشفقة‪ ،‬الرحمة والتضحية)(‪.)1‬‬
‫ف�ط��ال�م��ا األدب ي�ع�ن��ى ب��اإلن �س��ان وقضاياه‬
‫وحقوقه‪ ،‬فكيف له أن يرتبط بالسياسة‪ ،‬وفي‬
‫الوقت نفسه‪ ..‬كيف له أن يبقى بمعزل عنها وهي‬
‫– أعني السياسة ‪ -‬متحكمة دوم��ا ف��ي مصير‬
‫اإلن�س��ان ش��دة ورخ ��اء‪ ،‬ب��ل وف��ي مصير الشعوب‬
‫سلما وحربا‪ ،‬استعمارا واستعبادا؟‬
‫إننا عندما نسبر تاريخ اإلنسان‪ ،‬نجد أن األدب‬
‫يضع إمكاناته الهائلة في التأثير لصالح السياسة‬
‫أو ضدها‪ ،‬واألدب الحق الخالد هو الذي ينأى‬
‫بنفسه عن أن يكون بوقا لشعارات السياسيين‪..‬‬
‫ما لم تكن تلك الشعارات أصيلة صادقة ونبيلة‪،‬‬
‫تتماشى مع قيم الخير والجمال‪ ..‬وتسعى إلسعاد‬
‫اإلنسان أينما حل‪ ،‬وحيثما ارتحل‪ ،‬وفق ما كفلته‬
‫األديان السماوية‪ ،‬والقوانين الدولية‪ ،‬والمواثيق‬
‫األممية‪.‬‬

‫م��ره��ون��ة ب �ق��درة األداء الدبلوماسي ف��ي العمل‬
‫على تطويرها ونموها وديمومتها‪ ..‬ويجمع العالم‬
‫على أن الدبلوماسية هي فن قائم بذاته‪ ،‬فن له‬
‫مكوناته الفكرية والثقافية والمهنية‪ .‬وقد برعت‬
‫ال��والي��ات المتحدة األمريكية وال��دول األوروبية‬
‫وروسيا والصين في استخدام فن الدبلوماسية‬
‫لنشر ثقافتها واق�ت�ص��اده��ا وت�ج��ارت�ه��ا‪ ،‬وفرض‬
‫نفوذها في أنحاء العالم‪.‬‬

‫وال��دب �ل��وم��اس��ي ال �م �ح �ت��رف ه ��و م ��ن يمتلك‬
‫القدرات المهنية والفكرية والثقافية التي تستطيع‬
‫أن تستوعب ثقافة اآلخر‪ ،‬وتخلق تفهماً مشتركاً‬
‫لتحقيق المصالح المشتركة التي تهدف إليها‬
‫الدول من خالل العالقات السياسية‪ ..‬واألدب هنا‬
‫بينها واحد من األدوات الثقافية التي تستخدمها‬
‫الدبلوماسية‪ .‬والشعر واحد من مفردات التعبير‬
‫يقول الشاعر والدبلوماسي اليمني الدكتور الدبلوماسي الذي يسهم في تعزيز العالقات من‬
‫ص�ل�اح ع�ل��ي أح �م��د ال�ع�ن�س��ي ع��ن ال �ع�لاق��ة بين خالل مخاطبة وج��دان الثقافات األخ��رى‪ ..‬بما‬
‫السياسة واألدب‪( :‬تعتبر الدبلوماسية هي األداة يخدم ويعزز مقام الدولة لدى الدول األخرى)(‪.)2‬‬
‫وعندما يخدم األديب بنتاجه األدبي؛ شعرا كان‬
‫التنفيذية للسياسة الخارجية في مجال العالقات‬
‫ال�س�ي��اس�ي��ة ب�ي��ن ال� ��دول‪ ،‬وت �ظ��ل ه��ذه العالقات أو نثرا سياسة عادلة – إن صح التعبير – فإنه‬

‫‪8‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫خادم الحرمين الشريفين يسلم وثائق المباركة السامية للدكتور غازي القصيبي‬

‫يمارس رسالته المنوطة بعاتقه تجاه اإلنسان‪..‬‬
‫بوصفه أحد أقطاب التنوير والتوجيه والتثقيف‬
‫(اإلنتلجنسيا)‪.‬‬
‫أدرك الدكتور غازي القصيبي ‪-‬يرحمه الله‪-‬‬
‫ببعد نظره‪ ،‬وثاقب بصيرته‪ ،‬وم��ا توفر له من‬
‫أدوات وظروف وإمكانات تلك الحقيقة‪ ،‬فوظف‬
‫إبداعه األدبي‪ ،‬أو جزءاً منه على األقل لخدمة‬
‫قضايا إنسانية عادلة‪ ..‬تقاطع فيها مع السياسة‪،‬‬
‫وليس أدل على ذلك من قصائده الشعرية التي‬
‫جادت بها قريحته أيام الغزو العراقي للكويت‪،‬‬
‫ومنها قصيدته الشهيرة (أقسمت يا كويت)‪ ،‬وهي‬
‫القصيدة التي عبر فيها عن مشاعر وأحاسيس‬
‫وأمنيات الماليين من الناس الرافضة للغزو‪،‬‬
‫وليس غريبا أن يتحقق قسم القصيبي‪ ،‬وتكافئه‬
‫ح�ك��وم��ة ال�ك��وي��ت وشعبها فيما ب �ع��د‪ ..‬بمنحه‬
‫تكريما ووساما يليق ب��ه(‪ .)3‬وفي تلك القصيدة‬
‫يقول‪:‬‬

‫أقسمت يا كويت‬
‫برب هذا البيت‬
‫سترجعين من خنادق الظالم‬
‫لؤلؤة رائعة‬
‫كروعة السالم‬
‫***‬
‫أقسمت يا كويت‬
‫برب هذا البيت‬
‫سترجعين من بنادق الغزاة‬
‫أغنية رائعة‬
‫كروعة الحياة‬

‫***‬
‫أقسمت يا كويت‬
‫برب هذا البيت‬
‫سترجعين من جحافل التتار‬
‫حمامة رائعة‬
‫كروعة النهار‬
‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫‪9‬‬

‫ويسأل الناس‪« :‬أين الكويت؟!»‬
‫كويت! يا كويت‬
‫يا وردة صغيرة‬
‫تنبثق إرادة الحياة‪..‬‬
‫قد صدمت بعطرها صدام‬
‫وترفض الحمامة الصغيرة أن تلثم األغالل‪..‬‬
‫وهزت بعطرها‬
‫ويدوي نداء التحرير‬
‫الغدر والجحود واإلجرام‪.‬‬
‫ويعود الفجر مسلحا بألف فراشة‪...‬‬
‫وال�ق�ص�ي�ب��ي ي��ول��ي ن�ت��اج��ه األدب� ��ي ع�م��وم��ا ‪-‬بما وتنبت في الرمال نخلة حمراء‪..‬‬
‫فيه السياسي م�ن��ه‪ -‬عناية خ��اص��ة‪ ،‬واهتماما طالعة من دم الشهداء والشهيدات‪..‬‬
‫شديدا‪ .‬ويبرز هذا جليا في قصيدته المعنونة بـ ويرتفع األذان‪..‬‬
‫(الحمامة والكابوس)‪ ،‬التي أبدعها القصيبي بعد‬
‫***‬
‫تحرير الكويت بخمس سنوات‪ ،‬يتجلى لنا تمكن وتنقر الحمامة األغالل‪ ..‬فتسقط‪..‬‬
‫القصيبي من أدوات��ه اإلبداعية‪ ،‬فرغم موضوع‬
‫***‬
‫القصيدة المباشر‪ ،‬إال أن القصيبي يلبسه حلال ومرت خمس سنوات‪..‬‬
‫إبداعية من الصور واللغة السردية‪:‬‬
‫نسي الطاغية عهد القهقهة‪..‬‬
‫كان الليل مظلما ‪ -‬كضمير الطاغية‪..‬‬
‫واختفى بعيدا عن دُ مى الموت والدمار‬
‫عندما تسربت خفافيش الغدر‪..‬‬
‫وأصيبت الخفافيش بالذعر‪..‬‬
‫على جناح كابوس بشع‪..‬‬
‫وتهاوت مع أشعة الشمس‪..‬‬
‫وهاجمت حمامة وادعة نائمة‪..‬‬
‫***‬
‫في عش صغير بقرب الساحل‬
‫وفي العش الوادع الصغير‪..‬‬
‫***‬
‫وكان اسم الحمامة «الكويت»‪..‬‬

‫***‬
‫نشيج صامت‪..‬‬
‫ٌ‬
‫لف الفج َر‬
‫والحمامة تتململ في أغالل من حديد‪..‬‬
‫والعش محاصر بالدبابات‪..‬‬
‫والدوريات تعتقل كل حلم في العيون‪..‬‬
‫وتصادر كل ابتسامة في الشفاه‪..‬‬
‫***‬
‫وقال من قال «‪ :‬ذهبت الكويت‪» .‬‬

‫***‬
‫واستلقى الطاغية على عرش من الجماجم‬
‫يستعرض دمى الموت والدمار‬
‫تمر فوق القبور‪ ..‬ثم يقهقه‪..‬‬
‫وتضحك الخفافيش في كل مكان طربا‪..‬‬
‫***‬

‫‪10‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫تصدح حمامة وادعة صغيرة‪..‬‬
‫بكل أغاني الحب والحياة واألمل‪..‬‬
‫***‬
‫اسم الحمامة «الكويت»!‬

‫وف��ي س�ي��اق م��زاوج��ة القصيبي ال�م�ب��دع مع‬
‫القصيبي السياسي‪ ،‬ت��أت��ي قصيدته الغنائية‬
‫المشهورة (ن �ع��م‪ ..‬نحن الحجاز ونحن نجد)‪،‬‬
‫ردا على م�م��ارس��ات اإلع�ل�ام ال�ع��راق��ي حينها‪،‬‬
‫ح �ي��ث ت��وق��ف ع��ن تسمية ال �س �ع��ودي��ة باسمها‬
‫الوحيد والمعروف (المملكة العربية السعودية)‪،‬‬
‫واستعاض عنه ب �ـ(دي��ار الحجاز ون�ج��د)‪ ،‬وأتت‬
‫قصيدة القصيبي لترد عليه‪ ،‬ولتحول حجته‬
‫ومقولته إلى دليل عليه‪ ،‬على مبدأ‪( :‬من فمك‬
‫أدي�ن��ك)‪ ،‬وه��ذه ملكة ال يقوى عليها إال المبدع‬
‫الحقيقي وفيها يقول‪:‬‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫صاحب السمو الملكي األمير نايف مع وزير العمل‬

‫أج��ل نحن الحجاز ونحن نـجد‬
‫ه��ن��ا م��ج��د ل��ن��ا وه���ن���اك مـجـد‬
‫ون��ح��ن ج��زي��رة ال��ع��رب افتداها‬
‫وي���ف���دي���ه���ا غ����ط����ارف����ة وأس ــد‬
‫ون����ح����ن ش���ـ���م���ال���ن���ا ك���ب���ـ���ر أشـم‬
‫ون����ح����ن ج���ن���وب���ن���ا ك����ب����رُ أش ــدُّ‬
‫ون��ح��ن ع��س��ـ��ي��ر مطلبـها عسير‬
‫ودون ج���ب���ال���ه���ا ب������رق ورع���ـ���ـ���دُ‬
‫ون��ح��ن ال��ش��اط��ئ ال��ش��رق��ي بـحر‬
‫وأص����������داف وأس�����ي�����اف وحشـدُ‬
‫القصيبي مارس ذلك بوعي منه بدور الشاعر‬
‫وأث��ره ف��ي األم��ة العربية‪ ،‬التي ي��راه��ا الكثيرون‬
‫ظاهرة لغوية‪ ..‬بينما يراها آخرون مجرد ظاهرة‬

‫صوتية‪ ،‬وش�ت��ان بينهما‪ .‬وق��د أحسن القصيبي‬
‫توظيف الشعر إلي �ص��ال رس��ال�ت��ه الدبلوماسية‬
‫واإلنسانية في آن واحد‪ ،‬وهل بوسع (القصيبي)‬
‫أو غيره أن يجد أفضل من الشعر إليصال رسالة‬
‫مؤثرة من عرب إلى عرب؟ إن معجز العرب الخالد‬
‫هو (القرآن الكريم)‪ ..‬ومن ضمن إعجازه لغته‪،‬‬
‫فليس من صنعهم ونتاجهم أهرامات شاهقة‪ ،‬وال‬
‫أسوار عظيمة‪ ،‬وال حدائق معلقة‪ ،‬وكل معجزاتهم‬
‫تمثلت في المعلقات السبع‪ ..‬وقيل العشر‪ ،‬والتي‬
‫كتبت بماء ال��ذه��ب على ب��اب الكعبة المشرفة‬
‫كما تقول الرواية‪ .‬القصيبي حفيد هذا اإلرث‪..‬‬
‫تعامل معه كما ينبغي دون أن يفرط فيما تقتضيه‬
‫ب��روت��وك��والت السياسة‪ ،‬وم��ا تضعه للمتعاملين‬
‫معها‪ ،‬وفيها من خطوط حمراء‪ ،‬غير أن القصيبي‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪11‬‬

‫خ��رج ذات م��رة‪ ..‬ب��ل أكثر م��ن مرة‬
‫البريطانية – ل �ن��دن‪ .‬ويخطئ من‬
‫ع��ن ه��ذا‪ ،‬وم��ن ذل��ك م��ا ج��ادت به‬
‫يظن أن القصيبي لم يكن يعي أبعاد‬
‫قريحته في الشهيدة الفلسطينية‬
‫قصيدته تلك‪ ،‬وأثرها على منصبه‬
‫(آي��ات األخ��رس)‪ ،‬التي استشهدت‬
‫كسفير‪ ،‬فالرجل يمتلك من الخبرة‬
‫في عملية فدائية‪ ،‬قضى فيها عدد‬
‫والذكاء والتجربة‪ ،‬ما يجعله قادرا‬
‫من جنود العدو اإلسرائيلي وفيها‬
‫ع �ل��ى اس �ت �ش��راف ن �ت��ائ��ج قصيدته‬
‫يقول‪:‬‬
‫ه ��ذه‪ ،‬ال سيما وأن للرجل تجربة‬
‫س��اب �ق��ة‪ ..‬ح�ي��ث أف �ق��دت��ه قصيدته‬
‫«يشهد الله أنكم شهداء‬
‫الشهيرة؛ (رسالة المتنبي األخيرة‬
‫يشهد األنبياء واألولياء‬
‫إل��ى سيف ال��دول��ة)‪ ،‬منصبه كوزير‬
‫متُّ م كي تعز كلمة ربي‬
‫ل ��وزارة الصحة ع��ام ‪1984‬م‪ ،‬ومن‬
‫في ربوع أعزها اإلسراء‬
‫دفع ال��وزارة مهرا لقصيدة سياسية‬
‫انتحرتم‪ ..‬نحن الذين انتحرنا‬
‫في شأن محلي‪ ،‬فلن يغله أن يدفع‬
‫بحياة أمواتها األحياء‪.» .‬‬
‫منصب (ال�س�ف�ي��ر) م �ه��را لقصيدة‬
‫وقال في مقطع آخر‪:‬‬
‫تتعلق بقضية قومية‪ .‬يقول الكاتب‬
‫«قل آليات يا عروس العوالي‬
‫خالد العوض واصفا القصيبي‪...( :‬‬
‫سن لمقلتيك الفداء‬
‫كل ُح ٍ‬
‫حيث ب��رع ف��ي كتابة الشعر‪ ،‬اللون‬
‫حين يخصى الفحول صفوة قومي‬
‫األدبي األبرز‪ ،‬على األقل في الثقافة‬
‫تتصدى للمجرم الحسناء‬
‫ال�ع��رب�ي��ة‪ .‬ل�ق��د ك��ان��ت ق �ص��ائ��ده من‬
‫تلثم الموت وهى تضحك بشرا‬
‫القوة بحيث يمكن أن تحرّك األروقة‬
‫أمن الموت يهرب الزعماء؟‬
‫السياسية العالمية‪ ..‬كما حدث إبان‬
‫قل لمن دبج الفتاوى‪ :‬رويدا‬
‫عمله كسفير في لندن)(‪.)4‬‬
‫رب فتوى تضج منها السماء‬
‫وي�ب�ق��ى ال �س��ؤال م �ش��روع��ا‪ ...‬لماذا‬
‫حين يدعو الجهاد‪ ..‬يصمت حبر‬
‫أق��دم القصيبي على نشر قصيدته‬
‫ويراع‪ ..‬والكتب‪ ..‬والفقهاء‬
‫تلك‪ .‬وهو يدرك أبعادها وخطورتها؟‬
‫حين يدعو الجهاد‪ ...‬ال استفتاء‬
‫وهنا يأتي الجواب بأن تعاطف القصيبي مع (آيات‬
‫الفتاوى‪ ،‬يوم الجهاد‪ ،‬الدماء‪.‬‬
‫األخرس) كان أقوى لديه من حرصه على منصب‬
‫وقال في مقطع آخر‪:‬‬
‫السفير‪ .‬يقول الدكتور إبراهيم التركي‪( :‬غازي ولد‬
‫«وشكونا إلى طواغيت بيت أبيض‬
‫كبيراً فظل كبيراً‪ ،‬لم يتسولِ المنصب‪ ،‬وفي أوج‬
‫ملء قلبه الظلماء‬
‫مجده كتب «رسالة المتنبي األخيرة»‪ .‬وحين عاد‬
‫ولثمنا حذاء شارون حتى‬
‫قبل سنوات كتب في «مواسم» أنه لم يعد للوزارة‬
‫صاح مهال قطعتموني الحذاء»‪.‬‬
‫إال استجابة لطلب ال يرد من رجل يقدره‪ ،‬قال له‪:‬‬
‫وه� ��ذه ال �ق �ص �ي��دة ه ��ي ال �ت��ي ف �ق��د ع �ل��ى أثرها «أري��دك بجانبي»‪ ،‬من هنا ك��ان وظ��ل سي َد نفسه‬
‫القصيبي منصبه كسفير للسعودية في العاصمة وقراراته‪ ,,‬فلم يرتهن لكرسي‪ ،‬ولم تم َل عليه كلمة»‪.‬‬

‫‪12‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫ون�ت��اج القصيبي المعني بقضايا سياسية‬
‫ل��م يقتصر على شعره ف�ق��ط‪ ..‬وإن ك��ان ذلك‬
‫ه��و األب ��رز واألظ �ه��ر‪ ،‬ب��ل إن ف��ي نثره شواهد‬
‫كثيرة‪ ،‬فما إن دق��ت ط�ب��ول ال�ح��رب إث��ر غزو‬
‫صدام للكويت‪ ،‬حتى امتشق القصيبي حسامه‬
‫القلم‪ ،‬وبدأ في كتابة سلسلة مقاالت (في عين‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫ويضيف التركي‪« :‬ل��ذل��ك أصبح االستثناء الذي‬
‫يش ّذ عن مدرسة القواعد من مستعبدي السلطة‬
‫وعاشقي األضواء)(‪.)5‬‬

‫العاصفة)‪ ،‬ونشرتها آن��ذاك صحيفة الشرق‬
‫األوس ��ط‪ ،‬وبعد أن وضعت ال�ح��رب أوزاره ��ا‪،‬‬
‫واص ��ل القصيبي كتابة تلك السلسلة تحت‬
‫ع�ن��وان (بعد أن ه��دأت العاصفة)‪ ،‬ولعله من‬
‫الالفت للنظر أن ح��رب تحرير الكويت التي‬
‫قادتها أمريكا مع دول التحالف أطلق عليها‬
‫(عاصفة الصحراء)‪ .‬ولقد كان لتلك المقاالت‬
‫أث��ره��ا وت��أث �ي��ره��ا ب�ف�ض��ل ق ��وة موضوعاتها‪،‬‬
‫وجودة سبكها‪ ،‬ومقدرة القصيبي على توظيف‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪13‬‬

‫السخرية والتهكم إليصال رسالته‪ .‬يقول الكاتب‬
‫خالد العوض‪( :‬تعدت مواهب القصيبي الشعر‬
‫والرواية إلى كتابة المقال المؤثر في الساحة‬
‫السياسية والثقافية‪ ،‬حيث كانت زاويته «في‬
‫عين العاصفة» إب��ان اح�ت�لال ال�ع��راق للكويت‬
‫جبهة عسكرية وسياسية وثقافية واجتماعية‪،‬‬
‫تكلم فيها القصيبي بشجاعة ن��ادرة‪ ،‬وتحليل‬
‫رص�ي��ن‪ ..‬ع��ن ك��ل م��ا ي��دور ف��ي ذه��ن المواطن‬
‫العربي البسيط ال��ذي يتحرى ال�ع��دل والحق‬
‫وال�م��وض��وع�ي��ة‪ .‬يمكن أي �ض �اً النظر إل��ى تلك‬
‫المقاالت على أنها النبراس الذي اهتدى إليه‬
‫الكتّاب السعوديون في زواي��اه��م‪ ،‬التي تمتلئ‬
‫بها الصحف السعودية اليوم متخذين‪-‬دون أن‬
‫يشعروا وبشكل غير مباشر‪ -‬القصيبي قدوة‬
‫لهم)(‪.)6‬‬

‫بها‪ ،‬وما أظنه كان ليلتقي بها لو لم يكن سياسيا‪.‬‬
‫ثم أن القصيبي قد أنهى خ�لال فترة مرضه‬
‫األخيرة كتابه (الوزير المرافق)‪ ،‬يتحدث فيه‬
‫عن مرافقته لعدد من الشخصيات السياسية‪،‬‬
‫وهذه من الفرص التي منحتها السياسة ألدبه‪..‬‬
‫وغير ذل��ك كثير‪ .‬ولكن رغ��م ذل��ك ظلّت بعض‬
‫كتب القصيبي ممنوعة في السعودية – وهل‬
‫يكرم نبي في قومه؟ ‪ -‬إلى أن أمر وزير الثقافة‬
‫واإلع�ل�ام بالفسح لها جميعا‪ ..‬وت��م ذل��ك في‬
‫أواخر أيام القصيبي يرحمه الله‪.‬‬

‫يرى الكاتب (يوسف مكي) أن القصيبي َق ِب َل‬
‫بالمعادلة الصعبة – على حد وصفه – وهي‬
‫المزاوجة بين السياسة واألدب‪ ..‬ويقول‪« :‬لعل‬
‫الراحل العزيز الدكتور غ��ازي القصيبي‪ ،‬قد‬
‫أدرك في وعيه الباطن‪ ،‬أو بعقله الفطن أهمية‬
‫إن رواي� ��ات القصيبي أي �ض��ا ال تخلو من المزاوجة بين الفنان والسياسي؛ فاختط طريقه‬
‫توظيف سياسي‪ ،‬وم��ا (شقة الحرية) ‪-‬أولى الخاص واالستثنائي لكتابة سيرته الذاتية‪،‬‬
‫رواياته‪ -‬والتي تتحدث عن مرحلة‬
‫على أرض ممارساته الحياتية‪،‬‬
‫سياسية مهمة في تاريخ العرب‬
‫فكرا وع�م�لا‪ ،‬ف��ي مسيرة حافلة‬
‫المعاصر‪ ..‬إال نموذجا لذلك‪ .‬بقي‬
‫ب��ال�ع�ط��اء ف��ي خ�ط�ي��ن متوازيين‪:‬‬
‫أن ن�ق��ول إن القصيبي ‪-‬األديب‬
‫خط األديب والفنان‪ ،‬وخط الوزير‬
‫أف� ��اد ال �ق �ص �ي �ب��ي‪ -‬السياسي‪..‬‬
‫والمدير المسئول ب��ال��دول��ة‪ .‬لقد‬
‫وال �ع �ك��س ص �ح �ي��ح‪ .‬ف��ال�ع�م��ل في‬
‫ك��ان رحمه الله واح��دا م��ن القلة‬
‫أروقة السياسة‪ ،‬والحل والترحال‪،‬‬
‫ال �ن��ادرة‪ ،‬ال�ت��ي قبلت بالسير في‬
‫والتنقل ومعاشرة ومرافقة أناس‬
‫ال�م�ع��ادل��ة الصعبة‪ ،‬ال�ت��ي جمعت‬
‫من مذاهب وأديان ودول وثقافات‬
‫روح ال�ش��اع��ر وال��روائ��ي والفنان‬
‫مختلفة‪ ..‬منح القصيبي تجارب‬
‫والمبدع‪ ،‬والقدرة االستثنائية على‬
‫وخ� �ب ��رات‪ ،‬وم���ده ب���إرث متنوع‪..‬‬
‫الضبط وال��رب��ط‪ ،‬ف��ي الوظائف‬
‫شكل ل��ه أدوات أحسن توظيفها‬
‫التي شغلها‪ ،‬س��واء كأكاديمي في‬
‫ف��ي أدب ��ه‪ ،‬وقلما تتسنى لغيره‪..‬‬
‫جامعة الملك سعود بالرياض‪ ،‬أو‬
‫فالرجل أل��ف كتابه (األسطورة)‬
‫المناصب المختلفة التي توالها‪،‬‬
‫عن أميرة ويلز الراحلة (ديانا)‪،‬‬
‫وزي��را للصناعة والصحة والمياه‬
‫(‪)7‬‬
‫وتحدث عن ثالثة لقاءات جمعته‬
‫والعمل» ‪.‬‬

‫‪14‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫مقاربة بانورامية في بعض أعماله وكتبه‬
‫> عمران عز الدين أحمد ‪ -‬سوريا‬
‫الحديث عن تجربة الدكتور غازي القصيبي (‪2010 -1940‬م) اإلبداعية‬
‫يجب أن يكون حديثاً منصفاً وحقيقياً‪ ،‬ال تلغيم فيه أو تشفير‪ ،‬وبعيداً عن‬
‫ال عادياً‪ ،‬بل كان‬
‫قبضة الرقيب الحديدية‪ .‬فالقصيبي يقيناً لم يكن رج ً‬
‫مفكراً كبيراً‪ ،‬وأديباً ساخراً بك ّل ما لهذه الكلمة من معنى؛ شأنه في ذلك‬
‫شأن كِ بَار ال ُكتَّاب الذين أنجبتهم المعمورة‪ ،‬أو الساحة األدبية‪ ،‬العربية على‬
‫األقل‪ .‬لذا‪ ،‬يتوجب علينا أن ننصف هذا الرجل وأدبه‪ ،‬وهذه من أبسط‬
‫حقوقه علينا في هذه المرحلة‪ ،‬ناهيك عن المراحل القادمة‪ ،‬وعلينا العمل‬
‫بها كما أرى بكل أمانة‪ ،‬دون تحريف أو بتر أو‬
‫انتقاص من قيمته‪ .‬لقد ُز َّج بالرجل في الكثير‬
‫من المعارك الشخصية‪ ،‬والسجاالت البيزنطية‬
‫العقيمة‪َ ،‬فكُفِ َر وَاتُهِ َم بالردة والمروق على تعاليم‬
‫الدين الحنيف؛ ألنه كان ظاهرة ومجتهداً ومثيراً‬
‫لألسئلة‪ ،‬وألن االج�ت�ه��اد وك�م��ا ه��و معلوم فع ٌل‬
‫إنساني‪ ،‬خاصة عندما تتوافر الذهنية والعقلية‬
‫القادرتان على هذا االجتهاد‪ ،‬لم يكن يعير تلك‬
‫نحو م��ا‪ ،‬أما‬
‫العواصف وال��زواب��ع اهتماماً على ٍ‬
‫تلك التي استوقفته‪ ،‬فحلّلها بإنصاف‪ ،‬وأَ َولَهَا‬
‫ب��دراي��ة ال�ع��ارف‪ ،‬وك��ان أن انتصر فيها جميعاً‪،‬‬
‫على المتربصين به وبإبداعه‪ .‬كان مجدّداً في‬
‫فنون الكتابة اإلبداعية واألدبية‪ ،‬ديدنه اإلبداع‪،‬‬
‫وهاجسه التجريب‪ ،‬ق��دوة ألجيال ج��اءت بعده‪،‬‬
‫ُم ِنعَت كتبه م��ن ال �ت��داول وال �ق��راءة‪ ،‬ألنها كانت‬
‫تنطوي على رؤية تشريحية صادمة‪ ،‬لم تكن ترُق‬
‫لبعض المدّعين والمتطفلين‪ ،‬ممن نصبوا‬
‫ٍ‬
‫ربّما‬
‫من أنفسهم ‪-‬على ح ّد تعبير الروائي الجزائري‬
‫واسيني األع��رج‪ -‬حرّاساً للنوايا‪ ،‬وحراساً على‬
‫ما يجب أن يقال‪ ،‬وما ال يجب أن يقال أو يكتب!‬
‫مبدع كتاب «الغزو الثقافي» لم يستغل منصبه‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫حول التجربة اإلبداعية القصيبية‬

‫أو نفوذه يوماً في إطالق سراح كتبه‪ ،‬كان يقول‬
‫كلمته ويمضي‪ ،‬ألن��ه ك��ان رائ��داً من رواد األدب‬
‫العربي الحديث‪ ،‬وكان مجدّ داً كذلك في أركان‬
‫وعناصر تلك اآلداب والفنون‪ ،‬وألنه كان مرتكباً‬
‫جنس أدب��ي‪( :‬شاعر‪ ،‬روائ��ي‪ ،‬مترجم‪،‬‬
‫ٍ‬
‫ألكثر من‬
‫قاص‪ ،‬مسرحي‪ ،‬وناقد)‪ ،‬ومزاوالً ألكثر من نشاط‬
‫وفاعل‪ ،‬عن سبق‬
‫ِ‬
‫بمزج حيّ‬
‫سياسي وإداري‪ .‬قام ٍ‬
‫إبداع وتجريب‪ ،‬باستيراد وتصدير أدبيات مهامه‬
‫الفنية والعملية واألدبية‪ ،‬خدمة لمادته اإلبداعية‬
‫بتفان قلَّ نظيره‪.‬‬
‫ٍ‬
‫المتفردة‪ ،‬ناهيك عن العملية‪،‬‬

‫نظرة سريعة على بعض أعماله‬
‫ونتاجاته اإلبداعية‬
‫سنحاول في ه��ذه الفسحة الضيقة‪ ،‬القيام‬
‫ب �م �ق��ارب��ة تلخيصية س��ري �ع��ة‪ ،‬ل�ب�ع��ض أعماله‬
‫الروائية‪ ،‬وجوانب اإلبداع والتجديد في شعره‪.‬‬
‫ففي روايته «شقة الحرية ‪1994‬م» عمله الروائي‬
‫األول‪ ،‬واألهم في قائمة أعماله الروائية‪ ،‬بحسب‬
‫الروائي والقاص الكويتي طالب الرفاعي‪ ،‬ذلك‬
‫العمل الذي أثار ضجة في الساحة األدبية على‬
‫امتداد الوطن العربي‪ ،‬لما توافر عليه من جرأة‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪15‬‬

‫تختص بمعالجة‬
‫ّ‬
‫في العصفورية‪ ،‬هذه الدار التي‬
‫م��رض��ى ن�ف�س�ي�ي��ن‪ ،‬ف�ي�س��رد ع�ل��ى م�س��ام��ع ذلك‬
‫الطبيب‪ ،‬ما آلت إليه الحال في الوطن العربي‪،‬‬
‫بطريقة أقرب للكوميديا السوداء‪ ،‬وتكون النتيجة‬
‫جنون الطبيب ذاته بعد استماعه لتلك القصص‬
‫حد سواء!‬
‫الموجعة والطريفة على ٍ ّ‬

‫في الطرح المذكراتي‪ ،‬ناهيك عن انسيابية في‬
‫تتالي أو تتابع ص��وره وجمله ال��واخ��زة العميقة‪،‬‬
‫وال��دال��ة على عمق المعاناة ال�ت��ي يتعرض لها‬
‫المثقف العربي‪ ،‬ال��ذي يهاجر من بلده إلى بلد‬
‫آخ��ر‪ ،‬ليتعرف من ثم على آخرين‪ ،‬يعيشون في‬
‫شقة واح ��دة‪ ،‬تصل فيها ال�ح��ري��ة إل��ى ذروتها‪،‬‬
‫إزاء رؤى مختلفة‪ ،‬سياسية وفكرية وعقائدية!‬
‫لقد كانت ه��ذه ال��رواي��ة فتحاً بك ّل المقاييس‪،‬‬
‫أس �ل��وب �اً وم��وض��وع��اً‪ ،‬إذ س �لّ�ط��ت ال �ض��وء على‬
‫التجربة ال��روائ�ي��ة الخليجية‪ ،‬والسعودية على‬
‫وج��ه التحديد‪ ،‬وب��ات ال�ق��ارئ العربي بعد هذه‬
‫َّاب سعوديين‬
‫الرواية يقرأ أعماالً أو روايات ل ُكت ٍ‬
‫على درجة عالية من اإلتقان واإلبهار الروائيين‪،‬‬
‫ال ومضموناً‪ ،‬طرحاً وفكراً‪ ،‬وجرأة لم يسبق‬
‫شك ً‬
‫لها مثيل في اختراق التابوهات التي تحد من‬
‫حد سواء‪.‬‬
‫حرية الفكر والتعبير على ٍ ّ‬
‫أما في روايته «العصفورية ‪1996‬م»‪ ،‬التي قال‬
‫عنها الناقد السعودي عبدالله الغذامي إنها رواية‬
‫ما بعد الحداثة‪ ،‬ففي هذه الرواية يتابع القصيبي‬
‫سلسلة أعماله الروائية‪ ،‬المحرضة على اجتثاث‬
‫ال عن محاربة التمييع‬
‫التخلف من ج��ذوره‪ ،‬فض ً‬
‫والتسطيح والتسخيف‪ ،‬بالسخرية المعروفة عنه‪،‬‬
‫فيضرب بإزميله‪ /‬قلمه في عمق أوردة الواقع‬
‫العربي المتخثر؛ إذ ي�س��رد‪ ،‬وه��و البروفسور‪،‬‬
‫على طبيب نفساني‪ ،‬غ��بّ أن استقر به المقام‬

‫‪16‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫والسخرية حاضرة كذلك في روايته «أبو شالخ‬
‫البرمائي ‪2002‬م»‪ ،‬التي تتوزع على سبعة فصول‪،‬‬
‫وهي‪( :‬بدايات النبوغ‪ ،‬مرحلة الصمود والتصدي‪،‬‬
‫وديعة روزفلت‪ ،‬إمبراطورية «أم سبعة» التجارية‪،‬‬
‫نساوين في حياتي‪ ،‬رحلتي الغربية حول العالم‪،‬‬
‫الجوانب الكثيرة للقمر)‪ .‬حيث ال تخلو من تهكم‬
‫م��ري��ر م��ن ب�ع��ض ال��زع �م��اء وال��ق��ادة ف��ي الوطن‬
‫العربي‪ ،‬الذين يدعون المعرفة‪ ،‬ويوهمون الناس‬
‫بقدراتهم الخارقة‪ ،‬وتبلغ السخرية ذروتها عندما‬
‫يكون العربي تحت وطأة أوهام‪ ،‬هي الذروة في‬
‫قائمة بطوالته وأمجاده!‬
‫ولم تكن روايته «سبعة ‪2003‬م» بقليلة حظ‬
‫عن األخريات‪ ،‬فالسخرية التي ُكتِبَ بها العمل‪،‬‬
‫جللت أح� ��داث ال �م �ت��ن‪ ،‬بلغة س��اخ��رة وموجعة‬
‫ال عن نقدها الالذع لمفاصل الحياة‬
‫ومعرية‪ ،‬فض ً‬
‫في الواقع العربي‪ .‬إذ أن أبطال روايته السبعة‪،‬‬
‫مختلفون أيضاً في رؤاه��م وفكرهم وتمثالتهم‪،‬‬
‫وك��ل منهم يعبر بطريقته الخاصة على محبته‬
‫للمذيعة التلفزيونية‪ ،‬فيعملون على كسب ودها‪،‬‬
‫ويطمعون في الظفر بها‪ ،‬هذه السيدة هي األرض‬
‫حد س��واء‪ ،‬وتلك الشخصيات هي‬
‫والوطن على ٍ ّ‬
‫األفكار المختلفة والمتصارعة‪ ،‬التي تستميت‬
‫جاهدة‪ ،‬لتكون أفكارها األكثر تكسباً‪ ،‬بحرصها‬
‫مجتمع بأفكار كتلك‪ .‬لكن‬
‫ٍ‬
‫المزعوم على وج��ود‬
‫الدهاء الروائي للقصيبي ال يذعن لخواتيم مملة‬
‫وممجوجة ك �ه��ذه‪ ،‬ال�ت��ي أث�ب��ت ال��واق��ع المعاش‬
‫فيقتص م��ن ذل��ك الواقع‪،‬‬
‫ّ‬
‫ب�لادت�ه��ا وب�لاه�ت�ه��ا‪،‬‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫بخاتمة روائية مبهرة‪ ،‬نابعة من عدم تيقنه بتلك‬
‫الشعارات الواهية‪ ،‬األشبه بالمخدرات والكحول‪،‬‬
‫في وقعها وخطورتها وسموميتها وال شرعيتها‪،‬‬
‫فال يعجز القصيبي في البحث عن وجود البديل‪،‬‬
‫حتى ول��و ك��ان م��ن نقطة الصفر‪ ،‬إذ ي�ق��ول في‬
‫خاتمة الرواية‪» :‬أوضح تقرير الطبيب الشرعي‬
‫أن ال��رج��ال السبعة ماتوا غ��رق�اً‪ ،‬وق��د تبين من‬
‫التحليل أنهم تعاطوا كميات كبيرة من المخدرات‬
‫والكحول‪ ،‬أما المرأة‪ ،‬التي وجدت على الشاطئ‬
‫عارية‪ ،‬فلم يتضح للطبيب الشرعي بعد سبب‬
‫موتها‪ ،‬ولم يعثر في دمها على أي آثار لمخدرات‬
‫أو كحول‪ ،‬ولم تظهر بجسمها أي إصابات‪ ،‬كما‬
‫ظهر من الفحص أنها عذراء»‪.‬‬

‫نستنتج من قراءتنا السريعة لتلك الروايات‪،‬‬
‫ال��دال والمدلول في التجربة القصيبية‪ ،‬الفعل‬
‫الكتابي ور ّد الفعل اإلبداعي الذي تمخض عنه‪.‬‬
‫ف��ال��رج��ل ك��ان معنياً‪ ،‬ب��درج��ة وأخ���رى‪ ،‬بهاجس‬
‫التغيير واإلصالح‪ ،‬وشرح وجهات النظر المختلفة‪،‬‬
‫بوضعها على طاولة النقاش والمفاوضات‪ ،‬إذ يقوم‬
‫بعرض شخصياته على الورق‪ ،‬تلك الشخصيات‬
‫المستمدة من الواقع غالباً‪ ،‬المفعمة والمدججة‬
‫بالمعلومات والتفاصيل‪ ،‬ويشرح الصراع الدائر‬
‫بينها‪ ،‬فيتطرق بحنكة ل�لاخ�ت�لاف��ات الفكرية‬
‫والسياسية بين أبطال أعماله‪ ،‬برؤية استشرافية‬
‫متبصرة‪ ،‬تنصبّ في معالجة الخلل الذي يحول‬
‫دون التطور‪ ،‬واللحاق بركب األم��م المتحضرة‪.‬‬

‫الفقيد خالل افتتاحه إلحدى اكاديميات التدريب‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪17‬‬

‫على أن هذا األمر‪ ،‬ال يعني إطالقاً بأن القصيبي‬
‫قد حصر قلمه اإلبداعي في تلك الخانة‪ ،‬لمعالجة‬
‫مواضيع حياتية وسياسية وانتمائية مؤرقة‪ ،‬كالتي‬
‫جاء ذكرها في ما تقدم من روايات‪ ،‬على العكس‬
‫تماماً‪ ،‬فقد ج�وّد ون �وّع في عوالمه الروائية ما‬
‫أمكنه إلى ذلك من سبيل‪ ،‬ففي روايته» الجنية‬
‫‪2006‬م» مثالً‪ ،‬الزاخرة بأسئلة عن عالم الجن‪،‬‬
‫يمارس القصيبي تجريباً مختلفاً‪ ،‬إذ يوسم روايته‬
‫بالحكاية كما جاء في االستهالل‪ ،‬ألنها وبحسب‬
‫زعمه‪/‬تجريبه تريحه من تقعّرات النقاد ومن نقد‬
‫المتقعّرين‪ ،‬ويذيلها كذلك بمراجع ومعلومات‬
‫حول ما جاء في المتن الروائي‪ ،‬فالسارد ضاري‬
‫ضرغام الضبع‪ ،‬يتعرف على فتاة مغربية‪ ،‬اختار‬
‫لها اسماً يحمل الكثير من الرمزية والدالالت‪،‬‬
‫هو عائشة الزهراء‪ ،‬أو عائشة قنديش كما جاء‬
‫في المتن أيضاً‪ ،‬فيتزوجها‪ ،‬ث ّم يكتشف بعد ذلك‬
‫بأنها جنية‪ ،‬يطلقها بعد ذلك‪ ،‬لكنها تترك أثراً‬
‫ما وراءها‪ ،‬ينعكس في الشعاع الذي يجلل عيون‬
‫أبناء السارد!‬

‫أما غازي الشاعر فقد أحدث نقلة نوعية في‬
‫صميم البيت الشعري السعودي‪ ،‬العمودي على‬
‫األخص‪ ،‬هذا ال يعني بأنه لم يكن شاعراً تفعيلياً‪،‬‬
‫ويمكن القول إنه كتب شعر التفعيلة باإلبداع ذاته‬
‫الذي كتب به شعر العمود‪ ،‬حيث كانت مفرداته‪،‬‬
‫في العمود وكذلك التفعيلة‪ ،‬منتقاة بعناية فائقة‪،‬‬
‫ذات جرس موسيقي خالب‪:‬‬
‫العش ِق ال َدر ٌْب من الْحَ جَ رِ‬
‫ْ‬
‫«ض���ر ٌْب ِم��نَ‬
‫َ‬
‫���ات لل ُْجزُ رِ »‪.‬‬
‫ه���ذا ال����ذي ط����ا َر ب���الْ���وَاحَ ِ‬
‫ي��ق��ول ع �ن��ه ال �ن��اق��د ال� �م� �ص ��ري» جابر‬
‫عصفور» ف��ي مقالة ل��ه بعنوان‪ :‬عالمة‬
‫اإلح �ي��اء ال�ش�ع��ري‪ ،‬ون�ش��رت ف��ي جريدة‬
‫الحياة‪/‬يوم االثنين ‪ 16‬أغسطس ‪2010‬م‪:‬‬
‫«غازي القصيبي هو واحد من أصحاب الشعر‬
‫الصافي‪ ،‬والموهبة األدبية األصيلة‪ ،‬وكان متعدد‬
‫االهتمامات األدب �ي��ة‪ ،‬إذ كتب ال��رواي��ة والشعر‬
‫وكان فيهما نمطاً فريداً بذاته‪ ،‬وظل يجمع بين‬
‫الحرص على التقاليد الرصينة والحداثة‪ ،‬هو‬
‫عالمة على اإلحياء الشعري المحدث‪ ،‬والكتابة‬

‫القصيبي مع ابنه األكبر سهيل‬

‫‪18‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫من اإلبداعات التي كتبها القصيبي‪ ،‬في مشغله‬
‫األدبيّ والثقافي والفكري‪ ،‬والتي ستشكل لمراحل‬
‫طويلة قادمة زاداً معرفياً وثقافياً للقارئ العربي‬
‫والمكتبة العربية‪.‬‬

‫كما أنه لم يكن معنياً بالهم السعودي وحده‪،‬‬
‫بل كان في شعره نفحة أممية‪ ،‬ارتقت بشعره إلى‬
‫مصاف أشعار الكبار من الشعراء‪ ،‬ففي ديوانه»‬
‫الْحُ مّى « نقرأ هذا البيت الشعري الرائع‪ ،‬الذي‬
‫كتبه في بيروت‪:‬‬

‫حد س��واء‪ ،‬تاركاً لنا كماً كبيراً من الكتب‪،‬‬
‫على ٍ ّ‬

‫ب���ي���روت‪ ..‬وي��ح��ك أي���ن ال��س��ح��ر والطيب‬

‫والتي تصدى فيها مجتمعة للتقليد والمحافظة‬

‫يقيناً‪ ..‬لم يرحل القصيبي‪ ،‬لقد آثر الرحيل‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫الروائية الرصينة‪ ،‬وستظل روايته « شقة الحرية»‬
‫فريدة في بابها‪ ،‬من حيث هي رواية سيرة ذاتية‪،‬‬
‫تتحدث عن شبابه‪ ،‬وترصد التيارات القومية التي‬
‫تأثر بها في مختلف أرجاء الوطن العربي‪ ،‬وصعود‬
‫القومية العربية وسط تيارات متصارعة»‪.‬‬

‫الكبرى» و«ح�ي��اة ف��ي اإلدارة»‪ ،‬وغيرها الكثير‬

‫فقط عن عالمنا الصاخب‪ ،‬بمعنى‪ ...‬إنه رحيل‬
‫لا وجدالً‬
‫ج�س��دي ف�ق��ط إل��ى ال�ع��ال��م األك �ث��ر ن�ب� ً‬

‫وأي���نُ ُح ْ��س ٌ��ن على ال��ش��ط��آن م��س��ك��وب‪ .‬؟‬

‫ال ع��ن الخرافة والسحر‬
‫والبيروقراطية‪ ،‬فض ً‬

‫«ص ��وت م��ن الخليج» و« أش �ع��ار م��ن جزائر‬
‫اللؤلؤ» و«سعادة السفير» و«دنسكو « و«األسئلة‬

‫وال ��زي ��ف‪ ،‬وب��رح�ي�ل��ه ف �ق��دت ال �س��اح��ة الثقافية‬
‫واألدبية أبرز أعالمها المعاصرين‪.‬‬

‫غازي القصيبي‪ ..‬واإلبداع كحالة إنسانية‬
‫> محمد جميل أحمد‪ -‬السودان‬
‫لم يكن فقيد البالد الكبير الدكتور غازي القصيبي‪ ..‬مجرد أديب عابر‬
‫في حياته المديدة‪ ،‬كما لم يكن إداريا ودبلوماسيا عاديا‪ .‬كان باستمرار‬
‫شخصا ي�م��زج ويستقطب ال�م�ه��ام بمعيار دق �ي��ق‪ ،‬وي�ق��ف بها ف��ي مهب‬
‫التحوالت؛ ليؤكد من خاللها أن وج��وده في األدب ال ي��وازي وج��وده في‬
‫الدبلوماسية واإلدارة فحسب‪ ،‬بل أيضا يؤكد أن ما ينعكس من أدبه في‬
‫مجال الدبلوماسية‪ ..‬هو في ذات الوقت تعبير عن دبلوماسيته المؤدبة‪.‬‬
‫بين هذين الحدين‪ ..‬ع��اش غ��ازي القصيبي‬
‫حياة عاصفة مليئة بالعطاء والتقدم واالنجازات‬
‫والنجاحات المتعددة‪ .‬لقد ظل القصيبي طوال‬
‫حياته يملك إدراكا واعيا؛ بمعنى أن يكون مثقفا‬
‫ك�ب�ي��را م��ن خ�ل�ال ال �ع �ط��اء‪ ،‬ف�لا تشغله الثقافة‬
‫واإلبداع عن التأثير في مجاالت الحياة األخرى‬
‫من خالل العنوان نفسه‪ .‬فهو األديب الدبلوماسي‬

‫أو الدبلوماسي األديب‪.‬‬
‫ولطالما تساءل كثيرون‪ :‬كيف وفق هذا المبدع‬
‫الكبير بين إب��داع��ه ف��ي ع��ال��م الكتابة والشعر‬
‫والرواية والتأليف‪ ،‬دون أن يكون ذلك مانعا له من‬
‫أداء مهامه اإلدارية والدبلوماسية‪ ،‬وما تقتضيه‬
‫بطبيعة الحال من جدية والتزام‪ ،‬وموازنة دقيقة‬
‫بين حساسيات السياسة وبراءة اإلبداع؟‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪19‬‬

‫كل مبدع في مجاله‪ .‬وبهذا المعنى‪ ..‬فإن المبدع‬
‫هنا ليس هو الشخص المعني ب��اإلب��داع األدبي‬
‫فحسب؛ بل هو كل شخص معني بإنتاج قيمة‬
‫أصيلة في مجاله‪ ،‬مهما كان بسيطا‪ .‬فاإلبداع في‬
‫المجاالت الحيوية التي تمس حياة الناس مباشرة‬
‫كالسياسة واالقتصاد‪ ،‬ربما كان هو الغائب األكبر‬
‫عن الواقع؛ ذلك أن الحاجة إلى مبدعين كبار‬
‫في االقتصاد والفكر والقانون والعلوم‪ ..‬تماما‬
‫كالحاجة إلى مبدعين كبار في األدب والشعر‪.‬‬

‫في تصور الكثير من األدباء أن حاالت اإلبداع‬
‫وال�ك�ت��اب��ة‪ ،‬تقتضي ب��ال �ض��رورة سكونا وابتعادا‬
‫ع��ن االنغماس ف��ي الحياة الجارية وتعقيداتها‬
‫وتشابكها المضطرب بين المصالح واألهواء‪،‬‬
‫وما يتداعى من صراع على جوانب كثيرة متصلة‬
‫بحياة ال�ن��اس‪ ،‬وه��ذا ممكن بالطبع‪ .‬ولعل مثل‬
‫هذا التصور الذي يفصل فصال تاما بين اإلبداع‬
‫ككتابة‪ ،‬وب�ي��ن م�ج��ري��ات ال�ح�ي��اة ال �ح��ارة وإدارة‬
‫شؤونها‪ ،‬عبر حيثيات إدراي��ة صلبة بعيدا عن‬
‫ش��رود األدب‪ ،‬تستفزه كثيرا حالة االستقطاب‬
‫الجميلة التي ينجح في تسويتها رجال كبار في‬
‫م�ج��االت األدب واإلدارة‪ ..‬مثل الفقيد الكبير‬
‫ال��دك �ت��ور غ ��ازي القصيبي‪ ،‬ي��رح�م��ه ال �ل��ه‪ .‬ذلك‬
‫أن القدرة على استبصار معنى اإلب��داع كحالة‬
‫إنسانية تخترق كل نشاط إنساني‪ ،‬إنما هي سمات‬
‫ال يدركها إال من عرف معنى اإلبداع الحقيقي‪.‬‬
‫فاإلبداع ضمن معناه الشامل‪ ،‬يعني تجديد كل‬
‫جوانب الحياة الراكدة‪ ،‬بإيجابيات أصيلة‪ ،‬ينتجها‬

‫‪20‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫اإلبداع هو سر الحياة اإلنسانية األصيل‪ ،‬بل‬
‫إن كل اللحظات اإلبداعية للمخترعين والعلماء‬
‫والشعراء‪ ،‬هي ما جعل من هذا العالم جميال‪،‬‬
‫وقابال للعيش‪ ،‬وحافال بالتيسيرات التي سهلت‬
‫حياتنا‪ .‬ق��د ال يعرف كثيرون مثال أن اللحظة‬
‫اإلبداعية التي تم من خاللها اكتشاف الكهرباء‬
‫هي لحظة عظيمة‪ ..‬ومتجددة في كل لحظة من‬
‫حياتنا‪ ..‬وه�ك��ذا‪ ،‬ف��إن قيمة اإلب��داع ال توازيها‬
‫إال قيمة الحياة ذاتها‪ .‬ومن ضمن شروط إنتاج‬
‫اإلب��داع‪ :‬اإليمان باإلنسان ككائن مبدع وكريم‪،‬‬
‫وعبر ه��ذه األف��اق اإلنسانية الرحبة لإلبداع‪..‬‬
‫أدرك غازي القصيبي ‪-‬يرحمه الله‪ -‬حاجته إلى‬
‫ذلك النوع من اإلبداع الذي ينظر للحياة كوحدة‬
‫واح��دة‪ ،‬وهي حاجة ال تستوي في نفس المبدع‬
‫الكبير‪ ..‬إال لتؤكد باستمرار أن اإلب��داع شرط‬

‫ش��ارط للكرامة اإلن�س��ان�ي��ة‪ ،‬وال�ق�ي��م األخالقية‬
‫المتصلة بالمواقف‪ ،‬وإدراك قيمة العمل‪ ..‬من‬
‫حيث ه��و‪ ..‬كقيمة محترمة تجعل من صاحبها‬
‫شخصا جديرا باالحترام‪ ،‬وكذلك قيمة التواضع‬
‫التي تصاحب تلك النظرة الكلية لإلبداع‪ .‬ولهذا‪،‬‬
‫ف��إن م��ن ي�ن�ظ��رون إل��ى اإلب� ��داع ع�ن��د القصيبي‬
‫كحالة أدبية خالصة‪ ..‬إنما يظلمون هذا المبدع‬

‫حين يقوم اإلبداع كمشاعر في نفس المبدع‪،‬‬
‫ال ي �ك��ون ه��ذا ب��ال �ض��رورة ش��اع��را‪ ،‬ب��ل يتجسد‬
‫إبداعه حيثما أبدع في مختلف مجاالت الحياة‪.‬‬
‫ولعل هذا ما يفسر لنا توزع إبداع الفقيد الكبير‬
‫بين الشعر وال��رواي��ة م��ن ناحية‪ ،‬وب�ي��ن اإلدارة‬
‫والسياسة من ناحية ثانية‪.‬‬
‫ل��م ي�ك��ن ال�ق�ص�ي�ب��ي وف ��ق ه ��ذا التوصيف‪..‬‬
‫ممن يخضعون لتصورات منمذجة عن‬
‫طبيعة المثقف‪ ،‬أو بعض حاالت‬
‫التأطير التي افترضها كثير‬
‫من المثقفين العرب على‬
‫ن� �م���اذج م �ع �م �م��ة ج���دا‪،‬‬
‫وربما كان اختالفها في‬
‫سياقات أخرى ال يجعل‬
‫منها حالة قابلة للتمثل‬
‫المتكرر‪.‬‬
‫ك��ان القصيبي يعرف تماما‬
‫موقعه في ب�لاده‪ ،‬وموقعه كمثقف معني‬
‫ب��إدارة دور خ��اص يقوِّم به ب�لاده‪ ،‬ويفهم تأويله‬
‫بحسب إدراك��ه لطبيعة ب�لاده ومجتمعه‪ ..‬بعيدا‬
‫عن التنظيرات الفكرية المؤدلجة‪ .‬وهذا لألسف‬
‫ما لم يفهمه الكثيرون عنه‪ .‬ولهذا كان على الفقيد‬
‫أن يمسك بالمعنى الخاص ل��دوره كمثقف‪ ،‬في‬
‫بالد عرف كيف يدرك شفرة العالقة التي تبقيه‬
‫فيها دائما‪ ،‬على تماس خالق مع كل األوساط‬
‫التي اشتغل فيها‪ ،‬وف��ي كل الجبهات التي كان‬
‫يعرف أنه يخوضها‪ ،‬ويعرف أن له فيها خصوما‪.‬‬
‫ولعل من أه��م العالمات التي كانت تشيع ذلك‬
‫ال �ح��س اإلب��داع��ي ف��ي ك��ل ال �م��واق��ع ال �ت��ي عمل‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫الكبير‪.‬‬

‫فيها القصيبي‪ :‬ازدهار نشاطه على رأس العمل‬
‫بطريقة يعرفها الجميع ويدركونها‪ .‬فعندما كان‬
‫الفقيد وزي��را للكهرباء أسهم بطاقة خالقة في‬
‫إنارة المدن والقرى والبلدات‪ ،‬عبر خطط عمل‬
‫نشطة‪ .‬وشهد قطاع الكهرباء في السعودية في‬
‫زمنه تقدما في خدمة المواطنين وإنارة الكثير‬
‫من مناطق المملكة‪.‬‬
‫كان القصيبي يرحمه الله‪ ..‬يعرف أن العمل‬
‫العام يفرز خصوما‪ ،‬وأن العديد من التراكمات‬
‫ال� �ش ��ائ� �ك ��ة ف� ��ي م�� �ج� ��االت العمل‬
‫اإلداري‪ ..‬وقفت أمامه كمشاكل‬
‫تدعهما المصالح الفئوية‪،‬‬
‫ولكنه ظل باستمرار قادرا‬
‫على توجيه بوصلة العمل‬
‫ال �ج��اد‪ ،‬وت �ح��دي الخصوم‬
‫تحديا شريفا مرتبطا بما‬
‫ه ��و ع� ��ام‪ .‬وك� ��ان ي��ع��رف أن‬
‫االستجابة لمثل هذه المشكالت‬
‫ي �ك��ون ب��أدوات��ه��ا ال�م�ت�ص�ل��ة بقوانين‬
‫ال�ع�م��ل‪ ،‬وب�ع�ي��دا ع��ن أدوات ال�ت��أث�ي��ر العاطفي‪.‬‬
‫تعددت نشاطات الوزير غازي القصيبي وتقلبت‬
‫مشاويره في ه��ذه الحياة بالكثير من المواقف‬
‫والمشاهد والمنعطفات‪ ،‬التي ترك من خاللها‬
‫أثرا في كل مكان عمل فيه‪ .‬وكان يخرج من كل‬
‫معركة منتصرا‪ .‬وكان على القصيبي في مثل هذا‬
‫الموقف الفريد‪ ..‬حيال موقعه من الوعي والعمل‬
‫في بالده التي يعرفها كراحة يده‪ ..‬يقتضي منه‬
‫باستمرار‪ ،‬مجابهة كل التأويالت التي تدرجه في‬
‫تنميط معين؛ فقد كان الفقيد شاعرا مجيدا‪ ،‬ثم‬
‫أصبح روائيا‪ ،‬وكاتبا وإداري��ا‪ ،‬وأستاذا جامعيا‪،‬‬
‫ودبلوماسيا‪ ،‬في أهم المواقع المتصلة باإلعالم‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪21‬‬

‫والمواقف‪ ،‬تظل باستمرار تحديا‬
‫كيانيا لمن يتصدى لقضايا يومية‬
‫متصلة بحياة ال�ن��اس‪ ..‬ومرتبطة‬
‫بمصالحهم‪ .‬وكما يقول المفكر‬
‫المغربي الكبير عبدالله العروي‪...‬‬
‫(ال أحد مجبر على التماهي مع‬
‫مجتمعه‪ .‬لكن إذا ما قرر أن يفعل‬
‫في أي ظ��رف ك��ان‪ ،‬فعليه إذاً أن‬
‫د‪ .‬القصيبي وبجانبه د‪ .‬عبدالعزيز الخويطر واألستاذ عبدالله الناصر‬
‫يتكلم بلسانه (المجتمع)‪ ،‬أن ينطق‬
‫ال �ع��ال �م��ي‪ ،‬كمنصبه س �ف �ي��را للمملكة العربية‬
‫بمنطقه‪ ،‬وأن يخضع لقانونه‪ .‬ال‬
‫السعودية في لندن لسنوات طويلة‪ ،‬حيث أستطاع فيلسوف وال متكلم وال شاعر أب��دا على رأس‬
‫أن يخلق فيها عالقات متوازنة مع جميع الجهات الدولة‪ ،‬كلما وأينما حصل ذلك عمت الفوضى‬
‫ال��دب �ل��وم��اس �ي��ة‪ ،‬ك��ذل��ك اس �ت �ط��اع ال�ق�ص�ي�ب��ي من ونزل الخراب)‪( ..‬من كتابه السنة واإلصالح)‪..‬‬
‫خالل الكتابة األدبية أن يبدع في مجال الرواية يصبح التماهي الخالق في عالقة ايجابية مع‬
‫والقصة‪ .‬ذلك أنه في كل حاالته‪ ،‬كان يجد صوتا المجتمع والدولة من موقع المسئولية والثقافة‬
‫للتعبير ع��ن نفسه كمبدع ح��ر‪ ،‬يعرف أساليب والتحدي‪ ،‬بمثابة امتحان عسير للوعي والموقف‬
‫اإلبداع بحسب مواقعها ومؤثراتها‪ .‬وحين تحول في وقت واحد‪.‬‬
‫القصيبي إلى كتابة القصة والرواية‪ ،‬كان يدرك‬
‫ول �ق��د ك��ان��ت ح �ي��اة ال�ف�ق�ي��د ال��دك �ت��ور غازي‬
‫التعقيدات والتحوالت التي أصابت بنية الحياة‬
‫القصيبي تنوس بين هذين الحدين‪ .‬لهذا ربما‬
‫االجتماعية في المنطقة العربية‪ ..‬وفي السعودية‬
‫وصف كثيرون تجربته الشعرية والروائية وصفا‬
‫خصوصا‪ .‬ولذلك وجد في مناخ العمل السردي‪،‬‬
‫ال يدرجهما ضمن األعمال العبقرية الكبرى‪..‬‬
‫ما يسمح له برصد الكثير من الحيوات والمصائر‬
‫دون أن يدركوا الوجه اآلخر لإلبداع في حياته‪،‬‬
‫والتقلبات التي تحدث من حوله‪ ،‬في فترة شهد‬
‫أي نجاحاته المبدعة في مجاالت اإلدارة والوزارة‬
‫فيها العالم تحوالت كبرى‪ ،‬سواء على صعيد ثورة‬
‫والتخطيط والسلوك والمواقف التي ال يمكنها إال‬
‫األنفوميديا (االت�ص��االت والمعلومات)‪ ،‬أو على‬
‫أن تكون الوجه اآلخر لعملة اإلبداع‪.‬‬
‫صعيد التحوالت الجيوسياسية‪ ،‬وما خلفته من‬
‫لقد انخرط المثقفون في المنطقة العربية‬
‫ظواهر ومشكالت‪.‬‬
‫زمنا طويال‪ ،‬في جدل عقيم‪ ،‬حيال فاعلية المثقف‬
‫كانت واقعية غازي القصيبي التي تستقطب حال‬
‫في مجتمعه‪ ،‬عبر تأويالت رومانسية تجريدية‪..‬‬
‫كونه شاعرا‪ ،‬من أهم سمات القوة في شخصيته‪.‬‬
‫لم تحقق في اآلخر إال ارتدادات عكسية وناقضة‬
‫فشخصية الشاعر بما تنطوي عليه من حساسية‬
‫لتلك الرومانسية‪ ،‬وبعكسها ت�م��ام��ا‪ ..‬ال سيما‬
‫ورهافة‪ ،‬وتَ َمثُّل الحاالت القصوى في المشاعر‬
‫بعد انهيار المعسكر االشتراكي‪ .‬لقد كانت تلك‬

‫‪22‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫التصورات التي تم تسويقها في كتابات التنظير يطيقونها‪.‬‬
‫العربي حيال موقف المثقف من السلطة‪ ،‬تأتي في‬
‫لقد جسد غ��ازي القصيبي يرحمه الله في‬
‫أغلبها كصدى لمجتمعات أخرى تجاوزت حاالت الزمن الذي عاش فيه وما شهده ذلك الزمن من‬
‫الحاجة إل��ى المثقف‪ ،‬بوصفه ف��اع�لا ضروريا تحوالت قناعات كان من الصعب الوصول إليها‬
‫في بناء أساسيات مجتمعه‪ ،‬وم��ا يقتضيه ذلك دون التوفر على معرفة عميقة‪ ،‬ونفس كبيرة‪،‬‬
‫من ابتداع وسيلة تستقطب حالة فريدة لتجديد واستعداد للتعلم من كل شيء‪ ،‬وتواضع واهتمام‬
‫العالقة المستمرة والبناءة‪ ،‬بين المثقف وموقعه بأدق تفاصيل المهنة والوظيفة واألمانة‪.‬‬
‫التنويري في المناصب التي يتقلدها‪.‬‬
‫ولهذا‪ ،‬فإن ما يفسر لنا نجاح الدكتور غازي‬
‫ك��ان غ��ازي القصيبي يرحمه ال�ل��ه‪ ،‬وبشهادة‬
‫القصيبي كشاعر‪ ،‬وكاتب‪ ،‬وإداري‪ ،‬ووزي��ر‪ ..‬هو‬
‫الكثيرين من أصدقائه‪ ..‬رجال استطاع أن يحقق‬
‫ذل��ك الحب ال��ذي ك��ان يكنه للناس‪ ،‬ويبذله لهم‬
‫تلك المعادلة‪ ،‬وأن يستثمر كل الممكنات اإليجابية‪،‬‬
‫من ناحية‪ ،‬وإلدراك��ه أن اإلب��داع هو مهمة نبيلة‬
‫لإلبقاء على دوره ف��اع�لا‪ ..‬س��واء لجهة الكتابة‬
‫لتنظيف وتجميل حياة الناس ماديا ومعنويا من‬
‫اإلبداعية‪ ،‬أو لجهة البناء والتجديد في مواقع‬
‫ناحية أخ��رى‪ ،‬وهي حالة ال يمكن أن يصل إلى‬
‫العمل العام التي تقلدها طوال حياته المديدة‪.‬‬
‫آفاقها إال شخص عرف كيف يتصالح مع نفسه‬
‫كان في قلب األحداث وفي قلب الحداثة في عين‬
‫عبر ضمير مرتاح‪ ،‬ظل يؤهله باستمرار إلبداع‬
‫الوقت‪ .‬كما عرف بتجربته الكبيرة أن الحداثة ال‬
‫متميز في الكتابة والحياة‪.‬‬
‫تعني قطيعة‪ ،‬كما أنها في الوقت نفسه‪ ..‬ال يمكن‬
‫استنساخها بحذافيرها في كل تجربة‪ .‬ولعل في‬
‫تلك الشهادات الكثيفة في الصحافة العربية‪..‬‬
‫ما يكشف لنا ال�ي��وم‪ ،‬كم ك��ان القصيبي يرحمه‬
‫الله إنسانا كبيرا‪ ،‬عندما كان يرد بنفسه على كل‬
‫خطاب تشكي أو مظلمة يصل إلى موقع العمل‪،‬‬
‫وال يجد في ذلك حرجا‪ ..‬إلدراكه طبيعة العالقة‬
‫الحقيقية بين المسئول والعامل والمواطن‪.‬‬
‫ولعل في ذلك الموقف الشهير‪ ،‬ال��ذي عرف‬
‫الناس من خالله أن الدكتور غازي القصيبي عمل‬
‫نادال لمدة ثالث ساعات‪ ،‬ما يكشف معدن هذا‬
‫الرجل‪ ،‬واستعداده الكامل لخدمة المواطن‪ .‬ففي‬
‫ذل��ك الموقف الشهير حين عمل ن��ادال بإحدى‬
‫مقاهي جدة‪ ،‬كشف لنا كم هو متصالح مع نفسه‪،‬‬
‫وقادر على تطبيق أفعال يأنف منها كثيرون وال‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪23‬‬

‫ُ‬
‫السخرية في أدب غازي القصيبي‬
‫> عبدالدائم السالمي‪ -‬تونس‬
‫ينهض اختيارُنا الحديثَ عن السخريّة في كتابات الدكتور غازي القصيبي‪،‬‬
‫ُ‬
‫خالدات‪،‬‬
‫ٍ‬
‫بنصوص‬
‫ٍ‬
‫من إيماننا بأنّ هذا المبد َع مأل مشهدَنا الثقافيَّ العربيَّ‬
‫المعيش بلغة ساخرةٍ ؛ سخري ًة ال‬
‫َ‬
‫سعى فيها إلى جعل الكتابةِ تحكي واقعَنا‬
‫القارئ‪،‬‬
‫ِ‬
‫المدروس‪ ،‬بل تحفِ ُر في أسبابِه‪ ،‬وتُفاج ُئ بها سكين َة‬
‫َ‬
‫تُم ِّي ُع موضوعَ ها‬
‫فيضحك لها حتى تسي َل دموعُه‪ ،‬وال يدري أيضحك من حقيقةِ المكتوب‪..‬‬
‫ضاحكًا باكيًا معًا يحتا ُج من‬
‫ِ‬
‫نصا يجع ُل قارئَه‬
‫أم يبكي من حقيقتِه‪ .‬وإنّ ًّ‬
‫ليقف‬
‫َ‬
‫كيفيات حضورِ الواقعِ فيه؛‬
‫ِ‬
‫آليات تش ُّكلِه‪ ،‬وفي‬
‫ِ‬
‫النّقد تف ُّكرًا في‬
‫على جمالياته ودَالالتِه االجتماعية والحضاريّةِ ‪.‬‬
‫السيما وأنّ السخريّة تجد لها جذورًا في مدوّنة‬
‫خاصة في كتابات الجاحظ‬
‫ّ‬
‫النثر العربيّ القديم‪،‬‬
‫وابن المقفّع والهمذاني وغيرهم‪ .‬ولع ّل هذا ما‬
‫نتاجات الدكتور غازي‬
‫ِ‬
‫بعض‬
‫يجي ُز لنا عود ًة إلى ِ‬
‫القصيبي التي أمكننا االط�ل�ا ُع عليها‪ ،‬لنبحث‬
‫ال‬
‫فيها ع��ن كيفيات اع �ت �م��اده اإلض �ح��اكَ سبي ً‬
‫إلى تحفيز المتلقّي على تجاوز المعاني األولى‬
‫أسئلة‬
‫ٍ‬
‫لمواضيع الكتابةِ نحو أعماقِ ها‪ ،‬وط��رحِ‬
‫حارّة حول عالئقه بذاته‪ ،‬وبغيره‪ ،‬وبباقي األشياء‬
‫ل�ق��د اخ �ت��ار ال��دك �ت��ور غ ��ازي ال�ق�ص�ي�ب��ي‪ ،‬في‬
‫ال‬
‫من حولِه‪ ،‬ومساءلةِ الظواهر الفكريّة والسياسيّة أغلب نتاجاته‪ ،‬السخر ّي َة تقني ًة كتاب ّي ًة وسبي ً‬
‫طاقات الواقع اإليحائيّةِ حتى يقف‬
‫ِ‬
‫واالجتماعية عن قوانينِها‪ ،‬وما يح ُك ُم اشتغالَها إلى تفجير‬
‫ِ‬
‫آليات‪ .‬وهي ظواه ُر تتبطّ ن كلَّ أفعال‬
‫ٍ‬
‫من‬
‫الناس على لُ��بِّ المعنى‪ .‬وتفصي ُل ذل��ك أنّ السخر ّي َة‬
‫الدنيويّة‪ ،‬وحتى الغيبيّة منها‪ .‬ولكنّها تتخفّى عنده ليست غاية في ح� ِّد ذاتها‪ ،‬وال تستهدف‬
‫وراء قِ شْ رتِها المألوفةِ السميكةِ ‪ ،‬فال يطالُها إ ّال اإلضحاكَ المجّ انيَ ولفتَ االنتبا ِه فقط‪ ،‬إنّما هي‬
‫صاحبُ ٍ‬
‫فكر جريءٍ ‪ ..‬يستطي ُع النفا َذ بفهمِ ه إلى ضحكٌ من األشياءِ حين يخاتل ُها المبد ُع ويعرّيها؛‬
‫تفاصيلِها العميقةِ بع َد تقشيرِ ها‪.‬‬
‫فتبوح ل��ه ب�ح��قِّ أس��راره��ا ال�ت��ي يحجُ بُها حياءُ‬
‫ول�ع� ّل م��ا تجدر اإلش���ارةُ إليه بشأن كتابات‬
‫المألوف الباطلِ ‪ .‬وال شكّ في أنّ واقعًا عرب ّيًا‬
‫ِ‬
‫الدكتور غازي القصيبي‪ ..‬هو تن ّوعُها وغزارتُها‪ .‬مع َّق َد الكيمياء االجتماعية والثقافية والسياسيّة‪،‬‬
‫وهو تن ّو ٌع يشي ب َموْسوعيّة ثقافة هذا المبدِ عِ ‪َ ،‬مثَّل بالنسبة إلى القصيبي‪ ،‬هذا المبدع العربيّ‬
‫ويكشف عن تمكُّنه من أدوات الكتابة الفنيّة‪ .‬الذي عايش أغلبَ أزماتنا القوميّة‪ ،‬جسدًا يحتا ُج‬
‫حيث كتب الرواي َة والمقالة الحضار ّي َة والشِّ ع َر كثيرًا من النقدِ الجريءِ حتى تستقي َم فيه معاني‬
‫والمقا َل السياسيّ والسيرةَ ال��ذات�ي�ةَ‪ ،‬وف��ي ك ّل‬
‫جنس كتابيٍّ من هذه األجناس‪ ،‬كان يَظْ هر منه‬
‫ٍ‬
‫للقارئ بُ ْع ٌد من أبعاد شخصيّته الثَ ّرةِ‪ ،‬حتى لكأنّه‬
‫مبد ٌع جَ ْم ٌع ال تُمكن اإلحاطة بمَيزاتِه اإلبداعيّة‬
‫إ ّال متى قاربناها في عمومِ إنتاجاتِه المنشورةِ‪.‬‬
‫وال غراب َة في أنّ كاتبًا له هذه القدرة على التنويع‬
‫ف‪ ،‬بل هو‬
‫في محامله الفنيّة كاتبٌ يقو ُل ما يعرِ ُ‬
‫كيف يقو ُل‬
‫أيضا َ‬
‫ويعرف ً‬
‫ُ‬
‫ف ما يقولُ‪،‬‬
‫كاتبٌ يعرِ ُ‬
‫موضوعاتِه‪.‬‬

‫‪24‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫قول له جذوره‬
‫ولئن كانت السخري ُة أسلوبَ ٍ‬
‫في مدوّنة الخبر العربيّة مثلما ذكرنا‪ ،‬فإنّها في‬
‫تفكير من جهةِ كونها‬
‫ٍ‬
‫إبداعات القصيبي أسلوبُ‬
‫تدخل في تضا ٍّد مع الكآبةِ التي تُخيّمِ على مالمح‬
‫واقعنا العربيّ المأزومِ ‪ ،‬وتكشف مفارقاتِه‪ .‬ويبدو‬
‫أنّ غازي القصيبي جعل من السخريّة تقني ًة كتابي ًة‬
‫الناس‪ ،‬ويضعهم‬
‫ِ‬
‫يُقوّض بها السائ َد من معيش‬
‫جدل حقيقيٍّ وذكيٍّ مع القضايا الكبرى التي‬
‫في ٍ‬
‫تُثي ُر فيهم الضحك لشدّة غرابتها‪.‬‬
‫في كتابه «مصالحات‪ ...‬ومغالطات وقضايا‬
‫يوصف غ��ازي القصيبي‪ ،‬بكثير من‬
‫أخ���رى»(‪ّ ،)8‬‬
‫السخريّة السوداء‪ ،‬ح��ا َل أغلب النُّخب الفكريّة‬
‫والسياسيّة العربية في عالقتها ببعض مقوالت‬
‫العولمة كالدّيمقراطيّة وال��وط�ن� ّي��ة وغيرهما‪،‬‬
‫ويُعرّي حقيق َة تعاطي هذه النخب البراغماتي‬
‫السياسي م��ع مثل ه��ذه المطالب‪ .‬فالسياسيُّ‬
‫العربيُّ ال��ذي ينادي بالدّيمقراطيّة يُخفي في‬
‫ضا لها‪ .‬أمّا معارِ ضوه‪ ،‬فإنّهم‬
‫أعماقِ ه كائنًا رافِ ً‬
‫يستثمرون مفهو َم الدّيمقراطيّة وانعدامَها في‬
‫بيئاتهم االجتماعيّة ليصلوا إل��ى سَ ��د ِة الحكمِ ‪،‬‬
‫وبعد ذل��ك ي �ط��اردُون المطالبين بتحقيقِ ها في‬
‫كثير من تبادل األدوار السياسيّة المغل َِّف بحُ بِّ‬
‫الشعوب التي ال تزيد عن كونها «كمبارسات»‬
‫تؤدّي أدوارًا لم تخترْها برَغبتِها‪.‬‬
‫أ ّم ��ا ف��ي رواي��ت��ه «س �ب �ع��ة»(‪ )9‬فيحشر غازي‬
‫القصيبي سبع ًة من وجهاء األ ّم��ة العربستانية‬
‫(المعادل التخييلي لألمة العربية)‪ ..‬أمثال أنور‬
‫مختارجي والفلكي بصراوي علوان في جزيرة‬
‫أسطورية تسمّى «ميدوسا» وي��زرع بينهم نَبْتَ‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫التعقُّل والتفكُّرِ ‪ ،‬ويكون قادرا على التخلّص من‬
‫أسمالِ بُناه الفكريّة القديمة التي كبّلتْ فيه كلَّ‬
‫اجتهاد‪ ،‬ومنعته من ك ّل تطو ٍّر حقيقيٍّ ‪.‬‬
‫ٍ‬

‫األح��داث حتى يرسم ص��ور ًة عن واقعنا العربيّ‬
‫المرير من خالل أفعال هؤالء وأقوالهم وشبكة‬
‫عالقاتهم‪ .‬يفعل ذلك موظّ فا السخريّة أدا ًة لكشف‬
‫المستغلقات من األسرار والرغائب‪ ،‬وكثيرًا من‬
‫حقائق أول��ي األم��ر من أم��ة عربستان وم��ا فيها‬
‫من سفاهات وتفاهات‪ .‬لكأنّه يقول للقارئ إنّ‬
‫أ ّم��ة فيها مثل ه��ؤالء الوجهاء الذين يعود إليهم‬
‫األمر والنهي في ك ّل شؤونِها‪ ,‬أ ّم ٌة تمشي سريعًا‬
‫إلى حتفها‪ ،‬بل هو يزيد من سخريته من هؤالء‬
‫األع�ي��ان‪ ،‬عندما يفضحِ حقائقَهم ويُ�ع�رّى فيهم‬
‫فقدانَهم لك ّل ملمح من مالمح ال��ذك��ورة‪ ،‬بعدما‬
‫اختار لهم نهاي ًة أليم ًة من ِج َهتَيْن‪ :‬الغرق وفقدان‬
‫الرجولة‪ ،‬على ح� ّد ما ج��اء في آخ��ر ح��دث من‬
‫أحداث هذه الرواية‪ ..‬حيث يقول السارد‪« :‬أوضح‬
‫تقرير الطبيب الشرعي أن الرجال السبعة ماتوا‬
‫غرقاً‪ ،‬وقد تبين من التحليل أنهم تعاطوا كميات‬
‫كبيرة من المخدرات والكحول‪ .‬أما المرأة‪ ،‬التي‬
‫وجدت على الشاطئ عارية‪ ،‬فلم يتضح للطبيب‬
‫الشرعي‪ ،‬بع ُد سبب موتها‪ ،‬ولم يعثر في دمها‬
‫على أي آث��ار ل�م�خ��درات أو ك�ح��ول‪ ،‬ول��م تظهر‬
‫بجسمها أي إصابات‪ .‬كما ظهر من الفحص أنها‬
‫عذراء‪.» ...‬‬
‫وتُع ُّد «العصفوريّة»(‪ )10‬فضا ًء تخييل ّيًا ذا مرجع‬
‫المتياز‪ ،‬وهو فضاء اختارَه غازي‬
‫ٍ‬
‫واقعيّ عربيّ‬
‫بطاقات فني ٍّة سردي ٍّة ليكون‬
‫ٍ‬
‫القصيبي وشحنَه‬
‫مسرحً ا يلتقي فيه المجنون بحكمتِه‪ ،‬والعقالءُ‬
‫صراع خفيٍّ على أحقّية الوجودِ ‪.‬‬
‫ٍ‬
‫بجنونِهم‪ ،‬في‬
‫وبين الحكمة والجنون‪ ،‬يظهر فك ُر غازي القصيبي‬
‫مفردات واقعه‪ ،‬ويحرّكُ عناص َر السرد‬
‫ِ‬
‫وهو يقرأ‬
‫حركات ساخر ًة من هذا الزمن العربيّ العجائبيّ ‪،‬‬
‫ٍ‬
‫الناس‬
‫ِ‬
‫الذي تحكمه التناقضاتُ ‪ ،‬ويطغى فيه على‬
‫يكشف زيفَها‬
‫ُ‬
‫جه ٌل عا ٌّم مصبو ٌغ بادّعاءات جوفاء‪..‬‬
‫هذا البروفسور المجنونُ‪/‬العاق ُل بط ُل الرواية‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪25‬‬

‫وال تقف كتاباتُ القصيبي الساخرةُ عند بيئته االنتخابات نوعً ا من الرقص الدّ يمقراطيّ الذي‬
‫فعل من أفعال المنظّ مات الدولية‬
‫المحليّة‪ ،‬ب��ل تطال نِبالُها مؤسّ ساتِنا القومية صار عالم َة ك ّل ٍ‬
‫واإلقليمية وحتى ال��دول�ي��ة‪ ..‬على غ��رار مؤلَّفه الراهنة التي يرقص رؤساؤُها بإيقاعات السياسة‬
‫تحريف اسم الغربية الجائرة‪ ..‬على اعتبار أنّ «ضمير العالم‬
‫َ‬
‫«دنسكو»(‪ )11‬الذي تعمّد فيه الكاتب‬
‫«اليونسكو» بما يدعو للضحك من هذه المنظَّ مة المكروب ال يضيره أن يرقص قليالً»‪..‬‬
‫الثقافية العالمية‪ ،‬التي انتشرت فيها الوالءاتُ ‪،‬‬
‫ُحصلةِ نقول إنّ نق َد غازي القصيبي‬
‫وفي الم ِّ‬
‫ٍ‬
‫عنيف‪ ،‬مشوبٌ‬
‫ٌ‬
‫وعَ مّها صرا ُع على الرئاسةِ‬
‫بكثير ألح� ��وال واق �ع��ه ال�م�ح�ل��يّ وال �ع��رب��يّ واإلقليميّ‬
‫ِ‬
‫من‬
‫رسالة‬
‫ٍ‬
‫إحساسه بكونه مث َّقفًا ذا‬
‫ِ‬
‫الشائعات حول حظوظ هذا المرشَّ حِ أو ذاك‪ .‬والدوليّ ‪ ،‬ناب ٌع من‬
‫وإنسانية‪ ،‬وهو نق ٌد تحكمه بني ٌة كتاب ّي ٌة‬
‫ٍ‬
‫وقد وجد القصيبي في هذه المنظّ مة مثاالً على وطنيّة‬
‫فسادِ أخالق َم ْن اعتمدوا الثقافة سبي ً‬
‫ال للجلوس تَقوم على توصيفه الظاهرةَ التي تلفت انتباهَ ه‬
‫على ال �ك��راس��ي‪ُ ..‬م�ح� ِّول�ي��ن جمي َع المؤسّ سات توصيفًا دقيقًا‪ ،‬حتى إذا اطمأنّ إليه المتلقّي‬
‫ٍ‬
‫الفكريّة إل��ى‬
‫بنسف يقينياتِه عن تلك الظاهرة وقدّ م له‬
‫ِ‬
‫بضاعة تباع في س��وق النخّ اسين فاجأه‬
‫بالمزادات العلنيّة‪ ،‬حيث نقرأ له قولَه «النظرة عنها فهمًا جديدًا بل ٍُغة مألوفةِ األلفاظ والتراكيب‪،‬‬
‫ال�ش��ائ�ع��ة ه��ي أن اإلدارة م�ع��روض��ة ل�م��ن يدفع لكنّها مشحون ٌة بالسخريّة السوداء التي تتك ّف ُل‬
‫والقلب‬
‫ِ‬
‫أكثر‪» ...‬؛ ورغم ما تُغلَّف به عملية انتخاب رئيس بها أفاني ُن القول العربية‪ ..‬مثل المبالغةِ‬
‫والتجنيس واإليقاع‪ .‬حتى‬
‫ِ‬
‫واالستعارات‬
‫ِ‬
‫هذه المنظمة من إهابات ديمقراطيّة‪ ..‬تقوم في اللفظي‬
‫ظاهرها على االنتخاب‪ ،‬فإنّ في خفاياها تسود لكأنّ السخر ّيةَ‪ ،‬تلك التي مال إليها أغلبُ عظماءِ‬
‫الوالءاتُ للمالِ قبل الفكرِ ‪ .‬وهنا‪ ،‬يتساءل القصيبي الفكر البشريّ لنقد ظ��روف واقعهم‪ ،‬ترقى في‬
‫بك ّل مرارةٍ «ماذا يتبقى لإلنسانية إذا بيعت هذه نتاجات الدكتور القصيبي من اإلبداعِ إلى اإلقناعِ‬
‫اإلدارة‪ ...‬؟»‪ .‬وللتخفيف من ه��ول ه��ذا األمر‪ ،‬الذي ال نخالُه يتح ّق ُق في ذهن القارئ‪ ..‬دون أن‬
‫النفوس‪.‬‬
‫ُ‬
‫يميل الكاتب إلى أسلوبه الساخر‪ ،‬فيرى في هذه يصاحبه إمتا ٌع تنشر ُح له‬

‫غازي القصيبي‪ ..‬شاعر النضال والغضب‬
‫> مالك اخلالدي‪ -‬السعودية‬
‫الموت المتصاعد من زيتون المسرى‪ ،‬يبص ُر‬
‫ِ‬
‫هناك بالقرب من أصداءِ أحزاننا يتكئ‪ ،‬يسم ُع زفي َر‬
‫فرية الغرقد األثيم‪ ،‬رائح ُة الدمِ المسفوك ترتفع‪ ،‬فتتلوها آهات الصغار المُقددين وأمهات الشهداء‪،‬‬
‫كل ذلك واشجهُ‪ ..‬فانداح غضب ًة شعرية ال تعرف الخوف أو الصمت!‬
‫فهو الذي قال‪:‬‬
‫يفجر نفسهُ‬
‫نفسي الفداءُ لمن ّ‬
‫ل���ي���ر ّد م��غ��ت��ص��ب�� ًا وي�����ردعُ غاصبا‬
‫فلم يستطع غازي إال الصدوع بوالئه لدماء‬

‫‪26‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫االستشهاديين‪ ،‬وتلكم الفتاوى تتصاع ُد من هنا‬
‫وهناك‪ ،‬مُحرِ َم ًة على الفلسطينيين الثأر لدينهم‬
‫ووطنهم وأعراضهم! فذاك انتحا ٌر يوردهم جهنم‬
‫حسب قولهم‪.‬‬
‫أم��ا غ ��ازي اإلن �س��ان ال �ش��اع��ر‪ ..‬بكل م��ا فيه‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫القصيبي خالل حضوره مناقشات مجلس الشورى حول أداء وزارته‬

‫�ض ال��ذل‪ ،‬فهو المشغو ُل حين وص� ُم صمت العرب بـ(االنتحار)‪ ..‬وحمل‬
‫عنفوان وأن�ف� ٍ�ة‪ ،‬رف� َ‬
‫ٍ‬
‫من‬
‫بقضايا وطنه وأمته‪ ،‬وهو المنفع ُل بجراح أمهاته عليهم لرضوخهم للغرب‪ ..‬بل لتملقهم المُخزي‬
‫المرابطات‪ ،‬وأنين بيادر البرتقال؛ ل��ذا‪ ،‬ارتدى الذي جاوز الحد فقال‪:‬‬
‫فعزف تناثـ ُر أشالء انتحرتم؟! نحنُ الذين انتحرنا‬
‫َ‬
‫حزن وآمال ونخوة إخوته‪..‬‬
‫الفدائيين والشهداء أشعار خلود‪ ..‬وها هو يبكي‬
‫العرب‪ ،‬ويمجّ د تلك االستشهادية الحسناء آيات‬
‫األخرس‪ ،‬التي زفـّـتها المالئكة لتعانقها الزهراء‬
‫على أعتاب الجنة فيقول‪:‬‬
‫�����روس العوالي‬
‫َ‬
‫ق���ل آلي����ات ي���ا ع‬
‫���ن ل��م��ق��ل��ت��ي ِ��ك ف�����داءُ‬
‫ك�����لُّ ح���س ٍ‬
‫يو َم يخصى الفحولُ صفو َة قومي‬
‫ت��ت��ص��دى ل��ل��م��ج��رمِ الحسناءُ‬
‫ف��ت��ح ْ��ت ب��اب��ه��ا ال��ج��ن��انُ وحيّت‬
‫���ك ف�����اط�����مُ ال������زه������راءُ‬
‫وت���ل���ق���ت ِ‬

‫ب�����ح�����ي�����اةٍ أم������وات������ه������ا أح�����ي�����اءُ‬
‫قد عجزنا حتى شكى العجزُ منا‬
‫وب��ك��ي��ن��ا ح��ت��ى ازدران�������ا البكاءُ‬
‫بيت‬
‫وارت��م��ي��ن��ا ع��ل��ى ط��واغ��ي ِ��ت ٍ‬
‫���ض م����لء ق��ل��ب��هُ الظلماءُ‬
‫أب���ي ٍ‬
‫ول��ع��ق��ن��ا ح������ذاء ش�������ارون حتى‬
‫ص��اح مه ًال قطعتموني الحذاءُ‬
‫المخضوب‬
‫ِ‬
‫حينها ابتهج المشر ُق بهذا الفيض‬
‫ب��ال �ج��رأة وال �غ �ي��رة ال �ص��ادق��ة‪ ،‬وان �ث��ال ك�ث�ي� ٌر من‬
‫الشعراء مُحاكين ه��ذه الغضبة القصيبية‪ .‬أما‬

‫وبإيعاز من اللوبي الصهيوني‪ ..‬فقد ساءهُ‬
‫ٍ‬
‫بل ذهب إلى أبعد من ذلك في مطلع القصيدة الغرب‪،‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪27‬‬

‫��راق وك��ان أم��س مالعب ًا‬
‫�روف وي��حُ ال��ع ِ‬
‫أن ت �ن �ت �ص��بَ ح�� ٌ‬
‫باكية بوجهِ آلة اإلبادة‬

‫للمجد أصبح للخنوعِ مضاربا‬
‫ِ‬

‫الصهيونية‪ ،‬فأُصدرت ك��ان��ت ت�لام��س��هُ ال��ن��ج��ومُ أنام ًال‬
‫ال��ب��ي��ان��ات‪ ..‬وتعالت‬
‫ال �خ �ط��اب��ات تستنكر‬
‫النزيف والقصيد!‬

‫ف��غ��دا ت��م��زق��هُ ال��س��ج��ونُ مخالبا‬
‫كما تاهَ في عيني بيروت باكياً‪:‬‬
‫���ك يبدو‬
‫����روت م���ا ل���وج���ه ِ‬
‫آهِ ب����ي ُ‬

‫وه� � � �ن � � ��ا‪ ،‬ت� �ت� �ب ��رج‬

‫بالذبول‬
‫ِ‬
‫م��ث��لَ وج��ه��ي م��ب��رق��ع�� ًا‬

‫ش� � �ع � ��ارات ال� �ع ��دال ��ة ك��ن ِ��ت ليلى وك��ن ُ��ت مجنون ليلى‬
‫ويسقطُ قنا ُع الحرية‬
‫المفتراة‪.‬‬

‫بالعقول‬
‫ِ‬
‫ي��ا ل��م��ا ي��ف��ع��لُ ال��ه��وى‬
‫ثم يتساءل عن الدماء المسفوحة بيد القريب‪..‬‬

‫وب��ع��د ح �ي��ن يعود والفرحة المسلوبة من األفئدة العذارى‪:‬‬

‫��ت دم����اءُ أم���ي وأختي‬
‫غ � ��ازي ل �ب �ل��ده وزي � ��راً ك��ي��ف س��ال ْ‬
‫رافعاً هامتهُ‪ ،‬تكتنف ُه‬

‫ب��ي��دي ص��اح��ب��ي وس��ي ِ��ف خليلي‬

‫فخر وطمو ُح‬
‫ٍ‬
‫مشاعر‬
‫القناص يُ حرقُ عرسي‬
‫ُ‬
‫كيف راح‬
‫َ‬
‫ب � �ن� ��اء‪ ،‬وه� �ن ��ا يظه ُر‬
‫ج �ل �ي �اً دع ��م المملكة‬
‫ال �ع��رب �ي��ة السعودية‬
‫مخلص لوطنهِ‬
‫ٍ‬
‫لرجل‬
‫ٍ‬
‫وقضايا أمته‪ ..‬وذلك‬
‫تأكي ٌد لموقف المملكة‬
‫ال�ث��اب��ت وال��راس��خ في‬
‫دعم نضال الشعب الفلسطيني‪.‬‬

‫ب���رص���اص���ي وف���رح���ت���ي بفتيلي‬
‫وبجسارته المعتادة يجعل الزعماء والحكماء‬
‫والبيانات والغوغاء فدا ًء لناظري الشهيد محمد‬
‫ال��درة في قصيدته الشهيرة (يا فدى ناظريك)‬
‫حيثُ يقول في مطلعها‪:‬‬
‫�����ت ي����ا ص��غ��ي��ر محمد‬
‫ه�������در ًا م ّ‬
‫ه�������در ًا ع����م����ركَ ال���ص���ب���يُ تبدد‬
‫زعيم‬
‫ٍ‬
‫���ك ك����ل‬
‫ي����ا ف�����دى ن���اظ���ري َ‬

‫ولم تكن قصيدت ُه هذه هي الغضبة الوحيدة‪،‬‬

‫ح���ظ���هُ ف���ي ال���وغ���ى أدان ون���دد‬

‫ب��ل ه��ي ض��وء م��ن ش�م� ِ‬
‫مذيع‬
‫ٍ‬
‫���ك ك���ل‬
‫�س ع��روب�ت��هِ المتوهجة‪ ..‬ي���ا ف����دى ن���اظ���ري َ‬
‫ِ وإيمانه الخالد ال��ذي يسك ُن روح�� ُه الشفيفة‪،‬‬
‫��ون األث��ي��ر أرغ����ى وأزب���د‬
‫ف��ي س��ك ِ‬
‫تمجيد وث �ن��اءٍ ورثاءٍ‬
‫ٍ‬
‫ف��دواوي �ن � ُه تحف ُل بقصائد‬

‫حكيم‬
‫ٍ‬
‫ي���ا ف����دى ن���اظ���ري���ك ك���ل‬

‫ألبطال قضوا نحبهم على طريق الحق‪ ..‬كما تغنى‬
‫ٍ‬
‫بمدائن الدموع والصمود واالنكسار‪ ،‬فبكى بغدا َد‬
‫بقلب محترق‪:‬‬
‫ٍ‬

‫‪28‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫��وف ب��ث��اق��ب ال�����رأي أنجد‬
‫ف��ي��ل��س ٍ‬
‫بل إن غ��ازي الشاعر الملتاع الكسير يفدى‬
‫محمداً‪:‬‬

‫حضارتهُ ت��ذروا الجيا َع وتحصدُ‬
‫ويعرّج على شجاعتهِ وشهامته وكفاحه‪:‬‬
‫تعودتّ في وج��ه ال��ري��اءِ صراحةً‬
‫وك���م ق���ائ ٍ���ل ي���ا ب��ئ��س م���ا يتعودُ‬
‫تحارب إن حاربت ضمنَ رجولةٍ‬
‫ُ‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫بعالم‬
‫ٍ‬
‫وق��ات��لَ م��ن أج��ل ال��ج��ي��اعِ‬

‫ف�لا أن���ت غ����دارٌ وال أن���ت تحقدُ‬
‫مكان آخر يبكي حال األم��ة في‬
‫ٍ‬
‫وها هو في‬

‫قصيدة وجهها لمناضل الحرف والفكرة الشاعر‬
‫محمد مهدي الجواهري‪:‬‬

‫سهيل ‪ -‬اإلبن األكبر للقصيبي‬

‫ناظريك ناظمُ هذا القول‬
‫َ‬
‫يا فدى‬
‫����ات ال���م���ق���دد‬
‫ش����ع����رُ ال����م����ن����اس����ب ِ‬
‫بأبيات بدت فيها النزعة الدينية والروح‬
‫ٍ‬
‫ويخت ُم‬
‫القومية قوية ثائرة ساخطة‪ ،‬حتى كأننا نشعرها‬
‫سهاماً حارقة يوجهها لصدور األعداء ويرثي فيها‬
‫أمته‪:‬‬
‫أل���ف م��ل��ي��ون م��س��ل ٍ��م ل���و نفخنا‬
‫ك���ل���ن���ا ل�����م ي������دم ب�����ن�����اءٌ مشيد‬
‫��ض منا‬
‫ق���د ف��ه��م��ن��ا ت���ه���وّد ال��ب��ع ُ‬
‫أ َو ل���م ي��ب��قَ م��ع��ش��رٌ م���ا تهود؟!‬
‫ول ��م ي �ك��ن ش �ع��ر ال�ق�ص�ي�ب��ي رف �ي �ق �اً لسواعد‬
‫المناضلين في ساح االشتباك المسلح‪ ..‬بل كان‬
‫ناراً في وجه المستبدين‪ ..‬ووقوداً لمن أسرجوا‬
‫أص��وات�ه��م وأق�لام�ه��م الن �ت��زاع ح�ق��وق الكادحين‬
‫والمظلومين‪ ..‬فها هو يرثي صديقه المناضل‬
‫الحقوقي ال��دك�ت��ور محسون ج�لال يرحمه الله‬
‫فيقول‪:‬‬
‫ناقم‬
‫أمحسونُ هل أروي حكاي َة ٍ‬
‫عنيد تحدى الفقر والفقرُ أعندُ‬
‫ٍ‬

‫م���اذا ت��رك��تَ ؟ ع��واص��م�� ًا مقهور ًة‬
‫وزواح������ف������ ًا م������ذع������ور ًة وأران����ب����ا‬
‫نتن يديرُ لنا ال��ه��وان ونحتسي‬
‫ٌ‬
‫ك��رع�� ًا ويحتقرُ ال��م��دي��رُ الشاربا‬
‫بل إن الجواهري ألهم غازي الغضب ورفض‬

‫الظلم‪:‬‬

‫شعرك ثائر ًا‬
‫َ‬
‫قرأت‬
‫وغضبت حين ُ‬
‫ُ‬
‫ي��ب��غ��ي دم���� ًا ودم���� ًا وي�����زأ ُر ساغبا‬
‫أشيب ولم يشب لك مقطعٌ‬
‫ُ‬
‫عجب ًا‬
‫م����ازال ش��ع��رك ب��ي ل��ع��وب�� ًا العبا‬
‫����اق وأع����م����ا ُر ال���ط���غ���اةِ قصيرةٌ‬
‫ب ٍ‬
‫شعرٌ ضمنتَ له الخلود الصاخبا‬
‫وهكذا‪ ،‬بقي غازي خالداً في ضمير األحرار‪،‬‬

‫�ض مضاجع الظَّ لمة واألع� ��داء‪ ،‬ومن‬
‫صاخباً ي�ق� ُّ‬
‫يرجع لدواوينه يجدها نابضة باإليمان والعروبة‬
‫الغضب‬
‫ِ‬
‫بخفقات‬
‫ِ‬
‫والنضال‪ ،‬حتى أن القارئ لَيشعر‬

‫مبثوث ًة في كل حروفه‪ ،‬لقد كان القصيبي إنساناً‬
‫مسكوناً بالهم اإلسالمي العربي؛ لذا‪ ،‬كان صوت‬

‫الحق‪ ..‬فلم تقيّده المناصب ولم تشغله األلقاب‪،‬‬
‫فكا َن شاعراً حرا‪ ..‬ورحل وهو كذلك يرحم ُه الله‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪29‬‬

‫غازي القصيبي شاعرا‬
‫> عمار اجلنيدي‪ -‬األردن‬
‫رغ ��م ال �ح �ي��اة األدب��ي��ة ال�ط��وي�ل��ة ال �ت��ي ك��اب��ده��ا ال �ش��اع��ر والروائي‬
‫والدبلوماسي والسياسي العربي‪ :‬غ��ازي عبدالرحمن القصيبي‪ ،‬فإن‬
‫منجزه اإلبداعي ي��دلّ على سيرة حافلة باإلنجاز والتأليف والعطاء‪،‬‬
‫وقد أحدثت رواياته وشعره الكثير من الضجّ ة والسجاالت حولها‪ ،‬أما‬
‫منجزه الشعري فيربو على خمسة عشر مؤلفا بالعربية ونحو خمسة‬
‫باللغة االنجليزية‪ ،‬ومنها‪:‬‬
‫ •أش� �ع ��ار م ��ن ج ��زائ ��ر ال��ل��ؤل��ؤ ج� ��زء من‬
‫«المجموعة الشعرية الكاملة»‪.‬‬
‫ •قطرات من ظمأ ج��زء من «المجموعة‬
‫الشعرية الكاملة»‪.‬‬
‫ •معركة ب�لا راي��ة ج��زء م��ن «المجموعة‬
‫الشعرية الكاملة»‪.‬‬
‫ •أبيات غزل جزء من «المجموعة الشعرية‬
‫الكاملة»‪.‬‬
‫ •أن���ت ال ��ري ��اض ج���زء م ��ن «المجموعة‬
‫الشعرية الكاملة»‪.‬‬
‫ •الحمى ج��زء م��ن «المجموعة الشعرية‬
‫الكاملة»‪.‬‬
‫ •ال �ع��ودة إل��ى األم��اك��ن القديمة ج��زء من‬
‫«المجموعة الشعرية الكاملة»‪.‬‬
‫ •ورود على ضفائر سناء‪.‬‬
‫ •مرثية فارس سابق‪.‬‬
‫ •عقد من الحجارة‪.‬‬
‫ •واللون على األوراد‪.‬‬
‫ •قوافي الجزيرة (نشر بثالث لغات‪ :‬العربية‬
‫واإلنجليزية واألردية في طبعة واحدة)‪.‬‬

‫‪30‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫ •ف� � � ��ي خ� �ي� �م ��ة‬
‫ش ��اع ��ر (‪( )1‬م� �خ� �ت ��ارات م ��ن الشعر‬
‫العربي)‪.‬‬
‫ •في خيمة شاعر (‪.)2‬‬
‫ •مائة ورقة ياسمين‪.‬‬
‫ •سحيم‪.‬‬
‫ •قراءة في وجه لندن‪.‬‬
‫ •وال�ق�ص�ي�ب��ي ش��اع��ر ك�لاس�ي�ك��ي‪ ،‬منحاز‬
‫في كالسيكيته إلى لغة بسيطة وسهلة‪،‬‬
‫ي �ع � ّوض �ه��ا ت��ن��وّع ال �م �ض��ام �ي��ن واألفكار‬
‫ب��وص�ف��ه ش��اع��را ج�م��اه�ي��ري��ا يستبصر‬
‫ال��ت��راث‪ ،‬وي��وظ�ف��ه ف��ي م�ت��ن القصيدة‪،‬‬
‫وهو الذي تخلّى عن الفوقية في تعامله‬
‫مع اآلخ��ر‪ ،‬ألنه شاعر مرهف حسّ اس‪،‬‬
‫ومُق ِن ٌع بصدقه وإعالئه شأن أحاسيسهم‬
‫ومواجعهم‪ ،‬وألن زاده الشعري من معين‬
‫الصدق واالنتماء‪ ،‬ففي قصيدته «رسالة‬
‫المتنبي األخيرة إلى سيف الدولة» التي‬
‫تعد من أج��ود القصائد التي قيلت في‬
‫القرن العشرين؛ نرى القصيبي يسهب‬
‫في العتاب‪ ،‬ويفيض باإلعالء من شأن‬
‫الشاعر‪:‬‬

‫ف����ع��ل�ام أس����ه����ب ف����ي ال����غ����ن����اء وأط���ن���ب‬
‫ص����وت����ي ي���ض���ي���ع وال ت���ح���س برجعه‬
‫ول����ق����د ع���ه���دت���ك ح���ي���ن أن����ش����د تطرب‬
‫وأراك م�����ا ب���ي���ن ال����ج����م����وع ف��ل��ا أرى‬
‫ت��ل��ك ال��ب��ش��اش��ة ف���ي ال���م�ل�ام���ح تعشب‬
‫وت�����م�����ر ع���ي���ن���ك ب������ي وت������ه������رع مثلما‬
‫ع�����ب�����ر ال������غ������ري������ب م�������روع�������ا ي���ت���وث���ب‬
‫ب���ي���ن���ي وب����ي����ن����ك أل�������ف واش ي���ك���ذب‬
‫وت������ظ������ل ت����س����م����ع����ه ول������س������ت ت����ك����ذب‬
‫خ���دع���وا ف��أع��ج��ب��ك ال���خ���داع ول����م تكن‬
‫م����ن ق���ب���ل ب���ال���زي���ف ال���م���ع���ط���ر تعجب‬
‫س���ب���ح���ان م����ن ج���ع���ل ال���ق���ل���وب خزائنا‬
‫ل�����م�����ش�����اع�����ر ل������م������ا ت������������زل ت���ت���ق���ل���ب‬
‫ق������ل ل�����ل�����وش�����اة أت�����ي�����ت أرف���������ع راي����ت����ي‬
‫البيضاء ف��اس��ع��وا ف��ي أدي��م��ي واضربوا‬
‫ه���ذي ال��م��ع��ارك ل��س��ت أح��س��ن خوضها‬
‫م�����ن ذا ي�����ح�����ارب وال����غ����ري����م الثعلب‬
‫وم������ن ال���م���ن���اض���ل وال�����س��ل��اح دسيسة‬
‫وم�������ن ال����م����ك����اف����ح وال������ع������دو ال���ع���ق���رب‬
‫ت����أب����ى ال����رج����ول����ة أن ت����دن����س سيفها‬
‫ق�����د ي���غ���ل���ب ال����م����ق����دام س����اع����ة يغلب‬
‫ف���ي ال��ف��ج��ر ت��ح��ت��ض��ن ال��ق��ف��ار رواحلي‬
‫وال����ح����ر ح���ي���ن ي������رى ال���م�ل�ال���ة يهرب‬
‫وال����ق����ف����ر أك��������رم ال ي���غ���ي���ض ع����ط����اؤه‬
‫ح���ي���ن���ا وي����ص����غ����ي ل����ل����وش����اة فينضب‬
‫وال�����ق�����ف�����ر أص����������دق م������ن خ����ل����ي����ل وده‬
‫م������ت������غ������ي������ر م�������ت�������ل�������ون م������ت������ذب������ذب‬
‫س���أص���ب ف���ي س��م��ع ال����ري����اح قصائدي‬
‫ال أرت�������ج�������ي غ����ن����م����ا وال أت����ك����س����ب‬

‫إن ال������س������راب م�����ع ال�����ك�����رام�����ة يشرب‬
‫أزف ال������ف������راق ف����ه����ل أودع صامتا‬
‫أم أن��������ت م����ص����غ ل����ل����ع����ت����اب ف���أع���ت���ب‬
‫ه����ي����ه����ات م�����ا أح�����ي�����ا ال����ع����ت����اب م�����ودة‬
‫ت����غ����ت����ال أو ص������د ال�������ص�������دود ت���ق���رب‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫ب���ي���ن���ي وب����ي����ن����ك أل��������ف واش ينعب‬

‫وأص������وغ ف���ي ش��ف��ة ال����س����راب مالحمي‬

‫ي����ا س����ي����دي! ف����ي ال���ق���ل���ب ج�����رح مثقل‬
‫ب���ال���ح���ب ي��ل��م��س��ه ال���ح���ن���ي���ن فيسكب‬
‫ي�����ا س�����ي�����دي! وال����ظ����ل����م غ���ي���ر محبب‬
‫أم���������ا وق���������د أرض�������������اك ف�����ه�����و محبب‬
‫س����ت����ق����ال ف����ي����ك ق����ص����ائ����د م�����أج�����ورة‬
‫ف����ال����م����ادح����ون ال����ج����ائ����ع����ون ت���أه���ب���وا‬
‫دع�����وى ال�������وداد ت���ج���ول ف����وق شفاههم‬
‫أم������ا ال����ق����ل����وب ف����ج����ال ف���ي���ه���ا أشعب‬
‫ال ي����س����ت����وي ق����ل����م ي�����ب�����اع وي����ش����ت����رى‬
‫وي�������راع�������ة ب��������دم ال����م����ح����اج����ر تكتب‬
‫أن������ا ش����اع����ر ال����دن����ي����ا ت���ب���ط���ن ظهرها‬
‫ش������ع������ري ي������ش������رق ع�����ب�����ره�����ا وي�����غ�����رب‬
‫أن��������ا ش�����اع�����ر األف������ل�����اك ك������ل كليمة‬
‫م����ن����ي ع����ل����ى ش����ف����ق ال����خ����ل����ود تلهب‬
‫وللشاعر القصيبي منهجه الواضح في نظم‬
‫ال�ق�ص�ي��دة‪ ،‬وأغ �ل��ب مواضيعه ال�ت��ي ت ��دور حول‬
‫اإلره���اص���ات األخ�لاق �ي��ة للمجتمع اإلنساني‬
‫الحديث‪ ،‬برومانسية وواقعية تكحّ لها شفافية‬
‫الحداثة‪ ،‬حتى وإن كان في أغلب شعره تقليديا‪.‬‬
‫وف��ي قصيدة «م��وم�ي��اء» ت��راه يفيض بأسئلة‬
‫وجودية عن الحب والسحر والموت‪ ،‬وتراه ينبش‬
‫أل��ف س��ؤال‪ ،‬رغ��م أن اإلج��اب��ات غير مواتية في‬
‫اللحظة‪ ،‬مؤكدا أن تخلّيه عن إرهاصات الشعر‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪31‬‬

‫ون��زوات��ه‪ ،‬ك��ان السبب في ضياع ونسيان إلحاح‬
‫األسئلة واإلجابة‪ ،‬فيقول‪:‬‬

‫ال ت��ع��ج��ب��ي م���ن دم������اءِ ال���ق���ل ِ���ب ن���ازف���ةً‬
‫مندمال‬
‫ِ‬
‫�����ت ال��ق��ل��بَ‬
‫واس��ت��غ��رب��ي إن رأي ِ‬

‫وأرسلت روحي تعبر هذا الفضاء‬
‫المرصع بالالنهاية تسأل ما السحر؟‬
‫ما الحب؟ ما العيش؟ ما الموت؟‬
‫تسأل تسأل‬
‫يا أنت! ال تنبشي ألف جرح قديم‬
‫وألف سؤال عتيق‬
‫فإني نسيت الضماد‬
‫نسيت اإلجابات‬
‫منذ تبرأت من نزوة الشعراء‬
‫وعدت إلى زمرة األذكياء‬
‫الذين يخوضون هذي الحياة‬
‫بدون سؤال‪ ..‬بدون جواب‬

‫***‬
‫ي���ا أمُّ ! ج����رحُ ال���ه���وى ي��ح��ل��و إذا ذك����رتْ‬
‫����رض����عُ األَسَ ��ل��ا‬
‫���ب ي َ‬
‫روح�����ي م�������رار َة شَ ���ع ٍ‬
‫ي��ف��دي ال��ص��غ��ا ُر ب��ن��ه��رِ ال�����د ِّم مَ قدسنا‬
‫ّ����ب ط���رف���ي ال أرى رج��ل�ا؟!‬
‫م���ال���ي أق����ل ُ‬
‫أرى ال��ج��م��اه��ي�� َر ل��ك��ن ال أرى ال�����دُ وَال‬
‫أرى ال���ب���ط���ول���ة ل���ك���ن ال أرى البطال‬
‫رجعت‬
‫ْ‬
‫ال َت��ذك��ري ل��ي ص�ل�ا َح ال��دي��ن ل��و‬
‫أيَّ������امُ ������ه الرت�����م�����ى ف�����ي ق�����ب�����رهِ خجَ ال‬

‫وفي مالمح قصيدته تبدو أوجاعه اإلنسانية‬
‫واضحة في تشكّيها ومعاناتها من قيم الغدر‪،‬‬
‫وتنكّر المعروف‪ ،‬جليّة وواضحة كما في قصيدته‬
‫التي يقول فيها‪:‬‬
‫ي������د ُة ال����غ����درِ ف����ي ال���ظ���ل���م���اءِ مُ ختتِ ال‬
‫����ت أه�����������وا ًال وأف���ج���عُ ���ه���ا‬
‫ي�����ا أمُّ ع����ان����ي ُ‬
‫أواج��������هُ ال����رم����حَ ف����ي ص������دري وأن����زع����هُ‬
‫مس القلبَ أو دخال‬
‫والرمحُ في الظهرِ ّ‬
‫������ب ويُ فزِ عُ ني‬
‫أل���ق���ى ال���كُ ���م���ا َة ب�ل�ا ُرع ٍ‬
‫ه���ج���رُ ال��ح��ب��ي ِ��ب ال�����ذي أغ��ل��ي��تُ ��هُ فسَ ال‬
‫األرض قاطبةً‬
‫ِ‬
‫���ك ح���س���انَ‬
‫أش���ك���و إل���ي ِ‬
‫ع��ش��ق��ت��ه��نّ ف����ك����انَ ال���ع���ش���قُ م����ا قَ���تَ�ل�ا‬
‫����ان يتركُ هُ‬
‫وي���ل���ا ُه م����ن ح����رق����ةِ ال����ول����ه ِ‬
‫��������وق ودّع األم��ل��ا‬
‫م�����ع ال����ص����ب����اب����ةِ ش ٌ‬
‫��ك م��ن ال��س��تّ��ي ِ��ن م��ا خَ ضب َْت‬
‫أش��ك��و إل��ي ِ‬
‫َ���ص�ل�ا؟!‬
‫م���ن ل���ي ب��ش��ي ٍ��ب إذا ع��ات��ب��ت��هُ ن َ‬
‫��س ال��غ��ي��دُ «ي���ا ع���مّ ���ي!» ف���وا أسف ًا‬
‫ت��ه��ام َ‬
‫����ت ال����ي����افِ ���� َع ال����غَ����زِ ال‬
‫أص����ي����رُ ع���مّ ���ا وك����ن ُ‬

‫‪32‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫وحتى في إيحاءاته الغزلية فإنه ال يتوانى عن‬
‫توظيف رؤاه وأسئلته وحيرته الوجودية‪ ،‬فنراه‬
‫يمتح من معين األلم‪ ،‬فيُغدِ ق في البوح من تأسّ يه‬
‫وتباريح جراحه‪ ،‬كما في قصيدة «قل لها»‪:‬‬
‫ق�������ل ل�����ه�����ا إن���������ه ي����ف����ي����ق ع�����ل�����ى ج�����رح‬
‫وت������غ������ف������و س�����ن�����ي�����ن�����ه ف������������وق ل�����وع�����ه‬
‫س����ك����ب ال������ده������ر م������ن أس����������اه رح���ي���ق���ا‬
‫ف�����ت�����ح�����س�����اه ج�������رع�������ة إث�����������ر ج����رع����ه‬
‫ق��������ل ل������ه������ا إن�����������ه ي�����ه�����ي�����م وأخ������ش������ى‬
‫أن ت��������واري��������ه رح������ل������ة دون رج����ع����ه‬
‫والقصيبي ش��اع��ر ع��روب��ي منتم حتى نخاع‬
‫االن�ت�م��اء‪ ،‬فيهيجه م��ا يحدث ف��ي وطنه العربي‬
‫من ملمّات ومحن‪ ،‬فيقول في قصيدته «قصيدة‬
‫برقية عاجلة إلى بلقيس»‪:‬‬
‫أل�����وم ص��ن��ع��اء ي���ا ب��ل��ق��ي��س أم ع���دن���ا؟!‬
‫أم أم�����ة ض��ي��ع��ت ف����ي أم���س���ه���ا ي���زن���ا؟!‬
‫أل����وم ص��ن��ع��اء (ل���و ص��ن��ع��اء تسمعني)!‬
‫وس����اك����ن����ي ع������دن (ل������و أره�����ف�����ت أذن������ا)‬
‫وأم��������������ة ع�����ج�����ب�����ا م�������ي���ل���اده�������ا ي���م���ن‬
‫ك�����م ق���ط���ع���ت ي���م���ن���ا ك�����م م����زق����ت يمنا‬

‫ب��ف��ت��ن��ة ال����وح����دة ال���ح���س���ن���اء مفتتنا‬
‫ب���ن���ي���ت ص����رح����ا م����ن األوه���������ام أسكنه‬
‫ف���ك���ان ق���ب���را ن���ت���اج ال�����وه�����م‪ ،‬ال سكنا‬
‫وص���غ���ت م���ن وه����ج األح���ل��ام ل���ي مدنا‬
‫وال�����ي�����وم ال وه����ج����ا أرج�������و وال مدنا‬
‫أل�������وم ن���ف���س���ي ي����ا ب��ل��ق��ي��س أحسبني‬

‫وأن���ت���م م��ع��رض ف���ي أض��ل��ع��ي وض���ن���ا!))‬
‫ق��ول��ي ل��ه��م‪(( :‬ي����ا رج����اال ض��ي��ع��وا وطنا‬
‫أم����ا م���ن ام�����رأة ت��س��ت��ن��ق��ذ ال���وط���ن���ا؟!))‬

‫رح��م الله الشاعر العربي الكبير غازي‬
‫ال��ق��ص��ي��ب��ي‪ ،‬ف��ق��د ك���ان ش��اع��را م��ج��ي��دا في‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫أل������وم ن��ف��س��ي ي����ا ب��ل��ق��ي��س ك���ن���ت فتى‬

‫ق��ول��ي ل��ه��م‪(( :‬أن���ت���م ف���ي ن���اظ���ري قذى‬

‫ك��ن��ت ال����ذي ب��اغ��ت ال��ح��س��ن��اء ك��ن��ت أنا! توظيف آالم اإلن��س��ان ال��ع��رب��ي ومكابداته‪,‬‬
‫فضال عن إسهاماته في األجناس اإلبداعية‬
‫ب��ل��ق��ي��س! ي��ق��ت��ت��ل األق����ي����ال فانتدبي‬
‫إل���ي���ه���م ال���ه���ده���د ال����وف����ي ب���م���ا ائتمنا األخرى‪.‬‬

‫ض ال َْقل ِْب‬
‫ِش ْع ِرية ُم ْب َت ِهجة ِبنَ ْب ِ‬

‫قراءة في قصيدة (يارا‪ ..‬والرحيل) للشاعر غازي القصيبي‬
‫> أحمد الدمناتي‪ -‬املغرب‬
‫طقوس الكتابة عند الشاعر غازي القصيبي محروسة بلغة شعرية‬
‫طازجة‪ ،‬تعزف على وتر االنتماء واالحتفاء بالحياة‪ ،‬مسكونة بالنداء‬
‫الداخلي الحار الذي تُعلنه القصيدة مبتهجة بأكوان تخييلية إبداعية‪،‬‬
‫اتخذت من الشعر تجربة ورؤيا‪ ،‬حيث الذات الشاعرة تسكن اللغة‪،‬‬
‫وتتجذر بعمق في سؤال كينونتها‪.‬‬
‫يصعب ج��دا أن أق��وم بقراءة نقدية حول‬
‫قصائد الشاعر القصيبي‪ ،‬هل أتناول النص‬
‫الشعري أم اإلن��س��ان‪ .‬كالهما وجهان لجرح‬
‫واحد‪ ،‬يحفر صمته قلقا واغترابا واندهاشا‪.‬‬
‫ألن قصائده قريبة مني كظلي‪ ،‬ويصعب الحديث‬
‫عن ظلك وأنت المشرع على اتجاهات عذراء‪،‬‬
‫تعلن عن عبورك تحت سقف المرايا‪ ،‬بخطيئة‬
‫غبطة شاعر مجنون‪ ،‬يسكن غربته اإلبداعية‬
‫حتى النخاع‪ ،‬متأبطا كعادته قصائده الطازجة‬
‫في القلب‪ ،‬ومسوداته المختلفة في ركن قصي‬
‫من الذاكرة‪.‬‬

‫منذ حوالي أكثر من عقدين من الزمن‪ ..‬من‬
‫خالل مجموعاته الشعرية (قطرات من ظمأ)‪،‬‬
‫(معركة ب�لا راي���ة)‪( ،‬أب��ي��ات غ���زل)‪( ،‬العودة‬
‫إلى األماكن القديمة)‪( ،‬ورود على عقد من‬
‫الحجاره)‪( ،‬أنت الرياض)‪( ...‬الحمى)‪ ..‬الخ‪.‬‬

‫ضفائر مفتوحة على ألق الكتابة كاختيار‬
‫وج������ودي آم����ن ب���ه وداف������ع ع���ن���ه‪ ،‬ل���ه نمطه‬
‫الشعري والكتابي الخاص ال��ذي يشبهه في‬
‫قلقه وطيبوبته‪ ..‬وجنونه أيضا‪ .‬له حرائقه‬
‫اإلبداعية األليفة‪ ،‬ينهض من رم��اده كطائر‬
‫الفنيق‪ ..‬ليجدد رحلته وأسفاره الشعرية نحو‬
‫غازي القصيبي شاعر متميز كما عرفته أقاصي القلب وفداحة النسيان‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪33‬‬

‫ق��ص��ي��دة (ي�����ارا‪ ..‬وال��رح��ي��ل)‪ ..‬تحفر في‬

‫تضاريس الذاكرة مجراها الجمالي‪ ،‬وفرادتها‬

‫الخاصة بشفافية الحلم األنيق‪ ،‬والتلصص‬

‫الفاتن على ع��راء ال��ذات ورجفة النفس‪ .‬ال‬

‫تعتمد الومضة القصيرة‪ ،‬الخاطفة في التأثير‬
‫على المتلقي‪ ،‬بل تتعداها إلى حالة الكتابة‬
‫الشعرية كتجربة وجودية‪ ،‬وكينونة متوحشة‪.‬‬

‫والشعر بوصفه رؤية للعالم والذات والكون‪.‬‬

‫نتجسس على عوالم الشاعر من خالل هذه‬

‫القصيدة الرائعة‪ ،‬يقول الراحل في قصيدته‬
‫العميقة الراقية ذات البعد اإلنساني الرحب‪:‬‬

‫أب��������ي! أال ت���ص���ح���ب���ن���ا؟ إن���ن���ي‬
‫أود أن ت���ص���ح���ب���ن���ا‪ ..‬ي�����ا أب���ي‬
‫وان����ط����ل����ق����ت م�����ن ف���م���ه���ا آه����ة‬
‫حطت على الجرح‪ ..‬ولم تذهب‬
‫وأوم�����ض�����ت ف����ي ع��ي��ن��ه��ا دمعة‬
‫م��ال��ت على ال��خ��د‪ ..‬ول��م تسكب‬
‫وع���ات���ب���ت���ن���ي‪-‬ك���ب���رت دم���ي���ت���ي‪-‬‬
‫وه���ي ال��ت��ي م���ن ق��ب��ل ل���م تعتب‬
‫«أه�������ك�������ذا ت����ه����ج����رن����ا ي������ا أب����ي‬
‫ل���زح���م���ة ال���ش���غ���ل وللمكتب؟»‬
‫***‬
‫ي��ا أجمل ال��ح��ل��وات‪ ..‬ي��ا واحتي‬

‫ي��������ود‪ -‬ل������وال ال����ك����ب����ر‪ -‬ل�����و أن���ه‬
‫أج��ه��ش ل��م��ا غ���ب���ت‪ ..‬ال تذهبي‬
‫***‬
‫يا أجمل ال��ح��ل��وات‪ ..‬يا فرحتي‬
‫يا نشوتي الخضراء‪ ..‬يا كوكبي‬
‫أب������وك ف����ي ال��م��ك��ت��ب ل���م���ا يزل‬
‫ي��ه��ف��و إل����ى ال��ط��ي��ب واألط���ي���ب‬
‫ي��ص��ن��ع ح���ل���م���ا‪ :‬خ���ي���ر أحالمه‬
‫أن يسعد األط��ف��ال ف��ي الملعب‬
‫م����ن أج�����ل «ي���������ارا» ورفيقاتها‬
‫أول�����ع ب���ال���ش���غ���ل‪ ..‬ف�ل�ا تغضبي‬
‫إنها سيرة شعرية يختلط فيها السرد بالشعر‪،‬‬

‫مكثفة في خصوبة متخيلها‪ ،‬والمخاطب له‬
‫في القلب كما في الروح المكانة الغالية‪ ،‬ابنة‬

‫الشاعر ي��ارا التي أشعلت في رجفة النفس‬

‫والروح حرارة تجربة القصيدة المحملة بعبق‬
‫الحنان‪ ،‬وعاطفة األبوة الشامخة‪ ،‬العظيمة‪،‬‬

‫الحنونة؛ عتاب شفيف لالبنة‪ ،‬واعتذار رقيق‬
‫م��ن األب‪ .‬ال��ق��ص��ي��دة تنضح ب��م��اء مُتخيلها‬

‫وش��ع��ري��ت��ه��ا‪ ،‬ف��ي م���اء ال��ل��غ��ة تنبت الخصوبة‬
‫القصوى‪ ،‬وهي تؤسس شروط جماليتها‪ .‬ألن‬
‫(الشعر بإتاحته وسيلة التعبير الفني عن ما‬

‫يختلج في نفس الشاعر‪ ،‬يحقق كل مهمته‪.‬‬

‫ع��ب��ر ص��ح��اري ال��ظ��م��أ الملهب قد يجلب الشعر للشاعر صيتا طائرا‪ ،‬وقد‬
‫يحمل ذكرا كان من الممكن أن يكون نابها‪ .‬قد‬
‫أب�����وك م���ذ أظ���ل���م ف��ج��ر النوى‬

‫ي��ع��ي��ش ب��ي��ن ال���ص���ل والعقرب ينفعه وقد يضره‪ ،‬ولكن هذا كله ال عالقة له‬
‫بجوهر المسألة‪ ،‬وهو أن الشعر حقق وظيفته‬
‫يضحك‪ ..‬لو تدرين كم ضحكة‬
‫تنبع م��ن ق��ل��ب األس���ى المتعب بالنسبة للشاعر عندما أت��اح له أن يخاطب‬
‫ي��ل��ع��ب‪ ..‬واألح�������زان ف���ي نفسه‬
‫ك��ح��ش��رج��ات ال���م���وت ل���م تلعب‬

‫‪34‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫الناس شعرا)(‪.)15‬‬

‫قصيدة (ي��ارا‪ ...‬والرحيل) تجربة شعرية‬

‫مع ابنته يارا في الحضور والغياب‪ ،‬فيها من‬

‫الحنين الباذخ ما يجعل اللغة الشعرية تفضح‬
‫عاطفة األبوة‪ ..‬وهي تُبرر‪ ،‬وتُوضح‪ .‬لكن تعلق‬

‫االبنة باألب يجعلها تشتاق لمصاحبته‪:‬‬
‫أب��������ي! أال ت���ص���ح���ب���ن���ا؟ إن���ن���ي‬

‫إنها شعرية مبتهجة بنبض القلب‪ ،‬حيث‬

‫يارا في نفس الشاعر كما في الكتابة والحياة‬

‫أج��م��ل ال��ج��م��ي�لات‪ .‬وم��ن��ادات��ه��ا ب(واحتي)‪،‬‬
‫(نشوتي الخضراء)‪ ،‬تحيل رمزيا ودالليا على‬

‫الخصوبة والنماء والعطاء والحياة المستمرة‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫عميقة‪ ،‬حية‪ ،‬تستند لمرجعية عالقة األب يا نشوتي الخضراء‪ ..‬يا كوكبي‪) ...‬‬

‫أود أن ت���ص���ح���ب���ن���ا‪ ..‬ي�����ا أب���ي المتجددة‪ .‬تجربة إبداعية وإنسانية عميقة‪،‬‬
‫تكرار فعل المضارع (تصحبنا) مرتين‪..‬‬

‫ورسالة بالبريد المضمون من كل أب البنته‬

‫دليل على الحاجة الماسة لحنانه وعاطفته في العالم بمختلف اللغات‪ .‬وم��ن ثم تحقق‬
‫النبيلة‪ ،‬وبخاصة أن األفعال المضارعة غالبا ه��ذه القصيدة كونيتها ال��رم��زي��ة‪ ،‬وسلطتها‬

‫ما ترمز للديمومة والتجدد‪ .‬قصيدة (يارا‪ ...‬الفعلية على ك��ل ال��ح��واس المستيقظة في‬
‫وال���رح���ي���ل) م��س��ك��ون��ة ب��ال��ت��ق��اط التفاصيل‪ ،‬أعماق اإلن��س��ان‪ ،‬وعلى كل ال��ذوات المتلقية‬
‫واح��ت��ض��ان ال��ج��زئ��ي��ات ال��ص��غ��ي��رة ب��ي��ن األب الظمآنة لمثل ه��ذا الشعر النبيل الجميل‪.‬‬
‫وابنته‪ ،‬بيُتمها‪ ،‬وقلقها‪ ،‬وانخطافها‪ ،‬انخراطها و(ي��رب��ط الشعر ق��ارئ��ه بالتجربة اإلنسانية‬
‫الواعي في مساءلة هوية قيمة األبوة بوصفه للبشر أجمعين‪ .‬إن ال��ش��اع��ر الحقيقي هو‬

‫مسكنا آمنا يَ��عِ � ُد بخصوبة الحنان والراحة‬
‫والطيبوبة‪.‬‬

‫الذي يستطيع أن يحوّل تجربته الفردية إلى‬

‫موقف إنساني‪ :‬حبيبة الشاعر تصبح حبيبة‬

‫وطنا صغيرا يبنيه الشاعر غازي القصيبي كل إنسان‪ ،‬وألم الشاعر يصبح ألم كل إنسان‪.‬‬
‫بالكلمات‪ ،‬لتجد الذات الشاعرة أمل سعادتها وه��ك��ذا ي��ص��ب��ح ال���ق���ارئ ج����زءا م��ن التجربة‬
‫الهاربة‪ ،‬واالحتفاء بفرحها ولو وقتيا‪ .‬لغة حنان اإلنسانية التي تحدث عنها الشاعر)(‪.)16‬‬

‫فيها مسحة م��ن عاطفة مجنحة‪ ،‬مشتعلة‪،‬‬

‫ه��ك��ذا‪ ،‬سافرنا ف��ي ليل س���ؤال القصيدة‬

‫مضمرة في الدهاليز القصية للروح والذاكرة‪،‬‬

‫م��ع ش��ع��ري��ة م��ف��ت��وح��ة ع��ل��ى ال�����روح‪ ،‬أنصتت‬

‫القصيدة بالذات أشبه بطفل حكيم يعترف‬

‫إنها شعرية تُراهن على ح��واس مدربة على‬

‫لكن لغة الشعر بما هي موقف ورؤية للذات لتنهدات القلب ودقاته حين يخاطب اإلبنة‬
‫والعالم تفضحها‪ .‬غ��ازي القصيبي في هذه يارا بلغة طرية‪ ،‬وصادقة‪ ،‬ومفعمة بالحنان‪.‬‬
‫بهدوء‪ ،‬دون خجل‪ .‬تفضحه لغته قبل عاطفته‪،‬‬

‫وذاك هو سر القصيدة العظيمة العارية من‬
‫الزيف واالدعاء‪.‬‬

‫(يا أجمل الحلوات‪ ..‬يا واحتي‪،‬‬

‫التجسس والتلصص على أيقونات الجمال‪،‬‬
‫داخل كينونة تجربة الشعر واللغة والقصيدة‬

‫بما هي‪ ،‬هجرة حقيقية في الفلوات الرحيبة‬
‫وال��رح��ي��م��ة ل��ل��ذات اإلن��س��ان��ي��ة ف��ي عالقتها‬

‫يا أجمل الحلوات‪ ..‬يا فرحتي‪ ،‬بالمعنى واإلنسان والكون أيضا‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪35‬‬

‫حروف من النار والنور‬
‫قراءة في قصيدة عروس الجليل لغازي القصيبي‬
‫> د‪ /‬خالد فهمي‪-‬مصر‬

‫(‪)1‬‬
‫يوشك المتأمل لمسيرة الشعراء العرب المعاصرين على اختالف‬
‫أطيافهم‪ ،‬وتنوع انتماءاتهم‪ ،‬أن يخرج بحقيقة مؤداها أن خدمة قضية‬
‫فلسطين كانت شغلهم الشاغل‪..‬‬
‫ولستَ تشك لحظة في ذلك ال��ذي طفر في بعضا من الروح العربية اإلسالمية التي سكنت‬
‫مفتتح ه��ذه ال��ورق��ة‪ ،‬وال سيما إذا ما زاحمتك شعر الراحل الكريم‪.‬‬
‫أصوات محمود درويش‪ ،‬ومحمود مفلح‪ ،‬ونازك‬
‫جاءت القصيدة بموضوعها ومعجمها وبنائها‬
‫ال �م�لائ �ك��ة‪ ،‬وأح� �م ��د م� �ح ��رم‪ ،‬وم �ح �م��ود حسن المعاصر لتؤكد عمق البناء الفكري المنتمي‬
‫إس�م��اع�ي��ل‪ ،‬وع�ب��دال��رح�م��ن ال�ع�ش�م��اوى وغازي لشاعرنا‪.‬‬
‫القصيبي وغيرهم‪.‬‬
‫ت �ص��ور ال �ق �ص �ي��دة ب��وح��ي م��ن ش��ه��ادة آيات‬
‫ويمثل رحيل غازي القصيبي (‪2010-1940‬م) األخ��رس موضوعا ظاهر ال��دالل��ة على تكوينه‬
‫عن دنيانا فرصة إلعادة فحص منجز جيل كامل الثقافي‪ ،‬وموقعه العملي الراصد ألمراض الواقع‬
‫من الشعراء العرب المعاصرين في تعاطيهم مع ال�ع��رب��ي ف��ي م�س�ت��وى بعينه‪ ،‬ال ��ذي أح �س��ن في‬
‫قضية ال��وج��ود العربي المعاصر ال�ك�ب��رى‪ ،‬في تعريته‪ ،‬وكشف مخازيه‪.‬‬
‫أصعب لحظة ترفع الفتة االنكسار والضياع‪،‬‬
‫وتتنازع القصيدة قائمتان‪ ،‬إحداهما لألفعال‬
‫مرت على تاريخ العرب المعاصرين‪.‬‬
‫المضارعة التي تستحضر صورة النور الذي جلل‬
‫ف �غ��ازي عبدالرحمن القصيبي اب��ن مرحلة مشهد الشهيدة‪ ،‬ليفرض نفسه‪ ،‬وليظلل بسلطانه‪،‬‬
‫تفتّح وعيه فيها على قصيدة الضياع‪ ،‬فكانت وحضوره الطاغي بدءًا من مطلع القصيدة‪:‬‬
‫أول إدراك��ات هذه الحقبة التي ملكت على من‬
‫ي���ش���ه���د ال����ل����ه أن����ك����م ش����ه����داء‬
‫نعتهم التاريخ فيما بعد وسمّاهم جيل الستينيات‪،‬‬
‫ي���ش���ه���د األن����ب����ي����اء واألول�����ي�����اء‬
‫وهم يدلفون نحو شبابهم بعد أن طعنت طفولتهم‬
‫وهو األمر الذي يستمر مع نهايات القصيدة‪:‬‬
‫بسكين القدس سنة ‪1948‬م!‬
‫تلثم الموت وهى تضحك بشرا‬

‫(‪)2‬‬

‫وم����ن ال���م���وت ي��ه��رب الزعماء‪.‬‬

‫وت��أت��ى ق �ص �ي��دة غ� ��ازي ال�ق�ص�ي�ب��ي (ع ��روس‬
‫ولعل في هذا االستحضار عبر معجم الفعل‬
‫الجليل) التي نظمها ف��ي الشابة الفلسطينية‬
‫ال�م�ض��ارع‪ ..‬م��ا يعيد النظر ف��ي مسألة عنوان‬
‫الشهيدة (آي��ات األخ��رس) عام ‪2002‬م‪ ،‬لتعكس‬

‫‪36‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫ومن جهة أخ��رى تعلو نسبة استعمال الفعل‬
‫الماضي عند تصوير حالة السقوط والخزي‬
‫ال��ذي صبغ الوجوه العربية الخائنة‪ ،‬والعاجزة‪،‬‬
‫ويعلو صوت القصيدة عندما يعم هذا االستعمال‪،‬‬
‫وتغطى كل الشرائح المقابلة لقائمة الشهداء‬
‫المجللين بالفخار والعزة‪.‬‬
‫أيها القوم نحن متنا فهيا‬
‫ن��س��م��ع م���ا ي��ق��ول ف��ي��ن��ا الرثاء‬
‫قد عجزنا حتى شكا العجز منا‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫الرثاء الذي رفع منذ زمن‪ ،‬وأطلق على مثل هذا‬
‫النوع من القصيدة؛ فالقصيدة هنا روح أعلى من‬
‫روح الرثاء والفقد‪.‬‬

‫الحكيم الذي سكن غير بيت من القصيدة‪ ..‬مالمح‬
‫من النار والنور معا‪ ،‬مالمح من نار الغضب على‬
‫ما حل بالقدس‪ ،‬ومالمح من نار الغضب الالزم‬
‫الفتكاكها‪ ،‬متعانقة مع قناديل النور الذي يشع من‬
‫الحق الظاهر في صف اإلس�لام والعروبة على‬
‫هذه األرض‪ ،‬وأنت واجد هذه النار وهذا النور‬
‫معا في مثل‪:‬‬
‫حين يدعو الجهاد يصمت حبر‬
‫وي����������راع وال����ك����ت����ب وال���ف���ق���ه���اء‬
‫ويقول كذلك‪:‬‬
‫حين يدعو الجهاد ال استفتاء‬
‫ال��ف��ت��اوى ي���وم ال��ج��ه��اد الدماء‬

‫ففى هذين البيتين يسطع نور من الحكمة‪ ،‬هي‬
‫وب��ك��ي��ن��ا ح��ت��ى ازدران��������ا البكاء‬
‫بنت بارة لثقافة أصيلة للشاعر الراحل‪ ،‬انسربت‬
‫ورك����ع����ن����ا ح���ت���ى اش�����م�����أز رك�����وع‬
‫ورج��ون��ا حتى اس��ت��غ��اث الرجاء إليه من أرض طالما روت شعراءها أنهار الحكمة‬
‫خالل مسيرة طويلة جدا‪ ،‬كان لإلسالم فيها أثر‬
‫واستمرت هذه القائمة استمرارًا باعثا على‬
‫ظاهر في تشكيلها‪.‬‬
‫تفجير اآلالم‪ ،‬مستفزا لنخوة الرجال في عبارات‬
‫(‪)4‬‬
‫م��ن م�ث��ل‪( :‬و ش�ك��ون��ا‪ /‬ولثمنا ح��ذاء‪/‬أن �ف��ت أن‬
‫تضمنا الغبراء)‪.‬‬
‫وفي ملمح مهم من مالمح عصرية القصيدة‬
‫وفي المرات القليلة التي جاءت فيها األفعال‬
‫الماضية مسندة إلى آيات‪ ،‬كانت لتحقيق اليقين‬
‫في ج�لال مآلها‪ ،‬متعانقة في الوقت نفسه مع‬
‫بعض األفعال المضارعة‪ ،‬لتدل على استمرار‬
‫النعيم الذي حازته في مثل قوله‪:‬‬
‫ف��ت��ح��ت ب�����اب ال���ج���ن���ان وحيت‬

‫في شعر غازي القصيبي‪ ،‬في هذا النموذج الذي‬
‫ندلل به على انتماء الشاعر لعروبته وإسالمه‪،‬‬
‫يتجلى استثماره لتقنية توظيف الشخصيات التي‬
‫توزعت على عمودين يتنافران ويتضادان ظاهرا‪،‬‬
‫وي�ت��آزران ويتعاضدان في بنية القصيدة عمقا‬
‫وباطنا‪.‬‬

‫تظهر الشخصيات الدينية (األنبياء‪/‬األولياء‪/‬‬
‫وت����ل����ق����ت����ك ف�����اط�����م ال������زه������راء‬
‫فاطمة ال��زه��راء) لترقى بجالل الشهيدة؛ بما‬
‫(‪)3‬‬
‫تحصله من ه��ذه ال��رم��وز‪ ،‬بما تراكم حولها من‬
‫وقد كان طبيعيا أن ترتفع في القصيدة‪ ،‬وهذا نور وج�لال‪ ،‬وبريق‪ ،‬وإيمان يحقق لصورة آيات‬
‫موضوعها نسبة ما يسمى بصوت الحكمة‪.‬‬
‫األخرس في الوجدان المعاصر المتلقي للقصيدة‬
‫وصحيح كذلك أن نرى من وراء هذا الصوت أعلى مستوى من مستويات القبول والفخار‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪37‬‬

‫وف� ��ي ال��ج��ان��ب اآلخ � ��ر ت �ظ �ه��ر رم � ��وز الشر (ي� �ه ��رب‪ /‬ال �م �ج��رم‪/‬ي �خ �ص��ي ال �ف �ح��ول‪/‬ت �ض��ج‪/‬‬
‫(طواغيت بيت أبيض‪/‬شارون) ليحقق من ورائها طواغيت‪/‬الظلماء‪/‬الغبراء‪/‬انتحرنا‪/‬أموات‪/‬‬
‫فضح ممارسات ضارة بالقضية‪.‬‬
‫اشمأز) لتصنع نفورا مقصودا من أرباب التنكر‬

‫وحول هذين النوِ عين من الشخصيات تدور للقضية الذين ركنوا لصف التفريط فيها‪.‬‬
‫قوائم من معجمين يتعاوران على البنية الفكرية‬
‫في قصيدة غازي القصيبي عن آيات األخرس‬
‫ف��ي ال �ق �ص �ي��دة؛ ح�ي��ث ي���دور م�ع�ج��م ذو مالمح‬
‫عالمات عروبة ظاهرة‪ ،‬سكنت معجم الشاعر‪،‬‬
‫رومانسية (وج��دان�ي��ة) م��ن مثل (ش�ه��داء‪/‬رب��ى‪/‬‬
‫وتعاطت مع قضاياها الكبرى‪ .‬وف��ى القصيدة‬
‫ربوع‪/‬اإلسراء‪/‬عروس‪/‬البكاء‪/‬الرثاء‪/‬العوالي‪/‬‬
‫كذلك عالمات إسالم تصبغ حقا بصاحب قضية‬
‫الفداء‪/‬الحسن‪/‬الحسناء‪/‬الجنان)‪ ..‬وهى جميعا‬
‫تطمح للشعور بجالل القضية‪ ،‬والشعور بجالل لن تنتصر بغير صوت الجهاد‪.‬‬
‫المنصفين والمضحين من أجلها‪ ،‬والطموح نحو‬
‫ك��ان غ��ازي القصيبي فيما أب��دع��ه م��ن شعر‬
‫االرتباط بها وبهم معا‪.‬‬
‫حول القدس وفلسطين يغرف حروفه من النار‬
‫وف��ي ال�ج��ان��ب اآلخ ��ر‪ ،‬تظهر م �ف��ردات مثل‪ :‬والنور‪.‬‬

‫غازي القصيبي روائيا‬
‫> سميرأحمد الشريف‪-‬األردن‬

‫رحم الله ف��ارس الكلمة والموقف‪ ،‬االستثنائي ال��ذي جمع المواهب‪،‬‬
‫صاحب الحضور الذي ترك بصمة واضحة على عمله وكتاباته ومواقفه‬
‫الحياتية‪ ،‬العلم الفرد في حياتنا الثقافية‪ ،‬صاحب الحضور الجميل والمقنع‬
‫والموجع في تاريخنا األدبي‪.‬‬
‫فتح في الرواية أبوابا ظلت مغلقة‪ ..‬وتجاوزت المألوف والعادي في‬
‫طرحه وتناوله‪ ،‬وحفر في الواقع االجتماعي والفكري والسياسي‪ ،‬وترك‬
‫في كتاباته روحا مرحة وأسلوبا ساخرا جميال‪.‬‬

‫عميقا لمداواة ج��راح أمته‪ ..‬كاشفا معاناتها‪..‬‬
‫مضيئا مشاعل نهضتها‪.‬‬

‫غازي القصيبي‪ ،‬الرجل الذي جمع رجاال في‬
‫شخصه وفكره وخلقه‪ ،‬ومجموعة مبدعين فيما‬
‫ك��ان رائ��دا وجريئا في ال��رواي��ة على مستوى‬
‫ألفه وأص��دره‪ ،‬فكان له مذاقه الخاص سياسيا المضمون واألسلوب‪ ،‬متجاوزا للمسكوت عنه‪،‬‬
‫لنفس روائي جديد‬
‫ٍ‬
‫وشاعرا وروائيا‪ ،‬جريئا في طرحه‪ ،‬عميقا في ويحسب له إضافته النوعية‬
‫تناوله‪ ،‬حامال آمال أمته وهمومها‪.‬‬
‫في الساحة الروائية السعودية لم تكن من قبل‪.‬‬
‫يحار ال�م��رء وه��و يتملى سيرة ال��رج��ل الذي‬
‫محطة القصيبي اإلبداعية ستتوقف عندها‬
‫شهد له المقربون بالمودة واإلنسانية؛ لم تشغله األج��ي��ال وال���دراس���ات‪ ،‬ف��رغ��م ت �ن��وع مضامينه‬
‫المناصب‪ ،‬ولم تأخذه بهرجة األضواء‪ ،‬ظل يحفر وعمقها‪ ،‬لم يكن جاف األسلوب‪ ..‬متقعر اللغة‪..‬‬

‫‪38‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫مؤلفات القصيبي التي تركها‬
‫ودي�ع��ة لمن ب�ع��ده‪ ،‬سيقف التاريخ‬
‫األدب � ��ي وال��ف��ك��ري م �ع �ه��ا طويال‪،‬‬
‫لما تعكسه من موسوعية الرجل‪،‬‬
‫وتعدد إبداعاته التي لم تكن واحدة‬
‫فيها على حساب اآلخ��ر‪ ..‬بل ظل‬
‫متوهجا فيها جميعا‪.‬‬
‫ك �ك��ل األق� �ل��ام والشخصيات‬
‫ال �ج��ادة ال�م�م�ي��زة‪ ،‬ك��ان القصيبي‬
‫مختلفا‪ ..‬فاختلفت حوله اآلراء‪،‬‬
‫وتنوعت القراءات‪ ،‬وثار حول بعض‬
‫كتاباته الجدل‪ ،‬خصوصا الروائي‬
‫منها‪ ،‬لدرجة أن تم التحفظ على‬
‫توزيعها وحظر تداولها‪ ،‬لكن خطوة‬
‫وزارة ال�ث�ق��اف��ة األخ��ي��رة بإفساح‬
‫تداول كتابات الرجل أثلج الصدور‪،‬‬
‫وس ��جّ ��ل ن �ق �ط��ة ل �ص��ال��ح الحرية‬
‫واإلبداع‪.‬‬

‫م� ��زج ال �ك��ات��ب ف ��ي رواي� �ت ��ه بين‬
‫لهجات كثيرة‪ ،‬منتقدا عقدة الخواجا‬
‫ل��دى أه��ل ال�ف�ك��ر وال�ق�ل��م والثقافة‬
‫والنخب‪ ،‬متناوال قضايا السلطة‪.‬‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫م �غ��رق ال��رم��زي��ة؛ ب��ل تجللت لغته‬
‫بالسهل الممتنع‪ ،‬والسخرية الناقدة‬
‫الجارحة ح ّد األلم‪.‬‬

‫بطل ال��رواي��ة‪ ،‬بروفيسور يسرد‬
‫تاريخ األمة في جلسة عالج نفسي‪..‬‬
‫ل�ت�ن�ت�ه��ي ال ��رواي ��ة ب �ج �ن��ون الطبيب‬
‫ال �م �ع��ال��ج (س �م �ي��ر ث ��اب ��ت) وه���روب‬
‫البطل‪.‬‬

‫إنها رواي��ة الكابوس والصدمة‪..‬‬
‫وال�م��وس��وع��ة الثقافية ال�ت��ي تشهد‬
‫ل �ل��رج��ل ال � ��ذي أت � ��اح ل �م��ري �ض��ه أن‬
‫ي�ع�ي��د ت��رت�ي��ب األوض � ��اع السياسية‬
‫واالقتصادية لمجموع األمة‪.‬‬
‫يظهر زمان الرواية متسلسال مع‬
‫توظيف واض��ح لتقنية االسترجاع‪،‬‬
‫أما المكان فجاء مغلقا‪ /‬مستشفى‪/‬‬
‫وراو خارجي‪.‬‬
‫ٍ‬
‫رواي �ت��ه (ش�ق��ة ال �ح��ري��ة)‪ ..‬مثلت‬
‫هي األخرى خطوة أخرى في جرأة‬
‫الكاتب‪ ،‬ومساحة التعبير الحر‪ ،‬في‬
‫تناوله لموضوعه‪.‬‬

‫أص� � ��در ال �ق �ص �ي �ب��ي ف� ��ي مجال‬
‫اإلب ��داع ال��روائ��ي الكثير مثل‪ :‬س�ع��ادة السفير‪/‬‬
‫تحكي ال��رواي��ة قصة ف��ؤاد ويعقوب وقاسم‬
‫سلمى‪ /‬دنسكو‪ /‬سبعة‪ /‬أب��وش�لاخ البرمائي‪/‬‬
‫حكاية حب‪ /‬الجنية‪ /‬لكن روايتيه (شقة الحرية ونشأت وعبد ال��رؤوف وعبد الكريم وماجد ‪-‬‬
‫والعصفورية) هما ما يلفت في مسيرة الرجل أصحاب وزم�لاء في الجامعة‪ -‬بعد مضي سنة‬
‫ال��روائ�ي��ة‪ ،‬فنيا ومضمونا وج ��رأة‪ ،‬فكان فيهما من وجودهم في مصر للدراسة‪.‬‬
‫واضح الرؤية والرؤيا‪.‬‬
‫ق ��رروا االج �ت �م��اع ف��ي ش�ق��ة ق��رب ال�ج��ام�ع��ة ً‬
‫رواي��ت��ه ذائ �ع��ة ال�ص�ي��ت (ال �ع �ص �ف��وري��ة) نص ليمارسوا حرياتهم‪ ،‬في زمن ث��ورات وانقالبات‬
‫نقدي ماتع‪ ،‬يستعرض أحوال العالم العربستانيّ وأح� � ��زاب‪ ،‬وأف� �ك ��ار وم �ع �ت �ق��دات‪ ،‬اج�ت�م�ع��ت في‬
‫بأسلوب كوميدي س��وداوي‪ ،‬متوحدا مع المتنبي زم��ن واح��د ف��ي مكان واح��د‪ ،‬وك � ٌل منهم تحزب‬
‫بطريقته‪.‬‬
‫الذي أطلق عليه مسمى (أبو حسيد)‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪39‬‬

‫ال ي �خ �ل��و ال� �ن ��ص م ��ن ح � ��وارات‬
‫ساخنة س��اخ��رةً‪ ،‬وم��واق��ف تاريخية‬
‫مؤثّرة طريفة‪.‬‬
‫تجيب ال��رواي��ة على تساؤالت‪،‬‬
‫وتثير الكثير منها‪ ،‬وق��د استخدم‬
‫المؤلف في بداية كل فصل بيتا من‬
‫شعر المتنبي‪.‬‬
‫رواي��ة (س�ع��ادة السفير) تكشف عن أالعيب‬
‫الدبلوماسية وده��ال�ي��زه��ا‪ ،‬فتُظهر ه��ذا العالم‬
‫كريها بشعا بما يختزله من ح��وارات وكوالسات‬
‫وعالقات تبتعد في مجملها عن الوجه اإلنساني‪،‬‬
‫متخذا المؤلف من الرمزية أسلوبا يكشف فظاعة‬
‫الواقع الدبلوماسي وخفاياه المرعبة‪.‬‬

‫مشاهير العالم‪ ،‬وحفّره في أسرار‬
‫مضت‪ ،‬وأحداث وقعت‪ ،‬وأناس كان‬
‫لهم ف��ي حياته ح �ض��ور‪ ،‬متجاوزا‬
‫الخطوط الحمراء بتوظيف أسلوبه‬
‫الساخر‪.‬‬
‫(الجنية) حكاية تعود بالقارئ‬
‫لخطابات أل��ف ليلة وخياالتها‪..‬‬
‫وإن أل �ب��س ال �م��ؤل��ف ح�ك��اي�ت��ه ثوب‬
‫المعاصرة‪ ،‬فقد ظلت تحتفظ بالغرائبي‪ ،‬كزواج‬
‫اإلنسيّ من الجنية‪ ،‬عبر سرد مشوّق آسر‪ ..‬ظهر‬
‫فيه حس الكاتب البحثي عن عوالم الجن‪ ،‬بدأ‬
‫المؤلف فصول روايته بشعر إبراهيم ناجي‪.‬‬
‫(س�ل�م��ى) شخصية رئ�ي�س��ة منحها المؤلف‬
‫بطولة النص المطلق‪ ،‬فحملت هموم الحاضر‬
‫العربي‪ ،‬مسجّ لة أخطاء ماضيه‪ ..‬آملة العودة‬
‫لذلك الماضي الذي صار شبيها بالحلم‪.‬‬

‫رواي��ة (سبعة)‪ ..‬ترسم ص��ورة الواقع المرير‬
‫من خالل رحلة لجزيرة أسطورية‪ ..‬مع مجموعة‬
‫مختارة من أبناء األم��ة العربستانية‪ ،‬محرضا‬
‫تتنقل سلمى بين الماضي والحاضر‪ ،‬متوقفة‬
‫المؤلف فيها على أهمية النهوض م��ن الغفوة‬
‫وضرورته‪ ،‬وتوجيه السؤال الجارح ألنفسنا عن مع عبدالناصر وأيام العرب في األندلس وعصر‬
‫ال��واق��ع ال �م��زري ال��ذي أوج��د تلك الشخصيات المتنبي وس�ق��وط ب �غ��داد‪ ،‬ف��ي تشابك بديع مع‬
‫التي كشفت ال��رواي��ة ع��ري�ه��ا‪ ..‬بعد أن سقطت السياسة والفن والوجدان‪ ،‬عبر مذياع سلمى‪.‬‬
‫في االمتحان‪ ،‬تساوى في السقوط‪ :‬الصحفي‬
‫رواي ��ة سلمى تتألف م��ن ح�ك��اي��ات تاريخية‬
‫وال �س �ي��اس��ي وال �ش��اع��ر وال�ف�ي�ل�س��وف والطبيب تمتد عبر مساحة جغرافية وزمنية واسعة‪..‬‬
‫والفلكي الذين جاءت نهاياتهم مضحكة مبكية‪ .‬فيها إيغال بأعماق التاريخ‪ ،‬ب��دءاً من حطين‪..‬‬
‫رواي��ة (أب��و شالخ البرمائي) نحلّق فيها عبر وانتها ًء بمجازر فلسطين‪ .‬تختلف الحكايات عن‬
‫أج��واء التاريخ والجغرافيا والفكر‪ ،‬بتعريج على بعضها‪ ..‬وإن جمعها الحاضر متمثلة بسلمى‪،‬‬
‫قضايا السياسة واالج�ت�م��اع والثقافة والفكر‪ ،‬المرأة التي تأخذ من مرارة أمتها زادا‪ ،‬فتضحي‬
‫متعمقا ف��ي قضايا ال��وج��ود التي تشتبك فيها بعمرها لترقى أمتها‪ ،‬لتمثل ال��روح التي حملت‬
‫حيوات شخوصه‪ ،‬بتلقائية وحرية ال تعقيد فيها‪ ،‬إشعاع اإليمان ونشر الفضيلة‪.‬‬
‫محمّال آراءه وأفكاره لبطل الرواية‪ ،‬مناقشا ما‬
‫تسيطر على لغة ال��رواي��ة خطابات تاريخية‬
‫يعتلج في نفسه من هموم وغربة ومقابالت مع وسياسية مع وجود بعض التكرار‪.‬‬

‫‪40‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫> د‪ .‬سناء الشعالن‪ -‬األردن‬

‫رواية «شقّة الحريّة» لفقيد األدب الدكتور غازي القصيبي‪ ،‬هي رواية‬
‫عالمة في الرّواية السّ عوديّة والعربية أيضاً‪ ،‬فهي تقدّم تجربة جمعيّة‬
‫للواقع العربي إ ّب��ان فترة الخمسينيات والسّ تينيات من القرن الماضي‪،‬‬
‫من منظار رمزي يجسّ د العواصف الفكريّة والسياسية واالجتماعيّة‪ ،‬التي‬
‫ال على أنّها تقدّم بناء مثاالً‬
‫عصفت باألمّة العربية إبّان تلك الفترة‪ ،‬فض ً‬
‫ال ومضموناً‪ ،‬والمتجاوزة لكثير من‬
‫على الرّوايّة السّ عوديّة النّاضجة شك ً‬
‫التابوات‪ ،‬فقد فتحت الباب أمام الكتابات الروائيّة السّ عوديّة الجديدة‪.‬‬
‫رواي��ة «ش� ّق��ة ال�ح��ر ّي��ة» ال �ص��ادرة ف��ي طبعتها‬
‫األولى عام ‪1994‬م‪ ،‬والتي تحوّلت فيما بعد إلى‬
‫عمل تلفزيوني‪ ..‬أثارت الكثير من الجدل حولها‪،‬‬
‫كما فتحت الباب على كثير من التأويالت‪ ،‬وأ ّياً‬
‫كانت ال�ت��أوي�لات‪ ،‬فجميعها ت��ؤول بنا إل��ى أنّنا‬
‫أمام تجربة روائيّة أولى تجهر بأنّنا أمام روائي‬
‫علاّ مة‪ ،‬فتح الباب بجرأة على كثير من القضايا‬
‫التي كانت موضوع تحرّج وحساسية وسكوت‪.‬‬
‫ولنا أن نقول إنّنا نرى في هذه الرّواية بنية‬
‫الرّمز التي تحمل الرّواية كلّها على بنية تأويل أنّ‬
‫شقّة الحريّة ليست إ ّال لوحة فنيّة‪ ،‬فيها ما فيها‬
‫من التّجريب واالنعتاق من ضوابط المدارس‬
‫التقليديّة في سبيل رسم صورة للواقع العربيّ ‪،‬‬
‫ولألمّة العربيّة إبّان الفترة الزمنيّة الممتدة بين‬
‫‪1961-1956‬م‪ ،‬وم��ن ه��ذا المنطلق ف��إن هذه‬
‫ال �رّوا ّي��ة ه��ي إس�ق��اط لتجربة ال�ف��رد على واقع‬
‫الجماعة؛ إذ ما يحدث معه انبثاق‬
‫عن هذه التجربة الجمعيّة‪.‬‬
‫الرّواية تتحدّث في محورها العام‬
‫السّ طحي والمباشر عن قصة أربعة‬
‫أصدقاء بحرينيين‪ ..‬جاءوا للدّراسة‬
‫الجامعيّة األولى في القاهرة‪ ،‬التي‬
‫ك��ان��ت ف��ي ت�ل��ك ال�ف�ت��رة قبلة العلم‬
‫ومنارته في الوطن العربي(‪ ،)14‬ويتفق‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫«شقّ ة الحرّ ية» الرّ واية الرّ مز‬

‫أول�ئ��ك األص��دق��اء على أن يتساكنوا ف��ي شقّة‬
‫لا يستأجرون شقة تكون حاضنة‬
‫واح ��دة‪ ،‬وف�ع� ً‬
‫لهم على امتداد سنوات دراستهم‪ ،‬حيث يعاينون‬
‫عدداً عمالقاً من التجارب واألحداث والمصائر‪،‬‬
‫إلى أن ينتهي بهم الحال إلى أن يكملوا دراستهم‬
‫الجامعيّة األول ��ى‪ ،‬وي�ش��رع��ون يسيرون ك��لٌّ في‬
‫طريقه في هذه الحياة‪.‬‬

‫البداية الرّ مز‬
‫ت �ب��دأ أح� ��داث ال� �رّواي ��ة ع�ن��دم��ا ي��ذه��ب بطل‬
‫الرّواية الطالب البحريني الشيعي «فؤاد الطّ ارف»‬
‫لدراسة التوجيهية في القاهرة‪ ،‬تمهيداً للدراسة‬
‫ف��ي إح��دى جامعاتها‪ ،‬وه�ن��اك يقابل بعد بحث‬
‫قصير أصدقاءه أيام الدّراسة‪ ،‬وهم بحرينيون‪،‬‬
‫وق��د سبقوه في الوصول إل��ى القاهرة بأسابيع‬
‫قليلة‪ ،‬ويغدو هدفهم جميعاً أن يحصلوا على‬
‫شهادات جامعيّة‪ ،‬وعلى عالقات مع‬
‫فتيات‪.‬‬
‫والقصيبي يختار أن تبدأ روايته‬
‫إ ّب ��ان ذل��ك ال �م��دّ ال�ق��وم��ي العمالق‬
‫الذي تزعّ مه آنذاك الزّعيم المصري‬
‫ال��رّاح��ل ج �م��ال ع �ب��دال � ّن��اص��ر‪ .‬في‬
‫ذلك الوقت كانت األزم��ان مرهونة‬
‫ب��األح�لام واآلم ��ال وأف �ك��ار الحريّة‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪41‬‬

‫واإلخ��اء والرّخاء المزعومة‪ ،‬التي زرعها القادة‬
‫في دنيا األوهام‪ ،‬وأقنعوا بها الشّ عوب الطّ امحة‬
‫�ص��دم��ة‪ ،‬وكان‬
‫ل�غ� ٍ�د يحمل ال�ج��دي��د‪ ،‬ث��م ك��ان��ت ال� ّ‬
‫الخذالن‪.‬‬
‫قدم فؤاد الطارف إلى القاهرة‪ ،‬وهو يحمل‬
‫ف��ي ص ��دره ص ��ورة ج�م��ال ع�ب��دال�ن��اص��ر‪ ..‬شأنه‬
‫ش��أن ك��ل ّط�ل�اب البحرين‪ ،‬وش�ب��اب ال�ع��رب في‬
‫تلك الفترة‪ ،‬حيث كانوا يرون فيه المخلّص الذي‬
‫سيقود األم��ة نحو عصرها ال� ّذه�ب��ي الجديد‪.‬‬
‫وهي ذات الفترة التي شهدت الوحدة الوطنيّة‬
‫بين سوريا ومصر‪ ..‬في دولة عربية كبرى‪ ،‬تحمل‬
‫بذور الوحدة العربية العمالقة‪ ،‬وفي تلك الفترة‬
‫تضخّ م الحلم العربي‪ ،‬وبات حلم االنتصار على‬
‫الصهيوني‪ ،‬وتحرير فلسطين قريباً‪ ،‬يراود‬
‫العدو ّ‬
‫األفكار‪ ،‬ويداعب األمنيات‪.‬‬
‫وهذه الفترة هي المفتاح الذي يقدّمه القصيبي‬
‫لفهم ما كان قبلها وفيها وبعدها‪ ،‬من تداعيات‬
‫وظ��روف وتحديّات عمالقة‪ ،‬انتهت بدمار أمل‬
‫الوحدة‪ ،‬واالنفصال النهائي بين سوريا ومصر‪.‬‬
‫ولذلك اختار القصيبي هذه الفترة لتكون بداية‬
‫روايته‪ ،‬بما تحمل من إرهاصات وتفسيرات لك ّل‬
‫ما حدث ويحدث‪ ،‬هناك في القاهرة‪ ،‬أو هنا في‬
‫أيّ بلد عربيّ ‪.‬‬

‫‪42‬‬

‫التي جاءوا من أجلها(‪ .)15‬وال شكّ أنّ هذا االسم‬
‫مخصبة ب��ال�دّالالت‪ ،‬فهو من ناحية‪..‬‬
‫ّ‬
‫له رمزيّة‬
‫يعبّر عن رغبة األفراد في البحث عن ذواتهم‪..‬‬
‫بعيداً عن القوالب الجاهزة التي أعدّ ها المجتمع‬
‫لهم‪ ،‬كما أ ّن��ه يفضح تلك األوه��ام التي تتجسّ د‬
‫فيها الحريّة عند بعض الشباب‪ ،‬فاألصدقاء‬
‫يعتقدون بداية أنّ الحريّة قد تتمثل في ممارسة‬
‫ك � ّل م��ا يشتهون م��ن م�م��ارس��ة ال�ج�ن��س‪ ،‬وشرب‬
‫الخمر‪ ،‬والمخدرات‪ ،‬واعتناق األفكار اإلباحيّة‪،‬‬
‫واالنضمام إلى لواء األحزاب السياسية‪.‬‬
‫لكنّهم يكتشفون في نهاية المطاف أنّ الحرّية‬
‫الحقيقيّة تكمن في اح�ت��رام القواعد‪ ،‬ودراسة‬
‫المعطيات‪ ،‬وتحصين النّفس بالقيم والرؤى‪ ،‬ال في‬
‫ممارسة ك ّل السلوكيات بحيوانيّة وشهوانيّة ودون‬
‫ضوابط‪ ،‬بل إنّ «شقّة الحريّة» تشرع تلفظ ك ّل‬
‫من يجنح إلى الفساد بحجة الحرية‪ ،‬فاألصدقاء‬
‫يرفضون فساد يعقوب‪ ،‬وي�ه��ددون ب�ط��رده‪ ،‬كما‬
‫يرفضون أوهام عبدالكريم‪ ،‬واستسالمه ألفكار‬
‫األرواح والتواصل معهم‪ .‬وبذلك يكتسب اسم‬
‫ال��شّ �ق��ة المعنى وض � �دّه‪ ،‬ف�ت�ت�ح�وّل دالل ��ة «شقّة‬
‫الحرّية» من اإلباحيّة والبوهيميّة إلى المطالبة‬
‫بتحقيق القيم اإلنسانيّة العليا من حرية وإخاء‬
‫والتزام‪.‬‬

‫والضديّ ة‬
‫ّ‬
‫االسم الرّ مز‪/‬الحقيقة‬

‫التجارب الرّ مزية في حياة األصدقاء‬

‫يقرّر بطل الرّواية فؤاد الطّ ارف وأصدقاؤه أن‬
‫ينتقلوا من شقة خيرية التي اختارها لهم األستاذ‬
‫شريف‪ ..‬الذي كان يقوم برعايتهم بتوصية من‬
‫آبائهم‪ ،‬إلى شقة أخرى بحجة واهية‪ ،‬كي يحصلوا‬
‫على الحرية الكاملة‪ ،‬في شقة بعيدة عن مراقبة‬
‫األستاذ شريف‪ ،‬وعن محرّمات خيرية‪ ،‬ويفلحون‬
‫في إقناع األستاذ شريف بقرارهم‪ ،‬وينتقلون إلى‬
‫الشّ قة المنشودة رقم (‪ )6‬في الدّور الثالث‪ ،‬في‬
‫منتصف ش��ارع ال ��درّي‪ ،‬ويسمّون شقتهم باسم‬
‫«شقّة الحرّية»‪ ،‬ألنّهم سيمارسون فيها حريتهم‬

‫ي �م � ّر ك� � ّل األص ��دق ��اء ال�ق��اط�ن�ي��ن ف��ي « شق ّة‬
‫الحريّة» وأصدقاؤهم الذين يتعرّفون عليهم في‬
‫تجربتهم الدّراسيّة والمعيشيّة في القاهرة‪ ،‬بجملة‬
‫من التّجارب التي تقود زمام أقدارهم وأفكارهم‬
‫وآرائهم‪ ،‬وهذه التجارب تعُاين على أنّها تجارب‬
‫فرديّة ذاتيّة‪ ،‬هذا هو المستوى السّ طحيّ الذي‬
‫يقدّمه غازي القصيبي‪ ،‬ولكنّه يومئ بذكاء إلى أنّ‬
‫هذه التجربة ليست تجربة بطل فرد من أبطال‬
‫روايته‪ ،‬بل هي تجربة قطاع عمالق من الشباب‬
‫العربي ف��ي تلك ال�ف�ت��رة‪ ،‬ول��ذل��ك يطعّم روايته‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫ب��األح��داث السّ ياسيّة واالج�ت�م��اع� ّي��ة والفكريّة‬
‫والصغيرة التي‬
‫ّ‬
‫والدّينيّة‪ ،‬والتّفاصيل الدقيقة‬
‫تسمح ل��ه ب��أن ينقل إلينا م�لام��ح حقبة كاملة‬
‫ف��ي ت��اري��خ األم ��ة‪ ،‬ولعلّها ه��ي الحقبة األخطر‬
‫في نظره‪-‬في التاريخ المعاصر لألمة‪ ،‬ولذلك‬‫اختار أن يجعلها مسرحاً ألحداث روايته‪ ،‬السيما‬
‫أنّه كان في تلك الفترة يعاين المشهد عن كثب‬
‫وهو يعيش في القاهرة‪ ،‬وإن كان يذكر صراحة‬
‫وب��وض��وح‪ ..‬إنّ ك� ّل ما ورد في ال��رواي��ة هو نسج‬
‫خيال (مقدمة الرواية)‪ ،‬ويرفض ضمناً أن يغمز‬
‫ولكنّه يبقى مشتّتاً ال يجيد أن يقيم تصالحاً‬
‫بأنّ هذه الرّواية هي سيرته الشخصيّة‪ ،‬إ ّال أنّه‬
‫بين اإلسالم واألفكار القومية التي يتفكّر فيها‪،‬‬
‫يفتح ال��رواي��ة بهذا الشّ كل على فكرة ال� ّرم��ز ال‬
‫بعد أن كفر بالبعثية‪ ،‬وع��اي��ن حركة القوميين‬
‫التأريخ الجامد‪ ،‬فهذه الرواية إن لم تكن حكاية‬
‫العرب التي حاولت أن تستميله‪ ،‬وف��ي النّهاية‬
‫تاريخيّة ألبطال حقيقيين عاينوا تجربة واقعية‪،‬‬
‫يؤمن بكفره باألحزاب ديناً جديداً‪ ،‬ويمزّق آخر‬
‫فهي إذاً رواي��ة رمز لك ّل الجيل العربي في تلك‬
‫الفترة في ك ّل عاصمة‪ ،‬وفي ك ّل بلد عربيّ ‪ ،‬وفي ورق��ة تربطه بحركة القوميين العرب‪ ،‬ويسافر‬
‫مختلف ال��ظّ ��روف‪ ،‬تحت ق��اس��م مشترك‪ ،‬وهو إل��ى أمريكا ليكمل دراسته العليا في الحقوق‪،‬‬
‫وليتابع مسيرته في اكتشاف نفسه وفي اكتشاف‬
‫المحنة والتحدّي واألزمة‪ ،‬والطّ ريق المجهول‪.‬‬
‫اآلخرين‪.‬‬

‫األديب الحالم‬

‫بطل الرّواية فؤاد الطّ ارف هو من أسرة شيعيّة‬
‫بحرينيّة‪ ،‬والده تاجر مجوهرات متوسّ ط الحال‪،‬‬
‫وفكره يراوح بين االعتدال والثورة من حين إلى‬
‫آخر على قوى االستالب والظّ لم‪ ،‬ويملك موهبة‬
‫قصصية‪ ،‬عاينها في كتابة القصص القصيرة‬
‫والمقاالت في صحف بالده منذ كان في المرحلة‬
‫المدرسيّة‪.‬‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫والنّجوميّة‪ ،‬ثم يخوض تجربة إشباع الجسد مع‬
‫مديحة مظهر رشوان الثريّة المطلّقة‪ ،‬ثم يعيش‬
‫تجربة العشق مع ليلى الخزيني الشاعرة الكويتية‬
‫المتحرّرة‪ ،‬وفي النّهاية يسلمه الفشل في الحبّ‬
‫المرّة تلو األخرى‪ ،‬إلى أن يجسّ د معاناته وأفكاره‬
‫في األدب‪ ،‬فيكتب مجموعة قصصيّة بالشّ راكة‬
‫م��ع صديقة ع �ب��دال��رؤوف‪ ،‬فتالقي المجموعة‬
‫النجاح‪ ،‬متيحة له أن يتعرّف على أشهر أدباء‬
‫ومفكري ونقّاد مصر في تلك الفترة‪.‬‬

‫ويقدّم القصيبي تجربة فؤاد الطّ ارف مطعّمة‬
‫بالقصة وفن الرّسالة‪ ،‬فكثيراً ما تبدأ األحداث‬
‫تخصه بقصة من قصصه‪ ،‬كذلك كثيراً ما‬
‫ّ‬
‫التي‬
‫تتمخّ ض تجربته أو معاناته النفسيّة عن قصة‬
‫ال عن تلك‬
‫ينشرها في مجموعته القصصية‪ ،‬فض ً‬
‫الرسائل الفنّية الرفيعة التي كان يتبادلها مع‪:‬‬
‫سعاد وزّان‪ ،‬وشاهيناز شاكر‪ ،‬وليلى الخريتي‪.‬‬

‫المحافظ المقهور‬

‫يأتي إلى القاهرة‪ ،‬وهاجسه أن يتعرّف على‬
‫عبد الكريم‪ ..‬ينحدر من أسرة شيعية دينية‬
‫فتاة‪ ،‬ويستطيع أن يفعل ذلك بصعوبة بعد عام‬
‫كامل وب��ال�ص� ّدف��ة‪ ،‬فيحبّ سعاد وزّان الطالبة عريقة‪ ،‬تربيته الدينية جعلته يميل إلى المسالمة‬
‫ال��سّ ��ور ّي��ة‪ ،‬وم��ع أوّل قبلة معها ي��دخ��ل الحزب والهدوء‪ ،‬إ ّال أنّها أعطته رغبة كامنة في التمرّد‬
‫البعثي إرض��اء لها‪ ،‬ثم ينسحب من حزبها ومن والعصيان‪ ،‬ولذلك صمّم على دراسة القانون على‬
‫حبّها‪ ،‬ثم يعيش قصة حبّ جارفة من طرف واحد الرّغم من معارضة وال��ده ألن ي��درس القوانين‬
‫مع شاهيناز شاكر المصرية‪ ..‬الشّ قراء الحسناء‪ ،‬الوضعية التي يرفضها‪ ،‬ويتمسّ ك في مقابلها‬
‫ولكنّها تتخلّى عنه ركضاً وراء حلمها في الغناء بالقوانين السّ ماويّة‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪43‬‬

‫ثم عودته للدراسة في القاهرة بوساطة أصدقاء‬
‫شخصيين لجمال عبدالناصر‪ ،‬ثم يجد نفسه‬
‫أم��ام حقيقة الثورة ألجل الثورة‪ ،‬والتمرّد ألجل‬
‫التمرّد‪ ،‬وال شيء يتغيّر حقيقة في الحياة‪.‬‬

‫وه��و أسير أف�ك��ار أس��رت��ه الشيعيّة‪ ،‬كما هو‬
‫أسير قراراتها ورغباتها‪ .‬يقع في عشق زميلته‬
‫المصريّة السنّية فريدة‪ ،‬وعندما يقّرر الزّواج‬
‫منها‪ ،‬ترفض أسرته ذلك؛ ألنّها سنيّة مصريّة‪،‬‬
‫وتصمّم على أن يتزوّج من ابنة خاله البحرينية‬
‫البرجوازي االستغاللي‬
‫الشيعيّة‪ .‬يحاول أن يتمرّد على تقاليد أسرته‪،‬‬
‫في حين أنّ قاسم هو نقيض يعقوب‪ ،‬يعيش‬
‫ول �ك��ن ت �خ��ذل��ه ف ��ري ��دة ع �ن��دم��ا ت� �ت ��زوج بضغط‬
‫م��ن أس��رت�ه��ا م��ن رج��ل عسكري م �ص��ري‪ ،‬فيقع حياة الثراء والرّفاهية‪ ،‬فهو من أسرة تنتمي إلى‬
‫فريسة المرض الجسدي والنفسي‪ ،‬ثم ينزلق البورجوازيين الجدد‪ ،‬إذ انتهى المطاف بأبيه‪،‬‬
‫في التجارب الجسدية الجنسية‪ ،‬وأخيراً يعشق الرّجل العامل الفقير‪ ،‬ليصبح مليونيراً كبيراً‪،‬‬
‫ريري بائعة الهوى‪ ،‬ويكاد يتزوّجها‪ ،‬لكن الموت وهو يرى العالم ينقسم حتم ّياً إلى فقراء وأغنياء‪،‬‬
‫يخطفها منه بعد انفجار زائدتها الدّوديّة‪ ،‬ويعود وليس م��ن ح��ق أح��د أن ي�ح��اول أن يحتال على‬
‫من جديد أسيراً ألزماته النفسيّة‪ ،‬ولضغوطاته هذا التقسيم‪ ،‬أو أن يحاول تغييره بغية اإلصالح‬
‫العاطفيّة إلى أن يتمرّد على أسرته من جديد‪ ،‬وإحقاق العدل والمساواة اإلنسانيّة األصل في‬
‫وي �ت��زوّج حبيبته ف��ري��دة التي تعود إليه بعد أن الوجود(‪.)17‬‬
‫طلّقها زوجها الذي كان يستعبدها‪.‬‬
‫وأهدافه في الحياة تتلخّ ص في تحقيق المال‬
‫والحصول على ال� ّن�س��اء‪ ،‬وال تعنيه أيّ تجارب‬
‫الثائر دائم ًا‬
‫بشريّة‪ ،‬أو قضايا وطنيّة أو قوميّة أو حزبيّة‪ ،‬وك ّل‬
‫أ ّم��ا ي�ع�ق��وب‪ ..‬فهو ينحدر م��ن عائلة فقيرة‬
‫ما يكدّره مشكلة عجزه الجنسي الذي يتخلّص‬
‫عانت الكثير في البداية‪ ،‬ولذلك فقد شحنه هذا‬
‫منه أخيرا‪ ً ،‬بعد أن يم ّر بتجارب متباينة‪ ،‬ابتداء‬
‫الفقر‪ ،‬وهذه المعاناة بطاقة عمالقة من الغضب‬
‫من العالقة مع بائعات الهوى‪ ،‬وانتهاء بالعالقات‬
‫والثورة والرّغبة العارمة في نسف المجتمع كلّه‪،‬‬
‫الغريبة مثل العالقة مع األم وابنتها‪.‬‬
‫وكان إلى جانب ذلك مثقفاً‪ ،‬ال يم ّل القراءة‪ ،‬وال‬
‫النّ هاية الرّ مز‬
‫يم ّل اعتناق المذاهب واآلراء واالتجاهات بحماس‬
‫وانحياز إليها‪ ،‬حتى يتركها إلى غيرها(‪.)16‬‬
‫وتنتهي الرّواية بتحطّ م آمال العرب بالوحدة‪،‬‬

‫وهو يخلص لفعل الثورة والتمرّد والعصيان‬
‫في ك� ّل ال��رواي��ة‪ ،‬فيدرس علم االجتماع‪ ،‬ليفهم‬
‫منظومة الشّ عوب‪ ،‬ويتبرّع ليكون في المقاومة‬
‫الشعبية المصريّة‪ ،‬في مواجهة العدوان الثالثي‬
‫على مصر‪ ،‬ثم يتحوّل إلى ثائر بنظرية‪ ،‬فيعتنق‬
‫الماركسية الفرودية‪ ،‬ثم يصبح وجودياً‪ ،‬فيغرق‬
‫في الملذات والجنس والمخدرات حتى يصاب‬
‫بمرض السيالن‪ ،‬فيغيّر من منهجه‪ ،‬ونهاية يصبح‬
‫شيوعياً ثائراً على الماركسية‪ ،‬وينتهي األمر به‬
‫في السّ جن‪ ،‬ثم الطّ رد من القاهرة والبحرين‪،‬‬

‫‪44‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫إذ ينهار االتحاد بين سوريا ومصر‪ ،‬ويذعن جمال‬
‫عبدالنّاصر لهذا االنفصال‪ ،‬ويُصدم فؤاد بهذه‬
‫التغيرات التي حطمت آماله في الحريّة والقوة‪،‬‬
‫كما حطّ مت صورة جمال عبدالنّاصر في عينيه‪،‬‬
‫ويسافر إلى أمريكا لمتابعة دراسته‪ ،‬ويمزّق آخر‬
‫ورق��ة يملكها ع��ن ح��رك��ة القوميين ال �ع��رب في‬
‫إش��ارة رم��ز ّي��ة واضحة إل��ى أ ّن��ه قد تنكّر تماماً‬
‫لفكرة األحزاب بعد أن اكتشف زيفها وتهافتها‪،‬‬
‫وح�لّ��ق ف��ي البعيد نحو أف��ق ج��دي��د‪ ..‬لعلّه يجد‬
‫نفسه وحقيقته فيه(‪.)18‬‬

‫قراءة في ديو ان «حديقة الغروب»‬
‫للشاعر المبدع‪ :‬د‪ .‬غازي بن عبدالرحمن القصيبي‬
‫> موسى البدري ‪ -‬السعودية‬
‫سبحان الله القائل‪( :‬ث ّم جعل من بعد قوةٍ ضعفاً وشيبة)(‪.)19‬‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫أزمة الصداقة في مرحلة الشيوخة‬

‫ولست الوحيد الذي يخشى الهرم من قبل أن أرى الشعرات البيضاء ومن‬
‫ُ‬
‫بعد‪ ..‬ولكن اخلــدشة األولى في جسد السيارة اجلـديدة أش ّد وأنـكى‪ .‬وأ ّما‬
‫اخلدشة التي أتت بعد خدشات‪ ..‬فهي أقل وقعاً‪ ،‬وإن كانت أعـظم أثـراً‪ .‬وفي‬
‫اجلب‪ ،‬وأعوذ بك من‬
‫احلديث‪( :‬اللهم إني أعوذ بك من البخل‪ ،‬وأعوذ بك من‬
‫نْ‬
‫أن أر ّد إلى أرذل العمر‪ ،‬وأعوذ بك من فتنة الدنيا وعذاب القبر)(‪.)20‬‬

‫وك��ان شاعرنا ‪-‬رحمه الله‪ -‬شديد املراقبة ما هــي الشيخوخة؟ وملاذا نخشى من عتباتها؟‬

‫لسني عمره التي تدنو به من الشيخوخة‪ ..‬فله‬
‫وقفات عند األربعني‪ ،‬حني يقول‪..‬‬

‫قد تكون الشيخوخة في املفهوم العام‪ :‬مرحلة‬

‫سن اخلمسني أو‬
‫عمرية محددة‪ ،‬رمبا تبدأ من ِ ّ‬
‫سن الستني فما فوق‪ .‬ولهذه املرحلة صفات‬
‫من ِ ّ‬

‫األربعين‬
‫ِ‬
‫وها أنا ذا‪ ..‬أمام‬
‫ي�����ك�����اد ي�������ؤودن�������ي ح����م����ل ال����س����ن����ي����ن ِ‬

‫دال��ة قسرية ال مناص منها‪ ،‬كتغضن البشرة‪،‬‬
‫وكثرة األمراض واحتالل املزمن منها كالسكري‬

‫�����ط‬
‫ت������م������ ّر ال�������ذك�������ري�������ات رؤى ش�����ري ٍ‬
‫������ون‬
‫ت�������ل�������وّن ب�����ال�����م�����ب�����اه�����ج وال������ش������ج ِ‬

‫وال�ض�غ��ط وغ�ي��ره�م��ا‪ ،‬ضعف ال �ق��وى (الهرم)‪..‬‬

‫���ف ح�����زي�����ن ‪.‬‬
‫ه���ف���ت ع��ي��ن��ي إل�����ى ط���ي ٍ‬

‫إلى انحناء الظهر وآالم الركبتني‪ ،‬وربمّ ا العجز‬
‫شبه التام أو التام‪ ...‬إلى غير ذلك‪.‬‬

‫�����ف س���ع���ي ٍ���د‬
‫�����ت ف������ي ط�����ي ٍ‬
‫إذا م������ا غ�����ب ُ‬
‫(‪)21‬‬

‫وف� � � � � � � � � � � � � ��ي ال � � � � �خ � � � � �م � � � � �س � � � � �ي� � � � ��ن‪،‬‬
‫����������أوك ق�����ب�����ل ل����ق����ان����ا‬
‫ِ‬
‫أ َو م��������ا أن����������ب‬

‫الشعر األشمـط أو األبيض‪ ،‬وقـد يتمادى األمر‬

‫وهناك صفات نفسية أو خلقية(‪ :)24‬كضيق‬

‫غضب سريعٍ وقلة‬
‫أن�����ن�����ي ف������ي أص������اب������ع ال���خ���م���س���ي���ن���ا؟! الصدر ورمبا سوء اخللق‪ ،‬من‬
‫ٍ‬
‫ت����أخ����ذ ال��������روح م����ن ع�����روق�����ي‪ ..‬حين ًا‬
‫صبر ٍ ورمبا فتور شديد في املشاعر وتفاعلها‪،‬‬
‫وت ـ ـ ــر ّد العـ ــروق وال���روحَ‪ ..‬حين ـ ـ ـ ـ ــا‬

‫(‪)22‬‬

‫الستني‪ ..‬وه��و في ه��ذا ال��دي��وان جن��ده يقف‬
‫عند الـ ‪:65‬‬

‫الشديد‪...‬‬

‫وي�ب��دأ الشيخ ف��ي االن �ط��واء لقلة األصدقاء‬

‫���س وس���ت���ون ف���ي أج���ف���ان إع���ص���ار ِ‬
‫خ���م ٌ‬
‫أم��ا سئمت ارت��ح��اال ً أيّ��ه��ا الساري؟‬

‫خاصة أم��ام مثيرات الفرح الشديد أو احلزْن‬

‫(‪)23‬‬

‫وقبل أن أمخر في عباب هــذا الديوان أتساءل‪:‬‬

‫والز ّوار‪..‬‬

‫والقصة ال تبدأ ما بني ليلة وضحاها‪ ،‬وإمنا‬

‫تبتدئ منذ دخ��ول امل��رء معترك احلياة والسعي‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪45‬‬

‫أو كما قال اآلخر‪:‬‬
‫لتحقيق األه��داف املعهودة‪ :‬عمل‪ ،‬زواج‪ ،‬أبناء‪،‬‬
‫�������م�������ه�������ن ف����إن����ه‬
‫تربية‪ ،‬م�ن��زل‪ ،‬س�ي��ارة‪ ،‬استقالل األب �ن��اء‪ ،‬مكانة وإذا دع��������ون��������ك ع ّ َ‬
‫������ب ي�������زي�������دك ع�����ن�����ده�����ن خ����ب����اال‬
‫ن������س ٌ‬
‫اجتماعية‪ ...‬تقاعد‪ ..‬ال يوجد هدف إضافي=‬

‫اس�ت��رخ��اء وتهيئة للخروج م��ن ال��دن�ي��ا‪ ،‬كتقاعد‬
‫ويعيش ذلك الكهل أمنية ً تزيده حسرة ً على‬
‫أخير!!‬
‫حسرة(‪:)27‬‬
‫بقيت‬
‫ْ‬
‫والصحب؟ أين رف��اق العمْ ر؟ هل‬
‫ُ‬
‫لم يبق في العمْ ر شيءٌ غير ماضيه‬
‫(‪)25‬‬
‫س�������وى ث����م����ال����ة أيّ����������ام ٍ وت���������ذك���������ارِ‬
‫����ي ال��ص��ب��ا ال���ريّ���ان ردي���هِ‬
‫ردّي إل ّ َ‬
‫ح��س��ن��اً‪ ،‬ح �ق��ق امل � ��رء أه���داف���ه أو معظم‬
‫وأم ��ا ش��اع��رن��ا فيخوض أش �ع��اراً ف��ري��دة في‬

‫أهدافه‪ ..‬وحان أن يستريح أو يستج ّم‪ ...‬فإذا‬
‫قامت‬
‫الزوجة ال تعبأ ألنها ‪ -‬كما تعتقد‪ -‬قد‬
‫ْ‬

‫بكامل وظيفتها‪ ،‬مبجرد اعتماد األب�ن��اء على‬

‫استغنت عن الكهل‬
‫أنفسهم‪ .‬واحلقيقة أنها‬
‫ْ‬
‫بوجود أبناء يطيعونها ويجيبون مطالبها‪ .‬ما‬
‫لها ولهذا الكهل الذي كان عبئاَ يُحتمل وأمسى‬
‫عبئاً ال يُحتمل‪ ...‬يلتفت ذلك الكهل‪ ..‬يريد أن‬
‫يجدد نشاطه أو على األقل يستمتع مبا بقي‬

‫من وقته؛ فيجد أن الفتيات لم يعدن يجدن‬

‫فيه إال ما يجدن في آبائهن وأعمامهن وربمّ ا‬
‫أجدادهن‪..‬‬
‫نظرت إلى المرآة إذ جليت‬
‫ُ‬
‫إني‬
‫ف������أن������ك������رتْ م����ق����ل����ت����اي ك������ل م������ا رأت������ا‬
‫����ت أع���رف���ه‬
‫���������ت ف���ي���ه���ا ش���ي���خ��� ًا ل����س ُ‬
‫رأي ُ‬
‫����ت أع������رف ف��ي��ه��ا ق���ب���ل ذاك فتى‬
‫وك����ن ُ‬
‫���ت أي�����ن ال������ذي م����ث����واه ك�����ان هنا؟‬
‫ف���ق���ل ُ‬
‫���رح���ل ع��ن ه���ذا ال��م��ك��ان؟ متى؟‬
‫م��ت��ى ت ّ َ‬

‫منظومة داناته املعهودة(‪:)28‬‬
‫أك���ت���ـّ���م ف����ي األض���ل���اع م����ا ل����و ن���ش���رت���ه ُ‬
‫��ج��ب ِ��ت األوج�������اع م��ن��ي وم����ن صبري‬
‫ت��ع ّ‬
‫ويشمت بي حتى على الموت طغمة ويرتجز‬
‫ُ‬
‫غ���دتْ ف��ي زم���ان ال��م��ك��ر أس��ط��ورة المكر‬
‫وي����رت����ج����ز األع�������������داء‪ ..‬ه������ذا برمحه‬
‫���ف ح������ده ن����اق����ع ال���ح���ب���ر ِ‬
‫وه�������ذا ب���س���ي ٍ‬
‫ل��ح��ا ال��ل��ه ق��وم�� ًا ص�����وّروا ش��رع��ة الهدى‬
‫����ر‬
‫أذن��������� ًا ب���ب���غ���ض���اء وح�����ج����� ًا إل������ى ال����ش ِ ّ‬
‫رب ال���ع���ال���م���ي���ن بفعلهم‬
‫ي������ع������ادون ّ‬
‫وأق���وال���ه���م ت���رم���ي ال��م��ص��ل��ي��ن ب��ال��ك��ف��ر ِ‬
‫دج����ـ����ال����ه����م م������ن ج����ح����وره‬
‫ي����ه����ددن����ي ّ‬
‫ول�����م ي��������دروا أن ال����ف����أر ي�������زأر كالفأر‬
‫ج����ب����انٌ ي���س���وق األغ���ب���ي���اء إل�����ى ال�����ردى‬
‫ويجري إل��ى أقصى الكهوف من الذعر‬
‫خفت واآلسـ ـ ـ ــادُ تزأر في الش ـ ـ ـ ـ ــرى‬
‫ُ‬
‫وما‬
‫الجح ـ ـ ـ ـ ـ ـ ِـر‬
‫ْ‬
‫فكيـ ـ ـ ــف بخوفي من رويض ـ ــة‬

‫نطقت‬
‫ْ‬
‫���ت ل��ي وم���ا‬
‫فاستجهلتني وق���ال ْ‬
‫ولعل الشـيخـوخة مرحـلة نفـسـيـة أكثر منها‬
‫ق����د ك�����ان ذاك وه������ذا ب���عْ ���د ذاك أت���ى عـمـر ّية أو جسدية‪ .‬ولعل هذا األمر ليس اكتشافاً‬
‫�����������وّن ع���ل���ي���ك ف�����ه�����ذا ال ب������ق������ا َء له‬
‫ه ِ‬
‫باهراً‪ .‬إذ رمبا علمه فئا ٌم من الناس منذ خلق الله‬
‫أم����ا ت����رى ال��ع��ش��ب ي��ف��ن��ى ب��ع��دم��ا نبتا سبحانه الشيب‪ ،‬والحظوا ما يطرأ على املرء بعد‬
‫ك������ان ال����غ����وان����ي ي���ق���ل���ن ي����ا أخ������ي فقد‬
‫الشيخوخة من تغيرات تفضي إلى موته‪ -‬كنتيجة‬
‫ص���ار ال��غ��وان��ي يقلن ال��ي��وم‪ :‬ي��ا أبتا(‪ )26‬حتمية بإذن الله‪ .‬ولقد سبق املتنبي في التعبير‬

‫‪46‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫وال�����ه�����مّ ي���خ���ت���رم ال���ج���س���ي���م ن���ح���اف���ة ً‬
‫�����ي وي����ه����رمُ‬
‫وي����ش����ي����ب ن����اص����ي����ة ال�����ص�����ب ِ ّ‬
‫وأتساءل‪ :‬هل يشيخ الشعر؟‬
‫شيخوخة الشعر‪ :‬تعبير مجازي؛ ألن الشعر‬
‫ليس كائناً ح� ّي�اً مستق ً‬
‫ال‪ .‬لكن بسبب ارتباطه‬
‫الوثيق باحلالة النفسية التي تتأقلم وتتغير حسب‬

‫م��راح��ل العمر املختلفة يرتفع ليتطبع بطبيعة‬
‫الكائن احلي‪.‬‬

‫نع ْم قد يشـيخ الشـعـر‪ :‬إذا فـقـد رونقـه فأصبـح‬
‫باهتاً ممال ً ومكرراً‪ ،‬وظهرت عليه آثار التصنع‬

‫����ب واه���������ن ٍ ي���ت���ف���ص���ـّ���دُ‬
‫وت����ب����ك����ي ب����ق����ل ٍ‬
‫���ك! أك��ت��م ف���ي دمي‬
‫أ أب��ك��ي��ك؟ ال أب���ك���ي َ‬
‫ب����ك����ائ����ي‪ ..‬وي����ب����دو أن����ن����ي المتجلـ ّدُ‬
‫وكقوله في رثاء أخيه عادل‬

‫(‪)31‬‬

‫رحمه الله‪:‬‬

‫تفض؟!‬
‫ْ‬
‫ي��ق��ول س��ه��ي��لٌ ‪ :‬م��ا لعينك ل��م‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫عن ذلك بقوله‪:‬‬

‫�����د ب����ك����اء ال���ع���ي���ن ع�����ج�����ز ًا وذل��������ة ً‬
‫ت�����ع ُّ‬

‫ف��ق��ل��ت ل�����ه‪ :‬أك�������دتْ وق���ل���ب���يَ م����ا أك����دى‬
‫بكيت أخي حتى ثوى الدمع في الحشا‬
‫ُ‬
‫وج���دا‬
‫وأج���ه���ش ص����د ٌر أص��ط��ل��ي ن��وح��ه ْ‬
‫فمن أج��ل��ه ال��دمْ ��ع ال���ذي س��دّ محجري‬
‫ومن أجله الدمع الذي استوطن الكبْدا‬
‫وأعلم من نفسي متام اليقني أن الدموع التي‬

‫وع�ص��ر ال��ذه��ن والتكلف‪ .‬ويشيخ ‪ -‬م��ن وجهة‬
‫تهطل على خ ّدي بغزارة من‬
‫َّ‬
‫عيني تورث راحة ً‬
‫ن�ظ��ري‪ -‬إذا اكتسى ث��وب احلكمة اخلالية من‬
‫كنت أعم ُد للبكاء‬
‫وتطفئ غلة ً في الصدر‪ ..‬وإن ُ‬
‫الرمز واإليحاء وعواصف التجربة‪ ،‬فتأتي أشبه‬
‫ٍ‬
‫قسط من تلك االستراحة‪..‬‬
‫خالياً‪ ..‬آلخذ أكبر‬
‫شيءٍ‬
‫ّ‬
‫جتف الدموع ويبكي القلب‪ ..‬فسرعان‬
‫مبسألة حسابية بدائية كاجلمع والطرح‪ ..‬أما عندما‬

‫كنت أمتنى م��ن الله أن يكون ف��ي املستقبل ما أشعر بحرارة نار ٍ تشتعل في جوفي تورثني‬
‫ُ‬
‫القريب والبعيد أجمل ما يكتب شاعرنا القصيبي َو َهناً وتضعضعاً‪..‬‬
‫‪-‬يرحمه الله‪ -‬فأنا أعتقد أن جمال كتاباته لم‬

‫لك الله يا شاعرنا‪ ..‬كم أمتعني ديوانك! وقد‬

‫تنته بعد ولكن‪ ...‬و«حديقة الغروب» حتتوي على‬
‫كنت أظن أن شمسك ال تزال في شروق لم تصل‬
‫ُ‬
‫جمال كثير خاصة في ظاهرة بكاء الروح أو بكاء ب� ْع� ُد إل��ى منتصف ال�ن�ه��ار‪ .‬دع��ائ��ي ل��ك باملغفرة‬

‫القلب‪ .‬وهو بكاء متميز قلما يتطرق إليه أح ٌد إال والرحمة وأن يسكنك فسيح جناته‪.‬‬
‫من كان مرهف اإلحساس عميق التجربة‪.‬‬
‫وقد أبدع القصيبي إبداعاً فائقاً‪ .‬اسمع لقوله‬

‫في رثاء األمير أحمد بن سلمان(‪ )29‬يرحمه الله‪:‬‬
‫أري��������تَ دمْ ������ع ال���خ���ي���ل؟ ك����م م����ن عبرة‬

‫��������داب‬
‫ُ‬
‫ف����ي ال��������روح ل����م ت��ع��ل��م ب���ه���ا األه‬
‫وكقوله في رثاء صديقه محسون(‪:)30‬‬
‫��ك ت��أب��ى ال��دم��ع ك���بْ���ر ًا وترتضي‬
‫ع��ه��دت��ـ ُ َ‬
‫ب��دم��ع ٍ ح��ب��ي��س ٍ ف���ي ال��ض��ل��وع يصفـ ّدُ‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪47‬‬

‫القصيبي في عيون الشعراء‬
‫وأنت استثناء‬
‫يتشابهون َ‬
‫> أشجان محمد هندي‪ -‬السعودية‬
‫أرض‪ ،‬وال�������س�������م�������اءُ س�����م�����اءُ‬
‫ٌ‬
‫األرض‬
‫ُ‬
‫��������ودّعً ��������ا‬
‫ال�����ل�����ي�����لُ ي�����ع�����قُ �����بُ�����هُ ال������ن������ه������ا ُر م ِ‬
‫����وت ال����م����د ّ َث����رِ بالصدى‬
‫���ت ك����ال����ص ِ‬
‫ال���ص���م ُ‬
‫ال���������������وردُ وردٌ إنْ ت������خ������بّ������أَ‪ ،‬أو بَ���������دَا‬
‫�����ون‪ -‬ن����ق����اؤ ُه‬
‫ال���ي���اس���م���ي���نُ ‪-‬ع����ل����ى ال�����غ�����ص ِ‬
‫����ض����هُ‬
‫���������ري يُ ������ش������ب������هُ ب����ع َ‬
‫ال������زن������ب������قُ ال���������ب ُّ‬
‫مُ �����ت�����ش�����اب�����هٌ ف����������رحُ ال������ح������م������امِ ونَ��������و ُْح��������هُ‬
‫����ج وال�����ن�����دى‬
‫مُ ����ت����ش����اب����هٌ دم���������عُ ال����ب����ن����ف����س ِ‬
‫���ض���ه���ا‪:‬‬
‫واألف�������ل������اك تُ����ش����ب����هُ ب���ع َ‬
‫ُ‬
‫������اس‬
‫ال������ن ُ‬
‫ّات‪ ،‬أج��������س��������ادٌ بها‬
‫كُ �������ت�������لٌ م�������ن ال���������������������ذر ِ‬
‫����ض����هُ‬
‫األرواح ي����ل����ح����قُ ب����ع َ‬
‫ِ‬
‫مُ �����ت�����ش�����اب�����هُ‬
‫������ال م�����������روءةٌ ‪:‬‬
‫إنْ ق�����ي�����ل‪ :‬ت���ع���ل���و ب������ال������رج ِ‬
‫����ن ف����ي ال����ن����س����اءِ مُ ����ح ِ����يّ����رٌ ‪:‬‬
‫أو ق����ي����ل‪ُ :‬ح����س ٌ‬
‫ت����ت����ش����اب����هُ األش��������ي��������اءُ ‪ :‬أي�������ن ج����دي����دُ ه����ا؟‬
‫ّ��������ن‬
‫َ��������ي ٌ‬
‫����������ت�����ل����اف ب ِ‬
‫ٌ‬
‫�����������ت�����ل�����اف ه��������و ائ‬
‫ُ‬
‫اإلخ‬
‫ي���م���ض���ي ال�������زم�������انُ وخ�������ي�������رُ ُه ف������ي ش�������رّهِ‬
‫ّ����ب ف�����ي ال����ح����ي����اةِ تَ����ش����ابُ����هٌ‬
‫س����ن����نُ ال����ت����ق����ل ِ‬
‫������د راح��������ةٌ‬
‫�����ع ال������مُ ������س������ ّ َه ِ‬
‫�����ب ل�����ل�����دم ِ‬
‫ال�����ق�����ل ُ‬
‫����ن يُ ����ش����ب����هُ ال�����وج����� َع ال����ذي‬
‫وج�������عُ ال����م����دائ ِ‬
‫أرض‪ ،‬وض����������اقَ ف���ض���اؤه���ا‬
‫ٌ‬
‫��������يّ��������دَتْ‬
‫إنْ قُ ِ‬
‫أي�����������امُ عُ ������م������رِ ال�������ده�������رِ تُ�����ش�����ب�����هُ بعضها‬
‫�����ف‪ :‬ج������ن������ونٌ واح��������دٌ‬
‫ال ش��������يء مُ �����خ�����ت�����ل ٌ‬
‫ي����ت����ش����اب����هُ ال����ب����ح����رُ ال�����ط�����وي�����لُ وجَ �������������� ْز ُر ُه‬
‫وش���������ع���������ريَ ع�����اج�����زٌ‬
‫�������د‪ِ ،‬‬
‫��������د مُ �������ش�������ت ٌ ّ‬
‫ال��������م ُّ‬
‫ي����ت����ش����اب����هُ ال����ش����ع����رُ ال�����ح�����زي�����نُ وأدم�����ع�����ي‬
‫وش�������ع�������ري واألس��������ى‬
‫مُ �����ت�����ش�����اب�����هٌ إس�����م�����ي ِ‬
‫ال إس������م يُ ���س���ت���ث���ن���ى س������وى غ��������ازي ال�����ذي‬
‫�����روف وه��� ّزه���ا‬
‫َ���������ص ال����غ����ن����اءُ ع���ل���ى ال�����ح ِ‬
‫َرق َ‬
‫َ�������������ت ب���ال���ش���ع���رِ أغ�����ص�����انُ ال���ه���وى‬
‫إنْ أو َرق ْ‬
‫غ������ازي ال���ق���واف���ي م����ن ل�����هُ ال���ش���ع���رُ انحنى‬
‫���ض بالسَ نا‬
‫�����رف ال���مُ ���ف���ض ِ‬
‫ي����ا م�������از َج ال�����ح ِ‬
‫�����ك ق���ادن���ي‬
‫م����ن ه����ا هُ ���ن���ا م����ن ض������وءِ ح�����رفِ َ‬
‫�������رّدً ا‬
‫������ت ل����ل����ض����ي����اءِ مُ �������غ ِ‬
‫����ت ُأن������ص ُ‬
‫ف����ص����م ُّ‬

‫‪48‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫وال������ب������ح������رُ ب�������ح�������رٌ ‪ ،‬وال�����������ج�����������داولُ م�������اءُ‬
‫م��������ا م����������� ّر ي�������������ومٌ ل������ي������س ف������ي������ه م������س������اءُ‬
‫������������������داث ل������ه������ا أص�������������داءُ‬
‫ٌ‬
‫�����������ت أح‬
‫وال�����������وق ُ‬
‫������ات س����������واءُ‬
‫�������ات ال������ف������ات������ن ُ‬
‫وال�������ن�������رج�������س ُ‬
‫مُ �������ت�������ش�������اب�������هٌ ‪ ،‬وال������ي������اس������م������ي������نُ ن������ق������اءُ‬
‫��������اي وال�����ل�����ح�����نُ ال�����ح�����زي�����نُ ِغ�����ن�����اءُ‬
‫وال��������ن ُ‬
‫����ون ب���ك���اءُ‬
‫��������رب ال����ح����م����امِ ع���ل���ى ال����غ����ص ِ‬
‫ط ُ‬
‫مُ ������ت������ش������اب������هٌ وج������������هُ ال���������������ردى وال���������������داءُ‬
‫ال���������خَ ���������لْ���������قُ أش����������ب����������اهٌ ل������ه������ا أس�������م�������اءُ‬
‫ت�����س�����ري ع����ل����ى هَ �����������دْ ي ال��������دم��������اءِ دِ م���������اءُ‬
‫�����س�����رِ م�������ا ب�����ي�����ن ال������ن������س������ورِ ف�����ض�����اءُ‬
‫ل�����ل�����ن ْ‬
‫������ال أن������وفُ ������ه������ا ش�������مّ �������اءُ !‬
‫ق������م������مُ ال������ج������ب ِ‬
‫م�����ن�����ذُ ال����خ����ل����ي����ق����ةِ وال������ن������س������اءُ ن�����س�����اءُ !‬
‫أي����������ن ال�������ج�������دي�������دُ وكُ �������لُ�������ه�������ا أش��������ي��������اءُ ؟‬
‫�����ب ض����������وءٍ تُ�������ول�������دُ ال����ظ����ل����م����اءُ‬
‫م������ن ق�����ل ِ‬
‫ي����م����ض����ي ون�����م�����ض�����ي وال�������رح�������ي�������لُ ب�����ق�����اءُ‬
‫ي������ط������وي ب����������هِ وج������������ َه ال�������������������وداعِ ل�����ق�����اءُ‬
‫������ن ش����ف����اءُ‬
‫����ب ال������ح������زي ِ‬
‫وال��������دم��������عُ ل����ل����ق����ل ِ‬
‫�������ت ب����������هِ ل�����رم�����ال�����ه�����ا ال������ص������ح������راءُ‬
‫ب�������اح ْ‬
‫������ط������ل������ق������اءُ‬
‫ي�����ت�����ش�����اب�����ه ال������س������ج������ن������اءُ وال ُ‬
‫ت����ب����ك����ي ع�����ل�����ى س�������ودائ�������ه�������ا ال����ب����ي����ض����اءُ‬
‫������ون ي���������ق���������ودُ ُه عُ �������ق���ل���اءُ !‬
‫م�����������وجُ ال������ج������ن ِ‬
‫�������د ف�����ي ال����ب����ح����رِ ال���ق���ص���ي���رِ ع���ط���اءُ‬
‫وال�������مَ ُّ‬
‫������������ود وب������������ي إع�������ي�������اءُ‬
‫ٌّ‬
‫وال��������ل��������ي��������لُ مُ ������������س‬
‫ي������ت������ش������اب������هُ ال���������� ُنّ����������قّ ����������ادُ وال�������ش�������ع�������راءُ‬
‫������اط������ه������ا ال��������س��������وداءُ‬
‫وح�������روفُ �������ه�������م ون������ق ُ‬
‫�������روف ف����ك����ان (االس����ت����ث����ن����اءُ )‬
‫َ‬
‫ف����ت����حَ ال�������ح‬
‫������ت ب����ك����ف����وف����ه����ا ال������ح������نّ������اءُ‬
‫ف������ت������راق������ص ْ‬
‫َ��������������������ت رم������ض������اءُ‬
‫ْ‬
‫�����ش�����ع�����رِ غ�����������ازي أو َرق‬
‫ف�����ب ِ‬
‫����ف م�����ن�����هُ ك����ي����ف ي����ش����اءُ‬
‫ج�������������ذالنَ ؛ ي����ق����ط ُ‬
‫�������وض������� ُأ األض���������������واءُ‬
‫م��������ن ه��������ا هُ ������ن������ا ت�������ت ّ‬
‫�����ل ال������ن������ج������ومِ نِ ����������داءُ‬
‫ل����ل����ش����ع����رِ ف������ي ل�����ي ِ‬
‫�����ت ف�����ي حَ ������������رَمِ ال�����ب�����ه�����اءِ ب����ه����اءُ‬
‫وال�����ص�����م ُ‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫����������روح أم�����������������واجٌ ع���ل���ى‬
‫ِ‬
‫������ت ب����������ال‬
‫وت������ع������لّ������ق ْ‬
‫�����آن وم�����وع�����دٌ‬
‫��������وارس ش�����اط�����ئ ِ‬
‫ِ‬
‫قَ������������� َد ُر ال��������ن‬
‫�������وارس أنْ تُ�������ف�������ارقَ لحنَها‬
‫ِ‬
‫قَ����������� َد ُر ال�������ن‬
‫ت�����ط�����وي ع����ل����ي����هِ ال����ق����ل����بَ ت����ت����ب����عُ وج�����هَ�����هُ‬
‫���������وارس رح������ل������ةٌ ال تنتهي‬
‫ِ‬
‫قَ�������������� َد ُر ال���������ن‬
‫�����������وارس غ�����ي�����مُ �����هُ‬
‫ِ‬
‫ل�����ك�����نّ�����م�����ا أم�������������لُ ال�����������ن‬
‫ي�����ا غ������������ازيَ ‪ :‬ال����م����ي����ن����اءُ ي�����س�����ألُ ح�����ائ�����رً ا‬
‫��ل�ا‬
‫�����ي مُ ����ك����ل ً‬
‫�����ح ال�����ب�����ه ِ ّ‬
‫َ�������س�������مُ ال�����ص�����ب ِ‬
‫وتَ�������ب ُّ‬
‫األرض‪َ ،‬ر ّ َف������������ةُ رم ِ���ش���ه���ا‬
‫ِ‬
‫����ك روحُ‬
‫ت����ف����دي َ‬
‫����ك ِم�������نْ وج�������هِ ال�����ك�����رام�����ةِ وجهُ ها‬
‫ي����ف����دي َ‬
‫������ل؛ َص������ ّ َع������ َر خ������� ّ َد ُه‬
‫����ك نُ�����بْ�����لُ ال������رم ِ‬
‫ي����ف����دي َ‬
‫���ك ي���س���ألُ���هُ الجَ نى‪،‬‬
‫عُ �����د ل��ل��ن��خ��ي ِ��ل‪ ،‬ف���ع���ن َ‬
‫����اض ِأع���������دْ ح���ن���ي���نَ شتائِ ها‬
‫عُ ��������دْ ل����ل����ري ِ‬
‫��������ل ال����������ذي ف�����ارق�����تَ�����هُ‬
‫�����ك ال��������رم ُ‬
‫ي�����ش�����ت�����اقُ َ‬
‫عُ �����������دْ ل�����ل�����ش�����واط�����ئ م����ث����ل����م����ا غ�����ادرت�����ه�����ا‬
‫عُ ���������دْ م���ث���ل���م���ا غ�������������ادرتَ وج������هً ������ا ب���اس���مً ���ا‬
‫شموسنا‬
‫ُ‬
‫���ب‬
‫إنْ ِغ�����ب�����تَ ي�����ا غ��������ازي ت���غ���ي ُ‬
‫أو عُ ������������دتْ غ����������ازي ل����ل����م����غ����ازي س����ال����مً ����ا‬
‫���ت‬
‫غ��������ازي ال��������ذي م��ل��أ ال�������دُ ن�������ى‪ ،‬وت���ن���اق���ل ْ‬
‫غ���������ازي ال���������ذي أث�����ن�����ى ع����ل����ي����هِ خ����ص����ومُ ����هُ‬
‫�����س ال�����ن�����ه�����ارِ وظ���� ُلّ����ه����ا‬
‫ال ت����س����ت����وي ش�����م ُ‬
‫�������دول‬
‫ٌ‬
‫ال ي���س���ت���وي ال����ب����ح����رُ ال���ع���م���ي���قُ وج‬
‫�����رات ب���ل‪،‬‬
‫ال ي���س���ت���وي ال�����ش�����ع�����راءُ وال�����ن�����ك ُ‬
‫�������ت���ل���اف ال������ش������ع������رِ ؛ يُ ��������������دْ ر َُك‬
‫ُ‬
‫غ����������ازي اخ‬
‫أو ي����س����ت����وي غ��������ازٍ ومَ ����������نْ ل�����م يَ�������غْ �������زُ ‪ ،‬أم‬
‫أنصتت‬
‫ْ‬
‫غ�������ازي ال�������ذي إنْ ق����ي����ل‪ :‬غ�������ازي‬
‫غ���������ازي ال���������ذي ش�����ه����� َد ال�������زم�������انُ وأه�����لُ�����هُ‬
‫�����اك مَ �������نْ أح�����ي�����اكَ ِم�������نْ عَ ��������دمٍ ومَ �����نْ‬
‫ع�����اف َ‬
‫َ������م وأك������م������لَ ف���ض��� َل���هُ‬
‫وش������ف������اكَ ِم��������نْ سَ ������ق ٍ‬
‫روض����ه����ا‬
‫دُ ْم ب���ه���ج���ةً غ����نّ����ى ال�����ه�����وى ف�����ي ِ‬
‫�����ظ ال�����خ�����ص�����ومُ ‪ ،‬ت���ش���اب���ه���ت أق����والُ����ه����م‬
‫ِغ�����ي َ‬
‫����ت‪ُ :‬أع���ل��� ُن���ه���ا هنا‬
‫����ك ق����ل ُ‬
‫ق�����ال�����وا‪ :‬م����دح����تُ َ‬
‫ون�����ع�����م‪ :‬س�����أط�����ري م�����ا يُ �����ش�����ابِ �����هُ إس�����مَ �����هُ‬
‫������بّ������ئُ وج�����هَ�����هُ‬
‫وش�������ع�������ري ال يُ ������خ ِ‬
‫ون������ع������م‪ِ :‬‬
‫إنْ ي���ب���ص���م���وا أم����ض����ي وح�����ي�����نَ تلعثموا‬
‫����ط����رِ ال����ش����ع����رِ أنْ ي����رض����ى ب���هِ‬
‫����ع ْ‬
‫�������رف ل ِ‬
‫ش ٌ‬
‫ون������ع������م‪ :‬ومَ �����������نْ س�������������وّاكَ ي������ا غ����������ازي ال‬
‫��������واك فضيلةٌ‬
‫َ‬
‫����ك ع����ن س‬
‫مَ ��������دحُ اخ����ت��ل�افِ َ‬
‫�����رات ت���ص���ن���عُ م���ج��� َده���ا‬
‫ُ‬
‫إنْ ك����ان����ت ال�����ن�����كِ‬

‫��������ص األن�����������������واءُ‬
‫أص���������دافِ ���������ه���������ا ت��������ت��������راق ُ‬
‫������ان تُ�������ض�������اءُ‬
‫�������ان وش������م������ع������ت ِ‬
‫وق�������ص�������ي�������دت ِ‬
‫���������ن ح�����ي�����ن يُ ����������ف����������ارقُ ال�����م�����ي�����ن�����اءُ‬
‫وت���������ئ ُّ‬
‫ت����ب����ك����ي ع����ل����ي����هِ وف��������ي ال��������دم��������وعِ رج��������اءُ‬
‫سَ ������ف������رٌ يُ �������ض�������يءُ ل�������هُ ال�����ط�����ري�����قَ ش����ق����اءُ‬
‫���������وض���������اءُ‬
‫ّ‬
‫������ط������ َر وج���������هُ ���������هُ ال‬
‫ق�������م�������رٌ ت������ق ّ‬
‫������وس‪ ،‬وت������س������ألُ األرج�����������اءُ‬
‫�����ك ال������ش������م َ‬
‫ع�����ن َ‬
‫�������ك‪ ،‬واألح��������ي��������اءُ‬
‫ب���������ال���������وردِ ي�������س�������ألُ ع�������ن َ‬
‫������ي فِ ������������داءُ‬
‫�������م ال������ش������ج ِ ّ‬
‫إنْ ك���������ان ل���ل���أل ِ‬
‫َ��������م اإلب���������������اءِ إب���������اءُ‬
‫�����ك م�������ن ِش��������ي ِ‬
‫ي�����ف�����دي َ‬
‫�����ج�����ب�����ن�����اءُ‬
‫ل�������ي�������دوسَ �������هُ ال�������ش�������رف�������اءُ وال ُ‬
‫وج����������هُ ال�����م�����ن�����ى‪ ،‬وال���������روض���������ةُ ال�����غ�����نّ�����اءُ‬
‫�����ك ال�������ص�������مّ �������انُ وال������ده������ن������اءُ‬
‫ي�����ش�����ت�����اقُ َ‬
‫وخ�������ب�������اءُ‬
‫�����ك خ�����ي�����م�����ةٌ ِ‬
‫ت�����ش�����ت�����اقُ ه�����م�����سَ َ‬
‫ف�������ال�������عَ�������وْدُ أح�������م�������دُ وال���������ب����ل����اءُ ق�����ض�����اءُ‬
‫روح�����������ا يُ����ق����اس����م����ه����ا ال�����ص�����ف�����ا َء ص����ف����اءُ‬
‫ً‬
‫ويُ �������ع�������ان�������قُ ال�����ل�����ي�����لَ ال������ط������وي������لَ ف�����ن�����اءُ‬
‫�������ص ع����ق���� َده����ا ال���ح���س���ن���اءُ‬
‫ع����������ادتْ تُ�������راق ُ‬
‫����������اب واألع������������������داءُ‬
‫أخ������������ب������������ا َر ُه األص����������ح ُ‬
‫وال��������قَ��������دْ حُ ل�����و ت��������دري ال�����خ�����ص�����ومُ ث����ن����اءُ‬
‫�����س�����ف�����ه�����اءُ‬
‫�������ق���ل���اء وال ُ‬
‫ُ‬
‫ال ي�����س�����ت�����وي ال�������ع‬
‫������ج������ه���ل��اءُ‬
‫ال ي�����س�����ت�����وي ال�����ع�����ل�����م�����اءُ وال ُ‬
‫الي������س������ت������وي األُص����������ل���������اءُ وال���������دخ����ل����اءُ‬
‫ع���ن���دم���ا ي���ت���م���اث���لُ األش������ب������ا ُه وال����ن����ظ����راءُ‬
‫ه������ل ت����س����ت����وي ال���������س���������رّاءُ وال���������ض���������رّاءُ ؟‬
‫��������وح�������� َد ال������فُ ������ َرق������اءُ‬
‫���������دن���������ى‪ ،‬وت ّ‬
‫����������ل ال ُّ‬
‫ك ُّ‬
‫أنْ ل�����ي�����س ك����اس����ت����ث����ن����ائ����هِ اس����ت����ث����ن����اءُ‬
‫������������������وات واألح��������ي��������اءُ‬
‫ُ‬
‫س�������ج�������دتْ ل���������هُ األم‬
‫ف����������ال����������داءُ إنْ ش�������������ا َء اإلل���������������هُ دواءُ‬
‫�����وض�����ه�����ا ي���س���ق���ي ال����ن����ع����ي���� َم ه����ن����اءُ‬
‫م�����ن حَ ِ‬
‫����ض ال����خ����ص����ومِ غ���ب���اءُ‬
‫وال����ح����ق����دُ ف�����ي ب����ع ِ‬
‫����������دح����������هُ وح��������ي��������نَ أش����������اءُ‬
‫ُ‬
‫ول��������س��������وف أم‬
‫������ل غ�����������ازي ي����ن����ح����ن����ي اإلط��������������راءُ‬
‫ول������م������ث ِ‬
‫إنْ غ���������ابَ إس�����م�����ي ي����ح����ض����رُ اإلم������ض������اءُ‬
‫������روف ِه�����ج�����اءُ‬
‫������ه������ج������ا َء ول������ل������ح ِ‬
‫�����ت ال ِ‬
‫ك�����ن ُ‬
‫غ�����������ازي‪ ،‬وإنْ ي������رض������ى؛ ف�������ذي نَ����عْ ����م����اءُ‬
‫ذي ف������ي وص������ف������هِ ي�����ت�����ح����� َيّ�����رُ ال����ب����ل����غ����اءُ‬
‫�������ت ع������ن������هُ ج������ري������م������ةٌ ن������ك������راءُ‬
‫وال�������ص�������م ُ‬
‫ف����ال����م����ج����دُ ي����ص����ن����عُ م������ج������ َد ُه ال���ع���ظ���م���اءُ‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪49‬‬

‫أنت أبا يارا؟!‬
‫فأين َ‬
‫َ‬
‫> مالك اخلالدي ‪ -‬السعودية‬
‫�����ك األدب�������ا‬
‫رح�����ل�����تَ ت����ح����م����لُ ف�����ي أع�����ط�����اف َ‬
‫رح�����ل�����تَ ف�����ال�����دم�����عُ واألش��������ع��������ا ُر تسألني‬
‫�����ت أوج�������������اعُ ق���اف���ي���ت���ي‬
‫�����س�����اق�����ط ْ‬
‫رح������ل������تَ ف ّ‬
‫���اف ال�������رؤى شغف ًا‬
‫ك����م ج������الَ ع��ق��ل��ي ب���أط���ي ِ‬
‫ف���م���ا ارت��������وى خ���اف���ق���ي م����ن س����ح����رِ منهلهِ‬
‫�����زن يرسمُ ني‬
‫���ت ط����رف����ي ول��������ونُ ال�����ح ِ‬
‫ق���لّ���ب ُ‬
‫ق���������رأت���������هُ ف�����م�����ض�����ى ح�������رف�������ي ل������ي������ذرف������هُ‬
‫���رات»(‪« )32‬أم��ي��رُ ال���فُ ِ���ل»(‪ )33‬عسجَ دَها‬
‫«أب���ا ال���ف ِ‬
‫�����������ات»(‪ )34‬وال����ح����قُ وال���ش���ه���داءُ والمسرى‬
‫ُ‬
‫«آي‬
‫�����ح�����هُ‬
‫�������ت أذك������������رُ م������ا ج������������ادتْ ق�����رائ ُ‬
‫م�������ازل ُ‬
‫��������ت ب�����ش�����ارتُ�����هُ‬
‫م��������������ازالَ م������ا زالَ م��������ازال ْ‬
‫���ل���أ ال�����ف�����ج����� َر أب������ي������ات������ ًا ت�������ن�������وءُ بها‬
‫وت�������م ُ‬
‫ف��������أي��������نَ أن������������تَ أب����������ا ي������������ارا ت�����ش�����اط�����رُ ن�����ا‬
‫�������������ب ب�������اس�������مٌ زه���������دتْ‬
‫ف������أي������ن غ�����������ازي أدي ٌ‬
‫�����ت‬
‫ف��������أي��������نَ أن����������ت أب����������ا ي������������ارا إذا س�����أل ْ‬
‫ف�������أي�������نَ أن�����������تَ أب���������ا ي�����������ارا إذا ان����ك����ف����أت‬
‫م������اذا س���أس���ق���ي زه������ور ال���ص���ب ِ���ح ح���ي���ن أرى‬
‫ب�����ل س������وف أح�����ت�����ا ُر م�����ا أزج�������ي لطلعتِ ها‬
‫تمنحنا‬
‫ُ‬
‫م�����ن ب����ح����ر أن������دائ������ك ال������� ّزخ�������ا ُر‬
‫ف��������أن��������تَ أن������������تَ ه�����ن�����ا ف��������ي ك��������ل ق����اف����ي����ةٍ‬

‫���ات ن���ج���لُ ال���ض���وء ق���د غربا‬
‫ب��ع��د ال���ف���ي���وض ِ‬
‫����ف����ارِ م���ن ذهبا‬
‫����رف ف���ي أس ِ‬
‫ع���ن ده���ش���ة ال����ح ِ‬
‫���ت ال����ل����ي����لَ وال���كُ ���ت���ب���ا‬
‫ع���ل���ى ش���غ���اف���ي ف���ع���ف ُ‬
‫وص����������ار ي�����ن�����ه�����الُ ف������ي أف�����ي�����ائ�����ـ�����هِ سَ ���غ���ـ���ب���ا‬
‫وم������ا ان���ك���ف���ى ال����������روحُ ع�����ن أوت������������ارهِ طلبا‬
‫وف�������ي اغ�����ت�����راب�����ي أرى م�������نْ دم�����ع�����هِ سببا‬
‫ل����ك����ن����م����ا ال��������ب��������وحُ م�������ن أح���������زان���������هِ ت ِ���ع���ب���ا‬
‫ت��ن��ع��ى‪ ،‬ف��م��ن س����وف ي��ن��ع��ى ف���ارس���ـ��� ًا وث���ب���ا؟!‬
‫ب��ك��ي��ت��ه��م‪ ،‬م����ن س��ي��ب��ك��ي ال����ح����قَ وال���ع���رب���ا؟!‬
‫الحقبا‬
‫ش�����ع�����ر ًا ون�����ث�����ر ًا وم������ا أث�����ـ�����رى ب�����ه ُ‬
‫ت����ض����يءُ ح������زنَ ال���ف���ي���اف���ي ت���م���س���حُ النصبا‬
‫������ون ح����ت����ى ت���ن���ت���ش���ي ط���رب���ا‬
‫م����ف����ات����نُ ال������ك ِ‬
‫������رف واألرزا َء وال���غ���ض���ب���ا‬
‫ره������اف������ َة ال������ح ِ‬
‫���س���ب���ا!‬
‫������وف دن�������ي�������ا ُه ع����م����ا ك�������ان أو ك ِ‬
‫ط������ي ُ‬
‫����ت ت��ش��ت��ك��ي الوصبا‬
‫���ك ال�����زواي�����ا ون����اح ْ‬
‫ع���ن َ‬
‫��������������زان إذ وق���ب���ا‬
‫ِ‬
‫ت���رن���ي���م���ت���ي ودج���������ى األح‬
‫��������ى ن���ب���ع���ا؟!‬
‫دم����وع����ه����ا ه�����ل س���أس���ق���ي���ه���ا أس ً‬
‫ف���م���ا اج����ت����رح����تَ ب����دي����ع���� ًا ح����يّ����ر النُجبا‬
‫����ك ال���ذه���ب���ا‬
‫إش������ع������ا َع ف�����ك�����رٍ وم�������ن ق����ي����ع����ان َ‬
‫������ض ي��������������راعٌ ع��������� ّز م�������ا نضبا‬
‫��������������ل ن������ب ٍ‬
‫َّ‬
‫وك‬

‫ليت شعري لم يبق بعدك شعر‬
‫> طارق اخلالدي ‪ -‬السعودية‬
‫رثاء صادق في رجل طاهر القلب‪ ،‬نظيف اليد‪ ،‬عفيف اللسان‪ .‬كلمات تعكس الفجيعة في رحيله‪.‬‬
‫وك��أن من قالها ‪-‬وه��و بالمناسبة (إم��ام مسجد وطالب في كلية الشريعة)‪ -‬يريد أن يقول لغازي‬
‫القصيبي‪ :‬لقد أخلصت لوطنك‪ ..‬فأحببتنا وأحببناك‪.‬‬

‫‪50‬‬

‫ك�������ي�������ف أغ��������ف��������و وب�������������ي م�������������آس ت�����ط�����ول‬

‫ودم�����������������������وع م������������ن م�������ق�������ل�������ت�������يّ ت����س����ي����ل‬

‫ل�����ي�����ت ش������ع������ري ل�������م ي�����ب�����ق ب������ع������دك شعر‬

‫ع������ن������دم������ا غ�����������اب س�����ي�����ف�����ه ال����م����ص����ق����ول‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫م��������������ات! ال ل��������م ي������م������ت ف�������دت�������ه ع����ي����ون‬

‫ق����������د س�������ب�������اه�������ا ل�������س�������ان�������ه ال�����م�����ع�����س�����ول‬

‫م�����������ات! ب�������ل زار م�������ن أح���������ب ف�����ه�����ل من‬

‫ع��������������ودة رام��������ه��������ا ال����������ف����������ؤاد ال����ع����ل����ي����ل؟‬

‫ف�����ب�����ك�����اه «ال������م������ج������ن������ون» و«ال�����م�����ت�����ن�����ب�����ي»‬

‫و«ن��������������������زار» و«ح����������اف����������ظ» و«ال�����خ�����ل�����ي�����ل»‬

‫و«ف��������ت��������ى ن�������ج�������د» راح ي�����ك�����ت�����ب ش����ع����را‬

‫وق��������ل��������ي��������ل م������������ا ق���������������ال ف��������ي��������ه ق����ل����ي����ل‬

‫ال ي�����ط�����ي�����ق ال������������������وداع م��������ن ذاب ح���ب���ا‬

‫ف�������ي�������ك وال��������ق��������ل��������ب م������ث������خ������ن وق�����ت�����ي�����ل‬

‫ن��������م ف�������ث�������مّ ال������ج������ن������ان إن ش�����������اء رب������ي‬

‫ي������������ا ح������ب������ي������ب������ي وم������������رت������������ع وم�����ق�����ي�����ل‬

‫(‪) 1‬‬
‫(‪ )2‬‬
‫(‪ )3‬‬
‫(‪ )4‬‬
‫(‪) 5‬‬
‫(‪ )6‬‬
‫(‪) 7‬‬
‫(‪ )8‬‬
‫(‪ )9‬‬
‫(‪)10‬‬
‫(‪ )11‬‬
‫(‪ )12‬‬

‫(‪ )13‬‬
‫(‪ )14‬‬
‫(‪) 15‬‬
‫(‪ )16‬‬

‫دورية (سيسرا) – نادي الجوف األدبي – العدد الثالث‪.‬‬
‫صحيفة ‪ 26‬سبتمبر اليمنية العدد ‪ .1481‬تاريخ‬
‫‪2010-8-20‬م‪.‬‬
‫صحيفة (إي �ل��اف) اإلل �ك �ت��رون �ي��ة‪ .‬ت��اري��خ ‪-8-16‬‬
‫‪2010‬م‪.‬‬
‫صحيفة ال �ج��زي��رة ال �ع��دد ‪ 13838‬ت��اري��خ ‪-8-18‬‬
‫‪2010‬م‪.‬‬
‫صحيفة (الحياة) تاريخ ‪2010-8-20‬م‪.‬‬
‫صحيفة (ال�ج��زي��رة) العدد ‪ 13838‬تاريخ ‪-8-18‬‬
‫‪2010‬م‪.‬‬
‫صحيفة (الوطن) السعودية‪ .‬تاريخ ‪2010-8-18‬م‪.‬‬
‫غازي القصيبي‪ :‬مصالحات‪ ...‬ومغالطات وقضايا‬
‫أخرى‪ ،‬دار سعاد الصباح‪1997 ،‬م‪.‬‬
‫غ ��ازي ال�ق�ص�ي�ب��ي‪ :‬س�ب�ع��ة‪ ،‬دار ال�س��اق��ي للطباعة‬
‫والنشر‪2003 ،‬م‪.‬‬
‫غازي القصيبي‪ :‬العصفورية‪ ،‬دار الساقي للطباعة‬
‫والنشر‪1996 ،‬م‪.‬‬
‫غ��ازي القصيبي‪ :‬دن�س�ك��و‪ ،‬دار ال�س��اق��ي للطباعة‬
‫والنشر‪2002 ،‬م‪.‬‬
‫غازي عيدالرحمن القصيبي‪ ،‬هل للشعر مكان في‬
‫ال�ق��رن العشرين‪ ،‬مجلة المعرفة (س��وري��ا)‪ ،‬أبريل‬
‫‪1978‬م‪ ،‬دمشق‪ ،‬ص‪ .‬ص‪.5-4‬‬
‫غازي عيدالرحمن القصيبي‪ ،‬هل للشعر مكان في‬
‫القرن العشرين‪ ،‬ن‪ ،‬م‪ ،‬س‪ ،‬ص‪.5‬‬
‫غازي القصيبي‪ :‬شقة الحرية‪ ،‬ط‪ ،2‬رياض الريس‬
‫للكتب والنشر‪ ،‬بيروت‪ ،‬لبنان‪1994 ،‬م‪ ،‬ص‪.18‬‬
‫نفسه‪ :‬ص‪.104‬‬
‫نفسه‪ :‬ص‪.35‬‬

‫(‪) 17‬‬
‫(‪ )18‬‬
‫(‪ )19‬‬
‫(‪ )20‬‬

‫(‪) 21‬‬
‫(‪ )22‬‬
‫(‪ )23‬‬
‫(‪) 24‬‬
‫(‪ )25‬‬
‫(‪ )26‬‬

‫(‪ )27‬‬
‫(‪ )28‬‬
‫(‪) 29‬‬
‫(‪ )30‬‬
‫(‪ )31‬‬
‫(‪ )32‬‬
‫(‪) 33‬‬
‫(‪ )34‬‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫ال��������������دواوي��������������ن م����������ن ف����������راق����������ك ج�����دب�����ا‬

‫وال����������ق����������واف����������ي أص��������اب��������ه��������ن ال��������ذه��������ول‬

‫نفسه‪ :‬ص‪.36-35‬‬
‫نفسه‪ :‬ص‪.463‬‬
‫القرآن الكريم‪ -‬سورة الروم‪ -‬آية‪.54 :‬‬
‫سلسلة األحاديث الصحيحة للشيخ األلباني رحمه‬
‫الله ‪-‬رق��م ‪ -2798‬صفحة ‪ 511‬بعناية أبي عبيدة‬
‫مشهور بن حسن آل سلمان‪.‬‬
‫أمام األربعين‪ -‬ديوان الح مى صفحة ‪.655‬‬
‫في أصابع الخمسين ‪ -‬دي��وان واللون عن األوراد‬
‫صفحة ‪.33‬‬
‫قصيدة‪ :‬حديقة الغروب من ديوان حديقة الغروب‬
‫صفحة ‪.13‬‬
‫بضمتين‪..‬‬
‫المرجع السابق صفحة ‪.14‬‬
‫ابن زهر (الحفيد) وش��اح األندلس للدكتور فوزي‬
‫سعد عيسى‪ -‬كلية اآلداب‪ -‬جامعة اإلسكندرية‪-‬‬
‫صفحة ‪.139‬‬
‫دي��وان��ه‪ :‬حديقة ال �غ��روب قصيدة شاعر البحرين‬
‫صفحة ‪.53‬‬
‫ديوانه حديقة الغروب قصيدة لك الحمد صفحة‬
‫‪.66-64‬‬
‫ديوان حديقة الغروب صفحة ‪.24‬‬
‫ديوان حديقة الغروب صفحة ‪.29‬‬
‫ديوان حديقة الغروب قصيدة عادل صفحة‪.51‬‬
‫«أب��ا ال �ف��رات» قصيدة للراحل رث��ى فيها الشاعر‬
‫الكبير محمد مهدي الجواهري‪.‬‬
‫«أمير الفل» قصيدة رثى فيها نزار قبّاني‪.‬‬
‫«آيات» إشارة لقصيدته التي رثى فيها االستشهادية‬
‫الفلسطينية آيات األخرس‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪51‬‬

‫اللهجات العربية في القرآن الكرمي‬
‫> احلسني اإلدريسي*‬

‫ال يعد هذا الموضوع وليد الساعة‪ ،‬فلقد بحثه القدماء بحثا عميقا في جل فصوله‬
‫وأبوابه وقلبوا قضاياه ظهرا عن بطن‪ ،‬ألنه موضوع يتجذر في القدم‪ ،‬وال بد من القول إن‬
‫العلماء القدماء الذين تناولوا موضوع اللغة بالدرس والتحليل والبحث‪ ،‬كانوا يملكون‬
‫كثيرا من الشجاعة واإلقدام العلميين‪ ،‬وقد فاق بعضهم ‪-‬حتى من تأخر بهم الزمن إلى‬
‫وقتنا هذا‪ -‬واستفادوا من الثروات العلمية والمنهجية‪ ،‬ومرد ذلك إلى أن الخلفيات التي‬
‫تحكم بعض المعاصرين‪ ،‬كانت في الغالب تقف حائال بينهم وبين الحقيقة العلمية‪،‬‬
‫فكيف ينظر القدماء إلى اللغة في ذاتها من جانب؟ وإلى لغة القرآن الكريم من جانب‬
‫آخر؟‬
‫وكانت إجابة القرآن الكريم واضحة في قوله تعالى‪« :‬وما أرسلنا من رسول إال بلسان‬
‫قومه»‪ ،‬واآلية القرآنية واضحة‪ ،‬تخبر بأن لسان الرسل المبعوثين إلى أقوامهم هو لسان‬
‫أقوامهم ذاته‪ ،‬فقد بعث الرسول صلى الله عليه وسلم إلى قومه في الجزيرة العربية‪،‬‬
‫وقومه هم العرب بصفة عامة‪ ،‬وكان ال بد من مراعاة االختالفات اللهجية التي كانت‬
‫منتشرة بين تلك القبائل العربية‪.‬‬

‫‪52‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫دراس����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ات‬

‫‪-1‬اللغة واللهجة في عرف القدماء والمحدثين‪:‬‬
‫أ‪ -‬مفهوم اللغة عند القدماء‪:‬‬
‫ق��ال أب��و ال�ف�ت��ح ع�ث�م��ان ب��ن ج �ن��ي‪ ...« :‬حد‬

‫اللغة أص��وات يعبر بها كل ق��وم عن أغراضهم‪،‬‬

‫وأما تصريفها ومعرفة حروفها فإنها فعلة‪ .‬من‬

‫لغوت‪ ،‬أي تكلمت وأصلها لغوة‪ ،‬ككرة وقلة وثبة‪،‬‬
‫كلها الماتها واوات لقولهم كووت بالكرة وقلوت‬
‫ال�ق�ل��ة‪ ،‬وك��ذل��ك ال�ل�غ��و‪ ،‬ق��ال تعالى {وإذا مروا‬

‫باللغو مروا كراما} أي بالباطل‪ ،‬وفي الحديث‬

‫«من قال في الجمعة صه فقد لغا» أي تكلم‬

‫(‪)1‬‬

‫وقال إمام الحرمين في «البرهان»‪ :‬اللغة من لغي لغة ال �ح �ج��از»(‪ )6‬وك��ذل��ك م��ا ذه��ب إليه أب��و زيد‬
‫يلغي من باب رضي إذا لهج بالكالم وقيل من لغى األن �ص��اري ف��ي (ال �ن��وادر ف��ي اللغة) حين يذكر‬
‫(‪)2‬‬
‫يلغى وقال ابن الحاجب حد اللغة كل حد وضع مجموعة من الظواهر اللغوية ويردها إلى لغتها؛‬
‫لمعنى(‪.)3‬‬
‫أي إلى لهجتها‪ ،‬وينبه إبراهيم أنيس إلى مصطلح‬

‫وق ��ال األس �ن��وي ف��ي ش ��رح م�ن�ه��اج األص ��ول‪ :‬آخر استعمله القدماء للتعبير عن اللهجة‪ ،‬وهو‬
‫اللغات عبارة عن األلفاظ الموضوعة للمعاني(‪ ،)4‬مصطلح ال�ل�ح��ن‪ ،‬ف��ي ق��ول أع��راب��ي‪ :‬ليس هذا‬

‫وما نستنبطه من هذه التعريفات التي تكاد تجمع لحني وال لحن قومي(‪.)7‬‬
‫على التعريف الذي قدمه ابن جني‪ ،‬هو أن اللغة‬

‫أصوات‪ ،‬ويتمم ابن جني بالوظيفة‪ ،‬وهي التعبير‬

‫عن األغ��راض‪ ،‬وهذا ما وجدناه في تعريف ابن‬
‫الحاجب واألسنوي والجويني‪.‬‬

‫ب‪-‬مفهوم اللهجة لدى القدماء‪:‬‬

‫ت‪-‬مفهوم اللغة واللهجة عند المحدثين‪:‬‬
‫ي�ع��رف إب��راه�ي��م أن�ي��س اللغة ب�ق��ول��ه‪« :‬اللغة‬

‫تشتمل ع ��ادة ع�ل��ى ع��دة ل�ه�ج��ات ل�ك��ل منها ما‬
‫ي�م�ي��زه��ا‪ ،‬وج�م�ي��ع ه ��ذه ال�ل�ه�ج��ات ت�ش�ت��رك في‬
‫مجموعة من الصفات اللغوية والعادات الكالمية‬

‫لم يفرق العلماء القدماء بين اللغة واللهجة‪ ،‬التي تؤلف لغة مستقلة عن غيرها من اللغات(‪.)8‬‬
‫واستعملوا اللغة‪ ..‬وأرادوا بها اللهجة‪ ،‬فها هو أما في تعريفه للهجة فيذهب إلى القول «اللهجة‬

‫سيبويه ف��ي ب��اب سماه «ه��ذا م��ا أج��رى مجرى في االصطالح الحديث مجموعة من الصفات‬
‫ليس في بعض المواضع بلغة أه��ل الحجاز ثم اللغوية‪ ،‬تنتمي إلى بيئة خاصة‪ ،‬ويشترك في هذه‬
‫يصير على أصله»(‪.)5‬‬

‫الصفات جميع أفراد هذه البيئة؛ أما مندريس‪..‬‬

‫وه���ذا م��ا ذه ��ب إل �ي��ه ال�س�ي��وط��ي أي �ض��ا في فيذهب في تعريفه للهجة إل��ى أن اللهجة أوال‬

‫اإلتقان في باب سماه «ما وقع في القرآن بغير وقبل كل شيء‪ ،‬كيان لغوي‪ ،‬ويفسر العالقة بين‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪53‬‬

‫اللهجة واللغة قائال‪« :‬تقوم اللغات المشتركة‬

‫كلها أسماء مشوهة الحدود‪ ،‬ووحدات ضخمة‬

‫اللغة ال�م��وج��ودة لغة مشتركة م��ن جانب أفراد‬

‫ال يرضي البحث الحديث‪.‬‬

‫دائما على أساس لغة موجودة‪ ،‬حيث تتخذ هذه‬
‫مختلفي التكلم‪ ،‬وتفسير الظروف التاريخية تغلب‬

‫ه��ذه اللغة وتعليل انتشارها ف��ي جميع مناطق‬

‫التكلم المحلي المختلفة‪ ،‬وهذا ما حدث في بالد‬
‫اإلغريق القديمة(‪.)9‬‬

‫أم��ا تمام حسان فيعرف اللغة بأنها ظاهرة‬

‫اجتماعية تقع في مجال علم االجتماع(‪.)10‬‬

‫‪ -2‬جغرافية اللهجات العربية‪:‬‬

‫وشاسعة‪ .‬فدراسة اللهجات على هذا النظام‬
‫‪ -2‬إن الحجاز وتميم كالهما من القبائل الضخمة‬
‫ذات الفروع والبطون المتعددة‪ ،‬وكثيرا ما نجد‬

‫لهجات هذه الفروع تخالف لهجة القبيلة األم‪،‬‬
‫ثم إن بعض بطون هذه القبائل نفرت عنها‬

‫وعاشت في أماكن عديدة‪ ،‬فدراسة اللهجات‬
‫ع��ن ط��ري��ق ت�ل��ك ال ��وح ��دات ال�ض�خ�م��ة‪ ،‬فيه‬

‫خطورة وخروج عن المنهج السليم‪.‬‬

‫اختلف ال��دارس��ون فيما بينهم بشأن تقسيم ‪ -3‬إذا وجهنا النظر إلى الخالف بين الكتلتين‬
‫الحجازية والتميمية؛ فيعني هذا أننا سنبتر‬
‫الجزيرة‪ ،‬فالمدايني يرى أنها تشتمل على خمسة‬
‫أقسام‪ :‬تهامة ونجد والحجاز والعروض واليمن‪،‬‬
‫وزاد ابن حوقل في أقسامها بادية العراق وبادية‬
‫الجزيرة فيما بين دجلة والفرات‪ ،‬وبادية الشام‪،‬‬

‫وجعل البشاري جزيرة العرب أرب��ع كور جليلة‪،‬‬

‫م��ا ع��داه��ا م��ن ال �س �م��ات اللهجية للقبائل‬

‫المغمورة الذكر‪ ،‬وستكون الدراسة اللهجية‬
‫ق��اص��رة وم �ح��دودة‪ ،‬وال تمثل اللهجات في‬

‫الجزيرة تمثيال صحيحا‪.‬‬

‫وأربع نواح نفيسة‪ ،‬والكور أولها‪ :‬الحجاز ثم اليمن ‪ -4‬إن أخ��ذ تميم والحجاز في االعتبار يضيع‬
‫ثم عمان‪ ،‬ثم هجر والنواحي‪ ،‬األحقاق واألشجار‬
‫على الباحث لهجات المدن كمكة والطائف‪،‬‬

‫واليمامة وقرح(‪.)11‬‬

‫ويضيع كذلك لهجات األفخاذ والفصائل‪.‬‬

‫وق� ��د أدى ه� ��ذا االخ� �ت�ل�اف ف ��ي التقسيم ولم يقتصر القصور المنهجي في دراسة اللهجات‬
‫الجغرافي‪ ،‬إلى اختالف في المنهج الذي يمكن أن‬
‫ال�ع��رب�ي��ة ح�س��ب ت��وزي�ع�ه��ا وجغرافيتها على‬

‫‪54‬‬

‫تدرس به هذه اللهجات وتصنف‪ ،‬ومن الدارسين‬

‫المستشرقين والمعاصرين فقط‪ ،‬بل وجد‬

‫اللهجية إلى الخالف بين الحجازية والتميمية‪،‬‬

‫فسيبويه في الكتاب ال يولي اهتماما كبيرا‬

‫إال قليال جدا عن سواهما‪ ،‬ولذلك ال يتمكن من‬

‫الحجاز وتميم‪ ،‬وتبعه في ذلك البغدادي‪ ،‬وابن‬

‫علم الدين الجندي إلى معارضة هذا التقسيم‪،‬‬

‫ومثال ذلك ما حكاه الصنعاني في التصريح‬

‫‪ -1‬إن كلمة الشرق أو الغرب أو الحجاز وتميم‪،‬‬

‫منها إال صيغتين‪ ،‬واح��دة لتميم‪ ،‬واألخرى‬

‫الغربيين ذهب (‪ )Sara w‬إلى إرجاع كل الفروق‬

‫هذا التعامل مع الموضوع حتى عند القدماء‪،‬‬

‫كما رأى رابين أنسيانت (‪ )An Cient‬أنه ال يعمل‬

‫للهجات األخرى‪ ،‬ويحتفل احتفاال كبيرا بلهجتي‬

‫أخذ غيرهما في االعتبار‪ .‬ويذهب الدكتور أحمد‬

‫يعيش في إهمال لهجات البطون المغمورة‪،‬‬

‫ألسباب يعدها على الشكل اآلتي‪:‬‬

‫من أن (هيهات) ست وثالثين لغة‪ ،‬ثم ال يذكر‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫وأسباب هذا اإلهمال كثيرة‪ ،‬منها التعصب‬

‫القبلي ومعيار الغلبة‪ ،‬ومنها اعتبار بعض اللهجات‬
‫شذوذا أو عيبا في الكالم «وفي كتب اللغة إشارات‬

‫إلى بعض المذموم من لهجات العرب‪ ،‬من ذلك‬
‫الكشكشة وهي في ربيعة ومضر‪ ،‬يجعلونه كاف‬
‫الخطاب شيناً‪ ،‬فيقولون رأيتكش وعليكش وفي‬

‫ذلك أنشد قائلهم‪:‬‬

‫فعيناش عينها وجيدش جيدها‬
‫ول���ون���ش إال أن���ه���ا غ��ي��ر عاطل‬
‫وم��ن ذل��ك الفحفحة ف��ي لغة هذيل يجعلون‬

‫الحاء عينا(‪ .)13‬ومن ذلك الطمطمانية في لغة‬

‫حمير كقولهم طاب أمهواء أي طاب الهواء(‪،)14‬‬

‫ومن ذلك الجعجعة في لغة قضاعة‪ ،‬يجعلون الياء‬

‫المشدودة جيما فيقولون في تميمي‪ :‬تميمج(‪.)15‬‬
‫ومن ذلك شنشنة اليمن تجعل الكاف شينا مطلقا‬
‫ك �ـ لبيش اللهم لبيش؛ أي ل �ب �ي��ك‬

‫(‪)16‬‬

‫لخلخانية‬

‫أع��راب الشخر‪ ،‬وعمان كقولهم‪ :‬مشا الله كان‪:‬‬
‫أي ما شاء الله ك��ان(‪ .)17‬وعنعنة تميم‪ ،‬وإن كان‬

‫ال��دارس��ون م��ن ال�ق��دم��اء والمحدثين يقسمون‬
‫المنطقة إلى كتلة شرقية وأخرى غربية‪ ،‬فإن هذا‬
‫التقسيم وه��ذا المنهج ال يخل من تعسف‪ ،‬وال‬
‫يحيط بالمادة كلها‪ ،‬ألننا نجد اختالفا لهجيا بين‬

‫قبائل الكتلة الشرقية نفسها‪ ،‬وبين الكتلة الغربية‬
‫نفسها‪ ،‬بل إننا نجد اختالفا لهجيا بين القبيلة‬
‫الواحدة «فقد قال أبو زيد‪ :‬لمق الشيء‪ ،‬كتبه في‬
‫لغة عقيل‪ ،‬وسائر قيس يقولون‪ :‬لمقه‪ :‬محاه‬

‫(‪)18‬‬

‫وقد ذكرت كتب األنساب بأن عقيال من قيس‪،‬‬

‫ومع ذلك اختلفت قيس القبيلة األم مع بطن من‬
‫بطونها(‪ .)19‬ويسوق السيرافي نصا مضمونه «أن‬
‫قوما من ربيعة يقولون «منهم في منهم» ويعلل‬

‫دراس����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ات‬

‫للحجاز دون غيرهما»(‪.)12‬‬

‫سيبويه لذلك فيقول‪« :‬أتبعوها الكسرة ولم يكن‬
‫المسكن حاجزا محسنا عندهم»‪ .‬ويستفاد من‬
‫هذا النص أن بعض ربيعة اختلفت عن بعضها‬
‫اآلخر‪ ،‬فمنهم من كسر‪ ،‬ومنهم من ضم‪ ،‬وحكى‬
‫أبو محمد البطليوسي في كتاب الفرق أن بني‬
‫ضبة يقولون‪ :‬فاظت نفسه بالظاء‪ ،‬وفي الغريب‬
‫المضف‪ :‬أن ناسا من بني تميم يقولون‪ :‬فاضت‬
‫نفسه(‪ )20‬وتذكر كتب الجغرافيا واألنساب بأن‬
‫منازل ضبة كانت في جوار بني تميم‪ ،‬وإخوتهم‬
‫فمنهم إخوتهم في النسب‪ ،‬وجيرانهم في علم‬
‫الجغرافيا ومع هذا فكل قبيلة اتخذت لها مجرى‬
‫لهجيا يخالف القبيلة األخرى(‪.)21‬‬

‫‪ -3‬لغة القرآن الكريم‪:‬‬
‫ن��زل ال�ق��رآن بلسان ق��وم ال��رس��ول صلى الله‬
‫عليه وسلم‪ ،‬وقومه هم ال�ع��رب‪ ،‬وال�ع��رب قبائل‬
‫وب �ط��ون تختلف لهجاتهم ح�ت��ى داخ ��ل القبيلة‬
‫الواحدة‪ ،‬وهذا يعني أن القرآن الكريم قد ضم‬
‫هذه الفسيفساء الجغرافية داخل الجزيرة وحتى‬
‫خارجها بدقة متناهية‪ ،‬لكن اآلراء تختلف حول‬
‫هذه المسألة‪ ..‬وتتوزع بين أربعة اتجاهات‪ ،‬نورد‬
‫أهمها في االتجاهين التاليين‪:‬‬
‫األول‪ :‬اعتبر هذا االتجاه أن القرآن الكريم‬
‫نزل بلهجة قريش‪ ،‬معتبرا أن قومه ال��واردة في‬
‫اآلي��ة تعود لقريش‪ ،‬وبما أن الرسول صلى الله‬
‫عليه وسلم منها‪ ،‬فقد ن��زل بلسانها‪ ،‬وسندهم‬
‫في ذلك بعض األحاديث النبوية‪ ،‬ومنها ما رواه‬
‫البخاري‪« :‬حدثنا أبو اليمان‪ ،‬أخبرنا أبو شعب‬
‫األزه ��ري‪ ،‬أخبرني أن��س ب��ن م��ال��ك‪ ،‬ق��ال‪ :‬فأمر‬
‫عثمان زيد بن ثابت وسعد بن العاص‪ ،‬وعبد الله‬
‫ابن الزبير‪ ،‬وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام‬
‫أن ينسخوها ف��ي ال�م�ص��اح��ف‪ ،‬وق��ال ل�ه��م‪ ،‬إذا‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪55‬‬

‫اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في عربية من عربية من طريق واحد وعشرين صحابيا(‪ )26‬حول رسول‬

‫القرآن‪ ،‬فاكتبوها بلسان قريش‪ ،‬فإن القرآن نزل الله عليه الصالة السالم‪« :‬إن هذا القرآن أنزل‬

‫بلسانهم‪ ،‬ففعلوا(‪.)22‬‬

‫ويستفيد بعضهم في ترجيح هذا الرأي إلى‬

‫على سبعة أحرف فاقرأوا ما تيسر منه»‪.‬‬

‫وقد ع ّد الطبري هذا االختالف في الحروف‬

‫أن قريش أفصح العرب لغة‪ ،‬قال ابن فارس في السبعة‪ ،‬اختالفا في األلفاظ كقولك‪ :‬هلم وتعال‬

‫هذا الشأن «أجمع علماؤنا بكالم العرب والرواة ب��ات�ف��اق ال�م�ع��ان��ي‪ ،‬ال ب��اخ�ت�لاف م�ع��ان��ي موجبة‬
‫ألشعارهم والعلماء بلغاتهم وأيامهم أن قريشا اختالف أحكام(‪.)27‬‬

‫أف �ص��ح ال �ع��رب أل�س�ن��ة‪ ،‬وأص �ف��اه��م ل �غ��ة‪ ،‬وذلك‬

‫وذهب آخرون إلى الربط بين السبعة أحرف‬

‫أن الله ج��ل ث�ن��اؤه اخ�ت��اره��م م��ن جميع العرب‪ ،‬ولغات العرب‪ ،‬ومنهم ابن عطية في قوله‪ :‬معنى‬
‫واصطفاهم واختار منهم نبي الرحمة محمدا قول النبي صلى الله عليه وسلم «أن��زل القرآن‬

‫صلى الله عليه وسلم‪ ،‬وكانت على فصاحتها‪،‬‬
‫وحسن لغاتها‪ ،‬ورق��ة ألسنتها‪ ،‬إذا أتتهم الوفود‬

‫من العرب‪ ،‬تخيروا من كالمهم وأشعارهم أحسن‬

‫لغاتهم وأصفى كالمهم‪ ،‬فاجتمع ما تخيروا من‬
‫تلك اللغات إلى نحائزهم وسالئقهم التي طبعوا‬

‫عليها‪ ،‬ف�ص��اروا بذلك أفصح ال �ع��رب(‪ .)23‬وقال‬

‫ثعلب‪ :‬ارتفعت قريش في الفصاحة عن عنعنة‬
‫تميم‪ ،‬وتلتلة بهراء‪ ،‬وكسكسية ربيعة‪ ،‬وكشكشة‬

‫هوازن‪ ،‬وتضجع قريش‪ ،‬وعجرفية ضبة(‪.)24‬‬

‫الثاني‪ :‬وتعد لغة القرآن هي لغة العرب كافة‪،‬‬

‫وسندهم ف��ي ذل��ك بعض اآلي��ات القرآنية مثل‬

‫قوله تعالى‪« :‬قرآنا عربيا غير ذي عوج» وقوله‬

‫تعالى‪« :‬كذلك أنزلناه قرآنا عربيا»‪ .‬وقوله جلت‬

‫قدرته‪« :‬إنا أنزلناه قرآنا عربيا»‪ ،‬وفسروا عربيا‬
‫بمعنى جميع لغات العرب‪ ،‬وع��دَّ السيوطي في‬
‫كتابه «اإلتقان في علوم القرآن» اللهجات العربية‬

‫الواردة في القرآن الكريم وأورد نماذجها(‪.)25‬‬

‫على سبعة أح��رف»‪ ،‬أي فيه عبارة سبع قبائل‪،‬‬
‫بلغة جملتها نزل القرآن‪ ،‬فيعبر عن المعنى فيه‬
‫مرة بلغة قريش‪ ..‬ومرة بعبارة هذيل‪ ..‬ومرة بغير‬

‫ذلك بحسب األفصح واألوجز في اللفظ(‪.)28‬‬

‫وفسر بعضهم السبعة أحرف باألحكام‪ ،‬فقال‬

‫أبو شامة إن قوما ذهبوا في قول النبي صلى الله‬

‫عليه وسلم «أنزل القرآن على سبعة أحرف»‪ ،‬على‬
‫أنها سبعة أنحاء وأصناف‪ ،‬فمنها زاج��ر ومنها‬
‫آمر‪ ،‬ومنها عن ابن مسعود عن النبي صلى الله‬

‫عليه وسلم قال‪« :‬كان الكتاب األول نزل من باب‬
‫واحد على حرف واحد‪ ،‬ونزل القرآن من سبعة‬
‫أب ��واب على سبعة أح ��رف‪ ،‬زاج��ر وآم��ر وحالل‬

‫وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال‪ ،‬فأحلوا حالله‪،‬‬

‫وحرموا حرامه‪ ،‬وافعلوا ما أمرتم به‪ ،‬وانتهوا عما‬

‫نهيتم عنه‪ ،‬واعتبروا بأمثاله‪ ،‬واعملوا بمتشابهه‪،‬‬

‫وقولوا آمنا به كل من عند ربنا»(‪.)29‬‬

‫وذك ��ر ال�ق��رط�ب��ي ف��ي تفسيره ع��ن أب��ي بكر‬

‫القراءات القرآنية وعالقتها باللهجات ال�ب��اق�لان��ي ق ��ال‪ :‬ت��دب��رت وج ��وه االخ �ت�لاف في‬

‫العربية‪:‬‬

‫ال�ق��راءة فوجدتها سبعا‪ ،‬منها ما تتغير حركته‬

‫يورد السيوطي في إتقانه حديثا نبويا مرفوعا وال يزول معناه وال صورته‪ ،‬مثل «هن أطهر لكم‪،‬‬

‫‪56‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫دراس����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ات‬

‫وأط�ه��ر‪ ،‬ويضيق ص��دري ويضيق‪ ..‬ومنها ما ال هي حية للهجاتهم‪ ،‬وأرى أن القراءة وإن شذت‪،‬‬
‫تتغير صورته ويتغير معناه باإلعراب مثل «ربنا هي أقوى من تراث النثر والشعر على السواء‪،‬‬
‫باعد بين أسفارنا «وباعد ومنها ما تبقى صورته يقول الفراء‪ :‬والكتاب أعرب وأقوى في الحجة‬
‫ويتغير معناه باختالف ال�ح��روف مثل ننشرها من الشعر(‪ )32‬ولهذا قامت حركة علمية للدفاع‬
‫ون �ن �ش��زه��ا‪ ،‬وم�ن�ه��ا م��ا يتغير ص��ورت��ه «كالعهن عن القراءات الشاذة(‪.)33‬‬
‫المنفوش» وكالصوف المنقوش» ومنها بالزيادة‬
‫‪ -4‬اللهجات العربية في القرآن الكريم‪:‬‬
‫والنقصان مثل «تسع وتسعون نعجة أنثى» وقوله‬
‫كثيرا ما ك��ان الصحابة يتوقفون عند بعض‬
‫«وأما الغالم فكان كافرا وكان أبواه مومنين»(‪.)30‬‬
‫األلفاظ الواردة في القرآن عاجزين عن شرحها‪،‬‬
‫وي��ورد السيوطي في اإلت�ق��ان رأي��ا آخ��ر البن‬
‫ألنها لم تجر على لسانهم‪ ،‬وال تنتمي إلى قاموس‬
‫سعدان النحوي‪ :‬أنه ليس المراد بالسبعة حقيقة‬
‫لهجة قبيلتهم‪ ،‬وسماه العلماء بالغريب في القرآن‬
‫ال�ع��دد‪ ،‬بل ال�م��راد التسيير والتسهيل والسعة‪،‬‬
‫الكريم‪ ،‬واف ��رده بالتصنيف خالئق ال يحصون‬
‫ولفظ السبعة يطلق على إرادة الكثرة في اآلحاد‬
‫منهم‪:‬أبو عبيدة‪ ،‬وأبو عمر الزاهد‪ ،‬وابن دريد‪،‬‬
‫كما يطلق السبعون في العشرات والسبعمائة في‬
‫وم��ن أش�ه��ره��ا ك �ت��اب ال �ع��زي��زي‪ ،‬ف�ق��د أق ��ام في‬
‫المئين وال يراد العدد المعين‪.‬‬
‫تأليفه خمسة عشر س�ن��ة‪ ،‬ي�ح��رره ه��و وشيخه‬
‫ويجمل السيوطي ال�ق��ول ف��ي ه��ذه المسألة أبو بكر األن �ص��اري(‪ .)34‬وها هم الصحابة‪ ،‬وهم‬
‫في كتاب اإلتقان بأن العلماء اختلفوا في هذه العرب العرباء وأصحاب اللغة الفصحى‪ ،‬ومن‬
‫المسألة على نحو أربعين قوال‪ ،‬وذكر منها خمسة نزل القرآن عليهم وبلغتهم‪ ،‬توقفوا في ألفاظ لم‬
‫وثالثين(‪.)31‬‬
‫يعرفوا معناها‪ ،‬فلم يقولوا فيها شيئا‪ ،‬فأخرج أبو‬

‫وليست القراءات السبعة وحدها مصدرا من عبيدة في الفضائل عن إبراهيم التميمي أن أبا‬
‫مصادر اللهجات العربية بل تشاركها القراءات بكر الصديق سئل عن قوله تعالى {وفاكهة وأبا}‪،‬‬
‫ال� �ش ��اذة‪ ،‬ألن ل �ه��ا س �ن��دا م��ن ص �ح��ة الرواية‪ ،‬فقال أي سماء تظلني‪ ،‬وأي أرض تقلني‪ ،‬إن أنا‬
‫وموافقتها وجها من وجوه العربية‪ ،‬ولهذا كان ابن قلت في كتاب الله ماال أعلم‪ ،‬وأخ��رج عن أنس‬
‫جني على حق عندما وثق الشاذ واحتج له‪ ،‬ثم أن عمر ابن الخطاب قرأ على المنبر {وفاكهة‪،‬‬
‫حاول ابن جني أن يعلن توثيقه للشاذ «ولعله أو وأبا} فقال هذه الفاكهة قد عرفناها‪ ،‬فما األب‪،‬‬
‫كثيرا منه مساو في الفصاحة للمجتمع عليه‪ ...‬ثم رج��ع إل��ى نفسه فقال إن ه��ذا لهو الكلف يا‬
‫والرواية تنميه إلى الرسول عليه السالم‪ ،‬والله عمر‪ ،‬وأخرج عن طريق مجاهد ابن عباس‪ ،‬قال‪:‬‬
‫تعالى يقول‪{ :‬ما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم كنت ال أدري م��ا فاطر ال�س�م��اوات حتى أتاني‬
‫عنه فانتهوا}‪ .‬وما القراءات الشاذة في نظرنا إال أعرابيان يختصمان في بئر‪ ،‬فقال أحدهما‪ :‬أنا‬
‫صورة نابضة بالحياة لكثير من لهجات القبائل فطرتها‪ ،‬يقول أنا ابتدأتها(‪ .)35‬وأخرج ابن جريج‬
‫العربية‪ ،‬ولكن هذه القبائل ‪-‬لم تنل نصيبا من عن سعيد بن جبير أنه سئل عن قوله {وحنانا‬
‫المجد والجاه‪ -‬فحكموا بشذوذ قراءاتهم التي من لدنا} فقال‪ :‬سألت عنها ابن عباس فلم يجب‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪57‬‬

‫فيها بشيء‪ ،‬وأخ��رج الفرياني حدثنا إسرائيل‪،‬‬
‫حدثنا سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس‬
‫قال‪ :‬كل القرآن أعلمه إال أربعا‪ :‬غسلين‪ ،‬وحنانا‪،‬‬
‫وأواه‪ ،‬والرقيم‪ ،‬وأخرج من طريق ابن عباس قال‬
‫ما أدري ما الغسلين ولكني أظنه الزقوم‪.‬‬

‫وق��ال أب��و بكر الواسطي في كتابه «اإلرشاد‬

‫في القراءات العشر»‪« :‬وفي القرآن من اللغات‬
‫خمسون لغة‪ ،‬لغة قريش وهذيل وكنانة وخثعم‬

‫وال �خ��زرج وأش�ع��ر ونمير وقيس غيالن وجرهم‬

‫واليمن وأزد شنوءة وكندة وتميم وحمير ومدين‬

‫وكان الشعر مادة أساسية يستعملها المفسرون ول�خ��م وس�ع��د العشيرة وح�ض��ر م��وت وسدوس‬
‫لحل غريب القرآن ومشكله‪ ،‬وأنكر جماعة ال علم وال�ع�م��ال�ق��ة وأن �م��ار وغ �س��ان وم��ذح��ج وخزاعة‪،‬‬
‫لهم على النحويين ذلك وقالوا‪ :‬إذا فعلتم ذلك‪ ،‬وغطفان وسبأ وعمان وبنو خيفة وثعلب وطي‬
‫جعلتم الشعر أصال للقرآن‪ ،‬قالوا‪ :‬وكيف يجوز وعامر بن صعصعة وأوس ومزينة وثقيف وجذام‬
‫أن يحتج بالشعر على ال�ق��رآن وه��و مذموم في وعذرة وهوازن والنمر واليمامة(‪.)38‬‬
‫ال�ق��رآن وال�ح��دي��ث‪ ،‬ق��ال‪ :‬وليس كما زع�م��وه من‬
‫وع��ن ه��ذه اللهجات العربية كتب كثير من‬
‫أنا جعلنا الشعر أصال للقرآن‪ ،‬بل أردن��ا تبيين العلماء وأحصوها إحصاء يضيق المقام بذكرها‬
‫الحرف الغريب من القرآن بالشعر ألن الله تعالى ك �ل �ه��ا‪ ،‬ون��أت��ي ببعضها ع �ل��ى س�ب�ي��ل ال �م �ث��ال ال‬
‫قال‪« :‬إنا جعلناه قرآنا عربيا» و»قال «بلسان عربي الحصر‪ ،‬أخرج أبو عبيدة من طريق عكرمة عن‬
‫مبين» وقال ابن عباس الشعر ديوان العرب‪ ،‬فإذا ابن عباس في قوله‪« ،‬وأنتم سامدون»‪ ،‬قال الفناء‬
‫خفي علينا الحرف من القرآن الذي أنزله الله وه��ي يمانية‪ ،‬وأخ��رج بن أب��ي حاتم عن عكرمة‬
‫بلغة العرب رجعنا إلى ديوانها فالتمسنا معرفة هي بالحميرية‪ ،‬واخرج عن الحسين قال‪ :‬كنا ال‬
‫ذلك منه‪.‬‬
‫ندري األرائ��ك حتى لقينا رجال من أهل اليمن‪،‬‬
‫وأخرج أبو يعلى في مسنده أن عثمان قال على فاخبرنا أن األريكة عندهم الحجلة فيها السرير‪،‬‬
‫المنبر‪ :‬سمعت النبي عليه الصالة السالم قال‪ :‬وأخرج عن الضحاك في قوله تعالى {ولو ألقى‬
‫«إن القرآن أن��زل على سبعة أح��رف كلها شاف معاذيره} قال‪ :‬ستوره بلغة أهل اليمن‪ ،‬وأخرج‬
‫كاف»‪ ،‬ولما قام قاموا وأشهدوا بذلك‪ ،‬فقال أنا عن ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله تعالى‪:‬‬
‫أشهد معهم واختلف في معنى هذا الحديث على «ال وزر» قال ال حيل وهي بلغة أهل اليمن‪ ،‬وأخرج‬
‫عن محمد بن علي في قوله تعالى {ونادى نوح‬
‫نحو أربعين قوال(‪.)36‬‬
‫ابنه} قال‪ :‬هي بلغة طيب ابن امرأته قلت وقد‬
‫وق��ال اإلم��ام أب��و محمد عيدالله ب��ن قتيبة‪:‬‬
‫قوى‪« ،‬ونادى نوح ابنها»‪،‬أخرج عن الضحاك في‬
‫«وكان من تيسير الله أن أمر نبيه صلى الله عليه‬
‫قوله تعالى‪( :‬أعصر خمرا) قال عنبا بلغة أهل‬
‫وسلم أن يقريء كل قوم بلغتهم‪ ،‬وما جرت عليه‬
‫عمان يسمون العنب خمرا‪.‬‬
‫عاداتهم‪ ،‬فالهذالي يقرأ «عنى حين» يريد «حتى‬
‫وق��ال أبو القاسم في الكتاب ال��ذي ألفه في‬
‫حين» ألنه هكذا يلفظ بها ويسمعها‪ .‬واألسدي‬
‫يقرأ يعلمون ويعلم وي�س��ود وأل��م اعهد إليكم‪ .‬ه��ذا ال �ن��وع‪ :‬ف��ي ال �ق��رآن بلغة ك�ن��ان��ة‪ ،‬السفهاء‪:‬‬
‫ال�ج�ه��ال‪ ،‬خاسئين‪ :‬ص��اغ��ري��ن‪ ،‬ش�ط��ره‪ :‬تلقاءه‪،‬‬
‫والتميمي يهمز والقرشي ال يهمز(‪.)37‬‬

‫‪58‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫معجزين‪ :‬سابقين‪ ،‬يغرب‪ :‬يغيب‪ ،‬تركنوا‪ :‬تميلوا‪ ،‬العتزال الزمخشري‪ ،‬والمعتزلة تجنح للقياس‬
‫فجوة‪ :‬ناحية‪ ،‬موئال‪ :‬ملجأ‪.‬‬
‫والعقل ال للرواية والنقل‪ ،‬ولهذا لم تظهر اللهجات‬
‫وبلغة حمير‪ :‬تفشال‪ :‬تجبنا‪ ،‬سفاهة‪ :‬جنون‪ ،‬في مؤلفه‪.‬‬

‫من الكبر عتيا‪ :‬نحوال‪ ،‬م��آرب‪ :‬حاجات‪ ،‬فرجا‪:‬‬

‫جعال‪ ،‬غراما‪ :‬بالء‪.‬‬

‫وقال الواسطي ليس في القرآن حرف غريب‬

‫عن لغة قريش غير ثالثة أحرف‪ ،‬ألن كالم قريش‬

‫دراس����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ات‬

‫ال خ�ل�اق‪ :‬ال ن�ص�ي��ب‪ ،‬وجعلكم م�ل��وك��ا أح���رارا‪ ،‬على لغة بني تميم‪ ،‬ول�ع��ل ه��ذا ال��رف��ض يرجع‬

‫وب �ل �غ��ة ج ��ره ��م‪ :‬ب �ج �ب��ار‪ :‬ب �م �س �ل��ط‪ ،‬القطر‪ :‬سهل لين واض��ح‪ ،‬وك�لام العرب وحشي غريب‪،‬‬
‫فليس في القرآن إال ثالثة أحرف غريبة(‪ .)40‬وقد‬
‫النحاس‪ ،‬معكوفا‪ :‬محبوسا‪.‬‬
‫مثل هذا االتجاه بوضوح ابن فارس بقوله «أجمع‬
‫وبلغة مذحج‪ :‬رف��ث‪ :‬جماع‪ ،‬مقيتا‪ :‬مقتدرا‪،‬‬
‫علماؤنا بكالم العرب والرواة ألشعارهم والعلماء‬
‫الوصيد‪ :‬الفناء‪ ،‬حقبا‪ :‬دهرا‪ ،‬الخرطوم‪ :‬األنف‪.‬‬
‫بلغاتهم وأيامهم أن قريشا أفصح العرب ألسنة‬
‫وبلغة خثعم‪ :‬مريج‪ :‬مبتصر‪ ،‬هلوعا‪ :‬ضجورا‪،‬‬
‫وأصفاهم لغة وذلك أن الله جل ثناؤه اختارهم‬
‫شططا‪ :‬كذبا‪.‬‬
‫من جميع العرب‪ ،‬واصطفاهم واختار منهم نبي‬
‫وبلغة قيس غ �ي�لان‪ :‬نحلة‪ :‬ف��ري�ض��ة‪ ،‬حرج‪ :‬الرحمة محمد صلى الله عليه وسلم‪ ،‬وكانت على‬

‫ضيق‪ ،‬لخاسرون‪ :‬مضيعون‪ ،‬تفندون‪ :‬تستهزئون‪ ،‬فصاحتها وحسن لغاتها ورقة ألسنها‪ ..‬فصاروا‬
‫صياصيهم‪ :‬حصونهم‪ ،‬رجيم‪ :‬ملعون‪.‬‬
‫بذلك أفصح العرب(‪.)41‬‬
‫وبلغة سعد‪ :‬أختان‪ :‬عيال‪ ،‬وبلغة كندة‪ :‬فجاجا‪:‬‬

‫وقد أورد هذا القول ابن عيدالبر (ت ‪463‬هـ)‬

‫طرقا‪ ،‬تبتئس‪ :‬تحزن‪ ،‬وبلغة حضرموت ربيون‪ :‬في التمهيد بقوله إن غير لغة قريش موجودة في‬
‫رجال‪ ،‬دمرنا‪ :‬أهلكنا‪ ،‬وبلغة مزينة‪ :‬ال تغلوا‪ :‬ال جميع القراءات(‪ .)42‬فالقرآن كما أورد من لهجة‬

‫ت��زي��دوا وبلغة لخم‪ :‬إم�لاق‪ :‬ج��وع‪ ،‬وبلغة جذام‪ :‬قريش أورد غيرها من لهجات القبائل العربية‪،‬‬
‫فجاسوا خالل الديار‪ :‬تخللوا األزقة‪ ،‬وبلغة بني يوضح هذا ما روي عن عمر بن الخطاب‪ ،‬وكان‬

‫حنيفة‪ :‬العقود‪ :‬العهود‪ ،‬الجناح‪ :‬اليد‪ ،‬الرهب‪ :‬ال يفهم معنى قوله تعالى (ويأخذهم على تخوف)‬
‫الفزع‪ ،‬وبلغة اليمامة‪ :‬حصرت‪ :‬ضاقت‪ ،‬وبلغة أي على تنقص لهم‪ ،‬وعمر بن الخطاب قريشي‪،‬‬
‫سبأ‪ :‬تميلوا ميال عظيما‪ :‬تخطئون خطأ بينا‪ ،‬وهذا دليل على أن هذه الكلمة لم تكن من لهجة‬
‫وبلغة سليم‪ :‬نكص‪ :‬رجع(‪.)39‬‬
‫قريش‪ ،‬ويورد البيضاوي في تفسيره أن عمر كان‬
‫وك��ان م��ن العلماء ال�ق��دم��اء م��ن رف��ض ورود قد قرأ هذه اآلية على المنبر‪ ،‬وقال‪ :‬ما تقولون‬
‫اللهجات في القرآن‪ ،‬وذهب إلى أن القرآن نزل فيها؟ فسكتوا‪ ،‬فقام شيخ من هذيل‪ ،‬فقال‪ :‬هذه‬
‫بلغة قريش‪ ،‬وم��ن ه��ؤالء الزمخشري حين قال لغتنا التخوف‪ :‬التنقص‪ ،‬فقال هل تعرف العرب‬

‫في قوله تعالى‪« :‬قل ال يعلم من في السماوات ذل��ك في أشعارها؟ ق��ال نعم‪ ،‬ق��ال شاعرنا أبو‬
‫واألرض الغيب إال الله» إنه استثناء منقطع جاء كبير يصف ناقته‪:‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪59‬‬

‫وم��ن اح�ت�ج��اج��ات اب��ن ح �ي��ان ن ��ورد م��ا روى‬

‫تخوف الرحل منها تامكا قردا‬
‫كما تخوف عود النبعة السفن‬

‫(‪)43‬‬

‫فالقرآن كما شمل «لغة ق��ري��ش» ق��د يشمل‬
‫غيرها‪ ،‬لكن ال��واض��ح ه��و أن النظر التقويمي‬
‫للهجات اعتبرها نوعا من االنحطاط اللغوي وها‬

‫عن أبي عمر‪ ،‬ومن جواز صدق حركة اإلعراب‬
‫بالتسكين‪ ،‬مستدال بقراءة (بارئكم) و(بعولتهن)‪،‬‬
‫وقد طعن على هذه القراءة النحاة أمثال سيبويه‬
‫وابن جني والمبرد‪ ،‬وقالوا بأن قراءة أبي عمرو‬

‫هو ابن حزم ينكر تفضيل لهجة على لهجة أخرى لحن‪ ،‬وي��رى ابن حيان أن ما ذهب إليه المبرد‬
‫«وقد توهم قوم في لغتهم أنها أفضل اللغات‪ ...‬وأعوانه من النحاة ليس بشيء‪ ،‬ألن أبا عمرو لم‬

‫وه��ذا ال معنى ل��ه‪ ...‬ألن وج��وه الفضل معروفة‬

‫يقرأ إال بأثر عن الرسول عليه الصالة السالم‪،‬‬

‫وإنما هي بعمل واختصاص‪ ،‬وال عمل للغة‪ ،‬وال وق��د ثبت نقل أب��ي ع�م��رو أن اإلس �ك��ان منقول‬
‫جاء نص في تفضيل لغة على لغة‪ ،‬وقد غلط في محكي ع��ن تميم‪ ،‬وإذا ثبت لهجة عربية‪ ،‬فال‬
‫ذلك جالينوس‪ ،‬فقال‪ :‬إن لغة اليونانيين أفضل ينبغي أن يخطيء بها القارئ أو يغلط‪ ،‬ولهذا يرى‬
‫اللغات‪ ،‬ألن سائر اللغات إنما تشبه نباح الكالب‪ ،‬اب��ن حيان أن ال�ق��راءات ج��اءت على لغة العرب‬

‫وإما نقيع الضفادع(‪ .)44‬وإذا كان ابن حزم ينتمي‬
‫إل��ى ال�غ��رب اإلس�لام��ي‪ ..‬فما ه��و موقف علماء‬
‫اللغة وسائر العلوم من هذه القضية؟‬
‫لم يطعن علماء العربية في الغرب اإلسالمي‬

‫قياسها وشاذها(‪.)46‬‬

‫خاتمة‬
‫لم تقتصر لغة القرآن الكريم على اللهجات‬
‫العربية فقط‪ ،‬بل وجدت إلى جانب هذه اللهجات‬

‫على اللهجات ال�ع��رب�ي��ة‪ ،‬فنجدهم ق��د اهتموا‬

‫لغات أخرى استخلصها المصنفون في مؤلفاتهم‪،‬‬

‫ونذكر من هؤالء المصنفين أبا عيدالله الطائي‬

‫من المعرب»‪ ،‬وال شك أن في ذلك حكمة إلهية‬

‫على حواشيها‪ ،‬ومن مؤلفاته التي ذكرها له العلماء‬

‫وهذا االختالف هو سر من األسرار اإللهية في‬

‫وتقع في ثالثة وسبعين وسبعمائة وألفين بيتا‬

‫بين اللغات‪ ،‬ألن اللغة تستمد قوتها من مضمونها‬

‫إشارات لهجية مهمة‪ ،‬كما آثر غالبا أن يذكر اسم‬

‫العرب في مفاضلة لغتهم على غيرها‪ ،‬فخصوها‬

‫القبيلة مع ذكر السمة اللهجية لها(‪.)45‬‬

‫بالمناسبة الطبيعية بين ألفاظها ومدلوالتها‪،‬‬

‫بدراستها وإظهار الفروق الواردة بينها‪ ،‬وشهدت وم ��ن ه� ��ؤالء ن��ذك��ر ال �س �ي��وط��ي ف��ي «اإلت� �ق ��ان»‪،‬‬
‫المنطقة حركة تأليف واسعة في هذا الحقل‪ ،‬والجواليقي في «المهذب فيما وقع في القرآن‬
‫الجياني وعنه يقول السيوطي‪« :‬وأما اللغة فكان تقتضي التنوع واالختالف‪ ،‬مادامت اللغة عرفا‬
‫إليه المنتهى في اإلكثار من نقل غريبها واالطالع اجتماعيا وليست قانونا أو رسما مقدسا في ذاته‪،‬‬
‫مؤلف واحد في مدى ظهور لهجات القبائل وقد الكتاب الكريم‪ ،‬بوصفه خطابا يراعي واقع التعدد‬
‫ألف في ذلك نظما أيضا سماه الكافية الشافية‪ ،‬والمغايرة‪ ،‬وال مجال للمفاضلة بين اللهجات أو‬
‫من بحر الرجز‪ ،‬كما حشد ابن مالك في ألفيته ال من رسمها أو صورتها‪ ،‬وحينما أوغ��ل بعض‬

‫‪60‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫بالعبرية ألنها لغة الوحي كذلك‪ ،‬فهب كيشارد وينتهي سريعا إل��ى التسليم ب��ه‪ ،‬ثم إل��ى فرضه‬
‫‪Guichard‬‬

‫في مطلع القرن السابع عشر إلبراز على الناس‪ .‬وال شك أنه كانت لبعض القدماء‬

‫فكرة التناسق الصرفي في اللغات المتفرعة من‬
‫العبرية في كتابه(‪.)47‬‬

‫‪Humonie et ymologique‬‬

‫مميزات إيجابية في البحث العلمي يفتقدها كثير‬

‫من الدارسين الذين يظنون أنهم يدافعون على‬

‫‪ des langues descendues de les hébraïque‬وكان‬

‫قضية‪ ،‬لكنهم يقبرونها الستخدامهم وسائل ال‬

‫الخصائص‪ :‬ابن جني‪ ،‬ج ‪ ،1‬ص‪.33 :‬‬
‫المزهر‪ :‬السيوطي‪ ،‬ص‪.8 :‬‬
‫المرجع نفسه‪ ،‬ص‪.8 :‬‬
‫المرجع نفسه‪.‬‬
‫الكتاب لسيبويه‪ ،‬ج ‪ ،1‬ص‪.59 :‬‬
‫اإلتقان في علوم القرآن‪ ،‬السيوطي ج ‪ ،2‬ص‪.89 :‬‬
‫في اللهجات العربية‪ ،‬إبراهيم أنيس‪ ،‬ص‪.17-16 :‬‬
‫نفسه‪ ،‬ص‪.16 :‬‬
‫اللغة‪ ،‬فندرس تعريب عيدالحميد الدواخلي ومحمد‬
‫القصاص‪ ،‬ص‪.306 :‬‬
‫مناهج البحث في اللغة‪ ،‬تمام حسان‪ ،‬ص‪.39 :‬‬
‫اللهجات العربية في التراث‪ ،‬ق ‪ ،1‬أحمد علم الدين‬
‫الجندي‪ ،‬ص‪.29 :‬‬
‫اللهجات العربية ف��ي ال �ت��راث‪ :‬أح�م��د علم الدين‬
‫الجندي‪ ،‬ق ‪ ،1‬ص‪.59 :‬‬
‫المزهر‪.222/1 ،‬‬
‫نفسه‪.‬‬
‫نفسه‪.‬‬
‫نفسه‪.‬‬
‫نفسه‪.‬‬
‫لسان العرب‪ ،‬ابن منظور ‪.208/12‬‬
‫اللهجات العربية في ال�ت��راث‪ ،‬أن��ور الجندي‪ ،‬ص‪:‬‬
‫‪.76‬‬
‫المزهر‪.562-561/1 ،‬‬
‫اللهجات العربية في ال�ت��راث‪ ،‬أن��ور الجندي‪ ،‬ص‪:‬‬
‫‪.97-76‬‬
‫البخاري‪ ،‬ع ‪ /225-224/6‬وقد ذهب هذا المذهب‬
‫اب��ن قتيبة محتجا بقوله تعالى‪{ :‬وم��ا أرسلنا من‬
‫رسول إلى بلسان قومه} ‪.46/1‬‬
‫الصاحبي‪ ،‬ص‪.34-33 :‬‬
‫المزهر‪.221/1 ،‬‬

‫اإلتقان في علوم القرآن ج ‪ ،2‬ص‪.91-90-89 :‬‬
‫نفسه‪.47-46/1 ،‬‬
‫جامع ال�ب�ي��ان‪ ،‬ج‪ /1‬ص‪ 22 :‬أب��و جعفر ب��ن جرير‬
‫الطبري‪.‬‬
‫المحرر ال��وج�ي��ز‪ :‬أب��و محمد عيدالحق ب��ن غالب‬
‫عطية األندلسي ج ‪ /1‬ص‪.29 :‬‬
‫جامع البيان‪ ،‬ج‪ 29 /1‬أبو صحفي بن جرير الطبري‪،‬‬
‫والجامع ليس مصدرا للتحريم‪.‬‬
‫الجامع ألحكام القرآن‪ :‬القرطبي‪ ،‬ج ‪.46-45 /1‬‬
‫اإلتقان في علوم القرآن‪ ،‬ص‪.47 :‬‬
‫اللهجات العربية ف��ي ال �ت��راث‪ ،‬أح�م��د علم الدين‬
‫الجندي‪ ،‬ص‪.108 :‬‬
‫اإلتقان في علوم القرآن‪ ،‬ص‪.113 :‬‬
‫نفسه‪.‬‬
‫نفسه‪.‬‬
‫اإلتقان في علوم القرآن‪ ،‬ص‪.45 :‬‬
‫اللهجات العربية في التراث‪ :‬الجندي‪ ،‬ص‪.105-104 :‬‬
‫اإلتقان في علوم القرآن‪ ،‬ص‪.135 :‬‬
‫اإلت�ق��ان في علوم ال�ق��رآن‪ :‬السيوطي‪( ،‬ص ‪-135‬‬
‫‪ )134‬بتلخيص مني‪.‬‬
‫نفسه‪.‬‬
‫الصاحبي (م س) ص ‪.44-43‬‬
‫اإلتقان (م س)‪ ،‬ص‪.136 :‬‬
‫اللهجات العربية في التراث‪ :‬الجندي‪ ،‬ص‪.107 :‬‬
‫مشكالت حياتنا اللغوية‪ :‬أمين الخولي‪ ،‬ص‪-63 :‬‬
‫‪.64‬‬
‫اللهجات العربية في ال�ت��راث‪ :‬أن��ور الجندي‪ ،‬ص‪:‬‬
‫‪( ،203‬م س)‪.‬‬
‫المرجع نفسه‪ ،‬ص‪.217 :‬‬
‫اللهجات العربية في ال�ت��راث‪ :‬أن��ور الجندي‪ ،‬ص‪:‬‬
‫‪.35-34‬‬

‫لـ لبينز» (‪ )Lieïbinis‬الفضل في مقاومة هذا تمت إلى العلم بصلة‪.‬‬

‫(‪) 1‬‬
‫(‪ )2‬‬
‫(‪ )3‬‬
‫(‪ )4‬‬
‫(‪ )5‬‬
‫(‪ )6‬‬
‫(‪ )7‬‬
‫(‪ )8‬‬
‫(‪ )9‬‬
‫(‪) 10‬‬
‫(‪ )11‬‬
‫(‪ )12‬‬
‫(‪) 13‬‬
‫(‪ )14‬‬
‫(‪ )15‬‬
‫(‪ )16‬‬
‫(‪ )17‬‬
‫(‪ )18‬‬
‫(‪ )19‬‬
‫(‪) 20‬‬
‫(‪ )21‬‬
‫(‪ )22‬‬

‫(‪) 23‬‬
‫(‪ )24‬‬

‫(‪) 25‬‬
‫(‪ )26‬‬
‫(‪ )27‬‬
‫(‪ )28‬‬
‫(‪ )29‬‬
‫(‪) 30‬‬
‫(‪ )31‬‬
‫(‪ )32‬‬
‫(‪) 33‬‬
‫(‪ )34‬‬
‫(‪ )35‬‬
‫(‪ )36‬‬
‫(‪ )37‬‬
‫(‪ )38‬‬
‫(‪ )39‬‬
‫(‪) 40‬‬
‫(‪ )41‬‬
‫(‪ )42‬‬
‫(‪ )43‬‬
‫(‪ )44‬‬
‫(‪ )45‬‬
‫(‪) 46‬‬
‫(‪ )47‬‬

‫دراس����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ات‬

‫نافسهم ال�غ��رب�ي��ون بتخصيص ه��ذه المناسبة‬

‫التفكير األسطوري الذي يبدأ بافتراض الرأي‪،‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪61‬‬

‫املفاضلة بني الشعراء‬
‫> د‪ .‬ثناء عياش*‬

‫تسعى ه��ذه المقالة إل��ى تسليط الضوء على ظاهرة نقدية شغلت شعراء العصر‬
‫األموي‪ ..‬تمثلت في المفاضلة بين الشعراء؛ وذلك بدراسة اآلراء النقدية التي صدرت‬
‫عن أبرز شعراء العصر األموي وتحليلها‪ ،‬وربما كان لهذه اآلراء ميزة قد ال تتوافر في‬
‫غيرها من األحكام النقدية؛ ألنها صادرة عن الشعراء أنفسهم‪ ،‬وهم الذين نظموا الشعر‬
‫وعرفوا أسراره أكثر من غيرهم‪ ،‬فهذه اآلراء نتاج تجربة حقيقية في نظم الشعر‪.‬‬
‫وم��ن المالحظ أن ه��ذه اآلراء كانت ت��رد في معرض تعليق الشعراء على ما كانوا‬
‫يسمعونه من أشعار‪ ،‬كانت تُـنشد في المجالس األدبية التي كانت تُـعقد في ذلك العصر‬
‫أو في ساحات المربد‪ ،‬وترد كذلك أثناء إجابتهم عن سؤال و ُّجه إليهم حول قضية نقدية‬
‫ما‪.‬‬
‫م��ن ال�م��سّ �ل��م ب��ه أن ال��ف��رزدق وجريراً في نقد أشعارِ هم‪ ..‬ثم في أشعار غيرهم‪.‬‬
‫واألخ �ط��ل‪ ،‬ق��د شغلوا ال�ن��اس بقصائدهم وت��ب��دو ق�ي�م��ة ه ��ذه اآلراء أك �ث��ر أهمية؛‬
‫وبنقائضهم والتنافس فيما بينهم‪ ،‬وليس لصدورها عن ثالثتهم بالذات‪ ،‬ونحن نعرف‬
‫هذا باألمر الغريب؛ فثالثتهم لهم مكانتهم‬
‫ما كان بينهم من خصومات ونقائض‪ ،‬فهل‬
‫في عالم الشعر‪ ،‬ومن ثم فقد اختلف في‬
‫كان نقدهم صدى لتلك الخصومة؟‬
‫أمر المفاضلة بينهم؛ سواء في تلك اآلراء‬
‫يُ��روى أن بِشْ ر بن م��روان ‪-‬وك��ان يغري‬
‫الصادرة عنهم‪ ،‬أو التي صدرت عن غيرهم‬
‫بحقهم؛ ولهذا سأعرض أوالً بعض آرائهم بين الشعراء‪ -‬طلب من األخطل أن يحكم‬

‫‪62‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫دراس����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ات‬

‫بين جرير والفرزدق‪ ،‬فاستعفاه في بادئ األمر‪ .‬ي�ج�ي��د ص �ف��ة ال �م �ل��وك‪ ،‬وي �ص �ي��ب ن �ع��ت الخمر‪،‬‬
‫وأم��ام إص��راره ق��ال‪ :‬إن جريراً يغرف من بحر‪ ،‬وأيدهما األخطل في رأيهما هذا(‪ ،)5‬ولعل إدراك‬
‫والفرزدق ينحت من صخر والذي يغرف من بحر عبدالملك بن م��روان لهذا األمر هو الذي دفعه‬
‫أشعرهما (‪ .)1‬والغريب في األمر أن هذا الحكم بعد أن سمع قول األخطل‪:‬‬
‫لم يعجب جريراً‪ ،‬ويقال إنه كان سبب الخصومة‬
‫���س ال����عَ����داوةِ حَ ��ـ��تَّ��ى يُ ْ��س��ت��ق��ا َد لَهُ ـمْ‬
‫ُش���مْ ُ‬
‫بين جرير واألخطل‪ ،‬إذ عبّر جرير عن استيائه‬
‫���اس أحَ ��ل�ام���� ًا إذا َقـ ـدَروا‬
‫وأعْ ����ظَ ����مُ ال���ن ِ‬
‫من األخطل‪ ،‬مما دف��ع األخطل إل��ى ال��رد عليه‪،‬‬
‫إلى القول‪ :‬هذه المزمّرة‪ ..‬والله لو وُضعت‬
‫وق��د وص��ف األخ �ط��ل حكمه ال�س��اب��ق‪ :‬إن��ه حكم‬
‫على ُزبَـر الحديد ألذابتها‪ ،‬وهو القائل أيضاً‪ :‬إن‬
‫مشؤوم(‪)2‬؛ ألنه أسهم في إثارة العداو ِة بينهما‪.‬‬
‫لكل قوم شاعراً‪ ،‬وإن األخطل شاعر بني أمية؛‬
‫فضل ج��ري��راً على‬
‫وأح�س��ب أنّ األخ�ط��ل ق��د ّ‬
‫فتفضيل عبدالملك لألخطل ك��ان مبنيا على‬
‫ال � �ف� ��رزدق؛ ألن م��ن ي �غ��رف م��ن ال �ب �ح��ر يتدفق‬
‫إعجابه بجودة مدحه له ولبني أمية(‪.)6‬‬
‫الشعر على لسانه أس��رع م��ن ال��ذي ينحت في‬
‫ويتضح لنا من األقوال السابقة إدراك قائليها‬
‫الصخر؛ ألنه يتعب نفسه ويكد ذهنه أثناء نظمه‬
‫لقصائده‪ ،‬فشعر جرير يمتاز بالسهولة والرشاقة بتميز األخطل في فن المدح وإعجابهم بأبيات‬
‫إذا ما ق��ورن بشعر الفرزدق‪ ،‬وه��ذا األم��ر لمسه مفردة قالها‪ ،‬ولكنهم لم يبينوا س ّر تفوقه في هذا‬
‫الفرزدق نفسه عندما قال عن جرير‪ :‬ما أحوجه الفن‪ ،‬أو مواطن التميز في قصيدة المدح عنده‪،‬‬
‫مع عفته إلى صالبة شعري‪ ،‬وما أحوجني إلى وهذا هو شأن النقد في تلك الفترة؛ إذ خال في‬
‫وفضل الفرزدق شعره على شعر معظمه من األحكام النقدية المُعللة‪ .‬وال يسع من‬
‫ّ‬
‫رقة ش�ع��ره(‪.)3‬‬
‫جرير‪ ..‬فهما كما يقول‪ :‬يستمدان شعرهما من يتأمل مدائح األخطل إال أن يشهد له باإلجادة في‬
‫بحر واحد‪ ،‬ولكن دالء جرير تضطرب عند طول هذا الفن؛ فهو يعنى أشد العناية ببناء قصيدته‪،‬‬
‫النهر(‪ ،)4‬ولعله يقصد أن جريراً ال يحسن الغوص فيبدؤها بمقدمات فنية يجود فيها عامداً‪ ،‬وإذا‬
‫على المعاني كما يفعل هو‪ ،‬أو ليس لديه جَ ـلَـد ما انتقل إلى غرضه الرئيس‪ ،‬حرص على تقسيم‬
‫الفرزدق وصبره في البحث عن المعاني العميقة ع�ن��اص��ره وتنسيقها‪ ،‬محسناً التنقل ب�ي��ن تلك‬
‫واستخراجها‪ ،‬ولكن الذي يغرف من البحر أشعر العناصر‪ ،‬مضمناً مدائحه لوحات فنية نُعجب بما‬
‫من ال��ذي ينحت في الصخر؛ ألن الشعر يتدفق فيها من مالمح قصصية‪ ،‬ولم يكن يكتفي بالبيت‬
‫بغزارة على لسانه بسهولة ويسر‪ ،‬والدليل على أو البيتين ليصور موقفا من المواقف‪ ،‬بل كان‬
‫ّ‬
‫ذلك أنه استطاع نظم قصيدته‬
‫«فغض الطرف» يطيل ليتسنى له الدقة في التشبيه‪ ،‬والتفصيل‬
‫في ليلة واحدة‪.‬‬
‫في المشبه به‪ ،‬والبراعة في التجسيم‪ ،‬والحركة‬
‫ف��ي التصوير‪ ،‬متخذا م��ن أس��ال�ي��ب الجاهليين‬

‫وأق ّر جرير والفرزدق بتفوق األخطل عليهما‬
‫في فن المدح‪ ،‬فقد أج��اب ال�ف��رزدق عبدالملك نموذجا أعلى له في هذا الميدان(‪ ،)7‬وربما كان‬
‫عندما سأله عن أشعر الناس في اإلسالم‪ :‬كفاك لطول عهد األخطل باألمويين‪ ،‬واستقرار عالقته‬
‫بابن النصرانية إذا م��دح‪ .‬وق��ال جرير‪:‬األخطل بهم لشدة والئ��ه لهم‪ ،‬ورضاهم عن ال��دور الذي‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪63‬‬

‫قام به في الترويج لهم ولدولتهم‪ ،‬وإغداق الثناء مادة لهجائه كما يتضح من قصائده (‪.)10‬‬
‫عليهم‪ ،‬دور في إجادته فن المدح‪ ،‬وه��ذا األمر‬
‫وق��د اتفق ال �ف��رزدق واألخ�ط��ل على أنّ شعر‬
‫لم يكن متيسراً للفرزدق وجرير‪ .‬فقد عُرف عن جرير أسير من شعرهما بين الناس‪ ،‬مستدلين‬
‫الفرزدق اعتداده الشديد بنفسه وبقومه‪ ،‬وكان بشهرة بعض األب �ي��ات ل�ج��ري��ر‪ ،‬على ال��رغ��م من‬
‫يجعل من نفسه‪ -‬أحيانا ‪ -‬ن��داً للممدوح‪ ،‬وكان أنهما نظما أبياتاً في الموضوع نفسه(‪ ،)11‬ال تقل‬
‫ذا نفسية متمردة‪ ،‬وعهد األمويين بتطاوله على جودة عما قاله األخطل‪ .‬وقد أصابا كبد الحقيقة‬
‫معاوية بن أبي سفيان ليس ببعيد‪.‬‬
‫عندما أقرّا لجرير بهذا األمر‪ .‬والدليل على ذلك‬

‫أمّـا جرير فقد تأخرت صلته كثيراً باألمويين‪ ،‬أن أم��دح بيت قالته ال�ع��رب‪ ،‬وأه �ج��اه‪ ،‬وأغزله‪،‬‬
‫ولم يسمح له عبدالملك بن مروان بالدخول عليه وأف�خ��ره‪ ،‬وأحسنه تشبيهاً هي أبيات لجرير‬
‫إال بعد عناء شديد؛ ألن قومه «بني يربوع» كانوا وهي على التوالي قوله‪:‬‬
‫���س���تُ ���مْ خَ ���يْ��� َر مَ ���ن رَكِ ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��بَ المَ طاي ـ ـَا‬
‫من دعاة ابن الزبير؛ وألنه كان يدافع عن القيسية أَل ْ‬
‫في شعره‪ ،‬ويتغنى بانتصاراتهم‪ .‬كما أنه بالغ في‬
‫ُ��ط��ـ��ـ��ـ��ـ��و َن ر َِاح‬
‫َوأَ ْن���ـ���ـ���ـ���ـ���ـ���دَى ال��ـ��عَ��ال َِ��م��ي��نَ ب ُ‬
‫��ك َب�� ُن��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��و ت َِمي ـ ـ ٍـم‬
‫���ت عَ �� َل�� ْي��ـ��ـ��ـ َ‬
‫���ض��� َب ْ‬
‫مدائحه للحجاج‪ .‬ومما ال شك فيه أنها كانت إذا غَ ِ‬
‫تصل مسامع عبدالملك؛ ولهذا طالبه في أول‬
‫��اس كُ ���لَّ���هُ ���مُ ِغ َضاب ــا‬
‫حَ ِ���س���بْ���تَ ال��ـ�� َّن��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ َ‬
‫لقاء بينهما بإنشاد مدائحه في الحجاج (‪.)8‬‬
‫��ك ِم����نْ نُمَ ْيـ ــرِ‬
‫ْف إِ ّن��ـ��ـ��ـ��ـ َ‬
‫����ط����ر َ‬
‫���ض ال َّ‬
‫فَ���غُ َّ‬
‫وأق � ّر جرير بشاعرية األخطل وتفوقه عليه‪،‬‬
‫فَ��ل�ا كَ��عْ ��ب��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ�� ًا َب�� َل��غْ ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ت وَال كِ ال َبـ ــا‬
‫جاء ذلك في معرض إجابته البنه عندما سأله‪ :‬إٍ نَّ ال���عُ ���يُ ���و َن ال��ت��ي ف���ي طَ ���رْفِ ���هَ���ا حَ ـ ـ َو ٌر‬
‫أيهما أشعر؟ فقال‪ :‬ما رأيته في موضع قط إ ّال‬
‫َقتـ ْل َن َنـ ــا ثُ ـ ـ ــمّ ل��م يُ ��ح��يْ��ي��نَ َقتْالن ـ ــا‬
‫���ح���وَكُ ���م لَ���يْ���لٌ َك���ـ���أنّ نُجومَ ــهُ‬
‫خشيت أن يبتلعني لوال أني أًعنت عليه بكبر سنه سَ ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��رَى َن ْ‬
‫وكفر دي �ن��ه(‪ .)9‬وك��ان��ت نصرانية األخ�ط��ل إحدى‬
‫قَ���نَ���ادي���لُ ‪ ،‬فِ ��ي��ه��نّ ال���ـ���ذُ بَ���الُ المُ َف َّتـ ــلُ‬
‫نقاط ضعفه التي اتخذها جرير وسيلة للنيل‬
‫ولكنهما ال يعلالن س��ر س �ي��رورة ش�ع��ره بين‬
‫منه‪ ،‬والسخرية من معتقداته الدينية‪ ،‬وهو يدرك الناس‪ ،‬وربما يعود ذلك إلى لغته الشعرية التي‬
‫أن��ه ال يستطيع ال��رد عليه‪ .‬كما أن ج��ري��راً أق ّر تمتاز بسهولتها الناتجة عن اندماجه في الحياة‬
‫لألخطل بإجادة وصف الخمر؛ ولعل نصرانيته الجديدة‪ ،‬أكثر من األخطل ال��ذي ك��ان محافظاً‬
‫أتاحت له الفرصة في وصف الخمر ومجالسها‪ ،‬يتمسك بالقديم وأساليبه‪ ،‬وأكثر من الفرزدق‬
‫وأث��ره��ا حين ي�س��ري مفعولها ف��ي الجسم‪ .‬أما الذي كان في أساليبه صالبة غير مألوفة(‪ ،)13‬ما‬
‫الفرزدق وجرير فما كانا يستطيعان فعل ذلك؛ جعل شعر جرير أقرب إلى نفوس المتلقين‪ .‬فليس‬
‫ألنهما عاشا في مجتمع إسالمي محافظ‪ .‬كما من قبيل المصادفة أن تكون األبيات السابقة كلها‬
‫أن الفرزدق لن يستطع المجاهرة بوصفها على لجرير‪ ،‬وكل بيت في غرض شعري مختلف عن‬
‫الرغم من معاقرته لها كما يقولون‪ ،‬بل إنه حـذّر اآلخر؛ ولهذا فقد شبّه جرير نفسه بمدينة الشعر‬
‫من شربها‪ ..‬ألنها تفسد الدين‪ .‬أما جرير فقد التي منها يخرج وإليها يعود؛ ألنه كما قال‪ :‬نسبتُ‬
‫عُرف عنه تدينه‪ ،‬واتخذ من شرب األخطل للخمر فأطربتُ ‪ ،‬وه�ج��وتُ ف��أردي��تُ ‪ ،‬وم��دح��تُ فسنيتُ ‪،‬‬
‫(‪)12‬‬

‫‪64‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫أهَ �����ـ�����وً ى أرَاكَ بِ ���رَامَ ��� َت���ـ���ـ���ي ِ���ن وَقُ ����ـ����ـ����ودَا‬
‫���ج��� َن���يْ��� َن���ـ���ةِ م��ـ��ن مَ ���دَاف���ـ���ـ���ـ ِ���ع أُوُ دَا‬
‫أ ْم ب���ال ُ‬
‫أما سّ ر إعجابه بها؛ فألنها تمثّل خصائص‬
‫ش �ع��ره أح �س��ن تمثيل‪ ،‬ففيها النسيب والفخر‬
‫وال �ه �ج��اء‪ ،‬وه ��ذه ال�ف�ن��ون مما شُ �ه��د ل��ه بالتفوق‬
‫فيها‪ .‬وفيها كذلك سمو الخيال‪ ،‬وجمال الصور‪،‬‬
‫وعلو الموسيقى‪ ،‬كما أنها من حيث الطول طويلة‬
‫نسبياً‪ ،‬إذ بلغت أبياتها سبعة وخمسين بيتاً(‪)17‬؛‬
‫فضـلها على سائر شعره‪.‬‬
‫فلو لم يُعجب بها‪ ،‬لما ّ‬
‫وهذا يمـثّـل رأيه النقدي‪.‬‬
‫ومن الطريف في األمر أن ثالثتهم كانوا يبدون‬
‫إعجابهم ببعض قصائدهم‪ ،‬كما في خبر جرير‬
‫وابنه اآلنف الذكر‪ ،‬ويعجبون بأبيات محددة منها‬
‫كما في قول األخطل‪ :‬فضلت الشعراء في المدح‬
‫والهجاء والنسيب بما ال يلحق بي فيه(‪ .)18‬فأما‬
‫النسيب فقولي‪:‬‬
‫اس�� َل ِ��م��ي ي��ا ِه��نْ��دُ ه��ن�� َد ب��نِ ��ي َبــدْ رِ‬
‫أال ي��ا ْ‬
‫آخ����� َر الدّ هـرِ‬
‫وإنْ ك���ـ���ان حَ ���يّ���ان���ا ِع�����دً ى ِ‬
‫���رات ال��ب��ي��ض أمّ ����� ْا وِ شَ احــها‬
‫م���ن ال���خ���ف ِ‬
‫القلب ِمنْها فَ�لا ي َْجري‬
‫ُ‬
‫َـجري وأمّ ���ا‬
‫َفي ْ‬

‫ن��ف��س��ي ف����ـ����داءُ أم���ـ���ي���رِ ال��م��ؤم��ن��ـ��ـ��ي��نَ إذا‬
‫َ����واج���� َذ ي������ومٌ ع����ـ����ارمٌ َذكَ������رُ‬
‫أَبْ����������دَى ال����ـ����ن ِ‬
‫��ض ال��غَ��مْ ��رَ‪ ،‬وال��مَ ��يْ��م��وُ ِن طائ ــرُ ه‬
‫ال��خ��ائ ِ‬
‫خَ ��ـ��ل��يِ ��فَ��ةِ ال���ل���هِ يُ ��ـ��س��ت ْ��س��ق��ى ب���هِ المَ طـرُ‬
‫وقولي في الهجاء‪:‬‬

‫دراس����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ات‬

‫فأنا قلتُ ض��روب الشعر كلها؛ ولهذا فليس من‬
‫المستغرب أن يقول عن نفسه في حادثة أخرى‪:‬‬
‫إن��ه بحر الشعر ب �ح��راً(‪)14‬؛ إش��ارة إل��ى تفننه في‬
‫ض��روب الشعر‪ ..‬وه��ذا مبعث فخره؛ ألن��ه قلما‬
‫تسنى لشاعر اإلجادة في فنون الشعر كلها‪ ،‬ومما‬
‫يلفت االنتباه قدرة جرير على الجمع بين البراعة‬
‫في النسيب؛ وهو الذي يحتاج إلى الرقة واللين‪،‬‬
‫وال�ه�ج��اء ال��ذي فيه شتم وإس ��اءة لآلخرين(‪.)15‬‬
‫ويُشهَد له بالتفوق فيهما معاً‪ .‬وعلى الرغم من‬
‫ُفضل قصيدة له على شعره‬
‫ه��ذا‪ ..‬إال أنه كان ي ّ‬
‫كله‪ ،‬وقد روى ذلك ابنه(‪ ،)16‬وهي قصيدته التي‬
‫مطلعها‪:‬‬

‫وقولي في المديح‪:‬‬

‫ْ���م‬
‫َ���ق���ي���ـ���ت عَ ����بِ ����ـ����ي���� َد َت���ـ���ي ٍ‬
‫وكُ �����ن�����ت إذا ل ِ‬
‫����ت أيّ�����هُ �����مُ �����ا الـعَـبِ ــيد‬
‫َوتَ�����يْ�����م����� ًا قُ ����ـ����ل ُ‬
‫َ�����س�����ودُ تَـيْـم ـ ًا‬
‫َ���م���ي���نَ ي ُ‬
‫َل���ـ���ئ���ي���مُ ال���ع���ال ِ‬
‫َوس����� ّي�����ـ�����دُ هُ �����مْ وإنْ َك�����ـ�����رِ هُ �����وا مـسـ ُودُ‬
‫وق ��د ُوفِ � �ـ ��قّ األخ��ط��ل ف��ي اخ �ت �ي��ار األبيات‬
‫السابقة؛ فهي تمثّل شعره خير تمثيل؛ ألنها من‬
‫الشعر الذي شُ هد له بالتفوق فيه‪ ،‬فالبيتان األول‬
‫والثاني من النسيب الذي بدأ به إحدى قصائده‬
‫في مدح عبدالملك‪ ،‬والبيتان الثالث والرابع من‬
‫قصيدته المشهورة «خف القطين» التي أعجب‬
‫بها عبدالملك أيما إعجاب‪ .‬والبيتان الخامس‬
‫وال� �س ��ادس م��ن ال �ه �ج��اء‪ ..‬وق ��د ُع���رف األخطل‬
‫بسالطة لسانه‪ ،‬إال أن صلته باألمويين جعلته‬
‫يهذب هجاءه بما يليق بشاعر البالط‪.‬‬
‫واختلف النحاة واللغويون المعاصرون لهم في‬
‫المفاضلة بينهم‪ ،‬على الرغم من أن نقد هؤالء كان‬
‫بعيداً عن الهوى‪ ،‬والتأثر الوقتي؛ ألنهم يعتمدون‬
‫التحليل والتعليل(‪ ،)19‬فقد قال يونس بن حبيب‪:‬‬
‫إن العلماء الذين ماشوا الكالم وطرقوه‪ ،‬قدموا‬
‫األخطل على صاحبيه(‪ ،)20‬ولكنه لم يعلل لنا سر‬
‫إعجابهم باألخطل‪ .‬وربما يعود ذلك لتنقيحه شعره‬
‫مما جعله خاليا من األخطاء‪ ،‬وخصوصا النحوية‬
‫واللغوية‪ ،‬وهذا مما كان يبحث عنه ه��ؤالء‪ .‬فهو‬
‫لم يكن من الشعراء المطبوعين الذين ينظمون‬
‫أشعارهم عفو الخاطر‪ ،‬بل كان ممن يعنون أشد‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪65‬‬

‫العناية بقصيدتهم‪ ،‬فال ترى النور إال وهي قطعة أخذنا رائية األخطل في يزيد‪:‬‬
‫فنية تُعجب بما فيها من إحكام الصنعة(‪.)21‬‬

‫أما جرير فقد عُرف عنه عدم تنقيحه لشعره‪،‬‬

‫ول ��م ي�ك��ن ال� �ف ��رزدق ب��أح�س��ن ح� ��اال‪ ..‬فقصصه‬

‫بأحف ــارِ‬
‫����رس����مُ م���ن سَ ���لْ���م���ى ْ‬
‫َت���غ���يّ��� َر ال ْ‬
‫وأَقْ �����ف�����رَتْ م���ن ُس�� َل��ي��م��ى دِ مْ ���ن���ـ���ةُ الــدارِ‬
‫ورائية النابغة في النعمان‪:‬‬

‫����وج����وا فَ���ح���يّ���وا لِ ���نُ���عْ ���م دِ م����نَ���� َة ال ــدارِ‬
‫مشهورة مع النحاة‪ ،‬مما دفعه إلى هجاء بعضهم‪ .‬عُ ُ‬
‫ولكن هذا لم يمنع يونس بن حبيب من تفضيل‬
‫وأحجَ ــارِ‬
‫ُ����ح����يّ����و َن م���ن ُن����ـ����ؤ ٍْي ْ‬
‫م���ا ذا ت ُ‬
‫الفرزدق وقوله‪ :‬لوال شعر الفرزدق لذهب نصف‬
‫لرأينا هذا التأثر ممثال أص��دق تمثيل‪ .‬ومن‬
‫أخبار الناس(‪.)22‬‬

‫صور النابغة التي أغرم بها األخطل وكررها في‬

‫وقد أدرك معاصروهم بفطرتهم أن ثالثتهم شعره‪ ،‬المقارنة بين كرم الممدوح ونهر الفرات‪.‬‬
‫في مرتبة واحدة‪ ،‬ولكنهم اختلفوا في ترتيبهم‪ ..‬وتذكرنا قصيدة األخطل «الميمية» التي أرسلها‬

‫فحجة م��ن ق �دّم ج��ري��را أن��ه أكثرهم فنون شعر إل��ى الوليد يؤكد فيها والءه وإخ�لاص��ه‪ ،‬وشكر‬
‫وأسهلهم ألفاظاً‪ ،‬وأقلهم تكلفا‪ ،‬وأدقهم نسيباً‪ ،‬فضله وفضل بني أمية عليه‪ ..‬تذكرنا باستعطاف‬

‫وكان ديّناً عفيفاً‪ .‬وهذا هو رأي أبي الفرج أيضاً‪ ..‬النابغة للنعمان(‪ .)26‬ولئن كان الحكم الذي أصدره‬
‫وبيّن أن من كان يميل إلى جزالة الشعر وفخامته أبو عمرو بن العالء موجزاً جداً‪ ..‬إال أنه يدل على‬
‫وش �دّة أس��ره يقدم ال�ف��رزدق‪ ،‬وأم��ا من كان يميل بصر جيد بالشعر ودقة مالحظة‪ .‬وهذا إرهاص‬
‫إلى أشعار المطبوعين وإلى الكالم السمح السهل بمنهج الموازنة بين الشعراء‪ ،‬وهو مقياس نقدي‬

‫الغزل فيقدم جريراً(‪ .)23‬وهذا يعني أن كل واحد تطبيقي جميل ومفيد‪.‬‬
‫منهما يتبع نهجاً مختلفاً عن اآلخر؛ ولهذا فليس‬
‫ول��م تقتصر المفاضلة بين الشعراء الثالثة‬
‫م��ن المستغرب أن ت�ت�ع��دد اآلراء وتختلف في على معاصريهم‪ ،‬ولم تتوقف برحيلهم عن الدنيا‪،‬‬
‫المفاضلة بينهما؛ وكم كان يونس بن حبيب صادقاً فما زال��ت أص��داؤه��ا تتردد على مسامع شعراء‬
‫عندما قال‪ :‬ما ذُكِ � َر جرير والفرزدق في مجلس العصر العباسي‪ ،‬وعلى رأسهم بشار بن برد الذي‬
‫شه ْدتُه قط‪ ..‬فاتفق المجلس على أحدهما (‪.)24‬‬

‫فضل جريراً على الفرزدق؛ ألنه يحسن ضروباً‬
‫ّ‬

‫وكان أبو عمرو بن العالء يقول عن األعشى‪ :‬من الشعر ال يحسنها الفرزدق‪ ،‬ودليله على ذلك‪..‬‬
‫مثله مثل ال�ب��ازي يضرب كبير الطير وصغيره‪ ،‬لما ماتت زوجة الفرزدق لم يجدوا شعرا لرثائها‬

‫ون �ظ �ي��ره ف��ي اإلس�ل��ام ج��ري��ر‪ ،‬ون �ظ �ي��ر النابغة إال شعر ج��ري��ر‬
‫األخطل‪ ،‬ونظير زهير الفرزدق (‪ ،)25‬فهو قد بيّن ولمسة وف��اء للفقيدة‪ ،‬قلما نجد مثيال لها في‬
‫وج��ه الشبه بين األعشى وج��ري��ر؛ ولعله يقصد عصر لم يكن فيه المجتمع مُهيئا للحديث عن‬
‫إجادتهما لفنون شعرية متنوعة‪ ،‬أما وجه الشبه مثل هذه المشاعر‪ .‬ويكفي أن نقرأ بعض ما قاله‬
‫(‪)27‬‬

‫�دق العاطفة‪،‬‬
‫لما فيه من ص� ٍ‬

‫بين النابغة واألخطل فيلمسه كل من يقرأ ديوان الفرزدق في رثاء إحدى زوجاته‪ ..‬لنتبيّن أنه يع ّد‬
‫األخطل؛ فهو يسير على خطى النابغة‪ ،‬وتأثر به فقد المرأة – مهما عزّت – فقداً هيّناً‪ ،‬ال يليق‬

‫في بعض صوره وألفاظه ومعانيه وأساليبه‪ ،‬ولو باإلنسان إظهار الحزن واألسى لرحيله؛ ألن ذلك‬

‫‪66‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫الرغم من مطالبة أصدقائه له بذلك‪ ،‬ليس هذا‬
‫يبك على‬
‫فحسب‪ ..‬بل نراه يعلنها صراحة أنه لم ِ‬

‫امرأة قط(‪.)28‬‬

‫كما أن بشاراً استحسن رثاء جرير البنه سَ وَادة‪،‬‬

‫واس�ت�ش�ه��د بمجموعة م��ن األب �ي��ات ال ي�س��ع من‬

‫يقرؤها إال أن يشعر بعظم المصاب على جرير؛‬
‫أمس الحاجة إليه بعدما‬
‫ألن ابنه رحل وهو في ّ‬

‫أس��نّ وب��ان ضعفه‪ .‬ول�ه��ذا‪ ،‬فهي مليئة باأللفاظ‬
‫والصور الحزينة(‪ .)29‬فهذه شهادة ( ُمعَـللّـة) من‬

‫بشار بتفوق جرير على الفرزدق وخصوصا في‬
‫ف��ن ال��رث��اء ال��ذي تبدو فيه النفس البشرية في‬

‫أص��دق صورها وأصفاها؛ كيف ال والميت من‬
‫أقرب الناس إلى النفس‪ ..‬سواء في ذلك الزوجة‬

‫أو االبن‪.‬‬

‫ونجد لثالثتهم آراء ف��ي نقد شعر غيرهم‪،‬‬

‫ومن أب��رز آرائهم نقدهم لشعر ذي الرمة‪ ،‬فقد‬
‫وصف جرير شعره بأنه بع ُر ِظباء‪ ،‬ونقط عروس‪،‬‬

‫تضمحل عن قليل‪ .‬وهذا هو رأي أبي عمرو بن‬
‫العالء والمبرد واألصمعي(‪ .)30‬ومعنى قول جرير‪:‬‬

‫«إن شعر ذي الرمة إذا سُ مع ألول مرة‪ ،‬فإنه يترك‬
‫أث��راً جيداً في نفس سامعه أو قارئه‪ ،‬ولكن إذا‬

‫ما أ ُعيدت القراءة مرة بعد مرة بَان ضعفه وفقد‬
‫حسنه»(‪)31‬؛ ولهذا فشعره إذا ما خضع للدرس‬

‫والتحليل ظهرت عيوبه‪ ،‬فتأثيره مؤقت‪ .‬ولكن هذا‬
‫الضعف في شعره لم يمنع جريراً من اإلعجاب‬

‫بقوله‪:‬‬

‫ْ��ك ِم��نْ��هَ��ا ال��ـ��مَ ��اءُ َينْسَ كِ ُب‬
‫مَ ���ا َب��ـ��الُ عَ ��يِ ��ن َ‬
‫كَ����أ ّن����ـ����هُ ِم������نْ كُ ���� َل����ـ����ىً مَ ����فْ ����رِ ّي����ـ����ةٍ سَ ����ـ����رِ ُب‬
‫وعبّر عن إعجابه بطريقة فظة إلى حد ما؛‬

‫إذ ق��ال‪ :‬لو خ��رس ذو الرمة بعدها؛ لكان أشعر‬

‫دراس����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ات‬

‫من عالمات الضعف‪ ،‬كما أنه يرفض زيارتها على‬

‫الناس‪ .‬وفي رواية ثانية قال‪ :‬ما أحببتُ أن يُنسب‬
‫إليّ من شعر ذي الرمة إال قوله‪« :‬ما بال عينك‪..‬‬
‫« ف��إن شيطانه ك��ان فيها ن��اص �ح �اً(‪ .)32‬وهاتان‬
‫الروايتان تبينان أن ج��ري��راً يع ّد ه��ذه القصيدة‬
‫درّة شعر ذي الرمة‪ ،‬وإ ّال لما تمنى أن يكون هو‬
‫قائلها‪ .‬ول��م يكن جرير المعجب الوحيد بهذه‬
‫القصيدة‪ ،‬فقد عارضها الكميت‪ ،‬كما أن ذا الرمة‬
‫نفسه كان يعدها أجود شعره؛ ألنه أنشدها بين‬
‫ي��دي عبدالملك عندما طالبه أن ينشده أجود‬
‫ال في نظمها كما قال‬
‫شعره(‪ ،)33‬وقضى عاما كام ً‬
‫هو نفسه(‪.)34‬‬
‫وفي خبر آخر‪ ،‬قال جرير عن ذي الرمة‪ :‬قدر‬
‫م��ن ظريف الشعر وغريبه وحسنه م��ا ل��م يقدر‬
‫عليه أحد‪ ..‬وهذا هو رأي الفرزدق أيضا‪ .‬ولعلهما‬
‫يقصدان مقدرة ذي الرمة على الجمع بين رقة‬
‫الشعر الحضري وجزالة الشعر البدوي(‪ ،)35‬فذو‬
‫ال��رم��ة شاعر ب ��دوي‪ ..‬قضى الشطر األك�ب��ر من‬
‫حياته في البادية‪ ،‬فاكتسب منها سليقته اللغوية‬
‫وفصاحته البدوية‪ ،‬وتزود منها بثروة ضخمة من‬
‫األلفاظ والتراكيب‪ ،‬وتنتشر العناصر الحضارية‬
‫في شعره‪ ،‬وخصوصاً في مجال التشبيه‪ ،‬حيث‬
‫نراه يستغل مظاهر الحياة المتحضرة في المدن‬
‫التي كان يتردد عليها‪ ،‬ليحقق بذلك الربط الطريف‬
‫بين حياة البداوة وحياة الحضارة‪ ،‬وبهذه المزاوجة‬
‫بينهما يكمن سر من أس��رار الجمال الفني في‬
‫شعر ذي الرمة(‪ .)36‬كما أنّ جريراً التفت إلى إجادة‬
‫ذي الرمة للتشبيه عندما قال عنه‪ :‬فقد َقدَر من‬
‫التشبيه على ما لم يقدر عليه غيره‪ ،‬وهذا ما أكده‬
‫ابن سالم وحمّاد الراوية(‪ ،)37‬ومصداق هذا الرأي‬
‫أنك لو قرأت شعر ذي الرمة لرأيت أن صناعته‬
‫الفنية ت�ق��وم على دع��ام�ت�ي��ن‪ ..‬األولى‪:‬التشبيه‪،‬‬
‫وخ�ص��وص�اً التشبيه التمثيلي‪ ،‬ال��ذي وج��د فيه‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪67‬‬

‫أفضل وسيلة لنقل اإلحساس بالطبيعة الذي كان‬

‫بقوله‪« :‬هذا والله ملهم‪ ،‬وما علم بدوي بدقائق‬

‫يمأل عليه أرجاء نفسه إلى العمل الفني‪ ،‬وتلفتنا الفطنة وذخائر كنز العقل المُعد لذوي األلباب‬

‫كذلك ظاهرة االستقصاء في المشبه به؛ ليحقق أحسن ثم أحسن»(‪ .)41‬وقد عُرف عن ذي الرمة‬

‫من خالله عناصر الصورة الفنية باللون والصوت ت��ردده على م��دن الشام وف��ارس وال�ع��راق‪ ،‬وفيها‬

‫والحركة‪ ،‬والحرص على ذكر أدق التفاصيل‪ ،‬وكأنما وجد حياة عقلية خصبة ونشاطا ثقافيا متنوعا‪،‬‬
‫استحال هذا اللون من التشبيه بين يديه أداة من ومناظرات بين العلماء والفقهاء حول المذاهب‬

‫أدوات الرسم والتصوير‪ .‬أما الدعامة الثانية فهي العقلية والدينية‪ ،‬ومناظرات علماء اللغة والنحو‪،‬‬
‫االستعارة‪ ،‬وكلتا الدعامتان تصدران‪ -‬من الناحية وم��ا م��ن ش��ك أن��ه تأثر بكل ه��ذه ال �ت �ي��ارات‪ ..‬ما‬
‫الفنية‪-‬عن بداية واح��دة(‪ ،)38‬ألنّ االستعارة تقوم أكسبه العمق في التفكير‬

‫(‪)42‬‬

‫ال��ذي بدا واضحاً‬

‫على التشبيه عند معظم البالغيين‪ ،‬وهي تشبيه في شعره‪ ،‬وهذا ما الحظه الكميت‪ .‬وقال عندما‬
‫حُ ذِ َف أحد طرفيه(‪ .)39‬وعلى الرغم من أنّ األخبار سمع قوله‪:‬‬

‫السابقة ص��درت عن جرير‪ ،‬إال أنّ كل خبر كان دَعَ ���انِ ���ي ومَ ���ا د َِاع����ي الْ���هَ���وى ِم���نْ بِ الدِ هـاَ‬

‫يعبر عن رأي نقدي مغاير‪ ،‬ما يؤكد أن النقد في‬

‫ُعلل‬
‫تلك الفترة كان نقداً تأثرياً انطباعياً غير م ٍ‬

‫ألحكامه‪.‬‬

‫إِ ذَا مَ ����ا َن����ـ����أَتْ خَ ����� ْرقَ�����اءُ عَ ���نِ ���يّ بِ غَافِ ـ ِـل‬
‫لله ب�لاء ه��ذا ال �غ�لام‪ ،‬م��ا أح�س��ن ق��ول��ه! وما‬

‫أجود وصفه!(‪ .)43‬ويتضح لنا من الخبر السابق أن‬

‫ومما يدل على براعة ذي الرمة أنّ الفرزدق لم عالمات تفوق ذي الرمة ظهرت منذ صغره‪.‬‬

‫يستطع أن يضيف شيئاً إلى بيتيه‪:‬‬

‫َو َد ّوي�����ـ�����ـ�����ةٍ ل����و ذُ و ال����رُ مَ ����يْ����م����ة رَامَ ���ه���ـ���ا‬

‫وعلى الرغم من إعجاب اآلراء السابقة بشعر‬

‫ذي الرمة‪ ،‬إال أننا نجد رأي �اً مغايراً لألصمعي‬

‫وصيـدحُ‬
‫��ص��ـ��ر ع��ن��ه��ا ذو ال���رُ مَ ��� ْي���ـ���م َ‬
‫ل��ـ��ق ّ‬

‫ال��ذي ق��ال فيه‪« :‬ل��و أدرك ��ت ذا ال��رم��ة‪ ،‬ألشرتُ‬

‫إذا اش����ت����دّ آلُ األم���ع���ـ���زِ المتوضــحُ‬

‫له‪ ،‬وقال عنه أيضاً ولم يكن بالمفلق»(‪ .)44‬وقد‬

‫���ت إل����ى مُ ���عْ ���رُ وفِ ���ه���ـ���ا مُ ْنكَراتِ هــا‬
‫قَ���طَ ���عْ ُ‬

‫عليه أن يدع كثيراً من شعره‪ ..‬فكان ذلك خيراً‬

‫على الرغم من مطالبة ذي الرمة بذلك‪ ،‬لمّا نلمس تفاوتاً في تلك اآلراء أو تضارباً‪ ،‬وهذا أمر‬

‫رأى ال �ف��رزدق يستمع إليه وه��و ينشد قصيدته طبعي‪ ..‬فالنقد كان انطباعياً ووقتياً‪ ،‬ونجد فيه‬
‫في المربد(‪ .)40‬والبيتان السابقان يمثالن الفن تعميماً؛ ألنه لم يكن يقوم على الدراسة الشاملة‬
‫الشعري ال��ذي ب��رع فيه ذو ال��رم��ة‪ ،‬وه��و وصف لشعر ذي الرمة‪ ،‬وعلى الرغم من ه��ذا إال أنه‬
‫ال �ص �ح��راء وم �ق��درت��ه ع�ل��ى ق�ط��ع ت�ل��ك الفيافي كان دقيقا‪ .‬فذو الرمة يتفوق في وصف الصحراء‬

‫بواسطة ناقته األثيرة عنده «صيدح»‪.‬‬

‫ويقصر ف��ي غير ذل��ك م��ن األغراض‬
‫ّ‬
‫وال �ح��ب‪..‬‬

‫وق ��د ع � ّب��ر ال� ُك�م�ي��ت ع��ن إع �ج��اب��ه ب �ق��ول ذي الشعرية‪.‬‬

‫الرمة‪:‬‬

‫وإذا م��ا التفتنا إل��ى آراء ج��ري��ر ف��ي شعراء‬

‫أََعَ ��������اذِ لَ قَ����دْ أَكْ����ثَ����ر ِْت ِم����نْ قَ�����و ِْل قَائِ ـ ٍـل‬

‫يفضل شعر امرئ القيس‬
‫الجاهلية لتبين لنا أنه ّ‬

‫ُ���ب لَ�����وْمُ ا ْلعَـو ِ‬
‫ْ���ب عَ �� َل��ى ذِ ي ال���ل ِّ‬
‫وَعَ ���ي ٌ‬
‫وفضل‬
‫ّ‬
‫َاذل ال��ذي أقسم لو أنه أدرك��ه لكان تابعاً له‪،‬‬

‫‪68‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫ومما سبق ذكره يتضح اآلتي‪:‬‬

‫عبدالعزيز إلى إعطاء الفرزدق أربعة آالف درهم‬

‫دراس����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ات‬

‫كذلك زه�ي��راً وابنيه وط��رف��ة(‪ .)45‬ولكنه لم يبين يصدر معظم هذا النقد عن ثالثتهم‪.‬‬
‫لنا س� ّر إعجابه بهؤالء مكتفياً بقوله عن امرئ‬
‫وأسهمت بعض األحكام النقدية التي صدرت‬
‫القيس‪»:‬إنه اتخذ الشعر نعلين»(‪ .)46‬ولعله يقصد‬
‫بذلك إنه كان متمكناً من الشعر‪ ،‬وال نكاد نجد عن شعراء ذلك العصر‪ ،‬في إشعال فتيل الهجاء‬
‫ق��اس�م�اً مشتركاً بين ال�ش�ع��راء ال�س��اب��ق ذكرهم بين بعضهم كما حدث مع جرير واألخطل‪ ،‬وجرير‬
‫لنحاول معرفة سر تفضيله لهم‪.‬‬
‫والراعي‪ ،‬ودفعت الخشية من الهجاء عمر بن‬
‫لعل المفاضلة بين الشعراء من أبرز صور النقد مقابل سكوته عن أهل المدينة الذين لم يعطوه‬
‫الذي شاع في العصر األموي‪ ،‬وال يمكننا إغفال شيئا؛ لضيق ذات اليد‪ ..‬بسبب الجفاف الذي‬
‫دور الفرزدق واألخطل وجرير في إذك��اء شعلة‬
‫ح ّل بها في ذلك العام‪ ،‬وأدّت كذلك إلى تهرّب‬
‫هذه المفاضالت؛ ولهذا فليس من المستغرب‬
‫أن يدور معظم النقد الذي صدر في ذلك العصر المهلب بن أبي صـفرة من المفاضلة بين جرير‬
‫حول ثالثتهم بالذات‪ ،‬ومن المفارقات أيضاً أن والفرزدق خشية أن يعرّضه ذلك إلى الهجاء‪.‬‬
‫المصادر والمراجع‪:‬‬
‫المصادر‪:‬‬

‫‪1 .1‬أس��اس ال�ب�لاغ��ة‪ ،‬الزمخشري‪ ،‬دار الفكر بيروت‪،‬‬
‫‪1994‬م‪.‬‬
‫‪2 .2‬األغ��ان��ي‪ ،‬أب��و الفرج األصفهاني‪ ،‬الناشران صالح‬
‫يوسف الخليل ودار الفكر للجميع‪ ،‬بيروت‪1970 ،‬م‪،‬‬
‫عن طبعة بوالق‪.‬‬
‫‪3 .3‬البيان والتبيين‪ ،‬الجاحظ‪ ،‬تحقيق وشرح عبدالسالم‬
‫هارون‪ ،‬دار الجيل‪ ،‬بيروت‪.‬‬
‫‪4 .4‬ديوان األخطل‪ ،‬شرح مجيد طراد‪ ،‬دار الجيل بيروت‪،‬‬
‫ط‪1995 ،1‬م‪.‬‬
‫‪5 .5‬ديوان شعر ذي الرمة‪ ،‬تصحيح وتنقيح كارليل هنري‬
‫مكارتنى‪ ،‬مطبعة كلية كمبرج‪.1919 ،‬‬
‫‪6 .6‬ديوان النابغة‪ ،‬تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم‪ ،‬دار‬
‫المعارف مصر‪1977 ،‬م‪.‬‬
‫‪7 .7‬ش��رح دي ��وان ج��ري��ر‪ ،‬ش��رح إيليا ال �ح��اوي‪ ،‬الشركة‬
‫العالمية للكتاب‪ ،‬ط‪1983 ،2‬م‪.‬‬
‫‪8 .8‬شرح دي��وان ال�ف��رزدق‪ ،‬شرح إيليا الحاوي‪ ،‬الشركة‬
‫العالمية للكتاب‪ ،‬بيروت‪ ،‬ط‪1983 ،2‬م‪.‬‬
‫‪9 .9‬الشعر والشعراء‪ ،‬اب��ن قتيبة‪ ،‬تحقيق وتقديم عمر‬
‫الطبّاع‪ ،‬دار األرقم بن أبي األرقم‪ ،‬بيروت‬
‫‪1010‬طبقات فحول الشعراء‪ ،‬ابن سالم الجمحي‪ ،‬شرح‬
‫م �ح �م��ود م�ح�م��د ش��اك��ر‪ ،‬م�ط�ب�ع��ة ال �م��دن��ي‪ ،‬مصر‪،‬‬
‫‪1974‬م‪.‬‬

‫‪1111‬ال �ع �م��دة ف��ي م �ح��اس��ن ال �ش �ع��ر وأدب � ��ه‪ ،‬اب ��ن رشيق‬
‫القيرواني‪ ،‬تحقيق‪ :‬محمد محيي ال��دي��ن‪ ،‬مطبعة‬
‫السعادة‪ ،‬مصر‪ ،‬ط‪1963 ،3‬م‪.‬‬
‫‪1212‬ال�ك��ام��ل‪ ،‬أب��و ال�ع�ب��اس ال�م�ب��رد‪ ،‬تحقيق محمد أبو‬
‫الفضل إبراهيم والسيد شحاتة‪ ،‬دار النهضة مصر‬
‫للطبع والنشر‪.‬‬
‫‪1313‬الموشح في مآخذ العلماء على الشعراء‪ ،‬أبو عبدالله‬
‫المرزباني‪ ،‬تحقيق محمد حسين شمس الدين‪ ،‬دار‬
‫الكتب العلمية‪ ،‬بيروت‪ ،‬ط‪1995 ،1‬م‪.‬‬

‫المراجع‪:‬‬

‫‪.1‬‬

‫‪.2‬‬
‫‪.3‬‬
‫‪.4‬‬
‫‪.5‬‬
‫‪.6‬‬
‫‪.7‬‬

‫‪1‬األخطل شاعر بني أمية‪ ،‬السيد مصطفى غازي‪ ،‬دار‬
‫المعارف مصر‪ 1950 ،‬م‪.‬‬
‫‪2‬تاريخ النقد األدبي عند العرب‪ ،‬طه أحمد إبراهيم‪،‬‬
‫دار الكتب العلمية بيروت‪ ،‬ط‪1985 ،1‬م‪.‬‬
‫‪3‬تاريخ النقد األدب��ي عند العرب‪ ،‬عبدالعزيز عتيق‪،‬‬
‫دار النهضة العربية‪ ،‬بيروت‪ 1980 ،‬م‪.‬‬
‫‪4‬التطور والتجديد في الشعر األموي‪ ،‬شوقي ضيف‪،‬‬
‫دار المعارف‪ ،‬مصر‪.‬‬
‫‪5‬جرير مدينة الشعر‪ ،‬حسن الشيخ الفاتح الشيخ‬
‫قريب الله‪ ،‬دار الجيل‪ ،‬بيروت‪ ،‬ط‪1990 ،1‬م‪.‬‬
‫‪6‬ذو الرمة شاعر الحب والصحراء‪ ،‬يوسف خليف‪،‬‬
‫مكتبة غريب‪ ،‬مصر‪.‬‬
‫‪7‬معجم المصطلحات ال�ب�لاغ�ي��ة وت �ط��وره��ا‪ ،‬أحمد‬
‫مطلوب‪ ،‬مطبعة المجمع العلمي العراقي‪1986 ،‬م‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪69‬‬

‫* جامعة حائل‪ ،‬جامعة البنات‪ ،‬كلية اآلداب والفنون‪،‬‬
‫فسم اللغة العربية‪.‬‬
‫(‪ )1‬األغ � ��ان � ��ي‪ 2/ 10 ،185/7 ،‬وط� �ب� �ق ��ات فحول‬
‫الشعراء‪.474 ،440/2‬‬
‫(‪ )2‬الشعر والشعراء‪ 341 ،‬وطبقات الشعراء ‪.110‬‬
‫(‪ )3‬نفسه‪.431 ،45 ،‬‬
‫(‪ )4‬طبقات فحول الشعراء‪ 377 /2 ،‬والكامل ‪.261/2‬‬
‫(‪ )5‬األغاني‪ 181 ،251/ 7 ،‬والشعر والشعراء ‪.341‬‬
‫(‪ )6‬نفسه‪ 187 ،181/7 ،‬وديوان األخطل‪.91 ،‬‬
‫(‪ )7‬األخطل شاعر بني أمية‪.163 ،159 ،151 ،150 ،‬‬
‫(‪ )8‬نفسه‪ 111 ،110 ،‬وال�ت�ط��ور وال�ت�ج��دي��د ف��ي الشعر‬
‫األموي‪.207 ،155 ،‬‬
‫(‪ )9‬الموشح‪.163 ،‬‬
‫(‪ )10‬األخطل شاعر بني أمية‪ 203 ،‬والتطور والتجديد‬
‫في الشعر األموي‪ 207 ،137 ،‬وشرح ديوان الفرزدق‬
‫‪ 66/2‬وشرح ديوان جرير‪542 ،501 ،131 ،76 ،38 ،‬‬
‫(‪ )11‬األغاني‪.187 ،55 – 53/7 ،‬‬
‫(‪ )12‬جمهرة أشعار العرب‪106–104 ،‬وشرح ديوان جرير‪،‬‬
‫‪.548 ،702 ،117 ،99 ،97‬‬
‫(‪ )13‬التطور والتجديد في الشعر األموي‪.216 ،‬‬
‫(‪ )14‬األغاني‪.74 ،60/7 ،‬‬
‫(‪ )15‬تاريخ النقد األدبي عند العرب (عبد العزيز عتيق)‪،‬‬
‫‪.163‬‬
‫(‪ )16‬األغاني‪74/7 ،‬وشرح ديوان جرير‪.198 ،‬‬
‫(‪ )17‬تاريخ النقد األدبي عند العرب (عبد العزيز عتيق)‪،‬‬
‫‪.171 – 170‬‬
‫(‪ )18‬األغ��ان��ي‪177/7 ،‬ودي � ��وان األخ �ط��ل‪،99 ،88 ،77 ،‬‬
‫‪253‬ورواية الديوان للبيت الثاني‪:‬‬
‫أس��ي��ل��ة م��ج��رى ال��دم��ع أم���ا وش��اح��ه��ا فيج ــري‬
‫وأم�����ـ�����ا ال���ح���ج���ـ���ـ���ـ���ل ف���ي���ه���ـ���ـ���ا ف��ل��ا يج ـ ـ ــري‬
‫ ورواية البيت الثالث‪:‬‬
‫ف���ه���ـ���ـ���و ف�����ـ�����ـ�����داء أم����ـ����ـ����ي����ر ال���م���ؤم���ن���ي���ـ���ـ���ن إذا‬
‫أب�����ـ�����دى ال���ن���واج���ـ���ـ���ـ���ذ ي���ـ���ـ���وم ب���اس���ـ���ـ���ل ذك ـ ــر‬
‫(‪ )19‬تاريخ النقد األدبي عند العرب (طه إبراهيم)‪.52 ،‬‬
‫(‪ )20‬األغاني‪.171/7 ،‬‬
‫(‪ )21‬األخطل شاعر بني أمية‪.217 ،‬‬

‫‪70‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫(‪ )22‬البيان والتبيين‪ 231/2 ،‬وتاريخ النقد األدب��ي عند‬
‫العرب (طه إبراهيم)‪. 54 ،‬‬

‫(‪ )23‬األغاني‪.48/19 ،38/7 ،‬‬

‫(‪ )24‬طبقات فحول الشعراء‪.299/ 2 ،‬‬

‫(‪ )25‬طبقات الشعراء‪.19 ،‬‬

‫(‪ )26‬دي��وان النابغة‪ 202 ،27-26 ،‬ودي��وان األخطل‪،26 ،‬‬
‫‪ 89-88‬ولمزيد من التفاصيل انظر األخطل شاعر‬
‫بني أمية‪223-217 ،‬‬

‫(‪ )27‬طبقات الشعراء‪ 86 ،‬والموشح ‪.147‬‬

‫(‪ )28‬ج��ري��ر م��دي�ن��ة ال�ش�ع��ر‪ 232-231 ،‬وش ��رح ديوان‬
‫الفرزدق ‪.77/2‬‬

‫(‪ )29‬طبقات فحول الشعراء‪.459 -456/2 ،‬‬
‫(‪ )30‬الموشح‪ 205 ،‬واألغاني‪. 115/16 ،‬‬

‫(‪ )31‬نفسه‪ 206 - 205 ،‬ونفسه ‪.115/16‬‬

‫(‪ )32‬نفسه‪ 206 ،‬ونفسه ‪ 118/16‬وديوان شعر ذي الرمة‪،‬‬
‫‪.1‬‬

‫(‪ )33‬نفسه‪279 ،231 ،‬‬

‫(‪ )34‬أساس البالغة مادة (ستل)‪.‬‬

‫(‪ )35‬األغاني‪114/16 ،61/7 ،‬وتاريخ النقد األدبي عند‬
‫العرب (عبد العزيز عتيق)‪.168‬‬

‫(‪ )36‬ذو الرمة شاعر الحب والصحراء‪،364 ،363 ،331 ،‬‬
‫‪.442‬‬

‫(‪ )37‬الموشح‪ 205 ،‬واألغاني‪.115 ،113 /16 ،‬‬

‫(‪ )38‬ذو الرمة شاعر الحب والصحراء‪345 ،313 ،313 ،‬‬
‫ولمزيد من التفاصيل انظر التطور والتجديد في‬

‫الشعر األموي ‪.261-258‬‬

‫(‪ )39‬معجم المصطلحات البالغية‪.143/1 ،‬‬
‫(‪ )40‬األغاني‪ 115 /16 ،‬والموشح‪ .207 ،‬ولم أعثر على‬
‫البيتين في ديوان ذي الرمة‪.‬‬

‫(‪ )41‬األغاني‪113/16 ،‬وديوان شعر ذي الرمة‪.500 ،‬‬
‫(‪ )42‬ذو الرمة شاعر الحب والصحراء‪.392 ،‬‬

‫(‪ )43‬األغاني‪ 113/16 ،‬وديوان شعر ذي الرمة‪.492 ،‬‬
‫(‪ )44‬نفسه‪114/16 ،‬والموشح‪.220 ،‬‬

‫(‪ )45‬نفسه‪.60 ،57/7 ،‬‬
‫(‪ )46‬نفسه‪.‬‬

‫ق���������ص���������ص ق������ص������ي������رة‬

‫أكبر من اجلرح‬
‫> مالك اخلالدي*‬

‫سيبتزون روحهُ ‪ ،‬سيعبثون بمشاعرهِ ‪ ،‬سيبعثرو َن بقايا أمله‪ ،‬سيريقون دموعهُ المتوارية‬
‫طلبت منه مرافقتي‪ ،‬إال أن قلبه‬
‫ِ‬
‫خلف تقاسيمه النقية‪ ،‬أعرفهُ جيداً‪ ..‬لن يمانع لو‬
‫أرجوك يا‬
‫ِ‬
‫عطف أو كلمةٍ داكنة!‬
‫ٍ‬
‫الزجاجي المضيء سيتهاوى حين يرمقهُ أحدهم بنظرة‬
‫أمي ال تخبريه بموعد حفل تخرجي‪ ،‬ألجله‪ ..‬ألجله هو فقط! نظر إليها بعينين تكابران‬
‫الدموع‪ ..‬ثم دلف حجرته‪.‬‬
‫بخضوع‪ ،‬ت�ل��كَ الشرفة تهديهِ ك��ل صباح‬
‫ابتسامات الضوء وابتهاالت الهواء وأغاريد‬
‫المطر‪ ،‬ولطالما ابتلعتْ دموعه وأحزان ُه‬
‫بصمت!‬

‫كانت تلكم الكلمات المغتسلة باأللم تمت ُّد‬
‫كعصفور يحتضر‬
‫ٍ‬
‫إلى أذنيه‪ ،‬تنطر ُح داخله‬
‫كطوفان كالح‪ ،‬تشتع ُل الساعاتُ المظلمة‬
‫ٍ‬
‫أو‬
‫بعسف‬
‫ِ‬
‫في ذهنه وأمام عينيه‪ ،‬تكاد تحرقه‬
‫بأريج هادر‬
‫ٍ‬
‫توهجها‪ ،‬يحاول إخما َد شررها‬
‫ي �ض � ُع ي ��ده ال�ن�ح�ي�ل��ة ال �م��رت �ج �ف��ة على‬
‫من جنبات قلبه الذي م ّل األنين‪ ،‬يقاو ُم في ق��اع��دت�ه��ا‪ ،‬يستجم ُع م��ا تبقى داخ �ل � ُه من‬
‫بتحفز ع��ن خيوط اإلصرارِ‬
‫ٍ‬
‫أحشائه دن��ف الحزن ال��ذي يلته ُم خالياهُ أم��ل‪ ،‬يبحثُ‬
‫وخفقاتهِ بشراهة‪.‬‬
‫ف��ي ش��راي�ي�ن��ه‪ ،‬ت�ط�ف� ُر م��ن حنجرته نغمة‬
‫يقف على ساقهِ‬
‫بنحيب مـُـنهك‪ُ ،‬‬
‫ٍ‬
‫يدف ُع بكرسيهِ المتحرك إلى حيثُ تلك حزن أشب ُه‬
‫الفرجة المربعة‪ ،‬إنها أثيرته الوفية التي الوحيدة متكئاً على تلكم الشرفة وطيوف‬
‫طالما منحت عينيه مصافحة وجه السماء الحيا ِة تشر ُق داخله‪.‬‬
‫ليتأمل تفاصيلها الزكية‪ ،‬ويبثُ ربه شكواهُ‬

‫يسر َج بصرهُ حيثُ السماء‪ ،‬ترتس ُم في‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪71‬‬

‫عينيه صفحة القمر‪ ،‬ينبجس على محياه رضاً على ما تكتبه‪ ،‬فتخفيه عن أعيننا وأرواحنا‪.‬‬
‫تعيش‬
‫ُ‬
‫رزين‪ ،‬تتدحر ُج من شفتيه كلمات خافتة‪:‬‬
‫ٍ‬
‫مريم ه��ي أختي ال�ك�ب��رى‪ ..‬فتاة ح��اذق��ة في‬
‫وحيداً؟!‬
‫اللغة‪ ،‬غامضة البوح‪ ،‬سريتها المرتفعة جعلتني‬
‫�ص��رِ ُ‬
‫ي� ْ‬
‫سطر واح � ٍ�د‪ ،‬أو حتى ع�ب��ارة غير‬
‫ٍ‬
‫ف ب�ص��ره مسترسالً‪ :‬أن��تَ ت ��رابٌ وأنا أت��وق ل �ق��راءةٍ‬
‫كائ ٌن بشري تتنازعني اآلمال والتطلعات‪ ،‬يجري مكتملة المالمح مما تكتبه‪.‬‬
‫داخلي هدي ٌر يافع يلهمني أناشيد الحياة ويبعثُ‬
‫في كل مرةٍ تخر ُج فيها‪ ،‬أستر ُق خطواتي إلى‬
‫في دمائي ماء البقاء‪ ،‬االنعزا ُل هو الذبول الذي‬
‫أرفضه‪ ،‬ثم َة قلب كبي ٌر داخلي سيسقي تضاريس حجرتها‪ ،‬غير أنني أج ُد أبواب أدراجها جميعها‬
‫مؤصدة‪ ،‬وفي المرة الوحيدة التي وج��دتُ فيها‬
‫األرواح واألرجاءِ حولي أجمل األمنيات!‬
‫ال��درج السفلي متبرجاً‪ ..‬همـّـتْ عيناي ويداي‬
‫يمد إح ��دى ي��دي��ه ح�ي��ثُ كرسيه المتحرك‪،‬‬
‫بتفحصهِ ‪ ،‬ففاجأتني بخطواتها البطيئة‪ ،‬وجسمها‬
‫يركن إليه بهدوء رغم قسوة األلم الصاخب في‬
‫النحيل‪ ..‬لحظتها انتصبتُ بارتباك‪ ،‬وتدحرجت‬
‫أحشائه‪.‬‬
‫من شفتي جملة مفضوحة‪ :‬فقط أردتُ إقفاله!‬
‫مكتظة باألغصان‪،‬‬
‫ٍ‬
‫زجاجة‬
‫ٍ‬
‫ينتزع زه��ر ًة من‬
‫ارت�س�م��ت ع�ل��ى مالمحها اب�ت�س��ام��ة صفراء‬
‫�لأت المكان‬
‫تنفتل جملة كأنها ال��رب�ي��ع‪ :‬لقد م ِ‬
‫بساق واح��دة! يبتسم ويعيدها إلى جعلتني أخر ُج من الغرفةِ ببضع قفزات‪.‬‬
‫ٍ‬
‫عطراً وأن� ِ�ت‬
‫حيثُ كانت كي تبث المكان أريجاً طاهراً‪.‬‬
‫�رض ع�ل�ي�ه��ا خ��رب �ش��ات��ي الشعرية‬
‫ك �ن��تُ أع � � ُ‬
‫مختلف بقلبهِ وتفكير ِه وروعته‪ ،‬لذا‬
‫ٌ‬
‫هكذا هو‬
‫ابتهاج وأمل‪ ،‬كبي ٌر‬
‫ٍ‬
‫لم تكن صباحاتهِ إال بساتين‬
‫ه��و ب��رب��اط��ةِ ج��أش��ه وعطائه وروح ��هِ السامقة‪،‬‬
‫يمزق نظرات الشفقة وكلمات اللمز والتوهين‬
‫ويذروها حيثُ الفناء‪ ،‬يجم ُع األنفاس المنعتقة‬
‫من القلوب الطهورة في أعماقه كي تورق أفنان‬
‫التحدي داخله‪.‬‬
‫يمنح اآلخ��ري��ن اب�ت�س��ام��ات ال �ف��أل ويعلمهم‬
‫دروساً في الشموخ‪ ،‬لقد أخبر الجميع أنه أكبر‬
‫من الجرح حين فاجأ أخ��اه ذات مساء‪ :‬خذني‬
‫معك ألشاطرك فرحتك‪ ،‬فأنا أرفض االنكسار!‬

‫ابتسامة صفراء‬
‫ٌ‬
‫دوم �اً أح��اول نبش ال��درج السفلي في غرفة‬
‫مريم‪ ،‬بحثاً عن أوراقها‪ ،‬ال أع��رف لماذا تتكتم‬
‫* ‬

‫‪72‬‬

‫شاعرة وقاصة من الجوف ‪ -‬السعودية‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫والنثرية‪ ،‬وكانت تثني عليها باقتضاب وجفاء‪،‬‬
‫لم يكن هذا األمر ليخل َق في نفسي شيئاً‪ ،‬فأنا‬
‫أعلم أنها ال تحب االستفاضة‪ ،‬وأن حزمها يخل ُق‬
‫في حروفها شيئاً من الجفاف‪ ،‬كما أن هدفي‬
‫األكبر أن تقو َم بإطالعي على شيءٍ مما تكتب‪،‬‬
‫إال أن ذلك لم يتحقق‪ .‬وكنتُ في كل مرة أعود‬
‫بخربشاتي والقليل من عباراتها الشحيحة‪.‬‬
‫أخبرتُ صديقتي المشاكسة مُنى‪ ..‬فنصحتني‬
‫بمواجهتها وطلبها ذلك بصراحة دون خوف أو‬
‫حرج‪ ،‬كان األمر صعباً‪ ،‬إال أن حروف منى ظلت‬
‫تتردد بقوةٍ داخلي‪ ،‬فقررتُ اإلع�لا َن عن رغبتي‬
‫بجرأة‪ ،‬أسرعتُ إلى غرفة مريم‪ ،‬وقفتُ قبالتها‪،‬‬
‫بتحفز ووجل‪ :‬مريم أري ُد أن‬
‫ٍ‬
‫نظرتُ إليها وقلتُ‬
‫أقرأَ ما تكتبين!‬

‫ق���������ص���������ص ق������ص������ي������رة‬

‫البئر‬
‫> زكريا العباد*‬

‫هناك ما ينغّ ص إشراقة هذا الصباح‪ ،‬فالغيوم الرمادية تلقي بظاللها على القرية‪،‬‬
‫لقد شاهدتها أثناء عودتي من المسجد‪.‬‬
‫طالء الجدران وأوراق األشجار والتراب في الممرات التي لم تسفلت بعد‪ ,‬ال تشعّ‬
‫ألوانُها بأقصى طاقتها الحيوية‪ .‬لم أكن فيما سبق أكترث بصباحات باردة ورماديّة‪ ،‬ألنّ‬
‫(أم محمد) كانت تشع الدفء في كلّ شيء‪ ،‬وتعيد خلق الصباحات التي تنذر بالشرّ‪..‬‬
‫مبطلة تنبؤاتها المشئومة‪ ،‬ومحيلة إياها إلى صباحات دافئة‪ ،‬أما اآلن‪ ..‬فصباح كهذا‪،‬‬
‫يحفز تحذيرات اآلباء ووصاياهم حيال عالمات األقدار المشئومة‪.‬‬
‫ال شيء سوى النارجيلة والقهوة والتمر‪،‬‬

‫وحشة تهاجمني حين يتقرب إليَّ أحدهم‪،‬‬

‫هذا ما أقضي صباحاتي معه منذ أن أ ُحلتُ‬

‫خ �ص��وص �اً ب �ع��د أن ج� ��اءوا ي �ع �ت��ذرون عن‬

‫سنوات خمس ومنذ أن‬
‫ٍ‬
‫إلى التقاعد منذ‬

‫تقصيرهم معي‪ ..‬مقترحين أن أت��زوج من‬

‫فارقتنا رفيقتنا الخامسة‪( ،‬أم محمّد)‪.‬‬

‫امرأة أخرى عالجاً لوحدتي!‬

‫أنجبت هؤالء األوالد؟؟‬
‫ِ‬
‫كيف‬
‫يشبهونك أبداً!!‬
‫ِ‬
‫إنهم ال‬
‫كم كنت تلتصقين بي؟ وكم ينفرون مني؟‬
‫وحتى إذا اقتربوا مني‪ ،‬الشيء يشبه الحياة‬
‫التي تتدفق إلى داخلي حين تقتربين‪ ،‬ثمة‬

‫ك � ُُّل ي��وم يرحل من عمري هو لبنة في‬
‫هذه البئر الموحشة بداخلي‪ ،‬يزداد ارتفاع‬
‫فوهتها يوماً بعد ي��وم‪ ،‬وي��زداد عمقها في‬
‫داخلي‪.‬‬
‫بئر مهجورة‪ ,‬ال شيء يسقط بداخلها‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪73‬‬

‫وأنت يا أ ّم محمد‪ ،‬صرت لبنة في بناء هذه البئر‪ ،‬وتوقفت محاوالتهم حين كان مصير الثالث مثل‬
‫أجمل لبنات بئري‪ ،‬يريدونني أن أقتلعك ألرمي صاحبيه‪.‬‬
‫بك في قاع البئر المظلمة‪ .‬أقتلع من؟؟ أ َّم محمّد؟!‬
‫اللبن َة المضيئة الوحيدة في بئري المظلمة؟‬
‫لن أنسى ما حييتُ ذلك اليوم‪ ،‬حين احترقت‬

‫« خذوني إليهم‪ ،‬يمكنني إخراجهم‪ ،‬لقد حفرت‬
‫البئر بيديّ »‪.‬‬
‫ربطت الحبل السميك المجدول من الليف‬

‫ِ‬
‫يديّ وتشوّه وجهي إثر حريق العريش‪،‬‬
‫سألتك‪ :‬في وسطي‪ ،‬ونزلت بعد أن أعطيتهم نهاية الحبل‬
‫ه��ل ستنفرين م� ّن��ي؟ فجاء ردّك مندفعاً حاراً‪ :‬الثاني‪ ،‬وأمرتهم أن يسحبوه حين آمرهم‪.‬‬
‫صوتك ممزوجاً‬
‫ِ‬
‫كيف أنفر منك يا بركتي؟! كان‬

‫كنت من تسبب في تشوهاتي‪،‬‬
‫باالعتذار‪ ،‬وكأنك ِ‬
‫أو كأنك كنت تعتذرين‪ ..‬ألنك لم تستطيعي فيما‬
‫مضى أن تقنعيني بأنّك ال تتركينني في حال من‬
‫غادرت‪.‬‬
‫ِ‬
‫األحوال‪ .‬وها قد‬

‫في قاع البئر كان الهواء شبه منعدم‪ ،‬ولم يكن‬
‫بإمكاني أن أرى شيئاً‪ ،‬أخذت أبحث برجلي في‬
‫الماء إلى أن تعثرتْ قدماي برأس آدمي‪ ،‬رفعته‬
‫برجلي‪ ..‬وتحسست ع��روق عنقه‪ ،‬فعرفت بأنه‬
‫ف��ارق الحياة‪ .‬حين عثرت على الثاني ك��ان هو‬

‫ف��ي ه��ذا ال�ص�ب��اح ال��رم��ادي ال �ب��ارد‪ ،‬يكثرون اآلخر قد مات‪ ،‬تركته ألبحث عن الثالث‪ ..‬فلربما‬
‫الدخول والخروج إلى الشطر القديم من البيت‬

‫أدركته قبل أن يلفظ أنفاسه األخيرة‪ .‬كانت عروق‬

‫حيث تقبع غرفتنا أن��ا وأن� ِ�ت‪ ،‬وحيث تقع غرفة عنقه ال تزال تنبض‪ ،‬ربطته بالحبل وأمرتهم أن‬
‫األدوات‪ ،‬ال أح��د ينط ُق بأكثر م��ن التحية‪ ..‬ثم يسحبوه‪ ،‬ويعيدوا الحبل ألرفع الرجلين‪.‬‬
‫ينطلقون عائدين بما أخذوه من أدوات‪ ،‬ال أحد‬
‫يستأذن منّي‪ .‬على األق��ل‪ ،‬كنت سأرشدهم إلى‬
‫مكان األدوات التي يحتاجونها عوضاً عن بذل‬
‫الجهد‪ ..‬وإضاعة الوقت في البحث‪ ،‬فأنا أحفظ‬

‫�دك محمّد‬
‫حين أخرجوني من البئر‪ ،‬كان ول� ِ‬
‫وأخ��وه أحمد ممددين إل��ى جانب فوهة البئر‪،‬‬
‫وك��ان ال��رج��ال يُ� ْرك�ب��ون اخ��اك (ع�ل��ي) ف��ي إحدى‬
‫السيارات‪ ..‬ويهرعون به إلى المستشفى‪ ،‬وفي‬

‫م �ك��ان األدوات واح� ��دة واح� ��دة‪ .‬ال أح��د يتبرّع س �ي��ارة أخ ��رى أرك �ب��وا ول�� َديْ��ك‪ ،‬ف��ي المستشفى‬
‫ليخبرني بما ينوون فعله في ال�م��زرع��ة‪ ..‬وكأن تأكدوا بأنهما فارقا الحياة كما أخبرتهم‪.‬‬
‫ملكيتها ال تعود لي‪.‬‬

‫ر ّب�م��ا ك��ان��ا ي �ح��اوالن إخ ��راج لبنتك المضيئة‬

‫حين أعيتهم الحيلة الستخراج الذين سقطوا ورميها في الظالم‪ ..‬فسقطا‪ ،‬وربما كانا يحاوالن‬

‫إخوتك بأنّهم كانوا ينوون‬
‫ِ‬
‫في البئر‪ ،‬اخبرني أحد‬

‫إعادة مياه البئر‪ ،‬لكن بعد أن فات األوان‪ .‬ذهب‬

‫أتذكرك‬
‫ِ‬
‫تنظيف البئر القديمة‪ ،‬وإع��ادة تشغيلها‪ ،‬فسقط ولداك‪ ،‬وبقي علي‪ ،‬عيناه تشبهان عينيك‪،‬‬
‫فيها أحدهم‪ ،‬وعَ لِق الثاني وهو يحاول إخراجَ ه‪ ،‬كلما نظرت إليهما‪.‬‬
‫* ‬

‫‪74‬‬

‫قاص من السعودية‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫ق���������ص���������ص ق������ص������ي������رة‬

‫حفلة تنكر‪..‬‬
‫> شمس علي*‬

‫فتح عينيه‪ ..‬بادره صوت ناعم بالقول «الحمد لله على سالمتك»‪.‬‬
‫أجال نظره في أرجاء الغرفة‪ ،‬البياض يحيطه من كل مكان‪ ..‬الجدران‪ ..‬الستائر‪..‬‬
‫األبواب‪ ..‬السرير‪ ..‬األغطية‪ ..‬هل أنا في حلم؟‬
‫بدت مستغرقة في قراءة تقريره الطبي عندما تأملها ملياً‪ ،‬ومن ثم رفع صوته»عفوا‪..‬‬
‫سمحت‪ ...‬هل لي بطلب؟ «أدارت رأسها نحوه‪ ،‬وبحركة ال تخلو من رشاقة‪ ،‬أسرعت‬
‫ِ‬
‫لو‬
‫بدس ميزان الحرارة تحت لسانه متمتمة‪« :‬دعني أقيس حرارتك أوالً‪ ،‬ومن ثم أحضر‬
‫لك ما تريد»‪.‬‬
‫لحظات الترقب تمضي بطيئة‪ ..‬كانت أكثر للراحة‪ ،‬الجوال قد يزعجك»‪.‬‬
‫ت�ح�م�ل��ق ب��ال �م��ؤش��ر ال��زئ �ب �ق��ي‪ ..‬انفرجت‬
‫راح في نوبة ألم ح��اد‪ ،‬جفناه مطبقان‬
‫أساريرها قائلة «هذا جيد‪ ،‬حرارتك آخذة ب �ش��دة‪ ,‬ت��أوه��ه وئ �ي��د‪ ،‬ي��ده اليمنى تطوق‬
‫في االنخفاض»‪ ،‬وبابتسامة ودودة أردفت‪ :‬ض �م��ادة ذراع ��ه األي �س��ر‪« ،‬ت��ذك��ر مداهمة‬
‫«ها‪ ..‬أي نوع من الطعام تريد؟»‪.‬‬
‫رجال الشرطة لهم‪ ،‬هربه من النافذة‪ ،‬دفنه‬
‫«ليس هذا ما أردت‪ ..‬أنا بحاجة ماسة األكياس الصغيرة أسفل حاوية القمامة‪،‬‬
‫لإلطمئنان على أهلي‪ ..‬ممكن ج��وال‪ ،‬لو قبضهم عليه في منعطف الشارع الثاني‪،‬‬
‫تسمحين!»‪.‬‬
‫«أرجوك‪ ،‬أنا بحاجة ماسة إليه»‪.‬‬
‫ِ‬
‫وصاح‪:‬‬
‫امتقع لونها‪ ..‬تعثرت كلماتها‪ ،‬وبخوف‬
‫وجهها يحاكي وج�ه��ه «يؤسفني أن ال‬
‫يشوبه الحرص‪ ،‬أجابت‪« :‬ولكن أنت بحاجة ألبّي طلبك‪ ..‬الهاتف محظور عليك»‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪75‬‬

‫تهدج ص��وت��ه‪ ..‬لفظ جملته األخ �ي��رة بحنق‪:‬‬
‫«سحقاً لهم‪ ..‬ابني مريض‪ ..‬وأب��ي رجل طاعن‬
‫في السن»‪.‬‬

‫حزمك‬
‫ِ‬
‫بخجل تنبري س�ل��وى‪« :‬ك��م يعجبني‬
‫ضعفك أمام أحد»‪.‬‬
‫ِ‬
‫وعدم‬

‫يشحب وج��ه (حنان) ويكف قلمها عن نقره‬
‫بيأس بالغ رفعت كتفيها ثم أنزلتهما‪« :‬ليت الرتيب فوق ورقة وضعت أمامها‪ ،‬وترسل نظرة‬
‫ش ��اردة متمتمة لنفسها‪« :‬ليس ه��ذه ال �م��رة‪ ،‬ال‬
‫األمر بيدي»‪.‬‬
‫أع��رف ما بي‪ ،‬ال أري��د التصديق أن هذا الوجه‬
‫تجاهلت عن عمد حنقه وت��أوه��ه المستمر‪،‬‬
‫المالئكي البرئ يمكن أن يكون لمجرم!»‬
‫وراحت تتأكد من وضعية الضماد على كتفه قبل‬
‫ترقبها سلوى وتسأل‪« :‬هل ضايقتك؟»‬
‫أن تغادر الغرفة على عجل‪..‬‬
‫تنظر لها بعتاب‪« :‬ل َم تتوهمين ذلك‪ ،‬أنا فقط‬
‫ «ال بد أنها ستساعدني‪ ..‬لهفتها علي تدل‬‫قلقة بعض الشيء»‪.‬‬
‫على ذلك»‪.‬‬
‫تسترسل سلوى‪« :‬قريباً سترتاحين مني عندما‬
‫ داهمته نوبة ألم مفاجئة سرعان ما تالشت‬
‫أنقل للعيادة الخارجية‪ ،‬لكن هل ستفتقدينني؟»‬
‫تمض دقائق م�ع��دودة حتى‬
‫ِ‬
‫كما ج��اءت‪ ..‬لم‬
‫ثرثرتك‬
‫ِ‬
‫حنان تتضاحك‪« ..‬على األقل سأفتقد‬
‫أقفلت راج �ع��ة ب��وج��ه ش��اح��ب لتقول ل��ه «ال‬
‫وشكواك التي حفظتها عن ظهر قلب»‪.‬‬
‫ِ‬
‫تقلق‪ ،‬س��أح��اول تأمينه ل��ك‪ ،‬فقط أمهلني‬
‫وكمن تدهمها فكرة ط��ارئ��ة‪ ..‬تصيح سلوى‬
‫بعض الوقت»‪.‬‬
‫متسائلة‪« :‬حنان‪ ..‬كيف هو مريضك الموضوع‬
‫ «كوني حذرة ال أريدك أن تتأذي بسببي»‪.‬‬‫تحت الحراسة‪ ،‬ألم تعرفي حكايته بعد؟»‪.‬‬
‫ «س ��أح ��اول أن أح��ض��ره ل��ك ب �ع��د منتصف‬‫تفز ح�ن��ان م��ذع��ورة كمن لسعتها ح�ي��ة‪ ،‬كم‬
‫الليل»‪.‬‬
‫الساعة اآلن؟ وقبل أن تكمل سلوى‪ ،‬أنها الوا‪...‬‬
‫في نهاية الدهليز حيث الضوء الخافت في مكتب كانت حنان تطوي الممر‪.‬‬
‫الممرضات‪ ،‬الساعة تناهز الحادية عشرة ليالً‪..‬‬
‫عند باب الغرفة (‪ )17‬ترتبك خطاها عندما‬
‫تغزوها عينا الحارس الناريتان‪ ،‬وبسرعة خاطفة‬
‫(‪)2‬‬
‫تنزلق إلى الغرفة‪ ..‬يفتح عينيه بصعوبة بالغة‪..‬‬
‫(س �ل��وى) مندفعة تشتكي مضايقات بعض تقيس ح��رارت��ه‪ ..‬تسوي عليه لحافه‪ ..‬وقبل أن‬
‫ال��زم�لاء وال�م��رض��ى‪ ،‬آخ��ره��ا ك��ان ال�ي��وم عندما تنصرف‪ ،‬ت��دس بيد مرتجفة هاتفها المحمول‬
‫طلبها للزواج مريض سبعيني متداع دأبت على تحت وس��ادت��ه وتغمغم‪« :‬طمئن أه�ل��ك عليك‪،‬‬
‫رعايته!!‬
‫وسأعود ألخذه قبل أن أغادر»‪.‬‬
‫بنزق تعقب ح�ن��ان‪« :‬ك��م م��رة قلت ل� ِ�ك كوني‬
‫تخرج مسرعة دون أن تلتفت للوراء‪ ..‬في حين‬
‫ِ‬
‫حازمة مع الجميع‪،‬‬
‫ودعك من هذه األصباغ التي يخلع هو وجهه ويرتدي آخر‪ ،‬آخذا في الضغط‬
‫على أزرار الجوال!؟‬
‫وجهك كل يوم»‪.‬‬
‫ِ‬
‫تلطخين بها‬
‫* ‬

‫‪76‬‬

‫قاصة وكاتبة من السعودية‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫> محمد صوانه*‬

‫(‪ )1‬حجر‪..‬‬

‫يقذف حجره في بحر‪،‬‬
‫يتقافز الحجر على سطح الماء؛‬
‫كثعبان يتلوى!‬
‫ٍ‬
‫تتشكل األمواج‪ ..‬دوائر؛‬
‫يتأملها‪ ..‬يُنصت لموسيقاها ‪..‬‬
‫فجأة؛‬
‫ألف فكرة ‪..‬‬
‫سقطت من رأسه ُ‬
‫فيغوص وراء حجره‪..‬‬
‫يطلبه بجنون ‪..‬‬
‫يلتقطه ‪ ..‬يه ّ ُم بمعانقته‪..‬‬
‫فيصعقه‪!!..‬‬

‫(‪ )2‬منظار‬
‫ينظر من خالل دائرة ضيقة‬
‫تراءت فصول الحياة كلها أمامه‬
‫دوائر ال متناهية‪..‬‬
‫في لحظة ذهوله‪،‬‬
‫خ َّر من فقاعة تفكيره‪،‬‬
‫بلسعة مفاجئة!‬
‫ٍ‬

‫(‪ )3‬تلميع‪!..‬‬
‫قبل أن يذهب إلى الحفل‪،‬‬
‫لمّع كل أدواته‪ :‬مالبسه‪ ،‬وتسريحته‪ ،‬ونظارته‪،‬‬
‫وحذاءه‪ ،‬وسيارته‪..‬‬
‫وتعهد االبتسام؛‬
‫لكن وجهه ‪ -‬في عيونهم ‪ -‬ظل باهتاً!‬

‫(‪ )4‬جذوة‬
‫ترحلت الشمس‪ ،‬لكنه ظل يقبض على جذوة‬
‫من نورها؛‬
‫يحتسي دفئها؛‬
‫* ‬

‫فيرتوي!‬

‫(‪ )5‬مشاركة‬
‫يتباهي ح��ارس البنك أن له دوراً مهماً في‬
‫االقتصاد الوطني؛ فهو يحرس أكبر بنك في‬
‫العاصمة‪ ،‬ويحتل اسمه مكاناً في قائمة الموظفين‬
‫المعتمدة من الجهات الرسمية‪ ،‬كما أنه ومديره‬
‫شريكان في جوانب مهمة؛ فمجموع مرتبيهما‬
‫معاً اثنا عشر ألفاً ومائة وأربعون ديناراً‪.‬‬

‫ق���������ص���������ص ق������ص������ي������رة‬

‫قصص قصيرة جدا‬

‫في نهاية الدوام يستقل المدير سيارته الفارهة‬
‫إلى قصر مشيد تحيط به حديقة غنّاء‪ ،‬ويأوي‬
‫الحارس إلى عائلته في مكان يشبه األعشاش!‬

‫(‪ )6‬صمود‬
‫زرعوه في الخاصرة األغلى‬
‫فرت أشتاتهم‪..‬‬
‫تشاغلوا ‪..‬‬
‫ظلوا يرقبون المشهد من وراء ستار‪..‬‬
‫نزفت الخاصرة‪،‬‬
‫نبت من نزفها شوك معاند‬
‫فنشب في حلق المسخ‪..‬‬
‫فتعالى عويله؛‬
‫مستنجداً أسياده!‬

‫(‪ )7‬عولمة‬
‫تختلج الطفولة بين جوانحه؛‬
‫فيطير نحو ذكرياته اللذيذة‪..‬‬
‫عندما فتح قبضة يدة‪،‬‬
‫تعفّر وجهه بغبار العولمة!‬

‫قاص من األردن مقيم في السعودية‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪77‬‬

‫م ٌُ‬
‫ة ل ِ ْل ُ‬
‫َ‬
‫ق ْد ِ‬
‫س‬
‫كلِ َ‬
‫> د‪ .‬سعد عبدالقادر العاقب*‬

‫‪78‬‬

‫����ادث الجَ ل َِل‬
‫����ك ع���ن��� َد ال����ح ِ‬
‫���ف دم����وعَ َ‬
‫كَ���فْ ���كِ ْ‬

‫����������زّقْ ُس�����تُ �����و َر ال�����ي�����أ ِْس ب���األم ِ���ل‬
‫ص����ب����ر ًا وم ِ‬

‫ألرض ال ح������ي������ا َة بها‬
‫ٍ‬
‫إن ال�������ظ���ل���ا َم‬
‫َّ‬

‫���ون والجب َِل‬
‫����س ل���ل��� ّ َزيْ���ت ِ‬
‫����ش����مْ ِ‬
‫�����ش�����رِ قُ ال ّ َ‬
‫ومَ ْ‬

‫�������دس ه������ذا ال�����ق�����ولُ ي���ك���تُ ���بُ���هُ‬
‫ُ‬
‫�����ك ي�����ا ق‬
‫إل�����ي ِ‬

‫���ن م���ن���ه ِ���م ِ���ل‬
‫��������ع م�����ن ال���ن���ي���ل���ي ِ‬
‫ش�����ل�����الُ دم ٍ‬
‫َّ‬

‫��������د ون�����ح�����نُ لنا‬
‫بِ ����ل����ف����و ُر ي�����ص�����دُ ق ف�����ي وع ٍ‬

‫ّ�����ام�����ن�����ا ا ُألو َِل‬
‫إخ����ل���اف عُ ������ ْرق������وبَ ف����ي أ َي ِ‬
‫ُ‬

‫بِ �����ل�����ف�����و ُر أوفَ����������ى ل����ه����م م�����ا ق����ال����ه وم���ض���ى‬

‫���ض���رِ بَ المث َِل‬
‫ْ��ف ص��رن��ا مَ ْ‬
‫��خ��ل ِ‬
‫ون��ح��نُ ف��ي ال ُ‬

‫ه������ذي ال����م����واع����ي����دُ ف�����ي أوط�����انِ �����ن�����ا ه������ز ٌَل‬

‫�����د وال����ه����ز َِل‬
‫�����ج ِ ّ‬
‫���ص���لُ ب���ي���ن ال ِ‬
‫���ف ي���ف ِ‬
‫وال���س���ي ُ‬

‫����ت أم�����ج�����ا َده�����ا وغ��������دَتْ‬
‫ي�����ا أ ّ َُم������������ةً ض���� َيّ����ع ْ‬

‫ت���ب���ك���ي ع���ل���ى بُ����������ر ِْج أم����ري����ك����ا ب��ل��ا خ���جَ ِ���ل‬

‫���ت(‬
‫)ه����������ا َم ال�������ف�������ؤادُ ب����أم����ري����ك����ي����ةٍ ج���ل���س ْ‬

‫بالعل َِل‬
‫ُ��ش��ف��ي ال�����دا َء ِ‬
‫����ن ت ْ‬
‫��س األم ِ‬
‫ف��ي م��ج��لِ ِ‬

‫َصب‬
‫��ش مغت ٍ‬
‫��دس يمشي ج��ي ُ‬
‫ف���اآلن ف��ي ال��ق ِ‬

‫ي��س��ع��ى إل���ى ال��م��س��ج ِ��د األق���ص���ى ب�ل�ا غُ ُس ِل‬

‫ي������ا أ ّ َُم����������������ةً ك�������ثُ �������رتْ ع�������������� ّ َد ًا ع����س����اك����رُ ه����ا‬

‫يط ِل‬
‫����ف ل����م ُ‬
‫����س����ي ُ‬
‫ط�����ال ال���ل���س���انُ ب���ه���ا وال ّ َ‬

‫���������ت ف����ي����ه����م م��ل�ائ����ك����ةٌ‬
‫وك������� َلّ�������م�������ا رف���������رف ْ‬

‫َ������ل‬
‫�������ر رائ���������دُ ه���������م ش�������وق������� ًا إل���������ى هُ ������ب ِ‬
‫ي�������ف ُّ‬

‫وك���� َلّ����م����ا ص��������ا َح مَ ������ن ي����دع����و ل���وح���دتِ ِ���ه���م‬

‫����ف����ي����نَ وال���ج���مَ ِ���ل‬
‫بَ�����كَ�����وا ح���ن���ي���ن��� ًا إل������ى ِص ِ ّ‬

‫����ف����تِ ����ه����م‬
‫وك������ َلّ������م������ا رف�������ع�������وا ص�������وت������� ًا ب����ع ّ‬

‫ُ����ل‬
‫���ص قُ ��������� ّ َد م�����ن قُ ����ب ِ‬
‫��������ل ق���م���ي ٍ‬
‫وَجَ �������������دْ تَ ك ّ َ‬

‫����م ج ّنتَهم‬
‫����ح����ك ِ‬
‫ق����د ش����� َيّ�����دوا ب���ح���ط���امِ ال ُ‬

‫�����ل؟(‬
‫���ح���كْ ِ���م م���ن َرج ِ‬
‫���ط���ي���قُ وداع ال ُ‬
‫)وه�����ل يُ ِ‬

‫����دس خ���ي���لَ ال���ل���هِ منطلق ًا‬
‫ارك�����ب ف��ت��ى ال����قُ ِ‬

‫���ج���مَ ِ���ل‬
‫����اظ وال ُ‬
‫وات��������رُ ْك ل��ه��م ص���ه���و َة األل����ف ِ‬

‫��������م إن ال����������ن����������دا َء ب����ه����مْ‬
‫وال تُ��������ن��������ادِ ه ِ‬

‫����ل‬
‫أرض ب��ل��ا طَ ���� َل ِ‬
‫������وف ع���ل���ى ٍ‬
‫م����ث����لُ ال������وق ِ‬

‫��������راب نجدتَها‬
‫ف����ال����قُ ����دْ ُس ت���رج���و م���ن األع ِ‬

‫خ��م��س��ي��نَ ع���ام��� ًا وخ���ي���لُ ال����عُ ����ر ِْب ل���م ت َِص ِل‬

‫����زن ح���ت���ى ض������ا َع ناظرُ ها‬
‫���ت م����ن ال����ح ِ‬
‫ب���ك ْ‬

‫َ�����ل‬
‫�����م�����ه�����ا دم������ع������ ًا ب���ل��ا مُ �����ق ِ‬
‫�����ت غ ّ َ‬
‫ف�����أرس�����ل ْ‬

‫����ض به‬
‫م�����ح�����روم�����ةٌ ه�����ي م�����ن خ����ي����رٍ ت����ف����ي ُ‬

‫����اس بالعسَ ِل‬
‫ك���ال��� َنّ���ح ِ���ل ض�����نّ ع��ل��ي��ه ال����ن ُ‬

‫������������راج ح����ائ����رةٌ‬
‫ِ‬
‫ه������ذي ال����ح����م����ائ����مُ ف�����ي األب‬

‫������ل‬
‫������زّجَ ِ‬
‫ُ�����������ردّدُ ال����ص����وتَ ب���ي���ن ال������ َنّ������و ِْح وال ِ‬
‫ت ِ‬

‫�����دس أف����ئ����دةٌ‬
‫�����ت ت����ض����ئُ س�����م�����ا َء ال�����ق ِ‬
‫أم�����سَ ْ‬

‫���������ارس ب���طَ ِ���ل‬
‫ٍ‬
‫���������ل م�����ن ش���� َيّ����ع����وا ِم��������نْ ف‬
‫وك ُّ‬

‫ك�����م أل�����زم�����وا ج���ي���ش إس�����رائ�����ي�����لَ م���ع��� َرك���ةً‬

‫����ل‬
‫������م ال���ص���خ���رِ وال����و َِع ِ‬
‫م���ث���لَ ال���ت���ي ب���ي���نَ ُص ِ ّ‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫ش������������������������������������ع������������������������������������ر‬

‫������وت عزمتَهم‬
‫���ب ال������م ِ‬
‫������ل ل���ه���ي ُ‬
‫������ف ّ َ‬
‫ف����ل����مْ ي ِ‬

‫َ����ل‬
‫����م وال���� َثّ����ك ِ‬
‫ول������م ي�����رُ عْ �����هُ �����مْ س���ع���ي���ر ال����يُ ����ت ِ‬

‫�����ب ق������ادوا خ��ي�� َل��ه��م فبِ ِهمْ‬
‫�����رع ِ‬
‫ج���ن���دٌ م���ن ال ُّ‬

‫�����ل‬
‫تُ���م���س���ي وتُ�����ص�����بِ �����حُ إس�����رائ�����ي�����لُ ف�����ي وج ِ‬

‫���س ت���زه���و ب���ع��� َد غيبتِ ها‬
‫������ادت ال���ش���م ُ‬
‫ق���د ع ِ‬

‫واكتمل‬
‫ِ‬
‫���ي‬
‫ي����ا ب������د ُر ف�����اط�����رُ ْد ظ���ل��امِ ال���ب���غْ ِ‬

‫وص�����خ�����ر ُة ال���م���س���ج ِ���د األق�����ص�����ى وق���� َبّ����تُ ����هُ‬

‫كالشع َِل‬
‫ُّ‬
‫���ظ���ل ِ���م ت��ب��دو ال���ي���و ّم‬
‫ف���ي ُظ���لْ���مَ ���ةِ ال ُّ‬

‫أرج����������و ال�������ص���ل���ا َة ب������ه ل��������وال َت�����ب�����اعُ �����دُ ن�����ا‬

‫������ل(‬
‫)وم������ا اس���ت���ب���اح���ت ب����ه ص���ه���ي���ونُ م����ن إبِ ِ‬

‫ف���ال���ص���خ���رُ وال����ش����ج����رُ ال���م���ي���م���ونُ رائ����دُ ن����ا‬

‫ُ���ل‬
‫األرض م����ن ُس���ب ِ‬
‫ِ‬
‫وه�����ل س����واه����ا ل���ن���ا ف����ي‬

‫����ك ال�����ف�����اروقُ فانتفضي‬
‫����م����مَ ِ‬
‫������دس ي ّ َ‬
‫ي����ا ق ُ‬

‫����دل‬
‫����ك م����ن����سَ ِ‬
‫�����ل ف����ي ِ‬
‫��������أس ول�����ي ٍ‬
‫م�����ن ك�������لِّ ي ٍ‬

‫���ح���ه���ا‬
‫�������اروق ف���اتِ ِ‬
‫ِ‬
‫إن������ي أرى مَ �������قْ ������� َد َم ال�������ف‬

‫ع���ن��� َد ال���م���خ���اض���ةِ ي���ا اس���رائ���ي���لُ فارتحلي‬

‫���ت ال وطن ًا‬
‫ع������ودي إل�����ى م����ا م���ض���ى إذ ك���ن ِ‬

‫����وت ال���خ���ن���ا‪ ،‬وا ْرع����������يْ م����ع ال���ه���مَ ِ���ل‬
‫إ ّال ب����ي ُ‬

‫����دس أش�����ع�����اري ول����ي����س يفي‬
‫أس���������وقُ ل����ل����ق ِ‬

‫������ل‬
‫���������رف ف���ي���ه���ا ول������م أقُ ِ‬
‫����ت م�����ن أح ٍ‬
‫م�����ا ق����ل ُ‬

‫َ���������ث‬
‫������ل م������ا ق�����ل�����تُ �����هُ ف������ي غ�����ي�����رِ ه�����ا َرف ٌ‬
‫ف������ك ُّ‬

‫َ����ل‬
‫وال���خ���ط���وُ ف���ي غ��ي��رِ ه��ا َض������ر ٌْب م���ن ال���� ّ َزل ِ‬

‫����ن إ ْذ جمع َْت‬
‫ف����اذكُ ���� ْر ف��ت��اه��ا ص��ل��ا َح ال����دي ِ‬

‫��������دول‬
‫ِ‬
‫�����وك وم�������ا ج��������اءت م�����ن ال‬
‫ل�����ه ال�����م�����ل ُ‬

‫�����ل م���ن���دف���ع��� ًا‬
‫��������ي ال�����س�����ي ِ‬
‫ف�����ج�����اءه�����م ك��������أَتِ ِ ّ‬

‫����ش����هُ ����مُ ال���������ج��������� َرّا ُر ف�����ي ع���ج ِ���ل‬
‫ف�����ف����� ّ َر ج����ي ُ‬

‫�����دس م���اث���ل���ةٌ‬
‫ق����دْ س����ي����ةٌ ف�����ي ص�����خ�����ورِ ال�����ق ِ‬

‫����ل‬
‫����م���� َل ِ‬
‫������اس وال ِ‬
‫��������ت ل���ه���ا س����ائ����رُ األج������ن ِ‬
‫دان ْ‬

‫����ك ت���م���ض���ي ف����ه����ي ف���ان���ي���ةٌ‬
‫���������ل ال����م����م����ال ِ‬
‫ك ُّ‬

‫����ل‬
‫���ت م���ن س���ط���وة األج ِ‬
‫����دس ق���د سَ ���لِ ���م ْ‬
‫وال����ق ُ‬

‫������اول ال���ع���ل���جُ أن ي���ج���ت���ا َح مسجدَها‬
‫ك���م ح ِ‬

‫��������ل‬
‫��������ر ُّس ِ‬
‫������ن وال ُ‬
‫�����ب ال������ ّ َرح������م ِ‬
‫ف��������������ر ّ َد ُه غ�����ض ُ‬

‫م������ات ال������ع������دا ُة ب���ه���ا غ���ي���ظ��� ًا وم����احَ ����نِ ����قَ����ت‬

‫����ل‬
‫����������ذ ِ ّل وال����ف����ش ِ‬
‫وع����������اد ك������ائ������دُ ه������ا ب����������ال ُّ‬

‫���دح���ر ًا‬
‫�����دس م���ن ِ‬
‫������دو ب����س����ورِ ال�����ق ِ‬
‫ب������ات ال������ع ُّ‬

‫������س ي�����������دا ُه ط�����ه����� َره�����ا األ َزل����������ي‬
‫ول��������م ت������م ّ َ‬

‫طرائقها‬
‫ِ‬
‫����اس) ف���ي‬
‫م���ا دام ي��م��ش��ي (ح����م ٌ‬

‫�������ب وال جَ �������د َِل(‬
‫���������ق ب��ل��ا ري ٍ‬
‫ف����ال����ف����ت����حُ (ح ٌ ّ‬

‫* ‬

‫شاعر من السودان‪ ،‬أستاذ مساعد في اللغة العربية ‪ -‬جامعة تبوك‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪79‬‬

‫إذا مت ال تخبروها مبوتي‬
‫> محمد حرب الرمحي*‬
‫مت ال تخبروها بموتي‬
‫إذا ُّ‬

‫فال تجعلوها تعانقُ لحدي‬

‫البيلسان‬
‫ِ‬
‫وال توقظوا زهر َة‬

‫المالك‬
‫ِ‬
‫لئال يرقُ فؤا َد‬

‫كما هي نائمة فوق صدري‬

‫قصد‬
‫ِ‬
‫دون‬
‫األرض من ِ‬
‫ُ‬
‫وترتج ُف‬
‫ِ‬

‫الحنان‬
‫ِ‬
‫دعوها تصلي صالة‬

‫وينشقُ بد ُر السماءِ ُصرَاخ ًا‬

‫مت ال تخبروها رفاقي‬
‫إذا ُّ‬

‫ورعد‬
‫وبرق ِ‬
‫ٍ‬
‫بحزن وقهرٍ‬
‫ٍ‬

‫فلست أطيقُ بكاء الغواني‬
‫ُ‬

‫الصوت للذُ ِل قهر ًا‬
‫ُ‬
‫فيرجعُ ني‬
‫ُ‬

‫سأخجلُ من عينها لو رأتني‬

‫صدق وعدي‬
‫ِ‬
‫تخليت عن‬
‫ُ‬
‫كأني‬

‫وأخجل من دمعها لو بكاني‬

‫ولست أريدُ الرجو َع ألني‬
‫ُ‬

‫خذوني وال تخبروها بموتي‬

‫الرحيل كرام َة وجدي‬
‫ِ‬
‫أرى في‬

‫وال تقطعوا حلّمها واألماني‬

‫حب‬
‫عيش دونَ كرامةِ ٍ ّ‬
‫َ‬
‫فال‬

‫مسها الحزنُ مني‬
‫أموت إذا ّ‬
‫ُ‬

‫وال ع ّ َز يأتي بعصرِ التردي‬

‫دان‬
‫شق ِ‬
‫بالع ِ‬
‫فكيف لميتَ ِ‬

‫أجل حبي‬
‫مت من ِ‬
‫فقولوا لها ُّ‬

‫خذوني وال توقظوها رجاءً‬

‫الليل بُعدي‬
‫ِ‬
‫ومن أجلها اخترت في‬

‫نان‬
‫دعوها على ربوةٍ من ِج ِ‬

‫سخين‬
‫ٍ‬
‫بدمع‬
‫ٍ‬
‫تأت قبري‬
‫فال ِ‬

‫بدمع القصائ َد فلتغسلوني‬

‫ولكن لتأتي بباقةِ وردِ‬

‫فمن ذِ كرِ ها قد تفوح المعاني‬

‫وتقر ُأ ما قد تيس َر حولي‬

‫وبالوردِ يا سادتي كفنوني‬

‫خد‬
‫ولو دمعةً فوق صفحة ِ‬

‫فمن ِعطرها الوردُ باتَ يُ عاني‬

‫لتبك‬
‫تبك موتي ولكن ِ‬
‫فال ِ‬

‫رحلت غد ًا يا رفاقي‬
‫ُ‬
‫إذا ما‬

‫المستبد‬
‫ِّ‬
‫القلوب من‬
‫ِ‬
‫هوانَ‬

‫وودعت عمري وعُ م َر زماني‬
‫ُ‬

‫وصنت فؤادي‬
‫ُ‬
‫قت هواها‬
‫عش ُ‬
‫ِ‬

‫دعوها بحضني تنامُ طوي ًال‬

‫أحصدُ وردي‬
‫الموت ُ‬
‫ِ‬
‫وجئت إلى‬
‫ُ‬

‫كعصفورةٍ في كتاب األغاني‬

‫حب‬
‫أجل ٍ ّ‬
‫أجمل الموتَ من ِ‬
‫ِ‬
‫فما‬

‫وإن عَ لِ مَ ت بعد موتي بموتي‬

‫لحد‬
‫ظل ِ‬
‫الحب في ِ‬
‫َّ‬
‫أجمل‬
‫ِ‬
‫وما‬

‫* ‬

‫‪80‬‬

‫شاعر وكاتب من األردن‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫> زكية جنم*‬
‫لِ لَون ُحزني‪..‬‬

‫استيقظت من غفوتها‬

‫رمادية أفق ٍ لم تكتسيه‪..‬‬

‫لتجد أمامها‪..‬‬

‫شمس‪..‬‬
‫ٍ‬
‫خيوط‬

‫وجه ريح عابس‪..‬‬

‫األخاذ‪.‬‬
‫لم تحتويه بدفئها ّ‬

‫جرّد الهواء من هدوئه‪..‬‬

‫***‬
‫للون ُحزني‪..‬‬

‫وذرفت السنبلة على خدّ األرض‪..‬‬

‫زرقة بحر‬

‫دمعتها األخيرة‪.‬‬

‫سئم ملوحته‪ ..‬غموضه‬

‫***‬
‫للون ُحزني‪..‬‬

‫***‬
‫للون ُحزني‪..‬‬

‫بنفسجية زهرة‬
‫أحبت نسيم الهواء‬

‫سوادُ ليل ٍ‬

‫سكنت يومه‪ ،‬أمسه‪..‬‬

‫طال في عتمته‪ ..‬انتظاره‪..‬‬

‫احتوت أمله‬

‫تآكل في صمت صبره‪،‬‬

‫لكنها‪..‬‬

‫ولم يبزغ‪ ..‬بعدُ فجره‪.‬‬

‫لم تمنحه سوى عمرا قصيرا‪..‬‬

‫وشيئا من عنفوانه‪.‬‬

‫***‬
‫للون ُحزني‪..‬‬
‫حمرة أصيل‬

‫فأسكن قلب الهدوء‪َ ..‬ص ِفيره‬

‫وحسرة‪..‬‬
‫***‬
‫للون ُحزني‪..‬‬

‫عانق الشمس لحظة‬

‫فضيّة قمرٍ‬

‫ثم اختفى‪..‬‬

‫تسرمد بالبقاء ‬

‫لتتبع خطاه أقدام العتمة‪..‬‬

‫ليقض مضاجع أحزاني‬

‫***‬
‫للون ُحزني‪..‬‬
‫اصفرار سنبلةٍ‬

‫* ‬

‫ش������������������������������������ع������������������������������������ر‬

‫حزني‬
‫ألوان ُ‬

‫ويستلّ من عنق الشمس‬
‫سيف الضياء‪..‬‬

‫قاصة من السعودية‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪81‬‬

‫َقصيدةٌ‪ ...‬إِلى امرأةٍ‬
‫َّ‬
‫مضطرِبة‬
‫‪ ‬ابقي مَعي‪..‬‬
‫أحتاجُ أ َن ِّك جَ انبي‬
‫الظالمِ المُ فزِ عِ‬
‫لتقطعي‪ ..‬لُججَ ّ َ‬
‫ِّ‬
‫مع والود ِْق الغزي ْر‬
‫بال ّ َد ِ‬
‫ابْقي مَعي‪..‬‬
‫الغياب‪ ..‬أل َنّني‬
‫ُ‬
‫عما حياةٍ سوف يطويني‬
‫َّ‬
‫يَغتَالُنِ ي َبرْدُ الجياعْ‬
‫ويُضيفُ ني رقمً ا شق ًيّا عاصيًا‬
‫وت الكَبي ْر‬
‫في سَ احةِ المَ ِ‬
‫إنسي المالم َة‬
‫اضطرَاب َِك‬
‫عنك ْ‬
‫خبّئي ِ‬
‫ِ‬
‫رايات ُحزنِ ِك عَ ّ َلنَا‬
‫لَملِ مي ِ‬
‫شمس ن َِسي ْر‬
‫ٌ‬
‫َقت‬
‫إنْ أشر ْ‬
‫ال ت ْـسـأَلـيني‪ ..‬عن متاهَ ِات الغوايةِ‬
‫يرتد طَ رْفِ ي في سمائِ ِك‬
‫ك َلّما ُّ‬
‫عا َد مُ نكسرً ا حسي ْر‬
‫***‬

‫ها إ َنّنا‪ ..‬نحيا معً ا‬
‫والشجَ نْ‬
‫َّ‬
‫للسعادةِ‬
‫يا ّ َ‬
‫السافر ْة‬
‫يا لل ُنّجومِ ّ َ‬
‫يا للمدَى منْ غير ِ حدْ‬
‫أنا لنْ أقولَ بأ َنّني‪..‬‬
‫أعرف وُ جهَتي‬
‫ُ‬
‫دت‬
‫ما عُ ُ‬
‫ليس ليْ عنْ ُح ِب ِّك الق َتّالُ ب ُّْد‬
‫أ ْو َ‬
‫َكت أ َن ِّك غايتي‪..‬‬
‫لك َنّني أدر ُ‬
‫فيك فَراشةً ‪ ،‬وحمَ امةً ‪..‬‬
‫فسَ مَ و ُْت ِ‬
‫بح ِبّنا‬
‫أحاط ُ‬
‫َ‬
‫لتُ ضيء عُ مرً ا قد‬
‫ويريدُ ها قلبي سَ نَدْ‬
‫***‬

‫‪82‬‬

‫* ‬

‫شاعر من مصر‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫> محمود قطان*‬

‫هل تُمهليني فُ رصةً‬
‫داخلي‬
‫كل الحقيقةِ ِ‬
‫كي تكشفي ّ َ‬
‫منّي مَخَ اوفِ يَ ا َلّتي‪ ..‬؟!‬
‫و ُتب ِ َّددِ ي ِ‬
‫عنّي قُ مَ ام َة غُ ربَتي‬
‫ولتُ بعدي ِ‬
‫ولت َْخلَعي كَتِ َف األلمْ‬
‫الحريق بجبهَتي‬
‫ِ‬
‫طفئي‪ ..‬كُ تلَ‬
‫ولتُ ِ‬
‫َفتَن ّ َه ِدي عَ ِنّي أسَ ايَ ‪َ ..‬ت َن ّ َف ِسي‪..‬‬
‫هذي الكآبةُ كالهَواءِ بكُ ِ ّل دمْ!‬
‫***‬
‫عيناك إال هالت َِان‬
‫ِ‬
‫عيناك‪ ..‬ما‬
‫ِ‬
‫ُجاوران سحائبَ المُ ز ِْن التي جاءَتْ لتُ مط َر لؤلؤً ا‬
‫ِ‬
‫ت‬
‫بمدينَتي‪..‬‬
‫َعت‬
‫والبساتين التي قدْ أين ْ‬
‫ِ‬
‫َائق‬
‫والقلب يهفو للحد ِ‬
‫ُ‬
‫بجبينِ ِك‪..‬‬
‫ضن ال يُبالي عتمَ تي‬
‫وا َلّليلُ مُ ٍ‬
‫فلتُ قبِ لي‪..‬‬
‫بالرّؤى‬
‫كيْ تملَئي هَ ذي القصائ َد ُ‬
‫ُوشميها بالوَسَ نْ ‪...‬‬
‫كي ت ِ‬
‫ولتَكْ ِسري‬
‫نازف‬
‫قلب ٍ‬
‫أغاللَ ٍ‬
‫جارف‬
‫ٍ‬
‫زن‬
‫وقُ يو َد ُح ٍ‬
‫في‬
‫زن ّْ‬
‫الح ِ‬
‫غطى نطاقَ ُ‬
‫َّ‬
‫كيْ تزرَعي‬
‫بشمسنَا‬
‫ِ‬
‫باح‬
‫الص ِ‬
‫بُؤ َر ّ َ‬
‫ولتُ صبحي شمسي أنَا‬
‫لي‬
‫والعينَ ّْ‬
‫كيْ تَدْ لِ قي‬
‫عط َر المح َبّةِ في يَدي‬
‫الظنْ !‬
‫عني غُ با َر ّ َ‬
‫كيْ تمسَ حي ِ ّ‬

‫ان أكون بالزمان والمكان الخطأ‬
‫وتغادرني اللحظة بال جدوى‬
‫يحدث أحيانا أال أكون أنا‬
‫ربما تكون غيري‬
‫ضميرا منفصال تقديره سدى‬
‫سأعانق أوراقي‬
‫ربما الحروف‬
‫تخترقني‬
‫ذات جدب‬
‫سأخبر اآلخرين‬
‫كم هي الحياة جميلة‬
‫وأخفى أقراصي المهدئة‬
‫بعيدا عن أعين المتطفلين‬
‫يحدث أحيانا‬
‫أن أرى كونا أجمل‪..‬‬
‫فاذا حاولت استبقاء أحالمه‬
‫غادرني بال عودة‬
‫يحدث أحيانا‬
‫أن تعرقلني دمعة طفل‬
‫فال أجد بجعبتي‬
‫سوى حروف عرجاء‬
‫أسكبها بين يديه كحلوى‬
‫وأنصرف قبل أن يشيعني بفقد‬
‫يحدث أحيانا‬
‫أن يعاتبني حرف‬
‫فأستبدله بآخر‬
‫وصرخات احتضاره‬
‫تئن مضجعي‬
‫يحدث أحيانا‬
‫أن تمطر بداخلي‬
‫* ‬

‫> عبير يوسف*‬

‫أن ألملم أحالمي‬
‫من نوازع الطريق‬
‫يحدث أحيانا‬
‫أن أتقلص‬
‫أتقوقع‬
‫أمشط أحزان القمر‬
‫وأظل أبكي بال هوادة‬
‫كأنه قيد مستعر‬
‫يحدث أحيانا‬
‫أن أحلم وال أستيقظ‬
‫إال عندما يلقيني الطائر كأحجية‬
‫ألزمنة قادمة‬
‫يحدث أحيانا‬
‫أن أرسم وطنا‬
‫فيرتاده الجميع‬
‫وأفر منه على غير هدى‬
‫يحدث أحيانا‬
‫أن أقترض ابتسامة هذا وتلك‬
‫وتظل الدمعة تعربد بداخلي‬
‫يحدث أحيانا‬
‫أن تغربلني األشياء‬
‫تشردني األوهام‬
‫وأستجدى عمرا‬
‫من اللحظات المارقة بدمي‬
‫يحدث أحيانا‬
‫أن أكون كما أنا‬
‫وتدهشني هواجسي‬
‫حين تسألني‬
‫من أنت؟‬

‫ش������������������������������������ع������������������������������������ر‬

‫يحدث أحيانا‬

‫شاعرة من مصر‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪83‬‬

‫مصير الوردة‬
‫> طارق فراج*‬
‫يقف على ناصية الليل‬
‫يسامر النجوم‬
‫علّه يكتشف ضوءا‬
‫يقوده خارج ظلمة الوجوه‬
‫التي يئن كاهل األرض منها‪..‬‬
‫لم تترك له المدينة‬
‫بكامل فتنتها‬
‫حيزا صغيرا للحلم‪..‬‬
‫أغلق صمته المليء بالكالم‪،‬‬
‫وأسدل ستائر سميكة‬
‫على نوافذ مخاوفه‬
‫ويمم وجهه بال تردد‬
‫شطر الصحراء‪.‬‬

‫***‬
‫ذلك الجرح‬
‫الحاد كالشفرة‬
‫اقتلع شجرة الحنين‬
‫من ضلوعه‬
‫وأهداها كاملة‬
‫للمرأة التي قابلته‬
‫بنصف ابتسامة‬
‫في ذلك اليوم الشتائي‬
‫البعي ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــد‪.‬‬
‫***‬
‫* ‬

‫‪84‬‬

‫شاعر من مصر‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫بخطوة معتادة‪،‬‬
‫وسالح متحفز على الكتف‬
‫يخرج قلبه‬
‫في نوبته الليلية‬
‫يمشي وحيدا على منبت األرق‬
‫لعله يرى وجهها الحلو‬
‫وهي تخدش عتمة النافذة‬
‫داخلة إلى شهوة الحلم‪.‬‬
‫***‬
‫في المساء‪..‬‬
‫ألقت إليه بوردة‬
‫من شرفتها العالية‪..‬‬
‫تلك الوردة التي لها رائحة الصبر‬
‫يعرف مصيرها جيدا!!‬
‫أما حبيبته‬
‫ال تعرف أن الورود‬
‫ال تروي عطش المواسم الحزينة‪.‬‬

‫ن�������������������������������������ق�������������������������������������د‬

‫التركي ندمي جورسيل‪..‬‬
‫للروائي‬
‫«الترام األخير»‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫جسر ٌ من الذكريات‪..‬‬

‫> هيثم حسني*‬

‫يقدّ م ال��روائ��يّ التركيّ نديم جورسيل في رواي��ت��ه «ال��ت��رام األخ��ي��ر»‪ ،‬ص��ور ًا من حياة‬
‫المهاجرين األت��راك في فرنسا؛ يسلّط األض��واء فيها على جوانب من المعاناة التي‬
‫يتعرّضون لها في طريقهم المُ فترَضة إلى ب ّر األمان‪ .‬يسرد جورسيل روايته التي يتبدّ ى‬
‫ّري جل ّياً‪ ،‬والسيّما في تركيزه على توصيف ساحة جامعة السوربون‪،‬‬
‫فيها الجانب السي ّ‬
‫التي درس فيها األدب المقارن‪ ،‬ويدرّس فيها حالي ًا األدب التركيّ الحديث‪ ،‬تلك الساحة‬
‫التي يصف تفاصيلها بدقّ ة‪ ،‬يسترجع أثناء ذلك ذكرياته‪ ،‬حين كان يعبر به قطار العمر‬
‫من مدينة إلى أخرى‪.‬‬
‫ي�ت�ش��ظّ ��ى م�ف�ه��وم ال �ت��رام ف��ي الرواية‪،‬‬
‫يوهم‬
‫يمارس الروائيّ عبره تورية موظّ فة‪ِ ،‬‬
‫بمعان ع��دي��دة‪ ،‬يحيل إل��ى أم��ور متباينة‪،‬‬
‫ٍ‬
‫لربّما يو ّد اإلش��ارة إلى قطار الزمن الذي‬
‫يمضي بالمرء‪ ،‬فينتقل به من محطّ ة إلى‬
‫أخ ��رى‪ ،‬لتكون ل��ه ف��ي ك � ّل محطّ ة عمريّة‬
‫�آس‪ ،‬وأف� ��راح‪ ،‬يعيشها بملء‬
‫ذك��ري��ات‪ ،‬م�� ٍ‬
‫روح��ه‪ .‬حين تفلت منه‪ ،‬يحاول استعادتها‬
‫بأكثر من طريقة‪ ،‬ال يملك أحد إزاء سير‬
‫القطار المحتوم أيّ اقتراح أو رأي‪ ،‬ألنّه‬
‫يكمل دورت��ه الطبيعيّة‪ ..‬ولربّما يشير به‬

‫إلى القطار ال��ذي كان يستقلّه في رحلته‬
‫إلى باريس‪ ،‬حيث يطوف به في عدّ ة أماكن‬
‫وم��دن؛ يتعرّف إليها‪ ،‬يسوح بين جنباتها‪،‬‬
‫يخوض فيها مغامراته العاطفيّة‪ ،‬يرتاح‬
‫ف�ي�ه��ا‪ ،‬ليكمل ب�ع��ده��ا م �ش��واره الحياتيّ ‪،‬‬
‫يستكمل طرقه إل��ى ب��اري��س التي يتوقّف‬
‫فيها ق �ط��ار ال�ع�م��ر بالنسبة إل �ي��ه‪ .‬تكون‬
‫باريس محطّ ته األخيرة‪ ،‬التي يستق ّر فيها‪،‬‬
‫ي �ع��اود بعدها ال��رج��وع إل��ى المحطّ ة بين‬
‫اآلونة واألخرى‪ ،‬ليتذكّر مراحله السابقة‪،‬‬
‫ويتأمّل السفر من جديد مرّة أخرى‪ ..‬كما‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪85‬‬

‫ق��د ي �ك��ون ال�م�ق�ص��ود بالقطار‬
‫األخ �ي��ر‪ ،‬ه��و ذاك ال��ذي يدخل‬
‫النفق الذي تحاول عائلة تركيّة‬
‫عبوره إلى فرنسا‪ ،‬في محاولتها‬
‫ال �ت �س �لّ��ل ع �ب��ر ال� �ح ��دود‪ ،‬حيث‬
‫يغافلها القطار‪ ،‬وال يترك لها‬
‫مجاالً للهرب‪ ،‬ألنّ النفق يكون‬
‫مشقوقاً على مقاس القطار‪،‬‬
‫ول �ي��س ه �ن��اك م� ّت�س��ع ألح ��د أو‬
‫شيء مهما كان صغيراً‪ ،‬فتقضي‬
‫العائلة نحبها‪ .‬تكون نهايتها في‬
‫النفق‪ ،‬يدوسها القطار الذي‬
‫يكون األخير الذي تراه العائلة الحالمة بالوصول‬
‫إلى نعيم باريس‪.‬‬

‫إنّ الكتابة هي أيضاً من صميم‬
‫المونتاج‪ ،‬وإنّ لغة المشاهد ال‬
‫تختلف أب��داً عن لغة الكلمات‪.‬‬
‫إذ ي��ؤ ّك��د أنّ األدوات مختلفة‪،‬‬
‫لكنّ المنهج متشابه‪ ..‬يسترجع‬
‫ذكرياته عن المدن الكثيرة التي‬
‫زارها‪ ،‬ترتبط ك ّل مدينة بقصص‬
‫عاشها هناك‪ ،‬يرافق في روما‬
‫فتاة صادقها‪ ،‬يروي ذكرياتهما‬
‫ال �م �ش �ت��رك��ة‪ ،‬ي �ص��ف تفاصيل‬
‫جولته في برشلونة‪ ،‬التي تبدو‬
‫ك��أ ّن�ه��ا تعيش ك��رن �ف��االً دائماً‪،‬‬
‫يتحدّث عن لندن وغيرها من المدن اإلنكليزيّة‬
‫العريقة‪ ،‬عن مراكش وقسنطينة ونيويورك‪ ،‬عن‬
‫عدد من مدن المتوسّ ط‪ ،‬وعن مدن أخرى كثيرة‬
‫زاره��ا‪ ،‬شكّلت بالنسبة له محطّ ات توقّف فيها‬
‫قطار العمر لالستراحة بعض الوقت‪ ،‬ث ّم استكمل‬
‫مسيرته غادياً ورائحاً بين إسطنبول وباريس‪.‬‬

‫يتّخذ ال��روائ��يّ م��ن ح�ي��اة تلك العائلة مادّة‬
‫ل��رواي�ت��ه‪ ،‬حيث يسعى إل��ى تقديم حكايتها في‬
‫فيلم سينمائيّ مع مخرج فرنسيّ ‪ ،‬يكون «جاك»‬
‫ج��ار ال��راوي وصديقه‪ ،‬يقدّم مقترحاته إلنجاز‬
‫سيناريو الفيلم‪ ،‬ينبّهه إلى وجوب الحرص على‬
‫يتّخذ السرد في معظم الفصول شكل البوح‬
‫المشاهد‪ ،‬ال على الكلمات‪ ،‬يؤكّد له أنّ المونتاج الوجدانيّ ‪ ،‬كأنّما يدوّن الروائيّ مذكّراته‪ ،‬يقول إنّ‬
‫يح ّل مح ّل الكلمات في مهمّة الربط والتوصيل‪ ،‬الهاوية تغدو وطناً‪ ،‬ال تبقى إسطنبول بالنسبة إليه‬
‫وما عليه سوى تدوين المشاهد‪ .‬يقول له إنّ ك ّل مدينة يعود إليها‪ ،‬إنّما يذهب إليها‪ ،‬مثل باريس‪،‬‬
‫شيء يقرّر عند المونتاج‪ ،‬وال يمكنه كتابة الجملة دائ �م �اً م��ا ي��ذه��ب على م�ك��ان م��ا‪ ،‬لكنّه ال يعود‬
‫مكان‪ .‬تستعير إسطنبول عنده من الجسر‬
‫ٍ‬
‫األولى قبل أن يختار المشهد األوّل‪ ،‬وإنّ السينما إلى‬
‫شيء آخر‪ ،‬أي يجب عليه بناء الحكاية بالمشاهد الواصل بين طرفيها اآلسيويّ واألوروبيّ سمات‬
‫وليس بالكلمات‪ ،‬ال ب ّد من التعوّد على التفكير العبور‪ ،‬تغدو جسراً للعبور‪ ،‬تمنحه أجمل ما فيها‪،‬‬
‫بالمشاهد‪ ،‬حيث ال�ص��ور ه��ي أس��اس السينما فيظنّ بأنّه نفسه يغدو «م�م� ّراً‪ ،‬جسراً دعائمه‬
‫األوّل‪ ،‬وتكمن مهمّة الفريق في ربطها بعضها غير مستقرّة في األرض‪ ،‬ال هنا وال هناك‪ .‬هنا‬
‫بعضاً عن طريق المونتاج‪ ،‬وليس الكلمات‪..‬‬
‫وهناك في الوقت نفسه»‪ .‬يغدو جسراً متن ّقالً‪،‬‬
‫ال في‬
‫يغرق الراوي العجوز في أنفاق الذاكرة‪ ،‬يحاول يربط بين األمكنة واألزمنة‪ ،‬جسراً مرتح ً‬
‫القبض على الزمن بالكلمات‪ ،‬يرسم اآلثار التي الزمان المكان‪ ..‬كأنّما تغدو الجغرافيّات المزارة‬
‫يخلّفها بعد مروره‪ ،‬يسترجع السنين التي مرّت ب��دائ��ل غ�ي��ر ك��اف�ي��ة ع��ن ج�غ��راف� ّي��ة اض �ط � ّر إلى‬
‫من حياته‪ ،‬يجد بأنّه سيكون من العبث القول االبتعاد عنها‪ ..‬سكنته مدينته التي يرتحل بها‬

‫‪86‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫الفصول‪ ،‬يقدّمها على سبيل العبرة والموعظة‪،‬‬

‫ي��روي الكاتب على لسان راوي��ه بعض أطوار منها أسطورة «إيكار» التي تقول إنّ إيكار أراد‬
‫ال�ك�ت��اب��ة وأح��وال �ه��ا م �ع��ه‪ ،‬ي�ص��ف ال�ك�ت��اب��ة بأنّها الصعود إل��ى الشمس‪ ،‬فصنع لنفسه جناحين‬
‫أسلوب حياة‪ ،‬يؤكّد بأنّه ال يستطيع التخلّي عن من الشمع طار بهما‪ ،‬فلمّا اقترب من الشمس‬
‫األوراق التي تعوّد عليها‪ ،‬يكتب ويشطب‪ ،‬يعيد انصهر الشمع فهوى «إيكار» في البحر ومات‪.‬‬
‫الكتابة وال�ش�ط��ب‪ ،‬تتملّكه ال�ح�ي��رة بعد كتابة كذلك استشهاده ببعض أساطير العشق وقصص‬
‫الجملة األولى‪ ،‬وال يعرف إلى أيّ قرار ستحمله مشاهير العشّ اق في العالم‪ .‬ربّما يتأتّى ذلك‬
‫كلماته التالية‪ ،‬يقول باختالفه عن دستويفسكي عن رغبة من التماهي معها أحياناً‪ ،‬أو رغبة في‬
‫ال��ذي ك��ان يبدأ بتشكيل رواي��ات��ه كلّها في رأسه التنويع وإظهار االطّ الع‪..‬‬
‫حتّى أدقّ التفاصيل‪ ،‬وعندما كانت تحين لحظة‬
‫يعرّج جورسيل‪ ،‬المولود في تركيا ‪1951‬م‪،‬‬
‫الكتابة‪ ،‬كان يسكب المونتاج على الورق من دون‬
‫أيّ تعديل‪ ،‬ذاكراً بأنّه أملى رواية «المقامر» على ال�ح��اص��ل على ع��دّة ج��وائ��ز أدب � ّي��ة منها جائزة‬
‫أمينة س � ّر «أ ّن ��ا جريجوربيفنا سنيتكين» التي األك��ادي �م � ّي��ة ال �ت��رك � ّي��ة‪ ،‬ع�ل��ى ب�ع��ض االنقالبات‬
‫تزوّجها فيما بعد‪ ..‬ث� ّم يصوّر أح��وال غيره من ال�ع�س�ك��ر ّي��ة ال �ت��ي اج �ت��اح��ت ال �ح �ي��اة السياسيّة‬
‫ال في الحديث عن مؤتمر للكتّاب التركيّة‪ ،‬والتي خلّفت شروخاً عميقة في جسد‬
‫مفص ً‬
‫ّ‬
‫الكتّاب‪،‬‬
‫األت��راك في المنفى‪ ،‬يفضح فيه زعم الكثيرين الجمهوريّة التركيّة‪ ،‬لم تستطع التخلّص منها‪،‬‬
‫منهم‪ ،‬وتستّرهم بمنع كتبهم‪ ،‬كي يتّخذوها مبعث كما يعرّج على الصراع التركيّ اليونانيّ المزمن‪،‬‬
‫تفاخر وقوّة وجرأة‪..‬‬
‫وكذلك على أوضاع المواطنين في المحافظات‬
‫ي �ح��اول ت �ج��او َز رغ �ب��ات��ه‪ ،‬ال �ه��ربَ م��ن نفسه‪،‬‬
‫الخاصة‬
‫ّ‬
‫ّص من مالحظاته وذكرياته وأحالمه‬
‫التخل َ‬
‫ليصبح صدى ألحالم اآلخرين وتطلّعاتهم‪ ..‬يذكر‬
‫صديقه «سيهموز» الذي انتهى به المطاف في‬
‫السجن‪ ،‬كغيره من المناضلين اليساريّين أمثال‬
‫ناظم حكمت‪ ،‬وكان «سيهموز» االبن البكر ألسرة‬
‫فقيرة‪ ،‬لم يصبح مهرّباً مثل بقيّة إخ��وت��ه‪ ،‬أت ّم‬
‫دراس�ت��ه بنجاح وس��ط آالف الصعوبات‪ ،‬اعتقل‬
‫بعد استقراره في إسطنبول كمناضل يساريّ ‪،‬‬
‫يحكي عن تجربة سجنه المريرة‪ ،‬يتذكّر نصيحة‬
‫صديقه له عندما قال‪« :‬إنّ السجن ثمن بخس‬
‫لما كتبناه من كتب في هذا البلد‪.» ..‬‬
‫* ‬

‫ن�������������������������������������ق�������������������������������������د‬

‫في كثير من المدن‪ ،‬من دون أن يفلح في الشفاء‬
‫منها‪ ،‬وال هو يريد ذلك‪..‬‬

‫يستعين الكاتب ببعض األساطير في عدد من‬

‫المهمّشة م��ن تركيا‪ ،‬تلك ال�ت��ي يسيطر عليها‬
‫ال الحياة‬
‫الجيش‪ ،‬معلناً حالة ال �ط��وارئ‪ ،‬معطّ ً‬

‫بمختلف جوانبها هناك‪..‬‬

‫قصة كاتب‬
‫«ال �ت��رام األخ�ي��ر» رواي��ة تختصر ّ‬

‫مغترب‪ ،‬يلوك ذكرياته‪ ،‬يسعى إلى التغلّب على‬
‫الغربة بالتذكّر واألحالم‪ ،‬يرتحل من محطّ ة إلى‬
‫أخ��رى‪ ،‬يقف ف��ي ك � ّل منها منتظراً‪ ،‬متمنّياً أن‬

‫يكون الترام الذي ينتظره‪ ،‬أو يستقلّه‪ ،‬األخير في‬

‫حياته – رحلته‪ ،‬التي تتكوّن من محطّ ات كثيرة‪،‬‬

‫وقطار وحيد يشيخ وهو يرتحل به فيما بين تلك‬
‫المحطّ ات‪..‬‬

‫ناقد وروائيّ سوريّ ‪« ,‬منشورات دار عالء الدين‪ ،‬دمشق ‪2010‬م‪ ،‬ترجمة شفيق السيّد صالح»‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪87‬‬

‫رواية «اخلوف» للروائي املغربي رشيد اجللولي‬

‫*‬

‫إدانة مرة للواقع املعاصر املليء باحلروب‬
‫وسيادة مبدأ القوة الغابوي‬

‫> بقلم‪ :‬د‪ .‬عبداجلبار العلمي**‬

‫صدر مؤخر ًا عن مطبعة النجاح الجديدة بالدار البيضاء منشورات بالغات المغرب‪،‬‬
‫رواية جديدة بعنوان «الخوف» (الجزء األول)‪ ،‬وذلك في طبعة أنيقة‪ ،‬وغالف من تصميم‬
‫الكاتب المغربي عبداإلله المويسي‪.‬‬
‫يجمع السارد العليم في رواية «الخوف» لرشيد الجلولي في سرده خالل (‪ )50‬فصال‪،‬‬
‫بين الواقعي والخيالي‪ ،‬الغرائبي والعادي اليومي‪ .‬يتم هذا من خالل جميع مكونات‬
‫السرد الروائي‪ .‬فالشخصيات بعضها واقعي‪ :‬عيسى الشخصية الرئيسة في الرواية ‪/‬‬
‫ليلى زوجته ‪ /‬ابتسام ابنته ‪ /‬الخالة مسعودة‪ .‬وبعضها اآلخر ينتمي إلى عالم الرمز‬
‫وأهمها سفيان الداودي الحاكم الدكتاتور‪.‬‬
‫الفضاء ال��روائ��ي يعنى ال�س��ارد أحياناً‬

‫أي ح��رب حديثة تستعمل فيها األسلحة‬
‫الحديثة المتطورة‪ .‬إن المؤلف يود أن يقول‬
‫لنا هنا إن اإلنسانية منذ قابيل وهابيل لم‬
‫ت�ت��وق��ف ي��وم �اً ع��ن إش �ع��ال فتيل الحروب‬
‫المدمرة‪ .‬لكأنها خلقت من أجل التطاحن‬
‫وال �ص��راع وال �ح��روب الفتاكة‪ .‬إن الرواية‬
‫بوصفها الحرب بكثير من التفاصيل‪ ..‬إنما‬
‫تقدم إدان��ة م��رة للواقع المعاصر المليء‬
‫بالحروب‪ ،‬وسيادة مبدأ القوة الغابوي‪.‬‬

‫رح��اه��ا ف��ي ال �ع��راق أث �ن��اء اج �ت �ي��اح��ه‪ ..‬أم‬

‫وحتى على مستوى الحدث‪ ،‬نالحظ هذا‬

‫بتحديده‪ ،‬حيث تتم اإلش ��ارة إل��ى أماكن‬

‫بأسمائها ال�م�ع��روف��ة ف��ي م��دي�ن��ة القصر‬
‫الكبير‪ .‬وأح �ي��ان �اً أخ ��رى يعمد إل��ى عدم‬

‫تحديدها‪ ،‬فتبقى هالمية تتناغم مع المناخ‬

‫العام للرواية التي تمتلئ باألجواء الغرائبية‪.‬‬
‫أما الزمن الروائي فغير محدد‪ .‬فالقارئ‬

‫ال ي��دري هل الحرب القائمة هي الحرب‬
‫العالمية األولى أم الحرب التي كانت تدور‬

‫‪88‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫ن�������������������������������������ق�������������������������������������د‬

‫الخلط بين الواقعي والغرائبي؛‬
‫فالحدث الواقعي بسيط‪ ،‬يتمثل‬
‫في كون عيسى البائع المتجول‬
‫وت� �ظ� �ه ��ر ل� �ن ��ا «المحاكاة‬
‫الفقير له ابنة مريضة «ابتسام»‪،‬‬
‫الساخرة» أيضاً في‪:‬‬
‫ول �ك��ي يتمكن م��ن ت��وف �ي��ر ثمن‬
‫أ) ال� �ش���وارع ف ��ي المدينة‬
‫ال� �ع�ل�اج ل��ه��ا‪ ،‬ع �ل �ي��ه أن يعمل‬
‫ال� �ع ��رب� �ي ��ة ال� �ت���ي ت� � ��دور فيها‬
‫عدة أسابيع‪ .‬وأثناء ذهابه إلى‬
‫األح� ��داث‪ ،‬تحمل أس �م��اء غير‬
‫اإلتيان بالعربة التي هي وسيلته‬
‫عربية «جان جاك روسو»‪.‬‬
‫ل�لاس �ت��رزاق‪ ،‬ي��واجَ ��ه بمتاريس‬
‫توضع ف��ي ال�ط��رق��ات‪ ..‬فتحول‬
‫ب) اسم ابنة عيسى البائسة‬
‫بينه وبين الوصول إل��ى غايته‪.‬‬
‫ال �م��ري �ض��ة ب �ض �ي��ق التنفس‪:‬‬
‫وال �ح��دث ال�غ��رائ�ب��ي المشحون‬
‫«ابتسام»‪.‬‬
‫أيضاً بوقائع مأساوية عجائبية هو قيام الحرب‪،‬‬
‫(‪ )2‬لغة الرواية‪:‬‬
‫وت �ع �رّض أه��ال��ي المدينة إل��ى القتل العشوائي‬
‫تتسربل لغة ال��رواي��ة في كثير من مقاطعها‬
‫المجاني‪ .‬والحقيقة أننا نحس أن الحرب تحيط‬
‫بنا من كل جانب بكل بشاعتها ودمارها ودمويتها‪ .‬ال�س��ردي��ة بالشاعرية‪ ،‬وك�ث��رة االن��زي��اح��ات التي‬
‫لقد تمكن المؤلف أن يحشرنا في أجواء الحرب‪ ،‬أض�ف��ت على ال��رواي��ة طابعاً ش�ع��ري�اً‪ ..‬رغ��م أن‬
‫ويمأل نفوسنا بالخوف‪ .‬الخوف من قتل اإلنسان ال�م��وض��وع الرئيس ه��و ال�ح��رب وال �خ��وف الذي‬
‫تثيره‪ :‬نذكر منها على سبيل المثال ال الحصر‪:‬‬
‫ألخيه اإلنسان‪.‬‬
‫«زنازين الفقر السفلية» «مشى عيسى على حواف‬
‫ومن األم��ور التي أث��ارت انتباهي في الرواية‬
‫الطرقات المبقورة البطون»‪ ..‬الخ‪.‬‬
‫إضافة لما سبق‪ ،‬اآلتي‪:‬‬
‫إن رواي��ة «ال�خ��وف لرشيد الجلولي (ج ‪،)1‬‬
‫‪ 1‬اعتماد السارد في س��رده على «المحاكاة‬
‫رغم أنها تنحو نحو الرواية العربية «الحديثة»‬
‫ال�س��اخ��رة» ‪ :IRONY‬ن��ذك��ر بعضها على سبيل‬
‫م��ن حيث المنظور ال �س��ردي (ال� ��راوي العارف‬
‫ال�م�ث��ال ال ال�ح�ص��ر‪ :‬ش��اه��د عيسى ف��ي إحدى‬
‫ب�ك��ل ش ��يء) ضمير ال�غ��ائ��ب تسلسل األح ��داث‬
‫ال فرنسياً يطل ُق عليه الجنو ُد‬
‫قنوات التلفزة طف ً‬
‫عبر ال�ف�ص��ول ال��روائ �ي��ة‪ ،‬إال أن�ه��ا تحمل كثيراً‬
‫�اص وه��و ف��ي حضن أب�ي��ه‪ .‬وهذه‬
‫ال�ع��رب ال��رص� َ‬
‫من مالمح «الرواية الجديدة» التي تعتمد على‬
‫إشارة إلى إطالق رصاص العدو اإلسرائيلي على‬
‫اللغة الشعرية‪ ،‬واستخدام األسطورة والفانتازية‬
‫الطفل الفلسطيني أحمد الدرة وقتله في حضن‬
‫والمحاكاة الساخرة‪ ،‬وغيرها من األساليب التي‬
‫أبيه‪ .‬إنها سخرية من اإلعالم الغربي غير النزيه‬
‫تعتمدها بعض الروايات التي تدخل في إطار ما‬
‫الذي يقلب الحقائق‪ ،‬ويشوّش على الرأي العام‬
‫يسمى بـ«الرواية الجديدة»‪.‬‬
‫العالمي ليخدم مصالح إسرائيل‬
‫وحاميتها أمريكا وغيرها‪.‬‬

‫* رواية «الخوف»‪ ،‬رشيد الجلولي‪( ،‬ج ‪ ،)1‬الطبعة األولى ‪ ،2009‬مطبعة النجاح الجديدة‪ ،‬الدار البيضاء‪ ،‬المغرب‪.‬‬
‫** كاتب من المغرب‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪89‬‬

‫مخلوقات األب‬
‫> سعد الرفاعي*‬

‫استوقفني إصدار صغير في حجمه‪ ،‬ال تتجاوز صفحاته‬
‫اثنتين وخمسين صفحة‪ ،‬لمؤلف لم يسبق لي مصافحة‬
‫كتابته‪ ..‬اسمه ضيف فهد‪ .‬واإلصدار يندرج تحت اإلصدارات‬
‫الموسومة بـ (بواكير)‪ ،‬ولئن كان هو األول للقاص ضيف فهد‪،‬‬
‫فهو إص��دار متجاوز بحق‪ .‬وألن العنوان هو أول ما يصافح‬
‫القارئ فسيتوقفه أو ًال لجدته وغرابته‪ ،‬فهو عنوان يستثير‬
‫المخيلة بمجرد قراءته‪ .‬كما أنه سيتوقفه مرة أخ��رى بعد‬
‫ق��راءة المجموعة؛ وذل��ك لعدم تقليديته‪ ،‬فهو ليس عنوان ًا‬
‫إلحدى قصص المجموعة‪ ،‬األمر الذي يعني اختياره بعد تفكير عقلي تأملي‪ ،‬ليؤدي‬
‫وظيفة وداللة للمجموعة ككل‪.‬‬
‫ولئن كانت دالل��ة المخلوقات معروفة‪ ،‬كداللته في الثقافة المسيحية‪ ،‬كما أن األب‬
‫ف��إن ل�م�ف��ردة األب أك �ث��ر م��ن معنى لغوي‪.‬‬

‫يعني (اآلرك�ت��اي��ب)؛ أي النموذج األصلي أو‬

‫فاألب يعني‪ :‬المرعى‪ ،‬فيكون العنوان بذلك‪:‬‬

‫األعلى ال��ذي يتكون في النفس في مرحلة‬

‫مخلوقات المرعى‪ .‬وكذلك يعني النزاع إلى‬

‫الطفولة العقلية‪ ،‬وفي ذلك إشارة إلى النماذج‬

‫الوطن فيكون‪ :‬مخلوقات النزاع أو النازعة العليا التي تستقر أنماطها في الالوعي‪ ،‬وهي‬
‫إلى الوطن‪ .‬كما يعني األب‪ :‬القصد؛ فيكون نماذج ليست فردية بقدر ما هي جماعية‬
‫المعنى ب��ذل��ك‪ :‬مخلوقات لفظية مقصودة متوارثة راسبة في الالوعي؛ إذ تؤدي دوراً‬
‫ألداء معنى لغوي ووظيفة فنية وأدبية عبر في الجماعة‪ ،‬كالذي تؤديه الغرائز بالنسبة‬
‫ال �ن �ص��وص‪ .‬ول �م �ف��ردة األب دالالت أخرى‬

‫‪90‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫للفرد‪ .‬فالنماذج الفردية التي يتم صنعها في‬

‫ل�ل�ن�م��اذج الجمعية ال �ق��دي �م��ة‪ ..‬كما‬

‫وال�ج�س�م��ي‪ ،‬ووع ��ي أك�ث��ر حساسية‬

‫يشير لذلك الناقد علي البطل‪ ،‬ولعل‬

‫واس �ت �س�لام �اً م��ع ال � ��ذات والبيئة؛‬

‫الداللة األخيرة لها ما يؤيدها إذا ما‬

‫ولهذا‪ ،‬فإن الحاالت المتبدلة للوعي‪،‬‬

‫مضينا نقلب صفحات المجموعة‬

‫بمثابة آلية للتوحد من النظام الدقيق‬

‫فالقاص (ضيف فهد) يصدر اإلهداء‬

‫للعالم‪ ،‬والتماهي معه في عقل جمعي‬

‫في مجموعته كما يلي‪:‬‬

‫واح��د‪ ..‬وعند هذه النقطة بالذات‪،‬‬
‫ي�ك��ون اإلدراك ف��وق ال�ح�س��ي‪ ..‬كما‬

‫(إل� ��ى ال �ص��دي��ق ال �ع��زي��ز ضيف‬

‫يذهب لذلك صالح الجابري‪.‬‬

‫فهد‪:‬‬
‫كشكر صغير على هذا العصيان‪...‬‬
‫وألن ه��ذه ال�م�خ�ل��وق��ات ه��ي ك��ل م��ا استطعت‬
‫ال كي‬
‫معرفته عن ذلك (األب) الذي أخذ وقته كام ً‬
‫ال يطلعك على عمله المتقن) ص ‪.7‬‬
‫إن��ه يسطر اإله���داء م��ن ذات��ه إل��ى ذات���ه‪ ..‬من‬

‫ن�������������������������������������ق�������������������������������������د‬

‫طفولتنا ليست إال تحققات جزئية‬

‫تحقيق حالة من االستجمام النفسي‬

‫وعوداّ إلى القصص‪ ...‬فإن القاص يتنقل بنا عبر‬
‫حاالت النفس البشرية (الذات‪:‬األنا‪ ،‬األنا العليا‪،‬‬
‫الهو)‪ .‬ولهذا فإن اإلهداء من ضيف فهد (أنا) إلى‬
‫ضيف فهد (ه��و)؛ أي من الوعي إلى الالوعي أو‬
‫العكس‪ .‬مع التأكيد التام على أن شخصية (األنا)‬
‫مختلفة كلية عن شخصية (الذات)‪ ،‬ولهذا أورد لنا‬

‫(ضيف) إلى (ضيف)‪ .‬ويشير إلى عصيان‪ ،‬وإلى قصة (خ �وّي األم�ي��ر)‪ .‬فالخوي يعني المرافق أو‬
‫مخلوقات‪ ،‬وإل��ى وق��ت كامل استقطعه األب في المالزم أو المصاحب‪ ،‬ولكنه ‪-‬أي خوي األمير ‪-‬‬

‫سبيل إنجاز عمله المتقن‪ ،‬الذي بلغ حداً ال يمكن يختلف كلية عن مرافقه أو مالزمه (األمير)‪ .‬فلكل‬
‫االطالع عليه بيسر وسهولة‪.‬‬
‫سماته‪ ..‬ومقوماته‪ ..‬ومكانته)‪.‬‬
‫وم��ن ث��م‪ ،‬ت �ب��دأ تتكشف ل�ن��ا لعبة ال�ل�غ��ة التي‬

‫ويأتي في قصة (صفة رجل واحد)‪ ،‬ليعدد لنا‬

‫األب)؛ ول�ه��ذا‪ ،‬يحسب للقاص براعة اللغة التي‬

‫النقي كجد‪ ،‬الرجل األصم قليالً‪ ..‬الرجل األعمى‬

‫يمارسها القاص معنا‪ ،‬عبر مجموعة من القصص (الرجل البارد كبطن‪ ،‬الرجل الطويل أكثر من أي‬
‫التي تشكل في مجملها ومجموعتها (مخلوقات رجل‪ ،‬الرجل الذي ولد مجنوناً منذ زمن‪ ،‬الرجل‬
‫تجعل ال�ن��ص ف�ض��اء مفتوحاً محتم ً‬
‫ال ألك�ث��ر من قليالً‪ ..‬مجموعة م��ن السمات والصفات فقط‪.‬‬
‫قراءة‪ .‬والقاص ينتقل بنا عبر القصص‪ ..‬ليجسد هذا مجمل القصة‪ ،‬وهو بذلك يشير إلى النموذج‬
‫لنا حاالت تبدّل الوعي التي تعني وجود حالة من األصلي الذي يتكون في النفس في مرحلة الطفولة‬
‫الشعور أو الوعي الذاتي‪ ..‬تكون مختلفة عن حالتنا العقلية إزاء موجود قريب منا (شخص‪ ..‬أو شئ‬

‫الواعية االعتيادية‪ ،‬وكذلك من خالل التأمل الذي‬
‫يتشكل من مجموعة من الطرق التي تهدف إلى‬

‫ما‪.) ..‬‬
‫وألن الذات اإلنسانية موضوعه‪ ..‬موضوع القاص‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪91‬‬

‫األساس‪ ،‬فقد أورد لنا قصة بعنوان (هو)‪ ،‬يشير فيه‬

‫القاص‪ ،‬كما تبرز كثرة الجمل االعتراضية‪ ..‬وكذلك‬

‫إلى الـ هو‪ ،‬أو المستودع اإلنساني الالواعي‪ .‬إن الجمل المؤطرة ب��األق��واس‪ ،‬وف��ي ذل��ك تعبير عن‬
‫جاز التعبير (هو‪ ،‬الذي في [الداخل]هو بوقاحته‪ ،‬االنتقال والتداخل بين وعيين أو ذاتين أو حالتي‬
‫وكذبه‪ ،‬وطيبته‪ ،‬وأحالمه [المشوهة]‪) ..‬‬

‫وف��ي قصة (ج�س��د ي �م��وت)‪ ..‬ي�ت�ن��اول اإلنسان‬
‫داع إلى التعرف على ال��ذات‪ ،‬إذ يقول في‬
‫كمكوّن ٍ‬
‫نهاية القصة (تشعر باألسى في أن��ك لم تتعرف‬
‫جيداً «على القريب منك‪ /‬أنت» على رغم كل هذه‬
‫المدة التي قضيتها ملتصقاً به‪ .‬وتفيق على آخر ال‬
‫تعرفه‪.) ...‬‬
‫إن هذا التبدل في الوعي أمر ليس باليسير؛‬
‫ألنه ال يتم إال عبر تنويم العقل أو تخديره‪ ،‬في ذات‬
‫الوقت الذي تكون بحاجة إلى هذا العقل‪ ..‬لضبط‬

‫مزاج‪ ،‬ليتحقق له الوصول إلنسانيته التامة‪ ..‬كما‬
‫يذهب لذلك لورنس ليشان‪.‬‬
‫وقد وظّ ف القاص اللغة بشكل تأملي‪ ،‬حتى إن‬
‫تغييب الحوار أدى دوراً فنياً لصالح العمل‪ .‬واتكأ‬
‫القاص على اللغة االقتصادية‪ ،‬واعتمد الرمزية‬
‫واإلي �غ��ال والبعد ع��ن ال��وض��وح ال �ت��ام‪ ..‬أو المعنى‬
‫المباشر‪ ،‬ولهذا يقول في قصة (وضوح هائل) ص‬
‫‪:21‬‬
‫(‪ ...‬غير مكشوفة بالكامل! كان هذا أمراً مهماً‪.‬‬

‫ما يصدر عن الالوعي ورصده‪ ،‬ولهذا أورد قصة ولكي ال يتم الكشف بالكامل‪ ،‬كانت أحالمه تتحقق‬
‫بعنوان «طريقة صعبة للتذكر» وفيها يقول (‪ ..‬لديه بشكل يختلف في بعض التفاصيل كل مرة‪) ..‬‬
‫القدرة على التذكر بالطريقة التالية‪ :‬التحسس في‬
‫كل االتجاهات‪ ،‬في كل المخابئ‪ ،‬على الصدر وعلى‬
‫الجوانب‪ ،‬ألكثر من مرة وبأمل متكرر‪.) ..‬‬
‫إنها إشارة إلى االمتزاج في عقل جمعي واحد‪،‬‬
‫وبلوغ اإلدراك فوق الحسي ال��ذي أشرنا إليه من‬
‫قبل‪.‬‬
‫وبالعودة إلى أسلوب القاص‪ ..‬فقد برز اعتماده‬
‫الكبير على التشكيل البصري في النصوص من‬
‫فواصل وفراغات وحذف وعالمات سكون خفيف‪،‬‬

‫يبقي أن ن �ت �س��اءل‪ :‬ه��ل اع�ت�م��د ال �ق��اص على‬
‫ال �ت��داخ��ل ب�ي��ن ال �ف �ق��رات وال �ج �م��ل ع�ب��ر نصوص‬
‫معان جديدة أو‬
‫المجموعة المتناثرة للحصول على ٍ‬
‫معان مقصودة؟!‬
‫الوصول إلى ٍ‬
‫لندع اإلجابة للقارئ ولكن‪ ...‬فليحاذر أن يتسع‬
‫شق (أظالفه) قبل أن يصل إلى (مرعى يفصله عنه‬
‫وواد فسيح)!!‬
‫ثالثة جبال ٍ‬
‫وأخ� �ي ��راًَ ه��ل ت��داخ �ل��ت ال� �ق ��راءة ف��ي جوانبها‬

‫وم��ا بين األق� ��واس‪ .‬وغ�ي��ر ذل��ك مما ي��ؤدي داللة المختلفة بدءا وانتهاء؟! أرجو أن أكون قد حققت‬
‫تشكيلية على المستوى البصري‪ ،‬وفي ذلك دعوة شيئاً م��ن ذل��ك ألتماهى م��ع (مخلوقات األب)‪..‬‬
‫ملحة للتأمل وإعمال الفكر‪ ،‬وهو أمر مقصود من‬
‫* ‬

‫‪92‬‬

‫شاعر وناقد‪ ،‬ينبع ‪ -‬السعودية‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫احتفاالً بهذا العمل اإلبداعي‪ .‬؟!‬

‫> هشام بن الشاوي*‬

‫ن�������������������������������������ق�������������������������������������د‬

‫إيروس في الرواية‬

‫يستهل وليد سليمان كتابه «إي��روس في ال��رواي��ة» برسالة من الروائي البيروفي ماريو بارغاس يوسا في‬
‫نسختيها األصلية (اإلسبانية) والمعرّبة‪ ،‬معنونة بـ«إلى أصدقائي التونسيين الذين لم ألتقهم»‪ ،‬تحدث فيها‬
‫يوسا عن كتب يشترك فيها مع قرائه التونسيين (العرب)‪ ،‬فيُثبتون رغم البعد الجغرافي واالنتماء إلى ثقافتين‬
‫مختلفتين‪ ،‬بأن بينهم وبينه ‪-‬هذا الكاتب الذي هو أنا‪-‬وشائج عميقة ال تنقطع‪ .‬مثال‪ ،‬عشقي للروايات العظيمة‬
‫التي أثرت حيواتنا ومكنتنا من الحلم‪ ،‬تعويضا عن التقلبات والخيبات التي تُعر ُِّضنا لها‪-‬أحيانا‪ -‬حياتنا‬
‫اليومية»‪ .‬مؤكدا على أن وظيفة الروايات الجيدة إيقاظ الروح النقدية في ما يتعلق بالواقع المعيش‪ ،‬والحث‬
‫على العمل من أجل إصالحه وتحسينه‪ ،‬متمنيا أن تحرض مقاالته بعض قرائه التونسيين على قراءة أو إعادة‬
‫قراءة تلك الروايات التي تعد من أفضل ما أُنتج في القرن العشرين‪« ،‬قرن الكوارث السياسية الكبيرة والحروب‬
‫المدمرة‪ ،‬ولكنه أيضا‪ ،‬قرن إبداعات العقل الرائعة»‪.‬‬
‫وأش��ار وليد سليمان في مقدمته للكتاب إلى أنه‬
‫اختار هذا العنوان للكتاب عوضاً عن العنوان األصلي‪:‬‬
‫«حقيقة األك��اذي��ب»‪ ،‬ل��وج��ود رابطين‪ :‬أولهما‪ ،‬تناول‬
‫ن�ص��وص ال�ك�ت��اب ل��رواي��ات م�ه�م��ة‪ ،‬وط�غ�ي��ان الجانب‬
‫اإلي��روس��ي عليها (وال ��ذي طغى كذلك على روايات‬
‫يوسا األخيرة)‪ .‬والثاني‪ ،‬أن تلك الروايات بقيت أعماال‬
‫خالدة في ذاك��رة اإلنسانية‪ .‬وكذلك غوصه ‪-‬يوسا‪-‬‬
‫العميق في ثنايا تلك الروايات‪ ،‬مستفيدا من خبرته‬
‫الروائية واشتغاله على أسرار الكتابة الروائية‪..‬‬

‫«الموت في البندقية» لتوماس مان‪:‬‬

‫اإلن �س��ان �ي��ة‪ .‬إن غ��ري��زة ال �م��وت‪/‬ال �ش��ر‪/‬ال �ب �ح��ث عن‬
‫سيادة الفرد الكاملة‪ ،‬التي تسبق المواضعات التي‬
‫يحددها أي مجتمع للحيلولة دون تفكك الجماعات‬
‫وال �ع��ودة إل��ى البربرية‪ ،‬وكبح أه��واء األف ��راد حتى ال‬
‫تشكل خطرا على الجسد المجتمعي‪ ..‬إنه التعريف‬
‫الحقيقي لفكرة الحضارة‪ .‬لكن المالك الذي يعيش‬
‫داخل اإلنسان ال يستطيع هزم الشيطان الذي يتقاسم‬
‫معه الشرط اإلنساني‪ ،‬وإن كانت الفضيلة تضمن رقي‬
‫المجتمع‪ ،‬فهي ال تكفي لتحقيق سعادة األفراد الذين‬
‫تكبت أه��واءه��م حتى ال تشكل خ�ط��را على الجسد‬
‫المجتمعي‪ .‬إنها تتحين الفرصة للظهور‪ ،‬ما يؤدي إلى‬
‫الدمار والموت‪ ،‬والجنس هو المنطقة المفضلة التي‬
‫تتحرك فيها الشياطين القادمة من المناطق المظلمة‬
‫بالنفس اإلنسانية‪ ،‬ونفيه التام يفقر الحياة‪ ،‬ويحرمها‬
‫من الحماسة والنشوة الضروريتين للكائن‪.‬‬

‫حسب م��اري��و (ل�لإش��ارة فهي ال��رواي��ة ال�ت��ي اتهم‬
‫بسببها كاتبها بالمثلية الجنسية)‪ ،‬فهي تمتاز بفتنة‬
‫ال�ح�ب�ك��ة وال�ت�م�ي��ز ال�ش�ك�ل��ي‪ ،‬واإلش� �ع ��اع الالمتناهي‬
‫للتداعيات وال��رم��وز التي تولدها الحكاية في ذهن‬
‫ال �ق��ارئ‪ .‬وإع���ادة ق��راءت�ه��ا تجعل ال �ق��ارئ يحس بأن‬
‫ه��ذه ه��ي المضامين الشائكة التي سلط عليها‬
‫أمرا ملغزا بقي في النص‪ ،‬له صلة بالقدر وبالتجربة توماس مان األض��واء‪ .‬فجمال الطفل ال��ذي أغ��رم به‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪93‬‬

‫بطل ال��رواي��ة الخمسيني‪ ،‬ك��ان الحافز ال��ذي أطلق‬
‫حالة تدمير انتهت إلي تدمير واقعي بالكوليرا‪  ،‬فيما‬
‫يمكن أن يكون إشارة‪  ‬الن�ح�لال أوروب ��ا االجتماعي‬
‫والسياسي‪  ،‬الخارجة من زمن االنفالت المرح إلى‬
‫االس�ت�ع��داد للتدمير ال��ذات��ي‪ .‬ال��وب��اء ثمن االنحطاط‬
‫والجنون واإلفالس‪ ،‬وهي نزعة أخالقية لدى الكاتب‪،‬‬
‫وق��د ك��ان ت��وم��اس م��ان ضحية أخ�ل�اق البورجوازية‬
‫الصارمة‪ .‬ويتساءل بارغاس‪ :‬لماذا يعاقب الفنان بكل‬
‫تلك القسوة‪ ..‬وكل خطيئته أنه اكتشف اللذة متأخرا‬
‫على المستوى الذهني فقط؟‬

‫«المحراب» لوليام فوكنر‪:‬‬

‫ترصد ال��رواي��ة ق��اع باريس بشخصياته المنبوذة‬
‫ال �ت��ي اس �ت��وط �ن��ت ال �ه��ام��ش ال �ث �ق��اف��ي‪ ،‬أم ��ا الموقف‬
‫األخالقي لميلر‪ ،‬فيلخص في أنه ال يجوز للفرد أن‬
‫يضحي بأهوائه ونزواته‪ ،‬ويجب المطالبة بها بإلحاح‬
‫أمام الزحف الجائر للحداثة التي تهدد بمحوها‪ ..‬هي‬
‫نزعة فردية متطرفة ليحافظ على حريته‪ .‬وفي روايته‬
‫حقق التوازن بين فوضى التلقائية والحدس المحض‬
‫والتحكم العقالني في العمل الروائي‪ ،‬رغم انتصاره‬
‫ل�لأه��واء واألح��اس�ي��س‪ .‬ويخلص يوسا إل��ى أن كتاب‬
‫ميلر جميل‪ ،‬وفلسفته مؤثرة رغم سذاجتها‪ ،‬وال توجد‬
‫حضارة يمكنها الصمود أمام فردية متطرفة‪ ،‬باستثناء‬
‫تلك التي تكون مستعدة إلرج��اع اإلنسان إلى العصر‬
‫البدائي‪.‬‬

‫ه��ي اب�ت�ك��ار أف�ظ��ع حكاية يمكن تخيلها‪ ،‬حكاية‬
‫قاسية حد العبث‪ ،‬لكن يلعب الشكل فيها دور البطل‪،‬‬
‫فهو شديد الحضور في السرد‪ ،‬والرواية تبقي جزءًا «حسناء من روما» البرتو مورافيا‪:‬‬
‫من الحكاية خارج السرد‪ ،‬متروكا لنزوة‬
‫يعترف بأنه قرأها أول مرة حين كان‬
‫القارئ‪ ،‬والتالعب بمعطيات الحكاية‬
‫م ��ازال صبيا ي��رت��دي ال�ت�ب��ان‪ ،‬متحديا‬
‫ال�م�خ�ت�ل�س��ة ل �ف��ائ��دة ال� �ق ��ارئ األكثر‬
‫الحظر العائلي لجديه وأمه‪ ..‬ويصنفها‬
‫ب��راع��ة‪ .‬ال ��راوي ال يكشف عما تفكر‬
‫ضمن قمم الواقعية الجديدة بإيطاليا‪.‬‬
‫فيه الشخصية‪ ،‬ويقفز إل��ى حركات‬
‫ال��رواي��ة ال يصدقها إال ال�ق��ارئ الذي‬
‫وأفعال يكشف عنها فيما بعد بشكل‬
‫يتخلى ع��ن ال��وه��م ال��واق�ع��ي‪ ،‬ويستعد‬
‫مباغت‪ .‬ويرى ماريو أن األدب الخيالي‬
‫ليعيش في ن��زوة أدبية‪ ،‬وقد برع فيها‬
‫عملية تطهير‪ ،‬فكل ما يكبت في الحياة‬
‫مورافيا في رسم البورتريهات النفسية‪،‬‬
‫الواقعية لضمان استمراريتها‪ ،‬يجد‬
‫وال يرى ماريو ما يبرر تلك الضجة التي‬
‫فيها ملجأ وأح�ق�ي��ة ل�ل��وج��ود‪ ،‬وحرية‬
‫رافقت ال��رواي��ة‪ ،‬فالمشاهد الجنسية‬
‫للعمل على نحو أكثر إيذاء ورعبا‪.‬‬
‫معظمها تافهة تقريبا‪ ،‬والساردة ‪-‬رغم‬
‫ش� ��ذوذه� ��ا‪ -‬ت �ظ �ه��ر أخ�ل�اق ��ا صارمة‪،‬‬
‫«مدار السرطان» لهنري ميلر‪:‬‬
‫وجسارة الكتاب الوحيدة هي ال أخالقية األم‪ ،‬التي‬
‫يعتبرها الناقد كتابا عظيما ورجيما‪ ،‬راجت حوله‬
‫تكاد تكون شاهدة عيان على لقاءات ابنتها مع زبائنها‪،‬‬
‫األساطير قبل ثالثين عاما‪ ،‬فقرأه وانبهر به‪ ،‬واكتشف‬
‫مع صعوبة تخيل ه��ذا التفصيل الهامشي‪ ..‬ويختم‬
‫أن فضائحيته ليست بسبب المقاطع اإلباحية‪ ،‬وإنما‬
‫مقاله باإلشارة إلى أن تغيرات عقلية القراء‪ ،‬بعد هذه‬
‫بسبب ابتذاله وعدميته‪ ،‬ورغم انتهاك أدب ميلر ‪-‬وهو‬
‫األربعين سنة‪ ،‬سيجعلهم يقرؤون الرواية دون السقوط‬
‫الذي عاش بوهيميا‪ -‬للمقدسات‪ ،‬مهمته تذكير البشر‬
‫في األحكام الجاهزة‪.‬‬
‫بأن المدينة التي يسكنونها مهما بدت عامرة‪ ،‬فهناك‬
‫شياطين مختبئة ف��ي ك��ل م �ك��ان‪ ..‬يمكن أن تسبب «لوليتا» لفالديمير نابوكوف‪:‬‬
‫الطوفان في أي لحظة‪.‬‬
‫مع انتشار الرواية ذاع مصطلح «لوليتا»‪ ،‬كناية عن‬

‫‪94‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫ن�������������������������������������ق�������������������������������������د‬

‫فاز األديب البيروفي ‪  ‬ماريو بارغاس يوسا (‪ 74‬عام ًا) بجائزة«نوبل‬
‫احتفاء‬
‫السويدية‬
‫اآلداب» لعام ‪2010‬م‪ .‬وقد اختارته األكادميية‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫جتسد «هيكليات السلطة»‪ ،‬وتتويج ًا لـ«صوره احلادة‬
‫بأعماله التي‬
‫ّ‬

‫عن مقاومة الفرد ومت��رده وفشله»‪ .‬صاحب «حفلة التيس»‪ ،‬أحد‬
‫باإلسبانية شهرةً ‪ ،‬وقد نقلت معظم أعماله‬
‫أكثر األدباء الناطقني‬
‫ّ‬

‫العربية‪ .‬وتلقّ ى صاحب «من قتل بالومينو موليرو»‪ ،‬نبأ‬
‫إلى املكتبة‬
‫ّ‬

‫األميركية‪،‬‬
‫فوزه في اتصال هاتفي‪ ،‬أثناء وجوده في والية نيوجيرسي‬
‫ّ‬

‫يدرس في جامعة «برينستون»‪ .‬وسيتسلّم اجلائزة في السويد في‬
‫حيث ّ‬

‫كانون األول (ديسمبر)‪ ،‬خالل االحتفال الرسمي بجميع الفائزين‪.‬‬

‫المرأة‪/‬الطفلة‪ ،‬المتحررة دون علمها‪ ،‬والتي ترمز في العالقة بين المتخيل والمعيش‪ ،‬الحرب بين الجنسين‪،‬‬
‫الالوعي إلى ث��ورة األخ�لاق المعاصرة‪ ،‬وال��رواي��ة من تحرير ال�م��رأة والوضعية االستعمارية والعنصرية‪،‬‬
‫األح��داث التي مهدت لـ»عصر التسامح الجنسي»‪ ..‬وال ��رواي ��ة ل�ي�س��ت وص �ف��ة ض��د اس �ت�لاب ال��م��رأة في‬
‫ت�لاش��ي ال �ت��اب��وه��ات ب�ي��ن ال�م��راه�ق�ي��ن ف��ي الواليات المجتمع المعاصر‪ ..‬إنها رواية حول األوهام الضائعة‬
‫المتحدة األمريكية وأوربا الغربية‪ .‬إنها استعارة تعكس للمثقفين وفشل اليوتوبيا‪ ،‬بعيون امرأة‪ ،‬وبالمعنى الذي‬
‫شعو َر كاتبها كأوربيٍّ شرقيٍّ ‪ ،‬أحس بخيبة أمل شديدة‬
‫يريده عشاق القيامة‪.‬‬
‫تجاه الواليات المتحدة‪ ،‬بسبب ما فيها من قلة نضج‪،‬‬
‫«إيروس في الرواية»‬
‫بعد حبه الجارف لها‪...‬‬
‫ك�ت��اب ي �ق��دم‪ ،‬وبحميمية م�ب��دع ف��ي ح�ج��م ماريو‬

‫«ب���ي���ت ال��ج��م��ي�لات ال���ن���ائ���م���ة» لياسوناري‬
‫ب��ارغ��اس ي��وس��ا‪ ،‬وبلغته اإلب��داع�ي��ة‪ ،‬ق ��راءات ف��ي أهم‬
‫كاواباتا‪:‬‬

‫يتحدث في مستهل ورقته عن قراءة نص مترجم رواي � ��ات ال��ق��رن ال �ع �ش��ري��ن‪ ،‬ق � ��راءات ت�لام��س عمق‬
‫وما قد يفقده أثناء رحلته اللغوية من عطور النص النص‪ ،‬ومن داخل المطبخ اإلبداعي‪ ،‬وهذا ما يفشل‬
‫األصلي‪ ،‬ويشير إلى أن الرواية مستلهمة من التوراة‪ ،‬فيه النقاد األكاديميون غالبا‪ .‬الكتاب «رس��ال��ة حب‬
‫(وهي الرواية التي فتنت صديقه اللدود ماركيز‪ ،‬فكتب واعتراف بالجميل ألولئك الذين عشت بفضل كتبهم‪،‬‬
‫«ذاك��رة غانياتي الحزينات»)‪ ،‬وأنها ليست ذات نزعة خالل فتنة القراءة‪ ،‬في عالم جميل‪ ،‬متماسك ومفاجئ‬
‫طهرانية‪ ،‬بل تزخر بسفاحات وحشية تفضح فظاعة وكامل تمكنت‪ ،‬بفضله‪ ،‬من فهم العالم ال��ذي أعيش‬
‫الخطيئة‪.‬‬
‫فيه بشكل أفضل‪ ،‬ومن إدراك كل ما ينقصه أو يكفيه‪،‬‬

‫«المفكرة الذهبية» لدوريس ليسنغ‪:‬‬

‫ليكون قابال للمقارنة مع العوالم الرائعة التي يخلقها‬
‫األدب العظيم»‪ ،‬كما جاء في رسالة يوسا إلى وليد‬

‫الرواية إنجيل النسويين‪ ،‬وأنصار الرواية ومهاجموها‬
‫يعترفون بدورها كرواية تنتمي إلى عصرها‪ ،‬تطرقت سليمان‪ ،‬المترجم والمبدع التونسي الشاب الذي عرّب‬
‫إلى عدة مواضيع منها‪ :‬التحليل النفسي‪ ،‬الستالينية‪ ،‬الكتاب باقتدار وإحساس مرهف‪.‬‬
‫* ‬

‫كاتب وناقد من المغرب‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪95‬‬

‫فخري صالح‪ :‬الرواية السعودية تسجل‬

‫إجنازا ً عظيما وفوز عبده خال بالبوكر أكسب‬
‫الكتابة السردية السعودية زخما جديدا‬

‫> محمد محمود البشتاوي‬

‫ت��ركَ دراس��ة الطب بعد أرب��ع سنوات‬
‫ونصف‪ ،‬ليلتحق بكلية اآلداب‪ ..‬ويخوض‬
‫رحلة جديدة في دراس��ة النقد األدبي‪،‬‬
‫رغ��ب��ةً منه أن ي��ك��ون مثل عميد األدب‬
‫العربي طه حسين‪ ،‬الذي أشرقت صورته‬
‫ذهن صالح منذ أن كان طفالً‪.‬‬
‫في ِ‬
‫شَّ ��قَ طريقهُ عبر ال��ق��راءة التي يرى‬
‫فيها أولى حلقات النقد‪ ،‬في حين يعتبر‬
‫فخري صالح يوقع إدوارد سعيد في الرواية العربية الجديدة‬
‫أن ال ح��رك��ة ث��ق��اف��ي��ة دون ن��ق��دٍ يطرحُ‬
‫��اؤالت مبدعةٍ وخ�لاق��ةٍ ‪ ..‬ق��ادرة على‬
‫ت��س ٍ‬
‫حفر النصوص السردية والشاعرية‪ ،‬للخروج منها بما هو غائب عن القراءة األولى‪.‬‬
‫«الجوبة» التقت فخري صالح‪ ،‬في عمان‪ ،‬على هامش ملتقى السرد العربي الثاني (دورة‬
‫مؤنس الرزاز)‪ ،‬وتحدثت معه في حوارٍ صحافيٍّ عن ملتقى السرد‪ ،‬وقضايا النقد‪ ،‬واإلبداع في‬
‫الوطن العربي‪.‬‬
‫< نود لو تعرض لنا صورة ملتقى السرد‬
‫العربي الثاني‪ ،‬وما الجديد الذي جاء‬
‫به الملتقى؟‪.‬‬
‫> حملت الدورة السـابقة في ملتقى السرد‬
‫العربي اس��م ال��روائ��ي األردن��ي «غالب‬

‫هلسا» الذي عاش في ال��دول العربية‬

‫وع��اد في ت��اب��وت‪ ،‬أم��ا ال��دورة الحالية ‬

‫‪96‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫فتعقد تحت ع�ن��وان «م��ؤن��س الرزاز»‪،‬‬

‫وهو روائ��ي أردن��ي توفي عام ‪2002‬م‪،‬‬
‫وأردنا في رابطة الكتاب األردنيين أن‬
‫نقدم تحية لهذا الروائي الكبير الذي‬

‫لم يتجاوز عمره إحدى وخمسين سنة‪،‬‬

‫وهو أيضا صديق شخصي حميم‪.‬‬

‫كان إسهام ال��رزاز أساس ّيًا في تطوير‬

‫م�م��ن يمكن أن نطلق عليهم ص�ف��ة تطوير‬

‫بحثت ع��ن األس �ب��اب ال�ت��ي ق��د ت�ك��ون خلف‬

‫القليلة التي تعد على أصابع اليد الواحدة‬
‫الكتابة الروائية األردنية‪ ،‬فأصبحت توازي‬

‫ما يكتب في مراكز إنتاج الرواية في العالم‬
‫العربي مثل القاهرة‪،‬‬

‫وأزمتها عربيا‪ ..‬بوصفها نوعاً أدب�ي�اً‪ ،‬وقد‬

‫خفوت هذا النوع األدبي‪ ..‬مقارنة مع األنواع‬
‫األخ ��رى وخ�ص��وص��ا ال��رواي��ة‪ .‬وح��اول��ت من‬
‫خ�لال استقراء ظروف‬

‫وب��ي��روت‪ ،‬ودمشق‪،‬‬

‫نشأة القصة القصيرة‬

‫وب�غ��داد‪ ،‬والعواصم‬

‫ف ��ي ال��ع��ال��م والوطن‬

‫العربية األخرى‪.‬‬

‫ ‬

‫ال � �ع� ��رب� ��ي‪ ..‬التعرف‬

‫على األسباب الممكنة‬

‫ال أظ���ن أن هناك‬

‫ال�� �ت� ��ي ج� �ع� �ل ��ت ه� ��ذا‬

‫ج� ��دي� ��دا ف� ��ي هذا‬

‫ال�م�ل�ت�ق��ى‪ ..‬إال أنه‬

‫يحاول إلقاء الضوء‬

‫المتعددة التي تكتب بدءاً بالقصة القصيرة‬
‫وانتهاء بالسيرة الذاتية‪ .‬وقد ركزت األبحاث‬
‫التي قدمها باحثون ونقاد من األردن والدولة‬

‫العربية‪ ،‬وتركية وروسية‪ ،‬على دراسة نظرية‬

‫السرد‪ ،‬وأشكاله‪ ،‬وتعالق السرد الذاتي في‬
‫األشكال الروائية والسردية المختلفة‪ .‬وهناك‬
‫بعض الدراسات واألوراق الالفتة التي قدمت‬

‫في الملتقى‪ .‬يضاف إلى ذلك أن هناك جلسة‬

‫متخصصة في أدب مؤنس ال��رزاز الروائي ‬
‫بعض كتاباته التي تجنح‬

‫إلى االعتراف بنوازعه‬
‫الداخلية‪ ،‬لتقديم جردة‬
‫حساب مع العالم‪.‬‬

‫< م����اذا ق��دم��ت ف���ي هذا‬
‫الملتقى؟‬

‫ال� �ن ��وع األدب � ��ي ‪ -‬في‬

‫عبده خال‬

‫على السرد بمفهومه المعاصر؛ أي األشكال‬

‫وال� �ق� �ص� �ص ��ي‪ ،‬وحتى‬

‫م������������������واج������������������ه������������������ات‬

‫الكتابة الروائية في األردن‪ ،‬ويعد من األسماء ‬

‫تمحورت مشاركتي ح��ول القصة القصيرة‬

‫ال �س��اب��ق ‪ -‬مزدهراً‪،‬‬

‫على الرغم أنه اليوم يواجه أزمة ليست في‬
‫الكتابة نفسها‪ ،‬وإنما في عملية تسويق هذا‬
‫العمل؛ فدور النشر والصحافة تحجمان عن‬
‫نشر المجموعات القصصية‪ ،‬ويضاف إلى‬

‫ذلك؛ أن الرواية تحظى باهتمام كبير سواء‬
‫في الوطن العربي‪ ،‬أو العالم‪ ،‬وتخصص لها‬

‫ال �ج��وائ��ز‪ ،‬م��ا ي��دف��ع بكتاب ال �س��رد للتحول‬
‫باتجاه الرواية‪ ،‬وهناك عدد كبير ممن تحول‬
‫عن كتابة القصة القصيرة‪.‬‬

‫وح ��اول ��ت م��ن خ�ل�ال ورق �ت��ي أن أت �ن �ب��أ بما‬

‫< أن���ا ض��د ال��ن��ظ��ري��ة ال��ق��ائ��ل��ة بأن‬
‫العرب نقلوا الرواية عن الغرب‪.‬‬
‫< ال��رواي��ة الس ــعودية تقف اليوم‬
‫ع��ل��ى خ���ارط���ة األن�������واع األدبية‬
‫العربية وأهمية أدب عبده خال‬
‫ال تتأتى م��ن ال��ب��وك��ر‪ ،‬وإن��م��ا من‬
‫انتشار رواياته‪.‬‬

‫ي �م �ك��ن أن ي �ح �ص��ل لهذا‬

‫النوع األدبي‪ ،‬خصوصا أن‬

‫الثورة التكنولوجية الهائلة‪،‬‬

‫ووسائط انتقال المعلومات‬
‫ف��ي ال��وق��ت ال �ح��اض��ر‪ ،‬قد‬

‫تسمح للكتابة القصصية‬
‫أن تنتشر ال ف��ي صيغتها‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪97‬‬

‫الورقية‪ ،‬وإنما إلكترونيا على المواقع‪ ،‬وهناك‬

‫منها المهرجانات‪ ،‬واألمسيات‪ ،‬والفضائيات‬

‫الكثير ممن يكتب «أشياء» ويسمونها قصصا‬

‫التي أصبحت تخصص برامج للشعر‪ ،‬فكيف‬

‫قصيرة‪ ،‬وينشرونها عبر اإلن�ت��رن��ت؛ األمر‬

‫يمكن القول إن ال��رواي��ة دي��وان العرب وهي‬
‫ت��وزع فقط من (‪ ) 5-4‬آالف نسخة‪ ،‬وربما‬

‫ال��ذي جعل القصة القصيرة م��دار اهتمام‬

‫أقل من ذلك‪ ..‬بينما الشعر يسمعه عشرات‬

‫القراء‪ ،‬بصرف النظر عن قيمة هذه األعمال‬

‫اآلالف وربما المئات؟‪.‬‬

‫المنشورة في اإلنترنت‪ ،‬وط��رائ��ق ووسائط‬

‫مختلفة‪ ،‬ونحن ال نناقش القيمة والنوعية‪ < ،‬م���اذا يعني أن يحصد ال��روائ��ي ع��ب��ده خال‬
‫وإنما طريقة انتشار النوع األدب��ي ومراتبية‬
‫ج��ائ��زة ال��ب��وك��ر العربية على صعيد النقد‬
‫هذه األنواع األدبية‪.‬‬

‫ ‬

‫واإلبداع؟‬

‫وف��ي ه��ذا السياق‪ ،‬ك��ان الشعر في ي��وم من > ه��ذه مناسبة شديدة األهمية بالنسبة إلى‬
‫األي ��ام يحتل المرتبة األول� ��ى‪ ،‬ف��ي التوزيع‬
‫السعودية‪ ،‬ألن جائزة البوكر العربية أقامت‬
‫داخل الوطن العربي؛ واآلن قد تكون الرواية‬

‫نوعا من الحراك في نشر الرواية واستقبالها‬

‫تحصد الرقم واحد عربيا‪ ،‬ثم يليها الشعر‪،‬‬

‫وقراءتها في العالم العربي‪ ،‬وهناك جوائز‬

‫ث��م القصة القصيرة‪ ،‬ث��م ال��دراس��ات؛ ولكن‬

‫أخرى تمنح للرواية‪ ..‬ولكن تنظيم البوكر هو‬

‫ليست لدي دراسات دقيقة في هذا الصدد‪،‬‬

‫الذي يدفع بالرواية إلى دائرة االهتمام في‬

‫وإنما اعتمد في قراءتي على متابعتي لسوق‬

‫مجال النشر والقراءة‪ ،‬وخصوصا أنها ‪ -‬أي‬

‫الكتاب في الوطن العربي‪ ،‬وأظن أن الرواية‬

‫الجائزة ‪ -‬تتبع الطريقة نفسها التي تتبعها‬

‫تحتل المرتبة األول��ى دون أن يعني ذلك أن‬

‫م��ؤس�س��ة م��ان ب��وك��ر ال�ب��ري�ط��ان�ي��ة‪ ،‬الشريك‬

‫ال��رواي��ة أصبحت «دي��وان العرب» كما يقول‬
‫الصديق الناقد المصري الكبير الدكتور‬
‫ج��اب��ر ع �ص�ف��ور؛ ألن ال�ش�ع��ر ينتشر عربيا‬

‫المنظم لجائزة البوكر العربية‪.‬‬
‫ ‬

‫وس �ي��اس��ة ال �ب��وك��ر ت �ق��وم ع�ل��ى اإلع �ل�ان عن‬
‫القائمة الطويلة المكونة م��ن (‪ )16‬رواية‪،‬‬

‫عبر طرائق أخ��رى للوصول إل��ى الجمهور‪،‬‬

‫ثم يعلن عن القائمة القصيرة المكونة من‬
‫(‪ )6‬رواي��ات‪ ،‬وص��والً إل��ى المرحلة النهائية‬
‫التي يُعلن فيها عن الفائز‪ ،‬األمر الذي يضع‬
‫الروايات التي اختيرت في القائمة القصيرة‬
‫في واجهة االهتمام في الصحافة‪.‬‬
‫ ‬

‫فخري صالح والشاعر الفلسطيني موسى حوامده‬

‫‪98‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫وأشير أيضاً إلى تجربتي قبل عامين‪ ،‬عندما‬
‫كنت ع�ض��واً ف��ي لجنة التحكيم ف��ي جائزة‬
‫البوكر العربية‪ ،‬إذ الحظت اهتمام جمهور‬

‫تُحصى اطلعت عليها في الصحافة العربية‪،‬‬

‫ي�ل�ف�ت��ون االن �ت �ب��اه ‪ -‬ف��ي ال �س �ع��ودي��ة ‪ -‬مثل‬

‫في القائمة القصيرة‪ ،‬عالوة على كتابات ال‬

‫ال�ب�ل��دان العربية األخ ��رى‪ ،‬وه�ن��اك روائيون‬

‫وتوقعات وج��دل كبير حول رواي��ات القائمة‬

‫رجاء عالم‪ ،‬يوسف محيميد‪ ،‬الدكتور غازي‬

‫القصيرة ثم الرواية التي فازت‪ ،‬واألمر نفسه‬

‫القصيبي‪ ،‬تركي الحمد‪ ،‬سمر المقرن‪ ..‬الخ‪،‬‬

‫يتكرر م��ع ع�ب��ده خ��ال ورواي �ت��ه ال�ف��ائ��زة في‬

‫وأن��ا ال أقيِّم هنا بل أذك��ر أسماء‪ ،‬وأظ��ن أن‬

‫البوكر العربية ف��ي السنة‬

‫الكتّاب السعوديون دخلوا هذه‬

‫الحالية‪.‬‬

‫ ‬

‫الموجة بشكل متأخر جدا عن‬
‫العالم العربي في كتابة الرواية‬

‫أع� �ت� �ق ��د أن ع � �ب� ��ده خ ��ال‬

‫خالل القرن األخير‪.‬‬

‫س�ل��ط عليه ال��ض��وء‪ ..‬ألنه‬

‫م��ن ال��روائ�ي�ي��ن السعوديين‬

‫الرواية السعودية تسجل إنجازاً‬

‫يحظ‬
‫َ‬
‫ال��ب��ارزي��ن‪ ،‬ل�ك�ن��ه ل��م‬

‫ع �ظ �ي �م �اً؛ ب�م�ع�ن��ى أن الحركة‬

‫بعد أن رشحت رواي�ت��ه في‬

‫زخماً جديدا في نطاق الكتابة‬

‫بهذا االهتمام الذي مُني به‬

‫الثقافية ال�س�ع��ودي��ة اكتسبت‬

‫ال�ق��ائ�م��ة ال�ق�ص�ي��رة وصوال‬

‫السردية‪.‬‬

‫إلى فوزها بجائزة البوكر‪،‬‬

‫< بمعنى آخر‪ ...‬كسرت الصورة‬

‫وأنا ضد الضجيج الذي أثير‬

‫النمطية في السعودية ‪ -‬والخليج عموما ‪-‬‬

‫بعد ف��وز ال�خ��ال‪ ،‬وال�ق��ول أن لجنة التحكيم‬
‫كانت تريدُه خليج ّيًا! فإن هذا الكالم ال يحترم‬

‫الكاتب‪ ،‬أو لجان التحكيم‪ ،‬حتى وإن اختلفت‬
‫مع اللجنة الحالية‪ ،‬فأظن أن احترام االختيار‬

‫واجب‪ ،‬خصوصاً أن عبده خال من الروائيين‬

‫المعروفيين في الوطن العربي‪ ،‬ويستحق هذا‬
‫التكريم‪ .‬ومما ي��دل على أهميته كروائي‪..‬‬
‫ليس أن��ه ف��از بالبوكر‪ ،‬وإنما ه��ذا االنتشار‬

‫الواضح لرواياته وطباعتها غير مرة‪ ..‬هذا‬

‫هو المعيار الحقيقي لالهتمام ب��أدب عبده‬
‫خال‪.‬‬

‫ ‬

‫وفي ما يتعلق بالرواية السعودية‪ ،‬فأظن أنها‬
‫اآلن على خ��ارط��ة األن ��واع األدب�ي��ة العربية‪،‬‬

‫م������������������واج������������������ه������������������ات‬

‫القراء ودور النشر بالروايات التي اخترناها‬

‫وهي موجودة بصورة واضحة بين ما تنتجه‬

‫باعتبار أن المنتج السائد هو الشعر فقط؟!‬
‫ ‬

‫نعم هذا صحيح بشكل كامل‪ ،‬وثمة مقياس‬
‫آخر لو درسنا الموضوع من زاوية الترجمة ‪-‬‬

‫وأنا أستطيع أن أتحدث عن اللغة اإلنجليزية‬
‫‪ -‬إذ أن دور النشر البريطانية واألمريكية على‬

‫سبيل المثال ‪ -‬وضعت رواية «بنات الرياض»‬
‫ضمن قوائم الروايات الناجحة‪ ،‬عالوة على‬

‫أن أدب يوسف المحيميد ترجم أيضاً إلى‬

‫اللغة اإلنجليزية‪ ،‬ومن المؤكد أن عبده خال‬
‫بعد حصوله على ج��ائ��زة البوكر‪ ،‬سيترجم‬
‫إلى اإلنجليزية واأللمانية والفرنسية ولغات‬

‫أخ ��رى‪ ،‬وه��ذا كله يكسر ال �ص��ورة النمطية‬
‫ليس فقط ع��ن الحركة الثقافية‪ ،‬ب��ل وعن‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪99‬‬

‫القصصية أو الشعرية‪ ،‬وفي القراءة الثانية‬

‫السعودية نفسها في وصفها دولة محافظة‪..‬‬

‫أكتشف النص الذي أكتب عنه‪ ،‬وما أستغربه‬

‫وأن الدين مسيطر فيها بصورة شاملة‪ ،‬وأظن‬

‫هو اكتشافي ألشياء جديدة أثناء كتابتي عن‬

‫أن المجتمع السعودي به حراك‪ ،‬وهو متجدد‬

‫النص‪ ،‬أي أن العمل النقدي يكشف لي ما‬

‫ومتغير‪ ،‬وبه تيارات من التفكير االجتماعي‬

‫كان غائبا عني أثناء القراءة‪.‬‬

‫والسياسي المختلف‪.‬‬
‫< ك��ي��ف ي��دي��ر ال��دك��ت��ور ف��خ��ري ص��ال��ح عملية ‬

‫والكتابة النقدية متعة وليست مهنة‪ ،‬وإذا لم‬
‫أحبُ األعمال التي أتناولها في النقد فإني –‬

‫النقد؟‪.‬‬

‫عادة‪ -‬أعاني من صعوبات في الكتابة عنها‪،‬‬

‫> أن ��ا ن�ف�س��ي ال أع �ل��م ح �ت��ى أج �ي �ب��ك بصورة‬

‫ولكن هناك أحياناً رغب ًة تعليمية ورغب ًة في‬

‫واضحة‪ ،‬ولكن أود أن أوض َح أني تركتُ كلية‬

‫الكشف عن بعض األخطاء والمشكالت التي‬

‫الطب بعد دراستي فيها أربع سنوات ونصف‪،‬‬

‫تقيم داخل النص‪.‬‬

‫ألنتقل إلى دراسة األدب واللغة‪ ،‬ألني أحب‬

‫< هل المنتج السردي العربي دخ��ل األسواق‬

‫األدب‪ ،‬ومنذ صغري تستهويني ص��ورة طه‬

‫العالمية؟‬

‫حسين الناقد واألديب‪ ،‬األمر الذي رسّ خ لديّ‬
‫رغب َة أن أكون ناقداً‪ ،‬ولهذا السبب أنا أكتب‬

‫> ال أستطيع أن أجيب إال بنعم‪ ،‬ألن الرواية‬

‫النقد‪ ،‬ألني أحبه‪ ،‬ولم أكن شاعراً أو روائياً‬

‫والقصة العربيتين أصبحتا حاضرتين بقوة‬

‫فاشالً‪ .‬ثم انتقلتُ إلى النقد كما هي الصورة‬
‫النمطية الشائعة عن النقاد‪ ،‬وال يمنع ذلك أن‬
‫امرئ‬
‫ٍ‬
‫أكتب الرواية في يوم من األيام‪ ،‬فلكل‬

‫على قوائم دور النشر في العالم‪.‬‬
‫ ‬

‫ف��ي ال��وط��ن العربي‪ ،‬وك��ان��ت أس�م��اء ال ُكتّاب‬

‫منا رواية في داخله يرغب في سردها‪.‬‬
‫ ‬

‫العرب قليلة التداول عربيا‪ ،‬وتعد على رؤوس‬

‫ف��ي ال�ب��داي��ات كنتُ مؤمناً ببعض التيارات‬

‫األصابع‪ ،‬فنجد‪ :‬توفيق الحكيم وطه حسين‬

‫النظرية في النقد األدبي‪ ،‬وبعد أن نضجتُ –‬

‫وعلى نطاق ضيق في الفرنسية والسويدية؛‬

‫أصبحت أض ُع هذه النظريات‬
‫ًُ‬
‫كما أعتقد ‪-‬‬

‫في حين نشهد اليوم كتاباً شباباً من الوطن‬

‫ال‬
‫خلفي‪ ،‬وأت �ن��اول العمل بوصفه نصاً قاب ً‬

‫العربي يترجمون إلى لغات أساسية لها أكبر‬

‫للقراءة واالك�ت�ش��اف‪ ..‬ف��ي حين أن ثقافتي‬
‫ومعرفتي النظرية تتسرب في ما أكتبه‪.‬‬
‫ ‬

‫ع ��ادة أح� ��اول أن أق ��رأ ال �ن��ص ق� ��راءة أولى‬
‫ألكتشف ع��وال�م��ه‪ ،‬ث��م أع�ي��د ق��راءت��ه ألكتب‬

‫سابقاً لم تكن الروايات تحظى باهتمام شديد‬

‫عدد من الناطقين بها في العالم‪.‬‬
‫ ‬

‫وربما يكون فوز نجيب محفوظ عام ‪1988‬م‬
‫بجائزة نوبل لآلداب‪ ،‬قد لفت انتباه دور النشر‬
‫في العالم إلى أن هناك أدباً يستحق الترجمة‬

‫ع �ن��ه‪ ..‬إن ك�ن��ت أرغ���ب ت�ق��دي��م ن��ص نقدي‬

‫إلى تلك اللغات‪ ،‬كما أسهمت أحداث الحادي‬

‫تحليلي يعالج ه��ذه ال��رواي��ة أو المجموعة‬

‫عشر م��ن سبتمبر ع��ام ‪2001‬م ف��ي تركيز‬

‫‪ 100‬اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫العربي‪ ،‬وهناك أسباب‬
‫غير ثقافية وغير أدبية‬

‫وراء ه � ��ذا االنتباه؛‬
‫فثمة دوائ��ر في الغرب‬

‫ومنها دور النشر تريد‬

‫< ث��م��ة ج��ه��ات غ��رب��ي��ة ت��س��ع��ى إلى‬
‫ال��ق��ي��م��ة األن���ث���روب���ول���وج���ي���ة في‬
‫األعمال السردية العربية‪.‬‬
‫< العمل النقدي يكشف لي ما كان‬
‫غائبا عني أثناء القراءة‪.‬‬

‫أن تتعرف على كيفية‬

‫ ‬

‫أن��ك ن��اج � ٌح ف��ي م��ا تكتبه‪،‬‬

‫وال يشير إلى النوع األدبي‬

‫الذي تكتبه‪.‬‬
‫ ‬

‫ب � �ع� ��د أن قمنا‬

‫بتصحيح الصياغة بين من‬

‫يسمون مبدعين والنقاد‪،‬‬

‫تفكير هذا الجزء من العالم الذي يحتضن‬

‫أود اإلش��ارة إلى أن الناقد له مشروعه كما‬

‫نوع من الهجوم‪ ..‬السيما في منطقة الخليج‬

‫ال��ذي يكتب نصاً مفتوحاً‪ ،‬ودون أن يكون‬

‫وكما هو متعارف عليه‪ ،‬فإن الكتابة السردية‬

‫تتطور‪ ،‬وال يمكن أن تنشأ حركة ثقافية دون‬

‫ألن التاريخ الرسمي مراقب‪ ..‬فال يقدم صورة‬

‫وأنا أقصد النقاد المبدعين ممن يطرحون‬

‫«إرهابيين محتملين»‪ ،‬األمر الذي يشير إلى‬

‫لكاتب ال��رواي��ة أو ال�ش��اع��ر أو ال �ق��اص‪ ،‬أو‬

‫العربي‪ ،‬والعراق‪ ،‬وأحياناً مصر‪.‬‬

‫هناك ن�ق��اد‪ ..‬أظ��ن أن الحركة الثقافية ال‬

‫قادرة على تقديم تاريخ مختلف للمجتمعات؛‬
‫فعلية حقيقية للمجتمعات‪ ،‬ومن يكتب رواية‬
‫أو نصاً سردياً‪ ،‬يكتب بطريقة تخييلية تجعل‬

‫القارئ يعيد تشكيل صورة المجتمعات‪ ،‬األمر‬

‫الذي جعل من األدب العربي محط اهتمام‬

‫ل��دى دور النشر‪ ،‬ويترجم بكثرة‪ .‬ورغ��م أنه‬

‫يكتسب قيمة فنية‪ ،‬فإن القيمة األنثروبولوجية ‬
‫‪ -‬في األعمال السردية ‪ -‬هي ما تسعى إليه‬

‫دور النشر وبعض الجهات في الغرب‪.‬‬

‫< الناقد والمبدع‪ ..‬صوَّ رهما البعض كأنهما‬

‫م������������������واج������������������ه������������������ات‬

‫ال�ك��ام�ي��را ع�ل��ى الوطن‬

‫الوصف‪ ،‬ألن اإلبداع يعني‬

‫أسئلة‪ ،‬والنقاد يطرحون األسئلة في العادة‪،‬‬
‫أسئلة على الواقع الثقافي‪ .‬وأعتقد أن بعض‬

‫الروائيين والشعراء وكتاب القصة يكتشفون‬
‫نصوصهم من خ�لال دراس��ة نقدية مبدعة‬
‫وخ�لاق��ة‪ ،‬م��ا يجعلهم يلتفتون إل��ى الطاقة‬

‫الكامنة في نصهم اإلبداعي‪.‬‬
‫< ‬

‫بناء على ما تفضلت ب��ه‪ ،‬ي��رى بعض‬

‫األدباء أن النقد تفوق على المنتج‪ ،‬ويحال‬
‫األم��ر إل��ى أن النقاد ي��س��ت��وردون النظريات‬
‫الغربية؛ فما قولك في ذلك؟‪.‬‬

‫ف��ي معركة وج����ود‪ ..‬فكيف تنظر إل��ى هذه‬
‫المعادلة؟‪.‬‬
‫> ال أظن أن العالقة الشائهة تقوم بين الناقد‬
‫وم��ا يسمى ب �ـ «ال �م �ب��دع» ع�لاق��ة صحيحة‪،‬‬
‫وأري� ��د أن أص �ح��ح أن ��ي أرف ��ض وص ��ف من‬
‫يكتبون أن��واع �اً أدب�ي��ة ف��ي ال��رواي��ة والقصة‬

‫والشعر باإلبداع مقابل تجريد النقاد من هذا‬

‫افتتاح ملتقى السرد العربي الثاني دورة مؤنس الرزاز‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪101‬‬

‫> ال أظ��ن أن النقد في العالم العربي متفو ٌق‬

‫األرب �ع �ي��ن س�ن��ة األخ��ي��رة أح��دث��ت ن�ق�ل��ة في‬

‫لهذه الدرجة‪ ،‬بل هو مأزوم‪ ،‬ولديه مشكالت‬

‫الكتابة الروائية العربية‪ ،‬هي نفسها التي‬

‫ل �ه��ا ع�لاق��ة ب��ال �ن �ق��ل‪ ،‬وع� ��دم إن� �ت ��اج ال���رؤى‬

‫استلهمت ال�ت��راث‪ ..‬وأن��ا ضد النظرية التي‬

‫النظرية‪ .‬وال أريد أن أقول النظريات النقدية‬

‫تقول إن ال�ع��رب نقلوا ال��رواي��ة ع��ن الغرب؛‬

‫العالمية‪ ،‬ألنها بال وطن‪ ،‬ورغم ذلك‪ ..‬وحتى‬

‫س تطور النوع‬
‫ألنه كالم غير دقيق‪ ،‬وإنما دُرِ َ‬

‫تكون ق��ادراً على تطوير الحقل ال��ذي تعمل‬

‫الروائي في الوطن العربي بصورة مغلوطة‬

‫فيه‪ ..‬يجب أن تنتج فيه‪ .‬ولألسف جمهرة‬

‫تقوم على استالب العرب تجاه الغرب في‬

‫النقاد العرب اليوم يقومون بعمليات القص‬

‫رؤية استشراقية رسخت فكرة أن البدايات‬

‫واللصق‪ ،‬وأح�ي��ان�اً الفن المشوّه للنظريات‬
‫ ‬

‫العربية تتمثل ف��ي ن�ه��اي��ات ال �ق��رن التاسع‬

‫النقدية التي يشتغلون عليها‪ ،‬أو ينقلونها‪.‬‬

‫عشر‪.‬‬

‫أعتقد أن الناجح اآلن هو النقد التطبيقي‪ ،‬‬
‫وهو أفضل بكثير من الدراسات النقدية‪ ،‬ألن‬

‫الرواية العربية تطورت بصورة متوازية من‬

‫األخيرة منقولة عن اآلخرين‪ ،‬وعندما تكتب‬

‫االلتفات إلى األن��واع السردية العربية التي‬

‫ن�ص��ك األدب���ي ال �خ��اص ب��ك‪ ،‬أو ح�ت��ى حول‬

‫كانت موجودة‪ ،‬والروايات األولى التي أنتجت‬

‫اآلداب األخ��رى‪ ،‬فإن النظريات تمتثل لك‪..‬‬

‫عربياً مثل رواي��ات أحمد ف��ارس الشدياق‪،‬‬

‫وتكون مبدعا في هذه الحالة‪ .‬أما أن تترجم‬

‫و«حديث عيسى بن هشام» لمحمد المويلحي‪،‬‬

‫وتلخص؛ فهذا عمل تعليمي ردي��ف للعملية‬

‫و«ليالي سطيح» لحافظ إبراهيم‪ ..‬الخ‪ .‬كلها‬

‫النقدية‪ ..‬ولكنه ليس أساسا‪.‬‬
‫ ‬

‫استلهمت أشكال المقامة‪ ،‬وألف ليلة وليلة‪،‬‬

‫أظن أن اإلبداع في الوطن العربي – الرواية‬

‫وكليلة ودم �ن��ة‪ ،‬ورس��ال��ة ال�غ�ف��ران‪ ،‬واألخبار‬

‫والشعر – أفضل ح��االً من النقد‪ ،‬وتعكس‬

‫العربية‪ ،‬فنشوء النوع الروائي العربي لم يكن‬

‫هذه األزمة النقدية عربياً أزمة المجتمعات‬

‫مجرد نقل وتقليد للنص الغربي ف��ي ذلك‬

‫نفسها‪ ..‬ألنها تمر في مرحلة قمع ومنع للنقد‬
‫بمفهومه العام؛ فكيف يمكن للنقد أن يعيش‬
‫والنقد الشامل ممنوع؟‪.‬‬
‫< هل تعتقد أن الروائيين العرب وظفوا في‬
‫ن��ص��وص��ه��م ال���ت���راث؟ أم أن ه��ن��اك قطيعة‬
‫معه؟‪.‬‬

‫خالل االحتكاك بالنص الروائي الغربي مع‬

‫الزمان‪.‬‬
‫ ‬

‫وعليه‪ ،‬هناك أع�م��ال كبيرة أن�ج��زت خالل‬
‫نصف ال�ق��رن األخ�ي��ر ف��ي ال��رواي��ة العربية‪،‬‬
‫وهي أعمال استلهمت التراث‪ ،‬مثل روايات‬
‫ن�ج�ي��ب م �ح �ف��وظ ال �ت��ي ت� �ج ��اوزت المرحلة‬
‫الواقعية‪ ،‬والمتشائل إلميل حبيبي‪ ،‬والزيني‬

‫> طبعاً وظف الروائيون العرب التراث‪ .‬وأظن‬

‫بركات لجمال الغيطاني‪ ،‬وجبرا إبراهيم جبرا‬

‫أن األع �م��ال األس��اس�ي��ة ال�ت��ي أنتجت خالل‬

‫بصورة أو ب��أخ��رى‪ ،‬وال�ي��وم يعود الروائيون‬

‫‪ 102‬اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫الشكل السردي الواقعي الذي كان ينتج في‬

‫العربية التي لم تستقطب كادراً يمتلكُ ثقافة‬

‫السابق‪.‬‬

‫مؤهلة للعمل في المجاالت الثقافية النقدية‪.‬‬
‫ال‬
‫ول��و أردتُ أن أض��رب ل��ك مث ً‬

‫وأن�� ��ا أع��ت��ب��ر أن التراث‬

‫ف��ي م��ا أك �ت �ب��ه ف��ي الصحافة‬

‫ف� ��ي ه � ��ذه ال �م �ن �ط �ق��ة من‬

‫اليومية ال �س �ي��ارة‪ ..‬لوجدتني‬

‫العالم متواصل م��ن آشور‬

‫أك �ت��ب ب �ط��ري �ق��ة م�خ�ت�ل�ف��ة عن‬

‫وب��اب��ل والفراعنة والتراث‬

‫األس� �ل���وب ال �م �ت �ب��ع ف ��ي بحث‬

‫ال� �س ��ري ��ان ��ي‪ ..‬ف �ه��و ت ��راث‬

‫مطول لمجلة علمية محكمة‪،‬‬

‫م �ت �ص��ل ال م �ن �ف �ص��ل‪ ،‬كما‬

‫أو مجلة تستهدف نوعا مختلفاً‬

‫يحاول البعض تصويره‪.‬‬

‫م��ن ال �ق��راء المتخصصين من‬

‫< ك���ن���اق���د م���ح���ت���رف ودارس‬

‫أس� ��ات� ��ذة ال��ج��ام��ع��ات وطلبة‬

‫للنقد‪ ،‬كيف يمكن معالجة‬

‫ال � ��دراس � ��ات ال �ع �ل �ي��ا‪ ،‬واألم� ��ر‬

‫اللغة الصحافية والشاعرية‬

‫مختلف أي �ض �اً ع �ن��دم��ا أكتب‬

‫في النقد؟‪.‬‬
‫> هناك أشكال ومستويات متعددة من النقد‪،‬‬
‫م��ن ضمنها م��ا يسمى «ال�ن�ق��د الصحافي»‬
‫ال��ذي نقصد به ص��ورة تبسيطية من النقد‬
‫الذي يكتب في الصحافة‪.‬‬
‫ ‬

‫رب �م��ا ي �ق��ول بعضهم إن ال�ن�ق��د الصحافي‬
‫هو نقد ضحل‪ ،‬وال يستند إلى رؤي��ة نقدية‬
‫واسعة‪ ،‬إال أن الصحافة تقدم نقداً مميزاً‬
‫من حين آلخر‪ ،‬وهذه وسيلة نشر من الصعب‬
‫أن تقول إن ما يكتبه جابر عصفور‪ ،‬أو صالح‬
‫فضل‪ ،‬أو عبدالله الغذامي‪ ،‬يشبه ما يكتبه‬
‫صحافي متدرب في صحيفة ما‪ ،‬يطلب منه‬
‫رئيس القسم أن يكتب عرضاً لكتاب‪ ..‬أو أن‬
‫يغطي ندوة؛ لذا علينا أن نقوم بتعديل النقد‬
‫الصحافي‪ ،‬ونفرقه عن النقد الذي يكتب في‬
‫الصحافة‪.‬‬

‫م������������������واج������������������ه������������������ات‬

‫ ‬

‫الجدد باستلهام التراث بصورة مختلفة عن ‬

‫مشكلة النقد العربي تكمن ف��ي الصحافة‬

‫كتاباً نقد ّيًا‪.‬‬
‫ ‬

‫ولألسف لم يتنبه النقاد العرب إلى الدور‬
‫التنويري للصحافة العربية‪ ،‬األم��ر الذي‬
‫تسبب ف��ي خ �س��ار ِة ع��دد كبير م��ن القراء‬
‫الذين كانوا يتابعون النقد خالل المرحلة‬
‫السابقة‪ ،‬فلو تنبه النقاد إلى دورهم التنويري‬
‫ووظيفتهم التعليمية الرفيعة المستوى‪ ،‬لكان‬
‫وضع النقد أفضل بكثير مما هو عليه اآلن‪،‬‬
‫لكن هؤالء النقاد ظهروا بالنظرية الغربية‪،‬‬
‫وق��ام��وا ب��إره��اب ال �ق��ارئ بما سميته يوما‬
‫«س�ل�اح ال�م�ص�ط�ل��ح»‪ ،‬ودج��ج��وا مقاالتهم‬
‫وأبحاثهم بعدد هائل من المراجع واألسماء‬
‫الغربية‪ ..‬وكأنهم يريدون أن يتعالموا على‬
‫القارئ دون أن يكون لهذا أثر فعلي حقيقي‬
‫في النص النقدي‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪103‬‬

‫كاتبة أدب األطفال املتألقة‪..‬‬
‫روضة الهدهد‬

‫> حاورتها د‪ .‬دعاء صابر‬

‫في محرابها‪ ..‬تتجمع الدمى‪ ،‬وتتحاور اللعب‪ ،‬وتشدو العصافير للبراعم‪ ،‬إنها مدرسة‬
‫متفردة‪ ..‬كرست حياتها للكتابة للطفل‪ ،‬فقدمت سلسلة حكايات بطولية لألطفال‪،‬‬
‫وسلسلة حكايات علمية‪ ،‬إضافة إلى سلسلة المسرح‪ ،‬وسلسلة حكايات الغول‪ ،‬وسلسلة‬
‫من قصص الصحابة‪،‬لقد قدمت للمكتبة العربية أكثر من خمسة وأربعين كتابا للطفل‪.‬‬
‫إنها المبدعة الكبيرة وكاتبة أدب األطفال المتألقة كزهر الروض‪ ..‬روضة الهدهد‪ ،‬مديرة‬
‫دار كندة للنشر والتوزيع‪ ،‬وعضو الهيئة الدولية لكتب األطفال والشباب ‪.IBBY‬‬
‫حصلت على عدة جوائز منها جائزة الدولة التقديرية في أدب األطفال باألردن عام‬
‫‪1999‬م‪ ،‬وجائزة خليل السكاكيني ألدب األطفال من رابطة الكتاب األردنيين عام ‪1995‬م‪،‬‬
‫وعلى درع سالح الجو الملكي األردني عام ‪1983‬م‪ ،‬وعلى جائزة المنظمة العربية للثقافة‬
‫والعلوم عام ‪1982‬م‪.‬‬
‫< المبدعة روض���ة ال��ه��ده��د‪ ..‬كيف ترى‬
‫الكتابة للطفل ف��ي الفترة الراهنة‪ ..‬‬
‫خ��اص��ة م��ع دخ���ول الكثيرين م��ن غير‬
‫ال��م��ت��خ��ص��ص��ي��ن إل�����ى ه�����ذا المجال‬
‫الصعب؟!‬

‫التي يحتل الغرب الجزء األكبر منها‪..‬‬
‫ف�� ��إذا م ��ا ن �ظ��رن��ا ل�ل�أع� �م ��ال األدبية‬
‫والتلفزيونية والمسرحية وحتى اللعب‪،‬‬
‫فمعظمها غ��رب��ي ال�ل�غ��ة والمضمون‪،‬‬
‫ب��ل ف��ي كثير منها م��ا ه��و عكس القيم‬
‫والمفاهيم اإلس�لام�ي��ة العربية‪ ،‬التي‬
‫نحرص على تزويد أطفالنا بها‪.‬‬

‫> الكتابة لألطفال رسالة وهدف‪ ،‬وجزء‬
‫من خطة تربوية شاملة‪ ..‬ضرورية ألبناء‬
‫هذا الوطن‪ ،‬وهي بحاجة إلى إبداعات < ب��ع��د ع��ش��رات األع���م���ال ال��ت��ي قدمتها‬
‫وعقول الكثيرين لملء الفراغ الموجود‬
‫روض��ة الهدهد لألطفال ف��ي مجاالت‬
‫ال الوطن‬
‫في ساحة أدب األطفال‪ ..‬فع ً‬
‫ال��ق��ص��ة وال��م��س��رح‪ ..‬ه��ل م��ا ت���زال في‬
‫العربي بحاجة إلى المزيد من إسهامات‬
‫جعبتها هدايا أخرى للطفل؟‬
‫أبنائه ومبدعيه‪ ،‬لرفد األطفال بالثقافة‬
‫‪ 104‬اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫ > يختلف ما أقوم به حالياً عما‬
‫قدّمته من زخم‪ ،‬تجلّى في ما‬
‫ال ي�ق��ل ع��ن خمسة وأربعين‬
‫ك �ت��اب �اً ل�لأط �ف��ال؛ صحيح أن‬
‫ما أقوم به هو روافد مختلفة‬
‫تصب في نهر ثقافة الطفل‪،‬‬
‫< ب��م تفسرين تشابه قصص‬
‫إال أنها مختلفة عما قمتُ به‬
‫األطفال في عالمنا العربي‪ ..‬وكأن‬
‫م��ن قبل؛ وم��ع ذل��ك ف�لا أزال‬
‫كل قصة مستنسخة عن األخرى‬
‫أعتقد أن األص��ل هو الكتاب‪،‬‬
‫في أحداثها وفكرتها‪ ..‬فهل هو عقم اإلبداع‬
‫فمنه ينجز العمل السينمائي أو التلفزيوني‬
‫العربي ع��ن كتابة أف��ك��ار ج��دي��دة وتقديمها‬
‫أو المسرحي‪ ..‬وق��د ب��دأتُ م��ؤخ��راً بسلسلة‬
‫بأسلوب شيق للطفل؟‬
‫للطفولة المبكرة عن القدس وعروبتها‪ ،‬آمل‬
‫أن أن�ج��زه��ا‪ ،‬ألهمية ال �ق��دس ومكانتها في > ل�ل�أس��ف‪ ..‬ف�ق��د ت��وق��ف ال �ع��ال��م ال �ع��رب��ي عن‬
‫العطاء الفكري للعالم‪ ،‬مع أنه لم يكن كذلك‬
‫نفوسنا‪.‬‬
‫فيما مضى؛ وما حكايات ألف ليلة وليلة إال‬
‫< نسمع كثيرا عن طقوس خاصة عند كتابة‬
‫م�ث��ال ص��ارخ على م��ا أع�ط��اه العالم العربي‬
‫األجناس األدبية المختلفة‪ ،‬كالرواية والقصة‬
‫للغرب من خيال وإب��داع‪ ،‬كان له األثر األكبر‬
‫والشعر‪ ..‬فهل الكتابة للطفل ‪-‬وهي من أهم‬
‫على معظم كتابهم‪ ،‬ولكننا اآلن في حالة األخذ‬
‫أنواع الكتابة‪ -‬تحتاج إلى طقوس خاصة؟‬
‫وليس العطاء‪ ..‬في حالة االنسحاب السياسي‬
‫والفكري والحضاري‪ ،‬ينطبق هذا على وزننا‬
‫> ق��د أفهم م��ن ال�س��ؤال أنها طقوس يبتدعها‬
‫ف��ي العلوم واآلداب والتأثير االقتصادي‪..‬‬
‫الكاتب عند كتابته لألعمال؛ س��وا ًء الروائية‬
‫أوان‬
‫وح��ت��ى ال �ع �س �ك��ري إن��ه��ا ٍ‬
‫أو القصصية أو األشعار‪..‬‬
‫ف��ذل��ك ال �ك��ات��ب ي��ق��ول إنه > ع��ل��ي��ن��ا أن ال نترك مستطرقة؛ الثقافة واح��دة من‬
‫أطفالنا نهب الفكر أعمدتها‪ ،‬ف��إذا ما تقدم وطننا‬
‫ال يكتب إال بعد أن يغسل‬
‫ال��غ��رب��ي أو الخيال ال�ع��رب��ي ف��ي م �ج��ال‪ ،‬ك��ان ال بد‬
‫ي��دي��ه‪ ،‬وي�ع��د فنجان قهوته‬
‫له أن يتقدّم في مجاالت أخرى‬
‫بيده‪ ..‬وآخر ال يبدأ الكتابة‬
‫المحض‪.‬‬
‫ومنها الثقافة واإلبداع‪.‬‬
‫إال ب �ع��د م �ن �ت �ص��ف الليل‪،‬‬
‫وث ��ال ��ث ب �ع��د ال �ف �ج��ر‪ ،‬وقد > أح�������ل�������م ب�����س�����ع�����ادة‬
‫< ه��ل أن��ت م��ع المباشرة عند‬
‫األط�����������ف�����������ال ع���ل���ى‬
‫قرأت نصا إبداعياً للكاتب‬
‫ال��ك��ت��اب��ة ل��ل��ط��ف��ل أم ضدها‪..‬‬
‫م�����س�����ت�����وى ال�����وط�����ن‬
‫ج�م��ال ح �م��دان ي�ص��ف تلك‬
‫البعض يرى أن المباشرة تقتل‬
‫العربي بأكمله‪.‬‬
‫الطقوس المختلفة‪ ،‬وينتهي‬
‫متعة التخيل والتشويق‪ ..‬فما‬
‫بأنها ال عالقة لها البتّة في > ن��ع��ان��ي م���ن ن�����درة أو رأيك؟‬
‫اإلبداع‪..‬‬
‫ق��ل��ة ال��ك��ت��اب الذين‬
‫> المباشرة بشكل عام مرفوضة‬
‫يكتبون لألطفال‪.‬‬
‫وم��ع تأييدي لهذا االستنتاج‪..‬‬
‫ف��ي األدب؛ ألن�ه��ا تقتل ‪-‬وكما‬

‫م������������������واج������������������ه������������������ات‬

‫أقول إن الطقس الخاص لي عند‬
‫الكتابة ه��و ت��وف��ر ال��وق��ت العزيز‬
‫والثمين لدي للكتابة‪ ..‬ذلك أنني‬
‫أنقطع‪ ،‬ولو فكرياً عما حولي‪ ،‬كي‬
‫أركز على الكتابة‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪105‬‬

‫تقولين أنت أيضاً‪-‬ـ متعة التخيل والتشويق‪..‬‬
‫ال منها في كثير من األحيان‪ ،‬يسهّل‬
‫ولكن قلي ً‬
‫تقديم الفكرة للطفل‪ ،‬بمعنى تبسّ ط المفاهيم‬
‫والمشاعر والتسلسل ال�ت��اري�خ��ي‪ ،‬والفكري‬
‫والزمني للطفل‪..‬‬

‫أصبحت‪ ،‬وبحكم هذا االحتالل الشرس‪ ،‬مليئة‬
‫بمفردات‪ :‬الشهداء‪ ،‬السجناء‪ ،‬المخطوفين‪،‬‬
‫الهدم‪ ،‬األنقاض‪ ،‬الخيام‪ ،‬طائرات األباتشي‪،‬‬
‫القنابل الفسفورية وال�ع�ن�ق��ودي��ة‪ ،‬الحصار‪،‬‬
‫ال �ج��وع‪ ،‬ال��خ��وف‪ ..‬م �ف��ردات ن �س��أل ال �ل��ه أن‬
‫ي�غ� ّي��ره��ا ب�ط��رد المحتلين لتصبح‪ :‬النصر‪،‬‬
‫الحريّة الكرامة‪ ،‬التّفوق‪ ،‬العلماء‪ ،‬علم الفضاء‪،‬‬
‫علم الذرّة‪ ،‬الفنون‪ ..‬الخ‪.‬‬

‫ه��ذه القصص ف�ق��ط‪ ،‬ول�ك��ن أي�ض��ا لألطفال‬
‫في الوطن العربي‪ ،‬وللفلسطينيين المشردين‬
‫والمشتتين في أنحاء الكرة األرضية‪.‬‬

‫> ما يزال وسيبقى‪ ..‬سيبقى للكتاب الورقي دور‬
‫قوي بين وسائل اإلعالم المختلفة‪ ..‬فخصائص‬
‫الكتاب الورقي تختلف عن خصائص أي وسيلة‬
‫اتصال أخرى‪ ..‬والمسألة ليست تنافسا سلبيا‬
‫ب�ي��ن وس��ائ��ط االت �ص��ال المختلفة‪ ،‬إن�م��ا هي‬
‫مسألة تكامل وتبادل أدوار‪.‬‬

‫< تحتل القضية الفلسطينية معظم قصصك‬
‫الموجهة ل�لأط��ف��ال‪ ..‬فهل يمكن توصيفها‬
‫بأنها النبض الحي الموجه لبراعم األرض‬
‫< في ظل وسائل اإلع�لام واألق��م��ار الصناعية‬
‫المحتلة؟‬
‫والقنوات الموجهة لألطفال‪ ،‬والتي أصبحت‬
‫> نعم يمكن توصيف قصصي بأنها النبض‬
‫تمثل جانبا كبيرا من اهتمامات الطفل‪ ،‬هل‬
‫ال�ح��ي للقضية الفلسطينية‪ ،‬وه��ي موجهة‬
‫قوي أم ال؟‬
‫ما يزال للكتاب الورقي دو ٌر ٌّ‬
‫ليس لبراعم األرض المحتلة الذين يعيشون‬

‫ إن ق �ض �ي��ة ف �ل �س �ط �ي��ن ه ��ي ق �ض �ي��ة العرب‬
‫األولى‪ ،‬والغرب أوجد هذا الكيان االحتاللي‬
‫االس� �ت� �ع� �م ��اري ال �ب �غ �ي��ض ف ��ي ه� ��ذه البقعة‬
‫الجغرافية‪ ،‬كي يسيطر على مقدسات هذه < لماذا ال نرى نقادا ألدب الطفل‪ ..‬على عكس‬
‫األم��ة العريقة التي حباها الله بالكثير من‬
‫مجاالت الكتابة األخرى التي تعج بالنقاد في‬
‫الخيرات‪ ،‬بدءاً بكونها أرض األنبياء والرسل‬
‫كل مجال؟‬
‫ومهبط الوحي‪ ،‬وصوالً إلى مكانتها الجغرافية > بالفعل‪ ،‬نقاد أدب الطفل أق��ل مما ه��و في‬
‫وس ��ط ال� �ع ��ال ��م‪،‬ووص ��وال إل ��ى ك �ن��وز الذهب‬
‫م�ج��ال النقد األدب ��ي لألجناس األخ ��رى من‬
‫األسود‪.‬‬
‫األدب‪ ،‬وقد يكون ذلك لعدم توافر عدد كاف‬
‫ < ه��ل تختلف ال��ق��ص��ة المكتوبة للطفل في‬
‫م��ن األع �م��ال األدب �ي��ة ال�م�ق��دم��ة لألطفال‪..‬‬
‫األرض المحتلة عنها لطفل‬
‫ف�ت��واف��ر األع �م��ال وتنوعها يغري‬
‫آخر؟‬
‫النقاد بدراستها وتحليلها‪.‬‬
‫> ال تختلف ال�ق�ص��ة المكتوبة‬
‫للطفل ف��ي األرض المحتلة‬
‫عن غيرها لألطفال اآلخرين‪،‬‬
‫ول�ك�ن��ك ك�م��ا ت��ري��ن اآلن‪ ،‬فإن‬
‫مفردات الطفل تحت االحتالل‬
‫‪ 106‬اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫وال�ح��ق أن المراكز العلمية‬
‫ ‬
‫وال�ج��ام�ع��ات عليها دور ب��ارز في‬
‫إي�ج��اد ه��ذا التخصص والتركيز‬
‫ع�ل�ي��ه‪ ،‬ح�ت��ى ي�ت�ط��ور أدب الطفل‬
‫وترتفع مستوياته‪.‬‬

‫ < حققت رواي���ة «ه���اري ب��وت��ر» أرب��اح��ا خيالية‪،‬‬
‫وطبعت منها ماليين النسخ‪ ،‬وتم ترجمتها‬
‫ل��ع��ش��رات ال��ل��غ��ات‪ ،‬ك��م��ا ص����ارت س��ل��س��ل��ة من‬
‫األج��زاء المتتابعة‪ ،‬إضافة إلى تحويلها إلى < هل هناك قصور في مجالت الطفل في الوطن‬
‫فيلم سينمائي ش��ه��ي��ر‪ ..‬فهل يتفوق علينا‬
‫العربي؟ وهل هي تكفى َن َه َم الطفل العربي؟‬
‫الغرب في مجال أدب الطفل؟‬
‫> مجالت األط�ف��ال ف��ي ال��وط��ن العربي قليلة‪:‬‬
‫�ج��د الزمان‬
‫> رواي ��ة «ه ��اري ب��وت��ر» ط�ف��رة ل��م ي� َُ‬
‫عدداً وتنوعاً وتوزيعاً وقراءة‪ ..‬وإقبال األطفال‬
‫بمثلها ال م��ن قبل وال م��ن ب�ع��د‪ ..‬وليس في‬
‫على مجالتهم قاصر وم �ح �دّد‪ ..‬ول��ن أدخل‬
‫تاريخ الكتب عموماً‪ ،‬وليس في كتب األطفال‬
‫في التحليل وال التفسير لتلك الظاهرة‪ ،‬فقد‬
‫فقط مثل هذه الظاهرة‪ ..‬فما حظيت أشهر‬
‫ش��ارك��ت ف��ي ع��دد م��ن ال �ن��دوات والمؤتمرات‬
‫األعمال الكالسيكية العالمية بمثل ما حظيت‬
‫لبحث ال�ظ��اه��رة‪ ..‬وأس�ب��اب وط��رق عالجها‪،‬‬
‫به رواي��ات «ه��اري ب��وت��ر»‪ ،‬وبالنسبة لي فإن‬
‫ولم أجد أي تطور في األمر‪..‬‬
‫الكتابات التي تعتمد على السحر والسّ حرة‬
‫ال تجذبني كثيراً‪ ،‬ولكن روايات «هاري بوتر» < ف��ي رأي���ك ه��ل ي��ع��ان��ي أدب ال��ط��ف��ل م��ن ندرة‬
‫ال��ك��ت��اب ال��ذي��ن ي��ق��دم��ون��ه م��ق��ارن��ة بالفنون‬
‫لها سحر كبير على عقول األط�ف��ال‪ ..‬حيث‬
‫اإلبداعية األخرى شعرا ورواية وقصة؟‬
‫تمتلئ بالخيال‪ ،‬إضافة إلى حبكتها المحكمة‪،‬‬
‫وأفكارها‪ ،‬وخيالها الواسع‪.‬‬
‫> الكاتب ال يصنف كاتب رواية أو قصة أو شعر‬
‫أو أدب أطفال إال بما يضيف من إنتاج إلى‬
‫< هل لكل حقبة زمنية منهجا مختلفا للكتابة‪..‬‬
‫ه��ذا الجنس أو ذاك‪ ..‬ف��إذا نجح ف��ي عدد‬
‫قديما كان األطفال يستمتعون باألساطير‪،‬‬
‫من القصائد أو قصص األطفال‬
‫وأُمُّ نا الغولة‪ ،‬والشاطر حسن‪،‬‬
‫صنّف شاعراً أو كاتبا لألطفال‪..‬‬
‫واألميرة المسحورة‪ ،‬فهل لكل‬
‫زمن ما يناسبه من القصص؟!‬
‫وه���ل ه��ن��اك قصصا صالحة‬
‫لكل زمن؟‬
‫> ال أعتقد أن لكل حقبة زمنية‬
‫منهاجاً مختلفاً للكتابة‪ ،‬بل‬
‫أعتقد أنه قد ينجح منهاجان‬
‫أو أك�ث��ر ف��ي حقبة واح���دة‪..‬‬
‫فلكل ك��ات��ب ط��ري�ق��ة مختلفة‬
‫ف ��ي ال �ت �ع �ب �ي��ر‪ ..‬واع �ت �ق��د أن‬
‫العمل الناجح يفرض نفسه‬
‫في كل زمان ومكان ومتلقي‪...‬‬
‫واألعمال الناجحة في العالم‬

‫م������������������واج������������������ه������������������ات‬

‫مثل كليلة ودمنة‪ ،‬وحكايات إيسوب‪ ،‬وقصص‬
‫ألف ليلة وليلة‪ ،‬تعيش في كل مكان وزمان‪.‬‬
‫فالعبرة بنجاح العمل‪ ..‬وإقبال القراء عليه‪.‬‬

‫وأعتقد ‪-‬كما أرى من عدد‬
‫ ‬
‫اإلص� � ��دارات ال�س�ن��وي��ة لألطفال‬
‫على مستوى الوطن العربي‪ -‬أننا‬
‫ن�ع��ان��ي م��ن ن ��درة أو ق�ل��ة الكتاب‬
‫الذين يكتبون لألطفال‪.‬‬

‫< أدب األط���ف���ال ب��ي��ن الواقع‬
‫وال����خ����ي����ال‪ ..‬ك���ي���ف ت�����رى روض����ة‬
‫ال��ه��ده��د ال��ط��ف��ل ال���ع���رب���ي‪ ..‬هل‬
‫يميل إلى الواقع أم يهتم بالقص‬
‫ال��غ��رب��ي ال��م��ل��يء بالمغالطات‬
‫والخيال كسوبرمان وسبيدرمان؟‬
‫> ‬

‫م��ن دراس� � ٍ�ة ل�م��ا يميل إليه‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪107‬‬

‫الطفل‪ ،‬س��وا ًء كتب الواقع أم‬
‫ال �خ �ي��ال‪ ..‬أرى أن األطفال‬
‫يحبون كافة أشكال القصص‪،‬‬
‫ال �خ �ي��ال �ي��ة م�ن�ه��ا والواقعية‪،‬‬
‫وال� �خ� �ي ��ال ال �ع �ل �م��ي وقصص‬
‫ال� �ت ��اري ��خ‪ ..‬ق �ص��ص األنبياء‬
‫وال ��رس ��ل واألب � �ط� ��ال‪ ..‬وحتى‬
‫ال� �ق� �ص ��ص ال� �ت���ي تسمينها‬
‫ب��ال�ق�ص��ص ال �غ��رب �ي��ة المليئة‬
‫ب���ال� �م� �غ���ال� �ط���ات وال � �خ � �ي� ��ال‬
‫ك �س��وب��رم��ان وسبيدرمان‪..‬‬
‫ي �ح �ب��ون �ه��ا وي �ق �ب �ل��ون عليها‪،‬‬
‫ويتفاعلون مع أحداثها‪.‬‬
‫ ‬

‫> ‬

‫< بعد رحلة طويلة أسست من‬
‫خاللها منهجا للكتابة للطفل‪..‬‬
‫بماذا تحلمين؟‬
‫> ‬

‫> الجوائز هي حوافز رائعة بالنسبة لإلنسان‬
‫ف��ي ح �ي��ات��ه‪ ،‬وب��ال �ن �س �ب��ة ل��ي م �ص��در سعادة‬
‫واعتزاز بما قدّمته في مجال أدب الطفل‪..‬‬
‫وال أكون طماعة لو قلت إنني أتمنى الحصول‬
‫على المزيد من هذه الجوائز من أرجاء الوطن‬
‫العربي وإن شاء الله تتحقق أمنيتي‪.‬‬
‫< لماذا لم تفكر روضة الهدهد في تقديم رواية‬
‫للطفل حتى اآلن؟‬
‫‪ 108‬اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫لدي العديد من األحالم‪..‬‬

‫أول��ه��ا ع �ل��ى ص�ع�ي��د حياتي‬
‫ ‬
‫الشخصية‪ ..‬هو تحرير فلسطين‪،‬‬
‫وال � �ع� ��ودة ل �م �س �ق��ط رأس � ��ي وهو‬
‫ي��اف��ا ال�س�ل�ي�ب��ة وم ��ن ث��م الصالة‬
‫ف ��ي ال �م �س �ج��د األق � �ص� ��ى‪ ..‬وقد‬
‫اختفى من أبوابه وساحاته منظر‬
‫الجنود المدججين حتى عظمهم‬
‫بالسالح‪..‬‬

‫أم ��ا ن �ح��ن ال��م��ر ُّب��ون وأولياء‬
‫األم � � � ��ور‪ ،‬ف �ع �ل �ي �ن��ا واج� �ب���ات‬
‫جسيمة‪ ،‬أن ال ن�ت��رك أط�ف��ال�ن��ا ن�ه��ب الفكر‬
‫ال�غ��رب��ي أو ال�خ�ي��ال ال�م�ح��ض‪ ،‬علينا موازنة‬
‫م��ا يعطى ألبنائنا وربطهم بالواقع وبالقيم‬
‫والعادات التي نتميز بها‪ ..‬فالتوازن في الفكر‬
‫هو أحد دعائم التوازن في الشخصية‪.‬‬
‫حصلت على العديد م��ن ال��ج��وائ��ز المهمة‬
‫ِ‬
‫< ‬
‫خ�لال رحلتك اإلب��داع��ي��ة‪ ،‬م���اذا تمثل تلك‬
‫ال��ج��وائ��ز الرفيعة المستوى لكاتبة كرّست‬
‫حياتها للطفل العربي؟‬

‫ال أدري؟!!‬

‫وثانيها وهو ما يؤرق حياتي‪..‬‬
‫ ‬
‫ه��و تحرير السجناء م��ن س�ج��ون إسرائيل‪،‬‬
‫فاحد عشر ألف أسير فلسطيني وسبعمائة‬
‫طفل‪ ،‬وأضع مائة خط تحت كلمة طفل‪ ،‬وكذا‬
‫مئة امرأة‪ ،‬هو ألم يؤرق حياتي فعالً‪ ..‬وأتمنى‬
‫أن يزول‪.‬‬
‫ ‬

‫وثالثها الحلم بسعادة األطفال على مستوى‬
‫الوطن العربي بأكمله‪ ،‬فأرى كل األطفال في‬
‫مدارسهم الرائعة من حيث الشكل واألثاث‬
‫والكتب والمعلمين األكفاء‪ ..‬وأراه��م يزورون‬
‫متاحف األطفال والنوادي والمراكز الثقافية‬
‫والترفيهية ف��ي ك��ل مناطقهم وتجمعاتهم‬
‫وق ��راه ��م‪ ..‬وأراه� ��م يتمتعون ب�ك��اف��ة حقوق‬
‫األط �ف��ال ف��ي المأكل والمسكن والمشرب؛‬
‫فأطفال الوطن العربي يستحقون الحقوق‬
‫أمة أخرجت‬
‫التي كفلها العالم‪ ،‬فهم أبناء خير ٍ‬
‫للناس‪.‬‬

‫> فواز جعفر*‬

‫** يسألني عنها!‬
‫قلت‪ :‬سل خضراء ال تعرف اخلوف‪..‬‬
‫ترحيبها‪« :‬من اجلوف إلى اجلوف»‪..‬‬
‫تنبئك عن متر وزيتون‪ ..‬ون‪ ..‬وما يعلمون‪..‬‬

‫** رمال (النفود) الذهبية‪..‬‬
‫بذراتها النقية‪..‬‬
‫حتكي قصة األق��دام التي رسمت طريق األمل‬
‫على صفيح األلم‪..‬‬
‫واأليدي التي نسجت بيوت الكرم‪..‬‬
‫والتحايا ندية‪..‬‬
‫ونفوس‪ ..‬تنساب قريحتها باملاء القراح‪ ..‬وتبقى أبية‪..‬‬

‫** (حلوة الجوف) وصاحبها‪ ..‬قصة‬
‫العشق األصيل ورمز البراءة‪..‬‬
‫و»السمح» في امتزاجهما‪..‬‬
‫كما التمرة‬
‫ّ‬

‫والقهوة‪ ..‬والعود في عبقهما‪..‬‬
‫كلما علت في السماء‪َ ..‬سما‪..‬‬
‫وكلما جادت‪ُ ..‬جو ُده منا‪..‬‬

‫يزداد عطاؤها‪ ..‬وال تبلغ عطاءه‪..‬‬

‫** ثالث عشرة مليون‪..‬‬
‫تحمل بركة الزيتون‪..‬‬
‫وتخبر زارع الغرقد‪ ..‬أن ارقد‪..‬‬
‫فثم مساحات خضراء‪ ..‬وقلوب تعرف النقاء‪..‬‬
‫حتو ُل‪ ..‬دونكم وما ترجون‪.‬‬
‫* ‬

‫** لم تكن أطالل تلك القالع األثرية‬
‫تعني شيئا‪..‬‬

‫ن����������������������������������واف����������������������������������ذ‬

‫اجلوف حلوة‬

‫لوال صنيعها فيمن يلعب في ساحتها‪ ..‬ويعتلي قمتها‪..‬‬
‫تُ َعلِّم الشموخ واإلباء‪ ..‬وهي حجارة صماء!‬
‫تمَ َ ّر َد (مارد)‪ ..‬وعلت قامة (الرجاجيل)‪..‬‬

‫(زع َبل) جرى‪ ..‬فامتألت به (سيْسرا)‪..‬‬
‫وخبر ْ‬

‫** ليس ثمة بحر هنا‪ ..‬تنساب‬
‫أمواجه‪ ..‬وتهدر‪..‬‬
‫لكن املنقب يجد‪..‬‬
‫«حتت السطح»‪ ..‬أمواجاً (حلوة)‪..‬‬
‫في القيم‪ ..‬يظهر الفرق‪ ..‬بني املظهر واجلوهر!‬

‫** المسافرون‪ ..‬والقاطنون‪ ..‬جميعهم يتغنون‬

‫بإشراقة شمس تبدي «شعقها» للواله املفتون‪..‬‬
‫كر ٌم‪..‬‬

‫مابني «زرقاء» و«جوف»‪..‬‬
‫وتباهي بغرس ظليل‪ ..‬وثمر يانع‪ ..‬وسمر عليل‪..‬‬
‫رى للضيوف‪ ..‬ليس خلفهم «مردوف»‪..‬‬
‫وقِ ً‬

‫** حين تضع قدمك في (الجوف)‪..‬‬

‫كل بيت سيقدم لك «حلوته»‪..‬‬

‫ميكنك مشاهدتها ف��ي ال �ط��رق��ات والشرفات‬
‫وبجانبك‪..‬‬
‫تفتح ذراعيها مرحبة بك!‬
‫(حلوة اجلوف)‪ :‬نق ّية‪ ..‬أب ّية‪ ..‬هد ّية‪..‬‬

‫كاتب من الجوف ‪ -‬السعودية‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪109‬‬

‫املجد لألنثى‬
‫> عبدالناصر بن عبدالرحمن الزيد*‬

‫هي أجمل الكائنات‪ ..‬أول البدايات‪ ..‬أعسل الحكايات‪..‬‬
‫ف��ي يومها ام����رأةً‪ ،‬وف��ي عيدها أمّ ���اً‪ ،‬وف��ي بركتها بنتاً‪ ،‬وفي‬
‫عمرها كله عَ روبةً عاشقةً وملهمةً معشوقة‪ ،‬وعلى كل حال من‬
‫أحوالها‪..‬‬
‫لها مع الله شأن‪ ..‬ولها مع محمد [ حكاية‪ ..‬ولها مع عموم‬
‫األنبياء واألولياء والسعداء والتعساء؛ بجنِّهم وإنسهم‪ ،‬وجدِّ هم‬
‫وهزلهم‪ ،‬وسرِّهم وجهرهم‪ ..‬ألف شأن‪ ،‬وألف حكاية‪ ،‬وألف ليلة‬
‫وليلة‪ ..‬كانت شهرزاد تنداح فيها حتى الصباح؛ إفصاح ًا مباح ًا وغير مباح‪.‬‬
‫هي أصل أول‪ ،‬ال ظل تابع وال ضلع {هو‬
‫الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها‬
‫زوجها}‪ .‬ال كما تدعي اإلسرائيليات من‬
‫خلقها من ضلع آدم! مما يفرح وينافح عنه‬
‫الذكور بشراسة ملا يُوحي بتدني الدرجة‪،‬‬
‫ف��ي (ال وع��ي) ال�ن��اس وجيناتهم الثقافية‬
‫فض ً‬
‫ال عن فلتات اللسان وطفح اجلوارح‪.‬‬
‫وما زلت أذكر إحدى البن ّيات القريبات وملّا‬
‫تتجاوز الثالثة من عمرها‪ ..‬حني أجابت‬
‫رف��ض وال��ده��ا طلبها مم��ازح�اً لها بقوله‪:‬‬
‫(ماما بعدين تخانقني)‪ .‬قائل ًة‪( :‬ال يا بابا‬
‫أنت رجل‪ ،‬عيب تخاف من ماما)‪ ..‬تأملوا‬
‫‪ 110‬اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫كيف انطبع في وعيها بالضرورة والبديهة‬
‫أن الرجل أهم وأول‪ ،‬مع أنها أنثى وغير‬
‫مم ِّيزة‪ ..‬وتعاملها الدائم والراحم مع أمها‬
‫ال مع أبيها‪.‬‬

‫المرأة‪..‬‬
‫هي األم ال��وال��دة (املنجبة) من بعد ذلك‪،‬‬
‫فهي التي تلد اإلنسان؛ وهي التي تلد هذه‬
‫احلقيقة في اإلنسانية كما يترافع بهذا‬
‫الرافعي يرحمه الله‪.‬‬
‫وم ��ا ح��اج�ت�ه��ا ل �ل �ن �ب � ّوة وه ��ي ال �ت��ي تلد‬
‫األنبياء وتؤدبهم وترضعهم وترعاهم ‪-‬على‬

‫وبهذا استحقت مجداً باذخاً ال يدانيه مجد‪.‬‬
‫وحتى التي لم تلد‪ ..‬فهي داخلة بهذا االعتبار‬
‫ ع�ل��ى ن �ح� ٍ�و م��ا ‪ -‬ألن �ه��ا أم ب��ال�ق��وة ك�م��ا يقول‬‫املناطقة‪ ،‬وألج��ل ما فيها من استعداد األمومة‬
‫وأح��اس �ي��س ال��رح �م��ة‪ ،‬ق��د ي ��د ّر لبنها م��ن شدة‬
‫حنانها على وليد ما‪ ،‬لينغدق فيضها من بع ُد على‬
‫من حولها أجمعني؛ كما فعلت أمهات املؤمنني‬
‫وغيرهن قدمياً‪ ،‬واألم تريزا على سبيل التمثيل‬
‫حديثاً؛ تلك التي كانت تؤمن باحلب وجهاً لوجه‬
‫فلسف ًة لها‪ ،‬وتعتقد عدم إمكان شفاء نقصه إال‬
‫به‪.‬‬

‫ن����������������������������������واف����������������������������������ذ‬

‫م ��ن دون أن ي �ش � ّم �ه��ا وي �ض � ّم �ه��ا ويداعبها‬
‫أن مِ ن األئمة‪ -‬كالقرطبي وابن حزم وابن حجر‬
‫ّ‬
‫واألش�ع��ري وغيرهم ‪َ -‬م��ن ذه��ب إل��ى نبوة ست ويالعبها‪ ..‬حضناً دافئاً ونبضاً حنونا‪ً.‬‬
‫نسوة منهن مرمي عليها السالم‪ ..‬اختارها الله‬
‫ك��ان��ت معه وم��ا غ � ّرت��ه وال أغ��وت��ه كما تزعم‬
‫ً‬
‫ً‬
‫َ‬
‫محضنا داف �ئ �ا طيلة تسعة ش�ه��ور‪ ،‬لتُتم خلقه اإلسرائيليات والت ّرهات!‬
‫بسبب منه سبحانه‪ ،‬وتعاني في سبيل ذلك نقصاً‬
‫ٍ‬
‫ّ‬
‫بل وس��وس لهما الشيطان فدالهما بغرور‪.‬‬
‫وأملاً واضمحالالً للقوى‪ ،‬حتى يخرج خليفة الله‬
‫لكونه املسخّ ر له‪ .‬فأي اصطفاء وأي اختيار وأي واستمع ‪ -‬مع هذا ‪ -‬ماذا سيقول الله؟ إنه يُحذر‬
‫آدم وح��ده ويُنذره بالشقاء‪ » ..‬ال يُخرجنّك من‬
‫فضل هذا؟‬
‫ٍ‬
‫لذكر‬
‫اجلنة فتشقى» أن��ت ال ه��ي! وال يتع ّرض‬
‫ٍ‬
‫أن ال��والدة للمرأة‬
‫إنني أزعم ‪ -‬والله أعلم ‪ّ -‬‬
‫بنكير لها مخصوص‪ ،‬بل ينسب الغواية والعصيان‬
‫ٍ‬
‫ّ‬
‫امل��ؤم�ن��ة ك �ف��ارةٌ خلطاياها كلها‪ ،‬ال يضرها ما ألبينا دون أ ُ ِّمنا عليهما السالم‪.‬‬
‫عملت بعد ذلك‪ .‬وإال‪ ..‬فكيف يقول الرسول عليه‬
‫واألنثى‪..‬‬
‫الصالة والسالم‪ :‬الزم رجليها فث ّم اجلنّة‪.‬‬
‫قص علينا ربنا‬
‫راعيل (زليخا) امرأة العزيز التي ّ‬
‫يوسف ‪ -‬عليه‬
‫أطرب َق ّ‬
‫صة في كتابه العزيز لها مع ُ‬
‫السالم ‪ -‬حاكياً عشقها اجلنوني الذي أفقدها‬
‫جتن وإم��ا أن‬
‫عقلها‪ .‬وامل��رأة إذا عشقت إما أن‬
‫ّ‬
‫تقتل زوجها‪ ،‬بحسب الع ّ‬
‫المة الكبيسي‪ ..‬الذي‬
‫لم أ َر أح��داً غيره أنصف ه��ذه امل��رأة العظيمة‪،‬‬
‫معتبراً سلوكها هي بعينها ومكانها ومكانتها مع‬
‫يوسف هو بعينه وجماله وجواره؛ سلوكاً منطقياً‬
‫واقعياً قوياً ال تستطيع امرأة في الدنيا أن تصمد‬
‫أمامه‪..‬‬

‫وبقيت إلى النهاية ‪ -‬مع طول السواد وقرب‬
‫وألن األم ك��ذل��ك ف��ص��ل ال �ل��ه أم��ر معاناتها الوساد ‪ -‬تُغالب شوقها‬
‫ّ‬
‫(والشوق غ ّ‬
‫وقدم البِشارة‬
‫األب‪،‬‬
‫مع‬
‫وإطاعتها كما لم يفعل‬
‫الب) حتى فاض بها الكيل وصبرها‬
‫ّ‬
‫بها على الذكر؛ ليق ّدمها محمد – عليه الصالة ِعيل؛ فلم جتد بُ ّداً مما ليس منه بُ ّد‪.‬‬
‫وال�س�لام ‪ -‬من بع ُد‪ ،‬على األب ث�لاث�اً‪ ،‬وألز َمنا‬
‫وإذا كان الرجال يفقدون عقولهم إذا عشقوا‬
‫رجليها حيث اجلنّة‪.‬‬
‫فما بالكم بالنساء!‬

‫وحواء‪..‬‬
‫ف��ي تفصيل ط��وي��ل ج �م �ي��ل‪ ..‬وحت�ل�ي��ل بديع‬
‫كانت مع أبونا في جنّته‪ ..‬وكيف يطيب له البقاء مقنع‪.‬‬
‫فيها من دونها؟‬
‫ذ ّك ��ر ف��ي ث�ن��اي��اه م��ا حصل م��ن ت �غ �زّل عواتق‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪111‬‬

‫حجاج‪،‬‬
‫األم��ر‪ ..‬وما هو إال أن ب��ادرت بسرد أسماء َمن‬
‫املدينة بنصر بن ّ‬
‫أع��رف م��ن النساء‪ ،‬حتى انطلق ال�ط�لاب كلهم‬
‫كما قالت إحداهن‪:‬‬
‫ي�س��ردون‪ ،‬وانطلقت بذلك أس��اري��ر وجهه وعاد‬
‫ه����ل م����ن س��ب��ي��ل إل�����ى خ���م���ر فأشربها‬
‫إلى أمه ُم ّ‬
‫بشراً مسروراً‪ .‬ومن الطريف أن أحد‬
‫أم م����ن س��ب��ي��ل إل�����ى ن���ص���ر ب����ن ّ‬
‫حجاج املدرسني كان من بني املع ِّيرين‪ ،‬وملا بادله الطالب‬
‫فنفاه عمر ‪ -‬غفر الله له‪ ،‬فليس اجلمال ذنباً بعد التقصي عن أمه تعييراً بتعيير؛ نهره نهراً‬
‫يُؤاخذ به املرء ‪ -‬بعد أن أمره بحلق رأسه فازداد شديداً وتواعدا أن ال يعودا ملثلها أبدا‪.‬‬
‫ُحسناً و ُقلن فيه‪:‬‬
‫ه��ذه ال�س��ورة هي من أحلى السور وأطالها‬
‫ح����ل����ق����وا رأس����������ه ل���ي���ك���س���ب ق����ب����ح����اً‪..‬‬
‫وأن ��داه ��ا ف��ي ط ��ول ال��ق��رآن وع��رض��ه‪ ،‬بنغمها‬
‫وش ّ‬
‫غ��������ي��������ر ًة م������ن������ه������مُ ع�����ل�����ي�����ه ُ‬
‫�������ح�������ا املوسيقي األخّ اذ و َقصصها املُنسابة كاإلخاذ‪.‬‬
‫ك�������ان ُص����ب����ح���� ًا ع���ل���ي���ه ل����ي����لٌ ب����ه����ي����مٌ ‪..‬‬
‫وهاهو تعالى يسمع جتادل ‪ -‬خويلد بنت الدليج‬
‫ف����م����ح����وا ل����ي����لَ����ه وأب��������ق��������و ُه ُص���ب���ح���ا‬

‫ مع رسوله وشكواها في زوجها القائل املنكر من‬‫ال �ق��ول‪ ،‬بعدما كبُر سنّها ورقّ عظمها‪ ،‬ويُسمي‬
‫السورة بفعلها ه��ذا‪ ،‬ويُق ُّر لها جدالها ال��ذي شقّ‬
‫صدر السماء مع البعل والرسول على السواء‪.‬‬

‫عنهن ‪ -‬و ُه� ّ�ن الكرميات‬
‫ِهمن ‪ -‬رض��ي الله‬
‫ّ‬
‫العفيفات في اخلِ در‪ ،‬باجلميل الصورة نصر‪ ،‬ولم‬
‫يكن ميلك من ُحسن يوسف وال ال ُعشر‪ ،‬والعهد‬
‫و(يوسف)‬
‫عهد الغيور عمر‪ ،‬فكيف بــ (راعيل)‬
‫ُ‬
‫وحتيض امل��رأة من ثَ� ْم‪ .‬فتُسقط عنها الصالة‬
‫بالقصر؟‬
‫وال �ص��وم‪ ،‬لبضع ق�ط��رات م��ن دم! وم��ا ض� ّره��ا لو‬
‫حتفّظت أو حت ّينت حلالها واح �ت��ال��ت‪ ..‬فصلّت‬
‫والنبيّ ه‪..‬‬
‫وص��ام��ت حسب طاقتها ووس�ع�ه��ا‪ ..‬ل��وال أ ّن الله‬
‫ً‬
‫ال القاضية فقط أو الوالية أو احلاكمة فضال عن سبحانه وتعالى راعى مشاعرها‪ ،‬وبالغ في التح ّوط‬
‫املذيعة واحملامية‪ ..‬الخ‪.‬‬
‫ورحمة ٍ‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫بالغة بالغة‪.‬‬
‫برهافة‬
‫لها‪ ،‬وتقدير ظرفها‪،‬‬

‫الصديقة (م��رمي) ج��اءت س��ورة كاملة‬
‫النب ّية‬
‫ّ‬
‫ولم يعمل مثل ذلك مع الرجال حال احلرب‪..‬‬
‫ً‬
‫باسمها ُ‬
‫صراحا ‪ -‬ومازلنا نخجل من التصريح ف��أوج��ب ع�ل�ي�ه��م ص�ل�اة اخل� ��وف‪ ،‬ومشاعرهم‬
‫بأسماء نسائنا حتى في بطاقات الزفاف فنكتب وظرفهم وكربهم‪ ،‬وهم يرون املوت يهدر والهام‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫ك��رمي��ة ف�ل�ان وع �ل��ان‪ ،‬ول ��و ك��ان��ت ك��رمي��ة ح ّقا تنهمر حتتهم كاملطر؛ أش ّد وال شك‪.‬‬
‫الفتخرنا باسمها في يوم فرحها البهيج احلالل!‬
‫وي��أوي ال��رج��ل إل��ى بيته بعد جهده وجهاده‬
‫ُ‬
‫وال زلنا نوقع أبناءنا في ُعقد نفس ّية تضطرب وك ّده وكدحه فيُؤ َمر ديان ًة‪ :‬بالقيام عليها بحاله‬
‫بها شخوصهم‬
‫ّ‬
‫الغضة املتسامحة؛ كما وقع لي واإلنفاق عليها من ماله‪ ..‬وهي قاعدة‪.‬‬
‫مع أحد التالميذ الذي شكرتني أمه ألني حللت‬
‫ويؤمر ُرج��ول� ًة‪ :‬بتح ّمل األذى وب��ذل املعروف‬
‫عقدته بزعمها‪ ،‬حيث يع ّيره زم�لاؤه باسم أمه‬
‫وجنَاناً حانياً‪.‬‬
‫فيقضي يومه مغتاظاً كئيباً كما تقول‪ ،‬وكل الذي لساناً حالياً َ‬
‫ويؤمر ُم��روء ًة‪« :‬أن يُر ّقص لها سويعات العتمة‬
‫فعلته أن��ي الح�ظ��ت ت��وت��راً ف��ي ال�ص��ف‪ ،‬فعلمت‬
‫‪ 112‬اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫وكان قد أمهرها صداقاً‪ ،‬ورمبا طلّقها؛ فيس ّرحها هذه األطياف ملا استطعت البقاء! ثم يُ��ردد حائراً‪:‬‬
‫والله إنني ال أدري كيف يعيش من يفقد أنثاه؟!‬
‫بإحسان وميتّعها نفق ًة ورعاي ًة واجب ًة باملعروف‪.‬‬

‫وبعد‪ ،‬أ َو تظنّون أننا أعطيناها حقّها؟ أو فهمنا‬
‫وأخيراً‪..‬‬
‫س ّرها؟ أو جتاهلنا نقْصها وقصورها؟ اللهم ك ّ‬
‫ال ثم‬
‫ال ينسا ُه ّن ُمح ّبهن األكبر محمد صلّى الله عليه ك ّ‬
‫ال‪ .‬وإنه ملسكني ذلك الذي يحاول شيئاً من ذلك!‬
‫وس�لّ��م‪ ،‬حتى وه��و على ف��راش امل��وت فيوصي ّ‬
‫َفهمهن‪.‬‬
‫بهن فإن النساء ُوجد َن لنُحبهن ال لن‬
‫ّ‬
‫خيراً‪ ،‬بعد أن برهن حياته كلها على ح ّبهن تصريحاً‬
‫وستظل املرأة ِس� ّراً دفيناً وسحراً فاتناً فتّاناً‪..‬‬
‫ال تلميحاً‪ ..‬بعبارته وإشارته ولفظه وحلظه وقاله‬
‫قد يُدرك بعض بعضه‪.‬‬
‫وحاله صلوات الله عليه وآله‪ ،‬حتى قال‪« :‬ما أكرمهن‬
‫من ِ‬
‫عشقها‪ ..‬وهام في عشقها‪ ..‬أو كرهها وغالى‬
‫إال كرمي وما أهانهن إال لئيم» ليعلمنا أن ُح ّب النساء‬
‫في كرهها‪ ..‬أو رحمها‪.‬‬
‫من أخالق األنبياء‪.‬‬
‫حب!‬
‫أال وإ ّن كل َمن لم ينفضح حبه حلبيبه فما أَ ّ‬
‫حب!‬
‫وكل من لم ينهزم في حبه حلبيبه فما أَ ّ‬
‫وك��ل م��ن ل��م ي��ذب��ح حلبيبه ُق��رب��ان �اً م��ن لواعج‬
‫احلنني واجلنون ول��واذع العشق املتدفق ثم ينذبح‬
‫حب!‬
‫على مذبحه‪ ،‬راضياً ملت ّذاً‪ ،‬فما أَ ّ‬
‫أيهذا املحُ ب! أالَ أيهذا املحُ ب‪..‬‬
‫ال ت ََخف!‬
‫و«ال تُخْ ِف ما فعلت بك األشواقُ‪ ...‬واشرح هواك‬
‫فكلنا ُع ّشاقُ»‪.‬‬
‫أال ما أروع هذا الكائن اجلميل‪ ..‬وما أحاله!‬
‫فبه تطيب احلياة وتقوى دواعيها‪ ..‬وبه تطيب‬
‫اجلنّة ويكتمل نعيمها‪.‬‬
‫«ح���و ٌر م �ق �ص��ورات ف��ي اخل �ي��ام ك��أم�ث��ال اللؤلؤ‬
‫املكنون» وك��م ه��و ك��اب��وس رهيب ذل��ك الليل الذي‬

‫ن����������������������������������واف����������������������������������ذ‬

‫مهما كان م�ك��دوداً» كما يقول الظاهري ‪ -‬سلمت يخلو من امرأة! ولو طيفاً وذكرى‪.‬‬
‫ب��راج�م��ه م��ن األوخ���از ‪ -‬وال ي�ن��زع حتى ت�ف��رغ من‬
‫إنني أعرف شيخاً كبيراً يحادث زوجته املرحومة‬
‫شهوتها‪.‬‬
‫منذ عقود كل ليله؛ يقظ ًة ومناماً‪ .‬ويقول متمتماً‪ :‬لوال‬

‫وسنظ ّل مذ ُفطمنا ُمكرهني؛ ِ‬
‫نح ُّن إلى متم ّردَينِ‬
‫حن أديبنا‬
‫لَعوبَ ِ‬
‫ني يتوثبانِ حتت اجليد التليع‪ ،‬كما ّ‬
‫الساملة براجمه من األوخاز يوماً ما‪.‬‬
‫وألنها أوف��ى من ال��رج��ل‪ ...‬حتبه أكثر من حبه‬
‫لها!‬
‫وتُخلص له وحده‪ ..‬أكثر من إخالصه لها!‬
‫وإذا صار لها عبداً‪ ..‬تصير له أَ َم ًة وزيادة!‬
‫مع أنها أجمل منه‪ ،‬وأحلم منه‪ ،‬وأكاد أقول أدهى‬
‫منه وأطول عمراً‪.‬‬
‫وال حتتاج إذا ما أمعنّا في التشاؤم‬
‫سوى‬
‫كلمتني حلوتني‪..‬‬
‫وإال فكلمة واحدة تكفي‪:‬‬
‫احلب‪.‬‬

‫* الجوف ‪ -‬سكاكا‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪113‬‬

‫السعودي وخصائصه‬
‫القص‬
‫فن‬
‫تطور ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫> مصطفى الصوفي*‬

‫األدب السعودي جزء مهمّ من أدب األمة العربية في تاريخه وتطوره‪ ،‬لكنه ال يخلو‬
‫من السمات ذات الطابع المحلي وخصائص البيئة في الجزيرة العربية ودول الخليج‬
‫عموماً‪ ،‬إ ّال أن هذه الميزات المحلية أخذت تتضاءل أمام التطورات االجتماعية والمادية‬
‫والثقافية التي حدثت في المجتمع السعودي والخليجي‪ ،‬وإزاء االنفتاح على المؤثرات‬
‫العربية واألوربية التي أدّت إلى حدوث تطور مهم في تقنيات الفن القصصي والروائي‬
‫المحليين‪ ،‬يقارب مثيالتها في الدول العربية األخرى‪.‬‬
‫ف � ��األدب ف��ي ال �س �ع��ودي��ة ب�ش�ك��ل عام‪،‬‬
‫�اص‪ ،‬فن وليد‬
‫والقصة وال��رواي��ة بشكل خ� ّ‬
‫بالمعنى ال �ح��دي��ث‪ ،‬يفتقر إل ��ى الجذور‬
‫والتجربة العريقة‪ ،‬على عكس الشعر الذي‬
‫يبدو أن له امتداداته التاريخية القديمة‬
‫والمستمرة حتى اآلن‪ ،‬وذل��ك مع ما طرأ‬
‫عليه من حركة تحديث ومتغيرات متميزة‬
‫ال ومضموناً‪.‬‬
‫شك ً‬

‫‪1930‬م‪ ،‬وبعدها بقليل ص��درت روايتان‬
‫للمغربي وال�س�ب��اع��ي‪ ،‬ث�� ّم ان�ق�ط��ع صدور‬
‫الروايات حتى عام ‪1959‬م‪ ،‬حينما ظهرت‬
‫أول رواي��ة متميزة‪ ،‬وهي (ثمن التضحية)‬
‫للدمنهوري‪ ،‬ث ّم تعاقبت األعمال القصصية‬
‫والروائية خ�لال فترة الستينيات‪ .‬ويذكر‬
‫�ص��ة بقيت م�ت��أخ��رة عن‬
‫ال�ح��ازم��ي أن ال�ق� ّ‬
‫الشعر أشواطاً كثير ًة خالل تلك الفترة‪.‬‬

‫ظهرت المحاولة األول��ى لرصد الفن‬
‫الروائي وبداياته على يد الدكتور منصور‬
‫الحازمي في كتابه (فن القصة في األدب‬
‫ال�س�ع��ودي ال�ح��دي��ث)‪ ،‬وف�ي��ه أش��ار إل��ى أن‬
‫أول رواي��ة سعودية متواضعة صدرت عام‬

‫‪ ‬وكانت المرحلة الثانية للدكتور محمد‬
‫ال �ش��ام��خ ف ��ي ك �ت��اب��ه (ال �ن �ث��ر األدب � ��ي في‬
‫المملكة)‪ ،‬والذي‪  ‬يرصد اإلنتاج القصصي‬
‫في السعودية بين ‪ 1900‬و‪1945‬م‪ ،‬فيرجع‬
‫ب��داي��ات��ه إل ��ى أب ��و ب �ك��ر خ��وق �ي��ر ف��ي عام‬

‫‪ 114‬اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫ثم ظهرت دراس��ة حديثة للحازمي في كتابه‬
‫(الرواية التاريخية في األدب العربي الحديث)‪،‬‬
‫ال ��ذي اس �ت �ع��رض ن �م��اذج ل�ل��روائ�ي�ي��ن البستاني‬
‫وجرجي زي��دان ومحمد فريد‪ .‬ثم أص��در كتابه‬
‫(م��واق��ف نقدية) ال��ذي ضمنه دراس ��ات نقدية‬
‫لبعض ال�ق��اص�ي��ن‪ ،‬وع ��رض ف�ي��ه ت �ط��ور القصة‬
‫القصيرة في السعودية‪ ،‬ودرس بعض التجارب‬
‫الروائية‪ ،‬ومنها‪ :‬تجربة سمير سرحان ومحمود‬
‫عارف ‪  ‬ومهدي شاكر العبيدي‪..‬‬
‫ب �ع��ده��ا ظ��ه��رت ع� � �دّة دراس� � ��ات أكاديمية‬
‫منهجية‪ ،‬منها‪ :‬دراس��ة الدكتور مسعد العطوي‬
‫في كتابه (االتجاهات الفنية للقصة القصيرة‬
‫في السعودية) الذي رصد اإلبداعات القصصية‬
‫في الدوريات‪ ،‬وبيّن التوجهات الفنية والداللية‬
‫وال�ت�ح��والت ف��ي األس�ل��وب والتقنية القصصية‪.‬‬
‫ومنها أيضاً‪ :‬دراسة سحمي ماجد ألهاجري في‬
‫كتابه (القصة القصيرة في السعودية)‪.‬‬
‫وم��ن أه��م ال��دراس��ات ال�م�ع��اص��رة ف��ي تطور‬
‫القصة القصيرة في السعودية كتاب د‪ .‬طلعت‬
‫صبح سيد (فن القصة القصيرة)‪ ،‬الذي يشيرفيه‪ ‬‬
‫إلى غياب فن القصة القصيرة بفنياته الحديثة‬
‫في المملكة قبل الحرب العالمية الثانية‪ ,‬وينطبق‬

‫ن����������������������������������واف����������������������������������ذ‬

‫‪1910‬م‪ ،‬ثم إلى روايتين لألسكوبي فاألنصاري‪  .‬‬
‫وه��ي دراس��ات فنية لبعض األعمال القصصية‬
‫كقصة (رامز) لسعيد العامودي‪ ،‬وقصة (مالبسه‬
‫المسروقة) لمحمد بن علي المغربي‪ ،‬وتع ّد هذه‬
‫ال��دراس��ات ب��داي��ات األع �م��ال النقدية الواعية‬
‫والجدية لألعمال القصصية فنياً وتقنياً‪ ،‬من‬
‫حيث الزمان والمكان والحدث والشخصيات‪،‬‬
‫فشكلت أول ��ى م �ح��اوالت التأصيل والتأسيس‬
‫للنقد األدبي‪.‬‬

‫هذا الواقع على األقطار العربية عموماً‪ ،‬ولكنّه‬
‫يرى أن لمصر وسورية ولبنان قصب السبق في‬
‫تطور الفن القصصي العربي الحديث‪ .‬ويخلص‬
‫إل��ى أن الفن القصصي في المملكة م� ّر بثالث‬
‫مراحل‪ ،‬خلص إليها أيضاً عيدالمجيد زراقط‬
‫ف��ي كتابه (ت �ط��ور القصة القصيرة السعودية‬
‫وخصائصها)‪ ،‬وهي‪:‬‬
‫‪ .1‬مرحلة الترجمة والتقليد واالقتباس‪.‬‬
‫‪ .2‬مرحلة الخطابية والوعظ المباشر‪.‬‬
‫‪ .3‬مرحلة التجارب القصصية ذات التقنيات‬
‫الحديثة‪.‬‬
‫ويبين أن المرحلة األخيرة شهدت ظهور نماذج‬
‫قصصية س�ع��ودي��ة‪ ،‬تستجيب للقص المتطور‬
‫وفنياته الحديثة‪ ،‬وتبتعد عن اإلغراق في المحلية‬
‫نتيجة انتشار التعليم والثقافة‪ ،‬واتساع العالقات‬
‫مع الدول الغربية‪ ،‬واالطالع على ثقافاتها وآدابها‬
‫وفنونها‪ ,‬ومشاركة المرأة في مجاالت التعليم‬
‫والثقافة والعمل‪ ،‬واالنتعاش المادي الكبير الذي‬
‫ال بين الواقع والطموح‪ ،‬وهو ما أثّر في‬
‫أحدث خل ً‬
‫مضامين القص ولغته وأشكاله وأجوائه النفسية‬
‫التي ص��ورت مشاعر االض �ط��راب واالنفعاالت‬
‫والقلق والتوتر‪..‬‬
‫وأخ�ي��را نشير إل��ى أنّ ع��دّ ة مقاالت متفرقة‬
‫ع��ن األدب القصصي ف��ي ال�ح�ج��از ق��د نشرت‬
‫خ�لال فترة الخمسينيات والستينيات لمحمد‬
‫سعيد العامودي وعباس فائق غزاوي‪  ‬ومحمد‬
‫الخريجي وعبد الله آل مبارك ال �ف��وزان‪ ..‬كما‬
‫ننوّه ببعض الدراسات التعريفيّة واالستعراضيّة‬
‫ككتاب (وقفات مع القاصين) لمحمد بن سعد بن‬
‫حسين وكتاب (مسرح التراث) لمحمد علوان‪.‬‬

‫* كاتب من سوريا‪.‬‬
‫ ‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪115‬‬

‫موافقات شعرية‪..‬‬
‫> نورا العلي*‬

‫تمر األح��داث علينا ‪ -‬نحن بنو البشر ‪ -‬وقد يختلف وقعها من شخص آلخر‪ ،‬وقد‬
‫يتوافق معها مجموعة من األشخاص‪.‬‬
‫وفي مقالي هذا جمعت شيئا من أحوال الشعراء العاشقين‪ ،‬حيث هم ذوو اإلحساس‬
‫المرهف‪ ،‬الشفاف‪ ،‬يصورون الحياة بالحب‪ ..‬وكأنها جنة الدنيا‪ ،‬تُشرِ ق عليهم باألنس‬
‫والطيب (تشرق الدنيا على أه��ل الهوى أنسا وطيبا) و َت��ش��رَق وتغص بالبعد والصد‬
‫والهجران‪ ،‬فهاهم أولئك يرضون بالقليل‪ ،‬بل بأقل من القليل‪ ،‬على شغفهم بالوصل‬
‫ورغبتهم‪ ,‬إال أنهم يقفون عند رغبة المحبوب وتمنعه‪ ،‬ويبقى الوصل حلما رقيقا‪ ،‬وهمّ ا‬
‫عنيدا‪ ،‬ولسان حالهم يقول‪:‬‬
‫وال��������ن��������ف��������س راغ����������ب����������ة إذا رغّ �����ب�����ت�����ه�����ا‬
‫وإن ت�����������������رد إل�����������������ى ق�������ل�������ي�������ل ت�����ق�����ن�����ع‬
‫ه��ذه بعض م��ن أخ�ب��اره��م وأشعارهم‪،‬‬

‫ذلك‪،‬فلو ت��ذك��ره‪ ..‬يسعد بذكرها‬

‫وكأنهم يشعلون احلروف كلما اسود الليل‪،‬‬

‫إي��اه على ال�ن��أي وال�ب�ع��د‪ ،‬فيقول‪:‬‬

‫كلما استبد بهم واستطال‪.‬‬
‫يقول جميل بثينة‪:‬‬
‫وإن����ي ألرض����ى م���ن ب��ث��ي��ن��ة بالذي‬
‫لو أبصره ال��واش��ي‪ ،‬لقرت بالبله‪.‬‬

‫أول���ي وف����اءً ‪ ،‬وإن ل��م ت��ب��ذل��ي ِصلة‬
‫فالذكر ينفعنا‪ ،‬والطيف يكفينا‬
‫ويستعطف اب��ن خلكان محبوبه الذي‬
‫ض ّيق حيلته‪ ،‬وسبى عقله حني يضن عليه‬

‫ل �ه �ف��ي ع �ل �ي �ه��م‪ ،‬ي �ق �ت �ن �ع��ون بأقل بالوصل واللقاء فيقول‪:‬‬

‫القليل‪ ..‬وم��ع ذل��ك ال يتهيأ لهم‪ ,‬إن ف����ات����ه م���ن���ك ال����ل����ق����اء فإنه‬
‫فهذا ابن زي��دون يرضى بأقل من‬
‫‪ 116‬اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫ي��رض��ى ب��ل��ق��ي��ا ط��ي��ف��ك المتأوب‬

‫����ك ف ِ���ع���د به‬
‫إن ل���ـ���م ي���ك���ن وص������لٌ ل����دي َ‬
‫أم���ل���ي وم����اط����ل‪ ،‬إن وع����������دتَ ‪،‬وال تفي‬
‫ويقول دوقلة المنبجي‪:‬‬
‫إن ل�������م ي�����ك�����ن وص���������ل ل������دي������ك لنا‬
‫ي����ش����ف����ي ال�����ص�����ب�����اب�����ة‪ ،‬ف���ل���ي���ك���ن وع����د‬
‫ويصيح العباس ب��ن األح�ن��ف طالبا الرحمة‬
‫والشفقة من محبوبه فيقول‪:‬‬
‫ي��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ا ذا ال�����ذي ص����دع ال����ف����ؤاد بصده‬
‫أن�����ت ال����ب��ل�اء ط���ري���ف���ه والتّالـ ـ ـ ــد‬
‫ي��ق��ـ��ـ��ـ��ـ��ع ال��ب��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ�لاء وي��ن��ق��ض��ي ع���ن أهله‬
‫وب����ل���اء ح����بّ����ك ك���ـ���ـ���ـ���ـ���ـ���ـ���ل ي����ـ����وم زائ�����د‬
‫هؤالء العشاق‪ِ ،‬‬
‫يصلون في عشقهم قمة الوجد‪،‬‬
‫فكل ما له عالقة باحلبيب يهيج أشجانهم‪ ,‬ويجدد‬
‫أحزانهم‪ , .‬طلوع جنم‪ ،‬هبوب ريح‪ ،‬بزوغ فجر‪،‬‬
‫وحتى نسمة الهواء تنز عل ّيهم عطرا‪ ،‬وتنثر أريجا‬
‫يثير اشتياقهم‪ ،‬يغمر كل لهفة‪ ،‬ويطفئ كل لوعة‪.‬‬
‫وكأمنا احلبيب يحمل السعادة على كفه‪.‬‬
‫يقول (مجنون ليلى) قيس بن امللوح‪:‬‬
‫ف���م���ا ط���ل���ع ال���ن���ج���م ال������ذى ي���ه���ت���دى به‬
‫وال ال���ص���ب���ح إال ه���ي���ج���ا ذك����ره����ا ليا‬
‫وال ه���ب���ت ال����ري����ح ال���ج���ن���وب ألرض���ه���ا‬

‫أي��������ا ري��������ح ال�����ش�����م�����ال‪ ،‬أم��������ا ت����ريّ����ن����ي‬
‫أه�������ي�������م‪ ،‬وأن�������ن�������ي ب�����������ادي ال����ن����ح����ول‬
‫���ن‬
‫ه����ب����ي ل������ي ن����س����م����ةً م������ن ري��������ح ب���ث ِ‬
‫وم������نّ������ي ب����ال����ه����ب����وب ع����ل����ى جميل‬
‫وق������ول������ي‪ :‬ي�����ا ب���ث���ي���ن���ة ح����س����ب نفسي‬

‫ن����������������������������������واف����������������������������������ذ‬

‫أما ابن الفارض فيقول‪:‬‬

‫وفي ذلك يقول جميل بثينة مخاطبا الريح‪:‬‬

‫ق����ل����ي����ل����ك‪ ،‬أو أق���������ل م�������ن ال���ق���ل���ي���ل‬
‫وه ��ذا اب��ن س�ي��د ال �ن��اس يستعطف الهبوب‬
‫والنسمات فيقول‪:‬‬
‫غ���ي���ران ت��ص��رع��ه ال����ذك����رى إذا خطرت‬
‫وال���ري���ح إن ن��س��م��ت وال���دم���ع إن نضبا‬
‫ب��ال��ل��ه‪ ،‬ي���ا ن��س��م��ات ال���ري���ح‪ ،‬ه���ل خـ ــبرٌ‬
‫ع��ن��ه��م‪ ،‬يعيد ل��ي العيـ ــش ال���ذي ذهبا‬
‫وي� �ق���ول ج ��ري ��ر ف���ي اجل� �ب ��ل ال�� ��ذي يقطنه‬
‫األحباب‪:‬‬
‫ي�����ا ح����ب����ذا ج���ب���ل ال������ري������ان م�����ن جبل‬
‫وح�����ب�����ذا س�����اك�����ن ال������ري������ان م�����ن ك���ان���ا‬
‫وح�����ب�����ذا ن��ف��ح��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ات م�����ن يمانية‬
‫ت���أت���ي���ك م�����ن ق���ب���ل ال�����ري�����ان أحيانا‬
‫أما دوقلة املنبجي فيبني حقيقة فحواها أن‬
‫احلبيب هو السكن‪ ،‬وحيثما اجته فثمة الوطن‬
‫إذ يقول‪:‬‬
‫إن ت�����ت�����ه�����م�����ي ف�����ت�����ه�����ام�����ة وط�����ن�����ي‬

‫م�����ن ال���ل���ي���ل إال ب�����ت ل���ل���ري���ح حانيا‬

‫أو ت�����ن�����ج�����دي‪ ،‬إن ال�������ه�������وى ن����ج����دُ‬

‫ألهذه الدرجة!! يعرف االجتاه الذي تكون فيه‬

‫غ��ري��ب أم��ر ه��ذا احل ��ب‪ ،‬م��ن ش��رف��ة الفجر‬

‫محبوبته دون أن يخبره أحد فيقول‪:‬‬

‫يأتي‪ ،‬فال يبرح القلب‪ ،‬وال يغادر البصر‪ ،‬يحيا‬

‫ي��م��ي��ن��ا إذا ك���ان���ت ي���م���ي���ن���ا‪ ،‬وإن تكن‬

‫مع النبض‪ ..‬ويسكن كل احلواس‪ , ...‬ومع ذلك‪،‬‬

‫ش���م���اال‪ ،‬ي��ن��ازع��ن��ي ال���ه���وى ع���ن شماليا يتحتم الفراق املقيت‪ ،‬والبعد املميت‪ ،‬وحلظات‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪117‬‬

‫الوداع األليم‪.‬‬

‫ومن أجل كتم سر احملبوب‪ ،‬يستميت احملب‪،‬‬

‫ثمة حلظات‪ ،‬تتمنى أن تسرقها من عمر الزمن‪ ،‬وال يفصح عن حب قد يجر على محبوبه علال‬
‫فتحنطها‪ ،‬ليقينك أنها لن تتكرر‪ .‬وثمة أشخاص وهموما‪ .‬أو يعرضه للعذاب والهون‪.‬‬
‫تشعر بأنهم انشطروا من قلبك‪ ،‬ينحدرون من‬

‫يقول العباس بن األحنف في ذلك‪..‬‬

‫ساللة روحك‪ ،‬لكأنهم نصفك اآلخر‪.‬‬

‫س ـ ـ ــماك لي قومٌ ‪ ،‬وقالوا إنها‬

‫في وصف حلظات الوداع القاسية يقول ابن‬
‫زريق البغدادي‪:‬‬
‫ودع��������ت��������ه وب����������������ودي ل��������و ي�����ودع�����ن�����ي‬
‫ص�����ف�����و ال�����ح�����ي�����اة وإن�����������ي ال أودع���������ه‬
‫و يقول ابن النقيب‪:‬‬
‫ي���ا ن��ف��س ق���د ف��ارق��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ت ي����وم فراقهم‬
‫ط��ي��ب ال��ح��ي��اة ف��ف��ي ال��ب��ق��ا ال تطمعي‬
‫ودع���ت���ه���م ث���م ان��ث��ن��ي��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ت بحسـ ـ ــرة‬
‫ت���رك���ت م��ع��ال��ـ��ـ��م م��ع��ه��دي كالبلق ـ ـ ـ ِـع‬
‫ورج���ع���ت ال أدري ال���ط���ري���ق وال تسل‬
‫رج���ع���ت ع�����داك ال��م��ب��غ��ض��ون كمرجعي‬
‫أما املتنبي فيقول‪:‬‬
‫ح���ش���اش���ة ن���ف���س ودع�������ت ي������وم ودع������وا‬
‫����ظ����اع����ن����ي����ن أش����يّ����ع‬
‫أي ال ّ‬
‫ف����ل����م أدر ّ‬
‫وفي أجفانه التي أنهكها الوداع‪:‬‬
‫وق��د ص��ارت األج��ف��ان قرحى م��ن البكى‬
‫وص�����ارت ب���ه���ارا ف���ي ال���خ���دود الشقائق‬
‫ويبني في البيت التالي أن يوم الفراق يفتضح‬
‫فيه أمر احملبني‪ ،‬وتنكشف سرائرهم فيقول‪:‬‬
‫وك����ات����م ال����ح����ب ي������وم ال���ب���ي���ن منهتك‬
‫وص����اح����ب ال����دم����ع ال ت��خ��ف��ى س���رائ���ره‬
‫* ‬

‫كاتبة من القريات ‪ -‬الجوف‪.‬‬

‫‪ 118‬اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫ل���ه���ي ال���ت���ي ت��ش��ق��ى ب���ه���ا وتكاب ـ ـ ــد‬
‫ف���ج���ح���دت���ه���م ل���ي���ك���ون غ����ي����رك ظنهم‬
‫إن�������ي ل���ي���ع���ج���ن���ي ال����م����ح����ب ال���ج���اح���د‬
‫ويقول في قصيدة أخرى‪:‬‬
‫ألخ������رج������ن م������ن ال�����دن�����ي�����ا وحبك ــم‬
‫بـيـن ال��ـ��ج��ـ��وان��ـ��ح ل��ـ��م يـشـعر ب��ـ��ه أحــد‬
‫وي� �ق ��ول ع �م��ر ب ��ن أب� ��ي رب �ي �ع��ة ع �ل��ى لسان‬
‫محبوبته‪:‬‬
‫إذا ج��ئ��ت ف��ام��ن��ح ط���رف عينيك غيرنا‬
‫ل��ك��ي ي��ح��س��ب��وا أن ال���ه���وى ح��ي��ث تنظر‬
‫إن ��ه ح ��ال احمل� �ب�ي�ن‪ ...‬ع �ل��ىأه��داب عيونهم‬
‫يتبرعم احلنني‪ ،‬فمع حنني الطير يحنون‪ ،‬أما‬
‫هديل احلمام فيثير أشجانهم فيبكون‪...‬‬
‫يقول املتنبي‪:‬‬
‫م����ا الح ب������رق أو ت����رن����م طائ ـ ـ ـ ـ ــر‬
‫إال ان��ث��ن��ي��ت ول����ي ف�����ؤاد شي ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــق‬
‫وفي ذلك يقول عنترة بن شداد‪:‬‬
‫وم��ا ش��اق قلبي ف��ي ال��دج��ى غير طائر‬
‫ينوح على غصن رطيب م��ن الرنـ ـ ـ ـ ــد‬
‫ب��ه مثل م��ا ب��ي فهو يخفي م��ن الجوى‬
‫كمثل ال��ذي أخفي وي��ب��دي ال��ذي أبدي‬

‫م����������������ال واق��������ت��������ص��������اد‬

‫أحكام اقتصادية في آيات قرآنية‬
‫> أ‪ .‬د‪ .‬محمود الوادي*‬

‫إن من أهم خصائص النظام االقتصادي في اإلسالم‪ ،‬هو تداول المال وعدم انحصاره‬
‫بأيد قليلة؛ أي عدالة توزيع الدخل والثروة بين أبناء المجتمع‪ ،‬حيث التفاوت الكبير في‬
‫ٍ‬
‫التوزيع ظلم‪ ،‬والتساوي في التوزيع كذلك ظلم‪.‬‬
‫ول وَلِ ِذي الْقُ ْربَى‬
‫قال تعالى‪{ :‬مَّ ا أَفَاء اللَّهُ عَ لَى ر َُسولِ هِ ِمنْ أَهْ ِل الْقُ رَى فَلِ لَّهِ وَلِ لرَّ ُس ِ‬
‫ال يَكُ و َن دُولَةً َبيْنَ األَغْ نِ يَاء ِمنكُ مْ َومَا آتَاكُ مُ الرَّ ُسولُ‬
‫يل كَيْ َ‬
‫السبِ ِ‬
‫ين وَاب ِْن َّ‬
‫وَا ْل َيتَامَى وَا ْلمَسَ اكِ ِ‬
‫ف َُخذُ و ُه َومَا َنهَاكُ مْ عَ نْهُ فَانتَهُ وا وَاتَّقُ وا ال َّل َه إِنَّ ال َّل َه شَ ِديدُ الْعِ قَاب} [الحشر‪]7 :‬‬
‫أم��ا االش �ت��راك �ي��ة‪ ،‬ف�ق��د أل�غ��ت الملكية‬
‫الفردية‪ ..‬واستبدلتها بالملكية الجماعية‪،‬‬
‫وأك��دت على العالقة بين أش�ك��ال اإلنتاج‬
‫وال�ت��وزي��ع‪ ،‬وعلى ال��دول��ة أن تستولي على‬
‫جميع الموارد االقتصادية‪ ،‬وتوزعها على‬
‫أب �ن��اء المجتمع ت�ح��ت ش �ع��ار‪« :‬ك� � ٌل يعمل‬
‫بقدر طاقته‪ ،‬ويأخذ فقط بقدر حاجته»‪،‬‬
‫والنتيجة سوء اإلنتاج كماً وكيفاً‪.‬‬

‫ومهما اختلفت األنظمة االقتصادية في‬
‫المفاهيم والفلسفات‪ ،‬فإنها تتفق جميعاً‬
‫على أن علم االقتصاد يهدف إلى االستفادة‬
‫القصوى من ال�م��وارد االقتصادية وزيادة‬
‫اإلنتاج‪ .‬والرأسمالية نشأت على الحرية‬
‫االقتصادية المطلقة والمنافسة التامة‬
‫ف��ي األس� ��واق‪ ،‬وت �ه��دف إل��ى تنمية الثروة‬
‫االقتصادية دون النظر إلى توزيعها‪ ،‬مما‬
‫أدى إلى انحصارها بأيدي فئة محدودة من‬
‫س‬
‫النظام االق�ت�ص��ادي اإلس�لام��ي أ ُسِّ َ‬
‫أبناء المجتمع‪.‬‬
‫ل�ت��وزي��ع ال��دخ��ل‪ ،‬وال �ث��روة ثابتة ال تتغير‪،‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪119‬‬

‫وضوابط اإلنتاج فيه تضمن عدالة توزيع الدخل‬

‫قال عليه الصالة والسالم‪ « :‬من كان له فضل‬

‫شكلها مخلوق الله وملكيته‪ ،‬وما يأخذه اإلنسان‬

‫له فضل زاد فليعد به على من ال زاد له» (رواه‬

‫وال�ث��روة بين أبناء المجتمع‪ .‬فالثروة مهما كان ظهر‪ ،‬فليعد ب��ه على م��ن ال ظهر ل��ه‪ ،‬وم��ن كان‬
‫منحة الله له {وآتو ُه ْم مِّن مَالِ الله الَّذِ ي آتا ُكمْ}‬

‫(النور ‪ .)33‬واإلنسان ال يتمكن أكثر من أن يبذل‬

‫َصة‪ ،‬أصبح‬
‫مسلم)‪ .‬وقال أيضاً‪« :‬أيما أهل عَ ر َ‬

‫فيهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمة الله تعالى»‬

‫جهوده في زيادة اإلنتاج‪ ،‬وثمار ونتائج جهوده ال (رواه مسلم)‪.‬‬
‫تكون إال بأمر الله‪{ :‬أَفرَأيُتم مَّا تَحْ ُرثُونَ* أأنتُ ْم‬

‫إن تحقيق العدالة في توزيع الدخل والثروة‪،‬‬

‫والثروة في اإلسالم ملك الله الواحد القهار‪،‬‬

‫االج �ت �م��اع��ي م ��ن ج��ه��ة‪ ،‬وت �ح �ق �ي��ق االستقرار‬

‫تَزْرعَ ُونَ ُه أَ ْم نَحْ ُن الزَّارِ عُونَ}‪( .‬الواقعة ‪.)64-63‬‬

‫واإلنسان مستخلف‪ ،‬وينفق الثروة على ما أمره‬

‫الله به‪ ،‬ويمسك عما نهى عنه {وَابتَغِ فِ يمَا آتاكَ‬

‫تنس نَصيِبكَ مِ � َن الدُنيَا‬
‫اآلخ��رةَ والَ َ‬
‫الله ال��دَّ ا َر ِ‬

‫يمثل رك�ي��زة أساسية‪ ،‬ف��ي القضاء على الظلم‬

‫االقتصادي من جهة أخرى‪ .‬ويستحوذ االقتصاد‬

‫اإلسالمي على آليات عديدة‪ ،‬تمثل وسائل ضمنية‬
‫(تعمل من قلب النظام) تدفع بشكل تلقائي نحو‬

‫وَأحْ ِسن َكمَا أحْ سَ َن الله ِإلَيْكَ َوالَ تبغِ الفَسَ ا َد فِ ي تحقيق التوزيع العادل للدخل والثروة‪ ،‬ومن هذه‬
‫اآلليات‪:‬‬
‫ْض}‪( .‬القصص ‪.)77‬‬
‫األَر ِ‬
‫ويستحوذ التوزيع على بعدين هما‪:‬‬
‫البُعد االجتماعي‪ :‬وهو بُعد يرتبط بمفهوم‬

‫العدالة االجتماعية‪.‬‬

‫البُعد االقتصادي‪ :‬ويتعلق بقدرة النظام على‬

‫توفير القدرة الشرائية الكافية ألبناء المجتمع‪.‬‬

‫واإلس�لام ال ينكر وق��وع التفاوت بين الناس‬

‫في الرزق والثروة‪ ،‬ألن التساوي يؤدي إلى جمود‬
‫ال�ن�ش��اط االق �ت �ص��ادي‪ ،‬لكنه ي��رف��ض أن تزداد‬

‫الفجوة بين األغنياء والفقراء‪ ،‬وأن يتمركز المال‬
‫لدى فئة قليلة من أفراد المجتمع‪.‬‬

‫�ض اإلس� �ل��ام‪ ،‬ع �ل��ى ع� ��دم استئثار‬
‫ك �م��ا ح� � ّ‬

‫األغ�ن�ي��اء بفضول األم���وال‪ ،‬مستهدفاً م��ن وراء‬

‫‪ -1‬الزكاة ودورها في إعادة التوزيع‬
‫وتعني الزكاة لغة‪ ،‬النماء وال��زي��ادة‪ ،‬والطهر‬

‫للنفوس واألم� ��وال م��ن ال�ش��ح وال�ب�خ��ل واألث ��رة‪،‬‬

‫فالمال ينمو ويزيد‪ ،‬والنفس تطهر وتزكو‪.‬‬

‫ص َد َق ًة تُطَ هِ ُّرهُم‬
‫قال تعالى‪{ :‬خُ ْذ مِ ْن أ ْموَالهِ م َ‬

‫وَتزَكيهم ِبهَا} (التوبة‪.)103/‬‬

‫تمثّل الزكاة أداة اقتصادية‪ ،‬بالغة األثر‪ ،‬في‬

‫مواجهة اآلثار الناجمة عن االنكماش االقتصادي‪،‬‬

‫ألنها تُحدث تيارات قوة شرائية متجددة‪ ،‬تعيد‬
‫لألسواق نشاطها‪ ،‬وإذا كان االكتناز يسهم في‬

‫الركود االقتصادي‪ ،‬فإن الزكاة تعزز االنتعاش‬
‫االقتصادي‪.‬‬

‫ذل��ك جعل هيكل ت��وزي��ع ال��دخ��ل وال �ث��روة‪ ،‬أكثر ‪ -2‬اإلنفاق ودوره في إعادة التوزيع‬
‫عدالة على الصعيد االجتماعي‪ ،‬وأكفأ في األداء‬

‫االقتصادي‪.‬‬

‫‪ 120‬اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫إن دعوة اإلسالم‪ ،‬التي حض عليها المسلمين‬

‫لإلنفاق في سبيل الله‪ ،‬على وجوه الب ّر والخير‬

‫م����������������ال واق��������ت��������ص��������اد‬

‫واإلح�س��ان‪ ،‬تمثل آلية ذاتية فعالة وم��ؤث��رة‪ ،‬في‬

‫إعادة توزيع الدخل والثروة‪ ،‬لصالح ذوي الحاجة‬
‫م��ن أف ��راد المجتمع‪ .‬وي�ع��د اإلن �ف��اق م��ن أعظم‬

‫القُربات إلى الله‪ ،‬وهو ميدان فسيح‪ ،‬يتنافس فيه‬
‫أهل البر والصالح‪ ،‬وهو بمثابة فريضة خالف‬

‫ْس الْ ِب َّر أَن‬
‫فريضة الزكاة‪ ،‬بدليل قوله تعالى‪َّ { :‬لي َ‬
‫تُ َولُّوا ْ وُجُ وهَ ُك ْم قِ َب َل الْمَشْ رِ قِ وَالْ َمغْرِ ِب َولَـكِ نَّ الْ ِب َّر‬

‫َاب‬
‫اآلخرِ وَالْمَآل ِئكَةِ وَالْكِ ت ِ‬
‫ِ‬
‫َم ْن آ َم َن بِاللّهِ وَالْ َيوْمِ‬

‫وَال َّن ِبيِّي َن وَآتَ��ى الْ� َم��ا َل عَ ل َى حُ � ِّب��هِ ذَوِ ي الْ ُق ْربَى‬

‫وَالْ َيتَامَى وَالْمَسَ اكِ ي َن وَابْ � َن السَّ بِيلِ وَالسَّ آ ِئلِي َن‬

‫الصالةَ وَآتَى ال َّزكَاةَ وَالْمُوفُو َن‬
‫َاب َوأَقَا َم َّ‬
‫وَفِ ي ال ِّرق ِ‬
‫َالصابِرِ ي َن فِ ��ي الْ َبأْسَ اء‬
‫ِب َعهْدِ ِه ْم ِإذَا عَ ��اهَ �دُوا ْ و َّ‬

‫ص َدقُوا‬
‫�ض �رَّاء و َِح�ي� َن الْ� َب �أ ِْس أ ُولَ�ـ� ِئ��كَ ا َّل��ذِ ي� َن َ‬
‫وال� َّ‬

‫َوأ ُولَـئِكَ ُه ُم الْ ُم َّتقُون} [البقرة‪ ،]177 :‬ويستدل‬

‫م��ن ه��ذه اآلي ��ة‪ ،‬أن الله ج��ل ج�لال��ه‪ ،‬فصل بين‬
‫اإلنفاق والزكاة‪ ،‬وهذا دليل قاطع على أن الزكاة‪،‬‬

‫ال تغني عن اإلنفاق‪ ،‬وكال منها فريضة تتكامل‬
‫مع األخ��رى‪ .‬وقد ور َد عن رسول الله [ قوله‪:‬‬

‫َوأَن َفقُوا لَ ُه ْم أَجْ ٌر َكبِير} [الحديد‪.]7 :‬‬
‫ويستدل من هذه اآلية‪ ،‬أن الله تبارك وتعالى‪،‬‬

‫ربط بين اإليمان واإلنفاق مرتين‪ ،‬كأن ذلك الربط‬

‫إشارة إلى أن اإلنفاق هو بمثابة تعبير عملي عن‬
‫اإليمان‪.‬‬

‫إن مبدأ االستخالف على المال‪ ،‬الذي أشارت‬

‫«على كل مسلم صدقة‪ ،‬فإن لم يجد فيعمل بيده إليه اآلي��ة الشريفة السابقة‪ ،‬يعني أن يخضع‬
‫فينفع نفسه ويتصدق‪ ،‬فإن لم يستطع فيُعين ذا المستخلف ألوام ��ر ال�م��ال��ك األص �ل��ي‪ .‬بوصفه‬
‫الحاجة الملهوف‪ ،‬فإن لم يفعل فيأمر بالخير‪ ،‬وكيال على المال‪ ،‬وهنا ال فرق بين غني وفقير‪،‬‬
‫فإن لم يفعل فيمسك عن الشر فإن له صدقة» فكالهما مستخلف س��واء ب �س��واء؛ أي أن هذا‬
‫اإلنفاق في وجوه البر واإلحسان‪ ،‬هو فرض على‬
‫(رواه البخاري)‪.‬‬
‫وقد بلغ عدد اآليات القرآنية التي تحض على‬

‫اإلنفاق خمساً وسبعين آي��ة‪ ،‬بينما عدد اآليات‬

‫األغنياء والفقراء كل حسب إمكاناته‪.‬‬

‫وقد قرن الله عز وجل اإليمان بالله واليوم‬

‫التي تحث على الزكاة اثنتان وثالثون آية فقط‪ .‬اآلخر‪ ،‬باإلنفاق في وجوه الخير والبر واإلحسان‪،‬‬
‫وهناك تسع آيات من مجمع آيات اإلنفاق‪ ،‬ورد وهذا تكريم للمنفقين أيما تكريم‪ ،‬وتشريف ما‬
‫فيها بصيغة األمر‪ ،‬ومن المؤكد أن أوامر الله عز بعده تشريف‪.‬‬

‫وجل فريضة كالصالة والزكاة‪.‬‬

‫ق��ال تعالى‪َ { :‬و َم� ��اذَا عَ لَيْهِ ْم لَ � ْو آ َم �نُ��وا ْ بِاللّهِ‬

‫اآلخرِ َوأَن َفقُوا ْ مِ مَّا َر َز َق ُه ُم اللّ ُه َوكَا َن اللّ ُه‬
‫ِ‬
‫ق��ال تعالى‪{ :‬آمِ �نُ��وا بِاللَّهِ َورَسُ ��و ِل��هِ َوأَنفِ قُوا وَالْ َيوْمِ‬

‫مِ مَّا جَ َعلَكُم مُّسْ تَخْ ل َفِ ي َن فِ يهِ فَالَّذِ ي َن آ َمنُوا مِ ن ُك ْم‬

‫بِهِ م عَ لِيمًا} [النساء‪.]39 :‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪121‬‬

‫وذوي��ه من بعده‪ ،‬وبذلك ينتفع الورثة منها بعد‬
‫وفاة مورثهم‪ .‬قال تعالى‪{ :‬لِّلرِّجَ الِ نَصيِبٌ مِّمَّ ا‬
‫تَرَكَ الْوَا ِلدَانِ وَاألَ ْق َربُو َن َولِلنِّسَ اء ن َِصيبٌ مِّمَّ ا تَرَكَ‬

‫الْ�وَا ِل�دَانِ وَاألَ ْق� َربُ��و َن مِ مَّا قَلَّ مِ نْ ُه أَ ْو َكثُ َر ن َِصيبًا‬

‫إن حض الشريعة اإلسالمية على اإلنفاق في‬

‫ُوضا} [النساء‪.]7 :‬‬
‫َّم ْفر ً‬

‫ويتميز نظام الميراث في اإلسالم‪ ،‬بأنه تفتيت‬

‫وج��وه البر والخير واإلح�س��ان‪ ،‬له دور كبير في ل�ل�ث��روة دون تعضيه (تقسيم ض���ار)‪ ،‬فاألرض‬
‫إعادة توزيع الدخل والثروة بين أفراد المجتمع الصغيرة المساحة‪ ،‬مثال ال تقسم شطرين‪ ،‬إذا‬
‫المسلم‪ ،‬وله تداعيات ايجابية جمة على الجسم كان تقسيمها يتنافى مع مردودها االقتصادي‪،‬‬
‫االقتصادي‪ .‬ولقد أشار القرآن الكريم إلى مفهوم بل يتم االتفاق إما على بيع ال��وارث ألخيه أحد‬

‫التضاعف في األجر الذي يناله المنفقون‪ .‬قال النصفين‪ ،‬أو يتم عقد استثمار مشترك بينهما‪.‬‬
‫تعالى‪َّ { :‬مثَ ُل الَّذِ ي َن يُنفِ قُو َن أَ ْموَالَ ُه ْم فِ ي سَ بِيلِ‬

‫اللّهِ َك َمثَلِ حَ ب ٍَّة أَن َبتَتْ سَ بْ َع سَ نَا ِب َل فِ ي ُك ِّل سُ نبُل ٍَة ‪ -4‬ال����ت����ح����ري����م ال����ش����رع����ي ل���ل���ظ���واه���ر‬
‫َاس ٌع االقتصادية والنقدية السلبية‬
‫ف ِلمَن يَشَ اء وَاللّ ُه و ِ‬
‫اع ُ‬
‫ِّمئَ ُة حَ ب ٍَّة وَاللّ ُه ي َُض ِ‬

‫عَ لِيم} [البقرة‪.]261 :‬‬

‫ويمكننا القول‪ ،‬إن بشائر االحتساب التضاعفي‬

‫التعامل بالربا‬

‫هو الفائدة‪ /‬الزيادة التي تضاف على رؤوس‬

‫في األجر‪ ،‬من جراء اإلنفاق‪ ،‬ال يقتصر على الحياة األم��وال ال ُم ْقرَضة‪ ،‬ولقد حرمها الشارع حرمة‬
‫اآلخرة‪ ،‬فحسب‪ ،‬وإنما يتحقق مردوده االقتصادي قطعية‪ ،‬سواء كانت الفائدة‪ ،‬على القروض بسعر‬
‫في الحياة الدنيا‪ ،‬إذ أن اإلنفاق يمثل طلباً كلياً مرتفع أو منخفض‪ ،‬أو كانت على قرض استثماري‬
‫فعاالً‪ ،‬وتحت تأثير آلية المضاعف‪( ،‬تبعاً لقوة أو استهالكي‪ ،‬أو ألجل قصير أو طويل‪ ،‬بدليل‬

‫المضاعف العددية في االقتصاد الوطني)‪ ،‬فإن قوله تعالى‪{:‬يَا أَ ُّيهَا الَّذِ ي َن آ َمنُوا ْ الَ تَ ْأ ُكل ُوا ْ ال ِّربَا‬
‫َضعَافًا م َ‬
‫الزيادة األولية المترتبة على اإلنفاق‪ ،‬إنما تعمل أ ْ‬
‫ُّضاعَ َف ًة وَا َّتقُوا ْ اللّ َه لَ َعلَّ ُك ْم تُ ْفلِحُ ون} [آل‬

‫على رفع مستوى الدخل القومي عدة أضعاف‪.‬‬

‫عمران‪.]130 :‬‬

‫‪ -3‬ال���م���ي���راث ودوره ف���ي إع�����ادة توزيع‬
‫الدخل والثروة‬
‫والنماء‪ ،‬فقد ربط الشارع الحكيم بينهما‪ ،‬في‬
‫وحيث أن الربا والزكاة يحمالن مفهوم الزيادة‬

‫لقد أولى التشريع اإلسالمي لنظام الميراث آي��ة واح ��دة‪ ،‬وحكم على ال�م��ال ال��ذي يزيد عن‬
‫أهمية ك�ب�ي��رة‪ ،‬بوصفه يمثل وسيلة مهمة من طريق الربا بالهالك‪ ،‬بينما كرّم المال الذي يُزكّى‬

‫وسائل توزيع الثروة‪ .‬وقد شرعه الله عز وجل‪ ،‬بالنماء‪ .‬قال تعالى‪{ :‬يَمْحَ ُق اللّ ُه الْ� ِّربَ��ا َويُ ْربِي‬
‫َات وَاللّ ُه الَ ي ُِحبُّ كُلَّ َكف ٍَّار أَثِيم} سورة‬
‫الص َدق ِ‬
‫َّ‬
‫ل�ي�ك��ون ح��اف��زاً ل�ل�م��ورث بالسعي وال� ��دأب على‬

‫العمل‪ ،‬حيث ت��ؤول ثمار عمله وك��ده إل��ى أوالده البقرة‪ ،‬اآلية (‪..)276‬‬
‫‪ 122‬اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫م����������������ال واق��������ت��������ص��������اد‬

‫ويجدر التنويه إلى أن قليل الربا في الحرمة‬

‫مثل كثيره‪ ،‬وال صحة لما يدعيه االقتصاديون‬
‫العلمانيون من أبناء األمة اإلسالمية بأن الفائدة‬
‫القليلة ليست ربا‪.‬‬

‫ولم يحرم الشارع التعامل الربوي‪ ،‬إال ويسر‬

‫أساليب استثمارية مشروعة وبدائل حالالً طيباً‪،‬‬
‫أعز شأناً‪ ،‬وأكرم تعامالً‪ ،‬وأب ُّر مغنماً‪ .‬وتهدف‬

‫أساليب االستثمار في صيغها اإلسالمية‪ ،‬إلى‬

‫تنشيط المال‪ ،‬واستمرار نمائه‪ ،‬من خالل توزيع‬
‫األرب��اح بين العمل ورأس المال معاً‪ ،‬شريطة‬

‫أن تبرأ من الربا واالستغالل واالحتكار‪ ،‬وذلك‬
‫إرساء لقواعد العدالة االجتماعية‪ .‬وأهم هذه‬

‫يفضي إلى تخفيض مستوى النشاط االقتصادي‪،‬‬

‫ال �ص �ي��غ‪ :‬ال �م �ش��ارك��ة‪ ،‬ال �م �ض��ارب��ة‪ ،‬المزارعة‪ ،‬وتترتب عليه آثار انكماشية قد تؤول إلى ركود‬

‫المساقاة‪ ،‬اإلج ��ارة المنتهية بالتمليك‪ ،‬عقود اقتصادي‪.‬‬
‫االستصناع‪.‬‬
‫ولهذا ح �رّم اإلس�لام ظاهرة االكتناز وتوعد‬
‫إن هناك وسائل ضمنية آلية تحقق عدالة‬
‫ال��ذي��ن ي�ك�ن��زون أم��وال �ه��م‪ ،‬ب��ال �ع��ذاب األل �ي��م يوم‬
‫التوزيع للدخل والثروة في النظام اإلسالمي‪ ،‬وإن‬
‫هناك أيضاً وسائل تخضع لقرار أهل الشورى‪ ،‬القيامة‪ .‬قال تعالى‪{ :‬وَا َّل��ذِ ي� َن يَ ْك ِنزُو َن الذَّ هَ بَ‬
‫وكلها في مجموعها تحقق عدالة التوزيع للدخل وَالْفِ َّض َة َوالَ يُنفِ قُونَهَا فِ ي سَ بِيلِ اللّهِ َفبَشِّ ْرهُم‬
‫والثروة‪ ،‬ولفوائد عناصر اإلنتاج للمجتمع ككل‪.‬‬
‫َاب أَلِيم * يَ� ْو َم يُحْ مَى عَ لَيْهَا فِ ي نَ��ارِ جَ َه َّن َم‬
‫ِب َعذ ٍ‬

‫اكتناز األموال‬

‫َفتُ ْكوَى ِبهَا ِجبَا ُه ُه ْم وَجُ نوبُ ُه ْم وَظُ هُو ُر ُه ْم هَ ـذَا مَا‬

‫ي�ع�ن��ي االك �ت �ن��از‪ ،‬ح�ب��س ال �م��ال ع��ن التداول َكنَ ْزتُ ْم ألَنف ُِس ُك ْم َفذُوقُوا ْ مَا كُنتُ ْم تَ ْك ِنزُون} سورة‬
‫وت �ج �م �ي��ده‪ ،‬م��ا يعطله ع��ن وظ�ي�ف�ت��ه األساسية‬
‫التوبة‪ ،‬اآلية (‪.)35-34‬‬
‫ف��ي دخ��ول��ه دورة اإلن��ت��اج‪ ،‬وه��و ب��ذل��ك يختلف‬

‫عن االدخ��ار‪ ،‬ف��إذا كان االدخ��ار يمثل ما يفيض‬

‫وفي الشرع اإلسالمي‪ ،‬كل مال ال تؤدى زكاته‬

‫ع��ن ال��دخ��ل بعد تلبية الحاجات االستهالكية‪ ،‬فهو كنز‪ ،‬قال عليه الصالة والسالم‪« :‬كل مال وإن‬
‫ويتحول إلى إنفاق استثماري‪ ..‬فإن االكتناز هو‬
‫كان تحت سبع أرضين تؤدى زكاته فليس بكنز‪،‬‬
‫ال في القنوات‬
‫بمثابة مدخرات ال تجد لها سبي ً‬
‫االستثمارية‪ ،‬ول��ذل��ك ف��إن االك�ت�ن��از يقف عقبة وكل ما ال تؤدى زكاته وإن كان ظاهراً فهو كنز»‬

‫في وجه التنمية االقتصادية واالجتماعية‪ ،‬ألنه (رواه الطبراني)‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪123‬‬

‫الوزير املرافق‬

‫املؤلف ‪ :‬معالي الدكتور غازي بن عبدالرحمن القصيبي‬
‫الناشر ‪ :‬املؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت – عمان‬
‫السنة ‪2010 :‬م – ‪1431‬هـ‬
‫قبيل رحيله رحمه الله‪ ،‬صدر حديثًا عن المؤسسة تأخذ الوزير من دوامة العمل الروتيني اليومي‪ .‬أبرز هذه‬
‫العربية للدراسات والنشر كتاب جديد للدكتور الروائي المهام مرافقة الملك وولي العهد‪ ،‬في الزيارات الرسمية‪،‬‬
‫الشاعر الوزير غازي القصيبي بعنوان «الوزير المرافق»‪ .‬ومرافقة رؤساء الدول الذين يزورون المملكة والمساهمة‬
‫«الوزير المرافق» كتاب للشاعر والروائي السعودي في المؤتمرات المختلفة»‪.‬‬
‫غازي عبدالرحمن القصيبي‪ ،‬صدر حديثاً عن المؤسسة‬
‫وخالل عملي في وزارة الصناعة والكهرباء والصحة‪،‬‬
‫العربية للدراسات والنشر (بيروت ‪ -‬عمّان) ويض ّم نصوصاً كلفت بعدد كبير من هذه المهام‪ .‬وفي هـذا الكتاب فصول‬
‫ومقاالت كان كتبها القصيبي في ظروف مختلفة‪.‬‬
‫تحمل انطباعاتي الشخصية عن عدد من رؤساء الدول‬

‫ي�ق��ول ال��دك�ت��ور القصيبي رح�م��ه ال�ل��ه‪ :‬م��ا ك��ان لهذا‬
‫الكتاب أن يكتب لوال الملوك الكبار جاللة الملك خالد‬
‫ابن عبدالعزيز‪ ،‬رحمه الله‪ ،‬وخادم الحرمين الـشـريـفـين‬
‫الملك فهد بن عبدالـعزيز‪ ،‬رحمه الله‪ ،‬وخادم الحرمين‬
‫الـشـريـفين ال�م�ل��ك ع�ب��دال�ل��ه ب��ن ع�ب��دال�ع��زي��ز أم� � َّد الله‬
‫في عمره ‪ -‬ولهم جميعاً في قلبي من الحب والتقديم‬
‫واالمتنان ما ال يعرفه إال الله عز وجل‪.‬‬
‫أرج��و أن أك��ون ص��ادق �اً إذا قلت مستشهداً باآلية‬
‫الكريمة عما كتبته هنا «وما شهدنا إال بما علمنا وما كنا‬
‫للغيب حافظين»‪.‬‬
‫ويضيف في مقدمته للكتاب‪« :‬قلت في كتابي السابق‬
‫«حياة في اإلدارة»‪« :‬كانت هناك‪ ،‬بين الحين والحين‪ ،‬مهام‬
‫‪ 124‬اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫والحكومات أتيح لي أن أشاهدهم عن كثب‪ ،‬من خالل‬
‫مرافقتي الملك أو ولي العهد في زيارة لبالدهـم أو مـن‬
‫خـالل زيـاراتـهـم هـم الـى الـمـمـلـكـة‪ .‬وقد حرصت على أن‬
‫تبقى االنطباعات كما دونتها أول مرة‪ ،‬منذ سنين طويلة‪،‬‬
‫من دون أن أحاول تصحيح أو تعديل ما كتبته في ضوء‬
‫التطورات الالحقة‪.‬‬
‫ومن عناوين الكتاب‪ :‬البيت األبيض‪ ...‬بين سيدين‪ ،‬مع‬
‫سيدة الهند الحديدية‪ ،‬مع المجاهد األكبر‪ ،‬مع المستشار‬
‫«اللسان»! مع المستشار الذي «جاء من األرياف»‪ ،‬مع األخ‬
‫العقيد‪ ...‬في الحافلة‪ ،‬على مائدة الملكة‪ ...‬أخيراً! بين‬
‫المهندس والنحلة! مع قاهر االمبراطورية البريطانية‪،‬‬
‫فاس‪ ...‬بين قمّتين‪.‬‬

‫ق�������������������������������������������������������������راءات‬

‫دموع فراشة‬

‫> أحمد الدمناتي*‬

‫املؤلف ‪ :‬حميد ركاطة‬
‫الناشر ‪ :‬دار التنوخي للطباعة والنشر والتوزيع‪ ،‬املغرب‪ ،‬الطبعة األولى‬
‫السنة ‪2010 :‬م‬
‫صدر للناقد والقاص المغربي حميد ركاطة مجموعته القصصية القصيرة جدا البكر‬
‫تحت عنوان جميل ودال «دموع فراشة»‪ ،‬في حلة زاهية‪ .‬المجموعة من القطع المتوسط‪.‬‬
‫وتلم بين دفتيها زبدة ما كتبه حميد ركاطة من قصص قصيرة جدا تضاف إلى مدونة‬
‫القصة المغربية‪.‬‬
‫بصم القاص عبدالله المتقي على غالف المجموعة بالكلمة التالية‪:‬‬

‫المــاء والفـراشة‬
‫فالفراشة ألوانها جذابة وفاتنة‪ ،‬لذا استحوذت على مساحات واسعة من اإلبداع‪،‬‬
‫والمعتقدات الدينية‪ ،‬ولعب األطفال‪ .‬وأكثر أنواع الفراشات تعيش في األماكن المطيرة‪،‬‬
‫كما يعيش بعضها في قمم الجبال‪ ،‬وبعضها يسابق المسافات الطويلة لقضاء الشتاء في‬
‫المناطق الدافئة‪ ،‬وقليل منها يعيش في الصحاري المشمسة والجافة‪ ..‬كذلك قصص‬
‫المبدع والناقد حميد ركاطة‪ ،‬فراشات مائية بألوان زاهية وبأنماط خيالية مدهشة‪،‬‬
‫فاتنة بجمال لغتها الرقيقة‪ ،‬تعيش في أنحاء التيمات واألشكال‪ ،‬وقريبا من ماء الكتابة‪:‬‬
‫مطر‪ ،‬جرح‪ ،‬دموع‪ ،‬نزيف‪ ،‬لعاب‪ ،‬ندف الثلج‪ ،‬وحبر القصة القصيرة جدا‪..‬‬
‫حفنات حميد ركاطة بيضات صغيرة جدا‪ ،‬فحاول فقسها‪ ،‬وسيخرج لك منها العجب‬
‫العجاب‪.‬‬

‫* ‬

‫كاتب وناقد من المغرب‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪125‬‬

‫شاهد عيان على ذلك الزمان‬
‫‪1948- 1946‬م شهادة حول‬
‫ضياع فلسطني‬

‫املؤلف ‪ :‬اللواء ركن م ‪ /‬معاشي ذوقان العطية‬
‫الناشر ‪ :‬مطابع احلميضي ‪ -‬الرياض‬
‫السنة ‪1431 – 2010 :‬هـ‬
‫صدر في الرياض كتاب جديد بعنوان «شاهد عيان على ذلك الزمان ‪1948- 1946‬م»‬
‫للواء معاشي ذوقان العطية أحد ضباط الجيش العربي سابقا‪ ،‬حيث يغطي فيه العطية‬
‫فترة تعايش معها المؤلف ضابطا بين طوائف الشعب الفلسطيني الكريم‪ ،‬من غزة‬
‫إلى يافا ونابلس وصفد والناصرة مرورا بالقدس الشريف ومشاركته في معركتها عام‬
‫‪1948‬م‪ ،‬ولهذا يعد هذا الكتاب شاهداً على حال فلسطين وأوضاعها في تلك الفترة‬
‫(‪1948-1946‬م)‪.‬‬
‫ويؤكد المؤلف أنه بعد ستين عاماً من هزيمة العرب في ‪1948‬م‪ ،‬فإن العرب لم‬
‫يبصروا حتى اآلن أسباب تلك الهزيمة المرة التي قادت الى ماقادت إليه من هزائم أكبر‪،‬‬
‫مشيراً إلى أن العرب لم يتعلموا من أخطائهم السياسية والعسكرية مع العدو‪ ،‬متهما‬
‫االنقالبات العسكرية بجر الويالت على األمة العربية‪.‬‬
‫ويشير إلى أن العرب لم يفيدوا أيضا من دروس نجاحات العدو في معاركه العسكرية‬
‫وتحركاته السياسية‪ ،‬مفندا عددا من األراء التي أخذها الناس دون التحقق من صدقيتها‪،‬‬
‫مشيرا إلى أنه قرر بعد أن زاره أحد المؤرخين الشباب عام ‪2006‬م كتابة شهادته حول‬
‫تلك الفترة التي عايشها‪ ،‬موضحاً أنه أحس أن من واجبه الكتابة لألجيال القادمة عن‬
‫الظروف السائدة في فلسطين والوطن العربي بصدق‪ ،‬ودون خوف على شكل روائي‪،‬‬
‫‪ 126‬اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫ق�������������������������������������������������������������راءات‬

‫السائل والمجيب هو المؤلف نفسه‪ ،‬على ضوء‬
‫أيام عاشها بين أهل فلسطين‪.‬‬
‫ويجيب ال�ك�ت��اب على ع��دد م��ن األس�ئ�ل��ة في‬
‫(‪ )342‬صفحة من القطع المتوسط جاء فيها‪:‬‬
‫ •من الذي أعطى وعد بلفور؟‬
‫ •من الذي كان يحكم فلسطين؟‬
‫ •من الذي فرض على بريطانيا االنسحاب‬
‫من فلسطين؟‬
‫ •من الذي سلح اليهود؟‬
‫ •كم كانت قوة اليهود في ذلك الزمان؟‬
‫ •ما يملك العرب من قوة؟‬
‫ •لماذا أعلن األردن الحرب على ألمانيا؟‬
‫ •بأي سالح حاربت الجيوش العربية؟‬
‫ •من الذين رفضوا التقسيم؟‬
‫ •م��ن ال��ذي��ن ط��ال�ب��وا ب��ال�ح��رب ع�ل��ى غير‬
‫بصيرة؟‬
‫ •من أين أتت فكرة جيش اإلنقاذ؟‬
‫ •ماذا فعل جيش االنقاذ؟‬
‫ •ماهي قدرات العرب جميعا؟‬
‫ك�م��ا ي �ق��دم ال �ك �ت��اب وص �ف��ا محمال بالحزن‬
‫واألسى والدموع لسقوط المدن الفلسطينية في‬
‫أيدي اليهود وحجم المؤامرة الكبرى التي تعرض‬
‫لها أهل فلسطين من القوى الكبرى‪.‬‬
‫اللواء العطية من مواليد مدينة سكاكا بمنطقة‬
‫الجوف شمال المملكة العربية السعودية على‬
‫الحدود األردنية عام ‪1350‬هـ ‪ 1920 -‬م‪ ،‬وهو لواء‬
‫ركن متقاعد حاصل على درجة الماجستير في‬

‫العلوم العسكرية‪ ..‬وأحد أبرز الكتاب والمؤلفين‬
‫ف��ي المنطقة‪ ،‬أل��ف ع���دداً م��ن ال�ك�ت��ب تناولت‬
‫التراث الشعبي والتاريخي في منطقة الجوف‪،‬‬
‫إضافة إلى كتب أخرى في الشأن العربي العام‪.‬‬
‫من مؤلفاته أوراق جوفية‪ ،‬عصاميون‪ ،‬حدائق‬
‫الجوف‪ ،‬الغزو األمريكي للوطن العربي‪ ،‬خطوات‬
‫على الطريق‪..‬‬
‫ي�ع��د م��ن ج�ي��ل المخضرمين ال��ذي��ن عاشوا‬
‫تجارب إنسانية وعملية عديدة‪ ،‬فقد هاجر مع‬
‫ال�ع��دي��د م��ن ش�ب��اب ال�ج��وف للعمل ف��ي الجيش‬
‫العربي األردني‪ .‬شارك في حرب فلسطين ضد‬
‫العصابات الصهيونية‪ ،‬وعمل مندوبا لألردن في‬
‫عدد من ال��دول‪ ،‬ثم عاد إلى المملكة وعمل في‬
‫الحرس الوطني ليصل فيه إلى رتبة لواء‪.‬‬
‫يزدان مكتبه بلوحات تراثية لمنطقة الجوف‪..‬‬
‫تتوسطها خ��ارط��ة لفلسطين بمدنها وقراها‪،‬‬
‫سهولها وج�ب��ال�ه��ا‪ ..‬رب�م��ا يعيش معها ذكريات‬
‫األرب�ع�ي�ن�ي��ات م��ن ال �ق��رن ال�ع�ش��ري��ن حينما كان‬
‫متواجدا فيها‪..‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪127‬‬

‫هدير الشعر‬

‫املؤلف ‪ :‬صابر احلباشة‬
‫الناشر ‪ :‬النادي األدبي في اجلوف‬
‫السنة ‪1431 :‬هـ‪2010/‬م‬
‫صدر للناقد والباحث التونسي صابر الحباشة كتاب جديد عن النادي األدبي بالجوف‪،‬‬
‫ضمن سلسلة إصداراته األدبية والثقافية‪ ،‬موسوما بــ»هدير الشعر»‪.‬‬
‫أصدر النادي هذا الكتاب إيمانا منه بما يقدمه من إضافة إلى المشهد الثقافي‬
‫والنقدي‪ ..‬لتمكين القراء من االط�لاع على إمكانات غزيرة في تأويل النص الشعري‬
‫العربيّ الحديث‪ ،‬حيث يقدم المؤلف مشاريع نقد الشعر الحديث التي يرى أنها بحاجة‬
‫إلى مزيد من الدعم‪ ،‬في ظ ّل ارتكاسات في ال��ذوق‪ ،‬وخفوت في القرائح‪ ،‬وجراحات‬
‫في الواقع‪ ،‬يستعرضها صابر الحباشة في أبواب الكتاب الثالثة والعشرين‪ :‬الشعر بين‬
‫وتناص األساليب‪ ،‬الشعر النثري والبالغة‪،‬‬
‫ّ‬
‫تراص التراكيب‬
‫ّ‬
‫الصنعة وحالوة الحديث‪،‬‬
‫الشعر بين اإلقناع واإلبداع‪ ،‬بنوّة الشّ عر ونبوءة الشّ اعر‪ ،‬تحاليل قبّانيّة‪ ،‬صراع التشابيه‬
‫نصا وإنشائية الرثاء‪،‬‬
‫في شعر محمود درويش‪ ،‬القصيدة تمنحك حق التأويل‪ ،‬االستشهاد ًّ‬
‫من إشكاليات نقد الشعر في العمدة البن رشيق‪ ،‬تجليات القول الشعري‪ ،‬مراسم االحتفال‬
‫الشعري‪ ،‬الشعر بين الصياغة والصباغة‪ ،‬الشعر الحديث بين الواقعيّة والصوفيّة‪ ،‬حدوس‬
‫القراءة وآليات اإلبداع‪ ،‬مستويات االنزياح في «هذا حفيف سرك البنّيّ » لهشام المحمّدي‪،‬‬
‫التماس‪ ،‬شعرية الموت عند كوكتو‪ ،‬تعالق النصوص في «آخر‬
‫ّ‬
‫«وصية» أوالد أحـمد‪ :‬شعرية‬
‫الهالليين»‪ ،‬شعرية البدائية أو في أسرار السذاجة الشعرية‪ :‬قراءة في نص «أغنية لباب‬
‫توما» لمحمد الماغوط‪ ،‬نظام التخييل في شعر أحمد العجمي‪ ،‬أيقونية اللغة الشعرية‪:‬‬
‫قراءة في كتاب الشين لعلي الشرقاوي‪ ،‬شعرية التضاد في مجموعة»أسقط منك واقفة»‬
‫لفاطمة محسن‪.‬‬
‫‪ 128‬اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

You're Reading a Free Preview

تحميل
scribd
/*********** DO NOT ALTER ANYTHING BELOW THIS LINE ! ************/ var s_code=s.t();if(s_code)document.write(s_code)//-->