‫قبل أن أموت (‪)2‬‬

‫المحكوم باإلعدام‬
‫تأليف ‪ :‬محمد عواد‬
‫نشر ‪ :‬موقع تأمالت من أجل الثقافة‬
‫تصميم الغالف ‪ :‬نسرين الزهاوي‬

‫عذراً للغة العربية ‪ ..‬لكن اهلدف فكرة وليس نصاً أدبياً‬

‫مقدمة السلسلة‬
‫قبل أن أموت ‪...‬‬
‫عمل مكتوب ليس بقصة وال رواية وال جمموع مقاالت وال نقا فلفي ‪...‬‬
‫إنه خليط من كل ذلك يلتزم مبعيار واحد فقط وهو معيار أن تصل اليكرة للقارىء واجملتمع‬
‫العرب ‪...‬‬
‫قبل أن أموت عمل من أجزاء يتحدث عن شخصية يف كل جزء تقرتب من نهايتها وترى األجل حيوم‬
‫بالقرب منها‪....‬‬
‫يبدأ العقل ييكر بفرعة وتصبح الرؤية أوضح للحياة فيكون النقد ملا نعيشه وتقديم احللول لبعض‬
‫ما نعانيه ‪...‬‬
‫من سيقدم احللول أفراد عاديون يف هذه احلياة ينتظرون موتهم‪ ،‬لكن انتظار املوت جيعلهم‬
‫يتخلصون من اخلوف من كل ش ء عدا املوت‪....‬‬
‫يف اجلزء األول حتدثنا عن مريض باإليدز يعتقد أنه ميت ال حمالة‪...‬‬
‫ويف اجلزء الثان نتكلم عن حمكوم باإلعدام‪..‬‬
‫أما اجلزء الثالث فبطلته فتاة تتعرض جلرمية شرف ستكون معنا يف عام ‪...3102‬‬
‫الهدف واضح من قبلنا ‪ ،‬نشر فكرة وإعطاء طريق قد ميشي عليه غيرنا بشكل أفضل‬
‫منا فينير العقول أكثر وينشر الثقافة إلى دائرة أكبر‪...‬‬
‫قبل أن أموت ال ميثل تياراً فكرياً وال يروج ألدحد ‪ ...‬لكنه بنفس الوقت عمل جريء لن‬
‫يتوانى بانتقاد أي شخص عندما يرتكب خطأ‪...‬‬
‫إنه شخص يريد أن ميوت فماذا بإمكانك أن تخيفه أكثر؟‪.‬‬

‫إهداء اجلزء الثاني‬
‫إىل أرواح أولئك الذين أعدموا ظلم ًا لتفرع أو ظلم يف التحقيق‪...‬‬
‫إىل العقول احلية اليت ترفض األحكام العرفية على عقولنا ‪....‬‬
‫إىل أصدقائ يف صيحيت على الييفبوك وتويرت لدعمهم وسؤاهلم الدائم عن‬
‫اجلزء الثان ‪...‬‬
‫إىل كل من ساعدن ونصحين من خالل مناقشيت بأحداث هذا اجلزء وأفكاري‬
‫حوله‪...‬‬
‫إىل كل من انتقد اجلزء األول هادفاً للحقيقة والصواب‪...‬‬
‫إىل كل من ينشد احلقيقة وحيب القراءة‪...‬‬

‫مالحظات مهمة قبل القراءة‪:‬‬
‫‪ ‬يف قبل أن أموت (‪ )2‬قد تتكرر بعض األفكار اليت وردت يف اجلزء األول‪ ،‬واهلدف من ذلك‬
‫التشديد والتذكري بأهمية هذه املالحظات‪.‬‬
‫‪ ‬عمل "قبل أن أموت" ليس بقصة أو رواية‪ ،‬إنه عمل مكتوب خيلط كل األساليب بهدف‬
‫إيصال اليكرة‪.‬‬
‫‪ ‬الصيحة اخلاصة بهذه الفلفلة على الييفبوك ه ‪:‬‬
‫‪https://www.facebook.com/QblAnAmwt‬‬
‫‪ ‬الصيحة اخلاصة بالكاتب على الييفبوك ه ‪:‬‬
‫‪https://www.facebook.com/Awaadarticles‬‬
‫‪ ‬نرحب باألفكار واملالحظات على الصيحتني املذكورتني أعاله ملا يف ذلك من فائدة لنا يف‬
‫األجزاء املقبلة‪.‬‬
‫‪ ‬هدفنا فكرة‪ ،‬فإن وصلتكم فقد جنحنا مهما كان مفتوى العمل من ناحية لغوية‪.‬‬
‫‪ ‬موقعنا الرمس هو موقع تأمالت ‪.www.taamolat.com‬‬
‫‪ ‬بإمكان القارىء طباعة العمل ونشره ما دام حيتيظ حبقوق كل من "الكاتب حممد عواد"‬
‫واملوقع االلكرتون "موقع تأمالت"‪.‬‬

‫مل يوسف من مماطلة صديقه حممد بدفع الدين الذي زاد عن عشرة آالف دوالر‪ ،‬فدائماً ما كان‬
‫حممد خيربه بأنه سيدفع الشهر املقبل أو الشهر الذي يليه‪ .‬ورغم عروض يوسف الكثرية بتقفيط‬
‫املبلغ على دفعات بفيطة‪ ،‬ظل حممد يقفم بأغلظ األميان أنه سيفدد الدين بأكمله دفعة واحدة‬
‫بعد فرتة وجيزة‪.‬‬
‫يصادف اليوم الذكرى الفنوية اخلامفة لذلك الدين‪ ،‬هكذا بات يوسف يصيه‪ ،‬فهو مبثابة امليت‬
‫الذي ال عودة له إىل احلياة لذلك استحق تفمية سنواته بالذكرى‪ .‬ورغم أن يوسف ال حيتاج ذلك‬
‫املال‪ ،‬كان أسلوب حممد بالكذب يفتيزه جداً وجيعله يصر على اسرتداد دينه يف النهاية مهما طال‬
‫الزمن‪ ،‬فاملوضوع مل يعد ماالً بقدر ما أصبح حتدياً‪.‬‬
‫استعار يوسف يف هذه الذكرى هاتف أحد املوظيني اجلدد لديه‪ ،‬يف شركته متوسطة احلجم اليت‬
‫ميلكها‪ ،‬ليتصل منه‪ ،‬فمحمد ال جييب على أي اتصال من رقم سبق ليوسف االتصال منه‪ .‬اتصل‬
‫يوسف بالرقم الذي حير يف ذاكرته لكثرة االتصال به فهويعتربه جزءًا من معركة خيوضها‪:‬‬
‫حممد‪" :‬ألو"‬
‫يوسف‪" :‬كيف احلال يا صديق حممد؟"‬
‫حممد يعرف املتصل‪" :‬أهالً بك ‪ ..‬أهالً يا يوسف‪ ،‬أنت ابن حالل فقد كنت أريد االتصال بك بعد‬
‫قليل‪ ،‬هل هذا رقمك اجلديد؟"‬
‫يعرف يوسف أن الفؤال عن رقمه اجلديد هدفه التأكد من أجل ختزينه وعدم الرد عليه مفتقبالً‪،‬‬
‫لذلك أراد وضع حممد يف حرية وقال له‪" :‬لو مل أتصل بك اآلن لكنت ابن حرام؟"‬
‫صمت حممد قليالً ثم ضحك وقال‪" :‬ال‪ ،‬أنت اخلري والربكة دائماً!"‬
‫يوسف وحبزم‪" :‬سأكون واضحاً معك هذه املرة يا حممد‪ ،‬بعد يومني فقط سأذهب للشكوى عليك‬
‫وأعرف أنين ال أملك ورقاً يثبت حق لكن لدي بعض الرسائل القصرية بيننا اليت قد تييدن ‪ ،‬وبكل‬
‫األحوال لو أنكرت حق وانتصرت يف املعركة القضائية وسرقت املال سأكون مرتاحاً جداً بعدها‬
‫ألنين لن أعتربك صديقًا وال حتى إنفاناً مر على حيات ‪".‬‬

‫حممد وبنربة يتضح عليها الكذب‪" :‬أمهلين حتى الليلة وسوف أتصل بك ألخربك إن كان عليك أن‬
‫تذهب لتشكو أم ال‪".‬‬
‫يوسف‪" :‬معك حتى التاسعة مفاء‪ ،‬وبعدها لن أجيبك أبداً‪".‬‬
‫حممد‪" :‬ال تقلق‪".‬‬
‫أغلق يوسف اهلاتف ومتتم ببعض الكلمات اليت مل ييهمها حتى هو‪ ،‬ويف الطرف األخر كان حممد‬
‫ييكر جدياً بتهديدات يوسف‪ ،‬فهذه املرة األوىل اليت يهدده فيها بهذا الشكل ويبدو أن صربه قد نيذ‬
‫فعالً‪ ،‬وهو ال يريد أن يظهر أمام باق األصدقاء مبظهر احملتال‪ ،‬وهذه قمة العار أن نهتم مبا يقوله‬
‫الناس عنا أكثر من اهتمامنا برأي أنيفنا عن ذاتنا‪.‬‬
‫مرت الفاعات ومل ييكر يوسف كثرياً باملفألة ألنه حفم أمره‪ ،‬فاإلنفان الذي يعرف ما يريد يكون‬
‫أقل قلقاً من املتخبط فاقد اهلدف‪ .‬كان قراره واضحاً‪ ،‬في حال مل يتصل حممد به حتى التاسعة‬
‫مفاء‪ ،‬سيبدأ احملام بالتحرك من أجل الفري يف إجراءات القضية يف اليوم التال ‪ .‬أما هناك فكان‬
‫حممد ييكر وييكر‪ ،‬تأكد من خفارة يوسف اآلن‪ ،‬لكنه يف ذات الوقت سيخفر مجيع أصدقائه‬
‫املشرتكني معه والذين يشكلون تقريباً أصدقاء عمره بأكمله‪.‬‬
‫الفاعة اآلن الثامنة مفاء‪...‬‬
‫حيمل حممد هاتيه ويبدأ باالتصال بيوسف‪.‬‬
‫يوسف‪" :‬ألو"‬
‫حممد‪" :‬مفاء اخلري‪ ،‬أنا أتصل بك اآلن وأريد أوالً االعتذار لك يا صديق عما قمت بيعله لكن اهلل‬
‫يعلم بالظروف‪".‬‬
‫يوسف‪ :‬الظروف؟ لقد اشرتيت سيارة جديدة وغريت أثاث منزلك وذهبت برحلتني للفياحة خارج‬
‫البالد وتقول ل ظروف!"‬
‫حممد‪" :‬املهم!" قاهلا املدين بكل ثقة وكأنه يقول ليوسف ال تعاتب فاملوضوع سينته قريباً!‬
‫صمت يوسف ومل يرد‪...‬‬

‫تابع حممد‪" :‬لقد جهزت لك املبلغ وأمتنى أن تأت وتأخذه الفاعة الواحدة بعد منتصف الليل ألن‬
‫لدي ضيوفًا سيأتون بعد نصف ساعة وسيجلبون املال ل وسيغادرون يف الواحدة تقريباً‪".‬‬
‫يوسف ‪ :‬حفناً‪ ،‬سوف أفعل‪.‬‬
‫حاملا انتهت املكاملة‪ ،‬قام يوسف وحضر العشاء لنيفه‪ ،‬فرغم جناحه املهين ما زال يعيش وحيداً حتى‬
‫اآلن‪ ،‬قابل كثرياً من اليتيات اللوات أعجنب به وأعجب بهن لكن العالقة مل تتطور إىل حد الزواج‪.‬‬
‫مل ييهم أحد ممن حوله سبب هذه الوحدة غري املربرة‪ ،‬لكن الناس كانوا ييفرون وييرتضون‪،‬‬
‫ووصلت األمور ببعضهم إىل افرتاض شذوذه رغم أنه يصل ويلتزم بيروضه كاملة‪.‬‬
‫انتهى يوسف من عشائه‪ ،‬ثم جلس يشاهد األخبار قليالً‪ .‬كانت إحدى احلروب األهلية يف املنطقة‬
‫العربية تتصدر عناوين األخبار‪ .‬تؤكد قناة اجلزيرة مقتل ثالثني شخصاً على يد القوات‬
‫احلكومية‪ ،‬تزايد العربية وتقول أربعني‪ ،‬تقدم ب ب س بدورها ختييضاً وتقول عشرين أما شاهد‬
‫العيان الذي اتصل فيتحدث عن مئة ومخفني على األقل‪ ،‬فيما يقول مراسل قناة رمسية مل يقتل‬
‫أحد‪.‬‬
‫ضحك يوسف ومل يعرف ما الذي جيربه على أن حيرص على احلقيقة فيشاهد كافة القنوات‪،‬‬
‫أليس عمله ممتازاً وحياتة املالية مفتقرة؟ فلماذا ال يهتم بشأنه ويهجر الفياسة متاماً؟ ملاذا زرع‬
‫فيه والداه هذا الشعور القوم الذي ال يرتدد بعض الفخياء بوصيه بالكير وكأن شعورك بأخيك‬
‫حرام؟ وكأن قولك حتب فالناً العرب يعين أنك تكره فالناً املفلم‪ ،‬تواصل صراع األفكار معه حتى‬
‫غري القناة فوضع قناة لألفالم‪ ،‬مجيلة ه بقدرتها على ختدير اهتماماتنا وعقولنا‪ ،‬إنها حقًا‬
‫لوسيلة هروب فعالة جداً من الواقع‪.‬‬
‫استمر يوسف مبشاهدة قناة األفالم هذه اليت جتفد مبدأ استغالل املشاهد بأفظع أشكاله‪ ،‬فه‬
‫بني كل دقيقة ودقيقة تقدم فاصالً إعالنياً بنيس اإلعالنات‪ ،‬واملشاهد جمرب على رؤيتها دائماً ويف‬
‫كل مرة‪" .‬هل يعرف املعلنون أنين أكره هذه املنتجات اليت تقطع األفالم يف أهم مواقيها؟ هل‬
‫يعرفون أنين أقاطع مباشرة كل منتج يتفبب بإففاد متعة املشاهدة؟‪ .‬ال أعتقد!"‬
‫هكذا حتدث يوسف لنيفه ونظر إىل الفاعة فوجدها الثانية عشر والنصف بعد منتصف الليل‬
‫فنهض واتصل مبحمد وسأله "هل غادر الضيوف؟" فأجاب األخري بنعم وأن باستطاعته القدوم‬
‫اآلن‪.‬‬

‫قام يوسف وكعادته بعد دوامه بارتداء مالبس رياضية فهو يؤمن بأن له احلق بلبس ما يريد ما دام‬
‫ال خيالف األخالق العامة‪ ،‬ال يهتم مبن يقول له "أنت صاحب شركة وعليك أن تظهر دائماً بشكل‬
‫مجيل‪ ".‬من حقه أن يعيش كما يريد فهو مصدر دنياه‪ ،‬عندما ميوت تنته الدنيا وهذا االستدالل‬
‫يكييه ليقتنع أنه هو مصدر الدنيا وليس العكس‪ ،‬لقد كان يردد كلمة املوت بهدوء عندما جييب‬
‫مبثل هذه الطريقة‪ ،‬ألنه ما زال شابًا واملوت بعيد عنه‪.‬‬
‫خرج يوسف وركب سيارته اليت مل يكن حيب أن يقودها يوماً‪ ،‬فقد كان يعان طيلة حياته خوفاً من‬
‫قيادة الفيارات لكن تقدمه بالعمر وتعقيدات العمل أجربته على ذلك‪ .‬حترك بهدوء حنو بيت‬
‫حممد وهو ميين النيس بأن املوضوع سينته اليوم‪ .‬مل ييكر يوسف مبا سييعله بعد أن يأخذ ماله‬
‫من حممد‪ ،‬هل سيبق على عالقته معه أم ينهيها؟ مل ييكر بذلك أبداً ألنه ببفاطة كان يتوقع‬
‫كذبة جديدة عندما يصل‪ ،‬مل يتأمل كثرياً ألنه ال يريد أن يتعرض لإلحباط من جديد‪.‬‬
‫مضى بفيارته واقرتب من الشارع حيث يفكن حممد‪ ،‬شارع واسع وغالباً ما يكون خالياً من‬
‫الفيارات والبشر‪ ،‬ووجده هذه املرة خا ٍل متاماً ألن الفاعة متأخرة بعد منتصف الليل‪.‬‬
‫تقدم بطمأنينة وهو يقرتب من بيت حممد‪ ،‬كانت سرعته متوسطة ال تتجاوز الفتني كيلو مرتاً يف‬
‫الفاعة‪ ،‬لكنه بدا مفرعاً بفبب الوقت املتأخر وطبيعة الشارع اخلال من الناس واملركبات‪ .‬من هنا‬
‫بدأ ييهم اينشتاين نفبيته اليت طالبت بنظرة خمتلية لألمور باختالف املكان والزمان‪ .‬واصل‬
‫القيادة وهو ييكر بتلك النظرية ومبحمد بنيس الوقت‪ ،‬فتياجأ بشخص يندفع ويرم نيفه حتت‬
‫الفيارة لكن بعيداً قليالً عنها وكأنه حياول أن ميازحه‪.‬‬
‫مل يفتوعب يوسف شيئاً‪ .‬إنها أول حالة توتر تصيبه يف عامل قيادة الفيارات الذي ظل يتجنبه‬
‫طوال حياته خوفًا من مثل هذا املوقف‪ ،‬فلم يعرف كيف يتصرف‪ ،‬نف الكوابح ونف كل ش ء‪.‬‬
‫إنه يصعد على الرجل الذي رمى نيفه حتت الفيارة!‬
‫ترجل من الفيارة مفرعًا وهو يصرخ "يا اهلل‪ ،‬يا اهلل‪".‬‬
‫خرج الناس من بيوتهم لدى مساعهم صرخات يوسف الذي نزل من الفيارة وهو يواصل صراخه "يا‬
‫اهلل‪ ،‬يا اهلل‪".‬‬

‫إنه حممد الذي حتت الفيارة‪ ،‬حضنه يوسف وهو يبك ويصرخ "ملاذا رميت نيفك حتت الفيارة؟‬
‫ملاذا؟"‬
‫ال خيرج الكالم من فم حممد‪ ،‬نظرات حبياء إىل يوسف فقط وبنيس الوقت يبتفم ابتفامة مكر!‬
‫مل ييهم يوسف تناقض اإلنفان يف تلك اللحظة‪ ،‬ينتحر وينظر باستحياء!‪.‬‬
‫محله الناس وأدخلوه سيارة يوسف الذي مل يفتطع القيادة ليجلس يف اخللف ووضع حممد فوقه‬
‫ملطخاً بالدماء‪ .‬وأثناء الفري بفرعة كبرية من قبل أحد اجلريان‪ ،‬كان حممد ينظر ليوسف‬
‫ويبتفم ويقول "آسف‪ ،‬مل أكن أنوي أن أموت‪ ،‬فقد كنت أريد أن تتوقف قبل أن تضربين وأدع‬
‫اإلصابة‪ ،‬ألقايض الدين بضربيت وننته ‪".‬‬
‫نظر يوسف إليه وقال "ملاذا؟ ملاذا فعلت ذلك؟"‬
‫التيت الفائق إىل يوسف وقال‪" :‬أال ختجل من نيفك؟ صدمت الرجل وتعاتبه!"‬
‫نظر يوسف إليه وقال "أمل تفمعه ماذا يقول؟"‬
‫أجاب الفائق‪" :‬نعم‪ ،‬لكن هذا من حرارة الروح!"‬
‫نظر يوسف إىل الفائق باستغراب وهو يقول له‪" :‬هل هذا وقت اخلرافات؟ هناك روح لكن حرارتها‬
‫فكرة غريبة تؤمن بها من دون دليل‪ ،‬ومن أين عرفت أنها جتعل اإلنفان يقول بعض اهللوسات؟"‬
‫كان يوسف ييكر أثناء الطريق‪ ،‬كيف يتجرأ إنفان على التضحية حبياته‪ ،‬قال يف البداية لنيفه‬
‫"خبيل وييعل هذا‪ ،‬األمر غريب‪ ،‬فالبخيل ال يضح باملال فما بالك بنيفه‪ .‬لكنه أدرك أن حممد مل‬
‫يكن يوماً خبيالً‪ ،‬وإمنا كان ماكراً فقط‪ ".‬واصل يوسف التيكري وكأنه اكتشف أن فهم املصيبة‬
‫جيعلها ألطف‪.‬‬
‫وصلوا إىل املفتشيى أخرياً‪ .‬انهار يوسف على بابه وهو يبك مما حدث له‪ ،‬خرج الطبيب بعد دقائق‬
‫فقط من إدخال حممد إىل غرفة العمليات وقال "البقية يف حياتكم‪".‬‬
‫بكى يوسف أكثر وأكثر‪ ،‬ليجد الشرطة آتية لتلق القبض عليه وخترجه بهدوء من املفتشيى‪.‬‬
‫استفلم يوسف لذلك وخرج بصمت مكتيياً بالبكاء‪ .‬مل يفمع أثناء خروجه مع الشرطة زوجة‬
‫حممد خترب أحد احملققني يف اخلارج أن يوسف اتصل غاضبًا وهدد زوجها بعقاب قاسٍ خالل يومني‬
‫إن مل يفدد ما عليه من دين‪ ،‬فلم تفمع الزوجة بعد بنبأ وفاة زوجها‪.‬‬

‫اقتيد يوسف إىل مركز الشرطة وهو يظن أن قضيته عبارة عن دهس باخلطأ ووفاة الشخص الذي‬
‫تعرض للحادث‪ ،‬وأن احلل سيكون على الطريقة العربية جباهة من أقاربه فيما يعرف ببالده باسم‬
‫"العطوة" ومن ثم يدفع مبلغاً من املال‪ ،‬غالباً ما يكون حمدداً اجتماعياً‪ ،‬وبعدها تنته القضية‬
‫وكأن شيئاً مل حيدث‪.‬‬
‫كان يوسف دائماً ضد هذا النظام العشائري باحلل‪ ،‬وكان يصف هذه العادة بأنها مصدر التهور يف‬
‫قيادة الفيارات فقد مسع بأذنه أكثر من سائق يردد "سعره فنجان قهوة" والقصد بأنه لو دهس أي‬
‫إنفان يف الشارع فإن العطوة كييلة بإخراجه من القضية كالشعرة من العجني متاماً‪ ،‬هو اآلن‬
‫يفتنجد بذلك العرف الذي كرهه وانتقده لكنه يدرك ألول مرة خطورة طريقة تيكري افرتاض أن‬
‫الناس كلهم سيئون‪ ،‬فهذه العطوة عملت إلنقاذ اجليدين وال يعين وجود بعض الفيئني حرمان‬
‫اجلميع من بعض احللول اإلجيابية‪.‬‬
‫نعم إنها ذات الطريقة اليت جعلت بعض من يوصيون بعلماء الدين غاية يف التشدد‪ ،‬فهم دائماً‬
‫ييرتضون أن اجلميع على قلب أسوأ واحد منهم‪ ،‬حتى أنهم برروا حتريم مصافحة املرأة ألن هذا‬
‫يثري الشهوة‪ ،‬وطبعاً حجتهم ضعيية فكم من امرأة صافحها رجل ومل خيطر بباله شيئاً غري‬
‫مصافحتها‪ ،‬هو يعرف جيداً أن هناك علماء كثر ناقشوا القضية وأكدوا عدم وجود دليل صحيح‬
‫حيرم األمر حتى جاء أحد من وصف بعلماء احلديث يف مطلع القرن احلادي والعشرين ليقول إن‬
‫حديثًا حيرم مصافحة األجنبية مبثابة الصحيح‪.‬‬
‫رأى يوسف عامل دين يتفاءل يوماً حول موقف بعض رجال الدين املتشددين من قضية كاملصافحة‬
‫مثالً‪" :‬كيف للناس أن يعيشوا مخفة عشر قرناً وهم ال يطبقون هذا احلديث ألنه كان يف نظرهم‬
‫ضعيياً حتى جاء أحدهم وصنيه على أنه صحيح؟" ال بد من إعادة النظر يف هذا األمر واستخدام‬
‫املنطق ألن ديننا دين منطق يف بنيانه وإال ملا كان حقاً يتبع وإمنا فرضاً يطبق‪.‬‬
‫"عندما أخرج من هذه القضية بعد أسبوع إن شاء اهلل سأطلق موقعاً دينياً وأتعامل به مع علماء‬
‫عاقلني غري متشددين لنشر الدين الصحيح‪ ".‬هكذا قال يوسف لنيفه‪ ،‬فهو ميلك املال الكايف جلعل‬
‫هذا املوقع معروفاً لدى اجلميع‪ ،‬لكن ملاذا ال ينتبه الناس إىل هذه الظاهرة إال متأخرين وعند‬
‫وقوعهم يف مأزق؟ أال يصلح التيكري بإجيابية ومفاعدة العامة يف جمتمعنا العرب إال عندما‬
‫ميرض أحدهم أو يقع يف مصيبة؟‪.‬‬
‫وأثناء جداله الديين هذا مع نيفه وكأنه حرب من أحبار األمة‪ ،‬مسع صوتًا يقول له "تعال!"‬

‫"فقط تعال؟ أين االحرتام؟" عاد يوسف ليكلم نيفه ومل يتحرك‪.‬‬
‫فعاد نيس الصوت "من الواضح أنك ال تيهم‪ ،‬أقول لك تعال‪".‬‬
‫مل ييهم يوسف سر هذه املعاملة الفيئة بل الفيئة جداً رغم أن ما ارتكبه هو حادث دهس غري‬
‫مقصود‪ ،‬لكنه مل يبحث عن االحرتام اآلن فمن الواضح أن من يناديه تفوء أخالقه مع كل كلمة‬
‫يكررها‪ ،‬ومن األفضل اإلسراع يف الذهاب إليه قبل أن ييتح فمه مرة أخرى‪.‬‬
‫دخل يوسف مفرعاً إىل املكتب الذي كان خيرج منه الصوت وقال "نعم سيدي‪".‬‬
‫فرد الرجل‪" :‬أنا احملقق أبو خليل‪ ،‬أريد منك أن ننه التحقيق بفرعة ك ال أرهقك وال ترهقين‪".‬‬
‫فأجاب يوسف" "طبعاً يا سيدي‪".‬‬
‫ "قل ل ملاذا قتلت حممد؟"‬‫ "قتلته؟‪ ...‬ال سيدي إنه حادث فقط!"‬‫ "قلت لك ببفاطة ال تتعبين ك ال أتعبك‪ ،‬أجبين بفرعة‪ ،‬ما الذي بينك وبينه؟"‬‫ "ال ش ء‪ ،‬أقفم لك أال ش ء بيين وبينه يا سيدي! فقط كنت ذاهباً ألخذ مال منه‪ ،‬لكنه‬‫جاء مفرعاً دون أن أنتبه فدهفته باخلطأ!"‬
‫ "قالت زوجته شيئاً خمتلياً‪ .‬قالت إنك هددته عرب اهلاتف وقلت له إن مل يدفع سوف يكون‬‫لك تصرف أخر‪".‬‬
‫ "نعم يا سيدي‪ ،‬أخربته بتصريف اآلخر وهو الشكوى عليه قضائياً ألحفم األمر إما ينكر‬‫حق فأنكر صداقته ووجوده‪ ،‬أو يعرتف فأحصل على حق بشكل قانون ‪".‬‬
‫ "ال تتكلم بيلفية يف حضرت هنا‪ ،‬أريد أن أساعدك‪ ،‬اعرتف بأنك قتلته بدالً من أن جنعلك‬‫تعرتف بطريقتنا‪".‬‬
‫ "جتعلونين أعرتف؟ هل األمر بفيط هكذا بالنفبة لكم؟ أال تيرتض ولو بنفبة واحد باملئة‬‫أنين بريء!‪".‬‬
‫أثناء ذلك‪ ،‬تذكر يوسف كلمة حممد "أنا آسف" ومل ييهم إن كانت الكلمات تكي ألن تغير‬
‫لشخص خطيئة مثل هذه‪ ،‬فقد علم بأن زوجته تكلمت قبل أن تعرف بوفاة حممد وادعت أن احلادث‬
‫متعمد ظناً منها أن زوجها سيخرج ساملاً وسوف تنته قصة هذا الدين‪ ،‬بل رمبا حيصالن على‬

‫تعويض إضايف‪ ،‬ه خطة حمبوكة بني الطرفني‪ ،‬مل تكن تعرف أنه مات وإال ملا كانت ردة فعلها‬
‫ال سيئة بعد وفاته وذكرى مقيتة‪.‬‬
‫زيادة زوجها أعما ً‬
‫وبينما كان يوسف خيضع للتحقيق‪ ،‬كان حدسه يصيب ولكن ما فائدة اإلجنازات وأنت مهدد‬
‫باإلعدام؟ فهناك يف املفتشيى للتو أخرب الطبيب زوجة حممد أنه تويف‪ .‬لقد أخر إعالمها باألمر‬
‫حتى جاء أخوتها ليفتطيعوا التعامل معها لو قامت بردة فعل قوية‪ .‬لقد كانت باليعل حتتاج لعدة‬
‫رجال ملنعها من لطم وجهها‪ ،‬وحماولة إقناعها بالتوقف عن الصراخ‪ .‬كانت تردد من دون أن ييهم‬
‫أحد "قتلت اثنني وليس واحداً‪ "،‬ففر املوجودون األمر على أنها تقصد نيفها وزوجها وأن القاتل‬
‫هو يوسف‪ ،‬لكن القصد الذي يف قلبها هو أن زوجها قتل نيفه وقتل يوسف ألنها نيذت اجلزء‬
‫املنوط بها من اخلطة‪.‬‬
‫يف قاعة التحقيق‪ ،‬كان احملقق أبو خليل مفتمراً مبطالبة يوسف أن يعرتف جبرميته ك يفاعده‪،‬‬
‫لكن يوسف أعقل من االستفالم ملثل هذه الضغوط الكييلة بإرساله إىل حبل املشنقة مباشرة‪.‬‬
‫قام أبو خليل عن كرسيه واجته حنو يوسف ونظر يف وجهه وقال بطريقة كلها لؤم وشر "انتهى‬
‫دوري اآلن‪ ،‬وجاء وقت التحقيق العلم معك"‪.‬‬
‫"التحقيق العلم ؟" هذا ما قاله يوسف وهو ينظر يف وجه أب خليل وعيونه كلها ثقة‪.‬‬
‫كان عقله يقول بفذاجة "ال بد أنهم سيحضرون طبيباً نيفياً متخصصاً بوضع حتت ضغوط‬
‫حتى يتأكد من صدق أو كذب ‪ ،‬هذا األسلوب أفضل بكثري من الصراخ الذي اتبعه أبو خليل‪"،‬‬
‫سذاجة يوسف ليفت غريبة‪ ،‬فاملتيائل جدًا يقع يف شرك الفذاجة بعض األحيان‪.‬‬
‫خرج احملقق من املكتب ليدخل ثالثة رجال بعده بلحظات‪ ،‬ويصطحبون يوسف إىل غرفة بعيدة عن‬
‫غرف التحقيق يف طابق سيل ‪ .‬إنها صغرية جداً‪ ،‬يكاد ال يدخلها ضوء ألن فتحة اجلدار فيها‬
‫صغرية للغاية‪ .‬مل يكن هذا ما ينتظر يوسف فحفب بل كانت الغرفة باردة لدرجة ال تطاق‪ ،‬وهناك‬
‫قطرات ماء صغرية تتفاقط قطرة قطرة تيصلهما فرتة زمنية‪.‬‬
‫قال أقصرهم ليوسف "بوسعك النوم هنا‪".‬‬
‫ال "أليس هناك غطاء؟"‬
‫نظر يوسف إليهم والعجز مفيطر على مالمح وجهه سائ ً‬
‫عاد نيس الرجل القصري ليجيب "عندما تنام سنجلب لك أفضل غطاء‪ ،‬ال تقلق‪".‬‬

‫دخل يوسف الغرفة الضيقة ومت إغالق الباب عليه‪ .‬بدأ ييكر باملصيبة اليت مت إيقاعه فيها‪ ،‬إنه يلوم‬
‫نيفه فهذه عادة اإلنفان عندما يشعر باخلطر‪ .‬اتهم نيفه بأنه طماع رغم أن ما فعله كان جمرد‬
‫املطالبة حبقه‪ .‬يوبخ نيفه اآلن ويقول هلا "لو فكرت مرتني قبل الذهاب إليه لكنت قد اقرتحت‬
‫االنتظار حتى الصباح واللقاء يف مكان عام‪".‬‬
‫أتعب التيكري يوسف إىل درجة جعلته يتمدد ناوياً النوم دون أن يشعر بالربد احمليط به‪ .‬وما إن‬
‫أغمض عينيه حتى مسع صوت نقطة ماء ترتطم باألرض لييتحهما من جديد وينظر إىل ما جرى‪.‬‬
‫عاد حملاولة النوم ليواجه نيس املشكلة مع نيس القطرة‪ ،‬وكلما اعتقد أنه اقرتب من النوم‪ ،‬كانت‬
‫له قطرة املاء الصغرية باملرصاد‪ ،‬فيتجلى ضعف اإلنفان يف مواقف تذله فيها أشياء صغرية كقطرة‬
‫املاء أو بعوضة‪.‬‬
‫الغريب يف هذه القطرة أنها ال تفقط إال إذا بدأ يدخل يف طور النوم‪ .‬اكتشف األمر‪ ،‬فاليرق الزمين‬
‫بني النقاط ليس صدفة وال عيب يف املبنى‪ ،‬فمن وضع نظام سقوط القطرات هذا جعل بني القطرة‬
‫واألخرى فرتة زمنية معينة متنع اإلنفان من االعتياد عليها مما مينعه من النوم‪ .‬إنه أسلوب‬
‫حتقيق متبع إلرهاق املتهم فال ينام ثم يصبح قابالً لالعرتاف‪ .‬حاول الصمود وظن أن األمر سيكون‬
‫ليلة فحفب‪ ،‬لكن املياجأة أننا اليوم يف الليلة الفابعة ويوسف يعيش يف نيس الزنزانة والفيناريو‬
‫يتكرر‪ ،‬قطرات ماء تتفاقط بالليل وال ضوء يف النهار‪ ،‬وبرد طوال اليوم وصمود بعدم االعرتاف‬
‫جبرمية مل يرتكبها‪.‬‬
‫هذا األسلوب بالتحقيق ليس متبعاً عادة يف أجهزة األمن العادية فهو أسلوب استخبارات حبت‪،‬‬
‫لكن حظ يوسف الف ء جعله يقع بني يدي أب خليل وهو ضابط خمابرات سابق مت نقله إىل‬
‫جهاز البحث اجلنائ ك يفاعد على كشف بعض القضايا‪ ،‬ومن الواضح أننا يف بالد يشكل فيها‬
‫األفراد النظام ويفريونه وليس العكس‪.‬‬
‫مل يعد يوسف قادراً على عد األيام فه تتشابه‪ ،‬ومن تتشابه أيام حياته مل يعش سوى يوم واحد‬
‫فقط ولو طال به العمر إىل ألف سنة‪ .‬كان التاريخ الذي يكتبه احملقق مطلع كل يوم الوسيلة‬
‫الوحيدة لديه ملعرفة األيام عندما يقرأه بعينيه اليت مل تعد تقوى على البقاء ميتوحة ألكثر من‬
‫ثانيتني مع اإلرهاق واحلرمان املتكرر من النوم‪ .‬كان حيضر كل صباح وجييب بنيس الطريقة "مل‬
‫أقتله‪ ،‬لقد ألقى بنيفه أمام سيارت ‪".‬‬

‫كانت عشرة أيام وسويعات قليلة من النوم كييلة جبعله ينهار يف النهاية مع قول احملقق له "اعرتف‬
‫لدينا لتنام جيداً بعد ذلك‪ ،‬ثم ستحصل على حمام ليدافع عنك وخيرجك من القضية‪ ،‬فمن جهيت‬
‫أصدقك لكنين ال أستطيع أن أرفض أقوال الشهود‪".‬‬
‫أجاب يوسف مباشرة رغم أن دماغه منهار متاماً "شهود؟ تعترب زوجته شهود؟ أال ينبغ استبعاد‬
‫كل األقارب من اللعبة؟"‬
‫احملقق‪" :‬لعبة؟"‬
‫يوسف‪" :‬نعم لعبة‪ ،‬فأنت جتعلها لعبة اآلن بإجباري على عدم النوم لتغلق امللف وحتوله إىل احملكمة‬
‫وترتاح من قضية جديدة ويف نهاية العام يقولون أن فالن قد جنح يف إغالق كذا وكذا من القضايا‪".‬‬
‫احملقق‪" :‬أنت قاتل ومتيلفف‪".‬‬
‫يوسف‪" :‬مل أقتل‪".‬‬
‫عمل احملقق على رفع حدة النقا‬

‫متعمداً فأعصاب اإلنفان مع قلة النوم تصبح غري قادرة على‬

‫محله‪ .‬عندها انهار يوسف متاماً فأعاد احملقق عليه عرض االعرتاف مقابل النوم ثم يقوم احملام‬
‫مبا ينبغ فعله‪ ،‬فصدقه يوسف وأعلن اعرتافه مقابل النوم‪ .‬بعد ذلك مباشرة مت حتويل القضية‬
‫إىل احملكمة اجلنائية حلفم األمور‪.‬‬

‫احملاكمة‪:‬‬
‫يف بالدنا‪ ،‬عادة ما متض اإلجراءات بعد االعرتاف إىل احملاكمة يف جرائم القتل بفرعة أكرب من‬
‫املض بقضايا صغرية‪ ،‬فاحلرص هنا على إرضاء الناس وليس على العدل‪ ،‬لذلك مل متضِ سوى‬
‫أسابيع قليلة حتى حتدد موعد حماكمة "القاتل املعرتف‪ ،‬يوسف!" نعم هذا ما كتبته الصحف‬
‫مشرية إىل أن القاتل قد اعرتف وأنه غدر بصديقه‪ .‬مل تتحدث الصحف عن ’احتيال‘ املقتول‬
‫فيجب احرتام حرمة امليت حتى لو كان نذالً‪ ،‬هكذا تيهم صحافتنا الواقع وه اليت تعيدنا دومًا‬
‫إىل القرون الوسطى بعقلية بعض النافذين فيها‪.‬‬

‫مضت إجراءات حماكمة يوسف بفرعة‪ ،‬وعندما ادعى أن اعرتافه جاء حتت التعذيب مل يثبت ذلك‬
‫لفببني؛ األول أنك ال تفتطيع معرفة إن كان هذا اإلنفان مل ينم قبل شهر أو ال يف حال نام بعد‬
‫ذلك بشكل جيد حيث ميلك جفد اإلنفان قدرة على تعديل نيفه بنيفه وحمو كافة األثار‬
‫الفلبية‪ ،‬والثان أن الطبيب الشرع الذي يتم اختياره يتقاضى أجراً مقابل عمله ولو قال شيئاً‬
‫ضد رغبات الشرطة خارج النطاق املألوف‪ ،‬فلن يتم اختياره مرة أخرى مما يؤثر على دخله‪.‬‬
‫جاءت زوجة حممد وبكت بشدة أمام القاض متهمة يوسف بقتله‪ ،‬ومع االعرتاف وعدم ثبوت‬
‫ادعاء القاتل بأنه مل ينم أثناء التحقيق أصبح احلكم واضحاً‪ .‬وما زاد من صعوبة موقف يوسف أن‬
‫نظام نيل االعرتاف بهذه الطريقة أسلوب خمابرات وليس أمين وبالتال يبدو إدعاؤه كاذبًا‬
‫للقضاة‪.‬‬
‫مضت األيام بفرعة مل يصدقها يوسف وال حتى زوجة حممد‪ ،‬وقد جاء يوم اجللفة األخرية‬
‫والنطق باحلكم‪ .‬اجلميع يف ترقب ويوسف مرعوب وهو الذي ظهر يف قيص االتهام وينظر إىل‬
‫أقاربه الذين يعلو وجوههم احلزن‪ .‬دخل القاض وطلب من اجلميع الصمت لينطق باحلكم الذي‬
‫كان له مقدمات كثرية‪ ،‬لكن يوسف مل ييهم سوى مجلة واحدة "اإلعدام للقاتل يوسف إحقاقاً‬
‫للحق‪".‬‬
‫تلقى يوسف اخلرب بردة فعل باردة مل يتوقعها‪ ،‬فعندما ييكر املرء بالف ء كثرياً ال يؤثر عليه‬
‫عندما يقع فعلياً‪ ،‬وقد كان يوسف ييكر بإعدامه منذ أول يوم مل ينم فيه داخل صاالت التحقيق‪،‬‬
‫فعلت االبتفامة وجه يوسف! ابتفامة تعكس حال االنهيار الداخل الذي يعيشه يوسف وإن حاول‬
‫إظهار عالمة قوة‪ ،‬فاإلنفان الذي يأت بهذا النوع من ردود اليعل تكون قد انهارت لديه منظومته‬
‫النيفية‪ ،‬وأي ش ء أدعى إىل انهيارنا نيفياً من تعرضنا للظلم؟‪.‬‬
‫ينظر الشرط الذي يقف إىل جانبه باستغراب ويفأله بصوت منخيض‪" :‬تبتفم؟"‬
‫يوسف "نعم‪ ،‬أنا مظلوم وتعلمت هنا أن البكاء والعويل لن يييدك‪ ،‬وإمنا املكر واخلباثة فقط‪ .‬ليس‬
‫كل حمكوم مظلوم وليس كل صاحب حق حفب احملكمة صاحب حق فعالً‪ ،‬بل األكثر مكراً ينجو‬
‫يف ظل أنظمتنا الرخوة‪".‬‬
‫الشرط ‪" :‬وما عالقة هذا باالبتفامة؟"‬
‫يوسف مبتفماً أكثر‪" :‬ال ش ء‪".‬‬

‫الشرط ‪" :‬هل بدأت تتحول لقليل أدب ألنك عرفت نهايتك؟"‬
‫يوسف أدرك أن الشرط أساء فهمه وظنه يفخر منه فقال "آسف‪ ،‬لكن هل ترى تلك املرأة هناك؟"‬
‫وأشار يوسف إليها بعينيه حتى ال تنتبه‪".‬‬
‫الشرط بعد أن نظر‪" :‬نعم‪".‬‬
‫يوسف‪" :‬إنها ميس‪".‬‬
‫الشرط ‪" :‬زوجتك؟"‬
‫يوسف‪" :‬ال‪ ،‬بل إنها قصة حيب املؤثرة عل طوال حيات ‪ ،‬كان حبًا راقياً ومل أرها منذ انيصالنا"‬
‫الشرط ‪" :‬وما الذي جاء بها اآلن؟"‬
‫يوسف‪" :‬ال أعرف‪ .‬رمبا الصحافة وذكر امس عالنية ألنين ال أنتم إىل عائلة كبرية‪ ،‬فأنت تعلم أن‬
‫الصحافة يف بالدنا تكتي بذكر األحرف األوىل من امسك لو انتميت لعشرية كبرية أو عائلة ذات‬
‫سلطة‪ ،‬ولو كنت من عائلة صغرية مثل فال يرتددون بنشر اسم ابن خالتك معك ايضاً‪".‬‬
‫الشرط ‪" :‬وهل هذا يعين أنك عرفت أنها ما زالت تهتم ألمرك؟"‬
‫يوسف‪" :‬متاماً‪ ،‬لذلك ابتفمت‪ ،‬فأنا ذاهب إىل املوت وأشعر أن القصة الوحيدة اليت فشلت بها مل‬
‫ال فيها كما توقعت"‪.‬‬
‫أكن فاش ً‬
‫ما إن أنهى يوسف كالمه‪ ،‬مسع أمر قائد الشرطة يف احملكمة بإخراج اجملرم الذي كان امسه متهمًا‬
‫قبل دقائق‪ .‬مشى يوسف بهدوء فابتفم الشرط يف وجهه وقال له "احلب ينتصر على املوت يف‬
‫املعارك‪ ،‬لكن لألسف املوت حيفم األمور يف نهاية احلرب‪".‬‬
‫نظر يوسف أثناء خروجه جتاه ميس فوجدها تبك أكثر من كل أقاربه فابتفم يف وجهها لتبتفم‬
‫له وه تواصل ذرف دموعها‪.‬‬

‫األيام األولى كمحكوم باإلعدام في السجن‪:‬‬

‫دخل يوسف الفجن يف يومه األول ومت إعطاؤه اللون الذي يراه يف األفالم‪ ،‬أي اللون األمحر‪ .‬ما‬
‫متيز به عن غريه من املفاجني أنه مل يرتك وراءه ما يقلق عليه‪ ،‬فعزوبيته جعلته من دون مفؤولية‬
‫يف رقبته ييكر يف أمرها‪ ،‬كما أن وضع مجيع أفراد أسرته مفتقر اقتصادياً بشكل جعله غري خائف‬
‫عليهم إضافة إىل ما تركه من ثروة جيدة قد تييدهم يف اللحظات الصعبة‪.‬‬
‫نظر إىل وجوه من حوله من مفاجني‪ ،‬كان الشر يتطاير من عيين بعضهم لدرجة جتعل وجوده يف‬
‫الفجن أمراً طبيعياً‪ ،‬لكن آخرين كانت وجوههم حزينة مكفورة لدرجة جتعلك تقفم على أقدس‬
‫املقدسات بأنهم أبرياء‪ .‬حاول يوسف التقرب من أحد أصحاب الوجوه الربيئة لكنه قوبل برد سليب‪،‬‬
‫فربر ذلك الرجل كالمه بالقول إن على كل إنفان هنا التيرغ لنيفه يف آخر أيامه‪.‬‬
‫ذهب إىل الفرير املخصص له‪ ،‬وهناك جلس يتأمل وضعه اجلديد حماوالً استيعابه‪ .‬أخذه عقله‬
‫كعادته إىل التيكري بالعمل وما جيب أن يأت به من أفكار لتطوير وضع شركته‪ ،‬والغريب أنه‬
‫انفجم بهذه األفكار اليت تتعلق مبفتقبل شركته حتى تذكر أن اللون األمحر الذي يرتديه يعين‬
‫نهاية احلياة‪ ،‬وهنا تعرض ألول نكفة حزن حقيقية كان بإمكان أي إنفان أن يالحظها على وجهه‪.‬‬
‫حياول اآلن التعايش مع الواقع لكن واقعه خمتلف متاماً عما اعتاده من احلياة‪ .‬كان مؤمناً خبلق‬
‫اإلجنازات يومًا تلو اآلخر‪ ،‬أما اآلن فقد بات أفضل إجناز له أن يعيش يوماً إضافياً‪.‬‬
‫أثناء ذلك‪ ،‬اقرتب منه رجل تبدو معامل وجهه الطيبة لكل من ينظر إليه‪ ،‬وقال له "الفالم عليكم‪".‬‬
‫فرد يوسف الفالم‪ ،‬وأكمل "كيف حالك؟"‬
‫الرجل‪" :‬احلمدهلل‪ ،‬ال أحد هنا يفأل هذا الفؤال يا صديق ألن احلال كله واحد‪ ،‬يف طابور‬
‫اإلعدام!"‬
‫يوسف‪" :‬أنا يوسف‪ ،‬حمكوم باإلعدام ألنين قتلت أحدهم بفيارت عمداً!"‬
‫الرجل‪" :‬أنا أبا عبد اهلل‪ ،‬حمكوم باإلعدام بفبب كربيائ وبفبب عبد اهلل‪".‬‬
‫يوسف‪" :‬مل أفهم؟"‬
‫أبو عبد اهلل‪" :‬أستطيع هنا أن أبوح بفري ألنين متأكد من عدم خروج أي أحد ح لييش الفر‪.‬‬
‫قتلت جاري الذي كان عاشقاً لزوجيت وعنصر إكمال اخليانة معها‪ .‬قتلته على الفلم وليس يف‬

‫بييت ك ال يعرف عبد اهلل أن أمه كانت خائنة‪ ،‬ويف احملكمة قلت إن األمر شجار بفبب القائه‬
‫األوساخ أمام بييت‪".‬‬
‫يوسف‪" :‬ضحيت حبياتك؟ أمل يكن األفضل أن تضح ببعض الفمعة أو أمل يكن األفضل أن‬
‫تطلقها؟"‬
‫أبو عبد اهلل‪" :‬هذا ما أدركته بعد أن قتلته‪".‬‬
‫يوسف‪" :‬إنها حلظة التيكري اليت تيصلنا عن قرار صائب أو خاطىء‪ .‬حلظة تصنع منا أبطاالً أو‬
‫تضعنا على قائمة املوت كما هو حالك‪ .‬إنها حلظة بفيطة ال نشعر بها وهلا كل هذا األثر الكبري‬
‫على حياتنا‪ ،‬فما بالك لو أضيت إليها حلظة فلحظة لتصبح حلظات!"‬
‫أبو عبد اهلل‪" :‬هذا ليس الوقت املناسب اليلفية‪ ،‬ومع األسف ليس هناك زر – إعادة – يف هذه‬
‫احلياة‪ ،‬وهذا ما جيعل الناس يلتصقون أكثر بالكومبيوتر وحيبونه جبنون ألن بإمكانهم تدارك أي‬
‫خطأ‪".‬‬
‫يهز يوسف رأسه ويشعر أنه سيعان هنا مع طباع البعض الذي سيصبح جافاً للغاية لعدم وجود‬
‫ش ء جياملون من أجله‪ ،‬فالناس جياملون بعضهم من أجل املفتقبل‪ ،‬واملفتقبل هنا معدوم وميقود‬
‫ومرتبط حببل سيتم ليه حول عنق كل من تواجد يف تلك الزنزانة املظلمة مرتديًا لون املوت‪.‬‬
‫ينظر يوسف إىل وجه أب عبد اهلل من جديد ويرى اإلرهاق بادياً عليه‪ ،‬فيفأله‪" :‬تبدو أنك ال تنام‬
‫جيداً هنا؟"‬
‫أبو عبد اهلل‪" :‬مجيعنا كذلك‪ ،‬ال ننام جيداً هنا‪ ،‬فبعد أن تصل بأسبوع سيتم نقلك إىل النوم وحيدًا‬
‫يف زنزانة انيرادية وهناك يبدأ احتمال تنييذ حكم اإلعدام بك يف كل فجر‪ ،‬فمع كل خبطة قدم يف‬
‫الليل لن تعرف النوم حتى تأت حلظة تنام فيها إىل األبد‪".‬‬
‫يوسف‪" :‬لكن من حقك أن تعرف متى ستموت‪ ،‬على األقل لتنام جيداً قبل ذلك‪ ،‬فاألمر ليس إال‬
‫اخلوف من حلظة املوت ولو عرفنا التاريخ سنعيش جيداً حتى ذلك اليوم‪".‬‬
‫أبو عبد اهلل‪" :‬كالمك منطق ‪ ،‬لكن هذا لي س من حق أحد هنا‪ ،‬أنا ل ثالث سنوات هنا ومل يتم‬
‫تنييذ احلكم ب وأستطيع القول لك أنين أضمن استمرار حيات عامني على األقل دون إعدام‪".‬‬
‫يوسف‪" :‬كيف لك أن تعرف هذا؟"‬

‫أبو عبد اهلل‪" :‬حتاول دول العامل الثالث اليت حتتاج إىل معونات خارجية إعدام عدد معني فقط كل‬
‫سنة‪ ،‬حبيث خيرج تقرير األمم املتحدة واهليئات اإلنفانية املختلية عادياً وال يليت االنتباه من‬
‫ناحية عدد من يواجهون اإلعدام‪ .‬إنهم مفتعدون لوضع ألف حمكوم باإلعدام يف الفجن ويعدمون‬
‫عشرة فقط كل عام وينتظرون موت الباقني خوفًا أو مع تقدم العمر‪".‬‬
‫يهز يوسف رأسه حماوالً استيعاب هذه املعلومة‪ ،‬ويفتغرب من عدم قتال املوتى األحياء من أجل‬
‫قضية يؤمنوا بها!‬
‫أبو عبد اهلل‪" :‬الفالم عليكم اآلن‪ ،‬أريد أن أخرج ألجلس حتت أشعة الشمس قليالً وأحتدث مع باق‬
‫األصدقاء‪".‬‬
‫لكن يوسف استوقيه قليالً وقال له‪" :‬مفتوى ثقافتك مليت‪ ،‬ماذا كنت تعمل قبل أن تدخل‬
‫الفجن؟"‬
‫أبو عبد اهلل‪" :‬أمحل شهادة حماسبة ولكنين كنت أحب القراءة‪ ،‬هذا كل ما يف األمر‪".‬‬
‫خيرج أبو عبد اهلل ويبقى يوسف ييكر يف مفألة عدم النوم من جديد‪ ،‬املفألة ذاتها اليت جعلته‬
‫يالق حكم اإلعدام عندما اعرتف حتت ضغط قلة النوم‪ ،‬ويلوم نيفه اآلن على استفالمه‪ ،‬لكنه‬
‫يدرك بنيس الوقت أن احلكم عليه كان مؤكداً ما بني إعدام ومؤبد فنحن يف جمتمع عشائري‬
‫يهتم برأي العشرية واألسرة قبل العدل وهذا مربط ختلينا احلقيق ‪ .‬هناك ميت‪ ،‬إذاً هناك قاتل‬
‫جيب أن حياسب‪ ،‬ولو كان املقتول سيئًا خمطئًا بل ونذالً‪ .‬هكذا كلم يوسف نيفه‪.‬‬
‫مضت األيام الفبعة األوىل اليت ينام فيها املنتظر حلكم املوت جيداً‪ ،‬بعد هذه األيام جاء قرار‬
‫توزيعه على غرفة مفتقلة لينام وحده فيها‪ .‬ومنذ تلك الليلة بات الرعب ميتلكه مع كل خبطة‬
‫قدم‪ ،‬كان جيري لينظر من نافذة زنزانته فال جيد أحداً‪ ،‬وألن املظلوم ال بد أن يؤمن بنظرية‬
‫املؤامرة‪ ،‬فقد آمن بأن الفلطات يف الفجن تقوم بتشغيل تفجيل صوت خلبطات األقدام من أجل‬
‫إرهاب احملكومني باإلعدام يف زنازينهم كل ليلة‪ ،‬وجعلهم منضبطني يف أيام الصباح‪.‬‬
‫مل يعد ينام يف الليل‪ ،‬ويضطر خالل ساعات الصباح للخروج واالحتكاك بالناس ك ال يصاب‬
‫باجلنون من الوحدة‪ .‬أضحى األمر مزعجاً لدرجة ال تطاق‪ ،‬صرب أسبوعني على األمر لكن اإلرهاق‬
‫بات يظهر بشكل واضح عليه‪ ،‬ومن صور ذلك أنه ينفى عما كان يتكلم مع اآلخرين يف الفجن‪،‬‬
‫وعندما يدخن ينفى إن كانت الفيجارة بيده فيشعل أخرى؛ ببفاطة‪ ،‬مل يعد األمر حيتمل‪.‬‬

‫جلس يف الليل ييكر على صدى خبطات األقدام املرعبة اليت آمن أنها من صنع تفجيل صوت‬
‫ونف أن عقله أسوأ من التفجيل الصوت ‪ ،‬فعقل اإلنفان هو ما خيلق له اخلوف وبعد ذلك يربره‬
‫ليجعله واقعاً‪ .‬مل يكن لذلك الصوت وجود أبداً يف الواقع‪ ،‬بل يف عقول احملكومني باإلعدام ألنهم‬
‫خيافونه فكان يأت هلم‪.‬‬
‫مل نعرف إن كان يوسف مسع هذه اخلبطات ألن أب عبد اهلل أخربه عنها وعن خوف املفاجني‬
‫منها‪ ،‬هل كان ليواجه نيس الرعب لو جهلها؟ هل املعرفة ببعض األمور أسوأ من اجلهل فيها؟‬
‫يبقى اجلواب على ذلك رمبا!‪.‬‬
‫جيلس يوسف كل ليلة حيادث نيفه ويقول‪" :‬أال جيب أن أعيش جيداً حتى حلظة موت ؟ ملاذا‬
‫ييرضون عل هذا الرعب وهذا اإلرهاب؟ ملاذا أضطر ألن أعيش مرتعداً متوتراً يف آخر أيام حيات ؟‬
‫لو كنت مكان املفؤولني يف هذا البلد جلعلت هذا امليت احل ييكر كما يريد ويكتب كما يريد‪ ،‬ألنه‬
‫لن خياف أحداً ولن خيشى نتيجة قوله وفكره ولن تكون يف حفاباته مفألة ’لقمة العيش‘ اليت‬
‫أذلتنا مجيعاً دون استثناء‪ .‬قد يكون هذا املكان أفضل مصنع لرباءات االخرتاع‪ ،‬فاجلميع يريد أن‬
‫ال حمرتفًا قبل ذلك‪".‬‬
‫جيعل امسه خالدًا باخلري قبل الرحيل‪ ،‬حتى ولو كان قات ً‬
‫هكذا واصل يوسف الكالم مع نيفه‪ ،‬وما إن جاء الصباح حتى طلب االتصال مبحاميه ففأله‬
‫الشرط خوفًا من أن يشتك عليهم‪" :‬هل أزعجك أحد؟"‬
‫فقال‪" :‬ال‪ ،‬لكنه أمر يتعلق مبفألة ختليص شركيت وبيعها‪".‬‬
‫فذهب الشرط ألخذ موافقة من مفؤوله الذي مل ميانع ومسحوا له باستخدام اهلاتف لالتصال‬
‫باحملام ‪ .‬مل يطل يوسف احلديث وطلب من وكيله أن حيضر للفجن ألن لديه موضوعاً مهماً‬
‫يريد أن حيادثه فيه‪ .‬جاء احملام إىل الفجن ظناً منه أن هناك مضايقات يتعرض هلا موكله من‬
‫قبل األمن‪ ،‬فقد كان احملام منتمياً لتيار سياس اشرتاك يؤمن بالعدالة االجتماعية‪،‬‬
‫والنغماسه امليرط يف الفياسة بات يرتبص سقوط خصمه يف أي حلظة لضربه أو التشويش عليه‬
‫وهو حال أي معارضة يف العامل‪.‬‬
‫سلم احملام على يوسف وقال له "خري‪ ،‬ماذا هناك؟"‬
‫يوسف‪" :‬امسعين‪ ،‬أريد أن أعرف متى سيعدمون ؟"‬

‫احملام ‪" :‬هذا غري ممكن!"‬
‫يوسف‪" :‬غري ممكن حالياً‪ ،‬لكن لو قمت برفع قضية وطالبت هيئات حقوق اإلنفان بالتدخل‬
‫والضغط سريضخون‪ ،‬ليس من أجل لكن من أجل صورتهم يف العامل‪ ،‬وبالتال ستكون صاحب‬
‫سبق عامل وليس حمل فحفب‪.‬‬
‫داعب يوسف اجملد الشخص الفاكن يف كل إنفان لدى هذا احملام ‪ ،‬فما كان إال رده املثال‬
‫املتوقع الذي خيي اهلدف احلقيق وهو األنا‪" :‬ليس من أجل ‪ ،‬لكنك موكل وأريد مفاعدتك‬
‫حتى آخر حلظة يف حياتك خصوصاً أن أعرف أنك مظلوم‪".‬‬
‫يوسف‪ :‬إذاً لنرفع القضية بأسرع وقت‪ ،‬وأثناء ذلك‪ ،‬أريد منك أن تطلب إعادت إىل الزنزانة‬
‫اجلماعية اليت ال إعدام ملن فيها‪.‬‬

‫ثائر قبل اإلعدام‪:‬‬
‫نيذ احملام خطة حمكمة خللق ضجة تزعج احلكومة يف بالده اليت اعتادت االهتمام برأي اخلارج‬
‫ال برأي شعبها ككافة احلكومات العربية يف هذا العصر‪ .‬رفع القضية ووزع بياناً على كافة مراكز‬
‫وهيئات حقوق اإلنفان يف العامل وعلى اجلماعات املناهضة لعقوبة اإلعدام ليتم نشر اخلرب يف‬
‫صحف بريطانية وأمريكية‪ ،‬وامليارقة أن اخلرب مت نشره هناك وراء احمليطات قبل أن ينشر يف بلده‪،‬‬
‫ومت وصف يوسف يف تلك الصحف بلقب "الثائر قبل اإلعدام‪ "،‬وهو عنوان يوح بكييية حماولة‬
‫الصحف خلق أبطال وإن كانت أهدافهم شخصية حبتة‪ ،‬فيوسف مل يرد سوى راحة باله يف آخر‬
‫أيامه‪ ،‬ومل يكن يفعى لراحة اآلخرين‪ ،‬وبئس الثائر الذي ال يثور إال لنيفه!‪.‬‬
‫عندما قرأ يوسف عنوان "ثائر قبل اإلعدام‪ "،‬تذكر أيام ثورات الربيع العرب اليت انطلقت شرارتها‬
‫من تونس مطيحة بزين العابدين بن عل ثم كانت عدة ثورات أسقطت رؤساء من عدة دول‪ .‬لكن‬
‫يوسف يتذكر جيداً أن هذا الربيع حتول لشتاء ومطر دموي عندما تدخلت أمريكا وأذنابها فيها‬
‫وأرادت فرض حلوهلا يف دول أخرى مثل سوريا وليبيا‪ ،‬فكانت الدماء واجلروح عميقة‪ ،‬ولو تركوا‬
‫الثورات تنضج هناك وحدها ملا كان كل هذا الدم‪ ،‬ولفقطت األنظمة الفياحة بأكملها لكن يف‬
‫وقتها‪ ،‬فالثورات كالزهور حتتاج ألن تنمو بهدوء ك تعطر هذا العامل‪.‬‬

‫ومع أول جلفة كان هناك صحييون غربيون لتغطيتها يف حني كان الصحييون احملليون يف‬
‫مكاتبهم ينتظرون ما سيتم إخبارهم بأن ينشروه من خالل مراكز أمنية أو صحييني يعملون‬
‫لديها‪ ،‬هذا حال الصحييني يف بالدنا فمفألة حب احلقيقة ليفت أمراً يتحكم به النظام ولكن‬
‫نت حكم به حنن يف قناعاتنا ومبادئنا‪ ،‬ولألسف فالقناعات لدينا ما زالت تبحث عما حنب أن نراه‬
‫وليس عن احلقيقة‪ .‬ومع الضغط اإلعالم الغرب ودخول القنوات العربية لالهتمام باألمر غري‬
‫املفبوق‪ ،‬حتول ذلك احملام لناشط حقوق وأصبح يوسف رمزاً حلب احلياة اجلميلة رغم اقرتاب‬
‫املوت‪ ،‬فكان الضغط من أعلى الفلطات على القضاء للبحث عن خمرج ينته بأن يكون من حق‬
‫يوسف وغريه معرفة تاريخ إعدامهم بالتحديد ضمن شروط منها‪:‬‬
‫ أال تزيد مدة انتظاره حتى تنييذ احلكم يف حال تقدم بطلب كشف تاريخ إعدام عن‬‫عامني‪.‬‬
‫ أن يعيش يف زنزانة انيرادية منذ أول يوم يتقدم به بالطلب جتنباً لردات فعله مع اقرتاب‬‫احلكم ضد غريه‪.‬‬
‫ من حقه أن يطلب ما يريده من كتب وأوراق‪.‬‬‫ يفمح له باخلروج يومياً ملدة ساعة واحدة فقط للتنزه بني الفجناء‪ ،‬لكن جيب تيتيشه‬‫دائمًا قبل اخلروج وعند العودة‪.‬‬
‫كان شهراً واحداً فقط كييالً حبفم األمر وبأسهل مما توقعه احملام وموكله‪ ،‬وأصبحت‬
‫دولة يوسف رائدة يف مفألة حقوق اإلنفان يف نظر العامل‪ ،‬وأصبح احملكوم باإلعدام رمزاً‬
‫للنضال واحملام رمزاً لإلميان حبقوق اإلنفان وتلبية رغبات موكله‪ .‬كان يوسف يفمع‬
‫اخلرب وهو يتذكر مقولة شكفبري "البعض يولد عظيماً والبعض حيقق العظمة والبعض‬
‫جيرب على أن يكون عظيماً‪ "،‬ويف هذه احلالة فإنه ودولته وحماميه من اجملربين على أن‬
‫يكونوا عظماء‪.‬‬
‫صدر احلكم من القاضي وبكل وضوح‪ ،‬يحق ليوسف معرفة موعد تنفيذ إعدامه‬
‫على أن تطبق الشروط املذكورة مسبقاً‪ ،‬وعليه فإن يوسف سيقف على منصة‬
‫اإلعدام بعد ثمانية أشهر فقط‪.‬‬

‫أثناء ذلك‪ ،‬كانت أسرة حممد سعيدة ألنها تأكدت من التعجيل يف حكم اإلعدام بقاتل‬
‫ابنهم كما يظنون‪ ،‬وكانت أسرة يوسف حزينة ألنها أيقنت رحيله‪ ،‬لكن نوعاً من اليخر‬
‫مبوقيه واساهم‪ ،‬أما زوجة حممد فكانت حترتق بنار غضبها وحفدها وبنيس الوقت‬
‫ندمها‪ ،‬فالرجل الذي مل يقتل زوجها عمدًا حيصد النجومية والبطولة اآلن‪.‬‬

‫طلب يوسف بعد القضية أن يتم تزويده بعدد كبري من األوراق فقد وعد عل ابن اخته بأن‬
‫يكون معلماً له حتى ينجح يف حياته‪ ،‬واآلن يرحل عن احلياة بعد مثانية أشهر فقط وعمر‬
‫عل ‪ 71‬عاماً ويتمثل احلل الوحيد ملفاعدته على النجاح يف أن يكتب له كل ما يعرفه‬
‫على الورق ليفتييد منه‪.‬‬

‫ما الفرق بني أن تعيش ودحيداً وأن متوت؟‬
‫دخل يوسف زنزانته البعيدة عن اجلميع مدركاً أنه لن يرى أي إنفان عادي سوى سجانه‪ ،‬وخالل‬
‫ساعة واحدة يف اليوم سريى غريه من احملبطني احملكومني باإلعدام‪ .‬تفاءل مبنطقية "من يفجن‬
‫من‪ ،‬أنا أم الفجان؟"‪ ،‬وتوصل إىل أن كليهما يفجن اآلخر‪ ،‬فهذا الفجان املفكني مضطر للبقاء‬
‫بالقرب من الفجن ألن هناك من يرتكب اجلرائم أو تظن الفلطات ارتكابه هلا‪ ،‬وبنيس الوقت ال‬
‫يفتطيع هذا اجملرم أو املتهم اهلروب بفبب الفجان‪.‬‬
‫مرت األيام سريعة ويوسف ال يقوى على كتابة حرف واحد لعل ‪ ،‬وال يفتطيع أن ييكر حتى‪ .‬يدرك‬
‫اآلن معنى احلياة وحيداً‪" ،‬احلياة؟"‬
‫هذا ما يفأله يوسف لنيفه كل صباح ومفاء‪" :‬هل أنا ح ؟"‬
‫ال فرق بني احلياة واملوت ما دمت وحيداً‪ ،‬هذه حقيقة ال ينكرها إال من مل يعرف طعم الوحدة‬
‫احلقيقية يف حياته‪ .‬يرهقه هذا النوع من الوحدة القاتلة لدرجة جعلت دماغه فارغاً ألول مرة وهو‬

‫يذوق مرارة عدم التيكري بالغد‪ .‬ينام ليفتيقظ ويفتيقظ لينام‪ ،‬مل تعد هناك حياة ومل تعد هناك‬
‫أيام تهمه ك حيصيها‪.‬‬
‫ليفت الوحدة بأن تكون وحيداً لفاعات أو أيام‪ ،‬بل أن تدرك أنك ستكون وحيداً إىل األبد‪ .‬ال فرق بني‬
‫األبدية واملوت يف الوحدة‪ .‬وهنا تذكر قوالً آخر لشكفبري عن الزمن‪" :‬الزمن بط ء جداً ملن ينتظر‪،‬‬
‫سريع جدًا ملن خيشى‪ ،‬طويل جدًا ملن يتأمل‪ ،‬قصري جدًا ملن حيتيل‪ ،‬لكنه األبدية ملن حيب‪".‬‬
‫تدفقت تلك األفكار إىل عقله حبزن وسواد‪ ،‬وكانت متواصلة اجلريان كأنها نهر غزير ال يتوقف‪ .‬مل‬
‫ال‬
‫يعد يدري إن كان عليه االنتحار أو املطالبة بتفريع اإلعدام ليوم الغد‪ ،‬وما يزال بنيس الوقت رج ً‬
‫يؤمن بتحمل املفؤولية‪ ،‬لذلك يرفض الرحيل قبل أن يويف بوعده لعل ويؤدي مهمته األخرية يف‬
‫احلياة؛ "أن يكون معلمه‪".‬‬
‫"أحياناً تفتطيع كلمة قرأتها يف كتاب أن تغري حياتك‪ ".‬هذا ما كان يردده طوال حياته‪ ،‬ولكنه اآلن‬
‫عاجز عن تذكر كلمة واحدة مما قرأه يف املاض ‪ ،‬عاجز عن معرفة الطريق الصحيح الذي جيب أن‬
‫يفلكه للخروج من احلياة بشرف كما دخلها وأمضى سنوات العمر فيها بشرف‪.‬‬
‫جيلس اآلن يف سريره ويضع يده على رأسه وييكر بتلك العبارة "باستطاعة كلمة واحدة أن تغري‬
‫حياتك‪ "،‬فيما يقول له اجلانب الفليب من تيكريه "إعدام‪ ..‬موت‪ ..‬حادث‪ "،‬هذه الكلمات اليت غريت‬
‫حياتك!‬
‫يتذكر وجه حممد الذي أودى بنيفه وبيوسف إىل التهلكة بفبب خبثه‪ .‬يتذكره انتهازياً كاذباً‬
‫منذ عرفه وكيف صرب عليه وكيف تعامل معه‪ .‬كان احلل الصحيح بقطع تلك العالقة واخلروج‬
‫منها‪ ،‬ولو فعل ذلك ملا كان اآلن يف زنزانة ينتظر أجله‪ ،‬بل لكان يف اخلارج مثاالً للنجاح ومنوذج‬
‫كياح للعامل‪.‬‬
‫فقال يوسف لنيفه‪" :‬جيب أن أشارك عل هذه القصص ك ال خيفر حياته مثل بفبب شخص‬
‫واحد يتوجب التخلص منه‪".‬‬
‫ثم عاد ملقولته وقرر أال ينه هذا اليوم إال بكلمة من كتاب قرأه‪ ،‬كلمة خترجه مما هو فيه‪ ،‬كلمة‬
‫جتعل منه إنفاناً يف آخر أيامه‪ ،‬ليس جمرد جفد يفتيقظ وينام ويأكل فقط‪ .‬تباً للحياة عندما‬
‫نفيقظ صباحًا وال يقلقنا فيها ش ء‪ ،‬حقاً إن القلق هو احلياة‪.‬‬

‫شكراً بجماليون!‬
‫مر يوسف بذاكرته حماوالً اسرتجاع كافة الكتب اليت قرأها يف حياته‪ ،‬ثم دون أمساء ما تذكره‬
‫منها على ورقة ليحاول بعد ذلك التيكري مبا كان فيها من فوائد‪ .‬مل جيد حتى آخر الليل شيئًا‬
‫يييده ولكن قبل أن يطبق جينيه وخيلد للنوم‪ ،‬تذكر قصة قرأها عرب اإلنرتنت وليس يف أي كتاب‪،‬‬
‫نعم إنها مفرحية جبماليون للكاتب الفاخر الذي كان يعشقه برنارد شو‪ ،‬والذي كتبها مفتييداً‬
‫من أسطورة يونانية‪.‬‬
‫يف جبماليون‪ ،‬كان هناك رجل صنع متثاالً المرأة بكافة التياصيل اليت حيبها وبالشكل الذي حيلم‬
‫فيه ومل جيد فتاة تشبهها يف الواقع‪ .‬بعد ذلك بدأ بالصالة لآلهلة وتقديم القرابني حفب األسطورة‬
‫اليونانية دون كلل أو ملل حتى حتولت إىل امرأة حقيقية‪.‬‬
‫عندما حتول متثاهلا إىل امرأة حقيقية فيها مجيع الصيات اليت يريدها من ناحية الشكل‪ ،‬تعرض‬
‫لإلحباط ألن عشرتها مل تطب له‪ ،‬فشكلها كان كما يريد لكن اإلنفان ليس جمرد مظهر‪ .‬أدت‬
‫خالفاته معها وعدم انفجامه إىل عودته إىل اآلهلة‪ ،‬لكن هذه املرة كانت الصالة وتقديم القرابني‬
‫ك تعود إىل حالتها األوىل‪ ،‬متثاالً ال روح فيه! وعندما استجابت اآلهلة‪ ،‬مل يرتدد أبداً بكفر ذلك‬
‫التمثال!‬
‫بالتأكيد لن يصنع متثاالً فهذا غري ممكن لعدم توفر املهارة قبل توفر املواد‪ ،‬ولكنه وجد فكرة غريبة‬
‫بعض الش ء‪ ،‬فكرة ذكرته مبا فعله توم هانكس يف فيلمه "‪ "Cast Away‬عندما خلق شخصية‬
‫وهمية وأطلق عليها اسم ويلفون وعا‬

‫معها‪ ،‬وبكى عليها عندما ضاعت‪ .‬يتقدم يوسف من شباك‬

‫زنزانته ليطلب شيئًا غريبًا سيفمعه الضباط واملفؤولون ألول مرة يف هذا الفجن‪.‬‬
‫ "سيدي الظابط‪ ،‬سيدي الظابط‪".‬‬‫ "نعم‪ ،‬ماذا تريد؟"‬‫ "هل أجد لديك طبشورًا بألوان خمتلية؟"‬‫ "ال!"‬‫‪" -‬هل ميكن أن تتصل بأحد أخوت ليشرتي ل عبوة ويأت بها غداً؟"‬

‫ "عليك تقديم طلب اتصال هاتي غداً صباحاً‪ ،‬ثم تطلب منهم ذلك بنيفك‪ ،‬ثم تطلب إذناً‬‫من مدير الفجن بدخوهلا‪".‬‬
‫ "ثم ماذا؟" قاهلا يوسف ساخراً من كثرة اإلجراءات!‬‫نظر إليه الشرط حبدة قليالً‪ ،‬فيهم يوسف وقال له "أمازحك فقط‪ ،‬شكرًا لك‪".‬‬
‫"حنن مطالبني كمراجعني بتطبيق هذه اإلجراءات‪ ،‬ال نيهم ملاذا كل هذه اخلطوات‬
‫اإلضافية ألننا أصحاب قلوب طيبة فنصيها باملبالغ بها‪ ،‬لكن البشر منهم من ميكن زرع‬
‫قلبه يف إبليس فيبقى إبليفاً كما هو بل رمبا يزداد شراً‪ ،‬وهذه مشكلة احلكومة أن البشر‬
‫أشرار وأخيار‪ ،‬فتضظر إىل ظلم األخيار وإجبارهم على أمور تزعجهم ألن األشرار موجودين‬
‫معهم إىل يوم الدين‪".‬‬
‫نام يوسف مبتفماً للمرة األوىل منذ ليلة احلادثة واتهامه بقتل حممد‪ .‬ينفى اإلنفان يف الظروف‬
‫الصعبة أهمية االبتفامة‪ ،‬فه على األقل ختيف التوتر وتفاعد الشخص على التيكري‪ ،‬لكننا‬
‫بطبعنا منيل إىل التجهم وكأن هذا من الصيات املشرتكة مع احليوانات فينا‪ ،‬فاألصل يف‬
‫احليوانات التجهم والضحك هو احلالة الشاذة بالنفبة هلا‪.‬‬
‫استيقظ يف الصباح نشيطاً فقد وجد ما يريده‪ .‬خرج واتصل بأهله وأصر أن يؤتى له بالطبشور‬
‫بأسرع وقت ممكن‪ ،‬وألن أخوته حيبونه ويؤمنون برباءته من القتل كما يؤمنون جبنونه‪ ،‬سارعوا‬
‫إليه مبا طلبه منهم‪ ،‬وجاؤا إليه بكل ش ء سريعاً‪.‬‬
‫شكرهم يوسف ومل يطل معهم املقابلة وكأن هناك ما هو أهم من التكلم مع أهله الذين لن يراهم‬
‫ولن يرونه بعد أشهر قليلة عند تنييذ حكم اإلعدام‪ .‬أسرع إىل الداخل وأخذ املوافقة على دخول‬
‫هذه األشياء غري امليهومة بالنفبة للمفؤولني‪ ،‬فتوجه مباشرة إىل زنزانته ونف اليوم االحتكاك‬
‫مع اآلخرين‪ .‬أخرج الطبشور بكل ألوانه من العبوات اليت أحضرها إخوته‪ ،‬وبدأ بالرسم‪.‬‬
‫أنهى الرسم األول!‬
‫سأل نيفه ساخراً من سوء رمسه‪" :‬أهذا ابن الدن؟"‬
‫"ال إنه أبو خالد جارنا املتدين إىل درجة وصيها كل من حوله من رجال الدين بامليرطة!"‬
‫عاد لريسم حماوالً اإلتقان يف رمسته الثانية لتكون أفضل من سابقتها‪.‬‬

‫"هل هذا كارل ماركس؟" قاهلا معرتفاً بفوء رسوماته مرة أخرى!‬
‫"ال‪ ،‬إنه مسري جاري املفمى بأب غاندي وهو رجل اشرتاك يؤمن مبا يقوله ولكنه متطرف بأفكاره‬
‫أيضاً‪".‬‬
‫ثم عاد ليحاول ويرسم املزيد من األشخاص‪ ،‬فرسم هبة تلك احملامية اليت تؤمن حبقوق املرأة‪ ،‬ورسم‬
‫صياء تلك املرأة البفيطة اليت ربت أبناءها األيتام بكل كياح‪ ،‬ورسم صالح ذلك الشاب اجلريء‬
‫برأيه واملثقف واملعتدل بني األمور‪ ،‬ورسم جوزيف أحد معارفه املقربني‪.‬‬
‫وقف ونادى على الفجان بصوت عالٍ‪" :‬سيدي ‪ ..‬سيدي‪ ،‬تعال لو مسحت!"‬
‫ "ماذا تريد؟"‬‫ "ال ش ء‪ ،‬أريد رأيك برسومات فقط!"‬‫ "مجيلة!"‬‫ "مجيلة؟ مل تنظر إليها‪ .‬أن تقول ل ال تعرف أو ال تريد أن تنظر أقل إيذاء من هذا النوع‬‫من اجملامالت الفخيية‪".‬‬
‫دخل الفجان حمرجاً من جماملته احلمقاء‪ ،‬ولكنه حاملا شاهد الصور تغري وجهه وقال‬
‫له‪" :‬ملاذا رمست ابن الدن؟ هل أنت معه؟"‬
‫ابتفم يوسف وقال "هذا جار ل وليس ابن الدن‪ ،‬لكنه يشبهه بعض الش ء أو تشبه به أو‬
‫أنين أخطأت يف رمسته"‬
‫نطق الفجان برأيه أخرياً‪" :‬يبدو ل أنك مل ترسم من قبل‪ ،‬تبدو رسوماتك وكأنها لطيل يف‬
‫الثانية عشر من عمره‪".‬‬
‫ابتفم يوسف وقال‪" :‬املهم أنين أستطيع ختيلها ورؤيتها كما أريدها أنا‪".‬‬
‫خرج الفجان معتقداً جبنون يوسف وذهب وأبلغ مدير الفجن الذي كان رده بارداً‪" :‬إنها‬
‫مفألة وقت وسيموت سواء أكان عاقالً أم جمنوناً‪".‬‬

‫نظر يوسف إىل تلك الرسومات وقال‪" :‬أهالً بكم يف عامل قررت أن تكونوا آخر أشخاص‬
‫أعيش معهم ألنين أريد أن أعرف احلقيقة قبل أن أموت‪ ،‬على األقل أموت عارفاً وجهة‬
‫نظركم اليت اكتييت طوال حيات بانتقادها أو قبوهلا أو االستهزاء بها دون حماولة‬
‫معرفة حقيقتها وكيف تيكرون‪".‬‬
‫"سأستيقظ غداً صباحاً وأجدكم أحياء على طريقة جبماليون‪ ،‬لكين أعدكم بعدم‬
‫كفركم بعد االنتهاء منكم‪ .‬أحفنوا التصرف ألن سأكتب كل ش ء تناقشونه من أجل‬
‫عل ابن أخيت‪ ،‬فهو حباجة إىل أن يبدأ حياته مفتنريًا ال مثل مأموراً‪".‬‬

‫ما لكم ال تنطقون؟‬
‫نام يوسف ليلته بفعادة بالغة وكعادة عقلنا الباطن يبدأ مبداعبة أفكارنا عن طريق األحالم‪ ،‬فقد‬
‫حلم يف تلك الليلة بأولئك الرجال يتكلمون ويتناقشون يف قضايا عديدة‪ ،‬لكنه مل يفتطع إدراك‬
‫كالمهم‪ .‬استيقظ متأثراً بأحالمه ومتوقعاً أن يراهم مبتفمني متحررين من احلائط‪ ،‬لكنه‬
‫وجدهم على نيس الوضعية ملتصقني باجلدار خاضعني لطريقة رمسه الف ء‪ ،‬بل إن أحدهم كان‬
‫يظهر كاملشمئز من الصورة اليت صنعه عليها يوسف‪.‬‬
‫مرت عشرة أيام دون أن ينجح يوسف بكتابة حرف واحد لعل ودون أن ينطق احلائط‪ ،‬مشكلة األيام‬
‫اآلن بأن يوسف ال يفتطيع أن يقول "سأعوضها" فاألمر غري قابل للتعويض ألن النهاية حمددة وال‬
‫رجعة عنها‪ .‬كان دائماً يفخر ممن يقولون له "أيامك معدودة" ألنهم كانوا يبالغون‪ ،‬فال أحد يعرف‬
‫كم تبقى لنا من أيام لنعيش‪ ،‬لكن يوسف اآلن يعرف جيداً أن أيامه معدودة‪.‬‬
‫كانت أيام يوسف متشابهة‪ ،‬يفتيقظ صباحاً‪ ،‬ويبقى ينظر إىل احلائط وخياطبهم واحداً تلو اآلخر‬
‫ك يتكلموا لكن دون جدوى‪ .‬كانت جلفاته مع الفجناء اآلخرين مملة أيضاً ال جديد فيها‪ ،‬فمن‬
‫أين يأت اجلديد ألشخاص مفاجني معه ينتظرون ساعة موتهم‪.‬‬
‫خاطب يوسف رمسة الرجل الذي يشبه ابن الدن فقال هلا‪" :‬انطق يا شيخنا أبا خالد‪ ،‬انطق‪ "،‬قبل‬
‫أن يبدأ مبخاطبة بقية شخصياته‪.‬‬

‫"هبة‪ ،‬أنا أحرتمك طوال حيات ‪ ..‬أرجوك تكلم ‪".‬‬
‫"صالح‪ ،‬أنت رجل واعٍ وأتوقع منك الكالم‪ ،‬هيا يا حبييب يا صديق ‪ ..‬هيا!"‬
‫وبالطبع مل تكن هناك إجابة من أحد‪.‬‬
‫تكرر ذات الفيناريو معه يومياً طوال أيامه العشرة بال طائل‪ ،‬فنظر إليهم حبزن وقال "لقد خيبتم‬
‫ظين‪".‬‬
‫ثم نام يف سريره حبلول الليل الذي جاء بفرعة بفبب نقاشه العقيم مع احلائط أو الرسومات اليت‬
‫عليه‪ .‬وعندما استغرق يف نومه‪ ،‬شعر بيد توكزه وتقول له "يوسف‪ ،‬يوسف‪".‬‬
‫خاف يوسف كثرياً ومل يرد أن يدير وجهه ليعرف من ذاك الشخص الذي يوقظه‪ ،‬فهذا صوت أب‬
‫خالد وال بد أن تيكريه أوصله لدرجة من انيصام الشخصية‪ ،‬ال بد أن تيكريه أوصله لدرجة من‬
‫اجلنون جيب أن خيبئها ك ال يقال إنه مات جمنوناً‪ ،‬وعندما يعلم بعض مدع التدين بهذا‬
‫سيتياخرون بقدرة اهلل تعاىل على تعذيب اجملرمني قبل موتهم متناسني أن جورج بو‬

‫قتل مليون‬

‫عراق وهو اآلن معزز مكرم بل يكتب ذكرياته يف احلدائق‪ ،‬فعذاب اهلل بأصله مؤخر ليوم الدين إال‬
‫يف بعض االستثناءات اليت ذكرها العل القدير يف كتابه!‪.‬‬
‫عاد نيس الصوت‪" :‬يوسف‪ ..‬يوسف‪ ،‬انهض أريد أن أشرح لك شيئاً‪".‬‬
‫أدار يوسف ظهره مذعوراً لريى أبا خالد احلقيق وليس الرجل الذي رمسه‪ .‬نظر مباشرة إىل‬
‫احلائط ليجده خالياً من صورة أب خالد‪ ،‬فنظر إليه وسأل برجية "هل أنت رمسيت؟"‬
‫ابتفم أبو خالد وقال‪" :‬نعم‪ ،‬لقد عقدنا اجتماعًا حنن الرسوم معاً واختارون مبعوثاً ألكلمك بشأن‬
‫ما تريده وما جيب أن يكون‪".‬‬
‫يوسف‪" :‬تيضل!"‬
‫أبو خالد‪" :‬ببفاطة‪ ،‬حنن من بعد آخر غري أبعادكم األربعة اليت تعيشون فيها‪ .‬رمبا تعلم أن يف‬
‫الكون عشرة أبعاد اكتشف البشر أربعة منها فقط‪ .‬أما حنن الرسوم فنعيش يف البعد اخلامس‬
‫متاماً كحياتكم ويف بعدنا أبعاد أخرى‪ ،‬وعندما يصلنا نداء قلب اإلنفان ورغبته احلقيقية بأن يرانا‬
‫أحياء‪ ،‬حناول تلبية رغبته شرط أال خنلق فوضى واختالل نظام يف عاملكم ألن هذا أمر ممنوع‬
‫علينا‪".‬‬

‫يوسف‪" :‬ألن أراكم إذاً؟ ماذا عن جبماليون؟"‬
‫أبو خالد‪" :‬تلك أسطورة يا يوسف‪ ،‬لكن جتار األحالم وبعض املبالغني من مدرب دورات التنمية‬
‫البشرية يفتخدمونها على حنو مضلل للغاية‪".‬‬
‫يوسف‪" :‬وأنا؟"‬
‫أبو خالد‪" :‬نظراً ألنك كنت تتكلم معنا أليام كاملة‪ ،‬وبعد التصويت الدميقراط فيما بيننا‪ ،‬قررنا‬
‫أن مننحك ما تريد‪".‬‬
‫يوسف‪" :‬كيف عرفتم ما أريد؟"‬
‫أبو خالد‪" :‬نشعر بروح الرسام‪ .‬تريد البحث عن منطق كل منا وليس عن احلقيقة‪ ،‬ألن احلقيقة‬
‫نفبية وال يظنها مطلقة إال متعصب أو جاهل‪".‬‬
‫يوسف‪" :‬أجل ‪ ..‬أجل ‪ ...‬هذا ما أريده‪".‬‬
‫أبو خالد‪" :‬بعد التباحث‪ ،‬اكتشينا أن هناك ‪ 03‬دقيقة يف الليل يتداخل فيها بعدنا مع دنياكم‪،‬‬
‫فيصبح بإمكاننا أن التواصل كما تران اآلن‪ ،‬لكن ال ميكننا فعل ذلك سوى سبع مرات فقط يف‬
‫حياة رمستنا"‬
‫يوسف‪" :‬إذاً؟"‬
‫أبو خالد‪" :‬سنخرج هنا مرة كل شهر‪ ،‬يف هذا التوقيت بالذات‪ ،‬وأنت تدير احلوار فيما بيننا واهلدف‬
‫طبعاً أن ترى كافة األراء واملعتقدات اليت حنملها‪".‬‬
‫يوسف‪" :‬إذاً ليس أمامنا سوى بضع ليالٍ فقط‪ .‬هذا مجيل جداً لكنين أريد توزيعها لتكونوا مع‬
‫ليلة إعدام فاحلكم سينيذ بعد أقل من مثانية شهور‪".‬‬
‫أبو خالد‪" :‬سأكون يف ست ليال ألنين خرجت اليوم‪ ،‬ولكن نعم‪ ،‬سيكون معك الباقون يف كافة‬
‫الليال وسوف نكون يف الليلة ألخرية‪ .‬باملناسبة‪ ،‬نعرف حنن أهل البعد اخلامس تياصيل سرية ال‬
‫تعرفونها‪ ،‬ونعرف أنك بريء ونع املكيدة اليت جرت وندرك أن زوجة الرجل اآلن تتعذب ألنها كانت‬
‫سبباً يف موت رجلني؛ األول زوجها عندما وافقته على اليكرة‪ ،‬والثان أنت عندما شهدت ضدك‬
‫زوراً‪".‬‬

‫يوسف‪" :‬يكييين هذا الكالم‪ .‬هل ل أن أخلص ما جيري بيننا على ورق بعد اجللفة؟"‬
‫أبو خالد‪" :‬نعم‪ ،‬ميكنك هذا طبعاً"‬
‫يوسف‪" :‬هل من أمر آخر عل معرفته؟"‬
‫أبو خالد‪" :‬نعم‪ ،‬لن يرانا أحد غريك يف هذه احلياة‪ ،‬لذلك ال خترب أحداً ك ال يعتقدوا أنك‬
‫جمنون‪".‬‬
‫يوسف‪" :‬لكنك يا شيخ خترب الناس بكرامات إهلية ألفراد عاديني‪ ،‬ويقول لك الناس هذا مفتحيل‪،‬‬
‫فيما تقول هلم إنكم بتكذييب تكيرون؟"‬
‫أبو خالد‪ " :‬اكتشيت هذا اآلن عندما عشت الوضع‪ .‬لن أخرب أي شخص عن أية كرامة لشخص‬
‫عادي غري نيب من اآلن فصاعداً‪ ،‬ألن املوضوع يعترب خرافة عند املتشككني واألفضل جتنبه‪".‬‬
‫يبتفم يوسف‪" :‬فما أمجل البعد اخلامس! يغري الناس هنا رأيهم عندما يرون احلقيقة‪".‬‬
‫أبو خالد‪" :‬أعذرن اآلن‪ ،‬جيب أن أذهب فقد اقرتبت نهاية تداخل األبعاد‪ ،‬لكن تذكر أننا لفنا‬
‫مثلكم بين البشر‪ ،‬فليس لدينا األنا وليس لدينا املطامع واألهداف‪ ،‬لذلك سنكون أقل تشدداً مما‬
‫تعرف عليه من يشبهوننا يف دنياكم‪ ،‬فالتطرف والتشدد ليس إال غطاء للطمع وحب الفيطرة‪".‬‬
‫اجته أبو خالد مفرعاً حنو احلائط ودخل يف نيس املكان الذي رمسه فيه يوسف‪ ،‬بعد ثوانٍ قليلة‬
‫فقط‪ ،‬ظهر بنيس الصورة البشعة‪ ،‬فقد أخيت عودة الرمسة إىل سابق عهدها االبتفامة عن وجه‬
‫يوسف ألنه تذكر ضعيه يف الرسم‪.‬‬
‫تتثاءب يوسف بشكل متكرر ثم نظر حوله يف غرفته فلم جيد شيئاً سوى الكتب واألوراق‪ ،‬فأغمض‬
‫عينيه ونام على أمل النهوض للبدء بالكتابة صباحاً من أجل عل ‪.‬‬

‫تنتهي الردحلة مع أولى خطواتها!‬
‫استيقظ يوسف مبكراً ونظر إىل احلائط فألقى التحية على رسوماته قائالً "صباحكم‬
‫سعيد‪ "،‬وابتفم يف وجه اجلميع ثم وجد فطوره البفيط بالقرب من باب زنزانته‪ ،‬لكن رغم‬

‫ذلك شعر بنيفه على مائدة أحد امللوك‪ ،‬وبدأ بتناول طعامه بفعادة مبا لديه رغم أن األمر‬
‫ال يتعدى بيضة مفلوقة وزيت وزعرت ونوع رديء من اجلنب‪ .‬لقد جعله حكمه باإلعدام‬
‫يتلقى خدمة كنزيل يف فندق‪ ،‬فدائماً ما يأتيه الطعام إىل مكان إقامته‪.‬‬
‫حال انتهائه من تناول إفطاره‪ ،‬عاد وغفل وجهه من جديد‪ ،‬لكن هذه املرة بالغ باألمر ألنه‬
‫يرى هذا اليوم خمتلياً وفيه بداية جديدة للحياة‪ .‬إنه ليوم حاسم‪ ،‬بداية الكتابة من أجل‬
‫عل العزيز على قلبه وهو مؤمن أن الرواية ستنته مع أول حرف يكتبه فيها‪ ،‬فال ميكن‬
‫إبعاد إنفان عن مفار يراه وإن كان يف بدايته ما دام يؤمن بوجود نهاية له‪ .‬تعلم يوسف‬
‫هذه احلقيقة من رحالت أحالمه حيث كان يردد "لو بدأنا رحالت أحالمنا‪ ،‬فمع أول خطوة‬
‫نبدأ فعلياً بتحقيق احللم ألننا نراه واقعاً عندما نضع قدمنا على بدايات طريقه‪ ،‬مما‬
‫ييفر صعوبة اخلطوة األوىل يف حياتنا‪".‬‬
‫عاد يوسف وجلس على سريره وأحضر الورق واألقالم ثم بدأ حيك حليته وهو ييكر كيف‬
‫سيكتب كل ما يعرفه يف هذه احلياة‪ .‬هل يكتبه على شكل كتاب نظري يلخص فيه حياته‬
‫أم أن األمر سيكون ممالً‪ ،‬أم يكتبه على شكل قصة واحدة ختلق املتعة لعل وهو يكشف‬
‫أسرار خاله أثناء القراءة‪ ،‬وما هو املفتوى اليكري الذي جيب أن يضعه يف النص‪ .‬أخذت‬
‫مجيع تلك التفاؤالت ساعتني من وقت يوسف احملدود فيما تبقى له من احلياة قبل أن‬
‫يقرر ما سييعله‪.‬‬
‫يفتمر يوسف دون تراجع يف الكتابة‪ ،‬ومن أجل أن يبدأ بالكتابة فعليه أن يبدأ بالكتابة‬
‫وهذه ه أفضل الطرق لنكتب‪ .‬تبدو النظرية غريبة لكنها صحيحة ويعتمدها كثري من‬
‫الكتاب حول العامل‪ .‬أمفك قلمه وكتب يف الصيحة األوىل "قبل أن أموت‪ ...‬إىل عل ‪".‬‬
‫مع أوىل احلروف اليت شكلت الكلمات‪ ،‬أدرك يوسف أال رجعة فيما أقبل عليه ألنه بدأ فعالً‪،‬‬
‫ثم قرر أن يكون الطرح على شكل قصص‪ .‬أما مفتوى الكتابة وتقديم األفكار‪ ،‬فال بد أن‬
‫يكون بفيطاً وذا معنى بنيس الوقت‪ ،‬فنحن يف العامل العرب نعيش مرحلة من الكفل‬
‫اليكري والتحليل ‪ ،‬لذلك وجب على كل من يريد تقديم فكرة للناس أن جيعلها بفيطة‬

‫لتصل إىل اآلخرين جاهزة دون أن يتكبدوا عناء التيكري‪ ،‬ويعلقون على ذلك بالقول‪" :‬ال‬
‫تفتهن ببفاطة عباراته‪ ،‬فقد يكون أكثر تأثريًا منك على الناس‪".‬‬
‫وبدأت قصته ‪ ..‬يوسف يكتب لعلي!‬

‫قبل أن أموت ‪ ...‬إلى علي‪:‬‬
‫ولدت يف الرابع عشر من أيار‪ ،‬مما يعين أنين من برج الثور‪ .‬وعندما تقرأ يف كتب اليلك‪ ،‬جتدهم‬
‫يقولون إنين شخص صبور ويعتمد عليه وصاحب قلب دافىء وحمب للناس ولدي إرادة قوية جدًا‬
‫وهذا فقط!‪.‬‬
‫يبدو أننا بدأنا التعلم سريعاً مع بداية كلمات ‪ ،‬فالقاعدة األوىل تنص على أال تصدقين عندما‬
‫أذكر األشياء اجليدة عين يف هذا الكتاب وأكتي بهذا‪ ،‬فكل إنفان من دون استثناء له صيات سيئة‬
‫لكنه حياول إخياءها‪ ،‬فالشخص اجليد هو من خيي صياته الفيئة وليس من ال ميتلك صيات‬
‫سيئة‪ .‬ولو الحظت فقد بدأت بإخياء هذه الصيات عندما جتنبت إخبارك بأن علم اليلك يقول إن‬
‫مولود برج الثور شخص حيب االستحواذ على من حيب وشديد الغرية‪ ،‬وحفب علم اليلك فأنا‬
‫أعرتف بأنين شخص قليل املرونة وعنيد وحازم برأيه لكنين أرفض ما يقوله عن أنين شخص طماع‬
‫ومنغمس بامللذات‪ ،‬فلو كنت طماعاً ملا كنت هنا صدقين ألنين مل أكن ألقرض ذلك اللع*** ‪..‬‬
‫لن أشتمه‪ ،‬أقصد ذلك الشخص‪.‬‬
‫بداية‪ ،‬أريد أن أقول لك ال تصدق شخصاً يقول إنه مل يقرأ ما يقوله اليلك عنه ولو مرة واحدة يف‬
‫حياته‪ ،‬لكن صدق من يقول لك إنه ال يؤمن به فهذا أمر طبيع ‪ .‬وأنا ال أؤمن به كذلك لكن اجلميع‬
‫اطلعوا على صياتهم الشخصية من برجهم ولو مرة واحدة يف حياتهم عندما أتيحت هلم اليرصة‪.‬‬
‫يف بداية حيات ‪ ،‬كنت مهزوز الشخصية لدرجة ال تتصورها يا عل ‪ ،‬فقد أدى دالل أم ل وخوفها‬
‫اليرط عل ألنين "األصغر" بعد ثالث فتيات إىل جعل اتكالياً لدرجة ال توصف‪ ،‬فرغم أن أم كان‬
‫هلا ولدين‪ ،‬لكنها شعرت بأنين األكثر أهمية‪ ،‬رمبا لقدوم بعد ثالث فتيات يف ظل عقليتنا العربية‪.‬‬

‫لالختصار‪ ،‬جعلين هذا الوضع جباناً ال أعرف كيف أمح نيف ‪ ،‬لكن ثق بأنين مل أعد كذلك أبداً‬
‫فأنا سأموت شجاعاً وإنفانا عصامياً يعتمد على نيفه ال على اآلخرين‪ ،‬لذلك مهما كانت فيك من‬
‫صيات سيئة فاعلم أنك الوحيد الذي تفتطيع تغيريها وحصرها‪ ،‬واحذر أن تصرب عليها فاملثل‬
‫الصيين يقول "تبدأ العادة كخيوط العنكبوت ثم تتحول لتصبح قيودًا من حديد‪".‬‬
‫كان مجيع أقران يف سنوات األوىل يضربون ‪ ،‬ومل أكن سوى متلقٍ للضربات‪ .‬دخلت الصف األول‬
‫يف املدرسة وكنت أطمح للحصول على معدل تفعني يف املئة ك أعود إىل البيت وأصرخ بصوت عا ٍل‬
‫حال دخول البيت "تفعيــــــــــــــــــن‪ "،‬فهذا موقف شاهدته من شقيقيت اليت كانت متيوقة‬
‫يف املدرسة وكنت يف الروضة وما قبلها أمتنى تكراره‪ .‬انعكفت شخصييت الضعيية يف الصف األول‬
‫على عدم حب املعلمات ل ‪ ،‬وأنت تعلم أن حب املعلم لك يف املدرسة يشكل أكثر من نصف معدلك‪،‬‬
‫وهذا ما ترك أثره الفليب عل بوضوح‪.‬‬
‫يف نهاية اليصل الثان ‪ ،‬رأيت بعض عالمات مرتيعة يف الشهادة‪ ،‬وكانت املعلمة كفولة لدرجة مل‬
‫تضع معدلنا لنعرفه‪ ،‬وعندها قدرت متيائالً أن معدل تفعني وهو احللم الذي كنت أسعى إىل‬
‫حتقيقه‪ .‬عدت إىل املنزل جرياً ودخلت صارخاً بقوة "تفعيــــــــــــن" وجريت صاعداً الدرج ألجد‬
‫أم فرحة مبا أحضرته هلا من معدل‪ ،‬وك أكون واضحاً فإنها كانت لتيرح جداً حتى وإن قلت‬
‫ستني فتلك ه األم‪ ،‬ثم جاء أخ الكبري الذي مل ولن أنكر فضله عل يف حيات كلها فجرحين‬
‫للغاية يف ذلك اليوم بإحضاره آلة حاسبة وبدأ باجلمع ليقول ل معدلك ليس تفعني بل ‪4.98‬‬
‫فقط‪.‬‬
‫تعرضت لصدمة كبرية يومها‪ ،‬فقد ضاعت فرحة الصرخة وكان بوسع أخ غض الطرف عن تلك‬
‫الكفور البفيطة اليت أنقصت الرقم الذي شكل حلم الطيولة بالنفبة ل ‪ .‬فال شك أن معدل يف‬
‫الصف األول لن يؤثر على مفتقبل ‪ ،‬وكثرياً ما خنطىء حنن الكبار يا عل بكلمات متفرعة كلها‬
‫عقالنية مع أطيال كل ما يريدونه خطاب قلب فقط‪ .‬هل تعلم لو عدت بالزمن إىل الوراء حلفبت‬
‫كافة أخطائ مع أبناء إخوان وأخوات ‪ ،‬ال أعرف ملاذا خنطىء هكذا معهم؟ تذكر أن تتصرف دائماً‬
‫مع الصغار بقلبك ال بعقلك‪.‬‬
‫بعد الصف األول‪ ،‬وألنين من النوع الذي يفهل استيزازه عندما متس كربياءه‪ ،‬انطلقت يف الصف‬
‫تلو اآلخر أحقق أعلى العالمات‪ .‬لن أخوض يف التياصيل وأنا أروي حيات املدرسية ألنين لن أمسح‬

‫لك بقراءة هذا الكتاب قبل أن يكون عمرك مثانية عشر عاماً‪ ،‬أي بعد إنهائك الثانوية ألن فيه من‬
‫األفكار واحلوادث اليت لن تيهمها إال بعد ذلك‪ ،‬وألن فيه أفكاراً جيب تأجيل إدراكك هلا‪.‬‬
‫كنت خالل حيات املدرسية فاشالً يف الشجارات اليدوية‪ ،‬وال أذكر أنين انتصرت يف أي منها‪،‬‬
‫فمشكليت أنين كنت صاحب همة عالية وكنت أختذ من أقوى االوالد أعداء ل مما أدى إىل‬
‫سقوط بأسوأ األشكال طبعاً‪ ،‬وكان طموح ييرض عل اختيار اخلصم األقوى‪ ،‬فكنت أدفع‬
‫الثمن‪.‬‬
‫إياك أن تفكن وتتعايش مع نقطة ضعف لديك‪ ،‬فأنا طورت قدرات أخرى لدي كلفان وفن‬
‫املياوضات اليت جعلتين أمض بعد فرتة مفيطراً على أقوى الطالب‪ ،‬فكانوا ينتظرون مين أن أشري‬
‫هلم بطلب ك يلبوه ولو أدخلتهم بأعتى املعارك‪ .‬لقد اعتمدوا كثرياً على عضالتهم بينما جلأت‬
‫إىل لفان وعقل ‪ ،‬لذلك عليك أن تعلم أال وجود لقوة حقيقية بال قوة عقل ولفان‪ .‬هذا ما جعل‬
‫الصهيونية تركز كثرياً على إظهار املبدعني من اليهود الذين يفتخدمون شر استخدام من قبل‬
‫الصهيونية وإن مل ييعل مبدعوهم شيئاً مفيئاً للبشرية‪ ،‬لكن االستخدام الذي يتوجب أن نصيه‬
‫بالذك ‪ ،‬وإن كان من أعدائنا‪ ،‬جعلهم يفيطرون على اإلعالم دائماً‪ .‬مجعوا العقل واللفان فحكموا‬
‫العامل‪ ،‬وبقيت مشكلتنا يف الرتكيز على العضالت والعواطف فحفب‪ ،‬لذلك لن ننجح أبداً حتى‬
‫نغري من هذه العقلية البالية‪.‬‬
‫سأنتقل بك سريعاً إىل الثانوية‪ ،‬حيث ظهر هناك معدن رجل غريب للغاية يف حيات ‪ ،‬رجل عندما‬
‫يكون لديه حلم يضح بكل ش ء من أجله‪ ،‬ذلك الرجل هو أنا‪.‬‬
‫طوال دراسيت للثانوية‪ ،‬مل أكن أرى أفراد عائليت إال وقت الطعام‪ ،‬وبعد ذلك أنعزل يف غرفيت‪ .‬مل‬
‫يكن هذا املعفكر املغلق للدراسة طوال اليوم‪ ،‬لكنين كنت أريد هذا اجلو من العزلة ألشعر مبقدار‬
‫تضحييت فال أتهاون وال أتردد بتحقيق أحالم ‪.‬‬
‫أتذكر أم جيدًا حني كانت صمام أمان واستقرار نيف ل أثناء الدراسة‪ ،‬فذات مرة وخالل تناولنا‬
‫لوجبة اإلفطار‪ ،‬كنا نناقش أسوأ االحتماالت وهو أال أحقق معدالً عالياً يكي لدراسيت ختصص ًا‬
‫حمرتماً يف الفوق‪ ،‬عندها قالت مطمئنة إياي‪" :‬سأبيع كل ما أملك من الذهب الذي لدي وكل ما‬
‫لدينا مما ميكن بيعه ك تدرس ما تريده‪ ".‬كانت رسالة التطمني تلك حامسة بأنين أخوض لعبة‬
‫الثانوية بال خماطرة بتدمري مفتقبل ‪ ،‬فورائ من سيحملين لو زلت قدماي‪ .‬لكن بنيس الوقت‬

‫كنت مصمماً على أال أمسح لنيف بالتفبب خبفارة أم للذهب الذي لديها‪ ،‬فعليك أن تدرك كم‬
‫حتب املرأة زينتها وذهبها وال تنظر إىل األمر بعني الرجولة اليت ال جيذبها ذلك املعدن األصير‪.‬‬
‫أنهيت الثانوية مبعدل عالٍ جداً مسح ل بأن أدرس الصيدلة‪ .‬أذكر جيداً يومها وقبل أن أذهب‬
‫ألعرف معدل انفكاب دلة قهوة على األرض وحنن نشربها صباحاً بانتظار صدور العالمات‪ .‬يومها‬
‫قالت أم "اهلل يكيينا الشر" مع أنها يف مواقع أخرى كانت تقول "انفكاب القهوة خري‪ ".‬كان املوقف‬
‫متوتراً للغاية وقد خشيت أن تتياءل اليوم فتنصدم فاختارت التشاؤم‪ ،‬ويقولون إن املتشائم أقل‬
‫إنفان تعرضاً خليبات األمل يف حياته‪ .‬لكنين كنت هادئاً يومها فأنا أعرف ما أديته يف االمتحانات‬
‫جيداً‪ ،‬وصدقين لو كنت قد درست يف مدارس أرقى لكنت قريباً لدرجة كبرية للغاية ممن نفميه‬
‫"األول" على البالد‪ .‬لقد كانت كافة العالمات اليت ضاعت مين نتيجة لفوء جتهيز نيف أو سوء‬
‫تأسيس منذ بدايات املدارس‪ ،‬فال تصدق ما يقولونه إن الثانوية بهذا الشكل ه لضمان تفاوي‬
‫اليرص‪ .‬يعين تفاوي اليرص تفاوي اإلمكانيات‪ ،‬وهو ما ال يطبق ولن يطبق أبداً حتى تصبح‬
‫هناك جامعة لكل حمافظة تتقارب بها حظوظ الطالب‪.‬‬
‫لو اخرتت يا عل أن تناضل من أجل قضية‪ ،‬أقرتح عليك أن تناضل جدياً من أجل املفاواة احلقيقية‬
‫يف الثانوية‪ ،‬فال يكون للعاصمة دائماً حصة األسد من املقاعد ألنهم يف النهاية ميلكون اإلمكانيات‬
‫األفضل‪ .‬لتكن هناك نفبية يف التوزيع قائمة على احملافظة ال على البلد كله‪ ،‬فهذا شر وظلم‬
‫مطلق خييونه بقوهلم إن الطالب يتقدمون يف النهاية كل لالمتحان ذاته‪.‬‬
‫ال تصدقهم أبداً وال تقع يف هذا اليخ يا عل ‪ ،‬فإن ما يطالبونك بتصديقه كأن تصدق بأن مالكماً‬
‫متدرباً يف الغابون خيوض مواجهة احرتافية ضد مالكم متدرب يف أمريكا يتفاوى معه باليرص‬
‫ألنهما يتواجهان على نيس احللبة خاضعني لنيس القوانني‪ ،‬لكن رغم ذلك تبقى املفاواة ميقودة‬
‫يا عل ‪.‬‬
‫ال فال يعمل على تغيريه‪ ،‬أما احلل‬
‫أعلى درجات الظلم هو ذلك الذي يرى فيه اإلنفان من خارجه عد ً‬
‫فاهلل أعلم بالزمن الذي ستكون فيه حياً‪ ،‬لكن لو عاد ل القرار اآلن سيكون هناك جامعات‬
‫للمحافظات وبالتال نوفر مصاريف التنقل للطالب‪ ،‬وبنيس الوقت يصبح التعليم أقل تكلية على‬
‫الطلبة‪ ،‬أما ملن يقول "ومن أين املال؟"‪ ...‬فلنتوقف عن إهدار املال على حيالت تقديس القادة أو‬
‫تفليح غيب من أمريكا لنحم أنيفنا منها يف النهاية فعدونا الرئيف كان وسيبقى من حيلم‬
‫باحتاللنا‪ .‬ليس من يصوره لنا إعالم ما يقوده من اخللف أناس بأهداف نعرفها‪ ،‬ويوفر هذا املال إن‬

‫فعلناه ك نصرف على اجلامعات وال ننفى أن الشركات اخلاصة ستكون على أهبة االستعداد‬
‫إلطالق امسها على مدرجات تعليمية وافتتاح خمتربات يف حال فكرنا حقاً بعقلية أننا نريد هذا‪،‬‬
‫أو احلل األقل تكلية هو نفبية املقاعد حفب عدد املتقدمني للثانوية يف كل حمافظة‪ ،‬وال تصدق‬
‫ما يقولونه لك أن نظام قبول "األقل حظاً" هو حل هلذه املشكلة‪ ،‬بل هو جمرد إسكات للناس وخداع‬
‫هلم‪.‬‬

‫البدايات في اجلامعة‪:‬‬
‫مت قبول يف كلية الصيدلة وكان هذا سبباً كافياً ألدخل اجلامعة بكل ثقة يف يومها األول‪ .‬كان‬
‫باستطاعيت أن أدرس طب األسنان مبعدل لكنين كنت أدرك عدم قدرت على حتمل مثل هذه‬
‫املهنة‪ ،‬لذلك اخرتت الصيدلة‪ ،‬ويف يوم األول جئت ألنصدم بالواقع‪.‬‬
‫ذهبت‪ ،‬يا عل ‪ ،‬وأنا ابن أسرة من الطبقة املتوسطة ومن مدينة أهلها ليفوا بيقراء لكنهم بفطاء‪.‬‬
‫يقولون إنها املدينة الثانية يف األردن لكنين أعتقد أن لدينا مدينة واحدة حقيقية يف البالد ه‬
‫عمان‪ ،‬واملدن األخرى مل تنل ما تفتحقه من اهتمام للتطوير والتخطيط وفرض سلطة القانون‬
‫وجلب االستثمارات لنفميها "مدينة‪ ".‬ال تعتقد أن هذا الوضع يف بالدنا فقط‪ ،‬إنه يف كافة مناطق‬
‫وطننا العرب ‪.‬‬
‫انصدمت هناك حقاً‪ ،‬فألول مرة أختلط حبيات مع فتيات بشكل مباشر‪ ،‬وألول مرة يف حيات‬
‫أشاهد شباباً يرتدون مالبس عادية لكنها تلمع ولونها خمتلف عن ألوان مالبف وهذا ما يفمونه‬
‫ماركات عاملية‪ .‬كانت صدمة خطرية عل جعلتين أندم على دخول هذه اجلامعة وعدم اختياري‬
‫جامعة أخرى يكون املفتوى االجتماع فيها أقرب إىل مفتواي وليس بعيداً عنه‪.‬‬
‫حدث مع يف يوم األول موقف تعلمت منه الكثري يف حيات اجلامعية‪ ،‬فقد جاء طالب امسه‬
‫حممد وكان يبدو على وجهه املكر‪ ،‬وهنا أنصحك بدراسة اليراسة وحتليل وجوه الناس فهذا‬
‫سيفاعدك كثرياً يف حياتك‪ .‬جلس حممد هذا معنا ومل نكن نعرفه من قبل‪ ،‬وكان معنا عدة طالب‬
‫ألول مرة نقابلهم يف حياتنا لكننا كنا مجيعاً حريصني على إظهار أننا أذكياء وقادرون على‬
‫النجاح‪.‬‬

‫جاء حممد ليشرح لنا تيوقه يف عالمات املدرسة‪ ،‬فبدأ بذكر عالماته بالرياضيات والييزياء واللغة‬
‫اإلجنليزية وواصل إعطاء رقم لكل معدل له وأنا صامت أمجع بعقل بفرعة‪ ،‬وكما تعلم فإنين‬
‫سريع جداً يف احلفاب وأختذ هذه املفألة كهواية‪ ،‬بينما واصل حممد إعطاء األرقام ‪ .9‬كيمياء‪..‬‬
‫‪ .8‬لغة عربية ‪...‬اخل‬
‫ثم أنهى "ومعدل ‪ .8‬ونصف!"‬
‫مل يكذب مبعدله ألنه مكتوب على قائمة املقبولني‪ ،‬لكن حاول اإلحياء بأنه ذك من خالل إعطاء‬
‫عالمات كاذبة للمواد‪ ،‬فتدخلت وأقفم بقلب أبيض قائالً‪" :‬تعين العالمات اليت أعطيتنا إياها أن‬
‫معدلك ستة وتفعون‪ ".‬شعر عندها باإلحراج وكان بوسعه أن يقول لقد اخطأت مبادة مثالً لو كانت‬
‫نيته صافية‪ ،‬لكن نيته مل تكن كذلك فقد كان يريد اصطياد مسعة جيدة دون تعب وهذا أسوأ فخ‬
‫قد يقع فيه اإلنفان الباحث عن جمد‪.‬‬
‫عرضت حممد لإلحراج ألنين اعتدت مواجهة الكاذب بكل صراحة‪ ،‬فقد حولته دون قصد إىل مهرج‬
‫يضحك عليه اجلميع يف تلك اجللفة‪ .‬استحق هذا ألنه كاذب‪ ،‬لكنين تعلمت يومها أن عليك أال‬
‫تقول للكاذب يا كاذب بوجود غريه فهذا خيلق األحقاد‪ ،‬فرغم حماولتنا إظهار أننا أصدقاء طوال‬
‫مفريتنا اجلامعية‪ ،‬ظل نيور القلوب غالباً يف عالقيت معه‪.‬‬
‫كنت يف سنيت الدراسية األوىل إنفاناً تقليدياً للغاية مع الناس‪ .‬أذكر جيداً أنين كلما تكلمت مع‬
‫فتاة أتلعثم بكالم ‪ ،‬وأنت تعرف أنين مل أحظى مبظهر الشاب اجلذاب يوماً‪ ،‬لكنين كنت جاذباً يف‬
‫اجلامعة من ناحية طريقة التيكري ومن ناحية مفتواي الدراس ‪ ،‬بالتال استطعت احلديث مع‬
‫بعض اليتيات لكنين كنت أخرقاً يف التصرفات عند البدايات وهذا يكي لنهاية أي أمل بعد ذلك‪.‬‬
‫أذكر تلك اليتاة وامسها هناء‪ ،‬لقد أعجبين شكلها الغريب بالنفبة ل ‪ ،‬فقد كان واضحاً عليها أنها‬
‫من أسرة ميفورة جداً‪ ،‬فشلكها ولباسها والفيارة اليت تأت ألخذها كلها أمور توح بذلك‪ .‬كان‬
‫شعرها قصرياً وهذا الشعر يعجبين‪ ،‬ووجهها متأله براءة وطيولة زادته نظارة طبية كانت ترتديها‬
‫مجاالً‪ .‬إنها نظارة صغرية احلجم وأنيقة تعكس ما جعلين أشعر أن داخلها إنفانة متألقة‪ ،‬فقررت‬
‫أن أتكلم معها بأي طريقة كانت‪.‬‬
‫يف إحدى أيام اإلثنني وبعد أن انتهت حماضراتنا‪ ،‬أخربت زمالئ أنين أنتظر صديقاً من خارج‬
‫اجلامعة وأن عليهم العودة إىل بيوتهم وحدهم ألنين سأتأخر‪ ،‬فحاولوا سؤال عن هذا الصديق‬

‫فاخرتعت شخصية من عندي ألطمئن إىل عدم معرفة أي منهم به‪ .‬يف احلقيقة لقد كذبت عليهم‬
‫يا عل ‪ ،‬وكان هديف أن أنتظرها حتى تنه حماضرتها بعد ساعة من موعد انتهاء حماضرات‬
‫ألحاول التكلم معها بأية طريقة كانت‪.‬‬
‫انتظرت عند تلك الشجرة أمام اجلامعة حيث كانت الفيارة تأت ألخذها يف نهاية كل يوم‪ ،‬وكما‬
‫توقعت جاءت إىل نيس املكان يف نيس املوعد وعالمات التعب واإلرهاق بادية عليها أكثر من أي وقت‬
‫مضى‪ ،‬اقرتبت منها كبطل وقلت‪" :‬مرحباً"‪...‬‬
‫أجابتين‪" :‬أهال‪ "،‬ثم ابتفمت وكأنها كانت تعرف ما بداخل من إعجاب بها‪.‬‬
‫وألنين أمحق نفيت أن أذكر امس ‪ ،‬بل سألتها مباشرة‪" :‬كيف كانت عالمتك اليوم يف املخترب؟"‬
‫فأجابتين طالبة إنهاء احلوار‪" :‬احلمدهلل‪".‬‬
‫مل أعرف ماذا أقول بعد ذلك‪ ،‬فأنا مل أجهز نيف أبداً‪ ،‬أخذتين العواطف وقضت على نيفها‬
‫بنيفها‪ .‬يقولون إن كل دماغ فيه جهاز مناعة خاص يعيق اإلنفان من إيذاء نيفه‪ ،‬ولكن حاملا‬
‫يضطرب هذا اجلهاز جتد حاالت االنتحار‪ ،‬وهنا عواطي انتحرت بغبائها‪ ،‬فقد اقتادتين ألتكلم مع‬
‫فتاة دون أن أمتلك كالماً أو خطة واضحة لتفيري احلوار‪" ،‬تباً"‪ ...‬هذا ما قلته لنيف يومها‪.‬‬
‫بعد حالة اإلحراج قلت هلا‪" :‬شكراً‪ ،‬أمتنى لك التوفيق دائماً‪".‬‬
‫فقالت ل ‪" :‬شكراً ‪ ..‬بعد إذنك‪".‬‬
‫مشت عدة خطوات فقط لتخربن أن احلوار انتهى‪ ،‬فتأكدت يومها أنين لو كنت خبيثاً لرمست‬
‫سيناريو حلوار كامل يف خميليت وأجربت اليتاة أن متر منه حتى أستطيع التعرف عليها‪ ،‬لكنين‬
‫كنت طيباً فيقدت فرصيت‪ .‬عدت إىل منزل يومها مكتئباً جداً وكان ذلك جلياً على وجه‬
‫ففألتين أم ‪" :‬ما بك؟"‬
‫فكان اجلواب اجلاهز والذي ال ميكن ألحد أن يناقشك به "أعتقد أنين مصاب باإلنيلونزا‪".‬‬
‫دخلت غرفيت يومها ومتارضت بشكل ال يتقنه أعظم الينانني‪ ،‬فقد كان أول إحباط يصيبين من‬
‫اجلنس اللطيف لكنين ألوم نيف وال ألومها‪ .‬لقد قررت أن أركز على دراسيت فقط وأن أعتزل‬
‫اجلنس اآلخر ألنه مصدر إحباط وألنين ال أملك قدرات التعامل معه‪ ،‬وقد كانت تلك املرة األوىل‬
‫اليت أنام فيها وأنا أشعر بالغباء!‪.‬‬

‫أنهيت عام الدراس األول بتيوق واضح جعلين شخصاً معروفاً بني طالب دفعيت يف الكلية‪ ،‬وليس‬
‫هناك ش ء أذكره من ذلك العام بأكمله سوى خيبيت تلك مع هناء‪ ،‬وخويف وابتعادي عن اجلنس‬
‫اآلخر قدر املفتطاع‪ ،‬وترسيخ حيات كلها من أجل الدراسة‪ .‬ال حتتاج ألن أخربك شيئاً عن‬
‫الدراسة‪ ،‬فالنجاح يف اجلامعة أسهل بكثري مما يظن البعض‪.‬‬
‫جاءت بداية العام الثان ‪ ،‬وهو عام مقرر علينا فيه مادة حاسوب هلا عالقة بإحدى لغات الربجمة‪،‬‬
‫وحلفن حظ فقد كنت أتعلم هذه املادة يف الصيف الذي سبق عام اجلامع األول مما جعلين‬
‫أفضل من كثريين يف املفاق ذاته‪ .‬جاءن يومها ذلك الشاب وامسه "خالد" وطلب مين شرح املادة له‬
‫ولصديقتيه "مجانة" و"هيا‪ ".‬وافقت‪ ،‬وك أكون صادقاً معك ليس ألجله ألنه شخص س ء اخللق‪،‬‬
‫بل من أجل مجانة!‪.‬‬
‫كانت مجانة شقراء ويصيها اجلميع بأنها أمجل طالبة يف اجلامعة‪ ،‬فتخيل يا عل أن "املخيق يف‬
‫األمس مع هناء سيجلس مع مجانة على طاولة واحدة‪ ،‬يعلمها ويدرسها وه من ستبحث عنه‬
‫وتعرتف حباجتها له‪ ".‬سأحاول جعل املادة أطول ما ميكن ليطول جلوس معها قدر املفتطاع‪ .‬ال‬
‫تقل أنت س ء اخللق يا خال ‪ ،‬بل قل إنين كنت شاباً وجيب أن نقبل هذه التصرفات من الشباب‬
‫بعض األحيان ما مل يكن منها أذى‪.‬‬
‫قبل درس األول مع مجانة وأصدقائها‪ ،‬طلبت من أم أن تعطيين املال لشراء مالبس جديدة وقمت‬
‫بشراء مالبس غالية نوعاً ما تشبه تلك اليت كان يرتديها بعض طالب كلييت من األثرياء‪ ،‬فأردت أن‬
‫أقول جلمانة "أنا مثلهم‪".‬‬
‫هل تعلم شيئا يا عل ؟‬
‫وأنا أكتب هذه الكلمات أذكر وجه مجانة جيداً‪ ،‬ولعلها أمجل فتاة عرفتها يف حيات ‪ ،‬ختيل أنها‬
‫كانت أول فتاة تتكلم مع وتفألين عن حيات اخلاصة‪ .‬لقد شعرت أنها قد تكون معجبة بش ء ما‬
‫يف شخصييت‪ ،‬لكنين مل أدرك ما هو‪.‬‬
‫أجربن غبائ يا صديق على مواصلة االهتمام مبظهري وجتاهل نقاط قوت ‪ .‬مهما ارتديت من‬
‫مالبس ومهما قمت بتفرحيات شعر فلن أكون أوسم من آخرين رغبوا مبصادقتها‪ ،‬فقد كنت أمتلك‬
‫اللفان القوي الذي نشأ نتيجة ضعف مهارت القتالية يف مشاجرات املدرسة والثقافة الواسعة اليت‬
‫اكتفبتها من حيب للقراءة‪ .‬كنت كذلك أمتلك اليكر اجلميل وسرعة البديهة‪ ،‬وه األمور اليت‬

‫متكنك من كفب قلب أي فتاة كانت‪ ،‬لكنين يف تلك اليرتة استحقيت لقب غيب وأمحق‪ .‬أكرر غيب‬
‫وأمحق!‬
‫قد تتفاءل ما الذي يبقيين غاضباً حتى اآلن بعد ما يقارب عشرين عاماً‪ ،‬وحتديداً ألن ذاهب إىل‬
‫حبل املشنقة!"‬
‫معك حق بالفؤال يا عل ‪ ،‬لكن صدقين يبقى اإلنفان يلوم نيفه على حلظات الغباء وحلظات‬
‫اجلنب إىل األبد‪ .‬هل تعلم أنين أذكر حتى اآلن موقياً حمرجاً سببته ألم عندما كنت يف الروضة‪،‬‬
‫فحني كان عمري مخس سنوات‪ ،‬كان هناك طيل شرير ما زلت أذكر وجهه يضربين يومياً‬
‫فاشتكيت إىل املعلمة فلم تيعل شيئاً‪ ،‬وعندما أخربت أم جاءت يف اليوم التال لكنين وخلويف منه‬
‫أنكرت أنه ضربين‪ .‬بعد أعوام طويلة‪ ،‬ما زلت أذكر ذلك املوقف اجلبان‪.‬‬
‫ألزيدك من الشعر بيتاً‪ ،‬من كل حيات يف الروضة ال أذكر إال موقيني؛ فباإلضافة إىل هذا املوقف‪،‬‬
‫ما زلت أذكر حني جاء ثالثة أطيال من عمرنا ومنعونا من شرب املاء بال سبب‪ ،‬لقد قالوا "ال شرب‬
‫اليوم لكم‪ "،‬واستجاب مجيع من يف الروضة جبنب وخوف‪ .‬من الواضح أننا ال ننفى مواقينا اجلبانة‬
‫يا عل ولو كنا أطياالً‪.‬‬
‫بالنفبة جلمانة‪ ،‬حاملا أنهت ما تريده مين وأصدقاؤها مل تعد تقل صباح اخلري كلما رأيتها‪ .‬مل أملها‬
‫أبداً فأنا األمحق الذي كان عليه أن يدرك أن هؤالء جمرد انتهازيني‪ ،‬وبنيس الوقت ال أنكر أن تلك‬
‫التجربة أفادتين كثرياً يف حيات ‪ ،‬بل أدركت وجوب أن أكون على طبيعيت‪ .‬نعم‪ ،‬جيب أن أكون‬
‫يوسف احلقيق وليس يوسف الذي يريد الناس رؤيته‪.‬‬
‫لو قرأت الكتاب اآلن وخاليت تعليمات ستشعر باستغراب كبري‪ ،‬لكنك ستيهم معنى الكالم جيدًا‬
‫عندما خترج إىل حياة أوسع من املدرسة‪ ،‬فما أسهل أن تكون كاآلخرين‪ ،‬وما أصعب أن تكون أنت‪.‬‬
‫قد تفألين أيضًا وتقول‪" :‬أكانت حياتك اجلامعية متعلقة باليتيات فحفب؟"‬
‫اجلواب بفيط يا عل ‪ ،‬حنن قادمون من جمتمع مغلق تعد األنثى فيه األمر األغرب بالنفبة لنا‪،‬‬
‫لكن بنيس الوقت يا صديق ال ختتلف الدراسة يف اجلامعة كثرياً عنها يف املدرسة‪ ،‬وهذا ما يريده‬
‫مدرسو اجلامعات وما تريده الفياسات العليا يف مجيع أقطارنا العربية‪ .‬ال يريدون خلق جيل ميكر‬
‫وباحث‪ ،‬بل جيل حييظ ويطبق ما يطلب منه ويقال له‪ .‬إننا يف سريك كبري خيتلف عن الفريك‬
‫احلقيق بغياب احليوانات الصامتة‪.‬‬

‫نسرين‪:‬‬
‫هل تعلم يا عل ؟ ال أجيد التحدث عن نيف !‬
‫أتصدقين؟‬
‫ال تصدق كل من يقول لك هذا يا حبييب‪ ،‬فكل إنفان يتكلم عن نيفه يف داخله يومياً مئة مرة‪.‬‬
‫ولكن من يقول هذا يكون مثل اآلن‪ ،‬حياول جتنب ذكر أمور قد ال تعجبك فتغري وجهة نظرك به‪،‬‬
‫لذلك ستالحظ أنك كلما عرفت فتاة جديدة وقلت هلا حدثيين عن نيفك ستقول لك "ال أعرف‬
‫كيف أحتدث عن نيف ‪ ،‬اسألين!" ييعل الرجال األمر ذاته أيضاً‪ ،‬لكن بأسلوب حيمل ثقة أعلى مثل‬
‫"املواضيع كثرية وال أعرف من أين أبدأ أو ما قد يثري اهتمامك‪ ،‬ما عليك إال أن تفأل وأنا أجيب‪".‬‬
‫سأكتب لك كل ش ء يا عل ‪ ،‬الف ء قبل اجليد يف حيات ك تفتييد‪ ،‬وتذكر أنك عندما أحببتين‬
‫فقد أحببت انفاناً وليس مالكاً‪ ،‬لذلك فمن الطبيع أن أرتكب محاقات وأخطاء وال تقرأ أي سرية‬
‫ذاتية ليس فيها ذكر للفلبييات‪ ،‬فه سرية ذاتية كاذبة مهما كان هذا اإلنفان رائعاً يف نظرك‪.‬‬
‫بعد جتربة مجانة‪ ،‬ابتعدت متاماً عن أحالم الصداقة مع اجلنس اآلخر من جديد‪ ،‬وعاد كامل‬
‫تركيزي على الدراسة مما ساعدن جداً يف التيوق‪ .‬كنت يف بعض الليال أشعر أنين أنتقم من‬
‫فشل على الصعيد العاطي من خالل الدراسة‪ ،‬فقد كانت الكتب ضحية ليشل يف أمر أخر!‪.‬‬
‫استمر هذا األمر حتى اليصل الصيي يف الفنة الثانية حني توجهت لدراسة مادة احملاسبة يف‬
‫كلية اإلدارة‪ .‬لقد كانت مادة اختيارية رأيت فيها إفادة ل ألنين مل أكن أحلم بيتح صيدلية‪ ،‬بل‬
‫كان حلم إدارة عمل خاص ب وهذا ما دفعين الختيار تلك املادة‪.‬‬
‫كان املقعد اجملاور ملكان جلوس شاغراً دائماً‪ .‬وبعد ثالث حماضرات يف تلك املادة‪ ،‬جاءت فتاة عادية‬
‫اجلمال لكن فيها ش ء غريب جاذب مل أكتشيه حتى اآلن‪ .‬دخلت مباشرة وقال هلا احملاضر أن رقم‬
‫مقعدها ‪ ،0.‬أي ذلك املقعد الذي جبانيب‪.‬‬
‫جلفت وكانت فتاة يبدو على وجهها االحرتام‪ ،‬ترتدي حجاباً وتغط شعرها به لكنها كانت تلبس‬
‫قمصاناً وبالطني كحال كثري من اليتيات‪ ،‬وهذا النوع من الثياب هو األنفب حقاً للبنات يف احلياة‬

‫اجلامعية خصوصاً لو كانت تصعد يف احلافالت العمومية‪ ،‬فهو حيميها من أي تعثر ويعطيها‬
‫أرحيية بالتحرك‪ .‬ال أعرف كيف سيكون زمانك‪ ،‬لكن يف زمان صعدت أصوات يف البداية حترمه ثم‬
‫خيتت ألن احلق واضح وسوف ينتصر يف النهاية‪.‬‬
‫جترأت دون معرفة الفبب فقلت هلا‪" :‬أهالً باجلار اجلديد!"‬
‫فابتفمت وقالت‪" :‬شكراً‪".‬‬
‫بدأت تلك احملاضرة‪ ،‬وكان الدكتور يفتعرض عضالته على الطالب باحلفاب‪ ،‬وهنا استيز ب‬
‫قدرات كامنة باحلفاب‪ .‬كان يضع جمموعة من األرقام على اللوح اليت حتتاج عمليات حفابية‪،‬‬
‫فطلب آلة حاسبة ليتم احتفاب النتيجة فقلت له‪" :‬دكتور‪"!093 ،‬‬
‫نظر إل الدكتور وابتفم فقال‪" :‬حتب التخمني؟"‬
‫فقلت له جبرأة‪" :‬ال يا دكتور‪ ،‬إنها ‪".093‬‬
‫فلم ينظر إل وبدأ باحلفاب وقال‪ "،093" :‬ثم نظر إل وابتفم قائالً "لقد كنت حمظوظاً!"‬
‫فالتزمت الصمت ومل أرد خوض نقا‬

‫يصر فيه على أن جواب جاء مبحض الصدفة‪ .‬تكرر األمر‬

‫ذاته ثالث مرات‪ ،‬ويف النهاية نظر إل وقال ل ‪" :‬هل تدرس هندسة؟"‬
‫فقلت‪" :‬ال!"‬
‫فقال‪" :‬رياضيات؟"‬
‫فقلت‪" :‬ال!"‬
‫فقال‪" :‬طب؟"‬
‫قلت‪" :‬ال!"‬
‫فصمت ومضى قائالً‪" :‬إنك لطالب إدارة أعمال مبشر باخلري بهذه العقلية‪ ".‬عندها قلت له أنين‬
‫أدرس الصيدلة‪ .‬فنظر إل قائالً‪" :‬ملاذا مل تقل عندما سألتك؟"‬
‫قلت له‪" :‬أنت سألتين عن ختصصات حمددة وأنا أجبتك عنها بال!" ضحك بشدة وقال أنه أحبين‬
‫منذ اليوم األول‪.‬‬

‫بعد تلك احملاضرة‪ ،‬كان موعد عودت إىل البيت ويومها مل أتوقف ألحتدث مع األصدقاء‪ ،‬بل‬
‫انطلقت مباشرة إىل حمطة احلافالت‪ ،‬ليس لش ء لكن كانت هناك مباراة لكرة القدم سيتم بثها‬
‫عصراً وجيب أن أصل البيت يف الوقت املناسب‪.‬‬
‫حاملا صعدت احلافلة املتجهة إىل مدينيت‪ ،‬تياجأت بذات اليتاة جتلس على كرس منيرد فيها‪،‬‬
‫فنظرت إل ورمست ابتفامة خييية‪ .‬عندها وبفبب عاداتنا‪ ،‬وجدت أنين أمحل ما يكي من املال‬
‫ألدفع أجرة احلافلة عنها وعين فقمت بالدفع‪ .‬نظرت إل بوجه خالٍ من اإلشارات والتعابري فلم‬
‫أفهم إن كانت موافقة أم غاضبة من تصريف‪.‬‬
‫حاملا نزلنا من احلافلة قالت ل ‪" :‬شكراً‪ ،‬لكننا طالب ونعرف أحوال بعضنا‪".‬‬
‫ابتفمت هلا وقلت‪" :‬ال توجد مشكلة‪ ،‬فلو مل يكن حبوزت ما يكي ملا دفعت‪".‬‬
‫توجهت مباشرة إىل سيارة أجرة وأنا كان ل طريق خمتلف إىل منزل ‪ ،‬وحاملا وصلت إىل البيت‬
‫سيطرت تلك اليتاة على تيكريي‪ .‬ألول مرة يتملكين ذلك الشعور حقاً‪ ،‬فلم أتناول غدائ حبجة‬
‫أنين مشغول مبشاهدة املباراة‪ .‬وحبجة الدراسة‪ ،‬دخلت إىل غرفيت مبكراً ك أنام‪ ،‬لكن مل يكن لدي‬
‫أي رغبة بالنوم‪ ،‬فكنت عبارة عن رجل يضع رأسه على وسادة وييكر بتلك اليتاة‪.‬‬
‫أتعرف ماذا مييز احلب عن غريه؟‬
‫ال يكون تيكريك فيها شهوانيا أبداً‪ ،‬فلو خالط تيكريك بيتاة بعض الشهوانية يف البدايات فاعلم‬
‫أنك ال حتبها ولكنك حتب جفدها أو حتب كونها أنثى ولكن ليس ألنها ه ‪ .‬جيعلك احلب‬
‫احلقيق عاجزاً عن التيكري عما قد حيدث بينكما‪ .‬إنها جمرد رغبة بأنك تريد أن تكون معها وال‬
‫تدري ملاذا‪.‬‬
‫اعلم دائماً يا عل أن جواب الفؤال "ملاذا حتبين؟" هو "ال أعرف‪ "،‬وإن كان هناك جواب فهذا إعجاب‬
‫وليس حب‪.‬‬
‫يف اليوم التال وألن الصدفة قررت أن تلعب ب ‪ ،‬وجدتها يف احلافلة حاملا صعدتها‪ ،‬وكانت هذه املرة‬
‫يف كرس مزدوج وهناك شاغر جبانبها‪ ،‬فقلت هلا وال أعرف من أين أتتين الشجاعة‪" :‬هل ل أن‬
‫أجلس جبانبك؟"‬
‫ردت وخبجل الرفض "تيضل‪".‬‬

‫جلفت جبانبها وألول مرة يف حيات أفعل هذا مع فتاة يف حافلة متجهة إىل اجلامعة‪ ،‬وكان من‬
‫الواضح أنها أول مرة حيدث هلا األمر ذاته‪ .‬حتدثنا يف شؤون الدراسة قليالً ثم تطرقنا إىل مواضيع‬
‫احلياة‪ ،‬وحرصت على عدم التظاهر بأي ش ء ال خيصين‪ .‬كنت جمرد يوسف‪ ،‬فقد عربت بكافة‬
‫أفكاري اليت أؤمن بها وأحالم ‪ ،‬وأحتت هلا اجملال ك حتدثين كذلك‪.‬‬
‫يف نهاية الطريق‪ ،‬كانت قد ارتاحت أكثر للكالم مع وبدأت تفرد ل قصصاً‪ ،‬وكنت أستمع جيداً‪.‬‬
‫عندما تعرف فتاة يا عل ‪ ،‬احرص على اإلصغاء إليها جيداً حتى لو مل يكن املوضوع مثرياً‬
‫الهتمامك‪ ،‬فهذا أمر متعلق لديها بالكرامة والكربياء‪ ،‬وليس مثلنا الرجال مرتبط بالصراع وفرض‬
‫الفيطرة‪.‬‬
‫وصلنا إىل اجلامعة وتوجه كل منا إىل كليته‪ .‬أصبحت أكثر هدوءاً يف اجلامعة رغم أنين انضممت‬
‫يف تلك اليرتة إىل اجتاه طالب سياس جديد شاركت يف تأسيفه‪ ،‬قبل أن يتعرض ذلك االجتاه إىل‬
‫حرب شعواء من قبل األجهزة األمنية من جهة‪ ،‬ومن االجتاه اإلسالم من جهة أخرى ألن كليهما‬
‫خيشى وجود جديد‪.‬‬
‫أتعلم أن حالنا الفياس هذا يذكرن بقصة جلربان خليل جربان؟ إنها قصة عن أربعة ضيادع‪،‬‬
‫ثالثة منها تناقشت يف قضية معينة وعال صوتهما متجادلة أيها على حق‪ ،‬ففألت الضيدع الرابع‬
‫فقال‪" :‬مجيعكم على حق‪ ،‬ألن كل منكم ينظر إىل املوضوع من منظوره اخلاص‪".‬‬
‫فماذا كانت ردة اليعل؟‬
‫لقد قامت الضيادع الثالثة بإلقاء الضيدع الرابع عن رأس جبل رغم أنها متناحرة فيما بينها‪،‬‬
‫لكنها مل تفتطع استيعاب قدوم شخص ينكر على أي منهم احتكار احلقيقة‪ ،‬وهذا حال اجتاهنا‬
‫الطالب آنذاك‪ ،‬فتارة كان الطرف األمين وتارة أخرى كان الطرف اإلخوجن يرى فينا الطرف‬
‫الشرير‪ ،‬فظهرا موافقني على وجود كل منهما لكن رافضني لوجودنا‪.‬‬
‫كانت فكرتنا بفيطة كحركة طالبية اجتماعية حترص على الثقافة وعلى توفري خدمات للطالب‪،‬‬
‫فلو استطعنا إيصال املعلومات والثقافة إىل الطالب ثم سهلنا حياته‪ ،‬سيختار ما يريده دون أن‬
‫ميلك عقله أحد‪ .‬لقد كان بيننا إسالميون متشددون أكثر من الطرف اإلخوجن ‪ ،‬وكان بيننا‬
‫يفاريون وقوميون وأشخاص من التيار الليربال والوطنيون املنتمون إىل تيار يصنيه الناس‬

‫باملوال للنظام بطريقة عمياء‪ .‬لقد أخافهم املزيج والشمولية اليت حظينا بها فحاولوا ترويع‬
‫الناس منا‪.‬‬
‫لقد نفجوا روايات وأقفموا عليها يف مقراتهم واملصليات أننا ملحدون وأننا نتقاضى األموال من‬
‫اخلارج‪ ،‬ومل يكن ذلك إال افرتاء ساهم بنشر امسنا‪ ،‬وعندما عرفنا الناس تبينوا كذبهم‪ .‬أراهن أننا‬
‫كنا أخطر حالة على اللعبة الفياسية اليت رمستها أجهزة األمن باالتياق مع بعض أحزاب‬
‫املعارضة يف اجلامعات‪ ،‬لكن بنيس الوقت كان فينا أشخاص سيئون مبا فيه الكياية لتدمري تلك‬
‫ال يبحثون عن امسهم‬
‫احلالة وقد أكون واحداً منهم دون علم ‪ ،‬لكن كان بيننا من هم انتهازيون فع ً‬
‫أو عن مطامع مفتقبلية شخصية ال غري‪.‬‬
‫جاءت خطورتنا ببفاطة ألن تلك اللعبة متيق على قواعدها من قبل األطراف اليت متارسها‪ ،‬أما‬
‫حنن فدخلنا دون معرفة مفبقة بأي من تلك القواعد‪ .‬متاماً كما يدخل طيل إىل مباراة كرة قدم‬
‫فيبدأ مبفك الكرة بيده كل ثانية مما ييفد اللعبة على مجيع من ميارسها ويكون هو املفتمتع‬
‫الوحيد فيها‪ ،‬لكن بنيس الوقت كنا حنن من مل حنافظ على جناحنا أهدرناه بأيدينا‪.‬‬
‫هل كان االسالميون واجلهات األمنية هم السيئون فقط؟‬
‫ال تصدق هذا ألنها لعبة سياسية مجيعنا فيها يفبح مبفتنقع من اخلداع واألالعيب القذرة‪،‬‬
‫فيقول الكاتب اإلجنليزي جوناثان سوييت‪" :‬امليهوم العام لكلمة سياسة أنها ليفت سوى جتمع‬
‫لليفاد‪ ".‬لقد كنا مثلهم بل رمبا أسوأ‪ ،‬فرددنا على االتهامات باالتهامات‪ ،‬ونفقنا مع بعض‬
‫التابعني للمخابرات ضدهم كما نفقوا ضدنا مع ذات األجهزة يف مواقف خمتلية‪ .‬ببفاطة‪ ،‬ال‬
‫تصدق أن سياسياً شيخاً كان أو قفيفاً مل يقم حبياته بعدة أالعيب قذرة ومل يكذب ومل خيدع‪،‬‬
‫فهذه قواعد الفياسة‪.‬‬
‫قد تفتغرب هذا الكالم وتقول "خال ملحد!" ال أبداً‪ ،‬فانتقاد اإلخوان املفلمني والفلييني ال يعين‬
‫أبداً انتقاد الدين يا عل ‪ ،‬فنحن هنا ننتقد أشخاصاً وأساليب وننتقد فهمهم لإلسالم‪ .‬أما الدين‪،‬‬
‫فله احرتامه وله قدسيته‪ ،‬والدالئل تؤكد أن متجيد األشخاص وتقديفهم كان أخطر على الدين‬
‫من أعدائه‪.‬‬
‫سأقص عليك اآلن حواراً خيالياً بني عدة أشخاص منهم اإلسالميون ومنهم الفياسيون ك تيهم‬
‫وجهات نظر أطراف عدة‪ .‬سأعود وأذكرهم لك بني احلني واآلخر يف هذا الكتاب‪ ،‬لكن تذكر هذه‬

‫شخصيات مت خلقها يف الفجن‪ ،‬أي دون مصاحل أو جمامالت‪ ،‬ودون البحث عن أجماد وسلطات‬
‫ودون وجود مرشد أعلى أو أمني حزب لريد كالمه‪ ،‬لذلك ستجدهم مجيعاً ألطف مما هم عليه يف‬
‫الواقع‪.‬‬

‫الظهور األول‪ :‬األدحزاب اإلسالمية‬
‫اقرتب املفاء وال بد ليوسف أن ينام مبكراً ك يفتيقظ ويفتعيد قوته الذهنية كاملة عندما يأتيه‬
‫ضيوفه‪ .‬نعم إنهم ضيوف غريبو األطوار يأتون لنصف ساعة فقط ولفبع مرات يف حياتهم‪ ،‬ويريد‬
‫استغالهلم على أكمل وجه قبل أن ميوت ليقرتب من أفكارهم يف هذه احلياة وك ينقل هذه املعرفة‬
‫إىل الناشىء الذي أحبه كثرياً‪ ،‬عل ؛ ولعل األخري ينقلها إىل العامل بأكمله‪ ،‬فمن يدري؟‪.‬‬
‫جتنب يوسف أن يعرتف يف مذكراته البن أخته بأن اهلدف الرئيف من هذه الشخصيات ليس عل ‪،‬‬
‫بل كان اهلدف يوسف ذاته‪ .‬كان يريد الرحيل وهو مقتنع بأرائه متأكداً أنها أفضل ما ميكن‪ ،‬أقول‬
‫أفضل ما ميكن وليفت الصحيحة‪ ،‬ألن األفكار الصحيحة ليفت حكراً ألحد‪.‬‬
‫شعر يوسف أثناء نومه بيد توكزه وتطلب منه االستيقاظ‪ ،‬فيتح عينيه ليجد أبا خالد الرجل‬
‫املتدين يوقظه ويقول له انهض واغفل وجهك‪ ،‬وهذا ما فعله الفجني بفرعة دون تيكري كأنه‬
‫يتلقى أمراً عفكرياً يف وقت احلرب‪ ،‬فالوقت ضيق وال ميكن إهدار أية ثانية منه‪ .‬هكذا حدث يوسف‬
‫نيفه وهو يفرع ليغفل وجهه‪ ،‬وقالت له صياء تلك املرأة اليت تعيش منتصف اخلمفينيات من‬
‫عمرها "على مهلك‪ "،‬فرد يوسف وهو ال يطيعها "ال وقت لدينا‪".‬‬
‫مضى دقيقتان من الرتحيب وغفل الوجه‪ ،‬وهو زمن طويل لو حتدثنا عن ‪ 03‬دقيقة فقط‪ .‬عاد‬
‫يوسف وجلس بينهم وقال "كنت أكتب يوم أمس لعل عن مفألة األحزاب الدينية وكيف أنها‬
‫تضطر لتمارس ألعاباً قذرة من أجل مواجهة الضغط األمين واألالعيب الفياسية من األطراف‬
‫األخرى‪".‬‬

‫*** هذه املرة األولى التي يتجرأ فيها يوسف على مثل هذا النوع من األسئلة التي‬
‫يسيء البعض فهمها‪ ،‬كان محرماً عليه فهم أهم جزء في مجتمعه‪ ،‬أال وهو الدين‬

‫وطريقة عمله‪ ،‬إنه إنسان مؤمن لكن مجتمعه دحاول إجباره على أن يكون مؤمناً بال‬
‫عقل‪ ،‬ومبا أن املوت قد اقترب‪ ،‬لم يعد هناك خوف اآلن من تزمت مجتمعه وردود‬
‫أفعاله‪ ،‬لذلك سيغتنم فرصة ظهور هذه الرسومات وقد يؤدي ذلك إلى مللها من كثرة‬
‫تركيزه على الدين‪ ،‬لكنه ميلك هدفاً نبيالً‪..‬الفهم!***‬
‫قيز صالح وهو الشاب املثقف للدفاع‪ ،‬لكن يوسف طلب منه اهلدوء وقال "ليفت هذه قضييت‪،‬‬
‫قضييت ه "ما رأيكم باألحزاب الدينية؟"‬
‫قال أبو خالد "األحزاب الدينية ه فقط األحزاب املفموحة‪ ،‬فأي حزب آخر باطل خارج عن شريعة‬
‫اهلل وجيب إلغاؤه‪ ،‬وال بد أن يكون هناك حزب إسالم واحد فقط وليفت أحزاباً متعددة‪".‬‬
‫نطقت هبة قائلة "إنها ألحزاب جيدة لو آمنت مببادىء الدميقراطية اجلديدة وأدخلتها إىل‬
‫مياهيمها‪ ،‬ولو توقيت عن استخدام الرتهيب بالتكيري ضد خصومهم‪".‬‬
‫أما صياء تلك املرأة البفيطة فقالت‪" :‬ما داموا خيشون اهلل فأهالً بهم‪".‬‬
‫*** جواب صياء احلال هو سر جناح كافة األحزاب اإلسالمية يف االنتخابات اليت أعقبت‬
‫الربيع العرب وحتى االحتالل األمريك اهلمج للعراق‪ ،‬فالناس أعطوهم الثقة ظانني اخلري بهم‪،‬‬
‫واملفألة بيد من نالوا الفلطة بهذه الثقة ليؤكدوا إن كانوا خيافون اهلل أم ال! ***‬
‫قال مسري‪ ،‬وهو اشرتاك ‪ ،‬بوضوح "إن األحزاب اإلسالمية تصلح للمفاجد وإدارة العبادات‬
‫والطاعات‪ ،‬وليس إدارة البالد ألنهم ميلكون عموميات وليس تياصيل‪ ،‬وبالتال فإن تفليمهم شؤون‬
‫الدولة مبثابة املخاطرة مبفتقبل وطن بأكمله‪".‬‬
‫أما صالح فكانت له وجهة نظر قوية وقال فيها "أرفض فكرة أن يكون احلزب دينياً‪ ،‬ألن املفألة‬
‫احلزبية تعين االلتزام بربنامج احلزب وما يقره سواء أكان صحيحاً أو خاطئاً‪ ،‬وهذا يتنافى مع‬
‫قول احلق مهما كان املوقف الذي يأمرنا به الدين اإلسالم وكافة األديان األخرى‪ ،‬لذلك أنا مع‬
‫فكرة احلزب الديين املؤقت بأهداف معينة واضحة يتحدون املؤمنني بالنهج الفياس اإلسالم من‬
‫أجلها‪ ،‬ثم يغريون الكراس يف املرحلة التالية يف حال مل يكن هناك اتياق‪ .‬أما أن تقبل يد املرشد‪،‬‬
‫فهذا من أيام كفرى زعيم اليرس‪ ،‬وأما أن تطيع وال تناقش وال جتادل‪ ،‬فهذا مع اهلل تعاىل فقط‬

‫وليس مع البشر‪ ،‬لذلك رغم إميان أن اإلسالم هو احلل‪ ،‬أعتقد أنه احلل ليس كحزب وإمنا كنهج‬
‫حياة‪ .‬لو دخل اإلسالم يف حزب سيصبح رهينة مصاحل احلزب وليس العكس‪ ،‬وهذا سيفبب إساءة‬
‫كبرية له‪".‬‬
‫أما جوزيف اجلار املفيح قال "التجربة األوروبية جيدة‪ ،‬تفتطيع أن تكون متديناً لكن ال جيوز لك‬
‫استخدام الدين يف الصراع مع أناس مؤمنني مثلك لكن خياليوك اليهم‪".‬‬
‫استمر النقا‬

‫حاداً بني اجلميع‪ ،‬وكان أبا خالد مصراً على موقيه من أن أي حزب آخر غري‬

‫إسالم يف النار‪ ،‬فيما ذكرته هبة بأنهم يفيئون فهم اآليات مما يصور اإلسالم ظاملاً للمرأة بعض‬
‫األحيان‪ .‬التزم جوزيف الصمت حتى ال حيفب كالمه طائيياً رغم حماولة يوسف إقناعه باملشاركة‬
‫يف احلوار‪ ،‬أما صالح فظل واضحاً بأنه يؤمن أن اإلسالم هو احلل‪ ،‬لكن احلزبية تقتل هذا احلل‬
‫وجيب أن تبقى املواقف متغرية حفب الظروف‪ ،‬وواصل مسري االشرتاك إصراره على أن األحزاب‬
‫اإلسالمية تقتل احلريات ومتنع الرأي اآلخر‪ ،‬وكان رد اجلميع عليه "وماذا فعلت األحزاب‬
‫االشرتاكية غري هذا؟"‪.‬‬
‫*** املليت يا عل أن أبا خالد أكد وجود حزب واحد فقط‪ ،‬وهذا يعين بالضرورة فهم واحد‬
‫لإلسالم‪ ،‬أي أن الشافع لو عا يف زماننا وكان احلزب احلاكم يقوده أمحد بن حنبل لتم إقصاؤه‬
‫من احلياة العامة‪ ،‬ولك أن تتصور أي خفارة كانت ستلحق باألمة‪ .‬مشكلة األحزاب الدينية ه‬
‫حماولة إجبارنا على فهم واحد وهذا غري موجود يف اإلسالم أبداً‪ ،‬فحتى يف عصر الرسول عليه‬
‫الصالة والفالم وبني صحابته كان هناك فهم خمتلف ونقا‬

‫واختالف‪ .‬مل يكن أحد جيرؤ على‬

‫وصف أبا ذر الغياري بالضال‪ ،‬ومل يتم وصف عل بن أب طالب بذلك أيضاً‪*** .‬‬
‫بعد ذلك النقا ‪ ،‬عاد أبو خالد وبقية الرسومات األخرى إىل احلائط‪ ،‬وذهب يوسف إىل سريره‬
‫وأمفك بقلمه وخلص املوقف الذي جرى خالل نصف ساعة بأسطر قليلة جداً‪ ،‬ونصح عل بأن‬
‫يركز أكثر على تيكري صالح الذي أعجبه ويراه األكثر صحة بأننا حباجة إىل الدين ليكون يف‬
‫احلياة ال يف األحزاب شريطة عدم تفليم عقولنا آلخرين ك ييكروا نيابة عنا‪ ،‬ثم تذكر ما جاء يف‬
‫كتاب عكس التيار لوليد خالد "ما أظلم الدنيا عندما يير األنقياء من املعركة‪".‬‬
‫شرح يوسف لعل بقوله "ال تهرب ممن اختليوا عنك إىل من تشابهوا معك‪ ،‬ألن هذا مبثابة اليرار‬
‫من املعركة‪ "،‬وهذا ما ييعله اإلسالميون بتحزبهم‪ ،‬فهم ميلكون شيئاً قيماً لكنهم جيعلونه بينهم‬
‫حمتكراً‪ ،‬وال حيتكون باآلخرين فال يؤثرون إال مبن مثلهم وجاء يطلب االنضمام إليهم مما‬

‫جيعلهم يف النهاية "فارض رأي" لو حكموا‪ ،‬ال مطبقني لرأي عام‪ ،‬وهذا ما شاهدناه يف الدول اليت‬
‫تصف نيفها باملطبقة للنظام اإلسالم ‪.‬‬
‫أنهى يوسف كالمه وكتب عنواناً ملا سيتابعه يف اليوم التال من قصة حياته "الذاكرة اخليية‪ "،‬ثم‬
‫نام حتى الصباح‪.‬‬

‫الذاكرة اخلفية‪:‬‬
‫تذكر يا عل أن احلوار الفابق من وح خيال ‪ ،‬فلفت جمنوناً ألقول لك أنه حصل فعالً؛ سنعود‬
‫إلكمال حيات اجلامعية اآلن‪ .‬تطورت األمور مع نفرين كثرياً فأصبحنا نذهب ونعود معاً إىل ومن‬
‫اجلامعة‪ ،‬وأصبحت أعرف عنها كل ش ء كما تعرف عين وعن أهل كل ش ء أيضاً‪ .‬بدا واضحًا أنها‬
‫تعلقت ب كما كنت متعلقاً بها كذلك‪ .‬لقد فقدت من وزن ما يقارب ‪ 73‬كيلو غرام ألنين مل أكن‬
‫أنام جيداً وال آكل كثريًا بفبب كثرة تيكريي بها‪.‬‬
‫مل أجترأ على التليظ بكلمة أحبك هلا‪ ،‬وقد كانت تنتظر تلك الكلمة وتلمح إليها يومياً‪ ،‬لكنين مل‬
‫أنطقها خوفاً من املخاطرة خبفارتها‪ .‬توقيت يف النهاية عن الكالم مع وابتعدت متاماً عين وباتت‬
‫حتاول اهلروب كلما رأتين‪ ،‬فأجربن هذا النيور على أن أجترأ قليالً وأذهب ألساهلا‪" :‬ماذا هناك؟"‬
‫فأجابتين بكل صراحة جارحة‪" :‬لفت ممن ميكنين املراهنة عليه‪ .‬كل ش ء واضح لك من جهيت‪،‬‬
‫وواضح من جهتك لكنك جبان‪ .‬أعذرن على الكلمة لكنك جبان‪ ،‬أمتنى أال تزعجين مرة أخرى‪".‬‬
‫شاهدتها يف اليوم التال متش مع شاب آخر‪ .‬إنه شاب حمرتم للغاية ولكن الشعور كان جارحاً يا‬
‫عل ‪ ،‬لذلك كرهته وشعرت أنه شيطان له قرنان ولونه أمحر‪ ،‬واملضحك أنين ال أزال أتذكره شيطاناً‪.‬‬
‫هل تذكر قصة خويف اليت رويتها سابقاً عن أيام الروضة؟ كانت تلك القصة البداية‪ ،‬لكنها تطورت‬
‫حتى تلك اللحظة الصادمة‪ ،‬هل تعرف ماذا يعين هذا؟‪ ،‬إنه يعين أن اجلنب كالبذرة اليت يتم‬
‫زراعتها يف األرض فتنمو بهدوء حتى تصبح شجرة تعجز عن انتزاعها بنيفك‪ ،‬لذلك علم ابنك‬
‫الشجاعة يف وجهك ويف وجه غريك ك ال تنمو فيه بذرة اجلنب‪ ،‬كما منت لدي يف املاض ‪.‬‬

‫قلت لك إن انتزاع شجرة اجلنب اليت منت يف داخلنا يعد أمرا صعباً جداً‪ ،‬لكن الصدمة اليت جاءتين‬
‫من احل ب وليس من األنثى ه اليت جعلتين أنزع هذه الشجرة‪ ،‬فبعدها تغريت متاماً فأصبح هناك‬
‫يوسف قبل مصارحته بأنه جبان ويوسف بعد مصارحته حبقيقة أمره‪ .‬إنها لقصة حب فاشلة‬
‫بامتياز‪ ،‬لكنها غريت حيات إىل األفضل‪ .‬صدق أنين أبتفم كلما تذكرت كلمات تلك اليتاة‬
‫اجلارحة‪.‬‬
‫أول ش ء تغري ب هو إقدام بشكل أقوى يف عامل الفياسة اجلامعية‪ ،‬فأصبحت مشهوراً لدرجة‬
‫جعلتين أجد من يريد الكالم مع يف كل كلية أزورها جملرد الكالم مع فقط‪ .‬مل جتعلين الشهرة‬
‫مغررواً‪ ،‬فقد كنت حريصاً على التواضع الذي أعتربه أساسياً يف جناح أي عمل عام من أعمال‬
‫اجملتمع املدن ‪ ،‬ولو أردت أن يكرهك أخوك وأبوك وأمك ما عليك إال أن تتكرب!‬
‫يف الفنة اجلامعية الرابعة‪ ،‬واصلت تيوق التعليم وواصلت تيوق يف العمل الفياس ‪ ،‬لكن تلك‬
‫الفنة كانت مهمة ل فقد تعرفت فيها على صديق امسه محزة‪ ،‬كان يدرس اللغة األملانية يف كلية‬
‫األداب‪ .‬كانت بداية عالقيت به صدفة يف إحدى احلافالت وأنا يف طريق إىل اجلامعة‪ ،‬وهناك‬
‫تعرفنا على بعضنا أكثر وأصبحنا أصدقاء‪.‬‬
‫هل تعرف شيئاً؟ كان محزة أقرب إل من أخ ‪.‬‬
‫مرت أيام كثرية بيين وبينه ال نيرتق من الصباح إىل املفاء ما بني احملاضرات‪ .‬أذكر يوماً جاءن‬
‫فيه حمتاجاً ألن ينجح يف امتحان احلاسوب وكان خائياً جداً من اليشل فيه‪ .‬كان حباجة ملعجزة‬
‫ك جيتاز تلك املادة بفبب جتميعه الف ء يف االمتحانات الفابقة‪ ،‬فقررت أخذ املغامرة اجملنونة‬
‫فطلبت هويته ودخلت إىل قاعة االمتحان ممثالً شخصيته فأبدعت يف ذلك االمتحان ألساعده على‬
‫النجاح‪.‬‬
‫تناولنا طعامنا معاً ألسابيع‪ ،‬وكنت أذكره جيداً وهو يقول ل مبتفماً‪" :‬أنت أكثر من أخ بالنفبة‬
‫ل ‪ "،‬وكنت أراه كذلك‪ ،‬فاملخاطرة مبفتقبل اجلامع من أجله عندما دخلت ألقدم امتحاناً عنه‬
‫خري دليل على ذلك‪ .‬لقد كان أخًا ل ‪.‬‬
‫ظل جرح كلمات نفرين يف داخل حتى تلك اللحظات‪ .‬لقد أنكرته‪ ،‬نعم‪ ،‬يف حيات الواقعية ومل‬
‫أعد أفكر فيه‪ ،‬لكنه كان كالفرطان ينهش يف داخل ‪ .‬مل أشعر بأنه يؤثر عل ويفتيزن ألنتقم‬
‫لكراميت بأية طريقة كانت‪ ،‬ويا ليتها كانت طريقة فيها بعض العقل‪.‬‬

‫كان محزة مرتبط جزئياً بيتاة حتبه لكنه ال يبادهلا الشعور ذاته‪ ،‬بل كان يلعب دور من احلبيب‬
‫فحفب‪ ،‬وكانت تعجبه فكرة أن هناك فتاة متعلقة به‪ .‬كان جياهر بفخريته منها يف العلن أمام‬
‫باق األصدقاء‪ ،‬مما دفعين إىل القيام بأمر مل أسامح نيف عليه حتى اآلن‪ .‬أبلغت صديقته‬
‫ببفاطة كل ما يقوله عنها يف غيابها‪ ،‬وبنيس الوقت قلت هلا أنين أحبها مع أنين ال أفعل‪ .‬لقد‬
‫كانت كلمة عالقة يف ذهين من أيام نفرين وأصبحت مفتعداً إلخراجها ألي فتاة‪ ،‬فقد سيطرت‬
‫عل احلاجة إىل نفيان وجتاوز جتربة اجلنب احلقري تلك مع أول حب يف حيات ‪.‬‬
‫ذهبت صديقته اليت كانت تدعى رشا مباشرة إليه وأبلغته مبا قلته هلا‪ ،‬فجاءن معاتباً فقلت له‬
‫ببفاطة‪" :‬لقد انتهى كل ش ء بيننا‪ ".‬نعم انتهى كل ش ء بيننا ليس ألنه سألين بل ألنين مل أعد‬
‫أطيق مصادقة نيف فكيف أصادقه بعد الذي قمت به‪ .‬لقد كان يوسف‪ ،‬أي أنا‪ ،‬أحقر إنفان‬
‫بالنفبة ل يف تلك األيام‪ ،‬وكم أمتنى أن يعود الزمان ك أحموها‪.‬‬
‫أقول لك أسوأ ما ب ك تتعلم أن اإلنفان قد خيطىء وقد يتفبب بكوارث‪ ،‬لكن املهم أال يواصل‬
‫اخلطأ‪ ،‬وأنا هكذا مل أكرر ذات اخلطأ يف حيات مرتني‪ ،‬لذلك كانت مسعيت جيدة بني الناس‪ ،‬وكأن‬
‫هذا من رمحة اهلل بنا‪ .‬مير اخلطأ األول دون عقاب يف اجملتمع‪ ،‬لكن لو تكرر فإن الفنة يف احلياة أن‬
‫تصبح معروفًا بهذا اخلطأ‪.‬‬
‫أتعرف يا صديق ؟‬
‫مل أقم حبلق ذقين وال بتفريح شعري ملدة أسبوعني‪ .‬ليس ألنين أحب أن أقلد شكل املناضلني‬
‫اليفاريني يف الفتينيات من القرن العشرين‪ ،‬بل ألنين مل أكن أستطيع حتمل رؤية نيف بعد‬
‫فعليت‪ .‬لقد تيجر يف داخل رد فعل س ء يف وقت خاطىء ويف وجه أعز شخص عل ‪ .‬لقد خفرته يف‬
‫النهاية‪ ،‬واآلن أصبح جمرد ذكرى‪ ،‬وإن كان ل أمنية قبل أن يتم إعدام فه رؤية محزة ألعتذر‬
‫له‪.‬‬
‫إنها الذاكرة اخليية‪ ،‬تفكن فينا صامتة ال نتذكرها لكنها تؤثر علينا‪ .‬هذا ما اكتشيته يف تلك‬
‫اللحظة‪ ،‬فقد كانت كلمة "جبان" ترتدد يف داخل وال أمسعها‪ ،‬لكنين انتبهت بعد أن قدمت مثنًا‬
‫لتلك الغيلة وكان الثمن صديق ‪ ،‬فانتبه إىل داخلك وانتبه إىل تصرفاتك‪ ،‬فقد يدفعك ش ء ساكن‬
‫فيك وال تدركه إىل التصرف حبماقة‪.‬‬

‫هناك أمور خاطئة يزرعها بنا اجملتمع واملعلمون يف صغرنا‪ ،‬فإياك أن تفكنك بعد أن تدرك حجم‬
‫خطئها‪ ،‬فقد ننبذ العنصرية والطائيية لكننا نفتمر بالتصرف على أساسها وه ساكنة فينا‪ .‬قد‬
‫تتفاءل كيف ذلك؟ سأجيبك مبثال واحد‪:‬‬
‫ هل ختيلت ولو ملرة واحدة أن رسولك مهما كانت ديانتك أسود البشرة؟ سيقول البعض من‬‫احلمقى لقد كان مجيالً‪ ،‬ومن قال لكم أن أصحاب البشرة الفوداء ليفوا بأصحاب‬
‫مجال؟‪.‬‬
‫هذه ه العنصرية الفاكنة فينا دون أن نشعر يا بين‪ .‬لقد مت زرعها فينا ثم نبذناها ولكنها اختبأت‬
‫خلف جدران عقولنا ومل ندرك ذلك‪ .‬إنها كاأليدي اخليية تتحكم بنا‪ ،‬واملطلوب منك أن تراجع‬
‫تصرفاتك يومياً وتقارنها مببادئك اليت تؤمن بها ك تكتشف هذا املتفلل اخلطري الذي قد حيولنا‬
‫دون قصد إىل أشخاص ال نطيقهم‪.‬‬
‫جنحت واحلمد هلل بالتخلص من ذلك اجلزء من الذاكرة اخليية يف داخل ‪ ،‬فقد انيجرت كلمة‬
‫جبان يف وجه صديق لكنين ختلصت منها‪ .‬أصبحت بعدها أكثر حرية يف حيات وأكثر شجاعة‬
‫وتوافقًا مع مبادئ ‪.‬‬
‫بعد شهر فقط من إففاد عالقيت حبمزة‪ ،‬تعرفت على فتاة كان امسها رهف‪ ،‬مل يكن فيها ما‬
‫مييزها عن غريها سوى أن روحنا الذكورية حتتاج إىل روح أنثوية تفكنها‪ .‬تطورت عالقيت بها‬
‫وأحببتها فعالً‪ ،‬وهذه املرة قلت هلا مباشرة "أحبك‪ "،‬ولكن العالقة انهارت بعد بضعة أشهر فقط ألننا‬
‫مل نكن متياهمني مع بعضنا إطالقاً‪.‬‬
‫أكملت حيات اجلامعية بعد رهف بال عالقات نفائية‪ .‬كان لدي زمالء يف اجلامعة ليس منهم من‬
‫أستطيع تفميته بصديق‪ ،‬بل كانت مجيعها عالقات قائمة على املصلحة واالستيادة ال أكثر‪ .‬هل‬
‫تعرف شيئاً؟ ال أذكر أشكال معظمهم وال أمسائهم‪ ،‬ومنذ كان عمري ‪ 29‬عاماً مل أذكر منهم إال‬
‫من شاهدته يف الشارع أو رأيت صورته يف مكان ما‪.‬‬
‫املهم أنين خترجت يف النهاية‪ ،‬وعليك أن تعرف أن احلياة اجلامعية سهلة للغاية شريطة أن تتجنب‬
‫القيام بش ء أمحق يغامر مبفتقبلك فيها كما فعلت أنا بتقديم امتحان بدالً من محزة‪ ،‬فتلك‬
‫محاقة كربى جيب أال تقرتفها‪ ،‬فدراسة يومية بفيطة ال تزيد عن ساعة ستجعلك متيوقاً يف‬
‫النهاية‪ ،‬صدقين‪.‬‬

‫ماذا أفعل اآلن؟‬
‫خترجت من اجلامعة وكان ال بد ل أن أعمل بفرعة ألنين من أسرة متوسطة ومن شأن املكوث يف‬
‫البيت طويالً خلق مشاكل مع األهل ألنهم حيبونك لكنهم بنيس الوقت حيتاجون إىل رؤيتك تعمل‪.‬‬
‫كنت مؤمناً أن اخلطوة األوىل ه األهم يف مفريت ويف حيات بأكملها‪ .‬جاء األهل ل باألفكار‬
‫التقليدية جداً كأن أعمل يف صيدلية ك أستطيع فتح صيدلييت اخلاص مفتقبالً‪ ،‬فيما نصحين‬
‫آخرون بالعمل كمندوب مبيعات إلحدى الشركات مبا أنها مهنة تدر أمواالً أكثر‪ .‬كانت مجيعها‬
‫أفكار تتطلع إىل االستقرار‪ ،‬لكنين مل أكن أحلم بهذا‪ ،‬بل بأمر آخر متاماً‪.‬‬
‫كنت أحلم باالستقالل حبيات متاماً‪ ،‬وكنت أحلم بأن أكون شخصاً باحثاً عن مفتقبله بنيفه‪.‬‬
‫أخربت أهل أنين سأقض أول أسبوعني بعد التخرج للراحة‪ ،‬وكنت خالل تلك األيام اخلالية من‬
‫البحث عن عمل اقرأ الكتب وأحبث يف االنرتنت والصحف عما ميكن ل أن أجده من فرص‪ .‬لن‬
‫أنفى جمموعة الكتب اجلميلة عن القضية اليلفطينية ونضال كافة اليصائل‪ .‬لقد متيز النضال‬
‫يف فلفطني عن غريه من حركات النضال املوجودة اآلن بأنه نضال ممزوج باليكر وأدلة عقلية‬
‫ليكون كل ما نيعله عن اقتناع وليس نامجاً عن غفيل دماغ أو ردود فعل فقط‪ .‬كانت هذه مسة‬
‫النضال يف فلفطني العربية‪ ،‬سواء من فصائل قومية أو يفارية أو إسالمية‪.‬‬
‫ال أريد أن أتعمق يف الفياسة‪ ،‬بل أريد أن أقول لك أن إحدى تلك الكتب ذكر معلومة عن مصاريف‬
‫الناس اخليالية على تربية الكالب والقطط‪ .‬حبثت يف اإلنرتنت جيداً ك أحتقق من املعلومة ألجد‬
‫أن تكلية تربية كلب واحد طوال حياته بطريقة حمرتمة لدى األثرياء يكلف ‪ 29‬الف دوالر على‬
‫األقل‪ ،‬وعندها سألت نيف لو كان لدينا يف بالدنا ألف ثري يربون الكالب‪ ،‬فهذا يعين أن هناك ‪29‬‬
‫مليون دوالر يتم إنياقها على هذا القطاع التجاري كل ‪ 73‬أعوام تقريباً‪ ،‬واحلصول على جزء من‬
‫هذا الفوق سيعطيين دخالً كافياً‪.‬‬
‫بدأ جل تركيزي ينصب يف تلك اليرتة على البحث عن مزودين ألطعمة الكالب والقطط‪ ،‬وكان كل‬
‫حبث قائماً على توفري آلية جتعلين أخطف شيئاً من سوق يبدو حمتكراً ألحدهم ألنه انتبه لتلك‬
‫األرقام‪ ،‬وألن الناس ترتفع عن هذه التجارة يف بالدنا ظناً منهم أال طائل منها‪ .‬لقد تياجأت كثرياً‬
‫من تياصيل أطعمة هذه احليوانات‪ ،‬فهناك أطعمة لتجعله هادئاً وأخرى جتعله عدوانياً وأطعمة‬

‫جتعله يشعر بالفعادة‪ .‬ختيل أن يف بلد صغري كبلدي قد ييتم إنياق ‪ 29‬مليون دوالر على الكالب‬
‫يف دورة حياتها‪.‬‬
‫بالتأكيد أنت تقول يف نيفك "لن جتد هؤالء األثرياء ينيقون ربع املبلغ على اليقراء أو على افتتاح‬
‫مفتشيى أو مدرسة"‪ ،‬لذلك لو كان قد قدر ل أن أحكم البلد ليوم واحد ليرضت ضريبة على تربية‬
‫احليوانات األليية تعادل نفبة مما يدفعونه عليها من طعام ليتم ختصيص هذه الضريبة‬
‫للمشاريع اخلريية والداعمة للمجتمع فقط‪ .‬سيتم فرض الضريبة طبعاً عند شراء أغذيتها أو أمور‬
‫لرفاهيتها حتى ال نظلم من يقوم بشرائه حلراسة مزرعته أو مصنعه‪.‬‬
‫يقولون يا عل ‪" :‬يأت احلظ لريكب مع من يتحرك فقط‪ "،‬أي لو أنك بقيت يف بيتك بال حراك فلن‬
‫يكون لديك حظ وسوف تندب حظك وتتهمه بكل فشل يصيبك متناسياً مفؤوليتك‪ ،‬لكن هذا احلظ‬
‫له طبيعة جيب أن تدركها‪ .‬إنه حيب التنقل واحلركة فيأت لريكب مع كل متحرك ساعٍ إىل هدف‬
‫ما‪ ،‬وهذا ما حدث مع !‪.‬‬
‫من خالل مراسالت مع الشركات العاملية‪ ،‬تياجأت باسم عرب يبعث رسالة ل ‪ ،‬وكان هذا االسم‬
‫صاحل حامد‪ ،‬الذي أخربن يف رده أنه من األردن لكنه مقيم يف أمريكا وميلك هذه الشركة‪ ،‬ثم‬
‫أبلغين أنه متياجىء من وجود شخص عرب التيت إىل حقيقة أن األثرياء هدف مهم لدرجة ميكن‬
‫منها صنع ماليني الدوالرات من كالبهم ليناففهم بها مفتقبالً‪ ،‬وأخربن أنه مهتم جداً بيتح فرع‬
‫له يف الشرق األوسط لرغبته بالعودة والعيش يف بالده حتى يتم دفنه فيها‪.‬‬
‫هل تعرف هذه املقولة‪" :‬أريد أن أموت يف بلدي وأدفن فيها"؟ إنها أسوأ ما ميكن أن تقوله حبق‬
‫وطنك‪ ،‬فه تعين أنك ترى بالدك مقربة‪ .‬أذكر أنين قرأت شعراً ينتقد هذه املقولة لكنين لألسف ال‬
‫أذكر منه سوى كلمة "مقربة" لذلك ال تعتقد أن من يقول هذا حيب وطنه‪ ،‬بل حيب أن ميوت وسط‬
‫اجلماعة فقط ليتم دفنه بالطريقة اليت اعتادها عقله أثناء نشأته‪.‬‬
‫أخربن صاحل أنه قادم إىل األردن خالل األسبوع املقبل ويريد أن يقابلين‪ ،‬وأخربته أنين على أمت‬
‫االستعداد هلذا دون التيكري حتى إن كان هناك أي ش ء لدينا يف البيت األسبوع املقبل‪ ،‬فمفتقبلك‬
‫يأت أوالً‪ ،‬إياك أن تتخاذل يوماً يف حياتك عن ش ء يهم مفتقبلك ألن هناك ش ء ميكن االستغناء‬
‫عنه لكنك معتاد عليه‪.‬‬

‫مرت األيام بفرعة وأنا أعمل على ترتيب وحتضري أفكاري من أجل هذا اللقاء املهم‪ ،‬وأذكر أنين مل‬
‫أتناول نصف وجبات الطعام اليت مت إعدادها يف املنزل‪ ،‬فقد كنت مشغوالً يف القراءة عن هذا‬
‫القطاع وعن كييية إدارة األعمال فيه‪ .‬قرأت كذلك عن كييية افتتاح شركة يف بلدي‪ ،‬وقد كان كل‬
‫ش ء معقداً ليس ألنه معقد‪ ،‬لكن ألنه مهم‪ ،‬وعندما يكون األمر مهماً نتوتر‪ ،‬وعندما نتوتر نعقد‬
‫األمور‪.‬‬
‫جاء صاحل يف يومه احملدد واتصل ب بعد ساعتني من وصوله اليندق حفب ما أخربن عندما‬
‫كلمته‪ ،‬ودعان إىل زيارته يف نيس اليوم‪ .‬أراد أن يوح ل بأنه رجل أعمال حقيق ال حيب إهدار‬
‫الوقت‪ ،‬كما أنه يريد اختبار جدييت يف هذا الطلب املياجىء‪ ،‬وأراد ببفاطة أن يتحقق من إميان‬
‫مببدأ "العمل أوالً‪".‬‬
‫قمت على اليور بارتداء مالبف اليت جهزتها منذ أخربن بقدومه قبل أيام‪ ،‬ومحلت مع األوراق‬
‫اليت أعددتها لذلك اللقاء‪ .‬خرجت وأنا أمسع دعوات أم بالتوفيق ونقا‬
‫ذلك النقا‬

‫أهل فيما بينهم‪ .‬بدا‬

‫عن ش ء ال يعرفونه وال يعرفون تياصيله‪ ،‬لكن خوفهم دفعهم إىل البحث يف األمر وإن‬

‫كان يف مصلحيت أم ال‪.‬‬
‫كانت مفألة االستغناء عن شهادة حصلت عليها معقدة يف عاملنا العرب ‪ .‬يقولون يف اليابان "ال‬
‫مشكلة بأن تفقط سبع مرات ما دمت ستنهض مثان مرات‪ "،‬لكنك لو سقطت مرة واحدة يف العامل‬
‫العرب قد يعين هذا النهاية‪ ،‬فهنا ال جمال إلعادة اللعبة‪ ،‬فلن جتد سوى عبارة "انتهت اللعبة‪"،‬‬
‫لذلك خيشى كثريون االستغناء عن شهادتهم‪.‬‬
‫أثناء ركوب سيارة األجرة متجهاً إىل ذلك اليندق‪ ،‬كنت أفكر كثرياً بأمر االستغناء عن الشهادة‪،‬‬
‫فأنا أستبدل اآلن شهادت كلها بتجارة‪ ،‬وقد ال أجد من حيرتم شهادت لو خفرت تلك التجارة‪.‬‬
‫فكرت كثرياً بش ء جيعلين ال أخاف‪ ،‬لكن املشكلة أننا لو مسحنا للمخاوف الصغرية بالكالم‪،‬‬
‫ستجلب بضجتها املخاوف األكرب‪ .‬أذكر أنين ختيلت نيف عاطالً عن العمل طوال حيات جملرد‬
‫التيكري بكلمة مسعتها من أحدهم‪" ،‬وشهادتك؟"‪.‬‬
‫وصلت إىل اليندق وأخربت قفم االستقبال أن لدي موعد مع النزيل يف الغرفة رقم ‪ .839‬اتصلوا‬
‫به فقال هلم إنه قادم حاالً إىل اللوب أو ما نعربه قائلني قاعة االنتظار‪ .‬ذهبت وجلفت يف تلك‬
‫القاعة وانتظرته ثالث دقائق تقريباً‪ .‬يف غضون ذلك سيطرت عل فكرة واحدة‪" ،‬كيف سيكون‬
‫شكله؟"‬

‫أحياناً ما يكون اإلنفان سخيياً‪ ،‬في الطريق كنت أحتدث عن مصري جمهول وقبل ذلك كنت‬
‫أحتدث عن مشروع عمالق‪ ،‬واآلن أحتدث عن شكل الرجل فقط!‬
‫مل يطل انتظاري حتى جاء ذلك الشخص الذي توقعته طويالً أو مسيناً ألن هذه صيات األثرياء‪،‬‬
‫لكن ختيل أنه كان قصرياً وحنيياً مل يتجاوز طوله ‪ 793‬سنتمرتاً‪ ،‬وهو يذكرن بالزعماء أصحاب‬
‫الطول القصري‪ .‬صدقين لو رأيته يف مكان آخر ملا اعتقدت أنه املفتثمر الذي قد تكون معه حيات ‪،‬‬
‫لذا علينا أن حنذر يا عل جيداً من مفألة االفرتاضات املفبقة وخداع الفينما لنا بتكوين صورة‬
‫منطية عن أشكال الناس حفب مهنهم‪.‬‬
‫جاء صاحل ومد يده إل مصافحاً ومتمتماً ببعض الكلمات اإلجنليزية مع ابتفامة يف وجه ‪.‬‬
‫صافحين حبرارة وجعلين أشعر كأنين أعرفه منذ زمن‪ ،‬فال غرابة بذلك ألنه رجل أعمال‪ ،‬ومعظم‬
‫جناحات األعمال يف هذا الزمان قائمة على ما يعرف باالنطباع األول‪.‬‬
‫ "مرحباً‪ ،‬كيف حالك يا يوسف؟"‬‫ "خبري‪ ،‬طمين عنك يا سيد صاحل؟"‬‫ "احلمدهلل‪ ،‬وصلت اليوم صباحًا وقررت أن أقابلك بفرعة ك أعرف كيف سنمض بعملنا‪".‬‬‫ "أشكرك على وقتك اليوم‪".‬‬‫ "شكري بأن أجدك شخصاً يعتمد عليه‪".‬‬‫ "إن شاء اهلل‪ ،‬سيد صاحل‪".‬‬‫ "لقد أدهشين أن شاباً أردنياً ييكر بتأسيس شركة لطعام احليوانات‪ ،‬قليلون من ينتبهون‬‫إىل أن التياهات تصنع املاليني‪".‬‬
‫ "ال أستطيع تفميتها تياهات‪ ،‬فه لدى البعض تعدت تلك املرحلة لتصبح احتياجات‪".‬‬‫ "هذا ما أريد أن أمسعه منك‪ ،‬لو وافقتين على أنها تياهات ملا تقدمت باحلوار معك‪،‬‬‫وألنهيته بطريقة سريعة‪".‬‬

‫ابتفمت قليالً‪ ،‬ثم بدأت أعرض عليه األوراق واألفكار اليت حبوزت ‪ ،‬وكيف أنوي البداية يف دولة‬
‫واحدة كفوق مركزي ثم أتطور وأنتشر يف املنطقة‪ .‬اقرتحت عليه فكرة تأسيس املفتودع يف بالدنا‬
‫لتكون تكاليف العمالة والشحن أقل‪ ،‬واقتنع صاحل باليكرة وظهر مفتعجالً لتنييذ كل ش ء‬
‫بفرعة‪.‬‬

‫بعد أن انتهى الكالم يف العمل وطلب صاحل مين أن أعطيه الورق ليدرسه ويرد خالل أربع وعشرين‬
‫ساعة‪ ،‬بدأ احلديث بيننا عن أمور احلياة اخلاصة‪ ،‬وفهم مين عدم استعجال يف مفألة الزواج‬
‫ورغبيت يف البداية بأن أجنز شيئاً من مشاريع العملية يف احلياة قبل أن أتزوج‪ .‬أما هو‪ ،‬فكشف ل‬
‫عن رغبته بالعودة إىل الوطن ألنه انيصل عن زوجته األمريكية‪ ،‬ويريد العودة باألوالد اآلن والبحث‬
‫عن زوجة ترب له أبناءه‪ .‬كان لديه ولد وبنت ويريد من يرعاهما ويهتم بشؤونهما حتى يدخال‬
‫اجلامعة‪.‬‬
‫عدت يومها إىل املنزل والتياؤل يغمرن ‪ ،‬فاستقبلين وجه أم بالتياؤل ذاته واالبتفامة اخلائية‬
‫عل ‪ .‬إنها ابتفامة صادقة تشعرن بالطمأنينة‪ ،‬فالنية الصافية جتعل األقدار ختجل من ختييب‬
‫ظنها‪ ،‬وبنيس الوقت ابتفامة جتعلك تشعر باملفؤولية عن التفبب بغيابها‪.‬‬
‫شغلت التلياز ومتددت على سريري أشاهد أفالماً معظمها قديم ومكرر‪ .‬كانت عيناي يف الييلم‬
‫وعقل مع األحالم القادمة‪ .‬قد تتغري حيات برمتها لو اقتنع ذاك الرجل ب وبقدرات فعالً‪ .‬سابدأ‬
‫حيات مديرًا لشركة قادرًا على تطبيق بعض األفكار اليت أؤمن بها‪.‬‬
‫*** أنهى يوسف كتابة هذه الكلمات وشعر بالنعاس‪ ،‬فخلد إىل النوم يف ليلة موعد خروج تلك‬
‫الرسومات من جديد‪*** .‬‬

‫الظهور الثاني‪ :‬تباً ألمة حتمل ربها كل جرائمها‬
‫يف هذه الليلة جاء أبو خالد كعادته وأيقظ يوسف‪ ،‬فمن الواضح أن أبا خالد هذا فرض شخصيته‬
‫على اجلميع‪ ،‬ويف كل بالد العامل وليس لدينا فقط كان الشخص املتدين العامل أو مدع العلم‬
‫فارضاً شخصيته على اآلخرين‪ ،‬ومن هنا كانت أوىل الثغرات اليت أدخلت األثرياء وضعاف النيوس‬
‫يف جمال جتارة الدين وليس يف الدين‪.‬‬
‫جلس اجلميع إىل الطاولة املفتديرة اليت أحضرتها الرسومات معها‪ ،‬مل يعرف يوسف من أين هلم‬
‫بهذه الطاولة اليت مل يرمسها يف اجللفة األوىل لكنه كان خائياً لدرجة مل يفأل عن مصدرها‪ ،‬أما‬
‫اليوم فهو أكثر جاهزية ليفأل‪ ،‬فقال هلم "من أين هذه الطاولة؟"‬

‫فقال له أبو غاندي جميباً "يظن اإلنفان نيفه صانعاً كل ش ء وحده‪ ،‬ولو اعتمدنا عليك حبياتنا‬
‫ملا عشنا يوماً‪ ،‬فأنت مل تصنع الطعام وال الشراب وال املرافق‪".‬‬
‫فقال له يوسف "وملاذا أصنع كل هذا؟"‬
‫فأجاب أبو غاندي "أمل تكن تريدنا أن حنيا على طريقة جبماليون؟"‬
‫فقال يوسف " نعم!"‬
‫فرد عليه مباشرة وبغضب "من يريد شيئاً حقاً‪ ،‬يعمل ألجله بكل إتقان‪ ،‬ولكن عليك أن تعرف أن هذه‬
‫احلياة ال يصنعها فرد بل العامل أمجع‪".‬‬
‫فقال له "كيف ؟"‬
‫فرد أبو غاندي "هناك شخص آخر يف مكان ما رسم طاولة‪ ،‬وآخر رسم طعاماً وهكذا‪ ،‬حتى توفرت‬
‫لكافة الرسومات كامل أسس احلياة‪ ،‬بل إنكم حتى رمستم الشياطني والوحو‬

‫لتجعلوا حياتنا‬

‫متاماً مثل حياتكم فيها اخلري وفيها الشر‪".‬‬
‫ال وقال "إنه أمر مثري حقاً‪".‬‬
‫صمت يوسف قلي ً‬
‫فرد أبو غاندي "من يرسم عليه أن يتذكر أنه يصنع احلياة‪ ،‬فليكن إجيابيًا أو ليتوقف عن الرسم‪".‬‬
‫عندها تدخل صالح "يؤدي تيريغ شحناتكم الفلبية على شكل كلمات أو رسومات إىل نشر الفلبية‬
‫يف عاملكم ويف عوامل أخرى‪ ،‬أنانية اإلنفان تتجلى هنا‪".‬‬
‫واصل يوسف صمته فقد أدرك ألول مرة ما يقولونه له‪.‬‬
‫عندها تدخل أبو خالد حبزم وقال "لنبدأ النقا ‪ ،‬ماذا تريد أن تعرف يا يوسف؟"‬
‫تردد يوسف بقول ما يريده لكنه نطق يف النهاية "تباً ألمة حتمل ربها كل جرائمها"‬
‫تغري وجه أبو خالد وقال له "ملاذا تكره اإلسالم؟"‬
‫فأجابه يوسف "مل أقل تباً لإلسالم وال قلت تباً للمفلمني‪ ،‬بل قلت أمة‪ ،‬فليس فقط بعض‬
‫اإلرهابيني احلاليني قتلوا الناس وارتكبوا اجلرائم باسم اهلل‪ ،‬بل إن حروباً خاضها أناس من‬

‫الديانات الفماوية األخرى باسم اهلل واجلميع يعرف ظلمها‪ ،‬واجلميع يعرف ظلم بعض احلروب‬
‫اليت مت تصويرها على أنها حروب من أجل اهلل أيضاً‪".‬‬
‫فرد أبو خالد غاضبًا "يا أخ هذه تصرفات فردية من البعض‪ ،‬هل حتملها للدين كله؟"‬
‫فرد يوسف مرة أخرى وبهدوء "من قال لك إنين أمحلها للدين؟ مل أقل هذا ولكنك تيهم شيئًا‬
‫طبعوه يف دماغك ومل تعد تفتطيع التخلص منه‪ ،‬لكن مبا أننا منطقيون يف احلكم على ديننا‬
‫عندما يرتكب البعض منا أخطاء ملصاحلهم بامسه‪ ،‬علينا أن نكون منطقيني عندما يرتكب البعض‬
‫اآلخر أخطاء باسم دينهم‪".‬‬
‫أبو خالد "اهلل يهديك!"‬
‫فرد يوسف بشكل مفتيز أكثر فاملوضوع واضح اآلن‪ ،‬أبو خالد ميلك أفكاراً مفبقة يف عقله على أن‬
‫كل من ينتقد اإلرهاب حياول انتقاد اإلسالم وهذا خطأ‪ ،‬وأن كل من يقول إن هناك جرائم ارتكبها‬
‫البعض ومحلها هلل يعد كافرًا مع أن اهلل بريء من هؤالء اجملرمني‪.‬‬
‫ال ألصل هلبل!"‬
‫كان رد يوسف املفتيز "ابتعد قلي ً‬
‫أبو خالد "هبل؟"‬
‫يوسف "مبا أنك دعوت اهلل ل باهلداية فيبدو أنين وثين‪".‬‬
‫تدخلت هبة احملامية قوية الشخصية وفرضت سالماً بقوهلا "فلنتناقش مثلما فعلنا املرة املاضية‪،‬‬
‫كل شخص يقول رأيه لوحده ويوسف يتوصل إىل ما يريده‪ .‬تذكروا أننا هنا لعرض األفكار ال‬
‫ليرضها‪ ،‬وهدفنا أن يتوصل يوسف إىل أفكار ترحيه‪".‬‬
‫بدأ أبو خالد بتوزيع األدوار وطلب من أب غاندي البدء‪.‬‬
‫قال أبو غاندي "تعترب األديان كنظم أخالقية واجتماعية بشكل عام رائعة وال نقا‬

‫يف ذلك رغم‬

‫أنين بصراحة تائه وحائر بني االحلاد واإلميان‪ ،‬لكن من الواضح أن مشكلة الدين الرئيفية ه‬
‫األشخاص االنتهازيون الذين يدخلون على اخلط هادفني للبس عباءة القداسة واحلماية‪ ،‬وحيتاج‬
‫هؤالء مع الزمن إىل التخلص ممن يناففهم أو ممن يهددهم‪ ،‬فيقدمون على ذلك دون تردد وباسم‬
‫الدين‪ ،‬وهذا قصد يوسف حفب ما أعتقد باجلرائم اليت ترتكب باسم اهلل‪ .‬لكن يف الوقت ذاته‪ ،‬احلل‬

‫الوحيد للتخلص من هؤالء هو نزع القداسة‪ ،‬فالقداسة جيب أن تكون يف األديان لطرفني فقط‬
‫كما فهمت من قراءت احملايدة لألمور؛ اهلل والرسول اخلاص بالديانة فقط‪".‬‬
‫تقدمت هبة وقالت بعد أن أشار هلا أبو خالد بيده "صدمين أبو غاندي برأيه احملايد وتوقعت منه‬
‫شيئًا خمتليًا هجومياً عنيي ًا لكن يبدو أنه ييهم ما حنن هنا من أجله‪".‬‬
‫ابتفم أبو غاندي وقال "شكراً‪ "،‬بينما كان وجه أبو خالد مفوداً ألنه اعتقد أن بهذا املديح قد‬
‫تتحول هبة حلائرة بني اإلميان واالحلاد مثل أب غاندي! هذه مشكلة بعض املبالغني باخلوف من‬
‫الثقافات األخرى‪ ،‬إنهم يصورون أبناء جلدتهم كاخلراف اليت ال تفتطيع املقاومة معتقدين أنهم‬
‫دائماً عرضة للغزو اليكري والثقايف وكأن العامل ال شغل له إال حماربتهم‪.‬‬
‫أكملت هبة كالمها "أوافق أبا غاندي على ما قاله‪ ،‬وحنن النفاء نواجه مشكلة مع هذه القداسة‪،‬‬
‫فهناك أفكار تظلمنا ألن رجالً عادياً يصيب وخيطىء ولكنه كان عاملاً يف زمن ما وقال شيئاً واضح‬
‫خماليته للمنطق وواضح خماليته لروح اإلسالم‪ ،‬غري أن البعض ينيذ دون تيكري وحنن من يدفع‬
‫الثمن‪ ،‬بل إننا بصراحة ال نعرف ما إذا كان قد قاله فاملوضوع ليس أكيداً‪ ،‬بل هناك خالف كما‬
‫نعرف على األحاديث فما بالك بأقوال أشخاص عاديني!"‪.‬‬
‫تقدمت صياء املرأة البفيطة وقالت "أنا أحب اهلل وأحب رسوله‪ ،‬ما أعرفه أنه من االستحالة أن‬
‫يطلب اهلل من الناس أن يقتلوا بعضهم البعض دون سبب‪ ،‬وأن يأت شخص ال ترد كلمته ألن احلق‬
‫فقط هو ما ال يرد وليس كالم فالن أو فالن‪".‬‬
‫كالم صياء بفيط لكنها نالت اإلعجاب ألنها ذكرت اجلميع مبا يوصف بإميان العواجيز البفيط‪.‬‬
‫إنه إميان مطلق وصحيح‪ ،‬ال تيكري فيه‪ ،‬نعم‪ ،‬لكن تقوده خطوط عريضة جتعله يف مأمن من‬
‫التطرف كما جتعله يف مأمن من الشك اهلادم‪ ،‬فاهلل ال يأمر بالقتل ومن يقول هذا رجل مل يعرف‬
‫اهلل ومل حيرك عقله بيهم آياته‪.‬‬
‫قال صالح بكل تواضع "ال ش ء لدي ألضييه‪".‬‬
‫ابتفم جوزيف عندما جاءه الدور فهو يعرف أن اجلميع بانتظار رأيه ألنه معتنق لديانة أخرى‪،‬‬
‫فقال "أنا أعرف قصد يوسف ألنين من املقربني إليه‪ .‬إنه يتحدث عن سلفلة مشابهة للحروب‬
‫الصليبية اليت أراها كمفيح ظاملة وال هدف هلا إال اقتصادي‪ ،‬وهذا ما جرى بعض األحيان حتى‬
‫يف التاريخ اإلسالم ‪ ،‬حروب هلا هدف اقتصادي فقط ال أكثر‪ ،‬بينما صورها بعض من أصحابها‬

‫على أنها كانت من أجل الدعوة‪ ،‬وهذا ال يف ء لإلسالم وال يف ء للمفيحية بل يف ء لألشخاص‬
‫الذين اقرتفوا ذاك الذنب‪".‬‬
‫صمت اجلميع حني جاء دور أبو خالد بالرد أخرياً‪ ،‬فبدأ كالمه بالبفملة لوضع طابع ديين عليها‪.‬‬
‫أوقيه يوسف هنا وقاطعه بصالبة وقال "تبدأ بالبفملة رغم عدم وجود أي دليل ديين ينص على‬
‫ضرورة فعل هذا قبل الكالم العادي وإمنا فقط يف حاالت كاألكل والذبح‪ ،‬كما أنها فقط وردت عن‬
‫رسول اهلل عليه الصالة والفالم عند كتابة الرسائل‪ ،‬لكن هؤالء يطبقون وال يعرفون‪ ،‬بل رمبا‬
‫يعرفون ويفتغلون!"‬
‫جتاوز أبو خالد ردة فعل يوسف القوية فه جمرد تصيية حفاب على النقا البادىء بنرفزة وقال‬
‫"حياول كل من اإلعالم الغرب واملثقيني تهويل أخطاء املفلمني ك ميفوا باإلسالم‪ ،‬وحياولون‬
‫تصوير أفعاهلم على أنها عادية‪".‬‬
‫ففأله يوسف "وما دخل اإلعالم اآلن؟ يذهب شخص ويقتل مئة شخص منهم مفلمني يف شارع ما‬
‫ويقول هذا جهاد يف سبيل اهلل‪".‬‬
‫أبو خالد‪" :‬هذا خطأ‪ ،‬لكن ملاذا تنفى ما فعله جورج بو بالعراق حتت مفمى احلرب الصليبية؟"‬
‫يوسف‪" :‬من قال لك إنين نفيت‪ ،‬بو مثال معاصر الستخدام الرب يف اجلرائم متاماً كخصمه ابن‬
‫الدن‪ ،‬فقد خاض حرباً من أجل النيط وشركات الفالح وصورها على أنها حرباً دينية‪ ،‬وهذا ما‬
‫ييعله كثريون ممن يعرفون باجملاهدين هذه األيام لغايات خمتلية‪ ،‬منهم من يقبض من اخلارج‬
‫ومنهم من له مصاحل أخرى‪".‬‬
‫صمت أبو خالد‪ ،‬فقد أدرك أن املنطق الذي كان ييفر به األمور فيه اختالل‪ ،‬فأن خنطىء ألن فالناً‬
‫ارتكب خطأ جيعلنا كالشجريات الضعيية اليت ترتاماها الرياح‪ ،‬وحيق علينا قول "إمعة‪ ،‬إن اخطأ‬
‫الناس أخطأنا وإن أصابوا أصبنا‪".‬‬
‫بعد دقيقة صمت من أب خالد قال‪" :‬أنا معكم لكن هذا ال يقلل من شأن اإلسالم بأنه أعلى‬
‫األديان‪".‬‬
‫ضحك يوسف وقال له "يا أبو خالد‪ ،‬من قلل من شأن اإلسالم؟ حنن نتحدث عن جرائم ترتكب باسم‬
‫اهلل من كافة األديان‪".‬‬

‫هز أبو خالد رأسه‪ ،‬وعندها أحضرت صياء الشاي من احلائط وتناولوه معاً وعادت الرسومات‪،‬‬
‫فلخص يوسف ما جرى وأضاف يف نهايته‪:‬‬
‫"يا عل ‪ ،‬إن اجلرائم باسم الرب ليفت جمرد حروب ودماء فقط‪ ،‬بل جترؤ أحدهم على سرقة فكرتك‬
‫ألنه يف مركز ديين‪ ،‬وعندما تثبت سرقته يلومونك أنت‪ ،‬وه أن ييتح أحدهم سلفلة حمالت‬
‫جت ارية وجيعل دعايتها دينية مع أن احملالت تبيع أدوات منزلية‪ ،‬وه أن يتلو أحد املرشحني‬
‫لالنتخابات البلدية آيات قرآنية لينتخبه الناس على اآليات وليس على برناجمه‪ ،‬فاخلداع الديين‬
‫هذا كله جرائم باسم الرب‪ .‬وأتذكر أنين قرأت ألحد امليكرين موقياً مجيالً ولألسف ال أذكر امسه‬
‫يف هذه الليلة‪ ،‬حيث قيل له "ماذا ستطلب من اهلل لو قابلته؟" فقال‪" :‬قل ل بأنك بريء من كافة‬
‫هذه اجلرائم اليت ترتكب بامسك!" ‪ ،‬مجلة لو مسعها مؤمن خلر باكياً من شدة أثرها وكشف عمق‬
‫تقصرينا‪ ،‬ولو مسعها من يعتقد بأنه مؤمن لقال عن صاحبها كافرا!"‬
‫*** أغلق يوسف أوراقه على أمل العودة إىل الكتابة يف اليوم التال ‪ ،‬فأسوأ ما يف حياة الفجني‬
‫أنه ال جيد شيئاً ييعله وال شيئاً ليتحدث عنه ك يرويه ما دام التعذيب غائباً‪ ،‬فأحياناً يكون‬
‫التعذيب هو احلياة! ***‬

‫البداية‪:‬‬
‫استيقظت صباح اليوم التال وحلفن احلظ كان يوم مجعة‪ ،‬أي أنين سأجتمع بأهل على مائدة‬
‫اإلفطار وأخربهم بكافة التياصيل‪ ،‬وألول مرة يف حيات يكون أول ما أفعله هو االستحمام وحلق‬
‫حلييت ك أكون جاهزاً منذ اليوم للوظيية اجلديدة‪.‬‬
‫كنت ومجيع أفراد أسرت وعلى رأسهم والدي وأم جنلس إىل املائدة‪ ،‬فقلت هلم "اجتمعت يف‬
‫األمس برجل أعمال قادم من أمريكا‪ ،‬وسأكون معه يف شركة يديرها‪ "،‬فأجاب أب مباشرة‪:‬‬
‫"شركة؟‪ ،‬من أين لك برأس املال؟"‬

‫فأجبته‪" :‬إنها شركة من نوع املضارب‪ ،‬أي منه املال ومين العمل‪ ".‬فقال أخ ‪" :‬لكنك ال متلك اخلربة‬
‫لو كانت ذات الشركة اليت أخربتين عنها من قبل‪ ".‬اضطررت للصمت قليالً ثم قلت له‪" :‬اخلربة‬
‫موجودة يف الكتب وأستطيع احلصول عليها‪".‬‬
‫تلقيت حتذيراً آخر من أخ الثان ‪" :‬هل تعلم أن باستطاعته طردك يف أي وقت مبا أنها شركة‬
‫مضاربة؟"‬
‫أنا‪" :‬حقاً؟"‬
‫أخ ‪" :‬نعم‪ ،‬اقرأ يف القانون جيداً‪".‬‬
‫"ما احلل؟" ‪ ....‬سؤال طرحته ومل أمسع جواباً عليه‪ ،‬حتى نطقت والدت لتقول "ال عليك منهم‪،‬‬
‫وفقك اهلل!"‬
‫نعم هذه ه األم يا عل ‪ ،‬هذه األم اليت ختلق فينا الدافع اإلجياب وتتمنى لنا اخلري بغض النظر‬
‫عن التياصيل‪ .‬تدعو لنا ك تريح بالنا‪ ،‬ال تيكر بش ء وال تتوقع شراً يصيب ابنها وال تتخيل‬
‫وتتمنى له إال اخلري‪ .‬بعد كلماتها‪ ،‬مت حفم النقا وحتولنا إىل احلديث عن صدام حفني ونقا‬
‫أعماله وانقفمنا حوله كالعادة‪ ،‬منا من قال إن ما قام به صحيح ومنا من قال لقد كان خمطئاً‬
‫بكل ش ء‪.‬‬
‫ذهبنا إىل صالة اجلمعة وعدنا منها ألجد اتصالني من صاحل‪ ،‬فقمت مباشرة حبمل اهلاتف‬
‫واالتصال به لريد عل ويقول "مرحباً‪ ،‬اتصلت بك مرتني ومل ترد!"‪ ،‬تياجأت من أسلوبه الثقيل يف‬
‫البداية فقلت له "كنت يف صالة اجلمعة‪".‬‬
‫فأجابين قائالً‪" :‬آه‪ .‬آسف‪ ،‬نفيت املوضوع فتعلم من يعيش يف أمريكا ينفى هذه األمور‪".‬‬
‫مل أعلق على كالمه‪ ،‬وتركت له املفاحة ليكمل كالمه‪.‬‬
‫أضاف صاحل‪" :‬كنت اقرأ يف األمس كافة أوراقك مرة أخرى‪ ،‬لقد أعجبتين حقاً‪".‬‬
‫أجبت‪" :‬شكراً لك يا أستاذ صاحل!"‬
‫"ييضل أن تناديين صاحل‪ ،‬فنحن شركاء‪".‬‬
‫"إن شاء اهلل!"‬

‫"متى نلتق صباح األحد ك نذهب ونفجل الشركة؟"‬
‫أخذتين الدهشة بعض الش ء فاألمور سريعة حقاً‪ .‬قلت له "أي وقت تراه مناسباً!"‬
‫فقال "التاسعة؟"‬
‫قلت "موافق‪".‬‬
‫"أحضر معك بطاقة هويتك وجواز سيرك‪".‬‬
‫"إن شاء اهلل يا صاحل‪ ،‬ال تقلق‪".‬‬
‫أغلق صاحل اخلط ومل أستوعب بعد ما الذي حيدث‪ .‬ما سبب الفرعة يف كل ش ء‪ ،‬وملاذا أشعر‬
‫وكأنين خائف للمرة األوىل؟‬
‫إنه ذلك الكالم الفليب الذي بثه أحد إخوت حول إمكانية طردي من شركة املضاربة‪ ،‬الكالم الفليب‬
‫يا عل وإن مل يؤثر فيك حلظتها ففوف يتم ختزينه يف العقل الباطن وفجأة يعود أفكاراً حنفبها‬
‫ذاتية منا وما ه إال شكل جديد لفلبية أطلقها أحدهم على مفامعنا‪ ،‬لذلك فأفضل حل للتعامل‬
‫مع الفلبيني هجرهم إن كان هذا ممكناً‪.‬‬
‫متالكت نيف وعقدت العزم على الدخول يف هذه الشركة‪ ،‬في كل األحوال لن أخفر شيئاً‪ ،‬فأنا ال‬
‫أدفع ماالً وبنيس الوقت أكتفب خربة‪ ،‬املشكلة الوحيدة أننا مل نناقش التياصيل بعد‪ ،‬لذلك كان‬
‫ال بد من رسالة أرسلها له على اهلاتف اخللوي‪.‬‬
‫"أستاذ صاحل‪ ،‬أعتذر لو كنت أزعجك‪ ،‬نريد شركة ومل نتيق على التياصيل املالية بعد‪".‬‬
‫فاتصل ب بدالً من الرد برسالة وقال "أتبعث ل برسالة؟ ال ختجل مين فهذا عمل!"‬
‫"أعتذر لكنين مل أعتد التعامل معك بعد‪".‬‬
‫"ال عليك‪ ،‬املهم أننا سنكون شركاء يف األرباح بنفبة ‪ %59‬ل و‪ %09‬لك ألنين أحتمل اخلفارة‬
‫الكاملة‪".‬‬
‫"موافق‪ ،‬لكن ماذا عن أجري؟"‬
‫"ال أجر لك! فلو أعطيتك أجراً ملاذا تتعب وجتعل الشركة راحبة؟"‬

‫التزمت الصمت قليالً وكدت أرفض‪ ،‬لكن كالمه صحيح جداً‪ ،‬فلو دفع ل أجراً مناسباً‪ ،‬فلن أجد‬
‫احلافز ألتعب من األساس!‬
‫"معك حق‪ ،‬لكن عندي اقرتاح‪".‬‬
‫"قل اقرتاحك يا يوسف‪".‬‬
‫"ستخصص ل أجراً منذ البداية لكنك ستأخذه من األرباح‪ ،‬ويف حال مل نربح سيكون هذا ديناً‬
‫عل ‪ ،‬وك أكون صادقاً معك فهذا أفضل ل أمام أهل مما جيعلين مرتاحاً نيفياً ومينحين القدرة‬
‫على الرتكيز جيداً يف العمل‪".‬‬
‫"فكرة مجيلة! موافق عليها‪ ".‬رد صاحل على طليب ثم أنهى املكاملة‪ ،‬فارحتت كثرياً وشعرت باليخر‬
‫ألنين أثبت إتقان ألسس التياوض‪.‬‬
‫مرت األيام بفرعة الربق‪ ،‬وذهبنا يوم األحد وسجلنا الشركة وحددنا نوعها على أنها شركة‬
‫مضاربة وحددنا حصة كل منا‪ ،‬كما أننا ذكرنا نقطة األجر يف بنود التفجيل‪.‬‬
‫عندما متتلك املال يكون كل ش ء أسهل‪ ،‬فخالل أيام فقط استأجرنا مقراً للشركة‪ ،‬وبفرعة كان‬
‫فيه كل ما يلزم من أثاث ومعدات‪ ،‬كما أننا استأجرنا خمازن مناسبة وقمنا بتوظيف فتاتني للعمل‬
‫معنا‪ ،‬وكل ذلك مت يف ظرف شهر‪ ،‬وبدأنا العمل!‪.‬‬
‫مل نكن حباجة ملراسالت كثرية فصاحل ميلك شركة عمالقة يف الواليات املتحدة من ذات النوع‪،‬‬
‫لذلك فقد كانت عملية االسترياد مضمونة وبفهولة بالغة جعلتين ال أشعر بقيمة اإلجناز الذي‬
‫يتحقق‪ ،‬لكن صاحل شعر بهذا وظهرت عليه اخلربة اليت تصنع اليارق يف املواقف الصغرية فقال ل‬
‫"باستطاعة أي شخص جلب البضاعة‪ ،‬لكن ليس أي شخص يفتطيع بيعها‪ ،‬لذا أريد منك الرتكيز‬
‫على البيع‪".‬‬
‫بذلنا جهوداً كبرية ك ننشر بضاعتنا يف األماكن اليت يزورها األثرياء‪ ،‬وكان الرتكيز على املراكز‬
‫التجارية الكبرية‪ ،‬وكانت اليكرة بإعالنات بفيطة خييية ترسم االبتفامة على الوجوه‪ ،‬ومل أكن‬
‫أتصور أنا وال صاحل أن تكون النتيجة مذهلة بهذا الشكل‪.‬‬
‫كانت فكرة وجود اشرتاك سنوي يؤمن وصول البضاعة إىل املنزل ويضمن إرجاعها يف حال مل‬
‫يأكلها احليوان األليف نهاية العام ناجحة أطلق عليها صاحل لقب فكرة شيطانية‪ ،‬وكان يقول ل‬

‫"إنك إلبليس صغري‪ "،‬رغم أن اليكرة مل تكن شريرة أبداً‪ ،‬بل كانت فكرة جتارية فحفب‪ ،‬فبضائعنا‬
‫عمرها ‪ 0‬سنوات ويف حال مت رد البضاعة‪ ،‬سنعيد بيعها كرتويج بفعر منخيض فال مشكلة لدينا‪.‬‬
‫مشكلة التجارة أن أيامها تتشابه يا عل ‪ ،‬فاليوم األول يكون غريباً والثان والثالث لكن بعد ذلك‬
‫تصبح كافة أيامها واحدة‪ ،‬ويقتلك الروتني فعالً إن مل تنتبه إىل نيفك وتنقذ عقلك‪ ،‬لذلك لو‬
‫أصبحت تاجراً أجرب نيفك على القراءة فه الوحيدة اليت تفتطيع مفاعدتك على تطوير عقلك‬
‫يف العمل الروتيين‪.‬‬

‫شكراً للكلب‪:‬‬
‫واصلت شركتنا جناحها املبهر لعامني‪ ،‬وأصبح دخل كافياً ألقول إنين نقلت أهل نقلة نوعية‪.‬‬
‫بدأت أم ‪ ،‬رمحها اهلل‪ ،‬يف تلك اليرتة بالضغط عل ك أتزوج‪ ،‬وكنت متمفكاً برفض فكرة الزواج‬
‫التقليدي‪ ،‬فكم هو جارح أن تذهب أم وشقيقيت لرتيا فتاة ثم تعودان قائلتني "راسبة‪ ".‬ال أكرتث‬
‫لشعوري أنا شخصياً‪ ،‬لكن ماذا عن اليتاة اليت يتم رفضها؟‬
‫مل أستطع جماهرة أهل برفض الكامل لتلك اليكرة ألن ذلك قد يعد لدى البعض "قلة شرف‪"،‬‬
‫فكان ال بد من الرتكيز على مفألة حاجيت ملزيد من الوقت ك أضمن استقرار الشركة‪ ،‬ويف‬
‫غضون ذلك ظللت أبتعد عن أية فتاة‪ ،‬فجرح طعين لصديق وجرح عدم قول "أحبك" ما زاال‬
‫ساكنني ب مينعان من جتارب جديدة‪ .‬لقد كانت هناك جتارب لكنها من باب الواجب بني الشباب‬
‫ك ال يعلقون أو يظنون أنين أقل منهم‪.‬‬
‫كان يوم االثنني والفاعة ‪ 77‬صباحاً‪ ،‬وقد جاءنا اتصال إىل الشركة فطلبت املتصلة أن تتكلم مع‬
‫مدير الشركة‪ ،‬فقامت اليتاة بتحويلها إل وعندها قلت يف بال "آه من األثرياء‪ ،‬ال يتنازلون‬
‫ويطلبون إال من املدراء أيضاً!"‬
‫ "مرحبا!"‬‫ فرد عل صوت واثق ليتاة تبدو صغرية يف العمر "مرحبا!"‬‫ "تيضل ‪..‬كيف ل أن أساعدك؟"‬‫‪" -‬لدي كلب‪ ،‬لكنه يرفض األكل منذ فرتة وأخذته إىل طبيب قال ل إنه ال يشكو من ش ء!"‬

‫ "هل جربت شيئاً من الطعام الذي لدينا؟"‬‫ "ال‪ ،‬لكنين أريد أن تأتوا وجتربوا قبل أن أشرتي منكم‪".‬‬‫ "هذه ليفت من سياسة شركتنا لألسف‪".‬‬‫ "أعلم ذلك‪ ...‬لكن اعتربه طلباً‪".‬‬‫شعرت باإلحراج‪ ،‬وك أكون صادقاً‪ ،‬جعلين صوتها الواثق أخضع لطلبها وقلت هلا "متى يناسبك أن‬
‫نأت ؟"‬
‫ "أنا اآلن يف منزل صديقيت ومع الكلب‪ ،‬ميكنك القدوم اآلن لو أردت‪".‬‬‫أخذت العنوان منها وذهبت مباشرة فخرجت ل ومعها الكلب‪ ،‬وكان مع ثالثة أنواع من الطعام‬
‫فقمت بتجريبها‪ ،‬فاختار أحدها وأكل بنهم واضح‪ ،‬فابتفمت عندما رأته يأكل‪ ،‬ففألتين وأجبتها‬
‫عن نظام املبيعات لدينا واشرتكت ملدة عام وأبلغتين أنها ستدفع باستخدام الييزا ألنها ال متلك‬
‫املبلغ النقدي كامالً فه معلمة لغة إجنليزية يف إحدى املدارس اخلاصة الكربى حفب ما قالت‬
‫ل ‪.‬‬
‫حلقت ب إىل الشركة وأعطت العنوان إىل إحدى املوظيات‪ ،‬وقالت إنها تريد إرسال الطعام إىل بيت‬
‫صديقتها ألن لديها مفاحة كافية هناك‪ ،‬وألن كلبها يقض معظم الوقت يف ذلك البيت القريب‬
‫من بيتهم‪ ،‬نفيت أن أقول لك إن بيت صديقتها كان شبه قصر كبري‪ ،‬وكان يبدو أن مالكه ثري جداً‪.‬‬
‫قد تتفاءل ملاذا مل تقل ل كيف كانت تبدو تلك املعلمة؟‬
‫مل أقل لك ألنك لن تصدقين‪ ،‬إنها ملكة مجال بكل ما للكلمة من معنى‪ ،‬ولو أرفقت لك صورتها يف‬
‫الكتاب لقلت هذه ممثلة يا خال الكاذب‪ .‬حتدثنا إىل بعضنا ملدة مخس دقائق وظهر عليها‬
‫اإلعجاب جبنون بعض الش ء وببعض أفكاري‪ ،‬فأعطيتها بطاقة العمل اخلاص ب لتتصل يف حال‬
‫احتاجت أي ش ء‪ ،‬وخرجت متفائالً إن كانت هذه فتاة حقيقية‪".‬‬
‫مرت ثالثة أيام وأنا أقاوم االتصال بها على الرقم الذي تركته‪ ،‬فقد أبهرتين ليس مبظهرها صدقين‬
‫فأنا لفت سطحياً‪ ،‬لكنها فعلت ذلك بطريقة كالمها الواثق‪ ،‬الذي يفتحال إال أن خيبىء وراءه‬
‫مثقية صاحب عقل كامل مجيل‪.‬‬

‫كانت الفاعة ‪ 72‬صباحاً واليوم اخلميس‪ ،‬جاءت رسالة على هاتي مل أهتم هلا ألنها على األغلب‬
‫من أصدقائ ينفقون ملوعد اللقاء األسبوع ومكانه وأنا دائماً موافق وجاهز‪ ،‬لذلك ال داع لتيقد‬
‫الرسالة‪ ،‬لكن شيئاً بداخل دفعين إىل فتحها‪ ،‬فيعلت بعد نصف ساعة فإذا بها من ميس‪ ،‬نعم‬
‫ميس هو اسم تلك املعلمة "شكرًا لك حقاً‪ ،‬الكلب يأكل بانتظام وأنا سعيدة جداً‪".‬‬
‫مل أعرف ماذا أرد عليها‪ ،‬هل أقول "شكرًا للكلب الذي جعلين أعرفك؟" أم ماذا؟‬
‫أجبتها يف النهاية "أنا سعيد لفعادتك‪ "،‬لكنين أردت إعطائها تلميحاً إىل أنين أمتنى احلديث معها‬
‫عن ش ء آخر غري الكلب‪ ،‬فأضيت يف نيس الرسالة "كيف حالك وإن شاء اهلل عملك مجيل مع‬
‫الطالب؟"‬
‫ فأجابت وكأنها تنتظر تلك اخلطوة "أنا خبري واحلمدهلل‪ ،‬أحب عمل فهو رسالة حقيقية‬‫حلمت بها‪ ،‬كيف عملك أنت وهل أنت موظف يف الشركة أم ه لوالدك؟"‬
‫ "عمل ممتاز فيكي أن لدينا زبونة مثلك‪ ،‬أما الشركة فأنا شريك فيها مع رجل أعمال‬‫مقيم يف الواليات املتحدة‪".‬‬
‫ "هذا جيد‪ .‬ما ه دراستك األصلية‪ ،‬طبيب بيطري؟"‬‫مل أعرف ملاذا كنت سعيداً وه تفألين‪ ،‬وكنت أتعمد عدم ذكر أية معلومة إضافية يف إجابات من‬
‫شأنها أن توفر عليها أي سؤال تنوي طرحه‪ ،‬فقد أردتها أن تفألين أكثر‪ ،‬وأخشى ذكر أية معلومة‬
‫فيضيع سؤال ميكن من خالله إطالة النقا ‪.‬‬
‫"ال‪ ،‬لقد درست الصيدلة‪ ،‬لكن ك أكون صادقاً معك‪ ،‬كنت أود لو درست اهلندسة لكن أهل أرادوا‬
‫شيئاً أعلى من ناحية املعدل بنظرهم فاخرتت الصيدلة‪".‬‬
‫"صيدلة؟ وما الذي جعلك تعمل يف هذه الشركة مع أنك شاب‪ ،‬أي أنك مل تبحث كثريًا عن عمل؟"‬
‫"مل أحبث أصالً‪ ،‬فقد تنبهت إىل أهمية مثل هذا القطاع التجاري وقلة املناففني فيه فتواصلت مع‬
‫أشخاص كثريين فكان اللقاء مع املمول احلال ‪".‬‬
‫"من الرائع أن يكون هناك شباب مثلك وبهذه العقلية املتنورة‪".‬‬
‫ابتفمت بقوة وكتبت "شكراً لك‪ ..‬ماذا عنك؟‪ ...‬كيف تفري أمور التعليم؟"‬

‫فأجابتين" أعمل حالياً على إكمال شهادة الدكتوراة يف اللغة االجنليزية يف إحدى اجلامعات‬
‫األمريكية‪ ،‬وأعمل يف املدرسة العاملية اخلاصة كما أخربتك وأموري ممتازة وعلى خري ما يرام‪".‬‬
‫"مجيل يا دكتورة املفتقبل‪ ،‬بالتوفيق‪".‬‬
‫"شكرًا لك!"‬
‫ضربت وجه عندما قرأت شكراً لك‪ ،‬فهذا يعين نهاية احلوار اليوم‪.‬‬
‫عدت إىل الرتكيز على عمل وكان صوتها ميلكين بصورة غريبة‪ ،‬بل إنه ميلكين حتى هذه اللحظة‪.‬‬
‫هل تصدقين لو قلت لك أنين كنت أمسع صوتها من الرسائل النصية اليت تبعثها؟ هذا ما حدث‬
‫باليعل‪ ،‬بالتأكيد مل أحبها لكنها أبهرتين‪ ،‬األكثر غرابة من سيطرة سحرها عل أنين استطعت‬
‫إكمال عمل برتكيز ومل أتأثر كثرياً بقوة حضورها حتى نهاية دوام ‪ .‬بعد ذلك توجهت إىل البيت‬
‫ومنه إىل مقابلة األصدقاء ومل أخرب أحداً باملوضوع‪.‬‬
‫كانت يدي حتكين أثناء عودت إىل املنزل مفاء وال أستطيع مقاومة رغبيت بإرسال شيئ هلا‪ ،‬لكن‬
‫الفاعة متأخرة جداً فقد انتصف الليل وليس من الذوق أن أرسل هلا‪ ،‬فخطرت ببال فكرة‬
‫شيطانية ال أنفاها؛ مبا أنها بعثت ل "شكراً لك" قبل ساعات‪ ،‬قد أمتكن من فتح خط حلوار آخر‬
‫جديد لو أجبتها بعيواً اآلن‪ ،‬إذ ستعتقد أن الرسالة متأخرة‪.‬‬
‫أمفكت جبهازي حال دخول البيت وكتبت "عيواً‪".‬‬
‫فجاء الرد "مفاء اخلري‪ ،‬عذرًا مل أفهم!"‬
‫فتصنعت دور الذي مل ييهم أيضًا "مل تيهم ماذا؟"‬
‫جاءتين رسالة منك تقول فيها "عيواً!"‬
‫فكان ردي‪" :‬آه‪ ،‬فهمت اآلن‪ ،‬لقد كانت رداً على رسالة شكراً لك اليت بعثتها وأجبتك يف حلظتها‪ .‬أمل‬
‫تقرئيها يف ذلك الوقت؟"‬
‫"ال‪ ،‬اآلن وصلتين للتو!"‬
‫"أعتذر جداً‪ ،‬يبدو أن اجلهاز يعان من ش ء ما‪ ،‬سأرى ما ه مشكلته‪ ،‬أمنيات لك بنهاية أسبوع‬
‫مجيلة‪".‬‬

‫فجاء الرد الذي انتظرته‪" :‬هل أنت يف عطلة اجلمعة والفبت أيضاً؟"‬
‫"نعم‪ ،‬لكنين أذهب يوم الفبت إىل العمل أحياناً‪".‬‬
‫"وفقك اهلل‪".‬‬
‫الكرة يف ملعيب اآلن ولن أمسح ألحد خبطيها‪ ،‬وسأفتح حواراً‪.‬‬
‫"ووفقك أيضاً‪ ،‬هل أنت يف إجازة أيضًا يف هذه األيام؟"‬
‫"نعم‪ ،‬لكنين أخصصها للدراسة‪ ،‬فكما قلت لك أكمل الدكتوراة‪".‬‬
‫"نعم‪ ،‬نعم‪ ،‬أمتنى لك التوفيق حقاً‪".‬‬
‫"شكرًا لك‪".‬‬
‫"العيو‪ ،‬وهذه املرة أمتنى أن تصلك يف وقتها‪ ،‬متى ستفافرين إىل أمريكا الستكمال الدراسة؟"‬
‫تأخر ردها وهذا أقلقين كثرياً‪ ،‬فرمبا فهمت حماوالت اقتحام حياتها وال تريد مين هذا التصرف‪،‬‬
‫ورمبا كان كالمها الفابق عيوياً‪ ،‬لكن جيب أن أتوقف اآلن‪ .‬لقد شعرت بإحراج وقلق كبريين‪،‬‬
‫ال وأنا ألوم نيف على عودت مراهقاً‪.‬‬
‫فقمت بتحضري شطرية ألنفى قلق قلي ً‬
‫جاء الرد ‪...‬‬
‫"آسية على التأخري‪ ،‬لدينا ضيوف اآلن‪ ،‬سأرسل لك حاملا خيرجون‪".‬‬
‫ال أخييك يا عل ‪ ،‬لقد رقصت أمام املرآة كاجملنون فه سرتد‪ ،‬تريد التحدث إل أكثر‪.‬‬
‫انتظرت ساعة كاملة ال أفعل شيئاً‪ ،‬حتى جاءتين أول رسالة "مرحبا‪ ،‬آسية على التأخري‪".‬‬
‫فرددت‪" :‬ال عليك‪ ،‬لقد كنت أعمل على بعض األمور وقد أنهيتها اآلن‪".‬‬
‫"هل أنت متعب؟ أتريد النوم؟"‬
‫"ال‪ ،‬بل على العكس متاماً‪ ،‬أشعر وكأن الفاعة ‪ 72‬ظهراً!"‬
‫"ما رأيك لو تكلمنا عرب اهلاتف بدالً من الرسائل الكثرية؟"‬

‫مل أعرف من أين هلا هذه اجلرأة‪ ،‬ولكنين وبنيس الوقت كنت مطيعاً جداً‪ ،‬فقلت "نعم‪ ،‬ذلك أفضل‪".‬‬
‫اتصلت ب مباشرة‪ ،‬فتكلمنا مع بعضنا عن املاض واحلاضر وعن األحالم يف املفتقبل‪ ،‬وانبهرت‬
‫بأحالم ومببادئ وأنا كنت مفحوراً بها أيضاً‪.‬‬
‫بعد ذلك احلديث‪ ،‬أصبح حديثنا يوميًا وبات من الواضح أننا ماضون إىل بعيد مع بعضنا‪.‬‬
‫سأكون صادقاً معك‪ ،‬إنها امرأة كاملة‪ ،‬مجيلة وذكية وطموحة وحترتم طموح الرجل وتشجعه‬
‫وحتاول أن تغري فيه إجيابياً دون أن متتلكه‪ ،‬كما أنها متيهمة‪ .‬أكرر‪ ،‬إنها امرأة كاملة يا عل ‪ ،‬ولو‬
‫وجدت امرأة كاملة ال ترتدد بأن تتعلق بها بكل قوة حتى حتبك وحتبها‪.‬‬
‫مرت ثالثة أشهر بيننا وحنن يف طور الصداقة وتبادل اآلراء واألفكار والقراءة اجلماعية‪ .‬كنا نرتاد‬
‫أحد املقاه ونتكلم‪ ،‬وكان واضحاً من وجهها تعلقها خبالك اجملنون‪ ،‬لكن بنيس الوقت كان‬
‫واضحًا عل رغبيت بقول ش ء لكنين خائف جداً مرة أخرى من قوهلا‪.‬‬
‫كانت ليلة مخيس بعد ثالثة أشهر تقريباً من معرفتنا ببعضنا البعض‪ ،‬وقد أبلغتين عن عالقتها‬
‫القوية بأمها اليت كانت تعمل طبيبة نفائية‪ ،‬وكانت أمها تعرف عين الكثري وترسل ل التحية‬
‫معها‪ .‬علينا طبعاً أن نفتوعب اختالف الثقافات حتى يف الوطن الواحد‪ ،‬فهذا مقبول بالنفبة هلم‪،‬‬
‫لو كان العكس وجاءت ابنيت تقول ل أنها تعرف شاباً‪ ،‬سيكون رد فعل خمتلف ‪ 743‬درجة‪،‬‬
‫وببفاطة سنتقدم ونتكامل عندما نفمح لكل منا العيش بالطريقة اليت يريدها‪.‬‬
‫اتصلت ب وكان صوتها يرتعش‪ ،‬وألول مرة أشعر أنها غري واثقة‪ ،‬ففألتها بكل غباء "هل أنت‬
‫مريضة؟"‬
‫ضحكت جداً وقالت ل كلمة ما زالت ترتدد يف أذن ‪" :‬أنت ذك جداً يف احلياة والعمل‪ ،‬لكنك أمحق‬
‫اجتماعيًا يا يوسف!"‬
‫فقلت هلا‪" :‬حفناً‪".‬‬
‫مل أحاول الرد أو الدفاع عن نيف ‪ .‬هل تعرف ملاذا؟‬
‫ألن العاشق احلقيق جبان‪ .‬جبان حتى يف حقه مع من حيبه‪ ،‬فهو خيشى الرد فيجرح من حيبه‬
‫ورمبا خياطر خبفارته‪ ،‬لذلك قد جتده خييض الرأس ببعض القضايا اليت ميكن جتاوزها دون‬

‫اختالق أزمات‪ .‬سأبقى أقول لك العاشق احلقيق جبان‪ ،‬جبان ك ال جيرح من حيبها وليس جبان‬
‫يف الدفاع عنها وعن حبه‪.‬‬
‫وأثناء صميت فاجأتين بفؤال‪" :‬ما رأيك بأن أجعل أم تطلب يدك ل ؟"‬
‫ضحكت فقلت هلا‪" :‬حتى هذه يف عاداتكم مقلوبة؟"‬
‫ففألت بنيس الصوت املرتعش الذي أخافين عليها‪" :‬يوسف‪ ،‬هل حتبين أم أنا جمرد صديقة؟"‬
‫أجبتها مباشرة‪" :‬أنت تعرفني أنين أحبك‪ ،‬بل أعشقك ومل أقل لك هذا ألنين أخاف أن أخفرك لو مل‬
‫تكون حتبيين‪".‬‬
‫"ختفرن ؟"‬
‫مل أرد أن أشرح هلا املاض وجتربيت الغبية‪ ،‬فه ستعتقد أنين ما زلت أحب تلك اليتاة‪ ،‬لذلك قلت‬
‫هلا‪" :‬مل أعرف ماذا ستكون ردة فعلك‪ ،‬فانتظرت إشارتك‪".‬‬
‫وفجأة انهارت باكية وه تقول "وأنا أحبك أيضاً‪".‬‬
‫مل أفهم يومها ملاذا كانت تبك وه تقول ل "أحبك‪ "،‬لكنك ستيهم يا عل الحقاً وسأفهم أنا معك‪.‬‬
‫تواصل الكالم بيننا وقالت ل "لن خنطب حتى أنه الدكتوراة‪ .‬أحتاج إىل أربعة عشرة شهراً‪ ،‬هل‬
‫هذا يناسبك؟"‬
‫قلت هلا‪" :‬نعم‪".‬‬
‫منت بعد كالمنا ملدة ساعة‪ .‬كانت ساعة حب راقية ليفت مليئة بالتمثيل واالبتذال وقتل للحب‬
‫بالكلمات‪ .‬نعم‪ ،‬لقد كان احلب واضحاً بيننا‪ ،‬لكن النقا‬

‫كان راقياً يف مواضيع حياتية خمتلية‬

‫ختلله بعض كلمات الغزل البفيطة‪ ،‬فكم حلمت بهذه العالقة العقل – قلبية يف ذات الوقت‪.‬‬
‫استقيظت شخصاً آخر يف الصباح‪ ،‬فأول ش ء قمت بعمله تشغيل أحد األغان وأذكر أنها كانت‬
‫لكاظم الفاهر وكانت "إىل تلميذة‪ "،‬وما زلت أذكر كلمات مجيلة جاءت فيها عن احلب عندما غنى‬
‫لنزار قبان "هو أن نثور ألي ش ء تافه هو يأسنا هو شكنا القتال‪ "،‬فابتفمت والدت يف وجهه‬
‫وسألتين‪" :‬هل وقعت يف احلب؟"‬

‫فأجبتها كاذبًا "ال‪ ،‬هل كل من يفمع أغنية يقع يف احلب؟‬
‫باملناسبة‪ ،‬ملاذا يقولون دائماً "وقعت يف احلب؟"‬
‫هل هو وقوع؟ أي سقوط؟ أم ماذا؟‬
‫نعم إنه سقوط وكأن املقصود به أن الدخول فيه يعين التورط واخلروج منه ليس سهالً‪ ،‬فالدخول‬
‫يف احلب ال إرادي لذلك نقول وقعنا يف احلب‪ ،‬فنحن نقع من دون قصد‪ ،‬واخلروج منه ليس إراديًا‬
‫أيضًا لذلك يكون الوقوع حقيقيًا مبعنى الفقوط املدوي‪.‬‬
‫ببفاطة‪ ،‬وقعت وتورطت وأصبحت سجني احلب احلقيق ‪ ،‬وما أمجل حلظات احلب احلقيق‬
‫سعادة كانت أم حزناً‪ .‬أذكر آخر كلمة قالتها ميس يف ذلك االتصال‪" :‬دائماً ما أردت رجالً يدخل‬
‫عقل قبل أن يدخل قليب‪ ،‬كثريون من حاولوا مع ‪ ،‬لكنك الوحيد الذي جنحت بطرق باب عقل‬
‫بقوة ارجتيت أمامها مفتفلمة لك‪".‬‬
‫سأتوقف قليالً اآلن يا عل ك تفتوعب ما جيري؛ ويف غضون ذلك‪ ،‬سأقص عليك قصيت اخليالية‬
‫مع أولئك البشر املرسومني‪.‬‬

‫الظهور الثالث‪ :‬القصص الدينية الكاذبة‬
‫جاء أبو خالد وأيقظ يوسف كالعادة وطلب منه االستعداد ألن اآلخرين قادمون اآلن‪ ،‬فقام يوسف‬
‫وغفل وجهه وجلس بانتظارهم إىل ذات الطاولة‪.‬‬
‫جلس اجلميع بعد مصياحته باستثناء صياء اليت ترى األمر حمرماً وهذا من حقها‪ ،‬فيوسف مل‬
‫حياول إجبارها على وجهة نظره وه مل تيعل أيضاً وهذه ه روح التعايش احلقيق لألفكار‪.‬‬
‫طرح أبو خالد سؤاله املعتاد‪" :‬ماذا تريد أن تعرف اليوم؟"‬
‫فأجاب يوسف‪" :‬القصص الدينية الكاذبة‪".‬‬
‫فجاء رد أبا خالد انيعاليًا وقال "ملاذا كافة مواضيعك تشويه لالسالم؟"‬

‫فقال له يوسف‪" :‬ملاذا تعترب نيفك متهماً دائماً‪ .‬إنكم تدفعون الناس إىل الشك باإلسالم نظراً‬
‫النعدام ثقتكم بأنيفكم‪ .‬ديننا قوي متماسك وال حيتاج إىل أسلوب الديكتاتورية الفتالينية الذي‬
‫تتبعوه‪".‬‬
‫رد أبو خالد بعصبية‪" :‬حفناً‪ ،‬تيضل اشرح لنا ما تريد فلم نيهم‪".‬‬
‫قال يوسف‪" :‬هناك قصص ال مصدر هلا وال صاحب وال راوي نعرفه لنحدثه‪ ،‬يقولون كان فالن على‬
‫جبل وقال "سبحان اهلل" فجاءه نفر ليحمله‪ ،‬واملصيبة أن الناس تنشر مثل هذه القصص الذي‬
‫يقولون فيها "كان هناك رجل‪ "،‬وتبقى القصة ناقصة كوسيلة دعوة حتى نعرف من هذا الرجل وإال‬
‫من حق التشكيك بها!"‬
‫أبو خالد‪" :‬ما دامت القصة جيدة‪ ،‬ما مشكلتك؟"‬
‫يوسف‪" :‬مشكليت أنها كاذبة وال تصدق وال تتناسب مع عقلية املفلم اليقظ‪".‬‬
‫أبو خالد‪" :‬أال تؤمن بالكرامات؟"‬
‫يوسف‪" :‬ال أؤمن بأنه جيب على من جاءته كرامة أن يرويها ألن معظم الناس لن تصدقه والبعض‬
‫اآلخر سيعتقد نيفه يعيش يف دين حيقق كل ش ء مبجرد ركعة أو سجدة‪ ،‬فنتحول إىل أمة‬
‫متواكلة!"‬
‫أبو خالد‪" :‬فهمتك‪ ،‬وبصراحة ألول مرة تليت انتباه إىل هذه النقطة‪ ،‬ومعك حق!"‬
‫ثم بدأت دورة األراء فقال أبو غاندي‪" :‬بصراحة‪ ،‬كنت إنفاناً ملتزماً بالصالة لكن هذه القصص‬
‫وعدم تقبل عقل هلا جعليت أفكر يف سلبيات الدين ال إجيابياته‪ ،‬حتى أصبحت على مشارف‬
‫اإلحلاد كما تعلمون‪".‬‬
‫ثم قالت هبة‪" :‬أمسعها فقط وال أؤمن بها‪ ،‬مرجع واضح يف اإلسالم وهو القرآن ألنه واضح النص‬
‫"هدى للناس‪ "،‬لذلك ال أصدق تلك القصص‪ ،‬سواء أكانت قابلة للتصديق أم ال‪".‬‬
‫أما صياء فقالت‪" :‬بصراحة‪ ،‬جتعلين هذه القصص أطمئن حتى لو كانت خيالية فاهلل قادر على‬
‫كل ش ء‪".‬‬

‫تكلم صالح وقال‪" :‬قرأت يف كتاب "شرعية االختالف" أن بعض الرجال يف األندلس وبعد سقوط‬
‫الدويالت وخروج املفلمني من إسبانيا‪ ،‬عمدوا إىل تأليف بعض القصص الدينية الكاذبة‪ ،‬وكان‬
‫هدفهم من ذلك تثبيت الناس على دينهم‪ ،‬وهذا خطأ طبعاً وإن كانت النتيجة جيدة‪ ،‬لكن اإلسالم‬
‫ال جييز اخلداع يف الدعوة‪ ،‬وهو ما أعتقد أنه نيس الدافع هذه األيام‪ ،‬فهناك أناس حياولون تثبيت‬
‫اآلخرين على الدين يف الوقت احلال من خالل هذه األكاذيب أمام الغزو الثقايف والعوملة‪ ،‬ولن‬
‫أتياجأ لو مت الكشف يوماً عن قائمة بأمساء أشخاص مشهورين يديرون هذه العملية بشكل رمس‬
‫من باب الدعوة!‪".‬‬
‫جاء الدور على أب خالد ليتكلم فقال‪" :‬أنا معكم‪ ،‬ألن استخدام القصص الكاذبة ألغراض دينية‬
‫من أجل دعوة الناس يعد خدعة واحتياالً حتى لو كانت قصة قابلة للتصديق‪ ،‬فمثالً تعرفون‬
‫مجيعكم أن نيل آرمفرتونغ مل يفلم‪ ،‬لكن ختيلوا لو دخل أكثر من شخص الدين ألنه مسع بهذا‬
‫ثم اكتشف احلقيقة الحقاً‪ ،‬عندها سريتد ويأخذ معه آخرين‪ ،‬وأنا ضد فكرة اإلميان بناء على قصة‬
‫ألن اإلميان جيب أن يأت باملبادىء واألفكار وليس بناء على القصص والكلمات الرنانة واملواقف‬
‫اليت تفتخدم مغالطة العاطية‪".‬‬
‫القى كالم أب خالد استحفان اجلميع‪ ،‬بل إن يوسف ابتفم يف وجهه وقال له "شكراً‪ "،‬من الواضح‬
‫أن مقولة عل بن أب طالب جتفدت هنا بوضوح "اضرب بعض الرأي ببعض‪ ،‬يتولد منه الصواب‪"،‬‬
‫وهذا ليس فقط على اآلراء‪ ،‬بل على األشخاص‪ ،‬فاقرتاب أب خالد من اآلخرين وأفكارهم جعله‬
‫أكثر واقعية وأقل تشدداً‪ ،‬وانفالخه عن مجاعته ووضعه يف احلائط جعله ييكر وحيداً كإنفان‬
‫مفتقل غري تابع‪ ،‬وكأن هذا ما حنتاجه فقط حلل مشكلة التطرف‪ ،‬سواء أكان التطرف يف التدين‬
‫أو التطرف يف معاداة الدين‪.‬‬
‫قال جوزيف‪" :‬لدينا نيس املشكلة يف املفيحية‪ ،‬فكثريون يؤليون قصصاً وينشرونها فتفاهم بابتعاد‬
‫أصحاب العقل الراجح واملثقيني عن الدين‪ ،‬وهذا يضر وال خيدم ألن الدين حباجة إىل النوعية‬
‫اجليدة ك تصل فكرته ورسالته‪".‬‬
‫استمر احلوار حول بعض القصص اليت ال تصدق وضحك اجلميع عليها مبا فيهم أبو خالد‪ ،‬وبعد‬
‫ذلك مت إحضار الطعام من احلائط وتناولوه وعادت الرسومات إىل مكانها وخلص يوسف ما جرى‬
‫ومل جيد ما يضييه على الكالم أعاله فخلد إىل النوم‪.‬‬

‫اخلائن مرة‪:‬‬
‫خالل ا لعام الثالث من عمر شركتنا‪ ،‬أخربن صاحل أنه يبحث عن امرأة غري متزوجة يكون عمرها‬
‫فوق الثالثني ك يتزوجها‪ ،‬فقد أنهى أموره يف أمريكا ويريد العودة‪ ،‬ويريد من تشرف على ولديه‬
‫اللذين يبلغان من العمر ستة عشر ومخفة عشر عاماً‪.‬‬
‫وجد ضالته أخرياً يف امرأة تبلغ من العمر ‪ 01‬عاماً‪ ،‬كانت على قدر من اجلمال وأهلها مقتدرين‪،‬‬
‫أي أنها ليفت حباجة للزواج إال لفبب واحد‪ ،‬أن تشعر بأنها أنثى مع رجل‪ .‬فعل يف مفألة الزواج‬
‫متاماً مثلما فعل يف افتتاح الشركة مع ؛ فخالل أسبوعني فقط‪ ،‬أبلغين أنه تزوج وأنه عائد‬
‫لالستقرار رمسيًا يف البالد‪.‬‬
‫اتصلت به بعد أيام من زواجه‪ ،‬وقلت له أنين أخطط آلت مع املوظيني ك نبارك له يف زواجه‪،‬‬
‫فأجابين بشكل غريب جدًا "ال عليك‪ ،‬املفألة ليفت طويلة وال داع للتهنئة‪ ".‬مل أعرف ماذا أقول يف‬
‫البداية‪ ،‬اعتقدت أن املفألة تتعلق بعذرية اليتاة ك أكون صادقاً معك‪ ،‬لذلك التزمت الصمت وقلت‬
‫له "كما تريد‪".‬‬
‫بدأ صاحل يعمل معنا يف الشركة بشكل يوم ‪ ،‬وكان حياول تغيري بعض األمور فقط ليقول أنا‬
‫صاحب الفلطة العليا ولفت أنت يا يوسف‪ ،‬فمثالً منع فكرة أن يكون هناك إبريق يف املكتب لغل‬
‫املاء حيث كنا نلتق حوله صباحاً ونصنع قهوتنا‪ ،‬وذلك دون أن يذكر سبباً مقنعاً‪ ،‬لكنه اكتيى‬
‫بالقول "ليس مكانها املناسب‪".‬‬
‫مل أشاهده يوماً يتصل بزوجته‪ ،‬وكانت كافة اتصاالته مع أبنائه فقط‪ .‬كنت أحتدث مع ميس عنه‬
‫وعن تدخالته‪ ،‬وكانت تلتزم الصمت قليالً ثم ختربن بأن عل الصرب‪ ،‬ثم بدأت تشجعين على‬
‫التيكري بالتوفري ألقوم بإنشاء شركة مثل شركته‪ ،‬وذكرتين بأن مع عامني ك أفعل ذلك قبل أن‬
‫تنه دراستها‪.‬‬
‫اتصلت ب ميس ذات يوم يف الفاعة ‪ .‬مفاء وكان سيرها إىل أمريكا قد اقرتب‪ ،‬وكان صوتها‬
‫مندفعاً تريد الكالم مع ألجيبها ببفاطة "أنا يف الشركة‪ ،‬فنحن خنطط للتوسع يف جمال جديد‪"،‬‬
‫فاجابتين بعصبية غريبة "هل املوظيات ما زلن معك؟"‬

‫صمتت قليالً‪ ،‬فعرفت أنين سأكذب قبل أن أنطق فقالت "ال تقل ل ال‪ ،‬أنا أعرفك قبل أن تكذب يا‬
‫يوسف وهن معك حتى هذا الوقت!"‬
‫فرددت قائالً‪" :‬ميس‪ ،‬إنهن زميالت وأنت حيب احلقيق وأمل يف هذه احلياة‪".‬‬
‫ثم أضافت‪" :‬ال تقل ل هذا‪ ،‬أعرف أن املوضوع طبيع لكن عقل ال حيتمل فكرة تأخرك مع فتيات‬
‫حتى الليل‪".‬‬
‫فاعتذرت وقلت "آسف‪".‬‬
‫ثم مضينا يف احلوار حني قالت‪" :‬وبدالً من العمل من أجل هذا الذي امسه صاحل‪ ،‬فكر بنيفك!"‬
‫"أنا أفكر بنيف ميس‪".‬‬
‫"ال‪ ،‬أنت تيكر بالوقت احلال فقط‪ ،‬وال تيكر يف املفتقبل‪ ،‬ماذا لو قال لك بعد عامني انتهينا؟"‬
‫"لن يقوهلا؟"‬
‫"ملاذا جتزم؟ ماذا لو قاهلا؟"‬
‫سيطر عل الصمت فأسلوب صاحل حقاً غري مريح‪ ،‬وقد يقوهلا‪ ،‬لكنين مضطر إىل الكذب عليها‬
‫اآلن وإخبارها أنه لن ييعل‪ .‬نضطر أحيانًا إىل الكذب وحتمل أمله ك يشعر من حنبه باآلمان‪.‬‬
‫"ماذا بك صامت؟"‬
‫"ال ش ء‪ ،‬أعدك بأنين لن أخيب أملك فحفب‪".‬‬
‫"يوسف‪ ،‬أنا أحبك وأتكلم من أجلك‪ ،‬أنت ال تعرف قيمة نيفك‪ ،‬إنك عبقري يف كل ش ء وعليك‬
‫االنتباه إىل هذا األمر‪".‬‬
‫"أنت حمقة‪ ،‬لكن هل ستفاعدينين بالتيكري؟"‬
‫"نعم سأفعل‪".‬‬
‫"ميس‪ ،‬أحبك‪".‬‬
‫"وأنا أيضاً أعشقك‪".‬‬

‫"إنك ملكيت يف هذه احلياة!"‬
‫"أنا عاقلة يا يوسف‪ ،‬لكنك الشخص الوحيد الذي يفيطر عل ويصيبين باجلنون!"‬
‫"أنت دائماً عاقلة حتى جبنونك‪".‬‬
‫أغلقت ميس اهلاتف بعد أن أكملنا االتصال لدقائق‪ ،‬وقد كنت اتأمل ألنين مل أستطع أن أكون‬
‫معها يف هذه اليرتة قبل سيرها‪ ،‬لكنين بدأت أكلمها كثريًا يف الليل ألجعلها تشعر أنين قريب منها‪،‬‬
‫وبدأت تكتي بهذا االتصال املفائ وتشعر أن عليها حتمل طبيعة عمل ‪ .‬تثق ب لدرجة جتعلين‬
‫أخشى الفقوط‪ ،‬وجتعلين مصمماً على أن أكون شيئًا عظيماً دون أن تشعر بذلك‪ .‬إن ثقة من حيبك‬
‫بك تفتطيع جعلك عظيماً‪.‬‬
‫مضت آخر أيام ميس قبل الفير بفرعة‪ ،‬وخرجنا وتناولنا الغداء معاً يف األيام الثالثة األخرية‪،‬‬
‫وكانت تبك دائماً يف املطعم‪ ،‬وتؤكد ل أنها حتبين وأنها ستيعل كل ش ء لتكون مع ‪ .‬مل أفهم‬
‫ملاذا ه من تعد‪ ،‬أليس هذا دور الرجل يف العالقة أم أن األمور تغريت؟ كنت أمتالك نيف من‬
‫البكاء معها‪ ،‬مع أن الدموع للرجال غفيل للقلب وليفت معيار ضعف كما يقولون من انتزع اهلل‬
‫قلوبهم ووضع بدالً منها قطعاً لضخ الدماء فقط‪.‬‬
‫جاء يوم الفير وبقينا نتكلم حتى ساعات الصبح‪ ،‬قالت ل ‪" :‬ال أريد النوم الليلة‪ ،‬سأنام غداً أثناء‬
‫الرحلة فه طويلة وتفتغرق ‪ 70‬ساعة!"‬
‫قلت هلا "وأنا ال أريد النوم أيضاً‪".‬‬
‫"ال يا حبييب‪ ،‬لديك عمل!"‬
‫"أنت أهم عمل لدي‪ .‬إنها ليلة واحدة وإن مل أستطع منحك ساعاتها‪ ،‬فكيف سنغدوا عندما نرزق‬
‫بأطيال وأضطر إىل معاونتك ليالً‪".‬‬
‫"أحبك!" قالتها وه تبك مرة أخرى‪.‬‬
‫قلت هلا مازحاً‪" :‬أهلذه الدرجة تندمني على حيب ك تبك يف كل مرة تقولني أحبك؟"‬
‫ضحكت جبنون مل أمسعه من قبل‪ ...‬ثم قالت "أنت جمنون حقاً‪ ،‬أحبك!"‬

‫تكلمنا طوال الليلة عن كل ش ء تقريبا‪ ،‬وعن طريقة حياتها يف الواليات املتحدة وأن هلا بعد هذه‬
‫الرحلة زيارة واحدة فقط وحتصل على الشهادة‪ ،‬وكيف ختطط لرتاسل بعض الشركات بأفكار‬
‫إبداعية لديها‪ .‬شركات أمريكية طبعاً‪ ،‬فال جمال الحرتام اإلبداع يف بالدي يا عل ‪ ،‬وأقوهلا بكل‬
‫أسف‪.‬‬
‫سألتين‪" :‬ما هو احليوان امليضل لديك؟"‬
‫أجبتها ببفاطة " النمر‪".‬‬
‫قالت‪" :‬كنت أعرف!"‬
‫قلت هلا‪" :‬كيف؟"‬
‫قالت‪" :‬هل تعرف ماذا أمسيك بيين وبني نيف ؟"‬
‫"ماذا؟"‬
‫"‪"My tiger‬‬
‫نعم قالتها باإلجنليزية‪ ،‬أنين منرها!‬
‫قلت هلا‪" :‬ملاذا تشبهينين به؟"‬
‫قالت‪" :‬أنت مثل النمر حقاً‪ ،‬تقاتل من أجل هدفك وال تيكر باخلفارة أبداً‪ ،‬ذك مكافح ترفض‬
‫اخلضوع ألحد‪ ،‬بنيس الوقت‪ ،‬أنت حنون جداً ومن ال يعرفك يعتقد أنك صخر‪ ،‬لكن من يقرتب منك‬
‫يعرف أنك كنز حنان‪ ،‬لذلك أنت منري وسوف تبقى النمر األبدي ل ‪".‬‬
‫مل أعرف ماذا أقول إال‪" :‬أنا أحبك ميس‪".‬‬
‫كنت أكرر هذه الكلمة كثرياً حتى خشيت أن متلها ميس‪ ،‬لكنها أخربتين الحقاً أن اليتاة ال متل‬
‫هذه الكلمة أبداً‪ ،‬بل إنها مفتعدة ألن جتلس مع رجل يرددها هلا فقط لفاعات ويكون كل كالمه‬
‫"أحبك ‪ ..‬أحبك ‪ ..‬أحبك ‪ ..‬أحبك ‪ ..‬اخل‪".‬‬
‫دقت الفاعة الفادسة صباحاً عندما قررت أن تذهب لتجهز نيفها وقالت‪" :‬أحبك يا يوسف‪ ،‬ال تنس‬
‫ذلك‪ ،‬سأرسل لك رقم هناك حاملا أصل الواليات املتحدة‪ ،‬فال تقلق‪".‬‬

‫قمت وغفلت وجه ‪ ،‬لكنين شعرت بإرهاق كبري فال بد أن أنام ولو ساعتني فجفم ال يفتطيع‬
‫التحمل أكثر‪ .‬أرسلت رسالة إىل صاحل أبلغته فيها أنين ساتأخر لظرف حصل مع ‪ ،‬وأرسلت إىل‬
‫املوظيتني العاملتني معنا يف املكتب نيس الكالم‪.‬‬
‫منت أربع ساعات دون أن أشعر‪ .‬وصلت إىل عمل متأخراً ثالث ساعات ألجد صاحل يف املكتب ويقول‬
‫ل "لو مسحت أريدك بكلمتني‪".‬‬
‫دخلت إىل املكتب معه وإذ به يقول ل ‪" :‬ال جيوز أن تتأخر على عملك وترسل رسالة وكأننا خدم‬
‫لديك!"‬
‫"من قال إنكم خدم؟"‬
‫"أسلوبك!"‬
‫"عذرًا صاحل‪ ،‬أنا أرغب أن حتاسبين على ما أقوله ال على ما تيهمه‪".‬‬
‫"ماذا يعين هذا؟"‬
‫"يعين أنين مل أقصد أنكم خدم‪ ،‬لكنين قصدت أن أخربكم أنين ساتأخر فقط‪".‬‬
‫"يا سالم!‪ .‬لو فعل كل موظف مثلك ملا وجدنا أحداً يف الشركة!"‬
‫"صاحل‪ ،‬أنا شريك ولفت موظياً"‬
‫"شريك مضارب‪ ،‬حالك حال املوظف!"‬
‫عندها حاولت تهدئة األمور قليالً‪ ،‬لكنين تذكرت كالم ميس بأنين منر ال خيضع‪ ،‬وتذكرت بنيس‬
‫الوقت حتذيراتها من أن يقول ل فجأة "مع الفالمة‪ "،‬تضارب كالمها لكنين أريد أن أبقى منرها‬
‫ال قبل أن أقول له‪" :‬إن أردتين موظياً‪ ،‬ميكنين التكلم عن هذا"‬
‫اآلن‪ .‬صمتت قلي ً‬
‫"كيف؟"‬
‫" نلغ عقد املضاربة‪ ،‬وأنال حصيت من األرباح الفابقة اليت وضعتها مباشرة يف رأس املال وتوقيعك‬
‫على ذلك موجود‪ ،‬ثم حتفب ل أجراً ويفتمر احلال كموظف‪".‬‬

‫تياجأ صاحل من ردة فعل ‪ ،‬فقد اعتقد أنين سأخضع لكنه بنيس الوقت خبيث ماكر فقال‪" :‬العمل‬
‫يا يوسف ليس غضب وانتقام‪ ،‬لكنه تياهم‪ ،‬وعندما تكلمت معك بغضب ألن نظرت إليك خمتلية‪".‬‬
‫"حفناً!"‬
‫قلت تلك الكلمة ألخرج من املتاهة اليت أدخلين بها وأنا غري جاهز‪ ،‬لكنه خروج مشرف وهو من‬
‫انكفر أمام هذه املرة‪ ،‬وأعتقد أنه مل يتوقع مين مثل ردة اليعل هذه‪ ،‬فهو خبيل لدرجة ال ميكن أن‬
‫تتصورها يا عل ‪ .‬تبًا للمال الذي ال جيعل صاحبه مرتاحاً وإمنا يزيده إرهاقًا وتعباً‪.‬‬
‫عدت إىل املنزل وانتظرت من ميس أن تبعث ل أي ش ء يطمئنين عليها لكنها مل تيعل‪ ،‬ويف اليوم‬
‫التال مل تيعل أيضاً‪ ،‬فكتبت هلا بريداً الكرتونياً اسأهلا فيه عن أحواهلا‪ ،‬لكن هذا اليوم مر أيضاً‬
‫دون إجابة مثل سابقه‪ .‬بدأت أشعر بالقلق عليها لدرجة كبرية‪ ،‬ويف صباح اليوم الثالث وجدت رسالة‬
‫على هاتي مت إرساهلا أثناء نوم "مرحبا‪ ،‬أنا ميس‪ "،‬الرقم من أمريكا‪ ،‬إذاً ال شك أنه رقم هاتيها‬
‫اجلديد‪ .‬اتصلت بها فلم جتبين‪ ،‬فتذكرت أن اختالف التوقيت سيتفبب لنا مبشكلة كبرية يف هذه‬
‫املفألة‪.‬‬
‫مرت أربعة أيام وأنا أذهب إىل العمل كشخص ناقص من الداخل‪ .‬نعم‪ ،‬فأنا أفتقد من كانت‬
‫تكملين‪ ،‬أفتقد من متلك مشروع تغيري يف شخص ‪ ،‬بينما كان صاحل يعتقد أن هدوئ نتيجة‬
‫غضيب منه لكنه مل يكن يعرف احلقيقة‪ ،‬ومن خالل معرفيت به أدركت أنين لو أخربته فلن ييهم‪،‬‬
‫فهو رجل بارد للغاية‪ ،‬ولقلبه وظيية واحدة ه ضخ الدم‪.‬‬
‫أخربن يف اليوم اخلامس أنه يريدنا أن خنرج لتناول العشاء معاً‪ ،‬ثم أكمل وقال "اعتربه عشاء‬
‫على حفاب الشركة‪ ".‬ضحكت من داخل فكون العشاء على حفاب الشركة يعين أنه يعزمين على‬
‫حفاب ‪ ،‬فوافقت وخرجنا معاً‪.‬‬
‫حاملا جلفنا‪ ،‬سألين صاحل‪" :‬أما زلت غاضباً مين؟"‬
‫فأجبته‪" :‬ال‪ ،‬لفت غاضباً منك ابداً‪".‬‬
‫ففأل من جديد‪" :‬ملاذا تغريت يف األيام األخرية؟"‬
‫ال أعرف ملاذا صارحته يومها وقلت له "ببفاطة أنا يف حالة حب‪ ،‬وهذا احلب سافر للواليات املتحدة‬
‫األمريكية‪".‬‬

‫فضحك وقال‪" :‬هل ه أجنبية؟"‬
‫فأجبته بوجه يفتغرب ضحكته‪" :‬ال‪ ،‬إنها من هنا تكمل دراستها هناك‪".‬‬
‫ثم حتدث بلفانه الذي توقعته‪" :‬هل أنت حزين من أجل امرأة؟ كنت أعتقد أننا نصاب باحلزن‬
‫بفببهن ال من أجلهن‪".‬‬
‫ابتفمت فلم أعرف ماذا أجيبه‪ ،‬ثم قرر صاحل أن يواصل كالمه‪" :‬امسعين‪ ،‬املرأة ال فائدة منها‬
‫بالنفبة لنا سوى توترينا وجعلنا نبقى يف عملنا وقتاً أطول هرباً منهن!‪".‬‬
‫حاولت الدفاع فقلت بشكل كالسيك "ختتلف األمور من امرأة إىل أخرى كما خنتلف حنن‬
‫الرجال‪".‬‬
‫مل ينتبه صاحل لكالم فمن الواضح أنه ال يعرتف بوجود املرأة‪" :‬لن تذكر شيئاً من املرأة سوى أنها‬
‫أجنبت لك أوالدًا فقط‪ ،‬هذه فائدتهن الوحيدة‪".‬‬
‫مل أجبه هذه املرة فالنقا‬

‫يشري إىل أن أي جدل سيكون عقيماً جداً‪ ،‬فكيف لك أن تناقش شخصًا‬

‫مبفألة احلب وهو ال يعرتف بالطرف اآلخر أساساً‪ ،‬لكن صاحل واصل كالمه بكل فخر وتباً هلذا‬
‫الزمن الذي بات الكالم فيه بالفخافات وبالظلم وباخلرافات مدعاة لليخر‪ ،‬والكالم باليضائل‬
‫احلقيقية واألفكار املنطقية مدعاة للخجل‪ .‬أذكر قول الكاتب األمريك فرانز كالرك "الفبب يف‬
‫انتشار اجلهل أن من ميلكونه متحمفون جدا لنشره‪".‬‬
‫واصل هذا الرجل كالمه الفليب الغريب فقال "سأخربك شيئاً يا يوسف‪ ،‬ولكن ال تقل عين حقري‪".‬‬
‫فأجبته كاذباً ألنين فعالً بدأت بإطالق هذا الوصف عليه دون احلاجة ملزيد من كلماته‪" :‬ال‪ ،‬أنا‬
‫أعرفك رجالً طيبًا فكيف ل أن أقول عنك حقرياً‪".‬‬
‫ثم صدمين بقوله‪" :‬سأطلق زوجيت بعد عامني أو ثالثة‪".‬‬
‫"مل أفهم؟" هذا ما قلته له ووجه تعلوه الدهشة‪.‬‬
‫ثم واصل شرح خطته بكل فخر‪" :‬إنها ال تعرف طبعاً‪ ،‬لكنين تزوجتها لغرض معني‪ ،‬أن توفر طعاماً‬
‫لألوالد وتهتم بهم حتى ينهوا دراستهم الثانوية ويذهبون إىل اجلامعات‪".‬‬
‫ففألت متعاطيًا مع تلك الزوجة "وبعدها؟"‬

‫فأجابين مبتفماً خببث للغاية "لن حيتاجون إليها‪ ،‬سيحبون الطعام يف اخلارج مع أصدقائهم‬
‫وسيتكيلون بأمورهم‪".‬‬
‫مل أعد أستطيع متالك أعصاب لكنين تذكرت بأن التعامل مع اخلبيث يتطلب بعض املكر فقلت‬
‫بهدوء‪" :‬عذراً‪ ،‬هل أنت زوج كامل هلا؟"‬
‫فأجابين كاجملرم الذي ال يكرتث حلجم جرميته فقال‪" :‬نعم‪ ،‬فهمت سؤالك فه ال تشعر بأي ش ء‪.‬‬
‫أعاشرها يف الفرير كأي زوجة وأحتدث معها عن املفتقبل كأننا مع بعضنا إىل األبد‪".‬‬
‫عندها قلت له‪" :‬بصراحة‪ ،‬هذا ظلم!"‬
‫فرد مربراً وصدق من قال إن التربير من الشيطان‪" :‬ال‪ ،‬هذا أفضل هلا ول من أن أبقى أكذب‬
‫عليها‪".‬‬
‫واصلت حرب األسئلة فقلت له‪" :‬لكن هل كانت هذه خطتك منذ البداية؟"‬
‫رد وبكل هدوء وهو يشرب من كأس ليمون أمامه "نعم!"‬
‫فقلت له يف وجهه ألنين مل أعد أطيق جماراته‪" :‬إذاً بدأت املوضوع بكذبة‪ ،‬وبالتال ال حيق لك أن‬
‫تقول هذا أفضل هلا‪".‬‬
‫تغريت معامل وجهه فهو يشعر بالراحة عندما يعيش يف الكذبة وعندما تواجهه ببطالنها ييقد‬
‫أعصابه‪ ،‬وقال ل "هل تريدن أن أقول لك أنين س ء جداً؟"‬
‫عندها أردت إغالق املوضوع وقلت "ال‪ ،‬فهذا ليس ما أطلبه‪ ،‬لكن أمتنى أن تراجع نيفك وتبق‬
‫املفألة خاصة بك‪".‬‬
‫أجابين من جديد وكأنه يصر على أن ما ييعله صواب فقال‪" :‬مفتحيل‪ ،‬القرار متخذ‪".‬‬
‫بعد هذا غريت املوضوع وحتدثنا عن العمل وعن أمور خمتلية يف البلد من طرق املواصالت‬
‫واستشراء اليفاد‪ ،‬ولكن كانت يف ذهين زوجته املفكينة اليت رأيتها مرة واحدة يف حيات ‪ ،‬ثم انتهت‬
‫تلك اجللفة وغادر كل منا إىل بيته‪.‬‬
‫بعثت أثناء الطريق رسالة إىل ميس أقول فيها‪" :‬أحتاج إىل التكلم معك‪".‬‬

‫وقبل أن أصل إىل البيت مسعت هاتي يرن لدى استالمه رسالة فعرفت أنها منها‪ ،‬وكان فحوى‬
‫الرسالة‪" :‬سأكون أونالين بعد نصف ساعة وسنتكلم‪".‬‬
‫ما إن وصلت البيت حتى أدرت جهاز الكومبيوتر فقالت أم ل ‪" :‬اجلس معنا قليالً ثم اعمل‪ "،‬فقلت‬
‫هلا‪" :‬نصف ساعة فقط وسأكون معكم‪".‬‬
‫تكلمت مع ميس وسألتها عن حاهلا يف أمريكا‪ ،‬وأبلغتين أنها مرتاحة خصوصاً أن هذه ليفت الزيارة‬
‫األوىل‪ ،‬كما أكدت ل على استعدادها للنجاح بتيوق‪ ،‬واعتذرت عن عدم االتصال ب منذ أول يوم‪.‬‬
‫وعندما سألتها ملاذا ال جتيب على اتصاالت ‪ ،‬قالت إنها ترتك اهلاتف يف البيت ألنين وأمها فقط من‬
‫يعرف الرقم‪ ،‬ثم قالت ل إن معها رقم جديد من األردن ألراسلها عليه بتكلية أقل فقمت حبيظه‪.‬‬
‫أخربتها مبا جرى مع صاحل من خالف فقالت "أسية ألنين الفبب‪".‬‬
‫عندها أجبت دون تيكري "ال‪ ،‬لفت الفبب‪ ،‬هو من جتاوز حدوده‪".‬‬
‫ثم حدثتها عن موقيه من زوجته‪ ،‬فقالت ل مجلة ما زلت أحيظها حتى اليوم‪" ،‬من خيون غريك‬
‫سيخونك أنت أيضاً‪ "،‬وطالبتين بتفريع عملية التخلص من شراكته وأن علينا اجللوس معاً عند‬
‫عودتها لوضع خطة واضحة من أجل هذا‪.‬‬
‫مل يتجاوز حديثنا معًا يف ذلك اليوم نصف ساعة قبل أن أخربها أنين اآلن عدت إىل املنزل وسأجلس‬
‫مع أهل لبضعة دقائق‪ ،‬فأخربتين بدورها أنها ستخرج مع صديقاتها وسنتكلم الحقاً خصوصاً أن‬
‫بإمكان إرسال رسائل وسرتد عل دائماً‪.‬‬

‫احملقق يقرأ‪:‬‬
‫جاء احملقق أبا خليل إىل الفجن ليفأل عن وضع الرجل الذي حقق يف قضيته وأدى إىل تلقيه‬
‫احلكم باإلعدام وخلق بعض الضجة عند مطالبته بتحديد موعد إعدامه‪.‬‬
‫أخربه أحد عفاكر الشرطة الصغار أن يوسف يقض اليوم وهو يكتب‪ ،‬وأحب ذلك الشرط صغري‬
‫الرتبة أن خيلق نوعاً من اإلثارة وقال إنه خيشى كتابة يوسف أشياء كاذبة عن البلد أو عن األجهزة‬
‫األمنية‪ .‬شرح ذلك الشرط كاذبًا أن خطورة هذه الكتابات باتت أكرب ألن يوسف أصبح معروفًا لدى‬

‫بعض الصحييني بعد ضجة موعد اإلعدام‪ ،‬ويكييك يف اإلعالم أن ختلق ضجة ملرة واحدة فقط ك‬
‫يصبح كالمك حمط اهتمام اجلميع يف كل مرة تطلق فيها تصرحيًا بعد ذلك‪.‬‬
‫حك أبو خليل ذقنه اخلييية‪ ،‬ثم ذهب إىل مكتب مدير الفجن وجلس معه وسأله‪" :‬هل تقرؤون‬
‫األوراق اليت يكتبها يوسف؟"‬
‫أجاب مدير الفجن‪ " :‬أي يوسف فيهم فلدينا أكثر من يوسف يف الفجن؟"‬
‫رد احملقق‪ " :‬يبدو أن القدر كتب على يوسف الفجن منذ زمن النيب يوسف عليه الفالم!"‬
‫مل يكن كالم احملقق استعراضاً دينياً أو حتى ردة فعل ظريية‪ ،‬بل كانت كلماته جارحة جداً ملدير‬
‫الفجن رغم قالبها العادي‪ ،‬فه تعين أن هذا املدير ال يعرف تياصيل سجنه‪ ،‬وكم من كلمة‬
‫كالوردة قاهلا أناس والنية فيها شوكة‪.‬‬
‫عم الصمت للحظات‪ ،‬ثم قال احملقق‪" :‬الرجل الذي أخذ حكمًا قضائيًا بتحديد موعد إعدامه‪".‬‬
‫املدير‪" :‬ال‪ ،‬من املؤكد أنه يكتب قصصًا أو يلخص حياته أو أي ش ء من هذا‪".‬‬
‫احملقق‪" :‬وماذا لو كان يكذب عين وعنكم ويليق اتهامات لنا ك ينتقم؟ ماذا لو جاء حماميه‬
‫وأخرج بعض األوراق ونشرها يف الصحف وصنع لنا ضجة كبرية جداً حول العامل؟"‬
‫يف احلقيقة مل يكن احملقق خيشى أي ش ء‪ ،‬لكنه يف داخله خائف أن يكون قد ظلم يوسف‬
‫باستعجاله التحقيق‪ .‬لقد كان يف داخله شك كبري ولكنه أخياه ك يظهر موظياً ناجحاً‪ ،‬ويريد‬
‫اآلن أن يتأكد إن كان قد باع روحاً إنفانية إىل األبد مقابل جمد شخص ليرتة مؤقتة‪.‬‬
‫استخدم أسلوب اخلوف إلدارة مدير الفجن‪ ،‬ألن املدير سيطيع عندما يشعر باخلوف ويبحث عمن‬
‫خيرجه من املأزق ومن القلق الذي مت إدخاله فيه‪ .‬إنه األسلوب ذاته الذي أخافت احلكومة‬
‫األمريكية به الشعوب من الشيوعية وثم من اإلسالم واآلن ختيينا من بعضنا البعض يف املنطقة‬
‫العربية وختيينا من إيران وختيف إيران منا‪ ،‬فمن الواضح أنك تفتطيع أن حتكم الناس بفهولة‬
‫عندما تبث الذعر يف قلوبهم‪.‬‬
‫جاء رد مدير الشرطة كما هو متوقع‪" :‬ما الذي يتعني علينا أن فعله؟"‬

‫احملقق‪" :‬أريد إرسال كافة األوراق اليت يكتبها بشكل أسبوع إىل مكتيب‪ ،‬ك أقرأها وأختم على‬
‫الورق املقبول خروجه‪".‬‬
‫كتب مدير الشرطة مباشرة ورقة فيها تعليمات للموظيني‪ ،‬وطلب منهم مجع كتابات يوسف بشكل‬
‫يوم ‪ ،‬ومت إبالغ يوسف باألمر الذي مل يناقش فيه أبداً‪ ،‬بل قام جبمع ما كتبه من قبل وأعطاه إىل‬
‫من جاء يبلغه بالقرار‪.‬‬
‫عاد الشرط باألوراق إىل مكتب مدير الشرطة‪ ،‬ومن املفتغرب أن هذا املدير وضع كافة الورق يف‬
‫ملف ومل يقم بقراءتها‪ .‬ما ييعله هذا املدير هو ما نيعله حنن البشر من كل ش ء يتم إقناعنا به‬
‫مبجرد كلمة "هذا عدوك" أو "هذا خطر‪ "،‬دون أن حناول يوماً أن نيهم ما جيري ونكتي فقط‬
‫بكراهية ذلك العدو الذي لو عرفناه لرمبا كان صديقاً لنا‪ ،‬لكن بعض أصحاب املصاحل يريدوننا أن‬
‫نتخذه عدواً‪.‬‬
‫*** مت إرسال امللف إىل احملقق ليقرأ مجيع ما كتبه يوسف‪ ،‬وبنيس الوقت كان احملكوم‬
‫باإلعدام ميفك قلمه ويهم بالكتابة من جديد‪*** .‬‬

‫عودة ميس‪:‬‬
‫أصبح يوم له نظام واحد مرتبعاً على قمة الروتني‪ ،‬في الصباح أعمل ويف املفاء أكلم ميس عرب‬
‫اإلنرتنت‪ ،‬وبعد أن تذهب ابدأ بالبحث والقراءة من أجل التوصل إىل فكرة بشأن شركيت اجلديدة‬
‫اليت ال بد أن أطلقها‪ .‬كانت ميس تردد نيس الكلمة كلما أخربتها مبا وصلت إليه‪" :‬إن شاء اهلل آية‬
‫الرزق‪".‬‬
‫مل نتكلم هاتيياً أبداً طوال فرتة وجودها يف الواليات املتحدة‪ ،‬وعندما كنت اسأهلا ملاذا ترفض أن‬
‫أتصل بها وملاذا ال جتيب اتصاالت ‪ ،‬كانت ترد بأنها ال تريد أن تكليين‪ .‬أخربتها باشتياق لصوتها‬
‫ولضحكتها ولنربتها احلادة‪ ،‬لكنها كانت تصر على أال نتكلم‪ .‬مضت الشهور الثالثة هلا يف الواليات‬
‫املتحدة وأنا أعان من اختالل يف نظام نوم ومن شوق لصوتها‪ ،‬حتى جاء يوم أخربتين فيه‬
‫مبوعد عودتها‪.‬‬

‫كنت يف تلك اليرتة قد بدأت أزيد من تركيزي على مصاريي املالية‪ ،‬مل أعد الكثري ك أكون‬
‫جاهزاً لشركيت عندما يقرر صاحل غدري‪ ،‬لقد بات غدره شبه مؤكد‪ ،‬ولكنين ال أعرف هل أنا من‬
‫جذبت غدره كما قال نيتشه "إذا حدقت طويالً يف اهلاوية ففتحدق فيك‪ ، ".‬هل ستكون كثرة‬
‫تيكريي بأنه سيغدرن الفبب يف أن ييعل ذلك حقاً؟ لكنه قام خبداع زوجته اجلديدة دون سبب‪ ،‬مما‬
‫يعين أنه ينوي خيانيت حتى لو مل أفكر!‪.‬‬

‫خطيت بفيطة‪ ،‬لن أطلب احلرب لكنين سأستعد هلا‪ .‬سأكون جاهزاً الفتتاح شركيت حاملا يقول ل‬
‫"مع الفالمة‪ ".‬سأكون جاهزاً بقائمة مصدرين وبقائمة موردين‪ ،‬أما الزبائن فبت أعرف كيف‬
‫أكفبهم‪ ،‬وسأكون جاهزاً خبطة تفويقية ملنتجات جديدة‪ .‬إنها ببفاطة شركة مقامة يف عقل‬
‫وعلى أوراق تنتظر غدر صاحل لتبصر النور‪.‬‬
‫لن أغدره أبداً ولن أتركه فهذا جيعلين أسوأ منه‪ ،‬بل سألتزم بعمل يف الشركة من كل قليب‪،‬‬
‫ولكنين سأكون جاهزاً لالنطالق لو حاول العبث مع ‪ ،‬ولن أجعله يضغط عل أبداً‪ ،‬فأخالقه اليت‬
‫أظهرها مع زوجته أرعبتين‪ .‬إياك أن تعتقد أن هناك إنفان رائع معك وشرير مع غريك‪ ،‬فاالنفان‬
‫كتلة واحدة من املبادىء مع اجلميع‪ ،‬لذلك يا عل جتنب اخلائن وال حتتك به ولو كان يقفم كل‬
‫ليلة بالوفاء لك‪.‬‬
‫يقولون إن هتلر ونابليون كانا يرفضان مصافحة اخلائن‪ ،‬ويقولون إن هوالكو بدأ بقتل من خانوا‬
‫بالدهم‪ ،‬ال أعرف إن كان ما يقولونه صحيحاً‪ ،‬فكثري مما يقال يف كتب التاريخ خاطىء يا صديق ‪،‬‬
‫وحنن نصدقه ألنه يناسبنا‪ ،‬لكن الكالم منطق واملثال مهم وإن مل يكن حقيقياً‪ ،‬فاخلائن ال يؤمتن‬
‫وكم أستغرب من امرأة تؤمن لرجل يقرر أن خيون زوجته معها‪ ،‬فكيف تضمن نيفها بني يديه؟‬
‫عادت ميس من الواليات املتحدة وما زلت أذكر أنه كان يوم مخيس‪ ،‬حيث بعثت ل رسالة يف‬
‫الفاعة الرابعة عصراً تقريباً وكان فيها "مفاء اخلري على من نام جيداً‪ ".‬أذكر تلك الرسالة وأذكر‬
‫كيف ختيلتها بصوتها‪ ،‬فحاولت االتصال بها ومل ترد مرة أخرى‪ ،‬فأرسلت هلا‪" :‬احلمدهلل على‬
‫الفالمة!" فكان ردها‪" :‬سأتصل بك بعد قليل‪".‬‬
‫اتصلت ميس ب فعالً‪ ،‬وتكلمنا وكنت مشتاقاً جداً لصوتها إىل درجة جتنبت فيها كافة املواضيع‬
‫اجلدلية‪ ،‬فقد كان كل هم أن أمسع صوتها‪ .‬لقد شعرت بالطمأنينة النيفية وبالفعادة جملرد‬

‫مساع ذلك الصوت الواثق‪ .‬أحلم حتى اآلن يا عل أنين أمسع ذلك الصوت مرة واحدة يف حيات قبل‬
‫املوت‪.‬‬

‫وتغيرت ميس‪:‬‬
‫كان هناك ش ء تغري بوضوح ال حيتاج للكثري من التيكري‪ ،‬تغريت ميس مع كثرياً! مل تعد تقبل‬
‫أن خنرج معاً‪ ،‬ومل أرها يف أول شهرين هلا بعد العودة سوى مرة واحدة‪ ،‬كما أن اتصاالتنا اهلاتيية‬
‫قلت كثرياً‪ ،‬وظهر تركيزها على الكالم مع باستخدام اإلنرتنت فقط‪ .‬حاولت أن أشرح هلا أن هذا‬
‫يرهقين كثرياً ألنين أعمل طوال اليوم على احلاسوب وال أحبذ أن أعود وأفتحه‪ ،‬ولكنها مل تنتبه ملا‬
‫أقوله‪.‬‬
‫ذات يوم مل أكن أطيق فتح اجلهاز فيه‪ ،‬أرسلت هلا رسالة أننا سنتكلم الحقاً ألنين مرهق‪ ،‬فأصابها‬
‫اجلنون واتصلت ب غاضبة جداً وقالت "لديك وقت لكل ش ء إال ل ‪ "،‬وبدأت بعدها بفرد قصص‬
‫تضحياتها وسهرها من أجل ‪ ،‬وعن حياتها يف أمريكا وه متنع نيفها من اخلروج إىل الشوارع‬
‫وتأت للتحدث مع فقط‪ ،‬وكيف أنها ألغت كثرياً من األنشطة مع صديقاتها لتفمع صوت‬
‫وتلتق ب ‪.‬‬
‫هل تعرف ما ه املشكلة؟‬
‫أنين كنت أرى نيف أضح أكثر منها‪ ،‬وكنت مفتعداً لتكرار هذا اخلطاب الذي طرحته يف وجه‬
‫ولكن بطريقيت اخلاصة‪ ،‬هذا هو احلب يا عل ‪ ،‬كالنا يضح ويعتقد نيفه الشخص الوحيد الذي‬
‫يضح ‪ .‬مهما حاولنا متثيل تيهم تضحية اآلخر‪ ،‬تبقى أنانية اإلنفان ساكنة فينا‪ ،‬ومن حيب‬
‫يبقى إنفاناً فيصبح فهم تضحية اآلخر صعب بعض الش ء‪ ،‬بل إنين أشك يف أن من ينكر احلب أن‬
‫يكون إنفاناً‪.‬‬
‫أصبحت أيام أقل حيوية فأنا قلق على حال ميس وما حيدث معنا‪ ،‬لكنها كانت تصر دائماً على‬
‫اختالق األعذار كلما طلبت مقابلتها‪ .‬عادت إىل أمريكا من جديد يف تلك اليرتة إلنهاء أمور‬
‫دراستها‪ .‬كنت حينها قد أصبحت جاهزاً متاماً للزواج منها وكذلك للتعامل مع قضية صاحل‪،‬‬
‫فالشركة حققت أرباحًا ممتازة وجاء توسعنا إىل املكمالت الغذائية بنتيجة ممتازة‪.‬‬

‫عادت من الواليات املتحدة وكانت عالقتنا طوال تواجدها هناك دون صوت‪ ،‬وإمنا بالطريقة‬
‫الفابقة فقط؛ إنرتنت ورسائل‪ ،‬ويف املرة الثانية كانت ترسل ل بعض الرسائل يف وقت اليجر‬
‫بالنفبة هلا‪ ،‬وكانت جتعلين أشعر بأنها ال تنام‪ ،‬مما زاد قلق عليها‪.‬‬
‫أخربتين عرب اهلاتف أنها اآلن أنهت دراستها‪ ،‬واستطاعت احلصول على الشهادة اليت حتلم بها‪،‬‬
‫وسألتها خالل ذلك النقا ‪" :‬هل نفتطيع التقدم لك يا جاللة ميس؟"‬
‫صمتت وبدأت بالبكاء!‬
‫قلت هلا "مرة أخرى‪ ،‬جتعلينين أشعر أن الوحش الذي حيب اجلميلة‪ ،‬ملاذا تبكني؟"‬
‫قالتها واحلزن مفيطر عليها‪" :‬لن ينجح األمر يا يوسف!"‬
‫اعتقدت أن األمر جمرد خماوف آنية من اختالف ثقافتينا فقلت هلا‪" :‬ميس‪ ،‬أنا أحبك وأقدر‬
‫أحالمك وأحرتمها‪".‬‬
‫ارتيع صوت بكائها هذه املرة بشكل مل أعهده من قبل "أعرف‪ ،‬وهذا الذي جيعلين جمنونة‪".‬‬
‫"أخربيين ما املشكلة؟"‬
‫"ال أستطيع!"‬
‫استيزن بكاؤها جداً‪ ،‬ثم رفضها إطالع على أمر يتعلق مبصريي وليس مبصريها فقط فرددت‬
‫بعصبية "ميس‪ ،‬إما أن خنطب أو ننيصل!"‬
‫عندها قالت‪" :‬يوسف أنا كاذبة!"‬
‫جرح يف رجوليت جملرد شعوري بأنها كاذبة عل جعلين أقول‪" :‬ماذا تعنني بأنك كاذبة؟ أال‬
‫حتبينين؟"‬
‫تكلمت بثقتها املعهودة وكأنها كفرت هاجس الرتدد‪" :‬بل أعشقك‪ ،‬لكنين لفت ميس أبداً!"‬
‫توقف تيكريي وعمل لفان وطلبت منها أن ختربن كل ش ء‪ ،‬فقالت‪:‬‬
‫"أنا لفت معلمة يا يوسف‪ ،‬ومل أذهب إىل أمريكا!"‬
‫"ستقول ل ‪ ،‬ملاذا كل هذا الكذب؟"‬

‫"ألن والدي سريفض تزوجي منك؟"‬
‫سألتها مباشرة "وماذا عن تلك الرسائل اليت وصلتين من أمريكا؟"‬
‫فأجابت "إنها صديقة ل تعرف تياصيل عالقيت بك وطلبت مفاعدتها‪ ،‬لكن أرجوك أن تتيهم‪،‬أن‬
‫والدي لن يرضى أبدًا مبثل هذا الزواج"‪.‬‬
‫عندها خطر يف بال أن املفألة طبقية وتتعلق بقضية الطبقة الوسطى والطبقة الثرية ال أكثر‪،‬‬
‫فقلت هلا واثقاً من قدرت على التعامل مع األمر "ملاذا؟"‬
‫فأجابت‪" :‬أنت ال تعرف والدي!"‬
‫استمر ضغط عليها ومل أكن أعلم أنين أقود نيف إىل حتي فقلت‪" :‬اجعليين أعرفه اآلن إذاً‪".‬‬
‫"والدي عبد اهلادي خالد!"‬
‫"عبد اهلادي خالد؟ مسعت بهذا االسم!"‬
‫"نعم هو مالك املدارس اليت أعمل فيها‪ ،‬وهو أكرب مفتورد للمفتلزمات الطبية الدقيقة يف األردن!"‬
‫"وملاذا لن يزوجين إياك؟"‬
‫" أخربته عنك قبل عام تقريباً‪ ،‬قال ل باحلرف الواحد إنك قادم ك تفتغل ثروته خصوصاً أنين‬
‫ابنته الوحيدة!"‬
‫"هل قلت له أنين ال أعرف من أنت؟"‬
‫"نعم فعلت‪ ،‬لكنه مل يصدقين‪".‬‬
‫"والقصر الذي شاهدتك عنده‪ ،‬أهو بيتك؟"‬
‫"نعم‪ ،‬ليس بيت صديقيت!"‬
‫" لكن ملاذا أخييت عين حقيقة أن ذلك القصر كان منزلك رغم أنه مل يكن هناك أي مشاعر بيننا يف‬
‫ذلك اليوم؟"‪.‬‬
‫"لقد مسعت صوتك واجنذبت لشخصيتك جملرد مساع صوتك‪ .‬بوسعك تفمية ذلك محاقة مين"‪.‬‬

‫"وملاذا قصة الواليات املتحدة واالبتعاد عين؟"‬
‫"ك متل مين وتهجرن وجتد فتاة أخرى‪ .‬لكنك غريب‪ ،‬بقيت خملصاً بطريقة جرحتين جداً!"‬
‫مل أكن أعرف ماذا أقول‪ ،‬لكنها تابعت كالمها‪:‬‬
‫"ختيل يا حبييب؛ إخالصك جيرحين وغدرك يرحيين!"‬
‫"ميس‪ ،‬دعيين أحاول!"‬
‫"حذرن والدي أنك إذا جئت إىل البيت‪ ،‬سيعاملين بطريقة مل ختطر ببال من قبل!"‬
‫"هل أنت مفتعدة لتخفريين؟"‬
‫"ال!"‬
‫"وهل تتوقعني مين البقاء هكذا كراهب معك؟"‬
‫"أنا مفتعدة!"‬
‫"أكذب لو قلت أنين مفتعد يا ميس‪".‬‬
‫"إذاً تبيعين؟"‬
‫"ما هذا احلب الذي جيعل فتاة ذكية رائعة مثلك تقول أموراً غبية؟"‬
‫"غبية؟"‬
‫"نعم غبية‪ ،‬فهل أنا من أبيعك؟ أم أنت؟"‬
‫"ماذا تريدن أن أفعل؟"‬
‫"أن تدعيين أجرب!"‬
‫"ال‪ ،‬لن تيعل هذا ألنين أعرف ماذا سييعل والدي!"‬
‫"تعرفني؟"‬
‫"نعم‪ ،‬قال ل لكنين مل أرد إخبارك!"‬

‫"ماذا؟"‬
‫"سيمنعين من العمل يف املدرسة وسيأخذ الفيارة ورمبا اهلاتف النقال أيضاً!"‬
‫"أهلذه الدرجة؟"‬
‫"يوسف‪ ،‬لو كنت ابن أحد شركائه األثرياء لرمبا مل يكن لديه مشكلة بأن أسافر معك إىل دول‬
‫خمتلية‪ ،‬لكنك اآلن بنظره لص يفرق قلب ابنته ليصل إىل ماله!"‬
‫"ماذا لو كتبت ورقة بأنين لن أخذ قرشاً واحداً من إرثه؟"‬
‫"لن يتيهم‪".‬‬
‫"إذاً أننيصل؟"‬
‫"ال أستطيع فرقاك يوسف!"‬
‫"وال أنا يا ميس!"‬
‫انتهى ذلك االتصال‪ ،‬وال أخييك أنين قضيت اليوم بأكمله أبك يف غرفيت‪ .‬مل أفعل شيئاً سو البكاء‬
‫ومن ثم اخلروج لتناول الطعام مع أهل ثم أعود إىل البكاء من جديد‪ .‬بقيت على تلك احلالة أليام‪،‬‬
‫أعود من العمل ك أبك فقط‪ ،‬وتأثرت عالقيت مبيس كثرياً‪ ،‬وتراجعت بشكل غريب‪ .‬أصبحنا‬
‫خنتلف على شرب كأس املاء عندما تقول ل أريد أن أشرب أقول هلا "ملاذا‪ "،‬وكانت تيعل األمر ذاته‬
‫مع !‪.‬‬
‫كان هناك ش ء يف داخلنا يقول لنا "عليكما االنيصال" ولكن قلبنا كان يرفض‪ .‬فضحت تصرفاتنا‬
‫حقيقة أننا مل نعد نطيق ذلك احلمل‪ ،‬ومل يعد من املمكن استمرار احلب بال أمل‪ ،‬فاحلب واألمل‬
‫كالروح واجلفد‪ ،‬كالهما بال قيمة دون اآلخر‪ ،‬فالروح عبث بال جفد واجلفد جيية بال روح‪ ،‬فتآكل‬
‫احلب بال أمل‪ ،‬لكنين مل أحبث عن غريها‪ ،‬وكانت خملصة كذلك‪.‬‬
‫مل أعد أراها أبداً!‬
‫أصبحت اتصاالتنا متوترة جداً لدرجة أصبحنا فيها نتجنب التواصل‪.‬‬

‫آمنت بأنين خفرت ميس وكفبت قليب‪ ،‬نعم فقد نبض قليب حبب صادق هلا وهو يبك اآلن كدليل‬
‫على حياته‪.‬‬
‫نفيت خبث صاحل ونفيت إمكانية غدره ل ‪ ،‬فعقل وقليب ييكران بأمر واحد فقط وهو ميس‪ ،‬إىل‬
‫أين؟‬
‫استشرت صديقاً ل عن الطريقة املثلى للتعامل مع هذا الوضع‪ ،‬فوجدته يطلب مين أن أفكر‬
‫بطريقة أنه بها العالقة من أجل وأجلها‪ ،‬فأحياناً تكون قمة احلب بهجر من حنب‪ .‬مل أعرف إن‬
‫كان باستطاعيت مصارحتها بذلك‪ ،‬لكنين كنت مرتدداً بأن أجرحها‪.‬‬
‫مرت ثالثة شهور على العالقة بهذا الشكل املزعج جداً‪ ،‬وكانت اتصاالتنا تكراراً لنيس الكلمات‪،‬‬
‫حيث أطلب منها أن جتعلين أحاول التكلم مع والدها وه تصر على الرفض‪ ،‬ثم تبك فأدمع أنا‬
‫وال أبني هلا هذا‪ .‬تدخلت خالتها وحاولت أن تشرح ل أن األمر مفتحيل وأن عل تيهم الوضع لو‬
‫كنت أحبها‪.‬‬
‫مل يعد من املمكن تفمية ما بيين وبني ميس حب‪ ،‬متاماً كما ال ميكن تفمية األيام اليت أعيشها‬
‫اآلن حياة‪ ،‬فمن يعش منتظراً املوت ليس باحل أبداً‪ ،‬واحلب الذي يعيش منتظراً االنيصال ليس‬
‫باحلب‪.‬‬
‫مل تطل القصة حتى جاءت ميس وأراحتين "يوسف‪ ،‬وافق والدي على تزوجي لشاب ممتاز من أسرة‬
‫نعرفها جيداً‪".‬‬
‫"أفضل مين؟" قلتها بفخرية أستخدمتها ألول مرة يف حيات مع ميس‪.‬‬
‫"تعرف أال يوجد من هو أفضل منك‪ ،‬لكين أريد أن أذهب ك تعيش أنت‪".‬‬
‫"تذهبني إىل أين؟"‬
‫"اخلطبة واالبتعاد عنك حل أفضل لك ول ‪".‬‬
‫"أفضل لك!" قلتها حبزم وغضب‪.‬‬
‫"قلت أنك ال تفتطيع االستمرار يف عالقة بال أمل‪ ".‬كانت تتكلم رافعة صوتها وكأنها ردة فعل على‬
‫صوت املرتيع‪.‬‬

‫"نعم قلت‪ ،‬فوضعنا ليس جيدًا وما نعيشه ليس حباً!" كان ردي بهدوء هذه املرة‪.‬‬
‫"إذًا سأرتبط بهذا الشاب ولكنه مفكني حقاً‪ ،‬فقليب لن يكون إال معك إىل األبد‪ ".‬قالتها وأشعر‬
‫بالدموع تطلب منها اإلذن بالنزول كدليل على صدقها‪.‬‬
‫"ميس‪ ،‬أمتازحينين؟" قلت تلك الكلمات بصوت مرجتف خوفًا من الني ‪.‬‬
‫"ال يا يوسف‪ ،‬ال‪ ".‬ثم بكت بشدة وقالت "والدي مصر أن جيعلين أعيش جفدًا فقط‪".‬‬
‫وخرجت مين كلمة مل أتوقع أن خترج يوماً يف وجه ميس بكل برود "مبارك!"‬
‫"مبارك؟"‬
‫"ماذا تريديين أن أقول لك؟ البقية يف حياتك!"‬
‫"يوسف‪ ،‬تيهم أنين لفت الفبب!"‬
‫"ال أمحلك املفؤولية‪ ،‬مبارك مرة أخرى يا ميس‪".‬‬
‫"هل نفتطيع التواصل من فرتة ألخرى؟"‬
‫"ال أحبذ أن أكون طرفًا يف أية خيانة‪ ،‬أعذريين!"‬
‫"ليفت خيانة‪ ،‬سيعرف أنين أتواصل معك وستكون جمرد رسائل لالطمئنان‪".‬‬
‫"هل سيعرف أنين الرجل الذي حيبك؟"‬
‫"ال!"‬
‫"إذاً انتهى األمر يا ميس‪ .‬مل أكن أستطع البقاء كراهب معك وأنا املفؤول!"‬
‫"مع الفالمة ميس‪".‬‬
‫"أحبك يوسف!"‬
‫فأجبت بربود‪" :‬مع الفالمة‪".‬‬

‫الظهور الرابع‪ :‬املبالغون بالدين‬
‫بنيس الطريقة اليت اعتادها يوسف‪ ،‬جاء نيس الشخص وهو أبو خالد وأيقظه وطلب منه أن‬
‫يفتعد لقدوم اآلخرين‪ ،‬فكان االجتماع من جديد على ذات الطاولة اليت شكر يوسف من رمسها يف‬
‫داخله‪.‬‬
‫وبنيس آلية التنظيم بدأ النقا بفؤال أب خالد ليوسف "ماذا تريد اليوم؟"‬
‫فكانت اإلجابة "املبالغون بالدين!"‬
‫عندها قال له أبو خالد‪" :‬أعذرن يا أخ ‪ ،‬لدي سؤال وأرجو أال تف ء فهم ‪".‬‬
‫قال يوسف "تيضل؟"‬
‫أبو خالد "أشعر أنك جئت بنا لنقا املواضيع الدينية فحفب‪ ،‬ملاذا؟"‬
‫يوسف‪" :‬ال‪ ،‬ليس من أجل املواضيع الدينية فحفب‪ ،‬لكنين أؤمن بأن الدين أهم ما يف الوجود‬
‫بالنفبة جملتمعنا‪ ،‬فإن مل نيهمه بشكل صحيح وتصرفنا على أساسه بشكل خاطىء ستكون كارثة‪،‬‬
‫وأنا هنا أنقل املعرفة لشاب يف مقتبل العمر ولو فهم دينه بشكل صحيح سيعيش سعيداً ويفعد من‬
‫حوله وسيصنع اليارق اإلجياب ‪ ،‬ولو فهمه بشكل خاطىء سيفاهم بعودة األمة إىل اخللف كما‬
‫ييعل آخرون ممن يتزعمون احلركات الدينية اآلن‪ ،‬وسيكون مصدر كآبة ملن حوله وقتل لطعم‬
‫احلياة‪".‬‬
‫أبو خالد‪" :‬ساحمين‪ ،‬كنت أظنك ملحداً تبحث عن عيوب الدين فقط!"‬
‫ابتفم يوسف وقال‪" :‬ساحمتك وساحمت عشرات مثلك من قبل‪".‬‬
‫عندها عاد النقا‬

‫إىل املوضوع‪" :‬ماذا تقصد يا يوسف بقولك "املبالغون بالدين"؟ هكذا سأل أبو‬

‫خالد‪.‬‬
‫فأجاب يوسف‪" :‬كأن تتكلم مع شخص عن قول مجيل لغاندي فيقول لك يا أخ اتق اهلل‪ ،‬تفتشهد‬
‫بكالم الكيار وأين أنت من كالم الرسول عليه الصالة والفالم والصحابة؟"‬
‫فهز أبو خالد رأسه وأراد أن يتكلم بداية فقال‪" :‬معه حق‪ ،‬فذلك يعترب نوعاً من الغزو اليكري‪".‬‬

‫فقاطعه صاحل‪" :‬أنا معك جبزء الغزو اليكري‪ ،‬لكن لفت معك جبزء معه حق‪ ،‬فاحلكمة ضالة‬
‫املؤمن أينما وجدها التقطها‪".‬‬
‫قال له أبو خالد‪" :‬رمبا!"‬
‫عندها تدخل أبو غاندي وقال "جيب أن أخربكم أن الروسييني واألمريكيني واإلجنليز يبحثون أوالً‬
‫عما لدى أدبائهم وعلمائهم من مقوالت هامة يتدالونها‪ ،‬ثم يبحثون عما لدى اآلخرين‪ ،‬فهذا نوع‬
‫من احلصانة الثقافية املهمة‪ .‬أما االكتياء مبا لدينا‪ ،‬فهو خطأ ألنه بالتأكيد ليس شامالً‪ ،‬مما‬
‫يؤدي إىل احنصار أمتنا وتراجعها‪".‬‬
‫أكدت هبة على موافقتها الكالم‪ ،‬أما صياء فلم تعرف مباذا تعلق وقالت‪" :‬صراحة ال رأي لدي‪".‬‬
‫فيما قال جوزيف‪" :‬إنها مفألة توازن مع احنياز لثقافتنا‪ ،‬ولو استطعنا خلق هذا سنكون أذكياء مبا‬
‫فيه الكياية للتقدم‪".‬‬
‫انتهى النقا‬

‫ودياً وبفرعة‪ ،‬وكأن مشكلتنا يف اجملتمع تقتصر على أننا ال نتكلم مع بعضنا‬

‫خبصوص األفكار‪ ،‬وإمنا نتكلم خبصوص فرض أفكارنا وانتقاد أفكار اآلخرين‪ .‬بدا أن أبا خالد أكثر‬
‫الناس سعادة على غري املعتاد‪ ،‬فقد كان كان ببفاطة يعيش جواً إميانياً على حفاب احلياة‬
‫االجتماعية اهلامة‪ ،‬وولد له انعزاله بعض مشاعر الكراهية متاماً كما تولدت لدى أب غاندي‬
‫املنعزل هو اآلخر بأفكاره االشرتاكية‪ .‬جعلهم تقاربهم مجيعاً من بعضهم البعض حيافظون على‬
‫مبادئهم وأفكارهم كما ه لكنهم أنقذوا حياتهم االجتماعية‪ ،‬ورمبا ألول مرة فهم يوسف أهمية‬
‫خمالطة الناس والحتكاك بهم ولو تعرضنا لألذى منهم‪.‬‬
‫كتب يوسف بعد تلخيص ما جرى‪" :‬القضية واضحة‪ ،‬حيق لنا أخذ املعرفة واليائدة من أي جمتمع‬
‫كان ما دامت غري موجودة لدينا‪ ،‬لكن من العار التباه بأفكار تتداوهلا أمم أخرى وحنن منلكها يف‬
‫الكتب العربية اليت ال ييتحها أحد‪".‬‬

‫ال تعشق امرأة كاملة‪:‬‬

‫ال تأت املصائب فرادى‪ .‬مجلة كنت أمسعها وال أدرك معناها حتى عشتها يا عل ‪ ،‬فبعد أسبوعني‬
‫فقط من قرار ميس اخلطبة‪ ،‬جاء صاحل ليخربن أن الشركة ال حتتمل عقلني‪ ،‬وأن عل االختيار‬
‫بني البيع أو الشراء‪ ،‬أذكر ذلك احلوار جيداً‪.‬‬
‫لقد حاول صاحل استخدام الدين ليحم نيفه من االنتقاد فقال ل ‪" :‬يوسف‪ ،‬أنت رجل مؤمن‬
‫وتعرف أن اهلل تعاىل قال"لو كان فيهما آهلة إال اهلل ليفدتا ففبحان اهلل رب العر‬

‫عما يصيون‪"،‬‬

‫ال واحداً يكي هلذه الشركة‪".‬‬
‫لذلك جيب علينا أن نتيق على البيع أو الشراء ألن عق ً‬
‫أجبته مباشرة‪" :‬صاحل‪ ،‬ال تفتخدم اآليات لتحقيق أهدافك الشخصية ألنين ال أحب هذا أسلوب‪.‬‬
‫بالتأكيد هناك آيات أخرى يف القرآن عن الوفاء بالعهود واألمانة وال أراك تفتخدمها‪ ،‬فال حتاول‬
‫مع هذا األسلوب ألنه ال ينال مين أبداً‪".‬‬
‫صاحل‪" :‬يوسف‪ ،‬عليك أن تيهمين‪"...‬‬
‫ومل يكمل كالمه حتى قاطعته وعرضت عليه شروط ‪ .‬احذر يا عل من أصحاب املآرب الشخصية‬
‫الذين حيققونها من خالل استخدام اآليات واألحاديث النبوية‪ .‬الكالم سهل يا صديق واملؤمن‬
‫بأفعاله ال بأقواله‪ ،‬فلو خرج مليوناً ممن يوصيون بالعلماء إىل التلياز وتكلموا وتكلموا وتكلموا‪ ،‬ال‬
‫تنبهر فيهم وانتظر املواقف لتكشف عنهم‪ ،‬فالثورات اليت حدثت يف زمان أثبتت وجود عدد كبري‬
‫منهم متناقض مع نيفه يؤيد ثورة ويقف ضد ثورة حفب ما ميليه عليه من حيميه ويفمح له‬
‫بالكالم ويدفع له أجره‪.‬‬
‫إياك يا عل أن ختشى ممن يفتخدمون القرآن يف وجهك‪ ،‬فأنت مفلم أيضاً ولك حق الرد‪ ،‬فليس‬
‫من حيظ آية أكثر منك بأفضل منك‪ ،‬فأول من يلقى بالنار عامل تعلم ليقول الناس أنه عامل‪ .‬إياك‬
‫ثم إياك أن ختضع للفان فهذا ال يعين شيئاً‪ ،‬املهم هو اليعل‪ ،‬وصدقين لو اكتيى حممد عليه‬
‫الصالة والفالم باألقوال ملا اتبعه أحد‪ ،‬لكن رسولنا رسول فعل وقول وليس كالم بكالم كما ييعل‬
‫هؤالء هذه األيام‪.‬‬
‫قلت لصاحل بوضوح "ال أريد أن أستغل أنانيتك واعتيادك على خيانة العهود‪ ،‬لكنين ببفاطة أريد‬
‫نفبة األرباح اليت حتققت يف الفابق واليت أضيتها إىل رأس املال وفقط‪ ،‬وهذا حق ‪".‬‬
‫صاحل‪" :‬من اجليد أنك تعرف حقك‪ ،‬كنت أعتقد أنك تريد أن تقول ل حصيت تفاوي كذا‪ ،‬وأنت‬
‫تعرف أن القانون مع فهذه شركة مضاربة ورأس املال يبقى ل ‪".‬‬

‫"رأس املال األصل وليس الذي أضيته أنا بعلمك وتوقيعك!"‬
‫"كيف؟"‬
‫" صاحل‪ ،‬لقد قمت بالتوقيع على أوراق حتويل أرباح لرأس املال ومع نفخة منها‪ ،‬وهذا هو حق‬
‫وأريده فقط‪".‬‬
‫"حفناً! اترك ل رقم احلفاب‪".‬‬
‫"إنه لديك يف الفجالت يا صاحل‪".‬‬
‫"أال تريد أن جنلس لتفلمين العمل؟"‬
‫فقلت له وابتفامة على وجه ‪" :‬أعرفك يا صاحل وأحيظك عن ظهر قلب‪ ،‬لقد درست العمل جيداً‬
‫قبل أن تقدم على قول هذا ل ‪ ،‬لذلك ال داع ألن أسلمك شيئاً‪".‬‬
‫ضحك صاحل بشدة وقال‪" :‬أنت شخص ذك وأعتقد أنك ستصبح رجل أعمال كبري يوماً ما‪".‬‬
‫عندها عدت مفتخدمًا نيس األسلوب املفتيز معه بقول "لن أقول لك شكراً فهذا أنا‪".‬‬
‫خرجت وأنا مرتاح نيفياً‪ ،‬فقد جعلتين حتذيرات ميس وضغطها عل ورغبيت بالزواج منها جاهزًا‬
‫هلذا اليوم‪ .‬لقد كانت نقطة حتول يف حيات ‪ ،‬لذلك لن أنفى فضلها عل ‪ ،‬وإن كانت قد كذبت عل‬
‫فأنا أساحمها‪.‬‬
‫عدت إىل املنزل وأبلغت أفراد أسرت مبا حدث‪ ،‬فحاول والدي تذكريي أنين مل أستمع لرأيه عندما‬
‫قال ل "لقد حذرتك أنه سييعل كذا وكذا‪".‬‬
‫أجبته باحرتام‪" :‬ال تقلق يا أب ‪ ،‬أنا جاهز ألكون يف املرصاد له وحبوزت مبلغ يكييين ألن أبدأ أي‬
‫مشروع‪".‬‬
‫مل يعرف والدي مباذا جيبين إال بقوله "وفقك اهلل‪".‬‬
‫أتعرف يا عل ؟ مشكلتنا عندما خناف من أمر أننا ال نيعل شيئاً ك ال حيدث‪ ،‬وهذه وجهة نظر‬
‫جبانة يف هذه احلياة‪ ،‬بل ينبغ أن يدفعنا خوفنا إىل أخذ التدابري االحتياطية واإلقدام ك ال‬
‫خنفر اليرص‪ .‬قرأت يف كتاب اقتصاد يوماً ما "ساد األمريكيون العامل ألنهم آمنوا باخلطة ’ب‪‘،‬‬

‫أي اخلطة البديلة‪ ،‬وبقاعدة ’ماذا لو‘‪ ".‬لقد غامروا وأقدموا لكن كانت لديهم دائماً خطة بديلة‬
‫وكانوا جاهزين للتعامل مع الظرف الف ء لو حل بهم‪ ،‬إال أن ذلك الف ء مل مينعهم من اإلقدام‬
‫قط‪".‬‬
‫مل أفعل خالل اليومني األول والثان من انتهاء عمل مع صاحل أي ش ء على اإلطالق‪ .‬اكتييت‬
‫بالراحة وزيارة األصدقاء‪ ،‬وقد كان بعضهم رائعاً جداً ومفتوعباً ل ‪ ،‬فيما ظهر البعض اآلخر كمن‬
‫خياف أن أطلب منه مفاعدة يف البحث عن عمل فكان جافاً جداً على غري عادته‪ .‬كنت أحفب بعض‬
‫هؤالء اجملافني يف حيات رجاالً ميكن االعتماد عليهم إذا جاء وقت اجلد‪ ،‬لكنين اآلن أقول لك "ال‬
‫يصلح اختبار الناس يف الظروف الفهلة‪ ،‬بل يف الشدائد واألوقات العصيبة‪ .‬لذلك ال تصف شخصاً‬
‫بأنه إنفان عظيم ما مل تره يف اختبار أمامك‪".‬‬
‫كنت أناقش أحد أصدقائ ما فعله صاحل وما زلت أذكر كالمه اجلميل جداً عن األمر حني قال‬
‫"تقتل احليوانات عندما جتوع فقط‪ ،‬لكن البشر يقتلون أكثر عندما يشبعون‪ ".‬دفعتين كلمته هذه‬
‫إىل التفاؤل "هل حقاً حافظنا على تكريم اهلل تعاىل لنا؟ أم أننا من الواجب علينا اآلن التعلم من‬
‫احليوانات؟ ال شك أن داروين خمطىء‪ ،‬إذ يفتحال أن يكون هذا الشر واخلبث كله قد تطور من‬
‫نيس أصل القردة!"‬
‫اخرتت بعد فرتة الراحة الذهنية البدء بتجهيز ما يلزمين لشركيت اجلديدة قبل االستئجار‪ ،‬فلماذا‬
‫أدفع ثم أبدأ بالعمل؟ في عصر االنرتنت ميكنين إنهاء جزء كبري من العمل يف بييت دون حتمل‬
‫أية تكاليف غري الزمة‪.‬‬
‫لقد طورت فكرة العمل القديم قليالً‪ ،‬فلم يعد املوضوع جمرد أطعمة للحيوانات‪ .‬اقرتحت على‬
‫إحدى الشركات يف تايالند تزويدي بأدلة تدريب‪ ،‬وبألعاب ومعدات جتعل من احليوانات األليية‬
‫أكثر تفلية‪ ،‬أخربون أن لديهم أفكاراً كثرية يف هذا األمر ولكنين كاشيتهم مبفألة أن رأس مال‬
‫ال يفمح باملغامرة أبداً‪.‬‬
‫فجاء ردهم‪" :‬ميكن أن حنول لك عينات جمانية وتقوم بتفويقها‪ ،‬ويف حال وصول طلبات لديك‪،‬‬
‫ميكنك الطلب منا‪".‬‬

‫كانت فكرة مجيلة أن تصلين تلك العينات مع بداية عمل ‪ .‬ومع أطعمة احليوانات‪ ،‬خطرت ببال‬
‫زيارة أكثر من طبيب بيطري ألحبث معه ما قد يلزم يف تطوير عمل ‪ .‬كان صاحل يرفض هذه‬
‫اليكرة يف املاض وكان يصيها بالغبية ألن الطبيب البيطري ال يعرف سوى اإلبر حفب زعمه‪.‬‬
‫لقد كان لدى األطباء أفكاراً مجيلة جداً‪ ،‬منها ما يتعلق بصحة احليوان‪ .‬أذكر حينها أنين سألت‬
‫أحدهم عما إذا كان مالكو احليوانات يهتمون مجيعهم بهذا فقال ل ‪" :‬من يدفع له طعاماً خاصًا‬
‫ال يعتربه حيواناً‪ ،‬فهو بالنفبة له أكثر من هذا بكثري لذلك سيخاف على صحته‪".‬‬
‫لقد كانت أفكاراً مجيلة‪ ،‬لكن الفؤال الذي قد تطرحه "كيف قبلوا الكالم مع جماناً؟"‬
‫يف احلقيقة فعلت شيئاً بفيطاً‪ ،‬استعرت كلب صديق غري املريض فذهبت به إىل أكثر من طبيب‬
‫للكشف عليه والتحقق من صحته وأثناء الكالم كنت اسأهلم وأخربهم عن مشروع املقبل وكانوا‬
‫جييبون بصييت مرافق للمراجع‪ ،‬أي الكلب!‬
‫بدأت شركيت حتقق جناحاً بفرعة‪ ،‬ومل يكن األمر مياجئاً ل فأنا أعرف الزبائن وأعرف كييية‬
‫التفويق للعمل اجلديد‪ .‬اتصل ب الكثري من الزبائن عندما مل جيدون أعمل يف الشركة الفابقة‪،‬‬
‫وأبلغتهم أن لدي شركة خاصة هذه األيام فانتقلوا ليكونوا زبائنًا ل ‪.‬‬
‫تياجأت كثرياً من حجم اإلقبال على املعدات اليت جتعل احليوان أكثر تفلية‪ ،‬وكانت مياجأت‬
‫أكرب حبجم االهتمام بأمور جتعل صحتها أفضل‪ .‬استغربت كثرياً بصراحة‪ ،‬سأكون صرحياً معك‬
‫يا عل واعذرن لو كنت أنت من هؤالء يوماً ما‪ ،‬لقد وجدت كثريين ممن حيبون احلياظ على‬
‫صحة الكالب لديهم من املدخنني والذين ال يلعبون الرياضة وال يهتمون بنوع طعامهم‪ ،‬فاألمر‬
‫ليس أنهم خيافون على صحة كالبهم أكثر مما خيافون على أنيفهم‪ ،‬لكن ألنهم ميارسون على‬
‫حيواناتهم املفكينة ما يتمنون فعله ألنيفهم من رعاية صحية‪".‬‬
‫أعرف أنك مللت وتفألين "ملاذا عنونت كالمك بال تعشق امرأة كاملة؟" ومل تتكلم عن األمر حتى‬
‫اآلن‪.‬‬
‫سأخربك‪ ،‬لكنين أردت املض ألقول لك إنين افتتحت الشركة‪ ،‬وحققت يف العامني األول والثان‬
‫جناحاً كبرياً‪ ،‬وسيطرت عل مشاعر اليرح واليخر‪ ،‬لكن هناك مشاعر مل ترد أن تغادرن رغم أنين‬
‫حاولت التخلص منها‪.‬‬

‫قابلت فتاة امسها هبة‪ ،‬وكانت مجيلة وأنيقة‪ .‬لقد كانت أنثى مبعنى الكلمة من ناحية التصرفات‬
‫والعاطية‪ ،‬لقد كان واضحاً أنها حتبين‪ ،‬مل أجنذب هلا كثرياً لكنين كنت أفكر بالزواج فقلت إنها‬
‫مناسبة‪ ،‬فقالت ل أحبك وأخربتها بأنين حباجة لوقت أكثر ك أحبها‪.‬‬
‫اعتقدت أنين أحببتها‪ ،‬فقلت هلا تلك الكلمة وأذكر كيف كانت سعيدة يف تلك الليلة‪ .‬منت سعيدًا‬
‫لكنين يف الصباح استيقظت على اتصال منها فتكلمت معها وأغلقته والوجوم هو وجه وليس‬
‫الوجوم على وجه ‪ .‬نعم لقد كنت أنا الدهشة ومل أكن مندهشاً!‬
‫ليفت كميس!‬
‫خجلت أن أقول هلا "لفت مثل تلك اليتاة الكاملة اليت أعشقها حتى اآلن‪".‬‬
‫حتدثت إىل امرأة كبرية كانت تتعامل مع شركيت وه اخصائية اجتماعية‪ ،‬وأخربتين أن أجرب‬
‫وأن هذه املشاعر تأت يف البداية فقط‪ ،‬فقررت احملاولة‪.‬‬
‫كانت هبة حتاول كل ش ء ك تقربين منها ولكنين كنت سيئاً يف رد اليعل‪ ،‬ومل أكن الرجل الذي‬
‫تفتحقه‪ .‬حتتاج رجالً أفضل مين بكثري‪ ،‬ورغم ذلك كانت تزداد حباً ل وكانت تربر ذلك بأنين‬
‫"طموح وعاطي وحنون‪ "،‬ال أعرف عن أي حنان تتكلم وأنا الثالجة ذاتها يف برود عواطي الباحث‬
‫عن خمرج يف أقرب وقت من عاملها‪.‬‬
‫أبلغتها بعد أول خالف بيننا أننا غري مناسبني لبعضنا‪ ،‬فقالت ل "يا يوسف‪ ،‬حنن جدد فقط‬
‫أعطنا املزيد من الوقت‪".‬‬
‫عدت بفبب دموعها الكثرية وأنا يف داخل حزين عليها لكنين ال أريد أن أجرحها بإخبارها أن قليب‬
‫مل يعد مع ‪ ،‬بل أسرته امرأة أخرى وذهبت ك تتزوج وتذهب إىل ما وراء احمليطات‪ .‬أبلغتها بضرورة‬
‫االنيصال مخس مرات خالل شهرين‪ ،‬ويف املرة الفادسة ارتكبت مع محاقة كبرية حيث شتمتين‬
‫كردة فعل على تصرف عادي مين‪ .‬اختزنت املفكينة كل ذلك الكبت فيها فيجرته شتيمة يف وجه ‪،‬‬
‫لكنين كنت أول إنفان سعيد بشتمه‪ ،‬فذلك كان يعين النهاية بال عودة‪.‬‬
‫لن أكرر لك تياصيل العالقات اليت دخلت فيها خالل حيات ‪ ،‬فمنذ ميس وحتى حلظة إعدام‬
‫دخلت يف مخفة عشر عالقة‪ .‬لفت دون جوان صدقين‪ ،‬لكنين كنت أحبث عمن أتزوجها‪ ،‬وكل مرة‬

‫كان يدق قليب هلا مفاء‪ ،‬أستيقظ صباحاً فال أجده يدق بل ييكر ويقارن مع ميس‪ ،‬وأسرع طريقة‬
‫للقضاء على عالقة حب ه املقارنة‪.‬‬
‫كانت ميس املرأة الكاملة يا عل ‪ .‬أنت عرفت عين املبادىء والنجاح والعمل واملثابرة والتيكري احلر‪،‬‬
‫كان كل ذلك من ميس يا صديق ‪ ،‬أنا صنيعة يديها ال صنيعة نيف ‪ .‬يف العاطية كانت أنثى‪ ،‬عند‬
‫اجلد كانت لبؤة تقاتل مع منرها‪ ،‬عند التيكري كانت عبقرية‪ ،‬عند العمل حتفبها رجالً يكافح يف‬
‫احملجر من أجل لقمة عيش‪ ،‬ويف التواضع لو عرفها الناس لقالوا إن التواضع ييتخر بانتفابه‬
‫إليها‪ ،‬ويف الثقافة كنز معريف‪.‬‬
‫ال أدري ملاذا عشقتها‪ .‬لقد كانت كاملة فكيف تعشقها؟ إنها عينة تصلح معياراً ليجرب الناس‬
‫تقليدها يف أمور وليس يف كافة األمور‪ .‬خلقها اهلل للناس إعجازاً هلم على إجياد مثلها أو أن يكونوا‬
‫كما كانت‪.‬‬
‫لذلك يا عل ‪ ،‬ال تعشق امرأة كاملة ألنك تقامر حبياتك معها‪ .‬لو خفرت الرهان معها ستخفر كل‬
‫ش ء‪ ،‬لو تزوجت غريها وخدعت نيفك ستكون رجالً حزيناً إىل األبد‪ .‬لن تيرح أبداً يا صديق ‪ ،‬لو‬
‫كانت زوجتك مجيلة ورائعة لكنها ليفت كاملة‪ .‬ال أنكر أنين جربت الدخول يف عالقة مع بنات‬
‫بلدي ومع بنات بالد عربية أخرى ومع أجنبيات حبثاً عن املرأة الكاملة‪ ،‬آسف كنت أحبث ميس‪،‬‬
‫لكنين عدت خائباً ألن ميس ليفت امرأة فحفب‪ ،‬بل كانت معجزة!‬
‫فهل عرفت اآلن ملاذا قلت لك ال تعشق املرأة الكاملة؟‬

‫من أجل احلقيقة‪:‬‬
‫ألكون واضحاً معك‪ ،‬بعد أن جربت أول عالقة حب حقيق وعرفت أن قليب مل يعد مع ‪ ،‬قررت أن‬
‫أركز على أمر آخر‪ ،‬أن أكون صاحب رسالة يف احلياة‪ ،‬وأن أكون باحثاً من أجل احلقيقة فلعل قبل‬
‫أن أموت أفهم شيئًا مما يدور يف حيات ‪.‬‬

‫هل مررت يا عل حبادثة غريبة تشعر فيها أن ما تعيشه اآلن قد عشته من قبل؟ هل تعرف ماذا‬
‫خرج البعض وففرها للناس؟ بأن املالئكة خترب اإلنفان مبا سيكون معه يف حياته عندما يكون يف‬
‫بطن أمه‪ ،‬وبالتال يعرف بعض ما سيجري!‬
‫هل رأيت محاقة أكثر من هذه؟‬
‫إنهم يكيرون مببدأ االختيار وجيعلون اهلل ظاملاً ظناً منهم أنهم ميجدونه هكذا؟‬
‫يريدون تصوير أن كل ش ء مكتوب يف هذه الدنيا بطريقة مطلقة‪ ،‬وأن اهلل خلقين ك أفعل األمور‬
‫الشريرة املكتوبة ليضعين يف النار بعدها‪ ،‬وخلق شخصاً آخر لييعل أعمال اخلري وكالنا مكتوب‬
‫عليه ذلك فيدخل هو اجلنة‪ .‬إنهم يظلمون اهلل هنا بكالمهم هذا‪ ،‬وينكرون آيات واضحة حبرية‬
‫االختيار‪ ،‬إن املروجني هلذه األفكار يفتحقون أعمق درجات اجلحيم ولو كان من يقومون على‬
‫شؤون الدين هذه األيام أصحاب عدل لرأينا أحكام سجنهم لفنوات‪.‬‬
‫يا عل ‪ ،‬ال تفتمع ألحد يف ش ء إال وعرضته على فطرة اإلسالم الصحيحة وما جاء يف القرآن‪ .‬فكر‬
‫دائماً واعرض املوضوع على عدل اهلل وأنه ال يعامل البشر بتعجيز وال يريد تعذيب الناس وال‬
‫جعلهم يعانون يف حياتهم‪ ،‬وقارن دائماً بني ما ذكره من عقوبات وما خيتلقه البعض وينفبونه إليه‬
‫قبل أن تقول "نعم‪".‬‬
‫تفمى تلك الظاهرة دجيا فو‪ ،‬ومعنى كلمة دجيا فو اليرنفية "شوهد من قبل‪ "،‬وهلا تيفريان‬
‫علميان حتى يوم هذا وال أعرف يف يومك إن كان سيوجد تيفري ثالث‪ .‬التيفري األول أن هذا‬
‫بفبب ما يفمى شذوذ الذاكرة‪ ،‬حيث تعطينا مشاعر بأننا عشنا هذا من قبل وحنن مل نعشه‪،‬‬
‫والفبب حدوث تداخل يف األعصاب املفؤولة عن الذاكرة القصرية والذاكرة الطويلة‪ .‬ويقول‬
‫التيفري اآلخر أن إحدى العينني تفجل احلادثة بطريقة أسرع من األخرى‪ ،‬مما جيعلنا نشعر أن‬
‫األمر الذي نعايشه اآلن قد حدث من قبل‪ ،‬لكنه تيفري يرفضه العلماء حبجة أن هذا يعين الذاكرة‬
‫البصرية فلماذا نشعر أننا مسعنا نيس املوقف من قبل أيضاً؟‪.‬‬
‫ال عليك‪ ،‬لكنين بصراحة ذكرت لك تلك القصة ألنها حدثت مع قبل قليل‪ ،‬وأردت أن أحي املعلومة‬
‫يف داخل ك ال أنفاها‪ ،‬فالعقل مثل العضلة حيتاج التمرين ك يبقى يف حالته الفليمة‪.‬‬

‫*** لم يذكر يوسف لعلي دحقيقة أن هذا التشتت الذي يصيبه أثناء الكتابة ما هو إال‬
‫نتيجة إدحباط وفقدان أمل في املستقبل‪*** .‬‬
‫ستقول وماذا لو نسيتها فإنك ميت بعد أشهر؟‬
‫كالمك صحيح‪ ،‬لكن أن متوت عارفاً أفضل من أن متوت جاهالً‪ ،‬فهذا يصنع اليارق على األقل‬
‫بالنفبة لك على املفتوى الشخص ‪ .‬لكن ما دمنا نبحث عن املعرفة‪ ،‬ملاذا أنا مضطر إىل املوت‬
‫ظلماً؟‬
‫ملاذا حيكمون عل باإلعدام ومل يشاهدون أقتل؟‬
‫ال أقول أال يعدموا القاتل‪ ،‬فلو قلت هذا أكون خمتليًا مع حكم اهلل تعاىل بالقصاص؟‬
‫لكنين أقول أال يعدموا من هناك شك بنفبة ‪ %7‬بأنه قاتل‪ .‬يكي أن يفجنوه مثل سجين هذا ليرتة‬
‫طويلة فلرمبا اعرتف أحدهم بأنه القاتل‪ ،‬أو رمبا خرج أحدهم ليدل بشهادة جديدة تغري جمرى‬
‫األحداث يف حلظة تأنيب ضمري‪.‬‬
‫ال حتدثين وتقل ل إن العلم قد تقدم‪ ،‬فما هو حقيقة اآلن قد يصبح باطالً يف املفتقبل‪ .‬يف غضون‬
‫ذلك ستزهق أرواح الكثري من األرواح الربيئة‪.‬‬
‫هل تعتقد أن زوجة حممد‪ ،‬وه متأكدة جداً أنين مل أقتله‪ ،‬ستجرؤ على االعرتاف بأنه نصب ل‬
‫فخاً بعد أن أعدم؟‬
‫ال‪ ،‬مفتحيل! ألنها قد تتعرض لعقوبة سجن طويلة األمد‪.‬‬
‫لكن لو كنت مفجوناً فقط‪ ،‬فقد تأتيها حلظة ضمري يقظ لتقول احلقيقة مما جيعل قضييت ال‬
‫متوت‪ .‬لكن يف حال إعدام من يظن أنه القاتل‪ ،‬فإن من يعرف شيئاً لن يبوح به خوفاً من العقوبة‪،‬‬
‫ويكتي بالتوبة ورمبا سيشعر أن سيئاته اليت أدت برقبيت إىل حبل املشنقة ستنقلب حفنات‪.‬‬
‫ورغم أنين متجه حلبل املشنقة إال أنين مفتاء من طرق إعدام أخرى متارس باسم اإلسالم يف دول‬
‫أخرى ويفمونها القصاص بقطع الرأس‪ ،‬واآلن أصبحت حراً ألعرب عما بداخل دون خشية تكيريي‬
‫أو نبذي‪ .‬هل تعرف أن القصاص ليس بقطع الرأس كما حياول البعض الرتويج؟ القصاص هو‬

‫مبدأ العني بالعني والفن بالفن‪ ،‬ولو قتل أحدهم يتم قتله‪ .‬لكن ليس بالضرورة أن يتم قتله بقطع‬
‫الرأس‪ ،‬فتلك طريقة قدمية ألنه مل يكن لدى الناس فكرة أفضل وأرحم منها‪ ،‬فالقتل بقطع الرأس‬
‫كان أكثر كرامة من الصلب أليام يف الصحراء مثالً‪ ،‬حتى تنهش الطيور جفم املصلوب‪.‬‬
‫أما اآلن‪ ،‬فقطع الرأس ليس كرمياً أبداً‪ ،‬بل مف ء لصورة اإلسالم‪ ،‬لذلك على من يعتقدون أن اهلل‬
‫تعاىل قال "اقطعوا الرأس" أن يراجعوا أنيفهم ويعرتفوا خبطئهم ويشرعوا بتطبيق اإلعدام‬
‫بالطرق األكثر كرامة‪ .‬حتداهم دون خوف يا عل بأن يأتوا لك بدليل صحيح واضح بوجوب قطع‬
‫الرأس كوسيلة للقصاص من القاتل‪.‬‬
‫لقد كرست نيف ليهم ما جيري حول كما أخربتك‪ ،‬فعار عل أن آت من العدم ألخرج من الدنيا‬
‫يف النهاية بال معرفة‪ ،‬ألننا لو جئنا وخرجنا كما حنن ملا اختلينا كثرياً عن احليوانات‪ ،‬بل سنموت‬
‫مثلها متاماً‪ ،‬نأكل ونشرب ونطبق املطلوب منا فحفب بال فهم أو إدراك‪.‬‬
‫لقد آمنت بأن فينا خليط من حيوانات‪ ،‬فيينا عطف أمهات القطط وصالبة النمور والرغبة‬
‫بالطريان كالطيور‪ ،‬وفينا طبع متوحش كاحليوانات امليرتسة‪ ،‬وطبع مرتدد كالغزال اهلارب‪ ،‬وفينا‬
‫طبع ماكر كالثعلب‪ ،‬وطبع حيب التعاون كالطيور‪ ،‬وطبع األنانية وطبع اليردية‪ .‬أحتداك أن جتد‬
‫صية واحدة فيك كإنفان غري العقل املتقدم إال ووجدت مثلها لدى إحدى احليوانات‪.‬‬
‫لكن ما الذي يحدث بني كافة هذه الطباع؟‬
‫سأجيبك يا علي وأمتنى أن تفهم‪.‬‬
‫تبدأ هذه الطباع بالتقاتل فينا‪ ،‬حتى يفود طبع على آخر‪ ،‬فاألنانية موجودة واإليثار كذلك‪ ،‬ومن‬
‫يفتخدم عقله خيلق التوازن يف نيفه بني الطبائع كلها‪ ،‬وهذا هو الشخص املثال ‪ ،‬وليس كما‬
‫يعتقد البعض أن املثال هو امليرط باألخالق احلميدة‪.‬‬
‫يوصف من يؤثر اجلميع عليه يف كل ش ء لدى العلماء بأنه يعان من مشكلة نيفية متاماً كالذي‬
‫حياول أن يفتأثر لنيفه بكل ش ء‪ ،‬فحاول أن تضبط طبائع احليوانات فيك دائماً ك ال تطغى‬
‫إحداها على غريها من الطباع‪.‬‬

‫احملقق يفكر‪:‬‬
‫وصلت األوراق إىل احملقق وجلس يقرأ فيها‪ ،‬وانتبه إىل نقطة يوسف املتعلقة بعدم إعدام من يف‬
‫مفألة قتله شك بنفبة ‪ ،%7‬فاتصل ببعض املشايخ‪ ،‬فكان رد املعتدل منهم أن هذا الكالم عني العقل‬
‫يف زمن التعقيدات وسهولة تلييق التهم‪ ،‬يف حني ذهب املتطرف منهم إىل القول "إن ذلك ييتح باب‬
‫اليتنة لذلك فليمت أحدهم مظلومًا ك ال يفتييد اجملرمون منها‪".‬‬
‫بعد أن مسع رأي أكثر من عامل‪ ،‬جلس احملقق على كرسيه وأرجع رأسه إىل اخللف كمن يود النوم‪،‬‬
‫وبدأ بالتيكري‪ .‬بات متأكداً أن كافة هذه األوراق اليت يكتبها يوسف تؤكد براءته‪ ،‬فمثل هذه األفكار‬
‫املنظمة ومثل هذا الوضوح يف األهداف ال جيعله يقتل أبداً ولو يف حلظة غضب‪ .‬إنه يندم على‬
‫كلمة قاهلا حبق صديق‪ ،‬فكيف له أن يزهق روحاً؟‪.‬‬
‫ال يفتطيع أبو خليل فعل أي ش ء اآلن‪ ،‬فلو ذهب إىل احملكمة وقال إنه ضغط على يوسف‬
‫باالعرتاف لرمبا واصلت احملكمة حكمها بإعدام الرجل وبنيس الوقت يتم حتويل أبو خليل إىل‬
‫التحقيق واتهامه بتلييق التهم‪ ،‬فمفألة اإلعدام أكرب من جمرد حقيقة يف بالدنا‪ .‬إنها حفابات‬
‫قدمية تتعلق بإرضاء أهل امليت مهما كانت الوسيلة‪ .‬أما املشكلة الثانية‪ ،‬فإننا نعاقب من يعرتف‬
‫بذنبه مثل أب خليل الذي لو كان مقتنعًا بنجاته عند االعرتاف باخلطأ الذي ارتكبه ملا تردد‪.‬‬
‫أغلق أبو خليل ملف األوراق الذي يصله بشكل أسبوع وختم عليه ووقع بكلمة "شوهد‪ "،‬ثم وضع‬
‫رأسه على املكتب لينام‪ ،‬بل ليهرب من عامل اليقظة الذي يوجع ضمريه‪.‬‬

‫وبدأت أخسر أصدقائي‪:‬‬
‫صديق عل ‪..‬‬
‫سنة احلياة أن ترى كل من حولك يتزوجون عندما تدخل سن الثالثني‪ .‬مل يبقَ غريي عازباً‪،‬‬
‫فحاولوا يف البداية استيعاب وزيارت بعض األيام‪ ،‬ولكنهم مع زيادة املفؤوليات مل يعودوا قادرين‬
‫على التوفيق بني حيوات ثالث؛ حياة العمل وحياة األسرة وحياة األصدقاء‪ ،‬فكان أسهل عليهم دمج‬
‫حياة األسرة مع األصدقاء‪ ،‬فاختاروا أصدقاء متزوجني ليكونوا معهم‪.‬‬

‫تناقص عدد أصدقائ دون شعور‪ ،‬وكنت يف البداية سعيداً فيهم لكنين بعد عامني فقط بقيت بال‬
‫أصدقاء‪ .‬قد يكون األمر سيئاً من ناحية نيفية‪ ،‬لكنه ومن باب الصدق معك‪ ،‬كان شيئاً رائعاً ل من‬
‫ناحية عملية‪ ،‬فبت أعمل وأركز على أهدايف دون مشتتني حياولون إخافيت‪ ،‬فأنا أبغض طبعنا‬
‫الفليب الذي جيعلين أعتقد أن لون العقل أسود‪.‬‬
‫أصبحت حيات بعد خفارة األصدقاء عمل وعمل وعمل‪ ،‬فقررت أن أكون أكثر إجيابية يف هذه‬
‫احلياة‪ .‬مل أكتف مبفألة الشركة اليت تدر ل املال‪ ،‬فهذا املال ال ينيعين ما دمت فقدت قليب‬
‫وسرقته مين تلك اليت تدعى ميس‪ ،‬ال بد من فعل ش ء لروح ولعقل ‪.‬‬
‫فكرت يف مفألة مكتبة للشباب لكنين مل أجد فيها شيئاً مفاعداً حقاً‪ ،‬فمشكلة القراءة ليفت أن‬
‫الكتب غري موجودة أو مكلية‪ ،‬بل ألننا ال نقرأ أصالً‪ .‬فكرت أيضاً مبفائل كثرية وكانت مجيعها‬
‫جتد الباب مغلقاً يف سعيها إلجياد ش ء مييد‪ .‬كما فكرت بالتربعات املالية‪ ،‬لكنين وجدتها أيضاً‬
‫ال لدى البعض‪.‬‬
‫مشكلة ألنها قد ختلق تواك ً‬
‫ما احلل إذاً؟‬
‫مل أعرف يف البداية‪ ،‬وشعرت باإلحباط‪ .‬مل يعد املال يعين ل الش ء الكثري لكنين ما زلت أهتم بأن‬
‫أرى نيف أحقق األرباح نهاية كل عام‪ ،‬هل تعرف ملاذا؟ ألن األرباح معيار جناح العمل‪ ،‬وليس من‬
‫املنطق أن يكون عدم حيب للمال دافعًا ألخفر يف عمل ‪.‬‬
‫انتظر هنا ‪...‬‬
‫هل هناك شخص ال حيب املال؟‬
‫مفتحيل‪ ،‬ومن يقول هذا من املتدينني يعارض قوله تعاىل "وحتبون املال حباً مجا" ‪ ،‬وه اآلية اليت‬
‫جاءت يف سورة اليجر يا صديق ‪ ،‬وكان اهلل تعاىل قد قال يف بداية النص املتعلق بها "وأما‬
‫اإلنفان‪ "...‬مما يعين عموميتها‪.‬‬
‫من ميثل أنه ال حيب املال خيالف فطرة اإلنفان اليت فطره اهلل عليها‪ ،‬فإما هو شخص أصابه خلل‬
‫بهذه اليطرة فتكون لديه مشاكل نيفية وذهنية مما يوجب توجههه لطلب العالج من‬
‫األخصائيني‪ ،‬وإما يكون كاذبًا ميثل دور الزاهد القادم من كوكب آخر‪ ،‬وهذا جيعله لصًا يف داخله‪.‬‬

‫إذاً أنا كاذب‪ ،‬هذا ما قلته لنيف وأنا أفكر بش ء جيعلين أرتاح روحياً‪ .‬قررت خلق ش ء يييد الناس‬
‫ويرتبط بيطرت اليت حتب املال‪ ،‬نعم لقد وجدت اليكرة‪ ،‬إنها الشراكة يف مشاريع صغرية قد تييد‬
‫الناس وتعطيهم أرباحاً من عملهم‪ ،‬وبنيس الوقت تضمن ل دخالً معيناً‪ .‬مل أرد أن أكون وحشاً‬
‫كصاحل خيشى الناس غدره‪ ،‬بل أردت أن أكون مفتأنفاً يطمئن له الناس‪.‬‬
‫ما ه املشاريع اليت دخلت شريكاً بها وسيعرف بها أهل وأنت عندما يتم إعدام ؟ نعم عند‬
‫إعدام ‪ ،‬فهم ال يعرفون بها ألنها كانت بالفر ومل أرد تدخل أحد يف األمر مبا يف ذلك أنا شخصياً!‪.‬‬
‫حمالت صغرية؛ كمحل قهوة للبيع يف الشارع وبقالة صغرية وقرطاسية صغرية تبيع مفلتزمات‬
‫للطالب‪ .‬مل يكن هذا كله ميثل الكثري من دخل شركيت‪ ،‬لكنه كان يعين الكثري آلخرين حيلمون‬
‫بلقمة خبز‪ ،‬فدائماً عندما تيكر باملفاعدة ال جتعل كامل تركيزك على املفاعدة املؤقتة أو حتى‬
‫املفاعدة الكربى‪ ،‬بل اجعلها مفاعدة دائمة بعقلية تييد اجلميع‪.‬‬
‫ال تدفع قرشاً واحداً لشاب فقري يفتطيع العمل‪ ،‬بل ساعده على العمل واإلنتاج وليجين هذا‬
‫القر‬

‫من تعبه‪ .‬نعم‪ ،‬اجعله يشعر بالكرامة ال باخلضوع‪ ،‬اجعله يشعر بأنك ال متن عليه مبالك‪،‬‬

‫لكنه مين عليك بعمله‪ .‬هذا ما حيتاجه اجملتمع‪ ،‬وبرأئ هذا ما يريده اهلل منا عندما أمرنا‬
‫مبفاعدة اليقري‪ ،‬فاهلدف الدائم لنا يف هذه األرض هو اإلعمار‪.‬‬
‫لقد سجلت املشاريع كلها بامس وامسهم على أنها شركة عادية وليفت مضاربة ك يشعروا‬
‫باألمان‪ ،‬لقد أعطيت كل من وافق على اليكرة نفبة ‪ %13‬من الربح‪ ،‬فيما اكتييت بـ‪ %03‬لنيف‬
‫فقط‪ .‬هل تعلم ملاذا ‪%03‬؟ ألنها ليفت مهمة بالنفبة ل ‪ ،‬لكنين أريد أن أراقب عمله ألعرف إن كان‬
‫ينجح بإدارة فرصته أم ال‪ ،‬وهذا ما ساعدن كثريًا يف التدخل إلصالح أخطاء كثريين منهم‪.‬‬
‫هناك من أضاع اليرصة‪ ،‬وك أكون صادقاً أغضبون ال على املال بل على أنيفهم‪ ،‬ومل أحاول‬
‫مفاعدتهم مرة أخرى‪ .‬ومنهم من اغتنمها كخضر‪ ،‬الذي بدأ مبحل قهوة صغري واآلن تعرف مقهاه‬
‫جيداً وتذهب إليه مع والدك كثرياً وتصيونه بأكرب مقاه املنطقة‪ .‬كل قر‬

‫تدفعه هناك يأتيين‬

‫منه ‪ %03‬رحباً وأنت ال تدري‪ ،‬سيأتيكم اآلن أنتم ‪ %03‬من أرباحه‪.‬‬
‫كنت سعيداً ألن األمر أفاد عائالت كثرية‪ ،‬وكنت سعيداً ألنه جعلين أشعر بأنين مييد‪ ،‬فكم هو‬
‫س ء أن تشعر بأنك غري مييد طوال حياتك‪ ،‬ومن مل يشعر بأنه مييد يف حياته سيموت وهو سعيد‬

‫ألن املوت على األقل حيول جفده إىل تراب فيتغذى النمل على بقاياه‪ ،‬وهذا الرتاب قد تنمو عليه‬
‫شجرة يوماً‪ .‬ببفاطة‪ ،‬ال يكون البعض مييدين إال لو ماتوا‪.‬‬
‫مع تقدم شركيت‪ ،‬قرأت دراسة ميادها أن الشعب األمريك ينيق ‪ 93‬مليار دوالر سنوياً على‬
‫احليوانات بشتى أنواعها‪ ،‬مبا يف ذلك املفؤولية احلكومية‪ ،‬وهو رقم ال يصدق للوهلة األوىل لكنين‬
‫حتققت منه يف صحف أخرى‪ .‬يتبجحون حبب اإلنفان‪ ،‬ونصف هذا املبلغ بالقادر على حل مشاكل‬
‫اجلوع يف بالد كاملة‪ .‬على كل حال‪ ،‬مل أكن إنفانياً عندما قرأت هذا اخلرب كما أنا اآلن‪ ،‬بل شعرت‬
‫بالفعادة ألن هذا يعين أن هناك فرصة ك أربح أكثر‪ ،‬ولكنين اآلن وعندما أيقنت اقرتاب موت ‪ ،‬مل‬
‫أعد أهتم فنظرت إىل اخلرب من زاوية أخرى‪.‬‬
‫هذا ما حيدث معنا يا صديق ‪ ،‬ننظر إىل ذات األمر فأنت تراه سيئاً وأنا أراه فرصة‪ ،‬ألننا يف النهاية‬
‫ننظر من زوايا خمتلية‪ ،‬وهذه ه سنة احلياة‪ .‬نظرت إىل نيس األمر‪ ،‬فتارة رأيته فرصة‪ ،‬وتارة‬
‫أخرى رأيته قبيحاً جداً‪.‬‬
‫تعرفت يف تلك اليرتة على فتاة جديدة ظهرت ل يف البداية أن فيها كل ش ء أريده‪ .‬كان امسها‬
‫مسر‪ ،‬وقد تعرفت عليها بالصدفة عرب اإلنرتنت‪ ،‬وكان لقاؤنا الشخص سريع جداً بعد ذلك‪ .‬لقد‬
‫علمت باهتمامات من حب الكتب واحرتام للين وعقلييت يف طريقة فهم للدين‪ .‬عرفت‬
‫منظوري للحياة وكيف جيب أن نعيش بشراً مع الفماح لطبائعنا احليوانية بعض األحيان‬
‫بالتصرف دفاعًا عن أنيفنا‪.‬‬
‫كانت كما أردتها متاماً‪.‬‬
‫أتصل بها مفاء فرتد عل وتقول "أنا اقرأ‪".‬‬
‫"كنت يف معرض فين يف األمس يا يوسف‪ ،‬كان رائعاً حقاً‪".‬‬
‫يوم بعد يوم‪ ،‬شعرت أنين وجدت فتاة تتطابق مع ‪.‬‬
‫أتعرف؟‬
‫حت ى مبالبفها كانت تشرتي ما أحبه من الوان‪ ،‬فأنا أحب اللون األزرق على اليتيات وال أعرف‬
‫أهمية قول ذلك لك‪ ،‬اقرتبت منها أكثر فه جتذبين للغاية‪ .‬يبدو أن قليب سيعود ل ‪ ،‬وبدأت تشعر‬
‫بذلك فاقرتبت مفرعة ومل تلعب لعبة القط واليأر ك ال تغامر بالتأخري‪.‬‬

‫جاءت ذات ليلة وقالت ل "ألفنا مالئمان لبعضنا؟"‬
‫أصابين الصمت يومها ومل أجب بشكل مباشر فقلت‪" :‬من خالل ما أراه‪ ،‬يبدو أننا نفتطيع أن نكون‬
‫مالئمني‪ ".‬لكنها أجابت بفرعة وقالت‪" :‬أنا أحبك‪ "،‬ليفيطر عل الصمت كثرياً‪ ،‬فعادت الذاكرة‬
‫اخليية تقودن ‪ ،‬وتذكرت أول فتاة حاولت أن أقول هلا كلمة أحبك فلم خترج وكيف خفرتها‪،‬‬
‫فطلبت من لفان أن ينطلق فقال هلا "وأنا أحبك‪".‬‬
‫يقول شكفبري ما معناه أن املرأة اليت أحببتها لن جتدها بعد احلب‪ ،‬وهذا ما جرى مع فلم أجد أي‬
‫ش ء منها بعد تلك الكلمة‪ .‬مضى أسبوع فقلت هلا أمل تعودي تقرأي فأجابتين بكل سذاجة "ال أحب‬
‫القراءة‪ .‬إنها مملة!"‬
‫مل أراجعها يف األمر ألنين أيقنت كذبها‪.‬‬
‫وقالت يف يوم آخر وه تكلم صديقتها عرب اهلاتف ناسية أنين إىل جانبها‪" :‬ال أحب اللون األزرق!"‬
‫ومل ترتدد بوصف املعارض الينية بأنها سخيية‪.‬‬
‫كان كل ما فعلته يف الفابق متثيالً فقط لتقرتب من هذا الرجل‪ ،‬أي مين أنا‪ .‬من تلبس قناعاً على‬
‫وجهها ال تبحث عن حبيب حقيق ‪ ،‬فلو أرادته لظهرت على حقيقتها‪ ،‬إمنا تبحث عن رجل ليكون‬
‫معها‪ .‬خمطئة إن ظنت أن دخول احلب ليس كخروجه‪.‬‬
‫بعد أيام معدودة من اكتشايف احلقيقة كاملة‪ ،‬اتصلت بها وقلت هلا "انتهى كل ش ء!"‬
‫حاولت أن تبك وتبدي تأثرها‪ ،‬وأظنها صادقة بالبكاء‪ ،‬لكنها مل تعلم أنها تقابل رجالً فقد قلبه‬
‫وميلك عقله فقط‪ ،‬لذلك أغلقت اخلط ومل أجبها رغم اتصاهلا ب مرارًا وتكراراً‪.‬‬
‫من يكذب عليك بالصغرية سييعل بالكبرية‪ ،‬لذلك ميثل الصدق األساس يف جناح أية عالقة بني‬
‫رجل وامرأة‪ ،‬ولو خرجت اآلن من هنا وتعرفت على امرأة وقالوا ل تزوجها وإال سنعدمك‪ ،‬وكذبت‬
‫عل بش ء جذبين إليها‪ ،‬سأتركها دون تردد‪ ،‬ال أقول إن الكذب يعين النهاية‪ ،‬لكن الكذب بقصد‬
‫إيقاعك يف احلب هو النهاية‪.‬‬

‫إلى أملانيا‪:‬‬

‫أصابين نوع من االحباط بعد تلك احلادثة‪ ،‬فقد أيقنت متاماً أن قليب مل يعد موجوداً وبت أخشى‬
‫متثيل النفاء‪ ،‬واآلن جيب أن أكمل حيات وحيداً‪ ،‬رمبا أتعرف على سيدات لكن كصديقات دون‬
‫تعدي ذلك اخلط‪ .‬وحلفن احلظ‪ ،‬تلقيت يف تلك اليرتة دعوة من شركة أملانية حلضور مؤمتر يتعلق‬
‫بعمل ‪.‬‬
‫اطلعت على تياصيل الزيارة فكانت مدتها عشرة أيام وإىل مدينة فرانكيورت بالتحديد‪ .‬كنت أعشق‬
‫األملان وجديتهم يف احلياة وما يقومون به من إجنازات‪ ،‬وبدت ل فرصة للشعور باالنبهار ومعنى‬
‫اإلنفان‪.‬‬
‫جاء وقت الرحلة وصعدت إىل الطائرة وسأكون صادقاً معك يا عل ‪ ،‬لقد أثرت بنا دعاية الكراهية‬
‫امليرطة اليت بثها املعلمون فينا طوال حياتنا الدراسية‪ .‬كنت أعتقد أنين ذاهب إىل بلد حيثما‬
‫ابتفمت فيها ليتاة سرتافقين إىل غرفيت‪ .‬كنت أتوقع أن أعود بعشر عالقات على األقل ظناً مين‬
‫أنهن سهالت‪ ،‬والعتقادي أنهم شعب ليس لديه شيئ امسه غرية أو شرف وال بد من استغالل‬
‫اليرصة‪ .‬ال أقول أن هذا رأي ‪ ،‬بل هذا ما لقنونا إياه يف املدارس!‬
‫أقلعت الطائرة وما إن حلقت عن األرض حتى شاهدت الناس يتحولون تلقائياً إىل الرق وأصبح‬
‫اجلميع منظماً يتحرك بهدوء ويطلب اإلذن‪ .‬يفتعدون منذ اآلن ليكونوا جاهزين ألملانيا‪ ،‬ومل‬
‫أعرف ملاذا ال جيوز أن نكون مهذبني يف بالدنا‪.‬‬
‫جلس إىل جانيب رجل وامرأة ال يعرفان بعضهما‪ ،‬لكن الرجل استطاع اقتحام عاملها ببضعة كلمات‬
‫مفتغالً مشكلة حصلت معها يف شاشة املشاهدة يف الطائرة‪ ،‬فبدأ بنقا‬

‫شركات الطريان ثم أنواع‬

‫الطائرات ثم أنواع األفالم ثم حتدث عن نيفه فحدثته عن نيفها أيضاً‪ ،‬وظهر جلياً رغبتهما‬
‫بالكالم ليفليا بعضهما أثناء ساعات الرحلة الطويلة‪.‬‬
‫انشغلت بالكتابة للتحضري لتلك الزيارة وكنت أستمع إىل املوسيقى وال أخجل من هز رأس يف‬
‫الطائرة‪ ،‬فنحن ذاهبون إىل أملانيا حيث يفتطيع اإلنفان التصرف كما يشاء دون أن خيجل من‬
‫أحد‪ .‬كانا يتحدثان كثرياً وجاءت حلظة طلب العصري فطلبت عصري الربتقال لكنهما طلبا بعض‬
‫النبيذ‪ .‬شعرت أن الرجل ال يعرف كثرياً عن األمر بل رمبا مل يشربه من قبل‪ ،‬لكنه أراد جماراة املرأة‬
‫اليت بادرت بطلب النبيذ مربرة ذلك بأنها مقيمة يف أملانيا لفنوات حيث يشرب الشعب النبيذ بدل‬
‫املاء‪.‬‬

‫وصلت املطار وجيب أن أعرتف هنا أنين تياجأت بقيام الناس مبا حيلو هلم هناك‪ .‬رأيت فتيات‬
‫يقبلن أزواجهن أو أصدقاءهن بشكل محيم جداً‪ ،‬ولن أخي عليك أنين وقيت أتيرج عليهم‬
‫كاملصدوم مما يشاهده‪ ،‬كنت أنا وقلة من األفراد القادمني من بالد ليس فيها هذا النوع من‬
‫التصرفات نقف ونشاهد ثم منض ونقف ونشاهد وهكذا حتى وصلت اليندق املقام على أطراف‬
‫املطار وهو فندق مميز تابع لفلفلة فنادق الشرياتون‪.‬‬
‫حاملا دخلته‪ ،‬كان مجيع العاملني يبتفمون‪ ،‬اعتقدت أن األمر فيه متثيل نوعاً ما لكنه ترك يف قليب‬
‫سعادة ودفئاً وأمناً‪ .‬وصلت إىل االستقبال ومرت أموري بفهولة فائقة‪ ،‬ثم رافقين أحدهم إىل مكان‬
‫املصاعد الذي كان قرب باب جانيب آخر‪ .‬وألكون صادقاً معك هنا‪ ،‬فكرت بالطريقة اليت ميكن بها‬
‫جلب اليتيات الفهالت من أملانيا إىل غرفيت دون رقابة‪.‬‬
‫جلفت يف اليندق قليالً وجاءن اتصال بعد ساعتني تقريباً من اجلهة املنظمة للمؤمتر‪ ،‬رحبوا ب‬
‫وأبلغون أنهم سيأتون يف اليوم التال ليأخذون إىل مكان عقد املؤمتر‪ ،‬وبعد هذا االتصال قررت‬
‫اخلروج يف تلك الليلة إىل املدينة ألرى ما فيها‪.‬‬
‫نزلت وسألت إحدى اليتيات العامالت عن املكان الذي ميكن زيارته لشخص جديد‪ ،‬فأرشدتين إىل‬
‫مكان حمطة القطار املوجودة أيضاً حتت املطار‪ ،‬وأن عل التوجه إىل احملطة الثانية حيث سأجد‬
‫الفوق كامالً‪ .‬توجهت مباشرة إىل احملطة‪ ،‬وتعرضت إلحراج لعدم معرفيت كيف أشرتي التذكرة‬
‫فكل ش مكتوب باألملانية وهذه حال بلدان حترتم نيفها وتكتب كل ش ء بلغتها لكنها تتيح فرص‬
‫تعلم اللغات األخرى‪.‬‬
‫جاء أحدهم وال أعرفه وقام بشراء التذكرة ل من ماله اخلاص وابتفم يف وجه وقال ل‬
‫باإلجنليزية "من الواضح أنك جديد هنا‪ "،‬ثم مضى يف طريقه‪.‬‬
‫هل تعتقد أنه كتب قصة كاذبة وأرسلها إىل كافة أصدقائه قائالً‪" :‬قابلت مفلماً يف حمطة قطار‪،‬‬
‫مل يكن يعرف كيف يشرتي تذكرة وعندما اشرتيتها له أصبح مفيحياً حلفن أخالقنا؟" لدينا من‬
‫يكذب ب هذه الطريقة وه مشكلة‪ ،‬لكن املشكلة األكرب أن من يصدقونه كثر وال يكتيون بالتصديق‬
‫بل يتمادون إىل اليخر بهذه القصص القاصرة فيكربون ويهللون على تصرف سطح غيب كهذا‪.‬‬
‫ال تصدق يا عل أن هناك من يفلم ألنك أعدت إليه حقه‪ ،‬أو ألنك ساعدته مرة‪ ،‬فذلك األصل يف‬
‫البشرية‪ .‬اإلسالم منظومة ومن يريد أن يفلم عليه أن يعرف املنظومة كلها‪ ،‬وكيف إذا دخل هذا‬
‫الدين ألنك اشرتيت له تذكرة وغداً جاء مفلم آخر وسرقها منه؟‪..‬هل سريتد!‬

‫اجتهت إىل ذلك الفوق ألجد هناك كافة أنواع األطعمة اليت نعرفها يف بالدنا‪ ،‬فلم ترحم مطاعم‬
‫مثل كنتاك وبيتزا هت أملانيا أيضاً‪ ،‬فانتشارها واضح جداً أكثر من املطاعم األملانية التقليدية‪،‬‬
‫حتى األملان خفروا معركتهم الثقافية مع األمريكان يا صديق ‪ ،‬فالطعام جزء من اللعبة‬
‫الثقافية‪.‬‬
‫مشيت كثرياً يف تلك الشوارع النظيية اليت تشعر أن فيها كل ش ء أقوى لوناً حتى الناس‪،‬‬
‫فمالبفهم تبدو ألوانها أكثر وضوحاً‪ ،‬ووجوههم تبدو جلية ل ‪ .‬هل حتفن بصري هناك؟‪ ..‬ال‬
‫أعرف‪ ،‬لكن عل أن أقول أن هناك ش ء خمتلف بألوان تلك املنطقة اليت كنت فيها‪.‬‬
‫مل أترك حمالً غريباً إال ودخلته‪ ،‬وكانوا يفارعون للرتحيب ب ‪ ،‬وأجتول وأحاول معرفة ما فيه ثم‬
‫أخرج‪ ،‬فلم يكن هناك الكثري مما يثري انتباه ‪ .‬مشيت حتى تعبت وجعت‪ ،‬مل أعد قادراً على‬
‫مواصلة املش ومل أعد قادراً على مدافعة اجلوع‪ .‬مل أرد األكل يف مطعم ألنين أعرفه فهذه ليفت‬
‫جتربة جديدة‪ ،‬لكنين نظرت مييناً ويفاراً ألجد كشكاً يبيع الفندويشات اجلاهزة فاجتهت اليه‬
‫وقلت للعامل هناك "مرحبا" باإلجنليزية‪.‬‬
‫فرد عل وقال "مرحبا!"‬
‫نظرت إىل أشكال الفندويشات واملكتوبة أمساؤها باألملانية‪ ،‬فلم أعرف التمييز بينها لكنين اخرتت‬
‫نوعني وأشرت إليهما بيدي‪ .‬أخرج البائع األوىل ووضعها مباشرة لتفخن‪ ،‬لكنه مل خيرج الثانية‬
‫ونظر إل وهو صاحب الوجه الرتك وقال‪" :‬هذا حلم خنزير‪ ،‬أمتأكد أنك تريده؟"‬
‫ابتفمت وقلت له "أشكرك‪ ،‬مل أكن أعرف‪ ،‬بالتأكيد ال أريده!"‬
‫ابتفم ل وقال "أنا ترك ‪ ،‬وبصراحة آكل هذا اللحم ألنين ولدت وترعرت هنا‪ ،‬لكنين أدرك أنك‬
‫لفت أملانيا ومل تقم هنا وبالتال اعتقدت أن عل أن أقدم لك‪".‬‬
‫هل الحظت شيئًا يا عل ؟‬
‫إنه يأكل هذ اللحم ورمبا يرى أن حترميه غري مربر بالنفبة له‪ ،‬بل رمبا كان ملحداً‪ ،‬لكنه بنيس‬
‫الوقت حيرتم ما أعتقده أنا وما أؤمن به‪ ،‬ومل حياول إقحام ثقافته وفرض معتقده عل أو الفخرية‬
‫مين‪ ،‬ومل يقم أبداً بالفماح ل بالوقوع يف اخلطأ جملرد أنه ال يراه خطأ يف نظره‪ .‬سواء آمنت مبا‬
‫ييعله الناس أو مل تؤمن‪ ،‬ساعدهم على العيش حفب مبادئهم مبا أنها ال تؤذي اآلخرين‪.‬‬

‫بعد أن أكلت‪ ،‬عادت إل األفكار اليت غرسها ب املعلمني اجلهلة من أن العالقات هنا سهلة وأن كافة‬
‫نفاء أملانيا ميكن النوم معهن بفهولة‪ .‬ظنوا بكالمهم أن اإلنفان سيتجاوب نافراً منهم متقرباً من‬
‫تقاليده‪ ،‬ولكن ذلك ليس ما حيدث‪ ،‬فأنا مثالً مشيت كثرياً وأنا أحبث عنهن يف أملانيا‪ ،‬وال أعرف إن‬
‫ذهبت إىل هناك وطلبت منهن الفماح واملغيرة على وجهة نظري الفابقة فهل سييعلن ويعيني‬
‫عين؟‪ ،‬كنت يف اليوم األول حقرياً للغاية‪ ،‬وأقول حقرياً وأنا أجامل نيف ‪ ،‬فقد افرتضت أن نصف‬
‫نفاء ذلك الشارع عاهرات‪.‬‬
‫ليت انتباه متفول ظريف كان ميش ومعه علبة يطلب فيها املال‪ ،‬ويف املرة األوىل مر من عندي‬
‫ومل أكن أدرك أنه متفول فلم أقم باعطائه شيئاً‪ ،‬ولكنه يف املرة الثانية عندما مر نظر إىل وجه‬
‫ومل يتوقف أبدًا فلماذا اإلحلاح وقد رفضت يف الفابق‪ ،‬فمضى‪.‬‬
‫هل تعلم أنين عندما عدت إىل األردن وجدت قناة إسالمية تروج إليقاف ما أطلقت عليه ظاهرة‬
‫التفول؟‬
‫وعندما سألت صديقاً أملانياً ممن تعرفت عليهم يف تلك الرحلة‪ ،‬قال‪" :‬إن هنا فقط الفلبيني من‬
‫يقولون هذا‪ "،‬فيما يرى الباقون أنه ليس منطقياً قطع سبيل أناس مضطرين فعالً للتفول من‬
‫أجل قلة حتاول استغالل املهنة‪ ،‬وهذا ما أذهب إليه يا صديق ‪ ،‬فاهلل تعاىل ورسوله عليه الصالة‬
‫والفالم أمرا بإعطاء الفائل واحملروم‪.‬‬
‫انتهت جوليت وعدت إىل اليندق باستخدام القطار أيضاً‪ ،‬ومل يكن التلياز مييداً ل أبداً‪ ،‬فكافة‬
‫القنوات أملانية باستثناء بعض قنوات األخبار باإلجنليزية‪ ،‬فقررت النوم مبكراً‪ .‬فكرت مبفألة أن‬
‫معظم من شاهدتهم يقرؤون الكتب يف القطار ولكنين مل أفكر يف مفألة القراءة‪ ،‬فاكتييت فقط‬
‫باإلعجاب بهم وهذه مشكلة عاملنا العرب حتى اليوم‪ ،‬إذ أننا نكتي باإلعجاب فقط‪.‬‬
‫خلدت إىل النوم مبكراً ك أخرج يف اليوم التال إىل املؤمتر وأبدأ بالتعرف على طبيعة بشر أعتقد‬
‫أنهم ميلكون يف جيناتهم رغبة باالنتصار والتيوق‪.‬‬
‫استقيظت يف متام الفادسة صباحاً‪ ،‬وقد حلقت يومها بصالة اليجر ألنه يتأخر عندهم‪ .‬صالة‬
‫اليجر هناك أسهل من صالة العشاء‪ ،‬فصليت وارتديت مالبف وانتظرت اتصاالً يطلبين للخروج‪،‬‬
‫وما إن دقت الفاعة الثامنة حتى اتصل ب االستقبال وأبلغون بأن هناك شخصاً ينتظرن ‪.‬‬

‫نزلت باملصعد فوجدت مجيع املوظيني يبتفمون متاماً كما وجدتهم عندما دخلت‪ .‬اجتهت إىل‬
‫اللوب ألجد رجالً يبتفم أيضاً ويصافحين حبرارة كأنه يعرفين منذ زمن‪ ،‬فرحب ب يف أملانيا وقال‬
‫إنه يتوق ملقابليت‪ .‬لقد كان كاذباً بالتأكيد ألنه ال يعرفين‪ ،‬لكن اجملاملة مجيلة واألمجل أن‬
‫نفتطيع تصديقها‪.‬‬
‫خرجنا وركبنا سيارته وتوجهنا إىل املؤمتر‪ ،‬وكان كأي مؤمتر تفويق ‪ ،‬ال ش ء فيه أبداً سوى كيل‬
‫املديح للمنتجات اليت متلكها الشركة الراعية له‪ ،‬وال أعرف إن كنا نشرتي منهم وحنن مقتنعني أم‬
‫أن املفألة جمرد إحراج يتم وضعنا فيه‪ .‬مل أحلظ يف ذلك املؤمتر أي فرق بني أملانيا والدول العربية‪.‬‬
‫خرجت من ذلك املؤمتر‪ ،‬فدعان أحد املفؤولني يف الشركة إىل تناول الغداء يف مطعم أملان خاص‬
‫جداً حفب وصيه‪ ،‬فلبيت الدعوة وخرجنا معاً بفيارته اليارهة اليت مل يكن يصدق أنه يقودها‪ .‬ما‬
‫زلت أذكر كيف مضى يشرح ل ميزاتها‪ ،‬وعدد ل كافة األزرار املوجودة أمامه واستخدام كل واحد‬
‫منها‪ .‬لقد كان اليرح واضحاً وهذه ميزة حقيقية بأن ال تكبت فرحتك وسعادتك‪.‬‬
‫وصلنا إىل املطعم الذي كان يف وسط الغابة‪ ،‬وقد كان اجلو خرييياً زاد من منظر الغابة مجاالً‪.‬‬
‫"إنه املطعم الوحيد من نوعه‪ ".‬هكذا قال ل الرجل وكان امسه "مارك‪".‬‬
‫"حقاً؟"‬
‫"نعم‪ ،‬إنه املطعم الوحيد املوجود يف هذه الغابة الكبرية‪ ،‬وكما ترى تصميمه تقليدي من اخلشب‬
‫وكافة معداته كذلك‪".‬‬
‫"مجيل جداً!"‬
‫ابتفم يف وجه وقال ل "ال يوجد هنا حلم خنزير‪ ،‬لكن عليك أن تعذرن ففوف أطلب نبيذاً‪،‬‬
‫ولفت مضطراً للشرب مبا أنك مفلم‪".‬‬
‫قلت له "تلك حريتك‪ ،‬لكين أريد طعام خال من أية منتجات ذات صلة باخلنزير أو الكحول‪".‬‬
‫طلبنا طعاماً جيداً يومها وكان غريباً بالنفبة ل لكنه لذيذ حقاً‪ .‬كانت النادلة يف ذلك املطعم‬
‫مجيلة لدرجة مل أشاهد أمجل منها يف أملانيا‪ ،‬ولو كانت لدينا يف بالدنا لتزوجها غين ألنها مجيلة‬
‫وهو غين‪ .‬جترأت هنا وسألته "النادلة مجيلة جداً‪ ،‬أليس كذلك؟"‬
‫ابتفم يف وجه وقال‪" :‬كل من جاء هنا ألول مرة سأل نيس الفؤال‪".‬‬

‫قلت له‪ " :‬أمل جتد مهنة أفضل من هذه؟"‬
‫فأجابين‪ " :‬وما عيب هذه املهنة؟ إنها تعمل وهذا املهم مبا أنها تكي نيفها وال جتعل من كينونتها‬
‫فريفة لآلخرين‪".‬‬
‫عم الصمت للحظات ثم قلت له "لو كانت يف بالدنا لتزوجت منذ زمن‪".‬‬
‫فأجابين وكأنه يعرف ماذا أريد أن اسأل دون تيكري‪" :‬امسع‪ ،‬كل إنفان خيوض التجربة األوىل له‬
‫مع اجلنس اآلخر بناء على الشكل‪ ،‬لكن هذا املعيار يصبح ثانويًا مع الزمن‪".‬‬
‫"كيف؟" سألته وأنا أركز يف وجه تلك اليتاة اليت كانت تقف وتبتفم ل وكأنها تشعر بأنين منبهر‬
‫جبماهلا‪.‬‬
‫أجاب‪" :‬مجيعنا خضنا أكثر من جتربة‪ ،‬وبعد أن خنوض جتربتنا األوىل نشعر بالندم الختيارنا بناء‬
‫على املظهر ثم نكرر اخلطأ واخلطأ واخلطأ‪ ،‬حتى نتعلم وال يصبح الشكل أساساً للعالقة‬
‫الزوجية‪".‬‬
‫هززت رأس باملوافقة على ما يقول ليواصل‪" :‬لذلك لن جتد زواجاً واحداً يف أملانيا خالل آخر عشر‬
‫سنوات قام على الشكل إال من أسذج الفاذجني‪ ،‬وقد يكون هناك من تزوج ملصلحة ما لكن ليس من‬
‫أجل الشكل ألنين أشعر بأن الشعب بأكمله تعلم‪ .‬أما ما يقوم على الشكل‪ ،‬ليس إال عالقة عابرة قد‬
‫ال تكلل بالزواج‪".‬‬
‫جاءت اليتاة وكأنها تطلب مين أن أكف عن املبالغة يف التحديق إىل وجهها وقالت "أتريدون أية‬
‫خدمات أخرى؟"‬
‫فابتفم الرجل الذي فهم معنى كالمها ومل يشرحه ل وقال "مياه غازية فقط‪".‬‬
‫شربنا املياه وأوصلين إىل اليندق‪ .‬ورغم أنه شخص مفؤول يف شركة عمالقة‪ ،‬ظل طوال الطريق‬
‫يشرح ل كيف وفر مبلغاً من املال بفبب كذا‪ ،‬وجنح بتوفري مصاريف كذا‪ ،‬فقلت للوهلة األوىل كم‬
‫أن األملان خبالء‪.‬‬
‫ثم مضينا وكأن الرجل فهم تعابري وجه وما أمجل أن تتعامل مع رجل حكيم ميلك اخلربة‪.‬‬
‫صدقين ساعة معه مبثابة قراءة مئة كتاب وخربة ألف يوم‪ ،‬فقال ل "ما نيعله هنا يف أملانيا ليس‬
‫خبالً‪ ،‬فأنا اآلن أركب سيارة ال ميلكها إال قلة يف العامل بأسره‪ ،‬لكن جيب أن تيهم أن هناك فرصًا‬

‫جيب االستيادة منها‪ ،‬فاملطعم الذي يقدم عرضًا يف حال اشرتيت منه أربع وجبات يف الشهر يفتحق‬
‫أن تطلب اشرتاكك معه مبا أنك ستشرتي بكل األحوال‪ ،‬فاملوضوع أننا ال نشرتي أربع وجبات من‬
‫أجل وجبة جمانية‪ ،‬بل نشرتي باألصل أربع وجبات واآلن نطالب حبقنا يف االستيادة من هذا‬
‫العرض‪".‬‬
‫واصل كالمه وشرح ل ‪" :‬نعرف متى نرفه أنيفنا‪ ،‬وميكن وصينا باحلريصني وليس بالبخالء‪،‬‬
‫فهناك فرق كبري جدًا يا صديق ‪".‬‬
‫أعطان هذا الرجل درساً مهماً‪ ،‬فقد كنت طوال حيات أعان من مشكلة التوفري املال ألنين كنت‬
‫أعتقد أنين لو سيطرت على إنياق سأعد خبيالً‪ .‬أذكر حواراً مع فتاة من النمفا كان بني شركيت‬
‫وشركتها عمل وشرحت هلا هذه الظروف يوماً فقالت ل "أنت حباجة إىل أن تتزوج‪ "،‬وعندما‬
‫ينقص وزن يقولون ل "أنت حباجة إىل أن تتزوج‪ "،‬وعندما يزيد وزن يقولون ل "أنت حباجة إىل‬
‫أن تتزوج‪ "،‬وعندما أمرض يقولون ل "أنت حباجة إىل أن تتزوج‪ "،‬على كل حال لن أحكم على هذه‬
‫اآل راء بالصواب أو اخلطأ ألنين مل أتزوج‪ ،‬لكن جيب أن أعرتف بأن هناك جزءاً روحياً بق ناقصاً يف‬
‫حيات لغياب الشريكة‪.‬‬
‫ال أذكر الكثري من األشياء اليت ميكن االستيادة منها من جتربيت القصرية يف أملانيا إال بعض‬
‫القصص اليت سأخربك بها‪:‬‬
‫ لقد تهت مرة بني الشوارع‪, ،‬ومل أعد قادراً على إجياد حمطة القطار اليت كانت نقطة‬‫ارتكاز التحركات يف فرانكيورت‪ ،‬وتأخر الوقت قليالً ومل أجد أحداً سوى رجل قادم معه‬
‫حقيبة سير وواضح أنه قادم من املطار‪ ،‬فأوقيته وقلت له باإلجنليزية "لو مسحت؟"‬
‫فقال "تيضل!"‬
‫"أنا تائه هنا وأريد حمطة قطار‪ .‬أنا زائر أليام قليلة فقط‪".‬‬
‫ابتفم يف وجه وقال ل "أنت حمظوظ‪ ،‬فأنا ذاهب إىل هناك‪".‬‬

‫إذاً مل يكن قد عاد من سير بل كان ذاهباً ليفافر‪ ،‬فمحطة القطار هناك تربطك مباشرة‬
‫باملطار‪.‬‬
‫ذهب مع ووصلنا إىل منطقة قطع التذاكر فأخربته أنين متجه إىل احملطة رقم "‪"7‬‬
‫فقطع تذكرة ل وقلت له "وتذكرتك؟"‬
‫قال "ال‪ ،‬مع واحدة"‬
‫ال "‪ 7333‬يورو لو مسحت" قاصدًا بذلك سعرها‪.‬‬
‫حاولت أن أدفع له فرفض ومازحين قائ ً‬
‫وعندما وصل القطار قال ل "وداعاً‪ ،‬فشاهدته يعود ليخرج من احملطة فلحقت به وسألته‬
‫"لقد قلت إنك ذاهب يف القطار!"‬
‫فابتفم وقال‪" :‬نعم ألجلك أنت‪ ،‬فأنت ضيف وسائح هنا‪ ،‬وواجيب كأملان أن أخدمك‬
‫وسأقدم مالحظة غداً حول ضياع بعض الزوار يف هذه الشوارع‪ ،‬فال بد من إضافة إشارات‬
‫توضيحية‪".‬‬
‫مضى وأنا أذكر وجهه حتى اليوم ألنه من أفضل من قابلتهم يف حيات ‪ .‬لقد علمين‬
‫درسني؛ األول أن عليك أن تفاعد الناس دون أن تشعرهم باإلحراج‪ ،‬والثان أن لوطنك عليك‬
‫واجبني يتمثالن يف حتفني صورته ومعاجلة عيوبه ال الفكوت عنها مهما كانت صغرية‪.‬‬
‫ يف القصة الثانية قمت بزيارة إىل مقر الشركة اليت دعتين لذلك املؤمتر‪ ،‬وتياجأت هناك‬‫بأن معظم اليتيات يرتدين زيا حمتشماً‪ ،‬وعندما سألت عن الفبب أبلغين مارك بأن‬
‫الدكتور املالك للشركة يرى أن هذا أفضل حتى ال يلته الشباب بالنظر إليهن وال‬
‫يتعرضن لإلحراج‪.‬‬

‫أران كيف يأت بعضهن بلباس قصري‪ ،‬ولكنهن يقمن بتغيري تلك املالبس يف غرفة خاصة‬
‫داخل الشركة‪ .‬جيب أن تيرض بعض احللول بتربير للناس وليس بطريقة أريد كذا وكذا‬
‫وانتهى‪.‬‬
‫ والقصة الثالثة أنين يف نيس يوم الزيارة لتلك الشركة قمت باجللوس مع أحد املوظيني‪،‬‬‫وتناولنا مواضيع حول منتج من املنتجات‪ ،‬وفاجأن حني ارتدى معطيه وأخربن بأن وقت‬
‫العمل انتهى! خرج ومل يكرتث لبقائ ‪ ،‬فوقيت انتهى واآلن بدأ وقته‪ .‬تضايقت يف البداية ثم‬
‫شعرت بأننا رمبا حباجة ملثل هذه الثقافة حتى ال يقتلنا العمل‪.‬‬
‫ يف ليلة أخرى‪ ،‬شاهدت فتاة متش وتتكلم غاضبة باهلاتف‪ .‬كاد الغضب خيرج من عينيها‬‫ناراً حترق من ينظر إليها‪ ،‬وقد كان الوقت متأخراً ووصلنا إىل إشارة مرور كانت تعط‬
‫اللون األمحر للمشاة واألخضر للفيارات‪ .‬مل تكن هناك أية سيارة يف الشارع‪ ،‬بل مل يكن‬
‫هناك صوت أي سيارة يف املنطقة بأكملها‪ .‬توقيت تلك اليتاة الغاضبة ومل تتحجج‬
‫باالنيعال‪ ،‬بل ظلت منتظرة حتى أصبحت اإلشارة خضراء‪ .‬عل أن أعرتف أنين كنت أنوي‬
‫عبور الشارع رغم اللون األمحر ورغم أنين هادىء‪ ،‬فليس هناك سيارات لكنها جعلتين‬
‫أخجل وأتوقف‪ .‬أحياناً ما يؤدي التزام شخص واحد بالقانون إىل جعل جمموعة كاملة‬
‫تلتزم به‪.‬‬
‫ وجدت يف مطار عمان بعض من حيملون جوازات "إسرائيلية" يقيون إىل جانبنا يف‬‫الطوابري‪ ،‬فشعرت وقتها بنرفزة هائلة ونظرت إىل وجوه مجيع أبناء جلدت العربية‬
‫فوجدت عليهم نيس التوتر والنرفزة‪.‬‬
‫أما هم فكانوا يضحكون ويتصرفون بكل أرحيية‪ ،‬فتفاءلت حينها "ملاذا ال نغيظهم‬
‫باالبتفامة أيضًا كما يغيظوننا بها؟" فاالبتفامة هلا استخدامات عدة!‪.‬‬

‫هل تعرف أنين مل أقم بالتقاط أية صورة من أملانيا ألنها ببفاطة جتربة مدهشة من‬
‫النظام ما زالت خالدة يف ذهين وال حاجة للصور ك أتذكر‪ .‬قرأت يوماً لباولو كويلو‬

‫تيفرياً مجيالً ليكرة احلج يف األديان بأنه إجبار على الفير ألن الفير يييد عقلنا ويييد‬
‫جفدنا ويعطينا وقتاً لنيكر بأمور كثرية‪ ،‬واآلن أصادق على كالمه‪.‬‬
‫حاملا عدت إىل املطار يف بالدي‪ ،‬جاء ش ء أففد ذلك الشعور اجلميل والدروس االجتماعية‬
‫اليت تعلمتها هناك‪ ،‬في مطار فرانكيورت كان اجلميع مؤدباً منظماً بوضع حقائبه‬
‫واملرور بالطابور رغم تعقيدات التيتيش األمنية‪ ،‬لكن نيس األشخاص يف بالدهم تغريوا‬
‫فباتوا يتدافعون ويتفابقون كأنهم يف غابة‪ .‬مشيت بهدوء وليس هناك ما يدفعين إىل‬
‫االستعجال من أجله‪ ،‬وكانت هناك فتاة جبانيب ابتفمت يف وجه وقالت "هل رأيت‬
‫اليرق؟"‪.‬‬
‫نعم هناك فرق كبري يف تصرفات ذات املرء حفب الدولة اليت يتواجد فيها‪ .‬أهو اختالف‬
‫الفماء؟ ال أعتقد! ما خيتلف هو رد فعل الناس جتاه اخلطأ‪ ،‬فهناك عندما خيطىء‬
‫أحدهم يوخبونه ويشكونه‪ ،‬فيما خنطىء مثله هنا متبعني البيت القائل " أال ال جيلهن‬
‫أحد علينا – فنجهل فوق جهل اجلاهلينا‪".‬‬

‫الظهور اخلامس‪ :‬هل البشر أشد غباء اآلن؟‬
‫جاء أبو خالد وأيقظ يوسف الذي استعد بفرعة دون أن يطلب منه أن جيهز هذه املرة‪ ،‬فقد أصبح‬
‫وجه أب خالد بالنفبة ليوسف أكثر إشراقاً مع أنه ذات الوجه‪ ،‬لكن جفور احملبة جتعل الوجوه‬
‫تشع ضوءاً‪.‬‬
‫وقبل أن يطلب أبو خالد من يوسف توضيح القضية‪ ،‬كان األخري مفتعداً وقال "نريد اليوم أن‬
‫نعرف إن كان الناس أكثر غباء هذه األيام؟"‬
‫فقال أكثر من شخص معًا "ماذا؟ مل نيهم!"‬
‫قال يوسف "أجابت األديان على عديد من املفائل اليلفيية‪ ،‬لكن هناك مفائل بفيطة كان العامل‬
‫يطرحها منذ القدم‪ ،‬ومنها ما معنى "حقيقة؟" وما معنى "معرفة؟" وما معنى "ضمري؟" ومن‬

‫األسئلة ايضاً "ما معنى احلياة؟" وما معنى "إنفان؟" تبخرت كل هذه األسئلة ومل نعد نفتخدمها‬
‫إال كمصطلحات دون التوقف عند معرفة معناها‪ ،‬مما أفقدها احلياة شيئًا فشيئاً‪".‬‬
‫قال صالح مندفعاً وكأن لديه إجابة‪" :‬جيب أن تعرف أن حتول احلياة إىل الفهولة يعين ببفاطة‬
‫ارختاء الدماغ وتراخ العقل وتراجع عمله وهذه حقيقة علمية‪ ،‬وبالتال أنا معك أن اإلنفان يف‬
‫العصر احلديث ييكر أقل من اإلنفان الذي سبقه واقتصر تيكريه على الشكل املادي للحياة مثل‬
‫"أين أعمل؟" و"كيف أشرتي كذا؟"‪ ،‬وهذه بالنفبة ل مربوطة بفهولة التنقل وسهولة احلصول‬
‫على املعرفة‪".‬‬
‫أراد أبو خالد أن يوضح للجميع موقيه مبكراً وقال "بصراحة ال أعرف ما الفبب‪ ،‬لكن لعل األمر‬
‫يعود إىل كثرة امللهيات ومصادر التفلية منذ الصغر‪ ،‬فاليكر يتكون يف الطيولة ويظهر يف الكرب‬
‫وحنن طيولتنا مليئة باللعب واالنشغاالت حتى أننا مل جند وقتاً لنفأل أهلنا ما كان يعرف‬
‫باألسئلة احملرجة‪".‬‬
‫نطق أبو غاندي وقال‪" :‬لو مجعنا ما قاله صالح وأبو خالد لوصلنا إىل اجلواب‪".‬‬
‫لكن صياء كان هلا وجهة نظر أخرى‪" :‬يف املاض ‪ ،‬كانوا يعيشون ويرضون بالقليل وكان املأكل‬
‫وامللبس أكرب فرق بني الثري واليقري‪ ،‬أما اآلن فأصبح اليرق أكرب بكثري وأصبح اهلدف مادي حبت‬
‫واختيت قيمة اليكرة‪".‬‬
‫حتدث كل من هبة وجوزيف معاً بأن ليس لديهما ما يضييانه‪ ،‬واستمر احلديث بعموميات بينهم‬
‫دون التوصل إىل سبب يعرفون من خالله ملاذا اختيت التفاؤالت اليكرية من عقول الناس‪ .‬اقرتح‬
‫بعضهم أن يكون نظام التعليم احلال والذي ييرض كتباً معينة على اجلميع هو الفبب‪ ،‬فهذا مل‬
‫يكن يف املاض ‪ ،‬فيما اتهم البعض التلياز والصحف‪ ،‬والبعض اآلخر لقمة العيش‪ ،‬لكن مل تكن‬
‫هناك أدلة تدين أياً كان‪.‬‬
‫بعد أن خرج اجلميع‪ ،‬كتب يوسف معلقاً على امللخص "املهم اآلن أن هناك مشكلة وجيب حلها‪.‬‬
‫هناك مشكلة فكرية ونقاشنا يف األسباب إهدار لوقتنا وال بد من وضع قائمة حلول‪ ،‬وأوهلا أن يتم‬
‫فرض التيكري على الطالب!"‬
‫*** الحظ يوسف أن أبا خالد مل يتكلم هذه املرة بلفان الدين‪ ،‬فهو يعرف بأن الرجل الفلي‬
‫أدرك أخريًا أن الرسول ذاته وصحابته مل يكن كل كالمهم منطلقًا من أساس ديين مطلق‪ ،‬بل هناك‬

‫فالسية كانوا منذ بدء اإلسالم ينطقون فكراً وعقالً لكن متقيدين حبدود الدين‪ .‬جاء إدراك أب‬
‫خالد هلذه احلقيقة يف عامل آخر ليس يف عاملنا احلقيق ‪ ،‬لذلك جتنب يوسف ذكر هذه احلقيقة‬
‫لعل ك ال ينصدم بالواقع‪ ،‬فالواقع يقول إن اليفاري واملتدين والقوم والليربال يكررون ذات‬
‫الكالم وبذات النهج حتى يصاب اجلميع بامللل ***‪.‬‬
‫نام يوسف منتظرًا اليوم التال ليكتب عن احلقيقة املخيية اليت سيخرب بها عل !‬

‫دحقيقة مخيبة‪:‬‬
‫يا هلا من حقيقة خميبة يا عل اليت اكتشيتها اآلن بفببك‪ ،‬فمنذ عدت من أملانيا حتى‬
‫يوم هذا مل تشهد حيات أي تغيري‪ ،‬بل كانت روتيناً فحفب‪ ،‬حيث أعمل صباحاً وأرتاح‬
‫ليالً وأغري أمساء األكالت اليت أتناوهلا ظناً مين أن أقوم بتغيري يف حيات ‪.‬‬
‫أضحك اآلن كاجملنون‪ ،‬فقد اكتشيت أنين لن أعدم بل أنا معدوم باألصل‪ ،‬فما فائدة‬
‫احلياة املليئة بالتكرار؟‪ ،‬وما فائدة احلياة اليت مل أغري فيها شيئاً سوى املظاهر واألمساء؟‪،‬‬
‫أما داخل فما زال كما هو‪.‬‬
‫هل تعرف أن مؤامرة املقبور‪ ،‬نعم املقبور ولن أحتلى باألخالق اآلن واملدعو حممد كانت‬
‫جمرد نهاية رمسية‪ ،‬وإمنا من كتبت النهاية بيدي؟ كتبتها بأنين عشت كما يريد اآلخرون‬
‫وليس كما أريد أنا‪.‬‬
‫املشكلة أنين أكتشف هذا اآلن‪ ،‬وأعتقد أن هذا ما يكتشيه كبار العمر مجيعاً عندما‬
‫يتقاعدون عن العمل‪ ،‬فهم يكتشيون بكل بفاطة أنهم نفيوا أن يعيشوا عندما ال يعود‬
‫لديهم احلماس إىل احلياة‪ .‬إنها ببفاطة أسوأ حقيقة ميكن أن نتوصل إليها‪ ،‬لذلك أشكرك‬
‫يا عل ‪ .‬سأصعد إىل املشنقة مظلوماً وأنا أضحك‪ ،‬ألنها ليفت النهاية بل جمرد صورة‬
‫لنهاية كتبتها على نيف منذ سنني‪.‬‬

‫رسالة ‪:‬‬
‫دخل يوسف يف صراع مع نيفه‪ ،‬فلم جيد ما يقوله لعل ويا هلا من حلظة مؤملة‪ ،‬فقد اختلق هدفًا‬
‫يف سجنه ك ميرر الوقت واآلن خيفر هذا اهلدف ألنه ال ميلك املقومات‪ ،‬أي أنه ال ميلك احلياة‬
‫اليت يتحدث عنها‪ .‬يقولون إن كل إنفان أسطورة يف حياته لكن هذا من باب القول املتفرع‪ ،‬وعندما‬
‫ندخل يف التياصيل يظهر األسطورة من غريه‪.‬‬
‫جلس إىل حافة سريره يشرب املاء وييكر‪ ،‬لقد ضاعت رسالته األخرية‪ ،‬بل إنها رسالته اليكرية‬
‫الوحيدة اليت محلها طوال حياته‪ .‬ال حيتاج البشر ألن يرثوا ماالً وال مواد عينية‪ ،‬إننا حباجة لنرث‬
‫أفكاراً ال لنبق عليها‪ ،‬بل لنبين فوقها‪ ،‬فتكون أفكاراً أخرى ينطلق بها جمتمعنا حنو التقدم‪.‬‬
‫لقد أمفك القلم وكتب بكل أمل "عل ‪ ...‬أشعر اآلن بأكرب خيبة يف حيات ‪".‬‬
‫"خيبة أكرب من خيبة ظين بالبشر عندما تآمروا عل من أجل مبلغ من املال كان من حق ‪".‬‬
‫"كم أمتنى لو أستطيع رفع قضية اآلن لتقديم حكم إعدام ‪ ،‬لكن هل سيوافقون؟ ال أعتقد‪ ،‬فبعض‬
‫أحكام اإلعدام فيها من التشي أكثر من القصاص‪".‬‬
‫ثم كتب يوسف‪" :‬ما فائدة احلياة دون رسالة فكرية نورثها ملن بعدنا؟"‬
‫ثم أضاف واألمل يعتصره‪" :‬أعتقد أن عليهم تقفيم اإلرث مرتني من اآلن فصاعداً؛ مرة يقفمون‬
‫اإلرث املال ومرة يقفمون اإلرث اليكري‪ .‬سيحرج هذا كثريين وجيعلهم يبحثون عن ش ء فكري‬
‫يورثونه ألبنائهم‪ ،‬فكم من تصرف يف حياتنا قائم على اخلجل‪".‬‬
‫مل يعد يوسف ييكر كثرياً مبا جيب أن يكتبه فقد أعلن االستفالم عندما وصل إىل نقطة ال تقدم‬
‫فيها خالل حياته‪ ،‬ووضع األوراق جانباً قبل أن يفتلمها شرط كل صباح لريسلها مدير الفجن‬
‫أسبوعياً إىل احملقق أب خليل بناء على صيقة اخلوف اليت مت عقدها‪.‬‬
‫كانت األوراق تأت بيضاء يوماً بعد يوم إىل غرفة يوسف وتعود كما ه يف اليوم التال إىل مدير‬
‫الفجن‪ ،‬ولكن مدير الفجن املرجتف كان يرسل هذه األوراق البيضاء إىل احملقق كل أسبوع وكان‬
‫األخري يعيدها إليه خمتوماً عليها بكلمة "شوهد‪".‬‬

‫خالل تلك األسابيع الثالثة من اليراغ اليكري الذي عاشه يوسف‪ ،‬كان صراع يدور يف رأس أب‬
‫خليل‪ ،‬فهو ال حيمل رسالة فكرية يف حياته أيضاً‪ ،‬وإمنا يعمل فقط‪ .‬كان يعتقد أن تربية األوالد‬
‫وااللتزام بالعبادات رسالة فكرية‪ ،‬لكن كالم يوسف كشيت له وهن اعتقاداته وأن عليه الفع‬
‫لرسالة فكرية مفتقلة‪.‬‬
‫مل يفتطع احملقق الوصول إىل حل معضلته اليكرية والصراع الذي اشتعل بفبب كلمات يوسف‪،‬‬
‫لذلك قرر العمل على حل مشكلة ذلك الشاب املقبل على اإلعدام ألنه يتشوق ليقرأ أكثر له اآلن‪.‬‬
‫أحياناً ما تشعل الكلمات صراعاً لكنها ال تغري إنفاناً إال لو انتصر جانب احلقيقية يف تلك احلرب‪،‬‬
‫فكم من إنفان هزته كلمات لكن بعد سويعات يعود حلالته الفابقة‪.‬‬
‫شعر احملقق باحلزن والتعاطف املطلق مع يوسف اآلن‪ ،‬ليس بفبب حكم اإلعدام لكن بفبب األوراق‬
‫البيضاء‪ ،‬وكان صادقاً مع نيفه عندما حدثها وقال "سبب تعاطي مع هذا املوقف أنين أشاركه‬
‫نيس األمل‪ ،‬أمل احلياة بال مغزى وحنن نظنها قيمة‪".‬‬
‫"تباً!" هذا ما قاله أبو خليل لنيفه‪.‬‬
‫"لقد راجعت حيات بأكملها حتى اآلن وليس هناك ش ء أعطيه البين ك يفتخدمه ملفتقبله‪".‬‬
‫"أنا مثله أستحق حكم اإلعدام ألنين قضيت على إنفان يف داخل وعشت أسعى وراء املال والطعام‬
‫والفلطة‪ ،‬وما اليرق بيننا وبني احليوان إال القيمة اليكرية‪".‬‬
‫اجته احملقق سريعاً وطلب من أحد املوظيني لديه رقم هاتف "ميس عبد اهلادي خالد‪ "،‬فقد عادت‬
‫من أمريكا مع زوجها نهائياً قبيل إعدام يوسف‪ ،‬لكن من ينتظر املوت مل يكن يعلم بذلك‪ ،‬أما احملقق‬
‫فقد سأل عن امسها عندما قرأه أول مرة وتأكد من هذا‪.‬‬
‫سأل املوظف من باب االستيفار "ملاذا يا سيدي؟"‬
‫فنظر إليه وقال "تعال واجلس مكان ‪".‬‬
‫شعر املوظف بأن القضية اليوم أغرب من كافة القضايا‪ ،‬ألنه اعتاد يف املاض أن جييبه بكل هدوء‬
‫ويطلعه على الفبب‪ ،‬لكن رد احملقق اليوم قاسٍ للغاية وعلى غري العادة‪ .‬انطلق ذلك املوظف مشوشاً‬
‫وتواصل مع اجلهات املفوؤلة يف شركات االتصاالت حبثاً عن رقم هاتيها‪ ،‬فأتوه بأكثر من رقم‬
‫ألكثر من فتاة فأخذها مجيعها وأعطاها إىل امليتش‪.‬‬

‫جلس الضابط إىل مكتبه وأخرج هاتيه اخلاص‪ ،‬فاملوضوع ليس عمالً هذه املرة‪ ،‬وبدأ باالتصال‬
‫وكان يفأل "هل أنت ميس عبد اهلادي؟"‬
‫"نعم‪ ،‬تيضل!"‬
‫"هل تعرفني شخصاً حمكوماً عليه باإلعدام وامسه يوسف؟"‬
‫يف احلقيقة توقع الضابط أن تكون القصة طويلة مثلما يرى يف األفالم‪ ،‬وأن الشخصية املطلوبة‬
‫سرتد يف آخر اتصال فقط بعدما يوشك أن ينال منه اليأس‪ ،‬لكن ما حصل معه كان خمتلياً وهو ما‬
‫جعله يتلعثم قليالً يف الكالم‪ ،‬فاملناسبات املياجئة الفعيدة متاماً مثل احلزينة جتعلنا ال نعرف‬
‫كيف نتصرف أو ماذا نقول‪.‬‬
‫"نعم أعرفه‪".‬‬
‫" عذراً‪ ،‬فقط ابق مع على اخلط لدقيقة‪".‬‬
‫تنيس الضابط بعمق ويريد العودة إىل الكالم معها فقال "هناك موضوع هام أريد أن أكلمك فيه‬
‫خبصوص يوسف‪".‬‬
‫فردت والدموع على خديها وكأن اسم يوسف أقوى سالح مفيل للدموع "ماذا؟ هل أعدمتموه يا‬
‫ظلمة؟"‬
‫"ال‪ ،‬وحنن مل نظلمه للعلم‪".‬‬
‫"إنه يكتب اآلن قصة وذكر امسك فيها وحنن نراقب كل حرف يكتبه‪".‬‬
‫"يكتب قصة؟ يوسف؟"‬
‫"تقصدين أنه ليس بكاتب؟"‬
‫"أجل‪ ،‬ميلك أفكارًا لكنه ليس كاتباً‪".‬‬
‫"يعيش اآلن حالة إحباط‪ .‬كان يكتب البن أخته ملخص حياته لينقل له جمموعة قيم ومبادىء‪،‬‬
‫لكنه اآلن عالق ويقول يف آخر ورقة كتبها قبل أيام "ليس هناك ش يف حيات منذ عودت من‬
‫أملانيا‪".‬‬

‫"منذ عودته من املانيا؟"‬
‫"أال تعرفني أنه سافر إىل هناك؟"‬
‫"بلى أعرف‪ .‬لقد كانت آخر مرة أمسع فيها صوته‪ ،‬اتصلت به وسألته عن أحواله وهنأته بنجاحه يف‬
‫الشركة اجلديدة وكان رده عادياً‪".‬‬
‫"ما هذا اجملنون؟ إنه يقصد بتوقف حياته أنك مل تعودي تتواصل معه‪ ".‬قاهلا احملقق بصراخ‬
‫وكأنه يعيش القصة معهما‪.‬‬
‫فأجابت ميس بهدوء "لقد كان تواصالً خمتصراً جداً احرتاماً لعقد الزواج الذي يلزمين وهو من‬
‫ساعدن على ذلك‪ ،‬لقد كان حريصاً على عدم إيذائ ‪".‬‬
‫ابتفم الضابط ألنه يرى اآلن قصة حب حقيقية تعيش بطريقة غريبة‪ ،‬وقال هلا‪" :‬هل أمر وأسلمك‬
‫نفخة من األوراق لعلك تقدرين على إخراجه من مشكلته وأزمته؟"‬
‫فأجابت "حلفن احلظ أن زوج مفافر هذه األيام‪ ،‬أين ألتق بك؟"‬
‫اتيقا على اللقاء يف أحد املقاه داخل مركز جتاري معروف‪ ،‬ومل يطل الضابط املكوث فمجرد‬
‫دقيقة كانت كافية ليفلمها األوراق ويطلب منها التواصل معه وإبقاء األمر سرياً‪ .‬لقد رأى مجاهلا‬
‫ورأى قوة ظهورها وذكاءها لذلك مل يعد يلم يوسف على تعلقه الشديد بها‪.‬‬
‫عادت ميس إىل املنزل مفرعة ألنها أرادت مفاعدة يوسف بكل ما لديها من خيارات‪ ،‬وأرادت أن‬
‫تضح بنيفها من أجله وأن تقاتل عالنية لكن عادات اجملتمع وتقاليده متنعها‪ .‬فكرت بالطالق‬
‫لتتحرر قليالً وتقاتل من أجل الشخص الوحيد الذي أحبته‪ ،‬لكن جمرد التيكري باليشل بنزاعها‬
‫مع القضاء جعلها ختيض سقف طموحها‪ ،‬وكم من طموح عمالق حتول إىل قزم بفبب خماوف‬
‫مزعومة‪.‬‬
‫أغلقت ميس هاتيها اخلليوي وأطيأت املصدر الرئيف لإلنرتنت وأغلقت التلياز‪ .‬أرادت ببفاطة أن‬
‫تركز مع يوسف فقط‪.‬‬
‫وضعت النظارة على عينيها واستعدت‪ ،‬فبدأت تقرأ يف الفاعة الثامنة مفاء ومل تقم من مكانها إال‬
‫لشرب املاء حتى انتهت والفاعة تشري إىل الرابعة فجراً‪.‬‬

‫نظرت إىل املرآة فوجدت دموعها تطغى على وجهها بأكمله‪ .‬لقد كانت تقرأ وتبك لكنها مل تشعر‬
‫ألنها كانت تعيش الواقع ال اخليال‪ .‬كانت تتصور كيف دمرت كذبة واحدة بدأتها حياة رجل‬
‫كامل‪ ،‬كان يشعر بالفعادة أمام الناس الناظرين حلياته من اخلارج‪ ،‬لكن كانت احلقيقة أمراً أخر‪.‬‬
‫ذهبت وغفلت وجهها جيداً‪ ،‬ثم أمفكت بقلم وكتبت على ورقة "هل تعتقد يا يوسف أن هناك‬
‫شخص يف الدنيا يفتحق أن تروى حياته بكل تياصيلها؟ ال‪ ،‬تعرف أن املهم هو اجلوهر‪ ،‬أكمل‬
‫رسالتك باحلديث عن اجلوهر‪".‬‬
‫اتصلت بالضابط وأخربته أن لديها احلل‪ ،‬فقال هلا "ال ميكن أن تقابليه‪".‬‬
‫قالت له "ال أستطيع أن أقابله أصالً‪ .‬سأنهار لو فعلت‪".‬‬
‫فقال "ماذا لديك إذاً؟"‬
‫فأجابت خاشية أن يتم رفض مفاعدتها‪" :‬قصاصة ورق!"‬
‫"قصاصة ورق؟ ‪.‬ماذا ستيعل مع رجل حمطم؟"‬
‫فأجابته‪" :‬النهايات العظيمة بداياتها صغرية يا سيدي‪".‬‬
‫اتيقا على اللقاء يف نيس املكان وجلس الضابط إىل الطاولة مثلما فعل يف املاض ملدة دقيقة‬
‫واحدة فقط‪ .‬شكرها وأخذ القصاصة غري مؤمن بيعاليتها وخرج بها‪ ،‬قرأها ومل يشعر منها باإلهلام‬
‫أبداً وظن أن ميس مل تعد حتب ذلك الرجل لذلك ال تكرتث‪ .‬حدث نيفه قائالً "حقاً عندما تقرر‬
‫النفاء نفيان رجل ال يعود له أي حيز يف الذاكرة‪".‬‬
‫يف الصباح‪ ،‬زار احملقق الفجن ونادى على أحد رجال الشرطة العاملني هناك وأبلغه بأن حيضر له‬
‫آخر األوراق فجاء له بأوراق بيضاء كالعادة‪ ،‬لكنه أعاد معه قصاصة ورق وطلب منه أن يعطيها إىل‬
‫يوسف وأن يقول له "وصلتك هذه الربقية‪".‬‬
‫استلم يوسف الربقية وظن أنها من أحد افراد أسرته‪ ،‬لكنه انهار ومل يفتطع الوقوف على ركبتيه‬
‫عندما رأى اخلط‪ .‬رأى الشرط ذلك وظن أن يف القصاصة حتديداً وتذكرياً مبوعد اإلعدام الذي‬
‫اقرتب‪.‬‬

‫عرف يوسف املرسل‪ ،‬رغم أنه مل يقرأ خبط يد ميس سوى كلمات قليلة يف حياته لكنها مطبوعة يف‬
‫ذاكرته حتى اآلن‪ .‬ما زال يذكر تلك اجلملة اليت تهز كيانه ومل تفتطع فتاة أن تهزه مثلها "‪-24‬‬
‫شباط‪/‬فرباير‪ ،‬هو اليوم الذي أشعرتين فيه بأنين امرأة كاملة‪".‬‬
‫لقد كان ذلك اليوم خاصاً جداً يف حياتهما‪ .‬مل تكن فيه أية عالقة جفدية كما ختيل البعض‪ ،‬لكنه‬
‫كان يوماً قضياه كله معاً‪ ،‬حيث خرجا منذ الصباح ليتناوال اإلفطار ثم استمرا بالتنقل من مكان‬
‫إىل آخر حتى تناوال وجبات الطعام كلها يف اخلارج‪ ،‬ويف املفاء تواصال على اهلاتف حتى اليجر‪.‬‬
‫شعر يومها أنه رجل كامل‪ ،‬ألن الرجل الكامل فقط يصنع امرأة كاملة‪ .‬حبوزته الورقة اآلن ويقف‬
‫منبهراً‪ ،‬لقد كان حباجة هلذه الورقة ك حييا منذ عودته من أملانيا‪ .‬توقف عن قراءتها ألنه عا‬
‫يف ذكرياته‪ ،‬ومن يعش يف الذكريات ينفى احلاضر‪.‬‬
‫بعد دقائق من احلركة املضطربة يف غرفته‪ ،‬تذكر أنه مل يقرأ سوى الكلمات األوىل من القصاصة‪،‬‬
‫فضرب على رأسه معرتفاً بالنفيان وعاد إليها ليقرأ رسالتها وييهم قوهلا "هل تعتقد يا يوسف أن‬
‫هناك شخص يف الدنيا يفتحق أن تروى حياته بكل تياصيلها؟"‬
‫تناول شيئاً من املاء وهو ما احرتفه مؤخراً أثناء اإلحباط‪ ،‬وأمفك بقلمه وجاء ببعض األوراق‬
‫واالبتفامة على وجهه وكتب‪:‬‬

‫من يستحق أن تروى دحياته بكافة التفاصيل؟‬
‫فكرت يف األمر ملياً يا عل ‪ ،‬وال يوجد إنفان تفتحق حياته الذكر بكافة تياصيلها‪ ،‬بل سيبدو ذلك‬
‫ممالً ملن يقرأ أو يفتمع‪ ،‬لذلك قررت بكل بفاطة أن أقص عليك بعضاً منها ك تشعر بالقيمة دون‬
‫إطالة غري مربرة‪.‬‬

‫من دحقك أن تبكي‪:‬‬
‫تعرضت خليانة يف حيات جيب أن أعرتف لك بها‪ ،‬بعد ميس ارتبطت بيتاة لعدة أشهر‪ ،‬وقد‬
‫كان هناك شاب يعمل معها حيب املزاح كثرياً‪ .‬بالنفبة ل استلطيته كثرياً بصراحة‬
‫لكنها كانت تقول ل "إنه ساذج سخيف ال تطيقه‪".‬‬
‫مسعت يوماً يف أغنية رائعة باإلجنليزية امسها ‪ The operator‬عن واحدة تهجر‬
‫صديقها وتذهب للعيش مع صديقه يف والية أخرى مقطعاً يقول "إنها اآلن مع صديق‬
‫الذي كانت تقول إنها تكرهه‪ "،‬وقد عشت التجربة بدوري‪ ،‬لكن احلمدهلل مل يكن صديق ‪.‬‬
‫لقد امتهنت تلك اليتاة الكذب يف معظم فرتات عالقتنا‪ ،‬وأحبت أن متثل دور الراقية ودور‬
‫املفتوعبة لكل ش ء‪ ،‬وللعلم يفتحال أن حيبك شخص وميثل بنيس الوقت صيات ليفت‬
‫فيه‪ ،‬ألن اخلداع واحلب ال يتواجدان معاً يف نيس القلب‪.‬‬
‫كنت يف إجازة من عمل واتصلت ب الفاعة العاشرة صباحاً بعد أن تشاجرنا يف املفاء‬
‫على كذبة جديدة اكتشيتها هلا‪ ،‬وأبلغتين يف تلك الليلة أنها مع صديقاتها يف جامعة‬
‫العلوم والتكنولوجيا‪ ،‬وبالصدفة كنت هناك ملقابلة صديق ل ‪ ،‬ففألتها أين بالضبط‬
‫فأخربتين باملكان‪ ،‬وتوجهت مباشرة ألفاجئها قاصداً إسعادها‪ ،‬لكنين مل أجدها وعندما‬
‫سألتها أين أنت باهلاتف مرة أخرى؟ قالت أنا يف مقهى مع صديقات ولفت يف ذلك املكان‬
‫الذي قلته لك‪.‬‬
‫ال "ملاذا تكذبني كثرياً؟"‪.‬‬
‫غضبت حينها‪ ،‬واضطررت ألصارحها قائ ً‬
‫اتصلت ب يف صباح اليوم التال وقالت بصوت منخيض جداً "حنن غري مناسبني‬
‫لبعضنا‪ ".‬لتلك اللحظة كانت األمور عادية بالنفبة ل فقد خفرت من ه أفضل منها‬
‫بكثري وخفارتها لن تعين النهاية‪ ،‬لكن ساعات قليلة فقط بعد ذلك‪ ،‬اتصل ب صديق يعمل‬
‫معها ويقول إنها "ستخطب عامر!"‬

‫عامر؟ الفاذج الفخيف بنظرها!‬
‫لقد كانت اخليانة مؤذية ل أكثر من اهلجر‪ ،‬فالرجل يكره نيفه عندما يتعرض للخيانة‪،‬‬
‫أما املرأة فتكره الرجل الذي خانها‪ .‬بكيت حبرقة يومها ال لش ء إال ألنين شعرت بطعنة ما‬
‫ك على وقتك الذي أضعته معها‪.‬‬
‫يف الكربياء‪ ،‬ال تبكِ على خائنة لكن اب ِ‬
‫قضيت أربعة أيام يف البيت يف تلك اليرتة أبك ليال ونهاراً‪ ،‬لكنين ارتكبت خطأ ال ترتكبه‬
‫أنت‪ ،‬فقد اتصلت بها وجعلتها تشعر بهزمييت‪ ،‬وهو االتصال الذي هزن من الداخل‬
‫وأخرجين من كل مشاكل ‪ .‬عندما شعرت بتصدع ذات مللمت أشالءها ورفضت اهلزمية‬
‫وأذكر جيداً أنين كتبت على ورقة أمام "قد تبك وهذا حقك‪....‬قد حتزن وهذا حقك‬
‫‪....‬لكن إياك ان تنكفر‪ "،‬وأكرر لك هذه الكلمات اآلن‪.‬‬

‫يوم ادحتفلت مبوت أدحدهم‪:‬‬
‫كنت يف الثانوية العامة‪ ،‬وقد كانت هناك انتخابات ملا يفمى جملس الطلبة‪ ،‬وهو جملس‬
‫بال أية صالحيات سوى تنييذ رغبات املدير متاماً كمجالس النواب يف البالد العربية‪ ،‬وجاء‬
‫فصل الصيف احلار فلم يعد الزي الرمس مناسباً ألنه يقتلنا فعالً‪.‬‬
‫ذهبت بصييت نائباً لرئيس جملس الطلبة وحتدثت إىل املدير‪ ،‬وأخذت مع يومها قميصاً‬
‫مما نفميه حنن "ت شريت" وكان بنيس اللون املدرس ‪ ،‬وعرضته عليه وقلت له "ماذا لو‬
‫ال من املوت يف الصيف؟"‬
‫مسحت للطالب بارتداء مثل هذا بد ً‬
‫أشاد ب ذلك املدير يومها وأخذن إىل الصف ومدحين أمام الطالب‪ ،‬وكذلك فعل يف‬
‫الطابور الصباح لليوم التال ‪ ،‬وبدأ بعض الطالب بشراء قميص مشابه له‪ ،‬وذهبت إىل‬
‫املدرسة به عدة أيام وكل سعادة باإلجناز الذي حققته‪.‬‬

‫بعد أسبوع واحد فقط من ذلك اليوم‪ ،‬وأثناء خروجنا من الطابور الصباح إىل الصف‪،‬‬
‫وجدت املدير يقول ل "أنت!"‬
‫فالتيتت إليه وقلت "أنا؟"‬
‫قال "نعم أنت‪ ،‬ملاذا ال ترتدي الزي املدرس كامالً؟"‬
‫ابتفمت ظناً مين أنه ميازحين فقلت له "لقد جئت إليك قبل أسبوع بصييت نائب رئيس‬
‫جملس الطلبة ومسحت لنا به‪ ،‬وقد أشدت ب يف الصف ويف الطابور أيضاً‪".‬‬
‫قال "مل أفعل!"‬
‫فقلت له "اسأل األستاذ عبد الرمحن" والذي كان يقف إىل جانبه‪.‬‬
‫فقال ل "أنا لفت كاذباً!"‬
‫فلم أعرف ماذا أجيبه إال بقول "ولفت أنا بكاذب أيضاً‪ ،‬فقط اسأل األستاذ عبد الرمحن‪".‬‬
‫اصطنع األستاذ عبد الرمحن انشغاله بالطلبة اآلخرين ك ال يضطر إىل الكذب‪ ،‬أو رمبا‬
‫ك ال يضطر إىل إخبار املدير بأنه كان خمطئاً‪ ،‬عندها اقرتب ذلك املدير املتناس‬
‫وصيعين على وجه بقوة‪ ،‬لكنين عدت وقلت له بنيس الكربياء‪" :‬أنا لفت كاذباً وأنت‬
‫تعرف هذا!"‬
‫فواصل ضرب يومها‪ ،‬عندها غضبت للغاية ومحلت حقيبيت املدرسية وقلت له "سأكون‬
‫حيوانًا لو عدت للدراسة يف مدرستك‪".‬‬
‫مل أكد أصل البيت حتى طلب مين والدي أن أعود وقال ل "أنت يف الثانوية‪ ،‬وتصعيد‬
‫اخلالف لن يييد إال التشويش عليك دراسياً‪".‬‬

‫أما أخ األوسط‪ ،‬فلم يعجبه الكالم وكان يريد التقدم بشكوى‪ ،‬لكن صوت والدي كان‬
‫األقوى فهو صاحب الفلطة‪ .‬عدت منكفراً إىل املدرسة وما زلت أذكره كيف ضربين ظلمًا‬
‫وأنا متأكد من تعمده فعل ذلك ب ألنين ببفاطة اقرتحت له فكرة تتعلق مبا يعتقد أنه‬
‫ثوابت ال جيب املفاس بها حول مواعيد االمتحانات‪.‬‬
‫مر عامني وكنت يف اجلامعة عندما أبلغين أحد الزمالء الفابقني يف املدرسة أن ذلك املدير‬
‫تويف وأعطان النع املنشور يف الصحيية ك أقرأه‪ .‬احتيلت يومها مبوته مبنتهى‬
‫احليوانية‪ ،‬ودعوت أصدقاء كانوا مع يف املدرسة إىل الغداء على حفاب وقضيت باق‬
‫األسبوع على شيا حيرة بال مصروف‪ ،‬واملشكلة الكربى مل تكن بارتكاب هذا اخلطأ‪ ،‬بل‬
‫أنين مل أجد أي صاحب يردعين عما أقوم به‪.‬‬
‫اعتقدت حينها أن تصريف احليوان ذلك ميكن أن جيعلين أشي غليل ‪ ،‬لكن أقول لك بكل‬
‫صراحة ما زلت أكرهه ولكنين اآلن أكرهه وأكره نيف بفبب ذلك التصرف الف ء الذي‬
‫بدر مين‪ .‬تعلمت يومها أال أحتول إىل وحش لو حاربت وحشاً‪.‬‬

‫صادحب الصيدلية‪:‬‬
‫أصبت يا عل ذات يوم حني كنت يف الثالثة من عمرك مبرض شديد‪ ،‬فأخذناك بفرعة إىل‬
‫الطبيب حملاولة الوقوف على ش ء ينقذ حياتك‪ ،‬وقد أجرينا لك بعض التحاليل الفريعة‬
‫ثم أعطانا الطبيب قائمة من األدوية‪.‬‬
‫أذكر يومها عندما دخلت بنيف إىل الصيدالن ووجد القائمة طويلة فقام جبمع األدوية‬
‫وعلى وجهه حزن كبري حلالتك اليت يراها بني يدي‪ .‬باعين أدوية مببلغ كبري لكنه كان‬
‫حزيناً عليك فعلمت أنه صيدالن حيرتم رسالته‪ ،‬ال ييرح مبرض الناس‪ ،‬فهو ييرح‬
‫لعافيتهم وحيزن ملرضهم مع أن العافية تتضارب مع مصلحته‪.‬‬

‫بعد ذلك بعام‪ ،‬مرضت مرة أخرى وذهبنا بك إىل الطبيب ومنه إىل الصيدالن ‪ ،‬وقد كان‬
‫سعيداً جداً مبرضك وباألدوية اليت نطلبها‪ ،‬بل إن وقاحته وصلت ليقول عالنية "احلمدهلل‬
‫ما زال هناك بعض الناس ميرضون‪".‬‬
‫اختذت موقياً اعتربه البعض متطرفاً يومها حني قلت له "لو مسحت‪ ،‬أعطين وصية‬
‫األدوية اليت أعطيتك إياها‪ ".‬ففألين "ملاذا؟" فقلت له "أنت ال تفتحق أن تكون صيدالنياً‪".‬‬
‫وخرجت بعدها ومل أشرتِ منه واجتهت للصيدالن األول وكان تصرفه راقياً حيث حرص‬
‫على تقديم خصم ل كما أنه نصحين بعدم أخذ دواء ألن لديه بديالً أقل مثنا منه‪.‬‬
‫العربة واضحة يا عل ‪ ،‬األول صيدالن حيرتم علمه والثان صاحب بقالة جيعلونه يبيع‬
‫أدوية ال حيرتم أي علم بل ال حيرتم نيفه‪ ،‬حتالف مع األول وقاطع الثان !‬

‫استغالل‪:‬‬
‫جيب أن أعرتف لك أن هناك نفاء يفئن لكافة بنات جنفهن‪ ،‬متاماً مثلما هناك رجال‬
‫ييعلون نيس الش ء‪ .‬عند بدايات حيات ‪ ،‬مل أكن يف وضع مادي أو اجتماع جيد فكانت‬
‫هناك فتيات غري مفتعدات للنظر إل ‪.‬‬
‫لكن مع حتفن الظروف‪ ،‬بدأت أشعر أن بعضهن مفتعد للدخول يف عالقة حب وزواج مع‬
‫من أجل الثراء الذي وصلت إليه‪ .‬أمتنى اآلن فقط لو تزوجتهن مجيعاً ألجعلهن أرامل من‬
‫بعدي‪ ،‬ألنهن مل يدخلن من أجل احلب بل من أجل أمر آخر‪.‬‬
‫ل صديق كان يعيش يف دب ‪ ،‬وتعلقت به فتاة بشكل غريب جداً لدرجة أنه كان خيربها‬
‫أنه مل يعد يريدها وه تبك وتقول له "أنا موافقة لكن سأبقى معك‪ "،‬وكان وضعها غريبًا‬
‫وسأل هذا الصديق نيفه‪:‬‬

‫هل أنا مجيل جداً؟ ال!‬
‫هل أنا ثري؟ ال!‬
‫هل أنا صاحب شخصية قل نظراؤها؟ ال!‬
‫حاول أن يعرف ملاذا‪ ،‬فمثل دور الشخص احملب هلا وبدأ يفتمع إليها‪ ،‬لتخربه "حلم أن‬
‫أعيش يف دب ‪ ،‬وأن أعود إىل املكان الذي نشأت فيه‪ ".‬ففأهلا بلحظة هدوء مغتنماً صراحتها‬
‫"ولذلك تتمفكني ب ؟"‬
‫فأجابته ضاحكة "هذا سبب من أسباب‪".‬‬
‫وعندما سأهلا عن باق األسباب ذكرت كلمات مكررة روتينية مثل "طموح" و"مهذب‪ "،‬رغم أنه مل‬
‫يكن يعرف من الطموح إال امسه‪ .‬أما التهذيب‪ ،‬فغالبية الناس مهذبني‪ ،‬لقد أدرك جيداً أن هذا‬
‫التمفك ليس به بل بدب ‪ ،‬وماذا لو عاد منها؟ هل ستخونه؟ هل سترتكه؟ عندها قطع اتصاله بها‬
‫يف تلك الليلة وحتى هذا اليوم‪.‬‬
‫هل تعرف يا عل ؟‬
‫لقد قالت ل واحدة من أكثر الصديقات اليت احرتمتهن يف حيات "لو أجابين من حيبين بذكر‬
‫أسباب حلبه فهو ال حيبين‪ ،‬ألن احلب ال أسباب له‪ .‬ولو كان هناك أسباب فذلك إعجاب‪ ".‬أوافقها‬
‫متاماً‪ ،‬وتذكر أن تفتخدم هذا يف حياتك‪.‬‬

‫الظهور السادس‪ :‬عوائق في طريق النجاح‬
‫كانت كأية ليلة‪ ،‬لكن ما ميزها أنها األوىل اليت ال يأت فيها أبو خالد إليقاظ يوسف‪ ،‬بل كان‬
‫صالح اليوم هو املبعوث‪ ،‬وعندما سأل يوسف عن األمر قالوا له "لقد جاءك يف املرة األوىل ويريد أن‬
‫يكون ظهوره الفابع وداعيًا لك‪".‬‬
‫بدأ صالح اجللفة بفؤاله "ما هو موضوعنا اليوم؟"‬
‫فقال يوسف‪" :‬عوائق يف طريق النجاح‪".‬‬

‫عندها قالت صياء بكل عيوية "لكن ماذا تريد بهذا وقد اقرتب موعد إعدامك؟"‬
‫ضحك اجلميع لردة فعلها احلادة واملؤملة يف ذات الوقت‪ ،‬فقال يوسف "أذكرك بأن اجللفات هذه من‬
‫أجل شاب صغري وليس من أجل ‪".‬‬
‫بدأ أبو غاندي عد العوائق من وجهة نظره االشرتاكية "األنانية والطمع وعدم الشعور باآلخرين‬
‫وعدم احرتام أهمية اجلميع‪".‬‬
‫ثم جاء دور هبة وانطلقت من كونها حقوقية وامرأة "إماتة القلب ناحية العواطف دون الثقة بها‬
‫واالهتمام امليرط بكالم الناس‪".‬‬
‫ثم جاء دور صياء وقالت من نظرتها املتدينة البفيطة "من جيعل شهواته تفيطر عليه‪ ،‬وال جييد‬
‫ترتيب أولوياته‪".‬‬
‫تدخل بعدها صالح وقال "األعداء كثر‪ ،‬أهمهم بالنفبة ل عدم تنظيم الوقت وعدم وضوح اهلدف‬
‫وعدم مراجعة ما نقوم به‪".‬‬
‫أما جوزيف فقال "الفلبية والتشاؤم وعدم القراءة والتشكك بكل ش ء جديد والتناقض بني أهدافك‬
‫وتيضيل االسرتخاء على العمل‪".‬‬
‫وقال يوسف هلم "مجيع ما سبق" وهو يبتفم‪.‬‬
‫انتهت تلك اجللفة وكان بادياً على وجوههم بعض عالمات احلزن الشديد‪ ،‬ألنهم يعلمون أن‬
‫النهاية اقرتبت هلم وله‪ ،‬فهم أيضاً سيموتون يف عاملنا مع عودتهم الفابعة ولن يعودوا قادرين على‬
‫احلياة فيه من جديد‪.‬‬

‫عن احلب والهدوء‪:‬‬
‫هذا آخر موضوع سأطرحه عليك يا عل يف هذه األوراق‪ ،‬ثم سأترك لك رسالة الوداع‬
‫األخرية وتوضيحات قد حتتاجها‪ ،‬وسأخلص لك كل ما عرفته عن هذه احلياة؛ إنهما احلب‬
‫واهلدوء!‬

‫فاحلياة بال حب ال معنى هلا‪ ،‬وال هدف فيها‪ ،‬ومن ينكر على الناس احلب يف هذه احلياة‬
‫يطالبنا بأن نكون يف درجة أقل من احليوانات‪ .‬تذكر دائماً أنك ك حتيا عليك أن حتب‪ ،‬أن‬
‫حتب شريكة حياتك‪ ،‬أن حتب عملك‪ ،‬أصدقاءك‪ ،‬أن حتب كل ما تفتطيع أن حتبه لتحيا‪.‬‬
‫أستطيع القول أنين كنت حمباً جيداً‪ ،‬فقد رفضت أن حتتل قليب أية فتاة بعد تلك اليتاة‬
‫اليت غريتين وجعلتين إنفاناً أفضل‪ .‬لقد رفضت أن يطأ هذا القلب أي كان بعد أن غادره‬
‫احلب احلقيق الكامل‪ .‬صحيح أن هناك من توهمت حبهن‪ ،‬لكن قليب كان مقيالً‬
‫ومدافعاً حصيناً عن نيفه ضد منطق وعقل ‪.‬‬
‫كثرياً ما ستفمع نيس الفؤال "كيف تعرف أنك حتب شخصاً ما حبق؟" اجلواب الوحيد‬
‫واألكيد هو "أن تكون مفتعداً للتضحية من أجله‪ "،‬مفتعداً لفماع كالم الناس ومفتعداً‬
‫خلفارة ش ء من حريتك وجزء مهم من حياتك‪ ،‬فقط لتكون معه إىل األبد‪ .‬أال تفتطيع‬
‫ختيل حياتك بدونه‪ ،‬هذه ه شروط وجود احلب وما تبقى جمرد ظواهر تنعكس عنه‪.‬‬
‫ومن جنون احلب أننا قد حنب شخصني معاً‪ ،‬فاملوضوع كبنك يف القلب‪ ،‬لكل شخص رصيد‬
‫فيه‪ ،‬فلو عرفت امرأة ورفعت رصيدها يف قلبك إىل درجة "احلب" عن طريق التياهم‬
‫واإلعجاب واملواقف‪ ،‬قد تقابل امرأة أخرى تبدأ برفع رصيدها أيضاً وقد تصل فينا األمور‬
‫إىل أن يكون يف قلبنا رصيدين بدرجة "أحبك" لكن هناك حب فوق حب بفبب اختالف‬
‫الرصيد‪ .‬لذلك نصيحيت لك أن تتجنب هذا املوقف متاماً‪ ،‬وتتجنب إدخال أي امرأة‬
‫بتياصيل حياتك طاملا توجد معك امرأة أخرى حتبها ألن الرصيد يرتيع دون أن نشعر ودون‬
‫أن نيكر بناء على التصرفات واملواقف‪ ،‬كما أن هذا الرصيد يف القلب ينقص مع اخلالفات‬
‫ومع اجلدال‪.‬‬
‫آخر ما أذكره لك عن احلب أن بعضنا يظهر زيف حبه عند االنيصال وليس أثناء العالقة‪،‬‬
‫فحاملا خيربنا الطرف اآلخر "انتهى كل ش ء‪ "،‬ننتيض ليس من أجل خفارة احلب بل‬
‫ألننا نشعر أنه مت رفضنا شخصياً‪ .‬يعترب هذا الشعور أنانية بالنفبة للحب‪ ،‬فما دمنا نقدم‬
‫أنيفنا على احلب فنحن يف حب زائف وليس يف عالقة حقيقية‪.‬‬

‫أما اهلدوء‪ ،‬فهو الوجه اآلخر للحياة الفعيدة أيضاً‪ .‬أذكر اآلن حلظات غضيب يف حيات‬
‫اجلامعية واملهنية‪ ،‬وقد كانت حلظات تيوهت أثناءها بأقوال سيئة جدًا ال ترتق ملا أنا عليه‪،‬‬
‫حلظات نتجت عنها تصرفات أندم عليها حتى اآلن‪ ،‬ومنها خروج بعد منتصف الليل من‬
‫أجل أخذ دين ال أحتاج ماله لكن غضيب كان احملرك والدافع للضغط‪.‬‬
‫يقولون اهلدوء سلطان‪ ،‬وعليك أن تفتحوذ على هذا الفلطان وأن تعاتب نيفك بعد كل‬
‫حلظة تيقد فيها أعصابك‪ .‬أكثر من القراءة‪ ،‬فهذا يفاعدك على التيكري‪ ،‬والتيكري‬
‫يفاعدك على ضبط الغضب‪ ،‬وأؤكد لك أن نوعية الطعام تفاهم كثرياً يف ضبط أعصابك‬
‫وجعلك أكثر هدوءاً خصوص ًا لو ركزت على اخلضروات واليواكه‪.‬‬
‫لو تأملت يف حياة العظماء احلقيقيني ستجد فيها عنصرين اثنني دائماً؛ احلب واهلدوء‪،‬‬
‫فكن عظيماً‪ ،‬وكن حمبًا وهادئاً‪.‬‬

‫اعشق امرأة كاملة!‪:‬‬
‫أمفك يوسف القلم ودموعه متأل عينيه وتنفال على وجهه وكتب‪:‬‬
‫قلت لك من قبل أن ال تعشق امرأة كاملة ألن هذا سيجعلك تتعب من بعدها‪ ،‬واآلن أقول لك‬
‫"اعشقها" ألنها خملصة وإن رحلت‪ ،‬على قيد احلياة وإن ماتت‪ ،‬معك وإن هجرتك‪ ،‬إنها مشفك وإن‬
‫غابت‪ ،‬كل ذلك جيعلين أعتذر عما قلته من قبل وأدعوك بوضوح اآلن "اعشق املرأة الكاملة‪".‬‬

‫من هو محمد؟‬
‫هل تذكر ذلك الشاب الذي أحرجته يف اجلامعة وكشيت عن زيف العالمات اليت يرددها؟‬
‫إنه حممد!‬

‫لقد كان كاذباً يف الصغرية فكذب يف الكبرية‪ ،‬فما لبث اخلداع والزيف جيريان يف دمه‬
‫وكنت أعرف هذا‪ .‬رمبا كان اجلرح يف قلبه خالداً ومل يفتطع التعامل معه فقرر االنتقام‬
‫مين‪ ،‬وعندما جاء وطلب املال مل تكن هناك قصة جيب ذكرها فما فعله أنه طلب مين‬
‫مباشرة قائالً "أريد مخفة آالف دوالر ألنين أنتقل إىل بيت جديد‪ "،‬فقمت بتلبية طلبه دون‬
‫تردد ثم سألين "مخفة آالف أخرى" وأعطيته إياها ومل خيطر ببال أن تكون بأموال‬
‫نهاييت‪.‬‬
‫مل أشدد عليه بطلب الدين أبداً‪ ،‬ولكنه حاول استيزازي واستغل فرص تواجدي مع بعض‬
‫األصدقاء ليتحدث أمامهم عن أموال كثرية دفعها والرسالة واضحة "لقد سرقتك‪ "،‬وكأنه‬
‫يود االنتقام من ذلك املوقف احملرج الذي وضعته فيه قبل سنوات عندما كذب بشأن‬
‫عالماته‪ .‬هذا ما استيزن وليس املبلغ‪ ،‬فاملال الذي كان مع أكرب بكثري من هذا الدين‪.‬‬
‫ألول مرة اآلن أدرك أنك لو تعرضت لالستيزاز فاالنتصار ليس برد اليعل بل باهلدوء‪ ،‬وكأن‬
‫تبفمك يف وجه مفتيزك انتصار‪ .‬لن أذكر تياصيل عالقيت مع حممد‪ ،‬لكنين أذكر لك‬
‫احلكمة "عندما ختطىء حبق أحدهم فتذكر امسه جيداً‪ ،‬ألنه قد حياول االنتقام‪ ،‬وال تثق‬
‫بالغيران لكن متناه‪ ".‬ال أطلب منك الفلبية فليس احلذر منها‪ ،‬احذر ممن جرحته! فلو‬
‫غير ستكون يف مأمن‪ ،‬ولو مل يغير فلن تتعرض لإلعدام‪.‬‬

‫الظهور السابع‪ :‬دحكم يؤمنون بها‬

‫*** إنها الليلة قبل األخيرة ملوعد إعدام يوسف‪ ،‬إنه املوعد املتفق عليه لقدوم‬
‫الرسومات من جديد ***‬
‫كان الظهور هذه املرة مميزاً فقد دخلوا معاً إليقاظ يوسف‪ ،‬وكان كل ش ء جاهزاً على الطاولة من‬
‫شراب وطعام‪ ،‬وأبلغوه بأنها جلفة ليفت للنقا‬

‫بل للحديث عن احلياة بشكل عام‪ ،‬واملياجأة أن‬

‫جملس البعد اخلاص بهم األعلى مسح هلم باجللوس ساعة كاملة قبل انتهاء بعثتهم إىل حياتنا‬
‫وليس نصف ساعة كما كان يف املاض ‪.‬‬
‫مضت اجللفة بني نكات خييية ضحك عليها اجلميع‪ ،‬وتذكري ببعض القصص اجلميلة اليت‬
‫عرفوها‪ .‬لقد كانت جلفة شغلت يوسف عن أحزان عيشه الليلة قبل األخرية يف حياته‪ ،‬مل يعد‬
‫ييكر ببقاء يوم غد له فقط وبعده سيكون موعد اإلعدام‪.‬‬
‫يف ختام تلك اجللفة‪ ،‬قال هلم يوسف "هل ل بطلب بفيط؟"‬
‫قالوا له "تيضل!"‬
‫قال‪" :‬أريد أن نقوم بدورتني بيننا ليقول كل شخص فينا حكمة حيبها‪ ،‬فما رأيكم؟"‬
‫وافق اجلميع‪ ،‬فعادة ما تبدو احلكم مجيلة وحترك املشاعر يف الناس‪.‬‬
‫أبو خالد‪" :‬من ينتصر على غريه قوي‪ ،‬لكن من ينتصر على نيفه أقوى‪".‬‬
‫صالح‪" :‬لوال الظلمة احلالكة من حوهلا‪ ،‬ملا كانت النجمة رمزاً للتألق‪ ،‬لذلك ال جتعل احمليط‬
‫الف ء حيبطك‪".‬‬
‫أبو غاندي‪" :‬أكثر شخص جيب أن خيجل من نيفه كل ليلة قبل نومه هو من حياول قطع الطريق‬
‫على اآلخرين ك ال يتقدموا عليه! إنه عديم الثقة بنيفه ويرى أن قيمته صيراً!"‬
‫هبة‪" :‬ال جتعل مرضى القلوب أو العقول يؤثرون على أفعالك أو أقوالك‪ ،‬جيب أن تُحاسب على‬
‫أقوالك وأفعالك فقط ال على ما ييهمونه هم‪".‬‬
‫صياء‪" :‬الفعادة من دون سبب‪ ،‬نعمة!"‬
‫جوزيف‪" :‬عندما يكون لديك هدف يف حياتك‪ ،‬تهون كافة املصاعب‪".‬‬
‫أبو خالد‪" :‬يفتطيع البعض أن ينكر احلقيقة كما يشاء‪ ،‬لكن هذا ال يني وجودها‪".‬‬
‫صالح‪" :‬يضيع كثريون وقتهم بالندم على ما مضى ثم يضيعون وقتهم بالندم على الندم على ما‬
‫مضى‪ ،‬وهكذا تتطور سلفلة الندم على الندم على الندم ليندمون يف النهاية على عمرهم بأكمله!"‬

‫أبو غاندي‪" :‬مشكلة املشاكل أننا نبحث دائماً عن إثبات وجهة نظرنا يف احلوار أو أثناء اخلالفات وال‬
‫نبحث عن احلقيقة‪".‬‬
‫هبة‪" :‬حنكم مجيعنا على اآلخرين بكل قفوة‪ ،‬فهل جنرؤ على وضع أنيفنا حمل اتهام يف كل‬
‫تصرفاتنا وحنكم عليها بنيس معايري حكمنا على اآلخرين؟"‬
‫صياء‪" :‬من حيبنا تكييه ابتفامة‪ ،‬ومن حيب نيفه ويعتقد أنه حيبنا‪ ،‬ال يكييه لو منحناه العامل‬
‫بأكمله‪".‬‬
‫جوزيف‪" :‬يوم بال معلومة جديدة يف حياتك‪ ،‬يوم دون حياة‪".‬‬

‫ختم يوسف ملخصات خروجهم بكتابته "كان هذا الظهور األخري هلم‪ .‬أريد تذكريك مبا قلته‬
‫سابقاً عن سبب سهولة نقاشات معهم‪ ،‬وعن تغريهم الفريع‪ ،‬الفبب هو أنهم ال ميلكون األنا يف‬
‫عاملهم كما منلكها حنن وال ميلكون األهداف اخليية خلف أشكال خمتلية من األقنعة‪ ،‬فاألنا يا‬
‫صديق عدو احلقيقة واألقنعة عدو اإلنفانية‪.‬‬

‫آخر كلماتي‪:‬‬
‫توقيت عن الكتابة ليرتة قبل أن أستأنف هذا النشاط يوم أمس عندما دونت لك قصة‬
‫الرسومات اخليالية تلك‪ .‬أنتظر اآلن موت صباح الغد كما هو مقرر‪ ،‬وما أريد تأكيده لك‬
‫أنين أموت ظلماً وأموت مظلوماً‪ .‬أعذر القاض ألنه بالتأكيد مل يتعمد ظلم ‪ ،‬لكن‬
‫القانون أعمى بل وغيب أهوج‪ .‬ما زلت أؤمن أن القصاص عقوبة ربانية وفيه حد من‬
‫اجلرمية‪ ،‬لكنين ال أؤمن بأن العقاب جيب أن يكون دون أن يران أحد أو أن أعرتف من تلقاء‬
‫نيف ‪ ،‬فكافة االفرتاضات قابلة للخطأ‪ ،‬وكافة األراء والتحليالت حمتمل أن تضل؛ وعليه‪،‬‬
‫سيتم إعدام بناء على قناعة ال على تأكد‪.‬‬

‫ما أمتناه أن أرى رجالً حقيقياً يناضل من أجل تطوير عقوبة اإلعدام ال إلغائها‪ ،‬وإن خرج‬
‫بعض اجلهلة الذين ال يفتخدمون عقوهلم ويتكلمون فقط وحياولون االختباء خلف‬
‫جدار الدين فليواجههم ويفأهلم "إن كان اهلل يقبل بقتل إنفان بناء على الشك فقط!"‬
‫ميكن استبدال عقوبة اإلعدام يف حال مل تكن اجلرمية مؤكدة ومل يكن االعرتاف ذاتياً من‬
‫قبل القاتل بالفجن ألعوام حتى تتكشف مزيد من اخليوط‪ ،‬وجيب أن تتوقف سياسة‬
‫األمن القائمة على عد "القضايا املغلقة" ونأت بفياسة "القضايا املغلقة بشكل صحيح وإن‬
‫كانت واحدة فقط‪".‬‬
‫اليوم هو آخر يوم كامل أحياه‪ ،‬وغداً لن أعيشه بأكمله‪ ،‬بل سيتوقف عندما يتم شنق‬
‫ووضع حد حليات ‪ .‬أريد أن أؤكد لك أنين لفت خائياً‪ ،‬فنحن خناف من خفارة األشخاص‬
‫من حولنا ومن خفارة األشياء اليت منلكها‪ .‬أما أنا فقد اعتدت هذه اخلفارة بفبب الفجن‬
‫لعدة أشهر قبل هذا اليوم‪ ،‬لذلك سأكون غداً بال خفارة‪ ،‬لكن شيئاً واحداً جيعلين أتفاءل‬
‫"كيف املوت؟" أي كيف تكون حلظة املوت!‬
‫مفح يوسف دموعه عن عينيه ألنه يعلم كذبه فهو حزين ألنه مظلوم‪ ،‬وحزين ألنه‬
‫سييارق أحالمه وأهله وعشقه الوحيد‪ ،‬ثم متالك نيفه وكتب "سأبتفم غداً‪ .‬سأبتفم يا‬
‫عل غداً‪ .‬أعدك بأن أقف أمام الظلم بابتفامة فما أمجل أن تواجه هذه الدنيا حتى مبوتها‬
‫بشياه تبتفم!"‬
‫هل تعلم أن املوت جزء من احلياة؟ إنه مرحلة ال بد منها حتى تكتمل دورة حياة كل إنفان‪،‬‬
‫بعيداً عن اليلفية تأكد‪ .‬سأرحل مبتفماً‪ ،‬وأريد منك أن تبقى مبتفماً حتى حتني ساعة‬
‫الرحيل!‪.‬‬

‫اإلعدام‪:‬‬
‫مل ينم يوسف يف تلك الليلة‪ ،‬فكان ييكر يف موعد النهاية وأن زوجة حممد مل تعرتف حتى‬
‫اآلن باملؤامرة‪ ،‬كان يتمنى أن حيصل ش ء إعجازي كما يشاهد يف اإلفالم الفينمائية حتى‬
‫مسع صوت آذان اليجر‪ ،‬فأيقن أن املعجزة مل حتصل وأن النهاية اقرتبت‪.‬‬

‫بعد صوت اآلذان‪ ،‬قام مفرعاً حامالً إحدى الطباشري وبدأ برسم نيفه على احلائط أكثر‬
‫من مرة‪ .‬أراد العودة إىل احلياة يف املفتقبل لنصف ساعة من الزمن على األقل‪ ،‬فهذا سر مل‬
‫يعرفه غريه وال يفتطيع أن خيرب به أحداً‪.‬‬
‫رسم صورته على اجلدران مراراً وتكراراً‪ ،‬لعل حمكوم أخر يقيم يف نيس الزنزانة يعيده إىل‬
‫احلياة يف املفتقبل للتحاور معه‪ ،‬ومبا أن صورته متكررة فلكل حمكوم مفتقبل نصيب من‬
‫تلك الرسومات تطلب يوسف إىل احلياة من جديد‪ ،‬وكأنه ينشد اخللود يف حلظاته‬
‫األخرية‪.‬‬
‫عاد إىل الورق مفرعاً وكتب ورقة إضافية وقال فيها "يا عل ‪ ،‬ارمسين على احلائط وصلِ‬
‫ك تران أحتول واقعاً‪ ،‬ومتنى ذلك من كل قلبك‪ ،‬فمن يدري فقد حيدث هذا!"‪.‬‬
‫يف غضون ذلك‪ ،‬كانت زوجة حممد تصل وتفتغير ربها‪ ،‬لكن الفؤال الذي جيب أن‬
‫نطرحه "هل سيغير اهلل ملن يفتغيره وما زال بيده إصالح ما ارتكبه من خطأ؟" ما زالت يف‬
‫األرض روح يوسف وما زال باإلمكان إنقاذها واالستغيار منذ اآلن كفبق اإلصرار على‬
‫اجلرمية‪.‬‬
‫يف بيت مجيل بأثاثه الراق ‪ ،‬كانت ميس جتلس على كرس وتيكر بفاعات حبيبها‬
‫األخرية‪ ،‬متفح دموعها كل دقيقة متأكدة متاماً من براءة يوسف‪ ،‬لكن القضية خارج‬
‫الفيطرة‪ ،‬وكم يصعب انتظار موت عزيز‪ ،‬بل أصعب من املوت نيفه‪ .‬متنت بداخلها لو تأت‬
‫معجزة أو ليتم إعدامه اآلن فاالنتظار أشد أملاً‪.‬‬
‫أما هناك يف بيت احملقق أب خليل‪ ،‬وهو بيت رجل من الطبقة الوسطى‪ ،‬كان احملقق‬
‫جيلس على طاولة الطعام يف املطبخ‪ ،‬وه طاولة صغرية ال يفتخدمونها عادة ألن طبقته‬
‫اعتادت األكل على األرض‪ .‬كان ينتظر اخلروج ك يصل اليجر‪ ،‬ووضع على تلك الطاولة‬
‫ورقة وبدأ يكتب نص استقالته‪ ،‬ثم خرج من البيت إىل الصالة ومنها ذهب إىل مقر عمله‬
‫ووضع االستقالة يف بريد مفؤوله ومضى مباشرة إىل الفجن الرئيف حيث تتم عملية‬
‫اإلعدام‪.‬‬

‫جاء عدد من رجال األمن واصطيوا خارج سجن يوسف‪ ،‬وهناك دخل مدير الفجن مع‬
‫اثنني من رجال الشرطة منزوع الفالح خشية أن يفتطيع احملكوم باإلعدام خطف أي‬
‫من أسلحتهما‪ ،‬فأخربوه أنه اليوم املقرر إلعدامه وأن عليه اخلروج معهم بهدوء‪.‬‬
‫نهض يوسف بتكاسل بعض الش ء‪ ،‬وخوف كان يفيطر على داخله‪ ،‬وعندما خرج وجد‬
‫كافة رجال األمن بانتظاره ليشعر بهيبته اليت جلبت كل هؤالء‪ .‬ذهب اخلوف للحظات‬
‫وكأن الفطحية جزء من اإلنفان‪ ،‬وأثناء تقدمه إىل الغرفة تذكر وعده لعل "سأموت وأنا‬
‫أبتفم‪ "،‬فمضى خبطوات أكثر ثقة الحظها مدير الفجن نيفه‪.‬‬
‫وصلوا إىل غرفة اإلعدام‪ ،‬وكانت الرهبة ساكنة املكان ما عدا من يوكل إليهم تنييذ حكم‬
‫اإلعدام‪ .‬إنها ملهنة جيب أن يتقاعد منها اإلنفان بعد عام واحد فقط لو كان هناك عدل‬
‫ومنطق‪ .‬هذا ما فكر به يوسف‪ ،‬ثم تذكر أن عليه أال ييكر بش ء‪ .‬تقدم منه الواعظ فتلى‬
‫النص التقليدي الذي ال يؤثر مبيت وال ح ‪ ،‬ألنه ببفاطة مكرر والتكرار ييقد الكلمات‬
‫حياتها‪.‬‬
‫ثم سألوه "هل من ش ء تريده؟"‬
‫فقال "فقط ‪ ...‬قولوا ألهل أنين مت مبتفماً‪".‬‬
‫هز الواعظ رأسه ووعده بذلك‪ ،‬فتقدم يوسف خبطى ثابتة مل يتوقعها أحد حنو حتيه‬
‫وابتفم ابتفامة كاملة‪ ،‬مما جعل من يقدم على إعدامه يبتفم أيضاً‪ ،‬فلالبتفامة عدوى‬
‫تنتقل حتى يف حلظات املوت‪.‬‬
‫وعندما التف احلبل حول عنق يوسف‪ ،‬مسع كل من يف الغرفة مكربات صوت من رجل‬
‫يصرخ "يفقط حكم اإلعدام األعمى‪".‬‬
‫ثم تكرر األمر‪" :‬يفقط حكم اإلعدام املشكوك يف صحته‪".‬‬

‫رفع مدير الفجن يده كإشارة ملن يريدون تنييذ احلكم بالتوقف‪ ،‬فخرج ومعه اثنني من‬
‫املرافقني للتأكد من مصدر الصوت فوجدوه أبا خليل يهتف لوحده‪ ،‬فأرسل املدير بعضًا‬
‫من رجال األمن حنوه ليتم إيقاف صوته وعاد إىل مقر اإلعدام فوجد يوسف حيافظ على‬
‫ابتفامته واجلو هادىء وكأن املالئكة حتضره‪.‬‬
‫مت تنييذ أول حكم إعدام بابتفامة طيبة يف تلك الغرفة‪.‬‬
‫خرج اجلميع من غرفة املوت‪ ،‬ونيذ الواعظ الوصية باتصاله بأهل يوسف وأبلغهم أنه مات‬
‫مبتفماً وأن ذلك دليل على براءته وأنه يفأل اهلل له املغيرة‪ .‬أما أهل يوسف‪ ،‬فلم تكن تلك‬
‫الكلمات تكييهم ألنهم انهاروا بالبكاء على فقيدهم الربيء‪ ،‬وكان عل أكثرهم انهياراً ومل‬
‫يكن يعرف حتى ذلك اليوم أن هناك إرث كبري ينتظره – إنه إرث ذو قيمة دائمة‪ ،‬فهو فكرة!‪.‬‬
‫دفن يوسف‪ ،‬ولكنه ما زال سعيداً يف قربه ألنه حاول إبالغ رسالته وما إن يؤمن أحدهم‬
‫بيكرتك فإنك شخصياً لن متوت‪ ،‬وكذلك احلال مع فكرتك اليت ستفتمر‪ .‬تلقى ذلك القرب‬
‫زيارة يومية يف البداية من أهل يوسف وكانت هناك ميس اليت مل جترؤ على االقرتاب منه‬
‫وإمنا اكتيت بإطالالت بعيدة يف األيام األوىل‪.‬‬
‫جترأت بعد أيام وتقدمت ومعها بعض األلوان املخصصة للكتابة على احلجارة‪ ،‬فكتبت‬
‫"لقد كان رجالً عظيماً – لقد كان رجالً كامالً‪ "،‬وما إن أنهت الكتابة حتى قالت "رمحك‬
‫اهلل‪ "،‬ومع تلك الكلمات شعرت باهتزاز القرب واهتزاز ترابه وكأن يوسف استعاد حياته‬
‫بيضل قربها منه‪ ،‬أو رمبا تهيأ هلا هذا‪ .‬انصرفت بهدوء وأقفمت على اإلخالص بزيارته يف‬
‫تاريخ ‪-24‬شباط من كل سنة‪ ،‬تاريخ كمال االثنني‪ ،‬كمال الرجل وكمال املرأة‪ ،‬ومن قال إن‬
‫الكمال غري موجود‪ ،‬فاهلل خيلق كل ش ء وخلق الكمال ومن يفتطيع حتقيقه فلييعل‪،‬‬
‫وليس اإلنفان الكامل باله وإمنا مبفتييد مما صنعه لنا اهلل‪.‬‬
‫بعد أشهر‪ ،‬فتح أبو خليل بيته فوجد شاباً صغرياً قال له‪" :‬امس عل ‪ "،‬ثم سلمه ورقة‬
‫فتحها فوجد فيها "من يتنازل عن امللك أعظم من امللوك ‪ -‬جربان خليل جربان‪ ".‬كانت‬

‫رسالة شكر من عل ملوقف أب خليل الذي نشرته الصحف‪ ،‬وقد قرأ عل ما كتبه خاله‬
‫وبات مؤمنًا به‪.‬‬
‫اصطحب احملقق "الفابق" عل معه وزارا بيت زوجة حممد اليت رفضت استقباهلما يف‬
‫البداية‪ ،‬لكنها بعد ذلك وافقت واعرتفت هلما بكل ش ء‪ ،‬اعرتافاً لن يغري شيئاً سوى أن أبا‬
‫خليل بات أكثر إمياناً يف نضاله من أجل إيقاف حكم اإلعدام عند عدم التأكد‪ ،‬وما زال‬
‫خيرج كل يوم مجعة وينادي باألمر وينضم إليه بعض األشخاص ويتلقى رسائل التكيري‬
‫بشكل دائم‪ ،‬لكن من يؤمن باحلق ال يثنيه عنه من يغرق يف الباطل لدرجة جتعله يرى‬
‫الظالم نوراً‪".‬‬
‫يف غرفة عل ‪ ،‬هناك رمسة ليوسف على احلائط‪ ،‬خيرج منه مرة كل أسبوع ولعدد ال ينته‬
‫كمكافأة له على موته ظلماً‪ ،‬يتحدث مع ابن اخته ويناقشه مبا كتبه ويوجهه يف حياته‪ ،‬ثم‬
‫يعود إىل احلائط سعيداً‪.‬‬
‫والغريب أن هناك على حائط خلف اخلزانة يف بيت ميس رمسة أيضاً ليوسف‪ ،‬خيرج منه‬
‫ويتكلمان ويفتذكران ما مل يتحقق يف املاض ‪ ،‬يتحدثان عن كل ش ء‪ ،‬وما زالت ميس‬
‫اليت طلبت الطالق رمسيًا تبك كلما قال هلا يوسف "أحبك‪".‬‬
‫مل يؤمن أبو خليل بصحة تلك الرسومات معتقداً أنها جمرد هلوسات ما قبل املوت‪ ،‬فلم‬
‫يرسم شيئاً‪ ،‬لكنه اجته إىل قرب يوسف وكتب‪:‬‬
‫يف هذا القرب نور‪.‬‬
‫يف هذا القرب فكرة‪.‬‬
‫يف هذا القرب يوسف‪.‬‬
‫ولم نعرف دحتى اآلن إن كان يوسف فعالً في القبر‪ ،‬أم أنه أصبح يعيش في احلائط‪ ،‬لكن‬
‫الشيء األكيد أنه لم يعد ينتمي إلى عاملنا بسبب قرار ظالم ظاهره عدل!‪.‬‬

‫النهاية‬

‫روابط الكترونية قد تهمك‪:‬‬
‫ صفحة سلسلة قبل أن أموت على الفيسبوك‪...‬اضغط هنا‬‫ صفحة الكاتب على الفيسبوك ‪ ..‬اضغط هنا‬‫ جميع كتب الكاتب ‪ ..‬اضغط هنا‬‫ موقع تأمالت ‪ ..‬اضغط هنا‬‫ موقع ثقافة أونالين ‪ ...‬اضفط هنا‬‫‪ -‬الكاتب على تويتر‪@mohammedawaad :‬‬

‫كتب نرشحها لكم للقراءة (اضغط على االسم لتحميله)‪:‬‬
‫ قبل أن أموت (‪)1‬‬‫ مقدمة ابن خلدون في ‪ 03‬صفحة‬‫‪ -‬كيف تصبح شخصاً يعتمد عليه؟‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful