‫‪ -‬العدد ‪ - 29‬خريف ‪1431‬هـ ‪2010 -‬م‬

‫من إصدارات مؤسسة عبدالرحمن السديري اخليرية‬

‫ملف العدد‬

‫غازي القصيبي ‪ ..‬أيقونة إنسانية لإلبداع‬
‫مبشاركة ‪ :‬خلف القرشي‪ ،‬عمران عز الدين‪ ،‬محمد جميل أحمد‪،‬‬
‫عبدالدامي السالمي‪ ،‬مالك اخلالدي‪ ،‬عمار اجلنيدي‪ ،‬أحمد الدمناتي‪،‬‬
‫خالد فهمي‪ ،‬سمير الشريف‪ ،‬سناء الشعالن‪ ،‬موسى البدري‬

‫‪29‬‬

‫دراسات و إبداعات شعرية وقصصية و حوارات‬

‫‪29‬‬

‫من إصدارات اجلوبة‬

‫صورة لممر في حي الضلع األثري القديم بمدينة سكاكا‬

‫مقطع من منزل أثري في حي الضلع القديم بمدينة سكاكا‬
‫تعلوه قلعة زعبل حامية المدينة‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫‪1‬‬

‫العدد ‪29‬‬
‫خريف ‪1431‬هـ ‪2010 -‬م‬

‫ملف ثقافي ربع سنوي‬
‫يصدر عن مؤسسة عبدالرحمن السديري اخليرية‬

‫املشرف العام‬
‫إبراهيم احلميد‬
‫املراسالت‬
‫توجه باسم املشرف العام‬
‫ّ‬

‫هاتف‪)+966( )4( 6245992 :‬‬
‫فاكس‪)+966( )4( 6247780 :‬‬
‫ص‪ .‬ب ‪ 458‬سكاكا‬
‫اجلـ ــوف ‪ -‬اململكة العربية السعودية‬
‫‪aljoubah@gmail. com‬‬
‫‪www. aljoubah. com‬‬

‫ردمد ‪ISSN 1319 - 2566‬‬

‫سعر النسخة ‪ 8‬رياالت‬
‫تطلب من الشركة الوطنية للتوزيع‬

‫قواعد النشر‬

‫‪ - 1‬أن تكون املادة أصيلة‪.‬‬
‫‪ - 2‬لم يسبق نشرها‪.‬‬
‫‪ - 3‬تراعي اجلدية واملوضوعية‪.‬‬
‫‪ - 4‬تخضع املواد للمراجعة والتحكيم قبل نشرها‪.‬‬
‫‪ - 5‬ترتيب املواد في العدد يخضع العتبارات فنية‪.‬‬
‫‪ - 6‬ترحب اجلوبة بإسهامات املبدعني والباحثني والكتّاب‪،‬‬
‫على أن تكون املادة باللغة العربية‪.‬‬
‫«اجلوبة» من األسماء التي كانت تُطلق على منطقة اجلوف سابق ًا‪.‬‬

‫الناش ـ ـ ـ ــر‪ :‬مؤسسة عبدالرحمن السديري اخليرية‬
‫أسسها األمير عبدالرحمن بن أحمد السديري (أمير منطقة اجلوف من ‪1362/9/5‬هـ‬
‫ ‪1410/7/1‬هـ املوافق ‪1943/9/4‬م ‪1990/1/27 -‬م) بهدف إدارة ومتويل املكتبة العامة‬‫التي أنشأها عام ‪1383‬هـ املعروفة باسم دار اجلوف للعلوم‪ .‬وتتضمن برامج املؤسسة‬
‫نشر الدراسات واإلبداعات األدبية‪ ،‬ودعم البحوث والرسائل العلمية‪ ،‬وإصدار مجلة‬
‫دورية‪ ،‬وجائزة األمير عبدالرحمن السديري للتفوق العلمي‪ ،‬كما أنشأت روضة ومدارس‬
‫الرحمانية األهلية للبنني والبنات‪ ،‬وجامع الرحمانية‪.‬‬
‫‪2‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫الـمحتويــــات‬

‫االفتتاحية‪4.............................................................‬‬

‫‪6.......................‬‬
‫رحيل القصيبي‪..‬‬
‫رجل الدبلوماسية واألدب‬

‫ملف العدد‪ :‬رحيل القصيبي‪ ..‬رجل الدبلوماسية واألدب‪6...........‬‬
‫دراسات‪ :‬اللهجات العربية في القرآن الكريم ‪ -‬الحسين اإلدريسي‪52...‬‬
‫المفاضلة بين الشعراء ‪ -‬د‪ .‬ثناء عياش ‪62..........................‬‬
‫قصص قصيرة‪ :‬أكبر من الجرح ‪ -‬مالك الخالدي ‪71...............‬‬
‫البئر ‪ -‬زكريا العباد‪73...............................................‬‬
‫حفلة تنكر‪ - ..‬شمس علي‪75........................................‬‬
‫قصص قصيرة جدا ‪ -‬محمد صوانه‪77.............................‬‬

‫‪48.....................‬‬
‫الشاعرة السعودية‬
‫د‪ .‬أشجان محمد هندي‬

‫ْس ‪ -‬د‪ .‬سعد عبدالقادر العاقب ‪78..................‬‬
‫شعر‪َ :‬ك ِل َم ٌُة ِلل ْ ُقد ِ‬
‫إذا مت ال تخبروها بموتي ‪ -‬محمد حرب الرمحي ‪80..............‬‬
‫ألوان حُ زني ‪ -‬زكية نجم ‪81..........................................‬‬
‫مضطرِ بة ‪ -‬محمود قطان‪82..................‬‬
‫قَصيدةٌ‪ ...‬إِلى امرأةٍ َّ‬
‫يحدث أحيانا ‪ -‬عبير يوسف ‪83.....................................‬‬
‫مصير الوردة ‪ -‬طارق فراج‪84.......................................‬‬
‫نقد‪« :‬الترام األخير» للروائيّ التركيّ نديم جورسيل ‪ -‬هيثم حسين‪85...‬‬

‫‪96.....................‬‬
‫فخري صالح يتحدث عن عبده خال‬

‫رواية «الخوف» للروائي المغربي رشيد الجلولي ‪ -‬د‪ .‬عبدالجبار‬
‫العلمي‪88...........................................................‬‬
‫مخلوقات األب ‪ -‬سعد الرفاعي‪90..................................‬‬
‫إيروس في الرواية ‪ -‬هشام بن الشاوي ‪93..........................‬‬
‫مواجهات‪ :‬حوار مع فخري صالح ‪ -‬محمد البشتاوي‪96.............‬‬
‫حوار مع كاتبة أدب األطفال‪ ..‬روضة الهدهد ‪ -‬د‪ .‬دعاء صابر‪104...‬‬
‫نوافذ‪ :‬الجوف حلوة ‪ -‬فواز جعفر‪109................................‬‬

‫‪126....................‬‬
‫اللواء ركن م‪ /‬معاشي ذوقان العطية‬

‫شاهد عيان على ذلك الزمان‬
‫‪1948-1946‬م‬

‫الغالف‪ :‬صورة د‪ .‬القصيبي وجنله‬
‫األكبر سهيل‪.‬‬

‫المجد لألنثى ‪ -‬عبدالناصر بن عبدالرحمن الزيد ‪110.............‬‬
‫القص السعوديّ وخصائصه‪ -‬مصطفى الصوفي ‪114.....‬‬
‫ّ‬
‫تطور فنّ‬
‫موافقات شعرية ‪ -‬نورا العلي‪116....................................‬‬
‫مال واقتصاد‪ :‬أحكام اقتصادية في آي��ات قرآنية ‪ -‬أ‪ .‬د‪ .‬محمود‬
‫الوادي‪119............................................................‬‬
‫قراءات‪124...........................................................:‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫‪3‬‬

‫القصيبي‪..‬‬

‫أيقونة متقدة على مر األجيال‬
‫> إبراهيم احلميد‬

‫لم يخيب معالي الدكتور غازي القصيبي رحمه الله محبيه يوما‪ ،‬فقد‬

‫بقي غازي هو ذاته‪ ،‬غازي اإلنسان‪ ,‬األديب حينا‪ ،‬واملفكر أحيانا‪ ،‬ورجل‬

‫الدولة احلاضر في كل األمكنة‪ ،‬إال أن اإلنسان بقي فيه في جميع املراحل‬
‫التي تقلب فيها أستاذا ووزيرا وسفيراً‪ ،‬وهذا مكمن سحر الرجل الذي ظل‬
‫مبهراً‪ ،‬وقامة محملة بالعز‪ ،‬حتى وهو يقود معاركه على جميع اجلبهات؛ لم‬
‫يسىء حتى ملن أساءوا فهمه‪ ،‬أو أساءوا له‪ ،‬حتى أصبح التسامح سمة من‬

‫سماته التي نتعلم منها‪ ،‬فلم تؤثر فيه التقلبات واألهواء‪ ،‬وكان بحق فارس‬

‫الكلمة وشاعر الصدق ورجل الدولة والوطن‪.‬‬

‫بغياب غ��ازي القصيبي‪ ،‬فقدت الساحة الثقافية في اململكة العربية‬

‫السعودية‪ ،‬والعالم العربي واإلسالمي‪ ،‬علما من أعالمها‪ ،‬ومثقفا موسوعيا‪،‬‬
‫َّ‬
‫قل أن يجود الزمان مبثله‪ ،‬حتى لتخال أنك أمام رجل ال ينتمي لزماننا‪،‬‬
‫ولهذا كانت فجيعة املوت‪ ،‬والرحيل أكبر من أن توصف لدى كل محبيه‪،‬‬

‫وممن هم رزئوا برحيله‪.‬‬

‫لن نأتي بجديد بعد أن ذرف��ت احملابر مئات املقاالت وسالت مدادا‪،‬‬

‫تنقب في سيرة القصيبي وتثري مكتبتنا العربية‪ ،‬وهكذا فإن استذكار‬
‫الدكتور غازي واستعادته في مقاالت أو ملفات أو كتب‪ ،‬لن توفيه حقه الذي‬
‫يستحقه في رياديته‪ ،‬وحضوره الذي سجله في كافة املواقع التي شغلها‪ ،‬وال‬

‫في فضله على ثقافتنا العربية واحمللية‪ .‬وما إسهام اجلوبة في ملفها الذي‬

‫تخصصه عنه إال نقطة ضوء تشعلها في بحر هذه الكتابات عن الراحل‬

‫الكبير الذي مأل الدنيا ثقافة وأدبا‪.‬‬

‫‪4‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫اف�����������ت�����������ت�����������اح�����������ي�����������ة‬

‫لقد كان املشهد الثقافي في اململكة العربية السعودية حتى بروز ظاهرة‬

‫الدكتور غ��ازي القصيبي بال أيقونة‪ ،‬أو مبعنى آخ��ر‪ ..‬بال مثقف يحظى‬

‫باإلجماع من مختلف األط�ي��اف‪ ،‬رغ��م العدد الكبير للروائيني والشعراء‬
‫واملثقفني الذين مروا على ثقافة هذه البالد منذ تأسيسها! وقد آن لغازي‬

‫أن يكونها‪ ،‬ألنه لن يرحل أبدا‪ ،‬فهو حاضر اليوم مثلما كان باألمس‪ ،‬وسيبقى‬
‫إن شاء الله حاضرا في املستقبل‪ ،‬بعد أن أورث مكتبة قل نظيرها‪ ،‬محملة‬

‫بالتجارب واخلبرة واإلبداع‪ ،‬وترك بصمة عظيمة في ثقافتنا العربية وحياتنا‬
‫اإلدارية‪ .‬وكما يقول صديقنا الشاعر السوداني محمد جميل أحمد «فهو‬

‫لم يكن مجرد أديب عابر في حياته املديدة‪ ،‬كما لم يكن إداريا ودبلوماسيا‬

‫عاديا‪ .‬كان باستمرار شخصا ميزج ويستقطب املهام مبعيار دقيق‪ ،‬ويقف‬

‫بها في مهب التحوالت؛ ليؤكد من خاللها أن وجوده في األدب ال يوازي‬

‫وجوده في الدبلوماسية واإلدارة فحسب‪ ،‬بل أيضا يؤكد أن ما ينعكس من‬
‫أدبه في مجال الدبلوماسية‪ ..‬وهو في ذات الوقت تعبير عن دبلوماسيته‬

‫جسد غازي القصيبي يرحمه الله في الزمن الذي عاش فيه‬
‫املؤدبة‪ ،‬وقد ّ‬
‫وما شهده ذلك الزمن من حتوالت‪ ،‬قناعات كان من الصعب الوصول إليها‬

‫دون التوفر على معرفة عميقة‪ ،‬ونفس كبيرة‪ ،‬واستعداد للتعلم من كل شيء‪،‬‬
‫وتواضع واهتمام بأدق تفاصيل املهنة والوظيفة واألمانة»‪ ،‬ما يجعل منه‬

‫أيقونة متقدة تبقى على مر األجيال‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫‪5‬‬

‫رحيل القصيبي‪..‬‬

‫رجل الدبلوماسية واألدب‬
‫> إعداد‪ :‬محمود الرمحي‬

‫قبل أسابيع‪ ..‬رحل عنا الشاعر والروائي السعودي المتميز الدكتور غازي القصيبي‪ ..‬وبرحيله تكون‬
‫الثقافية السعودية قد خسرت واحد ًا من أبرز أعالمها المثقفين والمبدعين‪ ،‬خاصة وأن الفقيد كان له‬
‫حضو ٌر قوي وكبير‪ ..‬ليس في المشهد السعودي فقط‪ ،‬ولكن في الساحة الخليجية والعربية والدولية‪،‬‬
‫بشكل عام‪.‬‬
‫فقد عرفناه أديب ًا وشاعر ًا مؤثراً‪ ،‬وصاحب مواقف مشرفة‪ ،‬نجح وبجدارة في الجمع بين اإلبداع‬
‫والعمل الوظيفي‪ ،‬في الوقت الذي فشل فيه آخرون‪ ،‬وآثروا االعتزال‪ ..‬لقد كان ملم ًا بقضايا واقعه‬
‫وأمته‪ ،‬ظهر ذلك جلي ًا من خالل دواوينه وإصداراته اإلبداعية المختلفة‪ ،‬فض ًال عن كتاباته الصحافية‬
‫المتنوعة‪.‬‬
‫لم يكن القصيبي رج ًال عادياً‪ ،‬بل كان مفكر ًا كبيراً‪ ،‬وأديب ًا ساخر ًا بكلّ ما لهذه الكلمة من معنى‪،‬‬
‫شأنه في ذلك شأن كِ بَار الكُ تَّاب الذين أنجبتهم المعمورة‪ ،‬أو الساحة األدبية‪ ،‬العربية على األقل‪ .‬لذا‪،‬‬
‫يتوجب علينا أن ننصف هذا الرجل وأدبه‪ ،‬وهذه من أبسط حقوقه علينا‪.‬‬
‫ولهذا‪ ,‬ارتأت الجوبه تخصيص ملف للراحل الكبير‪ ،‬استقطبت فيه العديد من الكتاب السعوديين‬
‫والعرب‪ ،‬سائلين المولى عز وجل أن يرحم الراحل الكبير‪ ،‬ويسكنه فسيح جناته‪.‬‬

‫‪6‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫ولد القصيبي في اليوم الثاني من شهر مارس‬
‫عام ‪1940‬م في منطقة اإلحساء بالمملكة العربية‬
‫ال�س�ع��ودي��ة‪ ..‬ف��ي بيئة «مشبعة بالكآبة»‪ ،‬فقبل‬
‫والدت��ه بقليل‪ ..‬توفي جده لوالدته‪ ،‬وبعد تسعة‬
‫أشهر من والدته توفيت والدته‪ ,‬وإلى جانب ذلك‬
‫كله لم يكن له أقران أو أطفال ‪ -‬من سني عمره‬
‫ يؤنسونه‪ .‬وفي ذلك يقول «ترعرعت متأرجحا‬‫بين قطبين أولهما أب ��ي‪ ..‬وك��ان يتسم بالشدة‬
‫والصرامة (فكان ال�خ��روج إل��ى ال�ش��ارع محرّما‬
‫على سبيل المثال)‪ ،‬وثانيهما جدتي ألمي‪ ،‬وكانت‬
‫تتصف بالحنان المفرط والشفقة المتناهية على‬
‫الصغير اليتيم»‪.‬‬
‫لم يستمر جو الكآبة‪ ،‬ول��م تستبد به العزلة‬
‫طويالً‪ ،‬بل ساعدته المدرسة على التحرر من تلك‬
‫الصبغة التي نشأ فيها‪ ،‬ليجد نفسه مع الدراسة‪..‬‬
‫بين أصدقاء متعددين‪ ،‬ووسط صحبة جميلة‪.‬‬
‫قضى في اإلحساء سنوات عمره األولى‪ .‬انتقل‬
‫بعدها إلى المنامة بالبحرين ليدرس فيها مراحل‬
‫ال�ت�ع�ل�ي��م‪ .‬ن ��ال ل�ي�س��ان��س ال �ح �ق��وق من‬
‫جامعة القاهرة‪ ،‬ثم تحصل على درجة‬
‫الماجستير في العالقات الدولية من‬
‫جامعة جنوب كاليفورنيا‪ ،‬التي لم يكن‬
‫يريد الدراسة فيها‪ ،‬لكن ظروفا خاصة‬
‫أجبرته على ذلك‪ ..‬وعلى الدكتوراه في‬
‫ال�ع�لاق��ات ال��دول�ي��ة م��ن جامعة لندن‪،‬‬
‫وكانت رسالته فيها حول اليمن‪ ,‬كما جاء‬
‫في كتابه الشهير «حياةٌ في اإلدارة»‪.‬‬

‫املناصب التي تقلدها‬
‫ •أس � �ت� ��اذاً م� �س ��اع ��داً ف ��ي ك �ل �ي��ة التجارة‬
‫ب �ج��ام �ع��ة ال �م �ل��ك س� �ع ��ود ف ��ي الرياض‬
‫‪1385/1965‬هـ‪.‬‬

‫ •عميدا لكلية العلوم اإلدارية بجامعة الملك‬
‫سعود ‪1391/1971‬هـ‪.‬‬
‫ •مديرا للمؤسسة العامة للسكك الحديدية‬
‫‪1393/1973‬هـ‪.‬‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫مولده ونشأته‪..‬‬

‫ •ع �م��ل م �س �ت �ش��ارا ق��ان��ون �ي��ا ف ��ي مكاتب‬
‫استشارية‪ ،‬وفي وزارة الدفاع والطيران‪،‬‬
‫ووزارة المالية‪ ،‬ومعهد اإلدارة العامة‪.‬‬

‫ •وزي� � � � � � ��را ل � �ل � �ص � �ن� ��اع� ��ة وال� � �ك� � �ه � ��رب � ��اء‬
‫‪1396/1976‬هـ‪.‬‬
‫ •وزيرا للصحة ‪1402/1982‬هـ‬
‫ •سفيرا للسعودية لدى‬
‫ولدى‬
‫‪1404/1984‬هـ‪.‬‬
‫‪1412/1992‬هـ‪.‬‬

‫البحرين‬
‫بريطانيا‬

‫ •وزيرا للمياه والكهرباء ‪1423/2003‬هـ‪.‬‬
‫ •وزيرا للعمل ‪1425/2005‬هـ‪.‬‬
‫ •والقصيبي شاعر تقليدي كالسيكي‪ ،‬منحاز‬
‫في كالسيكيته إل��ى لغة بسيطة وسهلة‪،‬‬
‫يعوّضها تنوّع المضامين واألفكار‪،‬‬
‫وقد أحدثت رواياته وشعره الكثير‬
‫من الضجّ ة والسجاالت حولها‪ ،‬أما‬
‫منجزه الشعري فيربو على الخمسة‬
‫عشر مؤلفا باللغة العربية‪ ..‬ونحو‬
‫خمسة مؤلفات باللغة االنجليزية‪.‬‬
‫ • ُمنِح وسام الملك عبدالعزيز‪،‬‬
‫وع� � ��دداً م ��ن األوس� �م ��ة الرفيعة‬
‫م��ن دول ع��رب�ي��ة وع��ال�م�ي��ة‪ .‬لديه‬
‫اهتمامات اجتماعية‪ ..‬فهو عضو في‬
‫جمعية األط �ف��ال المعاقين السعودية‪،‬‬
‫وع� �ض ��و ف� �ع ��ال ف ��ي م �ج��ال��س وهيئات‬
‫حكومية كثيرة‪.‬‬
‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫‪7‬‬

‫القصيبي بين السياسة واألدب!‬
‫خلف سرحان القرشي ‪ -‬السعودية‬
‫العالقة بين السياسة واألدب عالقة مضطربة نوعا ما؛ فالسياسة تعنى‬
‫بالمصالح‪ ،‬وكثيرا ما تكون هذه المصالح على حساب قيم ومبادئ ومثل‪..‬‬
‫بينما األدب الحقيقي يعنى باإلنسان وقضاياه‪ ،‬ويكرس القيم العليا‪ ،‬ويغرس‬
‫المبادئ الفاضلة‪ ،‬ويسعى لتحقيق إنسانية اإلنسان وحفظ حقوقه‪ .‬يقول‬
‫األديب األمريكي (وليام فوكنر) في خطبته أثناء استالمه جائزة نوبل لألدب‬
‫عام ‪1950‬م‪( :‬إن امتياز أي كاتب وبراعته تكمن في مساعدته لإلنسان على‬
‫التحمل‪ ،‬وزي��ادة مقاييس الصبر لديه‪ ،‬وذلك عبر تذكيره دوما بالشجاعة‬
‫والشرف والمجد وغيرها من القيم الحقيقية‪ .‬إنه امتياز المبدع وشرفه‪..‬‬
‫أن يساعد الناس بإعادتهم إليمانهم وثقتهم في الجنس البشري‪ .‬إنه واجب الكاتب أن يعلم الناس‬
‫الشجاعة‪ ،‬الشرف‪ ،‬األمل‪ ،‬الكبرياء‪ ،‬الشفقة‪ ،‬الرحمة والتضحية)(‪.)1‬‬
‫ف�ط��ال�م��ا األدب ي�ع�ن��ى ب��اإلن �س��ان وقضاياه‬
‫وحقوقه‪ ،‬فكيف له أن يرتبط بالسياسة‪ ،‬وفي‬
‫الوقت نفسه‪ ..‬كيف له أن يبقى بمعزل عنها وهي‬
‫– أعني السياسة ‪ -‬متحكمة دوم��ا ف��ي مصير‬
‫اإلن�س��ان ش��دة ورخ ��اء‪ ،‬ب��ل وف��ي مصير الشعوب‬
‫سلما وحربا‪ ،‬استعمارا واستعبادا؟‬
‫إننا عندما نسبر تاريخ اإلنسان‪ ،‬نجد أن األدب‬
‫يضع إمكاناته الهائلة في التأثير لصالح السياسة‬
‫أو ضدها‪ ،‬واألدب الحق الخالد هو الذي ينأى‬
‫بنفسه عن أن يكون بوقا لشعارات السياسيين‪..‬‬
‫ما لم تكن تلك الشعارات أصيلة صادقة ونبيلة‪،‬‬
‫تتماشى مع قيم الخير والجمال‪ ..‬وتسعى إلسعاد‬
‫اإلنسان أينما حل‪ ،‬وحيثما ارتحل‪ ،‬وفق ما كفلته‬
‫األديان السماوية‪ ،‬والقوانين الدولية‪ ،‬والمواثيق‬
‫األممية‪.‬‬

‫م��ره��ون��ة ب �ق��درة األداء الدبلوماسي ف��ي العمل‬
‫على تطويرها ونموها وديمومتها‪ ..‬ويجمع العالم‬
‫على أن الدبلوماسية هي فن قائم بذاته‪ ،‬فن له‬
‫مكوناته الفكرية والثقافية والمهنية‪ .‬وقد برعت‬
‫ال��والي��ات المتحدة األمريكية وال��دول األوروبية‬
‫وروسيا والصين في استخدام فن الدبلوماسية‬
‫لنشر ثقافتها واق�ت�ص��اده��ا وت�ج��ارت�ه��ا‪ ،‬وفرض‬
‫نفوذها في أنحاء العالم‪.‬‬

‫وال��دب �ل��وم��اس��ي ال �م �ح �ت��رف ه ��و م ��ن يمتلك‬
‫القدرات المهنية والفكرية والثقافية التي تستطيع‬
‫أن تستوعب ثقافة اآلخر‪ ،‬وتخلق تفهماً مشتركاً‬
‫لتحقيق المصالح المشتركة التي تهدف إليها‬
‫الدول من خالل العالقات السياسية‪ ..‬واألدب هنا‬
‫بينها واحد من األدوات الثقافية التي تستخدمها‬
‫الدبلوماسية‪ .‬والشعر واحد من مفردات التعبير‬
‫يقول الشاعر والدبلوماسي اليمني الدكتور الدبلوماسي الذي يسهم في تعزيز العالقات من‬
‫ص�ل�اح ع�ل��ي أح �م��د ال�ع�ن�س��ي ع��ن ال �ع�لاق��ة بين خالل مخاطبة وج��دان الثقافات األخ��رى‪ ..‬بما‬
‫السياسة واألدب‪( :‬تعتبر الدبلوماسية هي األداة يخدم ويعزز مقام الدولة لدى الدول األخرى)(‪.)2‬‬
‫وعندما يخدم األديب بنتاجه األدبي؛ شعرا كان‬
‫التنفيذية للسياسة الخارجية في مجال العالقات‬
‫ال�س�ي��اس�ي��ة ب�ي��ن ال� ��دول‪ ،‬وت �ظ��ل ه��ذه العالقات أو نثرا سياسة عادلة – إن صح التعبير – فإنه‬

‫‪8‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫خادم الحرمين الشريفين يسلم وثائق المباركة السامية للدكتور غازي القصيبي‬

‫يمارس رسالته المنوطة بعاتقه تجاه اإلنسان‪..‬‬
‫بوصفه أحد أقطاب التنوير والتوجيه والتثقيف‬
‫(اإلنتلجنسيا)‪.‬‬
‫أدرك الدكتور غازي القصيبي ‪-‬يرحمه الله‪-‬‬
‫ببعد نظره‪ ،‬وثاقب بصيرته‪ ،‬وم��ا توفر له من‬
‫أدوات وظروف وإمكانات تلك الحقيقة‪ ،‬فوظف‬
‫إبداعه األدبي‪ ،‬أو جزءاً منه على األقل لخدمة‬
‫قضايا إنسانية عادلة‪ ..‬تقاطع فيها مع السياسة‪،‬‬
‫وليس أدل على ذلك من قصائده الشعرية التي‬
‫جادت بها قريحته أيام الغزو العراقي للكويت‪،‬‬
‫ومنها قصيدته الشهيرة (أقسمت يا كويت)‪ ،‬وهي‬
‫القصيدة التي عبر فيها عن مشاعر وأحاسيس‬
‫وأمنيات الماليين من الناس الرافضة للغزو‪،‬‬
‫وليس غريبا أن يتحقق قسم القصيبي‪ ،‬وتكافئه‬
‫ح�ك��وم��ة ال�ك��وي��ت وشعبها فيما ب �ع��د‪ ..‬بمنحه‬
‫تكريما ووساما يليق ب��ه(‪ .)3‬وفي تلك القصيدة‬
‫يقول‪:‬‬

‫أقسمت يا كويت‬
‫برب هذا البيت‬
‫سترجعين من خنادق الظالم‬
‫لؤلؤة رائعة‬
‫كروعة السالم‬
‫***‬
‫أقسمت يا كويت‬
‫برب هذا البيت‬
‫سترجعين من بنادق الغزاة‬
‫أغنية رائعة‬
‫كروعة الحياة‬

‫***‬
‫أقسمت يا كويت‬
‫برب هذا البيت‬
‫سترجعين من جحافل التتار‬
‫حمامة رائعة‬
‫كروعة النهار‬
‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫‪9‬‬

‫ويسأل الناس‪« :‬أين الكويت؟!»‬
‫كويت! يا كويت‬
‫يا وردة صغيرة‬
‫تنبثق إرادة الحياة‪..‬‬
‫قد صدمت بعطرها صدام‬
‫وترفض الحمامة الصغيرة أن تلثم األغالل‪..‬‬
‫وهزت بعطرها‬
‫ويدوي نداء التحرير‬
‫الغدر والجحود واإلجرام‪.‬‬
‫ويعود الفجر مسلحا بألف فراشة‪...‬‬
‫وال�ق�ص�ي�ب��ي ي��ول��ي ن�ت��اج��ه األدب� ��ي ع�م��وم��ا ‪-‬بما وتنبت في الرمال نخلة حمراء‪..‬‬
‫فيه السياسي م�ن��ه‪ -‬عناية خ��اص��ة‪ ،‬واهتماما طالعة من دم الشهداء والشهيدات‪..‬‬
‫شديدا‪ .‬ويبرز هذا جليا في قصيدته المعنونة بـ ويرتفع األذان‪..‬‬
‫(الحمامة والكابوس)‪ ،‬التي أبدعها القصيبي بعد‬
‫***‬
‫تحرير الكويت بخمس سنوات‪ ،‬يتجلى لنا تمكن وتنقر الحمامة األغالل‪ ..‬فتسقط‪..‬‬
‫القصيبي من أدوات��ه اإلبداعية‪ ،‬فرغم موضوع‬
‫***‬
‫القصيدة المباشر‪ ،‬إال أن القصيبي يلبسه حلال ومرت خمس سنوات‪..‬‬
‫إبداعية من الصور واللغة السردية‪:‬‬
‫نسي الطاغية عهد القهقهة‪..‬‬
‫كان الليل مظلما ‪ -‬كضمير الطاغية‪..‬‬
‫واختفى بعيدا عن دُ مى الموت والدمار‬
‫عندما تسربت خفافيش الغدر‪..‬‬
‫وأصيبت الخفافيش بالذعر‪..‬‬
‫على جناح كابوس بشع‪..‬‬
‫وتهاوت مع أشعة الشمس‪..‬‬
‫وهاجمت حمامة وادعة نائمة‪..‬‬
‫***‬
‫في عش صغير بقرب الساحل‬
‫وفي العش الوادع الصغير‪..‬‬
‫***‬
‫وكان اسم الحمامة «الكويت»‪..‬‬

‫***‬
‫نشيج صامت‪..‬‬
‫ٌ‬
‫لف الفج َر‬
‫والحمامة تتململ في أغالل من حديد‪..‬‬
‫والعش محاصر بالدبابات‪..‬‬
‫والدوريات تعتقل كل حلم في العيون‪..‬‬
‫وتصادر كل ابتسامة في الشفاه‪..‬‬
‫***‬
‫وقال من قال «‪ :‬ذهبت الكويت‪» .‬‬

‫***‬
‫واستلقى الطاغية على عرش من الجماجم‬
‫يستعرض دمى الموت والدمار‬
‫تمر فوق القبور‪ ..‬ثم يقهقه‪..‬‬
‫وتضحك الخفافيش في كل مكان طربا‪..‬‬
‫***‬

‫‪10‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫تصدح حمامة وادعة صغيرة‪..‬‬
‫بكل أغاني الحب والحياة واألمل‪..‬‬
‫***‬
‫اسم الحمامة «الكويت»!‬

‫وف��ي س�ي��اق م��زاوج��ة القصيبي ال�م�ب��دع مع‬
‫القصيبي السياسي‪ ،‬ت��أت��ي قصيدته الغنائية‬
‫المشهورة (ن �ع��م‪ ..‬نحن الحجاز ونحن نجد)‪،‬‬
‫ردا على م�م��ارس��ات اإلع�ل�ام ال�ع��راق��ي حينها‪،‬‬
‫ح �ي��ث ت��وق��ف ع��ن تسمية ال �س �ع��ودي��ة باسمها‬
‫الوحيد والمعروف (المملكة العربية السعودية)‪،‬‬
‫واستعاض عنه ب �ـ(دي��ار الحجاز ون�ج��د)‪ ،‬وأتت‬
‫قصيدة القصيبي لترد عليه‪ ،‬ولتحول حجته‬
‫ومقولته إلى دليل عليه‪ ،‬على مبدأ‪( :‬من فمك‬
‫أدي�ن��ك)‪ ،‬وه��ذه ملكة ال يقوى عليها إال المبدع‬
‫الحقيقي وفيها يقول‪:‬‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫صاحب السمو الملكي األمير نايف مع وزير العمل‬

‫أج��ل نحن الحجاز ونحن نـجد‬
‫ه��ن��ا م��ج��د ل��ن��ا وه���ن���اك مـجـد‬
‫ون��ح��ن ج��زي��رة ال��ع��رب افتداها‬
‫وي���ف���دي���ه���ا غ����ط����ارف����ة وأس ــد‬
‫ون����ح����ن ش���ـ���م���ال���ن���ا ك���ب���ـ���ر أشـم‬
‫ون����ح����ن ج���ن���وب���ن���ا ك����ب����رُ أش ــدُّ‬
‫ون��ح��ن ع��س��ـ��ي��ر مطلبـها عسير‬
‫ودون ج���ب���ال���ه���ا ب������رق ورع���ـ���ـ���دُ‬
‫ون��ح��ن ال��ش��اط��ئ ال��ش��رق��ي بـحر‬
‫وأص����������داف وأس�����ي�����اف وحشـدُ‬
‫القصيبي مارس ذلك بوعي منه بدور الشاعر‬
‫وأث��ره ف��ي األم��ة العربية‪ ،‬التي ي��راه��ا الكثيرون‬
‫ظاهرة لغوية‪ ..‬بينما يراها آخرون مجرد ظاهرة‬

‫صوتية‪ ،‬وش�ت��ان بينهما‪ .‬وق��د أحسن القصيبي‬
‫توظيف الشعر إلي �ص��ال رس��ال�ت��ه الدبلوماسية‬
‫واإلنسانية في آن واحد‪ ،‬وهل بوسع (القصيبي)‬
‫أو غيره أن يجد أفضل من الشعر إليصال رسالة‬
‫مؤثرة من عرب إلى عرب؟ إن معجز العرب الخالد‬
‫هو (القرآن الكريم)‪ ..‬ومن ضمن إعجازه لغته‪،‬‬
‫فليس من صنعهم ونتاجهم أهرامات شاهقة‪ ،‬وال‬
‫أسوار عظيمة‪ ،‬وال حدائق معلقة‪ ،‬وكل معجزاتهم‬
‫تمثلت في المعلقات السبع‪ ..‬وقيل العشر‪ ،‬والتي‬
‫كتبت بماء ال��ذه��ب على ب��اب الكعبة المشرفة‬
‫كما تقول الرواية‪ .‬القصيبي حفيد هذا اإلرث‪..‬‬
‫تعامل معه كما ينبغي دون أن يفرط فيما تقتضيه‬
‫ب��روت��وك��والت السياسة‪ ،‬وم��ا تضعه للمتعاملين‬
‫معها‪ ،‬وفيها من خطوط حمراء‪ ،‬غير أن القصيبي‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪11‬‬

‫خ��رج ذات م��رة‪ ..‬ب��ل أكثر م��ن مرة‬
‫البريطانية – ل �ن��دن‪ .‬ويخطئ من‬
‫ع��ن ه��ذا‪ ،‬وم��ن ذل��ك م��ا ج��ادت به‬
‫يظن أن القصيبي لم يكن يعي أبعاد‬
‫قريحته في الشهيدة الفلسطينية‬
‫قصيدته تلك‪ ،‬وأثرها على منصبه‬
‫(آي��ات األخ��رس)‪ ،‬التي استشهدت‬
‫كسفير‪ ،‬فالرجل يمتلك من الخبرة‬
‫في عملية فدائية‪ ،‬قضى فيها عدد‬
‫والذكاء والتجربة‪ ،‬ما يجعله قادرا‬
‫من جنود العدو اإلسرائيلي وفيها‬
‫ع �ل��ى اس �ت �ش��راف ن �ت��ائ��ج قصيدته‬
‫يقول‪:‬‬
‫ه ��ذه‪ ،‬ال سيما وأن للرجل تجربة‬
‫س��اب �ق��ة‪ ..‬ح�ي��ث أف �ق��دت��ه قصيدته‬
‫«يشهد الله أنكم شهداء‬
‫الشهيرة؛ (رسالة المتنبي األخيرة‬
‫يشهد األنبياء واألولياء‬
‫إل��ى سيف ال��دول��ة)‪ ،‬منصبه كوزير‬
‫متُّ م كي تعز كلمة ربي‬
‫ل ��وزارة الصحة ع��ام ‪1984‬م‪ ،‬ومن‬
‫في ربوع أعزها اإلسراء‬
‫دفع ال��وزارة مهرا لقصيدة سياسية‬
‫انتحرتم‪ ..‬نحن الذين انتحرنا‬
‫في شأن محلي‪ ،‬فلن يغله أن يدفع‬
‫بحياة أمواتها األحياء‪.» .‬‬
‫منصب (ال�س�ف�ي��ر) م �ه��را لقصيدة‬
‫وقال في مقطع آخر‪:‬‬
‫تتعلق بقضية قومية‪ .‬يقول الكاتب‬
‫«قل آليات يا عروس العوالي‬
‫خالد العوض واصفا القصيبي‪...( :‬‬
‫سن لمقلتيك الفداء‬
‫كل ُح ٍ‬
‫حيث ب��رع ف��ي كتابة الشعر‪ ،‬اللون‬
‫حين يخصى الفحول صفوة قومي‬
‫األدبي األبرز‪ ،‬على األقل في الثقافة‬
‫تتصدى للمجرم الحسناء‬
‫ال�ع��رب�ي��ة‪ .‬ل�ق��د ك��ان��ت ق �ص��ائ��ده من‬
‫تلثم الموت وهى تضحك بشرا‬
‫القوة بحيث يمكن أن تحرّك األروقة‬
‫أمن الموت يهرب الزعماء؟‬
‫السياسية العالمية‪ ..‬كما حدث إبان‬
‫قل لمن دبج الفتاوى‪ :‬رويدا‬
‫عمله كسفير في لندن)(‪.)4‬‬
‫رب فتوى تضج منها السماء‬
‫وي�ب�ق��ى ال �س��ؤال م �ش��روع��ا‪ ...‬لماذا‬
‫حين يدعو الجهاد‪ ..‬يصمت حبر‬
‫أق��دم القصيبي على نشر قصيدته‬
‫ويراع‪ ..‬والكتب‪ ..‬والفقهاء‬
‫تلك‪ .‬وهو يدرك أبعادها وخطورتها؟‬
‫حين يدعو الجهاد‪ ...‬ال استفتاء‬
‫وهنا يأتي الجواب بأن تعاطف القصيبي مع (آيات‬
‫الفتاوى‪ ،‬يوم الجهاد‪ ،‬الدماء‪.‬‬
‫األخرس) كان أقوى لديه من حرصه على منصب‬
‫وقال في مقطع آخر‪:‬‬
‫السفير‪ .‬يقول الدكتور إبراهيم التركي‪( :‬غازي ولد‬
‫«وشكونا إلى طواغيت بيت أبيض‬
‫كبيراً فظل كبيراً‪ ،‬لم يتسولِ المنصب‪ ،‬وفي أوج‬
‫ملء قلبه الظلماء‬
‫مجده كتب «رسالة المتنبي األخيرة»‪ .‬وحين عاد‬
‫ولثمنا حذاء شارون حتى‬
‫قبل سنوات كتب في «مواسم» أنه لم يعد للوزارة‬
‫صاح مهال قطعتموني الحذاء»‪.‬‬
‫إال استجابة لطلب ال يرد من رجل يقدره‪ ،‬قال له‪:‬‬
‫وه� ��ذه ال �ق �ص �ي��دة ه ��ي ال �ت��ي ف �ق��د ع �ل��ى أثرها «أري��دك بجانبي»‪ ،‬من هنا ك��ان وظ��ل سي َد نفسه‬
‫القصيبي منصبه كسفير للسعودية في العاصمة وقراراته‪ ,,‬فلم يرتهن لكرسي‪ ،‬ولم تم َل عليه كلمة»‪.‬‬

‫‪12‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫ون�ت��اج القصيبي المعني بقضايا سياسية‬
‫ل��م يقتصر على شعره ف�ق��ط‪ ..‬وإن ك��ان ذلك‬
‫ه��و األب ��رز واألظ �ه��ر‪ ،‬ب��ل إن ف��ي نثره شواهد‬
‫كثيرة‪ ،‬فما إن دق��ت ط�ب��ول ال�ح��رب إث��ر غزو‬
‫صدام للكويت‪ ،‬حتى امتشق القصيبي حسامه‬
‫القلم‪ ،‬وبدأ في كتابة سلسلة مقاالت (في عين‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫ويضيف التركي‪« :‬ل��ذل��ك أصبح االستثناء الذي‬
‫يش ّذ عن مدرسة القواعد من مستعبدي السلطة‬
‫وعاشقي األضواء)(‪.)5‬‬

‫العاصفة)‪ ،‬ونشرتها آن��ذاك صحيفة الشرق‬
‫األوس ��ط‪ ،‬وبعد أن وضعت ال�ح��رب أوزاره ��ا‪،‬‬
‫واص ��ل القصيبي كتابة تلك السلسلة تحت‬
‫ع�ن��وان (بعد أن ه��دأت العاصفة)‪ ،‬ولعله من‬
‫الالفت للنظر أن ح��رب تحرير الكويت التي‬
‫قادتها أمريكا مع دول التحالف أطلق عليها‬
‫(عاصفة الصحراء)‪ .‬ولقد كان لتلك المقاالت‬
‫أث��ره��ا وت��أث �ي��ره��ا ب�ف�ض��ل ق ��وة موضوعاتها‪،‬‬
‫وجودة سبكها‪ ،‬ومقدرة القصيبي على توظيف‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪13‬‬

‫السخرية والتهكم إليصال رسالته‪ .‬يقول الكاتب‬
‫خالد العوض‪( :‬تعدت مواهب القصيبي الشعر‬
‫والرواية إلى كتابة المقال المؤثر في الساحة‬
‫السياسية والثقافية‪ ،‬حيث كانت زاويته «في‬
‫عين العاصفة» إب��ان اح�ت�لال ال�ع��راق للكويت‬
‫جبهة عسكرية وسياسية وثقافية واجتماعية‪،‬‬
‫تكلم فيها القصيبي بشجاعة ن��ادرة‪ ،‬وتحليل‬
‫رص�ي��ن‪ ..‬ع��ن ك��ل م��ا ي��دور ف��ي ذه��ن المواطن‬
‫العربي البسيط ال��ذي يتحرى ال�ع��دل والحق‬
‫وال�م��وض��وع�ي��ة‪ .‬يمكن أي �ض �اً النظر إل��ى تلك‬
‫المقاالت على أنها النبراس الذي اهتدى إليه‬
‫الكتّاب السعوديون في زواي��اه��م‪ ،‬التي تمتلئ‬
‫بها الصحف السعودية اليوم متخذين‪-‬دون أن‬
‫يشعروا وبشكل غير مباشر‪ -‬القصيبي قدوة‬
‫لهم)(‪.)6‬‬

‫بها‪ ،‬وما أظنه كان ليلتقي بها لو لم يكن سياسيا‪.‬‬
‫ثم أن القصيبي قد أنهى خ�لال فترة مرضه‬
‫األخيرة كتابه (الوزير المرافق)‪ ،‬يتحدث فيه‬
‫عن مرافقته لعدد من الشخصيات السياسية‪،‬‬
‫وهذه من الفرص التي منحتها السياسة ألدبه‪..‬‬
‫وغير ذل��ك كثير‪ .‬ولكن رغ��م ذل��ك ظلّت بعض‬
‫كتب القصيبي ممنوعة في السعودية – وهل‬
‫يكرم نبي في قومه؟ ‪ -‬إلى أن أمر وزير الثقافة‬
‫واإلع�ل�ام بالفسح لها جميعا‪ ..‬وت��م ذل��ك في‬
‫أواخر أيام القصيبي يرحمه الله‪.‬‬

‫يرى الكاتب (يوسف مكي) أن القصيبي َق ِب َل‬
‫بالمعادلة الصعبة – على حد وصفه – وهي‬
‫المزاوجة بين السياسة واألدب‪ ..‬ويقول‪« :‬لعل‬
‫الراحل العزيز الدكتور غ��ازي القصيبي‪ ،‬قد‬
‫أدرك في وعيه الباطن‪ ،‬أو بعقله الفطن أهمية‬
‫إن رواي� ��ات القصيبي أي �ض��ا ال تخلو من المزاوجة بين الفنان والسياسي؛ فاختط طريقه‬
‫توظيف سياسي‪ ،‬وم��ا (شقة الحرية) ‪-‬أولى الخاص واالستثنائي لكتابة سيرته الذاتية‪،‬‬
‫رواياته‪ -‬والتي تتحدث عن مرحلة‬
‫على أرض ممارساته الحياتية‪،‬‬
‫سياسية مهمة في تاريخ العرب‬
‫فكرا وع�م�لا‪ ،‬ف��ي مسيرة حافلة‬
‫المعاصر‪ ..‬إال نموذجا لذلك‪ .‬بقي‬
‫ب��ال�ع�ط��اء ف��ي خ�ط�ي��ن متوازيين‪:‬‬
‫أن ن�ق��ول إن القصيبي ‪-‬األديب‬
‫خط األديب والفنان‪ ،‬وخط الوزير‬
‫أف� ��اد ال �ق �ص �ي �ب��ي‪ -‬السياسي‪..‬‬
‫والمدير المسئول ب��ال��دول��ة‪ .‬لقد‬
‫وال �ع �ك��س ص �ح �ي��ح‪ .‬ف��ال�ع�م��ل في‬
‫ك��ان رحمه الله واح��دا م��ن القلة‬
‫أروقة السياسة‪ ،‬والحل والترحال‪،‬‬
‫ال �ن��ادرة‪ ،‬ال�ت��ي قبلت بالسير في‬
‫والتنقل ومعاشرة ومرافقة أناس‬
‫ال�م�ع��ادل��ة الصعبة‪ ،‬ال�ت��ي جمعت‬
‫من مذاهب وأديان ودول وثقافات‬
‫روح ال�ش��اع��ر وال��روائ��ي والفنان‬
‫مختلفة‪ ..‬منح القصيبي تجارب‬
‫والمبدع‪ ،‬والقدرة االستثنائية على‬
‫وخ� �ب ��رات‪ ،‬وم���ده ب���إرث متنوع‪..‬‬
‫الضبط وال��رب��ط‪ ،‬ف��ي الوظائف‬
‫شكل ل��ه أدوات أحسن توظيفها‬
‫التي شغلها‪ ،‬س��واء كأكاديمي في‬
‫ف��ي أدب ��ه‪ ،‬وقلما تتسنى لغيره‪..‬‬
‫جامعة الملك سعود بالرياض‪ ،‬أو‬
‫فالرجل أل��ف كتابه (األسطورة)‬
‫المناصب المختلفة التي توالها‪،‬‬
‫عن أميرة ويلز الراحلة (ديانا)‪،‬‬
‫وزي��را للصناعة والصحة والمياه‬
‫(‪)7‬‬
‫وتحدث عن ثالثة لقاءات جمعته‬
‫والعمل» ‪.‬‬

‫‪14‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫مقاربة بانورامية في بعض أعماله وكتبه‬
‫> عمران عز الدين أحمد ‪ -‬سوريا‬
‫الحديث عن تجربة الدكتور غازي القصيبي (‪2010 -1940‬م) اإلبداعية‬
‫يجب أن يكون حديثاً منصفاً وحقيقياً‪ ،‬ال تلغيم فيه أو تشفير‪ ،‬وبعيداً عن‬
‫ال عادياً‪ ،‬بل كان‬
‫قبضة الرقيب الحديدية‪ .‬فالقصيبي يقيناً لم يكن رج ً‬
‫مفكراً كبيراً‪ ،‬وأديباً ساخراً بك ّل ما لهذه الكلمة من معنى؛ شأنه في ذلك‬
‫شأن كِ بَار ال ُكتَّاب الذين أنجبتهم المعمورة‪ ،‬أو الساحة األدبية‪ ،‬العربية على‬
‫األقل‪ .‬لذا‪ ،‬يتوجب علينا أن ننصف هذا الرجل وأدبه‪ ،‬وهذه من أبسط‬
‫حقوقه علينا في هذه المرحلة‪ ،‬ناهيك عن المراحل القادمة‪ ،‬وعلينا العمل‬
‫بها كما أرى بكل أمانة‪ ،‬دون تحريف أو بتر أو‬
‫انتقاص من قيمته‪ .‬لقد ُز َّج بالرجل في الكثير‬
‫من المعارك الشخصية‪ ،‬والسجاالت البيزنطية‬
‫العقيمة‪َ ،‬فكُفِ َر وَاتُهِ َم بالردة والمروق على تعاليم‬
‫الدين الحنيف؛ ألنه كان ظاهرة ومجتهداً ومثيراً‬
‫لألسئلة‪ ،‬وألن االج�ت�ه��اد وك�م��ا ه��و معلوم فع ٌل‬
‫إنساني‪ ،‬خاصة عندما تتوافر الذهنية والعقلية‬
‫القادرتان على هذا االجتهاد‪ ،‬لم يكن يعير تلك‬
‫نحو م��ا‪ ،‬أما‬
‫العواصف وال��زواب��ع اهتماماً على ٍ‬
‫تلك التي استوقفته‪ ،‬فحلّلها بإنصاف‪ ،‬وأَ َولَهَا‬
‫ب��دراي��ة ال�ع��ارف‪ ،‬وك��ان أن انتصر فيها جميعاً‪،‬‬
‫على المتربصين به وبإبداعه‪ .‬كان مجدّداً في‬
‫فنون الكتابة اإلبداعية واألدبية‪ ،‬ديدنه اإلبداع‪،‬‬
‫وهاجسه التجريب‪ ،‬ق��دوة ألجيال ج��اءت بعده‪،‬‬
‫ُم ِنعَت كتبه م��ن ال �ت��داول وال �ق��راءة‪ ،‬ألنها كانت‬
‫تنطوي على رؤية تشريحية صادمة‪ ،‬لم تكن ترُق‬
‫لبعض المدّعين والمتطفلين‪ ،‬ممن نصبوا‬
‫ٍ‬
‫ربّما‬
‫من أنفسهم ‪-‬على ح ّد تعبير الروائي الجزائري‬
‫واسيني األع��رج‪ -‬حرّاساً للنوايا‪ ،‬وحراساً على‬
‫ما يجب أن يقال‪ ،‬وما ال يجب أن يقال أو يكتب!‬
‫مبدع كتاب «الغزو الثقافي» لم يستغل منصبه‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫حول التجربة اإلبداعية القصيبية‬

‫أو نفوذه يوماً في إطالق سراح كتبه‪ ،‬كان يقول‬
‫كلمته ويمضي‪ ،‬ألن��ه ك��ان رائ��داً من رواد األدب‬
‫العربي الحديث‪ ،‬وكان مجدّ داً كذلك في أركان‬
‫وعناصر تلك اآلداب والفنون‪ ،‬وألنه كان مرتكباً‬
‫جنس أدب��ي‪( :‬شاعر‪ ،‬روائ��ي‪ ،‬مترجم‪،‬‬
‫ٍ‬
‫ألكثر من‬
‫قاص‪ ،‬مسرحي‪ ،‬وناقد)‪ ،‬ومزاوالً ألكثر من نشاط‬
‫وفاعل‪ ،‬عن سبق‬
‫ِ‬
‫بمزج حيّ‬
‫سياسي وإداري‪ .‬قام ٍ‬
‫إبداع وتجريب‪ ،‬باستيراد وتصدير أدبيات مهامه‬
‫الفنية والعملية واألدبية‪ ،‬خدمة لمادته اإلبداعية‬
‫بتفان قلَّ نظيره‪.‬‬
‫ٍ‬
‫المتفردة‪ ،‬ناهيك عن العملية‪،‬‬

‫نظرة سريعة على بعض أعماله‬
‫ونتاجاته اإلبداعية‬
‫سنحاول في ه��ذه الفسحة الضيقة‪ ،‬القيام‬
‫ب �م �ق��ارب��ة تلخيصية س��ري �ع��ة‪ ،‬ل�ب�ع��ض أعماله‬
‫الروائية‪ ،‬وجوانب اإلبداع والتجديد في شعره‪.‬‬
‫ففي روايته «شقة الحرية ‪1994‬م» عمله الروائي‬
‫األول‪ ،‬واألهم في قائمة أعماله الروائية‪ ،‬بحسب‬
‫الروائي والقاص الكويتي طالب الرفاعي‪ ،‬ذلك‬
‫العمل الذي أثار ضجة في الساحة األدبية على‬
‫امتداد الوطن العربي‪ ،‬لما توافر عليه من جرأة‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪15‬‬

‫تختص بمعالجة‬
‫ّ‬
‫في العصفورية‪ ،‬هذه الدار التي‬
‫م��رض��ى ن�ف�س�ي�ي��ن‪ ،‬ف�ي�س��رد ع�ل��ى م�س��ام��ع ذلك‬
‫الطبيب‪ ،‬ما آلت إليه الحال في الوطن العربي‪،‬‬
‫بطريقة أقرب للكوميديا السوداء‪ ،‬وتكون النتيجة‬
‫جنون الطبيب ذاته بعد استماعه لتلك القصص‬
‫حد سواء!‬
‫الموجعة والطريفة على ٍ ّ‬

‫في الطرح المذكراتي‪ ،‬ناهيك عن انسيابية في‬
‫تتالي أو تتابع ص��وره وجمله ال��واخ��زة العميقة‪،‬‬
‫وال��دال��ة على عمق المعاناة ال�ت��ي يتعرض لها‬
‫المثقف العربي‪ ،‬ال��ذي يهاجر من بلده إلى بلد‬
‫آخ��ر‪ ،‬ليتعرف من ثم على آخرين‪ ،‬يعيشون في‬
‫شقة واح ��دة‪ ،‬تصل فيها ال�ح��ري��ة إل��ى ذروتها‪،‬‬
‫إزاء رؤى مختلفة‪ ،‬سياسية وفكرية وعقائدية!‬
‫لقد كانت ه��ذه ال��رواي��ة فتحاً بك ّل المقاييس‪،‬‬
‫أس �ل��وب �اً وم��وض��وع��اً‪ ،‬إذ س �لّ�ط��ت ال �ض��وء على‬
‫التجربة ال��روائ�ي��ة الخليجية‪ ،‬والسعودية على‬
‫وج��ه التحديد‪ ،‬وب��ات ال�ق��ارئ العربي بعد هذه‬
‫َّاب سعوديين‬
‫الرواية يقرأ أعماالً أو روايات ل ُكت ٍ‬
‫على درجة عالية من اإلتقان واإلبهار الروائيين‪،‬‬
‫ال ومضموناً‪ ،‬طرحاً وفكراً‪ ،‬وجرأة لم يسبق‬
‫شك ً‬
‫لها مثيل في اختراق التابوهات التي تحد من‬
‫حد سواء‪.‬‬
‫حرية الفكر والتعبير على ٍ ّ‬
‫أما في روايته «العصفورية ‪1996‬م»‪ ،‬التي قال‬
‫عنها الناقد السعودي عبدالله الغذامي إنها رواية‬
‫ما بعد الحداثة‪ ،‬ففي هذه الرواية يتابع القصيبي‬
‫سلسلة أعماله الروائية‪ ،‬المحرضة على اجتثاث‬
‫ال عن محاربة التمييع‬
‫التخلف من ج��ذوره‪ ،‬فض ً‬
‫والتسطيح والتسخيف‪ ،‬بالسخرية المعروفة عنه‪،‬‬
‫فيضرب بإزميله‪ /‬قلمه في عمق أوردة الواقع‬
‫العربي المتخثر؛ إذ ي�س��رد‪ ،‬وه��و البروفسور‪،‬‬
‫على طبيب نفساني‪ ،‬غ��بّ أن استقر به المقام‬

‫‪16‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫والسخرية حاضرة كذلك في روايته «أبو شالخ‬
‫البرمائي ‪2002‬م»‪ ،‬التي تتوزع على سبعة فصول‪،‬‬
‫وهي‪( :‬بدايات النبوغ‪ ،‬مرحلة الصمود والتصدي‪،‬‬
‫وديعة روزفلت‪ ،‬إمبراطورية «أم سبعة» التجارية‪،‬‬
‫نساوين في حياتي‪ ،‬رحلتي الغربية حول العالم‪،‬‬
‫الجوانب الكثيرة للقمر)‪ .‬حيث ال تخلو من تهكم‬
‫م��ري��ر م��ن ب�ع��ض ال��زع �م��اء وال��ق��ادة ف��ي الوطن‬
‫العربي‪ ،‬الذين يدعون المعرفة‪ ،‬ويوهمون الناس‬
‫بقدراتهم الخارقة‪ ،‬وتبلغ السخرية ذروتها عندما‬
‫يكون العربي تحت وطأة أوهام‪ ،‬هي الذروة في‬
‫قائمة بطوالته وأمجاده!‬
‫ولم تكن روايته «سبعة ‪2003‬م» بقليلة حظ‬
‫عن األخريات‪ ،‬فالسخرية التي ُكتِبَ بها العمل‪،‬‬
‫جللت أح� ��داث ال �م �ت��ن‪ ،‬بلغة س��اخ��رة وموجعة‬
‫ال عن نقدها الالذع لمفاصل الحياة‬
‫ومعرية‪ ،‬فض ً‬
‫في الواقع العربي‪ .‬إذ أن أبطال روايته السبعة‪،‬‬
‫مختلفون أيضاً في رؤاه��م وفكرهم وتمثالتهم‪،‬‬
‫وك��ل منهم يعبر بطريقته الخاصة على محبته‬
‫للمذيعة التلفزيونية‪ ،‬فيعملون على كسب ودها‪،‬‬
‫ويطمعون في الظفر بها‪ ،‬هذه السيدة هي األرض‬
‫حد س��واء‪ ،‬وتلك الشخصيات هي‬
‫والوطن على ٍ ّ‬
‫األفكار المختلفة والمتصارعة‪ ،‬التي تستميت‬
‫جاهدة‪ ،‬لتكون أفكارها األكثر تكسباً‪ ،‬بحرصها‬
‫مجتمع بأفكار كتلك‪ .‬لكن‬
‫ٍ‬
‫المزعوم على وج��ود‬
‫الدهاء الروائي للقصيبي ال يذعن لخواتيم مملة‬
‫وممجوجة ك �ه��ذه‪ ،‬ال�ت��ي أث�ب��ت ال��واق��ع المعاش‬
‫فيقتص م��ن ذل��ك الواقع‪،‬‬
‫ّ‬
‫ب�لادت�ه��ا وب�لاه�ت�ه��ا‪،‬‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫بخاتمة روائية مبهرة‪ ،‬نابعة من عدم تيقنه بتلك‬
‫الشعارات الواهية‪ ،‬األشبه بالمخدرات والكحول‪،‬‬
‫في وقعها وخطورتها وسموميتها وال شرعيتها‪،‬‬
‫فال يعجز القصيبي في البحث عن وجود البديل‪،‬‬
‫حتى ول��و ك��ان م��ن نقطة الصفر‪ ،‬إذ ي�ق��ول في‬
‫خاتمة الرواية‪» :‬أوضح تقرير الطبيب الشرعي‬
‫أن ال��رج��ال السبعة ماتوا غ��رق�اً‪ ،‬وق��د تبين من‬
‫التحليل أنهم تعاطوا كميات كبيرة من المخدرات‬
‫والكحول‪ ،‬أما المرأة‪ ،‬التي وجدت على الشاطئ‬
‫عارية‪ ،‬فلم يتضح للطبيب الشرعي بعد سبب‬
‫موتها‪ ،‬ولم يعثر في دمها على أي آثار لمخدرات‬
‫أو كحول‪ ،‬ولم تظهر بجسمها أي إصابات‪ ،‬كما‬
‫ظهر من الفحص أنها عذراء»‪.‬‬

‫نستنتج من قراءتنا السريعة لتلك الروايات‪،‬‬
‫ال��دال والمدلول في التجربة القصيبية‪ ،‬الفعل‬
‫الكتابي ور ّد الفعل اإلبداعي الذي تمخض عنه‪.‬‬
‫ف��ال��رج��ل ك��ان معنياً‪ ،‬ب��درج��ة وأخ���رى‪ ،‬بهاجس‬
‫التغيير واإلصالح‪ ،‬وشرح وجهات النظر المختلفة‪،‬‬
‫بوضعها على طاولة النقاش والمفاوضات‪ ،‬إذ يقوم‬
‫بعرض شخصياته على الورق‪ ،‬تلك الشخصيات‬
‫المستمدة من الواقع غالباً‪ ،‬المفعمة والمدججة‬
‫بالمعلومات والتفاصيل‪ ،‬ويشرح الصراع الدائر‬
‫بينها‪ ،‬فيتطرق بحنكة ل�لاخ�ت�لاف��ات الفكرية‬
‫والسياسية بين أبطال أعماله‪ ،‬برؤية استشرافية‬
‫متبصرة‪ ،‬تنصبّ في معالجة الخلل الذي يحول‬
‫دون التطور‪ ،‬واللحاق بركب األم��م المتحضرة‪.‬‬

‫الفقيد خالل افتتاحه إلحدى اكاديميات التدريب‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪17‬‬

‫على أن هذا األمر‪ ،‬ال يعني إطالقاً بأن القصيبي‬
‫قد حصر قلمه اإلبداعي في تلك الخانة‪ ،‬لمعالجة‬
‫مواضيع حياتية وسياسية وانتمائية مؤرقة‪ ،‬كالتي‬
‫جاء ذكرها في ما تقدم من روايات‪ ،‬على العكس‬
‫تماماً‪ ،‬فقد ج�وّد ون �وّع في عوالمه الروائية ما‬
‫أمكنه إلى ذلك من سبيل‪ ،‬ففي روايته» الجنية‬
‫‪2006‬م» مثالً‪ ،‬الزاخرة بأسئلة عن عالم الجن‪،‬‬
‫يمارس القصيبي تجريباً مختلفاً‪ ،‬إذ يوسم روايته‬
‫بالحكاية كما جاء في االستهالل‪ ،‬ألنها وبحسب‬
‫زعمه‪/‬تجريبه تريحه من تقعّرات النقاد ومن نقد‬
‫المتقعّرين‪ ،‬ويذيلها كذلك بمراجع ومعلومات‬
‫حول ما جاء في المتن الروائي‪ ،‬فالسارد ضاري‬
‫ضرغام الضبع‪ ،‬يتعرف على فتاة مغربية‪ ،‬اختار‬
‫لها اسماً يحمل الكثير من الرمزية والدالالت‪،‬‬
‫هو عائشة الزهراء‪ ،‬أو عائشة قنديش كما جاء‬
‫في المتن أيضاً‪ ،‬فيتزوجها‪ ،‬ث ّم يكتشف بعد ذلك‬
‫بأنها جنية‪ ،‬يطلقها بعد ذلك‪ ،‬لكنها تترك أثراً‬
‫ما وراءها‪ ،‬ينعكس في الشعاع الذي يجلل عيون‬
‫أبناء السارد!‬

‫أما غازي الشاعر فقد أحدث نقلة نوعية في‬
‫صميم البيت الشعري السعودي‪ ،‬العمودي على‬
‫األخص‪ ،‬هذا ال يعني بأنه لم يكن شاعراً تفعيلياً‪،‬‬
‫ويمكن القول إنه كتب شعر التفعيلة باإلبداع ذاته‬
‫الذي كتب به شعر العمود‪ ،‬حيث كانت مفرداته‪،‬‬
‫في العمود وكذلك التفعيلة‪ ،‬منتقاة بعناية فائقة‪،‬‬
‫ذات جرس موسيقي خالب‪:‬‬
‫العش ِق ال َدر ٌْب من الْحَ جَ رِ‬
‫ْ‬
‫«ض���ر ٌْب ِم��نَ‬
‫َ‬
‫���ات لل ُْجزُ رِ »‪.‬‬
‫ه���ذا ال����ذي ط����ا َر ب���الْ���وَاحَ ِ‬
‫ي��ق��ول ع �ن��ه ال �ن��اق��د ال� �م� �ص ��ري» جابر‬
‫عصفور» ف��ي مقالة ل��ه بعنوان‪ :‬عالمة‬
‫اإلح �ي��اء ال�ش�ع��ري‪ ،‬ون�ش��رت ف��ي جريدة‬
‫الحياة‪/‬يوم االثنين ‪ 16‬أغسطس ‪2010‬م‪:‬‬
‫«غازي القصيبي هو واحد من أصحاب الشعر‬
‫الصافي‪ ،‬والموهبة األدبية األصيلة‪ ،‬وكان متعدد‬
‫االهتمامات األدب �ي��ة‪ ،‬إذ كتب ال��رواي��ة والشعر‬
‫وكان فيهما نمطاً فريداً بذاته‪ ،‬وظل يجمع بين‬
‫الحرص على التقاليد الرصينة والحداثة‪ ،‬هو‬
‫عالمة على اإلحياء الشعري المحدث‪ ،‬والكتابة‬

‫القصيبي مع ابنه األكبر سهيل‬

‫‪18‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫من اإلبداعات التي كتبها القصيبي‪ ،‬في مشغله‬
‫األدبيّ والثقافي والفكري‪ ،‬والتي ستشكل لمراحل‬
‫طويلة قادمة زاداً معرفياً وثقافياً للقارئ العربي‬
‫والمكتبة العربية‪.‬‬

‫كما أنه لم يكن معنياً بالهم السعودي وحده‪،‬‬
‫بل كان في شعره نفحة أممية‪ ،‬ارتقت بشعره إلى‬
‫مصاف أشعار الكبار من الشعراء‪ ،‬ففي ديوانه»‬
‫الْحُ مّى « نقرأ هذا البيت الشعري الرائع‪ ،‬الذي‬
‫كتبه في بيروت‪:‬‬

‫حد س��واء‪ ،‬تاركاً لنا كماً كبيراً من الكتب‪،‬‬
‫على ٍ ّ‬

‫ب���ي���روت‪ ..‬وي��ح��ك أي���ن ال��س��ح��ر والطيب‬

‫والتي تصدى فيها مجتمعة للتقليد والمحافظة‬

‫يقيناً‪ ..‬لم يرحل القصيبي‪ ،‬لقد آثر الرحيل‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫الروائية الرصينة‪ ،‬وستظل روايته « شقة الحرية»‬
‫فريدة في بابها‪ ،‬من حيث هي رواية سيرة ذاتية‪،‬‬
‫تتحدث عن شبابه‪ ،‬وترصد التيارات القومية التي‬
‫تأثر بها في مختلف أرجاء الوطن العربي‪ ،‬وصعود‬
‫القومية العربية وسط تيارات متصارعة»‪.‬‬

‫الكبرى» و«ح�ي��اة ف��ي اإلدارة»‪ ،‬وغيرها الكثير‬

‫فقط عن عالمنا الصاخب‪ ،‬بمعنى‪ ...‬إنه رحيل‬
‫لا وجدالً‬
‫ج�س��دي ف�ق��ط إل��ى ال�ع��ال��م األك �ث��ر ن�ب� ً‬

‫وأي���نُ ُح ْ��س ٌ��ن على ال��ش��ط��آن م��س��ك��وب‪ .‬؟‬

‫ال ع��ن الخرافة والسحر‬
‫والبيروقراطية‪ ،‬فض ً‬

‫«ص ��وت م��ن الخليج» و« أش �ع��ار م��ن جزائر‬
‫اللؤلؤ» و«سعادة السفير» و«دنسكو « و«األسئلة‬

‫وال ��زي ��ف‪ ،‬وب��رح�ي�ل��ه ف �ق��دت ال �س��اح��ة الثقافية‬
‫واألدبية أبرز أعالمها المعاصرين‪.‬‬

‫غازي القصيبي‪ ..‬واإلبداع كحالة إنسانية‬
‫> محمد جميل أحمد‪ -‬السودان‬
‫لم يكن فقيد البالد الكبير الدكتور غازي القصيبي‪ ..‬مجرد أديب عابر‬
‫في حياته المديدة‪ ،‬كما لم يكن إداريا ودبلوماسيا عاديا‪ .‬كان باستمرار‬
‫شخصا ي�م��زج ويستقطب ال�م�ه��ام بمعيار دق �ي��ق‪ ،‬وي�ق��ف بها ف��ي مهب‬
‫التحوالت؛ ليؤكد من خاللها أن وج��وده في األدب ال ي��وازي وج��وده في‬
‫الدبلوماسية واإلدارة فحسب‪ ،‬بل أيضا يؤكد أن ما ينعكس من أدبه في‬
‫مجال الدبلوماسية‪ ..‬هو في ذات الوقت تعبير عن دبلوماسيته المؤدبة‪.‬‬
‫بين هذين الحدين‪ ..‬ع��اش غ��ازي القصيبي‬
‫حياة عاصفة مليئة بالعطاء والتقدم واالنجازات‬
‫والنجاحات المتعددة‪ .‬لقد ظل القصيبي طوال‬
‫حياته يملك إدراكا واعيا؛ بمعنى أن يكون مثقفا‬
‫ك�ب�ي��را م��ن خ�ل�ال ال �ع �ط��اء‪ ،‬ف�لا تشغله الثقافة‬
‫واإلبداع عن التأثير في مجاالت الحياة األخرى‬
‫من خالل العنوان نفسه‪ .‬فهو األديب الدبلوماسي‬

‫أو الدبلوماسي األديب‪.‬‬
‫ولطالما تساءل كثيرون‪ :‬كيف وفق هذا المبدع‬
‫الكبير بين إب��داع��ه ف��ي ع��ال��م الكتابة والشعر‬
‫والرواية والتأليف‪ ،‬دون أن يكون ذلك مانعا له من‬
‫أداء مهامه اإلدارية والدبلوماسية‪ ،‬وما تقتضيه‬
‫بطبيعة الحال من جدية والتزام‪ ،‬وموازنة دقيقة‬
‫بين حساسيات السياسة وبراءة اإلبداع؟‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪19‬‬

‫كل مبدع في مجاله‪ .‬وبهذا المعنى‪ ..‬فإن المبدع‬
‫هنا ليس هو الشخص المعني ب��اإلب��داع األدبي‬
‫فحسب؛ بل هو كل شخص معني بإنتاج قيمة‬
‫أصيلة في مجاله‪ ،‬مهما كان بسيطا‪ .‬فاإلبداع في‬
‫المجاالت الحيوية التي تمس حياة الناس مباشرة‬
‫كالسياسة واالقتصاد‪ ،‬ربما كان هو الغائب األكبر‬
‫عن الواقع؛ ذلك أن الحاجة إلى مبدعين كبار‬
‫في االقتصاد والفكر والقانون والعلوم‪ ..‬تماما‬
‫كالحاجة إلى مبدعين كبار في األدب والشعر‪.‬‬

‫في تصور الكثير من األدباء أن حاالت اإلبداع‬
‫وال�ك�ت��اب��ة‪ ،‬تقتضي ب��ال �ض��رورة سكونا وابتعادا‬
‫ع��ن االنغماس ف��ي الحياة الجارية وتعقيداتها‬
‫وتشابكها المضطرب بين المصالح واألهواء‪،‬‬
‫وما يتداعى من صراع على جوانب كثيرة متصلة‬
‫بحياة ال�ن��اس‪ ،‬وه��ذا ممكن بالطبع‪ .‬ولعل مثل‬
‫هذا التصور الذي يفصل فصال تاما بين اإلبداع‬
‫ككتابة‪ ،‬وب�ي��ن م�ج��ري��ات ال�ح�ي��اة ال �ح��ارة وإدارة‬
‫شؤونها‪ ،‬عبر حيثيات إدراي��ة صلبة بعيدا عن‬
‫ش��رود األدب‪ ،‬تستفزه كثيرا حالة االستقطاب‬
‫الجميلة التي ينجح في تسويتها رجال كبار في‬
‫م�ج��االت األدب واإلدارة‪ ..‬مثل الفقيد الكبير‬
‫ال��دك �ت��ور غ ��ازي القصيبي‪ ،‬ي��رح�م��ه ال �ل��ه‪ .‬ذلك‬
‫أن القدرة على استبصار معنى اإلب��داع كحالة‬
‫إنسانية تخترق كل نشاط إنساني‪ ،‬إنما هي سمات‬
‫ال يدركها إال من عرف معنى اإلبداع الحقيقي‪.‬‬
‫فاإلبداع ضمن معناه الشامل‪ ،‬يعني تجديد كل‬
‫جوانب الحياة الراكدة‪ ،‬بإيجابيات أصيلة‪ ،‬ينتجها‬

‫‪20‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫اإلبداع هو سر الحياة اإلنسانية األصيل‪ ،‬بل‬
‫إن كل اللحظات اإلبداعية للمخترعين والعلماء‬
‫والشعراء‪ ،‬هي ما جعل من هذا العالم جميال‪،‬‬
‫وقابال للعيش‪ ،‬وحافال بالتيسيرات التي سهلت‬
‫حياتنا‪ .‬ق��د ال يعرف كثيرون مثال أن اللحظة‬
‫اإلبداعية التي تم من خاللها اكتشاف الكهرباء‬
‫هي لحظة عظيمة‪ ..‬ومتجددة في كل لحظة من‬
‫حياتنا‪ ..‬وه�ك��ذا‪ ،‬ف��إن قيمة اإلب��داع ال توازيها‬
‫إال قيمة الحياة ذاتها‪ .‬ومن ضمن شروط إنتاج‬
‫اإلب��داع‪ :‬اإليمان باإلنسان ككائن مبدع وكريم‪،‬‬
‫وعبر ه��ذه األف��اق اإلنسانية الرحبة لإلبداع‪..‬‬
‫أدرك غازي القصيبي ‪-‬يرحمه الله‪ -‬حاجته إلى‬
‫ذلك النوع من اإلبداع الذي ينظر للحياة كوحدة‬
‫واح��دة‪ ،‬وهي حاجة ال تستوي في نفس المبدع‬
‫الكبير‪ ..‬إال لتؤكد باستمرار أن اإلب��داع شرط‬

‫ش��ارط للكرامة اإلن�س��ان�ي��ة‪ ،‬وال�ق�ي��م األخالقية‬
‫المتصلة بالمواقف‪ ،‬وإدراك قيمة العمل‪ ..‬من‬
‫حيث ه��و‪ ..‬كقيمة محترمة تجعل من صاحبها‬
‫شخصا جديرا باالحترام‪ ،‬وكذلك قيمة التواضع‬
‫التي تصاحب تلك النظرة الكلية لإلبداع‪ .‬ولهذا‪،‬‬
‫ف��إن م��ن ي�ن�ظ��رون إل��ى اإلب� ��داع ع�ن��د القصيبي‬
‫كحالة أدبية خالصة‪ ..‬إنما يظلمون هذا المبدع‬

‫حين يقوم اإلبداع كمشاعر في نفس المبدع‪،‬‬
‫ال ي �ك��ون ه��ذا ب��ال �ض��رورة ش��اع��را‪ ،‬ب��ل يتجسد‬
‫إبداعه حيثما أبدع في مختلف مجاالت الحياة‪.‬‬
‫ولعل هذا ما يفسر لنا توزع إبداع الفقيد الكبير‬
‫بين الشعر وال��رواي��ة م��ن ناحية‪ ،‬وب�ي��ن اإلدارة‬
‫والسياسة من ناحية ثانية‪.‬‬
‫ل��م ي�ك��ن ال�ق�ص�ي�ب��ي وف ��ق ه ��ذا التوصيف‪..‬‬
‫ممن يخضعون لتصورات منمذجة عن‬
‫طبيعة المثقف‪ ،‬أو بعض حاالت‬
‫التأطير التي افترضها كثير‬
‫من المثقفين العرب على‬
‫ن� �م���اذج م �ع �م �م��ة ج���دا‪،‬‬
‫وربما كان اختالفها في‬
‫سياقات أخرى ال يجعل‬
‫منها حالة قابلة للتمثل‬
‫المتكرر‪.‬‬
‫ك��ان القصيبي يعرف تماما‬
‫موقعه في ب�لاده‪ ،‬وموقعه كمثقف معني‬
‫ب��إدارة دور خ��اص يقوِّم به ب�لاده‪ ،‬ويفهم تأويله‬
‫بحسب إدراك��ه لطبيعة ب�لاده ومجتمعه‪ ..‬بعيدا‬
‫عن التنظيرات الفكرية المؤدلجة‪ .‬وهذا لألسف‬
‫ما لم يفهمه الكثيرون عنه‪ .‬ولهذا كان على الفقيد‬
‫أن يمسك بالمعنى الخاص ل��دوره كمثقف‪ ،‬في‬
‫بالد عرف كيف يدرك شفرة العالقة التي تبقيه‬
‫فيها دائما‪ ،‬على تماس خالق مع كل األوساط‬
‫التي اشتغل فيها‪ ،‬وف��ي كل الجبهات التي كان‬
‫يعرف أنه يخوضها‪ ،‬ويعرف أن له فيها خصوما‪.‬‬
‫ولعل من أه��م العالمات التي كانت تشيع ذلك‬
‫ال �ح��س اإلب��داع��ي ف��ي ك��ل ال �م��واق��ع ال �ت��ي عمل‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫الكبير‪.‬‬

‫فيها القصيبي‪ :‬ازدهار نشاطه على رأس العمل‬
‫بطريقة يعرفها الجميع ويدركونها‪ .‬فعندما كان‬
‫الفقيد وزي��را للكهرباء أسهم بطاقة خالقة في‬
‫إنارة المدن والقرى والبلدات‪ ،‬عبر خطط عمل‬
‫نشطة‪ .‬وشهد قطاع الكهرباء في السعودية في‬
‫زمنه تقدما في خدمة المواطنين وإنارة الكثير‬
‫من مناطق المملكة‪.‬‬
‫كان القصيبي يرحمه الله‪ ..‬يعرف أن العمل‬
‫العام يفرز خصوما‪ ،‬وأن العديد من التراكمات‬
‫ال� �ش ��ائ� �ك ��ة ف� ��ي م�� �ج� ��االت العمل‬
‫اإلداري‪ ..‬وقفت أمامه كمشاكل‬
‫تدعهما المصالح الفئوية‪،‬‬
‫ولكنه ظل باستمرار قادرا‬
‫على توجيه بوصلة العمل‬
‫ال �ج��اد‪ ،‬وت �ح��دي الخصوم‬
‫تحديا شريفا مرتبطا بما‬
‫ه ��و ع� ��ام‪ .‬وك� ��ان ي��ع��رف أن‬
‫االستجابة لمثل هذه المشكالت‬
‫ي �ك��ون ب��أدوات��ه��ا ال�م�ت�ص�ل��ة بقوانين‬
‫ال�ع�م��ل‪ ،‬وب�ع�ي��دا ع��ن أدوات ال�ت��أث�ي��ر العاطفي‪.‬‬
‫تعددت نشاطات الوزير غازي القصيبي وتقلبت‬
‫مشاويره في ه��ذه الحياة بالكثير من المواقف‬
‫والمشاهد والمنعطفات‪ ،‬التي ترك من خاللها‬
‫أثرا في كل مكان عمل فيه‪ .‬وكان يخرج من كل‬
‫معركة منتصرا‪ .‬وكان على القصيبي في مثل هذا‬
‫الموقف الفريد‪ ..‬حيال موقعه من الوعي والعمل‬
‫في بالده التي يعرفها كراحة يده‪ ..‬يقتضي منه‬
‫باستمرار‪ ،‬مجابهة كل التأويالت التي تدرجه في‬
‫تنميط معين؛ فقد كان الفقيد شاعرا مجيدا‪ ،‬ثم‬
‫أصبح روائيا‪ ،‬وكاتبا وإداري��ا‪ ،‬وأستاذا جامعيا‪،‬‬
‫ودبلوماسيا‪ ،‬في أهم المواقع المتصلة باإلعالم‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪21‬‬

‫والمواقف‪ ،‬تظل باستمرار تحديا‬
‫كيانيا لمن يتصدى لقضايا يومية‬
‫متصلة بحياة ال�ن��اس‪ ..‬ومرتبطة‬
‫بمصالحهم‪ .‬وكما يقول المفكر‬
‫المغربي الكبير عبدالله العروي‪...‬‬
‫(ال أحد مجبر على التماهي مع‬
‫مجتمعه‪ .‬لكن إذا ما قرر أن يفعل‬
‫في أي ظ��رف ك��ان‪ ،‬فعليه إذاً أن‬
‫د‪ .‬القصيبي وبجانبه د‪ .‬عبدالعزيز الخويطر واألستاذ عبدالله الناصر‬
‫يتكلم بلسانه (المجتمع)‪ ،‬أن ينطق‬
‫ال �ع��ال �م��ي‪ ،‬كمنصبه س �ف �ي��را للمملكة العربية‬
‫بمنطقه‪ ،‬وأن يخضع لقانونه‪ .‬ال‬
‫السعودية في لندن لسنوات طويلة‪ ،‬حيث أستطاع فيلسوف وال متكلم وال شاعر أب��دا على رأس‬
‫أن يخلق فيها عالقات متوازنة مع جميع الجهات الدولة‪ ،‬كلما وأينما حصل ذلك عمت الفوضى‬
‫ال��دب �ل��وم��اس �ي��ة‪ ،‬ك��ذل��ك اس �ت �ط��اع ال�ق�ص�ي�ب��ي من ونزل الخراب)‪( ..‬من كتابه السنة واإلصالح)‪..‬‬
‫خالل الكتابة األدبية أن يبدع في مجال الرواية يصبح التماهي الخالق في عالقة ايجابية مع‬
‫والقصة‪ .‬ذلك أنه في كل حاالته‪ ،‬كان يجد صوتا المجتمع والدولة من موقع المسئولية والثقافة‬
‫للتعبير ع��ن نفسه كمبدع ح��ر‪ ،‬يعرف أساليب والتحدي‪ ،‬بمثابة امتحان عسير للوعي والموقف‬
‫اإلبداع بحسب مواقعها ومؤثراتها‪ .‬وحين تحول في وقت واحد‪.‬‬
‫القصيبي إلى كتابة القصة والرواية‪ ،‬كان يدرك‬
‫ول �ق��د ك��ان��ت ح �ي��اة ال�ف�ق�ي��د ال��دك �ت��ور غازي‬
‫التعقيدات والتحوالت التي أصابت بنية الحياة‬
‫القصيبي تنوس بين هذين الحدين‪ .‬لهذا ربما‬
‫االجتماعية في المنطقة العربية‪ ..‬وفي السعودية‬
‫وصف كثيرون تجربته الشعرية والروائية وصفا‬
‫خصوصا‪ .‬ولذلك وجد في مناخ العمل السردي‪،‬‬
‫ال يدرجهما ضمن األعمال العبقرية الكبرى‪..‬‬
‫ما يسمح له برصد الكثير من الحيوات والمصائر‬
‫دون أن يدركوا الوجه اآلخر لإلبداع في حياته‪،‬‬
‫والتقلبات التي تحدث من حوله‪ ،‬في فترة شهد‬
‫أي نجاحاته المبدعة في مجاالت اإلدارة والوزارة‬
‫فيها العالم تحوالت كبرى‪ ،‬سواء على صعيد ثورة‬
‫والتخطيط والسلوك والمواقف التي ال يمكنها إال‬
‫األنفوميديا (االت�ص��االت والمعلومات)‪ ،‬أو على‬
‫أن تكون الوجه اآلخر لعملة اإلبداع‪.‬‬
‫صعيد التحوالت الجيوسياسية‪ ،‬وما خلفته من‬
‫لقد انخرط المثقفون في المنطقة العربية‬
‫ظواهر ومشكالت‪.‬‬
‫زمنا طويال‪ ،‬في جدل عقيم‪ ،‬حيال فاعلية المثقف‬
‫كانت واقعية غازي القصيبي التي تستقطب حال‬
‫في مجتمعه‪ ،‬عبر تأويالت رومانسية تجريدية‪..‬‬
‫كونه شاعرا‪ ،‬من أهم سمات القوة في شخصيته‪.‬‬
‫لم تحقق في اآلخر إال ارتدادات عكسية وناقضة‬
‫فشخصية الشاعر بما تنطوي عليه من حساسية‬
‫لتلك الرومانسية‪ ،‬وبعكسها ت�م��ام��ا‪ ..‬ال سيما‬
‫ورهافة‪ ،‬وتَ َمثُّل الحاالت القصوى في المشاعر‬
‫بعد انهيار المعسكر االشتراكي‪ .‬لقد كانت تلك‬

‫‪22‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫التصورات التي تم تسويقها في كتابات التنظير يطيقونها‪.‬‬
‫العربي حيال موقف المثقف من السلطة‪ ،‬تأتي في‬
‫لقد جسد غ��ازي القصيبي يرحمه الله في‬
‫أغلبها كصدى لمجتمعات أخرى تجاوزت حاالت الزمن الذي عاش فيه وما شهده ذلك الزمن من‬
‫الحاجة إل��ى المثقف‪ ،‬بوصفه ف��اع�لا ضروريا تحوالت قناعات كان من الصعب الوصول إليها‬
‫في بناء أساسيات مجتمعه‪ ،‬وم��ا يقتضيه ذلك دون التوفر على معرفة عميقة‪ ،‬ونفس كبيرة‪،‬‬
‫من ابتداع وسيلة تستقطب حالة فريدة لتجديد واستعداد للتعلم من كل شيء‪ ،‬وتواضع واهتمام‬
‫العالقة المستمرة والبناءة‪ ،‬بين المثقف وموقعه بأدق تفاصيل المهنة والوظيفة واألمانة‪.‬‬
‫التنويري في المناصب التي يتقلدها‪.‬‬
‫ولهذا‪ ،‬فإن ما يفسر لنا نجاح الدكتور غازي‬
‫ك��ان غ��ازي القصيبي يرحمه ال�ل��ه‪ ،‬وبشهادة‬
‫القصيبي كشاعر‪ ،‬وكاتب‪ ،‬وإداري‪ ،‬ووزي��ر‪ ..‬هو‬
‫الكثيرين من أصدقائه‪ ..‬رجال استطاع أن يحقق‬
‫ذل��ك الحب ال��ذي ك��ان يكنه للناس‪ ،‬ويبذله لهم‬
‫تلك المعادلة‪ ،‬وأن يستثمر كل الممكنات اإليجابية‪،‬‬
‫من ناحية‪ ،‬وإلدراك��ه أن اإلب��داع هو مهمة نبيلة‬
‫لإلبقاء على دوره ف��اع�لا‪ ..‬س��واء لجهة الكتابة‬
‫لتنظيف وتجميل حياة الناس ماديا ومعنويا من‬
‫اإلبداعية‪ ،‬أو لجهة البناء والتجديد في مواقع‬
‫ناحية أخ��رى‪ ،‬وهي حالة ال يمكن أن يصل إلى‬
‫العمل العام التي تقلدها طوال حياته المديدة‪.‬‬
‫آفاقها إال شخص عرف كيف يتصالح مع نفسه‬
‫كان في قلب األحداث وفي قلب الحداثة في عين‬
‫عبر ضمير مرتاح‪ ،‬ظل يؤهله باستمرار إلبداع‬
‫الوقت‪ .‬كما عرف بتجربته الكبيرة أن الحداثة ال‬
‫متميز في الكتابة والحياة‪.‬‬
‫تعني قطيعة‪ ،‬كما أنها في الوقت نفسه‪ ..‬ال يمكن‬
‫استنساخها بحذافيرها في كل تجربة‪ .‬ولعل في‬
‫تلك الشهادات الكثيفة في الصحافة العربية‪..‬‬
‫ما يكشف لنا ال�ي��وم‪ ،‬كم ك��ان القصيبي يرحمه‬
‫الله إنسانا كبيرا‪ ،‬عندما كان يرد بنفسه على كل‬
‫خطاب تشكي أو مظلمة يصل إلى موقع العمل‪،‬‬
‫وال يجد في ذلك حرجا‪ ..‬إلدراكه طبيعة العالقة‬
‫الحقيقية بين المسئول والعامل والمواطن‪.‬‬
‫ولعل في ذلك الموقف الشهير‪ ،‬ال��ذي عرف‬
‫الناس من خالله أن الدكتور غازي القصيبي عمل‬
‫نادال لمدة ثالث ساعات‪ ،‬ما يكشف معدن هذا‬
‫الرجل‪ ،‬واستعداده الكامل لخدمة المواطن‪ .‬ففي‬
‫ذل��ك الموقف الشهير حين عمل ن��ادال بإحدى‬
‫مقاهي جدة‪ ،‬كشف لنا كم هو متصالح مع نفسه‪،‬‬
‫وقادر على تطبيق أفعال يأنف منها كثيرون وال‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪23‬‬

‫ُ‬
‫السخرية في أدب غازي القصيبي‬
‫> عبدالدائم السالمي‪ -‬تونس‬
‫ينهض اختيارُنا الحديثَ عن السخريّة في كتابات الدكتور غازي القصيبي‪،‬‬
‫ُ‬
‫خالدات‪،‬‬
‫ٍ‬
‫بنصوص‬
‫ٍ‬
‫من إيماننا بأنّ هذا المبد َع مأل مشهدَنا الثقافيَّ العربيَّ‬
‫المعيش بلغة ساخرةٍ ؛ سخري ًة ال‬
‫َ‬
‫سعى فيها إلى جعل الكتابةِ تحكي واقعَنا‬
‫القارئ‪،‬‬
‫ِ‬
‫المدروس‪ ،‬بل تحفِ ُر في أسبابِه‪ ،‬وتُفاج ُئ بها سكين َة‬
‫َ‬
‫تُم ِّي ُع موضوعَ ها‬
‫فيضحك لها حتى تسي َل دموعُه‪ ،‬وال يدري أيضحك من حقيقةِ المكتوب‪..‬‬
‫ضاحكًا باكيًا معًا يحتا ُج من‬
‫ِ‬
‫نصا يجع ُل قارئَه‬
‫أم يبكي من حقيقتِه‪ .‬وإنّ ًّ‬
‫ليقف‬
‫َ‬
‫كيفيات حضورِ الواقعِ فيه؛‬
‫ِ‬
‫آليات تش ُّكلِه‪ ،‬وفي‬
‫ِ‬
‫النّقد تف ُّكرًا في‬
‫على جمالياته ودَالالتِه االجتماعية والحضاريّةِ ‪.‬‬
‫السيما وأنّ السخريّة تجد لها جذورًا في مدوّنة‬
‫خاصة في كتابات الجاحظ‬
‫ّ‬
‫النثر العربيّ القديم‪،‬‬
‫وابن المقفّع والهمذاني وغيرهم‪ .‬ولع ّل هذا ما‬
‫نتاجات الدكتور غازي‬
‫ِ‬
‫بعض‬
‫يجي ُز لنا عود ًة إلى ِ‬
‫القصيبي التي أمكننا االط�ل�ا ُع عليها‪ ،‬لنبحث‬
‫ال‬
‫فيها ع��ن كيفيات اع �ت �م��اده اإلض �ح��اكَ سبي ً‬
‫إلى تحفيز المتلقّي على تجاوز المعاني األولى‬
‫أسئلة‬
‫ٍ‬
‫لمواضيع الكتابةِ نحو أعماقِ ها‪ ،‬وط��رحِ‬
‫حارّة حول عالئقه بذاته‪ ،‬وبغيره‪ ،‬وبباقي األشياء‬
‫ل�ق��د اخ �ت��ار ال��دك �ت��ور غ ��ازي ال�ق�ص�ي�ب��ي‪ ،‬في‬
‫ال‬
‫من حولِه‪ ،‬ومساءلةِ الظواهر الفكريّة والسياسيّة أغلب نتاجاته‪ ،‬السخر ّي َة تقني ًة كتاب ّي ًة وسبي ً‬
‫طاقات الواقع اإليحائيّةِ حتى يقف‬
‫ِ‬
‫واالجتماعية عن قوانينِها‪ ،‬وما يح ُك ُم اشتغالَها إلى تفجير‬
‫ِ‬
‫آليات‪ .‬وهي ظواه ُر تتبطّ ن كلَّ أفعال‬
‫ٍ‬
‫من‬
‫الناس على لُ��بِّ المعنى‪ .‬وتفصي ُل ذل��ك أنّ السخر ّي َة‬
‫الدنيويّة‪ ،‬وحتى الغيبيّة منها‪ .‬ولكنّها تتخفّى عنده ليست غاية في ح� ِّد ذاتها‪ ،‬وال تستهدف‬
‫وراء قِ شْ رتِها المألوفةِ السميكةِ ‪ ،‬فال يطالُها إ ّال اإلضحاكَ المجّ انيَ ولفتَ االنتبا ِه فقط‪ ،‬إنّما هي‬
‫صاحبُ ٍ‬
‫فكر جريءٍ ‪ ..‬يستطي ُع النفا َذ بفهمِ ه إلى ضحكٌ من األشياءِ حين يخاتل ُها المبد ُع ويعرّيها؛‬
‫تفاصيلِها العميقةِ بع َد تقشيرِ ها‪.‬‬
‫فتبوح ل��ه ب�ح��قِّ أس��راره��ا ال�ت��ي يحجُ بُها حياءُ‬
‫ول�ع� ّل م��ا تجدر اإلش���ارةُ إليه بشأن كتابات‬
‫المألوف الباطلِ ‪ .‬وال شكّ في أنّ واقعًا عرب ّيًا‬
‫ِ‬
‫الدكتور غازي القصيبي‪ ..‬هو تن ّوعُها وغزارتُها‪ .‬مع َّق َد الكيمياء االجتماعية والثقافية والسياسيّة‪،‬‬
‫وهو تن ّو ٌع يشي ب َموْسوعيّة ثقافة هذا المبدِ عِ ‪َ ،‬مثَّل بالنسبة إلى القصيبي‪ ،‬هذا المبدع العربيّ‬
‫ويكشف عن تمكُّنه من أدوات الكتابة الفنيّة‪ .‬الذي عايش أغلبَ أزماتنا القوميّة‪ ،‬جسدًا يحتا ُج‬
‫حيث كتب الرواي َة والمقالة الحضار ّي َة والشِّ ع َر كثيرًا من النقدِ الجريءِ حتى تستقي َم فيه معاني‬
‫والمقا َل السياسيّ والسيرةَ ال��ذات�ي�ةَ‪ ،‬وف��ي ك ّل‬
‫جنس كتابيٍّ من هذه األجناس‪ ،‬كان يَظْ هر منه‬
‫ٍ‬
‫للقارئ بُ ْع ٌد من أبعاد شخصيّته الثَ ّرةِ‪ ،‬حتى لكأنّه‬
‫مبد ٌع جَ ْم ٌع ال تُمكن اإلحاطة بمَيزاتِه اإلبداعيّة‬
‫إ ّال متى قاربناها في عمومِ إنتاجاتِه المنشورةِ‪.‬‬
‫وال غراب َة في أنّ كاتبًا له هذه القدرة على التنويع‬
‫ف‪ ،‬بل هو‬
‫في محامله الفنيّة كاتبٌ يقو ُل ما يعرِ ُ‬
‫كيف يقو ُل‬
‫أيضا َ‬
‫ويعرف ً‬
‫ُ‬
‫ف ما يقولُ‪،‬‬
‫كاتبٌ يعرِ ُ‬
‫موضوعاتِه‪.‬‬

‫‪24‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫قول له جذوره‬
‫ولئن كانت السخري ُة أسلوبَ ٍ‬
‫في مدوّنة الخبر العربيّة مثلما ذكرنا‪ ،‬فإنّها في‬
‫تفكير من جهةِ كونها‬
‫ٍ‬
‫إبداعات القصيبي أسلوبُ‬
‫تدخل في تضا ٍّد مع الكآبةِ التي تُخيّمِ على مالمح‬
‫واقعنا العربيّ المأزومِ ‪ ،‬وتكشف مفارقاتِه‪ .‬ويبدو‬
‫أنّ غازي القصيبي جعل من السخريّة تقني ًة كتابي ًة‬
‫الناس‪ ،‬ويضعهم‬
‫ِ‬
‫يُقوّض بها السائ َد من معيش‬
‫جدل حقيقيٍّ وذكيٍّ مع القضايا الكبرى التي‬
‫في ٍ‬
‫تُثي ُر فيهم الضحك لشدّة غرابتها‪.‬‬
‫في كتابه «مصالحات‪ ...‬ومغالطات وقضايا‬
‫يوصف غ��ازي القصيبي‪ ،‬بكثير من‬
‫أخ���رى»(‪ّ ،)8‬‬
‫السخريّة السوداء‪ ،‬ح��ا َل أغلب النُّخب الفكريّة‬
‫والسياسيّة العربية في عالقتها ببعض مقوالت‬
‫العولمة كالدّيمقراطيّة وال��وط�ن� ّي��ة وغيرهما‪،‬‬
‫ويُعرّي حقيق َة تعاطي هذه النخب البراغماتي‬
‫السياسي م��ع مثل ه��ذه المطالب‪ .‬فالسياسيُّ‬
‫العربيُّ ال��ذي ينادي بالدّيمقراطيّة يُخفي في‬
‫ضا لها‪ .‬أمّا معارِ ضوه‪ ،‬فإنّهم‬
‫أعماقِ ه كائنًا رافِ ً‬
‫يستثمرون مفهو َم الدّيمقراطيّة وانعدامَها في‬
‫بيئاتهم االجتماعيّة ليصلوا إل��ى سَ ��د ِة الحكمِ ‪،‬‬
‫وبعد ذل��ك ي �ط��اردُون المطالبين بتحقيقِ ها في‬
‫كثير من تبادل األدوار السياسيّة المغل َِّف بحُ بِّ‬
‫الشعوب التي ال تزيد عن كونها «كمبارسات»‬
‫تؤدّي أدوارًا لم تخترْها برَغبتِها‪.‬‬
‫أ ّم ��ا ف��ي رواي��ت��ه «س �ب �ع��ة»(‪ )9‬فيحشر غازي‬
‫القصيبي سبع ًة من وجهاء األ ّم��ة العربستانية‬
‫(المعادل التخييلي لألمة العربية)‪ ..‬أمثال أنور‬
‫مختارجي والفلكي بصراوي علوان في جزيرة‬
‫أسطورية تسمّى «ميدوسا» وي��زرع بينهم نَبْتَ‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫التعقُّل والتفكُّرِ ‪ ،‬ويكون قادرا على التخلّص من‬
‫أسمالِ بُناه الفكريّة القديمة التي كبّلتْ فيه كلَّ‬
‫اجتهاد‪ ،‬ومنعته من ك ّل تطو ٍّر حقيقيٍّ ‪.‬‬
‫ٍ‬

‫األح��داث حتى يرسم ص��ور ًة عن واقعنا العربيّ‬
‫المرير من خالل أفعال هؤالء وأقوالهم وشبكة‬
‫عالقاتهم‪ .‬يفعل ذلك موظّ فا السخريّة أدا ًة لكشف‬
‫المستغلقات من األسرار والرغائب‪ ،‬وكثيرًا من‬
‫حقائق أول��ي األم��ر من أم��ة عربستان وم��ا فيها‬
‫من سفاهات وتفاهات‪ .‬لكأنّه يقول للقارئ إنّ‬
‫أ ّم��ة فيها مثل ه��ؤالء الوجهاء الذين يعود إليهم‬
‫األمر والنهي في ك ّل شؤونِها‪ ,‬أ ّم ٌة تمشي سريعًا‬
‫إلى حتفها‪ ،‬بل هو يزيد من سخريته من هؤالء‬
‫األع�ي��ان‪ ،‬عندما يفضحِ حقائقَهم ويُ�ع�رّى فيهم‬
‫فقدانَهم لك ّل ملمح من مالمح ال��ذك��ورة‪ ،‬بعدما‬
‫اختار لهم نهاي ًة أليم ًة من ِج َهتَيْن‪ :‬الغرق وفقدان‬
‫الرجولة‪ ،‬على ح� ّد ما ج��اء في آخ��ر ح��دث من‬
‫أحداث هذه الرواية‪ ..‬حيث يقول السارد‪« :‬أوضح‬
‫تقرير الطبيب الشرعي أن الرجال السبعة ماتوا‬
‫غرقاً‪ ،‬وقد تبين من التحليل أنهم تعاطوا كميات‬
‫كبيرة من المخدرات والكحول‪ .‬أما المرأة‪ ،‬التي‬
‫وجدت على الشاطئ عارية‪ ،‬فلم يتضح للطبيب‬
‫الشرعي‪ ،‬بع ُد سبب موتها‪ ،‬ولم يعثر في دمها‬
‫على أي آث��ار ل�م�خ��درات أو ك�ح��ول‪ ،‬ول��م تظهر‬
‫بجسمها أي إصابات‪ .‬كما ظهر من الفحص أنها‬
‫عذراء‪.» ...‬‬
‫وتُع ُّد «العصفوريّة»(‪ )10‬فضا ًء تخييل ّيًا ذا مرجع‬
‫المتياز‪ ،‬وهو فضاء اختارَه غازي‬
‫ٍ‬
‫واقعيّ عربيّ‬
‫بطاقات فني ٍّة سردي ٍّة ليكون‬
‫ٍ‬
‫القصيبي وشحنَه‬
‫مسرحً ا يلتقي فيه المجنون بحكمتِه‪ ،‬والعقالءُ‬
‫صراع خفيٍّ على أحقّية الوجودِ ‪.‬‬
‫ٍ‬
‫بجنونِهم‪ ،‬في‬
‫وبين الحكمة والجنون‪ ،‬يظهر فك ُر غازي القصيبي‬
‫مفردات واقعه‪ ،‬ويحرّكُ عناص َر السرد‬
‫ِ‬
‫وهو يقرأ‬
‫حركات ساخر ًة من هذا الزمن العربيّ العجائبيّ ‪،‬‬
‫ٍ‬
‫الناس‬
‫ِ‬
‫الذي تحكمه التناقضاتُ ‪ ،‬ويطغى فيه على‬
‫يكشف زيفَها‬
‫ُ‬
‫جه ٌل عا ٌّم مصبو ٌغ بادّعاءات جوفاء‪..‬‬
‫هذا البروفسور المجنونُ‪/‬العاق ُل بط ُل الرواية‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪25‬‬

‫وال تقف كتاباتُ القصيبي الساخرةُ عند بيئته االنتخابات نوعً ا من الرقص الدّ يمقراطيّ الذي‬
‫فعل من أفعال المنظّ مات الدولية‬
‫المحليّة‪ ،‬ب��ل تطال نِبالُها مؤسّ ساتِنا القومية صار عالم َة ك ّل ٍ‬
‫واإلقليمية وحتى ال��دول�ي��ة‪ ..‬على غ��رار مؤلَّفه الراهنة التي يرقص رؤساؤُها بإيقاعات السياسة‬
‫تحريف اسم الغربية الجائرة‪ ..‬على اعتبار أنّ «ضمير العالم‬
‫َ‬
‫«دنسكو»(‪ )11‬الذي تعمّد فيه الكاتب‬
‫«اليونسكو» بما يدعو للضحك من هذه المنظَّ مة المكروب ال يضيره أن يرقص قليالً»‪..‬‬
‫الثقافية العالمية‪ ،‬التي انتشرت فيها الوالءاتُ ‪،‬‬
‫ُحصلةِ نقول إنّ نق َد غازي القصيبي‬
‫وفي الم ِّ‬
‫ٍ‬
‫عنيف‪ ،‬مشوبٌ‬
‫ٌ‬
‫وعَ مّها صرا ُع على الرئاسةِ‬
‫بكثير ألح� ��وال واق �ع��ه ال�م�ح�ل��يّ وال �ع��رب��يّ واإلقليميّ‬
‫ِ‬
‫من‬
‫رسالة‬
‫ٍ‬
‫إحساسه بكونه مث َّقفًا ذا‬
‫ِ‬
‫الشائعات حول حظوظ هذا المرشَّ حِ أو ذاك‪ .‬والدوليّ ‪ ،‬ناب ٌع من‬
‫وإنسانية‪ ،‬وهو نق ٌد تحكمه بني ٌة كتاب ّي ٌة‬
‫ٍ‬
‫وقد وجد القصيبي في هذه المنظّ مة مثاالً على وطنيّة‬
‫فسادِ أخالق َم ْن اعتمدوا الثقافة سبي ً‬
‫ال للجلوس تَقوم على توصيفه الظاهرةَ التي تلفت انتباهَ ه‬
‫على ال �ك��راس��ي‪ُ ..‬م�ح� ِّول�ي��ن جمي َع المؤسّ سات توصيفًا دقيقًا‪ ،‬حتى إذا اطمأنّ إليه المتلقّي‬
‫ٍ‬
‫الفكريّة إل��ى‬
‫بنسف يقينياتِه عن تلك الظاهرة وقدّ م له‬
‫ِ‬
‫بضاعة تباع في س��وق النخّ اسين فاجأه‬
‫بالمزادات العلنيّة‪ ،‬حيث نقرأ له قولَه «النظرة عنها فهمًا جديدًا بل ٍُغة مألوفةِ األلفاظ والتراكيب‪،‬‬
‫ال�ش��ائ�ع��ة ه��ي أن اإلدارة م�ع��روض��ة ل�م��ن يدفع لكنّها مشحون ٌة بالسخريّة السوداء التي تتك ّف ُل‬
‫والقلب‬
‫ِ‬
‫أكثر‪» ...‬؛ ورغم ما تُغلَّف به عملية انتخاب رئيس بها أفاني ُن القول العربية‪ ..‬مثل المبالغةِ‬
‫والتجنيس واإليقاع‪ .‬حتى‬
‫ِ‬
‫واالستعارات‬
‫ِ‬
‫هذه المنظمة من إهابات ديمقراطيّة‪ ..‬تقوم في اللفظي‬
‫ظاهرها على االنتخاب‪ ،‬فإنّ في خفاياها تسود لكأنّ السخر ّيةَ‪ ،‬تلك التي مال إليها أغلبُ عظماءِ‬
‫الوالءاتُ للمالِ قبل الفكرِ ‪ .‬وهنا‪ ،‬يتساءل القصيبي الفكر البشريّ لنقد ظ��روف واقعهم‪ ،‬ترقى في‬
‫بك ّل مرارةٍ «ماذا يتبقى لإلنسانية إذا بيعت هذه نتاجات الدكتور القصيبي من اإلبداعِ إلى اإلقناعِ‬
‫اإلدارة‪ ...‬؟»‪ .‬وللتخفيف من ه��ول ه��ذا األمر‪ ،‬الذي ال نخالُه يتح ّق ُق في ذهن القارئ‪ ..‬دون أن‬
‫النفوس‪.‬‬
‫ُ‬
‫يميل الكاتب إلى أسلوبه الساخر‪ ،‬فيرى في هذه يصاحبه إمتا ٌع تنشر ُح له‬

‫غازي القصيبي‪ ..‬شاعر النضال والغضب‬
‫> مالك اخلالدي‪ -‬السعودية‬
‫الموت المتصاعد من زيتون المسرى‪ ،‬يبص ُر‬
‫ِ‬
‫هناك بالقرب من أصداءِ أحزاننا يتكئ‪ ،‬يسم ُع زفي َر‬
‫فرية الغرقد األثيم‪ ،‬رائح ُة الدمِ المسفوك ترتفع‪ ،‬فتتلوها آهات الصغار المُقددين وأمهات الشهداء‪،‬‬
‫كل ذلك واشجهُ‪ ..‬فانداح غضب ًة شعرية ال تعرف الخوف أو الصمت!‬
‫فهو الذي قال‪:‬‬
‫يفجر نفسهُ‬
‫نفسي الفداءُ لمن ّ‬
‫ل���ي���ر ّد م��غ��ت��ص��ب�� ًا وي�����ردعُ غاصبا‬
‫فلم يستطع غازي إال الصدوع بوالئه لدماء‬

‫‪26‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫االستشهاديين‪ ،‬وتلكم الفتاوى تتصاع ُد من هنا‬
‫وهناك‪ ،‬مُحرِ َم ًة على الفلسطينيين الثأر لدينهم‬
‫ووطنهم وأعراضهم! فذاك انتحا ٌر يوردهم جهنم‬
‫حسب قولهم‪.‬‬
‫أم��ا غ ��ازي اإلن �س��ان ال �ش��اع��ر‪ ..‬بكل م��ا فيه‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫القصيبي خالل حضوره مناقشات مجلس الشورى حول أداء وزارته‬

‫�ض ال��ذل‪ ،‬فهو المشغو ُل حين وص� ُم صمت العرب بـ(االنتحار)‪ ..‬وحمل‬
‫عنفوان وأن�ف� ٍ�ة‪ ،‬رف� َ‬
‫ٍ‬
‫من‬
‫بقضايا وطنه وأمته‪ ،‬وهو المنفع ُل بجراح أمهاته عليهم لرضوخهم للغرب‪ ..‬بل لتملقهم المُخزي‬
‫المرابطات‪ ،‬وأنين بيادر البرتقال؛ ل��ذا‪ ،‬ارتدى الذي جاوز الحد فقال‪:‬‬
‫فعزف تناثـ ُر أشالء انتحرتم؟! نحنُ الذين انتحرنا‬
‫َ‬
‫حزن وآمال ونخوة إخوته‪..‬‬
‫الفدائيين والشهداء أشعار خلود‪ ..‬وها هو يبكي‬
‫العرب‪ ،‬ويمجّ د تلك االستشهادية الحسناء آيات‬
‫األخرس‪ ،‬التي زفـّـتها المالئكة لتعانقها الزهراء‬
‫على أعتاب الجنة فيقول‪:‬‬
‫�����روس العوالي‬
‫َ‬
‫ق���ل آلي����ات ي���ا ع‬
‫���ن ل��م��ق��ل��ت��ي ِ��ك ف�����داءُ‬
‫ك�����لُّ ح���س ٍ‬
‫يو َم يخصى الفحولُ صفو َة قومي‬
‫ت��ت��ص��دى ل��ل��م��ج��رمِ الحسناءُ‬
‫ف��ت��ح ْ��ت ب��اب��ه��ا ال��ج��ن��انُ وحيّت‬
‫���ك ف�����اط�����مُ ال������زه������راءُ‬
‫وت���ل���ق���ت ِ‬

‫ب�����ح�����ي�����اةٍ أم������وات������ه������ا أح�����ي�����اءُ‬
‫قد عجزنا حتى شكى العجزُ منا‬
‫وب��ك��ي��ن��ا ح��ت��ى ازدران�������ا البكاءُ‬
‫بيت‬
‫وارت��م��ي��ن��ا ع��ل��ى ط��واغ��ي ِ��ت ٍ‬
‫���ض م����لء ق��ل��ب��هُ الظلماءُ‬
‫أب���ي ٍ‬
‫ول��ع��ق��ن��ا ح������ذاء ش�������ارون حتى‬
‫ص��اح مه ًال قطعتموني الحذاءُ‬
‫المخضوب‬
‫ِ‬
‫حينها ابتهج المشر ُق بهذا الفيض‬
‫ب��ال �ج��رأة وال �غ �ي��رة ال �ص��ادق��ة‪ ،‬وان �ث��ال ك�ث�ي� ٌر من‬
‫الشعراء مُحاكين ه��ذه الغضبة القصيبية‪ .‬أما‬

‫وبإيعاز من اللوبي الصهيوني‪ ..‬فقد ساءهُ‬
‫ٍ‬
‫بل ذهب إلى أبعد من ذلك في مطلع القصيدة الغرب‪،‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪27‬‬

‫��راق وك��ان أم��س مالعب ًا‬
‫�روف وي��حُ ال��ع ِ‬
‫أن ت �ن �ت �ص��بَ ح�� ٌ‬
‫باكية بوجهِ آلة اإلبادة‬

‫للمجد أصبح للخنوعِ مضاربا‬
‫ِ‬

‫الصهيونية‪ ،‬فأُصدرت ك��ان��ت ت�لام��س��هُ ال��ن��ج��ومُ أنام ًال‬
‫ال��ب��ي��ان��ات‪ ..‬وتعالت‬
‫ال �خ �ط��اب��ات تستنكر‬
‫النزيف والقصيد!‬

‫ف��غ��دا ت��م��زق��هُ ال��س��ج��ونُ مخالبا‬
‫كما تاهَ في عيني بيروت باكياً‪:‬‬
‫���ك يبدو‬
‫����روت م���ا ل���وج���ه ِ‬
‫آهِ ب����ي ُ‬

‫وه� � � �ن � � ��ا‪ ،‬ت� �ت� �ب ��رج‬

‫بالذبول‬
‫ِ‬
‫م��ث��لَ وج��ه��ي م��ب��رق��ع�� ًا‬

‫ش� � �ع � ��ارات ال� �ع ��دال ��ة ك��ن ِ��ت ليلى وك��ن ُ��ت مجنون ليلى‬
‫ويسقطُ قنا ُع الحرية‬
‫المفتراة‪.‬‬

‫بالعقول‬
‫ِ‬
‫ي��ا ل��م��ا ي��ف��ع��لُ ال��ه��وى‬
‫ثم يتساءل عن الدماء المسفوحة بيد القريب‪..‬‬

‫وب��ع��د ح �ي��ن يعود والفرحة المسلوبة من األفئدة العذارى‪:‬‬

‫��ت دم����اءُ أم���ي وأختي‬
‫غ � ��ازي ل �ب �ل��ده وزي � ��راً ك��ي��ف س��ال ْ‬
‫رافعاً هامتهُ‪ ،‬تكتنف ُه‬

‫ب��ي��دي ص��اح��ب��ي وس��ي ِ��ف خليلي‬

‫فخر وطمو ُح‬
‫ٍ‬
‫مشاعر‬
‫القناص يُ حرقُ عرسي‬
‫ُ‬
‫كيف راح‬
‫َ‬
‫ب � �ن� ��اء‪ ،‬وه� �ن ��ا يظه ُر‬
‫ج �ل �ي �اً دع ��م المملكة‬
‫ال �ع��رب �ي��ة السعودية‬
‫مخلص لوطنهِ‬
‫ٍ‬
‫لرجل‬
‫ٍ‬
‫وقضايا أمته‪ ..‬وذلك‬
‫تأكي ٌد لموقف المملكة‬
‫ال�ث��اب��ت وال��راس��خ في‬
‫دعم نضال الشعب الفلسطيني‪.‬‬

‫ب���رص���اص���ي وف���رح���ت���ي بفتيلي‬
‫وبجسارته المعتادة يجعل الزعماء والحكماء‬
‫والبيانات والغوغاء فدا ًء لناظري الشهيد محمد‬
‫ال��درة في قصيدته الشهيرة (يا فدى ناظريك)‬
‫حيثُ يقول في مطلعها‪:‬‬
‫�����ت ي����ا ص��غ��ي��ر محمد‬
‫ه�������در ًا م ّ‬
‫ه�������در ًا ع����م����ركَ ال���ص���ب���يُ تبدد‬
‫زعيم‬
‫ٍ‬
‫���ك ك����ل‬
‫ي����ا ف�����دى ن���اظ���ري َ‬

‫ولم تكن قصيدت ُه هذه هي الغضبة الوحيدة‪،‬‬

‫ح���ظ���هُ ف���ي ال���وغ���ى أدان ون���دد‬

‫ب��ل ه��ي ض��وء م��ن ش�م� ِ‬
‫مذيع‬
‫ٍ‬
‫���ك ك���ل‬
‫�س ع��روب�ت��هِ المتوهجة‪ ..‬ي���ا ف����دى ن���اظ���ري َ‬
‫ِ وإيمانه الخالد ال��ذي يسك ُن روح�� ُه الشفيفة‪،‬‬
‫��ون األث��ي��ر أرغ����ى وأزب���د‬
‫ف��ي س��ك ِ‬
‫تمجيد وث �ن��اءٍ ورثاءٍ‬
‫ٍ‬
‫ف��دواوي �ن � ُه تحف ُل بقصائد‬

‫حكيم‬
‫ٍ‬
‫ي���ا ف����دى ن���اظ���ري���ك ك���ل‬

‫ألبطال قضوا نحبهم على طريق الحق‪ ..‬كما تغنى‬
‫ٍ‬
‫بمدائن الدموع والصمود واالنكسار‪ ،‬فبكى بغدا َد‬
‫بقلب محترق‪:‬‬
‫ٍ‬

‫‪28‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫��وف ب��ث��اق��ب ال�����رأي أنجد‬
‫ف��ي��ل��س ٍ‬
‫بل إن غ��ازي الشاعر الملتاع الكسير يفدى‬
‫محمداً‪:‬‬

‫حضارتهُ ت��ذروا الجيا َع وتحصدُ‬
‫ويعرّج على شجاعتهِ وشهامته وكفاحه‪:‬‬
‫تعودتّ في وج��ه ال��ري��اءِ صراحةً‬
‫وك���م ق���ائ ٍ���ل ي���ا ب��ئ��س م���ا يتعودُ‬
‫تحارب إن حاربت ضمنَ رجولةٍ‬
‫ُ‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫بعالم‬
‫ٍ‬
‫وق��ات��لَ م��ن أج��ل ال��ج��ي��اعِ‬

‫ف�لا أن���ت غ����دارٌ وال أن���ت تحقدُ‬
‫مكان آخر يبكي حال األم��ة في‬
‫ٍ‬
‫وها هو في‬

‫قصيدة وجهها لمناضل الحرف والفكرة الشاعر‬
‫محمد مهدي الجواهري‪:‬‬

‫سهيل ‪ -‬اإلبن األكبر للقصيبي‬

‫ناظريك ناظمُ هذا القول‬
‫َ‬
‫يا فدى‬
‫����ات ال���م���ق���دد‬
‫ش����ع����رُ ال����م����ن����اس����ب ِ‬
‫بأبيات بدت فيها النزعة الدينية والروح‬
‫ٍ‬
‫ويخت ُم‬
‫القومية قوية ثائرة ساخطة‪ ،‬حتى كأننا نشعرها‬
‫سهاماً حارقة يوجهها لصدور األعداء ويرثي فيها‬
‫أمته‪:‬‬
‫أل���ف م��ل��ي��ون م��س��ل ٍ��م ل���و نفخنا‬
‫ك���ل���ن���ا ل�����م ي������دم ب�����ن�����اءٌ مشيد‬
‫��ض منا‬
‫ق���د ف��ه��م��ن��ا ت���ه���وّد ال��ب��ع ُ‬
‫أ َو ل���م ي��ب��قَ م��ع��ش��رٌ م���ا تهود؟!‬
‫ول ��م ي �ك��ن ش �ع��ر ال�ق�ص�ي�ب��ي رف �ي �ق �اً لسواعد‬
‫المناضلين في ساح االشتباك المسلح‪ ..‬بل كان‬
‫ناراً في وجه المستبدين‪ ..‬ووقوداً لمن أسرجوا‬
‫أص��وات�ه��م وأق�لام�ه��م الن �ت��زاع ح�ق��وق الكادحين‬
‫والمظلومين‪ ..‬فها هو يرثي صديقه المناضل‬
‫الحقوقي ال��دك�ت��ور محسون ج�لال يرحمه الله‬
‫فيقول‪:‬‬
‫ناقم‬
‫أمحسونُ هل أروي حكاي َة ٍ‬
‫عنيد تحدى الفقر والفقرُ أعندُ‬
‫ٍ‬

‫م���اذا ت��رك��تَ ؟ ع��واص��م�� ًا مقهور ًة‬
‫وزواح������ف������ ًا م������ذع������ور ًة وأران����ب����ا‬
‫نتن يديرُ لنا ال��ه��وان ونحتسي‬
‫ٌ‬
‫ك��رع�� ًا ويحتقرُ ال��م��دي��رُ الشاربا‬
‫بل إن الجواهري ألهم غازي الغضب ورفض‬

‫الظلم‪:‬‬

‫شعرك ثائر ًا‬
‫َ‬
‫قرأت‬
‫وغضبت حين ُ‬
‫ُ‬
‫ي��ب��غ��ي دم���� ًا ودم���� ًا وي�����زأ ُر ساغبا‬
‫أشيب ولم يشب لك مقطعٌ‬
‫ُ‬
‫عجب ًا‬
‫م����ازال ش��ع��رك ب��ي ل��ع��وب�� ًا العبا‬
‫����اق وأع����م����ا ُر ال���ط���غ���اةِ قصيرةٌ‬
‫ب ٍ‬
‫شعرٌ ضمنتَ له الخلود الصاخبا‬
‫وهكذا‪ ،‬بقي غازي خالداً في ضمير األحرار‪،‬‬

‫�ض مضاجع الظَّ لمة واألع� ��داء‪ ،‬ومن‬
‫صاخباً ي�ق� ُّ‬
‫يرجع لدواوينه يجدها نابضة باإليمان والعروبة‬
‫الغضب‬
‫ِ‬
‫بخفقات‬
‫ِ‬
‫والنضال‪ ،‬حتى أن القارئ لَيشعر‬

‫مبثوث ًة في كل حروفه‪ ،‬لقد كان القصيبي إنساناً‬
‫مسكوناً بالهم اإلسالمي العربي؛ لذا‪ ،‬كان صوت‬

‫الحق‪ ..‬فلم تقيّده المناصب ولم تشغله األلقاب‪،‬‬
‫فكا َن شاعراً حرا‪ ..‬ورحل وهو كذلك يرحم ُه الله‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪29‬‬

‫غازي القصيبي شاعرا‬
‫> عمار اجلنيدي‪ -‬األردن‬
‫رغ ��م ال �ح �ي��اة األدب��ي��ة ال�ط��وي�ل��ة ال �ت��ي ك��اب��ده��ا ال �ش��اع��ر والروائي‬
‫والدبلوماسي والسياسي العربي‪ :‬غ��ازي عبدالرحمن القصيبي‪ ،‬فإن‬
‫منجزه اإلبداعي ي��دلّ على سيرة حافلة باإلنجاز والتأليف والعطاء‪،‬‬
‫وقد أحدثت رواياته وشعره الكثير من الضجّ ة والسجاالت حولها‪ ،‬أما‬
‫منجزه الشعري فيربو على خمسة عشر مؤلفا بالعربية ونحو خمسة‬
‫باللغة االنجليزية‪ ،‬ومنها‪:‬‬
‫ •أش� �ع ��ار م ��ن ج ��زائ ��ر ال��ل��ؤل��ؤ ج� ��زء من‬
‫«المجموعة الشعرية الكاملة»‪.‬‬
‫ •قطرات من ظمأ ج��زء من «المجموعة‬
‫الشعرية الكاملة»‪.‬‬
‫ •معركة ب�لا راي��ة ج��زء م��ن «المجموعة‬
‫الشعرية الكاملة»‪.‬‬
‫ •أبيات غزل جزء من «المجموعة الشعرية‬
‫الكاملة»‪.‬‬
‫ •أن���ت ال ��ري ��اض ج���زء م ��ن «المجموعة‬
‫الشعرية الكاملة»‪.‬‬
‫ •الحمى ج��زء م��ن «المجموعة الشعرية‬
‫الكاملة»‪.‬‬
‫ •ال �ع��ودة إل��ى األم��اك��ن القديمة ج��زء من‬
‫«المجموعة الشعرية الكاملة»‪.‬‬
‫ •ورود على ضفائر سناء‪.‬‬
‫ •مرثية فارس سابق‪.‬‬
‫ •عقد من الحجارة‪.‬‬
‫ •واللون على األوراد‪.‬‬
‫ •قوافي الجزيرة (نشر بثالث لغات‪ :‬العربية‬
‫واإلنجليزية واألردية في طبعة واحدة)‪.‬‬

‫‪30‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫ •ف� � � ��ي خ� �ي� �م ��ة‬
‫ش ��اع ��ر (‪( )1‬م� �خ� �ت ��ارات م ��ن الشعر‬
‫العربي)‪.‬‬
‫ •في خيمة شاعر (‪.)2‬‬
‫ •مائة ورقة ياسمين‪.‬‬
‫ •سحيم‪.‬‬
‫ •قراءة في وجه لندن‪.‬‬
‫ •وال�ق�ص�ي�ب��ي ش��اع��ر ك�لاس�ي�ك��ي‪ ،‬منحاز‬
‫في كالسيكيته إلى لغة بسيطة وسهلة‪،‬‬
‫ي �ع � ّوض �ه��ا ت��ن��وّع ال �م �ض��ام �ي��ن واألفكار‬
‫ب��وص�ف��ه ش��اع��را ج�م��اه�ي��ري��ا يستبصر‬
‫ال��ت��راث‪ ،‬وي��وظ�ف��ه ف��ي م�ت��ن القصيدة‪،‬‬
‫وهو الذي تخلّى عن الفوقية في تعامله‬
‫مع اآلخ��ر‪ ،‬ألنه شاعر مرهف حسّ اس‪،‬‬
‫ومُق ِن ٌع بصدقه وإعالئه شأن أحاسيسهم‬
‫ومواجعهم‪ ،‬وألن زاده الشعري من معين‬
‫الصدق واالنتماء‪ ،‬ففي قصيدته «رسالة‬
‫المتنبي األخيرة إلى سيف الدولة» التي‬
‫تعد من أج��ود القصائد التي قيلت في‬
‫القرن العشرين؛ نرى القصيبي يسهب‬
‫في العتاب‪ ،‬ويفيض باإلعالء من شأن‬
‫الشاعر‪:‬‬

‫ف����ع��ل�ام أس����ه����ب ف����ي ال����غ����ن����اء وأط���ن���ب‬
‫ص����وت����ي ي���ض���ي���ع وال ت���ح���س برجعه‬
‫ول����ق����د ع���ه���دت���ك ح���ي���ن أن����ش����د تطرب‬
‫وأراك م�����ا ب���ي���ن ال����ج����م����وع ف��ل��ا أرى‬
‫ت��ل��ك ال��ب��ش��اش��ة ف���ي ال���م�ل�ام���ح تعشب‬
‫وت�����م�����ر ع���ي���ن���ك ب������ي وت������ه������رع مثلما‬
‫ع�����ب�����ر ال������غ������ري������ب م�������روع�������ا ي���ت���وث���ب‬
‫ب���ي���ن���ي وب����ي����ن����ك أل�������ف واش ي���ك���ذب‬
‫وت������ظ������ل ت����س����م����ع����ه ول������س������ت ت����ك����ذب‬
‫خ���دع���وا ف��أع��ج��ب��ك ال���خ���داع ول����م تكن‬
‫م����ن ق���ب���ل ب���ال���زي���ف ال���م���ع���ط���ر تعجب‬
‫س���ب���ح���ان م����ن ج���ع���ل ال���ق���ل���وب خزائنا‬
‫ل�����م�����ش�����اع�����ر ل������م������ا ت������������زل ت���ت���ق���ل���ب‬
‫ق������ل ل�����ل�����وش�����اة أت�����ي�����ت أرف���������ع راي����ت����ي‬
‫البيضاء ف��اس��ع��وا ف��ي أدي��م��ي واضربوا‬
‫ه���ذي ال��م��ع��ارك ل��س��ت أح��س��ن خوضها‬
‫م�����ن ذا ي�����ح�����ارب وال����غ����ري����م الثعلب‬
‫وم������ن ال���م���ن���اض���ل وال�����س��ل��اح دسيسة‬
‫وم�������ن ال����م����ك����اف����ح وال������ع������دو ال���ع���ق���رب‬
‫ت����أب����ى ال����رج����ول����ة أن ت����دن����س سيفها‬
‫ق�����د ي���غ���ل���ب ال����م����ق����دام س����اع����ة يغلب‬
‫ف���ي ال��ف��ج��ر ت��ح��ت��ض��ن ال��ق��ف��ار رواحلي‬
‫وال����ح����ر ح���ي���ن ي������رى ال���م�ل�ال���ة يهرب‬
‫وال����ق����ف����ر أك��������رم ال ي���غ���ي���ض ع����ط����اؤه‬
‫ح���ي���ن���ا وي����ص����غ����ي ل����ل����وش����اة فينضب‬
‫وال�����ق�����ف�����ر أص����������دق م������ن خ����ل����ي����ل وده‬
‫م������ت������غ������ي������ر م�������ت�������ل�������ون م������ت������ذب������ذب‬
‫س���أص���ب ف���ي س��م��ع ال����ري����اح قصائدي‬
‫ال أرت�������ج�������ي غ����ن����م����ا وال أت����ك����س����ب‬

‫إن ال������س������راب م�����ع ال�����ك�����رام�����ة يشرب‬
‫أزف ال������ف������راق ف����ه����ل أودع صامتا‬
‫أم أن��������ت م����ص����غ ل����ل����ع����ت����اب ف���أع���ت���ب‬
‫ه����ي����ه����ات م�����ا أح�����ي�����ا ال����ع����ت����اب م�����ودة‬
‫ت����غ����ت����ال أو ص������د ال�������ص�������دود ت���ق���رب‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫ب���ي���ن���ي وب����ي����ن����ك أل��������ف واش ينعب‬

‫وأص������وغ ف���ي ش��ف��ة ال����س����راب مالحمي‬

‫ي����ا س����ي����دي! ف����ي ال���ق���ل���ب ج�����رح مثقل‬
‫ب���ال���ح���ب ي��ل��م��س��ه ال���ح���ن���ي���ن فيسكب‬
‫ي�����ا س�����ي�����دي! وال����ظ����ل����م غ���ي���ر محبب‬
‫أم���������ا وق���������د أرض�������������اك ف�����ه�����و محبب‬
‫س����ت����ق����ال ف����ي����ك ق����ص����ائ����د م�����أج�����ورة‬
‫ف����ال����م����ادح����ون ال����ج����ائ����ع����ون ت���أه���ب���وا‬
‫دع�����وى ال�������وداد ت���ج���ول ف����وق شفاههم‬
‫أم������ا ال����ق����ل����وب ف����ج����ال ف���ي���ه���ا أشعب‬
‫ال ي����س����ت����وي ق����ل����م ي�����ب�����اع وي����ش����ت����رى‬
‫وي�������راع�������ة ب��������دم ال����م����ح����اج����ر تكتب‬
‫أن������ا ش����اع����ر ال����دن����ي����ا ت���ب���ط���ن ظهرها‬
‫ش������ع������ري ي������ش������رق ع�����ب�����ره�����ا وي�����غ�����رب‬
‫أن��������ا ش�����اع�����ر األف������ل�����اك ك������ل كليمة‬
‫م����ن����ي ع����ل����ى ش����ف����ق ال����خ����ل����ود تلهب‬
‫وللشاعر القصيبي منهجه الواضح في نظم‬
‫ال�ق�ص�ي��دة‪ ،‬وأغ �ل��ب مواضيعه ال�ت��ي ت ��دور حول‬
‫اإلره���اص���ات األخ�لاق �ي��ة للمجتمع اإلنساني‬
‫الحديث‪ ،‬برومانسية وواقعية تكحّ لها شفافية‬
‫الحداثة‪ ،‬حتى وإن كان في أغلب شعره تقليديا‪.‬‬
‫وف��ي قصيدة «م��وم�ي��اء» ت��راه يفيض بأسئلة‬
‫وجودية عن الحب والسحر والموت‪ ،‬وتراه ينبش‬
‫أل��ف س��ؤال‪ ،‬رغ��م أن اإلج��اب��ات غير مواتية في‬
‫اللحظة‪ ،‬مؤكدا أن تخلّيه عن إرهاصات الشعر‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪31‬‬

‫ون��زوات��ه‪ ،‬ك��ان السبب في ضياع ونسيان إلحاح‬
‫األسئلة واإلجابة‪ ،‬فيقول‪:‬‬

‫ال ت��ع��ج��ب��ي م���ن دم������اءِ ال���ق���ل ِ���ب ن���ازف���ةً‬
‫مندمال‬
‫ِ‬
‫�����ت ال��ق��ل��بَ‬
‫واس��ت��غ��رب��ي إن رأي ِ‬

‫وأرسلت روحي تعبر هذا الفضاء‬
‫المرصع بالالنهاية تسأل ما السحر؟‬
‫ما الحب؟ ما العيش؟ ما الموت؟‬
‫تسأل تسأل‬
‫يا أنت! ال تنبشي ألف جرح قديم‬
‫وألف سؤال عتيق‬
‫فإني نسيت الضماد‬
‫نسيت اإلجابات‬
‫منذ تبرأت من نزوة الشعراء‬
‫وعدت إلى زمرة األذكياء‬
‫الذين يخوضون هذي الحياة‬
‫بدون سؤال‪ ..‬بدون جواب‬

‫***‬
‫ي���ا أمُّ ! ج����رحُ ال���ه���وى ي��ح��ل��و إذا ذك����رتْ‬
‫����رض����عُ األَسَ ��ل��ا‬
‫���ب ي َ‬
‫روح�����ي م�������رار َة شَ ���ع ٍ‬
‫ي��ف��دي ال��ص��غ��ا ُر ب��ن��ه��رِ ال�����د ِّم مَ قدسنا‬
‫ّ����ب ط���رف���ي ال أرى رج��ل�ا؟!‬
‫م���ال���ي أق����ل ُ‬
‫أرى ال��ج��م��اه��ي�� َر ل��ك��ن ال أرى ال�����دُ وَال‬
‫أرى ال���ب���ط���ول���ة ل���ك���ن ال أرى البطال‬
‫رجعت‬
‫ْ‬
‫ال َت��ذك��ري ل��ي ص�ل�ا َح ال��دي��ن ل��و‬
‫أيَّ������امُ ������ه الرت�����م�����ى ف�����ي ق�����ب�����رهِ خجَ ال‬

‫وفي مالمح قصيدته تبدو أوجاعه اإلنسانية‬
‫واضحة في تشكّيها ومعاناتها من قيم الغدر‪،‬‬
‫وتنكّر المعروف‪ ،‬جليّة وواضحة كما في قصيدته‬
‫التي يقول فيها‪:‬‬
‫ي������د ُة ال����غ����درِ ف����ي ال���ظ���ل���م���اءِ مُ ختتِ ال‬
‫����ت أه�����������وا ًال وأف���ج���عُ ���ه���ا‬
‫ي�����ا أمُّ ع����ان����ي ُ‬
‫أواج��������هُ ال����رم����حَ ف����ي ص������دري وأن����زع����هُ‬
‫مس القلبَ أو دخال‬
‫والرمحُ في الظهرِ ّ‬
‫������ب ويُ فزِ عُ ني‬
‫أل���ق���ى ال���كُ ���م���ا َة ب�ل�ا ُرع ٍ‬
‫ه���ج���رُ ال��ح��ب��ي ِ��ب ال�����ذي أغ��ل��ي��تُ ��هُ فسَ ال‬
‫األرض قاطبةً‬
‫ِ‬
‫���ك ح���س���انَ‬
‫أش���ك���و إل���ي ِ‬
‫ع��ش��ق��ت��ه��نّ ف����ك����انَ ال���ع���ش���قُ م����ا قَ���تَ�ل�ا‬
‫����ان يتركُ هُ‬
‫وي���ل���ا ُه م����ن ح����رق����ةِ ال����ول����ه ِ‬
‫��������وق ودّع األم��ل��ا‬
‫م�����ع ال����ص����ب����اب����ةِ ش ٌ‬
‫��ك م��ن ال��س��تّ��ي ِ��ن م��ا خَ ضب َْت‬
‫أش��ك��و إل��ي ِ‬
‫َ���ص�ل�ا؟!‬
‫م���ن ل���ي ب��ش��ي ٍ��ب إذا ع��ات��ب��ت��هُ ن َ‬
‫��س ال��غ��ي��دُ «ي���ا ع���مّ ���ي!» ف���وا أسف ًا‬
‫ت��ه��ام َ‬
‫����ت ال����ي����افِ ���� َع ال����غَ����زِ ال‬
‫أص����ي����رُ ع���مّ ���ا وك����ن ُ‬

‫‪32‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫وحتى في إيحاءاته الغزلية فإنه ال يتوانى عن‬
‫توظيف رؤاه وأسئلته وحيرته الوجودية‪ ،‬فنراه‬
‫يمتح من معين األلم‪ ،‬فيُغدِ ق في البوح من تأسّ يه‬
‫وتباريح جراحه‪ ،‬كما في قصيدة «قل لها»‪:‬‬
‫ق�������ل ل�����ه�����ا إن���������ه ي����ف����ي����ق ع�����ل�����ى ج�����رح‬
‫وت������غ������ف������و س�����ن�����ي�����ن�����ه ف������������وق ل�����وع�����ه‬
‫س����ك����ب ال������ده������ر م������ن أس����������اه رح���ي���ق���ا‬
‫ف�����ت�����ح�����س�����اه ج�������رع�������ة إث�����������ر ج����رع����ه‬
‫ق��������ل ل������ه������ا إن�����������ه ي�����ه�����ي�����م وأخ������ش������ى‬
‫أن ت��������واري��������ه رح������ل������ة دون رج����ع����ه‬
‫والقصيبي ش��اع��ر ع��روب��ي منتم حتى نخاع‬
‫االن�ت�م��اء‪ ،‬فيهيجه م��ا يحدث ف��ي وطنه العربي‬
‫من ملمّات ومحن‪ ،‬فيقول في قصيدته «قصيدة‬
‫برقية عاجلة إلى بلقيس»‪:‬‬
‫أل�����وم ص��ن��ع��اء ي���ا ب��ل��ق��ي��س أم ع���دن���ا؟!‬
‫أم أم�����ة ض��ي��ع��ت ف����ي أم���س���ه���ا ي���زن���ا؟!‬
‫أل����وم ص��ن��ع��اء (ل���و ص��ن��ع��اء تسمعني)!‬
‫وس����اك����ن����ي ع������دن (ل������و أره�����ف�����ت أذن������ا)‬
‫وأم��������������ة ع�����ج�����ب�����ا م�������ي���ل���اده�������ا ي���م���ن‬
‫ك�����م ق���ط���ع���ت ي���م���ن���ا ك�����م م����زق����ت يمنا‬

‫ب��ف��ت��ن��ة ال����وح����دة ال���ح���س���ن���اء مفتتنا‬
‫ب���ن���ي���ت ص����رح����ا م����ن األوه���������ام أسكنه‬
‫ف���ك���ان ق���ب���را ن���ت���اج ال�����وه�����م‪ ،‬ال سكنا‬
‫وص���غ���ت م���ن وه����ج األح���ل��ام ل���ي مدنا‬
‫وال�����ي�����وم ال وه����ج����ا أرج�������و وال مدنا‬
‫أل�������وم ن���ف���س���ي ي����ا ب��ل��ق��ي��س أحسبني‬

‫وأن���ت���م م��ع��رض ف���ي أض��ل��ع��ي وض���ن���ا!))‬
‫ق��ول��ي ل��ه��م‪(( :‬ي����ا رج����اال ض��ي��ع��وا وطنا‬
‫أم����ا م���ن ام�����رأة ت��س��ت��ن��ق��ذ ال���وط���ن���ا؟!))‬

‫رح��م الله الشاعر العربي الكبير غازي‬
‫ال��ق��ص��ي��ب��ي‪ ،‬ف��ق��د ك���ان ش��اع��را م��ج��ي��دا في‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫أل������وم ن��ف��س��ي ي����ا ب��ل��ق��ي��س ك���ن���ت فتى‬

‫ق��ول��ي ل��ه��م‪(( :‬أن���ت���م ف���ي ن���اظ���ري قذى‬

‫ك��ن��ت ال����ذي ب��اغ��ت ال��ح��س��ن��اء ك��ن��ت أنا! توظيف آالم اإلن��س��ان ال��ع��رب��ي ومكابداته‪,‬‬
‫فضال عن إسهاماته في األجناس اإلبداعية‬
‫ب��ل��ق��ي��س! ي��ق��ت��ت��ل األق����ي����ال فانتدبي‬
‫إل���ي���ه���م ال���ه���ده���د ال����وف����ي ب���م���ا ائتمنا األخرى‪.‬‬

‫ض ال َْقل ِْب‬
‫ِش ْع ِرية ُم ْب َت ِهجة ِبنَ ْب ِ‬

‫قراءة في قصيدة (يارا‪ ..‬والرحيل) للشاعر غازي القصيبي‬
‫> أحمد الدمناتي‪ -‬املغرب‬
‫طقوس الكتابة عند الشاعر غازي القصيبي محروسة بلغة شعرية‬
‫طازجة‪ ،‬تعزف على وتر االنتماء واالحتفاء بالحياة‪ ،‬مسكونة بالنداء‬
‫الداخلي الحار الذي تُعلنه القصيدة مبتهجة بأكوان تخييلية إبداعية‪،‬‬
‫اتخذت من الشعر تجربة ورؤيا‪ ،‬حيث الذات الشاعرة تسكن اللغة‪،‬‬
‫وتتجذر بعمق في سؤال كينونتها‪.‬‬
‫يصعب ج��دا أن أق��وم بقراءة نقدية حول‬
‫قصائد الشاعر القصيبي‪ ،‬هل أتناول النص‬
‫الشعري أم اإلن��س��ان‪ .‬كالهما وجهان لجرح‬
‫واحد‪ ،‬يحفر صمته قلقا واغترابا واندهاشا‪.‬‬
‫ألن قصائده قريبة مني كظلي‪ ،‬ويصعب الحديث‬
‫عن ظلك وأنت المشرع على اتجاهات عذراء‪،‬‬
‫تعلن عن عبورك تحت سقف المرايا‪ ،‬بخطيئة‬
‫غبطة شاعر مجنون‪ ،‬يسكن غربته اإلبداعية‬
‫حتى النخاع‪ ،‬متأبطا كعادته قصائده الطازجة‬
‫في القلب‪ ،‬ومسوداته المختلفة في ركن قصي‬
‫من الذاكرة‪.‬‬

‫منذ حوالي أكثر من عقدين من الزمن‪ ..‬من‬
‫خالل مجموعاته الشعرية (قطرات من ظمأ)‪،‬‬
‫(معركة ب�لا راي���ة)‪( ،‬أب��ي��ات غ���زل)‪( ،‬العودة‬
‫إلى األماكن القديمة)‪( ،‬ورود على عقد من‬
‫الحجاره)‪( ،‬أنت الرياض)‪( ...‬الحمى)‪ ..‬الخ‪.‬‬

‫ضفائر مفتوحة على ألق الكتابة كاختيار‬
‫وج������ودي آم����ن ب���ه وداف������ع ع���ن���ه‪ ،‬ل���ه نمطه‬
‫الشعري والكتابي الخاص ال��ذي يشبهه في‬
‫قلقه وطيبوبته‪ ..‬وجنونه أيضا‪ .‬له حرائقه‬
‫اإلبداعية األليفة‪ ،‬ينهض من رم��اده كطائر‬
‫الفنيق‪ ..‬ليجدد رحلته وأسفاره الشعرية نحو‬
‫غازي القصيبي شاعر متميز كما عرفته أقاصي القلب وفداحة النسيان‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪33‬‬

‫ق��ص��ي��دة (ي�����ارا‪ ..‬وال��رح��ي��ل)‪ ..‬تحفر في‬

‫تضاريس الذاكرة مجراها الجمالي‪ ،‬وفرادتها‬

‫الخاصة بشفافية الحلم األنيق‪ ،‬والتلصص‬

‫الفاتن على ع��راء ال��ذات ورجفة النفس‪ .‬ال‬

‫تعتمد الومضة القصيرة‪ ،‬الخاطفة في التأثير‬
‫على المتلقي‪ ،‬بل تتعداها إلى حالة الكتابة‬
‫الشعرية كتجربة وجودية‪ ،‬وكينونة متوحشة‪.‬‬

‫والشعر بوصفه رؤية للعالم والذات والكون‪.‬‬

‫نتجسس على عوالم الشاعر من خالل هذه‬

‫القصيدة الرائعة‪ ،‬يقول الراحل في قصيدته‬
‫العميقة الراقية ذات البعد اإلنساني الرحب‪:‬‬

‫أب��������ي! أال ت���ص���ح���ب���ن���ا؟ إن���ن���ي‬
‫أود أن ت���ص���ح���ب���ن���ا‪ ..‬ي�����ا أب���ي‬
‫وان����ط����ل����ق����ت م�����ن ف���م���ه���ا آه����ة‬
‫حطت على الجرح‪ ..‬ولم تذهب‬
‫وأوم�����ض�����ت ف����ي ع��ي��ن��ه��ا دمعة‬
‫م��ال��ت على ال��خ��د‪ ..‬ول��م تسكب‬
‫وع���ات���ب���ت���ن���ي‪-‬ك���ب���رت دم���ي���ت���ي‪-‬‬
‫وه���ي ال��ت��ي م���ن ق��ب��ل ل���م تعتب‬
‫«أه�������ك�������ذا ت����ه����ج����رن����ا ي������ا أب����ي‬
‫ل���زح���م���ة ال���ش���غ���ل وللمكتب؟»‬
‫***‬
‫ي��ا أجمل ال��ح��ل��وات‪ ..‬ي��ا واحتي‬

‫ي��������ود‪ -‬ل������وال ال����ك����ب����ر‪ -‬ل�����و أن���ه‬
‫أج��ه��ش ل��م��ا غ���ب���ت‪ ..‬ال تذهبي‬
‫***‬
‫يا أجمل ال��ح��ل��وات‪ ..‬يا فرحتي‬
‫يا نشوتي الخضراء‪ ..‬يا كوكبي‬
‫أب������وك ف����ي ال��م��ك��ت��ب ل���م���ا يزل‬
‫ي��ه��ف��و إل����ى ال��ط��ي��ب واألط���ي���ب‬
‫ي��ص��ن��ع ح���ل���م���ا‪ :‬خ���ي���ر أحالمه‬
‫أن يسعد األط��ف��ال ف��ي الملعب‬
‫م����ن أج�����ل «ي���������ارا» ورفيقاتها‬
‫أول�����ع ب���ال���ش���غ���ل‪ ..‬ف�ل�ا تغضبي‬
‫إنها سيرة شعرية يختلط فيها السرد بالشعر‪،‬‬

‫مكثفة في خصوبة متخيلها‪ ،‬والمخاطب له‬
‫في القلب كما في الروح المكانة الغالية‪ ،‬ابنة‬

‫الشاعر ي��ارا التي أشعلت في رجفة النفس‬

‫والروح حرارة تجربة القصيدة المحملة بعبق‬
‫الحنان‪ ،‬وعاطفة األبوة الشامخة‪ ،‬العظيمة‪،‬‬

‫الحنونة؛ عتاب شفيف لالبنة‪ ،‬واعتذار رقيق‬
‫م��ن األب‪ .‬ال��ق��ص��ي��دة تنضح ب��م��اء مُتخيلها‬

‫وش��ع��ري��ت��ه��ا‪ ،‬ف��ي م���اء ال��ل��غ��ة تنبت الخصوبة‬
‫القصوى‪ ،‬وهي تؤسس شروط جماليتها‪ .‬ألن‬
‫(الشعر بإتاحته وسيلة التعبير الفني عن ما‬

‫يختلج في نفس الشاعر‪ ،‬يحقق كل مهمته‪.‬‬

‫ع��ب��ر ص��ح��اري ال��ظ��م��أ الملهب قد يجلب الشعر للشاعر صيتا طائرا‪ ،‬وقد‬
‫يحمل ذكرا كان من الممكن أن يكون نابها‪ .‬قد‬
‫أب�����وك م���ذ أظ���ل���م ف��ج��ر النوى‬

‫ي��ع��ي��ش ب��ي��ن ال���ص���ل والعقرب ينفعه وقد يضره‪ ،‬ولكن هذا كله ال عالقة له‬
‫بجوهر المسألة‪ ،‬وهو أن الشعر حقق وظيفته‬
‫يضحك‪ ..‬لو تدرين كم ضحكة‬
‫تنبع م��ن ق��ل��ب األس���ى المتعب بالنسبة للشاعر عندما أت��اح له أن يخاطب‬
‫ي��ل��ع��ب‪ ..‬واألح�������زان ف���ي نفسه‬
‫ك��ح��ش��رج��ات ال���م���وت ل���م تلعب‬

‫‪34‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫الناس شعرا)(‪.)15‬‬

‫قصيدة (ي��ارا‪ ...‬والرحيل) تجربة شعرية‬

‫مع ابنته يارا في الحضور والغياب‪ ،‬فيها من‬

‫الحنين الباذخ ما يجعل اللغة الشعرية تفضح‬
‫عاطفة األبوة‪ ..‬وهي تُبرر‪ ،‬وتُوضح‪ .‬لكن تعلق‬

‫االبنة باألب يجعلها تشتاق لمصاحبته‪:‬‬
‫أب��������ي! أال ت���ص���ح���ب���ن���ا؟ إن���ن���ي‬

‫إنها شعرية مبتهجة بنبض القلب‪ ،‬حيث‬

‫يارا في نفس الشاعر كما في الكتابة والحياة‬

‫أج��م��ل ال��ج��م��ي�لات‪ .‬وم��ن��ادات��ه��ا ب(واحتي)‪،‬‬
‫(نشوتي الخضراء)‪ ،‬تحيل رمزيا ودالليا على‬

‫الخصوبة والنماء والعطاء والحياة المستمرة‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫عميقة‪ ،‬حية‪ ،‬تستند لمرجعية عالقة األب يا نشوتي الخضراء‪ ..‬يا كوكبي‪) ...‬‬

‫أود أن ت���ص���ح���ب���ن���ا‪ ..‬ي�����ا أب���ي المتجددة‪ .‬تجربة إبداعية وإنسانية عميقة‪،‬‬
‫تكرار فعل المضارع (تصحبنا) مرتين‪..‬‬

‫ورسالة بالبريد المضمون من كل أب البنته‬

‫دليل على الحاجة الماسة لحنانه وعاطفته في العالم بمختلف اللغات‪ .‬وم��ن ثم تحقق‬
‫النبيلة‪ ،‬وبخاصة أن األفعال المضارعة غالبا ه��ذه القصيدة كونيتها ال��رم��زي��ة‪ ،‬وسلطتها‬

‫ما ترمز للديمومة والتجدد‪ .‬قصيدة (يارا‪ ...‬الفعلية على ك��ل ال��ح��واس المستيقظة في‬
‫وال���رح���ي���ل) م��س��ك��ون��ة ب��ال��ت��ق��اط التفاصيل‪ ،‬أعماق اإلن��س��ان‪ ،‬وعلى كل ال��ذوات المتلقية‬
‫واح��ت��ض��ان ال��ج��زئ��ي��ات ال��ص��غ��ي��رة ب��ي��ن األب الظمآنة لمثل ه��ذا الشعر النبيل الجميل‪.‬‬
‫وابنته‪ ،‬بيُتمها‪ ،‬وقلقها‪ ،‬وانخطافها‪ ،‬انخراطها و(ي��رب��ط الشعر ق��ارئ��ه بالتجربة اإلنسانية‬
‫الواعي في مساءلة هوية قيمة األبوة بوصفه للبشر أجمعين‪ .‬إن ال��ش��اع��ر الحقيقي هو‬

‫مسكنا آمنا يَ��عِ � ُد بخصوبة الحنان والراحة‬
‫والطيبوبة‪.‬‬

‫الذي يستطيع أن يحوّل تجربته الفردية إلى‬

‫موقف إنساني‪ :‬حبيبة الشاعر تصبح حبيبة‬

‫وطنا صغيرا يبنيه الشاعر غازي القصيبي كل إنسان‪ ،‬وألم الشاعر يصبح ألم كل إنسان‪.‬‬
‫بالكلمات‪ ،‬لتجد الذات الشاعرة أمل سعادتها وه��ك��ذا ي��ص��ب��ح ال���ق���ارئ ج����زءا م��ن التجربة‬
‫الهاربة‪ ،‬واالحتفاء بفرحها ولو وقتيا‪ .‬لغة حنان اإلنسانية التي تحدث عنها الشاعر)(‪.)16‬‬

‫فيها مسحة م��ن عاطفة مجنحة‪ ،‬مشتعلة‪،‬‬

‫ه��ك��ذا‪ ،‬سافرنا ف��ي ليل س���ؤال القصيدة‬

‫مضمرة في الدهاليز القصية للروح والذاكرة‪،‬‬

‫م��ع ش��ع��ري��ة م��ف��ت��وح��ة ع��ل��ى ال�����روح‪ ،‬أنصتت‬

‫القصيدة بالذات أشبه بطفل حكيم يعترف‬

‫إنها شعرية تُراهن على ح��واس مدربة على‬

‫لكن لغة الشعر بما هي موقف ورؤية للذات لتنهدات القلب ودقاته حين يخاطب اإلبنة‬
‫والعالم تفضحها‪ .‬غ��ازي القصيبي في هذه يارا بلغة طرية‪ ،‬وصادقة‪ ،‬ومفعمة بالحنان‪.‬‬
‫بهدوء‪ ،‬دون خجل‪ .‬تفضحه لغته قبل عاطفته‪،‬‬

‫وذاك هو سر القصيدة العظيمة العارية من‬
‫الزيف واالدعاء‪.‬‬

‫(يا أجمل الحلوات‪ ..‬يا واحتي‪،‬‬

‫التجسس والتلصص على أيقونات الجمال‪،‬‬
‫داخل كينونة تجربة الشعر واللغة والقصيدة‬

‫بما هي‪ ،‬هجرة حقيقية في الفلوات الرحيبة‬
‫وال��رح��ي��م��ة ل��ل��ذات اإلن��س��ان��ي��ة ف��ي عالقتها‬

‫يا أجمل الحلوات‪ ..‬يا فرحتي‪ ،‬بالمعنى واإلنسان والكون أيضا‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪35‬‬

‫حروف من النار والنور‬
‫قراءة في قصيدة عروس الجليل لغازي القصيبي‬
‫> د‪ /‬خالد فهمي‪-‬مصر‬

‫(‪)1‬‬
‫يوشك المتأمل لمسيرة الشعراء العرب المعاصرين على اختالف‬
‫أطيافهم‪ ،‬وتنوع انتماءاتهم‪ ،‬أن يخرج بحقيقة مؤداها أن خدمة قضية‬
‫فلسطين كانت شغلهم الشاغل‪..‬‬
‫ولستَ تشك لحظة في ذلك ال��ذي طفر في بعضا من الروح العربية اإلسالمية التي سكنت‬
‫مفتتح ه��ذه ال��ورق��ة‪ ،‬وال سيما إذا ما زاحمتك شعر الراحل الكريم‪.‬‬
‫أصوات محمود درويش‪ ،‬ومحمود مفلح‪ ،‬ونازك‬
‫جاءت القصيدة بموضوعها ومعجمها وبنائها‬
‫ال �م�لائ �ك��ة‪ ،‬وأح� �م ��د م� �ح ��رم‪ ،‬وم �ح �م��ود حسن المعاصر لتؤكد عمق البناء الفكري المنتمي‬
‫إس�م��اع�ي��ل‪ ،‬وع�ب��دال��رح�م��ن ال�ع�ش�م��اوى وغازي لشاعرنا‪.‬‬
‫القصيبي وغيرهم‪.‬‬
‫ت �ص��ور ال �ق �ص �ي��دة ب��وح��ي م��ن ش��ه��ادة آيات‬
‫ويمثل رحيل غازي القصيبي (‪2010-1940‬م) األخ��رس موضوعا ظاهر ال��دالل��ة على تكوينه‬
‫عن دنيانا فرصة إلعادة فحص منجز جيل كامل الثقافي‪ ،‬وموقعه العملي الراصد ألمراض الواقع‬
‫من الشعراء العرب المعاصرين في تعاطيهم مع ال�ع��رب��ي ف��ي م�س�ت��وى بعينه‪ ،‬ال ��ذي أح �س��ن في‬
‫قضية ال��وج��ود العربي المعاصر ال�ك�ب��رى‪ ،‬في تعريته‪ ،‬وكشف مخازيه‪.‬‬
‫أصعب لحظة ترفع الفتة االنكسار والضياع‪،‬‬
‫وتتنازع القصيدة قائمتان‪ ،‬إحداهما لألفعال‬
‫مرت على تاريخ العرب المعاصرين‪.‬‬
‫المضارعة التي تستحضر صورة النور الذي جلل‬
‫ف �غ��ازي عبدالرحمن القصيبي اب��ن مرحلة مشهد الشهيدة‪ ،‬ليفرض نفسه‪ ،‬وليظلل بسلطانه‪،‬‬
‫تفتّح وعيه فيها على قصيدة الضياع‪ ،‬فكانت وحضوره الطاغي بدءًا من مطلع القصيدة‪:‬‬
‫أول إدراك��ات هذه الحقبة التي ملكت على من‬
‫ي���ش���ه���د ال����ل����ه أن����ك����م ش����ه����داء‬
‫نعتهم التاريخ فيما بعد وسمّاهم جيل الستينيات‪،‬‬
‫ي���ش���ه���د األن����ب����ي����اء واألول�����ي�����اء‬
‫وهم يدلفون نحو شبابهم بعد أن طعنت طفولتهم‬
‫وهو األمر الذي يستمر مع نهايات القصيدة‪:‬‬
‫بسكين القدس سنة ‪1948‬م!‬
‫تلثم الموت وهى تضحك بشرا‬

‫(‪)2‬‬

‫وم����ن ال���م���وت ي��ه��رب الزعماء‪.‬‬

‫وت��أت��ى ق �ص �ي��دة غ� ��ازي ال�ق�ص�ي�ب��ي (ع ��روس‬
‫ولعل في هذا االستحضار عبر معجم الفعل‬
‫الجليل) التي نظمها ف��ي الشابة الفلسطينية‬
‫ال�م�ض��ارع‪ ..‬م��ا يعيد النظر ف��ي مسألة عنوان‬
‫الشهيدة (آي��ات األخ��رس) عام ‪2002‬م‪ ،‬لتعكس‬

‫‪36‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫ومن جهة أخ��رى تعلو نسبة استعمال الفعل‬
‫الماضي عند تصوير حالة السقوط والخزي‬
‫ال��ذي صبغ الوجوه العربية الخائنة‪ ،‬والعاجزة‪،‬‬
‫ويعلو صوت القصيدة عندما يعم هذا االستعمال‪،‬‬
‫وتغطى كل الشرائح المقابلة لقائمة الشهداء‬
‫المجللين بالفخار والعزة‪.‬‬
‫أيها القوم نحن متنا فهيا‬
‫ن��س��م��ع م���ا ي��ق��ول ف��ي��ن��ا الرثاء‬
‫قد عجزنا حتى شكا العجز منا‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫الرثاء الذي رفع منذ زمن‪ ،‬وأطلق على مثل هذا‬
‫النوع من القصيدة؛ فالقصيدة هنا روح أعلى من‬
‫روح الرثاء والفقد‪.‬‬

‫الحكيم الذي سكن غير بيت من القصيدة‪ ..‬مالمح‬
‫من النار والنور معا‪ ،‬مالمح من نار الغضب على‬
‫ما حل بالقدس‪ ،‬ومالمح من نار الغضب الالزم‬
‫الفتكاكها‪ ،‬متعانقة مع قناديل النور الذي يشع من‬
‫الحق الظاهر في صف اإلس�لام والعروبة على‬
‫هذه األرض‪ ،‬وأنت واجد هذه النار وهذا النور‬
‫معا في مثل‪:‬‬
‫حين يدعو الجهاد يصمت حبر‬
‫وي����������راع وال����ك����ت����ب وال���ف���ق���ه���اء‬
‫ويقول كذلك‪:‬‬
‫حين يدعو الجهاد ال استفتاء‬
‫ال��ف��ت��اوى ي���وم ال��ج��ه��اد الدماء‬

‫ففى هذين البيتين يسطع نور من الحكمة‪ ،‬هي‬
‫وب��ك��ي��ن��ا ح��ت��ى ازدران��������ا البكاء‬
‫بنت بارة لثقافة أصيلة للشاعر الراحل‪ ،‬انسربت‬
‫ورك����ع����ن����ا ح���ت���ى اش�����م�����أز رك�����وع‬
‫ورج��ون��ا حتى اس��ت��غ��اث الرجاء إليه من أرض طالما روت شعراءها أنهار الحكمة‬
‫خالل مسيرة طويلة جدا‪ ،‬كان لإلسالم فيها أثر‬
‫واستمرت هذه القائمة استمرارًا باعثا على‬
‫ظاهر في تشكيلها‪.‬‬
‫تفجير اآلالم‪ ،‬مستفزا لنخوة الرجال في عبارات‬
‫(‪)4‬‬
‫م��ن م�ث��ل‪( :‬و ش�ك��ون��ا‪ /‬ولثمنا ح��ذاء‪/‬أن �ف��ت أن‬
‫تضمنا الغبراء)‪.‬‬
‫وفي ملمح مهم من مالمح عصرية القصيدة‬
‫وفي المرات القليلة التي جاءت فيها األفعال‬
‫الماضية مسندة إلى آيات‪ ،‬كانت لتحقيق اليقين‬
‫في ج�لال مآلها‪ ،‬متعانقة في الوقت نفسه مع‬
‫بعض األفعال المضارعة‪ ،‬لتدل على استمرار‬
‫النعيم الذي حازته في مثل قوله‪:‬‬
‫ف��ت��ح��ت ب�����اب ال���ج���ن���ان وحيت‬

‫في شعر غازي القصيبي‪ ،‬في هذا النموذج الذي‬
‫ندلل به على انتماء الشاعر لعروبته وإسالمه‪،‬‬
‫يتجلى استثماره لتقنية توظيف الشخصيات التي‬
‫توزعت على عمودين يتنافران ويتضادان ظاهرا‪،‬‬
‫وي�ت��آزران ويتعاضدان في بنية القصيدة عمقا‬
‫وباطنا‪.‬‬

‫تظهر الشخصيات الدينية (األنبياء‪/‬األولياء‪/‬‬
‫وت����ل����ق����ت����ك ف�����اط�����م ال������زه������راء‬
‫فاطمة ال��زه��راء) لترقى بجالل الشهيدة؛ بما‬
‫(‪)3‬‬
‫تحصله من ه��ذه ال��رم��وز‪ ،‬بما تراكم حولها من‬
‫وقد كان طبيعيا أن ترتفع في القصيدة‪ ،‬وهذا نور وج�لال‪ ،‬وبريق‪ ،‬وإيمان يحقق لصورة آيات‬
‫موضوعها نسبة ما يسمى بصوت الحكمة‪.‬‬
‫األخرس في الوجدان المعاصر المتلقي للقصيدة‬
‫وصحيح كذلك أن نرى من وراء هذا الصوت أعلى مستوى من مستويات القبول والفخار‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪37‬‬

‫وف� ��ي ال��ج��ان��ب اآلخ � ��ر ت �ظ �ه��ر رم � ��وز الشر (ي� �ه ��رب‪ /‬ال �م �ج��رم‪/‬ي �خ �ص��ي ال �ف �ح��ول‪/‬ت �ض��ج‪/‬‬
‫(طواغيت بيت أبيض‪/‬شارون) ليحقق من ورائها طواغيت‪/‬الظلماء‪/‬الغبراء‪/‬انتحرنا‪/‬أموات‪/‬‬
‫فضح ممارسات ضارة بالقضية‪.‬‬
‫اشمأز) لتصنع نفورا مقصودا من أرباب التنكر‬

‫وحول هذين النوِ عين من الشخصيات تدور للقضية الذين ركنوا لصف التفريط فيها‪.‬‬
‫قوائم من معجمين يتعاوران على البنية الفكرية‬
‫في قصيدة غازي القصيبي عن آيات األخرس‬
‫ف��ي ال �ق �ص �ي��دة؛ ح�ي��ث ي���دور م�ع�ج��م ذو مالمح‬
‫عالمات عروبة ظاهرة‪ ،‬سكنت معجم الشاعر‪،‬‬
‫رومانسية (وج��دان�ي��ة) م��ن مثل (ش�ه��داء‪/‬رب��ى‪/‬‬
‫وتعاطت مع قضاياها الكبرى‪ .‬وف��ى القصيدة‬
‫ربوع‪/‬اإلسراء‪/‬عروس‪/‬البكاء‪/‬الرثاء‪/‬العوالي‪/‬‬
‫كذلك عالمات إسالم تصبغ حقا بصاحب قضية‬
‫الفداء‪/‬الحسن‪/‬الحسناء‪/‬الجنان)‪ ..‬وهى جميعا‬
‫تطمح للشعور بجالل القضية‪ ،‬والشعور بجالل لن تنتصر بغير صوت الجهاد‪.‬‬
‫المنصفين والمضحين من أجلها‪ ،‬والطموح نحو‬
‫ك��ان غ��ازي القصيبي فيما أب��دع��ه م��ن شعر‬
‫االرتباط بها وبهم معا‪.‬‬
‫حول القدس وفلسطين يغرف حروفه من النار‬
‫وف��ي ال�ج��ان��ب اآلخ ��ر‪ ،‬تظهر م �ف��ردات مثل‪ :‬والنور‪.‬‬

‫غازي القصيبي روائيا‬
‫> سميرأحمد الشريف‪-‬األردن‬

‫رحم الله ف��ارس الكلمة والموقف‪ ،‬االستثنائي ال��ذي جمع المواهب‪،‬‬
‫صاحب الحضور الذي ترك بصمة واضحة على عمله وكتاباته ومواقفه‬
‫الحياتية‪ ،‬العلم الفرد في حياتنا الثقافية‪ ،‬صاحب الحضور الجميل والمقنع‬
‫والموجع في تاريخنا األدبي‪.‬‬
‫فتح في الرواية أبوابا ظلت مغلقة‪ ..‬وتجاوزت المألوف والعادي في‬
‫طرحه وتناوله‪ ،‬وحفر في الواقع االجتماعي والفكري والسياسي‪ ،‬وترك‬
‫في كتاباته روحا مرحة وأسلوبا ساخرا جميال‪.‬‬

‫عميقا لمداواة ج��راح أمته‪ ..‬كاشفا معاناتها‪..‬‬
‫مضيئا مشاعل نهضتها‪.‬‬

‫غازي القصيبي‪ ،‬الرجل الذي جمع رجاال في‬
‫شخصه وفكره وخلقه‪ ،‬ومجموعة مبدعين فيما‬
‫ك��ان رائ��دا وجريئا في ال��رواي��ة على مستوى‬
‫ألفه وأص��دره‪ ،‬فكان له مذاقه الخاص سياسيا المضمون واألسلوب‪ ،‬متجاوزا للمسكوت عنه‪،‬‬
‫لنفس روائي جديد‬
‫ٍ‬
‫وشاعرا وروائيا‪ ،‬جريئا في طرحه‪ ،‬عميقا في ويحسب له إضافته النوعية‬
‫تناوله‪ ،‬حامال آمال أمته وهمومها‪.‬‬
‫في الساحة الروائية السعودية لم تكن من قبل‪.‬‬
‫يحار ال�م��رء وه��و يتملى سيرة ال��رج��ل الذي‬
‫محطة القصيبي اإلبداعية ستتوقف عندها‬
‫شهد له المقربون بالمودة واإلنسانية؛ لم تشغله األج��ي��ال وال���دراس���ات‪ ،‬ف��رغ��م ت �ن��وع مضامينه‬
‫المناصب‪ ،‬ولم تأخذه بهرجة األضواء‪ ،‬ظل يحفر وعمقها‪ ،‬لم يكن جاف األسلوب‪ ..‬متقعر اللغة‪..‬‬

‫‪38‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫مؤلفات القصيبي التي تركها‬
‫ودي�ع��ة لمن ب�ع��ده‪ ،‬سيقف التاريخ‬
‫األدب � ��ي وال��ف��ك��ري م �ع �ه��ا طويال‪،‬‬
‫لما تعكسه من موسوعية الرجل‪،‬‬
‫وتعدد إبداعاته التي لم تكن واحدة‬
‫فيها على حساب اآلخ��ر‪ ..‬بل ظل‬
‫متوهجا فيها جميعا‪.‬‬
‫ك �ك��ل األق� �ل��ام والشخصيات‬
‫ال �ج��ادة ال�م�م�ي��زة‪ ،‬ك��ان القصيبي‬
‫مختلفا‪ ..‬فاختلفت حوله اآلراء‪،‬‬
‫وتنوعت القراءات‪ ،‬وثار حول بعض‬
‫كتاباته الجدل‪ ،‬خصوصا الروائي‬
‫منها‪ ،‬لدرجة أن تم التحفظ على‬
‫توزيعها وحظر تداولها‪ ،‬لكن خطوة‬
‫وزارة ال�ث�ق��اف��ة األخ��ي��رة بإفساح‬
‫تداول كتابات الرجل أثلج الصدور‪،‬‬
‫وس ��جّ ��ل ن �ق �ط��ة ل �ص��ال��ح الحرية‬
‫واإلبداع‪.‬‬

‫م� ��زج ال �ك��ات��ب ف ��ي رواي� �ت ��ه بين‬
‫لهجات كثيرة‪ ،‬منتقدا عقدة الخواجا‬
‫ل��دى أه��ل ال�ف�ك��ر وال�ق�ل��م والثقافة‬
‫والنخب‪ ،‬متناوال قضايا السلطة‪.‬‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫م �غ��رق ال��رم��زي��ة؛ ب��ل تجللت لغته‬
‫بالسهل الممتنع‪ ،‬والسخرية الناقدة‬
‫الجارحة ح ّد األلم‪.‬‬

‫بطل ال��رواي��ة‪ ،‬بروفيسور يسرد‬
‫تاريخ األمة في جلسة عالج نفسي‪..‬‬
‫ل�ت�ن�ت�ه��ي ال ��رواي ��ة ب �ج �ن��ون الطبيب‬
‫ال �م �ع��ال��ج (س �م �ي��ر ث ��اب ��ت) وه���روب‬
‫البطل‪.‬‬

‫إنها رواي��ة الكابوس والصدمة‪..‬‬
‫وال�م��وس��وع��ة الثقافية ال�ت��ي تشهد‬
‫ل �ل��رج��ل ال � ��ذي أت � ��اح ل �م��ري �ض��ه أن‬
‫ي�ع�ي��د ت��رت�ي��ب األوض � ��اع السياسية‬
‫واالقتصادية لمجموع األمة‪.‬‬
‫يظهر زمان الرواية متسلسال مع‬
‫توظيف واض��ح لتقنية االسترجاع‪،‬‬
‫أما المكان فجاء مغلقا‪ /‬مستشفى‪/‬‬
‫وراو خارجي‪.‬‬
‫ٍ‬
‫رواي �ت��ه (ش�ق��ة ال �ح��ري��ة)‪ ..‬مثلت‬
‫هي األخرى خطوة أخرى في جرأة‬
‫الكاتب‪ ،‬ومساحة التعبير الحر‪ ،‬في‬
‫تناوله لموضوعه‪.‬‬

‫أص� � ��در ال �ق �ص �ي �ب��ي ف� ��ي مجال‬
‫اإلب ��داع ال��روائ��ي الكثير مثل‪ :‬س�ع��ادة السفير‪/‬‬
‫تحكي ال��رواي��ة قصة ف��ؤاد ويعقوب وقاسم‬
‫سلمى‪ /‬دنسكو‪ /‬سبعة‪ /‬أب��وش�لاخ البرمائي‪/‬‬
‫حكاية حب‪ /‬الجنية‪ /‬لكن روايتيه (شقة الحرية ونشأت وعبد ال��رؤوف وعبد الكريم وماجد ‪-‬‬
‫والعصفورية) هما ما يلفت في مسيرة الرجل أصحاب وزم�لاء في الجامعة‪ -‬بعد مضي سنة‬
‫ال��روائ�ي��ة‪ ،‬فنيا ومضمونا وج ��رأة‪ ،‬فكان فيهما من وجودهم في مصر للدراسة‪.‬‬
‫واضح الرؤية والرؤيا‪.‬‬
‫ق ��رروا االج �ت �م��اع ف��ي ش�ق��ة ق��رب ال�ج��ام�ع��ة ً‬
‫رواي��ت��ه ذائ �ع��ة ال�ص�ي��ت (ال �ع �ص �ف��وري��ة) نص ليمارسوا حرياتهم‪ ،‬في زمن ث��ورات وانقالبات‬
‫نقدي ماتع‪ ،‬يستعرض أحوال العالم العربستانيّ وأح� � ��زاب‪ ،‬وأف� �ك ��ار وم �ع �ت �ق��دات‪ ،‬اج�ت�م�ع��ت في‬
‫بأسلوب كوميدي س��وداوي‪ ،‬متوحدا مع المتنبي زم��ن واح��د ف��ي مكان واح��د‪ ،‬وك � ٌل منهم تحزب‬
‫بطريقته‪.‬‬
‫الذي أطلق عليه مسمى (أبو حسيد)‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪39‬‬

‫ال ي �خ �ل��و ال� �ن ��ص م ��ن ح � ��وارات‬
‫ساخنة س��اخ��رةً‪ ،‬وم��واق��ف تاريخية‬
‫مؤثّرة طريفة‪.‬‬
‫تجيب ال��رواي��ة على تساؤالت‪،‬‬
‫وتثير الكثير منها‪ ،‬وق��د استخدم‬
‫المؤلف في بداية كل فصل بيتا من‬
‫شعر المتنبي‪.‬‬
‫رواي��ة (س�ع��ادة السفير) تكشف عن أالعيب‬
‫الدبلوماسية وده��ال�ي��زه��ا‪ ،‬فتُظهر ه��ذا العالم‬
‫كريها بشعا بما يختزله من ح��وارات وكوالسات‬
‫وعالقات تبتعد في مجملها عن الوجه اإلنساني‪،‬‬
‫متخذا المؤلف من الرمزية أسلوبا يكشف فظاعة‬
‫الواقع الدبلوماسي وخفاياه المرعبة‪.‬‬

‫مشاهير العالم‪ ،‬وحفّره في أسرار‬
‫مضت‪ ،‬وأحداث وقعت‪ ،‬وأناس كان‬
‫لهم ف��ي حياته ح �ض��ور‪ ،‬متجاوزا‬
‫الخطوط الحمراء بتوظيف أسلوبه‬
‫الساخر‪.‬‬
‫(الجنية) حكاية تعود بالقارئ‬
‫لخطابات أل��ف ليلة وخياالتها‪..‬‬
‫وإن أل �ب��س ال �م��ؤل��ف ح�ك��اي�ت��ه ثوب‬
‫المعاصرة‪ ،‬فقد ظلت تحتفظ بالغرائبي‪ ،‬كزواج‬
‫اإلنسيّ من الجنية‪ ،‬عبر سرد مشوّق آسر‪ ..‬ظهر‬
‫فيه حس الكاتب البحثي عن عوالم الجن‪ ،‬بدأ‬
‫المؤلف فصول روايته بشعر إبراهيم ناجي‪.‬‬
‫(س�ل�م��ى) شخصية رئ�ي�س��ة منحها المؤلف‬
‫بطولة النص المطلق‪ ،‬فحملت هموم الحاضر‬
‫العربي‪ ،‬مسجّ لة أخطاء ماضيه‪ ..‬آملة العودة‬
‫لذلك الماضي الذي صار شبيها بالحلم‪.‬‬

‫رواي��ة (سبعة)‪ ..‬ترسم ص��ورة الواقع المرير‬
‫من خالل رحلة لجزيرة أسطورية‪ ..‬مع مجموعة‬
‫مختارة من أبناء األم��ة العربستانية‪ ،‬محرضا‬
‫تتنقل سلمى بين الماضي والحاضر‪ ،‬متوقفة‬
‫المؤلف فيها على أهمية النهوض م��ن الغفوة‬
‫وضرورته‪ ،‬وتوجيه السؤال الجارح ألنفسنا عن مع عبدالناصر وأيام العرب في األندلس وعصر‬
‫ال��واق��ع ال �م��زري ال��ذي أوج��د تلك الشخصيات المتنبي وس�ق��وط ب �غ��داد‪ ،‬ف��ي تشابك بديع مع‬
‫التي كشفت ال��رواي��ة ع��ري�ه��ا‪ ..‬بعد أن سقطت السياسة والفن والوجدان‪ ،‬عبر مذياع سلمى‪.‬‬
‫في االمتحان‪ ،‬تساوى في السقوط‪ :‬الصحفي‬
‫رواي ��ة سلمى تتألف م��ن ح�ك��اي��ات تاريخية‬
‫وال �س �ي��اس��ي وال �ش��اع��ر وال�ف�ي�ل�س��وف والطبيب تمتد عبر مساحة جغرافية وزمنية واسعة‪..‬‬
‫والفلكي الذين جاءت نهاياتهم مضحكة مبكية‪ .‬فيها إيغال بأعماق التاريخ‪ ،‬ب��دءاً من حطين‪..‬‬
‫رواي��ة (أب��و شالخ البرمائي) نحلّق فيها عبر وانتها ًء بمجازر فلسطين‪ .‬تختلف الحكايات عن‬
‫أج��واء التاريخ والجغرافيا والفكر‪ ،‬بتعريج على بعضها‪ ..‬وإن جمعها الحاضر متمثلة بسلمى‪،‬‬
‫قضايا السياسة واالج�ت�م��اع والثقافة والفكر‪ ،‬المرأة التي تأخذ من مرارة أمتها زادا‪ ،‬فتضحي‬
‫متعمقا ف��ي قضايا ال��وج��ود التي تشتبك فيها بعمرها لترقى أمتها‪ ،‬لتمثل ال��روح التي حملت‬
‫حيوات شخوصه‪ ،‬بتلقائية وحرية ال تعقيد فيها‪ ،‬إشعاع اإليمان ونشر الفضيلة‪.‬‬
‫محمّال آراءه وأفكاره لبطل الرواية‪ ،‬مناقشا ما‬
‫تسيطر على لغة ال��رواي��ة خطابات تاريخية‬
‫يعتلج في نفسه من هموم وغربة ومقابالت مع وسياسية مع وجود بعض التكرار‪.‬‬

‫‪40‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫> د‪ .‬سناء الشعالن‪ -‬األردن‬

‫رواية «شقّة الحريّة» لفقيد األدب الدكتور غازي القصيبي‪ ،‬هي رواية‬
‫عالمة في الرّواية السّ عوديّة والعربية أيضاً‪ ،‬فهي تقدّم تجربة جمعيّة‬
‫للواقع العربي إ ّب��ان فترة الخمسينيات والسّ تينيات من القرن الماضي‪،‬‬
‫من منظار رمزي يجسّ د العواصف الفكريّة والسياسية واالجتماعيّة‪ ،‬التي‬
‫ال على أنّها تقدّم بناء مثاالً‬
‫عصفت باألمّة العربية إبّان تلك الفترة‪ ،‬فض ً‬
‫ال ومضموناً‪ ،‬والمتجاوزة لكثير من‬
‫على الرّوايّة السّ عوديّة النّاضجة شك ً‬
‫التابوات‪ ،‬فقد فتحت الباب أمام الكتابات الروائيّة السّ عوديّة الجديدة‪.‬‬
‫رواي��ة «ش� ّق��ة ال�ح��ر ّي��ة» ال �ص��ادرة ف��ي طبعتها‬
‫األولى عام ‪1994‬م‪ ،‬والتي تحوّلت فيما بعد إلى‬
‫عمل تلفزيوني‪ ..‬أثارت الكثير من الجدل حولها‪،‬‬
‫كما فتحت الباب على كثير من التأويالت‪ ،‬وأ ّياً‬
‫كانت ال�ت��أوي�لات‪ ،‬فجميعها ت��ؤول بنا إل��ى أنّنا‬
‫أمام تجربة روائيّة أولى تجهر بأنّنا أمام روائي‬
‫علاّ مة‪ ،‬فتح الباب بجرأة على كثير من القضايا‬
‫التي كانت موضوع تحرّج وحساسية وسكوت‪.‬‬
‫ولنا أن نقول إنّنا نرى في هذه الرّواية بنية‬
‫الرّمز التي تحمل الرّواية كلّها على بنية تأويل أنّ‬
‫شقّة الحريّة ليست إ ّال لوحة فنيّة‪ ،‬فيها ما فيها‬
‫من التّجريب واالنعتاق من ضوابط المدارس‬
‫التقليديّة في سبيل رسم صورة للواقع العربيّ ‪،‬‬
‫ولألمّة العربيّة إبّان الفترة الزمنيّة الممتدة بين‬
‫‪1961-1956‬م‪ ،‬وم��ن ه��ذا المنطلق ف��إن هذه‬
‫ال �رّوا ّي��ة ه��ي إس�ق��اط لتجربة ال�ف��رد على واقع‬
‫الجماعة؛ إذ ما يحدث معه انبثاق‬
‫عن هذه التجربة الجمعيّة‪.‬‬
‫الرّواية تتحدّث في محورها العام‬
‫السّ طحي والمباشر عن قصة أربعة‬
‫أصدقاء بحرينيين‪ ..‬جاءوا للدّراسة‬
‫الجامعيّة األولى في القاهرة‪ ،‬التي‬
‫ك��ان��ت ف��ي ت�ل��ك ال�ف�ت��رة قبلة العلم‬
‫ومنارته في الوطن العربي(‪ ،)14‬ويتفق‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫«شقّ ة الحرّ ية» الرّ واية الرّ مز‬

‫أول�ئ��ك األص��دق��اء على أن يتساكنوا ف��ي شقّة‬
‫لا يستأجرون شقة تكون حاضنة‬
‫واح ��دة‪ ،‬وف�ع� ً‬
‫لهم على امتداد سنوات دراستهم‪ ،‬حيث يعاينون‬
‫عدداً عمالقاً من التجارب واألحداث والمصائر‪،‬‬
‫إلى أن ينتهي بهم الحال إلى أن يكملوا دراستهم‬
‫الجامعيّة األول ��ى‪ ،‬وي�ش��رع��ون يسيرون ك��لٌّ في‬
‫طريقه في هذه الحياة‪.‬‬

‫البداية الرّ مز‬
‫ت �ب��دأ أح� ��داث ال� �رّواي ��ة ع�ن��دم��ا ي��ذه��ب بطل‬
‫الرّواية الطالب البحريني الشيعي «فؤاد الطّ ارف»‬
‫لدراسة التوجيهية في القاهرة‪ ،‬تمهيداً للدراسة‬
‫ف��ي إح��دى جامعاتها‪ ،‬وه�ن��اك يقابل بعد بحث‬
‫قصير أصدقاءه أيام الدّراسة‪ ،‬وهم بحرينيون‪،‬‬
‫وق��د سبقوه في الوصول إل��ى القاهرة بأسابيع‬
‫قليلة‪ ،‬ويغدو هدفهم جميعاً أن يحصلوا على‬
‫شهادات جامعيّة‪ ،‬وعلى عالقات مع‬
‫فتيات‪.‬‬
‫والقصيبي يختار أن تبدأ روايته‬
‫إ ّب ��ان ذل��ك ال �م��دّ ال�ق��وم��ي العمالق‬
‫الذي تزعّ مه آنذاك الزّعيم المصري‬
‫ال��رّاح��ل ج �م��ال ع �ب��دال � ّن��اص��ر‪ .‬في‬
‫ذلك الوقت كانت األزم��ان مرهونة‬
‫ب��األح�لام واآلم ��ال وأف �ك��ار الحريّة‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪41‬‬

‫واإلخ��اء والرّخاء المزعومة‪ ،‬التي زرعها القادة‬
‫في دنيا األوهام‪ ،‬وأقنعوا بها الشّ عوب الطّ امحة‬
‫�ص��دم��ة‪ ،‬وكان‬
‫ل�غ� ٍ�د يحمل ال�ج��دي��د‪ ،‬ث��م ك��ان��ت ال� ّ‬
‫الخذالن‪.‬‬
‫قدم فؤاد الطارف إلى القاهرة‪ ،‬وهو يحمل‬
‫ف��ي ص ��دره ص ��ورة ج�م��ال ع�ب��دال�ن��اص��ر‪ ..‬شأنه‬
‫ش��أن ك��ل ّط�ل�اب البحرين‪ ،‬وش�ب��اب ال�ع��رب في‬
‫تلك الفترة‪ ،‬حيث كانوا يرون فيه المخلّص الذي‬
‫سيقود األم��ة نحو عصرها ال� ّذه�ب��ي الجديد‪.‬‬
‫وهي ذات الفترة التي شهدت الوحدة الوطنيّة‬
‫بين سوريا ومصر‪ ..‬في دولة عربية كبرى‪ ،‬تحمل‬
‫بذور الوحدة العربية العمالقة‪ ،‬وفي تلك الفترة‬
‫تضخّ م الحلم العربي‪ ،‬وبات حلم االنتصار على‬
‫الصهيوني‪ ،‬وتحرير فلسطين قريباً‪ ،‬يراود‬
‫العدو ّ‬
‫األفكار‪ ،‬ويداعب األمنيات‪.‬‬
‫وهذه الفترة هي المفتاح الذي يقدّمه القصيبي‬
‫لفهم ما كان قبلها وفيها وبعدها‪ ،‬من تداعيات‬
‫وظ��روف وتحديّات عمالقة‪ ،‬انتهت بدمار أمل‬
‫الوحدة‪ ،‬واالنفصال النهائي بين سوريا ومصر‪.‬‬
‫ولذلك اختار القصيبي هذه الفترة لتكون بداية‬
‫روايته‪ ،‬بما تحمل من إرهاصات وتفسيرات لك ّل‬
‫ما حدث ويحدث‪ ،‬هناك في القاهرة‪ ،‬أو هنا في‬
‫أيّ بلد عربيّ ‪.‬‬

‫‪42‬‬

‫التي جاءوا من أجلها(‪ .)15‬وال شكّ أنّ هذا االسم‬
‫مخصبة ب��ال�دّالالت‪ ،‬فهو من ناحية‪..‬‬
‫ّ‬
‫له رمزيّة‬
‫يعبّر عن رغبة األفراد في البحث عن ذواتهم‪..‬‬
‫بعيداً عن القوالب الجاهزة التي أعدّ ها المجتمع‬
‫لهم‪ ،‬كما أ ّن��ه يفضح تلك األوه��ام التي تتجسّ د‬
‫فيها الحريّة عند بعض الشباب‪ ،‬فاألصدقاء‬
‫يعتقدون بداية أنّ الحريّة قد تتمثل في ممارسة‬
‫ك � ّل م��ا يشتهون م��ن م�م��ارس��ة ال�ج�ن��س‪ ،‬وشرب‬
‫الخمر‪ ،‬والمخدرات‪ ،‬واعتناق األفكار اإلباحيّة‪،‬‬
‫واالنضمام إلى لواء األحزاب السياسية‪.‬‬
‫لكنّهم يكتشفون في نهاية المطاف أنّ الحرّية‬
‫الحقيقيّة تكمن في اح�ت��رام القواعد‪ ،‬ودراسة‬
‫المعطيات‪ ،‬وتحصين النّفس بالقيم والرؤى‪ ،‬ال في‬
‫ممارسة ك ّل السلوكيات بحيوانيّة وشهوانيّة ودون‬
‫ضوابط‪ ،‬بل إنّ «شقّة الحريّة» تشرع تلفظ ك ّل‬
‫من يجنح إلى الفساد بحجة الحرية‪ ،‬فاألصدقاء‬
‫يرفضون فساد يعقوب‪ ،‬وي�ه��ددون ب�ط��رده‪ ،‬كما‬
‫يرفضون أوهام عبدالكريم‪ ،‬واستسالمه ألفكار‬
‫األرواح والتواصل معهم‪ .‬وبذلك يكتسب اسم‬
‫ال��شّ �ق��ة المعنى وض � �دّه‪ ،‬ف�ت�ت�ح�وّل دالل ��ة «شقّة‬
‫الحرّية» من اإلباحيّة والبوهيميّة إلى المطالبة‬
‫بتحقيق القيم اإلنسانيّة العليا من حرية وإخاء‬
‫والتزام‪.‬‬

‫والضديّ ة‬
‫ّ‬
‫االسم الرّ مز‪/‬الحقيقة‬

‫التجارب الرّ مزية في حياة األصدقاء‬

‫يقرّر بطل الرّواية فؤاد الطّ ارف وأصدقاؤه أن‬
‫ينتقلوا من شقة خيرية التي اختارها لهم األستاذ‬
‫شريف‪ ..‬الذي كان يقوم برعايتهم بتوصية من‬
‫آبائهم‪ ،‬إلى شقة أخرى بحجة واهية‪ ،‬كي يحصلوا‬
‫على الحرية الكاملة‪ ،‬في شقة بعيدة عن مراقبة‬
‫األستاذ شريف‪ ،‬وعن محرّمات خيرية‪ ،‬ويفلحون‬
‫في إقناع األستاذ شريف بقرارهم‪ ،‬وينتقلون إلى‬
‫الشّ قة المنشودة رقم (‪ )6‬في الدّور الثالث‪ ،‬في‬
‫منتصف ش��ارع ال ��درّي‪ ،‬ويسمّون شقتهم باسم‬
‫«شقّة الحرّية»‪ ،‬ألنّهم سيمارسون فيها حريتهم‬

‫ي �م � ّر ك� � ّل األص ��دق ��اء ال�ق��اط�ن�ي��ن ف��ي « شق ّة‬
‫الحريّة» وأصدقاؤهم الذين يتعرّفون عليهم في‬
‫تجربتهم الدّراسيّة والمعيشيّة في القاهرة‪ ،‬بجملة‬
‫من التّجارب التي تقود زمام أقدارهم وأفكارهم‬
‫وآرائهم‪ ،‬وهذه التجارب تعُاين على أنّها تجارب‬
‫فرديّة ذاتيّة‪ ،‬هذا هو المستوى السّ طحيّ الذي‬
‫يقدّمه غازي القصيبي‪ ،‬ولكنّه يومئ بذكاء إلى أنّ‬
‫هذه التجربة ليست تجربة بطل فرد من أبطال‬
‫روايته‪ ،‬بل هي تجربة قطاع عمالق من الشباب‬
‫العربي ف��ي تلك ال�ف�ت��رة‪ ،‬ول��ذل��ك يطعّم روايته‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫ب��األح��داث السّ ياسيّة واالج�ت�م��اع� ّي��ة والفكريّة‬
‫والصغيرة التي‬
‫ّ‬
‫والدّينيّة‪ ،‬والتّفاصيل الدقيقة‬
‫تسمح ل��ه ب��أن ينقل إلينا م�لام��ح حقبة كاملة‬
‫ف��ي ت��اري��خ األم ��ة‪ ،‬ولعلّها ه��ي الحقبة األخطر‬
‫في نظره‪-‬في التاريخ المعاصر لألمة‪ ،‬ولذلك‬‫اختار أن يجعلها مسرحاً ألحداث روايته‪ ،‬السيما‬
‫أنّه كان في تلك الفترة يعاين المشهد عن كثب‬
‫وهو يعيش في القاهرة‪ ،‬وإن كان يذكر صراحة‬
‫وب��وض��وح‪ ..‬إنّ ك� ّل ما ورد في ال��رواي��ة هو نسج‬
‫خيال (مقدمة الرواية)‪ ،‬ويرفض ضمناً أن يغمز‬
‫ولكنّه يبقى مشتّتاً ال يجيد أن يقيم تصالحاً‬
‫بأنّ هذه الرّواية هي سيرته الشخصيّة‪ ،‬إ ّال أنّه‬
‫بين اإلسالم واألفكار القومية التي يتفكّر فيها‪،‬‬
‫يفتح ال��رواي��ة بهذا الشّ كل على فكرة ال� ّرم��ز ال‬
‫بعد أن كفر بالبعثية‪ ،‬وع��اي��ن حركة القوميين‬
‫التأريخ الجامد‪ ،‬فهذه الرواية إن لم تكن حكاية‬
‫العرب التي حاولت أن تستميله‪ ،‬وف��ي النّهاية‬
‫تاريخيّة ألبطال حقيقيين عاينوا تجربة واقعية‪،‬‬
‫يؤمن بكفره باألحزاب ديناً جديداً‪ ،‬ويمزّق آخر‬
‫فهي إذاً رواي��ة رمز لك ّل الجيل العربي في تلك‬
‫الفترة في ك ّل عاصمة‪ ،‬وفي ك ّل بلد عربيّ ‪ ،‬وفي ورق��ة تربطه بحركة القوميين العرب‪ ،‬ويسافر‬
‫مختلف ال��ظّ ��روف‪ ،‬تحت ق��اس��م مشترك‪ ،‬وهو إل��ى أمريكا ليكمل دراسته العليا في الحقوق‪،‬‬
‫وليتابع مسيرته في اكتشاف نفسه وفي اكتشاف‬
‫المحنة والتحدّي واألزمة‪ ،‬والطّ ريق المجهول‪.‬‬
‫اآلخرين‪.‬‬

‫األديب الحالم‬

‫بطل الرّواية فؤاد الطّ ارف هو من أسرة شيعيّة‬
‫بحرينيّة‪ ،‬والده تاجر مجوهرات متوسّ ط الحال‪،‬‬
‫وفكره يراوح بين االعتدال والثورة من حين إلى‬
‫آخر على قوى االستالب والظّ لم‪ ،‬ويملك موهبة‬
‫قصصية‪ ،‬عاينها في كتابة القصص القصيرة‬
‫والمقاالت في صحف بالده منذ كان في المرحلة‬
‫المدرسيّة‪.‬‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫والنّجوميّة‪ ،‬ثم يخوض تجربة إشباع الجسد مع‬
‫مديحة مظهر رشوان الثريّة المطلّقة‪ ،‬ثم يعيش‬
‫تجربة العشق مع ليلى الخزيني الشاعرة الكويتية‬
‫المتحرّرة‪ ،‬وفي النّهاية يسلمه الفشل في الحبّ‬
‫المرّة تلو األخرى‪ ،‬إلى أن يجسّ د معاناته وأفكاره‬
‫في األدب‪ ،‬فيكتب مجموعة قصصيّة بالشّ راكة‬
‫م��ع صديقة ع �ب��دال��رؤوف‪ ،‬فتالقي المجموعة‬
‫النجاح‪ ،‬متيحة له أن يتعرّف على أشهر أدباء‬
‫ومفكري ونقّاد مصر في تلك الفترة‪.‬‬

‫ويقدّم القصيبي تجربة فؤاد الطّ ارف مطعّمة‬
‫بالقصة وفن الرّسالة‪ ،‬فكثيراً ما تبدأ األحداث‬
‫تخصه بقصة من قصصه‪ ،‬كذلك كثيراً ما‬
‫ّ‬
‫التي‬
‫تتمخّ ض تجربته أو معاناته النفسيّة عن قصة‬
‫ال عن تلك‬
‫ينشرها في مجموعته القصصية‪ ،‬فض ً‬
‫الرسائل الفنّية الرفيعة التي كان يتبادلها مع‪:‬‬
‫سعاد وزّان‪ ،‬وشاهيناز شاكر‪ ،‬وليلى الخريتي‪.‬‬

‫المحافظ المقهور‬

‫يأتي إلى القاهرة‪ ،‬وهاجسه أن يتعرّف على‬
‫عبد الكريم‪ ..‬ينحدر من أسرة شيعية دينية‬
‫فتاة‪ ،‬ويستطيع أن يفعل ذلك بصعوبة بعد عام‬
‫كامل وب��ال�ص� ّدف��ة‪ ،‬فيحبّ سعاد وزّان الطالبة عريقة‪ ،‬تربيته الدينية جعلته يميل إلى المسالمة‬
‫ال��سّ ��ور ّي��ة‪ ،‬وم��ع أوّل قبلة معها ي��دخ��ل الحزب والهدوء‪ ،‬إ ّال أنّها أعطته رغبة كامنة في التمرّد‬
‫البعثي إرض��اء لها‪ ،‬ثم ينسحب من حزبها ومن والعصيان‪ ،‬ولذلك صمّم على دراسة القانون على‬
‫حبّها‪ ،‬ثم يعيش قصة حبّ جارفة من طرف واحد الرّغم من معارضة وال��ده ألن ي��درس القوانين‬
‫مع شاهيناز شاكر المصرية‪ ..‬الشّ قراء الحسناء‪ ،‬الوضعية التي يرفضها‪ ،‬ويتمسّ ك في مقابلها‬
‫ولكنّها تتخلّى عنه ركضاً وراء حلمها في الغناء بالقوانين السّ ماويّة‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪43‬‬

‫ثم عودته للدراسة في القاهرة بوساطة أصدقاء‬
‫شخصيين لجمال عبدالناصر‪ ،‬ثم يجد نفسه‬
‫أم��ام حقيقة الثورة ألجل الثورة‪ ،‬والتمرّد ألجل‬
‫التمرّد‪ ،‬وال شيء يتغيّر حقيقة في الحياة‪.‬‬

‫وه��و أسير أف�ك��ار أس��رت��ه الشيعيّة‪ ،‬كما هو‬
‫أسير قراراتها ورغباتها‪ .‬يقع في عشق زميلته‬
‫المصريّة السنّية فريدة‪ ،‬وعندما يقّرر الزّواج‬
‫منها‪ ،‬ترفض أسرته ذلك؛ ألنّها سنيّة مصريّة‪،‬‬
‫وتصمّم على أن يتزوّج من ابنة خاله البحرينية‬
‫البرجوازي االستغاللي‬
‫الشيعيّة‪ .‬يحاول أن يتمرّد على تقاليد أسرته‪،‬‬
‫في حين أنّ قاسم هو نقيض يعقوب‪ ،‬يعيش‬
‫ول �ك��ن ت �خ��ذل��ه ف ��ري ��دة ع �ن��دم��ا ت� �ت ��زوج بضغط‬
‫م��ن أس��رت�ه��ا م��ن رج��ل عسكري م �ص��ري‪ ،‬فيقع حياة الثراء والرّفاهية‪ ،‬فهو من أسرة تنتمي إلى‬
‫فريسة المرض الجسدي والنفسي‪ ،‬ثم ينزلق البورجوازيين الجدد‪ ،‬إذ انتهى المطاف بأبيه‪،‬‬
‫في التجارب الجسدية الجنسية‪ ،‬وأخيراً يعشق الرّجل العامل الفقير‪ ،‬ليصبح مليونيراً كبيراً‪،‬‬
‫ريري بائعة الهوى‪ ،‬ويكاد يتزوّجها‪ ،‬لكن الموت وهو يرى العالم ينقسم حتم ّياً إلى فقراء وأغنياء‪،‬‬
‫يخطفها منه بعد انفجار زائدتها الدّوديّة‪ ،‬ويعود وليس م��ن ح��ق أح��د أن ي�ح��اول أن يحتال على‬
‫من جديد أسيراً ألزماته النفسيّة‪ ،‬ولضغوطاته هذا التقسيم‪ ،‬أو أن يحاول تغييره بغية اإلصالح‬
‫العاطفيّة إلى أن يتمرّد على أسرته من جديد‪ ،‬وإحقاق العدل والمساواة اإلنسانيّة األصل في‬
‫وي �ت��زوّج حبيبته ف��ري��دة التي تعود إليه بعد أن الوجود(‪.)17‬‬
‫طلّقها زوجها الذي كان يستعبدها‪.‬‬
‫وأهدافه في الحياة تتلخّ ص في تحقيق المال‬
‫والحصول على ال� ّن�س��اء‪ ،‬وال تعنيه أيّ تجارب‬
‫الثائر دائم ًا‬
‫بشريّة‪ ،‬أو قضايا وطنيّة أو قوميّة أو حزبيّة‪ ،‬وك ّل‬
‫أ ّم��ا ي�ع�ق��وب‪ ..‬فهو ينحدر م��ن عائلة فقيرة‬
‫ما يكدّره مشكلة عجزه الجنسي الذي يتخلّص‬
‫عانت الكثير في البداية‪ ،‬ولذلك فقد شحنه هذا‬
‫منه أخيرا‪ ً ،‬بعد أن يم ّر بتجارب متباينة‪ ،‬ابتداء‬
‫الفقر‪ ،‬وهذه المعاناة بطاقة عمالقة من الغضب‬
‫من العالقة مع بائعات الهوى‪ ،‬وانتهاء بالعالقات‬
‫والثورة والرّغبة العارمة في نسف المجتمع كلّه‪،‬‬
‫الغريبة مثل العالقة مع األم وابنتها‪.‬‬
‫وكان إلى جانب ذلك مثقفاً‪ ،‬ال يم ّل القراءة‪ ،‬وال‬
‫النّ هاية الرّ مز‬
‫يم ّل اعتناق المذاهب واآلراء واالتجاهات بحماس‬
‫وانحياز إليها‪ ،‬حتى يتركها إلى غيرها(‪.)16‬‬
‫وتنتهي الرّواية بتحطّ م آمال العرب بالوحدة‪،‬‬

‫وهو يخلص لفعل الثورة والتمرّد والعصيان‬
‫في ك� ّل ال��رواي��ة‪ ،‬فيدرس علم االجتماع‪ ،‬ليفهم‬
‫منظومة الشّ عوب‪ ،‬ويتبرّع ليكون في المقاومة‬
‫الشعبية المصريّة‪ ،‬في مواجهة العدوان الثالثي‬
‫على مصر‪ ،‬ثم يتحوّل إلى ثائر بنظرية‪ ،‬فيعتنق‬
‫الماركسية الفرودية‪ ،‬ثم يصبح وجودياً‪ ،‬فيغرق‬
‫في الملذات والجنس والمخدرات حتى يصاب‬
‫بمرض السيالن‪ ،‬فيغيّر من منهجه‪ ،‬ونهاية يصبح‬
‫شيوعياً ثائراً على الماركسية‪ ،‬وينتهي األمر به‬
‫في السّ جن‪ ،‬ثم الطّ رد من القاهرة والبحرين‪،‬‬

‫‪44‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫إذ ينهار االتحاد بين سوريا ومصر‪ ،‬ويذعن جمال‬
‫عبدالنّاصر لهذا االنفصال‪ ،‬ويُصدم فؤاد بهذه‬
‫التغيرات التي حطمت آماله في الحريّة والقوة‪،‬‬
‫كما حطّ مت صورة جمال عبدالنّاصر في عينيه‪،‬‬
‫ويسافر إلى أمريكا لمتابعة دراسته‪ ،‬ويمزّق آخر‬
‫ورق��ة يملكها ع��ن ح��رك��ة القوميين ال �ع��رب في‬
‫إش��ارة رم��ز ّي��ة واضحة إل��ى أ ّن��ه قد تنكّر تماماً‬
‫لفكرة األحزاب بعد أن اكتشف زيفها وتهافتها‪،‬‬
‫وح�لّ��ق ف��ي البعيد نحو أف��ق ج��دي��د‪ ..‬لعلّه يجد‬
‫نفسه وحقيقته فيه(‪.)18‬‬

‫قراءة في ديو ان «حديقة الغروب»‬
‫للشاعر المبدع‪ :‬د‪ .‬غازي بن عبدالرحمن القصيبي‬
‫> موسى البدري ‪ -‬السعودية‬
‫سبحان الله القائل‪( :‬ث ّم جعل من بعد قوةٍ ضعفاً وشيبة)(‪.)19‬‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫أزمة الصداقة في مرحلة الشيوخة‬

‫ولست الوحيد الذي يخشى الهرم من قبل أن أرى الشعرات البيضاء ومن‬
‫ُ‬
‫بعد‪ ..‬ولكن اخلــدشة األولى في جسد السيارة اجلـديدة أش ّد وأنـكى‪ .‬وأ ّما‬
‫اخلدشة التي أتت بعد خدشات‪ ..‬فهي أقل وقعاً‪ ،‬وإن كانت أعـظم أثـراً‪ .‬وفي‬
‫اجلب‪ ،‬وأعوذ بك من‬
‫احلديث‪( :‬اللهم إني أعوذ بك من البخل‪ ،‬وأعوذ بك من‬
‫نْ‬
‫أن أر ّد إلى أرذل العمر‪ ،‬وأعوذ بك من فتنة الدنيا وعذاب القبر)(‪.)20‬‬

‫وك��ان شاعرنا ‪-‬رحمه الله‪ -‬شديد املراقبة ما هــي الشيخوخة؟ وملاذا نخشى من عتباتها؟‬

‫لسني عمره التي تدنو به من الشيخوخة‪ ..‬فله‬
‫وقفات عند األربعني‪ ،‬حني يقول‪..‬‬

‫قد تكون الشيخوخة في املفهوم العام‪ :‬مرحلة‬

‫سن اخلمسني أو‬
‫عمرية محددة‪ ،‬رمبا تبدأ من ِ ّ‬
‫سن الستني فما فوق‪ .‬ولهذه املرحلة صفات‬
‫من ِ ّ‬

‫األربعين‬
‫ِ‬
‫وها أنا ذا‪ ..‬أمام‬
‫ي�����ك�����اد ي�������ؤودن�������ي ح����م����ل ال����س����ن����ي����ن ِ‬

‫دال��ة قسرية ال مناص منها‪ ،‬كتغضن البشرة‪،‬‬
‫وكثرة األمراض واحتالل املزمن منها كالسكري‬

‫�����ط‬
‫ت������م������ ّر ال�������ذك�������ري�������ات رؤى ش�����ري ٍ‬
‫������ون‬
‫ت�������ل�������وّن ب�����ال�����م�����ب�����اه�����ج وال������ش������ج ِ‬

‫وال�ض�غ��ط وغ�ي��ره�م��ا‪ ،‬ضعف ال �ق��وى (الهرم)‪..‬‬

‫���ف ح�����زي�����ن ‪.‬‬
‫ه���ف���ت ع��ي��ن��ي إل�����ى ط���ي ٍ‬

‫إلى انحناء الظهر وآالم الركبتني‪ ،‬وربمّ ا العجز‬
‫شبه التام أو التام‪ ...‬إلى غير ذلك‪.‬‬

‫�����ف س���ع���ي ٍ���د‬
‫�����ت ف������ي ط�����ي ٍ‬
‫إذا م������ا غ�����ب ُ‬
‫(‪)21‬‬

‫وف� � � � � � � � � � � � � ��ي ال � � � � �خ � � � � �م � � � � �س � � � � �ي� � � � ��ن‪،‬‬
‫����������أوك ق�����ب�����ل ل����ق����ان����ا‬
‫ِ‬
‫أ َو م��������ا أن����������ب‬

‫الشعر األشمـط أو األبيض‪ ،‬وقـد يتمادى األمر‬

‫وهناك صفات نفسية أو خلقية(‪ :)24‬كضيق‬

‫غضب سريعٍ وقلة‬
‫أن�����ن�����ي ف������ي أص������اب������ع ال���خ���م���س���ي���ن���ا؟! الصدر ورمبا سوء اخللق‪ ،‬من‬
‫ٍ‬
‫ت����أخ����ذ ال��������روح م����ن ع�����روق�����ي‪ ..‬حين ًا‬
‫صبر ٍ ورمبا فتور شديد في املشاعر وتفاعلها‪،‬‬
‫وت ـ ـ ــر ّد العـ ــروق وال���روحَ‪ ..‬حين ـ ـ ـ ـ ــا‬

‫(‪)22‬‬

‫الستني‪ ..‬وه��و في ه��ذا ال��دي��وان جن��ده يقف‬
‫عند الـ ‪:65‬‬

‫الشديد‪...‬‬

‫وي�ب��دأ الشيخ ف��ي االن �ط��واء لقلة األصدقاء‬

‫���س وس���ت���ون ف���ي أج���ف���ان إع���ص���ار ِ‬
‫خ���م ٌ‬
‫أم��ا سئمت ارت��ح��اال ً أيّ��ه��ا الساري؟‬

‫خاصة أم��ام مثيرات الفرح الشديد أو احلزْن‬

‫(‪)23‬‬

‫وقبل أن أمخر في عباب هــذا الديوان أتساءل‪:‬‬

‫والز ّوار‪..‬‬

‫والقصة ال تبدأ ما بني ليلة وضحاها‪ ،‬وإمنا‬

‫تبتدئ منذ دخ��ول امل��رء معترك احلياة والسعي‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪45‬‬

‫أو كما قال اآلخر‪:‬‬
‫لتحقيق األه��داف املعهودة‪ :‬عمل‪ ،‬زواج‪ ،‬أبناء‪،‬‬
‫�������م�������ه�������ن ف����إن����ه‬
‫تربية‪ ،‬م�ن��زل‪ ،‬س�ي��ارة‪ ،‬استقالل األب �ن��اء‪ ،‬مكانة وإذا دع��������ون��������ك ع ّ َ‬
‫������ب ي�������زي�������دك ع�����ن�����ده�����ن خ����ب����اال‬
‫ن������س ٌ‬
‫اجتماعية‪ ...‬تقاعد‪ ..‬ال يوجد هدف إضافي=‬

‫اس�ت��رخ��اء وتهيئة للخروج م��ن ال��دن�ي��ا‪ ،‬كتقاعد‬
‫ويعيش ذلك الكهل أمنية ً تزيده حسرة ً على‬
‫أخير!!‬
‫حسرة(‪:)27‬‬
‫بقيت‬
‫ْ‬
‫والصحب؟ أين رف��اق العمْ ر؟ هل‬
‫ُ‬
‫لم يبق في العمْ ر شيءٌ غير ماضيه‬
‫(‪)25‬‬
‫س�������وى ث����م����ال����ة أيّ����������ام ٍ وت���������ذك���������ارِ‬
‫����ي ال��ص��ب��ا ال���ريّ���ان ردي���هِ‬
‫ردّي إل ّ َ‬
‫ح��س��ن��اً‪ ،‬ح �ق��ق امل � ��رء أه���داف���ه أو معظم‬
‫وأم ��ا ش��اع��رن��ا فيخوض أش �ع��اراً ف��ري��دة في‬

‫أهدافه‪ ..‬وحان أن يستريح أو يستج ّم‪ ...‬فإذا‬
‫قامت‬
‫الزوجة ال تعبأ ألنها ‪ -‬كما تعتقد‪ -‬قد‬
‫ْ‬

‫بكامل وظيفتها‪ ،‬مبجرد اعتماد األب�ن��اء على‬

‫استغنت عن الكهل‬
‫أنفسهم‪ .‬واحلقيقة أنها‬
‫ْ‬
‫بوجود أبناء يطيعونها ويجيبون مطالبها‪ .‬ما‬
‫لها ولهذا الكهل الذي كان عبئاَ يُحتمل وأمسى‬
‫عبئاً ال يُحتمل‪ ...‬يلتفت ذلك الكهل‪ ..‬يريد أن‬
‫يجدد نشاطه أو على األقل يستمتع مبا بقي‬

‫من وقته؛ فيجد أن الفتيات لم يعدن يجدن‬

‫فيه إال ما يجدن في آبائهن وأعمامهن وربمّ ا‬
‫أجدادهن‪..‬‬
‫نظرت إلى المرآة إذ جليت‬
‫ُ‬
‫إني‬
‫ف������أن������ك������رتْ م����ق����ل����ت����اي ك������ل م������ا رأت������ا‬
‫����ت أع���رف���ه‬
‫���������ت ف���ي���ه���ا ش���ي���خ��� ًا ل����س ُ‬
‫رأي ُ‬
‫����ت أع������رف ف��ي��ه��ا ق���ب���ل ذاك فتى‬
‫وك����ن ُ‬
‫���ت أي�����ن ال������ذي م����ث����واه ك�����ان هنا؟‬
‫ف���ق���ل ُ‬
‫���رح���ل ع��ن ه���ذا ال��م��ك��ان؟ متى؟‬
‫م��ت��ى ت ّ َ‬

‫منظومة داناته املعهودة(‪:)28‬‬
‫أك���ت���ـّ���م ف����ي األض���ل���اع م����ا ل����و ن���ش���رت���ه ُ‬
‫��ج��ب ِ��ت األوج�������اع م��ن��ي وم����ن صبري‬
‫ت��ع ّ‬
‫ويشمت بي حتى على الموت طغمة ويرتجز‬
‫ُ‬
‫غ���دتْ ف��ي زم���ان ال��م��ك��ر أس��ط��ورة المكر‬
‫وي����رت����ج����ز األع�������������داء‪ ..‬ه������ذا برمحه‬
‫���ف ح������ده ن����اق����ع ال���ح���ب���ر ِ‬
‫وه�������ذا ب���س���ي ٍ‬
‫ل��ح��ا ال��ل��ه ق��وم�� ًا ص�����وّروا ش��رع��ة الهدى‬
‫����ر‬
‫أذن��������� ًا ب���ب���غ���ض���اء وح�����ج����� ًا إل������ى ال����ش ِ ّ‬
‫رب ال���ع���ال���م���ي���ن بفعلهم‬
‫ي������ع������ادون ّ‬
‫وأق���وال���ه���م ت���رم���ي ال��م��ص��ل��ي��ن ب��ال��ك��ف��ر ِ‬
‫دج����ـ����ال����ه����م م������ن ج����ح����وره‬
‫ي����ه����ددن����ي ّ‬
‫ول�����م ي��������دروا أن ال����ف����أر ي�������زأر كالفأر‬
‫ج����ب����انٌ ي���س���وق األغ���ب���ي���اء إل�����ى ال�����ردى‬
‫ويجري إل��ى أقصى الكهوف من الذعر‬
‫خفت واآلسـ ـ ـ ــادُ تزأر في الش ـ ـ ـ ـ ــرى‬
‫ُ‬
‫وما‬
‫الجح ـ ـ ـ ـ ـ ـ ِـر‬
‫ْ‬
‫فكيـ ـ ـ ــف بخوفي من رويض ـ ــة‬

‫نطقت‬
‫ْ‬
‫���ت ل��ي وم���ا‬
‫فاستجهلتني وق���ال ْ‬
‫ولعل الشـيخـوخة مرحـلة نفـسـيـة أكثر منها‬
‫ق����د ك�����ان ذاك وه������ذا ب���عْ ���د ذاك أت���ى عـمـر ّية أو جسدية‪ .‬ولعل هذا األمر ليس اكتشافاً‬
‫�����������وّن ع���ل���ي���ك ف�����ه�����ذا ال ب������ق������ا َء له‬
‫ه ِ‬
‫باهراً‪ .‬إذ رمبا علمه فئا ٌم من الناس منذ خلق الله‬
‫أم����ا ت����رى ال��ع��ش��ب ي��ف��ن��ى ب��ع��دم��ا نبتا سبحانه الشيب‪ ،‬والحظوا ما يطرأ على املرء بعد‬
‫ك������ان ال����غ����وان����ي ي���ق���ل���ن ي����ا أخ������ي فقد‬
‫الشيخوخة من تغيرات تفضي إلى موته‪ -‬كنتيجة‬
‫ص���ار ال��غ��وان��ي يقلن ال��ي��وم‪ :‬ي��ا أبتا(‪ )26‬حتمية بإذن الله‪ .‬ولقد سبق املتنبي في التعبير‬

‫‪46‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫وال�����ه�����مّ ي���خ���ت���رم ال���ج���س���ي���م ن���ح���اف���ة ً‬
‫�����ي وي����ه����رمُ‬
‫وي����ش����ي����ب ن����اص����ي����ة ال�����ص�����ب ِ ّ‬
‫وأتساءل‪ :‬هل يشيخ الشعر؟‬
‫شيخوخة الشعر‪ :‬تعبير مجازي؛ ألن الشعر‬
‫ليس كائناً ح� ّي�اً مستق ً‬
‫ال‪ .‬لكن بسبب ارتباطه‬
‫الوثيق باحلالة النفسية التي تتأقلم وتتغير حسب‬

‫م��راح��ل العمر املختلفة يرتفع ليتطبع بطبيعة‬
‫الكائن احلي‪.‬‬

‫نع ْم قد يشـيخ الشـعـر‪ :‬إذا فـقـد رونقـه فأصبـح‬
‫باهتاً ممال ً ومكرراً‪ ،‬وظهرت عليه آثار التصنع‬

‫����ب واه���������ن ٍ ي���ت���ف���ص���ـّ���دُ‬
‫وت����ب����ك����ي ب����ق����ل ٍ‬
‫���ك! أك��ت��م ف���ي دمي‬
‫أ أب��ك��ي��ك؟ ال أب���ك���ي َ‬
‫ب����ك����ائ����ي‪ ..‬وي����ب����دو أن����ن����ي المتجلـ ّدُ‬
‫وكقوله في رثاء أخيه عادل‬

‫(‪)31‬‬

‫رحمه الله‪:‬‬

‫تفض؟!‬
‫ْ‬
‫ي��ق��ول س��ه��ي��لٌ ‪ :‬م��ا لعينك ل��م‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫عن ذلك بقوله‪:‬‬

‫�����د ب����ك����اء ال���ع���ي���ن ع�����ج�����ز ًا وذل��������ة ً‬
‫ت�����ع ُّ‬

‫ف��ق��ل��ت ل�����ه‪ :‬أك�������دتْ وق���ل���ب���يَ م����ا أك����دى‬
‫بكيت أخي حتى ثوى الدمع في الحشا‬
‫ُ‬
‫وج���دا‬
‫وأج���ه���ش ص����د ٌر أص��ط��ل��ي ن��وح��ه ْ‬
‫فمن أج��ل��ه ال��دمْ ��ع ال���ذي س��دّ محجري‬
‫ومن أجله الدمع الذي استوطن الكبْدا‬
‫وأعلم من نفسي متام اليقني أن الدموع التي‬

‫وع�ص��ر ال��ذه��ن والتكلف‪ .‬ويشيخ ‪ -‬م��ن وجهة‬
‫تهطل على خ ّدي بغزارة من‬
‫َّ‬
‫عيني تورث راحة ً‬
‫ن�ظ��ري‪ -‬إذا اكتسى ث��وب احلكمة اخلالية من‬
‫كنت أعم ُد للبكاء‬
‫وتطفئ غلة ً في الصدر‪ ..‬وإن ُ‬
‫الرمز واإليحاء وعواصف التجربة‪ ،‬فتأتي أشبه‬
‫ٍ‬
‫قسط من تلك االستراحة‪..‬‬
‫خالياً‪ ..‬آلخذ أكبر‬
‫شيءٍ‬
‫ّ‬
‫جتف الدموع ويبكي القلب‪ ..‬فسرعان‬
‫مبسألة حسابية بدائية كاجلمع والطرح‪ ..‬أما عندما‬

‫كنت أمتنى م��ن الله أن يكون ف��ي املستقبل ما أشعر بحرارة نار ٍ تشتعل في جوفي تورثني‬
‫ُ‬
‫القريب والبعيد أجمل ما يكتب شاعرنا القصيبي َو َهناً وتضعضعاً‪..‬‬
‫‪-‬يرحمه الله‪ -‬فأنا أعتقد أن جمال كتاباته لم‬

‫لك الله يا شاعرنا‪ ..‬كم أمتعني ديوانك! وقد‬

‫تنته بعد ولكن‪ ...‬و«حديقة الغروب» حتتوي على‬
‫كنت أظن أن شمسك ال تزال في شروق لم تصل‬
‫ُ‬
‫جمال كثير خاصة في ظاهرة بكاء الروح أو بكاء ب� ْع� ُد إل��ى منتصف ال�ن�ه��ار‪ .‬دع��ائ��ي ل��ك باملغفرة‬

‫القلب‪ .‬وهو بكاء متميز قلما يتطرق إليه أح ٌد إال والرحمة وأن يسكنك فسيح جناته‪.‬‬
‫من كان مرهف اإلحساس عميق التجربة‪.‬‬
‫وقد أبدع القصيبي إبداعاً فائقاً‪ .‬اسمع لقوله‬

‫في رثاء األمير أحمد بن سلمان(‪ )29‬يرحمه الله‪:‬‬
‫أري��������تَ دمْ ������ع ال���خ���ي���ل؟ ك����م م����ن عبرة‬

‫��������داب‬
‫ُ‬
‫ف����ي ال��������روح ل����م ت��ع��ل��م ب���ه���ا األه‬
‫وكقوله في رثاء صديقه محسون(‪:)30‬‬
‫��ك ت��أب��ى ال��دم��ع ك���بْ���ر ًا وترتضي‬
‫ع��ه��دت��ـ ُ َ‬
‫ب��دم��ع ٍ ح��ب��ي��س ٍ ف���ي ال��ض��ل��وع يصفـ ّدُ‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪47‬‬

‫القصيبي في عيون الشعراء‬
‫وأنت استثناء‬
‫يتشابهون َ‬
‫> أشجان محمد هندي‪ -‬السعودية‬
‫أرض‪ ،‬وال�������س�������م�������اءُ س�����م�����اءُ‬
‫ٌ‬
‫األرض‬
‫ُ‬
‫��������ودّعً ��������ا‬
‫ال�����ل�����ي�����لُ ي�����ع�����قُ �����بُ�����هُ ال������ن������ه������ا ُر م ِ‬
‫����وت ال����م����د ّ َث����رِ بالصدى‬
‫���ت ك����ال����ص ِ‬
‫ال���ص���م ُ‬
‫ال���������������وردُ وردٌ إنْ ت������خ������بّ������أَ‪ ،‬أو بَ���������دَا‬
‫�����ون‪ -‬ن����ق����اؤ ُه‬
‫ال���ي���اس���م���ي���نُ ‪-‬ع����ل����ى ال�����غ�����ص ِ‬
‫����ض����هُ‬
‫���������ري يُ ������ش������ب������هُ ب����ع َ‬
‫ال������زن������ب������قُ ال���������ب ُّ‬
‫مُ �����ت�����ش�����اب�����هٌ ف����������رحُ ال������ح������م������امِ ونَ��������و ُْح��������هُ‬
‫����ج وال�����ن�����دى‬
‫مُ ����ت����ش����اب����هٌ دم���������عُ ال����ب����ن����ف����س ِ‬
‫���ض���ه���ا‪:‬‬
‫واألف�������ل������اك تُ����ش����ب����هُ ب���ع َ‬
‫ُ‬
‫������اس‬
‫ال������ن ُ‬
‫ّات‪ ،‬أج��������س��������ادٌ بها‬
‫كُ �������ت�������لٌ م�������ن ال���������������������ذر ِ‬
‫����ض����هُ‬
‫األرواح ي����ل����ح����قُ ب����ع َ‬
‫ِ‬
‫مُ �����ت�����ش�����اب�����هُ‬
‫������ال م�����������روءةٌ ‪:‬‬
‫إنْ ق�����ي�����ل‪ :‬ت���ع���ل���و ب������ال������رج ِ‬
‫����ن ف����ي ال����ن����س����اءِ مُ ����ح ِ����يّ����رٌ ‪:‬‬
‫أو ق����ي����ل‪ُ :‬ح����س ٌ‬
‫ت����ت����ش����اب����هُ األش��������ي��������اءُ ‪ :‬أي�������ن ج����دي����دُ ه����ا؟‬
‫ّ��������ن‬
‫َ��������ي ٌ‬
‫����������ت�����ل����اف ب ِ‬
‫ٌ‬
‫�����������ت�����ل�����اف ه��������و ائ‬
‫ُ‬
‫اإلخ‬
‫ي���م���ض���ي ال�������زم�������انُ وخ�������ي�������رُ ُه ف������ي ش�������رّهِ‬
‫ّ����ب ف�����ي ال����ح����ي����اةِ تَ����ش����ابُ����هٌ‬
‫س����ن����نُ ال����ت����ق����ل ِ‬
‫������د راح��������ةٌ‬
‫�����ع ال������مُ ������س������ ّ َه ِ‬
‫�����ب ل�����ل�����دم ِ‬
‫ال�����ق�����ل ُ‬
‫����ن يُ ����ش����ب����هُ ال�����وج����� َع ال����ذي‬
‫وج�������عُ ال����م����دائ ِ‬
‫أرض‪ ،‬وض����������اقَ ف���ض���اؤه���ا‬
‫ٌ‬
‫��������يّ��������دَتْ‬
‫إنْ قُ ِ‬
‫أي�����������امُ عُ ������م������رِ ال�������ده�������رِ تُ�����ش�����ب�����هُ بعضها‬
‫�����ف‪ :‬ج������ن������ونٌ واح��������دٌ‬
‫ال ش��������يء مُ �����خ�����ت�����ل ٌ‬
‫ي����ت����ش����اب����هُ ال����ب����ح����رُ ال�����ط�����وي�����لُ وجَ �������������� ْز ُر ُه‬
‫وش���������ع���������ريَ ع�����اج�����زٌ‬
‫�������د‪ِ ،‬‬
‫��������د مُ �������ش�������ت ٌ ّ‬
‫ال��������م ُّ‬
‫ي����ت����ش����اب����هُ ال����ش����ع����رُ ال�����ح�����زي�����نُ وأدم�����ع�����ي‬
‫وش�������ع�������ري واألس��������ى‬
‫مُ �����ت�����ش�����اب�����هٌ إس�����م�����ي ِ‬
‫ال إس������م يُ ���س���ت���ث���ن���ى س������وى غ��������ازي ال�����ذي‬
‫�����روف وه��� ّزه���ا‬
‫َ���������ص ال����غ����ن����اءُ ع���ل���ى ال�����ح ِ‬
‫َرق َ‬
‫َ�������������ت ب���ال���ش���ع���رِ أغ�����ص�����انُ ال���ه���وى‬
‫إنْ أو َرق ْ‬
‫غ������ازي ال���ق���واف���ي م����ن ل�����هُ ال���ش���ع���رُ انحنى‬
‫���ض بالسَ نا‬
‫�����رف ال���مُ ���ف���ض ِ‬
‫ي����ا م�������از َج ال�����ح ِ‬
‫�����ك ق���ادن���ي‬
‫م����ن ه����ا هُ ���ن���ا م����ن ض������وءِ ح�����رفِ َ‬
‫�������رّدً ا‬
‫������ت ل����ل����ض����ي����اءِ مُ �������غ ِ‬
‫����ت ُأن������ص ُ‬
‫ف����ص����م ُّ‬

‫‪48‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫وال������ب������ح������رُ ب�������ح�������رٌ ‪ ،‬وال�����������ج�����������داولُ م�������اءُ‬
‫م��������ا م����������� ّر ي�������������ومٌ ل������ي������س ف������ي������ه م������س������اءُ‬
‫������������������داث ل������ه������ا أص�������������داءُ‬
‫ٌ‬
‫�����������ت أح‬
‫وال�����������وق ُ‬
‫������ات س����������واءُ‬
‫�������ات ال������ف������ات������ن ُ‬
‫وال�������ن�������رج�������س ُ‬
‫مُ �������ت�������ش�������اب�������هٌ ‪ ،‬وال������ي������اس������م������ي������نُ ن������ق������اءُ‬
‫��������اي وال�����ل�����ح�����نُ ال�����ح�����زي�����نُ ِغ�����ن�����اءُ‬
‫وال��������ن ُ‬
‫����ون ب���ك���اءُ‬
‫��������رب ال����ح����م����امِ ع���ل���ى ال����غ����ص ِ‬
‫ط ُ‬
‫مُ ������ت������ش������اب������هٌ وج������������هُ ال���������������ردى وال���������������داءُ‬
‫ال���������خَ ���������لْ���������قُ أش����������ب����������اهٌ ل������ه������ا أس�������م�������اءُ‬
‫ت�����س�����ري ع����ل����ى هَ �����������دْ ي ال��������دم��������اءِ دِ م���������اءُ‬
‫�����س�����رِ م�������ا ب�����ي�����ن ال������ن������س������ورِ ف�����ض�����اءُ‬
‫ل�����ل�����ن ْ‬
‫������ال أن������وفُ ������ه������ا ش�������مّ �������اءُ !‬
‫ق������م������مُ ال������ج������ب ِ‬
‫م�����ن�����ذُ ال����خ����ل����ي����ق����ةِ وال������ن������س������اءُ ن�����س�����اءُ !‬
‫أي����������ن ال�������ج�������دي�������دُ وكُ �������لُ�������ه�������ا أش��������ي��������اءُ ؟‬
‫�����ب ض����������وءٍ تُ�������ول�������دُ ال����ظ����ل����م����اءُ‬
‫م������ن ق�����ل ِ‬
‫ي����م����ض����ي ون�����م�����ض�����ي وال�������رح�������ي�������لُ ب�����ق�����اءُ‬
‫ي������ط������وي ب����������هِ وج������������ َه ال�������������������وداعِ ل�����ق�����اءُ‬
‫������ن ش����ف����اءُ‬
‫����ب ال������ح������زي ِ‬
‫وال��������دم��������عُ ل����ل����ق����ل ِ‬
‫�������ت ب����������هِ ل�����رم�����ال�����ه�����ا ال������ص������ح������راءُ‬
‫ب�������اح ْ‬
‫������ط������ل������ق������اءُ‬
‫ي�����ت�����ش�����اب�����ه ال������س������ج������ن������اءُ وال ُ‬
‫ت����ب����ك����ي ع�����ل�����ى س�������ودائ�������ه�������ا ال����ب����ي����ض����اءُ‬
‫������ون ي���������ق���������ودُ ُه عُ �������ق���ل���اءُ !‬
‫م�����������وجُ ال������ج������ن ِ‬
‫�������د ف�����ي ال����ب����ح����رِ ال���ق���ص���ي���رِ ع���ط���اءُ‬
‫وال�������مَ ُّ‬
‫������������ود وب������������ي إع�������ي�������اءُ‬
‫ٌّ‬
‫وال��������ل��������ي��������لُ مُ ������������س‬
‫ي������ت������ش������اب������هُ ال���������� ُنّ����������قّ ����������ادُ وال�������ش�������ع�������راءُ‬
‫������اط������ه������ا ال��������س��������وداءُ‬
‫وح�������روفُ �������ه�������م ون������ق ُ‬
‫�������روف ف����ك����ان (االس����ت����ث����ن����اءُ )‬
‫َ‬
‫ف����ت����حَ ال�������ح‬
‫������ت ب����ك����ف����وف����ه����ا ال������ح������نّ������اءُ‬
‫ف������ت������راق������ص ْ‬
‫َ��������������������ت رم������ض������اءُ‬
‫ْ‬
‫�����ش�����ع�����رِ غ�����������ازي أو َرق‬
‫ف�����ب ِ‬
‫����ف م�����ن�����هُ ك����ي����ف ي����ش����اءُ‬
‫ج�������������ذالنَ ؛ ي����ق����ط ُ‬
‫�������وض������� ُأ األض���������������واءُ‬
‫م��������ن ه��������ا هُ ������ن������ا ت�������ت ّ‬
‫�����ل ال������ن������ج������ومِ نِ ����������داءُ‬
‫ل����ل����ش����ع����رِ ف������ي ل�����ي ِ‬
‫�����ت ف�����ي حَ ������������رَمِ ال�����ب�����ه�����اءِ ب����ه����اءُ‬
‫وال�����ص�����م ُ‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫����������روح أم�����������������واجٌ ع���ل���ى‬
‫ِ‬
‫������ت ب����������ال‬
‫وت������ع������لّ������ق ْ‬
‫�����آن وم�����وع�����دٌ‬
‫��������وارس ش�����اط�����ئ ِ‬
‫ِ‬
‫قَ������������� َد ُر ال��������ن‬
‫�������وارس أنْ تُ�������ف�������ارقَ لحنَها‬
‫ِ‬
‫قَ����������� َد ُر ال�������ن‬
‫ت�����ط�����وي ع����ل����ي����هِ ال����ق����ل����بَ ت����ت����ب����عُ وج�����هَ�����هُ‬
‫���������وارس رح������ل������ةٌ ال تنتهي‬
‫ِ‬
‫قَ�������������� َد ُر ال���������ن‬
‫�����������وارس غ�����ي�����مُ �����هُ‬
‫ِ‬
‫ل�����ك�����نّ�����م�����ا أم�������������لُ ال�����������ن‬
‫ي�����ا غ������������ازيَ ‪ :‬ال����م����ي����ن����اءُ ي�����س�����ألُ ح�����ائ�����رً ا‬
‫��ل�ا‬
‫�����ي مُ ����ك����ل ً‬
‫�����ح ال�����ب�����ه ِ ّ‬
‫َ�������س�������مُ ال�����ص�����ب ِ‬
‫وتَ�������ب ُّ‬
‫األرض‪َ ،‬ر ّ َف������������ةُ رم ِ���ش���ه���ا‬
‫ِ‬
‫����ك روحُ‬
‫ت����ف����دي َ‬
‫����ك ِم�������نْ وج�������هِ ال�����ك�����رام�����ةِ وجهُ ها‬
‫ي����ف����دي َ‬
‫������ل؛ َص������ ّ َع������ َر خ������� ّ َد ُه‬
‫����ك نُ�����بْ�����لُ ال������رم ِ‬
‫ي����ف����دي َ‬
‫���ك ي���س���ألُ���هُ الجَ نى‪،‬‬
‫عُ �����د ل��ل��ن��خ��ي ِ��ل‪ ،‬ف���ع���ن َ‬
‫����اض ِأع���������دْ ح���ن���ي���نَ شتائِ ها‬
‫عُ ��������دْ ل����ل����ري ِ‬
‫��������ل ال����������ذي ف�����ارق�����تَ�����هُ‬
‫�����ك ال��������رم ُ‬
‫ي�����ش�����ت�����اقُ َ‬
‫عُ �����������دْ ل�����ل�����ش�����واط�����ئ م����ث����ل����م����ا غ�����ادرت�����ه�����ا‬
‫عُ ���������دْ م���ث���ل���م���ا غ�������������ادرتَ وج������هً ������ا ب���اس���مً ���ا‬
‫شموسنا‬
‫ُ‬
‫���ب‬
‫إنْ ِغ�����ب�����تَ ي�����ا غ��������ازي ت���غ���ي ُ‬
‫أو عُ ������������دتْ غ����������ازي ل����ل����م����غ����ازي س����ال����مً ����ا‬
‫���ت‬
‫غ��������ازي ال��������ذي م��ل��أ ال�������دُ ن�������ى‪ ،‬وت���ن���اق���ل ْ‬
‫غ���������ازي ال���������ذي أث�����ن�����ى ع����ل����ي����هِ خ����ص����ومُ ����هُ‬
‫�����س ال�����ن�����ه�����ارِ وظ���� ُلّ����ه����ا‬
‫ال ت����س����ت����وي ش�����م ُ‬
‫�������دول‬
‫ٌ‬
‫ال ي���س���ت���وي ال����ب����ح����رُ ال���ع���م���ي���قُ وج‬
‫�����رات ب���ل‪،‬‬
‫ال ي���س���ت���وي ال�����ش�����ع�����راءُ وال�����ن�����ك ُ‬
‫�������ت���ل���اف ال������ش������ع������رِ ؛ يُ ��������������دْ ر َُك‬
‫ُ‬
‫غ����������ازي اخ‬
‫أو ي����س����ت����وي غ��������ازٍ ومَ ����������نْ ل�����م يَ�������غْ �������زُ ‪ ،‬أم‬
‫أنصتت‬
‫ْ‬
‫غ�������ازي ال�������ذي إنْ ق����ي����ل‪ :‬غ�������ازي‬
‫غ���������ازي ال���������ذي ش�����ه����� َد ال�������زم�������انُ وأه�����لُ�����هُ‬
‫�����اك مَ �������نْ أح�����ي�����اكَ ِم�������نْ عَ ��������دمٍ ومَ �����نْ‬
‫ع�����اف َ‬
‫َ������م وأك������م������لَ ف���ض��� َل���هُ‬
‫وش������ف������اكَ ِم��������نْ سَ ������ق ٍ‬
‫روض����ه����ا‬
‫دُ ْم ب���ه���ج���ةً غ����نّ����ى ال�����ه�����وى ف�����ي ِ‬
‫�����ظ ال�����خ�����ص�����ومُ ‪ ،‬ت���ش���اب���ه���ت أق����والُ����ه����م‬
‫ِغ�����ي َ‬
‫����ت‪ُ :‬أع���ل��� ُن���ه���ا هنا‬
‫����ك ق����ل ُ‬
‫ق�����ال�����وا‪ :‬م����دح����تُ َ‬
‫ون�����ع�����م‪ :‬س�����أط�����ري م�����ا يُ �����ش�����ابِ �����هُ إس�����مَ �����هُ‬
‫������بّ������ئُ وج�����هَ�����هُ‬
‫وش�������ع�������ري ال يُ ������خ ِ‬
‫ون������ع������م‪ِ :‬‬
‫إنْ ي���ب���ص���م���وا أم����ض����ي وح�����ي�����نَ تلعثموا‬
‫����ط����رِ ال����ش����ع����رِ أنْ ي����رض����ى ب���هِ‬
‫����ع ْ‬
‫�������رف ل ِ‬
‫ش ٌ‬
‫ون������ع������م‪ :‬ومَ �����������نْ س�������������وّاكَ ي������ا غ����������ازي ال‬
‫��������واك فضيلةٌ‬
‫َ‬
‫����ك ع����ن س‬
‫مَ ��������دحُ اخ����ت��ل�افِ َ‬
‫�����رات ت���ص���ن���عُ م���ج��� َده���ا‬
‫ُ‬
‫إنْ ك����ان����ت ال�����ن�����كِ‬

‫��������ص األن�����������������واءُ‬
‫أص���������دافِ ���������ه���������ا ت��������ت��������راق ُ‬
‫������ان تُ�������ض�������اءُ‬
‫�������ان وش������م������ع������ت ِ‬
‫وق�������ص�������ي�������دت ِ‬
‫���������ن ح�����ي�����ن يُ ����������ف����������ارقُ ال�����م�����ي�����ن�����اءُ‬
‫وت���������ئ ُّ‬
‫ت����ب����ك����ي ع����ل����ي����هِ وف��������ي ال��������دم��������وعِ رج��������اءُ‬
‫سَ ������ف������رٌ يُ �������ض�������يءُ ل�������هُ ال�����ط�����ري�����قَ ش����ق����اءُ‬
‫���������وض���������اءُ‬
‫ّ‬
‫������ط������ َر وج���������هُ ���������هُ ال‬
‫ق�������م�������رٌ ت������ق ّ‬
‫������وس‪ ،‬وت������س������ألُ األرج�����������اءُ‬
‫�����ك ال������ش������م َ‬
‫ع�����ن َ‬
‫�������ك‪ ،‬واألح��������ي��������اءُ‬
‫ب���������ال���������وردِ ي�������س�������ألُ ع�������ن َ‬
‫������ي فِ ������������داءُ‬
‫�������م ال������ش������ج ِ ّ‬
‫إنْ ك���������ان ل���ل���أل ِ‬
‫َ��������م اإلب���������������اءِ إب���������اءُ‬
‫�����ك م�������ن ِش��������ي ِ‬
‫ي�����ف�����دي َ‬
‫�����ج�����ب�����ن�����اءُ‬
‫ل�������ي�������دوسَ �������هُ ال�������ش�������رف�������اءُ وال ُ‬
‫وج����������هُ ال�����م�����ن�����ى‪ ،‬وال���������روض���������ةُ ال�����غ�����نّ�����اءُ‬
‫�����ك ال�������ص�������مّ �������انُ وال������ده������ن������اءُ‬
‫ي�����ش�����ت�����اقُ َ‬
‫وخ�������ب�������اءُ‬
‫�����ك خ�����ي�����م�����ةٌ ِ‬
‫ت�����ش�����ت�����اقُ ه�����م�����سَ َ‬
‫ف�������ال�������عَ�������وْدُ أح�������م�������دُ وال���������ب����ل����اءُ ق�����ض�����اءُ‬
‫روح�����������ا يُ����ق����اس����م����ه����ا ال�����ص�����ف�����ا َء ص����ف����اءُ‬
‫ً‬
‫ويُ �������ع�������ان�������قُ ال�����ل�����ي�����لَ ال������ط������وي������لَ ف�����ن�����اءُ‬
‫�������ص ع����ق���� َده����ا ال���ح���س���ن���اءُ‬
‫ع����������ادتْ تُ�������راق ُ‬
‫����������اب واألع������������������داءُ‬
‫أخ������������ب������������ا َر ُه األص����������ح ُ‬
‫وال��������قَ��������دْ حُ ل�����و ت��������دري ال�����خ�����ص�����ومُ ث����ن����اءُ‬
‫�����س�����ف�����ه�����اءُ‬
‫�������ق���ل���اء وال ُ‬
‫ُ‬
‫ال ي�����س�����ت�����وي ال�������ع‬
‫������ج������ه���ل��اءُ‬
‫ال ي�����س�����ت�����وي ال�����ع�����ل�����م�����اءُ وال ُ‬
‫الي������س������ت������وي األُص����������ل���������اءُ وال���������دخ����ل����اءُ‬
‫ع���ن���دم���ا ي���ت���م���اث���لُ األش������ب������ا ُه وال����ن����ظ����راءُ‬
‫ه������ل ت����س����ت����وي ال���������س���������رّاءُ وال���������ض���������رّاءُ ؟‬
‫��������وح�������� َد ال������فُ ������ َرق������اءُ‬
‫���������دن���������ى‪ ،‬وت ّ‬
‫����������ل ال ُّ‬
‫ك ُّ‬
‫أنْ ل�����ي�����س ك����اس����ت����ث����ن����ائ����هِ اس����ت����ث����ن����اءُ‬
‫������������������وات واألح��������ي��������اءُ‬
‫ُ‬
‫س�������ج�������دتْ ل���������هُ األم‬
‫ف����������ال����������داءُ إنْ ش�������������ا َء اإلل���������������هُ دواءُ‬
‫�����وض�����ه�����ا ي���س���ق���ي ال����ن����ع����ي���� َم ه����ن����اءُ‬
‫م�����ن حَ ِ‬
‫����ض ال����خ����ص����ومِ غ���ب���اءُ‬
‫وال����ح����ق����دُ ف�����ي ب����ع ِ‬
‫����������دح����������هُ وح��������ي��������نَ أش����������اءُ‬
‫ُ‬
‫ول��������س��������وف أم‬
‫������ل غ�����������ازي ي����ن����ح����ن����ي اإلط��������������راءُ‬
‫ول������م������ث ِ‬
‫إنْ غ���������ابَ إس�����م�����ي ي����ح����ض����رُ اإلم������ض������اءُ‬
‫������روف ِه�����ج�����اءُ‬
‫������ه������ج������ا َء ول������ل������ح ِ‬
‫�����ت ال ِ‬
‫ك�����ن ُ‬
‫غ�����������ازي‪ ،‬وإنْ ي������رض������ى؛ ف�������ذي نَ����عْ ����م����اءُ‬
‫ذي ف������ي وص������ف������هِ ي�����ت�����ح����� َيّ�����رُ ال����ب����ل����غ����اءُ‬
‫�������ت ع������ن������هُ ج������ري������م������ةٌ ن������ك������راءُ‬
‫وال�������ص�������م ُ‬
‫ف����ال����م����ج����دُ ي����ص����ن����عُ م������ج������ َد ُه ال���ع���ظ���م���اءُ‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪49‬‬

‫أنت أبا يارا؟!‬
‫فأين َ‬
‫َ‬
‫> مالك اخلالدي ‪ -‬السعودية‬
‫�����ك األدب�������ا‬
‫رح�����ل�����تَ ت����ح����م����لُ ف�����ي أع�����ط�����اف َ‬
‫رح�����ل�����تَ ف�����ال�����دم�����عُ واألش��������ع��������ا ُر تسألني‬
‫�����ت أوج�������������اعُ ق���اف���ي���ت���ي‬
‫�����س�����اق�����ط ْ‬
‫رح������ل������تَ ف ّ‬
‫���اف ال�������رؤى شغف ًا‬
‫ك����م ج������الَ ع��ق��ل��ي ب���أط���ي ِ‬
‫ف���م���ا ارت��������وى خ���اف���ق���ي م����ن س����ح����رِ منهلهِ‬
‫�����زن يرسمُ ني‬
‫���ت ط����رف����ي ول��������ونُ ال�����ح ِ‬
‫ق���لّ���ب ُ‬
‫ق���������رأت���������هُ ف�����م�����ض�����ى ح�������رف�������ي ل������ي������ذرف������هُ‬
‫���رات»(‪« )32‬أم��ي��رُ ال���فُ ِ���ل»(‪ )33‬عسجَ دَها‬
‫«أب���ا ال���ف ِ‬
‫�����������ات»(‪ )34‬وال����ح����قُ وال���ش���ه���داءُ والمسرى‬
‫ُ‬
‫«آي‬
‫�����ح�����هُ‬
‫�������ت أذك������������رُ م������ا ج������������ادتْ ق�����رائ ُ‬
‫م�������ازل ُ‬
‫��������ت ب�����ش�����ارتُ�����هُ‬
‫م��������������ازالَ م������ا زالَ م��������ازال ْ‬
‫���ل���أ ال�����ف�����ج����� َر أب������ي������ات������ ًا ت�������ن�������وءُ بها‬
‫وت�������م ُ‬
‫ف��������أي��������نَ أن������������تَ أب����������ا ي������������ارا ت�����ش�����اط�����رُ ن�����ا‬
‫�������������ب ب�������اس�������مٌ زه���������دتْ‬
‫ف������أي������ن غ�����������ازي أدي ٌ‬
‫�����ت‬
‫ف��������أي��������نَ أن����������ت أب����������ا ي������������ارا إذا س�����أل ْ‬
‫ف�������أي�������نَ أن�����������تَ أب���������ا ي�����������ارا إذا ان����ك����ف����أت‬
‫م������اذا س���أس���ق���ي زه������ور ال���ص���ب ِ���ح ح���ي���ن أرى‬
‫ب�����ل س������وف أح�����ت�����ا ُر م�����ا أزج�������ي لطلعتِ ها‬
‫تمنحنا‬
‫ُ‬
‫م�����ن ب����ح����ر أن������دائ������ك ال������� ّزخ�������ا ُر‬
‫ف��������أن��������تَ أن������������تَ ه�����ن�����ا ف��������ي ك��������ل ق����اف����ي����ةٍ‬

‫���ات ن���ج���لُ ال���ض���وء ق���د غربا‬
‫ب��ع��د ال���ف���ي���وض ِ‬
‫����ف����ارِ م���ن ذهبا‬
‫����رف ف���ي أس ِ‬
‫ع���ن ده���ش���ة ال����ح ِ‬
‫���ت ال����ل����ي����لَ وال���كُ ���ت���ب���ا‬
‫ع���ل���ى ش���غ���اف���ي ف���ع���ف ُ‬
‫وص����������ار ي�����ن�����ه�����الُ ف������ي أف�����ي�����ائ�����ـ�����هِ سَ ���غ���ـ���ب���ا‬
‫وم������ا ان���ك���ف���ى ال����������روحُ ع�����ن أوت������������ارهِ طلبا‬
‫وف�������ي اغ�����ت�����راب�����ي أرى م�������نْ دم�����ع�����هِ سببا‬
‫ل����ك����ن����م����ا ال��������ب��������وحُ م�������ن أح���������زان���������هِ ت ِ���ع���ب���ا‬
‫ت��ن��ع��ى‪ ،‬ف��م��ن س����وف ي��ن��ع��ى ف���ارس���ـ��� ًا وث���ب���ا؟!‬
‫ب��ك��ي��ت��ه��م‪ ،‬م����ن س��ي��ب��ك��ي ال����ح����قَ وال���ع���رب���ا؟!‬
‫الحقبا‬
‫ش�����ع�����ر ًا ون�����ث�����ر ًا وم������ا أث�����ـ�����رى ب�����ه ُ‬
‫ت����ض����يءُ ح������زنَ ال���ف���ي���اف���ي ت���م���س���حُ النصبا‬
‫������ون ح����ت����ى ت���ن���ت���ش���ي ط���رب���ا‬
‫م����ف����ات����نُ ال������ك ِ‬
‫������رف واألرزا َء وال���غ���ض���ب���ا‬
‫ره������اف������ َة ال������ح ِ‬
‫���س���ب���ا!‬
‫������وف دن�������ي�������ا ُه ع����م����ا ك�������ان أو ك ِ‬
‫ط������ي ُ‬
‫����ت ت��ش��ت��ك��ي الوصبا‬
‫���ك ال�����زواي�����ا ون����اح ْ‬
‫ع���ن َ‬
‫��������������زان إذ وق���ب���ا‬
‫ِ‬
‫ت���رن���ي���م���ت���ي ودج���������ى األح‬
‫��������ى ن���ب���ع���ا؟!‬
‫دم����وع����ه����ا ه�����ل س���أس���ق���ي���ه���ا أس ً‬
‫ف���م���ا اج����ت����رح����تَ ب����دي����ع���� ًا ح����يّ����ر النُجبا‬
‫����ك ال���ذه���ب���ا‬
‫إش������ع������ا َع ف�����ك�����رٍ وم�������ن ق����ي����ع����ان َ‬
‫������ض ي��������������راعٌ ع��������� ّز م�������ا نضبا‬
‫��������������ل ن������ب ٍ‬
‫َّ‬
‫وك‬

‫ليت شعري لم يبق بعدك شعر‬
‫> طارق اخلالدي ‪ -‬السعودية‬
‫رثاء صادق في رجل طاهر القلب‪ ،‬نظيف اليد‪ ،‬عفيف اللسان‪ .‬كلمات تعكس الفجيعة في رحيله‪.‬‬
‫وك��أن من قالها ‪-‬وه��و بالمناسبة (إم��ام مسجد وطالب في كلية الشريعة)‪ -‬يريد أن يقول لغازي‬
‫القصيبي‪ :‬لقد أخلصت لوطنك‪ ..‬فأحببتنا وأحببناك‪.‬‬

‫‪50‬‬

‫ك�������ي�������ف أغ��������ف��������و وب�������������ي م�������������آس ت�����ط�����ول‬

‫ودم�����������������������وع م������������ن م�������ق�������ل�������ت�������يّ ت����س����ي����ل‬

‫ل�����ي�����ت ش������ع������ري ل�������م ي�����ب�����ق ب������ع������دك شعر‬

‫ع������ن������دم������ا غ�����������اب س�����ي�����ف�����ه ال����م����ص����ق����ول‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫م��������������ات! ال ل��������م ي������م������ت ف�������دت�������ه ع����ي����ون‬

‫ق����������د س�������ب�������اه�������ا ل�������س�������ان�������ه ال�����م�����ع�����س�����ول‬

‫م�����������ات! ب�������ل زار م�������ن أح���������ب ف�����ه�����ل من‬

‫ع��������������ودة رام��������ه��������ا ال����������ف����������ؤاد ال����ع����ل����ي����ل؟‬

‫ف�����ب�����ك�����اه «ال������م������ج������ن������ون» و«ال�����م�����ت�����ن�����ب�����ي»‬

‫و«ن��������������������زار» و«ح����������اف����������ظ» و«ال�����خ�����ل�����ي�����ل»‬

‫و«ف��������ت��������ى ن�������ج�������د» راح ي�����ك�����ت�����ب ش����ع����را‬

‫وق��������ل��������ي��������ل م������������ا ق���������������ال ف��������ي��������ه ق����ل����ي����ل‬

‫ال ي�����ط�����ي�����ق ال������������������وداع م��������ن ذاب ح���ب���ا‬

‫ف�������ي�������ك وال��������ق��������ل��������ب م������ث������خ������ن وق�����ت�����ي�����ل‬

‫ن��������م ف�������ث�������مّ ال������ج������ن������ان إن ش�����������اء رب������ي‬

‫ي������������ا ح������ب������ي������ب������ي وم������������رت������������ع وم�����ق�����ي�����ل‬

‫(‪) 1‬‬
‫(‪ )2‬‬
‫(‪ )3‬‬
‫(‪ )4‬‬
‫(‪) 5‬‬
‫(‪ )6‬‬
‫(‪) 7‬‬
‫(‪ )8‬‬
‫(‪ )9‬‬
‫(‪)10‬‬
‫(‪ )11‬‬
‫(‪ )12‬‬

‫(‪ )13‬‬
‫(‪ )14‬‬
‫(‪) 15‬‬
‫(‪ )16‬‬

‫دورية (سيسرا) – نادي الجوف األدبي – العدد الثالث‪.‬‬
‫صحيفة ‪ 26‬سبتمبر اليمنية العدد ‪ .1481‬تاريخ‬
‫‪2010-8-20‬م‪.‬‬
‫صحيفة (إي �ل��اف) اإلل �ك �ت��رون �ي��ة‪ .‬ت��اري��خ ‪-8-16‬‬
‫‪2010‬م‪.‬‬
‫صحيفة ال �ج��زي��رة ال �ع��دد ‪ 13838‬ت��اري��خ ‪-8-18‬‬
‫‪2010‬م‪.‬‬
‫صحيفة (الحياة) تاريخ ‪2010-8-20‬م‪.‬‬
‫صحيفة (ال�ج��زي��رة) العدد ‪ 13838‬تاريخ ‪-8-18‬‬
‫‪2010‬م‪.‬‬
‫صحيفة (الوطن) السعودية‪ .‬تاريخ ‪2010-8-18‬م‪.‬‬
‫غازي القصيبي‪ :‬مصالحات‪ ...‬ومغالطات وقضايا‬
‫أخرى‪ ،‬دار سعاد الصباح‪1997 ،‬م‪.‬‬
‫غ ��ازي ال�ق�ص�ي�ب��ي‪ :‬س�ب�ع��ة‪ ،‬دار ال�س��اق��ي للطباعة‬
‫والنشر‪2003 ،‬م‪.‬‬
‫غازي القصيبي‪ :‬العصفورية‪ ،‬دار الساقي للطباعة‬
‫والنشر‪1996 ،‬م‪.‬‬
‫غ��ازي القصيبي‪ :‬دن�س�ك��و‪ ،‬دار ال�س��اق��ي للطباعة‬
‫والنشر‪2002 ،‬م‪.‬‬
‫غازي عيدالرحمن القصيبي‪ ،‬هل للشعر مكان في‬
‫ال�ق��رن العشرين‪ ،‬مجلة المعرفة (س��وري��ا)‪ ،‬أبريل‬
‫‪1978‬م‪ ،‬دمشق‪ ،‬ص‪ .‬ص‪.5-4‬‬
‫غازي عيدالرحمن القصيبي‪ ،‬هل للشعر مكان في‬
‫القرن العشرين‪ ،‬ن‪ ،‬م‪ ،‬س‪ ،‬ص‪.5‬‬
‫غازي القصيبي‪ :‬شقة الحرية‪ ،‬ط‪ ،2‬رياض الريس‬
‫للكتب والنشر‪ ،‬بيروت‪ ،‬لبنان‪1994 ،‬م‪ ،‬ص‪.18‬‬
‫نفسه‪ :‬ص‪.104‬‬
‫نفسه‪ :‬ص‪.35‬‬

‫(‪) 17‬‬
‫(‪ )18‬‬
‫(‪ )19‬‬
‫(‪ )20‬‬

‫(‪) 21‬‬
‫(‪ )22‬‬
‫(‪ )23‬‬
‫(‪) 24‬‬
‫(‪ )25‬‬
‫(‪ )26‬‬

‫(‪ )27‬‬
‫(‪ )28‬‬
‫(‪) 29‬‬
‫(‪ )30‬‬
‫(‪ )31‬‬
‫(‪ )32‬‬
‫(‪) 33‬‬
‫(‪ )34‬‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫ال��������������دواوي��������������ن م����������ن ف����������راق����������ك ج�����دب�����ا‬

‫وال����������ق����������واف����������ي أص��������اب��������ه��������ن ال��������ذه��������ول‬

‫نفسه‪ :‬ص‪.36-35‬‬
‫نفسه‪ :‬ص‪.463‬‬
‫القرآن الكريم‪ -‬سورة الروم‪ -‬آية‪.54 :‬‬
‫سلسلة األحاديث الصحيحة للشيخ األلباني رحمه‬
‫الله ‪-‬رق��م ‪ -2798‬صفحة ‪ 511‬بعناية أبي عبيدة‬
‫مشهور بن حسن آل سلمان‪.‬‬
‫أمام األربعين‪ -‬ديوان الح مى صفحة ‪.655‬‬
‫في أصابع الخمسين ‪ -‬دي��وان واللون عن األوراد‬
‫صفحة ‪.33‬‬
‫قصيدة‪ :‬حديقة الغروب من ديوان حديقة الغروب‬
‫صفحة ‪.13‬‬
‫بضمتين‪..‬‬
‫المرجع السابق صفحة ‪.14‬‬
‫ابن زهر (الحفيد) وش��اح األندلس للدكتور فوزي‬
‫سعد عيسى‪ -‬كلية اآلداب‪ -‬جامعة اإلسكندرية‪-‬‬
‫صفحة ‪.139‬‬
‫دي��وان��ه‪ :‬حديقة ال �غ��روب قصيدة شاعر البحرين‬
‫صفحة ‪.53‬‬
‫ديوانه حديقة الغروب قصيدة لك الحمد صفحة‬
‫‪.66-64‬‬
‫ديوان حديقة الغروب صفحة ‪.24‬‬
‫ديوان حديقة الغروب صفحة ‪.29‬‬
‫ديوان حديقة الغروب قصيدة عادل صفحة‪.51‬‬
‫«أب��ا ال �ف��رات» قصيدة للراحل رث��ى فيها الشاعر‬
‫الكبير محمد مهدي الجواهري‪.‬‬
‫«أمير الفل» قصيدة رثى فيها نزار قبّاني‪.‬‬
‫«آيات» إشارة لقصيدته التي رثى فيها االستشهادية‬
‫الفلسطينية آيات األخرس‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪51‬‬

‫اللهجات العربية في القرآن الكرمي‬
‫> احلسني اإلدريسي*‬

‫ال يعد هذا الموضوع وليد الساعة‪ ،‬فلقد بحثه القدماء بحثا عميقا في جل فصوله‬
‫وأبوابه وقلبوا قضاياه ظهرا عن بطن‪ ،‬ألنه موضوع يتجذر في القدم‪ ،‬وال بد من القول إن‬
‫العلماء القدماء الذين تناولوا موضوع اللغة بالدرس والتحليل والبحث‪ ،‬كانوا يملكون‬
‫كثيرا من الشجاعة واإلقدام العلميين‪ ،‬وقد فاق بعضهم ‪-‬حتى من تأخر بهم الزمن إلى‬
‫وقتنا هذا‪ -‬واستفادوا من الثروات العلمية والمنهجية‪ ،‬ومرد ذلك إلى أن الخلفيات التي‬
‫تحكم بعض المعاصرين‪ ،‬كانت في الغالب تقف حائال بينهم وبين الحقيقة العلمية‪،‬‬
‫فكيف ينظر القدماء إلى اللغة في ذاتها من جانب؟ وإلى لغة القرآن الكريم من جانب‬
‫آخر؟‬
‫وكانت إجابة القرآن الكريم واضحة في قوله تعالى‪« :‬وما أرسلنا من رسول إال بلسان‬
‫قومه»‪ ،‬واآلية القرآنية واضحة‪ ،‬تخبر بأن لسان الرسل المبعوثين إلى أقوامهم هو لسان‬
‫أقوامهم ذاته‪ ،‬فقد بعث الرسول صلى الله عليه وسلم إلى قومه في الجزيرة العربية‪،‬‬
‫وقومه هم العرب بصفة عامة‪ ،‬وكان ال بد من مراعاة االختالفات اللهجية التي كانت‬
‫منتشرة بين تلك القبائل العربية‪.‬‬

‫‪52‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫دراس����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ات‬

‫‪-1‬اللغة واللهجة في عرف القدماء والمحدثين‪:‬‬
‫أ‪ -‬مفهوم اللغة عند القدماء‪:‬‬
‫ق��ال أب��و ال�ف�ت��ح ع�ث�م��ان ب��ن ج �ن��ي‪ ...« :‬حد‬

‫اللغة أص��وات يعبر بها كل ق��وم عن أغراضهم‪،‬‬

‫وأما تصريفها ومعرفة حروفها فإنها فعلة‪ .‬من‬

‫لغوت‪ ،‬أي تكلمت وأصلها لغوة‪ ،‬ككرة وقلة وثبة‪،‬‬
‫كلها الماتها واوات لقولهم كووت بالكرة وقلوت‬
‫ال�ق�ل��ة‪ ،‬وك��ذل��ك ال�ل�غ��و‪ ،‬ق��ال تعالى {وإذا مروا‬

‫باللغو مروا كراما} أي بالباطل‪ ،‬وفي الحديث‬

‫«من قال في الجمعة صه فقد لغا» أي تكلم‬

‫(‪)1‬‬

‫وقال إمام الحرمين في «البرهان»‪ :‬اللغة من لغي لغة ال �ح �ج��از»(‪ )6‬وك��ذل��ك م��ا ذه��ب إليه أب��و زيد‬
‫يلغي من باب رضي إذا لهج بالكالم وقيل من لغى األن �ص��اري ف��ي (ال �ن��وادر ف��ي اللغة) حين يذكر‬
‫(‪)2‬‬
‫يلغى وقال ابن الحاجب حد اللغة كل حد وضع مجموعة من الظواهر اللغوية ويردها إلى لغتها؛‬
‫لمعنى(‪.)3‬‬
‫أي إلى لهجتها‪ ،‬وينبه إبراهيم أنيس إلى مصطلح‬

‫وق ��ال األس �ن��وي ف��ي ش ��رح م�ن�ه��اج األص ��ول‪ :‬آخر استعمله القدماء للتعبير عن اللهجة‪ ،‬وهو‬
‫اللغات عبارة عن األلفاظ الموضوعة للمعاني(‪ ،)4‬مصطلح ال�ل�ح��ن‪ ،‬ف��ي ق��ول أع��راب��ي‪ :‬ليس هذا‬

‫وما نستنبطه من هذه التعريفات التي تكاد تجمع لحني وال لحن قومي(‪.)7‬‬
‫على التعريف الذي قدمه ابن جني‪ ،‬هو أن اللغة‬

‫أصوات‪ ،‬ويتمم ابن جني بالوظيفة‪ ،‬وهي التعبير‬

‫عن األغ��راض‪ ،‬وهذا ما وجدناه في تعريف ابن‬
‫الحاجب واألسنوي والجويني‪.‬‬

‫ب‪-‬مفهوم اللهجة لدى القدماء‪:‬‬

‫ت‪-‬مفهوم اللغة واللهجة عند المحدثين‪:‬‬
‫ي�ع��رف إب��راه�ي��م أن�ي��س اللغة ب�ق��ول��ه‪« :‬اللغة‬

‫تشتمل ع ��ادة ع�ل��ى ع��دة ل�ه�ج��ات ل�ك��ل منها ما‬
‫ي�م�ي��زه��ا‪ ،‬وج�م�ي��ع ه ��ذه ال�ل�ه�ج��ات ت�ش�ت��رك في‬
‫مجموعة من الصفات اللغوية والعادات الكالمية‬

‫لم يفرق العلماء القدماء بين اللغة واللهجة‪ ،‬التي تؤلف لغة مستقلة عن غيرها من اللغات(‪.)8‬‬
‫واستعملوا اللغة‪ ..‬وأرادوا بها اللهجة‪ ،‬فها هو أما في تعريفه للهجة فيذهب إلى القول «اللهجة‬

‫سيبويه ف��ي ب��اب سماه «ه��ذا م��ا أج��رى مجرى في االصطالح الحديث مجموعة من الصفات‬
‫ليس في بعض المواضع بلغة أه��ل الحجاز ثم اللغوية‪ ،‬تنتمي إلى بيئة خاصة‪ ،‬ويشترك في هذه‬
‫يصير على أصله»(‪.)5‬‬

‫الصفات جميع أفراد هذه البيئة؛ أما مندريس‪..‬‬

‫وه���ذا م��ا ذه ��ب إل �ي��ه ال�س�ي��وط��ي أي �ض��ا في فيذهب في تعريفه للهجة إل��ى أن اللهجة أوال‬

‫اإلتقان في باب سماه «ما وقع في القرآن بغير وقبل كل شيء‪ ،‬كيان لغوي‪ ،‬ويفسر العالقة بين‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪53‬‬

‫اللهجة واللغة قائال‪« :‬تقوم اللغات المشتركة‬

‫كلها أسماء مشوهة الحدود‪ ،‬ووحدات ضخمة‬

‫اللغة ال�م��وج��ودة لغة مشتركة م��ن جانب أفراد‬

‫ال يرضي البحث الحديث‪.‬‬

‫دائما على أساس لغة موجودة‪ ،‬حيث تتخذ هذه‬
‫مختلفي التكلم‪ ،‬وتفسير الظروف التاريخية تغلب‬

‫ه��ذه اللغة وتعليل انتشارها ف��ي جميع مناطق‬

‫التكلم المحلي المختلفة‪ ،‬وهذا ما حدث في بالد‬
‫اإلغريق القديمة(‪.)9‬‬

‫أم��ا تمام حسان فيعرف اللغة بأنها ظاهرة‬

‫اجتماعية تقع في مجال علم االجتماع(‪.)10‬‬

‫‪ -2‬جغرافية اللهجات العربية‪:‬‬

‫وشاسعة‪ .‬فدراسة اللهجات على هذا النظام‬
‫‪ -2‬إن الحجاز وتميم كالهما من القبائل الضخمة‬
‫ذات الفروع والبطون المتعددة‪ ،‬وكثيرا ما نجد‬

‫لهجات هذه الفروع تخالف لهجة القبيلة األم‪،‬‬
‫ثم إن بعض بطون هذه القبائل نفرت عنها‬

‫وعاشت في أماكن عديدة‪ ،‬فدراسة اللهجات‬
‫ع��ن ط��ري��ق ت�ل��ك ال ��وح ��دات ال�ض�خ�م��ة‪ ،‬فيه‬

‫خطورة وخروج عن المنهج السليم‪.‬‬

‫اختلف ال��دارس��ون فيما بينهم بشأن تقسيم ‪ -3‬إذا وجهنا النظر إلى الخالف بين الكتلتين‬
‫الحجازية والتميمية؛ فيعني هذا أننا سنبتر‬
‫الجزيرة‪ ،‬فالمدايني يرى أنها تشتمل على خمسة‬
‫أقسام‪ :‬تهامة ونجد والحجاز والعروض واليمن‪،‬‬
‫وزاد ابن حوقل في أقسامها بادية العراق وبادية‬
‫الجزيرة فيما بين دجلة والفرات‪ ،‬وبادية الشام‪،‬‬

‫وجعل البشاري جزيرة العرب أرب��ع كور جليلة‪،‬‬

‫م��ا ع��داه��ا م��ن ال �س �م��ات اللهجية للقبائل‬

‫المغمورة الذكر‪ ،‬وستكون الدراسة اللهجية‬
‫ق��اص��رة وم �ح��دودة‪ ،‬وال تمثل اللهجات في‬

‫الجزيرة تمثيال صحيحا‪.‬‬

‫وأربع نواح نفيسة‪ ،‬والكور أولها‪ :‬الحجاز ثم اليمن ‪ -4‬إن أخ��ذ تميم والحجاز في االعتبار يضيع‬
‫ثم عمان‪ ،‬ثم هجر والنواحي‪ ،‬األحقاق واألشجار‬
‫على الباحث لهجات المدن كمكة والطائف‪،‬‬

‫واليمامة وقرح(‪.)11‬‬

‫ويضيع كذلك لهجات األفخاذ والفصائل‪.‬‬

‫وق� ��د أدى ه� ��ذا االخ� �ت�ل�اف ف ��ي التقسيم ولم يقتصر القصور المنهجي في دراسة اللهجات‬
‫الجغرافي‪ ،‬إلى اختالف في المنهج الذي يمكن أن‬
‫ال�ع��رب�ي��ة ح�س��ب ت��وزي�ع�ه��ا وجغرافيتها على‬

‫‪54‬‬

‫تدرس به هذه اللهجات وتصنف‪ ،‬ومن الدارسين‬

‫المستشرقين والمعاصرين فقط‪ ،‬بل وجد‬

‫اللهجية إلى الخالف بين الحجازية والتميمية‪،‬‬

‫فسيبويه في الكتاب ال يولي اهتماما كبيرا‬

‫إال قليال جدا عن سواهما‪ ،‬ولذلك ال يتمكن من‬

‫الحجاز وتميم‪ ،‬وتبعه في ذلك البغدادي‪ ،‬وابن‬

‫علم الدين الجندي إلى معارضة هذا التقسيم‪،‬‬

‫ومثال ذلك ما حكاه الصنعاني في التصريح‬

‫‪ -1‬إن كلمة الشرق أو الغرب أو الحجاز وتميم‪،‬‬

‫منها إال صيغتين‪ ،‬واح��دة لتميم‪ ،‬واألخرى‬

‫الغربيين ذهب (‪ )Sara w‬إلى إرجاع كل الفروق‬

‫هذا التعامل مع الموضوع حتى عند القدماء‪،‬‬

‫كما رأى رابين أنسيانت (‪ )An Cient‬أنه ال يعمل‬

‫للهجات األخرى‪ ،‬ويحتفل احتفاال كبيرا بلهجتي‬

‫أخذ غيرهما في االعتبار‪ .‬ويذهب الدكتور أحمد‬

‫يعيش في إهمال لهجات البطون المغمورة‪،‬‬

‫ألسباب يعدها على الشكل اآلتي‪:‬‬

‫من أن (هيهات) ست وثالثين لغة‪ ،‬ثم ال يذكر‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫وأسباب هذا اإلهمال كثيرة‪ ،‬منها التعصب‬

‫القبلي ومعيار الغلبة‪ ،‬ومنها اعتبار بعض اللهجات‬
‫شذوذا أو عيبا في الكالم «وفي كتب اللغة إشارات‬

‫إلى بعض المذموم من لهجات العرب‪ ،‬من ذلك‬
‫الكشكشة وهي في ربيعة ومضر‪ ،‬يجعلونه كاف‬
‫الخطاب شيناً‪ ،‬فيقولون رأيتكش وعليكش وفي‬

‫ذلك أنشد قائلهم‪:‬‬

‫فعيناش عينها وجيدش جيدها‬
‫ول���ون���ش إال أن���ه���ا غ��ي��ر عاطل‬
‫وم��ن ذل��ك الفحفحة ف��ي لغة هذيل يجعلون‬

‫الحاء عينا(‪ .)13‬ومن ذلك الطمطمانية في لغة‬

‫حمير كقولهم طاب أمهواء أي طاب الهواء(‪،)14‬‬

‫ومن ذلك الجعجعة في لغة قضاعة‪ ،‬يجعلون الياء‬

‫المشدودة جيما فيقولون في تميمي‪ :‬تميمج(‪.)15‬‬
‫ومن ذلك شنشنة اليمن تجعل الكاف شينا مطلقا‬
‫ك �ـ لبيش اللهم لبيش؛ أي ل �ب �ي��ك‬

‫(‪)16‬‬

‫لخلخانية‬

‫أع��راب الشخر‪ ،‬وعمان كقولهم‪ :‬مشا الله كان‪:‬‬
‫أي ما شاء الله ك��ان(‪ .)17‬وعنعنة تميم‪ ،‬وإن كان‬

‫ال��دارس��ون م��ن ال�ق��دم��اء والمحدثين يقسمون‬
‫المنطقة إلى كتلة شرقية وأخرى غربية‪ ،‬فإن هذا‬
‫التقسيم وه��ذا المنهج ال يخل من تعسف‪ ،‬وال‬
‫يحيط بالمادة كلها‪ ،‬ألننا نجد اختالفا لهجيا بين‬

‫قبائل الكتلة الشرقية نفسها‪ ،‬وبين الكتلة الغربية‬
‫نفسها‪ ،‬بل إننا نجد اختالفا لهجيا بين القبيلة‬
‫الواحدة «فقد قال أبو زيد‪ :‬لمق الشيء‪ ،‬كتبه في‬
‫لغة عقيل‪ ،‬وسائر قيس يقولون‪ :‬لمقه‪ :‬محاه‬

‫(‪)18‬‬

‫وقد ذكرت كتب األنساب بأن عقيال من قيس‪،‬‬

‫ومع ذلك اختلفت قيس القبيلة األم مع بطن من‬
‫بطونها(‪ .)19‬ويسوق السيرافي نصا مضمونه «أن‬
‫قوما من ربيعة يقولون «منهم في منهم» ويعلل‬

‫دراس����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ات‬

‫للحجاز دون غيرهما»(‪.)12‬‬

‫سيبويه لذلك فيقول‪« :‬أتبعوها الكسرة ولم يكن‬
‫المسكن حاجزا محسنا عندهم»‪ .‬ويستفاد من‬
‫هذا النص أن بعض ربيعة اختلفت عن بعضها‬
‫اآلخر‪ ،‬فمنهم من كسر‪ ،‬ومنهم من ضم‪ ،‬وحكى‬
‫أبو محمد البطليوسي في كتاب الفرق أن بني‬
‫ضبة يقولون‪ :‬فاظت نفسه بالظاء‪ ،‬وفي الغريب‬
‫المضف‪ :‬أن ناسا من بني تميم يقولون‪ :‬فاضت‬
‫نفسه(‪ )20‬وتذكر كتب الجغرافيا واألنساب بأن‬
‫منازل ضبة كانت في جوار بني تميم‪ ،‬وإخوتهم‬
‫فمنهم إخوتهم في النسب‪ ،‬وجيرانهم في علم‬
‫الجغرافيا ومع هذا فكل قبيلة اتخذت لها مجرى‬
‫لهجيا يخالف القبيلة األخرى(‪.)21‬‬

‫‪ -3‬لغة القرآن الكريم‪:‬‬
‫ن��زل ال�ق��رآن بلسان ق��وم ال��رس��ول صلى الله‬
‫عليه وسلم‪ ،‬وقومه هم ال�ع��رب‪ ،‬وال�ع��رب قبائل‬
‫وب �ط��ون تختلف لهجاتهم ح�ت��ى داخ ��ل القبيلة‬
‫الواحدة‪ ،‬وهذا يعني أن القرآن الكريم قد ضم‬
‫هذه الفسيفساء الجغرافية داخل الجزيرة وحتى‬
‫خارجها بدقة متناهية‪ ،‬لكن اآلراء تختلف حول‬
‫هذه المسألة‪ ..‬وتتوزع بين أربعة اتجاهات‪ ،‬نورد‬
‫أهمها في االتجاهين التاليين‪:‬‬
‫األول‪ :‬اعتبر هذا االتجاه أن القرآن الكريم‬
‫نزل بلهجة قريش‪ ،‬معتبرا أن قومه ال��واردة في‬
‫اآلي��ة تعود لقريش‪ ،‬وبما أن الرسول صلى الله‬
‫عليه وسلم منها‪ ،‬فقد ن��زل بلسانها‪ ،‬وسندهم‬
‫في ذلك بعض األحاديث النبوية‪ ،‬ومنها ما رواه‬
‫البخاري‪« :‬حدثنا أبو اليمان‪ ،‬أخبرنا أبو شعب‬
‫األزه ��ري‪ ،‬أخبرني أن��س ب��ن م��ال��ك‪ ،‬ق��ال‪ :‬فأمر‬
‫عثمان زيد بن ثابت وسعد بن العاص‪ ،‬وعبد الله‬
‫ابن الزبير‪ ،‬وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام‬
‫أن ينسخوها ف��ي ال�م�ص��اح��ف‪ ،‬وق��ال ل�ه��م‪ ،‬إذا‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪55‬‬

‫اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في عربية من عربية من طريق واحد وعشرين صحابيا(‪ )26‬حول رسول‬

‫القرآن‪ ،‬فاكتبوها بلسان قريش‪ ،‬فإن القرآن نزل الله عليه الصالة السالم‪« :‬إن هذا القرآن أنزل‬

‫بلسانهم‪ ،‬ففعلوا(‪.)22‬‬

‫ويستفيد بعضهم في ترجيح هذا الرأي إلى‬

‫على سبعة أحرف فاقرأوا ما تيسر منه»‪.‬‬

‫وقد ع ّد الطبري هذا االختالف في الحروف‬

‫أن قريش أفصح العرب لغة‪ ،‬قال ابن فارس في السبعة‪ ،‬اختالفا في األلفاظ كقولك‪ :‬هلم وتعال‬

‫هذا الشأن «أجمع علماؤنا بكالم العرب والرواة ب��ات�ف��اق ال�م�ع��ان��ي‪ ،‬ال ب��اخ�ت�لاف م�ع��ان��ي موجبة‬
‫ألشعارهم والعلماء بلغاتهم وأيامهم أن قريشا اختالف أحكام(‪.)27‬‬

‫أف �ص��ح ال �ع��رب أل�س�ن��ة‪ ،‬وأص �ف��اه��م ل �غ��ة‪ ،‬وذلك‬

‫وذهب آخرون إلى الربط بين السبعة أحرف‬

‫أن الله ج��ل ث�ن��اؤه اخ�ت��اره��م م��ن جميع العرب‪ ،‬ولغات العرب‪ ،‬ومنهم ابن عطية في قوله‪ :‬معنى‬
‫واصطفاهم واختار منهم نبي الرحمة محمدا قول النبي صلى الله عليه وسلم «أن��زل القرآن‬

‫صلى الله عليه وسلم‪ ،‬وكانت على فصاحتها‪،‬‬
‫وحسن لغاتها‪ ،‬ورق��ة ألسنتها‪ ،‬إذا أتتهم الوفود‬

‫من العرب‪ ،‬تخيروا من كالمهم وأشعارهم أحسن‬

‫لغاتهم وأصفى كالمهم‪ ،‬فاجتمع ما تخيروا من‬
‫تلك اللغات إلى نحائزهم وسالئقهم التي طبعوا‬

‫عليها‪ ،‬ف�ص��اروا بذلك أفصح ال �ع��رب(‪ .)23‬وقال‬

‫ثعلب‪ :‬ارتفعت قريش في الفصاحة عن عنعنة‬
‫تميم‪ ،‬وتلتلة بهراء‪ ،‬وكسكسية ربيعة‪ ،‬وكشكشة‬

‫هوازن‪ ،‬وتضجع قريش‪ ،‬وعجرفية ضبة(‪.)24‬‬

‫الثاني‪ :‬وتعد لغة القرآن هي لغة العرب كافة‪،‬‬

‫وسندهم ف��ي ذل��ك بعض اآلي��ات القرآنية مثل‬

‫قوله تعالى‪« :‬قرآنا عربيا غير ذي عوج» وقوله‬

‫تعالى‪« :‬كذلك أنزلناه قرآنا عربيا»‪ .‬وقوله جلت‬

‫قدرته‪« :‬إنا أنزلناه قرآنا عربيا»‪ ،‬وفسروا عربيا‬
‫بمعنى جميع لغات العرب‪ ،‬وع��دَّ السيوطي في‬
‫كتابه «اإلتقان في علوم القرآن» اللهجات العربية‬

‫الواردة في القرآن الكريم وأورد نماذجها(‪.)25‬‬

‫على سبعة أح��رف»‪ ،‬أي فيه عبارة سبع قبائل‪،‬‬
‫بلغة جملتها نزل القرآن‪ ،‬فيعبر عن المعنى فيه‬
‫مرة بلغة قريش‪ ..‬ومرة بعبارة هذيل‪ ..‬ومرة بغير‬

‫ذلك بحسب األفصح واألوجز في اللفظ(‪.)28‬‬

‫وفسر بعضهم السبعة أحرف باألحكام‪ ،‬فقال‬

‫أبو شامة إن قوما ذهبوا في قول النبي صلى الله‬

‫عليه وسلم «أنزل القرآن على سبعة أحرف»‪ ،‬على‬
‫أنها سبعة أنحاء وأصناف‪ ،‬فمنها زاج��ر ومنها‬
‫آمر‪ ،‬ومنها عن ابن مسعود عن النبي صلى الله‬

‫عليه وسلم قال‪« :‬كان الكتاب األول نزل من باب‬
‫واحد على حرف واحد‪ ،‬ونزل القرآن من سبعة‬
‫أب ��واب على سبعة أح ��رف‪ ،‬زاج��ر وآم��ر وحالل‬

‫وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال‪ ،‬فأحلوا حالله‪،‬‬

‫وحرموا حرامه‪ ،‬وافعلوا ما أمرتم به‪ ،‬وانتهوا عما‬

‫نهيتم عنه‪ ،‬واعتبروا بأمثاله‪ ،‬واعملوا بمتشابهه‪،‬‬

‫وقولوا آمنا به كل من عند ربنا»(‪.)29‬‬

‫وذك ��ر ال�ق��رط�ب��ي ف��ي تفسيره ع��ن أب��ي بكر‬

‫القراءات القرآنية وعالقتها باللهجات ال�ب��اق�لان��ي ق ��ال‪ :‬ت��دب��رت وج ��وه االخ �ت�لاف في‬

‫العربية‪:‬‬

‫ال�ق��راءة فوجدتها سبعا‪ ،‬منها ما تتغير حركته‬

‫يورد السيوطي في إتقانه حديثا نبويا مرفوعا وال يزول معناه وال صورته‪ ،‬مثل «هن أطهر لكم‪،‬‬

‫‪56‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫دراس����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ات‬

‫وأط�ه��ر‪ ،‬ويضيق ص��دري ويضيق‪ ..‬ومنها ما ال هي حية للهجاتهم‪ ،‬وأرى أن القراءة وإن شذت‪،‬‬
‫تتغير صورته ويتغير معناه باإلعراب مثل «ربنا هي أقوى من تراث النثر والشعر على السواء‪،‬‬
‫باعد بين أسفارنا «وباعد ومنها ما تبقى صورته يقول الفراء‪ :‬والكتاب أعرب وأقوى في الحجة‬
‫ويتغير معناه باختالف ال�ح��روف مثل ننشرها من الشعر(‪ )32‬ولهذا قامت حركة علمية للدفاع‬
‫ون �ن �ش��زه��ا‪ ،‬وم�ن�ه��ا م��ا يتغير ص��ورت��ه «كالعهن عن القراءات الشاذة(‪.)33‬‬
‫المنفوش» وكالصوف المنقوش» ومنها بالزيادة‬
‫‪ -4‬اللهجات العربية في القرآن الكريم‪:‬‬
‫والنقصان مثل «تسع وتسعون نعجة أنثى» وقوله‬
‫كثيرا ما ك��ان الصحابة يتوقفون عند بعض‬
‫«وأما الغالم فكان كافرا وكان أبواه مومنين»(‪.)30‬‬
‫األلفاظ الواردة في القرآن عاجزين عن شرحها‪،‬‬
‫وي��ورد السيوطي في اإلت�ق��ان رأي��ا آخ��ر البن‬
‫ألنها لم تجر على لسانهم‪ ،‬وال تنتمي إلى قاموس‬
‫سعدان النحوي‪ :‬أنه ليس المراد بالسبعة حقيقة‬
‫لهجة قبيلتهم‪ ،‬وسماه العلماء بالغريب في القرآن‬
‫ال�ع��دد‪ ،‬بل ال�م��راد التسيير والتسهيل والسعة‪،‬‬
‫الكريم‪ ،‬واف ��رده بالتصنيف خالئق ال يحصون‬
‫ولفظ السبعة يطلق على إرادة الكثرة في اآلحاد‬
‫منهم‪:‬أبو عبيدة‪ ،‬وأبو عمر الزاهد‪ ،‬وابن دريد‪،‬‬
‫كما يطلق السبعون في العشرات والسبعمائة في‬
‫وم��ن أش�ه��ره��ا ك �ت��اب ال �ع��زي��زي‪ ،‬ف�ق��د أق ��ام في‬
‫المئين وال يراد العدد المعين‪.‬‬
‫تأليفه خمسة عشر س�ن��ة‪ ،‬ي�ح��رره ه��و وشيخه‬
‫ويجمل السيوطي ال�ق��ول ف��ي ه��ذه المسألة أبو بكر األن �ص��اري(‪ .)34‬وها هم الصحابة‪ ،‬وهم‬
‫في كتاب اإلتقان بأن العلماء اختلفوا في هذه العرب العرباء وأصحاب اللغة الفصحى‪ ،‬ومن‬
‫المسألة على نحو أربعين قوال‪ ،‬وذكر منها خمسة نزل القرآن عليهم وبلغتهم‪ ،‬توقفوا في ألفاظ لم‬
‫وثالثين(‪.)31‬‬
‫يعرفوا معناها‪ ،‬فلم يقولوا فيها شيئا‪ ،‬فأخرج أبو‬

‫وليست القراءات السبعة وحدها مصدرا من عبيدة في الفضائل عن إبراهيم التميمي أن أبا‬
‫مصادر اللهجات العربية بل تشاركها القراءات بكر الصديق سئل عن قوله تعالى {وفاكهة وأبا}‪،‬‬
‫ال� �ش ��اذة‪ ،‬ألن ل �ه��ا س �ن��دا م��ن ص �ح��ة الرواية‪ ،‬فقال أي سماء تظلني‪ ،‬وأي أرض تقلني‪ ،‬إن أنا‬
‫وموافقتها وجها من وجوه العربية‪ ،‬ولهذا كان ابن قلت في كتاب الله ماال أعلم‪ ،‬وأخ��رج عن أنس‬
‫جني على حق عندما وثق الشاذ واحتج له‪ ،‬ثم أن عمر ابن الخطاب قرأ على المنبر {وفاكهة‪،‬‬
‫حاول ابن جني أن يعلن توثيقه للشاذ «ولعله أو وأبا} فقال هذه الفاكهة قد عرفناها‪ ،‬فما األب‪،‬‬
‫كثيرا منه مساو في الفصاحة للمجتمع عليه‪ ...‬ثم رج��ع إل��ى نفسه فقال إن ه��ذا لهو الكلف يا‬
‫والرواية تنميه إلى الرسول عليه السالم‪ ،‬والله عمر‪ ،‬وأخرج عن طريق مجاهد ابن عباس‪ ،‬قال‪:‬‬
‫تعالى يقول‪{ :‬ما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم كنت ال أدري م��ا فاطر ال�س�م��اوات حتى أتاني‬
‫عنه فانتهوا}‪ .‬وما القراءات الشاذة في نظرنا إال أعرابيان يختصمان في بئر‪ ،‬فقال أحدهما‪ :‬أنا‬
‫صورة نابضة بالحياة لكثير من لهجات القبائل فطرتها‪ ،‬يقول أنا ابتدأتها(‪ .)35‬وأخرج ابن جريج‬
‫العربية‪ ،‬ولكن هذه القبائل ‪-‬لم تنل نصيبا من عن سعيد بن جبير أنه سئل عن قوله {وحنانا‬
‫المجد والجاه‪ -‬فحكموا بشذوذ قراءاتهم التي من لدنا} فقال‪ :‬سألت عنها ابن عباس فلم يجب‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪57‬‬

‫فيها بشيء‪ ،‬وأخ��رج الفرياني حدثنا إسرائيل‪،‬‬
‫حدثنا سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس‬
‫قال‪ :‬كل القرآن أعلمه إال أربعا‪ :‬غسلين‪ ،‬وحنانا‪،‬‬
‫وأواه‪ ،‬والرقيم‪ ،‬وأخرج من طريق ابن عباس قال‬
‫ما أدري ما الغسلين ولكني أظنه الزقوم‪.‬‬

‫وق��ال أب��و بكر الواسطي في كتابه «اإلرشاد‬

‫في القراءات العشر»‪« :‬وفي القرآن من اللغات‬
‫خمسون لغة‪ ،‬لغة قريش وهذيل وكنانة وخثعم‬

‫وال �خ��زرج وأش�ع��ر ونمير وقيس غيالن وجرهم‬

‫واليمن وأزد شنوءة وكندة وتميم وحمير ومدين‬

‫وكان الشعر مادة أساسية يستعملها المفسرون ول�خ��م وس�ع��د العشيرة وح�ض��ر م��وت وسدوس‬
‫لحل غريب القرآن ومشكله‪ ،‬وأنكر جماعة ال علم وال�ع�م��ال�ق��ة وأن �م��ار وغ �س��ان وم��ذح��ج وخزاعة‪،‬‬
‫لهم على النحويين ذلك وقالوا‪ :‬إذا فعلتم ذلك‪ ،‬وغطفان وسبأ وعمان وبنو خيفة وثعلب وطي‬
‫جعلتم الشعر أصال للقرآن‪ ،‬قالوا‪ :‬وكيف يجوز وعامر بن صعصعة وأوس ومزينة وثقيف وجذام‬
‫أن يحتج بالشعر على ال�ق��رآن وه��و مذموم في وعذرة وهوازن والنمر واليمامة(‪.)38‬‬
‫ال�ق��رآن وال�ح��دي��ث‪ ،‬ق��ال‪ :‬وليس كما زع�م��وه من‬
‫وع��ن ه��ذه اللهجات العربية كتب كثير من‬
‫أنا جعلنا الشعر أصال للقرآن‪ ،‬بل أردن��ا تبيين العلماء وأحصوها إحصاء يضيق المقام بذكرها‬
‫الحرف الغريب من القرآن بالشعر ألن الله تعالى ك �ل �ه��ا‪ ،‬ون��أت��ي ببعضها ع �ل��ى س�ب�ي��ل ال �م �ث��ال ال‬
‫قال‪« :‬إنا جعلناه قرآنا عربيا» و»قال «بلسان عربي الحصر‪ ،‬أخرج أبو عبيدة من طريق عكرمة عن‬
‫مبين» وقال ابن عباس الشعر ديوان العرب‪ ،‬فإذا ابن عباس في قوله‪« ،‬وأنتم سامدون»‪ ،‬قال الفناء‬
‫خفي علينا الحرف من القرآن الذي أنزله الله وه��ي يمانية‪ ،‬وأخ��رج بن أب��ي حاتم عن عكرمة‬
‫بلغة العرب رجعنا إلى ديوانها فالتمسنا معرفة هي بالحميرية‪ ،‬واخرج عن الحسين قال‪ :‬كنا ال‬
‫ذلك منه‪.‬‬
‫ندري األرائ��ك حتى لقينا رجال من أهل اليمن‪،‬‬
‫وأخرج أبو يعلى في مسنده أن عثمان قال على فاخبرنا أن األريكة عندهم الحجلة فيها السرير‪،‬‬
‫المنبر‪ :‬سمعت النبي عليه الصالة السالم قال‪ :‬وأخرج عن الضحاك في قوله تعالى {ولو ألقى‬
‫«إن القرآن أن��زل على سبعة أح��رف كلها شاف معاذيره} قال‪ :‬ستوره بلغة أهل اليمن‪ ،‬وأخرج‬
‫كاف»‪ ،‬ولما قام قاموا وأشهدوا بذلك‪ ،‬فقال أنا عن ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله تعالى‪:‬‬
‫أشهد معهم واختلف في معنى هذا الحديث على «ال وزر» قال ال حيل وهي بلغة أهل اليمن‪ ،‬وأخرج‬
‫عن محمد بن علي في قوله تعالى {ونادى نوح‬
‫نحو أربعين قوال(‪.)36‬‬
‫ابنه} قال‪ :‬هي بلغة طيب ابن امرأته قلت وقد‬
‫وق��ال اإلم��ام أب��و محمد عيدالله ب��ن قتيبة‪:‬‬
‫قوى‪« ،‬ونادى نوح ابنها»‪،‬أخرج عن الضحاك في‬
‫«وكان من تيسير الله أن أمر نبيه صلى الله عليه‬
‫قوله تعالى‪( :‬أعصر خمرا) قال عنبا بلغة أهل‬
‫وسلم أن يقريء كل قوم بلغتهم‪ ،‬وما جرت عليه‬
‫عمان يسمون العنب خمرا‪.‬‬
‫عاداتهم‪ ،‬فالهذالي يقرأ «عنى حين» يريد «حتى‬
‫وق��ال أبو القاسم في الكتاب ال��ذي ألفه في‬
‫حين» ألنه هكذا يلفظ بها ويسمعها‪ .‬واألسدي‬
‫يقرأ يعلمون ويعلم وي�س��ود وأل��م اعهد إليكم‪ .‬ه��ذا ال �ن��وع‪ :‬ف��ي ال �ق��رآن بلغة ك�ن��ان��ة‪ ،‬السفهاء‪:‬‬
‫ال�ج�ه��ال‪ ،‬خاسئين‪ :‬ص��اغ��ري��ن‪ ،‬ش�ط��ره‪ :‬تلقاءه‪،‬‬
‫والتميمي يهمز والقرشي ال يهمز(‪.)37‬‬

‫‪58‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫معجزين‪ :‬سابقين‪ ،‬يغرب‪ :‬يغيب‪ ،‬تركنوا‪ :‬تميلوا‪ ،‬العتزال الزمخشري‪ ،‬والمعتزلة تجنح للقياس‬
‫فجوة‪ :‬ناحية‪ ،‬موئال‪ :‬ملجأ‪.‬‬
‫والعقل ال للرواية والنقل‪ ،‬ولهذا لم تظهر اللهجات‬
‫وبلغة حمير‪ :‬تفشال‪ :‬تجبنا‪ ،‬سفاهة‪ :‬جنون‪ ،‬في مؤلفه‪.‬‬

‫من الكبر عتيا‪ :‬نحوال‪ ،‬م��آرب‪ :‬حاجات‪ ،‬فرجا‪:‬‬

‫جعال‪ ،‬غراما‪ :‬بالء‪.‬‬

‫وقال الواسطي ليس في القرآن حرف غريب‬

‫عن لغة قريش غير ثالثة أحرف‪ ،‬ألن كالم قريش‬

‫دراس����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ات‬

‫ال خ�ل�اق‪ :‬ال ن�ص�ي��ب‪ ،‬وجعلكم م�ل��وك��ا أح���رارا‪ ،‬على لغة بني تميم‪ ،‬ول�ع��ل ه��ذا ال��رف��ض يرجع‬

‫وب �ل �غ��ة ج ��ره ��م‪ :‬ب �ج �ب��ار‪ :‬ب �م �س �ل��ط‪ ،‬القطر‪ :‬سهل لين واض��ح‪ ،‬وك�لام العرب وحشي غريب‪،‬‬
‫فليس في القرآن إال ثالثة أحرف غريبة(‪ .)40‬وقد‬
‫النحاس‪ ،‬معكوفا‪ :‬محبوسا‪.‬‬
‫مثل هذا االتجاه بوضوح ابن فارس بقوله «أجمع‬
‫وبلغة مذحج‪ :‬رف��ث‪ :‬جماع‪ ،‬مقيتا‪ :‬مقتدرا‪،‬‬
‫علماؤنا بكالم العرب والرواة ألشعارهم والعلماء‬
‫الوصيد‪ :‬الفناء‪ ،‬حقبا‪ :‬دهرا‪ ،‬الخرطوم‪ :‬األنف‪.‬‬
‫بلغاتهم وأيامهم أن قريشا أفصح العرب ألسنة‬
‫وبلغة خثعم‪ :‬مريج‪ :‬مبتصر‪ ،‬هلوعا‪ :‬ضجورا‪،‬‬
‫وأصفاهم لغة وذلك أن الله جل ثناؤه اختارهم‬
‫شططا‪ :‬كذبا‪.‬‬
‫من جميع العرب‪ ،‬واصطفاهم واختار منهم نبي‬
‫وبلغة قيس غ �ي�لان‪ :‬نحلة‪ :‬ف��ري�ض��ة‪ ،‬حرج‪ :‬الرحمة محمد صلى الله عليه وسلم‪ ،‬وكانت على‬

‫ضيق‪ ،‬لخاسرون‪ :‬مضيعون‪ ،‬تفندون‪ :‬تستهزئون‪ ،‬فصاحتها وحسن لغاتها ورقة ألسنها‪ ..‬فصاروا‬
‫صياصيهم‪ :‬حصونهم‪ ،‬رجيم‪ :‬ملعون‪.‬‬
‫بذلك أفصح العرب(‪.)41‬‬
‫وبلغة سعد‪ :‬أختان‪ :‬عيال‪ ،‬وبلغة كندة‪ :‬فجاجا‪:‬‬

‫وقد أورد هذا القول ابن عيدالبر (ت ‪463‬هـ)‬

‫طرقا‪ ،‬تبتئس‪ :‬تحزن‪ ،‬وبلغة حضرموت ربيون‪ :‬في التمهيد بقوله إن غير لغة قريش موجودة في‬
‫رجال‪ ،‬دمرنا‪ :‬أهلكنا‪ ،‬وبلغة مزينة‪ :‬ال تغلوا‪ :‬ال جميع القراءات(‪ .)42‬فالقرآن كما أورد من لهجة‬

‫ت��زي��دوا وبلغة لخم‪ :‬إم�لاق‪ :‬ج��وع‪ ،‬وبلغة جذام‪ :‬قريش أورد غيرها من لهجات القبائل العربية‪،‬‬
‫فجاسوا خالل الديار‪ :‬تخللوا األزقة‪ ،‬وبلغة بني يوضح هذا ما روي عن عمر بن الخطاب‪ ،‬وكان‬

‫حنيفة‪ :‬العقود‪ :‬العهود‪ ،‬الجناح‪ :‬اليد‪ ،‬الرهب‪ :‬ال يفهم معنى قوله تعالى (ويأخذهم على تخوف)‬
‫الفزع‪ ،‬وبلغة اليمامة‪ :‬حصرت‪ :‬ضاقت‪ ،‬وبلغة أي على تنقص لهم‪ ،‬وعمر بن الخطاب قريشي‪،‬‬
‫سبأ‪ :‬تميلوا ميال عظيما‪ :‬تخطئون خطأ بينا‪ ،‬وهذا دليل على أن هذه الكلمة لم تكن من لهجة‬
‫وبلغة سليم‪ :‬نكص‪ :‬رجع(‪.)39‬‬
‫قريش‪ ،‬ويورد البيضاوي في تفسيره أن عمر كان‬
‫وك��ان م��ن العلماء ال�ق��دم��اء م��ن رف��ض ورود قد قرأ هذه اآلية على المنبر‪ ،‬وقال‪ :‬ما تقولون‬
‫اللهجات في القرآن‪ ،‬وذهب إلى أن القرآن نزل فيها؟ فسكتوا‪ ،‬فقام شيخ من هذيل‪ ،‬فقال‪ :‬هذه‬
‫بلغة قريش‪ ،‬وم��ن ه��ؤالء الزمخشري حين قال لغتنا التخوف‪ :‬التنقص‪ ،‬فقال هل تعرف العرب‬

‫في قوله تعالى‪« :‬قل ال يعلم من في السماوات ذل��ك في أشعارها؟ ق��ال نعم‪ ،‬ق��ال شاعرنا أبو‬
‫واألرض الغيب إال الله» إنه استثناء منقطع جاء كبير يصف ناقته‪:‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪59‬‬

‫وم��ن اح�ت�ج��اج��ات اب��ن ح �ي��ان ن ��ورد م��ا روى‬

‫تخوف الرحل منها تامكا قردا‬
‫كما تخوف عود النبعة السفن‬

‫(‪)43‬‬

‫فالقرآن كما شمل «لغة ق��ري��ش» ق��د يشمل‬
‫غيرها‪ ،‬لكن ال��واض��ح ه��و أن النظر التقويمي‬
‫للهجات اعتبرها نوعا من االنحطاط اللغوي وها‬

‫عن أبي عمر‪ ،‬ومن جواز صدق حركة اإلعراب‬
‫بالتسكين‪ ،‬مستدال بقراءة (بارئكم) و(بعولتهن)‪،‬‬
‫وقد طعن على هذه القراءة النحاة أمثال سيبويه‬
‫وابن جني والمبرد‪ ،‬وقالوا بأن قراءة أبي عمرو‬

‫هو ابن حزم ينكر تفضيل لهجة على لهجة أخرى لحن‪ ،‬وي��رى ابن حيان أن ما ذهب إليه المبرد‬
‫«وقد توهم قوم في لغتهم أنها أفضل اللغات‪ ...‬وأعوانه من النحاة ليس بشيء‪ ،‬ألن أبا عمرو لم‬

‫وه��ذا ال معنى ل��ه‪ ...‬ألن وج��وه الفضل معروفة‬

‫يقرأ إال بأثر عن الرسول عليه الصالة السالم‪،‬‬

‫وإنما هي بعمل واختصاص‪ ،‬وال عمل للغة‪ ،‬وال وق��د ثبت نقل أب��ي ع�م��رو أن اإلس �ك��ان منقول‬
‫جاء نص في تفضيل لغة على لغة‪ ،‬وقد غلط في محكي ع��ن تميم‪ ،‬وإذا ثبت لهجة عربية‪ ،‬فال‬
‫ذلك جالينوس‪ ،‬فقال‪ :‬إن لغة اليونانيين أفضل ينبغي أن يخطيء بها القارئ أو يغلط‪ ،‬ولهذا يرى‬
‫اللغات‪ ،‬ألن سائر اللغات إنما تشبه نباح الكالب‪ ،‬اب��ن حيان أن ال�ق��راءات ج��اءت على لغة العرب‬

‫وإما نقيع الضفادع(‪ .)44‬وإذا كان ابن حزم ينتمي‬
‫إل��ى ال�غ��رب اإلس�لام��ي‪ ..‬فما ه��و موقف علماء‬
‫اللغة وسائر العلوم من هذه القضية؟‬
‫لم يطعن علماء العربية في الغرب اإلسالمي‬

‫قياسها وشاذها(‪.)46‬‬

‫خاتمة‬
‫لم تقتصر لغة القرآن الكريم على اللهجات‬
‫العربية فقط‪ ،‬بل وجدت إلى جانب هذه اللهجات‬

‫على اللهجات ال�ع��رب�ي��ة‪ ،‬فنجدهم ق��د اهتموا‬

‫لغات أخرى استخلصها المصنفون في مؤلفاتهم‪،‬‬

‫ونذكر من هؤالء المصنفين أبا عيدالله الطائي‬

‫من المعرب»‪ ،‬وال شك أن في ذلك حكمة إلهية‬

‫على حواشيها‪ ،‬ومن مؤلفاته التي ذكرها له العلماء‬

‫وهذا االختالف هو سر من األسرار اإللهية في‬

‫وتقع في ثالثة وسبعين وسبعمائة وألفين بيتا‬

‫بين اللغات‪ ،‬ألن اللغة تستمد قوتها من مضمونها‬

‫إشارات لهجية مهمة‪ ،‬كما آثر غالبا أن يذكر اسم‬

‫العرب في مفاضلة لغتهم على غيرها‪ ،‬فخصوها‬

‫القبيلة مع ذكر السمة اللهجية لها(‪.)45‬‬

‫بالمناسبة الطبيعية بين ألفاظها ومدلوالتها‪،‬‬

‫بدراستها وإظهار الفروق الواردة بينها‪ ،‬وشهدت وم ��ن ه� ��ؤالء ن��ذك��ر ال �س �ي��وط��ي ف��ي «اإلت� �ق ��ان»‪،‬‬
‫المنطقة حركة تأليف واسعة في هذا الحقل‪ ،‬والجواليقي في «المهذب فيما وقع في القرآن‬
‫الجياني وعنه يقول السيوطي‪« :‬وأما اللغة فكان تقتضي التنوع واالختالف‪ ،‬مادامت اللغة عرفا‬
‫إليه المنتهى في اإلكثار من نقل غريبها واالطالع اجتماعيا وليست قانونا أو رسما مقدسا في ذاته‪،‬‬
‫مؤلف واحد في مدى ظهور لهجات القبائل وقد الكتاب الكريم‪ ،‬بوصفه خطابا يراعي واقع التعدد‬
‫ألف في ذلك نظما أيضا سماه الكافية الشافية‪ ،‬والمغايرة‪ ،‬وال مجال للمفاضلة بين اللهجات أو‬
‫من بحر الرجز‪ ،‬كما حشد ابن مالك في ألفيته ال من رسمها أو صورتها‪ ،‬وحينما أوغ��ل بعض‬

‫‪60‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫بالعبرية ألنها لغة الوحي كذلك‪ ،‬فهب كيشارد وينتهي سريعا إل��ى التسليم ب��ه‪ ،‬ثم إل��ى فرضه‬
‫‪Guichard‬‬

‫في مطلع القرن السابع عشر إلبراز على الناس‪ .‬وال شك أنه كانت لبعض القدماء‬

‫فكرة التناسق الصرفي في اللغات المتفرعة من‬
‫العبرية في كتابه(‪.)47‬‬

‫‪Humonie et ymologique‬‬

‫مميزات إيجابية في البحث العلمي يفتقدها كثير‬

‫من الدارسين الذين يظنون أنهم يدافعون على‬

‫‪ des langues descendues de les hébraïque‬وكان‬

‫قضية‪ ،‬لكنهم يقبرونها الستخدامهم وسائل ال‬

‫الخصائص‪ :‬ابن جني‪ ،‬ج ‪ ،1‬ص‪.33 :‬‬
‫المزهر‪ :‬السيوطي‪ ،‬ص‪.8 :‬‬
‫المرجع نفسه‪ ،‬ص‪.8 :‬‬
‫المرجع نفسه‪.‬‬
‫الكتاب لسيبويه‪ ،‬ج ‪ ،1‬ص‪.59 :‬‬
‫اإلتقان في علوم القرآن‪ ،‬السيوطي ج ‪ ،2‬ص‪.89 :‬‬
‫في اللهجات العربية‪ ،‬إبراهيم أنيس‪ ،‬ص‪.17-16 :‬‬
‫نفسه‪ ،‬ص‪.16 :‬‬
‫اللغة‪ ،‬فندرس تعريب عيدالحميد الدواخلي ومحمد‬
‫القصاص‪ ،‬ص‪.306 :‬‬
‫مناهج البحث في اللغة‪ ،‬تمام حسان‪ ،‬ص‪.39 :‬‬
‫اللهجات العربية في التراث‪ ،‬ق ‪ ،1‬أحمد علم الدين‬
‫الجندي‪ ،‬ص‪.29 :‬‬
‫اللهجات العربية ف��ي ال �ت��راث‪ :‬أح�م��د علم الدين‬
‫الجندي‪ ،‬ق ‪ ،1‬ص‪.59 :‬‬
‫المزهر‪.222/1 ،‬‬
‫نفسه‪.‬‬
‫نفسه‪.‬‬
‫نفسه‪.‬‬
‫نفسه‪.‬‬
‫لسان العرب‪ ،‬ابن منظور ‪.208/12‬‬
‫اللهجات العربية في ال�ت��راث‪ ،‬أن��ور الجندي‪ ،‬ص‪:‬‬
‫‪.76‬‬
‫المزهر‪.562-561/1 ،‬‬
‫اللهجات العربية في ال�ت��راث‪ ،‬أن��ور الجندي‪ ،‬ص‪:‬‬
‫‪.97-76‬‬
‫البخاري‪ ،‬ع ‪ /225-224/6‬وقد ذهب هذا المذهب‬
‫اب��ن قتيبة محتجا بقوله تعالى‪{ :‬وم��ا أرسلنا من‬
‫رسول إلى بلسان قومه} ‪.46/1‬‬
‫الصاحبي‪ ،‬ص‪.34-33 :‬‬
‫المزهر‪.221/1 ،‬‬

‫اإلتقان في علوم القرآن ج ‪ ،2‬ص‪.91-90-89 :‬‬
‫نفسه‪.47-46/1 ،‬‬
‫جامع ال�ب�ي��ان‪ ،‬ج‪ /1‬ص‪ 22 :‬أب��و جعفر ب��ن جرير‬
‫الطبري‪.‬‬
‫المحرر ال��وج�ي��ز‪ :‬أب��و محمد عيدالحق ب��ن غالب‬
‫عطية األندلسي ج ‪ /1‬ص‪.29 :‬‬
‫جامع البيان‪ ،‬ج‪ 29 /1‬أبو صحفي بن جرير الطبري‪،‬‬
‫والجامع ليس مصدرا للتحريم‪.‬‬
‫الجامع ألحكام القرآن‪ :‬القرطبي‪ ،‬ج ‪.46-45 /1‬‬
‫اإلتقان في علوم القرآن‪ ،‬ص‪.47 :‬‬
‫اللهجات العربية ف��ي ال �ت��راث‪ ،‬أح�م��د علم الدين‬
‫الجندي‪ ،‬ص‪.108 :‬‬
‫اإلتقان في علوم القرآن‪ ،‬ص‪.113 :‬‬
‫نفسه‪.‬‬
‫نفسه‪.‬‬
‫اإلتقان في علوم القرآن‪ ،‬ص‪.45 :‬‬
‫اللهجات العربية في التراث‪ :‬الجندي‪ ،‬ص‪.105-104 :‬‬
‫اإلتقان في علوم القرآن‪ ،‬ص‪.135 :‬‬
‫اإلت�ق��ان في علوم ال�ق��رآن‪ :‬السيوطي‪( ،‬ص ‪-135‬‬
‫‪ )134‬بتلخيص مني‪.‬‬
‫نفسه‪.‬‬
‫الصاحبي (م س) ص ‪.44-43‬‬
‫اإلتقان (م س)‪ ،‬ص‪.136 :‬‬
‫اللهجات العربية في التراث‪ :‬الجندي‪ ،‬ص‪.107 :‬‬
‫مشكالت حياتنا اللغوية‪ :‬أمين الخولي‪ ،‬ص‪-63 :‬‬
‫‪.64‬‬
‫اللهجات العربية في ال�ت��راث‪ :‬أن��ور الجندي‪ ،‬ص‪:‬‬
‫‪( ،203‬م س)‪.‬‬
‫المرجع نفسه‪ ،‬ص‪.217 :‬‬
‫اللهجات العربية في ال�ت��راث‪ :‬أن��ور الجندي‪ ،‬ص‪:‬‬
‫‪.35-34‬‬

‫لـ لبينز» (‪ )Lieïbinis‬الفضل في مقاومة هذا تمت إلى العلم بصلة‪.‬‬

‫(‪) 1‬‬
‫(‪ )2‬‬
‫(‪ )3‬‬
‫(‪ )4‬‬
‫(‪ )5‬‬
‫(‪ )6‬‬
‫(‪ )7‬‬
‫(‪ )8‬‬
‫(‪ )9‬‬
‫(‪) 10‬‬
‫(‪ )11‬‬
‫(‪ )12‬‬
‫(‪) 13‬‬
‫(‪ )14‬‬
‫(‪ )15‬‬
‫(‪ )16‬‬
‫(‪ )17‬‬
‫(‪ )18‬‬
‫(‪ )19‬‬
‫(‪) 20‬‬
‫(‪ )21‬‬
‫(‪ )22‬‬

‫(‪) 23‬‬
‫(‪ )24‬‬

‫(‪) 25‬‬
‫(‪ )26‬‬
‫(‪ )27‬‬
‫(‪ )28‬‬
‫(‪ )29‬‬
‫(‪) 30‬‬
‫(‪ )31‬‬
‫(‪ )32‬‬
‫(‪) 33‬‬
‫(‪ )34‬‬
‫(‪ )35‬‬
‫(‪ )36‬‬
‫(‪ )37‬‬
‫(‪ )38‬‬
‫(‪ )39‬‬
‫(‪) 40‬‬
‫(‪ )41‬‬
‫(‪ )42‬‬
‫(‪ )43‬‬
‫(‪ )44‬‬
‫(‪ )45‬‬
‫(‪) 46‬‬
‫(‪ )47‬‬

‫دراس����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ات‬

‫نافسهم ال�غ��رب�ي��ون بتخصيص ه��ذه المناسبة‬

‫التفكير األسطوري الذي يبدأ بافتراض الرأي‪،‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪61‬‬

‫املفاضلة بني الشعراء‬
‫> د‪ .‬ثناء عياش*‬

‫تسعى ه��ذه المقالة إل��ى تسليط الضوء على ظاهرة نقدية شغلت شعراء العصر‬
‫األموي‪ ..‬تمثلت في المفاضلة بين الشعراء؛ وذلك بدراسة اآلراء النقدية التي صدرت‬
‫عن أبرز شعراء العصر األموي وتحليلها‪ ،‬وربما كان لهذه اآلراء ميزة قد ال تتوافر في‬
‫غيرها من األحكام النقدية؛ ألنها صادرة عن الشعراء أنفسهم‪ ،‬وهم الذين نظموا الشعر‬
‫وعرفوا أسراره أكثر من غيرهم‪ ،‬فهذه اآلراء نتاج تجربة حقيقية في نظم الشعر‪.‬‬
‫وم��ن المالحظ أن ه��ذه اآلراء كانت ت��رد في معرض تعليق الشعراء على ما كانوا‬
‫يسمعونه من أشعار‪ ،‬كانت تُـنشد في المجالس األدبية التي كانت تُـعقد في ذلك العصر‬
‫أو في ساحات المربد‪ ،‬وترد كذلك أثناء إجابتهم عن سؤال و ُّجه إليهم حول قضية نقدية‬
‫ما‪.‬‬
‫م��ن ال�م��سّ �ل��م ب��ه أن ال��ف��رزدق وجريراً في نقد أشعارِ هم‪ ..‬ثم في أشعار غيرهم‪.‬‬
‫واألخ �ط��ل‪ ،‬ق��د شغلوا ال�ن��اس بقصائدهم وت��ب��دو ق�ي�م��ة ه ��ذه اآلراء أك �ث��ر أهمية؛‬
‫وبنقائضهم والتنافس فيما بينهم‪ ،‬وليس لصدورها عن ثالثتهم بالذات‪ ،‬ونحن نعرف‬
‫هذا باألمر الغريب؛ فثالثتهم لهم مكانتهم‬
‫ما كان بينهم من خصومات ونقائض‪ ،‬فهل‬
‫في عالم الشعر‪ ،‬ومن ثم فقد اختلف في‬
‫كان نقدهم صدى لتلك الخصومة؟‬
‫أمر المفاضلة بينهم؛ سواء في تلك اآلراء‬
‫يُ��روى أن بِشْ ر بن م��روان ‪-‬وك��ان يغري‬
‫الصادرة عنهم‪ ،‬أو التي صدرت عن غيرهم‬
‫بحقهم؛ ولهذا سأعرض أوالً بعض آرائهم بين الشعراء‪ -‬طلب من األخطل أن يحكم‬

‫‪62‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫دراس����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ات‬

‫بين جرير والفرزدق‪ ،‬فاستعفاه في بادئ األمر‪ .‬ي�ج�ي��د ص �ف��ة ال �م �ل��وك‪ ،‬وي �ص �ي��ب ن �ع��ت الخمر‪،‬‬
‫وأم��ام إص��راره ق��ال‪ :‬إن جريراً يغرف من بحر‪ ،‬وأيدهما األخطل في رأيهما هذا(‪ ،)5‬ولعل إدراك‬
‫والفرزدق ينحت من صخر والذي يغرف من بحر عبدالملك بن م��روان لهذا األمر هو الذي دفعه‬
‫أشعرهما (‪ .)1‬والغريب في األمر أن هذا الحكم بعد أن سمع قول األخطل‪:‬‬
‫لم يعجب جريراً‪ ،‬ويقال إنه كان سبب الخصومة‬
‫���س ال����عَ����داوةِ حَ ��ـ��تَّ��ى يُ ْ��س��ت��ق��ا َد لَهُ ـمْ‬
‫ُش���مْ ُ‬
‫بين جرير واألخطل‪ ،‬إذ عبّر جرير عن استيائه‬
‫���اس أحَ ��ل�ام���� ًا إذا َقـ ـدَروا‬
‫وأعْ ����ظَ ����مُ ال���ن ِ‬
‫من األخطل‪ ،‬مما دف��ع األخطل إل��ى ال��رد عليه‪،‬‬
‫إلى القول‪ :‬هذه المزمّرة‪ ..‬والله لو وُضعت‬
‫وق��د وص��ف األخ �ط��ل حكمه ال�س��اب��ق‪ :‬إن��ه حكم‬
‫على ُزبَـر الحديد ألذابتها‪ ،‬وهو القائل أيضاً‪ :‬إن‬
‫مشؤوم(‪)2‬؛ ألنه أسهم في إثارة العداو ِة بينهما‪.‬‬
‫لكل قوم شاعراً‪ ،‬وإن األخطل شاعر بني أمية؛‬
‫فضل ج��ري��راً على‬
‫وأح�س��ب أنّ األخ�ط��ل ق��د ّ‬
‫فتفضيل عبدالملك لألخطل ك��ان مبنيا على‬
‫ال � �ف� ��رزدق؛ ألن م��ن ي �غ��رف م��ن ال �ب �ح��ر يتدفق‬
‫إعجابه بجودة مدحه له ولبني أمية(‪.)6‬‬
‫الشعر على لسانه أس��رع م��ن ال��ذي ينحت في‬
‫ويتضح لنا من األقوال السابقة إدراك قائليها‬
‫الصخر؛ ألنه يتعب نفسه ويكد ذهنه أثناء نظمه‬
‫لقصائده‪ ،‬فشعر جرير يمتاز بالسهولة والرشاقة بتميز األخطل في فن المدح وإعجابهم بأبيات‬
‫إذا ما ق��ورن بشعر الفرزدق‪ ،‬وه��ذا األم��ر لمسه مفردة قالها‪ ،‬ولكنهم لم يبينوا س ّر تفوقه في هذا‬
‫الفرزدق نفسه عندما قال عن جرير‪ :‬ما أحوجه الفن‪ ،‬أو مواطن التميز في قصيدة المدح عنده‪،‬‬
‫مع عفته إلى صالبة شعري‪ ،‬وما أحوجني إلى وهذا هو شأن النقد في تلك الفترة؛ إذ خال في‬
‫وفضل الفرزدق شعره على شعر معظمه من األحكام النقدية المُعللة‪ .‬وال يسع من‬
‫ّ‬
‫رقة ش�ع��ره(‪.)3‬‬
‫جرير‪ ..‬فهما كما يقول‪ :‬يستمدان شعرهما من يتأمل مدائح األخطل إال أن يشهد له باإلجادة في‬
‫بحر واحد‪ ،‬ولكن دالء جرير تضطرب عند طول هذا الفن؛ فهو يعنى أشد العناية ببناء قصيدته‪،‬‬
‫النهر(‪ ،)4‬ولعله يقصد أن جريراً ال يحسن الغوص فيبدؤها بمقدمات فنية يجود فيها عامداً‪ ،‬وإذا‬
‫على المعاني كما يفعل هو‪ ،‬أو ليس لديه جَ ـلَـد ما انتقل إلى غرضه الرئيس‪ ،‬حرص على تقسيم‬
‫الفرزدق وصبره في البحث عن المعاني العميقة ع�ن��اص��ره وتنسيقها‪ ،‬محسناً التنقل ب�ي��ن تلك‬
‫واستخراجها‪ ،‬ولكن الذي يغرف من البحر أشعر العناصر‪ ،‬مضمناً مدائحه لوحات فنية نُعجب بما‬
‫من ال��ذي ينحت في الصخر؛ ألن الشعر يتدفق فيها من مالمح قصصية‪ ،‬ولم يكن يكتفي بالبيت‬
‫بغزارة على لسانه بسهولة ويسر‪ ،‬والدليل على أو البيتين ليصور موقفا من المواقف‪ ،‬بل كان‬
‫ّ‬
‫ذلك أنه استطاع نظم قصيدته‬
‫«فغض الطرف» يطيل ليتسنى له الدقة في التشبيه‪ ،‬والتفصيل‬
‫في ليلة واحدة‪.‬‬
‫في المشبه به‪ ،‬والبراعة في التجسيم‪ ،‬والحركة‬
‫ف��ي التصوير‪ ،‬متخذا م��ن أس��ال�ي��ب الجاهليين‬

‫وأق ّر جرير والفرزدق بتفوق األخطل عليهما‬
‫في فن المدح‪ ،‬فقد أج��اب ال�ف��رزدق عبدالملك نموذجا أعلى له في هذا الميدان(‪ ،)7‬وربما كان‬
‫عندما سأله عن أشعر الناس في اإلسالم‪ :‬كفاك لطول عهد األخطل باألمويين‪ ،‬واستقرار عالقته‬
‫بابن النصرانية إذا م��دح‪ .‬وق��ال جرير‪:‬األخطل بهم لشدة والئ��ه لهم‪ ،‬ورضاهم عن ال��دور الذي‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪63‬‬

‫قام به في الترويج لهم ولدولتهم‪ ،‬وإغداق الثناء مادة لهجائه كما يتضح من قصائده (‪.)10‬‬
‫عليهم‪ ،‬دور في إجادته فن المدح‪ ،‬وه��ذا األمر‬
‫وق��د اتفق ال �ف��رزدق واألخ�ط��ل على أنّ شعر‬
‫لم يكن متيسراً للفرزدق وجرير‪ .‬فقد عُرف عن جرير أسير من شعرهما بين الناس‪ ،‬مستدلين‬
‫الفرزدق اعتداده الشديد بنفسه وبقومه‪ ،‬وكان بشهرة بعض األب �ي��ات ل�ج��ري��ر‪ ،‬على ال��رغ��م من‬
‫يجعل من نفسه‪ -‬أحيانا ‪ -‬ن��داً للممدوح‪ ،‬وكان أنهما نظما أبياتاً في الموضوع نفسه(‪ ،)11‬ال تقل‬
‫ذا نفسية متمردة‪ ،‬وعهد األمويين بتطاوله على جودة عما قاله األخطل‪ .‬وقد أصابا كبد الحقيقة‬
‫معاوية بن أبي سفيان ليس ببعيد‪.‬‬
‫عندما أقرّا لجرير بهذا األمر‪ .‬والدليل على ذلك‬

‫أمّـا جرير فقد تأخرت صلته كثيراً باألمويين‪ ،‬أن أم��دح بيت قالته ال�ع��رب‪ ،‬وأه �ج��اه‪ ،‬وأغزله‪،‬‬
‫ولم يسمح له عبدالملك بن مروان بالدخول عليه وأف�خ��ره‪ ،‬وأحسنه تشبيهاً هي أبيات لجرير‬
‫إال بعد عناء شديد؛ ألن قومه «بني يربوع» كانوا وهي على التوالي قوله‪:‬‬
‫���س���تُ ���مْ خَ ���يْ��� َر مَ ���ن رَكِ ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��بَ المَ طاي ـ ـَا‬
‫من دعاة ابن الزبير؛ وألنه كان يدافع عن القيسية أَل ْ‬
‫في شعره‪ ،‬ويتغنى بانتصاراتهم‪ .‬كما أنه بالغ في‬
‫ُ��ط��ـ��ـ��ـ��ـ��و َن ر َِاح‬
‫َوأَ ْن���ـ���ـ���ـ���ـ���ـ���دَى ال��ـ��عَ��ال َِ��م��ي��نَ ب ُ‬
‫��ك َب�� ُن��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��و ت َِمي ـ ـ ٍـم‬
‫���ت عَ �� َل�� ْي��ـ��ـ��ـ َ‬
‫���ض��� َب ْ‬
‫مدائحه للحجاج‪ .‬ومما ال شك فيه أنها كانت إذا غَ ِ‬
‫تصل مسامع عبدالملك؛ ولهذا طالبه في أول‬
‫��اس كُ ���لَّ���هُ ���مُ ِغ َضاب ــا‬
‫حَ ِ���س���بْ���تَ ال��ـ�� َّن��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ َ‬
‫لقاء بينهما بإنشاد مدائحه في الحجاج (‪.)8‬‬
‫��ك ِم����نْ نُمَ ْيـ ــرِ‬
‫ْف إِ ّن��ـ��ـ��ـ��ـ َ‬
‫����ط����ر َ‬
‫���ض ال َّ‬
‫فَ���غُ َّ‬
‫وأق � ّر جرير بشاعرية األخطل وتفوقه عليه‪،‬‬
‫فَ��ل�ا كَ��عْ ��ب��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ�� ًا َب�� َل��غْ ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ت وَال كِ ال َبـ ــا‬
‫جاء ذلك في معرض إجابته البنه عندما سأله‪ :‬إٍ نَّ ال���عُ ���يُ ���و َن ال��ت��ي ف���ي طَ ���رْفِ ���هَ���ا حَ ـ ـ َو ٌر‬
‫أيهما أشعر؟ فقال‪ :‬ما رأيته في موضع قط إ ّال‬
‫َقتـ ْل َن َنـ ــا ثُ ـ ـ ــمّ ل��م يُ ��ح��يْ��ي��نَ َقتْالن ـ ــا‬
‫���ح���وَكُ ���م لَ���يْ���لٌ َك���ـ���أنّ نُجومَ ــهُ‬
‫خشيت أن يبتلعني لوال أني أًعنت عليه بكبر سنه سَ ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��رَى َن ْ‬
‫وكفر دي �ن��ه(‪ .)9‬وك��ان��ت نصرانية األخ�ط��ل إحدى‬
‫قَ���نَ���ادي���لُ ‪ ،‬فِ ��ي��ه��نّ ال���ـ���ذُ بَ���الُ المُ َف َّتـ ــلُ‬
‫نقاط ضعفه التي اتخذها جرير وسيلة للنيل‬
‫ولكنهما ال يعلالن س��ر س �ي��رورة ش�ع��ره بين‬
‫منه‪ ،‬والسخرية من معتقداته الدينية‪ ،‬وهو يدرك الناس‪ ،‬وربما يعود ذلك إلى لغته الشعرية التي‬
‫أن��ه ال يستطيع ال��رد عليه‪ .‬كما أن ج��ري��راً أق ّر تمتاز بسهولتها الناتجة عن اندماجه في الحياة‬
‫لألخطل بإجادة وصف الخمر؛ ولعل نصرانيته الجديدة‪ ،‬أكثر من األخطل ال��ذي ك��ان محافظاً‬
‫أتاحت له الفرصة في وصف الخمر ومجالسها‪ ،‬يتمسك بالقديم وأساليبه‪ ،‬وأكثر من الفرزدق‬
‫وأث��ره��ا حين ي�س��ري مفعولها ف��ي الجسم‪ .‬أما الذي كان في أساليبه صالبة غير مألوفة(‪ ،)13‬ما‬
‫الفرزدق وجرير فما كانا يستطيعان فعل ذلك؛ جعل شعر جرير أقرب إلى نفوس المتلقين‪ .‬فليس‬
‫ألنهما عاشا في مجتمع إسالمي محافظ‪ .‬كما من قبيل المصادفة أن تكون األبيات السابقة كلها‬
‫أن الفرزدق لن يستطع المجاهرة بوصفها على لجرير‪ ،‬وكل بيت في غرض شعري مختلف عن‬
‫الرغم من معاقرته لها كما يقولون‪ ،‬بل إنه حـذّر اآلخر؛ ولهذا فقد شبّه جرير نفسه بمدينة الشعر‬
‫من شربها‪ ..‬ألنها تفسد الدين‪ .‬أما جرير فقد التي منها يخرج وإليها يعود؛ ألنه كما قال‪ :‬نسبتُ‬
‫عُرف عنه تدينه‪ ،‬واتخذ من شرب األخطل للخمر فأطربتُ ‪ ،‬وه�ج��وتُ ف��أردي��تُ ‪ ،‬وم��دح��تُ فسنيتُ ‪،‬‬
‫(‪)12‬‬

‫‪64‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫أهَ �����ـ�����وً ى أرَاكَ بِ ���رَامَ ��� َت���ـ���ـ���ي ِ���ن وَقُ ����ـ����ـ����ودَا‬
‫���ج��� َن���يْ��� َن���ـ���ةِ م��ـ��ن مَ ���دَاف���ـ���ـ���ـ ِ���ع أُوُ دَا‬
‫أ ْم ب���ال ُ‬
‫أما سّ ر إعجابه بها؛ فألنها تمثّل خصائص‬
‫ش �ع��ره أح �س��ن تمثيل‪ ،‬ففيها النسيب والفخر‬
‫وال �ه �ج��اء‪ ،‬وه ��ذه ال�ف�ن��ون مما شُ �ه��د ل��ه بالتفوق‬
‫فيها‪ .‬وفيها كذلك سمو الخيال‪ ،‬وجمال الصور‪،‬‬
‫وعلو الموسيقى‪ ،‬كما أنها من حيث الطول طويلة‬
‫نسبياً‪ ،‬إذ بلغت أبياتها سبعة وخمسين بيتاً(‪)17‬؛‬
‫فضـلها على سائر شعره‪.‬‬
‫فلو لم يُعجب بها‪ ،‬لما ّ‬
‫وهذا يمـثّـل رأيه النقدي‪.‬‬
‫ومن الطريف في األمر أن ثالثتهم كانوا يبدون‬
‫إعجابهم ببعض قصائدهم‪ ،‬كما في خبر جرير‬
‫وابنه اآلنف الذكر‪ ،‬ويعجبون بأبيات محددة منها‬
‫كما في قول األخطل‪ :‬فضلت الشعراء في المدح‬
‫والهجاء والنسيب بما ال يلحق بي فيه(‪ .)18‬فأما‬
‫النسيب فقولي‪:‬‬
‫اس�� َل ِ��م��ي ي��ا ِه��نْ��دُ ه��ن�� َد ب��نِ ��ي َبــدْ رِ‬
‫أال ي��ا ْ‬
‫آخ����� َر الدّ هـرِ‬
‫وإنْ ك���ـ���ان حَ ���يّ���ان���ا ِع�����دً ى ِ‬
‫���رات ال��ب��ي��ض أمّ ����� ْا وِ شَ احــها‬
‫م���ن ال���خ���ف ِ‬
‫القلب ِمنْها فَ�لا ي َْجري‬
‫ُ‬
‫َـجري وأمّ ���ا‬
‫َفي ْ‬

‫ن��ف��س��ي ف����ـ����داءُ أم���ـ���ي���رِ ال��م��ؤم��ن��ـ��ـ��ي��نَ إذا‬
‫َ����واج���� َذ ي������ومٌ ع����ـ����ارمٌ َذكَ������رُ‬
‫أَبْ����������دَى ال����ـ����ن ِ‬
‫��ض ال��غَ��مْ ��رَ‪ ،‬وال��مَ ��يْ��م��وُ ِن طائ ــرُ ه‬
‫ال��خ��ائ ِ‬
‫خَ ��ـ��ل��يِ ��فَ��ةِ ال���ل���هِ يُ ��ـ��س��ت ْ��س��ق��ى ب���هِ المَ طـرُ‬
‫وقولي في الهجاء‪:‬‬

‫دراس����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ات‬

‫فأنا قلتُ ض��روب الشعر كلها؛ ولهذا فليس من‬
‫المستغرب أن يقول عن نفسه في حادثة أخرى‪:‬‬
‫إن��ه بحر الشعر ب �ح��راً(‪)14‬؛ إش��ارة إل��ى تفننه في‬
‫ض��روب الشعر‪ ..‬وه��ذا مبعث فخره؛ ألن��ه قلما‬
‫تسنى لشاعر اإلجادة في فنون الشعر كلها‪ ،‬ومما‬
‫يلفت االنتباه قدرة جرير على الجمع بين البراعة‬
‫في النسيب؛ وهو الذي يحتاج إلى الرقة واللين‪،‬‬
‫وال�ه�ج��اء ال��ذي فيه شتم وإس ��اءة لآلخرين(‪.)15‬‬
‫ويُشهَد له بالتفوق فيهما معاً‪ .‬وعلى الرغم من‬
‫ُفضل قصيدة له على شعره‬
‫ه��ذا‪ ..‬إال أنه كان ي ّ‬
‫كله‪ ،‬وقد روى ذلك ابنه(‪ ،)16‬وهي قصيدته التي‬
‫مطلعها‪:‬‬

‫وقولي في المديح‪:‬‬

‫ْ���م‬
‫َ���ق���ي���ـ���ت عَ ����بِ ����ـ����ي���� َد َت���ـ���ي ٍ‬
‫وكُ �����ن�����ت إذا ل ِ‬
‫����ت أيّ�����هُ �����مُ �����ا الـعَـبِ ــيد‬
‫َوتَ�����يْ�����م����� ًا قُ ����ـ����ل ُ‬
‫َ�����س�����ودُ تَـيْـم ـ ًا‬
‫َ���م���ي���نَ ي ُ‬
‫َل���ـ���ئ���ي���مُ ال���ع���ال ِ‬
‫َوس����� ّي�����ـ�����دُ هُ �����مْ وإنْ َك�����ـ�����رِ هُ �����وا مـسـ ُودُ‬
‫وق ��د ُوفِ � �ـ ��قّ األخ��ط��ل ف��ي اخ �ت �ي��ار األبيات‬
‫السابقة؛ فهي تمثّل شعره خير تمثيل؛ ألنها من‬
‫الشعر الذي شُ هد له بالتفوق فيه‪ ،‬فالبيتان األول‬
‫والثاني من النسيب الذي بدأ به إحدى قصائده‬
‫في مدح عبدالملك‪ ،‬والبيتان الثالث والرابع من‬
‫قصيدته المشهورة «خف القطين» التي أعجب‬
‫بها عبدالملك أيما إعجاب‪ .‬والبيتان الخامس‬
‫وال� �س ��ادس م��ن ال �ه �ج��اء‪ ..‬وق ��د ُع���رف األخطل‬
‫بسالطة لسانه‪ ،‬إال أن صلته باألمويين جعلته‬
‫يهذب هجاءه بما يليق بشاعر البالط‪.‬‬
‫واختلف النحاة واللغويون المعاصرون لهم في‬
‫المفاضلة بينهم‪ ،‬على الرغم من أن نقد هؤالء كان‬
‫بعيداً عن الهوى‪ ،‬والتأثر الوقتي؛ ألنهم يعتمدون‬
‫التحليل والتعليل(‪ ،)19‬فقد قال يونس بن حبيب‪:‬‬
‫إن العلماء الذين ماشوا الكالم وطرقوه‪ ،‬قدموا‬
‫األخطل على صاحبيه(‪ ،)20‬ولكنه لم يعلل لنا سر‬
‫إعجابهم باألخطل‪ .‬وربما يعود ذلك لتنقيحه شعره‬
‫مما جعله خاليا من األخطاء‪ ،‬وخصوصا النحوية‬
‫واللغوية‪ ،‬وهذا مما كان يبحث عنه ه��ؤالء‪ .‬فهو‬
‫لم يكن من الشعراء المطبوعين الذين ينظمون‬
‫أشعارهم عفو الخاطر‪ ،‬بل كان ممن يعنون أشد‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪65‬‬

‫العناية بقصيدتهم‪ ،‬فال ترى النور إال وهي قطعة أخذنا رائية األخطل في يزيد‪:‬‬
‫فنية تُعجب بما فيها من إحكام الصنعة(‪.)21‬‬

‫أما جرير فقد عُرف عنه عدم تنقيحه لشعره‪،‬‬

‫ول ��م ي�ك��ن ال� �ف ��رزدق ب��أح�س��ن ح� ��اال‪ ..‬فقصصه‬

‫بأحف ــارِ‬
‫����رس����مُ م���ن سَ ���لْ���م���ى ْ‬
‫َت���غ���يّ��� َر ال ْ‬
‫وأَقْ �����ف�����رَتْ م���ن ُس�� َل��ي��م��ى دِ مْ ���ن���ـ���ةُ الــدارِ‬
‫ورائية النابغة في النعمان‪:‬‬

‫����وج����وا فَ���ح���يّ���وا لِ ���نُ���عْ ���م دِ م����نَ���� َة ال ــدارِ‬
‫مشهورة مع النحاة‪ ،‬مما دفعه إلى هجاء بعضهم‪ .‬عُ ُ‬
‫ولكن هذا لم يمنع يونس بن حبيب من تفضيل‬
‫وأحجَ ــارِ‬
‫ُ����ح����يّ����و َن م���ن ُن����ـ����ؤ ٍْي ْ‬
‫م���ا ذا ت ُ‬
‫الفرزدق وقوله‪ :‬لوال شعر الفرزدق لذهب نصف‬
‫لرأينا هذا التأثر ممثال أص��دق تمثيل‪ .‬ومن‬
‫أخبار الناس(‪.)22‬‬

‫صور النابغة التي أغرم بها األخطل وكررها في‬

‫وقد أدرك معاصروهم بفطرتهم أن ثالثتهم شعره‪ ،‬المقارنة بين كرم الممدوح ونهر الفرات‪.‬‬
‫في مرتبة واحدة‪ ،‬ولكنهم اختلفوا في ترتيبهم‪ ..‬وتذكرنا قصيدة األخطل «الميمية» التي أرسلها‬

‫فحجة م��ن ق �دّم ج��ري��را أن��ه أكثرهم فنون شعر إل��ى الوليد يؤكد فيها والءه وإخ�لاص��ه‪ ،‬وشكر‬
‫وأسهلهم ألفاظاً‪ ،‬وأقلهم تكلفا‪ ،‬وأدقهم نسيباً‪ ،‬فضله وفضل بني أمية عليه‪ ..‬تذكرنا باستعطاف‬

‫وكان ديّناً عفيفاً‪ .‬وهذا هو رأي أبي الفرج أيضاً‪ ..‬النابغة للنعمان(‪ .)26‬ولئن كان الحكم الذي أصدره‬
‫وبيّن أن من كان يميل إلى جزالة الشعر وفخامته أبو عمرو بن العالء موجزاً جداً‪ ..‬إال أنه يدل على‬
‫وش �دّة أس��ره يقدم ال�ف��رزدق‪ ،‬وأم��ا من كان يميل بصر جيد بالشعر ودقة مالحظة‪ .‬وهذا إرهاص‬
‫إلى أشعار المطبوعين وإلى الكالم السمح السهل بمنهج الموازنة بين الشعراء‪ ،‬وهو مقياس نقدي‬

‫الغزل فيقدم جريراً(‪ .)23‬وهذا يعني أن كل واحد تطبيقي جميل ومفيد‪.‬‬
‫منهما يتبع نهجاً مختلفاً عن اآلخر؛ ولهذا فليس‬
‫ول��م تقتصر المفاضلة بين الشعراء الثالثة‬
‫م��ن المستغرب أن ت�ت�ع��دد اآلراء وتختلف في على معاصريهم‪ ،‬ولم تتوقف برحيلهم عن الدنيا‪،‬‬
‫المفاضلة بينهما؛ وكم كان يونس بن حبيب صادقاً فما زال��ت أص��داؤه��ا تتردد على مسامع شعراء‬
‫عندما قال‪ :‬ما ذُكِ � َر جرير والفرزدق في مجلس العصر العباسي‪ ،‬وعلى رأسهم بشار بن برد الذي‬
‫شه ْدتُه قط‪ ..‬فاتفق المجلس على أحدهما (‪.)24‬‬

‫فضل جريراً على الفرزدق؛ ألنه يحسن ضروباً‬
‫ّ‬

‫وكان أبو عمرو بن العالء يقول عن األعشى‪ :‬من الشعر ال يحسنها الفرزدق‪ ،‬ودليله على ذلك‪..‬‬
‫مثله مثل ال�ب��ازي يضرب كبير الطير وصغيره‪ ،‬لما ماتت زوجة الفرزدق لم يجدوا شعرا لرثائها‬

‫ون �ظ �ي��ره ف��ي اإلس�ل��ام ج��ري��ر‪ ،‬ون �ظ �ي��ر النابغة إال شعر ج��ري��ر‬
‫األخطل‪ ،‬ونظير زهير الفرزدق (‪ ،)25‬فهو قد بيّن ولمسة وف��اء للفقيدة‪ ،‬قلما نجد مثيال لها في‬
‫وج��ه الشبه بين األعشى وج��ري��ر؛ ولعله يقصد عصر لم يكن فيه المجتمع مُهيئا للحديث عن‬
‫إجادتهما لفنون شعرية متنوعة‪ ،‬أما وجه الشبه مثل هذه المشاعر‪ .‬ويكفي أن نقرأ بعض ما قاله‬
‫(‪)27‬‬

‫�دق العاطفة‪،‬‬
‫لما فيه من ص� ٍ‬

‫بين النابغة واألخطل فيلمسه كل من يقرأ ديوان الفرزدق في رثاء إحدى زوجاته‪ ..‬لنتبيّن أنه يع ّد‬
‫األخطل؛ فهو يسير على خطى النابغة‪ ،‬وتأثر به فقد المرأة – مهما عزّت – فقداً هيّناً‪ ،‬ال يليق‬

‫في بعض صوره وألفاظه ومعانيه وأساليبه‪ ،‬ولو باإلنسان إظهار الحزن واألسى لرحيله؛ ألن ذلك‬

‫‪66‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫الرغم من مطالبة أصدقائه له بذلك‪ ،‬ليس هذا‬
‫يبك على‬
‫فحسب‪ ..‬بل نراه يعلنها صراحة أنه لم ِ‬

‫امرأة قط(‪.)28‬‬

‫كما أن بشاراً استحسن رثاء جرير البنه سَ وَادة‪،‬‬

‫واس�ت�ش�ه��د بمجموعة م��ن األب �ي��ات ال ي�س��ع من‬

‫يقرؤها إال أن يشعر بعظم المصاب على جرير؛‬
‫أمس الحاجة إليه بعدما‬
‫ألن ابنه رحل وهو في ّ‬

‫أس��نّ وب��ان ضعفه‪ .‬ول�ه��ذا‪ ،‬فهي مليئة باأللفاظ‬
‫والصور الحزينة(‪ .)29‬فهذه شهادة ( ُمعَـللّـة) من‬

‫بشار بتفوق جرير على الفرزدق وخصوصا في‬
‫ف��ن ال��رث��اء ال��ذي تبدو فيه النفس البشرية في‬

‫أص��دق صورها وأصفاها؛ كيف ال والميت من‬
‫أقرب الناس إلى النفس‪ ..‬سواء في ذلك الزوجة‬

‫أو االبن‪.‬‬

‫ونجد لثالثتهم آراء ف��ي نقد شعر غيرهم‪،‬‬

‫ومن أب��رز آرائهم نقدهم لشعر ذي الرمة‪ ،‬فقد‬
‫وصف جرير شعره بأنه بع ُر ِظباء‪ ،‬ونقط عروس‪،‬‬

‫تضمحل عن قليل‪ .‬وهذا هو رأي أبي عمرو بن‬
‫العالء والمبرد واألصمعي(‪ .)30‬ومعنى قول جرير‪:‬‬

‫«إن شعر ذي الرمة إذا سُ مع ألول مرة‪ ،‬فإنه يترك‬
‫أث��راً جيداً في نفس سامعه أو قارئه‪ ،‬ولكن إذا‬

‫ما أ ُعيدت القراءة مرة بعد مرة بَان ضعفه وفقد‬
‫حسنه»(‪)31‬؛ ولهذا فشعره إذا ما خضع للدرس‬

‫والتحليل ظهرت عيوبه‪ ،‬فتأثيره مؤقت‪ .‬ولكن هذا‬
‫الضعف في شعره لم يمنع جريراً من اإلعجاب‬

‫بقوله‪:‬‬

‫ْ��ك ِم��نْ��هَ��ا ال��ـ��مَ ��اءُ َينْسَ كِ ُب‬
‫مَ ���ا َب��ـ��الُ عَ ��يِ ��ن َ‬
‫كَ����أ ّن����ـ����هُ ِم������نْ كُ ���� َل����ـ����ىً مَ ����فْ ����رِ ّي����ـ����ةٍ سَ ����ـ����رِ ُب‬
‫وعبّر عن إعجابه بطريقة فظة إلى حد ما؛‬

‫إذ ق��ال‪ :‬لو خ��رس ذو الرمة بعدها؛ لكان أشعر‬

‫دراس����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ات‬

‫من عالمات الضعف‪ ،‬كما أنه يرفض زيارتها على‬

‫الناس‪ .‬وفي رواية ثانية قال‪ :‬ما أحببتُ أن يُنسب‬
‫إليّ من شعر ذي الرمة إال قوله‪« :‬ما بال عينك‪..‬‬
‫« ف��إن شيطانه ك��ان فيها ن��اص �ح �اً(‪ .)32‬وهاتان‬
‫الروايتان تبينان أن ج��ري��راً يع ّد ه��ذه القصيدة‬
‫درّة شعر ذي الرمة‪ ،‬وإ ّال لما تمنى أن يكون هو‬
‫قائلها‪ .‬ول��م يكن جرير المعجب الوحيد بهذه‬
‫القصيدة‪ ،‬فقد عارضها الكميت‪ ،‬كما أن ذا الرمة‬
‫نفسه كان يعدها أجود شعره؛ ألنه أنشدها بين‬
‫ي��دي عبدالملك عندما طالبه أن ينشده أجود‬
‫ال في نظمها كما قال‬
‫شعره(‪ ،)33‬وقضى عاما كام ً‬
‫هو نفسه(‪.)34‬‬
‫وفي خبر آخر‪ ،‬قال جرير عن ذي الرمة‪ :‬قدر‬
‫م��ن ظريف الشعر وغريبه وحسنه م��ا ل��م يقدر‬
‫عليه أحد‪ ..‬وهذا هو رأي الفرزدق أيضا‪ .‬ولعلهما‬
‫يقصدان مقدرة ذي الرمة على الجمع بين رقة‬
‫الشعر الحضري وجزالة الشعر البدوي(‪ ،)35‬فذو‬
‫ال��رم��ة شاعر ب ��دوي‪ ..‬قضى الشطر األك�ب��ر من‬
‫حياته في البادية‪ ،‬فاكتسب منها سليقته اللغوية‬
‫وفصاحته البدوية‪ ،‬وتزود منها بثروة ضخمة من‬
‫األلفاظ والتراكيب‪ ،‬وتنتشر العناصر الحضارية‬
‫في شعره‪ ،‬وخصوصاً في مجال التشبيه‪ ،‬حيث‬
‫نراه يستغل مظاهر الحياة المتحضرة في المدن‬
‫التي كان يتردد عليها‪ ،‬ليحقق بذلك الربط الطريف‬
‫بين حياة البداوة وحياة الحضارة‪ ،‬وبهذه المزاوجة‬
‫بينهما يكمن سر من أس��رار الجمال الفني في‬
‫شعر ذي الرمة(‪ .)36‬كما أنّ جريراً التفت إلى إجادة‬
‫ذي الرمة للتشبيه عندما قال عنه‪ :‬فقد َقدَر من‬
‫التشبيه على ما لم يقدر عليه غيره‪ ،‬وهذا ما أكده‬
‫ابن سالم وحمّاد الراوية(‪ ،)37‬ومصداق هذا الرأي‬
‫أنك لو قرأت شعر ذي الرمة لرأيت أن صناعته‬
‫الفنية ت�ق��وم على دع��ام�ت�ي��ن‪ ..‬األولى‪:‬التشبيه‪،‬‬
‫وخ�ص��وص�اً التشبيه التمثيلي‪ ،‬ال��ذي وج��د فيه‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪67‬‬

‫أفضل وسيلة لنقل اإلحساس بالطبيعة الذي كان‬

‫بقوله‪« :‬هذا والله ملهم‪ ،‬وما علم بدوي بدقائق‬

‫يمأل عليه أرجاء نفسه إلى العمل الفني‪ ،‬وتلفتنا الفطنة وذخائر كنز العقل المُعد لذوي األلباب‬

‫كذلك ظاهرة االستقصاء في المشبه به؛ ليحقق أحسن ثم أحسن»(‪ .)41‬وقد عُرف عن ذي الرمة‬

‫من خالله عناصر الصورة الفنية باللون والصوت ت��ردده على م��دن الشام وف��ارس وال�ع��راق‪ ،‬وفيها‬

‫والحركة‪ ،‬والحرص على ذكر أدق التفاصيل‪ ،‬وكأنما وجد حياة عقلية خصبة ونشاطا ثقافيا متنوعا‪،‬‬
‫استحال هذا اللون من التشبيه بين يديه أداة من ومناظرات بين العلماء والفقهاء حول المذاهب‬

‫أدوات الرسم والتصوير‪ .‬أما الدعامة الثانية فهي العقلية والدينية‪ ،‬ومناظرات علماء اللغة والنحو‪،‬‬
‫االستعارة‪ ،‬وكلتا الدعامتان تصدران‪ -‬من الناحية وم��ا م��ن ش��ك أن��ه تأثر بكل ه��ذه ال �ت �ي��ارات‪ ..‬ما‬
‫الفنية‪-‬عن بداية واح��دة(‪ ،)38‬ألنّ االستعارة تقوم أكسبه العمق في التفكير‬

‫(‪)42‬‬

‫ال��ذي بدا واضحاً‬

‫على التشبيه عند معظم البالغيين‪ ،‬وهي تشبيه في شعره‪ ،‬وهذا ما الحظه الكميت‪ .‬وقال عندما‬
‫حُ ذِ َف أحد طرفيه(‪ .)39‬وعلى الرغم من أنّ األخبار سمع قوله‪:‬‬

‫السابقة ص��درت عن جرير‪ ،‬إال أنّ كل خبر كان دَعَ ���انِ ���ي ومَ ���ا د َِاع����ي الْ���هَ���وى ِم���نْ بِ الدِ هـاَ‬

‫يعبر عن رأي نقدي مغاير‪ ،‬ما يؤكد أن النقد في‬

‫ُعلل‬
‫تلك الفترة كان نقداً تأثرياً انطباعياً غير م ٍ‬

‫ألحكامه‪.‬‬

‫إِ ذَا مَ ����ا َن����ـ����أَتْ خَ ����� ْرقَ�����اءُ عَ ���نِ ���يّ بِ غَافِ ـ ِـل‬
‫لله ب�لاء ه��ذا ال �غ�لام‪ ،‬م��ا أح�س��ن ق��ول��ه! وما‬

‫أجود وصفه!(‪ .)43‬ويتضح لنا من الخبر السابق أن‬

‫ومما يدل على براعة ذي الرمة أنّ الفرزدق لم عالمات تفوق ذي الرمة ظهرت منذ صغره‪.‬‬

‫يستطع أن يضيف شيئاً إلى بيتيه‪:‬‬

‫َو َد ّوي�����ـ�����ـ�����ةٍ ل����و ذُ و ال����رُ مَ ����يْ����م����ة رَامَ ���ه���ـ���ا‬

‫وعلى الرغم من إعجاب اآلراء السابقة بشعر‬

‫ذي الرمة‪ ،‬إال أننا نجد رأي �اً مغايراً لألصمعي‬

‫وصيـدحُ‬
‫��ص��ـ��ر ع��ن��ه��ا ذو ال���رُ مَ ��� ْي���ـ���م َ‬
‫ل��ـ��ق ّ‬

‫ال��ذي ق��ال فيه‪« :‬ل��و أدرك ��ت ذا ال��رم��ة‪ ،‬ألشرتُ‬

‫إذا اش����ت����دّ آلُ األم���ع���ـ���زِ المتوضــحُ‬

‫له‪ ،‬وقال عنه أيضاً ولم يكن بالمفلق»(‪ .)44‬وقد‬

‫���ت إل����ى مُ ���عْ ���رُ وفِ ���ه���ـ���ا مُ ْنكَراتِ هــا‬
‫قَ���طَ ���عْ ُ‬

‫عليه أن يدع كثيراً من شعره‪ ..‬فكان ذلك خيراً‬

‫على الرغم من مطالبة ذي الرمة بذلك‪ ،‬لمّا نلمس تفاوتاً في تلك اآلراء أو تضارباً‪ ،‬وهذا أمر‬

‫رأى ال �ف��رزدق يستمع إليه وه��و ينشد قصيدته طبعي‪ ..‬فالنقد كان انطباعياً ووقتياً‪ ،‬ونجد فيه‬
‫في المربد(‪ .)40‬والبيتان السابقان يمثالن الفن تعميماً؛ ألنه لم يكن يقوم على الدراسة الشاملة‬
‫الشعري ال��ذي ب��رع فيه ذو ال��رم��ة‪ ،‬وه��و وصف لشعر ذي الرمة‪ ،‬وعلى الرغم من ه��ذا إال أنه‬
‫ال �ص �ح��راء وم �ق��درت��ه ع�ل��ى ق�ط��ع ت�ل��ك الفيافي كان دقيقا‪ .‬فذو الرمة يتفوق في وصف الصحراء‬

‫بواسطة ناقته األثيرة عنده «صيدح»‪.‬‬

‫ويقصر ف��ي غير ذل��ك م��ن األغراض‬
‫ّ‬
‫وال �ح��ب‪..‬‬

‫وق ��د ع � ّب��ر ال� ُك�م�ي��ت ع��ن إع �ج��اب��ه ب �ق��ول ذي الشعرية‪.‬‬

‫الرمة‪:‬‬

‫وإذا م��ا التفتنا إل��ى آراء ج��ري��ر ف��ي شعراء‬

‫أََعَ ��������اذِ لَ قَ����دْ أَكْ����ثَ����ر ِْت ِم����نْ قَ�����و ِْل قَائِ ـ ٍـل‬

‫يفضل شعر امرئ القيس‬
‫الجاهلية لتبين لنا أنه ّ‬

‫ُ���ب لَ�����وْمُ ا ْلعَـو ِ‬
‫ْ���ب عَ �� َل��ى ذِ ي ال���ل ِّ‬
‫وَعَ ���ي ٌ‬
‫وفضل‬
‫ّ‬
‫َاذل ال��ذي أقسم لو أنه أدرك��ه لكان تابعاً له‪،‬‬

‫‪68‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫ومما سبق ذكره يتضح اآلتي‪:‬‬

‫عبدالعزيز إلى إعطاء الفرزدق أربعة آالف درهم‬

‫دراس����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ات‬

‫كذلك زه�ي��راً وابنيه وط��رف��ة(‪ .)45‬ولكنه لم يبين يصدر معظم هذا النقد عن ثالثتهم‪.‬‬
‫لنا س� ّر إعجابه بهؤالء مكتفياً بقوله عن امرئ‬
‫وأسهمت بعض األحكام النقدية التي صدرت‬
‫القيس‪»:‬إنه اتخذ الشعر نعلين»(‪ .)46‬ولعله يقصد‬
‫بذلك إنه كان متمكناً من الشعر‪ ،‬وال نكاد نجد عن شعراء ذلك العصر‪ ،‬في إشعال فتيل الهجاء‬
‫ق��اس�م�اً مشتركاً بين ال�ش�ع��راء ال�س��اب��ق ذكرهم بين بعضهم كما حدث مع جرير واألخطل‪ ،‬وجرير‬
‫لنحاول معرفة سر تفضيله لهم‪.‬‬
‫والراعي‪ ،‬ودفعت الخشية من الهجاء عمر بن‬
‫لعل المفاضلة بين الشعراء من أبرز صور النقد مقابل سكوته عن أهل المدينة الذين لم يعطوه‬
‫الذي شاع في العصر األموي‪ ،‬وال يمكننا إغفال شيئا؛ لضيق ذات اليد‪ ..‬بسبب الجفاف الذي‬
‫دور الفرزدق واألخطل وجرير في إذك��اء شعلة‬
‫ح ّل بها في ذلك العام‪ ،‬وأدّت كذلك إلى تهرّب‬
‫هذه المفاضالت؛ ولهذا فليس من المستغرب‬
‫أن يدور معظم النقد الذي صدر في ذلك العصر المهلب بن أبي صـفرة من المفاضلة بين جرير‬
‫حول ثالثتهم بالذات‪ ،‬ومن المفارقات أيضاً أن والفرزدق خشية أن يعرّضه ذلك إلى الهجاء‪.‬‬
‫المصادر والمراجع‪:‬‬
‫المصادر‪:‬‬

‫‪1 .1‬أس��اس ال�ب�لاغ��ة‪ ،‬الزمخشري‪ ،‬دار الفكر بيروت‪،‬‬
‫‪1994‬م‪.‬‬
‫‪2 .2‬األغ��ان��ي‪ ،‬أب��و الفرج األصفهاني‪ ،‬الناشران صالح‬
‫يوسف الخليل ودار الفكر للجميع‪ ،‬بيروت‪1970 ،‬م‪،‬‬
‫عن طبعة بوالق‪.‬‬
‫‪3 .3‬البيان والتبيين‪ ،‬الجاحظ‪ ،‬تحقيق وشرح عبدالسالم‬
‫هارون‪ ،‬دار الجيل‪ ،‬بيروت‪.‬‬
‫‪4 .4‬ديوان األخطل‪ ،‬شرح مجيد طراد‪ ،‬دار الجيل بيروت‪،‬‬
‫ط‪1995 ،1‬م‪.‬‬
‫‪5 .5‬ديوان شعر ذي الرمة‪ ،‬تصحيح وتنقيح كارليل هنري‬
‫مكارتنى‪ ،‬مطبعة كلية كمبرج‪.1919 ،‬‬
‫‪6 .6‬ديوان النابغة‪ ،‬تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم‪ ،‬دار‬
‫المعارف مصر‪1977 ،‬م‪.‬‬
‫‪7 .7‬ش��رح دي ��وان ج��ري��ر‪ ،‬ش��رح إيليا ال �ح��اوي‪ ،‬الشركة‬
‫العالمية للكتاب‪ ،‬ط‪1983 ،2‬م‪.‬‬
‫‪8 .8‬شرح دي��وان ال�ف��رزدق‪ ،‬شرح إيليا الحاوي‪ ،‬الشركة‬
‫العالمية للكتاب‪ ،‬بيروت‪ ،‬ط‪1983 ،2‬م‪.‬‬
‫‪9 .9‬الشعر والشعراء‪ ،‬اب��ن قتيبة‪ ،‬تحقيق وتقديم عمر‬
‫الطبّاع‪ ،‬دار األرقم بن أبي األرقم‪ ،‬بيروت‬
‫‪1010‬طبقات فحول الشعراء‪ ،‬ابن سالم الجمحي‪ ،‬شرح‬
‫م �ح �م��ود م�ح�م��د ش��اك��ر‪ ،‬م�ط�ب�ع��ة ال �م��دن��ي‪ ،‬مصر‪،‬‬
‫‪1974‬م‪.‬‬

‫‪1111‬ال �ع �م��دة ف��ي م �ح��اس��ن ال �ش �ع��ر وأدب � ��ه‪ ،‬اب ��ن رشيق‬
‫القيرواني‪ ،‬تحقيق‪ :‬محمد محيي ال��دي��ن‪ ،‬مطبعة‬
‫السعادة‪ ،‬مصر‪ ،‬ط‪1963 ،3‬م‪.‬‬
‫‪1212‬ال�ك��ام��ل‪ ،‬أب��و ال�ع�ب��اس ال�م�ب��رد‪ ،‬تحقيق محمد أبو‬
‫الفضل إبراهيم والسيد شحاتة‪ ،‬دار النهضة مصر‬
‫للطبع والنشر‪.‬‬
‫‪1313‬الموشح في مآخذ العلماء على الشعراء‪ ،‬أبو عبدالله‬
‫المرزباني‪ ،‬تحقيق محمد حسين شمس الدين‪ ،‬دار‬
‫الكتب العلمية‪ ،‬بيروت‪ ،‬ط‪1995 ،1‬م‪.‬‬

‫المراجع‪:‬‬

‫‪.1‬‬

‫‪.2‬‬
‫‪.3‬‬
‫‪.4‬‬
‫‪.5‬‬
‫‪.6‬‬
‫‪.7‬‬

‫‪1‬األخطل شاعر بني أمية‪ ،‬السيد مصطفى غازي‪ ،‬دار‬
‫المعارف مصر‪ 1950 ،‬م‪.‬‬
‫‪2‬تاريخ النقد األدبي عند العرب‪ ،‬طه أحمد إبراهيم‪،‬‬
‫دار الكتب العلمية بيروت‪ ،‬ط‪1985 ،1‬م‪.‬‬
‫‪3‬تاريخ النقد األدب��ي عند العرب‪ ،‬عبدالعزيز عتيق‪،‬‬
‫دار النهضة العربية‪ ،‬بيروت‪ 1980 ،‬م‪.‬‬
‫‪4‬التطور والتجديد في الشعر األموي‪ ،‬شوقي ضيف‪،‬‬
‫دار المعارف‪ ،‬مصر‪.‬‬
‫‪5‬جرير مدينة الشعر‪ ،‬حسن الشيخ الفاتح الشيخ‬
‫قريب الله‪ ،‬دار الجيل‪ ،‬بيروت‪ ،‬ط‪1990 ،1‬م‪.‬‬
‫‪6‬ذو الرمة شاعر الحب والصحراء‪ ،‬يوسف خليف‪،‬‬
‫مكتبة غريب‪ ،‬مصر‪.‬‬
‫‪7‬معجم المصطلحات ال�ب�لاغ�ي��ة وت �ط��وره��ا‪ ،‬أحمد‬
‫مطلوب‪ ،‬مطبعة المجمع العلمي العراقي‪1986 ،‬م‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪69‬‬

‫* جامعة حائل‪ ،‬جامعة البنات‪ ،‬كلية اآلداب والفنون‪،‬‬
‫فسم اللغة العربية‪.‬‬
‫(‪ )1‬األغ � ��ان � ��ي‪ 2/ 10 ،185/7 ،‬وط� �ب� �ق ��ات فحول‬
‫الشعراء‪.474 ،440/2‬‬
‫(‪ )2‬الشعر والشعراء‪ 341 ،‬وطبقات الشعراء ‪.110‬‬
‫(‪ )3‬نفسه‪.431 ،45 ،‬‬
‫(‪ )4‬طبقات فحول الشعراء‪ 377 /2 ،‬والكامل ‪.261/2‬‬
‫(‪ )5‬األغاني‪ 181 ،251/ 7 ،‬والشعر والشعراء ‪.341‬‬
‫(‪ )6‬نفسه‪ 187 ،181/7 ،‬وديوان األخطل‪.91 ،‬‬
‫(‪ )7‬األخطل شاعر بني أمية‪.163 ،159 ،151 ،150 ،‬‬
‫(‪ )8‬نفسه‪ 111 ،110 ،‬وال�ت�ط��ور وال�ت�ج��دي��د ف��ي الشعر‬
‫األموي‪.207 ،155 ،‬‬
‫(‪ )9‬الموشح‪.163 ،‬‬
‫(‪ )10‬األخطل شاعر بني أمية‪ 203 ،‬والتطور والتجديد‬
‫في الشعر األموي‪ 207 ،137 ،‬وشرح ديوان الفرزدق‬
‫‪ 66/2‬وشرح ديوان جرير‪542 ،501 ،131 ،76 ،38 ،‬‬
‫(‪ )11‬األغاني‪.187 ،55 – 53/7 ،‬‬
‫(‪ )12‬جمهرة أشعار العرب‪106–104 ،‬وشرح ديوان جرير‪،‬‬
‫‪.548 ،702 ،117 ،99 ،97‬‬
‫(‪ )13‬التطور والتجديد في الشعر األموي‪.216 ،‬‬
‫(‪ )14‬األغاني‪.74 ،60/7 ،‬‬
‫(‪ )15‬تاريخ النقد األدبي عند العرب (عبد العزيز عتيق)‪،‬‬
‫‪.163‬‬
‫(‪ )16‬األغاني‪74/7 ،‬وشرح ديوان جرير‪.198 ،‬‬
‫(‪ )17‬تاريخ النقد األدبي عند العرب (عبد العزيز عتيق)‪،‬‬
‫‪.171 – 170‬‬
‫(‪ )18‬األغ��ان��ي‪177/7 ،‬ودي � ��وان األخ �ط��ل‪،99 ،88 ،77 ،‬‬
‫‪253‬ورواية الديوان للبيت الثاني‪:‬‬
‫أس��ي��ل��ة م��ج��رى ال��دم��ع أم���ا وش��اح��ه��ا فيج ــري‬
‫وأم�����ـ�����ا ال���ح���ج���ـ���ـ���ـ���ل ف���ي���ه���ـ���ـ���ا ف��ل��ا يج ـ ـ ــري‬
‫ ورواية البيت الثالث‪:‬‬
‫ف���ه���ـ���ـ���و ف�����ـ�����ـ�����داء أم����ـ����ـ����ي����ر ال���م���ؤم���ن���ي���ـ���ـ���ن إذا‬
‫أب�����ـ�����دى ال���ن���واج���ـ���ـ���ـ���ذ ي���ـ���ـ���وم ب���اس���ـ���ـ���ل ذك ـ ــر‬
‫(‪ )19‬تاريخ النقد األدبي عند العرب (طه إبراهيم)‪.52 ،‬‬
‫(‪ )20‬األغاني‪.171/7 ،‬‬
‫(‪ )21‬األخطل شاعر بني أمية‪.217 ،‬‬

‫‪70‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫(‪ )22‬البيان والتبيين‪ 231/2 ،‬وتاريخ النقد األدب��ي عند‬
‫العرب (طه إبراهيم)‪. 54 ،‬‬

‫(‪ )23‬األغاني‪.48/19 ،38/7 ،‬‬

‫(‪ )24‬طبقات فحول الشعراء‪.299/ 2 ،‬‬

‫(‪ )25‬طبقات الشعراء‪.19 ،‬‬

‫(‪ )26‬دي��وان النابغة‪ 202 ،27-26 ،‬ودي��وان األخطل‪،26 ،‬‬
‫‪ 89-88‬ولمزيد من التفاصيل انظر األخطل شاعر‬
‫بني أمية‪223-217 ،‬‬

‫(‪ )27‬طبقات الشعراء‪ 86 ،‬والموشح ‪.147‬‬

‫(‪ )28‬ج��ري��ر م��دي�ن��ة ال�ش�ع��ر‪ 232-231 ،‬وش ��رح ديوان‬
‫الفرزدق ‪.77/2‬‬

‫(‪ )29‬طبقات فحول الشعراء‪.459 -456/2 ،‬‬
‫(‪ )30‬الموشح‪ 205 ،‬واألغاني‪. 115/16 ،‬‬

‫(‪ )31‬نفسه‪ 206 - 205 ،‬ونفسه ‪.115/16‬‬

‫(‪ )32‬نفسه‪ 206 ،‬ونفسه ‪ 118/16‬وديوان شعر ذي الرمة‪،‬‬
‫‪.1‬‬

‫(‪ )33‬نفسه‪279 ،231 ،‬‬

‫(‪ )34‬أساس البالغة مادة (ستل)‪.‬‬

‫(‪ )35‬األغاني‪114/16 ،61/7 ،‬وتاريخ النقد األدبي عند‬
‫العرب (عبد العزيز عتيق)‪.168‬‬

‫(‪ )36‬ذو الرمة شاعر الحب والصحراء‪،364 ،363 ،331 ،‬‬
‫‪.442‬‬

‫(‪ )37‬الموشح‪ 205 ،‬واألغاني‪.115 ،113 /16 ،‬‬

‫(‪ )38‬ذو الرمة شاعر الحب والصحراء‪345 ،313 ،313 ،‬‬
‫ولمزيد من التفاصيل انظر التطور والتجديد في‬

‫الشعر األموي ‪.261-258‬‬

‫(‪ )39‬معجم المصطلحات البالغية‪.143/1 ،‬‬
‫(‪ )40‬األغاني‪ 115 /16 ،‬والموشح‪ .207 ،‬ولم أعثر على‬
‫البيتين في ديوان ذي الرمة‪.‬‬

‫(‪ )41‬األغاني‪113/16 ،‬وديوان شعر ذي الرمة‪.500 ،‬‬
‫(‪ )42‬ذو الرمة شاعر الحب والصحراء‪.392 ،‬‬

‫(‪ )43‬األغاني‪ 113/16 ،‬وديوان شعر ذي الرمة‪.492 ،‬‬
‫(‪ )44‬نفسه‪114/16 ،‬والموشح‪.220 ،‬‬

‫(‪ )45‬نفسه‪.60 ،57/7 ،‬‬
‫(‪ )46‬نفسه‪.‬‬

‫ق���������ص���������ص ق������ص������ي������رة‬

‫أكبر من اجلرح‬
‫> مالك اخلالدي*‬

‫سيبتزون روحهُ ‪ ،‬سيعبثون بمشاعرهِ ‪ ،‬سيبعثرو َن بقايا أمله‪ ،‬سيريقون دموعهُ المتوارية‬
‫طلبت منه مرافقتي‪ ،‬إال أن قلبه‬
‫ِ‬
‫خلف تقاسيمه النقية‪ ،‬أعرفهُ جيداً‪ ..‬لن يمانع لو‬
‫أرجوك يا‬
‫ِ‬
‫عطف أو كلمةٍ داكنة!‬
‫ٍ‬
‫الزجاجي المضيء سيتهاوى حين يرمقهُ أحدهم بنظرة‬
‫أمي ال تخبريه بموعد حفل تخرجي‪ ،‬ألجله‪ ..‬ألجله هو فقط! نظر إليها بعينين تكابران‬
‫الدموع‪ ..‬ثم دلف حجرته‪.‬‬
‫بخضوع‪ ،‬ت�ل��كَ الشرفة تهديهِ ك��ل صباح‬
‫ابتسامات الضوء وابتهاالت الهواء وأغاريد‬
‫المطر‪ ،‬ولطالما ابتلعتْ دموعه وأحزان ُه‬
‫بصمت!‬

‫كانت تلكم الكلمات المغتسلة باأللم تمت ُّد‬
‫كعصفور يحتضر‬
‫ٍ‬
‫إلى أذنيه‪ ،‬تنطر ُح داخله‬
‫كطوفان كالح‪ ،‬تشتع ُل الساعاتُ المظلمة‬
‫ٍ‬
‫أو‬
‫بعسف‬
‫ِ‬
‫في ذهنه وأمام عينيه‪ ،‬تكاد تحرقه‬
‫بأريج هادر‬
‫ٍ‬
‫توهجها‪ ،‬يحاول إخما َد شررها‬
‫ي �ض � ُع ي ��ده ال�ن�ح�ي�ل��ة ال �م��رت �ج �ف��ة على‬
‫من جنبات قلبه الذي م ّل األنين‪ ،‬يقاو ُم في ق��اع��دت�ه��ا‪ ،‬يستجم ُع م��ا تبقى داخ �ل � ُه من‬
‫بتحفز ع��ن خيوط اإلصرارِ‬
‫ٍ‬
‫أحشائه دن��ف الحزن ال��ذي يلته ُم خالياهُ أم��ل‪ ،‬يبحثُ‬
‫وخفقاتهِ بشراهة‪.‬‬
‫ف��ي ش��راي�ي�ن��ه‪ ،‬ت�ط�ف� ُر م��ن حنجرته نغمة‬
‫يقف على ساقهِ‬
‫بنحيب مـُـنهك‪ُ ،‬‬
‫ٍ‬
‫يدف ُع بكرسيهِ المتحرك إلى حيثُ تلك حزن أشب ُه‬
‫الفرجة المربعة‪ ،‬إنها أثيرته الوفية التي الوحيدة متكئاً على تلكم الشرفة وطيوف‬
‫طالما منحت عينيه مصافحة وجه السماء الحيا ِة تشر ُق داخله‪.‬‬
‫ليتأمل تفاصيلها الزكية‪ ،‬ويبثُ ربه شكواهُ‬

‫يسر َج بصرهُ حيثُ السماء‪ ،‬ترتس ُم في‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪71‬‬

‫عينيه صفحة القمر‪ ،‬ينبجس على محياه رضاً على ما تكتبه‪ ،‬فتخفيه عن أعيننا وأرواحنا‪.‬‬
‫تعيش‬
‫ُ‬
‫رزين‪ ،‬تتدحر ُج من شفتيه كلمات خافتة‪:‬‬
‫ٍ‬
‫مريم ه��ي أختي ال�ك�ب��رى‪ ..‬فتاة ح��اذق��ة في‬
‫وحيداً؟!‬
‫اللغة‪ ،‬غامضة البوح‪ ،‬سريتها المرتفعة جعلتني‬
‫�ص��رِ ُ‬
‫ي� ْ‬
‫سطر واح � ٍ�د‪ ،‬أو حتى ع�ب��ارة غير‬
‫ٍ‬
‫ف ب�ص��ره مسترسالً‪ :‬أن��تَ ت ��رابٌ وأنا أت��وق ل �ق��راءةٍ‬
‫كائ ٌن بشري تتنازعني اآلمال والتطلعات‪ ،‬يجري مكتملة المالمح مما تكتبه‪.‬‬
‫داخلي هدي ٌر يافع يلهمني أناشيد الحياة ويبعثُ‬
‫في كل مرةٍ تخر ُج فيها‪ ،‬أستر ُق خطواتي إلى‬
‫في دمائي ماء البقاء‪ ،‬االنعزا ُل هو الذبول الذي‬
‫أرفضه‪ ،‬ثم َة قلب كبي ٌر داخلي سيسقي تضاريس حجرتها‪ ،‬غير أنني أج ُد أبواب أدراجها جميعها‬
‫مؤصدة‪ ،‬وفي المرة الوحيدة التي وج��دتُ فيها‬
‫األرواح واألرجاءِ حولي أجمل األمنيات!‬
‫ال��درج السفلي متبرجاً‪ ..‬همـّـتْ عيناي ويداي‬
‫يمد إح ��دى ي��دي��ه ح�ي��ثُ كرسيه المتحرك‪،‬‬
‫بتفحصهِ ‪ ،‬ففاجأتني بخطواتها البطيئة‪ ،‬وجسمها‬
‫يركن إليه بهدوء رغم قسوة األلم الصاخب في‬
‫النحيل‪ ..‬لحظتها انتصبتُ بارتباك‪ ،‬وتدحرجت‬
‫أحشائه‪.‬‬
‫من شفتي جملة مفضوحة‪ :‬فقط أردتُ إقفاله!‬
‫مكتظة باألغصان‪،‬‬
‫ٍ‬
‫زجاجة‬
‫ٍ‬
‫ينتزع زه��ر ًة من‬
‫ارت�س�م��ت ع�ل��ى مالمحها اب�ت�س��ام��ة صفراء‬
‫�لأت المكان‬
‫تنفتل جملة كأنها ال��رب�ي��ع‪ :‬لقد م ِ‬
‫بساق واح��دة! يبتسم ويعيدها إلى جعلتني أخر ُج من الغرفةِ ببضع قفزات‪.‬‬
‫ٍ‬
‫عطراً وأن� ِ�ت‬
‫حيثُ كانت كي تبث المكان أريجاً طاهراً‪.‬‬
‫�رض ع�ل�ي�ه��ا خ��رب �ش��ات��ي الشعرية‬
‫ك �ن��تُ أع � � ُ‬
‫مختلف بقلبهِ وتفكير ِه وروعته‪ ،‬لذا‬
‫ٌ‬
‫هكذا هو‬
‫ابتهاج وأمل‪ ،‬كبي ٌر‬
‫ٍ‬
‫لم تكن صباحاتهِ إال بساتين‬
‫ه��و ب��رب��اط��ةِ ج��أش��ه وعطائه وروح ��هِ السامقة‪،‬‬
‫يمزق نظرات الشفقة وكلمات اللمز والتوهين‬
‫ويذروها حيثُ الفناء‪ ،‬يجم ُع األنفاس المنعتقة‬
‫من القلوب الطهورة في أعماقه كي تورق أفنان‬
‫التحدي داخله‪.‬‬
‫يمنح اآلخ��ري��ن اب�ت�س��ام��ات ال �ف��أل ويعلمهم‬
‫دروساً في الشموخ‪ ،‬لقد أخبر الجميع أنه أكبر‬
‫من الجرح حين فاجأ أخ��اه ذات مساء‪ :‬خذني‬
‫معك ألشاطرك فرحتك‪ ،‬فأنا أرفض االنكسار!‬

‫ابتسامة صفراء‬
‫ٌ‬
‫دوم �اً أح��اول نبش ال��درج السفلي في غرفة‬
‫مريم‪ ،‬بحثاً عن أوراقها‪ ،‬ال أع��رف لماذا تتكتم‬
‫* ‬

‫‪72‬‬

‫شاعرة وقاصة من الجوف ‪ -‬السعودية‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫والنثرية‪ ،‬وكانت تثني عليها باقتضاب وجفاء‪،‬‬
‫لم يكن هذا األمر ليخل َق في نفسي شيئاً‪ ،‬فأنا‬
‫أعلم أنها ال تحب االستفاضة‪ ،‬وأن حزمها يخل ُق‬
‫في حروفها شيئاً من الجفاف‪ ،‬كما أن هدفي‬
‫األكبر أن تقو َم بإطالعي على شيءٍ مما تكتب‪،‬‬
‫إال أن ذلك لم يتحقق‪ .‬وكنتُ في كل مرة أعود‬
‫بخربشاتي والقليل من عباراتها الشحيحة‪.‬‬
‫أخبرتُ صديقتي المشاكسة مُنى‪ ..‬فنصحتني‬
‫بمواجهتها وطلبها ذلك بصراحة دون خوف أو‬
‫حرج‪ ،‬كان األمر صعباً‪ ،‬إال أن حروف منى ظلت‬
‫تتردد بقوةٍ داخلي‪ ،‬فقررتُ اإلع�لا َن عن رغبتي‬
‫بجرأة‪ ،‬أسرعتُ إلى غرفة مريم‪ ،‬وقفتُ قبالتها‪،‬‬
‫بتحفز ووجل‪ :‬مريم أري ُد أن‬
‫ٍ‬
‫نظرتُ إليها وقلتُ‬
‫أقرأَ ما تكتبين!‬

‫ق���������ص���������ص ق������ص������ي������رة‬

‫البئر‬
‫> زكريا العباد*‬

‫هناك ما ينغّ ص إشراقة هذا الصباح‪ ،‬فالغيوم الرمادية تلقي بظاللها على القرية‪،‬‬
‫لقد شاهدتها أثناء عودتي من المسجد‪.‬‬
‫طالء الجدران وأوراق األشجار والتراب في الممرات التي لم تسفلت بعد‪ ,‬ال تشعّ‬
‫ألوانُها بأقصى طاقتها الحيوية‪ .‬لم أكن فيما سبق أكترث بصباحات باردة ورماديّة‪ ،‬ألنّ‬
‫(أم محمد) كانت تشع الدفء في كلّ شيء‪ ،‬وتعيد خلق الصباحات التي تنذر بالشرّ‪..‬‬
‫مبطلة تنبؤاتها المشئومة‪ ،‬ومحيلة إياها إلى صباحات دافئة‪ ،‬أما اآلن‪ ..‬فصباح كهذا‪،‬‬
‫يحفز تحذيرات اآلباء ووصاياهم حيال عالمات األقدار المشئومة‪.‬‬
‫ال شيء سوى النارجيلة والقهوة والتمر‪،‬‬

‫وحشة تهاجمني حين يتقرب إليَّ أحدهم‪،‬‬

‫هذا ما أقضي صباحاتي معه منذ أن أ ُحلتُ‬

‫خ �ص��وص �اً ب �ع��د أن ج� ��اءوا ي �ع �ت��ذرون عن‬

‫سنوات خمس ومنذ أن‬
‫ٍ‬
‫إلى التقاعد منذ‬

‫تقصيرهم معي‪ ..‬مقترحين أن أت��زوج من‬

‫فارقتنا رفيقتنا الخامسة‪( ،‬أم محمّد)‪.‬‬

‫امرأة أخرى عالجاً لوحدتي!‬

‫أنجبت هؤالء األوالد؟؟‬
‫ِ‬
‫كيف‬
‫يشبهونك أبداً!!‬
‫ِ‬
‫إنهم ال‬
‫كم كنت تلتصقين بي؟ وكم ينفرون مني؟‬
‫وحتى إذا اقتربوا مني‪ ،‬الشيء يشبه الحياة‬
‫التي تتدفق إلى داخلي حين تقتربين‪ ،‬ثمة‬

‫ك � ُُّل ي��وم يرحل من عمري هو لبنة في‬
‫هذه البئر الموحشة بداخلي‪ ،‬يزداد ارتفاع‬
‫فوهتها يوماً بعد ي��وم‪ ،‬وي��زداد عمقها في‬
‫داخلي‪.‬‬
‫بئر مهجورة‪ ,‬ال شيء يسقط بداخلها‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪73‬‬

‫وأنت يا أ ّم محمد‪ ،‬صرت لبنة في بناء هذه البئر‪ ،‬وتوقفت محاوالتهم حين كان مصير الثالث مثل‬
‫أجمل لبنات بئري‪ ،‬يريدونني أن أقتلعك ألرمي صاحبيه‪.‬‬
‫بك في قاع البئر المظلمة‪ .‬أقتلع من؟؟ أ َّم محمّد؟!‬
‫اللبن َة المضيئة الوحيدة في بئري المظلمة؟‬
‫لن أنسى ما حييتُ ذلك اليوم‪ ،‬حين احترقت‬

‫« خذوني إليهم‪ ،‬يمكنني إخراجهم‪ ،‬لقد حفرت‬
‫البئر بيديّ »‪.‬‬
‫ربطت الحبل السميك المجدول من الليف‬

‫ِ‬
‫يديّ وتشوّه وجهي إثر حريق العريش‪،‬‬
‫سألتك‪ :‬في وسطي‪ ،‬ونزلت بعد أن أعطيتهم نهاية الحبل‬
‫ه��ل ستنفرين م� ّن��ي؟ فجاء ردّك مندفعاً حاراً‪ :‬الثاني‪ ،‬وأمرتهم أن يسحبوه حين آمرهم‪.‬‬
‫صوتك ممزوجاً‬
‫ِ‬
‫كيف أنفر منك يا بركتي؟! كان‬

‫كنت من تسبب في تشوهاتي‪،‬‬
‫باالعتذار‪ ،‬وكأنك ِ‬
‫أو كأنك كنت تعتذرين‪ ..‬ألنك لم تستطيعي فيما‬
‫مضى أن تقنعيني بأنّك ال تتركينني في حال من‬
‫غادرت‪.‬‬
‫ِ‬
‫األحوال‪ .‬وها قد‬

‫في قاع البئر كان الهواء شبه منعدم‪ ،‬ولم يكن‬
‫بإمكاني أن أرى شيئاً‪ ،‬أخذت أبحث برجلي في‬
‫الماء إلى أن تعثرتْ قدماي برأس آدمي‪ ،‬رفعته‬
‫برجلي‪ ..‬وتحسست ع��روق عنقه‪ ،‬فعرفت بأنه‬
‫ف��ارق الحياة‪ .‬حين عثرت على الثاني ك��ان هو‬

‫ف��ي ه��ذا ال�ص�ب��اح ال��رم��ادي ال �ب��ارد‪ ،‬يكثرون اآلخر قد مات‪ ،‬تركته ألبحث عن الثالث‪ ..‬فلربما‬
‫الدخول والخروج إلى الشطر القديم من البيت‬

‫أدركته قبل أن يلفظ أنفاسه األخيرة‪ .‬كانت عروق‬

‫حيث تقبع غرفتنا أن��ا وأن� ِ�ت‪ ،‬وحيث تقع غرفة عنقه ال تزال تنبض‪ ،‬ربطته بالحبل وأمرتهم أن‬
‫األدوات‪ ،‬ال أح��د ينط ُق بأكثر م��ن التحية‪ ..‬ثم يسحبوه‪ ،‬ويعيدوا الحبل ألرفع الرجلين‪.‬‬
‫ينطلقون عائدين بما أخذوه من أدوات‪ ،‬ال أحد‬
‫يستأذن منّي‪ .‬على األق��ل‪ ،‬كنت سأرشدهم إلى‬
‫مكان األدوات التي يحتاجونها عوضاً عن بذل‬
‫الجهد‪ ..‬وإضاعة الوقت في البحث‪ ،‬فأنا أحفظ‬

‫�دك محمّد‬
‫حين أخرجوني من البئر‪ ،‬كان ول� ِ‬
‫وأخ��وه أحمد ممددين إل��ى جانب فوهة البئر‪،‬‬
‫وك��ان ال��رج��ال يُ� ْرك�ب��ون اخ��اك (ع�ل��ي) ف��ي إحدى‬
‫السيارات‪ ..‬ويهرعون به إلى المستشفى‪ ،‬وفي‬

‫م �ك��ان األدوات واح� ��دة واح� ��دة‪ .‬ال أح��د يتبرّع س �ي��ارة أخ ��رى أرك �ب��وا ول�� َديْ��ك‪ ،‬ف��ي المستشفى‬
‫ليخبرني بما ينوون فعله في ال�م��زرع��ة‪ ..‬وكأن تأكدوا بأنهما فارقا الحياة كما أخبرتهم‪.‬‬
‫ملكيتها ال تعود لي‪.‬‬

‫ر ّب�م��ا ك��ان��ا ي �ح��اوالن إخ ��راج لبنتك المضيئة‬

‫حين أعيتهم الحيلة الستخراج الذين سقطوا ورميها في الظالم‪ ..‬فسقطا‪ ،‬وربما كانا يحاوالن‬

‫إخوتك بأنّهم كانوا ينوون‬
‫ِ‬
‫في البئر‪ ،‬اخبرني أحد‬

‫إعادة مياه البئر‪ ،‬لكن بعد أن فات األوان‪ .‬ذهب‬

‫أتذكرك‬
‫ِ‬
‫تنظيف البئر القديمة‪ ،‬وإع��ادة تشغيلها‪ ،‬فسقط ولداك‪ ،‬وبقي علي‪ ،‬عيناه تشبهان عينيك‪،‬‬
‫فيها أحدهم‪ ،‬وعَ لِق الثاني وهو يحاول إخراجَ ه‪ ،‬كلما نظرت إليهما‪.‬‬
‫* ‬

‫‪74‬‬

‫قاص من السعودية‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫ق���������ص���������ص ق������ص������ي������رة‬

‫حفلة تنكر‪..‬‬
‫> شمس علي*‬

‫فتح عينيه‪ ..‬بادره صوت ناعم بالقول «الحمد لله على سالمتك»‪.‬‬
‫أجال نظره في أرجاء الغرفة‪ ،‬البياض يحيطه من كل مكان‪ ..‬الجدران‪ ..‬الستائر‪..‬‬
‫األبواب‪ ..‬السرير‪ ..‬األغطية‪ ..‬هل أنا في حلم؟‬
‫بدت مستغرقة في قراءة تقريره الطبي عندما تأملها ملياً‪ ،‬ومن ثم رفع صوته»عفوا‪..‬‬
‫سمحت‪ ...‬هل لي بطلب؟ «أدارت رأسها نحوه‪ ،‬وبحركة ال تخلو من رشاقة‪ ،‬أسرعت‬
‫ِ‬
‫لو‬
‫بدس ميزان الحرارة تحت لسانه متمتمة‪« :‬دعني أقيس حرارتك أوالً‪ ،‬ومن ثم أحضر‬
‫لك ما تريد»‪.‬‬
‫لحظات الترقب تمضي بطيئة‪ ..‬كانت أكثر للراحة‪ ،‬الجوال قد يزعجك»‪.‬‬
‫ت�ح�م�ل��ق ب��ال �م��ؤش��ر ال��زئ �ب �ق��ي‪ ..‬انفرجت‬
‫راح في نوبة ألم ح��اد‪ ،‬جفناه مطبقان‬
‫أساريرها قائلة «هذا جيد‪ ،‬حرارتك آخذة ب �ش��دة‪ ,‬ت��أوه��ه وئ �ي��د‪ ،‬ي��ده اليمنى تطوق‬
‫في االنخفاض»‪ ،‬وبابتسامة ودودة أردفت‪ :‬ض �م��ادة ذراع ��ه األي �س��ر‪« ،‬ت��ذك��ر مداهمة‬
‫«ها‪ ..‬أي نوع من الطعام تريد؟»‪.‬‬
‫رجال الشرطة لهم‪ ،‬هربه من النافذة‪ ،‬دفنه‬
‫«ليس هذا ما أردت‪ ..‬أنا بحاجة ماسة األكياس الصغيرة أسفل حاوية القمامة‪،‬‬
‫لإلطمئنان على أهلي‪ ..‬ممكن ج��وال‪ ،‬لو قبضهم عليه في منعطف الشارع الثاني‪،‬‬
‫تسمحين!»‪.‬‬
‫«أرجوك‪ ،‬أنا بحاجة ماسة إليه»‪.‬‬
‫ِ‬
‫وصاح‪:‬‬
‫امتقع لونها‪ ..‬تعثرت كلماتها‪ ،‬وبخوف‬
‫وجهها يحاكي وج�ه��ه «يؤسفني أن ال‬
‫يشوبه الحرص‪ ،‬أجابت‪« :‬ولكن أنت بحاجة ألبّي طلبك‪ ..‬الهاتف محظور عليك»‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪75‬‬

‫تهدج ص��وت��ه‪ ..‬لفظ جملته األخ �ي��رة بحنق‪:‬‬
‫«سحقاً لهم‪ ..‬ابني مريض‪ ..‬وأب��ي رجل طاعن‬
‫في السن»‪.‬‬

‫حزمك‬
‫ِ‬
‫بخجل تنبري س�ل��وى‪« :‬ك��م يعجبني‬
‫ضعفك أمام أحد»‪.‬‬
‫ِ‬
‫وعدم‬

‫يشحب وج��ه (حنان) ويكف قلمها عن نقره‬
‫بيأس بالغ رفعت كتفيها ثم أنزلتهما‪« :‬ليت الرتيب فوق ورقة وضعت أمامها‪ ،‬وترسل نظرة‬
‫ش ��اردة متمتمة لنفسها‪« :‬ليس ه��ذه ال �م��رة‪ ،‬ال‬
‫األمر بيدي»‪.‬‬
‫أع��رف ما بي‪ ،‬ال أري��د التصديق أن هذا الوجه‬
‫تجاهلت عن عمد حنقه وت��أوه��ه المستمر‪،‬‬
‫المالئكي البرئ يمكن أن يكون لمجرم!»‬
‫وراحت تتأكد من وضعية الضماد على كتفه قبل‬
‫ترقبها سلوى وتسأل‪« :‬هل ضايقتك؟»‬
‫أن تغادر الغرفة على عجل‪..‬‬
‫تنظر لها بعتاب‪« :‬ل َم تتوهمين ذلك‪ ،‬أنا فقط‬
‫ «ال بد أنها ستساعدني‪ ..‬لهفتها علي تدل‬‫قلقة بعض الشيء»‪.‬‬
‫على ذلك»‪.‬‬
‫تسترسل سلوى‪« :‬قريباً سترتاحين مني عندما‬
‫ داهمته نوبة ألم مفاجئة سرعان ما تالشت‬
‫أنقل للعيادة الخارجية‪ ،‬لكن هل ستفتقدينني؟»‬
‫تمض دقائق م�ع��دودة حتى‬
‫ِ‬
‫كما ج��اءت‪ ..‬لم‬
‫ثرثرتك‬
‫ِ‬
‫حنان تتضاحك‪« ..‬على األقل سأفتقد‬
‫أقفلت راج �ع��ة ب��وج��ه ش��اح��ب لتقول ل��ه «ال‬
‫وشكواك التي حفظتها عن ظهر قلب»‪.‬‬
‫ِ‬
‫تقلق‪ ،‬س��أح��اول تأمينه ل��ك‪ ،‬فقط أمهلني‬
‫وكمن تدهمها فكرة ط��ارئ��ة‪ ..‬تصيح سلوى‬
‫بعض الوقت»‪.‬‬
‫متسائلة‪« :‬حنان‪ ..‬كيف هو مريضك الموضوع‬
‫ «كوني حذرة ال أريدك أن تتأذي بسببي»‪.‬‬‫تحت الحراسة‪ ،‬ألم تعرفي حكايته بعد؟»‪.‬‬
‫ «س ��أح ��اول أن أح��ض��ره ل��ك ب �ع��د منتصف‬‫تفز ح�ن��ان م��ذع��ورة كمن لسعتها ح�ي��ة‪ ،‬كم‬
‫الليل»‪.‬‬
‫الساعة اآلن؟ وقبل أن تكمل سلوى‪ ،‬أنها الوا‪...‬‬
‫في نهاية الدهليز حيث الضوء الخافت في مكتب كانت حنان تطوي الممر‪.‬‬
‫الممرضات‪ ،‬الساعة تناهز الحادية عشرة ليالً‪..‬‬
‫عند باب الغرفة (‪ )17‬ترتبك خطاها عندما‬
‫تغزوها عينا الحارس الناريتان‪ ،‬وبسرعة خاطفة‬
‫(‪)2‬‬
‫تنزلق إلى الغرفة‪ ..‬يفتح عينيه بصعوبة بالغة‪..‬‬
‫(س �ل��وى) مندفعة تشتكي مضايقات بعض تقيس ح��رارت��ه‪ ..‬تسوي عليه لحافه‪ ..‬وقبل أن‬
‫ال��زم�لاء وال�م��رض��ى‪ ،‬آخ��ره��ا ك��ان ال�ي��وم عندما تنصرف‪ ،‬ت��دس بيد مرتجفة هاتفها المحمول‬
‫طلبها للزواج مريض سبعيني متداع دأبت على تحت وس��ادت��ه وتغمغم‪« :‬طمئن أه�ل��ك عليك‪،‬‬
‫رعايته!!‬
‫وسأعود ألخذه قبل أن أغادر»‪.‬‬
‫بنزق تعقب ح�ن��ان‪« :‬ك��م م��رة قلت ل� ِ�ك كوني‬
‫تخرج مسرعة دون أن تلتفت للوراء‪ ..‬في حين‬
‫ِ‬
‫حازمة مع الجميع‪،‬‬
‫ودعك من هذه األصباغ التي يخلع هو وجهه ويرتدي آخر‪ ،‬آخذا في الضغط‬
‫على أزرار الجوال!؟‬
‫وجهك كل يوم»‪.‬‬
‫ِ‬
‫تلطخين بها‬
‫* ‬

‫‪76‬‬

‫قاصة وكاتبة من السعودية‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫> محمد صوانه*‬

‫(‪ )1‬حجر‪..‬‬

‫يقذف حجره في بحر‪،‬‬
‫يتقافز الحجر على سطح الماء؛‬
‫كثعبان يتلوى!‬
‫ٍ‬
‫تتشكل األمواج‪ ..‬دوائر؛‬
‫يتأملها‪ ..‬يُنصت لموسيقاها ‪..‬‬
‫فجأة؛‬
‫ألف فكرة ‪..‬‬
‫سقطت من رأسه ُ‬
‫فيغوص وراء حجره‪..‬‬
‫يطلبه بجنون ‪..‬‬
‫يلتقطه ‪ ..‬يه ّ ُم بمعانقته‪..‬‬
‫فيصعقه‪!!..‬‬

‫(‪ )2‬منظار‬
‫ينظر من خالل دائرة ضيقة‬
‫تراءت فصول الحياة كلها أمامه‬
‫دوائر ال متناهية‪..‬‬
‫في لحظة ذهوله‪،‬‬
‫خ َّر من فقاعة تفكيره‪،‬‬
‫بلسعة مفاجئة!‬
‫ٍ‬

‫(‪ )3‬تلميع‪!..‬‬
‫قبل أن يذهب إلى الحفل‪،‬‬
‫لمّع كل أدواته‪ :‬مالبسه‪ ،‬وتسريحته‪ ،‬ونظارته‪،‬‬
‫وحذاءه‪ ،‬وسيارته‪..‬‬
‫وتعهد االبتسام؛‬
‫لكن وجهه ‪ -‬في عيونهم ‪ -‬ظل باهتاً!‬

‫(‪ )4‬جذوة‬
‫ترحلت الشمس‪ ،‬لكنه ظل يقبض على جذوة‬
‫من نورها؛‬
‫يحتسي دفئها؛‬
‫* ‬

‫فيرتوي!‬

‫(‪ )5‬مشاركة‬
‫يتباهي ح��ارس البنك أن له دوراً مهماً في‬
‫االقتصاد الوطني؛ فهو يحرس أكبر بنك في‬
‫العاصمة‪ ،‬ويحتل اسمه مكاناً في قائمة الموظفين‬
‫المعتمدة من الجهات الرسمية‪ ،‬كما أنه ومديره‬
‫شريكان في جوانب مهمة؛ فمجموع مرتبيهما‬
‫معاً اثنا عشر ألفاً ومائة وأربعون ديناراً‪.‬‬

‫ق���������ص���������ص ق������ص������ي������رة‬

‫قصص قصيرة جدا‬

‫في نهاية الدوام يستقل المدير سيارته الفارهة‬
‫إلى قصر مشيد تحيط به حديقة غنّاء‪ ،‬ويأوي‬
‫الحارس إلى عائلته في مكان يشبه األعشاش!‬

‫(‪ )6‬صمود‬
‫زرعوه في الخاصرة األغلى‬
‫فرت أشتاتهم‪..‬‬
‫تشاغلوا ‪..‬‬
‫ظلوا يرقبون المشهد من وراء ستار‪..‬‬
‫نزفت الخاصرة‪،‬‬
‫نبت من نزفها شوك معاند‬
‫فنشب في حلق المسخ‪..‬‬
‫فتعالى عويله؛‬
‫مستنجداً أسياده!‬

‫(‪ )7‬عولمة‬
‫تختلج الطفولة بين جوانحه؛‬
‫فيطير نحو ذكرياته اللذيذة‪..‬‬
‫عندما فتح قبضة يدة‪،‬‬
‫تعفّر وجهه بغبار العولمة!‬

‫قاص من األردن مقيم في السعودية‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪77‬‬

‫م ٌُ‬
‫ة ل ِ ْل ُ‬
‫َ‬
‫ق ْد ِ‬
‫س‬
‫كلِ َ‬
‫> د‪ .‬سعد عبدالقادر العاقب*‬

‫‪78‬‬

‫����ادث الجَ ل َِل‬
‫����ك ع���ن��� َد ال����ح ِ‬
‫���ف دم����وعَ َ‬
‫كَ���فْ ���كِ ْ‬

‫����������زّقْ ُس�����تُ �����و َر ال�����ي�����أ ِْس ب���األم ِ���ل‬
‫ص����ب����ر ًا وم ِ‬

‫ألرض ال ح������ي������ا َة بها‬
‫ٍ‬
‫إن ال�������ظ���ل���ا َم‬
‫َّ‬

‫���ون والجب َِل‬
‫����س ل���ل��� ّ َزيْ���ت ِ‬
‫����ش����مْ ِ‬
‫�����ش�����رِ قُ ال ّ َ‬
‫ومَ ْ‬

‫�������دس ه������ذا ال�����ق�����ولُ ي���ك���تُ ���بُ���هُ‬
‫ُ‬
‫�����ك ي�����ا ق‬
‫إل�����ي ِ‬

‫���ن م���ن���ه ِ���م ِ���ل‬
‫��������ع م�����ن ال���ن���ي���ل���ي ِ‬
‫ش�����ل�����الُ دم ٍ‬
‫َّ‬

‫��������د ون�����ح�����نُ لنا‬
‫بِ ����ل����ف����و ُر ي�����ص�����دُ ق ف�����ي وع ٍ‬

‫ّ�����ام�����ن�����ا ا ُألو َِل‬
‫إخ����ل���اف عُ ������ ْرق������وبَ ف����ي أ َي ِ‬
‫ُ‬

‫بِ �����ل�����ف�����و ُر أوفَ����������ى ل����ه����م م�����ا ق����ال����ه وم���ض���ى‬

‫���ض���رِ بَ المث َِل‬
‫ْ��ف ص��رن��ا مَ ْ‬
‫��خ��ل ِ‬
‫ون��ح��نُ ف��ي ال ُ‬

‫ه������ذي ال����م����واع����ي����دُ ف�����ي أوط�����انِ �����ن�����ا ه������ز ٌَل‬

‫�����د وال����ه����ز َِل‬
‫�����ج ِ ّ‬
‫���ص���لُ ب���ي���ن ال ِ‬
‫���ف ي���ف ِ‬
‫وال���س���ي ُ‬

‫����ت أم�����ج�����ا َده�����ا وغ��������دَتْ‬
‫ي�����ا أ ّ َُم������������ةً ض���� َيّ����ع ْ‬

‫ت���ب���ك���ي ع���ل���ى بُ����������ر ِْج أم����ري����ك����ا ب��ل��ا خ���جَ ِ���ل‬

‫���ت(‬
‫)ه����������ا َم ال�������ف�������ؤادُ ب����أم����ري����ك����ي����ةٍ ج���ل���س ْ‬

‫بالعل َِل‬
‫ُ��ش��ف��ي ال�����دا َء ِ‬
‫����ن ت ْ‬
‫��س األم ِ‬
‫ف��ي م��ج��لِ ِ‬

‫َصب‬
‫��ش مغت ٍ‬
‫��دس يمشي ج��ي ُ‬
‫ف���اآلن ف��ي ال��ق ِ‬

‫ي��س��ع��ى إل���ى ال��م��س��ج ِ��د األق���ص���ى ب�ل�ا غُ ُس ِل‬

‫ي������ا أ ّ َُم����������������ةً ك�������ثُ �������رتْ ع�������������� ّ َد ًا ع����س����اك����رُ ه����ا‬

‫يط ِل‬
‫����ف ل����م ُ‬
‫����س����ي ُ‬
‫ط�����ال ال���ل���س���انُ ب���ه���ا وال ّ َ‬

‫���������ت ف����ي����ه����م م��ل�ائ����ك����ةٌ‬
‫وك������� َلّ�������م�������ا رف���������رف ْ‬

‫َ������ل‬
‫�������ر رائ���������دُ ه���������م ش�������وق������� ًا إل���������ى هُ ������ب ِ‬
‫ي�������ف ُّ‬

‫وك���� َلّ����م����ا ص��������ا َح مَ ������ن ي����دع����و ل���وح���دتِ ِ���ه���م‬

‫����ف����ي����نَ وال���ج���مَ ِ���ل‬
‫بَ�����كَ�����وا ح���ن���ي���ن��� ًا إل������ى ِص ِ ّ‬

‫����ف����تِ ����ه����م‬
‫وك������ َلّ������م������ا رف�������ع�������وا ص�������وت������� ًا ب����ع ّ‬

‫ُ����ل‬
‫���ص قُ ��������� ّ َد م�����ن قُ ����ب ِ‬
‫��������ل ق���م���ي ٍ‬
‫وَجَ �������������دْ تَ ك ّ َ‬

‫����م ج ّنتَهم‬
‫����ح����ك ِ‬
‫ق����د ش����� َيّ�����دوا ب���ح���ط���امِ ال ُ‬

‫�����ل؟(‬
‫���ح���كْ ِ���م م���ن َرج ِ‬
‫���ط���ي���قُ وداع ال ُ‬
‫)وه�����ل يُ ِ‬

‫����دس خ���ي���لَ ال���ل���هِ منطلق ًا‬
‫ارك�����ب ف��ت��ى ال����قُ ِ‬

‫���ج���مَ ِ���ل‬
‫����اظ وال ُ‬
‫وات��������رُ ْك ل��ه��م ص���ه���و َة األل����ف ِ‬

‫��������م إن ال����������ن����������دا َء ب����ه����مْ‬
‫وال تُ��������ن��������ادِ ه ِ‬

‫����ل‬
‫أرض ب��ل��ا طَ ���� َل ِ‬
‫������وف ع���ل���ى ٍ‬
‫م����ث����لُ ال������وق ِ‬

‫��������راب نجدتَها‬
‫ف����ال����قُ ����دْ ُس ت���رج���و م���ن األع ِ‬

‫خ��م��س��ي��نَ ع���ام��� ًا وخ���ي���لُ ال����عُ ����ر ِْب ل���م ت َِص ِل‬

‫����زن ح���ت���ى ض������ا َع ناظرُ ها‬
‫���ت م����ن ال����ح ِ‬
‫ب���ك ْ‬

‫َ�����ل‬
‫�����م�����ه�����ا دم������ع������ ًا ب���ل��ا مُ �����ق ِ‬
‫�����ت غ ّ َ‬
‫ف�����أرس�����ل ْ‬

‫����ض به‬
‫م�����ح�����روم�����ةٌ ه�����ي م�����ن خ����ي����رٍ ت����ف����ي ُ‬

‫����اس بالعسَ ِل‬
‫ك���ال��� َنّ���ح ِ���ل ض�����نّ ع��ل��ي��ه ال����ن ُ‬

‫������������راج ح����ائ����رةٌ‬
‫ِ‬
‫ه������ذي ال����ح����م����ائ����مُ ف�����ي األب‬

‫������ل‬
‫������زّجَ ِ‬
‫ُ�����������ردّدُ ال����ص����وتَ ب���ي���ن ال������ َنّ������و ِْح وال ِ‬
‫ت ِ‬

‫�����دس أف����ئ����دةٌ‬
‫�����ت ت����ض����ئُ س�����م�����ا َء ال�����ق ِ‬
‫أم�����سَ ْ‬

‫���������ارس ب���طَ ِ���ل‬
‫ٍ‬
‫���������ل م�����ن ش���� َيّ����ع����وا ِم��������نْ ف‬
‫وك ُّ‬

‫ك�����م أل�����زم�����وا ج���ي���ش إس�����رائ�����ي�����لَ م���ع��� َرك���ةً‬

‫����ل‬
‫������م ال���ص���خ���رِ وال����و َِع ِ‬
‫م���ث���لَ ال���ت���ي ب���ي���نَ ُص ِ ّ‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫ش������������������������������������ع������������������������������������ر‬

‫������وت عزمتَهم‬
‫���ب ال������م ِ‬
‫������ل ل���ه���ي ُ‬
‫������ف ّ َ‬
‫ف����ل����مْ ي ِ‬

‫َ����ل‬
‫����م وال���� َثّ����ك ِ‬
‫ول������م ي�����رُ عْ �����هُ �����مْ س���ع���ي���ر ال����يُ ����ت ِ‬

‫�����ب ق������ادوا خ��ي�� َل��ه��م فبِ ِهمْ‬
‫�����رع ِ‬
‫ج���ن���دٌ م���ن ال ُّ‬

‫�����ل‬
‫تُ���م���س���ي وتُ�����ص�����بِ �����حُ إس�����رائ�����ي�����لُ ف�����ي وج ِ‬

‫���س ت���زه���و ب���ع��� َد غيبتِ ها‬
‫������ادت ال���ش���م ُ‬
‫ق���د ع ِ‬

‫واكتمل‬
‫ِ‬
‫���ي‬
‫ي����ا ب������د ُر ف�����اط�����رُ ْد ظ���ل��امِ ال���ب���غْ ِ‬

‫وص�����خ�����ر ُة ال���م���س���ج ِ���د األق�����ص�����ى وق���� َبّ����تُ ����هُ‬

‫كالشع َِل‬
‫ُّ‬
‫���ظ���ل ِ���م ت��ب��دو ال���ي���و ّم‬
‫ف���ي ُظ���لْ���مَ ���ةِ ال ُّ‬

‫أرج����������و ال�������ص���ل���ا َة ب������ه ل��������وال َت�����ب�����اعُ �����دُ ن�����ا‬

‫������ل(‬
‫)وم������ا اس���ت���ب���اح���ت ب����ه ص���ه���ي���ونُ م����ن إبِ ِ‬

‫ف���ال���ص���خ���رُ وال����ش����ج����رُ ال���م���ي���م���ونُ رائ����دُ ن����ا‬

‫ُ���ل‬
‫األرض م����ن ُس���ب ِ‬
‫ِ‬
‫وه�����ل س����واه����ا ل���ن���ا ف����ي‬

‫����ك ال�����ف�����اروقُ فانتفضي‬
‫����م����مَ ِ‬
‫������دس ي ّ َ‬
‫ي����ا ق ُ‬

‫����دل‬
‫����ك م����ن����سَ ِ‬
‫�����ل ف����ي ِ‬
‫��������أس ول�����ي ٍ‬
‫م�����ن ك�������لِّ ي ٍ‬

‫���ح���ه���ا‬
‫�������اروق ف���اتِ ِ‬
‫ِ‬
‫إن������ي أرى مَ �������قْ ������� َد َم ال�������ف‬

‫ع���ن��� َد ال���م���خ���اض���ةِ ي���ا اس���رائ���ي���لُ فارتحلي‬

‫���ت ال وطن ًا‬
‫ع������ودي إل�����ى م����ا م���ض���ى إذ ك���ن ِ‬

‫����وت ال���خ���ن���ا‪ ،‬وا ْرع����������يْ م����ع ال���ه���مَ ِ���ل‬
‫إ ّال ب����ي ُ‬

‫����دس أش�����ع�����اري ول����ي����س يفي‬
‫أس���������وقُ ل����ل����ق ِ‬

‫������ل‬
‫���������رف ف���ي���ه���ا ول������م أقُ ِ‬
‫����ت م�����ن أح ٍ‬
‫م�����ا ق����ل ُ‬

‫َ���������ث‬
‫������ل م������ا ق�����ل�����تُ �����هُ ف������ي غ�����ي�����رِ ه�����ا َرف ٌ‬
‫ف������ك ُّ‬

‫َ����ل‬
‫وال���خ���ط���وُ ف���ي غ��ي��رِ ه��ا َض������ر ٌْب م���ن ال���� ّ َزل ِ‬

‫����ن إ ْذ جمع َْت‬
‫ف����اذكُ ���� ْر ف��ت��اه��ا ص��ل��ا َح ال����دي ِ‬

‫��������دول‬
‫ِ‬
‫�����وك وم�������ا ج��������اءت م�����ن ال‬
‫ل�����ه ال�����م�����ل ُ‬

‫�����ل م���ن���دف���ع��� ًا‬
‫��������ي ال�����س�����ي ِ‬
‫ف�����ج�����اءه�����م ك��������أَتِ ِ ّ‬

‫����ش����هُ ����مُ ال���������ج��������� َرّا ُر ف�����ي ع���ج ِ���ل‬
‫ف�����ف����� ّ َر ج����ي ُ‬

‫�����دس م���اث���ل���ةٌ‬
‫ق����دْ س����ي����ةٌ ف�����ي ص�����خ�����ورِ ال�����ق ِ‬

‫����ل‬
‫����م���� َل ِ‬
‫������اس وال ِ‬
‫��������ت ل���ه���ا س����ائ����رُ األج������ن ِ‬
‫دان ْ‬

‫����ك ت���م���ض���ي ف����ه����ي ف���ان���ي���ةٌ‬
‫���������ل ال����م����م����ال ِ‬
‫ك ُّ‬

‫����ل‬
‫���ت م���ن س���ط���وة األج ِ‬
‫����دس ق���د سَ ���لِ ���م ْ‬
‫وال����ق ُ‬

‫������اول ال���ع���ل���جُ أن ي���ج���ت���ا َح مسجدَها‬
‫ك���م ح ِ‬

‫��������ل‬
‫��������ر ُّس ِ‬
‫������ن وال ُ‬
‫�����ب ال������ ّ َرح������م ِ‬
‫ف��������������ر ّ َد ُه غ�����ض ُ‬

‫م������ات ال������ع������دا ُة ب���ه���ا غ���ي���ظ��� ًا وم����احَ ����نِ ����قَ����ت‬

‫����ل‬
‫����������ذ ِ ّل وال����ف����ش ِ‬
‫وع����������اد ك������ائ������دُ ه������ا ب����������ال ُّ‬

‫���دح���ر ًا‬
‫�����دس م���ن ِ‬
‫������دو ب����س����ورِ ال�����ق ِ‬
‫ب������ات ال������ع ُّ‬

‫������س ي�����������دا ُه ط�����ه����� َره�����ا األ َزل����������ي‬
‫ول��������م ت������م ّ َ‬

‫طرائقها‬
‫ِ‬
‫����اس) ف���ي‬
‫م���ا دام ي��م��ش��ي (ح����م ٌ‬

‫�������ب وال جَ �������د َِل(‬
‫���������ق ب��ل��ا ري ٍ‬
‫ف����ال����ف����ت����حُ (ح ٌ ّ‬

‫* ‬

‫شاعر من السودان‪ ،‬أستاذ مساعد في اللغة العربية ‪ -‬جامعة تبوك‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪79‬‬

‫إذا مت ال تخبروها مبوتي‬
‫> محمد حرب الرمحي*‬
‫مت ال تخبروها بموتي‬
‫إذا ُّ‬

‫فال تجعلوها تعانقُ لحدي‬

‫البيلسان‬
‫ِ‬
‫وال توقظوا زهر َة‬

‫المالك‬
‫ِ‬
‫لئال يرقُ فؤا َد‬

‫كما هي نائمة فوق صدري‬

‫قصد‬
‫ِ‬
‫دون‬
‫األرض من ِ‬
‫ُ‬
‫وترتج ُف‬
‫ِ‬

‫الحنان‬
‫ِ‬
‫دعوها تصلي صالة‬

‫وينشقُ بد ُر السماءِ ُصرَاخ ًا‬

‫مت ال تخبروها رفاقي‬
‫إذا ُّ‬

‫ورعد‬
‫وبرق ِ‬
‫ٍ‬
‫بحزن وقهرٍ‬
‫ٍ‬

‫فلست أطيقُ بكاء الغواني‬
‫ُ‬

‫الصوت للذُ ِل قهر ًا‬
‫ُ‬
‫فيرجعُ ني‬
‫ُ‬

‫سأخجلُ من عينها لو رأتني‬

‫صدق وعدي‬
‫ِ‬
‫تخليت عن‬
‫ُ‬
‫كأني‬

‫وأخجل من دمعها لو بكاني‬

‫ولست أريدُ الرجو َع ألني‬
‫ُ‬

‫خذوني وال تخبروها بموتي‬

‫الرحيل كرام َة وجدي‬
‫ِ‬
‫أرى في‬

‫وال تقطعوا حلّمها واألماني‬

‫حب‬
‫عيش دونَ كرامةِ ٍ ّ‬
‫َ‬
‫فال‬

‫مسها الحزنُ مني‬
‫أموت إذا ّ‬
‫ُ‬

‫وال ع ّ َز يأتي بعصرِ التردي‬

‫دان‬
‫شق ِ‬
‫بالع ِ‬
‫فكيف لميتَ ِ‬

‫أجل حبي‬
‫مت من ِ‬
‫فقولوا لها ُّ‬

‫خذوني وال توقظوها رجاءً‬

‫الليل بُعدي‬
‫ِ‬
‫ومن أجلها اخترت في‬

‫نان‬
‫دعوها على ربوةٍ من ِج ِ‬

‫سخين‬
‫ٍ‬
‫بدمع‬
‫ٍ‬
‫تأت قبري‬
‫فال ِ‬

‫بدمع القصائ َد فلتغسلوني‬

‫ولكن لتأتي بباقةِ وردِ‬

‫فمن ذِ كرِ ها قد تفوح المعاني‬

‫وتقر ُأ ما قد تيس َر حولي‬

‫وبالوردِ يا سادتي كفنوني‬

‫خد‬
‫ولو دمعةً فوق صفحة ِ‬

‫فمن ِعطرها الوردُ باتَ يُ عاني‬

‫لتبك‬
‫تبك موتي ولكن ِ‬
‫فال ِ‬

‫رحلت غد ًا يا رفاقي‬
‫ُ‬
‫إذا ما‬

‫المستبد‬
‫ِّ‬
‫القلوب من‬
‫ِ‬
‫هوانَ‬

‫وودعت عمري وعُ م َر زماني‬
‫ُ‬

‫وصنت فؤادي‬
‫ُ‬
‫قت هواها‬
‫عش ُ‬
‫ِ‬

‫دعوها بحضني تنامُ طوي ًال‬

‫أحصدُ وردي‬
‫الموت ُ‬
‫ِ‬
‫وجئت إلى‬
‫ُ‬

‫كعصفورةٍ في كتاب األغاني‬

‫حب‬
‫أجل ٍ ّ‬
‫أجمل الموتَ من ِ‬
‫ِ‬
‫فما‬

‫وإن عَ لِ مَ ت بعد موتي بموتي‬

‫لحد‬
‫ظل ِ‬
‫الحب في ِ‬
‫َّ‬
‫أجمل‬
‫ِ‬
‫وما‬

‫* ‬

‫‪80‬‬

‫شاعر وكاتب من األردن‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫> زكية جنم*‬
‫لِ لَون ُحزني‪..‬‬

‫استيقظت من غفوتها‬

‫رمادية أفق ٍ لم تكتسيه‪..‬‬

‫لتجد أمامها‪..‬‬

‫شمس‪..‬‬
‫ٍ‬
‫خيوط‬

‫وجه ريح عابس‪..‬‬

‫األخاذ‪.‬‬
‫لم تحتويه بدفئها ّ‬

‫جرّد الهواء من هدوئه‪..‬‬

‫***‬
‫للون ُحزني‪..‬‬

‫وذرفت السنبلة على خدّ األرض‪..‬‬

‫زرقة بحر‬

‫دمعتها األخيرة‪.‬‬

‫سئم ملوحته‪ ..‬غموضه‬

‫***‬
‫للون ُحزني‪..‬‬

‫***‬
‫للون ُحزني‪..‬‬

‫بنفسجية زهرة‬
‫أحبت نسيم الهواء‬

‫سوادُ ليل ٍ‬

‫سكنت يومه‪ ،‬أمسه‪..‬‬

‫طال في عتمته‪ ..‬انتظاره‪..‬‬

‫احتوت أمله‬

‫تآكل في صمت صبره‪،‬‬

‫لكنها‪..‬‬

‫ولم يبزغ‪ ..‬بعدُ فجره‪.‬‬

‫لم تمنحه سوى عمرا قصيرا‪..‬‬

‫وشيئا من عنفوانه‪.‬‬

‫***‬
‫للون ُحزني‪..‬‬
‫حمرة أصيل‬

‫فأسكن قلب الهدوء‪َ ..‬ص ِفيره‬

‫وحسرة‪..‬‬
‫***‬
‫للون ُحزني‪..‬‬

‫عانق الشمس لحظة‬

‫فضيّة قمرٍ‬

‫ثم اختفى‪..‬‬

‫تسرمد بالبقاء ‬

‫لتتبع خطاه أقدام العتمة‪..‬‬

‫ليقض مضاجع أحزاني‬

‫***‬
‫للون ُحزني‪..‬‬
‫اصفرار سنبلةٍ‬

‫* ‬

‫ش������������������������������������ع������������������������������������ر‬

‫حزني‬
‫ألوان ُ‬

‫ويستلّ من عنق الشمس‬
‫سيف الضياء‪..‬‬

‫قاصة من السعودية‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪81‬‬

‫َقصيدةٌ‪ ...‬إِلى امرأةٍ‬
‫َّ‬
‫مضطرِبة‬
‫‪ ‬ابقي مَعي‪..‬‬
‫أحتاجُ أ َن ِّك جَ انبي‬
‫الظالمِ المُ فزِ عِ‬
‫لتقطعي‪ ..‬لُججَ ّ َ‬
‫ِّ‬
‫مع والود ِْق الغزي ْر‬
‫بال ّ َد ِ‬
‫ابْقي مَعي‪..‬‬
‫الغياب‪ ..‬أل َنّني‬
‫ُ‬
‫عما حياةٍ سوف يطويني‬
‫َّ‬
‫يَغتَالُنِ ي َبرْدُ الجياعْ‬
‫ويُضيفُ ني رقمً ا شق ًيّا عاصيًا‬
‫وت الكَبي ْر‬
‫في سَ احةِ المَ ِ‬
‫إنسي المالم َة‬
‫اضطرَاب َِك‬
‫عنك ْ‬
‫خبّئي ِ‬
‫ِ‬
‫رايات ُحزنِ ِك عَ ّ َلنَا‬
‫لَملِ مي ِ‬
‫شمس ن َِسي ْر‬
‫ٌ‬
‫َقت‬
‫إنْ أشر ْ‬
‫ال ت ْـسـأَلـيني‪ ..‬عن متاهَ ِات الغوايةِ‬
‫يرتد طَ رْفِ ي في سمائِ ِك‬
‫ك َلّما ُّ‬
‫عا َد مُ نكسرً ا حسي ْر‬
‫***‬

‫ها إ َنّنا‪ ..‬نحيا معً ا‬
‫والشجَ نْ‬
‫َّ‬
‫للسعادةِ‬
‫يا ّ َ‬
‫السافر ْة‬
‫يا لل ُنّجومِ ّ َ‬
‫يا للمدَى منْ غير ِ حدْ‬
‫أنا لنْ أقولَ بأ َنّني‪..‬‬
‫أعرف وُ جهَتي‬
‫ُ‬
‫دت‬
‫ما عُ ُ‬
‫ليس ليْ عنْ ُح ِب ِّك الق َتّالُ ب ُّْد‬
‫أ ْو َ‬
‫َكت أ َن ِّك غايتي‪..‬‬
‫لك َنّني أدر ُ‬
‫فيك فَراشةً ‪ ،‬وحمَ امةً ‪..‬‬
‫فسَ مَ و ُْت ِ‬
‫بح ِبّنا‬
‫أحاط ُ‬
‫َ‬
‫لتُ ضيء عُ مرً ا قد‬
‫ويريدُ ها قلبي سَ نَدْ‬
‫***‬

‫‪82‬‬

‫* ‬

‫شاعر من مصر‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫> محمود قطان*‬

‫هل تُمهليني فُ رصةً‬
‫داخلي‬
‫كل الحقيقةِ ِ‬
‫كي تكشفي ّ َ‬
‫منّي مَخَ اوفِ يَ ا َلّتي‪ ..‬؟!‬
‫و ُتب ِ َّددِ ي ِ‬
‫عنّي قُ مَ ام َة غُ ربَتي‬
‫ولتُ بعدي ِ‬
‫ولت َْخلَعي كَتِ َف األلمْ‬
‫الحريق بجبهَتي‬
‫ِ‬
‫طفئي‪ ..‬كُ تلَ‬
‫ولتُ ِ‬
‫َفتَن ّ َه ِدي عَ ِنّي أسَ ايَ ‪َ ..‬ت َن ّ َف ِسي‪..‬‬
‫هذي الكآبةُ كالهَواءِ بكُ ِ ّل دمْ!‬
‫***‬
‫عيناك إال هالت َِان‬
‫ِ‬
‫عيناك‪ ..‬ما‬
‫ِ‬
‫ُجاوران سحائبَ المُ ز ِْن التي جاءَتْ لتُ مط َر لؤلؤً ا‬
‫ِ‬
‫ت‬
‫بمدينَتي‪..‬‬
‫َعت‬
‫والبساتين التي قدْ أين ْ‬
‫ِ‬
‫َائق‬
‫والقلب يهفو للحد ِ‬
‫ُ‬
‫بجبينِ ِك‪..‬‬
‫ضن ال يُبالي عتمَ تي‬
‫وا َلّليلُ مُ ٍ‬
‫فلتُ قبِ لي‪..‬‬
‫بالرّؤى‬
‫كيْ تملَئي هَ ذي القصائ َد ُ‬
‫ُوشميها بالوَسَ نْ ‪...‬‬
‫كي ت ِ‬
‫ولتَكْ ِسري‬
‫نازف‬
‫قلب ٍ‬
‫أغاللَ ٍ‬
‫جارف‬
‫ٍ‬
‫زن‬
‫وقُ يو َد ُح ٍ‬
‫في‬
‫زن ّْ‬
‫الح ِ‬
‫غطى نطاقَ ُ‬
‫َّ‬
‫كيْ تزرَعي‬
‫بشمسنَا‬
‫ِ‬
‫باح‬
‫الص ِ‬
‫بُؤ َر ّ َ‬
‫ولتُ صبحي شمسي أنَا‬
‫لي‬
‫والعينَ ّْ‬
‫كيْ تَدْ لِ قي‬
‫عط َر المح َبّةِ في يَدي‬
‫الظنْ !‬
‫عني غُ با َر ّ َ‬
‫كيْ تمسَ حي ِ ّ‬

‫ان أكون بالزمان والمكان الخطأ‬
‫وتغادرني اللحظة بال جدوى‬
‫يحدث أحيانا أال أكون أنا‬
‫ربما تكون غيري‬
‫ضميرا منفصال تقديره سدى‬
‫سأعانق أوراقي‬
‫ربما الحروف‬
‫تخترقني‬
‫ذات جدب‬
‫سأخبر اآلخرين‬
‫كم هي الحياة جميلة‬
‫وأخفى أقراصي المهدئة‬
‫بعيدا عن أعين المتطفلين‬
‫يحدث أحيانا‬
‫أن أرى كونا أجمل‪..‬‬
‫فاذا حاولت استبقاء أحالمه‬
‫غادرني بال عودة‬
‫يحدث أحيانا‬
‫أن تعرقلني دمعة طفل‬
‫فال أجد بجعبتي‬
‫سوى حروف عرجاء‬
‫أسكبها بين يديه كحلوى‬
‫وأنصرف قبل أن يشيعني بفقد‬
‫يحدث أحيانا‬
‫أن يعاتبني حرف‬
‫فأستبدله بآخر‬
‫وصرخات احتضاره‬
‫تئن مضجعي‬
‫يحدث أحيانا‬
‫أن تمطر بداخلي‬
‫* ‬

‫> عبير يوسف*‬

‫أن ألملم أحالمي‬
‫من نوازع الطريق‬
‫يحدث أحيانا‬
‫أن أتقلص‬
‫أتقوقع‬
‫أمشط أحزان القمر‬
‫وأظل أبكي بال هوادة‬
‫كأنه قيد مستعر‬
‫يحدث أحيانا‬
‫أن أحلم وال أستيقظ‬
‫إال عندما يلقيني الطائر كأحجية‬
‫ألزمنة قادمة‬
‫يحدث أحيانا‬
‫أن أرسم وطنا‬
‫فيرتاده الجميع‬
‫وأفر منه على غير هدى‬
‫يحدث أحيانا‬
‫أن أقترض ابتسامة هذا وتلك‬
‫وتظل الدمعة تعربد بداخلي‬
‫يحدث أحيانا‬
‫أن تغربلني األشياء‬
‫تشردني األوهام‬
‫وأستجدى عمرا‬
‫من اللحظات المارقة بدمي‬
‫يحدث أحيانا‬
‫أن أكون كما أنا‬
‫وتدهشني هواجسي‬
‫حين تسألني‬
‫من أنت؟‬

‫ش������������������������������������ع������������������������������������ر‬

‫يحدث أحيانا‬

‫شاعرة من مصر‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪83‬‬

‫مصير الوردة‬
‫> طارق فراج*‬
‫يقف على ناصية الليل‬
‫يسامر النجوم‬
‫علّه يكتشف ضوءا‬
‫يقوده خارج ظلمة الوجوه‬
‫التي يئن كاهل األرض منها‪..‬‬
‫لم تترك له المدينة‬
‫بكامل فتنتها‬
‫حيزا صغيرا للحلم‪..‬‬
‫أغلق صمته المليء بالكالم‪،‬‬
‫وأسدل ستائر سميكة‬
‫على نوافذ مخاوفه‬
‫ويمم وجهه بال تردد‬
‫شطر الصحراء‪.‬‬

‫***‬
‫ذلك الجرح‬
‫الحاد كالشفرة‬
‫اقتلع شجرة الحنين‬
‫من ضلوعه‬
‫وأهداها كاملة‬
‫للمرأة التي قابلته‬
‫بنصف ابتسامة‬
‫في ذلك اليوم الشتائي‬
‫البعي ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــد‪.‬‬
‫***‬
‫* ‬

‫‪84‬‬

‫شاعر من مصر‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫بخطوة معتادة‪،‬‬
‫وسالح متحفز على الكتف‬
‫يخرج قلبه‬
‫في نوبته الليلية‬
‫يمشي وحيدا على منبت األرق‬
‫لعله يرى وجهها الحلو‬
‫وهي تخدش عتمة النافذة‬
‫داخلة إلى شهوة الحلم‪.‬‬
‫***‬
‫في المساء‪..‬‬
‫ألقت إليه بوردة‬
‫من شرفتها العالية‪..‬‬
‫تلك الوردة التي لها رائحة الصبر‬
‫يعرف مصيرها جيدا!!‬
‫أما حبيبته‬
‫ال تعرف أن الورود‬
‫ال تروي عطش المواسم الحزينة‪.‬‬

‫ن�������������������������������������ق�������������������������������������د‬

‫التركي ندمي جورسيل‪..‬‬
‫للروائي‬
‫«الترام األخير»‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫جسر ٌ من الذكريات‪..‬‬

‫> هيثم حسني*‬

‫يقدّ م ال��روائ��يّ التركيّ نديم جورسيل في رواي��ت��ه «ال��ت��رام األخ��ي��ر»‪ ،‬ص��ور ًا من حياة‬
‫المهاجرين األت��راك في فرنسا؛ يسلّط األض��واء فيها على جوانب من المعاناة التي‬
‫يتعرّضون لها في طريقهم المُ فترَضة إلى ب ّر األمان‪ .‬يسرد جورسيل روايته التي يتبدّ ى‬
‫ّري جل ّياً‪ ،‬والسيّما في تركيزه على توصيف ساحة جامعة السوربون‪،‬‬
‫فيها الجانب السي ّ‬
‫التي درس فيها األدب المقارن‪ ،‬ويدرّس فيها حالي ًا األدب التركيّ الحديث‪ ،‬تلك الساحة‬
‫التي يصف تفاصيلها بدقّ ة‪ ،‬يسترجع أثناء ذلك ذكرياته‪ ،‬حين كان يعبر به قطار العمر‬
‫من مدينة إلى أخرى‪.‬‬
‫ي�ت�ش��ظّ ��ى م�ف�ه��وم ال �ت��رام ف��ي الرواية‪،‬‬
‫يوهم‬
‫يمارس الروائيّ عبره تورية موظّ فة‪ِ ،‬‬
‫بمعان ع��دي��دة‪ ،‬يحيل إل��ى أم��ور متباينة‪،‬‬
‫ٍ‬
‫لربّما يو ّد اإلش��ارة إلى قطار الزمن الذي‬
‫يمضي بالمرء‪ ،‬فينتقل به من محطّ ة إلى‬
‫أخ ��رى‪ ،‬لتكون ل��ه ف��ي ك � ّل محطّ ة عمريّة‬
‫�آس‪ ،‬وأف� ��راح‪ ،‬يعيشها بملء‬
‫ذك��ري��ات‪ ،‬م�� ٍ‬
‫روح��ه‪ .‬حين تفلت منه‪ ،‬يحاول استعادتها‬
‫بأكثر من طريقة‪ ،‬ال يملك أحد إزاء سير‬
‫القطار المحتوم أيّ اقتراح أو رأي‪ ،‬ألنّه‬
‫يكمل دورت��ه الطبيعيّة‪ ..‬ولربّما يشير به‬

‫إلى القطار ال��ذي كان يستقلّه في رحلته‬
‫إلى باريس‪ ،‬حيث يطوف به في عدّ ة أماكن‬
‫وم��دن؛ يتعرّف إليها‪ ،‬يسوح بين جنباتها‪،‬‬
‫يخوض فيها مغامراته العاطفيّة‪ ،‬يرتاح‬
‫ف�ي�ه��ا‪ ،‬ليكمل ب�ع��ده��ا م �ش��واره الحياتيّ ‪،‬‬
‫يستكمل طرقه إل��ى ب��اري��س التي يتوقّف‬
‫فيها ق �ط��ار ال�ع�م��ر بالنسبة إل �ي��ه‪ .‬تكون‬
‫باريس محطّ ته األخيرة‪ ،‬التي يستق ّر فيها‪،‬‬
‫ي �ع��اود بعدها ال��رج��وع إل��ى المحطّ ة بين‬
‫اآلونة واألخرى‪ ،‬ليتذكّر مراحله السابقة‪،‬‬
‫ويتأمّل السفر من جديد مرّة أخرى‪ ..‬كما‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪85‬‬

‫ق��د ي �ك��ون ال�م�ق�ص��ود بالقطار‬
‫األخ �ي��ر‪ ،‬ه��و ذاك ال��ذي يدخل‬
‫النفق الذي تحاول عائلة تركيّة‬
‫عبوره إلى فرنسا‪ ،‬في محاولتها‬
‫ال �ت �س �لّ��ل ع �ب��ر ال� �ح ��دود‪ ،‬حيث‬
‫يغافلها القطار‪ ،‬وال يترك لها‬
‫مجاالً للهرب‪ ،‬ألنّ النفق يكون‬
‫مشقوقاً على مقاس القطار‪،‬‬
‫ول �ي��س ه �ن��اك م� ّت�س��ع ألح ��د أو‬
‫شيء مهما كان صغيراً‪ ،‬فتقضي‬
‫العائلة نحبها‪ .‬تكون نهايتها في‬
‫النفق‪ ،‬يدوسها القطار الذي‬
‫يكون األخير الذي تراه العائلة الحالمة بالوصول‬
‫إلى نعيم باريس‪.‬‬

‫إنّ الكتابة هي أيضاً من صميم‬
‫المونتاج‪ ،‬وإنّ لغة المشاهد ال‬
‫تختلف أب��داً عن لغة الكلمات‪.‬‬
‫إذ ي��ؤ ّك��د أنّ األدوات مختلفة‪،‬‬
‫لكنّ المنهج متشابه‪ ..‬يسترجع‬
‫ذكرياته عن المدن الكثيرة التي‬
‫زارها‪ ،‬ترتبط ك ّل مدينة بقصص‬
‫عاشها هناك‪ ،‬يرافق في روما‬
‫فتاة صادقها‪ ،‬يروي ذكرياتهما‬
‫ال �م �ش �ت��رك��ة‪ ،‬ي �ص��ف تفاصيل‬
‫جولته في برشلونة‪ ،‬التي تبدو‬
‫ك��أ ّن�ه��ا تعيش ك��رن �ف��االً دائماً‪،‬‬
‫يتحدّث عن لندن وغيرها من المدن اإلنكليزيّة‬
‫العريقة‪ ،‬عن مراكش وقسنطينة ونيويورك‪ ،‬عن‬
‫عدد من مدن المتوسّ ط‪ ،‬وعن مدن أخرى كثيرة‬
‫زاره��ا‪ ،‬شكّلت بالنسبة له محطّ ات توقّف فيها‬
‫قطار العمر لالستراحة بعض الوقت‪ ،‬ث ّم استكمل‬
‫مسيرته غادياً ورائحاً بين إسطنبول وباريس‪.‬‬

‫يتّخذ ال��روائ��يّ م��ن ح�ي��اة تلك العائلة مادّة‬
‫ل��رواي�ت��ه‪ ،‬حيث يسعى إل��ى تقديم حكايتها في‬
‫فيلم سينمائيّ مع مخرج فرنسيّ ‪ ،‬يكون «جاك»‬
‫ج��ار ال��راوي وصديقه‪ ،‬يقدّم مقترحاته إلنجاز‬
‫سيناريو الفيلم‪ ،‬ينبّهه إلى وجوب الحرص على‬
‫يتّخذ السرد في معظم الفصول شكل البوح‬
‫المشاهد‪ ،‬ال على الكلمات‪ ،‬يؤكّد له أنّ المونتاج الوجدانيّ ‪ ،‬كأنّما يدوّن الروائيّ مذكّراته‪ ،‬يقول إنّ‬
‫يح ّل مح ّل الكلمات في مهمّة الربط والتوصيل‪ ،‬الهاوية تغدو وطناً‪ ،‬ال تبقى إسطنبول بالنسبة إليه‬
‫وما عليه سوى تدوين المشاهد‪ .‬يقول له إنّ ك ّل مدينة يعود إليها‪ ،‬إنّما يذهب إليها‪ ،‬مثل باريس‪،‬‬
‫شيء يقرّر عند المونتاج‪ ،‬وال يمكنه كتابة الجملة دائ �م �اً م��ا ي��ذه��ب على م�ك��ان م��ا‪ ،‬لكنّه ال يعود‬
‫مكان‪ .‬تستعير إسطنبول عنده من الجسر‬
‫ٍ‬
‫األولى قبل أن يختار المشهد األوّل‪ ،‬وإنّ السينما إلى‬
‫شيء آخر‪ ،‬أي يجب عليه بناء الحكاية بالمشاهد الواصل بين طرفيها اآلسيويّ واألوروبيّ سمات‬
‫وليس بالكلمات‪ ،‬ال ب ّد من التعوّد على التفكير العبور‪ ،‬تغدو جسراً للعبور‪ ،‬تمنحه أجمل ما فيها‪،‬‬
‫بالمشاهد‪ ،‬حيث ال�ص��ور ه��ي أس��اس السينما فيظنّ بأنّه نفسه يغدو «م�م� ّراً‪ ،‬جسراً دعائمه‬
‫األوّل‪ ،‬وتكمن مهمّة الفريق في ربطها بعضها غير مستقرّة في األرض‪ ،‬ال هنا وال هناك‪ .‬هنا‬
‫بعضاً عن طريق المونتاج‪ ،‬وليس الكلمات‪..‬‬
‫وهناك في الوقت نفسه»‪ .‬يغدو جسراً متن ّقالً‪،‬‬
‫ال في‬
‫يغرق الراوي العجوز في أنفاق الذاكرة‪ ،‬يحاول يربط بين األمكنة واألزمنة‪ ،‬جسراً مرتح ً‬
‫القبض على الزمن بالكلمات‪ ،‬يرسم اآلثار التي الزمان المكان‪ ..‬كأنّما تغدو الجغرافيّات المزارة‬
‫يخلّفها بعد مروره‪ ،‬يسترجع السنين التي مرّت ب��دائ��ل غ�ي��ر ك��اف�ي��ة ع��ن ج�غ��راف� ّي��ة اض �ط � ّر إلى‬
‫من حياته‪ ،‬يجد بأنّه سيكون من العبث القول االبتعاد عنها‪ ..‬سكنته مدينته التي يرتحل بها‬

‫‪86‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫الفصول‪ ،‬يقدّمها على سبيل العبرة والموعظة‪،‬‬

‫ي��روي الكاتب على لسان راوي��ه بعض أطوار منها أسطورة «إيكار» التي تقول إنّ إيكار أراد‬
‫ال�ك�ت��اب��ة وأح��وال �ه��ا م �ع��ه‪ ،‬ي�ص��ف ال�ك�ت��اب��ة بأنّها الصعود إل��ى الشمس‪ ،‬فصنع لنفسه جناحين‬
‫أسلوب حياة‪ ،‬يؤكّد بأنّه ال يستطيع التخلّي عن من الشمع طار بهما‪ ،‬فلمّا اقترب من الشمس‬
‫األوراق التي تعوّد عليها‪ ،‬يكتب ويشطب‪ ،‬يعيد انصهر الشمع فهوى «إيكار» في البحر ومات‪.‬‬
‫الكتابة وال�ش�ط��ب‪ ،‬تتملّكه ال�ح�ي��رة بعد كتابة كذلك استشهاده ببعض أساطير العشق وقصص‬
‫الجملة األولى‪ ،‬وال يعرف إلى أيّ قرار ستحمله مشاهير العشّ اق في العالم‪ .‬ربّما يتأتّى ذلك‬
‫كلماته التالية‪ ،‬يقول باختالفه عن دستويفسكي عن رغبة من التماهي معها أحياناً‪ ،‬أو رغبة في‬
‫ال��ذي ك��ان يبدأ بتشكيل رواي��ات��ه كلّها في رأسه التنويع وإظهار االطّ الع‪..‬‬
‫حتّى أدقّ التفاصيل‪ ،‬وعندما كانت تحين لحظة‬
‫يعرّج جورسيل‪ ،‬المولود في تركيا ‪1951‬م‪،‬‬
‫الكتابة‪ ،‬كان يسكب المونتاج على الورق من دون‬
‫أيّ تعديل‪ ،‬ذاكراً بأنّه أملى رواية «المقامر» على ال�ح��اص��ل على ع��دّة ج��وائ��ز أدب � ّي��ة منها جائزة‬
‫أمينة س � ّر «أ ّن ��ا جريجوربيفنا سنيتكين» التي األك��ادي �م � ّي��ة ال �ت��رك � ّي��ة‪ ،‬ع�ل��ى ب�ع��ض االنقالبات‬
‫تزوّجها فيما بعد‪ ..‬ث� ّم يصوّر أح��وال غيره من ال�ع�س�ك��ر ّي��ة ال �ت��ي اج �ت��اح��ت ال �ح �ي��اة السياسيّة‬
‫ال في الحديث عن مؤتمر للكتّاب التركيّة‪ ،‬والتي خلّفت شروخاً عميقة في جسد‬
‫مفص ً‬
‫ّ‬
‫الكتّاب‪،‬‬
‫األت��راك في المنفى‪ ،‬يفضح فيه زعم الكثيرين الجمهوريّة التركيّة‪ ،‬لم تستطع التخلّص منها‪،‬‬
‫منهم‪ ،‬وتستّرهم بمنع كتبهم‪ ،‬كي يتّخذوها مبعث كما يعرّج على الصراع التركيّ اليونانيّ المزمن‪،‬‬
‫تفاخر وقوّة وجرأة‪..‬‬
‫وكذلك على أوضاع المواطنين في المحافظات‬
‫ي �ح��اول ت �ج��او َز رغ �ب��ات��ه‪ ،‬ال �ه��ربَ م��ن نفسه‪،‬‬
‫الخاصة‬
‫ّ‬
‫ّص من مالحظاته وذكرياته وأحالمه‬
‫التخل َ‬
‫ليصبح صدى ألحالم اآلخرين وتطلّعاتهم‪ ..‬يذكر‬
‫صديقه «سيهموز» الذي انتهى به المطاف في‬
‫السجن‪ ،‬كغيره من المناضلين اليساريّين أمثال‬
‫ناظم حكمت‪ ،‬وكان «سيهموز» االبن البكر ألسرة‬
‫فقيرة‪ ،‬لم يصبح مهرّباً مثل بقيّة إخ��وت��ه‪ ،‬أت ّم‬
‫دراس�ت��ه بنجاح وس��ط آالف الصعوبات‪ ،‬اعتقل‬
‫بعد استقراره في إسطنبول كمناضل يساريّ ‪،‬‬
‫يحكي عن تجربة سجنه المريرة‪ ،‬يتذكّر نصيحة‬
‫صديقه له عندما قال‪« :‬إنّ السجن ثمن بخس‬
‫لما كتبناه من كتب في هذا البلد‪.» ..‬‬
‫* ‬

‫ن�������������������������������������ق�������������������������������������د‬

‫في كثير من المدن‪ ،‬من دون أن يفلح في الشفاء‬
‫منها‪ ،‬وال هو يريد ذلك‪..‬‬

‫يستعين الكاتب ببعض األساطير في عدد من‬

‫المهمّشة م��ن تركيا‪ ،‬تلك ال�ت��ي يسيطر عليها‬
‫ال الحياة‬
‫الجيش‪ ،‬معلناً حالة ال �ط��وارئ‪ ،‬معطّ ً‬

‫بمختلف جوانبها هناك‪..‬‬

‫قصة كاتب‬
‫«ال �ت��رام األخ�ي��ر» رواي��ة تختصر ّ‬

‫مغترب‪ ،‬يلوك ذكرياته‪ ،‬يسعى إلى التغلّب على‬
‫الغربة بالتذكّر واألحالم‪ ،‬يرتحل من محطّ ة إلى‬
‫أخ��رى‪ ،‬يقف ف��ي ك � ّل منها منتظراً‪ ،‬متمنّياً أن‬

‫يكون الترام الذي ينتظره‪ ،‬أو يستقلّه‪ ،‬األخير في‬

‫حياته – رحلته‪ ،‬التي تتكوّن من محطّ ات كثيرة‪،‬‬

‫وقطار وحيد يشيخ وهو يرتحل به فيما بين تلك‬
‫المحطّ ات‪..‬‬

‫ناقد وروائيّ سوريّ ‪« ,‬منشورات دار عالء الدين‪ ،‬دمشق ‪2010‬م‪ ،‬ترجمة شفيق السيّد صالح»‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪87‬‬

‫رواية «اخلوف» للروائي املغربي رشيد اجللولي‬

‫*‬

‫إدانة مرة للواقع املعاصر املليء باحلروب‬
‫وسيادة مبدأ القوة الغابوي‬

‫> بقلم‪ :‬د‪ .‬عبداجلبار العلمي**‬

‫صدر مؤخر ًا عن مطبعة النجاح الجديدة بالدار البيضاء منشورات بالغات المغرب‪،‬‬
‫رواية جديدة بعنوان «الخوف» (الجزء األول)‪ ،‬وذلك في طبعة أنيقة‪ ،‬وغالف من تصميم‬
‫الكاتب المغربي عبداإلله المويسي‪.‬‬
‫يجمع السارد العليم في رواية «الخوف» لرشيد الجلولي في سرده خالل (‪ )50‬فصال‪،‬‬
‫بين الواقعي والخيالي‪ ،‬الغرائبي والعادي اليومي‪ .‬يتم هذا من خالل جميع مكونات‬
‫السرد الروائي‪ .‬فالشخصيات بعضها واقعي‪ :‬عيسى الشخصية الرئيسة في الرواية ‪/‬‬
‫ليلى زوجته ‪ /‬ابتسام ابنته ‪ /‬الخالة مسعودة‪ .‬وبعضها اآلخر ينتمي إلى عالم الرمز‬
‫وأهمها سفيان الداودي الحاكم الدكتاتور‪.‬‬
‫الفضاء ال��روائ��ي يعنى ال�س��ارد أحياناً‬

‫أي ح��رب حديثة تستعمل فيها األسلحة‬
‫الحديثة المتطورة‪ .‬إن المؤلف يود أن يقول‬
‫لنا هنا إن اإلنسانية منذ قابيل وهابيل لم‬
‫ت�ت��وق��ف ي��وم �اً ع��ن إش �ع��ال فتيل الحروب‬
‫المدمرة‪ .‬لكأنها خلقت من أجل التطاحن‬
‫وال �ص��راع وال �ح��روب الفتاكة‪ .‬إن الرواية‬
‫بوصفها الحرب بكثير من التفاصيل‪ ..‬إنما‬
‫تقدم إدان��ة م��رة للواقع المعاصر المليء‬
‫بالحروب‪ ،‬وسيادة مبدأ القوة الغابوي‪.‬‬

‫رح��اه��ا ف��ي ال �ع��راق أث �ن��اء اج �ت �ي��اح��ه‪ ..‬أم‬

‫وحتى على مستوى الحدث‪ ،‬نالحظ هذا‬

‫بتحديده‪ ،‬حيث تتم اإلش ��ارة إل��ى أماكن‬

‫بأسمائها ال�م�ع��روف��ة ف��ي م��دي�ن��ة القصر‬
‫الكبير‪ .‬وأح �ي��ان �اً أخ ��رى يعمد إل��ى عدم‬

‫تحديدها‪ ،‬فتبقى هالمية تتناغم مع المناخ‬

‫العام للرواية التي تمتلئ باألجواء الغرائبية‪.‬‬
‫أما الزمن الروائي فغير محدد‪ .‬فالقارئ‬

‫ال ي��دري هل الحرب القائمة هي الحرب‬
‫العالمية األولى أم الحرب التي كانت تدور‬

‫‪88‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫ن�������������������������������������ق�������������������������������������د‬

‫الخلط بين الواقعي والغرائبي؛‬
‫فالحدث الواقعي بسيط‪ ،‬يتمثل‬
‫في كون عيسى البائع المتجول‬
‫وت� �ظ� �ه ��ر ل� �ن ��ا «المحاكاة‬
‫الفقير له ابنة مريضة «ابتسام»‪،‬‬
‫الساخرة» أيضاً في‪:‬‬
‫ول �ك��ي يتمكن م��ن ت��وف �ي��ر ثمن‬
‫أ) ال� �ش���وارع ف ��ي المدينة‬
‫ال� �ع�ل�اج ل��ه��ا‪ ،‬ع �ل �ي��ه أن يعمل‬
‫ال� �ع ��رب� �ي ��ة ال� �ت���ي ت� � ��دور فيها‬
‫عدة أسابيع‪ .‬وأثناء ذهابه إلى‬
‫األح� ��داث‪ ،‬تحمل أس �م��اء غير‬
‫اإلتيان بالعربة التي هي وسيلته‬
‫عربية «جان جاك روسو»‪.‬‬
‫ل�لاس �ت��رزاق‪ ،‬ي��واجَ ��ه بمتاريس‬
‫توضع ف��ي ال�ط��رق��ات‪ ..‬فتحول‬
‫ب) اسم ابنة عيسى البائسة‬
‫بينه وبين الوصول إل��ى غايته‪.‬‬
‫ال �م��ري �ض��ة ب �ض �ي��ق التنفس‪:‬‬
‫وال �ح��دث ال�غ��رائ�ب��ي المشحون‬
‫«ابتسام»‪.‬‬
‫أيضاً بوقائع مأساوية عجائبية هو قيام الحرب‪،‬‬
‫(‪ )2‬لغة الرواية‪:‬‬
‫وت �ع �رّض أه��ال��ي المدينة إل��ى القتل العشوائي‬
‫تتسربل لغة ال��رواي��ة في كثير من مقاطعها‬
‫المجاني‪ .‬والحقيقة أننا نحس أن الحرب تحيط‬
‫بنا من كل جانب بكل بشاعتها ودمارها ودمويتها‪ .‬ال�س��ردي��ة بالشاعرية‪ ،‬وك�ث��رة االن��زي��اح��ات التي‬
‫لقد تمكن المؤلف أن يحشرنا في أجواء الحرب‪ ،‬أض�ف��ت على ال��رواي��ة طابعاً ش�ع��ري�اً‪ ..‬رغ��م أن‬
‫ويمأل نفوسنا بالخوف‪ .‬الخوف من قتل اإلنسان ال�م��وض��وع الرئيس ه��و ال�ح��رب وال �خ��وف الذي‬
‫تثيره‪ :‬نذكر منها على سبيل المثال ال الحصر‪:‬‬
‫ألخيه اإلنسان‪.‬‬
‫«زنازين الفقر السفلية» «مشى عيسى على حواف‬
‫ومن األم��ور التي أث��ارت انتباهي في الرواية‬
‫الطرقات المبقورة البطون»‪ ..‬الخ‪.‬‬
‫إضافة لما سبق‪ ،‬اآلتي‪:‬‬
‫إن رواي��ة «ال�خ��وف لرشيد الجلولي (ج ‪،)1‬‬
‫‪ 1‬اعتماد السارد في س��رده على «المحاكاة‬
‫رغم أنها تنحو نحو الرواية العربية «الحديثة»‬
‫ال�س��اخ��رة» ‪ :IRONY‬ن��ذك��ر بعضها على سبيل‬
‫م��ن حيث المنظور ال �س��ردي (ال� ��راوي العارف‬
‫ال�م�ث��ال ال ال�ح�ص��ر‪ :‬ش��اه��د عيسى ف��ي إحدى‬
‫ب�ك��ل ش ��يء) ضمير ال�غ��ائ��ب تسلسل األح ��داث‬
‫ال فرنسياً يطل ُق عليه الجنو ُد‬
‫قنوات التلفزة طف ً‬
‫عبر ال�ف�ص��ول ال��روائ �ي��ة‪ ،‬إال أن�ه��ا تحمل كثيراً‬
‫�اص وه��و ف��ي حضن أب�ي��ه‪ .‬وهذه‬
‫ال�ع��رب ال��رص� َ‬
‫من مالمح «الرواية الجديدة» التي تعتمد على‬
‫إشارة إلى إطالق رصاص العدو اإلسرائيلي على‬
‫اللغة الشعرية‪ ،‬واستخدام األسطورة والفانتازية‬
‫الطفل الفلسطيني أحمد الدرة وقتله في حضن‬
‫والمحاكاة الساخرة‪ ،‬وغيرها من األساليب التي‬
‫أبيه‪ .‬إنها سخرية من اإلعالم الغربي غير النزيه‬
‫تعتمدها بعض الروايات التي تدخل في إطار ما‬
‫الذي يقلب الحقائق‪ ،‬ويشوّش على الرأي العام‬
‫يسمى بـ«الرواية الجديدة»‪.‬‬
‫العالمي ليخدم مصالح إسرائيل‬
‫وحاميتها أمريكا وغيرها‪.‬‬

‫* رواية «الخوف»‪ ،‬رشيد الجلولي‪( ،‬ج ‪ ،)1‬الطبعة األولى ‪ ،2009‬مطبعة النجاح الجديدة‪ ،‬الدار البيضاء‪ ،‬المغرب‪.‬‬
‫** كاتب من المغرب‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪89‬‬

‫مخلوقات األب‬
‫> سعد الرفاعي*‬

‫استوقفني إصدار صغير في حجمه‪ ،‬ال تتجاوز صفحاته‬
‫اثنتين وخمسين صفحة‪ ،‬لمؤلف لم يسبق لي مصافحة‬
‫كتابته‪ ..‬اسمه ضيف فهد‪ .‬واإلصدار يندرج تحت اإلصدارات‬
‫الموسومة بـ (بواكير)‪ ،‬ولئن كان هو األول للقاص ضيف فهد‪،‬‬
‫فهو إص��دار متجاوز بحق‪ .‬وألن العنوان هو أول ما يصافح‬
‫القارئ فسيتوقفه أو ًال لجدته وغرابته‪ ،‬فهو عنوان يستثير‬
‫المخيلة بمجرد قراءته‪ .‬كما أنه سيتوقفه مرة أخ��رى بعد‬
‫ق��راءة المجموعة؛ وذل��ك لعدم تقليديته‪ ،‬فهو ليس عنوان ًا‬
‫إلحدى قصص المجموعة‪ ،‬األمر الذي يعني اختياره بعد تفكير عقلي تأملي‪ ،‬ليؤدي‬
‫وظيفة وداللة للمجموعة ككل‪.‬‬
‫ولئن كانت دالل��ة المخلوقات معروفة‪ ،‬كداللته في الثقافة المسيحية‪ ،‬كما أن األب‬
‫ف��إن ل�م�ف��ردة األب أك �ث��ر م��ن معنى لغوي‪.‬‬

‫يعني (اآلرك�ت��اي��ب)؛ أي النموذج األصلي أو‬

‫فاألب يعني‪ :‬المرعى‪ ،‬فيكون العنوان بذلك‪:‬‬

‫األعلى ال��ذي يتكون في النفس في مرحلة‬

‫مخلوقات المرعى‪ .‬وكذلك يعني النزاع إلى‬

‫الطفولة العقلية‪ ،‬وفي ذلك إشارة إلى النماذج‬

‫الوطن فيكون‪ :‬مخلوقات النزاع أو النازعة العليا التي تستقر أنماطها في الالوعي‪ ،‬وهي‬
‫إلى الوطن‪ .‬كما يعني األب‪ :‬القصد؛ فيكون نماذج ليست فردية بقدر ما هي جماعية‬
‫المعنى ب��ذل��ك‪ :‬مخلوقات لفظية مقصودة متوارثة راسبة في الالوعي؛ إذ تؤدي دوراً‬
‫ألداء معنى لغوي ووظيفة فنية وأدبية عبر في الجماعة‪ ،‬كالذي تؤديه الغرائز بالنسبة‬
‫ال �ن �ص��وص‪ .‬ول �م �ف��ردة األب دالالت أخرى‬

‫‪90‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫للفرد‪ .‬فالنماذج الفردية التي يتم صنعها في‬

‫ل�ل�ن�م��اذج الجمعية ال �ق��دي �م��ة‪ ..‬كما‬

‫وال�ج�س�م��ي‪ ،‬ووع ��ي أك�ث��ر حساسية‬

‫يشير لذلك الناقد علي البطل‪ ،‬ولعل‬

‫واس �ت �س�لام �اً م��ع ال � ��ذات والبيئة؛‬

‫الداللة األخيرة لها ما يؤيدها إذا ما‬

‫ولهذا‪ ،‬فإن الحاالت المتبدلة للوعي‪،‬‬

‫مضينا نقلب صفحات المجموعة‬

‫بمثابة آلية للتوحد من النظام الدقيق‬

‫فالقاص (ضيف فهد) يصدر اإلهداء‬

‫للعالم‪ ،‬والتماهي معه في عقل جمعي‬

‫في مجموعته كما يلي‪:‬‬

‫واح��د‪ ..‬وعند هذه النقطة بالذات‪،‬‬
‫ي�ك��ون اإلدراك ف��وق ال�ح�س��ي‪ ..‬كما‬

‫(إل� ��ى ال �ص��دي��ق ال �ع��زي��ز ضيف‬

‫يذهب لذلك صالح الجابري‪.‬‬

‫فهد‪:‬‬
‫كشكر صغير على هذا العصيان‪...‬‬
‫وألن ه��ذه ال�م�خ�ل��وق��ات ه��ي ك��ل م��ا استطعت‬
‫ال كي‬
‫معرفته عن ذلك (األب) الذي أخذ وقته كام ً‬
‫ال يطلعك على عمله المتقن) ص ‪.7‬‬
‫إن��ه يسطر اإله���داء م��ن ذات��ه إل��ى ذات���ه‪ ..‬من‬

‫ن�������������������������������������ق�������������������������������������د‬

‫طفولتنا ليست إال تحققات جزئية‬

‫تحقيق حالة من االستجمام النفسي‬

‫وعوداّ إلى القصص‪ ...‬فإن القاص يتنقل بنا عبر‬
‫حاالت النفس البشرية (الذات‪:‬األنا‪ ،‬األنا العليا‪،‬‬
‫الهو)‪ .‬ولهذا فإن اإلهداء من ضيف فهد (أنا) إلى‬
‫ضيف فهد (ه��و)؛ أي من الوعي إلى الالوعي أو‬
‫العكس‪ .‬مع التأكيد التام على أن شخصية (األنا)‬
‫مختلفة كلية عن شخصية (الذات)‪ ،‬ولهذا أورد لنا‬

‫(ضيف) إلى (ضيف)‪ .‬ويشير إلى عصيان‪ ،‬وإلى قصة (خ �وّي األم�ي��ر)‪ .‬فالخوي يعني المرافق أو‬
‫مخلوقات‪ ،‬وإل��ى وق��ت كامل استقطعه األب في المالزم أو المصاحب‪ ،‬ولكنه ‪-‬أي خوي األمير ‪-‬‬

‫سبيل إنجاز عمله المتقن‪ ،‬الذي بلغ حداً ال يمكن يختلف كلية عن مرافقه أو مالزمه (األمير)‪ .‬فلكل‬
‫االطالع عليه بيسر وسهولة‪.‬‬
‫سماته‪ ..‬ومقوماته‪ ..‬ومكانته)‪.‬‬
‫وم��ن ث��م‪ ،‬ت �ب��دأ تتكشف ل�ن��ا لعبة ال�ل�غ��ة التي‬

‫ويأتي في قصة (صفة رجل واحد)‪ ،‬ليعدد لنا‬

‫األب)؛ ول�ه��ذا‪ ،‬يحسب للقاص براعة اللغة التي‬

‫النقي كجد‪ ،‬الرجل األصم قليالً‪ ..‬الرجل األعمى‬

‫يمارسها القاص معنا‪ ،‬عبر مجموعة من القصص (الرجل البارد كبطن‪ ،‬الرجل الطويل أكثر من أي‬
‫التي تشكل في مجملها ومجموعتها (مخلوقات رجل‪ ،‬الرجل الذي ولد مجنوناً منذ زمن‪ ،‬الرجل‬
‫تجعل ال�ن��ص ف�ض��اء مفتوحاً محتم ً‬
‫ال ألك�ث��ر من قليالً‪ ..‬مجموعة م��ن السمات والصفات فقط‪.‬‬
‫قراءة‪ .‬والقاص ينتقل بنا عبر القصص‪ ..‬ليجسد هذا مجمل القصة‪ ،‬وهو بذلك يشير إلى النموذج‬
‫لنا حاالت تبدّل الوعي التي تعني وجود حالة من األصلي الذي يتكون في النفس في مرحلة الطفولة‬
‫الشعور أو الوعي الذاتي‪ ..‬تكون مختلفة عن حالتنا العقلية إزاء موجود قريب منا (شخص‪ ..‬أو شئ‬

‫الواعية االعتيادية‪ ،‬وكذلك من خالل التأمل الذي‬
‫يتشكل من مجموعة من الطرق التي تهدف إلى‬

‫ما‪.) ..‬‬
‫وألن الذات اإلنسانية موضوعه‪ ..‬موضوع القاص‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪91‬‬

‫األساس‪ ،‬فقد أورد لنا قصة بعنوان (هو)‪ ،‬يشير فيه‬

‫القاص‪ ،‬كما تبرز كثرة الجمل االعتراضية‪ ..‬وكذلك‬

‫إلى الـ هو‪ ،‬أو المستودع اإلنساني الالواعي‪ .‬إن الجمل المؤطرة ب��األق��واس‪ ،‬وف��ي ذل��ك تعبير عن‬
‫جاز التعبير (هو‪ ،‬الذي في [الداخل]هو بوقاحته‪ ،‬االنتقال والتداخل بين وعيين أو ذاتين أو حالتي‬
‫وكذبه‪ ،‬وطيبته‪ ،‬وأحالمه [المشوهة]‪) ..‬‬

‫وف��ي قصة (ج�س��د ي �م��وت)‪ ..‬ي�ت�ن��اول اإلنسان‬
‫داع إلى التعرف على ال��ذات‪ ،‬إذ يقول في‬
‫كمكوّن ٍ‬
‫نهاية القصة (تشعر باألسى في أن��ك لم تتعرف‬
‫جيداً «على القريب منك‪ /‬أنت» على رغم كل هذه‬
‫المدة التي قضيتها ملتصقاً به‪ .‬وتفيق على آخر ال‬
‫تعرفه‪.) ...‬‬
‫إن هذا التبدل في الوعي أمر ليس باليسير؛‬
‫ألنه ال يتم إال عبر تنويم العقل أو تخديره‪ ،‬في ذات‬
‫الوقت الذي تكون بحاجة إلى هذا العقل‪ ..‬لضبط‬

‫مزاج‪ ،‬ليتحقق له الوصول إلنسانيته التامة‪ ..‬كما‬
‫يذهب لذلك لورنس ليشان‪.‬‬
‫وقد وظّ ف القاص اللغة بشكل تأملي‪ ،‬حتى إن‬
‫تغييب الحوار أدى دوراً فنياً لصالح العمل‪ .‬واتكأ‬
‫القاص على اللغة االقتصادية‪ ،‬واعتمد الرمزية‬
‫واإلي �غ��ال والبعد ع��ن ال��وض��وح ال �ت��ام‪ ..‬أو المعنى‬
‫المباشر‪ ،‬ولهذا يقول في قصة (وضوح هائل) ص‬
‫‪:21‬‬
‫(‪ ...‬غير مكشوفة بالكامل! كان هذا أمراً مهماً‪.‬‬

‫ما يصدر عن الالوعي ورصده‪ ،‬ولهذا أورد قصة ولكي ال يتم الكشف بالكامل‪ ،‬كانت أحالمه تتحقق‬
‫بعنوان «طريقة صعبة للتذكر» وفيها يقول (‪ ..‬لديه بشكل يختلف في بعض التفاصيل كل مرة‪) ..‬‬
‫القدرة على التذكر بالطريقة التالية‪ :‬التحسس في‬
‫كل االتجاهات‪ ،‬في كل المخابئ‪ ،‬على الصدر وعلى‬
‫الجوانب‪ ،‬ألكثر من مرة وبأمل متكرر‪.) ..‬‬
‫إنها إشارة إلى االمتزاج في عقل جمعي واحد‪،‬‬
‫وبلوغ اإلدراك فوق الحسي ال��ذي أشرنا إليه من‬
‫قبل‪.‬‬
‫وبالعودة إلى أسلوب القاص‪ ..‬فقد برز اعتماده‬
‫الكبير على التشكيل البصري في النصوص من‬
‫فواصل وفراغات وحذف وعالمات سكون خفيف‪،‬‬

‫يبقي أن ن �ت �س��اءل‪ :‬ه��ل اع�ت�م��د ال �ق��اص على‬
‫ال �ت��داخ��ل ب�ي��ن ال �ف �ق��رات وال �ج �م��ل ع�ب��ر نصوص‬
‫معان جديدة أو‬
‫المجموعة المتناثرة للحصول على ٍ‬
‫معان مقصودة؟!‬
‫الوصول إلى ٍ‬
‫لندع اإلجابة للقارئ ولكن‪ ...‬فليحاذر أن يتسع‬
‫شق (أظالفه) قبل أن يصل إلى (مرعى يفصله عنه‬
‫وواد فسيح)!!‬
‫ثالثة جبال ٍ‬
‫وأخ� �ي ��راًَ ه��ل ت��داخ �ل��ت ال� �ق ��راءة ف��ي جوانبها‬

‫وم��ا بين األق� ��واس‪ .‬وغ�ي��ر ذل��ك مما ي��ؤدي داللة المختلفة بدءا وانتهاء؟! أرجو أن أكون قد حققت‬
‫تشكيلية على المستوى البصري‪ ،‬وفي ذلك دعوة شيئاً م��ن ذل��ك ألتماهى م��ع (مخلوقات األب)‪..‬‬
‫ملحة للتأمل وإعمال الفكر‪ ،‬وهو أمر مقصود من‬
‫* ‬

‫‪92‬‬

‫شاعر وناقد‪ ،‬ينبع ‪ -‬السعودية‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫احتفاالً بهذا العمل اإلبداعي‪ .‬؟!‬

‫> هشام بن الشاوي*‬

‫ن�������������������������������������ق�������������������������������������د‬

‫إيروس في الرواية‬

‫يستهل وليد سليمان كتابه «إي��روس في ال��رواي��ة» برسالة من الروائي البيروفي ماريو بارغاس يوسا في‬
‫نسختيها األصلية (اإلسبانية) والمعرّبة‪ ،‬معنونة بـ«إلى أصدقائي التونسيين الذين لم ألتقهم»‪ ،‬تحدث فيها‬
‫يوسا عن كتب يشترك فيها مع قرائه التونسيين (العرب)‪ ،‬فيُثبتون رغم البعد الجغرافي واالنتماء إلى ثقافتين‬
‫مختلفتين‪ ،‬بأن بينهم وبينه ‪-‬هذا الكاتب الذي هو أنا‪-‬وشائج عميقة ال تنقطع‪ .‬مثال‪ ،‬عشقي للروايات العظيمة‬
‫التي أثرت حيواتنا ومكنتنا من الحلم‪ ،‬تعويضا عن التقلبات والخيبات التي تُعر ُِّضنا لها‪-‬أحيانا‪ -‬حياتنا‬
‫اليومية»‪ .‬مؤكدا على أن وظيفة الروايات الجيدة إيقاظ الروح النقدية في ما يتعلق بالواقع المعيش‪ ،‬والحث‬
‫على العمل من أجل إصالحه وتحسينه‪ ،‬متمنيا أن تحرض مقاالته بعض قرائه التونسيين على قراءة أو إعادة‬
‫قراءة تلك الروايات التي تعد من أفضل ما أُنتج في القرن العشرين‪« ،‬قرن الكوارث السياسية الكبيرة والحروب‬
‫المدمرة‪ ،‬ولكنه أيضا‪ ،‬قرن إبداعات العقل الرائعة»‪.‬‬
‫وأش��ار وليد سليمان في مقدمته للكتاب إلى أنه‬
‫اختار هذا العنوان للكتاب عوضاً عن العنوان األصلي‪:‬‬
‫«حقيقة األك��اذي��ب»‪ ،‬ل��وج��ود رابطين‪ :‬أولهما‪ ،‬تناول‬
‫ن�ص��وص ال�ك�ت��اب ل��رواي��ات م�ه�م��ة‪ ،‬وط�غ�ي��ان الجانب‬
‫اإلي��روس��ي عليها (وال ��ذي طغى كذلك على روايات‬
‫يوسا األخيرة)‪ .‬والثاني‪ ،‬أن تلك الروايات بقيت أعماال‬
‫خالدة في ذاك��رة اإلنسانية‪ .‬وكذلك غوصه ‪-‬يوسا‪-‬‬
‫العميق في ثنايا تلك الروايات‪ ،‬مستفيدا من خبرته‬
‫الروائية واشتغاله على أسرار الكتابة الروائية‪..‬‬

‫«الموت في البندقية» لتوماس مان‪:‬‬

‫اإلن �س��ان �ي��ة‪ .‬إن غ��ري��زة ال �م��وت‪/‬ال �ش��ر‪/‬ال �ب �ح��ث عن‬
‫سيادة الفرد الكاملة‪ ،‬التي تسبق المواضعات التي‬
‫يحددها أي مجتمع للحيلولة دون تفكك الجماعات‬
‫وال �ع��ودة إل��ى البربرية‪ ،‬وكبح أه��واء األف ��راد حتى ال‬
‫تشكل خطرا على الجسد المجتمعي‪ ..‬إنه التعريف‬
‫الحقيقي لفكرة الحضارة‪ .‬لكن المالك الذي يعيش‬
‫داخل اإلنسان ال يستطيع هزم الشيطان الذي يتقاسم‬
‫معه الشرط اإلنساني‪ ،‬وإن كانت الفضيلة تضمن رقي‬
‫المجتمع‪ ،‬فهي ال تكفي لتحقيق سعادة األفراد الذين‬
‫تكبت أه��واءه��م حتى ال تشكل خ�ط��را على الجسد‬
‫المجتمعي‪ .‬إنها تتحين الفرصة للظهور‪ ،‬ما يؤدي إلى‬
‫الدمار والموت‪ ،‬والجنس هو المنطقة المفضلة التي‬
‫تتحرك فيها الشياطين القادمة من المناطق المظلمة‬
‫بالنفس اإلنسانية‪ ،‬ونفيه التام يفقر الحياة‪ ،‬ويحرمها‬
‫من الحماسة والنشوة الضروريتين للكائن‪.‬‬

‫حسب م��اري��و (ل�لإش��ارة فهي ال��رواي��ة ال�ت��ي اتهم‬
‫بسببها كاتبها بالمثلية الجنسية)‪ ،‬فهي تمتاز بفتنة‬
‫ال�ح�ب�ك��ة وال�ت�م�ي��ز ال�ش�ك�ل��ي‪ ،‬واإلش� �ع ��اع الالمتناهي‬
‫للتداعيات وال��رم��وز التي تولدها الحكاية في ذهن‬
‫ال �ق��ارئ‪ .‬وإع���ادة ق��راءت�ه��ا تجعل ال �ق��ارئ يحس بأن‬
‫ه��ذه ه��ي المضامين الشائكة التي سلط عليها‬
‫أمرا ملغزا بقي في النص‪ ،‬له صلة بالقدر وبالتجربة توماس مان األض��واء‪ .‬فجمال الطفل ال��ذي أغ��رم به‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪93‬‬

‫بطل ال��رواي��ة الخمسيني‪ ،‬ك��ان الحافز ال��ذي أطلق‬
‫حالة تدمير انتهت إلي تدمير واقعي بالكوليرا‪  ،‬فيما‬
‫يمكن أن يكون إشارة‪  ‬الن�ح�لال أوروب ��ا االجتماعي‬
‫والسياسي‪  ،‬الخارجة من زمن االنفالت المرح إلى‬
‫االس�ت�ع��داد للتدمير ال��ذات��ي‪ .‬ال��وب��اء ثمن االنحطاط‬
‫والجنون واإلفالس‪ ،‬وهي نزعة أخالقية لدى الكاتب‪،‬‬
‫وق��د ك��ان ت��وم��اس م��ان ضحية أخ�ل�اق البورجوازية‬
‫الصارمة‪ .‬ويتساءل بارغاس‪ :‬لماذا يعاقب الفنان بكل‬
‫تلك القسوة‪ ..‬وكل خطيئته أنه اكتشف اللذة متأخرا‬
‫على المستوى الذهني فقط؟‬

‫«المحراب» لوليام فوكنر‪:‬‬

‫ترصد ال��رواي��ة ق��اع باريس بشخصياته المنبوذة‬
‫ال �ت��ي اس �ت��وط �ن��ت ال �ه��ام��ش ال �ث �ق��اف��ي‪ ،‬أم ��ا الموقف‬
‫األخالقي لميلر‪ ،‬فيلخص في أنه ال يجوز للفرد أن‬
‫يضحي بأهوائه ونزواته‪ ،‬ويجب المطالبة بها بإلحاح‬
‫أمام الزحف الجائر للحداثة التي تهدد بمحوها‪ ..‬هي‬
‫نزعة فردية متطرفة ليحافظ على حريته‪ .‬وفي روايته‬
‫حقق التوازن بين فوضى التلقائية والحدس المحض‬
‫والتحكم العقالني في العمل الروائي‪ ،‬رغم انتصاره‬
‫ل�لأه��واء واألح��اس�ي��س‪ .‬ويخلص يوسا إل��ى أن كتاب‬
‫ميلر جميل‪ ،‬وفلسفته مؤثرة رغم سذاجتها‪ ،‬وال توجد‬
‫حضارة يمكنها الصمود أمام فردية متطرفة‪ ،‬باستثناء‬
‫تلك التي تكون مستعدة إلرج��اع اإلنسان إلى العصر‬
‫البدائي‪.‬‬

‫ه��ي اب�ت�ك��ار أف�ظ��ع حكاية يمكن تخيلها‪ ،‬حكاية‬
‫قاسية حد العبث‪ ،‬لكن يلعب الشكل فيها دور البطل‪،‬‬
‫فهو شديد الحضور في السرد‪ ،‬والرواية تبقي جزءًا «حسناء من روما» البرتو مورافيا‪:‬‬
‫من الحكاية خارج السرد‪ ،‬متروكا لنزوة‬
‫يعترف بأنه قرأها أول مرة حين كان‬
‫القارئ‪ ،‬والتالعب بمعطيات الحكاية‬
‫م ��ازال صبيا ي��رت��دي ال�ت�ب��ان‪ ،‬متحديا‬
‫ال�م�خ�ت�ل�س��ة ل �ف��ائ��دة ال� �ق ��ارئ األكثر‬
‫الحظر العائلي لجديه وأمه‪ ..‬ويصنفها‬
‫ب��راع��ة‪ .‬ال ��راوي ال يكشف عما تفكر‬
‫ضمن قمم الواقعية الجديدة بإيطاليا‪.‬‬
‫فيه الشخصية‪ ،‬ويقفز إل��ى حركات‬
‫ال��رواي��ة ال يصدقها إال ال�ق��ارئ الذي‬
‫وأفعال يكشف عنها فيما بعد بشكل‬
‫يتخلى ع��ن ال��وه��م ال��واق�ع��ي‪ ،‬ويستعد‬
‫مباغت‪ .‬ويرى ماريو أن األدب الخيالي‬
‫ليعيش في ن��زوة أدبية‪ ،‬وقد برع فيها‬
‫عملية تطهير‪ ،‬فكل ما يكبت في الحياة‬
‫مورافيا في رسم البورتريهات النفسية‪،‬‬
‫الواقعية لضمان استمراريتها‪ ،‬يجد‬
‫وال يرى ماريو ما يبرر تلك الضجة التي‬
‫فيها ملجأ وأح�ق�ي��ة ل�ل��وج��ود‪ ،‬وحرية‬
‫رافقت ال��رواي��ة‪ ،‬فالمشاهد الجنسية‬
‫للعمل على نحو أكثر إيذاء ورعبا‪.‬‬
‫معظمها تافهة تقريبا‪ ،‬والساردة ‪-‬رغم‬
‫ش� ��ذوذه� ��ا‪ -‬ت �ظ �ه��ر أخ�ل�اق ��ا صارمة‪،‬‬
‫«مدار السرطان» لهنري ميلر‪:‬‬
‫وجسارة الكتاب الوحيدة هي ال أخالقية األم‪ ،‬التي‬
‫يعتبرها الناقد كتابا عظيما ورجيما‪ ،‬راجت حوله‬
‫تكاد تكون شاهدة عيان على لقاءات ابنتها مع زبائنها‪،‬‬
‫األساطير قبل ثالثين عاما‪ ،‬فقرأه وانبهر به‪ ،‬واكتشف‬
‫مع صعوبة تخيل ه��ذا التفصيل الهامشي‪ ..‬ويختم‬
‫أن فضائحيته ليست بسبب المقاطع اإلباحية‪ ،‬وإنما‬
‫مقاله باإلشارة إلى أن تغيرات عقلية القراء‪ ،‬بعد هذه‬
‫بسبب ابتذاله وعدميته‪ ،‬ورغم انتهاك أدب ميلر ‪-‬وهو‬
‫األربعين سنة‪ ،‬سيجعلهم يقرؤون الرواية دون السقوط‬
‫الذي عاش بوهيميا‪ -‬للمقدسات‪ ،‬مهمته تذكير البشر‬
‫في األحكام الجاهزة‪.‬‬
‫بأن المدينة التي يسكنونها مهما بدت عامرة‪ ،‬فهناك‬
‫شياطين مختبئة ف��ي ك��ل م �ك��ان‪ ..‬يمكن أن تسبب «لوليتا» لفالديمير نابوكوف‪:‬‬
‫الطوفان في أي لحظة‪.‬‬
‫مع انتشار الرواية ذاع مصطلح «لوليتا»‪ ،‬كناية عن‬

‫‪94‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫ن�������������������������������������ق�������������������������������������د‬

‫فاز األديب البيروفي ‪  ‬ماريو بارغاس يوسا (‪ 74‬عام ًا) بجائزة«نوبل‬
‫احتفاء‬
‫السويدية‬
‫اآلداب» لعام ‪2010‬م‪ .‬وقد اختارته األكادميية‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫جتسد «هيكليات السلطة»‪ ،‬وتتويج ًا لـ«صوره احلادة‬
‫بأعماله التي‬
‫ّ‬

‫عن مقاومة الفرد ومت��رده وفشله»‪ .‬صاحب «حفلة التيس»‪ ،‬أحد‬
‫باإلسبانية شهرةً ‪ ،‬وقد نقلت معظم أعماله‬
‫أكثر األدباء الناطقني‬
‫ّ‬

‫العربية‪ .‬وتلقّ ى صاحب «من قتل بالومينو موليرو»‪ ،‬نبأ‬
‫إلى املكتبة‬
‫ّ‬

‫األميركية‪،‬‬
‫فوزه في اتصال هاتفي‪ ،‬أثناء وجوده في والية نيوجيرسي‬
‫ّ‬

‫يدرس في جامعة «برينستون»‪ .‬وسيتسلّم اجلائزة في السويد في‬
‫حيث ّ‬

‫كانون األول (ديسمبر)‪ ،‬خالل االحتفال الرسمي بجميع الفائزين‪.‬‬

‫المرأة‪/‬الطفلة‪ ،‬المتحررة دون علمها‪ ،‬والتي ترمز في العالقة بين المتخيل والمعيش‪ ،‬الحرب بين الجنسين‪،‬‬
‫الالوعي إلى ث��ورة األخ�لاق المعاصرة‪ ،‬وال��رواي��ة من تحرير ال�م��رأة والوضعية االستعمارية والعنصرية‪،‬‬
‫األح��داث التي مهدت لـ»عصر التسامح الجنسي»‪ ..‬وال ��رواي ��ة ل�ي�س��ت وص �ف��ة ض��د اس �ت�لاب ال��م��رأة في‬
‫ت�لاش��ي ال �ت��اب��وه��ات ب�ي��ن ال�م��راه�ق�ي��ن ف��ي الواليات المجتمع المعاصر‪ ..‬إنها رواية حول األوهام الضائعة‬
‫المتحدة األمريكية وأوربا الغربية‪ .‬إنها استعارة تعكس للمثقفين وفشل اليوتوبيا‪ ،‬بعيون امرأة‪ ،‬وبالمعنى الذي‬
‫شعو َر كاتبها كأوربيٍّ شرقيٍّ ‪ ،‬أحس بخيبة أمل شديدة‬
‫يريده عشاق القيامة‪.‬‬
‫تجاه الواليات المتحدة‪ ،‬بسبب ما فيها من قلة نضج‪،‬‬
‫«إيروس في الرواية»‬
‫بعد حبه الجارف لها‪...‬‬
‫ك�ت��اب ي �ق��دم‪ ،‬وبحميمية م�ب��دع ف��ي ح�ج��م ماريو‬

‫«ب���ي���ت ال��ج��م��ي�لات ال���ن���ائ���م���ة» لياسوناري‬
‫ب��ارغ��اس ي��وس��ا‪ ،‬وبلغته اإلب��داع�ي��ة‪ ،‬ق ��راءات ف��ي أهم‬
‫كاواباتا‪:‬‬

‫يتحدث في مستهل ورقته عن قراءة نص مترجم رواي � ��ات ال��ق��رن ال �ع �ش��ري��ن‪ ،‬ق � ��راءات ت�لام��س عمق‬
‫وما قد يفقده أثناء رحلته اللغوية من عطور النص النص‪ ،‬ومن داخل المطبخ اإلبداعي‪ ،‬وهذا ما يفشل‬
‫األصلي‪ ،‬ويشير إلى أن الرواية مستلهمة من التوراة‪ ،‬فيه النقاد األكاديميون غالبا‪ .‬الكتاب «رس��ال��ة حب‬
‫(وهي الرواية التي فتنت صديقه اللدود ماركيز‪ ،‬فكتب واعتراف بالجميل ألولئك الذين عشت بفضل كتبهم‪،‬‬
‫«ذاك��رة غانياتي الحزينات»)‪ ،‬وأنها ليست ذات نزعة خالل فتنة القراءة‪ ،‬في عالم جميل‪ ،‬متماسك ومفاجئ‬
‫طهرانية‪ ،‬بل تزخر بسفاحات وحشية تفضح فظاعة وكامل تمكنت‪ ،‬بفضله‪ ،‬من فهم العالم ال��ذي أعيش‬
‫الخطيئة‪.‬‬
‫فيه بشكل أفضل‪ ،‬ومن إدراك كل ما ينقصه أو يكفيه‪،‬‬

‫«المفكرة الذهبية» لدوريس ليسنغ‪:‬‬

‫ليكون قابال للمقارنة مع العوالم الرائعة التي يخلقها‬
‫األدب العظيم»‪ ،‬كما جاء في رسالة يوسا إلى وليد‬

‫الرواية إنجيل النسويين‪ ،‬وأنصار الرواية ومهاجموها‬
‫يعترفون بدورها كرواية تنتمي إلى عصرها‪ ،‬تطرقت سليمان‪ ،‬المترجم والمبدع التونسي الشاب الذي عرّب‬
‫إلى عدة مواضيع منها‪ :‬التحليل النفسي‪ ،‬الستالينية‪ ،‬الكتاب باقتدار وإحساس مرهف‪.‬‬
‫* ‬

‫كاتب وناقد من المغرب‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪95‬‬

‫فخري صالح‪ :‬الرواية السعودية تسجل‬

‫إجنازا ً عظيما وفوز عبده خال بالبوكر أكسب‬
‫الكتابة السردية السعودية زخما جديدا‬

‫> محمد محمود البشتاوي‬

‫ت��ركَ دراس��ة الطب بعد أرب��ع سنوات‬
‫ونصف‪ ،‬ليلتحق بكلية اآلداب‪ ..‬ويخوض‬
‫رحلة جديدة في دراس��ة النقد األدبي‪،‬‬
‫رغ��ب��ةً منه أن ي��ك��ون مثل عميد األدب‬
‫العربي طه حسين‪ ،‬الذي أشرقت صورته‬
‫ذهن صالح منذ أن كان طفالً‪.‬‬
‫في ِ‬
‫شَّ ��قَ طريقهُ عبر ال��ق��راءة التي يرى‬
‫فيها أولى حلقات النقد‪ ،‬في حين يعتبر‬
‫فخري صالح يوقع إدوارد سعيد في الرواية العربية الجديدة‬
‫أن ال ح��رك��ة ث��ق��اف��ي��ة دون ن��ق��دٍ يطرحُ‬
‫��اؤالت مبدعةٍ وخ�لاق��ةٍ ‪ ..‬ق��ادرة على‬
‫ت��س ٍ‬
‫حفر النصوص السردية والشاعرية‪ ،‬للخروج منها بما هو غائب عن القراءة األولى‪.‬‬
‫«الجوبة» التقت فخري صالح‪ ،‬في عمان‪ ،‬على هامش ملتقى السرد العربي الثاني (دورة‬
‫مؤنس الرزاز)‪ ،‬وتحدثت معه في حوارٍ صحافيٍّ عن ملتقى السرد‪ ،‬وقضايا النقد‪ ،‬واإلبداع في‬
‫الوطن العربي‪.‬‬
‫< نود لو تعرض لنا صورة ملتقى السرد‬
‫العربي الثاني‪ ،‬وما الجديد الذي جاء‬
‫به الملتقى؟‪.‬‬
‫> حملت الدورة السـابقة في ملتقى السرد‬
‫العربي اس��م ال��روائ��ي األردن��ي «غالب‬

‫هلسا» الذي عاش في ال��دول العربية‬

‫وع��اد في ت��اب��وت‪ ،‬أم��ا ال��دورة الحالية ‬

‫‪96‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫فتعقد تحت ع�ن��وان «م��ؤن��س الرزاز»‪،‬‬

‫وهو روائ��ي أردن��ي توفي عام ‪2002‬م‪،‬‬
‫وأردنا في رابطة الكتاب األردنيين أن‬
‫نقدم تحية لهذا الروائي الكبير الذي‬

‫لم يتجاوز عمره إحدى وخمسين سنة‪،‬‬

‫وهو أيضا صديق شخصي حميم‪.‬‬

‫كان إسهام ال��رزاز أساس ّيًا في تطوير‬

‫م�م��ن يمكن أن نطلق عليهم ص�ف��ة تطوير‬

‫بحثت ع��ن األس �ب��اب ال�ت��ي ق��د ت�ك��ون خلف‬

‫القليلة التي تعد على أصابع اليد الواحدة‬
‫الكتابة الروائية األردنية‪ ،‬فأصبحت توازي‬

‫ما يكتب في مراكز إنتاج الرواية في العالم‬
‫العربي مثل القاهرة‪،‬‬

‫وأزمتها عربيا‪ ..‬بوصفها نوعاً أدب�ي�اً‪ ،‬وقد‬

‫خفوت هذا النوع األدبي‪ ..‬مقارنة مع األنواع‬
‫األخ ��رى وخ�ص��وص��ا ال��رواي��ة‪ .‬وح��اول��ت من‬
‫خ�لال استقراء ظروف‬

‫وب��ي��روت‪ ،‬ودمشق‪،‬‬

‫نشأة القصة القصيرة‬

‫وب�غ��داد‪ ،‬والعواصم‬

‫ف ��ي ال��ع��ال��م والوطن‬

‫العربية األخرى‪.‬‬

‫ ‬

‫ال � �ع� ��رب� ��ي‪ ..‬التعرف‬

‫على األسباب الممكنة‬

‫ال أظ���ن أن هناك‬

‫ال�� �ت� ��ي ج� �ع� �ل ��ت ه� ��ذا‬

‫ج� ��دي� ��دا ف� ��ي هذا‬

‫ال�م�ل�ت�ق��ى‪ ..‬إال أنه‬

‫يحاول إلقاء الضوء‬

‫المتعددة التي تكتب بدءاً بالقصة القصيرة‬
‫وانتهاء بالسيرة الذاتية‪ .‬وقد ركزت األبحاث‬
‫التي قدمها باحثون ونقاد من األردن والدولة‬

‫العربية‪ ،‬وتركية وروسية‪ ،‬على دراسة نظرية‬

‫السرد‪ ،‬وأشكاله‪ ،‬وتعالق السرد الذاتي في‬
‫األشكال الروائية والسردية المختلفة‪ .‬وهناك‬
‫بعض الدراسات واألوراق الالفتة التي قدمت‬

‫في الملتقى‪ .‬يضاف إلى ذلك أن هناك جلسة‬

‫متخصصة في أدب مؤنس ال��رزاز الروائي ‬
‫بعض كتاباته التي تجنح‬

‫إلى االعتراف بنوازعه‬
‫الداخلية‪ ،‬لتقديم جردة‬
‫حساب مع العالم‪.‬‬

‫< م����اذا ق��دم��ت ف���ي هذا‬
‫الملتقى؟‬

‫ال� �ن ��وع األدب � ��ي ‪ -‬في‬

‫عبده خال‬

‫على السرد بمفهومه المعاصر؛ أي األشكال‬

‫وال� �ق� �ص� �ص ��ي‪ ،‬وحتى‬

‫م������������������واج������������������ه������������������ات‬

‫الكتابة الروائية في األردن‪ ،‬ويعد من األسماء ‬

‫تمحورت مشاركتي ح��ول القصة القصيرة‬

‫ال �س��اب��ق ‪ -‬مزدهراً‪،‬‬

‫على الرغم أنه اليوم يواجه أزمة ليست في‬
‫الكتابة نفسها‪ ،‬وإنما في عملية تسويق هذا‬
‫العمل؛ فدور النشر والصحافة تحجمان عن‬
‫نشر المجموعات القصصية‪ ،‬ويضاف إلى‬

‫ذلك؛ أن الرواية تحظى باهتمام كبير سواء‬
‫في الوطن العربي‪ ،‬أو العالم‪ ،‬وتخصص لها‬

‫ال �ج��وائ��ز‪ ،‬م��ا ي��دف��ع بكتاب ال �س��رد للتحول‬
‫باتجاه الرواية‪ ،‬وهناك عدد كبير ممن تحول‬
‫عن كتابة القصة القصيرة‪.‬‬

‫وح ��اول ��ت م��ن خ�ل�ال ورق �ت��ي أن أت �ن �ب��أ بما‬

‫< أن���ا ض��د ال��ن��ظ��ري��ة ال��ق��ائ��ل��ة بأن‬
‫العرب نقلوا الرواية عن الغرب‪.‬‬
‫< ال��رواي��ة الس ــعودية تقف اليوم‬
‫ع��ل��ى خ���ارط���ة األن�������واع األدبية‬
‫العربية وأهمية أدب عبده خال‬
‫ال تتأتى م��ن ال��ب��وك��ر‪ ،‬وإن��م��ا من‬
‫انتشار رواياته‪.‬‬

‫ي �م �ك��ن أن ي �ح �ص��ل لهذا‬

‫النوع األدبي‪ ،‬خصوصا أن‬

‫الثورة التكنولوجية الهائلة‪،‬‬

‫ووسائط انتقال المعلومات‬
‫ف��ي ال��وق��ت ال �ح��اض��ر‪ ،‬قد‬

‫تسمح للكتابة القصصية‬
‫أن تنتشر ال ف��ي صيغتها‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪97‬‬

‫الورقية‪ ،‬وإنما إلكترونيا على المواقع‪ ،‬وهناك‬

‫منها المهرجانات‪ ،‬واألمسيات‪ ،‬والفضائيات‬

‫الكثير ممن يكتب «أشياء» ويسمونها قصصا‬

‫التي أصبحت تخصص برامج للشعر‪ ،‬فكيف‬

‫قصيرة‪ ،‬وينشرونها عبر اإلن�ت��رن��ت؛ األمر‬

‫يمكن القول إن ال��رواي��ة دي��وان العرب وهي‬
‫ت��وزع فقط من (‪ ) 5-4‬آالف نسخة‪ ،‬وربما‬

‫ال��ذي جعل القصة القصيرة م��دار اهتمام‬

‫أقل من ذلك‪ ..‬بينما الشعر يسمعه عشرات‬

‫القراء‪ ،‬بصرف النظر عن قيمة هذه األعمال‬

‫اآلالف وربما المئات؟‪.‬‬

‫المنشورة في اإلنترنت‪ ،‬وط��رائ��ق ووسائط‬

‫مختلفة‪ ،‬ونحن ال نناقش القيمة والنوعية‪ < ،‬م���اذا يعني أن يحصد ال��روائ��ي ع��ب��ده خال‬
‫وإنما طريقة انتشار النوع األدب��ي ومراتبية‬
‫ج��ائ��زة ال��ب��وك��ر العربية على صعيد النقد‬
‫هذه األنواع األدبية‪.‬‬

‫ ‬

‫واإلبداع؟‬

‫وف��ي ه��ذا السياق‪ ،‬ك��ان الشعر في ي��وم من > ه��ذه مناسبة شديدة األهمية بالنسبة إلى‬
‫األي ��ام يحتل المرتبة األول� ��ى‪ ،‬ف��ي التوزيع‬
‫السعودية‪ ،‬ألن جائزة البوكر العربية أقامت‬
‫داخل الوطن العربي؛ واآلن قد تكون الرواية‬

‫نوعا من الحراك في نشر الرواية واستقبالها‬

‫تحصد الرقم واحد عربيا‪ ،‬ثم يليها الشعر‪،‬‬

‫وقراءتها في العالم العربي‪ ،‬وهناك جوائز‬

‫ث��م القصة القصيرة‪ ،‬ث��م ال��دراس��ات؛ ولكن‬

‫أخرى تمنح للرواية‪ ..‬ولكن تنظيم البوكر هو‬

‫ليست لدي دراسات دقيقة في هذا الصدد‪،‬‬

‫الذي يدفع بالرواية إلى دائرة االهتمام في‬

‫وإنما اعتمد في قراءتي على متابعتي لسوق‬

‫مجال النشر والقراءة‪ ،‬وخصوصا أنها ‪ -‬أي‬

‫الكتاب في الوطن العربي‪ ،‬وأظن أن الرواية‬

‫الجائزة ‪ -‬تتبع الطريقة نفسها التي تتبعها‬

‫تحتل المرتبة األول��ى دون أن يعني ذلك أن‬

‫م��ؤس�س��ة م��ان ب��وك��ر ال�ب��ري�ط��ان�ي��ة‪ ،‬الشريك‬

‫ال��رواي��ة أصبحت «دي��وان العرب» كما يقول‬
‫الصديق الناقد المصري الكبير الدكتور‬
‫ج��اب��ر ع �ص�ف��ور؛ ألن ال�ش�ع��ر ينتشر عربيا‬

‫المنظم لجائزة البوكر العربية‪.‬‬
‫ ‬

‫وس �ي��اس��ة ال �ب��وك��ر ت �ق��وم ع�ل��ى اإلع �ل�ان عن‬
‫القائمة الطويلة المكونة م��ن (‪ )16‬رواية‪،‬‬

‫عبر طرائق أخ��رى للوصول إل��ى الجمهور‪،‬‬

‫ثم يعلن عن القائمة القصيرة المكونة من‬
‫(‪ )6‬رواي��ات‪ ،‬وص��والً إل��ى المرحلة النهائية‬
‫التي يُعلن فيها عن الفائز‪ ،‬األمر الذي يضع‬
‫الروايات التي اختيرت في القائمة القصيرة‬
‫في واجهة االهتمام في الصحافة‪.‬‬
‫ ‬

‫فخري صالح والشاعر الفلسطيني موسى حوامده‬

‫‪98‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫وأشير أيضاً إلى تجربتي قبل عامين‪ ،‬عندما‬
‫كنت ع�ض��واً ف��ي لجنة التحكيم ف��ي جائزة‬
‫البوكر العربية‪ ،‬إذ الحظت اهتمام جمهور‬

‫تُحصى اطلعت عليها في الصحافة العربية‪،‬‬

‫ي�ل�ف�ت��ون االن �ت �ب��اه ‪ -‬ف��ي ال �س �ع��ودي��ة ‪ -‬مثل‬

‫في القائمة القصيرة‪ ،‬عالوة على كتابات ال‬

‫ال�ب�ل��دان العربية األخ ��رى‪ ،‬وه�ن��اك روائيون‬

‫وتوقعات وج��دل كبير حول رواي��ات القائمة‬

‫رجاء عالم‪ ،‬يوسف محيميد‪ ،‬الدكتور غازي‬

‫القصيرة ثم الرواية التي فازت‪ ،‬واألمر نفسه‬

‫القصيبي‪ ،‬تركي الحمد‪ ،‬سمر المقرن‪ ..‬الخ‪،‬‬

‫يتكرر م��ع ع�ب��ده خ��ال ورواي �ت��ه ال�ف��ائ��زة في‬

‫وأن��ا ال أقيِّم هنا بل أذك��ر أسماء‪ ،‬وأظ��ن أن‬

‫البوكر العربية ف��ي السنة‬

‫الكتّاب السعوديون دخلوا هذه‬

‫الحالية‪.‬‬

‫ ‬

‫الموجة بشكل متأخر جدا عن‬
‫العالم العربي في كتابة الرواية‬

‫أع� �ت� �ق ��د أن ع � �ب� ��ده خ ��ال‬

‫خالل القرن األخير‪.‬‬

‫س�ل��ط عليه ال��ض��وء‪ ..‬ألنه‬

‫م��ن ال��روائ�ي�ي��ن السعوديين‬

‫الرواية السعودية تسجل إنجازاً‬

‫يحظ‬
‫َ‬
‫ال��ب��ارزي��ن‪ ،‬ل�ك�ن��ه ل��م‬

‫ع �ظ �ي �م �اً؛ ب�م�ع�ن��ى أن الحركة‬

‫بعد أن رشحت رواي�ت��ه في‬

‫زخماً جديدا في نطاق الكتابة‬

‫بهذا االهتمام الذي مُني به‬

‫الثقافية ال�س�ع��ودي��ة اكتسبت‬

‫ال�ق��ائ�م��ة ال�ق�ص�ي��رة وصوال‬

‫السردية‪.‬‬

‫إلى فوزها بجائزة البوكر‪،‬‬

‫< بمعنى آخر‪ ...‬كسرت الصورة‬

‫وأنا ضد الضجيج الذي أثير‬

‫النمطية في السعودية ‪ -‬والخليج عموما ‪-‬‬

‫بعد ف��وز ال�خ��ال‪ ،‬وال�ق��ول أن لجنة التحكيم‬
‫كانت تريدُه خليج ّيًا! فإن هذا الكالم ال يحترم‬

‫الكاتب‪ ،‬أو لجان التحكيم‪ ،‬حتى وإن اختلفت‬
‫مع اللجنة الحالية‪ ،‬فأظن أن احترام االختيار‬

‫واجب‪ ،‬خصوصاً أن عبده خال من الروائيين‬

‫المعروفيين في الوطن العربي‪ ،‬ويستحق هذا‬
‫التكريم‪ .‬ومما ي��دل على أهميته كروائي‪..‬‬
‫ليس أن��ه ف��از بالبوكر‪ ،‬وإنما ه��ذا االنتشار‬

‫الواضح لرواياته وطباعتها غير مرة‪ ..‬هذا‬

‫هو المعيار الحقيقي لالهتمام ب��أدب عبده‬
‫خال‪.‬‬

‫ ‬

‫وفي ما يتعلق بالرواية السعودية‪ ،‬فأظن أنها‬
‫اآلن على خ��ارط��ة األن ��واع األدب�ي��ة العربية‪،‬‬

‫م������������������واج������������������ه������������������ات‬

‫القراء ودور النشر بالروايات التي اخترناها‬

‫وهي موجودة بصورة واضحة بين ما تنتجه‬

‫باعتبار أن المنتج السائد هو الشعر فقط؟!‬
‫ ‬

‫نعم هذا صحيح بشكل كامل‪ ،‬وثمة مقياس‬
‫آخر لو درسنا الموضوع من زاوية الترجمة ‪-‬‬

‫وأنا أستطيع أن أتحدث عن اللغة اإلنجليزية‬
‫‪ -‬إذ أن دور النشر البريطانية واألمريكية على‬

‫سبيل المثال ‪ -‬وضعت رواية «بنات الرياض»‬
‫ضمن قوائم الروايات الناجحة‪ ،‬عالوة على‬

‫أن أدب يوسف المحيميد ترجم أيضاً إلى‬

‫اللغة اإلنجليزية‪ ،‬ومن المؤكد أن عبده خال‬
‫بعد حصوله على ج��ائ��زة البوكر‪ ،‬سيترجم‬
‫إلى اإلنجليزية واأللمانية والفرنسية ولغات‬

‫أخ ��رى‪ ،‬وه��ذا كله يكسر ال �ص��ورة النمطية‬
‫ليس فقط ع��ن الحركة الثقافية‪ ،‬ب��ل وعن‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪99‬‬

‫القصصية أو الشعرية‪ ،‬وفي القراءة الثانية‬

‫السعودية نفسها في وصفها دولة محافظة‪..‬‬

‫أكتشف النص الذي أكتب عنه‪ ،‬وما أستغربه‬

‫وأن الدين مسيطر فيها بصورة شاملة‪ ،‬وأظن‬

‫هو اكتشافي ألشياء جديدة أثناء كتابتي عن‬

‫أن المجتمع السعودي به حراك‪ ،‬وهو متجدد‬

‫النص‪ ،‬أي أن العمل النقدي يكشف لي ما‬

‫ومتغير‪ ،‬وبه تيارات من التفكير االجتماعي‬

‫كان غائبا عني أثناء القراءة‪.‬‬

‫والسياسي المختلف‪.‬‬
‫< ك��ي��ف ي��دي��ر ال��دك��ت��ور ف��خ��ري ص��ال��ح عملية ‬

‫والكتابة النقدية متعة وليست مهنة‪ ،‬وإذا لم‬
‫أحبُ األعمال التي أتناولها في النقد فإني –‬

‫النقد؟‪.‬‬

‫عادة‪ -‬أعاني من صعوبات في الكتابة عنها‪،‬‬

‫> أن ��ا ن�ف�س��ي ال أع �ل��م ح �ت��ى أج �ي �ب��ك بصورة‬

‫ولكن هناك أحياناً رغب ًة تعليمية ورغب ًة في‬

‫واضحة‪ ،‬ولكن أود أن أوض َح أني تركتُ كلية‬

‫الكشف عن بعض األخطاء والمشكالت التي‬

‫الطب بعد دراستي فيها أربع سنوات ونصف‪،‬‬

‫تقيم داخل النص‪.‬‬

‫ألنتقل إلى دراسة األدب واللغة‪ ،‬ألني أحب‬

‫< هل المنتج السردي العربي دخ��ل األسواق‬

‫األدب‪ ،‬ومنذ صغري تستهويني ص��ورة طه‬

‫العالمية؟‬

‫حسين الناقد واألديب‪ ،‬األمر الذي رسّ خ لديّ‬
‫رغب َة أن أكون ناقداً‪ ،‬ولهذا السبب أنا أكتب‬

‫> ال أستطيع أن أجيب إال بنعم‪ ،‬ألن الرواية‬

‫النقد‪ ،‬ألني أحبه‪ ،‬ولم أكن شاعراً أو روائياً‬

‫والقصة العربيتين أصبحتا حاضرتين بقوة‬

‫فاشالً‪ .‬ثم انتقلتُ إلى النقد كما هي الصورة‬
‫النمطية الشائعة عن النقاد‪ ،‬وال يمنع ذلك أن‬
‫امرئ‬
‫ٍ‬
‫أكتب الرواية في يوم من األيام‪ ،‬فلكل‬

‫على قوائم دور النشر في العالم‪.‬‬
‫ ‬

‫ف��ي ال��وط��ن العربي‪ ،‬وك��ان��ت أس�م��اء ال ُكتّاب‬

‫منا رواية في داخله يرغب في سردها‪.‬‬
‫ ‬

‫العرب قليلة التداول عربيا‪ ،‬وتعد على رؤوس‬

‫ف��ي ال�ب��داي��ات كنتُ مؤمناً ببعض التيارات‬

‫األصابع‪ ،‬فنجد‪ :‬توفيق الحكيم وطه حسين‬

‫النظرية في النقد األدبي‪ ،‬وبعد أن نضجتُ –‬

‫وعلى نطاق ضيق في الفرنسية والسويدية؛‬

‫أصبحت أض ُع هذه النظريات‬
‫ًُ‬
‫كما أعتقد ‪-‬‬

‫في حين نشهد اليوم كتاباً شباباً من الوطن‬

‫ال‬
‫خلفي‪ ،‬وأت �ن��اول العمل بوصفه نصاً قاب ً‬

‫العربي يترجمون إلى لغات أساسية لها أكبر‬

‫للقراءة واالك�ت�ش��اف‪ ..‬ف��ي حين أن ثقافتي‬
‫ومعرفتي النظرية تتسرب في ما أكتبه‪.‬‬
‫ ‬

‫ع ��ادة أح� ��اول أن أق ��رأ ال �ن��ص ق� ��راءة أولى‬
‫ألكتشف ع��وال�م��ه‪ ،‬ث��م أع�ي��د ق��راءت��ه ألكتب‬

‫سابقاً لم تكن الروايات تحظى باهتمام شديد‬

‫عدد من الناطقين بها في العالم‪.‬‬
‫ ‬

‫وربما يكون فوز نجيب محفوظ عام ‪1988‬م‬
‫بجائزة نوبل لآلداب‪ ،‬قد لفت انتباه دور النشر‬
‫في العالم إلى أن هناك أدباً يستحق الترجمة‬

‫ع �ن��ه‪ ..‬إن ك�ن��ت أرغ���ب ت�ق��دي��م ن��ص نقدي‬

‫إلى تلك اللغات‪ ،‬كما أسهمت أحداث الحادي‬

‫تحليلي يعالج ه��ذه ال��رواي��ة أو المجموعة‬

‫عشر م��ن سبتمبر ع��ام ‪2001‬م ف��ي تركيز‬

‫‪ 100‬اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫العربي‪ ،‬وهناك أسباب‬
‫غير ثقافية وغير أدبية‬

‫وراء ه � ��ذا االنتباه؛‬
‫فثمة دوائ��ر في الغرب‬

‫ومنها دور النشر تريد‬

‫< ث��م��ة ج��ه��ات غ��رب��ي��ة ت��س��ع��ى إلى‬
‫ال��ق��ي��م��ة األن���ث���روب���ول���وج���ي���ة في‬
‫األعمال السردية العربية‪.‬‬
‫< العمل النقدي يكشف لي ما كان‬
‫غائبا عني أثناء القراءة‪.‬‬

‫أن تتعرف على كيفية‬

‫ ‬

‫أن��ك ن��اج � ٌح ف��ي م��ا تكتبه‪،‬‬

‫وال يشير إلى النوع األدبي‬

‫الذي تكتبه‪.‬‬
‫ ‬

‫ب � �ع� ��د أن قمنا‬

‫بتصحيح الصياغة بين من‬

‫يسمون مبدعين والنقاد‪،‬‬

‫تفكير هذا الجزء من العالم الذي يحتضن‬

‫أود اإلش��ارة إلى أن الناقد له مشروعه كما‬

‫نوع من الهجوم‪ ..‬السيما في منطقة الخليج‬

‫ال��ذي يكتب نصاً مفتوحاً‪ ،‬ودون أن يكون‬

‫وكما هو متعارف عليه‪ ،‬فإن الكتابة السردية‬

‫تتطور‪ ،‬وال يمكن أن تنشأ حركة ثقافية دون‬

‫ألن التاريخ الرسمي مراقب‪ ..‬فال يقدم صورة‬

‫وأنا أقصد النقاد المبدعين ممن يطرحون‬

‫«إرهابيين محتملين»‪ ،‬األمر الذي يشير إلى‬

‫لكاتب ال��رواي��ة أو ال�ش��اع��ر أو ال �ق��اص‪ ،‬أو‬

‫العربي‪ ،‬والعراق‪ ،‬وأحياناً مصر‪.‬‬

‫هناك ن�ق��اد‪ ..‬أظ��ن أن الحركة الثقافية ال‬

‫قادرة على تقديم تاريخ مختلف للمجتمعات؛‬
‫فعلية حقيقية للمجتمعات‪ ،‬ومن يكتب رواية‬
‫أو نصاً سردياً‪ ،‬يكتب بطريقة تخييلية تجعل‬

‫القارئ يعيد تشكيل صورة المجتمعات‪ ،‬األمر‬

‫الذي جعل من األدب العربي محط اهتمام‬

‫ل��دى دور النشر‪ ،‬ويترجم بكثرة‪ .‬ورغ��م أنه‬

‫يكتسب قيمة فنية‪ ،‬فإن القيمة األنثروبولوجية ‬
‫‪ -‬في األعمال السردية ‪ -‬هي ما تسعى إليه‬

‫دور النشر وبعض الجهات في الغرب‪.‬‬

‫< الناقد والمبدع‪ ..‬صوَّ رهما البعض كأنهما‬

‫م������������������واج������������������ه������������������ات‬

‫ال�ك��ام�ي��را ع�ل��ى الوطن‬

‫الوصف‪ ،‬ألن اإلبداع يعني‬

‫أسئلة‪ ،‬والنقاد يطرحون األسئلة في العادة‪،‬‬
‫أسئلة على الواقع الثقافي‪ .‬وأعتقد أن بعض‬

‫الروائيين والشعراء وكتاب القصة يكتشفون‬
‫نصوصهم من خ�لال دراس��ة نقدية مبدعة‬
‫وخ�لاق��ة‪ ،‬م��ا يجعلهم يلتفتون إل��ى الطاقة‬

‫الكامنة في نصهم اإلبداعي‪.‬‬
‫< ‬

‫بناء على ما تفضلت ب��ه‪ ،‬ي��رى بعض‬

‫األدباء أن النقد تفوق على المنتج‪ ،‬ويحال‬
‫األم��ر إل��ى أن النقاد ي��س��ت��وردون النظريات‬
‫الغربية؛ فما قولك في ذلك؟‪.‬‬

‫ف��ي معركة وج����ود‪ ..‬فكيف تنظر إل��ى هذه‬
‫المعادلة؟‪.‬‬
‫> ال أظن أن العالقة الشائهة تقوم بين الناقد‬
‫وم��ا يسمى ب �ـ «ال �م �ب��دع» ع�لاق��ة صحيحة‪،‬‬
‫وأري� ��د أن أص �ح��ح أن ��ي أرف ��ض وص ��ف من‬
‫يكتبون أن��واع �اً أدب�ي��ة ف��ي ال��رواي��ة والقصة‬

‫والشعر باإلبداع مقابل تجريد النقاد من هذا‬

‫افتتاح ملتقى السرد العربي الثاني دورة مؤنس الرزاز‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪101‬‬

‫> ال أظ��ن أن النقد في العالم العربي متفو ٌق‬

‫األرب �ع �ي��ن س�ن��ة األخ��ي��رة أح��دث��ت ن�ق�ل��ة في‬

‫لهذه الدرجة‪ ،‬بل هو مأزوم‪ ،‬ولديه مشكالت‬

‫الكتابة الروائية العربية‪ ،‬هي نفسها التي‬

‫ل �ه��ا ع�لاق��ة ب��ال �ن �ق��ل‪ ،‬وع� ��دم إن� �ت ��اج ال���رؤى‬

‫استلهمت ال�ت��راث‪ ..‬وأن��ا ضد النظرية التي‬

‫النظرية‪ .‬وال أريد أن أقول النظريات النقدية‬

‫تقول إن ال�ع��رب نقلوا ال��رواي��ة ع��ن الغرب؛‬

‫العالمية‪ ،‬ألنها بال وطن‪ ،‬ورغم ذلك‪ ..‬وحتى‬

‫س تطور النوع‬
‫ألنه كالم غير دقيق‪ ،‬وإنما دُرِ َ‬

‫تكون ق��ادراً على تطوير الحقل ال��ذي تعمل‬

‫الروائي في الوطن العربي بصورة مغلوطة‬

‫فيه‪ ..‬يجب أن تنتج فيه‪ .‬ولألسف جمهرة‬

‫تقوم على استالب العرب تجاه الغرب في‬

‫النقاد العرب اليوم يقومون بعمليات القص‬

‫رؤية استشراقية رسخت فكرة أن البدايات‬

‫واللصق‪ ،‬وأح�ي��ان�اً الفن المشوّه للنظريات‬
‫ ‬

‫العربية تتمثل ف��ي ن�ه��اي��ات ال �ق��رن التاسع‬

‫النقدية التي يشتغلون عليها‪ ،‬أو ينقلونها‪.‬‬

‫عشر‪.‬‬

‫أعتقد أن الناجح اآلن هو النقد التطبيقي‪ ،‬‬
‫وهو أفضل بكثير من الدراسات النقدية‪ ،‬ألن‬

‫الرواية العربية تطورت بصورة متوازية من‬

‫األخيرة منقولة عن اآلخرين‪ ،‬وعندما تكتب‬

‫االلتفات إلى األن��واع السردية العربية التي‬

‫ن�ص��ك األدب���ي ال �خ��اص ب��ك‪ ،‬أو ح�ت��ى حول‬

‫كانت موجودة‪ ،‬والروايات األولى التي أنتجت‬

‫اآلداب األخ��رى‪ ،‬فإن النظريات تمتثل لك‪..‬‬

‫عربياً مثل رواي��ات أحمد ف��ارس الشدياق‪،‬‬

‫وتكون مبدعا في هذه الحالة‪ .‬أما أن تترجم‬

‫و«حديث عيسى بن هشام» لمحمد المويلحي‪،‬‬

‫وتلخص؛ فهذا عمل تعليمي ردي��ف للعملية‬

‫و«ليالي سطيح» لحافظ إبراهيم‪ ..‬الخ‪ .‬كلها‬

‫النقدية‪ ..‬ولكنه ليس أساسا‪.‬‬
‫ ‬

‫استلهمت أشكال المقامة‪ ،‬وألف ليلة وليلة‪،‬‬

‫أظن أن اإلبداع في الوطن العربي – الرواية‬

‫وكليلة ودم �ن��ة‪ ،‬ورس��ال��ة ال�غ�ف��ران‪ ،‬واألخبار‬

‫والشعر – أفضل ح��االً من النقد‪ ،‬وتعكس‬

‫العربية‪ ،‬فنشوء النوع الروائي العربي لم يكن‬

‫هذه األزمة النقدية عربياً أزمة المجتمعات‬

‫مجرد نقل وتقليد للنص الغربي ف��ي ذلك‬

‫نفسها‪ ..‬ألنها تمر في مرحلة قمع ومنع للنقد‬
‫بمفهومه العام؛ فكيف يمكن للنقد أن يعيش‬
‫والنقد الشامل ممنوع؟‪.‬‬
‫< هل تعتقد أن الروائيين العرب وظفوا في‬
‫ن��ص��وص��ه��م ال���ت���راث؟ أم أن ه��ن��اك قطيعة‬
‫معه؟‪.‬‬

‫خالل االحتكاك بالنص الروائي الغربي مع‬

‫الزمان‪.‬‬
‫ ‬

‫وعليه‪ ،‬هناك أع�م��ال كبيرة أن�ج��زت خالل‬
‫نصف ال�ق��رن األخ�ي��ر ف��ي ال��رواي��ة العربية‪،‬‬
‫وهي أعمال استلهمت التراث‪ ،‬مثل روايات‬
‫ن�ج�ي��ب م �ح �ف��وظ ال �ت��ي ت� �ج ��اوزت المرحلة‬
‫الواقعية‪ ،‬والمتشائل إلميل حبيبي‪ ،‬والزيني‬

‫> طبعاً وظف الروائيون العرب التراث‪ .‬وأظن‬

‫بركات لجمال الغيطاني‪ ،‬وجبرا إبراهيم جبرا‬

‫أن األع �م��ال األس��اس�ي��ة ال�ت��ي أنتجت خالل‬

‫بصورة أو ب��أخ��رى‪ ،‬وال�ي��وم يعود الروائيون‬

‫‪ 102‬اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫الشكل السردي الواقعي الذي كان ينتج في‬

‫العربية التي لم تستقطب كادراً يمتلكُ ثقافة‬

‫السابق‪.‬‬

‫مؤهلة للعمل في المجاالت الثقافية النقدية‪.‬‬
‫ال‬
‫ول��و أردتُ أن أض��رب ل��ك مث ً‬

‫وأن�� ��ا أع��ت��ب��ر أن التراث‬

‫ف��ي م��ا أك �ت �ب��ه ف��ي الصحافة‬

‫ف� ��ي ه � ��ذه ال �م �ن �ط �ق��ة من‬

‫اليومية ال �س �ي��ارة‪ ..‬لوجدتني‬

‫العالم متواصل م��ن آشور‬

‫أك �ت��ب ب �ط��ري �ق��ة م�خ�ت�ل�ف��ة عن‬

‫وب��اب��ل والفراعنة والتراث‬

‫األس� �ل���وب ال �م �ت �ب��ع ف ��ي بحث‬

‫ال� �س ��ري ��ان ��ي‪ ..‬ف �ه��و ت ��راث‬

‫مطول لمجلة علمية محكمة‪،‬‬

‫م �ت �ص��ل ال م �ن �ف �ص��ل‪ ،‬كما‬

‫أو مجلة تستهدف نوعا مختلفاً‬

‫يحاول البعض تصويره‪.‬‬

‫م��ن ال �ق��راء المتخصصين من‬

‫< ك���ن���اق���د م���ح���ت���رف ودارس‬

‫أس� ��ات� ��ذة ال��ج��ام��ع��ات وطلبة‬

‫للنقد‪ ،‬كيف يمكن معالجة‬

‫ال � ��دراس � ��ات ال �ع �ل �ي��ا‪ ،‬واألم� ��ر‬

‫اللغة الصحافية والشاعرية‬

‫مختلف أي �ض �اً ع �ن��دم��ا أكتب‬

‫في النقد؟‪.‬‬
‫> هناك أشكال ومستويات متعددة من النقد‪،‬‬
‫م��ن ضمنها م��ا يسمى «ال�ن�ق��د الصحافي»‬
‫ال��ذي نقصد به ص��ورة تبسيطية من النقد‬
‫الذي يكتب في الصحافة‪.‬‬
‫ ‬

‫رب �م��ا ي �ق��ول بعضهم إن ال�ن�ق��د الصحافي‬
‫هو نقد ضحل‪ ،‬وال يستند إلى رؤي��ة نقدية‬
‫واسعة‪ ،‬إال أن الصحافة تقدم نقداً مميزاً‬
‫من حين آلخر‪ ،‬وهذه وسيلة نشر من الصعب‬
‫أن تقول إن ما يكتبه جابر عصفور‪ ،‬أو صالح‬
‫فضل‪ ،‬أو عبدالله الغذامي‪ ،‬يشبه ما يكتبه‬
‫صحافي متدرب في صحيفة ما‪ ،‬يطلب منه‬
‫رئيس القسم أن يكتب عرضاً لكتاب‪ ..‬أو أن‬
‫يغطي ندوة؛ لذا علينا أن نقوم بتعديل النقد‬
‫الصحافي‪ ،‬ونفرقه عن النقد الذي يكتب في‬
‫الصحافة‪.‬‬

‫م������������������واج������������������ه������������������ات‬

‫ ‬

‫الجدد باستلهام التراث بصورة مختلفة عن ‬

‫مشكلة النقد العربي تكمن ف��ي الصحافة‬

‫كتاباً نقد ّيًا‪.‬‬
‫ ‬

‫ولألسف لم يتنبه النقاد العرب إلى الدور‬
‫التنويري للصحافة العربية‪ ،‬األم��ر الذي‬
‫تسبب ف��ي خ �س��ار ِة ع��دد كبير م��ن القراء‬
‫الذين كانوا يتابعون النقد خالل المرحلة‬
‫السابقة‪ ،‬فلو تنبه النقاد إلى دورهم التنويري‬
‫ووظيفتهم التعليمية الرفيعة المستوى‪ ،‬لكان‬
‫وضع النقد أفضل بكثير مما هو عليه اآلن‪،‬‬
‫لكن هؤالء النقاد ظهروا بالنظرية الغربية‪،‬‬
‫وق��ام��وا ب��إره��اب ال �ق��ارئ بما سميته يوما‬
‫«س�ل�اح ال�م�ص�ط�ل��ح»‪ ،‬ودج��ج��وا مقاالتهم‬
‫وأبحاثهم بعدد هائل من المراجع واألسماء‬
‫الغربية‪ ..‬وكأنهم يريدون أن يتعالموا على‬
‫القارئ دون أن يكون لهذا أثر فعلي حقيقي‬
‫في النص النقدي‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪103‬‬

‫كاتبة أدب األطفال املتألقة‪..‬‬
‫روضة الهدهد‬

‫> حاورتها د‪ .‬دعاء صابر‬

‫في محرابها‪ ..‬تتجمع الدمى‪ ،‬وتتحاور اللعب‪ ،‬وتشدو العصافير للبراعم‪ ،‬إنها مدرسة‬
‫متفردة‪ ..‬كرست حياتها للكتابة للطفل‪ ،‬فقدمت سلسلة حكايات بطولية لألطفال‪،‬‬
‫وسلسلة حكايات علمية‪ ،‬إضافة إلى سلسلة المسرح‪ ،‬وسلسلة حكايات الغول‪ ،‬وسلسلة‬
‫من قصص الصحابة‪،‬لقد قدمت للمكتبة العربية أكثر من خمسة وأربعين كتابا للطفل‪.‬‬
‫إنها المبدعة الكبيرة وكاتبة أدب األطفال المتألقة كزهر الروض‪ ..‬روضة الهدهد‪ ،‬مديرة‬
‫دار كندة للنشر والتوزيع‪ ،‬وعضو الهيئة الدولية لكتب األطفال والشباب ‪.IBBY‬‬
‫حصلت على عدة جوائز منها جائزة الدولة التقديرية في أدب األطفال باألردن عام‬
‫‪1999‬م‪ ،‬وجائزة خليل السكاكيني ألدب األطفال من رابطة الكتاب األردنيين عام ‪1995‬م‪،‬‬
‫وعلى درع سالح الجو الملكي األردني عام ‪1983‬م‪ ،‬وعلى جائزة المنظمة العربية للثقافة‬
‫والعلوم عام ‪1982‬م‪.‬‬
‫< المبدعة روض���ة ال��ه��ده��د‪ ..‬كيف ترى‬
‫الكتابة للطفل ف��ي الفترة الراهنة‪ ..‬‬
‫خ��اص��ة م��ع دخ���ول الكثيرين م��ن غير‬
‫ال��م��ت��خ��ص��ص��ي��ن إل�����ى ه�����ذا المجال‬
‫الصعب؟!‬

‫التي يحتل الغرب الجزء األكبر منها‪..‬‬
‫ف�� ��إذا م ��ا ن �ظ��رن��ا ل�ل�أع� �م ��ال األدبية‬
‫والتلفزيونية والمسرحية وحتى اللعب‪،‬‬
‫فمعظمها غ��رب��ي ال�ل�غ��ة والمضمون‪،‬‬
‫ب��ل ف��ي كثير منها م��ا ه��و عكس القيم‬
‫والمفاهيم اإلس�لام�ي��ة العربية‪ ،‬التي‬
‫نحرص على تزويد أطفالنا بها‪.‬‬

‫> الكتابة لألطفال رسالة وهدف‪ ،‬وجزء‬
‫من خطة تربوية شاملة‪ ..‬ضرورية ألبناء‬
‫هذا الوطن‪ ،‬وهي بحاجة إلى إبداعات < ب��ع��د ع��ش��رات األع���م���ال ال��ت��ي قدمتها‬
‫وعقول الكثيرين لملء الفراغ الموجود‬
‫روض��ة الهدهد لألطفال ف��ي مجاالت‬
‫ال الوطن‬
‫في ساحة أدب األطفال‪ ..‬فع ً‬
‫ال��ق��ص��ة وال��م��س��رح‪ ..‬ه��ل م��ا ت���زال في‬
‫العربي بحاجة إلى المزيد من إسهامات‬
‫جعبتها هدايا أخرى للطفل؟‬
‫أبنائه ومبدعيه‪ ،‬لرفد األطفال بالثقافة‬
‫‪ 104‬اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫ > يختلف ما أقوم به حالياً عما‬
‫قدّمته من زخم‪ ،‬تجلّى في ما‬
‫ال ي�ق��ل ع��ن خمسة وأربعين‬
‫ك �ت��اب �اً ل�لأط �ف��ال؛ صحيح أن‬
‫ما أقوم به هو روافد مختلفة‬
‫تصب في نهر ثقافة الطفل‪،‬‬
‫< ب��م تفسرين تشابه قصص‬
‫إال أنها مختلفة عما قمتُ به‬
‫األطفال في عالمنا العربي‪ ..‬وكأن‬
‫م��ن قبل؛ وم��ع ذل��ك ف�لا أزال‬
‫كل قصة مستنسخة عن األخرى‬
‫أعتقد أن األص��ل هو الكتاب‪،‬‬
‫في أحداثها وفكرتها‪ ..‬فهل هو عقم اإلبداع‬
‫فمنه ينجز العمل السينمائي أو التلفزيوني‬
‫العربي ع��ن كتابة أف��ك��ار ج��دي��دة وتقديمها‬
‫أو المسرحي‪ ..‬وق��د ب��دأتُ م��ؤخ��راً بسلسلة‬
‫بأسلوب شيق للطفل؟‬
‫للطفولة المبكرة عن القدس وعروبتها‪ ،‬آمل‬
‫أن أن�ج��زه��ا‪ ،‬ألهمية ال �ق��دس ومكانتها في > ل�ل�أس��ف‪ ..‬ف�ق��د ت��وق��ف ال �ع��ال��م ال �ع��رب��ي عن‬
‫العطاء الفكري للعالم‪ ،‬مع أنه لم يكن كذلك‬
‫نفوسنا‪.‬‬
‫فيما مضى؛ وما حكايات ألف ليلة وليلة إال‬
‫< نسمع كثيرا عن طقوس خاصة عند كتابة‬
‫م�ث��ال ص��ارخ على م��ا أع�ط��اه العالم العربي‬
‫األجناس األدبية المختلفة‪ ،‬كالرواية والقصة‬
‫للغرب من خيال وإب��داع‪ ،‬كان له األثر األكبر‬
‫والشعر‪ ..‬فهل الكتابة للطفل ‪-‬وهي من أهم‬
‫على معظم كتابهم‪ ،‬ولكننا اآلن في حالة األخذ‬
‫أنواع الكتابة‪ -‬تحتاج إلى طقوس خاصة؟‬
‫وليس العطاء‪ ..‬في حالة االنسحاب السياسي‬
‫والفكري والحضاري‪ ،‬ينطبق هذا على وزننا‬
‫> ق��د أفهم م��ن ال�س��ؤال أنها طقوس يبتدعها‬
‫ف��ي العلوم واآلداب والتأثير االقتصادي‪..‬‬
‫الكاتب عند كتابته لألعمال؛ س��وا ًء الروائية‬
‫أوان‬
‫وح��ت��ى ال �ع �س �ك��ري إن��ه��ا ٍ‬
‫أو القصصية أو األشعار‪..‬‬
‫ف��ذل��ك ال �ك��ات��ب ي��ق��ول إنه > ع��ل��ي��ن��ا أن ال نترك مستطرقة؛ الثقافة واح��دة من‬
‫أطفالنا نهب الفكر أعمدتها‪ ،‬ف��إذا ما تقدم وطننا‬
‫ال يكتب إال بعد أن يغسل‬
‫ال��غ��رب��ي أو الخيال ال�ع��رب��ي ف��ي م �ج��ال‪ ،‬ك��ان ال بد‬
‫ي��دي��ه‪ ،‬وي�ع��د فنجان قهوته‬
‫له أن يتقدّم في مجاالت أخرى‬
‫بيده‪ ..‬وآخر ال يبدأ الكتابة‬
‫المحض‪.‬‬
‫ومنها الثقافة واإلبداع‪.‬‬
‫إال ب �ع��د م �ن �ت �ص��ف الليل‪،‬‬
‫وث ��ال ��ث ب �ع��د ال �ف �ج��ر‪ ،‬وقد > أح�������ل�������م ب�����س�����ع�����ادة‬
‫< ه��ل أن��ت م��ع المباشرة عند‬
‫األط�����������ف�����������ال ع���ل���ى‬
‫قرأت نصا إبداعياً للكاتب‬
‫ال��ك��ت��اب��ة ل��ل��ط��ف��ل أم ضدها‪..‬‬
‫م�����س�����ت�����وى ال�����وط�����ن‬
‫ج�م��ال ح �م��دان ي�ص��ف تلك‬
‫البعض يرى أن المباشرة تقتل‬
‫العربي بأكمله‪.‬‬
‫الطقوس المختلفة‪ ،‬وينتهي‬
‫متعة التخيل والتشويق‪ ..‬فما‬
‫بأنها ال عالقة لها البتّة في > ن��ع��ان��ي م���ن ن�����درة أو رأيك؟‬
‫اإلبداع‪..‬‬
‫ق��ل��ة ال��ك��ت��اب الذين‬
‫> المباشرة بشكل عام مرفوضة‬
‫يكتبون لألطفال‪.‬‬
‫وم��ع تأييدي لهذا االستنتاج‪..‬‬
‫ف��ي األدب؛ ألن�ه��ا تقتل ‪-‬وكما‬

‫م������������������واج������������������ه������������������ات‬

‫أقول إن الطقس الخاص لي عند‬
‫الكتابة ه��و ت��وف��ر ال��وق��ت العزيز‬
‫والثمين لدي للكتابة‪ ..‬ذلك أنني‬
‫أنقطع‪ ،‬ولو فكرياً عما حولي‪ ،‬كي‬
‫أركز على الكتابة‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪105‬‬

‫تقولين أنت أيضاً‪-‬ـ متعة التخيل والتشويق‪..‬‬
‫ال منها في كثير من األحيان‪ ،‬يسهّل‬
‫ولكن قلي ً‬
‫تقديم الفكرة للطفل‪ ،‬بمعنى تبسّ ط المفاهيم‬
‫والمشاعر والتسلسل ال�ت��اري�خ��ي‪ ،‬والفكري‬
‫والزمني للطفل‪..‬‬

‫أصبحت‪ ،‬وبحكم هذا االحتالل الشرس‪ ،‬مليئة‬
‫بمفردات‪ :‬الشهداء‪ ،‬السجناء‪ ،‬المخطوفين‪،‬‬
‫الهدم‪ ،‬األنقاض‪ ،‬الخيام‪ ،‬طائرات األباتشي‪،‬‬
‫القنابل الفسفورية وال�ع�ن�ق��ودي��ة‪ ،‬الحصار‪،‬‬
‫ال �ج��وع‪ ،‬ال��خ��وف‪ ..‬م �ف��ردات ن �س��أل ال �ل��ه أن‬
‫ي�غ� ّي��ره��ا ب�ط��رد المحتلين لتصبح‪ :‬النصر‪،‬‬
‫الحريّة الكرامة‪ ،‬التّفوق‪ ،‬العلماء‪ ،‬علم الفضاء‪،‬‬
‫علم الذرّة‪ ،‬الفنون‪ ..‬الخ‪.‬‬

‫ه��ذه القصص ف�ق��ط‪ ،‬ول�ك��ن أي�ض��ا لألطفال‬
‫في الوطن العربي‪ ،‬وللفلسطينيين المشردين‬
‫والمشتتين في أنحاء الكرة األرضية‪.‬‬

‫> ما يزال وسيبقى‪ ..‬سيبقى للكتاب الورقي دور‬
‫قوي بين وسائل اإلعالم المختلفة‪ ..‬فخصائص‬
‫الكتاب الورقي تختلف عن خصائص أي وسيلة‬
‫اتصال أخرى‪ ..‬والمسألة ليست تنافسا سلبيا‬
‫ب�ي��ن وس��ائ��ط االت �ص��ال المختلفة‪ ،‬إن�م��ا هي‬
‫مسألة تكامل وتبادل أدوار‪.‬‬

‫< تحتل القضية الفلسطينية معظم قصصك‬
‫الموجهة ل�لأط��ف��ال‪ ..‬فهل يمكن توصيفها‬
‫بأنها النبض الحي الموجه لبراعم األرض‬
‫< في ظل وسائل اإلع�لام واألق��م��ار الصناعية‬
‫المحتلة؟‬
‫والقنوات الموجهة لألطفال‪ ،‬والتي أصبحت‬
‫> نعم يمكن توصيف قصصي بأنها النبض‬
‫تمثل جانبا كبيرا من اهتمامات الطفل‪ ،‬هل‬
‫ال�ح��ي للقضية الفلسطينية‪ ،‬وه��ي موجهة‬
‫قوي أم ال؟‬
‫ما يزال للكتاب الورقي دو ٌر ٌّ‬
‫ليس لبراعم األرض المحتلة الذين يعيشون‬

‫ إن ق �ض �ي��ة ف �ل �س �ط �ي��ن ه ��ي ق �ض �ي��ة العرب‬
‫األولى‪ ،‬والغرب أوجد هذا الكيان االحتاللي‬
‫االس� �ت� �ع� �م ��اري ال �ب �غ �ي��ض ف ��ي ه� ��ذه البقعة‬
‫الجغرافية‪ ،‬كي يسيطر على مقدسات هذه < لماذا ال نرى نقادا ألدب الطفل‪ ..‬على عكس‬
‫األم��ة العريقة التي حباها الله بالكثير من‬
‫مجاالت الكتابة األخرى التي تعج بالنقاد في‬
‫الخيرات‪ ،‬بدءاً بكونها أرض األنبياء والرسل‬
‫كل مجال؟‬
‫ومهبط الوحي‪ ،‬وصوالً إلى مكانتها الجغرافية > بالفعل‪ ،‬نقاد أدب الطفل أق��ل مما ه��و في‬
‫وس ��ط ال� �ع ��ال ��م‪،‬ووص ��وال إل ��ى ك �ن��وز الذهب‬
‫م�ج��ال النقد األدب ��ي لألجناس األخ ��رى من‬
‫األسود‪.‬‬
‫األدب‪ ،‬وقد يكون ذلك لعدم توافر عدد كاف‬
‫ < ه��ل تختلف ال��ق��ص��ة المكتوبة للطفل في‬
‫م��ن األع �م��ال األدب �ي��ة ال�م�ق��دم��ة لألطفال‪..‬‬
‫األرض المحتلة عنها لطفل‬
‫ف�ت��واف��ر األع �م��ال وتنوعها يغري‬
‫آخر؟‬
‫النقاد بدراستها وتحليلها‪.‬‬
‫> ال تختلف ال�ق�ص��ة المكتوبة‬
‫للطفل ف��ي األرض المحتلة‬
‫عن غيرها لألطفال اآلخرين‪،‬‬
‫ول�ك�ن��ك ك�م��ا ت��ري��ن اآلن‪ ،‬فإن‬
‫مفردات الطفل تحت االحتالل‬
‫‪ 106‬اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫وال�ح��ق أن المراكز العلمية‬
‫ ‬
‫وال�ج��ام�ع��ات عليها دور ب��ارز في‬
‫إي�ج��اد ه��ذا التخصص والتركيز‬
‫ع�ل�ي��ه‪ ،‬ح�ت��ى ي�ت�ط��ور أدب الطفل‬
‫وترتفع مستوياته‪.‬‬

‫ < حققت رواي���ة «ه���اري ب��وت��ر» أرب��اح��ا خيالية‪،‬‬
‫وطبعت منها ماليين النسخ‪ ،‬وتم ترجمتها‬
‫ل��ع��ش��رات ال��ل��غ��ات‪ ،‬ك��م��ا ص����ارت س��ل��س��ل��ة من‬
‫األج��زاء المتتابعة‪ ،‬إضافة إلى تحويلها إلى < هل هناك قصور في مجالت الطفل في الوطن‬
‫فيلم سينمائي ش��ه��ي��ر‪ ..‬فهل يتفوق علينا‬
‫العربي؟ وهل هي تكفى َن َه َم الطفل العربي؟‬
‫الغرب في مجال أدب الطفل؟‬
‫> مجالت األط�ف��ال ف��ي ال��وط��ن العربي قليلة‪:‬‬
‫�ج��د الزمان‬
‫> رواي ��ة «ه ��اري ب��وت��ر» ط�ف��رة ل��م ي� َُ‬
‫عدداً وتنوعاً وتوزيعاً وقراءة‪ ..‬وإقبال األطفال‬
‫بمثلها ال م��ن قبل وال م��ن ب�ع��د‪ ..‬وليس في‬
‫على مجالتهم قاصر وم �ح �دّد‪ ..‬ول��ن أدخل‬
‫تاريخ الكتب عموماً‪ ،‬وليس في كتب األطفال‬
‫في التحليل وال التفسير لتلك الظاهرة‪ ،‬فقد‬
‫فقط مثل هذه الظاهرة‪ ..‬فما حظيت أشهر‬
‫ش��ارك��ت ف��ي ع��دد م��ن ال �ن��دوات والمؤتمرات‬
‫األعمال الكالسيكية العالمية بمثل ما حظيت‬
‫لبحث ال�ظ��اه��رة‪ ..‬وأس�ب��اب وط��رق عالجها‪،‬‬
‫به رواي��ات «ه��اري ب��وت��ر»‪ ،‬وبالنسبة لي فإن‬
‫ولم أجد أي تطور في األمر‪..‬‬
‫الكتابات التي تعتمد على السحر والسّ حرة‬
‫ال تجذبني كثيراً‪ ،‬ولكن روايات «هاري بوتر» < ف��ي رأي���ك ه��ل ي��ع��ان��ي أدب ال��ط��ف��ل م��ن ندرة‬
‫ال��ك��ت��اب ال��ذي��ن ي��ق��دم��ون��ه م��ق��ارن��ة بالفنون‬
‫لها سحر كبير على عقول األط�ف��ال‪ ..‬حيث‬
‫اإلبداعية األخرى شعرا ورواية وقصة؟‬
‫تمتلئ بالخيال‪ ،‬إضافة إلى حبكتها المحكمة‪،‬‬
‫وأفكارها‪ ،‬وخيالها الواسع‪.‬‬
‫> الكاتب ال يصنف كاتب رواية أو قصة أو شعر‬
‫أو أدب أطفال إال بما يضيف من إنتاج إلى‬
‫< هل لكل حقبة زمنية منهجا مختلفا للكتابة‪..‬‬
‫ه��ذا الجنس أو ذاك‪ ..‬ف��إذا نجح ف��ي عدد‬
‫قديما كان األطفال يستمتعون باألساطير‪،‬‬
‫من القصائد أو قصص األطفال‬
‫وأُمُّ نا الغولة‪ ،‬والشاطر حسن‪،‬‬
‫صنّف شاعراً أو كاتبا لألطفال‪..‬‬
‫واألميرة المسحورة‪ ،‬فهل لكل‬
‫زمن ما يناسبه من القصص؟!‬
‫وه���ل ه��ن��اك قصصا صالحة‬
‫لكل زمن؟‬
‫> ال أعتقد أن لكل حقبة زمنية‬
‫منهاجاً مختلفاً للكتابة‪ ،‬بل‬
‫أعتقد أنه قد ينجح منهاجان‬
‫أو أك�ث��ر ف��ي حقبة واح���دة‪..‬‬
‫فلكل ك��ات��ب ط��ري�ق��ة مختلفة‬
‫ف ��ي ال �ت �ع �ب �ي��ر‪ ..‬واع �ت �ق��د أن‬
‫العمل الناجح يفرض نفسه‬
‫في كل زمان ومكان ومتلقي‪...‬‬
‫واألعمال الناجحة في العالم‬

‫م������������������واج������������������ه������������������ات‬

‫مثل كليلة ودمنة‪ ،‬وحكايات إيسوب‪ ،‬وقصص‬
‫ألف ليلة وليلة‪ ،‬تعيش في كل مكان وزمان‪.‬‬
‫فالعبرة بنجاح العمل‪ ..‬وإقبال القراء عليه‪.‬‬

‫وأعتقد ‪-‬كما أرى من عدد‬
‫ ‬
‫اإلص� � ��دارات ال�س�ن��وي��ة لألطفال‬
‫على مستوى الوطن العربي‪ -‬أننا‬
‫ن�ع��ان��ي م��ن ن ��درة أو ق�ل��ة الكتاب‬
‫الذين يكتبون لألطفال‪.‬‬

‫< أدب األط���ف���ال ب��ي��ن الواقع‬
‫وال����خ����ي����ال‪ ..‬ك���ي���ف ت�����رى روض����ة‬
‫ال��ه��ده��د ال��ط��ف��ل ال���ع���رب���ي‪ ..‬هل‬
‫يميل إلى الواقع أم يهتم بالقص‬
‫ال��غ��رب��ي ال��م��ل��يء بالمغالطات‬
‫والخيال كسوبرمان وسبيدرمان؟‬
‫> ‬

‫م��ن دراس� � ٍ�ة ل�م��ا يميل إليه‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪107‬‬

‫الطفل‪ ،‬س��وا ًء كتب الواقع أم‬
‫ال �خ �ي��ال‪ ..‬أرى أن األطفال‬
‫يحبون كافة أشكال القصص‪،‬‬
‫ال �خ �ي��ال �ي��ة م�ن�ه��ا والواقعية‪،‬‬
‫وال� �خ� �ي ��ال ال �ع �ل �م��ي وقصص‬
‫ال� �ت ��اري ��خ‪ ..‬ق �ص��ص األنبياء‬
‫وال ��رس ��ل واألب � �ط� ��ال‪ ..‬وحتى‬
‫ال� �ق� �ص ��ص ال� �ت���ي تسمينها‬
‫ب��ال�ق�ص��ص ال �غ��رب �ي��ة المليئة‬
‫ب���ال� �م� �غ���ال� �ط���ات وال � �خ � �ي� ��ال‬
‫ك �س��وب��رم��ان وسبيدرمان‪..‬‬
‫ي �ح �ب��ون �ه��ا وي �ق �ب �ل��ون عليها‪،‬‬
‫ويتفاعلون مع أحداثها‪.‬‬
‫ ‬

‫> ‬

‫< بعد رحلة طويلة أسست من‬
‫خاللها منهجا للكتابة للطفل‪..‬‬
‫بماذا تحلمين؟‬
‫> ‬

‫> الجوائز هي حوافز رائعة بالنسبة لإلنسان‬
‫ف��ي ح �ي��ات��ه‪ ،‬وب��ال �ن �س �ب��ة ل��ي م �ص��در سعادة‬
‫واعتزاز بما قدّمته في مجال أدب الطفل‪..‬‬
‫وال أكون طماعة لو قلت إنني أتمنى الحصول‬
‫على المزيد من هذه الجوائز من أرجاء الوطن‬
‫العربي وإن شاء الله تتحقق أمنيتي‪.‬‬
‫< لماذا لم تفكر روضة الهدهد في تقديم رواية‬
‫للطفل حتى اآلن؟‬
‫‪ 108‬اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫لدي العديد من األحالم‪..‬‬

‫أول��ه��ا ع �ل��ى ص�ع�ي��د حياتي‬
‫ ‬
‫الشخصية‪ ..‬هو تحرير فلسطين‪،‬‬
‫وال � �ع� ��ودة ل �م �س �ق��ط رأس � ��ي وهو‬
‫ي��اف��ا ال�س�ل�ي�ب��ة وم ��ن ث��م الصالة‬
‫ف ��ي ال �م �س �ج��د األق � �ص� ��ى‪ ..‬وقد‬
‫اختفى من أبوابه وساحاته منظر‬
‫الجنود المدججين حتى عظمهم‬
‫بالسالح‪..‬‬

‫أم ��ا ن �ح��ن ال��م��ر ُّب��ون وأولياء‬
‫األم � � � ��ور‪ ،‬ف �ع �ل �ي �ن��ا واج� �ب���ات‬
‫جسيمة‪ ،‬أن ال ن�ت��رك أط�ف��ال�ن��ا ن�ه��ب الفكر‬
‫ال�غ��رب��ي أو ال�خ�ي��ال ال�م�ح��ض‪ ،‬علينا موازنة‬
‫م��ا يعطى ألبنائنا وربطهم بالواقع وبالقيم‬
‫والعادات التي نتميز بها‪ ..‬فالتوازن في الفكر‬
‫هو أحد دعائم التوازن في الشخصية‪.‬‬
‫حصلت على العديد م��ن ال��ج��وائ��ز المهمة‬
‫ِ‬
‫< ‬
‫خ�لال رحلتك اإلب��داع��ي��ة‪ ،‬م���اذا تمثل تلك‬
‫ال��ج��وائ��ز الرفيعة المستوى لكاتبة كرّست‬
‫حياتها للطفل العربي؟‬

‫ال أدري؟!!‬

‫وثانيها وهو ما يؤرق حياتي‪..‬‬
‫ ‬
‫ه��و تحرير السجناء م��ن س�ج��ون إسرائيل‪،‬‬
‫فاحد عشر ألف أسير فلسطيني وسبعمائة‬
‫طفل‪ ،‬وأضع مائة خط تحت كلمة طفل‪ ،‬وكذا‬
‫مئة امرأة‪ ،‬هو ألم يؤرق حياتي فعالً‪ ..‬وأتمنى‬
‫أن يزول‪.‬‬
‫ ‬

‫وثالثها الحلم بسعادة األطفال على مستوى‬
‫الوطن العربي بأكمله‪ ،‬فأرى كل األطفال في‬
‫مدارسهم الرائعة من حيث الشكل واألثاث‬
‫والكتب والمعلمين األكفاء‪ ..‬وأراه��م يزورون‬
‫متاحف األطفال والنوادي والمراكز الثقافية‬
‫والترفيهية ف��ي ك��ل مناطقهم وتجمعاتهم‬
‫وق ��راه ��م‪ ..‬وأراه� ��م يتمتعون ب�ك��اف��ة حقوق‬
‫األط �ف��ال ف��ي المأكل والمسكن والمشرب؛‬
‫فأطفال الوطن العربي يستحقون الحقوق‬
‫أمة أخرجت‬
‫التي كفلها العالم‪ ،‬فهم أبناء خير ٍ‬
‫للناس‪.‬‬

‫> فواز جعفر*‬

‫** يسألني عنها!‬
‫قلت‪ :‬سل خضراء ال تعرف اخلوف‪..‬‬
‫ترحيبها‪« :‬من اجلوف إلى اجلوف»‪..‬‬
‫تنبئك عن متر وزيتون‪ ..‬ون‪ ..‬وما يعلمون‪..‬‬

‫** رمال (النفود) الذهبية‪..‬‬
‫بذراتها النقية‪..‬‬
‫حتكي قصة األق��دام التي رسمت طريق األمل‬
‫على صفيح األلم‪..‬‬
‫واأليدي التي نسجت بيوت الكرم‪..‬‬
‫والتحايا ندية‪..‬‬
‫ونفوس‪ ..‬تنساب قريحتها باملاء القراح‪ ..‬وتبقى أبية‪..‬‬

‫** (حلوة الجوف) وصاحبها‪ ..‬قصة‬
‫العشق األصيل ورمز البراءة‪..‬‬
‫و»السمح» في امتزاجهما‪..‬‬
‫كما التمرة‬
‫ّ‬

‫والقهوة‪ ..‬والعود في عبقهما‪..‬‬
‫كلما علت في السماء‪َ ..‬سما‪..‬‬
‫وكلما جادت‪ُ ..‬جو ُده منا‪..‬‬

‫يزداد عطاؤها‪ ..‬وال تبلغ عطاءه‪..‬‬

‫** ثالث عشرة مليون‪..‬‬
‫تحمل بركة الزيتون‪..‬‬
‫وتخبر زارع الغرقد‪ ..‬أن ارقد‪..‬‬
‫فثم مساحات خضراء‪ ..‬وقلوب تعرف النقاء‪..‬‬
‫حتو ُل‪ ..‬دونكم وما ترجون‪.‬‬
‫* ‬

‫** لم تكن أطالل تلك القالع األثرية‬
‫تعني شيئا‪..‬‬

‫ن����������������������������������واف����������������������������������ذ‬

‫اجلوف حلوة‬

‫لوال صنيعها فيمن يلعب في ساحتها‪ ..‬ويعتلي قمتها‪..‬‬
‫تُ َعلِّم الشموخ واإلباء‪ ..‬وهي حجارة صماء!‬
‫تمَ َ ّر َد (مارد)‪ ..‬وعلت قامة (الرجاجيل)‪..‬‬

‫(زع َبل) جرى‪ ..‬فامتألت به (سيْسرا)‪..‬‬
‫وخبر ْ‬

‫** ليس ثمة بحر هنا‪ ..‬تنساب‬
‫أمواجه‪ ..‬وتهدر‪..‬‬
‫لكن املنقب يجد‪..‬‬
‫«حتت السطح»‪ ..‬أمواجاً (حلوة)‪..‬‬
‫في القيم‪ ..‬يظهر الفرق‪ ..‬بني املظهر واجلوهر!‬

‫** المسافرون‪ ..‬والقاطنون‪ ..‬جميعهم يتغنون‬

‫بإشراقة شمس تبدي «شعقها» للواله املفتون‪..‬‬
‫كر ٌم‪..‬‬

‫مابني «زرقاء» و«جوف»‪..‬‬
‫وتباهي بغرس ظليل‪ ..‬وثمر يانع‪ ..‬وسمر عليل‪..‬‬
‫رى للضيوف‪ ..‬ليس خلفهم «مردوف»‪..‬‬
‫وقِ ً‬

‫** حين تضع قدمك في (الجوف)‪..‬‬

‫كل بيت سيقدم لك «حلوته»‪..‬‬

‫ميكنك مشاهدتها ف��ي ال �ط��رق��ات والشرفات‬
‫وبجانبك‪..‬‬
‫تفتح ذراعيها مرحبة بك!‬
‫(حلوة اجلوف)‪ :‬نق ّية‪ ..‬أب ّية‪ ..‬هد ّية‪..‬‬

‫كاتب من الجوف ‪ -‬السعودية‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪109‬‬

‫املجد لألنثى‬
‫> عبدالناصر بن عبدالرحمن الزيد*‬

‫هي أجمل الكائنات‪ ..‬أول البدايات‪ ..‬أعسل الحكايات‪..‬‬
‫ف��ي يومها ام����رأةً‪ ،‬وف��ي عيدها أمّ ���اً‪ ،‬وف��ي بركتها بنتاً‪ ،‬وفي‬
‫عمرها كله عَ روبةً عاشقةً وملهمةً معشوقة‪ ،‬وعلى كل حال من‬
‫أحوالها‪..‬‬
‫لها مع الله شأن‪ ..‬ولها مع محمد [ حكاية‪ ..‬ولها مع عموم‬
‫األنبياء واألولياء والسعداء والتعساء؛ بجنِّهم وإنسهم‪ ،‬وجدِّ هم‬
‫وهزلهم‪ ،‬وسرِّهم وجهرهم‪ ..‬ألف شأن‪ ،‬وألف حكاية‪ ،‬وألف ليلة‬
‫وليلة‪ ..‬كانت شهرزاد تنداح فيها حتى الصباح؛ إفصاح ًا مباح ًا وغير مباح‪.‬‬
‫هي أصل أول‪ ،‬ال ظل تابع وال ضلع {هو‬
‫الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها‬
‫زوجها}‪ .‬ال كما تدعي اإلسرائيليات من‬
‫خلقها من ضلع آدم! مما يفرح وينافح عنه‬
‫الذكور بشراسة ملا يُوحي بتدني الدرجة‪،‬‬
‫ف��ي (ال وع��ي) ال�ن��اس وجيناتهم الثقافية‬
‫فض ً‬
‫ال عن فلتات اللسان وطفح اجلوارح‪.‬‬
‫وما زلت أذكر إحدى البن ّيات القريبات وملّا‬
‫تتجاوز الثالثة من عمرها‪ ..‬حني أجابت‬
‫رف��ض وال��ده��ا طلبها مم��ازح�اً لها بقوله‪:‬‬
‫(ماما بعدين تخانقني)‪ .‬قائل ًة‪( :‬ال يا بابا‬
‫أنت رجل‪ ،‬عيب تخاف من ماما)‪ ..‬تأملوا‬
‫‪ 110‬اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫كيف انطبع في وعيها بالضرورة والبديهة‬
‫أن الرجل أهم وأول‪ ،‬مع أنها أنثى وغير‬
‫مم ِّيزة‪ ..‬وتعاملها الدائم والراحم مع أمها‬
‫ال مع أبيها‪.‬‬

‫المرأة‪..‬‬
‫هي األم ال��وال��دة (املنجبة) من بعد ذلك‪،‬‬
‫فهي التي تلد اإلنسان؛ وهي التي تلد هذه‬
‫احلقيقة في اإلنسانية كما يترافع بهذا‬
‫الرافعي يرحمه الله‪.‬‬
‫وم ��ا ح��اج�ت�ه��ا ل �ل �ن �ب � ّوة وه ��ي ال �ت��ي تلد‬
‫األنبياء وتؤدبهم وترضعهم وترعاهم ‪-‬على‬

‫وبهذا استحقت مجداً باذخاً ال يدانيه مجد‪.‬‬
‫وحتى التي لم تلد‪ ..‬فهي داخلة بهذا االعتبار‬
‫ ع�ل��ى ن �ح� ٍ�و م��ا ‪ -‬ألن �ه��ا أم ب��ال�ق��وة ك�م��ا يقول‬‫املناطقة‪ ،‬وألج��ل ما فيها من استعداد األمومة‬
‫وأح��اس �ي��س ال��رح �م��ة‪ ،‬ق��د ي ��د ّر لبنها م��ن شدة‬
‫حنانها على وليد ما‪ ،‬لينغدق فيضها من بع ُد على‬
‫من حولها أجمعني؛ كما فعلت أمهات املؤمنني‬
‫وغيرهن قدمياً‪ ،‬واألم تريزا على سبيل التمثيل‬
‫حديثاً؛ تلك التي كانت تؤمن باحلب وجهاً لوجه‬
‫فلسف ًة لها‪ ،‬وتعتقد عدم إمكان شفاء نقصه إال‬
‫به‪.‬‬

‫ن����������������������������������واف����������������������������������ذ‬

‫م ��ن دون أن ي �ش � ّم �ه��ا وي �ض � ّم �ه��ا ويداعبها‬
‫أن مِ ن األئمة‪ -‬كالقرطبي وابن حزم وابن حجر‬
‫ّ‬
‫واألش�ع��ري وغيرهم ‪َ -‬م��ن ذه��ب إل��ى نبوة ست ويالعبها‪ ..‬حضناً دافئاً ونبضاً حنونا‪ً.‬‬
‫نسوة منهن مرمي عليها السالم‪ ..‬اختارها الله‬
‫ك��ان��ت معه وم��ا غ � ّرت��ه وال أغ��وت��ه كما تزعم‬
‫ً‬
‫ً‬
‫َ‬
‫محضنا داف �ئ �ا طيلة تسعة ش�ه��ور‪ ،‬لتُتم خلقه اإلسرائيليات والت ّرهات!‬
‫بسبب منه سبحانه‪ ،‬وتعاني في سبيل ذلك نقصاً‬
‫ٍ‬
‫ّ‬
‫بل وس��وس لهما الشيطان فدالهما بغرور‪.‬‬
‫وأملاً واضمحالالً للقوى‪ ،‬حتى يخرج خليفة الله‬
‫لكونه املسخّ ر له‪ .‬فأي اصطفاء وأي اختيار وأي واستمع ‪ -‬مع هذا ‪ -‬ماذا سيقول الله؟ إنه يُحذر‬
‫آدم وح��ده ويُنذره بالشقاء‪ » ..‬ال يُخرجنّك من‬
‫فضل هذا؟‬
‫ٍ‬
‫لذكر‬
‫اجلنة فتشقى» أن��ت ال ه��ي! وال يتع ّرض‬
‫ٍ‬
‫أن ال��والدة للمرأة‬
‫إنني أزعم ‪ -‬والله أعلم ‪ّ -‬‬
‫بنكير لها مخصوص‪ ،‬بل ينسب الغواية والعصيان‬
‫ٍ‬
‫ّ‬
‫امل��ؤم�ن��ة ك �ف��ارةٌ خلطاياها كلها‪ ،‬ال يضرها ما ألبينا دون أ ُ ِّمنا عليهما السالم‪.‬‬
‫عملت بعد ذلك‪ .‬وإال‪ ..‬فكيف يقول الرسول عليه‬
‫واألنثى‪..‬‬
‫الصالة والسالم‪ :‬الزم رجليها فث ّم اجلنّة‪.‬‬
‫قص علينا ربنا‬
‫راعيل (زليخا) امرأة العزيز التي ّ‬
‫يوسف ‪ -‬عليه‬
‫أطرب َق ّ‬
‫صة في كتابه العزيز لها مع ُ‬
‫السالم ‪ -‬حاكياً عشقها اجلنوني الذي أفقدها‬
‫جتن وإم��ا أن‬
‫عقلها‪ .‬وامل��رأة إذا عشقت إما أن‬
‫ّ‬
‫تقتل زوجها‪ ،‬بحسب الع ّ‬
‫المة الكبيسي‪ ..‬الذي‬
‫لم أ َر أح��داً غيره أنصف ه��ذه امل��رأة العظيمة‪،‬‬
‫معتبراً سلوكها هي بعينها ومكانها ومكانتها مع‬
‫يوسف هو بعينه وجماله وجواره؛ سلوكاً منطقياً‬
‫واقعياً قوياً ال تستطيع امرأة في الدنيا أن تصمد‬
‫أمامه‪..‬‬

‫وبقيت إلى النهاية ‪ -‬مع طول السواد وقرب‬
‫وألن األم ك��ذل��ك ف��ص��ل ال �ل��ه أم��ر معاناتها الوساد ‪ -‬تُغالب شوقها‬
‫ّ‬
‫(والشوق غ ّ‬
‫وقدم البِشارة‬
‫األب‪،‬‬
‫مع‬
‫وإطاعتها كما لم يفعل‬
‫الب) حتى فاض بها الكيل وصبرها‬
‫ّ‬
‫بها على الذكر؛ ليق ّدمها محمد – عليه الصالة ِعيل؛ فلم جتد بُ ّداً مما ليس منه بُ ّد‪.‬‬
‫وال�س�لام ‪ -‬من بع ُد‪ ،‬على األب ث�لاث�اً‪ ،‬وألز َمنا‬
‫وإذا كان الرجال يفقدون عقولهم إذا عشقوا‬
‫رجليها حيث اجلنّة‪.‬‬
‫فما بالكم بالنساء!‬

‫وحواء‪..‬‬
‫ف��ي تفصيل ط��وي��ل ج �م �ي��ل‪ ..‬وحت�ل�ي��ل بديع‬
‫كانت مع أبونا في جنّته‪ ..‬وكيف يطيب له البقاء مقنع‪.‬‬
‫فيها من دونها؟‬
‫ذ ّك ��ر ف��ي ث�ن��اي��اه م��ا حصل م��ن ت �غ �زّل عواتق‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪111‬‬

‫حجاج‪،‬‬
‫األم��ر‪ ..‬وما هو إال أن ب��ادرت بسرد أسماء َمن‬
‫املدينة بنصر بن ّ‬
‫أع��رف م��ن النساء‪ ،‬حتى انطلق ال�ط�لاب كلهم‬
‫كما قالت إحداهن‪:‬‬
‫ي�س��ردون‪ ،‬وانطلقت بذلك أس��اري��ر وجهه وعاد‬
‫ه����ل م����ن س��ب��ي��ل إل�����ى خ���م���ر فأشربها‬
‫إلى أمه ُم ّ‬
‫بشراً مسروراً‪ .‬ومن الطريف أن أحد‬
‫أم م����ن س��ب��ي��ل إل�����ى ن���ص���ر ب����ن ّ‬
‫حجاج املدرسني كان من بني املع ِّيرين‪ ،‬وملا بادله الطالب‬
‫فنفاه عمر ‪ -‬غفر الله له‪ ،‬فليس اجلمال ذنباً بعد التقصي عن أمه تعييراً بتعيير؛ نهره نهراً‬
‫يُؤاخذ به املرء ‪ -‬بعد أن أمره بحلق رأسه فازداد شديداً وتواعدا أن ال يعودا ملثلها أبدا‪.‬‬
‫ُحسناً و ُقلن فيه‪:‬‬
‫ه��ذه ال�س��ورة هي من أحلى السور وأطالها‬
‫ح����ل����ق����وا رأس����������ه ل���ي���ك���س���ب ق����ب����ح����اً‪..‬‬
‫وأن ��داه ��ا ف��ي ط ��ول ال��ق��رآن وع��رض��ه‪ ،‬بنغمها‬
‫وش ّ‬
‫غ��������ي��������ر ًة م������ن������ه������مُ ع�����ل�����ي�����ه ُ‬
‫�������ح�������ا املوسيقي األخّ اذ و َقصصها املُنسابة كاإلخاذ‪.‬‬
‫ك�������ان ُص����ب����ح���� ًا ع���ل���ي���ه ل����ي����لٌ ب����ه����ي����مٌ ‪..‬‬
‫وهاهو تعالى يسمع جتادل ‪ -‬خويلد بنت الدليج‬
‫ف����م����ح����وا ل����ي����لَ����ه وأب��������ق��������و ُه ُص���ب���ح���ا‬

‫ مع رسوله وشكواها في زوجها القائل املنكر من‬‫ال �ق��ول‪ ،‬بعدما كبُر سنّها ورقّ عظمها‪ ،‬ويُسمي‬
‫السورة بفعلها ه��ذا‪ ،‬ويُق ُّر لها جدالها ال��ذي شقّ‬
‫صدر السماء مع البعل والرسول على السواء‪.‬‬

‫عنهن ‪ -‬و ُه� ّ�ن الكرميات‬
‫ِهمن ‪ -‬رض��ي الله‬
‫ّ‬
‫العفيفات في اخلِ در‪ ،‬باجلميل الصورة نصر‪ ،‬ولم‬
‫يكن ميلك من ُحسن يوسف وال ال ُعشر‪ ،‬والعهد‬
‫و(يوسف)‬
‫عهد الغيور عمر‪ ،‬فكيف بــ (راعيل)‬
‫ُ‬
‫وحتيض امل��رأة من ثَ� ْم‪ .‬فتُسقط عنها الصالة‬
‫بالقصر؟‬
‫وال �ص��وم‪ ،‬لبضع ق�ط��رات م��ن دم! وم��ا ض� ّره��ا لو‬
‫حتفّظت أو حت ّينت حلالها واح �ت��ال��ت‪ ..‬فصلّت‬
‫والنبيّ ه‪..‬‬
‫وص��ام��ت حسب طاقتها ووس�ع�ه��ا‪ ..‬ل��وال أ ّن الله‬
‫ً‬
‫ال القاضية فقط أو الوالية أو احلاكمة فضال عن سبحانه وتعالى راعى مشاعرها‪ ،‬وبالغ في التح ّوط‬
‫املذيعة واحملامية‪ ..‬الخ‪.‬‬
‫ورحمة ٍ‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫بالغة بالغة‪.‬‬
‫برهافة‬
‫لها‪ ،‬وتقدير ظرفها‪،‬‬

‫الصديقة (م��رمي) ج��اءت س��ورة كاملة‬
‫النب ّية‬
‫ّ‬
‫ولم يعمل مثل ذلك مع الرجال حال احلرب‪..‬‬
‫ً‬
‫باسمها ُ‬
‫صراحا ‪ -‬ومازلنا نخجل من التصريح ف��أوج��ب ع�ل�ي�ه��م ص�ل�اة اخل� ��وف‪ ،‬ومشاعرهم‬
‫بأسماء نسائنا حتى في بطاقات الزفاف فنكتب وظرفهم وكربهم‪ ،‬وهم يرون املوت يهدر والهام‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫ك��رمي��ة ف�ل�ان وع �ل��ان‪ ،‬ول ��و ك��ان��ت ك��رمي��ة ح ّقا تنهمر حتتهم كاملطر؛ أش ّد وال شك‪.‬‬
‫الفتخرنا باسمها في يوم فرحها البهيج احلالل!‬
‫وي��أوي ال��رج��ل إل��ى بيته بعد جهده وجهاده‬
‫ُ‬
‫وال زلنا نوقع أبناءنا في ُعقد نفس ّية تضطرب وك ّده وكدحه فيُؤ َمر ديان ًة‪ :‬بالقيام عليها بحاله‬
‫بها شخوصهم‬
‫ّ‬
‫الغضة املتسامحة؛ كما وقع لي واإلنفاق عليها من ماله‪ ..‬وهي قاعدة‪.‬‬
‫مع أحد التالميذ الذي شكرتني أمه ألني حللت‬
‫ويؤمر ُرج��ول� ًة‪ :‬بتح ّمل األذى وب��ذل املعروف‬
‫عقدته بزعمها‪ ،‬حيث يع ّيره زم�لاؤه باسم أمه‬
‫وجنَاناً حانياً‪.‬‬
‫فيقضي يومه مغتاظاً كئيباً كما تقول‪ ،‬وكل الذي لساناً حالياً َ‬
‫ويؤمر ُم��روء ًة‪« :‬أن يُر ّقص لها سويعات العتمة‬
‫فعلته أن��ي الح�ظ��ت ت��وت��راً ف��ي ال�ص��ف‪ ،‬فعلمت‬
‫‪ 112‬اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫وكان قد أمهرها صداقاً‪ ،‬ورمبا طلّقها؛ فيس ّرحها هذه األطياف ملا استطعت البقاء! ثم يُ��ردد حائراً‪:‬‬
‫والله إنني ال أدري كيف يعيش من يفقد أنثاه؟!‬
‫بإحسان وميتّعها نفق ًة ورعاي ًة واجب ًة باملعروف‪.‬‬

‫وبعد‪ ،‬أ َو تظنّون أننا أعطيناها حقّها؟ أو فهمنا‬
‫وأخيراً‪..‬‬
‫س ّرها؟ أو جتاهلنا نقْصها وقصورها؟ اللهم ك ّ‬
‫ال ثم‬
‫ال ينسا ُه ّن ُمح ّبهن األكبر محمد صلّى الله عليه ك ّ‬
‫ال‪ .‬وإنه ملسكني ذلك الذي يحاول شيئاً من ذلك!‬
‫وس�لّ��م‪ ،‬حتى وه��و على ف��راش امل��وت فيوصي ّ‬
‫َفهمهن‪.‬‬
‫بهن فإن النساء ُوجد َن لنُحبهن ال لن‬
‫ّ‬
‫خيراً‪ ،‬بعد أن برهن حياته كلها على ح ّبهن تصريحاً‬
‫وستظل املرأة ِس� ّراً دفيناً وسحراً فاتناً فتّاناً‪..‬‬
‫ال تلميحاً‪ ..‬بعبارته وإشارته ولفظه وحلظه وقاله‬
‫قد يُدرك بعض بعضه‪.‬‬
‫وحاله صلوات الله عليه وآله‪ ،‬حتى قال‪« :‬ما أكرمهن‬
‫من ِ‬
‫عشقها‪ ..‬وهام في عشقها‪ ..‬أو كرهها وغالى‬
‫إال كرمي وما أهانهن إال لئيم» ليعلمنا أن ُح ّب النساء‬
‫في كرهها‪ ..‬أو رحمها‪.‬‬
‫من أخالق األنبياء‪.‬‬
‫حب!‬
‫أال وإ ّن كل َمن لم ينفضح حبه حلبيبه فما أَ ّ‬
‫حب!‬
‫وكل من لم ينهزم في حبه حلبيبه فما أَ ّ‬
‫وك��ل م��ن ل��م ي��ذب��ح حلبيبه ُق��رب��ان �اً م��ن لواعج‬
‫احلنني واجلنون ول��واذع العشق املتدفق ثم ينذبح‬
‫حب!‬
‫على مذبحه‪ ،‬راضياً ملت ّذاً‪ ،‬فما أَ ّ‬
‫أيهذا املحُ ب! أالَ أيهذا املحُ ب‪..‬‬
‫ال ت ََخف!‬
‫و«ال تُخْ ِف ما فعلت بك األشواقُ‪ ...‬واشرح هواك‬
‫فكلنا ُع ّشاقُ»‪.‬‬
‫أال ما أروع هذا الكائن اجلميل‪ ..‬وما أحاله!‬
‫فبه تطيب احلياة وتقوى دواعيها‪ ..‬وبه تطيب‬
‫اجلنّة ويكتمل نعيمها‪.‬‬
‫«ح���و ٌر م �ق �ص��ورات ف��ي اخل �ي��ام ك��أم�ث��ال اللؤلؤ‬
‫املكنون» وك��م ه��و ك��اب��وس رهيب ذل��ك الليل الذي‬

‫ن����������������������������������واف����������������������������������ذ‬

‫مهما كان م�ك��دوداً» كما يقول الظاهري ‪ -‬سلمت يخلو من امرأة! ولو طيفاً وذكرى‪.‬‬
‫ب��راج�م��ه م��ن األوخ���از ‪ -‬وال ي�ن��زع حتى ت�ف��رغ من‬
‫إنني أعرف شيخاً كبيراً يحادث زوجته املرحومة‬
‫شهوتها‪.‬‬
‫منذ عقود كل ليله؛ يقظ ًة ومناماً‪ .‬ويقول متمتماً‪ :‬لوال‬

‫وسنظ ّل مذ ُفطمنا ُمكرهني؛ ِ‬
‫نح ُّن إلى متم ّردَينِ‬
‫حن أديبنا‬
‫لَعوبَ ِ‬
‫ني يتوثبانِ حتت اجليد التليع‪ ،‬كما ّ‬
‫الساملة براجمه من األوخاز يوماً ما‪.‬‬
‫وألنها أوف��ى من ال��رج��ل‪ ...‬حتبه أكثر من حبه‬
‫لها!‬
‫وتُخلص له وحده‪ ..‬أكثر من إخالصه لها!‬
‫وإذا صار لها عبداً‪ ..‬تصير له أَ َم ًة وزيادة!‬
‫مع أنها أجمل منه‪ ،‬وأحلم منه‪ ،‬وأكاد أقول أدهى‬
‫منه وأطول عمراً‪.‬‬
‫وال حتتاج إذا ما أمعنّا في التشاؤم‬
‫سوى‬
‫كلمتني حلوتني‪..‬‬
‫وإال فكلمة واحدة تكفي‪:‬‬
‫احلب‪.‬‬

‫* الجوف ‪ -‬سكاكا‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪113‬‬

‫السعودي وخصائصه‬
‫القص‬
‫فن‬
‫تطور ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫> مصطفى الصوفي*‬

‫األدب السعودي جزء مهمّ من أدب األمة العربية في تاريخه وتطوره‪ ،‬لكنه ال يخلو‬
‫من السمات ذات الطابع المحلي وخصائص البيئة في الجزيرة العربية ودول الخليج‬
‫عموماً‪ ،‬إ ّال أن هذه الميزات المحلية أخذت تتضاءل أمام التطورات االجتماعية والمادية‬
‫والثقافية التي حدثت في المجتمع السعودي والخليجي‪ ،‬وإزاء االنفتاح على المؤثرات‬
‫العربية واألوربية التي أدّت إلى حدوث تطور مهم في تقنيات الفن القصصي والروائي‬
‫المحليين‪ ،‬يقارب مثيالتها في الدول العربية األخرى‪.‬‬
‫ف � ��األدب ف��ي ال �س �ع��ودي��ة ب�ش�ك��ل عام‪،‬‬
‫�اص‪ ،‬فن وليد‬
‫والقصة وال��رواي��ة بشكل خ� ّ‬
‫بالمعنى ال �ح��دي��ث‪ ،‬يفتقر إل ��ى الجذور‬
‫والتجربة العريقة‪ ،‬على عكس الشعر الذي‬
‫يبدو أن له امتداداته التاريخية القديمة‬
‫والمستمرة حتى اآلن‪ ،‬وذل��ك مع ما طرأ‬
‫عليه من حركة تحديث ومتغيرات متميزة‬
‫ال ومضموناً‪.‬‬
‫شك ً‬

‫‪1930‬م‪ ،‬وبعدها بقليل ص��درت روايتان‬
‫للمغربي وال�س�ب��اع��ي‪ ،‬ث�� ّم ان�ق�ط��ع صدور‬
‫الروايات حتى عام ‪1959‬م‪ ،‬حينما ظهرت‬
‫أول رواي��ة متميزة‪ ،‬وهي (ثمن التضحية)‬
‫للدمنهوري‪ ،‬ث ّم تعاقبت األعمال القصصية‬
‫والروائية خ�لال فترة الستينيات‪ .‬ويذكر‬
‫�ص��ة بقيت م�ت��أخ��رة عن‬
‫ال�ح��ازم��ي أن ال�ق� ّ‬
‫الشعر أشواطاً كثير ًة خالل تلك الفترة‪.‬‬

‫ظهرت المحاولة األول��ى لرصد الفن‬
‫الروائي وبداياته على يد الدكتور منصور‬
‫الحازمي في كتابه (فن القصة في األدب‬
‫ال�س�ع��ودي ال�ح��دي��ث)‪ ،‬وف�ي��ه أش��ار إل��ى أن‬
‫أول رواي��ة سعودية متواضعة صدرت عام‬

‫‪ ‬وكانت المرحلة الثانية للدكتور محمد‬
‫ال �ش��ام��خ ف ��ي ك �ت��اب��ه (ال �ن �ث��ر األدب � ��ي في‬
‫المملكة)‪ ،‬والذي‪  ‬يرصد اإلنتاج القصصي‬
‫في السعودية بين ‪ 1900‬و‪1945‬م‪ ،‬فيرجع‬
‫ب��داي��ات��ه إل ��ى أب ��و ب �ك��ر خ��وق �ي��ر ف��ي عام‬

‫‪ 114‬اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫ثم ظهرت دراس��ة حديثة للحازمي في كتابه‬
‫(الرواية التاريخية في األدب العربي الحديث)‪،‬‬
‫ال ��ذي اس �ت �ع��رض ن �م��اذج ل�ل��روائ�ي�ي��ن البستاني‬
‫وجرجي زي��دان ومحمد فريد‪ .‬ثم أص��در كتابه‬
‫(م��واق��ف نقدية) ال��ذي ضمنه دراس ��ات نقدية‬
‫لبعض ال�ق��اص�ي��ن‪ ،‬وع ��رض ف�ي��ه ت �ط��ور القصة‬
‫القصيرة في السعودية‪ ،‬ودرس بعض التجارب‬
‫الروائية‪ ،‬ومنها‪ :‬تجربة سمير سرحان ومحمود‬
‫عارف ‪  ‬ومهدي شاكر العبيدي‪..‬‬
‫ب �ع��ده��ا ظ��ه��رت ع� � �دّة دراس� � ��ات أكاديمية‬
‫منهجية‪ ،‬منها‪ :‬دراس��ة الدكتور مسعد العطوي‬
‫في كتابه (االتجاهات الفنية للقصة القصيرة‬
‫في السعودية) الذي رصد اإلبداعات القصصية‬
‫في الدوريات‪ ،‬وبيّن التوجهات الفنية والداللية‬
‫وال�ت�ح��والت ف��ي األس�ل��وب والتقنية القصصية‪.‬‬
‫ومنها أيضاً‪ :‬دراسة سحمي ماجد ألهاجري في‬
‫كتابه (القصة القصيرة في السعودية)‪.‬‬
‫وم��ن أه��م ال��دراس��ات ال�م�ع��اص��رة ف��ي تطور‬
‫القصة القصيرة في السعودية كتاب د‪ .‬طلعت‬
‫صبح سيد (فن القصة القصيرة)‪ ،‬الذي يشيرفيه‪ ‬‬
‫إلى غياب فن القصة القصيرة بفنياته الحديثة‬
‫في المملكة قبل الحرب العالمية الثانية‪ ,‬وينطبق‬

‫ن����������������������������������واف����������������������������������ذ‬

‫‪1910‬م‪ ،‬ثم إلى روايتين لألسكوبي فاألنصاري‪  .‬‬
‫وه��ي دراس��ات فنية لبعض األعمال القصصية‬
‫كقصة (رامز) لسعيد العامودي‪ ،‬وقصة (مالبسه‬
‫المسروقة) لمحمد بن علي المغربي‪ ،‬وتع ّد هذه‬
‫ال��دراس��ات ب��داي��ات األع �م��ال النقدية الواعية‬
‫والجدية لألعمال القصصية فنياً وتقنياً‪ ،‬من‬
‫حيث الزمان والمكان والحدث والشخصيات‪،‬‬
‫فشكلت أول ��ى م �ح��اوالت التأصيل والتأسيس‬
‫للنقد األدبي‪.‬‬

‫هذا الواقع على األقطار العربية عموماً‪ ،‬ولكنّه‬
‫يرى أن لمصر وسورية ولبنان قصب السبق في‬
‫تطور الفن القصصي العربي الحديث‪ .‬ويخلص‬
‫إل��ى أن الفن القصصي في المملكة م� ّر بثالث‬
‫مراحل‪ ،‬خلص إليها أيضاً عيدالمجيد زراقط‬
‫ف��ي كتابه (ت �ط��ور القصة القصيرة السعودية‬
‫وخصائصها)‪ ،‬وهي‪:‬‬
‫‪ .1‬مرحلة الترجمة والتقليد واالقتباس‪.‬‬
‫‪ .2‬مرحلة الخطابية والوعظ المباشر‪.‬‬
‫‪ .3‬مرحلة التجارب القصصية ذات التقنيات‬
‫الحديثة‪.‬‬
‫ويبين أن المرحلة األخيرة شهدت ظهور نماذج‬
‫قصصية س�ع��ودي��ة‪ ،‬تستجيب للقص المتطور‬
‫وفنياته الحديثة‪ ،‬وتبتعد عن اإلغراق في المحلية‬
‫نتيجة انتشار التعليم والثقافة‪ ،‬واتساع العالقات‬
‫مع الدول الغربية‪ ،‬واالطالع على ثقافاتها وآدابها‬
‫وفنونها‪ ,‬ومشاركة المرأة في مجاالت التعليم‬
‫والثقافة والعمل‪ ،‬واالنتعاش المادي الكبير الذي‬
‫ال بين الواقع والطموح‪ ،‬وهو ما أثّر في‬
‫أحدث خل ً‬
‫مضامين القص ولغته وأشكاله وأجوائه النفسية‬
‫التي ص��ورت مشاعر االض �ط��راب واالنفعاالت‬
‫والقلق والتوتر‪..‬‬
‫وأخ�ي��را نشير إل��ى أنّ ع��دّ ة مقاالت متفرقة‬
‫ع��ن األدب القصصي ف��ي ال�ح�ج��از ق��د نشرت‬
‫خ�لال فترة الخمسينيات والستينيات لمحمد‬
‫سعيد العامودي وعباس فائق غزاوي‪  ‬ومحمد‬
‫الخريجي وعبد الله آل مبارك ال �ف��وزان‪ ..‬كما‬
‫ننوّه ببعض الدراسات التعريفيّة واالستعراضيّة‬
‫ككتاب (وقفات مع القاصين) لمحمد بن سعد بن‬
‫حسين وكتاب (مسرح التراث) لمحمد علوان‪.‬‬

‫* كاتب من سوريا‪.‬‬
‫ ‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪115‬‬

‫موافقات شعرية‪..‬‬
‫> نورا العلي*‬

‫تمر األح��داث علينا ‪ -‬نحن بنو البشر ‪ -‬وقد يختلف وقعها من شخص آلخر‪ ،‬وقد‬
‫يتوافق معها مجموعة من األشخاص‪.‬‬
‫وفي مقالي هذا جمعت شيئا من أحوال الشعراء العاشقين‪ ،‬حيث هم ذوو اإلحساس‬
‫المرهف‪ ،‬الشفاف‪ ،‬يصورون الحياة بالحب‪ ..‬وكأنها جنة الدنيا‪ ،‬تُشرِ ق عليهم باألنس‬
‫والطيب (تشرق الدنيا على أه��ل الهوى أنسا وطيبا) و َت��ش��رَق وتغص بالبعد والصد‬
‫والهجران‪ ،‬فهاهم أولئك يرضون بالقليل‪ ،‬بل بأقل من القليل‪ ،‬على شغفهم بالوصل‬
‫ورغبتهم‪ ,‬إال أنهم يقفون عند رغبة المحبوب وتمنعه‪ ،‬ويبقى الوصل حلما رقيقا‪ ،‬وهمّ ا‬
‫عنيدا‪ ،‬ولسان حالهم يقول‪:‬‬
‫وال��������ن��������ف��������س راغ����������ب����������ة إذا رغّ �����ب�����ت�����ه�����ا‬
‫وإن ت�����������������رد إل�����������������ى ق�������ل�������ي�������ل ت�����ق�����ن�����ع‬
‫ه��ذه بعض م��ن أخ�ب��اره��م وأشعارهم‪،‬‬

‫ذلك‪،‬فلو ت��ذك��ره‪ ..‬يسعد بذكرها‬

‫وكأنهم يشعلون احلروف كلما اسود الليل‪،‬‬

‫إي��اه على ال�ن��أي وال�ب�ع��د‪ ،‬فيقول‪:‬‬

‫كلما استبد بهم واستطال‪.‬‬
‫يقول جميل بثينة‪:‬‬
‫وإن����ي ألرض����ى م���ن ب��ث��ي��ن��ة بالذي‬
‫لو أبصره ال��واش��ي‪ ،‬لقرت بالبله‪.‬‬

‫أول���ي وف����اءً ‪ ،‬وإن ل��م ت��ب��ذل��ي ِصلة‬
‫فالذكر ينفعنا‪ ،‬والطيف يكفينا‬
‫ويستعطف اب��ن خلكان محبوبه الذي‬
‫ض ّيق حيلته‪ ،‬وسبى عقله حني يضن عليه‬

‫ل �ه �ف��ي ع �ل �ي �ه��م‪ ،‬ي �ق �ت �ن �ع��ون بأقل بالوصل واللقاء فيقول‪:‬‬

‫القليل‪ ..‬وم��ع ذل��ك ال يتهيأ لهم‪ ,‬إن ف����ات����ه م���ن���ك ال����ل����ق����اء فإنه‬
‫فهذا ابن زي��دون يرضى بأقل من‬
‫‪ 116‬اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫ي��رض��ى ب��ل��ق��ي��ا ط��ي��ف��ك المتأوب‬

‫����ك ف ِ���ع���د به‬
‫إن ل���ـ���م ي���ك���ن وص������لٌ ل����دي َ‬
‫أم���ل���ي وم����اط����ل‪ ،‬إن وع����������دتَ ‪،‬وال تفي‬
‫ويقول دوقلة المنبجي‪:‬‬
‫إن ل�������م ي�����ك�����ن وص���������ل ل������دي������ك لنا‬
‫ي����ش����ف����ي ال�����ص�����ب�����اب�����ة‪ ،‬ف���ل���ي���ك���ن وع����د‬
‫ويصيح العباس ب��ن األح�ن��ف طالبا الرحمة‬
‫والشفقة من محبوبه فيقول‪:‬‬
‫ي��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ا ذا ال�����ذي ص����دع ال����ف����ؤاد بصده‬
‫أن�����ت ال����ب��ل�اء ط���ري���ف���ه والتّالـ ـ ـ ــد‬
‫ي��ق��ـ��ـ��ـ��ـ��ع ال��ب��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ�لاء وي��ن��ق��ض��ي ع���ن أهله‬
‫وب����ل���اء ح����بّ����ك ك���ـ���ـ���ـ���ـ���ـ���ـ���ل ي����ـ����وم زائ�����د‬
‫هؤالء العشاق‪ِ ،‬‬
‫يصلون في عشقهم قمة الوجد‪،‬‬
‫فكل ما له عالقة باحلبيب يهيج أشجانهم‪ ,‬ويجدد‬
‫أحزانهم‪ , .‬طلوع جنم‪ ،‬هبوب ريح‪ ،‬بزوغ فجر‪،‬‬
‫وحتى نسمة الهواء تنز عل ّيهم عطرا‪ ،‬وتنثر أريجا‬
‫يثير اشتياقهم‪ ،‬يغمر كل لهفة‪ ،‬ويطفئ كل لوعة‪.‬‬
‫وكأمنا احلبيب يحمل السعادة على كفه‪.‬‬
‫يقول (مجنون ليلى) قيس بن امللوح‪:‬‬
‫ف���م���ا ط���ل���ع ال���ن���ج���م ال������ذى ي���ه���ت���دى به‬
‫وال ال���ص���ب���ح إال ه���ي���ج���ا ذك����ره����ا ليا‬
‫وال ه���ب���ت ال����ري����ح ال���ج���ن���وب ألرض���ه���ا‬

‫أي��������ا ري��������ح ال�����ش�����م�����ال‪ ،‬أم��������ا ت����ريّ����ن����ي‬
‫أه�������ي�������م‪ ،‬وأن�������ن�������ي ب�����������ادي ال����ن����ح����ول‬
‫���ن‬
‫ه����ب����ي ل������ي ن����س����م����ةً م������ن ري��������ح ب���ث ِ‬
‫وم������نّ������ي ب����ال����ه����ب����وب ع����ل����ى جميل‬
‫وق������ول������ي‪ :‬ي�����ا ب���ث���ي���ن���ة ح����س����ب نفسي‬

‫ن����������������������������������واف����������������������������������ذ‬

‫أما ابن الفارض فيقول‪:‬‬

‫وفي ذلك يقول جميل بثينة مخاطبا الريح‪:‬‬

‫ق����ل����ي����ل����ك‪ ،‬أو أق���������ل م�������ن ال���ق���ل���ي���ل‬
‫وه ��ذا اب��ن س�ي��د ال �ن��اس يستعطف الهبوب‬
‫والنسمات فيقول‪:‬‬
‫غ���ي���ران ت��ص��رع��ه ال����ذك����رى إذا خطرت‬
‫وال���ري���ح إن ن��س��م��ت وال���دم���ع إن نضبا‬
‫ب��ال��ل��ه‪ ،‬ي���ا ن��س��م��ات ال���ري���ح‪ ،‬ه���ل خـ ــبرٌ‬
‫ع��ن��ه��م‪ ،‬يعيد ل��ي العيـ ــش ال���ذي ذهبا‬
‫وي� �ق���ول ج ��ري ��ر ف���ي اجل� �ب ��ل ال�� ��ذي يقطنه‬
‫األحباب‪:‬‬
‫ي�����ا ح����ب����ذا ج���ب���ل ال������ري������ان م�����ن جبل‬
‫وح�����ب�����ذا س�����اك�����ن ال������ري������ان م�����ن ك���ان���ا‬
‫وح�����ب�����ذا ن��ف��ح��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ات م�����ن يمانية‬
‫ت���أت���ي���ك م�����ن ق���ب���ل ال�����ري�����ان أحيانا‬
‫أما دوقلة املنبجي فيبني حقيقة فحواها أن‬
‫احلبيب هو السكن‪ ،‬وحيثما اجته فثمة الوطن‬
‫إذ يقول‪:‬‬
‫إن ت�����ت�����ه�����م�����ي ف�����ت�����ه�����ام�����ة وط�����ن�����ي‬

‫م�����ن ال���ل���ي���ل إال ب�����ت ل���ل���ري���ح حانيا‬

‫أو ت�����ن�����ج�����دي‪ ،‬إن ال�������ه�������وى ن����ج����دُ‬

‫ألهذه الدرجة!! يعرف االجتاه الذي تكون فيه‬

‫غ��ري��ب أم��ر ه��ذا احل ��ب‪ ،‬م��ن ش��رف��ة الفجر‬

‫محبوبته دون أن يخبره أحد فيقول‪:‬‬

‫يأتي‪ ،‬فال يبرح القلب‪ ،‬وال يغادر البصر‪ ،‬يحيا‬

‫ي��م��ي��ن��ا إذا ك���ان���ت ي���م���ي���ن���ا‪ ،‬وإن تكن‬

‫مع النبض‪ ..‬ويسكن كل احلواس‪ , ...‬ومع ذلك‪،‬‬

‫ش���م���اال‪ ،‬ي��ن��ازع��ن��ي ال���ه���وى ع���ن شماليا يتحتم الفراق املقيت‪ ،‬والبعد املميت‪ ،‬وحلظات‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪117‬‬

‫الوداع األليم‪.‬‬

‫ومن أجل كتم سر احملبوب‪ ،‬يستميت احملب‪،‬‬

‫ثمة حلظات‪ ،‬تتمنى أن تسرقها من عمر الزمن‪ ،‬وال يفصح عن حب قد يجر على محبوبه علال‬
‫فتحنطها‪ ،‬ليقينك أنها لن تتكرر‪ .‬وثمة أشخاص وهموما‪ .‬أو يعرضه للعذاب والهون‪.‬‬
‫تشعر بأنهم انشطروا من قلبك‪ ،‬ينحدرون من‬

‫يقول العباس بن األحنف في ذلك‪..‬‬

‫ساللة روحك‪ ،‬لكأنهم نصفك اآلخر‪.‬‬

‫س ـ ـ ــماك لي قومٌ ‪ ،‬وقالوا إنها‬

‫في وصف حلظات الوداع القاسية يقول ابن‬
‫زريق البغدادي‪:‬‬
‫ودع��������ت��������ه وب����������������ودي ل��������و ي�����ودع�����ن�����ي‬
‫ص�����ف�����و ال�����ح�����ي�����اة وإن�����������ي ال أودع���������ه‬
‫و يقول ابن النقيب‪:‬‬
‫ي���ا ن��ف��س ق���د ف��ارق��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ت ي����وم فراقهم‬
‫ط��ي��ب ال��ح��ي��اة ف��ف��ي ال��ب��ق��ا ال تطمعي‬
‫ودع���ت���ه���م ث���م ان��ث��ن��ي��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ت بحسـ ـ ــرة‬
‫ت���رك���ت م��ع��ال��ـ��ـ��م م��ع��ه��دي كالبلق ـ ـ ـ ِـع‬
‫ورج���ع���ت ال أدري ال���ط���ري���ق وال تسل‬
‫رج���ع���ت ع�����داك ال��م��ب��غ��ض��ون كمرجعي‬
‫أما املتنبي فيقول‪:‬‬
‫ح���ش���اش���ة ن���ف���س ودع�������ت ي������وم ودع������وا‬
‫����ظ����اع����ن����ي����ن أش����يّ����ع‬
‫أي ال ّ‬
‫ف����ل����م أدر ّ‬
‫وفي أجفانه التي أنهكها الوداع‪:‬‬
‫وق��د ص��ارت األج��ف��ان قرحى م��ن البكى‬
‫وص�����ارت ب���ه���ارا ف���ي ال���خ���دود الشقائق‬
‫ويبني في البيت التالي أن يوم الفراق يفتضح‬
‫فيه أمر احملبني‪ ،‬وتنكشف سرائرهم فيقول‪:‬‬
‫وك����ات����م ال����ح����ب ي������وم ال���ب���ي���ن منهتك‬
‫وص����اح����ب ال����دم����ع ال ت��خ��ف��ى س���رائ���ره‬
‫* ‬

‫كاتبة من القريات ‪ -‬الجوف‪.‬‬

‫‪ 118‬اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫ل���ه���ي ال���ت���ي ت��ش��ق��ى ب���ه���ا وتكاب ـ ـ ــد‬
‫ف���ج���ح���دت���ه���م ل���ي���ك���ون غ����ي����رك ظنهم‬
‫إن�������ي ل���ي���ع���ج���ن���ي ال����م����ح����ب ال���ج���اح���د‬
‫ويقول في قصيدة أخرى‪:‬‬
‫ألخ������رج������ن م������ن ال�����دن�����ي�����ا وحبك ــم‬
‫بـيـن ال��ـ��ج��ـ��وان��ـ��ح ل��ـ��م يـشـعر ب��ـ��ه أحــد‬
‫وي� �ق ��ول ع �م��ر ب ��ن أب� ��ي رب �ي �ع��ة ع �ل��ى لسان‬
‫محبوبته‪:‬‬
‫إذا ج��ئ��ت ف��ام��ن��ح ط���رف عينيك غيرنا‬
‫ل��ك��ي ي��ح��س��ب��وا أن ال���ه���وى ح��ي��ث تنظر‬
‫إن ��ه ح ��ال احمل� �ب�ي�ن‪ ...‬ع �ل��ىأه��داب عيونهم‬
‫يتبرعم احلنني‪ ،‬فمع حنني الطير يحنون‪ ،‬أما‬
‫هديل احلمام فيثير أشجانهم فيبكون‪...‬‬
‫يقول املتنبي‪:‬‬
‫م����ا الح ب������رق أو ت����رن����م طائ ـ ـ ـ ـ ــر‬
‫إال ان��ث��ن��ي��ت ول����ي ف�����ؤاد شي ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــق‬
‫وفي ذلك يقول عنترة بن شداد‪:‬‬
‫وم��ا ش��اق قلبي ف��ي ال��دج��ى غير طائر‬
‫ينوح على غصن رطيب م��ن الرنـ ـ ـ ـ ــد‬
‫ب��ه مثل م��ا ب��ي فهو يخفي م��ن الجوى‬
‫كمثل ال��ذي أخفي وي��ب��دي ال��ذي أبدي‬

‫م����������������ال واق��������ت��������ص��������اد‬

‫أحكام اقتصادية في آيات قرآنية‬
‫> أ‪ .‬د‪ .‬محمود الوادي*‬

‫إن من أهم خصائص النظام االقتصادي في اإلسالم‪ ،‬هو تداول المال وعدم انحصاره‬
‫بأيد قليلة؛ أي عدالة توزيع الدخل والثروة بين أبناء المجتمع‪ ،‬حيث التفاوت الكبير في‬
‫ٍ‬
‫التوزيع ظلم‪ ،‬والتساوي في التوزيع كذلك ظلم‪.‬‬
‫ول وَلِ ِذي الْقُ ْربَى‬
‫قال تعالى‪{ :‬مَّ ا أَفَاء اللَّهُ عَ لَى ر َُسولِ هِ ِمنْ أَهْ ِل الْقُ رَى فَلِ لَّهِ وَلِ لرَّ ُس ِ‬
‫ال يَكُ و َن دُولَةً َبيْنَ األَغْ نِ يَاء ِمنكُ مْ َومَا آتَاكُ مُ الرَّ ُسولُ‬
‫يل كَيْ َ‬
‫السبِ ِ‬
‫ين وَاب ِْن َّ‬
‫وَا ْل َيتَامَى وَا ْلمَسَ اكِ ِ‬
‫ف َُخذُ و ُه َومَا َنهَاكُ مْ عَ نْهُ فَانتَهُ وا وَاتَّقُ وا ال َّل َه إِنَّ ال َّل َه شَ ِديدُ الْعِ قَاب} [الحشر‪]7 :‬‬
‫أم��ا االش �ت��راك �ي��ة‪ ،‬ف�ق��د أل�غ��ت الملكية‬
‫الفردية‪ ..‬واستبدلتها بالملكية الجماعية‪،‬‬
‫وأك��دت على العالقة بين أش�ك��ال اإلنتاج‬
‫وال�ت��وزي��ع‪ ،‬وعلى ال��دول��ة أن تستولي على‬
‫جميع الموارد االقتصادية‪ ،‬وتوزعها على‬
‫أب �ن��اء المجتمع ت�ح��ت ش �ع��ار‪« :‬ك� � ٌل يعمل‬
‫بقدر طاقته‪ ،‬ويأخذ فقط بقدر حاجته»‪،‬‬
‫والنتيجة سوء اإلنتاج كماً وكيفاً‪.‬‬

‫ومهما اختلفت األنظمة االقتصادية في‬
‫المفاهيم والفلسفات‪ ،‬فإنها تتفق جميعاً‬
‫على أن علم االقتصاد يهدف إلى االستفادة‬
‫القصوى من ال�م��وارد االقتصادية وزيادة‬
‫اإلنتاج‪ .‬والرأسمالية نشأت على الحرية‬
‫االقتصادية المطلقة والمنافسة التامة‬
‫ف��ي األس� ��واق‪ ،‬وت �ه��دف إل��ى تنمية الثروة‬
‫االقتصادية دون النظر إلى توزيعها‪ ،‬مما‬
‫أدى إلى انحصارها بأيدي فئة محدودة من‬
‫س‬
‫النظام االق�ت�ص��ادي اإلس�لام��ي أ ُسِّ َ‬
‫أبناء المجتمع‪.‬‬
‫ل�ت��وزي��ع ال��دخ��ل‪ ،‬وال �ث��روة ثابتة ال تتغير‪،‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪119‬‬

‫وضوابط اإلنتاج فيه تضمن عدالة توزيع الدخل‬

‫قال عليه الصالة والسالم‪ « :‬من كان له فضل‬

‫شكلها مخلوق الله وملكيته‪ ،‬وما يأخذه اإلنسان‬

‫له فضل زاد فليعد به على من ال زاد له» (رواه‬

‫وال�ث��روة بين أبناء المجتمع‪ .‬فالثروة مهما كان ظهر‪ ،‬فليعد ب��ه على م��ن ال ظهر ل��ه‪ ،‬وم��ن كان‬
‫منحة الله له {وآتو ُه ْم مِّن مَالِ الله الَّذِ ي آتا ُكمْ}‬

‫(النور ‪ .)33‬واإلنسان ال يتمكن أكثر من أن يبذل‬

‫َصة‪ ،‬أصبح‬
‫مسلم)‪ .‬وقال أيضاً‪« :‬أيما أهل عَ ر َ‬

‫فيهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمة الله تعالى»‬

‫جهوده في زيادة اإلنتاج‪ ،‬وثمار ونتائج جهوده ال (رواه مسلم)‪.‬‬
‫تكون إال بأمر الله‪{ :‬أَفرَأيُتم مَّا تَحْ ُرثُونَ* أأنتُ ْم‬

‫إن تحقيق العدالة في توزيع الدخل والثروة‪،‬‬

‫والثروة في اإلسالم ملك الله الواحد القهار‪،‬‬

‫االج �ت �م��اع��ي م ��ن ج��ه��ة‪ ،‬وت �ح �ق �ي��ق االستقرار‬

‫تَزْرعَ ُونَ ُه أَ ْم نَحْ ُن الزَّارِ عُونَ}‪( .‬الواقعة ‪.)64-63‬‬

‫واإلنسان مستخلف‪ ،‬وينفق الثروة على ما أمره‬

‫الله به‪ ،‬ويمسك عما نهى عنه {وَابتَغِ فِ يمَا آتاكَ‬

‫تنس نَصيِبكَ مِ � َن الدُنيَا‬
‫اآلخ��رةَ والَ َ‬
‫الله ال��دَّ ا َر ِ‬

‫يمثل رك�ي��زة أساسية‪ ،‬ف��ي القضاء على الظلم‬

‫االقتصادي من جهة أخرى‪ .‬ويستحوذ االقتصاد‬

‫اإلسالمي على آليات عديدة‪ ،‬تمثل وسائل ضمنية‬
‫(تعمل من قلب النظام) تدفع بشكل تلقائي نحو‬

‫وَأحْ ِسن َكمَا أحْ سَ َن الله ِإلَيْكَ َوالَ تبغِ الفَسَ ا َد فِ ي تحقيق التوزيع العادل للدخل والثروة‪ ،‬ومن هذه‬
‫اآلليات‪:‬‬
‫ْض}‪( .‬القصص ‪.)77‬‬
‫األَر ِ‬
‫ويستحوذ التوزيع على بعدين هما‪:‬‬
‫البُعد االجتماعي‪ :‬وهو بُعد يرتبط بمفهوم‬

‫العدالة االجتماعية‪.‬‬

‫البُعد االقتصادي‪ :‬ويتعلق بقدرة النظام على‬

‫توفير القدرة الشرائية الكافية ألبناء المجتمع‪.‬‬

‫واإلس�لام ال ينكر وق��وع التفاوت بين الناس‬

‫في الرزق والثروة‪ ،‬ألن التساوي يؤدي إلى جمود‬
‫ال�ن�ش��اط االق �ت �ص��ادي‪ ،‬لكنه ي��رف��ض أن تزداد‬

‫الفجوة بين األغنياء والفقراء‪ ،‬وأن يتمركز المال‬
‫لدى فئة قليلة من أفراد المجتمع‪.‬‬

‫�ض اإلس� �ل��ام‪ ،‬ع �ل��ى ع� ��دم استئثار‬
‫ك �م��ا ح� � ّ‬

‫األغ�ن�ي��اء بفضول األم���وال‪ ،‬مستهدفاً م��ن وراء‬

‫‪ -1‬الزكاة ودورها في إعادة التوزيع‬
‫وتعني الزكاة لغة‪ ،‬النماء وال��زي��ادة‪ ،‬والطهر‬

‫للنفوس واألم� ��وال م��ن ال�ش��ح وال�ب�خ��ل واألث ��رة‪،‬‬

‫فالمال ينمو ويزيد‪ ،‬والنفس تطهر وتزكو‪.‬‬

‫ص َد َق ًة تُطَ هِ ُّرهُم‬
‫قال تعالى‪{ :‬خُ ْذ مِ ْن أ ْموَالهِ م َ‬

‫وَتزَكيهم ِبهَا} (التوبة‪.)103/‬‬

‫تمثّل الزكاة أداة اقتصادية‪ ،‬بالغة األثر‪ ،‬في‬

‫مواجهة اآلثار الناجمة عن االنكماش االقتصادي‪،‬‬

‫ألنها تُحدث تيارات قوة شرائية متجددة‪ ،‬تعيد‬
‫لألسواق نشاطها‪ ،‬وإذا كان االكتناز يسهم في‬

‫الركود االقتصادي‪ ،‬فإن الزكاة تعزز االنتعاش‬
‫االقتصادي‪.‬‬

‫ذل��ك جعل هيكل ت��وزي��ع ال��دخ��ل وال �ث��روة‪ ،‬أكثر ‪ -2‬اإلنفاق ودوره في إعادة التوزيع‬
‫عدالة على الصعيد االجتماعي‪ ،‬وأكفأ في األداء‬

‫االقتصادي‪.‬‬

‫‪ 120‬اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫إن دعوة اإلسالم‪ ،‬التي حض عليها المسلمين‬

‫لإلنفاق في سبيل الله‪ ،‬على وجوه الب ّر والخير‬

‫م����������������ال واق��������ت��������ص��������اد‬

‫واإلح�س��ان‪ ،‬تمثل آلية ذاتية فعالة وم��ؤث��رة‪ ،‬في‬

‫إعادة توزيع الدخل والثروة‪ ،‬لصالح ذوي الحاجة‬
‫م��ن أف ��راد المجتمع‪ .‬وي�ع��د اإلن �ف��اق م��ن أعظم‬

‫القُربات إلى الله‪ ،‬وهو ميدان فسيح‪ ،‬يتنافس فيه‬
‫أهل البر والصالح‪ ،‬وهو بمثابة فريضة خالف‬

‫ْس الْ ِب َّر أَن‬
‫فريضة الزكاة‪ ،‬بدليل قوله تعالى‪َّ { :‬لي َ‬
‫تُ َولُّوا ْ وُجُ وهَ ُك ْم قِ َب َل الْمَشْ رِ قِ وَالْ َمغْرِ ِب َولَـكِ نَّ الْ ِب َّر‬

‫َاب‬
‫اآلخرِ وَالْمَآل ِئكَةِ وَالْكِ ت ِ‬
‫ِ‬
‫َم ْن آ َم َن بِاللّهِ وَالْ َيوْمِ‬

‫وَال َّن ِبيِّي َن وَآتَ��ى الْ� َم��ا َل عَ ل َى حُ � ِّب��هِ ذَوِ ي الْ ُق ْربَى‬

‫وَالْ َيتَامَى وَالْمَسَ اكِ ي َن وَابْ � َن السَّ بِيلِ وَالسَّ آ ِئلِي َن‬

‫الصالةَ وَآتَى ال َّزكَاةَ وَالْمُوفُو َن‬
‫َاب َوأَقَا َم َّ‬
‫وَفِ ي ال ِّرق ِ‬
‫َالصابِرِ ي َن فِ ��ي الْ َبأْسَ اء‬
‫ِب َعهْدِ ِه ْم ِإذَا عَ ��اهَ �دُوا ْ و َّ‬

‫ص َدقُوا‬
‫�ض �رَّاء و َِح�ي� َن الْ� َب �أ ِْس أ ُولَ�ـ� ِئ��كَ ا َّل��ذِ ي� َن َ‬
‫وال� َّ‬

‫َوأ ُولَـئِكَ ُه ُم الْ ُم َّتقُون} [البقرة‪ ،]177 :‬ويستدل‬

‫م��ن ه��ذه اآلي ��ة‪ ،‬أن الله ج��ل ج�لال��ه‪ ،‬فصل بين‬
‫اإلنفاق والزكاة‪ ،‬وهذا دليل قاطع على أن الزكاة‪،‬‬

‫ال تغني عن اإلنفاق‪ ،‬وكال منها فريضة تتكامل‬
‫مع األخ��رى‪ .‬وقد ور َد عن رسول الله [ قوله‪:‬‬

‫َوأَن َفقُوا لَ ُه ْم أَجْ ٌر َكبِير} [الحديد‪.]7 :‬‬
‫ويستدل من هذه اآلية‪ ،‬أن الله تبارك وتعالى‪،‬‬

‫ربط بين اإليمان واإلنفاق مرتين‪ ،‬كأن ذلك الربط‬

‫إشارة إلى أن اإلنفاق هو بمثابة تعبير عملي عن‬
‫اإليمان‪.‬‬

‫إن مبدأ االستخالف على المال‪ ،‬الذي أشارت‬

‫«على كل مسلم صدقة‪ ،‬فإن لم يجد فيعمل بيده إليه اآلي��ة الشريفة السابقة‪ ،‬يعني أن يخضع‬
‫فينفع نفسه ويتصدق‪ ،‬فإن لم يستطع فيُعين ذا المستخلف ألوام ��ر ال�م��ال��ك األص �ل��ي‪ .‬بوصفه‬
‫الحاجة الملهوف‪ ،‬فإن لم يفعل فيأمر بالخير‪ ،‬وكيال على المال‪ ،‬وهنا ال فرق بين غني وفقير‪،‬‬
‫فإن لم يفعل فيمسك عن الشر فإن له صدقة» فكالهما مستخلف س��واء ب �س��واء؛ أي أن هذا‬
‫اإلنفاق في وجوه البر واإلحسان‪ ،‬هو فرض على‬
‫(رواه البخاري)‪.‬‬
‫وقد بلغ عدد اآليات القرآنية التي تحض على‬

‫اإلنفاق خمساً وسبعين آي��ة‪ ،‬بينما عدد اآليات‬

‫األغنياء والفقراء كل حسب إمكاناته‪.‬‬

‫وقد قرن الله عز وجل اإليمان بالله واليوم‬

‫التي تحث على الزكاة اثنتان وثالثون آية فقط‪ .‬اآلخر‪ ،‬باإلنفاق في وجوه الخير والبر واإلحسان‪،‬‬
‫وهناك تسع آيات من مجمع آيات اإلنفاق‪ ،‬ورد وهذا تكريم للمنفقين أيما تكريم‪ ،‬وتشريف ما‬
‫فيها بصيغة األمر‪ ،‬ومن المؤكد أن أوامر الله عز بعده تشريف‪.‬‬

‫وجل فريضة كالصالة والزكاة‪.‬‬

‫ق��ال تعالى‪َ { :‬و َم� ��اذَا عَ لَيْهِ ْم لَ � ْو آ َم �نُ��وا ْ بِاللّهِ‬

‫اآلخرِ َوأَن َفقُوا ْ مِ مَّا َر َز َق ُه ُم اللّ ُه َوكَا َن اللّ ُه‬
‫ِ‬
‫ق��ال تعالى‪{ :‬آمِ �نُ��وا بِاللَّهِ َورَسُ ��و ِل��هِ َوأَنفِ قُوا وَالْ َيوْمِ‬

‫مِ مَّا جَ َعلَكُم مُّسْ تَخْ ل َفِ ي َن فِ يهِ فَالَّذِ ي َن آ َمنُوا مِ ن ُك ْم‬

‫بِهِ م عَ لِيمًا} [النساء‪.]39 :‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪121‬‬

‫وذوي��ه من بعده‪ ،‬وبذلك ينتفع الورثة منها بعد‬
‫وفاة مورثهم‪ .‬قال تعالى‪{ :‬لِّلرِّجَ الِ نَصيِبٌ مِّمَّ ا‬
‫تَرَكَ الْوَا ِلدَانِ وَاألَ ْق َربُو َن َولِلنِّسَ اء ن َِصيبٌ مِّمَّ ا تَرَكَ‬

‫الْ�وَا ِل�دَانِ وَاألَ ْق� َربُ��و َن مِ مَّا قَلَّ مِ نْ ُه أَ ْو َكثُ َر ن َِصيبًا‬

‫إن حض الشريعة اإلسالمية على اإلنفاق في‬

‫ُوضا} [النساء‪.]7 :‬‬
‫َّم ْفر ً‬

‫ويتميز نظام الميراث في اإلسالم‪ ،‬بأنه تفتيت‬

‫وج��وه البر والخير واإلح�س��ان‪ ،‬له دور كبير في ل�ل�ث��روة دون تعضيه (تقسيم ض���ار)‪ ،‬فاألرض‬
‫إعادة توزيع الدخل والثروة بين أفراد المجتمع الصغيرة المساحة‪ ،‬مثال ال تقسم شطرين‪ ،‬إذا‬
‫المسلم‪ ،‬وله تداعيات ايجابية جمة على الجسم كان تقسيمها يتنافى مع مردودها االقتصادي‪،‬‬
‫االقتصادي‪ .‬ولقد أشار القرآن الكريم إلى مفهوم بل يتم االتفاق إما على بيع ال��وارث ألخيه أحد‬

‫التضاعف في األجر الذي يناله المنفقون‪ .‬قال النصفين‪ ،‬أو يتم عقد استثمار مشترك بينهما‪.‬‬
‫تعالى‪َّ { :‬مثَ ُل الَّذِ ي َن يُنفِ قُو َن أَ ْموَالَ ُه ْم فِ ي سَ بِيلِ‬

‫اللّهِ َك َمثَلِ حَ ب ٍَّة أَن َبتَتْ سَ بْ َع سَ نَا ِب َل فِ ي ُك ِّل سُ نبُل ٍَة ‪ -4‬ال����ت����ح����ري����م ال����ش����رع����ي ل���ل���ظ���واه���ر‬
‫َاس ٌع االقتصادية والنقدية السلبية‬
‫ف ِلمَن يَشَ اء وَاللّ ُه و ِ‬
‫اع ُ‬
‫ِّمئَ ُة حَ ب ٍَّة وَاللّ ُه ي َُض ِ‬

‫عَ لِيم} [البقرة‪.]261 :‬‬

‫ويمكننا القول‪ ،‬إن بشائر االحتساب التضاعفي‬

‫التعامل بالربا‬

‫هو الفائدة‪ /‬الزيادة التي تضاف على رؤوس‬

‫في األجر‪ ،‬من جراء اإلنفاق‪ ،‬ال يقتصر على الحياة األم��وال ال ُم ْقرَضة‪ ،‬ولقد حرمها الشارع حرمة‬
‫اآلخرة‪ ،‬فحسب‪ ،‬وإنما يتحقق مردوده االقتصادي قطعية‪ ،‬سواء كانت الفائدة‪ ،‬على القروض بسعر‬
‫في الحياة الدنيا‪ ،‬إذ أن اإلنفاق يمثل طلباً كلياً مرتفع أو منخفض‪ ،‬أو كانت على قرض استثماري‬
‫فعاالً‪ ،‬وتحت تأثير آلية المضاعف‪( ،‬تبعاً لقوة أو استهالكي‪ ،‬أو ألجل قصير أو طويل‪ ،‬بدليل‬

‫المضاعف العددية في االقتصاد الوطني)‪ ،‬فإن قوله تعالى‪{:‬يَا أَ ُّيهَا الَّذِ ي َن آ َمنُوا ْ الَ تَ ْأ ُكل ُوا ْ ال ِّربَا‬
‫َضعَافًا م َ‬
‫الزيادة األولية المترتبة على اإلنفاق‪ ،‬إنما تعمل أ ْ‬
‫ُّضاعَ َف ًة وَا َّتقُوا ْ اللّ َه لَ َعلَّ ُك ْم تُ ْفلِحُ ون} [آل‬

‫على رفع مستوى الدخل القومي عدة أضعاف‪.‬‬

‫عمران‪.]130 :‬‬

‫‪ -3‬ال���م���ي���راث ودوره ف���ي إع�����ادة توزيع‬
‫الدخل والثروة‬
‫والنماء‪ ،‬فقد ربط الشارع الحكيم بينهما‪ ،‬في‬
‫وحيث أن الربا والزكاة يحمالن مفهوم الزيادة‬

‫لقد أولى التشريع اإلسالمي لنظام الميراث آي��ة واح ��دة‪ ،‬وحكم على ال�م��ال ال��ذي يزيد عن‬
‫أهمية ك�ب�ي��رة‪ ،‬بوصفه يمثل وسيلة مهمة من طريق الربا بالهالك‪ ،‬بينما كرّم المال الذي يُزكّى‬

‫وسائل توزيع الثروة‪ .‬وقد شرعه الله عز وجل‪ ،‬بالنماء‪ .‬قال تعالى‪{ :‬يَمْحَ ُق اللّ ُه الْ� ِّربَ��ا َويُ ْربِي‬
‫َات وَاللّ ُه الَ ي ُِحبُّ كُلَّ َكف ٍَّار أَثِيم} سورة‬
‫الص َدق ِ‬
‫َّ‬
‫ل�ي�ك��ون ح��اف��زاً ل�ل�م��ورث بالسعي وال� ��دأب على‬

‫العمل‪ ،‬حيث ت��ؤول ثمار عمله وك��ده إل��ى أوالده البقرة‪ ،‬اآلية (‪..)276‬‬
‫‪ 122‬اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫م����������������ال واق��������ت��������ص��������اد‬

‫ويجدر التنويه إلى أن قليل الربا في الحرمة‬

‫مثل كثيره‪ ،‬وال صحة لما يدعيه االقتصاديون‬
‫العلمانيون من أبناء األمة اإلسالمية بأن الفائدة‬
‫القليلة ليست ربا‪.‬‬

‫ولم يحرم الشارع التعامل الربوي‪ ،‬إال ويسر‬

‫أساليب استثمارية مشروعة وبدائل حالالً طيباً‪،‬‬
‫أعز شأناً‪ ،‬وأكرم تعامالً‪ ،‬وأب ُّر مغنماً‪ .‬وتهدف‬

‫أساليب االستثمار في صيغها اإلسالمية‪ ،‬إلى‬

‫تنشيط المال‪ ،‬واستمرار نمائه‪ ،‬من خالل توزيع‬
‫األرب��اح بين العمل ورأس المال معاً‪ ،‬شريطة‬

‫أن تبرأ من الربا واالستغالل واالحتكار‪ ،‬وذلك‬
‫إرساء لقواعد العدالة االجتماعية‪ .‬وأهم هذه‬

‫يفضي إلى تخفيض مستوى النشاط االقتصادي‪،‬‬

‫ال �ص �ي��غ‪ :‬ال �م �ش��ارك��ة‪ ،‬ال �م �ض��ارب��ة‪ ،‬المزارعة‪ ،‬وتترتب عليه آثار انكماشية قد تؤول إلى ركود‬

‫المساقاة‪ ،‬اإلج ��ارة المنتهية بالتمليك‪ ،‬عقود اقتصادي‪.‬‬
‫االستصناع‪.‬‬
‫ولهذا ح �رّم اإلس�لام ظاهرة االكتناز وتوعد‬
‫إن هناك وسائل ضمنية آلية تحقق عدالة‬
‫ال��ذي��ن ي�ك�ن��زون أم��وال �ه��م‪ ،‬ب��ال �ع��ذاب األل �ي��م يوم‬
‫التوزيع للدخل والثروة في النظام اإلسالمي‪ ،‬وإن‬
‫هناك أيضاً وسائل تخضع لقرار أهل الشورى‪ ،‬القيامة‪ .‬قال تعالى‪{ :‬وَا َّل��ذِ ي� َن يَ ْك ِنزُو َن الذَّ هَ بَ‬
‫وكلها في مجموعها تحقق عدالة التوزيع للدخل وَالْفِ َّض َة َوالَ يُنفِ قُونَهَا فِ ي سَ بِيلِ اللّهِ َفبَشِّ ْرهُم‬
‫والثروة‪ ،‬ولفوائد عناصر اإلنتاج للمجتمع ككل‪.‬‬
‫َاب أَلِيم * يَ� ْو َم يُحْ مَى عَ لَيْهَا فِ ي نَ��ارِ جَ َه َّن َم‬
‫ِب َعذ ٍ‬

‫اكتناز األموال‬

‫َفتُ ْكوَى ِبهَا ِجبَا ُه ُه ْم وَجُ نوبُ ُه ْم وَظُ هُو ُر ُه ْم هَ ـذَا مَا‬

‫ي�ع�ن��ي االك �ت �ن��از‪ ،‬ح�ب��س ال �م��ال ع��ن التداول َكنَ ْزتُ ْم ألَنف ُِس ُك ْم َفذُوقُوا ْ مَا كُنتُ ْم تَ ْك ِنزُون} سورة‬
‫وت �ج �م �ي��ده‪ ،‬م��ا يعطله ع��ن وظ�ي�ف�ت��ه األساسية‬
‫التوبة‪ ،‬اآلية (‪.)35-34‬‬
‫ف��ي دخ��ول��ه دورة اإلن��ت��اج‪ ،‬وه��و ب��ذل��ك يختلف‬

‫عن االدخ��ار‪ ،‬ف��إذا كان االدخ��ار يمثل ما يفيض‬

‫وفي الشرع اإلسالمي‪ ،‬كل مال ال تؤدى زكاته‬

‫ع��ن ال��دخ��ل بعد تلبية الحاجات االستهالكية‪ ،‬فهو كنز‪ ،‬قال عليه الصالة والسالم‪« :‬كل مال وإن‬
‫ويتحول إلى إنفاق استثماري‪ ..‬فإن االكتناز هو‬
‫كان تحت سبع أرضين تؤدى زكاته فليس بكنز‪،‬‬
‫ال في القنوات‬
‫بمثابة مدخرات ال تجد لها سبي ً‬
‫االستثمارية‪ ،‬ول��ذل��ك ف��إن االك�ت�ن��از يقف عقبة وكل ما ال تؤدى زكاته وإن كان ظاهراً فهو كنز»‬

‫في وجه التنمية االقتصادية واالجتماعية‪ ،‬ألنه (رواه الطبراني)‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪123‬‬

‫الوزير املرافق‬

‫املؤلف ‪ :‬معالي الدكتور غازي بن عبدالرحمن القصيبي‬
‫الناشر ‪ :‬املؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت – عمان‬
‫السنة ‪2010 :‬م – ‪1431‬هـ‬
‫قبيل رحيله رحمه الله‪ ،‬صدر حديثًا عن المؤسسة تأخذ الوزير من دوامة العمل الروتيني اليومي‪ .‬أبرز هذه‬
‫العربية للدراسات والنشر كتاب جديد للدكتور الروائي المهام مرافقة الملك وولي العهد‪ ،‬في الزيارات الرسمية‪،‬‬
‫الشاعر الوزير غازي القصيبي بعنوان «الوزير المرافق»‪ .‬ومرافقة رؤساء الدول الذين يزورون المملكة والمساهمة‬
‫«الوزير المرافق» كتاب للشاعر والروائي السعودي في المؤتمرات المختلفة»‪.‬‬
‫غازي عبدالرحمن القصيبي‪ ،‬صدر حديثاً عن المؤسسة‬
‫وخالل عملي في وزارة الصناعة والكهرباء والصحة‪،‬‬
‫العربية للدراسات والنشر (بيروت ‪ -‬عمّان) ويض ّم نصوصاً كلفت بعدد كبير من هذه المهام‪ .‬وفي هـذا الكتاب فصول‬
‫ومقاالت كان كتبها القصيبي في ظروف مختلفة‪.‬‬
‫تحمل انطباعاتي الشخصية عن عدد من رؤساء الدول‬

‫ي�ق��ول ال��دك�ت��ور القصيبي رح�م��ه ال�ل��ه‪ :‬م��ا ك��ان لهذا‬
‫الكتاب أن يكتب لوال الملوك الكبار جاللة الملك خالد‬
‫ابن عبدالعزيز‪ ،‬رحمه الله‪ ،‬وخادم الحرمين الـشـريـفـين‬
‫الملك فهد بن عبدالـعزيز‪ ،‬رحمه الله‪ ،‬وخادم الحرمين‬
‫الـشـريـفين ال�م�ل��ك ع�ب��دال�ل��ه ب��ن ع�ب��دال�ع��زي��ز أم� � َّد الله‬
‫في عمره ‪ -‬ولهم جميعاً في قلبي من الحب والتقديم‬
‫واالمتنان ما ال يعرفه إال الله عز وجل‪.‬‬
‫أرج��و أن أك��ون ص��ادق �اً إذا قلت مستشهداً باآلية‬
‫الكريمة عما كتبته هنا «وما شهدنا إال بما علمنا وما كنا‬
‫للغيب حافظين»‪.‬‬
‫ويضيف في مقدمته للكتاب‪« :‬قلت في كتابي السابق‬
‫«حياة في اإلدارة»‪« :‬كانت هناك‪ ،‬بين الحين والحين‪ ،‬مهام‬
‫‪ 124‬اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫والحكومات أتيح لي أن أشاهدهم عن كثب‪ ،‬من خالل‬
‫مرافقتي الملك أو ولي العهد في زيارة لبالدهـم أو مـن‬
‫خـالل زيـاراتـهـم هـم الـى الـمـمـلـكـة‪ .‬وقد حرصت على أن‬
‫تبقى االنطباعات كما دونتها أول مرة‪ ،‬منذ سنين طويلة‪،‬‬
‫من دون أن أحاول تصحيح أو تعديل ما كتبته في ضوء‬
‫التطورات الالحقة‪.‬‬
‫ومن عناوين الكتاب‪ :‬البيت األبيض‪ ...‬بين سيدين‪ ،‬مع‬
‫سيدة الهند الحديدية‪ ،‬مع المجاهد األكبر‪ ،‬مع المستشار‬
‫«اللسان»! مع المستشار الذي «جاء من األرياف»‪ ،‬مع األخ‬
‫العقيد‪ ...‬في الحافلة‪ ،‬على مائدة الملكة‪ ...‬أخيراً! بين‬
‫المهندس والنحلة! مع قاهر االمبراطورية البريطانية‪،‬‬
‫فاس‪ ...‬بين قمّتين‪.‬‬

‫ق�������������������������������������������������������������راءات‬

‫دموع فراشة‬

‫> أحمد الدمناتي*‬

‫املؤلف ‪ :‬حميد ركاطة‬
‫الناشر ‪ :‬دار التنوخي للطباعة والنشر والتوزيع‪ ،‬املغرب‪ ،‬الطبعة األولى‬
‫السنة ‪2010 :‬م‬
‫صدر للناقد والقاص المغربي حميد ركاطة مجموعته القصصية القصيرة جدا البكر‬
‫تحت عنوان جميل ودال «دموع فراشة»‪ ،‬في حلة زاهية‪ .‬المجموعة من القطع المتوسط‪.‬‬
‫وتلم بين دفتيها زبدة ما كتبه حميد ركاطة من قصص قصيرة جدا تضاف إلى مدونة‬
‫القصة المغربية‪.‬‬
‫بصم القاص عبدالله المتقي على غالف المجموعة بالكلمة التالية‪:‬‬

‫المــاء والفـراشة‬
‫فالفراشة ألوانها جذابة وفاتنة‪ ،‬لذا استحوذت على مساحات واسعة من اإلبداع‪،‬‬
‫والمعتقدات الدينية‪ ،‬ولعب األطفال‪ .‬وأكثر أنواع الفراشات تعيش في األماكن المطيرة‪،‬‬
‫كما يعيش بعضها في قمم الجبال‪ ،‬وبعضها يسابق المسافات الطويلة لقضاء الشتاء في‬
‫المناطق الدافئة‪ ،‬وقليل منها يعيش في الصحاري المشمسة والجافة‪ ..‬كذلك قصص‬
‫المبدع والناقد حميد ركاطة‪ ،‬فراشات مائية بألوان زاهية وبأنماط خيالية مدهشة‪،‬‬
‫فاتنة بجمال لغتها الرقيقة‪ ،‬تعيش في أنحاء التيمات واألشكال‪ ،‬وقريبا من ماء الكتابة‪:‬‬
‫مطر‪ ،‬جرح‪ ،‬دموع‪ ،‬نزيف‪ ،‬لعاب‪ ،‬ندف الثلج‪ ،‬وحبر القصة القصيرة جدا‪..‬‬
‫حفنات حميد ركاطة بيضات صغيرة جدا‪ ،‬فحاول فقسها‪ ،‬وسيخرج لك منها العجب‬
‫العجاب‪.‬‬

‫* ‬

‫كاتب وناقد من المغرب‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪125‬‬

‫شاهد عيان على ذلك الزمان‬
‫‪1948- 1946‬م شهادة حول‬
‫ضياع فلسطني‬

‫املؤلف ‪ :‬اللواء ركن م ‪ /‬معاشي ذوقان العطية‬
‫الناشر ‪ :‬مطابع احلميضي ‪ -‬الرياض‬
‫السنة ‪1431 – 2010 :‬هـ‬
‫صدر في الرياض كتاب جديد بعنوان «شاهد عيان على ذلك الزمان ‪1948- 1946‬م»‬
‫للواء معاشي ذوقان العطية أحد ضباط الجيش العربي سابقا‪ ،‬حيث يغطي فيه العطية‬
‫فترة تعايش معها المؤلف ضابطا بين طوائف الشعب الفلسطيني الكريم‪ ،‬من غزة‬
‫إلى يافا ونابلس وصفد والناصرة مرورا بالقدس الشريف ومشاركته في معركتها عام‬
‫‪1948‬م‪ ،‬ولهذا يعد هذا الكتاب شاهداً على حال فلسطين وأوضاعها في تلك الفترة‬
‫(‪1948-1946‬م)‪.‬‬
‫ويؤكد المؤلف أنه بعد ستين عاماً من هزيمة العرب في ‪1948‬م‪ ،‬فإن العرب لم‬
‫يبصروا حتى اآلن أسباب تلك الهزيمة المرة التي قادت الى ماقادت إليه من هزائم أكبر‪،‬‬
‫مشيراً إلى أن العرب لم يتعلموا من أخطائهم السياسية والعسكرية مع العدو‪ ،‬متهما‬
‫االنقالبات العسكرية بجر الويالت على األمة العربية‪.‬‬
‫ويشير إلى أن العرب لم يفيدوا أيضا من دروس نجاحات العدو في معاركه العسكرية‬
‫وتحركاته السياسية‪ ،‬مفندا عددا من األراء التي أخذها الناس دون التحقق من صدقيتها‪،‬‬
‫مشيرا إلى أنه قرر بعد أن زاره أحد المؤرخين الشباب عام ‪2006‬م كتابة شهادته حول‬
‫تلك الفترة التي عايشها‪ ،‬موضحاً أنه أحس أن من واجبه الكتابة لألجيال القادمة عن‬
‫الظروف السائدة في فلسطين والوطن العربي بصدق‪ ،‬ودون خوف على شكل روائي‪،‬‬
‫‪ 126‬اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

‫ق�������������������������������������������������������������راءات‬

‫السائل والمجيب هو المؤلف نفسه‪ ،‬على ضوء‬
‫أيام عاشها بين أهل فلسطين‪.‬‬
‫ويجيب ال�ك�ت��اب على ع��دد م��ن األس�ئ�ل��ة في‬
‫(‪ )342‬صفحة من القطع المتوسط جاء فيها‪:‬‬
‫ •من الذي أعطى وعد بلفور؟‬
‫ •من الذي كان يحكم فلسطين؟‬
‫ •من الذي فرض على بريطانيا االنسحاب‬
‫من فلسطين؟‬
‫ •من الذي سلح اليهود؟‬
‫ •كم كانت قوة اليهود في ذلك الزمان؟‬
‫ •ما يملك العرب من قوة؟‬
‫ •لماذا أعلن األردن الحرب على ألمانيا؟‬
‫ •بأي سالح حاربت الجيوش العربية؟‬
‫ •من الذين رفضوا التقسيم؟‬
‫ •م��ن ال��ذي��ن ط��ال�ب��وا ب��ال�ح��رب ع�ل��ى غير‬
‫بصيرة؟‬
‫ •من أين أتت فكرة جيش اإلنقاذ؟‬
‫ •ماذا فعل جيش االنقاذ؟‬
‫ •ماهي قدرات العرب جميعا؟‬
‫ك�م��ا ي �ق��دم ال �ك �ت��اب وص �ف��ا محمال بالحزن‬
‫واألسى والدموع لسقوط المدن الفلسطينية في‬
‫أيدي اليهود وحجم المؤامرة الكبرى التي تعرض‬
‫لها أهل فلسطين من القوى الكبرى‪.‬‬
‫اللواء العطية من مواليد مدينة سكاكا بمنطقة‬
‫الجوف شمال المملكة العربية السعودية على‬
‫الحدود األردنية عام ‪1350‬هـ ‪ 1920 -‬م‪ ،‬وهو لواء‬
‫ركن متقاعد حاصل على درجة الماجستير في‬

‫العلوم العسكرية‪ ..‬وأحد أبرز الكتاب والمؤلفين‬
‫ف��ي المنطقة‪ ،‬أل��ف ع���دداً م��ن ال�ك�ت��ب تناولت‬
‫التراث الشعبي والتاريخي في منطقة الجوف‪،‬‬
‫إضافة إلى كتب أخرى في الشأن العربي العام‪.‬‬
‫من مؤلفاته أوراق جوفية‪ ،‬عصاميون‪ ،‬حدائق‬
‫الجوف‪ ،‬الغزو األمريكي للوطن العربي‪ ،‬خطوات‬
‫على الطريق‪..‬‬
‫ي�ع��د م��ن ج�ي��ل المخضرمين ال��ذي��ن عاشوا‬
‫تجارب إنسانية وعملية عديدة‪ ،‬فقد هاجر مع‬
‫ال�ع��دي��د م��ن ش�ب��اب ال�ج��وف للعمل ف��ي الجيش‬
‫العربي األردني‪ .‬شارك في حرب فلسطين ضد‬
‫العصابات الصهيونية‪ ،‬وعمل مندوبا لألردن في‬
‫عدد من ال��دول‪ ،‬ثم عاد إلى المملكة وعمل في‬
‫الحرس الوطني ليصل فيه إلى رتبة لواء‪.‬‬
‫يزدان مكتبه بلوحات تراثية لمنطقة الجوف‪..‬‬
‫تتوسطها خ��ارط��ة لفلسطين بمدنها وقراها‪،‬‬
‫سهولها وج�ب��ال�ه��ا‪ ..‬رب�م��ا يعيش معها ذكريات‬
‫األرب�ع�ي�ن�ي��ات م��ن ال �ق��رن ال�ع�ش��ري��ن حينما كان‬
‫متواجدا فيها‪..‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ ‪127‬‬

‫هدير الشعر‬

‫املؤلف ‪ :‬صابر احلباشة‬
‫الناشر ‪ :‬النادي األدبي في اجلوف‬
‫السنة ‪1431 :‬هـ‪2010/‬م‬
‫صدر للناقد والباحث التونسي صابر الحباشة كتاب جديد عن النادي األدبي بالجوف‪،‬‬
‫ضمن سلسلة إصداراته األدبية والثقافية‪ ،‬موسوما بــ»هدير الشعر»‪.‬‬
‫أصدر النادي هذا الكتاب إيمانا منه بما يقدمه من إضافة إلى المشهد الثقافي‬
‫والنقدي‪ ..‬لتمكين القراء من االط�لاع على إمكانات غزيرة في تأويل النص الشعري‬
‫العربيّ الحديث‪ ،‬حيث يقدم المؤلف مشاريع نقد الشعر الحديث التي يرى أنها بحاجة‬
‫إلى مزيد من الدعم‪ ،‬في ظ ّل ارتكاسات في ال��ذوق‪ ،‬وخفوت في القرائح‪ ،‬وجراحات‬
‫في الواقع‪ ،‬يستعرضها صابر الحباشة في أبواب الكتاب الثالثة والعشرين‪ :‬الشعر بين‬
‫وتناص األساليب‪ ،‬الشعر النثري والبالغة‪،‬‬
‫ّ‬
‫تراص التراكيب‬
‫ّ‬
‫الصنعة وحالوة الحديث‪،‬‬
‫الشعر بين اإلقناع واإلبداع‪ ،‬بنوّة الشّ عر ونبوءة الشّ اعر‪ ،‬تحاليل قبّانيّة‪ ،‬صراع التشابيه‬
‫نصا وإنشائية الرثاء‪،‬‬
‫في شعر محمود درويش‪ ،‬القصيدة تمنحك حق التأويل‪ ،‬االستشهاد ًّ‬
‫من إشكاليات نقد الشعر في العمدة البن رشيق‪ ،‬تجليات القول الشعري‪ ،‬مراسم االحتفال‬
‫الشعري‪ ،‬الشعر بين الصياغة والصباغة‪ ،‬الشعر الحديث بين الواقعيّة والصوفيّة‪ ،‬حدوس‬
‫القراءة وآليات اإلبداع‪ ،‬مستويات االنزياح في «هذا حفيف سرك البنّيّ » لهشام المحمّدي‪،‬‬
‫التماس‪ ،‬شعرية الموت عند كوكتو‪ ،‬تعالق النصوص في «آخر‬
‫ّ‬
‫«وصية» أوالد أحـمد‪ :‬شعرية‬
‫الهالليين»‪ ،‬شعرية البدائية أو في أسرار السذاجة الشعرية‪ :‬قراءة في نص «أغنية لباب‬
‫توما» لمحمد الماغوط‪ ،‬نظام التخييل في شعر أحمد العجمي‪ ،‬أيقونية اللغة الشعرية‪:‬‬
‫قراءة في كتاب الشين لعلي الشرقاوي‪ ،‬شعرية التضاد في مجموعة»أسقط منك واقفة»‬
‫لفاطمة محسن‪.‬‬
‫‪ 128‬اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1431‬هـ‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful